[
    {
        "id": "1",
        "book_id": "qym_4009",
        "book_name": " أحكام أهل الذمة",
        "title": "ذكر الجزية",
        "content": "[ذكر الجزية] [باب الجزية] [فصل ممن تؤخذ الجزية وحكمتها وسببها] [سبب تأليف الكتاب باب الجزية] سئل الشيخ الإمام العالم العلامة شمس الدين زاده الله من فضله عن كيفية الجزية الموضوعة على أهل الذمة بالبلاد الإسلامية وسبب وضعها وعن مقدار ما يؤخذ من الأغنياء ومن المتوسطين ومن الفقراء وعن حد الغني والمتوسط والفقير فيها وهل يثاب أولياء أمور المسلمين - أمدهم الله تعالى - على إلزامهم بها على حسب حالهم أم لا وهل يؤخذ من الغني والفقير والمتوسط وأجاب: أما سبب وضع الجزية فهو قوله تعالى: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون [التوبة: 29] .  [ممن تؤخذ الجزية] فأجمع الفقهاء على أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب ومن(1\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "1",
        "slug": " -qym_4009"
    },
    {
        "id": "2",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[مقدمة الكتاب] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي خلق خلقه أطوارا وصرفهم في أطوار التخليق كيف شاء عزة واقتدارا وأرسل الرسل إلى المكلفين إعذارا منه وإنذارا فأتم بهم على من اتبع سبيلهم نعمته السابغة وأقام بهم على من خالف مناهجهم حجته البالغة فنصب الدليل وأنار السبيل وأزاح العلل وقطع المعاذير وأقام الحجة وأوضح المحجة وقال: هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل [الأنعام: 153] وهؤلاء رسلي مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [النساء: 165]  فعمهم بالدعوة على ألسنة رسله حجة منه وعدلا وخص بالهداية من شاء منهم نعمة وفضلا فقيل: نعمة الهداية من سبقت له سابقة السعادة وتلقاها باليمين وقال: رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين [النمل: 19]  وردها من غلبت عليه الشقاوة ولم يرفع بها رأسا بين العالمين فهذا فضله وعطاؤه وما كان عطاء ربك محظورا [الإسراء: 20] ولا فضله بممنون وهذا عدله وقضاؤه فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون فسبحان من أفاض على عباده النعمة وكتب على نفسه الرحمة وأودع الكتاب الذي كتبه إن رحمته تغلب غضبه وتبارك من له في كل شيء على ربوبيته ووحدانيته وعلمه وحكمته أعدل شاهد ولو لم يكن إلا أن فاضل بين عباده في مراتب الكمال حتى عدل الآلاف المؤلفة منهم بالرجل الواحد ذلك ليعلم عباده أنه أنزل التوفيق منازله ووضع الفضل مواضعه وأنه يختص برحمته من يشاء [آل عمران: 74] وهو العليم الحكيم [التحريم: 2]  وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم [الحديد: 29] أحمده والتوفيق للحمد من نعمه وأشكره والشكر كفيل بالمزيد من فضله وكرمه وقسمه واستغفره وأتوب إليه من الذنوب التي توجب زوال نعمه وحلول نقمه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كلمة قامت بها الأرض والسموات وفطر الله عليها جميع المخلوقات وعليها أسست الملة ونصبت القبلة ولأجلها جردت سيوف(1\/3)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "3",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجهاد وبها أمر الله سبحانه جميع العباد فهي فطرة الله التي فطر الناس عليها ومفتاح عبوديته التي دعا الأمم على ألسن رسله إليها وهي كلمة الإسلام ومفتاح دار السلام وأساس الفرض والسنة ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من خلقه وحجته على عباده وأمينه على وحيه أرسله رحمة للعالمين وقدوة للعالمين ومحجة للسالكين وحجة على المعاندين وحسرة على الكافرين أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وأنعم به على أهل الأرض نعمة لا يستطيعون لها شكورا فأمده بملائكته المقربين وأيده بنصره وبالمؤمنين وأنزل عليه كتابه المبين الفارق بين الهدى والضلال والغي والرشاد والشك واليقين فشرح له صدره ووضع عنه وزره ورفع له ذكره وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره وأقسم بحياته في كتابه المبين وقرن اسمه باسمه فإذا ذكر ذكر معه كما في الخطب والتشهد والتأذين وافترض على العباد طاعته ومحبته والقيام بحقوقه وسد الطرق كلها إليه وإلى جنته فلم يفتح لأحد إلا من طريقه فهو الميزان الراجح الذي على أخلاقه وأقواله وأعماله توزن الأخلاق والأقوال والأعمال والفرقان المبين الذي باتباعه يميز أهل الهدى من أهل الضلال ولم يزل - صلى الله عليه وآله وسلم - مشمرا في ذات الله تعالى لا يرده عنه راد صادعا بأمره لا يصده عنه صاد إلى أن بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق الجهاد فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها وتألفت به القلوب بعد شتاتها وامتلأت به الأرض نورا وابتهاجا ودخل الناس في دين الله أفواجا فلما أكمل الله تعالى به الدين وأتم به النعمة على عباده المؤمنين استأثر به ونقله إلى الرفيق الأعلى والمحل الأسنى وقد ترك أمته على المحجة البيضاء والطريق الواضحة الغراء فصلى الله وملائكته وأنبياؤه ورسله والصالحون من عباده عليه وآله كما وحد الله وعرف به ودعا إليه وسلم تسليما كثيرا أما بعد فإن أولى ما يتنافس به المتنافسون وأحرى ما يتسابق في حلبة سباقه المتسابقون ما كان بسعادة العبد في معاشه ومعاده كفيلا وعلى طريق هذه السعادة دليلا وذلك العلم النافع والعمل الصالح اللذان لا سعادة للعبد إلا بهما ولا نجاة له إلا بالتعلق بسببهما فمن رزقهما فقد فاز وغنم ومن حرمهما فالخير كله حرم وهما مورد انقسام العباد إلى مرحوم ومحروم وبهما يتميز البر من الفاجر والتقي من الغوي والظالم من المظلوم ولما كان العلم للعمل قرينا وشافعا وشرفه لشرف معلومه تابعا كان أشرف العلوم على الإطلاق علم التوحيد وأنفعها على أحكام أفعال العبيد ولا سبيل إلى اقتباس(1\/4)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "4",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذين النورين وتلقي هذين العلمين إلا من مشكاة من قامت الأدلة القاطعة على عصمته وصرحت الكتب السماوية بوجوب طاعته ومتابعته وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ولما كان التلقي عنه - صلى الله عليه وآله وسلم - على نوعين: نوع بواسطة ونوع بغير واسطة وكان التلقي بلا واسطة حظ أصحابه الذين حازوا قصبات السباق واستولوا على الأمد فلا طمع لأحد من الأمة بعدهم في اللحاق ولكن المبرز من اتبع صراطهم المستقيم واقتفى منهاجهم القويم والمتخلف من عدل عن طريقهم ذات اليمين وذات الشمال فذلك المنقطع التائه في بيداء المهالك والضلال فأي خصلة خير لم يسبقوا إليها وأي خطة رشد لم يستولوا عليها تالله لقد وردوا رأس الماء من عين الحياة عذبا صافيا زلالا وأيدوا قواعد الإسلام فلم يدعوا لأحد بعدهم مقالا فتحوا القلوب بعدلهم بالقرآن والإيمان والقرى بالجهاد بالسيف والسنان وألقوا إلى التابعين ما تلقوه من مشكاة النبوة خالصا صافيا وكان سندهم فيه عن نبيهم - صلى الله عليه وآله وسلم - عن جبريل عن رب العالمين سندا صحيحا عاليا وقالوا: هذا عهد نبينا إلينا وقد عهدنا إليكم وهذه وصية ربنا وفرضه علينا وهي وصيته وفرضه عليكم فجرى التابعون لهم بإحسان على منهاجهم القويم واقتفوا على آثارهم صراطهم المستقيم ثم سلك تابعو التابعين هذا المسلك الرشيد وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد [الحج: 24]  وكانوا بالنسبة إلى من قبلهم كما قال أصدق القائلين: ثلة من الأولين [الواقعة: 13] وقليل من الآخرين [الواقعة: 14] ثم جاءت الأئمة من القرن الرابع المفضل في إحدى الروايتين كما ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد وابن مسعود وأبي هريرة وعائشة وعمران بن حصين فسلكوا على آثارهم اقتصاصا واقتبسوا هذا الأمر عن مشكاتهم اقتباسا وكان دين الله سبحانه أجل في صدورهم وأعظم في نفوسهم من أن يقدموا عليه رأيا أو معقولا أو تقليدا أو قياسا فطار لهم الثناء الحسن في العالمين وجعل الله سبحانه لهم لسان صدق في الآخرين ثم سار على آثارهم الرعيل الأول من أتباعهم ودرج على منهاجهم الموفقون من أشياعهم زاهدين في التعصب للرجال واقفين مع الحجة والاستدلال يسيرون مع الحق أين سارت ركائبه ويستقلون مع الصواب حيث استقلت مضاربه إذا بدا لهم الدليل بأخذته طاروا(1\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "5",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليه زرافات ووحدانا وإذا دعاهم الرسول إلى أمر انتدبوا إليه ولا يسألونه عما قال برهانا ونصوصه أجل في صدورهم وأعظم في نفوسهم من أن يقدموا عليها قول أحد من الناس أو يعارضوها برأي أو قياس ثم خلف من بعدهم خلوف فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون وتقطعوا أمرهم بينهم زبرا وكل إلى ربهم راجعون جعلوا التعصب للمذاهب ديانتهم التي بها يدينون ورءوس أموالهم التي بها يتجرون وآخرون منهم قنعوا بمحض التقليد وقالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون [الزخرف: 23]  والفريقان بمعزل عما ينبغي اتباعه من الصواب ولسان الحق يتلو عليهم: ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب [النساء: 123]  قال الشافعي قدس الله تعالى روحه: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس قال أبو عمر وغيره من العلماء: أجمع الناس على أن المقلد ليس معدودا من أهل العلم وأن العلم معرفة الحق بدليله وهذا كما قال أبو عمر - رحمه الله تعالى -: فإن الناس لا يختلفون أن العلم هو المعرفة الحاصلة عن الدليل وأما بدون الدليل فإنما هو تقليد فقد تضمن هذان الإجماعان إخراج المتعصب بالهوى والمقلد الأعمى عن زمرة العلماء وسقوطهما باستكمال من فوقهما الفروض من ورثة الأنبياء فإن العلماء هم ورثة الأنبياء فإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر  وكيف يكون من ورثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من يجهد ويكدح في رد ما جاء به إلى قول مقلده ومتبوعه ويضيع ساعات عمره في التعصب والهوى ولا يشعر بتضييعه تالله إنها فتنة عمت فأعمت ورمت القلوب فأصمت ربا عليها الصغير وهرم فيها الكبير واتخذ لأجلها القرآن مهجورا وكان ذلك بقضاء الله وقدره في الكتاب مسطورا ولما عمت بها البلية وعظمت بسببها الرزية بحيث لا يعرف أكثر الناس سواها ولا يعدون العلم إلا إياها فطالب الحق من مظانه لديهم مفتون ومؤثره على ما سواه عندهم مغبون نصبوا لمن(1\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "6",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خالفهم في طريقهم الحبائل وبغوا له الغوائل ورموه عن قوس الجهل والبغي والعناد وقالوا لإخوانهم: إنا نخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد فحقيق بمن لنفسه عنده قدر وقيمة ألا يلتفت إلى هؤلاء ولا يرضى لها بما لديهم وإذا رفع له علم السنة النبوية شمر إليه ولم يحبس نفسه عليهم فما هي إلا ساعة حتى يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور وتتساوى أقدام الخلائق في القيام لله وينظر كل عبد ما قدمت يداه ويقع التمييز بين المحقين والمبطلين ويعلم المعرضون عن كتاب ربهم وسنة نبيهم أنهم كانوا كاذبين  [فصل علماء الأمة على ضربين] ولما كانت الدعوة إلى الله والتبليغ عن رسوله شعار حزبه المفلحين وأتباعه من العالمين كما قال تعالى: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين [يوسف: 108] وكان التبليغ عنه من عين تبليغ ألفاظه وما جاء به وتبليغ معانيه كان العلماء من أمته منحصرين في قسمين: أحدهما: حفاظ الحديث وجهابذته والقادة الذين هم أئمة الأنام وزوامل الإسلام الذين حفظوا على الأئمة معاقد الدين ومعاقله وحموا من التغيير والتكدير موارده ومناهله حتى ورد من سبقت له من الله الحسنى تلك المناهل صافية من الأدناس لم تشبها الآراء تغييرا ووردوا فيها عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا [الإنسان: 6]  وهم الذين قال فيهم الإمام أحمد بن حنبل في خطبته المشهورة في كتابه في الرد على الزنادقة والجهمية: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى ويحيون بكتاب الله تعالى الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من ضال تائه قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتنة المضلين(1\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "7",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل [فقهاء الإسلام ومنزلتهم] القسم الثاني: فقهاء الإسلام ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام الذين خصوا باستنباط الأحكام وعنوا بضبط قواعد الحلال والحرام فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء بهم يهتدي الحيران في الظلماء وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء بنص الكتاب قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا [النساء: 59] قال عبد الله بن عباس في إحدى الروايتين عنه وجابر بن عبد الله والحسن البصري وأبو العالية وعطاء بن أبي رباح والضحاك ومجاهد في إحدى الروايتين عنه: أولو الأمر هم العلماء وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد. وقال أبو هريرة وابن عباس في الرواية الأخرى وزيد بن أسلم والسدي ومقاتل: هم الأمراء وهو الرواية الثانية عن أحمد [طاعة الأمراء تابعة لطاعة العلماء] والتحقيق أن الأمراء إنما يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم فطاعتهم تبع لطاعة العلماء فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم فكما أن طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء ولما كان قيام الإسلام بطائفتي العلماء والأمراء وكان الناس كلهم لهم تبعا كان صلاح العالم بصلاح هاتين الطائفتين وفساده بفسادهما كما قال عبد الله بن المبارك وغيره من السلف: صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس قيل: من هم قال: الملوك والعلماء كما قال عبد الله بن المبارك: رأيت الذنوب تميت القلوب ... وقد يورث الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها  [فصل ما يشترط فيمن يوقع عن الله ورسوله] ] ولما كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلم بما يبلغ والصدق فيه لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق فيكون عالما بما يبلغ صادقا(1\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "8",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيه ويكون مع ذلك حسن الطريقة مرضي السيرة عدلا في أقواله وأفعاله متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله ولا يجهل قدره وهو من أعلى المراتب السنيات فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعد له عدته وأن يتأهب له أهبته وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به فإن الله ناصره وهاديه وكيف هو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب فقال تعالى: ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب [النساء: 127] وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفا وجلالة إذ يقول في كتابه: يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة [النساء: 176]  وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه وليوقن أنه مسئول غدا وموقوف بين يدي الله  [فصل أول من وقع عن الله]  هو الرسول] وأول من قام بهذا المنصب الشريف سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين عبد الله ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده فكان يفتي عن الله بوحيه المبين وكان كما قال له أحكم الحاكمين: قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين [ص: 86] فكانت فتاويه - صلى الله عليه وسلم - جوامع الأحكام ومشتملة على فصل الخطاب وهي في وجوب اتباعها وتحكيمها والتحاكم إليها ثانية الكتاب وليس لأحد من المسلمين العدول عنها ما وجد إليها سبيلا وقد أمر الله عباده بالرد إليها حيث يقول: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا [النساء: 59] . فصل [الأصحاب - رضي الله عنهم -] ثم قام بالفتوى بعده برك الإسلام وعصابة الإيمان وعسكر القرآن وجند(1\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "9",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرحمن أولئك أصحابه - صلى الله عليه وسلم - ألين الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا وأحسنها بيانا وأصدقها إيمانا وأعمها نصيحة وأقربها إلى الله وسيلة وكانوا بين مكثر منها ومقل ومتوسط. [المكثرون من الصحابة] والذين حفظت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة ونيف وثلاثون نفسا ما بين رجل وامرأة وكان المكثرون منهم سبعة: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعائشة أم المؤمنين وزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر. وقال أبو محمد بن حزم: ويمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم سفر ضخم قال: وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فتيا عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - في عشرين كتابا وأبو بكر محمد المذكور أحد أئمة الإسلام في العلم والحديث. [المتوسطون في الفتيا منهم] قال أبو محمد: والمتوسطون منهم فيما روي عنهم من الفتيا: أبو بكر الصديق وأم سلمة وأنس بن مالك وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير وأبو موسى الأشعري وسعد بن أبي وقاص وسلمان الفارسي وجابر بن عبد الله ومعاذ بن جبل فهؤلاء ثلاثة عشر يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير جدا ويضاف إليهم: طلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وعمران بن حصين وأبو بكرة وعبادة بن الصامت ومعاوية بن أبي سفيان. [المقلون] والباقون منهم مقلون في الفتيا لا يروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان والزيادة اليسيرة على ذلك يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم جزء صغير فقط بعد التقصي والبحث وهم: أبو الدرداء وأبو اليسر وأبو سلمة المخزومي وأبو عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد والحسن والحسين ابنا علي والنعمان بن بشير وأبو مسعود وأبي بن كعب وأبو أيوب وأبو طلحة وأبو ذر وأم عطية وصفية أم المؤمنين وحفصة وأم حبيبة وأسامة بن زيد وجعفر بن أبي طالب والبراء بن عازب وقرظة بن كعب ونافع أخو أبي بكرة لأمه والمقداد بن الأسود وأبو السنابل والجارود والعبدي وليلى بنت قانف(1\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "10",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأبو محذورة وأبو شريح الكعبي وأبو برزة الأسلمي وأسماء بنت أبي بكر وأم شريك والحولاء بنت تويت وأسيد بن الحضير والضحاك بن قيس وحبيب بن مسلمة وعبد الله بن أنيس وحذيفة بن اليمان وثمامة بن أثال وعمار بن ياسر وعمرو بن العاص وأبو الغادية السلمي وأم الدرداء الكبرى والضحاك بن خليفة المازني والحكم بن عمرو الغفاري ووابصة بن معبد الأسدي وعبد الله بن جعفر البرمكي وعوف بن مالك وعدي بن حاتم وعبد الله بن أوفى وعبد الله بن سلام وعمرو بن عبسة وعتاب بن أسيد وعثمان بن أبي العاص وعبد الله بن سرجس وعبد الله بن رواحة وعقيل بن أبي طالب وعائذ بن عمرو وأبو قتادة عبد الله بن معمر العدوي وعمي بن سعلة وعبد الله بن أبي بكر الصديق وعبد الرحمن أخوه وعاتكة بنت زيد بن عمرو وعبد الله بن عوف الزهري وسعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأبو منيب وقيس بن سعد وعبد الرحمن بن سهل وسمرة بن جندب وسهل بن سعد الساعدي وعمرو بن مقرن وسويد بن مقرن ومعاوية بن الحكم وسهلة بنت سهيل وأبو حذيفة بن عتبة وسلمة بن الأكوع وزيد بن أرقم وجرير بن عبد الله البجلي وجابر بن سلمة وجويرية أم المؤمنين وحسان بن ثابت وحبيب بن عدي وقدامة بن مظعون وعثمان بن مظعون وميمونة أم المؤمنين ومالك بن الحويرث وأبو أمامة الباهلي ومحمد بن مسلمة وخباب بن الأرت وخالد بن الوليد وضمرة بن الفيض وطارق بن شهاب وظهير بن رافع ورافع بن خديج وسيدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وفاطمة بنت قيس وهشام بن حكيم بن حزام وأبوه حكيم بن حزام وشرحبيل بن السمط وأم سلمة ودحية بن خليفة الكلبي وثابت بن قيس بن الشماس وثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمغيرة بن شعبة وبريدة بن الحصيب الأسلمي ورويفع بن ثابت وأبو حميد وأبو أسيد وفضالة بن عبيد. وأبو محمد روينا عنه وجوب الوتر قلت: أبو محمد هو - مسعود بن أوس الأنصاري نجاري بدري - وزينب بنت أم سلمة وعتبة بن مسعود وبلال المؤذن وعروة بن الحارث وسياه بن روح أو روح بن سياه وأبو سعيد المعلى والعباس بن عبد المطلب وبشر بن أرطاة وصهيب بن سنان وأم أيمن وأم يوسف والغامدية وماعز وأبو عبد الله البصري. فهؤلاء من نقلت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما أدري بأي طريق عد معهم أبو محمد الغامدية وماعزا ولعله تخيل أن إقدامهما على جواز الإقرار بالزنا من غير(1\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "11",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "استئذان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك هو فتوى لأنفسهما بجواز الإقرار وقد أقرا عليها فإن كان تخيل هذا فما أبعده من خيال أو لعله ظفر عنهما بفتوى في شيء من الأحكام. فصل [الصحابة سادة أهل الفتوى] وكما أن الصحابة سادة الأمة وأئمتها وقادتها فهم سادات المفتين والعلماء. قال الليث عن مجاهد: العلماء أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - وقال سعيد عن قتادة في قوله تعالى: ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق [سبأ: 6] قال: أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - وقال يزيد بن عمير: لما حضر معاذ بن جبل الموت قيل: يا أبا عبد الرحمن أوصنا قال أجلسوني إن العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما يقول ذلك ثلاث مرات التمس العلم عند أربعة رهط: عند عويمر بن أبي الدرداء وعند سلمان الفارسي وعند عبد الله بن مسعود وعند عبد الله بن سلام. وقال مالك بن يخامر: لما حضرت معاذا الوفاة بكيت فقال ما يبكيك قلت: والله ما أبكي على دنيا كنت أصيبها منك ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنت أتعلمهما منك فقال: إن العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما اطلب العلم عند أربعة فذكر هؤلاء الأربعة ثم قال: فإن عجز عنه هؤلاء فسائر أهل الأرض عنه أعجز فعليك بمعلم إبراهيم قال: فما نزلت بي مسألة عجزت عنها إلا قلت: يا معلم إبراهيم. وقال أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي إسحاق قال: قال عبد الله: علماء الأرض ثلاثة فرجل بالشام وآخر بالكوفة وآخر بالمدينة فأما هذان فيسألان الذي بالمدينة والذي بالمدينة لا يسألهما عن شيء. وقال الشعبي: ثلاثة يستفتي بعضهم من بعض: فكان عمر وعبد الله وزيد بن ثابت يستفتي بعضهم من بعض وكان علي وأبي بن كعب وأبو موسى الأشعري يستفتي بعضهم من بعض قال الشيباني: فقلت للشعبي: وكان أبو موسى بذاك فقال: ما كان أعلمه قلت: فأين معاذ فقال: هلك قبل ذلك. وقال أبو البختري: قيل لعلي بن أبي طالب: حدثنا عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -(1\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "12",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: عن أيهم قال: عن عبد الله بن مسعود قال: قرأ القرآن وعلم السنة ثم انتهى وكفاه بذلك قال: فحدثنا عن حذيفة قال: أعلم أصحاب محمد بالمنافقين قالوا: فأبو ذر قال: كنيف مليء علما عجز فيه قالوا: فعمار قال: مؤمن نسي إذا ذكرته ذكر خلط الله الإيمان بلحمه ودمه ليس للنار فيه نصيب قالوا: فأبو موسى قال: صبغ في العلم صبغة قالوا: فسلمان قال: علم العلم الأول والآخر بحر لا ينزح منا أهل البيت قالوا: فحدثنا عن نفسك يا أمير المؤمنين قال: إياها أردتم كنت إذا سئلت أعطيت وإذا سكت ابتديت وقال مسلم عن مسروق: شاممت أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فوجدت علمهم ينتهي إلى ستة: إلى علي وعبد الله وعمر وزيد بن ثابت وأبي الدرداء وأبي بن كعب ثم شاممت الستة فوجدت علمهم انتهى إلى علي وعبد الله. وقال مسروق أيضا: جالست أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فكانوا كالإخاذ: الإخاذة تروي الراكب والإخاذة تروي الراكبين والإخاذة تروي العشرة والإخاذة لو نزل بها أهل الأرض لأصدرتهم وإن عبد الله من تلك الإخاذ. وقال الشعبي: إذا اختلف الناس في شيء فخذوا بما قال عمر وقال ابن مسعود: إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم وقال أيضا: لو أن علم عمر وضع في كفة الميزان ووضع علم أهل الأرض في كفة لرجح علم عمر. وقال حذيفة: كأن علم الناس مع علم عمر دس في حجر. وقال الشعبي: قضاة هذه الأمة: عمر وعلي وزيد وأبو موسى. وقال سعيد بن المسيب: كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن وشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن مسعود بأنه عليم معلم  وبدأ به في قوله: خذوا(1\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "13",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القرآن من أربعة: من ابن أم عبد ومن أبي بن كعب ومن سالم مولى أبي حذيفة ومن معاذ بن جبل ولما ورد أهل الكوفة على عمر أجازهم وفضل أهل الشام عليهم في الجائزة فقالوا: يا أمير المؤمنين تفضل أهل الشام علينا فقال: يا أهل الكوفة أجزعتم أن فضلت أهل الشام عليكم لبعد شقتهم وقد آثرتكم بابن أم عبد . وقال عقبة بن عمرو: ما أرى أحدا أعلم بما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - من عبد الله فقال أبو موسى: إن تقل ذلك فإنه كان يسمع حين لا نسمع ويدخل حين لا ندخل وقال عبد الله: ما أنزلت سورة إلا وأنا أعلم فيم أنزلت ولو أني أعلم أن رجلا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته وقال زيد بن وهب: كنت جالسا عند عمر فأقبل عبد الله فدنا منه فأكب عليه وكلمه بشيء ثم انصرف فقال عمر: كنيف مليء علما. وقال الأعمش عن إبراهيم: إنه كان لا يعدل بقول عمر وعبد الله إذا اجتمعا فإذا اختلفا كان قول عبد الله أعجب إليه لأنه كان ألطف وقال أبو موسى: لمجلس كنت أجالسه عبد الله أوثق في نفسي من عمل سنة وقال عبد الله بن بريدة في قوله تعالى: حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا [محمد: 16] قال: هو عبد الله بن مسعود وقيل لمسروق: كانت عائشة تحسن الفرائض قال: والله لقد رأيت الأحبار من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألونها عن الفرائض. وقال أبو موسى: ما أشكل علينا أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - حديث قط فسألناه عائشة إلا وجدنا عندها منه علما وقال ابن سيرين: كانوا يرون أن أعلمهم بالمناسك عثمان بن عفان ثم ابن عمر بعده. وقال شهر بن حوشب: كان أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا تحدثوا وفيهم معاذ نظروا إليه هيبة له(1\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "14",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: علي: أبو ذر أوعى علما ثم أوكى عليه فلم يخرج منه شيئا حتى قبض. وقال مسروق: قدمت المدينة فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم وقال الجريري عن أبي تميمة: قدمنا الشام فإذا الناس مجتمعون يطيفون برجل قال: قلت: من هذا قالوا: هذا أفقه من بقي من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا عمرو البكالي. وقال سعيد: قال ابن عباس وهو قائم على قبر زيد بن ثابت: هكذا يذهب العلم وكان ميمون بن مهران إذا ذكر ابن عباس وابن عمر عنده يقول: ابن عمر أورعهما وابن عباس أعلمهما وقال أيضا: ما رأيت أفقه من ابن عمر ولا أعلم من ابن عباس. وكان ابن سيرين يقول: quot; اللهم أبقني ما أبقيت ابن عمر أقتدي به quot;. وقال ابن عباس: ضمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: اللهم علمه الحكمة وقال أيضا: دعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمسح على ناصيتي وقال: اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب ولما مات ابن عباس قال محمد بن الحنفية: مات رباني هذه الأمة. وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: ما رأيت أحدا أعلم بالسنة ولا أجلد رأيا ولا أثقب نظرا حين ينظر مثل ابن عباس وإن كان عمر بن الخطاب ليقول له: قد طرأت علينا عضل أقضية أنت لها ولأمثالها. وقال عطاء بن أبي رباح: ما رأيت مجلسا قط أكرم من مجلس ابن عباس أكثر فقها وأعظم إن أصحاب الفقه عنده أصحاب القرآن وأصحاب الشعر عنده يصدرهم كلهم في واد واسع. وقال ابن عباس: كان عمر بن الخطاب يسألني مع الأكابر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال ابن مسعود: لو أن ابن عباس أدرك أسناننا ما عسره منا رجل. وقال مكحول: قيل لابن عباس: أنى أصبت هذا العلم قال: بلسان سئول وقلب عقول. وقال مجاهد: كان ابن عباس يسمى البحر من كثرة علمه(1\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "15",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال طاوس: أدركت نحوا من خمسين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ذكر ابن عباس شيئا فخالفوه لم يزل بهم حتى يقررهم. وقيل لطاوس: أدركت أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم انقطعت إلى ابن عباس فقال: أدركت سبعين من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا تدارءوا في شيء انتهوا إلى قول ابن عباس. وقال ابن أبي نجيح: كان أصحاب ابن عباس يقولون: ابن عباس أعلم من عمر ومن علي ومن عبد الله ويعدون ناسا فيثب عليهم الناس فيقولون: لا تعجلوا علينا إنه لم يكن أحد من هؤلاء إلا وعنده من العلم ما ليس عند صاحبه وكان ابن عباس قد جمعه كله. وقال الأعمش: كان ابن عباس إذا رأيته قلت: أجمل الناس فإذا تكلم قلت: أفصح الناس فإذا حدث قلت: أعلم الناس. وقال مجاهد: كان ابن عباس إذا فسر الشيء رأيت عليه النور. فصل. [عمر بن الخطاب] قال الشعبي: من سره أن يأخذ بالوثيقة في القضاء فيأخذ بقول عمر. وقال مجاهد: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما صنع عمر فخذوا به. وقال ابن المسيب: ما أعلم أحدا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلم من عمر بن الخطاب وقال أيضا: كان عبد الله يقول: لو سلك الناس واديا وشعبا وسلك عمر واديا وشعبا لسلكت وادي عمر وشعبه. وقال بعض التابعين: دفعت إلى عمر فإذا الفقهاء عنده مثل الصبيان قد استعلى عليهم في فقهه وعلمه وقال محمد بن جرير: لم يكن أحد له أصحاب معروفون حرروا فتياه ومذاهبه في الفقه غير ابن مسعود وكان يترك مذهبه وقوله لقول عمر وكان لا يكاد يخالفه في شيء من مذاهبه ويرجع من قوله إلى قوله. وقال الشعبي: كان عبد الله لا يقنت وقال: ولو قنت عمر لقنت عبد الله(1\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "16",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: [عثمان بن عفان] وكان من المفتين عثمان بن عفان قال ابن جرير: غير أنه لم يكن له أصحاب يعرفون والمبلغون عن عمر فتياه ومذاهبه وأحكامه في الدين بعده كانوا أكثر من المبلغين عن عثمان والمؤدين عنه. [علي بن أبي طالب] وأما علي بن أبي طالب - عليه السلام - فانتشرت أحكامه وفتاويه ولكن قاتل الله الشيعة فإنهم أفسدوا كثيرا من علمه بالكذب عليه ولهذا تجد أصحاب الحديث من أهل الصحيح لا يعتمدون من حديثه وفتواه إلا ما كان من طريق أهل بيته وأصحاب عبد الله بن مسعود كعبيدة السلماني وشريح وأبي وائل ونحوهم وكان - رضي الله عنه - وكرم وجهه يشكو عدم حملة العلم الذي أودعه كما قال: إن ههنا علما لو أصبت له حملة  [فصل عمن انتشر الدين والفقه] والدين والفقه والعلم انتشر في الأمة عن أصحاب ابن مسعود وأصحاب زيد بن ثابت وأصحاب عبد الله بن عمر وأصحاب عبد الله بن عباس فعلم الناس عامته عن أصحاب هؤلاء الأربعة فأما أهل المدينة فعلمهم عن أصحاب زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وأما أهل مكة فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن عباس وأما أهل العراق فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن مسعود. قال ابن جرير: وقد قيل: إن ابن عمر وجماعة ممن عاش بعده بالمدينة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما كانوا يفتون بمذاهب زيد بن ثابت وما كانوا أخذوا عنه مما لم يكونوا حفظوا فيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولا. وقال ابن وهب: حدثني موسى بن علي اللخمي عن أبيه أن عمر بن الخطاب خطب الناس بالجابية فقال: من أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل ومن أراد المال فليأتني. وأما عائشة فكانت مقدمة في العلم والفرائض والأحكام والحلال والحرام وكان من(1\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "17",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الآخذين عنها - الذين لا يكادون يتجاوزون قولها المتفقهين بها - القاسم بن محمد بن أبي بكر ابن أخيها وعروة بن الزبير ابن أختها أسماء. قال مسروق: لقد رأيت مشيخة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألونها عن الفرائض. وقال عروة بن الزبير: ما جالست أحدا قط كان أعلم بقضاء ولا بحديث بالجاهلية ولا أروى للشعر ولا أعلم بفريضة ولا طب من عائشة  [فصل من صارت إليه الفتوى من التابعين] ثم صارت الفتوى في أصحاب هؤلاء كسعيد بن المسيب راوية عمر وحامل علمه قال جعفر بن ربيعة: قلت لعراك بن مالك: من أفقه أهل المدينة قال: أما أفقههم فقها وأعلمهم بقضايا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقضايا أبي بكر وقضايا عمر وقضايا عثمان وأعلمهم بما مضى عليه الناس فسعيد بن المسيب وأما أغزرهم حديثا فعروة بن الزبير ولا تشاء أن تفجر من عبيد الله بحرا إلا فجرته قال عراك: وأفقههم عندي ابن شهاب لأنه جمع علمهم إلى علمه. وقال الزهري: كنت أطلب العلم من ثلاثة: سعيد بن المسيب وكان أفقه الناس وعروة بن الزبير وكان بحرا لا تكدره الدلاء وكنت لا تشاء أن تجد عند عبيد الله طريقة من علم لا تجدها عند غيره إلا وجدت. وقال الأعمش: فقهاء المدينة أربعة: سعيد بن المسيب وعروة وقبيصة وعبد الملك. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما مات العبادلة - عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص - صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي فكان فقيه أهل مكة عطاء بن أبي رباح وفقيه أهل اليمن طاوس وفقيه أهل اليمامة يحيى بن أبي كثير وفقيه أهل الكوفة إبراهيم وفقيه أهل البصرة الحسن وفقيه أهل الشام مكحول وفقيه أهل خراسان عطاء الخراساني إلا المدينة فإن الله خصها بقرشي فكان فقيه أهل المدينة سعيد بن المسيب غير مدافع. وقال مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: مررت بعبد الله بن عمر فسلمت عليه ومضيت قال: فالتفت إلى أصحابه فقال: لو رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا لسره فرفع يديه جدا وأشار بيده إلى السماء. وكان سعيد بن المسيب صهر أبي هريرة زوجه أبو هريرة ابنته وكان إذا رآه قال: أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة ولهذا أكثر عنه من الرواية.(1\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "18",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل فقهاء المدينة المنورة] وكان المفتون بالمدينة من التابعين: ابن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وخارجة بن زيد وأبا بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام وسليمان بن يسار وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وهؤلاء هم الفقهاء وقد نظمهم القائل فقال: إذا قيل من في العلم سبعة أبحر ... روايتهم ليست عن العلم خارجه فقل هم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجه وكان من أهل الفتوى أبان بن عثمان وسالم ونافع وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وعلي بن الحسين. وبعد هؤلاء أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وابناه محمد وعبد الله وعبد الله بن عمر بن عثمان وابنه محمد وعبد الله والحسين ابنا محمد بن الحنفية وجعفر بن محمد بن علي وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر ومحمد بن المنكدر ومحمد بن شهاب الزهري وجمع محمد بن نوح فتاويه في ثلاثة أسفار ضخمة على أبواب الفقه وخلق سوى هؤلاء  [فصل فقهاء مكة] وكان المفتون بمكة عطاء بن أبي رباح وطاوس بن كيسان ومجاهد بن جبر وعبيد بن عمير وعمرو بن دينار وعبد الله بن أبي مليكة وعبد الرحمن بن سابط وعكرمة. ثم بعدهم أبو الزبير المكي وعبد الله بن خالد بن أسيد وعبد الله بن طاوس. ثم بعدهم عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج وسفيان بن عيينة وكان أكثر فتواهم في المناسك وكان يتوقف في الطلاق. وبعدهم مسلم بن خالد الزنجي وسعيد بن سالم القداح. وبعدهما الإمام محمد بن إدريس الشافعي ثم عبد الله بن الزبير الحميدي وإبراهيم بن محمد الشافعي ابن عم محمد وموسى بن أبي الجارود وغيرهم.(1\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "19",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل فقهاء البصرة] وكان من المفتين بالبصرة عمرو بن سلمة الجرمي وأبو مريم الحنفي وكعب بن سور والحسن البصري وأدرك خمس مائة من الصحابة وقد جمع بعض العلماء فتاويه في سبعة أسفار ضخمة قال أبو محمد بن حزم: وأبو الشعثاء جابر بن زيد ومحمد بن سيرين وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي ومسلم بن يسار وأبو العالية وحميد بن عبد الرحمن ومطرف بن عبد الله الشخير وزرارة بن أبي أوفى وأبو بردة بن أبي موسى. ثم بعدهم أيوب السختياني وسليمان التيمي وعبد الله بن عوف ويونس بن عبيد والقاسم بن ربيعة وخالد بن أبي عمران وأشعث بن عبد الملك الحمراني وقتادة وحفص بن سليمان وإياس بن معاوية القاضي. وبعدهم سوار القاضي وأبو بكر العتكي وعثمان بن سليمان البتي وطلحة بن إياس القاضي وعبيد الله بن الحسن العنبري وأشعث بن جابر بن زيد. ثم بعد هؤلاء عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي وسعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وعبد الله بن داود الحرشي وإسماعيل بن علية وبشر بن المفضل ومعاذ بن معاذ العنبري ومعمر بن راشد والضحاك بن مخلد ومحمد بن عبد الله الأنصاري. فصل. [فقهاء الكوفة] وكان من المفتين بالكوفة علقمة بن قيس النخعي والأسود بن يزيد النخعي وهو عم علقمة وعمرو بن شرحبيل الهمداني ومسروق بن الأجدع الهمداني وعبيدة السلماني وشريح بن الحارث القاضي وسليمان بن ربيعة الباهلي وزيد بن صوحان وسويد بن غفلة والحارث بن قيس الجعفي وعبد الرحمن بن يزيد النخعي وعبد الله بن عتبة بن مسعود القاضي وخيثمة بن عبد الرحمن وسلمة بن صهيب ومالك بن عامر وعبد الله بن سخبرة وزر بن حبيش وخلاس بن عمرو وعمرو بن ميمون الأودي وهمام بن الحارث والحارث بن سويد ويزيد بن معاوية النخعي(1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "20",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والربيع بن خثيم وعتبة بن فرقد وصلة بن زفر وشريك بن حنبل وأبو وائل شقيق بن سلمة وعبيد بن نضلة وهؤلاء أصحاب علي وابن مسعود. وأكابر التابعين كانوا يفتون في الدين ويستفتيهم الناس وأكابر الصحابة حاضرون يجوزون لهم ذلك وأكثرهم أخذ عن عمر وعائشة وعلي ولقي عمرو بن ميمون الأودي معاذ بن جبل وصحبه وأخذ عنه وأوصاه معاذ عند موته أن يلحق بابن مسعود فيصحبه ويطلب العلم عنده ففعل ذلك. ويضاف إلى هؤلاء أبو عبيدة وعبد الرحمن ابنا عبد الله بن مسعود وعبد الرحمن بن أبي ليلى وأخذ عن مائة وعشرين من الصحابة وميسرة وزاذان والضحاك. ثم بعدهم إبراهيم النخعي وعامر الشعبي وسعيد بن جبير والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود وأبو بكر بن أبي موسى ومحارب بن دثار والحكم بن عتيبة وجبلة بن سحيم وصحب ابن عمر. ثم بعدهم حماد بن أبي سليمان وسليمان بن المعتمر وسليمان الأعمش ومسعر بن كدام. ثم بعدهم محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الله بن شبرمة وسعيد بن أشوع وشريك القاضي والقاسم بن معن وسفيان الثوري وأبو حنيفة والحسن بن صالح بن حي. ثم بعدهم حفص بن غياث ووكيع بن الجراح وأصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف القاضي وزفر بن الهذيل وحماد بن أبي حنيفة والحسن بن زياد اللؤلؤي القاضي ومحمد بن الحسن قاضي الرقة وعافية القاضي وأسد بن عمرو ونوح بن دراج القاضي وأصحاب سفيان الثوري كالأشجعي والمعافى بن عمران وصاحبي الحسن بن حي الزولي ويحيى بن آدم. فصل. [فقهاء الشام] وكان من المفتين بالشام أبو إدريس الخولاني وشرحبيل بن السمط وعبد الله بن أبي زكريا الخزاعي وقبيصة بن ذؤيب الخزاعي وحبان بن أمية وسليمان بن حبيب المحاربي والحارث بن عمير الزبيدي وخالد بن معدان وعبد الرحمن بن غنم الأشعري وجبير بن نفير(1\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "21",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم كان بعدهم عبد الرحمن بن جبير بن نفير ومكحول وعمر بن عبد العزيز ورجاء بن حيوة وكان عبد الملك بن مروان يعد في المفتين قبل أن يلي ما ولي وحدير بن كريب. ثم كان بعدهم يحيى بن حمزة القاضي وأبو عامر عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي وإسماعيل بن أبي المهاجر وسليمان بن موسى الأموي وسعيد بن عبد العزيز ثم مخلد بن الحسين والوليد بن مسلم والعباس بن يزيد صاحب الأوزاعي وشعيب بن إسحاق صاحب أبي حنيفة وأبو إسحاق الفزاري صاحب ابن المبارك. فصل. [فقهاء مصر] في المفتين من أهل مصر: يزيد بن أبي حبيب وبكير بن عبد الله بن الأشج وبعدهما عمرو بن الحارث. وقال ابن وهب: لو عاش لنا عمرو بن الحارث ما احتجنا معه إلى مالك ولا إلى غيره - والليث بن سعد وعبيد الله بن أبي جعفر. وبعدهم أصحاب مالك كعبد الله بن وهب وعثمان بن كنانة وأشهب وابن القاسم على غلبة تقليده لمالك إلا في الأقل ثم أصحاب الشافعي كالمزني والبويطي وابن عبد الحكم ثم غلب عليهم تقليد مالك وتقليد الشافعي إلا قوما قليلا لهم اختيارات كمحمد بن علي بن يوسف وأبي جعفر الطحاوي. [فقهاء القيروان] وكان بالقيروان سحنون بن سعيد وله كثير من الاختيار وسعيد بن محمد الحداد. [فقهاء الأندلس] وكان بالأندلس ممن له شيء من الاختيار يحيى بن يحيى وعبد الملك بن حبيب وبقي بن مخلد وقاسم بن محمد صاحب الوثائق تحفظ لهم فتاو يسيرة وكذلك مسلمة بن عبد العزيز القاضي ومنذر بن سعيد قال أبو محمد بن حزم: وممن أدركنا من أهل العلم على الصفة التي من بلغها استحق الاعتداد به في الاختلاف مسعود بن سليمان ويوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر(1\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "22",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل. [فقهاء اليمن] وكان باليمن مطرف بن مازن قاضي صنعاء وعبد الرزاق بن همام وهشام بن يوسف ومحمد بن ثور وسماك بن الفضل. فصل. [فقهاء بغداد] وكان بمدينة السلام من المفتين خلق كثير ولما بناها المنصور أقدم إليها من الأئمة والفقهاء والمحدثين بشرا كثيرا فكان من أعيان المفتين بها أبو عبيد القاسم بن سلام وكان جبلا نفخ فيه الروح علما وجلالة ونبلا وأدبا وكان منهم أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي صاحب الشافعي وكان قد جالس الشافعي وأخذ عنه وكان أحمد يعظمه ويقول: هو في سلاح الثوري  [أصول فتاوى أحمد بن حنبل] . [الإمام أحمد بن حنبل] وكان بها إمام أهل السنة على الإطلاق أحمد بن حنبل الذي ملأ الأرض علما وحديثا وسنة حتى إن أئمة الحديث والسنة بعده هم أتباعه إلى يوم القيامة وكان - رضي الله عنه - شديد الكراهة لتصنيف الكتب وكان يحب تجريد الحديث ويكره أن يكتب كلامه ويشتد عليه جدا فعلم الله حسن نيته وقصده فكتب من كلامه وفتواه أكثر من ثلاثين سفرا ومن الله سبحانه علينا بأكثرها فلم يفتنا منها إلا القليل وجمع الخلال نصوصه في الجامع الكبير فبلغ نحو عشرين سفرا أو أكثر ورويت فتاويه ومسائله وحدث بها قرنا بعد قرن فصارت إماما وقدوة لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم حتى إن المخالفين لمذهبه بالاجتهاد والمقلدين لغيره ليعظمون نصوصه وفتاواه ويعرفون لها حقها وقربها من النصوص وفتاوى الصحابة ومن تأمل فتاواه وفتاوى الصحابة رأى مطابقة كل منهما على الأخرى ورأى الجميع كأنها تخرج من مشكاة واحدة حتى إن الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان وكان تحريه لفتاوى الصحابة كتحري أصحابه لفتاويه ونصوصه بل أعظم حتى إنه ليقدم فتاواهم على الحديث المرسل قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ في مسائله: قلت لأبي عبد الله: حديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرسل برجال ثبت أحب إليك أو حديث عن الصحابة والتابعين متصل برجال ثبت قال أبو عبد الله - رحمه الله -: عن الصحابة أعجب إلي(1\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "23",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان فتاويه مبنية على خمسة أصول: [أصول فتاوى أحمد بن حنبل] أحدها: النصوص فإذا وجد النص أفتى بموجبه ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا من خالفه كائنا من كان ولهذا لم يلتفت إلى خلاف عمر في المبتوتة لحديث فاطمة بنت قيس ولا إلى خلافه في التيمم للجنب لحديث عمار بن ياسر ولا خلاف في استدامة المحرم الطيب الذي تطيب به قبل إحرامه لصحة حديث عائشة في ذلك ولا خلافه في منع المفرد والقارن من الفسخ إلى التمتع لصحة أحاديث الفسخ وكذلك لم يلتفت إلى قول علي وعثمان وطلحة وأبي أيوب وأبي بن كعب في الغسل من الإكسال لصحة حديث عائشة أنها فعلته هي ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاغتسلا ولم يلتفت إلى قول ابن عباس وإحدى الروايتين عن علي أن عدة المتوفى عنها الحامل أقصى الأجلين لصحة حديث سبيعة الأسلمية ولم يلتفت إلى قول معاذ ومعاوية في توريث المسلم من الكافر لصحة الحديث المانع من التوارث بينهما ولم يلتفت إلى قول ابن عباس في الصرف لصحة الحديث بخلافه ولا إلى قوله بإباحة لحوم الحمر كذلك وهذا كثير جدا ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملا ولا رأيا ولا قياسا ولا قول صاحب ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعا ويقدمونه على الحديث الصحيح وقد كذب أحمد من ادعى هذا الإجماع ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت وكذلك الشافعي أيضا نص في رسالته الجديدة على أن ما لا يعلم فيه بخلاف لا يقال له إجماع ولفظه: ما لا يعلم فيه خلاف فليس إجماعا. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: ما يدعي فيه الرجل الإجماع فهو كذب من ادعى الإجماع فهو كاذب لعل الناس اختلفوا ما يدريه ولم ينته إليه فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا هذه دعوى بشر المريسي والأصم ولكنه يقول: لا نعلم الناس اختلفوا أو لم يبلغني ذلك هذا لفظه ونصوص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف ولو ساغ لتعطلت النصوص وساغ لكل من لم يعلم مخالفا في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "24",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل. [الأصل الثاني فتاوى الصحابة] الأصل الثاني من أصل فتاوى الإمام أحمد: ما أفتى به الصحابة فإنه إذا وجد لبعضهم فتوى لا يعرف له مخالف منهم فيها لم يعدها إلى غيرها ولم يقل إن ذلك إجماع بل من ورعه في العبارة يقول: لا أعلم شيئا يدفعه أو نحو هذا كما قال في رواية أبي طالب لا أعلم شيئا يدفع قول ابن عباس وابن عمر وأحد عشر من التابعين عطاء ومجاهد وأهل المدينة على تسري العبد وهكذا قال أنس بن مالك: لا أعلم أحدا رد شهادة العبد حكاه عنه الإمام أحمد وإذا وجد الإمام أحمد هذا النوع عن الصحابة لم يقدم عليه عملا ولا رأيا ولا قياسا. فصل [الثالث الاختيار من فتاوى الصحابة إذا اختلفوا] الأصل الثالث من أصوله: إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة ولم يخرج عن أقوالهم فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها ولم يجزم بقول. قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ في مسائله: قيل لأبي عبد الله: يكون الرجل في قومه فيسأل عن الشيء فيه اختلاف قال: يفتي بما وافق الكتاب والسنة وما لم يوافق الكتاب والسنة أمسك عنه قيل له: أفيجاب عليه قيل: لا. فصل [الرابع المرسل من الحديث] الأصل الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه وهو الذي رجحه على القياس وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه فالعمل به بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف بل إلى صحيح وضعيف وللضعيف عنده مراتب فإذا لم يجد في الباب أثرا يدفعه ولا قول صاحب ولا إجماع على خلافه كان العمل به عنده أولى من القياس(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "25",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وليس أحد من الأئمة إلا وهو موافقه على هذا الأصل من حيث الجملة فإنه ما منهم أحد إلا وقد قدم الحديث الضعيف على القياس. فقدم أبو حنيفة حديث القهقهة في الصلاة على محض القياس وأجمع أهل الحديث على ضعفه وقدم حديث الوضوء بنبيذ التمر على القياس وأكثر أهل الحديث يضعفه وقدم حديث quot; أكثر الحيض عشرة أيام quot; وهو ضعيف باتفاقهم على محض القياس فإن الذي تراه في اليوم الثالث عشر مساو في الحد والحقيقة والصفة لدم اليوم العاشر وقدم حديث لا مهر أقل من عشرة دراهم - وأجمعوا على ضعفه بل بطلانه - على محض القياس فإن بذل الصداق معاوضة في مقابلة بذل البضع فما تراضيا عليه جاز قليلا كان أو كثيرا. وقدم الشافعي خبر تحريم صيد وج مع ضعفه على القياس وقدم خبر جواز الصلاة بمكة في وقت النهي مع ضعفه ومخالفته لقياس غيرها من البلاد وقدم في أحد قوليه حديث من قاء أو رعف فليتوضأ وليبن على صلاته على القياس مع ضعف الخبر وإرساله. وأما مالك فإنه يقدم الحديث المرسل والمنقطع والبلاغات وقول الصحابي على القياس. [الخامس القياس للضرورة] فإذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نص ولا قول الصحابة أو واحد منهم ولا أثر مرسل أو ضعيف عدل إلى الأصل الخامس - وهو القياس - فاستعمله للضرورة وقد قال في كتاب الخلال سألت الشافعي عن القياس فقال: إنما يصار إليه عند الضرورة أو ما هذا معناه فهذه الأصول الخمسة من أصول فتاويه وعليها مدارها وقد يتوقف في الفتوى لتعارض الأدلة عنده أو لاختلاف الصحابة فيها أو لعدم اطلاعه فيها على أثر أو قول أحد من الصحابة والتابعين(1\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "26",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان شديد الكراهة والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف كما قال لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام. وكان يسوغ استفتاء فقهاء الحديث وأصحاب مالك ويدل عليهم ويمنع من استفتاء من يعرض عن الحديث ولا يبني مذهبه عليه ولا يسوغ العمل بفتواه. قال ابن هانئ: سألت أبا عبد الله عن الذي جاء في الحديث أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار قال أبو عبد الله - رحمه الله -: يفتي بما لم يسمع قال: وسألته عمن أفتى بفتيا يعي فيها قال: فإثمها على من أفتاها قلت: على أي وجه يفتي حتى يعلم ما فيها قال: يفتي بالبحث لا يدري أيش أصلها. وقال أبو داود في مسائله: ما أحصي ما سمعت أحمد سئل عن كثير مما فيه الاختلاف في العلم فيقول: لا أدري قال: وسمعته يقول: ما رأيت مثل ابن عيينة في الفتوى أحسن فتيا منه كان أهون عليه أن يقول: لا أدري. وقال عبد الله بن أحمد في مسائله: سمعت أبي يقول: وقال عبد الرحمن بن مهدي سأل رجل من أهل الغرب مالك بن أنس عن مسألة فقال: لا أدري فقال: يا أبا عبد الله تقول لا أدري قال: نعم فأبلغ من وراءك أني لا أدري. وقال عبد الله: كنت أسمع أبي كثيرا يسأل عن المسائل فيقول: لا أدري ويقف إذا كانت مسألة فيها اختلاف وكثيرا ما كان يقول: سل غيري فإن قيل له: من نسأل قال: سلوا العلماء ولا يكاد يسمي رجلا بعينه قال: وسمعت أبي يقول: كان ابن عيينة لا يفتي في الطلاق ويقول: من يحسن هذا   [فصل كراهة العلماء التسرع في الفتوى] ] وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره: فإذا رأى بها قد تعينت عليه بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين ثم أفتى. وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أراه قال في المسجد فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "27",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الإمام أحمد: حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما منهم رجل يسأل عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه ولا يحدث حديثا إلا ود أن أخاه كفاه. وقال مالك عن يحيى بن سعيد إن بكير بن الأشج أخبره عن معاوية بن أبي عياش أنه كان جالسا عند عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر فجاءهما محمد بن إياس بن البكير فقال: إن رجلا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثا فماذا تريان فقال عبد الله بن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة فإني تركتهما عند عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ائتنا فأخبرنا فذهبت فسألتهما فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة فقال أبو هريرة: الواحدة تبينها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره. وقال مالك عن يحيى بن سعيد قال: قال ابن عباس: إن كل من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه لمجنون قال مالك: وبلغني عن ابن مسعود مثل ذلك رواه ابن وضاح عن يوسف بن عدي عن عبد بن حميد عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله ورواه حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل عن عبد الله. وقال سحنون بن سعيد: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه. قلت: الجرأة على الفتيا تكون من قلة العلم ومن غزارته وسعته فإذا قل علمه أفتى عن كل ما يسأل عنه بغير علم وإذا اتسع علمه اتسعت فتياه ولهذا كان ابن عباس من أوسع الصحابة فتيا وقد تقدم أن فتاواه جمعت في عشرين سفرا وكان سعيد بن المسيب أيضا واسع الفتيا وكانوا يسمونه كما ذكر ابن وهب عن محمد بن سليمان المرادي عن أبي إسحاق قال: كنت أرى الرجل في ذلك الزمان وإنه ليدخل يسأل عن الشيء فيدفعه الناس عن مجلس إلى مجلس حتى يدفع إلى مجلس سعيد بن المسيب كراهية للفتيا قال: وكانوا يدعونه سعيد بن المسيب الجريء. وقال سحنون: إني لأحفظ مسائل منها ما فيه ثمانية أقوال من ثمانية أئمة من العلماء فكيف ينبغي أن أعجل بالجواب قبل الخبر فلم ألام على حبس الجواب وقال ابن وهب: حدثنا أشهل بن حاتم عن عبد الله بن عون عن ابن سيرين قال: قال حذيفة: إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: من يعلم ما نسخ من القرآن أو أمير لا يجد بدا أو أحمق متكلف قال: فربما قال ابن سيرين: فلست بواحد من هذين ولا أحب أن أكون الثالث(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "28",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[المراد بالناسخ والمنسوخ] قلت: مراده ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة وهو اصطلاح المتأخرين ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة إما بتخصيص أو تقييد أو حمل مطلق على مقيد وتفسيره وتبيينه حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخا لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ بل بأمر خارج عنه ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يحصى وزال عنه به إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر. وقال هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال: قال حذيفة: إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: رجل يعلم ناسخ القرآن ومنسوخه وأمير لا يجد بدا وأحمق متكلف قال ابن سيرين: فأنا لست أحد هذين وأرجو أن لا أكون أحمق متكلفا. وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب quot; جامع فضل العلم quot;: حدثنا خلف بن القاسم ثنا يحيى بن الربيع ثنا محمد بن حماد المصيصي ثنا إبراهيم بن واقد ثنا المطلب بن زياد قال: حدثني جعفر بن حسين إمامنا قال: رأيت أبا حنيفة في النوم فقلت: ما فعل الله بك يا أبا حنيفة قال: غفر لي فقلت له: بالعلم فقال: ما أضر الفتيا على أهلها فقلت: فبم قال: بقول الناس في ما لم يعلم الله أنه مني قال أبو عمر: وقال سحنون يوما: إنا لله ما أشقى المفتي والحاكم ثم قال: ها أنا ذا يتعلم مني ما تضرب به الرقاب وتوطأ به الفروج وتؤخذ به الحقوق أما كنت عن هذا غنيا قال أبو عمر: وقال أبو عثمان الحداد: القاضي أيسر مأثما وأقرب إلى السلامة من الفقيه - يريد المفتي لأن الفقيه من شأنه إصدار ما يرد عليه من ساعته بما حصره من القول والقاضي شأنه الأناة والتثبت ومن تأنى وتثبت تهيأ له من الصواب ما لا يتهيأ لصاحب البديهة انتهى. وقال غيره: المفتي أقرب إلى السلامة من القاضي لأنه لا يلزم بفتواه وإنما يخبر بها من استفتاه فإن شاء قبل قوله وإن شاء تركه وأما القاضي فإنه يلزم بقوله فيشترك هو والمفتي في الإخبار عن الحكم ويتميز القاضي بالإلزام والقضاء فهو من هذا الوجه خطره أشد  [خطر تولي القضاء] ولهذا جاء في القاضي من الوعيد والتخويف ما لم يأت نظيره في المفتي كما رواه أبو داود الطيالسي من حديث عائشة - رضي الله عنها - أنها ذكر عندها القضاة فقالت: سمعت(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "29",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: يؤتى بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط وروى الشعبي عن مسروق عن عبد الله يرفعه: ما من حاكم يحكم بين الناس إلا وكل به ملك آخذ بقفاه حتى يقف به على شفير جهنم فيرفع رأسه إلى الله فإن أمره أن يقذفه قذفه في مهوى أربعين خريفا وفي السنن من حديث ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة: رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة ورجل قضى بين الناس بالجهل فهو في النار ورجل عرف الحق فجار فهو في النار . وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ويل لديان من في الأرض من ديان من في السماء يوم يلقونه إلا من أمر بالعدل وقضى بالحق ولم يقض على هوى ولا على قرابة ولا على رغب ولا رهب وجعل كتاب الله مرآة بين عينيه وفي سنن أبي داود من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة ومن غلب جوره عدله فله النار وفي سنن البيهقي من حديث ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الله مع القاضي ما لم يجر فإذا جار برئ الله منه ولزمه الشيطان وفيه من حديث حسين المعلم عن الشيباني عن ابن أبي أوفى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الله مع القاضي ما لم يجر فإذا جار وكله إلى نفسه . وفي السنن الأربعة من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: من قعد قاضيا بين المسلمين فقد ذبح نفسه بغير سكين وفي سنن البيهقي من حديث أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ويل للأمراء وويل للعرفاء وويل للأمناء ليتمنين أقوام يوم القيامة أن نواصيهم كانت معلقة بالثريا يتجلجلون بين السماء والأرض وأنهم لم يلوا عملا . [الوعيد على الإفتاء] وأما المفتي ففي سنن أبي داود من حديث مسلم بن يسار قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من قال علي ما لم أقل فليتبوأ بيتا في جهنم ومن أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه ومن أشار على أخيه بأمر يعلم الرشد في غيره فقد خانه فكل خطر على المفتي فهو على القاضي وعليه من زيادة الخطر ما يختص به ولكن خطر المفتي أعظم من جهة أخرى فإن فتواه شريعة عامة تتعلق بالمستفتي وغيره وأما الحاكم فحكمه جزئي خاص لا يتعدى إلى غير المحكوم عليه وله فالمفتي يفتي حكما عاما كليا أن من فعل كذا ترتب عليه كذا ومن قال كذا لزمه كذا والقاضي(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "30",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقضي قضاء معينا على شخص معين فقضاؤه خاص ملزم وفتوى العالم عامة غير ملزمة فكلاهما أجره عظيم وخطره كبير  [فصل المحرمات على أربع مراتب] وقد حرم الله سبحانه القول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء وجعله من أعظم المحرمات بل جعله في المرتبة العليا منها فقال تعالى: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون [الأعراف: 33] فرتب المحرمات أربع مراتب وبدأ بأسهلها وهو الفواحش ثم ثنى بما هو أشد تحريما منه وهو الإثم والظلم ثم ثلث بما هو أعظم تحريما منهما وهو الشرك به سبحانه ثم ربع بما هو أشد تحريما من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي دينه وشرعه وقال تعالى: ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون [النحل: 116] متاع قليل ولهم عذاب أليم [النحل: 117] فتقدم إليهم سبحانه بالوعيد على الكذب عليه في أحكامه وقولهم لما لم يحرمه: هذا حرام ولما لم يحله: هذا حلال وهذا بيان منه سبحانه أنه لا يجوز للعبد أن يقول: هذا حلال وهذا حرام إلا بما علم أن الله سبحانه أحله وحرمه. وقال بعض السلف: ليتق أحدكم أن يقول: أحل الله كذا وحرم كذا فيقول الله له: كذبت لم أحل كذا ولم أحرم كذا فلا ينبغي أن يقول لما لا يعلم ورود الوحي المبين بتحليله وتحريمه أحله الله ورحمه الله لمجرد التقليد أو بالتأويل  [النهي عن أن يقال هذا حكم الله] وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح أميره بريدة أن ينزل عدوه إذا حاصرهم على حكم الله وقال: فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك فتأمل كيف فرق بين حكم الله وحكم الأمير المجتهد ونهى أن يسمى حكم المجتهدين حكم الله. ومن هذا لما كتب الكاتب بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "31",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حكما حكم به فقال: هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر فقال: لا تقل هكذا ولكن قل: هذا ما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا ولا أدركت أحدا أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال وهذا حرام وما كانوا يجترئون على ذلك وإنما كانوا يقولون: نكره كذا ونرى هذا حسنا فينبغي هذا ولا نرى هذا ورواه عنه عتيق بن يعقوب وزاد: ولا يقولون حلال ولا حرام أما سمعت قول الله تعالى: قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون [يونس: 59] الحلال: ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله  [لفظ الكراهة يطلق على المحرم] قلت: وقد غلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك حيث تورع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم وأطلقوا لفظ الكراهة فنفى المتأخرون التحريم عما أطلق عليه الأئمة الكراهة ثم سهل عليهم لفظ الكراهة وخفت مؤنته عليهم فحمله بعضهم على التنزيه وتجاوز به آخرون إلى كراهة ترك الأولى وهذا كثير جدا في تصرفاتهم فحصل بسببه غلط عظيم على الشريعة وعلى الأئمة وقد قال الإمام أحمد في الجمع بين الأختين بملك اليمين: أكرهه ولا أقول هو حرام ومذهبه تحريمه وإنما تورع عن إطلاق لفظ التحريم لأجل قول عثمان. وقال أبو القاسم الخرقي فيما نقله عن أبي عبد الله: ويكره أن يتوضأ في آنية الذهب والفضة ومذهبه أنه لا يجوز وقال في رواية أبي داود: ويستحب أن لا يدخل الحمام إلا بمئزر له وهذا استحباب وجوب وقال في رواية إسحاق بن منصور: إذا كان أكثر مال الرجل حراما فلا يعجبني أن يؤكل ماله وهذا على سبيل التحريم. وقال في رواية ابنه عبد الله: لا يعجبني أكل ما ذبح للزهرة ولا الكواكب ولا الكنيسة وكل شيء ذبح لغير الله قال الله عز وجل: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به [المائدة: 3] . فتأمل كيف قال: quot; لا يعجبني quot; فيما نص الله سبحانه على تحريمه واحتج هو أيضا بتحريم الله له في كتابه وقال في رواية الأثرم: أكره لحوم الجلالة وألبانها وقد صرح بالتحريم في رواية حنبل وغيره وقال في رواية ابنه عبد الله: أكره أكل لحم الحية والعقرب لأن الحية لها ناب والعقرب لها حمة ولا يختلف مذهبه(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "32",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في تحريمه وقال في رواية حرب: إذا صاد الكلب من غير أن يرسل فلا يعجبني لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا أرسلت كلبك وسميت فقد أطلق لفظه quot; لا يعجبني quot; على ما هو حرام عنده. وقال في رواية جعفر بن محمد النسائي: لا يعجبني المكحلة والمرود يعني من الفضة وقد صرح بالتحريم في عدة مواضع وهو مذهبه بلا خلاف وقال جعفر بن محمد أيضا: سمعت أبا عبد الله سئل عن رجل قال لامرأته: كل امرأة أتزوجها أو جارية أشتريها للوطء وأنت حية فالجارية حرة والمرأة طالق قال: إن تزوج لم آمره أن يفارقها والعتق أخشى أن يلزمه لأنه مخالف للطلاق قيل له: يهب له رجل جارية قال: هذا طريق الحيلة وكرهه مع أن مذهبه تحريم الحيل وأنها لا تخلص من الأيمان ونص على كراهة البطة من جلود الحمر وقال: تكون ذكية ولا يختلف مذهبه في التحريم وسئل عن شعر الخنزير فقال: لا يعجبني وهذا على التحريم وقال: يكره القد من جلود الحمير ذكيا وغير ذكي لأنه لا يكون ذكيا وأكرهه لمن يعمل وللمستعمل وسئل عن رجل حلف لا ينتفع بكذا فباعه واشترى به غيره فكره ذلك وهذا عنده لا يجوز وسئل عن ألبان الأتن فكرهه وهو حرام عنده وسئل عن الخمر يتخذ خلا فقال: لا يعجبني وهذا على التحريم عنده وسئل عن بيع الماء فكرهه وهذا في أجوبته أكثر من أن يستقصى وكذلك غيره من الأئمة. وقد نص محمد بن الحسن أن كل مكروه فهو حرام إلا أنه لما لم يجد فيه نصا قاطعا لم يطلق عليه لفظ الحرام وروى محمد أيضا عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إلى الحرام أقرب وقد قال في الجامع الكبير: يكره الشرب في آنية الذهب والفضة للرجال والنساء ومراده التحريم وكذلك قال أبو يوسف ومحمد: يكره النوم على فرش الحرير والتوسد على وسائده ومرادهما التحريم. وقال أبو حنيفة وصاحباه: يكره أن يلبس الذكور من الصبيان الذهب والحرير وقد صرح الأصحاب أنه حرام وقالوا: إن التحريم لما ثبت في حق الذكور وتحريم اللبس يحرم الإلباس كالخمر لما حرم شربها حرم سقيها وكذلك قالوا: يكره منديل الحرير الذي يتمخط فيه ويتمسح من الوضوء ومرادهم التحريم وقالوا: يكره بيع العذرة ومرادهم التحريم وقالوا: يكره الاحتكار في أقوات الآدميين والبهائم إذا أضر بهم وضيق عليهم ومرادهم التحريم وقالوا: يكره بيع السلاح في أيام(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "33",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفتنة ومرادهم التحريم. وقال أبو حنيفة: يكره بيع أرض مكة ومرادهم التحريم عندهم قالوا: ويكره اللعب بالشطرنج وهو حرام عندهم قالوا: ويكره أن يجعل الرجل في عنق عبده أو غيره طوق الحديد الذي يمنعه من التحرك وهو الغل وهو حرام وهذا كثير في كلامهم جدا. وأما أصحاب مالك فالمكروه عندهم مرتبة بين الحرام والمباح ولا يطلقون عليه اسم الجواز ويقولون: إن أكل كل ذي ناب من السباع مكروه غير مباح وقد قال مالك في كثير من أجوبته: أكره كذا وهو حرام فمنها أن مالكا نص على كراهة الشطرنج وهذا عند أكثر أصحابه على التحريم وحمله بعضهم على الكراهة التي هي دون التحريم. وقال الشافعي في اللعب بالشطرنج: إنه لهو شبه الباطل أكرهه ولا يتبين لي تحريمه فقد نص على كراهته وتوقف في تحريمه فلا يجوز أن ينسب إليه وإلى مذهبه أن اللعب بها جائز وأنه مباح فإنه لم يقل هذا ولا ما يدل عليه والحق أن يقال: إنه كرهها وتوقف في تحريمها فأين هذا من أن يقال: إن مذهبه جواز اللعب بها وإباحته ومن هذا أيضا أنه نص على كراهة تزوج الرجل بنته من ماء الزنا ولم يقل قط إنه مباح ولا جائز والذي يليق بجلالته وإمامته ومنصبه الذي أجله الله به من الدين أن هذه الكراهة منه على وجه التحريم وأطلق لفظ الكراهة لأن الحرام يكرهه الله ورسوله وقد قال تعالى عقيب ذكر ما حرمه من المحرمات من عند قوله: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا [الإسراء: 23] إلى قوله: فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما [الإسراء: 23] إلى قوله: ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق [الإسراء: 31] إلى قوله: ولا تقربوا الزنا [الإسراء: 32] إلى قوله: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق [الإسراء: 33] إلى قوله: ولا تقربوا مال اليتيم [الإسراء: 34] إلى قوله: ولا تقف ما ليس لك به علم [الإسراء: 36] إلى آخر الآيات ثم قال: كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها [الإسراء: 38] وفي الصحيح: إن الله عز وجل كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال . فالسلف كانوا يستعملون الكراهة في معناها الذي استعملت فيه في كلام الله ورسوله ولكن المتأخرون اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم وتركه أرجح من فعله ثم حمل من حمل منهم كلام الأئمة على الاصطلاح الحادث فغلط في ذلك وأقبح غلطا منه من حمل لفظ الكراهة أو لفظ quot; لا ينبغي quot; في كلام الله ورسوله على المعنى الاصطلاحي الحادث وقد اطرد في كلام الله ورسوله استعمال quot; لا ينبغي quot; في المحظور شرعا وقدرا وفي المستحيل الممتنع كقوله تعالى: وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا [مريم: 92] وقوله: وما علمناه الشعر وما ينبغي له [يس: 69] وقوله:(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "34",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما تنزلت به الشياطين - وما ينبغي لهم [الشعراء: 210 - 211] وقوله على لسان نبيه: كذبني ابن آدم وما ينبغي له وشتمني ابن آدم وما ينبغي له وقوله - صلى الله عليه وسلم -: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام وقوله - صلى الله عليه وسلم - في لباس الحرير: لا ينبغي هذا للمتقين وأمثال ذلك  [ما يقوله المفتي فيما اجتهد فيه] والمقصود أن الله سبحانه حرم القول عليه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه والمفتي يخبر عن الله عز وجل وعن دينه فإن لم يكن خبره مطابقا لما شرعه كان قائلا عليه بلا علم ولكن إذا اجتهد واستفرغ وسعه في معرفة الحق وأخطأ لم يلحقه الوعيد وعفي له عن ما أخطأ به وأثيب على اجتهاده ولكن لا يجوز أن يقول لما أداه إليه اجتهاده ولم يظفر فيه بنص عن الله ورسوله: إن الله حرم كذا وأوجب كذا وأباح كذا وإن هذا هو حكم الله قال ابن وضاح: ثنا يوسف بن عدي ثنا عبيدة بن حميد عن عطاء بن السائب قال: قال الربيع بن خثيم: إياكم أن يقول الرجل لشيء: إن الله حرم هذا أو نهى عنه فيقول الله: كذبت لم أحرمه ولم أنه عنه أو يقول: إن الله أحل هذا أو أمر به فيقول الله: كذبت لم أحله ولم آمر به قال أبو عمر: وقد روي عن مالك أنه قال في بعض ما كان ينزل به فيسأل عنه فيجتهد فيه رأيه: إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين [الجاثية: 32]  [فصل كلام الأئمة في الفتيا] [أدوات الفتيا] . فصل في كلام الأئمة في أدوات الفتيا وشروطها ومن ينبغي له أن يفتي وأين يسع قول المفتي quot; لا أدري quot; . [أدوات الفتيا] . قال الإمام أحمد في رواية ابنه صالح عنه: ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على أن يكون عالما بوجوه القرآن عالما بالأسانيد الصحيحة عالما بالسنن وإنما جاء خلاف من خالف لقلة معرفتهم بما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقلة معرفتهم بصحيحها من سقيمها. وقال في رواية ابنه عبد الله: إذا كان عند الرجل الكتب المصنفة فيها قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واختلاف الصحابة والتابعين فلا يجوز أن يعمل بما شاء ويتخير فيقضي به ويعمل به حتى يسأل أهل العلم ما يؤخذ به فيكون يعمل على أمر صحيح. وقال في رواية أبي الحارث: لا يجوز الإفتاء إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "35",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال في رواية حنبل: ينبغي لمن أفتى أن يكون عالما بقول من تقدم وإلا فلا يفتي. وقال محمد بن عبد الله بن المنادي: سمعت رجلا يسأل أحمد: إذا حفظ الرجل مائة ألف حديث يكون فقيها قال: لا قال: فمائتي ألف قال: لا قال: فثلاث مائة ألف قال: لا قال: فأربع مائة ألف قال بيده هكذا وحرك يده. قال أبو الحسين: وسألت جدي محمد بن عبيد الله قلت: فكم كان يحفظ أحمد بن حنبل قال: أخذ عن ستمائة ألف. قال أبو حفص: قال لي أبو إسحاق: لما جلست في جامع المنصور للفتيا ذكرت هذه المسألة فقال لي رجل: فأنت هو ذا لا تحفظ هذا القدر حتى تفتي الناس فقلت له: عافاك الله إن كنت لا أحفظ هذا المقدار فإني هو ذا أفتي الناس بقول من كان يحفظ هذا المقدار وأكثر منه. قال القاضي أبو يعلى: وظاهر هذا الكلام أنه لا يكون من أهل الاجتهاد إذا لم يحفظ من الحديث هذا القدر الكثير الذي ذكره وهذا محمول على الاحتياط والتغليظ في الفتوى ثم ذكر حكاية أبي إسحاق لما جلس في جامع المنصور قال: وليس هذا الكلام من أبي إسحاق مما يقتضي أنه كان يقلد أحمد فيما يفتي به لأنه قد نص في بعض تعاليقه على كتاب العلل على الدلالة على منع الفتوى بغير علم لقوله تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم [الإسراء: 36] . قلت: هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال لأصحاب أحمد:  [الفتوى بالتقليد] . [هل تجوز الفتوى بالتقليد]  . أحدها: أنه لا يجوز الفتوى بالتقليد لأنه ليس بعلم والفتوى بغير علم حرام ولا خلاف بين الناس أن التقليد ليس بعلم وأن المقلد لا يطلق عليه اسم عالم وهذا قول أكثر الأصحاب وقول جمهور الشافعية. والثاني: أن ذلك يجوز فيما يتعلق بنفسه فيجوز له أن يقلد غيره من العلماء إذا كانت الفتوى لنفسه ولا يجوز أن يقلد العالم فيما يفتي به غيره وهذا قول ابن بطة وغيره من أصحابنا قال القاضي: ذكر ابن بطة في مكاتباته إلى البرمكي: لا يجوز له أن يفتي بما سمع من يفتي وإنما يجوز أن يقلد لنفسه فأما أن يتقلد لغيره ويفتي به فلا. والقول الثالث: أنه يجوز ذلك عند الحاجة وعدم العالم المجتهد وهو أصح(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "36",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأقوال وعليه العمل قال القاضي: ذكر أبو حفص في تعاليقه قال: سمعت أبا علي الحسن بن عبد الله النجاد يقول: سمعت أبا الحسين بن بشران يقول: ما أعيب على رجل يحفظ عن أحمد خمس مسائل استند إلى بعض سواري المسجد يفتي بها.  [شروط الإفتاء] [شرط الإفتاء عند الشافعي] وقال الشافعي فيما رواه عنه الخطيب في كتاب الفقيه والمتفقه له: لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلا عارفا بكتاب الله بناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه وتأويله وتنزيله ومكيه ومدنيه وما أريد به ويكون بعد ذلك بصيرا بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبالناسخ والمنسوخ ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن ويكون بصيرا باللغة بصيرا بالشعر وما يحتاج إليه للسنة والقرآن ويستعمل هذا مع الإنصاف ويكون بعد هذا مشرفا على اختلاف أهل الأمصار وتكون له قريحة بعد هذا فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتي. وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: ما تقول في الرجل يسأل عن الشيء فيجيب بما في الحديث وليس بعالم في الفقه فقال: ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالما بالسنن عالما بوجوه القرآن عالما بالأسانيد الصحيحة وذكر الكلام المتقدم. وقال علي بن شقيق: قيل لابن المبارك: متى يفتي الرجل قال: إذا كان عالما بالأثر بصيرا بالرأي. وقيل ليحيى بن أكثم: متى يجب للرجل أن يفتي فقال: إذا كان بصيرا بالرأي بصيرا بالأثر. قلت: يريدان بالرأي القياس الصحيح والمعاني والعلل الصحيحة التي علق الشارع بها الأحكام وجعلها مؤثرة فيها طردا وعكسا  [فصل الإفتاء في دين الله بالرأي] . فصل في تحريم الإفتاء في دين الله بالرأي المتضمن لمخالفة النصوص والرأي الذي لم تشهد له النصوص بالقبول. قال الله: فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين [القصص: 50] فقسم الأمر إلى(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "37",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أمرين لا ثالث لهما إما الاستجابة لله والرسول وما جاء به وإما اتباع الهوى فكل ما لم يأت به الرسول فهو من الهوى. وقال تعالى: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب [ص: 26] فقسم سبحانه طريق الحكم بين الناس إلى الحق وهو الوحي الذي أنزله الله على رسوله وإلى الهوى وهو ما خالفه. وقال تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون [الجاثية: 18] إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين [الجاثية: 19] فقسم الأمر بين الشريعة التي جعله هو سبحانه عليها وأوحى إليه العمل بها وأمر الأمة بها وبين اتباع أهواء الذين لا يعلمون فأمر بالأول ونهى عن الثاني. وقال تعالى اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون [الأعراف: 3] فأمر باتباع المنزل منه خاصة: واعلم أن من اتبع غيره فقد اتبع من دونه أولياء. وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا [النساء: 59] فأمر تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأعاد الفعل إعلاما بأن طاعة الرسول تجب استقلالا من غير عرض ما أمر به على الكتاب بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقا سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه فإنه أوتي الكتاب ومثله معه ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالا بل حذف الفعل وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول إيذانا بأنهم إنما يطاعون تبعا لطاعة الرسول فمن أمر منهم بطاعة الرسول وجبت طاعته ومن أمر بخلاف ما جاء به الرسول فلا سمع له ولا طاعة كما صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وقال: إنما الطاعة في المعروف وقال في ولاة الأمور: من أمركم منهم بمعصية الله فلا سمع له ولا طاعة . وقد أخبر - صلى الله عليه وسلم - عن الذين أرادوا دخول النار لما أمرهم أميرهم بدخولها: إنهم لو دخلوا لما خرجوا منها مع أنهم إنما كانوا يدخلونها طاعة لأميرهم وظنا أن ذلك واجب عليهم ولكن لما قصروا في الاجتهاد وبادروا إلى طاعة من أمر بمعصية الله وحملوا عموم الأمر بالطاعة بما لم يرده الآمر - صلى الله عليه وسلم - وما قد علم من(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "38",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دينه إرادة خلافه فقصروا في الاجتهاد وأقدموا على تعذيب أنفسهم وإهلاكها من غير تثبت وتبين هل ذلك طاعة لله ورسوله أم لا فما الظن بمن أطاع غيره في صريح مخالفة ما بعث الله به ورسوله ثم أمر تعالى برد ما تنازع فيه المؤمنون إلى الله ورسوله إن كانوا مؤمنين وأخبرهم أن ذلك خير لهم في العاجل وأحسن تأويلا في العاقبة. [لم يختلف الصحابة في مسائل الصفات]  . وقد تضمن هذا أمورا: منها أن أهل الإيمان قد يتنازعون في بعض الأحكام ولا يخرجون بذلك عن الإيمان وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام وهم سادات المؤمنين وأكمل الأمة إيمانا ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة كلمة واحدة من أولهم إلى آخرهم لم يسوموها تأويلا ولم يحرفوها عن مواضعها تبديلا ولم يبدوا لشيء منها إبطالا ولا ضربوا لها أمثالا ولم يدفعوا في صدورها وأعجازها ولم يقل أحد منهم يجب صرفها عن حقائقها وحملها على مجازها بل تلقوها بالقبول والتسليم وقابلوها بالإيمان والتعظيم وجعلوا الأمر فيها كلها أمرا واحدا وأجروها على سنن واحد ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع حيث جعلوها عضين وأقروا ببعضها وأنكروا بعضها من غير فرقان مبين مع أن اللازم لهم فيما أنكروه كاللازم فيما أقروا به وأثبتوه. والمقصود أن أهل الإيمان لا يخرجهم تنازعهم في بعض مسائل الأحكام عن حقيقة الإيمان إذا ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله كما شرطه الله عليهم بقوله: فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر [النساء: 59] ولا ريب أن الحكم المعلق على شرط ينتفي عند انتفائه.  [الأمر بالرد دليل على أن الكتاب والسنة يشتملان على حكم كل شيء] ومنها: أن قوله: فإن تنازعتم في شيء [النساء: 59] نكرة في سياق الشرط تعم كل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين دقه وجله جليه وخفيه ولو لم يكن في كتاب الله ورسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه ولم يكن كافيا لم يأمر بالرد إليه إذ من الممتنع أن يأمر تعالى بالرد عند النزاع إلى من لا يوجد عنده فضل النزاع. ومنها: أن الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "39",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[الرد إلى الله والرسول من موجبات الإيمان] ومنها: أنه جعل هذا الرد من موجبات الإيمان ولوازمه فإذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه ولا سيما التلازم بين هذين الأمرين فإنه من الطرفين وكل منهما ينتفي بانتفاء الآخر ثم أخبرهم أن هذا الرد خير لهم وأن عاقبته أحسن عاقبة ثم أخبر سبحانه أن من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حكم الطاغوت وتحاكم إليه والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله أو يعبدونه من دون الله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم [عدلوا] من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته وهؤلاء لم يسلكوا طريق الناجين الفائزين من هذه الأمة - وهم الصحابة ومن تبعهم - ولا قصدوا قصدهم بل خالفوهم في الطريق والقصد معا ثم أخبر تعالى عن هؤلاء بأنهم إذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول أعرضوا عن ذلك ولم يستجيبوا للداعي ورضوا بحكم غيره ثم توعدهم بأنهم إذا أصابتهم مصيبة في عقولهم وأديانهم وبصائرهم وأبدانهم وأموالهم بسبب إعراضهم عما جاء به الرسول وتحكيم غيره والتحاكم إليه كما قال تعالى: فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم [المائدة: 49] اعتذروا بأنهم إنما قصدوا الإحسان والتوفيق أي بفعل ما يرضي الفريقين ويوفق بينهما كما يفعله من يروم التوفيق بين ما جاء به الرسول وبين ما خالفه ويزعم أنه بذلك محسن قاصد الإصلاح والتوفيق والإيمان إنما يقتضي إلقاء الحرب بين ما جاء به الرسول وبين كل ما خالفه من طريقة وحقيقة وعقيدة وسياسة ورأي فرخص الإيمان في هذا الحرب لا في التوفيق وبالله التوفيق. ثم أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الدقيق والجليل ولم يكتف في إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده حتى ينتفي عن صدورهم الحرج والضيق عن قضائه وحكمه ولم يكتف منهم أيضا بذلك حتى يسلموا تسليما وينقادوا انقيادا. وقال تعالى: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم [الأحزاب: 36] فأخبر سبحانه أنه ليس لمؤمن أن يختار بعد قضائه وقضاء رسوله ومن تخير بعد ذلك فقد ضل ضلالا مبينا.(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "40",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معنى التقدم بين يدي الله ورسوله] وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم [الحجرات: 1] أي لا تقولوا حتى يقول ولا تأمروا حتى يأمر ولا تفتوا حتى يفتي ولا تقطعوا أمرا حتى يكون هو الذي يحكم فيه ويمضيه روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة وروى العوفي عنه قال: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه. والقول الجامع في معنى الآية لا تعجلوا بقول ولا فعل قبل أن يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو يفعل وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون [الحجرات: 2] فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سببا لحبوط أعمالهم فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه أليس هذا أولى أن يكون محبطا لأعمالهم. [ينزع العلم بموت العلماء] وقال تعالى: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه [النور: 62] فإذا جعل من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهبا إذا كانوا معه إلا باستئذانه فأولى أن يكون من لوازمه أن لا يذهبوا إلى قول ولا مذهب علمي إلا بعد استئذانه وإذنه يعرف بدلالة ما جاء به على أنه أذن فيه. وفي صحيح البخاري من حديث أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال: حج علينا عبد الله بن عمرو بن العاص فسمعته يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن الله لا ينزع العلم بعد إذ أعطاكموه انتزاعا ولكن ينزعه مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون . وقال وكيع: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا ينزع الله العلم من صدور الرجال ولكن ينزع العلم بموت العلماء فإذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا وفي الصحيحين من حديث عروة بن الزبير قال: قالت عائشة: يا ابن أختي بلغني أن عبد الله بن عمرو مار بنا إلى الحج فالقه فاسأله فإنه قد حمل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - علما كثيرا قال: فلقيته فسألته عن أشياء يذكرها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال عروة: فكان فيما ذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الله لا(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "41",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ينزع العلم من الناس انتزاعا ولكن يقبض العلماء فيرفع العلم معهم ويبقى في الناس رءوس جهال يفتونهم بغير علم فيضلون ويضلون قال عروة: فلما حدثت عائشة بذلك أعظمت ذلك وأنكرته قالت: أحدثك أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول هذا قال عروة: نعم حتى إذا كان عام قابل قالت لي: إن ابن عمرو قد قدم فالقه ثم فاتحه حتى تسأله عن الحديث الذي ذكره لك في العلم قال: فلقيته فسألته فذكره لي نحو ما حدثني به في المرة الأولى قال عروة: فلما أخبرتها بذلك قالت: ما أحسبه إلا وقد صدق أراه لم يزد فيه شيئا ولم ينقص. وقال البخاري في بعض طرقه فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون وقال: فقالت عائشة: والله لقد حفظ عبد الله وقال نعيم بن حماد: ثنا ابن المبارك ثنا عيسى بن يونس عن جرير بن عثمان الرحبي ثنا عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة قوم يقيسون الدين برأيهم يحرمون به ما أحل الله ويحلون ما حرم الله قال أبو عمر بن عبد البر: هذا هو القياس على غير أصل والكلام في الدين بالخرص والظن ألا ترى إلى قوله في الحديث: يحلون الحرام ويحرمون الحلال ومعلوم أن الحلال ما في كتاب الله وسنة رسوله تحليله والحرام ما في كتاب الله وسنة رسوله تحريمه فمن جهل ذلك وقال فيما سئل عنه بغير علم وقاس برأيه ما خرج منه عن السنة فهذا الذي قاس الأمور برأيه فضل وأضل ومن رد الفروع إلى أصولها فلم يقل برأيه.  [الوعيد على القول بالرأي] وقالت طائفة من أهل العلم: من أداه اجتهاده إلى رأي رآه ولم تقم عليه حجة فيه بعد فليس مذموما بل هو معذور خالفا كان أو سالفا ومن قامت عليه الحجة فعاند وتمادى على الفتيا برأي إنسان بعينه فهو الذي يلحقه الوعيد وقد روينا في مسند عبد بن حميد ثنا عبد الرزاق ثنا سفيان الثوري عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "42",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل. فيما روي عن صديق الأمة وأعلمها من إنكار الرأي. [ذم أبي بكر القول بالرأي] روينا عن عبد بن حميد ثنا أبو أسامة عن نافع عن عمر الجمحي عن ابن أبي مليكة قال: قال أبو بكر - رضي الله عنه -: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في آية من كتاب الله برأيي أو بما ولا أعلم. وذكر الحسن بن علي الحلواني حدثنا عارم عن حماد بن زيد عن سعيد بن أبي صدقة عن ابن سيرين قال: لم يكن أحد أهيب بما لا يعلم من أبي بكر - رضي الله عنه - ولم يكن أحد بعد أبي بكر أهيب بما لا يعلم من عمر - رضي الله عنه - وأن أبا بكر نزلت به قضية فلم يجد في كتاب الله منها أصلا ولا في السنة أثرا فاجتهد برأيه ثم قال: هذا رأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني وأستغفر الله. فصل. في المنقول من ذلك عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. [ذم عمر القول بالرأي] قال ابن وهب: ثنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال وهو على المنبر: يا أيها الناس إن الرأي إنما كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصيبا إن الله كان يريه وإنما هو منا الظن والتكلف. قلت: مراد عمر - رضي الله عنه - قوله تعالى: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله [النساء: 105] فلم يكن له رأي غير ما أراه الله إياه وأما ما رأى غيره فظن وتكلف. قال سفيان الثوري: ثنا أبو إسحاق الشيباني عن أبي الضحى عن مسروق قال: كتب كاتب لعمر بن الخطاب quot; هذا ما رأى الله ورأى عمر quot; فقال: بئس ما قلت قل: هذا ما رأى عمر فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمن عمر وقال ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة عن عبد الله بن أبي جعفر قال: قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: السنة ما سنه الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة. قال ابن وهب: وأخبرني ابن لهيعة عن أبي الزناد عن محمد بن إبراهيم التيمي أن(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "43",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: أصبح أهل الرأي أعداء السنن أعيتهم أن يعوها وتفلتت منهم أن يرووها فاستبقوها بالرأي. قال ابن وهب: وأخبرني عبد الله بن محمد بن عجلان عن عبيد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال: اتقوا الرأي في دينكم. وذكر ابن عجلان عن صدقة بن أبي عبد الله أن عمر بن الخطاب كان يقول: أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا لا نعلم فعارضوا السنن برأيهم فإياكم وإياهم. وذكر ابن الهادي عن محمد بن إبراهيم التيمي قال: قال عمر بن الخطاب: إياكم والرأي فإن أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يعوها وتفلتت منهم أن يحفظوها فقالوا في الدين برأيهم. وقال الشعبي: عن عمرو بن الحارث قال: قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا وأسانيد هذه الآثار عن عمر في غاية الصحة. وقال محمد بن عبد السلام الخشني: ثنا محمد بن بشار حدثنا يونس بن عبيد العمري ثنا مبارك بن فضالة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب أنه قال: أيها الناس اتهموا الرأي في الدين فلقد رأيتني وإني لأرد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برأيي فأجتهد ولا آلو وذلك يوم أبي جندل والكتاب يكتب وقال: اكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم فقال: يكتب باسمك اللهم فرضي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبيت فقال: يا عمر تراني قد رضيت وتأبى . وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن حبيب عن معمر بن أبي حبيبة مولى بنت صفوان عن عبيد بن رفاعة عن أبيه رفاعة بن رافع قال: بينما أنا عند عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إذ دخل عليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين هذا زيد بن ثابت يفتي الناس في المسجد برأيه في الغسل من الجنابة فقال عمر: علي به فجاء زيد فلما رآه عمر فقال عمر: أي عدو نفسه قد بلغت أن تفتي الناس برأيك(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "44",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال: يا أمير المؤمنين والله ما فعلت ولكن سمعت من أعمامي حديثا فحدثت به من أبي أيوب ومن أبي بن كعب ومن رفاعة بن رافع فقال عمر: علي برفاعة بن رافع فقال: قد كنتم تفعلون ذلك إذا أصاب أحدكم المرأة فأكسل أن يغتسل قال: قد كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يأتنا فيه عن الله تحريم ولم يكن فيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء فقال عمر: ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلم ذلك قال: ما أدري فأمر عمر بجمع المهاجرين والأنصار فجمعوا فشاورهم فشار الناس أن لا غسل إلا ما كان من معاذ وعلي فإنهما قالا: إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل فقال عمر: هذا وأنتم أصحاب بدر قد اختلفتم فمن بعدكم أشد اختلافا فقال علي: يا أمير المؤمنين إنه ليس أحد أعلم بهذا من شأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أزواجه فأرسل إلى حفصة فقالت: لا علم لي فأرسل إلى عائشة فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل فقال: لا أسمع برجل فعل ذلك إلا أوجعته ضربا. [ذم ابن مسعود القول بالرأي] قول عبد الله بن مسعود - قال البخاري: حدثنا جنيد ثنا يحيى بن زكريا عن مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله قال: لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي قبله أما إني لا أقول أمير خير من أمير ولا عام أخصب من عام. ولكن فقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفا ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم. وقال ابن وهب: ثنا شقيق عن مجالد به قال: ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم فينهدم الإسلام ويثلم. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو خالد الأحمر عن مجالد عن الشعبي عن مسروق قال: قال عبد الله بن مسعود: علماؤكم يذهبون ويتخذ الناس رءوسا جهالا يقيسون الأمور برأيهم. وقال سعيد بن داود: حدثنا محمد بن فضل عن سالم بن حفصة عن منذر الثوري عن الربيع بن خثيم أنه قال: قال عبد الله: ما علمك الله في كتابه فاحمد الله وما استأثر به عليك من علم فكله إلى عالمه ولا تتكلف فإن الله عز وجل يقول لنبيه: قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين [ص: 86] يروى هذا عن الربيع بن خثيم وعن عبد الله. وقال سعيد بن منصور: حدثنا خلف بن خليفة ثنا أبو زيد عن الشعبي قال: قال ابن مسعود(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "45",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إياكم وأرأيت أرأيت فإنما هلك من كان قبلكم بأرأيت أرأيت ولا تقيسوا شيئا فتزل قدم بعد ثبوتها وإذا سئل أحدكم عما لا يعلم فليقل: لا أعلم فإنه ثلث العلم. وصح عنه في المفوضة أنه قال: أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريء منه. [ذم عثمان القول بالرأي] قول عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال محمد بن إسحاق -: حدثني يحيى بن عباد عن عبيد الله بن الزبير قال: وأنا والله مع عثمان بن عفان بالجحفة إذ قال عثمان وذكر له التمتع بالعمرة إلى الحج: أتموا الحج وأخلصوه في أشهر الحج فلو أخرتم هذه العمرة حتى تزوروا هذا البيت زورتين كان أفضل فإن الله قد أوسع في الخير فقال له علي: عمدت إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورخصة رخص الله للعباد بها في كتابه تضيق عليهم فيها وتنهى عنها وكانت لذي الحاجة ولنائي الدار ثم أهل علي بعمرة وحج معا فأقبل عثمان بن عفان - رضي الله عنه - على الناس فقال: أنهيت عنها إني لم أنه عنها إنما كان رأيا أشرت به فمن شاء أخذه ومن شاء تركه. فهذا عثمان يخبر عن رأيه أنه ليس بلازم للأمة الأخذ به بل من شاء أخذ به ومن شاء تركه بخلاف سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه لا يسع أحدا تركها لقول أحد كائنا من كان. [ذم علي القول بالرأي] قول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال أبو داود -: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي إسحاق السبيعي عن عبد خير عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه. [ذم ابن عباس القول بالرأي] قول عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - قال ابن وهب -: أخبرني بشر بن بكر عن الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة عن ابن عباس أنه قال: من أحدث رأيا ليس في كتاب الله ولم تمض به سنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يدر على ما هو منه إذا لقي الله عز وجل. وقال عثمان بن مسلم الصفار: ثنا عبد الرحمن بن زياد حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "46",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن أبي فزارة قال: قال ابن عباس: إنما هو كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمن قال بعد ذلك برأيه فلا أدري أفي حسناته يجد ذلك أم في سيئاته. وقال عبد بن حميد: حدثنا حسين بن علي الجعفي عن زائدة عن ليث عن بكر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار. [سهل بن حنيف يذم القول بالرأي] قول سهل بن حنيف - رضي الله عنه - قال البخاري -: حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي وائل قال: قال سهل بن حنيف: أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرددته. [ابن عمر يذم الرأي] قول عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - - قال ابن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث أن عمرو بن دينار قال: أخبرني طاوس عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا لم يجد في الأمر يسأل عنه شيئا قال: إن شئتم أخبرتكم بالظن. وقال البخاري: قال لي صدقة عن الفضل بن موسى عن موسى بن عقبة عن الضحاك عن جابر بن زيد قال: لقيني ابن عمر فقال: يا جابر إنك من فقهاء البصرة وتستفتى فلا تفتين إلا بكتاب ناطق أو سنة ماضية. وقال مالك عن نافع عنه: العلم ثلاث: كتاب الله الناطق وسنة ماضية ولا أدري. [زيد بن ثابت يذم الرأي] قول زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال البخاري: حدثنا سنيد بن داود ثنا يحيى بن زكريا مولى ابن أبي زائدة عن إسماعيل بن خالد عن الشعبي قال: أتى زيد بن ثابت قوم فسألوه عن أشياء فأخبرهم بها فكتبوها ثم قالوا: لو أخبرناه قال: فأتوه فأخبروه فقال: أعذرا لعل كل شيء حدثتكم خطأ إنما أجتهد لكم برأيي. [معاذ بن جبل يذم الرأي] قول معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال حماد بن سلمة: ثنا أيوب السختياني عن أبي قلابة عن يزيد بن أبي عميرة عن معاذ بن جبل قال: تكون فتن فيكثر فيها المال ويفتح القرآن حتى يقرأ الرجل والمرأة والصغير والكبير والمنافق والمؤمن فيقرأه الرجل فلا يتبع فيقول: والله لأقرأنه علانية فيقرأه علانية فلا يتبع فيتخذ مسجدا ويبتدع كلاما ليس من(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "47",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كتاب الله ولا من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإياكم وإياه فإنه بدعة وضلالة قاله معاذ ثلاث مرات. [أبو موسى الأشعري يذم الرأي] قول أبي موسى الأشعري - قال البغوي -: ثنا الحجاج بن المنهال ثنا حماد بن سلمة عن حميد عن أبي رجاء العطاردي قال: قال أبو موسى الأشعري: من كان عنده علم فليعلمه الناس وإن لم يعلم فلا يقولن ما ليس له به علم فيكون من المتكلفين ويمرق من الدين. [معاوية يذم الرأي] قول معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - - قال البخاري: حدثنا أبو اليمان ثنا شعيب عن الزهري قال: كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه كان عند معاوية في وفد من قريش فقام معاوية فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإنه قد بلغني أن رجالا فيكم يتحدثون بأحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأولئكم جهالكم فهؤلاء من الصحابة أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وسهل بن حنيف ومعاذ بن جبل ومعاوية خال المؤمنين وأبو موسى الأشعري - رضي الله عنهم - يخرجون الرأي عن العلم ويذمونه ويحذرون منه وينهون عن الفتيا به ومن اضطر منهم إليه أخبر أنه ظن وأنه ليس على ثقة منه وأنه يجوز أن يكون منه ومن الشيطان وأن الله ورسوله بريء منه وأن غايته أن يسوغ الأخذ به عند الضرورة من غير لزوم لاتباعه ولا العمل به فهل تجد من أحد منهم قط أنه جعل رأي رجل بعينه دينا تترك له السنن الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويبدع ويضلل من خالفه إلى اتباع السنن . فهؤلاء برك الإسلام وعصابة الإيمان وأئمة الهدى ومصابيح الدجى وأنصح الأئمة للأمة وأعلمهم بالأحكام وأدلتها وأفقههم في دين الله وأعمقهم علما وأقلهم تكلفا وعليهم دارت الفتيا وعنهم انتشر العلم وأصحابهم هم فقهاء الأمة ومنهم من كان مقيما بالكوفة كعلي وابن مسعود وبالمدينة كعمر بن الخطاب وابنه وزيد بن ثابت(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "48",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبالبصرة كأبي موسى الأشعري وبالشام كمعاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان وبمكة كعبد الله بن عباس وبمصر كعبد الله بن عمرو بن العاص وعن هذه الأمصار انتشر العلم في الآفاق وأكثر من روي عنه التحذير من الرأي من كان بالكوفة إرهاصا بين يدي ما علم الله سبحانه أنه يحدث فيها بعدهم.  [فصل تأويل ما روي عن الصحابة من الأخذ بالرأي] فصل. [تأويل ما روي عن الصحابة من الأخذ بالرأي] قال أهل الرأي: وهؤلاء الصحابة ومن بعدهم من التابعين والأئمة - وإن ذموا الرأي وحذروا منه ونهوا عن الفتيا والقضاء به وأخرجوه من جملة العلم - فقد روي عن كثير منهم الفتيا والقضاء به والدلالة عليه والاستدلال به كقول عبد الله بن مسعود في المفوضة: أقول فيها برأيي وقول عمر بن الخطاب لكاتبه: قل هذا ما رأى عمر بن الخطاب وقول عثمان بن عفان في الأمر بإفراد العمرة عن الحج: إنما هو رأي رأيته وقول علي في أمهات الأولاد: اتفق رأيي ورأي عمر على أن لا يبعن. وفي كتاب عمر بن الخطاب إلى شريح: إذا وجدت شيئا في كتاب الله فاقض به ولا تلتفت إلى غيره وإن أتاك شيء ليس في كتاب الله فاقض بما سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن أتاك ما ليس في كتاب الله ولم يسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاقض بما أجمع عليه الناس وإن أتاك ما ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يتكلم فيه أحد قبلك فإن شئت أن تجتهد رأيك فتقدم وإن شئت أن تتأخر فتأخر وما أرى التأخر إلا خيرا لك ذكره سفيان الثوري عن الشيباني عن الشعبي عن شريح أن عمر كتب إليه. [طريقة أبي بكر وعمر في الحكم على ما يرد عليهما] وقال أبو عبيد في كتاب القضاء: ثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به وإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن وجد فيها ما يقضي به قضى به فإن أعياه ذلك سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى فيه بقضاء فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى فيه بكذا وكذا فإن لم يجد سنة سنها النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع رؤساء الناس فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به وكان عمر يفعل ذلك فإذا أعياه أن يجد ذلك في الكتاب والسنة سأل: هل كان أبو بكر قضى فيه بقضاء(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "49",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن كان لأبي بكر قضاء قضى به وإلا جمع علماء الناس واستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به. [طريقة ابن مسعود] وقال أبو عبيد: ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمارة عن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود قال: أكثروا عليه ذات يوم فقال: إنه قد أتى علينا زمان ولسنا نقضي ولسنا هناك ثم إن الله بلغنا ما ترون فمن عرض عليه قضاء بعد اليوم فليقض بما في كتاب الله فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم - فليقض بما قضى به الصالحون فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم - ولا قضى به الصالحون فليجتهد رأيه ولا يقل: إني أرى وإني أخاف فإن الحلال بين والحرام بين وبين ذلك مشتبهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك. وقال محمد بن جرير الطبري: حدثني يعقوب بن إبراهيم أنا هشيم أنا سيار عن الشعبي قال: لما بعث عمر شريحا على قضاء الكوفة قال له: انظر ما يتبين لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحدا وما لم يتبين لك في كتاب الله فاتبع فيه سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما لم يتبين لك فيه السنة فاجتهد فيه رأيك. [من قياس الصحابة] وفي كتاب عمر إلى أبي موسى: اعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور وقايس علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت في المكاتب وقايسه في الجد والإخوة فشبهه علي بسيل انشعبت منه شعبة ثم انشعبت من الشعبة شعبتان وقايسه زيد على شجرة انشعب منها غصن وانشعب من الغصن غصنان وقولهما في الجد إنه لا يحجب الإخوة وقاس ابن عباس الأضراس بالأصابع وقال: أعتبرها بها وسئل علي عن مسيره إلى صفين: هل كان بعهد عهده إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم رأي رآه قال: بل رأي رأيته. وقال عبد الله بن مسعود وقد سئل عن المفوضة: أقول برأيي فإن يكن ثوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه بريء. [حال ابن مسعود] وقال ابن أبي خيثمة: ثنا أبي ثنا محمد بن خازم عن الأعمش عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال: من عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب الله فإن لم يكن في كتاب الله فليقض بما قضى فيه نبيه - صلى الله عليه وسلم - فإن جاء أمر ليس في(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "50",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كتاب الله ولم يقض فيه نبيه - صلى الله عليه وسلم - فليقض بما قضى به الصالحون فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولم يقض به نبيه ولم يقض به الصالحون فليجتهد رأيه فإن لم يحسن فليقم ولا يستحي. [حال ابن عباس] وذكر سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعت ابن عباس إذا سئل عن شيء فإن كان في كتاب الله قال به وإن لم يكن في كتاب الله وكان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال به فإن لم يكن في كتاب الله ولا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان عن أبي بكر وعمر قال به فإن لم يكن في كتاب الله ولا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أبي بكر وعمر اجتهد رأيه. [حال أبي بن كعب] وقال ابن أبي خيثمة: حدثني أبي ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن عبد الملك بن أبجر عن الشعبي عن مسروق قال: سألت أبي بن كعب عن شيء فقال: أكان هذا قلت: لا قال: فأجمنا حتى يكون فإذا كان اجتهدنا لك رأينا. [جملة من أخذ الصحابة بالرأي] قال أبو عمر بن عبد البر: وروينا عن ابن عباس أنه أرسل إلى زيد بن ثابت: أفي كتاب الله ثلث ما بقي فقال: أنا أقول برأيي وتقول برأيك. وعن ابن عمر أنه سئل عن شيء فعله: أرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل هذا أو شيء رأيته قال: بل شيء رأيته. وعن أبي هريرة أنه كان إذا قال في شيء برأيه قال: هذه من كيسي ذكره ابن وهب عن سليمان بن بلال عن كثير بن زيد عن وليد بن رباح عن أبي هريرة. وكان أبو الدرداء يقول: إياكم وفراسة العلماء احذروا أن يشهدوا عليكم شهادة تكبكم على وجوهكم في النار فوالله إنه للحق يقذفه الله في قلوبهم. قلت: وأصل هذا في الترمذي مرفوعا: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثم قرأ إن في ذلك لآيات للمتوسمين [الحجر: 75] (1\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "51",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو عمر: ثنا عبد الوارث بن سفيان ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني ثنا إبراهيم بن أبي الفياض البرقي الشيخ الصالح ثنا سليمان بن بزيع الإسكندراني ثنا مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن علي قال: قلت: يا رسول الله الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه القرآن ولم تمض فيه منك سنة قال: اجمعوا له العالمين أو قال العابدين من المؤمنين فاجعلوه شورى بينكم ولا تقضوا فيه برأي واحد وهذا غريب جدا من حديث مالك وإبراهيم البرقي وسليمان ليسا ممن يحتج بهما. وقال عمر لعلي وزيد: لولا رأيكما لاجتمع رأيي ورأي أبي بكر كيف يكون ابني ولا أكون أباه يعني الجد. وعن عمر أنه لقي رجلا فقال: ما صنعت قال: قضى علي وزيد بكذا قال: لو كنت أنا لقضيت بكذا قال: فما منعك والأمر إليك قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو إلى سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - لفعلت ولكني أردك إلى رأي والرأي مشترك فلم ينقض ما قال علي وزيد. وذكر الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إن الله اطلع في قلوب العباد فرأى قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - خير قلوب العباد فاختاره لرسالته. ثم اطلع في قلوب العباد بعده فرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبته فما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح. وقال ابن وهب عن ابن لهيعة: إن عمر بن عبد العزيز استعمل عروة بن محمد السعدي على اليمن وكان من صالحي عمال عمر وإنه كتب إلى عمر يسأله عن شيء من أمر القضاء فكتب إليه عمر: لعمري ما أنا بالنشيط على الفتيا ما وجدت منها بدا وما جعلتك إلا لتكفيني وقد حملتك ذلك فاقض فيه برأيك. وقال محمد بن سعد: أخبرني روح بن عبادة ثنا حماد بن سلمة عن الجريري أن أبا سلمة بن عبد الرحمن قال للحسن: أرأيت ما تفتي به الناس أشيء سمعته أم برأيك فقال الحسن: لا والله ما كل ما نفتي به سمعناه ولكن رأينا لهم خير من رأيهم لأنفسهم. وقال محمد بن الحسن: من كان عالما بالكتاب والسنة وبقول أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبما استحسن فقهاء المسلمين وسعه أن يجتهد برأيه فيما يبتلى به ويقضي(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "52",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به ويمضيه في صلاته وصيامه وحجه وجميع ما أمر به ونهي عنه فإذا اجتهد ونظر وقاس على ما أشبه ولم يأل وسعه العمل بذلك وإن أخطأ الذي ينبغي أن يقول به.  [فصل الرأي على ثلاثة أنواع] فصل ولا تعارض بحمد الله بين هذه الآثار عن السادة الأخيار بل كلها حق وكل منها له وجه وهذا إما يتبين بالفرق بين الرأي الباطل الذي ليس من الدين والرأي الحق الذي لا مندوحة عنه لأحد من المجتهدين فنقول وبالله المستعان: [معنى الرأي] الرأي في الأصل مصدر quot; رأى الشيء يراه رأيا quot; ثم غلب استعماله على المرئي نفسه من باب استعمال المصدر في المفعول كالهوى في الأصل مصدر هويه يهواه هوى ثم استعمل في الشيء الذي يهوى فيقال: هذا هوى فلان والعرب تفرق بين مصادر فعل الرؤية بحسب محالها فتقول: رأى كذا في النوم رؤيا ورآه في اليقظة رؤية ورأى كذا - لما يعلم بالقلب ولا يرى بالعين - رأيا ولكنهم خصوه بما يراه القلب بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب مما تتعارض فيه الأمارات فلا يقال لمن رأى بقلبه أمرا غائبا عنه مما يحس به أنه رأيه ولا يقال أيضا للأمر المعقول الذي لا تختلف فيه العقول ولا تتعارض فيه الأمارات إنه رأي وإن احتاج إلى فكر وتأمل كدقائق الحساب ونحوها. [الرأي على ثلاثة أنواع] وإذا عرف هذا فالرأي ثلاثة أقسام: رأي باطل بلا ريب ورأي صحيح ورأي هو موضع الاشتباه والأقسام الثلاثة قد أشار إليها السلف فاستعملوا الرأي الصحيح وعملوا به وأفتوا به وسوغوا القول به وذموا الباطل ومنعوا من العمل والفتيا والقضاء به وأطلقوا ألسنتهم بذمه وذم أهله. والقسم الثالث: سوغوا العمل والفتيا والقضاء به عند الاضطرار إليه حيث لا يوجد منه بد ولم يلزموا أحدا العمل به ولم يحرموا مخالفته ولا جعلوا مخالفه مخالفا للدين بل غايته أنهم خيروا بين قبوله ورده فهو بمنزلة ما أبيح للمضطر من الطعام والشراب الذي يحرم عند عدم الضرورة إليه كما قال الإمام أحمد: سألت الشافعي عن القياس فقال لي: عند الضرورة وكان استعمالهم لهذا النوع بقدر الضرورة: لم يفرطوا فيه ويفرعوه ويولدوه ويوسعوه كما صنع المتأخرون بحيث اعتاضوا به عن النصوص والآثار وكان أسهل عليهم من حفظها كما يوجد كثير من الناس يضبط قواعد الإفتاء لصعوبة النقل عليه وتعسر(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "53",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حفظه فلم يتعدوا في استعماله قدر الضرورة ولم يبغوا العدول إليه مع تمكنهم من النصوص والآثار كما قال تعالى في المضطر إلى الطعام المحرم: فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم [البقرة: 173] فالباغي: الذي يبتغي الميتة مع قدرته على التوصل إلى المذكى والعادي: الذي يتعدى قدر الحاجة بأكلها.  [الرأي الباطل وأنواعه] فالرأي الباطل أنواع: أحدها: الرأي المخالف للنص وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام فساده وبطلانه ولا تحل الفتيا به ولا القضاء وإن وقع فيه من وقع بنوع تأويل وتقليد. النوع الثاني: هو الكلام في الدين بالخرص والظن مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص وفهمها واستنباط الأحكام منها فإن من جهلها وقاس برأيه فيما سئل عنه بغير علم بل لمجرد قدر جامع بين الشيئين ألحق أحدهما بالآخر أو لمجرد قدر فارق يراه بينهما يفرق بينهما في الحكم من غير نظر إلى النصوص والآثار فقد وقع في الرأي المذموم الباطل. فصل. النوع الثالث: الرأي المتضمن تعطيل أسماء الرب وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهل البدع والضلال من الجهمية والمعتزلة والقدرية ومن ضاهاهم حيث استعمل أهله قياساتهم الفاسدة وآراءهم الباطلة وشبههم الداحضة في رد النصوص الصحيحة الصريحة فردوا لأجلها ألفاظ النصوص التي وجدوا السبيل إلى تكذيب رواتها وتخطئتهم ومعاني النصوص التي لم يجدوا إلى رد ألفاظها سبيلا فقابلوا النوع الأول بالتكذيب والنوع الثاني بالتحريف والتأويل فأنكروا لذلك رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة وأنكروا كلامه وتكليمه لعباده وأنكروا مباينته للعالم واستواءه على عرشه وعلوه على المخلوقات وعموم قدرته على كل شيء بل أخرجوا أفعال عباده من الملائكة والأنبياء والجن والإنس عن تعلق قدرته ومشيئته وتكوينه لها ونفوا لأجلها حقائق ما أخبر به عن نفسه وأخبر به رسوله من صفات كماله ونعوت جلاله وحرفوا لأجلها النصوص عن مواضعها وأخرجوها عن معانيها وحقائقها بالرأي المجرد الذي حقيقته أنه ذبالة الأذهان ونخالة الأفكار وعفارة الآراء ووساوس الصدور فملئوا به الأوراق سوادا والقلوب شكوكا والعالم فسادا وكل من له مسكة من عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ(1\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "54",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من تقديم الرأي على الوحي والهوى على العقل وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه وفي أمة إلا فسد أمرها أتم فساد فلا إله إلا الله كم نفي بهذه الآراء من حق وأثبت بها من باطل وأميت بها من هدى وأحيي بها من ضلالة وكم هدم بها من معقل الإيمان وعمر بها من دين الشيطان وأكثر أصحاب الجحيم هم أهل هذه الآراء الذين لا سمع لهم ولا عقل بل هم شر من الحمر وهم الذين يقولون يوم القيامة: لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير [الملك: 10] . النوع الرابع: الرأي الذي أحدثت به البدع وغيرت به السنن وعم به البلاء وتربى عليه الصغير وهرم فيه الكبير. فهذه الأنواع الأربعة من الرأي الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه وإخراجه من الدين. النوع الخامس: ما ذكره أبو عمر بن عبد البر عن جمهور أهل العلم أن الرأي المذموم في هذه الآثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه والتابعين - رضي الله عنهم - أنه القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات ورد الفروع بعضها على بعض قياسا دون ردها على أصولها والنظر في عللها واعتبارها فاستعمل فيها الرأي قبل أن ينزل وفرعت وشققت قبل أن تقع وتكلم فيها قبل أن تكون بالرأي المضارع للظن قالوا: وفي الاشتغال بهذا والاستغراق فيه تعطيل السنن والبعث على جهلها وترك الوقوف على ما يلزم الوقوف عليه منها ومن كتاب الله عز وجل ومعانيه احتجوا على ما ذهبوا إليه بأشياء ثم ذكر من طريق أسد بن موسى ثنا شريك عن ليث عن طاوس عن ابن عمر قال: لا تسألوا عما لم يكن فإني سمعت عمر يلعن من يسأل عما لم يكن ثم ذكر من طريق أبي داود ثنا إبراهيم بن موسى الرازي ثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن عبد الله بن سعد عن الصنابحي عن معاوية أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: نهى عن الأغلوطات . وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي بإسناده مثله وقال: فسره الأوزاعي يعني صعاب المسائل وقال الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عبد الله بن سعد عن عبادة بن قيس الصنابحي عن معاوية بن أبي سفيان أنهم ذكروا المسائل عنده فقال: أتعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن عضل المسائل . وقال أبو عمر: واحتجوا أيضا بحديث سهل وغيره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كره المسائل وعابها وبأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الله يكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال(1\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "55",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ابن خيثمة: ثنا أبي ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا مالك عن الزهري عن سهل بن سعد قال: لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسائل وعابها قال أبو بكر: هكذا ذكره أحمد بن زهير بهذا الإسناد وهو خلاف لفظ الموطإ قال أبو عمر: وفي سماع أشهب: سئل مالك عن قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنهاكم عن قيل وقال وكثرة السؤال فقال: أما كثرة السؤال فلا أدري أهو ما أنتم فيه مما أنهاكم عنه من كثرة المسائل فقد كره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسائل وعابها وقال الله عز وجل: لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم [المائدة: 101] فلا أدري أهو هذا أم السؤال في مسألة الناس في الاستعطاء. وقال الأوزاعي: عن عبدة بن أبي لبابة: وددت أن حظي من أهل هذا الزمان أن لا أسألهم عن شيء ولا يسألوني يتكاثرون بالمسائل كما يتكاثر أهل الدراهم بالدراهم. قال: واحتجوا أيضا بما رواه ابن شهاب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أباه يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته وروى ابن وهب أيضا قال: حدثني ابن لهيعة عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم . وقال سفيان بن عيينة عن عمرو عن طاوس قال: قال عمر بن الخطاب وهو على المنبر: أحرج بالله على كل امرئ سأل عن شيء لم يكن فإن الله قد بين ما هو كائن. وقال أبو عمر: وروى جرير بن عبد الحميد ومحمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض - صلى الله عليه وسلم - كلهن في القرآن: ويسألونك عن المحيض [البقرة: 222]  يسألونك عن الشهر الحرام [البقرة: 217]  ويسألونك عن اليتامى [البقرة: 220] . ما كانوا يسألونه إلا عما ينفعهم قال أبو عمر: ليس الحديث من الثلاث عشرة مسألة إلا ثلاث. قلت: ومراد ابن عباس بقوله: quot; ما سألوه إلا عن ثلاث عشر مسألة quot; المسائل التي حكاها الله في القرآن عنهم وإلا فالمسائل التي سألوه عنها وبين لهم أحكامها بالسنة لا تكاد تحصى ولكن إنما كانوا يسألونه عما ينفعهم من الواقعات ولم يكونوا يسألونه عن المقدرات والأغلوطات وعضل المسائل ولم يكونوا يشتغلون بتفريع المسائل وتوليدها بل(1\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "56",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كانت هممهم مقصورة على تنفيذ ما أمرهم به فإذا وقع بهم أمر سألوا عنه فأجابهم وقد قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم [المائدة: 101] قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين [المائدة: 102] . وقد اختلف في هذه الأشياء المسئول عنها: هل هي أحكام قدرية أو أحكام شرعية على قولين فقيل: إنها أحكام شرعية عفا الله عنها أي سكت عن تحريمها فيكون سؤالهم عنها سبب تحريمها ولو لم يسألوا لكانت عفوا ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن الحج أفي كل عام فقال: لو قلت نعم لوجبت ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم  ويدل على هذا التأويل حديث أبي ثعلبة المذكور إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما الحديث ومنه الحديث الآخر: إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة من غير نسيان فلا تبحثوا عنها وفسرت بسؤالهم عن أشياء من الأحكام القدرية كقول عبد الله بن حذافة من أبي يا رسول الله  وقول آخر: أين أبي يا رسول الله قال: في النار . والتحقيق أن الآية تعم النهي عن النوعين وعلى هذا فقوله تعالى: إن تبد لكم تسؤكم [المائدة: 101] أما في أحكام الخلق والقدر فإنه يسوءهم أن يبدو لهم ما يكرهونه مما سألوا عنه وأما في أحكام التكليف فإنه يسوءهم أن يبدو لهم ما يشق عليهم تكليفه مما سألوا عنه وقوله تعالى: وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم [المائدة: 101] فيه قولان: أحدهما: أن القرآن إذا نزل بها ابتداء بغير سؤال فسألتم عن تفصيلها وعلمها أبدى لكم وبين لكم والمراد بحين النزول زمنه المتصل به لا الوقت المقارن للنزول وكأن في هذا إذنا لهم في السؤال عن تفصيل المنزل ومعرفته بعد إنزاله ففيه رفع لتوهم المنع من السؤال عن الأشياء مطلقا والقول الثاني أنه من باب التهديد والتحذير أي ما سألتم عنها في وقت نزول الوحي جاءكم بيان ما سألتم عنه بما يسوءكم والمعنى لا تتعرضوا للسؤال عما يسوءكم بيانه وإن تعرضتم له في زمن الوحي أبدى لكم. وقوله: عفا الله عنها [المائدة: 101] أي عن بيانها خبرا وأمرا بل طوي بيانها عنكم رحمة ومغفرة وحلما والله غفور حليم فعلى القول الأول عفا الله عن التكليف بها توسعة عليكم وعلى القول الثاني عفا الله عن بيانها لئلا يسوءكم بيانها. وقوله: قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين [المائدة: 102] أراد نوع تلك المسائل لا(1\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "57",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أعيانها أي قد تعرض قوم من قبلكم لأمثال هذه المسائل فلما بينت لهم كفروا بها فاحذروا مشابهتهم والتعرض لما تعرضوا له. ولم ينقطع حكم هذه الآية بل لا ينبغي للعبد أن يتعرض للسؤال عما إن بدا له ساءه بل يستعفي ما أمكنه ويأخذ بعفو الله. ومن ههنا قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: يا صاحب الميزاب لا تخبرنا لما سأله رفيقه عن مائه أطاهر أم لا وكذلك لا ينبغي للعبد أن يسأل ربه أن يبدي له من أحواله وعاقبته ما طواه عنه وستره فلعله يسوءه إن أبدي له فالسؤال عن جميع ذلك تعرض لما يكرهه الله فإنه سبحانه يكره إبداءها ولذلك سكت عنها والله أعلم. فصل. قالوا: ومن تدبر الآثار المروية في ذم الرأي وجدها لا تخرج عن هذه الأنواع المذمومة ونحن نذكر آثار التابعين ومن بعدهم بذلك ليتبين مرادهم: قال الخشني: ثنا محمد بن بشار ثنا يحيى بن سعيد القطان عن مجالد عن الشعبي قال: لعن الله أرأيت قال يحيى بن سعيد: وثنا صالح بن مسلم قال: سألت الشعبي عن مسألة من النكاح فقال: إن أخبرتك برأيي فبل عليه. قالوا: فهذا قول الشعبي في رأيه وهو من كبار التابعين وقد لقي مائة وعشرين من الصحابة وأخذ عن جمهورهم. وقال الطحاوي: ثنا سليمان بن شعيب ثنا عبد الرحمن بن خالد ثنا مالك بن مغول عن الشعبي قال: ما جاءكم به هؤلاء من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخذوه وما كان من رأيهم فاطرحوه في الحش. وقال البخاري: حدثنا سنيد بن داود ثنا حماد بن زيد عن زيد عن عمرو بن دينار قال: قيل لجابر بن زيد: إنهم يكتبون ما يسمعون منك قال: إنا لله وإنا إليه راجعون يكتبونه وأنا أرجع عنه غدا. قال إسحاق بن راهويه: قال سفيان بن عيينة: اجتهاد الرأي هو مشاورة أهل العلم لا أن يقول هو برأيه. وقال ابن أبي خيثمة: ثنا الحوطي ثنا إسماعيل بن عياش عن سوادة بن زياد(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "58",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعمرو بن المهاجر عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى الناس: أنه لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال أبو بصيرة: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول للحسن البصري: بلغني أنك تفتي برأيك فلا تفت برأيك إلا أن يكون سنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال البخاري: حدثني محمد بن محبوب ثنا عبد الواحد ثنا ابن الزبرقان بن عبد الله الأسيدي أن أبا وائل شقيق بن سلمة قال: إياك ومجالسة من يقول: أرأيت أرأيت. وقال أبان بن عيسى بن دينار عن أبيه عن ابن القاسم عن مالك عن ابن شهاب قال: دعوا السنة تمضي لا تعرضوا لها بالرأي. وقال يونس عن أبي الأسود وهو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل - سمعت عروة بن الزبير يقول: ما زال أمر بني إسرائيل معتدلا حتى نشأ فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم فأخذوا فيهم بالرأي فأضلوهم. وذكر ابن وهب عن ابن شهاب أنه قال وهو يذكر ما وقع فيه الناس من هذا الرأي وتركهم السنن فقال: إن اليهود والنصارى إنما انسلخوا من العلم الذي بأيديهم حين اتبعوا الرأي وأخذوا فيه. وقال ابن وهب: حدثني ابن لهيعة أن رجلا سأل سالم بن عبد الله بن عمر عن شيء فقال: لم أسمع في هذا شيئا فقال له الرجل: فأخبرني أصلحك الله برأيك فقال: لا ثم أعاد عليه فقال: إني أرضى برأيك فقال سالم: إني لعلي إن أخبرتك برأيي ثم تذهب فأرى بعد ذلك رأيا غيره فلا أجدك. وقال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي ثنا مالك بن أنس قال: كان ربيعة يقول لابن شهاب: إن حالي ليس بشبه حالك أنا أقول برأيي من شاء أخذه وعمل به ومن شاء تركه. وقال الفريابي: ثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: سمعت حماد بن زيد يقول: قيل لأيوب السختياني: ما لك لا تنظر في الرأي فقال أيوب: قيل للحمار ما لك لا تجتر قال: أكره مضغ الباطل. وقال الفريابي: ثنا العباس بن الوليد بن مزيد أخبرني أبي قال: سمعت الأوزاعي يقول: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول(1\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "59",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو زرعة: ثنا أبو مسهر قال: كان سعيد بن عبد العزيز إذا سئل لا يجيب حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله هذا الرأي والرأي يخطئ ويصيب. وقد روى أبو يوسف والحسن بن زياد كلاهما عن أبي حنيفة أنه قال: علمنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه ومن جاءنا بأحسن منه قبلناه منه. وقال الطحاوي: ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ثنا أشهب بن عبد العزيز قال: كنت عند مالك فسئل عن البتة فأخذت ألواحي لأكتب ما قال فقال لي مالك: لا تفعل فعسى في العشي أقول إنها واحدة. وقال معن بن عيسى القزاز: سمعت مالكا يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في قولي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه فرضي الله عن أئمة الإسلام وجزاهم عن نصيحتهم خيرا ولقد امتثل وصيتهم وسلك سبيلهم أهل العلم والدين من أتباعهم. [المتعصبون عكسوا القضية] وأما المتعصبون فإنهم عكسوا القضية ونظروا في السنة فما وافق أقوالهم منها قبلوه وما خالفها تحيلوا في رده أو رد دلالته وإذا جاء نظير ذلك أو أضعف منه سندا ودلالة وكان يوافق قولهم قبلوه ولم يستجيزوا رده واعترضوا به على منازعيهم وأشاحوا وقرروا الاحتجاج بذلك السند ودلالته فإذا جاء ذلك السند بعينه أو أقوى منه ودلالته كدلالة ذلك أو أقوى منه في خلاف قولهم دفعوه ولم يقبلوه وسنذكر من هذا إن شاء الله طرفا عند ذكر غائلة التقليد وفساده والفرق بينه وبين الاتباع. وقال بقي بن مخلد: ثنا سحنون والحارث بن مسكين عن ابن القاسم عن مالك أنه كان يكثر أن يقول: إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين [الجاثية: 32] . وقال القعنبي: دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه فسلمت عليه ثم جلست فرأيته يبكي فقلت له: يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك فقال لي: يا ابن قعنب ومالي لا أبكي ومن أحق بالبكاء مني والله لوددت أني ضربت بكل مسألة أفتيت فيها بالرأي سوطا وقد كانت لي السعة فيما قد سبقت إليه وليتني لم أفت بالرأي(1\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "60",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ابن أبي داود: ثنا أحمد بن سنان قال: سمعت الشافعي يقول: مثل الذي ينظر في الرأي ثم يتوب منه مثل المجنون الذي عولج حتى برئ فأعقل ما يكون قد هاج به. وقال ابن أبي داود: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: لا تكاد ترى أحدا نظر في الرأي إلا وفي قلبه دغل. وقال عبد الله بن أحمد أيضا: سمعت أبي يقول: الحديث الضعيف أحب إلي من الرأي فقال عبد الله: سألت أبي عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيه إلا صاحب حديث لا يعرف صحيحه من سقيمه وأصحاب رأي فتنزل به النازلة فقال أبي: يسأل أصحاب الحديث ولا يسأل أصحاب الرأي ضعيف الحديث أقوى من الرأي. [أبو حنيفة يقدم الحديث الضعيف على الرأي] وأصحاب أبي حنيفة - رحمه الله - مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي وعلى ذلك بنى مذهبه كما قدم حديث القهقهة مع ضعفه على القياس والرأي وقدم حديث الوضوء بنبيذ التمر في السفر مع ضعفه على الرأي والقياس ومنع قطع السارق بسرقة أقل من عشرة دراهم والحديث فيه ضعيف وجعل أكثر الحيض عشرة أيام والحديث فيه ضعيف وشرط في إقامة الجمعة المصر والحديث فيه كذلك وترك القياس المحض في مسائل الآبار لآثار فيها غير مرفوعة فتقديم الحديث الضعيف وآثار الصحابة على القياس والرأي قوله وقول الإمام أحمد وليس المراد بالحديث الضعيف في اصطلاح السلف هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين بل ما يسميه المتأخرون حسنا قد يسميه المتقدمون ضعيفا كما تقدم بيانه. والمقصود أن السلف جميعهم على ذم الرأي والقياس المخالف للكتاب والسنة وأنه لا يحل العمل به لا فتيا ولا قضاء وأن الرأي الذي لا يعلم مخالفته للكتاب والسنة ولا موافقته فغايته أن يسوغ العمل به عند الحاجة إليه من غير إلزام ولا إنكار على من خالفه. قال أبو عمر بن عبد البر: ثنا عبد الرحمن بن يحيى ثنا أحمد بن سعيد بن حزم ثنا عبد الله بن يحيى عن أبيه أنه كان يأتي ابن وهب فيقول له: من أين فيقول له: من عند ابن القاسم فيقول له ابن وهب: اتق الله فإن أكثر هذه المسائل رأي. وقال الحافظ أبو محمد: ثنا عبد الرحمن بن سلمة ثنا أحمد بن حنبل ثنا خالد بن سعيد أخبرني محمد بن عمر بن كنانة ثنا أبان بن عيسى بن دينار قال: كان أبي قد أجمع على ترك الفتيا بالرأي وأحب الفتيا بما روي من الحديث فأعجلته المنية عن ذلك(1\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "61",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو عمر: وروى الحسن بن واصل أنه قال: إنما هلك من كان قبلكم حين تشعبت بهم السبل وحادوا عن الطريق وتركوا الآثار وقالوا في الدين برأيهم فضلوا وأضلوا قال أبو عمر: وذكر نعيم بن حماد عن أبي معاوية عن الأعمش عن مسلم عن مسروق: من يرغب برأيه عن أمر الله يضل. وذكر ابن وهب قال: أخبرني بكر بن نصر عن رجل من قريش أنه سمع ابن شهاب يقول وهو يذكر ما وقع فيه الناس من هذا الرأي وتركهم السنن فقال: إن اليهود والنصارى إنما انسلخوا من العلم الذي كان بأيديهم حين اشتقوا الرأي وأخذوا فيه. وذكر ابن جرير في كتاب quot; تهذيب الآثار quot; له عن مالك قال: قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد تم هذا الأمر واستكمل فإنما ينبغي أن تتبع آثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا تتبع الرأي فإنه من اتبع الرأي جاء رجل آخر أقوى منه في الرأي فاتبعه فأنت كلما جاء رجل غلبك اتبعته. وقال نعيم بن حماد: ثنا ابن المبارك عن عبد الله بن وهب أن رجلا جاء إلى القاسم بن محمد فسأله عن شيء فأجابه فلما ولى الرجل دعاه فقال له: لا تقل إن القاسم زعم أن هذا هو الحق ولكن إذا اضطررت إليه عملت به. وقال أبو عمر: قال ابن وهب: قال لي مالك بن أنس وهو ينكر كثرة الجواب للمسائل: يا أبا عبد الله ما علمته فقل به ودل عليه وما لم تعلم فاسكت وإياك أن تتقلد للناس قلادة سوء. وقال أبو عمر: وذكر محمد بن حارث بن أسد الخشني أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عباس النحاس قال: سمعت أبا عثمان سعيد بن محمد الحداد يقول: سمعت سحنون بن سعيد يقول: ما أدري ما هذا الرأي سفكت به الدماء واستحلت به الفروج واستحقت به الحقوق غير أنا رأينا رجلا صالحا فقلدناه. وقال سلمة بن شبيب: سمعت أحمد يقول: رأي الشافعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله عندي رأي وهو عندي سواء وإنما الحجة في الآثار. وقال أبو عمر بن عبد البر: أنشدني عبد الرحمن بن يحيى أنشدنا أبو علي الحسن بن الخضر الأسيوطي بمكة أنشدنا محمد بن جعفر أنشدنا عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه:(1\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "62",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دين النبي محمد آثار ... نعم المطية للفتى الأخبار لا تخدعن عن الحديث وأهله ... فالرأي ليل والحديث نهار ولربما جهل الفتى طرق الهدى ... والشمس طالعة لها أنوار ولبعض أهل العلم: العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس خلف فيه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين النصوص وبين رأي سفيه كلا ولا نصب الخلاف جهالة ... بين الرسول وبين رأي فقيه كلا ولا رد النصوص تعمدا ... حذرا من التجسيم والتشبيه حاشا النصوص من الذي رميت به ... من فرقة التعطيل والتمويه  [فصل في الرأي المحمود وهو أنواع] [النوع الأول من الرأي المحمود] . فصل في الرأي المحمود وهو أنواع [النوع الأول من الرأي المحمود] النوع الأول: رأي أفقه الأمة وأبر الأمة قلوبا وأعمقهم علما وأقلهم تكلفا وأصحهم قصودا وأكملهم فطرة وأتمهم إدراكا وأصفاهم أذهانا الذي شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل وفهموا مقاصد الرسول فنسبة آرائهم وعلومهم وقصودهم إلى ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - كنسبتهم إلى صحبته والفرق بينهم وبين من بعدهم في ذلك كالفرق بينهم وبينهم في الفضل فنسبة رأي من بعدهم إلى رأيهم كنسبة قدرهم إلى قدرهم. قال الشافعي - رحمه الله - في رسالته البغدادية التي رواها عنه الحسن بن محمد الزعفراني وهذا لفظه: وقد أثنى الله تبارك وتعالى على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القرآن والتوراة والإنجيل وسبق لهم على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الفضل ما ليس لأحد بعدهم فرحمهم الله وهنأهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين أدوا إلينا سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشاهدوه والوحي ينزل عليه فعلموا ما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاما وخاصا وعزما وإرشادا وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا ومن أدركنا ممن يرضى أو حكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا أو قول بعضهم إن تفرقوا وهكذا نقول ولم نخرج عن أقاويلهم وإن قال أحدهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله(1\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "63",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولما كان رأي الصحابة عند الشافعي بهذه المثابة قال في الجديد في كتاب الفرائض في ميراث الجد والإخوة: وهذا مذهب تلقيناه عن زيد بن ثابت وعنه أخذنا أكثر الفرائض وقال: والقياس عندي قتل الراهب لولا ما جاء عن أبي بكر - رضي الله عنه - فترك صريح القياس لقول الصديق وقال في رواية الربيع عنه: والبدعة ما خالف كتابا أو سنة أو أثرا عن بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعل ما خالف قول الصحابي بدعة وسيأتي إن شاء الله تعالى إشباع الكلام في هذه المسألة وذكر نصوص الشافعي عند ذكر تحريم الفتوى بخلاف ما أفتى به الصحابة ووجوب اتباعهم في فتاويهم وأن لا يخرج من جملة أقوالهم وأن الأئمة متفقون على ذلك. [ليس مثل الصحابة أحد] والمقصود أن أحدا ممن بعدهم لا يساويهم في رأيهم وكيف يساويهم وقد كان أحدهم يرى الرأي فينزل القرآن بموافقته كما رأى عمر في أسارى بدر أن تضرب أعناقهم فنزل القرآن بموافقته ورأى أن تحجب نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزل القرآن بموافقته ورأى أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى فنزل القرآن بموافقته وقال لنساء النبي - صلى الله عليه وسلم - لما اجتمعن في الغيرة عليه عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات [التحريم: 5] فنزل القرآن بموافقته ولما توفي عبد الله بن أبي قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوبه فقال: يا رسول الله إنه منافق فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله عليه: ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره [التوبة: 84]  . وقد قال سعد بن معاذ لما حكمه النبي - صلى الله عليه وسلم - في بني قريظة: إني أرى أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذرياتهم وتغنم أموالهم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات . ولما اختلفوا إلى ابن مسعود شهرا في المفوضة قال: أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريء منه أرى أن لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط ولها الميراث وعليها العدة فقام ناس من أشجع فقالوا: نشهد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في امرأة منا يقال لها بروع بنت واشق مثل ما قضيت به فما فرح ابن مسعود بشيء بعد الإسلام فرحه بذلك. وحقيق بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم لنا خيرا من رأينا لأنفسنا وكيف لا وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نورا وإيمانا وحكمة وعلما ومعرفة وفهما عن الله(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "64",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورسوله ونصيحة للأمة وقلوبهم على قلب نبيهم ولا واسطة بينهم وبينه وهم ينقلون العلم والإيمان من مشكاة النبوة غضا طريا لم يشبه إشكال ولم يشبه خلاف ولم تدنسه معارضة فقياس رأي غيرهم بآرائهم من أفسد القياس.  [فصل النوع الثاني من الرأي المحمود] فصل: [النوع الثاني من الرأي المحمود] النوع الثاني من الرأي المحمود: الرأي الذي يفسر النصوص ويبين وجه الدلالة منها ويقررها ويوضح محاسنها ويسهل طريق الاستنباط منها كما قال عبدان: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: ليكن الذي تعتمد عليه الأثر وخذ من الرأي ما يفسر لك الحديث وهذا هو الفهم الذي يختص الله سبحانه به من يشاء من عباده. ومثال هذا رأي الصحابة - رضي الله عنهم - في العول في الفرائض عند تزاحم الفروض ورأيهم في مسألة زوج وأبوين وامرأة وأبوين أن للأم ثلث ما بقي بعد فرض الزوجين ورأيهم في توريث المبتوتة في مرض الموت ورأيهم في مسألة جر الولاء ورأيهم في المحرم يقع على أهله بفساد حجه ووجوب المضي فيه والقضاء والهدي من قابل ورأيهم في الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا لكل يوم مسكينا ورأيهم في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر تصلي المغرب والعشاء وإن طهرت قبل الغروب صلت الظهر والعصر ورأيهم في الكلالة وغير ذلك. قال الإمام أحمد: ثنا يزيد بن هارون أنا عاصم الأحول عن الشعبي قال: سئل أبو بكر عن الكلالة فقال: إني سأقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان أراه ما خلا الوالد والولد. فإن قيل: كيف يجتمع هذا مع ما صح عنه من قوله: quot; أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت في كتاب الله برأيي quot; وكيف يجامع هذا الحديث الذي تقدم من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار  . فالجواب أن الرأي نوعان: أحدهما: رأي مجرد لا دليل عليه بل هو خرص وتخمين فهذا الذي أعاذ الله الصديق والصحابة منه. والثاني: رأي مستند إلى استدلال واستنباط من النص وحده أو من نص آخر معه(1\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "65",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا من ألطف فهم النصوص وأدقه ومنه رأيه في الكلالة أنها ما عدا الوالد والولد فإن الله سبحانه ذكر الكلالة في موضعين من القرآن ففي أحد الموضعين ورث معها الأخ والأخت من الأم ولا ريب أن هذه الكلالة ما عدا الوالد والولد والموضع الثاني ورث معها ولد الأبوين أو الأب النصف أو الثلثين فاختلف الناس في هذه الكلالة والصحيح فيها قول الصديق الذي لا قول سواه وهو الموافق للغة العرب كما قال: ورثتم قناة المجد لا عن كلالة ... عن ابني مناف عبد شمس وهاشم أي إنما ورثتموها عن الآباء والأجداد لا عن حواشي النسب وعلى هذا فلا يرث ولد الأب والأبوين لا مع أب ولا مع جد كما لم يرثوا مع الابن ولا ابنه وإنما ورثوا مع البنات لأنهم عصبة فلهم ما فضل عن الفروض.  [فصل النوع الثالث من الرأي المحمود] فصل. [النوع الثالث من الرأي المحمود] النوع الثالث من الرأي المحمود: الذي تواطأت عليه الأمة وتلقاه خلفهم عن سلفهم فإن ما تواطئوا عليه من الرأي لا يكون إلا صوابا كما تواطئوا عليه من الرواية والرؤيا وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه وقد تعددت منهم رؤيا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان: أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فاعتبر - صلى الله عليه وسلم - تواطؤ رؤيا المؤمنين فالأمة معصومة فيما تواطأت عليه من روايتها ورؤياها ولهذا كان من سداد الرأي وإصابته أن يكون شورى بين أهله ولا ينفرد به واحد وقد مدح الله سبحانه المؤمنين بكون أمرهم شورى بينهم وكانت النازلة إذا نزلت بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ليس عنده فيها نص عن الله ولا عن رسوله جمع لها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم جعلها شورى بينهم. قال البخاري: حدثنا سنيد ثنا يزيد عن العوام بن حوشب عن المسيب بن رافع قال: كان إذا جاءه الشيء من القضاء ليس في الكتاب ولا في السنة سمى صوافي الأمر إليهم فجمع له أهل العلم فإذا اجتمع عليه رأيهم الحق. وقال محمد بن سليمان الباغندي: ثنا عبد الرحمن بن يونس ثنا عمر بن أيوب أخبرنا عيسى بن المسيب عن عامر عن شريح القاضي قال: قال لي عمر بن الخطاب أن أقض بما استبان لك من قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن لم تعلم كل أقضية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاقض بما(1\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "66",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "استبان لك من أئمة المهتدين فإن لم تعلم كل ما قضت به أئمة المهتدين فاجتهد رأيك واستشر أهل العلم والصلاح. وقال الحميدي: ثنا سفيان ثنا الشيباني عن الشعبي قال: كتب عمر إلى شريح إذا حضرك أمر لا بد منه فانظر ما في كتاب الله فاقض به فإن لم يكن ففيما قضى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن لم يكن ففيما قضى به الصالحون وأئمة العدل فإن لم يكن فأنت بالخيار فإن شئت أن تجتهد رأيك فاجتهد رأيك وإن شئت أن تؤامرني ولا أرى مؤامرتك إياي إلا خيرا لك والسلام.  [فصل النوع الرابع من الرأي المحمود] النوع الرابع من الرأي المحمود: أن يكون بعد طلب علم الواقعة من القرآن فإن لم يجدها في القرآن ففي السنة فإن لم يجدها في السنة فبما قضى به الخلفاء الراشدون أو اثنان منهم أو واحد فإن لم يجده فبما قاله واحد من الصحابة - رضي الله عنهم - فإن لم يجده اجتهد رأيه ونظر إلى أقرب ذلك من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأقضية أصحابه فهذا هو الرأي الذي سوغه الصحابة واستعملوه وأقر بعضهم بعضا عليه. قال علي بن الجعد: أنبأنا شعبة عن سيار عن الشعبي قال: أخذ عمر فرسا من رجل على سوم فحمل عليه فعطب فخاصمه الرجل فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلا فقال الرجل: إني أرضى بشريح العراقي فقال شريح: أخذته صحيحا سليما فأنت له ضامن حتى ترده صحيحا سليما قال: فكأنه أعجبه فبعثه قاضيا قال: ما استبان لك من كتاب الله فلا تسأل عنه فإن لم يستبن في كتاب الله فمن السنة فإن لم تجده في السنة فاجتهد رأيك.  [كتاب عمر في القضاء وشرحه] [خطاب عمر إلى أبي موسى] وقال أبو عبيد: ثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان وقال أبو نعيم: عن جعفر بن برقان عن معمر البصري عن أبي العوام وقال سفيان بن عيينة: ثنا إدريس أبو عبد الله بن إدريس قال: أتيت سعيد بن أبي بردة فسألته عن رسل عمر بن الخطاب التي كان يكتب بها إلى أبي موسى الأشعري وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بردة فأخرج إليه كتبا فرأيت في كتاب منها رجعنا إلى حديث أبي العوام قال: كتب عمر إلى أبي موسى quot; أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة فافهم إذا أدلى إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا(1\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "67",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفاذ له آس الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك البينة على المدعي واليمين على من أنكر والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا ومن ادعى حقا غائبا أو بينة فاضرب له أمدا ينتهي إليه فإن بينه أعطيته بحقه وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية فإن ذلك هو أبلغ في العذر وأجلى للعماء ولا يمنعنك قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه رأيك فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق فإن الحق قديم لا يبطله شيء ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجربا عليه شهادة زور أو مجلودا في حد أو ظنينا في ولاء أو قرابة فإن الله تعالى تولى من العباد السرائر وستر عليهم الحدود إلا بالبينات والأيمان ثم الفهم الفهم فيما أدلى إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة ثم قايس الأمور عند ذلك واعرف الأمثال ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس والتنكر عند الخصومة أو الخصوم شك أبو عبيد فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر ويحسن به الذكر فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس ومن تزين بما ليس في نفسه شانه الله فإن الله تعالى لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصا فما ظنك بثواب عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته والسلام عليك ورحمة الله quot; قال أبو عبيد: فقلت لكثير: هل أسنده جعفر قال: لا. وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه وإلى تأمله والتفقه فيه. [شرح كتاب عمر في القضاء] وقوله: quot; القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة quot; يريد به أن ما يحكم به الحاكم نوعان: أحدهما: فرض محكم غير منسوخ كالأحكام الكلية التي أحكمها الله في كتابه. والثاني: أحكام سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذان النوعان هما المذكوران في حديث عبد الله بن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: العلم ثلاثة فما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة وسنة قائمة وفريضة عادلة رواه ابن وهب عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن رافع عنه. ورواه بقية عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: دخل المسجد فرأى جمعا من الناس على رجل فقال: ما هذا قالوا: يا رسول الله رجل علامة قال: وما العلامة قالوا: أعلم الناس بأنساب العرب وأعلم الناس بعربية وأعلم الناس بشعر وأعلم الناس بما اختلف فيه العرب فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هذا علم لا ينفع وجهل لا يضر وقال(1\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "68",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: العلم ثلاثة وما خلا فهو فضل: علم آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة .  [صحة الفهم وحسن القصد] [صحة الفهم نعمة] وقوله: quot; فافهم إذا أدلى إليك quot; صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده بل ما أعطي عبد عطاء بعد الإسلام أفضل ولا أجل منهما بل هما ساقا الإسلام وقيامه عليهما وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم ويصير من المنعم عليهم الذين حسنت أفهامهم وقصودهم وهم أهل الصراط المستقيم الذين أمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد يميز به بين الصحيح والفاسد والحق والباطل والهدى والضلال والغي والرشاد ويمده حسن القصد وتحري الحق وتقوى الرب في السر والعلانية ويقطع مادته اتباع الهوى وإيثار الدنيا وطلب محمدة الخلق وترك التقوى. [التمكن بنوعين من الفهم] ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما. والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان قوله في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرا فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله كما توصل شاهد يوسف بشق القميص من دبر إلى معرفة براءته وصدقه وكما توصل سليمان - صلى الله عليه وسلم - بقوله: quot; ائتوني بالسكين حتى أشق الولد بينكما quot; إلى معرفة عين الأم وكما توصل أمير المؤمنين علي - عليه السلام - بقوله للمرأة التي حملت كتاب حاطب ما أنكرته لتخرجن الكتاب أو لأجردنك إلى استخراج الكتاب منها. وكما توصل الزبير بن العوام بتعذيب أحد ابني أبي الحقيق بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى دلهم على كنز جبى لما ظهر له كذبه في دعوى ذهابه بالإنفاق بقوله: المال كثير والعهد أقرب من ذلك وكما توصل النعمان بن بشير بضرب المتهمين بالسرقة إلى ظهور المال المسروق عندهم فإن ظهر وإلا ضرب من اتهمهم كما ضربهم وأخبر أن هذا حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ومن تأمل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحة بهذا ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها رسوله(1\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "69",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله: quot; فما أدلى إليك quot; أي ما توصل به إليك من الكلام الذي تحكم به بين الخصوم ومنه قولهم: أدلى فلان بحجته وأدلى بنسبه ومنه قوله تعالى: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام [البقرة: 188] أي تضيفوا ذلك إلى الحكام وتتوصلوا بحكمهم إلى أكلها. فإن قيل: لو أراد هذا المعنى لقيل: quot; وتدلوا بالحكام إليها quot; وأما الإدلاء بها إلى الحكام فهو التوصل بالبرطيل بها إليهم فترشوا الحاكم لتتوصلوا برشوته إلى الأكل بالباطل. قيل: الآية تتناول النوعين فكل منهما إدلاء إلى الحكام بسببها فالنهي عنهما معا  . وقوله: quot; فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له quot; ولاية الحق: نفوذه فإذا لم ينفذ كان ذلك عزلا له عن ولايته فهو بمنزلة الوالي العدل الذي في توليته مصالح العباد في معاشهم ومعادهم فإذا عزل عن ولايته لم ينفع ومراد عمر بذلك التحريض على تنفيذ الحق إذا فهمه الحاكم ولا ينفع تكلمه به إن لم يكن له قوة تنفيذه فهو تحريض منه على العلم بالحق والقوة على تنفيذه وقد مدح الله سبحانه أولي القوة في أمره والبصائر في دينه فقال: واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار [ص: 45] فالأيدي: القوى على تنفيذ أمر الله والأبصار: البصائر في دينه.  [واجب الحاكم] وقوله: quot; وآس الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك quot; إذا عدل الحاكم في هذا بين الخصمين فهو عنوان عدله في الحكومة فمتى خص أحد الخصمين بالدخول عليه أو القيام له أو بصدر المجلس والإقبال عليه والبشاشة له والنظر إليه كان عنوان حيفه وظلمه وقد رأيت في بعض التواريخ القديمة أن أحد قضاة العدل في بني إسرائيل أوصاهم إذا دفنوه أن ينبشوا قبره بعد مدة فينظروا هل تغير منه شيء أم لا وقال: إني لم أجر قط في حكم ولم أحاب فيه غير أنه دخل علي خصمان كان أحدهما صديقا لي فجعلت أصغي إليه بأذني أكثر من إصغائي إلى الآخر ففعلوا ما أوصاهم به فرأوا أذنه قد أكلها التراب ولم يتغير جسده وفي تخصيص أحد الخصمين بمجلس أو إقبال أو إكرام مفسدتان إحداهما: طمعه في أن تكون الحكومة له فيقوى قلبه وجنانه والثانية: أن الآخر ييأس من عدله ويضعف قلبه وتنكسر حجته.(1\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "70",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معنى البينة] وقوله: quot; البينة على المدعي واليمين على من أنكر quot; البينة في كلام الله ورسوله وكلام الصحابة اسم لكل ما يبين الحق فهي أعم من البينة في اصطلاح الفقهاء حيث خصوها بالشاهدين أو الشاهد واليمين ولا حجر في الاصطلاح ما لم يتضمن حمل كلام الله ورسوله عليه فيقع بذلك الغلط في فهم النصوص وحملها على غير مراد المتكلم منها وقد حصل بذلك للمتأخرين أغلاط شديدة في فهم النصوص ونذكر من ذلك مثالا واحدا وهو ما نحن فيه لفظ البينة فإنها في كتاب الله اسم لكل ما يبين الحق كما قال تعالى: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات [الحديد: 25] وقال: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون - بالبينات [النحل: 43 - 44] وقال: وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة [البينة: 4] وقال: قل إني على بينة من ربي [الأنعام: 57] وقال: أفمن كان على بينة من ربه [هود: 17] وقال: أم آتيناهم كتابا فهم على بينت منه [فاطر: 40] وقال أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى [طه: 133] وهذا كثير لم يختص لفظ البينة بالشاهدين بل ولا استعمل في الكتاب فيهما ألبتة. إذا عرف هذا فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للمدعي ألك بينة وقول عمر quot; البينة على المدعي quot; وإن كان هذا قد روي مرفوعا المراد به ألك ما يبين الحق من شهود أو دلالة فإن الشارع في جميع المواضع يقصد ظهور الحق بما يمكن ظهوره به من البينات التي هي أدلة عليه وشواهد له ولا يرد حقا قد ظهر بدليله أبدا فيضيع حقوق الله وعباده ويعطلها ولا يقف ظهور الحق على أمر معين لا فائدة في تخصيصه به مع مساواة غيره في ظهور الحق أو رجحانه عليه ترجيحا لا يمكن جحده ودفعه كترجيح شاهد الحال على مجرد اليد في صورة من على رأسه عمامة وبيده عمامة وآخر خلفه مكشوف الرأس يعدو أثره ولا عادة له بكشف رأسه فبينة الحال ودلالته هنا تفيد من ظهور صدق المدعي أضعاف ما يفيد مجرد اليد عند كل أحد فالشارع لا يهمل مثل هذه البينة والدلالة ويضيع حقا يعلم كل أحد ظهوره وحجته بل لما ظن هذا من ظنه ضيعوا طريق الحكم فضاع كثير من الحقوق لتوقف ثبوتها عندهم على طريق معين وصار الظالم الفاجر ممكنا من ظلمه وفجوره فيفعل ما يريد ويقول لا يقوم علي بذلك شاهدان اثنان فضاعت حقوق كثيرة لله ولعباده وحينئذ أخرج الله أمر الحكم العلمي عن أيديهم وأدخل فيه من أمر الإمارة والسياسة ما يحفظ به الحق تارة ويضيع به أخرى ويحصل به العدوان تارة والعدل أخرى(1\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "71",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولو عرف ما جاء به الرسول على وجهه لكان فيه تمام المصلحة المغنية عن التفريط والعدوان.  [نصاب الشهادة] وقد ذكر الله سبحانه نصاب الشهادة في القرآن في خمسة مواضع فذكر نصاب شهادة الزنا أربعة في سورة النساء وسورة النور وأما في غير الزنا فذكر شهادة الرجلين والرجل والمرأتين في الأموال فقال في آية الدين: واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان [البقرة: 282] فهذا في التحمل والوثيقة التي يحفظ بها صاحب المال حقه لا في طريق الحكم وما يحكم به الحاكم فإن هذا شيء وهذا شيء وأمر في الرجعة بشاهدين عدلين وأمر في الشهادة على الوصية في السفر بإشهاد عدلين من المسلمين أو آخرين من غيرهم وغير المؤمنين هم الكفار والآية صريحة في قبول شهادة الكافرين على الوصية في السفر عند عدم الشاهدين المسلمين وقد حكم به النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة بعده ولم يجئ بعدها ما ينسخها فإن المائدة من آخر القرآن نزولا وليس فيها منسوخ وليس لهذه الآية معارض ألبتة ولا يصح أن يكون المراد بقوله: من غيركم [المائدة: 106] من غير قبيلتكم فإن الله سبحانه خاطب بها المؤمنين كافة بقوله: يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم [المائدة: 106] ولم يخاطب بذلك قبيلة معينة حتى يكون قوله: من غيركم [المائدة: 106] أيتها القبيلة والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفهم هذا من الآية بل إنما فهم ما هي صريحة فيه وكذلك أصحابه من بعده وهو سبحانه ذكر ما يحفظ به الحقوق من الشهود ولم يذكر أن الحكام لا يحكمون إلا بذلك فليس في القرآن نفي الحكم بشاهد ويمين ولا بالنكول ولا باليمين المردودة ولا بأيمان القسامة ولا بأيمان اللعان وغير ذلك مما يبين الحق ويظهره ويدل عليه. وقد اتفق المسلمون على أنه يقبل في الأموال رجل وامرأتان وكذلك توابعها من البيع والأجل فيه والخيار فيه والرهن والوصية للمعين وهبته والوقف عليه وضمان المال وإتلافه ودعوى رق مجهول النسب وتسمية المهر وتسمية عوض الخلع يقبل في ذلك رجل وامرأتان. وتنازعوا في العتق والوكالة في المال والإيصاء إليه فيه ودعوى قتل الكافر لاستحقاق سلبه ودعوى الأسير الإسلام السابق لمنع رقه وجناية الخطأ والعمد التي لا(1\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "72",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قود فيها والنكاح والرجعة هل يقبل فيها رجل وامرأتان أم لا بد من رجلين على قولين وهما روايتان عن أحمد فالأول قول أبي حنيفة والثاني قول مالك والشافعي. والذين قالوا لا يقبل إلا رجلان قالوا: إنما ذكر الله الرجل والمرأتين في الأموال دون الرجعة والوصية وما معهما فقال لهم الآخرون: ولم يذكر سبحانه وصف الإيمان في الرقبة إلا في كفارة القتل ولم يذكر فيها إطعام ستين مسكينا وقلتم: نحمل المطلق على المقيد إما بيانا وإما قياسا وقالوا أيضا: فإنه سبحانه إنما قال: وأشهدوا ذوي عدل منكم [الطلاق: 2] وفي الآية الأخرى: اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم [المائدة: 106] بخلاف آية الدين فإنه قال: واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء [البقرة: 282] وفي الموضعين الآخرين لما لم يقل رجلان لم يقل فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان. فإن قيل: اللفظ مذكر فلا يتناول الإناث. قيل: قد استقر في عرف الشارع أن الأحكام المذكورة بصيغة المذكرين إذا أطلقت ولم تقترن بالمؤنث فإنها تتناول الرجال والنساء لأنه يغلب المذكر عند الاجتماع كقوله: فإن كان له إخوة فلأمه السدس [النساء: 11] وقوله: ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا [البقرة: 282] وقوله: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام [البقرة: 183] وأمثال ذلك وعلى هذا فقوله: وأشهدوا ذوي عدل منكم [الطلاق: 2] يتناول الصنفين لكن قد استقرت الشريعة على أن شهادة المرأة نصف شهادة الرجل فالمرأتان في الشهادة كالرجل الواحد بل هذا أولى فإن حضور النساء عند الرجعة أيسر من حضورهن عند كتابة الوثائق بالديون وكذلك حضورهن عند الوصية وقت الموت فإذا جوز الشارع استشهاد النساء في وثائق الديون التي تكتبها الرجال مع أنها إنما تكتب غالبا في مجامع الرجال فلأن يسوغ ذلك فيما تشهده النساء كثيرا كالوصية والرجعة أولى. يوضحه أنه قد شرع في الوصية استشهاد آخرين من غير المسلمين عند الحاجة فلأن يجوز استشهاد رجل وامرأتين بطريق الأولى والأحرى بخلاف الديون فإنه لم يأمر فيها باستشهاد آخرين من غيرنا إذ كانت مداينة المسلمين تكون بينهم وشهودهم حاضرون والوصية في السفر قد لا يشهدها إلا أهل الذمة وكذلك الميت قد لا يشهده إلا النساء وأيضا فإنما أمر في الرجعة باستشهاد ذوي عدل لأن المستشهد هو المشهود عليه بالرجعة وهو الزوج لئلا يكتمها فأمر بأن يستشهد أكمل النصاب ولا يلزم إذا لم يشهد هذا الأكمل أن لا يقبل عليه شهادة النصاب الأنقص فإن طرق الحكم أعم من طرق حفظ(1\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "73",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحقوق وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الملتقط أن يشهد عليه ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب ولو شهد عليه باللقطة رجل وامرأتان قبل بالاتفاق بل يحكم عليه بمجرد وصف صاحبها لها. وقال تعالى في شهادة المال: ممن ترضون من الشهداء [البقرة: 282] وقال في الوصية والرجعة ذوي عدل منكم [الطلاق: 2] لأن المستشهد هناك صاحب الحق فهو يأتي بمن يرضاه لحفظ حقه فإن لم يكن عدلا كان هو المضيع لحقه وهذا المستشهد يستشهد بحق ثابت عنده فلا يكفي رضاه به بل لا بد أن يكون عدلا في نفسه وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى قال هناك: ممن ترضون من الشهداء [البقرة: 282] لأن صاحب الحق هو الذي يحفظ ماله بمن يرضاه وإذا قال من عليه الحق: أنا راض بشهادة هذا علي ففي قبوله نزاع والآية تدل على أنه يقبل بخلاف الرجعة والطلاق فإن فيهما حقا لله وكذلك الوصية فيها حق لغائب. ومما يوضح ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المرأة: أليس شهادتهما بنصف شهادة الرجل فأطلق ولم يقيد ويوضحه أيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمدعي لما قال: هذا غصبني أرضي فقال: شاهداك أو يمينه وقد عرف أنه لو أتى برجل وامرأتين حكم له فعلم أن هذا يقوم مقام الشاهدين وأن قوله: شاهداك أو يمينه إشارة إلى الحجة الشرعية التي شعارها الشاهدان فإما أن يقال لفظ quot; شاهدان quot; معناه دليلان يشهدان وإما أن يقال رجلان أو ما يقوم مقامهما والمرأتان دليل بمنزلة الشاهد يوضحه أيضا أنه لو لم يأت المدعي بحجة حلف المدعى عليه فيمينه كشهادة آخر فصار معه دليلان يشهدان أحدهما البراءة والثاني اليمين وإن نكل عن اليمين فمن قضى عليه بالنكول قال: النكول إقرار أو بدل وهذا جيد إذا كان المدعى عليه هو الذي يعرف الحق دون المدعي قال عثمان لابن عمر: تحلف أنك بعته وما به عيب تعلمه فلما لم يحلف قضى عليه وأما الأكثرون فيقولون: إذا نكل ترد اليمين على المدعي فيكون نكول الناكل دليلا ويمين المدعي ثانيا فصار الحكم بدليلين شاهد ويمين والشارع إنما جعل الحكم في الخصومة بشاهدين لأن المدعي لا يحكم له بمجرد قوله والخصم منكر وقد يحلف أيضا فكان أحد الشاهدين يقاوم الخصم المنكر فإن إنكاره ويمينه كشاهد ويبقى الشاهد الآخر خبر عدل لا معارض له فهو حجة شرعية لا معارض لها(1\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "74",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الرواية إنما يقبل خبر الواحد إذا لم يعارضه أقوى منه فاطرد القياس والاعتبار في الحكم والرواية يوضحه أيضا أن المقصود بالشهادة أن يعلم بها ثبوت المشهود به وأنه حق وصدق فإنها خبر عنه وهذا لا يختلف بكون المشهود مالا أو طلاقا أو عتقا أو وصية بل من صدق في هذا صدق في هذا فإذا كان الرجل مع المرأتين كالرجلين يصدقان في الأموال فكذلك صدقهما في هذا وقد ذكر الله سبحانه حكمة تعدد الاثنين في الشهادة وهي أن المرأة قد تنسى الشهادة وتضل عنها فتذكرها الأخرى ومعلوم أن تذكيرها لها بالرجعة والطلاق والوصية مثل تذكيرها لها بالدين وأولى وهو سبحانه أمر بإشهاد امرأتين لتوكيد الحفظ لأن عقل المرأتين وحفظهما يقوم مقام عقل رجل وحفظه ولهذا جعلت على النصف من الرجل في الميراث والدية والعقيقة والعتق فعتق امرأتين يقوم مقام عتق رجل كما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: من أعتق امرأ مسلما أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار ومن أعتق امرأتين مسلمتين أعتق الله بكل عضو منهما عضوا منه من النار ولا ريب أن هذه الحكمة في التعدد هي في التحمل فأما إذا عقلت المرأة وحفظت وكانت ممن يوثق بدينها فإن المقصود حاصل بخبرها كما يحصل بأخبار الديانات ولهذا تقبل شهادتها وحدها في مواضع ويحكم بشهادة امرأتين ويمين الطالب في أصح القولين وهو قول مالك وأحد الوجهين في مذهب أحمد. قال شيخنا قدس الله روحه: ولو قيل يحكم بشهادة امرأة ويمين الطالب لكان متوجها قال: لأن المرأتين إنما أقيمتا مقام الرجل في التحمل لئلا تنسى إحداهما بخلاف الأداء فإنه ليس [في] الكتاب ولا في السنة أنه لا يحكم إلا بشهادة امرأتين ولا يلزم من الأمر باستشهاد المرأتين وقت التحمل ألا يحكم بأقل منهما فإنه سبحانه أمر باستشهاد رجلين في الديون فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ومع هذا فيحكم بشاهد واحد ويمين الطالب ويحكم بالنكول والرد وغير ذلك. فالطرق التي يحكم بها الحاكم أوسع عن الطرق التي أرشد الله صاحب الحق إلى أن يحفظ حقه بها وقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سأله عقبة بن الحارث فقال: إني تزوجت امرأة فجاءت أمة سوداء فقالت: إنها أرضعتنا فأمره بفراق امرأته فقال: إنها كاذبة فقال: دعها عنك ففي هذا قبول شهادة المرأة الواحدة وإن كانت أمة وشهادتها على فعل نفسها وهو أصل في شهادة القاسم والخارص والوزان والكيال على فعل نفسه(1\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "73",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "75",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل. وهذا أصل عظيم فيجب أن يعرف غلط فيه كثير من الناس فإن الله سبحانه أمر بما يحفظ به الحق فلا يحتاج معه إلى يمين صاحبه - وهو الكتاب والشهود - لئلا يجحد الحق أو ينسى ويحتاج صاحبه إلى تذكير من لم يذكر إما جحودا وإما نسيانا ولا يلزم من ذلك أنه إذا كان هناك ما يدل على الحق لم يقبل إلا هذه الطريق التي أمره أن يحفظ حقه بها. فصل. وإنما أمر الله سبحانه بالعدد في شهود الزنا لأنه مأمور فيه بالستر ولهذا غلظ فيه النصاب فإنه ليس هناك حق يضيع وإنما حد وعقوبة والعقوبات تدرأ بالشبهات بخلاف حقوق الله وحقوق عباده التي تضيع إذا لم يقبل فيها قول الصادقين ومعلوم أن شهادة العدل رجلا كان أو امرأة أقوى من استصحاب الحال فإن استصحاب الحال من أضعف البينات ولهذا يدفع بالنكول تارة وباليمين المردودة وبالشاهد واليمين ودلالة الحال وهو نظير رفع استصحاب الحال في الأدلة الشرعية بالعموم والمفهوم والقياس فيرفع بأضعف الأدلة فهكذا في الأحكام يرفع بأدنى النصاب ولهذا قدم خبر الواحد في أخبار الديانة على الاستصحاب مع أنه يلزم جميع المكلفين فكيف لا يقدم عليه فما هو دونه ولهذا كان الصحيح الذي دلت عليه السنة التي لا معارض لها أن اللقطة إذا وصفها واصف صفة تدل على صدقه دفعت إليه بمجرد الوصف فقام وصفه لها مقام الشاهدين بل وصفه لها بينة تبين صدقه وصحة دعواه فإن البينة اسم لما يبين الحق وقد اتفق العلماء على أن مواضع الحاجات يقبل فيها من الشهادات ما لا يقبل في غيرها من حيث الجملة وإن تنازعوا في بعض التفاصيل وقد أمر الله سبحانه بالعمل بشهادة شاهدين من غير المسلمين عند الحاجة في الوصية في السفر منبها بذلك على نظيره وما هو أولى منه كقبول شهادة النساء منفردات في الأعراس والحمامات والمواضع التي تنفرد النساء بالحضور فيها ولا ريب أن قبول شهادتين هنا أولى من قبول شهادة الكفار على الوصية في السفر وكذلك عمل الصحابة وفقهاء المدينة بشهادة الصبيان على تجارح بعضهم بعضا فإن الرجال لا يحضرون معهم في لعبهم ولو لم تقبل شهادتهم وشهادة النساء منفردات لضاعت الحقوق وتعطلت وأهملت مع غلبة الظن أو القطع بصدقهم ولا سيما إذا جاءوا مجتمعين قبل تفرقهم ورجوعهم إلى بيوتهم وتواطؤا على خبر واحد وفرقوا وقت الأداء واتفقت كلمتهم فإن الظن الحاصل حينئذ من شهادتهم أقوى بكثير من الظن(1\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "74",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "76",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحاصل من شهادة رجلين وهذا مما لا يمكن دفعه وجحده فلا نظن بالشريعة الكاملة الفاضلة المنتظمة لمصالح العباد في المعاش والمعاد أنها تهمل مثل هذا الحق وتضيعه مع ظهور أدلته وقوتها وتقبله مع الدليل الذي هو دون ذلك. وقد روى أبو داود في سننه في قضية اليهوديين اللذين زنيا فلما شهد أربعة من اليهود عليهما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - برجمهما وقد تقدم حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بشهادة الأمة الواحدة على فعل نفسها وهو يتضمن شهادة العبد وقد حكى الإمام أحمد عن أنس بن مالك إجماع الصحابة على شهادته فقال: ما علمت أحدا رد شهادة العبد وهذا هو الصواب فإنه إذا قبلت شهادته على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حكم يلزم الأمة فلأن تقبل شهادته على واحد من الأمة في حكم جزئي أولى وأحرى وإذا قبلت شهادته على حكم الله ورسوله في الفروج والدماء والأموال في الفتوى فلأن تقبل شهادته على واحد من الناس أولى وأحرى كيف وهو داخل في قوله: وأشهدوا ذوي عدل منكم [الطلاق: 2]  فإنه منا وهو عدل وقد عدله النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله وعدلته الأمة في الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والفتوى وهو من رجالنا فيدخل في قوله: واستشهدوا شهيدين من رجالكم [البقرة: 282] وهو مسلم فيدخل في قول عمر بن الخطاب quot; والمسلمون عدول بعضهم على بعض quot; وهو صادق فيجب العمل بخبره وأن لا يرد فإن الشريعة لا ترد خبر الصادق بل تعمل به وليس بفاسق فلا يجب التثبت في خبره وشهادته وهذا كله من تمام رحمة الله وعنايته بعباده وإكمال دينهم لهم وإتمام نعمته عليهم بشريعته لئلا تضيع حقوق الله وحقوق عباده مع ظهور الحق بشهادة الصادق لكن إذا أمكن حفظ الحقوق بأعلى الطريقين فهو أولى كما أمر بالكتاب والشهود لأنه أبلغ في حفظ الحقوق. فإن قيل: أمر الأموال أسهل فإنه يحكم فيها بالنكول وباليمين المردودة وبالشاهد واليمين بخلاف الرجعة والطلاق. قيل: هذا فيه نزاع والحجة أن تكون بنص أو إجماع وأما الشاهد واليمين فالحديث الذي في صحيح مسلم عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بالشاهد واليمين ليس فيه أنه في الأموال وإنما هو قول عمرو بن دينار ولو كان مرفوعا عن ابن عباس فليس فيه اختصاص الحكم بذلك في الأموال وحدها فإنه لم يخبر عن شرع عام شرعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأموال وكذلك سائر ما روي من حكمه بذلك إنما هو في قضايا معينة قضى فيها بشاهد ويمين وهذا كما لا يدل على اختصاص حكمه بتلك القضايا لا يقتضي اختصاصه بالأموال كما أنه إذا حكم بذلك في الديون لم يدل على أن الأعيان ليست(1\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "75",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "77",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كذلك بل هذا يحتاج إلى تنقيح المناط فينظر ما حكم لأجله إن وجد في غير محل حكمه عدي إليه. وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن المرأة إذا أقامت شاهدا واحدا على الطلاق فإن حلف الزوج أنه لم يقض عليه وإن لم يحلف حلفت المرأة ويقضى عليه  وقد احتج الأئمة الأربعة والفقهاء قاطبة تصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ولا يعرف في أئمة الفتوى إلا من احتاج إليها واحتج بها وإنما طعن فيها من لم يتحمل أعباء الفقه والفتوى كأبي حاتم البستي وابن حزم وغيرهما وفي هذه الحكومة أنه يقضي في الطلاق بشاهد وما يقوم مقام شاهد آخر من النكول ويمين المرأة بخلاف ما إذا أقامت شاهدا واحدا وحلف الزوج أنه لم يطلق فيمين الزوج عارضت شهادة الشاهد وترجح جانبه بكون الأصل معه وأما إذا نكل الزوج فإنه يجعل نكوله مع يمين المرأة كشاهد آخر ولكن هنا لم يقض بالشاهد ويمين المرأة ابتداء لأن الرجل أعلم بنفسه هل طلق أم لا وهو أحفظ لما وقع منه فإذا نكل وقام الشاهد الواحد وحلفت المرأة كان ذلك دليلا ظاهرا جدا على صدق المرأة. فإن قيل: ففي الأموال إذا قام شاهد وحلف المدعي حكم له ولا تعرض اليمين على المدعى عليه وفي حديث عمرو بن شعيب إذا شهد الشاهد الواحد وحلف الزوج أنه لم يطلق لم يحكم عليه . قيل: هذا من تمام حكمة هذه الشريعة وجلالتها أن الزوج لما كان أعلم بنفسه هل طلق أم لا وكان أحفظ لما وقع منه وأعقل له وأعلم بنيته وقد يكون قد تكلم بلفظ مجمل أو بلفظ يظنه الشاهد طلاقا وليس بطلاق والشاهد يشهد بما سمع والزوج أعلم بقصده ومراده جعل الشارع يمين الزوج معارضة لشهادة الشاهد الواحد ويقوي جانبه الأصل واستصحاب النكاح فكان الظن المستفاد من ذلك أقوى من الظن المستفاد من مجرد الشاهد الواحد فإذا نكل قوي الأصل في صدق الشاهد فقاوم ما في جانب الزوج فقواه الشارع بيمين المرأة فإذا حلفت مع شاهدها ونكول الزوج قوي جانبها جدا فلا شيء أحسن ولا أبين ولا أعدل من هذه الحكومة وأما المال المشهود به فإن المدعي إذا قال: أقرضته أو بعته أو أعرته أو قال: غصبني أو نحو ذلك فهذا الأمر لا يختص بمعرفته المطلوب ولا يتعلق بنيته وقصده وليس مع المدعى عليه من شواهد صدقه ما مع الزوج من بقاء عصمة النكاح وإنما معه مجرد براءة الذمة وقد عهد كثرة اشتغالها بالمعاملات(1\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "76",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "78",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقوي الشاهد الواحد والنكول أو يمين الطالب على رفعها فحكم له فهذا كله مما يبين حكمة الشارع وأنه يقضي بالبينة التي تبين الحق وهي الدليل الذي يدل عليه والشاهد الذي يشهد به بحسب الإمكان بل الحق أن الشاهد الواحد إذا ظهر صدقه حكم بشهادته وحده وقد أجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - شهادة الشاهد الواحد لأبي قتادة بقتل المشرك ودفع إليه سلبه بشهادته وحده ولم يحلف أبا قتادة فجعله بينة تامة وأجاز شهادة خزيمة بن ثابت وحده بمبايعته للأعرابي وجعل شهادته بشهادتين لما استندت إلى تصديقه - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة المتضمنة تصديقه في كل ما يخبر به فإذا شهد المسلمون بأنه صادق في خبره عن الله فبطريق الأولى يشهدون أنه صادق عن رجل من أمته ولهذا كان من تراجم بعض الأئمة على حديثه quot; الحكم بشهادة الشاهد الواحد إذا عرف صدقه.  [فصل تشرع اليمين من جهة أقوى المتداعيين] والذي جاءت به الشريعة أن اليمين تشرع من جهة أقوى المتداعيين فأي الخصمين ترجح جانبه جعلت اليمين من جهته وهذا مذهب الجمهور كأهل المدينة وفقهاء الحديث كالإمام أحمد والشافعي ومالك وغيرهم وأما أهل العراق فلا يحلفون إلا المدعى عليه وحده فلا يجعلون اليمين إلا من جانبه فقط وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه والجمهور يقولون: قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قضى بالشاهد واليمين وثبت عنه أنه عرض الأيمان في القسامة على المدعين أولا فلما أبوا جعلها من جانب المدعى عليهم وقد جعل الله سبحانه أيمان اللعان من جانب الزوج أولا فإذا نكلت المرأة عن معارضة أيمانه بأيمانها وجب عليها العذاب بالحد وهو العذاب المذكور في قوله: وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين [النور: 2] فإن المدعي لما ترجح جانبه بالشاهد الواحد شرعت اليمين من جهته وكذلك أولياء الدم ترجح جانبهم باللوث فشرعت اليمين من جهتهم وأكدت بالعدد تعظيما لخطر النفس وكذلك الزوج في اللعان جانبه أرجح من جانب المرأة قطعا فإن إقدامه على إتلاف فراشه ورميها بالفاحشة على رءوس الأشهاد وتعريض نفسه لعقوبة الدنيا والآخرة وفضيحة أهله ونفسه على رءوس الأشهاد مما يأباه طباع العقلاء وتنفر عنه نفوسهم لولا أن الزوجة اضطرته بما رآه وتيقنه منها إلى ذلك فجانبه أقوى من جانب المرأة قطعا فشرعت اليمين من جانبه ولهذا كان القتل في القسامة واللعان وهو قول أهل المدينة فأما فقهاء العراق فلا يقتلون لا بهذا ولا بهذا وأحمد يقتل بالقسامة دون اللعان(1\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "77",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "79",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والشافعي يقتل باللعان دون القسامة وليس في شيء من هذا ما يعارض الحديث الصحيح وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه فإن هذا إذا لم يكن مع المدعي إلا مجرد الدعوى فإنه لا يقضي له بمجرد الدعوى فأما إذا ترجح جانبه بشاهد أو لوث أو غيره لم يقض له بمجرد دعواه بل بالشاهد المجتمع من ترجيح جانبه ومن اليمين وقد حكم سليمان بن داود - عليه السلام - لإحدى المرأتين بالولد لترجح جانبها بالشفقة على الولد وإيثارها لحياته ورضي الأخرى بقتله ولم يلتفت إلى إقرارها للأخرى به. وقوله: quot; هو ابنها quot; ولهذا كان من تراجم الأئمة على هذا الحديث quot; التوسعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله أفعل quot; ليستبين به الحق ثم ترجم ترجمة أخرى أحسن من هذه وأفقه فقال: quot; الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم له إذا تبين للحاكم أن الحق غير ما اعترف به quot; فهكذا يكون فهم الأئمة من النصوص واستنباط الأحكام التي تشهد العقول والفطر بها منها ولعمر الله إن هذا العلم النافع لا خرص الآراء وتخمين الظنون. فإن قيل: ففي القسامة يقبل مجرد أيمان المدعين ولا تجعل أيمان المدعى عليهم بعد أيمانهم دافعة للقتل وفي اللعان ليس كذلك بل إذا حلف الزوج مكنت المرأة أن تدفع عن نفسها بأيمانها ولا تقتل بمجرد أيمان الزوج فما الفرق قيل: هذا من كمال الشريعة وتمام عدلها ومحاسنها فإن المحلوف عليه في القسامة حق لآدمي وهو استحقاق الدم وقد جعلت الأيمان المكررة بينة تامة مع اللوث فإذا قامت البينة لم يلتفت إلى أيمان المدعى عليه وفي اللعان المحلوف عليه حق لله وهو حد الزنا ولم يشهد به أربعة شهود وإنما جعل الزوج أن يحلف أيمانا مكررة ومؤكدة باللعنة أنها جنت على فراشه وأفسدته فليس له شاهد إلا نفسه وهي شهادة ضعيفة فمكنت المرأة أن تعارضها بأيمان مكررة مثلها فإذا نكلت ولم تعارضها صارت أيمان الزوج مع نكولها بينة قوية لا معارض لها ولهذا كان الأيمان أربعة لتقوم مقام الشهود الأربعة وأكدت بالخامسة هي الدعاء على نفسه باللعنة إن كان كاذبا ففي القسامة جعل اللوث وهو الأمارة الظاهرة الدالة على أن المدعى عليهم قتلوه شاهدا وجعلت الخمسين يمينا شاهدا آخر وفي اللعان جعلت أيمان الزوج كشاهد ونكولها كشاهد آخر. [لا يتوقف الحكم على شهادة ذكرين أصلا] . والمقصود أن الشارع لم يقف الحكم في حفظ الحقوق ألبتة على شهادة ذكرين لا في الدماء ولا في الأموال ولا في الفروج ولا في الحدود بل قد حد الخلفاء الراشدون(1\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "78",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "80",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والصحابة - رضي الله عنهم - في الزنا بالحبل وفي الخمر بالرائحة والقيء وكذلك إذا وجد المسروق عند السارق كان أولى بالحد من ظهور الحبل والرائحة في الخمر وكل ما يمكن أن يقال في ظهور المسروق أمكن أن يقال في الحبل والرائحة بل أولى فإن الشبهة التي تعرض في الحبل من الإكراه ووطء الشبهة وفي الرائحة لا يعرض مثلها في ظهور العين المسروقة والخلفاء الراشدون والصحابة - رضي الله عنهم - لم يلتفتوا إلى هذه الشبهة التي تجويز غلط الشاهد ووهمه وكذبه أظهر منها بكثير فلو عطل الحد بها لكان تعطيله بالشبهة التي تمكن في شهادة الشاهدين أولى فهذا محض الفقه والاعتبار ومصالح العباد وهو من أعظم الأدلة على جلالة فقه الصحابة وعظمته ومطابقته لمصالح العباد وحكمة الرب وشرعه وأن التفاوت الذي بين أقوالهم وأقوال من بعدهم كالتفاوت الذي بين القائلين. [لم يرد الشارع خبر العدل] والمقصود أن الشارع صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله لم يرد خبر العدل قط لا في رواية ولا في شهادة بل قبل خبر العدل الواحد في كل موضع أخبر به كما قبل شهادته لأبي قتادة بالقتيل وقبل شهادة خزيمة وحده وقبل شهادة الأعرابي وحده على رؤية هلال رمضان وقبل شهادة الأمة السوداء وحدها على الرضاعة وقبل خبر تميم وحده وهو خبر عن أمر حسي شاهده ورآه فقبله ورواه عنه ولا فرق بينه وبين الشهادة فإن كلا منهما عن أمر مستند إلى الحس والمشاهدة فتميم شهد بما رآه وعاينه وأخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - فصدقه وقبل خبره فأي فرق بين أن يشهد العدل الواحد على أمر رآه وعاينه يتعلق بمشهود له وعليه وبين أن يخبر بما رآه وعاينه مما يتعلق بالعموم وقد أجمع المسلمون على قبول أذان المؤذن الواحد وهو شهادة منه بدخول الوقت وخبر عنه يتعلق بالمخبر وغيره وكذلك أجمعوا على قبول فتوى المفتي الواحد وهي خبر عن حكم شرعي يعم المستفتي وغيره. [جانب التحمل غير جانب الثبوت] وسر المسألة أن لا يلزم من الأمر بالتعدد في جانب التحمل وحفظ الحقوق الأمر بالتعدد في جانب الحكم والثبوت فالخبر الصادق لا تأتي الشريعة برده أبدا وقد ذم الله في كتابه من كذب بالحق ورد الخبر الصادق تكذيب بالحق وكذلك الدلالة الظاهرة لا ترد إلا بما هو مثلها أو أقوى منها والله سبحانه لم يأمر برد خبر الفاسق بل بالتثبيت والتبيين فإن ظهرت الأدلة على صدقه قبل خبره وإن ظهرت الأدلة على كذبه رد خبره وإن لم يتبين واحد من الأمرين وقف خبره وقد قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - خبر الدليل المشترك الذي استأجره ليدله(1\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "79",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "81",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على طريق المدينة في هجرته لما ظهر له صدقه وأمانته فعلى المسلم أن يتبع هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في قبول الحق ممن جاء به من ولي وعدو وحبيب وبغيض وبر وفاجر ويرد الباطل على من قاله كائنا من كان قال عبد الله بن صالح: ثنا الليث بن سعد عن ابن عجلان عن ابن شهاب أن معاذ بن جبل كان يقول في مجلسه كل يوم قلما يخطئه أن يقول ذلك: الله حكم قسط هلك المرتابون إن وراءكم فتنا يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق والمرأة والصبي والأسود والأحمر فيوشك أحدهم أن يقول: قرأت القرآن فما أظن أن يتبعوني حتى أبتدع لهم غيره فإياكم وما ابتدع فإن كل بدعة ضلالة وإياكم وزيغة الحكيم فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة وإن المنافق قد يقول كلمة الحق فتلقوا الحق عن من جاء به فإن على الحق نورا قالوا: وكيف زيغة الحكيم قال: هي الكلمة تروعكم وتنكرونها وتقولون ما هذا فاحذروا زيغته ولا يصدنكم عنه فإنه يوشك أن يفيء وأن يراجع الحق وإن العلم والإيمان مكانهما إلى يوم القيامة. والمقصود أن الحاكم بالحجة التي ترجح الحق إذا لم يعارضها مثلها والمطلوب منه ومن كل من يحكم بين اثنين أن يعلم ما يقع ثم يحكم فيه بما يجب فالأول مداره على الصدق والثاني مداره على العدل وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا والله عليم حكيم.  [صفات الحاكم وما يشترط فيه] فالبينات والشهادات تظهر لعباده معلومة وبأمره وشرعه يحكم بين عباده والحكم إما إبداء وإما إنشاء فالإبداء إخبار وإثبات وهو شهادة والإنشاء أمر ونهي وتحليل وتحريم والحاكم فيه ثلاث صفات فمن جهة الإثبات هو شاهد ومن جهة الأمر والنهي هو مفت ومن جهة الإلزام بذلك هو ذو سلطان وأقل ما يشترط فيه صفات الشاهد باتفاق العلماء لأنه يجب عليه الحكم بالعدل وذلك يستلزم أن يكون عدلا في نفسه فأبو حنيفة لا يعتبر إلا العدالة والشافعي وطائفة من أصحاب أحمد يعتبرون معها الاجتهاد وأحمد يوجب تولية الأصلح فالأصلح من الموجودين وكل زمان بحسبه فيقدم الأدين العدل على الأعلم الفاجر وقضاة السنة على قضاة الجهمية وإن كان الجهمي أفقه ولما سأله المتوكل عن القضاة أرسل إليه درجا مع وزيره يذكر فيه تولية أناس وعزل أناس وأمسك عن أناس وقال: لا أعرفهم وروجع في بعض من سمي لقلة عمله فقال: لو لم يولوه لولوا(1\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "80",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "82",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلانا وفي توليته مضرة على المسلمين وكذلك أمر أن يولي على الأموال الدين السني دون الداعي إلى التعطيل لأنه يضر الناس في دينهم. وسئل عن رجلين: أحدهما أنكى في العدو مع شربه الخمر والآخر أدين فقال: يغزي مع الأنكى في العدو لأنه أنفع للمسلمين وبهذا مضت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه كان يولي الأنفع للمسلمين على من هو أفضل منه كما ولى خالد بن الوليد من حين أسلم على حروبه لنكايته في العدو وقدمه على بعض السابقين من المهاجرين والأنصار مثل عبد الرحمن بن عوف وسالم مولى أبي حذيفة وعبد الله بن عمر وهؤلاء ممن أنفق من قبل الفتح وقاتل وهم أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وخالد وكان ممن أنفق بعد الفتح وقاتل فإنه أسلم بعد صلح الحديبية هو وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة الحجبي ثم إنه فعل مع بني جذيمة ما تبرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - منه حين رفع يديه إلى السماء. وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ومع هذا فلم يعزله وكان أبو ذر من أسبق السابقين وقال له يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم وأمر عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل لأنه كان يقصد أخواله بني عذرة فعلم أنهم يطيعونه ما لا يطيعون غيره للقرابة وأيضا فلحسن سياسة عمرو وخبرته وذكائه ودهائه فإنه كان من أدهى العرب ودهاة العرب أربعة هو أحدهم ثم أردفه بأبي عبيدة وقال: تطاوعا ولا تختلفا فلما تنازعا فيمن يصلي سلم أبو عبيدة لعمرو فكان يصلي بالطائفتين وفيهم أبو بكر وأمر أسامة بن زيد مكان أبيه لأنه مع كونه خليقا للإمارة - أحرص على طلب ثأر أبيه من غيره وقدم أباه زيدا في الولاية على جعفر بن عمه مع أنه مولى ولكنه من أسبق الناس إسلاما قبل جعفر ولم يلتفت إلى طعن الناس في إمارة أسامة وزيد وقال: إن تطعنوا في إمارة أسامة فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل وأيم الله إن كان خليقا للإمارة ومن أحب الناس إلي وأمر خالد بن سعيد بن العاص وإخوته لأنهم من كبراء قريش وساداتهم ومن السابقين الأولين ولم يتول أحد بعده. والمقصود أن هديه - صلى الله عليه وسلم - تولية الأنفع للمسلمين وإن كان غيره أفضل منه والحكم بما يظهر الحق ويوضحه إذا لم يكن هناك أقوى منه يعارضه فسيرته تولية الأنفع والحكم بالأظهر ولا يستطل هذا الفصل فإنه من أنفع فصول الكتاب.  [فصل الصلح بين المسلمين] فصل(1\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "81",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "83",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصلح بين المسلمين] وقوله: quot; والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا quot; هذا مروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - رواه الترمذي وغيره من حديث عمرو بن عوف المزني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما قال الترمذي: هذا حديث صحيح وقد ندب الله سبحانه وتعالى إلى الصلح بين الطائفتين في الدماء فقال: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما [الحجرات: 9] وندب الزوجين إلى الصلح عند التنازع في حقوقهما فقال: وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير [النساء: 128] وقال تعالى: لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس [النساء: 114] وأصلح النبي - صلى الله عليه وسلم - بين بني عمرو بن عوف لما وقع بينهم ولما تنازع كعب بن مالك وابن أبي حدرد في دين على ابن أبي حدرد أصلح النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن استوضع من دين كعب الشطر و [أمر] غريمه بقضاء الشطر وقال لرجلين اختصما عنده: اذهبا فاقتسما ثم توخيا الحق ثم استهما ثم ليحلل كل منكما صاحبه وقال: من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم وإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه وجوز في دم العمد أن يأخذ أولياء القتيل ما صولحوا عليه ولما استشهد عبد الله بن حرام الأنصاري والد جابر وكان عليه دين سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - غرماءه أن يقبلوا ثمر حائطة ويحللوا أباه . وقال عطاء عن ابن عباس: إنه كان لا يرى بأسا بالمخارجة يعني الصلح في الميراث وسميت المخارجة لأن الوارث يعطى ما يصالح عليه ويخرج نفسه من الميراث وصولحت امرأة عبد الرحمن بن عوف من نصيبها من ربع الثمن على ثمانين ألفا وقد روى مسعر عن أزهر عن محارب قال: قال عمر: quot; ردوا الخصوم حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يحدث بين القوم الضغائن quot;. وقال عمر أيضا quot; ردوا الخصوم لعلهم أن يصطلحوا فإنه آثر للصدق وأقل للخيانة quot;. وقال عمر أيضا: quot; ردوا الخصوم إذا كانت بينهم قرابة فإن فصل القضاء يورث بينهم الشنآن quot;(1\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "82",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "84",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل. [الحقوق ضربان حق الله تعالى وحق عباده] . والحقوق نوعان: حق الله وحق الآدمي فحق الله لا مدخل للصلح فيه كالحدود والزكوات والكفارات ونحوها وإنما الصلح بين العبد وبين ربه في إقامتها لا في إهمالها ولهذا لا يقبل بالحدود وإذا بلغت السلطان فلعن الله الشافع والمشفع. وأما حقوق الآدميين فهي التي تقبل الصلح والإسقاط والمعاوضة عليها والصلح العادل هو الذي أمر الله به ورسوله - صلى الله عليه وسلم - كما قال: فأصلحوا بينهما بالعدل [الحجرات: 9] والصلح الجائر هو الظلم بعينه وكثير من الناس لا يعتمد العدل في الصلح بل يصلح صلحا ظالما جائرا فيصالح بين الغريمين على دون الطفيف من حق أحدهما والنبي - صلى الله عليه وسلم - صالح بين كعب وغريمه وصالح أعدل الصلح فأمره أن يأخذ الشطر ويدع الشطر وكذلك لما عزم على طلاق سودة رضيت بأن تهب له ليلتها وتبقى على حقها من النفقة والكسوة فهذا أعدل الصلح فإن الله سبحانه أباح للرجل أن يطلق زوجته ويستبدل بها غيرها فإذا رضيت بترك بعض حقها وأخذ بعضه وأن يمسكها كان هذا من الصلح العادل وكذلك أرشد الخصمين اللذين كانت بينهما المواريث بأن يتوخيا الحق بحسب الإمكان ثم يحلل كل منهما صاحبه وقد أمر الله سبحانه بالإصلاح بين الطائفتين المقتتلتين أولا فإن بغت إحداهما على الأخرى فحينئذ أمر بقتال الباغية لا بالصلح فإنها ظالمة ففي الإصلاح مع ظلمها هضم لحق الطائفة المظلومة وكثير من الظلمة المصلحين يصلح بين القادر الظالم والخصم الضعيف المظلوم بما يرضي به القادر صاحب الجاه ويكون له فيه الحظ ويكون الإغماض والحيف فيه على الضعيف ويظن أنه قد أصلح ولا يمكن المظلوم من أخذ حقه وهذا ظلم بل يمكن المظلوم من استيفاء حقه ثم يطلب إليه برضاه أن يترك بعض حقه بغير محاباة لصاحب الجاه ولا يشتبه بالإكراه للآخر بالمحاباة ونحوها. فصل. [الصلح إما مردود وإما جائز نافذ] والصلح الذي يحل الحرام ويحرم الحلال كالصلح الذي يتضمن تحريم بضع حلال أو إحلال بضع حرام أو إرقاق حر أو نقل نسب أو ولاء عن محل إلى محل أو أكل ربا أو إسقاط واجب أو تعطيل حد أو ظلم ثالث وما أشبه ذلك فكل هذا صلح جائز مردود(1\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "83",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "85",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالصلح الجائز بين المسلمين هو الذي يعتمد فيه رضا الله سبحانه ورضا الخصمين فهذا أعدل الصلح وأحقه وهو يعتمد العلم والعدل فيكون المصلح عالما بالوقائع عارفا بالواجب قاصدا للعدل فدرجة هذا أفضل من درجة الصائم القائم كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصائم القائم قالوا: بلى يا رسول الله قال: إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين الحالقة أما إني لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين وقد جاء في أثر: أصلحوا بين الناس فإن الله يصلح بين المؤمنين يوم القيامة وقد قال تعالى: إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون [الحجرات: 10]  [فصل يؤجل القاضي الحكم بحسب الحاجة] فصل. [يؤجل القاضي الحكم بحسب الحاجة] وقوله: quot; من ادعى حقا غائبا أو بينة فاضرب له أمدا ينتهي إليه quot; هذا من تمام العدل فإن المدعي قد تكون حجته أو بينته غائبة فلو عجل عليه بالحكم بطل حقه فإذا سأل أمدا تحضر فيه حجته أجيب إليه ولا يتقيد ذلك بثلاثة أيام بل بحسب الحاجة فإن ظهر عناده ومدافعته للحاكم لم يضرب له أمدا بل يفصل الحكومة فإن ضرب هذا الأمد إنما كان لتمام العدل فإذا كان فيه إبطال للعدل لم يجب إليه الخصم.  [تغير الحكم بتغير الاجتهاد] . [قد يتغير الحكم بتغير الاجتهاد] وقوله: quot; ولا يمنعنك قضاء قضيت به اليوم فراجعت فيه رأيك وهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق فإن الحق قديم ولا يبطله شيء ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل quot; يريد إنك إذا اجتهدت في حكومة ثم وقعت لك مرة أخرى فلا يمنعك الاجتهاد الأول من إعادته فإن الاجتهاد قد يتغير ولا يكون الاجتهاد الأول مانعا من العمل بالثاني إذا ظهر أنه الحق فإن الحق أولى بالإيثار لأنه قديم سابق على الباطل فإن كان الاجتهاد الأول قد سبق الثاني والثاني هو الحق فهو أسبق من الاجتهاد الأول لأنه قديم سابق على ما سواه ولا يبطله وقوع الاجتهاد الأول على خلافه بل الرجوع إليه أولى من التمادي على الاجتهاد الأول. قال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن سماك بن الفضل عن وهب بن منبه عن الحكم بن مسعود الثقفي قال: قضى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في امرأة توفيت وتركت زوجها وأمها وأخوتها لأبيها وأمها وأخويها لأمها فأشرك عمر بين الأخوة للأم والأب والإخوة للأم في الثلث فقال له رجل: إنك لم تشرك بينهم عام كذا وكذا قال عمر: تلك على ما قضينا(1\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "84",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "86",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يومئذ وهذه على ما قضينا اليوم فأخذ أمير المؤمنين في كلا الاجتهادين بما ظهر له أنه الحق ولم يمنعه القضاء الأول من الرجوع إلى الثاني ولم ينقض الأول بالثاني فجرى أئمة الإسلام بعده على هذين الأصلين.  [من ترد شهادته] قوله: quot; والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجربا عليه شهادة زور أو مجلودا في حد أو ظنينا في ولاء أو قرابة quot; لما جعل الله سبحانه هذه الأمة أمة وسطا ليكونوا شهداء على الناس - والوسط: العدل الخيار - كانوا عدولا بعضهم على بعض إلا من قام به مانع الشهادة وهو أن يكون قد جرب عليه شهادة الزور فلا يوثق بعد ذلك بشهادته أو من جلد في حد لأن الله سبحانه نهى عن قبول شهادته أو متهم بأن يجر إلى نفسه نفعا من المشهود له كشهادة السيد لعتيقه بمال أو شهادة العتيق لسيده إذا كان في عياله أو منقطعا إليه يناله نفعه وكذلك شهادة القريب لقريبه لا تقبل مع التهمة وتقبل بدونها هذا هو الصحيح. [شهادة القريب لقريبه أو عليه] وقد اختلف الفقهاء في ذلك: فمنهم جوز شهادة القريب لقريبه مطلقا كالأجنبي ولم يجعل القرابة مانعة من الشهادة بحال كما يقوله أبو محمد بن حزم وغيره من أهل الظاهر وهؤلاء يحتجون بالعمومات التي لا تفرق بين أجنبي وقريب وهؤلاء أسعد بالعمومات ومنعت طائفة شهادة الأصول للفروع والفروع للأصول خاصة وجوزت شهادة سائر الأقارب بعضهم لبعض وهذا مذهب الشافعي وأحمد وليس مع هؤلاء نص صريح صحيح بالمنع. واحتج الشافعي بأنه لو قبلت شهادة الأب لابنه لكانت شهادة منه لنفسه لأنه منه وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها قالوا: وكذلك بنو البنات فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحسن: إن ابني هذا سيد قال الشافعي فإذا شهد له فإنما يشهد لشيء منه قال: وبنوه هم منه فكأنه شهد لبعضه قالوا: والشهادة ترد بالتهمة والوالد متهم في ولده فهو ظنين في قرابته قالوا: وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأولاد إنكم لتبخلون وتجبنون وإنكم لمن ريحان الله وفي أثر آخر الولد مبخلة مجبنة قالوا: وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنت ومالك لأبيك فإذا كان مال الابن لأبيه فإذا شهد له الأب بمال كان قد شهد به لنفسه قالوا: وقد قال أبو عبيد: ثنا جرير عن معاوية عن يزيد الجزري(1\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "85",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "87",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: أحسبه يزيد بن سنان قال الزهري: عن عروة عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا يجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ظنين في ولاء أو قرابة ولا مجلود قالوا: ولأن بينهما من البعضية والجزئية ما يمنع قبول الشهادة كما منع من إعطائه من الزكاة ومن قتله بالولد وحده بقذفه قالوا: ولهذا لا يثبت له في ذمته دين عند جماعة من أهل العلم ولا يطالب به ولا يحبس من أجله قالوا: وقد قال تعالى: ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم [النور: 61] ولم يذكر بيوت الأبناء لأنها داخلة في بيوتهم أنفسهم فاكتفى بذكرها دونها وإلا فبيوتهم أقرب من بيوت من ذكر في الآية: قالوا: وقد قال تعالى: وجعلوا له من عباده جزءا [الزخرف: 15] أي ولدا فالولد جزء فلا تقبل شهادة الرجل في جزئه. قالوا: وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه فكيف يشهد الرجل لكسبه قالوا: والإنسان متهم في ولده مفتون به كما قال تعالى: إنما أموالكم وأولادكم فتنة [التغابن: 15] فكيف تقبل شهادة المرء لمن قد جعل مفتونا به والفتنة محل التهمة. فصل قال الآخرون: قال الله تعالى: وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون [التوبة: 115] وقال تعالى: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء [النحل: 89] وقد قال تعالى: وأشهدوا ذوي عدل منكم [الطلاق: 2] وقد قال تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء [البقرة: 282] وقال: يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم [المائدة: 106] ولا ريب في دخول الآباء والأبناء والأقارب في هذا اللفظ كدخول الأجانب وتناولها للجميع بتناول واحد هذا مما لا يمكن دفعه ولم يستثن الله سبحانه ولا رسوله من ذلك أبا ولا ولدا ولا أخا ولا قرابة ولا أجمع المسلمون على استثناء أحد من هؤلاء فتلزم الحجة بإجماعهم. وقد ذكر عبد الرزاق عن أبي بكر بن أبي سبرة عن أبي الزناد عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: تجوز شهادة الوالد لولده والولد لوالده والأخ لأخيه وعن عمرو بن سليم الزرقي عن سعيد بن المسيب مثل هذا(1\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "86",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "88",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ابن وهب: ثنا يونس عن الزهري قال: لم يكن يتهم سلف المسلمين الصالح في شهادة الوالد لولده ولا الولد لوالده ولا الأخ لأخيه ولا الزوج لامرأته ثم دخل الناس بعد ذلك فظهرت منهم أمور حملت الولاة على اتهامهم فتركت شهادة من يتهم إذا كانت من قرابة وصار ذلك من الولد والوالد والأخ والزوج والمرأة لم يتهم إلا هؤلاء في آخر الزمان. وقال أبو عبيد: حدثني الحسن بن عازب عن جده شبيب بن غرقدة قال: كنت جالسا عند شريح فأتاه علي بن كاهل وامرأة وخصم فشهد لها علي بن كاهل وهو زوجها وشهد لها أبوها فأجاز شريح شهادتهما فقال الخصم: هذا أبوها وهذا زوجها فقال له شريح: أتعلم شيئا تجرح به شهادتهما كل مسلم شهادته جائزة. وقال عبد الرزاق: ثنا سفيان بن عيينة عن شبيب بن غرقدة قال: سمعت شريحا أجاز لامرأة شهادة أبيها وزوجها فقال له الرجل: إنه أبوها وزوجها وقال شريح: فمن يشهد للمرأة إلا أبوها وزوجها وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا شبابة عن ابن أبي ذئب عن سليمان قال: شهدت لأمي عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم فقضى بشهادتي. وقال عبد الرزاق: ثنا معمر عن عبد الرحمن بن عبد الله الأنصاري قال: أجاز عمر بن عبد العزيز شهادة الابن لأبيه إذا كان عدلا. قالوا: فهؤلاء عمر بن الخطاب وجميع السلف وشريح وعمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم يجيزون شهادة الابن لأبيه والأب لابنه قال ابن حزم: وبهذا يقول إياس بن معاوية وعثمان البتي وإسحاق بن راهويه وأبو ثور والمزني وأبو سليمان وجميع أصحابنا يعني داود بن علي وأصحابه. وقد ذكر الزهري أن الذين ردوا شهادة الابن لأبيه والأخ لأخيه هم المتأخرون وأن السلف الصالح لم يكونوا يردونها. قالوا: وأما حجتكم على المنع فمدارها على شيئين: أحدهما: البعضية التي بين الأب وابنه وأنها توجب أن تكون شهادة أحدهما للآخر شهادة لنفسه وهذه حجة ضعيفة فإن هذه البعضية لا توجب أن تكون كبعضه في الأحكام(1\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "87",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "89",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا في أحكام الدنيا ولا في أحكام الثواب والعقاب فلا يلزم من وجوب شيء على أحدهما أو تحريمه وجوبه على الآخر وتحريمه من جهة كونه بعضه ولا من وجوب الحد على أحدهما وجوبه على الآخر وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا يجني والد على ولده فلا يجنى عليه ولا يعاقب بذنبه ولا يثاب بحسناته ولا يجب عليه الزكاة ولا الحج بغنى الآخر ثم قد أجمع الناس على صحة بيعه منه وإجارته ومضاربته ومشاركته فلو امتنعت شهادته له لكونه جزءاه فيكون شاهدا لنفسه لامتنعت هذه العقود إذ يكون عاقدا لها مع نفسه. فإن قلتم: هو متهم بشهادته له بخلاف هذه العقود فإنه لا يتهم فيها معه. قيل: هذا عود منكم إلى المأخذ الثاني وهو مأخذ التهمة فيقال: التهمة وحدها مستقلة بالمنع سواء كان قريبا أو أجنبيا ولا ريب أن تهمة الإنسان في صديقه وعشيره ومن يعنيه مودته ومحبته أعظم من تهمته في أبيه وابنه والواقع شاهد بذلك وكثير من الناس يحابي صديقه وعشيره وذا وده أعظم مما يحابي أباه وابنه. فإن قلتم: الاعتبار بالمظنة وهي التي تنضبط بخلاف الحكمة فإنها لانتشارها وعدم انضباطها لا يمكن التعليل بها. قيل: هذا صحيح في الأصناف التي شهد لها الشرع بالاعتبار وعلق بها الأحكام دون مظانها فأين علق الشارع عدم قبول الشهادة بوصف الأبوة أو البنوة أو الأخوة والتابعون إنما نظروا إلى التهمة فهي الوصف المؤثر في الحكم فيجب تعليق الحكم به وجودا وعدما ولا تأثير لخصوص القرابة ولا عمومها بل قد توجد القرابة حيث لا تهمة وتوجد التهمة حيث لا قرابة والشارع إنما علق قبول الشهادة بالعدالة وكون الشاهد مرضيا وعلق عدم قبولها بالفسق ولم يعلق القبول والرد بأجنبية ولا قرابة. قالوا: وأما قولكم: quot; إنه غير متهم معه في تلك العقود quot; فليس كذلك بل هو متهم معه في المحاباة ومع ذلك فلا يوجب ذلك إبطالها ولهذا لو باعه في مرض موته ولم يحابه لم يبطل البيع ولو حاباه بطل في قدر المحاباة فعلق البطلان بالتهمة لا بمظنتها. قالوا: وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: أنت ومالك لأبيك فلا يمنع شهادة الابن لأبيه فإن الأب ليس هو وماله لابنه ولا يدل الحديث على [عدم] قبول شهادة أحدهما للآخر والذي دل عليه الحديث أكثر منازعينا لا يقولون به بل عندهم أن مال الابن له حقيقة وحكما وأن الأب لا يتملك عليه منه شيئا والذي لم يدل عليه الحديث حملتموه إياه والذي دل عليه لم تقولوا به ونحن نتلقى أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلها بالقبول والتسليم ونستعملها في(1\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "88",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "90",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجوهها ولو دل قوله: أنت ومالك لأبيك على أن لا تقبل شهادة الولد لوالده ولا الوالد لولده لكنا أول ذاهب إلى ذلك ولما سبقتمونا إليه فأين موضع الدلالة واللام في الحديث ليست للملك قطعا وأكثركم يقول ولا للإباحة إذ لا يباح مال الابن لأبيه ولهذا فرق بعض السلف فقال: تقبل شهادة الابن لأبيه ولا تقبل شهادة الأب لابنه وهو إحدى الروايتين عن الحسن والشعبي ونص عليه أحمد في رواية عنه ومن يقول هي للإباحة أسعد بالحديث وإلا تعطلت فائدته ودلالته ولا يلزم من إباحة أخذه ما شاء من ماله أن لا تقبل شهادته له بحال مع القطع أو ظهور انتفاء التهمة كما لو شهد له بنكاح أو حد أو ما لا تلحقه به تهمة. قالوا: وأما كونه لا يعطى من زكاته ولا يقاد به ولا يحد به ولا يثبت له في ذمته دين ولا يحبس به فالاستدلال إنما يكون بما ثبت بنص أو إجماع وليس معكم شيء من ذلك فهذه مسائل نزاع لا مسائل إجماع ولو سلم ثبوت الحكم فيها أو في بعضها لم يلزم منه عدم قبول شهادة أحدهما للآخر حيث تنتفي التهمة ولا تلازم بين قبول الشهادة وجريان القصاص وثبوت الدين له في ذمته لا عقلا ولا شرعا فإن تلك الأحكام اقتضتها الأبوة التي تمنع من مساواته للأجنبي في حده به وإقادته منه وحبسه بدينه فإن منصب أبوته يأبى ذلك وقبحه مركوز في فطر الناس وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوه قبيحا فهو عند الله قبيح وأما الشهادة فهي خبر يعتمد الصدق والعدالة فإذا كان المخبر به صادقا مبرزا في العدالة غير متهم في الإخبار فليس قبول قوله قبيحا عند المسلمين ولا تأتي الشريعة برد خبر المخبر به واتهامه. قالوا: والشريعة مبناها على تصديق الصادق وقبول خبره وتكذيب الكاذب والتوقف في خبر الفاسق المتهم فهي لا ترد حقا ولا تقبل باطلا. قالوا: وأما حديث عائشة فلو ثبت لم يكن فيه دليل فإنه إنما يدل على عدم قبول شهادة المتهم في قرابته أو ذي ولاية ونحن لا نقبل شهادته إذا ظهرت تهمته ثم منازعونا لا يقولون بالحديث فإنهم لا يردون شهادة كل قرابة والحديث ليس فيه تخصيص لقرابة الإيلاد بالمنع وإنما فيه تعليق المنع بتهمة القرابة فألغيتم وصف التهمة وخصصتم وصف القرابة بفرد منها فكنا نحن أسعد بالحديث منكم وبالله التوفيق. وقد قال محمد بن الحكم: إن أصحاب مالك يجيزون شهادة الأب والابن والأخ والزوج والزوجة على أنه وكل فلانا ولا يجيزون شهادتهم أن فلانا وكله لأن الذي يوكل لا يتهمان عليه في شيء(1\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "89",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "91",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما شهادة الأخ لأخيه فالجمهور يجيزونها وهو الذي في التهذيب من رواية ابن القاسم عن مالك إلا أن يكون في عياله. وقال بعض المالكية: لا تجوز إلا على شرط ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم: هو أن يكون مبرزا في العدالة وقال بعضهم: إذا لم تنله صلته وقال أشهب: تجوز في اليسير دون الكثير فإن كان مبرزا جاز في الكثير وقال بعضهم: تقبل مطلقا إلا فيما تصح فيه التهمة مثل أن يشهد له بما يكسب به الشاهد شرفا وجاها. والصحيح أنه تقبل شهادة الابن لأبيه والأب لابنه فيما لا تهمة فيه ونص عليه أحمد فعنه في المسألة ثلاث روايات: المنع والقبول فيما لا تهمة فيه والتفريق بين شهادة الابن لأبيه فتقبل وشهادة الأب لابنه فلا تقبل واختار ابن المنذر القبول كالأجنبي. وأما شهادة أحدهما على الآخر فنص الإمام أحمد على قبولها وقد دل عليه القرآن في قوله تعالى: كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين [النساء: 135] . وقد حكى بعض أصحاب أحمد عنه رواية ثانية أنها لا تقبل قال صاحب المغني: ولم أجد في الجامع يعني جامع الخلال خلافا عن أحمد أنها تقبل. وقال بعض الشافعية: لا تقبل شهادة الابن على أبيه في قصاص ولا حد قذف قال: لأنه لا يقتل بقتله ولا يحد بقذفه وهذا قياس ضعيف جدا فإن الحد والقتل في صورة المنع لكون المستحق هو الابن وهنا المستحق أجنبي. ومما يدل على أن احتمال التهمة بين الولد ووالده لا يمنع قبول الشهادة أن شهادة الوارث لمورثه جائزة بالمال وغيره ومعلوم أن تطرق التهمة إليه مثل تطرقها إلى الوالد والولد وكذلك شهادة الابنين على أبيهما بطلاق ضرة أمهما جائزة مع أنها شهادة للأم ويتوفر حظها من الميراث ويخلو لها وجه الزوج ولم ترد هذه الشهادة باحتمال التهمة فشهادة الوالد لوالده وعكسه بحيث لا تهمة هناك أولى بالقبول وهذا هو القول الذي ندين الله به وبالله التوفيق  [فصل شاهد الزور] . فصل: [شاهد الزور] وقوله: quot; إلا مجربا عليه شهادة زور quot; يدل على أن المرة الواحدة من شهادة الزور تستقل برد الشهادة وقد قرن الله سبحانه في كتابه بين الإشراك وقول الزور وقال تعالى:(1\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "90",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "92",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واجتنبوا قول الزور [الحج: 30] حنفاء لله غير مشركين به [الحج: 31] وفي الصحيحين أيضا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قلنا: بلى يا رسول الله قال: الشرك بالله ثم عقوق الوالدين وكان متكئا فجلس ثم قال: ألا وقول الزور ألا وقول الزور فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت وفي الصحيحين عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أكبر الكبائر الإشراك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين وقول الزور .  [الكذب في غير الشهادة] [الكذب من الكبائر] ولا خلاف بين المسلمين أن شهادة الزور من الكبائر واختلف الفقهاء في الكذب في غير الشهادة: هل هو من الصغائر أو من الكبائر على قولين هما روايتان عن الإمام أحمد حكاهما أبو الحسين في تمامه واحتج من جعله من الكبائر بأن الله سبحانه جعله في كتابه من صفات شر البرية وهم الكفار والمنافقون فلم يصف به إلا كافرا أو منافقا وجعله علم أهل النار وشعارهم وجعل الصدق علم أهل الجنة وشعارهم. وفي الصحيح من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا وفي الصحيحين مرفوعا: آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان . وقال معمر عن أيوب عن ابن أبي مليكة عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ما كان خلق أبغض إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الكذب ولقد كان الرجل يكذب عنده الكذبة فما تزال في نفسه حتى يعلم أنه قد أحدث منها توبة . وقال مروان الطاطري: ثنا محمد بن مسلم ثنا أيوب عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: ما كان شيء أبغض إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الكذب وما جرب على أحد كذبا فرجع إليه ما كان حتى يعرف منه توبة حديث حسن رواه الحاكم في المستدرك من طريق ابن وهب عن محمد بن مسلم عن أيوب عن ابن سيرين عن عائشة - رضي الله عنها - وروى عبد الرزاق عن معمر عن موسى بن أبي شيبة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أبطل شهادة رجل في كذبة كذبها وهو مرسل وقد احتج به أحمد في إحدى الروايتين عنه. وقال قيس بن أبي حازم: سمعت أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - يقول: quot; إياكم والكذب فإن الكذب مجانب الإيمان quot; يروى موقوفا ومرفوعا وروى شعبة عن سلمة بن كهيل عن مصعب بن سعد عن(1\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "91",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "93",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبيه قال: quot; المسلم يطبع على كل طبيعة غير الخيانة والكذب quot; ويروى مرفوعا أيضا. وفي المسند والترمذي من حديث خريم بن فاتك الأسدي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الصبح فلما انصرف قام قائما قال: عدلت شهادة الزور الشرك بالله ثلاث مرار ثم تلا هذه الآية: فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور [الحج: 30] حنفاء لله غير مشركين به [الحج: 31]  . وفي المسند من حديث عبد الله بن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: بين يدي الساعة تسليم الخاصة وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة وقطع الأرحام وشهادة الزور وكتمان شهادة الحق . وقال الحسن بن زياد اللؤلؤي: ثنا أبو حنيفة قال: كنا عند محارب بن دثار فتقدم إليه رجلان فادعى أحدهما على الآخر مالا فجحده المدعى عليه فسأله البينة فجاء رجل فشهد عليه فقال المشهود عليه: لا والله الذي لا إله إلا هو ما شهد علي بحق وما علمته إلا رجلا صالحا غير هذه الزلة فإنه فعل هذا لحقد كان في قلبه علي وكان محارب متكئا فاستوى جالسا ثم قال: يا ذا الرجل سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ليأتين على الناس يوم تشيب فيه الولدان وتضع الحوامل ما في بطونها وتضرب الطير بأذنابها وتضع ما في بطونها من شدة ذلك اليوم ولا ذنب عليها وإن شاهد الزور لا يقار قدماه على الأرض حتى يقذف به في النار فإن كنت شهدت بحق فاتق الله وأقم على شهادتك وإن كنت شهدت بباطل فاتق الله وغط رأسك واخرج من ذلك الباب . وقال عبد الملك بن عمير: كنت في مجلس محارب بن دثار وهو في قضائه حتى تقدم إليه رجلان فادعى أحدهما على الآخر حقا فأنكره فقال: ألك بينة فقال: نعم ادع فلانا فقال المدعى عليه: إنا لله وإنا إليه راجعون والله إن شهد علي ليشهدن بزور ولئن سألتني عنه لأزكينه فلما جاء الشاهد قال محارب بن دثار: حدثني عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الطير لتضرب بمناقيرها وتقذف ما في حواصلها وتحرك أذنابها من هول يوم القيامة وإن شاهد الزور لا تقار قدماه على الأرض حتى يقذف به في النار ثم قال للرجل: بم تشهد قال: كنت أشهدت على شهادة وقد نسيتها أرجع فأتذكرها فانصرف ولم يشهد عليه بشيء  ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده فقال: ثنا محمد بن بكار ثنا زافر عن أبي علي قال: كنت عند محارب بن دثار فاختصم إليه رجلان فشهد على أحدهما شاهد فقال الرجل: لقد شهد علي بزور ولئن سئلت عنه ليزكين وكان محارب متكئا فجلس ثم قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تزول قدما شاهد الزور من مكانهما حتى يوجب الله له النار وللحديث طرق إلى محارب.(1\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "92",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "94",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الحكمة في رد شهادة الكذاب] فصل: [الحكمة في رد شهادة الكذاب] وأقوى الأسباب في رد الشهادة والفتيا والرواية الكذب لأنه فساد في نفس آلة الشهادة والفتيا والرواية فهو بمثابة شهادة الأعمى على رؤية الهلال وشهادة الأصم الذي لا يسمع على إقرار المقر فإن اللسان الكذوب بمنزلة العضو الذي قد تعطل نفعه بل هو شر منه فشر ما في المرء لسان كذوب ولهذا يجعل الله سبحانه شعار الكاذب عليه يوم القيامة وشعار الكاذب على رسوله سواد وجوههم والكذب له تأثير عظيم في سواد الوجه ويكسوه برقعا من المقت يراه كل صادق فسيما الكاذب في وجهه ينادى عليه لمن له عينان والصادق يرزقه الله مهابة وجلالة فمن رآه هابه وأحبه والكاذب يرزقه إهانة ومقتا فمن رآه مقته واحتقره وبالله التوفيق.  [فصل شهادة المجلود في حد القذف] . فصل [رد شهادة المجلود في حد القذف] وقول أمير المؤمنين - رضي الله عنه - في كتابه quot; أو مجلودا في حد quot; المراد به القاذف إذا حد للقذف لم تقبل شهادته بعد ذلك وهذا متفق عليه بين الأمة قبل التوبة والقرآن نص فيه وأما إذا تاب ففي قبول شهادته قولان مشهوران للعلماء: أحدهما: لا تقبل وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وأهل العراق. والثاني: تقبل وهو قول الشافعي وأحمد ومالك. وقال ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس: شهادة الفاسق لا تجوز وإن تاب وقال القاضي إسماعيل: ثنا أبو الوليد ثنا قيس عن سالم عن قيس بن عاصم قال: كان أبو بكرة إذا أتاه رجل يشهده قال: أشهد غيري فإن المسلمين قد فسقوني وهذا ثابت عن مجاهد وعكرمة والحسن ومسروق والشعبي في إحدى الروايتين عنهم وهو قول شريح. واحتج أرباب هذا القول بأن الله سبحانه أبد المنع من قبول شهادتهم بقوله: ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا [النور: 4]  وحكم عليهم بالفسق ثم استثنى التائبين من الفاسقين وبقي المنع من قبول الشهادة على إطلاقه وتأبيده. قالوا: وقد روى أبو جعفر الرازي عن آدم بن فائد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا محدود في الإسلام ولا محدودة ولا ذي غمر على أخيه وله طرق إلى عمرو. ورواه ابن ماجه من طريق حجاج بن أرطاة عن(1\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "93",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "95",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عمرو ورواه البيهقي من طريق المثنى بن الصباح عن عمرو قالوا: وروى يزيد بن أبي زياد الدمشقي عن الزهري عن عروة عن عائشة ترفعه لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا مجلود في حد ولا ذي غمر لأخيه ولا مجرب عليه شهادة زور ولا ظنين في ولاء أو قرابة . وروي عن سعيد بن المسيب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا. قالوا: ولأن المنع من قبول شهادته جعل من تمام عقوبته ولهذا لا يترتب المنع إلا بعد الحد فلو قذف ولم يحد لم ترد شهادته ومعلوم أن الحد إنما زاده طهرة وخفف عنه إثم القذف أو رفعه فهو بعد الحد خير منه قبله ومع هذا فإنما ترد شهادته بعد الحد فردها من تمام عقوبته وحده وما كان من الحدود ولوازمها فإنه لا يسقط بالتوبة ولهذا لو تاب القاذف لم تمنع توبته إقامة الحد عليه فكذلك شهادته. وقال سعيد بن جبير: تقبل توبته فيما بينه وبين الله من العذاب العظيم ولا تقبل شهادته وقال شريح: لا تجوز شهادته أبدا وتوبته فيما بينه وبين ربه. وسر المسألة أن رد شهادته جعل عقوبة لهذا الذنب فلا يسقط بالتوبة كالحد. قال الآخرون واللفظ للشافعي: والثنيا في سياق الكلام على أول الكلام وآخره في جميع ما يذهب إليه أهل الفقه إلا أن يفرق بين ذلك خبر وأنبأنا ابن عيينة قال: سمعت الزهري يقول: زعم أهل العراق أن شهادة المحدود لا تجوز وأشهد لأخبرني فلان أن عمر قال لأبي بكرة: تب أقبل شهادتك قال سفيان: نسيت اسم الذي حدث الزهري فلما قمنا سألت من حضر فقال لي عمرو بن قيس: هو سعيد بن المسيب فقلت لسفيان: فهل شككت فيما قال لك قال: لا هو سعيد غير شك قال الشافعي: وكثيرا ما سمعته يحدث فيسمى سعيدا وكثيرا ما سمعته يقول: عن سعيد إن شاء الله وأخبرني به من أثق به من أهل المدينة عن ابن شهاب عن ابن المسيب أن عمر لما جلد الثلاثة استتابهم فرجع اثنان فقبل شهادتهما وأبى أبو بكرة أن يرجع فرد شهادته ورواه سليمان بن كثير عن الزهري عن ابن المسيب أن عمر قال لأبي بكرة وشبل ونافع: من تاب منكم قبلت شهادته. وقال عبد الرزاق: ثنا محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة عن ابن المسيب أن عمر قال للذين شهدوا على المغيرة: توبوا تقبل شهادتكم فتاب منهم اثنان وأبى أبو بكرة أن يتوب فكان عمر لا يقبل شهادته. قالوا: والاستثناء عائد على جميع ما تقدمه سوى الحد فإن المسلمين مجمعون على أنه لا يسقط عن القاذف بالتوبة وقد قال أئمة اللغة: إن الاستثناء يرجع إلى ما تقدم كله قال ابن عبيد في كتاب القضاء: وجماعة أهل الحجاز ومكة على قبول شهادته وأما(1\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "94",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "96",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أهل العراق فيأخذون بالقول الأول أن لا تقبل أبدا وكلا الفريقين إنما تأولوا القرآن فيما نرى والذين لا يقبلونها يذهبون إلى أن المعنى انقطع من عند قوله: ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا [النور: 4] ثم استأنف فقال: وأولئك هم الفاسقون [النور: 4] إلا الذين تابوا [النور: 5] فجعلوا الاستثناء من الفسق خاصة دون الشهادة وأما الآخرون فتأولوا أن الكلام تبع بعضه بعضا على نسق واحد فقال: ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون [النور: 4] إلا الذين تابوا [النور: 5] فانتظم الاستثناء كل ما كان قبله. قال أبو عبيد: وهذا عندي هو القول المعمول به لأن من قال به أكثر وهو أصح في النظر ولا يكون القول بالشيء أكثر من الفعل وليس يختلف المسلمون في الزاني المجلود أن شهادته مقبولة إذا تاب. قالوا: وأما ما ذكرتم عن ابن عباس فقد قال الشافعي: بلغني عن ابن عباس أنه كان يجيز شهادة القاذف إذا تاب. وقال علي بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى: ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا [النور: 4] ثم قال: إلا الذين تابوا [النور: 5] فمن تاب وأصلح فشهادته في كتاب الله تقبل وقال شريك عن أبي حصين عن الشعبي: يقبل الله توبته ولا يقبلون شهادته  وقال مطرف عنه: إذا فرغ من ضربه فأكذب نفسه ورجع عن قوله قبلت شهادته. قالوا: وأما تلك الآثار التي رويتموها ففيها ضعف فإن آدم بن فائد غير معروف ورواته عن عمر قسمان: ثقات وضعفاء فالثقات لم يذكر أحد منهم quot; أو مجلودا في حد quot; وإنما ذكره الضعفاء كالمثنى بن الصباح وآدم والحجاج وحديث عائشة فيه يزيد وهو ضعيف ولو صحت الأحاديث لحملت على غير التائب فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له وقد قبل شهادته بعد التوبة عمر وابن عباس ولا يعلم لهما في الصحابة مخالف. قالوا: وأعظم موانع الشهادة الكفر والسحر وقتل النفس وعقوق الوالدين والزنا ولو تاب من هذه الأشياء قبلت شهادته اتفاقا فالتائب من القذف أولى بالقبول. قالوا: وأين جناية قتله من قذفه قالوا: والحد يدرأ عنه عقوبة الآخرة وهو طهرة له فإن الحدود طهرة لأهلها فكيف تقبل شهادته إذا لم يتطهر بالحد ويرد أطهر ما يكون فإنه بالحد والتوبة قد يطهر طهرا كاملا. قالوا: ورد الشهادة بالقذف إنما هو مستند إلى العلة التي ذكرها الله عقيب هذا الحكم وهي الفسق وقد ارتفع الفسق بالتوبة وهو سبب الرد فيجب ارتفاع ما ترتب عليه وهو المنع(1\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "95",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "97",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: والقاذف فاسق بقذفه حد أو لم يحد فكيف تقبل شهادته في حال فسقه وترد شهادته بعد زوال فسقه قالوا: ولا عهد لنا في الشريعة بذنب واحد أصلا يتاب منه ويبقى أثره المترتب عليه من رد الشهادة وهل هذا إلا خلاف المعهود منها وخلاف قوله - صلى الله عليه وسلم -: التائب من الذنب كمن لا ذنب له  وعند هذا فيقال: توبته من القذف تنزله منزلة من لم يقذف فيجب قبول شهادته أو كما قالوا. قال المانعون: القذف متضمن للجناية على حق الله وحق الآدمي وهو من أوفى الجرائم فناسب تغليظ الزجر ورد الشهادة من أقوى أسباب الزجر لما فيه من إيلام القلب والنكاية في النفس إذ هو عزل لولاية لسانه الذي استطال به على عرض أخيه وإبطال لها ثم هو عقوبة في محل الجناية فإن الجناية حصلت بلسانه فكان أولى بالعقوبة فيه وقد رأينا الشارع قد اعتبر هذا حيث قطع يد السارق فإنه حد مشروع في محل الجناية ولا ينتقض هذا بأنه لم يجعل عقوبة الزاني بقطع العضو الذي جنى به لوجوه: أحدها: أنه عضو خفي مستور لا تراه العيون فلا يحصل الاعتبار المقصود من الحد بقطعه. الثاني: أن ذلك يفضي إلى إبطال آلات التناسل وانقطاع النوع الإنساني. الثالث: أن لذة البدن جميعه بالزنا كلذة العضو المخصوص فالذي نال البدن من اللذة المحرمة مثل ما نال الفرج ولهذا كان حد الخمر على جميع البدن. الرابع: أن قطع هذا العضو مفض إلى الهلاك وغير المحصن لا تستوجب جريمته الهلاك والمحصن إنما يناسب جريمته أشنع القتلات ولا يناسبها قطع بعض أعضائه فافترقا. قالوا: وأما قبول شهادته قبل الحد وردها بعده فلما تقدم أن رد الشهادة جعل من تمام الحد وتكملته فهو كالصفة والتتمة للحد فلا يتقدم عليه ولأن إقامة الحد عليه ينقص عند الناس وتقل حرمته وهو قبل إقامة الحد قائم الحرمة غير منتهكها. قالوا: وأما التائب من الزنا والكفر والقتل فإنما قبلنا شهادته لأن ردها كان نتيجة الفسق وقد زال بخلاف مسألتنا فإنا قد بينا أن ردها من تتمة الحد فافترقا. قال القابلون: تغليظ الزجر لا ضابط له وقد حصلت مصلحة الزجر بالحد وكذلك سائر الجرائم جعل الشارع مصلحة الزجر عليها بالحد وإلا فلا تطلق نساؤه ولا يؤخذ ماله ولا يعزل عن منصبه ولا تسقط روايته لأنه أغلظ في الزجر وقد أجمع المسلمون على قبول رواية أبي بكرة - رضي الله عنه - وتغليظ الزجر من الأوصاف المنتشرة التي لا(1\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "96",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "98",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تنضبط وقد حصل إيلام القلب والبدن والنكاية في النفس بالضرب الذي أخذ من ظهره وأيضا فإن رد الشهادة لا ينزجر به أكثر القاذفين وإنما يتأثر بذلك وينزجر أعيان الناس وقل أن يوجد القذف من أحدهم وإنما يوجد غالبا من الرعاع والسقط ومن لا يبالي برد شهادته وقبولها وأيضا فكم من قاذف انقضى عمره وما أدى شهادة عند حاكم ومصلحة الزجر إنما تكون بمنع النفوس ما هي محتاجة إليه وهو كثير الوقوع منها ثم هذه المناسبة التي ذكرتموها يعارضها ما هو أقوى منها فإن رد الشهادة أبدا تلزم منه مفسدة فوات الحقوق على الغير وتعطيل الشهادة في محل الحاجة إليها ولا يلزم مثل ذلك في القبول فإنه لا مفسدة فيه في حق الغير من عدل تائب قد أصلح ما بينه وبين الله ولا ريب أن اعتبار مصلحة يلزم منها مفسدة أولى من اعتبار مصلحة يلزم منها عدة مفاسد في حق الشاهد وحق المشهود له وعليه والشارع له تطلع إلى حفظ الحقوق على مستحقيها بكل طريق وعدم إضاعتها فكيف يبطل حقا قد شهد به عدل مرضي مقبول الشهادة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى دينه رواية وفتوى وأما قولكم quot; إن العقوبة تكون في محل الجناية quot; فهذا غير لازم لما تقدم من عقوبة الشارب والزاني وقد جعل الله سبحانه عقوبة هذه الجريمة على جميع البدن دون اللسان وإنما جعل عقوبة اللسان بسبب الفسق الذي هو محل التهمة فإذا زال الفسق بالتوبة فلا وجه للعقوبة بعدها. وأما قولكم: quot; إن رد الشهادة من تمام الحد quot; فليس كذلك فإن الحد تم باستيفاء عدده وسببه نفس القذف وأما رد الشهادة فحكم آخر أوجبه الفسق بالقذف لا الحد فالقذف أوجب حكمين: ثبوت الفسق وحصول الحد وهما متغايران.  [فصل رد الشهادة بالتهمة] فصل: [رد الشهادة بالتهمة] وقوله: quot; أو ظنينا في ولاء أو قرابة quot; الظنين: المتهم والشهادة ترد بالتهمة ودل هذا على أنها لا ترد بالقرابة كما لا ترد بالولاء وإنما ترد بتهمتها وهذا هو الصواب كما تقدم. وقال أبو عبيد: ثنا حجاج عن ابن جريج قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن أبي الزناد عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن عمر بن الخطاب أنه قال: تجوز شهادة الوالد لولده والولد لوالده والأخ لأخيه إذا كانوا عدولا لم يقل الله حين قال: ممن ترضون من الشهداء [البقرة: 282] إلا والدا وولدا وأخا هذا لفظه وليس في ذلك عن عمر(1\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "97",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "99",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "روايتان بل إنما منع من شهادة المتهم في قرابته وولائه. وقال أبو عبيد: حدثني يحيى بن بكير عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن عمر بن عبد العزيز كتب أنه تجوز شهادة الولد لوالده وقال إسحاق بن راهويه: لم تزل قضاة الإسلام على هذا وإنما قبل قول الشاهد لظن صدقه فإذا كان متهما عارضت التهمة الظن فبقيت البراءة الأصلية ليس لها معارض مقاوم  [فصل شهادة مستور الحال] وقوله: quot; فإن الله تبارك وتعالى تولى من العباد السرائر وستر عليهم الحدود إلا بالبينات quot; يريد بذلك أن من ظهرت لنا منه علانية خير قبلنا شهادته ووكلنا سريرته إلى الله سبحانه فإن الله سبحانه لم يجعل أحكام الدنيا على السرائر بل على الظواهر والسرائر تبع لها وأما أحكام الآخرة فعلى السرائر والظواهر تبع لها. وقد احتج بعض أهل العراق بقول عمر هذا على قبول شهادة كل مسلم لم تظهر منه ريبة وإن كان مجهول الحال فإنه قال: quot; والمسلمون عدول بعضهم على بعض quot; ثم قال: quot; فإن الله تعالى تولى من عباده السرائر وستر عليهم الحدود quot; ولا يدل كلامه على هذا المذهب بل قد روى أبو عبيد ثنا الحجاج عن المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قال عمر بن الخطاب: لا يوسر أحد في الإسلام بشهداء السوء فإنا لا نقبل إلا العدول وثنا إسحاق بن علي عن مالك بن أنس عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: والله لا يوسرن رجل في الإسلام بغير العدول وثنا إسماعيل بن إبراهيم عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي فراس أن عمر بن الخطاب قال في خطبته: من أظهر لنا خيرا ظننا به خيرا وأحببناه عليه ومن أظهر لنا شرا ظننا به شرا وأبغضناه عليه. وقوله: quot; وستر عليهم الحدود quot; يعني المحارم وهي حدود الله التي نهى عن قربانها والحد يراد به الذنب تارة والعقوبة أخرى. وقوله: quot; إلا بالبينات والأيمان quot; يريد بالبينات الأدلة والشواهد فإنه قد صح عنه الحد في الزنا بالحبل فهو بينة صادقة بل هو أصدق من الشهود وكذلك رائحة الخمر بينة على شربها عند الصحابة وفقهاء أهل المدينة وأكثر فقهاء الحديث(1\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "98",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "100",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل. وقوله: quot; والأيمان quot; يريد بها أيمان الزوج في اللعان وأيمان أولياء القتيل في القسامة وهي قائمة مقام البينة  [القول في القياس] فصل [القول في القياس] وقوله: quot; ثم الفهم الفهم فما أدلى إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة ثم قايس الأمور عند ذلك واعرف الأمثال ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق quot; هذا أحد ما اعتمد عليه القياسون في الشريعة وقالوا: هذا كتاب عمر إلى أبي موسى ولم ينكره أحد من الصحابة بل كانوا متفقين على القول بالقياس وهو أحد أصول الشريعة ولا يستغني عنه فقيه. [إشارات القرآن إلى القياس] وقد أرشد الله تعالى عباده إليه في غير موضع من كتابه فقاس النشأة الثانية على النشأة الأولى في الإمكان وجعل النشأة الأولى أصلا والثانية فرعا عليها وقاس حياة الأموات بعد الموت على حياة الأرض بعد موتها بالنبات وقاس الخلق الجديد الذي أنكره أعداؤه على خلق السموات والأرض وجعله من قياس الأولى كما جعل قياس النشأة الثانية على الأولى من قياس الأولى وقاس الحياة بعد الموت على اليقظة بعد النوم وضرب الأمثال وصرفها في الأنواع المختلفة وكلها أقيسة عقلية ينبه بها عباده على أن حكم الشيء حكم مثله فإن الأمثال كلها قياسات يعلم منها حكم الممثل من الممثل به وقد اشتمل القرآن على بضعة وأربعين مثلا تتضمن تشبيه الشيء بنظيره والتسوية بينهما في الحكم. وقال تعالى: وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون [العنكبوت: 43] فالقياس في ضرب الأمثال من خاصة العقل وقد ركز الله فطر الناس وعقولهم على التسوية بين المتماثلين وإنكار التفريق بينهما والفرق بين المختلفين وإنكار الجمع بينهما. قالوا: ومدار الاستدلال جميعه على التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين فإنه إما استدلال بمعين على معين أو بمعين على عام أو بعام على معين أو بعام على عام فهذه الأربعة هي مجامع ضروب الاستدلال(1\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "99",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "101",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالاستدلال بالمعين على المعين هو الاستدلال بالملزوم على لازمه فكل ملزوم دليل على لازمه فإن كان التلازم من الجانبين كان كل منهما دليلا على الآخر ومدلولا له وهذا النوع ثلاثة أقسام: أحدها: الاستدلال بالمؤثر على الأثر. والثاني: الاستدلال بالأثر على المؤثر. والثالث: الاستدلال بأحد الأثرين على الآخر. فالأول كالاستدلال بالنار على الحريق والثاني كالاستدلال بالحريق على النار والثالث كالاستدلال بالحريق على الدخان ومدار ذلك كله على التلازم فالتسوية بين المتماثلين هو الاستدلال بثبوت أحد الأثرين على الآخر وقياس الفرق هو الاستدلال بانتفاء أحد الأثرين على انتفاء الآخر أو بانتفاء اللازم على انتفاء ملزومه فلو جاز التفريق بين المتماثلين لانسدت طرق الاستدلال وغلقت أبوابه. قالوا: وأما الاستدلال بالمعين على العام فلا يتم إلا بالتسوية بين المتماثلين إذ لو جاز الفرق لما كان هذا المعين دليلا على الأمر العام المشترك بين الأفراد ومن هذا أدلة القرآن بتعذيب المعينين الذين عذبهم على تكذيب رسله وعصيان أمره على أن هذا الحكم عام شامل على من سلك سبيلهم واتصف بصفتهم وهو سبحانه قد نبه عباده على نفس هذا الاستدلال وتعدية هذا الخصوص إلى العموم كما قال تعالى عقيب إخباره عن عقوبات الأمم المكذبة لرسلهم وما حل بهم أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر [القمر: 43] فهذا محض تعدية الحكم إلى من عدا المذكورين بعموم العلة وإلا فلو لم يكن حكم الشيء حكم مثله لما لزمت التعدية ولا تمت الحجة ومثل هذا قوله تعالى عقيب إخباره عن عقوبة قوم عاد حين رأوا العارض في السماء فقالوا: هذا عارض ممطرنا [الأحقاف: 24] فقال تعالى: بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم [الأحقاف: 24] تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين [الأحقاف: 25] ثم قال: ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون [الأحقاف: 26] فتأمل قوله: ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه [الأحقاف: 26] كيف تجد المعنى أن حكمكم كحكمهم وأنا إذا كنا قد أهلكناهم بمعصية رسلنا ولم يدفع عنهم ما مكنوا فيه من أسباب العيش فأنتم كذلك تسوية بين المتماثلين وأن هذا محض عدل الله بين عباده. ومن ذلك قوله تعالى: أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها [محمد: 10] فأخبر أن حكم الشيء حكم مثله(1\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "100",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "102",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك كل موضع أمر الله سبحانه فيه بالسير في الأرض سواء كان السير الحسي على الأقدام والدواب أو السير المعنوي بالتفكر والاعتبار أو كان اللفظ يعمهما وهو الصواب فإنه يدل على الاعتبار والحذر أن يحل بالمخاطبين ما حل بأولئك ولهذا أمر سبحانه أولي الأبصار بالاعتبار بما حل بالمكذبين ولولا أن حكم النظير حكم نظيره حتى تعبر العقول منه إليه لما حصل الاعتبار وقد نفى الله سبحانه عن حكمه وحكمته التسوية بين المختلفين في الحكم فقال تعالى: أفنجعل المسلمين كالمجرمين [القلم: 35] ما لكم كيف تحكمون [القلم: 36] فأخبر أن هذا حكم باطل في الفطر والعقول لا تليق نسبته إليه سبحانه وقال تعالى: أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون [الجاثية: 21] وقال تعالى: أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار [ص: 28] أفلا تراه كيف ذكر العقول ونبه الفطر بما أودع فيها من إعطاء النظير حكم نظيره وعدم التسوية بين الشيء ومخالفه في الحكم وكل هذا من الميزان الذي أنزله الله مع كتابه وجعله قرينه ووزيره فقال تعالى: الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان [الشورى: 17] وقال: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط [الحديد: 25] وقال تعالى: الرحمن [الرحمن: 1] علم القرآن [الرحمن: 2] فهذا الكتاب ثم قال: والسماء رفعها ووضع الميزان [الرحمن: 7] والميزان يراد به العدل والآلة التي يعرف بها العدل وما يضاده والقياس الصحيح هو الميزان فالأولى تسميته بالاسم الذي سماه الله به فإنه يدل على العدل وهو اسم مدح واجب على كل واحد في كل حال بحسب الإمكان بخلاف اسم القياس فإنه ينقسم إلى حق وباطل وممدوح ومذموم ولهذا لم يجئ في القرآن مدحه ولا ذمه ولا الأمر به ولا النهي عنه فإنه مورد تقسيم إلى صحيح وفاسد. والصحيح هو الميزان الذي أنزله مع كتابه. والفاسد ما يضاده كقياس الذين قاسوا على الربا بجامع ما يشتركان فيه من التراضي بالمعاوضة المالية وقياس الذين قاسوا الميتة على المذكى في جواز أكلها بجامع ما يشتركان من إزهاق الروح هذا بسبب من الآدميين وهذا بفعل الله ولهذا تجد في كلام السلف ذم القياس وأنه ليس من الدين وتجد في كلامهم استعماله والاستدلال به وهذا حق وهذا حق كما سنبينه إن شاء الله تعالى.(1\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "101",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "103",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[أنواع القياس] والأقيسة المستعملة في الاستدلال ثلاثة: قياس علة وقياس دلالة وقياس شبه وقد وردت كلها في القرآن. [قياس العلة] فأما قياس العلة فقد جاء في كتاب الله عز وجل في مواضع منها قوله تعالى: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون [آل عمران: 59] فأخبر تعالى أن عيسى نظير آدم في التكوين بجامع ما يشتركان فيه من المعنى الذي تعلق به وجود سائر المخلوقات وهو مجيئها طوعا لمشيئته وتكوينه فكيف يستنكر وجود عيسى من غير أب من يقر بوجود آدم من غير أب ولا أم ووجود حواء من غير أم فآدم وعيسى نظيران يجمعهما المعنى الذي يصح تعليق الإيجاد والخلق به ومنها قوله تعالى: قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين [آل عمران: 137] أي: قد كان من قبلكم أمم أمثالكم فانظروا إلى عواقبهم السيئة واعلموا أن سبب ذلك ما كان من تكذيبهم بآيات الله ورسله وهم الأصل وأنتم الفرع والعلة الجامعة التكذيب والحكم الهلاك. ومنها قوله تعالى: ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين [الأنعام: 6] فذكر سبحانه إهلاك من قبلنا من القرون وبين أن ذلك كان لمعنى القياس وهو ذنوبهم فهم الأصل ونحن الفرع والذنوب العلة الجامعة والحكم الهلاك فهذا محض قياس العلة وقد أكده سبحانه بضرب من الأولى وهو أن من قبلنا كانوا أقوى منا فلم تدفع عنهم قوتهم وشدتهم ما حل بهم ومنه قوله تعالى: كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون [التوبة: 69] . وقد اختلف في محل هذا الكاف وما يتعلق به فقيل: هو رفع خبر مبتدأ محذوف أي أنتم كالذين من قبلكم وقيل: نصب بفعل محذوف تقديره فعلتم كفعل الذين من قبلكم والتشبيه على هذين القولين في أعمال الذين من قبل وقيل: إن التشبيه في(1\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "102",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "104",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العذاب ثم قيل: العامل محذوف أي لعنهم وعذبهم كما لعن الذين من قبل وقيل: بل العامل ما تقدم أي وعد الله المنافقين كوعد الذين من قبلكم ولعنهم كلعنهم ولهم عذاب مقيم كالعذاب الذي لهم والمقصود أنه سبحانه ألحقهم بهم في الوعيد وسوى بينهم فيه كما تساووا في الأعمال وكونهم كانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالا وأولادا فرق غير مؤثر فعلق الحكم بالوصف الجامع المؤثر وألغى الوصف الفارق ثم نبه على أن مشاركتهم في الأعمال اقتضت مشاركتهم في الجزاء فقال: فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا [التوبة: 69] فهذه هي العلة المؤثرة والوصف الجامع وقوله: أولئك حبطت أعمالهم [التوبة: 69] هو الحكم والذين من قبل هم الأصل والمخاطبون الفرع. قال عبد الرزاق في تفسيره: أخبرنا معمر عن الحسن في قوله: فاستمتعوا بخلاقهم [التوبة: 69] قال: بذنبهم ويروى عن أبي هريرة. وقال ابن عباس: استمتعوا بنصيبهم من الآخرة في الدنيا وقال آخرون: بنصيبهم من الدنيا. وحقيقة الأمر أن الخلاق هو النصيب والحظ كأنه الذي خلق للإنسان وقدر له كما يقال قسمه الذي قسم له ونصيبه الذي نصب له أي أثبت وقطه الذي قط له أي قطع ومنه قوله تعالى: وما له في الآخرة من خلاق [البقرة: 200] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة والآية تتناول ما ذكره السلف كله فإنه سبحانه قال: كانوا أشد منكم قوة [التوبة: 69] فبتلك القوة التي كانت فيهم كانوا يستطيعون أن يعملوا للدنيا والآخرة وكذلك الأموال والأولاد وتلك القوة والأموال والأولاد هي الخلاق فاستمتعوا بقوتهم وأموالهم وأولادهم في الدنيا ونفس الأعمال التي عملوها بهذه القوة من الخلاق الذي استمتعوا به ولو أرادوا بذلك الله والدار الآخرة لكان لهم خلاق في الآخرة فتمتعهم بها أخذ حظوظهم العاجلة وهذا حال من لم يعمل إلا لدنياه سواء كان عمله من جنس العبادات أو غيرها ثم ذكر سبحانه حال الفروع فقال: فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم [التوبة: 69] فدل هذا على أن حكمهم حكمهم وأنه ينالهم ما نالهم لأن حكم النظير حكم نظيره. ثم قال: وخضتم كالذي خاضوا [التوبة: 69] فقيل: الذي صفة لمصدر(1\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "103",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "105",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محذوف أي كالخوض الذي خاضوا وقيل: لموصوف محذوف أي كخوض القوم الذي خاضوا وهو فاعل الخوض وقيل: الذي مصدرية كما أي كخوضهم وقيل: هي موضع الذين  [أصل كل شر البدع واتباع الهوى] والمقصود أنه سبحانه جمع بين الاستمتاع بالخلاق وبين الخوض بالباطل لأن فساد الدين إما أن يقع بالاعتقاد الباطل والتكلم به وهو الخوض أو يقع في العمل بخلاف الحق والصواب وهو الاستمتاع بالخلاق فالأول البدع والثاني اتباع الهوى وهذان هما أصل كل شر وفتنة وبلاء وبهما كذبت الرسل وعصي الرب ودخلت النار وحلت العقوبات فالأول من جهة الشبهات والثاني من جهة الشهوات ولهذا كان السلف يقولون: احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى فتنته هواه وصاحب دنيا أعجبته دنياه. وكانوا يقولون: احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون فهذا يشبه المغضوب عليهم الذين يعلمون الحق ويعملون بخلافه وهذا يشبه الضالين الذين يعملون بغير علم. وفي صفة الإمام أحمد - رحمه الله -: عن الدنيا ما كان أصبره وبالماضين ما كان أشبهه أتته البدع فنفاها والدنيا فأباها وهذه حال أئمة المتقين الذين وصفهم الله في كتابه بقوله: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون [السجدة: 24] فبالصبر تترك الشهوات وباليقين تدفع الشبهات كما قال تعالى: وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر [العصر: 3] وقوله تعالى: واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار [ص: 45] . وفي بعض المراسيل: إن الله يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات . فقوله تعالى: فاستمتعتم بخلاقكم [التوبة: 69] إشارة إلى اتباع الشهوات وهو داء العصاة وقوله: وخضتم كالذي خاضوا [التوبة: 69] إشارة إلى الشبهات وهو داء المتبدعة وأهل الأهواء والخصومات وكثيرا ما يجتمعان فقل من تجده فاسد الاعتقاد إلا وفساد اعتقاده يظهر في عمله. والمقصود أن الله أخبر أن في هذه الأمة من يستمتع بخلاقه كما استمتع الذين من قبله بخلاقهم ويخوض كخوضهم وأنهم لهم من الذم والوعيد كما للذين من قبلهم ثم(1\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "104",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "106",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حضهم على القياس والاعتبار بمن قبلهم فقال: ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون [التوبة: 70] . فتأمل صحة هذا القياس وإفادته لمن علق عليه من الحكم وأن الأصل والفرع قد تساويا في المعنى الذي علق به العقاب وأكده كما تقدم بضرب من الأولى وهو شدة القوة وكثرة الأموال والأولاد فإذا لم يتعذر على الله عقاب الأقوى منهم بذنبه فكيف يتعذر عليه عقاب من هو دونه ومنه قوله تعالى: وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين [الأنعام: 133] فهذا قياس جلي يقول سبحانه: إن شئت أذهبتكم واستخلفت غيركم كما أذهبت من قبلكم واستخلفتكم فذكر أركان القياس الأربعة: علة الحكم وهي عموم مشيئته وكمالها والحكم وهو إذهابه بهم وإتيانه بغيرهم والأصل وهو من كان من قبل والفرع وهم المخاطبون. ومنه قوله تعالى: بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين [يونس: 39] فأخبر أن من قبل المكذبين أصل يعتبر به والفرع نفوسهم فإذا ساووهم في المعنى ساووهم في العاقبة. ومنه قوله تعالى: إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا [المزمل: 15] فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا [المزمل: 16] فأخبر سبحانه أنه أرسل محمدا - صلى الله عليه وسلم - إلينا كما أرسل موسى إلى فرعون وأن فرعون عصى رسوله فأخذه أخذا وبيلا فهكذا من عصى منكم محمدا - صلى الله عليه وسلم - وهذا في القرآن كثير جدا فقد فتح لك بابه  [فصل قياس الدلالة] وأما قياس الدلالة فهو الجمع بين الأصل والفرع بدليل العلة وملزومها ومنه قوله تعالى: ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير [فصلت: 39] فدل سبحانه عباده بما أراهم من الإحياء الذي تحققوه وشاهدوه على الإحياء الذي استبعدوه وذلك قياس إحياء على إحياء واعتبار الشيء بنظيره والعلة الموجبة هي عموم قدرته سبحانه وكمال حكمته وإحياء الأرض دليل العلة(1\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "105",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "107",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنه قوله تعالى: يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون [الروم: 19] فدل بالنظير على النظير وقرب أحدهما من الآخر جدا بلفظ الإخراج أي يخرجون من الأرض أحياء كما يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي. ومنه قوله تعالى: أيحسب الإنسان أن يترك سدى [القيامة: 36] ألم يك نطفة من مني يمنى [القيامة: 37] ثم كان علقة فخلق فسوى [القيامة: 38] فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى [القيامة: 39] أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى [القيامة: 40] . فبين سبحانه كيفية الخلق واختلاف أحوال الماء في الرحم إلى أن صار منه الزوجان الذكر والأنثى وذلك أمارة وجود صانع قادر على ما يشاء ونبه سبحانه: عباده بما أحدثه في النطفة المهينة الحقيرة من الأطوار وسوقها في مراتب الكمال من مرتبة إلى مرتبة أعلى منها حتى صارت بشرا سويا في أحسن خلق وتقويم - على أنه لا يحسن به أن يترك هذا البشر سدى مهملا معطلا لا يأمره ولا ينهاه ولا يقيمه في عبوديته وقد ساقه في مراتب الكمال من حين كان نطفة إلى أن صار بشرا سويا فكذلك يسوقه في مراتب كماله طبقا بعد طبق وحالا بعد حال إلى أن يصير جاره في داره يتمتع بأنواع النعيم وينظر إلى وجهه ويسمع كلامه. ومنه قوله سبحانه: وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون [الأعراف: 57] والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون [الأعراف: 58] فأخبر سبحانه: أنهما إحياءان وأن أحدهما معتبر بالآخر مقيس عليه ثم ذكر قياسا آخر أن من الأرض ما يكون أرضا طيبة فإذا أنزلنا عليها الماء أخرجت نباتها بإذن ربها ومنها ما تكون أرضا خبيثة لا تخرج نباتها إلا نكدا أي قليلا غير منتفع به فهذه إذا أنزل عليها الماء لم تخرج ما أخرجت الأرض الطيبة فشبه سبحانه الوحي الذي أنزله من السماء على القلوب بالماء الذي أنزله على الأرض بحصول الحياة بهذا وهذا وشبه القلوب بالأرض إذ هي محل الأعمال كما أن الأرض محل النبات وأن القلب الذي لا ينتفع بالوحي ولا يزكو عليه ولا يؤمن به كالأرض التي لا تنتفع بالمطر ولا تخرج نباتها به إلا قليلا لا ينفع وأن القلب الذي آمن بالوحي وزكا عليه وعمل بما فيه كالأرض التي أخرجت نباتها بالمطر فالمؤمن إذا سمع القرآن وعقله وتدبره بان أثره عليه فشبه بالبلد الطيب الذي يمرع ويخصب ويحسن(1\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "106",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "108",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أثر المطر عليه فينبت من كل زوج كريم والمعرض عن الوحي عكسه والله الموفق. ومنه قوله تعالى: يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا [الحج: 5] يقول سبحانه: إن كنتم في ريب من البعث فلستم ترتابون في أنكم مخلوقون ولستم ترتابون في مبدأ خلقكم من حال إلى حال إلى حين الموت والبعث الذي وعدتم به نظير النشأة الأولى فهما نظيران في الإمكان والوقوع فإعادتكم بعد الموت خلقا جديدا كالنشأة الأولى التي لا ترتابون فيها فكيف تنكرون إحدى النشأتين مع مشاهدتكم لنظيرها وقد أعاد سبحانه هذا المعنى وأبداه في كتابه بأوجز العبارات وأدلها وأفصحها وأقطعها للعذر وألزمها للحجة كقوله تعالى: أفرأيتم ما تمنون - أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون - نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين [الواقعة: 58 - 60] على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون [الواقعة: 61] ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون [الواقعة: 62] فدلهم بالنشأة الأولى على الثانية وأنهم لو تذكروا لعلموا أن لا فرق بينهما في تعلق القدرة بكل واحدة منهما وقد جمع سبحانه بين النشأتين في قوله: وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى [النجم: 45] من نطفة إذا تمنى - وأن عليه النشأة الأخرى [النجم: 46 - 47] وفي قوله: ألم يك نطفة من مني يمنى [القيامة: 37] ثم كان علقة فخلق فسوى [القيامة: 38] إلى قوله: أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى [القيامة: 40] وفي قوله: وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم [يس: 78] قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم [يس: 79] الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون [يس: 80] أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم [يس: 81] إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [يس: 82] فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون [يس: 83] فتضمنت هذه الآيات عشرة أدلة: أحدها قوله: أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة [يس: 77] فذكره مبدأ خلقه ليدله به على النشأة الثانية ثم أخبر أن هذا الجاحد لو ذكر خلقه لما ضرب المثل بل لما نسي خلقه ضرب المثل فتحت قوله: ونسي خلقه [يس: 78] ألطف جواب وأبين دليل وهذا كما تقول لمن جحدك أن تكون قد أعطيته شيئا: فلان جحدني الإحسان إليه ونسي الثياب التي عليه والمال الذي معه والدار التي هو فيها حيث لا يمكنه جحد أن يكون ذلك منك ثم أجيب عن سؤاله بما(1\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "107",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "109",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يتضمن أبلغ الدليل على ثبوت ما جحده فقال: قل يحييها الذي أنشأها أول مرة [يس: 79] فهذا جواب واستدلال قاطع ثم أكد هذا المعنى بالإخبار بعموم علمه لجميع الخلق فإن تعذر الإعادة عليه إنما يكون لقصور علمه أو قصور في قدرته ولا قصور في علم من هو بكل خلق عليم ولا قدرة فوق قدرة من خلق السماوات والأرض وإذا أراد شيئا قال له كن فيكون وبيده ملكوت كل شيء فكيف تعجز قدرته وعلمه عن إحيائكم بعد مماتكم ولم نعجز عن النشأة الأولى ولا عن خلق السموات والأرض ثم أرشد عباده إلى دليل واضح جلي متضمن للجواب عن شبه المنكرين بألطف الوجوه وأبينها وأقربها إلى العقل فقال: الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون [يس: 80] فإذن هذا دليل على تمام قدرته وإخراج الأموات من قبورهم كما أخرج النار من الشجرة الخضراء. وفي ذلك جواب عن شبهة من قال من منكري المعاد الموت بارد يابس والحياة طبعها الرطوبة والحرارة فإذا حل الموت بالجسم لم يمكن أن تحل فيه الحياة بعد ذلك لتضاد ما بينهما وهذه شبهة تليق بعقول المكذبين الذين لا سمع لهم ولا عقل فإن الحياة لا تجامع الموت في المحل الواحد ليلزم ما قالوا بل إذا أوجد الله فيه الحياة وطبعها ارتفع الموت وطبعه وهذا الشجر الأخضر طبعه الرطوبة والبرودة تخرج منه النار الحارة اليابسة ثم ذكر ما هو أوضح للعقول من كل دليل وهو خلق السموات والأرض مع عظمها وسمعتها وأنه لا نسبة للخلق الضعيف إليهما ومن لم تعجز قدرته وعلمه عن هذا الخلق العظيم الذي هو أكبر من خلق الناس كيف تعجز عن إحيائهم بعد موتهم ثم قرر هذا المعنى بذكر وصفين من أوصافه مستلزمين لما أخبر به فقال: بلى وهو الخلاق العليم [يس: 81] فكونه خلاقا عليما يقتضي أن يخلق ما يشاء ولا يعجزه ما أراده من الخلق ثم قرر هذا المعنى بأن عموم إرادته وكمالها لا يقصر عنه ولا عن شيء أبدا فقال: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [يس: 82] فلا يمكنه الاستعصاء عليه ولا يتعذر عليه بل يأتي طائعا منقادا لمشيئته وإرادته ثم زاده تأكيدا وإيضاحا بقوله: فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء [يس: 83] فنزه نفسه عما نطق به أعداؤه المنكرون للمعاد معظما لها بأن ملك كل شيء بيده يتصرف فيه تصرف المالك الحق في مملوكه الذي لا يمكنه الامتناع عن أي تصرف شاءه فيه ثم ختم السورة بقوله: وإليه ترجعون [يس: 83] كما أنهم ابتدءوا منه هو فكذلك مرجعهم إليه فمنه المبدأ وإليه المعاد وهو الأول والآخر وأن إلى ربك المنتهى. ومنه قوله تعالى: ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا [مريم: 66] أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا [مريم: 67](1\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "108",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "110",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتأمل تضمن هذه الكلمات - على اختصارها وإيجازها وبلاغتها - للأصل والفرع والعلة والحكم. ومنه قوله تعالى: وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا [الإسراء: 49] فرد عليهم سبحانه ردا يتضمن الدليل القاطع على قدرته على إعادتهم خلقا جديدا فقال: قل كونوا حجارة أو حديدا [الإسراء: 50] أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة [الإسراء: 51] فلما استبعدوا أن يعيدهم الله خلقا جديدا بعد أن صاروا عظاما ورفاتا قيل لهم: كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم سواء كان الموت أو السماء أو الأرض أو أي خلق استعظمتموه وكبر في صدوركم ومضمون الدليل أنكم مربوبون مخلوقون مقهورون على ما يشاء خالقكم وأنتم لا تقدرون على تغيير أحوالكم من خلقة إلى خلقة لا تقبل الاضمحلال كالحجارة والحديد ومع ذلك فلو كنتم على هذه الخلقة من القوة والشدة لنفذت أحكامي وقدرتي ومشيئتي ولم تسبقوني ولم تفوتوني كما يقول القائل لمن هو في قبضته: اصعد إلى السماء فإني لاحقك أي لو صعدت إلى السماء لحقتك وعلى هذا فمعنى الآية لو كنتم حجارة أو حديدا أو أعظم خلقا من ذلك لما أعجزتموني ولما فتموني. وقيل: المعنى كونوا حجارة أو حديدا عند أنفسكم أي صوروا أنفسكم وقدروها خلقا لا يضمحل ولا ينحل فإنا سنميتكم ثم نحييكم ونعيدكم خلقا جديدا وبين المعنيين فرق لطيف فإن المعنى الأول يقتضي أنكم لو قدرتم على نقل خلقتكم من حالة إلى حالة هي أشد منها وأقوى لنفذت مشيئتنا وقدرتنا فيكم ولم تعجزونا فكيف وأنتم عاجزون عن ذلك والمعنى الثاني يقتضي أنكم صوروا أنفسكم وأنزلوها هذه المنزلة ثم انظروا أتفوتونا وتعجزونا أم قدرتنا ومشيئتنا محيطة بكم ولو كنتم كذلك وهذا من أبلغ البراهين القاطعة التي لا تعرض فيها شبهة ألبتة بل لا تجد العقول السليمة عن الإذعان والانقياد لها بدا فلما علم القوم صحة هذا البرهان وأنه ضروري انتقلوا إلى المطالبة بمن يعيدهم فقالوا: من يعيدنا وهذا سواء كان سؤالا منهم عن تعيين المعيد أو إنكارا منهم له فهو من أقبح التعنت وأبينه ولهذا كان جوابه: قل الذي فطركم أول مرة [الإسراء: 51] ولما علم القوم أن هذا جواب قاطع انتقلوا إلى باب آخر من التعنت وهو السؤال عن وقت هذه الإعادة فأنغضوا إليه رءوسهم وقالوا: متى هو فقال تعالى: قل عسى أن يكون قريبا [الإسراء: 51](1\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "109",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "111",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فليتأمل اللبيب لطف موقع هذا الدليل واستلزامه لمدلوله استلزاما لا محيد عنه وما تضمنه من السؤالات والجواب عنها أبلغ جواب وأصحه وأوضحه فلله ما يفوت المعرضين عن تدبر القرآن المتعوضين عنه بزبالة الأذهان ونخالة الأفكار. ومنه قوله تعالى: وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج [الحج: 5] ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير [الحج: 6] وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور [الحج: 7] وقوله تعالى: ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير [فصلت: 39] جعل الله سبحانه إحياء الأرض بعد موتها نظير إحياء الأموات وإخراج النبات منها نظير إخراجهم من القبور ودل بالنظير على نظيره وجعل ذلك آية ودليلا على خمسة مطالب: أحدها: وجود الصانع وأنه الحق المبين وذلك يستلزم إثبات صفات كماله وقدرته وإرادته وحياته وعلمه وحكمته ورحمته وأفعاله. الثاني: أنه يحيي الموتى. الثالث: عموم قدرته على كل شيء. الرابع: إتيان الساعة وأنها لا ريب فيها. الخامس: أنه يخرج الموتى من القبور كما أخرج النبات من الأرض. وقد كرر سبحانه ذكر هذا الدليل في كتابه مرارا لصحة مقدماته ووضوح دلالته وقرب تناوله وبعده من كل معارضة وشبهة وجعله تبصرة وذكرى كما قال تعالى: والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج [ق: 7] تبصرة وذكرى لكل عبد منيب [ق: 8] فالمنيب إلى ربه يتذكر بذلك فإذا تذكر تبصر به فالتذكر قبل التبصر وإن قدم عليه في اللفظ كما قال تعالى: إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون [الأعراف: 201]  والتذكر: تفعل من الذكر وهو حضور صورة من المذكور في القلب فإذا استحضره القلب وشاهده على وجهه أوجب له البصيرة فأبصر ما جعل دليلا عليه فكان في حقه تبصرة وذكرى والهدى مداره على هذين الأصلين: التذكر والتبصر وقد دعا سبحانه الإنسان إلى أن ينظر في مبدأ خلقه ورزقه ويستدل بذلك على معاده وصدق ما أخبرت به الرسل فقال في الأول: فلينظر الإنسان مم خلق [الطارق: 5] خلق من ماء دافق [الطارق: 6] يخرج من بين الصلب والترائب [الطارق: 7] إنه على رجعه لقادر [الطارق: 8] يوم تبلى السرائر [الطارق: 9] فالدافق على بابه ليس فاعلا بمعنى مفعول كما يظنه بعضهم بل هو بمنزلة ماء جار وواقف وساكن. ولا خلاف أن المراد بالصلب صلب الرجل واختلف في(1\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "110",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "112",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الترائب فقيل: المراد بها ترائبه أيضا وهي عظام الصدر ما بين الترقوة إلى الثندوة وقيل: المراد ترائب المرأة والأول أظهر لأنه سبحانه قال: يخرج من بين الصلب والترائب [الطارق: 7] ولم يقل يخرج من الصلب والترائب فلا بد أن يكون ماء الرجل خارجا من بين هذين المختلفين كما قال في اللبن: من بين فرث ودم [النحل: 66] وأيضا فإنه سبحانه أخبر أنه خلقه من نطفة في غير موضع والنطفة هي ماء الرجل كذلك قال أهل اللغة قال الجوهري: والنطفة الماء الصافي قل أو كثر والنطفة ماء الرجل والجمع نطف وأيضا فإن الذي يوصف بالدفق والنضح إنما هو ماء الرجل ولا يقال نضحت المرأة الماء ولا دفقته والذي أوجب لأصحاب القول الآخر ذلك أنهم رأوا أهل اللغة قالوا: الترائب موضع القلادة من الصدر قال الزجاج: أهل اللغة مجمعون على ذلك وأنشدوا لامرئ القيس: مهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسجنجل وهذا لا يدل على اختصاص الترائب بالمرأة بل يطلق على الرجل والمرأة. قال الجوهري: الترائب عظام الصدر ما بين الترقوة إلى الثندوة. وقوله: إنه على رجعه لقادر [الطارق: 8] الصحيح أن الضمير يرجع على الإنسان أي إن الله على رده إليه لقادر يوم القيامة وهو اليوم الذي يبلى فيه السرائر ومن قال: quot; إن الضمير يرجع على الماء أي أن الله على رجعه في الإحليل أو في الصدر أو حبسه عن الخروج لقادر quot; فقد أبعد وإن كان الله سبحانه قادرا على ذلك ولكن السياق يأباه وطريقة القرآن - وهي الاستدلال بالمبدإ والنشأة الأولى على المعاد والرجوع إليه - وأيضا فإنه قيده بالظرف وهو يوم تبلى السرائر [الطارق: 9] والمقصود أنه سبحانه دعا الإنسان أن ينظر في مبدأ خلقه ورزقه فإن ذلك يدله دلالة ظاهرة على معاده ورجوعه إلى ربه. وقال تعالى: فلينظر الإنسان إلى طعامه [عبس: 24] أنا صببنا الماء صبا [عبس: 25] ثم شققنا الأرض شقا [عبس: 26] فأنبتنا فيها حبا [عبس: 27] وعنبا وقضبا [عبس: 28] وزيتونا ونخلا [عبس: 29] وحدائق غلبا [عبس: 30] وفاكهة وأبا [عبس: 31] فجعل سبحانه نظره في إخراج طعامه من الأرض دليلا على إخراجه هو منها بعد موته استدلالا بالنظير على النظير(1\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "111",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "113",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن ذلك قوله سبحانه ردا على الذين قالوا: وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا [الإسراء: 49] أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم [الإسراء: 99] أي مثل هؤلاء المكذبين والمراد به النشأة الثانية وهي الخلق الجديد وهي المثل المذكور في غير موضع وهم هم بأعيانهم فلا تنافي في شيء من ذلك بل هو الحق الذي دل عليه العقل والسمع ومن لم يفهم ذلك حق فهمه تخبط عليه أمر المعاد وبقي منه في أمر مريج والمقصود أنه دلهم سبحانه بخلق السموات والأرض على الإعادة والبعث وأكد هذا القياس بضرب من الأولى وهو أن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس فالقادر على خلق ما هو أكبر وأعظم منكم أقدر على خلقكم. وليس أول الخلق بأهون عليه من إعادته فليس مع المكذبين بالقيامة إلا مجرد تكذيب الله ورسله وتعجيز قدرته ونسبة عمله إلى القصور والقدح في حكمته ولهذا يخبر الله سبحانه عمن أنكر ذلك بأنه كافر بربه جاحد له لم يقر برب العالمين فاطر السموات والأرض كما قال تعالى: وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم [الرعد: 5] وقال المؤمن للكافر الذي قال: وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا [الكهف: 36] فقال له: أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا [الكهف: 37] فمنكر المعاد كافر برب العالمين وإن زعم أنه مقر به. ومنه قوله تعالى: قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة [العنكبوت: 20] يقول تعالى: انظروا كيف بدأت الخلق فاعتبروا الإعادة بالابتداء. ومنه قوله تعالى: يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون [الروم: 19] . وقوله تعالى: فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير [الروم: 50] . وقوله: ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد [ق: 9] والنخل باسقات لها طلع نضيد [ق: 10] رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج [ق: 11] وقال تعالى: يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا [الأنبياء: 104] والسجل: الورق المكتوب فيه والكتاب: نفس المكتوب واللام بمنزلة(1\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "112",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "114",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على: أي نطوي السماء كطي الدرج على ما فيه من السطور المكتوبة ثم استدل على النظير بالنظير فقال: كما بدأنا أول خلق نعيده [الأنبياء: 104]  [فصل قياس الشبه]  وأمثلة له] وأما قياس الشبه فلم يحكه الله سبحانه إلا عن المبطلين فمنه قوله تعالى إخبارا عن إخوة يوسف أنهم قالوا لما وجدوا الصواع في رحل أخيهم: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل [يوسف: 77] فلم يجمعوا بين الأصل والفرع بعلة ولا دليلها وإنما ألحقوا أحدهما بالآخر من غير دليل جامع سوى مجرد الشبه الجامع بينه وبين يوسف فقالوا: هذا مقيس على أخيه بينهما شبه من وجوه عديدة وذاك قد سرق فكذلك هذا وهذا هو الجمع بالشبه الفارغ والقياس بالصورة المجردة عن العلة المقتضية للتساوي وهو قياس فاسد والتساوي في قرابة الأخوة ليس بعلة للتساوي في السرقة لو كانت حقا ولا دليل على التساوي فيها فيكون الجمع لنوع شبه خال عن العلة ودليلها. ومنه قوله تعالى إخبارا عن الكفار أنهم قالوا: ما نراك إلا بشرا مثلنا [هود: 27] فاعتبروا صورة مجرد الآدمية وشبه المجانسة فيها واستدلوا بذلك على أن حكم أحد الشبهين حكم الآخر فكما لا نكون نحن رسلا فكذلك أنتم فإذا تساوينا في هذا الشبه فأنتم مثلنا لا مزية لكم علينا وهذا من أبطل القياس فإن الواقع من التخصيص والتفضيل وجعل بعض هذا النوع شريفا وبعضه دنيا وبعضه مرءوسا وبعضه رئيسا وبعضه ملكا وبعضه سوقة يبطل هذا القياس كما أشار سبحانه إلى ذلك في قوله: أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون [الزخرف: 32] . وأجابت الرسل عن هذا السؤال بقولهم: إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده [إبراهيم: 11] وأجاب الله سبحانه عنه بقوله: الله أعلم حيث يجعل رسالته [الأنعام: 124] وكذلك قوله سبحانه: وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون [المؤمنون: 33] ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون [المؤمنون: 34] فاعتبروا المساواة في البشرية وما هو من خصائصها من الأكل والشرب وهذا مجرد قياس شبه وجمع صوري ونظير هذا قوله: ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا [التغابن: 6](1\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "113",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "115",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن هذا قياس المشركين الربا على البيع بمجرد الشبه الصوري ومنه قياسهم الميتة على المذكى في إباحة الأكل بمجرد الشبه. وبالجملة فلم يجئ هذا القياس في القرآن إلا مردودا مذموما ومن ذلك قوله تعالى: إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين [الأعراف: 194] ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها [الأعراف: 195] فبين سبحانه أن هذه الأصنام أشباح وصور خالية عن صفات الإلهية وأن المعنى المعتبر معدوم فيها وأنها لو دعيت لم تجب فهي صور خالية عن أوصاف ومعان تقتضي عبادتها وزاد هذا تقريرا بقوله: ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها [الأعراف: 195] أي أن جميع ما لهذه الأصنام من الأعضاء التي نحتتها أيديكم إنما هي صور عاطلة عن حقائقها وصفاتها لأن المعنى المراد المختص بالرجل هو مشيها وهو معدوم في هذه الرجل والمعنى المختص باليد هو بطشها وهو معدوم في هذه اليد والمراد بالعين إبصارها وهو معدوم في هذه العين ومن الأذن سمعها وهو معدوم فيها والصور في ذلك كله ثابتة موجودة وكلها فارغة خالية عن الأوصاف والمعاني فاستوى وجودها وعدمها وهذا كله مدحض لقياس الشبه الخالي عن العلة المؤثرة والوصف المقتضي للحكم والله أعلم. فصل. [ضرب الأمثال في القرآن والحكمة فيه] ومن هذا ما وقع في القرآن من الأمثال التي لا يعقلها إلا العالمون فإنها تشبيه شيء بشيء في حكمه وتقريب المعقول من المحسوس أو أحد المحسوسين من الآخر واعتبار أحدها بالآخر كقوله تعالى في حق المنافقين: مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون [البقرة: 17] صم بكم عمي فهم لا يرجعون - أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت [البقرة: 18 - 19] إلى قوله: إن الله على كل شيء قدير [البقرة: 20] فضرب للمنافقين بحسب حالهم مثلين: مثلا ناريا ومثلا مائيا لما في النار والماء من الإضاءة والإشراق والحياة فإن النار مادة النور والماء مادة الحياة وقد جعل الله سبحانه الوحي الذي أنزله من السماء متضمنا لحياة القلوب واستنارتها ولهذا سماه روحا ونورا وجعل قابليه أحياء في النور ومن لم يرفع به رأسا أمواتا في الظلمات وأخبر عن حال(1\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "114",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "116",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المنافقين بالنسبة إلى حظهم من الوحي وأنهم بمنزلة من استوقد نارا لتضيء له وينتفع بها وهذا لأنهم دخلوا في الإسلام فاستضاءوا به وانتفعوا به وآمنوا به وخالطوا المسلمين ولكن لما لم يكن لصحبتهم مادة من قلوبهم من نور الإسلام طفئ عنهم وذهب الله بنورهم ولم يقل بنارهم فإن النار فيها الإضاءة والإحراق فذهب الله بما فيها من الإضاءة وأبقى عليهم ما فيها من الإحراق وتركهم في ظلمات لا يبصرون فهذا حال من أبصر ثم عمي وعرف ثم أنكر ودخل في الإسلام ثم فارقه بقلبه فهو لا يرجع إليه ولهذا قال: فهم لا يرجعون [البقرة: 18] ثم ذكر حالهم بالنسبة إلى المثل المائي فشبههم بأصحاب صيب - وهو المطر الذي يصوب أي ينزل من السماء - فيه ظلمات ورعد وبرق فلضعف بصائرهم وعقولهم اشتدت عليهم زواجر القرآن ووعيده وتهديده وأوامره ونواهيه وخطابه الذي يشبه الصواعق فحالهم كحال من أصابه مطر فيه ظلمة ورعد وبرق فلضعفه وخوره جعل أصبعيه في أذنيه وغمض عينيه خشية من صاعقة تصيبه وقد شاهدنا نحن وغيرنا كثيرا من مخانيث تلاميذ الجهمية والمبتدعة إذا سمعوا شيئا من آيات الصفات وأحاديث الصفات المنافية لبدعتهم رأيتهم عنها معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة. ويقول مخنثهم: سدوا عنا هذا الباب واقرءوا شيئا غير هذا وترى قلوبهم مولية وهم يجمحون لثقل معرفة الرب سبحانه وتعالى وأسمائه وصفاته على عقولهم وقلوبهم وكذلك المشركون على اختلاف شركهم إذا جرد لهم التوحيد وتليت عليهم النصوص المبطلة لشركهم اشمأزت قلوبهم وثقلت عليهم ولو وجدوا السبيل إلى سد آذانهم لفعلوا ولذلك تجد أعداء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سمعوا نصوص الثناء على الخلفاء الراشدين وصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثقل ذلك عليهم جدا وأنكرته قلوبهم وهذا كله شبه ظاهر ومثل محقق من إخوانهم من المنافقين في المثل الذي ضربه الله لهم بالماء فإنهم لما تشابهت قلوبهم تشابهت أعمالهم. فصل وقد ذكر الله المثلين المائي والناري في سورة الرعد ولكن في حق المؤمنين فقال تعالى: أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال [الرعد: 17] شبه الوحي الذي أنزله لحياة القلوب والأسماع والأبصار بالماء الذي أنزله لحياة الأرض بالنبات وشبه القلوب بالأودية فقلب كبير يسع علما عظيما كواد كبير يسع ماء(1\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "115",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "117",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كثيرا وقلب صغير إنما يسع يحسبه كالوادي الصغير فسالت أودية بقدرها واحتملت قلوب من الهدى والعمل بقدرها وكما أن السيل إذا خالط الأرض ومر عليها احتمل غثاء وزبدا فكذلك الهدى والعلم إذا خالط القلوب أثار ما فيها من الشهوات والشبهات ليقلعها ويذهبها كما يثير الدواء وقت شربه من البدن أخلاطه فيتكدر بها شاربه وهي من تمام نفع الدواء فإنه أثارها ليذهب بها فإنه لا يجامعها ولا يشاركها وهكذا يضرب الله الحق والباطل ثم ذكر المثل الناري فقال: ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله [الرعد: 17] وهو الخبث الذي يخرج عند سبك الذهب والفضة والنحاس والحديد فتخرجه النار وتميزه وتفصله عن الجوهر الذي ينتفع به فيرمى ويطرح ويذهب جفاء فكذلك الشهوات والشبهات يرميها قلب المؤمن ويطرحها ويجفوها كما يطرح السيل والنار ذلك الزبد والغثاء والخبث ويستقر في قرار الوادي الماء الصافي الذي يستقي منه الناس ويزرعون ويسقون أنعامهم كذلك يستقر في قرار القلب وجذره الإيمان الخالص الصافي الذي ينفع صاحبه وينتفع به غيره ومن لم يفقه هذين المثلين ولم يتدبرهما ويعرف ما يراد منهما فليس من أهلهما والله الموفق. فصل ومنها قوله تعالى: إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون [يونس: 24] شبه سبحانه الحياة الدنيا في أنها تتزين في عين الناظر فتروقه بزينتها وتعجبه فيميل إليها ويهواها اغترارا منه بها حتى إذا ظن أنه مالك لها قادر عليها سلبها بغتة أحوج ما كان إليها وحيل بينه وبينها فشبهها بالأرض التي ينزل الغيث عليها فتعشب ويحسن نباتها ويروق منظرها للناظر فيغتر به ويظن أنه قادر عليها مالك لها فيأتيها أمر الله فتدرك نباتها الآفة بغتة فتصبح كأن لم تكن قبل فيخيب ظنه وتصبح يداه صفرا منها: فكذا حال الدنيا والواثق بها سواء وهذا من أبلغ التشبيه والقياس ولما كانت الدنيا عرضة لهذه الآفات والجنة سليمة منها قال: والله يدعو إلى دار السلام [يونس: 25] فسماها هنا دار السلام لسلامتها من هذه الآفات التي ذكرها في الدنيا فعم بالدعوة إليها وخص بالهداية من يشاء فذاك عدله وهذا فضله(1\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "116",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "118",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل. ومنها قوله تعالى: مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون [هود: 24] فإنه سبحانه ذكر الكفار ووصفهم بأنهم ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ثم ذكر المؤمنين ووصفهم بالإيمان والعمل الصالح والإخبات إلى ربهم فوصفهم بعبودية الظاهر والباطن وجعل أحد الفريقين كالأعمى والأصم من حيث كان قلبه أعمى عن رؤية الحق أصم عن سماعه فشبهه بمن بصره أعمى عن رؤية الأشياء وسمعه أصم عن سماع الأصوات والفريق الآخر بصير القلب سميعه كبصير العين وسميع الأذن فتضمنت الآية قياسين وتمثيلين للفريقين ثم نفى التسوية عن الفريقين بقوله: هل يستويان مثلا [هود: 24] . ومنها قوله تعالى: مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون [العنكبوت: 41] فذكر سبحانه أنهم ضعفاء وأن الذين اتخذوهم أولياءهم أضعف منهم فهم في ضعفهم وما قصدوه من اتخاذ الأولياء كالعنكبوت اتخذت بيتا وهو أوهن البيوت وأضعفها وتحت هذا المثل أن هؤلاء المشركين أضعف ما كانوا حين اتخذوا من دون الله أولياء فلم يستفيدوا بمن اتخذوهم أولياء إلا ضعفا كما قال تعالى: واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا [مريم: 81] كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا [مريم: 82] وقال تعالى: واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون - لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون [يس: 74 - 75] . وقال بعد أن ذكر إهلاك الأمم المشركين: وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب [هود: 101] . فهذه أربعة مواضع في القرآن تدل على أن من اتخذ من دون الله وليا يتعزز به ويتكبر به ويستنصر به لم يحصل له به إلا ضد مقصوده وفي القرآن أكثر من ذلك وهذا من أحسن الأمثال وأدلها على بطلان الشرك وخسارة صاحبه وحصوله على ضد مقصوده. فإن قيل: فهم يعلمون أن أوهن البيوت بيت العنكبوت فكيف نفى عنهم علم ذلك بقوله: لو كانوا يعلمون [العنكبوت: 64] . فالجواب أنه سبحانه لم ينف عنهم علمهم بوهن بيت العنكبوت وإنما نفى عنهم(1\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "117",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "119",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "علمهم بأن اتخاذهم أولياء من دونه كالعنكبوت اتخذت بيتا فلو علموا ذلك لما فعلوه ولكن ظنوا أن اتخاذهم الأولياء من دونه يفيدهم عزا وقدرة فكان الأمر بخلاف ما ظنوه. فصل ومنها قوله تعالى: والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب - أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور [النور: 39 - 40] . ذكر سبحانه للكافرين مثلين: مثلا بالسراب ومثلا بالظلمات المتراكمة وذلك لأن المعرضين عن الهدى والحق نوعان: أحدهما: من يظن أنه على شيء فيتبين له عند انكشاف الحقائق خلاف ما كان يظنه وهذه حال أهل الجهل وأهل البدع والأهواء الذين يظنون أنهم على هدى وعلم فإذا انكشفت الحقائق تبين لهم أنهم لم يكونوا على شيء وأن عقائدهم وأعمالهم التي ترتبت عليها كانت كسراب بقيعة يرى في عين الناظر ماء ولا حقيقة له وهكذا الأعمال التي لغير الله وعلى غير أمره يحسبها العامل نافعة له وليست كذلك وهذه هي الأعمال التي قال الله عز وجل فيها: وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا [الفرقان: 23] وتأمل جعل الله سبحانه السراب بالقيعة - وهي الأرض القفر الخالية من البناء والشجر والنبات والعالم - فمحل السراب أرض قفر لا شيء بها والسراب لا حقيقة له وذلك مطابق لأعمالهم وقلوبهم التي أقفرت من الإيمان والهدى. وتأمل ما تحت قوله: يحسبه الظمآن ماء [النور: 39] والظمآن الذي قد اشتد عطشه فرأى السراب فظنه ماء فتبعه فلم يجده شيئا بل خانه أحوج ما كان إليه فكذلك هؤلاء لما كانت أعمالهم على غير طاعة الرسول ولغير الله جعلت كالسراب فرفعت لهم أظمأ ما كانوا وأحوج ما كانوا إليها فلم يجدوا شيئا ووجدوا الله سبحانه ثم فجازاهم بأعمالهم ووفاهم حسابهم وفي الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث التجلي يوم القيامة ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها السراب فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون فيقولون: كنا نعبد عزير بن الله فيقال: كذبتم لم يكن لله صاحبة ولا ولد فما تريدون قالوا: نريد أن تسقينا فيقال: اشربوا فيتساقطون في جهنم ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون فيقولون: كنا نعبد المسيح بن الله فيقال لهم: كذبتم لم يكن لله صاحبة ولا ولد فما تريدون: فيقولون: نريد أن تسقينا فيقال لهم: اشربوا فيتساقطون وذكر الحديث وهذه(1\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "118",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "120",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حال كل صاحب باطل فإنه يخونه باطله أحوج ما كان إليه فإن الباطل لا حقيقة له وهو كاسمه باطل فإذا كان الاعتقاد غير مطابق ولا حق كان متعلقه باطلا وكذلك إذا كانت غاية العمل باطلة - كالعمل لغير الله أو على غير أمره - بطل العمل ببطلان غايته وتضرر عامله ببطلانه وبحصول ضد ما كان يؤمله فلم يذهب عليه عمله واعتقاده لا له ولا عليه بل صار معذبا بفوات نفعه وبحصول ضد النفع فلهذا قال تعالى: ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب [النور: 39] فهذا مثل الضال الذي يحسب أنه على هدى. فصل والنوع الثاني: أصحاب مثل الظلمات المتراكمة وهم الذين عرفوا الحق والهدى وآثروا عليه ظلمات الباطل والضلال فتراكمت عليهم ظلمة الطبع وظلمة النفوس وظلمة الجهل حيث لم يعملوا بعلمهم فصاروا جاهلين وظلمة اتباع الغي والهوى فحالهم كحال من كان في بحر لجي لا ساحل له وقد غشيه موج ومن فوق ذلك الموج موج ومن فوقه سحاب مظلم فهو في ظلمة البحر وظلمة الموج وظلمة السحاب وهذا نظير ما هو فيه من الظلمات التي لم يخرجه الله منها إلى نور الإيمان وهذان المثلان بالسراب الذي ظنه مادة الحياة وهو الماء والظلمات المضادة للنور نظير المثلين اللذين ضربهما الله للمنافقين والمؤمنين وهو المثل المائي والمثل الناري وجعل حظ المؤمنين منهما الحياة والإشراق وحظ المنافقين منهما الظلمة المضادة للنور والموت المضاد للحياة فكذلك الكفار في هذين المثلين حظهم من الماء السراب الذي يغر الناظر ولا حقيقة له وحظهم الظلمات المتراكمة وهذا يجوز أن يكون المراد به حال كل طائفة من طوائف الكفار وأنهم عدموا مادة الحياة والإضاءة بإعراضهم عن الوحي فيكون المثلان صفتين لموصوف واحد ويجوز أن يكون المراد به تنويع أحوال الكفار وأن أصحاب المثل الأول هم الذين عملوا على غير علم ولا بصيرة بل على جهل وحسن ظن بالأسلاف فكانوا يحسبون أنهم يحسنون صنعا وأصحاب المثل الثاني هم الذين استحبوا الضلالة على الهدى وآثروا الباطل على الحق وعموا عنه بعد أن أبصروه وجحدوه بعد أن عرفوه فهذا حال المغضوب عليهم والأول حال الضالين وحال الطائفتين مخالف لحال المنعم عليهم المذكورين في قوله تعالى: الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح [النور: 35] إلى قوله: ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب [النور: 38] فتضمنت الآيات أوصاف الفرق الثلاثة: المنعم(1\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "119",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "121",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليهم وهم أهل النور والضالين وهم أصحاب السراب والمغضوب عليهم وهم أهل الظلمات المتراكمة والله أعلم. فالمثل الأول من المثلين لأصحاب العمل الباطل الذي لا ينفع والمثل الثاني لأصحاب العلم الذي لا ينفع والاعتقادات الباطلة وكلاهما مضاد للهدى ودين الحق ولهذا مثل حال الفريق الثاني في تلاطم أمواج الشكوك والشبهات والعلوم الفاسدة في قلوبهم بتلاطم أمواج البحر فيه وأنها أمواج متراكمة من فوقها سحاب مظلم وهكذا أمواج الشكوك والشبه في قلوبهم المظلمة التي قد تراكمت عليها سحب الغي والهوى والباطل فليتدبر اللبيب أحوال الفريقين وليطابق بينهما وبين المثلين يعرف عظمة القرآن وجلالته وأنه تنزيل من حكيم حميد. وأخبر سبحانه أن الموجب لذلك أنه لم يجعل لهم نورا بل تركهم على الظلمة التي خلقوا فيها فلم يخرجهم منها إلى النور فإنه سبحانه ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور وفي المسند من حديث عبد الله بن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الله خلق خلقه في ظلمة وألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك أقول: جف القلم على علم الله فالله سبحانه خلق الخلق في ظلمة فمن أراد هدايته جعل له نورا وجوديا يحيي به قلبه وروحه كما يحيي بدنه بالروح التي ينفخها فيه فهما حياتان: حياة البدن بالروح وحياة الروح والقلب بالنور ولهذا سمى سبحانه الوحي روحا لتوقف الحياة الحقيقية عليه كما قال تعالى: ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده [النحل: 2] وقال: يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده [غافر: 15] وقال تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا [الشورى: 52] فجعل وحيه روحا ونورا فمن لم يحيه بهذا الروح فهو ميت ومن لم يجعل له نورا منه فهو في الظلمات ما له من نور. فصل ومنها قوله تعالى: أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا [الفرقان: 44] فشبه أكثر الناس بالأنعام والجامع بين النوعين التساوي في عدم قبول الهدى والانقياد له وجعل الأكثرين أضل سبيلا من الأنعام لأن البهيمة يهديها سائقها فتهتدي وتتبع الطريق فلا تحيد عنها يمينا ولا شمالا والأكثرون(1\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "120",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "122",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يدعوهم الرسل ويهدونهم السبيل فلا يستجيبون ولا يهتدون ولا يفرقون بين ما يضرهم وبين ما ينفعهم والأنعام تفرق بين ما يضرها من النبات والطريق فتجتنبه وما ينفعها فتؤثره والله تعالى لم يخلق للأنعام قلوبا تعقل بها ولا ألسنة تنطق بها وأعطى ذلك لهؤلاء ثم لم ينتفعوا بما جعل لهم من العقول والقلوب والألسنة والأسماع والأبصار فهم أضل من البهائم فإن من لا يهتدي إلى الرشد وإلى الطريق مع الدليل إليه أضل وأسوأ حالا ممن لا يهتدي حيث لا دليل معه. فصل ومنها قوله تعالى: ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون [الروم: 28] وهذا دليل قياس احتج الله سبحانه به على المشركين حيث جعلوا له من عبيده وملكه شركاء فأقام عليهم حجة يعرفون صحتها من نفوسهم لا يحتاجون فيها إلى غيرهم ومن أبلغ الحجاج أن يأخذ الإنسان من نفسه ويحتج عليه بما هو في نفسه مقرر عندها معلوم لها فقال: هل لكم مما ملكت أيمانكم من عبيدكم وإمائكم شركاء في المال والأهل أي هل يشارككم عبيدكم في أموالكم وأهليكم فأنتم وهم في ذلك سواء تخافون أن يقاسموكم أموالكم ويشاطروكم إياها ويستأثرون ببعضها عليكم كما يخاف الشريك شريكه وقال ابن عباس: تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضا والمعنى هل يرضى أحد منكم أن يكون عبده شريكه في ماله وأهله حتى يساويه في التصرف في ذلك فهو يخاف أن ينفرد في ماله بأمر يتصرف فيه كما يخاف غيره من الشركاء والأحرار فإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم فلم عدلتم بي من خلقي من هو مملوك لي فإن كان هذا الحكم باطلا في فطركم وعقولكم - مع أنه جائز عليكم ممكن في حقكم إذ ليس عبيدكم ملكا لكم حقيقة وإنما هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم وأنتم وهم عبيد لي - فكيف تستجيزون مثل هذا الحكم في حقي مع أن من جعلتموهم لي شركاء عبيدي وملكي وخلقي فهكذا يكون تفصيل الآيات لأولي العقول  [فصل قياس العكس] فصل [مثل من قياس العكس] ومنها قوله تعالى: ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون - وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم [النحل: 75 - 76](1\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "121",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "123",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذان مثلان متضمنان قياسين من قياس العكس وهو نفي الحكم لنفي علته وموجبه فإن القياس نوعان: قياس طرد يقتضي إثبات الحكم في الفرع لثبوت علة الأصل فيه وقياس عكس يقتضي نفي الحكم عن الفرع لنفي علة الحكم فيه فالمثل الأول ما ضربه الله سبحانه لنفسه وللأوثان فالله سبحانه هو المالك لكل شيء ينفق كيف يشاء على عبيده سرا وجهرا وليلا ونهارا يمينه ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار والأوثان مملوكة عاجزة لا تقدر على شيء فكيف يجعلونها شركاء لي ويعبدونها من دوني مع هذا التفاوت العظيم والفرق المبين هذا قول مجاهد وغيره وقال ابن عباس: هو مثل ضربه الله للمؤمن والكافر ومثل المؤمن في الخير الذي عنده ثم رزقه منه رزقا حسنا فهو ينفق منه على نفسه وعلى غيره سرا وجهرا والكافر بمنزلة عبد مملوك عاجز لا يقدر على شيء لأنه لا خير عنده فهل يستوي الرجلان عند أحد من العقلاء والقول الأول أشبه بالمراد فإنه أظهر في بطلان الشرك وأوضح عند المخاطب وأعظم في إقامة الحجة وأقرب نسبا بقوله: ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون [النحل: 73] فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون [النحل: 74] ثم قال: ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء [النحل: 75] ومن لوازم هذا المثل وأحكامه أن يكون المؤمن الموحد كمن رزقه منه رزقا حسنا والكافر المشرك كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء فهذا مما نبه عليه المثل وأرشد إليه فذكره ابن عباس منبها على إرادته لا أن الآية اختصت به فتأمله فإنك تجده كثيرا في كلام ابن عباس وغيره من السلف في فهم القرآن فيظن أن ذلك هو معنى الآية التي لا معنى لها غيره فيحكيه قوله. فصل. وأما المثل الثاني فهو مثل ضربه الله سبحانه وتعالى لنفسه ولما يعبد من دونه أيضا فالصنم الذي يعبد من دونه بمنزلة رجل أبكم لا يعقل ولا ينطق بل هو أبكم القلب واللسان قد عدم النطق القلبي واللساني ومع هذا فهو عاجز لا يقدر على شيء ألبتة ومع هذا فأينما أرسلته لا يأتيك بخير ولا يقضي لك حاجة والله سبحانه حي قادر متكلم يأمر بالعدل وهو صراط مستقيم وهذا وصف له بغاية الكمال والحمد فإن أمره بالعدل - وهو الحق - يتضمن أنه سبحانه عالم به معلم له راض به آمر لعباده به محب لأهله لا(1\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "122",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "124",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يأمر بسواه بل تنزه عن ضده الذي هو الجور والظلم والسفه والباطل بل أمره وشرعه عدل كله وأهل العدل هم أولياؤه وأحباؤه وهم المجاورون له عن يمينه على منابر من نور وأمره بالعدل يتناول الأمر الشرعي الديني والأمر القدري الكوني وكلاهما عدل لا جور فيه بوجه ما كما في الحديث الصحيح: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك فقضاؤه هو أمره الكوني. فإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فلا يأمر إلا بحق وعدل وقضاؤه وقدره القائم به حق وعدل وإن كان في المقضي المقدر ما هو جور وظلم فالقضاء غير المقضي والقدر غير المقدر ثم أخبر سبحانه أنه على صراط مستقيم وهذا نظير قول رسوله شعيب: إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم [هود: 56] فقوله: ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها [هود: 56] نظير قوله: ناصيتي بيدك وقوله: إن ربي على صراط مستقيم [هود: 56] نظير قوله: عدل في قضاؤك . فالأول ملكه والثاني حمده وهو سبحانه له الملك وله الحمد وكونه سبحانه على صراط مستقيم يقتضي أنه لا يقول إلا الحق ولا يأمر إلا بالعدل ولا يفعل إلا ما هو مصلحة ورحمة وحكمة وعدل فهو على الحق في أقواله وأفعاله فلا يقضي على العبد بما يكون ظالما له به ولا يأخذه بغير ذنبه ولا ينقصه من حسناته شيئا ولا يحمل عليه من سيئات غيره التي لم يعملها ولم يتسبب إليها شيئا ولا يؤاخذ أحدا بذنب غيره ولا يفعل قط ما لا يحمد عليه ويثنى به عليه ويكون له فيه العواقب الحميدة والغايات المطلوبة فإن كونه على صراط مستقيم يأبى ذلك كله. قال محمد بن جرير الطبري: وقوله: إن ربي على صراط مستقيم [هود: 56] يقول: إن ربي على طريق الحق يجازي المحسن من خلقه بإحسانه والمسيء بإساءته لا يظلم أحدا منهم شيئا ولا يقبل منهم إلا الإسلام له والإيمان به ثم حكى عن مجاهد من طريق شبل بن أبي نجيح عنه: إن ربي على صراط مستقيم [هود: 56] قال: الحق وكذلك رواه ابن جريج عنه. وقالت فرقة: هي مثل قوله: إن ربك لبالمرصاد [الفجر: 14] وهذا اختلاف عبارة فإن كونه بالمرصاد هو مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. وقالت فرقة: في الكلام حذف تقديره: إن ربي يحثكم على صراط مستقيم ويحضكم عليه وهؤلاء إن أرادوا أن هذا معنى الآية التي أريد بها فليس كما زعموا ولا دليل على هذا المقدر وقد فرق سبحانه بين كونه آمرا بالعدل وبين كونه على صراط(1\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "123",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "125",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مستقيم وإن أرادوا أن حثه على الصراط المستقيم من جملة كونه على صراط مستقيم فقد أصابوا. وقالت فرقة أخرى: معنى كونه على صراط مستقيم أن مرد العباد والأمور كلها إلى الله لا يفوته شيء منها وهؤلاء إن أرادوا أن هذا معنى الآية فليس كذلك وإن أرادوا أن هذا من لوازم كونه على صراط مستقيم ومن مقتضاه وموجبه فهو حق. وقالت فرقة أخرى: معناه كل شيء تحت قدرته وقهره وفي ملكه وقبضته وهذا وإن كان حقا فليس هو معنى الآية وقد فرق شعيب بين قوله: ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها [هود: 56] وبين قوله: إن ربي على صراط مستقيم [هود: 56] فهما معنيان مستقلان فالقول قول مجاهد وهو قول أئمة التفسير ولا تحتمل العربية غيره إلا على استكراه وقال جرير يمدح عمر بن عبد العزيز: أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوج الموارد مستقيم وقد قال تعالى: من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم [الأنعام: 39] وإذا كان سبحانه هو الذي جعل رسله وأتباعهم على الصراط المستقيم في أقوالهم وأفعالهم فهو سبحانه أحق بأن يكون على صراط مستقيم في قوله وفعله وإن كان صراط الرسل وأتباعهم هو موافقة أمره فصراطه الذي هو سبحانه عليه هو ما يقتضيه حمده وكماله ومجده من قول الحق وفعله وبالله التوفيق. فصل وفي الآية قول ثان مثل الآية الأولى سواء أنه مثل ضربه الله للمؤمن والكافر وقد تقدم ما في هذا القول وبالله التوفيق. فصل ومنها قوله تعالى في تشبيه من أعرض عن كلامه وتدبره: فما لهم عن التذكرة معرضين [المدثر: 49] كأنهم حمر مستنفرة [المدثر: 50] فرت من قسورة [المدثر: 51] شبههم في إعراضهم ونفورهم عن القرآن بحمر رأت الأسد أو الرماة ففرت منه وهذا من بديع القياس والتمثيل فإن القوم في جهلهم بما بعث الله به رسوله كالحمر وهي لا تعقل شيئا فإذا سمعت صوت الأسد أو الرمي نفرت منه أشد النفور وهذا غاية الذم لهؤلاء فإنهم نفروا عن الهدى الذي فيه سعادتهم وحياتهم كنفور الحمر عن ما يهلكها ويعقرها وتحت(1\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "124",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "126",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المستنفرة معنى أبلغ من النافرة فإنها لشدة نفورها قد استنفر بعضها بعضا وحضه على النفور فإن في الاستفعال من الطلب قدرا زائدا على الفعل المجرد فكأنها تواصت بالنفور وتواطأت عليه ومن قرأها بفتح الفاء فالمعنى أن القسورة استنفرها وحملها على النفور ببأسه وشدته. فصل. ومنها قوله تعالى: مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين [الجمعة: 5] فقاس من حمله سبحانه كتابه ليؤمن به ويتدبره ويعمل به ويدعو إليه ثم خالف ذلك ولم يحمله إلا على ظهر قلب فقراءته بغير تدبر ولا تفهم ولا اتباع ولا تحكيم له وعمل بموجبه كحمار على ظهره زاملة أسفار لا يدري ما فيها وحظه منها حملها على ظهره ليس إلا فحظه من كتاب الله كحظ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره فهذا المثل وإن كان قد ضرب لليهود فهو متناول من حيث المعنى لمن حمل القرآن فترك العمل به ولم يؤد حقه ولم يرعه حق رعايته. فصل. ومنها قوله تعالى: واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين - ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون [الأعراف: 175 - 176] فشبه سبحانه من آتاه كتابه وعلمه العلم الذي منعه غيره فترك العمل به واتبع هواه وآثر سخط الله على رضاه ودنياه على آخرته والمخلوق على الخالق بالكلب الذي هو من أخبث الحيوانات وأوضعها قدرا وأخسها نفسا وهمته لا تتعدى بطنه وأشدها شرها وحرصا ومن حرصه أنه لا يمشي إلا وخطمه في الأرض يتشمم ويستروح حرصا وشرها ولا يزال يشم دبره دون سائر أجزائه وإذا رميت إليه بحجر رجع إليه ليعضه من فرط نهمته وهو من أمهن الحيوانات وأحملها للهوان وأرضاها بالدنايا والجيف القذرة المروحة أحب إليه من اللحم الطري والعذرة أحب إليه من الحلوى وإذا ظفر بميتة تكفي مائة كلب لم يدع كلبا واحدا يتناول(1\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "125",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "127",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منها شيئا إلا هر عليه وقهره لحرصه وبخله وشرهه ومن عجيب أمره وحرصه أنه إذا رأى ذا هيئة رثة وثياب دنية وحال زرية نبحه وحمل عليه كأنه يتصور مشاركته له ومنازعته في قولته وإذا رأى ذا هيئة حسنة وثياب جميلة ورياسة وضع له خطمه بالأرض وخضع له ولم يرفع إليه رأسه. وفي تشبيه من آثر الدنيا وعاجلها على الله والدار الآخرة مع وفور علمه بالكلب في حال لهثه سر بديع وهو أن هذا الذي حاله ما ذكره الله من انسلاخه من آياته واتباعه هواه إنما كان لشدة لهفه على الدنيا لانقطاع قلبه عن الله والدار الآخرة فهو شديد اللهف عليها ولهفه نظير لهف الكلب الدائم في حال إزعاجه وتركه واللهف واللهث شقيقان وأخوان في اللفظ والمعنى قال ابن جريج: الكلب منقطع الفؤاد لا فؤاد له إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث فهو مثل الذي يترك الهدى لا فؤاد له إنما فؤاده منقطع قلت: مراده بانقطاع فؤاده أنه ليس له فؤاد يحمله على الصبر وترك اللهث وهكذا الذي انسلخ من آيات الله لم يبق معه فؤاد يحمله على الصبر عن الدنيا وترك اللهف عليها فهذا يلهف على الدنيا من قلة صبره عنها وهذا يلهث من قلة صبره عن الماء فالكلب من أقل الحيوانات صبرا عن الماء وإذا عطش أكل الثرى من العطش وإن كان فيه صبر على الجوع وعلى كل حال فهو من أشد الحيوانات لهثا يلهث قائما وقاعدا وماشيا وواقفا وذلك لشدة حرصه فحرارة الحرص في كبده توجب له دوام اللهث فهكذا مشبهه شدة الحرص وحرارة الشهوة في قلبه توجب له دوام اللهف فإن حملت عليه الموعظة والنصيحة فهو يلهف وإن تركته ولم تعظه فهو يلهف قال مجاهد: وذلك مثل الذي أوتي الكتاب ولم يعمل به. وقال ابن عباس: إن تحمل عليه الحكمة لم يحملها وإن تركته لم يهتد إلى خير كالكلب إن كان رابضا لهث وإن طرد لهث وقال الحسن: هو المنافق لا يثبت على الحق دعي أو لم يدع وعظ أو لم يوعظ كالكلب يلهث طرد أو ترك. وقال عطاء: ينبح إن حملت عليه أو لم تحمل عليه وقال أبو محمد بن قتيبة: كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة وحال الصحة وحال المرض والعطش فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته وقال: إن وعظته فهو ضال وإن تركته فهو ضال كالكلب إن طردته لهث وإن تركته على حاله لهث ونظيره قوله سبحانه: وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون [الأعراف: 193](1\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "126",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "128",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتأمل ما في هذا المثل من الحكم والمعنى: فمنها قوله: آتيناه آياتنا [الأعراف: 175] فأخبر سبحانه أنه هو الذي آتاه آياته فإنها نعمة والله هو الذي أنعم بها عليه فأضافها إلى نفسه ثم قال: فانسلخ منها [الأعراف: 175] أي خرج منها كما تنسلخ الحية من جلدها وفارقها فراق الجلد يسلخ عن اللحم ولم يقل فسلخناه منها لأنه هو الذي تسبب إلى انسلاخه منها باتباع هواه. ومنها قوله سبحانه: فأتبعه الشيطان [الأعراف: 175] أي لحقه وأدركه كما قال في قوم فرعون: فأتبعوهم مشرقين [الشعراء: 60] وكان محفوظا محروسا بآيات الله محمي الجانب بها من الشيطان لا ينال منه شيئا إلا على غرة وخطفة فلما انسلخ من آيات الله ظفر به الشيطان ظفر الأسد بفريسته فكان من الغاوين العاملين بخلاف عملهم الذين يعرفون الحق ويعملون بخلافه كعلماء السوء ومنها أنه سبحانه قال: ولو شئنا لرفعناه بها [الأعراف: 176] فأخبر سبحانه أن الرفعة عنده ليست بمجرد العلم فإن هذا كان من العلماء وإنما هي باتباع الحق وإيثاره وقصد مرضاة الله. فإن هذا كله من أعلم أهل زمانه ولم يرفعه الله بعلمه ولم ينفعه به فنعوذ بالله من علم لا ينفع وأخبر سبحانه أنه هو الذي يرفع عبده إذا شاء بما آتاه من العلم وإن لم يرفعه الله فهو موضوع لا يرفع أحد به رأسا فإن الخافض الرافع سبحانه خفضه ولم يرفعه والمعنى لو شئنا فضلناه وشرفناه ورفعنا قدره ومنزلته بالآيات التي آتيناه قال ابن عباس: ولو شئنا لرفعناه بعمله بها وقالت طائفة: الضمير في قوله: لرفعناه [الأعراف: 176] عائد على الكفر والمعنى لو شئنا لرفعنا عنه الكفر بما معه من آياتنا قال مجاهد وعطاء: لرفعنا عنه الكفر بالإيمان وعصمناه وهذا المعنى حق والأول هو مراد الآية وهذا من لوازم المراد وقد تقدم أن السلف كثيرا ما ينبهون على لازم معنى الآية فيظن الظان أن ذلك هو المراد منها: وقوله: ولكنه أخلد إلى الأرض [الأعراف: 176] قال سعيد بن جبير: ركن إلى الأرض. وقال مجاهد: سكن وقال مقاتل: رضي بالدنيا وقال أبو عبيدة: لزمها وأبطأ والمخلد من الرجال: هو الذي يبطئ مشيته ومن الدواب: التي تبقى ثناياه إلى أن تخرج رباعيته وقال الزجاج: خلد وأخلد وأصله من الخلود وهو الدوام والبقاء ويقال: أخلد فلان بالمكان إذا أقام به قال مالك بن نويرة: بأبناء حي من قبائل مالك ... وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا قلت: ومنه قوله تعالى: يطوف عليهم ولدان مخلدون [الواقعة: 17] أي قد خلقوا للبقاء لذلك لا يتغيرون ولا يكبرون وهم على سن واحد أبدا وقيل: هم المقرطون في آذانهم والمسورون في أيديهم وأصحاب هذا القول فسروا اللفظة ببعض(1\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "127",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "129",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لوازمها وذلك أمارة التخليد على ذلك السن فلا تنافي بين القولين. وقوله: واتبع هواه [الأعراف: 176] قال الكلبي: اتبع مسافل الأمور وترك معاليها وقال أبو ورق: اختار الدنيا على الآخرة وقال عطاء: أراد الدنيا وأطاع شيطانه وقال ابن دريد: كان هواه مع القوم يعني الذين حاربوا موسى وقومه وقال يمان: اتبع امرأته لأنها هي التي حملته على ما فعل. فإن قيل: الاستدراك بلكن يقتضي أن يثبت بعدها ما نفى قبلها أو ينفي ما أثبت كما تقول: لو شئت لأعطيته لكني لم أعطه ولو شئت لما فعلت كذا لكني فعلته فالاستدراك يقتضي ولو شئنا لرفعناه بها ولكنا لم نشأ أو لم نرفع فكيف استدرك بقوله: ولكنه أخلد إلى الأرض [الأعراف: 176] بعد قوله: ولو شئنا لرفعناه بها [الأعراف: 176]  قيل: هذا من الكلام الملحوظ فيه جانب المعنى المعدول فيه عن مراعاة الألفاظ إلى المعاني وذلك أن مضمون قوله: ولو شئنا لرفعناه بها [الأعراف: 176] أنه لم يتعاط الأسباب التي تقتضي رفعه بالآيات من إيثار الله ومرضاته على هواه ولكنه آثر الدنيا وأخلد إلى الأرض واتبع هواه وقال الزمخشري: المعنى ولو لزم آياتنا لرفعناه بها فذكر المشيئة والمراد ما هي تابعة له ومسببة عنه كأنه قيل: ولو لزمها لرفعناه بها قال: ألا ترى إلى قوله: ولكنه أخلد [الأعراف: 176] فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله فوجب أن يكون ولو شئنا [الأعراف: 176] في معنى ما هو فعله ولو كان الكلام على ظاهره لوجب أن يقال: لو شئنا لرفعناه ولكنا لم نشأ فهذا منه شنشنة نعرفها من قدري ناف للمشيئة العامة مبعد للنجعة في جعل كلام الله معتزليا قدريا فأين قوله: ولو شئنا [الأعراف: 176] من قوله: quot; ولو لزمها quot; ثم إذا كان اللزوم لها موقوفا على مشيئة الله وهو الحق بطل أصله. وقوله: quot; إن مشيئة الله تابعة للزومه الآيات quot; من أفسد الكلام وأبطله بل لزومه لآياته تابع لمشيئة الله فمشيئة الله سبحانه متبوعة لا تابعة وسبب لا مسبب وموجب مقتض لا مقتضى فما شاء الله وجب وجوده وما لم يشأ امتنع وجوده  [فصل مثل من القياس التمثيلي] ومنها قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم [الحجرات: 12] وهذا من أحسن القياس التمثيلي فإنه شبه تمزيق عرض الأخ بتمزيق لحمه ولما كان المغتاب يمزق عرض أخيه في غيبته كان(1\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "128",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "130",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بمنزلة من يقطع لحمه في حال غيبة روحه عنه بالموت ولما كان المغتاب عاجزا عن دفعه عن نفسه بكونه غائبا عن ذمه كان بمنزلة الميت الذي يقطع لحمه ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه ولما كان مقتضى الأخوة التراحم والتواصل والتناصر فعلق عليها المغتاب ضد مقتضاها من الذم والعيب والطعن كان ذلك نظير تقطيع لحم أخيه والأخوة تقتضي حفظه وصيانته والذب عنه ولما كان المغتاب متمتعا بعرض أخيه متفكها بغيبته وذمه متحليا بذلك شبه بآكل لحم أخيه بعد تقطيعه ولما كان المغتاب محبا لذلك معجبا به شبه بمن يحب أكل لحم أخيه ميتا ومحبته لذلك قدر زائد على مجرد أكله كما أن أكله قدر زائد على تمزيقه. فتأمل هذا التشبيه والتمثيل وحسن موقعه ومطابقة المعقول فيه المحسوس وتأمل إخباره عنهم بكراهة أكل لحم الأخ ميتا ووصفهم بذلك في آخر الآية والإنكار عليهم في أولها أن يحب أحدهم ذلك فكما أن هذا مكروه في طباعهم فكيف يحبون ما هو مثله ونظيره: فاحتج عليهم بما كرهوه على ما أحبوه وشبه لهم ما يحبونه بما هو أكره شيء إليهم وهم أشد شيء نفرة عنه فلهذا يوجب العقل والفطرة والحكمة أن يكونوا أشد شيء نفرة عما هو نظيره ومشبهه وبالله التوفيق.  فصل ومنها قوله تعالى: مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد [إبراهيم: 18] . فشبه تعالى أعمال الكفار في بطلانها وعدم الانتفاع بها برماد مرت عليه ريح شديدة في يوم عاصف فشبه سبحانه أعمالهم في حبوطها وذهابها باطلا كالهباء المنثور لكونها على غير أساس من الإيمان والإحسان وكونها لغير الله عز وجل وعلى غير أمره برماد طيرته الريح العاصف فلا يقدر صاحبه على شيء منه وقت شدة حاجته إليه فلذلك قال: لا يقدرون مما كسبوا على شيء [إبراهيم: 18] لا يقدرون يوم القيامة مما كسبوا من أعمالهم على شيء فلا يرون له أثرا من ثواب ولا فائدة نافعة فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه موافقا لشرعه والأعمال أربعة فواحد مقبول وثلاثه مردودة فالمقبول الخالص الصواب فالخالص أن يكون لله لا لغيره والصواب أن يكون مما شرعه الله على لسان رسوله والثلاثة المردودة ما خالف ذلك. وفي تشبيهها بالرماد سر بديع وذلك للتشابه الذي بين أعمالهم وبين الرماد في إحراق النار وإذهابها لأصل هذا وهذا فكانت الأعمال التي لغير الله وعلى غير مراده طعمة(1\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "129",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "131",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للنار وبها تسعر النار على أصحابها وينشئ الله سبحانه لهم من أعمالهم الباطلة نارا وعذابا كما ينشئ لأهل الأعمال الموافقة لأمره ونهيه التي هي خالصة لوجهه من أعمالهم نعيما وروحا فأثرت النار في أعمال أولئك حتى جعلتها رمادا فهم وأعمالهم وما يعبدون من دون الله وقود النار.  فصل. ومنها قوله تعالى: ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء [إبراهيم: 24] تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون [إبراهيم: 25] فشبه سبحانه وتعالى الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة لأن الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع. وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون quot; الكلمة الطيبة هي شهادة أن لا إله إلا الله quot; فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة فكل عمل صالح مرضي لله ثمرة هذه الكلمة. وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: quot; كلمة طيبة شهادة أن لا إله إلا الله كشجرة طيبة وهو المؤمن أصلها ثابت قول لا إله إلا الله في قلب المؤمن وفرعها في السماء يقول يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء quot;. وقال الربيع بن أنس: quot; كلمة طيبة هذا مثل الإيمان فالإيمان الشجرة الطيبة. وأصلها الثابت الذي لا يزول الإخلاص فيه وفرعه في السماء خشية الله quot; والتشبيه على هذا القول أصح وأظهر وأحسن فإنه سبحانه شبه شجرة التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة الثابتة الأصل الباسقة الفرع في السماء علوا التي لا تزال تؤتي ثمرتها كل حين وإذا تأملت هذا التشبيه رأيته مطابقا لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في القلب التي فروعها من الأعمال الصالحة صاعدة إلى السماء ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل وقت بحسب ثباتها في القلب ومحبة القلب لها وإخلاصه فيها ومعرفته بحقيقتها وقيامه بحقوقها ومراعاتها حق رعايتها فمن رسخت هذه الكلمة في قلبه بحقيقتها التي هي حقيقتها واتصف قلبه بها وانصبغ بها بصبغة الله التي لا أحسن صبغة منها فعرف حقيقة الإلهية التي يثبتها قلبه لله ويشهد بها لسانه وتصدقها جوارحه ونفى تلك الحقيقة ولوازمها عن كل ما سوى الله وواطأ قلبه لسانه في هذا النفي والإثبات وانقادت جوارحه لمن شهد له بالوحدانية طائعة سالكة سبل ربه ذللا غير ناكبة عنها ولا باغية سواها بدلا كما لا يبتغي القلب سوى معبوده الحق بدلا. فلا ريب أن هذه الكلمة من هذا القلب على هذا اللسان لا تزال تؤتي ثمرتها من العمل الصالح الصاعد إلى الله كل وقت فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل الصالح إلى الرب تعالى وهذه الكلمة الطيبة(1\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "130",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "132",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تثمر كلما كثيرا طيبا يقارنه عمل صالح فيرفع العمل الصالح الكلم الطيب كما قال تعالى: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر: 10] فأخبر سبحانه أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب وأخبر أن الكلمة الطيبة تثمر لقائلها عملا صالحا كل وقت. [أثر كلمة التوحيد] والمقصود أن كلمة التوحيد إذا شهد بها المؤمن عارفا بمعناها وحقيقتها نفيا وإثباتا متصفا بموجبها قائما قلبه ولسانه وجوارحه بشهادته فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل من هذا الشاهد أصلها ثابت راسخ في قلبه وفروعها متصلة بالسماء وهي مخرجة لثمرتها كل وقت. ومن السلف من قال: إن الشجرة الطيبة هي النخلة ويدل عليه حديث ابن عمر الصحيح ومنهم من قال: هي المؤمن نفسه كما قال محمد بن سعد: حدثني أبي حدثني عمي حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله: ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة [إبراهيم: 24] يعني بالشجرة الطيبة المؤمن ويعني بالأصل الثابت في الأرض والفرع في السماء يكون المؤمن يعمل في الأرض ويتكلم فيبلغ عمله وقوله السماء وهو في الأرض. وقال عطية العوفي في قوله: ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة [إبراهيم: 24] قال: ذلك مثل المؤمن لا يزال يخرج منه كلام طيب وعمل صالح يصعد إلى الله. وقال الربيع بن أنس: أصلها ثابت وفرعها في السماء [إبراهيم: 24] قال: ذلك المؤمن ضرب مثله في الإخلاص لله وحده وعبادته وحده لا شريك له أصلها ثابت قال: أصل عمله ثابت في الأرض وفرعها في السماء قال: ذكره في السماء ولا اختلاف بين القولين والمقصود بالمثل المؤمن والنخلة مشبهة به وهو مشبه بها وإذا كانت النخلة شجرة طيبة فالمؤمن المشبه بها أولى أن يكون كذلك ومن قال من السلف إنها شجرة في الجنة فالنخلة من أشرف أشجار الجنة. [بعض أسرار تشبيه المؤمن بالشجرة] وفي هذا المثل من الأسرار والعلوم والمعارف ما يليق به ويقتضيه علم الذي تكلم به وحكمته. فمن ذلك أن الشجرة لا بد لها من عروق وساق وفروع وورق وثمر فكذلك شجرة الإيمان والإسلام ليطابق المشبه المشبه به فعروقها العلم والمعرفة واليقين وساقها الإخلاص وفروعها الأعمال وثمرتها ما توجبه الأعمال الصالحة من الآثار الحميدة والصفات(1\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "131",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "133",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الممدوحة والأخلاق الزكية والسمت الصالح والهدي والدل المرضي فيستدل على غرس هذه الشجرة في القلب وثبوتها فيه بهذه الأمور فإذا كان العلم صحيحا مطابقا لمعلومه الذي أنزل الله كتابه به والاعتقاد مطابقا لما أخبر به عن نفسه وأخبرت به عنه رسله والإخلاص قائم في القلب والأعمال موافقة للأمر والهدي والدل والسمت مشابه لهذه الأصول مناسب لها علم أن شجرة الإيمان في القلب أصلها ثابت وفرعها في السماء وإذا كان الأمر بالعكس علم أن القائم بالقلب إنما هو الشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. ومنها: أن الشجرة لا تبقى حية إلا بمادة تسقيها وتنميها فإذا قطع عنها السقي أوشك أن تيبس فهكذا شجرة الإسلام في القلب إن لم يتعاهدها صاحبها بسقيها كل وقت بالعلم النافع والعمل الصالح والعود بالتذكر على التفكير والتفكر على التذكر وإلا أوشك أن تيبس وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الإيمان يخلق في القلب كما يخلق الثوب فجددوا إيمانكم وبالجملة فالغرس إن لم يتعاهده صاحبه أوشك أن يهلك ومن هنا تعلم شدة حاجة العباد إلى ما أمر الله به من العبادات على تعاقب الأوقات وعظيم رحمته وتمام نعمته وإحسانه إلى عباده بأن وظفها عليها وجعلها مادة لسقي غراس التوحيد الذي غرسه في قلوبهم. ومنها: أن الغرس والزرع النافع قد أجرى الله سبحانه العادة أنه لا بد أن يخالطه دغل ونبت غريب ليس من جنسه فإن تعاهده ربه ونقاه وقلعه كمل الغرس والزرع واستوى وتم نباته وكان أوفر لثمرته وأطيب وأزكى وإن تركه أوشك أن يغلب على الغرس والزرع ويكون الحكم له أو يضعف الأصل ويجعل الثمرة ذميمة ناقصة بحسب كثرته وقلته ومن لم يكن له فقه نفس في هذا ومعرفة به فإنه يفوته ربح كبير وهو لا يشعر فالمؤمن دائما سعيه في شيئين: سقي هذه الشجرة وتنقية ما حولها فبسقيها تبقى وتدوم وبتنقية ما حولها تكمل وتتم والله المستعان وعليه التكلان. فهذا بعض ما تضمنه هذا المثل العظيم الجليل من الأسرار والحكم ولعلها قطرة من بحر بحسب أذهاننا الواقفة وقلوبنا المخطئة وعلومنا القاصرة وأعمالنا التي توجب التوبة والاستغفار وإلا فلو طهرت منا القلوب وصفت الأذهان وزكت النفوس وخلصت الأعمال وتجردت لهم للتلقي عن الله ورسوله لشاهدنا من معاني كلام الله وأسراره وحكمه ما تضمحل عنده العلوم وتتلاشى عنده معارف الخلق وبهذا تعرف قدر علوم(1\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "132",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "134",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصحابة ومعارفهم وأن التفاوت الذي بين علومهم وعلوم من بعدهم كالتفاوت الذي بينهم في الفضل والله أعلم حيث يجعل مواقع فضله ومن يختص برحمته.  فصل. [مثل الكافر] ثم ذكر سبحانه مثل الكلمة الخبيثة فشبهها بالشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار فلا عرق ثابت ولا فرع عال ولا ثمرة زاكية فلا ظل ولا جنى ولا ساق قائم ولا عرق في الأرض ثابت فلا أسفلها مغدق ولا أعلاها مونق ولا جنى لها ولا تعلو بل تعلى. وإذا تأمل اللبيب أكثر كلام هذا الخلق في خطابهم وكسبهم وجده كذلك فالخسران الوقوف معه والاشتغال به عن أفضل الكلام وأنفعه. قال الضحاك: ضرب الله مثلا للكافر بشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار يقول: ليس لها أصل ولا فرع وليس لها ثمرة ولا فيها منفعة كذلك الكافر لا يعمل خيرا ولا يقوله ولا يجعل الله فيه بركة ولا منفعة. وقال ابن عباس: ومثل كلمة خبيثة [إبراهيم: 26]- وهي الشرك - كشجرة خبيثة [إبراهيم: 26] يعني الكافر اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار [إبراهيم: 26]  يقول: الشرك ليس له أصل يأخذ به الكافر ولا برهان ولا يقبل الله مع الشرك عملا فلا يقبل عمل المشرك ولا يصعد إلى الله فليس له أصل ثابت في الأرض ولا فرع في السماء يقول: ليس له عمل صالح في السماء ولا في الأرض. وقال الربيع بن أنس: مثل الشجرة الخبيثة مثل الكافر ليس لقوله ولا لعمله أصل ولا فرع ولا يستقر قوله ولا عمله على الأرض ولا يصعد إلى السماء. وقال سعيد عن قتادة في هذه الآية: أن رجلا لقي رجلا من أهل العلم فقال له: ما تقول في الكلمة الخبيثة قال: ما أعلم لها في الأرض مستقرا ولا في السماء مصعدا إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافى بها يوم القيامة. وقوله: اجتثت [إبراهيم: 26] أي استؤصلت من فوق الأرض ثم أخبر سبحانه عن فضله وعدله في الفريقين أصحاب الكلم الطيب والكلم الخبيث فأخبر أنه يثبت الذين آمنوا بإيمانهم بالقول الثابت أحوج ما يكونون إليه في الدنيا والآخرة وأنه يضل الظالمين وهم المشركون عن القول الثابت فأضل هؤلاء بعدله لظلمهم وثبت المؤمنين بفضله لإيمانهم(1\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "133",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "135",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتحت قوله: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة [إبراهيم: 27] كنز عظيم من وفق لمظنته وأحسن استخراجه واقتناءه وأنفق منه فقد غنم ومن حرمه فقد حرم وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت الله له طرفة عين فإن لم يثبته وإلا زالت سماء إيمانه وأرضه عن مكانهما وقد قال تعالى لأكرم خلقه عليه عبده ورسوله: ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا [الإسراء: 74] وقال تعالى لأكرم خلقه: إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا [الأنفال: 12] وفي الصحيحين من حديث البجلي قال: وهو يسألهم ويثبتهم وقال تعالى لرسوله: وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك [هود: 120] فالخلق كلهم قسمان: موفق بالتثبيت ومخذول بترك التثبيت ومادة التثبيت أصله ومنشؤه من القول الثابت وفعل ما أمر به العبد فبهما يثبت الله عبده فكل من كان أثبت قولا وأحسن فعلا كان أعظم تثبيتا قال تعالى: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا [النساء: 66] فأثبت الناس قلبا أثبتهم قولا والقول الثابت هو القول الحق والصدق وهو ضد القول الباطل الكذب فالقول نوعان: ثابت له حقيقة وباطل لا حقيقة له وأثبت القول كلمة التوحيد ولوازمها فهي أعظم ما يثبت الله بها عبده في الدنيا والآخرة ولهذا ترى الصادق من أثبت الناس وأشجعهم قلبا والكاذب من أمهن الناس وأخبثهم وأكثرهم تلوثا وأقلهم ثباتا وأهل الفراسة يعرفون صدق الصادق من ثبات قلبه وقت الإخبار وشجاعته ومهابته ويعرفون كذب الكاذب بضد ذلك ولا يخفى ذلك إلا على ضعيف البصيرة. وسئل بعضهم عن كلام سمعه من متكلم به فقال: والله ما فهمت منه شيئا إلا أني رأيت لكلامه صولة ليست بصولة مبطل فما منح العبد منحة أفضل من منحة القول الثابت ويجد أهل القول الثابت ثمرته أحوج ما يكونون إليه في قبورهم ويوم معادهم كما في صحيح مسلم من حديث البراء بن عازب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن هذه الآية نزلت في عذاب القبر .  [سؤال القبر والتثبيت فيه] وقد جاء هذا مبينا في أحاديث صحاح فمنها ما في المسند من حديث داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في جنازة فقال: يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا الإنسان دفن وتفرق عنه أصحابه جاءه ملك بيده مطراق فأقعده فقال: ما تقول في هذا الرجل فإن كان مؤمنا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فيقول له: صدقت فيفتح له باب إلى النار فيقال له: هذا(1\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "134",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "136",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منزلك لو كفرت بربك فأما إذ آمنت فإن الله أبدلك به هذا ثم يفتح له باب إلى الجنة فيريد أن ينهض له فيقال له: اسكن ثم يفسح له في قبره وأما الكافر والمنافق فيقال له: ما تقول في هذا الرجل فيقول: لا أدري فيقال له: لا دريت ولا اهتديت ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقال له: هذا منزلك لو آمنت بربك فأما إذ كفرت فإن الله أبدلك به هذا ثم يفتح له باب إلى النار ثم يقمعه الملك بالمطراق قمعة يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين قال بعض أصحابه: يا رسول الله ما منا من أحد يقوم على رأسه ملك بيده مطراق إلا هبل عند ذلك فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء [إبراهيم: 27]  . وفي المسند نحوه من حديث البراء بن عازب  وروى المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر قبض روح المؤمن فقال: يأتيه آت يعني في قبره فيقول: من ربك وما دينك ومن نبيك فيقول: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد - صلى الله عليه وسلم - قال: فينتهره فيقول: ما ربك وما دينك وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن فذلك حيث يقول الله: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة [إبراهيم: 27] . فيقول: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد فيقال له: صدقت وهذا حديث صحيح  وقال حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين [إبراهيم: 27] قال: إذا قيل له في القبر: من ربك وما دينك فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد جاءنا بالبينات من عند الله فآمنت به وصدقت فيقال له: صدقت على هذا عشت وعليه مت وعليه تبعث . وقال الأعمش عن المنهال بن عمرو وعن زاذان عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وذكر قبض روح المؤمن قال: فترجع روحه في جسده ويبعث إليه ملكان شديدا الانتهار فيجلسانه وينتهرانه ويقولان: من ربك فيقول: الله وما دينك: فيقول: الإسلام فيقولان له: ما هذا الرجل أو النبي الذي بعث فيكم فيقول: محمد رسول الله فيقولان له: وما يدريك قال: فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت فذلك قول الله تبارك وتعالى: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة [إبراهيم: 27]  . ورواه ابن حبان في صحيحه والإمام أحمد وفي صحيحه أيضا من حديث أبي هريرة يرفعه قال: إن الميت ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه مدبرين فإذا كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه والزكاة عن يمينه وكان الصيام عن يساره وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس(1\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "135",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "137",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عند رجليه فيؤتى من عند رأسه فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل فيؤتى عن يمينه فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل فيؤتى عن يساره فيقول الصيام: ما قبلي مدخل فيؤتى من عند رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس: ما قبلي مدخل فيقال له: اجلس فيجلس قد مثلت له الشمس قد دنت للغروب فيقول له: أخبرنا عن ما نسألك عنه فيقول: دعوني حتى أصلي فيقال: إنك ستفعل فأخبرنا عما نسألك فيقول: وعم تسألوني فيقال له: أرأيت هذا الرجل الذي كان فيكم ماذا تقول فيه وماذا تشهد به عليه فيقول: أمحمد - صلى الله عليه وسلم - فيقال: نعم فيقول: أشهد أنه رسول الله وأنه جاء بالبينات من عند الله فصدقناه فيقال له: على ذلك حييت وعلى ذلك مت وعلى ذلك تبعث إن شاء الله ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا وينور له فيه ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقال له: انظر إلى ما أعد الله لك فيها فيزداد غبطة وسرورا ثم تجعل نسمته في النسم الطيب وهي طير خضر تعلق بشجر الجنة ويعاد الجسد إلى ما بدأ منه من التراب. وذلك قول الله تعالى: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة [إبراهيم: 27]  ولا تستطيل هذا الفصل المعترض في المفتي والشاهد والحاكم بل وكل مسلم أشد ضرورة إليه من الطعام والشراب والنفس وبالله التوفيق  فصل. ومنها قوله تعالى: فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور - حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق [الحج: 30 - 31] فتأمل هذا المثل ومطابقته لحال من أشرك بالله وتعلق بغيره ويجوز لك في هذا التشبيه أمران: أحدهما: أن تجعله تشبيها مركبا ويكون قد شبه من أشرك بالله وعبد معه غيره برجل قد تسبب إلى هلاك نفسه هلاكا لا يرجى معه نجاة فصور بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير في الهوي فتمزق مزقا في حواصلها أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطارح البعيدة وعلى هذا لا تنظر إلى كل فرد من أفراد المشبه ومقابله من المشبه به. والثاني: أن يكون من التشبيه المفرق فيقابل كل واحد من أجزاء الممثل بالممثل به وعلى هذا فيكون قد شبه الإيمان والتوحيد في علوه وسعته وشرفه بالسماء التي هي مصعده ومهبطه فمنها هبط إلى الأرض وإليها يصعد منها وشبه تارك الإيمان والتوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل سافلين من حيث التضييق الشديد والآلام المتراكمة والطير الذي تخطف أعضاءه وتمزقه كل ممزق بالشياطين التي يرسلها الله سبحانه وتعالى عليه وتؤزه أزا وتزعجه وتقلقه إلى مظان هلاكه فكل شيطان له(1\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "136",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "138",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مزعة من دينه وقلبه كما أن لكل طير مزعة من لحمه وأعضائه والريح التي تهوي به في مكان سحيق هو هواه الذي حمله على إلقاء نفسه في أسفل مكان وأبعده من السماء.  فصل. ومنها قوله تعالى: يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب [الحج: 73] ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز [الحج: 74] حقيق على كل عبد أن يستمع قلبه لهذا المثل ويتدبره حق تدبره فإنه يقطع مواد الشرك من قلبه وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده وإعدام ما يضره والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على خلق الذباب ولو اجتمعوا كلهم لخلقه فكيف ما هو أكبر منه ولا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئا مما عليهم من طيب ونحوه فيستنقذوه منه فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوانات ولا على الانتصار منه واسترجاع ما سلبهم إياه فلا أعجز من هذه الآلهة ولا أضعف منها فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله وهذا المثل من أبلغ ما أنزله الله سبحانه في بطلان الشرك وتجهيل أهله وتقبيح عقولهم والشهادة على أن الشيطان قد تلاعب بهم أعظم من تلاعب الصبيان بالكرة حيث أعطوا الإلهية التي من بعض لوازمها القدرة على جميع المقدورات والإحاطة بجميع المعلومات والغنى عن جميع المخلوقات وأن يصعد إلى الرب في جميع الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وإجابة الدعوات فأعطوها صورا وتماثيل يمتنع عليها القدرة على أقل مخلوقات لآلهة الحق وأذلها وأصغرها وأحقرها ولو اجتمعوا لذلك وتعاونوا عليه. وأدل من ذلك على عجزهم وانتفاء إلهيتهم أن هذا الخلق الأقل الأذل العاجز الضعيف لو اختطف منهم شيئا واستلبه فاجتمعوا على أن يستنقذوه منه لعجزوا عن ذلك ولم يقدروا عليه ثم سوى بين العابد والمعبود في الضعف والعجز بقوله: ضعف الطالب والمطلوب [الحج: 73] قيل: الطالب العابد والمطلوب المعبود فهو عاجز متعلق بعاجز وقيل: هو تسوية بين السالب والمسلوب وهو تسوية بين الإله والذباب في الضعف والعجز وعلى هذا فقيل: الطالب الإله الباطل والمطلوب الذباب يطلب منه ما استلبه منه وقيل: الطالب الذباب والمطلوب الإله فالذباب يطلب منه ما يأخذه مما عليه والصحيح أن اللفظ يتناول الجميع فضعف العابد والمعبود والمستلب والمستلب فمن(1\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "137",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "139",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جعل هذا إلها مع القوي العزيز فما قدره حق قدره ولا عرفه حق معرفته ولا عظمه حق تعظيمه.  فصل. ومنها قوله تعالى: ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون [البقرة: 171] فتضمن هذا المثل ناعقا أي مصوتا بالغنم وغيرها ومنعوقا به وهو الدواب فقيل: الناعق العابد وهو الداعي للصنم والصنم هو المنعوق به المدعو وإن حال الكافر في دعائه كحال من ينعق بما لا يسمعه هذا قول طائفة منهم عبد الرحمن بن زيد وغيره. واستشكل صاحب الكشاف وجماعة معه هذا القول وقالوا: قوله: إلا دعاء ونداء [البقرة: 171] لا يساعد عليه لأن الأصنام لا تسمع دعاء ولا نداء. وقد أجيب عن هذا الاستشكال بثلاثة أجوبة: أحدها: أن quot; إلا quot; زائدة والمعنى بما لا يسمع دعاء ونداء قالوا: وقد ذكر ذلك الأصمعي في قول الشاعر: حراجيج ما تنفك إلا مناخة أي ما تنفك مناخة وهذا جواب فاسد فإن quot; إلا quot; لا تزاد في الكلام. الجواب الثاني: أن التشبيه وقع في مطلق الدعاء لا في خصوصيات المدعو. الجواب الثالث: أن المعنى أن مثل هؤلاء في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه دعاءهم كمثل الناعق بغنمه فلا ينتفع من نعيقه بشيء غير أنه هو في دعاء ونداء وكذلك المشرك ليس له من دعائه وعبادته إلا العناء. وقيل: المعنى ومثل الذين كفروا كالبهائم التي لا تفقه مما يقول الراعي أكثر من الصوت فالراعي هو داعي الكفار والكفار هم البهائم المنعوق بها. قال سيبويه: المعنى ومثلك يا محمد ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به وعلى قوله فيكون المعنى: ومثل الذين كفروا وداعيهم كمثل الغنم والناعق بها(1\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "138",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "140",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولك أن تجعل هذا من التشبيه المركب وأن تجعله من التشبيه المفرق فإن جعلته من المركب كان تشبيها للكفار في عدم فقههم وانتفاعهم بالغنم التي ينعق بها الراعي فلا تفقه من قوله شيئا غير الصوت المجرد هو الدعاء والنداء وإن جعلته من التشبيه المفرق فالذين كفروا بمنزلة البهائم ودعاء داعيهم إلى الطريق والهدى بمنزلة الذي ينعق بها ودعاؤهم إلى الهدى بمنزلة النعق وإدراكهم مجرد الدعاء والنداء كإدراك البهائم مجرد صوت الناعق والله أعلم  فصل. ومنها قوله تعالى: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم [البقرة: 261] شبه سبحانه نفقة المنفق في سبيله سواء كان المراد به الجهاد أو جميع سبل الخير من كل بر بمن بذر بذرا فأنبتت كل حبة منه سبع سنابل اشتملت كل سنبلة على مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء فوق ذلك بحسب حال المنفق وإيمانه وإخلاصه وإحسانه ونفع نفقته وقدرها ووقوعها موقعها فإن ثواب الإنفاق يتفاوت بحسب ما يقوم بالقلب من الإيمان والإخلاص والتثبيت عند النفقة وهو إخراج المال بقلب ثابت قد انشرح صدره بإخراجه وسمحت به نفسه وخرج من قلبه خروجه من يده فهو ثابت القلب عند إخراجه غير جزع ولا هلع ولا متبعه نفسه ترجف يده وفؤاده ويتفاوت بحسب نفع الإنفاق ومصارفه بمواقعه وبحسب طيب المنفق وزكاته وتحت هذا المثل من الفقه أنه سبحانه شبه الإنفاق بالبذر. فالمنفق ماله الطيب لله لا لغيره باذر ماله في أرض زكية فمغله بحسب بذره وطيب أرضه وتعاهد البذر بالسقي ونفي الدغل والنبات الغريب عنه فإذا اجتمعت هذه الأمور ولم تحرق الزرع نار ولا لحقته جائحة جاء أمثال الجبال وكان مثله كمثل جنة بربوة وهي المكان المرتفع الذي تكون الجنة فيه نصب الشمس والرياح فتتربى الأشجار هناك أتم تربية فنزل عليها من السماء مطر عظيم القطر متتابع فرواها ونماها فآتت أكلها ضعفي ما يؤتيه غيرها بسبب ذلك الوابل فإن لم يصبها وابل فطل: مطر صغير القطر يكفيها لكرم منبتها يزكو على الظل وينمي عليه مع أن في ذكر نوعي الوابل والطل إشارة إلى نوعي الإنفاق الكثير والقليل. فمن الناس من يكون إنفاقه وابلا ومنهم من يكون إنفاقه طلا والله لا يضيع مثقال ذرة فإن عرض لهذا العامل ما يغرق أعماله ويبطل حسناته كان بمنزلة رجل له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها(1\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "139",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "141",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت فإذا كان يوم استيفاء الأعمال وإحراز الأجور وجد هذا العامل عمله قد أصابه ما أصاب صاحب هذه الجنة فحسرته حينئذ أشد من حسرة هذا على جنته. فهذا مثل ضربه الله سبحانه في الحسرة لسلب النعمة عند شدة الحاجة إليها مع عظم قدرها ومنفعتها والذي ذهبت عنه قد أصابه الكبر والضعف فهو أحوج ما كان إلى نعمته ومع هذا فله ذرية ضعفاء لا يقدرون على نفعه والقيام بمصالحه بل هم في عياله فحاجته إلى نعمته حينئذ أشد ما كانت لضعفه وضعف ذريته فكيف يكون حال هذا إذا كان له بستان عظيم فيه من جميع الفواكه والثمر وسلطان ثمره أجل الفواكه وأنفعها وهو ثمر النخيل والأعناب فمغله يقوم بكفايته وكفاية ذريته فأصبح يوما وقد وجده محترقا كله كالصريم فأي حسرة أعظم من حسرته قال ابن عباس: هذا مثل الذي يختم له بالفساد في آخر عمره. وقال مجاهد: هذا مثل المفرط في طاعة الله حتى يموت وقال السدي: هذا مثل المرائي في نفقته الذي ينفق لغير الله ينقطع عنه نفعها أحوج ما يكون إليه وسأل عمر بن الخطاب الصحابة يوما عن هذه الآية فقالوا: الله أعلم فغضب عمر وقال: قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين قال: قل يا ابن أخي ولا تحقر نفسك قال: ضرب مثلا لعمل قال: لأي عمل لرجل غني يعمل بالحسنات ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله كلها قال الحسن: هذا مثل قل والله من يعقله من الناس شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه أفقر ما كان إلى جنته وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا. فصل. [الرياء والمن والأذى تبطل الأعمال] فإن عرض لهذه الأعمال من الصدقات ما يبطلها من المن والأذى والرياء فالرياء يمنع انعقادها سببا للثواب والمن والأذى يبطل الثواب الذي كانت سببا له فمثل صاحبها وبطلان عمله كمثل صفوان - وهو الحجر الأملس - عليه تراب فأصابه وابل - وهو المطر الشديد - فتركه صلدا لا شيء عليه وتأمل أجزاء هذا المثل البليغ وانطباقها على أجزاء الممثل به تعرف عظمة القرآن وجلالته فإن الحجر في مقابلة قلب هذا المرائي والمان والمؤذي فقلبه في قسوته عن الإيمان والإخلاص والإحسان بمنزلة الحجر والعمل الذي عمله لغير الله بمنزلة التراب الذي على ذلك الحجر فقسوة ما تحته وصلابته تمنعه من النبات والثبات عند نزول الوابل فليس له مادة متصلة بالذي يقبل الماء وينبت الكلأ(1\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "140",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "142",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك قلب المرائي ليس له ثبات عند وابل الأمر والنهي والقضاء والقدر فإذا نزل عليه وابل الوحي انكشف عنه ذلك التراب اليسير الذي كان عليه فبرز ما تحته حجرا صلدا لا نبات فيه وهذا مثل ضربه الله سبحانه لعمل المرائي ونفقته لا يقدر يوم القيامة على ثواب شيء منه أحوج ما كان إليه وبالله التوفيق  فصل. ومنها قوله تعالى: إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [آل عمران: 116] مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون [آل عمران: 117] هذا مثل ضربه الله تعالى لمن أنفق ماله في غير طاعته ومرضاته فشبه سبحانه ما ينفقه هؤلاء من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر لا يبتغون به وجه الله وما ينفقونه ليصدوا به عن سبيل الله واتباع رسله بالزرع الذي زرعه صاحبه يرجو نفعه وخيره فأصابته ريح شديدة البرد جدا يحرق بردها ما يمر عليه من الزرع والثمار فأهلكت ذلك الزرع وأيبسته. واختلف في الصر فقيل: البرد الشديد وقيل: النار قاله ابن عباس قال ابن الأنباري: وإنما وصفت النار بأنها صر لتصريتها عند الالتهاب وقيل: الصر الصوت الذي يصحب الريح من شدة هبوبها والأقوال الثلاثة متلازمة فهو برد شديد محرق بيبسه للحرث كما تحرقه النار وفيه صوت شديد. وفي قوله: أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم [آل عمران: 117] تنبيه على أن سبب إصابتها لحرثهم هو ظلمهم فهو الذي سلط عليهم الريح المذكورة حتى أهلكت زرعهم وأيبسته فظلمهم هو الريح التي أهلكت أعمالهم ونفقاتهم وأتلفتها.  فصل. ومنها قوله تعالى: ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون [الزمر: 29] هذا مثل ضربه الله سبحانه للمشرك والموحد فالمشرك بمنزلة عبد يملكه جماعة متنازعون مختلفون متشاحون والرجل المتشاكس: الضيق الخلق فالمشرك لما كان يعبد آلهة شتى شبه بعبد يملكه جماعة متنافسون في خدمته لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين والموحد لما كان يعبد الله وحده فمثله كمثل عبد لرجل واحد قد سلم له وعلم مقاصده وعرف(1\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "141",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "143",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطريق إلى رضاه فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه مع رأفة مالكه به ورحمته له وشفقته عليه وإحسانه إليه وتوليه لمصالحه فهل يستوي هذان العبدان وهذا من أبلغ الأمثال فإن الخالص لمالك واحد يستحق من معونته وإحسانه والتفاته إليه وقيامه بمصالحه ما لا يستحق صاحب الشركاء المتشاكسين الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون  فصل. ومنها قوله تعالى: ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين - وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين - ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين [التحريم: 10 - 12] فاشتملت هذه الآيات على ثلاثة أمثال: مثل للكفار ومثلين للمؤمنين فتضمن مثل الكفار أن الكافر يعاقب على كفره وعداوته لله ورسوله وأوليائه ولا ينفعه مع كفره ما كان بينه وبين المؤمنين من لحمة نسب أو صلة صهر أو سبب من أسباب الاتصال. فإن الأسباب كلها تنقطع يوم القيامة إلا ما كان منها متصلا بالله وحده على أيدي رسله فلو نفعت وصلة القرابة والمصاهرة أو النكاح مع عدم الإيمان لنفعت الوصلة التي كانت بين لوط ونوح وامرأتيهما فلما لم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين [التحريم: 10] قطعت الآية حينئذ طمع من ركب معصية الله وخالف أمره ورجا أن ينفعه صلاح غيره من قريب أو أجنبي ولو كان بينهما في الدنيا أشد الاتصال فلا اتصال فوق اتصال البنوة والأبوة والزوجية ولم يغن نوح عن ابنه ولا إبراهيم عن أبيه ولا نوح ولا لوط عن امرأتيهما من الله شيئا قال الله تعالى: لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم [الممتحنة: 3] وقال تعالى: يوم لا تملك نفس لنفس شيئا [الانفطار: 19] . وقال تعالى: واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا [البقرة: 48] وقال: واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق [لقمان: 33] وهذا كله تكذيب لأطماع المشركين الباطلة أن من تعلقوا به من دون الله من قرابة أو صهر أو نكاح أو صحبة ينفعهم يوم القيامة أو يجيرهم من عذاب الله أو(1\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "142",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "144",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو يشفع لهم عند الله وهذا أصل ضلال بني آدم وشركهم وهو الشرك الذي لا يغفره الله وهو الذي بعث الله جميع رسله وأنزل جميع كتبه بإبطاله ومحاربة أهله ومعاداتهم. فصل. وأما المثلان اللذان للمؤمنين فأحدهما امرأة فرعون ووجه المثل أن اتصال المؤمن بالكافر لا يضره شيئا إذا فارقه في كفره وعمله فمعصية الغير لا تضر المؤمن المطيع شيئا في الآخرة وإن تضرر بها في الدنيا بسبب العقوبة التي تحل بأهل الأرض إذا أضاعوا أمر الله فتأتي عامة فلم يضر امرأة فرعون اتصالها به وهو من أكفر الكافرين ولم ينفع امرأة نوح ولوط اتصالهما بهما وهما رسولا رب العالمين. المثل الثاني للمؤمنين مريم التي لا زوج لها لا مؤمن ولا كافر فذكر ثلاثة أصناف من النساء: المرأة الكافرة التي لها وصلة بالرجل الصالح والمرأة الصالحة التي لها وصلة بالرجل الكافر والمرأة العزب التي لا وصلة بينها وبين أحد: فالأولى لا تنفعها وصلتها وسببها والثانية لا تضرها وصلتها وسببها والثالثة لا يضرها عدم الوصلة شيئا. ثم في هذه الأمثال من الأسرار البديعة ما يناسب سياق السورة فإنها سيقت في ذكر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - والتحذير من تظاهرهن عليه وأنهن إن لم يطعن الله ورسوله ويردن الدار الآخرة لم ينفعهن اتصالهن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما لم ينفع امرأة نوح ولوط اتصالهما بهما ولهذا إنما ضرب في هذه السورة مثل اتصال النكاح دون القرابة. قال يحيى بن سلام: ضرب الله المثل الأول يحذر عائشة وحفصة ثم ضرب لهما المثل الثاني يحرضهما على التمسك بالطاعة. وفي ضرب المثل للمؤمنين بمريم أيضا اعتبار آخر وهو أنها لم يضرها عند الله شيئا قذف أعداء الله اليهود لها ونسبتهم إياها وابنها إلى ما برأهما الله عنه مع كونها الصديقة الكبرى المصطفاة على نساء العالمين فلا يضر الرجل الصالح قدح الفجار والفساق فيه. وفي هذا تسلية لعائشة أم المؤمنين إن كانت السورة نزلت بعد قصة الإفك وتوطين نفسها على ما قال فيها الكاذبون إن كانت قبلها كما في ذكر التمثيل بامرأة نوح ولوط تحذير لها ولحفصة مما اعتمدتاه في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - فتضمنت هذه الأمثال التحذير لهن والتخويف والتحريض لهن على الطاعة والتوحيد والتسلية وتوطين النفس لمن أوذي منهن وكذب عليه وأسرار التنزيل فوق هذا وأجل منه ولا سيما أسرار الأمثال التي لا يعقلها إلا العالمون.(1\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "143",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "145",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: فهذا بعض ما اشتمل عليه القرآن من التمثيل والقياس والجمع والفرق واعتبار العلل والمعاني وارتباطها بأحكامها تأثيرا واستدلالا  [السر في ضرب الأمثال] قالوا: قد ضرب الله سبحانه الأمثال وصرفها قدرا وشرعا ويقظة ومناما ودل عباده على الاعتبار بذلك وعبورهم من الشيء إلى نظيره واستدلالهم بالنظير على النظير بل هذا أهل عبارة الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة ونوع من أنواع الوحي فإنها مبنية على القياس والتمثيل واعتبار المعقول بالمحسوس ألا ترى أن الثياب في التأويل كالقمص تدل على الدين فما كان فيها من طول أو قصر أو نظافة أو دنس فهو في الدين كما أول النبي - صلى الله عليه وسلم - القميص بالدين والعلم والقدر المشترك بينهما أن كلا منهما يستر صاحبه ويجمله بين الناس فالقميص يستر بدنه والعلم والدين يستر روحه وقلبه ويجمله بين الناس  [الرؤيا الحلمية وتأويلها] ومن هذا تأويل اللبن بالفطرة لما في كل منهما من التغذية الموجبة للحياة وكمال النشأة وأن الطفل إذا خلي وفطرته لم يعدل عن اللبن فهو مفطور على إيثاره على ما سواه وكذلك فطرة الإسلام التي فطر الله عليها الناس. ومن هذا تأويل البقر بأهل الدين والخير الذين بهم عمارة الأرض كما أن البقر كذلك مع عدم شرها وكثرة خيرها وحاجة الأرض وأهلها إليها ولهذا لما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - بقرا تنحر كان ذلك نحرا في أصحابه. ومن ذلك تأويل الزرع والحرث بالعمل لأن العامل زارع للخير والشر ولا بد أن يخرج له ما بذره كما يخرج للباذر زرع ما بذره فالدنيا مزرعة والأعمال البذر ويوم القيامة يوم طلوع الزرع للباذر وحصاده. ومن ذلك تأويل الخشب المقطوع المتساند بالمنافقين والجامع بينهما أن المنافق لا روح فيه ولا ظل ولا ثمر فهو بمنزلة الخشب الذي هو كذلك ولهذا شبه الله - تعالى - المنافقين بالخشب المسندة لأنهم أجسام خالية عن الإيمان والخير وفي كونها مسندة نكتة أخرى وهي أن الخشب إذا انتفع به جعل في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع وما دام متروكا فارغا غير منتفع به جعل مسندا بعضه إلى بعض فشبه المنافقين بالخشب في الحالة التي لا ينتفع فيها بها.(1\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "144",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "146",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن ذلك تأويل النار بالفتنة لإفساد كل منهما ما يمر عليه ويتصل به فهذه تحرق الأثاث والمتاع والأبدان وهذه تحرق القلوب والأديان والإيمان. ومن ذلك تأويل النجوم بالعلماء والأشراف لحصول هداية أهل الأرض بكل منهما ولارتفاع الأشراف بين الناس كارتفاع النجوم. ومن ذلك تأويل الغيث بالرحمة والعلم والقرآن والحكمة وصلاح حال الناس. ومن ذلك خروج الدم في التأويل يدل على خروج المال والقدر المشترك أن قوام البدن بكل واحد منهما. ومن ذلك الحدث في التأويل يدل على الحدث في الدين فالحدث الأصغر ذنب صغير والأكبر ذنب كبير. ومن ذلك أن اليهودية والنصرانية في التأويل بدعة في الدين فاليهودية تدل على فساد القصد واتباع غير الحق والنصرانية تدل على فساد العلم والجهل والضلال. ومن ذلك الحديد في التأويل وأنواع السلاح يدل على القوة والنصر بحسب جوهر ذلك السلاح ومرتبته. ومن ذلك الرائحة الطيبة تدل في الثناء الحسن وطيب القول والعمل والرائحة الخبيثة بالعكس والميزان يدل على العدل والجراد يدل على الجنود والعساكر والغوغاء الذين يموج بعضهم في بعض والنحل يدل على من يأكل طيبا ويعمل صالحا والديك رجل عالي الهمة بعيد الصيت والحية عدو أو صاحب بدعة يهلك بسمه والحشرات أوغاد الناس والخلد رجل أعمى يتكفف الناس بالسؤال والذئب رجل غشوم ظلوم غادر فاجر والثعلب رجل غادر مكار محتال مراوغ عن الحق والكلب عدو ضعيف كثير الصخب والشر في كلامه وسبابه أو رجل مبتدع متبع هواه مؤثر له على دينه والسنور العبد والخادم الذي يطوف على أهل الدار والفأرة امرأة سوء فاسقة فاجرة والأسد رجل قاهر مسلط والكبش الرجل المنيع المتبوع. ومن كليات التعبير أن كل ما كان وعاء للماء فهو دال على الأثاث وكل ما كان وعاء للمال كالصندوق والكيس والجراب فهو دال على القلب وكل مدخول بعضه في بعض وممتزج ومختلط فدال على الاشتراك والتعاون أو النكاح وكل سقوط وخرور من علو إلى سفل فمذموم وكل صعود وارتفاع فمحمود إذا لم يجاوز العادة وكان ممن يليق به وكل ما أحرقته النار فجائحة وليس يرجى صلاحه ولا حياته وكذلك ما انكسر من الأوعية(1\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "145",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "147",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التي لا ينشعب مثلها وكل ما خطف وسرق من حيث لا يرى خاطفه ولا سارقه فإنه ضائع لا يرجى وما عرف خاطفه أو سارقه أو مكانه أو لم يغب عن عين صاحبه فإنه يرجى عوده وكل زيادة محمودة في الجسم والقامة واللسان والذكر واللحية واليد والرجل فزيادة خير وكل زيادة متجاوزة للحد في ذلك فمذمومة وشر وفضيحة. وكل ما رأى من اللباس في غير موضعه المختص به فمكروه كالعمامة في الرجل والخف في الرأس والعقد في الساق وكل من استقضى أو استخلف أو أمر أو استوزر أو خطب ممن لا يليق به ذلك نال بلاء من الدنيا وشرا وفضيحة وشهرة قبيحة وكل ما كان مكروها من الملابس فخلقه أهون على لابسه من جديده والجوز مال مكنوز فإن تفقع كان قبيحا وشرا ومن صار له ريش أو جناح صار له مال فإن طار سافر وخروج المريض من داره ساكتا يدل على موته ومتكلما يدل على حياته والخروج من الأبواب الضيقة يدل على النجاة والسلامة من شر وضيق هو فيه وعلى توبة ولا سيما إن كان الخروج إلى فضاء وسعة فهو خير محض والسفر والنقلة من مكان إلى مكان انتقال من حال إلى حال بحسب حال المكانين. ومن عاد في المنام إلى حال كان فيها في اليقظة عاد إليه ما فارقه من خير أو شر وموت الرجل ربما دل على توبته ورجوعه إلى الله لأن الموت رجوع إلى الله قال - تعالى -: ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق [الأنعام: 62] والمرهون مأسور بدين أو بحق عليه لله أو لعبيده ووداع المريض أهله أو توديعهم له دال على موته. وبالجملة فما تقدم من أمثال القرآن كلها أصول وقواعد لعلم التعبير لمن أحسن الاستدلال بها وكذلك من فهم القرآن فإنه يعبر به الرؤيا أحسن تعبير. وأصول التعبير الصحيحة إنما أخذت من مشكاة القرآن فالسفينة تعبر بالنجاة لقوله تعالى: فأنجيناه وأصحاب السفينة [العنكبوت: 15] وتعبر بالتجارة والخشب بالمنافقين والحجارة بقساوة القلب والبيض بالنساء واللباس أيضا بهن وشرب الماء بالفتنة وأكل لحم الرجل بغيبته والمفاتيح بالكسب والخزائن والأموال والفتح يعبر مرة بالدعاء ومرة بالنصر وكالملك يرى في محلة لا عادة له بدخولها يعبر بإذلال أهلها وفسادها والحبل يعبر بالعهد والحق والعضد والنعاس قد يعبر بالأمن والبقل والبصل والثوم والعدس يعبر لمن أخذه بأنه قد استبدل شيئا أدنى بما هو خير منه من مال أو رزق أو علم أو زوجة أو دار والمرض يعبر بالنفاق والشك وشهوة الرياء والطفل الرضيع يعبر بالعدو لقوله تعالى: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا [القصص: 8] والنكاح بالبناء والرماد بالعمل الباطل لقوله تعالى: مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح [إبراهيم: 18](1\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "146",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "148",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنور يعبر بالهدى والظلمة بالضلال. ومن ها هنا قال عمر بن الخطاب لحابس بن سعد الطائي وقد ولاه القضاء فقال له: يا أمير المؤمنين إني رأيت الشمس والقمر يقتتلان والنجوم بينهما نصفين فقال عمر: مع أيهما كنت قال: مع القمر على الشمس قال: كنت مع الآية الممحوة اذهب فلست تعمل لي عملا ولا تقتل إلا في لبس من الأمر فقتل يوم صفين وقيل لعابر: رأيت الشمس والقمر دخلا في جوفي فقال: تموت واحتج بقوله - تعالى -: فإذا برق البصر [القيامة: 7] وخسف القمر [القيامة: 8] وجمع الشمس والقمر [القيامة: 9] يقول الإنسان يومئذ أين المفر [القيامة: 10] . وقال رجل لابن سيرين: رأيت معي أربعة أرغفة خبز فطلعت الشمس فقال: تموت إلى أربعة أيام ثم قرأ قوله تعالى: ثم جعلنا الشمس عليه دليلا [الفرقان: 45] ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا [الفرقان: 46] . وأخذ هذا التأويل أنه حمل رزقه أربعة أيام وقال له آخر: رأيت كيسي مملوءا أرضة فقال: أنت ميت ثم قرأ: فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض [سبأ: 14] والنخلة تدل على الرجل المسلم وعلى الكلمة الطيبة والحنظلة تدل على ضد ذلك والصنم يدل على العبد السوء الذي لا ينفع والبستان يدل على العمل واحتراقه يدل على حبوطه لما تقدم في أمثال القرآن ومن رأى أنه ينقض غزلا أو ثوبا لعبيده مرة ثانية فإنه ينقض عهدا وينكثه والمشي سويا في طريق مستقيم يدل على استقامته على الصراط المستقيم والأخذ في بنيات الطريق يدل على عدوله عنه إلى ما خالفه وإذا عرضت له طريقان ذات يمين وذات شمال فسلك أحدهما فإنه من أهلها وظهور عورة الإنسان له ذنب يرتكبه ويفتضح به وهروبه وفراره من شيء نجاة وظفر وغرقه في الماء فتنة في دينه ودنياه وتعلقه بحبل بين السماء والأرض تمسكه بكتاب الله وعهده واعتصامه بحبله فإن انقطع به فارق العصمة إلا أن يكون ولي أمرا فإنه قد يقتل أو يموت. فالرؤيا أمثال مضروبة يضربها الملك الذي قد وكله الله بالرؤيا ليستدل الرائي بما ضرب به من المثل على نظيره ويعبر منه إلى شبهه ولهذا سمي تأويلها تعبيرا وهو تفعيل من العبور كما أن الاتعاظ يسمى اعتبارا وعبرة لعبور المتعظ من النظير إلى نظيره ولولا أن حكم الشيء حكم مثله وحكم النظير حكم نظيره لبطل هذا التعبير والاعتبار ولما وجد إليه سبيل وقد أخبر الله - سبحانه - أنه ضرب الأمثال لعباده في غير موضع من كتابه وأمر باستماع أمثاله ودعا عباده إلى تعقلها والتفكير فيها والاعتبار بها وهذا هو المقصود بها.  [تسوية الأحكام الشرعية بين المتماثلين] [في الأحكام الشرعية التسوية بين المتماثلين] وأما أحكامه الأمرية الشرعية فكلها هكذا تجدها مشتملة على التسوية بين(1\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "147",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "149",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المتماثلين وإلحاق النظير بنظيره واعتبار الشيء بمثله والتفريق بين المختلفين وعدم تسوية أحدهما بالآخر وشريعته - سبحانه - منزهة أو تنهى عن شيء لمفسدة فيه ثم تبيح ما هو مشتمل على تلك المفسدة أو مثلها أو أزيد منها فمن جوز ذلك على الشريعة فما عرفها حق معرفتها ولا قدرها حق قدرها وكيف يظن بالشريعة أنها تبيح شيئا لحاجة المكلف إليه ومصلحته ثم تحرم ما هو أحوج إليه والمصلحة في إباحته أظهر وهذا من أمحل المحال ولذلك كان من المستحيل أن يشرع الله ورسوله من الحيل ما يسقط به ما أوجبه أو يبيح به ما حرمه ولعن فاعله وآذنه بحربه وحرب رسوله وشدد فيه الوعيد لما تضمنه من المفسدة في الدنيا والدين ثم بعد ذلك يسوغ التوصل إليه بأدنى حيلة ولو أن المريض اعتمد هذا فيما يحميه منه الطبيب ويمنعه منه لكان معينا على نفسه ساعيا في ضرره وعد سفيها مفرطا وقد فطر الله - سبحانه - عباده على أن حكم النظير حكم نظيره وحكم الشيء حكم مثله وعلى إنكار التفريق بين المتماثلين وعلى إنكار الجمع بين المختلفين والعقل والميزان الذي أنزله الله - سبحانه - شرعا وقدرا يأبى ذلك. [يكون الجزاء من جنس العمل ومثاله] ولذلك كان الجزاء مماثلا للعمل من جنسه في الخير والشر فمن ستر مسلما ستره الله ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن أقال نادما أقاله الله عثرته يوم القيامة ومن تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته ومن ضار مسلما ضار الله به ومن شاق شاق الله عليه ومن خذل مسلما في موضع يجب نصرته فيه خذله الله في موضع يجب نصرته فيه ومن سمح سمح الله له والراحمون يرحمهم الرحمن وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ومن أنفق أنفق عليه ومن أوعى أوعى عليه ومن عفا عن حقه عفا الله له عن حقه ومن تجاوز تجاوز الله عنه ومن استقصى استقصى الله عليه فهذا شرع الله وقدره ووحيه وثوابه وعقابه كله قائم بهذا الأصل وهو إلحاق النظير بالنظير واعتبار المثل بالمثل ولهذا يذكر الشارع العلل والأوصاف المؤثرة والمعاني المعتبرة في الأحكام القدرية والشرعية والجزائية ليدل بذلك على تعلق الحكم بها أين وجدت واقتضائها لأحكامها وعدم تخلفها عنها إلا لمانع يعارض اقتضاءها ويوجب تخلف أثرها عنها كقوله - تعالى -: ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله [الأنفال: 13] وقوله: ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا [غافر: 12] ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا [الجاثية: 35] ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون [غافر: 75](1\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "148",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "150",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم - ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر [محمد: 28 - 26] وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم [فصلت: 23] .  [فصل جاء القرآن بتعليل الأحكام] [جاء القرآن بتعليل الأحكام] وقد جاء التعليل في الكتاب العزيز بالباء تارة وباللام تارة وبأن تارة وبمجموعهما تارة وبكي تارة ومن أجل تارة وترتيب الجزاء على الشرط تارة وبالفاء المؤذنة بالسببية تارة وترتيب الحكم على الوصف المقتضي له تارة وبلما تارة وبأن المشددة تارة وبلعل تارة وبالمفعول له تارة فالأول كما تقدم واللام كقوله: ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم [المائدة: 97] وأن كقوله: أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا [الأنعام: 156] ثم قيل: التقدير لئلا تقولوا وقيل: كراهة أن تقولوا وأن واللام كقوله: لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [النساء: 165] وغالب ما يكون هذا النوع في النفي فتأمله. وكي كقوله: كي لا يكون دولة [الحشر: 7] . والشرط والجزاء كقوله: وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا [آل عمران: 120] والفاء كقوله: فكذبوه فأهلكناهم [الشعراء: 139]  فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية [الحاقة: 10]  فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا [المزمل: 16] . وترتيب الحكم على الوصف كقوله: يهدي به الله من اتبع رضوانه [المائدة: 16] وقوله يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات [المجادلة: 11] وقوله: إنا لا نضيع أجر المصلحين [الأعراف: 170]  ولا نضيع أجر المحسنين [يوسف: 56]  وأن الله لا يهدي كيد الخائنين [يوسف: 52] . ولما كقوله: فلما آسفونا انتقمنا منهم [الزخرف: 55]  فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين [الأعراف: 166] وإن المشددة كقوله: إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين [الأنبياء: 77]  إنهم كانوا قوم سوء فاسقين [الأنبياء: 74] . ولعل كقوله: لعله يتذكر أو يخشى [طه: 44]  لعلكم تعقلون [البقرة: 73]  لعلكم تذكرون [الأنعام: 152] . والمفعول له كقوله: وما لأحد عنده من نعمة تجزى [الليل: 19] إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى [الليل: 20] ولسوف يرضى [الليل: 21] أي لم يفعل ذلك جزاء نعمة أحد من الناس وإنما فعله ابتغاء وجه ربه الأعلى ومن أجل كقوله: من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل [المائدة: 32] .(1\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "149",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "151",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[ما ورد في السنة من تعليل الأحكام] وقد ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - علل الأحكام والأوصاف المؤثرة فيها ليدل على ارتباطها بها وتعديها بتعدي أوصافها وعللها كقوله في نبيذ التمر:  تمرة طيبة وماء طهور  وقوله: إنما جعل الاستئذان من أجل البصر  وقوله: إنما نهيتكم من أجل الدافة  وقوله في الهرة: ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات  ونهيه عن تغطية رأس المحرم الذي وقصته ناقته وتقريبه الطيب وقوله: فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا وقوله:  إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم  ذكره تعليلا لنهيه عن نكاح المرأة على عمتها وخالتها - وقوله تعالى -: ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض [البقرة: 222] وقوله في الخمر والميسر: إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون [المائدة: 91]  وقوله - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر: أينقص الرطب إذا جف قالوا نعم فنهى عنه. وقوله: لا يتناجى اثنان دون الثالث فإن ذلك يحزنه وقوله:  إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء وإنه يتقي بالجناح الذي فيه الداء  وقوله: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس . وقال وقد سئل عن مس الذكر هل ينقض الوضوء فقال: هل هو إلا بضعة منك  وقوله في ابنة حمزة: إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة  وقوله في الصدقة: إنها لا تحل لآل محمد إنما هي أوساخ الناس . وقد قرب النبي - صلى الله عليه وسلم - الأحكام إلى أمته بذكر نظائرها وأسبابها وضرب لها الأمثال فقال له عمر: صنعت اليوم يا رسول الله أمرا عظيما قبلت وأنا صائم فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم فقلت: لا بأس بذلك فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فصم ولولا أن حكم المثل حكم مثله وأن المعاني والعلل مؤثرة في الأحكام نفيا وإثباتا لم يكن لذكر هذا التشبيه معنى فذكره ليدل به على أن حكم النظير حكم مثله وأن نسبة القبلة التي هي وسيلة إلى الوطء كنسبة وضع الماء في الفم الذي هو وسيلة إلى شربه فكما أن هذا الأمر لا يضر فكذلك الآخر وقد قال - صلى الله عليه وسلم - للرجل الذي سأله فقال: إن أبي أدركه الإسلام وهو شيخ كبير لا يستطيع ركوب الرحل والحج مكتوب عليه أفأحج عنه قال: أنت أكبر ولده قال: نعم قال: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكان يجزئ عنه قال: نعم قال: فحج عنه  فقرب الحكم من الحكم وجعل دين(1\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "150",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "152",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله - سبحانه - في وجوب القضاء أو في قبوله بمنزلة دين الآدمي وألحق النظير بالنظير وأكد هذا المعنى بضرب من الأولى وهو قوله: اقضوا الله فالله أحق بالقضاء  ومنه الحديث الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسول الله يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان يكون عليه وزر قالوا: نعم قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال يكون له أجر  وهذا من قياس العكس الجلي البين وهو إثبات نقيض حكم الأصل في الفرع لثبوت ضد علته فيه ومنه الحديث الصحيح: أن أعرابيا أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن امرأتي ولدت غلاما أسود وإني أنكرته. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هل لك من إبل قال: نعم قال: فما ألوانها قال: حمر قال: هل فيها من أورق قال: إن فيها لورقا قال: فأنى ترى ذلك جاءها قال: يا رسول الله عرق نزعه قال: ولعل هذا عرق نزعه . ولم يرخص له في الانتفاء منه. ومن تراجم البخاري على هذا الحديث باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين قد بين الله حكمهما ليفهم السائل. ثم ذكر بعده حديث ابن عباس أن امرأة جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها قال: نعم حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته قالت: نعم فقال: اقضوا الله فإن الله أحق بالوفاء  وهذا الذي ترجمه البخاري هو فصل النزاع في القياس لا كما يقوله المفرطون فيه ولا المفرطون فإن الناس فيه طرفان ووسط فأحد الطرفين من ينفي العلل والمعاني والأوصاف المؤثرة ويجوز ورود الشريعة بالفرق بين المتساويين والجمع بين المختلفين ولا يثبت أن الله - سبحانه - شرع الأحكام لعلل ومصالح وربطها بأوصاف مؤثرة فيها مقتضية لها طردا وعكسا وأنه قد يوجب الشيء ويحرم نظيره من كل وجه ويحرم الشيء ويبيح نظيره من كل وجه وينهى عن الشيء لا لمفسدة فيه ويأمر به لا لمصلحة بل لمحض المشيئة المجردة عن الحكمة والمصلحة وبإزاء هؤلاء قوم أفرطوا فيه وتوسعوا جدا وجمعوا بين الشيئين اللذين فرق الله بينهما بأدنى جامع من شبه أو طرد أو وصف يتخيلونه علة يمكن أن يكون علته وأن لا يكون فيجعلونه هو السبب الذي علق الله ورسوله الحكم بالخرص والظن وهذا هو الذي أجمع السلف على ذمه كما سيأتي - إن شاء الله تعالى -. والمقصود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر في الأحكام العلل والأوصاف المؤثرة فيها طردا وعكسا كقوله للمستحاضة التي سألته: هل تدع الصلاة زمن استحاضتها فقال: لا إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فأمرها أن تصلي مع هذا الدم وعلل بأنه دم عرق وليس بدم حيض وهذا قياس يتضمن الجمع والفرق.(1\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "151",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "153",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: فشرط صحة القياس ذكر الأصل المقيس عليه ولم يذكر في الحديث. قيل: هذا من حسن الاختصار والاستغناء بالوصف الذي يستلزم ذكر الأصل المقيس عليه فإن المتكلم قد يعلل بعلة يغني ذكرها عن ذكر الأصل ويكون تركه لذكر الأصل أبلغ من ذكره فيعرف السامع الأصل حين يسمع ذكر العلة فلا يشكل عليه ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين علل وجوب الصلاة مع هذا الدم بأنه عرق صار الأصل الذي يرد إليه هذا الكلام معلوما فإن كل سامع سمع هذا يفهم منه أن دم العرق لا يوجب ترك الصلاة ولو قال: quot; هو عرق فلا يوجب ترك الصلاة كسائر دم العروق لكان عيا وعد من الكلام الركيك ولم يكن لائقا بفصاحته وإنما يليق هذا بعجرفة المتأخرين وتكلفهم وتطويلهم. ونظير هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - لمن سأل عن مس ذكره هل إلا بضعة منك  فاستغنى بهذا عن تكلف قوله كسائر البضعات. ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - للمرأة التي سألته: هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت فقال: نعم فقالت أم سليم: أوتحتلم المرأة يا رسول الله فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنما النساء شقائق الرجال  فبين أن النساء والرجال شقيقان ونظيران لا يتفاوتان ولا يتباينان في ذلك وهذا يدل على أن من المعلوم الثابت في فطرهم أن حكم الشقيقين والنظيرين حكم واحد سواء كان ذلك تعليلا منه - صلى الله عليه وسلم - للقدر أو للشرع أو لهما فهو دليل على تساوي الشقيقين وتشابه القرينين وإعطاء أحدهما حكم الآخر.  [فصل حديث معاذ حين بعثه الرسول إلى اليمن] وقد أقر النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذا على اجتهاد رأيه فيما لم يجد فيه نصا عن الله ورسوله فقال شعبة: حدثني أبو عون عن الحارث بن عمرو عن أناس من أصحاب معاذ عن معاذ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما بعثه إلى اليمن قال: كيف تصنع إن عرض لك قضاء قال: أقضي بما في كتاب الله قال: فإن لم يكن في كتاب الله قال: فبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: أجتهد رأيي لا آلو قال: فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدري ثم قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فهذا(1\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "152",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "154",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حديث وإن كان عن غير مسمين فهم أصحاب معاذ فلا يضره ذلك لأنه يدل على شهرة الحديث وأن الذي حدث به الحارث بن عمرو عن جماعة من أصحاب معاذ لا واحد منهم وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحد منهم لو سمي كيف وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى ولا يعرف في أصحابه متهم ولا كذاب ولا مجروح بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم لا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك كيف وشعبة حامل لواء هذا الحديث وقد قال بعض أئمة الحديث: إذا رأيت شعبة في إسناد حديث فاشدد يديك به قال أبو بكر الخطيب: وقد قيل إن عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ وهذا إسناد متصل ورجاله معروفون بالثقة على أن أهل العلم قد نقلوه واحتجوا به فوقفنا بذلك على صحته عندهم كما وقفنا على صحة قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا وصية لوارث  وقوله في البحر  هو الطهور ماؤه الحل ميتته  وقوله: إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادا البيع  وقوله: الدية على العاقلة  وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد ولكن لما تلقتها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها فكذلك حديث معاذ لما احتجوا به جميعا غنوا عن طلب الإسناد له انتهى كلامه. وقد جوز النبي - صلى الله عليه وسلم - للحاكم أن يجتهد رأيه وجعل له على خطئه في اجتهاد الرأي أجرا واحدا إذا كان قصده معرفة الحق واتباعه.  [فصل كان أصحاب النبي يجتهدون ويقيسون] فصل: [كان أصحاب النبي يجتهدون ويقيسون] وقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجتهدون في النوازل ويقيسون بعض الأحكام على بعض ويعتبرون النظير بنظيره. قال أسد بن موسى: ثنا شعبة عن زبيد اليامي عن طلحة بن مصرف عن مرة الطيب عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - في الجنة: كل قوم على بينة من أمرهم ومصلحة من أنفسهم يزرون على من سواهم ويعرف الحق بالمقايسة عند ذوي الألباب وقد رواه الخطيب وغيره مرفوعا ورفعه غير صحيح. وقد اجتهد الصحابة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - في كثير من الأحكام ولم يعنفهم كما أمرهم يوم الأحزاب أن يصلوا العصر في بني قريظة فاجتهد بعضهم وصلاها في الطريق وقال: لم يرد منا التأخير وإنما أراد سرعة النهوض فنظروا إلى المعنى واجتهد آخرون(1\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "153",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "155",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأخروها إلى بني قريظة فصلوها ليلا نظروا إلى اللفظ وهؤلاء سلف أهل الظاهر وهؤلاء سلف أصحاب المعاني والقياس. ولما كان علي - رضي الله تعالى عنه - باليمن أتاه ثلاثة نفر يختصمون في غلام فقال كل منهم: هو ابني فأقرع علي بينهم فجعل الولد للقارع وجعل عليه للرجلين ثلثي الدية فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فضحك حتى بدت نواجذه من قضاء علي - رضي الله عنه - . واجتهد سعد بن معاذ في بني قريظة وحكم فيهم باجتهاده فصوبه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات . واجتهد الصحابيان اللذان خرجا في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فصليا ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر فصوبهما وقال للذي لم يعد أصبت السنة وأجزأتك صلاتك وقال للآخر لك الأجر مرتين . ولما قاس مجزز المدلجي وقاف وحكم بقياس وقيافته على أن أقدام زيد وأسامة ابنه بعضها من بعض سر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى برقت أسارير وجهه من صحة هذا القياس وموافقته للحق  وكان زيد أبيض وابنه أسامة أسود فألحق هذا القائف الفرع بنظيره وأصله وألغى وصف السواد والبياض الذي لا تأثير له في الحكم. وقد تقدم قول الصديق - رضي الله عنه - الكلالة quot; أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان أراه ما خلا الوالد والولد quot;. فلما استخلف عمر قال: quot; إني لأستحيي من الله أن أرد شيئا قاله أبو بكر quot;. وقال الشعبي عن شريح قال: قال لي عمر: اقض بما استبان لك من كتاب الله فإن لم تعلم كل كتاب الله فاقض بما استبان لك من قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن لم تعلم كل أقضية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاقض بما استبان لك من أئمة المهتدين فإن لم تعلم كل ما قضت به أئمة المهتدين فاجتهد رأيك واستشر أهل العلم والصلاح. . وقد اجتهد ابن مسعود في المفوضة وقال: أقول فيها برأيي ووفقه الله للصواب وقال سفيان عن عبد الرحمن الأصبهاني عن عكرمة قال: أرسلني ابن عباس إلى زيد بن ثابت أسأله عن زوج وأبوين فقال: للزوج النصف وللأم ثلث ما بقي وللأب بقية المال فقال: تجده في كتاب الله أو تقوله برأيك قال: أقوله برأيي ولا أفضل أما على أب. وقايس علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - وزيد بن ثابت في المكاتب وقايسه في الجد والإخوة. وقاس ابن عباس الأضراس بالأصابع وقال: عقلها سواء اعتبروها بها(1\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "154",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "156",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[ما أجمع الفقهاء عليه من مسائل القياس] قال المزني: الفقهاء من عصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا وهلم جرا استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم قال: وأجمعوا بأن نظير الحق حق ونظير الباطل باطل فلا يجوز لأحد إنكار القياس لأنه التشبيه بالأمور والتمثيل عليها. قال أبو عمر بعد حكاية ذلك عنه: ومن القياس المجمع عليه صيد ما عدا المكلب من الجوارح قياسا على الكلاب بقوله: وما علمتم من الجوارح مكلبين [المائدة: 4] . وقال - عز وجل -: والذين يرمون المحصنات [النور: 4]  فدخل في ذلك المحصنون قياسا وكذلك قوله في الإماء: فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب [النساء: 25]  فدخل في ذلك العبد قياسا عند الجمهور إلا من شذ ممن لا يكاد قوله خلافا وقال في جزاء الصيد المقتول في الإحرام: ومن قتله منكم متعمدا [المائدة: 95] . فدخل فيه قتل الخطأ قياسا عند الجمهور إلا من شذ وقال: يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها [الأحزاب: 49]  فدخل في ذلك الكتابيات قياسا وقال في الشهادة في المداينات: فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء [البقرة: 282]  فدخل في معنى إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى [البقرة: 282]  قياسا المواريث والودائع والغصوب وسائر الأموال. وأجمعوا على توريث البنتين الثلثين قياسا على الأختين وقال عمن أعسر بما بقي عليه من الربا: وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة [البقرة: 280]  فدخل في ذلك كل معسر بدين حلال وثبت ذلك قياسا. ومن هذا الباب توريث الذكر ضعفي ميراث الأنثى منفردا وإنما ورد النص في اجتماعهما بقوله: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين [النساء: 11]  وقال: وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين [النساء: 176] . ومن هذا الباب أيضا قياس التظاهر بالبنت على التظاهر بالأم وقياس الرقبة في الظهار على الرقبة في القتل بشرط الإيمان وقياس تحريم الأختين وسائر القرابات من الإماء على الحرائر في الجمع في التسري قال: وهذا لو تقصيته لطال به الكتاب. [جواب نفاة القياس ورده] قلت: بعض هذه المسائل فيها نزاع وبعضها لا يعرف فيها نزاع بين السلف وقد(1\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "155",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "157",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رام بعض نفاة القياس إدخال هذه المسائل المجمع عليها في العمومات اللفظية فأدخل قذف الرجال في قذف المحصنات وجعل المحصنات صفة للفروج لا للنساء وأدخل صيد الجوارح كلها في قوله: وما علمتم من الجوارح [المائدة: 4]  وقوله: مكلبين [المائدة: 4]  وإن كان من لفظ الكلب فمعناه مغرين لها على الصيد قاله مجاهد والحسن وهو رواية عن ابن عباس. وقال أبو سليمان الدمشقي: مكلبين معناه معلمين وإنما قيل لهم مكلبين لأن الغالب من صيدهم إنما يكون بالكلاب وهؤلاء وإن أمكنهم ذلك في بعض المسائل كما جزموا بتحريم أجزاء الخنزير لدخوله في قوله: فإنه رجس [الأنعام: 145]  وأعادوا الضمير إلى المضاف إليه دون المضاف فلا يمكنهم ذلك في كثير من المواضع وهم مضطرون فيها - ولا بد - إلى القياس أو القول بما لم يقل به غيرهم ممن تقدمهم فلا يعلم أحد من أئمة الفتوى يقول في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن فأرة وقعت في سمن ألقوها وما حولها وكلوه  إن ذلك مختص بالسمن دون سائر الأدهان والمائعات هذا مما يقطع بأن الصحابة والتابعين وأئمة الفتيا لا يفرقون فيه بين السمن والزيت والشيرج والدبس كما لا يفرق بين الفأرة والهرة في ذلك وكذلك نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الرطب بالتمر  لا يفرق عالم يفهم عن الله ورسوله بين ذلك وبين بيع العنب بالزبيب ومن هذا أن الله - سبحانه - قال في المطلقة ثلاثا فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله [البقرة: 230]  أي إن طلقها الثاني فلا جناح عليها وعلى الزوج الأول أن يتراجعا والمراد به تجديد العقد وليس ذلك مختصا بالصورة التي يطلق فيها الثاني فقط بل متى تفارقا بموت أو خلع أو فسخ أو طلاق حلت للأول قياسا على الطلاق. ومن ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تأكلوا في آنية الذهب والفضة ولا تشربوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة  وقوله: الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم  وهذا التحريم لا يختص بالأكل والشرب بل يعم سائر وجوه الانتفاع فلا يحل له أن يغتسل بها ولا يتوضأ بها ولا يدهن فيها ولا يكتحل منها وهذا أمر لا يشك فيه عالم ومن ذلك نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - المحرم عن لبس القميص والسراويل والعمامة والخفين  ولا يختص ذلك بهذه الأشياء فقط بل يتعدى النهي إلى الجباب والدلوق والمبطنات والفراجي والأقبية والعرقشينات وإلى القبع والطاقية والكوفية والكلوثة والطيلسان والقلنسوة وإلى الجوربين والجرموقين والزربول ذي الساق وإلى التبان ونحوه.(1\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "156",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "158",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار  فلو ذهب معه بخرقة وتنظف أكثر من الأحجار أو قطن أو صوف أو خز ونحو ذلك جاز وليس للشارع غرض في غير التنظيف والإزالة فما كان أبلغ في ذلك كان مثل الأحجار في الجواز [بل] أولى. ومن ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه أو يخطب على خطبته  ومعلوم أن المفسدة التي نهى عنها في البيع والخطبة موجودة في الإجارة فلا يحل له أن يؤجر على إجارته وإن قدر دخول الإجارة في لفظ البيع العام وهو بيع المنافع فحقيقتها غير حقيقة البيع وأحكامها غير أحكامه. ومن ذلك قوله - سبحانه - في آية التيمم: وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا [المائدة: 6] . فألحقت الأمة أنواع الحدث الأصغر على اختلافها في نقضها الغائط والآية لم تنص من أنواع الحدث الأصغر إلا عليه وعلى اللمس على قول من فسره بما دون الجماع وألحقت الاحتلام بملامسة النساء وألحقت واجد ثمن الماء بواجده وألحقت من خاف على نفسه أو بهائمه من العطش إذا توضأ بالعادم فجوزت له التيمم وهو واجد للماء وألحقت من خشي المرض وأمثالها في العمومات المعنوية التي لا يستريب من له فهم عن الله ورسوله في قصد عمومها. وتعليق الحكم به وكونه متعلقا بمصلحة العبد أولى من إدخالها في عمومات لفظية بعيدة التناول لها ليست بحرية الفهم مما لا ينكر تناول العمومين لها فمن الناس من يتنبه لهذا ومنهم من يتنبه لهذا ومنهم من يتفطن لتناول العمومين لها. ومن ذلك قوله تعالى: وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة [البقرة: 283] . وقاست الأمة الرهن في الحضر على الرهن في السفر والرهن مع وجود الكاتب على الرهن مع عدمه فإن استدل على ذلك بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رهن درعه في الحضر فلا عموم في ذلك فإنما رهنها على شعير استقرضه من يهودي فلا بد من القياس إما على الآية وإما على السنة ومن ذلك أن سمرة بن جندب لما باع خمر أهل الذمة وأخذه في العشور التي عليهم فبلغ عمر فقال: قاتل الله سمرة أما علم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها  وهذا محض القياس من عمر - رضي الله عنه - فإن تحريم الشحوم على اليهود كتحريم الخمر على المسلمين وكما يحرم ثمن الشحوم المحرمة فكذلك يحرم ثمن الخمر الحرام.(1\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "157",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "159",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن ذلك أن الصحابة - رضي الله عنهم - جعلوا العبد على النصف من الحر في النكاح والطلاق والعدة قياسا على ما نص الله عليه من قوله: فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب [النساء: 25]  قال عبد الرزاق: أنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: ينكح العبد اثنتين وقال عبد الرزاق: أنبأنا سفيان الثوري وابن جريج قالا: ثنا جعفر بن محمد عن أبيه أن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه في الجنة - قال: ينكح العبد اثنتين. وذكر الإمام أحمد عن محمد بن سيرين قال: سأل عمر بن الخطاب الناس: كم يتزوج العبد فقال عبد الرحمن بن عوف: ثنتين وطلاقه ثنتان وهذا كان بمحضر من الصحابة فلم ينكره أحد. وقال محمد بن عبد السلام الخشني: حدثنا محمد بن المثنى ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن ليث بن أبي سليم عن عطاء قال: أجمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن العبد لا يجمع بين النساء فوق اثنتين. وروى حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن عمرو بن أوس أن عمر قال: لو أستطيع أن أجعل عدة الأمة حيضة ونصفا لفعلت فقال رجل: يا أمير المؤمنين فاجعلها شهرا ونصفا فسكت. وقال عبد الله بن عتبة عن عمر: عدة الأمة إذا لم تحض شهران كعدتها إذا حاضت حيضتين. وروى ابن عيينة عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عتبة عن عمر: ينكح العبد امرأتين ويطلق طلقتين وتعتد الأمة حيضتين وإن لم تكن تحيض فشهرين أو شهرا ونصفا وقال علي: عدة الأمة حيضتان فإن لم تكن تحيض فشهر ونصف. والمقصود أن الصحابة - رضي الله عنهم - نصفوا ذلك قياسا على تنصيف الله - سبحانه - الحد على الأمة. ومن ذلك أن الصحابة قدموا الصديق في الخلافة وقالوا: رضيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لديننا أفلا نرضاه لدنيانا فقاسوا الإمامة الكبرى على إمامة الصلاة وكذلك اتفاقهم على(1\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "158",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "160",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كتابة المصحف وجمع القرآن فيه وكذلك اتفاقهم على جمع الناس على مصحف واحد وترتيب واحد وحرف واحد وكذلك منع عمر وعلي من بيع أمهات الأولاد برأيهما وكذلك تسوية الصديق بين الناس في العطاء برأيه وتفضيل عمل برأيه وكذلك إلحاق عمر حد الخمر بحد القذف برأيه وأقره الصحابة وكذلك توريث عثمان بن عفان - رضي الله عنه - المبتوتة في مرض الموت برأيه ووافقه الصحابة كذلك قول ابن عباس في نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الطعام قبل قبضه  قال: أحسب كل شيء بمنزلة الطعام وكذلك عمر وزيد لما ورثا الأم ثلث ما بقي في مسألة زوج وأبوين وامرأة وأبوين قاسا وجود الزوج على ما إذا لم يكن زوج فإنه حينئذ يكون للأب ضعف ما للأم فقدرا أن الباقي بعد الزوج والزوجة كل المال وهذا من أحسن القياس فإن قاعدة الفرائض أن الذكر والأنثى إذا اجتمعا وكانا في درجة واحدة فإما أن يأخذ الذكر ضعف ما تأخذه الأنثى كالأولاد وبني الأب وإما أن تساويه كولد الأم وأما أن الأنثى تأخذ ضعف ما يأخذ الذكر مع مساواته لها في درجته فلا عهد به في الشريعة فهذا من أحسن الفهم عن الله ورسوله وكذلك أخذ الصحابة في الفرائض بالعول وإدخال النقص على جميع ذوي الفروض قياسا على إدخال النقص على الغرماء إذا ضاق مال المفلس عن توفيتهم وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للغرماء: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك  وهذا محض العدل على أن تخصيص بعض المستحقين بالحرمان وتوفية بعضهم بأخذ نصيبه ليس من العدل.  [قياس الصحابة حد الشرب على حد القذف] وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن أيوب السختياني عن عكرمة أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - شاور الناس في حد الخمر وقال: إن الناس قد شربوها واجترءوا عليها فقال له علي - كرم الله وجهه -: إن السكران إذا سكر هذى وإذا هذى افترى فاجعله حد الفرية فجعله عمر حد الفرية ثمانين. ورواه مالك عن ثور بن زيد الديلي أن عمر شاور الناس ورواه وكيع: حدثنا ابن أبي خالد عن الشعبي قال: استشارهم عمر فذكره ولم ينفرد علي بهذا القياس بل وافقه عليه الصحابة قال الزهري: أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن وبرة الصلتي قال: بعثني خالد بن الوليد إلى عمر فأتيته وعنده علي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف متكئون في المسجد فقلت له: إن خالد بن الوليد يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن الناس انبسطوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فما ترى فقال عمر: هم هؤلاء عندك قال: فقال علي: أراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون فاجتمعوا على ذلك فقال عمر: بلغ صاحبك ما قالوا فضرب(1\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "159",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "161",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خالد ثمانين وضرب عمر ثمانين قال: وكان عمر إذا أتي بالرجل القوي المنتهك في الشراب ضربه ثمانين وإذا أتي بالرجل الذي كان منه الزلة الضعيف ضربه أربعين وجعل ذلك عثمان أربعين وثمانين وهذه مراسيل ومسندات من وجوه متعددة يقوي بعضها بعضا وشهرتها تغني عن إسنادها.  [قياس الصحابة في الجد مع الإخوة] [قياس الصحابة في الجد مع الإخوة] وقال عبد الرزاق: حدثنا سفيان الثوري عن عيسى بن أبي عيسى الحناط عن الشعبي قال: كره عمر الكلام في الجد حتى صار جدا وقال: إنه كان من رأي أبي بكر أن الجد أولى من الأخ وذكر الحديث وفيه: فسأل عنها زيد بن ثابت فضرب له مثلا بشجرة خرجت ولها أغصان قال: فذكر شيئا لا أحفظه فجعل الثلث. قال الثوري: وبلغني أنه قال: يا أمير المؤمنين شجرة نبتت فانشعب منها غصن فانشعب من الغصن غصنان فما جعل الغصن الأول أولى من الغصن الثاني وقد خرج الغصنان من الغصن الأول قال: ثم سأل عليا فضرب له مثلا واديا سال فيه سيل فجعله أخا فيما بينه وبين ستة فأعطاه السدس وبلغني أن عليا - كرم الله وجهه - حين سأله عمر جعله سيلا قال: فانشعب منه شعبة ثم انشعبت شعبتان فقال: أرأيت لو أن هذه الشعبة الوسطى تيبس أما كانت ترجع إلى الشعبتين جميعا قال الشعبي: فكان زيد يجعله أخا حتى يبلغ ثلاثة هو ثالثهم فإن زادوا على ذلك أعطاه الثلث وكان علي يجعله أخا ما بينه وبين ستة وهو سادسهم ويعطيه السدس فإن زادوا على ستة أعطاه السدس وصار ما بقي بينهم. وقال القاضي إسماعيل بن إسحاق: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه أن عمر بن الخطاب لما استشار في ميراث الجد والإخوة قال زيد: وكان رأيي يومئذ أن الإخوة أحق بميراث أخيهم من الجد وعمر بن الخطاب يرى يومئذ أن الجد أولى بميراث ابن ابنه من إخوته فتحاورت أنا وعمر محاورة شديدة فضربت له في ذلك مثلا فقلت: لو أن شجرة تشعب من أصلها غصن ثم تشعب في ذلك الغصن خوطان ذلك الغصن يجمع الخوطين دون الأصل ويغذوهما ألا ترى يا أمير المؤمنين أن أحد الخوطين أقرب إلى أخيه منه إلى الأصل قال زيد: فأنا أعذله وأضرب له هذه الأمثال وهو يأبى إلا أن الجد أولى من الإخوة ويقول: والله لو أني قضيته(1\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "160",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "162",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اليوم لبعضهم لقضيت به للجد كله ولكن لعلي لا أخيب منهم أحدا ولعلهم أن يكونوا كلهم ذوي حق. وضرب علي وابن عباس لعمر يومئذ مثلا معناه لو أن سيلا سال فخلج منه خليج ثم خلج من ذلك الخليج شعبتان. ورأي الصديق أولى من هذا الرأي وأصح في القياس لعشرة أوجه ليس هذا موضع ذكرها. والجواب عن هذه الأمثلة: أن المقصود أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يستعملون القياس في الأحكام ويعرفونها بالأمثال والأشباه والنظائر ولا يلتفت إلى من يقدح في كل سند من هذه الأسانيد وأثر من هذا الآثار فهذه في تعددها واختلاف وجوهها وطرقها جارية مجرى التواتر المعنوي الذي لا يشك فيه وإن لم يثبت كل فرد من الإخبار به. وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج قال: أخبرني عمرو قال: أخبرني حيي بن يعلى بن أمية أنه سمع أباه يقول وذكر قصة الذي قتلته امرأة أبيه وخليلها أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كتب إلي أن اقتلهما فلو اشترك فيه أهل صنعاء كلهم لقتلتهم قال ابن جريج: فأخبرني عبد الكريم وأبو بكر قالا جميعا: إن عمر كان يشك فيها حتى قال له علي: يا أمير المؤمنين أرأيت لو أن نفرا اشتركوا في سرقة جزور فأخذ هذا عضوا وهذا عضوا أكنت قاطعهم قال: نعم قال: وذلك حين استخرج له الرأي. [بين ابن عباس والخوارج] وقال عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج عمن حدثه عن ابن عباس قال: أرسلني علي إلى الحرورية لأكلمهم فلما قالوا: quot; لا حكم إلا لله quot; قلت: أجل صدقتم لا حكم إلا لله وإن الله حكم في رجل وامرأته وحكم في قتل الصيد فالحكم في رجل وامرأته والصيد أفضل أم الحكم في الأمة يرجع بها ويحقن دماءها ويلم شعثها وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا عكرمة بن عمار ثنا سماك الحنفي قال: سمعت ابن عباس يقول: قال علي: لا تقاتلوهم حتى يخرجوا فإنهم سيخرجون قال: قلت: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة فإني أريد أن أدخل عليهم فأسمع من كلامهم وأكلمهم فقال علي: أخشى عليك منهم قال: وكنت رجلا حسن الخلق لا أوذي أحدا قال: فلبست أحسن ما يكون من اليمنية وترجلت ثم دخلت عليهم وهم قائلون فقالوا لي: ما هذا اللباس فتلوت عليهم القرآن: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق [الأعراف: 32](1\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "161",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "163",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلبس أحسن ما يكون من اليمنية فقالوا لا بأس فما جاء بك فقلت: أتيتكم من عند صاحبي وهو ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وختنه وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالوحي منكم وعليهم نزل القرآن أبلغكم عنهم وأبلغهم عنكم فما الذي نقمتم فقال بعضهم: إن قريشا قوم خصمون قال الله - عز وجل -: بل هم قوم خصمون [الزخرف: 58] . فقال بعضهم: كلموه فانتحى لي رجلان منهم أو ثلاثة فقالوا: إن شئت تكلمت وإن شئت تكلمنا فقلت: بل تكلموا فقالوا: ثلاث نقمناهن عليه جعل الحكم إلى الرجال وقال الله: إن الحكم إلا لله [الأنعام: 57]  فقلت: قد جعل الله الحكم من أمره إلى الرجال في ربع درهم في الأرنب وفي المرأة وزوجها: فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها [النساء: 35]  أفخرجت من هذه قالوا: نعم قالوا: وأخرى محا نفسه أن يكون أمير المؤمنين فإن لم يكن أمير المؤمنين فأمير الكافرين هو فقلت لهم: أرأيتم إن قرأت من كتاب الله عليكم وجئتكم به من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أترجعون قالوا: نعم قلت: قد سمعتم أو أراه قد بلغكم أنه لما كان يوم الحديبية جاء سهيل بن عمرو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي: اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: لو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلي: quot; امح يا علي quot; أفخرجت من هذه قالوا: نعم قال: وأما قولكم قتل ولم يسب ولم يغنم أفتسبون أمكم وتستحلون منها ما تستحلون من غيرها فإن قلتم نعم فقد كفرتم بكتاب الله وخرجتم من الإسلام فأنتم بين ضلالتين وكلما جئتهم بشيء من ذلك أقول: أفخرجت منها: فيقولون: نعم قال: فرجع منهم ألفان وبقي ستة آلاف وله طرق عن ابن عباس وقياسه المذكور من أحسن القياس وأوضحه. وقد أنكر ابن عباس على زيد بن ثابت مخالفته للقياس في مسألة الجد والإخوة فقال: ألا يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابنا ولا جعل أب الأب أبا وهذا محض القياس. ولما خص الصديق أم الأم بالميراث دون أم الأب قال له بعض الأنصار: لقد ورثت امرأة من ميت لو كانت هي الميتة لم يرثها وتركت امرأة لو كانت هي الميتة ورث جميع ما تركت فشرك بينهما. قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال: جاءت جدتان إلى أبي بكر فأعطى الميراث أم الأم دون أم الأب فقال له رجل من الأنصار من بني حارثة يقال له عبد الرحمن بن سهل: يا خليفة رسول الله قد أعطيت الميراث التي لو ماتت لم يرثها فجعل الميراث بينهما.(1\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "162",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "164",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولما شهد أبو بكرة وأصحابه على المغيرة بن شعبة بالحد ولم يكملوا النصاب حدهم عمر قياسا على القاذف ولم يكونوا قذفة بل شهودا وقال عثمان لعمر: إن نتبع رأيك فرأيك أسد وإن نتبع رأي من قبلك فلنعم ذو الرأي كان. وقال علي: اجتمع رأيي ورأي عمر في بيع أمهات الأولاد أن لا يبعن ثم رأيت بيعهن فقال له قاضيه عبيدة السلماني: يا أمير المؤمنين رأيك مع رأي عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك في الفرقة. ولما أرسل عمر إلى المرأة فأسقطت جنينها استشار الصحابة فقال له عبد الرحمن بن عوف وعثمان: إنما أنت مؤدب ولا شيء عليك وقال له علي: أما المأثم فأرجو أن يكون محطوطا عنك وأرى عليك الدية فقاسه عثمان وعبد الرحمن على مؤدب امرأته وغلامه وولده وقاسه علي على قاتل الخطأ فاتبع عمر قياس علي. ولما احتضر الصديق - رضي الله عنه - أوصى بالخلافة إلى عمر - رضي الله عنه - وقاس ولايته لمن بعده إذ هو صاحب الحل والعقد على ولاية المسلمين له إذ كانوا هم أهل الحل والعقد وهذا من أحسن القياس  [اختلاف الصحابة في المرأة المخيرة] [اختلافهم في المرأة المخيرة] وقال علي - كرم الله وجهه -: سألني أمير المؤمنين عمر عن الخيار فقلت: إن اختارت زوجها فهي واحدة وهو أحق بها وإن اختارت نفسها فهي واحدة بائنة فقال: ليس كذلك إن اختارت نفسها فهي واحدة وهو أحق بها وإن اختارت زوجها فلا شيء فاتبعته على ذلك فلما خلص الأمر إلي وعلمت أني أسأل عن الفروج عدت إلى ما كنت أرى فقال له زاذان: لأمر جامعت عليه أمير المؤمنين وتركت رأيك له أحب إلينا من أمر انفردت به فضحك وقال: أما إنه قد أرسل إلى زيد بن ثابت وخالفني وإياه وقال: إن اختارت زوجها فهي واحدة وزوجها أحق بها وإن اختارت نفسها فهي ثلاث وهذا رأي منهم كلهم - رضي الله عنهم - ورأي عمر - رضي الله عنه - أقوى وأصح. وقال عمر لعلي: إني قد رأيت في الجد رأيا فاتبعوني فقال علي - رضي الله عنه -: إن نتبع رأيك فرأيك رشيد وإن نتبع رأي من قبلك فنعم ذو الرأي كان وهل مع زيد بن ثابت في مسائل الجد والإخوة والمعادة والأكدرية نص من القرآن أو سنة أو إجماع إلا مجرد الرأي . ومن ذلك اختلافهم في قول الرجل لامرأته quot; أنت علي حرام quot; فقال شيخا الإسلام وبصرا الدين وسمعه أبو بكر وعمر: هو يمين وتبعهما حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس.(1\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "163",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "165",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال سيف الله علي - كرم الله وجهه - وزيد: هو طلاق ثلاث وقال ابن مسعود: طلقة واحدة وهذا من الاجتهاد والرأي.  [الصحابة فتحوا باب القياس والاجتهاد] فالصحابة - رضي الله عنهم - مثلوا الوقائع بنظائرها وشبهوها بأمثالها وردوا بعضها إلى بعض في أحكامها وفتحوا للعلماء باب الاجتهاد ونهجوا لهم طريقه وبينوا لهم سبيله وهل يستريب عاقل في أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قال لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان  إنما كان ذلك لأن الغضب يشوش عليه قلبه وذهنه ويمنعه من كمال الفهم ويحول بينه وبين استيفاء النظر ويعمي عليه طريق العلم والقصد فمن قصر النهي على الغضب وحده دون الهم المزعج والخوف المقلق والجوع والظمأ الشديد وشغل القلب المانع من الفهم فقد قل فقهه وفهمه والتعويل في الحكم على قصد المتكلم والألفاظ لم تقصد لنفسها وإنما هي مقصودة للمعاني والتوصل بها إلى معرفة مراد المتكلم ومراده يظهر من عموم لفظه تارة ومن عموم المعنى الذي قصده تارة وقد يكون فهمه من المعنى أقوى وقد يكون من اللفظ أقوى وقد يتقاربان كما إذا قال الدليل لغيره: لا تسلك الطريق فإن فيها من يقطع الطريق أو هي معطشة مخوفة علم هو وكل سامع أن قصده أعم من لفظه وأنه أراد نهيه عن كل طريق هذا شأنها فلو خالفه وسلك طريقا أخرى عطب بها حسن لومه ونسب إلى مخالفته ومعصيته ولو قال الطبيب للعليل وعنده لحم ضأن: لا تأكل الضأن فإنه يزيد في مادة المرض لفهم كل عاقل منه أن لحم الإبل والبقر كذلك ولو أكل منهما لعد مخالفا والتحاكم في ذلك إلى فطر الناس وعقولهم ولو من عليه غيره بإحسانه فقال: والله لا أكلت له لقمة ولا شربت له ماء يريد خلاصه من منته عليه ثم قبل منه الدراهم والذهب والثياب والشاة ونحوها لعده العقلاء واقعا فيما هو أعظم مما حلف عليه ومرتكبا لذروة سنامه ولو لامه عاقل على كلامه لمن لا يليق به محادثته من امرأة أو صبي فقال: والله لا كلمته ثم رآه خاليا به يواكله ويشاربه ويعاشره ولا يكلمه لعدوه مرتكبا لأشد مما حلف عليه وأعظمه. وهذا مما فطر الله عليه عباده ولهذا فهمت الأمة من قوله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما [النساء: 10]  جميع وجوه الانتفاع من اللبس والركوب والمسكن وغيرها.  [العمل بالقياس مركوز في فطر الناس] وفهمت من قوله تعالى: فلا تقل لهما أف [الإسراء: 23] إرادة النهي عن جميع(1\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "164",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "166",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنواع الأذى بالقول والفعل وإن لم ترد نصوص أخرى بالنهي عن عموم الأذى فلو بصق رجل في وجه والديه وضربهما بالنعل وقال: إني لم أقل لهما أف لعده الناس في غاية السخافة والحماقة والجهل من مجرد تفريقه بين التأفيف المنهي عنه وبين هذا الفعل قبل أن يبلغه نهي غيره ومنع هذا مكابرة للعقل والفهم والفطرة. فمن عرف مراد المتكلم بدليل من الأدلة وجب اتباع مراده والألفاظ لم تقصد لذواتها وإنما هي أدلة يستدل بها على مراد المتكلم فإذا ظهر مراده ووضح بأي طريق كان عمل بمقتضاه سواء كان بإشارة أو كتابة أو بإيماءة أو دلالة عقلية أو قرينة حالية أو عادة له مطردة لا يخل بها أو من مقتضى كماله وكمال أسمائه وصفاته وأنه يمتنع منه إرادة ما هو معلوم الفساد وترك إرادة ما هو متيقن مصلحته وأنه يستدل على إرادته للنظير بإرادة نظيره ومثله وشبهه وعلى كراهة الشيء بكراهة مثله ونظيره ومشبهه فيقطع العارف به وبحكمته وأوصافه على أنه يريد هذا ويكره هذا ويحب هذا ويبغض هذا. وأنت تجد من له اعتناء شديد بمذهب رجل وأقواله كيف يفهم مراده من تصرفه ومذاهبه ويخبر عنه بأنه يفتي بكذا ويقوله وأنه لا يقول بكذا ولا يذهب إليه لما لا يوجد في كلامه صريحا وجميع أتباع الأئمة مع أئمتهم بهذه المثابة. [العبرة بإرادة التكلم لا بلفظه] وهذا أمر يعم أهل الحق والباطل لا يمكن دفعه فاللفظ الخاص قد ينتقل إلى معنى العموم بالإرادة والعام قد ينتقل إلى الخصوص بالإرادة فإذا دعي إلى غداء فقال: والله لا أتغدى أو قيل له: quot; نم quot; فقال: والله لا أنام أو: quot; اشرب هذا الماء quot; فقال: والله لا أشرب فهذه كلها ألفاظ عامة نقلت إلى معنى الخصوص بإرادة المتكلم التي يقطع السامع عند سماعها بأنه لم يرد النفي العام إلى آخر العمر والألفاظ ليست تعبدية والعارف يقول: ماذا أراد واللفظي يقول: ماذا قال كما كان الذين لا يفقهون إذا خرجوا من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - يقولون: ماذا قال آنفا [محمد: 16]  وقد أنكر الله - سبحانه - عليهم وعلى أمثالهم بقوله: فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا [النساء: 78]  فذم من لم يفقه كلامه والفقه أخص من الفهم وهو فهم مراد المتكلم من كلامه وهذا قدر زائد على مجرد فهم وضع اللفظ في اللغة وبحسب تفاوت مراتب الناس في هذا تتفاوت مراتبهم في الفقه والعلم. وقد كان الصحابة يستدلون على إذن الرب - تعالى - وإباحته بإقراره وعدم إنكاره عليهم(1\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "165",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "167",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في زمن الوحي وهذا استدلال على المراد بغير لفظ بل بما عرف من موجب أسمائه وصفاته وأنه لا يقر على باطل حتى يبينه. وكذلك استدلال الصديقة الكبرى أم المؤمنين خديجة بما عرفته من حكمة الرب - تعالى - وكمال أسمائه وصفاته ورحمته أنه لا يخزي محمدا - صلى الله عليه وسلم - فإنه يصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق وإن من كان بهذه المثابة فإن العزيز الرحيم الذي هو أحكم الحاكمين وإله العالمين لا يخزيه ولا يسلط عليه الشيطان وهذا استدلال منها قبل ثبوت النبوة والرسالة بل استدلال على صحتها وثبوتها في حق من هذا شأنه فهذا معرفة منها بمراد الرب - تعالى - وما يفعله من أسمائه وصفاته وحكمته ورحمته وإحسانه ومجازاته المحسن بإحسانه وأنه لا يضيع أجر المحسنين. وقد كانت الصحابة أفهم الأمة لمراد نبيها وأتبع له وإنما كانوا يدندنون حول معرفة مراده ومقصوده ولم يكن أحد منهم يظهر له مراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم يعدل عنه إلى غيره ألبتة. [بم يعرف مراد المتكلم] والعلم بمراد المتكلم يعرف تارة من عموم لفظه وتارة من عموم علته والحوالة على الأول أوضح لأرباب الألفاظ وعلى الثاني أوضح لأرباب المعاني والفهم والتدبر وقد يعرض لكل من الفريقين ما يخل بمعرفة مراد المتكلم فيعرض لأرباب الألفاظ التقصير بها عن عمومها وهضمها تارة وتحميلها فوق ما أريد بها تارة ويعرض لأرباب المعاني فيها نظير ما يعرض لأرباب الألفاظ فهذه أربع آفات هي منشأ غلط الفريقين. ونحن نذكر بعض الأمثلة لذلك ليعتبر به غيره فنقول: [بعض الأغلاط التي وقع فيها أهل الألفاظ وأهل المعاني] قال الله - تعالى -: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون [المائدة: 90]  فلفظ الخمر عام في كل مسكر فإخراج بعض الأشربة المسكرة عن شمول اسم الخمر لها تقصير به وهضم لعمومه بل الحق ما قاله صاحب الشرع: كل مسكر خمر وإخراج بعض أنواع الميسر عن شمول اسمه لها تقصير أيضا به وهضم لمعناه فما الذي جعل النرد الخالي عن العوض من الميسر وأخرج الشطرنج عنه مع أنه من أظهر أنواع الميسر كما قال غير واحد من السلف إنه ميسر وقال علي - كرم الله وجهه -: هو ميسر العجم. وأما تحميل اللفظ فوق ما يحتمله فكما حمل لفظ قوله تعالى:(1\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "166",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "168",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم [النساء: 29]  وقوله في آية البقرة: إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم [البقرة: 282] مسألة العينة التي هي ربا بحيلة وجعلها من التجارة ولعمر الله إن الربا الصريح تجارة للمرابي وأي تجارة وكما حمل قوله تعالى: فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره [البقرة: 230] على مسألة التحليل وجعل التيس المستعار الملعون على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - داخلا في اسم الزوج وهذا في التجاوز يقابل الأول في التقصير. ولهذا كان معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله أصل العلم وقاعدته وأخيته التي يرجع إليها فلا يخرج شيئا من معاني ألفاظه عنها ولا يدخل فيها ما ليس منها بل يعطيها حقها ويفهم المراد منها. ومن هذا لفظ الأيمان والحلف أخرجت طائفة منه الأيمان الالتزامية التي يلتزم صاحبها بها إيجاب شيء أو تحريمه وأدخلت طائفة فيها التعليق المحض الذي لا يقتضي حضا ولا منعا والأول نقص من المعنى والثاني تحميل له فوق معناه. ومن ذلك لفظ الربا أدخلت فيه طائفة ما لا دليل على تناول اسم الربا له كبيع الشيرج بالسمسم والدبس بالعنب والزيت بالزيتون وكل ما استخرج من ربوي وعمل منه بأصله وإن خرج عن اسمه ومقصوده وحقيقته وهذا لا دليل عليه يوجب المصير إليه لا من كتاب ولا من سنة ولا إجماع ولا ميزان صحيح وأدخلت فيه من مسائل مد عجوة ما هو أبعد شيء عن الربا. وأخرجت طائفة أخرى منه ما هو من الربا الصحيح حقيقة قصدا وشرعا كالحيل الربوية التي هي أعظم مفسدة من الربا الصريح ومفسدة الربا البحت الذي لا يتوصل إليه بالسلاليم أقل بكثير وأخرجت منه طائفة بيع الرطب بالتمر وإن كان كونه من الربا أخفى من كون الحيل الربوية منه فإن التماثل موجود فيه في الحال دون المآل وحقيقة الربا في الحيل الربوية أكمل وأتم منها في العقد الربوي الذي لا حيلة فيه. ومن ذلك لفظ البينة قصرت بها طائفة فأخرجت منه الشاهد واليمين وشهادة العبيد العدول الصادقين المقبولي القول على الله ورسوله وشهادة النساء منفردات في المواضع التي لا يحضرهن فيه الرجال كالأعراس والحمامات وشهادة الزوج في اللعان إذا نكلت المرأة وأيمان المدعين الدم إذا ظهر اللوث ونحو ذلك مما يبين الحق أعظم من بيان الشاهدين وشهادة القاذف وشهادة الأعمى على ما يتيقنه وشهادة أهل الذمة على الوصية في السفر إذا لم يكن هناك مسلم وشهادة الحال في تداعي الزوجين متاع البيت وتداعي النجار والخياط آلتهما ونحو ذلك. وأدخلت فيه طائفة ما ليس منه كشهادة مجهول الحال(1\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "167",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "169",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي لا يعرف بعدالة ولا فسق وشهادة وجوه الأجر ومعاقد القمط ونحو ذلك. والصواب أن كل ما بين الحق فهو بينة ولم يعطل الله ولا رسوله حقا بعدما تبين بطريق من الطرق أصلا بل حكم الله ورسوله الذي لا حكم له سواه أنه متى ظهر الحق ووضح بأي طريق كان وجب تنفيذه ونصره وحرم تعطيله وإبطاله وهذا باب يطول استقصاؤه ويكفي المستبصر التنبيه عليه وإذا فهم هذا في جانب اللفظ فهم نظيره في جانب المعنى سواء.  [القياسون والظاهرية مفرطون] وأصحاب الرأي والقياس حملوا معاني النصوص فوق ما حملها الشارع وأصحاب الألفاظ والظواهر قصروا بمعانيها عن مراده فأولئك قالوا: إذا وقعت قطرة من دم في البحر فالقياس أنه ينجس ونجسوا بها الماء الكثير مع أنه لم يتغير منه شيء ألبتة بتلك القطرة وهؤلاء قالوا: إذا بال جرة من بول وصبها في الماء لم تنجسه وإذا بال في الماء نفسه ولو أدنى شيء نجسه ونجس أصحاب الرأي والمقاييس القناطير المقنطرة ولو كانت ألف ألف قنطار من سمن أو زيت أو شيرج بمثل رأس الإبرة من البول والدم والشعرة الواحدة من الكلب والخنزير عند من ينجس شعرهما. وأصحاب الظواهر والألفاظ عندهم لو وقع الكلب والخنزير بكماله أو أي ميتة كانت في أي ذائب كان من زيت أو شيرج أو خل أو دبس أو ودك غير السمن ألقيت الميتة فقط وكان ذلك المائع حلالا طاهرا كله فإن وقع ما عدا الفأرة في السمن من كلب أو خنزير أو أي نجاسة كانت فهو طاهر حلال ما لم يتغير. ومن ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين يعني في الإحرام فسوى بين يديها ووجهها في النهي عما صنع على قدر العضو ولم يمنعها من تغطية وجهها ولا أمرها بكشفه ألبتة ونساؤه - صلى الله عليه وسلم - أعلم الأمة بهذه المسألة وقد كن يسدلن على وجوههن إذا حاذاهن الركبان فإذا جاوزوهن كشفن وجوههن وروى وكيع عن شعبة عن يزيد الرشك عن معاذة العدوية قالت: سألت عائشة: ما تلبس المحرمة فقالت: لا تنتقب ولا تتلثم وتسدل الثوب على وجهها فجاوزت طائفة ذلك ومنعتها من تغطية وجهها جملة قالوا: وإذا سدلت على وجهها فلا تدع الثوب يمس وجهها فإن مسه افتدت ولا دليل على هذا ألبتة وقياس قول هؤلاء أنها إذا غطت يدها افتدت فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - سوى بينهما في النهي وجعلهما كبدن المحرم فنهى عن لبس القميص والنقاب والقفازين هذا للبدن وهذا للوجه وهذا لليدين ولا يحرم ستر البدن فكيف يحرم ستر الوجه في حق المرأة مع أمر الله لها أن تدني عليها من جلبابها لئلا تعرف ويفتتن بصورتها ولولا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المحرم ولا يخمر رأسه  لجاز تغطيته بغير العمامة.(1\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "168",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "170",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد روى الإمام أحمد عن خمسة من الصحابة عثمان وابن عباس وعبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت وجابر أنهم كانوا يخمرون وجوههم محرمون فإذا كان هذا في حق الرجل وقد أمر بكشف رأسه فالمرأة بطريق الأولى والأحرى. وقصرت طائفة أخرى فلم تمنع المحرمة من البرقع ولا اللثام قالوا: إلا أن يدخلا في اسم النقاب فتمنع منه وعذر هؤلاء أن المرجع إلى ما نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - ودخل في لفظ المنهي عنه فقط والصواب النهي عما دخل في عموم لفظه وعموم معناه وعلته فإن البرقع واللثام وإن لم يسميا نقابا فلا فرق بينهما وبينه بل إذا نهيت عن النقاب فالبرقع واللثام أولى ولذلك منعتها أم المؤمنين من اللثام. ومن ذلك لفظ الفدية أدخل فيها طائفة خلع الحيلة على فعل المحلوف عليه مما هو ضد الفدية إذ المراد بقاء النكاح بالخلاص من الحنث وهي إنما شرعت لزوال النكاح عند الحاجة إلى زواله وأخرجت منه طائفة ما فيه حقيقة الفدية ومعناها واشترطت له لفظا معينا وزعمت أنه لا يكون فدية وخلعا إلا به وأولئك تجاوزوا به وهؤلاء قصروا به والصواب أن كل ما دخله المال فهو فدية بأي لفظ كان والألفاظ لم ترد لذواتها ولا تعبدنا بها وإنما هي وسائل إلى المعاني فلا فرق قط بين أن تقول: quot; اخلعني بألف quot; أو quot; فادني بألف quot; لا حقيقة ولا شرعا ولا لغة ولا عرفا وكلام ابن عباس والإمام أحمد عام في ذلك لم يقيده أحدهما بلفظ ولا استثنى لفظا دون لفظ بل قال ابن عباس: عامة طلاق أهل اليمن الفداء وقال الإمام أحمد: الخلع فرقة وليس بطلاق وقال: الخلع ما كان من جهة النساء وقال: ما أجازه المال فليس بطلاق وقال: إذا خالعا بعد تطليقتين فإن شاء راجعها فتكون معه على واحدة. وقال في رواية أبي طالب: الخلع مثل حديث سهلة إذا كرهت المرأة الرجل وقالت: لا أبر لك قسما ولا أطيع لك أمرا ولا أغتسل لك من جنابة فقد حل له أن يأخذ منها ما أعطاها لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أتردين عليه حديقته  قلت: وقد قال في الحديث: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة  وجعل أحمد ذلك فداء. وقال ابن هانئ: سئل أبو عبد الله عن الخلع: أفسخ أم طلاق هو أم تذهب إلى حديث ابن عباس كان يقول فرقة وليس بطلاق فقال أبو عبد الله: كان ابن عباس يتأول هذه الآية: الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به [البقرة: 229] (1\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "169",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "171",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان ابن عباس يقول: هو فداء قال ابن عباس: ذكر الله الطلاق في أول الآية والفداء في وسطها وذكر الطلاق بعد فالفداء ليس هو بطلاق وإنما هو فداء فجعل ابن عباس وأحمد الفداء فداء لمعناه لا للفظه وهذا هو الصواب فإن الحقائق لا تتغير بتغيير الألفاظ وهذا باب يطول تتبعه. والمقصود أن الواجب فيما علق عليه الشارع الأحكام من الألفاظ والمعاني أن لا يتجاوز بألفاظها ومعانيها ولا يقصر بها ويعطي اللفظ حقه والمعنى حقه وقد مدح الله - تعالى - أهل الاستنباط في كتابه وأخبر أنهم أهل العلم ومعلوم أن الاستنباط إنما هو استنباط المعاني والعلل ونسبة بعضها إلى بعض فيعتبر ما يصح منها بصحة مثله ومشبهه ونظيره ويلغى ما لا يصح هذا الذي يعقله الناس من الاستنباط. قال الجوهري: الاستنباط كالاستخراج ومعلوم أن ذلك قدر زائد على مجرد فهم اللفظ فإن ذلك ليس طريقة الاستنباط إذ موضوعات الألفاظ لا تنال بالاستنباط وإنما تنال به العلل والمعاني والأشباه والنظائر ومقاصد المتكلم والله - سبحانه - ذم من سمع ظاهرا مجردا فأذاعه وأفشاه وحمد من استنبط من أول العلم حقيقته ومعناه. ويوضحه أن الاستنباط استخراج الأمر الذي من شأنه أن يخفى على غير مستنبطه ومنه استنباط الماء من أرض البئر والعين ومن هذا قول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وقد سئل: هل خصكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء دون الناس فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه. ومعلوم أن هذا الفهم قدر زائد على معرفة موضوع اللفظ وعمومه أو خصوصه فإن هذا قدر مشترك بين سائر من يعرف لغة العرب وإنما هذا فهم لوازم المعنى ونظائره ومراد المتكلم بكلامه ومعرفة حدود كلامه بحيث لا يدخل فيها غير المراد ولا يخرج منها شيء من المراد. وأنت إذا تأملت قوله تعالى: إنه لقرآن كريم [الواقعة: 77] في كتاب مكنون [الواقعة: 78] لا يمسه إلا المطهرون [الواقعة: 79]  وجدت الآية من أظهر الأدلة على نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن هذا القرآن جاء من عند الله وأن الذي جاء به روح مطهر فما للأرواح الخبيثة عليه سبيل ووجدت الآية أخت قوله: وما تنزلت به الشياطين [الشعراء: 210] وما ينبغي لهم وما يستطيعون [الشعراء: 211]  ووجدتها دالة بأحسن الدلالة على أنه لا يمس المصحف إلا طاهر ووجدتها دالة أيضا بألطف الدلالة على أنه لا يجد حلاوته وطعمه إلا من آمن به وعمل به كما فهمه(1\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "170",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "172",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البخاري من الآية فقال في صحيحه في باب: قل فأتوا بالتوراة فاتلوها [آل عمران: 93] : quot; لا يمسه quot; لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالقرآن ولا يحمله بحقه إلا المؤمن لقوله تعالى: مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا [الجمعة: 5]  وتجد تحته أيضا أنه لا ينال معانيه ويفهمه كما ينبغي إلا القلوب الطاهرة وأن القلوب النجسة ممنوعة من فهمه مصروفة عنه فتأمل هذا النسب القريب وعقد هذه الأخوة بين هذه المعاني وبين المعنى الظاهر من الآية واستنباط هذه المعاني كلها من الآية بأحسن وجه وأبينه. فهذا من الفهم الذي أشار إليه علي - رضي الله عنه -. وتأمل قوله تعالى لنبيه: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم [الأنفال: 33] كيف يفهم منه أنه إذا كان وجود بدنه وذاته فيهم دفع عنهم العذاب وهم أعداؤه فكيف وجود سره والإيمان به ومحبته ووجود ما جاء به إذا كان في قوم أو كان في شخص  أفليس دفعه العذاب عنهم بطريق الأولى والأحرى . وتأمل قوله تعالى: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم [النساء: 31]  كيف تجد تحته بألطف دلالة وأدقها وأحسنها أنه من اجتنب الشرك جميعه كفرت عنه كبائره وأن نسبة الكبائر إلى الشرك كنسبة الصغائر إلى الكبائر فإذا وقعت الصغائر مكفرة باجتناب الكبائر فالكبائر تقع مكفرة باجتناب الشرك وتجد الحديث الصحيح كأنه مشتق من هذا المعنى وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما يروي عن ربه - تبارك وتعالى -: ابن آدم إنك لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لقيتك بقرابها مغفرة  وقوله: إن الله حرم النار على من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه  بل محو التوحيد الذي هو توحيد الكبائر أعظم من محو اجتناب الكبائر للصغائر. وتأمل قوله تعالى: وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون [الزخرف: 12] لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين [الزخرف: 13] وإنا إلى ربنا لمنقلبون [الزخرف: 14]  كيف نبههم بالسفر الحسي على السفر إليه  وجمع له بين السفرين كما جمع لهم الزادين في قوله: وتزودوا فإن خير الزاد التقوى [البقرة: 197]  فجمع لهم بين زاد سفرهم وزاد معادهم وكما جمع بين اللباسين في قوله: يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون [الأعراف: 26]  فذكر - سبحانه - زينة ظواهرهم وبواطنهم(1\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "171",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "173",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونبههم بالحسي على المعنوي وفهم هذا القدر زائد على فهم مجرد اللفظ ووضعه في أصل اللسان والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله.  [فصل قول نفاة القياس] قد أتينا على ذكر فصول نافعة وأصول جامعة في تقرير القياس والاحتجاج به لعلك لا تظفر بها في غير هذا الكتاب ولا بقريب منها فلنذكر مع ذلك ما قابلها من النصوص والأدلة الدالة على ذم القياس وأنه ليس من الدين وحصول الاستغناء عنه والاكتفاء بالوحيين وها نحن نسوقها مفصلة مبينة بحمد الله. قال الله - تعالى -: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر [النساء: 59]  وأجمع المسلمون على أن الرد إلى الله - سبحانه - هو الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الرد إليه في حضوره وحياته وإلى سنته في غيبته وبعد مماته والقياس ليس بهذا ولا هذا. ولا يقال: الرد إلى القياس هو من الرد إلى الله ورسوله لدلالة كتاب الله وسنة رسوله - عليه السلام - كما تقدم تقريره لأن الله - سبحانه - إنما ردنا إلى كتابه وسنة رسوله ولم يردنا إلى قياس عقولنا وآرائنا قط بل قال - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: وأن احكم بينهم بما أنزل الله [المائدة: 49]  وقال: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله [النساء: 105]  ولم يقل بما رأيت أنت وقال: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون [المائدة: 44]  ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون [المائدة: 45]  ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون [المائدة: 47]  وقال - تعالى -: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم [الأعراف: 3]  وقال - تعالى -: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء [النحل: 89] وقال: أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون [العنكبوت: 51]  وقال: قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي [سبأ: 50]  فلو كان القياس هدى لم ينحصر الهدى في الوحي وقال: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم [النساء: 65]  فنفى الإيمان حتى يوجد تحكيمه وحده وهو تحكيمه في حال حياته وتحكيم سنته فقط بعد وفاته وقال - تعالى -: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله [الحجرات: 1]  أي لا تقولوا حتى يقول.(1\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "172",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "174",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال نفاة القياس: والإخبار عنه بأنه حرم ما سكت عنه أو أوجبه قياسا على ما تكلم بتحريمه أو إيجابه تقدم بين يديه فإنه إذا قال: quot; حرمت عليكم الربا في البر quot; فقلنا: ونحن نقيس على قولك البلوط فهذا محض التقدم. قالوا: وقد حرم - سبحانه - أن نقول عليه ما لا نعلم فإذا فعلنا ذلك فقد واقعنا هذا المحرم يقينا فإنا غير عالمين بأنه أراد من تحريم الربا في الذهب والفضة تحريمه في القديد من اللحوم وهذا قفو منا ما ليس لنا به علم وتعد لما حد لنا quot; ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه quot; والواجب أن نقف عند حدوده ولا نتجاوزها ولا نقصر بها. ولا يقال: فإبطال القياس وتحريمه والنهي عنه تقدم بين يدي الله ورسوله وتحريم لما لم ينص على تحريمه وقفو منكم ما ليس لكم به [علم]  لأنا نقول: الله - سبحانه وتعالى - أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا وأنزل علينا كتابه وأرسل إلينا رسوله يعلمنا الكتاب والحكمة فما علمناه وبينه لنا فهو من الدين وما لم يعلمناه ولا بين لنا أنه من الدين فليس من الدين ضرورة وكل ما ليس من الدين فهو باطل فليس بعد الحق إلا الضلال وقد قال - تعالى -: اليوم أكملت لكم دينكم [المائدة: 3]  فالذي أكمله الله - سبحانه - وبينه وهو ديننا لا دين لنا سواه فأين فيما أكمله لنا quot; قيسوا ما سكت عنه على ما تكلمت بإيجابه أو تحريمه أو إباحته سواء كان الجامع بينهما علة أو دليل علة أو وصفا شبهيا فاستعملوا ذلك كله وانسبوه إلي وإلى رسولي وإلى ديني واحكموا به علي quot;. قالوا: وقد أخبر - سبحانه -: إن الظن لا يغني من الحق شيئا [يونس: 36]  وأخبر رسوله: quot; إن الظن أكذب الحديث quot; ونهى عنه ومن أعظم الظن ظن القياسيين فإنهم ليسوا على يقين أن الله - سبحانه وتعالى - حرم بيع السمسم بالشيرج والحلوى بالعنب والنشا بالبر وإنما هي ظنون مجردة لا تغني من الحق شيئا. قالوا: وإن لم يكن قياس الضراط على quot; السلام عليكم quot; من الظن الذي نهينا عن اتباعه وتحكيمه وأخبرنا أنه لا يغني من الحق شيئا فليس في الدنيا ظن باطل فأين الضراط من quot; السلام عليكم quot; وإن لم يكن قياس الماء الذي لاقى الأعضاء الطاهرة الطيبة عند الله في إزالة الحدث على الماء الذي لاقى أخبث العذرات والميتات والنجاسات ظنا فلا ندري ما الظن الذي حرم الله - سبحانه - القول به وذمه في كتابه وسلخه من الحق وإن لم يكن قياس أعداء الله ورسوله من عباد الصلبان واليهود الذي هم أشد الناس عداوة للمؤمنين على(1\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "173",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "175",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أوليائه وخيار خلقه وسادات الأمة وعلمائها وصلحائها في تكافؤ دمائهم وجريان القصاص بينهم فليس في الدنيا ظن يذم اتباعه. قالوا: ومن العجب أنكم قستم أعداء الله على أوليائه في جريان القصاص بينهم فقتلتم ألف ولي لله قتلوا نصرانيا واحدا يجاهرهم بسب الله ورسوله وكتابه علانية ولم تقيسوا من ضرب رأس رجل بدبوس فنثر دماغه بين يديه على من طعنه بمسلة فقتله. قالوا: وسنبين لكم من تناقض أقيستكم واختلافها وشدة اضطرابها ما يبين أنها من عند غير الله. قالوا: والله - تعالى - لم يكل بيان شريعته إلى آرائنا وأقيستنا واستنباطنا وإنما وكلها إلى رسوله المبين عنه فما بينه عنه وجب اتباعه وما لم يبينه فليس من الدين ونحن نناشدكم الله: هل اعتمادكم في هذه الأقيسة الشبهية والأوصاف الحدسية التخمينية على بيان الرسول أم على آراء الرجال وظنونهم وحدسهم قال الله - تعالى -: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل: 44]  فأين بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أني إذا حرمت شيئا أو أوجبته أو أبحته فاستخرجوا وصفا ما شبهيا جامعا بين ذلك وبين جميع ما سكت عنه فألحقوه به وقيسوا عليه. قالوا: والله - تعالى - قد نهى عن ضرب الأمثال له فكما لا تضرب له الأمثال لا تضرب لدينه وتمثيل ما لم ينص على حكمه بما نص عليه لشبه ما ضرب الأمثال لدينه وهذا بخلاف ما ضربه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأمثال في كثير من الأحكام التي سأل عنها كما أمرهم بقضاء الصلاة التي ناموا عنها فقالوا: ألا نصليها لوقتها من الغد فقال: أينهاكم عن الربا ويقبله منكم  وكما قال لعمر وقد سأله عن القبلة للصائم أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته  وكما قال لمن سألته عن الحج عن أبيها أرأيت لو كان على أبيك دين  وكما قال لمن سأله: هل يثاب على وطء زوجته أرأيتم لو وضعها في الحرام .  [من الأمثال التي ضربها الله ورسوله] ومن أحسن هذه الأمثال وأبلغها وأعظمها تقريبا إلى الأفهام ما رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث الحارث الأشعري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الله - سبحانه - أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات ليعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها وإنه كاد أن يبطئ بها فقال عيسى: إن الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها فإما أن تأمرهم وإما أن آمرهم فقال يحيى: أخشى إن سبقتني أن يخسف بي أو أعذب(1\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "174",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "176",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فجمع الناس في بيت المقدس فامتلأ المسجد وقعدوا على الشرف فقال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن: أولاهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وإن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق. فقال: هذه داري وهذا عملي فاعمل وأد إلي فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك وإن الله أمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت وأمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك وكلهم يعجبه ريحها وإن ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وأمركم بالصدقة فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فأوثقوا يديه إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال: أنا أفتدي منكم بكل قليل وكثير ففدى نفسه منهم وأمركم أن تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعا حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام عن عنقه إلا أن يراجع. ومن ادعى دعوى الجاهلية فإنه من جثاء جهنم قالوا: يا رسول الله وإن صلى وإن صام فقال: وإن صلى وإن صام فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله  حديث صحيح. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه خمس مرات هل يبقى من درنه شيء قالوا: لا قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحوا الله بهن الخطايا ومثل - صلى الله عليه وسلم - المؤمن القارئ للقرآن بالأترجة في طيب الطعم والريح وضده بالحنظلة والمؤمن الذي لا يقرأ بالتمرة في طيب الطعم وعدم الريح والفاجر القارئ بالريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المؤمن بالخامة من الزرع لا تزال الرياح تميلها ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء ومثل المنافق بشجرة الأرز - وهي الصنوبرة - لا تهتز ولا تميل حتى تقطع مرة واحدة ومثل المؤمن بالنخلة في كثرة خيرها ومنافعها وحاجة الناس إليها وانتيابهم لها لمنافعهم بها وشبه أمته بالمطر في نفع أوله وآخره وحياة الوجود به ومثل أمته والأمتين الكتابيتين قبلها فيما خص الله به أمته وأكرمها به بأجراء عملوا بأجر مسمى لرجل يوما على أن يوفيهم أجورهم فلم يكملوا بقية يومهم وتركوا العمل من أثناء النهار فعملت أمته بقية النهار فاستكملوا أجر الفريقين وضرب له ولأمته جبريل وميكائيل مثل ملك اتخذ دارا ثم ابتنى فيها بيتا ثم جعل مائدة ثم بعث رسولا(1\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "175",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "177",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يدعو الناس إلى طعامه فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه فالله هو الملك والرسول محمد الداعي والدار الإسلام والبيت الجنة فمن أجابه دخل الإسلام ومن دخل الإسلام دخل دار الملك وأكل منها ومن لم يجبه لم يدخل داره ولم يأكل منها .  وفي المسند والترمذي من حديث النواس بن سمعان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الله ضرب مثلا صراطا مستقيما على كنفي الصراط سوران لهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تعرجوا وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه فالصراط الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله فلا يقع أحد في حد من حدود الله حتى يكشف الستر والداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم فليتأمل العارف قدر هذا المثل وليتدبره حق تدبره ويزن به نفسه وينظر أين هو منه  وبالله التوفيق. وقال: مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بني دارا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها ويقولون لولا موضع تلك اللبنة فكنت أنا موضع تلك اللبنة  رواه مسلم. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد عنه - صلى الله عليه وسلم -: إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا فجعل الدواب والفراش يقعن فيها فأنا آخذ بحجزكم من النار وأنتم تقتحمون فيها. ومثل من وقع في الشبهات بالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه . وقال الحافظ أبو محمد بن خلاد الرامهرمزي: حدثنا أبو سعيد الحراني ثنا يحيى بن عبد الله البابلتي ثنا صفوان بن عمرو قال: ثني سليم بن عامر قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: نصرت بالرعب مسيرة شهر وأوتيت جوامع الكلم وأوتيت الحكمة وضرب لي من الأمثال مثل القرآن وإني بينا أنا نائم إذ أتاني ملكان فقام أحدهما عند رأسي وقام الآخر عند رجلي فقال للذي عند رأسي: اضرب مثلا وأنا أفسره فقال الذي عند رأسي وأهوى إلي: لتنم عينك ولتسمع أذنك وليع قلبك قال: فكنت كذلك أما الأذن فتسمع وأما القلب فيعي وأما العين فتنام قال: فضرب مثلا فقال: بركة فيها شجرة ثابتة وفي الشجرة غصن خارج فجاء ضارب فضرب الشجرة فوقع الغصن ووقع معه ورق كثير كل ذلك في البركة لم يعدها ثم ضرب الثانية فوقع ورق كثير كل ذلك في البركة لم يعدها ثم ضرب الثالثة فوقع ورق كثير لا أدري ما وقع فيها أكثر أو ما خرج منها قال: ففسر الذي عند رجلي فقال: أما البركة فهي الجنة وأما الشجرة فهي الأمة وأما الغصن فهو النبي - صلى الله عليه وسلم - وأما الضارب فملك الموت: ضرب الضربة الأولى في القرن(1\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "176",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "178",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأول فوقع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأهل طبقته وضرب الثانية في القرن الثاني فوقع كل ذلك في الجنة ثم ضرب الثالثة في القرن الثالث فلا أدري ما وقع فيها أكثر أم ما خرج منها . وفي المسند من حديث جابر: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه نذير جيش يقول صبحكم ومساكم ثم يقول: بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين أصبعه السبابة والوسطى . وفي حديث المستورد بعثت في نفس الساعة سبقتها كما سبقت هذه هذه وأشار بأصبعيه  وفي المسند عنه  إن مثلي ومثل ما بعثني الله كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني وأنا النذير العريان فالنجاء فأطاعه طائفة منهم فأدلجوا على مهلهم فنجوا وكذبته طائفة فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم وكذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق وفي الصحيحين عنه: مثلي ومثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وزرعوا وسقوا وأصاب طائفة أخرى منها إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به . وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه خطب الناس فقال: والله ما الفقر أخشى عليكم وإنما أخشى عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا فقال رجل: يا رسول الله أو يأتي الخير بالشر فصمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: كيف قلت فقال: يا رسول الله أو يأتي الخير بالشر فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الخير لا يأتي إلا بالخير وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم إلا آكلة الخضر أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت فثلطت وبالت ثم اجترت وعادت فأكلت فمن أخذ مالا بحقه يبارك له فيه ومن أخذ مالا بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع . وقالت ميمونة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن العاص: الدنيا خضرة حلوة فمن اتقى الله فيها وأصلح وإلا فهو كالذي يأكل ولا يشبع وبين الناس في ذلك كبعد الكوكبين أحدهما يطلع في المشرق والآخر يغيب في المغرب ومثل نفسه - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا براكب مر بأرض فلاة فرأى شجرة فاستظل تحتها ثم راح وتركها . وفي المسند والترمذي عنه ما الدنيا في الآخرة إلا كما يضع أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع  ومر مع الصحابة بسخلة منبوذة فقال: أترون هذه هانت على أهلها فوالذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها . وقال: إنما مثلي ومثلكم ومثل الدنيا كمثل قوم(1\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "177",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "179",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سلكوا مفازة غبراء لا يدرون ما قطعوا منها أكثر أو ما بقي منها فحسرت ظهورهم ونفد زادهم وسقطوا بين ظهري المفازة فأيقنوا بالهلكة فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم رجل في حلة يقطر رأسه فقالوا: إن هذا لحديث عهد بريف فانتهى إليهم فقال: يا هؤلاء ما شأنكم فقالوا: ما ترى كيف حسرت ظهورنا ونفذت أزوادنا بين ظهري هذه المفازة لا ندري ما قطعنا منها أكثر أم ما بقي فقال: ما تجعلون لي إن أوردتكم ماء رواء ورياضا خضرا قالوا: حكمك قال: تعطوني عهودكم ومواثيقكم ألا تعصوني ففعلوا فمال بهم فأوردهم ماء رواء ورياضا خضرا فمكث يسيرا ثم قال: هلموا إلى رياض أعشب من رياضكم هذه وماء أروى من مائكم هذا فقال جل القوم: ما قدرنا على هذا حتى كدنا أن لا نقدر عليه وقالت طائفة منهم: ألستم قد جعلتم هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم أن لا تعصوه فقد صدقكم في أول حديثه فآخر حديثه مثل أوله فراح وراحوا معه فأوردهم رياضا خضرا وماء رواء وأتى الآخرين العدو من ليلتهم فأصبحوا ما بين قتيل وأسير  وقال: مثل المؤمن كمثل النخلة أكلت طيبا ووضعت طيبا وإن مثل المؤمن كمثل القطعة الجيدة من الذهب أدخلت في النار فنفخ عليها فخرجت جيدة . وروى ليث عن مجاهد عن ابن عمر يرفعه: مثل المؤمن مثل النخلة - أو النحلة - إن شاورته نفعك وإن ماشيته نفعك وإن شاركته نفعك  وقال: مثل المؤمن والإيمان كمثل الفرس في آخيته يجول ما يجول ثم يرجع إلى أخيته وكذلك المؤمن يفترق ما يفترق ثم يرجع إلى الإيمان  وقال: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى شيء منه تداعى سائره بالسهر والحمى  وقال: مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تكر إلى هذه مرة وإلى هذه مرة  وقال: مثل القرآن كمثل الإبل المعقلة إن تعهد صاحبها عقلها أمسكها وإن أغفلها ذهبت وإذا قام صاحب القرآن به ذكره وإذا لم يقم به نسيه  وقال موسى بن عبيدة عن ماعز بن سويد العرجي عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: مثل المؤمن الذي لا يتم صلاته مثل المرأة التي حملت حتى إذا دنا نفاسها أسقطت فلا حامل ولا ذات رضاع ومثل المصلي كمثل التاجر لا يخلص له الربح حتى يخلص له رأس المال وكذلك المصلي لا يقبل الله له نافلة حتى يؤدي الفريضة . وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أوس بن خالد عن أبي هريرة يرفعه(1\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "178",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "180",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مثل الذي يسمع الحكمة ولا يحمل إلا شرها كمثل رجل أتى راعيا فقال: آجرني شاة من غنمك فقال: انطلق فخذ بأذن شاة منها فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم  وقال عبد الله بن المبارك: ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثني أبو هريرة قال: سمعت معاوية يقول على هذا المنبر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إنما بقي من الدنيا بلاء وفتنة وإنما مثل عمل أحدكم كمثل الوعاء إذا طاب أعلاه طاب أسفله وإذا خبث أعلاه خبث أسفله . وفي المسند من حديث عبد الله بن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن رجلا كان فيمن كان قبلكم استضاف قوما فأضافوه ولهم كلبة تنبح قال: فقالت الكلبة: والله لا أنبح ضيف أهلي الليلة قال: فعوى جراؤها في بطنها فبلغ ذلك نبيا لهم أو قيلا لهم فقال: مثل هذه مثل أمة تكون بعدكم يقهر سفهاؤها حكماءها ويغلب سفهاؤها علماءها . وفي صحيح البخاري من حديث النعمان بن بشير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن هم تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا . وفي المعجم الكبير عنه من حديث سهل بن سعد قال: إياكم ومحقرات الذنوب فإن مثل ذلك كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء هذا بعود وهذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه  وفي المسند من حديث أبي بن كعب يرفعه إن مطعم بن آدم ضرب مثلا للدنيا فانظر ما يخرج من ابن آدم وإن فرخه وملحه قد علم إلى ما يصير . وقال أبو محمد بن خلاد: ثنا عبد الله بن أحمد بن معدان ثنا يوسف بن مسلم المصيصي ثنا حجاج الأعور عن أبي بكر الهذلي عن الحسن عن أبي بن كعب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إني ضربت للدنيا مثلا ولابن آدم عند الموت مثله مثل رجل له ثلاثة أخلاء فلما حضره الموت قال لأحدهم: إنك كنت لي خليلا وكنت أبر الثلاثة عندي وقد نزل بي من أمر الله ما ترى فماذا عندك قال: يقول: وماذا عندي وهذا أمر الله قد غلبني ولا أستطيع أن أنفس كربتك ولا أفرج غمك ولا أؤخر ساعتك ولكن ها أنا ذا بين يديك فخذني زادا تذهب به معك فإنه ينفعك قال: ثم دعا الثاني فقال: إنك كنت لي خليلا وكنت أبر الثلاثة عندي وقد نزل بي من أمر الله ما ترى فماذا عندك قال: يقول: وماذا عندي وهذا أمر الله غلبني ولا أستطيع أن أنفس كربتك ولا أفرج غمك ولا أؤخر ساعتك ولكن سأقوم عليك في مرضك فإذا مت أنقيت غسلك وجددت كسوتك وسترت جسدك وعورتك قال: ثم دعا الثالث فقال: قد نزل(1\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "179",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "181",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بي من أمر الله ما ترى وكنت أهون الثلاثة علي وكنت لك مضيعا وفيك زاهدا فما عندك قال: عندي أبي قرينك وحليفك في الدنيا والآخرة أدخل معك قبرك حين تدخله وأخرج منه حين تخرج منه ولا أفارقك أبدا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: هذا ماله وأهله وعمله أما الأول الذي قال خذني زادا فماله والثاني أهله والثالث عمله . وقد رواه أيضا بسياق آخر من حديث أبي أيضا ولفظه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوما لأصحابه أتدرون ما مثل أحدكم ومثل ماله وأهله وعمله قالوا: الله ورسوله أعلم فقال: إنما مثل أحدكم ومثل أهله وماله وعمله كمثل رجل له ثلاثة إخوة فلما حضرته الوفاة دعا بعض إخوته فقال: إنه قد نزل بي من الأمر ما ترى فمالي عندك وما لديك فقال: لك عندي أن أمرضك ولا أزايلك وأن أقوم بشأنك فإذا مت غسلتك وكفنتك وحملتك مع الحاملين أحملك طورا وأميط عنك طورا فإذا رجعت أثنيت عليك بخير هنا عند من يسألني عنك هذا أخوه الذي هو أهله فما ترونه قالوا: لا نسمع طائلا يا رسول الله ثم يقول للأخ الآخر: أترى ما قد نزل بي فمالي لديك ومالي عندك فيقول: ليس عندي غناء إلا وأنت في الأحياء فإذا مت ذهب بك مذهب وذهب بي مذهب هذا أخوه الذي هو ماله كيف ترونه قالوا: لا نسمع طائلا يا رسول الله ثم يقول لأخيه الآخر: أترى ما قد نزل بي وما رد علي أهلي ومالي فمالي عندك وما لي لديك فيقول: أنا صاحبك في لحدك وأنيسك في وحشتك وأقعد يوم الوزن في ميزانك فأثقل ميزانك. هذا أخوه الذي هو عمله كيف ترونه قالوا: خير أخ وخير صاحب يا رسول الله قال: فإن الأمر هكذا . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مثل الجليس الصالح مثل صاحب المسك إما أن يحذيك وإما أن يبيعك وإما أن تجد منه ريحا طيبة ومثل جليس السوء كمثل صاحب الكير إن لم يصبك من شرره أصابك من ريحه  وفي الصحيح عنه أنه قال: مثل المنفق والبخيل مثل رجلين عليهما جبتان - أو جنتان - من حديد من لدن ثديهما إلى تراقيهما فإذا أراد المنفق أن ينفق سبغت عليه حتى يجر بنانه ويعفو أثره وإذا أراد البخيل أن ينفق قلصت ولزمت كل حلقة موضعها فهو يوسعها ولا تتسع  وقال: مثل الذين يغزون من أمتي ويتعجلون أجورهم كمثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها .  [فصل فائدة ضرب الأمثال] قالوا: فهذه وأمثالها من الأمثال التي ضربها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتقريب المراد وتفهيم المعنى وإيصاله إلى ذهن السامع وإحضاره في نفسه بصورة المثال الذي مثل به فإنه قد(1\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "180",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "182",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكون أقرب إلى تعقله وفهمه وضبطه واستحضاره له باستحضار نظيره فإن النفس تأنس بالنظائر والأشباه الأنس التام وتنفر من الغربة والوحدة وعدم النظير ففي الأمثال من تأنيس النفس وسرعة قبولها وانقيادها لما ضرب لها مثله من الحق أمر لا يجحده أحد ولا ينكره وكلما ظهرت لها الأمثال ازداد المعنى ظهورا ووضوحا فالأمثال شواهد المعنى المراد ومزكية له فهي كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه [الفتح: 29]  وهي خاصة العقل ولبه وثمرته. [فرق بين الأمثال المضروبة من الله ورسوله وبين القياس] ولكن أين في الأمثال التي ضربها الله ورسوله على هذا الوجه فهمنا أن الصداق لا يكون أقل من ثلاثة دراهم أو عشرة قياسا وتمثيلا على أقل ما يقطع فيه السارق هذا بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالأمثال المضروبة للفهم كما قال إمام الحديث محمد بن إسماعيل البخاري في جامعه الصحيح: باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين قد بين الله حكمهما ليفهم السامع فنحن لا ننكر هذه الأمثال التي ضربها الله ورسوله ولا نجهل ما أريد بها وإنما ننكر أن يستفاد وجوب الدم على من قطع من جسده أو رأسه ثلاث شعرات أو أربع من قوله تعالى: ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك [البقرة: 196]  وأن الآية تدل على ذلك وأن قوله - صلى الله عليه وسلم - في صدقة الفطر: صاع من تمر أو صاع من شعير أو صاع من أقط أو صاع من بر أو صاع من زبيب  يفهم منه أنه لو أعطى صاعا من إهليلج جاز وأنه يدل على ذلك بطريق التمثيل والاعتبار وأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: الولد للفراش  يستفاد منه ومن دلالته أنه لو قال له الولي بحضرة الحاكم: زوجتك ابنتي - وهو بأقصى الشرق وهي بأقصى الغرب - فقال: قبلت هذا التزويج وهي طالق ثلاثا ثم جاءت بعد ذلك بولد لأكثر من ستة أشهر أنه ابنه وقد صارت فراشا بمجرد قوله: quot; قبلت هذا التزويج quot; ومع هذا لو كانت له سرية يطؤها ليلا ونهارا لم تكن فراشا له ولو أتت بولد لم يلحقه نسبه إلا أن يدعيه ويستلحقه فإن لم يستلحقه فليس بولده. وأين يفهم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: إن في قتل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل  أنه لو ضربه بحجر المنجنيق أو بكور الحداد أو بمرازب الحديد العظام حتى خلط دماغه بلحمه وعظمه أن هذا خطأ شبه عمد لا يوجب قودا وأين يفهم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن يكن له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة  أن من عقد على أمه أو ابنته أو أخته ووطئها فلا حد عليه وأن هذا مفهوم من قوله: ادرءوا الحدود(1\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "181",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "183",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالشبهات  فهذا في معنى الشبهة التي تدرأ بها الحدود وهي الشبهة في المحل أو في الفاعل أو في الاعتقاد ولو عرض هذا على فهم من فرض من العالمين لم يفهمه من هذا اللفظ بوجه من الوجوه وأن من يطأ خالته أو عمته بملك اليمين فلا حد عليه مع علمه بأنها خالته أو عمته وتحريم الله لذلك ويفهم هذا من  ادرءوا الحدود بالشبهات  وأضعاف أضعاف هذا مما لا يكاد ينحصر. فهذا التمثيل والتشبيه هو الذي ننكره وننكر أن يكون في كلام الله ورسوله دلالة على فهمه بوجه ما. قالوا: ومن أين يفهم من قوله تعالى: وإن لكم في الأنعام لعبرة [النحل: 66]  ومن قوله: فاعتبروا [الحشر: 2]  تحريم بيع الكشك باللبن وبيع الخل بالعنب ونحو ذلك . قالوا: وقد قال - تعالى -: وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله [الشورى: 10]  ولم يقل quot; إلى قياساتكم وآرائكم quot; ولم يجعل الله أراء الرجال وأقيستها حاكمة بين الأمة أبدا. وقالوا: وقد قال - تعالى -: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم [الأحزاب: 36]  فإنما منعهم من الخيرة عند حكمه وحكم رسوله لا عند آراء الرجال وأقيستهم وظنونهم وقد أمر - سبحانه - رسوله باتباع ما أوحاه إليه خاصة وقال: إن أتبع إلا ما يوحى إلي [الأنعام: 50]  وقال: وأن احكم بينهم بما أنزل الله [المائدة: 49]  وقال - تعالى -: أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله [الشورى: 21]  قالوا: فدل هذا النص على أن ما لم يأذن به الله من الدين فهو شرع غيره الباطل. قالوا: وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ربه - تبارك وتعالى - أن كل ما سكت عن إيجابه أو تحريمه فهو عفو عفا عنه لعباده يباح إباحة العفو فلا يجوز تحريمه ولا إيجابه قياسا على ما أوجبه أو حرمه بجامع بينهما فإن ذلك يستلزم رفع هذا القسم بالكلية وإلغاءه إذ المسكوت عنه لا بد أن يكون بينه وبين المحرم شبه ووصف جامع أو بينه وبين الواجب فلو جاز إلحاقه به لم يكن هناك قسم قد عفي عنه ولم يكن ما سكت عنه قد عفا عنه بل يكون ما سكت عنه قد حرمه قياسا على ما حرمه وهذا لا سبيل إلى دفعه وحينئذ فيكون تحريم ما سكت عنه تبديلا لحكمه وقد ذم - تعالى - من بدل غير القول الذي أمر به فمن بدل غير الحكم(1\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "182",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "184",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي شرع له فهو أولى بالذم وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن من أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم على الناس من أجل مسألته فإذا كان هذا فيمن تسبب إلى تحريم الشارع صريحا بمسألته عن حكم ما سكت عنه فكيف بمن حرم السكوت عنه بقياسه وبرأيه . يوضحه أن المسكوت عنه لما كان عفوا عفا الله لعباده عنه وكان البحث عنه سببا لتحريم الله إياه لما فيه من مقتضى التحريم لا لمجرد السؤال عن حكمه وكان الله قد عفا عن ذلك وسامح به عباده كما يعفو عما فيه مفسدة من أعمالهم وأقوالهم فمن المعلوم أن سكوته عن ذكر لفظ عام يحرمه يدل على أنه عفو عنه فمن حرمه بسؤاله عن علة التحريم وقياسه على المحرم بالنص كان أدخل في الذم ممن سأله عن حكمه لحاجته إليه فحرم من أجل مسألته بل كان الواجب عليه أن لا يبحث عنه ولا يسأل عن حكمه اكتفاء بسكوت الله عن عفوه عنه فهكذا الواجب عليه أن لا يحرم المسكوت عنه بغير النص الذي حرم الله أصله الذي يلحق به. قالوا: وقد دل على هذا كتاب الله حيث يقول: يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم [المائدة: 101] قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين [المائدة: 102]  وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح  ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم  فأمرهم أن يتركوه من السؤال ما تركهم ولا فرق في هذا بين حياته وبعد مماته فنحن مأمورون أن نتركه - صلى الله عليه وسلم - وما نص عليه فلا نقول له: لم حرمت كذا لنلحق به ما سكت عنه بل هذا أبلغ في المعصية من أن نسأله عن حكم شيء لم يحكم فيه فتأمله فإنه واضح. ويدل عليه قوله في نفس الحديث وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم  فجعل الأمور ثلاثة لا رابع لها: مأمور به فالفرض عليهم فعله بحسب الاستطاعة ومنهي عنه فالفرض عليهم اجتنابه بالكلية ومسكوت عنه فلا يتعرض للسؤال والتفتيش عنه. وهذا حكم لا يختص بحياته فقط ولا يخص الصحابة دون من بعدهم بل فرض علينا نحن امتثال أمره بحسب الاستطاعة واجتناب نهيه وترك البحث والتفتيش عما سكت عنه وليس ذلك الترك جهلا وتجهيلا لحكمه بل إثبات لحكم العفو(1\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "183",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "185",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو الإباحة العامة ورفع الحرج عن فاعله فقد استوعب الحديث أقسام الدين كلها فإنها إما واجب وإما حرام وإما مباح والمكروه والمستحب فرعان على هذه الثلاثة غير خارجين عن المباح وقد قال - تعالى -: فإذا قرأناه فاتبع قرآنه [القيامة: 18] ثم إن علينا بيانه [القيامة: 19]  فوكل بيانه إليه - سبحانه - لا إلى القياسين والأرائيين وقال - تعالى -: قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون [يونس: 59]  فقسم الحكم إلى قسمين: قسم أذن فيه وهو الحق وقسم افتري عليه وهو ما لم يأذن فيه فأين أذن لنا أن نقيس البلوط على التمر في جريان الربا فيه وأن نقيس القصدير على الذهب والفضة والخردل على البر فإن كان الله ورسوله وصانا بهذا فسمعا وطاعة لله ورسوله وإلا فإنا قائلون لمنازعينا: أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا [الأنعام: 144] فما لم تأتنا به وصية من عند الله على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - فهو عين الباطل وقد أمرنا الله برد ما تنازعنا فيه إليه وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - فلم يبح لنا قط أن نرد ذلك إلى رأي ولا قياس ولا تقليد إمام ولا منام ولا كشوف ولا إلهام ولا حديث قلب ولا استحسان ولا معقول ولا شريعة الديوان ولا سياسة الملوك ولا عوائد الناس التي ليس على شرائع المسلمين أضر منها فكل هذه طواغيت من تحاكم إليها أو دعا منازعه إلى التحاكم إليها فقد حاكم إلى الطاغوت. وقال - تعالى -: فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون [النحل: 74]  قالوا: ومن تأمل هذه الآية حق التأمل تبين له أنها نص على إبطال القياس وتحريمه لأن القياس كله ضرب الأمثال للدين وتمثيل ما لا نص فيه بما فيه نص ومن مثل ما لم ينص الله على تحريمه أو إيجابه بما حرمه أو أوجبه فقد ضرب لله الأمثال ولو علم - سبحانه - أن الذي سكت عنه مثل الذي نص عليه لأعلمنا به ولما أغفله - سبحانه - وما كان ربك نسيا [مريم: 64]  وليبين لنا ما نتقي كما أخبر عن نفسه بذلك إذ يقول - سبحانه -: وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون [التوبة: 115] ولما وكله إلى آرائنا ومقاييسنا التي ينقض بعضها بعضا فهذا يقيس ما يذهب إليه على ما يزعم أنه نظيره فيجيء منازعه فيقيس ضد قياسه من كل وجه ويبدي من الوصف الجامع مثل ما أبداه منازعوه أو أظهر منه ومحال أن يكون القياسان معا من عند الله وليس أحدهما أولى من الآخر فليسا من عنده وهذا وحده كاف في إبطال القياس. وقد قال - تعالى -: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم [إبراهيم: 4]  وقال: لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل: 44]  فكل ما بينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعن ربه - سبحانه - بينه بأمره وإذنه وقد علمنا يقينا وقوع كل اسم في اللغة على مسماه فيها وأن(1\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "184",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "186",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اسم البر لا يتناول الخردل واسم التمر لا يتناول البلوط واسم الذهب والفضة لا يتناول القصدير وأن تقدير نصاب السرقة لا يدخل فيه تقدير المهر وأن تحريم أكل الميتة لا يدل على أن المؤمن الطيب عند الله حيا وميتا إذا مات صار نجسا خبيثا وأن هذا عن البيان الذي ولاه الله رسوله وبعثه به أبعد شيء وأشده منافاة له فليس هو مما بعث به الرسول قطعا فليس إذا من الدين. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -  ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم  ولو كان الرأي والقياس خيرا لهم لدلهم عليه وأرشدهم إليه ولقال لهم: إذا أوجبت عليكم شيئا أو حرمته فقيسوا عليه ما كان بينه وبينه وصف جامع أو ما أشبهه أو قال ما يدل على ذلك أو يستلزمه ولما حذرهم من ذلك أشد الحذر كما ستقف عليه - إن شاء الله - وقد أحكم اللسان كل اسم على مسماه لا على غيره وإنما بعث الله سبحانه محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالعربية التي يفهمها العرب من لسانها فإذا نص سبحانه في كتابه أو نص رسوله على اسم من الأسماء وعلق عليه حكما من الأحكام وجب ألا يوقع ذلك الحكم إلا على ما اقتضاه ذلك الاسم ولا يتعدى به الوضع الذي وضعه الله ورسوله فيه ولا يخرج عن ذلك الحكم شيء مما يقتضيه الاسم فالزيادة على ذلك زيادة في الدين والنقص منه نقص في الدين فالأول القياس والثاني التخصيص الباطل وكلاهما ليس من الدين ومن لم يقف مع النصوص فإنه تارة يزيد في النص ما ليس منه ويقول: هذا قياس ومرة ينقص منه بعض ما يقتضيه ويخرجه عن حكمه ويقول: هذا تخصيص ومرة يترك النص جملة ويقول: ليس العمل عليه أو يقول: هذا خلاف القياس أو خلاف الأصول. قالوا: ولو كان القياس من الدين لكان أهله أتبع الناس للأحاديث وكان كلما توغل فيه الرجل [فيه] كان أشد اتباعا للأحاديث والآثار. قالوا: ونحن نرى أن كلما اشتد توغل الرجل فيه اشتدت مخالفته للسنن ولا نرى خلاف السنن والأثار إلا عند أصحاب الرأي والقياس فلله كم من سنة صحيحة صريحة قد عطلت به  وكم من أثر درس حكمه بسببه فالسنن والآثار عند والأرائيين والقياسيين خاوية على عروشها معطلة أحكامها معزولة عن سلطانها وولايتها لها الاسم ولغيرها الحكم منها السكة والخطبة ولغيرها الأمر والنهي وإلا فلماذا ترك حديث العرايا وحديث قسم الابتداء وأن للزوجة حق العقد سبع ليال إن كانت بكرا وثلاثا إن كانت ثيبا ثم يقسم بالسوية وحديث تغريب الزاني غير المحصن. وحديث الاشتراط في الحج وجواز التحلل(1\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "185",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "187",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالشرط وحديث المسح على الجوربين وحديث عمران بن حصين وأبي هريرة في أن كلام الناسي والجاهل لا يبطل الصلاة وحديث دفع اللقطة إلى من جاء فوصف وعاءها ووكاءها وعفاصها وحديث المصراة وحديث القرعة بين العبيد إذا أعتقوا في المرض ولم يحملهم الثلث وحديث خيار المجلس وحديث إتمام الصوم لمن أكل ناسيا وحديث إتمام صلاة الصبح لمن طلعت عليه الشمس وقد صلى منها ركعة وحديث الصوم عن الميت وحديث الحج عن المريض المأيوس من برئه وحديث الحكم بالقافة. وحديث من وجد متاعه عند رجل قد أفلس وحديث النهي عن بيع الرطب بالتمر وحديث بيع المدبر وحديث القضاء بالشاهد مع اليمين وحديث الولد للفراش إذا كان من أمة وهو سبب الحديث وحديث تخيير الغلام بين أبويه إذا افترقا وحديث قطع السارق في ربع دينار وحديث رجم الكتابيين في الزنا وحديث من تزوج امرأة أبيه أمر بضرب عنقه وأخذ ماله وحديث quot; لا يقتل مؤمن بكافر quot; وحديث quot; لعن الله المحلل والمحلل له quot; وحديث quot; لا نكاح إلا بولي quot;. وحديث المطلقة ثلاثا لا سكنى لها ولا نفقة وحديث quot; أعتق صفية وجعل عتقها صداقها quot; وحديث أصدقها ولو خاتما من حديد quot; وحديث إباحة لحوم الخيل وحديث quot; كل مسكر حرام quot; وحديث quot; ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة quot; وحديث المزارعة والمساقاة وحديث quot; ذكاة الجنين ذكاة أمه quot; وحديث الرهن مركوب ومحلوب وحديث النهي عن تخليل الخمر وحديث قسمة الغنيمة للراجل سهم وللفارس ثلاثة وحديث quot; لا تحرم المصة والمصتان quot; وأحاديث حرمة المدينة وحديث إشعار الهدي وحديث quot; إذا لم يجد المحرم الإزار فليلبس السراويل quot; وحديث منع الرجل من تفضيل بعض ولده على بعض وأنه جور لا تجوز الشهادة عليه وحديث quot; أنت ومالك لأبيك quot; وحديث القسامة وحديث الوضوء من لحوم الإبل وأحاديث المسح على العمامة. وحديث الأمر بإعادة الصلاة لمن صلى خلف الصف وحده وحديث quot; من دخل والإمام يخطب يصلي تحية المسجد quot; وحديث الصلاة على الغائب وحديث الجهر بآمين في الصلاة وحديث جواز رجوع الأب فيما وهبه لولده ولا يرجع غيره وحديث الكلب الأسود يقطع الصلاة وحديث الخروج إلى العيد من الغد إذا علم بالعيد بعد الزوال وحديث نضح بول الغلام الذي لم يأكل الطعام وحديث الصلاة على القبر وحديث من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته. وحديث بيع جابر بعيره واشتراط ظهره وحديث النهي عن جلود السباع وحديث لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره وحديث أن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج وحديث من باع عبدا(1\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "186",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "188",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وله مال فماله للبائع وحديث إذا أسلم وتحته أختان اختار أيتهما شاء وحديث الوتر على الراحلة وحديث كل ذي ناب من السباع حرام وحديث من السنة وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة وحديث لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه من ركوعه وسجوده وأحاديث رفع اليدين في الصلاة عند الركوع والرفع منه وأحاديث الاستفتاح. وحديث كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - سكتتان في الصلاة وحديث تحريمها التكبير وتحليلها التسليم وحديث حمل الصبية في الصلاة وأحاديث القرعة وأحاديث العقيقة وحديث لو أن رجلا اطلع عليك بغير إذنك وحديث أيدع يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل وحديث إن بلالا يؤذن بليل وحديث النهي عن صوم يوم الجمعة وحديث النهي عن الذبح بالسن والظفر وحديث صلاة الكسوف والاستسقاء وحديث النهي عن عسب الفحل وحديث المحرم إذا مات لم يخمر رأسه ولم يقرب طيبا إلى أضعاف ذلك من الأحاديث التي كان تركها من أجل القول بالقياس والرأي . فلو كان القياس حقا لكان أهله أتبع الأمة للأحاديث ولا حفظ لهم ترك حديث واحد إلا لنص ناسخ له فحيث رأينا كل من كان أشد توغلا في القياس والرأي كان أشد مخالفة للأحاديث الصحيحة الصريحة علمنا أن القياس ليس من الدين وأن شيئا تترك له السنن لأبين شيء منافاة للدين فلو كان القياس من عند الله لطابق السنة أعظم مطابقة ولم يخالف أصحابه حديثا واحدا منها ولكانوا أسعد بها من أهل الحديث فليروا أهل الحديث والأثر حديثا واحدا صحيحا قد خالفوه كما أريناهم آنفا ما خالفوه من السنة بجريرة القياس. قالوا: وقد أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب وعلينا بعدهم أن لا نقول على الله إلا الحق فلو كانت هذه الأقيسة المتعارضة المتناقضة التي ينقض بعضها بعضا بحيث لا يدري الناظر فيها أيها الصواب حقا لكانت متفقة يصدق بعضها بعضا كالسنة التي يصدق بعضها بعضا وقال - تعالى -: ويحق الله الحق بكلماته [يونس: 82]  لا بآرائنا ولا مقاييسنا وقال: والله يقول الحق وهو يهدي السبيل [الأحزاب: 4]  فما لم يقله - سبحانه - ولا هدى إليه فليس من الحق وقال - تعالى -: فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم [القصص: 50]  فقسم الأمور إلى قسمين لا ثالث لهما: إتباع لما دعا إليه الرسول واتباع الهوى.(1\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "187",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "189",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل لم يأمر النبي بالقياس بل نهى عنه] والرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يدع أمته إلى القياس قط بل قد صح عنه أنه أنكر على عمر وأسامة محض القياس في شأن الحلتين اللتين أرسل بهما إليهما فلبسها أسامة قياسا للبس على التملك والانتفاع والبيع وكسوتها لغيره وردها عمر قياسا لتملكها على لبسها فأسامة أباح وعمر حرم قياسا فأبطل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل واحد من القياسين وقال لعمر: إنما بعثت بها إليك لتستمتع بها  وقال لأسامة إني لم أبعثها إليك لتلبسها ولكن بعثتها إليك لتشققها خمرا لنسائك  والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما تقدم إليهم في الحرير بالنص على تحريم لبسه فقط فقاسا قياسا أخطأ فيه فأحدهما قاس اللبس على الملك وعمر قاس التملك على اللبس والنبي - صلى الله عليه وسلم - بين أن ما حرمه من اللبس لا يتعدى إلى غيره وما أباحه من التملك لا يتعدى إلى اللبس وهذا عين إبطال القياس. وصح عنه ما رواه أبو ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها  وهذا الخطاب كما يعم أوله للصحابة ولمن بعدهم فهكذا آخره فلا يجوز أن نبحث عما سكت عنه ليحرمه أو يوجبه. وقال عبد الله بن المبارك: ثنا عيسى بن يونس عن جرير بن عثمان عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال . قال قاسم بن أصبغ: ثنا محمد بن إسماعيل الترمذي ثنا نعيم بن حماد ثنا عبد الله فذكره وهؤلاء كلهم أئمة ثقات حفاظ إلا جرير بن عثمان فإنه كان منحرفا عن علي ومع هذا فاحتج به البخاري في صحيحه وقد روى عنه أنه تبرأ مما نسب إليه من الانحراف عن علي ونعيم بن حماد إمام جليل وكان سيفا على الجهمية روى عنه البخاري في صحيحه. وقد صح عنه صحة تقرب من التواتر أنه قال  ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم  فتضمن هذا الحديث أن ما أمر به أمر إيجاب فهو واجب وما نهى عنه فهو(1\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "188",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "190",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حرام وما سكت عنه فهو عفو مباح فبطل ما سوى ذلك والقياس خارج عن هذه الوجوه الثلاثة فيكون باطلا والمقيس مسكوت عنه بلا ريب فيكون عفوا بلا ريب فإلحاقه بالمحرم تحريم لما عفا الله عنه.  وفي قوله  ذروني ما تركتكم بيان جلي أن ما لا نص فيه فليس بحرام ولا واجب ودل الحديث على أن أوامره على الوجوب حتى يجيء ما يرفع ذلك أو يبين أن مراده الندب وأن ما لا نستطيعه فساقط عنا. وقد روى ابن المغلس ثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ثنا أبو قلابة الرقاشي ثنا أبو الربيع الزهراني ثنا سيف بن هارون البرجمي عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان - رضي الله عنه - قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أشياء فقال: الحلال ما أحل الله والحرام ما حرم الله وما سكت عنه فهو مما عفا عنه  وهذا إسناد جيد مرفوع والله المستعان وعليه التكلان.  [فصل نهى الصحابة عن القياس] فصل [الصحابة نهوا عن القياس أيضا] وأما الصحابة - رضي الله عنهم - فقد قال أبو هريرة لابن عباس: إذا جاءك الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا تضرب له الأمثال. وفي صحيح مسلم من حديث سمرة بن جندب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أحب الكلام إلى الله - عز وجل - أربع  فذكر الحديث وفي آخره  لا تسمين غلامك يسارا ولا رباحا ولا نجيحا ولا أفلح فإنك تقول: أثم هو فيقال: لا إنما هن أربع فلا تزيدن علي . قالوا: فلم يجز سمرة أن ينهى عما عدا الأربع قياسا عليها وجعل ذلك زيادة فلم يزد على الأربع بالقياس التسمية بسعد وفرج وخير وبركة ونحوها ومقتضى قول القياسيين أن الأسماء التي سكت عنها النص أولى بالنهي فيكون إلحاقها بقياس الأولى أو مثله. فإن قيل: فلعل قوله  إنما هن أربع فلا تزيدن علي  مرفوع من نفس كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - أو لعل سمرة أراد بها إنما حفظت هذه الأربع فلا تزيدن علي في الرواية. قيل: أما السؤال الأول فصريح في إبطال القياس فإن المعنى واحد ومع هذا فخص النهي بالأربع وأما السؤال الثاني فقوله quot; إنما هن أربع quot; يقتضي تخصيص الرواية والحكم بها ونفي الزيادة عليها رواية وحكما فلا تنافي بين الأمرين.(1\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "189",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "191",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال شعبة: سمعت سليمان بن عبد الرحمن قال: سمعت عبدة بن فيروز قال: قلت للبراء بن عازب: حدثني ما كره أو نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أربع لا تجزئ في الأضاحي فذكر الحديث قال: فإني أكره أن تكون ناقصة القرن أو الأذن قال: فما كرهت منه فدعه ولا تحرمه على أحد  ولم يأذن له في القياس على الأربع ولم يقس عليها هو ولا أحد من الصحابة - رضي الله عنهم -. وقال عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا فبعث الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأنزل عليه كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو. وقال عمر بن الخطاب: قد وضحت الأمور وتبينت السنة ولم يترك لأحد منكم متكلم إلا أن يضل عبد. وقال ابن مسعود: من أتى الأمر على وجهه فقد بين له وإلا فوالله ما لنا طاقة بكل ما تحدثون ولو كان القياس من الدين لكان له ولغيره طاقة بقياس كل ما يرد عليهم على نظيره بوصف جامع شبهي وإذا كان القياسيون لا يعجزون عن ذلك فكيف الصحابة ولو كان القياس من الدين لكان الجميع مبينا ولما قسم ابن مسعود وغيره ما يرد عليهم إلى ما بينه الله وإلى ما لم يبينه فإن الله على قولكم قد بين الجميع بالنص والقياس. فإن قيل: فهذا ينقلب عليكم فإنكم تقولون: إن الله - سبحانه - قد بين الجميع. قلنا: ما بينه الله - سبحانه - نطقا فقد بين حكمه وما لم يبينه نطقا بل سكت عنه فقد بين لنا أنه عفو وأما القياسيون فيقولون: ما سكت عنه فقد بين أن حكمه حكم ما تكلم به وفرق عظيم بين الأمرين ونحن أسعد بالبيان النطقي والسكوتي منكم لتعميمنا البيانين وعدم تناقضنا فيهما وبالله التوفيق. وقد تقدم قول ابن مسعود: ليس عام إلا والذي بعده شر منه لا أقول عام أمطر من عام ولا عام أخصب من عام ولا أمير خير من أمير ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم فينهدم الإسلام وينثلم. وتقدم قول عمر: العلم ثلاثة: كتاب ناطق وسنة ماضية ولا أدري وقوله لأبي الشعثاء: لا تفتين إلا بكتاب ناطق أو سنة ماضية. وقال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق الشيباني قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى(1\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "190",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "192",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقول: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نبيذ الجر الأخضر قلت: فالأبيض قال: لا أدري  ولم يقل وأي فرق بين الأخضر والأبيض كما يبادر إليه القياسيون. وقال الزهري: كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه كان عند معاوية في وفد من قريش فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإنه بلغني أن رجالا منكم يتحدثون أحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأولئك جهالكم. ومعلوم أن القياس خارج عن كليهما. وتقدم قول معاذ: تكون فتن يكثر فيها المال ويفتح القرآن حتى يقرأه الرجل والمرأة والكبير والصغير والمؤمن والمنافق ويقرأه الرجل فلا يتبع فيقول: والله لأقرأنه علانية فيقرأه علانية فلا يتبع فيتخذ مسجدا ويبتدع فكل ما ليس من كتاب الله ولا من سنة رسول الله فإياكم وإياه فإنها بدعة وضلالة. وقال عبد العزيز بن المطلب: عن ابن مسعود: إنكم إن عملتم في دينكم بالقياس أحللتم كثيرا مما حرم عليكم وحرمتم كثيرا مما أحل لكم. وقال الأوزاعي: عن عبدة بن أبي لبابة عن ابن عباس: من أحدث رأيا ليس من كتاب الله ولم تمض به سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يدر على ما هو منه إذا لقي الله - عز وجل -. وقال أبو حنيفة: حدثنا جرير عن مجاهد أن عمر نهى عن المكايلة يعني المقايسة. وقال الأثرم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا جعفر بن غياث عن أبيه عن مجاهد قال: قال عمر: إياك والمكايلة يعني المقايسة. وقال الأثرم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن حبيب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال عبد الله: يا أيها الناس إنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثا فعليكم بالأمر الأول.  [فصل ذم التابعون للقياس] فصل [التابعون يصرحون بذم القياس] وكذلك أئمة التابعين وتابعوهم يصرحون بذم القياس وإبطاله والنهي عنه قال الطحاوي: ثنا ابن علية حدثني عمرو بن أبي عمران ثنا يحيى بن سليمان الطائفي حدثني داود بن أبي هند قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: القياس شؤم وأول من قاس إبليس فهلك وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس.(1\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "191",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "193",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ابن وهب: أخبرني مسلم بن علي أن شريحا الكندي هو القاضي قال: إن السنة سبقت قياسكم. وقال ابن أبي حاتم: ثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي ثنا وهب بن إسماعيل عن داود الأودي قال: قال لي الشعبي: احفظ عني ثلاثا لها بيان إذا سئلت عن مسألة فأجبت فيها فلا تتبع مسألتك أرأيت فإن الله قال في كتابه: أرأيت من اتخذ إلهه هواه [الفرقان: 43]  حتى فرغ من الآية الأولى والثانية إذا سئلت عن مسألة فلا تقس شيئا بشيء فربما حرمت حلالا أو حللت حراما وإذا سئلت عما لا تعلم فقل: لا أعلم وأنا شريكك. وقال ابن وهب: أخبرني يحيى بن أيوب عن عيسى بن أبي عيسى عن الشعبي أنه سمعه يقول: إياكم والمقايسة فوالذي نفسي بيده إن أخذتم بالمقايسة لتحلن الحرام ولتحرمن الحلال ولكن ما بلغكم عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاحفظوه. وقال الطحاوي: ثنا يوسف بن يزيد القراطيسي ثنا سعيد بن منصور ثنا جرير بن عبد الحميد عن المغيرة بن مقسم عن الشعبي قال: السنة لم توضع بالقياس. وقال الخشني: ثنا محمد بن بشار ثنا يحيى بن سعيد القطان ثنا صالح بن مسلم قال: قال لي عامر الشعبي يوما وهو آخذ بيدي: إنما هلكتم حين تركتم الآثار وأخذتم بالمقاييس. وقال عباس بن الفرج الرياشي عن الأصمعي أنه قيل له: إن الخليل بن أحمد يبطل القياس فقال: أخذ هذا عن إياس بن معاوية. وقال علي بن عبد العزيز البغوي: ثنا أبو الوليد القرشي أخبرنا محمد بن عبد الله بن بكار القرشي ثنا سليمان بن جعفر ثنا محمد بن يحيى الربعي عن ابن شبرمة أن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين قال لأبي حنيفة: اتق الله ولا تقس فإنا غدا نقف نحن ومن خالفنا بين يدي الله فنقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال الله وتقول أنت وأصحابك: رأينا وقسنا فيفعل الله بنا وبكم ما يشاء. وبهذا الإسناد إلى ابن شبرمة قال: دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد بن الحنفية فسلمت عليه وكنت له صديقا ثم أقبلت على جعفر وقلت له: أمتع الله بك هذا رجل من أهل العراق وله فقه وعقل فقال لي جعفر: لعله الذي يقيس الدين برأيه ثم أقبل علي فقال: أهو النعمان فقال له أبو حنيفة: نعم أصلحك الله فقال له جعفر: اتق الله ولا تقس الدين برأيك فإن أول من قاس إبليس إذ أمره الله بالسجود لآدم فقال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين [الأعراف: 12](1\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "192",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "194",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم قال لأبي حنيفة: أخبرني عن كلمة أولها شرك وآخرها إيمان فقال: لا أدري قال جعفر: هي لا إله إلا الله فلو قال quot; لا إله quot; ثم أمسك كان مشركا فهذه كلمة أولها شرك وآخرها إيمان ثم قال له: ويحك أيهما أعظم عند الله: قتل النفس التي حرم الله أو الزنا قال: بل قتل النفس فقال له جعفر: إن الله قد قبل في قتل النفس شاهدين ولم يقبل في الزنا إلا أربعة فكيف يقوم لك قياس ثم قال: أيهما أعظم عند الله: الصوم أو الصلاة قال: بل الصلاة قال: فما بال المرأة إذا حاضت تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة اتق الله يا عبد الله ولا تقس فإنا نقف غدا نحن وأنت بين يدي الله فنقول: قال الله - عز وجل - وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقول أنت وأصحابك: قسنا ورأينا فيفعل الله بنا وبكم ما يشاء. وقال ابن وهب: سمعت مالك بن أنس يقول: الزم ما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع: أمران تركتهما فيكم لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه . قال ابن وهب: وقال مالك: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إمام المسلمين وسيد العالمين يسأل عن الشيء فلا يجيب حتى يأتيه الوحي من السماء  فإذا كان رسول رب العالمين لا يجيب إلا بالوحي وإلا لم يجب فمن الجرأة العظيمة إجابة من أجاب برأيه أو قياس أو تقليد من يحسن به الظن أو عرف أو عادة أو سياسة أو ذوق أو كشف أو منام أو استحسان أو خرص والله المستعان وعليه التكلان. وقال أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو: ثنا يزيد بن عبد ربه قال: سمعت وكيع بن الجراح يقول ليحيى بن صالح الوحاظي: يا أبا زكريا احذر الرأي فإني سمعت أبا حنيفة يقول: البول في المسجد أحسن من بعض قياسهم. وقال عبد الرزاق: قال لي حماد بن أبي حنيفة: قال أبي: من لم يدع القياس في مجلس القضاء لم يفقه. فهذا أبو حنيفة يقول: إنه لا يفقه من لم يدع القياس في موضع الحاجة إليه وهو مجلس القضاء قالوا: فتبا لكل شيء لا يفقه المرء إلا بتركه. وقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن شبرمة: ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس. وقال داود بن الزبرقان عن مجالد بن سعيد قال: ثنا الشعبي يوما قال: يوشك أن يصير الجهل علما والعلم جهلا قالوا: وكيف يكون هذا يا أبا عمرو قال: كنا نتبع الآثار وما جاء عن الصحابة - رضي الله عنهم - فأخذ الناس في غير ذلك وهو القياس.(1\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "193",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "195",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال وكيع: حدثنا عيسى الخياط عن الشعبي قال: لأن أتعنى بعنية أحب إلي من أن أقول في مسألة برأي. قلت: رواه أبو محمد بن قتيبة بالعين المهملة وعنية بوزن غنية ثم فسره بأن العنية أخلاط تنقع في أبوال الإبل. حينا حتى تطلى بها الإبل من الجرب. وقال الأثرم: حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن جابر عن الشعبي عن مسروق قال: لا أقيس شيئا بشيء قيل: لم قال: أخشى أن تزل رجلي. وسئل عن مسألة فقال: لا أدري فقيل له: فقس لنا برأيك فقال: أخاف أن تزل قدمي. وكان يقول: إياكم والقياس والرأي فإن الرأي قد يزل. . وكان الشعبي يقول: لا تجالس أصحاب القياس فتحل حراما أو تحرم حلالا. وقال الخلال: ثنا أبو بكر المروزي قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ينكر على أصحاب القرائن ويتكلم فيه بكلام شديد. وقال الأثرم: ثنا محمد بن كناسة ثنا صالح بن مسلم عن الشعبي قال: لقد بغض إلي هؤلاء القوم هذا المسجد حتى لهو أبغض إلي من كناسة داري قلت: من هم يا أبا عمرو قال: هؤلاء الأرائيون أرأيت أرأيت. وقال حماد بن زيد عن مطر الوراق قال: ترك أصحاب الرأي الآثار والله. وقال محمد بن خاقان: سمعت ابن المبارك في آخر خرجة خرج فقلنا له: أوصنا فقال: لا تتخذوا الرأي إماما  [فصل القياس يعارض بعضه بعضا] فصل: [القياس يعارض بعضه بعضا] قالوا: ولو كان القياس حجة لما تعارضت الأقيسة وناقض بعضها بعضا فترى كل واحد من المتنازعين من أرباب القياس يزعم أن قوله هو القياس فيبدي منازعه قياسا آخر ويزعم أنه هو القياس وحجج الله وبيناته لا تتعارض ولا تتهافت. قالوا: فلو جاز القول بالقياس في الدين لأفضى إلى وقوع الاختلاف الذي حذر الله منه ورسوله بل عامة الاختلاف بين الأمة إنما نشأ من جهة القياس فإنه إذا ظهر لكل واحد(1\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "194",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "196",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من المجتهدين قياس مقتضاه نقيض حكم الآخر اختلف ولا بد وهذا يدل على أنه من عند غير الله من ثلاثة أوجه: أحدها صريح قوله تعالى: ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [النساء: 82] . الثاني: أن الاختلاف سببه اشتباه الحق وخفاؤه وهذا لعدم العلم الذي يميز بين الحق والباطل. الثالث: أن الله - سبحانه - ذم الاختلاف في كتابه ونهى عن التفرق والتنازع فقال: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه [الشورى: 13] وقال: ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات [آل عمران: 105] وقال: إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء [الأنعام: 159] وقال: وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم [الأنفال: 46] وقال: فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون [المؤمنون: 53] والزبر: الكتب أي كل فرقة صنفوا كتبا أخذوا بها وعملوا بها ودعوا إليها دون كتب الآخرين كما هو الواقع سواء وقال: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه [آل عمران: 106] قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف وتسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا تختلفوا فتختلف قلوبكم وقال: اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا وكان التنازع والاختلاف أشد شيء على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان إذا رأى من الصحابة اختلافا يسيرا في فهم النصوص يظهر في وجهه حتى كأنما فقئ فيه حب الرمان ويقول: أبهذا أمرتم ولم يكن أحد بعده أشد عليه الاختلاف من عمر - رضي الله عنه - وأما الصديق فصان الله خلافته عن الاختلاف المستقر في حكم واحد من أحكام الدين وأما خلافة عمر فتنازع الصحابة تنازعا يسيرا في قليل من المسائل جدا وأقر بعضهم بعضا على اجتهاده من غير ذم ولا طعن فلما كانت خلافة عثمان اختلفوا في مسائل يسيرة صحب الاختلاف فيها بعض الكلام واللوم كما لام علي عثمان في أمر المتعة وغيرها ولامه عمار بن ياسر وعائشة في بعض مسائل قسمة الأموال والولايات فلما أفضت الخلافة إلى علي - كرم الله وجهه - في الجنة صار الاختلاف بالسيف. [الاختلاف مهلكة] والمقصود أن الاختلاف مناف لما بعث الله به رسوله قال عمر - رضي الله عنه -: لا تختلفوا فإنكم إن اختلفتم كان من بعدكم أشد اختلافا. ولما سمع أبي بن كعب وابن مسعود يختلفان في صلاة الرجل في الثوب الواحد أو الثوبين صعد المنبر وقال: رجلان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - اختلفا فعن أي فتياكم يصدر المسلمون لا أسمع اثنين اختلفا بعد(1\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "195",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "197",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مقامي هذا إلا صنعت وصنعت. وقال علي - كرم الله وجهه في الجنة - في خلافته لقضاته: اقضوا كما كنتم تقضون فإني أكره الخلاف وأرجو أن أموت كما مات أصحابي. وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن هلاك الأمم من قبلنا إنما كان باختلافهم على أنبيائهم وقال أبو الدرداء وأنس وواثلة بن الأسقع: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نتنازع في شيء من الدين فغضب غضبا شديدا لم يغضب مثله قال: ثم انتهرنا قال: يا أمة محمد لا تهيجوا على أنفسكم وهج النار ثم قال: أبهذا أمرتم أو ليس عن هذا نهيتم إنما هلك من كان قبلكم بهذا وقال عمرو بن شعيب عن أبيه عن ابني العاص أنهما قالا: جلسنا مجلسا في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كأنه أشد اغتباطا فإذا رجال عند حجرة عائشة يتراجعون في القدر فلما رأيناهم اعتزلناهم ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلف الحجرة يسمع كلامهم فخرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مغضبا يعرف في وجهه الغضب حتى وقف عليهم وقال: يا قوم بهذا ضلت الأمم قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتاب بعضه ببعض وإن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض ولكن نزل القرآن يصدق بعضه بعضا ما عرفتم منه فاعملوا به وما تشابه فآمنوا به ثم التفت فرآني أنا وأخي جالسين فغبطنا أنفسنا أن لا يكون رآنا معهم . قال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن عبد الله والحميدي وإسحاق بن إبراهيم يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وقال أحمد بن صالح: أجمع آل عبد الله على أنها صحيفة عبد الله. [ليس أحد القياسين أولى من الآخر]  [إذا اختلفت الأقيسة في نظر المجتهدين] قالوا: وأيضا فإذا اختلفت الأقيسة في نظر المجتهدين فإما أن يقال: كل مجتهد مصيب فيلزم أن يكون الشيء وضده صوابا وإما أن يقال: المصيب واحد وهو القول الصواب ولكن ليس أحد القياسين بأولى من الآخر ولا سيما قياس الشبه فإن الفرع قد يكون فيه وصفان شبيهان للشيء وضده فليس جعل أحدهما صوابا دون الآخر بأولى من العكس. قالوا: وأيضا فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أوتيت جوامع الكلم واختصرت لي الحكمة اختصارا وجوامع الكلم: هي الألفاظ الكلية العامة المتناولة لأفرادها فإذا انضاف ذلك إلى بيانه الذي هو أعلى رتب البيان لم يعدل عن الكلمة الجامعة التي في غاية البيان لما دلت عليه إلى لفظ أطول منها وأقل بيانا مع أن الكلمة الجامعة تزيل الوهم وترفع الشك وتبين المراد. فكان يقول: لا تبيعوا كل مكيل ولا موزون بمثله إلا سواء بسواء فهذا أخصر وأبين(1\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "196",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "198",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأدل وأجمع من أن يذكر ستة أنواع ويدل بها على ما لا ينحصر من الأنواع فكمال علمه - صلى الله عليه وسلم - وكمال شفقته ونصحه وكمال فصاحته وبيانه يأبى ذلك. قالوا: وأيضا فحكم القياس إما أن يكون موافقا للبراءة الأصلية وإما أن يكون مخالفا لها فإن كان موافقا لم يفد القياس شيئا لأن مقتضاه متحقق بها وإن كان مخالفا لها امتنع القول به لأنها متيقنة فلا ترفع بأمر لا تتيقن صحته إذ اليقين يمتنع رفعه بغير يقين. قالوا: وأيضا فإن غالب القياسات التي رأينا القياسيين يستعملونها رجم بالظنون وليس ذلك من العلم في شيء ولا مصلحة للأمة في اقتحامهم ورطات الرجم بالظنون حتى يخبطوا فيها خبط عشواء في ظلماء ويحكموا بها على الله ورسوله. قالوا: وأيضا فقول القياسي هذا حلال وهذا حرام هو خبر عن الله - سبحانه - أنه أحل كذا وحرمه وأنه أخبر عنه بأنه حلال أو حرام فإن حكم الله خبره فكيف يجوز لأحد أن يشهد على الله أنه أخبر بما لم يخبر به هو ولا رسوله قال الله تعالى: فإن شهدوا فلا تشهد معهم [الأنعام: 150] . قالوا: وأيضا فالقياس لا بد فيه من علة مستنبطة من حكم الأصل والحكم في الأصل احتمل أن يكون لنا طريق إلى العلم بعلته واحتمل أن لا يكون لنا طريق وإذا كان لنا طريق احتمل أن يكون معللا وأن يكون غير معلل وإذا كان معللا احتمل أن تكون العلة هي هذه المعينة وأن تكون جزء علة وأن تكون العلة غيرها وإذا ظهرت العلة احتمل أن لا تكون في الفرع وإذا كانت فيه احتمل أن يتخلف الحكم عنها لمعارض آخر وما هذا شأنه كيف يكون من حجج الله وبيناته وأدلة الأحكام التي هدى الله بها عباده قالوا: وأيضا فلو كان القياس حجة لأفضى ذلك إلى تكافؤ الأدلة الشرعية وهو محال فإنه قد يتردد فرع بين أصلين أحدهما التحريم والآخر الإباحة فإذا ظهر في نظر المجتهد شبه الفرع بكل واحد منهما لزم الحكم بالحل والحرمة في شيء واحد وهو محال. قالوا: وأيضا فليس قياس الفرع على الأصل في تعدية حكمه إليه أولى من قياسه عليه في عدم ثبوته بغير النص فحينئذ فنقول: حكم الفرع حكم من أحكام الشرع فلا يجوز ثبوته بغير النص كحكم الأصل فما الذي جعل قياسكم أولى من هذا ومعلوم أن هذا أقرب إلى النصوص وأشد موافقة لها من قياسكم وهذا ظاهر. قالوا: وأيضا فحكم الله بإيجاب الشيء يتضمن محبته وإرادته لوجوده وعلمه بأنه(1\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "197",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "199",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أوجبه وكلامه الطلبي والخبري وجعل فعله سببا لمحبته لعبده ورضاه عنه وإثابته عليه وتركه سببا لضد ذلك ولا سبيل لنا إلى العلم بهذا إلا من خبر الله عن نفسه أو خبر رسوله عنه فكيف يعلم ذلك بقياس أو رأي هذا ظاهر الامتناع.  [لم يكن القياس حجة في زمن الرسول] [لم يكن القياس حجة في زمن الرسول] قالوا: ولو كان القياس من حجج الله وأدلة أحكامه لكان حجة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - كسائر الحجج فلما لم يكن حجة في زمنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن حجة بعده. وتقرير هذه الحجة بوجهين: أحدهما أن الصحابة لم يكن أحد منهم يقيس على ما سمع منه - صلى الله عليه وسلم - ما لم يسمع ولو كان هو معقول النصوص لكان تعدية الحكم به وشمول المعنى كتعدية الحكم باللفظ وشموله لجميع أفراده وذلك لا يختص بزمان دون زمان فلما قلتم لا يكون القياس في زمن النص علم أنه ليس بحجة. الوجه الثاني: أن تعلق النصوص بالصحابة كتعلقها بمن بعدهم ووجوب اتباعها على الجميع واحد. قالوا: ولأنا لسنا على ثقة من عدم تعليق الشارع الحكم بالوصف الذي يبد به القياسيون وأنه إنما علق الحكم بالاسم بحيث يوجد بوجوده وينتفي بانتفائه بل تعليق الحكم بالاسم تعليق بما لنا طريق إلى العلم به طردا وعكسا بخلاف تعليقه بالوصف الشبهي فإنه خرص وخزر وما كان هكذا لم ترد به الشريعة. قالوا: ولأن الأصل عدم العمل بالظنون إلا فيما تيقنا أن الشرع أوجب علينا العمل به للأدلة الدالة على تحريم اتباع الظنون فمنعه منع يقيني من اتباع الظن فلا تتركه إلا بيقين يوجب اتباعه. قالوا: ولأن تشابه الفرع والأصل يقتضي ألا يثبت الفرع إلا بما يثبت به الأصل فإن كان القياس حقا لزم توقف الفرع في ثبوته على النص كالأصل فالقول بالقياس من أبين الأدلة على بطلان القياس. قالوا: ولأن الحكم لا يخلو إما أن يتعلق بالاسم وحده أو بالوصف المشترك وحده أو بهما فإن تعلق بالاسم وحده أو بهما بطل القياس وإن تعلق بالوصف المشترك بينهما لزم أمران محذوران: أحدهما: إلغاء الاسم الذي اعتبره الشارع فإن الوصف إذا كان أعم منه وكان هو المستقل بالحكم كان الأخص وهو الاسم عديم التأثير. الثاني: أنه إذا كان الاسم عديم التأثير لم يكن جعل ما دل عليه أصلا لما سكت عنه أولى من العكس إذ التأثير(1\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "198",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "200",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للوصف وحده بل يلزم أن لا يكون هناك فرع وأصل بل تكون الصورتان فردين من أفراد العموم المعنوي كما يكون أفراد العام لفظا كذلك ليس بعضها أصلا لبعض. قالوا: ولا ريب أن البيان بالألفاظ العامة أعلى من البيان بالقياس فكيف يعدل الشارع - مع كمال حكمته - عن البيان الجلي إلى البيان الأخفى قالوا: ونسأل القياسي عن محل القياس أيجب في الشيئين إذا تشابها من كل وجه أم إذا اشتبها من بعض الوجوه وإن اختلفا في بعضها فإن قال بالأول ترك قوله وادعى محالا إذ ما من شيئين إلا وبينهما جامع وفارق وإن قال بالثاني قيل له: فهلا حكمت للفرع بضد حكم الأصل من أجل الوجه الذي خالفه فيه فإن كانت تلك جهة وفاق تدل على الائتلاف فهذه جهة افتراق تدل على الاختلاف فليس إلحاق صور النزاع بموجب الوفاق أولى من إلحاقه بموجب الافتراق. قالوا: ولا ينفعه الاعتذار بأنه متى وقع الاتفاق في المعنى الذي ثبت الحكم من أجله عديت - الحكم وإلا فلا. قيل له: إذا كان في الأصل عدة أوصاف فتعيينك أن هذا الوصف الذي من أجله شرع الحكم قول بلا علم وقد عارضك فيه منازعوك فادعوا أن الحكم شرع لغير ما ذكرت. مثاله أن الشارع لما نص على ربا الفضل في الأعيان المذكورة في الحديث فقال قائل: إن المعنى الذي حرم التفاضل لأجله هو الكيل في المكيلات والوزن في الموزونات قال له منازعه: لا بل كونها مطعومة فقال آخر: لا بل هو كونها مقتاتة ومدخرة فقال آخر: لا بل كونها تجري فيها الزكاة فقال آخر: لا بل كونها جنسا واحدا وكل فريق يزعم أن الصواب ما ادعاه دون منازعة ويقدح فيما ادعاه الآخر ولا يتهيأ له قدح في قول منازعه إلا ويتهيأ لمنازعه مثله أو أكثر منه أو دونه فلو ظن آخرون فقالوا: العلة كونه مما تنبته الأرض واحتج بأن الله - سبحانه - امتن على عباده بما تنبته لهم الأرض وقال: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض [البقرة: 267] وقال: إن من تمام النعمة فيه أن لا يباع بعضه ببعض متفاضلا لكان قوله واحتجاجه من جنس قول الآخرين واحتجاجهم وما هذا سبيله فكيف يكون من الدين بسبيل  قالوا: وأيضا فإذا كان النص في الأصل قد دل على شيئين: ثبوت الحكم فيه نطقا وتعديته إلى ما في معناه بالعلة فإذا نسخ الحكم في الأصل هل يبقى الحكم في الفرع أو يزول فإن قلتم quot; يبقى quot; فهو محال وإن قلتم quot; يزول quot; تناقضتم إذ من أصلكم أن نسخ(1\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "199",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "201",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعض ما يتناوله النص لا يوجب نسخ جميع ما يتناوله كالعام إذا خص بعض أفراده لم يوجب ذلك تخصيص غيره فإذا كان حكم الأصل قد دل على شيئين فارتفع أحدهما فما الموجب لارتفاع الثاني وإن قلتم quot; يثبت بالقياس ويرتفع بالقياس quot; قيل: إنما أثبتموه لوجود العلة الجامعة عندكم والعلة لم تزل بالنسخ وهي سبب ثبوته وما دام السبب قائما فالمسبب كذلك ولو زالت العلة بالنسخ لأمكن تصحيح قولكم. فإن قلتم: نسخ حكم الأصل يقتضي نسخ كون العلة علة. قيل: هذه دعوى لا دليل عليها فإن النص اقتضى ثبوت حكم الأصل وكون وصف كذا علة مقتضى التعدية على قولكم فهما حكمان متغايران فزوال أحدهما لا يستلزم زوال الآخر. قالوا: ولو كان القياس من الدين لقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته: quot; إذا أمرتكم بأمر أو نهيتكم عن شيء فقيسوا عليه ما كان مثله أو شبهه quot; ولكان هذا أكثر شيء في كلامه وطرق الأدلة عليه متنوعة لشدة الحاجة إليه ولا سيما عند غلاة القياسيين الذين يقولون: إن النصوص لا تفي بعشر معشار الحوادث وعلى قول هذا الغالي الجافي عن النصوص فالحاجة إلى القياس أعظم من الحاجة إلى النصوص فهلا جاءت الوصية باتباعه ومراعاته والوصية بحفظ حدود ما أنزل الله على رسوله وأن لا تتعدى. ومعلوم أن الله - سبحانه - حد لعباده حدود الحلال والحرام بكلامه وذم من لم يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله والذي أنزله هو كلامه فحدود ما أنزله الله هو الوقوف عند حد الاسم الذي علق عليه الحل والحرمة فإنه هو المنزل على رسوله وحده بما وضع له لغة أو شرعا بحيث لا يدخل فيه غير موضوعه ولا يخرج منه شيء من موضوعه ومن المعلوم أن حد البر لا يتناول الخردل وحد التمر لا يدخل فيه البلوط وحد الذهب لا يتناول القطن ولا يختلف الناس أن حد الشيء ما يمنع دخول غيره فيه ويمنع خروج بعضه منه. وقد تقدم تقرير هذا وأعدناه لشدة الحاجة إليه فإن أعلم الخلق بالدين أعلمهم بحدود الأسماء التي علق بها الحل والحرمة. والأسماء التي لها حدود في كلام الله ورسوله ثلاثة أنواع: نوع له حد في اللغة كالشمس والقمر والبر والبحر والليل والنهار فمن حمل هذه الأسماء على غير مسماها أو خصها ببعضه أو أخرج منها بعضه فقد تعدى حدودها. ونوع له حد في الشرع كالصلاة والصيام والحج والزكاة والإيمان والإسلام والتقوى ونظائرها فحكمها في تناولها لمسمياتها الشرعية كحكم النوع الأول في تناوله لمسماه اللغوي. ونوع له حد في العرف لم يحده الله ورسوله(1\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "200",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "202",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بحد غير المتعارف ولا حد له في اللغة كالسفر والمرض المبيح للترخص والسفه والجنون الموجب للحجر والشقاق الموجب لبعث الحكمين والنشوز المسوغ لهجر الزوجة وضربها والتراضي المسوغ لحل التجارة والضرار المحرم بين المسلمين وأمثال ذلك وهذا النوع في تناوله لمسماه العرفي كالنوعين الآخرين في تناولهما لمسماهما. ومعرفة حدود هذه الأسماء ومراعاتها مغن عن القياس غير محوج إليه وإنما يحتاج إلى القياس من قصر [في] هذه الحدود ولم يحط بها علما ولم يعطها حقها من الدلالة. مثاله تقصير طائفة من الفقهاء في معرفة حد الخمر حيث خصوه بنوع خاص من المسكرات فلما احتاجوا إلى تقرير تحريم كل مسكر سلكوا طريق القياس وقاسوا ما عدا ذلك النوع في التحريم عليه فنازعهم الآخرون في هذا القياس وقالوا: لا يجري في الأسباب وطال النزاع بينهم وكثر السؤال والجواب وكل هذا من تقصيرهم في معرفة حد الخمر فإن صاحب الشرع قد حده بحد يتناول كل فرد من أفراد المسكر فقال: كل مسكر خمر فأغنانا هذا الحد عن باب طويل عريض كثير التعب من القياس وأثبتنا التحريم بنصه لا بالرأي والقياس. ومن ذلك أيضا تقصير طائفة في لفظ الميسر حيث خصوه بنوع من أنواعه ثم جاءوا إلى الشطرنج مثلا فراموا تحريمه قياسا عليه فنازعهم آخرون في هذا القياس وصحته وطال النزاع ولو أعطوا لفظ الميسر حقه وعرفوا حده لعلموا أن دخول الشطرنج فيه أولى من دخول غيره كما صرح به من صرح من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - وقالوا: الشطرنج من الميسر. ومن ذلك تقصير طائفة في لفظ السارق حيث أخرجوا منه نباش القبور ثم راموا قياسه في القطع على السارق فقال لهم منازعوهم: الحدود والأسماء لا تثبت قياسا فأطالوا وأعرضوا في الرد عليهم ولو أعطوا لفظ السارق حده لرأوا أنه لا فرق في حده ومسماه بين سارق الأثمان وسارق الأكفان وأن إثبات الأحكام في هذه الصور بالنصوص لا بمجرد القياس. ونحن نقول قولا ندين الله به ونحمد الله على توفيقنا له ونسأله الثبات عليه: إن الشريعة لم تحوجنا إلى قياس قط وإن فيها غنية وكفاية عن كل رأي وقياس وسياسة واستحسان ولكن ذلك مشروط بفهم يؤتيه الله عبده فيها وقد قال تعالى: ففهمناها سليمان [الأنبياء: 79] . وقال علي - كرم الله وجهه -: quot; إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه quot;(1\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "201",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "203",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عباس: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل  وقال أبو سعيد: كان أبو بكر أعلمنا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال عمر لأبي موسى quot; الفهم الفهم quot;.  [فصل تناقض أهل القياس دليل فساده] قالوا: ومما يبين فساد القياس وبطلانه تناقض أهله فيه واضطرابهم تأصيلا وتفصيلا. أما التأصيل فمنهم من يحتج بجميع أنواع القياس وهي: قياس العلة والدلالة والشبه والطرد وهم غلاتهم كفقهاء ما وراء النهر وغيرهم فيحتجون في طرائفهم على منازعهم في مسألة المنع من إزالة النجاسة بالمائعات بأنه مائع لا تبنى عليه القناطر ولا تجري فيه السفن فلا تجوز إزالة النجاسة به كالزيت والشيرج وأمثال ذلك من الأقيسة التي هي إلى التلاعب بالدين أقرب منها إلى تعظيمه. وطائفة يحتجون بالأقيسة الثلاثة دونه وتقول: قياس العلة أن يكون الجامع هو العلة التي لأجلها شرع الحكم في الأصل وقياس الدلالة: أن يجمع بينهما بدليل العلة وقياس الشبه: أن يتجاذب الحادثة أصلان حاظر ومبيح ولكل واحد من الأصلين أوصاف فتلحق الحادثة بأكثر الأصلين شبها بها مثل أن يكون بالإباحة أشبه بأربعة أوصاف وبالحظر بثلاثة فيلحق بالإباحة. وقد قال الإمام أحمد في هذا النوع في رواية أحمد بن الحسين: القياس أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال فأردت أن تقيس عليه فهذا خطأ وقد خالفه في بعض أحواله ووافقه في بعضها فإذا كان مثله في كل أحواله فما أقبلت به وأدبرت به فليس في نفسي منه شيء وبهذا قال أكثر الحنفية والمالكية والحنابلة. وقالت طائفة: لا قياس إلا قياس العلة فقط. وقالت فرقة بذلك ولكن إذا كانت العلة منصوصة. .  ثم اختلف القياسيون في محل القياس فقال جمهورهم: يجري في الأسماء والأحكام وقالت فرقة: لا بل لا تثبت الأسماء قياسا وإنما محل القياس الأحكام. ثم اختلفوا فأجراه جمهورهم في العبادات واللغات والحدود والأسباب وغيرها ومنعه طائفة في ذلك واستثنت طائفة الحدود والكفارات فقط واستثنت طائفة أخرى معها الأسباب.(1\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "202",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "204",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكل هؤلاء قسموه إلى ثلاثة أقسام: قياس أولى وقياس مثل وقياس أدنى ثم اضطربوا في تقديمه على العموم أو بالعكس على قولين واضطربوا في تقديمه على خبر الآحاد الصحيح فجمهورهم قدم الخبر. وقال أبو بكر بن الفرج القاضي وأبو بكر الأبهري المالكيان: هو مقدم على خبر الواحد ولا يمكنهم ولا أحد من الفقهاء طرد هذا القول ألبتة بل لا بد من تناقضهم واضطربوا في تقديمه على الخبر المرسل وعلى قول الصحابي فمنهم من قدم القياس ومنهم من قدم المرسل وقول الصحابي وأكثرهم - بل كلهم - يقدمون هذا تارة وهذا تارة فهذا تناقضهم في التأصيل. وأما تناقضهم في التفصيل فنذكر منه طرفا يسيرا يدل على ما وراءه من قياسهم في المسألة قياسا وتركهم فيها مثله أو ما هو أقوى منه أو تركهم نظير ذلك القياس أو أقوى منه في مسألة أخرى لا فرق بينهما ألبتة.  [أمثلة من تناقض القياسيين] فمن ذلك أنهم أجازوا الوضوء بنبيذ التمر وقاسوا في أحد القولين عليه سائر الأنبذة وفي القول الآخر لم يقيسوا عليه فإن كان هذا القياس حقا فقد تركوه وإن كان باطلا فقد استعملوه ولم يقيسوا عليه الخل ولا فرق بينهما وكيف كان نبيذ التمر تمرة طيبة وماء طهورا ولم يكن الخل عنبة طيبة وماء طهورا والمرق لحما طيبا وماء طهورا ونقيع المشمش والزبيب كذلك فإن ادعوا الإجماع على عدم الوضوء بذلك فليس فيه إجماع. فقد قال الحسن بن صالح بن حي وحميد بن عبد الرحمن: يجوز الوضوء بالخل وإن كان الإجماع كما ذكرتم فهلا قستم المنع من الوضوء بالنبيذ على ما أجمعوا عليه من المنع من الوضوء بالخل فإن قلتم: اقتصرنا على موضع النص ولم نقس عليه قيل لكم: فهلا سلكتم ذلك في جميع نصوصه واقتصرتم على محالها الخاصة ولم تقيسوا عليها فإن قلتم: لأن هذا خلاف القياس قيل لكم: فقد صرحتم أن ما ثبت على خلاف القياس يجوز القياس عليه ثم هذا يبطل أصل القياس فإنه إذا جاز ورود الشريعة بخلاف القياس علم أن القياس ليس من الحق وأنه عين الباطل فإن الشريعة لا ترد بخلاف الحق أصلا ثم من قاعدتكم أن خبر الواحد إذا خالف الأصول لم يقبل وفي أي الأصول وجدتم ما يجوز التطهير به خارج المصر والقرية ولا يجوز التطهير به داخلهما فإن قالوا: اقتصرنا في ذلك على موضع النص قيل: فهلا اقتصرتم به على خارج مكة فقط حيث جاء الحديث وكيف(1\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "203",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "205",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ساغ لكم قياس الغسل من الجنابة في ذلك على الوضوء دون قياس داخل المصر على خارجه وقياس العنبة الطيبة والماء الطهور واللحم الطيب والماء الطهور والدبس الطيب والماء الطهور على الثمرة الطيبة والماء الطهور فقستم قياسا وتركتم مثله وما هو أولى منه فهلا اقتصرتم على مورد الحديث ولا عديتموه إلى أشباهه ونظائره ومن ذلك أنكم قستم على خبر مروي يا بني المطلب إن الله كره لكم غسالة أيدي الناس فقستم على ذلك الماء الذي يتوضأ به وأبحتم لبني المطلب غسالة أيدي الناس التي نص عليها الخبر وقستم الماء المستعمل في رفع الحدث وهو طاهر لاقى أعضاء طاهرة على الماء الذي لاقى العذرة والدم والميتات وهذا من أفسد القياس وتركتم قياسا أصح منه وهو قياسه على الماء المستعمل في محل التطهير من عضو إلى عضو ومن محل إلى محل فأي فرق بين انتقاله من عضو المتطهر الواحد إلى عضوه الآخر وبين انتقاله إلى عضو أخيه المسلم وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد  ولا ريب عند كل عاقل أن قياس جسد المسلم على جسد أخيه أصح من قياسه على العذرة والجيف والميتات والدم. ومن ذلك أنكم قستم الماء الذي توضأ به الرجل على العبد الذي أعتقه في كفارته والمال الذي أخرجه في زكاته وهذا من أفسد القياس وقد تركتم قياسا أصح في العقول والفطر منه وهو قياس هذا الماء الذي قد أدى به عبادة على الثوب الذي قد صلى فيه وعلى الحصى الذي رمى به الجمار مرة عند من يجوز منكم الرمي بها ثانية وعلى الحجر الذي استجمر به مرة إذا غسله أو لم يكن به نجاسة. ومن ذلك أنكم قستم الماء الذي وردت عليه النجاسة فلم تغير له لونا ولا طعما ولا ريحا على الماء الذي غيرت النجاسة لونه أو طعمه أو ريحه وهذا من أبعد القياس عن الشرع والحسن. وتركتم قياسا أصح منه وهو قياسه على الماء الذي ورد على النجاسة فقياس الوارد على المورود مع استوائهما في الحد والحقيقة والأوصاف أصح من قياس مائة رطل ماء وقع فيه شعرة كلب على مائة رطل خالطها مثلها بولا وعذرة حتى غيرها. ومن ذلك أنكم فرقتم بين ماء جار بقدر طرف الخنصر تقع فيه النجاسة فلم تغيره وبين الماء العظيم المستبحر إذا وقع فيه مثل رأس الإبرة من البول فنجستم الثاني دون الأول(1\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "204",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "206",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتركتم محض القياس فلم تقيسوا الجانب الشرقي من غدير كبير في غربيه نجاسة على الجانب الشمالي والجنوبي وكل ذلك مماس لما قد تنجس عندكم مماسة مستوية. وقاسوا باطن الأنف على ظاهره في غسل الجنابة فأوجبوا الاستنشاق ولم يقيسوه عليه في الوضوء الذي أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه بالاستنشاق نصا ففرقوا بينهما وأسقطوا الوجوب في محل الأمر به وأوجبوه في غيره والأمر بغسل الوجه في الوضوء كالأمر بغسل البدن في الجنابة سواء. ومن ذلك أنكم قستم النسيان على العمد في الكلام في الصلاة وفي فعل المحلوف عليه ناسيا وفيما يوجب الفدية من محظورات الإحرام كالطيب واللباس والحلق والصيد وفي حمل النجاسة في الصلاة ثم فرقتم بين النسيان والعمد في السلام قبل تمام الصلاة وفي الأكل والشرب في الصوم وفي ترك التسمية على الذبيحة وفي غير ذلك من الأحكام وقستم الجاهل على الناسي في عدة مسائل وفرقتم بينهما في مسائل أخر ففرقتم بينهما فيمن نسي أنه صائم فأكل أو شرب لم يبطل صومه ولو جهل فظن وجود الليل فأكل أو شرب فسد صومه مع أن الشريعة تعذر الجاهل كما تعذر الناسي أو أعظم كما عذر النبي - صلى الله عليه وسلم - المسيء في صلاته بجهله بوجوب الطمأنينة فلم يأمره بإعادة ما مضى وعذر الحامل المستحاضة بجهلها بوجوب الصلاة والصوم عليها مع الاستحاضة ولم يأمرها بإعادة ما مضى وعذر عدي بن حاتم بأكله في رمضان حين تبين له الخيطان اللذان جعلهما تحت وسادته ولم يأمره بالإعادة وعذر أبا ذر بجهله بوجوب الصلاة إذا عدم الماء فأمره بالتيمم ولم يأمره بالإعادة وعذر الذين تمعكوا في التراب كتمعك الدابة لما سمعوا فرض التيمم ولم يأمرهم بالإعادة وعذر معاوية بن الحكم بكلامه في الصلاة عامدا لجهله بالتحريم وعذر أهل قباء بصلاتهم إلى بيت المقدس بعد نسخ استقباله بجهلهم بالناسخ ولم يأمرهم بالإعادة وعذر الصحابة والأئمة بعدهم من ارتكب محرما جاهلا بتحريمه فلم يحدوه. وفرقتم بين قليل النجاسة في الماء وقليلها في الثوب والبدن وطهارة الجميع شرط لصحة الصلاة وترك الجميع صريح القياس في مسألة الكلب فطائفة لم تقس عليه غيره وطائفة قاست عليه الخنزير وحده دون غيره كالذئب الذي هو مثله أو شر منه وقياس الخنزير على الذئب أصح من قياسه على الكلب وطائفة قاست عليه البغل والحمار وقياسهما على الخيل التي هي قرينتهما في الذكر وامتنان الله - سبحانه - على عباده لها بركوبها واتخاذها زينة وملامسة الناس لها أصح من قياس البغل على الكلب فقد علم كل أحد أن(1\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "205",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "207",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشبه بين البغل والفرس أظهر وأقوى من الشبه بينه وبين الكلب. وقياس البغل والحمار على السنور بشدة ملامستهما والحاجة إليهما وشربهما من آنية البيت أصح من قياسهما على الكلب. وقستم الخنافس والزنابير والعقارب والصردان على الذباب في أنها لا تنجس بالموت بعدم النفس السائلة لها وقلة الرطوبات والفضلات التي توجب التنجيس فيها ونجس من نجس منكم العظام بالموت مع تعريها من الرطوبات والفضلات جملة ومعلوم أن النفس السائلة التي في تلك الحيوانات المقيسة أعظم من النفس السائلة التي في العظام. وفرقتم بين ما شرب منه الصقر والبازي والحدأة والعقاب والأحناش وسباع الطير وما شرب منه سباع البهائم من غير فرق بينهما قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة عن الفرق في هذا بين سباع الطيور وسباع ذوات الأربع فقال: أما في القياس فهما سواء ولكني أستحسن في هذا. وتركتم صريح القياس في التسوية بين نبيذ التمر والزبيب والعسل والحنطة ونبيذ العنب وفرقتم بين المتماثلين ولا فرق بينهما ألبتة مع أن النصوص الصحيحة الصريحة قد سوت بين الجميع. وفرقتم بين من معه إناءان طاهر ونجس فقلتم: يريقهما ويتيمم ولا يتحرى فيهما ولو كان معه ثوبان كذلك يتحرى فيهما والوضوء بالماء النجس كالصلاة في الثوب النجس ثم قلتم: فلو كانت الآنية ثلاثة تحرى ففرقتم بين الاثنين والثلاثة وهو فرق بين متماثلين وهذا على أصحاب الرأي وأما أصحاب الشافعي ففرقوا بين الإناء الذي كله بول وبين الإناء الذي نصفه فأكثر بول فجوزوا الاجتهاد بين الثاني والإناء الطاهر دون الأول وتركوا محض القياس في التسوية بينهما. وقستم القيء على البول وقلتم: كلاهما طعام أو شراب خرج من الجوف ولم تقيسوا الجشوة الخبيثة على الفسوة ولم تقولوا: كلاهما ريح خارجة من الجوف. وقستم الوضوء وغسل الجنابة على الاستنجاء وغسل النجاسة في صحته بلا نية ولم تقيسوهما على التيمم وهما أشبه به من الاستنجاء ثم تناقضتم فقلتم: لو انغمس جنب في البئر لأخذ الدلو ولم ينو الغسل لم يرتفع حدثه كما قاله أبو يوسف ونقض أصله في أن مس(1\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "206",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "208",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الماء لبدن الجنب يرفع حدثه وإن لم ينو وقال محمد: بل يرتفع حدثه ولا يفسد الماء فنقض أصله في فساد الماء الذي يرفع الحدث. وقستم التيمم إلى المرفقين على غسل اليدين إليهما ولم تقيسوا المسح على الخفين إلى الكعبين على غسل الرجلين إليهما ولا فرق بينهما ألبتة وأهل الحديث أسعد بالقياس منكم كما هم أسعد بالنص. وقستم إزالة النجاسة عن الثياب بالمائعات على إزالتها بالماء ولم تقيسوا إزالتها من القذر بها على الماء فما الفرق ثم قلتم: تزال من المخرجين بكل مزيل جامد ولا تزال من سائر البدن إلا بالماء وقلتم: تزال من المخرجين بالروث اليابس ولا تزال بالرجيع اليابس مع تساويهما في النجاسة. وقستم قليل القيء على كثيره في النجاسة ولم تقيسوه عليه في كونه حدثا وقستم نوم المتورك على المضطجع في نقض الوضوء ولم تقيسوا عليه نوم الساجد. وتركتم محض القياس المؤيد بالسنة المستفيضة في مسح العمامة - وهي ملبوس معتاد ساتر لمحل الفرض ويشق نزعه على كثير من الناس إما لحنك أو لكلاب أو لبرد - على المسح على الخفين والسنة قد سوت بينهما في المسح كما هما سواء في القياس ويسقط فرضهما في التيمم. وقستم مسح الوجه واليدين في التيمم على الوضوء في وجوب الاستيعاب ولم تقيسوا مسح الرأس في الوضوء على الوجه في وجوب الاستيعاب والفعل والباء والأمر في الموضعين سواء. وقستم وجود الماء في الصلاة على وجوده خارجها في بطلان صلاة المتيمم به ولم تقيسوا القهقهة في الصلاة على القهقهة في خارجها وفرقتم بين تقديم الزكاة قبل وجوبها فأخرجتموه وبين تقديم الكفارة قبل وجوبها فمنعتموه. وقستم وجه المرأة في الإحرام على رأس الرجل وتركتم قياس وجهها على يديها أو على بدن الرجل وهو محض القياس وموجب السنة فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - سوى بين يديها ووجهها وبين يدي الرجل ووجهه حيث قال لا تلبس القفازين ولا النقاب وكذلك قال لا يلبس المحرم القميص ولا السراويل ولا تنتقب المرأة فتركتم محض القياس وموجب السنة. وقستم المزارعة والمساقاة على الإجارة الباطلة فأبطلتموهما وتركتم محض القياس وموجب السنة وهو قياسهما على المضاربة والمشاركة فإنهما أشبه بهما منهما بالإجارة فإن صاحب الأرض والشجر يدفع أرضه وشجره لمن يعمل عليهما وما رزق الله من نماء فهو بينه وبين العامل وهذا كالمضاربة سواء فلو لم تأت السنة الصحيحة بجوازها لكان القياس يقتضي جوازها عند القياسيين(1\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "207",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "209",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واشترط أكثر من جوزها كون البذر من رب الأرض وقاسها على المضاربة في كون المال من واحد والعمل من واحد وتركوا محض القياس وموجب السنة فإن الأرض كالمال في المضاربة والبذر يجري مجرى الماء والعمل فإنه يموت في الأرض ولهذا لا يجوز أن يرجع إلى ربه مثل بذره ويقتسما الباقي ولو كان كرأس المال في المضاربة لجاز بل اشترط أن يرجع إليه مثل بذره كما يرجع إلى رب المال مثل ماله فتركوا القياس كما تركوا موجب السنة الصحيحة الصريحة وعمل الصحابة كلهم. وقستم إجارة الحيوان للانتفاع بلبنه على إجارة الخبز للأكل وهذا من أفسد القياس وتركتم محض القياس وموجب القرآن فإن الله - سبحانه - قال: فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن [الطلاق: 6] فقياس الشاة والبقرة والناقة للانتفاع بلبنها على الظئر أصح وأقرب إلى العقل من قياس ذلك على إجارة الخبز للأكل فإن الأعيان المستخلفة شيئا بعد شيء تجري مجرى المنافع كما جرت مجراها في المنيحة والعارية والضمان بالإتلاف فتركتم محض القياس. وقستم على ما لا خفاء بالفرق بينه وبينه وهو أن الخبز والطعام تذهب جملته بالأكل ولا يخلفه غيره بخلاف اللبن ونقع البئر وهذا من أجل القياس. وقستم الصداق على ما يقطع فيه يد السارق وتركتم محض القياس وموجب السنة فإنه عقد معاوضة فيجوز بما يتراضى عليه المتعاوضان ولو خاتما من حديد. وقستم الرجل يسرق العين ثم يملكها بعد ثبوت القطع على ما إذا ملكها قبل ذلك وتركتم محض القياس وموجب السنة فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسقط القطع عن سارق الرداء بعدما وهبه إياه صفوان وفرقتم بين ذلك وبين الرجل يزني بالأمة ثم يملكها فلم تروا ذلك مسقطا للحد مع أنه لا فرق بينهما. وقستم قياسا أبعد من هذا فقلتم: إذا قطع بسرقتها مرة ثم عاد فسرقها لم يقطع بها ثانيا وتركتم محض القياس على ما إذا زنى بامرأة فحد بها ثم زنى بها ثانية فإن الحد لا يسقط عنه ولو قذفه فحد ثم قذفه ثانيا لم يسقط عنه الحد. وقستم نذر صوم يوم العيد في الانعقاد ووجوب الوفاء على نذر صوم اليوم القابل له شرعا وتركتم محض القياس وموجب السنة ولم تقيسوه على صوم يوم الحيض وكلاهما غير محل للصوم شرعا فهو بمنزلة الليل(1\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "208",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "210",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقستم وجعلتم المحتقن بالخمر كشاربها في الفطر بالقياس ولم تجعلوه كشاربها في الحد. وقستم الكافر الذمي والمعاهد على المسلم في قتله به ولم تقيسوه على الحربي في إسقاط القود. ومن المعلوم قطعا أن الشبه الذي بين المعاهد والحربي أعظم من الشبه الذي بين الكافر والمسلم والله - سبحانه وتعالى - قد سوى بين الكفار كلهم في إدخالهم نار جهنم وفي قطع الموالاة بينهم وبين المسلمين وفي عدم التوارث بينهم وبين المسلمين وفي منع قبول شهادتهم على المسلمين وغير ذلك وقطع المساواة بين المسلمين والكفار فتركتم محض القياس - وهو التسوية بين ما سوى الله بينه - وسويتم بين ما فرق الله بينه. ومن العجب أنكم قستم المؤمن على الكافر في جريان القصاص بينهما في النفس والطرف ولم تقيسوا العبد المؤمن على الحر في جريان القصاص بينهما في الأطراف فجعلتم حرمة عدو الله الكافر في أطرافه أعظم من حرمة وليه المؤمن وكأن نقص المؤمن العبودية الموجب للأجرين عند الله أنقص عندكم من نقص الكفر وقلتم: يقتل الرجل بالمرأة ثم ناقضتم فقلتم: لا يؤخذ طرفه بطرفها وقلتم: يقتل العبد بالعبد وإن كانت قيمة أحدهما مائة درهم وقيمة الآخر مائة ألف درهم ثم ناقضتم فقلتم: لا يؤخذ طرفها بطرفه إلا أن تتساوى قيمتهما فتركتم محض القياس فإن الله - سبحانه - ألغى التفاوت بين النفوس والأطراف في الفضل لمصلحة المكلفين ولعدم ضبط التساوي فألغيتم ما اعتبره الله - سبحانه - من الحكمة والمصلحة واعتبرتم ما ألغاه من التفاوت. وقستم قوله quot; إن كلمت فلانا أو بايعته فامرأتي طالق وعبدي حر quot; على ما إذا قال quot; إن أعطيتني ألفا فأنت طالق quot; ثم عديتم ذلك إلى قوله quot; الطلاق يلزمني لا أكلم فلانا quot; ثم كلمه ولم تقيسوه على قوله quot; إن كلمت فلانا فعلي صوم سنة أو حج إلى بيت الله أو فمالي صدقة quot; وقلتم: هذا يمين لا تعليق مقصود فتركتم محض القياس فإن قوله quot; الطلاق يلزمني لا أكلم فلانا quot; يمين لا تعليق وقد أجمع الصحابة على أن قصد اليمين في العتق يمنع من وقوعه وحكى غير واحد إجماع الصحابة أيضا على أن الحالف بالطلاق لا يلزمه الطلاق إذا حنث وممن حكاه أبو محمد بن حزم وحكاه أبو القاسم عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن علي التميمي المعروف بابن بزيزة في كتابه المسمى بمصالح الأفهام في شرح كتاب الأحكام في باب ترجمته الباب الثالث في حكم اليمين بالطلاق أو الشك فيه. وقد قدمنا في كتاب الأيمان اختلاف العلماء في اليمين بالطلاق والعتق والشرط وغير ذلك: هل يلزم أم لا فقال علي بن أبي طالب وشريح وطاوس: لا يلزم من ذلك شيء ولا(1\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "209",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "211",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقضى بالطلاق على من حلف به فحنث ولم يعرف لعلي - كرم الله وجهه في الجنة - في ذلك مخالف من الصحابة قال: وصح عن عطاء فيمن قال لامرأته quot; أنت طالق إن لم أتزوج عليك quot; قال: إن لم يتزوج عليها حتى يموت أو تموت فإنهما يتوارثان وهو قول الحكم بن عتبة ثم حكي عن عطاء فيمن حلف بطلاق امرأته ليضربن زيدا فمات أحدهما أو ماتا معا فلا حنث عليه ويتوارثان وهذا صريح في أن يمين الطلاق لا يلزم ولا تطلق الزوجة بالحنث فيها ولو حنث قبل موته لم يتوارثا فحيث أثبت التوارث دل على أنها زوجة عنده وكذلك عكرمة مولى ابن عباس أيضا عنده يمين الطلاق لا يلزم كما ذكره عنه سنيد بن داود في تفسيره في سورة النور عند قوله يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان [النور: 21] ومن العجب أنكم قلتم: إذا قال quot; إن شفى الله مريضي فعلي صوم شهر أو صدقة أو حجة quot; لزمه لأنه قاصد للنذر فإذا قال: quot; إن كلمت فلانا فعلي صوم أو صدقة quot; لم يلزمه لأنه لجاج وغضب فهو يمين فيه كفارة اليمين فجعلتم قصده لعدم الوقوع مانعا من ثلاثة أشياء: إيجاب ما التزم ووجوبه عليه ووقوعه. وقلتم: لو قال: quot; إن فعلت كذا فعلي الطلاق quot; وفعله لزمه ولم يمنع قصد الحلف من وقوعه وهو أبغض الحلال إلى الله ومنع من وجوب القربات التي هي أحب شيء إلى الله فخالفتم صريح القياس والمنقول عن الصحابة والتابعين بأصح إسناد يكون ثم ناقضتم القياس من وجه آخر فقلتم: إذا قال quot; الطلاق يلزمني لأفعلن كذا إن شاء الله quot; ثم لم يفعله لم يحنث لأنه أخرجه مخرج اليمين وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - من حلف فقال إن شاء الله فإن شاء فعل وإن شاء ترك فجعلتموه يمينا ثم قلتم: يلزمه وقوع الطلاق لأنه تعليق فليس بيمين ثم ناقضتم من وجه آخر فقلتم: لو قال: quot; الطلاق يلزمني لا أجامعها سنة quot; فهو مول فيدخل في قوله تعالى: للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر [البقرة: 226] والألية والإيلاء والائتلاء هو الحلف بعينه كما في الحديث تألى على الله أن لا يفعل خيرا وقال تعالى: ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى [النور: 22] . وقال الشاعر: قليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن سبقت منه الألية برت ثم قلتم: وليس بيمين فيدخل في قوله: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم [التحريم: 2] فيالله العجب ما الذي أحله عاما وحرمه عاما وجعله يمينا وليس بيمين ثم ناقضتم من وجه آخر فقلتم: إن قال: quot; إن فعلت كذا فأنا كافر quot; وفعله لم يكفر لأنه لم يقصد الكفر وإنما قصد منع نفسه من الفعل بمنعها من الكفر وهذا حق لكن نقضتموه(1\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "210",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "212",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في الطلاق والعتاق مع أنه لا فرق بينهما ألبتة في هذا المعنى الذي منع من وقوع الكفر ثم ناقضتم من وجه آخر فقلتم: لو قال: quot; إن فعلت كذا فعلي أن أطلق امرأتي quot; فحنث لم يلزمه أن يطلقها ولو قال: quot; إن فعلته فالطلاق يلزمني quot;: فحنث لم يلزمه أن يطلقها ولو قال: quot; إن فعلته فالطلاق يلزمني quot; فحنث وقع عليه الطلاق ولا تفرق اللغة ولا الشريعة بين المصدر وأن والفعل. فإن قلتم: الفرق بينهما أنه التزم في الأول التطليق وهو فعله وفي الثاني وقوع الطلاق وهو أثر فعله. قيل: هذا الفرق الذي تخيلتموه لا يجدي شيئا فإن الطلاق هو التطليق بعينه وإنما أثره كونها طالقا وهذا غير الطلاق فههنا ثلاثة أمور مرتبة: التزام التطليق وهذا غير الطلاق بلا شك. والثاني: إيقاع التطليق وهو الطلاق بعينه الذي قال الله فيه: الطلاق مرتان [البقرة: 229] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: الطلاق لمن أخذ بالساق . الثالث: صيرورة المرأة طالقا وبينونتها فالقائل quot; إن فعلت كذا فعلي الطلاق quot; لم يرد هذا الثالث قطعا فإنه ليس إليه ولا من فعله وإنما هو إلى الشارع والمكلف إنما يلزم ما يدخل تحت مقدرته وهو إنشاء الطلاق فلا فرق أصلا بين هذا اللفظ وبين قوله: quot; فعلي أن أطلق quot; فالتفريق بينهما تفريق بين متساويين وهو عدول عن محض القياس من غير نص ولا إجماع ولا قول صاحب. يوضحه أن قوله: quot; فالطلاق لازم لي quot; إنما هو فعله الذي يلزمه بالتزامه وأما كونها طالقا فهذا وصفها فليس هو لازما له وإنما هو لازم لها. فلينظر اللبيب المنصف الذي العلم أحب إليه من التقليد إلى مقتضى القياس المحض واتباع الصحابة والتابعين في هذه المسألة ثم ليختر لنفسه ما شاء والله الموفق. ثم ناقضتم أيضا من وجه آخر فقلتم: لو قال: quot; إن حلفت بطلاقك أو وقع مني يمين بطلاقك quot; أو لم يقل بطلاقك بل قال: quot; متى حلفت أو أوقعت يمينا فأنت طالق quot; ثم قال: quot; إن كلمت فلانا فأنت طالق quot; حنث وقد وقع عليه الطلاق لأنه قد حلف وأوقع اليمين فأدخلتم الحلف بالطلاق في اسم اليمين والحلف في كلام المكلف ولم تدخلوه في اسم اليمين والحلف في كلام الله ورسوله وزعمتم أنكم اتبعتم في ذلك القياس والإجماع وقد أريناكم مخالفتكم لصريح القياس مخالفة لا يمكنكم الانفكاك عنها بوجه. ومخالفتكم للمنقول عن الصحابة والتابعين كأصحاب ابن عباس فظهر عند المنصفين أنا أولى بالقياس والاتباع منكم في هذه المسألة وبالله التوفيق.(1\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "211",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "213",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقلتم: لو شهد عليه أربعة بالزنا فصدق الشهود سقط عنه الحد وإن كذبهم أقيم عليه الحد وهذا من أفسد قياس في الدنيا فإن تصديقهم إنما زادهم قوة وزاد الإمام يقينا وعلما أعظم من العلم الحاصل بالشهادة وتكذيبه. وتفريقكم - بأن البينة لا يعمل بها إلا مع الإنكار فإذا أقر فلا عمل للبينة والإقرار مرة لا يكفي فيسقط الحد - تفريق باطل فإن العمل هاهنا بالبينة لا بالإقرار وهو إنما صدر منه تصديق البينة التي وجب الحكم بها بعد الشهادة فسواء أقر أم لم يقر فالعمل إنما هو بالبينة. وقلتم: لو وجد الرجل امرأة على فراشه فظن أنها امرأته فوطئها حد حد الزنا ولا يكون هذا شبهة مسقطة للحد ولو عقد على ابنته أو أمه ووطئها كان ذلك شبهة مسقطة للحد ولو حبلت امرأة لا زوج لها ولا سيد وولدت مرة بعد مرة لم تحد ولو تقايأ الخمر كل يوم لم يحد فتركتم محض القياس والثابت عن الصحابة ثبوتا لا شك فيه من الحد بالحبل ورائحة الخمر. وقلتم: لو شهد عليه أربعة بالزنا فطعن في عدالتهم حبس إلا أن تزكى الشهود ولو شهد عليه اثنان بمال فطعن في عدالتهما لم يحبس قبل التزكية فتركتم محض القياس وقستم دعوى المرأتين الولد وإلحاقه بهما وجعلهما أمين له على دعوى الرجلين وهذا من أفسد القياس فإن خروج الولد من أمين معلوم الاستحالة وتخليقه من ماء الرجلين ممكن بل واقع كما شهد به القائف عند عمر وصدقه. وقلتم: لو قال لأجنبي quot; طلق امرأتي quot; فله أن يطلق في المجلس وبعده ولو قال لامرأته: quot; طلقي نفسك quot; فلها أن تطلق نفسها ما دامت في المجلس ثم فرقتم بينهما بأن quot; طلقي نفسك quot; تمليك لا توكيل لاستحالة أن يكون وكيلا في التصرف لنفسه فيقيد بالمجلس وأما بالنسبة إلى الأجنبي فتوكيل فلا يتقيد وهذا الفرق دعوى مجردة ولم تذكروا حجة على أن قوله: quot; طلقي نفسك quot; تمليك وقولكم quot; الوكيل لا يتصرف لنفسه quot; جوابه: له أن يتصرف لنفسه ولموكله ولهذا كان الشريك وكيلا بعد قبض المال والتصرف وإن كان متصرفا لنفسه فإن تصرفه لا يختص به ثم ناقضتم هذا الفرق فقلتم: لو قال quot; أبرئ نفسك من الدين الذي عليك quot; فإنه لا يتقيد بالمجلس ويكون توكيلا مع أنه تصرف مع نفسه ففرقتم بين quot; طلقي نفسك quot; و quot; أبرئ نفسك مما عليك من الدين quot; وهو تفريق بين متماثلين فتركتم محض القياس. وقالوا: من أقام شهود زور على أن زيدا طلق امرأته فحكم الحاكم بذلك فهي حلال(1\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "212",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "214",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لمن تزوجها من الشهود وكذلك لو أقام شهود زور على أن فلانة تزوجته بولي ورضا فقضى القاضي بذلك فهي له حلال وكذلك لو شهدوا عليه بأنه أعتق جاريته هذه فقضى القاضي بذلك فهي حلال لمن تزوجها ممن يدري باطن الأمر فتركوا محض القياس وقواعد الشريعة ثم ناقضوا فقالوا: لو شهدوا له زورا بأنه وهب له مملوكته هذه أو باعها منه لم يحل له وطؤها بذلك ثم ناقضوا بذلك أعظم مناقضة فقالوا: لو شهدا بأنه تزوجها بعد انقضاء عدتها من المطلق وكانا كاذبين فإنها لا تحل وحبسها على زوجها أعظم من حبسها على عدته فأحلوها في أعظم العصمتين وحرموها في أدناهما وحرمة النكاح أعظم من حرمة العدة. وقلتم: لا يحد الذمي إذا زنا بالمسلمة ولو كانت قرشية علوية أو عباسية ولا بسب الله ورسوله وكتابه ودينه جهرة في أسواقنا ومجامعنا ولا بتخريب مساجد المسلمين ولو أنها المساجد الثلاثة ولا ينتقض عهده بذلك وهو معصوم المال والدم حتى إذا منع دينارا واحدا مما عليه من الجزية وقال: quot; لا أعطيكموه quot; انتقض بذلك عهده وحل ماله ودمه ثم ناقضتم من وجه آخر فقلتم: لو سرق لمسلم عشرة دراهم لقطعت يده ولو قذفه حد بقذفه فيا للقياس الفاسد الباطل المناقض للدين والعقل الموجب لهذه الأقوال التي يكفي في ردها تصورها كيف استجاز المستجيز تقديمها على السنن والآثار والله المستعان. وأجزتم شهادة الفاسقين والمحدودين في القذف والأعميين في النكاح ثم ناقضتم فقلتم: لو شهد فيه عبدان صالحان عالمان يفتيان في الحلال والحرام لم يصح النكاح ولم ينعقد بشهادتهما فمنعتم انعقاده بشهادة من عدله الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وعقدتموه بشهادة من فسقه الله ورسوله ومنع من قبول شهادته. وقلتم: لو شهد شاهد على زيد أنه غصب عمرا مالا أو شجه أو قذفه وشهد آخر أنه أقر بذلك ولم يتم النصاب لم يقض عليه بشيء ولو شهد شاهد بأنه طلق امرأته أو أعتق عبده أو باعه وشهد آخر بإقراره بذلك تمت الشهادة وقضي عليه. وقلتم: لو قال له: quot; بعتك هذا العبد بألف quot; فإذا هو جارية أو بالعكس فالبيع باطل فلو قال: quot; بعتك هذه النعجة بعشرة quot; فإذا هي كبش أو بالعكس فالبيع صحيح ثم فرقتم بأن قلتم: المقصود من الجارية والعبد مختلف والمقصود من النعجة والكبش متقارب وهو اللحم وهذا غير صحيح فإن الدر والنسل المقصود من الأنثى لا يوجد في الذكر وعسب الفحل وضرابه المقصود منه لا يوجد في الأنثى ثم ناقضتم أبين مناقضة بأن قلتم: لو قال:(1\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "213",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "215",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعتك هذا القمح quot; فإذا هو شعير أو quot; هذه الألية quot; فإذا هي شحم لم يصح البيع مع تقارب القصد. وقلتم: لو باعه ثوبا من ثوبين لم يصح البيع لعدم التعيين فلو كانت ثلاثة أثواب فقال: quot; بعتك واحدا منها quot; صح البيع فيالله العجب كيف أبطلتموه مع قلة الجهالة والغرر وصححتموه مع زيادتهما أفترى زيادة الثوب الثالث خففت الغرر ورفعت الجهالة  وتفريقكم بأن العقد على واحد من اثنين يتضمن الجهالة والتغرير لأنه قد يكون أحدهما مرتفعا والآخر رديئا فيفضي إلى التنازع والاختلاف فإذا كانت ثلاثة فالثلاثة تتضمن الجيد والرديء والوسط فكأنه قال: quot; بعتك أوسطها quot; وذلك أقل غررا من بيعه واحدا من اثنين رديء وجيد وإذا أمكن حمل كلام المتعاقدين على الصحة فهو أولى من إلغائه وهذا الفرق ما زاد المسألة إلا غررا وجهالة فإن النزاع كان يكون في ثوبين فقط وأما الآن فصار في ثلاثة وإذا قال: quot; إنما وقع العقد على الوسط quot; قال الآخر quot; بل على الأدنى أو على الأعلى quot;. وقلتم: لو اشترى جارية ثم أراد وطأها قبل الاستبراء لم يجز ولو تيقنا فراغ رحمها بأن كانت بكرا أو كانت بائعتها امرأة معه في الدار بحيث تيقن أنها غير مشغولة الرحم أو باعها وقد ابتدأت في الحيضة ونحو ذلك ثم قلتم: لو وطئها السيد البارحة ثم زوجها منه الغد جاز له وطؤها ورحمها مشتغل على ماء الوطء فتركتم محض القياس والمصلحة وحكمة الشارع لفرق متخيل لا يجدي شيئا وهو أن النكاح لما صح كان ذلك حكما بفراغ الرحم فإذا حكم بفراغ رحمها جاز له وطؤها فيقال: يالله العجب كيف يحكم بفراغ رحمها وهو حديث عهد بوطئها وهل هذا إلا حكم باطل مخالف للحس والعقل والشرع نعم لو أنكم قلتم: quot; لا يحل له تزوجها حتى يستبرئها ويحكم بفراغ رحمها quot; لكان هذا فرقا صحيحا وكلاما متوجها ويقال حينئذ: لا معنى لاستبراء الزوج فله أن يطأها عقيب العقد فذا محض القياس وبالله التوفيق. وقلتم: من طاف أربعة أشواط من السبع فلم يكمله حتى رجع إلى أهله إنه يجبره بدم وصح حجه إقامة للأكثر مقام الكل فخرجتم عن محض القياس لأن الأركان لا مدخل للدم في تركها وما أمر به الشارع لا يكون المكلف ممتثلا به حتى يأتي بجميعه ولا يقوم أكثره مقام كله كما لا يقوم الأكثر مقام الكل في الصلاة والصيام والزكاة والوضوء وغسل الجنابة فهذا هو القياس الصحيح والمأمور ما لم يفعل ما أمر به فالخطاب متوجه إليه بعد وهو في عهدته والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسامح المتوضئ بترك لمعة في محل الفرض لم(1\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "214",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "216",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يصبها الماء ولا أقام الأكثر مقام الكل والذي جاءت به الشريعة هو الميزان العادل لا هذا الميزان العائل وبالله التوفيق. وقستم الادهان بالخل والزيت في الإحرام على الادهان بالمسك والعنبر في وجوب الفدية ويا بعد ما بينهما ولم تقيسوا نبيذ التمر على نبيذ العنب مع قرب الأخوة التي بينهما. وقلتم: لو أفطر في نهار رمضان فلزمته الكفارة ثم سافر لم تسقط عنه لأن سفره قد يتخذ وسيلة وحيلة إلى إسقاط ما أوجب الشرع فلا تسقط وهذا بخلاف ما إذا مرض أو حاضت المرأة فإن الكفارة تسقط لأن الحيض والمرض ليس من فعله ثم ناقضتم أعظم مناقضة فقلتم: لو احتال لإسقاط الزكاة عند آخر الحول فملك ماله لزوجته لحظة فلما انقضى الحول استرده منها واعتذاركم بالفرق - بأن هذا تحيل على منع الوجوب وذاك تحايل على إسقاط الواجب بعد ثبوته والفرق بينهما ظاهر - اعتذارا لا يجدي شيئا فإنه كما لا يجوز التحيل لإسقاط ما أوجبه الله ورسوله لا يجوز التحيل لإسقاط أحكامه بعد انعقاد أسبابها ولا تسقط بذلك. وإذا انعقد سبب الوجود لم يكن للمكلف لإسقاطه بعد ذلك سبيل وسبب الوجوب هنا قائم وهو الغنى بملك النصاب وهو لم يخرج عن الغنى بهذا التحيل. ولا يعده الله ولا رسوله ولا أحد من خلقه ولا نفسه فقيرا مسكينا بهذا التحيل يستحق أخذ الزكاة ولا تجب عليه الزكاة. هذا من أقبح الخداع والمكر فكيف يروج على من يعلم خفايا الأمور وخبايا الصدور وأين القياس والميزان والعدل الذي بعث الله به رسله من التحيل على المحرمات وإسقاط الواجبات وكيف تخرج الحيلة المفسدة التي في العقود المحرمة في كونها مفسدة أم كيف يقلل بها مصلحة محضة ومن المعلوم أن المفسدة تزيد بالحيلة ولا تزول وتضاعف ولا تضعف فكيف تزول المفسدة العظيمة التي اقتضت لعنة الله ورسوله للمحلل والمحلل له بأن يشترطا ذلك قبل العقد ثم يعقدا بنية ذلك الشرط ولا يشرطاه في صلب العقد فإذا أخليا صلب العقد من التلفظ بشرطه حسب والله ورسوله والناس وهما يعلمون أن العقد إنما عقد على ذلك فيالله العجب أكانت هذه اللعنة على مجرد ذكر الشرط في صلب العقد فإذا تقدم على العقد انقلبت اللعنة رحمة وثوابا وهل الاعتبار في العقود إلا بحقائقها ومقاصدها وهل الألفاظ إلا مقصودة لغيرها قصد الوسائل فكيف يضاع المقصود ويعدل عنه في عقد مساو لغيره من كل وجه لأجل تقديم لفظ أو تأخيره أو إبداله(1\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "215",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "217",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بغيره والحقيقة واحدة هذا مما تنزه عنه الشريعة الكاملة المشتملة على مصالح العباد في دينهم ودنياهم فأصحاب الحيل تركوا محض القياس فإن ما احتالوا عليه من العقود المحرمة مساو من كل وجه لها في القصد والحقيقة والمفسدة والفارق أمر صوري أو لفظي لا تأثير له ألبتة فأي فرق بين أن يبيعه تسعة دراهم بعشرة ولا شيء معها وبين أن يضم إلى أحد العوضين خرقة تساوي فلسا أو عود حطب أو أذن شاة ونحو ذلك فسبحان الله ما أعجب حال هذه الضميمة الحقيرة التي لا تقصد كيف جاءت إلى المفسدة التي أذن الله ورسوله بحرب من توسل إليها بعقد الربا فأزالتها ومحتها بالكلية بل قلبتها مصلحة وجعلت حرب الله ورسوله سلما ورضا وكيف جاء محلل الربا المستعار الذي هو أخو محلل النكاح إلى تلك المفاسد العظيمة فكشطها كشط الجلد عن اللحم بل قلبها مصالح بإدخال سلعة بين المرابيين تعاقدا عليها صورة ثم أعيدت إلى مالكها ولله ما أفقه ابن عباس في الدين وأعلمه بالقياس والميزان حيث سئل عما هو أقرب من ذلك بكثير فقال: دراهم بدراهم دخلت بينهما جريرة فيالله العجب كيف اهتدت هذه الجريرة لقلب مفسدة الربا مصلحة ولعنة آكله رحمة وتحريمه إذنا وإباحة ثم أين القياس والميزان في إباحة العينة التي لا غرض للمرابيين في السلعة قط وإنما غرضهما ما يعلمه الله ورسوله وهما والحاضرون من أخذ مائة حالة وبذل مائة وعشرين مؤجلة ليس لهما غرض وراء ذلك ألبتة فكيف يقول الشارع الحكيم: إذا أردتم حل هذا فتحيلوا عليه بإحضار سلعة يشتريها آكل الربا بثمن مؤجل في ذمته ثم يبيعها للمرابي بنقد حاضر فينصرفان على مائة بمائة وعشرين والسلعة حرف جاء لمعنى في غيره وهل هذا إلا عدول عن محض القياس وتفريق بين متماثلين في الحقيقة والقصد والمفسدة من كل وجه بل مفسدة الحيل الربوية أعظم من مفسدة الربا الخالي عن الحيلة فلو لم تأت الشريعة بتحريم هذه الحيل لكان محض القياس والميزان العادل يوجب تحريمها ولهذا عاقب الله - سبحانه وتعالى - من احتال على استباحة ما حرمه بما لم يعاقب به من ارتكب ذلك المحرم عاصيا فهذا من جنس الذنوب التي يتاب منها وذاك من جنس البدع التي يظن صاحبها أنه من المحسنين. والمقصود ذكر تناقض أصحاب القياس والرأي فيه وأنهم يفرقون بين المتماثلين ويجمعون بين المختلفين كما فرقتم بين ما لو وكل رجلين معا في الطلاق فقلتم: لأحدهما أن ينفرد بإيقاعه ولو وكلهما معا في الخلع لم يكن لأحدهما أن ينفرد به وفرقتهم بين [الأمرين] بما لا يجدي شيئا وهو أن الخلع كالبيع وليس لأحد الوكيلين الانفراد به لأنه(1\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "216",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "218",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أشرك بينهما في الرأي ولم يرض بانفراد أحدهما وأما الطلاق فليس المقصود منه المال وإنما هو تنفيذ قوله وامتثال أمره فهو كما لو أمرهما بتبليغ الرسالة وهذا فرق لا تأثير له ألبتة بل هو باطل فإن احتياج الطلاق ومفارقة الزوجة إلى الرأي والخبرة والمشاورة مثل احتياج الخلع أو أعظم ولهذا أمر الله - سبحانه - ببعث الحكمين معا وليس لأحدهما أن ينفرد بالطلاق مع أنهما وكيلان عند القياسيين والله تعالى جعلهما حكمين ولم يجعل لأحدهما الانفراد فما بال وكيلي الزوج لأحدهما الانفراد وهل هذا إلا خروج عن محض القياس وموجب النص وقلتم: لو قال لامرأته quot; طلقي نفسك quot; ثم نهاها في المجلس ثم طلقت نفسها وقع الطلاق ولو قال ذلك لأجنبي ثم نهاه في المجلس ثم طلق لم يقع الطلاق: فخرجتم عن موجب القياس وفرقتم بأن قوله لها تمليك وقوله للأجنبي توكيل وقد تقدم بطلان هذا الفرق قريبا. وقلتم: لو وصى إلى عبد غيره فالوصية باطلة وإن أجاز سيده ولو وكل عبد غيره فالوكالة جائزة وإن ردها السيد ولكن تكره بدون إذنه وقلتم: إذا أوصى بأن يعتق عنه عبدا بعينه فأعتقه الوارث عن نفسه وقع عن الميت ولو أعتقه الوصي عن نفسه لم يجز عن نفسه ولا عن الميت وفرقتم بأن تصرف الوارث بحق الملك فنفذ تصرفه وإن خالف الموصي وتصرف الوصي بحق الوكالة فلا يصح فيما خالف الموصي وهذا فرق لا يصح فإن تعيين الموصي للعتق في هذا العبد قطع ملك الوارث له فهو كما لو أوصى إلى أجنبي بعتقه سواء وإنما ينتقل إلى الوارث من التركة ما زاد على الدين والوصية اللازمة. وقلتم: لو قال: quot; ثلث مالي لفلان وفلان quot; وأحدهما ميت فالثلث كله للحي ولو قال: quot; بين فلان وفلان quot; وأحدهما ميت فللحي نصفه وهذا تفريق بين متماثلين لفظا ومعنى وقصدا واقتضاء الواو للتشريك كاقتضاء quot; بين quot; ولهذا استويا في الإقرار وفي استحقاق كل واحد منهما النصف لو كانا حيين وقلتم: لو أوصى له بثلث ماله وليس له من المال شيء ثم اكتسب مالا فالوصية لازمة في ثلثه ولو أوصى له بثلث غنمه ولا غنم له ثم اكتسب غنما فالوصية باطلة فتركتم محض القياس وفرقتم تفريقا لا تأثير له ولا يتحصل منه عند التحقيق شيء والله المستعان وعليه التكلان  [فصل مثل مما جمع فيه القياسيون بين المتفرقات] وجمعتم بين ما فرق الله بينه من الأعضاء الطاهرة والأعضاء النجسة فنجستم الماء الذي يلاقي هذه وهذه عند رفع الحدث وفرقتم بين ما جمع الله بينه من الوضوء والتيمم(1\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "217",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "219",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقلتم: يصح أحدهما بلا نية دون الآخر وجمعتم بين ما فرق الله بينهما من الشعور والأعضاء فنجستم كليهما بالموت وفرقتم بين ما جمع الله بينهما من سباع البهائم فنجستم منها الكلب والخنزير دون سائرها وجمعتم بين ما فرق الله بينه وهو الناسي والعامد والمخطئ والذاكر والعالم والجاهل فإنه - سبحانه - فرق بينهم في الإثم فجمعتم بينهم في الحكم في كثير من المواضع كمن صلى بالنجاسة ناسيا أو عامدا. وكمن فعل المحلوف عليه ناسيا أو عامدا وكمن تطيب في إحرامه أو قلم ظفره أو حلق شعره ناسيا أو عامدا فسويتم بينهما وفرقتم بين ما جمع الله بينه من الجاهل والناسي فأوجبتم القضاء على من أكل في رمضان جاهلا ببقاء النهار دون الناسي وفي غير ذلك من المسائل وفرقتم بين ما جمع الله بينه من عقود الإجارات كاستئجار الرجل لطحن الحب بنصف كر من دقيق واستئجاره لطحنه بنصف كر منه فصححتم الأول دون الثاني مع استوائهما من جميع الوجوه. وفرقتم بأن العمل في الأول في العوض الذي استأجره به ليس مستحقا عليه وفي الثاني العمل مستحق عليه فيكون مستحقا له وعليه وهذا فرق صوري لا تأثير له ولا تتعلق بوجوده مفسدة قط لا جهالة ولا ربا ولا غرر ولا تنازع ولا هي مما يمنع صحة العقد بوجه وأي غرر أو مفسدة أو مضرة للمتعاقدين في أن يدفع إليه غزله ينسجه ثوبا بربعه وزيتونه يعصره زيتا بربعه وحبه يطحنه بربعه وأمثال ذلك مما هو مصلحة محضة للمتعاقدين لا تتم مصلحتهما في كثير من المواضع إلا به فإنه ليس كل واحد يملك عوضا يستأجر به من يعمل له ذلك والأجير محتاج إلى جزء من ذلك والمستأجر محتاج إلى العمل وقد تراضيا بذلك. ولم يأت من الله ورسوله نص يمنعه ولا قياس صحيح ولا قول صاحب ولا مصلحة معتبرة ولا مرسلة ففرقتم بين ما جمع الله بينه وجمعتم بين ما فرق الله بينه فقلتم: لو اشترى عنبا ليعصره خمرا أو سلاحا ليقتل به مسلما ونحو ذلك إن البيع صحيح وهو كما لو اشتراه ليقتل به عدو الله ويجاهد به في سبيله أو اشترى عنبا ليأكله كلاهما سواء في الصحة وجمعتم بين ما فرق الله بينه فقلتم: لو استأجر دارا ليتخذها كنيسة يعبد فيها الصليب والنار جاز له كما لو استأجرها ليسكنها ثم ناقضتم أعظم مناقضة فقلتم: لو استأجرها ليتخذها مسجدا لم تصح الإجارة. وفرقتم بين ما جمع الله بينه فقلتم: لو استأجر أجيرا بطعامه وكسوته لم يجز والله - سبحانه - لم يفرق بين ذلك وبين استئجاره بطعام مسمى وثياب معينة وقد كان الصحابة يؤجر أحدهم نفسه في السفر والغزو بطعام بطنه ومركوبه وهم أفقه الأمة وفرقتم بين ما جمع الله بينه من عقدين متساويين من كل وجه وقد صرح المتعاقدان فيهما بالتراضي وعلم الله - سبحانه - تراضيهما(1\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "218",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "220",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحاضرون. فقلتم: هذا عقد باطل لا يفيد الملك ولا الحل حتى صرحا بلفظ بعت واشتريت ولا يكفيهما أن يقول كل واحد منهما أنا راض بهذا كل الرضا ولا قد رضيت بهذا عوضا عن هذا مع كون هذا اللفظ أدل على الرضا الذي جعله الله - سبحانه - شرطا للحل من لفظه بعت واشتريت فإنه لفظ صريح فيه وبعت واشتريت إنما يدل عليه باللزوم وكذلك عقد النكاح وليس ذلك من العبادات التي تعبدنا الشارع فيها بألفاظ لا يقوم غيرها مقامها كالأذان وقراءة الفاتحة في الصلاة وألفاظ التشهد وتكبيرة الإحرام وغيرها بل هذه العقود تقع من البر والفاجر والمسلم والكافر ولم يتعبدنا الشارع فيها بألفاظ معينة فلا فرق أصلا بين لفظ الإنكاح والتزويج وبين كل لفظ يدل على معناها. وأفسد من ذلك اشتراط العربية مع وقوع النكاح من العرب والعجم والترك والبربر ومن لا يعرف كلمة عربية والعجب أنكم اشترطتم تلفظه بلفظ لا يدري ما معناه ألبتة وإنما هو عنده بمنزلة صوت في الهواء فارغ لا معنى تحته فعقدتم العقد به وأبطلتموه بتلفظه باللفظ الذي يعرفه ويفهم معناه ويميز بين معناه وغيره وهذا من أبطل القياس ولا يقتضي القياس إلا ضد هذا فجمعتم بين ما فرق الله بينه وفرقتم بين ما جمع الله بينه. وبإزاء هذا القياس من يجوز قراءة القرآن بالفارسية ويجوز انعقاد الصلاة بكل لفظ يدل على التعظيم كسبحان الله وجل الله والله العظيم ونحوه - عربيا كان أو فارسيا ويجوز إبدال لفظ التشهد بما يقوم مقامه وكل هذا من جنايات الآراء والأقيسة والصواب اتباع ألفاظ العبادات والوقوف معها وأما العقود والمعاملات فإنما يتبع مقاصدها والمراد منها بأي لفظ كان إذ لم يشرع الله ورسوله لنا التعبد بألفاظ معينة لا نتعداها. وجمعتم بين ما فرق الله بينه من إيجاب النفقة والسكنى للمبتوتة وجعلتموها كالزوجة وفرقتم بين ما جمع الله ورسوله بينه من ملازمة الرجعية المعتدة والمتوفى عنها زوجها منزلهما حيث يقول تعالى: لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن [الطلاق: 1] وحيث أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المتوفى عنها أن تمكث في بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله  وجمعتم بين ما فرق الله بينهما من بول الطفل والطفلة الرضيعين فقلتم: يغسلان وفرقتم بين ما جمعت السنة بينه من وجوب غسل قليل البول وكثيره وفرقتم بين ما جمع الله ورسوله بينهما من ترتيب أعضاء الوضوء وترتيب أركان الصلاة فأوجبتم الثاني دون الأول ولا فرق بينهما لا في المعنى ولا في النقل والنبي - صلى الله عليه وسلم - هو المبين عن الله - سبحانه - أمره ونهيه ولم يتوضأ قط إلا مرتبا ولا مرة واحدة في عمره كما لم يصل إلا مرتبا ومعلوم أن العبادة المنكوسة ليست كالمستقيمة ويكفي هذا الوضوء اسمه وهو أنه وضوء منكس فكيف يكون عبادة(1\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "219",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "221",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجمعتم بين ما فرق الله بينه من إزالة النجاسة ورفع الحدث فسويتم بينهما في صحة كل منهما بغير نية وفرقتم بين ما جمع الله بينهما من الوضوء والتيمم فاشترطتم النية لأحدهما دون الآخر وتفريقكم بأن الماء يطهر بطبعه فاستغنى عن النية بخلاف التراب فإنه لا يصير مطهرا إلا بالنية فرق صحيح بالنسبة إلى إزالة النجاسة فإنه مزيل لها بطبعه. وأما رفع الحدث فإنه ليس رافعا له بطبعه إذ الحدث ليس جسما محسوسا يرفعه الماء بطبعه بخلاف النجاسة وإنما يرفعه بالنية فإذا لم تقارنه النية بقي على حاله فهذا هو القياس المحض. وجمعتم بين ما فرق الله بينه فسويتم بين بدن أطيب المخلوقات وهو ولي الله المؤمن وبين بدن أخبث المخلوقات وهو عدوه الكافر فنجستم كليهما بالموت ثم فرقتم بين ما جمع الله بينه فقلتم: لو غسل المسلم ثم وقع في ماء لم ينجسه ولو غسل الكافر ثم وقع في ماء نجسه ثم ناقضتم في الفرق بأن المسلم إنما غسل ليصلى عليه فطهر بالغسل لاستحالة الصلاة عليه وهو نجس بخلاف الكافر وهذا الفرق ينقض ما أصلتموه من أن النجاسة بالموت نجاسة عينية فلا تزول بالغسل لأن سببها قائم وهو الموت وزوال الحكم مع بقاء سببه ممتنع فأي القياسين هو المعتد به في هذه المسألة وفرقتم بين ما جمعت السنة والقياس بينهما فقلتم: لو طلعت عليه الشمس وقد صلى من الصبح ركعة بطلت صلاته ولو غربت عليه الشمس وقد صلى من العصر ركعة صحت صلاته والسنة الصحيحة الصريحة قد سوت بينهما وتفريقكم بأنه في الصبح خرج من وقت كامل إلى غير وقت كامل ففسدت صلاته وفي العصر خرج من وقت كامل إلى وقت كامل وهو وقت صلاة فافترقا ولو لم يكن في هذا القياس إلا مخالفته لصريح السنة لكفى في بطلانه فكيف وهو قياس فاسد في نفسه  فإن الوقت الذي خرج إليه في الموضعين ليس وقت الصلاة الأولى فهو ناقص بالنسبة إليها ولا ينفع كماله بالنسبة إلى الصلاة التي هو فيها. فإن قيل: لكنه خرج إلى وقت نهي في الصبح وهو وقت طلوع الشمس ولم يخرج إلى وقت نهي في المغرب. قيل: هذا فرق فاسد لأنه ليس بوقت نهي عن هذه الصلاة التي هو فيها بل هو وقت أمر بإتمامها بنص صاحب الشرع حيث يقول: فليتم صلاته وإن كان وقت نهي بالنسبة إلى التطوع فظهر أن الميزان الصحيح مع السنة الصحيحة وبالله التوفيق. وجمعتم بين ما فرق الله بينه فقلتم: المختلعة البائنة التي قد ملكت نفسها يلحقها(1\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "220",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "222",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطلاق فسويتم بينها وبين الرجعية في ذلك وقد فرق الله بينهما بأن جعل هذه مفتدية لنفسها مالكة لها كالأجنبية وتلك زوجها أحق بها ثم فرقتم بين ما جمع الله بينه فأوقعتم عليها مرسل الطلاق دون معلقه وصريحه دون كنايته ومن المعلوم أن من ملكه الله أحد الطلاقين ملكه الآخر ومن لم يملكه هذا لم يملكه هذا. وجمعتم بين ما فرق الله بينه فمنعتم من أكل الضب وقد أكل على مائدة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ينظر وقيل له: أحرام هو فقال: لا فقستموه على الأحناش والفئران وفرقتم بين ما جمعت السنة بينه من لحوم الخيل التي أكلها الصحابة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع لحوم الإبل وأذن الله تعالى فيها فجمع الله ورسوله بينهما في الحل وفرق الله ورسوله بين الضب والحنش في التحريم وجمعتم بين ما فرقت السنة بينه من لحوم الإبل وغيرها حيث قال: توضؤا من لحوم الإبل ولا تتوضئوا من لحوم الغنم فقلتم لا نتوضأ لا من هذا ولا من هذا وفرقتم بين ما جمعت الشريعة بينه فقلتم في القيء: إن كان ملء الفم فهو حدث وإن كان دون ذلك فليس بحدث ولا يعرف في الشريعة شيء يكون كثيره حدثا دون قليلة وأما النوم فليس بحدث وإنما هو مظنته فاعتبروا ما يكون مظنة وهو الكثير وفرقتم بين ما جمع الله بينه فقلتم: لو فتح على الإمام في قراءته لم تبطل صلاته ولكن تكره لأن فتحه قراءة منه والقراءة خلف الإمام مكروهة ثم قلتم: فلو فتح على قارئ غير إمامه بطلت صلاته لأن فتحه عليه مخاطبة له فأبطلت الصلاة ففرقتم بين متماثلين لأن الفتح إن كان مخاطبة في حق غير الإمام فهو مخاطبة في حق الإمام وإن لم يكن مخاطبة في حق الإمام فليس بمخاطبة في حق غيره ثم ناقضتم من وجه آخر أعظم مناقضة فقلتم: لما نوى الفتح على غير الإمام خرج عن كونه قارئا إلى كونه مخاطبا بالنية ولو نوى الربا الصريح والتحليل الصريح وإسقاط الزكاة بالتمليك الذي اتخذه حيلة لم يكن مرابيا ولا مسقطا للزكاة ولا محللا بهذه النية. فيالله العجب كيف أثرت نية الفتح والإحسان على القارئ وأخرجته عن كونه قارئا إلى كونه مخاطبا ولم تؤثر نية الربا والتحليل مع إساءته بهما وقصده نفس ما حرمه الله فتجعله مرابيا محللا وهل هذا إلا خروج عن محض القياس وجمع بين ما فرق الشارع بينهما وتفريق بين ما جمع بينهما  وقلتم: لو اقتدى المسافر بالمقيم بعد خروج الوقت لا يصح اقتداؤه ولو اقتدى المقيم بالمسافر بعد خروج الوقت صح اقتداؤه(1\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "221",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "223",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا تفريق بين متماثلين ولو ذهب ذاهب إلى عكسه لكان من جنس قولكم سواء ولأمكنه تعليله بنحو ما عللتم به. ووجهتم الفرق بأن من شرط صحة اقتداء المسافر بالمقيم أن ينتقل فرضه إلى فرض إمامه وبخروج الوقت استقر الفرض عليه استقرارا لا يتغير بتغير حاله فبقي فرضه ركعتين فلو جوزنا له اقتداءه بالمقيم بعد خروج الوقت جوزنا اقتداء من فرضه ركعتان بمن فرضه أربع. وهذا لا يصح كمصلي الفجر إذا اقتدى بمصلي الظهر وليس كذلك المقيم إذا اقتدى بالمسافر بعد خروج الوقت إذ ليس من شرط صحة اقتداء المقيم بالمسافر أن ينتقل فرضه إلى فرض إمامه بدليل أنه لو اقتدى به في الوقت لم ينتقل فرضه إلى فرض إمامه بخلاف المسافر فإنه لو اقتدى بالمقيم في الوقت انتقل فرضه إلى فرض إمامه. ثم ناقضتم وقلتم: إذا كان الإمام مسافرا وخلفه مسافرون ومقيمون فاستخلف الإمام مقيما فإن فرض الإمام لا ينتقل إلى فرض إمامه وهو فرض المقيمين مع أن الفرق في الأصل مدخول. وذلك أن الصلاتين سواء في الاسم والحكم والوضع والوجوب وإن اختلفتا في كون الإمام مصليا فإذا صلى الإمام أربعا وجب على المأموم أن يصلي بصلاته كما لو كان في الوقت وخروج الوقت لا أثر له في ذلك فإن الذي فرضه الله عليه في الوقت هو بعينه فرضه بعد الوقت ولا سيما إذا كان نائما أو ناسيا فإن وقت اليقظة والذكر هو الوقت الذي شرع الله له الصلاة فيه وعذر السفر قائم وارتباط صلاته بصلاة الإمام حاصل فما الذي فرق بين الصورتين مع اتحاد السبب الجامع وقيام الحكمة المجوزة للقصر والمرجحة لمصلحة الاقتداء عند الانفراد وفرقتم بين ما جمعت الشريعة بينهما - وهو الحيض والنفاس فجعلتم أقل الحيض محدودا إما بثلاثة أيام أو بيوم وليلة أو بيوم ولم تجدوا أقل النفاس وكلاهما دم خارج من الفرج يمنع أشياء ويوجب أشياء وليسا اسمين شرعيين لم يعرفا إلا بالشريعة بل هما اسمان لغويان رد الشارع أمته فيهما إلى ما يتعارفه النساء حيضا ونفاسا قليلا كان أو كثيرا. وقد ذكرتم هذا بعينه في النفاس فما الذي فرق بينه وبين الحيض ولم يأت عن الله ولا عن رسوله ولا عن الصحابة تحديد أقل الحيض بحد أبدا ولا في القياس ما يقتضيه. والعجب أنكم قلتم: المرجع فيه إلى الوجود حيث لم يحده الشارع ثم ناقضتم فقلتم: حد أقله يوم وليلة. وأما أصحاب الثلاث فإنما اعتمدوا على حديث توهموه صحيحا وهو غير صحيح(1\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "222",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "224",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "باتفاق أهل الحديث فهم أعذر من وجه قال المفرقون: بل فرقنا بينهما بالقياس الصحيح فإن للقياس علما ظاهرا يدل على خروجه من الرحم وهو تقدم الولد عليه فاستوى قليله وكثيره لوجود علمه الدال عليه وليس مع الحيض علم يدل على خروجه من الرحم فإذا امتد زمنه صار امتداده علما ودليلا على أنه حيض معتاد وإذا لم يمتد لم يكن معنا ما يدل عليه أنه حيض فصار كدم الرعاف. ثم ناقضوا في هذا الفرق نفسه أبين مناقضة فقال أصحاب الثلاث: لو امتد يومين ونصف يوم دائما لم يكن حيضا حتى يمتد ثلاثة أيام. وقال أصحاب اليوم: لو امتد من غدوة إلى العصر دائما لم يكن حيضا حتى يمتد إلى غروب الشمس فخرجوا بالقياس عن محض القياس. وقلتم: إذا صلى جالسا ثم تشهد في حال القيام سهوا فلا سجود عليه وإن قرأ في حال التشهد فعليه السجود وهذا فرق بين متساويين من كل وجه وقلتم: إذا افتتح الصلاة في المسجد فظن أنه قد سبقه الحدث فانصرف ليتوضأ ثم علم أنه لم يسبقه الحدث وهو في المسجد جاز له المضي على صلاته وكذلك لو ظن أنه قد أتم صلاته ثم علم أنه لم يتم ثم قلتم: لو ظن أن على ثوبه نجاسة أو أنه لم يكن متوضئا فانصرف ليتوضأ أو يغسل ثوبه ثم علم أنه كان متوضئا أو طاهر الثوب لم يجز له البناء على صلاته ففرقتم بين ما لا فرق بينهما وتركتم محض القياس وفرقتم بأنه لما ظن سبق الحدث فقد انصرف من صلاته انصراف استئناف لا انصراف رفض فإنه لو تحقق ما ظنه جاز له المضي فلم يصر قاصدا للخروج من الصلاة فلم يمتنع البناء وكذلك لو ظن أنه قد أتم صلاته فلم ينصرف انصراف رفض وإذا لم يقصد الرفض لم تصر الصلاة مرفوضة كما لو سلم ساهيا وليس كذلك إذا ظن أنه لم يتوضأ أو أن على ثوبه نجاسة لأنه انصرف منها انصراف رفض ونوى الرفض مقارنا لانصرافه فبطلت كما لو سلم عامدا وهذا الفرق غير مجد شيئا بل هو فرق بين ما جمعت الشريعة بينهما فإنه في الموضعين انصرف انصرافا مأذونا فيه أو مأمورا به وهو معذور في الموضعين بل هذا الفرق حقيق باقتضائه ضد ما ذكرتم فإنه إذا ظن أنه لم يتوضأ فانصرافه مأمور به وهو عاص لله بتركه بخلاف ما إذا ظن أنه أتم صلاته فإن انصرافه مباح مأذون له فيه فكيف تصح الصلاة مع هذا الانصراف وتبطل بالانصراف المأمور به ثم إنه أيضا في انصرافه [حين] ظن أنه قد أتم صلاته ينصرف انصراف ترك حقيقة لأنه يظن أنه قد فرغ منها فتركها ترك من قد أكملها ومن ظن أنه محدث فإنما تركها ترك قاصد لتكملتها فهي أولى بالصحة(1\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "223",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "225",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقلتم: لو قال: quot; لله علي أن أصلي ركعتين quot; وقال آخر: quot; وأنا لله علي أصلي ركعتين quot; لم يجز لأحدهما أن يأتم بصاحبه لأنهما فرضان بسببين وهو نذر كل واحد منهما ولا يؤدى فرض خلف فرض آخر ثم ناقضتم فقلتم: لو قال الآخر: quot; وأنا لله علي أن أصلي الركعتين اللتين أوجبت على نفسك quot; جاز لأحدهما أن يأتم بالآخر لأنه أوجب على نفسه عين ما أوجبه الآخر على نفسه فصارتا كالظهر الواحدة وهذا ليس يجدي شيئا فإن سبب الوجوب مختلف كما في الصورة الأولى سواء وهو نذر كل واحد منهما على نفسه وليس الواجب على أحدهما هو عين الواجب على الآخر بل هو مثله ولهذا لا يتأدى أحد الواجبين بأداء الآخر ولا فرق بين المسألتين في ذلك ألبتة فإن كل واحد منهما يجب عليه ركعتان نظير ما وجب على الآخر بنذره فالسبب مماثل والواجب مماثل والتعدد في الجانبين سواء فالتفريق بينهما تفريق بين متماثلين وخروج عن محض القياس. وفرقتم بين ما جمع النص والميزان بينهما فقلتم: إذا ظفر بركاز فعليه فيه الخمس ثم يجوز له صرفه إلى أولاده وإلى نفسه إذا احتاج إليه وإذا وجب عليه عشر الخارج من الأرض لم يكن له صرفه إلى ولده ولا إلى نفسه وكلاهما واجب عليه إخراجه لحق الله وشكر النعمة بما أنعم عليه من المال ولكن لما كان الركاز مالا مجموعا لم يكن نماؤه وكماله بفعله فالمؤنة فيه أيسر كان الواجب فيه أكثر ولما كان الزرع فيه من المؤنة والكلفة والعمل أكثر مما في الركاز كان الواجب فيه نصفه وهو العشر فإن اشتدت المؤنة بالسقي بالكلفة حط الواجب إلى نصفه وهو نصف العشر فإن اشتدت المؤنة في المال غيره بالتجارة والبيع والشراء كل وقت وحفظه وكراء مخزنه ونقله خفف إلى شطره وهو ربع العشر فهذا من كمال حكمة الشارع في اعتبار كثرة الواجب وقلته فكيف يجوز له أن يعطي الواجب الأكثر الذي هو أقل مؤنة وتعبا وكلفة لأولاده ويمسكه لنفسه وقد أضعفه عليه الشارع أكثر من كل واجب في الزكاة ومخرج الجميع وإيجابه واحد نصا واعتبارا فالتفريق بينهما تفريق بين ما جمعت الشريعة بينهما حيث قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: في الركاز الخمس وفي الرقة ربع العشر . وقلتم: لو أودع من لا يعرفه مالا فغاب عنه سنين ثم عرفه فلا زكاة عليه لأنه لا يقدر على ارتجاعه منه فهو كما لو دفنه بمغارة فنسيه ثم ناقضتم فقلتم: لو أودعه من يعرفه فنسيه سنين ثم عرفه فعليه زكاة تلك السنين الماضية كلها والمال خارج عن قبضته وتصرفه وهو غير قادر على ارتجاعه في الصورتين ولا فرق بينهما وقد صرحتم في مسألة المغارة أنه لو دفنه خفي موضع منها ثم نسيه فلا زكاة عليه إذا عرفه بعد ذلك ولا فرق في هذا بين المغارة(1\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "224",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "226",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبين المودع بوجه ثم ناقضتم من وجه آخر وقلتم: لو دفنه في داره وخفي عليه موضعه سنين ثم عرفه وجبت عليه الزكاة لما مضى. وقلتم: لو وجب عليه أربع شياه فأخرج ثنتين سمينتين تساوي الأربع جاز فطرد قياسكم هذا أنه لو وجب عليه عشرة أقفزة بر فأخرج خمسة من بر مرتفع يساوي قيمة العشرة التي هي عليه جاز وطرده لو وجب عليه خمسة أبعرة فأخرج بعيرا يساوي قيمة الخمسة أنه يجوز ولو وجب عليه صاع في الفطرة فأخرج ربع صاع يساوي الصاع الذي لو أخرجه لتأدى به الواجب أنه يجوز فإن طردتم هذا القياس فلا يخفى ما فيه من تغيير المقادير الشرعية والعدول عنها ولزمكم طرده في أن من وجب عليه عتق رقبة فأعتق عشر رقبة تساوي قيمة رقبة غيرها جاز ومن نذر الصدقة بمائة شاة فتصدق بعشرين تساوي قيمة المائة جاز ثم ناقضتم فقلتم: لو وجب عليه أضحيتان فذبح واحدا سمينا يساوي وسطين لم يجز ثم فرقتم بأن قلتم: المقصود في الأضحية الذبح وإراقة الدم وإراقة دم واحد لا تقوم مقام إراقة دمين والمقصود في الزكاة سد خلة الفقير وهو يحصل بالأجود الأقل كما يحصل بالأكثر إذا كان دونه وهذا فرق إن صح لكم في الأضحية لم يصح لكم فيما ذكرناه من الصور فكيف ولا يصح في الأضحية فإن المقصود في الزكاة أمور عديدة منها سد خلة الفقير ومنها إقامة عبودية الله بفعل نفس ما أمر به. ومنها شكر نعمته عليه في المال. ومنها إحراز المال وحفظه بإخراج هذا المقدار منه. ومنها المواساة بهذا المقدار لما علم الله فيه من مصلحة رب المال ومصلحة الآخذ. ومنها التعبد بالوقوف عند حدود الله وأن لا ينقص منها ولا يغير وهذه المقاصد إن لم تكن أعظم من مقصود إراقة الدم في الأضحية فليست بدونه فكيف يجوز إلغاؤها واعتبار مجرد إراقة الدم ثم إن هذا الفرق ينعكس عليكم من وجه آخر وهو أن مقصود الشارع من إراقة دم الهدي والأضحية التقرب إلى الله - سبحانه - بأجل ما يقدر عليه من ذلك النوع وأعلاه وأغلاه ثمنا وأنفسه عند أهله فإنه لن يناله - سبحانه - لحومها ولا دماؤها وإنما يناله تقوى العبد منه ومحبته له وإيثاره بالتقرب إليه بأحب شيء إلى العبد وآثره عنده وأنفسه لديه كما يتقرب المحب إلى محبوبه بأنفس ما يقدر عليه وأفضله عنده. ولهذا فطر الله العباد على أن من تقرب إلى محبوبه بأفضل هدية يقدر عليها وأجلها وأعلاها كان أحظى لديه وأحب إليه ممن تقرب إليه بألف واحد رديء من ذلك النوع. وقد نبه - سبحانه - على هذا بقوله: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد [البقرة: 267] وقال تعالى: ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه [البقرة: 177](1\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "225",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "227",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: ويطعمون الطعام على حبه [الإنسان: 8] وسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أفضل الرقاب فقال: أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها ونذر عمر أن ينحر نجيبة فأعطي بها نجيبتين فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذهما بها وينحرهما فقال: لا بل انحرها إياها فاعتبر في الأضحية عين المنذور دون ما يقوم مقامه وإن كان أكثر منه فلأن يعتبر في الزكاة نفس الواجب دون ما يقوم مقامه ولو كان أكثر منه أولى وأحرى. وطرد قياسكم أنه لو وجب عليه أربع شياه جياد فأخرج عشرة من أردأ الشياه وأهزلها وقيمتهن قيمة الأربع أو وجب عليه أربع حقاق جياد فأخرج عشرين ابن لبون من أردأ الإبل وأهزلها أنه يجوز فإن منعتم ذلك نقضتم القياس وإن طردتموه تيممتم الخبيث منه تنفقون وسلطتم رب المال على إخراج رديئه ومعايبه عن جيده والمرجع في التقويم إلى اجتهاده وفي هذا من مخالفة الكتاب والميزان ما فيه. وفرقتم بين ما جمع الشارع بينه وجمعتم بين ما فرق بينه وأما الأول فقلتم: يصح صوم رمضان بنية من النهار قبل الزوال ولا يصح صوم الظهار وكفارة الوطء في رمضان وكفارة القتل إلا بنية من الليل وفرقتم بينهما بأن صوم رمضان لما كان معينا بالشرع أجزأ بنية من النهار بخلاف صوم الكفارة وبنيتم على ذلك أنه لو قال: quot; لله علي صوم يوم quot; فصامه بنية قبل الزوال لم يجزئه ولو قال: quot; لله علي أن أصوم غدا quot; فصامه قبل الزوال جاز وهذا تفريق بين ما جمع الشارع بينه من صوم الفرض وأخبر أنه لا صيام لمن لم يبيته من الليل وهذا في صوم الفرض وأما النفل فصح عنه أنه كان ينشئه بنية من النهار فسويتم بينهما في إجزائهما بنية من النهار وقد فرق الشارع بينهما. وفرقتم بين بعض الصوم المفروض وبعض في اعتبار النية في الليل وقد سوى الشارع بينهما. والفرق بالتعيين وعدمه عديم التأثير فإنه وإن تعين لم يصر عبادة إلا بالنية ولهذا لو أمسك عن الأكل والشرب من غير نية لم يكن صائما فإذا لم تقارن النية جميع أجزاء اليوم فقد خرج بعضه عن أن يكون عبادة فلم يؤد ما أمر به وتعيينه لا يزيد وجوبه إلا تأكيدا واقتضاء فلو قيل: إن المعين أولى بوجوب النية من الليل من غير المعين لكان أصح في القياس والقياس الصحيح هو الذي جاءت به السنة من الفرق بين الفرض والنفل فلا يصح الفرض إلا بنية من الليل والنفل يصح بنية من النهار لأنه يتسامح فيه ما لا يتسامح في الفرض كما يجوز أن يصلي النفل قاعدا وراكبا على دابته إلى القبلة وغيرها. وفي ذلك تكثير النفل وتيسير(1\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "226",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "228",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدخول فيه والرجل لما كان مخيرا بين الدخول فيه وعدمه ويخير بين الخروج منه وإتمامه خير بين التبييت والنية من النهار فهذا محض القياس وموجب السنة ولله الحمد. وفرقتم بين ما جمع الله بينهما من جماع الصائم والمعتكف فقلتم: لو جامع في الصوم ناسيا لم يفسد صومه ولو جامع المعتكف ناسيا فسد اعتكافه وفرقتم بينهما بأن الجماع من محظورات الاعتكاف ولهذا لا يباح ليلا ولا نهارا وليس من محظورات الصوم لأنه يباح ليلا. وهذا فرق فاسد جدا لأن الليل ليس محلا للصوم فلم يحرم فيه الجماع وهو محل للاعتكاف فحرم فيه الجماع فنهار الصائم كليل المعتكف في ذلك ولا فرق بينهما والجماع محظور في الوقتين ووزان ليل الصائم اليوم الذي يخرج فيه المعتكف من اعتكافه فهذا هو القياس المحض والجمع بين ما جمع الله بينه والتفريق بين ما فرق الله بينه وبالله التوفيق. وقلتم: لو دخل عرفة في طلب بعير له أو حاجة ولم ينو الوقوف أجزأه عن الوقوف ولو دار حول البيت في طلب شيء سقط منه ولم ينو الطواف لم يجزئه وهذا خروج عن محض القياس. وفرقتم تفريقا فاسدا فقلتم: المقصود الحضور بعرفة في هذا الوقت وقد حصل بخلاف الطواف فإن المقصود العبادة ولا تحصل إلا بالنية فيقال: والمقصود بعرفة العبادة أيضا فكلاهما ركن مأمور به ولم ينو المكلف امتثال الأمر لا في هذا ولا في هذا فما الذي صحح هذا وأبطل هذا  ولما تنبه بعض القياسيين لفساد هذا الفرق عدل إلى فرق آخر فقال: الوقوف ركن يقع في نفس الإحرام فنية الحج مشتملة عليه فلا يفتقر إلى تجديد نية كأجزاء الصلاة من الركوع والسجود ينسحب عليها نية الصلاة. وأما الطواف فيقع خارج العبادة فلا تشتمل عليه نية الإحرام فافتقر إلى النية ونحن نقول لأصحاب هذا الفرق: ردونا إلى الأول فإنه أقل فسادا وتناقضا من هذا فإن الطواف والوقوف كلاهما جزء من أجزاء العبادة فكيف تضمنت جزءا من أجزاء العبادة لهذا الركن دون هذا وأيضا فإن طواف المعتمر يقع في الإحرام وأيضا فطواف الزيارة يقع في بقية الإحرام فإنه إنما حل من إحرامه قبله تحللا أول ناقصا والتحلل الكامل موقوف على الطواف.  وفرقتم بين ما جمعت السنة والقياس بينهما فقلتم: إذا أحرم الصبي ثم بلغ فجدد إحرامه قبل أن يقف بعرفة أجزأه عن حجة الإسلام وإذا أحرم العبد ثم عتق فجدد إحرامه لم يجزئه عن حجة الإسلام والسنة قد سوت بينهما وكذا القياس فإن إحرامهما قبل(1\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "227",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "229",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البلوغ والعتق صحيح وهو سبب للثواب وقد صارا من أهل وجوب الحج قبل الوقوف بعرفة فأجزأهما عن حجة الإسلام كما لو لم يوجد منهما إحرام قبل ذلك فإن غاية ما وجد منهما من الإحرام أن يكون وجوده كعدمه فوجود الإحرام السابق على العتق لم يضره شيئا بحيث يكون عدمه أنفع له من وجوده وتفريقكم بأن إحرام الصبي إحرام تخلق وعادة وبالبلوغ انعدم ذلك فصح منه الإحرام عن حجة الإسلام وأما العبد فإحرامه إحرام عبادة لأنه مكلف فصح إحرامه موجبا فلا يتأتى له الخروج منه حتى يأتي بموجبه فرق فاسد فإن الصبي مثاب على إحرامه بالنص وإحرامه إحرام عبادة - وإن كانت لا تسقط الفرض - كإحرام العبد سواء. وفرقتم بين ما جمع القياس الصحيح بينه فقلتم: لو قال: quot; أحجوا فلانا حجة quot; فله أن يأخذ النفقة ويأكل بها ويشرب ولا يحج ولو قال: quot; أحجوه عني quot; لم يكن له أن يأخذ النفقة إلا بشرط الحج وفرقتم بأن في المسألة الأولى أخرج كلامه مخرج الإيصاء بالنفقة له وكأنه أشار عليه بالحج ولا حق للموصي في الحج الذي يأتي به فصححنا الوصية بالمال ولم نلزم الموصى بما لا حق للموصي فيه وأما في المسألة الثانية فإنما قصد أن يعود نفعه إليه بثواب النفقة في الحج فإن لم يحصل له غرضه لم تنفذ الوصية وهذا الفرق نفسه هو المبطل للفرق بين المسألتين فإنه بتعين الحج قطع ما توهمتموه من دفع المال إليه يفعل به ما يريد وإنما قصد إعانته على طاعة الله ليكون شريكا له في الثواب ذاك بالبدن وهذا بالمال ولهذا عين الحج مصرفا للوصية فلا يجوز إلغاء ذلك وتمكينه من المال يصرفه في ملاذه وشهواته هذا من أفسد القياس وهو كما لو قال: quot; أعطوا فلانا ألفا ليبني بها مسجدا أو سقاية أو قنطرة quot; لم يجز أن يأخذ الألف ولا يفعل ما أوصي به كذلك الحج سواء. وفرقتم بين ما جمع محض القياس بينهما فقلتم: إذا اشترى عبدا ثم قال له: quot; أنت حر أمس quot; عتق عليه ولو تزوجها ثم قال لها: quot; أنت طالق أمس quot; لم تطلق وفرقتم بأن العبد لما كان حرا أمس اقتضى تحريم شرائه واسترقاقه اليوم وأما الطلاق فكونها مطلقة أمس لا يقتضي تحريم نكاحها اليوم وهذا فرق صوري لا تأثير له ألبتة فإن الحكم إن جاز تقديمه على سببه وقع العتق والطلاق في الصورتين وإن امتنع تقدمه في الموضعين على سببه لم يقع واحد منهما فما بال أحدهما وقع دون الآخر . فإن قيل: نحن لم نفرق بينهما في الإنشاء وإنما فرقنا بينهما في الإقرار والإخبار فإذا أقر بأن العبد حر بالأمس فقد بطل أن يكون عبدا اليوم فعتق باعترافه وإذا أقر بأنها(1\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "228",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "230",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طالق أمس لم يلزم بطلان النكاح اليوم لجواز أن يكون المطلق الأول قد طلقها أمس قبل الدخول فتزوج هو بها اليوم. قلنا: إذا كانت المسألة على هذا الوجه فلا بد أن يقول أنت طالق أمس من غيري أو ينوي ذلك فينفعه حيث يدين فأما إذا أطلق فلا فرق بين العتق والطلاق. فإن قيل: يمكن أن يطلقها بالأمس ثم يتزوجها اليوم. قيل: هذا يمكن في الطلاق الذي لم يستوف إذا كان مقصوده الإخبار فأما إذا قال: quot; أنت طالق أمس ثلاثا quot; ولم يقل من زوج كان قبلي ولا نواه فلا فرق أصلا بين ذلك وبين قوله للعبد quot; أنت حر أمس quot; فهذا التفصيل هو محض القياس وبالله التوفيق. وجمعتم بين ما فرقت السنة بينهما فقلتم: يجب على البائن الإحداد كما يجب على المتوفى عنها والإحداد لم يكن من ذلك لأجل العدة وإنما كان لأجل موت الزوج والنبي - صلى الله عليه وسلم - نفى وأثبت وخص الإحداد بالمتوفى عنها زوجها وقد فارقت المبتوتة في وصف العدة وقدرها وسببها فإن سببها الموت وإن لم يكن الزوج دخل بها وسبب عدة البائن الفراق وإن كان الزوج حيا ثم فرقتم بين ما جمعت السنة بينهم فقلتم: إن كانت الزوجة ذمية أو غير بالغة فلا إحداد عليها والسنة تقتضي التسوية كما يقتضيه القياس. وفرقتم بين ما جمع القياس المحض بينهما فقلتم: لو ذبح المحرم صيدا فهو ميتة لا يحل أكله ولو ذبح الحلال صيدا حرميا فليس بميتة وأكله حلال وفرقتم بأن المانع في ذبح المحرم فيه فهو كذبح المجوسي والوثني فالذابح غير أهل. وفي المسألة الثانية الذابح أهل والمذبوح محل للذبح إذا كان حلالا وإنما منع منه حرمة المكان ألا ترى أنه لو خرج من الحرم حل ذبحه وهذا من أفسد فرق وهو باقتضاء عكس الحكم أولى فإن المانع في الصيد الحرمي في نفس المذبوح فهو كذبح ما لا يؤكل والمانع في ذبح المحرم في الفاعل فهو كذبح الغاصب. وقلتم: لو أرسل كلبه على صيد في الحل فطرده حتى أدخله الحرم فأصابه لم يضمنه ولو أرسل سهمه على صيد في الحل فأطارته الريح حتى قتل صيدا في الحرم ضمنه وكلاهما تولد القتل فيه عن فعله وفرقتم بأن الرمي حصل بمباشرته وقوته التي أمدت السهم فهو محض فعله بخلاف مسألة الكلب فإن الصيد فيه يضاف إلى فعل الكلب وهذا الفرق لا يصح فإن إرسال السهم والكلب كلاهما من فعله فالذي تولد(1\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "229",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "231",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منهما تولد عن فعله وجريان السهم وعدو الكلب كلاهما هو السبب فيه وكون الكلب له اختيار والسهم لا اختيار له فرق لا تأثير له إذ كان اختيار الكلب بسبب إرسال صاحبه له. وقلتم: لو رهن أرضا مزروعة أو شجرا مثمرا دخل الزرع والثمر في الرهن ولو باعهما لم يدخل الزرع والثمرة في البيع وفرقتم بينهما بأن الرهن متصل بغيره واتصال الرهن بغيره يمنع صحة الإشاعة فلو لم يدخل فيه الزرع والثمرة لبطل بخلاف المبيع فإن اتصاله بغيره لا يبطله إذ الإشاعة لا تنافيه وهذا قياس في غاية الضعف لأن الاتصال هنا اتصال مجاورة لا إشاعة فهو كرهن زيت في ظروفه وقماش في أعداله ونحوه. وقلتم: لو أكره على هبة جاريته لرجل فوهبها له مالكها فأعتقها الموهوب له نفذ عتقه ولو باعها لم يصح بيعه وهذا خروج عن محض القياس وتفريقكم - بأن هذا عتق صدر عن إكراه والإكراه لا يمنع صحة العتق وذاك بيع صدر عن إكراه والإكراه يمنع صحة البيع - لا يصح لأنه إنما أكره على التمليك ولم يكن للمكره غرض في الإعتاق والتمليك لم يصح والعتق لم يكره عليه فلا ينفذ كالبيع سواء. هذا مع أنكم تركتم القياس في مسألة الإكراه على البيع والعتق فصححتم العتق دون البيع وفرقتم بأن العتق لا يدخله خيار فصح مع الإكراه كالطلاق والبيع يدخله الخيار فلم يصح مع الإكراه وهذا فرق لا تأثير له وهو فاسد في نفسه فإن الإقرار والشهادة والإسلام لا يدخلها خيار ولا تصح مع الإكراه وإنما امتنعت عقود المكره من النفوذ لعدم الرضا الذي هو مصحح العقد وهو أمر تستوي فيه عقوده كلها معاوضتها وتبرعاتها وعتقه وطلاقه وخلعه وإقراره وهذا هو محض القياس والميزان فإن المكره محمول على ما أكره عليه غير مختار له فأقواله كأقوال النائم والناسي فاعتبار بعضها وإلغاء بعضها خروج عن محض القياس وبالله التوفيق. وقلتم: لو وقع في الغدير العظيم الذي إذا تحرك أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر قطرة دم أو خمر أو بول آدمي نجسه كله وإذا وقع في آبار الفلوات والأمصار البعر والروث والأخباث لا تنجسها ما لم يأخذ وجه ربع الماء أو ثلثه وقيل: أن لا يخلو دلو عن شيء منه ومعلوم أن ذلك الماء أقرب إلى الطيب والطهارة حسا وشرعا من هذا ومن العجب أنكم نجستم الأدهان والألبان والخل والمائعات بأسرها بالقطرة من البول والدم وعفوتم عما دون ربع الثوب من النجاسة المخففة وعما دون قدر الكف من المغلظة. وقستم العفو عن ربع الثوب على وجوب مسح ربع الرأس ووجوب حلق ربعه في الإحرام وأين مسح الرأس عن غسل النجاسة ولم يقيسوا الماء والمائع على الثوب مع عدم ظهور أثر النجاسة فيهما(1\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "230",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "232",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ألبتة وظهور عينها ورائحتها في الثوب ولا سيما عند محمد حيث يعفو عن قدر ذراع في ذراع وعند أبي يوسف عن قدر شبر في شبر وبكل حال فالعفو عما هو دون ذلك بكثير مما لا نسبة له إليه في الماء والمائع الذي لا يظهر أثر النجاسة فيه بوجه بل يحيلها ويذهب عينها وأثرها أولى وأحرى. وجمعتم بين ما فرق الشرع والحس بينهما فقستم المني الذي هو أصل الآدميين على البول والعذرة وفرقتم بين ما جمع الشرع والحس بينهما ففرقتم بين بعض الأشربة المسكرة وغيرها مع استوائها في الإسكار فجعلتم بعضها نجسا كالبول وبعضها طاهرا طيبا كاللبن والماء وقلتم: لو وقع في البئر نجاسة تنجس ماؤها وطينها فإن نزح منها دلو فترشرش على حيطانها تنجست حيطانها وكلما نزح منها شيء نبع مكانه شيء فصادف ماء نجسا وطينا نجسا فإذا وجب نزح أربعين دلوا مثلا فنزح تسعة وثلاثون كان المنزوح والباقي كله نجسا والحيطان التي أصابها الماء والطين الذي في قرار البئر حتى إذا نزح الدلو الأربعون قشقش النجاسة كلها فطهر الطين والماء وحيطان البئر وطهر نفسه فما رئي أكرم من هذا الدلو ولا أعقل ولا أخير. فصل وقالت الحنابلة والشافعية: لو تزوجها على أن يحج بها لم تصح التسمية ووجب مهر المثل وقاسوا هذه التسمية على ما إذا تزوجها على شيء لا يدري ما هو ثم قالت الشافعية: لو تزوج الكتابية على أن يعلمها القرآن جاز وقاسوه على جواز إسماعها إياه فقاسوا أبعد قياس وتركوا محض القياس فإنهم صرحوا بأنه لو استأجرها ليحملها إلى الحج جاز ونزلت الإجارة على العرف فكيف صح أن يكون مورد العقد الإجارة ولا يصح أن يكون صداقا ثم ناقضتم أبين مناقضة فقلتم: لو تزوجها على أن يرد عبدها الآبق من مكان كذا وكذا صح مع أنه قد يقدر على رده وقد يعجز عنه فالغرر الذي في هذا الأمر أعظم من الغرر الذي في حملها إلى الحج بكثير وقلتم: لو تزوجها على أن يعلمها القرآن أو بعضه صح. وقد تقبل التعليم وقد لا تقبله وقد يطاوعها لسانها وقد يأبى عليها وقلتم: لو تزوجها على مهر المثل صحت التسمية مع اختلافه لامتناع من يساويها من كل وجه أو لقربه وإن اتفق من يساويها في النسب فنادر جدا من يساويها في الصفات والأحوال التي يقل المهر بسببها ويكثر فالجهالة التي في حجه بها دون هذا بكثير وقلتم: لو تزوجها على عبد مطلق صح ولها الوسط. ومعلوم أن في الوسط من التفاوت ما فيه وقلتم: لو تزوجها(1\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "231",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "233",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على أن يشتري لها عبد زيد صحت التسمية مع أنه غرر ظاهر إذ تسليم المهر موقوف على أمر غير مقدور له وهو رضى زيد ببيعه ففيه من الخطر ما في رد عبدها الآبق وكلاهما أعظم خطرا من الحج بها وقلتم: لو تزوجها على أن يرعى غنمها مدة صح وليس جهالة حملانها إلى الحج بأعظم من جهالة أوقات الرعي ومكانه على أن هذه المسألة بعيدة من أصول أحمد ونصوصه ولا تعرف منصوصة عنه بل نصوصه على خلافها قال في رواية منها فيمن تزوج على عبد من عبيده جاز وإن كانوا عشرة عبيد يعطي من أوسطهم فإن تشاحا أقرع بينهما قلت: وتستقيم القرعة في هذا قال: نعم وقلتم: لو خالعها على كفالة ولدها عشر سنين صح وإن لم يذكر قدر الطعام والإدام والكسوة فيا للعجب أين جهالة هذا من جهالة حملانها إلى الحج فصل وقالت الشافعية: له أن يجبر ابنته البالغة المفتية العالمة بدين الله التي تفتي في الحلال والحرام على نكاحها بمن هي أكره الناس له وأشد الناس عنه نفرة بغير رضاها حتى لو عينت كفؤا شابا جميلا دينا تحبه وعين كفؤا شيخا مشوها دميما كان العبرة بتعيينه دونها فتركوا محض القياس والمصلحة ومقصود النكاح من الود والرحمة وحسن المعاشرة. وقالوا: لو أراد أن يبيع لها حبلا أو عود أراك من مالها لم يصح إلا برضاها وله أن يرقها مدة العمر عند من هي أكره شيء فيه بغير رضاها. قالوا: وكما خرجتم عن محض القياس خرجتم عن صريح السنة فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير جارية بكرا زوجها أبوها وهي كارهة وخير أخرى ثيبا . ومن العجب أنكم قلتم: لو تصرف في حبل من مالها على غير وجه الحظ لها كان مردودا حتى إذا تصرف في بعضها على خلاف حظها كان لازما ثم قلتم: هو أخبر بحظها منها وهذا يرده الحس فإنها أعلم بميلها ونفرتها وحظها ممن تحب أن تعاشره وتكره عشرته وتعلقتم بما رواه مسلم من حديث ابن عباس يرفعه: الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها . وهو حجة عليكم وتركتم ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة يرفعه: لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن وفيهما أيضا من حديث عائشة قالت: قلت: يا رسول الله تستأمر النساء في أبضاعهن قال: نعم قلت: فإن البكر تستأذن فتستحيي قال: إذنها صماتها فنهى أن(1\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "232",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "234",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تنكح بدون استئذانها وأمر بذلك وأخبر أنه هو شرعه وحكمه فاتفق على ذلك أمره ونهيه وخبره وهو محض القياس والميزان. فصل وقالت الحنابلة والشافعية والحنفية: لا يصح بيع المقاثي والمباطخ والباذنجان إلا لقطة ولم يجعلوا المعدوم تبعا للموجود مع شدة الحاجة إلى ذلك وجعلوا المعدوم منزلا منزلة الموجود في منافع الإجارة للحاجة إلى ذلك. وهذا مثله من كل وجه لأنه يستخلف كما تستخلف المنافع وما يقدر من عروض الخطر له فهو مشترك بينه وبين المنافع وقد جوزوا بيع الثمرة إذا بدا الصلاح في واحدة منها ومعلوم أن بقية الأجزاء معدومة فجاز بيعها تبعا للموجود فإن فرقوا بأن هذه أجزاء متصلة وتلك أعيان منفصلة فهو فرق فاسد من وجهين: أحدهما: أن هذا لا تأثير له ألبتة. الثاني: أن من الثمرة التي بدا صلاحها ما يخرج أثمارا متعددة كالتوت والتين فهو كالبطيخ والباذنجان من كل وجه فالتفريق خروج عن القياس والمصلحة وإلزام بما لا يقدر عليه إلا بأعظم كلفة ومشقة وفيه مفسدة عظيمة يردها القياس فإن اللقطة لا ضابط لها فإنه يكون في المقثأة الكبار والصغار وبين ذلك فالمشتري يريد استقصاءها والبائع يمنعه من أخذ الصغار فيقع بينهما من التنازع والاختلاف والتشاحن ما لا تأتي به شريعة فأين هذه المفسدة العظيمة التي هي منشأ النزاع التي من تأمل مقاصد الشريعة علم قصد الشارع لإبطالها وإعدامها إلى المفسدة اليسيرة التي في جعل ما لم يوجد تبعا لما وجد لما فيه من المصلحة وقد اعتبرها الشارع ولم يأت عنه حرف واحد أنه نهى عن بيع المعدوم وإنما نهى عن بيع الغرر والغرر شيء وهذا شيء ولا يسمى هذا البيع غررا لا لغة ولا عرفا ولا شرعا.  [فصل من تناقض القياسيين مراعاة بعض الشروط دون بعضها الآخر] ] : وقالت الحنفية والمالكية والشافعية: إذا شرطت الزوجة أن لا يخرجها الزوج من بلدها أو دارها أو أن لا يتزوج عليها ولا يتسرى فهو شرط باطل فتركوا محض القياس بل قياس الأولى فإنهم قالوا: لو شرطت في المهر تأجيلا أو غير نقد البلد أو زيادة على مهر المثل لزم الوفاء بالشرط فأين المقصود الذي لها في الشرط الأول إلى المقصود الذي في هذا الشرط وأين فواته إلى فواته وكذلك من قال منهم: لو شرط أن تكون جميلة شابة سوية فبانت عجوزا شمطاء قبيحة المنظر أنه لا فسخ لأحدهما بفوات شرطه حتى إذا فات(1\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "233",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "235",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "درهم واحد من الصداق فلها الفسخ بفواته قبل الدخول فإن استوفى المعقود عليه ودخل بها وقضى وطره منها ثم فات الصداق جميعه ولم تظفر منه بحبة واحدة فلا فسخ لها وقسم الشرط الذي دخلت عليه على شرط أن لا يؤويها ولا ينفق عليها ولا يطأها أو لا ينفق على أولاده منها ونحو ذلك مما هو من أفسد القياس الذي فرقت الشريعة بين ما هو أحق بالوفاء منه وبين ما لا يجوز الوفاء به وجمعتم بين ما فرق القياس والشرع بينهما وألحقتم أحدهما بالآخر وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الوفاء بشروط النكاح التي يستحل بها الزوج فرج امرأته أولى من الوفاء بسائر الشروط على الإطلاق فجعلتموها أنتم دون سائر الشروط وأحقها بعدم الوفاء وجعلتم الوفاء بشرط الواقف المخالف لمقصود الشارع كترك النكاح وكشرط الصلاة في المكان الذي شرط فيه الصلاة وإن كان وحده وإلى جانبه المسجد الأعظم وجماعة المسلمين وقد ألغى الشارع هذا الشرط في النذر الذي هو قربة محضة وطاعة فلا تتعين عنده بقعة عينها الناذر للصلاة إلا المساجد الثلاثة وقد شرط الناذر في نذره تعينه فألغاه الشارع لفضيلة غيره عليه أو مساواته له فكيف يكون شرط الواقف الذي غيره أفضل منه وأحب إلى الله ورسوله لازما يجب الوفاء به وتعيين الصلاة في مكان معين لم يرغب الشارع فيه ليس بقربة وما ليس بقربة لا يجب الوفاء به في النذر ولا يصح اشتراطه في الوقف.  [هل يعتبر شرط الواقف مطلقا] فإن قلتم: الواقف لم يخرج ماله إلا على وجه معين فلزم اتباع ما عينه في الوقف من ذلك الوجه والناذر قصد القربة والقرب متساوية في المساجد غير الثلاثة فتعين بعضها لغو. قيل: هذا الفرق بعينه يوجب عليكم إلغاء ما لا قربة فيه من شروط الواقفين واعتبار ما فيه قرابة فإن الواقف إنما مقصوده بالوقف التقرب إلى الله فتقربه بوقفه كتقربه بنذره فإن العاقل لا يبدل ماله إلا لما فيه مصلحة عاجلة أو آجلة والمرء في حياته قد يبذل ماله في أغراضه مباحة كانت أو غيرها وقد يبذله فيما يقربه إلى الله وأما بعد مماته فإنما يبذله فيما يظن أنه يقرب إلى الله ولو قيل له: quot; إن هذا المصرف لا يقرب إلى الله - عز وجل - أو إن غيره أفضل وأحب إلى الله منه وأعظم أجرا quot; لبادر إليه ولا ريب أن العاقل إذا قيل له: quot; إذا بذلت مالك في مقابلة هذا الشرط حصل لك أجر واحد وإن تركته حصل لك أجران quot; فإنه يختار ما فيه الأجر الزائد فكيف إذا قيل له: quot; إن هذا لا أجر فيه ألبتة quot; فكيف إذا قيل: quot; إنه مخالف لمقصود الشارع مضاد له يكرهه الله ورسوله quot; وهذا كشرط العزوبية مثلا وترك النكاح فإنه(1\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "234",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "236",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شرط لترك واجب أو سنة أفضل من صلاة النافلة وصومها أو سنة دون الصلاة والصوم فكيف يلزم الوفاء بشرط ترك الواجبات والسنن اتباعا لشرط الواقف وترك شرط الله ورسوله الذي قضاؤه أحق وشرطه أوثق يوضحه أنه لو شرط في وقفه أن يكون على الأغنياء دون الفقراء كان شرطا باطلا عند جمهور الفقهاء قال أبو المعالي الجويني هو إمام الحرمين - رضي الله عنه -: ومعظم أصحابنا قطعوا بالبطلان هذا مع أن وصف الغنى وصف مباح ونعمة من الله وصاحبه إذا كان شاكرا فهو أفضل من الفقير مع صبره عند طائفة كثيرة من الفقهاء والصوفية فكيف يلغى هذا الشرط ويصح شرط الترهب في الإسلام الذي أبطله النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: لا رهبانية في الإسلام  . يوضحه أن من شرط التعزب فإنما قصد أن تركه أفضل وأحب إلى الله فقصد أن يتعبد الموقوف عليه بتركه وهذا هو الذي تبرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - منه بعينه فقال: من رغب عن سنتي فليس مني وكان قصد أولئك الصحابة هو قصد هؤلاء الواقفين بعينه سواء فإنهم قصدوا ترفية أنفسهم على العبادة وترك النكاح الذي يشغلهم تقربا إلى الله بتركه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم ما قال وأخبر أنه من رغب عن سنته فليس منه وهذا في غاية الظهور فكيف يحل الإلزام بترك شيء قد أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من رغب عنه فليس منه هذا مما لا تحتمله الشريعة بوجه.  [تعرض شروط الواقفين على كتاب الله] فالصواب الذي لا تسوغ الشريعة غيره عرض شرط الواقفين على كتاب الله - سبحانه - وعلى شرطه فما وافق كتابه وشرطه فهو صحيح وما خالفه كان شرطا باطلا مردودا ولو كان مائة شرط وليس ذلك بأعظم من رد حكم الحاكم إذا خالف حكم الله ورسوله ومن رد فتوى المفتي وقد نص الله - سبحانه - على رد وصية الجانف في وصيته والآثم فيها مع أن الوصية تصح في غير قربة وهي أوسع من الوقف وقد صرح صاحب الشرع برد كل عمل ليس عليه أمره فهذا الشرط مردود بنص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يحل لأحد أن يقبله ويعتبره ويصححه. ثم كيف يوجبون الوفاء بالشروط التي إنما أخرج الواقف ماله لمن قام بها وإن لم تكن(1\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "235",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "237",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قربة ولا للواقفين فيها غرض صحيح وإنما غرضهم ما يقربهم إلى الله ولا يوجبون الوفاء بالشروط التي إنما بذلت المرأة بضعها للزوج بشرط وفائه لها بها ولها فيه أصح غرض ومقصود وهي أحق من كل شرط يجب الوفاء به بنص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهل هذا إلا خروج عن محض القياس والسنة [خطأ القول بأن شرط الواقف كنص الشارع] : ثم من العجب العجاب قول من يقول: إن شروط الواقف كنصوص الشارع ونحن نبرأ إلى الله من هذا القول ونعتذر مما جاء به قائله ولا نعدل بنصوص الشارع غيرها أبدا وإن أحسن الظن بقائل هذا القول حمل كلامه على أنها كنصوص الشارع في الدلالة وتخصيص عامها بخاصها وحمل مطلقها على مقيدها واعتبار مفهومها كما يعتبر منطوقها وأما أن تكون كنصوصه في وجوب الاتباع وتأثيم من أخل بشيء منها فلا يظن ذلك بمن له نسبة ما إلى العلم فإذا كان حكم الحاكم ليس كنص الشارع بل يرد ما خالف حكم الله ورسوله من ذلك فشرط الواقف إذا كان كذلك كان أولى بالرد والإبطال فقد ظهر تناقضهم في شروط الواقفين وشروط الزوجات وخروجهم فيها عن موجب القياس الصحيح والسنة وبالله التوفيق. يوضح ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قسم يعطي الآهل حظين والعزب حظا وقال ثلاثة حق على الله عونهم ذكر منهم الناكح يريد العفاف ومصححو هذا الشرط عكسوا مقصوده فقالوا: نعطيه ما دام عزبا فإذا تزوج لم يستحق شيئا ولا يحل لنا أن نعينه لأنه ترك القيام بشرط الواقف وإن كان قد فعل ما هو أحب إلى الله ورسوله فالوفاء بشرط الواقف المتضمن لترك الواجب أو السنة المقدمة على فضل الصوم أو الصلاة لا يحل مخالفته ومن خالفه كان عاصيا آثما حتى إذا خالف الأحب إلى الله ورسوله والأرضى له كان بارا مثابا قائما بالواجب عليه يوضح بطلان هذا الشرط وأمثاله من الشروط المخالفة لشرع الله ورسوله أنكم قلتم: كل شرط يخالف مقصود العقد فهو باطل حتى أبطلتم بذلك شرط دار الزوجة أو بلدها وأبطلتم اشتراط البائع الانتفاع بالمبيع مدة معلومة وأبطلتم اشتراط الخيار فوق ثلاثة وأبطلتم اشتراط نفع البائع في المبيع ونحو ذلك من الشروط التي صححها النص والآثار عن الصحابة والقياس. كما صحح عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان اشتراط المرأة دارها أو بلدها أو أن لا يتزوج عليها ودلت(1\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "236",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "238",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السنة على أن الوفاء به أحق من الوفاء بكل شرط وكما صححت السنة اشتراط انتفاع البائع بالمبيع مدة معلومة فأبطلتم ذلك وقلتم: يخالف مقتضى العقد وصححتم الشروط المخالفة بمقتضى عقد الوقف لعقد الوقف إذ هو عقد قربة مقتضاه التقرب إلى الله - تعالى - ولا ريب أن شرط ما يخالف القربة يناقضه مناقضة صريحة فإذا شرط عليه الصلاة في مكان لا يصلي فيه إلا هو وحده أو واحد بعد واحد أو اثنان فعدوله عن الصلاة في المسجد الأعظم الذي يجتمع فيه جماعة المسلمين مع قدمه وكثرة جماعته فيتعداه إلى مكان أقل جماعة وأنقص فضيلة وأقل أجرا اتباعا لشرط الواقف المخالف لمقتضى عقد الوقف خروج عن محض القياس وبالله التوفيق. يوضحه أن المسلمين مجمعون على أن العبادة في المسجد من الذكر والصلاة وقراءة القرآن أفضل منها عند القبور فإذا منعتم فعلها في بيوت الله - سبحانه - وأوجبتم على الموقوف عليه [فعلها] بين المقابر إن أراد أن يتناول الوقف وإلا كان تناوله حراما كنتم قد ألزمتموه بترك الأحب إلى الله الأنفع للعبد والعدول إلى الأنقص المفضول أو المنهي عنه مع مخالفته لقصد الشارع تفصيلا وقصد الواقف إجمالا فإنه إنما يقصد الأرضى لله والأحب إليه ولما كان في ظنه أن هذا إرضاء لله اشترطه فنحن نظرنا إلى مقصوده ومقصود الشارع وأنتم نظرتم إلى مجرد لفظه سواء وافق رضا الله ورسوله ومقصوده في نفسه أو لا ثم لا يمكنكم طرد ذلك أبدا فإنه لو شرط أن يصلي وحده حتى لا يخالط الناس بل يتوفر على الخلوة والذكر أو شرط أن لا يشتغل بالعلم والفقه ليتوفر على قراءة القرآن وصلاة الليل وصيام النهار أو شرط على الفقهاء ألا يجاهدوا في سبيل الله ولا يصوموا تطوعا ولا يصلوا النوافل وأمثال ذلك فهل يمكنكم تصحيح هذه الشروط فإن أبطلتموها فعقد النكاح أفضل من بعضها أو مساو له في أصل القربة وفعل الصلاة في المسجد الأعظم العتيق الأكثر جماعة أفضل وذكر الله وقراءة القرآن في المسجد أفضل منه بين القبور فكيف تلزمون بهذه الشروط المفضولة وتبطلون ذلك فما هو الفارق بين ما يصح من الشروط وما لا يصح ثم لو شرط المبيت في المكان الموقوف ولم يشترط التعزب فأبحتم له التزوج فطالبته الزوجة بحقها من المبيت وطالبتموه بشرط الواقف منه فكيف تقسمونه بينهما أم ماذا تقدمون: ما أوجبه من الله ورسوله من المبيت والقسم للزوجة مع ما فيه من مصلحة الزوجين وصيانة المرأة وحفظها وحصول الإيواء المطلوب من النكاح أم ما شرطه الواقف وتجعلون شرطه أحق والوفاء به ألزم أم تمنعونه من النكاح والشارع والواقف لم يمنعاه منه فالحق أن مبيته عند أهله إن كان أحب إلى الله ورسوله جاز له بل استحب ترك شرط(1\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "237",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "239",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الواقف لأجله ولم يمنعه فعل ما يحبه الله ورسوله من تناول الوقف بل ترك ما أوجبه سببا لاستحقاق الوقف فلا نص ولا قياس ولا مصلحة للواقف ولا للموقوف عليه ولا مرضاة لله ورسوله. والمقصود بيان بعض ما في الرأي والقياس من التناقض والاختلاف الذي هو من عند غير الله لأن ما كان من عنده فإنه يصدق بعضه بعضا ولا يخالف بعضه بعضا وبالله التوفيق.  [فصل هل في اللطمة والضربة قصاص] وقالت الحنفية والشافعية والمالكية ومتأخرو أصحاب أحمد: إنه لا قصاص في اللطمة والضربة وإنما فيه التعزير وحكى بعض المتأخرين في ذلك الإجماع وخرجوا عن محض القياس وموجب النصوص وإجماع الصحابة فإن ضمان النفوس والأموال مبناه على العدل كما قال - تعالى -: وجزاء سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40] وقال: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم [البقرة: 194] وقال: وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به [النحل: 126] فأمر بالمماثلة في العقوبة والقصاص فيجب اعتبارها بحسب الإمكان والأمثل هو المأمور به فهذا الملطوم المضروب قد اعتدي عليه فالواجب أن يفعل بالمعتدي كما فعل به فإن لم يمكن كان الواجب ما هو الأقرب والأمثل وسقط ما عجز عنه العبد من المساواة من كل وجه ولا ريب أن لطمة بلطمة وضربة بضربة في محلهما بالآلة التي لطمه بها أو بمثلها أقرب إلى المماثلة المأمور بها حسا وشرعا من تعزيره بها بغير جنس اعتدائه وقدره وصفته وهذا هو هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين ومحض القياس وهو منصوص الإمام أحمد ومن خالفه في ذلك من أصحابه فقد خرج عن نص مذهبه وأصوله كما خرج عن محض القياس والميزان قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني في كتابه المترجم له quot; باب في القصاص من اللطمة والضربة quot;: حدثني إسماعيل بن سعيد قال: سألت أحمد بن حنبل عن القصاص من اللطمة والضربة فقال: quot; عليه القود من اللطمة والضربة quot; وبه قال أبو داود وأبو خيثمة وابن أبي شيبة. وقال إبراهيم الجوزجاني quot; وبه أقول لما حدثنا شبابة بن سوار ثنا شعبة عن يحيى بن الحصين قال: سمعت طارق بن شهاب يقول: لطم أبو بكر رجلا يوما لطمة فقال له: اقتص فعفا الرجل حدثنا شبابة أنبأ شعبة عن مخارق قال: سمعت طارقا يقول: لطم ابن أخ لخالد بن الوليد(1\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "238",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "240",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجلا من مراد فأقاده خالد منه. حدثنا أبو بهز حدثنا أبو بكر بن عياش قال: سمعت الأعمش عن كميل بن زياد قال: لطمني عثمان ثم أقادني فعفوت حدثني ابن الأصفهاني حدثنا عبد السلام بن حرب عن ناجية عن عمه يزيد بن عربي قال: رأيت عليا - كرم الله وجهه في الجنة - أقاد من لطمة. وحدثنا الحميدي ثنا سفيان ثنا عبد الله بن إسماعيل بن زياد ابن أخي عمرو بن دينار أن ابن الزبير أقاد من لطمة ثنا يزيد بن هارون عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي فراس قال: خطبنا عمر فقال: إني لم أبعث عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم ولكن إنما بعثتهم ليبلغوكم دينكم وسنة نبيكم ويقسموا فيكم فيئكم فمن فعل به غير ذلك فليرفعه إلي فوالذي نفس عمر بيده لأقصنه منه فقام إليه عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين إن كان رجل من المسلمين على رعية فأدب بعض رعيته لتقصنه منه فقال عمر: أنا لا أقصه منه وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقص من نفسه ثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن ابن حرملة قال: تلاحى رجلان فقال أحدهما: ألم أخنقك حتى سلحت فقال: بلى ولكن لم يكن لي عليك شهود فاشهدوا على ما قال ثم رفعه إلى عمر بن عبد العزيز فأرسل في ذلك إلى سعيد بن المسيب فقال: يخنقه كما خنقه حتى يحدث أو يفتدي منه فافتدى منه بأربعين بعيرا فقال ابن كثير: أحسبه ذكره عن عثمان. ثنا الحسين بن محمد ثنا ابن أبي ذئب عن المطلب بن السائب أن رجلين من بني ليث اقتتلا فضرب أحدهما الآخر فكسر أنفه فانكسر عظم كف الضارب فأقاد أبو بكر من أنف المضروب ولم يقد من يد الضارب فقال سعيد بن المسيب: كان لهذا أيضا القود من كفه قضى عثمان أن كل مقتتلين اقتتلا ضمنا ما بينهما فأقيد منه فدخل المسجد وهو يقول: يا عباد الله كسر ابن المسيب يدي قال الجوزجاني: فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجلة أصحابه فإلى من يركن بعدهم  أو كيف يجوز خلافهم quot; قلت: وفي السنن لأبي داود والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري قال: بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم قسما أقبل رجل فأكب عليه فطعنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرجون كان معه فجرح وجهه فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تعال فاستقد فقال: بل عفوت يا رسول الله . وفي سنن النسائي وأبي داود وابن ماجه عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقا فلاحاه رجل في صدقته فضربه أبو جهم فشجه فأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: القود يا رسول الله فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لكم كذا وكذا فلم يرضوا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لكم كذا وكذا فرضوا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إني خاطب العشية على الناس ومخبرهم برضاكم فقالوا: نعم فخطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن هؤلاء أتوني يريدون القصاص فعرضت(1\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "239",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "241",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليهم كذا وكذا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: فرضوا أرضيتم فقالوا: لا فهم المهاجرون بهم فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكفوا عنهم فكفوا عنهم ثم دعاهم فزادهم فقال: أرضيتم فقالوا: نعم فقال: إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم فقالوا: نعم فخطب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أرضيتم قالوا: نعم . وهذا صريح في القود في الشجة ولهذا صولحوا من القود مرة بعد مرة حتى رضوا ولو كان الواجب الأرش فقط لقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - حين طلبوا القود: إنه لا حق لكم فيه وإنما حقكم في الأرش. فهذه سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا إجماع الصحابة وهذا ظاهر القرآن وهذا محض القياس فعارض المانعون هذا كله بشيء واحد وقالوا: اللطمة والضربة لا يمكن فيهما المماثلة والقصاص لا يكون إلا مع المماثلة. ونظر الصحابة أكمل وأصح وأتبع للقياس كما هو أتبع للكتاب والسنة فإن المماثلة من كل وجه متعذرة فلم يبق إلا أحد أمرين: قصاص قريب إلى المماثلة أو تعزير بعيد منها والأول أولى لأن التعزير لا يعتبر فيه جنس الجناية ولا قدرها بل قد يعزر بالسوط والعصا وقد يكون لطمه أو ضربه بيده فأين حرارة السوط ويبسه إلى لين اليد وقد يزيد وينقص. وفي العقوبة بجنس ما فعله تحر للمماثلة بحسب الإمكان وهذا أقرب إلى العدل الذي أمر الله به وأنزل به الكتاب والميزان فإنه قصاص بمثل ذلك العضو في مثل المحل الذي ضرب فيه بقدره وقد يساويه أو يزيد قليلا أو ينقص قليلا وذلك عفو لا يدخل تحت التكليف كما لا يدخل تحت التكليف المساواة في الكيل والوزن من كل وجه كما قال تعالى وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها [الأنعام: 152] فأمر بالعدل المقدور وعفا عن غير المقدور منه. وأما التعزير فإنه لا يسمى قصاصا فإن لفظ القصاص يدل على المماثلة ومنه قص الأثر إذا اتبعه وقص الحديث إذا أتى به على وجهه والمقاصة: سقوط أحد الدينين بمثله جنسا وصفة وإنما هو تقويم للجناية فهو قيمة لغير المثلي والعدول إليه كالعدول إلى قيمة المتلف وهو ضرب له بغير تلك الآلة في غير ذلك المحل. وهو إما زائد وإما ناقص ولا يكون مماثلا ولا قريبا من المثل. فالأول أقرب إلى القياس والثاني تقويم للجناية بغير جنسها كبدل المتلف والنزاع أيضا فيه واقع إذا لم يوجد مثله من كل وجه كالحيوان والعقار والآنية وكثير من المعدودات والمذروعات فأكثر القياسيين من أتباع الأئمة الأربعة قالوا: الواجب في بدل ذلك عند الإتلاف القيمة قالوا: لأن المثل في الجنس يتعذر ثم طرد أصحاب الرأي قياسهم فقالوا: وهذا هو الواجب في الصيد في الحرم والإحرام إنما تجب قيمته لا مثله كما لو كان مملوكا. ثم طردوا هذا القياس في القرض فقالوا: لا يجوز قرض(1\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "240",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "242",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك لأن موجب القرض رد المثل وهذا لا مثل له. ومنهم من خرج عن موجب هذا القياس في الصيد لدلالة القرآن والسنة وآثار الصحابة [على أنه] يضمن بمثله من النعم وهو مثل مقيد بحسب الإمكان وإن لم يكن مثلا من كل وجه وهذا قول الجمهور منهم: مالك والشافعي وأحمد وهم يجوزون قرض الحيوان أيضا كما دلت عليه السنة الصحيحة فإنه قد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح أنه استسلف بكرا وقضى جملا رباعيا وقال إن خياركم أحسنكم قضاء ثم اختلفوا بعد ذلك في موجب قرض الحيوان هل يجب رد القيمة أو المثل على قولين وهما في مذهب أحمد وغيره والذي دلت عليه سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة الصريحة أنه يجب رد المثل وهذا هو المنصوص عن أحمد ثم اختلفوا في الغصب والإتلاف على ثلاثة أقوال وهي في مذهب أحمد: أحدها: يضمن الجميع بالمثل بحسب الإمكان. والثاني: يضمن الجميع بالقيمة. والثالث: أن الحيوان يضمن بالمثل وما عداه كالجواهر ونحوها بالقيمة.  واختلفوا في الجدار يهدم هل يضمن بقيمته أو يعاد مثله على قولين وهما للشافعي والصحيح ما دلت عليه النصوص وهو مقتضى القياس الصحيح وما عداه فمناقض للنص والقياس لأن الجميع يضمن بالمثل تقريبا وقد نص الله - سبحانه - على ضمان الصيد بمثله من النعم ومعلوم أن المماثلة بين بعير وبعير أعظم من المماثلة بين النعامة والبعير وبين شاة وشاة أعظم منها بين طير وشاة وقد رد النبي - صلى الله عليه وسلم - بدل البعير الذي أقرضه مثله دون قيمته ورد عوض القصعة التي كسرتها بعض أزواجه قصعتها نظيرها وقال: إناء بإناء وطعام بطعام فسوى بينهما في الضمان وهذا عين العدل ومحض القياس وتأويل القرآن. وقد نص الإمام أحمد على هذا في مسائل إسحاق بن منصور قال إسحاق: قلت لأحمد: قال سفيان: من كسر شيئا صحيحا فقيمته صحيحا فقال أحمد: إن كان يوجد مثله فمثله وإن كان لا يوجد مثله فعليه قيمته ونص عليه أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد فقال: سألت أحمد عن الرجل يكسر قصعة الرجل أو عصاه أو يشق ثوبا لرجل قال: عليه المثل في العصا والقصعة والثوب فقلت: أرأيت إن كان الشق قليلا فقال: صاحب الثوب مخير في ذلك قليلا كان أو كثيرا. وقال في رواية إسحاق بن منصور: من كسر شيئا صحيحا فإن كان يوجد مثله فمثله وإن كان لا يوجد مثله فعليه قيمته فإذا كسر الذهب فإنه يصلحه إن كان خلخالا وإن كان(1\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "241",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "243",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دينارا أعطى دينارا آخر مكانه قال إسحاق كما قال وقال في رواية موسى بن سعيد: وعليه المثل في العصا والقصعة والقصبة إذا كسر وفي الثوب ولا أقول في العبد والبهائم والحيوان وصاحب الثوب مخير إن شاء شق الثوب وإن شاء أخذ مثله واحتج في رواية ابنه عبد الله بحديث أنس فقال حميد عن أنس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بقصعة فيها طعام فضربت بيدها فكسرت القصعة فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى وجعل يجمع فيها الطعام ويقول: غارت أمكم كلوا فأكلوا وحبس الرسول حتى جاءت قصعة التي هو في بيتها فدفع القصعة إلى الرسول وحبس المكسورة في بيته والحديث في صحيح البخاري وعند الترمذي فيه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: طعام بطعام وإناء بإناء وقال: حديث صحيح. وعند أبي داود والنسائي فيه قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله ما كفارة ما صنعت قال: إناء مثل إناء وطعام مثل طعام وهذا هو مذهبه الصحيح عنه عند ابن أبي موسى قال في إرشاده: ومن استهلك لآدمي ما لا يكال ولا يوزن فعليه مثله إن وجد وقيل: عليه قيمته وهو اختيار المحققين من أصحابه. وقضى عثمان وابن مسعود على من استهلك لرجل فصلانا بفصلان مثلها وبالمثل قضى شريح والعنبري وقال به قتادة وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وهو الحق وليس مع من أوجب القيمة نص ولا إجماع ولا قياس وليس معهم أكثر ولا أكبر من قوله - صلى الله عليه وسلم - من أعتق شركا له في عبد فكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد قالوا: أوجب النبي - صلى الله عليه وسلم - في إتلاف نصيب الشريك القيمة لا المثل فقسنا على هذا كل حيوان ثم عديناه إلى كل [غير] مثلي قالوا: ولأن القيمة أضبط وأحصر بخلاف المثل قال الآخرون: أما الحديث الصحيح فعلى الرأس والعين وسمعا له وطاعة ولكن فيما دل عليه وإلا فما لم يدل عليه ولا أريد به فلا ينبغي أن يحمل عليه وهذا التضمين الذي يضمنه ليس من باب تضمين المتلفات بل هو من باب تملك مال الغير بقيمته فإن نصيب الشريك يملكه المعتق ثم يعتق عليه فلا بد من تقدير دخوله في ملكه ليعتق عليه ولا خلاف بين القائلين بالسراية في ذلك وأن الولاء له وإن تنازعوا: هل يسري عقيب عتقه أو لا يعتق حتى يؤدي القيمة أو يكون موقوفا فإذا أدى تبين أنه عتق من حين العتق وهي في مذهب الشافعي والمشهور في مذهبه ومذهب أحمد القول الأول. وفي مذهب مالك القول الثاني وعلى هذا الخلاف يبتني ما لو أعتق الشريك نصيبه بعد عتق الأول فعلى القول الأول لا يعتق وعلى القول الثاني يعتق عليه ويكون الولاء بينهما ويبتني على ذلك أيضا إذا قال أحد(1\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "242",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "244",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشريكين quot; إذا أعتقت نصيبك فنصيبي حر quot; فعلى القول الأول لا يصح هذا التعليق ويعتق نصيبه من مال المعتق وعلى القول الثاني يصح التعليق ويعتق على المعلق والمقصود أن التضمين ههنا كتضمين الشفيع الثمن إذا أخذ بالشفعة فإنه ليس من باب ضمان الإتلاف ولكن من باب التقويم للدخول في الملك لكن الشفيع أدخل الشارع الشقص في ملكه بالثمن باختياره والشريك المعتق أدخل الشقص في ملكه بالقيمة بغير اختياره فكلاهما تمليك: هذا بالثمن وهذا بالقيمة فهذا شيء وضمان المتلف شيء. قالوا: وأيضا فلو سلم أنه ضمان إتلاف لم يدل على أن العبد الكامل إذا أتلف يضمن بالقيمة والفرق بينهما أن الشريكين إذا كان بينهما ما لا يقسم كالعبد والحيوان والجوهرة ونحو ذلك فحق كل واحد منهما في نصف القيمة فإذا اتفقا على المهايأة جاز وإن تنازعا وتشاجرا بيعت العين وقسم بينهما ثمنها على قدر ملكيهما كما يقسم المثلي فحقهما في المثلي في عينه. وفي المتقوم عند التشاجر والتنازع في قيمته فلولا أن حقه في القيمة لما أجيب إلى البيع إذا طلبه وإذا ثبت ذلك فإذا أتلف له نصف عبد فلو ضمناه بمثله لفات حقه من نصف القيمة الواجب له شرعا عند طلب البيع والشريك إنما حقه في نصف القيمة وهما لو تقاسماه تقاسماه بالقيمة فإذا أتلف أحدهما نصيب شريكه ضمنه بالمثل فهذا هو القياس والميزان الصحيح طردا وعكسا الموافق للنصوص وآثار الصحابة ومن خالفه فلا بد له من أحد أمرين: إما مخالفة السنة الصحيحة وآثار الصحابة إن طرد قياسه وإما التناقض البين إن لم يطرده  [فصل حكومة النبيين الكريمين داود وسليمان] وعلى هذا الأصل تبتني الحكومة المذكورة في كتاب الله - عز وجل - التي حكم فيها النبيان الكريمان داود وسليمان - صلى الله عليهما وسلم - إذ حكما في الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم والحرث: هو البستان وقد روي أنه كان بستان عنب وهو المسمى بالكرم والنفش: رعي الغنم ليلا فحكم داود بقيمة المتلف فاعتبر الغنم فوجدها بقدر القيمة فدفعها إلى أصحاب الحرث إما لأنه لم يكن لهم دراهم أو تعذر بيعها ورضوا بدفعها ورضي أولئك بأخذها بدلا عن القيمة وأما سليمان فقضى بالضمان على أصحاب الغنم وأن يضمنوا ذلك بالمثل بأن يعمروا البستان حتى يعود كما كان ولم يضيع عليهم مغلة من الإتلاف إلى حين العود بل أعطى أصحاب البستان ماشية أولئك ليأخذوا من(1\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "243",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "245",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نمائها بقدر نماء البستان فيستوفوا من نماء غنمهم نظير ما فاتهم من نماء حرثهم وقد اعتبر النماءين فوجدهما سواء وهذا هو العلم الذي خصه الله به وأثنى عليه بإدراكه. وقد تنازع علماء المسلمين في مثل هذه القضية على أربعة أقوال: أحدها: موافقة الحكم السليماني في ضمان النفش وفي المثل وهو الحق وهو أحد القولين في مذهب أحمد ووجه للشافعية والمالكية والمشهور عندهم خلافه. والقول الثاني: موافقته في ضمان النفش دون التضمين بالمثل وهذا هو المشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد. والثالث: موافقته في التضمين بالمثل دون النفش كما إذا رعاها صاحبها باختياره دون ما إذا تفلتت ولم يشعر بها وهو قول داود ومن وافقه. والقول الرابع: أن النفش لا يوجب الضمان بحال وما وجب من ضمان الراعي بغير النفش فإنه يضمن بالقيمة لا بالمثل وهذا مذهب أبي حنيفة. وما حكم به نبي الله سليمان هو الأقرب إلى العدل والقياس وقد حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضمان على أهلها فصح بحكمه ضمان النفش وصح بالنصوص السابقة والقياس الصحيح وجوب الضمان بالمثل وصح بنص الكتاب الثناء على سليمان بتفهيم هذا الحكم فصح أنه الصواب وبالله التوفيق.  [المماثلة في القصاص في الجنايات] [هل يفعل بالجاني مثل ما فعل بالمجني عليه] ومن ذلك المماثلة في القصاص في الجنايات الثلاث على النفوس والأموال والأعراض فهذه ثلاث مسائل: الأولى: هل يفعل بالجاني كما يفعل بالمجني عليه فإن كان الفعل محرما لحق الله كاللواط وتجريعه الخمر لم يفعل به كما فعل اتفاقا وإن كان غير ذلك كتحريقه بالنار وإلقائه في الماء ورض رأسه بالحجر ومنعه من الطعام والشراب حتى يموت فمالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه يفعلون به كما فعل ولا فرق بين الجرح المزهق وغيره وأبو حنيفة وأحمد في رواية عنه يقولان: لا يقتل إلا بالسيف في العنق خاصة وأحمد [في] رواية ثالثة يقول: إن كان الجرح مزهقا فعل به كما فعل وإلا قتل بالسيف. وفي رواية رابعة يقول: إن كان مزهقا أو موجبا للقود بنفسه لو انفرد فعل به كما فعل وإن كان غير ذلك قتل بالسيف والكتاب والميزان مع القول الأول وبه جاءت السنة فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - رض رأس اليهودي بين حجرين كما فعل بالجارية  وليس هذا قتلا لنقضه العهد لأن ناقض العهد إنما يقتل بالسيف في العنق وفي أثر مرفوع من حرق(1\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "244",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "246",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حرقناه ومن غرق غرقناه وحديث لا قود إلا بالسيف قال الإمام أحمد: ليس إسناده بجيد والثابت عن الصحابة أنه يفعل به كما فعل فقد اتفق على ذلك الكتاب والسنة والقياس وآثار الصحابة واسم القصاص يقتضيه لأنه يستلزم المماثلة.  [ضمان إتلاف المال] المسألة الثانية: إتلاف المال فإن كان مما له حرمة كالحيوان والعبيد فليس له أن يتلف ماله كما أتلف ماله وإن لم تكن له حرمة كالثوب يشقه والإناء يكسره فالمشهور أنه ليس له أن يتلف عليه نظير ما أتلفه بل له القيمة أو المثل كما تقدم والقياس يقتضي أن له أن يفعل بنظير ما أتلفه عليه كما فعله الجاني به فيشق ثوبه كما شق ثوبه ويكسر عصاه كما كسر عصاه إذا كانا متساويين وهذا من العدل وليس مع من منعه نص ولا قياس ولا إجماع فإن هذا ليس بحرام لحق الله وليست حرمة المال أعظم من حرمة النفوس والأطراف وإذا مكنه الشارع أن يتلف طرفه بطرفه فتمكينه من إتلاف ماله في مقابلة ماله هو أولى وأحرى وأن حكمة القصاص من التشفي ودرك الغيظ لا تحصل إلا بذلك ولأنه قد يكون له غرض في أذاه وإتلاف ثيابه ويعطيه قيمتها ولا يشق ذلك عليه لكثرة ماله فيشفي نفسه منه بذلك ويبقى المجني عليه بغبنه وغيظه فكيف يقع إعطاؤه القيمة من شفاء غيظه ودرك ثأره وبرد قلبه وإذاقة الجاني من الأذى ما ذاق هو فحكمة هذه الشريعة الكاملة الباهرة وقياسها معا يأبى ذلك وقوله: فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم [البقرة: 194] وقوله: وجزاء سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40] وقوله: وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به [النحل: 126] يقتضي جواز ذلك وقد صرح الفقهاء بجواز إحراق زروع الكفار وقطع أشجارهم إذا كانوا يفعلون ذلك بنا وهذا عين المسألة وقد أقر الله - سبحانه - الصحابة على قطع نخل اليهود لما فيه من خزيهم وهذا يدل على أنه - سبحانه - يحب خزي الجاني الظالم ويشرعه وإذا جاز تحريق متاع الغال لكونه تعدى على المسلمين في خيانتهم في شيء من الغنيمة فلأن يحرق ماله إذا حرق مال المسلم المعصوم أولى وأحرى وإذا شرعت العقوبة المالية في حق الله الذي مسامحته به أكثر من استيفائه فلأن تشرع في حق العبد الشحيح أولى وأحرى ولأن الله - سبحانه - شرع القصاص زجرا للنفوس عن العدوان وكان من الممكن أن يوجب الدية استدراكا لظلامة المجني عليه بالمال ولكن ما شرعه أكمل وأصلح للعباد وأشفى لغيظ المجني عليه وأحفظ للنفوس والأطراف وإلا فمن كان في نفسه من الآخر من قتله أو قطع طرفه - قتله أو قطع طرفه وأعطى ديته والحكمة والرحمة والمصلحة تأبى ذلك وهذا بعينه موجود في العدوان على المال(1\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "245",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "247",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: فهذا ينجبر بأن يعطيه نظير ما أتلفه عليه. قيل: إذا رضي المجني عليه بذلك فهو كما لو رضي بدية طرفه فهذا هو محض القياس وبه قال الأحمدان أحمد بن حنبل وأحمد بن تيمية قال في رواية موسى بن سعيد: وصاحب الشيء يخير إن شاء شق الثوب وإن شاء أخذ مثله.  [كيف يجزى الجاني على العرض] المسألة الثالثة: الجناية على العرض فإن كان حراما في نفسه كالكذب عليه وقذفه وسب والديه فليس له أن يفعل به كما فعل به اتفاقا وإن سبه في نفسه أو سخر به أو هزأ به أو بال عليه أو بصق عليه أو دعا عليه فله أن يفعل به نظير ما فعل به متحريا للعدل وكذلك إذا كسعه أو صفعه فله أن يستوفي منه نظير ما فعل به سواء وهذا أقرب إلى الكتاب والميزان وآثار الصحابة من التعزير المخالف للجناية جنسا ونوعا وقدرا وصفة وقد دلت السنة الصحيحة الصريحة على ذلك فلا عبرة بخلاف من خالفها ففي صحيح البخاري: أن نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسلن زينب بنت جحش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تكلمه في شأن عائشة فأتته فأغلظت وقالت: إن نساءك ينشدنك العدل في بنت ابن أبي قحافة فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة وهي قاعدة فسبتها حتى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لينظر إلى عائشة هل تتكلم فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها قالت: فنظر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى عائشة وقال: إنها بنت أبي بكر وفي الصحيحين هذه القصة قالت عائشة: فأرسل أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - زينب بنت جحش زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي التي كانت تساميني في المنزلة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت الحديث وقالت: ثم وقعت في فاستطالت علي وأنا أرقب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأرقب طرفه: هل يأذن لي فيها قالت: فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يكره أن أنتصر فلما وقعت بها لم أنشبها حتى أثخنت عليها قالت: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتبسم: إنها ابنة أبي بكر  وفي لفظ فيهما لم أنشبها أن أثخنتها غلبة . وقد حكى الله - سبحانه - عن يوسف الصديق أنه قال لإخوته: أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون [يوسف: 77] :] لما قالوا: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم [يوسف: 77] ذلك للمصلحة التي اقتضت كتمان الحال ومن تأمل الأحاديث رأى ذلك فيها كثيرا جدا وبالله التوفيق.(1\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "246",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "248",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في قوة أدلة الفريقين] فصل [قوة أدلة الفريقين تحتاج إلى نظر دقيق قالوا: وهذا غيض من فيض وقطرة من بحر من تناقض القياسيين الآرائيين وقولهم بالقياس وتركهم لما هو نظيره من كل وجه أو أولى منه وخروجهم في القياس عن موجب القياس كما أوجب لهم مخالفة السنن والآثار كما تقدم الإشارة إلى بعض ذلك فليوجدنا القياسيون حديثا واحدا صحيحا صريحا غير منسوخ قد خالفناه لرأي أو قياس أو تقليد رجل ولن يجدوا إلى ذلك سبيلا فإن كان مخالفة القياس دينا فقد أريناهم مخالفته صريحا ثم نحن أسعد الناس بمخالفته منهم لأنا إنما خالفناه للنصوص وإن كان حقا فماذا بعد الحق إلا الضلال فانظر إلى هذين البحرين اللذين قد تلاطمت أمواجهما والحزبين اللذين قد ارتفع في معترك الحرب عجاجهما فجر كل منهما جيشا من الحجج لا تقوم له الجبال وتتضاءل له شجاعة الأبطال وأتى كل واحد منهما من الكتاب والسنة والآثار بما خضعت له الرقاب وذلت له الصعاب وانقاد له علم كل عالم ونفذ حكمه كل حاكم وكان نهاية قدم الفاضل النحرير الراسخ في العلم أن يفهم عنهما ما قالاه ويحيط علما بما أصلاه وفصلاه فليعرف الناظر في هذا المقام قدره ولا يتعدى طوره وليعلم أن وراء سويقته بحارا طامية وفوق مرتبته في العلم مراتب فوق السهى عالية فإن وثق من نفسه أنه من فرسان هذا الميدان وجملة هؤلاء الأقران فليجلس مجلس الحكم بين الفريقين ويحكم بما يرضي الله ورسوله بين هذين الحزبين فإن الدين كله لله وإن الحكم إلا لله ولا ينفع في هذا المقام: قاعدة المذهب كيت وكيت وقطع به جمهور من الأصحاب وتحصل لنا في المسألة كذا وكذا وجها وصحح هذا القول خمسة عشر وصحح الآخر سبعة وإن علا نسب علمه قال quot; نص عليه quot; فانقطع النزاع ولز ذلك النص في قرن الإجماع والله المستعان وعليه التكلان. فصل [القول الوسط بين الفريقين] قال المتوسطون بين الفريقين: قد ثبت أن الله سبحانه قد أنزل الكتاب والميزان فكلاهما في الإنزال أخوان وفي معرفة الأحكام شقيقان وكما لا يتناقض الكتاب في نفسه فالميزان الصحيح لا يتناقض في نفسه ولا يتناقض الكتاب والميزان فلا تتناقض دلالة(1\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "247",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "249",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النصوص الصحيحة ولا دلالة الأقيسة الصحيحة ولا دلالة النص الصريح والقياس الصحيح بل كلها متصادقة متعاضدة متناصرة يصدق بعضها بعضا ويشهد بعضها لبعض فلا يناقض القياس الصحيح النص الصحيح أبدا ونصوص الشارع نوعان: أخبار وأوامر فكما أن أخباره لا تخالف العقل الصحيح بل هي نوعان: نوع يوافقه ويشهد على ما يشهد به جملة أو جملة وتفصيلا ونوع يعجز عن الاستقلال بإدراك تفصيله وإن أدركه من حيث الجملة فهكذا أوامره - سبحانه - نوعان: نوع يشهد به القياس والميزان ونوع لا يستقل بالشهادة به ولكن لا يخالفه وكما أن القسم الثالث في الأخبار محال وهو ورودها بما يرده العقل الصحيح فكذلك الأوامر ليس فيها ما يخالف القياس والميزان الصحيح.  [إحاطة الأوامر الشرعية بأفعال المكلفين] وهذه الجملة إنما تنفصل بعد تمهيد قاعدتين عظيمتين: إحداهما: أن الذكر الأمري محيط بجميع أفعال المكلفين أمرا ونهيا وإذنا وعفوا كما أن الذكر القدري محيط بجميعها علما وكتابة وقدرا فعلمه وكتابه وقدره قد أحصى جميع أفعال عباده الواقعة تحت التكليف وغيرها وأمره ونهيه وإباحته وعفوه قد أحاط بجميع أفعالهم التكليفية فلا يخرج فعل من أفعالهم عن أحد الحكمين: إما الكوني وإما الشرعي الأمري فقد بين الله - سبحانه - على لسان رسوله بكلامه وكلام رسوله جميع ما أمره به وجميع ما نهى عنه وجميع ما أحله وجميع ما حرمه وجميع ما عفا عنه وبهذا يكون دينه كاملا كما قال تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي [المائدة: 3] ولكن قد يقصر فهم أكثر الناس عن فهم ما دلت عليه النصوص وعن وجه الدلالة وموقعها وتفاوت الأمة في مراتب الفهم عن الله ورسوله لا يحصيه إلا الله ولو كانت الأفهام متساوية لتساوت أقدام العلماء في العلم ولما خص - سبحانه - سليمان بفهم الحكومة في الحرث وقد أثنى عليه وعلى داود بالعلم والحكم. وقد قال عمر لأبي موسى في كتابه إليه quot; الفهم الفهم فيما أدلي إليك quot;. وقال علي quot; إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه quot; وقال أبو سعيد: كان أبو بكر أعلمنا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعا النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عباس أن يفقهه في الدين ويعلمه التأويل والفرق بين الفقه والتأويل أن الفقه هو فهم المعنى المراد والتأويل إدراك الحقيقة التي يئول إليها المعنى التي هي أخيته وأصله وليس كل من فقه في الدين عرف التأويل فمعرفة التأويل يختص به الراسخون في العلم وليس المراد به تأويل التحريف وتبديل المعنى فإن الراسخين في العلم يعلمون بطلانه والله يعلم بطلانه(1\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "248",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "250",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل هل تحيط النصوص بحكم جميع الحوادث] فصل [اختلفوا هل تحيط النصوص بحكم جميع الحوادث] والناس انقسموا في هذا الموضع إلى ثلاث فرق: فرقة قالت: إن النصوص لا تحيط بأحكام الحوادث وغلا بعض هؤلاء حتى قال: ولا بعشر معشارها قالوا: فالحاجة إلى القياس فوق الحاجة إلى النصوص ولعمر الله إن هذا مقدار النصوص في فهمه وعلمه ومعرفته لا مقدارها في نفس الأمر واحتج هذا القائل بأن النصوص متناهية وحوادث العباد غير متناهية وإحاطة المتناهي بغير المتناهي ممتنع وهذا احتجاج فاسد جدا من وجوه: أحدها أن ما لا تتناهى أفراده لا يمتنع أن يجعل أنواعا فيحكم لكل نوع منها بحكم واحد فتدخل الأفراد التي لا تتناهى تحت ذلك. النوع الثاني: أن أنواع الأفعال بل والأعراض كلها متناهية. الثالث: أنه لو قدر عدم تناهيها فإن أفعال العباد الموجودة إلى يوم القيامة متناهية وهذا كما تجعل الأقارب نوعين: نوعا مباحا وهو بنات العم والعمة وبنات الخال والخالة وما سوى ذلك حرام وكذلك يجعل ما ينقض الوضوء محصورا وما سوى ذلك لا ينقضه وكذلك ما يفسد الصوم وما يوجب الغسل وما يوجب العدة وما يمنع منه المحرم وأمثال ذلك وإذا كان أرباب المذاهب يضبطون مذاهبهم ويحصرونها بجوامع تحيط بما يحل ويحرم عندهم مع قصور بيانهم فالله ورسوله المبعوث بجوامع الكلم أقدر على ذلك فإنه - صلى الله عليه وسلم - يأتي بالكلمة الجامعة وهي قاعدة عامة وقضية كلية تجمع أنواعا وأفرادا وتدل دلالتين دلالة طرد ودلالة عكس. وهذا كما سئل - صلى الله عليه وسلم - عن أنواع من الأشربة كالبتع والمزر وكان قد أوتي جوامع الكلم فقال كل مسكر حرام  و كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد وكل قرض جر نفعا فهو ربا وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وكل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه وكل أحد أحق بماله من ولده ووالده والناس أجمعين وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل معروف صدقة وسمى النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية جامعة فاذة: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره [الزلزلة: 7] ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره [الزلزلة: 8] ومن هذا قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون [المائدة: 90] فدخل في الخمر كل مسكر جامدا كان أو مائعا من العنب أو من غيره ودخل في الميسر كل أكل مال بالباطل وكل عمل محرم يوقع في العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة. ودخل في قوله: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم [التحريم: 2] كل يمين منعقدة ودخل في قوله: يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات [المائدة: 4](1\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "249",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "251",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كل طيب من المطاعم والمشارب والملابس والفروج ودخل في قوله: وجزاء سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40]  فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم [البقرة: 194] ما لا تحصى أفراده من الجنايات وعقوباتها حتى اللطمة والضربة والكسعة كما فهم الصحابة. ودخل في قوله: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون [الأعراف: 33] تحريم كل فاحشة ظاهرة وباطنة وكل ظلم وعدوان في مال أو نفس أو عرض وكل شرك بالله وإن دق في قول أو عمل أو إرادة بأن يجعل لله عدلا بغيره في اللفظ أو القصد أو الاعتقاد وكل قول على الله لم يأت به نص عنه ولا عن رسوله في تحريم أو تحليل أو إيجاب أو إسقاط أو خبر عنه باسم أو صفة نفيا أو إثباتا أو خبرا عن فعله فالقول عليه بلا علم حرام في أفعاله وصفاته ودينه. ودخل في قوله: والجروح قصاص [المائدة: 45] وجوبه في كل جرح يمكن القصاص منه وليس هذا تخصيصا بل هو مفهوم من قوله: قصاص [المائدة: 45] وهو المماثلة ودخل في قوله: وعلى الوارث مثل ذلك [البقرة: 233] وجوب نفقة الطفل وكسوته ونفقة مرضعته على كل وارث قريب أو بعيد ودخل في قوله: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف [البقرة: 228] جميع الحقوق التي للمرأة وعليها وأن مرد ذلك إلى ما يتعارفه الناس بينهم ويجعلونه معروفا لا منكرا والقرآن والسنة كفيلان بهذا أتم كفالة. فصل الفرقة الثانية: قابلت هذه الفرقة وقالت: القياس كله باطل محرم في الدين ليس منه وأنكروا القياس الجلي الظاهر حتى فرقوا بين المتماثلين وزعموا أن الشارع لم يشرع شيئا لحكمة أصلا ونفوا تعليل خلقه وأمره وجوزوا - بل جزموا - بأنه يفرق بين المتماثلين ويقرن بين المختلفين في القضاء والشرع وجعلوا كل مقدور فهو عدل والظلم عندهم هو الممتنع لذاته كالجمع بين النقيضين. وهذا وإن كان قاله طائفة من أهل الكلام المنتسبين إلى السنة في إثبات القدر وخالفوا القدرية والنفات فقد أصابوا في إثبات القدر وتعليق المشيئة الإلهية بأفعال العباد الاختيارية كما تتعلق بذواتهم وصفاتهم وأصابوا في إثبات تناقض القدرية والنفات ولكن ردوا من الحق المعلوم بالعقل والفطرة والشرع ما سلطوا عليهم به خصومهم وصاروا ممن رد بدعة ببدعة وقابل الفاسد بالفاسد ومكنوا خصومهم بما نفوه من الحق من الرد عليهم وبيان تناقضهم ومخالفتهم الشرع والعقل(1\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "250",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "252",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل الفرقة الثالثة: قوم نفوا الحكمة والتعليل والأسباب وأقروا بالقياس كأبي الحسن الأشعري وأتباعه ومن قال بقوله من الفقهاء أتباع الأئمة وقالوا: إن علل الشرع إنما هي مجرد أمارات وعلامات محضة كما قالوه في ترك الأسباب وقالوا: إن الدعاء علامة محضة على حصول المطلوب لا أنه سبب فيه والأعمال الصالحة والقبيحة علامات محضة ليست سببا في حصول الخير والشر وكذلك جميع ما وجدوه من الخلق والأمر مقترنا بعضه ببعض قالوا أحدهما دليل على الآخر مقارن له اقترانا عاديا وليس بينهما ارتباط سببية ولا علة ولا حكمة ولا له فيه تأثير بوجه من الوجوه. وليس عند أكثر الناس غير أقوال هؤلاء الفرق الثلاثة وطالب الحق إذا رأى ما في هذه الأقوال من الفساد والتناقض والاضطراب ومناقضة بعضها لبعض ومعارضة بعضها لبعض بقي في الحيرة فتارة يتحيز إلى فرقة منها له ما لها وعليه ما عليها وتارة يتردد بين هذه الفرق تميميا مرة وقيسيا أخرى وتارة يلقي الحرب بينهما ويقف في النظارة وسبب ذلك خفاء الطريقة المثلى والمذهب الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الأديان وعليه سلف الأمة وأئمتها والفقهاء المعتبرون من إثبات الحكم والأسباب والغايات المحمودة في خلقه - سبحانه - وأمره وإثبات لام التعليل وباء السببية في القضاء والشرع كما دلت عليه النصوص مع صريح العقل والفطرة واتفق عليه الكتاب والميزان. ومن تأمل كلام سلف الأمة وأئمة أهل السنة رآه ينكر قول الطائفتين المنحرفتين عن الوسط فينكر قول المعتزلة المكذبين بالقدر وقول الجهمية المنكرين للحكم والأسباب والرحمة فلا يرضون لأنفسهم بقول القدرية المجوسية ولا بقول القدرية الجبرية نفاة الحكمة والرحمة والتعليل. وعامة البدع المحدثة في أصول الدين من قول هاتين الطائفتين الجهمية والقدرية. والجهمية رءوس الجبرية وأئمتهم أنكروا حكمة الله ورحمته وإن أقروا بلفظ مجرد فارغ عن حقيقة الحكمة والرحمة. والقدرية والنفات أنكروا كمال قدرته ومشيئته فأولئك أثبتوا نوعا من الملك بلا حمد وهؤلاء أثبتوا نوعا من الحمد بلا ملك فأنكر أولئك عموم حمده وأنكر هؤلاء عموم ملكه وأثبت له الرسل وأتباعهم عموم الملك وعموم الحمد كما أثبته لنفسه فله كمال الملك وكمال الحمد فلا يخرج عين ولا فعل عن قدرته ومشيئته وملكه وله في كل ذلك حكمة وغاية مطلوبة يستحق عليها الحمد وهو في عموم قدرته ومشيئته وملكه على صراط مستقيم وهو حمده الذي يتصرف في ملكه به ولأجله. والمقصود أنهم كما انقسموا إلى ثلاث فرق في هذا الأصل انقسموا في فرعه - وهو(1\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "251",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "253",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القياس - إلى ثلاث فرق: فرقة أنكرته بالكلية وفرقة قالت به وأنكرت الحكم والتعليل والمناسبات والفرقتان أخلت النصوص عن تناولها لجميع أحكام المكلفين وأنها أحالت على القياس ثم قالت غلاتهم: أحالت عليه أكثر الأحكام وقال متوسطوهم: بل أحالت عليه كثيرا من الأحكام لا سبيل إلى إثباتها إلا به. والصواب وراء ما عليه الفرق الثلاث وهو أن النصوص محيطة بأحكام الحوادث ولم يحلنا الله ولا رسوله على رأي ولا قياس بل قد بين الأحكام كلها والنصوص كافية وافية بها والقياس الصحيح حق مطابق للنصوص فهما دليلان: الكتاب والميزان وقد تخفى دلالة النص أو لا تبلغ العالم فيعدل إلى القياس ثم قد يظهر موافقا للنص فيكون قياسا صحيحا وقد يظهر مخالفا له فيكون فاسدا وفي نفس الأمر لا بد من موافقته أو مخالفته ولكن عند المجتهد قد تخفى موافقته أو مخالفته.  [أخطاء المختلفين في إحاطة النصوص بأحكام الحوادث] [الخطأ الأول والثانى] فصل [كل فرقة سدت بابا من الحق] وكل فرقة من هذه الفرق الثلاث سدوا على أنفسهم طريقا من طرق الحق فاضطروا إلى توسعة طريق أخرى أكثر مما تحتمله فنفات القياس لما سدوا على نفوسهم باب التمثيل والتعليل واعتبار الحكم والمصالح وهو من الميزان والقسط الذي أنزله الله احتاجوا إلى توسعة الظاهر والاستصحاب فحملوهما فوق الحاجة ووسعوهما أكثر مما يسعانه فحيث فهموا من النص حكما أثبتوه ولم يبالوا بما وراءه وحيث لم يفهموا منه نفوه وحملوا الاستصحاب وأحسنوا في اعتنائهم بالنصوص ونصرها والمحافظة عليها وعدم تقديم غيرها عليها من رأي أو قياس أو تقليد وأحسنوا في رد الأقيسة الباطلة وبيانهم تناقض أهلها في نفس القياس وتركهم له وأخذهم بقياس وتركهم ما هو أولى منه. ولكن أخطئوا من أربعة أوجه: أحدها: رد القياس الصحيح ولا سيما المنصوص على علته التي يجري النص عليها مجرى التنصيص على التعميم باللفظ ولا يتوقف عاقل في أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لما لعن عبد الله حمارا على كثرة شربه للخمر: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله بمنزلة قوله: لا تلعنوا كل من يحب الله ورسوله وفي أن قوله: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر(1\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "252",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "254",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنها رجس بمنزلة قوله: ينهيانكم عن كل رجس وفي أن قوله تعالى: إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس [الأنعام: 145] نهى عن كل رجس وفي أن قوله في الهر: ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات بمنزلة قوله: كل ما هو من الطوافين عليكم والطوافات فإنه ليس بنجس ولا يستريب أحد في أن من قال لغيره quot; لا تأكل من هذا الطعام فإنه مسموم quot; نهي له عن كل طعام كذلك وإذا قال: quot; لا تشرب هذا الشراب فإنه مسكر quot; نهي له عن كل مسكر و quot; لا تتزوج هذه المرأة فإنها فاجرة quot; وأمثال ذلك. الخطأ الثاني: تقصيرهم في فهم النصوص فكم من حكم دل عليه النص ولم يفهموا دلالته عليه وسبب هذا الخطأ حصرهم الدلالة في مجرد ظاهر اللفظ دون إيمائه وتنبيهه وإشارته وعرفه عند المخاطبين فلم يفهموا من قوله: فلا تقل لهما أف [الإسراء: 23] ضربا ولا سبا ولا إهانة غير لفظة أف فقصروا في فهم الكتاب كما قصروا في اعتبار الميزان.  [الخطأ الثالث تحميل الاستصحاب فوق ما يستحقه] [الاستصحاب وأقسامه] الخطأ الثالث: تحميل الاستصحاب فوق ما يستحقه وجزمهم بموجبه لعدم علمهم بالناقل وليس عدم العلم علما بالعدم. [الاستصحاب وأقسامه] وقد تنازع الناس في الاستصحاب ونحن نذكر أقسامه ومراتبها فالاستصحاب: استفعال من الصحبة وهي استدامة إثبات ما كان ثابتا أو نفي ما كان منفيا وهو ثلاثة أقسام: استصحاب البراءة الأصلية واستصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي حتى يثبت خلافه واستصحاب حكم الإجماع في محل النزاع. [استصحاب البراءة الأصلية] فأما النوع الأول فقد تنازع الناس فيه: فقالت طائفة من الفقهاء والأصوليين: إنه يصلح للدفع لا للإبقاء كما قاله بعض الحنفية ومعنى ذلك أنه يصلح لأن يدفع به من ادعى تغيير الحال لإبقاء الأمر على ما كان فإن بقاءه على ما كان إنما هو مستند إلى موجب الحكم لا إلى عدم المغير له فإذا لم نجد دليلا نافيا ولا مثبتا أمسكنا لا نثبت الحكم ولا ننفيه بل ندفع بالاستصحاب دعوى من أثبته فيكون حال المتمسك [بالاستصحاب] كحال المعترض مع المستدل فهو يمنعه الدلالة حتى يثبتها لا أنه يقيم دليلا على نفي ما ادعاه وهذا غير حال المعارض فالمعارض لون والمعترض لون فالمعترض يمنع دلالة(1\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "253",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "255",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدليل والمعارض يسلم دلالته ويقيم دليلا على نقيضه. وذهب الأكثرون من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم إلى أنه يصلح لإبقاء الأمر على ما كان عليه قالوا: لأنه إذا غلب على الظن انتفاء الناقل غلب على الظن بقاء الأمر على ما كان عليه. [استصحاب الوصف المثبت للحكم] ثم النوع الثاني استصحاب الوصف المثبت للحكم حتى يثبت خلافه وهو حجة كاستصحاب حكم الطهارة وحكم الحدث واستصحاب بقاء النكاح وبقاء الملك وشغل الذمة بما تشغل به حتى يثبت خلاف ذلك وقد دل الشارع على تعليق الحكم به في قوله في الصيد quot; وإن وجدته غريقا فلا تأكله فإنك لا تدري: الماء قتله أو سهمك quot; وقوله: quot; وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره quot; لما كان الأصل في الذبائح التحريم وشك هل وجد الشرط المبيح أم لا بقي الصيد على أصله في التحريم ولما كان الماء طاهرا فالأصل بقاؤه على طهارته ولم يزلها بالشك ولما كان الأصل بقاء المتطهر على طهارته لم يأمره بالوضوء مع الشك في الحدث بل قال: quot; لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا quot; ولما كان الأصل بقاء الصلاة في ذمته أمر الشاك أن يبني على اليقين ويطرح الشك ولا يعارض هذا رفعه للنكاح المتيقن بقول الأمة السوداء إنها أرضعت الزوجين فإن أصل الأبضاع على التحريم وإنما أبيحت الزوجة بظاهر الحال مع كونها أجنبية وقد عارض هذا الظاهر ظاهر مثله أو أقوى منه وهو الشهادة فإذا تعارضا تساقطا وبقي أصل التحريم لا معارض له فهذا الذي حكم به النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو عين الصواب ومحض القياس وبالله التوفيق. ولم يتنازع الفقهاء في هذا النوع وإنما تنازعوا في بعض أحكامه لتجاذب المسألة أصلين متعارضين. مثاله أن مالكا منع الرجل إذا شك هل أحدث أم لا من الصلاة حتى يتوضأ لأنه وإن كان الأصل بقاء الطهارة فإن الأصل بقاء الصلاة في ذمته فإن قلتم: لا نخرجه من الطهارة بالشك قال مالك: ولا ندخله في الصلاة بالشك فيكون قد خرج منها الشك فإن قلتم: يقين الحدث قد ارتفع بالوضوء فلا يعود بالشك قال منازعهم: ويقين البراءة الأصلية قد ارتفع بالوجوب فلا يعود بالشك قالوا: والحديث الذي تحتجون به من أكبر حججنا فإنه منع المصلي بعد دخوله في الصلاة بالطهارة المتيقنة أن يخرج منها بالشك فأين هذا من تجويز الدخول فيها بالشك ومن ذلك لو شك هل طلق واحدة أو ثلاثا فإن مالكا يلزمه بالثلاث لأنه تيقن طلاقا وشك هل هو مما تزيل أثره الرجعة أم لا وقول الجمهور في هذه المسألة أصح فإن النكاح متيقن فلا يزول بالشك ولم يعارض يقين(1\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "254",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "256",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النكاح إلا شك محض فلا يزول به وليس هذا نظير الدخول في الصلاة بالطهارة التي شك في انتقاضها فإن الأصل هناك شغل الذمة وقد وقع الشك في فراغها ولا يقال هنا: إن الأصل التحريم بالطلاق وقد شككنا في الحل فإن التحريم قد زال بنكاح متيقن وقد حصل الشك في ما يرفعه فهو نظير ما لو دخل في الصلاة بوضوء متيقن ثم شك في زواله فإن قيل: هو متيقن للتحريم بالطلاق شاك في الحل بالرجعة فكان جانب التحريم أقوى قيل: ليست الرجعية بمحرمة وله أن يخلو بها ولها أن تتزين له وتتعرض له وله أن يطأها والوطء رجعة عند الجمهور وإنما خالف في ذلك الشافعي وحده وهي زوجته في جميع الأحكام إلا في القسم خاصة ولو سلم أنها محرمة فقولكم quot; إنه متيقن للتحريم quot; إن أردتم به التحريم المطلق فإنه غير متيقن وإن أردتم به مطلق التحريم لم يستلزم أن يكون بثلاث فإن مطلق التحريم أعم من أن يكون بواحدة أو يكون بثلاث ولا يلزم من ثبوت الأعم ثبوت الأخص وهذا في غاية الظهور. فصل [استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع] القسم الثالث: استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع وقد اختلف فيه الفقهاء والأصوليون هل هو حجة على قولين: أحدهما: أنه حجة وهو قول المزني والصيرفي وابن شاقلا وابن حامد وأبي عبد الله الرازي. والثاني: ليس بحجة وهو قول أبي حامد وأبي الطيب الطبري والقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي الخطاب والحلواني وابن الزاغوني وحجة هؤلاء أن الإجماع إنما كان على الصفة التي كانت قبل محل النزاع كالإجماع على صحة الصلاة قبل رؤية الماء في الصلاة فأما بعد الرؤية فلا إجماع فليس هناك ما يستصحب إذ يمتنع دعوى الإجماع في محل النزاع والاستصحاب إنما يكون لأمر ثابت فيستصحب ثبوته أو لأمر منتف فيستصحب نفيه قال الأولون: غاية ما ذكرتم أنه لا إجماع في محل النزاع وهذا حق ونحن لم ندع الإجماع في محل النزاع بل استصحبنا حال المجمع عليه حتى يثبت ما يزيله قال الآخرون: الحكم إذا كان إنما ثبت بإجماع وقد زال الإجماع زال الحكم بزوال دليله فلو ثبت الحكم بعد ذلك لثبت بغير دليل. وقال المثبتون: الحكم كان ثابتا وعلمنا بالإجماع ثبوته فالإجماع ليس هو علة ثبوته ولا سبب ثبوته في نفس الأمر حتى يلزم من زوال العلة زوال معلولها ومن زوال السبب زوال حكمه وإنما الإجماع دليل عليه وهو في نفس الأمر مستند إلى نص أو معنى نص فنحن نعلم أن الحكم المجمع عليه ثابت في نفس الأمر والدليل لا ينعكس فلا يلزم من انتفاء الإجماع(1\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "255",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "257",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "انتفاء الحكم بل يجوز أن يكون باقيا ويجوز أن يكون منتفيا لكن الأصل بقاؤه فإن البقاء لا يفتقر إلى سبب حادث ولكن يفتقر إلى بقاء سبب ثبوته وأما الحكم المخالف فيفتقر إلى ما يزيل الحكم الأول وإلى ما يحدث الثاني وإلى ما ينفيه فكان ما يفتقر إليه الحادث أكثر مما يفتقر إليه الباقي فيكون البقاء أولى من التغير وهذا مثل استصحاب حال براءة الذمة فإنها كانت بريئة قبل وجود ما يظن به أنه شاغل ومع هذا فالأصل البراءة والتحقيق أن هذا دليل من جنس استصحاب البراءة. ومن لا يجوز الاستدلال به إلا بعد معرفة المزيل فلا يجوز الاستدلال به لمن لم يعرف الأدلة الناقلة كما لا يجوز الاستدلال بالاستصحاب لمن يعرف الأدلة الناقلة. وبالجملة فالاستصحاب لا يجوز الاستدلال به إلا إذا اعتقد انتفاء الناقل فإن قطع المستدل بانتفاء الناقل قطع بانتفاء الحكم كما يقطع ببقاء شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - وأنها غير منسوخة وإن ظن انتفاء الناقل أو ظن انتفاء دلالته ظن انتفاء النقل وإن كان الناقل معنى مؤثرا وتبين له عدم اقتضائه تبين له انتفاء النقل مثل رؤية الماء في الصلاة لا تنقض الوضوء وإلا فمع تجويزه لكونه ناقضا للوضوء لا يطمئن ببقاء الوضوء وكذا كل من وقع النزاع في انتقاض وضوئه ووجوب الغسل عليه فإن الأصل بقاء طهارته كالنزاع في بطلان الوضوء بخروج النجاسات من غير السبيلين وبالخارج النادر منهما وبمس النساء بشهوة وغيرها وبأكل ما مسته النار وغسل الميت وغير ذلك لا يمكنه اعتقاد استصحاب الحال فيه حتى يتيقن له بطلان ما يوجب الانتقال وإلا بقي شاكا وإن لم يتبين له صحة الناقل - كما لو أخبره فاسق بخبر - فإنه مأمور بالتبين والتثبت لم يؤمر بتصديقه ولا بتكذيبه فإن كليهما ممكن منه وهو مع خبره لا يستدل باستصحاب الحال كما كان يستدل به بدون خبره ولهذا جعل لوثا وشبهة وإذا شهد مجهول الحال فإنه هناك شاك في حال الشاهد ويلزم منه الشك في حال المشهود به فإذا تبين كونه عدلا تم الدليل وعند شهادة المجهولين تضعف البراءة أعظم مما تضعف عند شهادة الفاسق فإنه في الشاهد قد يكون دليلا ولكن لا تعرف دلالته وأما هناك فقد علمنا أنه ليس بدليل لكن يمكن وجود المدلول عليه في هذه الصورة فإن صدقه ممكن. فصل [الدليل على أنه حجة] ومما يدل على أن استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع حجة أن تبدل حال المحل المجمع على حكمه أولا كتبدل زمانه ومكانه وشخصه وتبدل هذه الأمور وتغيرها لا(1\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "256",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "258",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يمنع استصحاب ما ثبت له قبل التبدل فكذلك تبدل وصفه وحاله لا يمنع الاستصحاب حتى يقوم دليل على أن الشارع جعل ذلك الوصف الحادث ناقلا للحكم مثبتا لضده كما جعل الدباغ ناقلا لحكم نجاسة الجلد وتخليل الخمر ناقلا للحكم بتحريمها وحدوث الاحتلام ناقلا لحكم البراءة الأصلية وحينئذ فلا يبقى التمسك بالاستصحاب صحيحا وأما مجرد النزاع فإنه لا يوجب سقوط استصحاب حكم الإجماع والنزاع في رؤية الماء في الصلاة وحدوث العيب عند المشتري واستيلاد الأمة لا يوجب رفع ما كان ثابتا قبل ذلك من الأحكام فلا يقبل قول المعترض: إنه قد زال حكم الاستصحاب بالنزاع الحادث فإن النزاع لا يرفع ما ثبت من الحكم فلا يمكن المعترض رفعه إلا أن يقيم دليلا على أن ذلك الوصف الحادث جعله الشارع دليلا على نقل الحكم وحينئذ فيكون معارضا في الدليل لا قادحا في الاستصحاب فتأمله فإنه التحقيق في هذه المسألة.  [الخطأ الرابع اعتقاد أن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلها على البطلان حتى يقوم دليل على الصحة] فصل [الأصلي في الشروط الصحة أو الفساد] الخطأ الرابع لهم: اعتقادهم أن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلها على البطلان حتى يقوم دليل على الصحة فإذا لم يقم عندهم دليل على صحة شرط أو عقد أو معاملة استصحبوا بطلانه فأفسدوا بذلك كثيرا من معاملات الناس وعقودهم وشروطهم بلا برهان من الله بناء على هذا الأصل. وجمهور الفقهاء على خلافه وأن الأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما أبطله الشارع أو نهى عنه وهذا القول هو الصحيح فإن الحكم ببطلانها حكم بالتحريم والتأثيم ومعلوم أنه لا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله ولا تأثيم إلا ما أثم الله ورسوله به فاعله كما أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله ولا حرام إلا ما حرمه الله ولا دين إلا ما شرعه فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم. والفرق بينهما أن الله - سبحانه - لا يعبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله فإن العبادة حقه على عباده وحقه الذي أحقه هو ورضي به وشرعه وأما العقود والشروط والمعاملات فهي عفو حتى يحرمها ولهذا نعى الله - سبحانه - على المشركين مخالفة هذين الأصلين - وهو تحريم ما لم يحرمه والتقرب إليه بما لم يشرعه - وهو - سبحانه - لو سكت عن إباحة ذلك وتحريمه لكان ذلك عفوا لا يجوز الحكم بتحريمه وإبطاله فإن الحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه وما سكت عنه فهو عفو فكل شرط وعقد ومعاملة سكت عنها فإنه لا(1\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "257",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "259",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يجوز القول بتحريمها فإنه سكت عنها رحمة منه من غير نسيان وإهمال فكيف وقد صرحت النصوص بأنها على الإباحة فيما عدا ما حرمه وقد أمر الله - تعالى - بالوفاء بالعقود والعهود كلها فقال - تعالى -: وأوفوا بالعهد [الإسراء: 34] وقال: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود [المائدة: 1] وقال: والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون [المؤمنون: 8] وقال - تعالى -: والموفون بعهدهم إذا عاهدوا [البقرة: 177] وقال - تعالى -: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون [الصف: 2] كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون [الصف: 3] وقال: بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين [آل عمران: 76] وقال: إن الله لا يحب الخائنين [الأنفال: 58] وهذا كثير من القرآن. وفي صحيح مسلم من حديث الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر وفيه من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: من علامات المنافق ثلاث وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان وفي الصحيحين من حديث ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان وفيهما من حديث عقبة بن عامر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن أحق الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفروج وفي سنن أبي داود عن أبي رافع قال: بعثني قريش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما رأيته ألقي في قلبي الإسلام فقلت: يا رسول الله والله إني لا أرجع إليهم أبدا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد ولكن ارجع إليهم فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع قال: فذهبت ثم أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسلمت وفي صحيح مسلم عن حذيفة قال: ما منعني أن أشهد بدرا إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل فأخذنا كفار قريش فقالوا: إنكم تريدون محمدا فقلنا: ما نريده ما نريد إلا المدينة فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه فأتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرناه الخبر فقال: انصرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن عامر قال: دعتني أمي يوما ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعد في بيتها فقالت: تعال أعطك فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما أردت أن تعطيه فقالت: أعطيه تمرا فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أما إنك لو لم تعطيه شيئا كتبت عليك كذبة . وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قال الله - عز وجل -: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة:(1\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "258",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "260",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره . وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب أن يوفي بالنذر الذي نذره في الجاهلية من اعتكافه ليلة عند المسجد الحرام وهذا عقد كان قبل الشرع . وقال ابن وهب: ثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: وأي المؤمن واجب قال ابن وهب: وأخبرني إسماعيل بن عياش عن أبي إسحاق أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: ولا تعد أخاك عدة وتخلفه فإن ذلك يورث بينك وبينه عداوة قال ابن وهب: وأخبرني الليث بن سعد عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من قال لصبي تعال هذا لك ثم لم يعطه شيئا فهي كذبة وفي السنن من حديث كثير بن عبد الله بن زيد بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده يرفعه: المؤمنون عند شروطهم وله شاهد من حديث محمد بن عبد الرحمن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر يرفعه الناس على شروطهم ما وافق الحق وليست العمدة على هذين الحديثين بل على ما تقدم. فصل [أجوبة المانعين] وأصحاب القول الآخر يجيبون عن هذه الحجج: تارة بنسخها وتارة بتخصيصها ببعض العهود والشروط وتارة بالقدح في سند ما يمكنهم القدح فيه وتارة بمعارضتها بنصوص أخر كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق وكقوله من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وكقوله - تعالى -: ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون [البقرة: 229] ونظائر هذه الآية. قالوا: فصح بهذه النصوص إبطال كل عهد وعقد ووعد وشرط ليس في كتاب الله الأمر به أو النص على إباحته قالوا: وكل شرط أو عقد ليس في النصوص إيجابه ولا الإذن فيه فإنه لا يخلو من أحد وجوه أربعة: إما أن يكون صاحبه قد التزم فيه إباحة ما حرم الله ورسوله أو تحريم ما أباحه أو إسقاط ما أوجبه أو إيجاب ما أسقطه ولا خامس لهذه الأقسام ألبتة فإن ملكتم المشترط والمعاقد والمعاهد جميع ذلك انسلختم من الدين وإن ملكتموه البعض دون البعض تناقضتم وسألناكم ما الفرق بين ما يملكه من ذلك وما لا يملكه ولن تجدوا إليه سبيلا(1\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "259",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "261",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل [رد الجمهور على أجوبة المانعين] قال الجمهور: أما دعواكم النسخ فإنها دعوى باطلة تتضمن أن هذه النصوص ليست من دين الله ولا يحل العمل بها وتجب مخالفتها وليس معكم برهان قاطع بذلك فلا تسمع دعواه وأين التجاؤكم إلى الاستصحاب والتسبب به ما أمكنكم . وأما تخصيصها فلا وجه له وهو يتضمن إبطال ما دلت عليه من العموم وذلك غير جائز إلا ببرهان من الله ورسوله. وأما ضعف بعضها من جهة السند فلا يقدح في سائرها ولا يمنع من الاستشهاد بالضعيف وإن لم يكن عمدة. وأما معارضتها بما ذكرتم فليس بحمد الله بينها وبينه تعارض وهذا إنما يعرف بعد معرفة المراد بكتاب الله في قوله: quot; ما كان من شرط ليس في كتاب الله quot; ومعلوم أنه ليس المراد به القرآن قطعا فإن أكثر الشروط الصحيحة ليست في القرآن بل علمت من السنة فعلم أن المراد بكتاب الله حكمه كقوله: كتاب الله عليكم [النساء: 24] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: كتاب الله القصاص في كسر السن فكتابه - سبحانه - يطلق على كلامه وعلى حكمه الذي حكم به على لسان رسوله ومعلوم أن كل شرط ليس في حكم الله فهو مخالف له فيكون باطلا فإذا كان الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - قد حكم بأن الولاء للمعتق فشرط خلاف ذلك يكون شرطا مخالفا لحكم الله ولكن أين في هذا أن ما سكت عن تحريمه من العقود والشروط يكون باطلا حراما وتعدي حدود الله هو تحريم ما أحله الله أو إباحة ما حرمه أو إسقاط ما أوجبه لا إباحة ما سكت عنه وعفا عنه بل تحريمه هو نفي تعدي حدوده. وأما ما ذكرتم من تضمن الشرط لأحد تلك الأمور الأربعة ففاتكم قسم خامس وهو الحق وهو ما أباح الله - سبحانه - للمكلف تنويع أحكامه بالأسباب التي ملكه إياها فيباشر من الأسباب ما يحله له بعد أن كان حراما عليه أو يحرمه عليه بعد أن كان حلالا له أو يوجبه بعد أن لم يكن واجبا أو يسقط [وجوبه] بعد وجوبه وليس في ذلك تغيير لأحكامه بل كل ذلك من أحكامه فهو الذي أحل وحرم وأوجب وأسقط وإنما إلى العبد الأسباب المقتضية لتلك الأحكام ليس إلا فكما أن شراء الأمة ونكاح المرأة يحل له ما كان حراما عليه قبله وطلاقها وبيعها بالعكس يحرمها عليه ويسقط عنه ما كان واجبا عليه من حقوقها كذلك التزامه بالعقد والعهد والنذر والشرط فإذا ملك تغيير(1\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "260",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "262",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحكم بالعقد ملكه بالشرط الذي هو تابع له وقد قال - تعالى -: إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم [النساء: 29] فأباح التجارة التي تراضى بها المتبايعان فإذا تراضيا على شرط لا يخالف حكم الله جاز لهما ذلك ولا يجوز إلغاؤه وإلزامهما بما لم يلتزماه ولا ألزمهما الله ولا رسوله به ولا يجوز إلزامهما بما لم يلزمهما الله ورسوله به ولا هما التزماه ولا إبطال ما شرطاه مما لم يحرم الله ورسوله عليهما شرطه ومحرم الحلال كمحلل الحرام فهؤلاء ألغوا من شروط المتعاقدين ما لم يلغه الله ورسوله وقابلهم آخرون من القياسيين فاعتبروا من شروط الواقفين ما ألغاه الله ورسوله وكلا القولين خطأ بل الصواب إلغاء كل شرط خالف حكم الله واعتبار كل شرط لم يحرمه الله ولم يمنع منه وبالله التوفيق.  [فصل أخطاء القياسيين] وأما أصحاب الرأي والقياس فإنهم لما لم يعتنوا بالنصوص ولم يعتقدوها وافية بالأحكام ولا شاملة لها وغلاتهم على أنها لم تف بعشر معشارها فوسعوا طرق الرأي والقياس وقالوا بقياس الشبه وعلقوا الأحكام بأوصاف لا يعلم أن الشارع علقها بها واستنبطوا عللا لا يعلم أن الشارع شرع الأحكام لأجلها ثم اضطرهم ذلك إلى أن عارضوا بين كثير من النصوص والقياس ثم اضطربوا فتارة يقدمون القياس وتارة يقدمون النص وتارة يفرقون بين النص المشهور وغير المشهور واضطرهم ذلك أيضا إلى أن اعتقدوا في كثير من الأحكام أنها شرعت على خلاف القياس فكان خطؤهم من خمسة أوجه: أحدها: ظنهم قصور النصوص عن بيان جميع الحوادث. الثاني: معارضة كثير من النصوص بالرأي والقياس. الثالث: اعتقادهم في كثير من أحكام الشريعة أنها على خلاف الميزان والقياس والميزان هو العدل فظنوا أن العدل خلاف ما جاءت به من هذه الأحكام. الرابع: اعتبارهم عللا وأوصافا لم يعلم اعتبار الشارع لها وإلغاؤهم عللا وأوصافا اعتبرها الشارع كما تقدم بيانه. الخامس: تناقضهم في نفس القياس كما تقدم أيضا.  [فصل في شمول النصوص وإغناؤها عن القياس] [المسألة المشتركة في الفرائض] ونحن نعقد ههنا ثلاثة فصول: الفصل الأول: في بيان شمول النصوص للأحكام والاكتفاء بها عن الرأي والقياس. الفصل الثاني: في سقوط الرأي والاجتهاد والقياس وبطلانها مع وجود النص. الفصل الثالث: في بيان أن أحكام الشرع كلها على وفق القياس الصحيح وليس فيما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - حكم يخالف الميزان والقياس الصحيح.(1\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "261",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "263",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذه الفصول الثلاثة من أهم فصول الكتاب وبها يتبين للعالم المنصف مقدار الشريعة وجلالتها وهيمنتها وسعتها وفضلها وشرفها على جميع الشرائع وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما هو عام الرسالة إلى كل مكلف فرسالته عامة في كل شيء من الدين أصوله وفروعه ودقيقه وجليله فكما لا يخرج أحد عن رسالته فكذلك لا يخرج حكم تحتاج إليه الأمة عنها وعن بيانه له ونحن نعلم أنا لا نوفي هذه حقها ولا نقارب وأنها أجل من علومنا وفوق إدراكنا ولكن ننبه أدنى تنبيه ونشير أدنى إشارة إلى ما يفتح أبوابها وينهج طرقها والله المستعان وعليه التكلان. الفصل الأول: [شمول النصوص وإغناؤها عن القياس] في شمول النصوص وإغنائها عن القياس وهذا يتوقف على بيان مقدمة وهي أن دلالة النصوص نوعان: حقيقية وإضافية فالحقيقية تابعة لقصد المتكلم وإرادته وهذه الدلالة لا تختلف والإضافية تابعة لفهم السامع وإدراكه وجودة فكره وقريحته وصفاء ذهنه ومعرفته بالألفاظ ومراتبها وهذه الدلالة تختلف اختلافا متباينا بحسب تباين السامعين في ذلك وقد كان أبو هريرة وعبد الله بن عمر أحفظ الصحابة للحديث وأكثرهم رواية له وكان الصديق وعمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت أفقه منهما بل عبد الله بن عباس أيضا أفقه منهما ومن عبد الله بن عمر وقد أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على عمر فهمه إتيان البيت الحرام عام الحديبية من إطلاق قوله: quot; إنك ستأتيه وتطوف به quot; فإنه لا دلالة في هذا اللفظ على تعيين العام الذي يأتونه فيه وأنكر على عدي بن حاتم فهمه الخيط الأبيض والخيط الأسود نفس العقالين وأنكر على من فهم من قوله لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردلة من كبر شمول لفظه لحسن الثوب وحسن النعل وأخبرهم أنه quot; بطر الحق وغمط الناس quot;. وأنكر على من فهم من قوله: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه أنه كراهة الموت وأخبرهم أن هذا للكافر إذا احتضر وبشر بالعذاب فإنه حينئذ يكره لقاء الله والله يكره لقاءه وأن المؤمن إذا احتضر وبشر بكرامة الله أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه. وأنكر على عائشة إذ فهمت من قوله تعالى: فسوف يحاسب حسابا يسيرا [الانشقاق: 8] معارضته لقوله - صلى الله عليه وسلم -: quot; من نوقش الحساب عذب quot; وبين لها أن الحساب اليسير هو العرض أي حساب العرض لا حساب المناقشة. وأنكر على من فهم قوله تعالى: من يعمل سوءا يجز به [النساء: 123] أن هذا الجزاء إنما هو في الآخرة وأنه لا يسلم أحد من(1\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "262",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "264",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عمل السوء وبين أن هذا الجزاء قد يكون في الدنيا بالهم والحزن والمرض والنصب وغير ذلك من مصائبها وليس في اللفظ تقييد الجزاء بيوم القيامة. وأنكر على من فهم من قوله تعالى: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون [الأنعام: 82] أنه ظلم النفس بالمعاصي وبين أنه الشرك وذكر قول لقمان لابنه: إن الشرك لظلم عظيم [لقمان: 13] مع أن سياق اللفظ عند إعطائه حقه من التأمل يبين ذلك فإن الله - سبحانه - لم يقل ولم يظلموا أنفسهم بل قال: ولم يلبسوا إيمانهم بظلم [الأنعام: 82] ولبس الشيء بالشيء تغطيته له وإحاطته به من جميع جهاته ولا يغطي الإيمان ويحيط به ويلبسه إلا الكفر ومن هذا قوله تعالى: بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [البقرة: 81] فإن الخطيئة لا تحيط بالمؤمن أبدا فإن إيمانه يمنعه من إحاطة الخطيئة به ومع أن سياق قوله: وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون [الأنعام: 81] ثم حكم الله أعدل حكم وأصدقه أن من آمن ولم يلبس إيمانه بظلم فهو أحق بالأمن والهدى فدل على أن الظلم الشرك. وسأله عمر بن الخطاب عن الكلالة وراجعه فيها مرارا فقال: تكفيك آية الصيف واعترف عمر بأنه خفي عليه فهمها وفهمها الصديق  وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن لحوم الحمر الأهلية ففهم بعض الصحابة من نهيه أنه لكونها لم تخمس وفهم بعضهم أن النهي لكونها كانت حمولة القوم وظهرهم وفهم بعضهم أنه لكونها كانت جوال القرية وفهم علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه في الجنة - وكبار الصحابة ما قصده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنهي وصرح بعلته من كونها رجسا. وفهمت المرأة من قوله تعالى: وآتيتم إحداهن قنطارا [النساء: 20] جواز المغالاة في الصداق فذكرته لعمر فاعترف به وفهم ابن عباس من قوله تعالى: وحمله وفصاله ثلاثون شهرا [الأحقاف: 15] مع قوله: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين [البقرة: 233] أن المرأة قد تلد لستة أشهر ولم يفهمه عثمان فهم برجم امرأة ولدت لها حتى ذكره به ابن عباس فأقر به. ولم يفهم عمر من قوله أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها قتال مانعي الزكاة حتى بين له الصديق فأقر به. وفهم قدامة بن مظعون من قوله تعالى: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا [المائدة: 93] رفع الجناح عن الخمر حتى بين له عمر أنه لا يتناول الخمر ولو تأمل سياق الآية لفهم المراد منها فإنه إنما رفع الجناح عنهم فيما طعموه متقين له فيه وذلك إنما يكون باجتناب ما حرمه من المطاعم فالآية لا تتناول(1\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "263",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "265",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المحرم بوجه ما وقد فهم من قوله تعالى: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة [البقرة: 195] انغماس الرجل في العدو حتى بين له أبو أيوب الأنصاري أن هذا ليس من الإلقاء بيده إلى التهلكة بل هو من بيع الرجل نفسه ابتغاء مرضات الله وأن الإلقاء بيده إلى التهلكة هو ترك الجهاد والإقبال على الدنيا وعمارتها. وقال الصديق - رضي الله عنه -: أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم [المائدة: 105]  وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بالعقاب من عنده فأخبرهم أنهم يضعونها على غير مواضعها في فهمهم منها خلاف ما أريد بها وأشكل على ابن عباس أمر الفرقة الساكتة التي لم ترتكب ما نهيت عنه من اليهود: هل عذبوا أو نجوا حتى بين له مولاه عكرمة دخولهم في الناجين دون المعذبين وهذا هو الحق لأنه - سبحانه - قال عن الساكتين: وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا [الأعراف: 164] فأخبر أنهم أنكروا فعلهم وغضبوا عليهم وإن لم يواجهوهم بالنهي فقد واجههم به من أدى الواجب عنهم فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية فلما قام به أولئك سقط على الباقين فلم يكونوا ظالمين بسكوتهم وأيضا فإن الله - سبحانه - إنما عذب الذين نسوا ما ذكروا به وعتوا عما نهوا عنه وهذا لا يتناول الساكتين قطعا فلما بين عكرمة لابن عباس أنهم لم يدخلوا في الظالمين المعذبين كساه بردة وفرح به. وقد قال عمر بن الخطاب للصحابة: ما تقولون في: إذا جاء نصر الله والفتح [النصر: 1] السورة قالوا: أمر الله نبيه إذا فتح عليه أن يستغفره فقال لابن عباس ما تقول أنت قال: هو أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلمه إياه فقال: ما أعلم منها غير ما تعلم وهذا من أدق الفهم وألطفه ولا يدركه كل أحد فإنه - سبحانه - لن يعلق الاستغفار بعمله بل علقه بما يحدثه هو - سبحانه - من نعمة فتحه على رسوله ودخول الناس في دينه وهذا ليس بسبب للاستغفار فعلم أن سبب الاستغفار غيره وهو حضور الأجل الذي من تمام نعمة الله على عبده توفيقه للتوبة النصوح والاستغفار بين يديه ليلقى ربه طاهرا مطهرا من كل ذنب فيقدم عليه مسرورا راضيا مرضيا عنه ويدل عليه أيضا قوله: فسبح بحمد ربك واستغفره [النصر: 3] وهو - صلى الله عليه وسلم - كان يسبح بحمده دائما. فعلم أن المأمور به من ذلك التسبيح بعد الفتح ودخول الناس في هذا الدين أمر أكبر من ذلك المتقدم وذلك مقدمة بين يدي انتقاله إلى الرفيق الأعلى. وأنه قد بقيت عليه من عبودية التسبيح والاستغفار التي ترقيه إلى ذلك المقام بقية فأمره بتوفيتها ويدل عليه أيضا أنه - سبحانه - شرع التوبة والاستغفار في خواتيم الأعمال فشرعها في خاتمة الحج وقيام(1\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "264",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "266",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الليل وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثا  وشرع للمتوضئ بعد كمال وضوئه أن يقول quot; اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين quot; فعلم أن التوبة مشروعة عقيب الأعمال الصالحة فأمر رسوله بالاستغفار عقيب توفيته ما عليه من تبليغ الرسالة والجهاد في سبيله حين دخل الناس في دينه أفواجا فكأن التبليغ عبادة قد أكملها وأداها فشرع له الاستغفار عقيبها. والمقصود تفاوت الناس في مراتب الفهم في النصوص وأن منهم من يفهم من الآية حكما أو حكمين ومنهم من يفهم منها عشرة أحكام أو أكثر من ذلك ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرد اللفظ دون سياقه ودون إيمائه وإشارته وتنبيهه واعتباره وأخص من هذا وألطف ضمه إلى نص آخر متعلق به فيفهم من اقترانه به قدرا زائدا على ذلك اللفظ بمفرده وهذا باب عجيب من فهم القرآن لا يتنبه له إلا النادر من أهل العلم فإن الذهن قد لا يشعر بارتباط هذا بهذا وتعلقه به. وهذا كما فهم ابن عباس من قوله: وحمله وفصاله ثلاثون شهرا [الأحقاف: 15] [مع قوله: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين [البقرة: 233] أن المرأة قد تلد لستة أشهر وكما فهم الصديق من آية الفرائض في أول السورة وآخرها أن الكلالة من لا ولد له ولا والد وأسقط الإخوة بالجد وقد أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - عمر إلى هذا الفهم حيث سأله عن الكلالة وراجعه السؤال فيها مرارا فقال: يكفيك آية الصيف وإنما أشكل على عمر قوله: قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد [النساء: 176] فدله النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما يبين له المراد منها وهي الآية الأولى التي نزلت في الصيف فإنه ورث فيها ولد الأم في الكلالة السدس ولا ريب أن الكلالة فيها من لا ولد له ولا والد وإن علا. ونحن نذكر عدة مسائل مما اختلف فيها السلف ومن بعدهم وقد بينتها النصوص ومسائل قد احتج فيها بالقياس وقد بينها النص وأغنى فيها عن القياس. [المسألة المشتركة في الفرائض] المسألة الأولى: المشتركة في الفرائض وقد دل القرآن على اختصاص ولد الأم فيها بالثلث بقوله - تعالى -: وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث [النساء: 12] وهؤلاء ولد الأم فلو أدخلنا معهم ولد الأبوين لم يكونوا شركاء في الثلث بل يزاحمهم فيه غيرهم فإن قيل: بل ولد الأبوين منهم إلغاء لقرابة الأب قيل: هذا وهم لأن الله - سبحانه - قال في أول الآية: وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس [النساء: 12] ثم قال: فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث [النساء: 12] فذكر حكم واحدهم وجماعتهم حكما يختص به الجماعة منهم كما(1\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "265",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "267",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يختص به واحدهم وقال في ولد الأبوين: إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين [النساء: 176] فذكر حكم ولد الأب والأبوين واحدهم وجماعتهم وهو حكم يختص به جماعتهم كما يختص به واحدهم فلا يشاركهم فيه غيرهم فكذا حكم ولد الأم وهذا يدل على أن أحد الصنفين غير الآخر فلا يشارك أحد الصنفين الآخر وهذا الصنف الثاني هو ولد الأبوين أو الأب بالإجماع والأول هو ولد الأم بالإجماع كما فسرته قراءة بعض الصحابة quot; من أم quot; وهي تفسير وزيادة إيضاح وإلا فذلك معلوم من السياق ولهذا ذكر - سبحانه - ولد الأم في آية الزوجين وهم أصحاب فرض مقدر لا يخرجون عنه ولا حظ لأحد منهم في التعصيب ولم يذكر فيها أحدا من العصبة بخلاف ما ذكر في آية العمودين الآية التي قبلها فإن لجنسهم حظا في التعصيب ولهذا قال في آية الإخوة من الأم والزوجين: غير مضار [النساء: 12] ولم يقل ذلك في آية العمودين فإن الإنسان كثيرا ما يقصد ضرار الزوج وولد الأم لأنهم ليسوا من عصبته بخلاف أولاده وآبائه فإنه لا يضارهم في العادة فإذا كان النص قد أعطى ولد الأم الثلث لم يجز تنقيصهم منه وأما ولد الأبوين فهم جنس آخر وهم عصبته وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - quot; ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر quot; وفي هذه المسألة لم تبق الفرائض شيئا فلا شيء للعصبة بالنص. وأما قول القائس quot; هب أن أبانا كان حمارا quot; فقول باطل حسا وشرعا فإن الأب لو كان حمارا لكانت الأم أتانا وإذا قيل: يقدر وجوده كعدمه قيل: هذا باطل فإن الموجود لا يكون كالمعدوم وأما بطلانه شرعا فإن الله - سبحانه - حكم في ولد الأبوين بخلاف حكمه في ولد الأم. فإن قيل: الأب إن لم ينفعهم لم يضرهم. قيل: بل قد يضرهم كما ينفعهم فإن ولد الأم لو كان واحدا وولد الأبوين مائة وفضل نصف سدس انفرد ولد الأم بالسدس واشترك ولد الأبوين في نصف السدس فهلا قبلتم قولهم ههنا هب أن أبانا كان حمارا وهلا قدرتم الأب معدوما فخرجتم عن القياس كما خرجتم عن النص وإذا جاز أن ينقصهم الأب جاز أن يحرمهم وأيضا فالقرابة المتصلة الملتئمة من الذكر والأنثى لا تفرق أحكامها هذه قاعدة النسب في الفرائض وغيرها فالأخ من الأبوين لا نجعله كأخ من أب وأخ من أم فنعطيه السدس فرضا بقرابة الأم والباقي تعصيبا بقرابة الأب(1\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "266",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "268",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: فقد فرقتم بين القرابتين فقلتم في ابني عم أحدهما أخ لأم: يعطى الأخ للأم بقرابة الأم السدس ويقاسم ابن العم بقرابة العمومة. قيل: نعم هذا قول الجمهور وهو الصواب وإن كان شريح ومن قال بقوله أعطى الجميع لابن العم الذي هو أخ لأم كما لو كان ابن عم لأبوين والفرق بينهما على قول الجمهور أن كليهما في بنوة العم سواء وأما الأخوة للأم فمستقلة ليست مقترنة بأبوة حتى يجعل كابن العم للأبوين فههنا قرابة الأم منفردة عن قرابة العمومة بخلاف قرابة الأم في مسألتنا فإنها متحدة بقرابة الأب. ومما يبين أن عدم التشريك هو الصحيح أنه لو كان فيها أخوات لأب لفرض لهن الثلثان وعالت الفريضة فلو كان معهن أخوهن سقطن به ويسمى الأخ المشئوم فلما كن بوجوده يصرن عصبة صار تارة ينفعهن وتارة يضرهن ولم يجعل وجوده كعدمه في حال الضرار فكذلك قرابة الأب لما صار الإخوة بها عصبة صار ينفعهم تارة ويضرهم أخرى وهذا شأن العصبة فإن العصبة تارة تحوز المال وتارة تحوز أكثره وتارة تحوز أقله وتارة تخيب فمن أعطى العصبة مع استغراق الفروض المال خرج عن قياس الأصول وعن موجب النص. فإن قيل: فهذا استحسان. قيل: لكنه استحسان يخالف الكتاب والميزان فإنه ظلم للإخوة من الأم حيث يؤخذ حقهم ويعطاه غيرهم وإن كانوا يعقلون عن الميت وينفقون عليه لم يلزم من ذلك أن يشاركوا من لا يعقل ولا ينفق في ميراثه فعاقلة المرأة - من أعمامها وبني عمها وإخوتها - يعقلون عنها وميراثها لزوجها وولدها كما قضى بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يمتنع أن يعقل ولد الأبوين ويكون الميراث لولد الأم.  [المسألة العمرية] المسألة الثانية: العمريتان والقرآن يدل على قول جمهور الصحابة فيها كعمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت إن للأم ثلث ما يبقى بعد فرض الزوجين وههنا طريقان: أحدهما: بيان عدم دلالته على إعطائها الثلث كاملا مع الزوجين وهذا أظهر الطريقين. والثاني: دلالته على إعطائها ثلث الباقي وهو أدق وأخفى من الأول. أما الأول فإن الله - سبحانه - إنما أعطاها الثلث كاملا إذا انفرد الأبوان بالميراث فإن قوله - سبحانه -: فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث [النساء: 11] شرط أن في(1\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "267",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "269",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "استحقاق الثلث عدم الولد وتفردهما بميراثه فإن قيل: ليس في قوله: وورثه أبواه [النساء: 11] ما يدل على أنهما تفردا بميراثه قيل: لو لم يكن تفردهما شرطا لم يكن في قوله: وورثه أبواه [النساء: 11] فائدة وكان تطويلا يغني عنه قوله: quot; فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث quot; فلما قال: وورثه أبواه [النساء: 11] علم أن استحقاق الأم الثلث موقوف على الأمرين وهو - سبحانه - ذكر أحوال الأم كلها نصا وإيماء فذكر أن لها السدس مع الإخوة وأن لها الثلث كاملا مع عدم الولد وتفرد الأبوين بالميراث بقي لها حالة ثالثة - وهي مع عدم الولد وعدم تفرد الأبوين بالميراث - وذلك لا يكون إلا مع الزوج والزوجة فإما أن تعطى في هذه الحال الثلث كاملا وهو خلاف مفهوم القرآن وإما أن تعطى السدس فإن الله - سبحانه - لم يجعله فرضها إلا في موضعين مع الولد ومع الإخوة وإذا امتنع هذا وهذا كان الباقي بعد فرض الزوجين هو المال الذي يستحقه الأبوان ولا يشاركهما فيه مشارك فهو بمنزلة المال كله إذا لم يكن زوج ولا زوجة فإذا تقاسماه أثلاثا كان الواجب أن يتقاسما الباقي بعد فرض الزوجين كذلك فإن قيل: فمن أين تأخذون حكمها إذا ورثته الأم [و] من دون الأب كالجد والعم والأخ وابنه قيل: إذا كانت تأخذ الثلث مع الأب فأخذها له مع من دونه من العصبات أولى وهذا من باب التنبيه. فإن قيل: فمن أين أعطيتموها الثلث كاملا إذا كان معها ومع هذه العصبة الذي هو دون الأب زوج أو زوجة والله - سبحانه - إنما جعل لها الثلث كاملا إذا انفرد الأبوان بميراثه على ما قررتموه فإذا كان جد وأم أو عم وأم أو أخ وأم أو ابن عم أو ابن أخ مع أحد الزوجين فمن أين أعطيت الثلث كاملا ولم ينفرد الأبوان بالميراث قيل: بالتنبيه ودلالة الأولى فإنها إذا أخذت الثلث كاملا مع الأب فلأن تأخذه مع ابن العم أولى وأما إذا كان أحد الزوجين مع هذه العصبة فإنه ليس له إلا ما بقي بعد الفروض ولو استوعبت الفروض المال سقط كأم وزوج وأخ لأم بخلاف الأب. فإن قيل: فمن أين تأخذون حكمها إذا كان مع العصبة ذو فرض غير البنات والزوجة قيل: لا يكون ذلك إلا مع ولد الأم أو الأخوات للأبوين أو للأب واحدة أو أكثر والله - تعالى - قد أعطاها السدس مع الإخوة فدل على أنها تأخذ الثلث مع الواحد إذ ليس بإخوة.(1\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "268",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "270",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بقي الأختان والأخوان فهذا مما تنازع فيه الصحابة فجمهورهم أدخلوا الاثنين في لفظ الإخوة وأبى ذلك ابن عباس ونظره أقرب إلى ظاهر اللفظ ونظر الصحابة أقرب إلى المعنى وأولى به فإن الإخوة إنما حجبوها إلى السدس لزيادة ميراثهم على ميراث الواحد ولهذا لو كانت واحدة أو أخا واحدا لكان لها الثلث معه فإذا كان الإخوة ولد أم كان فرضهم الثلث اثنين كانا أو مائة فالاثنان والجماعة في ذلك سواء وكذلك لو كن أخوات لأب أو لأب وأم ففرض الثنتين وما زاد واحد فحجبها عن الثلث إلى السدس باثنين كحجبها بثلاثة سواء لا فرق بينهما ألبتة. وهذا الفهم في غاية اللطف وهو من أدق فهم القرآن ثم طرد ذلك في الذكور من ولد الأب والأبوين لمعنى يقتضيه وهو توفير السدس الذي حجبت عنه لهم لزيادتهم على الواحد نظرا لهم ورعاية لجانبهم وأيضا فإن قاعدة الفرائض أن كل حكم اختص به الجماعة عن الواحد اشترك فيه الاثنان وما فوقهما كولد الأم والبنات وبنات الابن والأخوات للأبوين أو للأب والحجب ههنا قد اختص به الجماعة فيستوي فيه الاثنان وما زاد عليهما وهذا هو القياس الصحيح والميزان الموافق لدلالة الكتاب وفهم أكابر الصحابة وأيضا فإن الأمة مجمعة على أن قوله تعالى: فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك [النساء: 11] يدخل في حكمه الثنتان وإن اختلفوا في كيفية دخولهما في الحكم كما سيأتي. فهكذا دخول الأخوين في الإخوة وأيضا فإن لفظ الإخوة كلفظ الذكور والإناث والبنات والبنين وهذا كله قد يطلق ويراد به الجنس الذي جاوز الواحد وإن لم يزد على اثنين فكل حكم علق بالجمع من ذلك دخل فيه الاثنان كالإقرار والوصية والوقف وغير ذلك فلفظ الجمع قد يراد به الجنس المتكثر أعم من تكثيره بواحد أو اثنين كما أن لفظ المثنى قد يراد به المتعدد أعم من أن يكون تعدده بواحد أو أكثر نحو: ارجع البصر كرتين [الملك: 4] ودلالتهما حينئذ على الجنس المتكثر وأيضا فاستعمال الاثنين في الجمع بقرينة واستعمال الجمع في الاثنين بقرينة جائز بل واقع وأيضا فإنه - سبحانه - قال: وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين [النساء: 176] وهذا يتناول الأخ الواحد والأخت الواحدة كما يتناول من فوقهما ولفظ الإخوة وسائر ألفاظ الجمع قد يعنى به الجنس من غير قصد التعدد كقوله - تعالى -: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم [آل عمران: 173] وقد يعنى به العدد من غير قصد لعدد معين بل لجنس التعدد وقد يعنى به الاثنان وما زاد والثالث يتناول الثلاثة فما زاد عند إطلاقه وإذا قيد اختص بما قيد به(1\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "269",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "271",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومما يدل على أن قوله تعالى فإن كان له إخوة فلأمه السدس [النساء: 11] أن المراد به الاثنان فصاعدا أنه - سبحانه - قال: وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث [النساء: 12] فقوله: كانوا [النساء: 12] ضمير جمع ثم قال: فهم شركاء في الثلث [النساء: 12] فذكرهم بصيغة الجمع المضمر وهو قوله: فهم [النساء: 12] والمظهر وهو قوله: شركاء [النساء: 12] ولم يذكر قبل ذلك إلا قوله: وله أخ أو أخت [النساء: 12] فذكر حكم الواحد وحكم اجتماعه مع غيره وهو يتناول الاثنين قطعا فإن قوله: أكثر من ذلك [النساء: 12] أي أكثر من أخ أو أخت ولم يرد أكثر من مجموع الأخت والأخ بل أكثر من الواحد فدل على أن صيغة الجمع في الفرائض تتناول العدد الزائد على الواحد مطلقا ثلاثة كان أو أكثر منه وهذا نظير قوله: وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين [النساء: 176] ومما يوضح ذلك أن لفظ الجمع قد يختص بالاثنين مع البيان وعدم اللبس كالجمع المضاف إلى اثنين مما يكون المضاف فيه جزءا من المضاف إليه أو كجزئه نحو quot; قلوبهما quot; و quot; أيديهما quot; فكذلك يتناول الاثنين مما فوقهما مع البيان بطريق الأولى. وله ثلاثة أحوال: أحدها: اختصاصه بالاثنين. الثانية: صلاحيته لهما. الثالثة: اختصاصه بما زاد عليهما وهذه الحال له عند إطلاقه وأما عند تقييده فبحسب ما قيد به وهو حقيقة في الموضعين فإن اللفظ تختلف دلالته بالإطلاق والتقييد وهو حقيقة في الاستعمالين فظهر أن فهم جمهور الصحابة أحسن من فهم ابن عباس في حجب الأم بالاثنين كما فهمهم في العمريتين أتم من فهمه وقواعد الفرائض تشهد لقولهم فإنه إذا اجتمع ذكر وأنثى في طبقة واحدة كالابن والبنت والجد والجدة والأب والأم والأخ والأخت فإما أن يأخذ الذكر ضعف ما تأخذه الأنثى أو يساويها فأما أن تأخذ الأنثى ضعف الذكر فهذا خلاف قاعدة الفرائض التي أوجبها شرع الله وحكمته وقد عهدنا الله - سبحانه - أعطى الأب ضعف ما أعطى الأم إذا انفرد الأبوان بميراث الولد وساوى بينهما في وجود الولد ولم يفضلها عليه في موضع واحد فكان جعل الباقي بينهما بعد نصيب أحد الزوجين أثلاثا هو الذي يقتضيه الكتاب والميزان فإن ما يأخذه الزوج أو الزوجة من المال كأنه مأخوذ بدين أو وصية إذ لا قرابة بينهما وما يأخذه الأبوان يأخذانه بالقرابة فصارا هما المستقلين بميراث الولد بعد فرض الزوجين وهما في طبقة واحدة فقسم الباقي بينهما أثلاثا. فإن قيل: فههنا سؤالان: أحدهما: أنكم هلا أعطيتموها ثلث جميع المال في مسألة زوجة وأبوين فإن الزوجة إذا أخذت الربع وأخذت هي الثلث كان الباقي للأب وهو أكثر(1\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "270",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "272",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من الذي أخذته فوفيتم حينئذ بالقاعدة وأعطيتموها الثلث كاملا والثاني: أنكم هلا جعلتم لها ثلث الباقي إذا كان بدل الأب في المسألتين جد قيل: قد ذهب إلى كل واحد من هذين المذهبين ذاهبون من السلف الطيب فذهب إلى الأول محمد بن سيرين ومن وافقه وإلى الثاني عبد الله بن مسعود ولكن أبى ذلك جمهور الصحابة والأئمة بعدهم وقولهم أصح في الميزان وأقرب إلى دلالة الكتاب فإنا لو أعطيناها الثلث كاملا بعد فرض الزوجة كنا قد خرجنا عن قاعدة الفرائض وقياسها وعن دلالة الكتاب فإن الأب حينئذ يأخذ ربعا وسدسا والأم لا تساويه ولا تأخذ شطره وهي في طبقته وهذا لم يشرعه الله قط ودلالة الكتاب لا تقتضيه. وأما في مسألة الجد فإن الجد أبعد منها وهو يحجب بالأب فليس في طبقتها فلا يحجبها عن شيء من حقها فلا يمكن أن تعطى ثلث الباقي ويفضل الجد عليها بمثل ما تأخذ فإنها أقرب منه وليس في درجتها ولا يمكن أن تعطى السدس فكان فرضها الثلث كاملا. وهذا مما فهمه الصحابة - رضي الله عنهم - من النصوص بالاعتبار الذي هو في معنى الأصل أو بالاعتبار الأولى أو بالاعتبار الذي فيه إلحاق الفرع بأشبه الأصلين به أو تنبيه اللفظ أو إشارته وفحواه أو بدلالة التركيب وهو ضم نص إلى نص آخر وهي غير دلالة الاقتران بل هي ألطف منها وأدق وأصح كما تقدم. فالقياس المحض والميزان الصحيح أن الأم مع الأب كالبنت مع الابن والأخت مع الأخ لأنهما ذكر وأنثى من جنس واحد وقد أعطى الله - سبحانه - الزوج ضعف ما أعطى الزوجة تفضلا لجانب الذكورية وإنما عدل عن هذا في ولد الأم لأنهم يدلون بالرحم المجرد ويدلون بغيرهم وهو الأم وليس لهم تعصيب بخلاف الزوجين والأبوين والأولاد فإنهم يدلون بأنفسهم وسائر العصبة يدلون بذكر كولد البنين وكالإخوة للأبوين أو للأب فإعطاء الذكر مثل حظ الأنثيين معتبر فيمن يدلي بنفسه أو بعصبة وأما من يدلي بالأمومة كولد الأم فإنه لا يفضل ذكرهم على أنثاهم وكان الذكر كالأنثى في الأخذ وليس الذكر كالأنثى في باب الزوجية ولا في باب الأبوة ولا البنوة ولا الأخوة فهذا هو الاعتبار الصحيح والكتاب يدل عليه كما تقدم بيانه. وقد تناظر ابن عباس وزيد بن ثابت في العمريتين فقال له ابن عباس أين في كتاب الله ثلث ما بقي فقال زيد: وليس في كتاب الله إعطاؤها الثلث كله مع الزوجين أو كما قال بل كتاب الله يمنع إعطاءها الثلث مع أحد الزوجين فإنه لو أعطاها الثلث مع(1\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "271",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "273",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الزوج لقال: فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث فكانت تستحقه مطلقا فلما خص الثلث ببعض الأحوال علم أنها لا تستحقه مطلقا ولو أعطيته مطلقا لكان قوله: وورثه أبواه [النساء: 11] زيادة في اللفظ ونقصا في المعنى وكان ذكره عديم الفائدة ولا يمكن أن تعطى السدس لأنه إنما جعل لها مع الولد أو الإخوة فدل القرآن على أنها لا تعطى السدس مع أحد الزوجين ولا تعطى الثلث وكان قسمة ما بقي بعد فرض الزوجين بين الأبوين مثل قسمة أصل المال بينهما وليس بينهما فرق أصلا لا في القياس ولا في المعنى. فإن قيل: فهل هذه دلالة خطابية لفظية أو قياسية محضة قيل: هي ذات وجهين: فهي لفظية من جهة دلالة الخطاب وضم بعضه إلى بعض واعتبار بعضه ببعض وقياسية من جهة اعتبار المعنى والجمع بين المتماثلين والفرق بين المختلفين وأكثر دلالات النصوص كذلك في قوله: من أعتق شركا له في عبد وقوله: أيما رجل وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به . وقوله: من باع شركا له في أرض أو ربعة أو حائط حيث يتناول الحوانيت وقوله: إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات [النور: 23] فخص الإناث باللفظ إذ كن سبب النزول فنص عليهم بخصوصهن وهذا أصح من فهم من قال من جهل الظاهر: المراد بالمحصنات الفروج المحصنات فإن هذا لا يفهمه السامع من هذا اللفظ ولا من قوله: وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات [النساء: 25] . ولا من قوله: والمحصنات من النساء [النساء: 24] ولا من قوله: إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات [النور: 23] بل هذا من عرف الشارع حيث يعبر باللفظ الخاص عن المعنى العام وهذا غير باب القياس. وهذا تارة يكون لكون اللفظ الخاص صار في العرف عاما كقوله: quot; لا يملكون نقيرا quot; و ما يملكون من قطمير [فاطر: 13]  ولا يظلمون فتيلا [النساء: 49] ونحوه وتارة لكونه قد علم بالضرورة من خطاب الشارع تعميم المعنى لكل ما كان مماثلا للمذكور وأن التعيين في اللفظ لا يراد به التخصيص بل التمثيل أو لحاجة المخاطب إلى تعيينه بالذكر أو لغير ذلك من الحكم.  [فصل ميراث الأخوات مع البنات] فصل: [مسألة ميراث الأخوات مع البنات] المسألة الثالثة: ميراث الأخوات مع البنات وأنهن عصبة فإن القرآن يدل عليه كما أوجبته السنة الصحيحة فإن الله - سبحانه - قال: يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد [النساء: 176](1\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "272",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "274",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا دليل على أن الأخت ترث النصف مع عدم الولد وأنه هو يرث المال كله مع عدم ولدها وذلك يقتضي أن الأخت مع الولد لا يكون لها النصف مما ترك إذ لو كان كذلك لكان قوله: ليس له ولد [النساء: 176] زيادة في اللفظ ونقصا في المعنى وإيهاما لغير المراد فدل على أنها مع الولد لا ترث النصف والولد إما ذكر وإما أنثى فأما الذكر فإنه يسقطها كما يسقط الأخ بطريق الأولى. ودل قوله: وهو يرثها إن لم يكن لها ولد [النساء: 176] على أن الولد يسقطه كما يسقطها وأما الأنثى فقد دل القرآن على أنها إنما تأخذ النصف ولا تمنع الأخ عن النصف الباقي إذا كانت بنت وأخ بل دل القرآن مع السنة والإجماع أن الأخ يفوز بالنصف الباقي كما قال - تعالى -: ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون [النساء: 33] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر وليس في القرآن ما ينفي ميراث الأخت مع إناث الولد بغير جهة الفرض وإنما صريحه ينفي أن يكون فرضها النصف مع الولد فبقي ههنا ثلاثة أقسام: إما أن يفرض لها أقل من النصف وإما أن تحرم بالكلية وإما أن تكون عصبة والأول محال إذ ليس للأخت فرض مقدر غير النصف فلو فرضنا لها أقل منه لكان ذلك وضع شرع جديد فبقي إما الحرمان وإما التعصيب والحرمان لا سبيل إليه فإنها وأخاها في درجة واحدة وهي لا تزاحم البنت فإذا لم يسقط أخوها بالبنت لم تسقط هي بها أيضا فإنها لو سقطت بالبنت ولم يسقط أخوها بها لكان أقوى منها وأقرب إلى الميت وليس كذلك وأيضا فلو أسقطتها البنت إذا انفردت عن أخيها لأسقطتها مع أخيها فإن أخاها لا يزيدها قوة ولا يحصل لها نفعا في موضع واحد بل لا يكون إلا مضرا لها ضرر نقصان أو ضرر حرمان كما إذا خلفت زوجا وأما وأخوين لأم وأختا لأب وأم فإنها يفرض لها النصف عائلا وإن كان معها أخوها سقطا معا ولا تنتفع له في الفرائض في موضع واحد فلو أسقطتها البنت إذا انفردت لأسقطتها بطريق الأولى مع من يضعفها ولا يقويها وأيضا فإن البنت إذا لم تسقط ابن الأخ وابن العم وابن عم الأب والجد وإن بعد فأن لا تسقط الأخت مع قربها بطريق الأولى. وأيضا فإن قاعدة الفرائض إسقاط البعيد بالقريب وتقديم الأقرب على الأبعد وهذا عكس ذلك فإنه يتضمن تقديم الأبعد جدا الذي بينه وبين الميت وسائط كثيرة على الأقرب الذي ليس بينه وبين الميت إلا واسطة الأب وحده فكيف يرث ابن عم جد الميت مثلا مع البنت وبينه وبين الميت وسائط كثيرة وتحرم الأخت القريبة التي ركضت معه في صلب أبيه ورحم أمه هذا من المحال الممتنع شرعا فهذا من جهة الميزان. وأما من جهة فهم النص فإن الله - سبحانه - قال في الأخ: وهو يرثها إن لم يكن لها ولد [النساء: 176] ولم يمنع ذلك(1\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "273",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "275",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ميراثه منها إذا كان الولد أنثى فهكذا قوله: إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك [النساء: 176] لا ينفي أن ترث غير النصف مع إناث الولد أو ترث الباقي إذا كان نصفا لأن هذا غير الذي أعطاها إياه فرضا مع عدم الولد فتأمله فإنه ظاهر جدا وأيضا فالأقسام ثلاثة: إما أن يقال يفرض لها النصف مع البنت أو يقال تسقط معها بالكلية أو يقال تأخذ ما فضل بعد فرض البنت أو البنات والأول ممتنع بالنص والقياس فإن الله - سبحانه - إنما فرض لها النصف مع عدم الولد فلا يجوز إلغاء هذا الشرط وفرض النصف لها مع وجوده والله - سبحانه - إنما أعطاها النصف إذا كان الميت كلالة لا ولد له ولا والد فإذا كان له ولد لم يكن الميت كلالة فلا يفرض لها معه وأما القياس فإنها لو فرض لها النصف مع وجود البنت لنقصت البنت عن النصف إذا عالت الفريضة كزوجة أو زوج وبنت وأخت وإخوة والإخوة لا يزاحمون الأولاد لا بفرض ولا تعصيب فإن الأولاد أولى منهم فبطل فرض النصف وبطل سقوطها بما ذكرناه فتعين القسم الثالث وهو أن تكون عصبة لها ما بقي وهي أولى به من سائر العصبات الذين هم أبعد منها وبهذا جاءت السنة الصحيحة الصريحة التي قضى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوافق قضاؤه كتاب ربه والميزان الذي أنزله مع كتابه وبذلك قضى الصحابة بعده كابن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهما. فإن قيل: لكن خرجتم عن قوله - صلى الله عليه وسلم -: ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر فإذا أعطينا البنت فرضها وجب أن يعطى الباقي لابن الأخ أو العم أو ابنه دون الأخت فإنه رجل ذكر فأنتم عدلتم عن هذا النص وأعطيتموه الأنثى فكنا أسعد بالنص منكم وعملنا به وبقضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث أعطى البنت النصف وبنت الابن السدس والباقي للأخت إذا لم يكن هناك أولى رجل ذكر فكانت الأخت عصبة وهذا توسط بين قولكم وبين قول من أسقط الأخت بالكلية. وهذا مذهب إسحاق بن راهويه وهو اختيار أبي محمد بن حزم وسقوطها بالكلية مذهب ابن عباس كما قال عبد الرزاق أنبأ معمر عن الزهري عن أبي سلمة: قيل لابن عباس: رجل ترك ابنته وأخته لأبيه وأمه فقال: لابنته النصف ولأمه السدس وليس لأخته مما ترك وهو لعصبته فقال له السائل: إن عمر قضى بغير ذلك جعل للبنت النصف وللأخت النصف فقال ابن عباس: أأنتم أعلم أم الله قال معمر: فذكرت ذلك لابن طاوس فقال لي: أخبرني أبي أنه سمع ابن عباس يقول: قال الله - عز وجل -: إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك [النساء: 176] فقلتم أنتم: لها النصف وإن كان له ولد. وقال ابن أبي مليكة عن ابن عباس: أمر ليس في كتاب الله ولا في قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وستجدونه في الناس كلهم ميراث الأخت مع البنت.(1\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "274",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "276",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالجواب أن نصوص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلها حق يصدق بعضها بعضا ويجب الأخذ بجميعها ولا يترك له نص إلا بنص آخر ناسخ له لا يترك بقياس ولا رأي ولا عمل أهل بلد ولا إجماع ومحال أن تجمع الأمة على خلاف نص له إلا أن يكون له نص آخر ينسخه فقوله - صلى الله عليه وسلم -: فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر عام قد خص منه قوله - صلى الله عليه وسلم -: تحوز المرأة ثلاث مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه وأجمع الناس على أنها عصبة عتيقها واختلفوا في كونها عصبة لقيطها وولدها المنفي باللعان وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تفصل بين المتنازعين فإذا خصت منه هذه الصور بالنص وبعضها مجمع عليه خصت منه هذه الصورة لما ذكرناه من الدلالة. فإن قيل: قوله: فلأولى رجل ذكر إنما هو في الأقارب الوارثين بالنسب وهذا لا تخصيص فيه. قيل فأنتم تقدمون المعتق على الأخت مع البنت وليس من الأقارب فخالفتم النصين معا وهو - صلى الله عليه وسلم - قال: فلأولى رجل ذكر فأكده بالذكورة ليبين أن العاصب بنفسه المذكور هو الذكر دون الأنثى وأنه لم يرد بلفظ الرجل ما يتناول الذكر والأنثى كما في قوله: من وجد متاعه عند رجل قد أفلس ونحوه مما يذكر فيه لفظ الرجل والحكم يعم النوعين وهو نظير قوله في حديث الصدقات فابن لبون ذكر ليبين أن المراد الذكر دون الأنثى ولم يتعرض في الحديث للعاصب بغيره فدل قضاؤه الثابت عنه في إعطاء الأخت مع البنت وبنت البنت ما بقي أن الأخت عصبة بغيرها فلا تنافي بينه وبين قوله: فلأولى رجل ذكر بل هذا إذا لم يكن ثم عصبة بغيره بل كان العصبة عصبة بأنفسهم فيكون أولاهم وأقربهم إلى الميت أحقهم بالمال وأما إذا اجتمع العصبتان فقد دل حديث ابن مسعود الصحيح أن تعصيب الأخت أولى من تعصيب من هو أبعد منها فإنه أعطاها الباقي ولم يعطه لابن عمه مع القطع فإن العرب بنو عم بعضهم لبعض فقريب وبعيد ولا سيما إن كان ما حكاه ابن مسعود من قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضاء عاما كليا فالأمر حينئذ يكون أظهر وأظهر. فصل ومما يبين صحة قول الجمهور أن - قوله تعالى -: ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك [النساء: 176] إنما يدل منطوقه على أنها ترث النصف مع عدم الولد والمفهوم إنما يقتضي أن الحكم في المسكوت ليس مماثلا للحكم في المنطوق فإذا كان فيه تفصيل حصل بذلك مقصود المخالفة فلا يجب أن يكون كل صورة من صور المسكوت مخالفة لكل صور(1\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "275",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "277",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المنطوق ومن توهم ذلك فقد توهم باطلا فإن المفهوم إنما يدل بطريق التعليل أو بطريق التخصيص والحكم إذا ثبت لعلة فانتفت في بعض الصور أو جميعها جاز أن يخلفها علة أخرى. وأما قصد التخصيص فإنه يحصل بالتفصيل وحينئذ فإذا نفينا إرثها مع ذكور الولد أو نفينا إرثها النصف فرضا مع إناثهم وفينا بدليل الخطاب. فصل [المراد بأولى رجل ذكر في المواريث] ومما يبين أن المراد بقوله: فلأولى رجل ذكر العصبة بنفسه لا بغيره أنه لو كان بعد الفرائض إخوة وأخوات أو بنون وبنات أو بنات ابن وبنو ابن لم ينفرد الذكر بالباقي دون الإناث بالنص والإجماع فتعصيب الأخت بالبنت كتعصيبها بأخيها فإذا لم يكن قوله: فلأولى رجل ذكر موجبا لاختصاص أخيها دونها لم يكن موجبا لاختصاص ابن عم الجد بالباقي دونها. يوضحه أنه لو كان معها أخوها لم تسقط وكان الباقي بعد فرض البنات بينها وبين أخيها. هذا وأخوها أقرب إلى الميت من الأعمام وبنيهم فإذا لم يسقطها الأخ فلأن لا يسقطها ابن عم الجد بطريق الأولى والأحرى وإذا لم يسقطها ورثت دونه لكونها أقرب منه بخلاف الأخ فإنها تشاركه لاستوائهما في القرب من الميت فهذا محض القياس والميزان الموافق لدلالة الكتاب ولقضاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى هذه الطريق فلا تخصيص في الحديث بل هو على عمومه وهذه الطريق أفقه وألطف. يوضح ذلك أن قاعدة الفرائض أن جنس أهل الفروض فيها مقدمون على جنس العصبة سواء كان ذا فرض محض أو كان له مع فرضه تعصيب في حال إما بنفسه وإما بغيره والأخوات من جنس أهل الفرائض فيجب تقديمهن على من هو أبعد منهن ممن لا يرث إلا بالتعصيب المحض كالأعمام وبنيهم وبني الإخوة والاستدلال بهذا الحديث على حرمانهن مع البنات كالاستدلال على حرمانهن مع إخوتهن وحرمان بنات الابن بل البنات أنفسهن مع إخوتهن وهذا باطل بالنص والإجماع فكذا الآخر. ومما يوضحه أنا رأينا قاعدة الفرائض أن البعيد من العصبات يعصب من هو أقرب منه إذا لم يكن له فرض كما إذا كان بنات وبنات ابن وأسفل منهن ابن ابن ابن فإنه يعصبهن(1\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "276",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "278",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيحصل لهن الميراث بعد أن كن محرومات وأما أن البعيد من العصبات يمنع الأقرب من الميراث بعد أن كان وارثا فهذا ممتنع شرعا وعقلا وهو عكس قاعدة الشريعة والله الموفق. وفي الحديث مسلك آخر وهو أن قوله: ألحقوا الفرائض بأهلها المراد به من كان من أهلها في الجملة وإن لم يكن في هذه الحال من أهلها كما في اللفظ الآخر اقسموا المال بين أهل الفرائض وهذا أعم من كونه من أهل الفرائض بالقوة أو بالفعل فإذا كانوا كلهم من أهل الفرائض بالفعل كان الباقي للعصبة وإن كان فيهم من هو من أهل الفرائض بالقوة وإن حجب عن الفرض بغيره دخل في اللفظ الأول وإن لم يكن لأولى رجل ذكر معه شيء وإنما يكون له إذا كان أهل الفرائض مطلقا معدومين والله أعلم.  [فصل ميراث البنات] المسألة الرابعة: ميراث البنات وقد دل صريح النص على أن للواحدة النصف ولأكثر من اثنتين الثلثين بقي الثنتان فأشكل دلالة القرآن على حكمهما على كثير من الناس فقالوا: إنما أثبتناه بالسنة الصحيحة وقالت طائفة: بالإجماع وقالت طائفة: بالقياس على الأختين. قالوا: والله - سبحانه - نص على الأختين دون الأخوات ونص على البنات دون البنتين فأخذنا حكم كل واحدة من الصورتين المسكوت عنها من الأخرى. وقالت طائفة: بل أخذ من نصوص القرآن ثم تنوعت طرقهم في الأخذ: فقالت طائفة: أخذناه من قوله: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين [النساء: 11] فإذا أخذ الذكر الثلثين والأنثى الثلث علم قطعا أن حظ الأنثيين الثلثان وقالت طائفة: إذا كان للواحدة مع الذكر الثلث لا الربع فأن يكون لها الثلث مع الأنثى أولى وأحرى وهذا من تنبيه النص بالأدنى على الأعلى. وقالت طائفة: أخذناه من قوله - سبحانه -: وإن كانت واحدة فلها النصف [النساء: 11] فقيد النصف بكونها واحدة فدل بمفهومه على أنه لا يكون لها إلا في حال وحدتها فإذا كان معها مثلها فإما أن تنقصها عن النصف وهو محال أو يشتركان فيه وذلك يبطل الفائدة في قوله: وإن كانت واحدة [النساء: 11] ويجعل ذلك لغوا موهما خلاف المراد به وهو محال فتعين القسم الثالث وهو انتقال الفرض من النصف إلى ما فوقه وهو الثلثان.(1\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "277",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "279",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: فأي فائدة في التقييد بقوله: فوق اثنتين [النساء: 11] والحكم لا يختص بما فوقهما قيل: حسن ترتيب الكلام وتأليفه ومطابقة مضمره لظاهره أوجب ذلك فإنه - سبحانه - قال: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك [النساء: 11] فالضمير في: كن [النساء: 11] مجموع يطابق الأولاد فإن كان الأولاد نساء فذكر لفظ الأولاد وهو جمع وضمير: كن [النساء: 11] وهو ضمير جمع و: نساء [النساء: 11] وهو اسم جمع فلم يكن بد من quot; فوق اثنتين quot;. وفيه نكتة أخرى وهو أنه - سبحانه - قد ذكر ميراث الواحدة نصا وميراث الاثنين تنبيها كما تقدم فكان في ذكر العدد الزائد على الاثنتين دلالة على أن الفرض لا يزيد بزيادتهن على الاثنتين كما زاد بزيادة الواحدة على الأخرى. وأيضا فإن ميراث الاثنتين قد علم من النص فلو قال: فإن كانتا اثنتين [النساء: 176] كان تكريرا ولم يعلم منه حكم ما زاد عليهما فكان ذكر الجمع في غاية البيان والإيجاز وتطابق أول الكلام وآخره وحسن تأليفه وتناسبه. وهذا بخلاف سياق آخر السورة فإنه قال: إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك [النساء: 176] فلم يتقدم اسم جمع ولا ضمير جمع يقتضي أن يقول فإن كن نساء فوق اثنتين. وقد ذكر ميراث الواحدة وأنه النصف فلم يكن بد من ذكر ميراث الأختين وأنه الثلثان لئلا يتوهم أن الأخرى إذا انضمت إليها أخذت نصفا آخر ودل تشريكه بين البنات وإن كثرن في الثلثين على تشريكه بين الأخوات وإن كثرن في ذلك بطريق الأولى فإن البنات أقرب من الأخوات ويسقطن فرضهن فجاء بيانه - سبحانه - في كل من الآيتين من أحسن البيان فإنه لما بين ميراث الابنتين بما تقرر بين ميراث ما زاد عليهما وفي آية الإخوة والأخوات لما بين ميراث الأخت والأختين لم يحتج أن يبين ميراث ما زاد عليهما إذ قد علم بيان الزائد على الاثنتين في من هن أولى بالميراث من الأخوات ثم بين حكم اجتماع ذكورهم وإناثهم فاستوعب بيانه جميع الأقسام.  [فصل ميراث بنت الابن] المسألة الخامسة: ميراث بنت الابن السدس مع البنت وسقوطها إذا استكمل البنات الثلثين دلالة القرآن على هذا أخفى من سائر ما تقدم وبيانها أنه - تعالى - قال: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك [النساء: 11]](1\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "278",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "280",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد علم أن الخطاب يتناول ولد البنين دون ولد البنات وأن قوله: أولادكم [النساء: 11] يتناول من ينتسب إلى الميت وهم ولده وولد بنيه وأنه يتناولهم على الترتيب فيدخل فيه ولد البنين عند عدم ولد الصلب فإذا لم يكن إلا بنت فلها النصف وبقي من نصيب البنات السدس فإذا كان ابن ابن أخذ الباقي كله بالتعصيب للنص فإن كان معه أخواته شاركنه في الاستحقاق لأنهن معه عصبة وهذا أحد ما يدل على أن قوله فلأولى رجل ذكر لا يمنع أن تأخذ الأنثى إذا كانت عصبة بغيرها ولهذا أخذت الأخت مع البنت الباقي بالتعصيب لأنها عصبة بها وإن لم يكن مع البنت إلا بنات ابن فقد كن بصدد أخذ الثلثين لولا البنت فإذا أخذت النصف فالسدس الباقي لا مانع لهن من أخذه فيفزن به ألا ترى أنه إذا استكمل البنات الثلثين لم يكن لهن شيء ولو لم يكن بنات أخذن جميع الثلثين فإذا قدمت البنت عليهن بالنصف أخذن بقية الثلثين اللذين كن يفزن بهما جميعا لولا البنت وهذا حكم النبي - صلى الله عليه وسلم -. فإن قيل: فمن أين أعطيتم بنات الابن إذا استكمل البنات الثلثين وكان معهن أخوهن والنبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الباقي لأولى رجل ذكر قيل: قد تقدم بيان مستوفى وأن هذا حكم كل عصبة مع وارث من جنسه في درجته كالأولاد والإخوة بخلاف الأعمام وبني الإخوة. فإن قيل: فكيف عصب ابن ابن الابن من فوقه وليس في درجته قيل: إذا كان يعصب من هو في درجته مع أنه أنزل ممن فوقه ولا يسقطه فتعصيبه لمن هو فوقه وأقرب منه إلى الميت بطريق الأولى فإذا كان الأنزل لا يقوى هو على إسقاطه فكيف يقوى على إسقاط الأعلى على أن عبد الله بن مسعود لا يعصب به من في درجته ولا من فوقه بل يخصه بالباقي. ووجه قولها أنها لا ترث مفردة فلا ترث مع أخيها كالمحجوبة برق أو كفر بخلاف ما إذا كانت وارثة كبنت وبنت ابن معها أخوها فإنه يعصبها اتفاقا لأنها وارثة. وقول الجمهور أصح فإنها وارثة في الجملة وهي ممن يستفيد التعصيب بأخيها. وهنا إنما سقط ميراثها بالفرض لاستكمال من فوقها الثلثين ولا يلزم من سقوط الميراث بالفرض سقوطه بالتعصيب مع قيام موجبه وهو وجود الأخ وإذا كان وجود الأخ يجعلها عصبة فيمنعها الميراث بالكلية ولولاه ورثت بالفرض وهو الأخ المشئوم فالعدل يقتضي أن يجعلها عصبة فيورثها إذا لم ترث بالفرض وهو الأخ النافع فهذا محض القياس والميزان وقد فهمت دلالة الكتاب عليه.(1\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "279",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "281",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنزاع في الأخت للأب مع الأخت أو الأخوات للأبوين كبنت الابن مع البنت والبنات سواء وبالله التوفيق.  [فصل ميراث الجد مع الإخوة] المسألة السادسة: ميراث الجد مع الإخوة والقرآن يدل لقول الصديق ومن معه من الصحابة كأبي موسى وابن عباس وابن الزبير وأربعة عشر منهم - رضي الله عنهم - ووجه دلالة القرآن على هذا القول قوله تعالى: يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد [النساء: 176] إلى آخر الآية فلم يجعل للإخوة ميراثا إلا في الكلالة. وقد اختلف الناس في الكلالة والكتاب يدل على قول الصديق أنها ما عدا الوالد والولد فإنه - سبحانه - قال في ميراث ولد الأم: وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس [النساء: 12] فسوى بين ميراث الإخوة في الكلالة وإن فرق بينهم في جهة الإرث ومقداره فإذا كان وجود الجد مع الإخوة للأم لا يدخلهم في الكلالة بل يمنعهم من صدق اسم الكلالة على الميت أو عليهم أو على القرابة فكيف أدخل ولد الأب في الكلالة ولم يمنعهم وجوده صدق اسمها وهل هذا إلا تفريق محض بين ما جمع الله بينه يوضحه الوجه الثاني: وهو أن ولد الولد يمنع الإخوة من الميراث ويخرج المسألة عن كونها كلالة لدخوله في قوله: ليس له ولد [النساء: 176] ونسبة أب الأب إلى الميت كنسبة ولد ولده إليه فكما أن الولد وإن نزل يخرج المسألة عن الكلالة فكذلك أب الأب وإن علا ولا فرق بينهما ألبتة. يوضحه الوجه الثالث: [وهو] أن نسبة الإخوة إلى الجد كنسبة الأعمام إلى أبي الجد فإن الأخ ابن الأب والعم ابن الجد فإذا خلف عمه وأبا جده فهو كما لو خلف أخاه وجده سواء وقد أجمع المسلمون على تقديم أب الجد على العم فكذلك يجب تقديم الجد على الأخ وهذا من أبين القياس وإن لم يكن هذا قياسا جليا فليس في الدنيا قياس جلي يوضحه الوجه الرابع: وهو أن نسبة ابن الأخ إلى الأخ كنسبة أب الجد إلى الجد(1\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "280",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "282",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا قال الأخ: أنا أرث مع الجد لأني ابن أب الميت والجد أبو أبيه فكلانا في القرب إليه سواء صاح ابن الأخ مع أب الجد وقال: أنا ابن ابن أب الميت فكيف حرمتموني مع أبي أبي أبيه ودرجتنا واحدة وكيف سمعتم قول أبي مع الجد ولم تسمعوا قولي مع أبي الجد فإن قيل: أبو الجد جد وإن علا وليس ابن الأخ أخا. قيل: فهذا حجة عليكم لأنه إذا كان أبو الأب أبا و [أبو] الجد جدا فما للإخوة ميراث مع الأب بحال. فإن قلتم: نحن نجعل أبا الجد جدا ولا نجعل أبا الأب أبا. قيل: هكذا فعلتم وفرقتم بين المتماثلين وتناقضتم أبين تناقض وجعلتموه أبا في موضع وأخرجتموه عن الأبوة في موضع. يوضحه الوجه الخامس: وهو أن نسبة الجد إلى الأب في العمود الأعلى كنسبة ابن الابن إلى الابن في العمود الأسفل فهذا أبو أبيه وهذا ابن ابنه فهذا يدلي إلى الميت بأب الميت وهذا يدلي إليه بابنه فكما كان ابن الابن ابنا فكذلك يجب أن يكون أبو الأب أبا فهذا هو الاعتبار الصحيح من كل وجه وهذا معنى قول ابن عباس: ألا يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أبا الأب أبا يوضحه الوجه السادس: [وهو] أن الله - سبحانه - سمى الجد أبا في قوله: ملة أبيكم إبراهيم [الحج: 78] وقوله: كما أخرج أبويكم من الجنة [الأعراف: 27] وقوله: أنتم وآباؤكم الأقدمون [الشعراء: 76] وقول يوسف: واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب [يوسف: 38] وفي حديث المعراج هذا أبوك آدم وهذا أبوك إبراهيم وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لليهود من أبوكم قالوا: فلان قال: كذبتم بل أبوكم فلان قالوا: صدقت . وسمى ابن الابن ابنا كما في قوله: يا بني آدم [الأعراف: 26] و: يا بني إسرائيل [البقرة: 40] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا والأبوة والبنوة من الأمور المتلازمة المتضايفة يمتنع ثبوت أحدهما بدون الآخر فيمتنع ثبوت البنوة لابن الابن إلا مع ثبوت الأبوة لأب الأب. يوضحه الوجه السابع: وهو أن الجد لو مات ورثه بنو بنيه دون إخوته باتفاق الناس فهكذا الأب إذا مات يرثه أبو أبيه دون إخوته وهذا معنى قول عمر لزيد: كيف يرثني أولاد(1\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "281",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "283",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبد الله دون إخوتي ولا أرثهم دون إخوتهم  فهذا هو القياس الجلي والميزان الصحيح الذي لا مغمز فيه ولا تطفيف. يوضحه الوجه الثامن: [وهو] أن قاعدة الفرائض وأصولها إذا كان قرابة المدلي من الواسطة من جنس قرابة الواسطة كان أقوى مما إذا اختلف جنس القرابتين مثال ذلك أن الميت يدلي إليه ابنه بقرابة البنوة وأبوه يدلي إليه بقرابة الأبوة فإذا أدلى إليه واحد ببنوة البنوة وإن بعدت كان أقوى ممن يدلي إليه بقرابة بنوة الأبوة وإن قربت فكذلك قرابة أبوة الأبوة وإن علت أقوى من قرابة بنوة الأب وإن قربت وقد ظهر اعتبار هذا في تقديم جد الجد وإن علا على ابن الأخ وإن قرب وعلى العم لأن القرابة التي يدلي بها الجد من جنس واحد وهي الأبوة والقرابة التي يدلي بها الأخ وبنوه من جنسين وهي بنوة الأبوة ولهذا قدمت قرابة ابن الأخ على قرابة ابن الجد لأنها قرابة بنوة أب وتلك قرابة بنوة أبي أب فبين ابن الأخ فيها وبين الميت جنس واحد وهي الأخوة فبواسطتها وصل إليه بخلاف العم فإن بينه وبينه جنسين أحدهما الأبوة والثاني بنوتها وعلى هذه القاعدة بناء باب العصبات. يوضحه الوجه التاسع: وهو أن كل بني أب أدنى وإن بعدوا عن الميت يقدمون في التعصيب على بني الأب الأعلى وإن كانوا أقرب إلى الميت فابن ابن ابن الأخ يقدم على العم القريب وابن ابن ابن العم وإن نزل يقدم على عم الأب وهذا مما يبين أن الجنس الواحد يقوم أقصاه مقام أدناه ويقدم الأقصى على من يقدم عليه الأدنى فيقدم ابن ابن الابن على من يقدم العم فما بال أب الأب وحده خرج من هذه القاعدة ولم يقدم على من يقدم عليه الأب وبهذا يظهر بطلان تمثيل الأخ والجد بالشجرة التي خرج منها غصنان والنهر الذي خرج منه ساقيتان فإن القرابة التي من جنس واحد أقوى من القرابة المركبة من جنسين وهذه القرابة البسيطة مقدمة على تلك المركبة بالكتاب والسنة والإجماع والاعتبار الصحيح ثم قياس القرابة على القرابة والأحكام الشرعية على مثلها أولى من قياس قرابة الآدميين على الأشجار والأنهار مما ليس في الأصل حكما شرعيا ثم نقول: بل النهر الأعلى أولى بالجدول من الجدول التي اشتق منه وأصل الشجرة أولى بغصنها من الغصن الآخر فإن هذا صنوه ونظيره الذي لا يحتاج إليه وذلك أصله وحامله الذي يحتاج إليه واحتياج الشيء إلى أصله أقوى من احتياجه إلى نظيره فأصله أولى به من نظيره. يوضحه الوجه العاشر: [وهو] أن هذا القياس لو كان صحيحا لوجب طرده ولما(1\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "282",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "284",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "انتقض فإن طرده تقديم الإخوة على الجد فلما اتفق المسلمون على بطلان طرده علم أنه فاسد في نفسه. يوضحه الوجه الحادي عشر: [وهو] أن الجد يقوم مقام الأب في التعصيب في كل صورة من صوره ويقدم على كل عصبة يقدم عليه الأب فما الذي أوجب استثناء الإخوة خاصة من هذه القاعدة يوضحه الوجه الثاني عشر: [وهو] أنه إن كان الموجب لاستثنائهم قوتهم وجب تقديمهم عليه وإن كان مساواتهم له في القرب وجب اعتبارها في بنيهم وآبائه لاشتراكهم في السبب الذي اشترك فيه هو والإخوة وهذا ما لا جواب لهم عنه. يوضحه الوجه الثالث عشر: وهو أنه قد اتفق الناس على أن الأخ لا يساوي الجد فإن لهم قولين: أحدهما: تقديمه عليه. والثاني: توريثه معه والمورثون لا يجعلونه كأخ مطلقا بل منهم من يقاسم به الإخوة إلى الثلث ومنهم من يقاسمهم به إلى السدس فإن نقصته المقاسمة عن ذلك أعطوه إياه فرضا وأدخلوا النقص عليهم أو حرموهم كزوج وأم وجد وأخ فلو كان الأخ مساويا للجد وأولى منه كما ادعى المورثون أنه القياس لساواه في هذا السدس وقدم عليه فعلم أن الجد أقوى وحينئذ فقد اجتمع عصبتان وأحدهما أقوى من الآخر فيقدم عليه. يوضحه الوجه الرابع عشر: [وهو] أن المورثين للإخوة لم يقولوا في التوريث قولا يدل عليه نص ولا إجماع ولا قياس مع تناقضهم. وأما المقدمون له على الإخوة فهم أسعد الناس بالنص والإجماع والقياس وعدم التناقض فإن من المورثين من يزاحم به إلى الثلث ومنهم من يزاحم به إلى السدس وليس في الشريعة من يكون عصبة يقاسم عصبة نظيره إلى حد ثم يفرض له بعد ذلك الحد فلم يجعلوه معهم عصبة مطلقا ولا ذا فرض مطلقا ولا قدموه عليهم مطلقا ولا ساووه بهم مطلقا ثم فرضوا له سدسا أو ثلثا بغير نص ولا إجماع ولا قياس ثم حسبوا عليه الإخوة من الأب ولم يعطوهم شيئا إذا كان هناك إخوة لأبوين ثم جعلوا الأخوات معه عصبة إلا في صورة واحدة فرضوا فيها للأخت ثم لم يهنوها بما فرضوا لها بل عادوا عليها بالإبطال فأخذوه وأخذوا ما أصابه فقسموه بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين ثم أعالوا هذه المسألة خاصة من مسائل الجد والإخوة ولم يعيلوا غيرها ثم ردوها بعد العول إلى التعصيب وسلم المقدمون له على الإخوة من هذا كله مع فوزهم بدلالة الكتاب والسنة والقياس ودخولهم في حزب الصديق.(1\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "283",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "285",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يوضحه الوجه الخامس عشر: [وهو] أن الصديق لم يختلف عليه أحد من الصحابة في عهده أنه مقدم على الإخوة قال البخاري في صحيحه في باب ميراث الجد مع الإخوة: وقال أبو بكر وابن عباس وابن الزبير: الجد أب وقرأ ابن عباس: يا بني آدم [الأعراف: 26] واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب [يوسف: 38] ولم يذكر أن أحدا خالف أبا بكر في زمانه وأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - متوافرون. وقال ابن عباس: يرثني ابن ابني دون إخوتي ولا أرث أنا ابن ابني  ويذكر عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت أقاويل مختلفة انتهى. وقال عبد الرزاق: ثنا ابن جريج قال: سمعت ابن أبي مليكة يحدث أن ابن الزبير كتب إلى أهل العراق إن الذي قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: لو كنت متخذا خليلا حتى ألقى الله سوى الله لاتخذت أبا بكر خليلا كان يجعل الجد أبا. وقال الدارمي في صحيحه: ثنا سالم بن إبراهيم ثنا وهيب ثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: جعله الذي قال: له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو كنت متخذا خليلا لاتخذته خليلا ولكن أخوة الإسلام أفضل يعني أبا بكر جعله أبا ثنا محمد بن يوسف عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة قال: لقيت مروان بن الحكم بالمدينة فقال: يا ابن أبي موسى ألم أخبر أن الجد لا ينزل فيكم منزلة الأب وأنت لا تنكر قال: قلت: لو كنت أنت لم تنكر قال مروان فأنا أشهد على عثمان بن عفان أنه شهد على أبي بكر أنه جعل الجد أبا إذا لم يكن دونه أب. ثنا يزيد بن هارون ثنا أشعث عن عروة عن الحسن قال: إن الجد قد مضت فيه سنة وإن أبا بكر جعل الجد أبا ولكن الناس تحيروا. وقال حماد بن سلمة: ثنا هشام بن عروة عن عروة عن مروان قال لي عثمان بن عفان إن عمر قال لي: إني قد رأيت في الجد رأيا فإن رأيتم أن تتبعوه فاتبعوه فقال عثمان: إن نتبع رأيك فهو رشد وإن نتبع رأي الشيخ قبلك فنعم ذو الرأي كان قال: وكان أبو بكر يجعله أبا والمورثون للإخوة بعدهم عمر وعثمان وعلي وزيد وابن مسعود فأما عمر فإن أقواله اضطربت فيه وكان قد كتب كتابا في ميراثه فلما طعن دعا به فمحاه. وقال الخشني: عن محمد بن يسار عن محمد بن أبي عدي عن شعبة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر حين طعن: إني لم أقض في الجد شيئا. وقال وكيع: عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: مات ابن لابن عمر بن الخطاب فدعا زيد بن ثابت فقال: شعب ما كنت تشعب لأني أعلم أني أولى به منهم. وأما علي - كرم الله وجهه - فقال عبد الرزاق: عن معمر ثنا أيوب عن سعيد بن جبير عن رجل من مراد قال: سمعت عليا يقول: من سره أن يتقحم جراثيم جهنم فليقض بين الجد والإخوة. وأما عثمان وابن مسعود فقال البغوي: ثنا حجاج بن المنهال ثنا حماد بن سلمة(1\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "284",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "286",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أخبرنا الليث بن أبي سليم عن طاوس أن عثمان وعبد الله بن مسعود قالا: الجد بمنزلة الأب. فهذه أقوال المورثين كما ترى قد اختلفت في أصل توريثهم معه واضطربت في كيفية التوريث وخالفت دلالة الكتاب والسنة والقياس الصحيح بخلاف قول الصديق ومن معه. يوضحه الوجه السادس عشر: [وهو] أن الناس اليوم قائلان: قائل بقول أبي بكر وقائل بقول زيد ولكن قول الصديق هو الصواب وقول زيد بخلافه فإنه يتضمن تعصيب الجد للأخوات وهو تعصيب الرجل جنسا آخر ليسوا من جنسه وهذا أصل له في الشريعة إنما يعرف في الشريعة تعصيب الرجال للنساء إذا كانوا من جنس واحد كالبنين والبنات والإخوة والأخوات ولا ينتقض هذا بالأخوات مع البنات فإن الرجال لم يعصبوهن وإنما عصبهن البنات ولما كان تعصيب البنين أقوى كان الميراث لهم دون الأخوات بخلاف قول من عصب الأخوات بالجد فإنه عصبهن بجنس آخر أقوى تعصيبا منهن وهذا لا عهد به في الشريعة ألبتة. يوضحه الوجه السابع عشر: [وهو] أن الجد والإخوة لو اجتمعوا في التعصيب لكانوا إما من جنس واحد أو من جنسين وكلاهما باطل أما الأول فظاهر البطلان لوجهين: أحدهما: اختلاف جهة التعصيب. والثاني: أنهم لو كانوا من جنس واحد لاستووا في الميراث والحرمان كالإخوة والأعمام وبنيهم إذا انفردوا وهذا هو التعصيب المعقول في الشريعة وأما الثاني فبطلانه أظهر إذ قاعدة الفرائض أن العصبة لا يرثون في المسألة إلا إذا كانوا من جنس واحد وليس لنا عصبة من جنسين يرثان مجتمعين قط بل هو محال فإن العصبة حكمة أن يأخذ ما بقي بعد الفروض فإذا كان هذا حكم هذا الجنس وجب أن يأخذ دون الآخر وكذلك الجنس الآخر فيفضي أحدهما إلى حرمانهما واشتراكهما ممتنع لاختلاف الجنس وهذا ظاهر جدا. يوضحه الوجه الثامن عشر: [وهو] أن الجد أب في باب الشهادة وفي باب سقوط القصاص وأب في باب المنع من دفع الزكاة إليه وأب في باب وجوب إعتاقه على ولد ولده وأب في باب سقوط القطع في السرقة وأب عند الشافعي في باب الإجبار في النكاح وفي باب الرجوع في الهبة وفي باب العتق بالملك وفي باب الإجبار على النفقة وفي باب إسلام ابن ابنه تبعا لإسلامه وأب عند الجميع في باب الميراث عند عدم(1\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "285",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "287",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأب فرضا وتعصيبا في غير محل النزاع فما الذي أخرجه عن أبوته في باب الجد والإخوة فإن اعتبرنا تلك الأبواب فالأمر في أبوته في محل النزاع ظاهر وإن اعتبرنا باب الميراث فالأمر أظهر وأظهر. يوضحه الوجه التاسع عشر: [وهو] أن الذين ورثوا الإخوة معه إنما ورثوهم لمساواة تعصيبه لتعصيبهم ثم نقضوا الأصل: فقدموا تعصيبهم على تعصيبه في باب الولاء وأسقطوه بالإخوة لقوة تعصيبهم عندهم ثم نقضوا ذلك أيضا فقدموا الجد عليهم في باب ولاية النكاح وأسقطوا تعصيبهم بتعصيبه وهذا غاية التناقض والخروج عن القياس لا بنص ولا إجماع. يوضحه الوجه العشرون: وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر فإذا خلفت المرأة زوجها وأمها وأخاها وجدها فإن كان الأخ أولى رجل ذكر فهو أحق بالباقي وإن كانا سواء في الأولوية وجب اشتراكهما فيه وإن كان الجد أولى وهو الحق الذي لا ريب فيه فهو أولى به وإذا كان الجد أولى رجل ذكر وجب أن ينفرد بالباقي بالنص وهذا الوجه كاف وبالله التوفيق. وليس القصد هذه المسألة بعينها بل بيان دلالة النص والاكتفاء به عما عداه وأن القياس شاهد وتابع لا أنه مستقل في إثبات حكم من الأحكام لم تدل عليه النصوص. ومن ذلك الاكتفاء بقوله: كل مسكر خمر عن إثبات التحريم بالقياس في الاسم أو في الحكم كما فعله من لم يحسن الاستدلال بالنص. ومن ذلك الاكتفاء بقوله: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما [المائدة: 38] عن إثبات قطع النباش بالقياس اسما أو حكما إذ السارق يعني في لغة العرب وعرف الشارع سارق ثياب الأحياء والأموات. ومن ذلك الاكتفاء بقوله: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم [التحريم: 2] في تناوله لكل يمين منعقدة يحلف بها المسلمون من غير تخصيص إلا بنص أو إجماع وقد بين ذلك - سبحانه - في قوله: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين [المائدة: 89] فهذا صريح في أن كل يمين منعقدة فهذا كفارتها وقد أدخلت الصحابة في هذا النص الحلف بالتزام الواجبات والحلف بأحب القرابات المالية إلى الله وهو العتق كما ثبت ذلك عن سنة منهم ولا مخالف لهم من بقيتهم وأدخلت فيه الحلف بالبغيض إلى الله وهو الطلاق كما(1\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "286",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "288",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثبت ذلك عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه في الجنة - ولا مخالف له منهم فالواجب تحكيم هذا النص العام والعمل بعمومه حتى يثبت إجماع الأمة إجماعا متيقنا على خلافه فالأمة لا تجمع على خطأ ألبتة. ومن ذلك الاكتفاء بقوله - صلى الله عليه وسلم - من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد في إبطال كل عقد نهى الله ورسوله عنه وحرمه وأنه لغو لا يعتد به نكاحا كان أو طلاقا أو غيرهما إلا أن تجمع الأمة إجماعا معلوما على أن بعض ما نهى الله ورسوله عنه وحرمه من العقود صحيح لازم معتد به غير مردود فهي لا تجمع على خطأ وبالله التوفيق. ومن ذلك الاكتفاء لقوله تعالى: وقد فصل لكم ما حرم عليكم [الأنعام: 119] مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: وما سكت عنه فهو مما عفا عنه فكل ما لم يبين الله ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم - تحريمه من المطاعم والمشارب والملابس والعقود والشروط فلا يجوز تحريمها فإن الله - سبحانه - قد فصل لنا ما حرم علينا فما كان من هذه الأشياء حراما فلا بد أن يكون تحريمه مفصلا وكما أنه لا يجوز إباحة ما حرمه الله فكذلك لا يجوز تحريم ما عفا عنه ولم يحرمه وبالله التوفيق.  [فصل ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس] الفصل الثاني: [ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس] في بيان أنه ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس وأن ما يظن مخالفته للقياس فأحد الأمرين لازم فيه ولا بد: إما أن يكون القياس فاسدا أو يكون ذلك الحكم لم يثبت بالنص كونه من الشرع. وسألت شيخنا - قدس الله روحه - عما يقع في كلام كثير من الفقهاء من قولهم quot; هذا خلاف القياس quot; لما ثبت بالنص أو قول الصحابة أو بعضهم وربما كان مجمعا عليه كقولهم: طهارة الماء إذا وقعت فيه نجاسة [على] خلاف القياس وتطهير النجاسة على خلاف القياس والوضوء من لحوم الإبل والفطر بالحجامة والسلم والإجارة والحوالة والكتابة والمضاربة والمزارعة والمساقاة والقرض وصحة صوم الآكل الناسي والمضي في الحج الفاسد كل ذلك على خلاف القياس فهل ذلك صواب أم لا فقال: ليس في الشريعة ما يخالف القياس وأنا أذكر ما حصلته من جوابه بخطه ولفظه وما فتح الله - سبحانه - لي بيمن إرشاده وبركة تعليمه وحسن بيانه وتفهيمه(1\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "287",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "289",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[لفظ القياس مجمل] أصل هذا أن تعلم أن لفظ القياس لفظ مجمل يدخل فيه القياس الصحيح والفاسد والصحيح هو الذي وردت به الشريعة وهو الجمع بين المتماثلين والفرق بين المختلفين فالأول قياس الطرد والثاني قياس العكس وهو من العدل الذي بعث الله به نبيه - صلى الله عليه وسلم - فالقياس الصحيح مثل أن تكون العلة التي علق بها الحكم في الأصل موجودة في الفرع من غير معارض في الفرع يمنع حكمها ومثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافه قط وكذلك القياس بإلغاء الفارق وهو: أن لا يكون بين الصورتين فرق مؤثر في الشرع فمثل هذا القياس أيضا لا تأتي الشريعة بخلافه وحيث جاءت الشريعة باختصاص بعض الأحكام بحكم يفارق به نظائره فلا بد أن يختص ذلك النوع بوصف يوجب اختصاصه بالحكم ويمنع مساواته لغيره لكن الوصف الذي اختص به ذلك النوع قد يظهر لبعض الناس وقد لا يظهر وليس من شرط القياس الصحيح أن يعلم صحته كل أحد. فمن رأى شيئا من الشريعة مخالفا للقياس فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه ليس مخالفا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر وحيث علمنا أن النص ورد بخلاف قياس علمنا قطعا أنه قياس فاسد بمعنى أن صورة النص امتازت عن تلك الصور التي يظن أنها مثلها بوصف أوجب تخصيص الشارع لها بذلك الحكم فليس في الشريعة ما يخالف قياسا صحيحا ولكن يخالف القياس الفاسد وإن كان بعض الناس لا يعلم فساده ونحن نبين ذلك فيما ذكر في السؤال. [شبهة من ظن خلاف القياس وردها] فالذين قالوا: quot; المضاربة والمساقاة والمزارعة على خلاف القياس quot; ظنوا أن هذه العقود من جنس الإجارة لأنها عمل بعوض والإجارة يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض فلما رأوا العمل والربح في هذه العقود غير معلومين قالوا: هي على خلاف القياس وهذا من غلطهم فإن هذه العقود من جنس المشاركات لا من جنس المعاوضات المحضة التي يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض والمشاركات جنس غير جنس المعاوضات وإن كان فيها شوب المعاوضة وكذلك المقاسمة جنس غير جنس المعاوضة المحضة وإن كان فيها شوب المعاوضة حتى ظن بعض الفقهاء أنها بيع يشترط فيها شروط البيع الخاص. وإيضاح هذا أن العمل الذي يقصد به المال ثلاثة أنواع:(1\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "288",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "290",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العمل المقصود به المال على ثلاثة أنواع] : أحدها: أن يكون العمل مقصودا معلوما مقدورا على تسليمه فهذه الإجارة اللازمة. الثاني: أن يكون العمل مقصودا لكنه مجهول أو غرر فهذه الجعالة وهي عقد جائز ليس بلازم فإذا قال quot; من رد عبدي الآبق فله مائة quot; فقد يقدر على رده وقد لا يقدر وقد يرده من مكان قريب أو بعيد فلهذا لم تكن لازمة لكن هي جائزة فإن عمل العمل استحق الجعل وإلا فلا ويجوز أن يكون الجعل فيها إذا حصل بالعمل جزءا شائعا ومجهولا جهالة لا تمنع التسليم كقول أمير الغزو quot; من دل على حصن فله ثلث ما فيه quot; أو يقول للسرية التي يسير بها quot; لكم خمس ما تغنمون أو ربعه quot;. وتنازعوا في السلب: هل هو مستحق بالشرع كقول الشافعي أو بالشرط كقول أبي حنيفة ومالك على قولين وهما روايتان عن أحمد فمن جعله مستحقا بالشرط جعله من هذا الباب ومن ذلك إذا جعل للطبيب جعلا على الشفاء جاز كما أخذ أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - القطيع من الشاء الذي جعله لهم سيد الحي فرقاه أحدهم حتى برئ والجعل كان على الشفاء لا على القراءة ولو استأجر طبيبا إجارة لازمة على الشفاء لم يصح لأن الشفاء غير مقدور له فقد يشفيه الله وقد لا يشفيه فهذا ونحوه مما تجوز فيه الجعالة دون الإجارة اللازمة. فصل وأما النوع الثالث فهو: ما لا يقصد فيه العمل بل المقصود فيه المال وهو المضاربة فإن رب المال ليس له قصد في نفس عمل العامل كالمجاعل والمستأجر له قصد في عمل العامل ولهذا لو عمل ما عمل ولم يربح شيئا لم يكن له شيء وإن سمى هذا جعالة بجزء مما يحصل من العمل كان نزاعا لفظيا بل هذه مشاركة: هذا بنفع ماله وهذا بنفع بدنه وما قسم الله من ربح كان بينهما على الإشاعة ولهذا لا يجوز أن يختص أحدهما بربح مقدر لأن هذا يخرجهما عن العدل الواجب في الشركة وهذا هو الذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - من المزارعة فإنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة بعينها وهو ما نبت على الماذيانات وأقبال الجداول ونحو ذلك فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه ولهذا قال الليث بن سعد وغيره: إن الذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر لو نظر فيه ذو البصيرة بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز فتبين أن النهي عن ذلك موجب القياس فإن هذا لو شرط في المضاربة لم يجز فإن مبنى المشاركات على العدل بين الشريكين فإذا خص أحدهما بربح دون الآخر لم(1\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "289",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "291",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكن ذلك عدلا بخلاف ما إذا كان لكل منهما جزء شائع فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم فإن حصل ربح اشتركا فيه وإن لم يحصل شيء اشتركا في المغرم وذهب نفع بدن هذا كما ذهب نفع مال هذا ولهذا كانت الوضيعة على المال لأن ذلك في مقابلة ذهاب نفع المال ولهذا كان الصواب أنه يجب في المضاربة الفاسدة بربح المثل فيعطى العامل ما جرت العادة أن يعطاه مثله إما نصفه أو ثلثه. فأما أن يعطى شيئا مقدرا مضمونا في ذمة المالك كما يعطى في الإجارة والجعالة فهذا غلط ممن قاله وسبب غلطه ظنه أن هذه إجارة فأعطاه في فاسدها عوض المثل كما يعطيه في الصحيح المسمى ومما يبين غلط هذا القول أن العامل قد يعمل عشر سنين أو أكثر فلو أعطي أجرة المثل أعطي أضعاف رأس المال وهو في الصحيحة لا يستحق إلا جزءا من الربح إن كان هناك ربح فكيف يستحق في الفاسدة أضعاف ما يستحقه في الصحيحة وكذلك الذين أبطلوا المزارعة والمساقاة ظنوا أنهما إجارة بعوض مجهول فأبطلوهما وبعضهم صحح منهما ما تدعو إليه الحاجة كالمساقاة على الشجر لعدم إمكان إجارتها بخلاف الأرض فإنه يمكن إجارتها وجوزوا من المزارعة ما يكون تبعا للمساقاة إما مطلقا وإما إذا كان البياض الثلث وهذا كله بناء على أن مقتضى الدليل بطلان المزارعة وإنما جوزت للحاجة. ومن أعطى النظر حقه علم أن المزارعة أبعد عن الظلم والغرر من الإجارة بأجرة مسماة مضمونة في الذمة فإن المستأجر إنما يقصد الانتفاع بالزرع النابت في الأرض فإذا لزمته الأجرة ومقصوده من الزرع قد يحصل وقد لا يحصل كان في هذا حصول أحد المعاوضين على مقصوده دون الآخر فأحدهما غانم ولا بد والآخر متردد بين المغنم والمغرم وأما المزارعة فإن حصل الزرع اشتركا فيه وإن لم يحصل شيء اشتركا في الحرمان فلا يختص أحدهما بحصول مقصوده دون الآخر فهذا أقرب إلى العدل وأبعد عن الظلم والغرر من الإجارة. [الأصل في جميع العقود العدل] والأصل في العقود كلها إنما هو العدل الذي بعثت به الرسل وأنزلت به الكتب قال - تعالى -: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط [الحديد: 25] والشارع نهى عن الربا لما فيه من الظلم وعن الميسر لما فيه من الظلم والقرآن جاء بتحريم هذا وهذا وكلاهما أكل المال بالباطل وما نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - من المعاملات - كبيع الغرر وبيع الثمر قبل بدو صلاحه وبيع السنين وبيع حبل الحبلة وبيع المزابنة والمحاقلة وبيع الحصاة وبيع الملاقيح والمضامين ونحو ذلك - هي داخلة إما في الربا وإما في الميسر فالإجارة بالأجرة المجهولة مثل أن يكريه الدار بما(1\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "290",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "292",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكسبه المكتري في حانوته من المال هو من الميسر. وأما المضاربة والمساقاة والمزارعة فليس فيها شيء من الميسر بل هي من أقوم العدل وهو مما يبين لك أن المزارعة التي يكون فيها البذر من العامل أولى بالجواز من المزارعة التي يكون فيها البذر من رب الأرض ولهذا كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يزارعون على هذا الوجه وكذلك عامل النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع على أن يعملوها من أموالهم والذين اشترطوا أن يكون البذر من رب الأرض قاسوا ذلك على المضاربة فقالوا: المضاربة فيها المال من واحد والعمل من آخر فكذلك المزارعة ينبغي أن يكون البذر فيها من مالك الأرض وهذا القياس - مع أنه مخالف للسنة الصحيحة ولأقوال الصحابة - فهو من أفسد القياس فإن المال في المضاربة يرجع إلى صاحبه ويقتسمان الربح فهذا نظير الأرض في المزارعة. وأما البذر الذي لا يعود نظيره إلى صاحبه بل يذهب كما يذهب نفع الأرض فإلحاقه بالنفع الذاهب أولى من إلحاقه بالأصل الباقي فالعامل إذا أخرج البذر ذهب عمله وبذره ورب الأرض يذهب نفع أرضه وبدن هذا كأرض هذا فمن جعل البذر كالمال في المضاربة كان ينبغي له أن يعيد مثل هذا البذر إلى صاحبه كما قال مثل ذلك في المضاربة فكيف ولو اشترط رب البذر عود نظيره لم يجوزوا ذلك .  [فصل الحوالة موافقة للقياس] ] : وأما الحوالة فالذين قالوا: quot; إنها على خلاف القياس quot; قالوا: هي بيع دين بدين والقياس يأباه وهذا غلط من وجهين: أحدهما: أن بيع الدين بالدين ليس فيه نص عام ولا إجماع وإنما ورد النهي عن بيع الكالئ بالكالئ والكالئ: هو المؤخر الذي لم يقبض كما لو أسلم شيئا في شيء في الذمة وكلاهما مؤخر فهذا لا يجوز بالاتفاق وهو بيع كالئ بكالئ. وأما بيع الدين بالدين فينقسم إلى بيع واجب بواجب كما ذكرنا وهو ممتنع وينقسم إلى بيع ساقط بساقط وساقط بواجب وواجب بساقط وهذا فيه نزاع. قلت: الساقط بالساقط في صورة المقاصة والساقط بالواجب كما لو باعه دينا له في ذمته بدين آخر من غير جنسه فسقط الدين المبيع ووجب عوضه وهي بيع الدين ممن هو في ذمته وأما بيع الواجب بالساقط فكما لو أسلم إليه في كر حنطة بعشرة دراهم في ذمته فقد وجب له عليه دين وسقط له عنه دين غيره وقد حكي الإجماع على امتناع هذا ولا(1\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "291",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "293",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إجماع فيه. قاله شيخنا واختار جوازه وهو الصواب إذ لا محذور فيه وليس بيع كالئ بكالئ فيتناوله النهي بلفظه ولا في معناه فيتناوله بعموم المعنى فإن المنهي عنه قد اشتغلت فيه الذمتان بغير فائدة فإنه لم يتعجل أحدهما ما يأخذه فينتفع بتعجيله وينتفع صاحب المؤخر بربحه بل كلاهما اشتغلت ذمته بغير فائدة. وأما ما عداه من الصور الثلاث فلكل منهما غرض صحيح ومنفعة مطلوبة وذلك ظاهر في مسألة التقاص فإن ذمتهما تبرأ من أسرها وبراءة الذمة مطلوب لهما وللشارع فأما في الصورتين الأخيرتين فأحدهما يعجل براءة ذمته والآخر ينتفع بما يربحه وإذا جاز أن يشغل أحدهما ذمته والآخر يحصل على الربح - وذلك في بيع العين بالدين - جاز أن يفرغها من دين ويشغلها بغيره وكأنه شغلها به ابتداء إما بقرض أو بمعاوضة فكانت ذمته مشغولة بشيء فانتقلت من شاغل إلى شاغل وليس هناك بيع كالئ بكالئ وإن كان بيع دين بدين فلم ينه الشارع عن ذلك لا بلفظه ولا بمعنى لفظه بل قواعد الشرع تقتضي جوازه فإن الحوالة اقتضت نقل الدين وتحويله من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه فقد عاوض المحيل المحتال من دينه بدين آخر في ذمة ثالث فإذا عاوضه من دينه على دين آخر في ذمته كان أولى بالجواز وبالله التوفيق. رجعنا إلى كلام شيخ الإسلام قال: الوجه الثاني - يعني مما يبين أن الحوالة على وفق القياس -: أن الحوالة من جنس إيفاء الحق لا من جنس البيع فإن صاحب الحق إذا استوفى من المدين ماله كان هذا استيفاء فإذا أحاله على غيره كان قد استوفى ذلك الدين عن الدين الذي في ذمة المحيل ولهذا ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - الحوالة في معرض الوفاء فقال في الحديث الصحيح مطل الغني ظلم وإذا أتبع أحدكم على ملي فليتبع فأمر المدين بالوفاء ونهاه عن المطل وبين أنه ظالم إذا مطل وأمر الغريم بقبول الوفاء إذا أحيل على ملي وهذا كقوله - تعالى -: فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان [البقرة: 178] أمر المستحق أن يطالب بالمعروف وأمر المدين أن يؤدي بإحسان ووفاء الدين ليس هو البيع الخاص وإن كان فيه شوب المعاوضة. وقد ظن بعض الفقهاء أن الوفاء إنما يحصل باستيفاء الدين بسبب أن الغريم إذا قبض الوفاء صار في ذمة المدين مثله ثم إنه يقاص ما عليه بماله وهذا تكلف أنكره جمهور الفقهاء وقالوا: بل نفس المال الذي قبض يحصل به الوفاء ولا حاجة أن يقدر في ذمة المستوفى دينا وأولئك قصدوا أن يكون وفاء دين بدين مطلق وهذا لا حاجة إليه فإن الدين من جنس المطلق الكلي والمعين من جنس المعين فمن ثبت في ذمته دين مطلق كلي فالمقصود منه هو الأعيان الموجودة وأي معين استوفاه حصل به المقصود من ذلك الدين المطلق(1\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "292",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "294",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل القرض على وفق القياس] وأما القرض فمن قال quot; إنه على خلاف القياس quot; فشبهته أنه بيع ربوي بجنسه مع تأخر القبض وهذا غلط فإن القرض من جنس التبرع بالمنافع كالعارية ولهذا سماه النبي - صلى الله عليه وسلم - منيحة فقال أو منيحة ذهب أو منيحة ورق وهذا من باب الإرفاق لا من باب المعاوضات فإن باب المعاوضات يعطي كل منهما أصل المال على وجه لا يعود إليه وباب القرض من جنس باب العارية والمنيحة وإفقار الظهر مما يعطي فيه أصل المال لينتفع بما يستخلف منه ثم يعيده إليه بعينه إن أمكن وإلا فنظيره ومثله فتارة ينتفع بالمنافع كما في عارية العقار وتارة يمنحه ماشية ليشرب لبنها ثم يعيدها أو شجرة ليأكل ثمرها ثم يعيدها وتسمى العرية فإنهم يقولون: أعراه الشجرة وأعاره المتاع ومنحه الشاة وأفقره الظهر وأقرضه الدراهم. واللبن والثمر لما كان يستخلف شيئا بعد شيء كان بمنزلة المنافع ولهذا كان في الوقف يجري مجرى المنافع وليس هذا من باب البيع في شيء بل هو من باب الإرفاق والتبرع والصدقة وإن كان المقرض قد ينتفع أيضا بالقرض كما في مسألة السفتجة ولهذا كرهها من كرهها والصحيح أنها لا تكره لأن المنفعة لا تخص المقرض بل ينتفعان بها جميعا.  [فصل إزالة النجاسة على وفق القياس] وأما إزالة النجاسة فمن قال quot; إنها على خلاف القياس quot; فقوله من أبطل الأقوال وأفسدها وشبهته أن الماء إذا لاقى نجاسة تنجس بها ثم لاقى الثاني والثالث كذلك وهلم جرا والنجس لا يزيل نجاسة وهذا غلط فإنه يقال: فلم قلتم: إن القياس يقتضي أن الماء إذا لاقى نجاسة نجس فإن قلتم: الحكم في بعض الصور كذلك قيل: هذا ممنوع عند من يقول: إن الماء لا ينجس إلا بالتغير. فإن قيل: فيقاس ما لم يتغير على quot; ما تغير. قيل: هذا من أبطل القياس حسا وشرعا وليس جعل الإزالة مخالفة للقياس بأولى من جعل تنجيس الماء مخالفا للقياس quot; بل يقال: إن القياس يقتضي أن الماء إذا لاقى نجاسة لا ينجس كما أنه إذا لاقاها حال الإزالة لا ينجس فهذا القياس أصح من ذلك القياس لأن النجاسة تزول بالماء حسا وشرعا وذلك معلوم بالضرورة من الدين بالنص(1\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "293",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "295",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والإجماع. وأما تنجيس الماء بالملاقاة فمورد نزاع فكيف يجعل مورد النزاع حجة على مواقع الإجماع والقياس يقتضي رد موارد النزاع إلى مواقع الإجماع وأيضا فالذي تقتضيه العقول أن الماء إذا لم تغيره النجاسة لا ينجس فإنه باق على أصل خلقته وهو طيب فيدخل في قوله: ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث [الأعراف: 157] وهذا هو القياس في المائعات جميعها إذا وقع فيها نجاسة فاستحالت بحيث لم يظهر لها لون ولا طعم ولا ريح. وقد تنازع الفقهاء: هل القياس يقتضي نجاسة الماء بملاقاة النجاسة إلا ما استثناه الدليل أو القياس يقتضي أنه لا ينجس إذا لم يتغير على قولين والأول قول أهل العراق والثاني قول أهل الحجاز وفقهاء الحديث منهم من يختار هذا ومنهم من يختار هذا. وقول أهل الحجاز هو الصواب الذي تدل عليه الأصول والنصوص والمعقول فإن الله - سبحانه - أباح الطيبات وحرم الخبائث والطيب والخبيث يثبت للمحل باعتبار صفات قائمة به فما دامت تلك الصفة فالحكم تابع لها فإذا زالت وخلفتها الصفة الأخرى زال الحكم وخلفه ضده فهذا هو محض القياس والمعقول فهذا الماء والطعام كان طيبا لقيام الصفة الموجبة لطيبه فإذا زالت تلك الصفة وخلفتها صفة الخبث عاد خبيثا فإذا زالت صفة الخبث عاد إلى ما كان عليه وهذا كالعصير الطيب إذا تخمر صار خبيثا فإذا عاد إلى ما كان عليه عاد طيبا والماء الكثير إذا تغير بالنجاسة صار خبيثا فإذا زال التغير عاد طيبا والرجل المسلم إذا ارتد صار خبيثا فإذا عاد إلى الإسلام عاد طيبا. والدليل على أنه طيب الحس والشرع: أما الحس فلأن الخبث لم يظهر له فيه أثر بوجه ما لا في لون ولا طعم ولا رائحة ومحال صدق المشتق بدون المشتق منه. وأما الشرع فمن وجوه: أحدها أنه كان طيبا قبل ملاقاته لما يتأثر به والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت رفعه وهذا يتضمن أنواع الاستصحاب الثلاثة المتقدمة: استصحاب براءة الذمة من الإثم بتناوله شربا أو طبخا أو عجنا وملابسة استصحاب الحكم الثابت وهو الطهارة واستصحاب حكم الإجماع في محل النزاع. الثاني: أنه لو شرب هذا الماء الذي قطرت فيه قطرة من خمر مثل رأس الذبابة لم يحد اتفاقا ولو شربه صبي وقد قطرت فيه قطرة من لبن لم تنشر الحرمة فلا وجه للحكم بنجاسته لا من كتاب ولا من سنة ولا قياس. والذين قالوا: quot; إن الأصل نجاسة الماء بالملاقاة quot; تناقضوا أعظم تناقض ولم يمكنهم طرد هذا الأصل: فمنهم من استثنى مقدار القلتين على خلافهم فيها ومنهم من استثنى ما لا يمكن نزحه ومنهم من استثنى ما إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر ومنهم(1\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "294",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "296",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من استثنى الجاري خاصة وفرقوا بين ملاقاة الماء في الإزالة إذا ورد على النجاسة وملاقاتها له إذا وردت عليه بفروق: منها أنه وارد على النجاسة فهو فاعل وإذا وردت عليه فهو مورود منفعل وهو أضعف ومنها أنه إذا كان واردا فهو جار والجاري له قوة ومنها أنه إذا كان واردا فهو في محل التطهير وما دام في محل التطهير فله عمل وقوة والصواب أن مقتضى القياس أن الماء لا ينجس إلا بالتغير وأنه إذا تغير في محل التطهير فهو نجس أيضا وهو في حال تغيره لم يزلها وإنما خففها ولا تحصل الإزالة المطلوبة إلا إذا كان غير متغير وهذا هو القياس في المائعات كلها: أن يسير النجاسة إذا استحالت في الماء ولم يظهر لها فيه لون ولا طعم ولا رائحة فهي من الطيبات لا من الخبائث. وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: الماء لا ينجس وصح عنه أنه قال: إن الماء لا يجنب وهما نصان صريحان في أن الماء لا ينجس بالملاقاة ولا يسلب طهوريته استعماله في إزالة الحدث ومن نجسه بالملاقاة أو سلب طهوريته بالاستعمال فقد جعله ينجس ويجنب والنبي - صلى الله عليه وسلم - ثبت عنه في صحيح البخاري أنه سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال: ألقوها وما حولها وكلوه ولم يفصل بين أن يكون جامدا أو مائعا قليلا أو كثيرا فالماء بطريق الأولى يكون هذا حكمه وحديث التفريق بين الجامد والمائع حديث معلول وهو غلط من معمر من عدة وجوه بينها البخاري في صحيحه والترمذي في جامعه وغيرهما ويكفي أن الزهري الذي روى عنه معمر حديث التفصيل قد روى عنه الناس كلهم خلاف ما روى عنه معمر وسئل عن هذه المسألة فأفتى بأنها تلقى وما حولها ويؤكل الباقي في الجامد والمائع والقليل والكثير واستدل بالحديث فهذه فتياه وهذا استدلاله وهذه رواية الأئمة عنه فقد اتفق على ذلك النص والقياس ولا يصلح للناس سواه وما عداه من الأقوال فمتناقض لا يمكن صاحبه طرده كما تقدم فظهر أن مخالفة القياس فيما خالف النص لا فيما جاء به النص.  [فصل طهارة الخمر بالاستحالة على وفق القياس] وعلى هذا الأصل فطهارة الخمر بالاستحالة على وفق القياس فإنها نجسة لوصف الخبث فإذا زال الموجب زال الموجب وهذا أصل الشريعة في مصادرها ومواردها بل وأصل الثواب والعقاب وعلى هذا فالقياس الصحيح تعدية ذلك إلى سائر النجاسات إذا استحالت وقد نبش النبي - صلى الله عليه وسلم - قبور المشركين من موضع مسجده ولم ينقل التراب وقد أخبر الله - سبحانه - عن اللبن أنه يخرج من بين فرث ودم وقد أجمع المسلمون على أن الدابة إذا علفت بالنجاسة ثم حبست وعلفت بالطاهرات حل لبنها ولحمها وكذلك الزرع(1\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "295",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "297",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثمار إذا سقيت بالماء النجس ثم سقيت بالطاهر حلت لاستحالة وصف الخبث وتبدله بالطيب وعكس هذا أن الطيب إذا استحال خبيثا صار نجسا كالماء والطعام إذا استحال بولا وعذرة فكيف أثرت الاستحالة في انقلاب الطيب خبيثا ولم تؤثر في انقلاب الخبيث طيبا والله - تعالى - يخرج الطيب من الخبيث والخبيث من الطيب ولا عبرة بالأصل بل بوصف الشيء في نفسه ومن الممتنع بقاء حكم الخبث وقد زال اسمه ووصفه والحكم تابع للاسم والوصف دائر معه وجودا وعدما فالنصوص المتناولة لتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر لا تتناول الزروع والثمار والرماد والملح والتراب والخل لا لفظا ولا معنى ولا نصا ولا قياسا. والمفرقون بين استحالة الخمر وغيرها قالوا: الخمر نجست بالاستحالة فطهرت بالاستحالة فيقال لهم: وهكذا الدم والبول والعذرة إنما نجست بالاستحالة فتطهر بالاستحالة فظهر أن القياس مع النصوص وأن مخالفة القياس في الأقوال التي تخالف النصوص.  [فصل الوضوء من لحوم الإبل على وفق القياس] وأما قولهم quot; إن الوضوء من لحوم الإبل على خلاف القياس لأنها لحم واللحم لا يتوضأ منه quot; فجوابه أن الشارع فرق بين اللحمين كما فرق بين المكانين وكما فرق بين الراعيين رعاة الإبل ورعاة الغنم فأمر بالصلاة في مرابض الغنم دون أعطان الإبل وأمر بالتوضؤ من لحوم الإبل دون الغنم كما فرق بين الربا والبيع والمذكى والميتة فالقياس الذي يتضمن التسوية بين ما فرق الله بينه من أبطل القياس وأفسده ونحن لا ننكر أن في الشريعة ما يخالف القياس بالباطل هذا مع أن الفرق بينهما ثابت في نفس الأمر كما فرق بين أصحاب الإبل وأصحاب الغنم فقال quot; الفخر والخيلاء في الفدادين أصحاب الإبل والسكينة في أصحاب الغنم quot;. وقد جاء أن على ذروة كل بعير شيطان وجاء أنها جن خلقت من جن ففيها قوة شيطانية والغاذي شبيه بالمغتذي ولهذا حرم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير لأنها دواب عادية فالاغتذاء بها يجعل في طبيعة المغتذي من العدوان ما يضره في دينه فإذا اغتذى من لحوم الإبل وفيها تلك القوة الشيطانية والشيطان خلق من نار والنار تطفأ بالماء هكذا جاء الحديث ونظيره الحديث الآخر إن الغضب من الشيطان فإذا غضب أحدكم فليتوضأ فإذا توضأ العبد من لحوم الإبل كان في وضوئه ما يطفئ تلك القوة الشيطانية فتزول تلك المفسدة ولهذا أمرنا بالوضوء مما مست النار إما إيجابا منسوخا وإما استحبابا غير منسوخ. وهذا الثاني أظهر لوجوه: منها أن النسخ(1\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "296",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "298",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع بين الحديثين ومنها أن رواة أحاديث الوضوء بعضهم متأخر الإسلام كأبي هريرة ومنها أن المعنى الذي أمرنا بالوضوء لأجله منها هو اكتسابها من القوة النارية وهي مادة الشيطان التي خلق منها والنار تطفأ بالماء وهذا المعنى موجود فيها وقد ظهر اعتبار نظيره في الأمر بالوضوء من الغضب ومنها أن أكثر ما مع من ادعى النسخ أنه ثبت في أحاديث صحيحة كثيرة أنه - صلى الله عليه وسلم - أكل مما مست النار ولم يتوضأ وهذا إنما يدل على عدم وجوب الوضوء لا على عدم استحبابه فلا تنافي بين أمره وفعله وبالجملة فالنسخ إنما يصار إليه عند التنافي وتحقق التاريخ وكلاهما منتف وقد يكون الوضوء من مس الذكر ومس النساء من هذا الباب لما في ذلك من تحريك الشهوة فالأمر بالوضوء منهما على وفق القياس ولما كانت القوة الشيطانية في لحوم الإبل لازمة كان الأمر بالوضوء منها لا معارض له من فعل ولا قول ولما كان في ممسوس النار عارضة صح فيها الأمر والترك ويدل على هذا أنه فرق بينها وبين لحوم الغنم في الوضوء وفرق بينها وبين الغنم في مواضع الصلاة فنهى عن الصلاة في أعطان الإبل وأذن في الصلاة في مرابض الغنم وهذا يدل على أنه ليس ذلك لأجل الطهارة والنجاسة كما أنه لما أمر بالوضوء من لحوم الإبل دون لحوم الغنم علم أنه ليس ذلك لكونها مما مسته النار ولما كانت أعطان الإبل مأوى الشيطان لم تكن مواضع للصلاة كالحشوش بخلاف مباركها في السفر فإن الصلاة فيها جائزة لأن الشيطان هناك عارض وطرد هذا المنع من الصلاة في الحمام لأنه بيت الشيطان. وفي الوضوء من اللحوم الخبيثة كلحوم السباع إذا أبيحت للضرورة روايتان والوضوء منها أبلغ من الوضوء من لحوم الإبل فإذا عقل المعنى لم يكن بد من تعديته ما لم يمنع منه مانع والله أعلم.  [فصل الفطر بالحجامة على وفق القياس] أما الفطر بالحجامة فإنما اعتقد من قال: quot; إنه على خلاف القياس quot; - ذلك بناء على أن القياس الفطر بما دخل لا بما خرج وليس كما ظنوه بل الفطر بها محض القياس وهذا إنما يتبين بذكر قاعدة وهي: أن الشارع الحكيم شرع الصوم على أكمل الوجوه وأقومها بالعدل وأمر فيه بغاية الاعتدال حتى نهى عن الوصال وأمر بتعجيل الفطر وتأخير السحور وجعل أعدل الصيام وأفضله صيام داود فكان من تمام الاعتدال في الصوم أن لا يدخل الإنسان ما به قوامه كالطعام والشراب ولا يخرج ما به قوامه كالقيء والاستمناء(1\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "297",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "299",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفرق بين ما يمكن الاحتراز منه من ذلك وبين ما لا يمكن فلم يفطر بالاحتلام ولا بالقيء الذارع كما لا يفطر بغبار الطحين وما يسبق من الماء إلى الجوف عند الوضوء والغسل وجعل الحيض منافيا للصوم دون الجنابة لطول زمانه وكثرة خروج الدم وعدم التمكن من التطهير قبل وقته بخلاف الجنابة وفرق بين دم الحجامة ودم الجرح فجعل الحجامة من جنس القيء والاستمناء والحيض وخروج الدم من الجرح والرعاف من جنس الاستحاضة والاحتلام وذرع القيء فتناسبت الشريعة وتشابهت تأصيلا وتفصيلا وظهر أنها على وفق القياس الصحيح والميزان العادل ولله الحمد.  [فصل التيمم جار على وفق القياس] ومما يظن أنه على خلاف القياس باب التيمم قالوا: إنه على خلاف القياس من وجهين: أحدهما: أن التراب ملوث لا يزيل درنا ولا وسخا ولا يطهر البدن كما لا يطهر الثوب. والثاني: أنه شرع في عضوين من أعضاء الوضوء دون بقيتها وهذا خروج عن القياس الصحيح. ولعمر الله إنه خروج عن القياس الباطل المضاد للدين وهو على وفق القياس الصحيح فإن الله - سبحانه - جعل من الماء كل شيء حي وخلقنا من التراب فلنا مادتان: الماء والتراب فجعل منهما نشأتنا وأقواتنا وبهما تطهرنا وتعبدنا فالتراب أصل ما خلق منه الناس والماء حياة كل شيء وهما الأصل في الطبائع التي ركب الله عليهما هذا العالم وجعل قوامه بهما وكان أصل ما يقع به تطهير الأشياء من الأدناس والأقذار هو الماء في الأمر المعتاد فلم يجز العدول عنه إلا في حال العدم والعذر بمرض أو نحوه وكان النقل عنه إلى شقيقه وأخيه التراب أولى من غيره وإن لوث ظاهرا فإنه يطهر باطنا ثم يقوي طهارة الباطن فيزيل دنس الظاهر أو يخففه وهذا أمر يشهده من له بصر نافذ بحقائق الأعمال وارتباط الظاهر بالباطن وتأثر كل منهما بالآخر وانفعاله عنه. فصل الحكمة في كون التيمم على عضوين: وأما كونه في عضوين ففي غاية الموافقة للقياس والحكمة فإن وضع التراب على الرءوس مكروه في العادات وإنما يفعل عند المصائب والنوائب والرجلان محل ملابسة التراب في أغلب الأحوال وفي تتريب الوجه من الخضوع والتعظيم لله والذل له والانكسار(1\/300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "298",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "300",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لله ما هو من أحب العبادات إليه وأنفعها للعبد ولذلك يستحب للساجد أن يترب وجهه لله وأن لا يقصد وقاية وجهه من التراب كما قال بعض الصحابة لمن رآه قد سجد وجعل بينه وبين التراب وقاية فقال quot; ترب وجهك quot; وهذا المعنى لا يوجد في تتريب الرجلين. وأيضا فموافقة ذلك للقياس من وجه آخر وهو أن التيمم جعل في العضوين المغسولين وسقط عن العضوين الممسوحين فإن الرجلين تمسحان في الخف والرأس في العمامة فلما خفف عن المغسولين بالمسح خفف عن الممسوحين بالعفو إذ لو مسحا بالتراب لم يكن فيه تخفيف عنهما بل كان فيه انتقال من مسحهما بالماء إلى مسحهما بالتراب فظهر أن الذي جاءت به الشريعة هو أعدل الأمور وأكملها وهو الميزان الصحيح. وأما كون تيمم الجنب كتيمم المحدث فلما سقط مسح الرأس والرجلين بالتراب عن المحدث سقط مسح البدن كله بالتراب عنه بطريق الأولى إذ في ذلك من المشقة والحرج والعسر ما يناقض رخصة التيمم ويدخل أكرم المخلوقات على الله في شبه البهائم إذا تمرغ في التراب فالذي جاءت به الشريعة لا مزيد في الحسن والحكمة والعدل عليه ولله الحمد.  [فصل السلم جار على وفق القياس] وأما السلم فمن ظن أنه على خلاف القياس توهم دخوله تحت قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تبع ما ليس عندك فإنه بيع معدوم والقياس يمنع منه والصواب أنه على وفق القياس فإنه بيع مضمون في الذمة موصوف مقدور على تسليمه غالبا وهو كالمعاوضة على المنافع في الإجارة وقد تقدم أنه على وفق القياس وقياس السلم على بيع العين المعدومة التي لا يدري أيقدر على تحصيلها أم لا والبائع والمشتري منها على غرر من أفسد القياس صورة ومعنى وقد فطر الله العقلاء على الفرق بين بيع الإنسان ما لا يملكه ولا هو مقدور له وبين السلم إليه في مغل مضمون في ذمته مقدور في العادة على تسليمه فالجمع بينهما كالجمع بين الميتة والمذكى والربا والبيع. وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لحكيم بن حزام لا تبع ما ليس عندك فيحمل على معنيين: أحدهما: أن يبيع عينا معينة وهي ليست عنده بل ملك للغير فيبيعها ثم يسعى في تحصيلها وتسليمها إلى المشتري. والثاني: أن يريد بيع ما لا يقدر على تسليمه وإن كان في الذمة وهذا أشبه فليس عنده حسا ولا معنى فيكون قد باعه شيئا لا يدري هل(1\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "299",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "301",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يحصل له أم لا وهذا يتناول أمورا: أحدها: بيع عين معينة ليست عنده. الثاني: السلم الحال في الذمة إذا لم يكن عنده ما يوفيه. الثالث: السلم المؤجل إذا لم يكن على ثقة من توفيته [عادة]  فأما إذا كان على ثقة من توفيته عادة فهو دين من الديون وهو كالابتياع بثمن مؤجل فأي فرق بين كون أحد العوضين مؤجلا في الذمة وبين الآخر فهذا محض القياس والمصلحة وقد قال - تعالى -: يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه [البقرة: 282] وهذا يعم الثمن والمثمن وهذا هو الذي فهمه ترجمان القرآن من القرآن عبد الله بن عباس فقال: أشهد أن السلف المضمون في الذمة حلال في كتاب الله وقرأ هذه الآية. فثبت أن إباحة السلم على وفق القياس والمصلحة وشرع على أكمل الوجوه وأعدلها فشرط فيه قبض الثمن في الحال إذ لو تأخر لحصل شغل الذمتين بغير فائدة ولهذا سمي سلما لتسليم الثمن فإذا أخر الثمن دخل في حكم الكالئ بالكالئ بل هو نفسه وكثرت المخاطرة ودخلت المعاملة في حد الغرر ولذلك منع الشارع أن يشترط فيه كونه من حائط معين لأنه قد يتخلف فيمتنع التسليم. والذين شرطوا أن يكون دائم الجنس غير منقطع قصدوا به إبعاده من الغرر بإمكان التسليم لكن ضيقوا ما وسع الله وشرطوا ما لم يشرطه وخرجوا عن موجب القياس والمصلحة. أما القياس فإنه أحد العوضين فلم يشترط دوامه ووجوده كالثمن وأما المصلحة فإن في اشتراط ذلك تعطيل مصالح الناس إذ الحاجة التي لأجلها شرع الله ورسوله السلم الارتفاق من الجانبين هذا يرتفق بتعجيل الثمن وهذا يرتفق برخص الثمن وهذا قد يكون في منقطع الجنس كما قد يكون في متصله فالذي جاءت به الشريعة أكمل شيء وأقومه بمصالح العباد.  [فصل الكتابة تجري على وفق القياس] وأما الكتابة فمن قال هي على خلاف القياس قال: هي بيع السيد ماله بماله وهذا غلط وإنما باع العبد نفسه بمال في ذمته والسيد لا حق له في ذمة العبد وإنما حقه في بدنه فإن السيد حقه في مالية العبد لا في إنسانيته وإنما يطالب العبد بما في ذمته بعد عتقه وحينئذ فلا ملك للسيد عليه وإذا عرف هذا فالكتابة بيعه نفسه بمال في ذمته ثم إذا اشترى نفسه كان كسبه له ونفعه له وهو حادث على ملكه الذي استحقه بعقد الكتابة ومن تمام حكمة الشارع أنه أخر فيها العتق إلى حين الأداء لأن السيد لم يرض بخروجه(1\/302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "300",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "302",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن ملكه إلا بأن يسلم له العوض فمتى لم يسلم له العوض وعجز العبد عنه كان له الرجوع في البيع فلو وقع العتق لم يمكن رفعه بعد ذلك فيحصل السيد على الحرمان فراعى الشارع مصلحة السيد ومصلحة العبد وشرع الكتابة على أكمل الوجوه وأشدها مطابقة للقياس الصحيح. وهذا هو القياس في سائر المعاوضات وبه جاءت السنة الصحيحة الصريحة الذي لا معارض لها: أن المشتري إذا عجز عن الثمن كان للبائع الرجوع في عين ماله وسواء حكم الحاكم بفلسه أم لا والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يشترط حكم الحاكم ولا أشار إليه ولا دل عليه بوجه ما فلا وجه لاشتراطه وإنما المعنى الموجب للرجوع هو الفلس الذي حال بين البائع وبين الثمن وهذا المعنى موجود بدون حكم الحاكم فيجب ترتيب أثره عليه وهو محض العدل وموجب القياس فإن المشتري لو اطلع على عيب في السلعة كان له الفسخ بدون حكم حاكم ومعلوم أن الإعسار عيب في الذمة لو علم به البائع لم يرض بكون ماله في ذمة مفلس فهذا محض القياس الموافق للنص ومصالح العباد وبالله التوفيق. وطرد هذا القياس عجز الزوج عن الصداق أو عجزه عن الوطء وعجزه عن النفقة والكسوة وطرده عجز المرأة عن العوض في الخلع أن للزوج الرجعة وهذا هو الصواب بلا ريب فإنه لم يخرج البضع عن ملكه إلا بشرط سلامة العوض وطرده الصلح عن القصاص إذا لم يحصل له ما يصالح عليه فله العود إلى طلب القصاص فهذا موجب العدل ومقتضى قواعد الشريعة وأصولها وبالله التوفيق.  [فصل بيان أن الإجارة على وفق القياس] بسم الله الرحمن الرحيم(1\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "301",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "303",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: [بيان أن الإجارة على وفق القياس] وأما الإجارة فالذين قالوا: quot; هي على خلاف القياس quot; قالوا: هي بيع معدوم لأن المنافع معدومة حين العقد ثم لما رأوا الكتاب قد دل على جواز إجارة الظئر للرضاع بقوله: فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن [الطلاق: 6] قالوا: إنها على خلاف القياس من وجهين: أحدهما: كونها إجارة. والثاني: أن الإجارة عقد على المنافع وهذه عقد على الأعيان ومن العجب أنه ليس في القرآن ذكر إجارة جائزة إلا هذه وقالوا: هي على خلاف القياس والحكم إنما يكون على خلاف القياس إذا كان النص قد جاء في موضع يشابهه بنقيض ذلك الحكم فيقال: هذا خلاف قياس ذلك النص وليس في القرآن ولا في السنة ذكر فساد إجارة شبه هذه الإجارة ومنشأ وهمهم ظنهم أن مورد عقد الإجارة لا يكون إلا منافع هي أعراض قائمة بغيرها لا أعيان قائمة بنفسها ثم افترق هؤلاء فرقتين: فقالت فرقة: إنما احتملناها على خلاف القياس لورود النص فلا نتعدى محله. وقالت فرقة: بل نخرجها على ما يوافق القياس وهو كون المعقود عليه أمرا غير اللبن بل هو إلقام الصبي الثدي ووضعه في حجر المرضعة ونحو ذلك من المنافع التي هي مقدمات الرضاع واللبن يدخل تبعا غير مقصود بالعقد ثم طردوا ذلك في مثل ماء البئر والعيون التي في الأرض المستأجرة وقالوا: يدخل ضمنا وتبعا فإذا وقعت الإجارة على نفس العين والبئر لسقي الزرع والبستان قالوا: إنما وردت الإجارة على مجرد إدلاء الدلو في البئر وإخراجه وعلى مجرد إجراء العين في أرضه مما هو قلب الحقائق وجعل المقصود وسيلة والوسيلة مقصودة إذ من المعلوم أن هذه الأعمال إنما هي وسيلة إلى المقصود بعقد الإجارة وإلا فهي بمجردها ليست مقصودة ولا معقودا عليها ولا قيمة لها أصلا وإنما هي كفتح الباب وكقود الدابة لمن اكترى دارا أو دابة.(2\/3)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "302",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "304",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونحن نتكلم على هذين الأصلين الباطلين: على أصل من جعل الإجارة على خلاف القياس وعلى أصل من جعل إجارة الظئر ونحوها على خلاف القياس فنقول وبالله التوفيق: [ليس للعقود ألفاظ محدودة] أما الأصل الأول فقولهم: quot; إن الإجارة بيع معدوم وبيع المعدوم باطل quot; دليل مبني على مقدمتين مجملتين غير مفصلتين قد اختلط في كل منهما الخطأ بالصواب فأما المقدمة الأولى - وهي كون الإجارة بيعا - إن أردتم به البيع الخاص الذي يكون العقد فيه على الأعيان لا على المنافع فهو باطل وإن أردتم به البيع العام الذي هو معاوضة إما على عين وإما على منفعة فالمقدمة الثانية باطلة فإن بيع المعدوم ينقسم إلى بيع الأعيان وبيع المنافع ومن سلم بطلان بيع المعدوم فإنما يسلمه في الأعيان ولما كان لفظ البيع يحتمل هذا وهذا تنازع الفقهاء في الإجارة: هل تنعقد بلفظ البيع على وجهين والتحقيق أن المتعاقدين إن عرفا المقصود انعقدت بأي لفظ من الألفاظ عرف به المتعاقدان مقصودهما وهذا حكم شامل لجميع العقود فإن الشارع لم يحد لألفاظ العقود حدا بل ذكرها مطلقة فكما تنعقد العقود بما يدل عليها من الألفاظ الفارسية والرومية والتركية فانعقادها بما يدل عليها من الألفاظ العربية أولى وأحرى ولا فرق بين النكاح وغيره وهذا قول جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة وهو أحد القولين في مذهب أحمد. قال شيخنا: بل نصوص أحمد لا تدل إلا على هذا القول وأما كونه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح والتزويج فإنما هو قول ابن حامد والقاضي وأتباعه وأما قدماء أصحاب أحمد فلم يشترط أحد منهم ذلك وقد نص أحمد على أنه إذا قال: quot; أعتقت أمتي وجعلت عتقها صداقها quot; أنه يعقد النكاح قال ابن عقيل: وهذا يدل على أنه لا يختص النكاح بلفظ وأما ابن حامد فطرد أصله وقال: لا ينعقد حتى يقول مع ذلك: quot; تزوجتها quot; وأما القاضي فجعل هذا موضع استحسان خارجا عن القياس فجوز النكاح في هذه الصورة خاصة بدون لفظ الإنكاح والتزويج وأصول الإمام أحمد ونصوصه تخالف هذا فإن من أصوله أن العقود تنعقد بما يدل على مقصودها من قول أو فعل ولا يرى اختصاصها بالصيغ. ومن أصوله أن الكناية مع دلالة الحالة كالصريح كما قاله في الطلاق والقذف وغيرهما والذين اشترطوا لفظ الإنكاح والتزويج قالوا: ما عداهما كناية فلا يثبت حكمها إلا بالنية وهي أمر باطن لا اطلاع للشاهد عليه إذ الشهادة إنما تقع على المسموع لا على المقاصد والنيات وهذا إنما يستقيم إذا كانت ألفاظ الصريح والكناية ثابتة بعرف الشرع وفي عرف المتعاقدين(2\/4)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "303",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "305",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمقدمتان غير معلومتين أما الأولى فإن الشارع استعمل لفظ التمليك في النكاح فقال: ملكتكها بما معك من القرآن وأعتق صفية وجعل عتقها صداقها  ولم يأت معه بلفظ إنكاح ولا تزويج وأباح الله ورسوله النكاح ورد فيه الأمة إلى ما تتعارفه نكاحا بأي لفظ كان ومعلوم أن تقسيم الألفاظ إلى صريح وكناية تقسيم شرعي فإن لم يقم عليه دليل شرعي كان باطلا فما هو الضابط لذلك وأما المقدمة الثانية فكون اللفظ صريحا أو كناية أمر يختلف باختلاف عرف المتكلم والمخاطب والزمان والمكان فكم من لفظ صريح عند قوم وليس بصريح عند آخرين وفي مكان دون مكان وزمان دون زمان فلا يلزم من كونه صريحا في خطاب الشارع أن يكون صريحا عند كل متكلم وهذا ظاهر. [جوز الشارع المعاوضة على المعدوم] والمقصود أن قوله: quot; إن الإجارة نوع من البيع quot; إن أراد به البيع الخاص فباطل وإن أراد به البيع العام فصحيح ولكن قوله: quot; إن هذا البيع لا يرد على معدوم quot; دعوى باطلة فإن الشارع جوز المعاوضة على المعدوم فإن قستم بيع المنافع على بيع الأعيان فهذا قياس في غاية الفساد فإن المنافع لا يمكن أن يعقد عليها في حال وجودها ألبتة بخلاف الأعيان وقد فرق بينها الحس والشرع فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يؤخر العقد على الأعيان التي لم تخلق إلى أن تخلق كما نهى عن بيع السنين وحبل الحبلة والثمر قبل أن يبدو صلاحه والحب حتى يشتد ونهى عن الملاقيح والمضامين ونحو ذلك وهذا يمتنع مثله في المنافع فإنه لا يمكن أن تباع إلا في حال عدمها فهاهنا أمران: أحدهما: يمكن إيراد العقد عليه في حال وجوده وحال عدمه فنهى الشارع عن بيعه حتى يوجد وجوز منه بيع ما لم يوجد تبعا لما وجد إذا دعت الحاجة إليه وبدون الحاجة لم يجوزه. والثاني: ما لا يمكن إيراد العقد عليه إلا في حال عدمه كالمنافع فهذا جوز العقد عليه ولم يمنع منه. فإن قلت: أنا أقيس أحد النوعين على الآخر وأجعل العلة مجرد كونه معدوما. قيل: هذا قياس فاسد لأنه يتضمن التسوية بين المختلفين وقولك: quot; إن العلة مجرد كونه معدوما quot; دعوى بغير دليل. بل دعوى باطلة فلم لا يجوز أن تكون العلة في الأصل كونه معدوما يمكن تأخير بيعه إلى زمن وجوده وعلى هذا التقدير فالعلة مقيدة بعدم خاص وأنت لم تبين أن العلة في الأصل مجرد كونه معدوما فقياسك فاسد وهذا كاف في بيان فساده بالمطالبة ونحن نبين بطلانه في نفسه فنقول: ما ذكرناه علة مطردة وما ذكرته علة منتقضة فإنك إذا عللت بمجرد العدم ورد عليك النقض بالمنافع كلها وبكثير من(2\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "304",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "306",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأعيان وما عللنا به لا ينتقض وأيضا فالقياس المحض وقواعد الشريعة وأصولها ومناسباتها تشهد لهذه العلة فإنه إذا كان له حال وجود وعدم كان في بيعه حال العدم مخاطرة وقمار وبذلك علل النبي - صلى الله عليه وسلم - المنع حيث قال: أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق وأما ما ليس له إلا حال واحد والغالب فيه السلامة فليس العقد عليه مخاطرة ولا قمارا وإن كان فيه مخاطرة يسيرة فالحاجة داعية إليه ومن أصول الشريعة أنه إذا تعارضت المصلحة والمفسدة قدم أرجحهما والغرر إنما نهي عنه لما فيه من الضرر بهما أو بأحدهما وفي المنع مما يحتاجون إليه من البيع ضرر أعظم من ضرر المخاطرة فلا يزيل أدنى الضررين بأعلاهما. بل قاعدة الشريعة ضد ذلك وهو دفع أعلى الضررين باحتمال أدناهما ولهذا لما نهاهم عن المزابنة لما فيها من ربا أو مخاطرة أباحها لهم في العرايا للحاجة لأن ضرر المنع من ذلك أشد من ضرر المزابنة ولما حرم عليهم الميتة لما فيها من خبث التغذية أباحها لهم للضرورة ولما حرم عليهم النظر إلى الأجنبية أباح منه ما تدعو إليه الحاجة للخاطب والمعامل والشاهد والطبيب فإن قلت: فهذا كله على خلاف القياس. [القياس الفاسد أصل كل شر] قيل: إن أردت أن الفرع اختص بوصف يوجب الفرق بينه وبين الأصل فكل حكم استند إلى هذا الفرق الصحيح فهو على خلاف القياس الفاسد وإن أردت أن الأصل والفرع استويا في المقتضي والمانع واختلف حكمهما فهذا باطل قطعا ليس في الشريعة منه مسألة واحدة والشيء إذا شابه غيره في وصف وفارقه في وصف كان اختلافهما في الحكم باعتبار الفارق مخالفا لاستوائهما باعتبار الجامع وهذا هو القياس الصحيح طردا وعكسا وهو التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين. وأما التسوية بينهما في الحكم مع افتراقهما فيما يقتضي الحكم أو يمنعه فهذا هو القياس الفاسد الذي جاء الشرع دائما بإبطاله كما أبطل قياس الربا على البيع وقياس الميتة على المذكى وقياس المسيح عيسى - صلى الله عليه وسلم - على الأصنام وبين الفارق بأنه عبد أنعم عليه بعبوديته ورسالته فكيف يعذبه بعبادة غيره له مع نهيه عن ذلك وعدم رضاه به بخلاف الأصنام فمن قال: quot; إن الشريعة تأتي بخلاف القياس الذي هو من هذا الجنس quot; فقد أصاب وهو من كمالها واشتمالها على العدل والمصلحة والحكمة ومن سوى بين الشيئين لاشتراكهما في أمر من الأمور يلزمه أن يسوي بين كل موجودين لاشتراكهما في مسمى الوجود وهذا من أعظم الغلط والقياس الفاسد الذي ذمه السلف وقالوا: أول من قاس إبليس وما عبدت(2\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "305",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "307",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشمس والقمر إلا بالمقاييس وهو القياس الذي اعترف أهل النار في النار ببطلانه حيث قالوا: تالله إن كنا لفي ضلال مبين [الشعراء: 97] إذ نسويكم برب العالمين [الشعراء: 98] وذم الله أهله بقوله: ثم الذين كفروا بربهم يعدلون [الأنعام: 1] أي يقيسونه على غيره ويسوون بينه وبين غيره في الإلهية والعبودية وكل بدعة ومقالة فاسدة في أديان الرسل فأصلها من القياس الفاسد فما أنكرت الجهمية صفات الرب وأفعاله وعلوه على خلقه واستواءه على عرشه وكلامه وتكليمه لعباده ورؤيته في الدار الآخرة إلا من القياس الفاسد وما أنكرت القدرية عموم قدرته ومشيئته وجعلت في ملكه ما لا يشاء وأنه يشاء ما لا يكون إلا بالقياس الفاسد وما ضلت الرافضة وعادوا خيار الخلق وكفروا أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - وسبوهم إلا بالقياس الفاسد وما أنكرت الزنادقة والدهرية معاد الأجسام وانشقاق السماوات وطي الدنيا وقالت بقدم العالم إلا بالقياس الفاسد وما فسد ما فسد من أمر العالم وخرب ما خرب منه إلا بالقياس الفاسد وأول ذنب عصي الله به القياس الفاسد وهو الذي جر على آدم وذريته من صاحب هذا القياس ما جر فأصل شر الدنيا والآخرة جميعه من هذا القياس الفاسد وهذه الحكمة لا يدريها إلا من له اطلاع على الواجب والواقع وله فقه في الشرع والقدر.  [فصل بيع المعدوم في القياس] فصل. [منع أن بيع المعدوم لا يجوز من وجهين] : وأما المقدمة الثانية - وهي أن بيع المعدوم لا يجوز - فالكلام عليها. أحدهما: منع صحة هذه المقدمة إذ ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا في كلام أحد من الصحابة أن بيع المعدوم لا يجوز لا بلفظ عام ولا بمعنى عام وإنما في السنة النهي عن بيع بعض الأشياء التي هي معدومة كما فيها النهي عن بيع بعض الأشياء الموجودة فليست العلة في المنع لا العدم ولا الوجود بل الذي وردت به السنة النهي عن بيع الغرر وهو ما لا يقدر على تسليمه سواء كان موجودا أو معدوما كبيع العبد الآبق والبعير الشارد إن كان موجودا إذ موجب البيع تسليم المبيع فإذا كان البائع عاجزا عن تسلميه فهو غرر ومخاطرة وقمار فإنه لا يباع إلا بوكس فإن أمكن المشتري تسلمه كان قد قمر البائع وإن لم يمكنه ذلك قمره البائع وهكذا المعدوم الذي هو غرر نهي عنه للغرر لا للعدم كما إذا باعه ما تحمل هذه الأمة أو هذه الشجرة فالبيع لا يعرف وجوده ولا قدره ولا صفته وهذا من الميسر الذي حرمه الله ورسوله ونظير هذا في الإجارة أن يكريه دابة لا(2\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "306",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "308",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقدر على تسليمها سواء كانت موجودة أو معدومة وكذلك في النكاح إذا زوجه أمة لا يملكها أو ابنة لم تولد له وكذلك سائر عقود المعاوضات بخلاف الوصية فإنها تبرع محض فلا غرر في تعلقها بالموجود والمعدوم وما يقدر على تسليمه إليه وما لا يقدر وطرده الهبة إذ لا محذور في ذلك فيها وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - هبة المشاع المجهول في قوله لصاحب كبة الشعر حين أخذها من المغنم وسأله أن يهبها له فقال: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك . الوجه الثاني: أن نقول: بل الشرع صحح بيع المعدوم في بعض المواضع فإنه أجاز بيع الثمر بعد بدو صلاحه والحب بعد اشتداده ومعلوم أن العقد إنما ورد على الموجود والمعدوم الذي لم يخلق بعد والنبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيعه قبل بدو صلاحه وأباحه بعد بدو الصلاح ومعلوم أنه إذا اشتراه قبل الصلاح بشرط القطع كالحصرم جاز فإنما نهى عن بيعه إذا كان قصده التبقية إلى الصلاح ومن جوز بيعه قبل الصلاح وبعده بشرط القطع أو مطلقا وجعل موجب العقد القطع وحرم بيعه بشرط التبقية أو مطلقا لم يكن عنده لظهور الصلاح فائدة ولم يكن فرق بين ما نهى عنه من ذلك وما أذن فيه فإنه يقول: موجب العقد التسليم في الحال فلا يجوز شرط تأخيره سواء بدا صلاحه أو لم يبد والصواب قول الجمهور الذي دلت عليه سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والقياس الصحيح وقوله: quot; إن موجب العقد التسليم في الحال quot; جوابه أن موجب العقد إما أن يكون ما أوجبه الشارع بالعقد أو ما أوجبه المتعاقدان مما يسوغ لهما أن يوجباه وكلاهما منتف في هذه الدعوى فلا الشارع أوجب أن يكون كل مبيع مستحق التسليم عقيب العقد ولا العاقدان التزما ذلك بل تارة يعقدان العقد على هذا الوجه وتارة يشترطان التأخير إما في الثمن وإما في المثمن وقد يكون للبائع غرض صحيح ومصلحة في تأخير التسليم للمبيع كما كان لجابر - رضي الله عنه - غرض صحيح في تأخير تسليم بعيره إلى المدينة فكيف يمنعه الشارع ما فيه مصلحة له ولا ضرر على الآخرة فيها إذ قد رضي بها كما رضي النبي - صلى الله عليه وسلم - على جابر بتأخير تسليم البعير  ولو لم ترد السنة بهذا لكان محض القياس يقتضي جوازه ويجوز لكل بائع أن يستثني من منفعة المبيع ماله في غرض صحيح كما إذا باع عقارا واستثنى سكناه مدة أو دابة واستثنى ظهرها ولا يختص ذلك بالبيع بل لو وهبه واستثنى نفعه مدة أو أعتق عبده واستثنى خدمته مدة أو وقف عينا واستثنى غلتها لنفسه مدة حياته أو كاتب أمة واستثنى وطئها مدة الكتابة ونحوه وهذا كله منصوص أحمد وبعض أصحابه يقول: إذا استثنى منفعة المبيع فلا بد أن يسلم العين إلى المشتري ثم يأخذها ليستوفي المنفعة بناء على هذا(2\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "307",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "309",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأصل الذي قد تبين فساده وهو أنه لا بد من استحقاق القبض عقيب العقد وعن هذا الأصل قالوا: لا تصح الإجارة إلا على مدة تلي العقد وعلى هذا بنوا ما إذا باع العين المؤجرة فمنهم من أبطل البيع لكون المنفعة لا تدخل في البيع فلا يحصل التسليم ومنهم من قال: هذا مستثنى بالشرع بخلاف المستثنى بالشرط وقد اتفق الأئمة على صحة بيع الأمة المزوجة وإن كانت منفعة البضع للزوج ولم تدخل في البيع واتفقوا على جواز تأخير التسليم إذا كان العرف يقتضيه كما إذا باع مخزنا له فيه متاع كثير لا ينقل في يوم ولا أيام فلا يجب عليه جمع دواب البلد ونقله في ساعة واحدة بل قالوا: هذا مستثنى بالعرف فيقال: وهذا من أقوى الحجج عليكم فإن المستثنى بالشرط أقوى من المستثنى بالعرف كما أنه أوسع من المستثنى بالشرع فإنه يثبت بالشرط ما لا يثبت بالشرع كما أن الواجب بالنذر أوسع من الواجب بالشرع.  [منع أن موجب العقد التسليم عقيبه] وأيضا قولكم: quot; إن موجب العقد استحقاق التسليم عقيبه quot; أتعنون أن هذا موجب العقد المطلق أو مطلق العقد فإن أردتم الأول فصحيح وإن أردتم الثاني فممنوع فإن مطلق العقد ينقسم إلى المطلق والمقيد وموجب العقد المقيد ما قيد به كما أن موجب العقد المقيد بتأجيل الثمن وثبوت خيار الشرط والرهن والضمين هو ما قيد به وإن كان موجبه عند إطلاقه خلاف ذلك فموجب العقد المطلق شيء وموجب العقد المقيد شيء والقبض في الأعيان والمنافع كالقبض في الدين والنبي - صلى الله عليه وسلم - جوز بيع الثمرة بعد بدو الصلاح مستحقة الإبقاء إلى كمال الصلاح ولم يجعل موجب العقد القبض في الحال بل القبض المعتاد عند انتهاء صلاحها ودخل فيما أذن فيه بيع ما هو معدوم لم يخلق بعد وقبض ذلك بمنزلة قبض العين المؤجرة وهو قبض يبيح التصرف في أصح القولين وإن كان قبضا لا يوجب انتقال الضمان بل إذا تلف المبيع قبل قبضه المعتاد كان من ضمان البائع كما هو مذهب أهل المدينة وأهل الحديث أهل بلدته وأهل سنته وهو مذهب الشافعي قطعا فإنه علق القول به على صحة الحديث وقد صح صحة لا ريب فيها من غير الطريق التي توقف الشافعي فيها فلا يسوغ أن يقال: مذهبه عدم وضع الجوائح وقد قال: إن صح الحديث قلت به ورواه من طريق توقف في صحتها ولم تبلغه الطريق الأخرى التي لا علة لها ولا مطعن فيها وليس مع المنازع دليل شرعي يدل على أن كل قبض جوز التصرف ينقل الضمان وما لم يجوز التصرف لا ينقل الضمان فقبض العين(2\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "308",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "310",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المؤجرة يجوز التصرف ولا ينقل الضمان وقبض العين المستامة والمستعارة والمغصوبة يوجب الضمان ولا يجوز التصرف.  [فصل بيع المقاثي والمباطخ ونحوهما] فصل: [بيع المقاثي والمباطخ ونحوهما] ومن هذا الباب بيع المقاثي والمباطخ والباذنجان فمن منع بيعه إلا لقطة لقطة قال: لأنه معدوم فهو كبيع الثمرة قبل ظهورها ومن جوزه كأهل المدينة وبعض أصحاب أحمد فقولهم أصح فإنه لا يمكن بيعها إلا على هذا الوجه ولا تتميز اللقطة المبيعة عن غيرها ولا تقوم المصلحة ببيعها كذلك ولو كلف الناس به لكان أشق شيء عليهم وأعظمه ضررا والشريعة تأتي به وقد تقدم أن ما لا يباع إلا على وجه واحد لا ينهى الشارع عن بيعه وإنما نهى الشارع عن بيع الثمار قبل بدو الصلاح لإمكان تأخير بيعها إلى وقت بدو الصلاح ونظير ما نهى عنه وأذن فيه سوى بيع المقاثي إذا بدا الصلاح فيها ودخول الأجزاء والأعيان التي لم تخلق بعد كدخول أجزاء الثمار وما يتلاحق في الشجر منها ولا فرق بينهما ألبتة  [فصل ضمان الحدائق والبساتين] فصل: [ضمان الحدائق والبساتين] وبنوا على هذا الأصل الذي لم يدل عليه دليل شرعي بل دل على خلافه وهو بيع المعدوم - بطلان ضمان الحدائق والبساتين وقالوا: هو بيع للثمر قبل ظهوره أو قبل بدو صلاحه ثم منهم من حكى الإجماع على بطلانه وليس مع المانعين [حجة على ما] ظنوه فلا النص يتناوله ولا معناه ولم تجمع الأمة على بطلانه فلا نص مع المانعين ولا قياس ولا إجماع ونحن نبين انتفاء هذه الأمور الثلاثة: أما الإجماع فقد صح عن عمر بن الخطاب أنه ضمن حديقة أسيد بن حضير ثلاث سنين وتسلف الضمان فقضى به دينا كان على أسيد وهذا بمشهد من الصحابة ولم ينكره منهم رجل واحد ومن جعل مثل هذا إجماعا فقد أجمع الصحابة على جواز ذلك وأقل درجاته أن يكون قول صحابي بل قول الخليفة الراشد ولم ينكره منهم منكر وهذا حجة(2\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "309",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "311",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عند جمهور العلماء وقد جوز بعض أصحاب أحمد ضمان البساتين مع الأرض المؤجرة إذ لا يمكن إفراد إحداهما عن الأخرى واختاره ابن عقيل وجوز بعضهم ضمان الأشجار مطلقا مع الأرض وبدونها واختاره شيخنا وأفرد فيه مصنفا ففي مذهب أحمد ثلاثة أقوال وجوز مالك ذلك تبعا للأرض في قدر الثلث. قال شيخنا: والصواب ما فعله عمر - رضي الله عنه - فإن الفرق بين البيع والضمان هو الفرق بين البيع والإجارة والنبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الحب حتى يشتد ولم ينه عن إجارة الأرض للزراعة مع أن المستأجر مقصوده الحب بعمله فيخدم الأرض ويحرثها ويسقيها ويقوم عليها وهو نظير مستأجر البستان ليخدم شجره ويسقيه ويقوم عليه والحب نظير الثمر والشجر نظير الأرض والعمل نظير العمل فما الذي حرم هذا وأحل هذا وهذا بخلاف المشتري فإنه يشتري ثمرا وعلى البائع مؤنة الخدمة والسقي والقيام على الشجر فهو بمنزلة الذي يشتري الحب وعلى البائع مؤنة الزرع والقيام عليه فقد ظهر انتفاء القياس والنص كما ظهر انتفاء الإجماع بل القياس الصحيح مع المجوزين كما معهم الإجماع القديم. فإن قيل: فالثمر أعيان وعقد الإجارة إنما يكون على المنافع قيل: الأعيان هنا حصلت بعمله في الأصل المستأجر كما حصل الحب بعمله في الأرض المستأجرة. فإن قيل: الفرق أن الحب حصل من بذره والثمر حصل من شجر المؤجر. قيل: لا أثر لهذا الفرق في الشرع بل قد ألغاه الشارع في المساقاة والمزارعة فسوى بينهما والمساقي يستحق جزءا من الثمرة الناشئة من أصل الملك والمزارع يستحق جزءا من الزرع النابت في أرض المالك وإن كان البذر منه كما ثبت بالسنة الصحيحة الصريحة وإجماع الصحابة فإذا لم يؤثر هذا الفرق في المساقاة والمزارعة التي يكون النماء فيها مشتركا لم يؤثر في الإجارة بطريق الأولى لأن إجارة الأرض لم يختلف فيها كالاختلاف في المزارعة فإذا كانت إجارتها عندكم أجوز من المزارعة فإجارة الشجر أولى بالجواز من المساقاة عليها فهذا محض القياس وعمل الصحابة ومصلحة الأمة وبالله التوفيق. والذين منعوا ذلك وحرموه توصلوا إلى جوازه بالحيلة الباطلة شرعا وعقلا فإنهم يؤجرونه الأرض وليست مقصودة له ألبتة ويساقونه على الشجر من ألف جزء على جزء(2\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "310",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "312",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مساقاة غير مقصودة وإجارة غير مقصودة فجعلوا ما لم يقصد مقصودا وما قصد غير مقصود وحابوا في المساقاة أعظم محاباة وذلك حرام باطل في الوقف وبستان المولى عليه من يتيم أو سفيه أو مجنون ومحاباتهم إياه في إجارة الأرض لا تسوغ لهم محاباة المستأجر في المساقاة ولا يسوغ اشتراط أحد العقدين في الآخر بل كل عقد مستقل بحكمه فأين هذا من فعل أمير المؤمنين وفقهه وأين القياس من القياس والفقه من الفقه فبينهما في الصحة بعد ما بين المشرقين  [فصل إجارة الظئر على وفق القياس الصحيح] فصل: [إجارة الظئر على وفق القياس الصحيح] فهذا الكلام على المقام الأول وهو كون الإجارة على خلاف القياس وقد تبين بطلانه. وأما المقام الثاني - وهو أن الإجارة التي أذن الله فيها في كتابه وهي إجارة الظئر على خلاف القياس - فبناء منهم على هذا الأصل الفاسد وهو أن المستحق بعقد الإجارة إنما هو المنافع لا الأعيان وهذا الأصل لم يدل عليه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح بل الذي دلت عليه الأصول أن الأعيان التي تحدث شيئا فشيئا مع بقاء أصلها حكمها حكم المنافع كالثمر في الشجر واللبن في الحيوان والماء في البئر ولهذا سوى بين النوعين في الوقف فإن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل الفائدة. فكما يجوز أن تكون فائدة الوقف منفعة كالسكنى وأن تكون ثمرة وأن تكون لبنا كوقف الماشية للانتفاع بلبنها وكذلك في باب التبرعات كالعارية لمن ينتفع بالمتاع ثم يرده والعرية لمن يأكل ثمر الشجرة ثم يردها والمنيحة لمن يشرب لبن الشاة ثم يردها والقرض لمن ينتفع بالدراهم ثم يرد بدلها القائم مقام عينها فكذلك في الإجارة تارة يكريه العين للمنفعة التي ليست أعيانا وتارة للعين التي تحدث شيئا من بعد شيء مع بقاء الأصل كلبن الظئر ونفع البئر فإن هذه الأعيان لما كانت تحدث شيئا بعد شيء مع بقاء الأصل كانت كالمنفعة والمسوغ للإجارة هو ما بينهما من القدر المشترك وهو حدوث المقصود بالعقد شيئا فشيئا سواء كان الحادث عينا أو منفعة وكونه جسما أو معنى قائما بالجسم لا أثر له في الجواز والمنع مع اشتراكهما في المقتضي للجواز بل هذا النوع من الأعيان الحادثة شيئا فشيئا أحق بالجواز فإن الأجسام أكمل من صفاتها وطرد هذا القياس جواز إجارة الحيوان غير الآدمي لرضاعه فإن الحاجة تدعو إليه كما تدعو إليه في الظئر من الآدميين بطعامها(2\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "311",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "313",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكسوتها ويجوز استئجار الظئر من البهائم بعلفها والماشية إذا عاوض على لبنها فهو نوعان: أحدهما: أن يشتري اللبن مدة ويكون العلف والخدمة على البائع فهذا بيع محض. والثاني: أن يسلمها ويكون علفها وخدمتها عليه ولبنها له مدة الإجارة فهذا إجارة وهو كضمان البستان سواء وكالظئر فإن اللبن يستوفى شيئا فشيئا مع بقاء الأصل فهو كاستئجار العين ليسقي بها أرضه وقد نص مالك على جواز إجارة الحيوان مدة للبنه ثم من أصحابه من جوز ذلك تبعا لنصه ومنهم من منعه ومنهم من شرط فيه شروطا ضيقوا بها مورد النص ولم يدل عليها نصه والصواب الجواز وهو موجب القياس المحض فالمجوزون أسعد بالنص من المانعين وبالله التوفيق  [فصل حمل العاقلة الدية عن الجاني طبق القياس] فصل: [حمل العاقلة الدية عن الجاني طبق القياس] ومن هذا الباب قول القائل quot; حمل العاقلة الدية عن الجاني على خلاف القياس quot; ولهذا لا تحمل العمد ولا العبد ولا الصلح ولا الاعتراف ولا ما دون الثلث ولا تحمل جناية الأموال ولو كانت على وفق القياس لحملت ذلك كله. والجواب أن يقال: لا ريب أن من أتلف مضمونا كان ضمانه عليه ولا تزر وازرة وزر أخرى [الأنعام: 164]  ولا تؤخذ نفس بجريرة غيرها وبهذا جاء شرع الله سبحانه وجزاؤه وحمل العاقلة الدية غير مناقض لشيء من هذا كما سنبينه والناس متنازعون في العقل: هل تحمل العاقلة ابتداء أو تحملا على قولين كما تنازعوا في صدقة الفطر التي يجب أداؤها عن الغير كالزوجة والولد هل تجب ابتداء أو تحملا على قولين وعلى ذلك ينبني ما لو أخرجها من تحملت عنه عن نفسه بغير إذن المتحمل لها فمن قال هي واجبة على الغير تحملا قال: يجزئ في هذه الصورة ومن قال: هي واجبة عليه ابتداء قال: لا تجزئ بل هي كأداء الزكاة عن الغير وكذلك القاتل إذا لم تكن له عاقلة هل تجب الدية في ذمة القاتل أو لا على قولين بناء على هذا الأصل والعقل فارق غيره من الحقوق في أسباب اقتضت اختصاصه بالحكم وذلك أن دية المقتول مال كثير والعاقلة إنما تحمل الخطأ ولا تحمل العمد بالاتفاق ولا شبهة على الصحيح والخطأ يعذر فيه الإنسان فإيجاب الدية في ماله فيه ضرر عظيم عليه من غير ذنب تعمده وإهدار دم المقتول من غير ضمان بالكلية فيه إضرار بأولاده وورثته فلا بد من إيجاب بدله فكان من محاسن الشريعة وقيامها(2\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "312",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "314",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بمصالح العباد أن أوجب بدله على من عليه موالاة القاتل ونصرته فأوجب عليهم إعانته على ذلك. وهذا كإيجاب النفقات على الأقارب وكسوتهم وكذا مسكنهم وإعفافهم إذا طلبوا النكاح وكإيجاب فكاك الأسير من بلد العدو فإن هذا أسيف بالدية التي لم يتعمد سبب وجوبها ولا وجبت باختيار مستحقها كالقرض والبيع وليست قليلة فالقاتل في الغالب لا يقدر على حملها وهذا بخلاف العمد فإن الجاني ظالم مستحق للعقوبة ليس أهلا أن يحمل عنه بدل القتل وبخلاف شبه العمد لأنه قاصد للجناية متعمد لها فهو آثم معتد وبخلاف بدل المتلف من الأموال فإنه قليل في الغالب لا يكاد المتلف يعجز عن حمله وشأن النفوس غير شأن الأموال ولهذا لا تحمل العاقلة ما دون الثلث عند الإمام أحمد ومالك لقلته واحتمال الجاني حمله وعند أبي حنيفة لا تحمل ما دون أقل المقدر كأرش الموضحة وتحمل ما فوقه وعند الشافعي تحمل القليل والكثير طردا للقياس وظهر بهذا كونها لا تحمل العبد فإنه سلعة من السلع ومال من الأموال فلو حملت بدله لحملت بدل الحيوان والمتاع وأما الصلح والاعتراف فعارض هذه الحكمة فيهما معنى آخر وهو أن المدعي والمدعى عليه قد يتواطآن على الإقرار بالجناية ويشتركان فيما تحمله العاقلة ويتصالحان على تغريم العاقلة فلا يسري إقراره ولا صلحه فلا يجوز إقراره في حق العاقلة ولا يقبل قوله فيما يجب عليها من الغرامة وهذا هو القياس الصحيح فإن الصلح والاعتراف يتضمن إقراره ودعواه على العاقلة بوجوب المال عليهم فلا يقبل ذلك في حقهم ويقبل بالنسبة إلى المعترف كنظائره فتبين أن إيجاب الدية على العاقلة من جنس ما أوجبه الشارع من الإحسان إلى المحتاجين كأبناء السبيل والفقراء والمساكين. وهذا من تمام الحكمة التي بها قيام مصلحة العالم فإن الله سبحانه قسم خلقه إلى غني وفقير ولا تتم مصالحهم إلا بسد خلة الفقير فأوجب سبحانه في فضول أموال الأغنياء ما يسد [به] خلة الفقراء وحرم الربا الذي يضر بالمحتاج فكان أمره بالصدقة ونهيه عن الربا أخوين شقيقين ولهذا جمع الله بينهما في قوله: يمحق الله الربا ويربي الصدقات [البقرة: 276] وقوله: وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون [الروم: 39] وذكر الله سبحانه أحكام الناس في الأموال في آخر سورة البقرة وهي ثلاثة: عدل وظلم وفضل فالعدل البيع والظلم الربا والفضل الصدقة فمدح المتصدقين وذكر ثوابهم وذم المرابين وذكر عقابهم وأباح البيع والتداين إلى أجل مسمى. والمقصود أن حمل الدية من جنس ما أوجبه من الحقوق لبعض العباد على بعض(2\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "313",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "315",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كحق المملوك والزوجة والأقارب والضيف ليست من باب عقوبة الإنسان بجناية غيره فهذا لون وذاك لون والله الموفق.  [فصل المصراة على وفق القياس] فصل: [بيان أن المصراة على وفق القياس] ومما قيل إنه على خلاف القياس حديث المصراة قالوا: وهو يخالف القياس من وجوه: منها أنه تضمن رد البيع بلا عيب ولا خلف في صفة ومنها أن الخراج بالضمان  فاللبن الذي يحدث عند المشتري غير مضمون عليه وقد ضمنه إياه ومنها أن اللبن من ذوات الأمثال وقد ضمنه إياه بغير مثله ومنها أنه إذا انتقل من التضمين بالمثل فإنما ينتقل إلى القيمة والتمر لا قيمة ولا مثل ومنها أن المال المضمون إنما يضمن بقدره في القلة والكثرة وقد قدر هاهنا الضمان بصاع. قال أنصار الحديث: كل ما ذكرتموه خطأ والحديث موافق لأصول الشريعة وقواعدها ولو خالفها لكان أصلا بنفسه كما أن غيره أصل بنفسه وأصول الشرع لا يضرب بعضها ببعض كما نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أن يضرب كتاب الله بعضه ببعض بل يجب اتباعها كلها ويقر كل منها على أصله وموضعه فإنها كلها من عند الله الذي أتقن شرعه وخلقه وما عدا هذا فهو الخطأ الصريح. فاسمعوا الآن هدم الأصول الفاسدة التي يعترض بها على النصوص الصحيحة: أما قولكم: quot; إنه تضمن الرد من غير عيب ولا فوات صفة quot; فأين في أصول الشريعة المتلقاة عن صاحب الشرع ما يدل على انحصار الرد بهذين الأمرين وتكفينا هذه المطالبة ولن تجدوا إلى إقامة الدليل على الحصر سبيلا ثم نقول: بل أصول الشريعة توجب الرد بغير ما ذكرتم وهو الرد بالتدليس والغش فإنه هو والخلف في الصفة من باب واحد بل الرد بالتدليس أولى من الرد بالعيب فإن البائع يظهر صفة المبيع تارة بقوله وتارة بفعله فإذا أظهر للمشتري أنه على صفة فبان بخلافها كان قد غشه ودلس عليه فكان له الخيار بين الإمساك والفسخ ولو لم تأت الشريعة بذلك لكان هو محض القياس وموجب العدل فإن المشتري إنما بذل ماله في المبيع بناء على الصفة التي أظهرها له البائع ولو علم أنه على خلافها لم يبذل له فيها ما بذل فإلزامه للمبيع مع التدليس والغش من أعظم الظلم الذي تتنزه الشريعة عنه وقد أثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - الخيار للركبان إذا تلقوا واشتري منهم قبل أن(2\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "314",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "316",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يهبطوا السوق ويعلموا السعر وليس هاهنا عيب ولا خلف في صفة ولكن فيه نوع تدليس وغش. فصل [ الخراج بالضمان ] وأما قولكم: الخراج بالضمان فهذا الحديث وإن كان قد روي فحديث المصراة أصح منه باتفاق أهل الحديث قاطبة فكيف يعارض به مع أنه لا تعارض بينهما بحمد الله فإن الخراج اسم للغلة مثل كسب العبد وأجرة الدابة ونحو ذلك وأما الولد واللبن فلا يسمى خراجا وغاية ما في الباب قياسه عليه بجامع كونهما من الفوائد وهو من أفسد القياس فإن الكسب الحادث والغلة لم يكن موجودا حال البيع وإنما حدث بعد القبض وأما اللبن هاهنا فإنه كان موجودا حال العقد فهو جزء من المعقود عليه والشارع لم يجعل الصاع عوضا عن اللبن الحادث وإنما هو عوض عن اللبن الموجود وقت العقد في الضرع فضمانه هو محض العدل والقياس. وأما تضمينه بغير جنسه ففي غاية العدل فإنه لا يمكن تضمينه بمثله ألبتة فإن اللبن في الضرع محفوظ غير معرض للفساد فإذا حلب صار عرضة لحمضه وفساده فلو ضمن اللبن الذي كان في الضرع بلبن محلوب في الإناء كان ظلما تتنزه الشريعة عنه. وأيضا فإن اللبن الحادث بعد العقد اختلط باللبن الموجود وقت العقد فلم يعرف مقداره حتى يوجب نظيره على المشتري وقد يكون أقل منه أو أكثر فيفضي إلى الربا لأن أقل الأقسام أن تجهل المساواة. [الحكمة في رد التمر بدل اللبن. وأيضا فلو وكلناه إلى تقديرهما أو تقدير أحدهما لكثر النزاع والخصم بينهما ففصل الشارع الحكيم صلاة الله وسلامه عليه وعلى آله النزاع وقدره بحد لا يتعديانه قطعا للخصومة وفصلا للمنازعة وكان تقديره بالتمر أقرب الأشياء إلى اللبن فإنه قوت أهل المدينة كما كان اللبن قوتا لهم وهو مكيل كما أن اللبن مكيل فكلاهما مطعوم مقتات مكيل وأيضا فكلاهما يقتات به بلا صنعة ولا علاج بخلاف الحنطة والشعير والأرز فالتمر أقرب الأجناس التي كانوا يقتاتون بها إلى اللبن. فإن قيل: فأنتم توجبون صاع التمر في كل مكان سواء كان قوتا لهم أو لم يكن.(2\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "315",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "317",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل: هذا من مسائل النزاع وموارد الاجتهاد فمن الناس من يوجب ذلك ومنهم من يوجب في كل بلد صاعا من قوتهم ونظير هذا تعيينه - صلى الله عليه وسلم - الأصناف الخمسة في زكاة الفطر وأن كل بلد يخرجون من قوتهم مقدار الصاع وهذا أرجح وأقرب إلى قواعد الشرع وإلا فكيف يكلف من قوتهم السمك مثلا أو الأرز أو الدخن إلى التمر وليس هذا بأول تخصيص قام الدليل عليه وبالله التوفيق  فصل [أمر الذي صلى فذا بالإعادة] ومن ذلك ظن بعضهم أن أمره - صلى الله عليه وسلم - لمن صلى فذا خلف الصف بالإعادة على خلاف القياس فإن الإمام والمرأة فذان وصلاتهما صحيحة. وهذا من أفسد القياس وأبطله فإن الإمام يسن في حقه التقدم وأن يكون وحده والمأمومون يسن في حقهم الاصطفاف فقياس أحدهما على الآخر من أفسد القياس والفرق بينهما أن الإمام إنما جعل ليؤتم به وتشاهد أفعاله وانتقالاته فإذا كان قدامهم حصل مقصود الإمامة وإذا كان في الصف لم يشاهده إلا من يليه ولهذا جاءت السنة بالتقدم ولو كانوا ثلاثة محافظة على المقصود بالائتمام وأما المرأة فإن السنة وقوفها فذة إذا لم يكن هناك امرأة تقف معها لأنها منهية عن مصافة الرجال فموقفها المشروع أن تكون خلف الصف فذة وموقف الرجل المشروع أن يكون في الصف فقياس أحدهما على الآخر من أبطل القياس وأفسده وهو قياس المشروع على غير المشروع. فإن قيل: فلو كان معها نساء ووقفت وحدها صحت صلاتها قيل: هذا غير مسلم بل إذا كان صف النساء فحكم المرأة بالنسبة إليه في كونها فذة كحكم الرجل بالنسبة إلى صف الرجال لكن موقف المرأة وحدها خلف صف الرجال يدل على شيئين: أحدهما أن الرجل إذا لم يجد خلف الصف من يقوم معه وتعذر عليه الدخول في الصف ووقف معه فذا صحت صلاته للحاجة وهذا هو القياس المحض فإن واجبات الصلاة تسقط بالعجز عنها الثاني - وهو طرد هذا القياس - إذا لم يمكنه أن يصلي مع الجماعة إلا قدام الإمام فإنه يصلي قدامه وتصح صلاته وكلاهما وجه في مذهب أحمد وهو اختيار شيخنا - رحمه الله -. وبالجملة فليست المصافة أوجب من غيرها فإذا سقط ما هو أوجب منها للعذر فهي أولى بالسقوط ومن قواعد الشرع الكلية أنه: quot; لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة quot;(2\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "316",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "318",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الرهن مركوب ومحلوب وعلى من يركب ويحلب النفقة] ومن ذلك قول بعضهم: إن الحديث الصحيح - وهو قوله: الرهن مركوب ومحلوب وعلى الذي يركب ويحلب النفقة - على خلاف القياس فإنه جوز لغير المالك أن يركب الدابة وأن يحلبها وضمنه ذلك بالنفقة لا بالقيمة فهو مخالف للقياس من وجهين. والصواب ما دل عليه الحديث وقواعد الشريعة وأصولها لا تقتضي سواه فإن الرهن إذا كان حيوانا فهو محترم في نفسه لحق الله سبحانه وللمالك فيه حق الملك وللمرتهن حق الوثيقة وقد شرع الله سبحانه الرهن مقبوضا بيد المرتهن فإذا كان بيده فلم يركبه ولم يحلبه ذهب نفعه باطلا وإن مكن صاحبه من ركوبه خرج عن يده وتوثيقه وإن كلف صاحبه كل وقت أن يأتي ليأخذ لبنه شق عليه غاية المشقة ولا سيما مع بعد المسافة وإن كلف المرتهن بيع اللبن وحفظ ثمنه للراهن شق عليه فكان مقتضى العدل والقياس ومصلحة الراهن والمرتهن والحيوان أن يستوفي المرتهن منفعة الركوب والحلب ويعوض عنهما بالنفقة ففي هذا جمع بين المصلحتين وتوفير الحقين فإن نفقة الحيوان واجبة على صاحبه والمرتهن إذا أنفق عليه أدى عنه واجبا وله فيه حق فله أن يرجع ببدله ومنفعة الركوب والحلب تصلح أن تكون بدلا فأخذها خير من أن تهدر على صاحبها باطلا ويلزم بعوض ما أنفق المرتهن. وإن قيل للمرتهن: quot; لا رجوع لك quot; كان في ذلك إضرار به ولم تسمح نفسه بالنفقة على الحيوان فكان ما جاءت به الشريعة هو الغاية التي ما فوقها في العدل والحكمة والمصلحة شيء يختار. فإن قيل: ففي هذا أن من أدى عن غيره واجبا فإنه يرجع ببدله وهذا خلاف القياس فإنه إلزام له بما لم يلتزمه ومعاوضة لم يرضى بها. قيل: وهذا أيضا محض القياس والعدل والمصلحة وموجب الكتاب ومذهب أهل المدينة وفقهاء الحديث أهل بلدته وأهل سنته فلو أدى عنه دينه أو أنفق على من تلزمه نفقته أو افتداه من الأسر ولم ينو التبرع فله الرجوع وبعض أصحاب أحمد فرق بين قضاء الدين ونفقة القريب فجوز الرجوع في الدين دون نفقة القريب قال: لأنها لا تصير دينا. قال شيخنا: والصواب التسوية بين الجميع والمحققون من أصحابه سووا بينهما ولو افتداه من الأسر كان له مطالبته بالفداء وليس ذلك دينا عليه والقرآن يدل على هذا(2\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "317",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "319",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القول فإن الله تعالى قال: فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن [الطلاق: 6] فأمر بإيتاء الأجر بمجرد الإرضاع ولم يشترط عقدا ولا إذن الأب. وكذلك قوله: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف [البقرة: 233] فأوجب ذلك عليه ولم يشترط عقدا ولا إذنا ونفقة الحيوان واجبة على مالكه والمستأجر والمرتهن له فيه حق فإذا أنفق عليه النفقة الواجبة على ربه كان أحق بالرجوع من الإنفاق على ولده فإن قال الراهن: أنا لم آذن لك في النفقة قال: هي واجبة عليك وأنا أستحق أن أطالبك بها لحفظ المرهون والمستأجر فإذا رضي المنفق بأن يعتاض بمنفعة الرهن وكانت نظير النفقة كان قد أحسن إلى صاحبه وذلك خير محض فلو لم يأت به النص لكان القياس يقتضيه وطرد هذا القياس أن المودع والشريك والوكيل إذا أنفق على الحيوان واعتاض عن النفقة بالركوب والحلب جاز ذلك كالمرتهن  [فصل رجل وقع على جارية امرأته موافق للقياس] فصل [الحكم في رجل وقع على جارية امرأته موافق للقياس] ومما قيل: quot; إنه من أبعد الأحاديث عن القياس quot; حديث الحسن عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في رجل وقع على جارية امرأته إن كان استكرهها فهي حرة وعليه لسيدتها مثلها وإن كانت طاوعته فهي له وعليه لسيدتها مثلها وفي رواية أخرى: وإن كانت طاوعته فهي ومثلها من ماله لسيدتها رواه أهل السنن وضعفه بعضهم من قبل إسناده وهو حديث حسن يحتجون بما هو دونه في القوة ولكن لإشكاله أقدموا على تضعيفه مع لين في سنده. قال شيخ الإسلام: وهذا الحديث يستقيم على القياس مع ثلاثة أصول صحيحة كل منها قول طائفة من الفقهاء. [من أتلف مال غيره ضمنه] أحدها: أن من غير مال غيره بحيث فوت مقصوده عليه فله أن يضمنه بمثله وهذا كما لو تصرف في المغصوب بما أزال اسمه ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره: أحدها أنه باق على ملك صاحبه وعلى الغاصب ضمان النقص ولا شيء عليه في الزيادة كقول الشافعي. والثاني: يملكه الغاصب بذلك ويضمنه لصاحبه كقول أبي حنيفة. والثالث: يخير المالك بين أخذه وتضمين النقص وبين المطالبة بالبدل وهذا أعدل الأقوال وأقواها فإن فوت صفاته المعنوية - مثل أن ينسيه صناعته أو يضعف قوته أو يفسد عقله أو دينه -(2\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "318",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "320",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا أيضا يخير المالك فيه بين تضمين النقص وبين المطالبة بالبدل ولو قطع ذنب بغلة القاضي فعند مالك يضمنها بالبدل ويملكها لتعذر مقصودها على المالك في العادة أو يخير المالك فصل [المتلفات تضمن بالجنس] الأصل الثاني: أن جميع المتلفات تضمن بالجنس بحسب الإمكان مع مراعاة القيمة حتى الحيوان فإنه إذا اقترضه رد مثله كما اقترض النبي - صلى الله عليه وسلم - بكرا ورد خيرا منه وكذلك المغرور يضمن ولده بمثلهم كما قضت به الصحابة وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره وقصة داود وسليمان - عليهما السلام - من هذا الباب فإن الماشية كانت قد أتلفت حرث القوم فقضى داود بالغنم لأصحاب الحرث كأنه ضمنهم ذلك بالقيمة ولم يكن لهم مال إلا الغنم فأعطاهم الغنم بالقيمة وأما سليمان فحكم بأن أصحاب الماشية يقومون على الحرث حتى يعود كما كان فضمنهم إياه بالمثل وأعطاهم الماشية يأخذون منفعتها عوضا عن المنفعة التي فاتت من غلة الحرث إلى أن يعود وبذلك أفتى الزهري لعمر بن عبد العزيز فيمن أتلف له شجر. فقال الزهري: يغرسه حتى يعود كما كان. وقال ربيعة وأبو الزناد: عليه القيمة فغلظ الزهري القول فيهما وقول الزهري وحكم سليمان هو موجب الأدلة فإن الواجب ضمان المتلف بالمثل بحسب الإمكان كما قال تعالى: وجزاء سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40] وقال: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم [البقرة: 194] وقال: والحرمات قصاص [البقرة: 194] وقال: وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به [النحل: 126] وإن كان مثل الحيوان والآنية والثياب من كل وجه متعذرا فقد دار الأمر بين شيئين: الضمان بالدراهم المخالفة للمثل في الجنس والصفة والمقصود والانتفاع وإن ساوت المضمون في المالية والضمان بالمثل بحسب الإمكان المساوي للمتلف في الجنس والصفة والمالية والمقصود والانتفاع ولا ريب أن هذا أقرب إلى النصوص والقياس والعدل ونظير هذا ما ثبت بالسنة واتفاق الصحابة من القصاص في اللطمة والضربة وهو منصوص أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد وقد تقدم تقرير ذلك وإذا كانت المماثلة من كل وجه متعذرة حتى في المكيل والموزون فما كان أقرب إلى المماثلة فهو أولى بالصواب ولا ريب أن الجنس إلى الجنس أقرب مماثلة من الجنس إلى القيمة فهذا هو القياس وموجب النصوص وبالله التوفيق.(2\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "319",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "321",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من مثل بعبده عتق عليه] والأصل الثالث: أن من مثل بعبده عتق عليه وهذا مذهب فقهاء الحديث وقد جاءت بذلك آثار مرفوعة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كعمر بن الخطاب وغيره. فهذا الحديث موافق لهذه الأصول الثلاثة الثابتة بالأدلة الموافقة للقياس العادل فإذا طاوعته الجارية فقد أفسدها على سيدتها فإنها مع المطاوعة تنقص قيمتها إذ تصير زانية ولا تمكن سيدتها من استخدامها حق الخدمة لغيرتها منها وطمعها في السيد واستشراف السيد إليها وتتشامخ على سيدتها فلا تطيعها كما كانت تطيعها قبل ذلك والجاني إذا تصرف في المال بما ينقص قيمته كان لصاحبه المطالبة بالمثل فقضى الشارع لسيدتها بالمثل وملكه الجارية إذ لا يجمع لها بين العوض والمعوض وأيضا فلو رضيت سيدتها أن تبقى الجارية على ملكها وتغرمه ما نقص من قيمتها كان لها ذلك فإذا لم ترض وعلمت أن الأمة قد فسدت عليها ولم تنتفع بخدمتها كما كانت قبل ذلك كان من أحسن القضاء أن يغرم السيد مثلها ويملكها. فإن قيل: فاطردوا هذا القياس وقولوا: إن الأجنبي إذا زنى بجارية قوم حتى أفسدها عليهم أن لهم القيمة أو يطالبوه ببدلها. قيل: نعم هذا موجب القياس إن لم يكن بين الصورتين فرق مؤثر وإن كان بينهما فرق انقطع الإلحاق فإن الإفساد الذي في وطء الزوج بجارية امرأته بالنسبة إليها أعظم من الإفساد الذي في وطء الأجنبي وبالجملة فجواب هذا السؤال جواب مركب إذ لا نص فيه ولا إجماع فصل. وأما إذا استكرهها فإن هذا من باب المثلة فإن الإكراه على الوطء مثلة فإن الوطء يجري مجرى الجناية ولهذا لا يخلو عن عقر أو عقوبة ولا يجري مجرى منفعة الخدمة فهي لما صارت له بإفسادها على سيدتها أوجب عليه مثلها كما في المطاوعة وأعتقها عليه لكونه مثل بها. قال شيخنا: ولو استكره عبده على الفاحشة عتق عليه ولو استكره أمة الغير على الفاحشة عتقت عليه وضمنها بمثلها إلا أن يفرق بين أمة امرأته وبين غيرها فإن كان بينهما فرق شرعي وإلا فموجب القياس التسوية. وأما قوله تعالى: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم [النور: 33](2\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "320",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "322",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا نهي عن إكراههن على كسب المال بالبغاء كما قيل: إن عبد الله بن أبي رأس المنافقين كان له إماء يكرههن على البغاء وليس هذا استكراها للأمة على أن يزني بها هو فإن هذا بمنزلة التمثيل بها وذاك إلزام لها بأن تذهب هي فتزني مع أنه يمكن أن يقال: العتق بالمثلة لم يكن مشروعا عند نزول الآية ثم شرع بعد ذلك. [ما من نص صحيح إلا وهو موافق للعقل] قال شيخنا: والكلام على هذا الحديث من أدق الأمور فإن كان ثابتا فهذا الذي ظهر في توجيهه وإن لم يكن ثابتا فلا يحتاج إلى الكلام عليه. قال: وما عرفت حديثا صحيحا إلا ويمكن تخريجه على الأصول الثابتة قال: وقد تدبرت ما أمكنني من أدلة الشرع فما رأيت قياسا صحيحا يخالف حديثا صحيحا كما أن المعقول الصحيح لا يخالف المنقول الصحيح بل متى رأيت قياسا يخالف أثرا فلا بد من ضعف أحدهما لكن التمييز بين صحيح القياس وفاسده مما يخفى كثير منه على أفاضل العلماء فضلا عمن هو دونهم فإن إدراك الصفة المؤثرة في الأحكام على وجهها ومعرفة المعاني التي علقت بها الأحكام من أشرف العلوم فمنه الجلي الذي يعرفه أكثر الناس ومنه الدقيق الذي لا يعرفه إلا خواصهم فلهذا صارت أقيسة كثير من العلماء تجيء مخالفة للنصوص لخفاء القياس الصحيح كما يخفى على كثير من الناس ما في النصوص من الدلائل الدقيقة التي تدل على الأحكام انتهى. فإن قيل: فهب أنكم خرجتم ذلك على القياس فما تصنعون بسقوط الحد عنه وقد وطئ فرجا لا ملك له فيه ولا شبهة ملك قيل: الحديث لم يتعرض بنفي ولا إثبات وإنما دل على الضمان وكيفيته. فإن قيل: فكيف تخرجون حديث النعمان بن بشير في ذلك: أنها إن كانت أحلتها له جلد مائة جلدة وإن لم تكن أحلتها له رجم بالحجارة على القياس. قيل: هو بحمد الله موافق للقياس مطابق لأصول الشريعة وقواعدها فإن إحلالها شبهة كافية في سقوط الحد عنه ولكن لما لم يملكها بالإحلال كان الفرج محرما عليه وكانت المائة تعزيرا له وعقوبة على ارتكاب فرج حرام عليه وكان إحلال الزوجة له وطأها شبهة دارئة للحد عنه. فإن قيل: فكيف تخرجون التعزير بالمائة على القياس.(2\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "321",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "323",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل: هذا من أسهل الأمور فإن التعزير لا يتقدر بقدر معلوم بل هو بحسب الجريمة في جنسه وصفتها وكبرها وصغرها وعمر بن الخطاب قد تنوع تعزيره في الخمر: فتارة بحلق الرأس وتارة بالنفي وتارة بزيادة أربعين سوطا على الحد الذي ضربه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وتارة بتحريق حانوت الخمار وكذلك تعزير الغال وقد جاءت السنة بتحريق متاعه وتعزير مانع الصدقة بأخذها وأخذ شطر ماله معها وتعزير كاتم الضالة الملتقطة بإضعاف الغرم عليه وكذلك عقوبة سارق ما لا قطع فيه يضعف عليه الغرم وكذلك قاتل الذمي عمدا أضعف عليه عمر وعثمان ديته وذهب إليه أحمد وغيره. فإن قيل: فما تصنعون بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله . قيل: نتلقاه بالقبول والسمع والطاعة ولا منافاة بينه وبين شيء مما ذكرنا فإن الحد في لسان الشارع أعم منه في اصطلاح الفقهاء فإنهم يريدون بالحدود عقوبات الجنايات المقدرة بالشرع خاصة والحد في لسان الشارع أعم من ذلك فإنه يراد به هذه العقوبة تارة ويراد به نفس الجناية تارة كقوله تعالى: تلك حدود الله فلا تقربوها [البقرة: 187] وقوله: تلك حدود الله فلا تعتدوها [البقرة: 229] فالأول حدود الحرام والثاني حدود الحلال. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن الله حد حدودا فلا تعتدوها وفي حديث النواس بن سمعان الذي تقدم في أول الكتاب والسوران حدود الله ويراد به تارة جنس العقوبة وإن لم تكن مقدرة فقوله - صلى الله عليه وسلم -: لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله يريد به الجناية التي هي حق لله. فإن قيل: فأين تكون العشرة فما دونها إذ كان المراد بالحد الجناية . قيل: في ضرب الرجل امرأته وعبده وولده وأجيره للتأديب ونحوه فإنه لا يجوز أن يزيد على عشرة أسواط فهذا أحسن ما خرج عليه الحديث وبالله التوفيق  [فصل المضي في الحج الفاسد لا يخالف القياس] وأما المضي في الحج الفاسد فليس مخالفا للقياس فإن الله سبحانه أمر بإتمام الحج والعمرة فعلى من شرع فيهما أن يمضي فيهما وإن كان متطوعا بالدخول باتفاق الأئمة وإن تنازعوا فيما سواه من التطوعات: هل تلزم بالشروع أم لا فقد وجب عليه بالإحرام أن يمضي فيه إلى حين يتحلل ووجب عليه الإمساك عن الوطء فإذا وطئ فيه لم(2\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "322",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "324",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يسقط وطؤه ما وجب عليه من إتمام النسك فيكون ارتكابه ما حرمه الله عليه سببا لإسقاط الواجب عليه ونظير هذا الصائم إذ أفطر عمدا لم يسقط عنه فطره ما وجب عليه من إتمام الإمساك ولا يقال له: قد بطل صومك فإن شئت أن تأكل فكل بل يجب عليه المضي فيه وقضاؤه لأن الصائم له حد محدود وهو غروب الشمس. فإن قيل: فهلا طردتم ذلك في الصلاة إذا أفسدها وقلتم: يمضي فيها ثم يعيدها. قيل: من هاهنا ظن من ظن أن المضي في الحج الفاسد على خلاف القياس والفرق بينهما أن الحج له وقت محدود وهو يوم عرفة كما للصيام وقت محدود وهو الغروب وللحج مكان مخصوص لا يمكن إحلال المحرم قبل وصوله إليه كما لا يمكن فطر الصائم قبل وصوله إلى وقت الفطر فلا يمكنه فعله ولا فعل الحج ثانيا في وقته بخلاف الصلاة فإنه يمكنه فعلها ثانيا في وقتها وسر الفرق أن وقت الصيام والحج بقدر فعله لا يسع غيره ووقت الصلاة أوسع منها فيسع غيرها فيمكنه تدارك فعلها إذا فسدت في أثناء الوقت ولا يمكن تدارك الصيام والحج إذا فسدا إلا في وقت آخر نظير الوقت الذي أفسدهما فيه والله أعلم  [فصل العذر بالنسيان على خلاف القياس] فصل [العذر بالنسيان] وأما من أكل في صومه ناسيا فمن قال: quot; عدم فطره ومضيه في صومه على خلاف القياس quot; ظن أنه من باب ترك المأمور ناسيا والقياس أنه يلزمه الإتيان بما تركه كما لو أحدث ونسي حتى صلى والذين قالوا: quot; بل هو على وفق القياس quot; حجتهم أقوى لأن قاعدة الشريعة أن من فعل محظورا ناسيا فلا إثم عليه كما دل عليه قوله تعالى: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا [البقرة: 286] وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله سبحانه استجاب هذا الدعاء وقال: قد فعلت وإذا ثبت أنه غير آثم فلم يفعل في صومه محرما فلم يبطل صومه وهذا محض القياس فإن العبادة إنما تبطل بفعل محظور أو ترك مأمور. وطرد هذا القياس أن من تكلم في صلاته ناسيا لم تبطل صلاته. وطرده أيضا أن من جامع في إحرامه أو صيامه ناسيا لم يبطل صيامه ولا إحرامه. وكذلك من تطيب أو لبس أو غطى رأسه أو حلق رأسه أو قلم ظفره ناسيا فلا فدية عليه بخلاف قتل الصيد فإنه من باب ضمان المتلفات فهو كدية القتيل. وأما اللباس والطيب فمن باب الترفه وكذلك الحلق والتقليم ليس من باب الإتلاف فإنه لا قيمة له في الشرع ولا في العرف. وطرد هذا القياس أن من فعل المحلوف(2\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "323",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "325",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه ناسيا لم يحنث سواء حلف بالله أو بالطلاق أو بالعتاق أو غير ذلك لأن القاعدة أن من فعل المنهي عنه ناسيا لم يعد عاصيا والحنث في الأيمان كالمعصية في الإيمان. فلا يعد حانثا من فعل المحلوف عليه ناسيا. وطرد هذا أيضا أن من باشر النجاسة في الصلاة ناسيا لم تبطل صلاته بخلاف من ترك شيئا من فروض الصلاة ناسيا أو ترك الغسل من الجنابة أو الوضوء أو الزكاة أو شيئا من فروض الحج ناسيا فإنه يلزمه الإتيان به لأنه لم يؤد ما أمر به فهو في عهدة الأمر. وسر الفرق أن من فعل المحظور ناسيا يجعل وجوده كعدمه ونسيان ترك المأمور لا يكون عذرا في سقوطه كما كان فعل المحظور ناسيا عذرا في سقوط الإثم عن فاعله. فإن قيل: فهذا الفرق حجة عليكم لأن ترك المفطرات في الصوم من باب المأمورات ولهذا تشترط فيه النية ولو كان فعل المفطرات من باب المحظور لم يحتج إلى نية كفعل سائر المحظورات. قيل: لا ريب أن النية في الصوم شرط ولولاها لما كان عبادة ولا أثيب عليه لأن الثواب لا يكون إلا بالنية فكانت النية شرطا في كون هذا الترك عبادة ولا يختص ذلك بالصوم بل كل ترك لا يكون عبادة ولا يثاب عليه إلا بالنية ومع ذلك فلو فعله ناسيا لم يأثم به فإذا نوى تركها لله ثم فعلها ناسيا لم يقدح نسيانه في أجره بل يثاب على قصد تركها لله ولا يأثم بفعلها ناسيا وكذلك الصوم. وأيضا فإن فعل الناسي غير مضاف إليه كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: من أكل أو شرب ناسيا فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه فأضاف فعله ناسيا إلى الله لكونه لم يرده ولم يتعمده وما يكون مضافا إلى الله لم يدخل تحت قدرة العبد فلم يكلف به فإنه إنما يكلف بفعله لا بما يفعل فيه ففعل الناسي كفعل النائم والمجنون والصغير. وكذلك لو احتلم الصائم في منامه أو ذرعه القيء في اليقظة لم يفطر ولو استدعى ذلك أفطر به فلو كان ما يوجد بغير قصده كما يوجد بقصده لأفطر بهذا وهذا. [هل هناك فرق بين الناسي والمخطئ] . فإن قيل: فأنتم تفطرون المخطئ كمن أكل يظنه ليلا فبان نهارا أفطر. قيل: هذا فيه نزاع معروف بين السلف والخلف والذين فرقوا بينهما قالوا: فعل المخطئ يمكن الاحتراز منه بخلاف الناسي.(2\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "324",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "326",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونقل عن بعض السلف أنه يفطر في مسألة الغروب دون مسألة الطلوع كما لو استمر الشك. قال شيخنا: وحجة من قال: لا يفطر في الجميع أقوى ودلالة الكتاب والسنة على قولهم أظهر فإن الله سبحانه سوى بين الخطإ والنسيان في عدم المؤاخذة ولأن فعل محظورات الحج يستوي فيه المخطئ والناسي ولأن كل واحد منهما غير قاصد للمخالفة وقد ثبت في الصحيح أنهم أفطروا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم طلعت الشمس ولم يثبت في الحديث أنهم أمروا بالقضاء ولكن هشام بن عروة سئل عن ذلك فقال: لا بد من قضاء وأبوه عروة أعلم منه وكان يقول: لا قضاء عليهم. وثبت في الصحيحين أن بعض الصحابة أكلوا حتى ظهر لهم الخيط الأسود من [الخيط] الأبيض ولم يأمر أحدا منهم بقضاء وكانوا مخطئين وثبت عن عمر بن الخطاب أنه أفطر ثم تبين النهار فقال: لا نقضي لأنا لم نتجانف لإثم وروي عنه أنه قال: نقضي وإسناده الأول أثبت وصح عنه أنه قال: الخطب يسير فتأول ذلك من تأوله على أنه أراد خفة أمر القضاء واللفظ لا يدل على ذلك. قال شيخنا: وبالجملة فهذا القول أقوى أثرا ونظرا وأشبه بدلالة الكتاب والسنة والقياس. قلت له: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - مر على رجل يحتجم فقال: أفطر الحاجم والمحجوم ولم يكونا عالمين بأن الحجامة تفطر ولم يبلغهما قبل ذلك قوله: أفطر الحاجم والمحجوم ولعل الحكم إنما شرع ذلك اليوم. فأجابني بما مضمونه أن الحديث اقتضى أن ذلك الفعل مفطر وهذا كما لو رأى إنسانا يأكل أو يشرب فقال: أفطر الآكل والشارب فهذا فيه بيان السبب المقتضي للفطر ولا تعرض فيه للمانع. وقد علم أن النسيان مانع من الفطر بدليل خارج فكذلك الخطأ والجهل والله أعلم  [فصل الحكم في امرأة المفقود على وفق القياس] ومما ظن أنه على خلاف القياس ما حكم به الخلفاء الراشدون في امرأة المفقود فإنه قد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه أجل امرأته أربع سنين وأمرها أن تتزوج فقدم(2\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "325",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "327",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المفقود بعد ذلك فخيره عمر بين امرأته وبين مهرها فذهب الإمام أحمد إلى ذلك. وقال: ما أدري من ذهب إلى غير ذلك إلى أي شيء يذهب وقال أبو داود في مسائله: سمعت أحمد - وقيل له: في نفسك شيء من المفقود - فقال: ما في نفسي منه شيء هذا خمسة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمروها أن تتربص قال أحمد: من ضيق علم الرجل أن لا يتكلم في امرأة المفقود. وقد قال بعض المتأخرين من أصحاب أحمد: إن مذهب عمر في المفقود يخالف القياس والقياس أنها زوجة القادم بكل حال إلا أن نقول: الفرقة تنفذ ظاهرا وباطنا فتكون زوجة الثاني بكل حال وغلا بعض المخالفين لعمر في ذلك فقالوا: لو حكم حاكم بقول عمر في ذلك لنقض حكمه لبعده عن القياس. وطائفة ثالثة: أخذت ببعض قول عمر وتركوا بعضه فقالوا: إذا تزوجت ودخل بها الثاني فهي زوجته ولا ترد إلى الأول وإن لم يدخل بها ردت إلى الأول. [من تصرف في حق غيره هل تصرفه مردود أو موقوف] . قال شيخنا: من خالف عمر لم يهتد إلى ما اهتدى إليه عمر ولم يكن له من الخبرة بالقياس الصحيح مثل خبرة عمر وهذا إنما يتبين بأصل وهو وقف العقود إذا تصرف الرجل في حق الغير بغير إذنه هل يقع تصرفه مردودا أو موقوفا على إجازته على قولين مشهورين هما روايتان عن أحمد: إحداهما أنها تقف على الإجازة وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والثانية أنها لا تقف وهو أشهر قولي الشافعي وهذا في النكاح والبيع والإجارة وظاهر مذهب أحمد التفصيل. وهو أن المتصرف إذا كان معذورا لعدم تمكنه من الاستئذان وكان به حاجة إلى التصرف وقف العقد على الإجارة بلا نزاع عنده وإن أمكنه الاستئذان أو لم تكن به حاجة إلى التصرف ففيه النزاع فالأول مثل من عنده أموال لا يعرف أصحابها كالغصوب والعواري ونحوها فإذا تعذر عليه معرفة أرباب الأموال ويئس منها فإن مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد أنه يتصدق بها عنهم فإن ظهروا بعد ذلك كانوا مخيرين بين الإمضاء وبين التضمين. وهذا مما جاءت به السنة في اللقطة فإن الملتقط يأخذها بعد التعريف ويتصرف فيها ثم إن جاء صاحبها كان مخيرا بين إمضاء تصرفه وبين المطالبة بها فهو تصرف موقوف لما تعذر الاستئذان ودعت الحاجة إلى التصرف وكذلك الموصي بما زاد على الثلث وصيته موقوفة على الإجازة عند الأكثرين وإنما يخيرون بعد الموت فالمفقود المنقطع خبره إن قيل: quot; إن امرأته تبقى إلى أن يعلم خبره quot; بقيت لا أيما ولا ذات زوج إلى(2\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "326",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "328",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن تبقى من القواعد أو تموت والشريعة لا تأتي بمثل هذا فلما أجلت أربع سنين ولم يكشف خبره حكم بموته ظاهرا. فإن قيل: يسوغ للإمام أن يفرق بينهما للحاجة فإنما ذلك بعد اعتقاد موته وإلا فلو علمت حياته لم يكن مفقودا وهذا كما ساغ التصرف في الأموال التي تعذر معرفة أصحابها فإذا قدم الرجل تبينا أنه كان حيا كما إذا ظهر صاحب المال والإمام قد تصرف في زوجته بالتفريق فيبقى هذا التفريق موقوفا على إجازته فإن شاء أجاز ما فعله الإمام وإن شاء رده وإذا أجازه صار كالتفريق المأذون فيه ولو أذن للإمام أن يفرق بينهما ففرق وقعت الفرقة بلا ريب وحينئذ فيكون نكاح الثاني صحيحا وإن لم يجز ما فعله الإمام كان التفريق باطلا فكانت باقية على نكاحه فتكون زوجته فكان القادم مخيرا بين إجازة ما فعله الإمام ورده وإذا أجاز فقد أخرج البضع عن ملكه وخروج البضع عن ملك الزوج متقوم عند الأكثرين كمالك والشافعي وأحمد في أخص الروايتين والشافعي يقول: هو مضمون بمهر المثل والنزاع بينهم فيما إذا شهد شاهدان أنه طلق امرأته ثم رجعا عن الشهادة فقيل: لا شيء عليهما بناء على أن خروج البضع من ملك الزوج ليس بمتقوم وهذا قول أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين اختارها متأخرو أصحابه كالقاضي أبي يعلى وأتباعه وقيل: عليهما مهر المثل وهو قول الشافعي وهو وجه في مذهب أحمد وقيل: عليهما المسمى وهو مذهب مالك وهو أشهر في نص أحمد وقد نص على ذلك فيما إذا أفسد نكاح امرأته برضاع أنه يرجع بالمسمى والكتاب والسنة يدلان على هذا القول فإن الله تعالى قال: واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم [الممتحنة: 10] وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا [الممتحنة: 11] وهذا هو المسمى دون مهر المثل ولذلك أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - زوج المختلعة أن يأخذ ما أعطاها دون مهر المثل وهو سبحانه إنما يأمر في المعاوضات المطلقة بالعدل. فحكم أمير المؤمنين في المفقود ينبني على هذا الأصل والقول بوقف العقود عند الحاجة متفق عليه بين الصحابة ثبت ذلك عنهم في قضايا متعددة ولم يعلم أن أحدا منهم أنكر ذلك مثل قضية ابن مسعود في تصدقه عن سيد الجارية التي ابتاعها بالثمن الذي كان له عليه في الذمة لما تعذرت عليه معرفته وكتصدق الغال بالمال المغلول من الغنيمة لما تعذر قسمه بين الجيش وإقرار معاوية له على ذلك وتصويبه له وغير ذلك من القضايا مع أن القول بوقف العقود مطلقا هو الأظهر في الحجة وهو قول الجمهور(2\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "327",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "329",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وليس في ذلك ضرر أصلا بل هو إصلاح بلا إفساد فإن الرجل قد يرى أن يشتري لغيره أو يبيع له أو يؤجر له أو يستأجره له ثم يشاوره فإن رضي وإلا لم يحصل له ما يضره وكذلك في تزويج وليته ونحو ذلك وأما مع الحاجة فالقول به لا بد منه فمسألة المفقود هي مما يوقف فيها تفريق الإمام على إذن الزوج إذا جاء كما يقف تصرف الملتقط على إذن المالك إذا جاء والقول برد المهر إلى الزوج بخروج بضع امرأته عن ملكه ولكن تنازعوا في المهر الذي يرجع به: هل هو ما أعطاها هو أو ما أعطاها الثاني وفيه روايتان عن أحمد: إحداهما يرجع بما مهرها الثاني لأنها هي التي أخذته والصواب أنه إنما يرجع بما مهرها هو فإنه الذي يستحقه وأما المهر الذي أصدقها الثاني فلا حق له فيه وإذا ضمن الثاني للأول المهر فهل يرجع به عليها فيه روايتان عن أحمد: إحداهما: يرجع لأنها هي التي أخذته. والثاني: قد أعطاها المهر الذي عليه فلا يضمن مهرين بخلاف المرأة فإنها لما اختارت فراق الزوج الأول ونكاح الثاني فعليها أن ترد المهر لأن الفرقة جاءت من جهتها والثانية لا يرجع لأن المرأة تستحق المهر بما استحل من فرجها والأول يستحق المهر بخروج البضع عن ملكه فكان على الثاني وهذا المأثور عن عمر في مسألة المفقود. وهو عند طائفة من الفقهاء من أبعد الأقوال عن القياس حتى قال بعض الأئمة: لو حكم به حاكم نقض حكمه وهو مع هذا أصح الأقوال وأحراها في القياس وكل قول قيل سواه فهو خطأ فمن قال: quot; إنها تعاد إلى الأول بكل حال أو تكون مع الثاني بكل حال quot; فكلا القولين خطأ إذ كيف تعاد إلى الأول وهو لا يختارها ولا يريدها. وقد فرق بينه وبينها تفريقا سائغا في الشرع وأجاز هو ذلك التفريق فإنه وإن تبين للإمام أن الأمر بخلاف ما اعتقده فالحق في ذلك للزوج فإذا أجاز ما فعله الإمام زال المحذور وأما كونها زوجة الثاني بكل حال مع ظهور زوجها وتبين أن الأمر بخلاف ما فعل الإمام فهو خطأ أيضا فإنه مسلم لم يفارق امرأته وإنما فرق بينهما بسبب ظهر أنه لم يكن كذلك وهو يطلب امرأته فكيف يحال بينه وبينها وهو لو طلب ماله أو بدله رد إليه فكيف لا ترد إليه امرأته وأهله أعز عليه من ماله وإن قيل: quot; حق الثاني تعلق بها quot; قيل: حقه سابق على حق الثاني وقد ظهر انتقاض السبب الذي به استحق الثاني أن تكون زوجة له وما الموجب لمراعاة حق الثاني دون الأول فالصواب ما قضى به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. ولهذا تعجب أحمد ممن خالفه فإذا ظهر صحة ما قاله الصحابة - رضي الله عنهم - وصوابه في مثل هذه المشكلات التي خالفهم فيها مثل أبي حنيفة ومالك والشافعي فلأن يكون الصواب معهم فيما وافقهم هؤلاء بطريق الأولى.(2\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "328",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "330",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال شيخنا: وقد تأملت من هذا الباب ما شاء الله فرأيت الصحابة أفقه الأمة وأعلمها اعتبروا هذا بمسائل الأيمان والنذور والعتق وغير ذلك ومسائل تعليق الطلاق بالشروط. فالمنقول فيها عن الصحابة هو أصح الأقوال وعليه يدل الكتاب والسنة والقياس الجلي وكل قول سوى ذلك فمخالف للنصوص مناقض للقياس وكذلك في مسائل غير هذه مثل مسألة ابن الملاعنة ومسألة ميراث المرتد وما شاء الله من المسائل لم أجد أجود الأقوال فيها إلا أقوال الصحابة وإلى ساعتي هذه ما علمت قولا قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه إلا كان القياس معه لكن العلم بصحيح القياس وفاسده من أجل العلوم. وإنما يعرف ذلك من كان خبيرا بأسرار الشرع ومقاصده وما اشتملت عليه شريعة الإسلام من المحاسن التي تفوق التعداد وما تضمنته من مصالح العباد في المعاش والمعاد وما فيها من الحكمة البالغة والنعمة السابغة والعدل التام والله أعلم انتهى.  [فصل مسألة الزبية] ومما أشكل على كثير من الفقهاء من قضايا الصحابة وجعلوه من أبعد الأشياء عن القياس مسألة التزاحم وسقوط المتزاحمين في البئر وتسمى مسألة الزبية. وأصلها أن قوما من أهل اليمن حفروا زبية للأسد فاجتمع الناس على رأسها فهوى فيها واحد فجذب ثانيا فجذب الثاني ثالثا فجذب الثالث رابعا فقتلهم الأسد فرفع ذلك إلى أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه في الجنة وهو على اليمن فقضى للأول بربع الدية وللثاني بثلثها وللثالث بنصفها وللرابع بكمالها وقال: أجعل الدية على من حضر رأس البئر فرفع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: هو كما قال رواه سعيد بن منصور في سننه ثنا أبو عوانة وأبو الأحوص عن سماك بن حرب عن حنش الصنعاني عن علي فقال أبو الخطاب وغيره: ذهب أحمد إلى هذا توقيفا على خلاف القياس. والصواب أنه مقتضى القياس والعدل وهذا يتبين بأصل وهو أن الجناية إذا حصلت من فعل مضمون ومهدر سقط ما يقابل المهدر واعتبر ما يقابل المضمون كما لو قتل عبدا مشتركا بينه وبين غيره أو أتلف مالا مشتركا أو حيوانا سقط ما يقابل حقه ووجب عليه ما يقابل حق شريكه وكذلك لو اشترك اثنان في إتلاف مال أحدهما أو قتل عبده أو حيوانه سقط عن المشارك ما يقابل فعله ووجب على الآخر من الضمان بقسطه وكذلك لو اشترك هو وأجنبي في قتل نفسه كان على الأجنبي نصف الضمان وكذلك لو رمى ثلاثة(2\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "329",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "331",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالمنجنيق فأصاب الحجر أحدهم فقتله فالصحيح أن ما قابل فعل المقتول ساقط ويجب ثلثا ديته على عاقلة الآخرين هذا مذهب الشافعي واختيار صاحب المغني والقاضي أبي يعلى في المجرد وهو الذي قضى به علي - عليه السلام - في مسألة القارصة والواقصة قال الشعبي: وذلك أن ثلاث جوار اجتمعن فركبت إحداهن على عنق الأخرى فقرصت الثالثة المركوبة فقمصت فسقطت الراكبة فوقصت أي كسرت عنقها فماتت فرفع ذلك إلى علي - عليه السلام - فقضى بالدية أثلاثا على عواقلهن وألغى الثلث الذي قابل فعل الواقصة لأنها أعانت على قتل نفسها. وإذا ثبت هذا فلو ماتوا بسقوط بعضهم فوق بعض كان الأول قد هلك بسبب مركب من أربعة أشياء: سقوطه وسقوط الثاني والثالث والرابع. وسقوط الثلاثة فوقه من فعله وجنايته على نفسه فسقط ما يقابله وهو ثلاثة أرباع الدية وبقي الربع الآخر لم يتولد من فعله وإنما تولد من التزاحم فلم يهدر وأما الثاني فلأن هلاكه كان من ثلاثة أشياء: جذب من قبله له وجذبه هو لثالث ورابع فسقط ما يقابل جذبه وهو ثلثا الدية واعتبر ما لا صنع له فيه وهو الثلث الباقي وأما الثالث فحصل تلفه بشيئين: جذب من قبله له وجذبه هو للرابع فسقط فعله دون السبب الآخر فكان لورثته النصف وأما الرابع فليس منه فعل ألبتة وإنما هو مجذوب محض فكان لورثته كمال الدية وقضى بها على عواقل الذين حضروا البئر لتدافعهم وتزاحمهم. فإن قيل: على هذا سؤالان: أحدهما أنكم لم توجبوا على عاقلة الجاذب شيئا مع أنه مباشر وأوجبتم على عاقلة من حضر البئر ولم يباشر وهذا خلاف القياس الثاني: أن هذا هب أنه يتأتى لكم فيما إذا ماتوا بسقوط بعضهم على بعض فكيف يتأتى لكم في مسألة الزبية وإنما ماتوا بقتل الأسد فهو كما لو تجاذبوا فغرقوا في البئر. قيل: هذان سؤالان قويان وجواب الأول أن الجاذب لم يباشر الإهلاك وإنما تسبب إليه والحاضرون تسببوا بالتزاحم وكان تسببهم أقوى من تسبب الجاذب لأنه ألجئ إلى الجذب فهو كما لو ألقى إنسان إنسانا على آخر فنفضه عنه لئلا يقتله فمات فالقاتل هو الملقي. وأما السؤال الثاني فجوابه أن المباشر للتلف كالأسد والماء والنار لما لم يمكن الإحالة عليه ألغى فعله وصار الحكم للسبب ففي مسألة الزبية ليس للرابع فعل ألبتة وإنما هو مفعول به محض. فله كمال الدية والثالث فاعل ومفعول به فألغى ما يقابل فعله واعتبر فعل الغير به فكان قسطه نصف الدية والثاني كذلك إلا أنه جاذب لواحد والمجذوب جاذب لآخر فكان الذي حصل عليه من تأثير الغير فيه ثلث السبب لجذب(2\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "330",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "332",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأول له فله ثلث الدية وأما الأول فثلاثة أرباع السبب من فعله وهو سقوط الثلاثة الذين سقطوا بجذبه مباشرة وتسببا وربعه من وقوعه بتزاحم الحاضرين فكان حظه ربع الدية وهذا أولى من تحميل عاقلة القتيل ما يقابل فعله ويكون لورثته وهذا هو خلاف القياس لأن الدية شرعت مواساة وجبرا فإذا كان الرجل هو القاتل لنفسه أو مشاركا في قتله لم يكن فعله بنفسه مضمونا كما لو قطع طرف نفسه أو أتلف مال نفسه فقضاء علي - عليه السلام - أقرب إلى القياس من هذا بكثير وهو أولى أيضا من أن يحمل فعل المقتول على عواقل الآخرين كما قاله أبو الخطاب في مسألة المنجنيق أنه يلغي فعل المقتول في نفسه وتجب ديته بكمالها على عاقلة الآخرين نصفين وهذا أبعد عن القياس مما قبله إذ كيف تتحمل العاقلة والأجانب جناية الإنسان على نفسه ولو تحملتها العاقلة لكانت عاقلته أولى بتحملها وكلا القولين يخالف القياس فالصواب ما قضى به أمير المؤمنين - رضي الله عنه -. وهو أيضا أحسن من تحميل دية الرابع لعاقلة الثالث وتحميل دية الثالث لعاقلة الثاني وتحميل دية الثاني لعاقلة الأول وإهدار دية الأول بالكلية فإن هذا القول وإن كان له حظ من القياس فإن الأول لم يجن عليه أحد وهو الجاني على الثاني فديته على عاقلته والثاني على الثالث والثالث على الرابع والرابع لم يجن على أحد فلا شيء عليه فهذا قد توهم أنه في ظاهر القياس أصح من قضاء أمير المؤمنين ولهذا ذهب إليه كثير من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم إلا أن ما قضى به علي أفقه فإن الحاضرين ألجئوا الواقفين بمزاحمتهم لهم فعواقلهم أولى بحمل الدية من عواقل الهالكين وأقرب إلى العدل من أن يجمع عليهم بين هلاك أوليائهم وحمل دياتهم فتتضاعف عليهم المصيبة ويكسروا من حيث ينبغي جبرهم ومحاسن الشريعة تأبى ذلك وقد جعل الله سبحانه لكل مصاب حظا من الجبر وهذا أصل شرع حمل العاقلة الدية جبرا للمصاب وإعانة له. وأيضا فالثاني والثالث كما هما مجني عليهما فهما جانيان على أنفسهما وعلى من جذباه فحصل هلاكهم بفعل بعضهم ببعض فألغى ما قابل فعل كل واحد بنفسه واعتبر جناية الغير عليه. وهو أيضا أحسن من تحميل دية الرابع لعواقل الثلاثة ودية الثالث لعاقلة الثاني والأول ودية الثاني لعاقلة الأول خاصة وإن كان له أيضا حظ من قياس تنزيلا لسبب السبب منزلة السبب وقد اشترك في هلاك الرابع الثلاثة الذين قبله وفي هلاك الثالث الاثنان وانفرد بهلاك الثاني الأول ولكن قول علي - عليه السلام - أدق وأفقه.(2\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "331",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "333",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الحكم في بصير يقود أعمى فيخران معا وفق القياس] ومما يظن أنه يخالف القياس ما رواه علي بن رباح اللخمي أن رجلا كان يقود أعمى فوقعا في بئر فخر البصير ووقع الأعمى فوقه فقتله فقضى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بعقل البصير على الأعمى فكان الأعمى يدور في الموسم وينشد: يا أيها الناس لقيت منكرا ... هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا خرا معا كلاهما تكسرا وقد اختلف الناس في هذه المسألة فذهب إلى قضاء عمر هذا عبد الله بن الزبير وشريح وإبراهيم النخعي والشافعي وإسحاق وأحمد. وقال بعض الفقهاء: القياس أنه ليس على الأعمى ضمان البصير لأنه الذي قاده إلى المكان الذي وقعا فيه وكان سبب وقوعه عليه وكذلك لو فعله قصدا منه لم يضمنه بغير خلاف وكان عليه ضمان الأعمى ولو لم يكن سببا لم يلزمه ضمان بقصده قال أبو محمد المقدسي في المغني: لو قيل هذا لكان له وجه إلا أن يكون مجمعا عليه فلا يجوز مخالفة الإجماع. والقياس حكم عمر لوجوه: أحدها: أن قوده له مأذون فيه من جهة الأعمى وما تولد من مأذون فيه لم يضمن كنظائره. الثاني: قد يكون قوده له مستحبا أو واجبا ومن فعل ما وجب عليه أو ندب إليه لم يلزمه ضمان ما تولد منه. الثالث: أنه قد اجتمع على ذلك الإذنان إذن الشارع وإذن الأعمى فهو محسن بامتثال أمر الشارع محسن إلى الأعمى بقوده له وما على المحسنين من سبيل وأما الأعمى فإنه سقط على البصير فقتله فوجب عليه ضمانه كما لو سقط إنسان من سطح على آخر فقتله فهذا هو القياس. وقولهم: quot; هو الذي قاده إلى المكان الذي وقعا فيه quot; فهذا لا يوجب الضمان لأن قوده مأذون فيه من جهته ومن جهة الشارع وقولهم: quot; وكذلك لو فعله قصدا لم يضمنه quot; فصحيح لأنه مسيء وغير مأذون له في ذلك لا من جهة الأعمى ولا من جهة الشارع فالقياس المحض قول عمر وبالله التوفيق.(2\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "332",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "334",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل حكم علي في جماعة وقعوا على امرأة وفق القياس] ] . ومما أشكل على جمهور الفقهاء وظنوه في غاية البعد عن القياس الحكم الذي حكم به علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة في الجماعة الذين وقعوا على امرأة في طهر واحد ثم تنازعوا الولد فأقرع بينهم فيه. ونحن نذكر هذه الحكومة ونبين مطابقتها للقياس فذكر أبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن الخليل عن زيد بن أرقم قال: كنت جالسا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء رجل من أهل اليمن فقال: إن ثلاثة نفر من أهل اليمن أتوا عليا يختصمون إليه في ولد قد وقعوا على امرأة في طهر واحد فقال لاثنين: طيبا بالولد لهذا فقالا: لا ثم قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا فقالا: لا ثم قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا فقالا: لا فقال: أنتم شركاء متشاكسون إني مقرع بينكم فمن قرع فله الولد وعليه لصاحبيه ثلثا الدية فأقرع بينهم فجعله لمن قرع له فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت أضراسه أو نواجذه . وفي إسناده يحيى بن عبد الله الكندري الأجلح ولا يحتج بحديثه. لكن رواه أبو داود والنسائي بإسناد كلهم ثقات إلى عبد خير عن زيد بن أرقم قال: أتي علي بثلاثة وهو باليمن وقعوا على امرأة في طهر واحد فقال لاثنين: أتقران لهذا قالا: لا حتى سألهم جميعا فجعل كلما سأل اثنين قالا: لا فأقرع بينهم فألحق الولد بالذي صارت له القرعة وجعل لصاحبيه عليه ثلثي الدية فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فضحك حتى بدت نواجذه . وقد أعل هذا الحديث بأنه روي عن عبد خير بإسقاط زيد بن أرقم فيكون مرسلا قال النسائي: وهذا أصوب قلت: وهذا ليس بعلة ولا يوجب إرسالا للحديث فإن عبد خير سمع من علي وهو صاحب القصة فهب أن زيد بن أرقم لا ذكر له في المتن فمن أين يجيء الإرسال وبعد فقد اختلف الفقهاء في حكم هذا الحديث فذهب إلى القول به إسحاق بن راهويه وقال: هو السنة في دعوى الولد. وكان الشافعي يقول به في القديم. وأما الإمام أحمد فسئل عنه فرجح عليه حديث القافة وقال: حديث القافة أحب إلي. وهاهنا أمران: أحدهما دخول القرعة في النسب. والثاني: تغريم من خرجت له القرعة ثلثي دية ولده لصاحبيه وكل منهما بعيد عن القياس فلذلك قالوا: هذا من أبعد شيء عن القياس. فيقال: القرعة قد تستعمل عند فقدان مرجح سواها من بينة أو إقرار أو قافة وليس(2\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "333",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "335",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ببعيد تعيين المستحق بالقرعة في هذه الحال إذ هي غاية المقدور عليه من أسباب ترجيح الدعوى ولها دخول في دعوى الأملاك المرسلة التي لا تثبت بقرينة ولا أمارة فدخولها في النسب الذي يثبت بمجرد الشبه الخفي المستند إلى قول القائف أولى وأحرى. وأما أمر الدية فمشكل جدا فإن هذا ليس بقتل يوجب الدية وإنما هو تفويت نسبه بخروج القرعة له فيمكن أن يقال: وطء كل واحد صالح لجعل الولد له فقد فوته كل واحد منهم على صاحبه بوطئه ولكن لم يتحقق من كان له الولد منهم فلما أخرجته القرعة لأحدهم صار مفوتا لنسبه على صاحبيه فأجرى ذلك مجرى إتلاف الولد ونزل الثلاثة منزلة أب واحد فحصة المتلف منه ثلث الدية إذ قد عاد الولد له فيغرم لكل من صاحبيه ما يخصه وهو ثلث الدية. ووجه آخر أحسن من هذا: أنه لما أتلفه عليهما بوطئه ولحوق الولد به وجب عليه ضمان قيمته وقيمة الولد شرعا هي ديته فلزمه لهما ثلثا قيمته وهي ثلثا الدية وصار هذا كمن أتلف عبدا بينه وبين شريكين له فإنه يجب عليه ثلثا القيمة لشريكيه فإتلاف الولد الحر عليهما بحكم القرعة كإتلاف الرقيق الذي بينهم ونظير هذا تضمين الصحابة المغرور بحرية الأمة لما فات رقهم على السيد بحريتهم وكانوا بصدد أن يكونوا أرقاء له وهذا من ألطف ما يكون من القياس وأدقه ولا يهتدي إليه إلا أفهام الراسخين في العلم وقد ظن طائفة أن هذا أيضا على خلاف القياس وليس كما ظنوا بل هو محض الفقه فإن الولد تابع للأم في الحرية والرق ولهذا ولد الحر من أمة الغير رقيق وولد العبد من الحرة حر. قال الإمام أحمد: إذا تزوج الحر بالأمة رق نصفه وإذا تزوج العبد بالحرة عتق نصفه فولد الأمة المزوجة بهذا المغرور كانوا بصدد أن يكونوا أرقاء لسيدها ولكن لما دخل الزوج على حرية المرأة دخل على أن يكون أولاده أحرارا والولد يتبع اعتقاد الواطئ فانعقد ولده أحرارا وقد فوتهم على السيد وليس مراعاة أحدهما بأولى من مراعاة الآخر ولا تفويت حق أحدهما بأولى من حق صاحبه فحفظ الصحابة الحقين وراعوا الجانبين فحكموا بحرية الأولاد وإن كانت أمهم رقيقة لأن الزوج إنما دخل على حرية أولاده ولو توهم رقهم لم يدخل على ذلك ولم يضيعوا حق السيد بل حكموا على الواطئ بفداء أولاده وأعطوا العدل حقه فأوجبوا فداءهم بمثلهم تقريبا لا بالقيمة ثم وفوا العدل بأن مكنوا المغرور من الرجوع بما غرمه على من غره لأن غرمه كان بسبب غروره والقياس والعدل يقتضي أن من تسبب إلى إتلاف مال شخص أو تغريمه أنه يضمن(2\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "334",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "336",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما غرمه كما يضمن ما أتلفه إذ غايته أنه إتلاف بسبب وإتلاف المتسبب كإتلاف المباشر في أصل الضمان. فإن قيل: وبعد ذلك كله فهذا خلاف القياس أيضا فإن الولد كما هو بعض الأم وجزء منها فهو بعض الأب وبعضيته للأب أعظم من بعضيته للأم ولهذا إنما يذكر الله سبحانه في كتابه تخليقه من ماء الرجل كقوله: فلينظر الإنسان مم خلق [الطارق: 5] خلق من ماء دافق [الطارق: 6] يخرج من بين الصلب والترائب [الطارق: 7] وقوله: ألم يك نطفة من مني يمنى [القيامة: 37] ونظائرها من الآيات التي إن لم تختص بماء الرجل فهي فيه أظهر وإذا كان جزءا من الوطء وجزءا من الأم فكيف كان ملكا لسيد الأم دون سيد الأب ويخالف القياس من وجه آخر وهو أن الماء بمنزلة البذر ولو أن رجلا أخذ بذر غيره فزرعه في أرضه كان الزرع لصاحب البذر وإن كان عليه أجرة الأرض. قيل: لا ريب أن الولد منعقد من ماء الأب كما هو منعقد من ماء الأم ولكن إنما تكون وصار مالا متقوما في بطن الأم فالأجزاء التي صار بها كذلك من الأم أضعاف أضعاف الجزء الذي من الأب مع مساواتها له في ذلك الجزء فهو إنما تكون في أحشائها من لحمها ودمها ولما وضعه الأب لم يكن له قيمة أصلا بل كان كما سماه الله ماء مهينا لا قيمة له ولهذا لو نزا فحل رجل على رمكة آخر كان الولد لمالك الأم باتفاق المسلمين وهذا بخلاف البذر فإنه مال متقوم له قيمة قبل وضعه في الأرض يعاوض عليه بالأثمان وعسب الفحل لا يعاوض عليه فقياس أحدهما على الآخر من أبطل القياس. فإن قيل: فهلا طردتم ذلك في النسب وجعلتموه للأم كما جعلتموه للأب. قيل: قد اتفق المسلمون على أن النسب للأب كما اتفقوا على أنه يتبع الأم في الحرية والرق وهذا هو الذي تقتضيه حكمة الله شرعا وقدرا فإن الأب هو المولود له والأم وعاء وإن تكون فيها والله سبحانه جعل الولد خليفة أبيه وشجنته والقائم مقامه ووضع الأنساب بين عباده فيقال: فلان بن فلان ولا تتم مصالحهم وتعارفهم ومعاملاتهم إلا بذلك كما قال تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا [الحجرات: 13] فلولا ثبوت الأنساب من قبل الآباء لما حصل التعارف ولفسد نظام العباد فإن النساء محتجبات مستورات عن العيون فلا يمكن في الغالب أن(2\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "335",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "337",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعرف عين الأم فيشهد على نسب الولد منها فلو جعلت الأنساب للأمهات لضاعت وفسدت وكان ذلك مناقضا للحكمة والرحمة والمصلحة ولهذا إنما يدعى الناس يوم القيامة بآبائهم لا بأمهاتهم. قال البخاري في صحيحه: باب يدعى الناس بآبائهم يوم القيامة ثم ذكر حديث: لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته يقال: هذه غدرة فلان بن فلان . فكان من تمام الحكمة أن جعل الحرية والرق تبعا للأم والنسب تبعا للأب والقياس الفاسد إنما يجمع بين ما فرق الله بينه أو يفرق بين ما جمع الله بينه. فإن قيل: فهلا طردتم ذلك في الولاء بل جعلتموه لموالي الأم والولاء لحمة كلحمة النسب. قيل: لما كان الولاء من آثار الرق وموجباته كان تابعا له في حكمه فكان لموالي الأم ولما كان فيه شائبة النسب وهو لحمة كلحمته رجع إلى موالي الأب عند انقطاعه عن موالي الأم فروعي فيه الأمران ورتب عليه الأثران. فإن قيل: فهلا جعلتم الولد في الدين تابعا لمن له النسب بل ألحقتموه بأبيه تارة وبأمه تارة. قيل: الطفل لا يستقل بنفسه بل لا يكون إلا تابعا لغيره فجعله الشارع تابعا لخير أبويه في الدين تغليبا لخير الدينين فإنه إذا لم يكن له بد من التبعية لم يجز أن يتبع من هو على دين الشيطان وتنقطع تبعيته عمن هو على دين الرحمن فهذا محال في حكمة الله تعالى وشرعه. فإن قيل: فاجعلوه تابعا لسابيه في الإسلام وإن كان معه أبواه أو أحدهما فإن تبعيته لأبويه قد انقطعت وصار السابي هو أحق به. قيل: نعم وهكذا نقول سواء وهو قول إمام أهل الشام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ونص عليه أحمد واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وقد أجمع الناس على أنه يحكم بإسلامه تبعا لسابيه إذا سبي وحده قالوا: لأن تبعيته قد انقطعت عن أبويه وصار تابعا لسابيه واختلفوا فيما إذا سبي مع أحدهما على ثلاثة مذاهب: أحدها يحكم بإسلامه نص عليه أحمد في إحدى الروايتين وهي المشهورة من مذهبه وهو قول الأوزاعي. والثاني لا يحكم بإسلامه لأنه لم ينفرد عن أبويه. والثالث أنه إن سبي مع الأب(2\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "336",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "338",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تبعه في دينه وإن سبي مع الأم وحدها فهو مسلم وهو قول مالك وقول الأوزاعي وفقهاء أهل الثغر أصح وأسلم من التناقض فإن السابي قد صار أحق به وقد انقطعت تبعيته لأبويه ولم يبق لهما عليه حكم فلا فرق بين كونهما في دار الحرب وبين كونهما أسيرين في أيدي المسلمين بل انقطاع تبعيته لهما في حال أسرهما وقهرهما وإذلالهما واستحقاق قتلهما أولى من انقطاعها حال قوة شوكتهما وخوف معرتهما فما الذي يسوغ له الكفر بالله والشرك به وأبواه أسيران في أيدي المسلمين ومنعه من ذلك وأبواه في دار الحرب وهل هذا إلا تناقض محض وأيضا فيقال لهم: إذا سبي الأبوان ثم قتلا فهل يستمر الطفل على كفره عندكم أو تحكمون بإسلامه فمن قولكم إنه يستمر على كفره كما لو ماتا فيقال: وأي كتاب أو سنة أو قياس صحيح أو معنى معتبر أو فرق مؤثر بين أن يقتلا في حال الحرب أو بعد الأسر والسبي وهل يكون المعنى الذي حكم بإسلامه لأجله إذا سبي وحده زائلا بسبائهما ثم قتلهما بعد ذلك وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلين وأيضا فهل تعتبرون وجود الطفل والأبوين في ملك ساب واحد أو يكون معهما في جملة العسكر فإن اعتبرتم الأول طولبتم بالدليل على ذلك وإن اعتبرتم الثاني فمن المعلوم انقطاع تبعيته لهما واستيلائهما عليه واختصاصه بسابيه ووجودهما بحيث لا يمكنان منه ومن تربيته وحضانته واختصاصهما به لا أثر له وهو كوجودهما في دار الحرب سواء وأيضا فإن الطفل لما لم يستقل بنفسه لم يكن بد من جعله تابعا لغيره وقد دار الأمر بين أن يجعل تابعا لمالكه وسابيه ومن هو أحق الناس به وبين أن يجعل تابعا لأبويه ولا حق لهما فيه بوجه ولا ريب أن الأول أولى وأيضا فإن ولاية الأبوين قد زالت بالكلية وقد انقطع الميراث وولاية النكاح وسائر الولايات فما بال ولاية الدين الباطل باقية وحدها وقد نص الإمام أحمد على منع أهل الذمة أن يشتروا رقيقا من سبي المسلمين وكتب بذلك عمر بن الخطاب إلى الأمصار واشتهر ولم ينكره منكر فهو إجماع من الصحابة وإن نازع فيه بعض الأئمة وما ذاك إلا أن في تمليكه للكافر ونقله عن يد المسلم قطعا لما كان بصدده من مشاهدة معالم الإسلام وسماعه القرآن فربما دعاه ذلك إلى اختياره فلو كان تابعا لأبويه على دينهما لم يمنعا من شراه وبالله التوفيق. فإن قيل: فيلزمكم على هذا أنه لو مات الأبوان أن تحكموا بإسلام الطفل لانقطاع تبعيته للأبوين ولا سيما وهو مسلم بأصل الفطرة وقد زال معارض الإسلام وهو تهويد الأبوين وتنصيرهما. قيل: قد نص على ذلك الإمام أحمد في رواية جماعة من أصحابه واحتج(2\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "337",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "339",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه فإذا لم يكن له أبوان فهو على أصل الفطرة فيكون مسلما. فإن قيل: فهل تطردون هذا فيما لو انقطع نسبه عن الأب مثل كونه ولد زنا أو منفيا بلعان قيل: نعم لوجود المقتضي لإسلامه بالفطرة وعدم المانع وهو وجود الأبوين ولكن الراجح في الدليل قول الجمهور وأنه لا يحكم بإسلامه بذلك وهو الرواية الثانية عنه اختارها شيخ الإسلام. وعلى هذا فالفرق بين هذه المسألة ومسألة المسبي أن المسبي قد انقطعت تبعيته لمن هو على دينه وصار تابعا لسابيه المسلم بخلاف من مات أبواه أو أحدهما فإنه تابع لأقاربه أو وصي أبيه فإن انقطعت تبعيته لأبويه فلم تنقطع لمن يقوم مقامها من أقاربه أو أوصيائه والنبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر عن تهويد الأبوين وتنصيرهما بناء على الغالب وهذا لا مفهوم له لوجهين: أحدهما أنه مفهوم لقب والثاني: أنه خرج مخرج الغالب. ومما يدل على ذلك العمل المستمر من عهد الصحابة وإلى اليوم بموت أهل الذمة وتركهم الأطفال ولم يتعرض أحد من الأئمة ولا ولاة الأمور لأطفالهم ولم يقولوا هؤلاء مسلمون ومثل هذا لا يهمله الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين. فإن قيل: فهل تطردون هذا الأصل في جعله تبعا للمالك فتقولون: إذا اشترى المسلم طفلا كافرا يكون مسلما تبعا له أو تتناقضون فتفرقون بينه وبين السابي وصورة المسألة فيما إذا زوج الذمي عبده الكافر من أمته فجاءت بولد أو تزوج الحر منهم بأمة فأولدها ثم باع السيد هذا الولد لمسلم. قيل: نعم نطرده ونحكم بإسلامه. قاله شيخنا قدس الله روحه ولكن جادة المذهب أنه باق على كفره كما لو سبي مع أبويه وأولى. والصحيح قول شيخنا لأن تبعيته للأبوين قد زالت وانقطعت الموالاة والميراث والحضانة بين الطفل والأبوين وصار المالك أحق به وهو تابع له فلا يفرد عنه بحكم فكيف يفرد عنه في دينه وهذا طرد الحكم بإسلامه في مسألة السباء وبالله التوفيق.  [فصل ليس في الشريعة شيء يخالف القياس] فصل [ليس في الشريعة ما يخالف العقل] فهذه نبذة يسيرة تطلعك على ما وراءها من أنه ليس في الشريعة شيء يخالف القياس ولا في المنقول عن الصحابة الذي لا يعلم لهم فيه مخالف وأن القياس الصحيح(2\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "338",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "340",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دائر مع أوامرها ونواهيها وجودا وعدما كما أن المعقول الصحيح دائر مع أخبارها وجودا وعدما فلم يخبر الله ولا رسوله بما يناقض صريح العقل ولم يشرع ما يناقض الميزان والعدل  [شبهات لنفات القياس وأمثلة لها] ولنفات الحكم والتعديل والقياس ها هنا سؤال مشهور وهو أن الشريعة قد فرقت بين المتماثلين وجمعت بين المختلفين فإن الشارع فرض الغسل من المني وأبطل الصوم بإنزاله عمدا وهو طاهر دون البول والمذي وهو نجس وأوجب غسل الثوب من بول الصبية والنضح من بول الصبي مع تساويهما ونقص الشطر من صلاة المسافر الرباعية وأبقى الثلاثية والثنائية على حالهما وأوجب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة مع أن الصلاة أولى بالمحافظة عليها وحرم النظر إلى العجوز الشوهاء القبيحة المنظر إذا كانت حرة وجوزه إلى الأمة الشابة البارعة الجمال وقطع سارق ثلاثة دراهم دون مختلس ألف دينار أو منتهبها أو غاصبها ثم جعل ديتها خمسمائة دينار فقطعها في ربع دينار وجعل ديتها هذا القدر الكبير وأوجب حد الفرية على من قذف غيره بالزنا دون من قذفه بالكفر وهو شر منه واكتفى في القتل بشاهدين دون الزنا والقتل أكبر من الزنا وجلد قاذف الحر الفاسق دون العبد العفيف الصالح وفرق في العدة بين الموت والطلاق مع استواء حال الرحم فيهما. وجعل عدة الحرة ثلاث حيض واستبراء الأمة بحيضة والمقصود العلم ببراءة الرحم وحرم المطلقة ثلاثا على الزوج المطلق ثم أباحها له إذا تزوجت بغيره وحالها في الموضعين واحدة وأوجب غسل غير الموضع الذي خرجت منه الريح ولم يوجب غسله ولم يعتبر توبة القاتل وندمه قبل القدرة عليه واعتبر توبة المحارب قبل القدرة عليه وقبل شهادة العبد والمملوك عليه بأنه - صلى الله عليه وسلم - قال وكذا وكذا ولم يقبل شهادته على آحاد الناس أنه قال: كذا وكذا وأوجب الصدقة في السوائم وأسقطها عن العوامل وجعل الحرة القبيحة الشوهاء تحصن الرجل والأمة البارعة الجمال لا تحصنه ونقض الوضوء بمس الذكر دون مس سائر الأعضاء ودون مس العذرة والدم وأوجب الحد في القطرة الواحدة من الخمر ولم يوجبه بالأرطال الكثيرة من الدم والبول وقصر عدد المنكوحات على أربع وأطلق ملك اليمين من غير حصر وأباح للرجل أن يتزوج أربعا ولم يبح للمرأة إلا رجلا واحدا مع وجود الشهوة وقوة الداعي من الجانبين وجوز للرجل أن يستمتع من أمته بالوطء وغيره ولم يجوز للمرأة أن تستمتع من عبدها لا بوطء ولا غيره وفرق بين الطلقة الثالثة والثانية في تحريمها على المطلق بالثالثة دون الثانية وفرق بين لحم الإبل ولحم البقر(2\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "339",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "341",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والغنم والجواميس وغيرها فأوجب الوضوء من لحم الإبل وحده وفرق بين الكلب الأسود والأبيض في قطع الصلاة بمرور الأسود وحده وفرق بين الريح الخارجة من الدبر فأوجب بها الوضوء وبين الجشوة الخارجة من الحلق فلم يوجب بها الوضوء وأوجب الزكاة في خمس من الإبل وأسقطها عن عدة آلاف من الخيل وأوجب في الذهب والفضة والتجارة ربع العشر وفي الزروع والثمار العشر أو نصفه وفي المعدن الخمس وأوجب في أول نصاب من الإبل من غير جنسها وفي أول نصاب من البقر والغنم من جنسه وقطع يد السارق لكونها آلة المعصية فأذهب العضو الذي تعدى به على الناس ولم يقطع اللسان الذي يقذف به المحصنات الغافلات ولا الفرج الذي يرتكب به المحرم وأوجب على الرقيق نصف حد الحر مع أن حاجته إلى الزجر عن المحارم كحاجة الحر وجعل للقاذف إسقاط الحد باللعان في الزوجة دون الأجنبية وكلاهما قد ألحق به العار وجوز للمسافر المترفه في سفره رخصة القصر والفطر دون المقيم المجهود الذي هو في غاية المشقة في سببه وأوجب على كل من نذر لله طاعة الوفاء بها وجوز لمن حلف على فعلها أن يتركها ويكفر يمينه وكلاهما قد التزم فعلها لله وحرم الذئب والقرد وما له ناب من السباع وأباح الضبع على قول ولها ناب تكسر به وجعل شهادة خزيمة بن ثابت وحده بشهادتين وغيره من الصحابة أفضل منه وشهادته بشهادة ورخص لأبي بردة بن نيار في التضحية بالعناق وقال: لن تجزئ عن أحد بعدك وفرق بين صلاة الليل والنهار في السر والجهر ثم شرع الجهر في بعض صلاة النهار كالجمعة والعيدين وورث ابن ابن العم وإن بعدت درجته دون الخالة التي هي شقيقة الأم وحرم أخذ مال الغير إلا بطيبة من نفسه وسلطه على أخذ عقاره وأرضه بالشفعة ثم شرع الشفعة فيما يمكن التخلص من ضرر الشركة بقسمته دون ما لا يمكن قسمته كالجوهرة والحيوان وهو أولى بالشفعة وحرم صوم أول يوم من شوال وفرض صوم آخر يوم من رمضان مع تساوي اليومين وحرم على الإنسان نكاح بنت أخيه وأخته وأباح له نكاح بنت أخي أبيه وأخت أمه وحمل العاقلة ضمان جناية الخطإ على النفوس دون الجناية على الأموال وحرم وطء الحائض لأذى الدم وأباح وطء المستحاضة مع وجود الأذى ومنع بيع مد حنطة بمد وحفنة وجوز بيع مد حنطة بصاع فأكثر من الشعير فحرم ربا الفضل في الجنس الواحد دون الجنسين ومنع المرأة من الإحداد على أبيها وابنها فوق ثلاثة أيام وأوجب عليها أن تحد على الزوج وهو أجنبي أربعة أشهر وعشرا وسوى بين الرجل والمرأة في العبادات البدنية والمالية كالوضوء والغسل والصلاة والصوم والزكاة والحج وفي العقوبات كالحدود ثم جعلها على النصف من الرجل في الدية والشهادة(2\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "340",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "342",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والميراث والعقيقة وخص بعض الأزمنة على بعض وبعض الأمكنة على بعض بخصائص مع تساويها فجعل ليلة القدر خيرا من ألف شهر وجعل شهر رمضان سيد الشهور ويوم الجمعة سيد الأيام ويوم عرفة ويوم النحر وأيام منى أفضل الأيام وجعل مكان البيت أفضل بقاع الأرض. [كيف يمكن القياس مع الفرق بين المتماثلات] قالوا: وإذا كانت الشريعة قد جاءت بالتفريق بين المتماثلات والجمع بين المختلفات - كما جمعت بين الخطإ والعمد في ضمان الأموال وفي قتل الصيد وجمعت بين العاقل والمجنون والطفل والبالغ في وجوب الزكاة وجمعت بين الهرة والفأرة في طهارة كل منهما وجمعت بين الميتة وذبيحة المجوسي في التحريم وبين ما مات من الصيد أو ذبحه المحرم في ذلك وبين الماء والتراب في تطهير - بطل القياس فإن مبدأه على هذين الحرفين وهما أصل قياس الطرد وقياس العكس. [الجواب عن هذه الشبهة] . والجواب أن يقال: الآن حمي الوطيس وحميت أنوف أنصار الله ورسوله لنصر دينه وما بعث به رسوله وآن لحزب الله أن لا تأخذهم في الله لومة لائم وأن لا يتحيزوا إلى فئة معينة وأن ينصروا الله ورسوله بكل قول حق قاله من قاله ولا يكونوا من الذين يقبلون ما قاله طائفتهم وفريقهم كائنا من كان ويردون ما قاله منازعوهم وغير وطائفتهم كائنا ما كان فهذه طريقة أهل العصبية وحمية أهل الجاهلية ولعمر الله إن صاحب هذه الطريقة لمضمون له الذم إن أخطأ وغير ممدوح إن أصاب وهذا حال لا يرضى بها من نصح نفسه وهدي لرشده والله الموفق. وجواب هذا السؤال من طريقين مجمل ومفصل: [الجواب المجمل] أما المجمل فهو أن ما ذكرتم من الصوم وأضعافها وأضعاف أضعافها فهو من أبين الأدلة على عظم هذه الشريعة وجلالتها ومجيئها على وفق العقول السليمة والفطر المستقيمة حيث فرقت بين أحكام هذه الصور المذكورة لافتراقها في الصفات التي اقتضت افتراقها في الأحكام ولو ساوت بينها في الأحكام لتوجه السؤال وصعب الانفصال وقال القائل: قد ساوت بين المختلفات وقرنت الشيء إلى غير شبيهه في الحكم وما امتازت صورة من تلك الصور بحكمها دون الصورة الأخرى إلا لمعنى قام بها(2\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "341",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "343",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أوجب اختصاصها بذلك الحكم ولا اشتركت صورتان في حكم إلا لاشتراكهما في المعنى المقتضي لذلك الحكم ولا يضر افتراقهما في غيره كما لا ينفع اشتراك المختلفين في معنى لا يوجب الحكم فالاعتبار في الجمع والفرق إنما هو بالمعاني التي لأجلها شرعت تلك الأحكام وجودا وعدما. وقد اختلفت أجوبة الأصوليين عن هذا السؤال بحسب أفهامهم ومعرفتهم بأسرار الشريعة فأجاب ابن الخطيب عنه بأن قال: غالب أحكام الشريعة معللة برعاية المصالح المعلومة والخصم إنما بين خلاف ذلك في صور قليلة جدا وورود الصورة النادرة على خلاف الغالب لا يقدح في حصول الظن كما أن الغيم الرطب إذا لم يمطر نادرا لا يقدح في نزول المطر منه. وهذا الجواب لا يسمن ولا يغني من جوع وهو جواب أبي الحسين البصري بعينه. وأجاب عنه أبو الحسن الآمدي بأن التفريق بين الصور المذكورة في الأحكام إما لعدم صلاحية ما وقع جامعا أو لمعارض له في الأصل أو في الفرع وأما الجمع بين المختلفات فإنما كان لاشتراكهما في معنى جامع صالح للتعليل أو لاختصاص كل صورة بعلة صالحة للتعليل فإنه لا مانع عند اختلاف الصور وإن اتحد نوع الحكم أن يعلل بعلل مختلفة. وأجاب عنه أبو بكر الرازي الحنفي بأن قال: لا معنى لهذا السؤال فإنا لم نقل بموجب القياس من حيث اشتبهت المسائل في صورها وأعيانها وأسمائها ولا أوجبنا المخالفة بينها من حيث اختلفت في الصور والأعيان والأسماء وإنما يجب القياس بالمعاني التي جعلت أمارات للحكم وبالأسباب الموجبة له فنعتبرها في مواضعها ثم لا نبالي باختلافها ولا اتفاقها من وجوه أخر غيرها مثال ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حرم التفاضل في البر بالبر من جهة الكيل وفي الذهب بالذهب من جهة الوزن استدللنا به على أن الزيادة المحظورة معتبرة من جهة الكيل والوزن مع الجنس فحيث وجدا أوجبنا تحريم التفاضل وإن اختلفت المبيعات من وجوه أخر كالحمص وهو مكيل فحكمه حكم البر من حيث كونه مكيلا وإن خالفه من وجوه أخر وكالرصاص وهو موزون فحكمه كحكم الذهب في تحريم التفاضل وإن خالفه في أوصاف أخر فمتى عقل المعنى الذي به تعلق الحكم وجعل علامة له وجب اعتباره حيث وجد كما رجم ماعزا لزناه وحكم بإلقاء الفأرة وما حولها لما ماتت في السمن فعقلنا عموم المعنى لكل زان وعموم المعنى لكل مائع جاور(2\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "342",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "344",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النجاسة إلا أن المعنى تارة يكون جليا ظاهرا وتارة يكون خفيا غامضا فيستدل عليه بالدلائل التي نصبها الله عليه. وأجاب عنه القاضي أبو يعلى بأن قال: العقل إنما يمنع أن يجمع بين الشيئين المختلفين من حيث اختلفا في الصفات النفسية كالسواد والبياض وأن يفرق بين المثلين فيما تماثلا فيه من صفات النفس كالسوادين والبياضين وما يجري مجرى ذلك وأما ما عدا ذلك فإنه لا يمتنع أن يجمع بين المختلفتين في الحكم الواحد ألا ترى أن السواد والبياض قد اجتمعا في منافاة الحمرة وما يجري مجراها من الألوان فإن القعود في الموضع الواحد قد يكون حسنا إذا كان فيه نفع لا ضرر فيه وقد يكون قبيحا إذا كان فيه ضرر من غير نفع يوفي عليه وإن كان القعود المقصود في ذلك الموضع متيقنا وقد يكون القعود في مكانين مجتمعين في الحسن بأن يكون في كل منهما نفع لا ضرر فيه وإن كانا مختلفين على أن ذلك يؤكد صحة القياس وذلك أن المثلين في العقليات إنما وجب تساوي حكمهما لأن كل واحد منهما قد ساوى الآخر فيما لأجله قد وجب له الحكم إما لذاته كالسوادين أو لعلة أوجبت ذلك كالأسودين وهكذا القول في المختلفين وعلى هذه الطريقة بعينها يجري القياس لأنا إنما نحكم للفرع بحكم الأصل إذا شاركه في علة الحكم كما أن الله تعالى إنما نص على حكم واحد في الشيئين إذا اشتركا فيما أوجب الحكم فيهما فقد بان بذلك صحة ما ذكرناه. وأجاب عنه القاضي عبد الوهاب المالكي بأن قال: دعواكم بأن هذه الصور التي اختلفت أحكامها متماثلة في نفسها دعوى والأمثلة لا تشهد لها ألا ترى أنه لا يمتنع أن يتفق الصوم والصلاة في امتناع أدائها من الحائض ويفترقان في وجوب القضاء والتماثل في العقليات لا يوجب التساوي في الأحكام الشرعيات. وأيضا فهذا يوجب منع القياس في العقليات. وأيضا فإن القياس جائز على العلة المنصوص عليها مع وجود المعنى الذي ذكره.  [أجوبة مفصلة عما ذكره نفاة القياس] فهذه أجوبة النظار ونحن بعون الله وتوفيقه نفرد كل مسألة منها بجواب مفصل وهو المسلك الثاني الذي وعدنا به. [جواب مفصل (1) لماذا وجب الغسل من المني دون البول] أما المسألة الأولى: - وهي إيجاب الشارع - صلى الله عليه وسلم - الغسل من المني دون البول - فهذا من أعظم محاسن الشريعة وما اشتملت عليه من الرحمة والحكمة والمصلحة فإن المني(2\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "343",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "345",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يخرج من جميع البدن ولهذا سماه الله سبحانه وتعالى: سلالة  لأنه يسيل من جميع البدن وأما البول فإنما هو فضلة الطعام والشراب المستحيلة في المعدة والمثانة فتأثر البدن بخروج المني أعظم من تأثره بخروج البول وأيضا فإن الاغتسال من خروج المني من أنفع شيء للبدن والقلب والروح بل جميع الأرواح القائمة بالبدن فإنها تقوى بالاغتسال والغسل يخلف عليه ما تحلل منه بخروج المني وهذا أمر يعرف بالحس وأيضا فإن الجنابة توجب ثقلا وكسلا والغسل يحدث له نشاطا وخفة ولهذا قال أبو ذر لما اغتسل من الجنابة: كأنما ألقيت عني حملا وبالجملة فهذا أمر يدركه كل ذي حس سليم وفطرة صحيحة ويعلم أن الاغتسال من الجنابة يجري مجرى المصالح التي تلحق بالضروريات للبدن والقلب مع ما تحدثه الجنابة من بعد القلب والروح عن الأرواح الطيبة فإذا اغتسل زال ذلك البعد ولهذا قال غير واحد من الصحابة: إن العبد إذا نام عرجت روحه فإن كان طاهرا أذن بالسجود وإن كان جنبا لم يؤذن لها ولهذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المجنب إذا نام أن يتوضأ. وقد صرح أفاضل الأطباء بأن الاغتسال بعد الجماع يعيد إلى البدن قوته ويخلف عليه ما تحلل منه وإنه من أنفع شيء للبدن والروح وتركه مضر ويكفي شهادة العقل والفطرة بحسنه وبالله التوفيق. على أن الشارع لو شرع الاغتسال من البول لكان في ذلك أعظم حرج ومشقة على الأمة تمنعه حكمة الله ورحمته وإحسانه إلى خلقه.  [فصل غسل الثوب من بول الصبية ونضحه من بول الصبي] فصل [ (2) الفرق بين الصبي والصبية] وأما غسل الثوب من بول الصبية ونضحه من بول الصبي إذا لم يطعما فهذا للفقهاء فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنهما يغسلان جميعا. والثاني: ينضحان. والثالث: التفرقة وهو الذي جاءت به السنة وهذا من محاسن الشريعة وتمام حكمتها ومصلحتها. والفرق بين الصبي والصبية من ثلاثة أوجه:(2\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "344",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "346",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها: كثرة حمل الرجال والنساء للذكر فتعم البلوى ببوله فيشق عليه غسله. والثاني: أن بوله لا ينزل في مكان واحد بل ينزل متفرقا هاهنا وهاهنا فيشق غسل ما أصابه كله بخلاف بول الأنثى. الثالث: أن بول الأنثى أخبث وأنتن من بول الذكر وسببه حرارة الذكر ورطوبة الأنثى فالحرارة تخفف من نتن البول وتذيب منها ما لا يحصل مع الرطوبة وهذه معان مؤثرة يحسن اعتبارها في الفرق  [فصل الفرق بين الصلاة الرباعية وغيرها] وأما نقصه الشطر من صلاة المسافر الرباعية دون الثلاثية والثنائية ففي غاية المناسبة فإن الرباعية تحتمل الحذف لطولها بخلاف الثنائية فلو حذف شطرها لأجحف بها ولزالت حكمة الوتر الذي شرع خاتمة العمل وأما الثلاثية فلا يمكن شطرها وحذف ثلثيها مخل بها وحذف ثلثها يخرجها عن حكمة شرعها وترا فإنها شرعت ثلاثا لتكون وتر النهار كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: المغرب وتر النهار فأوتروا صلاة الليل  [فصل إيجاب الصوم على الحائض دون الصلاة] فصل [ (4) لماذا وجب على الحائض قضاء الصوم دون الصلاة] وأما إيجاب الصوم على الحائض دون الصلاة فمن تمام محاسن الشريعة وحكمتها ورعايتها لمصالح المكلفين فإن الحيض لما كان منافيا للعبادة لم يشرع فيه فعلها وكان في صلاتها أيام الطهر ما يغنيها عن صلاة أيام الحيض فيحصل لها مصلحة الصلاة في زمن الطهر لتكررها كل يوم بخلاف الصوم فإنه لا يتكرر وهو شهر واحد في العام فلو سقط عنها فعله بالحيض لم يكن لها سبيل إلى تدارك نظيره وفاتت عليها مصلحته فوجب عليها أن تصوم شهرا في طهرها لتحصل مصلحة الصوم التي هي من تمام رحمة الله بعبده وإحسانه إليه بشرعه وبالله التوفيق  [فصل حكم النظر إلى الحرة وإلى الأمة] وأما تحريم النظر إلى العجوز الحرة الشوهاء القبيحة وإباحته إلى الأمة البارعة الجمال فكذب على الشارع فأين حرم الله هذا وأباح هذا والله سبحانه إنما قال: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم [النور: 30](2\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "345",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "347",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يطلق الله ورسوله للأعين النظر إلى الإماء البارعات الجمال وإذا خشي الفتنة بالنظر إلى الأمة حرم عليه بلا ريب وإنما نشأت الشبهة أن الشارع شرع للحرائر أن يسترن وجوههن عن الأجانب وأما الإماء فلم يوجب عليهن ذلك لكن هذا في إماء الاستخدام والابتذال وأما إماء التسري اللاتي جرت العادة بصونهن وحجبهن فأين أباح الله ورسوله لهن أن يكشفن وجوههن في الأسواق والطرقات ومجامع الناس وأذن للرجال في التمتع بالنظر إليهن فهذا غلط محض على الشريعة وأكد هذا الغلط أن بعض الفقهاء سمع قولهم: إن الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها وعورة الأمة ما لا يظهر غالبا كالبطن والظهر والساق فظن أن ما يظهر غالبا حكمه حكم وجه الرجل وهذا إنما هو في الصلاة لا في النظر فإن العورة عورتان: عورة في النظر وعورة في الصلاة فالحرة لها أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس كذلك والله أعلم  [فصل الفرق بين السارق والمنتهب] وأما قطع يد السارق في ثلاثة دراهم وترك قطع المختلس والمنتهب والغاصب فمن تمام حكمة الشارع أيضا فإن السارق لا يمكن الاحتراز منه فإنه ينقب الدور ويهتك الحرز ويكسر القفل ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز بأكثر من ذلك فلو لم يشرع قطعه لسرق الناس بعضهم بعضا وعظم الضرر واشتدت المحنة بالسراق بخلاف المنتهب والمختلس فإن المنتهب هو الذي يأخذ المال جهرة بمرأى من الناس فيمكنهم أن يأخذوا على يديه ويخلصوا حق المظلوم أو يشهدوا له عند الحاكم وأما المختلس فإنه إنما يأخذ المال على حين غفلة من مالكه وغيره فلا يخلو من نوع تفريط يمكن به المختلس من اختلاسه وإلا فمع كمال التحفظ والتيقظ لا يمكنه الاختلاس فليس كالسارق بل هو بالخائن أشبه وأيضا فالمختلس إنما يأخذ المال من غير حرز مثله غالبا فإنه الذي يغافلك ويختلس متاعك في حال تخليك عنه وغفلتك عن حفظه وهذا يمكن الاحتراز منه غالبا فهو كالمنتهب وأما الغاصب فالأمر فيه ظاهر وهو أولى بعدم القطع من المنتهب ولكن يسوغ كف عدوان هؤلاء بالضرب والنكال والسجن الطويل والعقوبة بأخذ المال كما سيأتي. فإن قيل: فقد وردت السنة بقطع جاحد العارية وغايته أنه خائن والمعير سلطه على قبض ماله. والاحتراز منه ممكن بأن لا يدفع إليه المال فبطل ما ذكرتم من الفرق.(2\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "346",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "348",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل: لعمر الله لقد صح الحديث بأن امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده فأمر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقطعت يدها  فاختلف الفقهاء في سبب القطع: هل كان لسرقتها وعرفها الراوي بصفتها لأن المذكور هو سبب القطع كما يقوله الشافعي وأبو حنيفة ومالك أو كان السبب المذكور هو سبب القطع مما يقوله أحمد ومن وافقه ونحن في هذا المقام لا ننتصر لمذهب معين ألبتة فإن كان الصحيح قول الجمهور اندفع السؤال وإن كان الصحيح هو القول الآخر فموافقته للقياس والحكمة والمصلحة ظاهر جدا فإن العارية من مصالح بني آدم التي لا بد لهم منها ولا غنى لهم عنها وهي واجبة عند حاجة المستعير وضرورته إليها إما بأجرة أو مجانا ولا يمكن المعير كل وقت أن يشهد على العارية ولا يمكن الاحتراز بمنع العارية شرعا وعادة وعرفا ولا فرق في المعنى بين من توصل إلى أخذ متاع غيره بالسرقة وبين من توصل إليه بالعارية وجحدها وهذا بخلاف جاحد الوديعة فإن صاحب المتاع فرط حيث ائتمنه.  [فصل الفرق بين اليد في الدية وفي السرقة] وأما قطع اليد في ربع دينار وجعل ديتها خمسمائة دينار فمن أعظم المصالح والحكمة فإنه احتاط في الموضعين للأموال والأطراف فقطعها في ربع دينار حفظا للأموال وجعل ديتها خمسمائة دينار حفظا لها وصيانة وقد أورد بعض الزنادقة هذا السؤال وضمنه بيتين فقال: يد بخمسمئي من عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار تناقض ما لنا إلا السكوت له ... ونستجير بمولانا من العار فأجابه بعض الفقهاء بأنها كانت ثمينة لما كانت أمينة فلما خانت هانت وضمنه الناظم قوله: يد بخمس مئي من عسجد وديت ... لكنها قطعت في ربع دينار حماية الدم أغلاها وأرخصها ... خيانة المال فانظر حكمة الباري وروي أن الشافعي - رحمه الله - أجاب بقوله: هناك مظلومة غالت بقيمتها ... وها هنا ظلمت هانت على الباري(2\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "347",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "349",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأجاب شمس الدين الكردي بقوله: قل للمعري عار أيما عار ... جهل الفتى وهو عن ثوب التقى عار لا تقدحن زناد الشعر عن حكم ... شعائر الشرع لم تقدح بأشعار فقيمة اليد نصف الألف من ذهب ... فإن تعدت فلا تسوى بدينار  [فصل حكمة جعل نصاب السرقة ربع دينار] وأما تخصيص القطع بهذا القدر فلأنه لا بد من مقدار يجعل ضابطا لوجوب القطع إذ لا يمكن أن يقال: يقطع بسرقة فلس أو حبة حنطة أو تمرة ولا تأتي الشريعة بهذا وتنزه حكمة الله ورحمته وإحسانه عن ذلك فلا بد من ضابط وكانت الثلاثة دراهم أول مراتب الجمع وهي مقدار ربع دينار وقال إبراهيم النخعي وغيره من التابعين: كانوا لا يقطعون في الشيء التافه فإن عادة الناس التسامح في الشيء الحقير من أموالهم إذ لا يلحقهم ضرر بفقده وفي التقدير بثلاثة دراهم حكمة ظاهرة فإنها كفاية المقتصد في يومه له ولمن يمونه غالبا وقوت اليوم للرجل وأهله له خطر عند غالب الناس وفي الأثر المعروف: من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها  [فصل حكمة حد القذف بالزنا دون الكفر] فصل [ (9) حكمة حد القذف بالزنا دون الكفر] وأما إيجاب حد الفرية على من قذف غيره بالزنا دون الكفر ففي غاية المناسبة فإن القاذف غيره بالزنا لا سبيل للناس إلى العلم بكذبه فجعل حد الفرية تكذيبا له وتبرئة لعرض المقذوف وتعظيما لشأن هذه الفاحشة التي يجلد من رمى بها مسلما وأما من رمى غيره بالكفر فإن شاهد حال المسلم واطلاع المسلمين عليها كاف في تكذيبه ولا يلحقه من العار بكذبه عليه في ذلك ما يلحقه بكذبه عليه في الرمي بالفاحشة ولا سيما إن كان المقذوف امرأة فإن العار والمعرة التي تلحقها بقذفه بين أهلها وتشعب ظنون الناس وكونهم بين مصدق ومكذب لا يلحق مثله بالرمي بالكفر(2\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "348",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "350",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل حكمة الاكتفاء في القتل بشاهدين دون الزنا] وأما اكتفاؤه في القتل بشاهدين دون الزنا ففي غاية الحكمة والمصلحة فإن الشارع احتاط للقصاص والدماء واحتاط لحد الزنا فلو لم يقبل في القتل إلا أربعة لضاعت الدماء وتواثب العادون وتجرءوا على القتل وأما الزنا فإنه بالغ في ستره كما قدر الله ستره فاجتمع على ستره شرع الله وقدره فلم يقبل فيه إلا أربعة يصفون الفعل وصف مشاهدة ينتفي معها الاحتمال وكذلك في الإقرار لم يكتف بأقل من أربع مرات حرصا على ستر ما قدر الله ستره وكره إظهاره والتكلم به وتوعد من يحب إشاعته في المؤمنين بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة.  [فصل الحكمة في جلد قاذف الحر دون العبد] وأما جلد قاذف الحر دون العبد فتفريق لشرعه بين ما فرق الله بينهما بقدره فما جعل الله سبحانه العبد كالحر من كل وجه لا قدرا ولا شرعا وقد ضرب الله سبحانه لعباده الأمثال التي أخبر فيها بالتفاوت بين الحر والعبد وأنهم لا يرضون أن تساويهم عبيدهم في أرزاقهم فالله سبحانه وتعالى فضل بعض خلقه على بعض وفضل الأحرار على العبيد في الملك وأسبابه والقدرة على التصرف وجعل العبد مملوكا والحر مالكا ولا يستوي المالك والمملوك. وأما التسوية بينهما في أحكام الثواب والعقاب فذلك موجب العدل والإحسان فإنه يوم الجزاء لا يبقى هناك عبد وحر ولا مالك ولا مملوك.  [فصل الحكمة في التفريق بين عدة الموت والطلاق] وأما تفريقه في العدة بين الموت والطلاق وعدة الحرة وعدة الأمة وبين الاستبراء والعدة مع أن المقصود العلم ببراءة الرحم في ذلك كله فهذا إنما يتبين وجهه إذا عرفت الحكمة التي لأجلها شرعت العدة وعرف أجناس العدد وأنواعها. [الحكم في العدة] فأما المقام الأول ففي شرع العدة عدة حكم: منها العلم ببراءة الرحم وأن لا يجتمع ماء الواطئين فأكثر في رحم واحد فتختلط الأنساب وتفسد وفي ذلك من الفساد ما تمنعه(2\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "349",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "351",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشريعة والحكمة. ومنها تعظيم خطر هذا العقد ورفع قدره وإظهار شرفه. ومنها تطويل زمان الرجعة للمطلق إذ لعله أن يندم ويفيء فيصادف زمنا يتمكن فيه من الرجعة. ومنها قضاء حق الزوج وإظهار تأثير فقده في المنع من التزين والتجمل ولذلك شرع الإحداد عليه أكثر من الإحداد على الوالد والولد. ومنها الاحتياط لحق الزوج ومصلحة الزوجة وحق الولد والقيام بحق الله الذي أوجبه ففي العدة أربعة حقوق وقد أقام الشارع الموت مقام الدخول في استيفاء المعقود عليه فإن النكاح مدته العمر ولهذا أقيم مقام الدخول في تكميل الصداق وفي تحريم الربيبة عند جماعة من الصحابة ومن بعدهم كما هو مذهب زيد بن ثابت وأحمد في إحدى الروايتين عنه فليس المقصود من العدة مجرد براءة الرحم بل ذلك من بعض مقاصدها وحكمها. [أجناس العدد] المقام الثاني في أجناسها وهي أربعة في كتاب الله وخامس بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الجنس الأول: أم باب العدة وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [الطلاق: 4] الثاني: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [البقرة: 234] الثالث: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [البقرة: 228] الرابع: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر [الطلاق: 4] الخامس: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرئ بحيضة ومقدم هذه الأجناس كلها الحاكم عليها كلها وضع الحمل فإذا وجد فالحكم له ولا التفات إلى غيره وقد كان بين السلف نزاع في المتوفى عنها أنها تتربص أبعد الأجلين ثم حصل الاتفاق على انقضائها بوضع الحمل وأما عدة الوفاة فتجب بالموت سواء دخل بها أو لم يدخل كما دل عليه عموم القرآن والسنة الصحيحة واتفاق الناس فإن الموت لما كان انتهاء العقد وانقضاءه استقرت به الأحكام: من التوارث واستحقاق المهر وليس المقصود بالعدة ها هنا مجرد استبراء الرحم كما ظنه بعض الفقهاء لوجوبها قبل الدخول ولحصول الاستبراء بحيضة واحدة ولاستواء الصغيرة والآيسة وذوات القروء في مدتها فلما كان الأمر كذلك قالت طائفة: هي تعبد محض لا يعقل معناه وهذا باطل لوجوه: منها أنه ليس في الشريعة حكم واحد إلا وله معنى وحكمة يعقله من عقله ويخفى على من خفي عليه. ومنها أن العدد ليست من باب العبادات المحضة فإنها تجب في حق الصغيرة والكبيرة والعاقلة والمجنونة والمسلمة والذمية ولا تفتقر إلى نية. ومنها أن رعاية حق الزوجين والولد والزوج الثاني ظاهر فيها فالصواب أن يقال: هي(2\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "350",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "352",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حريم لانقضاء النكاح لما كمل ولهذا تجد فيها رعاية لحق الزوج وحرمة له ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان من احترامه ورعاية حقوقه تحريم نسائه بعده ولما كانت نساؤه في الدنيا هن نساؤه في الآخرة قطعا لم يحل لأحد أن يتزوج بهن بعده بخلاف غيره فإن هذا ليس معلوما في حقه فلو حرمت المرأة على غيره لتضررت ضررا محققا بغير نفع معلوم ولكن لو تأيمت على أولادها كانت محمودة على ذلك. وقد كانوا في الجاهلية يبالغون في احترام حق الزوج وتعظيم حريم هذا العقد غاية المبالغة من تربص سنة في شر ثيابها وحفش بيتها فخفف الله عنهم ذلك بشريعته التي جعلها رحمة وحكمة ومصلحة ونعمة بل هي من أجل نعمه عليهم على الإطلاق فله الحمد كما هو أهله. وكانت أربعة أشهر وعشرا على وفق الحكمة والمصلحة إذ لا بد من مدة مضروبة لها وأولى المدد بذلك المدة التي يعلم فيها بوجود الولد وعدمه فإنه يكون أربعين يوما نطفة ثم أربعين علقة ثم أربعين مضغة فهذه أربعة أشهر ثم ينفخ فيه الروح في الطور الرابع فقدر بعشرة أيام لتظهر حياته بالحركة إن كان ثم حمل. .  [فصل حكمة عدة الطلاق] وأما عدة الطلاق فلا يمكن تعليلها بذلك لأنها إنما تجب بعد المسيس بالاتفاق ولا ببراءة الرحم لأنه يحصل بحيضة كالاستبراء وإن كان براءة الرحم بعض مقاصدها. ولا يقال: quot; هي تعبد quot; لما تقدم وإنما يتبين حكمها إذا عرف ما فيها من الحقوق ففيها حق الله وهو امتثال أمره وطلب مرضاته وحق للزوج المطلق وهو اتساع زمن الرجعة له وحق للزوجة وهو استحقاقها للنفقة والسكنى ما دامت في العدة وحق للولد وهو الاحتياط في ثبوت نسبه وأن لا يختلط بغيره وحق للزوج الثاني وهو أن لا يسقي ماءه زرع غيره ورتب الشارع على كل واحد من هذه الحقوق ما يناسبه من الأحكام فرتب على رعاية حقه هو لزوم المنزل وأنها لا تخرج ولا تخرج هذا موجب القرآن ومنصوص إمام أهل الحديث وإمام أهل الرأي. ورتب على حق المطلق تمكينه من الرجعة ما دامت في العدة وعلى حقها استحقاق النفقة والسكنى وعلى حق الولد ثبوت نسبه وإلحاقه بأبيه دون غيره وعلى حق الزوج الثاني دخوله على بصيرة ورحم بريء غير مشغول بولد لغيره فكان في جعلها(2\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "351",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "353",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثلاثة قروء رعاية لهذه الحقوق وتكميل لها وقد دل القرآن على أن العدة حق للزوج عليها بقوله: يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها [الأحزاب: 49] فهذا دليل على أن العدة للرجل على المرأة بعد المسيس وقال تعالى: وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا [البقرة: 228] فجعل الزوج أحق بردها في العدة فإذا كانت العدة ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر طالت مدة التربص لينظر في أمرها هل يمسكها بمعروف أو يسرحها بإحسان كما جعل الله سبحانه للمولي تربص أربعة أشهر لينظر في أمره هل يفيء أو يطلق وكما جعل مدة تسيير الكفار أربعة أشهر لينظروا في أمرهم ويختاروا لأنفسهم. فإن قيل: هذه العلة باطلة فإن المختلعة والمفسوخ نكاحها بسبب من الأسباب والمطلقة ثلاثا والموطوءة بشبهة والمزني بها تعتد بثلاثة أقراء ولا رجعة هناك فقد وجد الحكم بدون علته وهذا يبطل كونها علة. [عدة المختلعة] قيل: شرط النقض أن يكون الحكم في صورة ثابتا بنص أو إجماع وأما كونه قولا لبعض العلماء فلا يكفي في النقض به وقد اختلف الناس في عدة المختلعة فذهب إسحاق وأحمد في أصح الروايتين عنه دليلا أنها تعتد بحيضة واحدة وهو مذهب عثمان بن عفان وعبد الله بن عباس وقد حكى إجماع الصحابة ولا يعلم لهما مخالف وقد دلت عليه سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة دلالة صريحة وعذر من خالفها أنها لم تبلغه أو لم تصح عنده أو ظن الإجماع على خلاف موجبها وهذا القول هو الراجح في الأثر والنظر: أما رجحانه أثرا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر المختلعة قط أن تعتد بثلاث حيض بل قد روى أهل السنن عنه من حديث الربيع بنت معوذ أن ثابت بن قيس ضرب امرأة فكسر يدها وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي فأتى أخوها يشتكي إلى رسول الله فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ثابت فقال: خذ الذي لها عليك وخل سبيلها قال: نعم فأمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها  وذكر أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها فأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أمرت أن تعتد بحيضة  قال الترمذي: الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة وهذه الأحاديث لها طرق يصدق بعضها بعضا وأعل الحديث بعلتين: أحدهما: إرساله والثانية: أن الصحيح فيه quot; أمرت quot; بحذف الفاعل والعلتان غير مؤثرتين فإنه قد روي من وجوه متصلة ولا تعارض بين(2\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "352",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "354",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أمرت وأمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ من المحال أن يكون الآمر لها بذلك غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حياته وإذا كان الحديث قد روي بلفظ محتمل ولفظ صريح يفسر المحتمل ويبينه فكيف يجعل المحتمل معارضا للمفسر بل مقدما عليه ثم يكفي في ذلك فتاوى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال أبو جعفر النحاس في كتاب الناسخ والمنسوخ: هو إجماع من الصحابة. وأما اقتضاء النظر له فإن المختلعة لم تبق لزوجها عليها عدة وقد ملكت نفسها وصارت أحق ببضعها فلها أن تتزوج بعد براءة رحمها فصارت العدة في حقها بمجرد براءة الرحم وقد رأينا الشريعة جاءت في هذا النوع بحيضة واحدة كما جاءت بذلك في المسبية والمملوكة بعقد معاوضة أو تبرع والمهاجرة من دار الحرب ولا ريب أنها جاءت بثلاثة أقراء في الرجعية والمختلعة فرع متردد بين هذين الأصلين فينبغي إلحاقها بأشبههما بها فنظرنا فإذا هي بذوات الحيضة أشبه. ومما يبين حكمة الشريعة في ذلك أن الشارع قسم النساء إلى ثلاثة أقسام: أحدها: المفارقة قبل الدخول فلا عدة عليها ولا رجعة لزوجها فيها. الثاني: المفارقة بعد الدخول إذا كان لزوجها عليها رجعة فجعل عدتها ثلاثة قروء ولم يذكر سبحانه العدة بثلاثة قروء إلا في هذا القسم كما هو مصرح به في القرآن في قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا [البقرة: 228] وكذا في سورة الطلاق لما ذكر الاعتداد بالأشهر الثلاثة في حق من إذا بلغت أجلها خير زوجها بين إمساك بمعروف أو مفارقتها بإحسان وهي الرجعية قطعا فلم يذكر الأقراء أو بدلها في حق بائن ألبتة. القسم الثالث: من بانت عن زوجها وانقطع حقه عنها بسبي أو هجرة أو خلع فجعل عدتها حيضة للاستبراء ولم يجعلها ثلاثا إذ لا رجعة للزوج وهذا في غاية الظهور والمناسبة وأما الزانية والموطوءة بشبهة فموجب الدليل أنها تستبرأ بحيضة فقط ونص عليه أحمد في الزانية واختاره شيخنا في الموطوءة بشبهة وهو الراجح وقياسهما على المطلقة الرجعية من أبعد القياس وأفسده. فإن قيل: فهب أن هذا قد سلم لكم فيما ذكرتم من الصور فإنه لا يسلم معكم في المطلقة ثلاثا فإن الإجماع منعقد على اعتدادها بثلاثة قروء مع انقطاع حق زوجها من الرجعة والقصد مجرد استبراء رحمها. [حكمة عدة المطلقة ثلاثا] قيل: نعم هذا سؤال وارد وجوابه من وجهين: أحدهما: أنه قد اختلف في عدتها:(2\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "353",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "355",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هل هي بثلاثة قروء أو بقرء واحد فالجمهور - بل الذي لا يعرف الناس سواه - أنها ثلاثة قروء وعلى هذا فيكون وجهه أن الطلقة الثالثة لما كانت من جنس الأوليين أعطيت حكمهما ليكون باب الطلاق كله بابا واحدا فلا يختلف حكمه والشارع إذا علق الحكم بوصف لمصلحة عامة لم يكن تخلف تلك المصلحة والحكمة في بعض الصور مانعا من ترتب الحكم بل هذه قاعدة الشريعة وتصرفها في مصادرها ومواردها. الوجه الثاني: أن الشارع حرمها عليه حتى تنكح زوجا غيره عقوبة له ولعن المحلل والمحلل له لمناقضتهما ما قصده الله سبحانه من عقوبته وكان من تمام هذه العقوبة أن طول مدة تحريمها عليه فكان ذلك أبلغ فيما قصده الشارع من العقوبة فإنه إذا علم أنها لا تحل له حتى تعتد بثلاثة قروء ثم يتزوجها آخر بنكاح رغبة مقصود لا تحليل موجب للعنة ويفارقها وتعتد من فراقه ثلاثة قروء أخر طال عليه الانتظار وعيل صبره فأمسك عن الطلاق الثلاث وهذا واقع على وفق الحكمة والمصلحة والزجر فكان التربص بثلاثة قروء في الرجعية نظرا للزوج ومراعاة لمصلحته لما لم يوقع الثالثة المحرمة لها وها هنا كان تربصها عقوبة له وزجرا لما أوقع الطلاق المحرم لما أحل الله له وأكدت هذه العقوبة بتحريمها عليه إلا بعد زوج وإصابة وتربص ثان. وقيل: بل عدتها حيضة واحدة وهي اختيار أبي الحسين بن اللبان فإن كان مسبوقا بالإجماع فالصواب اتباع الإجماع وأن لا يلتفت إلى قوله وإن لم يكن في المسألة إجماع فقوله قوي ظاهر والله أعلم. [عدة المخيرة وحكمتها] فإن قيل: فقد جاءت السنة بأن المخيرة تعتد ثلاث حيض كما رواه ابن ماجه من حديث عائشة قالت: أمرت بريرة أن تعتد ثلاث حيض . قيل: ما أصرحه من حديث لو ثبت ولكنه حديث منكر بإسناد مشهور وكيف يكون عند أم المؤمنين هذا الحديث وهي تقول الأقراء الأطهار فإن صح الحديث وجب القول به ولم تسع مخالفته ويكون حكمه حكم المطلقة ثلاثا في اعتدادها بثلاثة قروء ولا رجعة لزوجها عليها فإن الشارع يخصص بعض الأعيان والأفعال والأزمان والأماكن ببعض الأحكام وإن لم يظهر لنا موجب التخصيص فكيف وهو ظاهر في مسألة المخيرة فإنها لو جعلت عدتها حيضة واحدة لبادرت إلى التزوج بعدها وأيس منها زوجها فإذا جعلت ثلاث حيض طال زمن انتظارها وحبسها عن الأزواج ولعلها تتذكر زوجها فيها وترغب في(2\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "354",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "356",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجعته ويزول ما عندها من الوحشة ولو قيل: quot; إن اعتداد المختلعة بثلاث حيض لهذا المعنى بعينه quot; لكان حسنا على وفق حكمة الشارع ولكن هذا مفقود في المسبية والمهاجرة والزانية والموطوءة بشبهة. [عدة الآيسة والصغيرة وحكمتها] فإن قيل: فهب أن هذا كله قد سلم لكم فكيف يسلم لكم في الآيسة والصغيرة التي لا يوطأ مثلها قيل: هذا إنما يرد على من جعل علة العدة مجرد براءة الرحم فقط ولهذا أجابوا عن هذا السؤال بأن العدة ها هنا شرعت تعبدا محضا غير معقول المعنى وأما من جعل هذا بعض مقاصد العدة وأن لها مقاصد أخر من تكميل شأن هذا العقد واحترامه وإظهار خطره وشرفه فجعل لهم حريم بعد انقطاعه بموت أو فرقة فلا فرق في ذلك بين الآيسة وغيرها ولا بين الصغيرة والكبيرة مع أن المعنى الذي طولت له العدة في الحائض في الرجعية والمطلقة ثلاثا موجود بعينه في حق الآيسة والصغيرة وكان مقتضى الحكمة التي تضمنت النظر في مصلحة الزوج في الطلاق الرجعي وعقوبته وزجره في الطلاق المحرم التسوية بين النساء في ذلك هذا ظاهر جدا وبالله التوفيق.  [فصل حكمة تحريم المرأة بعد الطلاق الثلاث] فصل [حكمة تحريم المرأة بعد الطلاق الثلاث] وأما تحريم المرأة على الزوج بعد الطلاق الثلاث وإباحتها له بعد نكاحها للثاني فلا يعرف حكمته إلا من له معرفة بأسرار الشريعة وما اشتملت عليه من الحكم والمصالح الكلية فنقول وبالله التوفيق: لما كان إباحة فرج المرأة للرجل بعد تحريمه عليه ومنعه منه من أعظم نعم الله عليه وإحسانه إليه كان جديرا بشكر هذه النعمة ومراعاتها والقيام بحقوقها وعدم تعريضها للزوال وتنوعت الشرائع في ذلك بحسب المصالح التي علمها الله في كل زمان ولكل أمة فجاءت شريعة التوراة بإباحتها له بعد الطلاق ما لم تتزوج فإذا تزوجت حرمت عليه ولم يبق له سبيل إليها. وفي ذلك من الحكمة والمصلحة ما لا يخفى فإن الزوج إذا علم أنه إذا طلق المرأة وصار أمرها بيدها وأن لها أن تنكح غيره وأنها إذا نكحت غيره حرمت عليه أبدا كان تمسكه بها أشد وحذره من مفارقتها أعظم وشريعة التوراة جاءت بحسب الأمة الموسوية فيها من الشدة والإصر ما يناسب حالها ثم جاءت شريعة الإنجيل بالمنع من(2\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "355",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "357",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطلاق بعد التزوج ألبتة فإذا تزوج بامرأة فليس له أن يطلقها ثم جاءت الشريعة الكاملة الفاضلة المحمدية التي هي أكمل شريعة نزلت من السماء على الإطلاق وأجلها وأفضلها وأعلاها وأقومها بمصالح العباد في المعاش والمعاد بأحسن من ذلك كله وأكمله وأوفقه للعقل والمصلحة فإن الله سبحانه أكمل لهذه الأمة دينها وأتم عليها نعمته وأباح لها من الطيبات ما لم يبحه لأمة غيرها فأباح للرجل أن ينكح من أطايب النساء أربعا وأن يتسرى من الإماء بما شاء وليس التسري في شريعة أخرى غيرها ثم أكمل لعبده شرعه وأتم عليه نعمته بأن ملكه أن يفارق امرأته ويأخذ غيرها إذ لعل الأولى لا تصلح له ولا توافقه فلم يجعلها غلا في عنقه وقيدا في رجله وإصرا على ظهره وشرع له فراقها على أكمل الوجوه لها وله بأن يفارقها واحدة ثم تتربص ثلاثة قروء. والغالب أنها في ثلاثة أشهر فإن تاقت نفسه إليها وكان له فيها رغبة وصرف مقلب القلوب قلبه إلى محبتها وجد السبيل إلى ردها ممكنا والباب مفتوحا فراجع حبيبته واستقبل أمره وعاد إلى يده ما أخرجته يد الغضب ونزغات الشيطان منها ثم لا يأمن غلبات الطباع ونزغات الشيطان من المعاودة فمكن من ذلك أيضا مرة ثانية ولعلها أن تذوق من مرارة الطلاق وخراب البيت ما يمنعها من معاودة ما يغضبه ويذوق هو من ألم فراقها ما يمنعه من التسرع إلى الطلاق فإذا جاءت الثالثة جاء ما لا مرد له من أمر الله وقيل له: قد اندفعت حاجتك بالمرة الأولى والثانية ولم يبق لك عليها بعد الثالثة سبيل فإذا علم أن الثالثة فراق بينه وبينها وأنها القاضية أمسك عن إيقاعها فإنه إذا علم أنها بعد الثالثة لا تحل له إلا بعد تربص ثلاثة قروء وتزوج بزوج راغب في نكاحها وإمساكها وأن الأول لا سبيل له إليها حتى يدخل بها الثاني دخولا كاملا يذوق فيه كل واحد منهما عسيلة صاحبه بحيث يمنعهما ذلك من تعجيل الفراق ثم يفارقها بموت أو طلاق أو خلع ثم تعتد من ذلك عدة كاملة تبين له حينئذ يأسه بهذا الطلاق الذي هو من أبغض الحلال إلى الله وعلم كل واحد منهما أنه لا سبيل له إلى العود بعد الثالثة لا باختياره ولا باختيارها وأكد هذا المقصود بأن لعن الزوج الثاني إذا لم ينكح نكاح رغبة يقصد فيه الإمساك بل نكح نكاح تحليل ولعن الزوج الأول إذ ردها بهذا النكاح بل ينكحها الثاني كما نكحها الأول ويطلقها كما طلقها الأول وحينئذ فتباح للأول كما تباح لغيره من الأزواج. وأنت إذا وازنت بين هذا وبين الشريعتين المنسوختين ووازنت بينه وبين الشريعة المبدلة المبيحة ما لعن الله ورسوله فاعله تبين لك عظمة هذه الشريعة وجلالتها وهيمنتها على سائر الشرائع وأنها جاءت على أكمل الوجوه وأتمها وأحسنها وأنفعها(2\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "356",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "358",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للخلق وأن الشريعتين المنسوختين خير من الشريعة المبدلة فإن الله سبحانه شرعهما في وقت ولم يشرع المبدلة أصلا. وهذه الدقائق ونحوها مما يختص الله سبحانه بفهمه من يشاء فمن وصل إليها فليحمد الله ومن لم يصل إليها فليسلم لأحكم الحاكمين وأعلم العالمين. وليعلم أن شريعته فوق عقول العقلاء وفق فطر الألباء: وقل للعيون الرمد لا تتقدمي ... إلى الشمس واستغشي ظلام اللياليا وسامح ولا تنكر عليها وخلها ... وإن أنكرت حقا فقل خل ذا ليا غيره: عاب التفقه قوم لا عقول لهم ... وما عليه إذا عابوه من ضرر ما ضر شمس الضحى والشمس طالعة ... أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر.  [فصل الحكمة في غسل أعضاء الوضوء] وأما إيجابه لغسل المواضع التي لم تخرج منها الريح وإسقاطه غسل الموضع الذي خرجت منه فما أوفقه للحكمة وما أشده مطابقة للفطرة فإن حاصل السؤال: لم كان الوضوء في هذه الأعضاء الظاهرة دون باطن المقعدة مع أن باطن المقعدة أولى بالوضوء من الوجه واليدين والرجلين وهذا سؤال معكوس من قلب منكوس فإن من محاسن الشريعة أن كان الوضوء في الأعضاء الظاهرة المكشوفة وكان أحقها به إمامها ومقدمها في الذكر والفعل وهو الوجه الذي نظافته ووضاءته عنوان على نظافة القلب وبعده اليدان وهما آلة البطش والتناول والأخذ فهما أحق الأعضاء بالنظافة والنزاهة بعد الوجه ولما كان الرأس مجمع الحواس وأعلى البدن وأشرفه كان أحق بالنظافة لكن لو شرع غسله في الوضوء لعظمت المشقة واشتدت البلية فشرع مسح جميعه وأقامه مقام غسله تخفيفا ورحمة كما أقام المسح على الخفين مقام غسل الرجلين. ولعل قائلا يقول: وما يجزئ مسح الرأس والرجلين من الغسل والنظافة ولم يعلم هذا القائل أن إمساس العضو بالماء امتثالا لأمر الله وطاعة له وتعبدا يؤثر في نظافته وطهارته ما لا يؤثر غسله بالماء والسدر بدون هذه النية والتحاكم في هذا إلى الذوق السليم والطبع المستقيم كما أن معك الوجه بالتراب امتثالا للآمر وطاعة وعبودية تكسبه وضاءة ونظافة(2\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "357",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "359",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبهجة تبدو على صفحاته للناظرين ولما كانت الرجلان تمس الأرض غالبا وتباشر من الأدناس ما لا تباشره بقية الأعضاء كانت أحق بالغسل ولم يوفق للفهم عن الله ورسوله من اجتزأ بمسحهما من غير حائل. فهذا وجه اختصاص هذه الأعضاء بالوضوء من بين سائرها من حيث المحسوس وأما من حيث المعنى فهذه الأعضاء هي آلات الأفعال التي يباشر بها العبد ما يريد فعله وبها يعصى الله سبحانه ويطاع فاليد تبطش والرجل تمشي والعين تنظر والأذن تسمع واللسان يتكلم فكان في غسل هذه الأعضاء - امتثالا لأمر الله وإقامة لمعبوديته - ما يقتضي إزالة ما لحقها من درن المعصية ووسخها. وقد أشار صاحب الشرع - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا المعنى بعينه حيث قال في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه عن عمرو بن عبسة قال: قلت: يا رسول الله حدثني عن الوضوء قال: ما منكم من رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينثر إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء ثم يمسح برأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء فإن هو قام فصلى فحمد الله وأثنى عليه ومجده بالذي هو أهله - أو هو له أهل - وفرغ قلبه لله إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه quot; وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا توضأ العبد المسلم - أو المؤمن - فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء - أو مع آخر قطر الماء - فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء - أو مع آخر قطر الماء - فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء - أو مع آخر قطر الماء - حتى يخرج نقيا من الذنوب وفي مسند الإمام أحمد عن عقبة بن عامر قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: رجلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل يعالج نفسه إلى الطهور وعليه عقد فيتوضأ فإذا وضأ يديه انحلت عقدة وإذا وضأ وجهه انحلت عقدة وإذا مسح رأسه انحلت عقدة وإذا وضأ رجليه انحلت عقدة فيقول الرب عز وجل للذي وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا يعالج نفسه ما سألني عبدي هذا فهو له . وفيه أيضا عن أبي أمامة يرفعه: أيما رجل قام إلى وضوئه يريد الصلاة ثم غسل كفيه نزلت خطيئته من كفيه مع أول قطرة فإذا تمضمض واستنشق واستنثر نزلت خطيئته من لسانه وشفتيه مع أول قطرة فإذا غسل وجهه نزلت خطيئته من سمعه وبصره مع أول قطرة فإذا غسل يديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين سلم من كل ذنب هو له ومن كل خطيئة كهيئته يوم ولدته أمه فإذا قام إلى الصلاة رفع الله بها درجته وإن قعد قعد سالما وفيه أن(2\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "358",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "360",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مقصود المضمضة كمقصود غسل الوجه واليدين سواء وأنه حاجة اللسان والشفتين إلى الغسل كحاجة بقية الأعضاء فمن أنكس قلبا وأفسد فطرة وأبطل قياسا ممن يقول: إن غسل باطن المقعدة أولى من غسل هذه الأعضاء وإن الشارع فرق بين المتماثلين هذا إلى ما في غسل هذه الأعضاء المقارن لنية التعبد لله من انشراح القلب وقوته واتساع الصدر وفرح النفس ونشاط الأعضاء فتميزت عن سائر الأعضاء بما أوجب غسلها دون غيرها وبالله التوفيق.  [فصل توبة المحارب] فصل [توبة المحارب] وأما اعتبار توبة المحارب قبل القدرة عليه دون غيره فيقال: أين في نصوص الشارع هذا التفريق بل نصه على اعتبار توبة المحارب قبل القدرة عليه إما من باب التنبيه على اعتبار توبة غيره بطريق الأولى فإنه إذا دفعت توبته عنه حد حرابه مع شدة ضررها وتعديه فلأن تدفع التوبة ما دون حد الحراب بطريق الأولى والأحرى وقد قال الله تعالى: قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف [الأنفال: 38] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - التائب من الذنب كمن لا ذنب له والله تعالى جعل الحدود عقوبة لأرباب الجرائم ورفع العقوبة عن التائب شرعا وقدرا فليس في شرع الله ولا قدره عقوبة تائب ألبتة. وفي الصحيحين من حديث أنس قال: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي قال: ولم يسأله عنه فحضرت الصلاة فصلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة قام إليه الرجل فأعاد قوله قال: أليس قد صليت معنا قال: نعم قال: فإن الله عز وجل قد غفر لك ذنبك فهذا لما جاء تائبا بنفسه من غير أن يطلب غفر الله له ولم يقم عليه الحد الذي اعترف به وهو أحد القولين في المسألة وهو إحدى الروايتين عن أحمد وهو الصواب. فإن قيل: فماعز جاء تائبا والغامدية جاءت تائبة وأقام عليهما الحد. قيل: لا ريب أنهما جاءا تائبين ولا ريب أن الحد أقيم عليهما وبهما احتج أصحاب القول الآخر وسألت شيخنا عن ذلك فأجاب بما مضمونه بأن الحد مطهر وأن التوبة مطهرة وهما اختارا التطهير بالحد على التطهير بمجرد التوبة وأبيا إلا أن يطهرا بالحد فأجابهما النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك وأرشد إلى اختيار التطهير بالتوبة على التطهير بالحد فقال في حق ماعز: هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه ولو تعين الحد بعد التوبة لما جاز(2\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "359",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "361",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تركه بل الإمام مخير بين أن يتركه كما قال لصاحب الحد الذي اعترف به: اذهب فقد غفر الله لك وبين أن يقيم كما أقامه على ماعز والغامدية لما اختارا إقامته وأبيا إلا التطهير به ولذلك ردهما النبي - صلى الله عليه وسلم - مرارا وهما يأبيان إلا إقامته عليهما وهذا المسلك وسط مسلك من يقول: لا تجوز إقامته بعد التوبة ألبتة وبين مسلك من يقول: لا أثر للتوبة في إسقاطه ألبتة وإذا تأملت السنة رأيتها لا تدل إلا على هذا القول الوسط والله أعلم.  [فصل قبول رواية العبد دون شهادته] وأما قوله: quot; وقبل شهادة العبد عليه - صلى الله عليه وسلم - بأنه قال: كذا وكذا ولم يقبل شهادته على واحد من الناس بأنه قال: كذا وكذا فمضمون السؤال أن رواية العبد مقبولة دون شهادته. والجواب أنه لا يلزم الشارع قول فقيه معين ولا مذهب معين وهذا المقام لا ينتصر فيه إلا الله ورسوله فقط وهذا السؤال كذب على الشارع فإنه لم يأت عنه حرف واحد أنه قال لا تقبلوا شهادة العبد بل ردوها ولو كان عالما مفتيا فقيها من أولياء الله ومن أصدق الناس لهجة بل الذي دل عليه كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة والميزان العادل قبول شهادة العبد فيما تقبل فيه شهادة الحر فإنه من رجال المؤمنين فيدخل في قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم [البقرة: 282] كما دخل في ما كان محمد أبا أحد من رجالكم [الأحزاب: 40] وهو عدل بالنص والإجماع فيدخل في قوله تعالى: وأشهدوا ذوي عدل منكم [الطلاق: 2] كما دخل في قوله - صلى الله عليه وسلم -: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ويدخل في قوله: وأقيموا الشهادة لله [الطلاق: 2] وفي قوله: ولا تكتموا الشهادة [البقرة: 283] وفي قوله: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله [النساء: 135] الآية كما دخل في جميع ما فيها من الأوامر ويدخل في قوله - صلى الله عليه وسلم -: فإن شهد ذوا عدل فصوموا وأفطروا وقال أنس بن مالك: ما علمت أحدا رد شهادة العبد رواه الإمام أحمد عنه وهذا أصح من غالب الإجماعات التي يدعيها المتأخرون فالشهادة على الشارع بأنه أبطل شهادة العبد وردها شهادة بلا علم ولم يأمر الله برد شهادة صادق أبدا وإنما أمر بالتثبت في شهادة الفاسق.(2\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "360",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "362",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل صدقة السائمة وإسقاطها عن العوامل] وأما إيجاب الشارع الصدقة في السائمة وإسقاطها عن العوامل فقد اختلف في هذه المسألة للاختلاف في الحديث الوارد فيها وفي الباب حديثان: أحدهما: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرفعه: ليس في الإبل العوامل صدقة رواه الدارقطني من حديث غالب بن عبيد الله عن عمرو. والثاني: حديث علي بن أبي طالب مرفوعا: ليس في البقر العوامل شيء رواه أبو داود. ثنا النفيلي ثنا زهير ثنا أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة وعن الحارث عن علي قال زهير: أحسبه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ليس على العوامل شيء قال أبو داود: وروى حديث النفيلي شعبة وسفيان وغيرهما عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي لم يرفعوه ورواه نعيم بن حماد: ثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي موقوفا: ليس في الإبل العوامل ولا في البقر العوامل صدقة . ورواه الدارقطني من حديث صقر بن حبيب: سمعت أبا رجاء عن ابن عباس عن علي موقوفا قال ابن حبان: ليس هو من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما يعرف بإسناد منقطع نقله الصقر عن أبي رجاء وهو يأتي بالمقلوبات وروي من حديث جابر وابن عباس مرفوعا وموقوفا والموقوف أشبه. وبعد فللعلماء في المسألة قولان: فقال مالك في الموطإ: النواضح والبقر السواني وبقر الحرث أني أرى أن يؤخذ من ذلك كله الزكاة إذا وجبت فيه الصدقة قال ابن عبد البر: وهذا قول الليث بن سعد ولا أعلم أحدا قال به من فقهاء الأمصار غيرهما. وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه والأوزاعي وأبو ثور وأحمد وأبو عبيد وإسحاق وداود: لا زكاة في البقر العوامل ولا الإبل العوامل وإنما الزكاة في السائمة منها وروي قولهم ذلك عن طائفة من الصحابة منهم علي وجابر ومعاذ بن جبل. وكتب عمر بن عبد العزيز أنه ليس في البقر العوامل صدقة وحجة هؤلاء مع الأثر النظر فإن ما كان من المال معدا لنفع صاحبه به كثياب بذلته وعبيد خدمته وداره التي يسكنها ودابته التي يركبها وكتبه التي ينتفع بها وينفع غيره فليس فيها زكاة ولهذا لم يكن في حلي المرأة التي تلبسه وتعيره زكاة فطرد هذا أنه لا زكاة في بقر حرثه وإبله التي يعمل فيها بالدولاب وغيره فهذا محض القياس كما أنه موجب النصوص والفرق بينها وبين السائمة ظاهر فإن هذه مصروفة عن جهة النماء إلى العمل فهي كالثياب والعبيد والدار والله تعالى أعلم.(2\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "361",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "363",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل حكمة الله في الفرق بين الحرة والأمة في تحصين الرجل] وأما قوله: quot; وجعل الحرة القبيحة الشوهاء تحصن الرجل والأمة البارعة الجمال لا تحصنه quot; فتعبير سيء عن معنى صحيح فإن حكمة الشارع اقتضت وجوب حد الزنا على من كملت عليه نعمة الله بالحلال فيتخطاه إلى الحرام ولهذا لم يوجب كمال الحد على من لم يحصن واعتبر للإحصان أكمل أحواله وهو أن يتزوج بالحرة التي يرغب الناس في مثلها دون الأمة التي لم يبح الله نكاحها إلا عند الضرورة فالنعمة بها ليست كاملة ودون التسري الذي هو في الرتبة دون النكاح فإن الأمة ولو كانت ما عسى أن تكون لا تبلغ رتبة الزوجة لا شرعا ولا عرفا ولا عادة بل قد جعل الله لكل منهما رتبة والأمة لا تراد لما تراد له الزوجة ولهذا كان له أن يملك من لا يجوز له نكاحها ولا قسم عليه في ملك يمينه فأمته تجري في الابتذال والامتهان والاستخدام مجرى دابته وغلامه بخلاف الحرائر وكان من محاسن الشريعة أن اعتبرت في كمال النعمة على من يجب عليه الحد أن يكون قد عقد على حرة ودخل بها إذ بذلك يقضي كمال وطره ويعطي شهوته حقها ويضعها مواضعها هذا هو الأصل ومنشأ الحكمة. ولا يعتبر ذلك في كل فرد فرد من أفراد المحصنين ولا يضر تخلفه في كثير من المواضع إذ شأن الشرائع الكلية أن تراعي الأمور العامة المنضبطة ولا ينقضها تخلف الحكمة في أفراد الصور كما هذا شأن الخلق فهو موجب حكمة الله في خلقه وأمره في قضائه وشرعه وبالله التوفيق.  [فصل الحكمة في نقض الوضوء بمس ذكره دون غيره من الأعضاء] وأما قوله: quot; ونقض الوضوء بمس الذكر دون سائر الأعضاء ودون مس العذرة والبول quot; فلا ريب أنه قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمر بالوضوء من مس الذكر وروي عنه خلافه وأنه سئل عنه فقال للسائل: هل هو إلا بضعة منك وقد قيل: إن هذا الخبر لم يصح وقيل: بل هو منسوخ وقيل: بل هو محكم دال على عدم الوجوب وحديث الأمر دال على الاستحباب فهذه ثلاثة مسالك للناس في ذلك. وسؤال السائل ينبني على صحة حديث الأمر بالوضوء وإنه للوجوب ونحن نجيبه على هذا التقدير فنقول: هذا من كمال الشريعة وتمام محاسنها فإن مس الذكر بالوطء وهو في مظنة(2\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "362",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "364",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الانتشار غالبا والانتشار الصادر عن المس في مظنة خروج المذي ولا يشعر به فأقيمت هذه المظنة مقام الحقيقة لخفائها وكثرة وجودها كما أقيم النوم مقام الحديث وكما أقيم لمس المرأة بشهوة مقام الحدث. وأيضا فإن مس الذكر يوجب انتشار حرارة الشهوة وثورانها في البدن والوضوء يطفئ تلك الحرارة وهذا مشاهد بالحس ولم يكن الوضوء من مسه لكونه نجسا ولا لكونه مجرى النجاسة حتى يورد السائل مس العذرة والبول ودعواه بمساواة مس الذكر للأنف من أكذب الدعاوى وأبطل القياس وبالله التوفيق.  [فصل الحكمة في إيجاب الحد بشرب قطرة من الخمر] وأما قوله: quot; أوجب الحد في القطرة الواحدة من الخمر دون الأرطال الكثيرة من البول quot; فهذا أيضا من كمال الشريعة ومطابقتها للعقول والفطر وقيامها بالمصالح فإن ما جعل الله سبحانه في طباع الخلق النفرة عنه ومجانبته اكتفى بذلك عن الوازع عنه بالحد لأن الوازع الطبيعي كاف في المنع منه. وأما ما يشتد تقاضي الطباع له فإنه غلظ العقوبة عليه بحسب شدة تقاضي الطبع له وسد الذريعة إليه من قرب وبعد وجعل ما حوله حمى ومنع من قربانه ولهذا عاقب في الزنا بأشنع القتلات وفي السرقة بإبانة اليد وفي الخمر بتوسيع الجلد ضربا بالسوط ومنع قليل الخمر وإن كان لا يسكر إذ قليله داع إلى كثيره ولهذا كان من أباح من نبيذ التمر المسكر القدر الذي لا يسكر خارجا عن محض القياس والحكمة وموجب النصوص وأيضا فالمفسدة التي في شرب الخمر والضرر المختص والمتعدي أضعاف الضرر والمفسدة التي في شرب البول وأكل القاذورات فإن ضررها مختص بمتناولها.  [فصل الحكمة في قصر الزوجات على أربع دون السريات] وأما قوله: quot; وقصر عدد المنكوحات على أربع وأباح ملك اليمين بغير حصر quot; فهذا من تمام نعمته وكمال شريعته وموافقتها للحكمة والرحمة والمصلحة فإن النكاح يراد للوطء وقضاء الوطر ثم من الناس من يغلب عليه سلطان هذه الشهوة فلا تندفع حاجته بواحدة فأطلق له ثانية وثالثة ورابعة وكان هذا العدد موافقا لعدد طباعه وأركانه وعدد فصول سنته ولرجوعه إلى الواحدة بعد صبر ثلاث عنها والثلاث أول مراتب الجمع وقد علق(2\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "363",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "365",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشارع بها عدة أحكام ورخص للمهاجر أن يقيم بعد قضاء نسكه بمكة ثلاثا وأباح للمسافر أن يمسح على خفيه ثلاثا وجعل حد الضيافة المستحبة أو الموجبة ثلاثا وأباح للمرأة أن تحد على غير زوجها ثلاثا فرحم الضرة بأن جعل غاية انقطاع زوجها عنها ثلاثا ثم يعود فهذا محض الرحمة والحكمة والمصلحة. وأما الإماء فلما كن بمنزلة سائر الأموال من الخيل والعبيد وغيرها لم يكن لقصر المالك على أربعة منهن أو غيرها من العدد معنى فكما ليس في حكمة الله ورحمته أن يقصر السيد على أربعة عبيد أو أربع دواب وثياب ونحوها فليس في حكمته أن يقصره على أربع إماء وأيضا فللزوجة حق على الزوج اقتضاه عقد النكاح يجب على الزوج القيام به فإن شاركها غيرها وجب عليه العدل بينهما فقصر الأزواج على عدد يكون العدل فيه أقرب مما زاد عليه ومع هذا فلا يستطيعون العدل ولو حرصوا عليه ولا حق لإمائه عليه في ذلك ولهذا لا يجب لهن قسم ولهذا قال تعالى: فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم [النساء: 3] والله أعلم.  [فصل الحكمة في إباحة التعدد للرجل دون المرأة] وأما قوله: quot; وإنه أباح للرجل أن يتزوج بأربع زوجات ولم يبح للمرأة أن تتزوج بأكثر من زوج واحد quot; فذلك من كمال حكمة الرب تعالى لهم وإحسانه ورحمته بخلقه ورعاية مصالحهم ويتعالى سبحانه عن خلاف ذلك وينزه شرعه أن يأتي بغير هذا ولو أبيح للمرأة أن تكون عند زوجين فأكثر لفسد العالم وضاعت الأنساب وقتل الأزواج بعضهم بعضا وعظمت البلية واشتدت الفتنة وقامت سوق الحرب على ساق وكيف يستقيم حال امرأة فيها شركاء متشاكسون وكيف يستقيم حال الشركاء فيها فمجيء الشريعة بما جاءت به من خلاف هذا من أعظم الأدلة على حكمة الشارع ورحمته وعنايته بخلقه. فإن قيل: فكيف روعي جانب الرجل وأطلق له أن يسيم طرفه ويقضي وطره وينتقل من واحدة إلى واحدة بحسب شهوته وحاجته وداعي المرأة داعيه وشهوتها شهوته قيل: لما كانت المرأة من عادتها أن تكون مخبأة من وراء الخدور ومحجوبة في كن بيتها وكان مزاجها أبرد من مزاج الرجل وحركتها الظاهرة والباطنة أقل من حركته وكان الرجل قد أعطي من القوة والحرارة التي هي سلطان الشهوة أكثر مما أعطيته المرأة وبلي بما لم تبل به أطلق له من عدد المنكوحات ما لم يطلق للمرأة وهذا مما خص الله به(2\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "364",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "366",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرجال وفضلهم به على النساء كما فضلهم عليهن بالرسالة والنبوة والخلافة والملك والإمارة وولاية الحكم والجهاد وغير ذلك وجعل الرجال قوامين على النساء ساعين في مصالحهن يدأبون في أسباب معيشتهن ويركبون الأخطار يجوبون القفار ويعرضون أنفسهم لكل بلية ومحنة في مصالح الزوجات والرب تعالى شكور حليم فشكر لهم ذلك وجبرهم بأن مكنهم مما لم يمكن منه الزوجات وأنت إذا قايست بين تعب الرجال وشقائهم وكدهم ونصبهم في مصالح النساء وبين ما ابتلي به النساء من الغيرة وجدت حظ الرجال من تحمل ذلك التعب والنصب والدأب أكثر من حظ النساء من تحمل الغيرة فهذا من كمال عدل الله وحكمته ورحمته فله الحمد كما هو أهله. وأما قول القائل: quot; إن شهوة المرأة تزيد على شهوة الرجل quot; فليس كما قال والشهوة منبعها الحرارة وأين حرارة الأنثى من حرارة الذكر ولكن المرأة - لفراغها وبطالتها وعدم معاناتها لما يشغلها عن أمر شهوتها وقضاء وطرها - يغمرها سلطان الشهوة ويستولي عليها ولا يجد عندها ما يعارضه بل يصادف قلبا فارغا ونفسا خالية فيتمكن منها كل التمكن فيظن الظان أن شهوتها أضعاف شهوة الرجل وليس كذلك ومما يدل على هذا أن الرجل إذا جامع امرأته أمكنه أن يجامع غيرها في الحال كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يطوف على نسائه في الليلة الواحدة  وطاف سليمان على تسعين امرأة في ليلة ومعلوم أن له عند كل امرأة شهوة وحرارة باعثة على الوطء والمرأة إذا قضى الرجل وطره فترت شهوتها وانكسرت نفسها ولم تطلب قضاءها من غيره في ذلك الحين فتطابقت حكمة القدر والشرع والخلق والأمر ولله الحمد.  [فصل الحكمة في جواز استمتاع السيد بأمته دون العبد بسيدته] ] وأما قوله: quot; أباح للرجل أن يستمتع من أمته بملك اليمين بالوطء وغيره ولم يبح للمرأة أن تستمتع من عبدها لا بوطء ولا غيره quot; فهذا أيضا من كمال هذه الشريعة وحكمتها فإن السيد قاهر لمملوكه حاكم عليه مالك له والزوج قاهر لزوجته حاكم عليها وهي تحت سلطانه وحكمه شبه الأسير ولهذا منع العبد من نكاح سيدته للتنافي بين كونه مملوكها وبعلها وبين كونها سيدته وموطوءته وهذا أمر مشهور بالفطرة والعقول قبحه وشريعة أحكم الحاكمين منزهة عن أن تأتي به.(2\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "365",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "367",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وأما قوله: quot; وفرق بين الطلقات فجعل بعضها محرما للزوجة وبعضها غير محرم quot; فقد تقدم من بيان حكمة ذلك ومصلحته ما فيه كفاية فصل وأما قوله: quot; وفرق بين لحم الإبل وغيره من اللحوم في الوضوء quot; فقد تقدم في الفصل الذي قبل هذا جواب هذا السؤال وأنه على وفق الحكمة ورعاية المصلحة.  [فصل الحكمة في التفريق بين الكلب الأسود وغيره في قطع الصلاة] فصل [الحكمة في التفريق بين الكلب الأسود وغيره] وأما قوله: quot; وفرق بين الكلب الأسود وغيره في قطع الصلاة quot; فهذا سؤال أورده عبد الله بن الصامت على أبي ذر وأورده أبو ذر على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأجاب عنه بالفرق البين فقال: الكلب الأسود شيطان  وهذا إن أريد به أن الشيطان يظهر في صورة الكلب الأسود كثيرا كما هو الواقع فظاهر وليس بمستنكر أن يكون مرور عدو الله بين يدي المصلي قاطعا لصلاته ويكون مروره قد جعل تلك الصلاة بغيضة إلى الله مكروهة له فيأمر المصلي بأن يستأنفها وإن كان المراد به أن الكلب الأسود شيطان الكلاب فإن كل جنس من أجناس الحيوانات فيها شياطين وهي ماعتا منها وتمرد كما أن شياطين الإنس عتاتهم ومتمردوهم والإبل شياطين الأنعام وعلى ذروة كل بعير شيطان فيكون مرور هذا النوع من الكلاب - وهو من أخبثها وشرها - مبغضا لتلك الصلاة إلى الله تعالى فيجب على المصلي أن يستأنفها وكيف يستبعد أن يقطع مرور العدو بين الإنسان وبين وليه حكم مناجاته له كما قطعها كلمة من كلام الآدميين أو قهقهة أو ريح أو ألقى عليه الغير نجاسة أو نومه الشيطان فيها وفي الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إن شيطانا تفلت علي البارحة ليقطع علي صلاتي . وبالجملة فللشارع في أحكام العبادات أسرار لا تهتدي العقول إلى إدراكها على وجه التفصيل وإن أدركتها جملة(2\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "366",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "368",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الحكمة في التفرقة بين الريح والجشاء في الوضوء] فصل [الحكمة في التفرقة بين الريح والجشاء] أما قوله: quot; وفرق بين الريح الخارجة من الدبر وبين الجشوة فأوجب الوضوء من هذه دون هذه quot; فهذا أيضا من محاسن هذه الشريعة وكمالها كما فرق بين البلغم الخارج من الفم وبين العذرة في ذلك ومن سوى بين الريح والجشاء فهو كمن سوى بين البلغم والعذرة والجشاء من جنس العطاس الذي هو ريح تحتبس في الدماغ ثم تطلب لها منفذا فتخرج من الخياشيم فيحدث العطاس وكذلك الجشاء ريح تحتبس فوق المعدة فتطلب الصعود بخلاف الريح التي تحتبس تحت المعدة ومن سوى بين الجشوة والضرطة في الوصف والحكم فهو فاسد العقل والحس.  [فصل الحكمة في التفرقة بين الخيل والإبل في الزكاة] وأما قوله: quot; أوجب الزكاة في خمس من الإبل وأسقطها عن آلاف من الخيل quot; فلعمر الله إنه أوجب الزكاة في هذا الجنس دون هذا كما في سنن أبي داود من حديث عاصم بن ضمرة عن علي كرم الله وجهه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قد عفوت عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهما درهم وليس في تسعين ومائة شيء فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم ورواه سفيان عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي. وقال بقية: حدثني أبو معاذ الأنصاري عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة يرفعه: عفوت لكم عن صدقة الجبهة والكسعة والنخة قال بقية: الجبهة: الخيل والكسعة: البغال والحمير والنخة: المربيات في البيوت وفي كتاب عمرو بن حزم: quot; لا صدقة في الجبهة والكسعة والكسعة الحمير والجبهة: الخيل quot;. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة والفرق بين الخيل والإبل أن الخيل تراد لغير ما تراد له الإبل فإن الإبل تراد للدر والنسل والأكل وحمل الأثقال والمتاجر والانتقال عليها من بلد إلى بلد وأما الخيل فإنما خلقت للكر والفر والطلب والهرب وإقامة الدين وجهاد أعدائه. وللشارع قصد أكيد في(2\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "367",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "369",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اقتنائها وحفظها والقيام عليها وترغيب النفوس في ذلك بكل طريق ولذلك عفا عن أخذ الصدقة منها ليكون ذلك أرغب للنفوس فيما يحبه الله ورسوله من اقتنائها ورباطها وقد قال الله تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل [الأنفال: 60] فرباط الخيل من جنس آلات السلاح والحرب فلو كان عند الرجل منها ما عساه أن يكون ولم يكن للتجارة لم يكن عليه فيه زكاة بخلاف ما أعد للنفقة فإن الرجل إذا ملك منه نصابا ففيه الزكاة وقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا بعينه في قوله: قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة أفلا تراه كيف فرق بين ما أعد للإنفاق وبين ما أعد لإعلاء كلمة الله ونصر دينه وجهاد أعدائه فهو من جنس السيوف والرماح والسهام وإسقاط الزكاة في هذا الجنس من محاسن الشريعة وكمالها.  [فصل الحكمة في التفريق بين بعض مقادير الزكاة] وأما قوله: quot; أوجب في الذهب والفضة والتجارة ربع العشر وفي الزروع والثمار نصف العشر أو العشر وفي المعدن الخمس quot; فهذا أيضا من كمال الشريعة ومراعاتها للمصالح فإن الشارع أوجب الزكاة مواساة للفقراء وطهرة للمال وعبودية للرب وتقربا إليه بإخراج محبوب العبد له وإيثار مرضاته. ثم فرضها على أكمل الوجوه وأنفعها للمساكين وأرفقها بأرباب الأموال ولم يفرضها في كل مال بل فرضها في الأموال التي تحتمل المواساة ويكثر فيها الربح والدر والنسل ولم يفرضها فيما يحتاج العبد إليه من ماله ولا غنى له عنه كعبيده وإمائه ومركوبه وداره وثيابه وسلاحه بل فرضها في أربعة أجناس من المال: المواشي والزروع والثمار والذهب والفضة وعروض التجارة فإن هذه أكثر أموال الناس الدائرة بينهم وعامة تصرفهم فيها وهي التي تحتمل المواساة دون ما أسقط الزكاة فيه ثم قسم كل جنس من هذه الأجناس بحسب حاله وإعداده للنماء إلى ما فيه الزكاة وإلى ما لا زكاة فيه فقسم المواشي إلى قسمين: سائمة ترعى بغير كلفة ولا مشقة ولا خسارة فالنعمة فيها كاملة والمنة بها وافرة والكلفة فيها يسيرة والنماء فيها كثير فخص هذا النوع بالزكاة وإلى معلوفة بالثمن أو عاملة في مصالح أربابها في دواليهم وحروثهم وحمل أمتعتهم فلم يجعل في ذلك زكاة: لكلفة المعلوفة وحاجة المالكين إلى العوامل فهي كثيابهم وعبيدهم وإمائهم وأمتعتهم. ثم قسم الزروع والثمار إلى قسمين: قسم يجري مجرى السائمة من بهيمة الأنعام(2\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "368",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "370",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في سقيه من ماء السماء بغير كلفة ولا مشقة فأوجب فيه العشر وقسم يسقى بكلفة ومشقة ولكن كلفته دون كلفة المعلوفة بكثير إذ تلك تحتاج إلى العلف كل يوم فكان مرتبة بين مرتبة السائمة والمعلوفة فلم يوجب فيه زكاة ما شرب بنفسه ولم يسقط زكاته جملة واحدة فأوجب فيه نصف العشر. ثم قسم الذهب والفضة إلى قسمين: أحدهما ما هو معد للثمنية والتجارة به والتكسب ففيه الزكاة كالنقدين والسبائك ونحوها وإلى ما هو معد للانتفاع دون الربح والتجارة كحلية المرأة وآلات السلاح التي يجوز استعمال مثلها فلا زكاة فيه. ثم قسم العروض إلى قسمين: قسم أعد للتجارة ففيه الزكاة وقسم أعد للقنية والاستعمال فهو مصروف عن جهة النماء فلا زكاة فيه. ثم لما كان حصول النماء والربح بالتجارة من أشق الأشياء وأكثر معاناة وعملا خففها بأن جعل فيها ربع العشر ولما كان الربح والنماء بالزروع والثمار التي تسقى بالكلفة أقل كلفة والعمل أيسر ولا يكون في كل السنة جعله ضعفه وهو نصف العشر ولما كان التعب والعمل فيما يشرب بنفسه أقل والمئونة أيسر جعله ضعف ذلك وهو العشر واكتفى فيه بزكاة عامة خاصة فلو أقام عنده بعد ذلك عدة أحوال لغير التجارة لم يكن فيه زكاة لأنه قد انقطع نماؤه وزيادته بخلاف الماشية وبخلاف ما لو أعد للتجارة فإنه عرضة للنماء ثم لما كان الركاز مالا مجموعا محصلا وكلفة تحصيله أقل من غيره ولم يحتج إلى أكثر من استخراجه كان الواجب فيه ضعف ذلك وهو الخمس. فانظر إلى تناسب هذه الشريعة الكاملة التي بهر العقول حسنها وكمالها وشهدت الفطر بحكمتها وأنه لم يطرق العالم شريعة أفضل منها. ولو اجتمعت عقول العقلاء وفطر الألباء واقترحت شيئا يكون أحسن مقترح لم يصل اقتراحها إلى ما جاءت به. ولما لم يكن كل مال يحتمل المواساة قدر الشارع لما يحتمل المواساة نصبا مقدرة لا تجب الزكاة في أقل منها ثم لما كانت تلك النصب تنقسم إلى ما لا يجحف المواساة ببعضه أوجب الزكاة منها وإلى ما يجحف المواساة ببعضه فجعل الواجب من غيره كما دون الخمس والعشرين من الإبل ثم لما كانت المواساة لا تحتمل كل يوم ولا كل شهر إذ فيه إجحاف بأرباب الأموال جعلها كل عام مرة كما جعل الصيام كذلك ولما كانت الصلاة لا يشق فعلها كل يوم وظفها كل يوم وليلة ولما كان الحج يشق تكرر وجوبه كل عام جعله وظيفة العمر.(2\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "369",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "371",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا تأمل العاقل مقدار ما أوجبه الشارع في الزكاة وجده مما لا يضر المخرج فقده وينفع الفقير أخذه ورآه قد راعى في حال صاحب المال وجانبه حق الرعاية ونفع الآخذ به وقصد إلى كل جنس من أجناس الأموال فأوجب الزكاة في أعلاه وأشرفه فأوجب زكاة العين في الذهب والورق دون الحديد والرصاص والنحاس ونحوها وأوجب زكاة السائمة في الإبل والبقر والغنم دون الخيل والبغال والحمير دون ما يقل اقتناؤه كالصيود على اختلاف أنواعها ودون الطير كله وأوجب زكاة الخارج من الأرض في أشرفه وهو الحبوب والثمار دون البقول والفواكه والمقاثي والمباطخ والأنوار. وغير خاف تميز ما أوجب فيه الزكاة عما لم يوجبها في جنسه ووصفه ونفعه وشدة الحاجة إليه وكثرة وجوده وأنه جار مجرى الأموال لما عداه من أجناس الأموال بحيث لو فقد لأضر فقده بالناس وتعطل عليهم كثير من مصالحهم بخلاف ما لم يوجب فيه الزكاة فإنه جار مجرى الفضلات والتتمات التي لو فقدت لم يعظم الضرر بفقدها وكذلك راعى في المستحقين لها أمرين مهمين: أحدهما: حاجة الأخذ. والثاني: نفعه فجعل المستحقين لها نوعين: نوعا يأخذ لحاجته ونوعا يأخذ لنفعه وحرمها على من عداهما.  [فصل حكمة قطع يد السارق دون لسان القاذف]  مثلا] وأما قوله: quot; وقطع يد السارق التي باشر بها الجناية ولم يقطع فرج الزاني وقد باشر به الجناية ولا لسان القاذف وقد باشر به القذف quot; فجوابه أن هذا من أدل الدلائل على أن هذه الشريعة منزلة من عند أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين. ونحن نذكر فصلا نافعا في الحدود ومقاديرها وكمال رتبها على أسبابها واقتضاء كل جناية لما رتب عليها دون غيرها وأنه ليس وراء ذلك للعقول اقتراح ونورد أسئلة لم يوردها هذا السائل وننفصل عنها بحول الله وقوته أحسن انفصال والله المستعان وعليه التكلان. إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه لما خلق العباد وخلق الموت والحياة وجعل ما على الأرض زينة لها ليبلو عباده ويختبرهم أيهم أحسن عملا لم يكن في حكمته بد من تهيئة أسباب الابتلاء في أنفسهم وخارجا عنها فجعل في أنفسهم العقول الصحيحة والأسماع والأبصار والإرادة والشهوات والقوى والطبائع والحب والبغض والميل والنفور والأخلاق(2\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "370",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "372",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المتضادة المقتضية لآثارها اقتضاء السبب لمسببه والتي في الخارج الأسباب التي تطلب النفوس حصولها فتنافس فيه وتكره حصوله فتدفعه عنها ثم أكد أسباب هذا الابتلاء بأن وكل بها قرناء من الأرواح الشريرة الظالمة الخبيثة وقرناء من الأرواح الخيرة العادلة الطيبة وجعل دواعي القلب وميوله مترددة بينهما فهو إلى داعي الخير مرة وإلى داعي الشر مرة ليتم الابتلاء في دار الامتحان وتظهر حكمة الثواب والعقاب في دار الجزاء وكلاهما من الحق الذي خلق الله السماوات والأرض به ومن أجله وهما مقتضى ملك الرب وحمده فلا بد أن يظهر ملكه وحمده فيهما كما ظهر في خلق السماوات والأرض وما بينهما وأوجب ذلك في حكمته ورحمته وعدله بحكم إيجابه على نفسه أن أرسل رسله وأنزل كتبه وشرع شرائعه ليتم ما اقتضته حكمته في خلقه وأمره وأقام سوق الجهاد لما حصل من المعاداة والمنافرة بين هذه الأخلاق والأعمال والإرادات كما حصل بين من قامت به. فلم يكن بد من حصول مقتضى الطباع البشرية وما قارنها من الأسباب من التنافس والتحاسد والانقياد لدواعي الشهوة والغضب وتعدي ما حد له والتقصير عن كثير مما تعبد به وسهل ذلك عليها اغترارها بموارد المعصية مع الإعراض من مصادرها وإيثارها ما تتعجله من يسير اللذة في دنياها على ما تتأجله من عظيم اللذة في أخراها ونزولها على الحاضر المشاهد وتجافيها عن الغائب الموعود وذلك موجب ما جبلت عليه من جهلها وظلمها فاقتضت أسماء الرب الحسنى وصفاته العليا وحكمته البالغة ونعمته السابغة ورحمته الشاملة وجوده الواسع أن لا يضرب عن عباده الذكر صفحا وأن لا يتركهم سدى ولا يخليهم ودواعي أنفسهم وطبائعهم بل ركب في فطرهم وعقولهم معرفة الخير والشر والنافع والضار والألم واللذة ومعرفة أسبابها ولم يكتف بمجرد ذلك حتى عرفهم به مفصلا على ألسنة رسله وقطع معاذيرهم بأن أقام على صدقهم من الأدلة والبراهين ما لا يبقى معه لهم عليه حجة ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم وصرف لهم طرق الوعد والوعيد والترغيب والترهيب وضرب لهم الأمثال وأزال عنهم كل إشكال ومكنهم من القيام بما أمرهم به وترك ما نهاهم عنه غاية التمكين وأعانهم عليه بكل سبب وسلطهم على قهر طباعهم بما يجرهم إلى إيثار العواقب على المبادي ورفض اليسير الفاني من اللذة إلى العظيم الباقي منها وأرشدهم إلى التفكير والتدبر وإيثار ما تقضي به عقولهم وأخلاقهم من هذين الأمرين وأكمل لهم دينهم وأتم عليهم نعمته بما أوصله إليهم على ألسنة رسله من أسباب العقوبة والمثوبة والبشارة والنذارة والرغبة والرهبة وتحقيق ذلك بالتعجيل لبعضه في دار المحنة ليكون علما وإمارة لتحقيق ما أخره عنهم في دار الجزاء(2\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "371",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "373",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمثوبة ويكون العاجل مذكرا بالآجل والقليل المنقطع بالكثير المتصل والحاضر الفائت مؤذنا بالغائب الدائم فتبارك الله رب العالمين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وسبحانه وتعالى عما يظنه به من لم يقدره ممن أنكر أسماءه وصفاته وأمره ونهيه ووعده ووعيده وظن به ظن السوء فأرداه ظنه فأصبح من الخاسرين. [من حكمة الله شرع الحدود] فكان من بعض حكمته سبحانه ورحمته أن شرع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس بعضهم على بعض في الرءوس والأبدان والأعراض والأموال كالقتل والجراح والقذف والسرقة فأحكم سبحانه وجوه الزجر الرادعة عن هذه الجنايات غاية الإحكام وشرعها على أكمل الوجوه المتضمنة لمصلحة الردع والزجر مع عدم المجاوزة لما يستحقه الجاني من الردع فلم يشرع في الكذب قطع اللسان ولا القتل ولا في الزنا الخصاء ولا في السرقة إعدام النفس. وإنما شرع لهم في ذلك ما هو موجب أسمائه وصفاته من حكمته ورحمته ولطفه وإحسانه وعدله لتزول النوائب وتنقطع الأطماع عن التظالم والعدوان ويقتنع كل إنسان بما آتاه مالكه وخالقه فلا يطمع في استلاب غيره حقه. [تفاوتت الجنايات فتفاوتت العقوبات] ومعلوم أن لهذه الجنايات الأربع مراتب متباينة في القلة والكثرة ودرجات متفاوتة في شدة الضرر وخفته كتفاوت سائر المعاصي في الكبر والصغر وما بين ذلك. ومن المعلوم أن النظرة المحرمة لا يصلح إلحاقها في العقوبة بعقوبة مرتكب الفاحشة ولا الخدشة بالعود بالضربة بالسيف ولا الشتم الخفيف بالقذف بالزنا والقدح في الأنساب ولا سرقة اللقمة والفلس بسرقة المال الخطير العظيم فلما تفاوتت مراتب الجنايات لم يكن بد من تفاوت مراتب العقوبات وكان من المعلوم أن الناس لو وكلوا إلى عقولهم في معرفة ذلك وترتيب كل عقوبة على ما يناسبها من الجناية جنسا ووصفا وقدرا لذهبت بهم الآراء كل مذهب وتشعبت بهم الطرق كل مشعب ولعظم الاختلاف واشتد الخطب فكفاهم أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين مؤنة ذلك وأزال عنهم كلفته وتولى بحكمته وعلمه ورحمته تقديره نوعا وقدرا ورتب على كل جناية ما يناسبها من العقوبة ويليق بها من النكال ثم بلغ من سعة رحمته وجوده أن جعل تلك العقوبات كفارات لأهلها وطهرة تزيل عنهم المؤاخذة بالجنايات إذا قدموا عليه ولا سيما إذا كان منهم بعدها التوبة النصوح والإنابة فرحمهم بهذه العقوبات أنواعا من الرحمة في الدنيا(2\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "372",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "374",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والآخرة وجعل هذه العقوبات دائرة على ستة أصول: قتل وقطع وجلد ونفي وتغريم مال وتعزير. [القتل وموجبه] فأما القتل فجعله عقوبة أعظم الجنايات كالجناية على الأنفس فكانت عقوبته من جنسه وكالجناية على الدين بالطعن فيه والارتداد عنه وهذه الجناية أولى بالقتل وكف عدوان الجاني عليه من كل عقوبة إذ بقاؤه بين أظهر عباده مفسدة لهم ولا خير يرجى في بقائه ولا مصلحة فإذا حبس شره وأمسك لسانه وكف أذاه والتزم الذل والصغار وجريان أحكام الله ورسوله عليه وأداء الجزية لم يكن في بقائه بين أظهر المسلمين ضرر عليهم والدنيا بلاغ ومتاع إلى حين وجعله أيضا عقوبة الجناية على الفروج المحرمة لما فيها من المفاسد العظيمة واختلاط الأنساب والفساد العام. [القطع وموجبه] وأما القطع فجعله عقوبة مثله عدلا وعقوبة السارق فكانت عقوبته به أبلغ وأردع من عقوبته بالجلد ولم تبلغ جنايته حد العقوبة بالقتل فكان أليق العقوبات به إبانة العضو الذي جعله وسيلة إلى أذى الناس وأخذ أموالهم ولما كان ضرر المحارب أشد من ضرر السارق وعدوانه أعظم ضم إلى قطع يده قطع رجله ليكف عدوانه وشر يده التي بطش بها ورجله التي سعى بها وشرع أن يكون ذلك من خلاف لئلا يفوت عليه منفعة الشق بكماله فكف ضرره وعدوانه ورحمه بأن أبقى له يدا من شق ورجلا من شق. [الجلد وموجبه] وأما الجلد فجعله عقوبة الجناية على الأعراض وعلى العقول وعلى الأبضاع ولم تبلغ هذه الجنايات مبلغا يوجب القتل ولا إبانة طرف إلا الجناية على الأبضاع فإن مفسدتها قد انتهضت سببا لأشنع القتلات ولكن عارضها في البكر شدة الداعي وعدم المعوض فانتهض ذلك المعارض سببا لإسقاط القتل ولم يكن الجلد وحده كافيا في الزجر فغلظ بالنفي والتغريب ليذوق من ألم الغربة ومفارقة الوطن ومجانبة الأهل والخلطاء ما يزجره عن المعاودة وأما الجناية على العقول بالسكر فكانت مفسدتها لا تتعدى السكران غالبا ولهذا لم يحرم السكر في أول الإسلام كما حرمت الفواحش والظلم والعدوان في كل ملة وعلى لسان كل نبي وكانت عقوبة هذه الجناية غير مقدرة من الشارع بل ضرب فيها بالأيدي والنعال وأطراف الثياب والجريد وضرب فيها أربعين فلما استخف الناس بأمرها(2\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "373",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "375",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتتابعوا في ارتكابها غلظها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الذي أمرنا باتباع سنته وسنته من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعلها ثمانين بالسوط ونفى فيها وحلق الرأس وهذا كله من فقه السنة فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتل الشارب في المرة الرابعة ولم ينسخ ذلك ولم يجعله حدا لا بد منه فهو عقوبة ترجع إلى اجتهاد الإمام في المصلحة فزيادة أربعين والنفي والحلق أسهل من القتل. فصل [تغريم المال وموجبه] وأما تغريم المال - وهو العقوبة المالية - فشرعها في مواضع: منها تحريق متاع الغال من الغنيمة ومنها حرمان سهمه ومنها إضعاف الغرم على سارق الثمار المعلقة ومنها إضعافه على كاتم الضالة الملتقطة ومنها أخذ شطر مال مانع الزكاة ومنها عزمه - صلى الله عليه وسلم - على تحريق دور من لا يصلي في الجماعة لولا ما منعه من إنفاذه ما عزم عليه من كون الذرية والنساء فيها فتتعدى العقوبة إلى غير الجاني وذلك لا يجوز كما لا يجوز عقوبة الحامل ومنها عقوبة من أساء على الأمير في الغزو بحرمان سلب القتيل لمن قتله حيث شفع فيه هذا المسيء وأمر الأمير بإعطائه فحرم المشفوع له عقوبة للشافع الآمر. [التغريم نوعان مضبوط وغير مضبوط] وهذا الجنس من العقوبات نوعان: نوع مضبوط ونوع غير مضبوط فالمضبوط ما قابل المتلف إما لحق الله سبحانه كإتلاف الصيد في الإحرام أو لحق الآدمي كإتلاف ماله وقد نبه الله سبحانه على أن تضمين الصيد متضمن للعقوبة بقوله: ليذوق وبال أمره [المائدة: 95] ومنه مقابلة الجاني بنقيض قصده من الحرمان كعقوبة القاتل لمورثه بحرمان ميراثه وعقوبة المدبر إذا قتل سيده ببطلان تدبيره وعقوبة الموصى له ببطلان وصيته ومن هذا الباب عقوبة الزوجة الناشزة بسقوط نفقتها وكسوتها. وأما النوع الثاني غير المقدر فهذا الذي يدخله اجتهاد الأئمة بحسب المصالح ولذلك لم تأت فيه الشريعة بأمر عام وقدر لا يزاد فيه ولا ينقص كالحدود ولهذا اختلف الفقهاء فيه: هل حكمه منسوخ أو ثابت والصواب أنه يختلف باختلاف المصالح ويرجع فيه إلى اجتهاد الأئمة في كل زمان ومكان بحسب المصلحة إذ لا دليل على النسخ وقد فعله الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من الأئمة.(2\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "374",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "376",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التعزير ومواضعه] وأما التعزير ففي كل معصية لا حد فيها ولا كفارة فإن المعاصي ثلاثة أنواع: نوع فيه الحد ولا كفارة فيه ونوع فيه الكفارة ولا حد فيه ونوع لا حد فيه ولا كفارة فالأول - كالسرقة والشرب والزنا والقذف والثاني: - كالوطء في نهار رمضان والوطء في الإحرام والثالث - كوطء الأمة المشتركة بينه وبين غيره وقبلة الأجنبية والخلوة بها ودخول الحمام بغير مئزر وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير ونحو ذلك فأما النوع الأول: فالحد فيه مغن عن التعزير وأما النوع الثاني: فهل يجب مع الكفارة فيه تعزير أم لا على قولين: وهما في مذهب أحمد وأما النوع الثالث: ففيه التعزير قولا واحدا ولكن هل هو كالحد فلا يجوز للإمام تركه أو هو راجع إلى اجتهاد الإمام في إقامته وتركه كما يرجع إلى اجتهاده في قدره على قولين للعلماء الثاني قول الشافعي والأول قول الجمهور. وما كان من المعاصي محرم الجنس كالظلم والفواحش فإن الشارع لم يشرع له كفارة ولهذا لا كفارة في الزنا وشرب الخمر وقذف المحصنات والسرقة وطرد هذا أنه لا كفارة في قتل العمد ولا في اليمين الغموس كما يقوله أحمد وأبو حنيفة ومن وافقهما وليس ذلك تخفيفا عن مرتكبهما بل لأن الكفارة لا تعمل في هذا الجنس من المعاصي وإنما عملها فيها فيما كان مباحا في الأصل وحرم لعارض كالوطء في الصيام والإحرام وطرد هذا وهو الصحيح وجوب الكفارة في وطء الحائض وهو موجب القياس لو لم تأت الشريعة به فكيف وقد جاءت به مرفوعة وموقوفة  وعكس هذا الوطء في الدبر ولا كفارة فيه ولا يصح قياسه على الوطء في الحيض لأن هذا الجنس لم يبح قط ولا تعمل فيه الكفارة ولو وجبت فيه الكفارة لوجبت في الزنا واللواط بطريق الأولى فهذه قاعدة الشارع في الكفارات وهي في غاية المطابقة للحكمة والمصلحة.  [فصل اشتراط الحجة لإيقاع العقوبة] فصل [من حكمة الله اشتراط الحجة لإيقاع العقوبة] وكان من تمام حكمته ورحمته أنه لم يأخذ الجناة بغير حجة كما لم يعذبهم في الآخرة إلا بعد إقامة الحجة عليهم وجعل الحجة التي يأخذهم بها إما منهم وهي الإقرار أو ما يقوم مقامه من إقرار الحال وهو أبلغ وأصدق من إقرار اللسان فإن من قامت عليه شواهد الحال بالجناية كرائحة الخمر وقيئها وحبل من لا زوج لها ولا سيد ووجود المسروق في دار السارق وتحت ثيابه أولى بالعقوبة ممن قامت عليه شهادة إخباره عن نفسه التي تحتمل(2\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "375",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "377",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصدق والكذب وهذا متفق عليه بين الصحابة وإن نازع فيه بعض الفقهاء وإما أن تكون الحجة من خارج عنهم وهي البينة واشترط فيها العدالة وعدم التهمة فلا أحسن في العقول والفطر من ذلك ولو طلب منا الاقتراح لم نقترح أحسن من ذلك ولا أوفق منه للمصلحة.  [السر في أن العقوبات لم يطرد جعلها من جنس الذنوب] فإن قيل: كيف تدعون أن هذه العقوبات لاصقة بالعقول وموافقة للمصالح وأنتم تعلمون أنه لا شيء بعد الكفر بالله أفظع ولا أقبح من سفك الدماء فكيف تردعون عن سفك الدم بسفكه وهل مثال ذلك إلا إزالة نجاسة بنجاسة ثم لو كان ذلك مستحسنا لكان أولى أن يحرق ثوب من حرق ثوب غيره وأن يذبح حيوان من ذبح حيوان غيره وأن تخرب دار من خرب دار غيره وأن يجوز لمن شتم أن يشتم شاتمه وما الفرق في صريح العقل بين هذا وبين قتل من قتل غيره أو قطع من قطعه  وإذا كان إراقة الدم الأول مفسدة وقطع الطرف كذلك فكيف زالت تلك المفسدة بإراقة الدم الثاني وقطع الطرف الثاني  وهل هذا إلا مضاعفة للمفسدة وتكثير لها ولو كانت المفسدة الأولى تزول بهذه المفسدة الثانية لكان فيه ما فيه إذ كيف تزال مفسدة بمفسدة نظيرها من كل وجه  فكيف والأولى لا سبيل إلى إزالتها  وتقرير ذلك بما ذكرناه من عدم إزالة مفسدة تحريق الثياب وذبح المواشي وخراب الدور وقطع الأشجار بمثلها ثم كيف حسن أن يعاقب السارق بقطع يده التي اكتسب بها السرقة ولم تحسن عقوبة الزاني بقطع فرجه الذي اكتسب به الزنا ولا القاذف بقطع لسانه الذي اكتسب به القذف ولا المزور على الإمام والمسلمين بقطع أنامله التي اكتسب بها التزوير ولا الناظر إلى ما لا يحل له بقلع عينه التي اكتسب بها الحرام فعلم أن الأمر في هذه العقوبات جنسا وقدرا وسببا ليس بقياس وإنما هو محض المشيئة ولله التصرف في خلقه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. فالجواب - وبالله التوفيق والتأييد - من طريقين: مجمل ومفصل: أما المجمل: فهو أن من شرع هذه العقوبات ورتبها على أسبابها جنسا وقدرا فهو عالم الغيب والشهادة وأحكم الحاكمين وأعلم العالمين ومن أحاط بكل شيء علما وعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون وأحاط علمه بوجوه المصالح دقيقها وجليلها وخفيها وظاهرها ما يمكن اطلاع البشر عليه وما لا يمكنهم وليست هذه التخصيصات والتقديرات خارجة عن وجوه الحكم والغايات المحمودة كما أن التخصيصات والتقديرات الواقعة في خلقه كذلك فهذا في خلقه وذاك في أمره(2\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "376",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "378",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومصدرهما جميعا عن كمال علمه وحكمته ووضعه كل شيء في موضعه الذي لا يليق به سواه ولا يتقاضى إلا إياه كما وضع قوة البصر والنور للباصر في العين وقوة السمع في الأذن وقوة الشم في الأنف وقوة النطق في اللسان والشفتين وقوة البطش في اليد وقوة المشي في الرجل وخص كل حيوان وغيره بما يليق به ويحسن أن يعطاه من أعضائه وهيئاته وصفاته وقدره فشمل إتقانه وإحكامه لكل ما شمله خلقه كما قال تعالى: صنع الله الذي أتقن كل شيء [النمل: 88] وإذا كان سبحانه قد أتقن خلقه غاية الإتقان وأحكمه غاية الإحكام فلأن يكون أمره في غاية الإتقان والإحكام أولى وأحرى ومن لم يعرف ذلك مفصلا لم يسعه أن ينكره مجملا ولا يكون جهله بحكمة الله في خلقه وأمره وإتقانه كذلك وصدوره عن محض العلم والحكمة مسوغا له إنكاره في نفس الأمر. وسبحان الله ما أعظم ظلم الإنسان وجهله فإنه لو اعترض على أي صاحب صناعة كانت ممن تقصر عنها معرفته وإدراكه على ذلك وسأله عما اختصت به صناعته من الأسباب والآلات والأفعال والمقادير وكيف كان كل شيء من ذلك على الوجه الذي هو عليه لا أكبر ولا أصغر ولا على شكل غير ذلك يسخر منه ويهزأ به وعجب من سخف عقله وقلة معرفته. هذا ما تهيأه بمشاركته له في صناعته ووصوله فيها إلى ما وصل إليه والزيادة عليه والاستدراك عليه فيها هذا مع أن صاحب تلك الصناعة غير مدفوع عن العجز والقصور وعدم الإحاطة والجهل بل ذلك عنده عتيد حاضر ثم لا يسعه إلا التسليم له والاعتراف بحكمته وقراره بجهله وعجزه عما وصل إليه من ذلك فهلا وسعه ذلك مع أحكم الحاكمين وأعلم العالمين ومن أتقن كل شيء فأحكمه وأوقعه على وفق الحكمة والمصلحة وقد كان هذا الوجه وحده كافيا في دفع كل شبهة وجواب كل سؤال وهذا غير الطريق التي سلكها نفاة الحكم والتعليل ولكن مع هذا فنتصدى للجواب المفصل بحسب الاستعداد وما يناسب علومنا الناقصة وأفهامنا الجامدة وعقولنا الضعيفة وعباراتنا القاصرة فنقول وبالله التوفيق: [ردع المفسدين مستحسن في العقول] أما قوله: quot; كيف تردعون عن سفك الدم بسفكه وأن ذلك كإزالة النجاسة بالنجاسة quot; سؤال في غاية الوهن والفساد وأول ما يقال لسائله: هل تراه ردع المفسدين والجناة عن فسادهم وجناياتهم وكف عدوانهم مستحسنا في العقول موافقا لمصالح العباد أو لا تراه كذلك فإن قال: quot; لا أراه كذلك quot; كفانا مؤنة جوابه بإقراره على نفسه بمخالفة جميع طوائف بني آدم على اختلاف مللهم ونحلهم ودياناتهم وآرائهم ولولا عقوبة الجناة والمفسدين(2\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "377",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "379",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأهلك الناس بعضهم بعضا وفسد نظام العالم وصارت حال الدواب والأنعام والوحوش أحسن من حال بني آدم وإن قال: quot; بل لا تتم المصلحة إلا بذلك quot; قيل له: من المعلوم أن عقوبة الجناة والمفسدين لا تتم إلا بمؤلم يردعهم ويجعل الجاني نكالا وعظة لمن يريد أن يفعل مثل فعله وعند هذا فلا بد من إفساد شيء منه بحسب جريمته في الكبر والصغر والقلة والكثرة. [التسوية في العقوبات مع اختلاف الجرائم لا تليق بالحكمة] ومن المعلوم ببدائه العقول أن التسوية في العقوبات مع تفاوت الجرائم غير مستحسن بل مناف للحكمة والمصلحة فإنه إن ساوى بينها في أدنى العقوبات لم تحصل مصلحة الزجر وإن ساوى بينها في أعظمها كان خلاف الرحمة والحكمة إذ لا يليق أن يقتل بالنظرة والقبلة ويقطع بسرقة الحبة والدينار. وكذلك التفاوت بين العقوبات مع استواء الجرائم قبيح في الفطر والعقول وكلاهما تأباه حكمة الرب تعالى وعدله وإحسانه إلى خلقه فأوقع العقوبة تارة بإتلاف النفس إذا انتهت الجناية في عظمها إلى غاية القبح كالجناية على النفس أو الدين أو الجناية التي ضررها عام فالمفسدة التي في هذه العقوبة خاصة والمصلحة الحاصلة بها أضعاف أضعاف تلك المفسدة كما قال تعالى: ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون [البقرة: 179] فلولا القصاص لفسد العالم وأهلك الناس بعضهم بعضا ابتداء واستيفاء فكان في القصاص دفعا لمفسدة التجرؤ على الدماء بالجناية وبالاستيفاء. وقد قالت العرب في جاهليتها: quot; القتل أنفى للقتل quot;. وبسفك الدماء تحقن الدماء فلم تغسل النجاسة بالنجاسة بل الجناية نجاسة والقصاص طهرة وإذا لم يكن بد من موت القاتل ومن استحق القتل فموته بالسيف أنفع له في عاجلته وآجلته والموت به أسرع الموتات وأوحاها وأقلها ألما فموته به مصلحة له ولأولياء القتيل ولعموم الناس وجرى ذلك مجرى إتلاف الحيوان بذبحه لمصلحة الآدمي فإنه حسن وإن كان في ذبحه إضرار بالحيوان فالمصالح المرتبة على ذبحه أضعاف أضعاف مفسدة إتلافه ثم هذا السؤال الفاسد يظهر فساده وبطلانه بالموت الذي ختمه الله على عباده وساوى فيه بين جميعهم ولولاه لما هنأ العيش ولا وسعتهم الأرزاق ولضاقت عليهم المساكن والمدن والأسواق والطرقات وفي مفارقة البغيض من اللذة والراحة ما في مواصلة الحبيب والموت مخلص للحي والموت مريح لكل منهما من صاحبه ومخرج من دار الابتلاء والامتحان [و] باب للدخول في دار الحيوان.(2\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "378",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "380",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جزى الله عنا الموت خيرا فإنه ... أبر بنا من كل بر وأعطف يعجل تخليص النفوس من الأذى ... ويدني إلى الدار التي هي أشرف فكم لله سبحانه على عباده الأحياء والأموات في الموت من نعمة لا تحصى فكيف إذا كان فيه طهرة للمقتول وحياة للنوع الإنساني وتشف للمظلوم وعدل بين القاتل والمقتول فسبحان من تنزهت شريعته عن خلاف ما شرعها عليه من اقتراح العقول الفاسدة والآراء الضالة الجائرة. وأما قوله: quot; لو كان ذلك مستحسنا في العقول لاستحسن في تحريق ثوبه وتخريب داره وذبح حيوانه مقابلته بمثله quot;. [مقابلة الإتلاف بمثله في كل الأحوال شريعة الظالمين] فالجواب عن هذا أن مفسدة تلك الجنايات تندفع بتغريمه نظير ما أتلفه عليه فإن المثل يسد مسد المثل من كل وجه فتصير المقابلة مفسدة محضة كما ليس له أن يقتل ابنه أو غلامه مقابلة لقتله هو ابنه أو غلامه فإن هذا شرع الظالمين المعتدين الذي تنزه عنه شريعة أحكم الحاكمين على أن للمقابلة في إتلاف المال بمثل فعله مساغا في الاجتهاد وقد ذهب إليه بعض أهل العلم كما تقدم الإشارة إليه في عقوبة الكفار بإفساد أموالهم إذا كانوا يفعلون ذلك بنا أو كان يغيظهم وهذا بخلاف قتل عبده إذا قتل عبده أو قتل فرسه أو عقر فرسه فإن ذلك ظلم لغير مستحق ولكن السنة اقتضت التضمين بالمثل لا إتلاف النظير كما غرم النبي - صلى الله عليه وسلم - إحدى زوجتيه التي كسرت إناء صاحبتها إناء بدله وقال: إناء بإناء ولا ريب أن هذا أقل فسادا وأصلح للجهتين لأن المتلف ماله إذا أخذ نظيره صار كمن لم يفت عليه شيء وانتفع بما أخذه عوض ماله فإذا مكناه من إتلافه كان زيادة في إضاعة المال وما يراد من التشفي وإذاقة الجاني ألم الإتلاف فحاصل بالغرم غالبا ولا التفات إلى الصور النادرة التي لا يتضرر الجاني فيها بالغرم ولا شك أن هذا أليق بالعقل وأبلغ في الصلاح وأوفق للحكمة وأيضا فإنه لو شرع القصاص في الأموال ردعا للجاني لبقي جانب المجني عليه غير مراعى بل يبقى متألما موتورا غير مجبور والشريعة إنما جاءت بجبر هذا وردع هذا. فإن قيل: فخيروا المجني عليه بين أن يغرم الجاني أو يتلف عليه نظير ما أتلفه هو كما خيرتموه في الجناية على طرفه وخيرتم أولياء القتيل بين إتلاف الجاني النظير وبين أخذ الدية.(2\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "379",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "381",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حكمة تخيير المجني عليه في بعض الأحوال دون بعض] قيل: لا مصلحة في ذلك للجاني ولا للمجني عليه ولا لسائر الناس وإنما هو زيادة فساد لا مصلحة فيه بمجرد التشفي ويكفي تغريبه وتعزيره في التشفي والفرق بين الأموال والدماء في ذلك ظاهر فإن الجناية على النفوس والأعضاء تدخل من الغيظ والحنق والعداوة على المجني عليه وأوليائه ما لا تدخله جناية المال ويدخل عليهم من الغضاضة والعار واحتمال الضيم والحمية والتحرق لأخذ الثأر ما لا يجبره المال أبدا حتى إن أولادهم وأعقابهم ليعيرون بذلك ولأولياء القتيل من القصد في القصاص وإذاقة الجاني وأوليائه ما أذاقه للمجني عليه وأوليائه ما ليس لمن حرق ثوبه أو عقرت فرسه والمجني عليه موتور هو وأولياؤه فإن لم يوتر الجاني وأولياؤه ويجرعوا من الألم والغيظ ما يجرعه الأول لم يكن عدلا. وقد كانت العرب في جاهليتها تعيب على من يأخذ الدية ويرضى بها من درك ثأره وشفاء غيظه كقول قائلهم يهجو من أخذ الدية من الإبل: وإن الذي أصبحتم تحلبونه ... دم غير أن اللون ليس بأشقرا وقال جرير يعير من أخذ الدية فاشترى بها نخلا: ألا أبلغ بني حجر بن وهب ... بأن التمر حلو في الشتاء وقال آخر: إذا صب ما في الوطب فاعلم بأنه ... دم الشيخ فاشرب من دم الشيخ أو دع وقال آخر: خليلان مختلف شكلنا ... أريد العلاء ويبغي السمن أريد دماء بني مالك ... ورأي المعلى بياض اللبن وهذا وإن كانت الشريعة قد أبطلته وجاءت بما هو خير منه وأصلح في المعاش والمعاد من تخيير الأولياء بين إدراك الثأر ونيل التشفي وبين أخذ الدية فإن القصد به أن العرب لم تكن تعير من أخذ بدل ماله ولم تعده ضعفا ولا عجزا ألبتة بخلاف من أخذ بدل دم وليه فما سوى الله بين الأمرين في طبع ولا عقل ولا شرع والإنسان قد يخرق ثوبه عند الغيظ ويذبح ماشيته ويتلف ماله فلا يلحقه في ذلك من المشقة والغيظ والازدراء به ما يلحق من قتل نفسه أو جدع أنفه أو قلع عينه.(2\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "380",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "382",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل [ليس من الحكمة إتلاف كل عضو وقعت به معصية] وأما معاقبة السارق بقطع يده وترك معاقبة الزاني بقطع فرجه ففي غاية الحكمة والمصلحة وليس في حكمة الله ومصلحة خلقه وعنايته ورحمته بهم أن يتلف على كل جان كل عضو عصاه به فيشرع قلع عين من نظر إلى المحرم وقطع أذن من استمع إليه ولسان من تكلم به ويد من لطم غيره عدوانا ولا خفاء بما في هذا من الإسراف والتجاوز في العقوبة وقلب مراتبها وأسماء الرب الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الحميدة تأبى ذلك وليس مقصود الشارع مجرد الأمن من المعاودة ليس إلا ولو أريد هذا لكان قتل صاحب الجريمة فقط وإنما المقصود الزجر والنكال والعقوبة على الجريمة وأن يكون إلى كف عدوانه أقرب وأن يعتبر به غيره وأن يحدث له ما يذوقه من الألم توبة نصوحا وأن يذكره ذلك بعقوبة الآخرة إلى غير ذلك من الحكم والمصالح.  [الحكمة في حد السرقة] ثم إن في حد السرقة معنى آخر وهو أن السرقة إنما تقع من فاعلها سرا كما يقتضيه اسمها ولهذا يقولون: quot; فلان ينظر إلى فلان مسارقة quot; إذا كان ينظر إليه نظرا خفيا لا يريد أن يفطن له والعازم على السرقة مختف كاتم خائف أن يشعر بمكانه فيؤخذ به ثم هو مستعد للهرب والخلاص بنفسه إذا أخذ الشيء واليدان للإنسان كالجناحين للطائر في إعانته على الطيران ولهذا يقال: quot; وصلت جناح فلان quot; إذا رأيته يسير منفردا فانضممت إليه لتصحبه فعوقب السارق بقطع اليد قصا لجناحه وتسهيلا لأخذه إن عاود السرقة فإذا فعل به هذا في أول مرة بقي مقصوص أحد الجناحين ضعيفا في العدو ثم يقطع في الثانية رجله فيزداد ضعفا في عدوه فلا يكاد يفوت الطالب ثم تقطع يده الأخرى في الثالثة ورجله الأخرى في الرابعة فيبقى لحما على وضم فيستريح ويريح.  [الحكمة في حد الزنا وتنويعه] وأما الزاني فإنه يزني بجميع بدنه والتلذذ بقضاء شهوته يعم البدن والغالب من فعله وقوعه برضا المزني بها فهو غير خائف ما يخافه السارق من الطلب فعوقب بما يعم بدنه من الجلد مرة والقتل بالحجارة مرة ولما كان الزنا من أمهات الجرائم وكبائر المعاصي لما فيه من اختلاف الأنساب الذي يبطل معه التعارف والتناصر على إحياء الدين وفي هذا هلاك الحرث والنسل فشاكل في معانيه أو في أكثرها القتل الذي فيه هلاك ذلك(2\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "381",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "383",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فزجر عنه بالقصاص ليرتدع عن مثل فعله من يهم به فيعود ذلك بعمارة الدنيا وصلاح العالم الموصل إلى إقامة العبادات الموصلة إلى نعيم الآخرة. ثم إن للزاني حالتين إحداهما: أن يكون محصنا قد تزوج فعلم ما يقع به من العفاف عن الفروج المحرمة واستغنى به عنها وأحرز نفسه عن التعرض لحد الزنا فزال عذره من جميع الوجوه في تخطي ذلك إلى مواقعة الحرام. والثانية: أن يكون بكرا لم يعلم ما علمه المحصن ولا عمل ما عمله فحمل له من العذر بعض ما أوجب له التخفيف فحقن دمه وزجر بإيلام جميع بدنه بأعلى أنواع الجلد ردعا عن المعاودة للاستمتاع بالحرام وبعثا له على القنع بما رزقه الله من الحلال. وهذا في غاية الحكمة والمصلحة جامع للتخفيف في موضعه والتغليظ في موضعه. وأين هذا من قطع لسان الشاتم والقاذف وما فيه من الإسراف والعدوان ثم إن قطع فرج الزاني فيه من تعطيل النسل وقطعه عكس مقصود الرب تعالى من تكثير الذرية وذريتهم فيما جعل لهم من أزواجهم وفيه من المفاسد أضعاف ما يتوهم فيه من مصلحة الزجر وفيه إخلاء جميع البدن من العقوبة وقد حصلت جريمة الزنا بجميع أجزائه فكان من العدل أن تعمه العقوبة ثم إنه غير متصور في حق المرأة وكلاهما زان فلا بد أن يستويا في العقوبة فكان شرع الله سبحانه أكمل من اقتراح المقترحين.  [إتلاف النفس عقوبة أفظع أنواع الجرائم] وتأمل كيف جاء إتلاف النفوس في مقابلة أكبر الكبائر وأعظمها ضررا وأشدها فسادا للعالم وهي الكفر الأصلي والطارئ والقتل وزنا المحصن وإذا تأمل العاقل فساد الوجود رآه من هذه الجهات الثلاث وهذه هي الثلاث التي أجاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن مسعود بها حيث قال له: يا رسول الله أي الذنب أعظم قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك قال: قلت: ثم أي قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قال: قلت: ثم أي قال: أن تزاني بحليلة جارك فأنزل الله عز وجل تصديق ذلك: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون [الفرقان: 68] الآية.  [ترتيب الحد تبعا لترتيب الجرائم] ثم لما كان سرقة الأموال تلي ذلك في الضرر وهو دونه جعل عقوبته قطع الطرف ثم لما كان القذف دون سرقة المال في المفسدة جعل عقوبته دون ذلك وهو الجلد ثم لما كان(2\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "382",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "384",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شرب المسكر أقل مفسدة من ذلك جعل حده دون حد هذه الجنايات كلها ثم لما كانت مفاسد الجرائم بعد متفاوتة غير منضبطة في الشدة والضعف والقلة والكثرة - وهي ما بين النظرة والخلوة والمعانقة - جعلت عقوباتها راجعة إلى اجتهاد الأئمة وولاة الأمور بحسب المصلحة في كل زمان ومكان وبحسب أرباب الجرائم في أنفسهم فمن سوى بين الناس في ذلك وبين الأزمنة والأمكنة والأحوال لم يفقه حكمة الشرع واختلفت عليه أقوال الصحابة وسيرة الخلفاء الراشدين وكثير من النصوص ورأى عمر قد زاد في حد الخمر على أربعين والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما جلد أربعين وعزر بأمور لم يعزر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنفذ على الناس أشياء عفا عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - فيظن ذلك تعارضا وتناقضا وإنما أتى من قصور علمه وفهمه وبالله التوفيق.  [فصل سوى الله بين العبد والحر في أحكام وفرق بينهما في أخرى] وأما قوله: quot; وجعل حد الرقيق على النصف من حد الحر وحاجتهما إلى الزجر واحدة quot; فلا ريب أن الشارع فرق بين الحر والعبد في أحكام وسوى بينهما في أحكام فسوى بينهما في الإيمان والإسلام ووجوب العبادات البدنية كالطهارة والصلاة والصوم لاستوائهما في سببهما وفرق بينهما في العبادات المالية كالحج والزكاة والتكفير بالمال لافتراقهما في سببهما. وأما الحدود فلما كان وقوع المعصية من الحر أقبح من وقوعها من العبد من جهة كمال نعمة الله تعالى عليه بالحرية وأن جعله مالكا لا مملوكا ولم يجعله تحت قهر غيره وتصرفه فيه ومن جهة تمكنه بأسباب القدرة من الاستغناء عن المعصية بما عوض الله عنها من المباحات فقابل النعمة التامة بضدها واستعمل القدرة في المعصية فاستحق من العقوبة أكثر مما يستحقه من هو أخفض منه رتبة وأنقص منزلة فإن الرجل كلما كملت نعمة الله عليه كانت عقوبته إذا ارتكب الجرائم أتم ولهذا قال تعالى في حق من أتم نعمته عليهن من النساء: يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا [الأحزاب: 30] ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما [الأحزاب: 31] وهذا على وفق قضايا العقول ومستحسناتها فإن العبد كلما كملت نعمة الله عليه ينبغي له أن تكون طاعته له أكمل وشكره له أتم ومعصيته له أقبح وشدة العقوبة تابعة لقبح المعصية ولهذا كان أشد الناس عذابا يوم القيامة عالما لم ينفعه الله بعلمه فإن نعمة الله عليه بالعلم أعظم من نعمته على الجاهل وصدور المعصية منه أقبح من صدورها من الجاهل ولا يستوي عند الملوك(2\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "383",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "385",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والرؤساء من عصاهم من خواصهم وحشمهم ومن هو قريب منهم ومن عصاهم من الأطراف والبعداء فجعل حد العبد أخف من حد الحر جمعا بين حكمة الزجر وحكمة نقصه ولهذا كان على النصف منه في النكاح والطلاق والعدة إظهارا لشرف الحرية وخطرها وإعطاء لكل مرتبة حقها من الأمر كما أعطاها حقها من القدر ولا تنتقض هذه الحكمة بإعطاء العبد في الآخرة أجرين بل هذا محض الحكمة فإن العبد كان عليه في الدنيا حقان حق لله وحق لسيده فأعطي بإزاء قيامه بكل حق أجرا فاتفقت حكمة الشرع والقدر والجزاء والحمد لله رب العالمين.  [فصل حكمة شرع اللعان في حق الزوجة دون غيرها] وأما قوله: quot; وجعل للقاذف إسقاط الحد باللعان في الزوجة دون الأجنبية وكلاهما قد ألحق بهما العار quot; فهذا من أعظم محاسن الشريعة فإن قاذف الأجنبية مستغن عن قذفها لا حاجة له إليه ألبتة فإن زناها لا يضره شيئا ولا يفسد عليه فراشه ولا يعلق عليه أولادا من غيره وقذفها عدوان محض وأذى لمحصنة غافلة مؤمنة فترتب عليه الحد زجرا له وعقوبة وأما الزوج فإنه يلحقه بزناها من العار والمسبة وإفساد الفراش وإلحاق ولد غيره به وانصراف قلبها عنه إلى غيره فهو محتاج إلى قذفها ونفي النسب الفاسد عنه وتخلصه من المسبة والعار لكونه زوج بغي فاجرة ولا يمكن إقامة البينة على زناها في الغالب وهي لا تقر به وقول الزوج عليها غير مقبول فلم يبق سوى تحالفها بأغلظ الإيمان وتأكيدها بدعائه على نفسه باللعنة ودعائها على نفسها بالغضب إن كانا كاذبين. ثم يفسخ النكاح بينهما إذ لا يمكن أحدهما أن يصفو للآخر أبدا فهذا أحسن حكم يفصل به بينهما في الدنيا وليس بعده أعدل منه ولا أحكم ولا أصلح ولو جمعت عقول العالمين لم يهتدوا إليه فتبارك من أبان ربوبيته ووحدانيته وحكمته وعلمه في شرعه وخلقه.  [فصل الحكمة في تخصيص المسافر بالرخص] وأما قوله: quot; وجوز للمسافر المترفه في سفره رخصة الفطر والقصر دون المقيم المجهود الذي هو في غاية المشقة quot; فلا ريب أن الفطر والقصر يختص بالمسافر ولا يفطر المقيم إلا لمرض وهذا من كمال حكمة الشارع فإن السفر في نفسه قطعة من العذاب(2\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "384",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "386",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو في نفسه مشقة وجهد ولو كان المسافر من أرفه الناس فإنه في مشقة وجهد بحسبه فكان من رحمة الله بعباده وبره بهم أن خفف عنهم شطر الصلاة واكتفى منهم بالشطر وخفف عنهم أداء فرض الصوم في السفر واكتفى منهم بأدائه في الحضر كما شرع مثل ذلك في حق المريض والحائض فلم يفوت عليهم مصلحة العبادة بإسقاطها في السفر جملة ولم يلزمهم بها في السفر كإلزامهم في الحضر وأما الإقامة فلا موجب لإسقاط بعض الواجب فيها ولا تأخيره وما يعرض فيها من المشقة والشغل فأمر لا ينضبط ولا ينحصر فلو جاز لكل مشغول وكل مشقوق عليه الترخص ضاع الواجب واضمحل بالكلية وإن جوز للبعض دون البعض لم ينضبط فإنه لا وصف يضبط ما تجوز معه الرخصة وما لا تجوز بخلاف السفر على أن المشقة قد علق بها من التخفيف ما يناسبها فإن كانت مشقة مرض وألم يضر به جاز معها الفطر والصلاة قاعدا أو على جنب وذلك نظير قصر العدد وإن كانت مشقة تعب فمصالح الدنيا والآخرة منوطة بالتعب ولا راحة لمن لا تعب له بل على قدر التعب تكون الراحة فتناسبت الشريعة في أحكامها ومصالحها بحمد الله ومنه.  [فصل الفرق بين نذر الطاعة والحلف بها] وأما قوله: quot; وأوجب على من نذر لله طاعة الوفاء بها وجوز لمن حلف عليها أن يتركها ويكفر يمينه وكلاهما قد التزم فعلها لله quot; فهذا السؤال يورد على وجهين: أحدهما: أن يحلف ليفعلنها نحو أن يقول: والله لأصومن الاثنين والخميس ولأتصدقن كما يقول: لله علي أن أفعل ذلك. والثاني: أن يحلف بها كما يقول: إن كلمت فلانا فلله علي صوم سنة وصدقة ألف. فإن أورد على الوجه الأول فجوابه أن الملتزم الطاعة لله لا يخرج التزامه لله عن أربعة أقسام أحدها: التزام بيمين مجردة. الثاني: التزام بنذر مجرد الثالث: التزام بيمين مؤكدة بنذر الرابع: التزام بنذر مؤكد بيمين: فالأول نحو قوله: quot; والله لأتصدقن quot; والثاني نحو: quot; لله علي أن أتصدق quot; والثالث نحو: quot; والله إن شفى الله مريضي فعلي صدقة كذا quot; والرابع نحو: quot; إن شفى الله مريضي فوالله لأتصدقن quot; وهذا كقوله تعالى: ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين [التوبة: 75](2\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "385",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "387",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا نذر مؤكد بيمين وإن لم يقل فيه quot; فعلي quot; إذ ليس ذلك من شرط النذر بل إذا قال: إن سلمني الله تصدقت أو لأتصدقن فهو وعد وعده الله فعليه أن يفي به وإلا دخل في قوله: فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون [التوبة: 77] فوعد العبد ربه نذر يجب عليه أن يفي له به فإنه جعله جزاء وشكرا له على نعمته عليه فجرى مجرى عقود المعاوضات لا عقود التبرعات وهو أولى باللزوم من أن يقول ابتداء: quot; لله علي كذا quot; فإن هذا التزام منه لنفسه أن يفعل ذلك والأول تعليق بشرط وقد وجد فيجب فعل المشروط عنده لالتزامه له بوعده. فإن الالتزام تارة يكون بصريح الإيجاب وتارة يكون بالوعد وتارة يكون بالشروع كشروعه في الجهاد والحج والعمرة والالتزام بالوعد آكد من الالتزام بالشروع وآكد من الالتزام بصريح الإيجاب فإن الله سبحانه ذم من خالف ما التزمه له بالوعد وعاقبه بالنفاق في قلبه ومدح من وفى بما نذره له وأمر بإتمام ما شرع فيه له من الحج والعمرة فجاء الالتزام بالوعد آكد الأقسام الثلاثة وإخلافه يعقب النفاق في القلب وأما إذا حلف يمينا مجردة ليفعلن كذا فهذا حض منه لنفسه وحث على فعله باليمين وليس إيجابا عليها فإن اليمين لا توجب شيئا ولا تحرمه ولكن الحالف عقد اليمين بالله ليفعلنه فأباح الله سبحانه له حل ما عقده بالكفارة ولهذا سماها الله تحلة فإنها تحل عقد اليمين وليست رافعة لإثم الحنث كما يتوهمه بعض الفقهاء فإن الحنث قد يكون واجبا وقد يكون مستحبا فيؤمر به أمر إيجاب أو استحباب وإن كان مباحا فالشارع لم يبح سبب الإثم وإنما شرعها الله حلا لعقد اليمين كما شرع الله الاستثناء مانعا من عقدها فظهر الفرق بين ما التزم لله وبين ما التزم بالله. فالأول ليس فيه إلا الوفاء والثاني يخير فيه بين الوفاء وبين الكفارة حيث يسوغ ذلك وسر هذا أن ما التزم له آكد مما التزم به فإن الأول متعلق بإلهيته والثاني بربوبيته فالأول من أحكام إياك نعبد [الفاتحة: 5] والثاني من أحكام وإياك نستعين [الفاتحة: 5] وإياك نعبد قسم الله من هاتين الكلمتين وإياك نستعين قسم العبد كما في الحديث الصحيح الإلهي: هذه بيني وبين عبدي نصفين وبهذا يخرج الجواب عن إيراد هذا السؤال على الوجه الثاني وأن ما نذره لله من هذه الطاعات يجب الوفاء به وما أخرجه مخرج اليمين يخير بين الوفاء به وبين التكفير لأن الأول متعلق بإلهيته. والثاني بربوبيته فوجب الوفاء بالقسم الأول ويخير الحالف في القسم الثاني وهذا من أسرار الشريعة وكمالها وعظمها. ويزيد ذلك وضوحا أن الحالف بالتزام هذه الواجبات قصده ألا تكون ولكراهته(2\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "386",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "388",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للزومها له حلف بها فقصده ألا يكون الشرط فيها ولا الجزاء ولذلك يسمى نذر اللجاج والغضب فلم يلزمه الشارع به إذا كان غير مريد له ولا متقرب به إلى الله فلم يعقده لله وإنما عقده به فهو يمين محضة فإلحاقه بنذر القربة إلحاق له بغير شبهة وقطع له عن الإلحاق بنظيره وعذر من ألحقه بنذر القربة شبهة به في اللفظ والصورة ولكن الملحقون له باليمين أفقه وأرعى لجانب المعاني وقد اتفق الناس على أنه لو قال: quot; إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني quot; فحنث أن لا يكفر بذلك إن قصد اليمين لأن قصد اليمين منع من الكفر وبهذا وغيره احتج شيخ الإسلام ابن تيمية على أن الحلف بالطلاق والعتاق كنذر اللجاج والغضب وكالحلف بقوله: quot; إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني quot; وحكاه إجماع الصحابة في العتق وحكاه غيره إجماعا لهم في الحلف بالطلاق على أنه لا يلزم. قال: لأنه قد صح عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة ولا يعرف له في الصحابة مخالف ذكره ابن بزيزة في شرح أحكام عبد الحق الإشبيلي فاجتهد خصومه في الرد عليه بكل ممكن وكان حاصل ما ردوا به قوله أربعة أشياء: أحدها: - وهو عمدة القوم - أنه خلاف مرسوم السلطان. والثاني: أنه خلاف الأئمة الأربعة. والثالث: أنه خلاف القياس على الشرط والجزاء المقصودين كقوله: quot; إن أبرأتني فأنت طالق quot; ففعلت. والرابع: أن العمل قد استمر على خلاف هذا القول فلا يلتفت إليه فنقض حججهم وأقام نحوا من ثلاثين دليلا على صحة هذا القول وصنف في المسألة قريبا من ألف ورقة ثم مضى لسبيله راجيا من الله أجرا أو أجرين وهو ومنازعوه يوم القيامة عند ربهم يختصمون.  [فصل الحكمة في التفرقة بين الضبع وغيره من ذي الناب] وأما قولهم: quot; وحرم كل ذي ناب من السباع وأباح الضبع ولها ناب quot; فلا ريب أنه حرم كل ذي ناب من السباع وإن كان بعض العلماء خفي عليه تحريمه فقال بمبلغ علمه: وأما الضبع فروي عنه فيها حديث صححه كثير من أهل العلم بالحديث فذهبوا إليه وجعلوه مخصصا لعموم أحاديث التحريم كما خصت العرايا لأحاديث المزابنة. وطائفة لم تصححه وحرموا الضبع لأنها من جملة ذات الأنياب وقالوا: وقد تواترت الآثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع وصحت صحة لا مطعن فيها من حديث علي وابن عباس وأبي هريرة وأبي ثعلبة الخشني قالوا: وأما حديث الضبع فتفرد به(2\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "387",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "389",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبد الرحمن بن أبي عمارة وأحاديث تحريم ذوات الأنياب كلها تخالفه قالوا: ولفظ الحديث يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون جابر رفع الأكل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن يكون إنما رفع إليه كونها صيدا فقط ولا يلزم من كونها صيدا جواز أكلها فظن جابر أن كونها صيدا يدل على أكلها فأفتى به من قوله ورفع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما سمعه من كونها صيدا. ونحن نذكر لفظ الحديث ليتبين ما ذكرناه فروى الترمذي في جامعه من حديث عبيد بن عمير الليثي عن عبد الرحمن بن أبي عمارة قال: قلت لجابر بن عبد الله: آكل الضبع قال: نعم قلت: أصيد هي قال: نعم قلت: أسمعت ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: نعم  قال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هو صحيح وهذا يحتمل أن المرفوع منه هو كونها صيدا ويدل على ذلك أن جرير بن حازم قال: عن عبيد بن عمير عن ابن أبي عمارة عن جابر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الضبع فقال: هي صيد وفيها كبش قالوا: وكذلك حديث إبراهيم الصائغ عن عطاء عن جابر يرفعه: الضبع صيد فإذا أصابه المحرم ففيه جزاء كبش مسن ويؤكل قال الحاكم: حديث صحيح وقوله: quot; ويؤكل quot; يحتمل الوقف والرفع وإذا احتمل ذلك لم تعارض به الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تبلغ مبلغ التواتر في التحريم. قالوا: ولو كان حديث جابر صريحا في الإباحة لكان فردا وأحاديث تحريم ذوات الأنياب مستفيضة متعددة ادعى الطحاوي وغيره تواترها فلا يقدم حديث جابر عليها. قالوا: والضبع من أخبث الحيوان وأشرهه وهو مغرى بأكل لحوم الناس ونبش قبور الأموات وإخراجهم وأكلهم ويأكل الجيف ويكسر بنابه. قالوا: والله سبحانه قد حرم علينا الخبائث وحرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذوات الأنياب والضبع لا يخرج عن هذا وهذا. وقالوا: وغاية حديث جابر يدل على أنها صيد يفدى في الإحرام ولا يلزم من ذلك أكلها وقد قال بكر بن محمد: سئل أبو عبد الله يعني الإمام أحمد عن محرم قتل ثعلبا فقال: عليه الجزاء هي صيد ولكن لا يؤكل. وقال جعفر بن محمد: سمعت أبا عبد الله سئل عن الثعلب فقال: الثعلب سبع فقد نص على أنه سبع وأنه يفدى في الإحرام ولما جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في الضبع كبشا ظن جابر أنه يؤكل فأفتى به. والذين صححوا الحديث جعلوه مخصصا لعموم تحريم ذي الناب من غير فرق بينهما حتى قالوا: ويحرم أكل كل ذي ناب من السباع إلا الضبع وهذا لا يقع مثله في الشريعة أن يخصص مثلا على مثل من كل وجه من غير فرقان بينهما.(2\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "388",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "390",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبحمد الله إلى ساعتي هذه ما رأيت في الشريعة مسألة واحدة كذلك أعني شريعة التنزيل لا شريعة التأويل. ومن تأمل ألفاظه - صلى الله عليه وسلم - الكريمة تبين له اندفاع هذا السؤال فإنه إنما حرم ما اشتمل على الوصفين: أن يكون له ناب وأن يكون من السباع العادية بطبعها كالأسد والذئب والنمر والفهد. وأما الضبع فإنما فيها أحد الوصفين وهو كونها ذات ناب وليست من السباع العادية. ولا ريب أن السباع أخص من ذوات الأنياب والسبع إنما حرم لما فيه من القوة السبعية التي تورث المغتذى بها شبهها فإن الغاذي شبيه بالمغتذى ولا ريب أن القوة السبعية التي في الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضبع حتى تجب التسوية بينهما في التحريم ولا تعد الضبع من السباع لغة ولا عرفا والله أعلم.  [فصل سر تخصيص خزيمة بقبول شهادته وحده] وأما قوله: quot; وجعل شهادة خزيمة بن ثابت بشهادتين دون غيره ممن هو أفضل منه quot; فلا ريب أن هذا من خصائصه ولو شهد عنده - صلى الله عليه وسلم - أو عند غيره لكان بمنزلة شاهدين اثنين وهذا التخصيص إنما كان لمخصص اقتضاه وهو مبادرته دون من حضر من الصحابة إلى الشهادة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قد بايع الأعرابي وكان فرض على كل من سمع هذه القصة أن يشهد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بايع الأعرابي وذلك من لوازم الإيمان والشهادة بتصديقه - صلى الله عليه وسلم - وهذا مستقر عند كل مسلم ولكن خزيمة تفطن لدخول هذه القضية المعينة تحت عموم الشهادة لصدقه في كل ما يخبر به فلا فرق بين ما يخبر به عن الله وبين ما يخبر به عن غيره في صدقه في هذا وهذا ولا يتم الإيمان إلا بتصديقه في هذا وهذا فلما تفطن خزيمة دون من حضر لذلك استحق أن تجعل شهادته بشهادتين.  [فصل سر تخصيص أبي بردة بإجزاء تضحيته بعناق] فصل [سر تخصيص أبو بردة بإجزاء تضحيته بعناق] وأما تخصيصه أبا بردة بن نيار بإجزاء التضحية بالعناق دون من بعده فلموجب أيضا وهو أنه ذبح قبل الصلاة متأولا غير عالم بعدم الإجزاء فلما أخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تلك ليست بأضحية وإنما هي شاة لحم أراد إعادة الأضحية فلم يكن عنده إلا عناق هي أحب إليه من شاتي لحم فرخص له في التضحية بها لكونه معذورا وقد تقدم منه ذبح تأول فيه وكان معذورا بتأويله وذلك كله قبل استقرار الحكم فلما استقر الحكم لم يكن بعد ذلك يجزئ إلا ما وافق الشرع المستقر وبالله التوفيق.(2\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "389",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "391",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل سر التفرقة في الوصف بين صلاة الليل وصلاة النهار] وأما التفريق بين صلاة الليل وصلاة النهار في الجهر والإسرار ففي غاية المناسبة والحكمة فإن الليل مظنة هدوء الأصوات وسكون الحركات وفراغ القلوب واجتماع الهمم المشتتة بالنهار فالنهار محل السبح الطويل بالقلب والبدن والليل محل مواطأة القلب للسان ومواطأة اللسان للأذن ولهذا كانت السنة تطويل قراءة الفجر على سائر الصلوات وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ فيها بالستين إلى المائة وكان الصديق يقرأ فيها بالبقرة وعمر بالنحل وهود وبني إسرائيل ويونس ونحوها من السور لأن القلب أفرغ ما يكون من الشواغل حين انتباهه من النوم فإذا كان أول ما يقرع سمعه كلام الله الذي فيه الخير كله بحذافيره صادفه خاليا من الشواغل فتمكن فيه من غير مزاحم وأما النهار فلما كان بضد ذلك كانت قراءة صلاته سرية إلا إذا عارض في ذلك معارض أرجح منه كالمجامع العظام في العيدين والجمعة والاستسقاء والكسوف فإن الجهر حينئذ أحسن وأبلغ في تحصيل المقصود وأنفع للجمع وفيه من قراءة كلام الله عليهم وتبليغه في المجامع العظام ما هو من أعظم مقاصد الرسالة والله أعلم.  [فصل سر تقديم العصبة البعداء عن ذوي الأرحام في الميراث] فصل [سر في تقديم العصبة البعداء عن ذوي الأرحام وإن قربوا] وأما قوله: quot; وورث ابن ابن العم وإن بعدت درجته دون الخالة التي هي شقيقة للأم quot; فنعم وهذا من كمال الشريعة وجلالتها فإن ابن العم من عصبته القائمين بنصرته وموالاته والذب عنه وحمل العقل عنه فبنو أبيه هم أولياؤه وعصبته والمحامون دونه وأما قرابة الأم فإنهم بمنزلة الأجانب وإنما ينتسبون إلى آبائهم فهم بمنزلة أقارب البنات كما قال القائل: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد فمن كمال حكمة الشارع أن جعل الميراث لأقارب الأب وقدمهم على أقارب الأم وإنما ورث معهم من أقارب الأم من ركض الميت معهم في بطن الأم وهم إخوانه أو من قربت قرابته جدا وهن جداته لقوة إيلادهن وقرب أولادهن منه فإذا عدمت قرابة الأب انتقل الميراث إلى قرابة الأم وكانوا أولى من الأجانب فهذا الذي جاءت به الشريعة أكمل شيء وأعدله وأحسنه. .(2\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "390",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "392",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الفرق بين الشفعة وأخذ مال الغير] فصل: [الفرق بين الشفعة وأخذ مال الغير] وأما قوله: quot; وحرم أخذ مال الغير إلا بطيب نفس منه ثم سلطه على أخذ عقاره وأرضه بالشفعة ثم شرع الشفعة فيما يمكن التخلص من ضرر الشركة فيه بالقسمة دون ما لا يمكن قسمته كالجوهرة والحيوان quot; فهذا السؤال قد أورده على وجهين: أحدهما: على أصل الشفعة وأن الاستحقاق بها مناف لتحريم أخذ مال الغير إلا بطيب نفس منه. والثاني: أنه خص بعض المبيع بالشفعة دون بعض مع قيام السبب الموجب للشفعة وهو ضرر الشركة. ونحن بحمد الله وعونه نجيب عن الأمرين فنقول: ورود الشرع بالشفعة دليل على الحكمة. من محاسن الشريعة وعدلها وقيامها بمصالح العباد ورودها بالشفعة ولا يليق بها غير ذلك فإن حكمة الشارع اقتضت رفع الضرر عن المكلفين ما أمكن فإن لم يمكن رفعه إلا بضرر أعظم منه بقاه على حاله وإن أمكن رفعه بالتزام ضرر دونه رفعه به ولما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب فإن الخلطاء يكثر فيهم بغي بعضهم على بعض شرع الله سبحانه رفع هذا الضرر: بالقسمة تارة وانفراد كل من الشريكين بنصيبه وبالشفعة تارة وانفراد أحد الشريكين بالجملة إذا لم يكن على الآخر ضرر في ذلك فإذا أراد بيع نصيبه وأخذ عوضه كان شريكه أحق به من الأجنبي وهو يصل إلى غرضه من العوض من أيهما كان فكان الشريك أحق بدفع العوض من الأجنبي ويزول عنه ضرر الشركة ولا يتضرر البائع لأنه يصل إلى حقه من الثمن وكان هذا من أعظم العدل وأحسن الأحكام المطابقة للعقول والفطر ومصالح العباد. ومن هنا يعلم أن التحيل لإسقاط الشفعة مناقض لهذا المعنى الذي قصده الشارع ومضاد له.  ثم اختلفت أفهام العلماء في الضرر الذي قصد الشارع رفعه بالشفعة. فقالت طائفة: هو الضرر اللاحق بالقسمة لأن كل واحد من الشريكين إذا طالب شريكه بالقسمة كان عليه في ذلك من المؤنة والكلفة والغرامة والضيق في مرافق المنزل ما هو معلوم فإنه قبل القسمة ربما ارتفق بالدار والأرض كلها وبأي موضع شاء منها فإذا وقعت الحدود ضاقت به الدار وقصر على موضع منها وفي ذلك من الضرر عليه ما لا خفاء به فمكنه الشارع بحكمته ورحمته من رفع هذه المضرة عن نفسه: بأن يكون أحق بالمبيع(2\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "391",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "393",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من الأجنبي الذي يريد الدخول عليه وحرم الشارع على الشريك أن يبيع نصيبه حتى يؤذن شريكه فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به وإن أذن في البيع وقال: لا غرض لي فيه - لم يكن له الطلب بعد البيع هذا مقتضى حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا معارض له بوجه وهو الصواب المقطوع به وهذه طريقة من يرى أنه لا شفعة إلا فيما يقبل القسمة. وقالت طائفة أخرى: إنما شرعت الشفعة لرفع الضرر اللاحق بالشركة فإذا كانا شريكين في عين من الأعيان بإرث أو هبة أو وصية أو ابتياع أو نحو ذلك لم يكن رفع ضرر أحدهما بأولى من رفع ضرر الآخر فإذا باع نصيبه كان شريكه أحق به من الأجنبي إذ في ذلك إزالة ضرره مع عدم تضرر صاحبه فإنه يصل إلى حقه من الثمن ويصل هذا إلى استبداده بالمبيع فيزول الضرر عنهما جميعا وهذا مذهب من يرى الشفعة في الحيوان والثياب والشجر والجواهر والدور الصغار التي لا يمكن قسمتها وهذا قول أهل مكة وأهل الظاهر ونص عليه الإمام أحمد في رواية حنبل قال: قيل لأحمد: فالحيوان دابة تكون بين رجلين أو حمار أو ما كان من نحو ذلك قال: هذا كله أوكد لأن خليطه الشريك أحق به بالثمن وهذا لا يمكن قسمته فإذا عرضه على شريكه وإلا باعه بعد ذلك وقال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن الرجل يعرض على شريكه عقارا بينه وبينه أو نخلا فقال الشريك: لا أريد فباعه ثم طلب الشفعة بعد قال: له الشفعة في ذلك. واحتج لهذا القول بحديث جابر الصحيح: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة في كل ما لم يقسم وهذا يتناول المنقول والعقار وفي كتاب quot; الخراج quot; عن يحيى بن آدم عن زهير بن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من كان له شرك في نخل أو ربعة فليس له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن رضي أخذ وإن كره ترك  وهذا الإسناد على شرط مسلم وفي الترمذي من حديث عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الشريك شفيع والشفعة في كل شيء تفرد به أبو حمزة السكري عن عبد العزيز بهذا الإسناد ورواه أبو الأحوص سلام بن سليم عن عبد العزيز ولم يذكر ابن عباس ولفظه: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة في كل شيء الأرض والدار والجارية والخادم  وكذلك رواه أبو بكر بن عياش وإسرائيل بن يونس عن عبد العزيز مرسلا فهذا علة هذا الحديث على أن أبا حمزة السكري ثقة احتج به صاحبا الصحيح وإن قلنا: quot; الزيادة من الثقة مقبولة quot; فرفع الحديث إذا صحيح وإلا فغايته أن يكون مرسلا قد عضدته الآثار المرفوعة والقياس الجلي. وقد روى أبو جعفر الطحاوي عن محمد بن خزيمة عن يوسف بن عدي عن عبيد الله بن إدريس عن ابن جريج عن عطاء عن جابر قال: قضى(2\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "392",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "394",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة في كل شيء ورواة هذا الحديث ثقات وهو غريب بهذا الإسناد. قالوا: ولأن الضرر بالشركة فيما لا ينقسم أبلغ من الضرر بالعقار الذي يقبل القسمة فإذا كان الشارع مريدا لرفع الضرر الأدنى فالأعلى أولى بالرفع قالوا: ولو كانت الأحاديث مختصة بالعقار والعروض المنقسمة فإثبات الشفعة فيها تنبيه على ثبوتها فيما لا يقبل القسمة. وقال الآخرون: الأصل عدم انتزاع الإنسان مال غيره إلا برضاه ولكن تركنا ذلك في الأرض والعقار لثبوت هذا النص فيه وأما الآثار المتضمنة لثبوتها في المنقول فضعيفة معلولة وقوله في الحديث الصحيح: فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة يدل على اختصاصها بذلك وقول جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: الشفعة في كل شرك في أرض أو ربع أو حائط يقتضي انحصارها في ذلك قالوا: وقد قال عثمان بن عفان: لا شفعة في بئر ولا فحل والأرف يقطع كل شفعة والفحل: النخل والأرف بوزن الغرف المعالم والحدود. وقال أحمد: ما أصحه من حديث قالوا: والفرق بين المنقول وغيره أن الضرر في غير المنقول يتأبد بتأبده وفي المنقول لا يتأبد فهو ضرر عارض فهو كالمكيل والموزون. قالوا: والضرر في العقار يكثر جدا فإنه يحتاج الشريك إلى إحداث المرافق وتغيير الأبنية وتضييق الواسع وتخريب العامر وسوء الجوار وغير ذلك مما يختص بالعقار فأين ضرر الشركة في العبد والجوهرة والسيف من هذا الضرر قال المثبتون للشفعة: إنما كان الأصل عدم انتزاع ملك الإنسان منه إلا برضاه لما فيه من الظلم له والإضرار به فأما ما لا يتضمن ظلما ولا إضرارا بل مصلحة له بإعطائه الثمن فلشريكه دفع ضرر الشركة عنه فليس الأصل عدمه بل هو مقتضى أصول الشريعة فإن أصول الشريعة توجب المعاوضة للحاجة والمصلحة الراجحة وإن لم يرض صاحب المال وترك معاوضته ها هنا لشريكه مع كونه قاصدا للبيع ظلم منه وإضرار بشريكه فلا يمكنه الشارع منه بل من تأمل مصادر الشريعة ومواردها تبين له أن الشارع لا يمكن هذا الشريك من نقل نصيبه إلى غير شريكه وأن يلحق به من الضرر مثل ما كان عليه أو أزيد منه مع أنه لا مصلحة له في ذلك. وأما الآثار فقد جاءت بهذا وهذا ولو قدر عدم صحتها بالشفعة في المنقول فهي لم تنف ذلك بل نبهت عليه كما ذكرنا وأما تأبد الضرر وعدمه ففرق فاسد فإن من المنقول ما يكون تأبده كتأبد العقار كالجوهرة والسيف والكتاب والبئر وإن لم يتأبد ضرره مدى الدهر فقد يطول ضرره كالعبد والجارية ولو بقي ضرره مدة فإن الشارع مريد لدفع الضرر(2\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "393",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "395",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بكل طريق ولو قصرت مدته وأما تفريقكم بكثرة الضرر في العقار وقلته في المنقول فلعمر الله إن الضرر في العقار يكثر من تلك الجهات ولكن يمكن رفعه بالقسمة وأما الضرر في المنقول فإنه لا يمكن رفعه بقسمته على أن هذا منتقض بالأرض الواسعة التي ليس فيها شيء مما ذكرتم. فصل [رأي القائلين بشفعة الجوار] وقالت طائفة ثالثة: بل الضرر الذي قصد الشارع رفعه هو ضرر سوء الجوار والشركة في العقار والأرض فإن الجار قد يسيء الجوار غالبا أو كثيرا فيعلي الجدار ويتبع العثار ويمنع الضوء ويشرف على العورة ويطلع على العثرة ويؤذي جاره بأنواع الأذى ولا يأمن جاره بوائقه وهذا مما يشهد به الواقع وأيضا فالجار له من الحرمة والحق والذمام ما جعله الله له في كتابه ووصى به جبريل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غاية الوصية وعلق النبي - صلى الله عليه وسلم - الإيمان بالله واليوم الآخر بإكرامه. وقال الإمام أحمد: الجيران ثلاثة: جار له حق وهو الذمي الأجنبي له حق الجوار وجار له حقان وهو المسلم الأجنبي له حق الجوار وحق الإسلام وجار له ثلاثة حقوق وهو المسلم القريب له حق الجوار وحق الإسلام وحق القرابة ومثل هذا ولو لم يرد في الشريك فأدنى المراتب مساواته به فيما يندفع به الضرر لا سيما والحكم بالشفعة ثبت في الشركة لإفضائها إلى ضرر المجاورة فإنهما إذا اقتسما تجاورا. قالوا: ولهذا السبب اختصت بالعقار دون المنقولات إذ المنقولات لا تتأتى فيها المجاورة فإذا ثبتت في الشركة في العقار لإفضائها إلى المجاورة فحقيقة المجاورة أولى بالثبوت فيها. قالوا: وهذا معقول النصوص لو لم ترد بالثبوت فيها فكيف وقد صرحت بالثبوت فيها أعظم من تصريحها بالثبوت للشريك ففي صحيح البخاري من حديث عمرو بن الشريد قال: جاء المسور بن مخرمة فوضع يده على منكبي فانطلقت معه إلى سعد بن أبي وقاص فقال أبو رافع: ألا تأمر هذا أن يشتري مني بيتي الذي في داره فقال: لا أزيده على أربعمائة منجمة فقال: قد أعطيت خمسمائة نقدا فمنعته ولولا أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: الجار أحق بصقبه ما بعتك وروى عمرو بن الشريد أيضا عن أبيه الشريد بن سويد الثقفي قال: قلت: يا رسول الله أرض ليس لأحد فيها قسم ولا شرك إلا(2\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "394",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "396",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجوار قال: الجار أحق بسقبه أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وإسناده صحيح. وقال البخاري: هو أصح من رواية عمرو عن أبي رافع - يعني المتقدم - وقال أيضا: كلا الحديثين عندي صحيح. وعن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: جار الدار أولى بالدار رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح انتهى. وقد صح سماع الحسن من سمرة وغاية هذا أنه كتاب ولم تزل الأمة تعمل بالكتب قديما وحديثا وأجمع الصحابة على العمل بالكتب وكذلك الخلفاء بعدهم وليس اعتماد الناس في العلم إلا على الكتب فإن لم يعمل بما فيها تعطلت الشريعة وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكتب كتبه إلى الآفاق والنواحي فيعمل بها من تصل إليه ولا يقول: هذا كتاب وكذلك خلفاؤه بعد والناس إلى اليوم فرد السنن بهذا الخيال البارد الفاسد من أبطل الباطل والحفظ يخون والكتاب لا يخون. وروى قتادة عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: جار الدار أحق بالدار رواه ابن ماجه من طريق عيسى بن يونس عن سعيد عن قتادة وكلهم أئمة ثقات. وروى أهل السنن الأربعة من حديث ميزان الكوفة عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا وهذا حديث صحيح فلا يرد. فإن قيل: قد قال الترمذي: تكلم شعبة في عبد الملك من أجل هذا الحديث. وقال وكيع عنه: لو أن عبد الملك روى حديثا آخر مثل حديث الشفعة لطرحت حديثه وكذلك قال يحيى القطان. وقال أحمد: هو حديث منكر وقال يحيى بن معين: هو حديث لم يحدث به إلا عبد الملك فأنكر الناس عليه ولكنه ثقة صدوق. فالجواب أن عبد الملك هذا حافظ ثقة صدوق ولم يتعرض له أحد بجرح ألبتة وأثنى عليه أئمة زمانه ومن بعدهم. وإنما أنكر عليه من أنكر هذا الحديث ظنا منهم أنه مخالف لرواية الزهري عن أبي سلمة عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة ولا يحتمل مخالفة العرزمي لمثل الزهري وقد صح هذا عن جابر من رواية الزهري عن أبي سلمة عنه ومن رواية ابن جريج عن أبي الزبير عنه ومن حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عنه فخالفهم العرزمي ولهذا شهد الأئمة بإنكار حديثه ولم يقدموه على حديث هؤلاء قال مهنا بن يحيى الشامي:(2\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "395",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "397",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سألت أحمد بن حنبل عن حديث عبد الملك هذا فقال: قد أنكره شعبة فقلت: لأي شيء أنكره فقال: حديث الزهري عن أبي سلمة عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلاف ما قال عبد الملك عن عطاء عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وسنبين - إن شاء الله - أن حديث عبد الملك عن جابر لا يناقض حديث أبي سلمة عنه بل مفهومه يوافق منطوقه وسائر أحاديث جابر يصدق بعضها بعضا. وروى جرير بن عبد الحميد عن منصور عن الحكم عن علي وعبد الله قالا: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة للجوار وهذا وإن كان منقطعا فإن الثوري رواه عن منصور عن الحكم عمن سمع عليا وعبد الله فهو يصلح للاستشهاد وإن لم يكن عليه وحده الاعتماد. وفي سنن ابن ماجه من حديث شريك القاضي عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من كان له أرض وأراد بيعها فليعرضها على جاره ورجال هذا الإسناد محتج بهم في الصحيح. وفي سنن النسائي من حديث أبي الزبير عن جابر قال: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة للجوار رواه عن الفضل بن موسى الشيباني عن الحسين بن واقد عن أبي الزبير وهو على شرط مسلم. وقال شعيب بن أيوب الصريفيني: ثنا أبو أمامة عن سعيد بن أبي عروبة ثنا قتادة عن سليمان اليشكري عن جابر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من كان له جار في حائط أو شريك فلا يبعه حتى يعرضه عليه وهؤلاء ثقات كلهم وعلة هذا الحديث ما ذكره الترمذي قال: سمعت محمدا يعني البخاري - يقول: سليمان اليشكري: يقال إنه مات في حياة جابر بن عبد الله قال: ولم يسمع منه قتادة ولا أبو بشر قال: ويقال: إنما يحدث قتادة عن صحيفة سليمان اليشكري وكان له كتاب عن جابر بن عبد الله. قلت: وغاية هذا أن يكون كتابا والأخذ عن الكتب حجة وقال محمد بن عمران بن أبي ليلى عن أبيه: حدثني ابن أبي ليلى يعني محمد بن عبد الرحمن - عن نافع عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: الجار أحق بسقبه ما كان . وقال ابن أبي شيبة: ثنا وكيع عن هشام بن المغيرة الثقفي قال: سمعت الشعبي يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الشفيع أولى من الجار والجار أولى من الجنب وإسناده إلى الشعبي صحيح قالوا: ولأن حق الأصيل - وهو الجار - أسبق من حق الدخيل وكل معنى اقتضى ثبوت الشفعة للشريك فمثله في حق الجار فإن الناس يتفاوتون في الجوار تفاوتا فاحشا ويتأذى بعضهم ببعض ويقع بينهم من العداوة ما هو معهود والضرر بذلك دائم متأبد ولا يندفع ذلك إلا برضاء الجار: إن شاء أقر الدخيل على جواره له وإن شاء انتزع الملك بثمنه واستراح من مؤنة المجاورة ومفسدتها.(2\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "396",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "398",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا كان الجار يخاف التأذي بالمجاورة على وجه اللزوم كان كالشريك يخاف التأذي بشريكه على وجه اللزوم. قالوا: ولا يرد علينا المستأجر مع المالك فإن منفعة الإجارة لا تتأبد عادة. وأيضا فالملك بالإجارة ملك منفعة ولا لزوم بين ملك الجار وبين منفعة دار جاره بخلاف مسألتنا فإن الضرر بسبب اتصال الملك بالملك كما أنه في الشركة حاصل بسبب اتصال الملك بالملك فوجب بحكم عناية الشارع ورعايته لمصالح العباد إزالة الضررين جميعا على وجه لا يضر البائع وقد أمكن ههنا فيبعد القول به فهذا تقرير قول هؤلاء نصا وقياسا.  [رد المبطلين لشفعة الجوار] قال المبطلون لشفعة الجوار: لا تضر سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعضها ببعض فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث الزهري عن أبي سلمة عن جابر قال: إن الشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة وفي صحيح مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر قال: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط ولا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق قال الشافعي: ثنا سعيد بن سالم ثنا ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا قسمت الأرض وحدت فلا شفعة فيها وفي الموطإ من حديث ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة فيما لم يقسم فإذا صرفت الطرق ووقعت الحدود فلا شفعة . وقال سعيد بن منصور: ثنا إسماعيل بن زكريا عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عوف بن عبد الله عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: quot; إذا صرفت الحدود وعرف الناس حدودهم فلا شفعة بينهم quot;. وقال أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عثمان بن عفان: إذا وقعت الحدود في الأرض فلا شفعة فيها وهذا قول ابن العباس. قالوا: ولا ريب أن الضرر اللاحق بالشركة هو ما توجبه من التزاحم في المرافق والحقوق والإحداث والتغيير والإفضاء إلى التقاسم الموجب لنقص قيمة ملكه عليه. قالوا: وقد فرق الله بين الشريك والجار شرعا وقدرا ففي الشركة حقوق لا توجد في الجوار فإن الملك في الشركة مختلط وفي الجوار متميز ولكل من الشريكين على صاحبه(2\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "397",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "399",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مطالبة شرعية ومنع شرعي أما المطالبة ففي القسمة وأما المنع فمن التصرف فلما كانت الشركة محلا للطلب ومحلا للمنع كانت محلا للاستحقاق بخلاف الجواب فلم يجز إلحاق الجار بالشريك وبينهما هذا الاختلاف والمعنى الذي وجبت به الشفعة رفع مؤنة المقاسمة وهي مؤنة كثيرة والشريك لما باع حصته من غير شريكه فهذا الدخيل قد عرضه لمؤنة عظيمة فمكنه الشارع من التخلص منها بانتزاع الشقص على وجه لا يضر بالبائع ولا بالمشتري ولم يمكنه الشارع من الانتزاع قبل البيع لأن شريكه مثله ومساو له في الدرجة فلا يستحق عليه شيئا إلا ولصاحبه مثل ذلك الحق عليه فإذا باع صار المشتري دخيلا والشريك أصيل فرجح جانبه وثبت له الاستحقاق. قالوا: وكما أن الشارع يقصد رفع الضرر عن الجار فهو أيضا يقصد رفع الضرر عن المشتري ولا يزيل ضرر الجار بإدخال الضرر على المشتري فإنه محتاج إلى دار يسكنها هو وعياله فإذا سلط الجار على إخراجه وانتزاع داره منه أضر به إضرارا بينا وأي دار اشتراها وله جار فحاله معه هكذا وتطلبه دارا لا جار لها كالمتعذر عليه أو كالمتعسر فكان من تمام حكمة الشارع أن أسقط الشفعة بوقوع الحدود وتصريف الطرق لئلا يضر الناس بعضهم بعضا ويتعذر على من أراد شراء دار لها جار أن يتم له مقصوده وهذا بخلاف الشريك وإن المشتري لا يمكنه الانتفاع بالحصة التي اشتراها والشريك يمكنه ذلك بانضمامها إلى ملكه فليس على المشتري ضرر في انتزاعها منه وإعطائه ما اشتراها به. قالوا: وحينئذ فتعين حمل أحاديث شفعة الجوار على مثل ما دلت عليه أحاديث شفعة الشركة فيكون لفظ الجار فيها مرادا به الشريك ووجه هذا الإطلاق المعنى والاستعمال أما المعنى فإن كل جزء من ملك الشريك مجاور لملك صاحبه فهما جاران حقيقة وأما الاستعمال فإنهما خليطان متجاوران ولذا سميت الزوجة جارة كما قال الأعشى: أجارتنا بيني فإنك طالقه فتسمية الشريك جارا أولى وأحرى. وقال حمل بن مالك: كنت بين جارتين لي هذا إن لم يحتمل إلا إثبات الشفعة فأما إن كان المراد بالحق فيها حق الجار على جاره فلا حجة فيها على إثبات الشفعة وأيضا فإنه إنما أثبت له على البائع حق العرض عليه إذا أراد(2\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "398",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "400",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البيع فأين ثبوت حق الانتزاع من المشتري ولا يلزم من ثبوت هذا الحق ثبوت حق الانتزاع فهذا منتهى إقدام الطائفتين في هذه المسألة. والصواب القول الوسط الجامع بين الأدلة الذي لا يحتمل سواه وهو قول البصريين وغيرهم من فقهاء الحديث أنه إن كان بين الجارين حق مشترك من حقوق الأملاك من طريق أو ماء أو نحو ذلك ثبتت الشفعة وإن لم يكن بينهما حق مشترك ألبتة - بل كان كل واحد منهم متميزا ملكه وحقوق ملكه - فلا شفعة وهذا الذي نص عليه أحمد في رواية أبي طالب فإنه سأله عن الشفعة: لمن هي فقال: إذا كان طريقهما واحدا فإذا صرفت الطرق وعرفت الحدود فلا شفعة وهو قول عمر بن عبد العزيز وقول القاضيين سوار بن عبيد الله وعبيد الله بن الحسن العنبري وقال أحمد في رواية ابن مشيش: أهل البصرة يقولون: إذا كان الطريق واحدا كان بينهم الشفعة مثل دارنا هذه على معنى حديث جابر الذي يحدثه عبد الملك انتهى. فأهل الكوفة يثبتون شفعة الجوار مع تميز الطرق والحقوق وأهل المدينة يسقطونها مع الاشتراك في الطريق والحقوق وأهل البصرة يوافقون أهل المدينة إذا صرفت الطرق ولم يكن هناك اشتراك في حق من حقوق الأملاك ويوافقون أهل الكوفة إذا اشترك الجاران في حق من حقوق الأملاك كالطريق وغيرها وهذا هو الصواب وهو أعدل الأقوال وهو اختيار شيخ الإسلام بن تيمية. وحديث جابر الذي أنكره من أنكره على عبد الملك صريح فيه فإنه قال: الجار أحق بسقبه ينتظر به وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا فأثبت الشفعة بالجوار مع اتحاد الطريق ونفاها به مع اختلاف الطريق بقوله: فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة فمفهوم حديث عبد الملك هو بعينه منطوق حديث أبي سلمة فأحدهما يصدق الآخر ويوافقه لا يعارضه ويناقضه وجابر روى اللفظين فالذي دل عليه حديث أبي سلمة عنه من إسقاط الشفعة عند تصريف الطرق وتمييز الحدود هو بعينه الذي دل عليه حديث عبد الملك عن عطاء عنه بمفهومه والذي دل عليه حديث عبد الملك بمنطوقه هو الذي دلت عليه سائر أحاديث جابر بمفهومها فتوافقت السنن بحمد الله وائتلفت وزال عنها ما يظن بها من التعارض وحديث أبي رافع الذي رواه البخاري يدل على مثل ما دل عليه حديث عبد الملك فإنه دل على الأخذ بالجوار حالة الشركة في الطريق فإن البيتين كانا في نفس دار سعد والطريق واحد بلا ريب.(2\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "399",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "401",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والقياس الصحيح يقتضي هذا القول فإن الاشتراك في حقوق الملك شقيق الاشتراك في الملك والضرر الحاصل بالشركة فيها كالضرر الحاصل بالشركة في الملك أو أقرب إليه ورفعه مصلحة للشريك من غير مضرة على البائع ولا على المشتري فالمعنى الذي وجبت لأجله شفعة الخلطة في الملك موجود في الخلطة في حقوقه فهذا المذهب أوسط المذاهب وأجمعها للأدلة وأقربها إلى العدل وعليه يحمل الاختلاف عن عمر - رضي الله عنه - فحيث قال: لا شفعة ففيما إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق وحيث أثبتها ففيما إذا لم تصرف الطرق فإنه قد روي عنه هذا وهذا وكذلك ما روي عن علي كرم الله وجهه فإنه قال: quot; إذا حدث الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة quot; ومن تأمل أحاديث شفعة الجوار رآها صريحة في ذلك وتبين له بطلان حملها على الشريك وعلى حق الجوار غير الشفعة وبالله التوفيق. فإن قيل: بقي عليكم أن في حديث جابر وأبي هريرة: فإذا وقعت الحدود فلا شفعة فأسقط الشفعة بمجرد وقوع الحدود وعند أرباب هذا القول إذا حصل الاشتراك في الطريق فالشفعة ثابتة وإن وقعت الحدود وهذا خلاف الحديث. فالجواب من وجهين: أحدهما أن من الرواة من اختصر أحد اللفظين ومنهم من جود الحديث فذكرهما ولا يكون إسقاط من أسقط أحد اللفظين مبطلا لحكم اللفظ الآخر. الثاني - أن تصريف الطرق داخل في وقوع الحدود فإن الطريق إذا كانت مشتركة لم تكن الحدود كلها واقعة بل بعضها حاصل وبعضها منتف فوقوع الحدود من كل وجه يستلزم أو يتضمن تصريف الطرق والله أعلم.  [فصل الحكمة في الفرق بين بعض الأيام وبعضها الآخر] فصل: [الحكمة في الفرق بين بعض الأيام وبعضها الآخر] وأما قوله: quot; وحرم صوم أول يوم من شوال وفرض صوم آخر يوم من رمضان مع تساويهما quot; فالمقدمة الأولى صحيحة والثانية كاذبة فليس اليومان متساويين وإن اشتركا في طلوع الشمس وغروبها فهذا يوم من شهر الصيام الذي فرضه الله على عباده وهذا يوم عيدهم وسرورهم الذي جعله الله تعالى شكران صومهم وإتمامه فهم فيه أضيافه سبحانه والجواد الكريم يحب من ضيفه أن يقبل قراه ويكره أن يمتنع من قبول ضيافته بصوم أو غيره ويكره للضيف أن يصوم إلا بإذن صاحب المنزل فمن أعظم محاسن الشريعة فرض صوم آخر يوم من رمضان فإنه إتمام لما أمر الله به وخاتمة العمل وتحريم(2\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "400",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "402",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صوم أول يوم من شوال فإنه يوم يكون فيه المسلمون أضياف ربهم تبارك وتعالى وهم في شكران نعمته عليهم فأي شيء أبلغ وأحسن من هذا الإيجاب والتحريم  [فصل الحكمة في الفرق بين بنت الأخ وبنت العم ونحوها في النكاح] فصل: [الحكمة في الفرق بين بنت الأخ وبنت العم ونحوها] وأما قوله: quot; وحرم عليه نكاح بنت أخيه وأخته وأباح له نكاح بنت أخي أبيه وبنت أخت أمه وهما سواء quot; فالمقدمة الأولى صادقة والثانية كاذبة فليستا سواء في نفس الأمر ولا في العرف ولا في العقول ولا في الشريعة وقد فرق الله سبحانه بين القريب والبعيد شرعا وقدرا وعقلا وفطرة ولو تساوت القرابة لم يكن فرق بين البنت وبنت الخالة وبنت العمة وهذا من أفسد الأمور والقرابة البعيدة بمنزلة الأجانب فليس من الحكمة والمصلحة أن تعطى حكم القرابة القريبة وهذا مما فطر الله عليه العقلاء وما خالف شرعه في ذلك فهو إما مجوسية تتضمن التسوية بين البنت والأم وبنات الأعمام والخالات في نكاح الجميع وإما حرج عظيم على العباد في تحريم نكاح بنات أعمامهم وعماتهم وأخوالهم وخالاتهم فإن الناس - ولا سيما العرب - أكثر بنو عم بعضهم لبعض أما بنوة عم دانية أو قاصية فلو منعوا من ذلك لكان عليهم فيه حرج عظيم وضيق فكان ما جاءت به الشريعة أحسن الأمور وألصقها بالعقول السليمة والفطر المستقيمة والحمد لله رب العالمين  [فصل حمل العاقلة جناية الخطأ على النفوس دون الأموال] فصل: وأما قوله: quot; وحمل العاقلة جناية الخطأ على النفوس دون الأموال quot; قد تقدم أن هذا من محاسن الشريعة وذكرنا من الفرق بين الأموال والنفوس ما أغنى عن إعادته.  [فصل الحكمة في الفرق بين المستحاضة والحائض في الوطء] فصل: [الحكمة في الفرق بين المستحاضة والحائض] وأما قوله: quot; وحرم وطء الحائض لأجل الأذى وأباح وطء المستحاضة مع وجود الأذى وهما متساويان quot; فالمقدمة الأولى صادقة والثانية فيها إجمال فإن أريد أن أذى الاستحاضة مساو لأذى الحيض كذبت المقدمة وإن أريد أنه نوع آخر من الأذى لم يكن التفريق بينهما تفريقا بين المتساويين فبطل سؤاله على كلا التقديرين. ومن حكمة الشارع تفريقه بينهما فإن أذى الحيض أعظم وأدوم وأضر من أذى الاستحاضة ودم الاستحاضة عرق وهو في الفرج بمنزله الرعاف في الأنف وخروجه(2\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "401",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "403",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مضر وانقطاعه دليل على الصحة ودم الحيض عكس ذلك ولا يستوي الدمان حقيقة ولا عرفا ولا حكما ولا سببا فمن كمال الشريعة تفريقها بين الدمين في الحكم كما افترقا في الحقيقة وبالله التوفيق.  [فصل الحكمة في الفرق بين اتحاد الجنس واختلافه في تحريم الربا] فصل: [الحكمة في الفرق بين اتحاد الجنس واختلافه في تحريم الربا] وأما قوله: quot; وحرم بيع مد حنطة بمد وحفنة وجوز بيعه بقفيز شعير quot; فهذا من محاسن الشريعة التي لا يهتدي إليها إلا أولو العقول الوافرة ونحن نشير إلى حكمة ذلك إشارة بحسب عقولنا الضعيفة وعباراتنا القاصرة وشرع الرب تعالى وحكمته فوق عقولنا وعباراتنا فنقول: [الربا نوعان جلي وخفي والجلي النسيئة] . الربا نوعان: جلي وخفي فالجلي حرم لما فيه من الضرر العظيم والخفي حرم لأنه ذريعة إلى الجلي فتحريم الأول قصدا وتحريم الثاني وسيلة: فأما الجلي فربا النسيئة وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال وكلما أخره زاد في المال حتى تصير المائة عنده آلافا مؤلفة وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج فإذا رأى أن المستحق يؤخر مطالبته ويصبر عليه بزيادة يبذلها له تكلف بذلها ليفتدي من أسر المطالبة والحبس ويدافع من وقت إلى وقت فيشتد ضرره وتعظم مصيبته ويعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوده فيربو المال على المحتاج من غير نفع يحصل له ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه فيأكل مال أخيه بالباطل ويحصل أخوه على غاية الضرر فمن رحمة أرحم الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أن حرم الربا ولعن آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه وآذن من لم يدعه بحربه وحرب رسوله ولم يجئ مثل هذا الوعيد في كبيرة غيره ولهذا كان من أكبر الكبائر وسئل الإمام أحمد عن الربا الذي لا شك فيه فقال: هو أن يكون له دين فيقول له: أتقضي أم تربي فإن لم يقضه زاده في المال وزاده هذا في الأجل وقد جعل الله سبحانه الربا ضد الصدقة فالمرابي ضد المتصدق قال الله تعالى: يمحق الله الربا ويربي الصدقات [البقرة: 276] وقال: وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون [الروم: 39] وقال: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون [آل عمران: 130] واتقوا النار التي أعدت للكافرين [آل عمران: 131](2\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "402",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "404",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم ذكر الجنة التي أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء وهؤلاء ضد المرابين فنهى سبحانه عن الربا الذي هو ظلم للناس وأمر بالصدقة التي هي إحسان إليهم. وفي الصحيحين من حديث ابن عباس عن أسامة بن زيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إنما الربا في النسيئة ومثل هذا يراد به حصر الكمال وأن الربا الكامل إنما هو في النسيئة كما قال تعالى: إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون [الأنفال: 2] إلى قوله: أولئك هم المؤمنون حقا [الأنفال: 4] وكقول ابن مسعود: quot; إنما العالم الذي يخشى الله quot;.  [فصل ربا الفضل] فصل: [ربا الفضل] وأما ربا الفضل فتحريمه من باب سد الذرائع كما صرح به في حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإني أخاف عليكم الرما والرما هو الربا فمنعهم من ربا الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة وذلك أنهم إذا باعوا درهما بدرهمين ولا يفعل هذا إلا للتفاوت الذي بين النوعين - إما في الجودة وإما في السكة وإما في الثقل والخفة وغير ذلك - تدرجوا بالربح المعجل فيها إلى الربح المؤخر وهو عين ربا النسيئة وهذه ذريعة قريبة جدا فمن حكمة الشارع أن سد عليهم هذه الذريعة ومنعهم من بيع درهم بدرهمين نقدا ونسيئة فهذه حكمة معقولة مطابقة للعقول وهي تسد عليهم باب المفسدة. [الأجناس التي يحرم فيها ربا الفضل وآراء العلماء في ذلك] فإذا تبين هذا فنقول: الشارع نص على تحريم ربا الفضل في ستة أعيان وهي الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح فاتفق الناس على تحريم التفاضل فيها مع اتحاد الجنس وتنازعوا فيما عداها فطائفة قصرت التحريم عليها وأقدم من يروى هذا عنه قتادة وهو مذهب أهل الظاهر واختيار ابن عقيل في آخر مصنفاته مع قوله بالقياس قال: لأن علل القياسيين في مسألة الربا علل ضعيفة وإذا لم تظهر في علة امتنع القياس. وطائفة حرمته في كل مكيل وموزون بجنسه وهذا مذهب عمار وأحمد في ظاهر مذهبه وأبي حنيفة وطائفة خصته بالطعام وإن لم يكن مكيلا ولا موزونا وهو قول الشافعي ورواية عن الإمام أحمد وطائفة خصته بالطعام إذا كان مكيلا أو موزونا وهو قول سعيد بن المسيب(2\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "403",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "405",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورواية عن أحمد وقول للشافعي وطائفة خصته بالقوت وما يصلحه وهو قول مالك وهو أرجح هذه الأقوال كما ستراه. وأما الدراهم والدنانير فقالت طائفة: العلة فيهما كونهما موزونين وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه ومذهب أبي حنيفة وطائفة قالت: العلة فيهما الثمنية وهذا قول الشافعي ومالك وأحمد في الرواية الأخرى وهذا هو الصحيح بل الصواب فإنهم أجمعوا على جواز إسلامهما في الموزونات من النحاس والحديد وغيرهما فلو كان النحاس والحديد ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدا فإن ما يجري فيه الرد إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النساء والعلة إذا انتقضت من غير فرق مؤثر دل على بطلانها. وأيضا فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة فهو طرد محض بخلاف التعليل بالثمنية فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال فيجب أن يكون محدودا مضبوطا لا يرتفع ولا ينخفض إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات بل الجميع سلع وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء ويستمر على حالة واحدة ولا يقوم هو بغيره إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض فتفسد معاملات الناس ويقع الخلف ويشتد الضرر كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح فعم الضرر وحصل الظلم ولو جعلت ثمنا واحدا لا يزداد ولا ينقص بل تقوم به الأشياء ولا تقوم هي بغيرها لصلح أمر الناس فلو أبيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير - مثل أن يعطي صحاحا ويأخذ مكسرة أو خفافا ويأخذ ثقالا أكثر منها - لصارت متجرا أو جر ذلك إلى ربا النسيئة فيها ولا بد فالأثمان لا تقصد لأعيانها بل يقصد التوصل بها إلى السلع فإذا صارت في أنفسها سلعا تقصد لأعيانها فسد أمر الناس وهذا معنى معقول يختص بالنقود لا يتعدى إلى سائر الموزونات.  [فصل حكمة تحريم ربا النساء في المطعوم] فصل: [حكمة تحريم ربا النساء في المطعوم] وأما الأصناف الأربعة المطعومة فحاجة الناس إليها أعظم من حاجتهم إلى غيرها لأنها أقوات العالم وما يصلحها فمن رعاية مصالح العباد أن منعوا من بيع بعضها ببعض إلى أجل سواء اتحد الجنس أو اختلف ومنعوا من بيع بعضها ببعض حالا متفاضلا وإن اختلفت صفاتها وجوز لهم التفاضل فيها مع اختلاف أجناسها.(2\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "404",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "406",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسر ذلك - والله أعلم - أنه لو جوز بيع بعضها ببعض نساء لم يفعل ذلك أحد إلا إذا ربح وحينئذ تسمح نفسه ببيعها حالة لطمعه في الربح فيعز الطعام على المحتاج ويشتد ضرره وعامة أهل الأرض ليس عندهم دراهم ولا دنانير لا سيما أهل العمود والبوادي وإنما يتناقلون الطعام بالطعام فكان من رحمة الشارع بهم وحكمته أن منعهم من ربا النساء فيها كما منعهم من ربا النساء في الأثمان إذ لو جوز لهم النساء فيها لدخلها: quot; إما أن تقضي وإما أن تربي quot; فيصير الصاع الواحد لو أخذ قفزانا كثيرة ففطموا عن النساء ثم فطموا عن بيعها متفاضلا يدا بيد إذ تجرهم حلاوة الربح وظفر الكسب إلى التجارة فيها نساء وهو عين المفسدة وهذا بخلاف الجنسين المتباينين فإن حقائقهما وصفاتهما ومقاصدهما مختلفة ففي إلزامهم المساواة في بيعها إضرار بهم ولا يفعلونه وفي تجويز النساء بينها ذريعة إلى: quot; إما أن تقضي وإما أن تربي quot; فكان من تمام رعاية مصالحهم أن قصرهم على بيعها يدا بيد كيف شاءوا فحصلت لهم مصلحة المبادلة واندفعت عنهم مفسدة: quot; إما أن تقضي وإما أن تربي quot;. وهذا بخلاف ما إذا بيعت بالدراهم أو غيرها من الموزونات نساء فإن الحاجة داعية إلى ذلك فلو منعوا منه لأضر بهم ولامتنع السلم الذي هو من مصالحهم فيما هم محتاجون إليه أكثر من غيرهم والشريعة لا تأتي بهذا وليس بهم حاجة في بيع هذه الأصناف بعضها ببعض نساء وهو ذريعة قريبة إلى مفسدة الربا فأبيح لهم في جميع ذلك ما تدعو إليه حاجتهم وليس بذريعة إلى مفسدة راجحة ومنعوا مما لا تدعو الحاجة إليه ويتذرع به غالبا إلى مفسدة راجحة. يوضح ذلك أن من عنده صنف من هذه الأصناف وهو محتاج إلى الصنف الآخر فإنه يحتاج إلى بيعه بالدراهم ليشتري الصنف الآخر كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: بع الجمع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيبا أو تبيعه بذلك الصنف نفسه بما يساوي وعلى كلا التقديرين يحتاج إلى بيعه حالا بخلاف ما إذا مكن من النساء فإنه حينئذ يبيعه بفضل ويحتاج أن يشتري الصنف الآخر بفضل لأن صاحب ذلك الصنف يربي عليه كما أربى هو على غيره فينشأ من النساء تضرر بكل واحد منهما والنساء ههنا في صنفين وفي النوع الأول في صنف واحد وكلاهما منشأ الضرر والفساد. وإذا تأملت ما حرم فيه النساء رأيته إما صنفا واحدا أو صنفين مقصودهما واحد أو متقارب كالدراهم والدنانير والبر والشعير والتمر والزبيب فإذا تباعدت المقاصد لم يحرم النساء كالبر والثياب والحديد والزيت.(2\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "405",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "407",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يوضح ذلك أنه لو مكن من بيع مد حنطة بمدين كان ذلك تجارة حاضرة فتطلب النفوس التجارة المؤخرة للذة الكسب وحلاوته فمنعوا من ذلك حتى منعوا من التفرق قبل القبض إتماما لهذه الحكمة ورعاية لهذه المصلحة فإن المتعاقدين قد يتعاقدان على الحلول والعادة جارية بصبر أحدهما على الآخر وكما يفعل أرباب الحيل: يطلقون العقد وقد تواطئوا على أمر آخر كما يطلقون عقد النكاح وقد اتفقوا على التحليل ويطلقون بيع السلعة إلى أجل وقد اتفقوا على أنه يعيدها إليه بدون ذلك الثمن فلو جوز لهم التفرق قبل القبض لأطلقوا البيع حالا وأخروا الطلب لأجل الربح فيقعوا في نفس المحذور. وسر المسألة أنهم منعوا من التجارة في الأثمان بجنسها لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأثمان ومنعوا من التجارة في الأقوات بجنسها لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأقوات وهذا المعنى بعينه موجود في بيع التبر والعين لأن التبر ليس فيه صنعة يقصد لأجلها فهو بمنزلة الدراهم التي قصد الشارع ألا يفاضل بينها ولهذا قال: quot; تبرها وعينها سواء quot; فظهرت حكمة تحريم ربا النساء في الجنس والجنسين وربا الفضل في الجنس الواحد وأن تحريم هذا تحريم المقاصد وتحريم الآخر تحريم الوسائل وسد الذرائع ولهذا لم يبح شيء من ربا النسيئة.  [فصل حكمة إباحة العرايا ونحوها] فصل: [حكمة إباحة العرايا ونحوها] وأما ربا الفضل فأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة كالعرايا فإن ما حرم سدا للذريعة أخف مما حرم تحريم المقاصد وعلى هذا فالمصوغ والحيلة إن كانت صياغته محرمة كالآنية حرم بيعه بجنسه وغير جنسه وبيع هذا هو الذي أنكره عبادة على معاوية فإنه يتضمن مقابلة الصياغة المحرمة بالأثمان وهذا لا يجوز كآلات الملاهي. وأما إن كانت الصياغة مباحة - كخاتم الفضة وحلية النساء وما أبيح من حلية السلاح وغيرها - فالعاقل لا يبيع هذه بوزنها من جنسها فإنه سفه وإضاعة للصنعة. والشارع أحكم من أن يلزم الأمة بذلك فالشريعة لا تأتي به ولا تأتي بالمنع من بيع ذلك وشرائه لحاجة الناس إليه فلم يبق إلا أن يقال: لا يجوز بيعها بجنسها ألبتة بل يبيعها بجنس آخر وفي هذا من الحرج والعسر والمشقة ما تتقيه الشريعة فإن أكثر الناس ليس عندهم ذهب يشترون به ما يحتاجون إليه من ذلك والبائع لا يسمح ببيعه ببر وشعير وثياب وتكليف الاستصناع لكل من احتاج(2\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "406",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "408",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليه إما متعذر أو متعسر والحيل باطلة في الشرع وقد جوز الشارع بيع الرطب بالتمر لشهوة الرطب وأين هذا من الحاجة إلى بيع المصوغ الذي تدعو الحاجة إلى بيعه وشرائه فلم يبق إلا جواز بيعه كما تباع السلع فلو لم يجز بيعه بالدراهم فسدت مصالح الناس  والنصوص الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس فيها ما هو صريح في المنع وغايتها أن تكون عامة أو مطلقة ولا ينكر تخصيص العام وتقييد المطلق بالقياس الجلي وهي بمنزلة نصوص وجوب الزكاة في الذهب والفضة والجمهور يقولون: لم تدخل في ذلك الحيلة ولا سيما فإن لفظ النصوص في الموضعين قد ذكر تارة بلفظ الدراهم والدنانير كقوله: الدراهم بالدراهم والدنانير بالدنانير وفي الزكاة قوله: في الرقة ربع العشر والرقة: هي الورق وهي الدراهم المضروبة وتارة بلفظ الذهب والفضة فإن حمل المطلق على المقيد كان نهيا عن الربا في النقدين وإيجابا للزكاة فيهما ولا يقتضي ذلك نفي الحكم عن جملة ما عداهما بل فيه تفصيل فتجب الزكاة ويجري الربا في بعض صوره لا في كلها وفي هذا توفية الأدلة حقها وليس فيه مخالفة بشيء لدليل منها. يوضحه أن الحلية المباحة صارت بالصنعة المباحة من جنس الثياب والسلع لا من جنس الأثمان ولهذا لم تجب فيها الزكاة فلا يجري الربا بينها وبين الأثمان كما لا يجري بين الأثمان وبين سائر السلع وإن كانت من غير جنسها فإن هذه بالصناعة قد خرجت عن مقصود الأثمان وأعدت للتجارة فلا محذور في بيعها بجنسها ولا يدخلها: quot; إما أن تقضي وإما أن تربي quot; إلا كما يدخل في سائر السلع إذا بيعت بالثمن المؤجل ولا ريب أن هذا قد يقع فيها لكن لو سد على الناس ذلك لسد عليهم باب الدين وتضرروا بذلك غاية الضرر. يوضحه أن الناس على عهد نبيهم - صلى الله عليه وسلم - كانوا يتخذون الحلية وكان النساء يلبسنها وكن يتصدقن بها في الأعياد وغيرها ومن المعلوم بالضرورة أنه كان يعطيها للمحاويج ويعلم أنهم يبيعونها ومعلوم قطعا أنها لا تباع بوزنها فإنه سفه ومعلوم أن مثل الحلقة والخاتم والفتخة لا تساوي دينارا ولم يكن عندهم فلوس يتعاملون بها وهم كانوا أتقى لله وأفقه في دينه وأعلم بمقاصد رسوله من أن يرتكبوا الحيل أو يعلموها الناس. يوضحه أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة أنه نهى أن يباع الحلي إلا بغير جنسه أو بوزنه والمنقول عنهم إنما هو في الصرف. يوضحه أن تحريم ربا الفضل إنما كان سدا للذريعة كما تقدم بيانه وما حرم سدا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة كما أبيحت العرايا من ربا الفضل وكما أبيحت ذوات(2\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "407",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "409",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر وكما أبيح النظر للخاطب والشاهد والطبيب والمعامل من جملة النظر المحرم وكذلك تحريم الذهب والحرير على الرجال حرم لسد ذريعة التشبيه بالنساء الملعون فاعله وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة وكذلك ينبغي أن يباح بيع الحلية المصوغة صياغة مباحة بأكثر من وزنها لأن الحاجة تدعو إلى ذلك وتحريم التفاضل إنما كان سدا للذريعة فهذا محض القياس ومقتضى أصول الشرع ولا تتم مصلحة الناس إلا به أوبالحيل والحيل باطلة في الشرع وغاية ما في ذلك جعل الزيادة في مقابلة الصياغة المباحة المتقومة بالأثمان في الغصوب وغيرها وإذا كان أرباب الحيل يجوزون بيع عشرة بخمسة عشر في خرقة تساوي فلسا ويقولون: الخمسة في مقابلة الخرقة فكيف ينكرون بيع الحلية بوزنها وزيادة تساوي الصناعة وكيف تأتي الشريعة الكاملة الفاضلة التي بهرت العقول حكمة وعدلا ورحمة وجلالة بإباحة هذا وتحريم ذلك وهل هذا إلا عكس للمعقول والفطر والمصلحة والذي يقضي منه العجب مبالغتهم في ربا الفضل أعظم مبالغة حتى منعوا بيع رطل زيت برطل زيت وحرموا بيع الكسب بالسمسم وبيع النشا بالحنطة وبيع الخل بالزبيب ونحو ذلك وحرموا بيع مد حنطة ودرهم بمد ودرهم وجاءوا إلى ربا الفضل النسيئة ففتحوا للتحيل عليه كل باب فتارة بالعينة وتارة بالمحلل وتارة بالشرط المتقدم المتواطأ عليه ثم يطلقون العقد من غير اشتراط وقد علم الله والكرام الكاتبون والمتعاقدان ومن حضر أنه عقد ربا مقصوده وروحه بيع خمسة عشر مؤجلة بعشرة نقدا ليس إلا ودخول السلعة كخروجها حرف جاء لمعنى في غيره فهلا فعلوا ههنا كما فعلوا في مسألة مد عجوة ودرهم بمد ودرهم وقالوا: قد يجعل وسيلة إلى ربا الفضل بأن يكون المد في أحد الجانبين يساوي بعض مد في الجانب الآخر فيقع التفاضل فيا لله العجب كيف حرمت هذه الذريعة إلى ربا الفضل وأبيحت تلك الذرائع القريبة الموصلة إلى ربا النسيئة بحتا خالصا وأين مفسدة بيع الحلية بجنسها ومقابلة الصياغة بحظها من الثمن إلى مفسدة الحيل الربوية التي هي أساس كل مفسدة وأصل كل بلية وإذا حصحص الحق فليقل المتعصب الجاهل ما شاء وبالله التوفيق. [السر في أنه ليس للصفات في البيوع مقابل] فإن قيل: الصفات لا تقابل بالزيادة ولو قوبلت بها لجاز بيع الفضة الجيدة بأكثر منها من الرديئة وبيع التمر الجيد بأزيد منه من الرديء ولما أبطل الشارع ذلك علم أنه منع من مقابلة الصفات بالزيادة.(2\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "408",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "410",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل: الفرق بين الصنعة التي هي أثر فعل الآدمي وتقابل بالأثمان ويستحق عليها الأجرة وبين الصفة التي هي مخلوقة لله لا أثر للعبد فيها ولا هي من صنعته فالشارع بحكمته وعدله منع من مقابلة هذه الصفة بزيادة إذ ذلك يفضي إلى نقض ما شرعه من المنع من التفاضل فإن التفاوت في هذه الأجناس ظاهر والعاقل لا يبيع جنسا بجنسه إلا لما هو بينهما من التفاوت فإن كانا متساويين من كل وجه لم يفعل ذلك فلو جوز لهم مقابلة الصفات بالزيادة لم يحرم عليهم ربا الفضل وهذا بخلاف الصياغة التي جوز لهم المعاوضة عليها معه. يوضحه أن المعاوضة إذا جازت على هذه الصياغة مفردة جازت عليها مضمومة إلى غير أصلها وجوهرها إذ لا فرق بينهما في ذلك. يوضحه أن الشارع لا يقول لصاحب هذه الصياغة: بع هذا المصوغ بوزنه واخسر صياغتك ولا يقول له: لا تعمل هذه الصياغة واتركها ولا يقول له: تحيل على بيع المصوغ بأكثر من وزنه بأنواع الحيل ولم يقل قط: لا تبعه إلا بغير جنسه ولم يحرم على أحد أن يبيع شيئا من الأشياء بجنسه. فإن قيل: فهب أن هذا قد سلم لكم في المصوغ فكيف يسلم لكم في الدراهم والدنانير المضروبة إذا بيعت بالسبائك مفاضلا وتكون الزيادة في مقابلة صناعة الضرب قيل: هذا سؤال قوي وارد وجوابه أن السكة لا تتقوم فيه الصناعة للمصلحة العامة المقصودة منها فإن السلطان يضربها لمصلحة الناس العامة وإن كان الضارب يضربها بأجرة فإن القصد بها أن تكون معيارا للناس لا يتجرون فيها كما تقدم والسكة فيها غير مقابلة بالزيادة في العرف ولو قوبلت بالزيادة فسدت المعاملة وانتقضت المصلحة التي ضربت لأجلها واتخذها الناس سلعة واحتاجت إلى التقويم بغيرها ولهذا قام الدرهم مقام الدرهم من كل وجه وإذا أخذ الرجل الدراهم رد نظيرها وليس المصوغ كذلك ألا ترى أن الرجل يأخذ مائة خفافا ويرد خمسين ثقالا بوزنها ولا يأبى ذلك الآخذ ولا القابض ولا يرى أحدهما أنه قد خسر شيئا وهذا بخلاف المصوغ والنبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه لم يضربوا درهما واحدا وأول من ضربها في الإسلام عبد الملك بن مروان وإنما كانوا يتعاملون بضرب الكفار. فإن قيل: فيلزمكم على هذا أن تجوزوا بيع فروع الأجناس بأصولها متفاضلا فجوزوا بيع الحنطة بالخبز متفاضلا والزيت بالزيتون والسمسم بالشيرج.(2\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "409",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "411",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل: هذا سؤال وارد أيضا وجوابه أن التحريم إنما يثبت بنص أو إجماع أو تكون الصورة المحرمة بالقياس مساوية من كل وجه للمنصوص على تحريمها والثلاثة منتفية في فروع الأجناس مع أصولها وقد تقدم أن غير الأصناف الأربعة لا يقوم مقامها ولا يساويها في إلحاقها بها وأما الأصناف الأربعة ففرعها إن خرج عن كونه قوتا لم يكن من الربويات وإن كانت قوتا كان جنسا قائما بنفسه وحرم بيعه بجنسه الذي هو مثله متفاضلا كالدقيق بالدقيق والخبز بالخبز ولم يحرم بيعه بجنس آخر وإن كان جنسهما واحدا فلا يحرم السمسم بالشيرج ولا الهريسة بالخبز فإن هذه الصناعة لها قيمة فلا تضيع على صاحبها ولم يحرم بيعها بأصولها في كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا حرام إلا ما حرمه الله كما أنه لا عبادة إلا ما شرعها الله وتحريم الحلال كتحليل الحرام.  [بيع اللحم بالحيوان] [الخلاف في بيع اللحم بالحيوان] فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم ببيع اللحم بالحيوان فإنكم إن منعتموه نقضتم قولكم وإن جوزتموه خالفتم النص وإذا كان النص قد منع من بيع اللحم بالحيوان فهو دليل على المنع من بيع الخبز بالبر والزيت بالزيتون وكل ربوي بأصله. قيل: الكلام في هذا الحديث في مقامين: أحدهما في صحته والثاني في معناه أما الأول فهو حديث لا يصح موصولا وإنما هو صحيح مرسلا فمن لم يحتج بالمرسل لم يرد عليه ومن رأى قبول المرسل مطلقا أو مراسيل سعيد بن المسيب فهو حجة عنده قال أبو عمر: لا أعلم حديث النهي عن بيع اللحم بالحيوان متصلا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجه ثابت وأحسن أسانيده مرسل سعيد بن المسيب كما ذكره مالك في موطئه وقد اختلف الفقهاء في القول بهذا الحديث والعمل به والمراد منه فكان مالك يقول: معنى الحديث تحريم التفاضل في الجنس الواحد حيوانه بلحمه وهو عنده من باب المزابنة والغرر والقمار لأنه لا يدري هل في الحيوان مثل اللحم الذي أعطى أو أقل أو أكثر وبيع اللحم باللحم لا يجوز متفاضلا فكان بيع الحيوان باللحم كبيع اللحم المغيب في جلده بلحم إذا كانا من جنس واحد قال: وإذا اختلف الجنسان فلا خلاف عن مالك وأصحابه أنه جائز حينئذ بيع اللحم بالحيوان. وأما أهل الكوفة كأبي حنيفة وأصحابه فلا يأخذون بهذا الحديث ويجوزون بيع اللحم بالحيوان مطلقا. وأما أحمد فيمنع بيعه بحيوان من جنسه ولا يمنع بيعه بغير جنسه وإن منعه بعض أصحابه وأما الشافعي فيمنع بيعه بجنسه وبغير جنسه وروى الشافعي عن ابن عباس أن جزورا نحرت على عهد أبي بكر الصديق(2\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "410",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "412",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقسمت على عشرة أجزاء فقال رجل: أعطوني جزءا منها بشاة فقال أبو بكر: لا يصلح هذا. قال الشافعي: ولست أعلم لأبي بكر في ذلك مخالفا من الصحابة. والصواب في هذا الحديث - إن ثبت - أن المراد به إذا كان الحيوان مقصودا للحم كشاة يقصد لحمها فتباع بلحم فيكون قد باع لحما بلحم أكثر منه من جنس واحد واللحم قوت موزون فيدخله ربا الفضل. وأما إذا كان الحيوان غير مقصود به اللحم كما إذا كان غير مأكول أو مأكولا لا يقصد لحمه كالفرس تباع بلحم إبل فهذا لا يحرم بيعه به بقي إذا كان الحيوان مأكولا لا يقصد لحمه وهو من غير جنس اللحم فهذا يشبه المزابنة بين الجنسين كبيع صبرة تمر بصبرة زبيب وأكثر الفقهاء لا يمنعون من ذلك إذ غايته التفاضل بين الجنسين والتفاضل المتحقق جائز بينهما فكيف بالمظنون وأحمد في إحدى الروايتين عنه يمنع ذلك لا لأجل التفاضل ولكن لأجل المزابنة وشبه القمار وعلى هذا فيمتنع بيع اللحم بحيوان من غير جنسه والله أعلم. .  [فصل الحكمة في وجوب إحداد المرأة على زوجها أكثر مما تحد على أبيها] فصل: [الحكمة في وجوب إحداد المرأة على زوجها أكثر مما تحد على أبيها] وأما قوله: quot; ومنع المرأة من الإحداد على أمها وأبيها فوق ثلاث وأوجبه على زوجها أربعة أشهر وعشرا وهو أجنبي quot; فيقال: هذا من تمام محاسن هذه الشريعة وحكمتها ورعايتها لمصالح العباد على أكمل الوجوه فإن الإحداد على الميت من تعظيم مصيبة الموت التي كان أهل الجاهلية يبالغون فيها أعظم مبالغة ويضيفون إلى ذلك شق الجيوب ولطم الخدود وحلق الشعور والدعاء بالويل والثبور وتمكث المرأة سنة في أضيق بيت وأوحشه لا تمس طيبا ولا تدهن ولا تغتسل إلى غير ذلك مما هو تسخط على الرب تعالى وأقداره فأبطل الله سبحانه برحمته ورأفته سنة الجاهلية وأبدلنا بها الصبر والحمد والاسترجاع الذي هو أنفع للمصاب في عاجلته وآجلته ولما كانت مصيبة الموت لا بد أن تحدث للمصاب من الجزع والألم والحزن ما تتقاضاه الطباع سمح لها الحكيم الخبير في اليسير من ذلك وهو ثلاثة أيام تجد بها نوع راحة وتقضي بها وطرا من الحزن كما رخص للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا وما زاد على الثلاث فمفسدته راجحة فمنع منه بخلاف مفسدة الثلاث فإنها مرجوحة مغمورة بمصلحتها فإن فطام النفوس عن مألوفاتها بالكلية من أشق الأمور عليها فأعطيت بعض الشيء ليسهل عليها ترك الباقي فإن النفس إذا أخذت بعض مرادها قنعت به فإذا سئلت ترك الباقي كانت إجابتها إليه أقرب من إجابتها لو حرمت بالكلية.(2\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "411",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "413",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن تأمل أسرار الشريعة وتدبر حكمها رأى ذلك ظاهرا على صفحات أوامرها ونواهيها باديا لمن نظره نافذ فإذا حرم عليهم شيئا عوضهم عنه بما هو خير لهم منه وأنفع وأباح لهم منه ما تدعو حاجتهم إليه ليسهل عليهم تركه كما حرم عليهم بيع الرطب بالتمر وأباح لهم منه العرايا وحرم عليهم النظر إلى الأجنبية وأباح لهم منه نظر الخاطب والمعامل والطبيب وحرم عليهم أكل المال بالمغالبات الباطلة كالنرد والشطرنج وغيرهما وأباح لهم أكله بالمغالبات النافعة كالمسابقة والنضال وحرم عليهم لباس الحرير وأباح لهم منه اليسير الذي تدعو الحاجة إليه وحرم عليهم كسب المال بربا النسيئة وأباح لهم كسبه بالسلم وحرم عليهم في الصيام وطء نسائهم وعوضهم عن ذلك بأن أباحه لهم ليلا فسهل عليهم تركه بالنهار وحرم عليهم الزنا وعوضهم بأخذ ثانية وثالثة ورابعة ومن الإماء ما شاءوا فسهل عليهم تركه غاية التسهيل وحرم عليهم الاستقسام بالأزلام وعوضهم عنه بالاستخارة ودعائها ويا بعد ما بينهما وحرم عليهم نكاح أقاربهم وأباح لهم منه بنات العم والعمة والخال والخالة وحرم عليهم وطء الحائض وسمح لهم في مباشرتها وأن يصنعوا بها كل شيء إلا الوطء فسهل عليهم تركه غاية السهولة وحرم عليهم الكذب وأباح لهم المعاريض التي لا يحتاج من عرفها إلى الكذب معها ألبتة وأشار إلى هذا - صلى الله عليه وسلم - بقوله: إن في المعاريض مندوحة عن الكذب وحرم عليهم الخيلاء بالقول والفعل وأباحها لهم في الحرب لما فيها من المصلحة الراجحة الموافقة لمقصود الجهاد وحرم عليهم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير وعوضهم عن ذلك بسائر أنواع الوحوش والطير على اختلاف أجناسها وأنواعها وبالجملة فما حرم عليهم خبيثا ولا ضارا إلا أباح لهم طيبا بإزائه أنفع لهم منه ولا أمرهم بأمر إلا وأعانهم عليه فوسعتهم رحمته ووسعهم تكليفه. والمقصود أنه أباح للنساء - لضعف عقولهن وقلة صبرهن - الإحداد على موتاهن ثلاثة أيام وأما الإحداد على الزوج فإنه تابع للعدة وهو من مقتضياتها ومكملاتها فإن المرأة إنما تحتاج إلى التزين والتجمل والتعطر لتتحبب إلى زوجها وترد لها نفسه ويحسن ما بينهما من العشرة فإذا مات الزوج واعتدت منه وهي لم تصل إلى زوج آخر فاقتضى تمام حق الأول وتأكيد المنع من الثاني قبل بلوغ الكتاب أجله أن تمنع مما تصنعه النساء لأزواجهن مع ما في ذلك من سد الذريعة إلى طمعها في الرجال وطمعهم فيها بالزينة والخضاب والتطيب فإذا بلغ الكتاب أجله صارت محتاجة إلى ما يرغب في نكاحها فأبيح لها من ذلك ما يباح لذات الزوج فلا شيء أبلغ في الحسن من هذا المنع والإباحة ولو اقترحت عقول العالمين لم تقترح شيئا أحسن منه.(2\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "412",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "414",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الحكمة في مساواة المرأة للرجل في بعض الأحكام دون بعض] فصل: [الحكمة في مساواة المرأة للرجل في بعض الأحكام دون بعض] : وأما قوله: quot; وسوى بين الرجل والمرأة في العبادات البدنية والحدود وجعلها على النصف منه في الدية والشهادة والميراث والعقيقة quot; فهذا أيضا من كمال شريعته وحكمتها ولطفها فإن مصلحة العبادات البدنية ومصلحة العقوبات الرجال والنساء مشتركون فيها وحاجة أحد الصنفين إليها كحاجة الصنف الآخر فلا يليق التفريق بينهما نعم فرقت بينهما في أليق المواضع بالتفريق وهو الجمعة والجماعة فخص وجوبهما بالرجال دون النساء لأنهن لسن من أهل البروز ومخالطة الرجال وكذلك فرقت بينهما في عبادة الجهاد التي ليس الإناث من أهلها وسوت بينهما في وجوب الحج لاحتياج النوعين إلى مصلحته وفي وجوب الزكاة والصيام والطهارة وأما الشهادة فإنما جعلت المرأة فيها على النصف من الرجل لحكمه أشار إليها العزيز الحكيم في كتابه وهي أن المرأة ضعيفة العقل قليلة الضبط لما تحفظه. وقد فضل الله الرجال على النساء في العقول والفهم والحفظ والتمييز فلا تقوم المرأة في ذلك مقام الرجل وفي منع قبول شهادتها بالكلية إضاعة لكثير من الحقوق وتعطيل لها فكان من أحسن الأمور وألصقها بالعقول أن ضم إليها في قبول الشهادة نظيرها لتذكرها إذا نسيت فتقوم شهادة المرأتين مقام شهادة الرجل ويقع من العلم أو الظن الغالب بشهادتهما ما يقع بشهادة الرجل الواحد وأما الدية فلما كانت المرأة أنقص من الرجل والرجل أنفع منها ويسد ما لا تسده المرأة من المناصب الدينية والولايات وحفظ الثغور والجهاد وعمارة الأرض وعمل الصنائع التي لا تتم مصالح العالم إلا بها والذب عن الدنيا والدين لم تكن قيمتهما مع ذلك متساوية وهي الدية فإن دية الحر جارية مجرى قيمة العبد وغيره من الأموال فاقتضت حكمة الشارع أن جعل قيمتها على النصف من قيمته لتفاوت ما بينهما. فإن قيل: لكنكم نقضتم هذا فجعلتم ديتهما سواء فيما دون الثلث. قيل: لا ريب أن السنة وردت بذلك كما رواه النسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى تبلغ الثلث من ديتها . وقال سعيد بن المسيب: إن ذلك [من] السنة وإن خالف فيه أبو حنيفة والشافعي والليث والثوري وجماعة وقالوا: هي [على] النصف في القليل والكثير ولكن السنة أولى والفرق فيما دون الثلث وما زاد عليه أن ما دونه قليل فجبرت مصيبة المرأة فيه(2\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "413",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "415",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بمساواتها للرجل ولهذا استوى الجنين الذكر والأنثى في الدية لقلة ديته وهي الغرة فنزل ما دون الثلث منزلة الجنين. وأما الميراث فحكمة التفضيل فيه ظاهرة فإن الذكر أحوج إلى المال من الأنثى لأن الرجال قوامون على النساء والذكر أنفع للميت في حياته من الأنثى. وقد أشار سبحانه وتعالى إلى ذلك بقوله بعد أن فرض الفرائض وفاوت بين مقاديرها آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا [النساء: 11] وإذا كان الذكر أنفع من الأنثى وأحوج كان أحق بالتفضيل. فإن قيل: فهذا ينتقض بولد الأم. قيل: بل طرد هذه التسوية بين ولد الأم ذكرهم وأنثاهم فإنهم إنما يرثون بالرحم المجرد فالقرابة التي يرثون بها قرابة أنثى فقط وهم فيها سواء فلا معنى لتفضيل ذكرهم على أنثاهم بخلاف قرابة الأب. وأما العقيقة فأمر التفضيل فيها تابع لشرف الذكر وما ميزه الله به على الأنثى ولما كانت النعمة به على الوالد أتم والسرور والفرحة به أكمل كان الشكران عليه أكثر فإنه كلما كثرت النعمة كان شكرها أكثر والله أعلم.  [فصل الحكمة في التفرقة بين زمان وزمان ومكان ومكان في الفضل] فصل: [الحكمة في التفرقة بين زمان وزمان ومكان ومكان] وأما قوله: quot; وخص بعض الأزمنة والأمكنة وفضل بعضها على بعض مع تساويها - إلخ quot; فالمقدمة الأولى صادقة والثانية كاذبة. وما فضل بعضها على بعض إلا لخصائص قامت بها اقتضت التخصيص وما خص سبحانه شيئا إلا بمخصص ولكنه قد يكون ظاهرا وقد يكون خفيا واشتراك الأزمنة والأمكنة في مسمى الزمان والمكان كاشتراك الحيوان في مسمى الحيوانية والإنسان في مسمى الإنسانية بل وسائر الأجناس في المعنى الذي يعمها. وذلك لا يوجب استواءها في أنفسها والمختلفات تشترك في أمور كثيرة والمتفقات تتباين في أمور كثيرة والله سبحانه أحكم وأعلم من أن يفضل مثلا على مثل من كل وجه بلا صفة تقتضي ترجيحه هذا مستحيل في خلقه وأمره كما أنه سبحانه لا يفرق بين المتماثلين من كل وجه فحكمته وعدله تأبى هذا وهذا. وقد نزه سبحانه نفسه عمن يظن به ذلك وأنكر عليه زعمه الباطل وجعله حكما منكرا ولو جاز عليه ما يقوله هؤلاء لبطلت حججه وأدلته فإن مبناها على أن حكم الشيء حكم مثله وعلى ألا يسوي بين المختلفين فلا يجعل الأبرار كالفجار ولا المؤمنين كالكفار ولا من أطاعه كمن عصاه(2\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "414",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "416",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا العالم كالجاهل وعلى هذا مبنى الجزاء فهو حكمه الكوني والديني وجزاؤه الذي هو ثوابه وعقابه وبذلك حصل الاعتبار ولأجله ضربت الأمثال وقصت علينا أخبار الأنبياء وأممهم ويكفي في بطلان هذا المذهب المتروك الذي هو من أفسد مذاهب العالم أنه يتضمن لمساواة ذات جبريل لذات إبليس وذات الأنبياء لذات أعدائهم ومكان البيت العتيق بمكان الحشوش وبيوت الشياطين وأنه لا فرق بين هذه الذوات في الحقيقة. وإنما خصت هذه الذات عن هذه الذات بما خصت به لمحض المشيئة المرجحة مثلا على مثل بلا موجب بل قالوا ذلك في جميع الأجسام وأنها متماثلة فجسم المسك عندهم مساو لجسم البول والعذرة وإنما امتاز عنه بصفة عرضية وجسم الثلج عندهم مساو لجسم النار في الحقيقة وهذا مما خرجوا به عن صريح المعقول وكابروا فيه الحس وخالفهم فيه جمهور العقلاء من أهل الملل والنحل وما سوى الله بين جسم السماء وجسم الأرض ولا بين جسم النار وجسم الماء ولا بين جسم الهواء وجسم الحجر وليس مع المنازعين في ذلك إلا الاشتراك في أمر عام وهو قبول الانقسام وقيام الأبعاد الثلاثة والإشارة الحسية ونحو ذلك مما لا يوجب التشابه فضلا عن التماثل وبالله التوفيق.  [فصل الحكمة في الجمع بين المختلفات في الحكم متى اتفقت في موجبه] فصل: [الحكمة في الجمع بين المختلفات في الحكم متى اتفقت في موجبه] وأما قوله quot; إن الشريعة جمعت بين المختلفات كما جمعت بين الخطأ والعمد في ضمان الأموال quot; فغير منكر في العقول والفطر والشرائع والعادات اشتراك المختلفات في حكم واحد باعتبار اشتراكها في سبب ذلك الحكم فإنه لا مانع من اشتراكها في أمر يكون علة لحكم من الأحكام بل هذا هو الواقع وعلى هذا فالخطأ والعمد اشتركا في الإتلاف الذي هو علة للضمان وإن افترقا في علة الإثم وربط الضمان بالإتلاف من باب ربط الأحكام بأسبابها وهو مقتضى العدل الذي لا تتم المصلحة إلا به كما أوجب على القاتل خطأ دية القتيل ولذلك لا يعتمد التكليف فيضمن الصبي والمجنون والنائم ما أتلفوه من الأموال وهذا من الشرائع العامة التي لا تتم مصالح الأمة إلا بها فلو لم يضمنوا جنايات أيديهم لأتلف بعضهم أموال بعض وادعى الخطأ وعدم القصد. وهذا بخلاف أحكام الإثم والعقوبات فإنها تابعة للمخالفة وكسب العبد ومعصيته ففرقت الشريعة فيها بين العامد والمخطئ وكذلك البر والحنث في الأيمان فإنه نظير الطاعة والعصيان في الأمر والنهي فيفترق الحال فيه بين العامد والمخطئ.(2\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "415",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "417",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما جمعها بين المكلف وغيره في الزكاة فهذه مسألة نزاع واجتهاد وليس عن صاحب الشرع نص بالتسوية ولا بعدمها والذين سووا بينهما رأوا ذلك من حقوق الأموال التي جعل الله سبحانه الأموال سببا في ثبوتها وهي حق للفقراء في نفس هذا المال سواء كان مالكه مكلفا أو غير مكلف كما جعل في ماله حق الإنفاق على بهائمه ورقيقه وأقاربه فكذلك جعل في ماله حقا للفقراء والمساكين.  [فصل الحكمة في أن الفأرة كالهرة في الطهارة] فصل: [الحكمة في أن الفأرة كالهرة في الطهارة] وأما جمعها بين الهرة والفأرة في الطهارة فهذا حق وأي تفاوت في ذلك وكأن السائل رأى أن العداوة التي بينهما توجب اختلافهما في الحكم كالعداوة التي بين الشاة والذئب وهذا جهل منه فإن هذا أمر لا تعلق له بطهارة ولا نجاسة ولا حل ولا حرمة والذي جاءت به الشريعة من ذلك في غاية الحكمة والمصلحة  فإنها لو جاءت بنجاستهما لكان فيه أعظم حرج ومشقة على الأمة لكثرة طوفانهما على الناس ليلا ونهارا وعلى فرشهم وثيابهم وأطعمتهم كما أشار إليه - صلى الله عليه وسلم - بقوله في الهرة: إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات .  [فصل الحكمة في جعل ذبيحة غير الكتابي مثل الميتة] فصل: [الحكمة في جعل ذبيحة غير الكتابي مثل الميتة] وأما جمعها بين الميتة وذبيحة غير الكتابي في التحريم وبين ميتة الصيد وذبيحة المحرم له فأي تفاوت في ذلك وكأن السائل رأى أن الدم لما احتقن في الميتة كان سببا لتحريمها وما ذبحه المحرم أو الكافر غير الكتابي لم يحتقن دمه فلا وجه لتحريمه وهذا غلط وجهل فإن علة التحريم لو انحصرت في احتقان الدم لكان للسؤال وجه فأما إذا تعددت علل التحريم لم يلزم من انتفاء بعضها انتفاء الحكم إذا خلفه علة أخرى وهذا أمر مطرد في الأسباب والعلل العقلية. فما الذي ينكر منه في الشرع فإن قيل: أليس قد سوت الشريعة بينهما في كونهما ميتة وقد اختلفا في سبب الموت فتضمنت جمعها بين مختلفين وتفريقها بين متماثلين فإن الذبح واحد صورة وحسا وحقيقة فجعلت بعض صوره مخرجا للحيوان عن كونه ميتة وبعض صوره موجبا لكونه ميتة من غير فرق.(2\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "416",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "418",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل: الشريعة لم تسو بينهما في اسم الميتة لغة وإنما سوت بينهما في الاسم الشرعي فصار اسم الميتة في الشرع أعم منه في اللغة والشارع يتصرف في الأسماء اللغوية بالنقل تارة وبالتعميم تارة وبالتخصيص تارة وهكذا يفعل أهل العرف فهذا ليس بمنكر شرعا ولا عرفا. وأما الجمع بينهما في التحريم فلأن الله سبحانه حرم علينا الخبائث والخبث الموجب للتحريم قد يظهر لنا وقد يخفى فما كان ظاهرا لم ينصب عليه الشارع علامة غير وصفه وما كان خفيا نصب عليه علامة تدل على خبثه فاحتقان الدم في الميتة سبب ظاهر وأما ذبيحة المجوسي والمرتد وتارك التسمية ومن أهل بذبيحته لغير الله فنفس ذبيحة هؤلاء أكسبت المذبوح خبثا أوجب تحريمه ولا ينكر أن يكون ذكر اسم الأوثان والكواكب والجن على الذبيحة يكسبها خبثا وذكر اسم الله وحده يكسبها طيبا إلا من قل نصيبه من حقائق العلم والإيمان وذوق الشريعة وقد جعل الله سبحانه ما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح فسقا وهو الخبيث ولا ريب أن ذكر اسم الله على الذبيحة يطيبها ويطرد الشيطان عن الذابح والمذبوح فإذا أخل بذكر اسمه لابس الشيطان الذابح والمذبوح فأثر ذلك خبثا في الحيوان والشيطان يجري في مجاري الدم من الحيوان والدم مركبه وحامله وهو أخبث الخبائث فإذا ذكر الذابح اسم الله خرج الشيطان مع الدم فطابت الذبيحة فإذا لم يذكر اسم الله لم يخرج الخبث. وأما إذا ذكر اسم عدوه من الشياطين والأوثان فإن ذلك يكسب الذبيحة خبثا آخر. يوضحه أن الذبيحة تجري مجرى العبادة ولهذا يقرن الله سبحانه بينهما كقوله: فصل لربك وانحر [الكوثر: 2] وقوله: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين [الأنعام: 162] وقال تعالى: والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون [الحج: 36] لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم [الحج: 37] فأخبر أنه إنما سخرها لمن يذكر اسمه عليها وأنه إنما يناله التقوى - وهو التقرب إليه بها وذكر اسمه عليها - فإذا لم يذكر اسمه عليها كان ممنوعا من أكلها وكانت مكروهة لله فأكسبتها كراهيته لها - حيث لم يذكر عليها اسمه أو ذكر عليها اسم غيره - وصف الخبث فكانت بمنزلة الميتة وإذا كان هذا في متروك التسمية وما ذكر عليه اسم غير الله فما ذبحه عدوه المشرك به الذي هو من أخبث البرية أولى بالتحريم فإن فعل الذابح وقصده وخبثه لا ينكر أن يؤثر في المذبوح كما أن خبث الناكح ووصفه وقصده يؤثر في المرأة المنكوحة وهذه أمور إنما يصدق بها من أشرق فيه نور(2\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "417",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "419",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشريعة وضياؤها وباشر قلبه بشاشة حكمها وما اشتملت عليه من المصالح في القلوب والأبدان وتلقاها صافية من مشكاة النبوة وأحكم العقد بينها وبين الأسماء والصفات التي لم يطمس نور حقائقها ظلمة التأويل والتحريف.  [فصل الحكمة في الجمع بين الماء والتراب في حكم التطهير] فصل: [الحكمة في الجمع بين الماء والتراب في حكم التطهير] وأما جمعها بين الماء والتراب في التطهير فالله ما أحسنه من جمع وألطفه وألصقه بالعقول السليمة والفطر المستقيمة وقد عقد الله سبحانه الإخاء بين الماء والتراب قدرا وشرعا فجمعها الله عز وجل وخلق منهما آدم وذريته فكانا أبوين اثنين لأبوينا وأولادهما وجعل منهما حياة كل حيوان وأخرج منهما أقوات الدواب والناس والأنعام وكانا أعم الأشياء وجودا وأسهلها تناولا وكان تعفير الوجه في التراب لله من أحب الأشياء إليه ولما كان عقد هذه الأخوة بينهما قدرا أحكم عقد وأقواه كان عقد الأخوة بينهما شرعا أحسن عقد وأصحه فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين [الجاثية: 36] وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم [الجاثية: 37] .  [ذم الغضب وتنفيذ الحق والصبر عليه] فصل فهذا ما يتعلق بقول أمير المؤمنين - رضي الله عنه -: quot; واعرف الأشباه والنظائر quot; وفي لفظ: quot; واعرف الأمثال ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق quot;. فلنرجع إلى شرح باقي كتابه. ثم قال: quot; وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس والتنكر عند الخصومة أو الخصوم - شك أبو عبيد - فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر ويحسن به الذخر quot;. هذا الكلام يتضمن أمرين: [ذم الغضب] . أحدهما: التحذير مما يحول بين الحاكم وبين كمال معرفته بالحق وتجريد قصده له فإنه لا يكون خير الأقسام الثلاثة إلا باجتماع هذين الأمرين فيه والغضب والقلق والضجر مضاد لهما فإن الغضب غول العقل يغتاله كما تغتاله الخمر ولهذا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان والغضب نوع من الغلق والإغلاق الذي(2\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "418",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "420",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يغلق على صاحبه باب حسن التصور والقصد وقد نص أحمد على ذلك في رواية حنبل وترجم عليه أبو بكر في كتابيه الشافي وزاد المسافر وعقد له بابا فقال في كتاب الزاد: باب النية في الطلاق والإغلاق قال أبو عبد الله في رواية حنبل: عن عائشة سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا طلاق ولا عتق في إغلاق فهذا الغضب وأوصى بعض العلماء لولي أمر فقال: إياك والغلق والضجر فإن صاحب الغلق لا يقدم عليه صاحب حق وصاحب الضجر لا يصير على حق. [الصبر على الحق] . والأمر الثاني: التحريض على تنفيذ الحق والصبر عليه وجعل الرضا بتنفيذه في موضع الغضب والصبر في موضع القلق والضجر والتحلي به واحتساب ثوابه في موضع التأذي فإن هذا دواء ذلك الداء الذي هو من لوازم الطبيعة البشرية وضعفها فما لم يصادفه هذا الدواء فلا سبيل إلى زواله هذا مع ما في التنكر للخصوم من إضعاف نفوسهم وكسر قلوبهم وإخراس ألسنتهم عن التكلم بحججهم خشية معرة التنكر ولا سيما أن يتنكر لأحد الخصمين دون الآخر فإن ذلك الداء العضال.  [لله على كل أحد عبودية بحسب مرتبته] وقوله: quot; فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر ويحسن به الذخر quot; هذا عبودية الحكام وولاة الأمر التي تراد منهم ولله سبحانه على كل أحد عبودية بحسب مرتبته سوى العبودية العامة التي سوى بين عباده فيها فعلى العالم من عبوديته نشر السنة والعلم الذي بعث الله به رسوله ما ليس على الجاهل وعليه من عبودية الصبر على ذلك ما ليس على غيره وعلى الحاكم من عبودية إقامة الحق وتنفيذه وإلزامه ممن هو عليه به والصبر على ذلك والجهاد عليه ما ليس على المفتي. وعلى الغني من عبودية أداء الحقوق التي في ماله ما ليس على الفقير وعلى القادر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيده ولسانه ما ليس على العاجز عنهما. وتكلم يحيى بن معاذ الرازي يوما في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقالت له امرأة: هذا واجب قد وضع عنا فقال: هبي أنه قد وضع عنكن سلاح اليد واللسان فلم يوضع عنكن سلاح القلب فقالت: صدقت جزاك الله خيرا. وقد غر إبليس أكثر الخلق بأن حسن لهم القيام بنوع من الذكر والقراءة والصلاة والصيام والزهد في الدنيا والانقطاع وعطلوا هذه العبوديات فلم يحدثوا قلوبهم بالقيام(2\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "419",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "421",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بها وهؤلاء عند ورثة الأنبياء من أقل الناس دينا فإن الدين هو القيام لله بما أمر به فتارك حقوق الله التي تجب عليه أسوأ حالا عند الله ورسوله من مرتكب المعاصي فإن ترك الأمر أعظم من ارتكاب النهي من أكثر من ثلاثين وجها ذكرها شيخنا - رحمه الله - في بعض تصانيفه ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله - صلى الله عليه وسلم - وبما كان عليه هو وأصحابه رأي أن أكثر من يشار إليهم بالدين هم أقل الناس دينا والله المستعان وأي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك وحدوده تضاع ودينه يترك وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرغب عنها وهو بارد القلب ساكت اللسان شيطان أخرس كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياساتهم فلا مبالاة بما جرى على الدين  وخيارهم المتحزن المتلمظ ولو نوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله بذل وتبذل وجد واجتهد واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه. وهؤلاء - مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم - قد بلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم لا يشعرون وهو موت القلوب فإنه القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى وانتصاره للدين أكمل. وقد ذكر الإمام أحمد وغيره أثرا أن الله سبحانه أوحى إلى ملك من الملائكة أن اخسف بقرية كذا وكذا فقال: يا رب كيف وفيهم فلان العابد فقال: به فابدأ فإنه لم يتمعر وجهه في يوما قط . وذكر أبو عمر في كتاب التمهيد أن الله سبحانه أوحى إلى نبي من أنبيائه أن قل لفلان الزاهد: أما زهدك في الدنيا فقد تعجلت به الراحة وأما انقطاعك إلي فقد اكتسبت به العز ولكن ماذا عملت فيما لي عليك فقال: يا رب وأي شيء لك علي قال: هل واليت في وليا أو عاديت في عدوا   [فصل إخلاص النية لله تعالى] فصل [إخلاص النية لله تعالى] . قوله: quot; فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس ومن تزين بما ليس فيه شانه الله quot; هذا شقيق كلام النبوة وهو جدير بأن يخرج من مشكاة المحدث الملهم وهاتان الكلمتان من كنوز العلم ومن أحسن الإنفاق منهما نفع غيره وانتفع غاية الانتفاع: فأما الكلمة الأولى فهي منبع الخير وأصله والثانية أصل الشر وفصله فإن العبد إذا خلصت نيته لله تعالى وكان قصده وهمه وعمله لوجهه سبحانه كان الله(2\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "420",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "422",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معه فإنه سبحانه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ورأس التقوى والإحسان خلوص النية لله في إقامة الحق والله سبحانه لا غالب له فمن كان معه فمن ذا الذي يغلبه أو يناله بسوء فإن كان الله مع العبد فمن يخاف وإن لم يكن معه فمن يرجو وبمن يثق ومن ينصره من بعده فإذا قام العبد بالحق على غيره وعلى نفسه أولا وكان قيامه بالله ولله لم يقم له شيء ولو كادته السماوات والأرض والجبال لكفاه الله مؤنتها وجعل له فرجا ومخرجا وإنما يؤتى العبد من تفريطه وتقصيره في هذه الأمور الثلاثة أو في اثنين منها أو في واحد فمن كان قيامه في باطل لم ينصر وإن نصر نصرا عارضا فلا عاقبة له وهو مذموم مخذول وإن قام في حق لكن لم يقم فيه لله وإنما قام لطلب المحمدة والشكور والجزاء من الخلق أو التوصل إلى غرض دنيوي كان هو المقصود أولا والقيام في الحق وسيلة إليه فهذا لم تضمن له النصرة فإن الله إنما ضمن النصرة لمن جاهد في سبيله وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا لا لمن كان قيامه لنفسه ولهواه فإنه ليس من المتقين ولا من المحسنين وإن نصر فبحسب ما معه من الحق فإن الله لا ينصر إلا الحق وإذا كانت الدولة لأهل الباطل فبحسب ما معهم من الصبر والصبر منصور أبدا فإن كان صاحبه محقا كان منصورا له العاقبة وإن كان مبطلا لم يكن له عاقبة وإذا قام العبد في الحق لله ولكن قام بنفسه وقوته ولم يقم بالله مستعينا به متوكلا عليه مفوضا إليه بريا من الحول والقوة إلا به فله من الخذلان وضعف النصرة بحسب ما قام به من ذلك ونكتة المسألة أن تجريد التوحيدين في أمر الله لا يقوم له شيء ألبتة وصاحبه مؤيد منصور ولو توالت عليه زمر الأعداء. قال الإمام أحمد: حدثنا داود أنبأنا شعبة عن واقد بن محمد بن زيد عن ابن أبي مليكة عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: من أسخط الناس برضاء الله عز وجل كفاه الله الناس ومن أرضى الناس بسخط الله وكله إلى الناس.  [الواجب على من عزم على فعل أمر ما] والعبد إذا عزم على فعل أمر فعليه أن يعلم أولا هل هو طاعة لله أم لا فإن لم يكن طاعة فلا يفعله إلا أن يكون مباحا يستعين به على الطاعة وحينئذ يصير طاعة فإذا بان له أنه طاعة فلا يقدم عليه حتى ينظر هل هو معان عليه أم لا فإن لم يكن معانا عليه فلا يقدم عليه فيذل نفسه وإن كان معانا عليه بقي عليه نظر آخر وهو أن يأتيه من بابه فإن أتاه من غير بابه أضاعه أو فرط فيه أو أفسد منه شيئا فهذه الأمور الثلاثة أصل سعادة العبد وفلاحه وهي معنى قول العبد: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] اهدنا الصراط المستقيم [الفاتحة: 6] الفاتحة(2\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "421",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "423",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأسعد الخلق أهل العبادة والاستعانة والهداية إلى المطلوب وأشقاهم من عدم الأمور الثلاثة ومنهم من يكون له نصيب من إياك نعبد [الفاتحة: 5] ونصيبه من وإياك نستعين [الفاتحة: 5] معدوم أو ضعيف فهذا مخذول مهين محزون ومنهم من يكون نصيبه من وإياك نستعين [الفاتحة: 5] قويا ونصيبه من إياك نعبد [الفاتحة: 5] ضعيفا أو مفقودا فهذا له نفوذ وتسلط وقوة ولكن لا عاقبة له بل عاقبته أسوأ عاقبة ومنهم من يكون له نصيب من إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] ولكن نصيبه من الهداية إلى المقصود ضعيف جدا كحال كثير من العباد والزهاد الذين قل علمهم بحقائق ما بعث الله به رسوله - صلى الله عليه وسلم - من الهدى ودين الحق. وقول عمر - رضي الله عنه -: quot; فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه quot; إشارة إلى أنه لا يكفي قيامه في الحق لله إذا كان على غيره حتى يكون أول قائم به على نفسه فحينئذ يقبل قيامه به على غيره وإلا فكيف يقبل الحق ممن أهمل القيام به على نفسه وخطب عمر بن الخطاب يوما وعليه ثوبان فقال: أيها الناس ألا تسمعون فقال سلمان: لا نسمع فقال عمر: ولم يا أبا عبد الله قال: إنك قسمت علينا ثوبا ثوبا وعليك ثوبان فقال: لا تعجل. يا عبد الله يا عبد الله فلم يجبه أحد فقال: يا عبد الله بن عمر فقال: لبيك يا أمير المؤمنين فقال: نشدتك الله الثوب الذي ائتزرت به أهو ثوبك قال: نعم اللهم نعم فقال سلمان: أما الآن فقل نسمع.  [فصل المتزين بما ليس فيه وعقوبته] فصل [المتزين بما ليس فيه وعقوبته] وأما قوله: quot; ومن تزين بما ليس فيه شانه الله quot; لما كان المتزين بما ليس فيه ضد المخلص - فإنه يظهر للناس أمرا وهو في الباطن بخلافه - عامله الله بنقيض قصده فإن المعاقبة بنقيض القصد ثابتة شرعا وقدرا ولما كان المخلص يعجل له من ثواب إخلاصه الحلاوة والمحبة والمهابة في قلوب الناس عجل للمتزين بما ليس فيه من عقوبته أن شانه الله بين الناس لأنه شان باطنه عند الله وهذا موجب أسماء الرب الحسنى وصفاته العليا وحكمته في قضائه وشرعه. هذا ولما كان من تزين للناس بما ليس فيه من الخشوع والدين والنسك والعلم وغير ذلك قد نصب نفسه للوازم هذه الأشياء ومقتضياتها فلا بد أن تطلب منه فإذا لم توجد عنده افتضح فيشينه ذلك من حيث ظن أنه يزينه وأيضا فإنه أخفى عن الناس ما أظهر لله خلافه فأظهر الله من عيوبه للناس ما أخفاه عنهم جزاء له من جنس عمله وكان بعض(2\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "422",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "424",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصحابة يقول: أعوذ بالله من خشوع النفاق قالوا: وما خشوع النفاق قال: أن ترى الجسد خاشعا والقلب غير خاشع وأساس النفاق وأصله هو التزين للناس بما ليس في الباطن من الإيمان فعلم أن هاتين الكلمتين من كلام أمير المؤمنين مشتقة من كلام النبوة وهما من أنفع الكلام وأشفاه للسقام.  [فصل أعمال العباد] فصل [أعمال العباد أربعة أنواع المقبول منها نوع واحد] وقوله: quot; فإن الله لا يقبل من العباد إلا ما كان له خالصا quot; والأعمال أربعة: واحد مقبول وثلاثة مردودة فالمقبول ما كان لله خالصا وللسنة موافقا والمردود ما فقد منه الوصفان أو أحدهما وذلك أن العمل المقبول هو ما أحبه الله ورضيه وهو سبحانه إنما يحب ما أمر به وما عمل لوجهه وما عدا ذلك من الأعمال فإنه لا يحبها بل يمقتها ويمقت أهلها قال تعالى: الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا [الملك: 2] . قال الفضيل بن عياض: هو أخلص العمل وأصوبه فسئل عن معنى ذلك فقال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا فالخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة ثم قرأ قوله: فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا [الكهف: 110] . فإن قيل: فقد بان بهذا أن العمل لغير الله مردود غير مقبول والعمل لله وحده مقبول فبقي قسم آخر وهو أن يعمل العمل لله ولغيره فلا يكون لله محضا ولا للناس محضا فما حكم هذا القسم هل يبطل العمل كله أم يبطل ما كان لغير الله ويصح ما كان لله قيل: هذا القسم تحته أنواع ثلاثة أحدها: أن يكون الباعث الأول على العمل هو الإخلاص ثم يعرض له الرياء وإرادة غير الله في أثنائه فهذا المعول فيه على الباعث الأول ما لم يفسخه بإرادة جازمة لغير الله فيكون حكمه حكم قطع النية في أثناء العبادة وفسخها أعني قطع ترك استصحاب حكمها الثاني: عكس هذا وهو أن يكون الباعث الأول لغير الله ثم يعرض له قلب النية لله فهذا لا يحتسب له بما مضى من العمل ويحتسب له من حين قلب نيته ثم إن كانت العبادة لا يصح آخرها إلا بصحة أولها وجبت الإعادة كالصلاة وإلا لم تجب كمن أحرم لغير الله ثم قلب نيته لله عند الوقوف والطواف(2\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "423",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "425",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالث: أن يبتدئها مريدا بها الله والناس فيريد أداء فرضه والجزاء والشكور من الناس وهذا كمن يصلي بالأجرة فهو لو لم يأخذ الأجرة صلى ولكنه يصلي لله وللأجرة وكمن يحج ليسقط الفرض عنه ويقال فلان حج أو يعطي الزكاة كذلك فهذا لا يقبل منه العمل. وإن كانت النية شرطا في سقوط الفرض وجبت عليه الإعادة فإن حقيقة الإخلاص التي هي شرط في صحة العمل والثواب عليه لم توجد والحكم المعلق بالشرط عدم عند عدمه فإن الإخلاص هو تجريد القصد طاعة للمعبود ولم يؤمر إلا بهذا. وإذا كان هذا هو المأمور به فلم يأت به بقي في عهدة الأمر وقد دلت السنة الصريحة على ذلك كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: يقول الله عز وجل يوم القيامة: أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فهو كله للذي أشرك به وهذا هو معنى قوله تعالى: فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا [الكهف: 110] .  [فصل جزاء المخلص] فصل [جزاء المخلص] وقوله: quot; فما ظنك بثواب عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته quot; يريد به تعظيم جزاء المخلص وأنه رزق عاجل إما للقلب أو للبدن أو لهما. ورحمته مدخرة في خزائنه فإن الله سبحانه يجزي العبد على ما عمل من خير في الدنيا ولا بد ثم في الآخرة يوفيه أجره كما قال تعالى: وإنما توفون أجوركم يوم القيامة [آل عمران: 185] فما يحصل في الدنيا من الجزاء على الأعمال الصالحة ليس جزاء توفية وإن كان نوعا آخر كما قال تعالى عن إبراهيم: وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين [العنكبوت: 27] وهذا نظير قوله تعالى: وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين [النحل: 122] فأخبر سبحانه أنه آتى خليله أجره في الدنيا من النعم التي أنعم بها عليه في نفسه وقلبه وولده وماله وحياته الطيبة ولكن ليس ذلك أجر توفية وقد دل القرآن في غير موضع على أن لكل من عمل خيرا أجرين: عمله في الدنيا ويكمل له أجره في الآخرة كقوله تعالى: للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين [النحل: 30] وفي الآية الأخرى: والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون [النحل: 41]  وقال في هذه السورة: من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [النحل: 97] وقال فيها عن خليله: وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين [النحل: 122](2\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "424",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "426",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقد تكرر هذا المعنى في هذه السورة دون غيرها في أربعة مواضع لسر بديع فإنها سورة النعم التي عدد الله سبحانه فيها أصول النعم وفروعها فعرف عباده أن لهم عنده في الآخرة من النعم أضعاف هذه بما لا يدرك تفاوته وأن هذه من بعض نعمه العاجلة عليهم وأنهم إن أطاعوه زادهم إلى هذه النعم نعما أخرى ثم في الآخرة يوفيهم أجور أعمالهم تمام التوفية وقال تعالى: وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله [هود: 3] فلهذا قال أمير المؤمنين: quot; فما ظنك بثواب عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته والسلام quot;. فهذا بعض ما يتعلق بكتاب أمير المؤمنين - رضي الله عنه - من الحكم والفوائد والحمد لله رب العالمين.  [الإفتاء في دين الله بغير علم] ذكر تحريم الإفتاء في دين الله بغير علم وذكر الإجماع على ذلك [إثم القول على الله بغير علم] قد تقدم قوله تعالى: وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون [البقرة: 169] وأن ذلك يتناول القول على الله بغير علم في أسمائه وصفاته وشرعه ودينه. وتقدم حديث أبي هريرة المرفوع: من أفتي بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه . وروى الزهري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - قوما يتمارون في القرآن فقال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا ولا يكذب بعضه بعضا فما علمتم منه فقولوا وما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه فأمر من جهل شيئا من كتاب الله أن يكله إلى عالمه ولا يتكلف القول بما لا يعلمه. وروى مالك بن مغول عن أبي حصين عن مجاهد عن عائشة أنه لما نزل عذرها قبل أبو بكر رأسها قالت: فقلت: ألا عذرتني عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت ما لا أعلم وروى أيوب عن ابن أبي مليكه قال: سئل أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - عن آية فقال: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني وأين أذهب وكيف أصنع إذا أنا قلت في كتاب الله بغير ما أراد الله بها(2\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "425",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "427",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر البيهقي من حديث مسلم البطين عن عزة التميمي قال: قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة: وأبردها على كبدي ثلاث مرات قالوا: يا أمير المؤمنين وما ذاك قال: أن يسأل الرجل عما لا يعلم فيقول: الله أعلم. [على من لا يعلم أن يقول: لا أدري] وذكر أيضا عن علي - رضي الله عنه - قال: خمس إذا سافر فيهن رجل إلى اليمن كن فيه عوضا من سفره: لا يخشى عبد إلا ربه ولا يخاف إلا ذنبه ولا يستحي من لا يعلم أن يتعلم ولا يستحي من يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم والصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد. وقال الزهري عن خالد بن أسلم وهو أخو زيد بن أسلم: خرجنا مع ابن عمر نمشي فلحقنا أعرابي فقال: أنت عبد الله بن عمر قال: نعم قال: سألت عنك فدللت عليك فأخبرني أترث العمة قال: لا أدري قال: أنت لا تدري قال: نعم اذهب إلى العلماء بالمدينة فاسألهم فلما أدبر قبل يديه قال: نعما قال أبو عبد الرحمن سئل عما لا يدري فقال: لا أدري. وقال ابن مسعود: من كان عنده علم فليقل به ومن لم يكن عنده علم فليقل: quot; الله أعلم quot; فإن الله قال لنبيه: قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين [ص: 86] وصح عن ابن مسعود وابن عباس: من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه فهو مجنون. وقال ابن شبرمة: سمعت الشعبي إذا سئل عن مسألة شديدة قال: رب ذات وبر لا تنقاد ولا تنساق ولو سئل عنها الصحابة لعضلت بهم. وقال أبو حصين الأسدي: إن أحدهم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر. وقال ابن سيرين: لأن يموت الرجل جاهلا خير له من أن يقول ما لا يعلم. وقال القاسم: من إكرام الرجل نفسه أن لا يقول إلا ما أحاط به علمه وقال: يا أهل العراق والله لا نعلم كثيرا مما تسألوننا عنه ولأن يعيش الرجل جاهلا إلا أن يعلم ما فرض الله عليه خير له من أن يقول على الله ورسوله ما لا يعلم.(2\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "426",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "428",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال مالك: من فقه العالم أن يقول: quot; لا أعلم quot; فإنه عسى أن يتهيأ له الخير. وقال: سمعت ابن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده quot; لا أدري quot; حتى يكون ذلك أصلا في أيديهم يفزعون إليه. وقال الشعبي: quot; لا أدري quot; نصف العلم. وقال ابن جبير: ويل لمن يقول لما لا يعلم: إني أعلم. وقال الشافعي: سمعت مالكا يقول: سمعت ابن عجلان يقول: إذا أغفل العالم quot; لا أدري quot; أصيبت مقاتله وذكر ابن عجلان عن ابن عباس. [طريقة السلف الصالح] وقال عبد الرحمن بن مهدي: جاء رجل إلى مالك فسأله عن شيء فمكث أياما ما يجيبه فقال: يا أبا عبد الله إني أريد الخروج فأطرق طويلا ورفع رأسه فقال: ما شاء الله يا هذا إني أتكلم فيما أحتسب فيه الخير ولست أحسن مسألتك هذه. وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: العجلة في الفتوى نوع من الجهل والخرق قال: وكان يقال: التأني من الله والعجلة من الشيطان. وهذا الكلام قد رواه الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن سعد بن سنان عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: التأني من الله والعجلة من الشيطان  وإسناده جيد. وقال ابن المنكدر: العالم بين الله وبين خلقه فلينظر كيف يدخل بينهم. وقال ابن وهب: قال لي مالك وهو ينكر كثرة الجواب في المسائل: يا عبد الله ما علمت فقل وإياك أن تقلد الناس قلادة سوء. وقال مالك: حدثني ربيعة قال: قال لي أبو خلدة وكان نعم القاضي: يا ربيعة أراك تفتي الناس فإذا جاءك الرجل يسألك فلا يكن همك أن تتخلص مما سألك عنه. وكان ابن المسيب لا يكاد يفتي إلا قال: اللهم سلمني وسلم مني. وقال مالك: ما أجبت في الفتوى حتى سألت من هو أعلم مني: هل تراني موضعا لذلك سألت ربيعة وسألت يحيى بن سعيد فأمراني بذلك فقيل له: يا أبا عبد الله فلو نهوك قال: كنت أنتهي. وقال ابن عباس لمولاه عكرمة: اذهب فأفت الناس وأنا لك عون فمن سألك عما يعنيه فأفته ومن سألك عما لا يعنيه فلا تفته فإنك تطرح عن نفسك ثلث مؤنة الناس.(2\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "427",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "429",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فوائد تكرير السؤال] وكان أيوب إذا سأله السائل قال له: أعد فإن أعاد السؤال كما سأله عنه أولا أجابه وإلا لم يجبه وهذا من فهمه وفطنته - رحمه الله - وفي ذلك فوائد عديدة: منها أن المسألة تزداد وضوحا وبيانا بتفهم السؤال ومنها أن السائل لعله أهمل فيها أمرا يتغير به الحكم فإذا أعادها ربما بينه له ومنها أن المسئول قد يكون ذاهلا عن السؤال أولا ثم يحضر ذهنه بعد ذلك ومنها أنه ربما بان له تعنت السائل وأنه وضع المسألة فإذا غير السؤال وزاد فيه ونقص فربما ظهر له أن المسألة لا حقيقة لها وأنها من الأغلوطات أو غير الواقعات التي لا يجب الجواب عنها فإن الجواب بالظن إنما يجوز عند الضرورة فإذا وقعت المسألة صارت حال ضرورة فيكون التوفيق إلى الصواب أقرب والله أعلم.  [القول في التقليد وانقسامه] [أنواع ما يحرم القول به] ذكر تفصيل القول في التقليد وانقسامه إلى ما يحرم القول فيه والإفتاء به وإلى ما يجب المصير إليه وإلى ما يسوغ من غير إيجاب. [أنواع ما يحرم القول به] فأما النوع الأول فهو ثلاثة أنواع: أحدها: الإعراض عما أنزل الله وعدم الالتفات إليه اكتفاء بتقليد الآباء. الثاني: تقليد من لا يعلم المقلد أنه أهل لأن يؤخذ بقوله. الثالث: التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف قول المقلد والفرق بين هذا وبين النوع الأول أن الأول قلد قبل تمكنه من العلم والحجة وهذا قلد بعد ظهور الحجة له فهو أولى بالذم ومعصية الله ورسوله. وقد ذم الله سبحانه هذه الأنواع الثلاثة من التقليد في غير موضع من كتابه كما في قوله تعالى وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون [البقرة: 170] وقال تعالى: وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون [الزخرف: 23] قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم [الزخرف: 24] وقال تعالى: وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا [المائدة: 104] وهذا في القرآن كثير يذم فيه من أعرض عما أنزله وقنع بتقليد الآباء. فإن قيل: إنما ذم من قلد الكفار وآباءه الذين لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ولم يذم من(2\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "428",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "430",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلد العلماء المهتدين بل قد أمر بسؤال أهل الذكر وهم أهل العلم وذلك تقليدهم فقال تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [النحل: 43] وهذا أمر لمن لا يعلم بتقليد من يعلم. فالجواب أنه سبحانه ذم من أعرض عما أنزله إلى تقليد الآباء وهذا القدر من التقليد هو مما اتفق السلف والأئمة الأربعة على ذمه وتحريمه وأما تقليد من بذل جهده في اتباع ما أنزل الله وخفي عليه بعضه فقلد فيه من هو أعلم منه فهذا محمود غير مذموم ومأجور غير مأزور كما سيأتي بيانه عند ذكر التقليد الواجب والسائغ إن شاء الله. وقال تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم [الإسراء: 36] والتقليد ليس بعلم باتفاق أهل العلم كما سيأتي وقال تعالى: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون [الأعراف: 33] وقال تعالى: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء [الأعراف: 3] فأمر باتباع المنزل خاصة والمقلد ليس له علم أن هذا هو المنزل وإن كان قد تبينت له الدلالة في خلاف قول من قلده فقد علم أن تقليده في خلافه اتباع لغير المنزل وقال تعالى: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا [النساء: 59] فمنعنا سبحانه من الرد إلى غيره وغير رسوله وهذا يبطل التقليد. وقال تعالى: أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة [التوبة: 16] ولا وليجة أعظم ممن جعل رجلا بعينه مختارا على كلام الله وكلام رسوله وكلام سائر الأمة يقدمه على ذلك كله ويعرض كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة على قوله فما وافقه منها قبله لموافقته لقوله وما خالفه منها تلطف في رده وتطلب له وجوه الحيل فإن لم تكن هذه وليجة فلا ندري ما الوليجة وقال تعالى: يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا [الأحزاب: 66] وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا [الأحزاب: 67] وهذا نص في بطلان التقليد. فإن قيل: إنما فيه ذم من قلد من أضله السبيل أما من هداه السبيل فأين ذم الله تقليده قيل: جواب هذا السؤال في نفس السؤال فإن لا يكون العبد مهتديا حتى يتبع ما أنزل الله على رسوله فهذا المقلد إن كان يعرف ما أنزل الله على رسوله فهو مهتد وليس(2\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "429",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "431",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بمقلد وإن كان لم يعرف ما أنزل الله على رسوله فهو جاهل ضال بإقراره على نفسه فمن أين يعرف أنه على هدى في تقليده وهذا جواب كل سؤال يوردونه في هذا الباب وأنهم [إن كانوا] إنما يقلدون أهل الهدى فهم في تقليدهم على هدى. فإن قيل: فأنتم تقرون أن الأئمة المقلدين في الدين على هدى فمقلدوهم على هدى قطعا لأنهم سالكون خلفهم. قيل: سلوكهم خلفهم مبطل لتقليدهم لهم قطعا فإن طريقتهم كانت اتباع الحجة والنهي عن تقليدهم كما سنذكره عنهم إن شاء الله فمن ترك الحجة وارتكب ما نهوا عنه ونهى الله ورسوله عنه قبلهم فليس على طريقتهم وهو من المخالفين لهم. وإنما يكون على طريقتهم من اتبع الحجة وانقاد للدليل ولم يتخذ رجلا بعينه سوى الرسول - صلى الله عليه وسلم - يجعله مختارا على الكتاب والسنة يعرضهما على قوله. وبهذا يظهر بطلان فهم من جعل التقليد اتباعا وإيهامه وتلبيسه بل هو مخالف للإتباع. وقد فرق الله ورسوله وأهل العلم بينهما كما فرقت الحقائق بينهما فإن الاتباع سلوك طريق المتبع والإتيان بمثل ما أتى به. [الفرق بين الاتباع والتقليد] . قال أبو عمر في الجامع: باب فساد التقليد ونفيه والفرق بينه وبين الإتباع قول أبو عمر: قد ذم الله تبارك وتعالى التقليد في غير موضع من كتابه فقال: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله [التوبة: 31] روي عن حذيفة وغيره قال: لم يعبدوهم من دون الله ولكنهم أحلوا لهم وحرموا عليهم فاتبعوهم. وقال عدي بن حاتم: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي عنقي صليب فقال: يا عدي ألق هذا الوثن من عنقك وانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة حتى أتى على هذه الآية: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله [التوبة: 31] قال: فقلت: يا رسول الله إنا لم نتخذهم أربابا قال: بلى أليس يحلون لكم ما حرم عليكم فتحلونه ويحرمون عليكم ما أحل لكم فتحرمونه فقلت: بلى قال: فتلك عبادتهم . قلت: الحديث في المسند والترمذي مطولا. وقال أبو البختري في قوله عز وجل: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله [التوبة: 31] أما إنهم لو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم ولكنهم أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه وحرامه حلاله فأطاعوهم فكانت تلك الربوية. وقال وكيع: ثنا سفيان والأعمش جميعا عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي ثابت عن أبي البختري(2\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "430",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "432",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: قيل لحذيفة في قوله تعالى: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله [التوبة: 31] : أكانوا يعبدونهم فقال: لا ولكن كانوا يحلون لهم الحرام فيحلونه ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه. وقال تعالى: وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون [الزخرف: 23] قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم [الزخرف: 24] فمنعهم الاقتداء بآبائهم من قبول الاهتداء فقالوا: إنا بما أرسلتم به كافرون وفي هؤلاء ومثلهم قال الله عز وجل: إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب - وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم [البقرة: 166 - 167] وقال تعالى معاتبا لأهل الكفر وذاما لهم: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون [الأنبياء: 52] قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين [الأنبياء: 53] وقال وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا [الأحزاب: 67] ومثل هذا في القرآن كثير من ذم تقليد الآباء والرؤساء وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر وإنما وقع التشبيه بين المقلدين بغير حجة للمقلد كما لو قلد رجلا فكفر وقلد آخر فأذنب وقلد آخر في مسألة فأخطأ وجهها كان كل واحد ملوما على التقليد بغير حجة لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضا وإن اختلفت الآثام فيه وقال الله عز وجل: وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون [التوبة: 115] . قال: فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها وهي الكتاب والسنة وما كان في معناهما بدليل جامع ثم ساق من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إني لا أخاف على أمتي من بعدي إلا من أعمال ثلاثة قالوا: وما هي يا رسول الله قال: أخاف عليهم زلة العالم ومن حكم جائر ومن هوى متبع وبهذا الإسناد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - .  [مضار زلة العالم] قلت: والمصنفون في السنة جمعوا بين فساد التقليد وإبطاله وبيان زلة العالم ليبينوا بذلك فساد التقليد وأن العالم قد يزل ولا بد إذ ليس بمعصوم فلا يجوز قبول كل ما(2\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "431",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "433",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقوله وينزل قوله منزلة قول المعصوم فهذا الذي ذمه كل عالم على وجه الأرض وحرموه وذموا أهله وهو أصل بلاء المقلدين وفتنتهم فإنهم يقلدون العالم فيما زل فيه وفيما لم يزل فيه وليس لهم تمييز بين ذلك فيأخذون الدين بالخطأ - ولا بد - فيحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله ويشرعون ما لم يشرع ولا بد لهم من ذلك إذ كانت العصمة منتفية عمن قلدوه والخطأ واقع منه ولا بد. وقد ذكر البيهقي وغيره من حديث كثير هذا عن أبيه عن جده مرفوعا: اتقوا زلة العالم وانتظروا فيئته . وذكر من حديث مسعود بن سعد عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أشد ما أتخوف على أمتي ثلاث: زلة عالم وجدال منافق بالقرآن ودنيا تقطع أعناقكم . ومن المعلوم أن المخوف في زلة العالم تقليده فيها إذ لولا التقليد لم يخف من زلة العالم على غيره. فإذا عرف أنها زلة لم يجز له أن يتبعه فيها باتفاق المسلمين فإنه اتباع للخطأ على عمد ومن لم يعرف أنها زلة فهو أعذر منه وكلاهما مفرط فيما أمر به وقال الشعبي: قال عمر: يفسد الزمان ثلاثة: أئمة مضلون وجدال المنافق بالقرآن والقرآن حق وزلة العالم. وقد تقدم أن معاذا كان لا يجلس مجلسا للذكر إلا قال حين يجلس: الله حكم قسط هلك المرتابون - الحديث وفيه: quot; وأحذركم زيغة الحكيم فإن الشيطان قد يقول الضلالة على لسان الحكيم وقد يقول المنافق كلمة الحق quot;. قلت لمعاذ: ما يدريني رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة وأن المنافق قد يقول كلمة الحق قال لي: اجتنب من كلام الحكيم المشبهات التي يقال ما هذه ولا يثنيك ذلك عنه فإنه لعله يراجع وتلق الحق إذا سمعته فإن على الحق نورا. وذكر البيهقي من حديث حماد بن زيد عن المثنى بن سعيد عن أبي العالية قال: قال ابن عباس: ويل للأتباع من عثرات العالم قيل: وكيف ذاك يا أبا العباس قال: يقول العالم من قبل رأيه ثم يسمع الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيدع ما كان عليه وفي لفظ: فيلقى من هو أعلم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه فيخبره فيرجع ويقضي الأتباع بما حكم. وقال تميم الداري: اتقوا زلة العالم فسأله عمر: ما زلة العالم قل: يزل بالناس فيؤخذ به فعسى أن يتوب العالم والناس يأخذون بقوله. وقال شعبة: عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال: قال معاذ بن جبل: يا معشر(2\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "432",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "434",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العرب كيف تصنعون بثلاث: دنيا تقطع أعناقكم وزلة عالم وجدال منافق بالقرآن فسكتوا فقال: أما العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم وإن افتتن فلا تقطعوا منه إياسكم فإن المؤمن يفتتن ثم يتوب وأما القرآن فله منار كمنار الطريق فلا يخفى على أحد فما عرفتم منه فلا تسألوا عنه وما شككتم فكلوه إلى عالمه وأما الدنيا فمن جعل الله الغنى في قلبه فقد أفلح ومن لا فليس بنافعته دنياه. وذكر أبو عمر من حديث حسين الجعفي عن زائدة عن عطاء بن السائب عن أبي البختري قال: قال سلمان: كيف أنتم عند ثلاث: زلة عالم وجدال منافق بالقرآن ودنيا تقطع أعناقكم فأما زلة العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم وأما مجادلة المنافق بالقرآن فإن للقرآن منارا كمنار الطريق فلا يخفى على أحد فما عرفتم منه فخذوه وما لم تعرفوه فكلوه إلى الله وأما دنيا تقطع أعناقكم فانظروا إلى من هو دونكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم. قال أبو عمر: وتشبه زلة العالم بانكسار السفينة لأنها إذا غرقت غرق معها خلق كثير. قال أبو عمر: وإذا صح وثبت أن العالم يزل ويخطئ لم يجز لأحد أن يفتي ويدين بقول لا يعرف وجهه. وقال غير أبي عمر: كما أن القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وواحد في الجنة فالمفتون ثلاثة ولا فرق بينهما إلا في كون القاضي يلزم بما أفتى به والمفتي لا يلزم به. وقال ابن وهب: سمعت سفيان بن عيينة يحدث عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود أنه كان يقول: اغد عالما أو متعلما ولا تغد إمعة فيما بين ذلك. قال ابن وهب: فسألت سفيان عن الإمعة فحدثني عن أبي الزناد عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال: كنا ندعو الإمعة في الجاهلية الذي يدعى إلى الطعام فيأتي معه بغيره وهو فيكم المحقب دينه الرجال. وقال أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو النصري: ثنا أبو مسهر ثنا سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبيد الله عن السائب بن يزيد ابن أخت نمر أنه سمع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: إن حديثكم شر الحديث إن كلامكم شر الكلام فإنكم قد(2\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "433",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "435",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حدثتم الناس حتى قيل: قال فلان وقال فلان ويترك كتاب الله من كان منكم قائما فليقم بكتاب الله وإلا فليجلس فهذا قول عمر لأفضل قرن على وجه الأرض فكيف لو أدرك ما أصبحنا فيه من ترك كتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة لقول فلان وفلان  فالله المستعان [كلام علي لكميل بن زياد] قال أبو عمر: وقال علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه في الجنة - لكميل بن زياد النخعي - وهو حديث مشهور عند أهل العلم يستغني عن الإسناد لشهرته عندهم -: يا كميل إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها للخير والناس ثلاثة: فعالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل صائح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق. ثم قال: آه إن ههنا علما - وأشار بيده إلى صدره - لو أصبت له حملة بل قد أصبت لقنا غير مأمون يستعمل آلة الدين الدنيا ويستظهر بحجج الله على كتابه وبنعمه على معاصيه أو حامل حق لا بصيرة له في إحيائه ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة لا يدري أين الحق إن قال أخطأ وإن أخطأ لم يدر مشغوف بما لا يدري حقيقته فهو فتنة لمن فتن به وإن من الخير كله من عرفه الله دينه وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف دينه. [نهي الصحابة عن الاستنان بالرجال] وذكر أبو عمر عن أبي البختري عن علي قال: إياكم والاستنان بالرجال فإن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة ثم ينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل النار فيموت وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل الجنة فيموت وهو من أهل الجنة فإن كنتم لا بد فاعلين فبالأموات لا بالأحياء. وقال ابن مسعود: لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن وإن كفر كفر فإنه لا أسوة في الشر. قال أبو عمر: وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: يذهب العلماء ثم يتخذ الناس رءوسا جهالا يسألون فيفتون بغير علم فيضلون ويضلون قال أبو عمر: وهذا كله نفي للتقليد وإبطال له لمن فهمه وهدى لرشده.(2\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "434",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "436",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم ذكر من طريق يونس بن عبد الأعلى ثنا سفيان بن عيينة قال: اضطجع ربيعة مقنعا رأسه وبكى فقيل له: ما يبكيك فقال: رياء ظاهر وشهوة خفية والناس عند علمائهم كالصبيان في إمامهم: ما نهوهم عنه انتهوا وما أمروا به ائتمروا. وقال عبد الله بن المعتمر: لا فرق بين بهيمة تنقاد وإنسان يقلد. ثم ساق من حديث جامع بن وهب: أخبرني سعيد بن أبي أيوب عن بكر بن عمر عن عمرو بن أبي نعيمة عن مسلم بن يسار عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار ومن استشار أخاه فأشار عليه بغير رشده فقد خانه ومن أفتى بفتيا بغير ثبت فإنما إثمها على من أفتاه وقد تقدم هذا الحديث من رواية أبي داود وفيه دليل على تحريم الإفتاء بالتقليد فإنه إفتاء بغير ثبت فإن الثبت الحجة التي يثبت بها الحكم باتفاق الناس كما قال أبو عمر [الاحتجاج على من أجاز التقليد بحجج نظرية] وقد احتج جماعة من الفقهاء وأهل النظر على من أجاز التقليد بحجج نظرية عقلية بعد ما تقدم فأحسن ما رأيت من ذلك قول المزني وأنا أورده قال: يقال لمن حكم بالتقليد: هل لك من حجة فيما حكمت به فإن قال: quot; نعم quot; بطل التقليد لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد. وإن قال: quot; حكمت به بغير حجة quot; قيل له: فلم أرقت الدماء وأبحت الفروج وأتلفت الأموال وقد حرم الله ذلك إلا بحجة قال الله عز وجل: إن عندكم من سلطان بهذا [يونس: 68] أي من حجة بهذا. فإن قال: quot; أنا أعلم أني قد أصبت وإن لم أعرف الحجة لأني قلدت كبيرا من العلماء وهو لا يقول إلا بحجة خفيت علي quot; قيل له: إذا جاز تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عليك فتقليد معلم معلمك أولى لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت على معلمك كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت عليك فإن قال: quot; نعم quot; ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه وكذلك من هو أعلى حتى ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن أبى ذلك نقض قوله وقيل له: كيف تجوز تقليد من هو أصغر وأقل علما ولا تجوز تقليد من هو أكبر وأكثر علما وهذا تناقض فإن قال: quot; لأن معلمي وإن كان أصغر فقد جمع علم من هو فوقه إلى علمه فهو أبصر بما أخذ وأعلم بما ترك quot; قيل له: وكذلك من تعلم من معلمك فقد جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمه فيلزمك تقليده وترك تقليد معلمك وكذلك أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك لأنك جمعت علم معلمك وعلم من هو فوقه إلى علمك فإن قلد قوله جعل الأصغر ومن يحدث من(2\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "435",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "437",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليد التابع والتابع من دونه في قياس قوله والأعلى للأدنى أبدا وكفى بقول يؤول إلى هذا تناقضا وفسادا. وقال أبو عمر: قال أهل العلم والنظر حد العلم التبيين وإدراك المعلوم على ما هو به فمن بان له الشيء فقد علمه قالوا: والمقلد لا علم له ولم يختلفوا في ذلك ومن ههنا والله أعلم قال البختري: عرف العالمون فضلك بالعلم ... وقال الجهال بالتقليد وأرى الناس مجمعين ... على فضلك من بين سيد ومسود  [التقليد والاتباع في الدين] [التقليد والاتباع] وقال أبو عبد الله بن خويز منداد البصري المالكي: التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائلة عليه وذلك ممنوع منه في الشريعة والاتباع: ما ثبت عليه حجة. وقال في موضع آخر من كتابه: كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قبوله بدليل يوجب ذلك فأنت مقلده والتقليد في دين الله غير صحيح وكل من أوجب الدليل عليك اتباع قوله فأنت متبعه والاتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع. وقال: وذكر محمد بن حارث في أخبار سحنون بن سعيد عنه قال: كان مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة ومحمد بن إبراهيم بن دينار وغيرهم يختلفون إلى ابن هرمز فكان إذا سأله مالك وعبد العزيز أجابهما وإذا سأله ابن دينار وذووه لا يجيبهم فتعرض له ابن دينار يوما فقال له: يا أبا بكر لم تستحل مني ما لا يحل لك فقال له: يا ابن أخي وما ذاك قال: يسألك مالك وعبد العزيز فتجيبهما وأسألك أنا وذوي فلا تجيبنا فقال: أوقع ذلك يا ابن أخي في قلبك قال: نعم قال: إني قد كبرت سني ودق عظمي وأنا أخاف أن يكون خالطني في عقلي مثل الذي خالطني في بدني ومالك وعبد العزيز عالمان فقيهان إذا سمعا مني حقا قبلاه وإن سمعا خطأ تركاه وأنت وذووك ما أجبتكم به قبلتموه. قال ابن حارث: هذا والله الدين الكامل والعقل الراجح لا كمن يأتي بالهذيان ويريد أن ينزل قوله من العقاب منزلة القرآن قال أبو عمر: يقال لمن قال بالتقليد: لم قلت به وخالفت السلف في ذلك فإنهم لم يقلدوا فإن قال: quot; قلدت لأن كتاب الله لا علم لي بتأويله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم(2\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "436",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "438",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحصها والذي قلدته قد علم ذلك فقلدت من هو أعلم مني quot; قيل له: أما العلماء إذا أجمعوا على شيء من تأويل الكتاب أو حكاية عن سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو اجتمع رأيهم على شيء فهو الحق لا شك فيه ولكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم دون بعض فما حجتك في تقليد بعضهم دون بعض وكلهم عالم ولعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه فإن قال: quot; قلدته لأني أعلم أنه على صواب quot; قيل له: علمت ذلك بدليل من كتاب الله أو سنة أو إجماع فإن قال: quot; نعم quot; أبطل التقليد وطولب بما ادعاه من الدليل وإن قال: quot; قلدته لأنه أعلم مني quot; قيل له: فقلد كل من هو أعلم منك فإنك تجد من ذلك خلقا كثيرا ولا تخص من قلدته إذ علتك فيه أنه أعلم منك فإن قال: quot; قلدته لأنه أعلم الناس quot; قيل له: فإنه إذا أعلم من الصحابة وكفى بقول مثل هذا قبحا فإن قال: quot; أنا أقلد بعض الصحابة quot; قيل له: فما حجتك في ترك من لم تقلد منهم ولعل من تركت قوله منهم أفضل ممن أخذت بقوله على أن القول لا يصح لفضل قائله وإنما يصح بدلالة الدليل عليه. وقد ذكر ابن مزين عن عيسى بن دينار قال: عن القاسم عن مالك قال: ليس كما قال رجل قولا وإن كان له فضل يتبع عليه لقول الله عز وجل: الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه [الزمر: 18] . فإن قال: quot; قصري وقلة علمي يحملني على التقليد quot; قيل له: أما من قلد فيما ينزل به من أحكام شريعته عالما يتفق له على علمه فيصدر في ذلك عما يخبره فمعذور لأنه قد أدى ما عليه وأدى ما لزمه فيما نزل به لجهله ولا بد له من تقليد عالم فيما جهله لإجماع المسلمين أن المكفوف يقلد من يثق بخبره في القبلة لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك. ولكن من كانت هذه حاله هل تجوز له الفتيا في شرائع دين الله فيحمل غيره على إباحة الفروج وإراقة الدماء واسترقاق الرقاب وإزالة الأملاك ويصيرها إلى غير من كانت في يديه بقول لا يعرف صحته ولا قام له الدليل عليه وهو مقر أن قائله يخطئ ويصيب وأن مخالفة في ذلك ربما كان المصيب فيما خالفه فيه فإن أجاز الفتوى لمن جهل الأصل والمعنى لحفظه الفروع لزمه أن يجيزه للعامة وكفى بهذا جهلا وردا للقرآن وقال الله تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم [الإسراء: 36] وقال: أم تقولون على الله ما لا تعلمون [البقرة: 80] وقد أجمع العلماء على أن ما لم يتبين ولم يتيقن فليس بعلم وإنما هو ظن والظن لا يغني من الحق شيئا. ثم ذكر حديث ابن عباس: من أفتى بفتيا وهو يعمى عنها كان إثمها عليه موقوفا ومرفوعا. قال وهب عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث .(2\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "437",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "439",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: ولا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد التقليد ثم ذكر من طريق ابن وهب: أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني أبو عثمان بن مسنة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن العلم بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء ومن طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء قيل له: يا رسول الله وما الغرباء قال: الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله وكان يقال: العلماء غرباء لكثرة الجهال. ثم ذكر عن مالك عن زيد بن أسلم في قوله: نرفع درجات من نشاء [الأنعام: 83] قال: بالعلم وقال ابن عباس في قول الله تعالى: يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات [المجادلة: 11] قال: يرفع الله الذين أوتوا العلم من المؤمنين على الذين لم يؤتوا العلم درجات. وروى هشام بن سعد عن زيد بن أسلم في قوله: ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض [الإسراء: 55] قال: بالعلم وإذا كان المقلد ليس من العلماء باتفاق العلماء لم يدخل في شيء من هذه النصوص وبالله التوفيق. فصل [نهى الأئمة الأربعة عن تقليدهم] . وقد نهى الأئمة الأربعة عن تقليدهم وذموا من أخذ أقوالهم بغير حجة فقال الشافعي: مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيه أفعى تلدغه وهو لا يدري ذكره البيهقي. وقال إسماعيل بن يحيى المزني في أول مختصره: اختصرت هذا من علم الشافعي ومن معنى قوله لأقربه على من أراده مع إعلامية نهيه عن تقليده وتقليد غيره لينظر فيه لدينه ويحتاط فيه لنفسه. وقال أبو داود: قلت لأحمد: الأوزاعي هو أتبع من مالك قال: لا تقلد دينك أحدا من هؤلاء ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فخذ به ثم التابعي بعد الرجل فيه مخير. وقد فرق أحمد بين التقليد والاتباع فقال أبو داود: سمعته يقول: الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه ثم هو من بعد في التابعين مخير وقال أيضا: لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الثوري ولا الأوزاعي وخذ من حيث أخذوا. وقال: من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال.(2\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "438",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "440",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال بشر بن الوليد: قال أبو يوسف: لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا. وقد صرح مالك بأن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النخعي أنه يستتاب فكيف بمن ترك قول الله ورسوله لقول من هو دون إبراهيم أو مثله  وقال جعفر الفريابي: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثني الهيثم بن جميل قال: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله إن عندنا قوما وضعوا كتبا يقول أحدهم: ثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب بكذا وكذا وفلان عن إبراهيم بكذا ويأخذ بقول إبراهيم. قال مالك: وصح عندهم قول عمر قلت: إنما هي رواية كما صح عندهم قول إبراهيم فقال مالك: هؤلاء يستتابون والله أعلم.  [فصل عقد مجلس مناظرة بين مقلد وبين صاحب حجة] . فصل في عقد [مناظرة بين مقلد وصاحب حجة] في عقد مجلس مناظرة بين مقلد وبين صاحب حجة منقاد للحق حيث كان. قال المقلد: نحن معاشر المقلدين ممتثلون قول الله تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [النحل: 43] فأمر الله سبحانه من لا علم له أن يسأل من هو أعلم منه وهذا نص قولنا وقد أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - من لا يعلم إلى سؤال من يعلم فقال في حديث صاحب الشجة: ألا سألوا إذا لم يعلموا إنما شفاء العي السؤال . وقال أبو العسيف الذي زنى بامرأة مستأجره: quot; وإنى سألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا الرجم quot; فلم ينكر عليه تقليد من هو أعلم منه وهذا عالم الأرض عمر قد قلد أبا بكر فروى شعبة عن عاصم الأحول عن الشعبي أن أبا بكر قال في الكلالة: أقضي فيها فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله منه بريء هو ما دون الولد والوالد فقال عمر بن الخطاب: إني لأستحيي من الله أن أخالف أبا بكر وصح عنه أنه قال له: رأينا لرأيك تبع. وصح عن ابن مسعود أنه كان يأخذ بقول عمر. وقال الشعبي عن مسروق: كان ستة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يفتون الناس: ابن مسعود وعمر بن الخطاب وعلي وزيد بن ثابت وأبي بن كعب وأبو موسى وكان ثلاثة منهم يدعون قولهم لقول ثلاثة: كان عبد الله يدع قوله لقول عمر وكان أبو موسى يدع قوله لقول علي وكان زيد يدع قوله لقول أبي بن كعب. وقال جندب: ما كنت أدع قول ابن مسعود لقول أحد من الناس وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن معاذا قد سن لكم سنة فكذلك(2\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "439",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "441",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فافعلوا في شأن الصلاة حيث أخر فصلى ما فاته من الصلاة مع الإمام بعد الفراغ وكانوا يصلون ما فاتهم أولا ثم يدخلون مع الإمام. قال المقلد: وقد أمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر - وهم العلماء أو العلماء والأمراء - وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به فإنه لولا التقليد لم يكن هناك طاعة تختص بهم. وقال تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه [التوبة: 100] وتقليدهم اتباع لهم ففاعله ممن رضي الله عنهم ويكفي في ذلك الحديث المشهور: أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم . وقال عبد الله بن مسعود: من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي وقال: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن أم عبد وقد كتب عمر إلى شريح: أن اقض بما في كتاب الله فإن لم يكن في كتاب الله فبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن لم يكن في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاقض بما قضى به الصالحون. وقد منع عمر عن بيع أمهات الأولاد وتبعه الصحابة وألزم بالطلاق الثلاث وتبعوه أيضا واحتلم مرة فقال له عمرو بن العاص: خذ ثوبا غير ثوبك فقال: لو فعلتها صارت سنة. وقال أبي بن كعب وغيره من الصحابة: ما استبان لك فاعمل به وما اشتبه عليك فكله إلى عالمه. وقد كان الصحابة يفتون ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - حي بين أظهرهم وهذا تقليد لهم قطعا إذ قولهم لا يكون حجة في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد قال تعالى: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون [التوبة: 122] فأوجب عليهم قبول ما أنذروهم به إذا رجعوا إليهم وهذا تقليد منهم للعلماء.  وصح عن ابن الزبير أنه سئل عن الجد والإخوة فقال: أما الذي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا فإنه أنزله أبا وهذا(2\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "440",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "442",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ظاهر في تقليده له وقد أمر الله سبحانه بقبول شهادة الشاهد وذلك تقليد له وجاءت الشريعة بقبول قول القائف والخارص والقاسم والمقوم للمتلفات وغيرها والحاكمين بالمثل في جزاء الصيد وذلك تقليد محض. وأجمعت الأمة على قبول قول المترجم والرسول والمعرف والمعدل وإن اختلفوا في جواز الاكتفاء بواحد وذلك تقليد محض لهؤلاء. وأجمعوا على جواز شراء اللحمان والثياب والأطعمة وغيرها من غير سؤال عن أسباب حلها وتحريمها اكتفاء بتقليد أربابها ولو كلف الناس كلهم الاجتهاد وأن يكونوا علماء فضلاء لضاعت مصالح العباد وتعطلت الصنائع والمتاجر وكان الناس كلهم علماء مجتهدين وهذا مما لا سبيل إليه شرعا والقدر قد منع من وقوعه. وقد أجمع الناس على تقليد الزوج للنساء اللاتي يهدين إليه زوجته وجواز وطئها تقليدا لهن في كونها هي زوجته. وأجمعوا على أن الأعمى يقلد في القبلة وعلى تقليد الأئمة في الطهارة وقراءة الفاتحة وما يصح به الاقتداء. وعلى تقليد الزوجة مسلمة كانت أو ذمية أن حيضها قد انقطع فيباح للزوج وطؤها بالتقليد ويباح للمولى تزويجها بالتقليد لها في انقضاء عدتها وعلى جواز تقليد الناس للمؤذنين في دخول أوقات الصلوات ولا يجب عليهم الاجتهاد ومعرفة ذلك بالدليل. وقد قالت الأمة السوداء لعقبة بن الحارث: أرضعتك وأرضعت امرأتك فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بفراقها وتقليدها فيما أخبرته به من ذلك . وقد صرح الأئمة بجواز التقليد فقال حفص بن غياث سمعت سفيان يقول: إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى تحريمه فلا تنهه. وقال محمد بن الحسن: يجوز للعالم تقليد من هو أعلم منه ولا يجوز له تقليد من هو مثله. وقد صرح الشافعي بالتقليد فقال: في الضبع بعير قلته تقليدا لعمر. وقال في مسألة بيع الحيوان بالبراءة من العيوب: قلته تقليدا لعثمان. وقال في مسألة الجد مع الإخوة: إنه يقاسمهم ثم قال: وإنما قلت بقول زيد وعنه قبلنا أكثر الفرائض. وقد قال في موضع آخر من كتابه الجديد: قلته تقليدا لعطاء.(2\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "441",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "443",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا أبو حنيفة - رحمه الله - قال في مسائل الآبار: ليس معه فيها إلا تقليد من تقدمه من التابعين فيها. وهذا مالك لا يخرج عن عمل أهل المدينة ويصرح في موطئه بأنه أدرك العمل على هذا وهو الذي عليه أهل العلم ببلدنا. ويقول في غير موضع: ما رأيت أحدا أقتدي به يفعله. ولو جمعنا ذلك من كلامه لطال. وقد قال الشافعي في الصحابة: رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا ونحن نقول ونصدق أن رأي الشافعي والأئمة معه لنا خير من رأينا لأنفسنا. وقد جعل الله سبحانه في فطر العباد تقليد المتعلمين للأستاذين والمعلمين ولا تقوم مصالح الخلق إلا بهذا وذلك عام في كل علم وصناعة وقد فاوت الله سبحانه بين قوى الأذهان كما فاوت بين قوى الأبدان فلا يحسن في حكمته وعدله ورحمته أن يفرض على جميع خلقه معرفة الحق بدليله والجواب عن معارضه في جميع مسائل الدين دقيقها وجليلها ولو كان كذلك لتساوت أقدام الخلائق في كونهم علماء بل جعل سبحانه هذا عالما وهذا متعلما وهذا متبعا للعالم مؤتما به بمنزلة المأموم مع الإمام والتابع مع المتبوع وأين حرم الله تعالى على الجاهل أن يكون متبعا للعالم مؤتما به مقلدا له يسير بسيره وينزل بنزوله وقد علم الله سبحانه أن الحوادث والنوازل كل وقت نازلة بالخلق فهل فرض على كل منهم فرض عين أن يأخذ حكم نازلته من الأدلة الشرعية بشروطها ولوازمها وهل ذلك في إمكان أحد فضلا عن كونه مشروعا وهؤلاء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتحوا البلاد وكان الحديث العهد بالإسلام يسألهم فيفتونه ولا يقولون له: عليك أن تطلب معرفة الحق في هذه الفتوى بالدليل ولا يعرف ذلك عن أحد منهم ألبتة وهل التقليد إلا من لوازم التكليف ولوازم الوجود فهو من لوازم الشرع والقدر. والمنكرون له مضطرون إليه ولا بد وذلك فيما تقدم بيانه من الأحكام وغيرها. ونقول لمن احتج على إبطاله: كل حجة أثرية ذكرتها فأنت مقلد لحملتها ورواتها إذ لم يقم دليل قطعي على صدقهم فليس بيدك إلا تقليد الراوي وليس بيد الحاكم إلا تقليد الشاهد وكذلك ليس بيد العامي إلا تقليد العالم فما الذي سوغ لك تقليد الراوي والشاهد ومنعنا من تقليد العالم وهذا سمع بأذنه ما رواه وهذا عقل بقلبه ما سمعه فأدى هذا مسموعه وأدى هذا معقوله وفرض على هذا تأدية ما سمعه وعلى هذا تأدية ما عقله وعلى من لم يبلغ منزلتهما القول منهما ثم يقال للمانعين من التقليد: أنتم منعتموه خشية وقوع المقلد في الخطأ بأن يكون(2\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "442",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "444",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من قلده مخطئا في فتواه ثم أوجبتم عليه النظر والاستدلال في طلب الحق. ولا ريب أن صوابه في تقليده للعالم أقرب من صوابه في اجتهاده هو لنفسه وهذا كمن أراد شراء سلعة لا خبرة له بها فإنه إذا قلد عالما بتلك السلعة خبيرا بها أمينا ناصحا كان صوابه وحصول غرضه أقرب من اجتهاده لنفسه وهذا متفق عليه بين العقلاء. قال أصحاب الحجة: عجبا لكم معاشر المقلدين الشاهدين على أنفسهم مع شهادة أهل العلم بأنهم ليسوا من أهله ولا معدودين في زمرة أهله كيف أبطلتم مذهبكم بنفس دليلكم فما للمقلد وما للاستدلال وأين منصب المقلد من منصب المستدل وهل ما ذكرتم من الأدلة إلا ثيابا استعرتموها من صاحب الحجة فتجملتم بها بين الناس وكنتم في ذلك متشبعين بما لم تعطوه ناطقين من العلم بما شهدتم على أنفسكم أنكم لم تؤتوه وذلك ثوب زور لبستموه ومنصب لستم من أهله غصبتموه فأخبرونا: هل صرتم إلى التقليد لدليل قادكم إليه وبرهان دلكم عليه فنزلتم به من الاستدلال أقرب منزل وكنتم به عن التقليد بمعزل أم سلكتم سبيله اتفاقا وتخمينا من غير دليل وليس إلى خروجكم عن أحد هذين القسمين سبيل وأيهما كان فهو بفساد مذهب التقليد حاكم والرجوع إلى مذهب الحجة منه لازم ونحن إن خاطبناكم بلسان الحجة قلت: لسنا من أهل هذه السبيل وإن خاطبناكم بحكم التقليد فلا معنى لما أقمتموه من الدليل. والعجب أن كل طائفة من الطوائف وكل أمة من الأمم تدعي أنها على حق حاشا فرقة التقليد فإنهم لا يدعون ذلك ولو ادعوه لكانوا مبطلين فإنهم شاهدون على أنفسهم بأنهم لم يعتقدوا تلك الأقوال لدليل قادهم إليه وبرهان دلهم عليه وإنما سبيلهم محض التقليد والمقلد لا يعرف الحق من الباطل ولا الحالي من العاطل. وأعجب من هذا أن أئمتهم نهوهم عن تقليدهم فعصوهم وخالفوهم وقالوا: نحن على مذاهبهم وقد دانوا بخلافهم في أصل المذهب الذي بنوا عليه فإنهم بنوا على الحجة ونهوا عن التقليد وأوصوهم إذا ظهر الدليل أن يتركوا أقوالهم ويتبعوه فخالفوهم في ذلك كله وقالوا: نحن من أتباعهم تلك أمانيهم وما أتباعهم إلا من سلك سبيلهم واقتفى آثارهم في أصولهم وفروعهم. وأعجب من هذا أنهم مصرحون في كتبهم ببطلان التقليد وتحريمه وأنه لا يحل القول به في دين الله ولو اشترط الإمام على الحاكم أن يحكم بمذهب معين لم يصح شرطه ولا توليته ومنهم من صحح التولية وأبطل الشرط وكذلك المفتي يحرم عليه الإفتاء(2\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "443",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "445",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بما لا يعلم صحته باتفاق الناس والمقلد لا علم له بصحة القول وفساده إذ طريق ذلك مسدودة عليه ثم كل منهم يعرف من نفسه أنه مقلد لمتبوعه لا يفارق قوله ويترك له كل ما خالفه من كتاب أو سنة أو قول صاحب أو قول من هو أعلم من متبوعه أو نظيره وهذا من أعجب العجب. وأيضا فإنا نعلم بالضرورة أنه لم يكن في عصر الصحابة رجل واحد اتخذ رجلا منهم يقلده في جميع أقواله فلم يسقط منها شيئا وأسقط أقوال غيره فلم يأخذ منها شيئا. ونعلم بالضرورة أن هذا لم يكن في عصر التابعين ولا تابعي التابعين فليكذبنا المقلدون برجل واحد سلك سبيلهم الوخيمة في القرون الفضيلة على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما حدثت هذه البدعة في القرن الرابع المذموم على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فالمقلدون لمتبوعهم في جميع ما قالوه يبيحون به الفروج والدماء والأموال ويحرمونها ولا يدرون أذلك صواب أم خطأ على خطر عظيم ولهم بين يدي الله موقف شديد يعلم فيه من قال على الله ما لا يعلم أنه لم يكن على شيء. وأيضا فنقول لكل من قلد واحدا من الناس دون غيره: ما الذي خص صاحبك أن يكون أولى بالتقليد من غيره فإن قال: quot; لأنه أعلم أهل عصره quot; وربما فضله على من قبله مع جزمه الباطل أنه لم يجئ بعده أعلم منه قيل له: وما يدريك ولست من أهل العلم بشهادتك على نفسك أنه أعلم الأمة في وقته فإن هذا إنما يعرفه من عرف المذاهب وأدلتها وراجحها من مرجوحها فما للأعمى ونقد الدراهم  وهذا أيضا باب آخر من القول على الله بلا علم ويقال له ثانيا فأبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وعائشة وابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - أعلم من صاحبك بلا شك فهلا قلدتهم وتركته بل سعيد بن المسيب والشعبي وعطاء وطاوس وأمثالهم أعلم وأفضل بلا شك فلم تركت تقليد الأعلم الأفضل الأجمع لأدوات الخير والعلم والدين ورغبت عن أقواله ومذاهبه إلى من هو دونه فإن قال: quot; لأن صاحبي ومن قلدته أعلم به مني فتقليدي له أوجب علي مخالفة قوله لقول من قلدته لأن وفور علمه ودينه يمنعه من مخالفة من هو فوقه وأعلم منه إلا لدليل صار إليه هو أولى من قول كل واحد من هؤلاء quot; قيل له: ومن أين علمت أن الدليل الذي صار إليه صاحبك الذي زعمت أنت أنه صاحبك أولى من الدليل الذي صار إليه من هو أعلم منه وخير منه أو هو نظيره وقولان معا متناقضان لا يكونان صوابا بل أحدهما هو الصواب ومعلوم أن ظفر الأعلم الأفضل بالصواب أقرب من ظفر من هو دونه. فإن قلت: quot; علمت ذلك بالدليل quot; فههنا إذا قد انتقلت(2\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "444",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "446",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن منصب التقليد إلى منصب الاستدلال وأبطلت التقليد. ثم يقال لك ثالثا: هذا لا ينفعك شيئا ألبتة فيما اختلف فيه فإن من قلدته ومن قلده غيرك قد اختلفا وصار من قلده غيرك إلى موافقة أبي بكر وعمر أو علي وابن عباس أو عائشة وغيرهم دون من قلدته فهلا نصحت نفسك وهديت لرشدك وقلت: هذان عالمان كبيران ومع أحدهما من ذكر من الصحابة فهو أولى بتقليدي إياه. ويقال له رابعا إمام بإمام ويسلم قول الصحابي فيكون أولى بالتقليد. ويقال خامسا: إذا جاز أن يظفر من قلدته بعلم خفي على عمر بن الخطاب وعلى علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وذويهم فأحق وأحق وأجوز وأجوز أن يظفر نظيره ومن بعده بعلم خفي عليه هو فإن النسبة بين من قلدته وبين نظيره ومن بعده أقرب بكثير من النسبة بين من قلدته وبين الصحابة والخفاء على من قلدته أقرب من الخفاء على الصحابة. ويقال سادسا: إذا سوغت لنفسك مخالفة الأفضل الأعلم لقول المفضول فهلا سوغت لها مخالفة المفضول لمن هو أعلم منه وهل كان الذي ينبغي ويجب إلا عكس ما ارتكبت ويقال سابعا: هل أنت في تقليد إمامك وإباحة الفروج والدماء والأموال ونقلها عمن هي بيده إلى غيره موافق لأمر الله أو رسوله أو إجماع أمته أو قول أحد من الصحابة فإن قال: quot; نعم quot; قال ما يعلم الله ورسوله وجميع العلماء بطلانه وإن قال: quot; لا quot; فقد كفانا مؤنته وشهد على نفسه بشهادة الله ورسوله وأهل العلم عليه. ويقال ثامنا: تقليدك لمتبوعك يحرم عليك تقليده فإنه نهاك عن ذلك وقال: لا يحل لك أن تقول بقوله حتى تعلم من أين قاله ونهاك عن تقليده وتقليد غيره من العلماء فإن كنت مقلدا له في جميع مذهبه فهذا من مذهبه فهلا اتبعته فيه ويقال تاسعا: هل أنت على بصيرة في أن من قلدته أولى بالصواب من سائر من رغبت من قوله من الأولين والآخرين أم لست على بصيرة فإن قال: quot; أنا على بصيرة quot; قال: ما يعلم بطلانه وإن قال: quot; لست على بصيرة quot; وهو الحق قيل له: فما عذرك غدا بين يدي الله حين لا ينفعك من قلدته بحسنة واحدة ولا يحمل عنك سيئة واحدة إذا حكمت وأفتيت بين خلقه بما لست على بصيرة منه هل هو صواب أم خطأ ويقال عاشرا: هل تدعي عصمة متبوعك أو تجوز عليه الخطأ والأول لا سبيل إليه بل تقر ببطلانه فتعين الثاني وإذا جوزت عليه الخطأ فكيف تحلل وتحرم وتوجب وتريق الدماء وتبيح الفروج وتنقل الأموال وتضر الأبشار بقول من أنت مقر بجواز كونه مخطئا. ويقال حادي عشر: هل تقول إذا أفتيت أو حكمت بقول من قلدته: إن هذا هو دين الله الذي أرسل به رسوله وأنزل به كتابه وشرعه لعباده ولا دين له سواه أو تقول: إن دين الله الذي شرعه لعباده خلافه أو تقول: لا أدري ولا بد لك من قول من هذه الأقوال ولا سبيل لك إلى(2\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "445",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "447",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأول قطعا فإن دين الله الذي لا دين له سواه لا تسوغ مخالفته وأقل درجات مخالفه أن يكون من الآثمين والثاني لا تدعيه فليس لك ملجأ إلا الثالث فيا لله العجب كيف تستباح الفروج والدماء والأموال والحقوق وتحلل وتحرم بأمر أحسن أحواله وأفضلها quot; لا أدري quot; فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم. ويقال ثاني عشر: على أي شيء كان الناس قبل أن يولد فلان وفلان وفلان الذين قلدتموهم وجعلتم أقوالهم بمنزلة نصوص الشارع وليتكم اقتصرتم على ذلك بل جعلتموها أولى بالاتباع من نصوص الشارع أفكان الناس قبل وجود هؤلاء على هدى أو على ضلالة فلا بد من أن تقروا بأنهم كانوا على هدى فيقال لهم: فما الذي كانوا عليه غير اتباع القرآن والسنن والآثار وتقديم قول الله ورسوله وآثار الصحابة على ما يخالفها والتحاكم إليها دون قول فلان أو رأي فلان وإذا كان هذا هو الهدى فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تؤفكون فإن قالت كل فرقة من المقلدين وكذلك يقولون: صاحبنا هو الذي ثبت على ما مضى عليه السلف واقتفى مناهجهم وسلك سبيلهم قيل لهم: فمن سواه من الأئمة هل شارك صاحبكم في ذلك أو انفرد صاحبكم بالاتباع وحرمه من عداه فلا بد من واحد من الأمرين فإن قالوا بالثاني فهم أضل سبيلا من الأنعام وإن قالوا بالأول فيقال: فكيف وفقتم لقبول قول صاحبكم كله ورد قول من هو مثله أو أعلم منه كله فلا يرد لهذا قول ولا يقبل لهذا قول حتى كأن الصواب وقف على صاحبكم والخطأ وقف على من خالفه ولهذا أنتم موكلون بنصرته في كل ما قاله وبالرد على من خالفه في كل ما قاله وهذه حال الفرقة الأخرى معكم. ويقال ثالث عشر: فمن قلدتموه من الأئمة قد نهوكم عن تقليدهم فأنتم أول مخالف لهم. قال الشافعي: مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيه أفعى تلدغه وهو لا يدري. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يحل لأحد أن يقول بقولنا حتى يعلم من أين قلناه. وقال أحمد: لا تقلد دينك أحدا. ويقال رابع عشر: هل أنتم موقنون بأنكم غدا موقوفون بين يدي الله وتسألون عما قضيتم به في دماء عباده وفروجهم وأبشارهم وأموالهم وعما أفتيتم به في دينه محرمين ومحللين وموجبين فمن قولهم: quot; نحن موقنون بذلك quot; فيقال لهم: فإذا سألكم: quot; من أين قلتم ذلك quot; فماذا جوابكم فإن قلتم: quot; جوابنا إنا حللنا وحرمنا وقضينا بما في كتاب الأصل لمحمد بن الحسن مما رواه عن أبي حنيفة وأبي يوسف من رأي واختيار وبما في المدونة(2\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "446",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "448",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من رواية سحنون عن ابن القاسم من رأي واختيار وبما في الأم من رواية الربيع من رأي واختيار وبما في جوابات غير هؤلاء من رأي واختيار وليتكم اقتصرتم على ذلك أو صعدتم إليه أو سمت هممكم نحوه بل نزلتم عن ذلك طبقات فإذا سئلتم: هل فعلتم ذلك عن أمري أو أمر رسولي فماذا يكون جوابكم إذا فإن أمكنكم حينئذ أن تقولوا quot; فعلنا ما أمرتنا به وأمرنا به رسولك quot; فزتم وتخلصتم وإن لم يمكنكم ذلك فلا بد أن تقولوا: لم تأمرنا بذلك ولا رسولك ولا أئمتنا ولا بد من أحد الجوابين وكأن قد. ويقال خامس عشر: إذا نزل عيسى ابن مريم إماما عدلا وحكما مقسطا فبمذهب من يحكم وبرأي من يقضي ومعلوم أنه لا يحكم ولا يقضي إلا بشريعة نبينا - صلى الله عليه وسلم - التي شرعها الله لعباده فذلك الذي يقضي به أحق وأولى الناس به عيسى ابن مريم هو الذي أوجب عليكم أن تقضوا به وتفتوا ولا يحل لأحد أن يقضي ولا يفتي بشيء سواه ألبتة. فإن قلتم: نحن وأنتم في هذا السؤال سواء قيل: أجل ولكن نفترق في الجواب فنقول: يا ربنا إنك تعلم أنا لم نجعل أحدا من الناس عيارا على كلامك وكلام رسولك وكلام أصحاب رسولك ونرد ما تنازعنا فيه إليه ونتحاكم إلى قوله ونقدم أقواله على كلامك وكلام رسولك وكلام أصحاب رسولك وكان الخلق عندنا أهون أن نقدم كلامهم وآراءهم على وحيك بل أفتينا بما وجدناه في كتابك وبما وصل إلينا من سنة رسولك وبما أفتى به من أصحاب نبيك وإن عدلنا عن ذلك فخطأ منا لا عمد ولم نتخذ من دونك ولا دون رسولك ولا المؤمنين وليجة ولم نفرق ديننا ونكون شيعا ولم نقطع أمرنا بيننا زبرا. وجعلنا أئمتنا قدوة لنا ووسائط بيننا وبين رسولك في نقلهم ما بلغوه إلينا عن رسولك فاتبعناهم في ذلك وقلدناهم فيه إذ أمرتنا أنت وأمرنا رسولك بأن نسمع منهم ونقبل ما بلغوه عنك وعن رسولك فسمعا لك ولرسولك وطاعة ولم نتخذهم أربابا نتحاكم إلى أقوالهم ونخاصم بها ونوالي ونعادي عليها بل عرضنا أقوالهم على كتابك وسنة رسولك فما وافقهما قبلناه وما خالفهما أعرضنا عنه وتركناه وإن كانوا أعلم منا بك وبرسولك فمن وافق قوله قول رسولك كان أعلم منهم في تلك المسألة فهذا جوابنا ونحن نناشدكم الله: هل أنتم كذلك حتى يمكنكم هذا الجواب بين يدي من لا يبدل القول لديه ولا يروج الباطل عليه ويقال سادس عشر: كل طائفة منكم معاشر طوائف المقلدين قد أنزلت جميع الصحابة من أولهم إلى آخرهم وجميع التابعين من أولهم إلى آخرهم وجميع علماء الأمة من أولهم إلى آخرهم إلا من قلدتموه في مكان من لا يعتد بقوله ولا ينظر في فتاواه ولا يشتغل بها ولا يعتد بها ولا وجه للنظر فيها إلا للتمحل وإعمال الفكر وكده في الرد عليهم(2\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "447",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "449",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا خالف قولهم قول متبوعهم وهذا هو المسوغ للرد عليهم عندهم فإذا خالف قول متبوعهم نصا عن الله ورسوله فالواجب التمحل والتكلف في إخراج ذلك النص عن دلالته والتحيل لدفعه بكل طريق حتى يصح قول متبوعهم فيا لله لدينه وكتابه وسنة رسوله ولبدعة كادت تثل عرش الإيمان وتهد ركنه لولا أن الله ضمن لهذا الدين أن لا يزال فيه من يتكلم بأعلامه ويذب عنه فمن أسوأ ثناء على الصحابة والتابعين وسائر علماء المسلمين وأشد استخفافا بحقوقهم وأقل رعاية لواجبهم وأعظم استهانة بهم ممن لا يلتفت إلى قول رجل واحد منهم ولا إلى فتواه غير صاحبه الذي اتخذه وليجة من دون الله ورسوله  ويقال سابع عشر: من أعجب أمركم أيها المقلدون أنكم اعترفتم وأقررتم على أنفسكم بالعجز عن معرفة الحق بدليله من كلام الله وكلام رسوله مع سهولته وقرب مأخذه واستيلائه على أقصى غايات البيان واستحالة التناقض والاختلاف عليه فهو نقل مصدق عن قائل معصوم وقد نصب الله سبحانه الأدلة الظاهرة على الحق وبين لعباده ما يتقون فادعيتم العجز عن معرفة ما نصب عليه الأدلة وتولى بيانه ثم زعمتم أنكم قد عرفتم بالدليل أن صاحبكم أولى بالتقليد من غيره وأنه أعلم الأمة وأفضلها في زمانه وهلم جرا وغلاة كل طائفة منكم توجب اتباعه وتحرم اتباع غيره كما هو في كتب أصولهم فعجبا كل العجب لمن خفي عليه الترجيح فيما نصب الله عليه الأدلة من الحق ولم يهتد إليها واهتدى إلى أن متبوعه أحق وأولى بالصواب ممن عداه ولم ينصب الله على ذلك دليلا واحدا. ويقال ثامن عشر: أعجب من هذا كله من شأنكم معاشر المقلدين أنكم إذا وجدتم آية من كتاب الله توافق رأي صاحبكم أظهرتم أنكم تأخذون بها والعمدة في نفس الأمر على ما قاله لا على الآية وإذا وجدتم آية نظيرها تخالف قوله لم تأخذوا بها وتطلبتم لها وجوه التأويل وإخراجها عن ظاهرها حيث لم توافق رأيه وهكذا تفعلون في نصوص السنة سواء وإذا وجدتم حديثا صحيحا يوافق قوله أخذتم به وقلتم: quot; لنا قوله - صلى الله عليه وسلم - كيت وكيت quot; وإذا وجدتم مائة حديث صحيح بل وأكثر تخالف قوله لم تلتفتوا إلى حديث منها ولم يكن لكم منها حديث واحد فتقولون: لنا قوله - صلى الله عليه وسلم - كذا وكذا وإذا وجدتم مرسلا قد وافق رأيه أخذتم به وجعلتموه حجة هناك وإذا وجدتم مائة مرسل تخالف رأيه أطرحتموها كلها من أولها إلى آخرها وقلتم: لا نأخذ بالمرسل. ويقال تاسع عشر: أعجب من هذا كله أنكم إذا أخذتم بالحديث مرسلا كان أو مسندا موافقته رأي صاحبكم ثم وجدتم فيه حكما يخالف رأيه لم تأخذوا به في ذلك(2\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "448",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "450",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحكم وهو حديث واحد وكأن الحديث حجة فيما وافق رأي من قلدتموه وليس بحجة فيما خالف رأيه. ولنذكر من هذا طرفا فإنه من عجيب أمرهم.  [طرف من تخبط المقلدين في الأخذ ببعض السنة وترك بعضها الآخر] [طرف من تخبط المقلدين في الأخذ ببعض السنة وترك بعضها الآخر] : فاحتج طائفة منهم في سلب طهورية الماء المستعمل في رفع الحدث بأن النبي - صلى الله عليه وسلم -: نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة والمرأة بفضل وضوء الرجل . وقالوا: الماء المنفصل عن أعضائهما هو فضل وضوئهما. وخالفوا نفس الحديث فجوزوا لكل منهما أن يتوضأ بفضل طهور الآخر وهو المقصود بالحديث فإنه نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة إذا خلت بالماء وليس عندهم للخلوة أثر ولا لكون الفضلة فضلة امرأة أثر فخالفوا نفس الحديث الذي احتجوا به وحملوا الحديث على غير محمله إذ فضل الوضوء بيقين هو الماء الذي فضل منه ليس هو الماء المتوضأ به فإن ذلك لا يقال له فضل الوضوء فاحتجوا به فيما لم يرد به وأبطلوا الاحتجاج به فيما أريد به. ومن ذلك احتجاجهم على نجاسة الماء بالملاقاة وإن لم يتغير بنهيه - صلى الله عليه وسلم - أن يبال في الماء الدائم ثم قالوا: لو بال في الماء الدائم لم ينجسه حتى ينقص عن قلتين. واحتجوا على نجاسته أيضا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا ثم قالوا: لو غمسها قبل غسلها لم ينجس الماء ولا يجب عليه غسلها وإن شاء أن يغمسها قبل الغسل فعل. واحتجوا في هذه المسألة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بحفر الأرض التي بال فيها البائل وإخراج ترابها ثم قالوا: لا يجب حفرها بل لو تركت حتى يبست بالشمس والريح طهرت. واحتجوا على منع الوضوء بالماء المستعمل بقوله - صلى الله عليه وسلم - يا بني عبد المطلب إن الله كره لكم غسالة أيدي الناس يعني الزكاة. ثم قالوا: لا تحرم الزكاة على بني عبد المطلب. واحتجوا على أن السمك الطافي إذا وقع في الماء لا ينجسه بخلاف غيره من ميتة البر فإنه ينجس الماء بقوله - صلى الله عليه وسلم - في البحر: هو الطهور ماؤه الحل ميتته ثم خالفوا هذا الخبر بعينه وقالوا: لا يحل ما مات في البحر من السمك ولا يحل شيء مما فيه أصلا غير السمك. واحتج أهل الرأي على نجاسة الكلب وولوغه بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: إذا ولغ الكلب في(2\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "449",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "451",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إناء أحدكم فليغسله سبع مرات ثم قالوا: لا يجب غسله سبعا بل يغسل مرة ومنهم من قال ثلاثا. واحتجوا على تفريقهم في النجاسة المغلظة بين قدر الدرهم وغيره بحديث لا يصح من طريق غطيف عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة يرفعه: تعاد الصلاة من قدر الدرهم . ثم قالوا: لا تعاد الصلاة من قدر الدرهم. واحتجوا بحديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة في الزكاة في زيادة الإبل على عشرين ومائة أنها ترد إلى أول الفريضة فيكون في كل خمس شاة وخالفوه في اثني عشر موضعا منه ثم احتجوا بحديث عمرو بن حزم: أن ما زاد على مائتي درهم فلا شيء فيه حتى يبلغ أربعين فيكون فيها درهم وخالفوا الحديث بعينه في نص ما فيه في أكثر من خمسة عشر موضعا. واحتجوا على أن الخيار لا يكون أكثر من ثلاثة أيام بحديث المصراة وهذا من إحدى العجائب فإنهم من أشد الناس إنكارا له ولا يقولون به فإن كان حقا وجب اتباعه وإن لم يكن صحيحا لم يجز الاحتجاج به في تقدير الثلاث مع أنه ليس في الحديث تعرض لخيار الشرط فالذي أريد بالحديث ودل عليه خالفوه والذي احتجوا عليه به لم يدل عليه. واحتجوا لهذه المسألة أيضا بخبر حبان بن منقذ الذي كان يغبن في البيع فجعل له النبي - صلى الله عليه وسلم - الخيار ثلاثة أيام . وخالفوا الخبر كله فلم يثبتوا الخيار بالغبن ولو كان يساوي عشر معشار ما بذله فيه وسواء قال المشتري: quot; لا خلابة quot; أو لم يقل وسواء غبن قليلا أو كثيرا لا خيار له في ذلك كله. واحتجوا في إيجاب الكفارة على من أفطر في نهار رمضان بأن في بعض ألفاظ الحديث أن رجلا أفطر فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكفر ثم خالفوا هذا اللفظ بعينه فقالوا: إن استف دقيقا أو بلع عجينا أو إهليلجا أو طيبا أفطر ولا كفارة عليه. واحتجوا على وجوب القضاء على من تعمد القيء بحديث أبي هريرة ثم خالفوا الحديث بعينه فقالوا: إن تقيأ أقل من ملء فيه فلا قضاء عليه. واحتجوا على تحديد مسافة الفطر والقصر بقوله - صلى الله عليه وسلم -: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة ثلاثة أيام إلا مع زوج أو ذي محرم وهذا مع أنه لا دليل فيه ألبتة(2\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "450",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "452",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على ما ادعوه فقد خالفوه نفسه فقالوا: يجوز للمملوكة والمكاتبة وأم الولد السفر مع غير زوج ومحرم. واحتجوا على منع المحرم من تغطية وجهه بحديث ابن عباس في الذي وقصته ناقته وهو محرم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا تخمروا رأسه ولا وجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا وهذا من العجب فإنهم يقولون: إذا مات المحرم جاز تغطية رأسه ووجهه وقد بطل إحرامه. واحتجوا على إيجاب الجزاء على من قتل ضبعا في الإحرام بحديث جابر أنه أفتى بأكلها وبالجزاء على قاتلها وأسند ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم خالفوا الحديث بعينه فقالوا: لا يحل أكلها. واحتجوا فيمن وجبت عليه ابنة مخاض فأعطى ابنة لبون تساوي ابنة مخاض أو حمارا يساويها أنه يجزئه بحديث أنس الصحيح وفيه: من وجبت عليه ابنة مخاض وليست عنده وعنده ابنة لبون فإنها تؤخذ منه ويرد عليه الساعي شاتين أو عشرين درهما . وهذا من العجب فإنهم لا يقولون بما دل عليه الحديث من تعيين ذلك ويستدلون به على ما لم يدل عليه بوجه ولا أريد به. واحتجوا على إسقاط الحدود في دار الحرب إذا فعل المسلم أسبابها بحديث: لا تقطع الأيدي في الغزو وفي لفظ: quot; في السفر quot; ولم يقولوا بالحديث فإن عندهم لا أثر للسفر ولا للغزو في ذلك. واحتجوا في إيجاب الأضحية بحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أمر بالأضحية وأن يطعم منها الجار والسائل فقالوا: لا يجب أن يطعم منها جار ولا سائل. واحتجوا في إباحة ما ذبحه غاصب أو سارق بالخبر الذي فيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: دعي إلى الطعام مع رهط من أصحابه فلما أخذ لقمة قال: إني أجد لحم شاة أخذت بغير حق فقالت المرأة: يا رسول الله إني أخذتها من امرأة فلان بغير علم زوجها فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تطعم الأسارى. وقد خالفوا هذا الحديث فقالوا: ذبيحة الغاصب حلال ولا تحرم على المسلمين. واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: جرح العجماء جبار في إسقاط الضمان بجناية المواشي ثم خالفوه فيما يدل عليه وأريد به فقالوا: من ركب دابة أو قادها أو ساقها فهو ضامن لمن عضت بفمها ولا ضمان عليه فيما أتلفت برجلها.(2\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "451",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "453",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحتجوا على تأخير القود إلى حين البرء بالحديث المشهور: أن رجلا طعن آخر في ركبته بقرن فطلب القود فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يبرأ فأبى فأقاده قبل أن يبرأ الحديث وخالفوه في القصاص من الطعنة فقالوا: لا يقتص منها. واحتجوا على إسقاط الحد عن الزاني بأمة ابنه أو أم ولده بقوله - صلى الله عليه وسلم -: أنت ومالك لأبيك وخالفوه فيما دل عليه فقالوا: ليس للأب من مال ابنه شيء ألبتة ولم يبيحوا له من مال ابنه عود أراك فما فوقه وأوجبوا حبسه في دينه وضمان ما أتلفه عليه. واحتجوا على أن الإمام يكبر إذا قال المقيم: quot; قد قامت الصلاة quot; بحديث بلال أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تسبقني بآمين وبقول أبي هريرة لمروان: quot; لا تسبقني بآمين quot; ثم خالفوا الخبر جهارا فقالوا: لا يؤمن الإمام ولا المأموم. واحتجوا على وجوب مسح ربع الرأس بحديث المغيرة بن شعبة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مسح بناصيته وعمامته ثم خالفوه فيما دل عليه فقالوا: لا يجوز المسح على العمامة ولا أثر للمسح عليها ألبتة فإن الفرض سقط بالناصية والمسح على العمامة غير واجب ولا مستحب عندهم. واحتجوا لقولهم في استحباب مساواة الإمام بقوله - صلى الله عليه وسلم -: إنما جعل الإمام ليؤتم به قالوا: والائتمام به يقتضي أن يفعل مثل فعله سواء. ثم خالفوا الحديث فيما دل عليه فإن فيه: فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون . واحتجوا على أن الفاتحة لا تتعين في الصلاة بحديث المسيء في صلاته حيث قال له: اقرأ ما تيسر معك من القرآن وخالفوه فيما دل عليه صريحا في قوله: ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا . وقوله: ارجع فصل فإنك لم تصل فقالوا: من ترك الطمأنينة فقد صلى وليس الأمر بها فرضا لازما مع أن الأمر بها وبالقراءة سواء في الحديث. واحتجوا على إسقاط جلسة الاستراحة بحديث أبي حميد حيث لم يذكرها فيه وخالفوه في نفس ما دل عليه من رفع اليدين عند الركوع والرفع منه. واحتجوا على إسقاط فرض الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - والسلام في الصلاة بحديث ابن مسعود: فإذا قلت ذلك فقد تمت صلاتك ثم خالفوه في نفس ما دل عليه فقالوا: صلاته تامة قال ذلك أو لم يقله.(2\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "452",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "454",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحتجوا على جواز الكلام والإمام يخطب على المنبر يوم الجمعة بقوله - صلى الله عليه وسلم - للداخل: أصليت يا فلان قبل أن تجلس قال: لا قال: قم فاركع ركعتين وخالفوه في نفس ما دل عليه فقالوا: من دخل والإمام يخطب جلس ولم يصل. واحتجوا على كراهية رفع اليدين في الصلاة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ما بالهم رافعي أيديهم كأنها أذناب خيل شمس ثم خالفوه في نفس ما دل عليه فإن فيه: إنما يكفي أحدكم أن يسلم على أخيه من عن يمينه وشماله السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله فقالوا: لا يحتاج إلى ذلك ويكفيه غيره من كل مناف للصلاة. واحتجوا في استخلاف الإمام إذا أحدث بالخبر الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج وأبو بكر يصلي بالناس فتأخر أبو بكر وتقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - فصلى بالناس  ثم خالفوه في نفس ما دل عليه فقالوا: من فعل مثل ذلك بطلت صلاته وأبطلوا صلاة من فعل مثل فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر ومن حضر من الصحابة فاحتجوا بالحديث فيما لم يدل عليه وأبطلوا العمل به في نفس ما دل عليه. واحتجوا لقولهم إن الإمام إذا صلى جالسا لمرض صلى المأمومون خلفه قياما بالخبر الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه خرج فوجد أبا بكر يصلي بالناس قائما فتقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - وجلس وصلى بالناس وتأخر أبو بكر  ثم خالفوا الحديث في نفس ما دل عليه وقالوا: إن تأخر الإمام لغير حدث وتقدم الآخر بطلت صلاة الإمامين وصلاة جمع المأمومين. واحتجوا على بطلان صوم من أكل يظنه ليلا فبان نهارا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ثم خالفوا الحديث في نفس ما دل عليه فقالوا: لا يجوز الأذان للفجر بالليل لا في رمضان ولا في غيره. ثم خالفوه من جهة أخرى فإن في نفس الحديث: وكان ابن مكتوم رجلا أعمى لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت  وعندهم من أكل في ذلك الوقت بطل صومه. واحتجوا على المنع من استقبال القبلة واستدبارها بالغائط بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها وخالفوا الحديث نفسه وجوزوا استقبالها واستدبارها بالبول. واحتجوا على عدم شرط الصوم في الاعتكاف بالحديث الصحيح عن عمر أنه نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يوفي بنذره  وهم(2\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "453",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "455",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يقولون بالحديث فإن عندهم أن نذر الكافر لا ينعقد ولا يلزم الوفاء به بعد الإسلام. واحتجوا على الرد بحديث: تحوز المرأة ثلاث مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه ولم يقولوا - بالحديث في حيازتها - مال لقيطها وقد قال به عمر بن الخطاب وإسحاق بن راهويه وهو الصواب. واحتجوا في توريث ذوي الأرحام بالخبر الذي فيه: التمسوا له وارثا أو ذا رحم فلم يجدوا فقال: أعطوه الكبر من خزاعة ولم يقولوا به في أن من لا وارث له يعطى ماله للكبر من قبيلته. واحتجوا في منع القاتل ميراث المقتول بخبر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: لا يرث قاتل ولا يقتل مؤمن بكافر فقالوا بأول الحديث دون آخره واحتجوا على جواز التيمم في الحضر مع وجود الماء للجنازة إذا خاف فوتها بحديث أبي جهيم بن الحارث في تيمم النبي - صلى الله عليه وسلم - لرد السلام ثم خالفوه فيما دل عليه في موضعين: أحدهما أنه تيمم بوجهه وكفيه دون ذراعيه والثاني أنهم لم يكرهوا رد السلام للمحدث ولم يستحبوا التيمم لرد السلام. واحتجوا في جواز الاقتصار في الاستنجاء على حجرين بحديث ابن مسعود: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذهب لحاجته وقال له: ائتني بأحجار فأتاه بحجرين وروثة فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذه ركس ثم خالفوه فيما هو نص فيه فأجازوا الاستجمار بالروث واستدلوا به على ما لا يدل عليه من الاكتفاء بحجرين. واحتجوا على أن مس المرأة لا ينقض الوضوء بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - حاملا أمامة بنت أبي العاص بن الربيع إذا قام حملها وإذا ركع أو سجد وضعها  ثم قالوا: من صلى كذلك بطلت صلاته وصلاة من ائتم به. قال بعض أهل العلم: ومن العجب إبطالهم هذه الصلاة وتصحيحهم الصلاة بقراءة مدهامتان [الرحمن: 64] بالفارسية ثم يركع قدر نفس ثم يرفع قدر حد السيف أو لا يرفع بل يخر كما هو ساجدا ولا يضع على الأرض يديه ولا رجليه وإن أمكن أن لا يضع ركبتيه صح ذلك ولا جبهته بل يكفيه وضع رأس أنفه كقدر نفس واحد ثم يجلس مقدار التشهد ثم يفعل فعلا ينافي الصلاة من فساء أو ضراط أو ضحك أو نحو ذلك. واحتجوا على تحريم وطء المسبية والمملوكة قبل الاستبراء بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:(2\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "454",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "456",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة ثم خالفوا صريحه فقالوا: إن أعتقها وزوجها وقد وطئها البارحة حل للزوج أن يطأها الليلة. واحتجوا في ثبوت الحضانة للخالة بخبر بنت حمزة وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قضى بها لخالتها ثم خالفوه فقالوا: لو تزوجت الخالة بغير محرم للبنت كابن عمها سقطت حضانتها. واحتجوا على المنع من التفريق بين الأخوين بحديث علي في نهيه عن التفريق بينهما ثم خالفوه فقالوا: لا يرد المبيع إذا وقع كذلك وفي الحديث الأمر برده. واحتجوا على جريان القصاص بين المسلم والذمي بخبر روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقاد يهوديا من مسلم لطمه . ثم خالفوه فقالوا: لا قود في اللطمة والضربة لا بين مسلمين ولا بين مسلم وكافر واحتجوا على أنه لا قصاص بين العبد وسيده بقوله - صلى الله عليه وسلم -: من لطم عبده فهو حر ثم خالفوه فقالوا: لا يعتق بذلك واحتجوا أيضا بالحديث الذي فيه: من مثل بعبده عتق عليه فقالوا: لم يوجب عليه القود ثم قالوا: لا يعتق عليه. واحتجوا بحديث عمرو بن شعيب: في العين نصف الدية ثم خالفوه في عدة مواضع: منها قوله: وفي العين القائمة السادة لموضعها ثلث الدية  ومنها قوله: في السن السوداء ثلث الدية واحتجوا على جواز تفضيل بعض الأولاد على بعض بحديث النعمان بن بشير وفيه: أشهد على هذا غيري ثم خالفوه صريحا فإن في الحديث نفسه: إن هذا لا يصلح وفي لفظ: إني لا أشهد على جور فقالوا: بل هذا يصلح وليس بجور ولكل أحد أن يشهد عليه. واحتجوا على أن النجاسة تزول بغير الماء من المائعات بحديث: إذا وطئ أحدكم الأذى بنعليه فإن التراب لهما طهور ثم خالفوه فقالوا: لو وطئ العذرة بخفيه لم يطهرهما التراب. واحتجوا على جواز المسح على الجبيرة بحديث صاحب الشجة ثم خالفوه صريحا(2\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "455",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "457",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقالوا: لا يجمع بين الماء والتراب بل إما أن يقتصر على غسل الصحيح إن كان أكثر ولا يتيمم وإما أن يقتصر على التيمم إن كان الجريح أكثر ولا يغسل الصحيح. واحتجوا على جواز تولية أمراء أو حكام أو متولين مرتين واحدا بعد واحد بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: أميركم زيد فإن قتل فعبد الله بن رواحة فإن قتل فجعفر ثم خالفوا الحديث نفسه فقالوا: لا يصح تعليق الولاية بالشرط ونحن نشهد بالله أن هذه الولاية من أصح ولاية على وجه الأرض وأنها أصح من كل ولاياتهم من أولها إلى آخرها. واحتجوا على تضمين المتلف ما أتلفه ويملك هو ما أتلفه بحديث القصعة التي كسرتها إحدى أمهات المؤمنين فرد النبي - صلى الله عليه وسلم - على صاحبة القصعة نظيرتها  ثم خالفوه جهارا فقالوا: إنما يضمن بالدراهم والدنانير ولا يضمن بالمثل. واحتجوا على ذلك أيضا بخبر الشاة التي ذبحت بغير إذن صاحبها وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يردها على صاحبها ثم خالفوه صريحا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يملكها الذابح بل أمر بإطعامها الأسارى. واحتجوا في سقوط القطع بسرقة الفواكه وما يسرع إليه الفساد بخبر: لا قطع في ثمر ولا كثر ثم خالفوا الحديث نفسه في عدة مواضع: أحدها أن فيه: فإذا آواه إلى الجرين ففيه القطع وعندهم لا قطع فيه آواه إلى الجرين أو لم يؤوه الثاني أنه قال: إذا بلغ ثمن المجن وفي الصحيح أن ثمن المجن كان ثلاثة دراهم وعندهم لا يقطع في هذا القدر الثالث أنهم قالوا: ليس الجرين حرزا فلو سرق منه ثمرا يابسا ولم يكن هناك حافظ لم يقطع. واحتجوا في مسألة الآبق يأتي به الرجل أن له أربعين درهما بخبر فيه أن من جاء بآبق من خارج الحرم فله عشرة دراهم أو دينار  وخالفوه جهرة فأوجبوا أربعين. واحتجوا على خيار الشفعة على الفور بحديث ابن البيلماني: الشفعة كحل العقال ولا شفعة لصغير ولا لغائب ومن مثل به فهو حر فخالفوا جميع ذلك إلا قوله: الشفعة كحل العقال . واحتجوا على امتناع القود بين الأب والابن والسيد والعبد بحديث: لا يقاد والد بولده ولا سيد بعبده وخالفوا الحديث نفسه فإن تمامه: ومن مثل بعبده فهو حر . واحتجوا على أن الولد يلحق بصاحب الفراش دون الزاني بحديث ابن وليدة زمعة(2\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "456",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "458",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيه: الولد للفراش ثم خالفوا الحديث نفسه صريحا فقالوا: الأمة لا تكون فراشا وإنما كان هذا القضاء في أمة ومن العجب أنهم قالوا: إذا عقد على أمه وابنته وأخته ووطئها لم يحد للشبهة وصارت فراشا بهذا العقد الباطل المحرم وأم ولده وسريته التي يطؤها ليلا ونهارا ليست فراشا له ومن العجائب أنهم احتجوا على جواز صوم رمضان بنية ينشئها من النهار قبل الزوال بحديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: كان يدخل عليها فيقول: هل من غداء فتقول: لا فيقول: فإني صائم ثم قالوا: لو فعل ذلك في صوم التطوع لم يصح صومه والحديث إنما هو في التطوع نفسه. واحتجوا على المنع من بيع المدبر بأنه قد انعقد فيه سبب الحرية وفي بيعه إبطال لذلك وأجابوا عن بيع النبي - صلى الله عليه وسلم - المدبر بأنه قد باع خدمته. ثم قالوا: لا يجوز بيع خدمة المدبر أيضا. واحتجوا على إيجاب الشفعة في الأراضي والأشجار التابعة لها بقوله قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة في كل شرك في ربعة أو حائط ثم خالفوا نص الحديث نفسه فإن فيه: ولا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به فقالوا: يحل له أن يبيع قبل إذنه ويحل له أن يتحيل لإسقاط الشفعة وإن باع بعد إذن شريكه فهو أحق أيضا بالشفعة ولا أثر للاستئذان ولا لعدمه. واحتجوا على المنع من بيع الزيت بالزيتون إلا بعد العلم بأن ما في الزيتون من الزيت أقل من الزيت المفرد بالحديث الذي فيه النهي عن بيع اللحم بالحيوان ثم خالفوه نفسه فقالوا: يجوز بيع اللحم بالحيوان من نوعه وغير نوعه. واحتجوا على أن عطية المريض المنجزة كالوصية لا تنفذ إلا في الثلث بحديث عمران بن حصين أن رجلا أعتق ستة مملوكين عند موته لا مال له سواهم فجزأهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أجزاء وأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة . ثم خالفوه في موضعين فقالوا: لا يقرع بينهم ألبتة ويعتق من كل واحد سدسه. وهذا كثير جدا والمقصود أن التقليد حكم عليكم بذلك وقادكم إليه قهرا ولو حكمتم الدليل على التقليد لم تقعوا في مثل هذا فإن هذه الأحاديث إن كانت حقا وجب(2\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "457",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "459",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الانقياد لها والأخذ بما فيها وإن لم تكن صحيحة لم يؤخذ بشيء مما فيها فإما أن تصحح ويؤخذ بها فيما وافق قول المتبوع وتضعف أو ترد إذا خالفت قوله أو تؤول فهذا من أعظم الخطأ والتناقض. فإن قلتم: عارض ما خالفناه منها ما هو أقوى منه ولم يعارض ما وافقناه منها ما يوجب العدول عنه واطراحه. قيل: لا تخلو هذه الأحاديث وأمثالها أن تكون منسوخة أو محكمة فإن كانت منسوخة لم يحتج بمنسوخ ألبتة وإن كانت محكمة لم يجز مخالفة شيء منها ألبتة. فإن قيل: هي منسوخة فيما خالفناها فيه ومحكمة فيما وافقناها فيه. قيل: هذا مع أنه ظاهر البطلان يتضمن ما لا علم لمدعيه به [فمدعيه] قائل ما لا دليل له عليه فأقل ما فيه أن معارضا لو قلب عليه هذه الدعوى بمثلها سواء لكانت دعواه من جنس دعواه ولم يكن بينهما فرق ولا فرق وكلاهما مدع ما لا يمكنه إثباته فالواجب اتباع سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتحكيمها والتحاكم إليها حتى يقوم الدليل القاطع على نسخ المنسوخ منها أو نجمع الأمة على العمل بخلاف شيء منها وهذا الثاني محال قطعا فإن الأمة ولله الحمد لم تجمع على ترك العمل بسنة واحدة إلا سنة ظاهرة النسخ معلوم للأمة ناسخها وحينئذ يتعين العمل بالناسخ دون المنسوخ وأما أن تترك السنن لقول أحد من الناس فلا كائنا من كان وبالله التوفيق.  [خالف المقلدون أمر الله ورسوله وأئمتهم] الوجه العشرون: أن فرقة التقليد قد ارتكبت مخالفة أمر الله وأمر رسوله وهدي أصحابه وأحوال أئمتهم وسلكوا ضد طريق أهل العلم أما أمر الله فإنه أمر برد ما تنازع فيه المسلمون إليه وإلى رسوله والمقلدون قالوا: إنما نرده إلى من قلدناه وأما أمر رسوله فإنه - صلى الله عليه وسلم - أمر عند الاختلاف بالأخذ بسنته وسنة خلفائه الراشدين المهديين وأمر أن يتمسك بها ويعض عليها بالنواجذ وقال المقلدون: بل عند الاختلاف نتمسك بقول من قلدناه ونقدمه على كل ما عداه وأما هدي الصحابة فمن المعلوم بالضرورة أنه لم يكن فيهم شخص واحد يقلد رجلا واحدا في جميع أقواله ويخالف من عداه من الصحابة بحيث لا يرد من أقواله شيئا ولا يقبل من أقوالهم شيئا وهذا من أعظم البدع وأقبح الحوادث وأما مخالفتهم لأئمتهم فإن الأئمة نهوا عن تقليدهم وحذروا منه كما تقدم ذكر بعض ذلك عنهم.(2\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "458",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "460",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما سلوكهم ضد طريق أهل العلم فإن طريقهم طلب أقوال العلماء وضبطها والنظر فيها وعرضها على القرآن والسنن الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقوال خلفائه الراشدين فما وافق ذلك منهم قبلوه ودانوا الله به وقضوا به وأفتوا به وما خالف ذلك منها لم يلتفتوا إليه وردوه وما لم يتبين لهم كان عندهم من مسائل الاجتهاد التي غايتها أن تكون سائغة الاتباع لا واجبة الاتباع من غير أن يلزموا بها أحدا ولا يقولوا: إنها الحق دون ما خالفها هذه طريقة أهل العلم سلفا وخلفا وأما هؤلاء الخلف فعكسوا الطريق وقلبوا أوضاع الدين فزيفوا كتاب الله وسنة رسوله وأقوال خلفائه وأصحابه فعرضوها على أقوال من قلدوه فما وافقها منها قالوا لنا وانقادوا له مذعنين وما خالف أقوال متبوعهم منها قالوا: احتج الخصم بكذا وكذا ولم يقبلوه ولم يدينوا به. واحتال فضلاؤهم في ردها بكل ممكن وتطلبوا لها وجوه الحيل التي تردها حتى إذا كانت موافقة لمذاهبهم وكانت تلك الوجوه بعينها قائمة فيها شنعوا على منازعهم وأنكروا عليه ردها بتلك الوجوه بعينها وقالوا: لا ترد النصوص بمثل هذا ومن له همة تسمو إلى الله ومرضاته ونصر الحق الذي بعث الله به رسوله أين كان ومع من كان لا يرضى لنفسه بمثل هذا المسلك الوخيم والخلق الذميم. [ذم الله الذين فرقوا دينهم] الوجه الحادي والعشرون: إن الله سبحانه ذم الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون [المؤمنون: 53] وهؤلاء هم أهل التقليد بأعيانهم بخلاف أهل العلم فإنهم وإن اختلفوا لم يفرقوا دينهم ولم يكونوا شيعا بل شيعة واحدة متفقة على طلب الحق وإيثاره عند ظهوره وتقديمه على كل ما سواه فهم طائفة واحدة قد اتفقت مقاصدهم وطريقهم فالطريق واحد والقصد واحد والمقلدون بالعكس: مقاصدهم شتى وطرقهم مختلفة فليسوا مع الأئمة في القصد ولا في الطريق. [ذم الله الذين تقطعوا أمرهم زبرا] الوجه الثاني والعشرون: أن الله سبحانه ذم الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون والزبر: الكتب المصنفة التي رغبوا بها عن كتاب الله وما بعث الله به رسوله فقال تعالى: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم [المؤمنون: 51] وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون [المؤمنون: 52] فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون [المؤمنون: 53] فأمر تعالى الرسل بما أمر به أممهم: أن يأكلوا من(2\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "459",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "461",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطيبات وأن يعملوا صالحا وأن يعبدوه وحده وأن يطيعوا أمره وحده وأن لا يتفرقوا في الدين فمضت الرسل وأتباعهم على ذلك ممتثلين لأمر الله قابلين لرحمته حتى نشأت خلوف قطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب مما لديهم فرحون فمن تدبر هذه الآيات ونزلها على الواقع تبين له حقيقة الحال وعلم من أي الحزبين هو والله المستعان. الوجه الثالث والعشرون: أن الله سبحانه قال: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون [آل عمران: 104] فخص هؤلاء بالفلاح دون من عداهم والداعون إلى الخير هم الداعون إلى كتاب الله وسنة رسوله لا الداعون إلى رأي فلان وفلان. [ذم الله من أعرض عن التحاكم إليه] الوجه الرابع والعشرون: أن الله سبحانه ذم من إذا دعي إلى الله ورسوله أعرض ورضي بالتحاكم إلى غيره وهذا شأن أهل التقليد قال تعالى: وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا [النساء: 61] فكل من أعرض عن الداعي له إلى ما أنزل الله ورسوله إلى غيره فله نصيب من هذا الذم فمستكثر ومستقل. [الحق في واحد من الأقوال] الوجه الخامس والعشرون: أن يقال لفرقة التقليد: quot; دين الله عندكم واحد وهو في القول وضده فدينه هو الأقوال المختلفة المتضادة التي يناقض بعضها بعضا ويبطل بعضها بعضا كلها دين الله quot; فإن قالوا: quot; بلى هذه الأقوال المتضادة المتعارضة التي يناقض بعضها بعضا كلها دين الله quot; خرجوا عن نصوص أئمتهم فإن جميعهم على أن الحق في واحد من الأقوال كما أن القبلة في جهة من الجهات وخرجوا عن نصوص القرآن والسنة والمعقول الصريح وجعلوا دين الله تابعا لآراء الرجال. وإن قالوا: quot; الصواب الذي لا صواب غيره أن دين الله واحد وهو ما أنزل الله به كتابه وأرسل به رسوله وارتضاه لعباده كما أن نبيه واحد وقبلته واحدة فمن وافقه فهو المصيب وله أجران ومن أخطأه فله أجر واحد على اجتهاده لا على خطئه quot;. قيل لهم: فالواجب إذا طلب الحق وبذل الاجتهاد في الوصول إليه بحسب الإمكان لأن الله سبحانه أوجب على الخلق تقواه بحسب الاستطاعة. وتقواه: فعل ما أمر(2\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "460",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "462",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به وترك ما نهى عنه فلا بد أن يعرف العبد ما أمر به ليفعله وما نهي عنه ليجتنبه وما أبيح له ليأتيه. ومعرفة هذا لا تكون إلا بنوع اجتهاد وطلب وتحر للحق فإذا لم يأت بذلك فهو في عهدة الأمر ويلقى الله ولما يقض ما أمره. [دعوة رسول الله عامة] الوجه السادس والعشرون: أن دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عامة لمن كان في عصره ولمن يأتي بعده إلى يوم القيامة والواجب على من بعد الصحابة هو الواجب عليهم بعينه وإن تنوعت صفاته وكيفياته باختلاف الأحوال. ومن المعلوم بالاضطرار أن الصحابة لم يكونوا يعرضون ما يسمعون منه - صلى الله عليه وسلم - على أقوال علمائهم بل لم يكن لعلمائهم قول غير قوله ولم يكن أحد منهم يتوقف في قبول ما سمعه منه على موافقة موافق أو رأي ذي رأي أصلا وكان هذا هو الواجب الذي لا يتم الإيمان إلا به وهو بعينه الواجب علينا وعلى سائر المكلفين إلى يوم القيامة. ومعلوم أن هذا الواجب لم ينسخ بعد موته ولا هو مختص بالصحابة فمن خرج عن ذلك فقد خرج عن نفس ما أوجبه الله ورسوله.  [أقوال العلماء وآراءهم لا تنضبط ولا تنحصر] [الأقوال لا تنحصر وقائلوها غير معصومين] الوجه السابع والعشرون: أن أقوال العلماء وآراءهم لا تنضبط ولا تنحصر ولم تضمن لها العصمة إلا إذا اتفقوا ولم يختلفوا فلا يكون اتفاقهم إلا حقا ومن المحال أن يحيلنا الله ورسوله على ما لا ينضبط ولا ينحصر ولم يضمن لنا عصمته من الخطأ ولم يقم لنا دليلا على أن أحد القائلين أولى بأن نأخذ قوله كله من الآخر بل يترك قول هذا كله ويؤخذ قول هذا كله. هذا محال أن يشرعه الله أو يرضى به إلا إذا كان أحد القائلين رسولا والآخر كاذبا على الله فالفرض حينئذ ما يعتمده هؤلاء المقلدون مع متبوعهم ومخالفيهم. [العلم يقال] الوجه الثامن والعشرون: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ وأخبر أن العلم يقل فلا بد من وقوع ما أخبر به الصادق ومعلوم أن كتب المقلدين قد طبقت شرق الأرض وغربها ولم تكن في وقت قط أكثر منها في هذا الوقت. ونحن نراها في كل عام في ازدياد وكثرة والمقلدون يحفظون منها ما يمكن حفظه بحروفه وشهرتها في الناس خلاف الغربة بل هي المعروف الذي لا يعرفون غيره فلو كانت هي العلم الذي بعث الله به رسوله لكان الدين كل وقت في ظهور وزيادة والعلم في شهرة وظهور وهو خلاف ما أخبر به الصادق.(2\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "461",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "463",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه التاسع والعشرون: أن الاختلاف كثير في كتب المقلدين وأقوالهم وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه بل هو حق يصدق بعضه بعضا ويشهد بعضه لبعض وقد قال تعالى: ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [النساء: 82] . الوجه الثلاثون: أنه لا يجب على العبد أن يقلد زيدا دون عمرو بل يجوز له الانتقال من تقليد هذا إلى تقليد الآخر عند المقلدين فإن كان قول من قلده أولا هو الحق لا سواه فقد جوزتم له الانتقال عن الحق إلى خلافه وهذا محال. وإن كان الثاني هو الحق وحده فقد جوزتم الإقامة على خلاف الحق. وإن قلتم: quot; القولان المتضادان المتناقضان حق quot; فهو أشد إحالة ولا بد لكم من قسم من هذه الأقسام الثلاثة. الوجه الحادي والثلاثون: أن يقال للمقلد: بأي شيء عرفت أن الصواب مع من قلدته دون من لا تقلده فإن قال quot; عرفته بالدليل quot; فليس بمقلد وإن قال: quot; عرفته تقليدا له فإنه أفتى بهذا القول ودان به وعلمه ودينه وحسن ثناء الأمة عليه يمنعه أن يقول غير الحق quot; قيل له: أفمعصوم هو عندك أم يجوز عليه الخطأ فإن قال بعصمته أبطل وإن جوز عليه الخطأ قيل له: فما يؤمنك أن يكون قد أخطأ فيما قلدته فيه وخالف فيه غيره فإن قال: وإن أخطأ فهو مأجور قيل: أجل هو مأجور لاجتهاده وأنت غير مأجور لأنك لم تأت بموجب الأجر بل قد فرطت في الاتباع الواجب فأنت إذا مأزور. فإن قال: كيف يأجره الله على ما أفتى به ويمدحه عليه ويذم المستفتي على قبوله منه وهل يعقل هذا قيل له: المستفتي إن هو قصر وفرط في معرفته الحق مع قدرته عليه لحقه الذم والوعيد وإن بذل جهده ولم يقصر فيما أمر به واتقى الله ما استطاع فهو مأجور أيضا وإن بذل جهده ولم يقصر فيما أمر به واتقى الله ما استطاع فهو مأجور أيضا. وأما المتعصب الذي جعل قول متبوعه عيارا على الكتاب والسنة وأقوال الصحابة يزنها به فما وافق قول متبوعه منها قبله وما خالفه رده فهذا إلى الذم والعقاب أقرب منه إلى الأجر والصواب وإن قال وهو الواقع: اتبعته وقلدته ولا أدري أعلى صواب هو أم لا فالعهدة على القائل وأنا حاك لأقواله قيل له: فهل تتخلص بهذا من الله عند السؤال لك عما حكمت به بين عباد الله وأفتيتهم به فوالله إن للحكام والمفتين لموقفا للسؤال لا يتخلص فيه إلا من عرف الحق وحكم به وأفتى به وأما من عداهما فسيعلم عند انكشاف الحال أنه لم يكن على شيء.  [علة إيثار قول على قول] [ما علة إيثار قول على قول] : الوجه الثاني والثلاثون: أن نقول: أخذتم بقول فلان لأن فلانا قاله أو لأن(2\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "462",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "464",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاله فإن قلتم quot; لأن فلانا قاله quot; جعلتم قول فلان حجة وهذا عين الباطل وإن قلتم: quot; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاله quot; كان هذا أعظم وأقبح فإنه مع تضمنه للكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقويلكم عليه ما لم يقله وهو أيضا كذب على المتبوع فإنه لم يقل هذا قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد دار قولكم بين أمرين لا ثالث لهما: إما جعل قول غير المعصوم حجة وإما تقويل المعصوم ما لم يقله ولا بد من واحد من الأمرين فإن قلتم: quot; بل منهما بد وبقي قسم ثالث وهو أنا قلنا كذا لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا أن نتبع من هو أعلم منا ونسأل أهل الذكر إن كنا لا نعلم ونرد ما لم نعلمه إلى استنباط أولي العلم فنحن في ذلك متبعون ما أمرنا به نبينا quot; قيل: وهل ندندن إلا حول اتباع أمره - صلى الله عليه وسلم - فحيهلا بالموافقة على هذا الأصل الذي لا يتم الإيمان والإسلام إلا به فنناشدكم بالذي أرسله إذا جاء أمره وجاء قول من قلدتموه هل تتركون قوله لأمره - صلى الله عليه وسلم - وتضربون به الحائط وتحرمون الأخذ به والحالة هذه حتى تتحقق المتابعة كما زعمتم أم تأخذون بقوله وتفوضون أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الله وتقولون: هو أعلم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - منا ولم يخالف هذا الحديث إلا وهو عنده منسوخ أو معارض بما هو أقوى منه أو غير صحيح عنده فتجعلون قول المتبوع محكما وقول الرسول متشابها فلو كنتم قائلين بقوله لكون الرسول أمركم بالأخذ بقوله لقدمتم قول الرسول أين كان. ثم نقول في الوجه الثالث والثلاثين: وأين أمركم الرسول بأخذ قول واحد من الأمة بعينه وترك قول نظيره ومن هو أعلم منه وأقرب إلى الرسول وهل هذا إلا نسبة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أنه أمر بما لم يأمر به قط يوضحه الوجه الرابع والثلاثون: أن ما ذكرتم بعينه حجة عليكم فإن الله سبحانه أمر بسؤال أهل الذكر والذكر هو القرآن والحديث الذي أمر الله نساء نبيه أن يذكرنه بقوله واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة [الأحزاب: 34] فهذا هو الذكر الذي أمرنا الله باتباعه وأمر من لا علم عنده أن يسأل أهله وهذا هو الواجب على كل أحد أن يسأل أهل العلم بالذكر الذي أنزله على رسوله ليخبروه به فإذا أخبروه به لم يسعه غير اتباعه وهذا كان شأن أئمة أهل العلم لم يكن لهم مقلد معين يتبعونه في كل ما قال فكان عبد الله بن عباس يسأل الصحابة عما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو فعله أو سنه لا يسألهم عن غير ذلك وكذلك الصحابة كانوا يسألون أمهات المؤمنين خصوصا عائشة عن فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيته وكذلك التابعون كانوا يسألون الصحابة عن شأن نبيهم فقط وكذلك أئمة الفقه كما قال الشافعي لأحمد: يا أبا عبد الله أنت أعلم بالحديث مني فإذا(2\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "463",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "465",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صح الحديث فأعلمني حتى أذهب إليه شاميا كان أو كوفيا أو بصريا ولم يكن أحد من أهل العلم قط يسأل عن رأي رجل بعينه ومذهبه فيأخذ به وحده ويخالف له ما سواه. الوجه الخامس والثلاثون: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أرشد المستفتين كصاحب الشجة بالسؤال عن حكمه وسنته فقال قتلوه قتلهم الله فدعا عليهم لما أفتوا بغير علم وفي هذا تحريم الإفتاء بالتقليد فإنه ليس علما باتفاق الناس فإن ما دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فاعله فهو حرام وذلك أحد أدلة التحريم فما احتج به المقلدون هو من أكبر الحجج عليهم والله الموفق وكذلك سؤال أبي العسيف الذي زنى بامرأة مستأجره لأهل العلم فإنهم لما اخبروه بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في البكر الزاني أقره على ذلك ولم ينكره فلم يكن سؤالهم عن رأيهم ومذاهبهم.  [تقليد الصحابة بعضهم بعضا] [لم يكن عمر يقلد أبا بكر] الوجه السادس والثلاثون: قولهم: إن عمر قال في الكلالة إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر وهذا تقليد منه له فجوابه من خمسة أوجه أحدها: أنهم اختصروا الحديث وحذفوا منه ما يبطل استدلالهم ونحن نذكره بتمامه. قال شعبة عن عاصم الأحول عن الشعبي إن أبا بكر قال في الكلالة quot; أقضي فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله منه بريء هو ما دون الولد والوالد quot;. فقال عمر بن الخطاب: quot; إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر quot; فاستحى عمر من مخالفة أبي بكر في اعترافه بجواز الخطأ عليه وأنه ليس كلامه كله صوابا مأمونا عليه الخطأ ويدل على ذلك أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أقر عند موته أنه لم يقض في الكلالة بشيء وقد اعترف أنه لم يفهمها الوجه الثاني: أن خلاف عمر لأبي بكر أشهر من أن يذكر كما خالفه في سبي أهل الردة فسباهم أبو بكر وخالفه عمر وبلغ خلافه إلى أن ردهن حرائر إلى أهلهن إلا من ولدت لسيدها منهن ونقض حكمه ومن جملتهن خولة الحنفية أم محمد بن علي فأين هذا من فعل المقلدين بمتبوعهم  وخالفه في أرض العنوة فقسمها أبو بكر ووقفها عمر وخالفه في المفاضلة في العطاء فرأى أبو بكر التسوية ورأى عمر المفاضلة ومن ذلك مخالفته له في الاستخلاف وصرح بذلك فقال: إن أستخلف فقد استخلف أبو بكر وإن لم أستخلف فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يستخلف. قال ابن عمر: فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلمت أنه لا يعدل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدا وأنه غير مستخلف فهكذا يفعل أهل العلم حين تتعارض عندهم سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقول غيره لا يعدلون بالسنة شيئا سواها لا كما يصرح به المقلدون صراحا وخلافه له في الجد والإخوة معلوم أيضا.(2\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "464",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "466",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالث: أنه لو قدر تقليد عمر لأبي بكر في كل ما قاله لم يكن في ذلك مستراح لمقلدي من هو بعد الصحابة والتابعين ممن لا يداني الصحابة ولا يقاربهم فإن كان كما زعمتم لكم أسوة بعمر فقلدوا أبا بكر واتركوا تقليد غيره والله ورسوله وجميع عباده يحمدونكم على هذا التقليد ما لا يحمدونكم على تقليد غير أبي بكر. الرابع: أن المقلدين لأئمتهم لم يستحيوا مما استحيا منه عمر لأنهم يخالفون أبا بكر وعمر معه - ولا يستحيون من ذلك - لقول من قلدوه من الأئمة بل قد صرح بعض غلاتهم في بعض كتبه الأصولية أنه لا يجوز تقليد أبي بكر وعمر ويجب تقليد الشافعي. فيا لله العجب الذي أوجب تقليد الشافعي حرم عليكم تقليد أبي بكر وعمر ونحن نشهد الله علينا شهادة نسأل عنها يوم نلقاه أنه إذا صح عن الخليفتين الراشدين اللذين أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باتباعهما والاقتداء بهما قول وأطبق أهل الأرض على خلافه لم يلتفت إلى أحد منهم. ونحمد الله أن عافانا مما ابتلى به من حرم تقليدهما وأوجب تقليد متبوعه من الأئمة. وبالجملة فلو صح تقليد عمر لأبي بكر لم يكن في ذلك راحة لمقلدي من لم يأمر الله ولا رسوله بتقليده ولا جعله عيارا على كتابه وسنة نبيه ولا هو جعل نفسه كذلك. الخامس: أن غاية هذا أن يكون عمر قد قلد أبا بكر في مسألة واحدة فهل في هذا دليل على جواز اتخاذ أقوال رجل بعينه بمنزلة نصوص الشارع لا يلتفت إلى قول من سواه بل ولا إلى نصوص الشارع إلا إذا وافقت نصوص قوله  فهذا والله هو الذي أجمعت الأمة على أنه محرم في دين الله ولم يظهر في الأمة إلا بعد انقراض القرون الفاضلة. الوجه السابع والثلاثون: قولهم: إن عمر قال لأبي بكر: رأينا لرأيك تبع فالظاهر أن المحتج بهذا سمع الناس يقولون كلمة تكفي العاقل فاقتصر من الحديث على هذه الكلمة واكتفى بها والحديث من أعظم الأشياء إبطالا لقوله ففي صحيح البخاري عن طارق بن شهاب قال: جاء وفد بزاخة من أسد وغطفان إلى أبي بكر يسألون الصلح فخيرهم بين الحرب المجلية والسلم المخزية فقالوا: هذه المجلية قد عرفناها فما المخزية قال: ننزع منكم الحلقة والكراع ونغنم ما أصبنا لكم وتردون لنا ما أصبتم منا وتدون لنا قتلانا وتكون قتلاكم في النار وتتركون أقواما يتبعون أذناب الإبل حتى يري الله خليفة رسوله والمهاجرين أمرا يعذرونكم به فعرض أبو بكر ما قال على القوم فقام عمر بن الخطاب فقال: قد رأيت رأيا سنشير عليك: أما ما ذكرت من الحرب المجلية والسلم المخزية فنعم ما ذكرت وما ذكرت من أن نغنم ما أصبنا منكم وتردون ما أصبتم منا فنعم ما ذكرت وأما ما ذكرت من أن تدون قتلانا وتكون قتلاكم في النار فإن قتلانا قاتلت فقتلت(2\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "465",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "467",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على ما أمر الله أجورها على الله ليس لها ديات فتتابع القوم على ما قال عمر فهذا هو الحديث الذي في بعض ألفاظه قد رأيت رأيا ورأينا لرأيك تبع فأي مستراح في هذا لفرقة التقليد  [لم يكن ابن مسعود يقلد عمر] الوجه الثامن والثلاثون: قولهم إن ابن مسعود كان يأخذ بقول عمر فخلاف ابن مسعود لعمر أشهر من أن يتكلف إيراده وإنما كان يوافقه كما يوافق العالم العالم وحتى لو أخذ بقوله تقليدا لعمر فإنما ذلك في نحو أربع مسائل نعدها وكان من عماله وكان عمر أمير المؤمنين وأما مخالفته له ففي نحو مائة مسألة: منها أن ابن مسعود صح عنه أن أم الولد تعتق من نصيب ولدها ومنها: أنه كان يطبق في الصلاة إلى أن مات وعمر كان يضع يديه على ركبتيه ومنها: أن ابن مسعود كان يقول في الحرام: هي يمين وعمر يقول: طلقة واحدة ومنها أن ابن مسعود كان يحرم نكاح الزانية على الزاني أبدا وعمر كان يتوبهما وينكح أحدهما الآخر ومنها أن ابن مسعود كان يرى بيع الأمة طلاقها وعمر يقول: لا تطلق بذلك إلى قضايا كثيرة. والعجب أن المحتجين بهذا لا يرون تقليد ابن مسعود ولا تقليد عمر وتقليد مالك وأبي حنيفة والشافعي أحب إليهم وآثر عندهم ثم كيف ينسب إلى ابن مسعود تقليد الرجال وهو يقول: لقد علم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني أعلمهم بكتاب الله ولو أعلم أن أحدا أعلم مني لرحلت إليه. قال شقيق: فجلست في حلقة من أصحاب رسول الله فما سمعت أحدا يرد ذلك عليه وكان يقول: والذي لا إله إلا هو ما من كتاب الله سورة إلا وأنا أعلم حيث نزلت وما من آية إلا وأنا أعلم فيما أنزلت ولو أعلم أحدا هو أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه. وقال أبو موسى الأشعري: كنا حينا وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - من كثرة دخولهم ولزومهم له. وقال أبو مسعود البدري: وقد قام عبد الله بن مسعود: ما أعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك بعده أعلم بما أنزل الله من هذا القائم فقال أبو موسى: لقد كان يشهد إذا ما غبنا ويؤذن له إذا ما حجبنا. وكتب عمر إلى أهل الكوفة: إني بعثت إليكم عمارا أميرا وعبد الله معلما ووزيرا وهما من النجباء من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - من أهل بدر فخذوا عنهما واقتدوا بهما فإني آثرتكم بعبد الله على نفسي وقد صح عن ابن عمر أنه استفتى ابن مسعود في quot; ألبتة quot; وأخذ بقوله ولم يكن ذلك تقليدا له بل لما سمع قوله فيها تبين له أنه الصواب فهذا هو الذي كان يأخذ به الصحابة(2\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "466",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "468",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من أقوال بعضهم بعضا وقد صح عن ابن مسعود أنه قال: اغد عالما أو متعلما ولا تكونن إمعة فأخرج الإمعة - وهو المقلد - من زمرة العلماء والمتعلمين وهو كما قال - رضي الله عنه - فإنه لا مع العلماء ولا مع المتعلمين للعلم والحجة كما هو معروف ظاهر لمن تأمله. [لم يكن الصحابة يقلد بعضهم بعضا] الوجه التاسع والثلاثون: قولهم إن عبد الله كان يدع قوله لقول عمر وأبو موسى كان يدع قوله لقول علي وزيد يدع قوله لقول أبي بن كعب فجوابه أنهم لم يكونوا يدعون ما يعرفون من السنة تقليدا لهؤلاء الثلاثة كما تفعله فرقة التقليد بل من تأمل سيرة القوم رأى أنهم كانوا إذا ظهرت لهم السنة لم يكونوا يدعونها لقول أحد كائنا من كان وكان ابن عمر يدع قول عمر إذا ظهرت له السنة وابن عباس ينكر على من يعارض ما بلغه من السنة بقوله: قال أبو بكر وعمر ويقول: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقولون: قال أبو بكر وعمر فرحم الله ابن عباس ورضي عنه فوالله لو شاهد خلفنا هؤلاء الذين إذا قيل لهم: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا: قال فلان وفلان لمن لا يداني الصحابة ولا قريبا من قريب وإنما كانوا يدعون أقوالهم لأقوال هؤلاء لأنهم يقولون القول ويقول هؤلاء فيكون الدليل معهم فيرجعون إليهم ويدعون أقوالهم كما يفعل أهل العلم الذين هو أحب إليهم مما سواه وهذا عكس طريقة فرقة أهل التقليد من كل وجه وهذا هو الجواب عن قول مسروق: ما كنت أدع قول ابن مسعود لقول أحد من الناس. [معنى أمر رسول الله باتباع معاذ] الوجه الأربعون: قولهم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قد سن لكم معاذ فاتبعوه فعجبا لمحتج بهذا على تقليد الرجال في دين الله وهل صار ما سنه معاذ سنة إلا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: quot; فاتبعوه quot; كما صار الأذان سنة بقوله - صلى الله عليه وسلم - وإقراره وشرعه لا بمجرد المنام. فإن قيل: فما معنى الحديث قيل: معناه أن معاذا فعل فعلا جعله الله لكم سنة وإنما صار سنة لنا حين أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - لا لأن معاذا فعله فقط وقد صح عن معاذ أنه قال: كيف تصنعون بثلاث: دنيا تقطع أعناقكم وزلة عالم وجدال منافق بالقرآن فأما العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم وإن افتتن فلا تقطعوا منه إياسكم فإن المؤمن يفتتن ثم يتوب وأما القرآن فإن له منارا كمنار الطريق لا يخفى على أحد فما علمتم منه فلا تسألوا عنه أحدا. وما لم تعلموه فكلوه إلى عالمه وأما الدنيا فمن جعل الله غناه في قلبه فقد أفلح ومن لا فليست بنافعته دنياه فصدع(2\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "467",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "469",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "- رضي الله عنه - بالحق ونهى عن التقليد في كل شيء وأمر باتباع ظاهر القرآن وأن لا يبالي بمن خالف فيه وأمر بالتوقف فيما أشكل وهذا كله خلاف طريقة المقلدين وبالله التوفيق.  [طاعة أولي الأمر] الوجه الحادي والأربعون: قولكم إن الله سبحانه أمر بطاعة أولي الأمر وهم العلماء وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به فجوابه أن أولي الأمر قد قيل: هم الأمراء وقيل: هم العلماء وهما روايتان عن الإمام أحمد والتحقيق أن الآية تتناول الطائفتين وطاعتهم من طاعة الرسول لكن خفي على المقلدين أنهم إنما يطاعون في طاعة الله إذا أمروا بأمر الله ورسوله فكان العلماء مبلغين لأمر الرسول والأمراء منفذين له فحينئذ تجب طاعتهم تبعا لطاعة الله ورسوله فأين في الآية تقديم آراء الرجال على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإيثار التقليد عليها  الوجه الثاني والأربعون: أن هذه الآية من أكبر الحجج عليهم وأعظمها إبطالا للتقليد وذلك من وجوه أحدها: الأمر بطاعة الله التي هي امتثال أمره واجتناب نهيه الثاني: طاعة رسوله ولا يكون العبد مطيعا لله ورسوله حتى يكون عالما بأمر الله ورسوله ومن أقر على نفسه بأنه ليس من أهل العلم بأوامر الله ورسوله وإنما هو مقلد فيها لأهل العلم لم يمكنه تحقيق طاعة الله ورسوله ألبتة الثالث: أن أولي الأمر قد نهوا عن تقليدهم كما صح ذلك عن معاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وغيرهم من الصحابة وذكرناه نصا عن الأئمة الأربعة وغيرهم وحينئذ فطاعتهم في ذلك إن كانت واجبة بطل التقليد وإن لم تكن واجبة بطل الاستدلال الرابع: أنه سبحانه قال في الآية نفسها: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر [النساء: 59] وهذا صريح في إبطال التقليد والمنع من رد المتنازع فيه إلى رأي أو مذهب أو تقليد. فإن قيل: فما هي طاعتهم المختصة بهم إذ لو كانوا إنما يطاعون فيما يخبرون به عن الله ورسوله كانت الطاعة لله ورسوله لا لهم قيل: وهذا هو الحق وطاعتهم إنما هي تبع لا استقلال ولهذا قرنها بطاعة الرسول ولم يعد العامل وأفرد طاعة الرسول وأعاد العامل لئلا يتوهم أنه إنما يطاع تبعا كما يطاع(2\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "468",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "470",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أولو الأمر تبعا وليس كذلك بل طاعته واجبة استقلالا سواء كان ما أمر به ونهى عنه في القرآن أو لم يكن. [الثناء على التابعين ومعنى كونهم تابعين] الوجه الثالث والأربعون: قولهم: إن الله - سبحانه وتعالى - أثنى على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وتقليدهم هو اتباعهم بإحسان فما أصدق المقدمة الأولى وما أكذب الثانية بل الآية من أعظم الأدلة ردا على فرقة التقليد فإن اتباعهم هو سلوك سبيلهم ومنهاجهم وقد نهوا عن التقليد وكون الرجل إمعة وأخبروا أنه ليس من أهل البصيرة ولم يكن فيهم - ولله الحمد - رجل واحد على مذهب هؤلاء المقلدين وقد أعاذهم الله وعافاهم مما ابتلى به من يرد النصوص لآراء الرجال وتقليدها فهذا ضد متابعتهم وهو نفس مخالفتهم فالتابعون لهم بإحسان حقا هم أولو العلم والبصائر الذين لا يقدمون على كتاب الله وسنة رسوله رأيا ولا قياسا ولا معقولا ولا قول أحد من العالمين ولا يجعلون مذهب أحد عيارا على القرآن والسنن فهؤلاء أتباعهم حقا جعلنا الله منهم بفضله ورحمته. [من هم أتباع الأئمة] يوضحه الوجه الرابع والأربعون: أن أتباعهم لو كانوا هم المقلدين الذين هم مقرون على أنفسهم وجميع أهل العلم أنهم ليسوا من أولي العلم لكان سادات العلماء الدائرون مع الحجة ليسوا من أتباعهم والجهال أسعد بأتباعهم منهم وهذا عين المحال بل من خالف واحدا منهم للحجة فهو المتبع له دون من أخذ قوله بغير حجة وهكذا القول في أتباع الأئمة - رضي الله عنهم - معاذ الله أن يكونوا هم المقلدين لهم الذين ينزلون آراءهم منزلة النصوص بل يتركون لها النصوص فهؤلاء ليسوا من أتباعهم وإنما أتباعهم من كان على طريقتهم واقتفى منهاجهم. ولقد أنكر بعض المقلدين على شيخ الإسلام في تدريسه بمدرسة ابن الحنبلي وهي وقف على الحنابلة والمجتهد ليس منهم فقال: إنما أتناول ما أتناوله منها على معرفتي بمذهب أحمد لا على تقليدي له ومن المحال أن يكون هؤلاء المتأخرون على مذهب الأئمة دون أصحابهم الذين لم يكونوا يقلدونهم فأتبع الناس لمالك ابن وهب وطبقته ممن يحكم الحجة وينقاد للدليل أين كان وكذلك أبو يوسف ومحمد أتبع لأبي حنيفة من المقلدين له مع كثرة مخالفتهما له وكذلك البخاري ومسلم وأبو داود والأثرم وهذه الطبقة(2\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "469",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "471",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من أصحاب أحمد أتبع له من المقلدين المحض المنتسبين إليه وعلى هذا فالوقف على أتباع الأئمة أهل الحجة والعلم أحق به من المقلدين في نفس الأمر. [الكلام على حديث أصحابي كالنجوم] . الوجه الخامس والأربعون: قولهم: يكفي في صحة التقليد الحديث المشهور: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم جوابه من وجوه: أحدها: أن هذا الحديث قد روي من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ومن حديث سعيد بن المسيب عن ابن عمر ومن طريق حمزة الجزري عن نافع عن ابن عمر ولا يثبت شيء منها. قال ابن عبد البر: حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد أن أبا عبد الله بن مفرح حدثهم ثنا محمد بن أيوب الصموت قال: قال لنا البزار: وأما ما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم فهذا الكلام لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. الثاني: أن يقال لهؤلاء المقلدين: فكيف استجزتم ترك تقليد النجوم التي يهتدى بها وقلدتم من هو دونهم بمراتب كثيرة فكان تقليد مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد آثر عندكم من تقليد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي فما دل عليه الحديث خالفتموه صريحا واستدللتم به على تقليد من لم يتعرض له بوجه. الثالث: أن هذا يوجب عليكم تقليد من ورث الجد مع الإخوة منهم ومن أسقط الإخوة به معا وتقليد من قال: الحرام يمين ومن قال: هو طلاق وتقليد من حرم الجمع بين الأختين بملك اليمين ومن أباحه وتقليد من جوز للصائم أكل البرد ومن منع منه وتقليد من قال: تعتد المتوفى عنها بأقصى الأجلين ومن قال: بوضع الحمل وتقليد من قال: يحرم على المحرم استدامة الطيب وتقليد من أباحه وتقليد من جوز بيع الدرهم بالدرهمين وتقليد من حرمه وتقليد من أوجب الغسل من الإكسال وتقليد من أسقطه وتقليد من ورث ذوي الأرحام ومن أسقطهم وتقليد من رأى التحريم برضاع الكبير ومن لم يره وتقليد من منع تيمم الجنب ومن أوجبه وتقليد من رأى الطلاق الثلاث واحدا ومن رآه ثلاثا وتقليد من أوجب فسخ الحج إلى العمرة ومن منع منه وتقليد من أباح لحوم الحمر الأهلية ومن منع منها وتقليد من رأى النقض بمس الذكر ومن لم يره وتقليد من رأى بيع الأمة طلاقها ومن لم يره وتقليد من وقف المولي عند الأجل ومن لم يقفه وأضعاف أضعاف ذلك مما اختلف فيه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن سوغتم هذا فلا تحتجوا لقول على قول ومذهب على مذهب بل اجعلوا الرجل مخيرا في الأخذ بأي قول شاء من أقوالهم ولا تنكروا على من خالف مذهبكم واتبع قول أحدهم وإن لم تسوغوه فأنتم أول مبطل لهذا الحديث ومخالف له وقائل بضد مقتضاه وهذا مما لا انفكاك لكم منه.(2\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "470",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "472",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرابع: أن الاقتداء بهم هو اتباع القرآن والسنة والقبول من كل من دعا إليهما منهم فإن الاقتداء بهم يحرم عليكم التقليد ويوجب الاستدلال وتحكيم الدليل كما كان عليه القوم - رضي الله عنهم - وحينئذ فالحديث من أقوى الحجج عليكم وبالله التوفيق. [الصحابة هم الذين أمرنا بالاستنان بهم] الوجه السادس والأربعون: قولكم: قال عبد الله بن مسعود من كان مستنا منكم فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد فهذا من أكبر الحجج عليكم من وجوه: فإنه نهى عن الاستنان بالأحياء وأنتم تقلدون الأحياء والأموات. الثاني: أنه عين المستن بهم بأنهم خير الخلق وأبر الأمة وأعلمهم وهم الصحابة - رضي الله عنهم - وأنتم - معاشر المقلدين - لا ترون تقليدهم ولا الاستنان بهم وإنما ترون تقليد فلان وفلان ممن هو دونهم بكثير. الثالث: أن الاستنان بهم هو الاقتداء بهم وهو بأن يأتي المقتدي بمثل ما أتوا به ويفعل كما فعلوا وهذا يبطل قبول قول أحد بغير حجة كما كان الصحابة عليه. الرابع: أن ابن مسعود قد صح عنه النهي عن التقليد وأن يكون الرجل إمعة لا بصيرة له فعلم أن الاستنان عنده غير التقليد. الوجه السابع والأربعون: قولكم قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي وقال: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر فهذا من أكبر حججنا عليكم في بطلان ما أنتم عليه من التقليد فإنه خلاف سنتهم ومن المعلوم بالضرورة أن أحدا منهم لم يكن يدع السنة إذا ظهرت لقول غيره كائنا من كان ولم يكن له معها قول ألبتة وطريقة فرقة التقليد خلاف ذلك. يوضحه الوجه الثامن والأربعون: أنه - صلى الله عليه وسلم - قرن سنتهم بسنته في وجوب الاتباع والأخذ بسنتهم ليس تقليدا لهم بل اتباع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما أن الأخذ بالأذان لم يكن تقليدا لمن رآه في المنام. والأخذ بقضاء ما فات المسبوق من صلاته بعد سلام الإمام لم يكن تقليدا لمعاذ بل اتباعا لما أمرنا بالأخذ بذلك فأين التقليد الذي أنتم عليه من هذا يوضحه الوجه التاسع والأربعون: أنكم أول مخالف لهذين الحديثين فإنكم لا ترون الأخذ بسنتهم ولا الاقتداء بهم واجبا وليس قولهم عندكم حجة وقد صرح بعض غلاتكم بأنه لا يجوز تقليدهم ويجب تقليد الشافعي فمن العجائب احتجاجكم بشيء أنتم أشد الناس خلافا له وبالله التوفيق. يوضحه الوجه الخمسون: أن الحديث بجملته حجة عليكم من كل وجه فإنه أمر(2\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "471",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "473",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عند كثرة الاختلاف بسنته وسنة خلفائه وأمرتم أنتم برأي فلان ومذهب فلان. الثاني: أنه حذر من محدثات الأمور وأخبر أن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ومن المعلوم بالاضطرار أن ما أنتم عليه من التقليد الذي ترك له كتاب الله وسنة رسوله ويعرض القرآن والسنة عليه ويجعل معيارا عليهما من أعظم المحدثات والبدع التي برأ الله سبحانه القرون التي فضلها وخيرها على غيرها. وبالجملة فما سنه الخلفاء الراشدون أو أحدهم للأمة فهو حجة لا يجوز العدول عنها فأين هذا من قول فرقة التقليد: ليست سنتهم حجة ولا يجوز تقليدهم فيها .  [أخبر الرسول أنه سيحدث اختلاف كثير] يوضحه الوجه الحادي والخمسون: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال في نفس هذا الحديث: فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا وهذا ذم للمختلفين وتحذير من سلوك سبيلهم وإنما كثر الاختلاف وتفاقم أمره بسبب التقليد وأهله وهم الذين فرقوا الدين وصيروا أهله شيعا كل فرقة تنصر متبوعها وتدعو إليه وتذم من خالفها ولا يرون العمل بقولهم حتى كأنهم ملة أخرى سواهم يدأبون ويكدحون في الرد عليهم ويقولون: كتبهم وكتبنا وأئمتهم وأئمتنا ومذهبهم ومذهبنا. هذا والنبي واحد والقرآن واحد والدين واحد والرب واحد فالواجب على الجميع أن ينقادوا إلى كلمة سواء بينهم كلهم وأن لا يطيعوا إلا الرسول ولا يجعلوا معه من يكون أقواله كنصوصه ولا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله فلو اتفقت كلمتهم على ذلك وانقاد كل واحد منهم لمن دعاه إلى الله ورسوله وتحاكموا كلهم إلى السنة وآثار الصحابة لقل الاختلاف وإن لم يعدم من الأرض ولهذا تجد أقل الناس اختلافا أهل السنة والحديث فليس على وجه الأرض طائفة أكثر اتفاقا وأقل اختلافا منهم لما بنوا على هذا الأصل وكلما كانت الفرقة عن الحديث أبعد كان اختلافهم في أنفسهم أشد وأكثر فإن من رد الحق مرج عليه أمره واختلط عليه والتبس عليه وجه الصواب فلم يدر أين يذهب كما قال تعالى: بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج [ق: 5] .  [فصل أمر عمر شريحا بتقديم الكتاب ثم السنة] [أمر عمر شريحا بتقديم الكتاب ثم السنة] الوجه الثاني والخمسون: قولكم إن عمر كتب إلى شريح: quot; أن اقض بما في كتاب الله فإن لم يكن في كتاب الله فبما في سنة رسول الله فإن لم يكن في سنة رسول الله فبما قضى به الصالحون quot; فهذا من أظهر الحجج عليكم على بطلان التقليد فإنه أمره أن يقدم(2\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "472",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "474",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحكم بالكتاب على كل ما سواه فإن لم يجده في الكتاب ووجده في السنة لم يلتفت إلى غيرها فإن لم يجده في السنة قضى بما قضى به الصحابة. ونحن نناشد الله فرقة التقليد: هل هم كذلك أو قريبا من ذلك وهل إذا نزلت بهم نازلة حدث أحد منهم نفسه أن يأخذ حكمها من كتاب الله ثم ينفذه فإن لم يجدها في كتاب الله أخذها من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن لم يجدها في السنة أفتى فيها بما أفتى به الصحابة والله يشهد عليكم وملائكته وهم شاهدون على أنفسهم بأنهم إنما يأخذون حكمها من قول من قلدوه وإن استبان لهم في الكتاب أو السنة أو أقوال الصحابة خلاف ذلك لم يلتفتوا إليه ولم يأخذوا بشيء منه إلا بقول من قلدوه فكتاب عمر من أبطل الأشياء وأكسرها لقولهم وهذا كان سير السلف المستقيم وهديهم القويم. [طريق المتأخرين في أخذ الأحكام] فلما انتهت النوبة إلى المتأخرين ساروا عكس هذا السير وقالوا: إذا نزلت النازلة بالمفتي أو الحاكم فعليه أن ينظر أولا: هل فيها اختلاف أم لا فإن لم يكن فيها اختلاف لم ينظر في كتاب ولا في سنة بل يفتي ويقضي فيها بالإجماع وإن كان فيها اختلاف اجتهد في أقرب الأقوال إلى الدليل فأفتى به وحكم به. وهذا خلاف ما دل عليه حديث معاذ وكتاب عمر وأقوال الصحابة. والذي دل عليه الكتاب والسنة وأقوال الصحابة أولى فإنه مقدور مأمور فإن علم المجتهد بما دل عليه القرآن والسنة أسهل عليه بكثير من علمه باتفاق الناس في شرق الأرض وغربها على الحكم. وهذا إن لم يكن متعذرا فهو أصعب شيء وأشقه إلا فيما هو من لوازم الإسلام فكيف يحيلنا الله ورسوله على ما لا وصول لنا إليه ويترك الحوالة على كتابه وسنة رسوله اللذين هدانا بهما ويسرهما لنا وجعل لنا إلى معرفتهما طريقا سهلة التناول من قرب ثم ما يدريه فلعل الناس اختلفوا وهو لا يعلم وليس عدم العلم بالنزاع علما بعدمه فكيف يقدم عدم العلم على أصل العلم كله ثم كيف يسوغ له ترك الحق المعلوم إلى أمر لا علم له به وغايته أن يكون موهوما وأحسن أحواله أن يكون مشكوكا فيه شكا متساويا أو راجحا ثم كيف يستقيم هذا على رأي من يقول: انقراض عصر المجمعين شرط في صحة الإجماع فما لم ينقرض عصرهم فلمن نشأ في زمنهم أن يخالفهم فصاحب هذا السلوك لا يمكنه أن يحتج بالإجماع حتى يعلم أن العصر انقرض ولم ينشأ فيه مخالف لأهله وهل أحال الله الأمة في الاهتداء بكتابه وسنة رسوله على ما لا سبيل لهم إليه ولا اطلاع لأفرادهم عليه وترك إحالتهم على ما هو بين أظهرهم حجة عليهم باقية إلى آخر الدهر متمكنون من الاهتداء به ومعرفة الحق منه وهذا من أمحل المحال(2\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "473",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "475",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحين نشأت هذه الطريقة تولد عنها معارضة النصوص بالإجماع المجهول وانفتح باب دعواه وصار من لم يعرف الخلاف من المقلدين إذا احتج عليه بالقرآن والسنة قال: هذا خلاف الإجماع. وهذا هو الذي أنكره أئمة الإسلام وعابوا من كل ناحية على من ارتكبه وكذبوا من ادعاه فقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: من ادعى الإجماع فهو كاذب لعل الناس اختلفوا هذه دعوى بشر المريسي والأصم ولكن يقول: لا نعلم الناس اختلفوا أو لم يبلغنا. وقال في رواية المروزي: كيف يجوز للرجل أن يقول: quot; أجمعوا quot; إذا سمعتهم يقولون: quot; أجمعوا quot; فاتهمهم لو قال: quot; إني لم أعلم مخالفا quot; كان. وقال في رواية أبي طالب: هذا كذب ما علمه أن الناس مجمعون ولكن يقول: quot; ما أعلم فيه اختلافا quot; فهو أحسن من قوله: إجماع الناس. وقال في رواية أبي الحارث: لا ينبغي لأحد أن يدعي الإجماع لعل الناس اختلفوا. [أئمة الإسلام يقدمون الكتاب والسنة] ولم يزل أئمة الإسلام على تقديم الكتاب على السنة والسنة على الإجماع وجعل الإجماع في المرتبة الثالثة قال الشافعي: الحجة كتاب الله وسنة رسوله واتفاق الأئمة. وقال في كتاب اختلافه مع مالك: والعلم طبقات الأولى: الكتاب والسنة الثابتة ثم الإجماع فيما ليس فيه كتاب ولا سنة الثالثة: أن يقول الصحابي: فلا يعلم له مخالف من الصحابة الرابعة: اختلاف الصحابة والخامسة: القياس فقدم النظر في الكتاب والسنة على الإجماع ثم أخبر أنه إنما يصار إلى الإجماع فيما لم يعلم فيه كتابا ولا سنة وهذا هو الحق. وقال أبو حاتم الرازي: العلم عندنا ما كان عن الله تعالى من كتاب ناطق ناسخ غير منسوخ وما صحت به الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما لا معارض له وما جاء عن الألباء من الصحابة ما اتفقوا عليه فإذا اختلفوا لم يخرج من اختلافهم فإذا خفي ذلك ولم يفهم فعن التابعين فإذا لم يوجد عن التابعين فعن أئمة الهدى من أتباعهم مثل أيوب السختياني وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وسفيان ومالك والأوزاعي والحسن بن صالح ثم ما لم يوجد عن أمثالهم فعن مثل عبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن إدريس ويحيى بن آدم وابن عيينة ووكيع بن الجراح ومن بعدهم محمد بن إدريس الشافعي ويزيد بن هارون والحميدي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي وأبي عبيد القاسم بن سلام(2\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "474",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "476",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "انتهى. فهذا طريق أهل العلم وأئمة الدين جعل أقوال هؤلاء بدلا عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة بمنزلة التيمم إنما يصار إليه عند عدم الماء فعدل هؤلاء المتأخرون المقلدون إلى التيمم والماء بين أظهرهم أسهل من التيمم بكثير. ثم حدثت بعد هؤلاء فرقة هم أعداء العلم وأهله فقالوا: إذا نزلت بالمفتي أو الحاكم نازلة لم يجز أن ينظر فيها في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا أقوال الصحابة بل إلى ما قاله مقلده ومتبوعه ومن جعله عيارا على القرآن والسنة فما وافق قوله أفتى به وحكم به وما خالفه لم يجز له أن يفتي به ولا يقضي به وإن فعل ذلك تعرض لعزله عن منصب الفتوى والحكم واستفتى له: ما تقول السادة والفقهاء فيمن ينتسب إلى مذهب إمام معين يقلده دون غيره ثم يفتي أو يحكم بخلاف مذهبه هل يجوز له ذلك أم لا وهل يقدح ذلك فيه أم لا فينغض المقلدون رءوسهم ويقولون له: لا يجوز ذلك ويقدح فيه. ولعل القول الذي عدل إليه هو قول أبي بكر وعمر وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأمثالهم فيجيب هذا الذي انتصب للتوقيع عن الله ورسوله بأنه لا يجوز له مخالفة قول متبوعه لأقوال من هو أعلم بالله ورسوله منه وإن كان مع أقوالهم كتاب الله وسنة رسوله وهذا من أعظم جنايات فرقة التقليد على الدين ولو أنهم لزموا حدهم ومرتبتهم وأخبروا إخبارا مجردا عما وجدوه من السواد في البياض من أقوال لا علم لهم بصحيحها من باطلها لكان لهم عذر ما عند الله ولكن هذا مبلغهم من العلم وهذه معاداتهم لأهله وللقائمين لله بحججه وبالله التوفيق. [هل قلد الصحابة عمر] الوجه الثالث والخمسون: قولكم: quot; منع عمر من بيع أمهات الأولاد وتبعه الصحابة وألزم بالطلاق الثلاث وتبعوه أيضا quot; جوابه من وجوه: أحدها: أنهم لم يتبعوه تقليدا له بل أداهم اجتهادهم في ذلك إلى ما أداه إليه اجتهاده ولم يقل أحد منهم قط: إني رأيت ذلك تقليدا لعمر. الثاني: أنهم لم يتبعوه كلهم فهذا ابن مسعود يخالفه في أمهات الأولاد وهذا ابن عباس يخالفه في الإلزام بالطلاق الثلاث وإذا اختلف الصحابة وغيرهم فالحاكم هو الحجة. الثالث: أنه ليس في اتباع قول عمر - رضي الله عنه - في هاتين المسألتين وتقليد الصحابة لو فرض له في ذلك ما يسوغ تقليد من هو دونه بكثير في كل ما يقوله وترك قول من هو مثله ومن هو فوقه وأعلم منه فهذا من أبطل الاستدلال وهو تعلق ببيت العنكبوت فقلدوا عمر واتركوا تقليد فلان وفلان فأما وأنتم تصرحون بأن عمر لا يقلد وأبو حنيفة(2\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "475",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "477",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والشافعي ومالك يقلدون فلا يمكنكم الاستدلال بما أنتم مخالفون له فكيف يجوز للرجل أن يحتج بما لا يقول به . الوجه الرابع والخمسون: قولكم: quot; إن عمرو بن العاص قال لعمر لما احتلم: خذ ثوبا غير ثوبك فقال: لو فعلت صارت سنة quot; فأين في هذا من الإذن من عمر في تقليده والإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله وغاية هذا أنه تركه لئلا يقتدي به من يراه ويفعل ذلك ويقول: لولا أن هذا سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما فعله عمر فهذا هو الذي خشيه عمر والناس مقتدون بعلمائهم شاءوا أم أبوا فهذا هو الواقع وإن كان الواجب فيه تفصيل. [ما استبان فاعمل به وما اشتبه فكله لعالمه] الوجه الخامس والخمسون: قولكم: quot; قد قال أبي: ما اشتبه عليك فكله إلى عالمه quot; فهذا حق وهو الواجب على من سوى الرسول فإن كل أحد بعد الرسول لا بد أن يشتبه عليه بعض ما جاء به وكل من اشتبه عليه شيء وجب عليه أن يكله إلى من هو أعلم منه فإن تبين له صار عالما مثله وإلا وكله إليه ولم يتكلف ما لا علم له به فهذا هو الواجب علينا في كتاب ربنا وسنة نبينا وأقوال أصحابه وقد جعل الله سبحانه فوق كل ذي علم عليما فمن خفي عليه بعض الحق فوكله إلى من هو أعلم منه فقد أصاب فأي شيء في هذا من الإعراض عن القرآن والسنن وآثار الصحابة واتخاذ رجل بعينه معيارا على ذلك وترك النصوص لقوله وعرضها عليه وقبول كل ما أفتى به ورد كل ما خالفه وهذا الأثر نفسه من أكبر الحجج على بطلان التقليد فإن أوله: quot; ما استبان لك فاعمل به وما اشتبه عليك فكله إلى عالمه quot; ونحن نناشدكم الله إذا استبانت لكم السنة هل تتركون قول من قلدتموه لها وتعملون بها وتفتون أو تقضون بموجبها أم تتركونها وتعدلون عنها إلى قوله وتقولون: هو أعلم بها منا فأبي - رضي الله عنه - مع سائر الصحابة على هذه الوصية وهي مبطلة للتقليد قطعا وبالله التوفيق. ثم نقول: هل وكلتم ما اشتبه عليكم من المسائل إلى عالمها من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ هم أعلم الأمة وأفضلها أم تركتم أقوالهم وعدلتم عنها فإن كان من قلدتموه ممن يوكل ذلك إليه فالصحابة أحق أن يوكل ذلك إليهم.  [فصل فتوى الصحابة والرسول حي] [فتوى الصحابة والرسول حي تبليغ عنه] الوجه السادس والخمسون: قولكم: quot; كان الصحابة يفتون ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - حي بين أظهرهم وهذا تقليد من المستفتين لهم quot; وجوابه أن فتواهم إنما كانت تبليغا عن الله(2\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "476",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "478",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورسوله وكانوا بمنزلة المخبرين فقط لم تكن فتواهم تقليدا لرأي فلان وفلان وإن خالفت النصوص فهم لم يكونوا يقلدون في فتواهم ولا يفتون بغير النصوص ولم يكن المستفتون لهم يعتمدون إلا على ما يبلغونهم إياه عن نبيهم فيقولون: أمر بكذا وفعل كذا ونهى عن كذا هكذا كانت فتواهم فهي حجة على المستفتين كما هي حجة عليهم ولا فرق بينهم وبين المستفتين لهم في ذلك إلا في الواسطة بينهم وبين الرسول وعدمها والله ورسوله وسائر أهل العلم يعلمون أنهم وأن مستفتيهم لم يعلموا إلا بما علموه عن نبيهم وشاهدوه وسمعوه منه هؤلاء بواسطة وهؤلاء بغير واسطة ولم يكن فيهم من يأخذ قول واحد من الأمة يحلل ما حلله ويحرم ما حرمه ويستبيح ما أباحه وقد أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على من أفتى بغير السنة منهم كما أنكر على أبي السنابل وكذبه وأنكر على من أفتى برجم الزاني البكر وأنكر على من أفتى باغتسال الجريح حتى مات وأنكر على من أفتى بغير علم كمن يفتي بما لا يعلم صحته وأخبر أن إثم المستفتي عليه فإفتاء الصحابة في حياته نوعان: أحدهما: كان يبلغه ويقرهم عليه فهو حجة بإقراره لا بمجرد إفتائهم الثاني: ما كانوا يفتون به مبلغين له عن نبيهم فهم فيه رواة لا مقلدون ولا مقلدون.  [إنذار من نفر للتفقه في الدين] [المراد من إيجاب الله قبول إنذار من نفر للتفقه في الدين] الوجه السابع والخمسون: قولكم: quot; وقد قال تعالى: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم [التوبة: 122] فأوجب قبول نذارتهم وذلك تقليد لهم quot; جوابه من وجوه: أحدها: أن الله سبحانه إنما أوجب عليهم قبول ما أنذروهم به من الوحي الذي ينزل في غيبتهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجهاد فأين في هذا حجة لفرقة التقليد على تقديم آراء الرجال على الوحي الثاني: أن الآية حجة عليهم ظاهرة فإنه سبحانه نوع عبوديتهم وقيامهم بأمره إلى نوعين: أحدهما: نفير الجهاد والثاني: التفقه في الدين وجعل قيام الدين بهذين الفريقين وهم الأمراء والعلماء أهل الجهاد وأهل العلم فالنافرون يجاهدون عن القاعدين والقاعدون يحفظون العلم للنافرين فإذا رجعوا من نفيرهم استدركوا ما فاتهم من العلم بإخبار من سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهنا للناس في الآية قولان أحدهما: أن المعنى quot; فهلا نفر من كل فرقة طائفة تتفقه وتنذر القاعدة quot; فيكون المعنى في طلب العلم وهذا قول الشافعي وجماعة من المفسرين واحتجوا به على قول خبر الواحد لأن الطائفة لا يجب أن تكون عدد التواتر. والثاني أن المعنى quot; فلولا نفر من كل فرقة طائفة تجاهد لتتفقه القاعدة وتنذر النافرة للجهاد إذا رجعوا إليهم ويخبرونهم بما نزل بعدهم من الوحي quot; وهذا قول الأكثرين وهو الصحيح(2\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "477",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "479",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأن النفير إنما هو الخروج للجهاد كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: وإذا استنفرتم فانفروا وأيضا فإن المؤمنين عام في المقيمين مع النبي - صلى الله عليه وسلم - والغائبين عنه والمقيمون مرادون ولا بد فإنهم سادات المؤمنين فكيف لا يتناولهم اللفظ وعلى قول أولئك يكون المؤمنون خاصا بالغائبين عنه فقط والمعنى quot; وما كان المؤمنون لينفروا إليه كلهم فلولا نفر إليه من كل فرقة منهم طائفة quot; وهذا خلاف ظاهر لفظ المؤمنين وإخراج للفظ النفير عن مفهومه في القرآن والسنة وعلى كلا القولين فليس في الآية ما يقتضي صحة القول بالتقليد المذموم بل هي حجة على فساده وبطلانه فإن الإنذار إنما يقوم بالحجة فمن لم تقم عليه الحجة لم يكن قد أنذر كما أن النذير من أقام الحجة فمن لم يأت بحجة فليس بنذير فإن سميتم ذلك تقليدا فليس الشأن في الأسماء ونحن لا ننكر التقليد بهذا المعنى فسموه ما شئتم وإنما ننكر نصب رجل معين يجعل قوله عيارا على القرآن والسنن فما وافق قوله منها قبل وما خالفه لم يقبل ويقبل قوله بغير حجة ويرد قول نظيره أو أعلم منه والحجة معه فهذا الذي أنكرناه وكل عالم على وجه الأرض يعلن إنكاره وذمه وذم أهله. الوجه الثامن والخمسون: قولكم: quot; إن ابن الزبير سئل عن الجد والإخوة فقال: أما الذي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذته خليلا - يريد أبا بكر - رضي الله عنه - فإنه أنزله أبا quot; فأي شيء في هذا مما يدل على التقليد بوجه من الوجوه وقد تقدم من الأدلة الشافية التي لا مطمع في دفعها ما يدل على أن قول الصديق في الجد أصح الأقوال على الإطلاق وابن الزبير لم يخبر بذلك تقليدا بل أضاف المذهب إلى الصديق لينبه على جلالة قائله وأنه ممن لا يقاس غيره به لا ليقبل قوله بغير حجة وتترك الحجة من القرآن والسنة لقوله فابن الزبير وغيره من الصحابة كانوا أتقى لله وحجج الله وبيناته أحب إليهم من أن يتركوها لآراء الرجال ولقول أحد كائنا من كان وقول ابن الزبير: quot; إن الصديق أنزله أبا quot; متضمن للحكم والدليل معا.  [ليس قبول شهادة الشاهد تقليدا] [ليس قبول شهادة الشاهد تقليدا له] الوجه التاسع والخمسون: قولكم: quot; وقد أمر الله بقبول شهادة الشاهد وذلك تقليد له quot; فلو لم يكن في آفات التقليد غير هذا الاستدلال لكفى به بطلانا وهل قبلنا قول الشاهد إلا بنص كتاب ربنا وسنة نبينا وإجماع الأمة على قبول قوله فإن الله سبحانه نصبه حجة يحكم الحاكم بها كما يحكم بالإقرار وكذلك قول المقر أيضا حجة شرعية وقبوله تقليد له كما سميتم قبول شهادة الشاهد تقليدا فسموه ما شئتم فإن الله سبحانه أمرنا بالحكم بذلك وجعله دليلا على الأحكام فالحاكم بالشهادة والإقرار منفذ لأمر الله ورسوله ولو(2\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "478",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "480",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تركنا تقليد الشاهد لم يلزم به حكم وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقضي بالشاهد وبالإقرار وذلك حكم بنفس ما أنزل الله لا بالتقليد فالاستدلالة بذلك على التقليد المتضمن للإعراض عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وتقديم آراء الرجال عليها وتقديم قول الرجل على من هو أعلم منه واطراح قول من عداه جملة من باب قلب الحقائق وانتكاس العقول والأفهام وبالجملة فنحن إذا قبلنا قول الشاهد لم نقبله لمجرد كونه شهد به بل لأن الله سبحانه أمرنا بقبول قوله فأنتم معاشر المقلدين إذا قبلتم قول من قلدتموه قبلتموه لمجرد كونه قاله أو لأن الله أمركم بقبول قوله وطرح قول من سواه.  [ليس من التقليد قبول قول القائف ونحوه] الوجه الستون: قولكم: quot; وقد جاءت الشريعة بقبول قول القائف والخارص والقاسم والمقوم والحاكمين بالمثل في جزاء الصيد وذلك تقليد محض quot; أتعنون به أنه تقليد لبعض العلماء في قبول أقوالهم أو تقليد لهم فيما يخبرون به فإن عنيتم الأول فهو باطل وإن عنيتم الثاني فليس فيه ما تستروحون إليه من التقليد الذي قام الدليل على بطلانه وقبول قول هؤلاء من باب قبول خبر المخبر والشاهد لا من باب قبول الفتيا في الدين من غير قيام دليل على صحتها بل لمجرد إحسان الظن بقائلها مع تجويز الخطأ عليه فأين قبول الإخبار والشهادات والأقارير إلى التقليد في الفتوى  والمخبر بهذه الأمور يخبر عن أمر حسي طريق العلم به إدراكه بالحواس والمشاعر الظاهرة والباطنة وقد أمر الله سبحانه بقبول خبر المخبر به إذا كان ظاهر الصدق والعدالة. وطرد هذا ونظيره قبول خبر المخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنه قال أو فعل وقبول خبر المخبر عمن أخبر عنه بذلك وهلم جرا فهذا حق لا ينازع فيه أحد. وأما تقليد الرجل فيما يخبر به عن ظنه فليس فيه أكثر من العلم بأن ذلك ظنه واجتهاده فتقليدنا له في ذلك بمنزلة تقليدنا له فيما يخبر به عن رؤيته وسماعه وإدراكه فأين في هذا ما يوجب علينا أو يسوغ لنا أن نفتي بذلك أو نحكم به وندين الله به ونقول: هذا هو الحق وما خالفه باطل ونترك له نصوص القرآن والسنة وآثار الصحابة وأقوال من عداه من جميع أهل العلم ومن هذا الباب تقليد الأعمى في القبلة ودخول الوقت لغيره وقد كان ابن أم مكتوم لا يؤذن حتى يقلد غيره في طلوع الفجر ويقال: أصبحت أصبحت وكذلك تقليد الناس للمؤذن في دخول الوقت وتقليد من في المطمورة لمن يعلمه بأوقات الصلاة والفطر(2\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "479",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "481",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والصوم وأمثال ذلك ومن ذلك التقليد في قبول الترجمة في الرسالة والتعريف والتعديل والجرح. كل هذا من باب الأخبار التي أمر الله بقبول المخبر بها إذا كان عدلا صادقا وقد أجمع الناس على قبول خبر الواحد في الهدية وإدخال الزوجة على زوجها وقبول خبر المرأة ذمية كانت أو مسلمة في انقطاع دم حيضها لوقته وجواز وطئها وإنكاحها بذلك وليس هذا تقليدا في الفتيا والحكم وإذا كان تقليدا لها فإن الله سبحانه شرع لنا أن نقبل قولها ونقلدها فيه ولم يشرع لنا أن نتلقى أحكامه عن غير رسوله فضلا عن أن نترك سنة رسوله لقول واحد من أهل العلم ونقدم قوله على قول من عداه من الأمة. الوجه الحادي والستون: قولكم: quot; وأجمعوا على جواز شراء اللحمان والأطعمة والثياب وغيرها من غير سؤال عن أسباب حلها اكتفاء بتقليد أربابها quot; جوابه أن هذا ليس تقليدا في حكم من أحكام الله ورسوله من غير دليل بل هو اكتفاء بقبول قول الذابح والبائع وهو اقتداء واتباع لأمر الله ورسوله حتى لو كان الذابح والبائع يهوديا أو نصرانيا أو فاجرا اكتفينا بقوله في ذلك ولم نسأله عن أسباب الحل كما قالت عائشة - رضي الله عنها -: يا رسول الله إن ناسا يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليها أم لا فقال: سموا أنتم وكلوا فهل يسوغ لكم تقليد الكفار والفساق في الدين كما تقلدونهم في الذبائح والأطعمة فدعوا هذه الاحتجاجات الباردة وادخلوا معنا في الأدلة الفارقة بين الحق والباطل لنعقد معكم عقد الصلح اللازم على تحكيم كتاب الله وسنة رسوله والتحاكم إليهما وترك أقوال الرجال لهما وأن ندور مع الحق حيث كان ولا نتحيز إلى شخص معين غير الرسول: نقبل قوله كله ونرد قول من خالفه كله وإلا فاشهدوا بأنا أول منكر لهذه الطريقة وراغب عنها داع إلى خلافها والله المستعان.  [هل كلف الناس كلهم الاجتهاد] الوجه الثاني والستون: قولكم: quot; لو كلف الناس كلهم الاجتهاد وأن يكونوا علماء ضاعت مصالح العباد وتعطلت الصنائع والمتاجر وهذا مما لا سبيل إليه شرعا وقدرا quot; فجوابه من وجوه أحدها: أن من رحمة الله سبحانه بنا ورأفته أنه لم يكلفنا بالتقليد فلو كلفنا به لضاعت أمورنا وفسدت مصالحنا لأنا لم نكن ندري من نقلد من المفتين والفقهاء وهم عدد فوق المئتين ولا يدري عددهم في الحقيقة إلا الله فإن المسلمين قد ملئوا الأرض شرقا وغربا وجنوبا وشمالا وانتشر الإسلام بحمد الله وفضله وبلغ ما بلغ الليل فلو كلفنا بالتقليد لوقعنا في أعظم العنت والفساد ولكلفنا بتحليل الشيء وتحريمه وإيجاب الشيء(2\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "480",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "482",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإسقاطه معا إن كلفنا بتقليد كل عالم وإن كلفنا بتقليد الأعلم فالأعلم فمعرفة ما دل عليه القرآن والسنن من الأحكام أسهل بكثير من معرفة الأعلم الذي اجتمعت فيه شروط التقليد ومعرفة ذلك مشقة على العالم الراسخ فضلا عن المقلد الذي هو كالأعمى. وإن كلفنا بتقليد البعض وكان جعل ذلك إلى تشهينا واختيارنا صار دين الله تبعا لإرادتنا واختيارنا وشهواتنا وهو عين المحال فلا بد أن يكون ذلك راجعا إلى من أمر الله باتباع قوله وتلقي الدين من بين شفتيه وذلك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب رسول الله وأمينه على وحيه وحجته على خلقه ولم يجعل الله هذا المنصب لسواه بعده أبدا. الثاني: أن بالنظر والاستدلال صلاح الأمور لا ضياعها وبإهماله وتقليد من يخطئ ويصيب إضاعتها وفسادها كما الواقع شاهد به. والثالث: أن كل واحد منا مأمور بأن يصدق الرسول فيما أخبر به ويطيعه فيما أمر وذلك لا يكون إلا بعد معرفة أمره وخبره. ولم يوجب الله سبحانه من ذلك على الأمة إلا ما فيه حفظ دينها ودنياها وصلاحها في معاشها ومعادها وبإهمال ذلك تضيع مصالحها وتفسد أمورها فما خراب العالم إلا بالجهل ولا عمارته إلا بالعلم وإذا ظهر العلم في بلد أو محلة قل الشر في أهلها وإذا خفى العلم هناك ظهر الشر والفساد. ومن لم يعرف هذا فهو ممن لم يجعل الله له نورا. قال الإمام أحمد: ولولا العلم كان الناس كالبهائم وقال: الناس أحوج إلى العلم منهم إلى الطعام والشراب لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرتين أو ثلاثا والعلم يحتاج إليه كل وقت. الرابع: أن الواجب على كل عبد أن يعرف ما يخصه من الأحكام ولا يجب عليه أن يعرف ما لا تدعوه الحاجة إلى معرفته وليس في ذلك إضاعة لمصالح الخلق ولا تعطيل لمعاشهم فقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - قائمين بمصالحهم ومعاشهم وعمارة حروثهم والقيام على مواشيهم والضرب في الأرض لمتاجرهم والصفق بالأسواق وهم أهدى العلماء الذي لا يشق في العلم غبارهم. الخامس: أن العلم النافع هو الذي جاء به الرسول دون مقدرات الأذهان ومسائل الخرص والألغاز وذلك بحمد الله تعالى أيسر شيء على النفوس تحصيله وحفظه وفهمه فإنه كتاب الله الذي يسره للذكر كما قال تعالى: ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر [القمر: 17] قال البخاري في صحيحه: قال مطر الوراق: هل من طالب علم فيعان عليه ولم يقل: فتضيع عليه مصالحه وتتعطل معايشه عليه وسنة رسوله وهي بحمد الله تعالى مضبوطة محفوظة وأصول الأحكام التي تدور عليها نحو خمسمائة حديث وفرشها وتفاصيلها نحو أربعة آلاف حديث وإنما الذي هو في غاية الصعوبة والمشقة مقدرات الأذهان وأغلوطات المسائل والفروع والأصول التي ما أنزل الله بها من(2\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "481",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "483",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سلطان التي كل ما لها في نمو وزيادة وتوليد والدين كل ما له في غربة ونقصان والله المستعان. الوجه الثالث والستون: قولكم: quot; قد أجمع الناس على تقليد الزوج لمن يهدي إليه زوجته ليلة الدخول وعلى تقليد الأعمى في القبلة والوقت وتقليد المؤذنين وتقليد الأئمة في الطهارة وقراءة الفاتحة وتقليد الزوجة في انقطاع دمها ووطئها وتزويجها quot;.  [أمور قيل هي تقليد وليست به] فجوابه ما تقدم أن استدلالكم بهذا من باب المغاليط وليس هذا من التقليد المذموم على لسان السلف والخلف في شيء ونحن لم نرجع إلى أقوال هؤلاء لكونهم أخبروا بها بل لأن الله ورسوله أمر بقبول قولهم وجعله دليلا على ترتب الأحكام فإخبارهم بمنزلة الشهادة والإقرار فأين في هذا ما يسوغ التقليد في أحكام الدين والإعراض عن القرآن والسنن ونصب رجل بعينه ميزانا على كتاب الله وسنة رسوله الوجه الرابع والستون: قولكم: أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عقبة بن الحارث أن يقلد المرأة التي أخبرته بأنها أرضعته وزوجته فيا لله العجب فأنتم لا تقلدونها في ذلك ولو كانت إحدى أمهات المؤمنين ولا تأخذون بهذا الحديث وتتركونه تقليدا لمن قلدتموه دينكم وأي شيء في هذا مما يدل على التقليد في دين الله وهل هذا إلا بمنزلة قبول خبر المخبر عن أمر حسي يخبر به وبمنزلة قبول الشاهد وهل كان مفارقة عقبة لها تقليدا لتلك الأمة أو اتباعا لرسول الله حيث أمره بفراقها فمن بركة التقليد أنكم لا تأمرونه بفراقها وتقولون: هي زوجتك حلال وطؤها وأما نحن فمن حقوق الدليل علينا أن نأمر من وقعت له هذه الواقعة بمثل ما أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعقبة بن الحارث سواء ولا نترك الحديث تقليدا لأحد.  [الرد على دعوى أن الأئمة قالوا بجواز التقليد] الوجه الخامس والستون: قولكم: quot; قد صرح الأئمة بجواز التقليد كما قال سفيان: إذا رأيت الرجل يعمل العمل وأنت ترى غيره فلا تنهه وقال محمد بن الحسن: يجوز للعالم تقليد من هو أعلم منه ولا يجوز له تقليد مثله وقال الشافعي في غير موضع: قلته تقليدا لعمر وقلته تقليدا لعثمان وقلته تقليدا لعطاء quot;. جوابه من وجوه: أحدها: أنكم إن ادعيتم أن جميع العلماء صرحوا بجواز التقليد فدعوى باطلة فقد ذكرنا من كلام الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام في ذم التقليد وأهله(2\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "482",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "484",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنهي عنه ما فيه كفاية وكانوا يسمون المقلد الإمعة ومحقب دينه كما قال ابن مسعود: الإمعة الذي يحقب دينه الرجال وكانوا يسمونه الأعمى الذي لا بصيرة له ويسمون المقلدين أتباع كل ناعق يميلون مع كل صائح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يركنوا إلى ركن وثيق كما قال فيهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة وكما سماه الشافعي حاطب ليل ونهى عن تقليده وتقليد غيره فجزاه الله عن الإسلام خيرا لقد نصح لله ورسوله والمسلمين ودعا إلى كتاب الله وسنة رسوله وأمر باتباعهما دون قوله وأمرنا بأن نعرض أقواله عليهما فنقبل منها ما وافقهما ونرد ما خالفهما فنحن نناشد المقلدين: هل حفظوا في ذلك وصيته وأطاعوه أم عصوه وخالفوه وإن ادعيتم أن من العلماء من جوز التقليد فكان ما رأى. الثاني: أن هؤلاء الذين حكيتم عنهم أنهم جوزوا التقليد لمن هو أعلم منهم هم من أعظم الناس رغبة عن التقليد واتباعا للحجة ومخالفة لمن هو أعلم منهم فأنتم مقرون أن أبا حنيفة أعلم من محمد بن الحسن ومن أبي يوسف وخلافهما له معروف وقد صح عن أبي يوسف أنه قال: لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا. الثالث: أنكم منكرون أن يكون من قلدتموه من الأئمة مقلدا لغيره أشد الإنكار وقمتم وقعدتم في قول الشافعي: قلته تقليدا لعمر وقلته تقليدا لعثمان وقلته تقليدا لعطاء واضطربتم في حمل كلامه على موافقة الاجتهاد أشد الاضطراب وادعيتم أنه لم يقلد زيدا في الفرائض وإنما اجتهد فوافق اجتهاده اجتهاده. ووقع الخاطر على الخاطر حتى وافق اجتهاده في مسائل المعادة حتى في الأكدرية وجاء الاجتهاد حذو القذة بالقذة فكيف نصبتموه مقلدا ههنا ولكن هذا التناقض جاء من بركة التقليد ولو اتبعتم العلم من حيث هو واقتديتم بالدليل وجعلتم الحجة إماما لما تناقضتم هذا التناقض وأعطيتم كل ذي حق حقه. الرابع: أن هذا من أكبر الحجج عليكم فإن الشافعي قد صرح بتقليد عمر وعثمان وعطاء مع كونه من أئمة المجتهدين وأنتم - مع إقراركم بأنسكم من المقلدين - لا ترون تقليد واحد من هؤلاء بل إذا قال الشافعي وقال عمر وعثمان وابن مسعود - فضلا عن سعيد بن المسيب وعطاء والحسن - تركتم تقليد هؤلاء وقلدتم الشافعي وهذا عين التناقض فخالفتموه من حيث زعمتم أنكم قلدتموه فإن قلدتم الشافعي فقلدوا من قلده الشافعي فإن قلتم: بل قلدناهم فيما قلدهم فيه الشافعي قيل: لم يكن ذلك تقليدا منكم لهم بل تقليدا له وإلا فلو جاء عنهم خلاف قوله لم تلتفتوا إلى أحد منهم الخامس: أن من ذكرتم من الأئمة لم يقلدوا تقليدكم ولا سوغوه بتة بل غاية ما نقل عنهم من التقليد في مسائل يسيرة لم يظفروا فيها بنص عن الله ورسوله ولم يجدوا(2\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "483",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "485",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيها سوى قول من هو أعلم منهم فقلدوه وهذا فعل أهل العلم وهو الواجب فإن التقليد إنما يباح للمضطر وأما من عدل عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وعن معرفة الحق بالدليل مع تمكنه منه إلى التقليد فهو كمن عدل إلى الميتة مع قدرته على المذكى فإن الأصل أن لا يقبل قول الغير إلا بدليل إلا عند الضرورة فجعلتم أنتم حال الضرورة رأس أموالكم.  [الفرق بين حال الأئمة وحال المقلدين] الوجه السادس والستون: قولكم: quot; قال الشافعي: رأي الصحابة لنا خير من رأينا لأنفسنا ونحن نقول ونصدق: رأي الشافعي والأئمة لنا خير من رأينا لأنفسنا quot; جوابه من وجوه: أحدها: أنكم أول مخالف لقوله ولا ترون رأيهم لكم خيرا من رأي الأئمة لأنفسهم بل تقولون: رأي الأئمة لأنفسهم خير لنا من رأي الصحابة لنا فإذا جاءت الفتيا عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسادات الصحابة وجاءت الفتيا عن الشافعي وأبي حنيفة ومالك تركتم ما جاء عن الصحابة وأخذتم بما أفتى به الأئمة فهلا كان رأي الصحابة لكم خيرا من رأي الأئمة لكم لو نصحتم أنفسكم. الثاني: أن هذا لا يوجب صحة تقليد من سوى الصحابة لما خصهم الله به من العلم والفهم والفضل والفقه عن الله ورسولهم وشاهدوا الوحي والتلقي عن الرسول بلا واسطة ونزول الوحي بلغتهم وهي غضة محضة لم تشب ومراجعتهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما أشكل عليهم من القرآن والسنة حتى يجليه لهم فمن له هذه المزية بعدهم ومن شاركهم في هذه المنزلة حتى يقلد كما يقلدون فضلا عن وجوب تقليده وسقوط تقليدهم أو تحريمه كما صرح به غلاتهم وتالله إن بين علم الصحابة وعلم من قلدتموه من الفضل كما بينهم وبينهم في ذلك. قال الشافعي في الرسالة القديمة بعد أن ذكرهم وذكر من تعظيمهم وفضلهم: وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به عليهم وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا. قال الشافعي: وقد أثنى الله على الصحابة في القرآن والتوراة والإنجيل وسبق لهم من الفضل على لسان نبيهم ما ليس لأحد بعدهم وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته  وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه . وقال ابن مسعود: إن الله نظر في قلوب عباده فوجد قلب محمد خير قلوب العباد ثم نظر في قلوب الناس بعده فرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم(2\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "484",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "486",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لصحبته وجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيه فما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوه قبيحا فهو عند الله قبيح quot; وقد أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باتباع سنة خلفائه الراشدين وبالاقتداء بالخليفتين. وقال أبو سعيد: كان أبو بكر أعلمنا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لابن مسعود بالعلم ودعا لابن عباس بأن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل وضمه إليه مرة وقال: اللهم علمه الحكمة وتأول عمر في المنام القدح الذي شرب منه حتى رأى الذي يخرج من تحت أظفاره وأوله بالعلم وأخبر أن القوم إن أطاعوا أبا بكر وعمر يرشدوا وأخبر أنه لو كان بعده نبي لكان عمر وأخبر أن الله جعل الحق على لسانه وقلبه. وقال: رضيت لكم ما رضي ابن أم عبد  يعني عبد الله بن مسعود وفضائلهم ومناقبهم وما خصهم الله به من العمل والفضل أكثر من أن يذكر فهل يستوي تقليد هؤلاء وتقليد من بعدهم ممن لا يدانيهم ولا يقاربهم الثالث: أنه لم يختلف المسلمون أنه ليس قول من قلدتموه حجة وأكثر العلماء بل الذي نص عليه من قلدتموه أن أقوال الصحابة حجة: يجب اتباعها ويحرم الخروج منها كما سيأتي حكاية ألفاظ الأئمة في ذلك وأبلغهم فيه الشافعي ونبين أنه لم يختلف مذهبه أن قول الصحابي حجة ونذكر نصوصه في الجديد على ذلك إن شاء الله وأن من حكى عنه قولين في ذلك فإنما حكى ذلك بلازم قوله لا بصريحه وإن كان قول الصحابي حجة فقبول قوله حجة واجب متعين وقبول قول من سواه أحسن أحواله أن يكون سائغا فقياس أحد القائلين على الآخر من أفسد القياس وأبطله.  [تقليد الأستاذين لا يستلزم جواز التقليد في الدين] [ما ركزه الله في فطر عباده من تقليد الأستاذين لا يستلزم جواز التقليد في الدين] : الوجه السابع والستون: قولكم quot; وقد جعل الله سبحانه في فطر العباد تقليد المتعلمين للمعلمين والأستاذين في جميع الصنائع والعلوم إلى الآخرة فجوابه أن هذا حق لا ينكره عاقل ولكن كيف يستلزم ذلك صحة التقليد في دين الله وقبول قول المتبوع بغير حجة توجب قبول قوله وتقديم قوله على قول من هو أعلم منه وترك الحجة لقوله وترك أقوال أهل العلم جميعا من السلف والخلف لقوله فهل جعل الله ذلك في فطرة أحد من العالمين ثم يقال: بل الذي فطر الله عليه عباده طلب الحجة والدليل المثبت لقول المدعي فركز سبحانه في فطر الناس أنهم لا يقبلون قول من لم يقم الدليل على صحة قوله ولأجل ذلك أقام الله سبحانه البراهين القاطعة والحجج الساطعة والأدلة الظاهرة والآيات الباهرة على صدق رسله إقامة للحجة وقطعا للمعذرة هذا وهم أصدق خلقه وأعلمهم وأبرهم وأكملهم فأتوا بالآيات والحجج والبراهين مع اعتراف أممهم لهم بأنهم أصدق الناس فكيف يقبل قول(2\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "485",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "487",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من عداهم بغير حجة توجب قبول قوله والله تعالى إنما أوجب قبول قولهم بعد قيام الحجة وظهور الآيات المستلزمة لصحة دعواهم لما جعل الله في فطر عباده من الانقياد للحجة وقبول قول صاحبها وهذا أمر مشترك بين جميع أهل الأرض مؤمنهم وكافرهم وبرهم وفاجرهم الانقياد للحجة وتعظيم صاحبها وإن خالفوه عنادا وبغيا فلفوات أغراضهم بالانقياد ولقد أحسن القائل: أبن وجه قول الحق في قلب سامع ... ودعه فنور الحق يسري ويشرق سيؤنسه رشدا وينسى نفاره ... كما نسي التوثيق من هو مطلق ففطرة الله وشرعه من أكبر الحجج على فرقة التقليد.  [تفاوت الاستعداد لا يستلزم التقليد في كل حكم] الوجه الثامن والستون: قولكم quot; إن الله سبحانه فاوت بين قوى الأذهان كما فاوت بين قوى الأبدان فلا يليق بحكمته وعدله أن يفرض على كل أحد معرفة الحق بدليله في كل مسألة إلى آخره quot; فنحن لا ننكر ذلك ولا ندعي أن الله فرض على جميع خلقه معرفة الحق بدليله في كل مسألة من مسائل الدين دقه وجله وإنما أنكرنا ما أنكره الأئمة ومن تقدمهم من الصحابة والتابعين وما حدث في الإسلام بعد انقضاء القرون الفاضلة في القرن الرابع المذموم على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نصب رجل واحد وجعل فتاويه بمنزلة نصوص الشارع بل تقديمها عليه وتقديم قوله على أقوال من بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جميع علماء أمته والاكتفاء بتقليده عن تلقي الأحكام من كتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة وأن يضم إلى ذلك أنه لا يقول إلا بما في كتاب الله وسنة رسوله وهذا مع تضمنه للشهادة بما لا يعلم الشاهد والقول على الله بلا علم والإخبار عمن خالفه وإن كان أعلم منه أنه غير مصيب للكتاب والسنة ومتبوعي هو المصيب. أو يقول: كلاهما مصيب للكتاب والسنة وقد تعارضت أقوالهما فيجعل أدلة الكتاب والسنة متعارضة متناقضة والله ورسوله يحكم بالشيء وضده في وقت واحد ودينه تبع لآراء الرجال وليس له في نفس الأمر حكم معين فهو إما أن يسلك هذا المسلك أو يخطئ من خالف متبوعه ولا بد له من واحد من الأمرين وهذا من بركة التقليد عليه. إذا عرفت هذا فنحن إنما قلنا ونقول: إن الله تعالى أوجب على العباد أن يتقوه بحسب استطاعتهم وأصل التقوى معرفة ما يتقى ثم العمل به فالواجب على كل عبد أن يبذل جهده في معرفة ما يتقيه مما أمره الله به ونهاه عنه ثم يلتزم طاعة الله ورسوله وما(2\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "486",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "488",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خفي عليه فهو فيه أسوة أمثاله ممن عدا الرسول فكل أحد سواه قد خفي عليه بعض ما جاء به ولم يخرجه ذلك عن كونه من أهل العلم ولم يكلفه الله ما لا يطيق من معرفة الحق واتباعه. قال أبو عمر: وليس أحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا وقد خفي عليه بعض أمره فإذا أوجب الله سبحانه على كل أحد ما استطاعه وبلغته قواه من معرفة الحق وعذره فيما خفي عليه منه. فأخطأ أو قلد فيه غيره كان ذلك هو مقتضى حكمته وعدله ورحمته بخلاف ما لو فرض على العباد تقليد من شاءوا من العلماء وأن يختار كل منهم رجلا ينصبه معيارا على وحيه ويعرض عن أخذ الأحكام واقتباسها من مشكاة الوحي فإن هذا ينافي حكمته ورحمته وإحسانه ويؤدي إلى ضياع وهجر كتابه وسنة رسوله كما وقع فيه من وقع وبالله التوفيق.  [الفرق بين المقلد والمأموم] [فرق عظيم بين المقلد والمأموم] الوجه التاسع والستون: قولكم quot;: إنكم في تقليدكم بمنزلة المأموم مع الإمام والمتبوع مع التابع فالركب خلف الدليل quot; جوابه إنا والله حولها ندندن ولكن الشأن في الإمام والدليل والمتبوع الذي فرض الله على الخلائق أن تأتم به وتتبعه وتسير خلفه وأقسم سبحانه بعزته أن العباد لو أتوه من كل طريق أو استفتحوا من كل باب لم يفتح لهم حتى يدخلوا خلفه فهذا لعمر الله هو إمام الخلق ودليلهم وقائدهم حقا. ولم يجعل الله منصب الإمامة بعده إلا لمن دعا إليه ودل عليه وأمر الناس أن يقتدوا به ويأتموا به ويسيروا خلفه وأن لا ينصبوا لنفوسهم متبوعا ولا إماما ولا دليلا غيره بل يكون العلماء مع الناس بمنزلة أئمة الصلاة مع المصلين كل واحد يصلي طاعة لله وامتثالا لأمره وهم في الجماعة متعاونون متساعدون بمنزلة الوفد مع الدليل كلهم يحج طاعة لله وامتثالا لأمره لا أن المأموم يصلي لأجل كون الإمام يصلي بل هو يصلي صلى إمامه أو لا. بخلاف المقلد فإنه إنما ذهب إلى قول متبوعه لأنه قاله لا لأن الرسول قاله ولو كان كذلك لدار مع قول الرسول أين كان ولم يكن مقلدا. فاحتجاجهم بإمام الصلاة ودليل الحاج من أظهر الحجج عليهم. يوضحه الوجه السبعون: أن المأموم قد علم أن هذه الصلاة التي فرضها الله سبحانه على عباده وأنه وإمامه في وجوبها سواء وأن هذا البيت هو الذي فرض الله حجه على كل من استطاع إليه سبيلا وأنه هو والدليل في هذا الفرض سواء فهو لم يحج تقليدا للدليل ولم يصل تقليدا للإمام. وقد استأجر النبي - صلى الله عليه وسلم - دليلا يدله على طريق المدينة لما هاجر الهجرة التي فرضها الله عليه وصلى خلف عبد الرحمن بن عوف مأموما والعالم يصلي خلف مثله ومن هو دونه بل خلف من ليس بعالم وليس من تقليده في شيء.(2\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "487",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "489",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يوضحه الوجه الحادي والسبعون: أن المأموم يأتي بمثل ما يأتي به الإمام سواء والركب يأتون بمثل ما يأتي به الدليل ولو لم يفعلا ذلك لما كان هذا متبعا فالمتبع للأئمة هو الذي يأتي بمثل ما أتوا به سواء من معرفة الدليل وتقديم الحجة وتحكيمها حيث كانت ومع من كانت فهذا يكون متبعا لهم وأما مع إعراضه عن الأصل الذي قامت عليه إمامتهم ويسلك غير سبيلهم ثم يدعي أنه مؤتم بهم فتلك أمانيهم ويقال لهم هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين [البقرة: 111] .  [الصحابة كانوا يبلغون الناس حكم الله ورسوله] الوجه الثاني والسبعون: قولكم: quot; إن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتحوا البلاد وكان الناس حديثي عهد بالإسلام وكانوا يفتونهم ولم يقولوا لأحد منهم: عليك أن تطلب معرفة الحق في هذه الفتوى بالدليل quot; جوابه أنهم لم يفتوهم بآرائهم وإنما بلغوهم ما قاله نبيهم وفعله وأمر به فكان ما أفتوهم به هو الحكم وهو الحجة وقالوا لهم: هذا عهد نبينا إلينا وهو عهدنا إليكم فكان ما يخبرونهم به هو نفس الدليل وهو الحكم فإن كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الحكم وهو دليل الحكم وكذلك القرآن وكان الناس إذ ذاك إنما يحرصون على معرفة ما قاله نبيهم وفعله وأمر به وإنما تبلغهم الصحابة ذلك فأين هذا من زمان إنما يحرص أشباه الناس فيه على ما قاله الآخر فالآخر وكلما تأخر الرجل أخذوا كلامه وهجروا أو كادوا يهجرون كلام من فوقه حتى تجد أتباع الأئمة أشد الناس هجرا لكلامهم وأهل كل عصر إنما يقضون ويفتون بقول الأدنى فالأدنى إليهم وكلما بعد العهد ازداد كلام المتقدم هجرا ورغبة عنه حتى إن كتبه لا تكاد تجد عندهم منها شيئا بحسب تقدم زمانه ولكن أين قال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للتابعين: لينصب كل منكم لنفسه رجلا يختاره ويقلده دينه ولا يلتفت إلى غيره ولا يتلق الأحكام من الكتاب والسنة بل من تقليد الرجال فإذا جاءكم عن الله ورسوله شيء وعمن نصبتموه إماما تقلدونه فخذوا بقوله ودعوا ما بلغكم عن الله ورسوله فوالله لو كشف الغطاء لكم وحقت الحقائق لرأيتم نفوسكم وطريقكم مع الصحابة كما قال الأول: نزلوا بمكة في قبائل هاشم ... ونزلت بالبيداء أبعد منزل وكما قال الثاني: سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب(2\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "488",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "490",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكما قال الثالث: أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يماني.  [ليس التقليد من لوازم الشرع] [ليس التقليد من لوازم الشرع] : الوجه الثالث والسبعون: قولكم quot; إن التقليد من لوازم الشرع والقدر والمنكرون له مضطرون إليه ولا بد كما تقدم بيانه من الأحكام quot; جوابه أن التقليد المنكر المذموم ليس من لوازم الشرع وإن كان من لوازم القدر بل بطلانه وفساده من لوازم الشرع كما عرف بهذه الوجوه التي ذكرناها وأضعافها وإنما الذي من لوازم الشرع المتابعة وهذه المسائل التي ذكرتم أنها من لوازم الشرع ليست تقليدا وإنما هي متابعة وامتثال للأمر فإن أبيتم إلا تسميتها تقليدا فالتقليد بهذا الاعتبار حق وهو من الشرع ولا يلزم من ذلك أن يكون التقليد الذي وقع النزاع فيه من الشرع ولا من لوازمه وإنما بطلانه من لوازمه. يوضحه الوجه الرابع والسبعون: أن ما كان من لوازم الشرع فبطلان ضده من لوازم الشرع فلو كان التقليد الذي وقع فيه النزاع من لوازم الشرع لكان بطلان الاستدلال واتباع الحجة في موضع التقليد من لوازم الشرع فإن ثبوت أحد النقيضين يقتضي انتفاء الآخر وصحة أحد الضدين يوجب بطلان الآخر وتحرره دليلا فنقول: لو كان التقليد من الدين لم يجز العدول عنه إلى الاجتهاد والاستدلال لأنه يتضمن بطلانه. فإن قيل: كلاهما من الدين أو أحدهما أكمل من الآخر فيجوز العدول عن المفضول إلى الفاضل. قيل: إذا كان قد انسد باب الاجتهاد عندكم وقطعتم طريقه وصار الغرض هو التقليد فالعدول عنه إلى ما قد سد بابه وقطعت طريقه يكون عندكم معصية وفاعله آثما وفي هذا من قطع طريق العلم وإبطال حجج الله وبيناته وخلو الأرض من قائم لله بحججه ما يبطل هذا القول ويدحضه وقد ضمن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لا تزال طائفة من أمته على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة وهؤلاء هم أولو العلم والمعرفة بما بعث الله به رسوله فإنهم على بصيرة وبينة بخلاف الأعمى الذي قد شهد على نفسه بأنه ليس من أولي العلم والبصائر. والمقصود أن الذي هو من لوازم الشرع المتابعة والاقتداء وتقديم النصوص على آراء الرجال وتحكيم الكتاب والسنة في كل ما تنازع فيه العلماء. وأما الزهد في النصوص(2\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "489",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "491",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والاستغناء عنها بآراء الرجال وتقديمها عليها والإنكار على من جعل كتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة نصب عينيه وعرض أقوال العلماء عليها ولم يتخذ من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة فبطلانه من لوازم الشرع ولا يتم الدين إلا بإنكاره وإبطاله فهذا لون والاتباع لون والله الموفق.  [الرواية غير التقليد] [الرواية غير التقليد] : الوجه الخامس والسبعون: قولكم quot; كل حجة أثرية احتججتم بها على بطلان التقليد فأنتم مقلدون لحملتها ورواتها وليس بيد العالم إلا تقليد الراوي ولا بيد الحاكم إلا تقليد الشاهد ولا بيد العامي إلا تقليد العالم إلى آخره quot;. جوابه ما تقدم مرارا من أن هذا الذي سميتموه تقليدا هو اتباع أمر الله ورسوله ولو كان هذا تقليدا لكان كل عالم على وجه الأرض بعد الصحابة مقلدا بل كان الصحابة الذين أخذوا عن نظرائهم مقلدين. ومثل هذا الاستدلال لا يصدر إلا من مشاغب أو ملبس يقصد لبس الحق بالباطل والمقلد لجهله أخذ نوعا صحيحا من أنواع التقليد واستدل به على النوع الباطل منه لوجود القدر المشترك وغفل عن القدر الفارق وهذا هو القياس الباطل المتفق على ذمه وهو أخو هذا التقليد الباطل كلاهما في البطلان سواء. وإذا جعل الله سبحانه خبر الصادق حجة وشهادة العدل حجة لم يكن متبع الحجة مقلدا وإذا قيل: إنه مقلد للحجة فجهلا بهذا التقليد وأهله وهل تدندن إلا حوله والله المستعان.  [ادعاء أن التقليد أسلم من طلب الحجة] [الجواب على ادعاء أن التقليد أسلم من طلب الحجة] الوجه السادس والسبعون: قولكم quot; أنتم منعتم من التقليد خشية وقوع المقلد في الخطأ بأن يكون من قلده مخطئا في فتواه ثم أوجبتم عليه النظر والاستدلال في طلب الحق ولا ريب أن صوابه في تقليده لمن هو أعلم منه أقرب من اجتهاده هو لنفسه كمن أراد شراء سلعة لا خبرة له بها فإنه إذا قلد عالما بتلك السلعة خبيرا بها أمينا ناصحا كان صوابه وحصول غرضه أقرب من اجتهاده لنفسه quot; جوابه من وجوه: أحدها: أنا منعنا التقليد طاعة لله ورسوله والله ورسوله منع منه وذم أهله في كتابه وأمر بتحكيمه وتحكيم رسوله ورد ما تنازعت فيه الأمة إليه وإلى رسوله وأخبر أن الحكم له وحده ونهى أن يتخذ من دونه ودون رسوله وليجة وأمر أن يعتصم بكتابه ونهى أن يتخذ من دونه أولياء وأربابا يحل من اتخذهم ما أحلوه ويحرم ما حرموه وجعل من لا(2\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "490",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "492",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "علم له بما أنزله على رسوله بمنزلة الأنعام وأمر بطاعة أولي الأمر إذا كانت طاعتهم طاعة لرسوله بأن يكونوا متبعين لأمره مخبرين به وأقسم بنفسه سبحانه أنا لا نؤمن حتى نحكم الرسول خاصة فيما شجر بيننا لا نحكم غيره ثم لا نجد في أنفسنا حرجا مما حكم به كما يجده المقلدون إذا جاء حكمه خلاف قول من قلدوه وأن نسلم لحكمه تسليما كما يسلم المقلدون لأقوال من قلدوه بل تسليما أعظم من تسليمهم وأكمل والله المستعان. وذم من حاكم إلى غير الرسول وهذا كما أنه ثابت في حياته فهو ثابت بعد مماته فلو كان حيا بين أظهرنا وتحاكمنا إلى غيره لكنا من أهل الذم والوعيد فسنته وما جاء به من الهدى ودين الحق لم يمت وإن فقد من بين الأمة شخصه الكريم فلم يفقد من بيننا سنته ودعوته وهديه والعلم والإيمان بحمد الله مكانهما من ابتغاهما وجدهما وقد ضمن الله سبحانه حفظ الذكر الذي أنزله على رسوله فلا يزال محفوظا بحفظ الله محميا بحمايته لتقوم حجة الله على عباده قرنا بعد قرن إذ كان نبيهم آخر الأنبياء ولا نبي بعده فكان حفظه لدينه وما أنزله على رسوله مغنيا عن رسول آخر بعد خاتم الرسل والذي أوجبه الله سبحانه وفرضه على الصحابة من تلقي العلم والهدى من القرآن والسنة دون غيرهما هو بعينه واجب على من بعدهم وهو محكم لم ينسخ ولا يتطرق إليه النسخ حتى ينسخ الله العالم أو يطوي الدنيا وقد ذم الله تعالى من إذا دعي إلى ما أنزله وإلى رسوله صد وأعرض وحذره أن تصيبه مصيبة بإعراضه عن ذلك في قلبه ودينه ودنياه وحذر من خالف عن أمره واتبع غيره أن تصيبه فتنة أو يصيبه عذاب أليم فالفتنة في قلبه والعذاب الأليم في بدنه وروحه وهما متلازمان فمن فتن في قلبه بإعراضه عما جاء به ومخالفته له إلى غيره أصيب بالعذاب الأليم ولا بد وأخبر سبحانه أنه إذا قضى أمرا على لسان رسوله لم يكن لأحد من المؤمنين أن يختار من أمره غير ما قضاه فلا خيرة بعد قضائه لمؤمن ألبتة ونحن نسأل المقلدين: هل يمكن أن يخفى قضاء الله ورسوله على من قلدتموه دينكم في كثير من المواضع أم لا  [مثل مما خفي على كبار الصحابة] : فإن قالوا: quot; لا يمكن أن يخفى عليه ذلك quot; أنزلوه فوق منزلة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة كلهم فليس أحد منهم إلا وقد خفي عليه بعض ما قضى الله ورسوله به فهذا الصديق أعلم الأمة به خفي عليه ميراث الجدة حتى أعلمه به محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة وخفي عليه أن الشهيد لا دية له حتى أعلمه به عمر فرجع إلى قوله. وخفي على عمر تيمم الجنب فقال: لو بقي شهرا لم يصل حتى يغتسل وخفي عليه دية الأصابع فقضى في الإبهام والتي تليها بخمس وعشرين حتى أخبر أن في كتاب آل عمرو بن حزم(2\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "491",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "493",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى فيها بعشر عشر فترك قوله ورجع إليه وخفي عليه شأن الاستئذان حتى أخبره به أبو موسى وأبو سعيد الخدري وخفي عليه توريث المرأة من دية زوجها حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان الكلابي - وهو أعرابي من أهل البادية - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها وخفي عليه حكم إملاص المرأة حتى سأل عنه فوجده عند المغيرة بن شعبة وخفي عليه أمر المجوس في الجزية حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذها من مجوس هجر وخفي عليه سقوط طواف الوداع عن الحائض فكان يردهن حتى يطهرن ثم يطفن حتى بلغه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلاف ذلك فرجع عن قوله وخفي عليه التسوية بين دية الأصابع وكان يفاضل بينها حتى بلغته السنة في التسوية فرجع إليها وخفي عليه شأن متعة الحج وكان ينهى عنها حتى وقف على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بها فترك قوله وأمر بها. وخفي عليه جواز التسمي بأسماء الأنبياء فنهى عنه حتى أخبره به طلحة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كناه أبا محمد فأمسك ولم يتماد على النهي هذا وأبو موسى ومحمد بن مسلمة وأبو أيوب من أشهر الصحابة ولكن لم يمر بباله - رضي الله عنه - أمر هو بين يديه حتى نهى عنه وكما خفي عليه قوله تعالى إنك ميت وإنهم ميتون [الزمر: 30] وقوله وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم [آل عمران: 144] حتى قال: والله كأني ما سمعتها قط قبل وقتي هذا وكما خفي عليه حكم الزيادة في المهر على مهر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وبناته حتى ذكرته تلك المرأة بقوله تعالى: وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا [النساء: 20] فقال: كل أحد أفقه من عمر حتى النساء وكما خفي عليه أمر الجد والكلالة وبعض أبواب الربا فتمنى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان عهد إليهم فيها عهدا. وكما خفي عليه يوم الحديبية أن وعد الله لنبيه وأصحابه بدخول مكة مطلق لا يتعين لذاك العام حتى بينه له النبي - صلى الله عليه وسلم -. وكما خفي عليه جواز استدامة الطيب للمحرم وتطيبه بعد النحر وقبل طواف الإفاضة وقد صحت السنة بذلك وكما خفي عليه أمر القدوم على محل الطاعون والفرار منه حتى أخبر بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوها فإذا وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا منها فرارا منه هذا وهو أعلم الأمة بعد الصديق على الإطلاق. وهو كما قال ابن مسعود quot; لو وضع علم عمر في كفة ميزان وجعل علم أهل الأرض في كفة لرجح علم عمر quot; قال الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: والله إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم. وخفي على عثمان بن عفان أقل مدة الحمل حتى ذكره ابن عباس بقوله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا [الأحقاف: 15] مع قوله والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين [البقرة: 233](2\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "492",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "494",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فرجع إلى ذلك وخفي على أبي موسى الأشعري ميراث بنت الابن مع البنت السدس حتى ذكر له أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورثها ذلك. وخفي على ابن العباس تحريم لحوم الحمر الأهلية حتى ذكر له أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرمها يوم خيبر وخفي على ابن مسعود حكم المفوضة وترددوا إليه فيها شهرا فأفتاهم برأيه ثم بلغه النص بمثل ما أفتى به. وهذا باب واسع لو تتبعناه لجاء سفرا كبيرا فنسأل حينئذ فرقة التقليد: هل يجوز أن يخفى على من قلدتموه بعض شأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما خفي ذلك على سادات الأمة أو لا فإن قالوا quot; لا يخفى عليه quot; وقد خفي على الصحابة مع قرب عهدهم بلغوا في الغلو مبلغ مدعي العصمة في الأئمة وإن قالوا: quot; بل يجوز أن يخفى عليهم quot; وهو الواقع وهم مراتب في الخفاء في القلة والكثرة قلنا: فنحن نناشدكم الله الذي هو عند لسان كل قائل وقلبه وإذا قضى الله ورسوله أمرا خفي على من قلدتموه هل تبقى لكم الخيرة بين قبول قوله ورده أم تنقطع خيرتكم وتوجبون العمل بما قضاه الله ورسوله عينا لا يجوز سواه فأعدوا لهذا السؤال جوابا وللجواب صوابا فإن السؤال واقع والجواب لازم. والمقصود أن هذا هو الذي منعنا من التقليد فأين معكم حجة واحدة تقطع العذر وتسوغ لكم ما ارتضيتموه لأنفسكم من التقليد الوجه الثاني: أن قولكم quot; صواب المقلد في تقليده لمن هو أعلم منه أقرب من صوابه في اجتهاده quot; دعوى باطلة فإنه إذا قلد من قد خالفه غيره ممن هو نظيره أو أعلم منه لم يدر على صواب هو من تقليده أو على خطأ بل هو - كما قال الشافعي - حاطب ليل إما أن يقع بيده عود أو أفعى تلدغه وأما إذا بذل اجتهاده في معرفة الحق فإنه بين أمرين إما أن يظفر به فله أجران وإما أن يخطئه فله أجر فهو مصيب للأجر ولا بد بخلاف المقلد المتعصب فإنه إن أصاب لم يؤجر وإن أخطأ لم يسلم من الإثم فأين صواب الأعمى من صواب البصير الباذل جهده الوجه الثالث: أنه إنما يكون أقرب إلى الصواب إذا عرف أن الصواب مع من قلده دون غيره وحينئذ فلا يكون مقلدا له بل متبعا للحجة وأما إذا لم يعرف ذلك ألبتة فمن أين لكم أنه أقرب إلى الصواب من باذل جهده ومستفرغ وسعه في طلب الحق الوجه الرابع: أن الأقرب إلى الصواب عند تنازع العلماء من امتثل أمر الله فرد ما(2\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "493",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "495",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تنازعوا فيه إلى القرآن والسنة وأما من رد ما تنازعوا فيه إلى قول متبوعه دون غيره فكيف يكون أقرب إلى الصواب  الوجه الخامس: أن المثال الذي مثلتم به من أكبر الحجج عليكم فإن من أراد شراء سلعة أو سلوك طريق حين اختلف عليه اثنان أو أكثر وكل منهم يأمره بخلاف ما يأمره به الآخر فإنه لا يقدم على تقليد واحد منهم بل يبقى مترددا طالبا للصواب من أقوالهم فلو أقدم على قبول قول أحدهم مع مساواة الآخر له في المعرفة والنصيحة والديانة أو كونه فوقه في ذلك عد مخاطرا مذموما ولم يمدح إن أصاب وقد جعل الله في فطر العقلاء في مثل هذا أن يتوقف أحدهم ويطلب ترجيح قول المختلفين عليه من خارج حتى يستبين له الصواب ولم يجعل في فطرهم الهجم على قبول قول واحد واطراح قول من عداه. الوجه السابع والسبعون: أن نقول لطائفة المقلدين: هل تسوغون تقليد كل عالم من السلف والخلف أو تقليد بعضهم دون بعض فإن سوغتم تقليد الجميع كان تسويغكم لتقليد من انتميتم إلى مذهبه كتسويغكم لتقليد غيره سواء فكيف صارت أقوال هذا العالم مذهبا لكم تفتون وتقضون بها وقد سوغتم من تقليد هذا ما سوغتم من تقليد الآخر فكيف صار هذا صاحب مذهبكم دون هذا وكيف استجزتم أن تردوا أقوال هذا وتقبلوا أقوال هذا وكلاهما عالم يسوغ اتباعه فإن كانت أقواله من الدين فكيف ساغ لكم دفع الدين وإن لم تكن أقواله من الدين فكيف سوغتم تقليده وهذا لا جواب لكم عنه.  [مجيء روايتين عن أحد الأئمة كمجيء قولين لإمامين] [مجيء روايتين عن أحد الأئمة كمجيء قولين لإمامين] : يوضحه الوجه الثامن والسبعون: أن من قلدتموه إذا روي عنه قولان وروايتان سوغتم العمل بهما وقلتم: مجتهد له قولان فيسوغ لنا الأخذ بهذا وهذا وكان القولان جميعا مذهبا لكم فهلا جعلتم قول نظيره من المجتهدين بمنزلة قوله الآخر وجعلتم القولين جميعا مذهبا لكم وربما كان قول نظيره ومن هو أعلم منه أرجح من قوله الآخر وأقرب إلى الكتاب والسنة يوضحه الوجه التاسع والسبعون: أنكم معاشر المقلدين إذا قال بعض أصحابكم ممن قلدتموه قولا خلاف قول المتبوع أو خرجه على قوله جعلتموه وجها وقضيتم وأفتيتم به وألزمتم بمقتضاه فإذا قال الإمام الذي هو نظير متبوعكم أو فوقه قولا يخالفه لم تلتفتوا إليه ولم تعدوه شيئا ومعلوم أن واحدا من الأئمة الذين هم نظير متبوعكم أجل من جميع أصحابه من أولهم إلى آخرهم فقدروا أسوأ المقادير أن يكون قوله بمنزلة وجه في(2\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "494",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "496",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مذهبكم. فيا لله العجب صار من أفتى أو حكم بقول واحد من مشايخ المذهب أحق بالقبول ممن أفتى بقول الخلفاء الراشدين وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وأبي الدرداء ومعاذ بن جبل وهذا من بركة التقليد عليكم. وتمام ذلك الوجه الثمانون: أنكم إن رمتم التخلص من هذه الخطة وقلتم: بل يسوغ تقليد بعضهم دون بعض وقال كل فرقة منكم: يسوغ أو يجب تقليد من قلدناه دون غيره من الأئمة الذين هم مثله أو أعلم منه كان أقل ما في ذلك معارضة قولكم بقول الفرقة الأخرى في ضرب هذه الأقوال بعضها ببعض. ثم يقال: ما الذي جعل متبوعكم أولى بالتقليد من متبوع الفرقة الأخرى بأي كتاب أم بأية سنة وهل تقطعت الأمة أمرها بينها زبرا وصار كل حزب بما لديهم فرحون إلا بهذا السبب  فكل طائفة تدعوا إلى متبوعها وتنأى عن غيره وتنهى عنه وذلك مفض إلى التفريق بين الأمة وجعل دين الله تابعا للتشهي والأغراض وعرضة للاضطراب والاختلاف وهذا كله يدل على أن التقليد ليس من عند الله للاختلاف الكثير الذي فيه ويكفي في فساد هذا المذهب تناقض أصحابه ومعارضة أقوالهم بعضها ببعض ولو لم يكن فيه من الشناعة إلا إيجابهم تقليد صاحبهم وتحريمهم تقليد الواحد من أكابر الصحابة كما صرحوا به في كتبهم. الوجه الحادي والثمانون: أن المقلدين حكموا على الله قدرا وشرعا بالحكم الباطل جهارا المخالف لما أخبر به رسوله فأخلوا الأرض من القائمين لله بحججه وقالوا: لم يبق في الأرض عالم منذ الأعصار المتقدمة فقالت طائفة: ليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر بن الهذيل ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد اللؤلؤي وهذا قول كثير من الحنفية. وقال بكر بن العلاء القشيري المالكي: ليس لأحد أن يختار بعد المائتين من الهجرة وقال آخرون: ليس لأحد أن يختار بعد الأوزاعي وسفيان الثوري ووكيع بن الجراح وعبد الله بن المبارك وقالت طائفة: ليس لأحد أن يختار بعد الشافعي واختلف المقلدون من أتباعه فيمن يؤخذ بقوله من المنتسبين إليه ويكون له وجه يفتي ويحكم به من ليس كذلك. وجعلوهم ثلاث مراتب: طائفة أصحاب وجوه كابن سريج والقفال وأبي حامد وطائفة أصحاب احتمالات لا أصحاب وجوه كأبي المعالي وطائفة ليسوا أصحاب وجوه ولا احتمالات كأبي حامد وغيره واختلفوا متى انسد باب الاجتهاد على أقوال كثيرة ما أنزل الله بها من سلطان وعند هؤلاء أن الأرض قد خلت من قائم لله بحجة ولم يبق فيها من يتكلم بالعلم ولم يحل لأحد بعد أن ينظر في كتاب الله ولا سنة رسوله لأخذ الأحكام منهما ولا يقضي ويفتي بما فيهما حتى يعرضه على قول مقلده ومتبوعه فإن وافقه حكم به(2\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "495",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "497",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأفتى به وإلا رده ولم يقبله. وهذه أقوال - كما ترى - قد بلغت من الفساد والبطلان والتناقض والقول على الله بلا علم وإبطال حججه والزهد في كتابه وسنة رسوله وتلقي الأحكام منهما مبلغها ويأبى الله إلا أن يتم نوره ويصدق قول رسوله. إنه لا تخلو الأرض من قائم لله بحججه ولن تزال طائفة من أمته على محض الحق الذي بعثه به وأنه لا يزال يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد لها دينها ويكفي في فساد هذه الأقوال أن يقال لأربابها: فإذا لم يكن لأحد أن يختار بعد من ذكرتم فمن أين وقع لكم اختيار تقليدهم دون غيرهم وكيف حرمتم على الرجل أن يختار ما يؤديه إليه اجتهاده من القول الموافق لكتاب الله وسنة رسوله وأبحتم لأنفسكم اختيار قول من قلدتموه وأوجبتم على الأمة تقليده وحرمتم تقليد من سواه ورجحتموه على تقليد من سواه فما الذي سوغ لكم هذا الاختيار الذي لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا قول صاحب وحرم اختيار ما دل عليه الدليل من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ويقال لكم: فإذا كان لا يجوز الاختيار بعد المائتين عندك ولا عند غيرك فمن أين ساغ لك وأنت لم تولد إلا بعد المائتين بنحو ستين سنة أن تختار قول مالك دون من هو أفضل منه من الصحابة والتابعين أو من هو مثله من فقهاء الأمصار أو ممن جاء بعده وموجب هذا القول أن أشهب وابن الماجشون ومطرف بن عبد الله وأصبغ بن الفرج وسحنون بن سعيد وأحمد بن المعدل ومن في طبقتهم من الفقهاء كان لهم أن يختاروا إلى انسلاخ ذي الحجة من سنة مائتين فلما استهل هلال المحرم من سنة إحدى ومائتين وغابت الشمس من تلك الليلة حرم عليهم في الوقت بلا مهلة ما كان مطلقا لهم من الاختيار. ويقال للآخرين: أليس من المصائب وعجائب الدنيا تجويزكم الاختيار والاجتهاد والقول في دين الله بالرأي والقياس لمن ذكرتم من أئمتكم ثم لا تجيزون الاختيار والاجتهاد لحفاظ الإسلام وأعلم الأمة بكتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة وفتاواهم كأحمد بن حنبل والشافعي وإسحاق بن راهويه ومحمد بن إسماعيل البخاري وداود بن علي ونظرائهم على سعة علمهم بالسنن ووقوفهم على الصحيح منها والسقيم وتحريهم في معرفة أقوال الصحابة والتابعين ودقة نظرهم ولطف استخراجهم للدلائل ومن قال منهم بالقياس فقياسه من أقرب القياس إلى الصواب وأبعده عن الفساد وأقربه إلى النصوص مع شدة ورعهم وما منحهم الله من محبة المؤمنين لهم وتعظيم المسلمين علمائهم وعامتهم لهم فإن احتج كل فريق منهم بترجيح متبوعه بوجه من وجوه التراجيح من تقدم زمان أو زهد أو ورع أو لقاء شيوخ وأئمة لم يلقهم من بعده أو كثرة أتباع لم يكونوا لغيره أمكن الفريق الآخر أن يبدوا لمتبوعهم من الترجيح(2\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "496",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "498",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بذلك أو غيره ما هو مثل هذا أو فوقه وأمكن غير هؤلاء كلهم أن يقولوا لهم جميعا: نفوذ قولكم هذا إن لم تأنفوا من التناقض يوجب عليكم أن تتركوا قول متبوعكم لقول من هو أقدم منه من الصحابة والتابعين وأعلم وأورع وأزهد وأكثر اتباعا وأجل فأين أتباع ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل بل أتباع عمر وعلي من أتباع الأئمة المتأخرين في الكثرة والجلالة وهذا أبو هريرة قال البخاري: حمل العلم عنه ثمانمائة رجل ما بين صاحب وتابع وهذا زيد بن ثابت من جملة أصحاب عبد الله بن عباس وأين في أتباع الأئمة مثل عطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وجابر بن زيد وأين في أتباعهم مثل السعيدين والشعبي ومسروق وعلقمة والأسود وشريح وأين في أتباعهم مثل نافع وسالم والقاسم وعروة وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار وأبي بكر بن عبد الرحمن فما الذي جعل الأئمة بأتباعهم أسعد من هؤلاء بأتباعهم ولكن أولئك وأتباعهم على قدر عصرهم فعظمهم وجلالتهم وكبرهم منع المتأخرين من الاقتداء بهم وقالوا بلسان قالهم وحالهم: هؤلاء كبار علينا لسنا من زبونهم كما صرحوا وشهدوا على أنفسهم فإن أقدارهم تتقاصر عن تلقي العلم من القرآن والسنة وقالوا: لسنا أهلا لذلك لا لقصور الكتاب والسنة ولكن لعجزنا نحن وقصورنا فاكتفينا بمن هو أعلم بهما منا فيقال لهم: فلم تنكرون على من اقتدى بهما وحكمهما وتحاكم إليهما وعرض أقوال العلماء عليهما فما وافقهما قبله وما خالفهما رده فهب أنكم لم تصلوا إلى هذا العنقود فلم تنكرون على من وصل إليه وذاق حلاوته وكيف تحجرتم الواسع من فضل الله الذي ليس على قياس عقول العالمين ولا اقتراحاتهم وهم وإن كانوا في عصركم ونشئوا معكم وبينكم وبينهم نسب قريب فالله يمن على من يشاء من عباده. وقد أنكر الله سبحانه على من رد النبوة بأن الله صرفها عن عظماء القرى ومن رؤسائها وأعطاها لمن ليس كذلك بقوله: أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون [الزخرف: 32] وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: مثل أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره وقد أخبر الله سبحانه عن السابقين بأنهم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين وأخبر سبحانه أنه بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ثم قال: وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم [الجمعة: 3] ثم أخبر أن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم [الحديد: 21] .(2\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "497",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "499",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد أطلنا الكلام في القياس والتقليد وذكرنا من مآخذهما وحجج أصحابهما وما لهم وعليهم من المنقول والمعقول ما لا يجده الناظر في كتاب من كتب القوم من أولها إلى آخرها ولا يظفر به في غير هذا الكتاب أبدا وذلك بحول الله وقوته ومعونته وفتحه فله الحمد والمنة وما كان فيه من صواب فمن الله هو المان به وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان وليس الله ورسوله ودينه في شيء منه وبالله التوفيق.  [فصل الإفتاء والحكم في دين الله بما يخالف النصوص] فصل في تحريم الإفتاء والحكم في دين الله بما يخالف النصوص وسقوط الاجتهاد والتقليد عند ظهور النص وذكر إجماع العلماء على ذلك. [الدلائل على أن النص لا اجتهاد معه] قال الله تعالى: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا [الأحزاب: 36] . وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم [الحجرات: 1] وقال تعالى: إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون [النور: 51] وقال تعالى: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما [النساء: 105] وقال تعالى: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون [الأعراف: 3] وقال تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون [الأنعام: 153] وقال تعالى: إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين [الأنعام: 57] وقال تعالى: له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا [الكهف: 26] وقال تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون - ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون - ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون [المائدة: 44 - 47] فأكد هذا التأكيد وكرر هذا التقرير في موضع واحد لعظم مفسدة الحكم بغير ما أنزله وعموم مضرته وبلية الأمة به وقال: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون [الأعراف: 33] وأنكر تعالى على من حاج في دينه بما ليس له به علم فقال:(2\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "498",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "500",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون [آل عمران: 66] ونهى أن يقول أحد هذا حلال وهذا حرام لما لم يحرمه الله ورسوله نصا وأخبر أن فاعل ذلك مفتر على الله الكذب فقال: ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون [النحل: 116] متاع قليل ولهم عذاب أليم [النحل: 117] والآيات في هذا المعنى كثيرة. وأما السنة ففي الصحيحين من حديث ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته شريك بن سحماء عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر حديث اللعان وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء وإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية فجاءت به على النعت المكروه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن يريد - والله ورسوله أعلم - بكتاب الله قوله تعالى ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله [النور: 8] ويريد بالشأن - والله أعلم - أنه كان يحدها لمشابهة ولدها للرجل الذي رميت به ولكن كتاب الله فصل الحكومة وأسقط كل قول وراءه ولم يبق للاجتهاد بعده موقع. [من أقوال العلماء في ذلك المعنى] وقال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي يزيد عن أبيه قال: أرسل عمر بن الخطاب إلى شيخ من زهرة كان يسكن دارنا فذهبت معه إلى عمر - رضي الله عنه - فسأله عن ولاد من ولاد الجاهلية فقال: أما الفراش فلفلان وأما النطفة فلفلان فقال عمر: صدقت ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بالفرش . قال الشافعي: وأخبرني من لا أتهم عن ابن أبي ذئب قال: أخبرني مخلد بن خفاف قال: ابتعت غلاما فاستغللته ثم ظهرت منه على عيب فخاصمت فيه إلى عمر بن عبد العزيز فقضى لي برده وقضى علي برد غلته فأتيت عروة فأخبرته فقال: أروح إليه العشية فأخبره أن عائشة أخبرتني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - quot; قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان فعجلت إلى عمر فأخبرته بما أخبرني به عروة عن عائشة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عمر: فما أيسر هذا علي من قضاء قضيته اللهم إنك تعلم أني لم أرد فيه إلا الحق فبلغتني فيه سنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأرد قضاء عمر وأنفذ سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فراح إليه عروة فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به علي له.(2\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "499",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "501",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الشافعي: وأخبرني من لا أتهم من أهل المدينة عن ابن أبي ذئب قال: قضى سعد بن إبراهيم على رجل بقضية برأي ربيعة بن أبي عبد الرحمن فأخبرته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بخلاف ما قضى به فقال سعد لربيعة: هذا ابن أبي ذئب وهو عندي ثقة يخبرني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بخلاف ما قضيت به فقال له ربيعة: قد اجتهدت ومضى حكمك فقال سعد: واعجبا أنفذ قضاء سعد بن أم سعد وأرد قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل أرد قضاء سعد بن أم سعد وأنفذ قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعا سعد بكتاب القضية فشقه وقضى للمقضي عليه فليوحشنا المقلدون ثم أوحش الله منهم. وقال أبو النضر هاشم بن الرسم: حدثنا محمد بن راشد عن عبدة بن أبي لبابة عن هشام بن يحيى المخزومي أن رجلا من ثقيف أتى عمر بن الخطاب فسأله عن امرأة حاضت وقد كانت زارت البيت يوم النحر ألها أن تنفر فقال عمر: لا فقال له الثقفي: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفتاني في مثل هذه المرأة بغير ما أفتيت به فقام إليه عمر يضربه بالدرة ويقول له: لم تستفتيني في شيء قد أفتى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورواه أبو داود بنحوه. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا صالح بن عبد الله ثنا سفيان بن عامر عن عتاب بن منصور قال: قال عمر بن عبد العزيز: لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال الشافعي: أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس. وتواتر عنه أنه قال: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط وصح عنه أنه قال: إذا رويت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثا ولم آخذ به فاعلموا أن عقلي قد ذهب وصح عنه أنه قال: لا قول لأحد مع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال إسرائيل: عن أبي إسحاق عن سعد بن إياس عن ابن مسعود أن رجلا سأله عن رجل تزوج امرأة فرأى أمها فأعجبته فطلق امرأته ليتزوج أمها فقال: لا بأس فتزوجها الرجل وكان عبد الله على بيت المال فكان يبيع نفاية بيت المال يعطي الكثير ويأخذ القليل حتى قدم المدينة فسأل أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: لا تحل لهذا الرجل هذه المرأة ولا تصلح الفضة إلا وزنا بوزن فلما قدم عبد الله انطلق إلى الرجل فلم يجده ووجد قومه فقال: إن الذي أفتيت به صاحبكم لا يحل وأتى الصيارفة فقال: يا معشر الصيارفة إن الذي كنت أبايعكم لا يحل لا تحل الفضة إلا وزنا بوزن. وفي صحيح مسلم من حديث الليث عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار أن أبا هريرة وابن عباس وأبا سلمة بن عبد الرحمن تذاكروا في المتوفى عنها الحامل تضع عند(2\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "500",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "502",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفاة زوجها فقال ابن عباس: تعتد آخر الأجلين فقال أبو سلمة: تحل حين تضع فقال أبو هريرة: وأنا مع ابن أخي فأرسلوا إلى أم سلمة فقالت: قد وضعت سبيعة بعد وفاة زوجها بيسير فأمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تتزوج . وقد تقدم من ذكر رجوع عمر - رضي الله عنه - وأبي موسى وابن عباس عن اجتهادهم إلى السنة ما فيه كفاية. وقال شداد بن حكيم عن زفر بن الهذيل: إنما نأخذ بالرأي ما لم نجد الأثر فإذا جاء الأثر تركنا الرأي وأخذنا بالأثر. وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة الملقب بإمام الأئمة: لا قول لأحد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صح الخبر عنه وقد كان إمام الأئمة ابن خزيمة - رحمه الله تعالى - له أصحاب ينتحلون مذهبه ولم يكن مقلدا بل إماما مستقلا كما ذكر البيهقي في مدخله عن يحيى بن محمد العنبري قال: طبقات أصحاب الحديث خمسة: المالكية والشافعية والحنبلية والراهوية والخزيمية أصحاب ابن خزيمة. وقال الشافعي: إذا حدث الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو ثابت ولا يترك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث أبدا إلا حديث وجد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخر يخالفه. وقال في كتاب اختلافه مع مالك: ما كان الكتاب والسنة موجودين فالعذر على من سمعهما مقطوع إلا بإتيانهما. وقال الشافعي: قال لي قائل: دلني على أن عمر عمل شيئا ثم صار إلى غيره لخبر نبوي قلت له: حدثنا سفيان عن الزهري عن ابن المسيب أن عمر كان يقول: الدية للعاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إليه أن يورث امرأة الضبابي من ديته فرجع إليه عمر وأخبرنا ابن عيينة عن عمرو وابن طاوس أن عمر قال: أذكر الله امرأ سمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجنين شيئا فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين جاريتين لي فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فألقت جنينا ميتا فقضى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغرة  فقال عمر: لو لم نسمع فيه هذا لقضينا فيه بغير هذا أو قال: إن كدنا لنقضي فيه برأينا فترك اجتهاده - رضي الله عنه - للنص.  [يصار إلى الاجتهاد وإلى القياس عند الضرورة] [يصار إلى الاجتهاد وإلى القياس عند الضرورة] : وهذا هو الواجب على كل مسلم إذ اجتهاد الرأي إنما يباح للمضطر كما تباح له الميتة والدم عند الضرورة فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم [البقرة: 173] .(2\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "501",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "503",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك القياس إنما يصار إليه عند الضرورة. قال الإمام أحمد: سألت الشافعي عن القياس فقال: عند الضرورة ذكره البيهقي في مدخله. وكان زيد بن ثابت لا يرى للحائض أن تنفر حتى تطوف طواف الوداع وتناظر في ذلك هو وعبد الله بن عباس فقال له ابن عباس: إما لا فسل فلانة الأنصارية هل أمرها بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجع زيد يضحك ويقول: ما أراك إلا قد صدقت ذكره البخاري في صحيحه بنحوه. وقال ابن عمر: كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسا حتى زعم رافع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها فتركناها من أجل ذلك. وقال ابن عمرو بن دينار: عن سالم بن عبد الله أن عمر بن الخطاب نهى عن الطيب قبل زيارة البيت وبعد الجمرة فقالت عائشة: طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق. قال الشافعي: فترك سالم قول جده لروايتها قلت: لا كما تصنع فرقة التقليد. وقال الأصم: أخبرنا الربيع بن سليمان لنعطينك جملة تغنيك إن شاء الله لا تدع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثا أبدا إلا أن يأتي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلافه فتعمل بما قلت لك في الأحاديث إذا اختلفت. قال الأصم: وسمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعوا ما قلت وقال أبو محمد الجارودي: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلاف قولي فخذوا بالسنة ودعوا قولي فإني أقول بها وقال أحمد بن علي بن عيسى بن ماهان الرازي: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: كل مسألة تكلمت فيها صح الخبر فيها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي. وقال حرملة بن يحيى: قال الشافعي: ما قلت وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قال بخلاف قولي مما يصح فحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى لا تقلدوني وقال الحاكم: سمعت الأصم يقول: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: وروى حديثا فقال له رجل: تأخذ بهذا يا أبا عبد الله فقال: متى رويت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثا صحيحا فلم آخذ به فأشهدكم أن عقلي قد ذهب وأشار بيده إلى رءوسهم. وقال الحميدي: سأل رجل الشافعي عن مسألة(2\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "502",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "504",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأفتاه وقال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - كذا فقال الرجل: أتقول بهذا قال: أرأيت في وسطي زنارا أتراني خرجت من الكنيسة أقول قال النبي - صلى الله عليه وسلم - وتقول لي: أتقول بهذا روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أقول به وقال الحاكم: أنبأني أبو عمرون السماك مشافهة أن أبا سعيد الجصاص حدثهم قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول - وسأله رجل عن مسألة فقال: روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال كذا وكذا. فقال له السائل يا أبا عبد الله أتقول بهذا فارتعد الشافعي واصفر وحال لونه - وقال: ويحك أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا رويت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا فلم أقل به نعم على الرأس والعينين نعم على الرأس والعينين. قال: وسمعت الشافعي يقول: ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعزب عنه فمهما قلت من قول أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلاف ما قلت فالقول ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو قولي وجعل يردد هذا الكلام. وقال الربيع: قال الشافعي: لم أسمع أحدا نسبته عامة أو نسب نفسه إلى علم يخالف في أن فرض الله اتباع أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتسليم لحكمه فإن الله لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه وإنه لا يلزم قول رجل قال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله وإن ما سواهما تبع لهما وإن فرض الله علينا وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحد لا يختلف فيه الفرض وواجب قبول الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا فرقة سأصف قولها إن شاء الله. وقال الشافعي: ثم تفرق أهل الكلام في تثبيت خبر الواحد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تفرقا متباينا وتفرق عنهم ممن نسبته العامة إلى الفقه تفرقا أتى بعضهم فيه أكثر من التقليد أو التحقيق من النظر والغفلة والاستعجال بالرياسة. وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي: قال لنا الشافعي: إذا صح لكم الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقولوا لي حتى أذهب إليه. وقال الإمام أحمد: كان أحسن أمر الشافعي عندي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده قال به وترك قوله وقال الربيع: قال الشافعي: لا نترك الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن لا يدخله القياس ولا موضع للقياس لموقع السنة وقال الربيع: وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي أنه قضى في بروع بنت واشق أنكحت بغير مهر فمات زوجها فقضى لها بمهر نسائها وقضى لها بالميراث  فإن كان ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو أولى الأمور بنا ولا حجة في قول أحد دون النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا في قياس ولا في شيء إلا طاعة الله بالتسليم له وإن كان لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن لأحد أن يثبت عنه ما لم يثبت ولم أحفظه من وجه يثبت مثله هو مرة عن معقل بن يسار ومرة عن معقل بن سنان ومرة عن بعض أشجع لا يسمى. وقال الربيع: سألت الشافعي عن رفع الأيدي في الصلاة فقال: يرفع المصلي يديه إذا(2\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "503",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "505",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "افتتح الصلاة حذو منكبيه وإذا أراد أن يركع وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك ولا يفعل ذلك في السجود قلت له: فما الحجة في ذلك فقال: أنبأنا ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل قولنا. قال الربيع: فقلت له: فإنا نقول يرفع في الابتداء ثم لا يعود قال الشافعي: أنا مالك عن نافع أن ابن عمر كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك. قال الشافعي: وهو - يعني مالكا - يروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك  ثم خالفتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وابن عمر فقلتم: لا يرفع يديه إلا في ابتداء الصلاة. وقد رويتم عنهما أنهما رفعاهما في الابتداء وعند الرفع من الركوع أفيجوز لعالم أن يترك فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعل ابن عمر لرأي نفسه أو فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لرأي ابن عمر ثم القياس على قول ابن عمر ثم يأتي موضع آخر يصيب فيه فيترك على ابن عمر ما روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فكيف لم ينهه بعض هذا عن بعض أرأيت إذا جاز له أن يروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرفع يديه في مرتين أو ثلاث وعن ابن عمر فيه اثنتين أنأخذ بواحدة ونترك واحدة أيجوز لغيره ترك الذي أخذ به وأخذ الذي ترك أو يجوز لغيره ترك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت له: فإن صاحبنا قال: فما معنى الرفع قال معناه تعظيم لله واتباع لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعنى الرفع في الأولى معنى الرفع الذي خالفتم فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع ثم خالفتم فيه روايتكم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وابن عمر معا ويروي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة عشر رجلا أو أربعة عشر رجلا وروي عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير وجه ومن تركه فقد ترك السنة. قلت: وهذا تصريح من الشافعي بأن تارك رفع اليدين عند الركوع والرفع منه تارك للسنة ونص أحمد على ذلك أيضا في إحدى الروايتين عنه. وقال الربيع: سألت الشافعي عن الطيب قبل الإحرام بما يبقى ريحه بعد الإحرام وبعد رمي الجمرة والحلاق وقبل الإفاضة فقال: جائز وأحبه ولا أكرهه لثبوت السنة فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والأخبار عن غير واحد من الصحابة فقلت: وما حجتك فيه فذكر الأخبار فيه والآثار ثم قال: أنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن سالم قال: قال عمر: من رمى الجمرة فقد حل له ما حرم عليه إلا النساء والطيب قال سالم: وقالت عائشة: طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن تتبع. قال الشافعي: وهكذا ينبغي أن يكون الصالحون وأهل العلم فأما ما تذهبون إليه(2\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "504",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "506",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من ترك السنة وغيرها وترك ذلك لغير شيء بل لرأي أنفسكم فالعلم إذا إليكم تأتون منه ما شئتم وتدعون ما شئتم. وقال في الكتاب القديم رواية الزعفراني في مسألة بيع المدبر في جواب من قال له: إن بعض أصحابك قد قال خلاف هذا. قال الشافعي: فقلت له: من تبع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وافقته ومن خلط فتركها خالفته حتى صاحبي: الذي لا أفارق الملازم الثابت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن بعد والذي أفارق من لم يقل بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن قرب. وقال في خطبة كتابه إبطال الاستحسان: الحمد لله على جميع نعمه بما هو أهله وكما ينبغي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله بعثه بكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فهدى بكتابه ثم على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - ثم أنعم عليه وأقام الحجة على خلقه لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وقال: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة [النحل: 89] وقال: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل: 44] وفرض عليهم اتباع ما أنزل إليهم وسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم فقال: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا [الأحزاب: 36] فاعلم أن معصيته في ترك أمره وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يجعل لهم إلا اتباعه وكذلك قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم [الشورى: 52] صراط الله [الشورى: 53] مع ما علم الله نبيه ثم فرض اتباع كتابه فقال: فاستمسك بالذي أوحي إليك [الزخرف: 43] وقال: وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم [المائدة: 49] وأعلمهم أنه أكمل لهم دينهم فقال عز وجل: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا [المائدة: 3] إلى أن قال: ثم من عليهم بما آتاهم من العلم فأمرهم بالاقتصار عليه وأن لا يقولوا غيره إلا ما علمهم فقال لنبيه: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان [الشورى: 52] وقال لنبيه: قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم [الأحقاف: 9] وقال لنبيه ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا [الكهف: 23] إلا أن يشاء الله [الكهف: 24] ثم أنزل على نبيه أن غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يعني - والله أعلم - ما تقدم من ذنبه قبل الوحي وما تأخر قبل أن يعصمه فلا يذنب فعلم ما يفعل به من رضاه عنه وأنه أول شافع ومشفع يوم القيامة وسيد الخلائق وقال لنبيه: ولا تقف ما ليس لك به علم [الإسراء: 36] وجاءه - صلى الله عليه وسلم - رجل في(2\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "505",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "507",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "امرأة رجل رماها بالزنا فقال له يرجع فأوحى الله إليه آية اللعان فلاعن بينهما. وقال: قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله [النمل: 65] وقال: إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام [لقمان: 34] الآية وقال لنبيه: يسألونك عن الساعة أيان مرساها [النازعات: 42] فيم أنت من ذكراها [النازعات: 43] فحجب عن نبيه علم الساعة وكان من عدا ملائكة الله المقربين وأنبياءه المصطفين من عباد الله أقصر علما من ملائكته وأنبيائه والله عز وجل فرض على خلقه طاعة نبيه ولم يجعل لهم من الأمر شيئا وقد صنف الإمام أحمد - رضي الله عنه - كتابا في طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - رد فيه على من احتج بظاهر القرآن في معارضة سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وترك الاحتجاج بها فقال في أثناء خطبته: إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون وأنزل عليه كتابه الهدى والنور لمن اتبعه وجعل رسوله الدال على ما أراد من ظاهره وباطنه وخاصه وعامه وناسخه ومنسوخه وما قصد له الكتاب. فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المعبر عن كتاب الله الدال على معانيه شاهده في ذلك أصحابه الذين ارتضاهم الله لنبيه واصطفاهم له ونقلوا ذلك عنه فكانوا أعلم الناس برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبما أراد الله من كتابه بمشاهدتهم وما قصد له الكتاب فكانوا هم المعبرين عن ذلك بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال جابر: ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا عليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء عملنا به ثم ساق الآيات الدالة على طاعة الرسول. فقال جل ثناؤه في أول آل عمران: واتقوا النار التي أعدت للكافرين [آل عمران: 131] وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون [آل عمران: 132] وقال: قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين [آل عمران: 32] وقال في النساء فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [النساء: 65] وقال: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا [النساء: 69] . وقال: وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا [النساء: 79] من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا [النساء: 80]  وقال: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا [النساء: 59] وقال: ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم [النساء: 13] ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين [النساء: 14](2\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "506",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "508",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما [النساء: 105] . وقال في المائدة: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين [المائدة: 92] وقال: يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين [الأنفال: 1] وقال: يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون [الأنفال: 24] . وقال: وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين [الأنفال: 46] وقال: إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون [النور: 51] ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون [النور: 52] وقال: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون [النور: 56] وقال: قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين [النور: 54] وقال: لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم [النور: 63] وقال: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم [النور: 62] وقال: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا [الأحزاب: 70] يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما [الأحزاب: 71] وقال: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا [الأحزاب: 36] وقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا [الأحزاب: 21] وقال: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم [محمد: 33] . وقال: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم [الحجرات: 1] فكان الحسن يقول: لا تذبحوا قبل ذبحه يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون - إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم [الحجرات: 2 - 3] إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون [الحجرات: 4] ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم [الحجرات: 5](2\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "507",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "509",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما [الفتح: 17] وقال: والنجم إذا هوى [النجم: 1] ما ضل صاحبكم وما غوى [النجم: 2] وما ينطق عن الهوى [النجم: 3] إن هو إلا وحي يوحى [النجم: 4] علمه شديد القوى [النجم: 5] وقال: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب [الحشر: 7] وقال: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين [التغابن: 12] وقال: فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا - رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور [الطلاق: 10 - 11] وقال: إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا [الفتح: 8] لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا [الفتح: 9] . وقال: أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه [هود: 17] . قال ابن عباس: هو جبريل وقاله مجاهد ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك [هود: 17] قال سعيد بن جبير: الأحزاب الملل ثم ذكر حديث يعلى بن أمية: طفت مع عمر فلما بلغنا الركن الغربي الذي يلي الأسود جررت بيده ليستلم فقال: ما شأنك فقلت: ألا تستلم فقال: ألم تطف مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: بلى قال: أفرأيته يستلم هذين الركنين الغربيين قال: لا قال: أليس لك فيه أسوة حسنة قلت: بلى قال: فانفذ عنك قال: وجعل معاوية يستلم الأركان كلها فقال له ابن عباس: لم تستلم هذين الركنين ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستلمهما فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورا فقال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة [الأحزاب: 21] فقال معاوية: صدقت. ثم ذكر أحمد الاحتجاج على إبطال قول من عارض السنن بظاهر القرآن وردها بذلك وهذا فعل الذين يستمسكون بالمتشابه في رد المحكم فإن لم يجدوا لفظا متشابها غير المحكم يردونه به استخرجوا من المحكم وصفا متشابها وردوه به فلهم طريقان في رد السنن أحدهما: ردها بالمتشابه من القرآن أو من السنن الثاني: جعلهم المحكم متشابها ليعطلوا دلالته وأما طريقة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث كالشافعي والإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة وأبي يوسف والبخاري وإسحاق فعكس هذه الطريق وهي أنهم(2\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "508",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "510",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يردون المتشابه إلى المحكم ويأخذون من المحكم ما يفسر لهم المتشابه ويبينه لهم فتتفق دلالته مع دلالة المحكم وتوافق النصوص بعضها بعضا ويصدق بعضها بعضا فإنها كلها من عند الله وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه ولا تناقض وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره.  [أمثلة لمن أبطل السنن بظاهر من القرآن] ولنذكر لهذا الأصل أمثلة لشدة حاجة كل مسلم إليه أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب. المثال الأول: رد الجهمية النصوص المحكمة غاية الإحكام المبينة بأقصى غاية البيان أن الله موصوف بصفات الكمال من العلم والقدرة والإرادة والحياة والكلام والسمع والبصر والوجه واليدين والغضب والرضا والفرح والضحك والرحمة والحكمة وبالأفعال كالمجيء والإتيان والنزول إلى السماء الدنيا ونحو ذلك والعلم بمجيء الرسول بذلك وإخباره به عن ربه إن لم يكن فوق العلم بوجوب الصلاة والصيام والحج والزكاة وتحريم الظلم والفواحش والكذب فليس يقصر عنه فالعلم الضروري حاصل بأن الرسول أخبر عن الله بذلك وفرض على الأمة تصديقه فيه فرضا لا يتم أصل الإيمان إلا به فرد الجهمية ذلك بالمتشابه من قوله ليس كمثله شيء [الشورى: 11] ومن قوله هل تعلم له سميا [مريم: 65] ومن قوله قل هو الله أحد [الإخلاص: 1] ثم استخرجوا من هذه النصوص المحكمة المبينة احتمالات وتحريفات جعلوها به من قسم المتشابه. المثال الثاني: ردهم المحكم المعلوم بالضرورة أن الرسل جاءوا به من إثبات علو الله على خلقه واستوائه على عرشه بمتشابه قول الله تعالى: وهو معكم أين ما كنتم [الحديد: 4] وقوله: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ق: 16] وقوله: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا [المجادلة: 7] ونحو ذلك ثم تحيلوا وتمحلوا حتى ردوا نصوص العلو والفوقية بمتشابهه.  [رد النصوص المحكمة في قدرة الله على خلقه] المثال الثالث: رد القدرية النصوص الصريحة المحكمة في قدرة الله على خلقه وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن بالمتشابه من قوله ولا يظلم ربك أحدا [الكهف: 49] وما ربك بظلام للعبيد [فصلت: 46] إنما تجزون ما كنتم تعملون [الطور: 16](2\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "509",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "511",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم استخرجوا لتلك النصوص المحكمة وجوها أخر أخرجوها من قسم المحكم وأدخلوها في المتشابه.  [رد النصوص المحكمة في إثبات كون العبد قادرا مختارا فاعلا بمشيئته] المثال الرابع: رد الجبرية النصوص المحكمة في إثبات كون العبد قادرا مختارا فاعلا بمشيئته بمتشابه قوله وما تشاءون إلا أن يشاء الله [الإنسان: 30] وما يذكرون إلا أن يشاء الله [المدثر: 56] وقوله: من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم [الأنعام: 39] وأمثال ذلك ثم استخرجوا لتلك النصوص من الاحتمالات التي يقطع السامع أن المتكلم لم يردها ما صيروها به متشابهة.  [رد النصوص المحكمة في ثبوت الشفاعة للعصاة وخروجهم من النار] المثال الخامس: رد الخوارج والمعتزلة النصوص الصريحة المحكمة غاية الإحكام في ثبوت الشفاعة للعصاة وخروجهم من النار بالمتشابه من قوله: فما تنفعهم شفاعة الشافعين [المدثر: 48] وقوله: ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته [آل عمران: 192] وقوله: ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها [النساء: 14] ونحو ذلك وفعلوا فيها فعل من ذكرناه سواء.  [رد النصوص المحكمة في رؤية المؤمنين ربهم في عرصات القيامة وفي الجنة] المثال السادس: رد الجهمية النصوص المحكمة التي قد بلغت في صراحتها وصحتها إلى أعلى الدرجات في رؤية المؤمنين ربهم تبارك وتعالى في عرصات القيامة وفي الجنة بالمتشابه من قوله: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار [الأنعام: 103] وقوله لموسى لن تراني [الأعراف: 143] وقوله: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء [الشورى: 51] ونحوها ثم أحالوا المحكم متشابها وردوا الجميع.  [رد النصوص الصريحة التي تفوت العدد على ثبوت الأفعال الاختيارية للرب سبحانه وقيامها به] المثال السابع: رد النصوص الصريحة التي تفوت العدد على ثبوت الأفعال الاختيارية للرب سبحانه وقيامها به كقوله: كل يوم هو في شأن [الرحمن: 29] وقوله: فسيرى الله عملكم ورسوله [التوبة: 105] وقوله: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [يس: 82] وقوله: فلما جاءها نودي [النمل: 8] وقوله: فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا [الأعراف: 143] وقوله: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها [الإسراء: 16] وقوله: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها [المجادلة: 1] وقوله: لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء [آل عمران: 181] وقوله: ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا وقوله: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك [الأنعام: 158] . وقوله: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم(2\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "510",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "512",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يغضب الله قبله مثله ولم يغضب بعده مثله وقوله: إذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي الحديث وأضعاف أضعاف ذلك من النصوص التي تزيد على الألف فردوا هذا كله مع إحكامه بمتشابه قوله: لا أحب الآفلين [الأنعام: 76] .  [رد النصوص المحكمة على أن الرب سبحانه إنما يفعل ما يفعله لحكمة وغاية محمودة] المثال الثامن: رد النصوص المحكمة الصريحة التي في غاية الصحة والكثرة على أن الرب سبحانه إنما يفعل ما يفعله لحكمة وغاية محمودة وجودها خير من عدمها ودخول لام التعليل في شرعه وقدره أكثر من أن يعد فردوها بالمتشابه من قوله: لا يسأل عما يفعل وهم يسألون [الأنبياء: 23] ثم جعلوها كلها متشابهة.  [رد النصوص الدالة على ثبوت الأسباب] المثال التاسع: رد النصوص الصحيحة الصريحة الكثيرة الدالة على ثبوت الأسباب شرعا وقدرا كقوله: بما كنتم تعملون [المائدة: 105] بما كنتم تكسبون [الأعراف: 39] بما قدمت أيديكم [آل عمران: 182] بما قدمت يداك [الحج: 10] بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون [الأنعام: 93] ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة - ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم [محمد: 107 - 9] ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا [الجاثية: 35] وقوله: يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام [المائدة: 16] يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا [البقرة: 26] وقوله: ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد [ق: 9] وقوله: فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات [الأعراف: 57] وقوله: فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب [المؤمنون: 19] وقوله: قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم [التوبة: 14] وقوله في العسل: فيه شفاء للناس [النحل: 69] وقوله في القرآن: وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين [الإسراء: 82] إلى أضعاف أضعاف ذلك من النصوص المثبتة للسببية فردوا ذلك كله بالمتشابه من قوله: هل من خالق غير الله [فاطر: 3] وقوله: فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم [الأنفال: 17] وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى [الأنفال: 17] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم ونحو ذلك. وقوله: إني لا أعطي أحدا ولا أمنعه وقوله للذي سأله عن العزل عن أمته اعزل عنها فسيأتيها ما قدر لها وقوله: لا عدوى ولا طيرة وقوله: فمن أعدى الأول وقوله: أرأيت إن منع الله الثمرة ولم يقل: منعها البرد والآفة التي تصيب الثمار ونحو ذلك من المتشابه الذي إنما يدل على أن مالك السبب وخالقه يتصرف فيه: بأن يسلبه سببيته(2\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "511",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "513",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن شاء ويبقيها عليه إن شاء كما سلب النار قوة الإحراق عن الخليل وبالله العجب أترى من أثبت الأسباب وقال إن الله خالقها أثبت خالقا غير الله  وأما قوله: فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى [الأنفال: 17] فغاب عنهم فقه الآية وفهمها والآية من أكبر معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - والخطاب بها خاص لأهل بدر. وكذلك القبضة التي رمى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - فأوصلها الله سبحانه إلى جميع وجوه المشركين وذلك خارج عن قدرته - صلى الله عليه وسلم - وهو الرمي الذي نفاه عنه وأثبت له الرمي الذي هو في محل قدرته وهو الخذف وكذلك القتل الذي نفاه عنهم هو قتل لم تباشره أيديهم وإنما باشرته أيدي الملائكة فكان أحدهم يشتد في أثر الفارس وإذا برأسه قد وقع أمامه من ضربة الملك ولو كان المراد ما فهمه هؤلاء الذين لا فقه لهم في فهم النصوص لم يكن فرق بين ذلك وبين كل قتل وكل فعل من شرب أو زنا أو سرقة أو ظلم فإن الله خالق الجميع وكلام الله ينزه عن هذا. وكذلك قوله ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم لم يرد أن الله حملهم بالقدر وإنما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - متصرفا بأمر الله منفذا له فالله سبحانه أمره بحملهم فنفذ أوامره فكأن الله هو الذي حملهم وهذا معنى قوله والله إني لا أعطي أحدا شيئا ولا أمنعه ولهذا قال: وإنما أنا قاسم فالله سبحانه هو المعطي على لسانه وهو يقسم ما قسمه بأمره وكذلك قوله في العزل فسيأتيها ما قدر لها ليس فيه إسقاط الأسباب فإن الله سبحانه إذا قدر خلق الولد سبق من الماء ما يخلق منه الولد ولو كان أقل شيء فليس من كل الماء يكون الولد ولكن أين في السنة أن الوطء لا تأثير له في الولد ألبتة وليس سببا له وأن الزوج أو السيد إن وطئ أو لم يطأ فكلا الأمرين بالنسبة إلى حصول الولد وعدمه على حد سواء كما يقوله منكرو الأسباب وكذلك قوله لا عدوى ولا طيرة ولو كان المراد به نفي السبب كما زعمتم لم يدل على نفي كل سبب وإنما غايته أن هذين الأمرين ليسا من أسباب الشر كيف والحديث لا يدل على ذلك وإنما ينفي ما كان المشركون يثبتونه من سببية مستمرة على طريقة واحدة لا يمكن إبطالها ولا صرفها عن محلها ولا معارضتها بما هو أقوى منها لا كما يقوله من قصر علمه: إنهم كانوا يرون ذلك فاعلا مستقلا بنفسه. [مذاهب الناس في الأسباب] فالناس في الأسباب لهم ثلاث طرق: إبطالها بالكلية وإثباتها على وجه لا يتغير ولا يقبل سلب سببيتها ولا معارضتها بمثلها أو أقوى منها كما يقوله الطبائعية والمنجمون والدهرية والثالث ما جاءت به الرسل ودل عليه الحس والعقل والفطرة: إثباتها أسبابا(2\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "512",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "514",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجوازا بل وقوع سلب سببيتها عنها إذا شاء الله ودفعها بأمور أخرى نظيرها أو أقوى منها مع بقاء مقتضى السببية فيها كما تصرف كثير من أسباب الشر بالتوكل والدعاء والصدقة والذكر والاستغفار والعتق والصلة وتصرف كثير من أسباب الخير بعد انعقادها بضد ذلك فلله كم من خير انعقد سببه ثم صرف عن العبد بأسباب أحدثها منعت حصوله وهو يشاهد السبب حتى كأنه أخذ باليد وكم من شر انعقد سببه ثم صرف عن العبد بأسباب أحدثها منعت حصوله  ومن لا فقه له في هذه المسألة فلا انتفاع له بنفسه ولا بعلمه والله المستعان وعليه التكلان.  [رد النصوص المحكمة التي تفوت العد على أن الله سبحانه تكلم ويتكلم] المثال العاشر: رد الجهمية النصوص المحكمة الصريحة التي تفوت العد على أن الله سبحانه تكلم ويتكلم وكلم ويكلم وقال ويقول: وأخبر ويخبر ونبأ وأمر ويأمر ونهى وينهى ورضي ويرضى ويعطي ويبشر وينذر ويحذر ويوصل لعباده القول ويبين لهم ما يتقون ونادى وينادي وناجى ويناجي ووعد وأوعد ويسأل عباده يوم القيامة ويخاطبهم ويكلم كلا منهم ليس بينه وبينه ترجمان ولا حاجب ويراجعه عبده مراجعة وهذه كلها أنواع للكلام والتكليم وثبوتها بدون ثبوت صفة التكلم له ممتنع فردها الجهمية مع إحكامها وصراحتها وتعيينها للمراد منها بحيث لا تحتمل غيره بالمتشابه من قوله ليس كمثله شيء [الشورى: 11] .  [رد محكم قوله ألا له الخلق والأمر] المثال الحادي عشر: ردوا محكم قوله ألا له الخلق والأمر [الأعراف: 54] وقوله ولكن حق القول مني [السجدة: 13] وقوله قل نزله روح القدس من ربك بالحق [النحل: 102] وقوله: وكلم الله موسى تكليما [النساء: 164] وقوله اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي [الأعراف: 144] وغيرها من النصوص المحكمة بالمتشابه من قوله: خالق كل شيء [الأنعام: 102] : وقوله إنه لقول رسول كريم [الحاقة: 40] والآيتان حجة عليهم فإن صفات الله جل جلاله داخلة في مسمى اسمه فليس quot; الله quot; اسما لذات لا سمع لها ولا بصر لها ولا حياة لها ولا كلام لها ولا علم وليس هذا رب العالمين وكلامه تعالى وعلمه وحياته وقدرته ومشيئته ورحمته داخلة في مسمى اسمه فهو سبحانه بصفاته وكلامه الخالق وكل ما سواه مخلوق وأما إضافة القرآن إلى الرسول فإضافة تبليغ محض لا إنشاء. والرسالة تستلزم تبليغ كلام المرسل ولو لم يكن للمرسل كلام يبلغه الرسول لم يكن رسولا ولهذا قال غير واحد من السلف من أنكر أن يكون الله متكلما فقد أنكر رسالة رسله فإن حقيقة رسالتهم تبليغ كلام من أرسلهم فالجهمية وإخوانهم ردوا تلك النصوص المحكمة بالمتشابه ثم صيروا الكل متشابها ثم ردوا الجميع فلم يثبتوا لله فعلا(2\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "513",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "515",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقوم به يكون به فاعلا كما لم يثبتوا له كلاما يقوم به يكون به متكلما فلا كلام له عندهم ولا أفعال بل كلامه وفعله عندهم مخلوق منفصل عنه وذلك لا يكون صفة له لأنه سبحانه إنما يوصف بما قام به لا بما لم يقم به.  [رد النصوص المتنوعة المحكمة على علو الله على خلقه وكونه فوق عباده] المثال الثاني عشر: وقد تقدم ذكره مجملا فنذكره ههنا مفصلا - رد الجهمية النصوص المتنوعة المحكمة على علو الله على خلقه وكونه فوق عباده من ثمانية عشر نوعا: أحدها: التصريح بالفوقية مقرونة بأداة quot; من quot; المعينة لفوقية الذات نحو: يخافون ربهم من فوقهم [النحل: 50] الثاني: ذكرها مجردة عن الأداة كقوله وهو القاهر فوق عباده [الأنعام: 18] الثالث: التصريح بالعروج إليه نحو تعرج الملائكة والروح إليه [المعارج: 4] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم . الرابع: التصريح بالصعود إليه كقوله إليه يصعد الكلم الطيب [فاطر: 10] الخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه كقوله بل رفعه الله إليه [النساء: 158] وقوله إني متوفيك ورافعك إلي [آل عمران: 55] السادس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتا وقدرا وشرفا كقوله: وهو العلي العظيم [البقرة: 255] وهو العلي الكبير [سبأ: 23] إنه علي حكيم [الشورى: 51] السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه كقوله: تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم - تنزيل من حكيم حميد - قل نزله روح القدس من ربك بالحق [النحل: 1 - 102] وهذا يدل على شيئين: على أن القرآن ظهر منه لا من غيره وأنه الذي تكلم به لا غيره الثاني: على علوه على خلقه وأن كلامه نزل به الروح الأمين من عنده من أعلى مكان إلى رسوله. الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده وأن بعضها أقرب إليه من بعض كقوله: إن الذين عند ربك [الأعراف: 206] وقوله: وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون [الأنبياء: 19] ففرق بين من له عموما ومن عنده من مماليكه وعبيده خصوصا وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكتاب الذي كتبه الرب تعالى على نفسه إنه عنده على العرش التاسع: التصريح بأنه سبحانه في السماء وهذا عند أهل السنة على أحد وجهين: إما أن تكون quot; في quot; بمعنى quot; على quot; وإما أن يراد بالسماء العلو لا يختلفون في ذلك ولا يجوز حمل النص على غيره العاشر: التصريح بالاستواء مقرونا بأداة quot; على quot; مختصا بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات مصاحبا في الأكثر لأداة quot; ثم quot; الدالة على الترتيب والمهلة وهو بهذا السياق صريح في معناه الذي لا يفهم المخاطبون غيره من العلو والارتفاع ولا يحتمل غيره ألبتة الحادي عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله سبحانه(2\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "514",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "516",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كقوله - صلى الله عليه وسلم - إن الله يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا . الثاني عشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى أسفل. الثالث عشر: الإشارة إليه حسا إلى العلو كما أشار إليه من هو أعلم به وما يجب له ويمتنع عليه من أفراخ الجهمية والمعتزلة والفلاسفة في أعظم مجمع على وجه الأرض يرفع أصبعه إلى السماء ويقول: اللهم اشهد ليشهد الجميع أن الرب الذي أرسله ودعا إليه واستشهده هو الذي فوق سماواته على عرشه الرابع عشر: التصريح بلفظ quot; الأين quot; الذي هو عند الجهمية بمنزلة quot; متى quot; في الاستحالة ولا فرق بين اللفظين عندهم ألبتة فالقائل quot; أين الله quot; و quot; متى كان الله quot; عندهم سواء كقول أعلم الخلق به وأنصحهم لأمته وأعظمهم بيانا عن المعنى الصحيح بلفظ لا يوهم باطلا بوجه quot; أين الله quot; في غير موضع. الخامس عشر: شهادته التي هي أصدق شهادة عند الله وملائكته وجميع المؤمنين لمن قال quot; إن ربه في السماء quot; بالإيمان وشهد عليه أفراخ جهم بالكفر وصرح الشافعي بأن هذا الذي وصفته من أن ربها في السماء إيمان فقال في كتابه في باب عتق الرقبة المؤمنة وذكر حديث الأمة السوداء التي سودت وجوه الجهمية وبيضت وجوه المحمدية فلما وصفت الإيمان قال: أعتقها فإنها مؤمنة وهي إنما وصفت كون ربها في السماء وأن محمدا عبده ورسوله فقرنت بينهما في الذكر فجعل الصادق المصدوق مجموعهما هو الإيمان. السادس عشر: إخباره سبحانه عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء ليطلع إلى إله موسى فيكذبه فيما أخبر به من أنه سبحانه فوق السماوات فقال: يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب - أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا [غافر: 36 - 37] فكذب فرعون موسى في إخباره إياه بأن ربه فوق السماء وعند الجهمية لا فرق بين الإخبار بذلك وبين الإخبار بأنه يأكل ويشرب. وعلى زعمهم يكون فرعون قد نزه الرب عما لا يليق به وكذب موسى في إخباره بذلك إذ من قال عندهم: إن ربه فوق السماوات فهو كاذب فهم في هذا التكذيب موافقون لفرعون مخالفون لموسى ولجميع الأنبياء ولذلك سماهم أئمة السنة quot; فرعونية quot; قالوا: وهم شر من الجهمية فإن الجهمية يقولون: إن الله في كل مكان بذاته وهؤلاء عطلوه بالكلية وأوقعوا عليه الوصف المطابق للعدم المحض فأي طائفة من طوائف بني آدم أثبتت الصانع على أي وجه كان قولهم خيرا من قولهم. السابع عشر: إخباره - صلى الله عليه وسلم - أنه تردد بين موسى وبين الله ويقول له موسى: ارجع إلى ربك فسله التخفيف فيرجع إليه ثم ينزل إلى موسى فيأمره بالرجوع إليه سبحانه فيصعد إليه سبحانه ثم ينزل من عنده إلى موسى  عدة مرار. الثامن عشر: إخباره تعالى عن نفسه(2\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "515",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "517",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإخبار رسوله عنه أن المؤمنين يرونه عيانا جهرة كرؤية الشمس في الظهيرة والقمر ليلة البدر والذي تفهمه الأمم على اختلاف لغاتها وأوهامها من هذه الرؤية رؤية المقابلة والمواجهة التي تكون بين الرائي والمرئي فيها مسافة محدودة غير مفرطة في البعد فتمتنع الرؤية ولا في القرب فلا تمكن الرؤية لا تعقل الأمم غير هذا فإما أن يروه سبحانه من تحتهم - تعالى الله - أو من خلفهم أو من أمامهم أو عن أيمانهم أو عن شمائلهم أو من فوقهم ولا بد من قسم من هذه الأقسام إن كانت الرؤية حقا وكلها باطل سوى رؤيتهم له من فوقهم كما في حديث جابر الذي في المسند وغيره بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رءوسهم فإذا الجبار قد أشرف عليهم من فوقهم وقال: يا أهل الجنة سلام عليكم ثم قرأ قوله: سلام قولا من رب رحيم [يس: 58] ثم يتوارى عنهم وتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم  ولا يتم إنكار الفوقية إلا بإنكار الرؤية ولهذا طرد الجهمية أصلهم وصرحوا بذلك وركبوا النفيين معا وصدق أهل السنة بالأمرين معا وأقروا بهما وصار من أثبت الرؤية ونفى علو الرب على خلقه واستواءه على عرشه مذبذبا بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. فهذه أنواع من الأدلة السمعية المحكمة إذا بسطت أفرادها كانت ألف دليل على علو الرب على خلقه واستوائه على عرشه فترك الجهمية ذلك كله وردوه بالمتشابه من قوله: وهو معكم أين ما كنتم [الحديد: 4] ورده زعيمهم المتأخر بقوله: قل هو الله أحد [الإخلاص: 1] وبقوله: ليس كمثله شيء [الشورى: 11] . ثم ردوا تلك الأنواع كلها متشابهة فسلطوا المتشابه على المحكم وردوه به ثم ردوا المحكم متشابها فتارة يحتجون به على الباطل وتارة يدفعون به الحق ومن له أدنى بصيرة يعلم أنه لا شيء في النصوص أظهر ولا أبين دلالة من مضمون هذه النصوص فإذا كانت متشابهة فالشريعة كلها متشابهة وليس فيها شيء محكم ألبتة ولازم هذا القول لزوما لا محيد عنه إن ترك الناس بدونها خير لهم من إنزالها إليهم فإنها أوهمتهم وأفهمتهم غير المراد وأوقعتهم في اعتقاد الباطل ولم يتبين لهم ما هو الحق في نفسه بل أحيلوا فيه على ما يستخرجونه بعقولهم وأفكارهم ومقايسهم فنسأل الله - مثبت القلوب تبارك وتعالى - أن يثبت قلوبنا على دينه وما بعث به رسوله من الهدى ودين الحق وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا إنه قريب مجيب.  [رد النصوص في مدح الصحابة والثناء عليهم] المثال الثالث عشر: رد الرافضة النصوص الصريحة المحكمة المعلومة عند خاص الأمة وعامتها بالضرورة في مدح الصحابة والثناء عليهم ورضاء الله عنهم ومغفرته لهم وتجاوزه عن سيئاتهم ووجوب محبة الأمة واتباعهم لهم واستغفارهم لهم واقتدائهم بهم(2\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "516",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "518",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالمتشابه من قوله لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ونحوه. كما ردوا المحكم الصريح من أفعالهم وإيمانهم وطاعتهم بالمتشابه من أفعالهم كفعل إخوانهم من الخوارج حين ردوا النصوص الصحيحة المحكمة في موالاة المؤمنين ومحبتهم وإن ارتكبوا بعض الذنوب التي تقع مكفرة بالتوبة النصوح والاستغفار والحسنات الماحية والمصائب المكفرة ودعاء المسلمين لهم في حياتهم وبعد موتهم وبالامتحان في البرزخ وفي موقف القيامة وبشفاعة من يأذن الله له في الشفاعة وبصدق التوحيد وبرحمة أرحم الراحمين فهذه عشرة أسباب تمحق أثر الذنوب فإن عجزت هذه الأسباب عنها فلا بد من دخول النار ثم يخرجون منها فتركوا ذلك كله بالمتشابه من نصوص الوعيد وردوا المحكم من أفعالهم وإيمانهم وطاعتهم بالمتشابه من أفعالهم التي يحتمل أن يكونوا قصدوا بها طاعة الله فاجتهدوا فأداهم اجتهادهم إلى ذلك فحصلوا فيه على الأجر المفرد وكان حظ أعدائهم منه تكفيرهم واست quot; حلال دمائهم وأموالهم وإن لم يكونوا قصدوا ذلك كان غايتهم أن يكونوا قد أذنبوا ولهم من الحسنات والتوبة وغيرها ما يرفع موجب الذنب فاشتركوا هم والرافضة في رد المحكم من النصوص وأفعال المؤمنين بالمتشابه منها فكفروهم وخرجوا عليهم بالسيف يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان ففساد الدنيا والدين من تقديم المتشابه على المحكم وتقديم الرأي على الشرع والهوى على الهدى وبالله التوفيق.  [رد المحكم من النصوص في وجوب الطمأنينة وتوقف أجزاء الصلاة وصحتها عليه] المثال الرابع عشر: رد المحكم الصريح الذي لا يحتمل إلا وجها واحدا من وجوب الطمأنينة وتوقف أجزاء الصلاة وصحتها عليه كقوله: لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في ركوعه وسجوده وقوله لمن تركها: صل فإنك لم تصل وقوله: ثم اركع حتى تطمئن راكعا فنفى إجزاءها بدون الطمأنينة ونفى مسماها الشرعي بدونها وأمر بالإتيان بها فرد هذا المحكم الصريح بالمتشابه من قوله: اركعوا واسجدوا [الحج: 77] .  [رد المحكم الصريح في النصوص من تعيين التكبير للدخول في الصلاة] المثال الخامس عشر: رد المحكم الصريح من تعيين التكبير للدخول في الصلاة بقوله: إذا قمت إلى الصلاة فكبر وقوله: تحريمها التكبير وقوله: لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الوضوء مواضعه ثم يستقبل القبلة ويقول: الله أكبر وهي نصوص في غاية الصحة فردت بالمتشابه من قوله: وذكر اسم ربه فصلى [الأعلى: 15] .  [رد النصوص المحكمة في تعيين قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة] المثال السادس عشر: رد النصوص المحكمة الصريحة الصحيحة في تعيين قراءة فاتحة الكتاب فرضا بالمتشابه من قوله: فاقرءوا ما تيسر منه [المزمل: 20] وليس ذلك في الصلاة وإنما هو بدل عن قيام الليل وبقوله للأعرابي: ثم اقرأ ما تيسر معك من(2\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "517",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "519",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القرآن وهذا يحتمل أن يكون قبل تعيين الفاتحة للصلاة وأن يكون الأعرابي لا يحسنها وأن يكون لم يسئ في قراءتها فأمره أن يقرأ معها ما تيسر من القرآن وأن يكون أمره بالاكتفاء بما تيسر عنها فهو متشابه يحتمل هذه الوجوه فلا يترك له المحكم الصريح.  [رد المحكم الصريح من توقف الخروج من الصلاة على التسليم] المثال السابع عشر: رد المحكم الصريح من توقف الخروج من الصلاة على التسليم كما في قوله: تحليلها التسليم وقوله: إنما يكفي أحدكم أن يسلم على أخيه من عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله فأخبر أنه لا يكفي غير ذلك فرد بالمتشابه من قول ابن مسعود: quot; فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك quot; وبالمتشابه من عدم أمره للأعرابي بالسلام.  [زيادة السنة على القرآن] [زيادة السنة على القرآن وحكمها] : المثال الثامن عشر: رد المحكم الصريح في اشتراط النية لعبادة الوضوء والغسل كما في قوله: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء [البينة: 5] وقوله: وإنما لكل امرئ ما نوى وهذا لم ينو رفع الحدث فلا يكون له بالنص فردوا هذا بالمتشابه من قوله: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم [المائدة: 6] ولم يأمر بالنية قالوا: فلو أوجبناها بالسنة لكان زيادة على نص القرآن فيكون نسخا والسنة لا تنسخ القرآن فهذه ثلاثه مقدمات: إحداها أن القرآن لم يوجب النية الثانية أن إيجاب السنة لها نسخ القرآن. الثالثة: أن نسخ القرآن بالسنة لا يجوز. وبنوا على هذه المقدمات إسقاط كثير مما صرحت السنة بإيجابه كقراءة الفاتحة والطمأنينة وتعيين التكبير للدخول في الصلاة والتسليم للخروج منها. ولا يتصور صدق المقدمات الثلاث في موضع واحد أصلا بل إما أن تكون كلها كاذبة أو بعضها فأما آية الوضوء فالقرآن قد نبه على أنه لم يكتف من طاعات عباده إلا بما أخلصوا له فيه الدين فمن لم ينو التقرب إليه جملة لم يكن ما أتى به طاعة ألبتة فلا يكون معتدا به مع أن قوله: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم [المائدة: 6] إنما يفهم المخاطب منه غسل الوجه وما بعده لأجل الصلاة كما يفهم من قوله: إذا واجهت الأمير فترجل وإذا دخل الشتاء فاشتر الفرو ونحو ذلك فإن لم يكن القرآن قد دل على النية ودلت عليها السنة لم يكن وجوبها ناسخا للقرآن وإن كان زائدا عليه. ولو كان كل ما أوجبته السنة ولم يوجبه القرآن نسخا له لبطلت أكثر سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودفع في صدورها وأعجازها. وقال القائل: هذه زيادة على ما في كتاب الله فلا تقبل ولا يعمل بها وهذا بعينه هو الذي أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سيقع وحذر منه كما في السنن من حديث المقدام بن معدي كرب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على(2\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "518",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "520",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع ولا لقطة مال المعاهد وفي لفظ: يوشك أن يقعد الرجل على أريكته فيحدث بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدناه فيه حراما حرمناه وإن ما حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما حرم الله قال الترمذي: حديث حسن وقال البيهقي: إسناده صحيح. وقال صالح بن موسى عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إني قد خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض فلا يجوز التفريق بين ما جمع الله بينهما ويرد أحدهما بالآخر بل سكوته عما نطق به ولا يمكن أحدا أن يطرد ذلك ولا الذين أصلوا هذا الأصل بل قد نقضوه في أكثر من ثلاثمائة موضع منها ما هو مجمع عليه ومنها ما هو مختلف فيه.  [السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه] والسنة مع القرآن على ثلاثة أوجه أحدها: أن تكون موافقة له من كل وجه فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتظافرها. الثاني: أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن وتفسيرا له. الثالث: أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه أو محرمة لما سكت عن تحريمه ولا تخرج عن هذه الأقسام فلا تعارض القرآن بوجه ما فما كان منها زائدا على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي - صلى الله عليه وسلم -: تجب طاعته فيه ولا تحل معصيته وليس هذا تقديما لها على كتاب الله بل امتثال لما أمر الله به من طاعة رسوله ولو كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يطاع في هذا القسم لم يكن لطاعته معنى وسقطت طاعته المختصة به وإنه إذا لم تجب طاعته إلا فيما وافق القرآن لا فيما زاد عليه لم يكن له طاعة خاصة تختص به وقد قال الله تعالى: من يطع الرسول فقد أطاع الله [النساء: 80] وكيف يمكن أحدا من أهل العلم أن لا يقبل حديثا زائدا على كتاب الله فلا يقبل حديث تحريم المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا حديث التحريم بالرضاعة لكل ما يحرم من النسب ولا حديث خيار الشرط ولا أحاديث الشفعة ولا حديث الرهن في الحضر مع أنه زائد على ما في القرآن ولا حديث ميراث الجدة ولا حديث تخيير الأمة إذا أعتقت تحت زوجها ولا حديث منع الحائض من الصوم والصلاة ولا حديث وجوب الكفارة على من جامع في نهار رمضان ولا أحاديث إحداد المتوفى عنها زوجها مع زيادتها على ما في القرآن من العدة فهلا قلتم: إنها نسخ للقرآن وهو لا ينسخ بالسنة وكيف أوجبتم الوتر مع أنه زيادة محضة على القرآن بخبر مختلف فيه وكيف زدتم على كتاب الله فجوزتم الوضوء(2\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "519",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "521",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بنبيذ التمر بخبر ضعيف وكيف زدتم على كتاب الله فشرطتم في الصداق أن يكون أقله عشرة دراهم بخبر لا يصلح ألبتة وهو زيادة محضة على القرآن . وقد أخذ الناس بحديث: لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم وهو زائد على القرآن وأخذوا كلهم بحديث توريثه - صلى الله عليه وسلم - بنت الابن السدس مع البنت وهو زائد على ما في القرآن وأخذ الناس كلهم بحديث استبراء المسبية بحيضة وهو زائد على ما في كتاب الله وأخذوا بحديث: من قتل قتيلا فله سلبه وهو زائد على ما في القرآن من قسمة الغنائم وأخذوا كلهم بقضائه - صلى الله عليه وسلم - الزائد على ما في القرآن من أن أعيان بني الأبوين يتوارثون دون بني العلات الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه ولو تتبعنا هذا لطال جدا فسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجل في صدورنا وأعظم وأفرض علينا أن لا نقبلها إذا كانت زائدة على ما في القرآن بل على الرأس والعينين وكذلك فرض على الأمة الأخذ بحديث القضاء بالشاهد واليمين وإن كان زائدا على ما في القرآن وقد أخذ به أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجمهور التابعين والأئمة والعجب ممن يرده لأنه زائد على ما في كتاب الله ثم يقضي بالنكول ومعاقد القمط ووجوه الآجر في الحائط وليست في كتاب الله ولا سنة رسوله وأخذتم أنتم وجمهور الأمة بحديث: لا يقاد الوالد بالولد مع ضعفه وهو زائد على ما في القرآن وأخذتم أنتم والناس بحديث أخذ الجزية من المجوس وهو زائد على ما في القرآن وأخذتم مع سائر الناس بقطع رجل السارق في المرة الثانية مع زيادته على ما في القرآن وأخذتم أنتم والناس بحديث النهي عن الاقتصاص من الجرح قبل الاندمال وهو زائد على ما في القرآن وأخذت الأمة بأحاديث الحضانة وليست في القرآن وأخذتم أنتم والجمهور باعتداد المتوفى عنها في منزلها وهو زائد على ما في القرآن وأخذتم مع الناس بأحاديث البلوغ بالسن والإنبات وهي زائدة على ما في القرآن إذ ليس فيه إلا الاحتلام وأخذتم مع الناس بحديث: الخراج بالضمان مع ضعفه وهو زائد على ما في القرآن وبحديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ وهو زائد على ما في القرآن وأضعاف أضعاف ما ذكرنا بل أحكام السنة التي ليست في القرآن إن لم تكن أكثر منها لم تنقص عنها فلو ساغ لنا رد كل سنة زائدة كانت على نص القرآن لبطلت سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلها إلا سنة دل عليها القرآن وهذا هو الذي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه سيقع ولا بد من وقوع خبره.  [أنواع دلالة السنة الزائدة عن القرآن] فإن قيل: السنن الزائدة على ما دل عليه القرآن تارة تكون بيانا له وتارة تكون منشئة لحكم لم يتعرض القرآن له وتارة تكون مغيرة لحكمه وليس نزاعنا في القسمين الأولين(2\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "520",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "522",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنهما حجة باتفاق ولكن النزاع في القسم الثالث وهو الذي ترجمته بمسألة الزيادة على النص وقد ذهب الشيخ أبو الحسن الكرخي وجماعة كثيرة من أصحاب أبي حنيفة إلى أنها نسخ ومن ههنا جعلوا إيجاب التغريب مع الجلد نسخا كما لو زاد عشرين صوتا على الثمانين في حد القذف وذهب أبو بكر الرازي إلى أن الزيادة إن وردت بعد استقرار حكم النص منفردة عنه كانت ناسخة وإن وردت متصلة بالنص قبل استقرار حكمه لم تكن ناسخة وإن وردت ولا يعلم تاريخها فإن وردت من جهة يثبت النص بمثلها فإن شهدت الأصول من عمل السلف أو النظر على ثبوتهما معا أثبتناهما وإن شهدت بالنص منفردا عنها أثبتناه دونها وإن لم يكن في الأصول دلالة على أحدهما فالواجب أن يحكم بورودهما معا ويكونان بمنزلة الخاص والعام إذا لم يعلم تاريخهما ولم يكن في الأصول دلالة على وجوب القضاء بأحدهما على الآخر فإنهما يستعملان معا وإن كان ورود النص من جهة توجب العلم كالكتاب والخبر المستفيض وورود الزيادة من جهة أخبار الآحاد لم يجز إلحاقها بالنص ولا العمل بها. وذهب بعض أصحابنا إلى أن الزيادة إن غيرت حكم المزيد عليه تغييرا شرعيا بحيث إنه لو فعل على حد ما كان يفعل قبلها لم يكن معتدا به بل يجب استئنافه كان نسخا نحو ضم ركعة إلى ركعتي الفجر وإن لم يغير حكم المزيد عليه بحيث لو فعل على حد ما كان يفعل قبلها كان معتدا به ولا يجب استئنافه لم يكن نسخا ولم يجعلوا إيجاب التغريب مع الجلد نسخا وإيجاب عشرين جلدة مع الثمانين نسخا وكذلك إيجاب شرط منفصل عن العبادة لا يكون نسخا كإيجاب الوضوء بعد فرض الصلاة ولم يختلفوا أن إيجاب زيادة عبادة على عبادة كإيجاب الزكاة بعد إيجاب الصلاة لا يكون نسخا ولم يختلفوا أيضا أن إيجاب صلاة سادسة على الصلوات الخمس لا يكون نسخا. فالكلام معكم في الزيادة المغيرة في ثلاثة مواضع: في المعنى والاسم والحكم أما المعنى فإنها تفيد معنى النسخ لأنه الإزالة والزيادة تزيل حكم الاعتداد بالمزيد عليه وتوجب استئنافه بدونها وتخرجه عن كونه جميع الواجب وتجعله بعضه وتوجب التأثيم على المقتصر عليه بعد أن لم يكن إثما وهذا معنى النسخ وعليه ترتب الاسم فإنه تابع للمعنى فإن الكلام في زيادة شرعية مغيرة للحكم الشرعي بدليل شرعي متراخ عن المزيد عليه فإن اختل وصف من هذه الأوصاف لم يكن نسخا فإن لم تغير حكما شرعيا بل رفعت حكم البراءة الأصلية لم تكن نسخا كإيجاب عبادة بعد أخرى وإن كانت الزيادة مقارنة للمزيد عليه لم تكن نسخا وإن غيرته بل تكون تقييدا أو تخصيصا.(2\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "521",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "523",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الحكم فإن كان النص المزيد عليه ثابتا بالكتاب أو السنة المتواترة لم يقبل خبر الواحد بالزيادة عليه وإن كان ثابتا بخبر الواحد قبلت الزيادة فإن اتفقت الأمة على قبول خبر الواحد في القسم الأول علمنا أنه ورد مقارنا للمزيد عليه فيكون تخصيصا لا نسخا قالوا: وإنما لم يقبل خبر الواحد بالزيادة على النص لأن الزيادة لو كانت موجودة معه لنقلها إلينا من نقل النص إذ غير جائز أن يكون المراد إثبات النص معقودا بالزيادة فيقتصر النبي - صلى الله عليه وسلم - على إبلاغ النص منفردا عنها فواجب إذا أن يذكرها معه ولو ذكرها لنقلها إلينا من نقل النص. فإن كان النص مذكورا في القرآن والزيادة واردة من جهة السنة فغير جائز أن يقتصر النبي - صلى الله عليه وسلم - على تلاوة الحكم المنزل في القرآن دون أن يعقبها بذكر الزيادة لأن حصول الفراغ من النص الذي يمكننا استعماله بنفسه يلزمنا اعتقاد مقتضاه من حكمه كقوله: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة [النور: 2] فإن كان الحد هو الجلد والتغريب فغير جائز أن يتلو النبي - صلى الله عليه وسلم - الآية على الناس عارية من ذكر النفي عقبها لأن سكوته عن ذكر الزيادة معها يلزمنا اعتقاد موجبها وأن الجلد هو كمال الحد فلو كان معه تغريب لكان بعض الحد لا كماله فإذا أخلى التلاوة من ذكر النفي عقيبها فقد أراد منا اعتقاد أن الجلد المذكور في الآية هو تمام الحد وكماله فغير جائز إلحاق الزيادة معه إلا على وجه النسخ ولهذا كان قوله: واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ناسخا لحديث عبادة بن الصامت: الثيب بالثيب جلد مائة والرجم وكذلك لما رجم ماعزا ولم يجلده كذلك يجب أن يكون قوله: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة [النور: 2] ناسخا لحكم التغريب في قوله: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام . والمقصود أن هذه الزيادة لو كانت ثابتة مع النص لذكرها النبي - صلى الله عليه وسلم - عقيب التلاوة ولنقلها إلينا من نقل المزيد عليه إذ غير جائز عليهم أن يعلموا أن الحد مجموع الأمرين وينقلوا بعضه دون بعض وقد سمعوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - يذكر الأمرين فامتنع حينئذ العمل بالزيادة إلا من الجهة التي ورد منها الأصل فإذا وردت من جهة الآحاد فإن كانت قبل النص فقد نسخها النص المطلق عاريا من ذكرها وإن كانت بعده فهذا يوجب نسخ الآية بخبر الواحد وهو ممتنع فإن كان المزيد عليه ثابتا بخبر الواحد جاز إلحاق الزيادة بخبر الواحد على الوجه الذي يجوز نسخه به فإن كانت واردة مع النص في خطاب واحد لم تكن نسخا وكانت بيانا. فالجواب من وجوه أحدها: أنكم أول من نقض هذا الأصل الذي أصلتموه فإنكم قبلتم خبر الوضوء بنبيذ التمر وهو زائد على ما في كتاب الله مغير لحكمه فإن الله سبحانه(2\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "522",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "524",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جعل حكم عادم الماء التيمم والخبر يقتضي أن يكون حكمه الوضوء بالنبيذ فهذه الزيادة بهذا الخبر الذي لا يثبت رافعة لحكم شرعي غير مقارنة له ولا مقاومة بوجه وقبلتم خبر الأمر بالوتر مع رفعه لحكم شرعي وهو اعتقاد كون الصلوات الخمس هي جميع الواجب ورفع التأثيم بالاقتصار عليها وإجزاء الإتيان في التعبد بفريضة الصلاة والذي قال هذه الزيادة هو الذي قال سائر الأحاديث الزائدة على ما في القرآن والذي نقلها إلينا هو الذي نقل تلك بعينه أو أوثق منه أو نظيره والذي فرض علينا طاعة رسوله وقبول قوله في تلك الزيادة هو الذي فرض علينا طاعته وقبول قوله في هذه والذي قال لنا: وما آتاكم الرسول فخذوه [الحشر: 7] هو الذي شرع لنا هذه الزيادة على لسانه والله سبحانه ولاه منصب التشريع عنه ابتداء كما ولاه منصب البيان لما أراده بكلامه بل كلامه كله بيان عن الله والزيادة بجميع وجوهها لا تخرج عن البيان بوجه من الوجوه بل كان السلف الصالح الطيب إذا سمعوا الحديث عنه وجدوا تصديقه في القرآن ولم يقل أحد منهم قط في حديث واحد أبدا: إن هذا زيادة على القرآن فلا نقبله ولا نسمعه ولا نعمل به ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجل في صدورهم وسنته أعظم عندهم من ذلك وأكبر. ولا فرق أصلا بين مجيء السنة بعدد الطواف وعدد ركعات الصلاة ومجيئها بفرض الطمأنينة وتعيين الفاتحة والنية فإن الجميع بيان لمراد الله أنه أوجب هذه العبادات على عباده على هذا الوجه فهذا الوجه هو المراد فجاءت السنة بيانا للمراد في جميع وجوهها حتى في التشريع المبتدأ فإنها بيان لمراد الله من عموم الأمر بطاعته وطاعة رسوله فلا فرق بين بيان هذا المراد وبين بيان المراد من الصلاة والزكاة والحج والطواف وغيرها بل هذا بيان المراد من شيء وذاك بيان المراد من أعم منه فالتغريب بيان محض للمراد من قوله: أو يجعل الله لهن سبيلا [النساء: 15] وقد صرح النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن التغريب بيان لهذا السبيل المذكور في القرآن: فكيف يجوز رده بأنه مخالف للقرآن معارض له ويقال: لو قبلناه لأبطلنا به حكم القرآن وهل هذا إلا قلب للحقائق فإن حكم القرآن العام والخاص يوجب علينا قبوله فرضا لا يسعنا مخالفته فلو خالفناه لخالفنا القرآن ولخرجنا عن حكمه ولا بد ولكان في ذلك مخالفة للقرآن والحديث معا. يوضحه الوجه الثاني: أن الله سبحانه نصب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منصب المبلغ المبين عنه فكل ما شرعه للأمة فهو بيان منه عن الله أن هذا شرعه ودينه ولا فرق بين ما يبلغه عنه من كلامه المتلو ومن وحيه الذي هو نظير كلامه في وجوب الاتباع ومخالفة هذا كمخالفة هذا.(2\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "523",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "525",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يوضحه الوجه الثالث: أن الله سبحانه أمرنا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان وجاء البيان عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - بمقادير ذلك وصفاته وشروطه فوجب على الأمة قبوله إذ هو تفصيل لما أمر الله به كما يجب علينا قبول الأصل المفصل وهكذا أمر الله سبحانه بطاعته وطاعة رسوله فإذا أمر الرسول بأمر كان تفصيلا وبيانا للطاعة المأمور بها وكان فرض قبوله كفرض قبول الأصل المفصل ولا فرق بينهما.  [بيان الرسول على أنواع] يوضحه الوجه الرابع: أن البيان من النبي - صلى الله عليه وسلم - أقسام أحدها: بيان نفس الوحي بظهوره على لسانه بعد أن كان خفيا. الثاني: بيان معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك كما بين أن الظلم المذكور في قوله: ولم يلبسوا إيمانهم بظلم [الأنعام: 82] هو الشرك وأن الحساب اليسير هو العرض وأن الخيط الأبيض والأسود هما بياض النهار وسواد الليل وأن الذي رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى هو جبريل كما فسر قوله: أو يأتي بعض آيات ربك [الأنعام: 158] أنه طلوع الشمس من مغربها وكما فسر قوله: مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة [إبراهيم: 24] بأنها النخلة وكما فسر قوله: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة [إبراهيم: 27] أن ذلك في القبر حين يسأل من ربك وما دينك وكما فسر الرعد بأنه ملك من الملائكة موكل بالسحاب وكما فسر اتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله بأن ذلك باستحلال ما أحلوه لهم من الحرام وتحريم ما حرموه من الحلال وكما فسر القوة التي أمر الله أن نعدها لأعدائه بالرمي وكما فسر قوله: من يعمل سوءا يجز به [النساء: 123] بأنه ما يجزى به العبد في الدنيا من النصب والهم والخوف واللأواء وكما فسر الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله الكريم وكما فسر الدعاء في قوله: وقال ربكم ادعوني أستجب لكم [غافر: 60] بأنه العبادة وكما فسر أدبار النجوم بأنه الركعتان قبل الفجر وأدبار السجود بالركعتين بعد المغرب ونظائر ذلك. الثالث: بيانه بالفعل كما بين أوقات الصلاة للسائل بفعله. الرابع: بيان ما سئل عنه من الأحكام التي ليست في القرآن فنزل القرآن ببيانها كما سئل عن قذف الزوجة فجاء القرآن باللعان ونظائره. الخامس: بيان ما سئل عنه بالوحي وإن لم يكن قرآنا كما سئل عن رجل أحرم في جبة بعدما تضمخ بالخلوق فجاء الوحي بأن ينزع عنه الجبة ويغسل أثر الخلوق. السادس: بيانه للأحكام بالسنة ابتداء من غير سؤال كما حرم عليهم لحوم الحمر والمتعة وصيد المدينة ونكاح المرأة على عمتها وخالتها وأمثال ذلك. السابع: بيانه للأمة جواز الشيء بفعله هو له وعدم نهيهم عن التأسي به. الثامن: بيانه جواز(2\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "524",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "526",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشيء بإقراره لهم على فعله وهو يشاهده أو يعلمهم يفعلونه. التاسع: بيانه إباحة الشيء عفوا بالسكوت عن تحريمه وإن لم يأذن فيه نطقا. العاشر: أن يحكم القرآن بإيجاب شيء أو تحريمه أو إباحته ويكون لذلك الحكم شروط وموانع وقيود وأوقات مخصوصة وأحوال وأوصاف فيحيل الرب سبحانه وتعالى على رسوله في بيانها كقوله تعالى: وأحل لكم ما وراء ذلكم [النساء: 24] فالحل موقوف على شروط النكاح وانتقاء موانعه وحضور وقته وأهلية المحل فإذا جاءت السنة ببيان ذلك كله لم يكن الشيء منه زائدا على النص فيكون نسخا له وإن كان رفعا لظاهر إطلاقه. فهكذا كل حكم منه - صلى الله عليه وسلم - زائد على القرآن هذا سبيله سواء بسواء وقد قال تعالى: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين [النساء: 11] ثم جاءت السنة بأن القاتل والكافر والرقيق لا يرث ولم يكن نسخا للقرآن مع أنه زائد عليه قطعا أعني في موجبات الميراث فإن القرآن أوجبه بالولادة وحدها فزادت السنة مع وصف الولادة اتحاد الدين وعدم الرق والقتل فهلا قلتم: إن هذه زيادة على النص فيكون نسخا والقرآن لا ينسخ بالسنة كما قلتم ذلك في كل موضع تركتم فيه الحديث لأنه زائد على القرآن. الوجه الخامس: أن تسميتكم للزيادة المذكورة نسخا لا توجب بل لا تجوز مخالفتها فإن تسمية ذلك نسخا اصطلاح منكم والأسماء المتواضع عليها التابعة للاصطلاح لا توجب رفع أحكام النصوص فأين سمى الله ورسوله ذلك نسخا وأين قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا جاءكم حديثي زائدا على ما في كتاب الله فردوه ولا تقبلوه فإنه يكون نسخا لكتاب الله وأين قال الله: إذا قال رسولي قولا زائدا على القرآن فلا تقبلوه ولا تعملوا به وردوه  وكيف يسوغ رد سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقواعد قعدتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان [المراد بالنسخ في السنة الزائدة على القرآن] : الوجه السادس: أن يقال: ما تعنون بالنسخ الذي تضمنته الزيادة بزعمكم أتعنون أن حكم المزيد عليه من الإيجاب والتحريم والإباحة بطل بالكلية أم تعنون به تغير وصفه بزيادة شيء عليه من شرط أو قيد أو حال أو مانع أو ما هو أعم من ذلك فإن عنيتم الأول فلا ريب أن الزيادة لا تتضمن ذلك فلا تكون ناسخة وإن عنيتم الثاني فهو حق ولكن لا يلزم منها بطلان حكم المزيد عليه ولا رفعه ولا معارضته بل غايتها مع المزيد عليه كالشروط والموانع والقيود والمخصصات وشيء من ذلك لا يكون نسخا يوجب إبطال(2\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "525",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "527",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأول ورفعه رأسا وإن كان نسخا بالمعنى العام الذي يسميه السلف نسخا وهو رفع الظاهر بتخصيص أو تقييد أو شرط أو مانع فهذا كثير من السلف يسميه نسخا. حتى سمى الاستثناء نسخا فإن أردتم هذا المعنى فلا مشاحة في الاسم ولكن ذلك لا يسوغ رد السنن الناسخة للقرآن بهذا المعنى ولا ينكر أحد نسخ القرآن بالسنة بهذا المعنى بل هو متفق عليه بين الناس وإنما تنازعوا في جواز نسخه بالسنة النسخ الخاص الذي هو رفع أصل الحكم وجملته بحيث يبقى بمنزلة ما لم يشرع ألبتة وإن أردتم بالنسخ ما هو أعم من القسمين - وهو رفع الحكم بجملته تارة وتقييد مطلقه وتخصيص عامه وزيادة شرط أو مانع تارة - كنتم قد أدرجتم في كلامكم قسمين مقبولا ومردودا كما تبين فليس الشأن في الألفاظ فسموا الزيادة ما شئتم فإبطال السنن بهذا الاسم مما لا سبيل إليه. يوضحه الوجه السابع: أن الزيادة لو كانت ناسخة لما جاز اقترانها بالمزيد لأن الناسخ لا يقارن المنسوخ وقد جوزتم اقترانها به وقلتم: تكون بيانا أو تخصيصا فهلا كان حكمها مع التأخر كذلك والبيان لا يجب اقترانه بالمبين بل يجوز تأخيره إلى وقت حضور العمل وما ذكرتموه من إيهام اعتقاد خلاف الحق فهو منتقض بجواز بل وجوب تأخير الناسخ وعدم الإشعار بأنه سينسخه ولا محذور في اعتقاد موجب النص ما لم يأت ما يرفعه أو يرفع ظاهره فحينئذ يعتقد موجبه كذلك فكان كل من الاعتقادين في وقته هو المأمور به إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. يوضحه الوجه الثامن: أن المكلف إنما يعتقده على إطلاقه وعمومه مقيدا بعدم ورود ما يرفع ظاهره كما يعتقد المنسوخ مؤبدا اعتقادا مقيدا بعدم ورود ما يبطله وهذا هو الواجب عليه الذي لا يمكنه سواه. الوجه التاسع: أن إيجاب الشرط الملحق بالعبادة بعدها لا يكون نسخا وإن تضمن رفع الإجزاء بدونه كما صرح بذلك بعض أصحابكم وهو الحق فكذلك إيجاب كل زيادة بل أولى أن لا تكون نسخا فإن إيجاب الشرط يرفع إجزاء المشروط عن نفسه وعن غيره وإيجاب الزيادة إنما يرفع إجزاء المزيد عن نفسه خاصة. الوجه العاشر: أن الناس متفقون على أن إيجاب عبادة مستقلة بعد الثانية لا يكون نسخا وذلك أن الأحكام لم تشرع جملة واحدة وإنما شرعها أحكم الحاكمين شيئا بعد شيء وكل منها زائد على ما قبله وكان ما قبله جميع الواجب والإثم محطوط عمن اقتصر عليه وبالزيادة تغير هذان الحكمان فلم يبق الأول جميع الواجب ولم يحط الإثم(2\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "526",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "528",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عمن اقتصر عليه ومع ذلك فليس الزائد ناسخا للمزيد عليه إذ حكمه من الوجوب وغيره باق فهذه الزيادة المتعلقة بالمزيد لا تكون ناسخا له حيث لم ترفع حكمه بل هو باق على حكمه وقد ضم إليه غيره. يوضحه الوجه الحادي عشر: أن الزيادة إن رفعت حكما خطابيا كانت نسخا وزيادة التغريب وشروط الحكم وموانعه وجزاؤه لا ترفع حكم الخطاب وإن رفع حكم الاستصحاب. يوضحه الوجه الثاني عشر: أن ما ذكروه من كون الأول جميع الواجب وكونه مجزئا وحده وكون الإثم محطوطا عمن اقتصر عليه إنما هو من أحكام البراءة الأصلية فهو حكم استصحابي لم نستفده من لفظ الأمر الأول ولا أريد به فإن معنى كون العبادة مجزئة أن الذمة بريئة بعد الإتيان بها وحط الذم عن فاعلها معناه أنه قد خرج من عهدة الأمر فلا يلحقه ذم والزيادة وإن رفعت هذه الأحكام لم ترفع حكما دل عليه لفظ المزيد.  [تخصيص القرآن بالسنة] [تخصيص القرآن بالسنة جائز] يوضحه الوجه الثالث عشر: أن تخصيص القرآن بالسنة جائز كما أجمعت الأمة على تخصيص قوله: وأحل لكم ما وراء ذلكم [النساء: 24] بقوله - صلى الله عليه وسلم -: لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها وعموم قوله تعالى: يوصيكم الله في أولادكم [النساء: 11] بقوله - صلى الله عليه وسلم -: لا يرث المسلم الكافر وعموم قوله تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما [المائدة: 38] بقوله - صلى الله عليه وسلم -: لا قطع في ثمر ولا كثر ونظائر ذلك كثيرة فإذا جاز التخصيص - وهو رفع بعض ما تناوله اللفظ وهو نقصان من معناه فلأن تجوز الزيادة التي لا تتضمن رفع شيء من مدلوله ولا نقصانه بطريق الأولى والأحرى. الوجه الرابع عشر: أن الزيادة لا توجب رفع المزيد لغة ولا شرعا ولا عرفا ولا عقلا ولا تقول العقلاء لمن ازداد خيره أو ماله أو جاهه أو علمه أو ولده إنه قد ارتفع شيء مما في الكيس بل تقول في: الوجه الخامس عشر: إن الزيادة قررت حكم المزيد وزادته بيانا وتأكيدا فهي كزيادة العلم والهدى والإيمان قال تعالى: وقل رب زدني علما [طه: 114] وقال(2\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "527",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "529",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ": وما زادهم إلا إيمانا وتسليما [الأحزاب: 22] وقال: وزدناهم هدى [الكهف: 13] وقال ويزيد الله الذين اهتدوا هدى [مريم: 76] فكذلك زيادة الواجب على الواجب إنما يزيده قوة وتأكيدا وثبوتا فإن كانت متصلة به اتصال الجزاء والشرط كان ذلك أقوى له وأثبت وآكد ولا ريب أن هذا أقرب إلى المعقول والمنقول والفطرة من جعل الزيادة مبطلة للمزيد عليه ناسخة له. الوجه السادس عشر: أن الزيادة لم تتضمن النهي عن المزيد ولا المنع منه وذلك حقيقة النسخ وإذا انتفت حقيقة النسخ استحال ثبوته. الوجه السابع عشر: أنه لا بد في النسخ من تنافي الناسخ والمنسوخ وامتناع اجتماعهما والزيادة غير منافية للمزيد عليه ولا اجتماعهما ممتنع. الوجه الثامن عشر: أن الزيادة لو كانت نسخا لكانت إما نسخا بانفرادها عن المزيد أو بانضمامها إليه والقسمان محال فلا يكون نسخا: أما الأول فظاهر لأنها لا حكم لها بمفردها ألبتة فإنها تابعة للمزيد عليه في حكمه وأما الثاني فكذلك أيضا لأنها إذا كانت ناسخة بانضمامها إلى المزيد كان الشيء ناسخا لنفسه ومبطلا لحقيقته وهذا غير معقول وأجاب بعضهم عن هذا بأن النسخ يقع على حكم الفعل دون نفسه وصورته وهذا الجواب لا يجدي عليهم شيئا والإلزام قائم بعينه فإنه يوجب أن يكون المزيد عليه قد نسخ حكم نفسه وجعل نفسه إذا انفرد عن الزيادة غير مجزئ بعد أن كان مجزئا. الوجه التاسع عشر: أن النقصان من العبادة لا يكون نسخا لما بقي منها فكذلك الزيادة عليها لا تكون نسخا لها بل أولى لما تقدم. الوجه العشرون: أن نسخ الزيادة للمزيد عليه: إما أن يكون نسخا لوجوبه أو لإجزائه أو لعدم وجوب غيره أو لأمر رابع وهذا كزيادة التغريب مثلا على المائة جلدة لا يجوز أن تكون ناسخة لوجوبها فإن الوجوب بحاله ولا لإجزائها لأنها مجزئة عن نفسها ولا لعدم وجوب الزائد لأنه رفع لحكم عقلي وهو البراءة الأصلية فلو كان رفعها نسخا كان كلما أوجب الله شيئا بعد الشهادتين قد نسخ به ما قبله والأمر الرابع غير متصور ولا معقول فلا يحكم عليه. فإن قيل: بل ههنا أمر رابع معقول وهو الاقتصار على الأول فإنه نسخ بالزيادة وهذا غير الأقسام الثلاثة.(2\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "528",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "530",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالجواب أنه لا معنى للاقتصار غير عدم وجوب غيره وكونه جميع الواجب وهذا هو القسم الثالث بعينه غيرتم التعبير عنه وكسوتموه عبارة أخرى. الوجه الحادي والعشرون: أن الناسخ والمنسوخ لا بد أن يتواردا على محل واحد يقتضي المنسوخ ثبوته والناسخ رفعه أو بالعكس وهذا غير متحقق في الزيادة على النص. الوجه الثاني والعشرون: أن كل واحد من الزائد والمزيد عليه دليل قائم بنفسه مستقل بإفادة حكمه وقد أمكن العمل بالدليلين فلا يجوز إلغاء أحدهما وإبطاله وإلقاء الحرب بينه وبين شقيقه وصاحبه فإن كل ما جاء من عند الله فهو حق يجب اتباعه والعمل به ولا يجوز إلغاؤه وإبطاله إلا حيث أبطله الله ورسوله بنص آخر ناسخ له لا يمكن الجمع بينه وبين المنسوخ وهذا بحمد الله منتف في مسألتنا فإن العمل بالدليلين ممكن ولا تعارض بينهما ولا تناقض بوجه فلا يسوغ لنا إلغاء ما اعتبره الله ورسوله كما لا يسوغ لنا اعتبار ما ألغاه وبالله التوفيق. الوجه الثالث والعشرون: أنه إن كان القضاء بالشاهد واليمين ناسخا للقرآن وإثبات التغريب ناسخا للقرآن فالوضوء بالنبيذ أيضا ناسخ للقرآن ولا فرق بينهما ألبتة بل القضاء بالنكول ومعاقد القمط يكون ناسخا للقرآن وحينئذ فنسخ كتاب الله بالسنة الصحيحة الصريحة التي لا مطعن فيها أولى من نسخه بالرأي والقياس والحديث الذي لا يثبت وإن لم يكن ناسخا للقرآن لم يكن هذا نسخا له وأما أن يكون هذا نسخا وذاك ليس بنسخ فتحكم باطل وتفريق بين متماثلين. الوجه الرابع والعشرون: أن ما خالفتموه من الأحاديث التي زعمتم أنها زيادة على نص القرآن إن كانت تستلزم نسخه فقطع رجل السارق في المرة الثانية نسخ لأنه زيادة على القرآن وإن لم يكن هذا نسخا فليس ذلك نسخا. الوجه الخامس والعشرون: أنكم قلتم لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم وذلك زيادة على ما في القرآن فإن الله سبحانه أباح استحلال البضع بكل ما يسمى مالا وذلك يتناول القليل والكثير فزدتم على القرآن بقياس في غاية الضعف وبخبر في غاية البطلان فإن جاز نسخ القرآن بذلك فلم لا يجوز نسخه بالسنة الصحيحة الصريحة وإن كان هذا ليس بنسخ لم يكن الآخر نسخا. الوجه السادس والعشرون: أنكم أوجبتم الطهارة للطواف بقوله: الطواف بالبيت(2\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "529",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "531",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلاة وذلك زيادة على القرآن فإن الله إنما أمر بالطواف ولم يأمر بالطهارة فكيف لم تجعلوا ذلك نسخا للقرآن وجعلتم القضاء بالشاهد واليمين والتغريب في حد الزنا نسخا للقرآن الوجه السابع والعشرون: أنكم مع الناس أوجبتم الاستبراء في جواز وطء المسبية بحديث - ورد - زائد على كتاب الله ولم تجعلوا ذلك نسخا له وهو الصواب بلا شك فهلا فعلتم ذلك في سائر الأحاديث الزائدة على القرآن الوجه الثامن والعشرون: أنكم وافقتم على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها بخبر الواحد وهو زائد على كتاب الله تعالى قطعا ولم يكن ذلك نسخا فهلا فعلتم ذلك في خبر القضاء بالشاهد واليمين والتغريب ولم تعدوه نسخا وكل ما تقولونه في محل الوفاق يقوله لكم منازعوكم في محل النزاع حرفا بحرف. الوجه التاسع والعشرون: أنكم قلتم: لا يفطر المسافر ولا يقصر في أقل من ثلاثة أيام والله تعالى قال: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر [البقرة: 184] وهذا يتناول الثلاثة وما دونها فأخذتم بقياس ضعيف أو أثر لا يثبت في التحديد بالثلاث وهو زيادة على القرآن ولم تجعلوا ذلك نسخا فكذلك الباقي. الوجه الثلاثون: أنكم منعتم قطع من سرق ما يسرع إليه الفساد من الأموال مع أنه سارق حقيقة ولغة وشرعا لقوله: لا قطع في ثمر ولا كثر ولا يجعلوا ذلك نسخا للقرآن وهو زائد عليه. الوجه الحادي والثلاثون: أنكم رددتم السنن الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسح على العمامة وقلتم: إنها زائدة على نص الكتاب فتكون ناسخة له فلا تقبل ثم ناقضتم فأخذتم بأحاديث المسح على الخفين وهي زائدة على القرآن ولا فرق بينهما واعتذرتم بالفرق بأن أحاديث المسح على الخفين متواترة بخلاف المسح على العمامة وهو اعتذار فاسد فإن من له اطلاع على الحديث لا يشك في شهرة كل منها وتعدد طرقها واختلاف مخارجها وثبوتها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قولا وفعلا. الوجه الثاني والثلاثون: أنكم قبلتم شهادة المرأة الواحدة على الرضاع والولادة وعيوب النساء مع أنه زائد على ما في القرآن ولم يصح الحديث به صحته بالشاهد واليمين ورددتم هذا ونحوه بأنه زائد على القرآن. الوجه الثالث والثلاثون: أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أنه لا يحرم(2\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "530",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "532",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أقل من خمس رضعات ولا تحرم الرضعة والرضعتان وقلتم: هي زائدة على القرآن ثم أخذتم بخبر لا يصح بوجه ما في أنه لا قطع في أقل من عشرة دراهم أو ما يساويها ولم تروه زيادة على القرآن وقلتم: هذا بيان للفظ السارق فإنه مجمل والرسول بينه بقوله: لا تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم فيا لله العجب كيف كان هذا بيانا ولم يكن حديث التحريم بخمس رضعات بيانا لمجمل قوله: وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم [النساء: 23] ولا تأتون بعذر في آية القطع إلا كان مثله أو أولى منه في آية الرضاع سواء بسواء. الوجه الرابع والثلاثون: أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمسح على الجوربين وقلتم: هي زائدة على القرآن وجوزتم الوضوء بالخمر المحرمة من نبيذ التمر المسكر بخبر لا يثبت وهو خلاف القرآن. الوجه الخامس والثلاثون: أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصوم عن الميت والحج عنه وقلتم: هو زائد على قوله تعالى: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى [النجم: 39] ثم جوزتم أن تعمل أعمال الحج كلها عن المغمى عليه ولم تروه زائدا على قوله: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى [النجم: 39] وأخذتم بالسنة الصحيحة وأصبتم في حمل العاقلة الدية عن القاتل خطأ ولم تقولوا هو زائد على قوله: ولا تزر وازرة وزر أخرى [الأنعام: 164] ولا تكسب كل نفس إلا عليها [الأنعام: 164] واعتذاركم بأن الإجماع ألجأكم إلى ذلك لا يفيد لأن عثمان البتي - وهو من فقهاء التابعين - يرى أن الدية على القاتل وليس على العاقلة منها شيء ثم هذا حجة عليكم أن تجمع الأمة على الأخذ بالخبر وإن كان زائدا على القرآن. الوجه السادس والثلاثون: أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في اشتراط المحرم أن يحل حيث حبس وقلتم: هو زائد على القرآن فإن الله أمر بإتمام الحج والعمرة والإحلال خلاف الإتمام ثم أخذتم وأصبتم بحديث تحريم لبن الفحل وهو زائد على ما في القرآن قطعا. الوجه السابع والثلاثون: ردكم السنة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالوضوء من مس الفرج وأكل لحوم الإبل وقلتم: ذلك زيادة على القرآن لأن الله تعالى إنما ذكر الغائط ثم أخذتم بحديث ضعيف في إيجاب الوضوء من القهقهة وخبر ضعيف في إيجابه من القيء ولم يكن إذ ذاك زائدا على ما في القرآن إذ هو قول متبوعكم فمن العجب إذا قال من قلدتموه قولا زائدا على ما في القرآن قبلتموه وقلتم: ما قاله إلا بدليل وسهل عليكم(2\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "531",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "533",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مخالفة ظاهر القرآن حينئذ وإذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولا زائدا على ما في القرآن قلتم: هذا زيادة على النص وهو نسخ والقرآن لا ينسخ بالسنة فلم تأخذوا به واستصعبتم خلاف ظاهر القرآن فهان خلافه إذا وافق قول من قلدتموه وصعب خلافه إذا وافق قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. الوجه الثامن والثلاثون: أنكم أخذتم بخبر ضعيف لا يثبت في إيجاب المضمضة والاستنشاق في الغسل من الجنابة ولم تروه زائدا على القرآن ورددتم السنة الصحيحة الصريحة في أمر المتوضئ بالاستنشاق وقلتم: هو زائد على القرآن فهاتوا لنا الفرق بين ما يقبل من السنن الصحيحة وما رد منها فإما أن تقبلوها كلها وإن زادت على القرآن وإما أن تردوها كلها إذا كانت زائدة على القرآن وأما التحكم في قبول ما شئتم منها ورد ما شئتم منها فما لم يأذن به الله ولا رسوله ونحن نشهد الله شهادة يسألنا عنها يوم نلقاه أنا لا نرد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة واحدة صحيحة أبدا إلا بسنة صحيحة مثلها نعلم أنها ناسخة لها. الوجه التاسع والثلاثون: أنكم رددتم السنة الصحيحة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القسم للبكر سبعا يفضلها بها على من عنده من النساء وللثيب ثلاثا إذا أعرس بهما وقلتم: هذا زائد على العدل المأمور به في القرآن ومخالف له فلو قبلناه كنا قد نسخنا به القرآن ثم أخذتم بقياس فاسد واه لا يصح في جواز نكاح الأمة لواجد الطول غير خائف العنت إذا لم تكن تحته حرة وهو خلاف ظاهر القرآن وزائد عليه قطعا. الوجه الأربعون: ردكم السنة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإسقاط نفقة المبتوتة وسكناها وقلتم: هو مخالف للقرآن فلو قبلناه كان نسخا للقرآن به ثم أخذتم بخبر ضعيف لا يصح أن عدة الأمة قرءان وطلاقها طلقتان مع كونه زائدا على ما في القرآن قطعا. الوجه الحادي والأربعون: ردكم السنة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تخيير ولي الدم بين الدية أو القود أو العفو بقولكم: إنها زائدة على ما في القرآن ثم أخذتم بقياس من أفسد القياس أنه لو ضربه بأعظم دبوس يوجد حتى ينثر دماغه على الأرض فلا قود عليه ولم تروا ذلك مخالفا لظاهر القرآن والله تعالى يقول: النفس بالنفس [المائدة: 45] ويقول: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم [البقرة: 194] . الوجه الثاني والأربعون: أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: لا يقتل مسلم بكافر وقوله: المؤمنون تتكافأ دماؤهم وقلتم: هذا خلاف ظاهر القرآن لأن الله تعالى يقول: النفس بالنفس [المائدة: 45] وأخذتم بخبر لا يصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنه(2\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "532",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "534",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا قود إلا بالسيف وهو مخالف لظاهر القرآن فإنه سبحانه قال: وجزاء سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40] وقال: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم [البقرة: 194] . الوجه الثالث والأربعون: أنكم أخذتم بخبر لا يصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أنه لا جمعة إلا في مصر جامع وهو مخالف لظاهر القرآن قطعا وزائدة عليه ورددتم الخبر الصحيح الذي لا شك في صحته عند أحد من أهل العلم في أن كل بيعين فلا بيع بينهما حتى يتفرقا وقلتم: هو خلاف ظاهر القرآن في وجوب الوفاء بالعقد. الوجه الرابع والأربعون: أنكم أخذتم بخبر ضعيف لا تقطع الأيدي في الغزو وهو زائد على القرآن وعديتموه إلى سقوط الحدود على من فعل أسبابها في دار الحرب وتركتم الخبر الصحيح الذي لا ريب في صحته في المصراة وقلتم: هو خلاف ظاهر القرآن من عدة أوجه. الوجه الخامس والأربعون: أنكم أخذتم بخبر ضعيف - بل باطل - في أنه لا يؤكل الطافي من السمك وهو خلاف ظاهر القرآن إذ يقول تعالى: أحل لكم صيد البحر وطعامه [المائدة: 96] فصيده ما صيد منه حيا وطعامه قال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هو ما مات فيه صح ذلك عن الصديق وابن عباس وغيرهما ثم تركتم الخبر الصحيح المصرح بأن ميتته حلال مع موافقته لظاهر القرآن. الوجه السادس والأربعون: أنكم أخذتم وأصبتم بحديث تحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير وهو زائد على ما في القرآن ولم تروه ناسخا ثم تركتم حديث حل لحوم الخيل الصحيح الصريح وقلتم: هو مخالف لما في القرآن زائد عليه وليس كذلك. الوجه السابع والأربعون: أنكم أخذتم بحديث المنع من توريث القاتل مع أنه زائد على القرآن وحديث عدم القود على قاتل ولده وهو زائد على ما في القرآن مع أن الحديثين ليسا في الصحة بذاك وتركتم الأخذ بحديث إعتاق النبي - صلى الله عليه وسلم - لصفية وجعل عتقها صداقها فصارت بذلك زوجة وقلتم: هذا خلاف ظاهر القرآن والحديث في غاية الصحة. الوجه الثامن والأربعون: أنكم أخذتم بالحديث الضعيف الزائد على ما في القرآن وهو كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه فقلتم: هذا يدل على وقوع طلاق المكره(2\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "533",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "535",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والسكران وتركتم السنة الصحيحة التي لا ريب في صحتها فيمن وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به وقلتم: هو خلاف ظاهر القرآن بقوله: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل [النساء: 29] والعجب أن ظاهر القرآن مع الحديث متوافقان متطابقان فإن منع البائع من الوصول إلى الثمن وإلى عين ماله إطعام له بالباطل الغرماء فخالفتم ظاهر القرآن مع السنة الصحيحة الصريحة. الوجه التاسع والأربعون: أنكم أخذتم بالحديث الضعيف وهو من كان له إمام فقراءة الإمام قراءة له ولم تقولوا: هو زائد على القرآن في قوله: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى [النجم: 39] وتركتم الحديث الصحيح في بقاء الإحرام بعد الموت وأنه لا ينقطع به وقلتم: هو خلاف ظاهر القرآن في قوله: هل تجزون إلا ما كنتم تعملون [النمل: 90] وخلاف ظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم -: إذا مات ابن آدم انقطع عنه عمله إلا من ثلاث . الوجه الخمسون: رد السنة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وجوب الموالاة حيث أمر الذي ترك لمعة من قدمه بأن يعيد الوضوء والصلاة وقالوا: هو زائد على كتاب الله ثم أخذوا بالحديث الضعيف الزائد على كتاب الله في أن أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة . الوجه الحادي والخمسون: رد الحديث الثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أنه لا نكاح إلا بولي  وأن من أنكحت نفسها فنكاحها باطل وقالوا: هو زائد على كتاب الله فإن الله تعالى يقول: فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن [البقرة: 232] وقال: فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف [البقرة: 234] ثم أخذوا بالحديث الضعيف الزائد على القرآن قطعا في اشتراط الشهادة في صحة النكاح. والعجب أنهم استدلوا على ذلك بقوله: لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل ثم قالوا: لا يفتقر إلى حضور الولي ولا عدالة الشاهدين. فهذا طرف من بيان تناقض من رد السنن بكونها زائدة على القرآن فتكون ناسخة فلا تقبل. الوجه الثاني والخمسون: أنكم تجوزون الزيادة على القرآن بالقياس الذي أحسن أحواله أن يكون للأمة فيه قولان: أحدهما أنه باطل مناف للدين والثاني أنه صحيح مؤخر عن الكتاب والسنة فهو في المرتبة الأخيرة ولا تختلفون في جواز إثبات حكم زائد على القرآن به فهلا قلتم: إن ذلك يتضمن نسخ الكتاب بالقياس.(2\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "534",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "536",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: قد دل القرآن على صحة القياس واعتباره وإثبات الأحكام به فما خرجنا عن موجب القرآن ولا زدنا على ما في القرآن إلا بما دلنا عليه القرآن. قيل: فهلا قلتم مثل هذا سواء في السنة الزائدة على القرآن وكان قولكم ذلك في السنة أسعد وأصلح من القياس الذي هو محل آراء المجتهدين وعرضة للخطأ بخلاف قول من ضمنت لنا العصمة في أقواله وفرض الله علينا اتباعه وطاعته. فإن قيل: القياس بيان لمراد الله ورسوله من النصوص وأنه أريد بها إثبات الحكم في المذكور في نظيره وليس ذلك زائدا على القرآن بل تفسير له وتبيين. قيل: فهلا قلتم: إن السنة بيان لمراد الله من القرآن تفصيلا لما أجمله وتبيينا لما سكت عنه وتفسيرا لما أبهمه فإن الله سبحانه أمر بالعدل والإحسان والبر والتقوى ونهى عن الظلم والفواحش والعدوان والإثم وأباح لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث فكل ما جاءت به السنة فإنها تفصيل لهذا المأمور به والمنهي عنه والذي أحل لنا هو الذي حرم علينا. وهذا تبيين بالمثال التاسع عشر: وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر في حديث النعمان بن بشير أن يعدل بين الأولاد في العطية فقال اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم . وفي الحديث: إني لا أشهد على جور فسماه جورا وقال إن هذا لا يصلح وقال أشهد على هذا غيري تهديدا له وإلا فمن الذي يطيب قلبه من المسلمين أن يشهد على ما حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه جور وأنه لا يصلح وأنه على خلاف تقوى الله وأنه خلاف العدل وهذا الحديث من تفاصيل العدل الذي أمر الله به في كتابه وقامت به السماوات والأرض وأسست عليه الشريعة فهو أشد موافقة للقرآن من كل قياس على وجه الأرض وهو محكم الدلالة غاية الإحكام فرد بالمتشابه من قوله كل أحد أحق بماله من ولده ووالده والناس أجمعين فكونه أحق به يقتضي جواز تصرفه فيه كما يشاء وبقياس متشابه على إعطاء الأجانب ومن المعلوم بالضرورة أن هذا المتشابه من العموم والقياس لا يقاوم هذا المحكم المبين غاية البيان.  [رد المحكم في مسألة المصراة] المثال العشرون: رد المحكم الصحيح الصريح في مسألة المصراة بالمتشابه من القياس وزعمهم أن هذا حديث يخالف الأصول فلا يقبل فيقال: الأصول كتاب الله وسنة رسوله وإجماع أمته والقياس الصحيح الموافق للكتاب والسنة فالحديث الصحيح أصل بنفسه فكيف يقال: الأصل يخالف نفسه هذا من أبطل الباطل والأصول في الحقيقة اثنان لا ثالث لهما: كلام الله وكلام رسوله وما عداهما فمردود إليهما فالسنة أصل قائم(2\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "535",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "537",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بنفسه والقياس فرع فكيف يرد الأصل بالفرع قال الإمام أحمد: إنما القياس أن تقيس على أصل فأما أن تجيء إلى الأصل فتهدمه ثم تقيس فعلى أي شيء تقيس وقد تقدم بيان موافقة حديث المصراة للقياس وإبطال قول من زعم أنه خلاف القياس وأنه ليس في الشريعة حكم يخالف القياس الصحيح وأما القياس الباطل فالشريعة كلها مخالفة له ويا لله العجب كيف وافق الوضوء بالنبيذ المشتد للأصول حتى قبل وخالف خبر المصراة للأصول حتى رد  [رد السنة الصحيحة في العرايا] المثال الحادي والعشرون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في العرايا بالمتشابه من قوله التمر بالتمر مثلا بمثل سواء بسواء فإن هذا لا يتناول الرطب بالتمر. فإن قيل: فأنتم رددتم خبر النهي عن بيع الرطب بالتمر مع أنه محكم صريح صحيح بحديث العرايا وهو متشابه. قيل: فإذا كان عندكم محكما صحيحا فكيف رددتموه بالمتشابه من اشتراط المساواة بين التمر والتمر فلا بحديث النهي أخذتم ولا بحديث العرايا بل خالفتم الحديثين معا وأما نحن فأخذنا بالسنن الثلاثة وتركنا كل سنة على وجهها ومقتضاها ولم نضرب بعضها ببعض ولم نخالف شيئا منها فأخذنا بحديث النهي عن بيع التمر بالتمر متفاضلا وأخذنا بحديث النهي عن بيع الرطب بالتمر مطلقا وأخذنا بحديث العرايا وخصصنا به عموم حديث النهي عن بيع الرطب بالتمر اتباعا لسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلها وإعمالا لأدلة الشرع جميعها فإنها كلها حق ولا يجوز ضرب الحق بعضه ببعض وإبطال بعضه ببعض والله الموفق.  [رد حديث القسامة] المثال الثاني والعشرون: رد حديث القسامة الصحيح الصريح المحكم بالمتشابه من قوله لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه والذي شرع الحكم بالقسامة هو الذي شرع أن لا يعطى أحد بدعواه المجردة وكلا الأمرين حق من عند الله لا اختلاف فيه ولم يعط في القسامة بمجرد الدعوى وكيف يليق بمن بهرت حكمة شرعه العقول أن لا يعطي المدعي بمجرد دعواه عودا من أراك ثم يعطيه بدعوى مجردة دم أخيه المسلم وإنما أعطاه ذلك بالدليل الظاهر الذي يغلب على الظن صدقه فوق تغليب الشاهدين وهو اللوث والعداوة والقرينة الظاهرة من وجود العدو مقتولا في بيت عدوه فقوى الشارع الحكيم هذا السبب باستحلاف خمسين من أولياء القتيل الذين يبعد أو يستحيل اتفاقهم كلهم على رمي البريء بذم ليس منه(2\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "536",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "538",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بسبيل ولا يكون فيهم رجل رشيد يراقب الله ولو عرض على جميع العقلاء هذا الحكم والحكم بتحليف العدو الذي وجد القتيل في داره بأنه ما قتله لرأوا أن ما بينهما من العدل كما بين السماء والأرض ولو سئل كل سليم الحاسة عن قاتل هذا لقال من وجد في داره والذي يقضي منه العجب أن يرى قتيل يتشحط في دمه وعدوه هارب بسكين ملطخة بالدم ويقال: القول قوله فيستحلفه بالله ما قتله ويخلي سبيله ويقدم ذلك على أحسن الأحكام وأعدلها وألصقها بالعقول والفطر الذي لو اتفقت العقلاء لم يهتدوا لأحسن منه بل ولا لمثله. وأين ما تضمنه الحكم بالقسامة من حفظ الدماء إلى ما تضمنه تحليف من لا يشك مع القرائن التي تفيد القطع أنه الجاني . ونظير هذا إذا رأينا رجلا من أشراف الناس حاسر الرأس بغير عمامة وآخر أمامه يشتد عدوا وفي يده عمامة وعلى رأسه أخرى فإنا ندفع العمامة التي بيده إلى حاسر الرأس ونقبل قوله ولا نقول لصاحب اليد: القول قولك مع يمينك. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: لو يعطى الناس بدعواهم لا يعارض القسامة بوجه فإنه إنما نفى الإعطاء بدعوى مجردة. وقوله: ولكن اليمين على المدعى عليه هو في مثل هذه الصورة حيث لا تكون مع المدعي إلا مجرد الدعوى وقد دل القرآن على رجم المرأة بلعان الزوج إذا نكلت وليس ذلك إقامة للحد بمجرد أيمان الزوج بل بها وبنكولها وهكذا في القسامة إنما يقبل فيها باللوث الظاهر والأيمان المتعددة المغلظة وهاتان بينتا هذين الموضعين والبينات تختلف بحسب حال المشهود به كما تقدم بأربعة شهود وثلاثة بالنص وإن خالفه من خالفه في بينة الإعسار واثنان وواحد ويمين ورجل وامرأتان ورجل واحد وامرأة واحدة وأربعة أيمان وخمسون يمينا ونكول وشهادة الحال ووصف المالك اللقطة وقيام القرائن والشبه الذي يخبر به القائف ومعاقد القمط ووجوه الآجر في الحائط وكونه معقودا ببناء أحدهما عند من يقول بذلك فالقسامة مع اللوث أقوى البينات.  [رد السنة المحكمة في النهي عن بيع الرطب بالتمر] المثال الثالث والعشرون: رد السنة الثابتة المحكمة في النهي عن بيع الرطب بالتمر بالمتشابه من قوله: وأحل الله البيع [البقرة: 275] وبالمتشابه من قياس في غاية الفساد وهو قولهم: الرطب والتمر إما أن يكونا جنسين وإما أن يكون جنسا واحدا وعلى التقديرين فلا يمنع بيع أحدهما بالآخر وأنت إذا نظرت إلى هذا القياس رأيته مصادما للسنة أعظم مصادمة ومع أنه فاسد في نفسه بل هما جنس واحد أحدهما أزيد من الآخر قطعا بلينته فهو أزيد أجزاء من الآخر بزيادة لا يمكن فصلها وتمييزها ولا يمكن أن يجعل في مقابلة تلك الأجزاء من الرطب ما يتساويان به عند الكمال إذ هو ظن وحسبان فكان(2\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "537",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "539",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المنع من بيع أحدهما بالآخر محض القياس لو لم تأت به سنة وحتى لو لم يكن ربا ولا القياس يقتضيه لكان أصلا قائما بنفسه يجب التسليم والانقياد له كما يجب التسليم لسائر نصوصه المحكمة ومن العجب رد هذه السنة بدعوى أنها مخالفة للقياس والأصول وتحريم بيع الكسب بالسمسم ودعوى أن ذلك موافق للأصول فكل أحد يعلم أن جريان الربا بين التمر والرطب أقرب إلى الربا نصا وقياسا ومعقولا من جريانه بين الكسب والسمسم.  [رد المحكم من السنة بالإقراع بين الأعبد الستة الموصى بعتقهم] المثال الرابع والعشرون: رد المحكم الصريح الصحيح من السنة بالإقراع بين الأعبد الستة الموصى بعتقهم وقالوا: هذا خلاف الأصول بالمتشابه من رأي فاسد قياس باطل بأنهم إما أن يكون كل واحد منهم قد استحق العتق فلا يجوز نقله عنه إلى غيره أو لم يستحقه فلا يجوز أن يعتق منهم أحد وهذا الرأي الباطل كما أنه في مصادمة السنة فهو فاسد في نفسه فإن العتق إنما استحق في ثلث ماله ليس إلا والقياس والأصول تقتضي جمع الثلث في محل واحد كما إذا أوصى بثلاثة دراهم وهي كل ماله فلم يجز الورثة فإنا ندفع إلى الموصى له درهما ولا نجعله شريكا بثلث كل درهم ونظائر ذلك فهذا المعتق لعبيده كأنه أوصى بعتق ثلثهم إذ هذا هو الذي يملكه وفيه صحت الوصية فالحكم بجمع الثلث في اثنين منهم أحسن عقلا وشرعا وفطرة من جعل الثلث شائعا في كل واحد منهم فحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه المسألة خير من حكم غيره بالرأي المحض.  [رد السنة المحكمة في تحريم الرجوع في الهبة] المثال الخامس والعشرون: رد السنة الصريحة المحكمة في تحريم الرجوع في الهبة لكل أحد إلا للوالد برأي متشابه فاسد اقتضى عكس السنة وأنه يجوز الرجوع في الهبة لكل أحد إلا لوالد أو لذي رحم محرم أو لزوج أو زوجة أو يكون الواهب قد أثيب منها ففي هذه المواضع الأربعة يمتنع الرجوع وفرقوا بين الأجنبي والرحم بأن هبة القريب صلة ولا يجوز قطعها وهبة الأجنبي تبرع وله أن يمضيه وأن لا يمضيه وهذا مع كونه مصادما للسنة مصادمة محضة فهو فاسد لأن الموهوب له حين قبض العين الموهوبة دخلت في ملكه وجاز له التصرف فيها فرجوع الواهب فيها انتزاع لملكه منه بغير رضاه وهذا باطل شرعا وعقلا وأما الوالد فولده جزء منه وهو وماله لأبيه وبينهما من البعضية ما يوجب شدة الاتصال بخلاف الأجنبي. فإن قيل: لم نخالفه إلا بنص محكم صريح صحيح وهو حديث سالم عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: quot; من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها قال البيهقي: قال لنا أبو عبد الله -(2\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "538",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "540",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعني الحاكم - هذا حديث صحيح إلا أن يكون الحمل فيه على شيخنا يريد أحمد بن إسحاق بن محمد بن خالد الهاشمي ورواه الحاكم من حديث عمرو بن دينار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الواهب أحق بهبته ما لم يثب  وفي كتاب الدارقطني من حديث حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها وفي الغيلانيات: ثنا محمد بن إبراهيم بن يحيى عن محمد بن عبد الله عن عطاء عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: من وهب هبة فارتجع بها فهو أحق بها ما لم يثب منها ولكنه كالكلب يعود في قيئه . فالجواب أن هذه الأحاديث لا تثبت ولو ثبتت لم تحل مخالفتها ووجب العمل بها وبحديث لا يحل لواهب أن يرجع في هبته ولا يبطل أحدهما بالآخر ويكون الواهب الذي لا يحل له الرجوع من وهب تبرعا محضا لا لأجل العوض والواهب الذي له الرجوع من وهب ليتعوض من هبته ويثاب منها فلم يفعل المتهب وتستعمل سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلها ولا يضرب بعضها ببعض أما حديث ابن عمر فقال الدارقطني: لا يثبت مرفوعا والصواب عن ابن عمر عن عمر قوله وقال البيهقي: ورواه علي بن سهل بن المغيرة عن عبيد الله بن موسى ثنا حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت سالم بن عبد الله فذكره وهو غير محفوظ بهذا الإسناد وإنما يروى عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع وإبراهيم ضعيف انتهى. وقال الدارقطني: غلط فيه علي بن سهل انتهى. وإبراهيم بن إسماعيل هذا قال أبو نعيم: لا يساوي حديثه فلسين وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به وقال يحيى بن معين: إبراهيم بن إسماعيل المكي ليس بشيء وقال البيهقي: والمحفوظ عن عمرو بن دينار عن سالم عن أبيه عن عمر: quot; من وهب هبة فلم يثب منها فهو أحق بها إلا لذي رحم محرم قال البخاري: هذا أصح. وأما حديث عبيد الله بن موسى عن حنظلة فلا أراه إلا وهما وأما حديث حماد بن سلمة فمن رواية عبد الله بن جعفر الرقي عن ابن المبارك وعبد الله هذا ضعيف عندهم. وأما حديث ابن عباس فمحمد بن عبد الله فيه هو العزرمي ولا تقوم به حجة قال الفلاس والنسائي: هو متروك الحديث وفيه إبراهيم بن يحيى. قال مالك ويحيى بن سعيد وابن معين: هو كذاب وقال الدارقطني: متروك الحديث فإن لم تصح هذه الأحاديث لم يلتفت إليها وإن صحت وجب حملها على من وهب للعوض وبالله التوفيق.(2\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "539",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "541",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[رد السنة المحكمة في القضاء بالقافة] المثال السادس والعشرون: رد السنة المحكمة في القضاء بالقافة وقالوا: هو خلاف الأصول ثم قالوا: لو ادعاه اثنان ألحقناه بهما وكان هذا مقتضى الأصول. ونظير هذا المثال السابع والعشرون: رد السنة المحكمة الثابتة في جعل الأمة فراشا وإلحاق الولد بالسيد وإن لم يدعه وقالوا: هو خلاف الأصول والأمة لا تكون فراشا ثم قالوا: لو تزوجها وهو بأقصى بقعة من المشرق وهي بأقصى بقعة من المغرب وأتت بولد لستة أشهر لحقه وإن علمنا بأنهما لم يتلاقيا قط وهي فراش بالعقد فأمته التي يطؤها ليلا ونهارا ليست بفراش وهذه فراش وهذا مقتضى الأصول وحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلاف الأصول على لازم قولهم ونظير هذا قياس الحدث على السلام في الخروج من الصلاة بكل واحد منهما ودعوى أن ذلك موجب الأصول مع بعد ما بين الحدث والسلام وترك قياس نبيذ التمر المسكر على عصير العنب المسكر في تحريم قليل كل منهما مع شدة الأخوة بينهما ودعوى أن ذلك خلاف الأصول. ونظيره أن الذمي لو منع دينارا واحدا من الجزية انتقض عهده وحل ماله ودمه ولو حرق الكعبة البيت الحرام ومسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجاهر بسب الله ورسوله أقبح سب على رءوس المسلمين فعهده باق ودمه معصوم وعدم النقض بذلك مقتضى الأصول والنقض بمنع الدينار مقتضى الأصول. ونظيره أيضا إباحة قراءة القرآن بالعجمية وأنه مقتضى الأصول ومنع رواية الحديث بالمعنى وهو خلاف الأصول. ونظيره إسقاط الحد عمن استأجر امرأة ليزني بها أو تغسل ثيابه فزنى بها وأن هذا مقتضى الأصول وإيجاب الحد على الأعمى إذا وجد على فراشه امرأة فظنها زوجته فبانت أجنبية. ونظيره أيضا منع المصلي من الصلاة بالوضوء من ماء يبلغ قناطير مقنطرة وقعت فيه قطرة دم أو بول وإباحتهم له أن يصلي في ثوب ربعه متلطخ بالبول وإن كان عذرة فقدر راحة الكف. ونظيره دعواهم أن الإيمان واحد والناس فيه سواء وهو مجرد التصديق وليست الأعمال داخلة في ماهيته وأن من مات ولم يصل صلاة قط في عمره مع قدرته وصحة(2\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "540",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "542",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جسمه وفراغه فهو مؤمن وتكفيرهم من يقول مسيجد أو فقيه بالتصغير أو يقول للخمر أو للسماع المحرم: ما أطيبه وألذه. ونظير ذلك أنه لو شهد عليه أربعة بالزنا فقال: quot; صدقوا quot; سقط عنه الحد بتصديقهم ولو قال: quot; كذبوا علي quot; حد. ونظيره أنه لا يصح استئجار دار تجعل مسجدا يصلي فيه المسلمون وتصح إجارتها كنيسة يعبد فيها الصليب والنار. ونظيره أنه لو قهقه في صلاته بطل وضوءه ولو غنى في صلاته أو قذف المحصنات أو شهد بالزور فوضوءه بحاله. ونظيره أنه لو وقع في البئر فأرة تنجست البئر فإذا نزع منها دلو فالدلو والماء نجسان ثم هكذا إلى تمام كذا وكذا دلوا فإذا نزع الدلو الذي قبل الأخير فرشرش على حيطان البئر نجسها كلها فإذا جاءت النوبة إلى الدلو الأخير قشقش النجاسة كلها من البئر وحيطانها وطينها بعد أن كانت نجسة. ونظيره إنكار كون القرعة التي ثبت فيها ستة أحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيها آيتان من كتاب الله طريقا للأحكام الشرعية وإثبات حل الوطء بشهادة الزور التي يعلم المقدوح أنها شهادة زور وبها فرق الشاهدان بين الرجل والمرأة. ونظير هذا إيجاب الاستبراء على السيد إذا ملك امرأة بكرا لا يوطأ مثلها مع القطع ببراءة رحمها وإسقاطه عمن أراد وطء الأمة التي وطئها سيدها البارحة ثم اشتراها هو فملكها لغيره ثم وكله في تزويجها منه فقالوا: يحل له وطؤها وليس بين وطء بائعها ووطئه هو إلا ساعة من نهار. ونظير هذا في التناقض إباحة نكاح المخلوقة من ماء الزاني مع كونها بعضه مع تحريم المرضعة من لبن امرأته لكون اللبن ثاب بوطئه فقد صار فيه جزء منه. فيا لله العجب كيف انتهض هذا الجزء اليسير سببا للتحريم ثم يباح له وطؤها وهي جزؤه الحقيقي وسلالته وأين تشنيعكم وإنكاركم لاستمناء الرجل بيده عند الحاجة خوفا من العنت ثم تجوزون له وطء بنته المخلوقة من مائه حقيقة. ونظير هذا لو ادعى على ذمي حقا وأقام به شاهدين عبدين عالمين صالحين مقبولة شهادتهما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم تقبل شهادتهما عليه فإن أقام به شاهدين كافرين حرين قبلت شهادتهما عليه مع كونهما من أكذب الخلق على الله وأنبيائه ودينه.(2\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "541",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "543",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونظير هذا لو تداعيا حائطا لأحدهما عليه خشبتان وللآخر عليه ثلاث خشبات ولا بينة فهو كله لصاحب الخشبات الثلاث فلو كان لأحدهما ثلاث خشبات وللآخر مائه خشبة فهو بينهما نصفين. ونظير هذا لو اغتصب نصراني رجلا على ابنته أو امرأته أو حرمته وزنى بها ثم شدخ رأسها بحجر أو رمى بها من أعلى شاهق حتى ماتت فلا حد عليه ولا قصاص فلو قتله المسلم صاحب الحرمة بقصبة محددة قتل به. ونظير هذا أنه لو أكره على قتل ألف مسلم أو أكثر بسجن شهر وأخذ شيء من ماله فقتلهم فلا قود عليه ولا دية حتى إذا أكره بالقتل على عتق أمته أو طلاق زوجته لزمه حكم العتق والطلاق ولم يكن الإكراه مانعا من نفوذ حكمنا عليه مع أن الله سبحانه أباح التكلم بكلمة الكفر مع الإكراه ولم يبح قتل المسلم بالإكراه أبدا. ونظير هذا إبطال الصلاة بتسبيح من نابه شيء في صلاته وقد أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - وتصحيح صلاة من ركع ثم خر ساجدا من غير أن يقيم صلبه وقد أبطلها النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في ركوعه وسجوده ودعوى أن ذلك مقتضى الأصول. ونظيره أيضا إبطال الصلاة بالإشارة لرد السلام أو غيره وقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاته برد السلام وأشار الصحابة برءوسهم تارة وبأكفهم تارة وتصحيحها مع ترك الطمأنينة وقد أمر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - ونفى الصلاة بدونها وأخبر أن صلاة النقر صلاة المنافقين وأخبر حذيفة أن من صلى كذلك لقي الله على غير الفطرة التي فطر الله عليها رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من لا يتم ركوعه ولا سجوده أسوأ الناس سرقة وهذا يدل على أنه أسوأ حالا عند الله من سراق الأموال. ونظير هذا قولهم: لو أن رجلا مسلما طاهر البدن عليه جنابة غمس يده في بئر بنية رفع الحدث صارت البئر كلها نجسة يحرم شرب مائها والوضوء منه والطبخ به فلو اغتسل فيها مائة نصراني قلف عابدو الصليب أو مائه يهودي فماؤها باق على حاله طاهر مطهر يجوز الوضوء منه وشربه والطبخ به. ونظيره لو ماتت فأرة في ماء فصب ذلك الماء في بئر لم ينزح منها إلا عشرون دلوا فقط وتطهر بذلك ولو توضأ رجل مسلم طاهر الأعضاء بماء فسقط ذلك الماء في البئر فلا بد أن تنزح كلها.(2\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "542",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "544",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونظير هذا قولهم: لو عقد على أمه أو أخته أو بنته ووطئها وهو يعلم أن الله حرم ذلك فلا حد عليه لأن صورة العقد شبهة ولو رأى امرأة في الظلمة ظنها امرأته فوطئها فعليه الحد ولم يكن ذلك شبهة. ونظيره قولهم: لو أنه رشا شاهدين فشهدا بالزور المحض أن فلانا طلق امرأته ففرق الحاكم بينهما جاز له أن يتزوجها ويطأها حلالا بل ويجوز لأحد الشاهدين ذلك فلو حكم حاكم بصحة هذا العقد لم يجز نقض حكمه ولو حكم حاكم بالشاهد واليمين لنقض حكمه وقد حكم به النبي - صلى الله عليه وسلم -. ونظير ذلك قولهم: لو تزوج امرأة فخرجت مجنونة برصاء من قرنها إلى قدمها مجذومة عمياء مقطوعة الأطراف فلا خيار له وكذلك إذا وجدت هي الزوج كذلك فلا خيار لها وإن خرج الزوج من خيار عباد الله وأغناهم وأجملهم وأعلمهم وليس له أبوان في الإسلام وللزوجة أبوان في الإسلام فلها الفسخ بذلك. ونظيره قولهم: يصح نكاح الشغار ويجب فيه مهر المثل وقد صح نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه وتحريمه إياه ولا يصح نكاح من أعتق أمة وجعل عتقها صداقها وقد فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ونظيره قولهم: يصح نكاح التحليل وقد صح لعنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن فعله من رواية عبد الله بن مسعود وأبي هريرة وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة ولا يصح نكاح الأمة لمضطر خائف العنت عادم الطول إذا كانت تحته حرة ولو كانت عجوزا شوهاء لا تعفه. ونظيره قولهم: يجوز بيع الكلب وقد منع منه النبي - صلى الله عليه وسلم - وتحريم بيع المدبر وقد باعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ونظيره قولهم: للجار أن يمنع جاره أن يغرز خشبة هو محتاج إلى غرزها في حائطه وقد نهاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن منعه وتسليطهم إياه على انتزاع داره كلها منه بالشفعة بعد وقوع الحدود وتصريف الطرق وقد أبطلها النبي - صلى الله عليه وسلم -. ونظيره قولهم: لا يحكم بالقسامة لأنها خلاف الأصول ثم قالوا: يحلف الذين وجدوا القتيل في محلتهم ودارهم خمسين يمينا ثم يقضى عليهم بالدية فيا لله العجب كيف كان هذا وفق الأصول وحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلاف الأصول(2\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "543",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "545",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونظيره قولهم: لو تزوج امرأة فقالت له امرأة أخرى: أنا أرضعتك وزوجتك أو قال له رجل: هذه أختك من الرضاعة جاز له تكذيبها ووطء الزوجة مع أن هذه هي الواقعة التي أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عقبة بن الحارث بفراق امرأته لأجل قول الأمة السوداء أنها أرضعتهما . ولو اشترى طعاما أو ماء فقال له رجل: هذا ذبيحة مجوسي أو نجس لم يسعه أن يتناوله مع أن الأصل في الطعام والماء الحل والأصل في الأبضاع التحريم ثم قالوا: لو قال المخبر: quot; هذا الطعام والشراب لفلان سرقه أو غصبه منه فلان quot; وسعه أن يتناوله. ونظير هذا قولهم: لو أسلم وتحته أختان وخيرتاه فطلق إحداهما كانت هي المختارة والتي أمسكها هي المفارقة قالوا: لأن الطلاق لا يكون إلا في زوجة وأصحاب أبي حنيفة تخلصوا من هذا بأنه إن عقد على الأختين في عقد واحد فسد نكاحهما واستأنف نكاح من شاء منهما وإن تزوج واحدة بعد واحدة فنكاح الأولى هو الصحيح ونكاح الثانية فاسد. ولكن لزمهم نظيره في مسألة العبد إذا تزوج بدون إذن سيده كان موقوفا على إجازته فلو قال له: quot; طلقها طلاقا رجعيا quot; كان ذلك إجازة منه للنكاح فلو قال له: quot; طلقها quot; ولم يقل: quot; رجعيا quot; لم يكن إجازة للنكاح مع أن الطلاق في هذا النكاح لا يكون رجعيا إلا بعد الإجازة وقبل الدخول وأما قبل الإجازة والدخول فلا ينقسم إلى بائن ورجعي.  [رد السنة الصحيحة في من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس] [من أدرك ركعة من الصبح] المثال الثامن والعشرون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في أن من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح بكونها خلاف الأصول بالمتشابه من نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة وقت طلوع الشمس قالوا: والعام عندنا يعارض الخاص فقد تعارض حاظر ومبيح فقدمنا الحاظر احتياطا فإنه يوجب عليه إعادة الصلاة وحديث الإتمام يجوز له المضي فيها وإذا تعارضا صرنا إلى النص الذي يوجب الإعادة لتتيقن براءة الذمة فيقال: لا ريب أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته حديث واحد قاله - صلى الله عليه وسلم - في وقت واحد وقد وجبت طاعته في شطره فتجب طاعته في الشطر الآخر وهو محكم خاص لا يحتمل إلا وجها واحدا لا يحتمل غيره ألبتة وحديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي عام مجمل قد خص منه عصر يومه بالإجماع وخص منه قضاء الفائتة والمنسية بالنص وخص منه ذوات الأسباب بالسنة كما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة الظهر بعد العصر وأقر من قضى سنة الفجر بعد صلاة الفجر وقد أعلمه أنها سنة الفجر وأمر من(2\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "544",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "546",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلى في رحله ثم جاء مسجد جماعة أن يصلي معهم وتكون له نافلة وقاله في صلاة الفجر وهي سبب الحديث وأمر الداخل والإمام يخطب أن يصلي تحية المسجد قبل أن يجلس. [فرق بين الابتداء والدوام] وأيضا فإن الأمر بإتمام الصلاة وقد طلعت الشمس فيها أمر بإتمام لا بابتداء والنهي عن الصلاة في ذلك الوقت نهي عن ابتدائها لا عن استدامتها فإنه لم يقل: quot; لا تتموا الصلاة في ذلك الوقت وإنما قال: لا تصلوا quot;. وأين أحكام الابتداء من الدوام وقد فرق النص والإجماع والقياس بينهما فلا تؤخذ أحكام الدوام من أحكام الابتداء ولا أحكام الابتداء من أحكام الدوام في عامة مسائل الشريعة فالإحرام ينافي ابتداء النكاح والطيب دون استدامتهما والنكاح ينافي قيام العدة والردة دون استدامتها والحدث ينافي ابتداء المسح على الخفين دون استدامته وزوال خوف العنت ينافي ابتداء النكاح على الأمة دون استدامته عند الجمهور والزنا من المرأة ينافي ابتداء عقد النكاح دون استدامته عند الإمام أحمد ومن وافقه والذهول عن نية العبادة ينافي ابتداءها دون استدامتها وفقد الكفاءة ينافي لزوم النكاح في الابتداء دون الدوام وحصول الغنى ينافي جواز الأخذ من الزكاة ابتداء ولا ينافيه دواما. وحصول الحجر بالسفه والجنون ينافي ابتداء العقد من المحجور عليه ولا ينافي دوامه وطريان ما يمنع الشهادة من الفسق والكفر والعداوة بعد الحكم بها لا يمنع العمل بها على الدوام ويمنعه في الابتداء والقدرة على التكفير بالمال تمنع التكفير بالصوم ابتداء لا دواما والقدرة على هدي التمتع تمنع الانتقال إلى الصوم ابتداء لا دواما والقدرة على الماء ابتداء التيمم اتفاقا وفي منعه لاستدامة الصلاة بالتيمم خلاف بين أهل العلم ولا يجوز إجارة العين المغصوبة ممن لا يقدر على تخليصها ولو غصبها بعد العقد من لا يقدر المستأجر على تخليصها منه لم تنفسخ الإجارة وخير المستأجر بين فسخ العقد وإمضائه ويمنع أهل الذمة من ابتداء إحداث كنيسة في دار الإسلام ولا يمنعون من استدامتها ولو حلف لا يتزوج ولا يتطيب أو لا يتطهر فاستدام ذلك لم يحنث وإن ابتدأه حنث وأضعاف أضعاف ذلك من الأحكام التي يفرق فيها بين الابتداء والدوام فيحتاج في ابتدائها إلى ما لا يحتاج إليه في دوامها وذلك لقوة الدوام وثبوته واستقرار حكمه وأيضا فهو مستصحب بالأصل وأيضا فالدافع أسهل من الرافع وأيضا فأحكام التبع يثبت فيها ما لا يثبت في المتبوعات والمستدام تابع لأصله الثابت فلو لم يكن في المسألة نص لكان القياس يقتضي صحة ما ورد به النص فكيف وقد توارد عليه النص والقياس(2\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "545",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "547",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقد تبين أنه لم يتعارض في هذه المسألة عام وخاص ولا نص وقياس بل النص فيها والقياس متفقان والنص العام لا يتناول مورد الخاص ولا هو داخل تحت لفظه ولو قدر صلاحية لفظه له فالخاص بيان لعدم إرادته فلا يجوز تعطيل حكمه وإبطاله بل يتعين إعماله واعتباره ولا تضرب أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعضها ببعض وهذه القاعدة أولى من القاعدة التي تتضمن إبطال إحدى السنتين وإلغاء أحد الدليلين والله الموفق. ثم نقول: الصورة التي أبطلتم فيها الصلاة - وهي حالة طلوع الشمس - وخالفتم السنة أولى بالصحة من الصورة التي وافقتم فيها السنة فإنه إذا ابتدأ العصر قبل الغروب فقد ابتدأها في وقت نهي وهو وقت ناقص بل هو أولى الأوقات بالنقصان كما جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت صلاة المنافقين حين تصير الشمس بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار وإنما كان النهي عن الصلاة قبل ذلك الوقت حريما له وسدا للذريعة وهذا بخلاف من ابتدأ الصلاة قبل طلوع الشمس فإن الكفار حينئذ لا يسجدون لها بل ينتظرون بسجودهم طلوعها فكيف يقال: تبطل صلاة من ابتدأها في وقت تام لا يسجد فيه الكفار للشمس وتصح صلاة من ابتدأها وقت سجود الكفار للشمس سواء وهو الوقت الذي تكون فيه بين قرني الشيطان فإنه حينئذ يقارنها ليقع السجود له كما يقارنها وقت الطلوع ليقع السجود له فإذا كان ابتداؤها وقت مقارنة الشيطان لها غير مانع من صحتها فلأن تكون استدامتها وقت مقارنة الشيطان غير مانع من الصحة بطريق الأولى والأحرى فإن كان في الدنيا قياس صحيح فهذا من أصحه فقد تبين أن الصورة التي خالفتم فيها النص أولى بالجواز قياسا من الصورة التي وافقتموه فيها. وهذا مما حصلته عن شيخ الإسلام - قدس الله روحه - وقت القراءة عليه وهذه كانت طريقته وإنما يقرر أن القياس الصحيح هو ما دل عليه النص وأن من خالف النص للقياس فقد وقع في مخالف القياس والنص معا وبالله التوفيق. ومن العجب أنهم قالوا: لو صلى ركعة من العصر ثم غربت الشمس صحت صلاته وكان مدركا لها لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر وهذا شطر الحديث وشطره الثاني: ومن أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر .  [رد السنة الثابتة في دفع اللقطة إلى من وصف عفاصها ووعاءها ووكاءها] [دفع اللقطة إلى الذي يصفها] المثال التاسع والعشرون: رد السنة الثابتة المحكمة الصريحة في دفع اللقطة إلى من(2\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "546",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "548",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصف عفاصها ووعاءها ووكاءها وقالوا: هو مخالف للأصول فكيف يعطي المدعي بدعواه من غير بينة  ثم لم ينشبوا أن قالوا: من ادعى لقيطا عند غيره ثم وصف علامات في بدنه فإنه يقضى له به بغير بينة ولم يروا ذلك خلاف الأصول وقالوا: من ادعى خصيا ومعاقد قمطه من جهته قضي له به ولم يكن ذلك خلاف الأصول ومن ادعى حائطا ووجوه الآجر من جهته قضي له به ولم يكن ذلك خلاف الأصول ومن ادعى مالا على غيره فأنكر ونكل عن اليمين قضى له بدعواه ولم يكن ذلك خلاف الأصول وإذا ادعى الزوجان ما في البيت قضي لكل واحد منهما بما يناسبه ولم يكن ذلك خلاف الأصول. ونحن نقول: ليس في الأصول ما يبطل الحكم بدفع اللقطة إلى واصفها ألبتة بل هو مقتضى الأصول فإن الظن المستفاد بوصفه أعظم من الظن المستفاد بمجرد النكول بل وبالشاهدين فوصفه بينة ظاهرة على صحة دعواه لا سيما ولم يعارضه معارض فلا يجوز إلغاء دليل صدقه مع عدم معارض أقوى منه فهذا خلاف الأصول حقا لا موجب السنة.  [رد السنة الثابتة المحكمة في صلاة من تكلم فيها جاهلا أو ناسيا] [صلاة من تكلم في الصلاة ناسيا] المثل الثلاثون: رد السنة الثابتة المحكمة الصريحة في صحة صلاة من تكلم فيها جاهلا أو ناسيا بأنها خلاف الأصول ثم قالوا: من أكل في رمضان أو شرب ناسيا صح صومه مع اعترافهم بأن ذلك على خلاف الأصول والقياس لكن تبعنا فيه السنة فما الذي منعكم من تقديم السنة الأخرى على القياس والأصول كما قدمتم خبر القهقهة في الصلاة والوضوء بنبيذ التمر وآثار الآبار على القياس والأصول .  [رد السنة المحكمة في اشتراط البائع منفعة المبيع مدة معلومة] [اشتراط البائع منفعة المبيع مدة] المثال الحادي والثلاثون: رد السنة الثابتة المحكمة في اشتراط البائع منفعة المبيع مدة معلومة بأنها خلاف الأصول ثم قالوا: يجوز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع في الحال مع العلم بأنها لو قطعت لم تكن مالا ينتفع به ولا يساوي شيئا ألبتة ثم لهما أن يتفقا على بقائها إلى حين الكمال ودعوى أن ذلك موافق للأصول وهو عين ما نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -.  [رد السنة الصحيحة في تخيير الولد بين أبويه] [تخيير الولد بين أبويه] المثال الثاني والثلاثون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في تخيير النبي - صلى الله عليه وسلم - الولد بين أبويه وقالوا: هو خلاف الأصول ثم قالوا: إذا زوج الولي - غير الأب - الصغيرة صح وكان النكاح لازما فإذا بلغت انقلب جائزا وثبت لها الخيار بين الفسخ والإمضاء(2\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "547",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "549",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا وفق الأصول فيا للعجب أين في الأصول التي هي كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة المستند إلى الكتاب والسنة موافقة هذا الحكم للأصول ومخالفة حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتخيير بين الأبوين للأصول .  [رد السنة الثابتة في رجم الزانيين الكتابيين] [رجم الكتابيين] . المثال الثالث والثلاثون: رد السنة الثابتة الصحيحة الصريحة المحكمة في رجم الزانيين الكتابيين بأنها خلاف الأصول وسقوط الحد عمن عقد على أمه ووطئها وأن هذا هو مقتضى الأصول فيا عجبا لهذه الأصول التي منعت إقامة الحد على من أقامه عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأسقطته عمن لم يسقطه عنه فإنه ثبت عنه أنه أرسل البراء بن عازب إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن يضرب عنقه ويأخذ ماله فوالله ما رضي له بحد الزاني حتى حكم عليه بضرب العنق وأخذ المال وهذا هو الحق المحض فإن جريمته أعظم من جريمة من زنى بامرأة أبيه من غير عقد فإن هذا ارتكب محظورا واحدا والعاقد عليها ضم إلى جريمة الوطء جريمة العقد الذي حرمه الله فانتهك حرمة شرعه بالعقد وحرمة أمه بالوطء ثم يقال: الأصول تقتضي سقوط الحد عنه وكذلك حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برجم اليهوديين هو من أعظم الأصول فكيف رد هذا الأصل العظيم بالرأي الفاسد ويقال: إنه مقتضى الأصول فإن قيل: إنما حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالرجم بما في التوراة إلزاما لهما بما اعتقدا صحته. قيل: هب أن الأمر كذلك أفحكم بحق يجب اتباعه وموافقته وتحرم مخالفته أم بغير ذلك فاختاروا أحد الجوابين ثم اذهبوا إلى ما شئتم.  [رد السنة الصحيحة في وجوب الوفاء بالشروط في النكاح] [الوفاء بالشروط في النكاح وفي البيع] المثال الرابع والثلاثون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وجوب الوفاء بالشروط في النكاح وأنها أحق الشروط بالوفاء على الإطلاق بأنها خلاف الأصول والأخذ بحديث النهي عن بيع وشرط الذي لا يعلم له إسناد يصح مع مخالفته للسنة الصحيحة والقياس ولانعقاد الإجماع على خلافه ودعوى أنه موافق للأصول أما مخالفته للسنة الصحيحة فإن جابرا باع بعيره وشرط ركوبه إلى المدينة والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع فجعله للمشتري بالشرط الزائد على عقد البيع وقال: من باع ثمرة قد أبرت فهي للبائع إلا أن يشترطها المبتاع فهذا بيع وشرط(2\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "548",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "550",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثابت بالسنة الصحيحة الصريحة وأما مخالفته للإجماع فالأمة مجمعة على جواز اشتراط الرهن والكفيل والضمين والتأجيل والخيار ثلاثة أيام ونقد غير نقد البلد فهذا بيع وشرط متفق عليه فكيف يجعل النهي عن بيع وشرط موافقا للأصول وشروط النكاح التي هي أحق الشروط بالوفاء مخالف للأصول .  [رد السنة الصحيحة في دفع الأرض بالثلث والربع مزارعة] [المزارعة] المثال الخامس والثلاثون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في دفع الأرض بالثلث والربع مزارعة بأنها خلاف الأصول والأخذ بالحديث الذي لا يثبت بوجه أنه نهى عن قفيز الطحان وهو: أن يدفع حنطة إلى من يطحنها بقفيز منها أو غزله إلى من ينسجه ثوبا بجزء منه أو زيتونه إلى من يعصره بجزء منه ونحو ذلك مما لا غرر فيه ولا خطر ولا قمار ولا جهالة ولا أكل مال بالباطل بل هو نظير دفع ماله إلى من يتجر فيه بجزء من الربح بل أولى فإنه قد لا يربح المال فيذهب عمله مجانا وهذا لا يذهب عمله مجانا فإنه يطحن الحب ويعصر الزيتون ويحصل على جزء منه يكون به شريكا لمالكه فهو أولى بالجواز من المضاربة فكيف يكون المنع منه موافقا للأصول والمزارعة التي فعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه الراشدون خلاف الأصول .  [رد السنة الصحيحة في صيد المدينة] [صيد المدينة] المثال السادس والثلاثون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة التي رواها بضعة وعشرون صحابيا في أن المدينة حرم يحرم صيدها ودعوى أن ذلك خلاف الأصول ومعارضتها بالمتشابه من قوله - صلى الله عليه وسلم -: يا أبا عمير ما فعل النغير ويا لله العجب أي الأصول التي خالفتها هذه السنن وهي من أعظم الأصول فهلا رد حديث أبي عمير لمخالفته هذه الأصول ونحن نقول: معاذ الله أن نرد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة صحيحة غير معلومة النسخ أبدا وحديث أبي عمير يحتمل أربعة أوجه قد ذهب إلى كل منها طائفة أحدها: أن يكون متقدما على أحاديث تحريم المدينة فيكون منسوخا الثاني: أن يكون متأخرا عنها معارضا لها فيكون ناسخا الثالث: أن يكون النغير مما صيد خارج المدينة ثم أدخل المدينة كما هو الغالب من الصيود الرابع: أن يكون رخصة لذلك الصغير دون غيره كما رخص لأبي بردة في التضحية بالعناق دون غيره فهو متشابه كما ترى فكيف يجعل أصلا يقدم على تلك النصوص الكثيرة المحكمة الصريحة التي لا تحتمل إلا وجها واحدا(2\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "549",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "551",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[رد السنة الصحيحة في تقدير نصاب المعشرات] نصاب المعشرات] المثال السابع والثلاثون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في تقدير نصاب المعشرات بخمسة أوسق بالمتشابه من قوله: فيما سقت السماء العشر وما سقي بنضح أو غرب فنصف العشر . قالوا: وهذا يعم القليل والكثير وقد عارضه الخاص ودلالة العام قطعية كالخاص وإذا تعارضتا قدم الأحوط وهو الوجوب فيقال: يجب العمل بكلا الحديثين ولا يجوز معارضة أحدهما بالآخر وإلغاء أحدهما بالكلية فإن طاعة الرسول فرض في هذا وفي هذا. ولا تعارض بينهما بحمد الله بوجه من الوجوه فإن قوله: فيما سقت السماء العشر إنما أريد به التمييز بين ما يجب فيه العشر وما يجب فيه نصفه فذكر النوعين مفرقا بينهما في مقدار الواجب وأما مقدار النصاب فسكت عنه في هذا الحديث وبينه نصا في الحديث الآخر فكيف يجوز العدول عن النص الصحيح المحكم الذي لا يحتمل غير ما دل عليه ألبتة إلى المجمل المتشابه الذي غايته أن يتعلق فيه بعموم لم يقصد. وبيانه بالخاص المحكم المبين كبيان سائر العمومات بما يخصها من النصوص ويالله العجب كيف يخصون عموم القرآن والسنة بالقياس الذي أحسن أحواله أن يكون مختلفا في الاحتجاج به وهو محل اشتباه واضطراب إذ ما من قياس إلا وتمكن معارضته بقياس مثله أو دونه أو أقوى منه بخلاف السنة الصحيحة الصريحة فإنها لا يعارضها إلا سنة ناسخة معلومة التأخر والمخالفة ثم يقال: إذا خصصتم عموم قوله: فيما سقت السماء العشر بالقصب والحشيش ولا ذكر لهما في النص فهلا خصصتموه بقوله: لا زكاة في حب ولا ثمر حتى يبلغ خمسة أوسق . وإذا كنتم تخصون العموم بالقياس فهلا خصصتم هذا العام بالقياس الجلي الذي هو من أجلى القياس وأصحه على سائر أنواع المال الذي تجب فيه الزكاة فإن الزكاة الخاصة لم يشرعها الله ورسوله في مال إلا وجعل له نصابا كالمواشي والذهب والفضة ويقال أيضا: فهلا أوجبتم الزكاة في قليل كل مال وكثيره عملا بقوله تعالى: خذ من أموالهم صدقة [التوبة: 103] وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: ما من صاحب إبل ولا بقر لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها يوم القيامة بقاع قرقر وبقوله: ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا صفحت له يوم القيامة صفائح من نار وهلا كان هذا العموم عندكم مقدما على أحاديث النصب الخاصة وهلا قلتم: هناك تعارض مسقط وموجب فقدمنا الموجب احتياطا وهذا في غاية الوضوح وبالله التوفيق.  [رد السنة الصحيحة في جواز النكاح بما قل من المهر] [أقل المهر] المثال الثامن والثلاثون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في جواز النكاح بما(2\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "550",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "552",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قل من المهر ولو خاتما من حديد مع موافقتها لعموم القرآن في قوله: أن تبتغوا بأموالكم [النساء: 24] وللقياس في جواز التراضي بالمعاوضة على القليل والكثير بأثر لا يثبت وقياس من أفسد القياس على قطع يد السارق وأين النكاح من اللصوصية وأين استباحة الفرج به من قطع اليد في السرقة وقد تقدم مرارا أن أصح الناس قياسا أهل الحديث وكلما كان الرجل إلى الحديث أقرب كان قياسه أصح وكلما كان عن الحديث أبعد كان قياسه أفسد.  [رد السنة الصحيحة فيمن أسلم وتحته أختان] [من أسلم وتحته أختان] المثال التاسع والثلاثون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة فيمن أسلم وتحته أختان أن يخير في إمساك من شاء منهما وترك الأخرى بأنه خلاف الأصول وقالوا: قياس الأصول يقتضي أنه إن نكح واحدة بعد واحدة فنكاح الثانية هو المردود ونكاح الأولى هو الصحيح من غير تخيير وإن نكحهما معا فنكاحهما باطل ولا تخيير وكذلك حديث من أسلم على عشر نسوة وربما أولوا التخيير بتخييره في ابتداء العقد على من شاء من المنكوحات. ولفظ الحديث يأبى هذا التأويل أشد الإباء فإنه قال: أمسك أربعا وفارق سائرهن رواه معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن غيلان أسلم فذكره. قال مسلم: هكذا روى معمر هذا الحديث بالبصرة فإن رواه عنه ثقة خارج البصريين حكمنا له بالصحة أو قال: صار الحديث صحيحا وإلا فالإرسال أولى. قال البيهقي: فوجدنا سفيان بن سعيد الثوري وعبد الرحمن بن محمد المحاربي وعيسى بن يونس - وثلاثتهم كوفيون - حدثوا به عن معمر متصلا وهكذا روي عن يحيى بن أبي كثير وهو يماني وعن الفضل بن موسى وهو خراساني عن معمر متصلا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فصح الحديث بذلك. وقد روي عن أيوب السختياني عن نافع وسالم عن ابن عمر متصلا. قال أبو علي الحافظ: تفرد به سوار بن محيشر عن أيوب وسوار بصري ثقة قال الحاكم: رواة هذا الحديث كلهم ثقات تقوم الحجة بروايتهم. وقد روى أبو داود عن فيروز الديلمي قال: قلت: يا رسول الله إني أسلمت وتحتي أختان قال: طلق أيتهما شئت . فهذان الحديثان هما الأصول التي نرد ما خالفها من القياس أما أن نقعد قاعدا ونقول هذا هو الأصل ثم نرد السنة لأجل مخالفة تلك القاعد فلعمر الله لهدم ألف قاعدة لم يؤصلها الله ورسوله أفرض علينا من رد حديث واحد وهذه القاعدة معلومة البطلان من الدين فإن أنكحة الكفار لم يتعرض لها النبي - صلى الله عليه وسلم - كيف وقعت وهل صادفت الشروط المعتبرة في الإسلام فتصح أم لم تصادفها فتبطل وإنما اعتبر حالها وقت إسلام الزوج فإن كان ممن يجوز له المقام مع امرأته(2\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "551",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "553",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أقرهما. ولو كان في الجاهلي قد وقع على غير شرطه من الولي والشهود وغير ذلك وإن لم يكن الآن ممن يجوز له الاستمرار لم يقر عليه كما لو أسلم وتحته ذات رحم محرم أو أختان أو أكثر من أربع فهذا هو الأصل الذي أصلته سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما خالفه فلا يلتفت إليه والله الموفق.  [رد السنة الصحيحة في التفريق بين الذي يسلم وبين امرأته] [التفريق بين الذي يسلم وبين امرأته] المثال الأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لم يكن يفرق بين من أسلم وبين امرأته إذا لم تسلم معه بلى متى أسلم الآخر فالنكاح بحاله ما لم تتزوج هذه سنته المعلومة. قال الشافعي: أسلم أبو سفيان بن حرب بمر الظهران وهي دار خزاعة وخزاعة مسلمون قبل الفتح ودار الإسلام ورجع إلى مكة وهند بنت عتبة مقيمة على غير الإسلام فأخذت بلحيته وقالت: اقتلوا الشيخ الضال ثم أسلمت هند بعد إسلام أبي سفيان بأيام كثيرة وقد كانت كافرة مقيمة بدار ليست بدار الإسلام وأبو سفيان بها مسلم وهند كافرة ثم أسلمت قبل انقضاء العدة واستقرا على النكاح لأن عدتها لم تنقض حتى أسلمت وكان كذلك حكيم بن حزام وإسلامه وأسلمت امرأة صفوان بن أمية وامرأة عكرمة بن أبي جهل بمكة وصارت دارهما دار الإسلام وظهر حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة وهرب عكرمة إلى اليمن وهي دار حرب وصفوان يريد اليمن وهي دار حرب ثم رجع صفوان إلى مكة وهي دار الإسلام وشهد حنينا وهو كافر ثم أسلم فاستقرت عنده امرأته بالنكاح الأول وذلك أنه لم تتقض عدتها وقد حفظ أهل العلم بالمغازي أن امرأة من الأنصار كانت عند رجل بمكة فأسلمت وهاجرت إلى المدينة فقدم زوجها وهي في العدة فاستقرا على النكاح قال الزهري: لم يبلغني أن امرأة هاجرت إلى الله ورسوله وزوجها كافر مقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها إلا أن يقدم زوجها مهاجرا قبل أن تنقضي عدتها وإنه لم يبلغنا أن امرأة فرق بينها وبين زوجها إذا قدم وهي في عدتها. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: كان المشركون على منزلتين من النبي - صلى الله عليه وسلم -: أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه وأهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه فكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر فإذا طهرت حل لها النكاح فإن هاجرت قبل أن تنكح ردت إليه  وفي سنن أبي داود عن ابن عباس قال: رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زينب ابنته على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول ولم يحدث شيئا بعد ست سنين وفي لفظ لأحمد: ولم يحدث شهادة ولا صداقا  وعند الترمذي: ولم يحدث نكاحا  وقال الترمذي: هذا حديث حسن ليس بإسناده بأس وقد روي بإسناد ضعيف عن عمرو بن شعيب عن أبيه(2\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "552",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "554",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ردها على أبي العاص بنكاح جديد . قال الترمذي: في إسناده مقال وقال الإمام أحمد: وهذا حديث ضعيف والصحيح أنه أقرهما على النكاح الأول وقال الدارقطني: هذا حديث لا يثبت والصواب حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ردها بالنكاح الأول وقال الترمذي في كتاب العلل له: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: حديث ابن عباس في هذا الباب أصح من حديث عمرو بن شعيب فكيف تجعل هذا الحديث الضعيف أصلا ترد به السنة الصحيحة المعلومة ويجعل خلاف الأصول فإن قيل: إنما جعلناها خلاف الأصول لقوله تعالى: لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن [الممتحنة: 10] وقوله: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك [البقرة: 221] وقوله: ولا تمسكوا بعصم الكوافر [الممتحنة: 10] ولأن اختلاف الدين مانع من ابتداء النكاح فكان مانعا من دوامه كالرضاع. قيل: لا تخالف السنة شيئا من هذه الأصول إلا هذا القياس الفاسد فإن هذه الأصول إنما دلت على تحريم نكاح الكافر ابتداء والكافرة غير الكتابيين وهذا حق لا خلاف فيه بين الأمة ولكن أين في هذه الأصول ما يوجب تعجيل الفرقة بالإسلام وأن لا تتوقف على انقضاء العدة ومعلوم أن افتراقهما في الدين سبب لافتراقهما في النكاح ولكن توقف السبب على وجود شرطه وانتفاء مانعه لا يخرجه عن السببية فإذا وجد الشرط وانتفى المانع عمل عمله واقتضى أثره والقرآن إنما دل على السببية والسنة دلت على شرط السبب ومانعه كسائر الأسباب التي فصلت السنة شروطها وموانعها كقوله: وأحل لكم ما وراء ذلكم [النساء: 24] وقوله: فانكحوا ما طاب لكم من النساء [النساء: 3] وقوله: فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره [البقرة: 230] وقوله: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا [المائدة: 38] ونظائر ذلك فلا يجوز أن يجعل بيان الشروط والموانع معارضة لبيان الأسباب والموجبات فتعود السنة كلها أو أكثرها معارضة للقرآن وهذا محال.  [رد السنة الصحيحة بأن ذكاة الجنين ذكاة أمه] [ذكاة الجنين] المثال الحادي والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة بأن ذكاة الجنين ذكاة أمه بأنها خلاف الأصول وهو تحريم الميتة فيقال: الذي جاء على لسانه تحريم الميتة هو الذي أباح الأجنة المذكورة فلو قدر أنها ميتة لكان استثناؤها بمنزلة استثناء السمك(2\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "553",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "555",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والجراد من الميتة فكيف وليست بميتة فإنها جزء من أجزاء الأم والذكاة قد أتت على جميع أجزائها فلا يحتاج أن يفرد كل جزء منها بذكاة والجنين تابع للأم جزء منها فهذا هو مقتضى الأصول الصحيحة ولو لم ترد السنة بالإباحة فكيف وقد وردت بالإباحة الموافقة للقياس والأصول فإن قيل: فالحديث حجة عليكم فإنه قال: ذكاة الجنين ذكاة أمه والمراد التشبيه أي ذكاته كذكاة أمه وهذا يدل على أنه لا يباح إلا بذكاة تشبه ذكاة الأم. قيل: هذا السؤال شقيق قول القائل: quot; quot; كلمة تكفي العاقل quot; فلو تأملتم الحديث لم تستحسنوا إيراد هذا السؤال فإن لفظ الحديث هكذا: عن أبي سعيد قال: قلنا: يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة وفي بطنها الجنين أنلقيه أم نأكله قال: كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه فأباح لهم أكله معللا بأن ذكاة الأم ذكاة له فقد اتفق النص والأصل والقياس ولله الحمد.  [رد السنة الصحيحة في إشعار الهدي] [إشعار الهدي] المثال الثاني والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في إشعار الهدي بأنها خلاف الأصول إذ الإشعار مثلة ولعمر الله إن هذه السنة خلاف الأصول الباطلة وما ضرها ذلك شيئا والمثلة المحرمة هي العدوان الذي لا يكون عقوبة ولا تعظيما لشعائر الله فأما شق صفحة سنام البعير المستحب أو الواجب ذبحه ليسيل دمه قليلا فيظهر شعار الإسلام وإقامة هذه السنة التي هي من أحب الأشياء إلى الله فعلى وفق الأصول وأي كتاب أو سنة حرم ذلك حتى يكون خلافا للأصول وقياس الإشعار على المثلة المحرمة من أفسد قياس على وجه الأرض فإنه قياس ما يحبه الله ويرضاه على ما يبغضه ويسخطه وينهى عنه ولو لم يكن في حكمة الإشعار إلا تعظيم شعائر الله وإظهارها وعلم الناس بأن هذه قرابين الله عز وجل تساق إلى بيته تذبح له ويتقرب بها إليه عند بيته كما يتقرب إليه بالصلاة إلى بيته عكس ما عليه أعداؤه المشركون الذين يذبحون لأربابهم ويصلون لها فشرع لأوليائه وأهل توحيده أن يكون نسكهم وصلاتهم لله وحده وأن يظهروا شعائر توحيده غاية الإظهار ليعلوا دينه على كل دين فهذه هي الأصول الصحيحة التي جاءت السنة بالإشعار على وفقها ولله الحمد.  [رد السنة الصحيحة في من اطلع على قوم فأتلفوا عينه] [لا دية لمن اطلع على قوم فأتلفوا عينه] المثال الثالث والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال(2\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "554",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "556",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح متفق عليه وفي أفراد مسلم: من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقئوا عينه وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد: اطلع رجل من جحر في حجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه مدرى يحك بها رأسه فقال: لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك إنما جعل الاستئذان من أجل النظر وفي صحيح مسلم عن أنس: quot; أن رجلا اطلع من بعض حجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام إليه بمشقص أو بمشاقص. قال: وكأني أنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يختله ليطعنه  وفي سنن البيهقي بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من اطلع على قوم بغير إذنهم فرموه فأصابوا عينه فلا دية له ولا قصاص فردت هذه السنن بأنها خلاف الأصول فإن الله إنما أباح قلع العين بالعين لا بجناية النظر ولهذا لو جنى عليه بلسانه لم يقطع ولو استمع عليه بإذنه لم يجز أن يقطع أذنه فيقال: بل هذه السنن من أعظم الأصول فما خالفهما فهو خلاف الأصول وقولكم: quot; إنما شرع الله سبحانه أخذ العين بالعين quot; فهذا حق في القصاص وأما العضو الجاني المتعدي الذي لا يمكن دفع ضرره وعدوانه إلا برميه فإن الآية لا تتناوله نفيا ولا إثباتا والسنة جاءت ببيان حكمه بيانا ابتدائيا لما سكت عنه القرآن لا مخالفا لما حكم به القرآن وهذا اسم آخر غير فقء العين قصاصا وغير دفع الصائل الذي يدفع بالأسهل فالأسهل إذ المقصود دفع ضرر صياله فإذا اندفع بالعصا لم يدفع بالسيف. وأما هذا المتعدي بالنظر المحرم الذي لا يمكن الاحتراز منه فإنه إنما يقع على وجه الاختفاء والختل فهو قسم آخر غير الجاني وغير الصائل الذي لم يتحقق عدوانه ولا يقع هذا غالبا إلا على وجه الاختفاء وعدم مشاهدة غير الناظر إليه فلو كلف المنظور إليه إقامة البينة على جنايته لتعذرت عليه ولو أمر بدفعه بالأسهل فالأسهل ذهبت جناية عدوانه بالنظر إليه وإلى حريمه هدرا والشريعة الكاملة تأبى هذا وهذا فكان أحسن ما يمكن وأصلحه وأكفه لنا وللجاني ما جاءت به السنة التي لا معارض لها ولا دافع لصحتها من حذف ما هنالك وإن لم يكن هناك بصر عاد لم يضر خذف الحصاة وإن كان هنالك بصر عاد لا يلومن إلا نفسه فهو الذي عرضه صاحبه للتلف فأدناه إلى الهلاك والخاذف ليس بظالم له والناظر خائن ظالم والشريعة أكمل وأجل من أن تضيع حق هذا الذي قد هتكت حرمته وتحيله في الانتصار على التعزير بعد إقامة البينة فحكم الله فيه بما شرعه على لسان رسوله ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون [المائدة: 50] .(2\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "555",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "557",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[رد السنة الصحيحة في وضع الجوائح] الكلام عن وضع الجوائح] المثال الرابع والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وضع الجوائح بأنها خلاف الأصول كما في صحيح مسلم عن جابر يرفعه: لو بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا بم تأخذ مال أخيك بغير حق وروى سفيان بن عيينة عن حميد عن سليمان عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نهى عن بيع السنين وأمر بوضع الجوائح فقالوا: هذه خلاف الأصول فإن المشتري قد ملك الثمرة وملك التصرف فيها وثم نقل الملك إليه ولو ربح فيها كان الربح له فكيف تكون من ضمان البائع وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد قال: أصيب رجل في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تصدقوا عليه فتصدقوا عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك وروى مالك عن أبي الرجال عن أمه عمرة أنه سمعها تقول: ابتاع رجل ثمر حائط في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعالجه وأقام عليه حتى تبين له النقصان فسأل رب الحائط أن يضع عنه فحلف لا يفعل فذهبت أم المشتري إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له ذلك فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تألى أن لا يفعل خيرا فسمع بذلك رب المال فأتى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله هو له . والجواب أن وضع الجوائح لا يخالف شيئا من الأصول الصحيحة بل هو مقتضى أصول الشريعة ونحن بحمد الله نبين هذا بمقامين أما الأول فحديث وضع الجوائح لا يخالف كتابا ولا سنة ولا إجماعا وهو أصل بنفسه فيجب قبوله وأما ما ذكرتم من القياس فيكفي في فساده شهادة النص له بالإهدار كيف وهو فاسد في نفسه وهذا يتبين بالمقام الثاني وهو أن وضع الجوائح كما هو موافق للسنة الصحيحة الصريحة فهو مقتضى القياس الصحيح فإن المشتري لم يتسلم الثمرة ولم يقبضها القبض التام الذي يوجب نقل الضمان إليه فإن قبض كل شيء بحسبه وقبض الثمار إنما يكون عند كمال إدراكها شيئا فشيئا فهو كقبض المنافع في الإجارة وتسليم الشجرة إليه كتسليم العين المؤجرة من الأرض والعقار والحيوان وعلق البائع لم تنقطع عن المبيع فإن له سقي الأصل وتعاهده كما لم تنقطع علق المؤجر عن العين المستأجرة والمشتري لم يتسلم التسليم التام كما لم يتسلم المستأجر التسليم التام فإذا جاء أمر غالب اجتاح الثمرة من غير تفريط من المشتري لم يحل للبائع إلزامه بثمن ما أتلفه الله سبحانه منها قبل تمكنه من قبضها القبض المعتاد. وهذا معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق فذكر الحكم وهو قوله: فلا يحل له أن يأخذ منه شيئا وعلة الحكم وهو قوله: أرأيت إن(2\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "556",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "558",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منع الله الثمرة إلى آخرة. وهذا الحكم نص لا يحتمل التأويل والتعليل وصف مناسب لا يقبل الإلغاء ولا المعارضة. وقياس الأصول لا يقتضي غير ذلك ولهذا لو تمكن من القبض المعتاد في وقته ثم أخره لتفريط منه أو لانتظار غلاء السعر كان التلف من ضمانه ولم توضع عنه الجائحة. وأما معارضة هذه السنة بحديث الذي أصيب في ثمار ابتاعها فمن باب رد المحكم بالمتشابه فإنه ليس فيه أنه أصيب فيها بجائحة فليس في الحديث أنها كانت جائحة عامة بل لعله أصيب فيها بانحطاط سعرها. وإن قدر أن المصيبة كانت جائحة فليس في الحديث أنها كانت جائحة عامة بل لعلها جائحة خاصة كسرقة اللصوص التي يمكن الاحتراز منها ومثل هذا لا يكون جائحة تسقط الثمن عن المشتري بخلاف نهب الجيوش والتلف بآفة سماوية وإن قدر أن الجائحة عامة فليس في الحديث ما يبين أن التلف لم يكن بتفريطه في التأخير ولو قدر أن التلف لم يكن بتفريطه فليس فيه أنه طلب الفسخ وأن توضع عند الجائحة بل لعله رضي بالمبيع ولم يطلب الوضع والحق في ذلك له: إن شاء طلبه وإن شاء تركه فأين في الحديث أنه طلب ذلك وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - منع منه ولا يتم الدليل إلا بثبوت المقدمتين فكيف يعارض نص قوله الصحيح الصريح المحكم الذي لا يحتمل غير معنى واحد وهو نص فيه بهذا الحديث المتشابه ثم قوله فيه: ليس لكم فيه إلا ذلك دليل على أنه لم يبق لبائعي الثمار من ذمة المشتري غير ما أخذه وعندكم المال كله في ذمته فالحديث حجة عليكم. وأما المعارضة بخبر مالك فمن أبطل المعارضات وأفسدها فأين فيه أنه أصابته جائحة بوجه ما وإنما فيه أنه عالجه وأقام عليه حتى تبين له النقصان ومثل هذا لا يكون سببا لوضع الثمن وبالله التوفيق.  [رد السنة الصحيحة في الإعادة على من صلى خلف الصف وحده] [صلاة من صلى خلف الصف وحده] . المثال الخامس والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وجوب الإعادة على من صلى خلف الصف وحده كما في المسند بإسناد صحيح وصحيحي ابن حبان وابن خزيمة عن علي بن شيبان: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يصلي خلف الصف فوقف حتى انصرف الرجل فقال له: استقبل صلاتك فلا صلاة لفرد خلف الصف . وفي السنن وصحيحي ابن حبان وابن خزيمة عن وابصة بن معبد: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد صلاته . وفي مسند الإمام أحمد سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رجل صلى وحده خلف الصف قال: يعيد صلاته فردت هذه السنن المحكمة بأنها خلاف الأصول ولعمر الله إنها هي محض الأصول وما خالفها فهو خلاف الأصول وردت بالمتشابه من حديث ابن عباس حديث أحرم عن يسار النبي - صلى الله عليه وسلم - فأداره(2\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "557",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "559",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى يمينه ولم يأمره باستقبال الصلاة . وهذا من أفسد الرد فإنه لا يشترط أن تكون تكبيرة الإحرام من المأمومين في حال واحد بل لو كبر أحدهم وحده ثم كبر الآخر بعده صحت القدوة ولم يكن السابق فذا وإن أحرم وحده فالاعتبار بالمصافة فيما تدرك به الركعة وهو الركوع وأفسد من هذا الرد رد الحديث بأن الإمام يقف فذا وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجل وأعظم في صدور أهلها إن تعارض بهذا وأمثاله وأقبح من هذه المعارضة معارضتها بأن المرأة تقف خلف الصف وحدها فإن هذا هو موقفها المشروع بل الواجب كما أن موقف الإمام المشروع أن يكون وحده أمام الصف. أما موقف الفذ خلف الصف فلم يشرعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألبتة بل شرع الأمر بإعادة الصلاة لمن وقف فيه وأخبر أنه لا صلاة له. فإن قيل: فهب أن هذه المعارضات لم يسلم منها شيء فما تصنعون بحديث أبي بكرة حين ركع دون الصف ثم مشى راكعا حتى دخل في الصف فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: زادك الله حرصا ولا تعد ولم يأمره بإعادة الصلاة وقد وقعت منه تلك الركعة فذا قيل: نقبله على الرأس والعينين ونمسك قوله - صلى الله عليه وسلم -: quot; لا تعد quot; فلو فعل أحد ذلك غير عالم بالنهي لقلنا له كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سواء فإن عاد بعد علمه بالنهي فإما أن يجتمع مع الإمام في الركوع وهو في الصف أولا فإن جامعه في الركوع وهو في الصف صحت صلاته لأنه أدرك الركعة وهو غير فذ كما لو أدركها قائما وإن رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يدخل في الصف. فقد قيل: تصح صلاته وقيل: لا تصح له تلك الركعة ويكون فذا فيها والطائفتان احتجوا بحديث أبي بكرة والتحقيق أنه قضية عين: يحتمل دخوله في الصف قبل رفع الإمام ويحتمل أنه لم يدخل فيه حتى رفع الإمام. وحكاية الفعل لا عموم لها فلا يمكن أن يحتج بها على الصورتين فهي إذا مجملة متشابهة فلا يترك لها النص المحكم الصريح فهذا مقتضى الأصول نصا وقياسا وبالله التوفيق.  [رد السنة الصحيحة في الأذان للفجر قبل دخول وقتها] [الأذان للفجر قبل دخول وقتها] المثال السادس والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في جواز الأذان للفجر قبل دخول وقتها كما في الصحيحين من حديث سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم وفي صحيح مسلم عن سمرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا يغرنكم نداء بلال ولا هذا البياض حتى ينفجر الفجر وهو في الصحيحين من حديث ابن مسعود ولفظه: لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره فإنه يؤذن - أو قال ينادي - بليل ليرجع قائمكم وينتبه نائمكم قال مالك:(2\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "558",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "560",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم تزل الصبح ينادى لها قبل الفجر فردت هذه السنة لمخالفتها الأصول والقياس على سائر الصلوات وبحديث حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرجع فينادي: ألا إن العبد نام ألا إن العبد نام فرجع فنادى: ألا إن العبد نام ولا ترد السنة الصحيحة بمثل ذلك فإنها أصل بنفسها وقياس وقت الفجر على غيره من الأوقات لو لم يكن فيه إلا مصادمته للسنة لكفى في رده فكيف والفرق قد أشار إليه - صلى الله عليه وسلم - وهو ما في النداء قبل الوقت من المصلحة والحكمة التي لا تكون في غير الفجر وإذا اختص وقتها بأمر لا يكون في سائر الصلوات امتنع الإلحاق. وأما حديث حماد عن أيوب فحديث معلول عند أئمة الحديث لا تقوم به حجة. قال أبو داود: لم يروه عن أيوب إلا حماد بن سلمة. وقال إسحاق بن إبراهيم بن حبيب: سألت عليا وهو ابن المديني - عن حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر أن بلالا أذن بليل فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ارجع فناد إن العبد نام فقال: هو عندي خطأ لم يتابع حماد بن سلمة على هذا إنما روي أن بلالا كان ينادي بليل. قال البيهقي: قد تابعه سعيد بن رزين وهو ضعيف. وأما حماد بن سلمة فإنه أحد أئمة المسلمين حتى قال الإمام أحمد: إذا رأيت الرجل يغمز حماد بن سلمة فاتهمه فإنه كان شديدا على أهل البدع. قال البيهقي: إلا أنه لما طعن في السن ساء حفظه فلذلك ترك البخاري الاحتجاج بحديثه وأما مسلم فاجتهد في أمره وأخرج من حديثه عن ثابت ما سمع منه قبل تغيره وما سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ أكثر من اثني عشر حديثا أخرجها في الشواهد دون الاحتجاج به. وإذا كان الأمر كذلك فالاحتياط لمن راقب الله عز وجل أن لا يحتج بما يجد من حديثه مخالفا لأحاديث الثقات الأثبات وهذا الحديث من جملتها ثم ذكر من طريق الدارقطني عن معمر عن أيوب قال: أذن بلال مرة بليل قال الدارقطني: هذا مرسل ثم ذكر من طريق إبراهيم وعبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة عن عبد العزيز بن أبي رواد عن ابن عمر أن بلالا قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما حملك على ذلك قال: استيقظت وأنا وسنان فظننت أن الفجر قد طلع فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينادي في المدينة: ألا إن العبد قد نام وأقعده إلى جانبه حتى طلع الفجر . ثم قال: هكذا رواه إبراهيم عن عبد العزيز وخالفه شعيب بن حرب فقال: عن عبد العزيز عن نافع عن مؤذن لعمر يقال له مسروح أنه أذن قبل الصبح فأمره عمر أن ينادي: ألا إن العبد قد نام. قال أبو داود: ورواه حماد بن زيد عن عبيد الله بن عمر عن نافع أو غيره أن مؤذنا لعمر يقال له مسروح أو غيره ورواه الدراوردي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: كان لعمر مؤذن يقال له مسعود فذكر نحوه قال أبو داود: وهذا أصح(2\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "559",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "561",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من ذلك يعني حديث عمر أصح. قال البيهقي: وروي من وجه آخر عن عبد العزيز موصولا ولا يصح رواه عامر بن مدرك عنه عن نافع عن ابن عمر: أن بلالا أذن قبل الفجر فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمره أن ينادي: إن العبد نام فوجد بلالا وجدا شديدا  قال الدارقطني: وهم فيه عامر بن مدرك. والصواب عن شعيب بن حرب عن عبد العزيز عن نافع عن مؤذن عمر عن عمر من قوله وروي عن أنس بن مالك ولا يصح وروي عن أبي يوسف القاضي عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس: أن بلالا أذن قبل الفجر فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصعد فينادي: ألا إن العبد نام ففعل وقال: ليت بلالا لم تلده أمه وابتل من نضح جبينه . قال الدارقطني: تفرد به أبو يوسف عن سعيد يعني موصولا وغيره يرسله عن سعيد عن قتادة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والمرسل أصح ورواه الدارقطني من طريق محمد بن القاسم الأسدي: ثنا الربيع بن صبيح عن الحسن عن أنس ثم قال: محمد بن القاسم الأسدي ضعيف جدا وقال البخاري: كذبه الإمام أحمد وروي عن حميد بن هلال أن بلالا أذن ليلة بسواد فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرجع إلى مقامه فينادي: إن العبد نام  ورواه إسماعيل بن مسلم عن حميد عن أبي قتادة وحميد لم يلق أبا قتادة فهو مرسل بكل حال. وروي عن شداد مولى عياض قال: جاء بلال إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يتسحر فقال: لا تؤذن حتى يطلع الفجر  وهذا مرسل. قال أبو داود: شداد مولى عياض لم يدرك بلالا. وروى الحسن بن عمارة عن طلحة بن مصرف عن سويد بن غفلة عن بلال قال: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا أؤذن حتى يطلع الفجر  وعن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال مثله ولم يروه هكذا غير الحسن بن عمارة وهو متروك ورواه الحجاج بن أرطاة عن طلحة وزبيد عن سويد بن غفلة أن بلالا لم يؤذن حتى ينشق الفجر  هكذا رواه لم يذكر فيه أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وكلاهما ضعيفان. وروي عن سفيان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبلال: لا تؤذن - وجمع سفيان أصابعه الثلاث - لا تؤذن حتى يقول الفجر هكذا - وصف سفيان بين السبابتين ثم فرق بينهما - قال: وروينا عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود ما دل على أذان بلال بليل وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر معاني تأذينه بالليل وذلك أولى بالقبول لأنه موصول وهذا مرسل وروي عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي إسحاق عن الأسود قال: قالت لي عائشة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أوتر من الليل رجع إلى فراشه فإذا أذن بلال قام فكان بلال يؤذن إذا طلع الفجر فإن كان جنبا اغتسل وإن لم يكن توضأ ثم صلى ركعتين  وروى الثوري عن أبي إسحاق في هذا الحديث قال: ما كان المؤذن يؤذن حتى يطلع الفجر وروى شعبة عن أبي إسحاق عن(2\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "560",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "562",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأسود: سألت عائشة عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالليل قالت: كان ينام أول الليل فإذا كان السحر أوى ثم يأتي فراشه فإن كانت له حاجة إلى أهله ألم بهم ثم ينام فإذا سمع النداء - وربما قالت الأذان - وثب وربما قالت قام فإذا كان جنبا أفاض عليه الماء وربما قالت: اغتسل وإن لم يكن جنبا توضأ ثم خرج للصلاة  وقال زهير بن معاوية: عن أبي إسحاق في هذا الحديث: فإذا كان عند النداء الأول وثب. قال البيهقي: وفي روايته ورواية شعبة كالدليل على أن هذا النداء كان قبل طلوع الفجر وهي موافقة لرواية القاسم عن عائشة وذلك أولى من رواية من خالفها وروي عن عبد الكريم عن نافع عن ابن عمر عن حفصة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أذن المؤذن صلى الركعتين ثم خرج إلى المسجد وحرم الطعام وكان لا يؤذن إلا بعد الفجر . قال البيهقي: هكذا في هذه الرواية وهو محمول إن صح على الأذان الثاني والصحيح عن نافع بغير هذا اللفظ ورواه مالك عن نافع عن ابن عمر عن حفصة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها أخبرته أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح صلى ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة والحديث في الصحيحين. فإن قيل: عمدتكم في هذا إنما هو على حديث بلال ولا يمكن الاحتجاج به فإنه قد اضطرب الرواة فيه هل كان المؤذن بلالا أو ابن أم مكتوم وليست إحدى الروايتين أولى من الأخرى فتتساقطان فروى شعبة عن حبيب بن عبد الرحمن قال: سمعت عمتي أنيسة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن ابن أم مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي بلال رواه البيهقي وابن حبان في صحيحه. فالجواب أن هذا الحديث قد رواه ابن عمر وعائشة وابن مسعود وسمرة بن جندب عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن بلالا يؤذن بليل وهذا الذي رواه صاحبا الصحيح ولم يختلف عليهم في ذلك وأما حديث أنيسة فاختلف عليها في ثلاثة أوجه أحدها: كذلك رواه محمد بن أيوب عن أبي الوليد وابن عمر عن شعبة الثاني: كحديث عائشة وابن عمر: أن بلالا يؤذن بليل هكذا رواه محمد بن يونس الكديمي عن أبي الوليد عن شعبة وكذلك رواه أبو داود الطيالسي وعمرو بن مرزوق عن شعبة الثالث: روي على الشك: إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم أو قال: ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال كذلك رواه سليمان بن حرب وجماعة والصواب رواية أبي داود الطيالسي وعمرو بن مرزوق لموافقتها لحديث ابن عمر وعائشة وأما رواية أبي الوليد وابن عمر فمما انقلب فيها لفظ الحديث وقد عارضها رواية الشك ورواية الجزم بأن المؤذن(2\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "561",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "563",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بليل هو بلال وهو الصواب بلا شك فإن ابن أم مكتوم كان ضرير البصر ولم يكن له علم بالفجر فكان إذا قيل له: quot; طلع الفجر quot; أذن وأما ما ادعاه بعض الناس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الأذان نوبا بين بلال وابن أم مكتوم وكان كل منهما في نوبته يؤذن بليل فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الناس أن يأكلوا ويشربوا حتى يؤذن الآخر فهذا كلام باطل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يجئ في ذلك أثر قط لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مرسل ولا متصل ولكن هذه طريقة من يجعل غلط الرواة شريعة ويحملها على السنة وخبر ابن مسعود وابن عمر وعائشة وسمرة الذي لم يختلف عليهم فيه أولى بالصحة والله أعلم.  [رد السنة الصحيحة في الصلاة على القبر] [الصلاة على القبر] المثال السابع والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المستفيضة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة على القبر ما في الصحيحين من حديث ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على قبر منبوذ فصفهم وتقدم فكبر عليه أربعا وفيهما من حديث أبي هريرة: أنه صلى على قبر امرأة سوداء كانت تقم المسجد وفي صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: صلى على قبر امرأة بعدما دفنت وفي سنن البيهقي والدارقطني عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: صلى على قبر بعد شهر وفيهما عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على ميت بعد ثلاث وفي جامع الترمذي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على أم سعد بعد شهر فردت هذه السنن المحكمة بالمتشابه من قوله: لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها وهذا حديث صحيح والذي قاله هو النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي صلى على القبر فهذا قوله وهذا فعله ولا يناقض أحدهما الآخر فإن الصلاة المنهي عنها إلى القبر غير الصلاة التي على القبر فهذه صلاة الجنازة على الميت التي لا تختص بمكان بل فعلها في غير المسجد أفضل من فعلها فيه فالصلاة عليه على قبره من جنس الصلاة عليه على نعشه فإنه المقصود بالصلاة في الموضعين ولا فرق بين كونه على النعش وعلى الأرض وبين كونه في بطنها بخلاف سائر الصلوات فإنها لم تشرع في القبور ولا إليها لأنها ذريعة إلى اتخاذها مساجد وقد لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فعل ذلك فأين ما لعن فاعله وحذر منه وأخبر أن أهله شرار الخلق كما قال: إن من شرار الخلق من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد إلى ما فعله - صلى الله عليه وسلم - مرارا متكررا وبالله التوفيق  [رد السنة الصحيحة في الجلوس على فراش الحرير] [الجلوس على فراش الحرير] . المثال الثامن والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في النهي عن(2\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "562",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "564",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجلوس على فراش الحرير كما في صحيح البخاري من حديث حذيفة: نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نشرب في آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيها وعن الحرير والديباج وأن نجلس عليه وقال: هو لهم في الدنيا ولنا في الآخرة ولو لم يأت هذا النص لكان النهي عن لبسه متناولا لافتراشه كما هو متناول للالتحاف به وذلك لبس لغة وشرعا كما قال أنس: قمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس ولو لم يأت اللفظ العام المتناول لافتراشه بالنهي لكان القياس المحض موجبا لتحريمه إما قياس المثل أو قياس الأولى فقد دل على تحريم الافتراض النص الخاص واللفظ العام والقياس الصحيح ولا يجوز رد ذلك كله بالمتشابه من قوله: خلق لكم ما في الأرض جميعا [البقرة: 29] ومن القياس على ما إذا كان الحرير بطانة الفراش دون ظهارته فإن الحكم في ذلك التحريم على أصح القولين والفرق على القول الآخر مباشرة الحرير وعدمها كحشو الفراش به فإن صح الفرق بطل القياس وإن بطل الفرق منع الحكم وقد تمسك بعموم النهي عن افتراش الحرير طائفة من الفقهاء فحرموه على الرجال والنساء وهذه طريقة الخراسانيين من أصحاب الشافعي وقابلهم من أباحه للنوعين والصواب التفصيل وأن من أبيح له لبسه أبيح له افتراشه ومن حرم عليه حرم عليه وهذا قول الأكثرين وهي طريقة العراقيين من الشافعية.  [رد السنة الصحيحة في خرص الثمار في الزكاة والعرايا وغيرها إذا بدا صلاحها] [خرص الثمار في الزكاة والعرايا] : المثال التاسع والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في خرص الثمار في الزكاة والعرايا وغيرها إذا بدا صلاحها كما رواه الشافعي عن عبد الله بن نافع عن محمد بن صالح التمار عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في زكاة الكرم يخرص كما يخرص النخل ثم تؤدى زكاته زبيبا كما تؤدى زكاة النخل تمرا وبهذا الإسناد بعينه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث من يخرص على الناس كرومهم وثمارهم وقال أبو داود الطيالسي: ثنا شعبة عن حبيب بن عبد الرحمن قال: سمعت عبد الرحمن بن مسعود بن نيار يقول: أتانا سهل بن أبي حثمة إلى مجلسنا فحدثنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا خرصتم فدعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ورواه أبو داود في السنن وروى فيها أيضا عن عائشة كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود فيخرص النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه ثم يخبر يهود فيأخذونه بذلك الخرص أم يدفعونه إليهم بذلك الخرص لكي تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفرق وروى الشافعي عن مالك عن ابن شهاب(2\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "563",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "565",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن سعيد بن المسيب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ليهود خيبر أقركم على ما أقركم الله على أن التمر بيننا وبينكم قال: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص عليهم ثم يقول: إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي وكانوا يأخذونه. وفي الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرص حديقة المرأة وهو ذاهب إلى تبوك وقال لأصحابه: اخرصوها فخرصوها بعشرة أوسق فلما قفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سألوا المرأة عن الحديقة فقالت: بلغ عشرة أوسق وفي الصحيحين من حديث زيد بن ثابت رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها تمرا وصح عن عمر بن الخطاب أنه بعث سهل بن أبي حثمة على خرص التمر وقال: quot; إذا أتيت أرضا فاخرصها ودع لهم قدر ما يأكلون quot; فردت هذه السنن كلها بقوله تعالى: إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه [المائدة: 90] قالوا: الخرص من باب القمار والميسر فيكون تحريمه ناسخا لهذه الآثار وهذا من أبطل الباطل فإن الفرق بين القمار والميسر والخرص المشروع كالفرق بين البيع والربا والميتة والمذكى وقد نزه الله رسوله وأصحابه عن تعاطي القمار وعن شرعه وعن إدخاله في الدين. ويا لله العجب أكان المسلمون يقامرون إلى زمن خيبر ثم استمروا على ذلك إلى عهد الخلفاء الراشدين ثم انقضى عصر الصحابة وعصر التابعين على القمار ولا يعرفون أن الخرص قمار حتى بينه بعض فقهاء الكوفة وهذا والله الباطل حقا والله الموفق.  [رد السنة الصحيحة في صفة صلاة الكسوف] [صفة صلاة الكسوف] : المثال الخمسون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في صفة صلاة الكسوف وتكرار الركوع في كل ركعة كحديث عائشة وابن عباس وجابر وأبي بن كعب وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري كلهم روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تكرار الركوع في الركعة الواحدة فردت هذه السنن المحكمة بالمتشابه من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: كنت يوما أرمي بأسهم وأنا بالمدينة فانكسفت الشمس فجمعت أسهمي وقلت: لأنظرن ماذا أحدث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كسوف الشمس فكنت خلف ظهره فجعل يسبح ويكبر ويدعو حتى حسر عنها فصلى ركعتين وقرأ بسورتين رواه مسلم في صحيحه. وفي صحيح البخاري عن أبي بكرة قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى ركعتين  وهذا لا يناقض رواية من روى أنه ركع في كل ركعة ركوعين فهي ركعتان وتعدد ركوعهما كما يسميان سجدتين مع تعدد سجودهما كما قال ابن عمر: حفظت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سجدتين قبل الظهر وسجدتين بعدها وكثيرا ما يجيء في السنن إطلاق(2\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "564",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "566",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السجدتين على الركعتين فسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصدق بعضها بعضا لا سيما والذين رووا تكرار الركوع أكثر عددا وأجل وأخص برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الذين لم يذكروه. فإن قيل: ففي حديث أبي بكرة فصلى ركعتين نحوا مما تصلون وهذا صريح في إفراد الركوع. قيل: هذا الحديث رواه شعبة عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أبي بكرة دون الزيادة المذكورة وهو الذي رواه البخاري في صحيحه وزاد إسماعيل بن علية هذه الزيادة فإن رجحنا بالحفظ والإتقان فشعبة شعبة. وإن قبلنا الزيادة فرواية من زاد في كل ركعة ركوعا آخر زائدة على رواية من روى ركوعا واحدا فتكون أولى. فإن قيل: فما تصنعون بالسنة المحكمة الصريحة من رواية سمرة بن جندب والنعمان بن بشير وعبد الله بن عمرو أنه صلاها ركعتين كل ركعة بركوع واحد وبحديث قبيصة الهلالي عنه - صلى الله عليه وسلم - وإذا رأيتم ذلك فصلوها كإحدى صلاة صليتموها من المكتوبة  وهذه الأحاديث في المسند وسنن النسائي وغيرهما. قيل: الجواب من ثلاثة أوجه أحدها: أن أحاديث تكرار الركوع أصح إسنادا وأسلم من العلة والاضطراب لا سيما حديث عبد الله بن عمرو فإن الذي في الصحيحين عنه أنه قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنودي أن الصلاة جامعة فركع النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتين في سجدة ثم قام فركع ركعتين في سجدة ثم جلس حتى جلي عن الشمس . فهذا أصح وأصرح من حديث كل ركعة بركوع فلم يبق إلا حديث سمرة بن جندب والنعمان بن بشير وليس منهما شيء في الصحيح. الثاني: أن رواتها من الصحابة أكبر وأكثر وأحفظ وأجل من سمرة والنعمان بن بشير فلا ترد روايتهم بها الثالث: أنها متضمنة لزيادة فيجب الأخذ بها وبالله التوفيق.  [رد السنة الصحيحة في الجهر في صلاة الكسوف] [الجهر في صلاة الكسوف] المثال الحادي والخمسون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الجهر في صلاة الكسوف كما في صحيح البخاري من حديث الأوزاعي عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قرأ قراءة طويلة يجهر بها في صلاة الكسوف . قال البخاري: تابعه سليمان بن كثير وسفيان بن حسين عن الزهري - قلت: أما حديث سليمان بن كثير ففي مسند أبي داود الطيالسي حدثنا سليمان بن كثير عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جهر بالقراءة في صلاة الكسوف . وقد تابعه عبد الرحمن بن نمر عن(2\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "565",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "567",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الزهري وهو في الصحيحين أنه سمع ابن شهاب يحدث عن عروة عن عائشة: كسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مناديا أن الصلاة جامعة فاجتمع الناس فتقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكبر وافتتح القرآن وقرأ قراءة طويلة يجهر بها فذكر الحديث. قال البخاري: حديث عائشة في الجهر أصح من حديث سمرة - قلت: يريد قول سمرة: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كسوف لم نسمع له صوتا وهو أصرح منه بلا شك وقد تضمن زيادة الجهر فهذه ثلاث ترجيحات والذي ردت به هذه السنة المحكمة هو المتشابه من قول ابن عباس: أنه صلى الكسوف فقرأ نحوا من سورة البقرة قالوا: فلو سمع ما قرأ لم يقدره بسورة البقرة. وهذا يحتمل وجوها أحدها: أنه لم يجهر الثاني: أنه جهر ولم يسمعه ابن عباس الثالث: أنه سمع ولم يحفظ ما قرأ به فقدره بسورة البقرة فإن ابن عباس لم يجمع القرآن في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما جمعه بعده الرابع: أن يكون نسي ما قرأ به وحفظ قدر قراءته فقدرها بالبقرة ونحن نرى الرجل ينسى ما قرأ به الإمام في صلاة يومه فكيف يقدم هذا اللفظ المجمل على الصريح المحكم الذي لا يحتمل إلا وجها واحدا ومن العجب أن أنسا روى ترك جهر النبي - صلى الله عليه وسلم - ببسم الله الرحمن الرحيم ولم يصح عن صحابي خلافه فقلتم: كان صغيرا يصلي خلف الصفوف فلم يسمع البسملة وابن عباس أصغر سنا منه بلا شك وقدمتم عدم سماعه للجهر على من سمعه صريحا فهلا قلتم كان صغيرا فلعله صلى خلف الصف فلم يسمعه جهر وأعجب من هذا قولكم: أن أنسا كان صغيرا لم يسمع تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لبيك حجا وعمرة وقدمتم قول ابن عمر عليه أنه أفرد الحج وأنس إذ ذاك له عشرون سنة وابن عمر لم يستكملها وهو بسن أنس وقوله: quot; أفرد الحج quot; مجمل وقول أنس: quot; سمعته يقول لبيك عمرة وحجا محكم مبين صريح لا يحتمل غير ما يدل عليه وقد قال ابن عمر: تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرة إلى الحج وبدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج  فقدمتم على حديث أنس الصحيح الصريح المحكم الذي لم يختلف عليه فيه حديثا ليس مثله في الصراحة والبيان ولم يذكر رواية لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد اختلف عليه فيه.  [رد السنة الصحيحة في الاكتفاء بالنضح في بول الغلام] [الاكتفاء بالنضح في بول الغلام] : المثال الثاني والخمسون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الاكتفاء في بول الغلام الذي لم يطعم بالنضح دون الغسل كما في الصحيحين عن أم قيس: أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام فأجلسه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجره فبال عليه فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بماء فنضحه ولم يغسله .(2\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "566",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "568",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الصحيحين أيضا عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم فأتي بصبي فبال عليه فدعا بماء فأتبعه ولم يغسله وفي سنن أبي داود عن أمامة بنت الحارث قالت: كان الحسين بن علي - عليهما السلام - في حجر النبي - صلى الله عليه وسلم - فبال عليه فقالت البس ثوبا وأعطني إزارك حتى أغسله فقال: إنما يغسل من بول الأنثى وينضح من بول الذكر وفي المسند وغيره عن علي - عليه السلام - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: بول الغلام الرضيع ينضح وبول الجارية يغسل قال قتادة: هذا ما لم يطعما فإذا طعما غسلا جميعا. قال الحاكم أبو عبد الله: هذا حديث صحيح الإسناد فإن أبا الأسود الدؤلي صح سماعه عن علي - عليه السلام - وقال الترمذي: حديث حسن وفي سنن أبي داود من حديث أبي السمح خادم النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام . وفي المسند من حديث أم كرز الخزاعية قالت: أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بغلام فبال عليه فأمر به فنضح وأتي بجارية فبالت عليه فأمر به فغسل  وعند ابن ماجه عن أم كرز الخزاعية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: بول الغلام ينضح وبول الجارية يغسل وصح الإفتاء بذلك عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة وأم سلمة ولم يأت عن صحابي خلافهما فردت هذه السنن بقياس متشابه على بول الشيخ وبعموم لم يرد به هذا الخاص وهو قوله: quot; إنما يغسل الثوب من أربع من البول والغائط والمني والدم والقيء والحديث لا يثبت فإنه من رواية علي بن زيد بن جدعان عن ثابت بن حماد. قال ابن عدي: لا أعلم رواه عن علي بن زيد غير ثابت بن حماد وأحاديثه مناكير ومعلولات ولو صح وجب العمل بالحديثين ولا يضرب أحدهما بالآخر ويكون البول فيه مخصوصا ببول الصبي كما خص منه بول ما يؤكل لحمه بأحاديث دون هذه في الصحة والشهرة.  [رد السنة الصحيحة في الوتر بواحدة مفصولة] [جواز إفراد ركعة الوتر] : المثال الثالث والخمسون: رد السنة الثابتة الصحيحة الصريحة المحكمة في الوتر بواحدة مفصولة كما في الصحيحين عن ابن عمر أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الليل فقال: مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى . وفي الصحيحين أيضا من حديث عائشة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين ويوتر بواحدة وفي صحيح مسلم عن(2\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "567",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "569",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبي مجلز قال: سألت ابن عباس عن الوتر فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ركعة من آخر الليل . وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم فإذا صلى القاعد ركعتين وجب بهذا النص أن تعدل صلاة القائم ركعة فلو لم تصح لكانت صلاة القاعد أتم من صلاة القائم والاعتماد على الأحاديث المتقدمة وصح الوتر بواحدة مفصولة عن عثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأبي أيوب ومعاوية بن أبي سفيان. وقال الحاكم أبو عبد الله: ثنا عبد الله بن سليمان ثنا أحمد بن صالح ثنا عبد الله بن وهب عن سليمان بن بلال عن صالح بن كيسان عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا توتروا بثلاث تشبهوا بالمغرب أوتروا بخمس أو سبع رواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما وقال الحاكم: رواته كلهم ثقات وله شاهد آخر بإسناد صحيح: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا طاهر بن عمرو بن الربيع بن طارق ثنا ابن أبي الليث ثنا يزيد بن أبي حبيب عن عراك بن مالك عن أبي هريرة فذكر مثله سواء وزاد: أوتروا بخمس أو سبع أو تسع أو بإحدى عشرة ركعة أو أكثر من ذلك . فردت هذه السنن بحديثين باطلين وقياس فاسد أحدهما: نهى عن البتراء وهذا لا يعرف له إسناد لا صحيح ولا ضعيف وليس في شيء من كتب الحديث المعتمد عليها ولو صح فالبتراء صفة للصلاة التي قد بتر ركوعها وسجودها فلم يطمأن فيها الثاني حديث يروى عن ابن مسعود مرفوعا: وتر الليل ثلاث كوتر النهار صلاة المغرب . وهذا الحديث وإن كان أصح من الأول فإنه في سنن الدارقطني فهو من رواية يحيى بن زكريا. قال الدارقطني: يقال له ابن أبي الحواجب ضعيف ولم يروه عن الأعمش مرفوعا غيره ورواه الثوري في الجامع وغيره عن الأعمش موقوفا على ابن مسعود وهو الصواب. وأما القياس الفاسد فهو أن قالوا: رأينا المغرب وتر النهار وصلاة الوتر وتر الليل وقد شرع الله سبحانه وتر النهار موصولا فهكذا وتر الليل وقد صحت السنة بالفرق بين الوترين من وجوه كثيرة أحدها: الجمع بين الجهر والسر في وتر النهار دون وتر الليل الثاني: وجوب الجماعة أو مشروعيتها فيه دون وتر الليل الثالث: أنه - صلى الله عليه وسلم - فعل وتر الليل على الراحلة دون وتر النهار الرابع: أنه قال في وتر الليل أنه ركعة واحدة دون وتر النهار الخامس: أنه أوتر بتسع وسبع وخمس موصولة دون وتر النهار السادس: أنه نهى عن تشبيه وتر الليل بوتر النهار كما تقدم السابع: أن وتر الليل اسم للركعة وحدها ووتر النهار اسم لمجموع صلاة المغرب كما في صحيح مسلم من حديث ابن عمر وابن عباس أنهما سمعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: الوتر ركعة من آخر الليل الثامن: أن وتر النهار فرض(2\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "568",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "570",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ووتر الليل ليس بفرض باتفاق الناس التاسع: أن وتر النهار يقضى بالاتفاق وأما وتر الليل فلم يقم على قضائه دليل فإن المقصود منه قد فات فهو كتحية المسجد ورفع اليدين في محل الرفع والقنوت إذا فات وقد توقف الإمام أحمد في قضاء الوتر وقال شيخنا: لا يقضى لفوات المقصود منه بفوات وقته قال: وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا منعه من قيام الليل نوم أو وجع صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة ولم يذكر الوتر العاشر: أن المقصود من وتر الليل جعل ما تقدمه من الأشفاع كلها وترا وليس المقصود منه إيتار الشفع الذي يليه خاصة وكان الأقيس ما جاءت به السنة أن يكون ركعة مفردة توتر جميع ما قبلها وبالله التوفيق.  [رد السنة الصحيحة في التنفل إذا أقيمت صلاة الفرض] [التنفل بعد الإقامة للصلاة المكتوبة] المثال الرابع والخمسون: رد السنة الصحيحة الصريحة أنه لا يجوز التنفل إذا أقيمت صلاة الفرض كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة وقال الإمام أحمد في روايته: إلا التي أقيمت وفي الصحيحين عن عبد الله بن مالك بن بحينة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا وقد أقيمت الصلاة يصلي ركعتين فلما انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لاث به الناس وقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الصبح أربعا الصبح أربعا وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن سرجس قال: دخل رجل المسجد ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الصبح فصلى ركعتين قبل أن يصل إلى الصف فلما انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: يا فلان بأي صلاتيك اعتددت بالتي صليت وحدك أو بالتي صليت معنا وفي الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر برجل فكلمه بشيء لا ندري ما هو فلما انصرف أحطنا به نقول: ماذا قال لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: قال لي: يوشك أن يصلي أحدكم الصبح أربعا وعند مسلم: أقيمت صلاة الصبح فرأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا يصلي والمؤذن يقيم الصلاة فقال: أتصلي الصبح أربعا وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: ثنا أبو عامر الخراز عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: كنت أصلي وأخذ المؤذن في الإقامة فجذبني النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أتصلي الصبح أربعا وكان عمر بن الخطاب إذا رأى رجلا يصلي وهو يسمع الإقامة ضربه. وقال حماد بن سلمة: عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه أبصر رجلا يصلي الركعتين والمؤذن يقيم فحصبه وقال: أتصلي الصبح أربعا فردت هذه السنن كلها بما رواه حجاج بن نصير المتروك عن عباد بن كثير الهالك عن ليث عن عطاء عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة وزاد: إلا ركعتي الصبح فهذه الزيادة كاسمها زيادة في الحديث لا أصل لها.(2\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "569",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "571",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: فقد كان أبو الدرداء يدخل المسجد والناس صفوف في صلاة الفجر فيصلي الركعتين في ناحية المسجد ثم يدخل مع القوم في الصلاة وكان ابن مسعود يخرج من داره لصلاة الفجر ثم يأتي الصلاة فيصلي ركعتين في ناحية المسجد ثم يدخل معهم في الصلاة. قيل: عمر بن الخطاب وابنه عبد الله في مقابلة أبي الدرداء وابن مسعود والسنة سالمة لا معارض لها ومعها أصح قياس يكون فإن وقتها يضيق بالإقامة فلم يقبل غيرها بحيث لا يجوز لمن حضر أن يؤخرها ويصليها بعد ذلك والله الموفق.  [رد السنة الصحيحة في صلاة النساء جماعة] [صلاة النساء جماعة] : المثال الخامس والخمسون: رد السنة الصحيحة المحكمة في استحباب صلاة النساء جماعة لا منفردات كما في المسند والسنن من حديث عبد الرحمن بن خلاد عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يزورها في بيتها وجعل لها مؤذنا كان يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها قال عبد الرحمن: فأنا رأيت مؤذنها شيخا كبيرا وقال الوليد بن جميع: حدثتني جدتي عن أم ورقة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها أو أذن لها أن تؤم أهل دارها وكانت قد قرأت القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال الإمام أحمد: ثنا وكيع ثنا سفيان عن ميسرة أبي حازم عن رائطة الحنفية أن عائشة أمت نسوة في المكتوبة فأمتهن بينهن وسطا تابعه ليث عن عطاء عن عائشة وروى الشافعي عن أم سلمة أنها أمت نساء فقامت وسطهن ولو لم يكن في المسألة إلا عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة لكفى. وروى البيهقي من حديث يحيى بن يحيى أنا ابن لهيعة عن الوليد بن أبي الوليد عن القاسم بن محمد عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لا خير في جماعة النساء إلا في صلاة أو جنازة والاعتماد على ما تقدم فردت هذه السنن بالمتشابه من قوله - صلى الله عليه وسلم -: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة وهذا إنما [ورد] في الولاية والإمامة العظمى والقضاء وأما الرواية والشهادة والفتيا والإمامة فلا تدخل في هذا. ومن العجب أن من خالف هذه السنة جوز للمرأة أن تكون قاضية تلي أمور المسلمين فكيف أفلحوا وهي حاكمة عليهم ولم يفلح أخواتها من النساء إذا أمتهن .  [رد السنة الصحيحة في التسليم من الصلاة مرة أومرتين] [التسليم من الصلاة مرة أومرتين] : المثال السادس والخمسون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -(2\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "570",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "572",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التي رواها عنه خمسة عشر نفسا من الصحابة: أنه كان يسلم في الصلاة عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله منهم عبد الله بن مسعود وسعد بن أبي وقاص وجابر بن سمرة وأبو موسى الأشعري وعمار بن ياسر وعبد الله بن عمر والبراء بن عازب ووائل بن حجر وأبو مالك الأشعري وعدي بن عميرة الضمري وطلق بن علي وأوس بن أوس وأبو رمثة والأحاديث بذلك ما بين صحيح وحسن فرد ذلك بخمسة أحاديث مختلف في صحتها أحدها: حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كان يسلم تسليمة واحدة رواه الترمذي والثاني: حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن مصعب بن ثابت عن إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد عن سعد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كان يسلم في آخر الصلاة تسليمة واحدة: السلام عليكم الثالث: حديث عبد المهيمن بن عباس عن أبيه عن جده: أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلم تسليمة واحدة لا يزيد عليها رواه الدارقطني الرابع: حديث عطاء بن أبي ميمونة عن أبيه عن الحسن عن سمرة بن جندب: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلم مرة واحدة في الصلاة قبل وجهه فإذا سلم عن يمينه سلم عن يساره رواه الدارقطني الخامس: حديث يحيى بن راشد عن يزيد مولى سلمة بن الأكوع قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلم مرة واحدة . وهذه الأحاديث لا تقاوم تلك ولا تقاربها حتى تعارض بها. أما حديث عائشة فحديث معلول باتفاق أهل العلم بالحديث. قال البخاري: زهير بن محمد من أهل الشام يروي مناكير وقال يحيى: ضعيف والحديث من رواية عمرو بن أبي سلمة عنه. قال الطحاوي: هو وإن كان ثقة فإن رواية عمرو بن أبي سلمة عنه تضعف جدا. وهكذا قال يحيى بن معين فيما حكى لي عنه غير واحد من أصحابنا منهم علي بن عبد الرحمن بن المغيرة وزعم أن فيها تخليطا كثيرا قال: والحديث أصله موقوف على عائشة هكذا رواه الحافظ. فإن قيل: فإذا ثبت ذلك عن عائشة فبمن نعارضها في ذلك من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل له: بأبي بكر وعمر وعلي بن أبي طالب - عليهم السلام - وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وسهل بن سعد الساعدي وذكر الأسانيد عنهم بذلك ثم قال: فهؤلاء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعمار ومن ذكرنا معهم يسلمون عن أيمانهم وعن شمائلهم ولا ينكر ذلك عليهم غيرهم على قرب عهدهم برؤية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحفظهم لأفعاله فما ينبغي لأحد خلافه لو لم يكن روى في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فكيف وقد روى عنه ما يوافق فعلهم(2\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "571",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "573",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث سعد بن أبي وقاص فحديث معلول بل باطل والدليل على بطلانه أن الذي رواه هكذا الدراوردي خاصة وقد خالف في ذلك جميع من رواه عن مصعب بن ثابت كعبد الله بن المبارك ومحمد بن عمرو ثم قد رواه إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد عن سعد كما رواه الناس. كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده وعن يساره حتى يرى بياض خده رواه مسلم في صحيحه فقد صح رواية سعد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سلم تسليمتين ومعه من ذكرنا من الصحابة وبان بذلك بطلان رواية الدراوردي. وأما حديث عبد المهيمن بن عباس بن سهل عن أبيه عن جده فقال الدارقطني: عبد المهيمن ليس بالقوي وقال ابن حبان: بطل الاحتجاج به. وأما حديث عطاء بن أبي ميمونة عن أبيه عن الحسن فمن رواية روح ابنه عنه. قال الإمام أحمد: منكر الحديث وتركه يحيى. وأما حديث يحيى بن راشد عن يزيد مولى سلمة فقال يحيى بن معين: يحيى بن راشد ليس بشيء وقال النسائي: ضعيف  وقال أبو عمر بن عبد البر: روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يسلم تسليمة واحدة من حديث سعد بن أبي وقاص ومن حديث عائشة ومن حديث أنس إلا أنها معلولة لا يصححها أهل العلم بالحديث لأن حديث سعد أخطأ فيه الدراوردي فرواه على غير ما رواه الناس بتسليمة واحدة وغيره يروي فيه بتسليمتين ثم ذكر حديثه عن مصعب بن ثابت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة ثم قال: وهذا وهم عندهم وغلط وإنما الحديث كما رواه ابن المبارك وغيره عن مصعب بن ثابت عن إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه كان يسلم عن يمينه وعن يساره وقد روي هذا الحديث بالتسليمتين من طريق مصعب ثم ساق طرقه بالتسليمتين عن سعد ثم ساق من طريق ابن المبارك عن مصعب عن إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد عن أبيه قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلم عن يمينه وعن شماله وكأني أنظر إلى صفحة خده فقال الزهري: ما سمعنا هذا من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له إسماعيل بن محمد: أكل حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمعت قال: لا قال: فنصفه قال: لا قال: فاجعل هذا في النصف الذي لم تسمع قال: وأما حديث عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم تسليمة واحدة فلم يرفعه أحد إلا زهير بن محمد وحده عن هشام بن عروة رواه عنه عمرو بن أبي سلمة(2\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "572",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "574",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وزهير بن محمد ضعيف عند الجميع كثير الخطأ لا يحتج به وذكر يحيى بن معين هذا الحديث فقال: عمرو بن أبي سلمة وزهير ضعيفان لا حجة فيهما. وأما حديث أنس فلم يأت إلا من طريق أيوب السختياني عن أنس ولم يسمع أيوب من أنس عندهم شيئا. قال: وقد روي عن الحسن مرسلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر كانوا يسلمون تسليمة واحدة ذكره وكيع عن الربيع عنه قال: والعمل المشهور بالمدينة التسليمة الواحدة وهو عمل قد توارثه أهل المدينة كابرا عن كابر ومثله يصح فيه الاحتجاج بالعمل في كل بلد لأنه لا يخفى لوقوعه في كل يوم مرارا.  [عمل أهل المدينة] [أنواع السنن] [الكلام على عمل أهل المدينة] : قلت: وهذا أصل قد نازعهم فيه الجمهور وقالوا: عمل أهل المدينة كعمل غيرهم من أهل الأمصار ولا فرق بين عملهم وعمل أهل الحجاز والعراق والشام فمن كانت السنة معهم فهم أهل العمل المتبع وإذا اختلف علماء المسلمين لم يكن عمل بعضهم حجة على بعض وإنما الحجة اتباع السنة ولا تترك السنة لكون عمل بعض المسلمين على خلافها أو عمل بها غيرهم ولو ساغ ترك السنة لعمل بعض الأمة على خلافها لتركت السنن وصارت تبعا لغيرها فإن عمل بها ذلك الغير عمل بها وإلا فلا والسنة هي العيار على العمل وليس العمل عيارا على السنة ولم تضمن لنا العصمة قط في عمل مصر من الأمصار دون سائرها والجدران والمساكن والبقاع لا تأثير لها في ترجيح الأقوال وإنما التأثير لأهلها وسكانها. ومعلوم أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل وظفروا من العلم بما لم يظفر به من بعدهم فهم المقدمون في العلم على من سواهم كما هم المقدمون في الفضل والدين وعملهم هو العمل الذي لا يخالف وقد انتقل أكثرهم عن المدينة وتفرقوا في الأمصار بل أكثر علمائهم صاروا إلى الكوفة والبصرة والشام مثل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وأبي موسى وعبد الله بن مسعود وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان ومعاذ بن جبل وانتقل إلى الكوفة والبصرة نحو ثلاثمائة صحابي ونيف وإلى الشام ومصر نحوهم فكيف يكون عمل هؤلاء معتبرا ما داموا في المدينة فإذا خالفوا غيرهم لم يكن عمل من خالفوه معتبرا فإذا فارقوا جدران المدينة كان عمل من بقي فيها هو المعتبر ولم يكن خلاف ما انتقل عنها معتبرا  هذا من الممتنع. وليس جعل عمل الباقين معتبرا أولى من جعل عمل(2\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "573",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "575",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المفارقين معتبرا فإن الوحي قد انقطع بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يبق إلا كتاب الله وسنة رسوله فمن كانت السنة معه فعمله هو العمل المعتبر حقا فكيف تترك السنة المعصومة لعمل غير معصوم ثم يقال: أرأيتم لو استمر عمل أهل مصر من الأمصار التي انتقل إليها الصحابة على ما أداه إليهم من صار إليهم من الصحابة ما الفرق بينه وبين عمل أهل المدينة المستمر على ما أداه إليهم من بها من الصحابة والعمل إنما استند إلى قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفعله فكيف يكون قوله وفعله الذي أداه من بالمدينة موجبا للعمل دون قوله وفعله الذي أداه غيرهم هذا إذا كان النص مع عمل أهل المدينة فكيف إذا كان مع غيرهم النص وليس معهم نص يعارضه وليس معهم إلا مجرد العمل ومن المعلوم أن العمل لا يقابل النص بل يقابل العمل بالعمل ويسلم النص عن المعارض. وأيضا فنقول: هل يجوز أن يخفى على أهل المدينة بعد مفارقة جمهور الصحابة لها سنة من سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويكون علمها عند من فارقها أم لا فإن قلتم quot; لا يجوز quot; أبطلتم أكثر السنن التي لم يروها أهل المدينة وإن كانت من رواية إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ومن رواية أهل بيت علي عنه ومن رواية أصحاب معاذ عنه ومن رواية أصحاب أبي موسى عنه ومن رواية أصحاب عمرو بن العاص وابنه عبد الله وأبي الدرداء ومعاوية وأنس بن مالك وعمار بن ياسر وأضعاف هؤلاء وهذا مما لا سبيل إليه. وإن قلتم quot; يجوز أن يخفى على من بقي في المدينة بعض السنن ويكون علمها عند غيرهم quot; فكيف تترك السنن لعمل من قد اعترفتم بأن السنة قد تخفى عليهم . وأيضا فإن عمر بن الخطاب كان إذا كتب إليه بعض الأعراب بسنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمل بها ولو لم يكن معمولا بها بالمدينة كما كتب إليه الضحاك بن سفيان الكلابي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها فقضى به عمر. وأيضا فإن هذه السنة التي لم يعمل بها أهل المدينة لو جاء من رواها إلى المدينة وعمل بها لم يكن عمل من خالفه حجة عليه فكيف يكون حجة عليه إذا خرج من المدينة وأيضا فإن هذا يوجب أن يكون جميع أهل الأمصار تبعا للمدينة فيما يعملون به وأنه لا يجوز لهم مخالفتهم في شيء فإن عملهم إذا قدم على السنة فلأن يقدم على عمل غيرهم أولى وإن قيل إن عملهم نفسه سنة لم يحل لأحد مخالفتهم ولكن عمر بن الخطاب(2\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "574",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "576",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن بعده من الخلفاء لم يأمر أحد منهم أهل الأمصار أن لا يعملوا بما عرفوه من السنة وعلمهم إياه الصحابة إذا خالف عمل أهل المدينة وأنهم لا يعملون إلا بعمل أهل المدينة بل مالك نفسه منع الرشيد من ذلك وقد عزم عليه وقال له: قد تفرق أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في البلاد وصار عند كل طائفة منهم علم ليس عند غيرهم وهذا يدل على أن عمل أهل المدينة ليس عنده حجة لازمة لجميع الأمة وإنما هو اختيار منه لما رأى عليه العمل ولم يقل قط في موطئه ولا غيره لا يجوز العمل بغيره بل يخبر إخبارا مجردا أن هذا عمل أهل بلده فإنه - رضي الله عنه - وجزاه عن الإسلام خيرا ادعى إجماع أهل المدينة في نيف وأربعين مسألة. ثم هي ثلاثة أنواع: أحدها: لا يعلم أن أهل المدينة خالفهم فيه غيرهم. والثاني: ما خالف فيه أهل المدينة غيرهم وإن لم يعلم اختلافهم فيه والثالث: ما فيه الخلاف بين أهل المدينة أنفسهم ومن ورعه - رضي الله عنه - لم يقل إن هذا إجماع الأمة الذي لا يحل خلافه. وعند هذا فنقول: ما عليه العمل إما أن يراد به القسم الأول أو هو والثاني أو هما والثالث فإن أريد الأول فلا ريب أنه حجة يجب اتباعه وإن أريد الثاني والثالث فأين دليله وأيضا فأحق عمل أهل المدينة أن يكون حجة العمل القديم الذي كان في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وزمن خلفائه الراشدين وهذا كعملهم الذي كأنه مشاهد بالحس ورأي عين من إعطائهم أموالهم التي قسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على من شهد معه خيبر فأعطوها اليهود على أن يعملوها بأنفسهم وأموالهم والثمرة بينهم وبين المسلمين يقرونهم ما أقرهم الله ويخرجونهم متى شاءوا واستمر هذا العمل كذلك بلا ريب إلى أن استأثر الله بنبيه - صلى الله عليه وسلم -[مدة] أربعة أعوام ثم استمر مدة خلافة الصديق وكلهم على ذلك ثم استمر مدة خلافة عمر - رضي الله عنهم - إلى أن أجلاهم قبل أن يستشهد بعام فهذا هو العمل حقا. فكيف ساغ خلافه وتركه لعمل حادث ومن ذلك عمل الصحابة مع نبيهم - صلى الله عليه وسلم - على الاشتراك في الهدي البدنة عن عشرة والبقرة عن سبعة فيا له من عمل ما أحقه وأولاه بالاتباع فكيف يخالف إلى عمل حادث بعده مخالف له ومن ذلك عمل أهل المدينة الذي كأنه رأي عين في سجودهم في إذا السماء انشقت [الانشقاق: 1] مع نبيهم - صلى الله عليه وسلم - ومعهم أبو هريرة. وإنما صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أعوام وبعض الرابع وقد أخبر عن عمل الصحابة مع نبيهم في آخر أمره فهذا والله هو(2\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "575",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "577",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العمل فكيف يقدم عليه عمل من بعدهم بما شاء الله من السنين ويقال: العمل على ترك السجود ومن ذلك عمل الصحابة مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وقد قرأ السجدة على المنبر في خطبته يوم الجمعة ثم نزل عن المنبر فسجد وسجد معه أهل المسجد ثم صعد فهذا العمل حق فكيف يقال: العمل على خلافه ويقدم العمل الذي يخالف ذلك عليه ومن ذلك عمل الصحابة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في اقتدائهم به وهو جالس وهذا كأنه رأي عين سواء كانت صلاتهم خلفه قعودا أو قياما فهذا عمل في غاية الظهور والصحة فمن العجب أن يقدم عليه رواية جابر الجعفي عن الشعبي - وهما كوفيان - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لا يؤمن أحد بعدي جالسا  وهذه من أسقط روايات أهل الكوفة. ومن ذلك أن سليمان بن عبد الملك عام حج جمع ناسا من أهل العلم فيهم عمر بن عبد العزيز وخارجة بن زيد بن ثابت والقاسم بن محمد وسالم وعبيد الله ابنا عبد الله بن عمر ومحمد بن شهاب الزهري وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فسألهم عن الطيب قبل الإفاضة فكلهم أمره بالطيب وقال القاسم: أخبرتني عائشة أنها طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت . ولم يختلف عليه أحد منهم إلا أن عبد الله بن عبيد الله قال: كان عبد الله رجلا جادا مجدا كان يرمي الجمرة ثم يذبح ثم يحلق ثم يركب فيفيض قبل أن يأتي منزله قال سالم: صدق ذكره النسائي  فهذا عمل أهل المدينة وفتياهم فأي عمل بعد ذلك يخالفه يستحق التقديم عليه ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن قاسم بن مسلم عن أبي جعفر قال: ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع وزارع علي وسعد بن مالك وعبد الله بن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي وابن سيرين وعامل عمر بن الخطاب الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا وكذا. فهذا والله هو العمل الذي يستحق تقديمه على كل عمل خالفه والذي من جعله بينه وبين الله فقد استوثق. فيا لله العجب أي عمل بعد هذا يقدم عليه وهل يكون عمل يمكن أن يقال إنه إجماع أظهر من هذا وأصح منه(2\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "576",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "578",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنواع السنن وأمثلة لكل نوع منها] وأيضا فالعمل نوعان: نوع لم يعارضه نص ولا عمل قبله ولا عمل مصر آخر غيره وعمل عارضه واحد من هذه الثلاثة فإن سويتم بين أقسام هذا العمل كلها فهي تسوية بين المختلفات التي فرق النص والعقل بينها وإن فرقتم بينها فلا بد من دليل فارق بين ما هو معتبر منها وما هو غير معتبر ولا تذكرون دليلا قط إلا كان دليل من قدم النص أقوى وكان به أسعد. وأيضا فإنا نقسم عليكم هذا العمل من وجه آخر ليتبين به المقبول من المردود فنقول: عمل أهل المدينة وإجماعهم نوعان أحدهما: ما كان من طريق النقل والحكاية والثاني: ما كان من طريق الاجتهاد والاستدلال فالأول على ثلاثة أضرب أحدها: نقل الشرع مبتدأ من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أربعة أنواع أحدها: نقل قوله والثاني: نقل فعله والثالث: نقل تقريره لهم على أمر شاهدهم عليه أو أخبرهم به الرابع: نقلهم لترك شيء قام سبب وجوده ولم يفعله. الثاني: نقل العمل المتصل زمنا بعد زمن من عهده - صلى الله عليه وسلم -. الثالث: نقل لأماكن وأعيان ومقادير لم تتغير عن حالها.  [نقل القول وطريقة البخاري في ترتيب صحيحه] : ونحن نذكر أمثلة هذه الأنواع فأما نقل قوله فظاهر وهو الأحاديث المدنية التي هي أم الأحاديث النبوية وهي أشرف أحاديث أهل الأمصار ومن تأمل أبواب البخاري وجده أول ما يبدأ في الباب بها ما وجدها ثم يتبعها بأحاديث أهل الأمصار وهذه كمالك عن نافع عن أبيه عمر وابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ومالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وأبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة وأبي شهاب عن سالم عن أبيه وابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ويحيى بن سعيد عن أبي سلمة عن أبي هريرة وابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس ومالك عن موسى بن عقبة عن كريب عن أسامة بن زيد والزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب وأمثال ذلك. [نقل الفعل] أما نقل فعله فكنقلهم أنه توضأ من بئر بضاعة وأنه كان يخرج كل عيد إلى المصلى فيصلي به العيد هو والناس وأنه كان يخطبهم قائما على المنبر وظهره إلى القبلة ووجهه(2\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "577",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "579",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليهم وأنه كان يزور قباء كل سبت ماشيا وراكبا وأنه كان يزورهم في دورهم ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم ونحو ذلك.  [نقل التقرير] وأما نقل التقرير فكنقلهم إقراره لهم على تلقيح النخل وعلى تجاراتهم التي كانوا يتجرونها وهي على ثلاثة أنواع: تجارة الضرب في الأرض وتجارة الإدارة وتجارة السلم فلم ينكر عليهم منها تجارة واحدة وإنما حرم عليهم فيها الربا الصريح ووسائله المفضية إليه أو التوسل بتلك المتاجر إلى الحرام كبيع السلاح لمن يقاتل به المسلم وبيع العصير لمن يعصره خمرا وبيع الحرير لمن يلبسه من الرجال ونحو ذلك مما هو معاونة على الإثم والعدوان. وكإقرارهم على صنائعهم المختلفة من تجارة وخياطة وصياغة وفلاحة وإنما حرم عليهم فيها الغش والتوسل بها إلى المحرمات وكإقرارهم على إنشاد الأشعار المباحة وذكر أيام الجاهلية والمسابقة على الأقدام وكإقرارهم على المهادنة في السفر وكإقرارهم على الخيلاء في الحرب ولبس الحرير فيه وإعلام الشجاع منهم بعينه بعلامة من ريشة أو غيرها. وكإقرارهم على لبس ما نسجه الكفار من الثياب وعلى إنفاق ما ضربوه من الدراهم وربما كان عليها صور ملوكهم ولم يضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا خلفاؤه مدة حياتهم دينارا ولا درهما وإنما كانوا يتعاملون بضرب الكفار. وكإقراره لهم بحضرته على المزاح المباح وعلى الشبع في الأكل وعلى النوم في المسجد وعلى شركة الأبدان وهذا كثير من أنواع السنن احتج به الصحابة وأئمة الإسلام كلهم. وقد احتج به جابر في تقرير الرب في زمن الوحي كقوله: quot; كنا نعزل والقرآن ينزل فلو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن quot; وهذا من كمال فقه الصحابة وعلمهم واستيلائهم على معرفة طرق الأحكام ومداركها وهو يدل على أمرين: أحدهما: أن أصل الأفعال الإباحة ولا يحرم منها إلا ما حرمه الله على لسان رسوله الثاني: أن علم الرب تعالى بما يفعلون في زمن شرع الشرائع ونزول الوحي وإقراره لهم عليه دليل على عفوه عنه والفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله أنه في الوجه الأول يكون معفوا عنه استصحابا وفي الثاني يكون العفو عنه تقريرا لحكم الاستصحاب ومن هذا النوع تقريره لهم على أكل الزروع التي تداس بالبقر من غير أمر لهم بغسلها وقد علم - صلى الله عليه وسلم - أنها لا بد أن تبول وقت الدياس ومن ذلك تقريره لهم على الوقود في بيوتهم وعلى أطعمتهم بأرواث الإبل وأخثاء البقر وأبعار الغنم وقد علم أن دخانها ورمادها يصيب ثيابهم وأوانيهم ولم يأمرهم باجتناب ذلك وهو دليل على أحد أمرين ولا بد: طهارة ذلك أو أن دخان النجاسة ورمادها ليس بنجس. ومن ذلك تقريرهم(2\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "578",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "580",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على سجود أحدهم على ثوبه إذا اشتد الحر ولا يقال في ذلك أنه ربما لم يعلمه لأن الله قد علمه وأقرهم عليه ولم يأمر رسوله بإنكاره عليهم فتأمل هذا الموضع. ومن ذلك تقريرهم على الأنكحة التي عقدوها في حال الشرك ولم يتعرض لكيفية وقوعها وإنما أنكر منها ما لا مساغ له في الإسلام حين الدخول فيه. ومن ذلك تقريرهم على ما بأيديهم من الأموال التي اكتسبوها قبل الإسلام بربا أو غيره ولم يأمر بردها بل جعل لهم بالتوبة ما سلف من ذلك ومنه تقرير الحبشة باللعب في المسجد بالحراب وتقريره عائشة على النظر إليهم وهو كتقريره النساء على الخروج والمشي في الطرقات وحضور المساجد وسماع الخطب التي كان ينادي بالاجتماع لها وتقريره الرجال على استخدامهن في الطحن والغسل والطبخ والعجن وعلف الفرس والقيام بمصالح البيت ولم يقل للرجال قط: لا يحل لكم ذلك إلا بمعاونتهن أو استرضائهن حتى يتركن الأجرة وتقريره لهم على الإنفاق عليهن بالمعروف من غير تقدير فرض ولا حب ولا خبز ولم يقل لهم: لا تبرأ ذممكم من الإنفاق الواجب إلا بمعاوضة الزوجات من ذلك على الحب الواجب لهن مع فساد المعاوضة من وجوه عديدة أو بإسقاط الزوجات حقهن من الحب بل أقرهم على ما كانوا يعتادون نفقته قبل الإسلام وبعده وقرر وجوبه بالمعروف وجعله نظير نفقة الرقيق في ذلك ومنه تقريرهم على التطوع بين أذان المغرب والصلاة وهو يراهم ولا ينهاهم. ومنه تقريرهم على بقاء الوضوء وقد خفقت رءوسهم من النوم في انتظار الصلاة ولم يأمرهم بإعادته وتطرق احتمال كونه لم يعلم ذلك مردود بعلم الله به وبأن القوم أجل وأعرف بالله ورسوله أن لا يخبروه بذلك وبأن خفاء مثل ذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يراهم ويشاهدهم خارجا إلى الصلاة ممتنع. ومنه تقريرهم على جلوسهم في المسجد وهم مجنبون إذا توضئوا. ومنه تقريرهم على مبايعة عميانهم على مبايعتهم وشرائهم بأنفسهم من غير نهي لهم عن ذلك يوما ما وهو يعلم أن حاجة الأعمى إلى ذلك كحاجة البصير. ومنه تقريرهم على قبول الهدية التي يخبرهم بها الصبي والعبد والأمة وتقريرهم على الدخول بالمرأة التي يخبرهم بها النساء أنها امرأته بل الاكتفاء بمجرد الإهداء من غير إخبار. ومنه تقريرهم على قول الشعر وإن تغزل أحدهم فيه بمحبوبته وإن قال فيه ما لو أقر به في غيره لأخذ به كتغزل كعب بن زهير بسعاد وتغزل حسان في شعره وقوله فيه: كأن خبيثة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء ثم ذكر وصف الشراب إلى أن قال: ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا لا ينهنهنا اللقاء(2\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "579",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "581",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأقرهم على قول ذلك وسماعه لعلمه ببر قلوبهم ونزاهتهم وبعدهم عن كل دنس وعيب وأن هذا إذا وقع مقدمة بين يدي ما يحبه الله ورسوله من مدح الإسلام وأهله وذم الشرك وأهله والتحريض على الجهاد والكرم والشجاعة فمفسدته مغمورة جدا في جنب هذه المصلحة مع ما فيه من مصلحة هز النفوس واستمالة إصغائها وإقبالها على المقصود بعده وعلى هذا جرت عادة الشعراء بالتغزل بين يدي الأغراض التي يريدونها بالقصيد. ومنه تقريرهم على رفع الصوت بالذكر بعد السلام بحيث كان من هو خارج المسجد يعرف انقضاء الصلاة بذلك ولا ينكره عليهم.  فصل [نقل الترك] وأما نقلهم لتركه - صلى الله عليه وسلم - فهو نوعان وكلاهما سنة أحدهما: تصريحهم بأنه ترك كذا وكذا ولم يفعله كقوله في شهداء أحد: ولم يغسلهم ولم يصل عليهم وقوله في صلاة العيد لم يكن أذان ولا إقامة ولا نداء وقوله في جمعه بين الصلاتين ولم يسبح بينهما ولا على أثر واحدة منهما ونظائره. والثاني: عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد منهم على نقله فحيث لم ينقله واحد منهم ألبتة ولا حدث به في مجمع أبدا علم أنه لم يكن وهذا كتركه التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة وتركه الدعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يؤمنون على دعائه دائما بعد الصبح والعصر أو في جميع الصلوات وتركه رفع يديه كل يوم في صلاة الصبح بعد رفع رأسه من ركوع الثانية وقوله: اللهم اهدنا فيمن هديت يجهر بها ويقول المأمومون كلهم quot; آمين quot;. ومن الممتنع أن يفعل ذلك ولا ينقله عنه صغير ولا كبير ولا رجل ولا امرأة ألبتة وهو مواظب عليه هذه المواظبة لا يخل به يوما واحدا وتركه الاغتسال للمبيت بمزدلفة ولرمي الجمار ولطواف الزيارة ولصلاة الاستسقاء والكسوف ومن ها هنا يعلم أن القول باستحباب ذلك خلاف السنة فإن تركه - صلى الله عليه وسلم - سنة كما أن فعله سنة فإذا استحببنا فعل ما تركه كان نظير استحبابنا ترك ما فعله ولا فرق. فإن قيل: من أين لكم أنه لم يفعله وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم فهذا سؤال بعيد جدا عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه ولو صح هذا السؤال وقبل لاستحب لنا مستحب الأذان للتراويح وقال: من أين لكم أنه لم ينقل واستحب لنا مستحب آخر الغسل لكل صلاة وقال: من أين لكم أنه لم ينقل واستحب لنا مستحب(2\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "580",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "582",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "آخر النداء بعد الأذان للصلاة يرحمكم الله ورفع بها صوته وقال: من أين لكم أنه لم ينقل واستحب لنا آخر لبس السواد والطرحة للخطيب وخروجه بالشاويش يصيح بين يديه ورفع المؤذنين أصواتهم كلما ذكر اسم الله واسم رسوله جماعة وفرادى وقال: من أين لكم أن هذا لم ينقل واستحب لنا آخر صلاة ليلة النصف من شعبان أو ليلة أول جمعة من رجب وقال: من أين لكم أن إحياءهما لم ينقل وانفتح باب البدعة وقال كل من دعا إلى بدعة: من أين لكم أن هذا لم ينقل ومن هذا ترى أخذ الزكاة من الخضراوات والمباطخ وهم يزرعونها بجواره بالمدينة كل سنة فلا يطالبهم بزكاة ولا هم يؤدونها إليه.  فصل [نقل الأعيان] وأما نقل الأعيان وتعيين الأماكن فكنقلهم الصاع والمد وتعيين موضع المنبر وموقفه للصلاة والقبر والحجرة ومسجد قباء وتعيين الروضة والبقيع والمصلى ونحو ذلك ونقل هذا جار مجرى نقل مواضع المناسك كالصفا والمروة ومنى ومواضع الجمرات ومزدلفة وعرفة ومواضع الإحرام كذي الحليفة والجحفة وغيرهما.  فصل [نقل العمل المستمر] وأما نقل العمل المستمر فكنقل الوقوف والمزارعة والأذان على المكان المرتفع والأذان للصبح قبل الفجر وتثنية الأذان وإفراد الإقامة والخطبة بالقرآن وبالسنن دون الخطبة الصناعية بالتسجيع والترجيع التي لا تسمن ولا تغني من جوع فهذا النقل وهذا العمل حجة يجب اتباعها وسنة متلقاة بالقبول على الرأس والعينين وإذا ظفر العالم بذلك قرت به عينه واطمأنت إليه نفسه.  [فصل العمل الذي طريقه الاجتهاد والاستدلال] فصل [العمل الذي طريقه الاجتهاد] وأما العمل الذي طريقه الاجتهاد والاستدلال فهو معترك النزال ومحل الجدال. قال القاضي عبد الوهاب: وقد اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ليس بحجة أصلا وأن الحجة هي إجماع أهل المدينة من طريق النقل(2\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "581",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "583",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يرجح به أيضا أحد الاجتهادين على الآخر وهذا قول أبي بكر وأبي يعقوب الرازي والقاضي أبي بكر بن منتاب والطيالسي والقاضي أبي الفرج والشيخ أبي بكر الأبهري وأنكروا أن يكون هذا مذهبا لمالك أو لأحد من معتمدي أصحابه. والوجه الثاني: أنه وإن لم يكن حجة فإنه يرجح به اجتهادهم على اجتهاد غيرهم وبه قال بعض أصحاب الشافعي. والثالث: أن إجماعهم من طريق الاجتهاد حجة وإن لم يحرم خلافه كإجماعهم من طريق النقل وهذا مذهب قوم من أصحابنا وهو الذي عليه كلام أحمد بن المعدل وأبي بكر وغيرهما وذكر الشيخ أن في رسالة مالك إلى الليث بن سعد ما يدل عليه وقد ذكر أبو مصعب في مختصره مثل ذلك والذي صرح به القاضي أبو الحسين بن أبي عمر في مسألته التي صنفها على أبي بكر الصيرفي نقضا لكلامه على أصحابنا في إجماع أهل المدينة وإلى هذا يذهب جل أصحابنا المغاربة أو جميعهم.  فأما حال الأخبار من طريق الآحاد فلا تخلو من ثلاثة أمور: إما أن يكون صحبها عمل أهل المدينة مطابقا لها أو أن يكون عملهم بخلافها أو أن لا يكون منهم عمل أصلا لا بخلاف ولا بوفاق فإن كان عملهم موافقا لها كان ذلك آكد في صحتها ووجوب العمل بها إذا كان العمل من طريق النقل وإن كان من طريق الاجتهاد كان مرجحا للخبر على ما ذكرنا من الخلاف وإن كان عملهم بخلافه نظر: فإن كان العمل المذكور على الصفة التي ذكرناها فإن الخبر يترك للعمل عندنا لا خلاف بين أصحابنا في ذلك وهذا أكبر الغرض بالكلام في هذه المسألة وهذا كما نقوله في الصاع والمد وزكاة الخضراوات وغير ذلك. وإن كان العمل منهم اجتهادا فالخبر أولى منه عند جمهور أصحابنا إلا من قال منهم: إن الإجماع من طريق الاجتهاد حجة وإن لم يكن بالمدينة عمل يوافق موجب الخبر أو يخالفه فالواجب المصير إلى الخبر فإنه دليل منفرد عن مسقط أو معارض. هذا جملة قول أصحابنا في هذه المسألة وقد تضمن ما حكاه أن عملهم الجاري مجرى النقل حجة فإذا أجمعوا عليه فهو مقدم على غيره من أخبار الآحاد وعلى هذا الحرف بنى المسألة وقررها وقال: والذي يدل على ما قلناه أنهم إذا أجمعوا على شيء نقلا أو عملا متصلا فإن ذلك الأمر معلوم بالنقل المتواتر الذي يحصل العلم به وينقطع العذر فيه ويجب ترك أخبار الآحاد له لأن المدينة بلدة جمعت من الصحابة من يقع العلم بخبرهم فيما أجمعوا على نقله فما هذا سبيله إذا ورد خبر واحد بخلافه كان حجة على(2\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "582",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "584",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك الخبر وترك له كما لو روي لنا خبر واحد فيما تواتر به نقل جميع الأمة لوجب ترك الخبر للنقل المتواتر من جميعهم فيقال: من المحال عادة أن يجمعوا على شيء نقلا أو عملا متصلا من عندهم إلى زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وتكون السنة الصحيحة الثابتة قد خالفته هذا من أبين الباطل وإن وقع ذلك فيما أجمعوا عليه من طريق الاجتهاد فإن العصمة لم تضمن لاجتهادهم فلم يجمعوا من طريق النقل ولا العمل المستمر على هذه الشريطة على بطلان خيار المجلس ولا على التسليمة الواحدة ولا على القنوت في الفجر قبل الركوع ولا على ترك الرفع عند الركوع والرفع منه ولا على ترك السجود في المفصل ولا على ترك الاستفتاح والاستعاذة قبل الفاتحة ونظائر ذلك كيف وقدماؤهم الذين نقلوا العلم الصحيح الثابت الذي كأنه رأي عين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بخلاف ذلك فكيف يقال: إن تركه عمل مستمر من عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الآن هذا من المحال بل نقلهم للصاع والمد والوقوف والأخاير وترك زكاة الخضراوات حق ولم يأت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة تخالفه ألبتة ولهذا رجع أبو يوسف إلى ذلك كله بحضرة الرشيد لما ناظره مالك وتبين له الحق فلا يلحق بهذا عملهم من طريق الاجتهاد ويجعل ذلك نقلا متصلا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتترك له السنن الثابتة فهذا لون وذلك لون وبهذا التمييز والتفصيل يزول الاشتباه ويظهر الصواب. ومن المعلوم أن العمل بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين والصحابة بالمدينة كان بحسب من فيها من المفتين والأمراء والمحتسبين على الأسواق ولم تكن الرعية تخالف هؤلاء فإذا أفتى المفتون نفذه الوالي وعمل به المحتسب وصار عملا فهذا هو الذي لا يلتفت إليه في مخالفة السنن لا عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه والصحابة فذاك هو السنة فلا يخلط أحدهما بالآخر فنحن لهذا العمل أشد تحكيما وللعمل الآخر إذا خالف السنة أشد تركا وبالله التوفيق. وقد كان ربيعة بن أبي عبد الرحمن يفتي وسليمان بن بلال المحتسب ينفذ فتواه فتعمل الرعية بفتوى هذا وتنفيذ هذا كما يطرد العمل في بلد أو إقليم ليس فيه إلا قول مالك على قوله وفتواه ولا يجوزون العمل هناك بقول غيره من أئمة الإسلام فلو عمل به أحد لاشتد نكيرهم عليه وكذلك كل بلد أو إقليم لم يظهر فيه إلا مذهب أبي حنيفة فإن العمل المستمر عندهم على قوله وكل طائفة اطرد عندهم عمل من وصل إليهم قوله ومذهبه ولم يألفوا غيره. ولا فرق في هذا العمل بين بلد وبلد والعمل الصحيح ما وافق السنة. وإذا أردت وضوح ذلك فانظر العمل في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -(2\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "583",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "585",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في جهره بالاستفتاح في الفرض في مصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وعمل الصحابة به ثم العمل في زمن مالك بوصل التكبير بالقراءة من غير استفتاح ولا تعوذ. وانظر العمل في زمن الصحابة كعبد الله بن عمر في اعتبار خيار المجلس ومفارقته لمكان التبايع ليلزم العقد ولا يخالفه في ذلك صحابي ثم العمل به في زمن التابعين وإمامهم وعالمهم سعيد بن المسيب يعمل به ويفتي به ولا ينكره عليه منكر ثم صار العمل في زمن ربيعة وسليمان بن بلال بخلاف ذلك. وانظر إلى العمل في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة خلفه وهم يرفعون أيديهم في الصلاة في الركوع والرفع منه ثم العمل في زمن الصحابة بعده حتى كان عبد الله بن عمر إذا رأى من لا يرفع يديه حصبه وهو عمل كأنه رأي عين وجمهور التابعين يعمل به بالمدينة وغيرها من الأمصار كما حكاه البخاري ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما عنهم ثم صار العمل بخلافه. وانظر إلى العمل الذي كأنه رأي عين من صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ابني بيضاء سهيل وأخيه في المسجد والصحابة معه وصلت عائشة على سعد بن أبي وقاص في المسجد وصلى على عمر بن الخطاب في المسجد ذكره مالك عن نافع عن عبد الله. قال الشافعي: ولا نرى أحدا من الصحابة حضر موته فتخلف عن جنازته فهذا عمل مجمع عليه عندكم قاله لبعض المالكية وروى هشام عن أبيه أن أبا بكر صلى عليه في المسجد فهذا العمل حق ولو تركت السنن للعمل لتعطلت سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودرست رسومها وعفت آثارها وكم من عمل قد اطرد بخلاف السنة الصريحة على تقادم الزمان وإلى الآن وكل وقت تترك سنة ويعمل بخلافها ويستمر عليها العمل فتجد يسيرا من السنة معمولا به على نوع تقصير. وخذ بلا حساب ما شاء الله من سنن قد أهملت وعطل العمل بها جملة فلو عمل بها من يعرفها لقال الناس: تركت السنة فقد تقرر أن كل عمل خالف السنة الصحيحة لم يقع من طريق النقل ألبتة وإنما يقع من طريق الاجتهاد والاجتهاد إذا خالف السنة كان مردودا وكل عمل طريقه النقل فإنه لا يخالف سنة صحيحة ألبتة.  [ترك السنة الصحيحة في الجهر بآمين في الصلاة] فلنرجع إلى الأمثلة التي ترك فيها المحكم للمتشابه فنقول: [الجهر بآمين] المثال السابع والخمسون: ترك السنة المحكمة الصحيحة في الجهر بآمين في الصلاة كقوله في الصحيحين: إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ولولا جهره بالتأمين لما أمكن المأموم أن يؤمن معه ويوافقه في التأمين(2\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "584",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "586",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأصرح من هذا حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قال ولا الضالين قال آمين ورفع بها صوته . وفي لفظ: وطول بها رواه الترمذي وغيره وإسناده صحيح. وقد خالف شعبة سفيان في هذا الحديث فقال: وخفض بها صوته وحكم أئمة الحديث وحفاظه في هذا لسفيان فقال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل في هذا الباب أصح من حديث شعبة أخطأ شعبة في هذا الحديث في مواضع فقال: quot; عن حجر أبي العنبس quot; وإنما كنيته أبو السكن وزاد فيه علقمة بن وائل وإنما هو حجر بن عنبس عن وائل بن حجر ليس فيه علقمة وقال: وخفض بها صوته والصحيح أنه جهر بها. قال الترمذي: وسألت أبا زرعة عن حديث سفيان وشعبة هذا فقال: حديث سفيان أصح من حديث شعبة وقد روى العلاء بن صالح عن سلمة بن كهيل نحو رواية سفيان وقال الدارقطني: كذا قال شعبة: وأخفى بها صوته ويقال: إنه وهم فيه لأن سفيان الثوري ومحمد بن سلمة بن كهيل وغيرهما رووه عن سلمة فقالوا: ورفع صوته بآمين وهو الصواب. وقال البيهقي: لا أعلم اختلافا بين أهل العلم بالحديث أن سفيان وشعبة إذا اختلفا فالقول قول سفيان وقال يحيى بن سعيد: ليس أحد أحب إلي من شعبة ولا يعدله عندي أحد وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان وقال شعبة: سفيان أحفظ مني فهذا ترجيح لرواية سفيان وترجيح ثان: وهو متابعة العلاء بن صالح ومحمد بن سلمة بن كهيل له وترجيح ثالث: وهو أن أبا الوليد الطيالسي - وحسبك به رواه عن شعبة بوفاق الثوري في متنه فقد اختلف على شعبة كما ترى. قال البيهقي: فيحتمل أن يكون تنبه لذلك فعاد إلى الصواب في متنه وترك ذكر ذلك علقمة في إسناده وترجيح رابع: وهو أن الروايتين لو تقاومتا لكانت رواية الرفع متضمنة لزيادة وكانت أولى بالقبول وترجيح خامس: وهو موافقتها وتفسيرها لحديث أبي هريرة: وإذا أمن الإمام فأمنوا فإن الإمام يقول آمين والملائكة تقول: آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له . وترجيح سادس: وهو ما رواه الحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته بآمين ولأبي داود بمعناه وزاد بيانا فقال: قال آمين حتى يسمع من يليه من الصف الأول وفي رواية عنه: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين [الفاتحة: 7] قال: آمين يرفع بها صوته ويأمر بذلك. وذكر البيهقي عن علي كرم الله وجهه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: آمين إذا قرأ: غير المغضوب عليهم ولا الضالين [الفاتحة: 7]  وعنه أيضا - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: كان إذا قرأ ولا الضالين(2\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "585",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "587",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رفع صوته بآمين وعند أبي داود عن بلال أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: لا تسبقني بآمين . قال الربيع: سئل الشافعي عن الإمام: هل يرفع صوته بآمين قال: نعم ويرفع بها من خلفه أصواتهم فقلت: وما الحجة فقال: أنبأنا مالك وذكر حديث أبي هريرة المتفق على صحته ثم قال: ففي قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا أمن الإمام فأمنوا دلالة على أنه أمر الإمام أن يجهر بآمين لأن من خلفه لا يعرفون وقت تأمينه إلا بأن يسمع تأمينه ثم بينه ابن شهاب فقال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: آمين  فقلت للشافعي: فإنا نكره للإمام أن يرفع صوته بآمين فقال: هذا خلاف ما روى صاحبنا وصاحبكم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو لم يكن عندنا وعندهم علم إلا هذا الحديث الذي ذكرناه عن مالك فينبغي أن يستدل بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر بآمين وأنه أمر الإمام أن يجهر بها فكيف ولم يزل أهل العلم عليه وروى وائل بن حجر أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: كان يقول آمين يرفع بها صوته ويحكي مده إياها. وكان أبو هريرة يقول للإمام: لا تسبقني بآمين وكان يؤذن له أنبأنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء: كنت أسمع الأئمة ابن الزبير ومن بعده يقولون: آمين ومن خلفهم آمين حتى إن للمسجد للجة. وقوله: كان أبو هريرة يقول للإمام لا تسبقني بآمين يريد ما ذكره البيهقي بإسناده عن أبي رافع أن أبا هريرة كان يؤذن لمروان بن الحكم فاشترط عليه أن لا يسبقه بالضالين حتى يعلم أنه قد وصل إلى الصف فكان مروان إذا قال: ولا الضالين [الفاتحة: 7] قال أبو هريرة: (آمين) يمد بها صوته وقال: إذا وافق تأمين أهل الأرض تأمين أهل السماء غفر لهم. وقال عطاء: أدركت مائتين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا المسجد إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين [الفاتحة: 7] سمعت لهم رجة بآمين. فرد هذا كله بقوله تعالى: وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا [الأعراف: 204] والذي أنزلت عليه هذه الآية هو الذي رفع صوته بالتأمين والذين أمروا بها رفعوا به أصواتهم ولا معارضة بين الآية والسنة بوجه ما.  [ترك القول بالسنة الصحيحة في الصلاة الوسطى] [بيان صلاة الوسطى] المثال الثامن والخمسون: ترك القول بالسنة الصحيحة الصريحة المحكمة في أن الصلاة الوسطى صلاة العصر بالمتشابه من قوله: وقوموا لله قانتين [البقرة: 238] وهذا عجب من العجب وأعجب منه تركها بأن في مصحف عائشة: وصلاة العصر وأعجب منهما تركها بأن صلاة الظهر تقام في شدة الحر وهي في وسط النهار فأكدها الله تعالى بقوله: والصلاة الوسطى [البقرة: 238] وأعجب من ذلك تركها بأن المغرب(2\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "586",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "588",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسطى بين الثنائية والرباعية فهي أحق بهذا الاسم من غيرها وأعجب منه تركها بأن صلاة العشاء قبلها صلاة آخر النهار وبعدها صلاة أول النهار وهي وسطى بينهما فهي أحق بهذا الاسم من غيرها وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونصه الصريح المحكم الذي لا يحتمل إلا ما دل عليه أولى بالاتباع والله الموفق.  [ترك السنة الصحيحة في قول الإمام ربنا ولك الحمد] [ما يقول الإمام في الرفع من الركوع] المثال التاسع والخمسون: ترك السنة الصحيحة الصريحة في قول الإمام: quot; ربنا ولك الحمد quot; كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قال سمع الله لمن حمده قال: اللهم ربنا ولك الحمد وفيهما أيضا عنه: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد وفي صحيح مسلم عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد وعن أبي سعيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد - وكلنا لك عبد - لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد فردت هذه السنن المحكمة بالمتشابه من قوله: إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد .  [رد السنة الصحيحة في إشارة المصلي في التشهد بأصبعه] [إشارة المتشهد بأصبعه] المثال الستون: رد السنة الصحيحة المحكمة في إشارة المصلي في التشهد بأصبعه كقول ابن عمر: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام رواه مسلم وعنده أيضا عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه ووضع أصبعه التي تلي الإبهام فدعا بها وعنده أيضا عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كان إذا قعد في الصلاة وضع يديه على ركبتيه وأشار بأصبعه ورواه خفاف بن إيماء بن رحضة ووائل بن حجر وعبادة بن الصامت ومالك بن بهز الخزاعي عن أبيه كلهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فعل ذلك وسئل ابن عباس عنه فقال: هو الإخلاص فردوا ذلك كله بحديث لا يصح وهو ما رواه محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن أبي غطفان المري عن أبي هريرة مرفوعا:(2\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "587",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "589",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء ومن أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعدها قال الدارقطني: قال لنا ابن أبي داود: أبو غطفان هذا مجهول وآخر الحديث زيادة في الحديث ولعله من قول ابن إسحاق والصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يشير في الصلاة.  [رد السنة الصحيحة في شعر المرأة الميتة] [ما يصنع بشعر المرأة الميتة] المثال الحادي والستون: رد السنة الصحيحة الصريحة في ضفر رأس المرأة الميتة ثلاث ضفائر كقوله في الصحيحين في غسل ابنته: اجعلن رأسها ثلاثة قرون قالت أم عطية: ضفرنا رأسها وناصيتها وقرنيها ثلاثة قرون وألقيناه من خلفها فرد ذلك بأنه يشبه زينة الدنيا وإنما يرسل شعرها شقين على ثدييها وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق بالإتباع.  [ترك السنة الصحيحة في وضع اليدين في الصلاة] [وضع اليدين في الصلاة] المثال الثاني والستون: ترك السنة الصحيحة الصريحة التي رواها الجماعة عن سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قال: صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره . ولم يقل: على صدره غير مؤمل بن إسماعيل وفي صحيح مسلم عنه أنه: quot; رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع يديه حين دخل في الصلاة ثم كبر ثم التحف بثوبه ثم وضع يده اليمنى على اليسرى فلما أراد أن يركع أخرج يديه ثم رفعهما وكبر فرفع فلما قال سمع الله لمن حمده رفع يديه فلما سجد سجد بين كفيه . وزاد أحمد وأبو داود: ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة . قال أبو حازم: ولا أعلمه إلا ينهي ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي السنن عن ابن مسعود أنه كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى فرآه النبي - صلى الله عليه وسلم - فوضع يده اليمنى على اليسرى  وقال علي: من السنة في الصلاة وضع الكف على الكف تحت السرة . رواه أحمد وقال مالك في موطئه: وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة ثم ذكر حديث سهل بن سعد. وذكر عن عبد الكريم بن أبي المخارق البصري أنه قال: من كلام النبوة: إذا لم تستح فافعل ما شئت ووضع إحدى اليدين على الأخرى في الصلاة يضع اليمنى على اليسرى وتعجيل الفطر والاستيناء بالسحور. وذكر أبو عمر في كتابه من حديث الحارث بن غطيف أو غطيف بن الحارث قال: مهما رأيت شيئا فنسيته فإني لم أنس أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضعا يده اليمنى على(2\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "588",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "590",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اليسرى في الصلاة . وعن قبيصة بن ثابت عن أبيه قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضعا يمينه على شماله في الصلاة  وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: من السنة وضع اليمين على الشمال في الصلاة  وعنه أيضا أنه كان إذا قام إلى الصلاة وضع يمينه على رسغه فلا يزال كذلك حتى يركع إلا أن يصلح ثوبه أو يحك جسده . وقال علي - عليه السلام - في قوله تعالى: فصل لربك وانحر [الكوثر: 2] : إنه وضع اليمين على الشمال في الصلاة تحت صدره وذكر ابن أبي شيبة عن أبي بكر الصديق أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال هكذا ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة وقال أبو الدرداء: من أخلاق النبيين وضع اليمين على الشمال في الصلاة. وقال ابن الزبير: صف القدمين ووضع اليد على اليد من السنة ذكر هذه الآثار أبو عمر بأسانيدها وقال: هي آثار ثابتة وقال وهب بن بقية: ثنا محمد بن المطلب عن أبان بن بشير المعلم ثنا يحيى بن أبي كثير ثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ثلاث من النبوة: تعجيل الفطر وتأخير السحور ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة . وقال سعيد بن منصور: ثنا هشيم عن منصور بن زاذان عن محمد بن أبان الأنصاري عن عائشة قالت: ثلاث من النبوة: تعجيل الإفطار وتأخير السحور ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة  فردت هذه الآثار برواية ابن القاسم عن مالك قال: تركه أحب إلي ولا أعلم شيئا قط ردت به سواه  [رد السنة المحكمة في تعجيل الفجر] [التعجيل بصلاة الفجر] المثال الثالث والستون: رد السنة المحكمة الصريحة في تعجيل الفجر وأن النبي - صلى الله عليه وسلم -: كان يقرأ فيها بالستين إلى المائة ثم ينصرف منها والنساء لا يعرفن من الغلس وإن صلاته كانت التغليس حتى توفاه الله وإنه إنما أسفر بها مرة واحدة وكان بين سحوره وصلاته قدر خمسين آية فرد ذلك بمجمل حديث رافع بن خديج: أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر وهذا بعد ثبوته إنما المراد به الإسفار بها دواما لا ابتداء فيدخل فيها مغلسا ويخرج منها مسفرا كما كان يفعله - صلى الله عليه وسلم - فقوله موافق لفعله لا مناقض له وكيف يظن به المواظبة على فعل ما الأجر الأعظم في خلافه.  [رد السنة الثابتة في وقت المغرب] [وقت المغرب] . المثال الرابع والستون: رد السنة الثابتة المحكمة الصريحة في امتداد وقت المغرب إلى سقوط الشفق كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: وقت صلاة الظهر ما لم تحضر صلاة العصر ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس(2\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "589",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "591",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ووقت صلاة المغرب ما لم يسقط نور الشفق ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس وفي صحيحه أيضا عن أبي موسى أن سائلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المواقيت فذكر الحديث وفيه: ثم أمره فأقام المغرب حين وجبت الشمس فلما كان في اليوم الثاني قال: ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق وفي لفظ: فصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق ثم قال: الوقت ما بين هذين  وهذا متأخر عن حديث جبريل لأنه كان بمكة وهذا قول وذلك فعل وهذا يدل على الجواز وذلك يدل على الاستحباب وهذا في الصحيح وذلك في السنن وهذا يوافق قوله - صلى الله عليه وسلم -: وقت كل صلاة ما لم يدخل وقت التي بعدها وإنما خص منه الفجر بالإجماع فما عداها من الصلوات داخل في عمومه والفعل إنما يدل على الاستحباب فلا يعارض العام ولا الخاص.  [رد السنة الثابتة في وقت العصر] [وقت العصر] المثال الخامس والستون: رد السنة الصريحة المحكمة الثابتة في وقت العصر وأنه إذا صار ظل كل شيء مثله وأنهم كانوا يصلونها مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يذهب أحدهم إلى العوالي قدر أربعة أميال والشمس مرتفعة وقال أنس: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العصر فأتاه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله إنا نريد أن ننحر جزورا لنا وإنا نحب أن تحضرها قال: نعم فانطلق وانطلقنا معه فوجد الجزور لم تنحر فنحرت ثم قطعت ثم طبخ منها ثم أكلنا منها قبل أن تغيب الشمس  ومحال أن يكون هذا بعد المثلين وفي صحيح مسلم عنه: وقت صلاة الظهر ما لم تحضر العصر ولا معارض لهذه السنن لا في الصحة ولا في الصراحة والبيان فردت هذه السنن بالمجمل من قوله - صلى الله عليه وسلم -: مثلكم ومثل أهل الكتاب قبلكم كمثل رجل استأجر أجراء فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط فعملت اليهود ثم قال: من يعمل لي إلى صلاة العصر على قيراط فعملت النصارى ثم قال: من يعمل لي إلى أن تغيب الشمس على قيراطين فعملتم أنتم فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: نحن أكثر عملا وأقل أجرا فقال: هل ظلمتكم من أجركم شيئا قالوا: لا قال: فذلكم فضلي أوتيه من أشاء ويا لله العجب أي دلالة في هذا على أنه لا يدخل وقت العصر حتى يصير الظل مثلين بنوع من أنواع الدلالة وإنما يدل على أن صلاة العصر إلى غروب الشمس أقصر من نصف النهار إلى وقت العصر وهذا لا ريب فيه.(2\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "590",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "592",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[رد السنة الصحيحة في تخليل الخمر] تخليل الخمر] المثال السادس والستون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في المنع من تخليل الخمر كما في صحيح مسلم عن أنس: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخمر تتخذ خلا قال: لا وفي المسند وغيره من حديث أنس قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي حجره يتيم وكان عنده خمر حين حرمت الخمر فقال: يا رسول الله أصنعها خلا قال: لا فصبها حتى سال الوادي وقال أحمد: ثنا وكيع ثنا سفيان عن السدي عن أبي هريرة عن أنس: أن أبا طلحة سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أيتام ورثوا خمرا فقال: أهرقها فقال: أفلا نجعلها خلا قال: لا وروى الحاكم والبيهقي من حديث أنس أيضا قال: كان في حجر أبي طلحة يتامى فاشترى لهم خمرا فلما أنزل الله تحريم الخمر أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له فقال: أأجعله خلا قال: فأهرقه وفي الباب عن أبي الزبير عن جابر وصح ذلك عن عمر بن الخطاب ولا يعلم لهم في الصحابة مخالف فردت بحديث مجمل لا يثبت وهو ما رواه الفرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن أم سلمة أنها كانت لها شاة تحلبها ففقدها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما فعلت بشاتك فقلت: ماتت قال: أفلا انتفعتم بإهابها قلت: إنها ميتة قال: فإن دباغها يحل كما يحل الخل الخمر . قال الحاكم: تفرد به الفرج بن فضالة عن يحيى والفرج ممن لا يحتج بحديثه ولم يصح تحليل خل الخمر من وجه وقد فسر رواية الفرج فقال: يعني أن الخمر إذا تغيرت فصارت خلا حلت فعلى هذا التفسير الذي فسره راوي الحديث يرتفع الخلاف. وقد قال الدارقطني: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث عن فرج بن فضالة ويقول: حدث عن يحيى بن سعيد الأنصاري أحاديث مقلوبة منكرة وقال البخاري: الفرج بن فضالة منكر الحديث. وردت بحديث واه من رواية مغيرة بن زياد عن أبي الزبير عن جابر يرفعه: خير خلكم خل خمركم ومغيرة هذا يقال له أبو هشام المكفوف صاحب مناكير عندهم ويقال: إنه حدث عن عطاء بن أبي رباح وأبي الزبير بجملة من المناكير وقد حدث عن عبادة بن نسي بحديث غريب موضوع فكيف يعارض بمثل هذه الرواية الأحاديث الصحيحة المحفوظة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في النهي عن تخليل الخمر ولم يزل أهل مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينكرون ذلك. قال الحاكم: سمعت أبا الحسن علي بن عيسى الحيري يقول: سمعت محمد بن إسحاق يقول: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: قدمت المدينة أيام مالك فتقدمت إلى قاض فقلت: عندك خل خمر فقال: سبحان الله في حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ثم قدمت بعد موت مالك فذكرت ذلك لهم فلم ينكر علي. وأما ما روي عن علي من اصطباغه بخل(2\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "591",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "593",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخمر وعن عائشة أنه لا بأس به فهو خل الخمر الذي تخللت بنفسها لا باتخاذها  [رد السنة الصحيحة في تسبيح المصلي إذا نابه شيء في صلاته] [تسبيح من نابه شيء في صلاته] . المثال السابع والستون: رد السنة الصحيحة الصريحة في تسبيح المصلي إذا نابه شيء في صلاته كما في الصحيحين من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: التسبيح في الصلاة للرجال والتصفيق للنساء وفي الصحيحين أيضا عن سهل بن سعد الساعدي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم فذكر الحديث وقال في آخره: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: مالي أراكم أكثرتم التصفيق من نابه شيء في صلاته فليسبح فإنه إذا سبح التفت إليه وإنما التصفيق للنساء وذكر البيهقي من حديث إبراهيم بن طهمان عن الأعمش عن ذكوان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا استؤذن على الرجل وهو يصلي فإذنه التسبيح وإذا استؤذن على المرأة وهي تصلي فإذنها التصفيق قال البيهقي: رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات فردت هذه السنن بأنها معارضة لأحاديث تحريم الكلام في الصلاة وقد تعارض مبيح وحاظر فيقدم الحاظر. والصواب أنه لا تعارض بين سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوجه وكل منها له وجه والذي حرم الكلام في الصلاة ومنع منه هو الذي شرع التسبيح المذكور وتحريم الكلام كان قبل الهجرة وأحاديث التسبيح بعد ذلك فدعوى نسخها بأحاديث تحريم الكلام محال ولا تعارض بينهما بوجه ما فإن: quot; سبحان الله quot; ليس من الكلام الذي منع منه المصلي بل هو مما أمر به أمر إيجاب أو استحباب فكيف يسوى بين المأمور والمحظور وهل هذا إلا من أفسد قياس واعتبار  [رد السنة في سجدات المفصل وسجدة الحج] [سجدات المفصل والحج] المثال الثامن والستون: رد السنة الثابتة في إثبات سجدات المفصل والسجدة الأخيرة من سورة الحج كما روى أبو داود في السنن: حدثنا محمد بن عبد الرحيم البرقي ثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا نافع بن يزيد عن الحارث بن سعيد العتقي عن عبد الله بن منير عن عمرو بن العاص: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن منها ثلاث في المفصل وفي سورة الحج سجدتان . تابعه محمد بن إسماعيل السلمي عن سعيد بن أبي مريم وقال ابن وهب: ثنا ابن لهيعة عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فضلت سورة الحج بسجدتين فمن لم يسجد فيهما فلا يقرأهما . وحديث ابن لهيعة يحتج منه بما رواه عنه العبادلة كعبد الله بن وهب وعبد الله بن المبارك(2\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "592",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "594",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعبد الله بن يزيد المقري. قال أبو زرعة: ابن لهيعة كان ابن المبارك وابن وهب يتبعان أصوله وقال عمرو بن علي: من كتب عنه قبل احتراق كتبه مثل ابن المبارك وابن المقري أصح ممن كتب عنه بعد احتراقها. وقال ابن وهب: كان ابن لهيعة صادقا وقد انتقى النسائي هذا الحديث من جملة حديثه وأخرجه واعتمده وقال: ما أخرجت من حديث ابن لهيعة قط إلا حديثا واحدا أخبرناه هلال بن العلاء ثنا معافى بن سليمان عن موسى بن أعين عن عمرو بن الحارث عن ابن لهيعة فذكره. وقال ابن وهب: حدثني الصادق البار والله عبد الله بن لهيعة وقال الإمام أحمد: من كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه وقال ابن عيينة: كان عند ابن لهيعة الأصول وعندنا الفروع. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: ما كان محدث مصر إلا ابن لهيعة وقال أحمد بن صالح الحافظ: كان ابن لهيعة صحيح الكتاب طالبا للعلم. وقال ابن حبان: كان صالحا لكنه يدلس عن الضعفاء ثم احترقت كتبه وكان أصحابنا يقولون: سماع من سمع منه قبل احتراق كتبه مثل العبادلة ابن وهب وابن المبارك والمقري والقعنبي فسماعهم صحيح. وقد صح عن أبي هريرة أنه سجد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في: إذا السماء انشقت [الانشقاق: 1] وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه سجد في النجم ذكره البخاري. فردت هذه السنن برأي فاسد وحديث ضعيف: أما الرأي فهو أن آخر الحج السجود فيها سجود الصلاة لاقترانه بالركوع بخلاف الأولى فإن السجود فيها مجرد عن ذكر الركوع ولهذا لم يكن قوله تعالى: يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين [آل عمران: 43] من مواضع السجدات بالاتفاق. وأما الحديث الضعيف فما رواه أبو داود: ثنا محمد بن رافع ثنا أزهر بن القاسم ثنا أبو قدامة عن مطر الوراق عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة . فأما الرأي فيدل على فساده وجوه: منها أنه مردود بالنص ومنها أن اقتران الركوع بالسجود في هذا الموضع لا يخرجه عن كونه موضع سجدة كما أن أقترانه بالعبادة التي هي أعم من الركوع لا يخرجه عن كونه سجدة وقد صح سجوده - صلى الله عليه وسلم - في النجم وقد قرن السجود فيها بالعبادة كما قرنه بالعبادة في سورة الحج والركوع لم يزده إلا تأكيدا ومنها أن أكثر السجدات المذكورة في القرآن متناولة لسجود الصلاة فإن قوله تعالى: ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها [الرعد: 15] يدخل فيه سجود المصلين قطعا(2\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "593",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "595",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكيف لا وهو أجل السجود وأفرضه وكيف لا يدخل هو في قوله: فاسجدوا لله واعبدوا [النجم: 62] وفي قوله: كلا لا تطعه واسجد واقترب [العلق: 19] وقد قال قبل: أرأيت الذي ينهى [العلق: 9] عبدا إذا صلى [العلق: 10] ثم قال: كلا لا تطعه واسجد واقترب [العلق: 19] فأمره بأن يفعل هذا الذي نهاه عنه عدو الله فإرادة سجود الصلاة بآية السجدة لا تمنع كونها سجدة بل تؤكدها وتقويها. يوضحه أن مواضع السجدات في القرآن نوعان: إخبار وأمر فالإخبار خبر من الله تعالى عن سجود مخلوقاته له عموما أو خصوصا فسن للتالي والسامع وجوبا أو استحبابا أن يتشبه بهم عند تلاوة آية السجدة أو سماعها وآيات الأوامر بطريق الأولى. وهذا لا فرق فيه بين أمر وأمر فكيف يكون الأمر بقوله: فاسجدوا لله واعبدوا [النجم: 62] : مقتضيا للسجود دون الأمر بقوله: يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا [الحج: 77] فالساجد إما متشبه بمن أخبر عنه أو ممتثل لما أمر به وعلى التقديرين يسن له السجود في آخر الحج كما يسن له السجود في أولها فلما سوت السنة بينهما سوى القياس الصحيح والاعتبار الحق بينهما. وهذا السجود شرعه الله ورسوله عبودية عند تلاوة هذه الآيات واستماعها وقربة إليه وخضوعا لعظمته وتذللا بين يديه واقتران الركوع ببعض آياته مما يؤكد ذلك ويقويه لا يضعفه ويوهيه والله المستعان. وأما قوله تعالى: يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين [آل عمران: 43] فإنما لم يكن موضع سجدة لأنه خبر خاص عن قول الملائكة لامرأة بعينها أن تديم العبادة لربها بالقنوت وتصلي له بالركوع والسجود فهو خبر عن قول الملائكة لها ذلك وإعلام من الله تعالى لنا أن الملائكة قالت ذلك لمريم. فسياق ذلك غير سياق آيات السجدات. وأما الحديث الضعيف فإنه من رواية أبي قدامة - واسمه الحارث بن عبيد - قال الإمام أحمد - رضي الله عنه -: هو مضطرب الحديث وقال يحيى: ليس بشيء وقال النسائي: ليس بالقوي وقال الأزدي: ضعيف وقال ابن حبان: لا يحتج به إذا انفرد قلت: وقد أنكر عليه هذا الحديث وهو موضع الإنكار فإن أبا هريرة - رضي الله عنه - شهد سجوده - صلى الله عليه وسلم - في المفصل في: إذا السماء انشقت [الانشقاق: 1] و اقرأ باسم ربك الذي خلق [العلق: 1] . ذكره مسلم في صحيحه وسجد معه حتى لو صح خبر أبي قدامة هذا لوجب تقديم خبر أبي هريرة عليه لأنه مثبت فمعه زيادة علم والله أعلم.(2\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "594",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "596",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[رد السنة الصحيحة في سجود الشكر] سجود الشكر] المثال التاسع والستون: رد السنة الثابتة الصحيحة في سجود الشكر كحديث عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: خرج نحو أحد فخر ساجدا فأطال السجود ثم قال: إن جبريل أتاني وبشرني فقال: إن الله تعالى يقول لك: من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه فسجدت لله تعالى شاكرا . وكحديث سعد بن أبي وقاص في سجوده - صلى الله عليه وسلم - شاكرا لربه لما أعطاه ثلث أمته ثم سجد ثانية فأعطاه الثلث الآخر ثم سجد ثالثة فأعطاه الثلث الباقي  وكحديث أبي بكر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كان إذا جاءه أمر يسر به خر ساجدا شكرا لله تعالى وأتاه بشير يبشره بظفر جند له على عدوهم فقام وخر ساجدا . وسجد كعب بن مالك لما بشر بتوبة الله عليه وسجد أبو بكر حين جاءه قتل مسيلمة الكذاب وسجد علي كرم الله وجهه حين وجد ذا الثدية في الخوارج الذين قتلهم ولا أعلم شيئا يدفع هذه السنن والآثار مع صحتها وكثرتها غير رأي فاسد وهو أن نعم الله سبحانه وتعالى لا تزال واصلة إلى عبده فلا معنى لتخصيص بعضها بالسجود. وهذا من أفسد رأي وأبطله فإن النعم نوعان: مستمرة ومتجددة فالمستمرة شكرها بالعبادات والطاعات والمتجددة شرع لها سجود الشكر شكرا لله عليها وخضوعا له وذلا في مقابلة فرحة النعم وانبساط النفس لها وذلك من أكبر أدوائها فإن الله سبحانه لا يحب الفرحين ولا الأشرين فكان دواء هذا الداء الخضوع والذل والانكسار لرب العالمين وكان في سجود الشكر من تحصيل هذا المقصود ما ليس في غيره ونظير هذا السجود عند الآيات التي يخوف الله بها عباده كما في الحديث: إذا رأيتم آية فاسجدوا . وقد فزع النبي - صلى الله عليه وسلم - عند رؤية انكساف الشمس إلى الصلاة وأمر بالفزع إلى ذكره ومعلوم أن آياته تعالى لم تزل مشاهدة معلومة بالحس والعقل ولكن تجددها يحدث للنفس من الرهبة والفزع إلى الله ما لا تحدثه الآيات المستمرة فتجدد هذه النعم في اقتضائها لسجود الشكر كتجدد تلك الآيات في اقتضائها للفزع إلى السجود والصلوات. ولهذا لما بلغ فقيه الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس موت ميمونة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - خر ساجدا فقيل له: أتسجد لذلك فقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا رأيتم آية فاسجدوا . وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - من بين أظهرنا فلو لم تأت النصوص بالسجود عند تجدد النعم لكان هو محض القياس ومقتضى عبودية الرغبة كما أن السجود عند الآيات مقتضى عبودية الرهبة وقد أثنى الله سبحانه على الذين يسارعون في الخيرات ويدعونه رغبا ورهبا. ولهذا فرق الفقهاء بين صلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء بأن هذه صلاة رهبة وهذه(2\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "595",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "597",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلاة رغبة فصلوات الله وسلامه على من جاءت سنته وشريعته بأكمل ما جاءت به شرائع الرسل وسننهم وعلى آله.  [رد السنة الصحيحة بجواز انتفاع المرتهن بالمرهون] [انتفاع المرتهن بالمرهون] المثال السبعون: رد السنة الثابتة الصحيحة بجواز ركوب المرتهن للدابة المرهونة وشربه لبنها بنفقته عليه كما روى البخاري في صحيحه: ثنا محمد بن مقاتل أنا عبد الله أنا زكريا عن الشعبي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الرهن يركب بنفقته إذا كان مرهونا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا وعلى الذي يركب ويشرب النفقة وهذا الحكم من أحسن الأحكام وأعدلها ولا أصلح للراهن منه وما عداه ففساده ظاهر فإن الراهن قد يغيب ويتعذر على المرتهن مطالبته بالنفقة التي تحفظ الرهن ويشق عليه أو يتعذر رفعه إلى الحاكم وإثبات الرهن وإثبات غيبة الراهن وإثبات أن قدر نفقته عليه هي قدر حلبه وركوبه وطلبه منه الحكم له بذلك وفي هذا من العسر والحرج والمشقة ما ينافي الحنيفية السمحة فشرع الشارع الحكيم القيم بمصالح العباد للمرتهن أن يشرب لبن الرهن ويركب ظهره وعليه نفقته وهذا محض القياس لو لم تأت به السنة الصحيحة وهو يخرج على أصلين أحدهما: أنه إذا أنفق على الرهن صارت النفقة دينا على الراهن لأنه واجب أداه عنه ويتعسر عليه الإشهاد على ذلك كل وقت واستئذان الحاكم فجوز له الشارع استيفاء دينه من ظهر الرهن ودره وهذا مصلحة محضة لهما وهي بلا شك أولى من تعطيل منفعة ظهره وإراقة لبنه أو تركه يفسد في الحيوان أو يفسده حيث يتعذر الرفع إلى الحاكم لا سيما ورهن الشاة ونحوها إنما يقع غالبا بين أهل البوادي حيث لا حاكم ولو كان فلم يول الله ولا رسوله الحاكم هذا الأمر. الأصل الثاني: أن ذلك معاوضة في غيبة أحد المعاوضين للحاجة والمصلحة الراجحة وذلك أولى من الأخذ بالشفعة بغير رضا المشتري لأن الضرر في ترك هذه المعاوضة أعظم من الضرر في ترك الأخذ بالشفعة وأيضا فإن المرتهن يريد حفظ الوثيقة لئلا يذهب ماله وذلك إنما يحصل ببقاء الحيوان والطريق إلى ذلك إما النفقة عليه وذلك مأذون فيه عرفا كما هو مأذون فيه شرعا.  [العرف يجري مجرى النطق] [العرف يجري مجرى النطق] . وقد جرى العرف مجرى النطق في أكثر من مائة موضع منها نقد البلد في المعاملات وتقديم الطعام إلى الضيف وجواز تناول اليسير مما يسقط من الناس من مأكول وغيره والشرب من خوابي السيل ومصانعه في الطرق ودخول الحمام وإن لم يعقد(2\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "596",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "598",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عقد الإجارة مع الحمامي لفظا وضرب الدابة المستأجرة إذا حرنت في السير وإيداعها في الخان إذا قدم بلدة أو ذهب في حاجة ودفع الوديعة إلى من جرت العادة بدفعها إليه من امرأة أو خادم أو ولد وتوكيل الوكيل لما لا يباشره مثله بنفسه وجواز التخلي في دار من أذن له بالدخول إلى داره والشرب من مائه والاتكاء على الوسادة المنصوبة وأكل الثمرة الساقطة من الغصن الذي على الطريق وإذن المستأجر للدار لمن شاء من أصحابه أو أضيافه في الدخول والمبيت والثوى عنده والانتفاع بالدار وإن لم يتضمنهم عقد الإجارة لفظا اعتمادا على الإذن العرفي وغسل القميص الذي استأجره للبس مدة يحتاج فيها إلى الغسل ولو وكل غائبا أو حاضرا في بيع شيء والعرف قبض ثمنه ملك ذلك ولو اجتاز بحرث غيره في الطريق ودعته الحاجة إلى التخلي فيه فله ذلك إن لم يجد موضعا سواه إما لضيق الطريق أو لتتابع المارين فيها فكيف بالصلاة فيه والتيمم بترابه ومنها لو رأى شاة غيره تموت فذبحها حفظا لماليتها عليه كان ذلك أولى من تركها تذهب ضياعا وإن كان من جامدي الفقهاء من يمنع من ذلك ويقول: هذا تصرف في ملك الغير ولم يعلم هذا اليابس أن التصرف في ملك الغير إنما حرمه الله لما فيه من الإضرار به وترك التصرف ها هنا هو الإضرار. ومنها لو استأجر غلاما فوقعت الأكلة في طرفه فتيقن أنه إن لم يقطعه سرت إلى نفسه فمات جاز له قطعه ولا ضمان عليه. ومنها لو رأى السيل يمر بدار جاره فبادر ونقب حائطه وأخرج متاعه فحفظه عليه جاز ذلك ولم يضمن نقب الحائط ومنها لو قصد العدو مال جاره فصالحه ببعضه دفعا عن بقيته جاز له ولم يضمن ما دفعه إليه. ومنها لو وقعت النار في دار جاره فهدم جانبا منها على النار لئلا تسري إلى بقيتها لم يضمن. ومنها لو باعه صبرة عظيمة أو حطبا أو حجارة ونحو ذلك جاز له أن يدخل ملكه من الدواب والرجال ما ينقلها به وإن لم يأذن له في ذلك لفظا. ومنها لو جذ ثماره أو حصد زرعه ثم بقي من ذلك ما يرغب عنه عادة جاز لغيره التقاطه وأخذه وإن لم يأذن فيه لفظا. ومنها لو وجد هديا مشعرا منحورا ليس عنده أحد جاز له أن يقتطع منه ويأكل منه. ومنها لو أتى إلى دار رجل جاز له طرق حلقة الباب عليه وإن كان تصرف في باب لم يأذن له فيه لفظا. ومنها الاستناد إلى جداره والاستظلال به. ومنها الاستمداد من محبرته وقد أنكر الإمام أحمد على من استأذنه في ذلك. وهذا أكثر من أن يحصر وعليه يخرج حديث عروة بن الجعد البارقي حيث أعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - دينارا يشتري له به شاة فاشترى شاتين بدينار فباع إحداهما بدينار وجاءه(2\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "597",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "599",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالدينار والشاة الأخرى فباع وأقبض وقبض بغير إذن لفظي اعتمادا منه على الإذن العرفي الذي هو أقوى من اللفظي في أكثر المواضع ولا إشكال بحمد الله في هذا الحديث بوجه ما وإنما الإشكال في استشكاله فإنه جار على محض القواعد كما عرفته.(2\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "598",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "600",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الشرط العرفي كالشرط اللفظي] ] ومن هذا الشرط العرفي كاللفظي وذلك كوجوب نقد البلد عند الإطلاق ووجوب الحلول حتى كأنه مشترط لفظا فانصرف العقد بإطلاقه إليه وإن لم يقتضه لفظه ومنها السلامة من العيوب حتى يسوغ له الرد بوجود العيب تنزيلا لاشتراط سلامة المبيع عرفا منزلة اشتراطها لفظا. ومنها وجوب وفاء المسلم فيه في مكان العقد وإن لم يشترطه لفظا بناء على الشرط العرفي. ومنها لو دفع ثوبه إلى من يعرف أنه يغسل أو يخيط بالأجرة أو عجينه لمن يخبزه أو لحما لمن يطبخه أو حبا لمن يطحنه أو متاعا لمن يحمله ونحو ذلك ممن نصب نفسه للأجرة على ذلك وجب له أجرة مثله وإن لم يشترط معه ذلك لفظا عند جمهور أهل العلم. حتى عند المنكرين لذلك فإنهم ينكرونه بألسنتهم ولا يمكنهم العمل إلا به بل ليس يقف الإذن فيما يفعله الواحد من هؤلاء وغيرهم على صاحب المال خاصة لأن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض في الشفقة والنصيحة والحفظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولهذا جاز لأحدهم ضم اللقطة ورد الآبق وحفظ الضالة حتى إنه يحسب ما ينفقه على الضالة والآبق واللقطة وينزل إنفاقه عليها منزلة إنفاقه لحاجة نفسه لما كان حفظا لمال أخيه وإحسانا إليه فلو علم المتصرف لحفظ مال أخيه أن نفقته تضيع وأن إحسانه يذهب باطلا في حكم الشرع لما أقدم على ذلك ولضاعت مصالح الناس ورغبوا عن حفظ أموال بعضهم بعضا وتعطلت حقوق كثيرة وفسدت أموال عظيمة ومعلوم أن شريعة من بهرت شريعته العقول وفاقت كل شريعة واشتملت على كل مصلحة وعطلت كل مفسدة تأبى ذلك كل الإباء وأين هذا من إجازة أبي حنيفة تصرف الفضولي ووقف العقود تحصيلا لمصلحة المالك ومنع المرتهن من الركوب والحلب بنفقته فيا لله العجب يكون هذا الإحسان للراهن وللحيوان ولنفسه بحفظ الرهن حراما لا اعتبارا به شرعا مع إذن الشارع فيه لفظا وإذن المالك عرفا وتصرف الفضولي معتبرا مرتبا عليه حكمه هذا ومن المعلوم أنا في إبراء الذمم أحوج منا إلى العقود على أولاد الناس وبناتهم وإمائهم وعبيدهم ودورهم وأموالهم فالمرتهن محسن بإبراء ذمة المالك من الإنفاق على الحيوان مؤد لحق الله فيه ولحق مالكه ولحق الحيوان ولحق(3\/3)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "599",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "601",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفسه متناول ما أذن له فيه الشارع من العوض بالدر والظهر وقد أوجب الله سبحانه وتعالى على الآباء إيتاء المراضع أجرهن بمجرد الإرضاع وإن لم يعقدوا معهن عقد إجارة فقال تعالى: فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن [الطلاق: 6] . فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بما لو كان الرهن دارا فخرب بعضها فعمرها ليحفظ الرهن فإنه لا يستحق السكنى عندكم بهذه العمارة ولا يرجع بها. قيل: ليس كذلك بل يحتسب له بما أنفقه لأن فيه إصلاح الرهن ذكره القاضي وابنه وغيرهما. وقد نص الإمام أحمد في رواية أبي حرب الجرجاني في رجل عمل في قناة رجل بغير إذنه فاستخرج الماء لهذا الذي عمل أجر في نفقته إذا عمل ما يكون منفعة لصاحب القناة هذا مع أن الفرق بين الحيوان والدار ظاهر لحاجة الحيوان إلى الإنفاق ووجوبه على مالكه بخلاف عمارة الدار فإن صح الفرق بطل السؤال وإن بطل الفرق ثبت الاستواء في الحكم. فإن قيل: في هذا مخالفة للأصول من وجهين أحدهما: أنه إذا أدى عن غيره واجبا بغير إذنه كان متبرعا ولم يلزمه القيام له بما أداه عنه. الثاني: أنه لو لزمه عوضه فإنما يلزمه نظير ما أداه فأما أن يعارض عليه بغير جنس ما أداه بغير اختياره فأصول الشرع تأبى ذلك. قيل: هذا هو الذي ردت به هذه السنة ولأجله تأولها من تأولها على أن المراد بها أن النفقة على المالك فإنه الذي يركب ويشرب وجعل الحديث دليلا على جواز تصرف الراهن في الرهن بالركوب والحلب وغيره ونحن نبين ما في هذين الأصلين من حق وباطل. فأما الأصل الأول فقد دل في فساده القرآن والسنة وآثار الصحابة والقياس الصحيح ومصالح العباد أما القرآن فقوله تعالى: فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن [الطلاق: 6] وقد تقدم تقرير الدلالة منه وقد اعترض بعضهم على هذا الاستدلال بأن المراد به أجورهن المسماة فإنه أمر لهم بوفائها لا أمر لهم بإيتاء ما لم يسموه من الأجرة ويدل عليه قوله تعالى: وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى [الطلاق: 6] وهذا التعاسر إنما يكون حال العقد بسبب طلبها الشطط من الأجر أو حطها عن أجرة المثل وهذا اعتراض فاسد فإنه ليس في الآية ذكر التسمية ولا يدل عليها بدلالة من الدلالات الثلاث أما اللفظيتان فظاهر وأما اللزومية فلانفكاك التلازم بين الأمر بإيتاء الأجر وبين تقدم(3\/4)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "600",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "602",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تسميته وقد سمى الله سبحانه وتعالى ما يؤتيه العامل على عمله أجرا وإن لم يتقدم له تسمية كما قال تعالى عن خليله - عليه السلام -: وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين [العنكبوت: 27] وقال تعالى: ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين [الأحزاب: 31] ومعلوم أن الأجر ما يعود إلى العامل عوضا عن عمله فهو كالثواب الذي يثوب إليه: أي يرجع من عمله وهذا ثابت سواء سمي أو لم يسم وقد نص الإمام أحمد - رضي الله عنه - على أنه إذا افتدي الأسير رجع عليه بما غرمه عليه ولم يختلف قوله فيه. واختلف قوله فيمن أدى دين غيره عنه بغير إذنه فنص في موضع على أنه يرجع عليه فقيل له: هو متبرع بالضمان فقال: وإن كان متبرعا بالضمان ونص في موضع آخر على أنه يرجع فإنه قال: إذا لم يقل اقض عني ديني كان متبرعا ونص على أنه يرجع على السيد بنفقة عبده الآبق إذا رده وقد كتب عمر بن الخطاب إلى عامله في سبي العرب ورقيقهم وقد كان التجار اشتروه فكتب إليه: أيما حر اشتراه التجار فاردد عليهم رءوس أموالهم وقد قيل: إن جميع الفرق تقول بهذه المسألة وإن تناقضوا ولم يطردوها فأبو حنيفة يقول: إذا قضى بعض الورثة دين الميت ليتوصل بذلك إلى أخذ حقه من التركة بالقسمة فإنه يرجع على التركة بما قضاه وهذا واجب قد أداه عن غيره بغير إذنه وقد رجع به ويقول: إذا بنى صاحب العلو السفل بغير إذن المالك لزم الآخر غرامة ما يخصه وإذا أنفق المرتهن على الرهن في غيبة الراهن رجع بما أنفق وإذا اشترى اثنان من واحد عبدا بألف فغاب أحدهما فأدى الحاضر جميع الثمن ليستلم العبد كان له الرجوع. والشافعي يقول: إذا أعار عبد الرجل ليرهنه فرهنه ثم إن صاحب الرهن قضى الدين بغير إذن المستعير وافتك الرهن رجع بالحق وإذا استأجر جمالا ليركبها فهرب الجمال فأنفق المستأجر على الجمال رجع بما أنفق. وإذا ساقى رجلا على نخله فهرب العامل فاستأجر صاحب النخل من يقوم مقامة رجع عليه به واللقيط إذا أنفق عليه أهل المحلة ثم استفاد مالا رجعوا عليه. وإن أذن له في الضمان فضمن ثم أدى الحق بغير إذنه رجع عليه. وأما المالكية والحنابلة فهم أعظم الناس قولا بهذا الأصل والمالكية أشد قولا به ومما يوضح ذلك أن الحنفية قالوا في هذه المسائل: إن هذه الصور كلها أحوجته إلى استيفاء حقه أو حفظ ماله فلولا عمارة السفل لم يثبت العلو ولو لم يقض الوارث الغرماء لم يتمكن من أخذ حقه من التركة بالقسمة ولو لم يحفظ الرهن بالعلف لتلف محل الوثيقة ولو لم يستأجر على الشجر من يقوم مقام العامل لتعطلت الثمرة وحقه متعلق بذلك كله فإذا أنفق كانت نفقته(3\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "601",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "603",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليتوصل إلى حقه بخلاف من أدى دين غيره فإنه لا حق له هناك يتوصل إلى استيفائه بالأداء فافترقا وتبين أن هذه القاعدة لا تلزمنا وأن من أدى عن غيره واجبا من دين أو نفقة على قريب أو زوجة فهو إما فضولي وهو جدير بأن يفوت عليه ما فوته على نفسه أو متفضل فحوالته على الله دون من تفضل عليه فلا يستحق مطالبته وزادت الشافعية وقالت: لما ضمن له المؤجر تحصيل منافع الجمال ومعلوم أنه لا يمكنه استيفاء تلك المنافع إلا بالعلف دخل في ضمانه لتلك المنافع إذنه له في تحصيلها بالإنفاق عليها ضمنا وتبعا فصار ذلك مستحقا عليه بحكم ضمانه عن نفسه لا بحكم ضمان الغير عنه. يوضحه أن المؤجر والمساقي قد علما أنه لا بد للحي من قوام ولا بد للنخيل من سقي وعمل عليها فكأنه قد حصل الإذن فيها في الإنفاق عرفا والإذن العرفي يجري مجرى الإذن اللفظي وشاهده ما ذكرتم من المسائل فيقال: هذا من أقوى الحجج عليكم في مسألة علف المرتهن للرهن واستحقاقه للرجوع بما غرمه وهذا نصف المسافة وبقي نصفها الثاني وهو المعاوضة عليها بركوبه وشربه وهي أسهل المسافتين وأقربهما إذ غايتها تسليط الشارع له على هذه المعاوضة التي هي من مصلحة الراهن والمرتهن والحيوان وهي أولى من تسليط الشفيع على المعاوضة عن الشقص المشفوع لتكميل ملكه وانفراده به وهي أولى من المعاوضة في مسألة الظفر بغير اختيار من عليه الحق فإن سبب الحق فيها ليس ثابتا والآخذ ظالم في الظاهر ولهذا منعه النبي من الأخذ وسماه خائنا بقوله: أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك وأما ههنا فسبب الحق ظاهر وقد أذن في المعاوضة للمصلحة التي فيها فكيف تمنع هذه المعاوضة التي سبب الحق فيها ظاهر وقد أذن فيها الشارع وتجوز تلك المعاوضة التي سبب الحق فيها غير ظاهر وقد منع منها الشارع فلا نص ولا قياس. ومما يدل على أن من أدى عن غيره واجبا أنه يرجع عليه به قوله تعالى: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن: 60] وليس من جزاء هذا المحسن بتخليص من أحسن إليه بأداء دينه وفك أسره منه وحل وثاقه أن يضيع عليه معروفه وإحسانه وأن يكون جزاؤه منه بإضاعة ماله ومكافأته عليه بالإساءة. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: من أسدى إليكم معروفا فكافئوه وأي معروف فوق معروف هذا الذي افتك أخاه من أسر الدين وأي مكافأة أقبح من إضاعة ماله عليه وذهابه وإذا كانت الهدية التي هي تبرع محض قد شرعت المكافأة عليها وهي من أخلاق المؤمنين فكيف يشرع جواز ترك المكافآت على ما هو من أعظم المعروف وقد عقد الله سبحانه وتعالى الموالاة بين المؤمنين وجعل(3\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "602",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "604",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعضهم أولياء بعض فمن أدى عن وليه واجبا كان نائبه فيه بمنزلة وكيله وولى من أقامه الشرع للنظر في مصالحه لضعفه أو عجزه. ومما يوضح ذلك أن الأجنبي لو أقرض رب الدين قدر دينه وأحاله به على المدين مالك ذلك وأي فرق شرعي أو معنوي بين أن يوفيه ويرجع به على المدين أو يقرضه ويحتال به على المدين وهل تفرق الشريعة المشتملة على مصالح العباد بين الأمرين ولو تعين عليه ذبح هدي أو أضحية فذبحها عنه أجنبي بغير إذنه أجزأت وتأدى الواجب بذلك ولم تكن ذبيحة غاصب وما ذاك إلا لكون الذبح قد وجب عليه فأدى هذا الواجب غيره وقام مقام تأديته هو بحكم النيابة عنه شرعا وليس الشأن في هذه المسألة لوضوحها واقتضاء أصول الشرع وفروعه لها وإنما الشأن فيمن عمل في مال غيره عملا بغير إذنه ليتوصل بذلك العمل إلى حقه أو فعله حفظا لمال المالك واحترازا له من الضياع فالصواب أنه يرجع عليه بأجرة عمله. وقد نص عليه الإمام أحمد - رضي الله عنه - في عدة مواضع: منها أنه إذا حصد زرعه في غيبته فإنه نص على أنه يرجع عليه بالأجرة وهذا من أحسن الفقه فإنه إذا مرض أو حبس أو غاب فلو ترك زرعه بلا حصاد لهلك وضاع فإذا علم من يحصده له أنه يذهب عليه عمله نفقته ضياعا لم يقدم على ذلك وفي ذلك من إضاعة المال وإلحاق الضرر بالمالك ما تأباه الشريعة الكاملة فكان من أعظم محاسنها أن أذنت للأجنبي في حصاده والرجوع على مالكه بما أنفق عليه حفظا لماله ومال المحسن إليه وفي خلاف ذلك إضاعة لماليهما أو مال أحدهما ومنها ما نص عليه فيمن عمل في قناة رجل بغير إذنه فاستخرج الماء قال: لهذا الذي عمل نفقته ومنها لو انكسرت سفينته فوقع متاعه في البحر فخلصه رجل فإنه لصاحبه وله عليه أجرة مثله وهذا أحسن من أن يقال: لا أجرة له فلا تطيب نفسه بالتعرض للتلف والمشقة الشديدة ويذهب عمله باطلا أو يذهب مال الآخر ضائعا وكل منهما فساد محض والمصلحة في خلافه ظاهرة. والمؤمنون يرون قبيحا أن يذهب عمل مثل هذا ضائعا ومال هذا ضائعا ويرون من أحسن الحسن أن يسلم مال هذا وينجح سعي هذا والله الموفق.  [رد السنة الثابتة في ضمان دين الميت الذي لم يخلف وفاء] [ضمان دين الميت الذي لم يترك وفاء] المثال الحادي والسبعون: رد السنة الثابتة الصريحة المحكمة في صحة ضمان دين الميت الذي لم يخلف وفاء كما في الصحيحين عن أبي قتادة قال: أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجنازة ليصلي عليها فقال: أعليه دين فقالوا: نعم. ديناران فقال: أترك لهما وفاء(3\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "603",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "605",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: لا قال: صلوا على صاحبكم فقال أبو قتادة: هما علي يا رسول الله فصلى عليه فردت هذه السنة برأي لا يقاومها وهو أن الميت قد خربت ذمته فلا يصح ضمان شيء خراب في محل خراب بخلاف الحي القادر فإن ذمته بصدد العمارة في ضمان دينه وإن لم يكن له وفاء في الحال وأما إذا خلف وفاء فإنه يصح الضمان في الحال تنزيلا لذمته بما خلفه من الوفاء منزلة الحي القادر. قالوا: وأما الحديث فإنما هو إخبار عن ضمان متقدم على الموت فهو إخبار منه بالتزام سابق لا إنشاء للالتزام حينئذ وليس في ذلك ما ترد به السنة الصريحة ولا يصح حملها على الأخبار لوجوه أحدها: أن في بعض ألفاظ الحديث: فقال أبو قتادة: أنا الكفيل به يا رسول الله فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رواه النسائي بإسناد صحيح. الثاني: أن في بعض طرق البخاري فقال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله وعلي دينه فقوله: وعلي دينه كالصريح في الالتزام أو صريح فيه فإن هذه الواو للاستئناف وليس قبلها ما يصح أن يعطف ما بعدها عليه كما لو قال: صل عليه وأنا ألتزم ما عليه أو وأنا ملتزم ما عليه الثالث: أن الحكم لو اختلف لقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: هل ضمنت ذلك في حياته أو بعد موته ولا سيما فإن الظاهر منه الإنشاء وأدنى الأحوال أن يحتملهما على السواء فإن كان أحدهما باطلا في الشرع والآخر صحيحا فكيف يقره على قول محتمل لحق وباطل ولم يستفصله عن مراده به الرابع: أن القياس يقتضي صحة الضمان وإن لم يخلف وفاء فإن من صح ضمان دينه إذا خلف وفاء صح ضمانه وإن لم يكن له مال كالحي وأيضا فمن صح ضمان دينه حيا صح ضمان دينه ميتا وأيضا فإن الضمان لا يوجب الرجوع وإنما يوجب مطالبة رب الدين للضامن فلا فرق بين أن يخلف الميت وفاء أو لم يخلفه وأيضا فالميت أحوج إلى ضمان دينه الحي لحاجته إلى تبريد جلده ببراءة ذمته وتخليصه من ارتهانه بالدين وأيضا فإن ذمة الميت وإن خربت من وجه - وهو تعذر مطالبته - لم تخرب من جهة بقاء الحق فيها وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ليس من ميت يموت إلا وهو مرتهن بدينه ولا يكون مرتهنا وقد خربت ذمته وأيضا فإنه لو خربت ذمته لبطل الضمان بموته فإن الضامن فرعه وقد خربت ذمة الأصل فلما استديم الضمان ولم يبطل بالموت علم أن الضمان لا ينافي الموت فإنه لو نافاه ابتداء لنافاه استدامة فإن هذا من الأحكام التي لا يفرق فيها بين الدوام والابتداء لاتحاد سبب الابتداء والدوام فيها فظهر أن القياس المحض مع السنة الصحيحة والله الموفق.  [ترك السنة الصحيحة في جمع التقديم والتأخير بين الصلاتين للعذر] [الجمع بين الصلاتين] المثال الثاني والسبعون: ترك السنة الثابتة الصحيحة الصريحة المحكمة في جمع(3\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "604",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "606",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التقديم والتأخير بين الصلاتين للعذر كحديث أنس: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما وفي لفظ له: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل وقت العصر ثم يجمع بينهما وهو في الصحيحين وكقول معاذ بن جبل: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمع مع العصر فيصليهما جميعا وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب وهو في السنن والمسند وإسناده صحيح وعلته واهية وكقول ابن عباس: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا زاغت الشمس وهو في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب وإذا لم تزغ في منزله سار حتى إذا حانت العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر وإذا حانت له المغرب في منزله جمع بينه وبين العشاء وإذا لم تحن في منزله ركب حتى إذا كان العشاء نزل فجمع بينهما وهذا متابع لحديث معاذ وفي بعض طرق هذا الحديث: وإذا سافر قبل أن تزول الشمس أخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر وكقول ابن عمر وقد أخر المغرب حتى غاب الشفق ثم نزل فجمع بينهما ثم أخبر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كان يفعل ذلك إذا جد به السير كانت هذه سنن في غاية الصحة والصراحة ولا معارض لها فردت بأنها أخبار آحاد  وأوقات الصلاة ثابتة بالتواتر كحديث إمامة جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم - وصلاته به كل صلاة في وقتها ثم قال: الوقت ما بين هذين فهذا في أول الأمر بمكة وهكذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسائل في المدينة سواء صلى به كل صلاة في أول وقتها وآخره وقال: الوقت ما بين هذين وقال في حديث عبد الله بن عمرو: وقت صلاة الظهر ما لم تحضر العصر ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس ووقت صلاة المغرب ما لم يسقط نور الشفق ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل وقال: وقت كل صلاة ما لم يدخل وقت التي تليها ويكفي للسائل وقد سأله عن المواقيت ثم بينها له بفعله: الوقت فيما بين هذين فهذا بيان بالقول والفعل وهذه أحاديث محكمة صحيحة صريحة في تفصيل الأوقات مجمع عليها بين الأمة. وجميعهم احتجوا بها في أوقات الصلاة فقدمتم عليها أحاديث مجملة محتملة في الجمع غير صريحة فيه لجواز أن يكون المراد بها الجمع في الفعل وأن يراد بها الجمع في الوقت فكيف يترك الصريح المبين للمجمل المحتمل وهل هذا إلا ترك للمحكم وأخذ بالمتشابه وهو عين ما أنكرتموه في هذه الأمثلة(3\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "605",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "607",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالجواب أن يقال: الجميع حق فإنه من عند الله وما كان من عند الله فإنه لا يختلف فالذي وقت هذه المواقيت وبينها بقوله وفعله هو الذي شرع الجمع بقوله وفعله فلا يؤخذ ببعض السنة ويترك بعضها. والأوقات التي بينها النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله وفعله نوعان بحسب حال أربابها: أوقات السعة والرفاهية وأوقات العذر والضرورة. ولكل منها أحكام تخصها وكما أن واجبات الصلاة وشروطها تختلف باختلاف القدرة والعجز فهكذا أوقاتها وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت النائم والذاكر حين يستيقظ ويذكر أي وقت كان وهذا غير الأوقات الخمسة. وكذلك جعل أوقات المعذورين ثلاثة: وقتين مشتركين ووقتا مختصا فالوقتان المشتركان لأرباب الأعذار هما أربعة لأرباب الرفاهية ولهذا جاءت الأوقات في كتاب الله نوعين خمسة وثلاثة في نحو عشر آيات من القرآن فالخمسة لأهل الرفاهية والسعة والثلاثة لأرباب الأعذار وجاءت السنة بتفصيل ذلك وبيانه وبيان أسبابه فتوافقت دلالة القرآن والسنة والاعتبار الصحيح الذي هو مقتضى حكمة الشريعة وما اشتملت عليه من المصالح. فأحاديث الجمع مع أحاديث الإفراد بمنزلة أحاديث الأعذار والضرورات مع أحاديث الشروط والواجبات فالسنة يبين بعضها بعضا لا يرد بعضها ببعض ومن تأمل أحاديث الجمع وجدها كلها صريحة في جمع الوقت لا في جمع الفعل وعلم أن جمع الفعل أشق وأصعب من الإفراد بكثير فإنه ينتظر بالرخصة أن يبقى من وقت الأولى قدر فعلها فقط بحيث إذا سلم منها دخل وقت الثانية فأوقع كل واحدة منهما في وقتها وهذا أمر في غاية العسر والحرج والمشقة وهو مناف لمقصود الجمع وألفاظ السنة الصحيحة الصريحة ترده كما تقدم وبالله التوفيق.  [رد السنة الصحيحة في الوتر بخمس متصلة وسبع متصلة] [الوتر مع الاتصال] المثال الثالث والسبعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الوتر بخمس متصلة وسبع متصلة كحديث أم سلمة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام رواه الإمام أحمد وكقول عائشة - رضي الله عنها -: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس إلا في آخرهن متفق عليه وكحديث عائشة - رضي الله عنها - أنه - صلى الله عليه وسلم -: كان يصلي من الليل تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم ينهض ولا يسلم ثم يقوم فيصلي التاسعة ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم يسلم تسليما يسمعناه ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد فتلك إحدى عشرة ركعة فلما أسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخذه اللحم أوتر بسبع وصنع في الركعتين مثل صنعه في الأولى وفي لفظ(3\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "606",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "608",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنها: فلما أسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخذه اللحم أوتر بسبع ركعات لم يجلس إلا في السادسة والسابعة لم يسلم إلا في السابعة وفي لفظ: صلى سبع ركعات لا يقعد إلا في آخرهن وكلها أحاديث صحاح صريحة لا معارض لها فردت هذه بقوله - صلى الله عليه وسلم -: صلاة الليل مثنى مثنى وهو حديث صحيح ولكن الذي قاله هو الذي أوتر بالتسع والسبع والخمس وسننه كلها حق يصدق بعضها بعضا فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أجاب السائل له عن صلاة الليل بأنها مثنى مثنى ولم يسأله عن الوتر وأما السبع والخمس والتسع والواحدة فهي صلاة الوتر والوتر اسم للواحدة المنفصلة مما قبلها وللخمس والسبع والتسع المتصلة كالمغرب اسم للثلاث المتصلة فإن انفصلت الخمس والسبع والتسع بسلامين كالإحدى عشرة كان الوتر اسما للركعة المفصولة وحدها كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: صلاة الليل مثنى فإذا خشي الصبح أوتر بواحدة توتر له ما صلى. فاتفق فعله - صلى الله عليه وسلم - وقوله وصدق بعضه بعضا وكذلك يكون ليس إلا وإن حصل تناقض فلا بد من أحد أمرين إما أن يكون أحد الحديثين ناسخا للآخر أو ليس من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن كان الحديثان من كلامه وليس أحدهما منسوخا فلا تناقض ولا تضاد هناك ألبتة وإنما يؤتي من يؤتي هناك من قبل فهمه وتحكيمه آراء الرجال وقواعد المذهب على السنة فيقع الاضطراب والتناقض والاختلاف والله المستعان  [تغيير الفتوى واختلافها] [الشريعة مبنية على مصالح العباد] فصل في تغيير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد الشريعة مبنية على مصالح العباد هذا فصل عظيم النفع جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى البعث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله - صلى الله عليه وسلم - أتم دلالة وأصدقها وهي نوره الذي به أبصر المبصرون وهداه الذي به اهتدى المهتدون وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام(3\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "607",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "609",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على سواء السبيل. فهي قرة العيون وحياة القلوب ولذة الأرواح فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها وحاصل بها وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم وهي العصمة للناس وقوام العالم وبها يمسك الله السموات والأرض أن تزولا فإذا أراد الله سبحانه وتعالى خراب الدنيا وطي العالم رفع إليه ما بقي من رسومها فالشريعة التي بعث الله بها رسوله هي عمود العالم وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة. ونحن نذكر تفصيل ما أجملناه في هذا الفصل بحول الله وتوفيقه ومعونته بأمثلة صحيحة.  [إنكار المنكر وشروطه] المثال الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر وقد استأذن الصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها وقالوا: أفلا نقاتلهم فقال: لا ما أقاموا الصلاة وقال: من رأى من أميره ما يكرهه فليصبر ولا ينزعن يدا من طاعته ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها بل لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم ومنعه من ذلك - مع قدرته عليه - خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهد بكفر ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه كما وجد سواء. [إنكار المنكر أربع درجات] فإنكار المنكر أربع درجات الأولى: أن يزول ويخلفه ضده الثانية: أن يقل وإن لم يزل بجملته الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه فالدرجتان الأوليان مشروعتان والثالثة موضع اجتهاد والرابعة محرمة فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى(3\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "608",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "610",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما هو أحب إلى الله ورسوله كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مكاء وتصدية فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد وإلا كان تركهم على ذلك خيرا من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك فكان ما هم فيه شاغلا لهم عن ذلك وكما إذا كان الرجل مشتغلا بكتب المجون ونحوها وخفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسحر فدعه وكتبه الأولى وهذا باب واسع وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر فأنكر عليهم من كان معي فأنكرت عليه وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم.  [فصل قطع الأيدي في الغزو] فصل [النهي عن قطع الأيدي في الغزو] المثال الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: نهى أن تقطع الأيدي في الغزو رواه أبو داود فهذا حد من حدود الله تعالى وقد نهى عن إقامته في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين حمية وغضبا كما قاله عمر وأبو الدرداء وحذيفة وغيرهم وقد نص أحمد وإسحاق بن راهويه والأوزاعي وغيرهم من علماء الإسلام على أن الحدود لا تقام في أرض العدو وذكرها أبو القاسم الخرقي في مختصره فقال: لا يقام الحد على مسلم في أرض العدو وقد أتى بشر بن أرطاة برجل من الغزاة قد سرق مجنه فقال: لولا أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا تقطع الأيدي في الغزو لقطعت يدك  رواه أبو داود وقال أبو محمد المقدسي: وهو إجماع الصحابة روى سعيد بن منصور في سننه بإسناده عن الأحوص بن حكيم عن أبيه عن عمر كتب إلى الناس أن لا يجلدن أمير جيش ولا سرية ولا رجل من المسلمين حدا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلا لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار. وعن أبي الدرداء مثل ذلك. وقال علقمة: كنا في جيش في أرض الروم ومعنا حذيفة بن اليمان وعلينا الوليد بن عقبة فشرب الخمر فأردنا أن نحده فقال حذيفة: أتحدون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعوا فيكم . وأتى سعد بن أبي وقاص بأبي محجن يوم القادسية وقد شرب الخمر فأمر به إلى القيد فلما التقى الناس قال أبو محجن:(3\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "609",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "611",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كفى حزنا أن تطرد الخيل بالقنا ... وأترك مشدودا علي وثاقيا فقال لابنة حفصة امرأة سعد: أطلقيني ولك والله علي إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد فإن قتلت استرحتم مني قال: فحلته حتى التقى الناس وكانت بسعد جراحة فلم يخرج يومئذ إلى الناس قال: وصعدوا به فوق العذيب ينظر إلى الناس واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة فوثب أبو محجن على فرس لسعد يقال لها البلقاء ثم أخذ رمحا ثم خرج فجعل لا يحمل على ناحية من العدو إلا هزمهم وجعل الناس يقولون: هذا ملك لما يرونه يصنع وجعل سعد يقول: الصبر صبر البلقاء والظفر ظفر أبي محجن وأبو محجن في القيد فلما هزم العدو رجع أبو محجن حتى وضع رجليه في القيد فأخبرت ابنة حفصة سعدا بما كان من أمره فقال سعد: لا والله لا أضرب اليوم رجلا أبلى للمسلمين ما أبلاهم فخلى سبيله فقال أبو محجن: قد كنت أشربها إذ يقام علي الحد وأطهر منها فأما إذ بهرجتني فوالله لا أشربها أبدا وقوله: quot; إذ بهرجتني quot; أي أهدرتني بإسقاط الحد عني ومنه quot; بهرج دم ابن الحارث quot; أي أبطله وليس في هذا ما يخالف نصا ولا قياسا ولا قاعدة من قواعد الشرع ولا إجماعا بل لو ادعى أنه إجماع الصحابة كان أصوب. قال الشيخ في المغني: وهذا اتفاق لم يظهر خلافه. قلت: وأكثر ما فيه تأخير الحد لمصلحة راجحة إما من حاجة المسلمين إليه أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار وتأخير الحد لعارض أمر وردت به الشريعة كما يؤخر عن الحامل والمرضع وعن وقت الحر والبرد والمرض فهذا تأخير لمصلحة المحدود فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى. فإن قيل: فما تصنعون بقول سعد: quot; والله لا أضرب اليوم رجلا أبلى للمسلمين ما أبلاهم quot; فأسقط عنه الحد قيل: قد يتمسك بهذا من يقول: لا حد على مسلم في دار الحرب quot; كما يقول أبو حنيفة ولا حجة فيه والظاهر أن سعدا - رضي الله عنه - اتبع في ذلك سنة الله تعالى فإنه لما رأى تأثير أبي محجن في الدين وجهاده وبذله نفسه لله ما رأى درأ عنه الحد لأن ما أتى به من الحسنات غمرت هذه السيئة الواحدة وجعلتها كقطرة بحاسة وقعت في بحر ولا سيما وقد شام منه مخايل التوبة النصوح وقت القتال إذ لا يظن مسلم إصراره في ذلك الوقت(3\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "610",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "612",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي هو مظنة القدوم على الله وهو يرى الموت وأيضا فإنه بتسليم نفسه ووضع رجله في القيد اختيارا قد استحق أن يوهب له حده كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للرجل الذي قال له: يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي فقال: هل صليت معنا هذه الصلاة قال: نعم قال: اذهب فإن الله قد غفر لك حدك وظهرت بركة هذا العفو والإسقاط في صدق توبته فقال: والله لا أشربها أبدا وفي رواية أبد الأبد وفي رواية قد كنت آنف أن أتركها من أجل جلداتكم فأما إذ تركتموني فوالله لا أشربها أبدا وقد برئ النبي - صلى الله عليه وسلم - مما صنع خالد ببني جذيمة وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ولم يؤاخذه به لحسن بلائه ونصره للإسلام. [سقوط الحد عن التائب] ومن تأمل المطابقة بين الأمر والنهي والعقاب وارتباط أحدهما بالآخر علم فقه هذا الباب وإذا كان الله لا يعذب تائبا فهكذا الحدود لا تقام على تائب وقد نص الله على سقوط الحد عن المحاربين بالتوبة التي وقعت قبل القدرة عليهم مع عظيم جرمهم وذلك تنبيه على سقوط ما دون الحراب بالتوبة الصحيحة بطريق الأولى وقد روينا في سنن النسائي من حديث سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه أن امرأة وقع عليها في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد بمكروه على نفسها فاستغاثت برجل مر عليها وفر صاحبها ثم مر عليها ذوو عدد فاستغاثت بهم فأدركوا الرجل الذي كانت استغاثت به فأخذوه وسبقهم الآخر فجاءوا يقودونه إليها فقال: أنا الذي أغثتك وقد ذهب الآخر قال: فأتوا به نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته أنه الذي وقع عليها وأخبر القوم أنهم أدركوه يشتد فقال: إنما كنت أغثتها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني فقالت: كذب هو الذي وقع علي فقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: انطلقوا به فارجموه فقام رجل من الناس فقال: لا ترجموه وارجموني فأنا الذي فعلت بها الفعل فاعترف فاجتمع ثلاثة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الذي وقع عليها والذي أغاثها والمرأة فقال: أما أنت فقد غفر لك وقال للذي أغاثها قولا حسنا فقال عمر: ارجم الذي اعترف بالزنى فأبى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فقال: لأنه قد تاب إلى الله رواه عن محمد بن يحيى بن كثير الحراني: ثنا عمرو بن حماد بن طلحة حدثنا أسباط بن نصر عن سماك وليس فيه بحمد الله إشكال. فإن قيل: فكيف أمر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - برجم المغيث من غير بينة ولا إقرار(3\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "611",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "613",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اعتبار القرائن وشواهد الأحوال] قيل: هذا من أدل الدلائل على اعتبار القرائن والأخذ بشواهد الأحوال في التهم وهذا يشبه إقامة الحدود بالرائحة والقيء كما اتفق عليه الصحابة وإقامة حد الزنا بالحبل كما نص عليه عمر وذهب إليه فقهاء أهل المدينة وأحمد في ظاهر مذهبه وكذلك الصحيح أنه يقام الحد على المتهم بالسرقة إذا وجد المسروق عنده فهذا الرجل لما أدرك وهو يشتد هربا وقالت المرأة: هذا هو الذي فعل بي وقد تعترف بأنه دنا منها وأتى إليها وادعى أنه كان مغيثا لا مريبا ولم ير أولئك الجماعة غيره كان في هذا أظهر الأدلة على أنه صاحبها وكان الظن المستفاد من ذلك لا يقصر عن الظن المستفاد من شهادة البينة واحتمال الغلط وعداوة الشهود كاحتمال الغلط أو عداوة المرأة ههنا بل ظن عداوة المرأة في هذا الموضع في غاية الاستبعاد فنهاية الأمر أن هذا ظاهر لا يستبعد ثبوت الحد بمثله شرعا كما يقتل في القسامة باللوث الذي لعله دون هذا في كثير من المواضع فهذا الحكم من أحسن الأحكام وأجراها على قواعد الشرع والأحكام الظاهرة تابعة للأدلة الظاهرة من البينات والأقارير وشواهد الأحوال وكونها في نفس الأمر قد تقع غير مطابقة ولا تنضبط أمر لا يقدح في كونها طرقا وأسبابا للأحكام والبينة لم تكن موجبة بذاتها للحد وإنما ارتباط الحد بها ارتباط المدلول بدليله فإن كان هناك دليل يقاومها أو أقوى منها لم يلغه الشارع وظهور الأمر بخلافه لا يقدح في كونه دليلا كالبينة والإقرار. وأما سقوط الحد عن المعترف فإذا لم يتسع له نطاق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فأحرى أن لا يتسع له نطاق كثير من الفقهاء ولكن اتسع له نطاق الرءوف الرحيم فقال: إنه قد تاب إلى الله وأبى أن يحده ولا ريب أن الحسنة التي جاء بها من اعترافه طوعا واختيارا خشية من الله وحده وإنقاذا لرجل مسلم من الهلاك وتقديم حياة أخيه على حياته واستسلامه للقتل أكبر من السيئة التي فعلها فقاوم هذا الدواء لذلك الداء وكانت القوة صالحة فزال المرض وعاد القلب إلى حال الصحة فقيل: لا حاجة لنا بحدك وإنما جعلناه طهرة ودواء فإذا تطهرت بغيره فعفونا يسعك فأي حكم أحسن من هذا الحكم وأشد مطابقة للرحمة والحكمة والمصلحة وبالله التوفيق. وقد روينا في سنن النسائي من حديث الأوزاعي: ثنا أبو عمار شداد قال: حدثني أبو أمامة أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي فأعرض عنه ثم قال: إني أصبت حدا فأقمه علي فأعرض عنه ثم قال: يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي فأعرض عنه فأقيمت الصلاة فلما سلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يا رسول الله إني(3\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "612",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "614",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصبت حدا فأقمه علي قال: هل توضأت حين أقبلت قال: نعم قال: هل صليت معنا حين صلينا قال نعم قال: اذهب فإن الله قد عفا عنك  وفي لفظ إن الله قد غفر لك ذنبك أو حدك  ومن تراجم النسائي على هذا الحديث quot; من اعترف بحد ولم يسمه quot; وللناس فيه ثلاث مسالك هذا أحدها والثاني أنه خاص بذلك الرجل والثالث سقوط الحد بالتوبة قبل القدرة عليه وهذا أصح المسالك.  [فصل سقوط الحد عام المجاعة] فصل [من أسباب سقوط الحد عام المجاعة] المثال الثالث: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أسقط القطع عن السارق في عام المجاعة قال السعدي: حدثنا هارون بن إسماعيل الخزاز ثنا علي بن المبارك ثنا يحيى بن أبي كثير حدثني حسان بن زاهر أن ابن حدير حدثه عن عمر قال: لا تقطع اليد في عذق ولا عام سنة. قال السعدي: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: العذق النخلة وعام سنة: المجاعة فقلت لأحمد: تقول به فقال: إي لعمري قلت: إن سرق في مجاعة لا تقطعه فقال: لا إذا حملته الحاجة على ذلك والناس في مجاعة وشدة. قال السعدي: وهذا على نحو قضية عمر في غلمان حاطب ثنا أبو النعمان عارم ثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابن حاطب أن غلمة لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة فأتى بهم عمر فأقروا فأرسل إلى عبد الرحمن بن حاطب فجاء فقال له: إن غلمان حاطب سرقوا ناقة رجل من مزينة وأقروا على أنفسهم فقال عمر: يا كثير بن الصلت اذهب فاقطع أيديهم فلما ولى بهم ردهم عمر ثم قال: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له لقطعت أيديهم وايم الله إذا لم أفعل لأغرمنك غرامة توجعك ثم قال: يا مزني بكم أريدت منك ناقتك قال: بأربع مائة قال عمر: اذهب فأعطه ثماني مائة. وذهب أحمد إلى موافقة عمر في الفصلين جميعا في مسائل إسماعيل بن سعيد الشالنجي التي شرحها السعدي بكتاب سماه المترجم قال: سألت أحمد بن حنبل عن الرجل يحمل الثمر من أكمامه فقال: فيه الثمن مرتين وشرب نكال وقال: وكل من درأنا عنه الحد والقود أضعفنا عليه الغرم وقد وافق أحمد على سقوط القطع في المجاعة الأوزاعي وهذا محض القياس ومقتضى قواعد الشرع فإن السنة إذا كانت سنة مجاعة وشدة غلب على الناس الحاجة والضرورة فلا يكاد يسلم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما(3\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "613",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "615",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يسد به رمقه ويجب على صاحب المال بذل ذلك له إما بالثمن أو مجانا على الخلاف في ذلك والصحيح وجوب بذله مجانا لوجوب المواساة وإحياء النفوس مع القدرة على ذلك والإيثار بالفضل مع ضرورة المحتاج وهذه شبهة قوية تدرأ القطع عن المحتاج وهي أقوى من كثير من الشبه التي يذكرها كثير من الفقهاء بل إذا وازنت بين هذه الشبهة وبين ما يذكرونه ظهر لك التفاوت فأين شبهة كون المسروق مما يسرع إليه الفساد وكون أصله على الإباحة كالماء وشبهة القطع به مرة وشبهة دعوى ملكه بلا بينة وشبهة إتلافه في الحرز بأكل أو احتلاب من الضرع وشبهة نقصان ماليته في الحرز بذبح أو تحريق ثم إخراجه وغير ذلك من الشبه الضعيفة جدا إلى هذه الشبهة القوية لا سيما وهو مأذون له في مغالبة صاحب المال على أخذ ما يسد رمقه. وعام المجاعة يكثر فيه المحاويج والمضطرون ولا يتميز المستغني منهم والسارق لغير حاجة من غيره فاشتبه من يجب عليه الحد بمن لا يجب عليه فدرئ. نعم إذا بان أن السارق لا حاجة به وهو مستغن عن السرقة قطع.  [فصل صدقة الفطر لا تتعين في أنواع] فصل [صدقة الفطر لا تتعين في أنواع] المثال الرابع: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرض صدقة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من زبيب أو صاعا من أقط وهذه كانت غالب أقواتهم بالمدينة فأما أهل بلد أو محلة قوتهم غير ذلك فإنما عليهم صاع من قوتهم كمن قوتهم الذرة والأرز أو التين أو غير ذلك من الحبوب فإن كان قوتهم من غير الحبوب كاللبن واللحم والسمك أخرجوا فطرتهم من قوتهم كائنا ما كان هذا قول جمهور العلماء وهو الصواب الذي لا يقال بغيره إذ المقصود سد خلة المساكين يوم العيد ومواساتهم من جنس ما يقتاته أهل بلدهم وعلى هذا فيجزئ إخراج الدقيق وإن لم يصح فيه الحديث وأما إخراج الخبز والطعام فإنه وإن كان أنفع للمساكين لقلة المؤنة والكلفة فيه فقد يكون الحب أنفع لهم لطول بقائه وأنه يتأتى منه ما لا يتأتى من الخبز والطعام ولا سيما إذا كثر الخبز والطعام عند المسكين فإنه يفسد ولا يمكنه حفظه وقد يقال: لا اعتبار بهذا فإن المقصود إغناؤهم في ذلك اليوم العظيم عن التعرض للسؤال كما قال النبي: أغنوهم في هذا اليوم عن المسألة وإنما نص على تلك الأنواع المخرجة لأن القوم لم يكونوا يعتادون اتخاذ الأطعمة يوم العيد بل كان قوتهم يوم العيد كقوتهم سائر السنة ولهذا لما كان قوتهم يوم عيد النحر من لحوم الأضاحي(3\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "614",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "616",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أمروا أن يطعموا منها القانع والمعتر فإذا كان أهل بلد أو محلة عادتهم اتخاذ الأطعمة يوم العيد جاز لهم بل يشرع لهم أن يواسوا المساكين من أطعمتهم فهذا محتمل يسوغ القول به والله أعلم.  [فصل رد صاع من تمر بدل المصراة] فصل [هل يجب في المصراة رد صاع من تمر] المثال الخامس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص في المصراة على رد صاع من تمر بدل اللبن  فقيل: هذا حكم عام في جميع الأمصار حتى في المصر الذي لم يسمع أهله بالتمر قط ولا رأوه فيجب إخراج قيمة الصاع في موضع التمر ولا يجزئهم إخراج صاع من قوتهم وهذا قول أكثر الشافعية والحنابلة وجعل هؤلاء التمر في المصراة كالتمر في زكاة التمر لا يجزئ سواه فجعلوه تعبدا فعينوه اتباعا للفظ النص وخالفهم آخرون فقالوا: بل يخرج في كل موضع صاعا من قوت ذلك البلد الغالب فيخرج في البلاد التي قوتهم البر صاعا من بر وإن كان قوتهم الأرز فصاعا من أرز وإن كان الزبيب والتين عندهم كالتمر في موضعه أجزأ صاع منه وهذا هو الصحيح وهو اختيار أبي المحاسن الروياني وبعض أصحاب أحمد وهو الذي ذكره أصحاب مالك. قال القاضي أبو الوليد: روى ابن القاسم أن الصاع يكون من غالب قوت البلد قال صاحب الجواهر بعد حكاية ذلك: ووجهه أنه ورد في بعض ألفاظ هذا الحديث صاعا من طعام فيحمل تعيين صاع التمر في الرواية المشهورة على أنه غالب قوت ذلك البلد. انتهى. ولا ريب أن هذا أقرب إلى مقصود الشارع ومصلحة المتعاقدين من إيجاب قيمة صاع من التمر في موضعه والله أعلم. وكذلك حكم ما نص عليه الشارع من الأعيان التي يقوم غيرها مقامها من كل وجه أو يكون أولى منها كنصه على الأحجار في الاستجمار ومن المعلوم أن الخرق والقطن والصوف أولى منها بالجواز وكذلك نصه على التراب في الغسل من ولوغ الكلب والأشنان أولى منه هذا فيما علم مقصود الشارع منه وحصول ذلك المقصود على أتم الوجوه بنظيره وما هو أولى منه.  [فصل طواف الحائض بالبيت] فصل [طواف الحائض بالبيت] المثال السادس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - منع الحائض من الطواف بالبيت حتى تطهر وقال:(3\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "615",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "617",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت فظن من ظن أن هذا حكم عام في جميع الأحوال والأزمان ولم يفرق بين حال القدرة والعجز ولا بين زمن إمكان الاحتباس لها حتى تطهر وتطوف وبين الزمن الذي لا يمكن فيه ذلك وتمسك بظاهر النص ورأى منافاة الحيض للطواف كمنافاته للصلاة والصيام إذ نهي الحائض عن الجميع سواء ومنافاة الحيض لعبادة الطواف كمنافاته لعبادة الصلاة ونازعهم في ذلك فريقان أحدهما: صحح الطواف مع الحيض ولم يجعلوا الحيض مانعا من صحته بل جعلوا الطهارة واجبة تجبر بالدم ويصح الطواف بدونها كما يقوله أبو حنيفة وأصحابه وأحمد في إحدى الروايتين عنه وهي أنصهما عنه وهؤلاء لم يجعلوا ارتباط الطهارة بالطواف كارتباطها بالصلاة ارتباط الشرط بالمشروط بل جعلوها واجبة من واجباته وارتباطها به كارتباط واجبات الحج به يصح فعله مع الإخلال بها ويجبرها الدم والفريق الثاني جعلوا وجوب الطهارة للطواف واشتراطها بمنزلة وجوب السترة واشتراطها بل بمنزلة سائر شروط الصلاة وواجباتها التي تجب وتشترط مع القدرة وتسقط مع العجز قالوا: وليس اشتراط الطهارة للطواف أو وجوبها له أعظم من اشتراطها للصلاة فإذا سقطت بالعجز عنها فسقوطها في الطواف بالعجز عنها أولى وأحرى قالوا: وقد كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين تحتبس أمراء الحج للحيض حتى يطهرن ويطفن ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في شأن صفية وقد حاضت أحابستنا هي قالوا: إنها قد أفاضت قال فلتنفر إذا وحينئذ كانت الطهارة مقدورة لها يمكنها الطواف بها فأما في هذه الأزمان التي يتعذر إقامة الركب لأجل الحيض فلا تخلو من ثمانية أقسام أحدها أن يقال لها: أقيمي بمكة وإن رحل الركب حتى تطهري وتطوفي وفي هذا من الفساد وتعريضها للمقام وحدها في بلد الغربة مع لحوق غاية الضرر لها ما فيه الثاني أن يقال: يسقط طواف الإفاضة للعجز عن شرطه. الثالث: أن يقال: إذا علمت أو خشيت مجيء الحيض في وقته جاز لها تقديمه على وقته الرابع أن يقال: إذا كانت تعلم بالعادة أن حيضها يأتي في أيام الحج وأنها إذا حجت أصابها الحيض هناك سقط عنها فرضه حتى تصير آيسة وينقطع حيضها بالكلية الخامس أن يقال: بل تحج فإذا حاضت ولم يمكنها الطواف ولا المقام رجعت وهي على إحرامها تمتنع من النكاح ووطء الزوج حتى تعود إلى البيت فتطوف وهي طاهرة ولو كان بينها وبينه مسافة سنين ثم إذا أصابها الحيض في سنة العود رجعت كما هي ولا تزال كذلك كل عام حتى يصادفها عام تطهر فيه السادس أن يقال: بل تتحلل إذا عجزت عن المقام حتى تطهر كما يتحلل المحصر مع بقاء الحج في ذمتها فمتى قدرت على الحج لزمها ثم إذا أصابها(3\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "616",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "618",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك أيضا تحللت وهكذا أبدا حتى يمكنها الطواف طاهرا السابع أن يقال: يجب عليها أن تستنيب من يحج عنها كالمعضوب وقد أجزأ عنها الحج وإن انقطع حيضها بعد ذلك الثامن أن يقال: بل تفعل ما تقدر عليه من مناسك الحج. ويسقط عنها ما تعجز عنه من الشروط والواجبات كما يسقط عنها طواف الوداع بالنص وكما يسقط عنها فرض السترة إذا شلحتها العبيد أو غيرهم وكما يسقط عنها فرض طهارة الجنب إذا عجزت عنها لعدم الماء أو مرض بها وكما يسقط فرض اشتراط طهارة مكان الطواف والسعي إذا عرض فيه نجاسة تتعذر إزالتها وكما يسقط شرط استقبال القبلة في الصلاة إذا عجز عنه وكما يسقط فرض القيام والقراءة والركوع والسجود إذا عجز عنه المصلي وكما يسقط فرض الصوم عن العاجز عنه إلى بدله وهو الإطعام ونظائر ذلك من الواجبات والشروط التي تسقط بالعجز عنها إما إلى بدل أو مطلقا فهذه ثمانية أقسام لا مزيد عليها ومن المعلوم أن الشريعة لا تأتي بسوى هذا القسم الثامن فإن القسم الأول وإن قاله من قال من الفقهاء فلا يتوجه ههنا لأن هذا الذي قالوه متوجه فيمن أمكنها الطواف ولم تطف والكلام في امرأة لا يمكنها الطواف ولا المقام لأجله وكلام الأئمة والفقهاء هو مطلق كما يتكلمون في نظائره ولم يتعرضوا لمثل هذه الصور التي عمت بها البلوى ولم يكن ذلك في زمن الأئمة بل قد ذكروا أن المكري يلزمه المقام والاحتباس عليها لتطهر ثم تطوف فإنه كان ممكنا بل واقعا في زمنهم فأفتوا بأنها لا تطوف حتى تطهر لتمكنها من ذلك وهذا لا نزاع فيه ولا إشكال فأما في هذه الأزمان فغير ممكن. وإيجاب سفرين كاملين في الحج من غير تفريط من الحاج ولا سبب صدر منه يتضمن إيجاب حجتين إلى البيت والله تعالى إنما أوجب حجة واحدة بخلاف من أفسد الحج فإنه قد فرط بفعل المحظور وبخلاف من ترك طواف الزيارة أو الوقوف بعرفة فإنه لم يفعل ما يتم حجته وأما هذه فلم تفرط ولم تترك ما أمرت به فإنها لم تؤمر بما لا تقدر عليه وقد فعلت ما تقدر عليه فهي بمنزلة الجنب إذا عجز عن الطهارة الأصلية والبدلية وصلى على حسب حاله فإنه لا إعادة عليه في أصح الأقوال وأيضا فهذه قد لا يمكنها السفر مرة ثانية فإذا قيل إنها تبقى محرمة إلى أن تموت فهذا ضرر لا يكون مثله في دين الإسلام بل يعلم بالضرورة أن الشريعة لا تأتي به. فصل وأما التقدير الثاني - وهو سقوط طواف الإفاضة - فهذا مع أنه لا قائل به فلا يمكن القول به فإنه ركن الحج الأعظم وهو الركن المقصود لذاته والوقوف بعرفة وتوابعه مقدمات له.(3\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "617",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "619",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وأما التقدير الثالث - وهو أن تقدم طواف الإفاضة على وقته إذا خشيت الحيض في وقته - فهذا لا يعلم به قائل والقول به كالقول بتقديم الوقوف بعرفة على يوم عرفة وكلاهما مما لا سبيل إليه. فصل وأما التقدير الرابع - وهو أن يقال يسقط عنها فرض الحج إذا خشيت ذلك - فهذا وإن كان أفقه مما قبله من التقديرات فإن الحج يسقط لما هو دون هذا من الضرر - كما لو كان بالطريق أو بمكة خوف أو أخذ خفارة مجحفة أو غير مجحفة على أحد القولين أو لم يكن لها محرم - ولكنه ممتنع لوجهين أحدهما: أن لازمه سقوط الحج عن كثير من النساء أو أكثرهن فإنهن يخفن من الحيض وخروج الركب قبل الطهر وهذا باطل فإن العبادات لا تسقط بالعجز عن بعض شرائطها ولا عن بعض أركانها وغاية هذه أن تكون قد عجزت عن شرط أو ركن وهذا لا يسقط المقدور عليه قال الله تعالى: فاتقوا الله ما استطعتم [التغابن: 16] وقال - صلى الله عليه وسلم -: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ولهذا وجبت الصلاة بحسب الإمكان وما عجز عنه من فروضها أو شروطها سقط عنه والطواف والسعي إذا عجز عنه ماشيا فعله راكبا اتفاقا والصبي يفعل عنه وليه ما يعجز عنه. الوجه الثاني: أن يقال في الكلام فيمن تكلفت وحجت وأصابها هذا العذر: فما يقول صاحب هذا التقدير حينئذ فإما أن يقول: تبقى محرمة حتى تعود إلى البيت أو يقول: تتحلل كالمحصر وبالجملة فالقول بعدم وجوب الحج على من تخاف الحيض لا يعلم به قائل ولا تقتضيه الشريعة فإنها لا تسقط مصلحة الحج التي هي من أعظم المصالح لأجل العجز عن أمر غايته أن يكون واجبا في الحج أو شرطا فيه فأصول الشريعة تبطل هذا القول. فصل وأما التقدير الخامس - وهي أن ترجع وهي على إحرامها ممتنعة من النكاح والوطء إلى أن تعود في العام المقبل ثم إذا أصابها الحيض رجعت كذلك وهكذا كل عام - فمما ترده أصول الشريعة وما اشتملت عليه من الرحمة والحكمة والمصلحة والإحسان فإن الله لم يجعل على الأمة على مثل هذا الحرج ولا ما هو قريب منه.  فصل وأما التقدير السادس - وهو أنها تتحلل كما يتحلل المحصر - فهذا أفقه من التقدير(3\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "618",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "620",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي قبله فإن هذه منعها خوف المقام إتمام النسك فهي كمن منعها عدو عن الطواف بالبيت بعد التعريف ولكن هذا التقدير ضعيف فإن الإحصار أمر عارض للحاج بمنعه من الوصول إلى البيت في وقت الحج وهذه متمكنة من البيت ومن الحج من غير عدو ولا مرض ولا ذهاب نفقة وإذا جعلت هذه كالمحصر أوجبنا عليها الحج مرة ثانية مع خوف وقوع الحيض منها والعذر الموجب بالإحصار إذا كان قائما به منع من فرض الحج بنداء كإحاطة العدو بالبيت وتعذر النفقة وهذه عذرها لا يسقط فرض الحج علي ابتداء فلا يكون عروضه موجبا للتحلل كالإحصار فلازم هذا التقدير أنها إذا علمت أن هذا العذر يصيبها أو غلب على ظنها أن يسقط عنها فرض الحج فهو رجوع إلى التقدير الرابع فصل وأما التقدير السابع - وهو أن يقال: يجب عليها أن تستنيب من يحج عنها إذا خافت الحيض وتكون كالمعضوب العاجز عن الحج بنفسه فما أحسنه من تقدير لو عرف به قائل فإن هذه عاجزة عن إتمام نسكها ولكن هو باطل أيضا فإن المعضوب الذي يجب عليه الاستنابة هو الذي يكون آيسا من زوال عذره فلو كان يرجو زوال عذره كالمرض العارض والحبس لم يكن له أن يستنيب وهذه لا تيأس من زوال عذرها لجواز أن تبقى إلى زمن اليأس وانقطاع الدم أو أن دمها ينقطع قبل سن اليأس لعارض يفعلها أو يغير فعلها فليست كالمعضوب حقيقة ولا حكما. فصل فإذا بطلت هذه التقديرات تعين التقدير الثامن وهو أن يقال: تطوف بالبيت والحالة هذه وتكون هذه ضرورة مقتضية لدخول المسجد مع الحيض والطواف معه وليس في هذا ما يخالف قواعد الشريعة بل يوافق كما تقدم إذ غايته سقوط الواجب أو الشرط بالعجز عنه ولا واجب في الشريعة مع عجز ولا حرام مع ضرورة. فإن قيل: في ذلك محذوران أحدهما: دخول الحائض المسجد وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لا أحل المسجد لحائض ولا جنب فكيف بأفضل المساجد الثاني: طوافها في حال الحيض وقد منعها الشارع منه كما منعها من الصلاة فقال: اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت فالذي منعها من الصلاة مع الحيض هو الذي منعها من الطواف معه. فالجواب عن الأول من أربعة أوجه:(3\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "619",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "621",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها: أن الضرورة تبيح دخول المسجد للحائض والجنب فإنها لو خافت العدو أو من يستكرهها عن الفاحشة أو أخذ مالها ولم تجد ملجأ إلا دخول المسجد جاز لها دخوله مع الحيض وهذه تخاف ما هو قريب من ذلك فإنها تخاف إن أقامت بمكة أن يؤخذ مالها إن كان لها مال وإلا أقامت بغربة ضرورة وقد تخاف في إقامتها ممن يتعرض لها وليس لها من يدفع عنها. الجواب الثاني: أن طوافها بمنزلة مرورها في المسجد ويجوز للحائض المرور فيه إذا أمنت التلويث وهي في دورانها حول البيت بمنزلة مرورها ودخولها من باب وخروجها من آخر فإذا جاز مرورها للحاجة فطوافها للحاجة التي هي أعظم من حاجة المرور أولى بالجواز. يوضحه الوجه الثالث: أن دم الحيض في تلويثه المسجد كدم الاستحاضة والمستحاضة يجوز لها دخول المسجد للطواف إذا تلجمت اتفاقا وذلك لأجل الحاجة وحاجة هذه أولى. يوضحه الوجه الرابع: أن منعها من دخول المسجد للطواف كمنع الجنب فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - سوى بينهما في تحريم المسجد عليهما وكلاهما يجوز له الدخول عند الحاجة وسر المسألة أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تطوفي بالبيت هل ذلك لأن الحائض ممنوعة من المسجد والطواف لا يكون إلا في المسجد أو أن عبادة الطواف لا تصح مع الحيض كالصلاة أو لمجموع الأمرين أو لكل واحد من الأمرين فهذه أربعة تقادير فإن قيل بالمعنى الأول لم يمنع صحة الطواف مع الحيض كما قاله أبو حنيفة ومن وافقه وكما هو إحدى الروايتين عن أحمد وعلى هذا فلا يمتنع الإذن لها في دخول المسجد لهذه الحاجة التي تلتحق بالضرورة ويقيد بها مطلق نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس بأول مطلق قيد بأصول الشريعة وقواعدها وإن قيل بالمعنى الثاني فغايته أن تكون الطهارة شرطا من شروط الطواف فإذا عجزت عنها سقط اشتراطها كما لو انقطع دمها وتعذر عليها الاغتسال والتيمم فإنها تطوف على حسب حالها كما تصلي بغير طهور. فصل وأما المحذور الثاني - وهو طوافها مع الحيض والطواف كالصلاة - فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال: لا ريب أن الطواف تجب فيه الطهارة وستر العورة كما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لا يطوف بالبيت عريان وقال الله تعالى: خذوا زينتكم عند كل مسجد [الأعراف: 31](3\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "620",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "622",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي السنن مرفوعا وموقوفا الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير ولا ريب أن وجوب الطهارة وستر العورة في الصلاة آكد من وجوبها في الطواف فإن الصلاة بلا طهارة مع القدرة باطلة بالاتفاق وكذلك صلاة العريان وأما طواف الجنب والحائض والمحدث والعريان بغير عذر ففي صحته قولان مشهوران وإن حصل الاتفاق على أنه منهي عنه في هذا الحال بل وكذلك أركان الصلاة وواجباتها آكد من أركان الحج وواجباته فإن واجبات الحج إذا تركها عمدا لم يبطل حجه وواجبات الصلاة إذا تركها عمدا بطلت صلاته وإذا نقص من الصلاة ركعة عمدا لم تصح ولو طاف ستة أشواط صح ووجب عليه دم عند أبي حنيفة وغيره ولو نكس الصلاة لم تصح ولو نكس الطواف ففيه خلاف ولو صلى محدثا لم تصح صلاته ولو طاف محدثا أو جنبا صح في أحد القولين وغاية الطواف أن يشبه بالصلاة. وإذا تبين هذا فغاية هذه إذا طافت مع الحيض للضرورة أن تكون بمنزلة من طافت عريانة للضرورة فإن نهي الشارع صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله عن الأمرين واحد بل الستارة في الطواف آكد من وجوه أحدها: أن طواف العريان منهي عنه بالقرآن والسنة وطواف الحائض منهي عنه بالسنة وحدها الثاني أن كشف العورة حرام في الطواف وخارجه الثالث: أن طواف العريان أقبح شرعا وعقلا وفطرة من طواف الحائض والجنب فإذا صح طوافها مع العري للحاجة فصحة طوافها مع الحيض للحاجة أولى وأحرى ولا يقال quot; فيلزمكم على هذا أن تصح صلاتها وصومها مع الحيض للحاجة quot; لأنا نقول: هذا سؤال فاسد فإن الحاجة لا تدعوها إلى ذلك بوجه من الوجوه وقد جعل الله سبحانه صلاتها زمن الطهر مغنية لها عن صلاتها في الحيض وكذلك صيامها وهذه لا يمكنها [أن] تتعوض في حال طهرها بغير البيت وهذا يبين سر المسألة وفقهها وهو أن الشارع قسم العبادات بالنسبة إلى الحائض إلى قسمين: قسم يمكنها التعوض عنه في زمن الطهر فلم يوجبه عليها في الحيض بل أسقطه إما مطلقا كالصلاة وإما إلى بدله زمن الطهر كالصوم. وقسم لا يمكن التعوض عنه ولا تأخيره إلى زمن الطهر فشرعه لها مع الحيض أيضا كالإحرام والوقوف بعرفة وتوابعه ومن هذا جواز قراءة القرآن لها وهي حائض إذ لا يمكنها التعوض عنها زمن الطهر لأن الحيض قد يمتد بها غالبه أو أكثره فلو منعت من القراءة لفاتت عليها مصلحتها وربما نسيت ما حفظته زمن طهرها وهذا مذهب مالك وإحدى الروايتين عن أحمد وأحد قولي الشافعي. والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يمنع الحائض من قراءة القرآن وحديث لا تقرأ الحائض والجنب شيئا من القرآن لم يصح فإنه حديث معلول باتفاق أهل العلم بالحديث فإنه من(3\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "621",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "623",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رواية إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر. قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: إن إسماعيل بن عياش يروي عن أهل الحجاز وأهل العراق أحاديث مناكير كأنه يضعف روايته عنهم فيما ينفرد به وقال: إنما هو حديث إسماعيل بن عياش عن أهل الشام انتهى. وقال البخاري أيضا: إذا حدث عن أهل بلده فصحيح وإذا حدث عن غيرهم ففيه نظر وقال علي بن المديني: ما كان أحد أعلم بحديث أهل الشام من إسماعيل بن عياش لو ثبت في حديث أهل الشام ولكنه خلط في حديث أهل العراق وحدثنا عنه عبد الرحمن ثم ضرب على حديثه فإسماعيل عندي ضعيف وقال عبد الله بن أحمد: عرضت على أبي حديثا حدثناه الفضل بن زياد الضبي حدثنا ابن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر مرفوعا لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن فقال أبي: هذا باطل يعني أن إسماعيل وهم. وإذا لم يصح الحديث لم يبق مع المانعين حجة إلا القياس على الجنب والفرق الصحيح بينها وبين الجنب مانع من الإلحاق وذلك من وجوه أحدها: أن الجنب يمكنه التطهر متى شاء بالماء أو بالتراب فليس له عذر في القراءة مع الجنابة بخلاف الحائض والثاني: أن الحائض يشرع لها الإحرام والوقوف بعرفة وتوابعه مع الحيض بخلاف الجنب الثالث: أن الحائض يشرع لها أن تشهد العيد مع المسلمين وتعتزل المصلى بخلاف الجنب. وقد تنازع من حرم عليها القراءة: هل يباح لها أن تقرأ بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال على ثلاثه أقوال أحدها: المنع مطلقا وهو المشهور من مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد لأنها بعد انقطاع الدم تصير كالجنب الثاني: الجواز مطلقا وهو اختيار القاضي أبي يعلى قال: وهو ظاهر كلام أحمد والثالث: إباحته للنفساء وتحريمه على الحائض وهو اختيار الخلال فالأقوال الثلاثة في مذهب أحمد فإذا لم تمنع الحائض من قراءة القرآن لحاجتها إليه فعدم منعها في هذه الصورة عن الطواف الذي هي أشد حاجة إليه بطريق الأولى والأحرى فصل هذا إذا كان المنع من طوافها لأجل المنع من دخول المسجد أو لأجل الحيض ومنافاته للطواف فإن قيل بالتقدير الثالث وهو أنه لمجموع الأمرين بحيث إذا انفرد(3\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "622",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "624",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدهما لم يستقل بالتحريم أو بالتقدير الرابع وهو أن كلا منهما علة مستقلة كان الكلام على هذين التقديرين كالكلام على التقديرين الأولين وبالجملة فلا يمتنع تخصيص العلة لفوات شرط أو لقيام مانع وسواء قيل: إن وجود الشرط وعدم المانع من أجزاء العلة أو هو أمر خارج عنها فالنزاع لفظي فإن أريد بالعلة التامة فهما من أجزائها وإن أريد منها المقتضية كانا خارجين عنها. فإن قيل: الطواف كالصلاة ولهذا تشترط له الطهارة من الحدث وقد أشار إلى هذا بقوله في الحديث الطواف بالبيت صلاة والصلاة لا تشرع ولا تصح مع الحيض فهكذا شقيقها ومشبهها لأنها عبادة متعلقة بالبيت فلم تصح مع الحيض كالصلاة وعكسه الوقوف بعرفة وتوابعه. فالجواب أن القول باشتراط طهارة الحدث للطواف لم يدل عليه نص ولا إجماع بل فيه النزاع قديما وحديثا فأبو حنيفة وأصحابه لا يشترطون ذلك وكذلك أحمد في إحدى الروايتين عنه. قال أبو بكر في الشافي: باب في الطواف بالبيت غير طاهر قال أبو عبد الله في رواية أبي طالب: لا يطوف أحد بالبيت إلا طاهرا والتطوع أيسر ولا يقف مشاهد الحج إلا طاهرا وقال في رواية محمد بن الحكم: إذا طاف طواف الزيارة وهو ناس لطهارته حتى رجع فإنه لا شيء عليه واختار له أن يطوف وهو طاهر وقد نص أحمد في إحدى الروايتين عنه على أن الرجل إذا طاف جنبا ناسيا صح طوافه ولا دم عليه وعنه رواية أخرى عليه دم وثالثة أنه لا يجزيه الطواف. وقد ظن بعض أصحابه أن هذا الخلاف عنه إنما هو في المحدث والجنب فأما الحائض فلا يصح طوافها قولا واحدا قال شيخنا: وليس كذلك بل صرح غير واحد من أصحابنا بأن الخلاف عنه في الحيض والجنابة. قال: وكلام أحمد يدل على ذلك ويبين أنه كان متوقفا في طواف الحائض وفي طواف الجنب قال عبد الملك الميموني في مسائله: قلت لأحمد: من طاف طواف الواجب على غير وضوء وهو ناس ثم واقع أهله قال: أخبرك مسألة فيها وهم مختلفون وذكر قول عطاء والحسن قلت: ما تقول أنت قال: دعها أو كلمة تشبهها. وقال الميموني في مسائله أيضا: قلت له: من سعى وطاف على غير طهارة ثم واقع أهله فقال لي: مسألة الناس فيها مختلفون وذكر قول ابن عمر وما يقول عطاء مما يسهل فيها وما يقول الحسن وأن عائشة قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - حين حاضت افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ثم قال لي: إلا أن هذا أمر بليت به نزل عليها ليس من قبلها قلت: فمن الناس من يقول عليها الحج من قابل فقال لي: نعم كذا أكبر علمي قلت: ومنهم من يذهب إلى أن عليها دما(3\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "623",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "625",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فذكر تسهيل عطاء فيها خاصة وقال لي أبو عبد الله أولا وآخرا: هي مسألة مشتبهة فيها موضع نظر فدعني حتى أنظر فيها قال ذلك غير مرة ومن الناس من يقول: وإن رجع إلى بلده يرجع حتى يطوف قلت: والنسيان قال: النسيان أهون حكما بكثير يريد أهون ممن يطوف على غير طهارة متعمدا هذا لفظ الميموني قلت: وأشار أحمد إلى تسهيل عطاء إلى فتواه أن امرأة إذا حاضت في أثناء الطواف فإنها تتم طوافها وهذا تصريح منه أن الطهارة ليست شرطا في صحة الطواف وقد قال إسماعيل بن منصور: ثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن عطاء قال: حاضت امرأة وهي تطوف مع عائشة أم المؤمنين فحاضت في الطواف فأتمت بها عائشة بقية طوافها هذا والناس إنما تلقوا منع الحائض من الطواف من حديث عائشة وقد دلت أحكام الشريعة على أن الحائض أولى بالعذر وتحصيل مصلحة العبادة التي تفوتها إذا تركتها مع الحيض من الجنب وهكذا إذا حاضت في صوم شهري التتابع لم ينقطع تتابعها بالاتفاق وكذلك تقضي المناسك كلها من أولها إلى آخرها مع الحيض بلا كراهة بالاتفاق سوى الطواف وكذلك تشهد العيد مع المسلمين بلا كراهة بالنص. وكذلك تقرأ القرآن إما مطلقا وإما عند خوف النسيان وإذا حاضت وهي معتكفة لم يبطل اعتكافها بل تتمه في رحبة المسجد. وسر المسألة ما أشار إليه صاحب الشرع بقوله: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم وكذلك قال الإمام أحمد: هذا أمر بليت به نزل عليها ليس من قبلها والشريعة قد فرقت بينها وبين الجنب كما ذكرناه فهي أحق بأن تعذر من الجنب الذي طاف مع الجنابة ناسيا أو ذاكرا فإذا كان فيه النزاع المذكور فهي أحق بالجواز منه فإن الجنب يمكنه الطهارة وهي لا يمكنها فعذرها بالعجز والضرورة أولى من عذره بالنسيان فإن الناسي لما أمر به من الطهارة والصلاة يؤمر بفعله إذا ذكره بخلاف العاجز عن الشرط والركن فإنه لا يؤمر بإعادة العبادة معه إذا قدر عليه فهذه إذا لم يمكنها إلا الطواف على غير طهارة وجب عليها ما تقدر عليه وسقط عنها ما تعجز عنه كما قال تعالى: فاتقوا الله ما استطعتم [التغابن: 16] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وهذه لا تستطيع إلا هذا وقد اتقت الله ما استطاعت فليس عليها غير ذلك بالنص وقواعد الشريعة والمطلق يقيد بدون هذا بكثير ونصوص أحمد وغيره من العلماء صريحة في أن الطواف ليس كالصلاة في اشتراط الطهارة وقد ذكرنا نصه في رواية محمد بن الحكم إذا طاف طواف الزيارة وهو ناس لطهارته حتى رجع فلا شيء عليه وأختار له أن يطوف وهو طاهر وإن وطئ فحجه ماض ولا شيء عليه وقد تقدم قول عطاء ومذهب أبي حنيفة صحة الطواف بلا طهارة(3\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "624",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "626",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأيضا فإن الفوارق بين الطواف والصلاة أكثر من الجوامع فإنه يباح فيه الكلام والأكل والشرب والعمل الكثير وليس فيه تحريم ولا تحليل ولا ركوع ولا سجود ولا قراءة ولا تشهد ولا تجب له جماعة وإنما اجتمع هو والصلاة في عموم كونه طاعة وقربة وخصوص كونه متعلقا بالبيت وهذا لا يعطيه شروط الصلاة كما لا يعطيه واجباتها وأركانها. وأيضا فيقال: لا نسلم أن العلة في الأصل كونها عبادة متعلقة بالبيت ولم يذكروا على ذلك حجة واحدة والقياس الصحيح ما تبين فيه أن الوصف المشترك بين الأصل والفرع هو علة الحكم في الأصل أو دليل العلة فالأول قياس العلة والثاني قياس الدلالة. وأيضا فالطهارة إنما وجبت لكونها صلاة سواء تعلقت بالبيت أو لم تتعلق ولهذا وجبت النافلة في السفر إلى غير القبلة ووجبت حين كانت مشروعة إلى بيت المقدس ووجبت لصلاة الخوف إذا لم يمكن الاستقبال. وأيضا فهذا القياس ينتقض بالنظر إلى البيت فإنه عبادة متعلقة بالبيت وأيضا فهذا قياس معارض بمثله وهو أن يقال: عبادة من شرطها المسجد فلم تكن الطهارة شرطا فيها كالاعتكاف وقد قال الله تعالى: أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود [البقرة: 125] وليس إلحاق الطائفين بالركع السجود أولى من إلحاقهم بالعاكفين بل إلحاقهم بالعاكفين أشبه فإن المسجد شرط في كل منهما بخلاف الركع السجود. فإن قيل: الطائف لا بد أن يصلي ركعتي الطواف والصلاة لا تكون إلا بطهارة. قيل: وجوب ركعتي الطواف فيه نزاع وإذا قيل بوجوبهما لم تجب الموالاة بينهما وبين الطواف وليس اتصالهما بأعظم من اتصال الصلاة بالخطبة يوم الجمعة ولو خطب محدثا ثم توضأ وصلى الجمعة جاز فجواز طوافه محدثا ثم يتوضأ ويصلي ركعتي الطواف أولى بالجواز وقد نص أحمد على أنه إذا خطب جنبا جاز.  فصل [حكم الطهارة للطواف] وإذا ظهر أن الطهارة ليست شرطا في الطواف فإما أن تكون واجبة وإما أن تكون سنة وهما قولان للسلف والخلف ولكن من يقول هي سنة من أصحاب أبي حنيفة يقول: عليها دم وأحمد يقول: ليس عليها دم ولا غيره كما صرح به فيمن طاف جنبا وهو ناس(3\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "625",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "627",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال شيخنا: فإذا طافت حائضا مع عدم العذر توجه القول بوجوب الدم عليها وأما مع العجز فهنا غاية ما يقال عليها دم والأشبه أنه لا يجب الدم لأن الطهارة واجب يؤمر به مع القدرة لا مع العجز فإن لزوم الدم إنما يكون مع ترك المأمور أو مع فعل المحظور وهذه لم تترك مأمورا في هذه الحال ولا فعلت محظورا فإنها إذا رمت الجمرة وقصرت حل لها ما كان محظورا عليها بالإحرام غير النكاح فلم يبق بعد التحلل الأول محظور يجب بفعله دم وليست الطهارة مأمورا بها مع العجز فيجب بتركها دم. فإن قيل: لو كان طوافها مع الحيض ممكنا أمرت بطواف القدوم وطواف الوداع فلما سقط عنها طواف القدوم والوداع على أن طوافها مع الحيض غير ممكن. قيل: لا ريب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أسقط طواف القدوم عن الحائض وأمر عائشة لما قدمت وهي متمتعة فحاضت أن تدع أفعال العمرة وتحرم بالحج فعلم أن الطواف مع الحيض محظور لحرمة المسجد أو للطواف أو لهما والمحظورات لا تباح إلا في حالة الضرورة ولا ضرورة بها إلى طواف القدوم لأنه سنة بمنزلة تحية المسجد ولا إلى طواف الوداع فإنه ليس من تمام الحج ولهذا لا يودع المقيم بمكة وإنما يودع المسافر عنها فيكون آخر عهده بالبيت فهذان الطوافان أمر بهما القادر عليهما إما أمر إيجاب فيهما أو في أحدهما أو استحباب كما هي أقوال معروفة وليس واحد منهما ركنا يقف صحة الحج عليه بخلاف طواف الفرض فإنها مضطرة إليه. وهذا كما يباح لها الدخول إلى المسجد واللبث فيه للضرورة ولا يباح لها الصلاة ولا الاعتكاف فيه وإن كان منذورا ولو حاضت المعتكفة خرجت من المسجد إلى فنائه فأتمت اعتكافها ولم يبطل وهذا يدل على أن منع الحائض من الطواف كمنعها من الاعتكاف وإنما هو لحرمة المسجد لا لمنافاة الحيض لعبادة الطواف والاعتكاف ولما كان الاعتكاف يمكن أن يفعل في رحبة المسجد وفنائه جوز لها إتمامه فيها لحاجتها والطواف لا يمكن إلا في المسجد وحاجتها في هذه الصورة إليه أعظم من حاجتها إلى الاعتكاف بل لعل حاجتها إلى ذلك أعظم من حاجتها إلى دخول المسجد واللبث فيه لبرد ومطر أو نحوه. وبالجملة فالكلام في هذه الحادثة في فصلين أحدهما: في اقتضاء قواعد الشريعة لها لا لمنافاتها وقد تبين ذلك بما فيه كفاية والثاني: في أن كلام الأئمة وفتاويهم في الاشتراط والوجوب إنما هو في حال القدرة والسعة لا في حال الضرورة والعجز فالإفتاء بها لا ينافي نص الشارع ولا قول الأئمة وغاية المفتي بها أنه يقيد مطلق كلام الشارع بقواعد(3\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "626",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "628",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شريعته وأصولها ومطلق كلام الأئمة بقواعدهم وأصولهم فالمفتي بها موافق لأصول الشرع وقواعده ولقواعد الأئمة وبالله التوفيق.  [فصل جمع الطلقات الثلاث بلفظ واحد] فصل [حكم جمع الطلقات الثلاث بلفظ واحد] المثال السابع: أن المطلق في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وزمن خليفته أبي بكر وصدرا من خلافة عمر كان إذا جمع الطلقات الثلاث بفم واحد جعلت واحدة كما ثبت ذلك في الصحيح عن ابن عباس فروى مسلم في صحيحه عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم  وفي صحيحه أيضا عن طاوس أن أبا الصهباء قال لابن عباس: ألم تعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وثلاثا من إمارة عمر  فقال ابن عباس: نعم quot; وفي صحيحه أيضا أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر واحدة فقال: قد كان ذلك فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم . وفي سنن أبي داود عن طاوس أن رجلا يقال له أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس فقال: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر - رضي الله عنه - قال ابن عباس: بلى كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال: أجيزوهن عليهم . وفي مستدرك الحاكم من حديث عبد الله بن المؤمل عن ابن أبي مليكة أن أبا الجوزاء أتى ابن عباس فقال: أتعلم أن الثلاث كن يرددن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى واحدة  قال: نعم. قال الحاكم: هذا حديث صحيح وهذه غير طريق طاوس عن أبي الصهباء وقال الإمام أحمد في مسنده: ثنا سعد بن إبراهيم ثنا أبي عن محمد بن إسحاق قال: حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا قال: فسأله رسول الله: كيف طلقتها قال: طلقتها ثلاثا قال: فقال: في مجلس واحد قال: نعم قال: فإنما تلك(3\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "627",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "629",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحدة فأرجعها إن شئت قال: فراجعها . فكان ابن عباس يرى إنما الطلاق عند كل طهر وقد صحح الإمام أحمد هذا الإسناد وحسنه فقال في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد ابنته على ابن أبي العاص بمهر جديد ونكاح جديد : هذا حديث ضعيف أو قال: واه لم يسمعه الحجاج من عمرو بن شعيب وإنما سمعه من محمد بن عبد الله العزرمي والعزرمي لا يساوي حديثه شيئا والحديث الذي رواه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرهما على النكاح الأول وإسناده عنده هو إسناد حديث ركانة بن عبد يزيد. هذا وقد قال الترمذي فيه: ليس بإسناده بأس فهذا إسناد صحيح عند أحمد وليس به بأس عند الترمذي فهو حجة ما لم يعارضه ما هو أقوى منه فكيف إذا عضده ما هو نظيره أو أقوى منه وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح ثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: طلق عبد يزيد أبو ركانة وإخوته أم ركانة ونكح امرأة من مزينة فجاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة لشعرة أخذتها من رأسها ففرق بيني وبينه فأخذت النبي - صلى الله عليه وسلم - حمية فدعا بركانة وإخوته ثم قال لجلسائه: أترون فلانا يشبه كذا وكذا من عبد يزيد وفلانا منه كذا وكذا قالوا: نعم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد يزيد: طلقها ففعل فقال: راجع امرأتك أم ركانة وإخوته فقال: إني طلقتها ثلاثا يا رسول الله قال: قد علمت راجعها وتلا: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن [الطلاق: 1]  . وقال أبو داود: حديث نافع بن جبير وعبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده أن ركانة طلق امرأته فردها إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - أصح لأنهم ولد الرجل وأهله وأعلم به وأن ركانة إنما طلق امرأته ألبتة فجعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - واحدة . قال شيخنا - رضي الله عنه -: وأبو داود لما لم يرو في سننه الحديث الذي في مسند أحمد - يعني الذي ذكرناه آنفا - فقال: حديث ألبتة أصح من حديث ابن جريج أن ركانة طلق امرأته ثلاثا لأنهم أهل بيته ولكن الأئمة الأكابر العارفون بعلل الحديث والفقه كالإمام أحمد وأبي عبيد والبخاري ضعفوا حديث ألبتة وبينوا أنه رواية قوم مجاهيل لم تعرف عدالتهم وضبطهم وأحمد أثبت حديث الثلاث وبين أنه الصواب وقال: حديث ركانة لا يثبت أنه طلق امرأته ألبتة وفي رواية عنه: حديث ركانة في البتة ليس بشيء لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن ركانة طلق امرأته ثلاثا وأهل المدينة يسمون الثلاث ألبتة قال الأثرم: قلت لأحمد: حديث ركانة في البتة فضعفه. والمقصود أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لم يخف عليه أن هذا هو السنة وأنه(3\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "628",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "630",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "توسعة من الله لعباده إذ جعل الطلاق مرة بعد مرة وما كان مرة بعد مرة لم يملك المكلف إيقاع مراته كلها جملة واحدة كاللعان فإنه لو قال: quot; أشهد بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين quot; كان مرة واحدة ولو حلف في القسامة وقال: quot; أقسم بالله خمسين يمينا أن هذا قاتله quot; كان ذلك يمينا واحدة ولو قال المقر بالزنا: quot; أنا أقر أربع مرات أني زنيت quot; كان مرة واحدة فمن يعتبر الأربع لا يجعل ذلك إلا إقرارا واحدا وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: من قال في يومه سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر فلو قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يحصل له هذا الثواب حتى يقولها مرة بعد مرة وكذلك قوله: من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمده ثلاثا وثلاثين وكبره ثلاثا وثلاثين الحديث لا يكون عاملا به حتى يقول ذلك مرة بعد مرة ولا يجمع الكل بلفظ واحد وكذلك قوله: من قال في يومه لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة كانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي لا يحصل هذا إلا بقولها مرة بعد مرة وهكذا قوله: يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات [النور: 58] وهكذا قوله في الحديث: الاستئذان ثلاث مرات فإن أذن لك وإلا فارجع لو قال الرجل ثلاث مرات هكذا كانت مرة واحدة حتى يستأذن مرة بعد مرة وهذا كما أنه في الأقوال والألفاظ فكذلك هو في الأفعال سواء كقوله تعالى: سنعذبهم مرتين [التوبة: 101] إنما هو مرة بعد مرة وكذلك قول ابن عباس quot; رأى محمد ربه بفؤاده مرتين quot; إنما هو مرة بعد مرة وكذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين فهذا المعقول من اللغة والعرف في الأحاديث المذكورة وهذه النصوص المذكورة وقوله تعالى: الطلاق مرتان [البقرة: 229] كلها من باب واحد ومشكاة واحدة والأحاديث المذكورة تفسر المراد من قوله: الطلاق مرتان [البقرة: 229] كما أن حديث اللعان تفسير لقوله لقوله تعالى: فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله [النور: 6] . فهذا كتاب الله وهذه سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذه لغة العرب وهذا عرف التخاطب وهذا خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة كلهم معه في عصره وثلاث سنين من عصر عمر على هذا المذهب فلو عدهم العاد بأسمائهم واحدا واحدا لوجد أنهم كانوا يرون الثلاث واحدة إما بفتوى وإما بإقرار عليها ولو فرض فيهم من لم يكن يرى ذلك فإنه لم يكن منكرا للفتوى به بل كانوا ما بين مفت ومقر بفتيا وساكت غير منكر. وهذا حال كل صحابي من عهد الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر وهم يزيدون على الألف قطعا كما ذكره يونس بن(3\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "629",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "631",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بكير عن أبي إسحاق قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال: استشهد من المسلمين في وقعة اليمامة ألف ومائتا رجل منهم سبعون من القراء كلهم قد قرءوا القرآن وتوفي في خلافة الصديق فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعبد الله بن أبي بكر قال محمد بن إسحاق: فلما أصيب المسلمون من المهاجرين والأنصار باليمامة وأصيب فيهم عامة فقهاء المسلمين وقرائهم فزع أبو بكر إلى القرآن وخاف أن يهلك منه طائفة وكل صحابي من لدن خلافة الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر كان على أن الثلاث واحدة فتوى أو إقرارا أو سكوتا ولهذا ادعى بعض أهل العلم أن هذا إجماع قديم ولم تجمع الأمة ولله الحمد على خلافه بل لم يزل فيهم من يفتي به قرنا بعد قرن وإلى يومنا هذا فأفتى به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس كما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس: quot; إذا قال أنت طالق ثلاثا بفم واحدة فهي واحدة quot; وأفتى أيضا بالثلاث أفتى بهذا وهذا. وأفتى بأنها واحدة الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف حكاه عنهما ابن وضاح وعن علي كرم الله وجهه وابن مسعود روايتان كما عن ابن عباس وأما التابعون فأفتى به عكرمة رواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عنه وأفتى به طاوس وأما تابعو التابعين فأفتى به محمد بن إسحاق حكاه الإمام أحمد وغيره عنه وأفتى به خلاس بن عمرو والحارث العكلي وأما أتباع تابعي التابعين فأفتى به داود بن علي وأكثر أصحابه حكاه عنهم أبو المفلس وابن حزم وغيرهما وأفتى به بعض أصحاب مالك حكاه التلمساني في شرح تفريع ابن الجلاب قولا لبعض المالكية. وأفتى به بعض الحنفية حكاه أبو بكر الرازي عن محمد بن مقاتل وأفتى به بعض أصحاب أحمد حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية عنه قال: وكان الجد يفتي به أحيانا. وأما الإمام أحمد نفسه فقد قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر واحدة بأي شيء تدفعه قال: برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه ثم ذكر عن عدة عن ابن عباس أنها ثلاث فقد صرح بأنه إنما ترك القول به لمخالفة رواية له وأصل مذهبه وقاعدته التي بنى عليها أن الحديث إذا صح لم يرده لمخالفة رواية له بل الأخذ بما رواه كما فعل في رواية ابن عباس وفتواه في بيع الأمة فأخذ بروايته أنه لا يكون طلاقا وترك رأيه وعلى أصله يخرج له قول إن الثلاث واحدة فإنه إذا صرح بأنه إنما ترك الحديث لمخالفة الراوي وصرح في عدة مواضع أن مخالفة الراوي لا توجب ترك الحديث خرج له في المسألة قولان وأصحابه يخرجونه على مذهبه أقوالا دون ذلك بكثير. والمقصود أن هذا القول قد دل عليه الكتاب والسنة والقياس والإجماع القديم ولم(3\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "630",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "632",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يأت بعده إجماع يبطله ولكن رأى أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - أن الناس قد استهانوا بأمر الطلاق وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة فرأى من المصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم ليعلموا أن أحدهم إذا أوقعه جملة بانت منه المرأة وحرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره نكاح رغبة يراد للدوام لا نكاح تحليل فإنه كان من أشد الناس فيه فإذا علموا ذلك كفوا عن الطلاق المحرم فرأى عمر أن هذا مصلحة لهم في زمانه. ورأى أن ما كانوا عليه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعهد الصديق وصدرا من خلافته كان الأليق بهم لأنهم لم يتتابعوا فيه وكانوا يتقون الله في الطلاق وقد جعل الله لكل من اتقاه مخرجا فلما تركوا تقوى الله وتلاعبوا بكتاب الله وطلقوا على غير ما شرعه الله ألزمهم بما التزموه عقوبة لهم فإن الله تعالى إنما شرع الطلاق مرة بعد مرة ولم يشرعه كله مرة واحدة فمن جمع الثلاث في مرة واحدة فقد تعدى حدود الله وظلم نفسه ولعب بكتاب الله فهو حقيق أن يعاقب ويلزم بما التزمه ولا يقر على رخصة الله وسعته وقد صعبها على نفسه ولم يتق الله ولم يطلق كما أمره الله وشرعه له بل استعجل فيما جعل الله له الأناة فيه رحمة منه وإحسانا ولبس على نفسه واختار الأغلظ والأشد فهذا مما تغيرت به الفتوى لتغير الزمان وعلم الصحابة - رضي الله عنهم - حسن سياسة عمر وتأديبه لرعيته في ذلك فوافقوه على ما ألزم به وصرحوا لمن استفتاهم بذلك فقال عبد الله بن مسعود: من أتى الأمر على وجهه فقد بين له ومن لبس على نفسه جعلنا عليه لبسه والله لا تلبسون على أنفسكم ونتحمله منكم هو كما تقولون. فلو كان وقوع الثلاث ثلاثا في كتاب الله وسنة رسوله لكان المطلق قد أتى الأمر على وجهه ولما كان قد لبس على نفسه ولما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن فعل ذلك تلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم  ولما توقف عبد الله بن الزبير في الإيقاع وقال للسائل: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة فلما جاء إليهما قال ابن عباس لأبي هريرة: أفته فقد جاءتك معضلة ثم أفتياه بالوقوع. فالصحابة - رضي الله عنهم - ومقدمهم عمر بن الخطاب لما رأوا الناس قد استهانوا بأمر الطلاق وأرسلوا ما بأيديهم منه ولبسوا على أنفسهم ولم يتقوا الله في التطليق الذي شرعه لهم وأخذوا بالتشديد على أنفسهم ولم يقفوا على ما حد لهم ألزموهم بما التزموه وأمضوا عليهم ما اختاروه لأنفسهم من التشديد الذي وسع الله عليهم ما شرعه لهم بخلافه ولا ريب أن من فعل هذا حقيق بالعقوبة بأن ينفذ عليه ما أنفذه على نفسه إذ لم يقبل رخصة الله وتيسيره ومهلته ولهذا قال ابن عباس لمن طلق مائة: عصيت ربك وبانت منك امرأتك إنك لم تتق الله فيجعل لك مخرجا ومن يتق الله يجعل له مخرجا وأتاه رجل فقال: إن عمي طلق ثلاثا فقال: إن عمك عصى الله فأندمه وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا فقال: أفلا تحللها له فقال: من يخادع الله يخدعه.(3\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "631",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "633",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فليتدبر العالم الذي قصده معرفة الحق واتباعه من الشرع والقدر في قبول الصحابة هذه الرخصة والتيسير على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقواهم ربهم تبارك وتعالى في التطليق فجرت عليهم رخصة الله وتيسيره شرعا وقدرا فلما ركب الناس الأحموقة وتركوا تقوى الله ولبسوا على أنفسهم وطلقوا على غير ما شرعه الله لهم أجرى الله على لسان الخليفة الراشد والصحابة معه شرعا وقدر إلزامهم بذلك وإنفاذه عليهم وإبقاء الإصر الذي جعلوه هم في أعناقهم كما جعلوه وهذه أسرار من أسرار الشرع والقدر لا تناسب عقول أبناء الزمن فجاء أئمة الإسلام فمضوا على آثار الصحابة سالكين مسلكهم قاصدين رضاء الله ورسوله وإنفاذ دينه. فمنهم من ترك القول بحديث ابن عباس لظنه أنه منسوخ وهذه طريقة الشافعي. قال: فإن كان معنى قول ابن عباس إن الثلاث كانت تحسب على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدة بمعنى أنه أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فالذي يشبه أن يكون ابن عباس قد علم شيئا فنسخ. فإن قيل: فما دل على ما وصفت قيل: لا يشبه أن يكون ابن عباس قد يروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا ثم يخالفه بشيء ولم يعلمه كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه خلاف. فإن قيل: فلعل هذا شيء روي عن عمر فقال فيه ابن عباس بقول عمر. قيل: قد علمنا أن ابن عباس يخالف عمر في نكاح المتعة وبيع الدينار بالدينارين وبيع أمهات الأولاد فكيف يوافقه في شيء روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلافه فصل [فتوى الصحابي على خلاف ما رواه] قال المانعون من لزوم الثلاث: النسخ لا يثبت بالاحتمال ولا ترك الحديث الصحيح المعصوم لمخالفة راويه له فإن مخالفته ليست معصومة وقد قدم الشافعي رواية ابن عباس في شأن بريرة على فتواه التي تخالفها في كون بيع الأمة طلاقها وأخذ هو وأحمد وغيرهما بحديث أبي هريرة من استقاء فعليه القضاء وقد خالفه أبو هريرة وأفتى بأنه لا قضاء عليه وأخذوا برواية ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا بين الركنين وصح عنه أنه قال: ليس الرمل بسنة وأخذوا برواية عائشة في منع الحائض من الطواف وقد صح عنها أن امرأة حاضت وهي تطوف معها فأتمت بها عائشة بقية طوافها رواه سعيد بن منصور: ثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن عطاء فذكره وأخذوا برواية ابن عباس في تقديم الرمي والحلق والنحر بعضها على بعض وأنه لا حرج في(3\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "632",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "634",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك وقد أفتى ابن عباس أن فيه دما فلم يلتفتوا إلى قوله وأخذوا بروايته وأخذت الحنفية بحديث ابن عباس كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه قالوا: وهذا صريح في طلاق المكره وقد صح عن ابن عباس: ليس لمكره ولا لمضطهد طلاق وأخذوا هم والناس بحديث ابن عمر أنه اشترى جملا شاردا بأصح سند يكون وأخذ الحنفية والحنابلة بحديث علي كرم الله وجهه وابن عباس صلاة الوسطى صلاة العصر وقد ثبت عن علي كرم الله وجهه وابن عباس أنها صلاة الصبح وأخذ الأئمة الأربعة وغيرهم بخبر عائشة في التحريم بلبن الفحل وقد صح عنها خلافه وأنه كان يدخل عليها من أرضعته بنات إخوتها ولا يدخل عليها من أرضعته نساء إخوتها وأخذ الحنفية برواية عائشة فرضت الصلاة ركعتين ركعتين وصح عنها أنها أتمت الصلاة في السفر فلم يدعوا روايتها لرأيها واحتجوا بحديث جابر وأبي موسى في الأمر بالوضوء من الضحك في الصلاة وقد صح عنهما أنهما قالا: لا وضوء من ذلك وأخذ الناس بحديث عائشة في ترك إيجاب الوضوء مما مست النار وقد صح عن عائشة بأصح إسناد إيجاب الوضوء للصلاة من أكل كل ما مست النار وأخذ الناس بأحاديث عائشة وابن عباس وأبي هريرة في المسح على الخفين وقد صح عن ثلاثتهم المنع من المسح جملة فأخذوا بروايتهم وتركوا رأيهم. واحتجوا في إسقاط القصاص عن الأب بحديث عمر لا يقتص لولد من والده وقد قال عمر: لأقصن للولد من الوالد فلم يأخذوا برأيه بل بروايته واحتجت الحنفية والمالكية في أن الخلع طلاق بحديثين لا يصحان عن ابن عباس وقد صح عن ابن عباس بأصح إسناد يكون أن الخلع فسخ لا طلاق وأخذت الحنفية بحديث لا يصح بل هو من وضع حزام بن عثمان ومبشر بن عبيد الحلبي وهو حديث جابر لا يكون صداق أقل من عشرة دراهم وقد صح عن جابر جواز النكاح بما قل أو كثر واحتجوا هم وغيرهم على المنع من بيع أمهات الأولاد بحديث ابن عباس المرفوع وقد صح عنه جواز بيعهن فقدموا روايته التي لم تثبت على فتواه الصحيحة عنه وأخذت الحنابلة وغيرهم بخبر سعيد بن المسيب عن عمر أنه ألحق الولد بأبوين وقد خالفه سعيد بن المسيب فلم يعتدوا بخلافه وقد صح عن عمر وعثمان ومعاوية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تمتع بالعمرة إلى الحج  وصح عنهم النهي عن التمتع فأخذ الناس بروايتهم وتركوا رأيهم وأخذ الناس بحديث أبي هريرة في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته وقد روى سعيد بن منصور في سننه عن أبي هريرة أنه قال: ماءان لا يجزئان في غسل الجنابة ماء البحر وماء الحمام وأخذت الحنابلة والشافعية بحديث أبي هريرة في الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب وقد صح عن أبي هريرة ما رواه سعيد بن منصور في(3\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "633",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "635",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سننه أن أبا هريرة سئل عن الحوض يلغ فيه الكلب ويشرب منه الحمار فقال: لا يحرم الماء شيء وأخذت الحنفية بحديث علي كرم الله وجهه لا زكاة فيما زاد على المائتي درهم حتى يبلغ أربعين درهما مع ضعف الحديث بالحسن بن عمارة وقد صح عن علي كرم الله وجهه أن ما زاد على المائتين ففيه الزكاة بحسابه رواه عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق السبيعي عن عاصم بن ضمرة عنه. وهذا باب يطول تتبعه وترى كثيرا من الناس إذا جاء الحديث يوافق قول من قلده وقد خالفه رواية يقول: الحجة فيما روى لا في قوله فإذا جاء قول الراوي موافقا لقول من قلده والحديث بخلافه قال: لم يكن الراوي يخالف ما رواه إلا وقد صح عنده نسخه وإلا كان قدحا في عدالته فيجمعون في كلامهم بين هذا وهذا بل قد رأينا في الباب الواحد وهذا من أقبح التناقض والذي ندين لله به ولا يسعنا غيره وهو القصد في هذا الباب أن الحديث إذا صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان لا رواية ولا غيره إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث أو لا يحضره وقت الفتيا أو لا يتفطن لدلالته على تلك المسألة أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا أو يقوم في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا في نفس الأمر أو يقلد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه ولو قدر انتفاء ذلك كله ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنه لم يكن الراوي معصوما ولم توجب مخالفته لما رواه سقوط عدالته حتى تغلب سيئاته حسناته وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك.  فصل [وجه تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأحوال] إذا عرف هذا فهذه المسألة مما تغيرت الفتوى بها بحسب الأزمنة كما عرفت لما رأته الصحابة من المصلحة لأنهم رأوا مفسدة تتابع الناس في إيقاع الثلاث لا تندفع إلا بإمضائها عليهم فرأوا مصلحة الإمضاء أقوى من مفسدة الوقوع ولم يكن باب التحليل الذي لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعله مفتوحا بوجه ما بل كانوا أشد خلق الله في المنع منه وتوعد عمر فاعله بالرجم وكانوا عالمين بالطلاق المأذون فيه وغيره وأما في هذه الأزمان التي قد شكت الفروج فيها إلى ربها من مفسدة التحليل وقبح ما يرتكبه المحللون مما هو رمد بل عمى في عين الدين وشجى في حلوق المؤمنين: من قبائح تشمت أعداء الدين به(3\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "634",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "636",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتمنع كثيرا ممن يريد الدخول فيه بسببه بحيث لا يحيط بتفاصيلها خطاب ولا يحصرها كتاب يراها المؤمنون كلهم من أقبح القبائح ويعدونها من أعظم الفضائح قد قلبت من الدين رسمه وغيرت منه اسمه وضمخ التيس المستعار فيها المطلقة بنجاسة التحليل وقد زعم أنه قد طيبها للحليل فيا لله العجب أي طيب أعارها هذا التيس الملعون وأي مصلحة حصلت لها ولمطلقها بهذا الفعل الدون أترون وقوف الزوج المطلق أو الولي على الباب والتيس الملعون قد حل إزارها وكشف النقاب وأخذ في ذلك المرتع والزوج أو الولي يناديه: لم يقدم إليك هذا الطعام لتشبع فقد علمت أنت والزوجة ونحن والشهود والحاضرون والملائكة الكاتبون ورب العالمين أنك لست معدودا من الأزواج ولا للمرأة أو أوليائها بك رضا ولا فرح ولا ابتهاج وإنما أنت بمنزلة التيس المستعار للضراب الذي لولا هذه البلوى لما رضينا وقوفك على الباب فالناس يظهرون النكاح ويعلنونه فرحا وسرورا ونحن نتواصى بكتمان هذا الداء العضال ونجعله أمرا مستورا بلا نثار ولا دف ولا خوان ولا إعلان بل التواصي بهس ومس والإخفاء والكتمان فالمرأة تنكح لدينها وحسبها ومالها وجمالها والتيس المستعار لا يسأل عن شيء من ذلك فإنه لا يمسك بعصمتها بل قد دخل على زوالها والله تعالى قد جعل كل واحد من الزوجين سكنا لصاحبه وجعل بينهما مودة ورحمة ليحصل بذلك مقصود هذا العقد العظيم وتتم بذلك المصلحة التي شرعه لأجلها العزيز الحكيم فسل التيس المستعار: هل له من ذلك نصيب أو هو من حكمة هذا العقد ومقصوده ومصلحته أجنبي غريب وسله: هل اتخذ هذه المصابة حليلة وفراشا يأوي إليه ثم سلها: هل رضيت به قط زوجا وبعلا تعول في نوائبها عليه وسل أولي التمييز والعقول: هل تزوجت فلانة بفلان وهل يعد هذا نكاحا في شرع أو عقل أو فطرة إنسان وكيف يلعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا من أمته نكح نكاحا شرعيا صحيحا ولم يرتكب في عقده محرما ولا قبيحا وكيف يشبهه بالتيس المستعار وهو من جملة المحسنين الأبرار وكيف تعير به المرأة طول دهرها بين أهلها والجيران وتظل ناكسة رأسها إذا ذكر ذلك التيس بين النسوان وسل التيس المستعار: هل حدث نفسه وقت هذا العقد الذي هو شقيق النفاق بنفقة أو كسوة أو وزن صداق وهل طمعت المصابة منه في شيء من ذلك أو حدثت نفسها به هنالك وهل طلب منها ولدا نجيبا واتخذته عشيرا وحبيبا وسل عقول العالمين وفطرهم: هل كان خير هذه الأمة أكثرهم تحليلا أو كان المحلل الذي لعنه الله ورسوله أهداهم سبيلا وسل التيس المستعار ومن ابتليت به: هل تجمل أحد منهما بصاحبه كما يتجمل الرجال بالنساء والنساء بالرجال أو كان لأحدهما(3\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "635",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "637",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رغبة في صاحبه بحسب أو مال أو جمال وسل المرأة: هل تكره أن يتزوج عليها هذا التيس المستعار أو يتسرى أو تكره أن تكون تحته امرأة غيرها أخرى أو تسأله عن ماله وصنعته أو حسن عشرته وسعة نفقته وسل التيس المستعار: هل سأل قط عما يسأله عنه من قصد حقيقة النكاح أو يتوسل إلى بيت أحمائه بالهدية والحمولة والنقد الذي يتوسل به خاطب الملاح وسله: هل هو أبو يأخذ أو أبو يعطي وهل قوله عند قراءة أبي جاد هذا العقد: خذي نفقة هذا العرس أو حطي وسله: هل تحمل من كلفة هذا العقد خذي نفقة هذا العرس أو حطي] وسله عن وليمة عرسه: هل أولم ولو بشاة وهل دعا إليها أحدا من أصحابه فقضى حقه وأتاه وسله: هل تحمل من كلفة هذا العقد ما يتحمله المتزوجون أم جاءه كما جرت به عادة الناس الأصحاب والمهنئون وهل قيل له بارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما في خير وعافية أم لعن الله المحلل والمحلل له لعنة تامة وافية . فصل ثم سل من له أدنى اطلاع على أحوال الناس: كم من حرة مصونة أنشب فيها المحلل مخالب إرادته فصارت له بعد الطلاق من الأخدان وكان بعلها منفردا بوطئها فإذا هو والمحلل فيها ببركة التحليل شريكان فلعمر الله كم أخرج التحليل مخدرة من سترها إلى البغاء وألقاها بين براثن العشراء والحرفاء ولولا التحليل لكان منال الثريا دون منالها والتدرع بالأكفان دون التدرع بجمالها وعناق القنا دون عناقها والأخذ بذراع الأسد دون الأخذ بساقها وسل أهل الخبرة: كم عقد المحلل على أم وابنتها وكم جمع ماءه في أرحام ما زاد على الأربع وفي رحم الأختين وذلك محرم باطل في المذهبين وهذه المفسدة في كتب مفاسد التحليل لا ينبغي أن تفرد بالذكر وهي كموجة واحدة من الأمواج ومن يستطيع عد أمواج البحر  وكم من امرأة كانت قاصرة الطرف على بعلها فلما ذاقت عسيلة المحلل خرجت على وجهها فلم يجتمع شمل الإحصان والعفة بعد ذلك بشملها وما كان هذا سبيله فكيف يحتمل أكمل الشرائع وأحكمها تحليله فصلوات الله وسلامه على من صرح بلعنته وسماه بالتيس المستعار من بين فساق أمته كما شهد به علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وعبد الله بن مسعود وأبو هريرة وجابر بن عبد الله وعقبة بن عامر وعبد الله بن عباس وأخبر عبد الله بن عمر أنهم كانوا يعدونه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سفاحا. أما ابن مسعود ففي مسند الإمام أحمد وسنن النسائي وجامع الترمذي عنه قال: لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المحلل والمحلل له قال الترمذي: حديث حسن صحيح وقال سفيان(3\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "636",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "638",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثوري: حدثني أبو قيس الأودي عن هزيل بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود قال: لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الواشمة والمستوشمة والواصلة والموصولة والمحلل والمحلل له وآكل الربا وموكله ورواه النسائي والإمام أحمد وروى الترمذي عنه لعن المحلل وصححه ثم قال: والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وهو قول الفقهاء من التابعين ورواه الإمام أحمد من حديث أبي الواصل عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لعن المحلل والمحلل له  وفي مسند الإمام أحمد والنسائي من حديث الأعمش عن عبد الله بن مرة عن الحارث عن ابن مسعود قال: آكل الربا وموكله وشاهداه وكاتبه إذا علموا به والواصلة والمستوشمة ولاوي الصدقة والمعتدي فيها والمرتد على عقبيه أعرابيا بعد هجرته ملعونون على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة . وأما حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ففي المسند وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجه من حديث الشعبي عن الحارث عن علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لعن المحلل والمحلل له . وأما حديث أبي هريرة ففي المسند للإمام أحمد ومسند أبي بكر بن أبي شيبة من حديث عثمان بن الأخنسي عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لعن الله المحلل والمحلل له قال يحيى بن معين: عثمان بن الأخنسي ثقة والذي رواه عنه عبد الله بن جعفر المخرمي ثقة من رجال مسلم وثقه أحمد ويحيى وعلي وغيرهم فالإسناد جيد وفي كتاب العلل للترمذي: ثنا محمد بن يحيى ثنا معلى بن منصور عن عبد الله بن جعفر المخرمي عن عثمان بن محمد الأخنسي عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعن المحلل والمحلل له قال الترمذي: سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن وعبد الله بن جعفر المخرمي صدوق وعثمان بن محمد الأخنسي ثقة وكنت أظن أن عثمان لم يسمع من سعيد المقبري وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذا إسناد جيد. وأما حديث جابر بن عبد الله ففي جامع الترمذي من حديث مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعن المحلل والمحلل له ومجالد وإن كان غيره أقوى منه فحديثه شاهد ومقو. وأما حديث عقبة بن عامر ففي سنن ابن ماجه عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ألا أخبركم بالتيس المستعار قالوا: بلى يا رسول الله. قال: هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له رواه الحاكم في صحيحه من حديث الليث بن(3\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "637",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "639",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سعد عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر فذكره وقد أعل هذا الحديث بثلاث علل إحداها: أن أبا حاتم البستي ضعف مشرح بن هاعان.  والعلة الثانية ما حكاه الترمذي في كتاب العلل عن البخاري فقال: سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن حديث عبد الله بن صالح حدثني الليث عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ألا أخبركم بالتيس المستعار هو المحلل والمحلل له ولعن الله المحلل والمحلل له فقال: عبد الله بن صالح لم يكن أخرجه في أيامنا ما أرى الليث سمعه من مشرح بن هاعان لأن حيوة يروي عن بكر بن عمرو عن مشرح. والعلة الثالثة: ما ذكرها الجوزجاني في ترجمته فقال: كانوا ينكرون على عثمان هذا الحديث إنكارا شديدا فأما العلة الأولى فقال محمد بن عبد الواحد المقدسي: مشرح قد وثقه يحيى بن معين في رواية عثمان بن سعيد وابن معين أعلم بالرجال من ابن حبان قلت: وهو صدوق عند الحفاظ لم يتهمه أحد ألبتة ولا أطلق عليه أحد من أهل الحديث قط أنه ضعيف ولا ضعفه ابن حبان وإنما يقال: يروي عن عقبة بن عامر مناكير لا يتابع عليها فالصواب ترك ما انفرد به وانفرد ابن حبان من بين أهل الحديث بهذا القول فيه وأما العلة الثانية فعبد الله بن صالح قد صرح بأنه سمعه من الليث وكونه لم يخرجه وقت اجتماع البخاري به لا يضره شيئا وأما قوله: quot; إن حيوة يروي عن بكر بن عمرو بن شريح المصري عن مشرح quot; فإنه يريد [به] أن حيوة من أقران الليث أو أكبر منه وإنما روى عن بكر بن عمرو عن مشرح وهذا تعليل قوي ويؤكده أن الليث قال quot; قال مشرح quot; ولم يقل حدثنا وليس بلازم فإن الليث كان معاصرا لمشرح وهو في بلده وطلب الليث العلم وجمعه لم يمنعه أن لا يسمع من مشرح حديثه عن عقبة بن عامر وهو معه في البلد. وأما التعليل الثالث فقال شيخ الإسلام: إنكار من أنكر هذا الحديث على عثمان غير جيد وإنما هو لتوهم انفراده به عن الليث وظنهم أنه لعله أخطأ فيه حيث لم يبلغهم عن غيره من أصحاب الليث كما قد يتوهم بعض من يكتب الحديث أن الحديث إذا انفرد به عن الرجل من ليس بالمشهور من أصحابه كان ذلك شذوذا فيه وعلة قادحة وهذا لا يتوجه ههنا لوجهين: أحدهما: أنه قد تابعه عليه أبو صالح كاتب الليث عنه رويناه من حديث أبي بكر القطيعي ثنا جعفر بن محمد الفريابي حدثني العباس المعروف بأبي فريق ثنا أبو صالح حدثني الليث به فذكره ورواه أيضا الدارقطني في سننه: ثنا أبو بكر الشافعي ثنا إبراهيم بن الهيثم أخبرنا أبو صالح فذكره. الثاني: أن عثمان بن صالح هذا المصري نفسه روى عنه البخاري في صحيحه وروى عنه ابن معين وأبو حاتم الرازي وقال: هو شيخ صالح سليم التأدية قيل(3\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "638",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "640",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له: كان يلقن قال: لا ومن كان بهذه المثابة كان ما ينفرد به حجة وإنما الشاذ ما خالف به الثقات لا ما انفرد به عنهم فكيف إذا تابعه مثل أبي صالح وهو كاتب الليث وأكثر الناس حديثا عنه وهو ثقة أيضا وإن كان قد وقع في بعض حديثه غلط ومشرح بن هاعان قال فيه ابن معين: ثقة وقال فيه الإمام أحمد: هو معروف فثبت أن هذا الحديث حديث جيد وإسناده حسن انتهى. قال الشافعي: ليس الشاذ أن ينفرد الثقة عن الناس بحديث إنما الشاذ أن يخالف ما رواه الثقات. وأما حديث عبد الله بن عباس فرواه ابن ماجه في سننه عنه قال: لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المحلل والمحلل له وفي إسناده زمعة بن صالح وقد ضعفه قوم ووثقه آخرون وأخرج له مسلم في صحيحه مقرونا بآخر وعن ابن معين فيه روايتان. وأما حديث عبد الله بن عمر ففي صحيح الحاكم من حديث ابن أبي مريم حدثنا أبو غسان عن عمرو بن نافع عن أبيه قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا فتزوجها أخ له من غير مؤامرة بينه ليحلها لأخيه: هل تحل للأول قال: لا إلا نكاح رغبة كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقال سعيد في سننه: ثنا محمد بن نشيط البصري قال: قال بكر بن عبد الله المزني: لعن المحلل والمحلل له وكان يسمى في الجاهلية التيس المستعار وعن الحسن البصري قال: كان المسلمون يقولون: هذا التيس المستعار. فصل فسل هذا التيس: هل دخل في قوله تعالى: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة [الروم: 21] وهل دخل في قوله تعالى: وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله [النور: 32] وهل دخل في قوله - صلى الله عليه وسلم -: من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج وهل دخل في قوله - صلى الله عليه وسلم -: تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة وهل دخل في قوله - صلى الله عليه وسلم -: أربع من سنن المرسلين: النكاح والتعطر والختان وذكر الرابعة وهل دخل في قوله - صلى الله عليه وسلم -: النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني وهل دخل في قول ابن عباس: خير هذه الأمة أكثرها نساء وهل له نصيب من قوله - صلى الله عليه وسلم -: ثلاثة حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف والمكاتب يريد الأداء وذكر الثالث أم حق على الله لعنته تصديقا لرسوله فيما أخبر عنه وسله: هل يلعن الله ورسوله من يفعل مستحبا أو جائزا أو مكروها أو صغيرة أم لعنته مختصة بمن ارتكب كبيرة أو ما هو(3\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "639",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "641",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أعظم منها كما قال ابن عباس: كل ذنب ختم بلعنة أو غضب أو عذاب أو نار فهو كبيرة وسله: هل كان في الصحابة محلل واحد أو أقر رجل منهم على التحليل وسله لأي شيء قال عمر بن الخطاب: لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما. وسله: كيف تكون المتعة حراما نصا مع أن المستمتع له غرض في نكاح الزوجة إلى وقت لكن لما كان غير داخل على النكاح المؤبد كان مرتكبا للمحرم فكيف يكون نكاح المحلل الذي إنما قصده أن يمسكها ساعة من زمان أو دونها ولا غرض له في النكاح ألبتة بل قد شرط انقطاعه وزواله إذا أخبثها بالتحليل فكيف يجتمع في عقل أو شرع تحليل هذا وتحريم المتعة هذا مع أن المتعة أبيحت في أول الإسلام وفعلها الصحابة وأفتى بها بعضهم بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - ونكاح المحلل لم يبح في ملة من الملل قط ولم يفعله أحد من الصحابة ولا أفتى به واحد منهم وليس الغرض بيان تحريم هذا العقد وبطلانه وذكر مفاسده وشره فإنه يستدعي سفرا ضخما نختصر فيه الكلام وإنما المقصود أن هذا شأن التحليل عند الله ورسوله وأصحاب رسوله فألزمهم عمر بالطلاق الثلاث إذا جمعوها ليكفوا عنه إذا علموا أن المرأة تحرم به وأنه لا سبيل إلى عودها بالتحليل فلما تغير الزمان وبعد العهد بالسنة وآثار القوم وقامت سوق التحليل ونفقت في الناس فالواجب أن يرد الأمر إلى ما كان عليه في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وخليفته من الإفتاء بما يعطل سوق التحليل أو يقللها ويخفف شرها وإذا عرض على من وفقه الله وبصره بالهدى وفقهه في دينه مسألة كون الثلاث واحدة ومسألة التحليل ووازن بينهما تبين له التفاوت وعلم أي المسألتين أولى بالدين وأصلح للمسلمين. فهذه حجج المسألتين قد عرضت عليك وقد أهديت إن قبلتها إليك وما أظن عمى التقليد إلا يزيد الأمر على ما هو عليه ولا يدع التوفيق يقودك اختيارا إليه وإنما أشرنا إلى المسألتين إشارة تطلع العالم على ما وراءها وبالله التوفيق. فصل فقد تبين لك أمر مسألة من المسائل التي تمنع التحليل أفتى بها المفتي وقد قال بها بعض أهل العلم فهي خير من التحليل حتى لو أفتى المفتي بحلها بمجرد العقد من غير وطء لكان أعذر عند الله من أصحاب التحليل وإن اشترك كل منهما في مخالفة النص فإن النصوص المانعة من التحليل المصرحة بلعن فاعله كثيرة جدا والصحابة والسلف مجمعون عليها والنصوص المشترطة للدخول لا تبلغ مبلغها وقد اختلف فيها التابعون(3\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "640",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "642",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فمخالفتها أسهل من مخالفة أحاديث التحليل والحق موافقة جميع النصوص وأن لا يترك منها شيء وتأمل كيف كان الأمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعهد أبي بكر الصديق من كون الثلاث واحدة والتحليل ممنوع منه ثم صار في بقية خلافة عمر الثلاث ثلاث والتحليل ممنوع منه وعمر من أشد الصحابة فيه وكلهم على مثل قوله فيه ثم صار في هذه الأزمنة التحليل كثيرا مشهورا والثلاث ثلاثا. وعلى هذا فيمتنع في هذه الأزمنة معاقبة الناس بما عاقبهم به عمر من وجهين: أحدهما: أن أكثرهم لا يعلم أن جمع الثلاث حرام لا سيما وكثير من الفقهاء لا يرى تحريمه فكيف يعاقب من لم يرتكب محرما عند نفسه الثاني: أن عقوبتهم بذلك تفتح عليهم باب التحليل الذي كان مسدودا على عهد الصحابة والعقوبة إذا تضمنت مفسدة أكثر من الفعل المعاقب عليه كان تركها أحب إلى الله ورسوله ولو فرضنا أن التحليل مما أباحته الشريعة ومعاذ الله لكان المنع منه إذا وصل إلى هذا الحد الذي قد تفاحش قبحه من باب سد الذرائع وتعين على المفتين والقضاة المنع منه جملة وإن فرض أن بعض أفراده جائز إذ لا يستريب أحد في أن الرجوع إلى ما كان عليه الصحابة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر الصديق وصدر من خلافة عمر أولى من الرجوع إلى التحليل والله الموفق.  [فصل موجبات الأيمان والإقرار والنذور وغيرها] فصل [موجبات الأيمان والأقارير والنذور] المثال الثامن: مما تتغير به الفتوى لتغير العرف والعادة: موجبات الأيمان والإقرار والنذور وغيرها فمن ذلك أن الحالف إذا حلف quot; لا ركبت دابة quot; وكان في بلد عرفهم في لفظ الدابة الحمار خاصة اختصت يمينه به ولا يحنث بركوب الفرس ولا الجمل وإن كان عرفهم في لفظ الدابة الفرس خاصة حملت يمينه عليها دون الحمار وكذلك إن كان الحال ممن عادته ركوب نوع خاص من الدواب كالأمراء ومن جرى مجراهم حملت يمينه على ما اعتاده من ركوب الدواب فيفتى في كل بلد بحسب عرف أهله. ويفتى كل أحد بحسب عادته وكذلك إذا حلف quot; لا أكلت رأسا quot; في بلد عادتهم أكل رءوس الضأن خاصة لم يحنث بأكل رءوس الطير والسمك ونحوها وإن كان عادتهم أكل رءوس السمك حنث بأكل رءوسها وكذلك إذا حلف لا اشتريت كذا ولا بعته ولا حرثت هذه الأرض ولا زرعتها ونحو ذلك وعادته أن لا يباشر ذلك بنفسه كالملوك حنث قطعا بالإذن والتوكيل فيه فإنه(3\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "641",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "643",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفس ما حلف عليه. وإن كان عادته مباشرة ذلك بنفسه كآحاد الناس فإن قصد منع نفسه من المباشرة لم يحنث بالتوكيل وإن قصد عدم الفعل والمنع منه جملة حنث بالتوكيل وإن أطلق اعتبر سبب اليمين وبساطها وما هيجها وعلى هذا إذا أقر الملك أو أغنى أهل البلد لرجل بمال كثير لم يقبل تفسيره بالدرهم والرغيف ونحوه مما يتمول فإن أقر به فقير يعد عنده الدرهم والرغيف كثيرا قبل منه وعلى هذا إذا قيل له: جاريتك أو عبدك يرتكبان الفاحشة فقال: ليس كذلك بل هما حران لا أعلم عليهما فاحشة فالحق المقطوع به أنهما لا يعتقان بذلك لا في الحكم ولا فيما بينه وبين الله تعالى فإنه لم يرد ذلك قطعا. واللفظ مع القرائن المذكورة ليس صريحا في العتق ولا ظاهرا فيه بل ولا محتملا له فإخراج عبده أو أمته عن ملكه بذلك غير جائز ومن ذلك ما أخبرني به بعض أصحابنا أنه قال لامرأته: إن أذنت لك في الخروج إلى الحمام فأنت طالق فتهيأت للخروج إلى الحمام فقال لها: اخرجي وابصري فاستفتى بعض الناس فأفتوه بأنها قد طلقت منه فقال للمفتي: بأي شيء أوقعت علي الطلاق قال: بقولك لها اخرجي فقال: إني لم أقل لها ذلك إذنا وإنما قلته تهديدا أي: إنك لا يمكنك الخروج. وهذا كقوله تعالى: اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير [فصلت: 40] فهل هذا إذن لهم أن يعملوا ما شاءوا فقال: لا أدري أنت لفظت بالإذن فقال له: ما أردت الإذن فلم يفقه المفتي هذا وغلظ حجابه عن إدراكه وفرق بينه وبين امرأته بما لم يأذن به الله ورسوله ولا أحد من أئمة الإسلام. وليت شعري هل يقول هذا المفتي: إن قوله تعالى: فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر [الكهف: 29] إذن له في الكفر وهؤلاء أبعد الناس عن الفهم عن الله ورسوله وعن المطلقين مقاصدهم. ومن هذا إذا قال العبد لسيده وقد استعمله في عمل يشق عليه: أعتقني من هذا العمل فقال: أعتقتك ولم ينو إزالة ملكه عنه لم يعتق بذلك وكذلك إذا قال عن امرأته: هذه أختي ونوى أختي في الدين لم تحرم بذلك ولم يكن مظاهرا. والصريح لم يكن موجبا لحكمه لذاته. وإنما أوجبه لأنا نستدل على قصد المتكلم به لمعناه لجريان اللفظ على لسانه اختيارا فإذا ظهر قصده بخلاف معناه لم يجز أن يلزم بما لم يرده ولا التزمه ولا خطر بباله بل إلزامه بذلك جناية على الشرع وعلى المكلف والله سبحانه وتعالى رفع المؤاخذة عن المتكلم بكلمة الكفر مكرها لما لم يقصد معناها ولا نواها فكذلك المتكلم بالطلاق والعتاق والوقف واليمين والنذر مكرها لا يلزمه شيء من ذلك لعدم نيته وقصده وقد أتى باللفظ الصريح فعلم أن اللفظ إنما يوجب معناه لقصد المتكلم به والله تعالى رفع المؤاخذة عمن حدث نفسه بأمر بغير تلفظ أو(3\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "642",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "644",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عمل كما رفعها عمن تلفظ باللفظ من غير قصد لمعناه ولا إرادة ولهذا لا يكفر من جرى على لسانه لفظ الكفر سبقا من غير قصد لفرح أو دهش وغير ذلك كما في حديث الفرح الإلهي بتوبة العبد وضرب مثل ذلك بمن فقد راحلته عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة فأيس منها ثم وجدها فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك: quot; أخطأ من شدة الفرح quot; ولم يؤاخذ بذلك وكذلك إذا أخطأ من شدة الغضب لم يؤاخذ بذلك ومن هذا قوله تعالى: ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم [يونس: 11] قال السلف: هو دعاء الإنسان على نفسه وولده وأهله في حال الغضب ولو استجابه الله تعالى لأهلكه وأهلك من يدعو عليه ولكنه لا يستجيبه لعلمه بأن الداعي لم يقصده.  [فصل الطلاق حال الغضب] [حكم الطلاق حال الغضب] ومن هذا رفعه - صلى الله عليه وسلم - حكم الطلاق عمن طلق في إغلاق وقال الإمام أحمد في رواية حنبل: هو الغضب وكذلك فسره أبو داود وهو قول القاضي إسماعيل بن إسحاق أحد أئمة المالكية ومقدم فقهاء أهل العراق منهم وهي عنده من لغو اليمين أيضا فأدخل يمين الغضبان في لغو اليمين وفي يمين الإغلاق وحكاه شارح أحكام عبد الحق عنه وهو ابن بزيزة الأندلسي قال: وهذا قول علي وابن عباس وغيرهما من الصحابة إن الأيمان المنعقدة كلها في حال الغضب لا تلزم وفي سنن الدارقطني بإسناد فيه لين من حديث ابن عباس يرفعه: لا يمين في غضب ولا عتاق فيما لا يملك وهو وإن لم يثبت رفعه فهو قول ابن عباس وقد فسر الشافعي: لا طلاق في إغلاق بالغضب وفسره به مسروق فهذا مسروق والشافعي وأحمد وأبو داود والقاضي إسماعيل كلهم فسروا الإغلاق بالغضب وهو من أحسن التفسير لأن الغضبان قد أغلق عليه باب القصد بشدة غضبه وهو كالمكره بل الغضبان أولى بالإغلاق من المكره لأن المكره قد قصد رفع الشر الكثير بالشر القليل الذي هو دونه فهو قاصد حقيقة ومن هنا أوقع عليه الطلاق من أوقعه وأما الغضبان فإن انغلاق باب القصد والعلم عنه كانغلاقه عن السكران والمجنون فإن الغضب غول العقل يغتاله كما يغتاله الخمر بل أشد وهو شعبة من الجنون ولا يشك فقيه النفس في أن هذا لا يقع طلاقه ولهذا قال حبر الأمة الذي دعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالفقه في الدين: إنما الطلاق عن وطر ذكره البخاري في صحيحه أي عن غرض من المطلق في وقوعه وهذا من كمال فقهه - رضي الله عنه - وإجابة الله دعاء رسوله له إذا الألفاظ إنما يترتب عليها موجباتها لقصد اللافظ بها ولهذا لم يؤاخذنا الله باللغو في أيماننا ومن اللغو ما قالته أم المؤمنين عائشة وجمهور السلف أنه قول الحالف: لا والله وبلى والله في عرض كلامه(3\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "643",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "645",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من غير عقد اليمين. وكذلك لا يؤاخذ الله باللغو في أيمان الطلاق كقول الحالف في عرض كلامه: علي الطلاق لا أفعل والطلاق يلزمني لا أفعل من غير قصد لعقد اليمين بل إذا كان اسم الرب جل جلاله لا ينعقد به يمين اللغو فيمين الطلاق أولى ألا ينعقد ولا يكون أعظم حرمة من الحلف بالله وهذا أحد القولين من مذهب أحمد وهو الصواب وتخريجه على نص أحمد صحيح فإنه نص على اعتبار الاستثناء في يمين الطلاق لأنها عنده يمين ونص على أن اللغو أن يقول: لا والله وبلى والله من غير قصد لعقد اليمين وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم وصح عنه أنه قال: أفلح وأبيه إن صدق ولا تعارض بينهما ولم يعقد النبي - صلى الله عليه وسلم - اليمين بغير الله قط وقد قال حمزة للنبي - صلى الله عليه وسلم -: هل أنتم إلا عبيد لأبي وكان نشوانا من الخمر فلم يكفره بذلك  وكذلك الصحابي الذي قرأ: (قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون) وكان ذلك قبل تحريم الخمر ولم يعد بذلك كافرا لعدم القصد وجريان اللفظ على اللسان من غير إرادة لمعناه فإياك أن تهمل قصد المتكلم ونيته وعرفه فتجني عليه وعلى الشريعة وتنسب إليها ما هي بريئة منه وتلزم الحالف والمقر والناذر والعاقد ما لم يلزمه الله ورسوله به ففقيه النفس يقول: ما أردت ونصف الفقيه يقول: ما قلت فاللغو في الأقوال نظير الخطأ والنسيان في الأفعال وقد رفع الله المؤاخذة بهذا وهذا كما قال المؤمنون: quot; ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا quot; فقال ربهم تبارك وتعالى: قد فعلت.  [فصل اليمين بالطلاق والعتاق] فصل [اليمين بالطلاق وتعليق الطلاق على الشرط] ومن هذا الباب اليمين بالطلاق والعتاق فإن إلزام الحالف بهما إذا حنث بطلاق زوجته وعتق عبده مما حدث الإفتاء به بعد انقراض عصر الصحابة فلا يحفظ عن صحابي في صيغة القسم إلزام الطلاق به أبدا وإنما المحفوظ إلزام الطلاق بصيغة الشرط والجزاء الذي قصد به الطلاق عند وجود الشرط كما في صحيح البخاري عن نافع قال: طلق رجل امرأته ألبتة إن خرجت فقال ابن عمر: إن خرجت فقد بانت منه وإن لم تخرج فليس بشيء فهذا لا ينازع فيه إلا من يمنع وقوع الطلاق المعلق بالشرط مطلقا وأما من يفصل بين القسم المحض والتعليق الذي يقصد به الوقوع فإنه يقول بالآثار المروية عن الصحابة كلها في هذا الباب فإنهم صح عنهم الإفتاء بالوقوع في صور وصح عنهم عدم الوقوع في صور والصواب ما أفتوا به في النوعين ولا يؤخذ ببعض فتاويهم ويترك بعضها فأما(3\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "644",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "646",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوقوع فالمحفوظ عنهم ما ذكره البخاري عن ابن عمر وما رواه الثوري عن الزبير بن عربي عن إبراهيم عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في رجل قال لامرأته: إن فعلت كذا وكذا فهي طالق ففعلته قال: هي واحدة وهو أحق بها على أنه منقطع وكذلك ما ذكره البيهقي وغيره عن ابن عباس في رجل قال لامرأته: هي طالق إلى سنة قال: يستمتع بها إلى سنة ومن هذا قول أبي ذر لامرأته وقد ألحت عليه في سؤاله عن ليلة القدر فقال: إن عدت سألتني فأنت طالق. وههنا نكتة لطيفة يحسن التنبيه عليها وهي أن أبا ذر سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ليلة القدر وألح عليه حتى قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - في آخر مسألته: التمسوها في العشر الأواخر ولا تسألني عن شيء بعد هذا ثم حدث النبي - صلى الله عليه وسلم - وحدث قال: فاهتبلت غفلته فقلت: أقسمت عليك يا رسول الله بحقي عليك لتحدثني في أي العشر هي قال: فغضب علي غضبا ما غضب علي من قبل ولا من بعد ثم قال: التمسوها في السبع الأواخر ولا تسألني عن شيء بعد ذكره النسائي والبيهقي فأصاب أبا ذر من امرأته وإلحاحها عليه ما أوجب غضبه وقال: إن عدت سألتني فأنت طالق. فهذه جميع الآثار المحفوظة عن الصحابة في وقوع الطلاق المعلق. وأما الآثار عنهم في خلافه فصح عن عائشة وابن عباس وحفصة وأم سلمة فيمن حلفت بأن كل مملوك لها حر إن لم تفرق بين عبدها وبين امرأته أنها تكفر عن يمينها ولا تفرق بينهما قال الأثرم في سننه: ثنا عارم بن الفضل ثنا معمر بن سليمان قال: قال أبي: ثنا بكر بن عبد الله قال أخبرني أبو رافع قال: قالت مولاتي ليلى بنت العجماء: كل مملوك لها محرر وكل مال لها هدي وهي يهودية وهي نصرانية إن لم تطلق امرأتك أو تفرق بينك وبين امرأتك قال: فأتيت زينب بنت أم سلمة وكانت إذا ذكرت امرأة بالمدينة فقيهة ذكرت زينب قال: فأتيتها فجاءت معي إليها فقالت في البيت هاروت وماروت فقالت: يا زينب جعلني الله فداك إنها قالت: إن كل مملوك لها محرر وكل مال لها هدي وهي يهودية وهي نصرانية. فقالت: يهودية ونصرانية خل بين الرجل وامرأته فأتيت حفصة أم المؤمنين فأرسلت إليها فأتتها فقالت: يا أم المؤمنين جعلني الله فداك إنها قالت: كل مملوك لها محرر وكل مال لها هدي وهي يهودية ونصرانية فقالت: يهودية ونصرانية خل بين الرجل وامرأته قالت: فأتيت عبد الله بن عمر فجاء معي إليها فقام معي على الباب فسلم فقالت: بيبى أنت وبيبى أبوك فقال: أمن حجارة أنت أم من حديد أنت أم أي(3\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "645",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "647",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شيء أنت أفتتك زينب وأفتتك أم المؤمنين فلم تقبلي فتياهما فقالت: يا أبا عبد الرحمن جعلني الله فداك إنها قالت: كل مملوك لها حر وكل مال لها هدي وهي يهودية وهي نصرانية فقال: يهودية ونصرانية كفري عن يمينك وخلي بين الرجل وامرأته. وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني في المترجم له: ثنا صفوان بن صالح ثنا عمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي قال: حدثني حسن بن الحسن قال: حدثني بكر بن عبد الله المزني قال: حدثني رفيع قال: كنت أنا وامرأتي مملوكين لامرأة من الأنصار فحلفت بالهدي والعتاقة أن تفرق بيننا فأتيت امرأة من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت لها ذلك فأرسلت إليها أن كفري عن يمينك فأبت ثم أتيت زينب وأم سلمة فذكرت ذلك لهما فأرسلتا إليها أن كفري عن يمينك فأبت فأتيت ابن عمر فذكرت ذلك له فأرسل إليها ابن عمر: أن كفري عن يمينك فأبت فقام ابن عمر فأتاها فقال: أرسلت إليك فلانة زوجة النبي - صلى الله عليه وسلم - وزينب أن تكفري عن يمينك فأبيت قالت: يا أبا عبد الرحمن إني حلفت بالهدي والعتاقة قال: وإن كنت قد حلفت بهما. وقال الدارقطني: ثنا أبو بكر النيسابوري ثنا محمد بن يحيى بن عبد الله الأنصاري ثنا أشعث ثنا بكر بن عبد الله المزني عن أبي رافع أن مولاة له أرادت أن تفرق بينه وبين امرأته فقالت: هي يوما يهودية ويوما نصرانية وكل مملوك لها حر إن لم تفرق بينهما فسألت عائشة وابن عباس وحفصة وأم سلمة - رضي الله عنهم - فكلهم قالوا لها: أتريدين أن تكفري مثل هاروت وماروت فأمروها أن تكفر عن يمينها وتخلي بينهما. وقد رواه البيهقي من طريق الأنصاري: ثنا أشعث ثنا بكر عن أبي رافع أن مولاته أرادت أن تفرق بينه وبين امرأته فقالت: هي يوما يهودية ويوما نصرانية وكل مملوك لها حر وكل مال لها في سبيل الله وعليها المشي إلى بيت الله إن لم تفرق بينهما فسألت عائشة وابن عمر وابن عباس وحفصة وأم سلمة فكلهم قالوا لها: أتريدين أن تكفري مثل هاروت وماروت وأمروها أن تكفر عن يمينها وتخلي بينهما. رواه روح والأنصاري واللفظ له وحديث روح مختصر وقال النضر بن شميل: ثنا أشعث عن بكر بن عبد الله عن أبي رافع عن ابن عمر وعائشة وأم سلمة في هذه القصة قالوا: تكفر يمينها وقال يحيى بن سعيد القطان عن سليمان التيمي ثنا بكر بن عبد الله عن أبي رافع أن ليلى بنت العجماء مولاته قالت: هي يهودية وهي نصرانية وكل مملوك لها حر وكل مال لها هدي إن لم يطلق امرأته إن لم تفرق بينهما فذكر القصة وقال: فأتيت ابن عمر فجاء معي فقام بالباب فلما سلم قالت: بأبي أنت وأبوك فقال: أمن حجارة أنت أم من حديد أتتك زينب وأرسلت(3\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "646",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "648",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليك حفصة قالت: قد حلفت بكذا وكذا قال: كفري عن يمينك وخلي بين الرجل وامرأته. فقد تبين بسياق هذه الطرق انتفاء العلة التي أعل بها حديث ليلى هذا وهي تفرد التيمي فيه بذكر العتق كذا قال الإمام أحمد: quot; لم يقل: وكل مملوك لها حر إلا التيمي quot; وبرئ التيمي من عهدة التفرد وقاعدة الإمام أحمد أن ما أفتى به الصحابة لا يخرج عنه إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه فعلى أصله الذي بنى مذهبه عليه يلزمه القول بهذا الأثر لصحته وانتفاء علته. فإن قيل: للحديث علة أخرى وهي التي منعت الإمام أحمد من القول به وقد أشار إليها في رواية الأثرم فقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول في حديث ليلى بنت العجماء حين حلفت بكذا وكذا وكل مملوك لها حر فأفتيت بكفارة يمين فاحتج بحديث ابن عمر وابن عباس حين أفتيا فيمن حلف بعتق جاريته وأيمان فقال: أما الجارية فتعتق. قلت: يريد بهما ما رواه معمر عن إسماعيل بن أمية عن عثمان بن أبي حاضر قال: حلفت امرأة من آل ذي أصبح فقالت مالها في سبيل الله وجاريتها حرة إن لم تفعل كذا وكذا لشيء يكرهه زوجها فحلف زوجها أن لا تفعله فسأل عن ذلك ابن عباس وابن عمر فقالا: أما الجارية فتعتق وأما قولها: quot; مالي في سبيل الله quot; فتتصدق بزكاة مالها فقيل: لا ريب أنه قد روي عن ابن عمر وابن عباس ذلك ولكنه أثر معلول تفرد به عثمان هذا وحديث ليلى بنت العجماء أشهر إسنادا وأصح من حديث عثمان فإن رواته حفاظ أئمة وقد خالفوا عثمان وأما ابن عباس فقد روي عنه خلاف ما رواه عثمان فيمن حلف بصدقة ماله قال: يكفر يمينه وغاية هذا الأثر إن صح أن يكون عن ابن عمر روايتان ولم يختلف على عائشة وزينب وحفصة وأم سلمة قال أبو محمد بن حزم: وصح عن ابن عمر وعائشة وأم سلمة أمي المؤمنين وعن ابن عمر أنهم جعلوا في قول ليلى بنت العجماء: quot; كل مملوك لها حر وكل مال لها هدي وهي يهودية ونصرانية إن لم تطلق امرأتك quot; كفارة يمين واحدة فإذا صح هذا عن الصحابة لم يعلم لهم مخالف سوى هذا الأثر المعلول أثر عثمان بن أبي حاضر] في قول الحالف عبده حر إن فعل أنه يجزيه كفارة يمين وإن لم يلزموه بالعتق المحبوب إلى الله تعالى فأن لا يلزموه بالطلاق البغيض إلى الله أولى وأحرى كيف وقد أفتى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه السلام - الحالف بالطلاق أنه لا شيء عليه ولم يعرف له في الصحابة مخالف قاله عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن علي التيمي المعروف بابن بزيزة في شرحه لأحكام عبد الحق.(3\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "647",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "649",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[حكم اليمين بالطلاق أو الشك فيه] الباب الثالث في حكم اليمين بالطلاق أو الشك فيه وقد قدمنا في كتاب الأيمان اختلاف العلماء في اليمين بالطلاق والعتق والمشي وغير ذلك: هل يلزم أم لا فقال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه وشريح وطاوس: لا يلزم من ذلك شيء ولا يقضي بالطلاق على من حلف به بحنث ولا يعرف لعلي في ذلك مخالف من الصحابة هذا لفظه بعينه فهذه فتوى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحلف بالعتق والطلاق وقد قدمنا فتاويهم في وقوع الطلاق المعلق بالشرط ولا تعارض بين ذلك فإن الحالف لم يقصد وقوع الطلاق. وإنما قصد منع نفسه بالحلف مما لا يريد وقوعه فهو كما لو خص منع نفسه بالتزام التطليق والإعتاق والحج والصوم وصدقة المال وكما لو قصد منع نفسه بالتزام ما يكرهه من الكفر فإن كراهته لذلك كله وإخراجه مخرج اليمين بما لا يريد وقوعه منع من ثبوت حكمه وهذه علة صحيحة فيجب طردها في الحلف بالعتق والطلاق إذ لا فرق ألبتة والعلة متى تخصصت بدون فوات شرط أو وجود مانع دل ذلك على فسادها كيف والمعنى الذي منع لزوم الحج والصدقة والصوم بل لزوم الإعتاق والتطليق بل لزوم اليهودية والنصرانية هو في الحلف بالطلاق أولى أما العبادات المالية والبدنية فإذا منع لزومها قصد اليمين وعدم قصد وقوعها فالطلاق أولى وكل ما يقال في الطلاق فهو بعينه في صور الإلزام سواء بسواء وأما الحلف بالتزام التطليق والإعتاق فإذا كان قصد اليمين قد منع ثلاثة أشياء وهي وجوب التطليق وفعله وحصول أثره وهو الطلاق فلأن يقوى على منع واحد من الثلاثة وهو وقوع الطلاق وحده أولى وأحرى وأما الحلف بالتزام الكفر الذي يحصل بالنية تارة وبالفعل تارة وبالقول تارة وبالشك تارة ومع هذا فقصد اليمين منع من وقوعه فلأن يمنع من وقوع الطلاق أولى وأحرى وإذا كان العتق الذي هو أحب الأشياء إلى الله ويسري في ملك الغير وله من القوة وسرعة النفوذ ما ليس لغيره ويحصل بالملك والفعل قد منع قصد اليمين من وقوعه كما أفتى به الصحابة فالطلاق أولى وأحرى بعدم الوقوع وإذا كانت اليمين بالطلاق قد دخلت في قول المكلف: quot; أيمان المسلمين تلزمني quot; عند من ألزمه بالطلاق فدخولها في قول رب العالمين: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم [التحريم: 2] أولى وأحرى وإذا دخلت في قول الحالف: quot; إن حلفت يمينا فعبدي حر quot;. فدخولها في(3\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "648",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "650",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير أولى وأحرى وإذا دخلت في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: من حلف فقال إن شاء الله فإن شاء فعل وإن شاء ترك فدخولها في قوله من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه أولى وأحرى فإن الحديث أصح وأصرح وإذا دخلت في قوله: من حلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان فدخولها في قوله تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين [المائدة: 89] أولى وأحرى بالدخول أو مثله وإذا دخلت في قوله تعالى: للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر [البقرة: 226] فلو حلف بالطلاق كان موليا فدخولها في نصوص الأيمان أولى وأحرى لأن الإيلاء نوع من اليمين فإذا دخل الحلف بالطلاق في النوع فدخوله في الجنس سابق عليه فإن النوع مستلزم الحبس ولا ينعكس وإذا دخلت في قوله: يمينك على ما يصدقك به صاحبك فكيف لا تدخل في بقية نصوص الأيمان وما الذي أوجب هذا التخصيص من غير مخصص وإذا دخلت في قوله: إياكم وكثرة الحلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق فهلا دخلت في غيره من نصوص اليمين وما الفرق المؤثر شرعا أو عقلا أو لغة وإذا دخلت في قوله: واحفظوا أيمانكم [المائدة: 89] فهلا دخلت في قوله: ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم [المائدة: 89] وإذا دخلت في قول الحالف quot; أيمان البيعة تلزمني quot; وهي الأيمان التي رتبها الحجاج فلم لا تكون أولى بالدخول في لفظ الأيمان في كلام الله تعالى ورسوله فإن كانت يمين الطلاق يمينا شرعية بمعنى أن الشرع اعتبرها وجب أن تعطى حكم الأيمان وإن لم تكن يمينا شرعية كانت باطلة في الشرع فلا يلزم الحالف بها شيء كما صح عن طاوس من رواية عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عنه: quot; ليس الحلف بالطلاق شيئا quot; وصح عن عكرمة من رواية سنيد بن داود بن علي في تفسيره عنه أنها من خطوات الشيطان لا يلزم بها شيء وصح عن شريح قاضي أمير المؤمنين علي وابن مسعود أنها لا يلزم بها طلاق وهو مذهب داود بن علي وجميع أصحابه وهو قول بعض أصحاب مالك في بعض الصور فيما إذا حلف عليها بالطلاق على شيء لا تفعله هي كقوله: إن كلمت فلانا فأنت طالق فقال: لا تطلق إن كلمته لأن الطلاق لا يكون بيدها إن شاءت طلقت وإن شاءت أمسكت وهو قول بعض الشافعية في بعض الصور كقوله: الطلاق يلزمني أو لازم لي لا أفعل كذا وكذا فإن لهم فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه إن نوى وقوع الطلاق بذلك لزمه وإلا فلا يلزمه وجعله هؤلاء كناية والطلاق يقع بالكناية مع النية.(3\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "649",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "651",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثاني: أنه صريح فلا يحتاج إلى نيته وهذا اختيار الروياني ووجهه أن هذا اللفظ قد غلب في إرادة الطلاق فلا يحتاج إلى نية. الوجه الثالث: أنه ليس بصريح ولا كناية ولا يقع به طلاق وإن نواه وهذا اختيار القفال في فتاويه ووجهه أن الطلاق لا بد فيه من إضافته إلى المرأة كقوله: أنت طالق أو طلقتك أو قد طلقتك أو يقول: امرأتي طالق أو فلانة طالق ونحو هذا ولم توجد هذه الإضافة في قوله: الطلاق يلزمني ولهذا قال ابن عباس فيمن قال لامرأته طلقي نفسك فقالت أنت طالق فإنه لا يقع بذلك طلاق وقال: خطأ الله نوأها وتبعه على ذلك الأئمة فإذا قال quot; الطلاق يلزمني quot; لم يكن لازما له إلا أن يضيفه إلى محله ولم يضفه فلا يقع والموقعون يقولون: إذا التزمه فقد لزمه ومن ضرورة لزومه إضافته إلى المحل فجاءت الإضافة من ضرورة اللزوم ولمن نصر قول القفال أن يقول: إما أن يكون قائل هذا اللفظ قد التزم التطليق أو وقوع الطلاق الذي هو أثره فإن كان الأول لم يلزمه لأنه نذر أن يطلق ولا تطلق المرأة بذلك وإن كان قد التزم الوقوع فالتزامه بدون سبب الوقوع ممتنع وقوله: quot; الطلاق يلزمني quot; التزام لحكمه عند وقوع سببه وهذا حق فأين في هذا اللفظ وجود سبب الطلاق وقوله: quot; الطلاق يلزمني quot; لا يصلح أن يكون سببا إذ لم يضف فيه الطلاق إلى محله فهو كما لو قال: quot; العتق يلزمني quot; ولم يضف فيه العتق إلى محله بوجه ونظير هذا أن يقول له: بعني أو آجرني فيقول: البيع يلزمني أو الإجارة تلزمني فإنه لا يكون بذلك موجبا لعقد البيع أو الإجارة حتى يضيفهما إلى محلهما وكذلك لو قال: quot; الظهار يلزمني quot; لم يكن بذلك مظاهرا حتى يضيفه إلى محله. وهذا بخلاف ما لو قال: quot; الصوم يلزمني أو الحج أو الصدقة quot; فإن محله الذمة وقد أضافه إليها. فإن قيل: وههنا محل الطلاق والعتاق الذمة. [محل الطلاق الزوجة] : قيل: هذا غلط بل محل الطلاق والعتاق نفس الزوجة والعبد وإنما الذمة محل وجوب ذلك وهو التطليق والإعتاق وحينئذ فيعود الالتزام إلى التطليق والإعتاق وذلك لا يوجب الوقوع والذي يوضح هذا أنه لو قال: quot; أنا منك طالق quot; لم تطلق بذلك لإضافة الطلاق إلى غير محله وقيل: تطلق إذا نوى طلاقها هي بذلك تنزيلا لهذا اللفظ منزلة الكنايات فهذا كشف سر هذه المسألة وممن ذكر هذه الأوجه الثلاثة أبو القاسم بن يونس في شرح التنبيه وأكثر أيمان الطلاق بهذه الصيغة فكيف يحل لمن يؤمن بأنه موقوف بين(3\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "650",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "652",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يدي الله ومسئول أن يكفر أو يجهل من يفتي بهذه المسألة ويسعى في قتله وحبسه ويلبس على الملوك والأمراء والعامة أن المسألة مسألة إجماع ولم يخالف فيها أحد من المسلمين وهذه أقوال أئمة المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وقد علم الله ورسوله وملائكته وعباده أن هذه المسألة لم ترد بغير الشكاوى إلى الملوك ودعوى الإجماع الكاذب والله المستعان وهو عند كل لسان قائل: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون [التوبة: 105] .  [فصل اعتبار النية والألفاظ في الطلاق] فصل [لا بد من اعتبار النية والمقاصد في الألفاظ] وهذا الذي قلناه من اعتبار النيات والمقاصد في الألفاظ وأنها لا تلزم بها أحكامها حتى يكون المتكلم بها قاصدا لها مريدا لموجباتها كما أنه لا بد أن يكون قاصدا للتكلم باللفظ مريدا له فلا بد من إرادتين: إرادة التكلم باللفظ اختيارا وإرادة موجبه ومقتضاه بل إرادة المعنى آكد من إرادة اللفظ فإنه المقصود واللفظ وسيلة هو قول أئمة الفتوى من علماء الإسلام وقال مالك وأحمد فيمن قال quot; أنت طالق ألبتة quot; وهو يريد أن يحلف على شيء ثم بدا له فترك اليمين: لا يلزمه شيء لأنه لم يرد أن يطلقها وكذلك قال أصحاب أحمد وقال أبو حنيفة: من أراد أن يقول كلاما فسبق لسانه فقال quot; أنت حرة quot; لم تكن بذلك حرة.   وقال أصحاب أحمد لو قال الأعجمي لامرأته أنت طالق وهو لا يفهم معنى هذه اللفظة لم تطلق لأنه ليس مختارا للطلاق فلم يقع طلاقه كالمكره قالوا: فلو نوى موجبه عند أهل العربية لم يقع أيضا لأنه لا يصح منه اختيار ما لا يعلمه وكذلك لو نطق بكلمة الكفر من لا يعلم معناها لم يكفر وفي مصنف وكيع أن عمر بن الخطاب قضى في امرأة قالت لزوجها سمني فسماها الطيبة فقالت: لا فقال لها: ما تريدين أن أسميك قالت: سمني خلية طالق فقال لها: فأنت خلية طالق فأتت عمر بن الخطاب فقالت: إن زوجي طلقني فجاء زوجها فقص عليه القصة فأوجع عمر رأسها وقال لزوجها خذ بيدها وأوجع رأسها وهذا هو الفقه الحي الذي يدخل على القلوب بغير استئذان وإن تلفظ بصريح الطلاق وقد تقدم أن الذي قال لما وجد راحلته: quot; اللهم أنت عبدي وأنا ربك quot; أخطأ من شدة الفرح لم يكفر بذلك وإن أتى بصريح الكفر لكونه لم يرده والمكره على كلمة الكفر أتى بصريح كلمته ولم يكفر لعدم إرادته بخلاف المستهزئ والهازل فإنه يلزمه(3\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "651",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "653",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطلاق والكفر وإن كان هازلا لأنه قاصد للتكلم باللفظ وهزله لا يكون عذرا له بخلاف المكره والمخطئ والناسي فإنه معذور مأمور بما يقوله أو مأذون له فيه والهازل غير مأذون له في الهزل بكلمة الكفر والعقود فهو متكلم باللفظ مريد له ولم يصرفه عن معناه إكراه ولا خطأ ولا نسيان ولا جهل والهزل لم يجعله الله ورسوله عذرا صارفا بل صاحبه أحق بالعقوبة ألا ترى أن الله تعالى عذر المكره في تكلمه بكلمة الكفر إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان ولم يعذر الهازل بل قال: ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون [التوبة: 65] لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم [التوبة: 66] وكذلك رفع المؤاخذة عن المخطئ والناسي.  [فصل تعليق الطلاق بشرط مضمر] فصل [تعليق الطلاق بشرط مضمر] ومن ذلك أنه لو قال: quot; أنت طالق quot; وقال: أردت إن كلمت رجلا أو خرجت من داري لم يقع به الطلاق في أحد الوجهين لأصحاب أحمد والشافعي وكذلك لو قال: أردت إن شاء الله ففيه وجهان لهم ونص الشافعي فيما لو قال: quot; إن كلمت زيدا فأنت طالق quot; ثم قال: أردت به إلى شهر فكلمه بعد شهر لم تطلق باطنا ولا فرق بين هذه الصورة والصورتين اللتين قبلها فإن التقييد بالغاية المنوية كالتقييد بالمشيئة المنوية وهو أولى بالجواز من تخصيص العام بالنية كما إذا قال: quot; نسائي طوالق quot; واستثنى بقلبه واحدة منهن فإنه إذا صح الاستثناء بالنية في إخراج ما يتناوله اللفظ صح التقييد بالنية بطريق الأولى فإن اللفظ لا دلالة له بوضعه على عموم الأحوال والأزمان ولو دل عليها بعمومه فإخراج بعضها تخصيص للعام وهذا ظاهر جدا وغايته استعمال العام في الخاص أو المطلق في المقيد وذلك غير بدع لغة وشرعا وعرفا وقد قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه فالصواب قبول مثل هذا فيما بينه وبين الله وفي الحكم أيضا.  [فصل الحلف بالطلاق وبالحرام له صيغتان] فصل [للحلف بالطلاق وبالحرام صيغتان] قد عرف أن الحلف بالطلاق له صيغتان إحداهما: إن فعلت كذا وكذا فأنت طالق والثانية الطلاق يلزمني لا أفعل كذا وأن الخلاف في الصيغتين قديما وحديثا وهكذا(3\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "652",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "654",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحلف بالحرام له صيغتان إحداهما: إن فعلت كذا فأنت علي حرام أو ما أحل الله علي حرام والثانية: الحرام يلزمني لا أفعل كذا فمن قال في quot; الطلاق يلزمني quot; إنه ليس بصريح ولا كناية ولا يقع به شيء ففي قوله quot; الحرام يلزمني quot; أولى ومن قال إنه كناية إن نوى به الطلاق كان طلاقا وإلا فلا فهكذا يقول في quot; الحرام يلزمني quot; إن نوى به التحريم كان كما لو نوى بالطلاق التطليق فكأنه التزم أن يحرم كما التزم ذلك أن يطلق فهذا التزام للتحريم وذلك التزام للتطليق وإن نوى به ما حرم الله علي يلزمني تحريمه لم يكن يمينا ولا تحريما ولا طلاقا ولا ظهارا ولا يجوز أن يفرق بين المسلم وبين امرأته بغير لفظ لم يوضع للطلاق ولا نواه وتلزمه كفارة يمين حرمة لشدة اليمين إذ ليست كالحلف بالمخلوق التي لا تنعقد ولا هي من لغو اليمين وهي يمين منعقدة ففيها كفارة يمين. وبهذا أفتى ابن عباس ورفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فصح عنه بأصح إسناد الحرام يمين يكفرها ثم قال: لقد كان لكم في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة. وهكذا حكم قوله: quot; إن فعلت كذا فأنت علي حرام quot; وهذا أولى بكفارة يمين من قوله: quot; أنت علي حرام quot;. وفي قوله: quot; أنت علي حرام quot; أو: quot; ما أحل الله علي حرام quot; أو: quot; أنت علي حرام كالميتة والدم ولحم الخنزير quot; مذاهب: أحدها: أنه لغو وباطل لا يترتب عليه شيء وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس وبه قال مسروق وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعطاء والشعبي وداود وجميع أهل الظاهر وأكثر أصحاب الحديث وهو أحد قولي المالكية اختاره أصبغ بن الفرج. وفي الصحيح عن سعيد بن جبير أنه سمع ابن عباس يقول: إذا حرم امرأته فليس بشيء لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة  وصح عن مسروق أنه قال: ما أبالي أحرمت امرأتي أو قصعة من ثريد وصح عن الشعبي في تحريم المرأة: لهو أهون علي من نعلي. وقال أبو سلمة: ما أبالي أحرمت امرأتي أو حرمت ماء النهر. وقال الحجاج بن منهال: إن رجلا جعل امرأته عليه حراما فسأل عن ذلك حميد بن عبد الرحمن فقال له حميد: قال الله تعالى: فإذا فرغت فانصب [الشرح: 7] وإلى ربك فارغب [الشرح: 8] وأنت رجل تلعب فاذهب فالعب.(3\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "653",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "655",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل المذهب الثاني: أنها ثلاث تطليقات وهو قول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وزيد بن ثابت وابن عمر والحسن البصري ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وقضى فيها أمير المؤمنين علي بالثلاث في عدي بن قيس الكلابي وقال له: والذي نفسي بيده لئن مسستها قبل أن تتزوج غيرك لأرجمنك وحجة هذا القول أنها لا تحرم عليه إلا بالثلاث فكان وقوع الثلاث من ضرورة كونها حراما عليه. المذهب الثالث: أنها بهذا القول حرام عليه صح أيضا عن أبي هريرة والحسن وخلاس بن عمرو وجابر بن زيد وقتادة ولم يذكر هؤلاء طلاقا بل أمروه باجتنابها فقط. وصح ذلك أيضا عن علي - عليه السلام - فإما أن يكون عنه روايتان أو يكون أراد تحريم الثلاث وحجة هذا القول أن لفظه إنما اقتضى التحريم ولم يتعرض لعدد الطلاق فحرمت عليه بمقتضى تحريمه. المذهب الرابع: الوقف فيها صح ذلك عن أمير المؤمنين علي أيضا وهو قول الشعبي قال: يقول رجال في quot; الحلال حرام quot; إنها حرام حتى تنكح زوجا غيره وينسبونه إلى علي والله ما قال ذلك علي إنما قال: ما أنا بمحلها ولا بمحرمها عليك إن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر. وحجة هؤلاء أن التحريم ليس بطلاق وهو لا يملك تحريم الحلال وإنما يملك إنشاء السبب الذي يحرم به وهو الطلاق وهذا ليس بصريح في الطلاق ولا هو مما ثبت له عرف الشرع في تحريم الزوجة فاشتبه الأمر فيه. المذهب الخامس: إن نوى به الطلاق فهو طلاق وإلا فهو يمين وهذا قول طاوس والزهري والشافعي ورواية عن الحسن وحجة هذا القول أنه كناية في الطلاق فإن نواه به كان طلاقا وإن لم ينوه كان يمينا لقوله تعالى: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك [التحريم: 1] إلى قوله: تحلة أيمانكم [التحريم: 2] . المذهب السادس: أنه إن نوى بها الثلاث فثلاث وإن نوى واحدة فواحدة بائنة وإن نوى يمينا فهو يمين وإن لم ينو شيئا فهي كذبة لا شيء فيها قاله سفيان وحكاه النخعي عن أصحابه وحجة هذا القول أن اللفظ يحتمل لما نواه من ذلك فيتبع نيته. المذهب السابع: مثل هذا إلا أنه إن لم ينو شيئا فهو يمين يكفرها وهو قول الأوزاعي وحجة هذا القول ظاهر قوله تعالى: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم [التحريم: 2] فإذا نوى به الطلاق لم يكن يمينا فإذا طلق ولم ينو الطلاق كان يمينا.(3\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "654",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "656",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المذهب الثامن: مثل هذا أيضا إلا أنه إن لم ينو شيئا فواحدة بائنة إعمالا للفظ التحريم. المذهب التاسع: أن فيه كفارة الظهار وصح ذلك عن ابن عباس أيضا وأبي قلابة وسعيد بن جبير ووهب بن منبه وعثمان التيمي وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد وحجة هذا القول أن الله تعالى جعل تشبيه المرأة بأمه المحرمة عليه ظهارا وجعله منكرا من القول وزورا فإذا كان التشبيه بالمحرمة يجعله مظاهرا فإذا صرح بتحريمها كان أولى بالظهار. وهذا أقيس الأقوال وأفقهها ويؤيده أن الله لم يجعل للمكلف التحريم والتحليل وإنما ذلك إليه تعالى وإنما جعل له مباشرة الأفعال والأقوال التي يترتب عليها التحريم والتحليل فالسبب إلى العبد وحكمه إلى الله تعالى فإذا قال quot; أنت علي كظهر أمي quot; أو قال quot; أنت علي حرام quot; فقد قال المنكر من القول والزور وكذب فإن الله لم يجعلها كظهر أمه ولا جعلها عليه حراما فأوجب عليه بهذا القول من المنكر والزور أغلظ الكفارتين وهي كفارة الظهار. المذهب العاشر: أنها تطليقة واحدة وهي إحدى الروايتين عن عمر بن الخطاب وقول حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة وحجة هذا القول أن تطليق التحريم لا يقتضي التحريم بالثلاث بل يصدق بأقله والواحدة متيقنة فحمل اللفظ عليها لأنها اليقين فهو نظير التحريم بانقضاء العدة. المذهب الحادي عشر: أنه ينوي ما أراده من ذلك في إرادة أصل الطلاق وعدده وإن نوى تحريما بغير طلاق فيمين مكفرة وهو قول الشافعي وحجة هذا القول أن اللفظ صالح لذلك كله فلا يتعين واحد منها إلا بالنية فإن نوى تحريما مجردا كان امتناعا منها بالتحريم كامتناعه باليمين ولا تحرم عليه في الموضعين. المذهب الثاني عشر: أنه ينوي أيضا في أصل الطلاق وعدده إلا أنه إن نوى واحدة كانت بائنة وإن لم ينو طلاقا فهو مول وإن نوى الكذب فليس بشيء وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وحجة هذا القول احتمال اللفظ لما ذكره إلا أنه إن نوى واحدة كانت بائنة لاقتضاء التحريم للبينونة وهي صغرى وكبرى والصغرى هي المتحققة فاعتبرت دون(3\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "655",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "657",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكبرى وعنه رواية أخرى إن نوى الكذب دين ولم يقبل في الحكم بل يكون موليا ولا يكون مظاهرا عنده نواه أو لم ينوه ولو صرح به فقال quot; أعني به الظهار quot; لم يكن مظاهرا. المذهب الثالث عشر: أنه يمين يكفره ما يكفر اليمين على كل حال صح ذلك أيضا عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابن عباس وعائشة وزيد بن ثابت وابن مسعود وعبد الله بن عمر وعكرمة وعطاء ومكحول وقتادة والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وجابر بن زيد وسعيد بن جبير ونافع والأوزاعي وأبي ثور وخلق سواهم وحجة هذا القول ظاهر القرآن فإن الله تعالى ذكر فرض تحلة الأيمان عقب تحريم الحلال فلا بد أن يتناوله يقينا فلا يجوز جعل تحلة الأيمان لغير المذكور قبلها ويخرج المذكور عن حكم التحلة التي قصد ذكرها لأجله. المذهب الرابع عشر: أنه يمين مغلظة يتعين فيها عتق رقبة صح ذلك أيضا عن ابن عباس وأبي بكر وعمر وابن مسعود وجماعة من التابعين وحجة هذا القول أنه لما كان يمينا مغلظة غلظت كفارتها بتحتم العتق ووجه تغليظها تضمنها تحريم ما أحل الله وليس إلى العبد وقول المنكر والزور إن أراد الخبر فهو كاذب في إخباره معتد في إقسامه فغلظت كفارته بتحتم العتق كما غلظت كفارة الظهار به أو بصيام شهرين أو بإطعام ستين مسكينا. المذهب الخامس عشر: أنه طلاق ثم إنها إن كانت غير مدخول بها فهو ما نواه من الواحدة وما فوقها وإن كانت مدخولا بها فهو ثلاث وإن نوى أقل منها وهو إحدى الروايتين عن مالك وحجة هذا القول أن اللفظ لما اقتضى التحريم وجب أن يترتب عليه حكمه وغير المدخول بها تحرم بواحدة والمدخول بها لا تحرم إلا بالثلاث. [أقوال المالكية في المسألة] وبعد ففي مذهب مالك خمسة أقوال هذا أحدها وهو مشهورها والثاني أنه ثلاث بكل حال نوى الثلاث أو لم ينوها اختارها عبد الملك في مبسوطه والثالث أنه واحدة بائنة مطلقا حكاه ابن خويز منداد رواية عن مالك الرابع أنه واحدة رجعية وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة الخامس أنه ما نواه من ذلك مطلقا سواء قبل الدخول وبعده وقد عرفت توجيه هذه الأقوال.(3\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "656",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "658",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل [تحرير مذهب الشافعي في المسألة] : وأما تحرير مذهب الشافعي فإنه إن نوى به الظهار كان ظهارا وإن نوى به التحريم كان تحريما لا يترتب عليه إلا تقدم الكفارة وإن نوى الطلاق كان طلاقا وكان ما نواه وإن أطلق فلأصحابه فيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه صريح في إيجاب الكفارة والثاني: لا يتعلق به شيء والثالث: أنه في حق الأمة صريح في التحريم الموجب للكفارة وفي حق الحرة كناية قالوا: لأن أصل الآية إنما وردت في الأمة قالوا: فلو قال quot; أنت علي حرام quot; وقال quot; أردت بها الظهار والطلاق quot; فقال ابن الحداد: يقال له عين أحد الأمرين لأن اللفظة الواحدة لا تصلح للظهار والطلاق معا وقيل: يلزمه ما بدأ به منهما قالوا: ولو ادعى رجل على رجل حقا فأنكره فقال quot; الحل عليك حرام والنية نيتي لا نيتك ما لي عليك شيء quot; فقال: الحل علي حرام والنية في ذلك نيتك ما لك عندي شيء كانت النية نية الحالف لا المحلف لأن النية إنما تكون ممن إليه الإيقاع. فصل [تحرير مذهب الإمام أحمد في المسألة] وأما تحريم مذهب الإمام أحمد فهو أنه ظهار بمطلقه وإن لم ينوه إلا أن ينوي به الطلاق أو اليمين فيلزمه ما نواه وعنه رواية ثانية أنه يمين بمطلقه إلا أن ينوي به الطلاق أو الظهار فيلزمه ما نواه وعنه رواية ثالثة أنه ظهار بكل حال ولو نوى به الطلاق أو اليمين لم يكن يمينا ولا طلاقا كما لو نوى الطلاق أو اليمين بقوله quot; أنت علي كظهر أمي quot; فإن اللفظين صريحان في الظهار فعلى هذه الرواية لو وصله بقوله quot; أعني به الطلاق quot; فهل يكون طلاقا أو ظهارا على روايتين: إحداهما: يكون ظهارا كما لو قال أنت علي كظهر أمي أعني به الطلاق أو التحريم إذ التحريم صريح في الظهار والثانية أنه طلاق لأنه قد صرح بإرادته بلفظ يحتمله وغايته أنه كناية فيه فعلى هذه الرواية إن قال quot; أعني به طلاقا quot; طلقت واحدة وإن قال quot; أعني به الطلاق quot; فهل تطلق ثلاثا أو واحدة على روايتين مأخذهما حمل اللازم على الجنس أو العموم هذا تحرير مذهبه وتقريره. [مذهب ابن تيمية في المسألة] وفي المسألة مذهب آخر وراء هذا كله وهو أنه إن أوقع التحريم كان ظهارا ولو نوى به الطلاق وإن حلف به كان يمينا مكفرة وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وعليه يدل(3\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "657",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "659",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النص والقياس فإنه إذا أوقعه كان قد أتى منكرا من القول وزورا وكان أولى بكفارة الظهار ممن شبه امرأته بالمحرمة وإذا حلف به كان يمينا من الأيمان كما لو حلف بالتزام العتق والحج والصدقة وهذا محض القياس والفقه ألا ترى أنه إذا قال: quot; لله علي أن أعتق أو أحج أو أصوم quot; لزمه ولو قال: quot; إن كلمت فلانا فلله علي ذلك quot; على وجه اليمين فهو يمين وكذلك لو قال: quot; هو يهودي أو نصراني quot; كفر بذلك ولو قال: quot; إن فعلت كذا فهو يهودي أو نصراني quot; كان يمينا وطرد هذا - بل نظيره من كل وجه - أنه إذا قال: quot; أنت علي كظهر أمي quot; كان ظهارا فلو قال: quot; إن فعلت كذا فأنت علي كظهر أمي quot; كان يمينا وطرد هذا أيضا إذا قال: quot; أنت طالق quot; كان طلاقا وإن قال: quot; إن فعلت كذا فأنت طالق quot; كان يمينه فهذه هي الأصول الصحيحة المطردة المأخوذة من الكتاب والسنة والميزان وبالله التوفيق.  [منشأ أيمان البيعة] ومن هذه الالتزامات التي لم يلزم بها الله ولا رسوله لمن حلف بها الأيمان التي رتبها الفاجر الظالم الحجاج بن يوسف وهي أيمان البيعة وكانت البيعة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمصافحة وبيعة النساء بالكلام وما مست يده الكريمة - صلى الله عليه وسلم - يد امرأة لا يملكها فيقول لمن يبايعه: بايعتك أو أبايعك على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره  كما في الصحيحين عن ابن عمر كنا نبايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة فيقول: فيما استطعت وفي صحيح مسلم عن جابر كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت . [كيف كانت بيعة النبي للناس] وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا تأخذنا في الله لومة لائم . وفي الصحيحين أيضا عن جنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض فقلنا: حدثنا أصلحك الله بحديث ننتفع به سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: دعانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبايعناه وكان فيما أخذ علينا أن بايعناه على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله قال إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان .(3\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "658",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "660",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الصحيحين عن عائشة قالت: كان المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمتحنهن بقول الله تعالى: يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن [الممتحنة: 12] إلى آخر الآية. قالت عائشة: فمن أقرت بهذا من المؤمنات فقد أقرت بالمحنة وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انطلقن فقد بايعتكن ولا والله ما مست يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يد امرأة قط غير أنه يبايعهن بالكلام . قالت عائشة: والله ما أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على النساء قط إلا بما أمره الله وما مست كف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كف امرأة قط وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن قد بايعتكن كلاما . فهذه هي البيعة النبوية التي قال الله عز وجل فيها: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما [الفتح: 10] وقال فيها: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة [الفتح: 18] . [أيمان البيعة التي أحدثها الحجاج الثقفي] فأحدث الحجاج في الإسلام بيعة غير هذه تتضمن اليمين بالله تعالى والطلاق والعتاق وصدقة المال والحج فاختلف علماء الإسلام في ذلك على عدة أقوال ونحن نذكر تحرير هذه المسألة وكشفها فإن كان مراد الحالف بقوله quot; أيمان البيعة تلزمني quot; البيعة النبوية التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبايع عليها أصحابه لم يلزمه الطلاق والإعتاق ولا شيء مما رتبه الحجاج وإن لم ينو تلك البيعة ونوى البيعة الحجاجية فلا يخلو: إما أن يذكر في لفظه طلاقا أو عتاقا أو حجا أو صدقة أو يمينا بالله أو لا يذكر شيئا من ذلك فإن لم يذكر في لفظه شيئا فلا يخلو: إما أن يكون عارفا بمضمونها أو لا وعلى التقديرين فإما أن ينوي مضمونها كله أو بعض ما فيها أو لا ينوي شيئا من ذلك فهذه تقاسيم هذه المسألة. [رأي الشافعي وأصحابه] فقال الشافعي وأصحابه: إن لم يذكر في لفظه طلاقها أو عتاقها أو حجها أو صدقتها لم يلزمه شيء نواه أو لم ينوه إلا أن ينوي طلاقها أو عتاقها فاختلف أصحابه فقال العراقيون: يلزمه الطلاق والعتاق فإن اليمين بهما تنعقد بالكناية مع النية. وقال صاحب التتمة: لا يلزمه ذلك وإن نواه ما لم يتلفظ به لأن الصريح لم يوجد والكناية إنما يترتب عليها الحكم فيما يتضمن الإيقاع فأما الالتزام فلا ولهذا لم يجعل الشافعي الإقرار(3\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "659",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "661",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالكناية مع النية إقرارا لأنه التزام ومن ههنا قال من قال من الفقهاء كالقفال وغيره: إذا قال quot; الطلاق يلزمني لا أفعل quot; لم يقع به الطلاق وإن نواه لأنه كناية والكناية إنما يترتب عليها الحكم في غير الالتزامات ولهذا لا تنعقد اليمين بالله بالكناية مع النية. [مذهب أصحاب الإمام أحمد] وأما أصحاب أحمد فقد قال أبو عبد الله بن بطة: كنت عند أبي القاسم الخرقي وقد سأله رجل عن أيمان البيعة فقال: لست أفتي فيها بشيء ولا رأيت أحدا من شيوخنا يفتي فيها بشيء قال: وكان أبي - رحمه الله - يعني أبا علي - يهاب الكلام فيها ثم قال أبو القاسم: إلا أن يلتزم الحالف بها جميع ما فيها من الأيمان فقال له السائل: عرفها أم لم يعرفها قال: نعم ووجه هذا القول أنه بالتزامه لموجبها صار ناويا له مع التلفظ وذلك مقتضى اللزوم ومتى وجد سبب اللزوم والوجوب ثبت موجبه وإن لم يعرفه كما لو قال: إن شفى الله مريضي فثلث مالي صدقة أو أوصى به ولم يعرفه أو قال: أنا مقر بما في هذا الكتاب وإن لم يعرفه أو قال: ما أعطيت فلانا فأنا ضامن له أو مالك عليه فأنا ضامنه صح ولزمه وإن لم يعرفه أو قال quot; ضمان عهدة هذا المبيع علي quot; صح ولزمه وإن لم يعرفه. وقال أكثر أصحابنا منهم صاحب المغني وغيره: إن لم يعرفها لم تنعقد يمينه بشيء مما فيها لأنها ليست بصريحة في القسم والكناية لا يترتب عليها مقتضاها إلا بالنية فمن لم يعرف شيئا لم يصح أن ينويه قالوا: وإن عرفها ولم ينو عقد اليمين بما فيها لم تصح أيضا لأنها كناية فلا يلزم حكمها إلا بالنية وإن عرفها ونوى اليمين بما فيها صح في الطلاق والعتاق لأن اليمين بهما تنعقد بالكناية دون غيرهما لأنها لا تنعقد بالكناية. وقال طائفة من أصحابنا: تنعقد في الطلاق والعتاق وصدقة المال دون اليمين بالله تعالى فإن الكفارة إنما وجبت فيها لما اشتملت عليه من حرمة الاسم المعظم الذي تعظيمه من لوازم الإيمان وهذا لا يوجد فيما عداه من الأيمان. فصل [مذهب المالكية] وأما أصحاب مالك فليس عن مالك ولا عن أحد من قدماء أصحابه فيها قول واختلف المتأخرون فقال أبو بكر بن العربي: أجمع هؤلاء المتأخرون على أنه يحنث فيها بالطلاق في جميع نسائه والعتق في جميع عبيده وإن لم يكن له رقيق فعليه عتق رقبة واحدة(3\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "660",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "662",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمشي إلى مكة والحج ولو من أقصى المغرب والتصدق بثلث جميع أمواله وصيام شهرين متتابعين ثم قال جل الأندلسيين: إن كل امرأة له تطلق ثلاثا ثلاثا وقال القرويون: إنما تطلق واحدة واحدة وألزمه بعضهم صوم سنة إذا كان معتادا للحلف بذلك فتأمل هذا التفاوت العظيم بين هذا القول وقول أصحاب الشافعي.  [فصل الحلف بأيمان المسلمين أو بالأيمان اللازمة] فصل [الحلف بأيمان المسلمين] وهذا اختلافهم فيما لو حلف بأيمان المسلمين أو بالأيمان اللازمة أو قال: جميع الأيمان تلزمني أو حلف بأشد ما أخذ أحد على أحد قالت المالكية إنما ألزمناه بهذه المذكورات دون غيرها من كسوة العريان وإطعام الجياع والاعتكاف وبناء الثغور ونحوها ملاحظة لما غلب الحلف به عرفا فألزمناه به لأنه المسمى العرفي فيقدم على المسمى اللغوي واختص حلفه بهذه المذكورات دون غيرها لأنها هي المشتهرة ولفظ الحلف واليمين إنما يستعمل فيها دون غيرها وليس المدرك أن عادتهم أنهم يفعلون مسمياتها وأنهم يصومون شهرين متتابعين أو يحجون بل غلبة استعمال الألفاظ في هذه المعاني دون غيرها قالوا: وقد صرح الأصحاب بأنه من كثرت عادته بالحلف بصوم سنة لزمه صوم سنة فجعلوا المدرك الحلف اللفظي دون العرفي النقلي قالوا: وعلى هذا لو اتفق في وقت آخر أنه اشتهر حلفهم ونذرهم بالاعتكاف والرباط وإطعام الجائع وكسوة العريان وبناء المساجد دون هذه الحقائق المتقدم ذكرها لكان اللازم لهذا الحالف إذا حنث الاعتكاف وما ذكر معه دون ما هو مذكور قبلها لأن الأحكام المترتبة على القرائن تدور معها كيفما دارت وتبطل معها إذا بطلت كالعقود في المعاملات والعيوب في الأعواض في المبايعات ونحو ذلك فلو تغيرت العادة في النقد والسكة إلى سكة أخرى لحمل الثمن من المبيع عند الإطلاق على السكة والنقد المتجدد دون ما قبله وكذلك إذا كان الشيء عيبا في العادة رد به المبيع فإن تغيرت العادة بحيث لم يعد عيبا لم يرد به المبيع قالوا: وبهذا تعتبر جميع الأحكام المترتبة على العوائد وهذا مجمع عليه بين العلماء لا خلاف فيه وإن وقع الخلاف في تحقيقه: هل وجد أم لا قالوا: وعلى هذا فليس في عرفنا اليوم الحلف بصوم شهرين متتابعين فلا تكاد تجد أحدا يحلف فلا تسوغ الفتيا بإلزامه. [قول المالكية في العرف وما ينبني عليه] : قالوا: وعلى هذا أبدا تجيء الفتاوى في طول الأيام فمهما تجدد في العرف(3\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "661",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "663",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاعتبره ومهما سقط فألغه ولا تجمد على المنقول في الكتب طول عمرك بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك فلا تجره على عرف بلدك وسله عن عرف بلده فأجره عليه وأفته به دون عرف بلدك والمذكور في كتبك قالوا: فهذا هو الحق الواضح والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين قالوا: وعلى هذه القاعدة تخرج أيمان الطلاق والعتاق وصيغ الصرائح والكنايات فقد يصير الصريح كناية يفتقر إلى النية وقد تصير الكناية صريحا تستغني عن النية قالوا: وعلى هذه القاعدة فإذا قال quot; أيمان البيعة تلزمني quot; خرج ما يلزمه على ذلك. وما جرت به العادة في الحلف عند الملوك المعاصرة إذا لم يكن له نية فأي شيء جرت به عادة ملوك الوقت في التحليف به في بيعتهم واشتهر ذلك عند الناس بحيث صار عرفا متبادرا إلى الذهن من غير قرينة حملت يمينه عليه فإن لم يكن شيء من ذلك اعتبرت نيته أو بساط يمينه فإن لم يكن شيء من ذلك فلا شيء عليه انتهى. وهذا محض الفقه ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضر ما على أديان الناس وأبدانهم والله المستعان. ولم يكن الحلف بالأيمان اللازمة معتادا على عهد السلف الطيب بل هي من الأيمان الحادثة المبتدعة التي أحدثها الجهلة الأول ولهذا قال جماعة من أهل العلم: إنها من الأيمان اللاغية التي لا يلزم بها شيء ألبتة أفتى بذلك جماعة من العلماء ومن متأخري من أفتى بها تاج الدين أبو عبد الله الأرموي صاحب كتاب الحاصل قال ابن بزيزة في شرح الأحكام: سأله عنها بعض أصحابنا فكتب له بخطه تحت الاستفتاء: هذه يمين لاغية لا يلزم فيها شيء ألبتة وكتب محمد الأرموي قال ابن بزيزة: وقفت على ذلك بخطه وثبت عندي أنه خطه ثم قال: وقال جماعة من العلماء: لا يلزم فيها شيء سوى كفارة اليمين بالله تعالى بناء على أن لفظ اليمين لا ينطلق إلا على اليمين بالله تعالى وما عداه التزامات لا أيمان. قال: والدليل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت والقائلون بأن فيها كفارة يمين اختلفوا: هل تتعدد فيها كفارة اليمين بناء على أقل الجمع أو ليس عليه إلا كفارة واحدة لأنها إنما خرجت مخرج اليمين الواحدة كما أفتى به أبو عمر بن عبد البر وأبو محمد بن حزم وقد كان أبو عمر يفتي بأنه لا شيء فيها ألبتة حكاه عنه القاضي أبو الوليد الباجي وعاب عليه ذلك. قال: ومن العلماء من رأى أنه(3\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "662",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "664",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يختلف بحسب اختلاف الأحوال والمقاصد والبلاد فمن حلف بها قاصدا للطلاق أو العتاق لزمه ما ألزمه نفسه ومن لم يعلم مقتضى ذلك ولم يقصده ولم يقيده العرف الغالب الجاري لزمه فيها كفارة ثلاثة أيمان بالله بناء على أن أقل الجمع ثلاثة وبه كان يفتي أبو بكر الطرطوشي ومن بعده من شيوخنا الذين حملنا عنهم ومن شيوخ عصرنا من كان يفتي بها بالطلاق الثلاث بناء على أنه العرف المستمر الجاري الذي يحصل علمه والقصد إليه عند كل حالف بها ثم ذكر اختلاف المغاربة: هل يلزم فيها الطلاق الثلاث أو الواحدة ثم قال: والمعتمد عليه فيها الرجوع إلى عرف الناس وما هو المعلوم عندهم في هذه الأيمان فإذا ثبت فيها عندهم شيء وقصدوه وعرفوه واشتهر بينهم وجب أن يحملوه عليه ومع الاحتمال يرجع إلى الأصل الذي هو اليمين: بالله إذ لا يسمى غير ذلك يمينا فيلزم الحالف بها كفارة ثلاثة أيمان قال: وعلى هذا كان يقول أهل التحقيق والإنصاف من شيوخنا. قلت: ولإجزاء الكفارة الواحدة فيها مدرك آخر أفقه من هذا وعليه تدل فتاوى الصحابة - رضي الله عنهم - صريحا في حديث ليلى بنت العجماء المتقدم وهذه الالتزامات الخارجة مخرج اليمين إنما فيها كفارة يمين بالنص والقياس واتفاق الصحابة كما تقدم فموجبها كلها شيء واحد ولو تعدد المحلوف به وصار هذا نظير ما لو حلف بكل سورة من القرآن على شيء واحد فعليه كفارة يمين لاتحاد الموجب وإن تعدد السبب ونظيره ما لو حلف بأسماء الرب تعالى وصفاته فكفارة واحدة فإذا حلف بأيمان المسلمين أو الأيمان كلها أو الأيمان اللازمة أو أيمان البيعة أو بما يحلف به المسلمون لم يكن ذلك بأعظم مما لو حلف بكل كتاب أنزله الله أو بكل اسم من أسماء الله أو صفة من صفات الله فإذا أجزأ في هذه كفارة يمين مع حرمة هذه اليمين وتأكدها فلأن تجزئ الكفارة في هذه الأيمان بطريق الأولى والأحرى ولا يليق بهذه الشريعة الكاملة الحكيمة التي لم يطرق العالم شريعة أكمل منها غير ذلك وكذلك أفتى به أفقه الأمة وأعلمهم بمقاصد الرسول ودينه وهم الصحابة واختلف الفقهاء بعدهم فمنهم من يلزم الحالف بما التزمه من جميع الالتزامات كائنا ما كان ومنهم من لا يلزمه بشيء منها ألبتة لأنها أيمان غير شرعية ومنهم من يلزمه الطلاق والعتاق ويخيره في الباقي بين التكفير والالتزام ومنهم من يحتم عليه التكفير ومنهم من يلزمه بالطلاق وحده دون ما عداه ومنهم من يلزمه بشرط كون الصيغة شرطا فإن كانت صيغة التزام فيمين كقوله quot; الطلاق يلزمني quot; لم يلزمه بذلك ومنهم من يتوقف في ذلك ولا يفتي فيه بشيء فالأول قول مالك وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة.(3\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "663",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "665",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثاني قول أهل الظاهر وجماعة من السلف والثالث قول أحمد بن حنبل والشافعي في ظاهر مذهبه وأبي حنيفة في إحدى الروايتين عنه ومحمد بن الحسن. والرابع قول بعض أصحاب الشافعي ويذكر قولا له ورواية عن أحمد. والخامس قول أبي ثور إبراهيم بن خالد. والسادس قول القفال من الشافعية وبعض أصحاب أبي حنيفة ويحكى عنه نفسه. والسابع قول جماعة من أهل الحديث. وقول أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصح وأفقه وأقرب هذه الأقوال إلى الكتاب والسنة وبالله التوفيق.  [فصل أقوال العلماء في تأجيل بعض المهر وحكم المؤجل] فصل [أقوال العلماء في تأجيل بعض المهر وحكم المؤجل] المثال التاسع: الإلزام بالصداق الذي اتفق الزوجان على تأخير المطالبة به وإن لم يسميا أجلا بل قال الزوج: مائة مقدمة ومائة مؤخرة فإن المؤخر لا يستحق المطالبة به إلا بموت أو فرقة هذا هو الصحيح وهو منصوص أحمد فإنه قال في رواية جماعة من أصحابه: إذا تزوجها على العاجل والآجل لا يحل الآجل إلا بموت أو فرقة واختاره قدماء شيوخ المذهب والقاضي أبو يعلى وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قول النخعي والشعبي والليث بن سعد وله فيه رسالة كتبها إلى مالك ينكر عليه خلاف هذا القول سنذكرها بإسنادها ولفظها وقال الحسن وحماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة وسفيان الثوري وأبو عبيدة: يبطل الآجل لجهالة محله ويكون حالا وقال إياس بن معاوية: يصح الآجل ولا يحل الصداق إلا أن يفارقها أو يتزوج عليها أو يخرجها من بلدها فلها حينئذ المطالبة به وقال مكحول والأوزاعي: يحل بعد سنة من وقت الدخول وقال الشافعي وأبو الخطاب: تفسد التسمية ويجب مهر المثل لجهالة العوض بجهالة أجله فترجع إلى مهر المثل وأما مذهب مالك فقال عبد الملك: كان مالك وأصحابه يكرهون أن يكون شيء من المهر مؤخرا وكان مالك يقول: إنما الصداق فيما مضى ناجز كله فإن وقع منه شيء مؤخرا فلا أحب أن يطول الأجل في ذلك وحكى عن ابن القاسم تأخيره إلى السنتين والأربع وعن ابن وهب إلى السنة وعنه إن زاد الأجل على أكثر من عشرين سنة فسخ وعن ابن القاسم إذا جاوز الأربعين فسخ وعنه إلى الخمسين والستين حكى ذلك كله فضل بن سلمة عن ابن المواز ثم قال: لأن الأجل الطويل مثل ما لو تزوجها إلى موت أو فراق. قال عبد الملك: وقد أخبرني أصبغ أنه شهد ابن وهب وابن القاسم تذاكرا الأجل في ذلك فقال ابن وهب: أرى فيه العشرين فدون فما جاوز ذلك فمفسوخ فقال له ابن القاسم: وأنا معك على هذا فأقام ابن وهب على رأيه ورجع ابن القاسم فقال: لا أفسخه إلى أربعين وأفسخه فيما فوق ذلك فقال أصبغ: وبه أخذ ولا أحب ذلك ندبا إلى(3\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "664",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "666",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العشر ونحوها وقد شهدت أشهب زوج ابنته وجعل مؤخر مهرها إلى اثنتي عشرة سنة. قال عبد الملك: وما قصر من الأجل فهو أفضل وإن بعد لم أفسخه إلا أن يجاوز ما قال ابن القاسم وإن كانت الأربعون في ذلك كثيرة جدا. قال عبد الملك: وإن كان بعض الصداق مؤخرا إلى غير أجل فإن مالكا كان يفسخه قبل البناء ويمضيه بعده ويرد المرأة إلى صداق مثلها معجلا كله إلا أن يكون صداق مثلها أقل من المعجل فلا ينقص منه أو أكثر من المعجل والمؤجل فيوفي تمام ذلك إلا أن يرضى الناكح بأن يجعل المؤخر معجلا كله مع النقد فيمضي النكاح ولا يفسخ لا قبل البناء ولا بعده ولا ترد المرأة إلى صداق مثلها ثم أطالوا بذكر فروع تتعلق بذلك. [فتاوى الصحابة في هذه المسألة] : والصحيح ما عليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صحة التسمية وعدم تمكين المرأة من المطالبة به إلا بموت أو فرقة حكاه الليث إجماعا منهم وهو محض القياس والفقه فإن المطلق من العقود ينصرف إلى العرف والعادة عند المتعاقدين كما في النقد والسكة والصفة والوزن والعادة جارية بين الأزواج بترك المطالبة بالصداق إلا بالموت أو الفراق فجرت العادة مجرى الشرط كما تقدم ذكر الأمثلة بذلك وأيضا فإن عقد النكاح يخالف سائر العقود ولهذا نافاه التوقيت المشترط في غيره من العقود على المنافع بل كانت جهالة مدة بقائه غير مؤثرة في صحته والصداق عوضه ومقابله فكانت جهالة مدته غير مؤثرة في صحته فهذا محض القياس ونظير هذا لو أجره كل شهر بدرهم فإنه يصح وإن كانت جملة الأجرة غير معلومة تبعا لمدة الإجارة فقد صح عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة أنه أجر نفسه كل دلو بتمرة وأكل النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك التمر  وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا وهذا لا يتضمن واحدا من الأمرين فإن ما أحل الحرام وحرم الحلال لو فعلاه بدون الشرط لما جاز وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن أحق الشرط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج وأما تلك التقديرات المذكورة فيكفي في عدم اعتبارها عدم دليل واحد يدل عليها ثم ليس تقدير منها بأولى من تقدير أزيد عليه أو أنقص منه وما كان هذا سبيله فهو غير معتبر. وقال الحافظ أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي في كتاب التاريخ والمعرفة له وهو كتاب جليل غزير العلم جم الفوائد حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي قال: هذه رسالة الليث بن سعد إلى مالك بن أنس. [رسالة من الليث بن سعد إلى مالك بن أنس] : سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد - عافانا الله وإياك(3\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "665",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "667",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأحسن لنا العاقبة في الدنيا والآخرة - قد بلغني كتابك تذكر فيه من صلاح حالكم الذي يسرني فأدام الله ذلك لكم وأتمه بالعون على شكره والزيادة من إحسانه وذكرت نظرك في الكتب التي بعثت بها إليك وإقامتك إياها وختمك عليها بخاتمك وقد أتتنا فجزاك الله عما قدمت منها خيرا فإنها كتب انتهت إلينا عنك فأحببت أن أبلغ حقيقتها بنظرك فيها وذكرت أنه قد أنشطك ما كتبت إليك فيه من تقويم ما أتاني عنك إلى ابتدائي بالنصيحة ورجوت أن يكون لها عندي موضع وأنه لم يمنعك من ذلك فيما خلا إلا أن يكون رأيك فينا جميلا إلا لأني لم أذاكرك مثل هذا وأنه بلغك أني أفتي بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندكم وأني يحق علي الخوف على نفسي لاعتماد من قبلي على ما أفتيتهم به وأن الناس تبع لأهل المدينة التي إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن وقد أصبت بالذي كتب به من ذلك إن شاء الله تعالى ووقع مني بالموقع الذي تحب وما أجد أحدا ينسب إليه العلم أكره لشواذ الفتيا ولا أشد تفضيلا لعلماء أهل المدينة الذين مضوا ولا آخذ لفتياهم فيما اتفقوا عليه مني والحمد لله رب العالمين لا شريك له وأما ما ذكرت من مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ونزول القرآن بها عليه بين ظهري أصحابه وما علمهم الله منه وأن الناس صاروا به تبعا لهم فيه فكما ذكرت وأما ما ذكرت من قول الله تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم [التوبة: 100] فإن كثيرا من أولئك السابقين الأولين خرجوا إلى الجهاد في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله فجندوا الأجناد واجتمع إليهم الناس فأظهروا بين ظهرانيهم كتاب الله وسنة نبيه ولم يكتموهم شيئا علموه. وكان في كل جند منهم طائفة يعلمون كتاب الله وسنة نبيه ويجتهدون برأيهم فيما لم يفسره لهم القرآن والسنة وتقدمهم عليه أبو بكر وعمر وعثمان الذين اختارهم المسلمون لأنفسهم ولم يكن أولئك الثلاثة مضيعين لأجناد المسلمين ولا غافلين عنهم بل كانوا يكتبون في الأمر اليسير لإقامة الدين والحذر من الاختلاف بكتاب الله وسنة نبيه فلم يتركوا أمرا فسره القرآن أو عمل به النبي - صلى الله عليه وسلم - أو ائتمروا فيه بعده إلا علموهموه فإذا جاء أمر عمل فيه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمصر والشام والعراق على عهد أبي بكر وعمر وعثمان ولم يزالوا عليه حتى قبضوا لم يأمروهم بغيره فلا نراه يجوز لأجناد المسلمين أن يحدثوا اليوم أمرا لم يعمل به سلفهم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعين لهم مع أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد اختلفوا بعد في الفتيا في أشياء كثيرة ولولا أني قد عرفت أن قد علمتها كتبت بها إليك ثم اختلف التابعون في أشياء بعد أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سعيد بن المسيب ونظراؤه أشد الاختلاف ثم اختلف الذين كانوا بعدهم فحضرتهم بالمدينة وغيرها ورأسهم يومئذ(3\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "666",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "668",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن شهاب وربيعة بن أبي عبد الرحمن وكان من خلاف ربيعة لبعض ما قد مضى ما قد عرفت وحضرت وسمعت قولك فيه وقول ذوي الرأي من أهل المدينة يحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر وكثير بن فرقد وغير كثير ممن هو أسن منه حتى اضطرك ما كرهت من ذلك إلى فراق مجلسه. وذاكرتك أنت وعبد العزيز بن عبيد الله بعض ما نعيب على ربيعة من ذلك فكنتما من الموافقين فيما أنكرت تكرهان منه ما أكرهه ومع ذلك بحمد الله عند ربيعة خير كثير وعقل أصيل ولسان بليغ وفضل مستبين وطريقة حسنة في الإسلام ومودة لإخوانه عامة ولنا خاصة - رحمه الله - وغفر له وجزاه بأحسن من عمله. وكان يكون من ابن شهاب اختلاف كثير إذا لقيناه وإذا كاتبه بعضنا فربما كتب إليه في الشيء الواحد على فضل رأيه وعلمه بثلاثة أنواع ينقض بعضها بعضا ولا يشعر بالذي مضى من رأيه في ذلك فهذا الذي يدعوني إلى ترك ما أنكرت تركي إياه. وقد عرفت أيضا عيب إنكاري إياه أن يجمع أحد من أجناد المسلمين بين الصلاتين ليلة المطر ومطر الشام أكثر من مطر المدينة بما لا يعلمه إلا الله لم يجمع منهم إمام قط في ليلة مطر وفيهم أبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومعاذ بن جبل وقد بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وقال: يأتي معاذ يوم القيامة بين يدي العلماء برتوة وشرحبيل بن حسنة وأبو الدرداء وبلال بن رباح وكان أبو ذر بمصر والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وبحمص سبعون من أهل بدر وبأجناد المسلمين كلها وبالعراق ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وعمران بن حصين ونزلها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة سنين وكان معه من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[كثير] فلم يجمعوا بين المغرب والعشاء قط. ومن ذلك القضاء بشهادة شاهد ويمين صاحب الحق وقد عرفت أنه لم يزل يقضي بالمدينة به ولم يقض به أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشام وبحمص ولا بمصر ولا بالعراق ولم يكتب به إليهم الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ثم ولي عمر بن عبد العزيز وكان كما قد علمت في إحياء السنن والجد في إقامة الدين والإصابة في الرأي والعلم بما مضى من أمر الناس فكتب إليه رزيق بن الحكم: إنك كنت تقضي بالمدينة بشهادة الشاهد الواحد ويمين صاحب الحق فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: إنا كنا نقضي بذلك بالمدينة فوجدنا أهل الشام على غير ذلك فلا نقضي إلا بشهادة رجلين عدلين أو(3\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "667",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "669",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجل وامرأتين ولم يجمع بين العشاء والمغرب قط ليلة المطر والمطر يسكب عليه في منزله الذي كان فيه بخناصرة ساكنا. ومن ذلك أن أهل المدينة يقضون في صدقات النساء أنها متى شاءت أن تتكلم في مؤخر صداقها تكلمت فدفع إليها وقد وافق أهل العراق أهل المدينة على ذلك وأهل الشام وأهل مصر ولم يقض أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا من بعدهم لامرأة بصداقها المؤخر إلا أن يفرق بينهما موت أو طلاق فتقوم على حقها. ومن ذلك قولهم في الإيلاء إنه لا يكون عليه طلاق حتى يوقف وإن مرت الأربعة الأشهر وقد حدثني نافع عن عبد الله بن عمر - وهو الذي كان يروى عنه ذلك التوقيف بعد الأشهر - أنه كان يقول في الإيلاء الذي ذكر الله في كتابه: لا يحل للمولي إذا بلغ الأجل إلا أن يفيء كما أمر الله أو يعزم الطلاق وأنتم تقولون: إن لبث بعد الأشهر التي سمى الله في كتابه ولم يوقف لم يكن عليه طلاق وقد بلغنا أن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وقبيصة بن ذؤيب وأبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قالوا في الإيلاء: إذا مضت الأربعة الأشهر فهي تطليقة بائنة وقال سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وابن شهاب: إذا مضت الأربعة الأشهر فهي تطليقة وله الرجعة في العدة. ومن ذلك أن زيد بن ثابت كان يقول: إذا ملك الرجل امرأته فاختارت زوجها فهي تطليقة وإن طلقت نفسها ثلاثا فهي تطليقة وقضى بذلك عبد الملك بن مروان وكان ربيعة بن عبد الرحمن يقوله وقد كاد الناس يجتمعون على أنها إن اختارت زوجها لم يكن فيه طلاق وإن اختارت نفسها واحدة أو اثنتين كانت له عليها الرجعة وإن طلقت نفسها ثلاثا بانت منه ولم تحل له حتى تنكح زوجا غيره فيدخل بها ثم يموت أو يطلقها إلا أن يرد عليها في مجلسه فيقول: إنما ملكتك واحدة فيستحلف ويخلى بينه وبين امرأته. ومن ذلك أن عبد الله بن مسعود كان يقول: أيما رجل تزوج أمة ثم اشتراها زوجها فاشتراؤه إياها ثلاث تطليقات وكان ربيعة يقول ذلك وإن تزوجت المرأة الحرة عبدا فاشترته فمثل ذلك. وقد بلغنا عنكم شيئا من الفتيا مستكرها وقد كنت كتبت إليك في بعضها فلم تجبني في كتابي فتخوفت أن تكون استثقلت ذلك فتركت الكتاب إليك في شيء مما أنكره وفيما أوردت فيه على رأيك وذلك أنه بلغني أنك أمرت زفر بن عاصم الهلالي - حين أراد أن(3\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "668",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "670",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يستسقي - أن يقدم الصلاة قبل الخطبة فأعظمت ذلك لأن الخطبة والاستسقاء كهيئة يوم الجمعة إلا أن الإمام إذا دنا من فراغه من الخطبة فدعا حول رداءه ثم نزل فصلى وقد استسقى عمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيرهما فكلهم يقدم الخطبة والدعاء قبل الصلاة فاستهتر الناس كلهم فعل زفر بن عاصم من ذلك واستنكروه. ومن ذلك أنه بلغني أنك تقول في الخليطين في المال: إنه لا تجب عليهما الصدقة حتى يكون لكل واحد منهما ما تجب فيه الصدقة وفي كتاب عمر بن الخطاب أنه يجب عليهما الصدقة ويترادان بالسوية وقد كان ذلك يعمل به في ولاية عمر بن عبد العزيز قبلكم وغيره والذي حدثنا به يحيى بن سعيد ولم يكن بدون أفاضل العلماء في زمانه فرحمه الله وغفر له وجعل الجنة مصيره ابن سعيد ومن ذلك أنه بلغني أنك تقول: إذا أفلس الرجل وقد باعه رجل سلعة فتقاضى طائفة من ثمنها أو أنفق المشتري طائفة منها أنه يأخذ ما وجد من متاعه وكان الناس على أن البائع إذا تقاضى من ثمنها شيئا أو أنفق المشتري منها شيئا فليست بعينها. ومن ذلك أنك تذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعط الزبير بن العوام إلا لفرس واحد والناس كلهم يحدثون أنه أعطاه أربعة أسهم لفرسين ومنعه الفرس الثالث والأمة كلهم على هذا الحديث أهل الشام وأهل مصر وأهل العراق وأهل إفريقية لا يختلف فيه اثنان فلم يكن ينبغي لك - وإن كنت سمعته من رجل مرضي - أن تخالف الأمة أجمعين. وقد تركت أشياء كثيرة من أشباه هذا وأنا أحب توفيق الله إياك وطول بقائك لما أرجو للناس في ذلك من المنفعة وما أخاف من الضيعة إذا ذهب مثلك مع استئناسي بمكانك وإن نأت الدار فهذه منزلتك عندي ورأيي فيك فاستيقنه ولا تترك الكتاب إلي بخبرك وحالك وحال ولدك وأهلك وحاجة إن كانت لك أو لأحد يوصل بك فإني أسر بذلك كتبت إليك ونحن صالحون معافون والحمد لله نسأل الله أن يرزقنا وإياكم شكر ما أولانا وتمام ما أنعم به علينا والسلام عليك ورحمة الله. [عود إلى القول في تأجيل بعض المهر] فإن قيل: فما تقولون فيما لو تجملوا وجعلوه حالا وقد اتفقوا في الباطن على تأخيره كصدقات النساء في هذه الأزمنة في الغالب: هل للمرأة أن تطالب به قبل الفرقة أو الموت .  [مهر السر ومهر العلن] قيل: هذا ينبني على أصل وهو إذا اتفقا في السر على مهر وسموا في العلانية أكثر(3\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "669",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "671",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منه: هل يؤخذ بالسر أو بالعلانية فهذه المسألة مما اضطربت فيها أقوال المتأخرين لعدم إحاطتهم بمقاصد الأئمة ولا بد من كشف غطائها ولها في الأصل صورتان: إحداهما: أن يعقدوه في العلانية بألفين مثلا وقد اتفقوا قبل ذلك أن المهر ألف وأن الزيادة سمعة من غير أن يعقدوه في العلانية بالأقل فالذي عليه القاضي ومن بعده من أصحاب أحمد أن المهر هو المسمى في العقد ولا اعتبار بما اتفقوا عليه قبل ذلك وإن قامت به البينة أو تصادقوا عليه وسواء كان مهر العلانية من جنس مهر السر أو من جنس غيره أو أقل منه أو أكثر قالوا: وهو ظاهر كلام أحمد في مواضع. قال في رواية ابن بدينا في الرجل يصدق صداقا في السر وفي العلانية شيئا آخر يؤخذ بالعلانية وقال في رواية ابن الحارث: إذا تزوجها في العلانية على شيء وأسر غير ذلك أخذنا بالعلانية وإن كان قد أشهد في السر بغير ذلك وقال في رواية الأثرم في رجل أصدق صداقا سرا وصداقا علانية: يؤخذ بالعلانية إذا كان قد أقر به قيل له: فقد أشهد شهودا في السر بغيره قال: وإن أليس قد أقر بهذا أيضا عند شهود يؤخذ بالعلانية. قال شيخنا: ومعنى قوله quot; أقر به quot; أي رضي به والتزمه لقوله تعالى: أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري [آل عمران: 81] وهذا يعم التسمية في العقد والاعتراف بعده ويقال: أقر بالجزية وأقر للسلطان بالطاعة وهذا كثير في كلامهم وقال في رواية صالح في الرجل يعلن مهرا ويخفي آخر آخذ بما يعلن لأن العلانية قد أشهد [بها] على نفسه وينبغي لهم أن يفوا له بما كان أسره وقال في رواية ابن منصور: إذا تزوج امرأة في السر بمهر وأعلنوا مهرا آخر ينبغي لهم أن يفوا وأما هو فيؤخذ بالعلانية. قال القاضي وغيره: فقد أطلق القول بمهر العلانية وإنما قال: ينبغي لهم أن يفوا بما أسروا على طريق الاختيار لئلا يحصل منهم غرور له في ذلك وهذا القول هو قول الشعبي وأبي قلابة وابن أبي ليلى وابن شبرمة والأوزاعي وهو قول الشافعي المشهور عنه وقد نص في موضع آخر أنه يؤخذ بمهر السر فقيل: في هذه المسألة قولان وقيل: بل ذلك في الصورة الثانية كما سيأتي وقال كثير من أهل العلم أو أكثرهم: إذا علم الشهود أن المهر الذي يظهره سمعة وأن أصل المهر كذا وكذا ثم تزوج وأعلن الذي قال فالمهر هو السر والسمعة باطلة وهذا هو قول الزهري والحكم بن عتيبة ومالك والثوري والليث وأبي حنيفة وأصحابه وإسحاق وعن شريح والحسن كالقولين وذكر القاضي عن أبي حنيفة أنه يبطل المهر ويجب مهر المثل وهو خلاف ما حكاه عنه أصحابه وغيرهم وقد نقل عن أحمد ما يقتضي أن الاعتبار بالسر إذا ثبت أن العلانية تلجئة فقال: إذا كان رجل قد أظهر صداقا(3\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "670",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "672",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأسر غير ذلك نظر في البينات والشهود وكأن الظاهر أوكد إلا أن تقوم بينة تدفع العلانية قال القاضي: وقد تأول أبو حفص العكبري هذا على أن بينة السر عدول وبينة العلانية غير عدول فحكم بالعدول قال القاضي: وظاهر هذا أنه يحكم بمهر السر إذا لم تقم بينة عادلة بمهر العلانية. وقال أبو حفص: إذا تكافأت البينات وقد شرطوا في السر أن الذي يظهر في العلانية الرياء والسمعة فينبغي لهم أن يفوا له بهذا الشرط ولا يطالبوه بالظاهر لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - المؤمنون على شروطهم قال القاضي: وظاهر هذا الكلام من أبي حفص أنه قد جعل للسر حكما قال: والمذهب على ما ذكرناه قال شيخنا: كلام أبي حفص الأول فيما إذا قامت البينة بأن النكاح عقد في السر بالمهر القليل ولم يثبت نكاح العلانية وكلامه الثاني فيما إذا ثبت نكاح العلانية ولكن تشارطوا أن ما يظهرون من الزيادة على ما اتفقوا عليه للرياء والسمعة قال شيخنا: وهذا الذي ذكره أبو حفص أشبه بكلام الإمام أحمد وأصوله فإن عامة كلامه في هذه المسألة إنما هو إذا اختلف الزوج والمرأة ولم تثبت بينة ولا اعتراف أن مهر العلانية سمعة بل شهدت البينة أنه تزوجها بالأكثر وادعى عليه ذلك فإنه يجب أن يؤخذ بما أقر به إنشاء أو إخبارا فإذا أقام شهودا يشهدون أنهم تراضوا بدون ذلك البينة الأولى لأن التراضي بالأقل في وقت لا يمنع التراضي بما زاد عليه في وقت آخر ألا ترى أنه قال: آخذ بالعلانية لأنه قد أشهد على نفسه وينبغي لهم أن يفوا بما كان أسره فقوله quot; لأنه قد أشهد على نفسه quot; دليل على أنه إنما يلزمه في الحكم فقط وإلا فما يجب بينه وبين الله لا يعلل بالإشهاد وكذلك قوله quot; ينبغي لهم أن يفوا له وأما هو فيؤخذ بالعلانية quot; دليل على أنه يحكم عليه به وأن أولئك يجب عليهم الوفاء وقوله quot; ينبغي quot; يستعمل في الواجب أكثر مما يستعمل في المستحب ويدل على ذلك أنه قد قال أيضا في امرأة تزوجت في العلانية على ألف وفي السر على خمسمائة فاختلفوا في ذلك: فإن كانت البينة في السر والعلانية سواء أخذ بالعلانية لأنه أحوط وهو فرج يؤخذ بالأكثر وقيدت المسألة بأنهم اختلفوا وأن كليهما قامت به بينة عادلة. وإنما يظهر ذلك بالكلام في الصورة الثانية وهو ما إذا تزوجها في السر بألف ثم تزوجها في العلانية بألفين مع بقاء النكاح الأول فهنا قال القاضي في المجرد والجامع: إن تصادقا على نكاح السر لزم نكاح السر بمهر السر لأن النكاح المتقدم قد صح ولزم(3\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "671",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "673",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنكاح المتأخر عنه لا يتعلق به حكم ويحمل مطلق كلام أحمد والخرقي على مثل هذه الصورة وهذا مذهب الشافعي وقال الخرقي: إذا تزوجها على صداقين سر وعلانية أخذ بالعلانية وإن كان السر قد انعقد النكاح به وهذا منصوص كلام أحمد في قوله: إن تزوجت في العلانية على ألف وفي السر على خمسمائة وعموم كلامه المتقدم يشمل هذه الصورة والتي قبلها وهذا هو الذي ذكره القاضي في خلافه وعليه أكثر الأصحاب ثم طريقته وطريقة جماعة في ذلك أن ما أظهراه زيادة في المهر والزيادة فيه بعد لزومه لازمة وعلى هذا فلو كان السر هو الأكثر أخذ به أيضا وهو معنى قول الإمام أحمد quot; آخذ بالعلانية quot; أي يؤخذ بالأكثر ولهذا القول طريقة ثانية وهو أن نكاح السر إنما يصح إذا لم يكتموه على إحدى الروايتين بل أنصتهما فإذا تواصوا بكتمان النكاح الأول كانت العبرة إنما هي بالنكاح الثاني. فقد تحرر أن الأصحاب مختلفون: هل يؤخذ بصداق العلانية ظاهرا وباطنا أو ظاهرا فقط فيما إذا كان السر تواطؤا من غير عقد وإن كان السر عقدا فهل هي كالتي قبلها أو يؤخذ هنا بالسر في الباطن بلا تردد على وجهين فمن قال إنه يؤخذ به ظاهرا فقط وإنهم في الباطن لا ينبغي لهم أن يأخذوا إلا بما اتفقوا عليه لم يرد نقضا وهذا قول له شواهد كثيرة ومن قال إنه يؤخذ به ظاهرا وباطنا بنى ذلك على أن المهر من توابع النكاح وصفاته فيكون ذكره سمعة كذكره هزلا والنكاح جده وهزله سواء فكذلك ذكر ما هو فيه يحقق ذلك أن حل البضع مشروط بالشهادة على العقد والشهادة وقعت على ما أظهره فيكون وجوب المشهود به شرطا في الحل. هذا كلام شيخ الإسلام في مسألة مهر السر والعلانية في كتاب إبطال التحليل نقلته بلفظه. ولهذه المسألة عدة صور هذه إحداها. الثانية: أن يتفقا في السر على أن ثمن المبيع ألف ويظهرا في العلانية أن ثمنه ألفان فقال القاضي في التعليق القديم والشريف أبو جعفر وغيرهما: الثمن ما أظهراه على قياس المشهور عنه في المهر أن العبرة بما أظهراه وهو الأكثر وقال القاضي في التعليق الجديد وأبو الخطاب وأبو الحسين وغيرهم من أصحاب القاضي: الثمن ما أسراه والزيادة سمعة ورياء بخلاف المهر وإلحاقا للعوض في البيع بنفس البيع وإلحاقا للمهر بالنكاح وجعلا الزيادة فيه بمنزلة الزيادة بعد العقد وهي غير لاحقة وقال أبو حنيفة عكس هذا بناء على أن تسمية العوض شرط في صحة البيع دون النكاح وقال صاحباه: العبرة في الجميع بما أسراه.(3\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "672",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "674",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصورة الثالثة: أن يتفقا في عقد البيع على أن يتبايعا شيئا بثمن ذكراه على أنه بيع تلجئة لا حقيقة له تخلصا من ظالم يريد أخذه فهذا عقد باطل وإن لم يقولا في صلب العقد quot; قد تبايعناه تلجئة quot; قال القاضي: هذا قياس قول أحمد لأنه قال فيمن تزوج امرأة واعتقد أنه يحلها للأول: لم يصح هذا النكاح وكذلك إذا باع عنبا ممن يعتقد أنه يعصره خمرا قال: وقد قال أحمد في رواية ابن منصور: إنه إذا أقر لامرأة بدين في مرضه ثم تزوجها ومات وهي وارثة فهذه قد أقر لها وليست بزوجة يجوز ذلك إلا أن يكون أراد تلجئة فيرد ونحو هذا نقل إسحاق بن إبراهيم والمروزي وهذا قول أبي يوسف ومحمد وهو قياس قول مالك. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يكون تلجئة حتى يقولا في العقد quot; قد تبايعنا هذا العقد تلجئة quot; ومأخذ من أبطله أنهما لم يقصدا العقد حقيقة والقصد معتبر في صحته ومأخذ من يصححه أن هذا شرط مقدم على العقد والمؤثر في العقد إنما هو الشرط المقارن. والأولون منهم من يمنع المقدمة الأولى ويقول: لا فرق بين الشرط المتقدم والمقارن ومنهم من يقول: إنما ذلك في الشرط الزائد على العقد بخلاف الرافع له فإن الشارط هنا يجعل العقد غير مقصود وهناك هو مقصود وقد أطلق عن شرط مقارن. الصورة الرابعة: أن يظهرا نكاحا تلجئة لا حقيقة له فاختلف الفقهاء في ذلك فقال القاضي وغيره من الأصحاب: إنه صحيح كنكاح الهازل لأن أكثر ما فيه أنه غير قاصد للعقد بل هازل به ونكاح الهازل صحيح. قال شيخنا: ويؤيد هذا أن المشهور عندنا أنه لو شرط في العقد رفع موجبه مثل أن يشترط أنه لا يطؤها أو أنها لا تحل له أو أنه لا ينفق عليها ونحو ذلك - صح العقد دون الشرط فالاتفاق على التلجئة حقيقته أنهما اتفقا على أن يعقدا عقدا لا يقتضي موجبه وهذا لا يبطله. قال شيخنا: ويتخرج في نكاح التلجئة أنه باطل لأن الاتفاق الموجود قبل العقد بمنزلة المشروط في العقد في أظهر الطريقين لأصحابنا ولو شرطا في العقد أنه نكاح تلجئة لا حقيقة لكان نكاحا باطلا وإن قيل إن فيه خلافا فإن أسوأ الأحوال أن يكون كما لو شرطا أنها لا تحل له وهذا الشرط يفسد العقد على الخلاف المشهور. الصورة الخامسة: أن يتفقا على أن العقد عقد تحليل لا نكاح رغبة وأنه متى دخل بها طلقها أو فهي طالق أو أنها متى اعترفت بأنه وصل إليها فهي طالق ثم يعقداه مطلقا وهو في الباطن نكاح تحليل لا نكاح رغبة فهذا محرم باطل لا تحل به الزوجة للمطلق وهو داخل تحت اللعنة مع تضمن زيادة الخداع كما سماه السلف بذلك وجعلوا فاعله(3\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "673",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "675",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مخادعا لله وقالوا: من يخادع الله يخدعه وعلى بطلان هذا النكاح نحو ستين دليلا. والمقصود أن المتعاقدين وإن أظهرا خلاف ما اتفقا عليه في الباطن فالعبرة لما أضمراه واتفقا عليه وقصداه بالعقد وقد أشهدا الله على ما في قلوبهما فلا ينفعهما ترك التكلم به حالة العقد وهو مطلوبهما ومقصودهما. الصورة السادسة: أن يحلف الرجل في شيء في الظاهر وقصده ونيته خلاف ما حلف عليه وهو غير مظلوم فهذا لا ينفعه ظاهر لفظه ويكون يمينه على ما يصدقه عليه صاحبه اعتبارا بمقصده ونيته. الصورة السابعة: إذا اشترى أو استأجر مكرها لم يصح وإن كان في الظاهر قد حصل صورة العقد لعدم قصده وإرادته فدل على أن القصد روح العقد ومصححه ومبطله فاعتبار المقصود في العقود أولى من اعتبار الألفاظ فإن الألفاظ مقصودة لغيرها ومقاصد العقود هي التي تراد لأجلها فإذا ألغيت واعتبرت الألفاظ التي لا تراد لنفسها كان هذا إلغاء لما يجب اعتباره واعتبارا لما قد يسوغ إلغاؤه وكيف يقدم اعتبار اللفظ الذي قد ظهر كل الظهور أن المراد خلافه بل قد يقطع بذلك على المعنى الذي قد ظهر بل قد يتيقن أنه المراد وكيف ينكر على أهل الظاهر من يسلك هذا وهل ذلك إلا من إيراد الظاهرية فإن أهل الظاهر تمسكوا بألفاظ النصوص وأجروها على ظواهرها حيث لا يحصل القطع بأن المراد خلافها وأنتم تمسكتم بظواهر ألفاظ غير المعصومين حيث يقع القطع بأن المراد خلافها فأهل الظاهر أعذر منكم بكثير وكل شبهة تمسكتم بها في تسويغ ذلك فأدلة الظاهرية في تمسكهم بظواهر النصوص أقوى وأصح والله تعالى يحب الإنصاف بل هو أفضل حلية تحلى بها الرجل خصوصا من نصب نفسه حكما بين الأقوال والمذاهب وقد قال الله تعالى لرسوله: وأمرت لأعدل بينكم [الشورى: 15] فورثة الرسول منصبهم العدل بين الطوائف وألا يميل أحدهم مع قريبه وذوي مذهبه وطائفته ومتبوعه بل يكون الحق مطلوبه يسير بسيره وينزل بنزوله يدين دين العدل والإنصاف ويحكم الحجة وما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو العلم الذي قد شمر إليه ومطلوبه الذي يحوم بطلبه عليه لا يثني عنانه عنه عذل عاذل ولا تأخذه فيه لومة لائم ولا يصده عنه قول قائل.  [الألفاظ التي لم يقصد المتكلم بها معانيها] [العبرة بالقصد لا بالألفاظ] ومن تدبر مصادر الشرع وموارده تبين له أن الشارع ألغى الألفاظ التي لم يقصد المتكلم بها معانيها بل جرت على غير قصد منه كالنائم والناسي والسكران والجاهل(3\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "674",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "676",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمكره والمخطئ من شدة الفرح أو الغضب أو المرض ونحوهم ولم يكفر من قال من شدة فرحه براحلته بعد يأسه منها: اللهم أنت عبدي وأنا ربك quot; فكيف يعتبر الألفاظ التي يقطع بأن مراد قائلها خلافها ولهذا المعنى رد شهادة المنافقين ووصفهم بالخداع والكذب والاستهزاء وذمهم على أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم وأن بواطنهم تخالف ظواهرهم وذم تعالى من يقول ما لا يفعل وأخبر أن ذلك من أكبر المقت عنده ولعن اليهود إذ توسلوا بصورة عقد البيع على ما حرمه عليهم إلى أكل ثمنه وجعل أكل ثمنه لما كان هو المقصود بمنزلة أكله في نفسه.  وقد لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الخمر عاصرها ومعتصرها  ومن المعلوم أن العاصر إنما عصر عنبا ولكن لما كانت نيته إنما هي تحصيل الخمر لم ينفعه ظاهر عصره ولم يعصمه من اللعنة لباطن قصده ومراده فعلم أن الاعتبار في العقود والأفعال بحقائقها ومقاصدها دون ظواهر ألفاظها وأفعالها. ومن لم يراع القصود في العقود وجرى مع ظواهرها يلزمه أن لا يلعن العاصر وأن يجوز له عصر العنب لكل أحد وإن ظهر له أن قصده الخمر وأن يقضي له بالأجرة لعدم تأثير القصد في العقد عنده ولقد صرحوا بذلك وجوزوا له العصر وقضوا له بالأجرة وقد روي في أثر مرفوع من حديث ابن بريدة عن أبيه من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو من يتخذه خمرا فقد تقحم النار على بصيرة ذكره عبد الله ابن بطة.  ومن لم يراع القصد في العقد لم ير بذلك بأسا وقاعدة الشريعة التي لا يجوز هدمها أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبارات كما هي معتبرة في التقربات والعبادات فالقصد والنية والاعتقاد يجعل الشيء حلالا أو حراما وصحيحا أو فاسدا وطاعة أو معصية كما أن القصد في العبادة يجعلها واجبة أو مستحبة أو محرمة أو صحيحة أو فاسدة. ودلائل هذه القاعدة تفوت الحصر فمنها قوله تعالى في حق الأزواج إذا طلقوا أزواجهم طلاقا رجعيا: وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا [البقرة: 228] وقوله: ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا [البقرة: 231] وذلك نص في أن الرجعة إنما ملكها الله تعالى لمن قصد الصلاح دون من قصد الضرار. وقوله في الخلع: فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به [البقرة: 229] وقوله: فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله [البقرة: 230] فبين تعالى أن الخلع المأذون فيه والنكاح المأذون فيه إنما يباح إذا ظنا أن يقيما حدود الله. وقال تعالى: من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار [النساء: 12] فإنما قدم الله الوصية على الميراث إذا لم يقصد بها الموصي الضرار فإن قصده فللورثة إبطالها وعدم تنفيذها وكذلك قوله:(3\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "675",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "677",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه [البقرة: 182] فرفع الإثم عمن أبطل الجنف والإثم من وصية الموصي ولم يجعلها بمنزلة نص الشارع الذي تحرم مخالفته.  [شروط الواقفين] وكذلك الإثم مرفوع عمن أبطل من شروط الواقفين ما لم يكن إصلاحا وما كان فيه جنف أو إثم ولا يحل لأحد أن يجعل هذا الشرط الباطل المخالف لكتاب الله بمنزلة نص الشارع ولم يقل هذا أحد من أئمة الإسلام بل قد قال إمام الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله: كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق فإنما ينفذ من شروط الواقفين ما كان لله طاعة وللمكلف مصلحة وأما ما كان بضد ذلك لا حرمة له كشرط التعزب والترهب المضاد لشرع الله ودينه فإنه تعالى فتح للأمة باب النكاح بكل طريق وسد عنهم باب السفاح بكل طريق وهذا الشرط باطل لذلك فإنه يسد على من التزمه باب النكاح ويفتح له باب الفجور فإن لوازم البشرية تتقاضاها الطباع أتم تقاض فإذا سد عنها مشروعها فتحت له ممنوعها ولا بد. والمقصود أن الله تعالى رفع الإثم عمن أبطل الوصية الجانفة الآثمة وكذلك هو مرفوع عمن أبطل شروط الواقفين التي هي كذلك فإذا شرط الواقف القراءة على القبر كانت القراءة في المسجد أولى وأحب إلى الله ورسوله وأنفع للميت فلا يجوز تعطيل الأحب إلى الله الأنفع لعبده واعتبار ضده وقد رام بعضهم الانفصال عن هذا بأنه قد يكون قصد الواقف حصول الأجر له باستماعه للقرآن في قبره وهذا غلط فإن ثواب الاستماع مشروط بالحياة فإنه عمل اختياري وقد انقطع بموته ومن ذلك اشتراطه أن يصلي الصلوات الخمس في المسجد الذي بناه على قبره فإنه شرط باطل لا يجب بل لا يحل الوفاء به وصلاته في المسجد الذي لم يوضع على قبره أحب إلى الله ورسوله فكيف يفتي أو يقضي بتعطيل الأحب إلى الله والقيام بالأكره إليه اتباعا لشرط الواقف الجانف الآثم ومن ذلك أن يشرط عليه إيقاد قنديل على قبره أو بناء مسجد عليه فإنه لا يحل تنفيذ هذا الشرط ولا العمل به فكيف ينقله شرط لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعله .  [أنواع شروط الواقفين وحكمها] وبالجملة فشروط الواقفين أربعة أقسام: شروط محرمة في الشرع وشروط مكروهة لله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وشروط تتضمن ترك ما هو أحب إلى الله ورسوله وشروط تتضمن(3\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "676",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "678",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعل ما هو أحب إلى الله تعالى ورسوله فالأقسام الثلاثة الأول لا حرمة لها ولا اعتبار والقسم الرابع هو الشرط المتبع الواجب الاعتبار وبالله التوفيق. وقد أبطل النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الشروط كلها بقوله: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وما رده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يجز لأحد اعتباره ولا الإلزام به وتنفيذه ومن تفطن لتفاصيل هذه الجملة التي هي من لوازم الإيمان تخلص بها من آصار وأغلال في الدنيا وإثم وعقوبة ونقص ثواب في الآخرة وبالله التوفيق.  [فصل اعتبار الشرع قصد المكلف دون الصورة] فصل [من فروع اعتبار الشرع قصد المكلف دون الصورة] وتأمل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم كيف حرم على المحرم الأكل مما صاده الحلال إذا كان قد صاده لأجله فانظر كيف أثر القصد في التحريم ولم يرفعه ظاهر الفعل ومن ذلك الأثر المرفوع من حديث أبي هريرة من تزوج امرأة بصداق ينوي أن لا يؤديه إليها فهو زان ومن ادان دينا ينوي أن لا يقضيه فهو سارق ذكره أبو حفص بإسناده فجعل المشتري والناكح إذا قصدا أن لا يؤديا العوض بمنزلة من استحل الفرج والمال بغير عوض فيكون كالزاني والسارق في المعنى وإن خالفهما في الصورة ويؤيد ذلك ما في صحيح البخاري مرفوعا من أخذ أموال الناس يريد أداءها أداها الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفها الله . فهذه النصوص وأضعافها تدل على أن المقاصد تغير أحكام التصرفات من العقود وغيرها وأحكام الشريعة تقتضي ذلك أيضا فإن الرجل إذا اشترى أو استأجر أو اقترض أو نكح ونوى أن ذلك لموكله أو لموليه كان له وإن لم يتكلم به في العقد وإن لم ينوه له وقع الملك للعاقد وكذلك لو تملك المباحات من الصيد والحشيش وغيرها ونواه لموكله وقع الملك له عند جمهور الفقهاء نعم لا بد في النكاح من تسمية الموكل لأنه معقود عليه فهو بمنزلة السلعة في البيع فافتقر العقد إلى تعيينه لذلك لا أنه معقود له وإذا كان القول والفعل الواحد يوجب الملك لمالكين مختلفين عند تغير النية ثبت أن للنية تأثيرا في العقود والتصرفات. ومن ذلك أنه لو قضى عن غيره دينا أو أنفق عليه نفقة واجبة أو نحو ذلك ينوي التبرع والهبة لم يملك الرجوع بالبدل وإن لم ينو فله الرجوع إن كان بإذنه اتفاقا وإن كان بغير إذنه ففيه النزاع المعروف فصورة العقد واحدة وإنما اختلف الحكم بالنية والقصد ومن ذلك أن الله تعالى حرم أن يدفع الرجل إلى غيره مالا ربويا بمثله على وجه البيع إلا أن(3\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "677",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "679",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يتقابضا وجوز دفعه بمثله على وجه القرض وقد اشتركا في أن كلا منهما يدفع ربويا ويأخذ نظيره وإنما فرق بينهما القصد فإن مقصود المقرض إرفاق المقترض ونفعه وليس مقصوده المعاوضة والربح ولهذا كان القرض شقيق العارية كما سماه النبي - صلى الله عليه وسلم - quot; منيحة الورق quot; فكأنه أعاره الدراهم ثم استرجعها منه لكن لم يمكن استرجاع العين فاسترجع المثل وكذلك لو باعه درهما بدرهمين كان ربا صريحا ولو باعه إياه بدرهم ثم وهبه درهما آخر جاز والصورة واحدة وإنما فرق بينهما القصد فكيف يمكن أحدا أن يلغي القصود في العقود ولا يجعل لها اعتبارا .  [فصل الأحكام تجري على الظواهر] فصل [اعتراض بأن الأحكام تجري على الظواهر] فإن قيل: قد أطلتم الكلام في مسألة القصود في العقود ونحن نحاكمكم إلى القرآن والسنة وأقوال الأئمة قال الله تعالى حكاية عن نبيه نوح: ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين [هود: 31] فرتب الحكيم على ظاهر إيمانهم ورد علم ما في أنفسهم إلى العالم بالسرائر تعالى المنفرد بعلم ذات الصدور وعلم ما في النفوس من علم الغيب وقد قال تعالى لرسوله: ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب [هود: 31] وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم وقد قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله فاكتفى منهم بالظاهر ووكل سرائرهم إلى الله وكذلك فعل بالذين تخلفوا عنه واعتذروا إليه قبل منهم علانيتهم ووكل سرائرهم إلى الله عز وجل وكذلك كانت سيرته في المنافقين: قبول ظاهر إسلامهم ويكل سرائرهم إلى الله عز وجل وقال تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم [الإسراء: 36] ولم يجعل لنا علما بالنيات والمقاصد تتعلق الأحكام الدنيوية بها فقولنا لا علم لنا به. قال الشافعي: فرض الله تعالى على خلقه طاعة نبيه ولم يجعل لهم من الأمر شيئا فأولى ألا يتعاطوا حكما على غيب أحد بدلالة ولا ظن لقصور علمهم من علوم أنبيائه الذين فرض عليهم الوقوف عما ورد عليهم حتى يأتيهم أمره فإنه تعالى ظاهر عليهم الحجج فما جعل إليهم الحكم في الدنيا إلا بما ظهر من المحكوم عليه ففرض على نبيه أن يقاتل أهل الأوثان حتى يسلموا فتحقن دماؤهم إذا أظهروا الإسلام وأعلم أنه لا يعلم صدقهم بالإسلام إلا الله ثم أطلع الله رسوله على قوم يظهرون الإسلام ويسرون(3\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "678",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "680",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غيره فلم يجعل له أن يحكم عليهم بخلاف حكم الإسلام ولم يجعل له أن يقضي عليهم في الدنيا بخلاف ما أظهروا فقال لنبيه: قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا [الحجرات: 14] يعني أسلمنا بالقول مخافة القتل والسبي ثم أخبرهم أنه يجزيهم إن أطاعوا الله ورسوله يعني إن أحدثوا طاعة الله ورسوله وقال في المنافقين وهم صنف ثان: إذا جاءك المنافقون [المنافقون: 1] إلى قوله: اتخذوا أيمانهم جنة [المنافقون: 2] يعني جنة من القتل وقال: سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم [التوبة: 95] فأمر بقبول ما أظهروا ولم يجعل لنبيه أن يحكم عليهم بخلاف حكم الإيمان وقد أعلم الله نبيه أنهم في الدرك الأسفل من النار فجعل حكمه تعالى عليهم على سرائرهم وحكم نبيه عليهم في الدنيا على علانيتهم بإظهار التوبة وما قامت عليه بينة من المسلمين وبما أقروا بقوله وما جحدوا من قول الكفر ما لم يقروا به ولم يقم به بينة عليهم وقد كذبهم في قولهم في كل ذلك وكذلك أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الله أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد عن عبيد الله بن يزيد عن عدي بن الخيار: أن رجلا سار النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يدر ما ساره حتى جهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا هو يشاوره في قتل رجل من المنافقين فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أليس يشهد أن لا إله إلا الله قال: بلى ولا شهادة له فقال: أليس يصلي قال: بلى ولا صلاة له فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم ثم ذكر حديث: أمرت أن أقاتل الناس ثم قال: فحسابهم على الله بصدقهم وكذبهم وسرائرهم إلى الله العالم بسرائرهم المتولي الحكم عليهم دون أنبيائه وحكام خلقه. وبذلك مضت أحكام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بين العباد من الحدود وجميع الحقوق أعلمهم أن جميع أحكامه على ما يظهرون والله يدين بالسرائر ثم ذكر حديث عويمر العجلاني في لعانه امرأته ثم قال: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا: لولا ما قضى الله لكان لي فيها قضاء غيره يعني لولا ما قضى الله من ألا يحكم على أحد إلا باعتراف على نفسه أو بينة ولم يعرض لشريك ولا للمرأة وأنفذ الحكم وهو يعلم أن أحدهما كاذب ثم علم بعد أن الزوج هو الصادق. ثم ذكر حديث ركانة أنه طلق امرأته ألبتة وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استحلفه ما أردت إلا واحدة فحلف له فردها إليه  قال: وفي ذلك وغيره دليل على أن حراما على الحاكم أن يقضي أبدا على أحد من عباد الله إلا بأحسن ما يظهر وإن احتمل ما يظهر غير أحسنه وكانت عليه دلالة على ما يخالف أحسنه. ومن قوله: بلى لما حكم الله في الأعراب الذين(3\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "679",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "681",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا آمنا وعلم الله أن الإيمان لم يدخل في قلوبهم لما أظهروا من الإسلام ولما حكم في المنافقين الذين علم أنهم آمنوا ثم كفروا وأنهم كاذبون بما أظهروا من الإيمان بحكم الإسلام وقال في المتلاعنين: أبصروها فإن جاءت به كذا وكذا فلا أراه إلا قد صدق عليها فجاءت به كذلك ولم يجعل له إليها سبيلا إذ لم تقر ولم تقم عليها بينة . وأبطل في حكم الدنيا عنهما استعمال الدلالة التي لا توجد في الدنيا دلالة بعد دلالة الله على المنافقين والأعراب أقوى مما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله في امرأة العجلاني على أن يكون ثم كان كما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - والأغلب على من سمع الفزاري يقول للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن امرأتي ولدت غلاما أسود وعرض بالقذف أنه يريد القذف ثم لم يحده النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ لم يكن التعريض ظاهر قذف فلم يحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بحكم القذف والأغلب على من سمع قول ركانة لامرأته: quot; أنت طالق ألبتة quot; أنه قد أوقع الطلاق بقوله أنت طالق وأن ألبتة إرادة شيء غير الأول أنه أراد الإبتات بثلاث ولكنه لما كان ظاهرا في قوله واحتمل غيره لم يحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بظاهر الطلاق واحدة. فمن حكم على الناس بخلاف ما ظهر عليهم استدلالا على أن ما أظهروا خلاف ما أبطنوا بدلالة منهم أو غير دلالة لم يسلم عندي من خلاف التنزيل والسنة وذلك مثل أن يقول قائل: من رجع عن الإسلام ممن ولد عليه قتلته ولم أستتبه ومن رجع عنه ممن لم يولد عليه أستتبه ولم يحكم الله على عباده إلا حكما واحدا ومثله أن يقول: من رجع عن الإسلام ممن أظهر نصرانية أو يهودية أو دينا يظهره كالمجوسية أستتبه فإن أظهر التوبة قبلت منه ومن رجع إلى دين خفية لم أستتبه وكل قد بدل دين الحق ورجع إلى الكفر فكيف يستتاب بعضهم ولا يستتاب بعض فإن قال: لا أعرف توبة الذي يسر دينه قيل: ولا يعرفها إلا الله وهذا - مع خلافه حكم الله ثم رسوله - كلام محال يسأل من قال هذا: هل تدري لعل الذي كان أخفى الشرك يصدق بالتوبة والذي كان أظهر الشرك يكذب بالتوبة فإن قال: نعم قيل: فتدري لعلك قتلت المؤمن الصادق الإيمان واستحييت الكاذب بإظهار الإيمان فإن قال: ليس علي إلا الظاهر قيل: فالظاهر فيهما واحد وقد جعلته اثنين بعلة محالة والمنافقون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يظهروا يهودية ولا نصرانية ولا مجوسية بل كانوا يستسرون بدينهم فيقبل منهم ما يظهرون من الإيمان فلو كان قائل هذا القول حين خالف السنة أحسن أن يقول شيئا له وجه ولكنه يخالفها ويعتل بما لا وجه له كأنه يرى أن اليهودية والنصرانية لا تكون إلا بإتيان الكنائس أرأيت إن كانوا ببلاد لا كنائس فيها إما يصلون في بيوتهم فتخفى صلاتهم على غيرهم قال: وما وصفت من حكم الله ثم حكم(3\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "680",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "682",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسوله في المتلاعنين يبطل حكم الدلالة التي هي أقوى من الذرائع فإذا بطل الأقوى من الدلائل بطل الأضعف من الذرائع كلها وبطل الحد في التعريض بالقذف. فإن من الناس من يقول: إذا تشاتم الرجلان فقال أحدهما: quot; ما أنا بزان ولا أمي بزانية quot; حد لأنه إذا قاله على المشاتمة فالأغلب أنه إنما يريد به قذف الذي يشاتم وأمه وإن قاله على غير المشاتمة لم أحده إذا قال: quot; لم أرد القذف quot; مع إبطال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حكم التعريض في حديث الفزاري الذي ولدت امرأته غلاما أسود فإن قال قائل: فإن عمر حد في التعريض في مثل هذا قيل: استشار أصحابه فخالفه بعضهم ومع من خالفه ما وصفنا من الدلالة.  ويبطل مثله قول الرجل لامرأته: quot; أنت طالق ألبتة quot; لأن الطلاق إيقاع طلاق ظاهر وألبتة تحتمل زيادة في عدد الطلاق وغير زيادة والقول قوله في الذي يحتمل غير الظاهر حتى لا يحكم عليه أبدا إلا بظاهر ويجعل القول قوله في الذي يحتمل غير الظاهر فهذا يدل على أنه لا يفسد عقد إلا بالعقد نفسه ولا يفسد بشيء تقدمه ولا تأخره ولا بتوهم ولا بالأغلب وكذلك كل شيء لا يفسد إلا بعقده. ولا يفسد البيوع بأن يقول: هذه ذريعة وهذه نية سوء ولو كان أن يبطل البيوع بأن تكون ذريعة إلى الربا كان اليقين في البيوع بعقد ما لا يحل أولى أن يريد به من الظن ألا ترى أن رجلا لو اشترى سيفا ونوى بشرائه أن يقتل به مسلما كان الشراء حلالا وكانت النية بالقتل غير جائزة ولم يبطل بها البيع وكذلك لو باع سيفا من رجل يريد أن يقتل به رجلا كان هذا هكذا.  ولو أن رجلا شريفا نكح دنية أعجمية أو شريفة نكحت دنيا أعجميا فتصادقا في الوجهين على إن لم ينو واحد منهما أن يثبت على النكاح أكثر من ليلة لم يحرم النكاح بهذه النية لأن ظاهر عقده كان صحيحا إن شاء الزوج حبسها وإن شاء طلقها.  فإذا دل الكتاب ثم السنة ثم عامة حكم الإسلام على أن العقود إنما تثبت بظاهر عقدها لا تفسدها نية العاقدين كانت العقود إذا عقدت في الظاهر صحيحة ولا تفسد بتوهم غير عاقدها على عاقدها ولا سيما إذا كان توهما ضعيفا انتهى كلام الشافعي.  وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الهازل بالنكاح والطلاق والرجعة كالجاد بها مع أنه لم يقصد حقائق هذه العقود وأبلغ من هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: إنما أقضي بنحو ما أسمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يحكم بالظاهر وإن كان في نفس الأمر لا يحل للمحكوم له ما حكم له به وفي هذا كله دلالة على إلغاء المقاصد والنيات في العقود وإبطال سد الذرائع واتباع ظواهر عقود الناس وألفاظهم وبالله التوفيق.(3\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "681",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "683",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[القول الفصل في هذه المسألة] فانظر ملتقى البحرين ومعترك الفريقين فقد أبرز كل منهما حجته وخاض بحر العلم فبلغ منه لجته وأدلى من الحجج والبراهين بما لا يدفع وقال ما هو حقيق بأن يقول له أهل العلم قل يسمع وحجج الله لا تتعارض وأدلة الشرع لا تتناقض والحق يصدق بعضه بعضا ولا يقبل معارضة ولا نقصا وحرام على المقلد المتعصب أن يكون من أهل هذا الطراز الأول أو يكون على قوله وبحثه إذا حقت الحقائق المعول فليجرب المدعي ما ليس له والمدعي في قوم ليس منهم نفسه وعلمه وما حصله في الحكم بين الفريقين والقضاء للفصل بين المتغالبين وليبطل الحجج والأدلة من أحد الجانبين ليسلم له قول إحدى الطائفتين وإلا فيلزم حده ولا يتعدى طوره ولا يمد إلى العلم الموروث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باعا يقصر عن الوصول إليه ولا يتجر بنقد زائف لا يروج عليه ولا يتمكن من الفصل بين المقالين إلا من تجرد لله مسافرا بعزمه وهمته إلى مطلع الوحي منزلا نفسه منزلة من يتلقاه غضا طريا من في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرض عليه آراء الرجال ولا يعرضه عليها ويحاكمها إليه ولا يحاكمه إليها فنقول وبالله التوفيق: [وضعت الألفاظ لتعريف ما في النفس] إن الله تعالى وضع الألفاظ بين عباده تعريفا ودلالة على ما في نفوسهم فإذا أراد أحدهم من الآخر شيئا عرفه بمراده وما في نفسه بلفظه ورتب على تلك الإرادات والمقاصد أحكامها بواسطة الألفاظ ولم يرتب تلك الأحكام على مجرد ما في النفوس من غير دلالة فعل أو قول ولا على مجرد ألفاظ مع العلم بأن المتكلم بها لم يرد معانيها ولم يحط بها علما بل تجاوز للأمة عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم به وتجاوز لها عما تكلمت به مخطئة أو ناسية أو مكرهة أو غير عالمة به إذا لم تكن مريدة لمعنى ما تكلمت به أو قاصدة إليه فإذا اجتمع القصد والدلالة القولية أو الفعلية ترتب الحكم. هذه قاعدة الشريعة وهي من مقتضيات عدل الله وحكمته ورحمته فإن خواطر القلوب وإرادة النفوس لا تدخل تحت الاختيار فلو ترتبت عليها الأحكام لكان في ذلك أعظم حرج ومشقة على الأمة ورحمة الله تعالى وحكمته تأبى ذلك والغلط والنسيان والسهو وسبق اللسان بما لا يريده العبد بل يريد خلافه والتكلم به مكرها وغير عارف لمقتضاه من لوازم البشرية لا يكاد ينفك الإنسان من شيء منه فلو رتب عليه الحكم لحرجت الأمة وأصابها غاية التعب والمشقة فرفع عنها المؤاخذة بذلك كله حتى الخطأ في اللفظ من شدة الفرح والغضب والسكر كما تقدمت شواهده(3\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "682",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "684",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[الأشياء التي لا يؤاخذ الله المكلف بها] وكذلك الخطأ والنسيان والإكراه والجهل بالمعنى وسبق اللسان بما لم يرده والتكلم في الإغلاق ولغو اليمين فهذه عشرة أشياء لا يؤاخذ الله بها عبده بالتكلم في حال منها لعدم قصده وعقد قلبه الذي يؤاخذه به. أما الخطأ من شدة الفرح فكما في الحديث الصحيح حديث فرح الرب بتوبة عبده وقول الرجل: أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح . وأما الخطأ من شدة الغضب فكما في قوله تعالى: ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم [يونس: 11] قال السلف: هو دعاء الإنسان على نفسه وولده وأهله حال الغضب لو أجابه الله تعالى لأهلك الداعي ومن دعى عليه فقضي إليهم أجلهم وقد قال جماعة من الأئمة: الإغلاق الذي منع النبي - صلى الله عليه وسلم - من وقوع الطلاق والعتاق فيه هو الغضب. وهذا كما قالوه فإن للغضب سكرا كسكر الخمر أو أشد. وأما السكران فقد قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون [النساء: 43] فلم يرتب على كلام السكران حكما حتى يكون عالما بما يقول ولذلك أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا يشكك المقر بالزنا ليعلم هل هو عالم بما يقول أو غير عالم بما يقول ولم يؤاخذ حمزة بقوله في حال السكر: هل أنتم إلا عبيد لأبي ولم يكفر من قرأ في حال سكره في الصلاة: أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون . وأما الخطأ والنسيان فقد قال تعالى حكاية عن المؤمنين: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا [البقرة: 286] وقال الله تعالى: quot; قد فعلت quot; وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن الله قد تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه . وأما المكره فقد قال الله: من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان [النحل: 106] والإكراه داخل في حكم الإغلاق. وأما اللغو فقد رفع الله تعالى المؤاخذة به حتى يحصل عقد القلب. وأما سبق اللسان بما لم يرده المتكلم فهو دائر بين الخطأ في اللفظ والخطأ في القصد فهو أولى أن لا يؤاخذ به من لغو اليمين وقد نص الأئمة على مسائل من ذلك تقدم ذكر بعضها.(3\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "683",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "685",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الإغلاق فقد نص عليه صاحب الشرع والواجب حمل كلامه فيه على عمومه اللفظي والمعنوي فكل من أغلق عليه باب قصده وعلمه كالمجنون والسكران والمكره والغضبان فقد تكلم في الإغلاق ومن فسره بالجنون أو بالسكر أو بالغضب أو بالإكراه فإنما قصد التمثيل لا التخصيص ولو قدر أن اللفظ يختص بنوع من هذه الأنواع لوجب تعميم الحكم بعموم العلة فإن الحكم إذا ثبت لعلة تعدى بتعديها وانتفى بانتفائها.  [فصل الألفاظ بالنسبة إلى مقاصد المتكلمين ثلاثة أقسام] فصل [الألفاظ على ثلاثة أقسام] فإن تمهدت هذه القاعدة فنقول: الألفاظ بالنسبة إلى مقاصد المتكلمين ونياتهم وإرادتهم لمعانيها ثلاثة أقسام: أحدها: أن تظهر مطابقة القصد للفظ وللظهور مراتب تنتهي إلى اليقين والقطع بمراد المتكلم بحسب الكلام في نفسه وما يقترن به من القرائن الحالية واللفظية وحال المتكلم به وغير ذلك كما إذا سمع العاقل والعارف باللغة قوله - صلى الله عليه وسلم -: إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب وكما ترون الشمس في الظهيرة صحوا ليس دونها سحاب لا تضارون في رؤيته إلا كما تضارون في رؤيتها فإنها لا يستريب ولا يشك في مراد المتكلم وأنه رؤية البصر حقيقة وليس في الممكن عبارة أوضح ولا أنص من هذه. ولو اقترح على أبلغ الناس أن يعبر عن هذا المعنى بعبارة لا تحتمل غيره لم يقدر على عبارة أوضح ولا أنص من هذه وعامة كلام الله ورسوله من هذا القبيل فإنه مستول على الأمد الأقصى من البيان. فصل القسم الثاني: ما يظهر بأن المتكلم لم يرد معناه وقد ينتهي هذا الظهور إلى حد اليقين بحيث لا يشك السامع فيه وهذا القسم نوعان أحدهما: أن لا يكون مريدا لمقتضاه ولا لغيره والثاني: أن يكون مريدا لمعنى يخالفه فالأول كالمكره والنائم والمجنون ومن اشتد به الغضب والسكران والثاني: كالمعرض والموري والملغز والمتأول. فصل القسم الثالث: ما هو ظاهر في معناه ويحتمل إرادة المتكلم له ويحتمل إرادته غيره(3\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "684",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "686",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا دلالة على واحد من الأمرين واللفظ دال على المعنى الموضوع له وقد أتى به اختيارا. [متى يحمل الكلام على ظاهره] فهذه أقسام الألفاظ بالنسبة إلى إرادة معانيها ومقاصد المتكلم بها وعند هذا يقال: إذا ظهر قصد المتكلم لمعنى الكلام أو لم يظهر قصد يخالف كلامه وجب حمل كلامه على ظاهره والأدلة التي ذكرها الشافعي - رضي الله عنه - وأضعافها كلها إنما تدل على ذلك وهذا حق لا ينازع فيه عالم والنزاع إنما هو في غيره. إذا عرف هذا فالواجب حمل كلام الله تعالى ورسوله وحمل كلام المكلف على ظاهره الذي هو ظاهره وهو الذي يقصد من اللفظ عند التخاطب ولا يتم التفهيم والفهم إلا بذلك. ومدعي غير ذلك على المتكلم القاصد للبيان والتفهيم كاذب عليه. قال الشافعي: وحديث رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - على ظاهره بت ومن ادعى أنه لا طريق لنا إلى اليقين بمراد المتكلم لأن العلم بمراده موقوف على العلم بانتفاء عشرة أشياء فهو ملبوس عليه ملبس على الناس فإن هذا لو صح لم يحصل لأحد العلم بكلام المتكلم قط وبطلت فائدة التخاطب وانتفت خاصية الإنسان وصار الناس كالبهائم بل أسوأ حالا ولما علم عرض هذا المصنف من تصنيفه وهذا باطل بضرورة الحس والعقل وبطلانه من أكثر من ثلاثين وجها مذكورة في غير هذا الموضع ولكن حمل كلام المتكلمين على ظاهره لا ينبغي صرفه عن ذلك لدلالة تدل عليه كالتعريض ولحن الخطاب والتورية وغير ذلك وهذا أيضا مما لا ينازع فيه العقلاء. [متى يحمل الكلام على غير ظاهره]  وإنما النزاع في الحمل على الظاهر حكما بعد ظهور مراد المتكلم والفاعل بخلاف ما أظهره فهذا هو الذي وقع فيه النزاع وهو: هل الاعتبار بظواهر الألفاظ والعقود وإن ظهرت المقاصد والنيات بخلافها أم للقصود والنيات تأثير يوجب الالتفات إليها ومراعاة جانبها وقد تظاهرت أدلة الشرع وقواعده على أن القصود في العقود معتبرة وأنها تؤثر في صحة العقد وفساده وفي حله وحرمته بل أبلغ من ذلك وهي أنها تؤثر في صحة العقد وفساده وفي حله وحرمته بل أبلغ من ذلك وهي أنها تؤثر في الفعل الذي ليس بعقد تحليلا وتحريما فيصير حلالا تارة وحراما تارة باختلاف النية والقصد كما يصير صحيحا تارة وفاسدا تارة باختلافها وهذا كالذبح فإن الحيوان يحل إذا ذبح لأجل الأكل ويحرم إذا(3\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "685",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "687",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذبح لغير الله وكذلك الحلال يصيد الصيد للمحرم فيحرم عليه ويصيده للحلال فلا يحرم على المحرم وكذلك الرجل يشتري الجارية ينوي أن تكون لموكله فتحرم على المشتري وينوي أنها له فتحل له وصورة العقد واحدة وإنما اختلفت النية والقصد وكذلك صورة القرض وبيع الدرهم بالدرهم إلى أجل صورتهما واحدة وهذا قربة صحيحة وهذا معصية باطلة بالقصد وكذلك عصر العنب بنية أن يكون خمرا معصية ملعون فاعله على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعصره بنية أن يكون خلا أو دبسا جائز وصورة الفعل واحدة وكذلك السلاح يبيعه الرجل لمن يعرف أنه يقتل به مسلما حرام باطل لما فيه من الإعانة على الإثم والعدوان وإذا باعه لمن يعرف أنه يجاهد به في سبيل الله فهو طاعة وقربة وكذلك عقد النذر المعلق على شرط ينوي به التقرب والطاعة فيلزمه الوفاء بما نذره وينوي به الحلف والامتناع فيكون يمينا مكفرة وكذلك تعليق الكفر بالشرط ينوي به اليمين والامتناع فلا يكفر بذلك وينوي به وقوع الشرط فيكفر عند وجود الشرط [ولا يكفر إن نوى به اليمين] وصورة اللفظ واحدة وكذلك ألفاظ الطلاق صريحها وكنايتها ينوي بها الطلاق فيكون ما نواه وينوي به غيره فلا تطلق وكذلك قوله: quot; أنت عندي مثل أمي quot; ينوي بها الظهار فتحرم عليه وينوي به أنها مثلها في الكرامة فلا تحرم عليه وكذلك من أدى عن غيره واجبا ينوي به الرجوع ملكه وإن نوى به التبرع لم يرجع. وهذا كما أنها أحكام الرب تعالى في العقود فهي أحكامه تعالى في العبادات والمثوبات والعقوبات فقد اطردت سنته بذلك في شرعه وقدره أما العبادات فتأثير النيات في صحتها وفسادها أظهر من أن يحتاج إلى ذكره فإن القربات كلها مبناها على النيات ولا يكون الفعل عبادة إلا بالنية والقصد ولهذا لو وقع في الماء ولم ينو الغسل أو دخل الحمام للتنظيف أو سبح للتبرد لم يكن غسله قربة ولا عبادة بالاتفاق فإنه لم ينو العبادة فلم تحصل له وإنما لامرئ ما نوى ولو أمسك عن المفطرات عادة واشتغالا ولم ينو القربة لم يكن صائما ولو دار حول البيت يلتمس شيئا سقط منه لم يكن طائفا ولو أعطى الفقير هبة أو هدية ولم ينو الزكاة لم يحسب زكاة ولو جلس في المسجد ولم ينو الاعتكاف لم يحصل له. وهذا كما أنه ثابت في الإجزاء والامتثال فهو ثابت في الثواب والعقاب ولهذا لو جامع أجنبية يظنها زوجته أو أمته لم يأثم بذلك وقد يثاب بنيته ولو جامع في ظلمة من يظنها أجنبية فبانت زوجته أو أمته أثم على ذلك بقصده ونيته للحرام ولو أكل طعاما حراما يظنه حلالا لم يأثم به ولو أكله وهو حلال يظنه حراما وقد أقدم عليه أثم بنيته وكذلك لو قتل من(3\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "686",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "688",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يظنه مسلما معصوما فبان كافرا حربيا أثم بنيته ولو رمى صيدا فأصاب معصوما لم يأثم ولو رمى معصوما فأخطأه وأصاب صيدا أثم ولهذا كان القاتل والمقتول من المسلمين في النار لنية كل واحد منهما قتل صاحبه.  [النية روح العمل ولبه] فالنية روح العمل ولبه وقوامه وهو تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد قال كلمتين كفتا وشفتا وتحتهما كنوز العلم وهما قوله: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فبين في الجملة الأولى أن العمل لا يقع إلا بالنية ولهذا لا يكون عمل إلا بنية ثم بين في الجملة الثانية أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه وهذا يعم العبادات والمعاملات والأيمان والنذور وسائر العقود والأفعال وهذا دليل على أن من نوى بالبيع عقد الربا حصل له الربا ولا يعصمه من ذلك صورة البيع وأن من نوى بعقد النكاح التحليل كان محللا ولا يخرجه من ذلك صورة عقد النكاح لأنه قد نوى ذلك وإنما لامرئ ما نوى فالمقدمة الأولى معلومة بالوجدان والثانية معلومة بالنص وعلى هذا فإذا نوى بالعصر حصول الخمر كان له ما نواه ولذلك استحق اللعنة وإذا نوى بالفعل التحيل على ما حرمه الله ورسوله كان له ما نواه فإنه قصد المحرم وفعل مقدوره في تحصيله ولا فرق في التحيل على المحرم بين الفعل الموضوع له وبين الفعل الموضوع لغيره إذا جعل ذريعة له لا في عقل ولا في شرع ولهذا لو نهى الطبيب المريض عما يؤذيه وحماه منه فتحيل على تناوله عد متناولا لنفس ما نهى عنه ولهذا مسخ الله اليهود قردة لما تحيلوا على فعل ما حرمه الله ولم يعصمهم من عقوبته إظهار الفعل المباح لما توسلوا به إلى ارتكاب محارمه ولهذا عاقب أصحاب الجنة بأن حرمهم ثمارها لما توسلوا بجذاذها مصبحين إلى إسقاط نصيب المساكين ولهذا لعن اليهود لما أكلوا ثمن ما حرم الله عليهم أكله ولم يعصمهم التوسل إلى ذلك بصورة البيع. وأيضا فإن اليهود لم ينفعهم إزالة اسم الشحوم عنها بإذابتها فإنها بعد الإذابة يفارقها الاسم وتنتقل إلى اسم الودك فلما تحيلوا على استحلالها بإزالة الاسم لم ينفعهم ذلك.  [تحريم الحيل] [الدلالة على تحريم الحيل] قال الخطابي: في هذا في الحديث بطلان كل حيلة يحتال بها المتوسل إلى المحرم فإنه لا يتغير حكمه بتغير هيئته وتبديل اسمه. قال شيخنا - رضي الله عنه -: ووجه الدلالة ما أشار إليه أحمد أن اليهود لما حرم الله(3\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "687",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "689",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليهم الشحوم أرادوا الاحتيال على الانتفاع بها على وجه لا يقال في الظاهر إنهم انتفعوا بالشحم فجملوه وقصدوا بذلك أن يزول عنه اسم الشحم ثم انتفعوا بثمنه بعد ذلك لئلا يكون الانتفاع في الظاهر بعين المحرم ثم مع كونهم احتالوا بحيلة خرجوا بها في زعمهم من ظاهر التحريم من هذين الوجهين لعنهم الله على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذا الاستحلال نظرا إلى المقصود وأن حكمة التحريم لا تختلف سواء كان جامدا أو مائعا وبدل الشيء يقوم مقامه ويسد مسده فإذا حرم الله الانتفاع بشيء حرم الاعتياض عن تلك المنفعة وأما ما أبيح الانتفاع به من وجه دون وجه كالخمر مثلا فإنه يجوز بيعها لمنفعة الظهر المباحة لا لمنفعة اللحم المحرمة وهذا معنى حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود وصححه الحاكم وغيره لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه يعني ثمنه المقابل لمنفعة الأكل فإذا كان فيه منفعة أخرى وكان الثمن في مقابلتها لم يدخل في هذا. إذا تبين هذا فمعلوم أنه لو كان التحريم معلقا بمجرد اللفظ وبظاهر من القول دون مراعاة المقصود للشيء المحرم ومعناه وكيفيته لم يستحقوا اللعنة لوجهين: أحدهما: أن الشحم خرج بجمله عن أن يكون شحما وصار ودكا كما يخرج الربا بالاحتيال فيه عن لفظ الربا إلى أن يصير بيعا عند من يستحل ذلك فإن من أراد أن يبيع مائة بمائة وعشرين إلى أجل فأعطى سلعة بالثمن المؤجل ثم اشتراها بالثمن الحال ولا غرض لواحد منهما في السلعة بوجه ما وإنما هي كما قال فقيه الأمة دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة فلا فرق بين ذلك وبين مائة بمائة وعشرين درهما بلا حيلة ألبتة لا في شرع ولا في عقل ولا عرف بل المفسدة التي لأجلها حرم الربا بعينها قائمة مع الاحتيال أو أزيد منها فإنها تضاعفت بالاحتيال لم تذهب ولم تنقص فمن المستحيل على شريعة أحكم الحاكمين أن يحرم ما فيه مفسدة ويلعن فاعله ويؤذنه بحرب منه ورسوله ويوعده أشد الوعيد ثم يبيح التحيل على حصول ذلك بعينه سواء مع قيام تلك المفسدة وزيادتها بتعب الاحتيال في معصية ومخادعة الله ورسوله. هذا لا يأتي به شرع فإن الربا على الأرض أسهل وأقل مفسدة من الربا بسلم طويل صعب التراقي يترابى المترابيان على رأسه فيا لله العجب أي مفسدة من مفاسد الربا زالت بهذا الاحتيال والخداع فهل صار هذا الذنب العظيم عند الله هو من أكبر الكبائر حسنة وطاعة بالخداع والاحتيال ويا لله كيف قلب الخداع والاحتيال حقيقته من الخبيث إلى الطيب ومن المفسدة إلى المصلحة وجعله محبوبا للرب تعالى بعد أن كان مسخوطا له ولئن كان هذا الاحتيال يبلغ هذا المبلغ(3\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "688",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "690",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنه عند الله ورسوله بمكان ومنزلة عظيمة وإنه من أقوى دعائم الدين وأوثق عراه وأجل أصوله. ويا لله العجب كيف تزول مفسدة التحليل الذي أشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلعن فاعله مرة بعد أخرى بتسبيق شرطه وتقديمه على صلب العقد وخلاء صلب العقد من لفظه وقد وقع التواطؤ والتوافق عليه وأي غرض للشارع وأي حكمة في تقديم الشرط وتسبيقه حتى تزول به اللعنة وتنقلب به خمرة هذا العقد خلا وهل كان عقد التحليل مسخوطا لله ورسوله لحقيقته ومعناه أم لعدم مقارنة الشرط له وحصول صورة نكاح الرغبة مع القطع بانتفاء حقيقته وحصول حقيقة نكاح التحليل وهكذا الحيل الربوية فإن الربا لم يكن حراما لصورته ولفظه وإنما كان حراما لحقيقته التي امتاز بها عن حقيقة البيع فتلك الحقيقة حيث وجدت وجد التحريم في أي صورة ركبت وبأي لفظ عبر عنها فليس الشأن في الأسماء وصور العقود وإنما الشأن في حقائقها ومقاصدها وما عقدت له. الوجه الثاني: أن اليهود لم ينتفعوا بعين الشحم وإنما انتفعوا بثمنه ويلزم من راعى الصور والظواهر والألفاظ دون الحقائق والمقاصد أن لا يحرم ذلك فلما لعنوا على استحلال الثمن - وإن لم ينص لهم على تحريمه - علم أن الواجب النظر إلى الحقيقة والمقصود لا إلى مجرد الصورة ونظير هذا أن يقال لرجل: لا تقرب مال اليتيم فيبيعه ويأخذ عوضه ويقول: لم أقرب ماله وكمن يقول لرجل: لا تشرب من هذا النهر فيأخذ بيديه ويشرب بكفيه ويقول: لم أشرب منه وبمنزلة من يقول: لا تضرب زيدا فيضربه فوق ثيابه ويقول: إنما ضربت ثيابه وبمنزلة من يقول: لا تأكل مال هذا الرجل فإنه حرام فيشتري به سلعة ولا يعينه ثم ينقده للبائع ويقول: لم آكل ماله إنما أكلت ما اشتريته وقد ملكت ظاهرا وباطنا وأمثال هذه الأمور التي لو استعملها الطبيب في معالجة المرضى لزاد مرضهم ولو استعملها المريض كان مرتكبا لنفس ما نهاه عنه الطبيب كمن يقول له الطبيب: لا تأكل اللحم فإنه يزيد في مواد المرض فيدقه ويعمل منه هريسة ويقول: لم آكل اللحم وهذا المثال مطابق لعامة الحيل الباطلة في الدين. ويا لله العجب أي فرق بين بيع مائة بمائة وعشرين درهما صريحا وبين إدخال سلعة لم تقصد أصلا بل دخولها كخروجها ولهذا لا يسأل العاقد عن جنسها ولا صفتها ولا قيمتها ولا عيب فيها ولا يبالي بذلك ألبتة حتى لو كانت خرقة مقطعة أو أذن شاة أو عودا من حطب أدخلوه محللا للربا ولما تفطن المحتالون أن هذه السلعة لا اعتبار بها في نفس الأمر(3\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "689",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "691",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأنها ليست مقصودة بوجه وأن دخولها كخروجها - تهاونوا بها ولم يبالوا بكونها مما يتمول عادة أو لا يتمول ولم يبال بعضهم بكونها مملوكة للبائع أو غير مملوكة بل لم يبال بعضهم بكونها مما يباع أو مما لا يباع كالمسجد والمنارة والقلعة وكل هذا وقع من أرباب الحيل وهذا لما علموا أن المشتري لا غرض له في السلعة فقالوا: أي سلعة اتفق حضورها حصل بهذا التحليل كأي تيس اتفق في باب محلل النكاح. [مثل من وقف مع الظواهر] وما مثل من وقف مع الظواهر والألفاظ ولم يراع المقاصد والمعاني إلا كمثل رجل قيل له: لا تسلم على صاحب بدعة فقبل يده ورجله ولم يسلم عليه أو قيل له: اذهب فاملأ هذه الجرة فذهب فملأها ثم تركها على الحوض وقال: لم تقل ايتني بها وكمن قال لوكيله: بع هذه السلعة فباعها بدرهم وهي تساوي مائة ويلزم من وقف مع الظواهر أن يصحح هذا البيع ويلزم به الموكل وإن نظر إلى المقاصد تناقض حيث ألقاها في غير موضع. وكمن أعطاه رجل ثوبا فقال: والله لا ألبسه لما [له] فيه من المنة فباعه وأعطاه ثمنه فقبله وكمن قال: والله لا أشرب هذا الشراب فجعله عقيدا أو ثرد فيه خبزا وأكله ويلزم من وقف مع الظواهر والألفاظ أن لا يحد من فعل ذلك بالخمر وقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن من الأمة من يتناول المحرم ويسميه بغير اسمه فقال: ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رءوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير رواه أحمد وأبو داود. وفي مسند الإمام أحمد مرفوعا يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها وفيه عن عبادة بن الصامت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يشرب ناس من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي أمامة يرفعه لا تذهب الليالي والأيام حتى تشرب طائفة من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها قال شيخنا - رضي الله عنه -: وقد جاء حديث آخر يوافق هذا مرفوعا وموقوفا من حديث ابن عباس يأتي على الناس زمان يستحل فيه خمسة أشياء بخمسة أشياء: يستحلون الخمر باسم يسمونها إياه والسحت بالهدية والقتل بالرهبة والزنا بالنكاح والربا بالبيع وهذا حق فإن استحلال الربا باسم البيع ظاهر كالحيل الربوية التي صورتها صورة البيع وحقيقتها حقيقة الربا ومعلوم أن الربا إنما حرم لحقيقته ومفسدته لا لصورته واسمه فهب أن المرابي لم يسمه ربا وسماه بيعا فذلك لا يخرج حقيقته وماهيته عن نفسها وأما استحلال الخمر باسم آخر فكما استحل من استحل المسكر من غير عصير العنب وقال: لا أسميه خمرا وإنما هو نبيذ وكما يستحلها طائفة من المجان إذا مزجت ويقولون: خرجت عن اسم(3\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "690",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "692",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخمر كما يخرج الماء بمخالطة غيره له عن اسم الماء المطلق وكما يستحلها من يستحلها إذا اتخذت عقيدا ويقول: هذه عقيد لا خمر ومعلوم أن التحريم تابع للحقيقة والمفسدة لا للاسم والصورة فإن إيقاع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة لا تزول بتبديل الأسماء والصور عن ذلك وهل هذا إلا من سوء الفهم وعدم الفقه عن الله ورسوله وأما استحلال السحت باسم الهدية وهو أظهر من أن يذكر - كرشوة الحاكم والوالي وغيرهما فإن المرتشي ملعون هو والراشي لما في ذلك من المفسدة ومعلوم قطعا أنهما لا يخرجان عن الحقيقة وحقيقة الرشوة بمجرد اسم الهدية وقد علمنا وعلم الله وملائكته ومن له اطلاع إلى الحيل أنها رشوة. وأما استحلال القتل باسم الإرهاب الذي تسميه ولاة الجور سياسة وهيبة وناموسا وحرمة للملك فهو أظهر من أن يذكر. وأما استحلال الزنا باسم النكاح فهو الزنا بالمرأة التي لا غرض له أن يقيم معها ولا أن تكون زوجته وإنما غرضه أن يقضي منها وطره أو يأخذ جعلا على الفساد بها ويتوصل إلى ذلك باسم النكاح وإظهار صورته وقد علم الله ورسوله والملائكة والزوج والمرأة أنه محلل لا ناكح وأنه ليس بزوج وإنما هو تيس مستعار للضراب بمنزلة حمار العشريين. فيا لله العجب أي فرق في نفس الأمر بين الزنا وبين هذا نعم هذا زنا بشهود من البشر وذلك زنا بشهود من الكرام الكاتبين كما صرح به أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: لا يزالان زانيين وإن مكثا عشرين سنة إذا علم الله أنه إنما يريد أن يحللها والمقصود أن هذا المحلل إذا قيل له: هذا زنا قال: ليس بزنا بل نكاح كما أن المرابي إذا قيل له: هذا ربا قال: بل هو بيع وكذلك كل من استحل محرما بتغيير اسمه وصورته كمن يستحل الحشيشة باسم لقيمة الراحة ويستحل المعازف كالطنبور والعود والبربط باسم يسميها به وكما يسمي بعضهم المغني بالحادي والمطرب والقوال وكما يسمي الديوث بالمصلح والموفق والمحسن ورأيت من يسجد لغير الله من الأحياء والأموات ويسمي ذلك وضع الرأس للشيخ قال: ولا أقول هذا سجود وهكذا الحيل سواء فإن أصحابها يعمدون إلى الأحكام فيعلقونها بمجرد اللفظ ويزعمون أن الذي يستحلونه ليس بداخل في لفظ الشيء المحرم مع القطع بأن معناه معنى الشيء المحرم فإن الرجل إذا قال لمن له عليه ألف: اجعلها ألفا ومائة إلى سنة بإدخال هذه الخرقة وإخراجها صورة لا معنى لم يكن فرق بين توسطها وعدمه وكذلك إذا قال: مكنيني من نفسك أقض منك وطرا يوما أو ساعة بكذا وكذا لم يكن فرق بين إدخال شاهدين في هذا أو عدم إدخالهما وقد تواطئا على قضاء وطر ساعة من زمان.(3\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "691",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "693",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[ذكر أسماء ما أنزل الله بها من سلطان] : ولو أوجب تبديل الأسماء والصور تبدل الأحكام والحقائق لفسدت الديانات وبدلت الشرائع واضمحل الإسلام وأي شيء نفع المشركين تسميتهم أصنامهم آلهة وليس فيها شيء من صفات الإلهية وحقيقتها وأي شيء نفعهم تسمية الإشراك بالله تقربا إلى الله وأي شيء نفع المعطلين لحقائق أسماء الله وصفاته تسمية ذلك تنزيها وأي شيء نفع الغلاة من البشر واتخاذهم طواغيت يعبدونها من دون الله تسمية ذلك تعظيما واحتراما وأي شيء نفع نفاة القدر المخرجين لأشرف ما في مملكة الرب تعالى من طاعات أنبيائه ورسله وملائكته وعباده عن قدرته تسمية ذلك عدلا وأي شيء نفعهم نفيهم لصفات كماله تسمية ذلك توحيدا وأي شيء نفع أعداء الرسل من الفلاسفة القائلين بأن الله لم يخلق السموات والأرض في ستة أيام ولا يحيي الموتى ولا يبعث من في القبور ولا يعلم شيئا من الموجودات ولا أرسل إلى الناس رسلا يأمرونهم بطاعته تسمية ذلك حكمة وأي شيء نفع أهل النفاق تسمية نفاقهم عقلا معيشيا وقدحهم في عقل من لم ينافق نفاقهم ويداهن في دين الله وأي شيء نفع المكسة تسمية ما يأخذونه ظلما وعدوانا حقوقا سلطانية وتسمية أوضاعهم الجائرة الظالمة المناقضة لشرع الله ودينه شرع الديوان وأي شيء نفع أهل البدع والضلال تسمية شبههم الداحضة عند ربهم وعند أهل العلم والدين والإيمان عقليات وبراهين وتسمية كثير من المتصوفة الخيالات الفاسدة والشطحات حقائق فهؤلاء كلهم حقيق أن يتلى عليهم: إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان [النجم: 23] .  [فصل صيغ العقود] فصل [صيغ العقود إخبار عما في النفس من المعنى الذي أراده الشارع] ومما يوضح ما ذكرناه - من أن القصود في العقود معتبرة دون الألفاظ المجردة التي لم تقصد بها معانيها وحقائقها أو قصد غيرها - أن صيغ العقود كبعت واشتريت وتزوجت وأجرت إما إخبارات وإما إنشاءات وإما أنها متضمنة للأمرين فهي إخبارات عما في النفس من المعاني التي تدل على العقود وإنشاءات لحصول العقود في الخارج فلفظها موجب لمعناها في الخارج وهي إخبار عما في النفس من تلك المعاني ولا بد في صحتها من(3\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "692",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "694",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مطابقة خبرها لمخبرها فإذا لم تكن تلك المعاني في النفس كانت خبرا كاذبا وكانت بمنزلة قول المنافق: أشهد أن محمدا رسول الله وبمنزلة قوله: آمنت بالله وباليوم الآخر وكذلك المحلل إذا قال quot; تزوجت quot; وهو لا يقصد بلفظ التزوج المعنى الذي جعله الله في الشرع كان إخبارا كاذبا وإنشاء باطلا فإنا نعلم أن هذه اللفظة لم توضع في الشرع ولا في العرف ولا في اللغة لمن قصد رد المطلقة إلى زوجها وليس له قصد في النكاح الذي وضعه الله بين عباده وجعله سببا للمودة والرحمة بين الزوجين وليس له قصد في توابعه حقيقة ولا حكما فمن ليس له قصد في الصحبة ولا في العشرة ولا في المصاهرة ولا في الولد ولا في المواصلة ولا المعاشرة ولا الإيواء بل قصده أن يفارق لتعود إلى غيره فالله جعل النكاح سببا للمواصلة والمصاحبة والمحلل جعله سببا للمفارقة فإنه تزوج ليطلق فهو مناقض لشرع الله ودينه وحكمته فهو كاذب في قوله quot; تزوجت quot; بإظهاره خلاف ما في قلبه وبمنزلة من قال لغيره وكلتك أو شاركتك أو ضاربتك أو ساقيتك وهو يقصد رفع هذه العقود وفسخها. وقد تقدم أن صيغ العقود إخبارات عما في النفس من المعاني التي هي أصل العقود ومبدأ الحقيقة التي بها يصير اللفظ كلاما معتبرا فإنها لا تصير كلاما معتبرا إلا إذا قرنت بمعانيها فتصير إنشاء للعقود والتصرفات من حيث إنها هي التي أثبتت الحكم وبها وجد وإخبارات من حيث دلالتها على المعاني التي في النفس فهي تشبه في اللفظ أحببت أو أبغضت وكرهت وتشبه في المعنى قم واقعد وهذه الأقوال إنما تفيد الأحكام إذا قصد المتكلم بها حقيقة أو حكما - ما جعلت له وإذا لم يقصد بها ما يناقض معناها وهذا فيما بينه وبين الله تعالى فأما في الظاهر فالأمر محمول على الصحة إلا لما تم عقد ولا تصرف فإذا قال بعت أو تزوجت كان هذا اللفظ دليلا على أنه قصد معناه المقصود به وجعله الشارع بمنزلة القاصد وإن كان هازلا وباللفظ والمعنى جميعا يتم الحكم فكل منهما جزء السبب وهما مجموعه وإن كانت العبرة في الحقيقة بالمعنى واللفظ دليل ولهذا يصار إلى غيره عند تعذره وهذا شأن عامة أنواع الكلام فإنه محمول على معناه المفهوم منه عند الإطلاق لا سيما الأحكام الشرعية التي علق الشارع بها أحكامها فإن المتكلم عليه أن يقصد بتلك الألفاظ معانيها والمستمع عليه أن يحملها على تلك المعاني فإن لم يقصد المتكلم به معانيها بل تكلم بها غير قاصد لمعانيها أو قاصدا لغيرها(3\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "693",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "695",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبطل الشارع عليه قصده فإن كان هازلا أو لاعبا لم يقصد المعنى ألزمه الشارع المعنى كمن هزل بالكفر والطلاق والنكاح والرجعة بل لو تكلم الكافر بكلمة الإسلام هازلا ألزم به وجرت عليه أحكاما ظاهرا وإن تكلم بها مخادعا ماكرا محتالا مظهرا خلاف ما أبطن لم يعطه الشارع مقصوده كالمحلل والمرابي بعقد العينة وكل من احتال على إسقاط واجب أو فعل محرم بعقد أو قول أظهره وأبطن الأمر الباطل. وبهذا يخرج الجواب عن الإلزام بنكاح الهازل وطلاقه ورجعته وإن لم يقصد حقائق هذه الصيغ ومعانيها. [تقسيم جامع يبين حقيقة صيغ العقود] ونحن نذكر تقسيما جامعا نافعا في هذا الباب نبين به حقيقة الأمر فنقول: المتكلم بصيغ العقود إما أن يكون قاصدا للتكلم بها أو لا يكون قاصدا فإن لم يقصد التكلم بها كالمكره والنائم والمجنون والسكران والمغلوب على عقله لم يترتب عليها شيء وإن كان في بعض ذلك نزاع وتفصيل فالصواب أن أقوال هؤلاء كلها هدر كما دل عليه الكتاب والسنة والميزان وأقوال الصحابة وإن كان قاصدا التكلم بها فإما أن يكون عالما بغاياتها متصورا لها أو لا يدري معانيها ألبتة بل هي عنده كأصوات ينعق بها فإن لم يكن عالما بمعناها ولا متصورا له لم يترتب عليه أحكامها أيضا ولا نزاع بين أئمة الإسلام في ذلك وإن كان متصورا لمعانيها عالما بمدلولها فإما أن يكون قاصدا لها أو لا فإن كان قاصدا لها ترتبت أحكامها في حقه ولزمته وإن لم يكن قاصدا لها فإما أن يقصد خلافها أو لا يقصد لا معناها ولا غير معناها فإن لم يقصد غير التكلم بها فهو الهازل ونذكر حكمه وإن قصد غير معناها فإما أن يقصد ما يجوز له قصده أو لا فإن قصد ما يجوز له قصده نحو أن يقصد بقوله quot; أنت طالق quot; من زوج كان قبلي أو يقصد بقوله quot; أمتي - أو عبدي حر quot; أنه عفيف عن الفاحشة أو يقصد بقوله quot; امرأتي عندي مثل أمي quot; في الكرامة والمنزلة ونحو ذلك لم تلزمه أحكام هذه الصيغ فيما بينه وبين الله تعالى. وأما في الحكم فإن اقترن بكلامه قرينة تدل على ذلك لم يلزمه أيضا لأن السياق والقرينة بينة تدل على صدقه وإن لم يقترن بكلامه قرينة أصلا وادعى ذلك دعوى مجردة لم تقبل منه وإن قصد بها ما لا يجوز قصده كالتكلم بنكحت وتزوجت بقصد التحليل وبعت واشتريت بقصد الربا وبخالعتها بقصد الحيلة على فعل المحلوف عليه وبملكت بقصد الحيلة على إسقاط الزكاة أو الشفعة وما أشبه ذلك فهذا لا يحصل له مقصوده الذي قصده وجعل ظاهر اللفظ والفعل وسيلة إليه فإن في تحصيل مقصوده تنفيذا للمحرم وإسقاطا للواجب وإعانة على معصية الله ومناقضة لدينه وشرعه فإعانته على ذلك إعانة على الإثم والعدوان ولا فرق بين إعانته على ذلك بالطريق التي(3\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "694",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "696",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وضعت مفضية إليه وبين إعانته على ذلك بالطريق التي وضعت مفضية إلى غيره فالمقصود إذا كان واحدا لم يكن اختلاف الطرق الموصلة إليه بموجب لاختلاف حكمه فيحرم من طريق ويحل بعينه من طريق أخرى والطرق وسائل وهي مقصودة لغيرها فأي فرق بين التوسل إلى الحرام بطريق الاحتيال والمكر والخداع والتوسل إليه بطريق المجاهرة التي يوافق فيها السر الإعلان والظاهر الباطن والقصد اللفظ بل سالك هذه الطريقة قد تكون عاقبته أسلم وخطره أقل من سالك تلك من وجوه كثيرة كما أن سالك طريق الخداع والمكر عند الناس أمقت وفي قلوبهم أوضع وهم عنه أشد نفرة ممن أتى الأمر على وجهه ودخله من بابه ولهذا قال أيوب السختياني - وهو من كبار التابعين وساداتهم وأئمتهم - في هؤلاء: يخادعون الله كما يخادعون الصبيان لو أتوا الأمر على وجهه كان أسهل عليهم.  [فصل الكلام على المكره] فصل [الكلام على المكره] إذا عرف هذا فنقول: المكره قد أتى باللفظ المقتضي للحكم ولم يثبت عليه حكمه لكونه غير قاصد له وإنما قصد دفع الأذى عن نفسه فانتفى الحكم لانتفاء قصده وإرادته لموجب اللفظ فعلم أن نفس اللفظ ليس مقتضيا للحكم اقتضاء الفعل لأثره فإنه لو قتل أو غصب أو أتلف أو نجس المائع مكرها لم يمكن أن يقال: إن ذلك القتل أو الإتلاف أو التنجيس فاسد وباطل كما لو أكل أو شرب أو سكر لم يقل: إن ذلك فاسد بخلاف ما لو حلف أو نذر أو طلق أو عقد عقدا حكميا وهكذا المحتال الماكر المخادع فإنه لم يقصد الحكم المقصود بذلك اللفظ الذي احتال به وإنما قصد معنى آخر فقصد الربا بالبيع والتحليل بالنكاح والحنث بالخلع بل المكره قد قصد دفع الظلم عن نفسه وهذا قصده التوسل إلى غرض رديء فالمحتال والمكره يشتركان في أنهما لم يقصدا بالسبب حكمه ولا باللفظ معناه وإنما قصدا التوسل بذلك اللفظ وبظاهر ذلك السبب إلى شيء آخر غير حكم السبب لكن أحدهما راهب قصده دفع الضرر عن نفسه ولهذا يحمد أو يعذر على ذلك والآخر راغب قصده إبطال حق وإيثار باطل ولهذا يذم على ذلك فالمكره يبطل حكم السبب فيما عليه وفيما له لأنه لم يقصد واحدا منهما والمحتال يبطل حكم السبب فيما احتال عليه وأما فيما سواه فيجب فيه التفصيل. وههنا أمر لا بد منه وهو أن من ظهر لنا أنه محتال فكمن ظهر لنا أنه مكره ومن ادعى(3\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "695",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "697",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنه إنما قصد الاحتيال فكمن ادعى أنه مكره وإن كان ظهور أمر المكره أبين من ظهور أمر المحتال.  [فصل حقيقة الهازل وحكم عقوده] فصل [حقيقة الهازل وحكم عقوده] وأما الهازل فهو الذي يتكلم بالكلام من غير قصد لموجبه وحقيقته بل على وجه للعب ونقيضه الجاد فاعل من الجد بكسر الجيم وهو نقيض الهزل وهو مأخوذ من quot; جد فلان quot; إذا عظم واستغنى وصار ذا حظ والهزل: من هزل إذا ضعف وضؤل نزل الكلام الذي يراد معناه وحقيقته بمنزلة صاحب الحظ والبخت والغنى والذي لم يرد معناه وحقيقته بمنزلة الخالي من ذلك إذ قوام الكلام بمعناه وقوام الرجل بحظه وماله وقد جاء فيه حديث أبي هريرة المشهور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة رواه أهل السنن وحسنه الترمذي. وفي مراسيل الحسن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من نكح لاعبا أو طلق لاعبا أو أعتق لاعبا فقد جاز . وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: أربع جائزات إذا تكلم بهن: الطلاق والعتاق والنكاح والنذر. وقال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه: ثلاث لا لعب فيهم: الطلاق والعتاق والنكاح. وقال أبو الدرداء: ثلاث اللعب فيهن كالجد: الطلاق والعتاق والنكاح. وقال ابن مسعود: النكاح جده ولعبه سواء ذكر ذلك أبو حفص العكبري. فصل [أقوال الفقهاء والحكمة في نفاذ حكم العقود على الهازل] فأما طلاق الهازل فيقع عند الجمهور وكذلك نكاحه صحيح كما صرح به النص وهذا هو المحفوظ عن الصحابة والتابعين وهو قول الجمهور وحكاه أبو حفص أيضا عن أحمد وهو قول أصحابه وقول طائفة من أصحاب الشافعي وذكر بعضهم أن الشافعي نص على أن نكاح الهازل لا يصح بخلاف طلاقه ومذهب مالك الذي رواه ابن القاسم عنه وعليه العمل عند أصحابه أن هزل النكاح والطلاق لازم بخلاف البيع وروى عنه علي بن زياد أن نكاح الهازل لا يجوز. قال بعض أصحابه: فإن قام دليل الهزل لم يلزمه عتق ولا نكاح ولا طلاق ولا شيء عليه من الصداق وأما بيع الهازل وتصرفاته المالية فإنه لا يصح عند القاضي أبي يعلى وأكثر أصحابه وهو قول الحنفية والمالكية. وقال أبو الخطاب في(3\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "696",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "698",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "انتصاره: يصح بيعه كطلاقه وخرجها بعض الشافعية على وجهين ومن قال بالصحة قاس سائر التصرفات على النكاح والطلاق والرجعة. والفقه فيه أن الهازل أتى بالقول غير ملزم لحكمه وترتيب الأحكام على الأسباب للشارع لا للعاقد فإذا أتى بالسبب لزمه حكمه شاء أم أبى لأن ذلك لا يقف على اختياره وذلك أن الهازل قاصد للقول مريد له مع علمه بمعناه وموجبه وقصد اللفظ المتضمن للمعنى قصد لذلك للمعنى لتلازمهما إلا أن يعارضه قصد آخر كالمكره والمخادع المحتال فإنهما قصدا شيئا آخر غير معنى القول وموجبه ألا ترى أن المكره قصد دفع العذاب عن نفسه ولم يقصد السبب ابتداء والمحلل قصد إعادتها إلى المطلق وذلك مناف لقصده موجب السبب وأما الهازل فقصد السبب ولم يقصد حكمه ولا ما ينافي حكمه فترتب عليه أثره. فإن قيل: هذا ينتقض عليكم بلغو اليمين فإنه لا يترتب عليه حكمه. قيل: اللاغي لم يقصد السب وإنما جرى على لسانه من غير قصده فهو بمنزلة كلام النائم والمغلوب على عقله وأيضا فالهزل أمر باطن لا يعرف إلا من جهة الهازل فلا يقبل قوله في إبطال حق العاقد الآخر ومن فرق بين البيع وبابه والنكاح وبابه قال: الحديث والآثار تدل على أن من العقود ما يكون جده وهزله سواء ومنها ما لا يكون كذلك وإلا لقال العقود كلها أو الكلام كله جده وهزله سواء وأما من جهة المعنى فإن النكاح والطلاق والرجعة والعتق فيها حق الله تعالى. أما العتق فظاهر وأما الطلاق فإنه يوجب تحريم البضع ولهذا تجب إقامة الشهادة فيه وإن لم تطلبها الزوجة وكذلك في النكاح فإنه يفيد حل ما كان حراما وحرمة ما كان حلالا وهو التحريم الثابت بالمصاهرة ولهذا لا يستباح إلا بالمهر وإذا كان كذلك لم يكن للعبد - مع تعاطي السبب الموجب لهذه الأحكام - أن لا يرتب عليها موجباتها كما ليس له ذلك في كلمات الكفر إذا هزل بها كما صرح به القرآن فإن الكلام المتضمن لحق الله لا يمكن قوله مع رفع ذلك الحق إذ ليس للعبد أن يهزل مع ربه ولا يستهزئ بآياته ولا يتلاعب بحدوده. وفي حديث أبي موسى ما بال أقوام يلعبون بحدود الله ويستهزئون بآياته وذلك في الهازلين يعني - والله أعلم - يقولونها لعبا غير ملتزمين لأحكامها وحكمها لازم لهم وهذا بخلاف البيع وبابه فإنه تصرف في المال الذي هو محض حق الآدمي ولهذا يملك بذله بعوض وغير عوض والإنسان قد يلعب مع الإنسان وينبسط معه فإذا تكلم على هذا الوجه لم يلزمه حكم الجاد لأن المزاح معه جائز.(3\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "697",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "699",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحاصل الأمر أن اللعب والهزل والمزاح في حقوق الله تعالى غير جائز فيكون جد القول وهزله سواء بخلاف جانب العباد ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمزح مع الصحابة ويباسطهم . وأما مع ربه تعالى فيجد كل الجد ولهذا قال للأعرابي يمازحه: من يشتري مني العبد فقال: تجدني رخيصا يا رسول الله فقال: بل أنت عند الله غال وقصد - صلى الله عليه وسلم - أنه عبد الله والصيغة صيغة استفهام وهو - صلى الله عليه وسلم - كان يمزح ولا يقول إلا حقا ولو أن رجلا قال: quot; من يتزوج أمي أو أختي quot; لكان من أقبح الكلام وقد كان عمر - رضي الله عنه - يضرب من يدعو امرأته أخته وقد جاء في ذلك حديث مرفوع رواه أبو داود أن رجلا قال لامرأته: يا أخته فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أختك هي إنما جعل إبراهيم ذلك حاجة لا مزاحا . ومما يوضحه أن عقد النكاح يشبه العبادات في نفسه بل هو مقدم على نقلها ولهذا يستحب عقده في المساجد وينهى عن البيع فيها ومن يشترط له لفظا بالعربية راعى فيه ذلك إلحاقا له بالأذكار المشروعة ومثل هذا لا يجوز الهزل به فإذا تكلم به رتب الشارع عليه حكمه وإن لم يقصده بحكم ولاية الشارع على العبد فالمكلف قصد السبب والشارع قصد الحكم فصارا مقصودين كلاهما.  [فصل ما جاء به الرسول هو أكمل ما تأتي به شريعة] فصل [ما جاء به الرسول هو أكمل ما تأتي به شريعة] وقد ظهر بهذا أن ما جاء به الرسول هو أكمل ما تأتي به شريعة فإنه - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يقاتل الناس حتى يدخلوا في الإسلام ويلتزموا طاعة الله ورسوله ولم يؤمر أن ينقب عن قلوبهم ولا أن يشق بطونهم بل يجري عليهم أحكام الله في الدنيا إذا دخلوا في دينه ويجري أحكامه في الآخرة على قلوبهم ونياتهم فأحكام الدنيا على الإسلام وأحكام الآخرة على الإيمان ولهذا قبل إسلام الأعراب ونفى عنهم أن يكونوا مؤمنين وأخبر أنه لا ينقصهم مع ذلك من ثواب طاعتهم لله ورسوله شيئا وقبل إسلام المنافقين ظاهرا وأخبر أنه لا ينفعهم يوم القيامة شيئا وأنهم في الدرك الأسفل من النار. فأحكام الرب تعالى جارية على ما يظهر للعباد ما لم يقم دليل على أن ما أظهروه خلاف ما أبطنوه كما تقدم تفصيله وأما قصة الملاعن فالنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قال بعد أن ولدت الغلام على شبه الذي رميت به لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن فهذا - والله أعلم - إنما أراد به لولا حكم الله بينهما باللعان لكان أشبه الولد بمن رميت به يقتضي حكما آخر غيره ولكن حكم الله باللعان ألغى حكم هذا الشبه فإنهما دليلان وأحدهما أقوى من(3\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "698",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "700",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الآخر فكان العمل به واجبا وهذا كما لو تعارض دليل الفراش ودليل الشبه فإنا نعمل دليل الفراش ولا نلتفت إلى الشبه بالنص والإجماع فأين في هذا ما يبطل المقاصد والنيات والقرائن التي لا معارض لها وهل يلزم من بطلان الحكم بقرينة قد عارضها ما هو أقوى منها بطلان الحكم بجميع القرائن وسيأتي دلالة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وجمهور الأئمة على العمل بالقرائن واعتبارها في الأحكام وأما إنفاذه للحكم وهو يعلم أن أحدهما كاذب فليس في الممكن شرعا غير هذا وهذا شأن عامة المتداعين لا بد أن يكون أحدهما محقا والآخر مبطلا وينفذ حكم الله عليهما تارة بإثبات حق المحق وإبطال باطل المبطل وتارة بغير ذلك إذا لم يكن مع المحق دليل. وأما حديث ركانة لما طلق امرأته ألبتة وأحلفه النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه إنما أراد واحدة فمن أعظم الأدلة على صحة هذه القاعدة وأن الاعتبار في العقود بنيات أصحابها ومقاصدهم وإن خالفت ظواهر ألفاظهم فإن لفظ ألبتة يقتضي أنها قد بانت منه وانقطع التواصل الذي كان بينهما بالنكاح وأنه لم يبق له عليها رجعة بل بانت منه ألبتة كما يدل عليه لفظ ألبتة لغة وعرفا ومع هذا فردها عليه وقبل قوله أنها واحدة مع مخالفة الظواهر اعتمادا على قصده ونيته فلولا اعتبار القصود في العقود لما نفعه قصده الذي يخالف ظاهر لفظه مخالفة ظاهرة بينة فهذا الحديث أصل لهذه القاعدة وقد قبل منه في الحكم ودينه فيما بينه وبين الله فلم يقض عليه بما أظهر من لفظه لما أخبره بأن نيته وقصده كان خلاف ذلك. وأما قوله: quot; إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أبطل في حكم الدنيا استعمال الدلالة التي لا يوجد أقوى منها quot; يعني دلالة الشبه فإنما أبطلها بدلالة أقوى منها وهي اللعان كما أبطلها مع قيام دلالة الفراش واعتبرها حيث لم يعارضها مثلها ولا أقوى منها في إلحاق الولد بالقافة وهي دلالة الشبه فأين في هذا إلغاء الدلالات والقرائن مطلقا  [فصل أحكام الدنيا تجري على الأسباب] [أحكام الدنيا تجري على الأسباب] وأما قوله: quot; إنه لم يحكم في المنافقين بحكم الكفر مع الدلالة التي لا أقوى منها وهي خبر الله تعالى عنهم وشهادته عليهم فجوابه: أن الله تعالى لم يجر أحكام الدنيا على علمه في عباده وإنما أجراها على الأسباب التي نصبها أدلة عليها وإن علم سبحانه وتعالى أنهم مبطلون فيها مظهرون لخلاف ما يبطنون وإذا أطلع الله رسوله على ذلك لم يكن ذلك مناقضا لحكمه الذي شرعه ورتبه(3\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "699",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "701",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على تلك الأسباب كما رتب على المتكلم بالشهادتين حكمه وأطلع رسوله وعباده المؤمنين على أحوال كثير من المنافقين وأنهم لم يطابق قولهم اعتقادهم. وهذا كما أجرى حكمه على المتلاعنين ظاهرا ثم أطلع رسوله والمؤمنين على حال المرأة بشبه الولد لمن رميت به وكما قال: إنما أقضي بنحو ما أسمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار . وقد يطلعه الله على حال آخذ ما لا يحل له أخذه ولا يمنعه ذلك من إنفاذ الحكم. وأما الذي قال: quot; يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلاما أسود quot; فليس فيه ما يدل على القذف لا صريحا ولا كناية وإنما أخبره بالواقع مستفتيا عن حكم هذا الولد: أيستلحقه مع مخالفة لونه للونه أم ينفيه فأفتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقرب له الحكم بالشبه الذي ذكره ليكون أذعن لقبوله وانشراح الصدر له ولا يقبله على إغماض. فأين في هذا ما يبطل حد القذف بقول من يشاتم غيره: أما أنا فلست بزان وليست أمي بزانية. ونحو هذا من التعريض الذي هو أوجع وأنكى من التصريح وأبلغ في الأذى وظهوره عند كل سامع بمنزلة ظهور الصريح فهذا لون وذلك لون وقد حد عمر بالتعريض في القذف ووافقه الصحابة - رضي الله عنهم - أجمعين. وأما قوله - رحمه الله - quot; إنه استشار الصحابة فخالفه بعضهم quot; فإنه يريد ما رواه عن مالك عن أبي الرجال عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن أن رجلين استبا في زمن عمر بن الخطاب فقال أحدهما للآخر: والله ما أنا بزان ولا أمي بزانية فاستشار في ذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. فقال قائل: مدح أباه وأمه وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا نرى أن تجلده الحد فجلده عمر الحد ثمانين وهذا لا يدل على أن القائل الأول خالف عمر فإنه لما قيل له إنه قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا فهم أنه أراد القذف فسكت وهذا إلى الموافقة أقرب منه إلى المخالفة. وقد صح عن عمر من وجوه أنه حد في التعريض فروى معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن عمر كان يحد في التعريض بالفاحشة وروى ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن صفوان وأيوب عن عمر أنه حد في التعريض. وذكر أبو عمر أن عثمان كان يحد في التعريض وذكره ابن أبي شيبة وكان عمر بن عبد العزيز يرى الحد في التعريض وهو قول أهل المدينة والأوزاعي وهو محض القياس كما يقع الطلاق والعتق والوقف والظهار بالصريح والكناية واللفظ إنما وضع لدلالته على المعنى فإذا ظهر المعنى غاية الظهور لم يكن في تغيير اللفظ كثير فائدة.  وأما قوله: quot; من حكم على الناس بخلاف ما ظهر عليهم لم يسلم من خلاف التنزيل والسنة quot; فإنه يشير بذلك إلى قبول توبة الزنديق وحقن دمه بإسلامه وقبول توبة المرتد وإن(3\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "700",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "702",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولد على الإسلام وهاتان مسألتان فيهما نزاع بين الأمة مشهور وقد ذكر الشافعي الحجة على قبول توبتهما ومن لم يقبل توبتهما يقول: إنه لا سبيل إلى العلم بها فإن الزنديق قد علم أنه لم يزل مظهرا للإسلام فلم يتجدد له بإسلامه الثاني حال مخالفة لما كان عليه بخلاف الكافر الأصلي فإنه إذا أسلم فقد تجدد له بالإسلام حال لم يكن عليها والزنديق إنما رجع إلى إظهار الإسلام وأيضا فالكافر كان معلنا لكفره غير مستتر به ولا مخف له فإذا أسلم تيقنا أنه أتى بالإسلام رغبة فيه لا خوفا من القتل والزنديق بالعكس فإنه كان مخفيا لكفره مستترا به فلم نؤاخذه بما في قلبه إذا لم يظهر عليه فإذا ظهر على لسانه وآخذناه به فإذا رجع عنه لم يرجع عن أمر كان مظهرا له غير خائف من إظهاره وإنما رجع خوفا من القتل وأيضا فإن الله تعالى سن في عباده أنهم إذا رأوا بأسه لم ينفعهم الإسلام وهذا إنما أسلم عند معاينة البأس ولهذا لو جاء من تلقاء نفسه وأقر بأنه قال كذا وكذا وهو تائب منه قبلنا توبته ولم نقتله. وأيضا فإن الله تعالى سن في المحاربين أنهم إن تابوا من قبل القدرة عليهم قبلت توبتهم ولا تنفعهم التوبة بعد القدرة عليهم ومحاربة الزنديق للإسلام بلسانه أعظم من محاربة قاطع الطريق بيده وسنانه فإن فتنة هذا في الأموال والأبدان وفتنة الزنديق في القلوب والإيمان فهو أولى ألا تقبل توبته بعد القدرة عليه وهذا بخلاف الكافر الأصلي فإن أمره كان معلوما وكان مظهرا لكفره غير كاتم له والمسلمون قد أخذوا حذرهم منه وجاهروه بالعداوة والمحاربة وأيضا فإن الزنديق هذا دأبه دائما فلو قبلت توبته لكان تسليطا له على بقاء نفسه بالزندقة والإلحاد وكلما قدر عليه أظهر الإسلام وعاد إلى ما كان عليه ولا سيما وقد علم أنه أمن بإظهار الإسلام من القتل فلا يزعه خوفه من المجاهرة بالزندقة والطعن في الدين ومسبة الله ورسوله فلا ينكف عدوانه عن الإسلام إلا بقتله وأيضا فإن من سب الله ورسوله فقد حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا فجزاؤه القتل حدا والحدود لا تسقط بالتوبة بعد القدرة اتفاقا ولا ريب أن محاربة هذا الزنديق لله ورسوله وإفساده في الأرض أعظم محاربة وإفسادا فكيف تأتي الشريعة بقتل من صال على عشرة دراهم لذمي أو على بدنه ولا تقبل توبته ولا تأتي بقتل من دأبه الصول على كتاب الله وسنة رسوله والطعن في دينه وتقبل توبته بعد القدرة عليه وأيضا فالحدود بحسب الجرائم والمفاسد وجريمة هذا أغلظ الجرائم ومفسدة بقائه بين أظهر المسلمين من أعظم المفاسد.  [متى يعمل بالظاهر] [قاعدة في بيان متى يعمل بالظاهر] وها هنا قاعدة يجب التنبيه عليها لعموم الحاجة إليها وهي أن الشارع إنما قبل توبة(3\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "701",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "703",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكافر الأصلي من كفره بالإسلام لأنه ظاهر لم يعارضه ما هو أقوى منه فيجب العمل به لأنه مقتض لحقن الدم والمعارض منتف فأما الزنديق فإنه قد أظهر ما يبيح دمه فإظهاره بعد القدرة عليه للتوبة والإسلام لا يدل على زوال ذلك الكفر المبيح لدمه دلالة قطعية ولا ظنية أما انتفاء القطع فظاهر وأما انتفاء الظن فلأن الظاهر إنما يكون دليلا صحيحا إذا لم يثبت أن الباطن بخلافه فإذا قام دليل على الباطن لم يلتفت إلى ظاهر قد علم أن الباطن بخلافه ولهذا اتفق الناس على أنه لا يجوز للحاكم أن يحكم بخلاف علمه وإن شهد عنده بذلك العدول وإنما يحكم بشهادتهم إذا لم يعلم خلافها وكذلك لو أقر إقرارا علم أنه كاذب فيه مثل أن يقول لمن هو أسن منه quot; هذا ابني quot; لم يثبت نسبه ولا ميراثه اتفاقا وكذلك الأدلة الشرعية مثل خبر الواحد العدل والأمر والنهي والعموم والقياس إنما يجب اتباعها إذا لم يقم دليل أقوى منها يخالف ظاهرها. وإذا عرف هذا فهذا الزنديق قد قام الدليل على فساد عقيدته وتكذيبه واستهانته بالدين وقدحه فيه فإظهاره الإقرار والتوبة بعد القدرة عليه ليس فيه أكثر مما كان يظهره قبل هذا وهذا القدر قد بطلت دلالته بما أظهره من الزندقة فلا يجوز الاعتماد عليه لتضمنه إلغاء الدليل القوي وإعمال الدليل الضعيف الذي قد ظهر بطلان دلالته ولا يخفى على المنصف قوة هذا النظر وصحة هذا المأخذ وهذا مذهب أهل المدينة ومالك وأصحابه والليث بن سعد وهو المنصور من الروايتين عن أبي حنيفة وهو إحدى الروايات عن أحمد نصرها كثير من أصحابه بل هي أنص الروايات عنه وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يستتاب وهو قول الشافعي وعن أبي يوسف روايتان إحداهما: أنه يستتاب وهي الرواية الأولى عنه ثم قال آخرا: أقتله من غير استتابة لكن إن تاب قبل أن يقدر عليه قبلت توبته وهذا هو الرواية الثالثة عن أحمد ويا لله العجب كيف يقاوم دليل إظهاره للإسلام بلسانه بعد القدرة عليه أدلة زندقته وتكررها منه مرة بعد مرة وإظهاره كل وقت للاستهانة بالإسلام والقدح في الدين والطعن فيه في كل مجمع مع استهانته بحرمات الله واستخفافه بالفرائض وغير ذلك من الأدلة ولا ينبغي لعالم قط أن يتوقف في قتل مثل هذا ولا تترك الأدلة القطعية لظاهر قد تبين عدم دلالته وبطلانها ولا تسقط الحدود عن أرباب الجرائم بغير موجب. نعم لو أنه قبل رفعه إلى السلطان ظهر منه من الأقوال والأعمال ما يدل على حسن الإسلام وعلى التوبة النصوحة وتكرر ذلك منه لم يقتل كما قاله أبو يوسف وأحمد في إحدى الروايات وهذا التفصيل أحسن الأقوال في المسألة.(3\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "702",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "704",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومما يدل على أن توبة الزنديق بعد القدرة لا تعصم دمه قوله تعالى: قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا [التوبة: 52] قال السلف في هذه الآية: أو بأيدينا [التوبة: 52] بالقتل إن أظهرتم ما في قلوبكم وهو كما قالوا لأن العذاب على ما يبطنونه من الكفر بأيدي المؤمنين لا يكون إلا بالقتل فلو قبلت توبتهم بعد ما ظهرت زندقتهم لم يمكن المؤمنين أن يتربصوا بالزنادقة أن يصيبهم الله بأيديهم لأنهم كلما أرادوا أن يعذبوهم على ذلك أظهروا الإسلام فلم يصابوا بأيديهم قط والأدلة على ذلك كثيرة جدا وعند هذا فأصحاب هذا القول يقولون: نحن أسعد بالتنزيل والسنة من مخالفينا في هذه المسألة المشنعين علينا بخلافها وبالله التوفيق.  [فصل الشرط المتقدم والمقارن في العقود] [الشرط المتقدم والمقارن] : وأما قوله: quot; ولا يفسد عقد إلا بالعقد نفسه ولا يفسد بشيء تقدمه ولا تأخره ولا بتوهم ولا أمارة عليه quot; يريد أن الشرط المتقدم لا يفسد العقد إذا عرى صلب العقد عن مقارنته وهذا أصل قد خالفه فيه جمهور أهل العلم وقالوا: لا فرق بين الشرط المتقدم والمقارن إذ مفسدة الشرط المتقدم لم تزل بتقدمه وإسلافه بل مفسدته مقارنا كمفسدته متقدما وأي مفسدة زالت بتقدم الشرط إذا كانا قد علما وعلم الله تعالى والحاضرون أنهما إنما عقدا على ذلك الشرط الباطل المحرم وأظهرا صورة العقد مطلقا وهو مقيد في نفس الأمر بذلك الشرط المحرم فإذا اشترطا قبل العقد أن النكاح نكاح تحليل أو متعة أو شغار وتعاهدا على ذلك وتواطآ عليه ثم عقدا على ما اتفقا عليه وسكتا عن إعادة الشرط في صلب العقد اعتمادا على تقدم ذكره والتزامه لم يخرج العقد بذلك عن كونه عقد تحليل ومتعة وشغار حقيقة. وكيف يعجز المتعاقدان اللذان يريدان عقدا قد حرمه الله ورسوله لوصف أن يشترطا قبل العقد إرادة ذلك الوصف وأنه هو المقصود ثم يسكتا عن ذكره في صلب العقد ليتم غرضهما وهل إتمام غرضهما إلا عين تفويت مقصود الشارع وهل هذه القاعدة وهي أن الشرط المتقدم لا يؤثر شيئا - إلا فتح لباب الحيل بل هي أصل الحيل وأساسها وكيف تفرق الشريعة بين متماثلين من كل وجه لافتراقهما في تقدم لفظ وتأخره مع استواء العقدين في الحقيقة والمعنى والقصد وهل هذا إلا من أقرب الوسائل والذرائع إلى حصول ما قصد الشارع عدمه وإبطاله وأين هذه القاعدة من قاعدة سد الذرائع إلى المحرمات ولهذا صرح أصحابها ببطلان سد الذرائع لما علموا أنها مناقضة لتلك فالشارع سد الذرائع إلى المحرمات بكل طريق وهذه القاعدة توسع الطرق إليها وتنهجها. وإذا تأمل اللبيب هذه القاعدة وجدها ترفع التحريم أو الوجوب مع قيام المعنى المقتضي(3\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "703",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "705",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لهما حقيقة وفي ذلك تأكيد للتحريم من وجهين: من جهة أن فيها فعل المحرم وترك الواجب ومن جهة اشتمالها على التدليس والمكر والخداع والتوسل بشرع الله الذي أحبه ورضيه لعباده إلى نفس ما حرمه ونهى عنه ومعلوم أنه لا بد أن يكون بين الحلال والحرام فرق بين في الحقيقة بحيث يظهر للعقول مضادة أحدهما للآخر والفرق في الصورة غير معتبر ولا مؤثر إذ الاعتبار بالمعاني والمقاصد في الأقوال والأفعال فإن الألفاظ إذا اختلفت عباراتها أو مواضعها بالتقدم والتأخر والمعنى واحد كان حكمها واحدا ولو اتفقت ألفاظها واختلفت معانيها كان حكمها مختلفا وكذلك الأعمال ومن تأمل الشريعة حق التأمل علم صحة هذا بالاضطرار فالأمر المحتال عليه بتقدم الشرط دون مقارنة صورته صورة الحلال المشروع ومقصوده مقصود الحرام الباطل فلا تراعى الصورة وتلغى الحقيقة والمقصود بل مشاركة هذا للحرام صورة ومعنى وإلحاقه به لاشتراكهما في القصد والحقيقة أولى من إلحاقه بالحلال المأذون فيه بمشاركته له في مجرد الصورة.  [فصل في سد الذرائع] فصل وقوله: quot; ولا تفسد العقود بأن يقال: هذه ذريعة وهذه نية سوء - إلى آخره quot; فإشارة منه إلى قاعدتين: إحداهما أن لا اعتبار بالذرائع ولا يراعى سدها والثانية: أن القصود غير معتبرة في العقود والقاعدة المتقدمة أن الشرط المتقدم لا يؤثر وإنما التأثير للشرط الواقع في صلب العقد وهذه القواعد متلازمة فمن سد الذرائع اعتبر المقاصد وقال: يؤثر الشرط متقدما ومقارنا ومن لم يسد الذرائع لم يعتبر المقاصد ولا الشروط المتقدمة ولا يمكن إبطال واحدة منها إلا بإبطال جميعها ونحن نذكر قاعدة سد الذرائع ودلالة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والميزان الصحيح عليها فصل في سد الذرائع [للوسائل حكم المقاصد] لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها فوسيلة المقصود تابعة للمقصود وكلاهما مقصود لكنه(3\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "704",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "706",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مقصود قصد الغايات وهي مقصودة قصد الوسائل فإذا حرم الرب تعالى شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها تحقيقا لتحريمه وتثبيتا له ومنعا أن يقرب حماه ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضا للتحريم وإغراء للنفوس به وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه لعد متناقضا ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده. وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه. فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال ومن تأمل مصادرها ومواردها علم أن الله تعالى ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرمها ونهى عنها والذريعة: ما كان وسيلة وطريقا إلى الشيء ولا بد من تحرير هذا الموضع قبل تقريره ليزول الالتباس فيه فنقول [أنواع الوسائل وحكم كل نوع منها] الفعل أو القول المفضي إلى المفسدة قسمان أحدهما: أن يكون وضعه للإفضاء إليها كشرب المسكر المفضي إلى مفسدة السكر وكالقذف المفضي إلى مفسدة الفرية والزنا المفضي إلى اختلاط المياه وفساد الفراش ونحو ذلك فهذه أفعال وأقوال وضعت مفضية لهذه المفاسد وليس لها ظاهر غيرها والثاني: أن تكون موضوعة للإفضاء إلى أمر جائز أو مستحب فيتخذ وسيلة إلى المحرم إما بقصده أو بغير قصد منه فالأول كمن يعقد النكاح قاصدا به التحليل أو يعقد البيع قاصدا به الربا أو يخالع قاصدا به الحنث ونحو ذلك والثاني كمن يصلي تطوعا بغير سبب في أوقات النهي أو يسب أرباب المشركين بين أظهرهم أو يصلي بين يدي القبر لله ونحو ذلك. ثم هذا القسم من الذرائع نوعان أحدهما: أن تكون مصلحة الفعل أرجح من مفسدته والثاني: أن تكون مفسدته راجحة على مصلحته فهاهنا أربعة أقسام الأول وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المفسدة الثاني: وسيلة موضوعة للمباح قصد بها التوسل إلى المفسدة الثالث: وسيلة موضوعة للمباح لم يقصد بها التوسل إلى المفسدة لكنها مفضية إليها غالبا ومفسدتها أرجح من مصلحتها الرابع: وسيلة موضوعة للمباح وقد تفضي إلى المفسدة ومصلحتها أرجح من مفسدتها فمثال القسم الأول والثاني قد تقدم ومثال الثالث الصلاة في أوقات النهي ومسبة آلهة المشركين بين ظهرانيهم وتزين المتوفى عنها في زمن عدتها وأمثال ذلك ومثال الرابع(3\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "705",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "707",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النظر إلى المخطوبة والمستامة والمشهود عليها ومن يطؤها ويعاملها وفعل ذوات الأسباب في أوقات النهي وكلمة الحق عند ذي سلطان جائر ونحو ذلك فالشريعة جاءت بإباحة هذا القسم أو استحبابه أو إيجابه بحسب درجاته في المصلحة وجاءت بالمنع من القسم الأول كراهة أو تحريما بحسب درجاته في المفسدة بقي النظر في القسمين الوسط: هل هما مما جاءت الشريعة بإباحتهما أو المنع منهما فنقول:  [فصل الأدلة على المنع من فعل ما يؤدي إلى الحرام] [الأدلة على المنع من فعل ما يؤدي إلى الحرام ولو كان جائزا في نفسه] الدلالة على المنع من وجوه: الوجه الأول: قوله تعالى: ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم [الأنعام: 108] فحرم الله تعالى سب آلهة المشركين - مع كون السب غيظا وحمية لله وإهانة لآلهتهم - لكونه ذريعة إلى سبهم الله تعالى وكانت مصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من مصلحة سبنا لآلهتهم وهذا كالتنبيه بل كالتصريح على المنع من الجائز لئلا يكون سببا في فعل ما لا يجوز. الوجه الثاني: قوله تعالى: ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن [النور: 31] فمنعهن من الضرب بالأرجل وإن كان جائزا في نفسه لئلا يكون سببا إلى سمع الرجال صوت الخلخال فيثير ذلك دواعي الشهوة منهم إليهن. الوجه الثالث: قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات [النور: 58] الآية - أمر تعالى مماليك المؤمنين ومن لم يبلغ منهم الحلم أن يستأذنوا عليهم في هذه الأوقات الثلاثة لئلا يكون دخولهم هجما بغير استئذان فيها ذريعة إلى اطلاعهم على عوراتهم وقت إلقاء ثيابهم عند القائلة والنوم واليقظة ولم يأمرهم بالاستئذان في غيرها وإن أمكن في تركه هذه المفسدة لندورها وقلة الإفضاء إليها فجعلت كالمقدمة. الوجه الرابع: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا [البقرة: 104] نهاهم سبحانه أن يقولوا هذه الكلمة - مع قصدهم بها الخير - لئلا يكون قولهم ذريعة إلى التشبه باليهود في أقوالهم وخطابهم فإنهم كانوا يخاطبون بها النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقصدون بها السب ويقصدون فاعلا من الرعونة فنهى المسلمون عن قولها سدا لذريعة المشابهة ولئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي - صلى الله عليه وسلم - تشبها بالمسلمين يقصدون بها غير ما يقصده المسلمون.(3\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "706",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "708",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الخامس: قوله تعالى لكليمه موسى وأخيه هارون: اذهبا إلى فرعون إنه طغى [طه: 43] فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى [طه: 44] فأمر تعالى أن يلينا القول لأعظم أعدائه وأشدهم كفرا وأعتاهم عليه لئلا يكون إغلاظ القول له مع أنه حقيق به ذريعة إلى تنفيره وعدم صبره لقيام الحجة فنهاهما عن الجائز لئلا يترتب عليه ما هو أكره إليه تعالى. الوجه السادس: أنه تعالى نهى المؤمنين في مكة عن الانتصار باليد وأمرهم بالعفو والصفح لئلا يكون انتصارهم ذريعة إلى وقوع ما هو أعظم مفسدة من مفسدة الإغضاء واحتمال الضيم ومصلحة حفظ نفوسهم ودينهم وذريتهم راجحة على مصلحة الانتصار والمقابلة. الوجه السابع: أنه تعالى نهى عن البيع وقت نداء الجمعة لئلا يتخذ ذريعة إلى التشاغل بالتجارة عن حضورها. الوجه الثامن: ما رواه حميد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من الكبائر شتم الرجل والديه قالوا: يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه قال: نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه متفق عليه. ولفظ البخاري: إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه قيل: يا رسول الله كيف يلعن الرجل والديه قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سابا لاعنا لأبويه بتسببه إلى ذلك وتوسله إليه وإن لم يقصده. الوجه التاسع: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكف عن قتل المنافقين - مع كونه مصلحة - لئلا يكون ذريعة إلى تنفير الناس عنه وقولهم: إن محمدا يقتل أصحابه فإن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه ومن لم يدخل فيه ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل. الوجه العاشر: أن الله تعالى حرم الخمر لما فيها من المفاسد الكثيرة المترتبة على زوال العقل وهذا ليس مما نحن فيه لكن حرم القطرة الواحدة منها وحرم إمساكها للتخليل ونجسها لئلا تتخذ القطرة ذريعة إلى الحسوة ويتخذ إمساكها للتخليل ذريعة إلى إمساكها للشرب ثم بالغ في سد الذريعة فنهى عن الخليطين وعن شرب العصير بعد ثلاث وعن الانتباذ في الأوعية التي قد يتخمر النبيذ فيها ولا يعلم به حسما لمادة قربان المسكر وقد صرح - صلى الله عليه وسلم - بالعلة في تحريم القليل فقال: لو رخصت لكم في هذه لأوشك أن تجعلوها مثل هذه(3\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "707",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "709",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الحادي عشر: أنه - صلى الله عليه وسلم - حرم الخلوة بالأجنبية ولو في إقراء القرآن والسفر بها ولو في الحج وزيارة الوالدين سدا لذريعة ما يحاذر من الفتنة وغلبات الطباع. الوجه الثاني عشر: أن الله تعالى أمر بغض البصر - وإن كان إنما يقع على محاسن الخلقة والتفكر في صنع الله - سدا لذريعة الإرادة والشهوة المفضية إلى المحظور. الوجه الثالث عشر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بناء المساجد على القبور ولعن من فعل ذلك ونهى عن تجصيص القبور وتشريفها واتخاذها مساجد وعن الصلاة إليها وعندها وعن إيقاد المصابيح عليها وأمر بتسويتها ونهى عن اتخاذها عيدا وعن شد الرحال إليها لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اتخاذها أوثانا والإشراك بها وحرم ذلك على من قصده ومن لم يقصده بل قصد خلافه سدا للذريعة. الوجه الرابع عشر: أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها وكان من حكمة ذلك أنهما وقت سجود المشركين للشمس وكان النهي عن الصلاة لله في ذلك الوقت سدا لذريعة المشابهة الظاهرة التي هي ذريعة إلى المشابهة في القصد مع بعد هذه الذريعة فكيف بالذرائع القريبة الوجه الخامس عشر: أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التشبه بأهل الكتاب في أحاديث كثيرة كقوله: إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم وقوله: إن اليهود لا يصلون في نعالهم فخالفوهم وقوله في عاشوراء: خالفوا اليهود صوموا يوما قبله ويوما بعده وقوله: لا تشبهوا بالأعاجم وروى الترمذي عنه: ليس منا من تشبه بغيرنا وروى الإمام أحمد عنه: من تشبه بقوم فهو منهم وسر ذلك أن المشابهة في الهدي الظاهر ذريعة إلى الموافقة في القصد والعمل. الوجه السادس عشر: أنه - صلى الله عليه وسلم - حرم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها وقال: إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم حتى لو رضيت المرأة بذلك لم يجز لأن ذلك ذريعة إلى القطيعة المحرمة كما علل به النبي - صلى الله عليه وسلم -. الوجه السابع عشر: أنه حرم نكاح أكثر من أربع لأن ذلك ذريعة إلى الجور وقيل: العلة فيه أنه ذريعة إلى كثرة المؤنة المفضية إلى أكل الحرام وعلى التقديرين فهو من باب(3\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "708",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "710",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سد الذرائع. وأباح الأربع - وإن كان لا يؤمن الجور في اجتماعهن - لأن حاجته قد لا تندفع بما دونهن فكانت مصلحة الإباحة أرجح من مفسدة الجور المتوقعة. الوجه الثامن عشر: أن الله تعالى حرم خطبة المعتدة صريحا حتى حرم ذلك في عدة الوفاء وإن كان المرجع في انقضائها ليس إلى المرأة فإن إباحة الخطبة قد تكون ذريعة إلى استعجال المرأة بالإجابة والكذب في انقضاء عدتها. الوجه التاسع عشر: أن الله تعالى حرم عقد النكاح في حال العدة وفي الإحرام وإن تأخر الوطء إلى وقت الحل لئلا يتخذ العقد ذريعة إلى الوطء ولا ينتقض هذا بالصيام فإن زمنه قريب جدا فليس عليه كلفة في صبره بعض يوم إلى الليل. الوجه العشرون: أن الشارع حرم الطيب على المحرم لكونه من أسباب دواعي الوطء فتحريمه من باب سد الذريعة. الوجه الحادي والعشرون: أن الشارع اشترط للنكاح شروطا زائدة على العقد تقطع عنه شبه السفاح كالإعلام والولي ومنع امرأة أن تليه بنفسها وندب إلى إظهاره حتى استحب فيه الدف والصوت والوليمة لأن في الإخلال بذلك ذريعة إلى وقوع السفاح بصورة النكاح وزوال بعض مقاصد النكاح من جحد الفراش ثم أكد ذلك بأن جعل للنكاح حريما من العدة تزيد على مقدار الاستبراء وأثبت له أحكاما من المصاهرة وحرمتها ومن الموارثة زائدة على مجرد الاستمتاع فعلم أن الشارع جعله سببا ووصلة بين الناس بمنزلة الرحم كما جمع بينهما في قوله: فجعله نسبا وصهرا [الفرقان: 54] وهذه المقاصد تمنع شبهه بالسفاح وتبين أن نكاح المحلل بالسفاح أشبه منه بالنكاح. الوجه الثاني والعشرون: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: نهى أن يجمع الرجل بين سلف وبيع ومعلوم أنه لو أفرد أحدهما عن الآخر صح وإنما ذاك لأن اقتران أحدهما بالآخر ذريعة إلى أن يقرضه ألفا ويبيعه سلعة تساوي ثمانمائة بألف أخرى فيكون قد أعطاه ألفا وسلعة بثمانمائة ليأخذ منه ألفين وهذا هو معنى الربا فانظر إلى حمايته الذريعة إلى ذلك بكل طريق وقد احتج بعض المانعين لمسألة مد عجوة بأن قال: إن من جوزها يجوز أن يبيع الرجل دينارا في منديل بألف وخمسمائة مفردة قال: وهذا ذريعة إلى الربا ثم قال: يجوز أن يقرضه ألفا ويبيعه المنديل بخمسمائة وهذا هو بعينه الذي نهى عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو من أقرب الذرائع إلى الربا ويلزم من لم يسد الذرائع أن يخالف النصوص ويجيز ذلك فكيف يترك أمرا ويرتكب نظيره من كل وجه(3\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "709",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "711",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثالث والعشرون: أن الآثار المتظاهرة في تحريم العينة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن الصحابة تدل على المنع من عود السلعة إلى البائع إن لم يتواطآ على الربا وما ذاك إلا سدا للذريعة. الوجه الرابع والعشرون: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - منع المقرض من قبول الهدية وكذلك أصحابه حتى يحسبها من دينه وما ذاك إلا لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى تأخير الدين لأجل الهدية فيكون ربا فإنه يعود إليه ماله وأخذ الفضل الذي استفاده بسبب القرض. الوجه الخامس والعشرون: أن الوالي والقاضي والشافع ممنوع من قبول الهدية وهو أصل فساد العالم وإسناد الأمر إلى غير أهله وتولية الخونة والضعفاء والعاجزين وقد دخل بذلك من الفساد ما لا يحصيه إلا الله وما ذاك إلا لأن قبول الهدية ممن لم تجر عادته بمهاداته ذريعة إلى قضاء حاجته وحبك الشيء يعمي ويصم فيقوم عنده شهوة لقضاء حاجته مكافأة له مقرونة بشره وإغماض عن كونه لا يصلح. الوجه السادس والعشرون: أن السنة مضت بأنه ليس للقاتل من الميراث شيء: إما عمدا كما قال مالك وإما مباشرة كما قال أبو حنيفة وإما قتلا مضمونا بقصاص أو دية أو كفارة وإما قتلا بغير حق وإما قتلا مطلقا كما هي أقوال في مذهب الشافعي وأحمد والمذهب الأول وسواء قصد القاتل أن يتعجل الميراث أو لم يقصده فإن رعاية هذا القصد غير معتبرة في المنع وفاقا وما ذاك إلا لأن توريث القاتل ذريعة إلى وقوع هذا الفعل فسد الشارع الذريعة بالمنع. الوجه السابع والعشرون: أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ورثوا المطلقة المبتوتة في مرض الموت حيث يتهم بقصد حرمانها الميراث بلا تردد وإن لم يقصد الحرمان لأن الطلاق ذريعة وأما إذا لم يتهم ففيه خلاف معروف مأخذه أن المرض أوجب تعلق حقها بماله فلا يمكن من قطعه أو سدا للذريعة بالكلية وإن كان في أصل المسألة خلاف متأخر عن إجماع السابقين. الوجه الثامن والعشرون: أن الصحابة وعامة الفقهاء اتفقوا على قتل الجميع بالواحد وإن كان أصل القصاص يمنع ذلك لئلا يكون عدم القصاص ذريعة إلى التعاون على سفك الدماء. الوجه التاسع والعشرون: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تقطع الأيدي في الغزو لئلا يكون ذريعة إلى إلحاق المحدود بالكفار ولهذا لا تقام الحدود في الغزو كما تقدم.(3\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "710",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "712",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثلاثون: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن تكون له عادة توافق ذلك اليوم ونهى عن صوم يوم الشك وما ذاك إلا لئلا يتخذ ذريعة إلى أن يلحق بالفرض ما ليس منه وكذلك حرم صوم يوم العيد تمييزا لوقت العبادة عن غيره لئلا يكون ذريعة إلى الزيادة في الواجب كما فعلت النصارى ثم أكد هذا الغرض باستحباب تعجيل الفطر وتأخير السحور واستحباب تعجيل الفطر في يوم العيد قبل الصلاة وكذلك ندب إلى تمييز فرض الصلاة عن نفلها فكره للإمام أن يتطوع في مكانه وأن يستديم جلوسه مستقبل القبلة كل هذا سدا للباب المفضي إلى أن يزاد في الفرض ما ليس منه. الوجه الحادي والثلاثون: أنه - صلى الله عليه وسلم - كره الصلاة إلى ما قد عبد من دون الله تعالى وأحب لمن صلى إلى عود أو عمود أو شجرة أو نحو ذلك أن يجعله على أحد جانبيه ولا يصمد إليه صمدا قطعا لذريعة التشبه بالسجود إلى غير الله تعالى. الوجه الثاني والثلاثون: أنه شرع الشفعة وسلط الشريك على انتزاع الشقص من يد المشتري سدا لذريعة المفسدة المتعلقة بالشركة والقسمة. الوجه الثالث والثلاثون: أن الحاكم منهي عن رفع أحد الخصمين على الآخر وعن الإقبال عليه دونه وعن مشاورته والقيام له دون خصمه لئلا يكون ذريعة إلى انكسار قلب الآخر وضعفه عن القيام بحجته وثقل لسانه بها.  الوجه الرابع والثلاثون: أنه ممنوع من الحكم بعلمه لئلا يكون ذلك ذريعة إلى حكمه بالباطل ويقول: حكمت بعلمي. الوجه الخامس والثلاثون: أن الشريعة منعت من قبول شهادة العدو على عدوه لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى بلوغ غرضه من عدوه بالشهادة الباطلة. الوجه السادس والثلاثون: أن الله تعالى منع رسوله حيث كان بمكة من الجهر بالقرآن حيث كان المشركون يسمعونه فيسبون القرآن ومن أنزله ومن جاء به ومن أنزل عليه. الوجه السابع والثلاثون: أن الله تعالى أوجب الحدود على مرتكبي الجرائم التي تتقاضاها الطباع وليس عليها وازع طبعي والحدود عقوبات لأرباب الجرائم في الدنيا كما جعلت عقوبتهم في الآخرة بالنار إذا لم يتوبوا ثم إنه تعالى جعل التائب من الذنب كمن لا ذنب له فمن لقيه تائبا توبة نصوحا لم يعذبه مما تاب منه وهكذا في أحكام الدنيا إذا تاب توبة نصوحا قبل رفعه إلى الإمام سقط عنه الحد في أصح قولي العلماء فإذا رفع إلى الإمام لم تسقط توبته عنه الحد لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى تعطيل حدود الله إذ لا يعجز كل من(3\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "711",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "713",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجب عليه الحد أن يظهر التوبة ليتخلص من العقوبة وإن تاب توبة نصوحا سدا لذريعة السكوت بالكلية. الوجه الثامن والثلاثون: أن الشارع أمر بالاجتماع على إمام واحد في الإمامة الكبرى وفي الجمعة والعيدين والاستسقاء وصلاة الخوف مع كون صلاة الخوف بإمامين أقرب إلى حصول صلاة الأمن وذلك سدا لذريعة التفريق والاختلاف والتنازع وطلبا لاجتماع القلوب وتألف الكلمة وهذا من أعظم مقاصد الشرع وقد سد الذريعة إلى ما يناقضه بكل طريق حتى في تسوية الصف في الصلاة لئلا تختلف القلوب وشواهد ذلك أكثر من أن تذكر. الوجه التاسع والثلاثون: أن السنة مضت بكراهة إفراد رجب بالصوم وكراهة إفراد يوم الجمعة بالصوم وليلتها بالقيام سدا لذريعة اتخاذ شرع لم يأذن به الله من تخصيص زمان أو مكان بما لم يخصه به ففي ذلك وقوع فيما وقع فيه أهل الكتاب. الوجه الأربعون: أن الشروط المضروبة على أهل الذمة تضمنت تمييزهم عن المسلمين في اللباس والشعور والمراكب وغيرها لئلا تفضي مشابهتهم إلى أن يعامل الكافر معاملة المسلم فسدت هذه الذريعة بإلزامهم التميز عن المسلمين. الوجه الحادي والأربعون: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ناجية بن كعب الأسلمي وقد أرسل معه هدي إذا عطب منه شيء دون المحل أن ينحره ويصبغ نعله التي قلده بها في دمه ويخلي بينه وبين الناس ونهاه أن يأكل منه هو أو أحد من أهل رفقته  قالوا: وما ذاك إلا لأنه لو جاز أن يأكل منه أو يطعم أهل رفقته قبل بلوغ المحل فربما دعاه ذلك إلى أن يقصر في علفها وحفظها لحصول غرضه من عطبها دون المحل كحصوله بعد بلوغ المحل من أكله هو ورفقته وإهدائهم إلى أصحابهم فإذا أيس من حصول غرضه في عطبها كان ذلك أدعى إلى حفظها حتى تبلغ محلها وأحسم لمادة هذا الفساد وهذا من ألطف أنواع سد الذرائع. الوجه الثاني والأربعون: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الملتقط أن يشهد على اللقطة وقد علم أنه أمين وما ذاك إلا سد لذريعة الطمع والكتمان فإذا بادر وأشهد كان أحسم لمادة الطمع والكتمان وهذا أيضا من ألطف أنواعها. الوجه الثالث والأربعون: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد وذم الخطيب الذي قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن عصاهما فقد غوى سدا لذريعة التشريك في المعنى بالتشريك في اللفظ وحسما لمادة الشرك حتى في اللفظ ولهذا قال(3\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "712",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "714",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للذي قال له: ما شاء الله وشئت: أجعلتني لله ندا  فحسم مادة الشرك وسد الذريعة إليه في اللفظ كما سدها في الفعل والقصد فصلاة الله وسلامه عليه وعلى آله أكمل صلاة وأتمها وأزكاها [وأعمها] الوجه الرابع والأربعون: أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر المأمومين أن يصلوا قعودا إذا صلى إمامهم قاعدا وقد تواتر عنه ذلك ولم يجئ عنه ما ينسخه وما ذاك إلا سدا لذريعة مشابهة الكفار حيث يقومون على ملوكهم وهم قعود كما علله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وهذا التعليل منه يبطل قول من قال: إنه منسوخ مع أن ذلك دعوى لا دليل عليها. الوجه الخامس والأربعون: أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر المصلي بالليل إذا نعس أن يذهب فليرقد وقال: لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه فأمره بالنوم لئلا تكون صلاته في تلك الحال ذريعة إلى سبه لنفسه وهو لا يشعر لغلبة النوم. الوجه السادس والأربعون: أن الشارع صلوات الله عليه نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه أو يستام على سوم أخيه أو يبيع على بيع أخيه وما ذاك إلا أنه ذريعة إلى التباغض والتعادي فقياس هذا أنه لا يستأجر على إجارته ولا يخطب ولاية ولا منصبا على خطبته وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى وقوع العداوة والبغضاء بينه وبين أخيه. الوجه السابع والأربعون: أنه نهى عن البول في الجحر وما ذاك إلا لأنه قد يكون ذريعة إلى خروج حيوان يؤذيه وقد يكون من مساكن الجن فيؤذيهم بالبول فربما آذوه. الوجه الثامن والأربعون: أنه نهى عن البراز في قارعة الطريق والظل والموارد لأنه ذريعة لاستجلاب اللعن كما علل به - صلى الله عليه وسلم - بقوله: اتقوا الملاعن الثلاث وفي لفظ: اتقوا اللاعنين قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله قال: الذي يتخلى في طريق الناس وفي ظلهم . الوجه التاسع والأربعون: أنه نهاهم إذا أقيمت الصلاة أن يقوموا حتى يروه قد خرج لئلا يكون ذلك ذريعة إلى قيامهم لغير الله ولو كانوا إنما يقصدون القيام للصلاة لكن قيامهم قبل خروج الإمام ذريعة ولا مصلحة فيها فنهوا عنه. الوجه الخمسون: أنه نهى أن توصل صلاة بصلاة الجمعة حتى يتكلم أو يخرج لئلا يتخذ ذريعة إلى تغيير الفرض وأن يزاد فيه ما ليس منه. قال السائب بن يزيد: صليت الجمعة في المقصورة فلما سلم الإمام قمت في مقامي فصليت فلما دخل معاوية أرسل إلي فقال: لا تعد لما فعلت إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بذلك ألا توصل الصلاة حتى يتكلم أو يخرج(3\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "713",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "715",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الحادي والخمسون: أنه أمر من صلى في رحله ثم جاء إلى المسجد أن يصلي مع الإمام وتكون له نافلة لئلا يتخذ قعوده والناس يصلون ذريعة إلى إساءة الظن به وأنه ليس من المصلين. الوجه الثاني والخمسون: أنه نهى أن يسمر بعد العشاء الآخرة إلا لمصل أو مسافر وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها وما ذاك إلا لأن النوم قبلها ذريعة إلى تفويتها والسمر بعدها ذريعة إلى تفويت قيام الليل فإن عارضه مصلحة راجحة كالسمر في العلم ومصالح المسلمين لم يكره. الوجه الثالث والخمسون: أنه نهى النساء إذا صلين مع الرجال أن يرفعن رءوسهن قبل الرجال لئلا يكون ذريعة منهن إلى رؤية عورات الرجال من وراء الأزر كما جاء التعليل بذلك في الحديث الوجه الرابع والخمسون: أنه نهى الرجل أن يتخطى المسجد الذي يليه إلى غيره كما رواه بقية عن المجاشع بن عمرو عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ليصل أحدكم في المسجد الذي يليه ولا يتخطاه إلى غيره وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى هجر المسجد الذي يليه وإيحاش صدر الإمام وإن كان الإمام لا يتم الصلاة أو يرمى ببدعة أو يلعن بفجور فلا بأس بتخطيه إلى غيره. الوجه الخامس والخمسون: أنه نهى الرجل بعد الأذان أن يخرج من المسجد حتى يصلي لئلا يكون خروجه ذريعة إلى اشتغاله عن الصلاة جماعة كما قال عمار لرجل رآه قد خرج بعد الأذان: quot; أما هذا فقد عصى أبا القاسم quot;. الوجه السادس والخمسون: أنه نهى عن الاحتباء يوم الجمعة كما رواه أحمد في مسنده من حديث سهل بن معاذ عن أبيه: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الاحتباء يوم الجمعة وما ذاك إلا أنه ذريعة إلى النوم. الوجه السابع والخمسون: أنه نهى المرأة إذا خرجت إلى المسجد أن تتطيب أو تصيب بخورا وذلك لأنه ذريعة إلى ميل الرجال وتشوفهم إليها فإن رائحتها وزينتها وصورتها وإبداء محاسنها تدعو إليها فأمرها أن تخرج تفلة وأن لا تتطيب وأن تقف خلف الرجال وأن لا تسبح في الصلاة إذا نابها شيء بل تصفق ببطن كفها على ظهر الأخرى كل ذلك سدا للذريعة وحماية عن المفسدة. الوجه الثامن والخمسون: أنه نهى أن تنعت المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر(3\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "714",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "716",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليها ولا يخفى أن ذلك سد للذريعة وحماية عن مفسدة وقوعها في قلبه وميله إليها بحضور صورتها في نفسه وكم ممن أحب غيره بالوصف قبل الرؤية. الوجه التاسع والخمسون: أنه نهى عن الجلوس بالطرقات وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى النظر إلى المحرم فلما أخبروه أنه لا بد لهم من ذلك قال أعطوا الطريق حقه قالوا: وما حقه قال: غض البصر وكف الأذى ورد السلام الوجه الستون: أنه نهى أن يبيت الرجل عند امرأة إلا أن يكون ناكحا أو ذا رحم محرم وما ذاك إلا لأن المبيت عند الأجنبية ذريعة إلى المحرم. الوجه الحادي والستون: أنه نهى أن تباع السلع حيث تباع حتى تنقل عن مكانها وما ذاك إلا أنه ذريعة إلى جحد البائع البيع وعدم إتمامه إذا رأى المشتري قد ربح فيها فيغره الطمع وتشح نفسه بالتسليم كما هو الواقع. وأكد هذا المعنى بالنهي عن ربح ما لم يضمن وهذا من محاسن الشريعة وألطف باب لسد الذرائع. الوجه الثاني والستون: أنه نهى عن بيعتين في بيعة وهو الشرطان في البيع في الحديث الآخر وهو الذي لعاقدة أوكس البيعتين أو الربا في الحديث الثالث وذلك سد لذريعة الربا فإنه إذا باعه السلعة بمائة مؤجلة ثم اشتراها منه بمائتين حالة فقد باع بيعتين في بيعة فإن أخذ بالثمن الزائد أخذ بالربا وإن أخذ بالناقص أخذ بأوكسهما وهذا من أعظم الذرائع إلى الربا وأبعد كل البعد من حمل الحديث على البيع بمائة مؤجلة أو خمسين حالة وليس هاهنا ربا ولا جهالة ولا غرر ولا قمار ولا شيء من المفاسد فإنه خيره بين أي الثمنين شاء وليس هذا بأبعد من تخييره بعد البيع بين الأخذ والإمضاء ثلاثة أيام وأيضا فإنه فرق بين عقدين كل منهما ذريعة ظاهرة جدا إلى الربا - وهما السلف والبيع والشرطان في البيع - وهذان العقدان بينهما من النسب والإخاء والتوسل بهما إلى أكل الربا ما يقتضي الجمع بينهما في التحريم فصلوات الله وسلامه على من كلامه الشفاء والعصمة والهدى والنور. الوجه الثالث والستون: أنه أمر أن يفرق بين الأولاد في المضاجع وأن لا يترك الذكر ينام مع الأنثى في فراش واحد لأن ذلك قد يكون ذريعة إلى نسج الشيطان بينهما المواصلة المحرمة بواسطة اتحاد الفراش ولا سيما مع الطول والرجل قد يعبث في نومه بالمرأة في نومها إلى جانبه وهو لا يشعر وهذا أيضا من ألطف سد الذرائع. الوجه الرابع والستون: أنه نهى أن يقول الرجل: خبثت نفسي ولكن ليقل لقست(3\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "715",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "717",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفسي سدا لذريعة اعتياد اللسان للكلام الفاحش وسدا لذريعة اتصاف النفس بمعنى هذا اللفظ فإن الألفاظ تتقاضى معانيها وتطلبها بالمشاكلة والمناسبة التي بين اللفظ والمعنى ولهذا قل من تجده يعتاد لفظا إلا ومعناه غالب عليه فسد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذريعة الخبث لفظا ومعنى وهذا أيضا ألطف الباب. الوجه الخامس والستون: أنه نهى الرجل أن يقول لغلامه وجاريته: عبدي وأمتي ولكن يقول: فتاي وفتاتي ونهى أن يقول لغلامه: وضئ ربك أطعم ربك سدا لذريعة الشرك في اللفظ والمعنى وإن كان الرب هاهنا هو المالك كرب الدار ورب الإبل فعدل عن لفظ العبد والأمة إلى لفظ الفتى والفتاة ومنع من إطلاق لفظ الرب على السيد حماية لجانب التوحيد وسدا لذريعة الشرك. الوجه السادس والستون: أنه نهى المرأة أن تسافر بغير محرم وما ذلك إلا أن سفرها بغير محرم قد يكون ذريعة إلى الطمع فيها والفجور بها.  الوجه السابع والستون: أنه نهى عن تصديق أهل الكتاب وتكذيبهم فيما يحدثون به لأن تصديقهم قد يكون ذريعة إلى التصديق بالباطل وتكذيبهم قد يكون ذريعة إلى التكذيب بالحق كما علل به في نفس الحديث. الوجه الثامن والستون: أنه نهى أن يسمي عبده بأفلح ونافع ورباح ويسار لأن ذلك قد يكون ذريعة إلى ما يكره من الطيرة بأن يقال: ليس هاهنا يسار ولا رباح ولا أفلح وإن كان قصد اسم الغلام ولكن سدا لذريعة اللفظ المكروه الذي يستوحش منه السامع. الوجه التاسع والستون: أنه نهى الرجال عن الدخول على النساء لأنه ذريعة ظاهرة. الوجه السبعون: أنه نهى أن يسمى باسم برة لأنه ذريعة إلى تزكية النفس بهذا الاسم وإن كان إنما قصد العلمية. الوجه الحادي والسبعون: أنه نهى عن التداوي بالخمر وإن كانت مصلحة التداوي راجحة على مفسدة ملابستها سدا لذريعة قربانها واقتنائها ومحبة النفوس لها فحسم عليها المادة حتى في تناولها على وجه التداوي وهذا من أبلغ سد الذرائع. الوجه الثاني والسبعون: أنه نهى أن يتناجى اثنان دون الثالث لأن ذلك ذريعة إلى حزنه وكسر قلبه وظنه السوء. الوجه الثالث والسبعون: أن الله حرم نكاح الأمة على القادر على نكاح الحرة إذا لم(3\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "716",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "718",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يخش العنت لأن ذلك ذريعة إلى إرقاق ولده حتى لو كانت الأمة من الآيسات من الحبل والولادة لم تحل له سدا للذريعة ولهذا منع الإمام أحمد الأسير والتاجر أن يتزوج في دار الحرب خشية تعريض ولده للرق وعلله بعلة أخرى وهي أنه قد لا يمكنه منع العدو من مشاركته في زوجته. الوجه الرابع والسبعون: أنه نهى أن يورد ممرض على مصح: لأن ذلك قد يكون ذريعة إما إلى إعدائه وإما إلى تأذيه بالتوهم والخوف وذلك سبب إلى إصابة المكروه له. الوجه الخامس والسبعون: أنه نهى أصحابه عن دخول ديار ثمود إلا أن يكونوا باكين خشية أن يصيبهم مثل ما أصابهم فجعل الدخول من غير بكاء ذريعة إلى إصابة المكروه. الوجه السادس والسبعون: أنه نهى الرجل أن ينظر إلى من فضل عليه في المال واللباس فإنه ذريعة إلى ازدرائه نعمة الله عليه واحتقاره بها وذلك سبب الهلاك. الوجه السابع والسبعون: أنه نهى عن إنزاء الحمر على الخيل لأن ذلك ذريعة إلى قطع نسل الخيل أو تقليلها ومن هذا نهيه عن أكل لحومها إن صح الحديث فيه إنما كان لأنه ذريعة إلى تقليلها كما نهاهم في بعض الغزوات عن نحر ظهورهم لما كان ذريعة إلى لحوق الضرر بهم بفقد الظهر. الوجه الثامن والسبعون: أنه نهى من رأى رؤيا يكرهها أن يتحدث بها فإنه ذريعة إلى انتقالها من مرتبة الوجود اللفظي إلى مرتبة الوجود الخارجي كما انتقلت من الوجود الذهني إلى اللفظي وهكذا عامة الأمور تكون في الذهن أولا ثم تنتقل إلى الذكر ثم تنتقل إلى الحس وهذا من ألطف سد الذرائع وأنفعها ومن تأمل عامة الشر رآه متنقلا في درجات الظهور طبقا بعد طبق من الذهن إلى اللفظ إلى الخارج. الوجه التاسع والسبعون: أنه سأل عن الخمر تتخذ خلا فقال: لا مع إذنه في خل الخمر الذي حصل بغير التخليل وما ذاك إلا سدا لذريعة إمساكها بكل طريق إذ لو أذن في تخليلها لحبسها أصحابها لذلك وكان ذريعة إلى المحذور. الوجه الثمانون: أنه نهى أن يتعاطى السيف مسلولا وما ذاك إلا أنه ذريعة إلى الإصابة بمكروه ولعل الشيطان يعينه وينزع في يده فيقع المحذور ويقرب منه. الوجه الحادي والثمانون: أنه أمر المار في المسجد بنبال أن يمسك على نصلها بيده لئلا يكون ذريعة إلى تأذي رجل مسلم بالنصال.(3\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "717",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "719",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثاني والثمانون: أنه حرم الشياع وهو المفاخرة بالجماع لأنه ذريعة إلى تحريك النفوس والتشبه وقد لا يكون عند الرجل من يغنيه من الحلال فيتخطى إلى الحرام ومن هذا كان المجاهرون خارجين من عافية الله وهم المتحدثون بما فعلوه من المعاصي فإن السامع تتحرك نفسه إلى التشبه وفي ذلك من الفساد المنتشر ما لا يعلمه إلا الله. الوجه الثالث والثمانون: أنه نهى عن البول في الماء الدائم وما ذاك إلا أن تواتر البول فيه ذريعة إلى تنجيسه وعلى هذا فلا فرق بين القليل والكثير وبول الواحد والعدد وهذا أولى من تفسير بما دون القلتين أو بما يمكن نزحه فإن الشارع الحكيم لا يأذن للناس أن يبولوا في المياه الدائمة إذا جاوزت القلتين أو لم يمكن نزحها فإن في ذلك [من] إفساد مياه الناس ومواردهم ما لا تأتي به شريعة فحكمة شريعته اقتضت المنع من البول فيه قل أو كثر سدا لذريعة إفساده. الوجه الرابع والثمانون: أنه نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو فإنه ذريعة إلى أن تناله أيديهم كما علل به في نفس الحديث. الوجه الخامس والثمانون: أنه نهى عن الاحتكار وقال: quot; لا يحتكر إلا خاطئ quot; فإنه ذريعة إلى أن يضيق على الناس أقواتهم ولهذا لا يمنع من احتكار ما لا يضر الناس. الوجه السادس والثمانون: أنه نهى عن منع فضل الماء لئلا يكون ذريعة إلى منع فضل الكلأ كما علل به في نفس الحديث فجعله بمنعه من الماء مانعا من الكلأ لأن صاحب المواشي إذا لم يمكنه الشرب من ذلك الماء لم يتمكن من المرعى الذي حوله. الوجه السابع والثمانون: أنه نهى عن إقامة حد الزنا على الحامل حتى تضع لئلا يكون ذلك ذريعة إلى قتل ما في بطنها كما قال في الحديث الآخر: لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأمرت فتياني أن يحملوا معهم حزما من حطب فأخالف إلى قوم لا يشهدون الصلاة في الجماعة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار فمنعه من تحريق بيوتهم التي عصوا الله فيها بتخلفهم عن الجماعة كون ذلك ذريعة إلى عقوبة من لم يجب عليه حضور الجماعة من النساء والأطفال. الوجه الثامن والثمانون: أنه نهى عن إدامة النظر إلى المجذومين وهذا والله أعلم لأنه ذريعة إلى أن يصابوا بإيذائهم وهي من ألطف الذرائع وأهل الطبيعة يعترفون به وهو جار على قاعدة الأسباب وأخبرني رجل من علمائهم أنه جلس قرابة له يكحل الناس فرمد(3\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "718",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "720",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم برئ فجلس يكحلهم فرمد مرارا قال: فعلمت أن الطبيعة تنتقل وأنه من كثرة ما يفتح عينيه في أعين الرمد نقلت الطبيعة الرمد إلى عينيه وهذا لا بد معه من نوع استعداد وقد جبلت الطبيعة والنفس على التشبه والمحاكاة. الوجه التاسع والثمانون: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى الرجل أن ينحني للرجل إذا لقيه كما يفعله كثير من المنتسبين إلى العلم ممن لا علم له بالسنة بل يبالغون إلى أقصى حد الانحناء مبالغة في خلاف السنة جهلا حتى يصير أحدهم بصورة الراكع لأخيه ثم يرفع رأسه من الركوع كما يفعل إخوانهم من السجود بين يدي شيوخهم الأحياء والأموات فهؤلاء أخذوا من الصلاة سجودها وأولئك ركوعها وطائفة ثالثة قيامها يقوم عليهم الناس وهم قعود كما يقومون في الصلاة فتقاسمت الفرق الثلاث أجزاء الصلاة والمقصود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن انحناء الرجل لأخيه سدا لذريعة الشرك كما نهى عن السجود لغير الله وكما نهاهم أن يقوموا في الصلاة على رأس الإمام وهو جالس مع أن قيامهم عبادة لله تعالى فما الظن إذا كان القيام تعظيما للمخلوق وعبودية له فالله المستعان. الوجه التسعون: أنه حرم التفريق في الصرف وبيع الربوي بمثله قبل القبض لئلا يتخذ ذريعة إلى التأجيل الذي هو أصل باب الربا فحماهم من قربانه باشتراط التقابض في الحال ثم أوجب عليهم فيهم التماثل وأن لا يزيد أحد العوضين على الآخر إذا كانا من جنس واحد حتى لا يباع مد جيد بمدين رديئين وإن كانا يساويانه سدا لذريعة ربا النساء الذي هو حقيقة الربا وأنه إذا منعهم من الزيادة مع الحلول حيث تكون الزيادة في مقابلة جودة أو صفة أو سكة أو نحوهما فمنعهم منها حيث لا مقابل لها إلا مجرد الأجل أولى فهذه هي حكمة تحريم ربا الفضل التي خفيت على كثير من الناس حتى قال بعض المتأخرين: لا يتبين لي حكمة تحريم ربا الفضل وقد ذكر الشارع هذه الحكمة بعينها فإنه حرمه سدا لذريعة ربا النساء فقال في حديث تحريم ربا الفضل: فإني أخاف عليكم الرما والرما هو الربا فتحريم الربا نوعان: نوع حرم لما فيه من المفسدة وهو ربا النسيئة ونوع حرم تحريم الوسائل وسدا للذرائع فظهرت حكمة الشارع الحكيم وكمال شريعته الباهرة في تحريم النوعين ويلزم من لم يعتبر الذرائع ولم يأمر بسدها أن يجعل تحريم ربا الفضل تعبدا محضا لا يعقل معناه كما صرح بذلك كثير منهم. الوجه الحادي والتسعون: أنه أبطل أنواعا من النكاح الذي يتراضى به الزوجان سدا لذريعة الزنا فمنها النكاح بلا ولي فإنه أبطله سدا لذريعة الزنا فإن الزاني لا يعجز أن(3\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "719",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "721",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقول للمرأة: quot; أنكحيني نفسك بعشرة دراهم quot; ويشهد عليها رجلين من أصحابه أو غيرهم فمنعها من ذلك سدا لذريعة الزنا ومن هذا تحريم نكاح التحليل الذي لا رغبة للنفس فيه في إمساك المرأة واتخاذها زوجة بل له وطر فيما يقضيه بمنزلة الزاني في الحقيقة وإن اختلفت الصورة ومن ذلك تحريم نكاح المتعة الذي يعقد فيه المتمتع على المرأة مدة يقضي وطره منها فيها فحرم هذه الأنواع كلها سدا لذريعة السفاح ولم يبح إلا عقدا مؤبدا يقصد فيه كل من الزوجين المقام مع صاحبه ويكون بإذن الولي وحضور الشاهدين أو ما يقوم مقامهما من الإعلان فإذا تدبرت حكمة الشريعة وتأملتها حق التأمل رأيت تحريم هذه الأنواع من باب سد الذرائع هي من محاسن الشريعة وكمالها. الوجه الثاني والتسعون: أنه منع المتصدق من شراء صدقته ولو وجدها تباع في السوق سدا لذريعة العود فيما خرج عنه لله ولو بعوضه فإن المتصدق إذا منع من تملك صدقته بعوضها فتملكه إياها بغير عوض أشد منعا وأفطم للنفوس عن تعلقها بما خرجت عنه لله والصواب ما حكم به النبي - صلى الله عليه وسلم - من المنع من شرائها مطلقا ولا ريب أن في تجويز ذلك ذريعة إلى التحيل على الفقير بأن يدفع إليه صدقة ماله ثم يشتريها منه بأقل من قيمتها ويرى المسكين أنه قد حصل له شيء - مع حاجته - فتسمح نفسه بالبيع والله عالم بالأسرار فمن محاسن هذه الشريعة الكاملة سد الذريعة ومنع المتصدق من شراء صدقته وبالله التوفيق. الوجه الثالث والتسعون: أنه نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها لئلا يكون ذريعة إلى أكل مال المشتري بغير حق إذا كانت معرضة للتلف وقد يمنعها الله وأكد هذا الغرض بأن حكم للمشتري بالجائحة إذا تلفت بعد الشراء الجائز كل هذا لئلا يظلم المشتري ويؤكل ماله بغير حق. الوجه الرابع والتسعون: أنه نهى الرجل بعد إصابة ما قدر له أن يقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا وأخبر أن ذلك ذريعة إلى عمل الشيطان فإنه لا يجدي عليه إلا الحزن والندم وضيقة الصدر والسخط على المقدور واعتقاد أنه كان يمكنه دفع المقدور لو فعل ذلك وذلك يضعف رضاه وتسليمه وتفويضه وتصديقه بالمقدور وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وإذا أعرض القلب عن هذا انفتح له عمل الشيطان وما ذاك لمجرد لفظ quot; لو quot; بل لما قارنها من الأمور القائمة بقلبه المنافية لكمال الإيمان الفاتحة لعمل الشيطان بل أرشد العبد في هذه الحال إلى ما هو أنفع له وهو الإيمان بالقدر والتفويض والتسليم للمشيئة الإلهية وأنه ما شاء الله كان ولا بد فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط فصلوات(3\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "720",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "722",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله وسلامه على من كلامه شفاء للصدور ونور للبصائر وحياة للقلوب وغذاء للأرواح وعلى آله فلقد أنعم به على عباده أتم نعمة ومن عليهم به أعظم منة فلله النعمة وله المنة وله الفضل وله الثناء الحسن. الوجه الخامس والتسعون: أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن طعام المتباريين  وهما الرجلان يقصد كل منهما مباراة الآخر ومباهاته إما في التبرعات كالرجلين يصنع كل منهما دعوة يفتخر بها على الآخر ويباريه بها وأما في المعاوضات كالبائعين يرخص كل منهما سلعته لمنع الناس من الشراء من صاحبه ونص الإمام أحمد على كراهية الشراء من هؤلاء وهذا النهي يتضمن سد الذريعة من وجهين أحدهما: أن تسليط النفوس على الشراء منهما وأكل طعامهما تفريج لهما وتقوية لقلوبهما وإغراء لهما على فعل ما كرهه الله ورسوله والثاني: أن ترك الأكل من طعامهما ذريعة إلى امتناعهما وكفهما عن ذلك. الوجه السادس والتسعون: أنه تعالى عاقب الذين حفروا الحفائر يوم الجمعة فوقع فيها السمك يوم السبت فأخذوه يوم الأحد ومسخهم الله قردة وخنازير وقيل: إنهم نصبوا الشباك يوم الجمعة وأخذوا الصيد يوم الأحد وصورة الفعل الذي فعلوه مخالف لما نهوا عنه ولكنهم لما جعلوا الشباك والحفائر ذريعة إلى أخذ ما يقع فيها من الصيد يوم السبت نزلوا منزلة من اصطاد فيه إذ صورة الفعل لا اعتبار بها بل بحقيقته وقصد فاعله ويلزم من لم يسد الذرائع أن لا يحرم مثل هذا كما صرحوا به في نظيره سواء وهو ولو نصب قبل الإحرام شبكة فوقع فيها صيد وهو محرم جاز له أخذه بعد الحل وهذا جار على قواعد من لم يعتبر المقاصد ولم يسد الذرائع. الوجه السابع والتسعون: قال الإمام أحمد: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع السلاح في الفتنة ولا ريب أن هذا سدا لذريعة الإعانة على المعصية ويلزم من لم يسد الذرائع أن يجوز هذا البيع كما صرحوا به ومن المعلوم أن هذا البيع يتضمن الإعانة على الإثم والعدوان وفي معنى هذا كل بيع أو إجارة أو معاوضة تعين على معصية الله كبيع السلاح للكفار والبغاة وقطاع الطريق وبيع الرقيق لمن يفسق به أو يؤاجره لذلك أو إجارة داره أو حانوته أو خانه لمن يقيم فيها سوق المعصية وبيع الشمع أو إجارته لمن يعصي الله عليه ونحو ذلك مما هو إعانة على ما يبغضه الله ويسخطه ومن هذا عصر العنب لمن يتخذه خمرا وقد لعنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو والمعتصر معا ويلزم من لم يسد الذرائع أن لا يلعن العاصر وأن يجوز له أن يعصر العنب لكل أحد ويقول: القصد غير معتبر في العقد(3\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "721",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "723",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والذرائع غير معتبرة ونحن مطالبون في الظواهر والله يتولى السرائر وقد صرحوا بهذا ولا ريب في التنافي بين هذا وبين سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. الوجه الثامن والتسعون: نهيه عن قتال الأمراء والخروج على الأئمة - وإن ظلموا أو جاروا ما أقاموا الصلاة سدا لذريعة الفساد العظيم والشر الكثير بقتالهم كما هو الواقع فإنه حصل بسبب قتالهم والخروج عليهم أضعاف أضعاف ما هم عليه والأمة في بقايا تلك الشرور إلى الآن وقال: إذا بويع الخليفتان فاقتلوا الآخر منهما سدا لذريعة الفتنة. الوجه التاسع والتسعون: جمع عثمان المصحف على حرف واحد من الأحرف السبعة لئلا يكون ذريعة إلى اختلافهم في القرآن ووافقه على ذلك الصحابة - رضي الله عنهم -. ولنقتصر على هذا العدد من الأمثلة الموافق لأسماء الله الحسنى التي من أحصاها دخل الجنة تفاؤلا بأنه من أحصى هذه الوجوه وعلم أنها من الدين وعمل بها دخل الجنة إذ قد يكون قد اجتمع له معرفة أسماء الرب تعالى ومعرفة أحكامه ولله وراء ذلك أسماء وأحكام. وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف فإنه أمر ونهي والأمر نوعان أحدهما: مقصود لنفسه والثاني: وسيلة إلى المقصود والنهي نوعان أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين.  [فصل تجويز الحيل يناقض سد الذريعة] فصل [تجويز الحيل يناقض سد الذريعة] وتجويز الحيل يناقض سد الذرائع مناقضة ظاهرة فإن الشارع يسد الطريق إلى المفاسد بكل ممكن والمحتال يفتح الطريق إليها بحيلة فأين من يمنع من الجائز خشية الوقوع في المحرم إلى من يعمل الحيلة في التوصل إليه فهذه الوجوه التي ذكرناها وأضعافها تدل على تحريم الحيل والعمل بها والإفتاء بها في دين الله. ومن تأمل أحاديث اللعن وجد عامتها لمن استحل محارم الله وأسقط فرائضه بالحيل كقوله: لعن الله المحلل والمحلل له لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا ثمنها . لعن الله الراشي والمرتشي لعن الله آكل الربا وموكله(3\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "722",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "724",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكاتبه وشاهده . ومعلوم أن الكاتب والشاهد إنما يكتب ويشهد على الربا المحتال عليه ليتمكن من الكتابة والشهادة بخلاف ربا المجاهرة الظاهر ولعن في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها ومعلوم أنه إنما عصر عنبا ولعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة . وقرن بينهما وبين آكل الربا وموكله والمحلل والمحلل له في حديث ابن مسعود وذلك للقدر المشترك بين هؤلاء الأصناف وهو التدليس والتلبيس فإن هذه تظهر من الخلقة ما ليس فيها والمحلل يظهر من الرغبة ما ليس عنده وآكل الربا يستحله بالتدليس والمخادعة فيظهر من عقد التبايع ما ليس له حقيقة فهذا يستحل الربا بالبيع وذاك يستحل الزنا باسم النكاح فهذا يفسد الأموال وذاك يفسد الأنساب وابن مسعود هو راوي هذا الحديث وهو راوي حديث: ما ظهر الزنا والربا في قوم إلا أحلوا بأنفسهم العقاب . quot; والله تعالى مسخ الذين استحلوا محارمه بالحيل قردة وخنازير جزاء من جنس عملهم فإنهم لما مسخوا شرعه وغيروه عن وجهه مسخ وجوههم وغيرها عن خلقتها والله تعالى ذم أهل الخداع والمكر ومن يقول بلسانه ما ليس في قلبه وأخبر أن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وأخبر عنهم بمخالفة ظواهرهم لبواطنهم وسرائرهم لعلانيتهم وأقوالهم لأفعالهم. وهذا شأن أرباب الحيل المحرمة وهذه الأوصاف منطبقة عليهم فإن المخادعة هي الاحتيال والمراوغة بإظهار أمر جائز ليتوصل به إلى أمر محرم يبطنه ولهذا يقال: quot; طريق خيدع quot; إذا كان مخالفا للقصد لا يفطن له ويقال للسراب: quot; الخيدع quot; لأنه يخدع من يراه ويغره وظاهره خلاف باطنه ويقال للضب: quot; خادع quot; وفي المثل: quot; أخدع من ضب quot; لمراوغته. وقال: quot; سوق خادعة quot; أي متلونة وأصله الاختفاء والستر ومنه quot; المخدع quot; في البيت فوازن بين قول القائل: آمنا بالله وباليوم الآخر وأشهد أن محمدا رسول الله إنشاء للإيمان وإخبارا به وهو غير مبطن لحقيقة هذه الكلمة ولا قاصد له ولا مطمئن به وإنما قاله متوسلا به إلى أمنه وحقن دمه أو نيل غرض دنيوي وبين قول المرابي: بعتك هذه السلعة بمائة. وليس لواحد منهما غرض فيها بوجه من الوجوه وليس مبطنا لحقيقة هذه اللفظة ولا قاصدا له ولا مطمئنا به وإنما تكلم بها متوسلا إلى الربا وكذلك قول المحلل: تزوجت هذه المرأة أو قبلت هذا النكاح وهو غير مبطن لحقيقة النكاح ولا قاصد له ولا مريد أن تكون زوجته بوجه ولا هي مريدة لذلك ولا الولي هل تجد بينهما فرقا في الحقيقة أو العرف فكيف يسمى أحدهما مخادعا دون الآخر مع أن قوله بعت واشتريت واقترضت وأنكحت وتزوجت غير قاصد به انتقال الملك الذي وضعت(3\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "723",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "725",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له هذه الصيغة ولا ينوي النكاح الذي جعلت له هذه الكلمة بل قصده ما ينافي مقصود العقد أو أمر آخر خارج عن أحكام العقد وهو عود المرأة إلى زوجها المطلق. وعود السلعة إلى البائع بأكثر من ذلك الثمن بمباشرته لهذه الكلمات التي جعلت لها حقائق ومقاصد مظهرا لإرادة حقائقها ومقاصدها ومبطنا لخلافه فالأول نفاق في أصل الدين وهذا نفاق في فروعه يوضح ذلك ما ثبت عن ابن عباس أنه جاءه رجل فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثا أيحلها له رجل فقال: من يخادع الله يخدعه. وصح عن أنس وعن ابن عباس أنهما سئلا عن العينة فقالا: إن الله لا يخدع هذا مما حرم الله ورسوله فسميا ذلك خداعا كما سمى عثمان وابن عمر نكاح المحلل نكاح دلسة وقال أيوب السختياني في أهل الحيل: يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان فلو أتوا الأمر عيانا كان أهون علي وقال شريك بن عبد الله القاضي في كتاب الحيل: هو كتاب المخادعة.  [دليل تحريم الحيل وأنواعها] [دليل تحريم الحيل] وتلخيص هذا أن الحيل المحرمة مخادعة لله ومخادعة الله حرام: أما المقدمة الأولى فإن الصحابة والتابعين - وهم أعلم الأمة بكلام الله ورسوله ومعانيه - سموا ذلك خداعا وأما الثانية فإن الله ذم أهل الخداع وأخبر أن خداعهم إنما هو لأنفسهم وأن في قلوبهم مرضا وأنه تعالى خادعهم فكل هذا عقوبة لهم ومدار الخداع على أصلين أحدهما: إظهار فعل لغير مقصوده الذي جعل له الثاني: إظهار قول لغير مقصوده الذي وضع له وهذا منطبق على الحيل المحرمة وقد عاقب الله تعالى المتحيلين على إسقاط نصيب المساكين وقت الجداد بجد جنتهم عليهم وإهلاك ثمارهم فكيف بالمتحيل على إسقاط فرائض الله وحقوق خلقه ولعن أصحاب السبت ومسخهم قردة وخنازير على احتيالهم على فعل ما حرمه عليهم. قال الحسن البصري في قوله تعالى: ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت [البقرة: 65] قال: رموا الحيتان في السبت ثم أرجئوها في الماء فاستخرجوها بعد ذلك فطبخوها فأكلوها والله أوخم أكلة أكلة أسرعت في الدنيا عقوبة وأسرعت عذابا في الآخرة والله ما كانت لحوم الحيتان تلك بأعظم عند الله من دماء قوم مسلمين إلا أنه عجل لهؤلاء وأخر لهؤلاء. وقوله: quot; رموها في السبت quot; يعني احتالوا على وقوعها في الماء يوم السبت كما بين غيره أنهم حفروا لها حياضا ثم فتحوها عشية الجمعة ولم يرد أنهم باشروا رميها يوم(3\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "724",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "726",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السبت إذ لو اجترءوا على ذلك لاستخرجوها قال شيخنا: وهؤلاء لم يكفروا بالتوراة وبموسى وإنما فعلوا ذلك تأويلا واحتيالا ظاهره ظاهر الاتقاء وحقيقته حقيقة الاعتداء ولهذا والله أعلم - مسخوا قردة لأن صورة القرد فيها شبه من صورة الإنسان وفي بعض ما يذكر من أوصافه شبه منه وهو مخالف له في الحد والحقيقة فلما مسخ أولئك المعتدون دين الله بحيث لم يتمسكوا إلا بما يشبه الدين في بعض ظاهره دون حقيقته مسخهم الله قردة تشبه الإنسان في بعض ظاهره دون الحقيقة جزاء وفاقا. ويقوي ذلك أن بني إسرائيل أكلوا الربا وأموال الناس بالباطل وهو أعظم من أكل الصيد في يوم بعينه ولم يعاقب أولئك بالمسخ كما عوقب به من استحل الحرام بالحيلة لأن هؤلاء لما كانوا أعظم جرما كانت عقوبتهم أعظم فإنهم بمنزلة المنافقين يفعلون ما يفعلون ولا يعترفون بالذنب بل قد فسدت عقيدتهم وأعمالهم بخلاف من أكل الربا وأموال الناس بالباطل والصيد المحرم عالما بتحريمه فإنه يقترن بمعصيته اعترافه بالتحريم وخشيته لله واستغفاره وتوبته يوما ما واعترافه بأنه مذنب عاص وانكسار قلبه من ذل المعصية وازدراؤه على نفسه ورجاؤه لمغفرة ربه له وعد نفسه من المذنبين الخاطئين وهذا كله إيمان يفضي بصاحبه إلى خير بخلاف الماكر المخادع المحتال على قلب دين الله ولهذا حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته من ارتكاب الحيل فقال: لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل وقد أخبر الله تعالى أنه جعل هذه القرية أو هذه الفعلة التي فعلها بأهلها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين. فحقيق بمن اتقى الله وخاف نكاله أن يحذر استحلال محارم الله بأنواع المكر والاحتيال وأن يعلم أنه لا يخلصه من الله ما أظهره مكرا وخديعة من الأقوال والأفعال وأن يعلم أن لله يوما تكع فيه الرجال وتنسف فيه الجبال وتترادف فيه الأهوال وتشهد فيه الجوارح والأوصال وتبلى فيه السرائر وتظهر فيه الضمائر ويصير الباطل فيه ظاهرا والسر علانية والمستور مكشوفا والمجهول معروفا ويحصل ويبدو ما في الصدور كما يبعثر ويخرج ما في القبور وتجري أحكام الرب تعالى هنالك على القصود والنيات كما جرت أحكامه في هذه الدار على ظواهر الأقوال والحركات يوم تبيض وجوه بما في قلوب أصحابها من النصيحة لله ورسوله وكتابه وما فيها من البر والصدق والإخلاص للكبير المتعال وتسود وجوه بما في قلوب أصحابها من الخديعة والغش والكذب والمكر والاحتيال هنالك يعلم المخادعون أنهم لأنفسهم كانوا يخدعون وبدينهم كانوا يلعبون وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون.(3\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "725",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "727",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[الأعمال تابعة لمقاصد عاملها] وقد فصل قوله: إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى الأمر في هذه الحيل وأنواعها. فأخبر أن الأعمال تابعة لمقاصدها ونياتها وأنه ليس للعبد من ظاهر قوله وعمله إلا ما نواه وأبطنه لا ما أعلنه وأظهره وهذا نص في أن من نوى التحليل كان محللا ومن نوى الربا بعقد التبايع كان رابيا ومن نوى المكر والخداع كان ماكرا مخادعا. ويكفي هذا الحديث وحده في إبطال الحيل ولهذا صدر به حافظ الأمة محمد بن إسماعيل البخاري إبطال الحيل والنبي - صلى الله عليه وسلم - أبطل ظاهر هجرة مهاجر أم قيس بما أبطنه ونواه من إرادة أم قيس وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: البيعان بالخيار حتى يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله . quot; فاستدل به الإمام أحمد وقال: فيه إبطال الحيل وقد أشكل هذا على كثير من الفقهاء بفعل ابن عمر فإنه كان إذا أراد أن يلزم البيع مشى خطوات ولا إشكال بحمد الله في الحديث وهو من أظهر الأدلة على بطلان التحيل لإسقاط حق من له حق فإن الشارع صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله أثبت خيار المجلس في البيع حكمة ومصلحة للمتعاقدين وليحصل تمام الرضى الذي شرطه تعالى فيه فإن العقد قد يقع بغتة من غير ترو ولا نظر في القيمة فاقتضت محاسن هذه الشريعة الكاملة أن يجعل للعقد حريما يتروى فيه المتبايعان ويعيدان النظر ويستدرك كل واحد منهما عيبا كان خفيا. فلا أحسن من هذا الحكم ولا أرفق لمصلحة الخلق فلو مكن أحد المتعاقدين الغابن للآخر من النهوض في الحال والمبادرة إلى التفرق لفاتت مصلحة الآخر ومقصود الخيار بالنسبة إليه وهب أنك أنت اخترت إمضاء البيع فصاحبك لم يتسع له وقت ينظر فيه ويتروى فنهوضك حيلة على إسقاط حقه من الخيار فلا يجوز حتى يخيره فلو فارق المجلس لغير هذه الحاجة أو صلاة أو غير ذلك ولم يقصد إبطال حق الآخر من الخيار لم يدخل في هذا التحريم ولا يقال: هو ذريعة إلى إسقاط حق الآخر من الخيار لأن باب سد الذرائع متى فاتت به مصلحة راجحة أو تضمن مفسدة راجحة لم يلتفت إليه. فلو منع العاقد من التفرق حتى يقوم الآخر لكان في ذلك إضرار به ومفسدة راجحة فالذي جاءت به الشريعة في ذلك أكمل شيء وأوفقه للمصلحة والحكمة ولله الحمد.(3\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "726",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "728",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتأمل قوله: لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل . أي أسهلها وأقربها وإنما ذكر أدنى الحيل لأن المطلق ثلاثا مثلا من أسهل الحيل عليه أن يعطي بعض التيوس المستعارة عشرة دراهم ويستعيره لينزو على امرأته نزوة وقد طيبها له بخلاف الطريق الشرعي التي هي نكاح الرغبة فإنها يصعب معها عودها إلى الأول جدا وكذلك من أراد أن يقرض ألفا بألف وخمسمائة فمن أدنى الحيل أن يعطيه ألفا إلا درهما باسم القرض ويبيعه خرقة تساوي درهما بخمسمائة ولو أراد ذلك بالطريق الشرعي لتعذر عليه وكذلك حيلة اليهود بنصب الشباك يوم الجمعة وأخذ ما وقع فيها يوم السبت من أسهل الحيل. وكذلك إذابتهم الشحم وبيعه وأكل ثمنه. وقال الإمام أحمد في مسنده: ثنا أسود بن عامر ثنا أبو بكر عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله عليهم بلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم . ورواه أبو داود بإسناد صحيح إلى حيوة بن شريح المصري عن إسحاق بن عبد الرحمن الخراساني أن عطاء الخراساني حدثه أن نافعا حدثه عن ابن عمر. قال شيخنا - رضي الله عنه -: وهذان إسنادان حسنان أحدهما يشد الآخر ويقويه فأما رجال الأول فأئمة مشاهير ولكن يخاف أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء أو أن عطاء لم يسمعه من ابن عمر فالإسناد الثاني يبين أن للحديث أصلا محفوظا عن ابن عمر فإن عطاء الخراساني ثقة مشهور وحيوة بن شريح كذلك وأفضل. وأما إسحاق بن عبد الرحمن فشيخ روى عنه أئمة المصريين مثل حيوة بن شريح والليث بن سعد ويحيى بن أيوب وغيرهم. قال: فقد روينا من طريق ثالث من حديث السري بن سهل الجنيد سابوري بإسناد مشهور إليه: ثنا عبد الله بن رشيد ثنا عبد الرحمن عن ليث عن عطاء عن ابن عمر قال: لقد أتى علينا زمان وما منا رجل يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم. ولقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة وتركوا الجهاد واتبعوا أذناب البقر أدخل الله عليهم ذلا لا ينزعه عنهم حتى يتوبوا ويراجعوا دينهم وهذا يبين أن للحديث أصلا عن عطاء وروى محمد بن عبد الله الحافظ المعروف بمطين في كتاب البيوع له عن أنس أنه سئل عن العينة فقال: إن الله لا يخدع هذا مما حرم الله ورسوله. وروى أيضا في كتابه عن ابن عباس قال: اتقوا هذه العينة لا تبع دراهم بدراهم وبينهما حريرة وفي رواية أن رجلا باع من رجل حريرة بمائة ثم اشتراها بخمسين فسأل ابن عباس عن ذلك فقال: دراهم بدراهم متفاضلة دخلت بينهما(3\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "727",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "729",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حريرة. وسئل ابن عباس عن العينة - يعني بيع الحريرة - فقال: إن الله لا يخدع هذا مما حرم الله ورسوله وروى ابن بطة بإسناده إلى الأوزاعي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع . يعني العينة وهذا المرسل صالح للاعتضاد به والاستشهاد وإن لم يكن عليه وحده الاعتماد. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته: quot; أنها دخلت على عائشة هي وأم ولد زيد بن أرقم وامرأة أخرى فقالت لها أم ولد زيد: إني بعت من زيد غلاما بثمان مائة نسيئة واشتريته بست مائة نقدا فقالت: أبلغي زيدا أن قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يتوب بئسما شريت وبئسما اشتريت quot;. رواه الإمام أحمد وعمل به وهذا حديث فيه شعبة وإذا كان شعبة في حديث فاشدد يديك به فمن جعل شعبة بينه وبين الله فقد استوثق لدينه. وأيضا فهذه امرأة أبي إسحاق وهو أحد أئمة الإسلام الكبار وهو أعلم بامرأته وبعدالتها فلم يكن ليروي عنها سنة يحرم بها على الأمة وهي عنده غير ثقة ولا يتكلم فيها بكلمة بل يحابيها في دين الله هذا لا يظن بمن هو دون أبي إسحاق وأيضا فإن هذه امرأة من التابعين قد دخلت على عائشة وسمعت منها وروت عنها ولا يعرف أحد قدح فيها بكلمة وأيضا فإن الكذب والفسق لم يكن ظاهرا في التابعين بحيث ترد به روايتهم. وأيضا فإن هذه المرأة معروفة واسمها العالية وهي جدة إسرائيل كما رواه حرب من حديث إسرائيل: حدثني أبو إسحاق عن جدته العالية يعني جدة إسرائيل فإنه إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق والعالية امرأة أبي إسحاق وجدة يونس وقد حملا عنها هذه السنة - وإسرائيل أعلم بجدته وأبو إسحاق أعلم بامرأته. وأيضا فلم يعرف أحد قط من التابعين أنكر على العالية هذا الحديث ولا قدح فيها من أجله ويستحيل في العادة أن تروي حديثا باطلا ويشتهر في الأمة ولا ينكره عليها منكر وأيضا فلو لم يأت في هذه المسألة أثر لكان محض القياس ومصالح العباد وحكمة الشريعة تحريمها أعظم من تحريم الربا فإنها ربا مستحل بأدنى الحيل.(3\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "728",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "730",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأيضا فإن في الحديث قصة وعند الحفاظ إذا كان فيه قصة دلهم على أنه محفوظ. قال أبو إسحاق: حدثتني امرأتي العالية قالت: دخلت على عائشة في نسوة فقالت: ما حاجتكن فكان أول من سألها أم محبة فقالت: يا أم المؤمنين هل تعرفين زيد بن أرقم قالت: نعم قالت: فإني بعته جارية لي بثمانمائة درهم إلى العطاء وإنه أراد بيعها فابتعتها منه بستمائة درهم نقدا فأقبلت عليها وهي غضبى فقالت: بئسما شريت وبئسما اشتريت أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده إلا أن يتوب وأفحمت صاحبتنا فلم تكلم طويلا ثم إنها سهل عليها فقالت: يا أم المؤمنين أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي فتلت عليها: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف [البقرة: 275] وأيضا فهذا الحديث إذا انضم إلى تلك الأحاديث والآثار أفادت بمجموعها الظن الغالب إن لم تفد اليقين. وأيضا فإن آثار الصحابة كما تقدم موافقة لهذا الحديث مشتقة منه مفسرة له. وأيضا فكيف يليق بالشريعة الكاملة التي لعنت آكل الربا وموكله وبالغت في تحريمه وآذنت صاحبه بحرب من الله ورسوله أن تبيحه بأدنى الحيل مع استواء المفسدة ولولا أن عند أم المؤمنين - رضي الله عنها - علما من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تستريب فيه ولا تشك بتحريم مسألة العينة لما أقدمت على الحكم بإبطال جهاد رجل من الصحابة باجتهادها لا سيما إن كانت قصدت أن العمل يبطل بالردة واستحلال الربا ردة ولكن عذر زيد أنه لم يعلم أن هذا محرم كما عذر ابن عباس بإباحته بيع الدرهم بالدرهمين وإن لم يكن قصدها هذا بل قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمها ثواب الجهاد ويصير بمنزلة من عمل حسنة وسيئة بقدرها فكأنه لم يعمل شيئا ولو كان هذا اجتهادا منها لم تمنع زيدا منه ولم تحكم ببطلان جهاده ولم تدعه إلى التوبة فإن الاجتهاد لا يحرم الاجتهاد ولا يحكم ببطلان عمل المسلم المجتهد بمخالفته لاجتهاد نظيره والصحابة - ولا سيما أم المؤمنين - أعلم بالله ورسوله وأفقه في دينه من ذلك. وأيضا فإن الصحابة كعائشة وابن عباس وأنس أفتوا بتحريم مسألة العينة وغلظوا فيها هذا التغليظ في أوقات ووقائع مختلفة فلم يجئ عن واحد من الصحابة ولا التابعين الرخصة في ذلك فيكون إجماعا.(3\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "729",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "731",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: فزيد بن أرقم قد خالف عائشة ومن ذكرتم فغاية الأمر أنها مسألة ذات قولين للصحابة وهي مما يسوغ فيها الاجتهاد. قيل: لم يقل زيد قط إن هذا حلال ولا أفتى بها يوما ما ومذهب الرجل لا يؤخذ من فعله إذ لعله فعله ناسيا أو ذاهلا أو غير متأمل ولا ناظر أو متأولا أو ذنبا يستغفر الله منه ويتوب أو يصر عليه وله حسنات تقاومه فلا يؤثر شيئا. قال بعض السلف: العلم علم الرواية يعني أن يقول: رأيت فلانا يفعل كذا وكذا إذ لعله قد فعله ساهيا وقال إياس بن معاوية: لا تنظر إلى عمل الفقيه ولكن سله يصدقك ولم يذكر عن زيد أنه أقام على هذه المسألة بعد إنكار عائشة وكثيرا ما يفعل الرجل الكبير الشيء مع ذهوله عما في ضمنه من مفسدة فإذا نبه انتبه وإذا كان الفعل محتملا لهذه الوجوه وغيرها لم يجز أن يقدم على الحكم ولم يجز أن يقال: مذهب زيد بن أرقم جواز العينة لا سيما وأم ولده قد دخلت على عائشة تستفتيها فأفتتها بأخذ رأس مالها وهذا كله يدل على أنهما لم يكونا جازمين بصحة العقد وجوازه وأنه مما أباحه الله ورسوله. وأيضا فبيع العينة إنما يقع غالبا من مضطر إليها وإلا فالمستغني عنها لا يشغل ذمته بألف وخمسمائة في مقابلة ألف بلا ضرورة وحاجة تدعو إلى ذلك وقد روى أبو داود من حديث علي: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع المضطر وبيع الغرر وبيع الثمرة قبل أن تدرك . وفي مسند الإمام أحمد عنه قال: quot; سيأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يديه ولم يؤثر بذلك قال الله تعالى: ولا تنسوا الفضل بينكم [البقرة: 237] وينهر الأشرار ويستذل الأخيار ويبايع المضطرون وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع المضطر وعن بيع الغرر وبيع الثمر قبل أن يطعم . وله شاهد من حديث حذيفة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - رواه سعيد عن هشيم عن كوثر بن حكيم عن مكحول: بلغني عن حذيفة أنه حدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن بعد زمانكم هذا زمانا عضوضا يعض الموسر على ما في يديه ولم يؤمر بذلك قال الله تعالى: وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين [سبأ: 39] وينهد شرار خلق الله يبايعون كل مضطر ألا أن بيع المضطر حرام المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخونه إن كان عندك خير فعد به على أخيك ولا تزده هلاكا إلى هلاكه وهذا من دلائل النبوة فإن عامة العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نفقة يضن بها عليه الموسر بالقرض حتى يربح عليه في المائة ما أحب وهذا المضطر إن أعاد السلعة(3\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "730",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "732",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى بائعها فهي العينة وإن باعها لغيره فهو التورق وإن رجعت إلى ثالث يدخل بينهما فهو محلل الربا والأقسام الثلاثة يعتمدها المرابون وأخفها التورق وقد كرهه عمر بن عبد العزيز وقال: هو أخية الربا وعن أحمد فيه روايتان وأشار في رواية الكراهة إلى أنه مضطر وهذا من فقهه - رضي الله عنه - قال: فإن هذا لا يدخل فيه إلا مضطر وكان شيخنا - رحمه الله - يمنع من مسألة التورق وروجع فيها مرارا وأنا حاضر فلم يرخص فيها وقال: المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه قد تقدم الاستدلال على تحريم العينة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع وبقوله: من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا وأن ذلك لا يمكن وقوعه إلا على العينة. [مما يدل على تحريم الحيل] ومما يدل على تحريم الحيل قوله - صلى الله عليه وسلم -: صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم رواه أهل السنن ومما يدل على تحريمها ما رواه ابن ماجه في سننه عن يحيى بن أبي إسحاق قال: سألت أنس بن مالك: الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدي إليه فقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدي إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك رواه من حديث إسماعيل بن عياش عن عتبة بن حميد الضبي عن يحيى. قال شيخنا - رضي الله عنه -: وهذا يحيى بن يزيد الهنائي من رجال مسلم وعتبة بن حميد معروف بالرواية عن الهنائي. قال أبو حاتم مع تشدده: هو صالح الحديث وقال أحمد: ليس بالقوي وإسماعيل بن عياش ثقة في حديثه عن الشاميين  ورواه سعيد في سننه عن إسماعيل بن عياش لكن قال: عن يزيد بن أبي إسحاق الهنائي عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك رواه البخاري في تاريخه عن يزيد بن أبي يحيى الهنائي عن أنس يرفعه: إذا أقرض أحدكم فلا يأخذ هدية قال شيخنا: وأظنه هو ذاك انقلب اسمه. وفي صحيح البخاري عن أبي بردة بن أبي موسى قال: قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام فقال لي: إنك بأرض الربا فيها فاش فإذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك(3\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "731",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "733",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه فإنه ربا وفي سنن سعيد هذا المعنى عن أبي بن كعب وجاء عن ابن مسعود أيضا وأتى رجل عبد الله بن عمر فقال: إني أقرضت رجلا بغير معرفة فأهدى إلي هدية جزلة فقال: رد إليه هديته أو احسبها له وقال سالم بن أبي الجعد: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني أقرضت رجلا يبيع السمك عشرين درهما فأهدى إلي سمكة قومتها بثلاثة عشر درهما فقال: خذ منه سبعة دراهم ذكرهما سعيد وذكر حرب عن ابن عباس: إذا أسلفت رجلا سلفا فلا تأخذ منه هدية ولا عارية ركوب دابة فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - هو وأصحابه المقرض عن قبول هدية المقترض قبل الوفاء فإن المقصود بالهدية أن يؤجر الاقتضاء - وإن كان لم يشترط ذلك - سدا لذريعة الربا فكيف تجوز الحيلة على الربا ومن لم يسد الذرائع ولم يراع المقاصد ولم يحرم الحيل يبيح ذلك كله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهدي أصحابه أحق أن يتبع وقد تقدم تحريم السلف والبيع لأنه يتخذ حيلة إلى الربا. [دليل آخر على تحريم الحيل] ويدل على تحريم الحيل الحديث الصحيح وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وهذا نص في تحريم الحيلة المفضية إلى إسقاط الزكاة أو تنقيصها بسبب الجمع والتفريق فإذا باع بعض النصاب قبل تمام الحول تحيلا على إسقاط الزكاة فقد فرق بين المجتمع فلا تسقط الزكاة عنه بالفرار منها ومما يدل على تحريمها قوله تعالى: ولا تمنن تستكثر [المدثر: 6] قال المفسرون من السلف ومن بعدهم: لا تعط عطاء تطلب أكثر منه وهو أن تهدي ليهدى إليك أكثر من هديتك. وهذا كله يدل على أن صور العقود غير كافية في حلها وحصول أحكامها إلا إذا لم يقصد بها قصدا فاسدا وكل ما لو شرطه في العقد كان حراما فاسدا فقصده حرام فاسد واشتراطه إعلان إظهار للفساد وقصده ونيته غش وخداع ومكر فقد يكون أشد فسادا من الاشتراط ظاهرا من هذه الجهة والاشتراط الظاهر أشد فسادا منه من جهة إعلان المحرم وإظهاره. [مما يدل على تحريم الحيل أيضا] ومما يدل على التحريم أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجمعوا على تحريم هذه الحيل(3\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "732",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "734",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإبطالها وإجماعهم حجة قاطعة بل هي من أقوى الحجج وآكدها ومن جعلهم بينه وبين الله فقد استوثق لدينه. بيان المقدمة الأولى أن عمر بن الخطاب خطب الناس على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما وأقره سائر الصحابة على ذلك وأفتى عثمان وعلي وابن عباس وابن عمر أن المرأة لا تحل بنكاح التحليل وقد تقدم عن غير واحد من أعيانهم كأبي وابن مسعود وعبد الله بن سلام وابن عمر وابن عباس أنهم نهوا المقرض عن قبول هدية المقترض وجعلوا قبولها ربا. وقد تقدم عن عائشة وابن عباس وأنس تحريم مسألة العينة والتغليظ فيها وأفتى عمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب وغيرهم من الصحابة أن المبثوثة في مرض الموت ترث ووافقهم سائر المهاجرين والأنصار من أهل بدر وبيعة الرضوان ومن عداهم. وهذه وقائع متعددة لأشخاص متعددة في أزمان متعددة والعادة توجب اشتهارها وظهورها بينهم لا سيما وهؤلاء أعيان المفتين من الصحابة الذين كانت تضبط أقوالهم وتنتهي إليهم فتاويهم والناس عنق واحد إليهم متلقون لفتاويهم ومع هذا فلم يحفظ عن أحد منهم الإنكار ولا إباحة الحيل مع تباعد الأوقات وزوال أسباب السكوت وإذا كان هذا قولهم في التحليل والعينة وهدية المقترض إلى المقرض فماذا يقولون في التحيل لإسقاط حقوق المسلمين بل لإسقاط حقوق رب العالمين وإخراج الأبضاع والأموال عن ملك أربابها وتصحيح العقود الفاسدة والتلاعب بالدين وقد صانهم الله تعالى أن يروا في وقتهم من يفعل ذلك أو يفتي به كما صانهم عن رؤية الجهمية والمعتزلة والحلولية والاتحادية وأضرابهم وإذا ثبت هذا عنهم فيما ذكرنا من الحيل فهو دليل على قولهم فيما هو أعظم منها. وأما المقدمة الثانية فكل من له معرفة بالآثار وأصول الفقه ومسائله ثم أنصف لم يشك أن تقرير هذا الإجماع منهم على تحريم الحيل وإبطالها ومنافاتها للدين أقوى من تقرير إجماعهم على العمل بالقياس وغير ذلك مما يدعى فيه إجماعهم كدعوى إجماعهم على عدم وجوب غسل الجمعة وعلى المنع من بيع أمهات الأولاد وعلى الإلزام بالطلاق الثلاث بكلمة واحدة وأمثال ذلك. فإذا وازنت بين هذا الإجماع وتلك الإجماعات ظهر لك التفاوت وانضم إلى هذا أن التابعين موافقون لهم على ذلك فإن الفقهاء السبعة وغيرهم من فقهاء المدينة الذين(3\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "733",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "735",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أخذوا عن زيد بن ثابت وغيره متفقون على إبطال الحيل وكذلك أصحاب عبد الله بن مسعود من أهل الكوفة وكذلك أصحاب فقهاء البصرة كأيوب وأبي الشعثاء والحسن وابن سيرين وكذلك أصحاب ابن عباس. وهذا في غاية القوة من الاستدلال فإنه انضم إلى كثرة فتاويهم بالتحريم في أفراد هذا الأصل وانتشارها أن عصرهم انصرم وبقع الإسلام متسعة وقد دخل الناس في دين الله أفواجا وقد اتسعت الدنيا على المسلمين أعظم اتساع وكثر من كان يتعدى الحدود وكان المقتضي لوجود هذه الحيل موجودا فلم يحفظ عن رجل واحد منهم أنه أفتى بحيلة واحدة منها أو أمر بها أو دل عليها بل المحفوظ عنهم النهي والزجر عنها فلو كانت هذه الحيل مما يسوغ فيها الاجتهاد لأفتى بجوازها رجل منهم ولكانت مسألة نزاع كغيرها بل أقوالهم وأعمالهم وأحوالهم متفقة على تحريمها والمنع منها ومضى على أثرهم أئمة الحديث والسنة في الإنكار. قال الإمام أحمد في رواية موسى بن سعيد الديداني: لا يجوز شيء في الحيل وقال في رواية الميموني وقد سأله عمن حلف على يمين ثم احتال لإبطالها فقال: نحن لا نرى الحيلة وقال في رواية بكر بن محمد: إذا حلف على شيء ثم احتال بحيلة فصار إليها فقد صار إلى ذلك الذي حلف عليه بعينه وقال: من احتال بحيلة فهو حانث وقال في رواية صالح وأبي الحارث وقد ذكر قول أصحاب الحيل فأنكره وقال في رواية إسماعيل بن سعيد وقد سأل عمن احتال في إبطال الشفعة فقال: لا يجوز شيء من الحيل في إبطال حق امرئ مسلم وقال في رواية أبي طالب وغيره في الرجل يحلف وينوي غير ذلك: فاليمين على نية ما يحلفه عليه صاحبه إذا لم يكن مظلوما فإذا كان مظلوما حلف على نيته ولم يكن عليه من نية الذي حلفه شيء وقال في رواية عبد الخالق بن منصور: من كان عنده كتاب الحيل في بيته يفتي به فهو كافر بما أنزل الله على محمد - صلى الله عليه وسلم -  [من ذكروا الحيل لم يذكروا أن كلها جائز] قلت: والذين ذكروا الحيل لم يقولوا إنها كلها جائز وإنما أخبروا أن كذا حيلة وطريق إلى كذا ثم قد تكون الطريق محرمة وقد تكون مكروهة وقد يختلف فيها فإذا قالوا: الحيلة في فسخ المرأة النكاح أن ترتد ثم تسلم والحيلة في سقوط القصاص عمن قتل أم امرأته أن يقتل امرأته إذا كان لها ولد منه والحيلة في سقوط الكفارة عمن أراد الوطء(3\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "734",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "736",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في رمضان أن يتغدى ثم يطأ بعد الغداء والحيلة لمن أرادت أن تفسخ نكاح زوجها أن تمكن ابنه من الوقوع عليها والحيلة لمن أراد أن يفسخ نكاح امرأته ويحرمها عليه على التأبيد أن يطأ حماته أو يقبلها والحيلة لمن أراد سقوط حد الزنا عنه أن يسكر ثم يزني والحيلة لمن أراد سقوط الحج عنه مع قدرته عليه أن يملك ماله لابنه أو زوجته عند خروج الركب فإذا بعد استرد ماله والحيلة لمن أراد حرمان وارثه ميراثه أن يقر بماله كله لغيره عند الموت والحيلة لمن أراد إبطال الزكاة وإسقاط فرضها عنه بالكلية أن يملك ماله عند الحول لابنه أو امرأته أو أجنبي ساعة من زمان ثم يسترده منه ويفعل هكذا كل عام فيبطل فرض الزكاة عنه أبدا والحيلة لمن أراد أن يملك مال غيره بغير رضاه أن يفسده عليه أو يغير صورته فيملكه فيذبح شاته ويشق قميصه ويطحن حبه ويخبزه ونحو ذلك. والحيلة لمن أراد قتل غيره ولا يقتل به أن يضربه بدبوس أو مرزبة حديد ينثر دماغه فلا يجب عليه قصاص والحيلة لمن أراد أن يزني بامرأة فلا يجب عليه الحد أن يستأجرها لكنس بيته أو لطي ثيابه أو لغسلها أو لنقل متاع من مكان إلى مكان ثم يزني بها ما شاء مجانا بلا حد ولا غرامة أو يستأجرها لنفس الزنا والحيلة لمن أراد أن يسقط عنه حد السرقة أن يدعي أن المال له وأن له فيه شركة فيسقط عنه القطع بمجرد دعواه أو ينقب الدار ثم يدع غلامه أو ابنه أو شريكه يدخل ويخرج متاعه أو يدعه على ظهر دابة تخرج به ونحو ذلك. والحيلة لمن أراد سقوط حد الزنا عنه بعد أن يشهد به عليه أربعة عدول غير متهمين أن يصدقهم فيسقط عنه الحد بمجرد تصديقهم والحيلة لمن أراد قطع يد غيره ولا يقطع بها أن يمسك هو وآخر السكين أو السيف ويقطعانها معا والحيلة لمن أرادت التخلف عن زوجها في السفر أن تقر لغيره بدين والحيلة لمن أراد الصيد في الإحرام أن ينصب الشباك قبل أن يحرم ثم يأخذ ما وقع فيها حال إحرامه بعد أن يحل. فهذه الحيل وأمثالها لا يحل لمسلم أن يفتي بها في دين الله تعالى ومن استحل الفتوى بهذه فهو الذي كفره الإمام أحمد وغيره من الأئمة حتى قالوا: إن من أفتى بهذه الحيل فقد قلب الإسلام ظهرا لبطن ونقض عرى الإسلام عروة عروة وقال بعض أهل الحيل: ما نقموا علينا من أنا عمدنا إلى أشياء كانت حراما عليهم فاحتلنا فيها حتى صارت حلالا وقال آخر منهم: إنا نحتال للناس منذ كذا وكذا سنة في تحليل ما حرم الله عليهم. قال أحمد بن زهير بن مروان: كانت امرأة هاهنا بمرو أرادت أن تختلع من زوجها فأبى زوجها عليها فقيل لها: لو ارتددت عن الإسلام لبنت منه ففعلت فذكرت ذلك لعبد الله بن المبارك فقال: من وضع هذا الكتاب فهو كافر ومن سمع به ورضي به فهو(3\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "735",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "737",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كافر ومن حمله من كورة إلى كورة فهو كافر ومن كان عنده فرضي به فهو كافر وقال إسحاق بن راهويه عن شقيق بن عبد الملك: إن ابن المبارك قال في قصة بنت أبي روح حيث أمرت بالارتداد وذلك في أيام أبي غسان فذكر شيئا ثم قال ابن المبارك وهو مغضب: أحدثوا في الإسلام ومن كان أمر بهذا فهو كافر ومن كان هذا الكتاب عنده أو في بيته ليأمر به أو هويه ولم يأمر به فهو كافر ثم قال ابن المبارك: ما رأى الشيطان كان يحسن مثل هذا حتى جاء هؤلاء فأفادها منهم فأشاعها حينئذ أو كان يحسنها ولم يجد من يمضيها فيهم حتى جاء هؤلاء. وقال إسحاق الطالقاني: قيل يا أبا عبد الرحمن إن هذا الكتاب وضعه إبليس قال: إبليس من الأبالسة وقال النضر بن شميل: في كتاب الحيل ثلاثمائة وعشرون أو ثلاثون مسألة كلها كفر وقال أبو حاتم الرازي: قال شريك يعني ابن عبد الله قاضي الكوفة وذكر له كتاب الحيل فقال: من يخادع الله يخدعه وقال حفص بن غياث: ينبغي أن يكتب عليه كتاب الفجور وقال إسماعيل بن حماد: قال القاسم بن معن يعني ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قاضي الكوفة: كتابكم هذا الذي كتبتموه في الحيل كتاب الفجور وقال حماد بن زيد: سمعت أيوب يقول: ويلهم من يخدعون يعني أصحاب الحيل وقال عبد الرحمن الدارمي: سمعت يزيد بن هارون يقول: لقد أفتى أصحاب الحيل بشيء لو أفتى به اليهودي والنصراني كان قبيحا فقال: إني حلفت أني لا أطلق امرأتي بوجه من الوجوه وإنهم قد بذلوا لي مالا كثيرا فقال له: قبل أمها فقال يزيد بن هارون: ويله يأمره أن يقبل امرأة أجنبية وقال حبيش بن مبشر: سئل أبو عبد الله يعني الإمام أحمد عن الرجل يشتري جارية ثم يعتقها من يومه ويتزوجها أيطؤها من يومه فقال: كيف يطؤها من يومه وقد وطئها ذلك بالأمس هذا من طريق الحيلة وغضب وقال: هذا أخبث قول وقال رجل للفضيل بن عياض: يا أبا علي استفتيت رجلا في يمين حلفت بها فقال لي: إن فعلت كذا حنثت وأنا أحتال لك حتى تفعل ولا تحنث فقال له الفضيل: تعرف الرجل قال: نعم قال: ارجع إليه فاستثبته فإني أحسبه شيطانا شبه لك في صورة إنسان. وإنما قال هؤلاء الأئمة وأمثالهم هذا الكلام في هذه الحيل لأن فيها الاحتيال على تأخير صوم رمضان وإسقاط فرائض الله تعالى من الحج والزكاة وإسقاط حقوق المسلمين واستحلال ما حرم الله من الربا والزنا وأخذ أموال الناس وسفك دمائهم(3\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "736",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "738",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفسخ العقود اللازمة والكذب وشهادة الزور وإباحة الكفر وهذه الحيل دائرة بين الكفر والفسوق ولا يجوز أن تنسب هذه الحيل إلى أحد من الأئمة ومن نسبها إلى أحد منهم فهو جاهل بأصولهم ومقاديرهم ومنزلتهم من الإسلام وإن كان بعض هذه الحيل قد تنفذ على أصول إمام بحيث إذا فعلها المتحيل نفذ حكمها عنده ولكن هذا أمر غير الإذن فيها وإباحتها وتعليمها فإن إباحتها شيء ونفوذها إذا فعلت شيء ولا يلزم من كون الفقيه والمفتي لا يبطلها أن يبيحها ويأذن فيها وكثير من العقود يحرمها الفقيه ثم ينفذها ولا يبطلها ولكن الذي ندين الله به تحريمها وإبطالها وعدم تنفيذها ومقابلة أربابها بنقيض مقصودهم موافقة لشرع الله تعالى وحكمته وقدرته.  [لا يجوز أن ينسب القول بجواز الحيل إلى إمام] : والمقصود أن هذه الحيل لا تجوز أن تنسب إلى إمام فإن ذلك قدح في إمامته وذلك يتضمن القدح في الأمة حيث ائتمت بمن لا يصلح للإمامة وهذا غير جائز ولو فرض أنه حكي عن واحد من الأئمة بعض هذه الحيل المجمع على تحريمها فإما أن تكون الحكاية باطلة أو يكون الحاكي لم يضبط لفظه فاشتبه عليه فتواه بنفوذها بفتواه بإباحتها مع بعد ما بينهما ولو فرض وقوعها منه في وقت ما فلا بد أن يكون قد رجع عن ذلك وإن لم يحمل الأمر على ذلك لزم القدح في الإمام وفي جماعة المسلمين المؤتمين به وكلاهما غير جائز ولا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز الإذن في التكلم بكلمة الكفر لغرض من الأغراض إلا المكره إذا اطمأن قلبه بالإيمان. ثم إن هذا على مذهب أبي حنيفة وأصحابه أشد فإنهم لا يأذنون في كلمات وأفعال دون ذلك بكثير ويقولون: إنها كفر حتى قالوا: لو قال الكافر لرجل: quot; إني أريد أن أسلم quot; فقال له: quot; اصبر ساعة quot; فقد كفر فكيف بالأمر بإنشاء الكفر وقالوا: لو قال: quot; مسيجد quot; أو صغر لفظ المصحف كفر. فعلمت أن هؤلاء المحتالين الذين يفتون بالحيل التي هي كفر أو حرام ليسوا مقتدين بمذهب أحد من الأئمة وأن الأئمة أعلم بالله ورسوله ودينه وأتقى له من أن يفتوا بهذه الحيل وقد قال أبو داود في مسائله: سمعت أحمد وذكر أصحاب الحيل: يحتالون لنقض سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال في رواية أبي الحارث الصانع: هذه الحيل التي وضعوها عمدوا إلى السنن واحتالوا لنقضها والشيء الذي قيل لهم إنه حرام احتالوا فيه حتى أحلوه قالوا: الرهن لا يحل أن يستعمل ثم قالوا: يحتال له حتى يستعمل فكيف يحل بحيلة ما حرم(3\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "737",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "739",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله ورسوله وقال - صلى الله عليه وسلم -: لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فأذابوها فباعوها وأكلوا أثمانها أذابوها حتى أزالوا عنها اسم الشحم وقد لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المحلل والمحلل له . وقال في رواية ابنه صالح: عجبت مما يقول أرباب الحيل في الحيل في الأيمان يبطلون الأيمان بالحيل وقد قال الله تعالى: ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها [النحل: 91] وقال: يوفون بالنذر [الإنسان: 7] وكان ابن عيينة يشتد عليه أمر هذه الحيل وقال في رواية الميموني وقد سأله: إنهم يقولون في رجل حلف على امرأته وهي على درجة إن صعدت أو نزلت فأنت طالق quot; قالوا: تحمل حملا فقال: هذا هو الحنث بعينه ليست هذه حيلة هذا هو الحنث وقالوا: إذا حلف لا يطأ بساطا يطأ بساطين وإذا حلف لا يدخل دارا يحمل فأقبل أبو عبد الله يعجب وقال أبو طالب: سمعت أبا عبد الله قال له رجل: في كتاب الحيل إذا اشترى الرجل الأمة فأراد أن يقنع بها يعتقها ثم يتزوجها فقال أبو عبد الله: سبحان الله ما أعجب هذا أبطلوا كتاب الله والسنة جعل الله على الحرائر العدة من أجل الحمل فليس من امرأة تطلق أو يموت زوجها إلا تعتد من أجل الحمل ففرج يوطأ يشتريه ثم يعتقه على المكان فيتزوجها فيطؤها. فإن كانت حاملا كيف يصنع يطؤها رجل اليوم ويطؤها الآخر غدا هذا نقض للكتاب والسنة قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا توطأ الحامل حتى تضع ولا غير الحامل حتى تحيض ولا يدري [هل] هي حامل أم لا] سبحان الله ما أسمج هذا وقال محمد بن الهيثم: سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل - يحكي عن مقاتل بن محمد قال: شهدت هشاما وهو يقرئ كتابا فانتهى بيده إلى مسألة فجازها فقيل له في ذلك فقال: دعوه وكره مكاني فتطلعت في الكتاب فإذا فيه: لو أن رجلا لف على ذكره حريرة في شهر رمضان ثم جامع امرأته نهارا فلا قضاء عليه ولا كفارة.  فصل [من الأدلة على تحريم الحيل] : ومما يدل على بطلان الحيل وتحريمها أن الله تعالى إنما أوجب الواجبات وحرم المحرمات لما تتضمن من مصالح عباده في معاشهم ومعادهم فالشريعة لقلوبهم بمنزلة الغذاء الذي لا بد لهم منه والدواء الذي لا يندفع الداء إلا به فإذا احتال العبد على تحليل ما حرم الله وإسقاط ما فرض الله وتعطيل ما شرع الله كان ساعيا في دين الله بالفساد من وجوه:(3\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "738",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "740",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها: إبطالها ما في الأمر المحتال عليه من حكمة الشارع ونقض حكمته فيه ومناقضته له. والثاني: أن الأمر المحتال به ليس له عنده حقيقة ولا هو مقصوده بل هو ظاهر المشروع فالمشروع ليس مقصودا له والمقصود له هو المحرم نفسه وهذا ظاهر كل الظهور فيما يقصد الشارع فإن المرابي مثلا مقصوده الربا المحرم وصورة البيع الجائز غير مقصودة له وكذلك المتحيل على إسقاط الفرائض بتمليك ماله لمن لا يهبه درهما واحدا حقيقة مقصوده إسقاط الفرض وظاهر الهبة المشروعة غير مقصودة له. الثالث: نسبته ذلك إلى الشارع الحكيم وإلى شريعته التي هي غذاء القلوب ودواؤها وشفاؤها ولو أن رجلا تحيل حتى قلب الغذاء والدواء إلى ضده فجعل الغذاء دواء والدواء غذاء إما بتغيير اسمه أو صورته مع بقاء حقيقته لأهلك الناس فمن عمد إلى الأدوية المسهلة فغير صورتها أو أسماءها وجعلها غذاء للناس أو عمد إلى السموم القاتلة فغير أسماءها وصورتها وجعلها أدوية أو إلى الأغذية الصالحة فغير أسماءها وصورها كان ساعيا بالفساد في الطبيعة كما أن هذا ساع بالفساد في الشريعة فإن الشريعة للقلوب بمنزلة الغذاء والدواء للأبدان وإنما ذلك بحقائقها لا بأسمائها وصورها. وبيان ذلك على وجه الإشارة أن الله سبحانه وتعالى حرم الربا والزنا وتوابعهما ووسائلهما لما في ذلك من الفساد وأباح البيع والنكاح وتوابعهما لأن ذلك مصلحة محضة ولا بد أن يكون بين الحلال والحرام فرق في الحقيقة وإلا لكان البيع مثل الربا والنكاح مثل الزنا ومعلوم أن الفرق في الصورة دون الحقيقة ملغى عند الله ورسوله في فطر عباده فإن الاعتبار بالمقاصد والمعاني في الأقوال والأفعال فإن الألفاظ إذا اختلفت ومعناها واحد كان حكمها واحدا فإذا اتفقت الألفاظ واختلفت المعاني كان حكمها مختلفا وكذلك الأعمال إذا اختلفت صورها واتفقت مقاصدها وعلى هذه القاعدة يبنى الأمر والنهي والثواب والعقاب ومن تأمل الشريعة علم بالاضطرار صحة هذا فالأمر المحتال به على المحرم صورته صورة الحلال وحقيقته ومقصوده حقيقة الحرام فلا يكون حلالا فلا يترتب عليه أحكام الحلال فيقع باطلا والأمر المحتال عليه حقيقته حقيقة الأمر الحرام وإن لم تكن صورته صورته فيجب أن يكون حراما لمشاركته للحرام في الحقيقة.(3\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "739",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "741",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويا لله العجب أين القياس والنظر في المعاني المؤثرة وغير المؤثرة فرقا وجمعا والكلام في المناسبات ورعاية المصالح وتحقيق المناط وتنقيحه وتخريجه وإبطال قول من علق الأحكام بالأوصاف الطردية التي لا مناسبة بينها وبين الحكم فكيف يعلقه بالأوصاف المناسبة لضد الحكم وكيف يعلق الأحكام على مجرد الألفاظ والصور الظاهرة التي لا مناسبة بينها وبينها ويدع المعاني المناسبة المفضية لها التي ارتباطها بها كارتباط العلل العقلية بمعلولاتها والعجب منه كيف ينكر مع ذلك على أهل الظاهر المتمسكين بظواهر كتاب ربهم وسنة نبيهم حيث لا يقوم دليل يخالف الظاهر ثم يتمسك بظواهر أفعال المكلفين وأقوالهم حيث يعلم أن الباطن والقصد بخلاف ذلك ويعلم لو تأمل حق التأمل أن مقصود الشارع غير ذلك كما يقطع بأن مقصوده من إيجاب الزكاة سد خلة المساكين وذوي الحاجات وحصول المصالح التي أرادها بتخصيص هذه الأوصاف من حماية المسلمين والذب عن حوزة الإسلام فإذا أسقطها بالتحيل فقد خالف مقصود الشارع وحصل مقصود المتحيل والواجب الذي لا يجوز غيره أن يحصل مقصود الله ورسوله ويبطل مقاصد المتحيلين المخادعين وكذلك يعلم قطعا أنه [إنما] حرم الربا لمن فيه من الضرر بالمحاويج وأن مقصوده إزالة هذه المفسدة فإذا أبيح التحيل على ذلك كان سعيا في إبطال مقصود الشارع وتحصيلا لمقصود المرابي وهذه سبيل جميع الحيل المتوسل بها إلى تحليل الحرام وإسقاط الواجب وبهذه الطريق تبطل جميعا ألا ترى أن المتحيل لإسقاط الاستبراء مبطل لمقصود الشارع من حكمة الاستبراء ومصلحته فالمعين [له] على ذلك مفوت لمقصود الشارع محصل لمقصود المتحيل وكذلك التحيل على إبطال حقوق المسلمين التي ملكهم إياها الشارع وجعلهم أحق بها من غيرهم إزالة لضررهم وتحصيلا لمصالحهم فلو أباح التحيل لإسقاطها لكان عدم إثباتها للمستحقين أولى وأقل ضررا من أن يثبتها ويوصي بها ويبالغ في تحصيلها ثم يشرع التحيل لإبطالها وإسقاطها وهل ذلك إلا بمنزلة من بنى بناء مشيدا وبالغ في إحكامه وإتقانه ثم عاد فنقضه وبمنزلة من أمر بإكرام رجل والمبالغة في بره والإحسان إليه وأداء حقوقه ثم أباح لمن أمره أن يتحيل بأنواع الحيل لإهانته وترك حقوقه ولهذا يسيء الكفار والمنافقون ومن في قلوبهم المرض الظن بالإسلام والشرع الذي بعث الله به رسوله حيث ظنوا أن هذه الحيل مما جاء به الرسول وعلموا مناقضتها للمصالح مناقضة ظاهرة ومنافاتها لحكمة الرب وعدله ورحمته وحمايته وصيانته لعباده فإنه نهاهم عما نهاهم عنه حمية وصيانة فكيف يبيح لهم الحيل على ما حماهم عنه وكيف يبيح لهم التحيل على إسقاط ما فرضه عليهم وعلى إضاعة الحقوق التي أحقها(3\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "740",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "742",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليهم لبعضهم بعضا لقيام مصالح النوع الإنساني التي لا تتم إلا بما شرعه فهذه الشريعة شرعها الذي علم ما في ضمنها من المصالح والحكم والغايات المحمودة وما في خلافها من ضد ذلك وهذا أمر ثابت لها لذاتها وبائن من أمر الرب تبارك وتعالى بها ونهيه عنها فالمأمور به مصلحة وحسن في نفسه واكتسى بأمر الرب تعالى مصلحة وحسنا آخر فازداد حسنا بالأمر ومحبة الرب وطلبه له إلى حسنه في نفسه وكذلك المنهي عنه مفسدة وقبيح في نفسه وازداد بنهي الرب تعالى عنه وبغضه له وكراهيته له قبحا إلى قبحه وما كان هكذا لم يجز أن ينقلب حسنه قبحا بتغير الاسم والصورة مع بقاء الماهية والحقيقة ألا ترى أن الشارع صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله حرم بيع الثمار قبل بدو صلاحها لما فيه من مفسدة التشاحن والتشاجر ولما يؤدي إليه - إن منع الله الثمرة - من أكل مال أخيه بغير حق ظلما وعدوانا ومعلوم قطعا أن هذه المفسدة لا تزول بالتحيل على البيع قبل بدو الصلاح فإن الحيلة لا تؤثر في زوال هذه المفسدة ولا في تخفيفها ولا في زوال ذرة منها فمفسدة هذا العقد أمر ثابت له لنفسه فالحيلة إن لم تزده فسادا لم تزل فسادا وكذلك شرع الله تعالى الاستبراء لإزالة مفسدة اختلاط المياه وفساد الأنساب وسقي الإنسان بمائه زرع غيره وفي ذلك من المفاسد ما توجب العقول تحريمه لو لم تأت به شريعة ولهذا فطر الله الناس على استهجانه واستقباحه ويرون من أعظم الهجن أن يقوم هذا عن المرأة ويخلفه الآخر عليها ولهذا حرم نكاح الزانية وأوجب العدد والاستبراء ومن المعلوم قطعا أن هذه المفسدة لا تزول بالحيلة على إسقاط الاستبراء ولا تخف وكذلك شرع الحج إلى بيته لأنه قوام للناس في معاشهم ومعادهم ولو عطل البيت الحرام عاما واحدا عن الحج لما أمهل الناس ولعوجلوا بالعقوبة وتوعد من ملك الزاد والراحلة ولم يحج بالموت على غير الإسلام ومعلوم أن التحيل لإسقاطه لا يزيل مفسدة الترك ولو أن الناس كلهم تحيلوا لترك الحج والزكاة لبطلت فائدة هذين الفرضين العظيمين وارتفع من الأرض حكمهما بالكلية وقيل للناس: إن شئتم كلكم أن تتحيلوا لإسقاطهما فافعلوا فليتصور العبد ما في إسقاطهما من الفساد المضاد لشرع الله وإحسانه وحكمته. وكذلك الحدود جعلها الله تعالى زواجر للنفوس وعقوبة ونكالا وتطهيرا فشرعها من أعظم مصالح العباد في المعاش والمعاد بل لا تتم سياسة ملك من ملوك الأرض إلا بزواجر وعقوبات لأرباب الجرائم ومعلوم ما في التحيل لإسقاطها من منافاة هذا الغرض وإبطاله وتسليط النفوس الشريرة على تلك الجنايات إذا علمت أن لها طريقا إلى إبطال عقوباتها فيها وأنها تسقط تلك العقوبات بأدنى الحيل فإنه لا فرق عندها ألبتة بين أن تعلم أنه لا عقوبة عليها فيها وبين أن تعلم أن(3\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "741",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "743",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لها عقوبة وأن لها إسقاطها بأدنى الحيل ولهذا احتاج البلد الذي تظهر فيه هذه الحيل إلى سياسة وال أو أمير يأخذ على يد الجناة ويكف شرهم عن الناس إذا لم يمكن أرباب الحيل أن يقوموا بذلك وهذا بخلاف الأزمنة والأمكنة التي قام الناس فيها بحقائق ما بعث الله به رسوله - صلى الله عليه وسلم - فإنهم لم يحتاجوا معها إلى سياسة أمير ولا وال كما كان أهل المدينة في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم فإنهم كانوا يحدون بالرائحة وبالقيء وبالحبل وبظهور المسروق عند السارق ويقتلون في القسامة ويعاقبون أهل التهم ولا يقبلون الدعوى التي تكذبها العادة والعرف ولا يرون الحيل في شيء من الدين ويعاقبون أربابها ويحبسون في التهم حتى يتبين حال المتهم فإن ظهرت براءته خلوا سبيله وإن ظهر فجوره قرروه بالعقوبة اقتداء بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عقوبة المتهمين وحبسهم فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حبس في تهمة وعاقب في تهمة كما سيأتي إن شاء الله تعالى من ذكر ذلك عنه وعن أصحابه ما فيه شفاء وكفاية وبيان لإغناء ما جاء به عن كل وال وسائس وأن شريعته التي هي شريعته لا يحتاج معها إلى غيرها وإنما يحتاج إلى غيرها من لم يحط بها علما أو لم يقم به عملا. والمقصود أن ما في ضمن المحرمات من المفاسد والمأمورات من المصالح يمنع أن يشرع إليها التحيل بما يبيحها ويسقطها وأن ذلك مناقضة ظاهرة ألا ترى أنه بالغ في لعن المحلل للمفاسد الظاهرة والباطنة التي في التحليل التي يعجز البشر عن الإحاطة بتفاصيلها فالتحيل على صحة هذا النكاح بتقديم اشتراط التحليل عليه وإخلاء صلبه عنه إن لم يزد مفسدته فإنه لا يزيلها ولا يخففها وليس تحريمه والمبالغة في لعن فاعله تعبدا لا يعقل معناه بل هو معقول المعنى من محاسن الشريعة بل لا يمكن شريعة الإسلام ولا غيرها من شرائع الأنبياء أن تأتي بحيلة فالتحيل على وقوعه وصحته إبطال لغرض الشارع وتصحيح لغرض المتحيل المخادع. وكذلك الشارع حرم الصيد في الإحرام وتوعد بالانتقام على من عاد إليه بعد التحريم لما فيه من المفسدة الموجبة لتحريمه وانتقام الرب من فاعله ومعلوم قطعا أن هذه المفسدة لا تزول بنصب الشباك له قبل الإحرام بلحظة فإذا وقع فيها حال الإحرام أخذه بعد الحل بلحظة فإباحته لمن فعل هذا إبطال لغرض الشارع الحكيم وتصحيح لغرض المخادع. وكذلك إيجاب الشارع الكفارة على من وطئ في نهار رمضان فيه من المصلحة جبر وهن الصوم وزجر الواطئ وتكفير جرمه واستدراك فرطه وغير ذلك من المصالح(3\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "742",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "744",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التي علمها من شرع الكفارة وأحبها ورضيها فإباحة التحيل لإسقاطها بأن يتعدى قبل الجماع ثم يجامع نقض لغرض الشارع وإبطال له وإعمال لغرض الجاني المتحيل وتصحيح له ثم إن ذلك جناية على حق الله وحق العبيد فهو إضاعة للحقين وتفويت لهما. وكذلك الشارع شرع حدود الجرائم التي تتقاضاها أشد تقاض لما في إهمال عقوباتها من مفاسد الدنيا والآخرة بحيث لا يمكن سياسة ملك ما من الملوك أن يخلو عن عقوباتها ألبتة ولا يقوم ملكه بذلك فالإذن في التحيل لإسقاطها بصورة العقد وغيره مع وجود تلك المفاسد بعينها أو أعظم منها نقض وإبطال لمقصود الشارع وتصحيح لمقصود الجاني وإغراء بالمفاسد وتسليط للنفوس على الشر. ويا لله العجب كيف يجتمع في الشريعة تحريم الزنا والمبالغة في المنع منه وقتل فاعله شر القتلات وأقبحها وأشنعها وأشهرها ثم يسقط بالتحيل عليه بأن يستأجرها لذلك أو لغيره ثم يقضي غرضه منها وهل يعجز عن ذلك زان أبدا وهل في طباع ولاة الأمر أن يقبلوا قول الزاني: أنا استأجرتها للزنا أو استأجرتها لتطوي ثيابي ثم قضيت غرضي منها فلا يحل لك أن تقيم علي الحد وهل ركب الله في فطر الناس سقوط الحد عن هذه الجريمة التي هي من أعظم الجرائم إفسادا للفراش والأنساب بمثل هذا وهل يسقط الشارع الحكيم الحد عمن أراد أن ينكح أمه أو بنته أو أخته بأن يعقد عليها العقد ثم يطأها بعد ذلك وهل زاده صورة العقد المحرم إلا فجورا وإثما واستهزاء بدين الله وشرعه ولعبا بآياته فهل يليق به مع ذلك رفع هذه العقوبة عنه وإسقاطها بالحيلة التي فعلها مضمومة إلى فعل الفاحشة بأمه وابنته فأين القياس وذكر المناسبات والعلل المؤثرة والإنكار على الظاهرية فهل بلغوا بالتمسك بالظاهر عشر معشار هذا والذي يقضي منه العجب أن يقال: لا يعتد بخلاف المتمسكين بظاهر القرآن والسنة ويعتد بخلاف هؤلاء والله ورسوله منزه عن هذا الحكم. ويا لله العجب كيف يسقط القطع عمن اعتاد سرقة أموال الناس وكلما أمسك معه المال المسروق قال: هذا ملكي والدار التي دخلتها داري والرجل الذي دخلت داره عبدي قال أرباب الحيل: فيسقط عنه الحد بدعوى ذلك فهل تأتي بهذا سياسة قط جائرة أو عادلة فضلا عن شريعة نبي من الأنبياء فضلا عن الشريعة التي هي أكمل شريعة طرقت العالم .(3\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "743",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "745",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك الشارع أوجب الإنفاق على الأقارب لما في ذلك من قيام مصالحهم ومصالح المنفق ولما في تركهم من إضاعتهم فالتحيل لإسقاط الواجب بالتمليك في الصورة مناقضة لغرض الشارع وتتميم لغرض الماكر المحتال وعود إلى نفس الفساد الذي قصد الشارع إعدامه بأقرب الطرق ولو تحيل هذا المخادع على إسقاط نفقة دوابه لهلكوا وكذلك ما فرضه الله تعالى للوارث من الميراث هو حق له جعله أولى من سائر الناس به فإباحة التحيل لإسقاطه بالإقرار بماله كله للأجنبي وإخراج الوارث مضادة لشرع الله ودينه ونقض لغرضه وإتمام لغرض المحتال وكذلك تعليم المرأة أن تقر بدين لأجنبي إذا أراد زوجها السفر بها.  [فصل أكثر الحيل يناقض أصول الأئمة] فصل [أكثر الحيل يناقض أصول الأئمة] وأكثر هذه الحيل لا تمشي على أصول الأئمة بل تناقضها أعظم مناقضة. وبيانه أن الشافعي - رضي الله عنه - يحرم مسألة مد عجوة ودرهم بمدين ودرهمين ويبالغ في تحريمها بكل طريق خوفا أن يتخذ حيلة على نوع ما من ربا الفضل فتحريمه للحيل الصريحة التي يتوصل بهما إلى ربا النساء أولى من تحريم مد عجوة بكثير فإن التحيل بمد ودرهم من الطرفين على ربا الفضل أخف من التحيل بالعينة على ربا النساء وأين مفسدة هذه من مفسدة تلك وأين حقيقة الربا في هذه من حقيقته في تلك وأبو حنيفة يحرم مسألة العينة وتحريمه لها يوجب تحريمه للحيلة في مسألة مد عجوة بأن يبيعه خمسة عشر درهما بعشرة في خرقة فالشافعي يبالغ في تحريم مسألة مد عجوة ويبيح العينة وأبو حنيفة يبالغ في تحريم العينة ويبيح مسائل مد عجوة ويتوسع فيها وأصل كل من الإمامين - رضي الله عنهما - في أحد البابين يستلزم إبطال الحيلة في الباب الآخر وهذا من أقوى التخريج على أصولهم ونصوصهم وكثير من الأقوال المخرجة دون هذا فقد ظهر أن الحيل المحرمة في الدين تقتضي رفع التحريم مع قيام موجبه ومقتضيه وإسقاط الوجوب مع قيام سببه وذلك حرام من وجوه: أحدها: استلزامها فعل المحرم وترك الواجب. والثاني: ما يتضمن من المكر والخداع والتلبيس والثالث: الإغراء بها والدلالة عليها وتعليمها من لا يحسنها. والرابع: إضافتها إلى الشارع وأن أصول شرعه ودينه تقتضيها. والخامس: أن صاحبها لا يتوب منها ولا يعدها ذنبا والسادس: أنه يخادع الله كما يخادع المخلوق والسابع: أنه(3\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "744",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "746",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يسلط أعداء الدين على القدح فيه وسوء الظن به وبمن شرعه والثامن: أنه يعمل فكره واجتهاده في نقض ما أبرمه الرسول وإبطال ما أوجبه وتحليل ما حرمه والتاسع: أنه إعانة ظاهرة على الإثم والعدوان وإنما اختلفت الطريق فهذا يعين عليه بحيلة ظاهرها صحيح مشروع يتوصل بها إليه وذاك يعين عليه بطريقه المفضية إليه بنفسها فكيف كان هذا معينا على الإثم والعدوان والمتحيل المخادع يعين على البر والتقوى العاشر: أن هذا ظلم في حق الله وحق رسوله وحق دينه وحق نفسه وحق العبد المعين وحقوق عموم المؤمنين فإنه يغري به ويعلمه ويدل عليه والمتوصل إليه بطريق المعصية لا يظلم إلا نفسه. ومن تعلق به ظلمه من المعينين فإنه لا يزعم أن ذلك دين وشرع ولا يقتدي به الناس فأين فساد أحدهما من الآخر وضرره من ضرره وبالله التوفيق.  [فصل حجج الذين جوزوا الحيل] فصل [حجج الذين جوزوا الحيل] : قال أرباب الحيل: قد أكثرتم من ذم الحيل وأجلبتم بخيل الأدلة ورجلها وسمينها ومهزولها فاستمعوا الآن تقريرها واشتقاقها من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وأئمة الإسلام وأنه لا يمكن أحدا إنكارها. قال الله تعالى لنبيه أيوب: وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث [ص: 44] فأذن لنبيه أيوب أن يتحلل من يمينه بالضرب بالضغث وقد كان نذر أن يضربها ضربات معدودة وهي في المتعارف الظاهر إنما تكون متفرقة فأرشده تعالى إلى الحيلة في خروجه من اليمين فنقيس عليه سائر الباب ونسميه وجوه المخارج من المضائق ولا تسميه بالحيل التي ينفر الناس من اسمها. وأخبر تعالى عن نبيه يوسف - عليه السلام - أنه جعل صواعه في رحل أخيه يتوصل بذلك إلى أخذه من إخوته ومدحه بذلك وأخبر أنه برضاه وإذنه كما قال: كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم [يوسف: 76] فأخبر أن هذا كيده لنبيه وأنه بمشيئته وأنه يرفع درجة عبده بلطيف العلم ودقيقه الذي لا يهتدي إليه سواه وأن ذلك من علمه وحكمته. وقال تعالى: ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون [النمل: 50] فأخبر تعالى أنه مكر بمن مكر بأنبيائه ورسله وكثير من الحيل هذا شأنها يمكر بها على الظالم(3\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "745",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "747",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والفاجر ومن يعسر تخليص الحق منه فتكون وسيلة إلى نصر مظلوم وقهر ظالم ونصر حق وإبطال باطل. والله تعالى قادر على أخذهم بغير وجه المكر الحسن. ولكن جازاهم بجنس عملهم وليعلم عباده أن المكر الذي يتوصل به إلى إظهار الحق ويكون عقوبة للماكر ليس قبيحا. وكذلك قوله: إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم [النساء: 142] وخداعه لهم أن يظهر لهم أمرا ويبطن لهم خلافه. فما تنكرون على أرباب الحيل الذين يظهرون أمرا يتوصلون به إلى باطن غيره اقتداء بفعل الله تعالى وقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة وأبي سعيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعمل رجلا على خيبر فجاءهم بتمر جنيب فقال: أكل تمر خيبر هكذا قال: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاث فقال: لا تفعل بع الجميع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا وقال في الميزان مثل ذلك فأرشده إلى الحيلة على التخلص من الربا بتوسط العقد الآخر وهذا أصل في جواز العينة. وهل الحيل إلا معاريض في الفعل على وزان المعاريض في القول وإذا كان في المعاريض مندوحة عن الكذب ففي معاريض الفعل مندوحة عن المحرمات وتخلص من المضايق. وقد لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - طائفة من المشركين وهو في نفر من أصحابه فقال المشركون: ممن أنتم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نحن من ماء فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: أحياء اليمن كثير فلعلهم منهم وانصرفوا . وقد جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: احملني فقال: ما عندي إلا ولد ناقة فقال: ما أصنع بولد الناقة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: وهل يلد الإبل إلا النوق . وقد رأت امرأة عبد الله بن رواحة عبد الله على جارية له فذهبت وجاءت بسكين فصادفته وقد قضى حاجته فقالت: لو وجدتك على الحال التي كنت عليها لوجأتك فأنكر فقالت: فاقرأ إن كنت صادقا فقال: شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا(3\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "746",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "748",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا وتحمله ملائكة كرام ... ملائكة الإله مسومينا فقالت: آمنت بكتاب الله وكذبت بصري فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فضحك ولم ينكر عليه  وهذا تحيل منه بإظهار القراءة لما أوهم أنه قرآن ليتخلص به من مكروه الغيرة. وكان بعض السلف إذا أراد أن لا يطعم طعاما لرجل قال: أصبحت صائما يريد أنه أصبح فيما سلف صائما قبل ذلك اليوم وكان محمد بن سيرين إذا اقتضاه بعض غرمائه وليس عنده ما يعطيه قال: أعطيك في أحد اليومين إن شاء الله يريد بذلك يومي الدنيا والآخرة وسأل رجل عن المروزي وهو في دار أحمد بن حنبل فكره الخروج إليه فوضع أحمد إصبعه في كفه فقال: ليس المروزي هاهنا وما يصنع المروزي هاهنا وحضر سفيان الثوري مجلسا فلما أراد النهوض منعوه فحلف أنه يعود ثم خرج وترك نعله كالناسي لها فلما خرج عاد وأخذها وانصرف. وقد كان لشريح في هذا الباب فقه دقيق كما أعجب رجلا فرسه وأراد أخذها منه فقال له شريح: إنها إذا أربضت لم تقم حتى تقام فقال الرجل: أف أف وإنما أراد شريح أن الله هو الذي يقيمها. وباع من رجل ناقة فقال له المشتري: كم تحمل فقال: احمل على الحائط ما شئت فقال: كم تحلب قال: احلب في أي إناء شئت فقال: كيف سيرها قال: الريح لا تلحق فلما قبضها المشتري لم يجد شيئا من ذلك فجاء إليه وقال: ما وجدت شيئا من ذلك فقال: ما كذبتك. قالوا: ومن المعلوم أن الشارع جعل العقود وسائل وطرقا إلى إسقاط الحدود والمأثم ولهذا لو وطئ الإنسان امرأة أجنبية من غير عقد ولا شبهة لزمه الحد فإذا عقد عليها عقد النكاح ثم وطئها لم يلزمه الحد وكان العقد حيلة على إسقاط الحد بل قد جعل الله تعالى الأكل والشرب واللباس حيلة على دفع أذى الجوع والعطش والبرد والاكتفاء حيلة إلى دفع الصائل من الحيوان وغيره وعقد التبايع حيلة على حصول الانتفاع بملك الغير وسائر العقود حيلة على التوصل إلى ما لا يباح إلا بها وشرع الرهن حيلة على رجوع صاحب الدين في ماله من عين الرهن إذا أفلس الراهن أو تعذر الاستيفاء منه. وقد روى سلمة بن صالح عن يزيد الواسطي عن عبد الكريم عن عبد الله بن بريدة قال: سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أعظم آية في كتاب الله فقال: لا أخرج من المسجد حتى أخبرك فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مجلسه فلما أخرج إحدى رجليه أخبره بالآية قبل أن يخرج(3\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "747",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "749",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجله الأخرى  وقد بنى الخصاف كتابه في الحيل على هذا الحديث ووجه الاستدلال به أن من حلف أن لا يفعل شيئا فأراد التخلص من الحنث بفعل بعضه لم يكن حانثا فإذا حلف لا يأكل هذا الرغيف ولا يأخذ هذا المتاع فليدع بعضه ويأخذ الباقي ولا يحنث وهذا أصل في بابه في التخلص من الأيمان. وهذا السلف الطيب قد فتحوا لنا هذا الباب ونهجوا لنا هذا الطريق فروى قيس بن الربيع عن الأعمش عن إبراهيم في رجل أخذه رجل فقال: إن لي معك حقا فقال: لا فقال: احلف لي بالمشي إلى بيت الله فقال: يحلف له بالمشي إلى بيت الله ويعني به مسجد حيه وبهذا الإسناد أنه قال له رجل: إن فلانا أمرني أن آتي مكان كذا وكذا وأنا لا أقدر على ذلك المكان فكيف الحيلة قال: يقول والله ما أبصر إلا ما سددني غيري. وذكر عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة قال: جعل حذيفة يحلف لعثمان بن عفان على أشياء بالله ما قالها وقد سمعناه يقولها فقلنا: يا أبا عبد الله سمعناك تحلف لعثمان على أشياء ما قلتها وقد سمعناك قلتها فقال: إني أشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كله وذكر قيس بن الربيع عن الأعمش عن إبراهيم أن رجلا قال له: إني أنال من رجل شيئا فيبلغه عني فكيف أعتذر له فقال له إبراهيم: قل والله إن الله ليعلم ما قلت من ذلك من شيء وكان إبراهيم يقول لأصحابه إذا خرجوا من عنده وهو مستخف من الحجاج: إن سئلتم عني فاحلفوا بالله لا تدرون أين أنا ولا في أي موضع أنا واعنوا لا تدرون أين أنا من البيت وفي أي موضع منه وأنتم صادقون. وقال مجاهد عن ابن عباس: ما يسرني بمعاريض الكلام حمر النعم. وقد ثبت في الصحيح من حديث حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط - وكانت من المهاجرات الأول - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: رخص في الكذب في ثلاث: في الرجل يصلح بين الناس والرجل يكذب لامرأته والكذب في الحرب . وقال معتمر بن سليمان التيمي عن أبيه: حدثني نعيم بن أبي هند عن سويد بن غفلة أن عليا كرم الله وجهه في الجنة لما قتل الزنادقة نظر في الأرض ثم رفع رأسه إلى السماء ثم قال: صدق الله ورسوله ثم قام فدخل بيته فأكثر الناس في ذلك فدخلت عليه فقلت: يا أمير المؤمنين أشيء عهد إليك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم شيء رأيته فقال: هل علي من بأس أن أنظر إلى السماء قلت: لا قال: فهل علي من بأس أن أنظر إلى الأرض قلت:(3\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "748",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "750",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا قال فهل علي من بأس أن أقول صدق الله ورسوله قلت: لا قال: فإني رجل مكائد. وقال حجاج بن منهال: ثنا أبو عوانة عن أبي مسكين قال: كنت عند إبراهيم وامرأته تعاتبه في جاريته وبيدها مروحة فقال: أشهدكم بأنها لها فلما خرجنا قال: علام شهدتم قلنا: أشهدتنا أنك جعلت الجارية لها قال: أما رأيتموني أشير إلى المروحة . وقال محمد بن الحسن عن عمرو بن دينار عن الشعبي لا بأس بالحيل فيما يحل ويجوز وإنما الحيل شيء يتخلص به الرجل من الحرام ويخرج به إلى الحلال فما كان من هذا ونحوه فلا بأس به وإنما يكره من ذلك أن يحتال الرجل في حق الرجل حتى يبطله أو يحتال في باطل حتى يوهم أنه حق أو يحتال في شيء حتى يدخل فيه شبهة وأما ما كان على السبيل الذي قلنا فلا بأس بذلك. قالوا: وقد قال الله تعالى: ومن يتق الله يجعل له مخرجا [الطلاق: 2] قال غير واحد من المفسرين: مخرجا مما ضاق على الناس ولا ريب أن هذه الحيل مخارج مما ضاق على الناس ألا ترى أن الحالف يضيق عليه إلزام ما حلف عليه فيكون له بالحيلة مخرج منه وكذلك الرجل تشتد به الضرورة إلى نفقة ولا يجد من يقرضه فيكون له من هذا الضيق مخرج بالعينة والتورق ونحوهما فلو لم يفعل ذلك لهلك ولهلكت عياله والله تعالى لا يشرع ذلك ولا يضيق عليه شرعه الذي وسع جميع خلقه فقد دار أمره بين ثلاثة لا بد له من واحد منها: إما إضاعة نفسه وعياله وإما الربا صريحا وإما المخرج من هذا الضيق بهذه الحيلة فأوجدونا أمرا رابعا نصير إليه. وكذلك الرجل ينزعه الشيطان فيقع به الطلاق فيضيق عليه جدا مفارقة امرأته وأولاده وخراب بيته فكيف ينكر في حكمة الله ورحمته أن نتحيل له بحيلة تخرجه من هذا الإصر والغل وهل الساعي في ذلك إلا مأجور غير مأزور كما قاله إمام الظاهرية في وقته أبو محمد بن حزم وأبو ثور وبعض أصحاب أبي حنيفة وحملوا أحاديث التحريم على ما إذا شرط في صلب العقد أنه نكاح تحليل قالوا: وقد روى عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال: أرسلت امرأة إلى رجل فزوجته نفسها ليحلها لزوجها فأمره عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن يقيم معها ولا يطلقها وأوعده أن يعاقبه إن طلقها فهذا أمير المؤمنين قد صحح نكاحه ولم يأمره باستئنافه وهو حجة في صحة نكاح المحلل والنكاح بلا ولي.(3\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "749",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "751",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر عبد الرزاق عن معمر عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان لا يرى بأسا بالتحليل إذا لم يعلم أحد الزوجين. قال ابن حزم: وهو قول سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد. وصح عن عطاء فيمن نكح امرأة محللا ثم رغب فيها فأمسكها قال: لا بأس بذلك. وقال الشعبي: لا بأس بالتحليل إذا لم يأمر به الزوج. وقال الليث بن سعد: إن تزوجها ثم فارقها لترجع إلى زوجها ولم يعلم المطلق ولا هي بذلك وإنما كان ذلك إحسانا منه فلا بأس أن ترجع إلى الأول فإن بين الثاني ذلك للأول بعد دخوله بها لم يضره. وقال الشافعي وأبو ثور: المحلل الذي يفسد نكاحه هو الذي يعقد عليه في نفس عقد النكاح أنه إنما يتزوجها ثم يطلقها فأما من لم يشترط ذلك في عقد النكاح فعقده صحيح لا داخلة فيه سواء شرط ذلك عليه قبل العقد أو لم يشرط نوى ذلك أو لم ينوه قال أبو ثور: وهو مأجور. وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف وعن أبي حنيفة [مثل هذا سواء. وروى أيضا محمد وأبو يوسف عن أبي حنيفة] : إذا نوى الثاني وهي تحليلها للأول لم تحل له بذلك. وروى الحسن بن زياد عن زفر وأبي حنيفة: أنه إن اشترط عليه في نفس العقد أنه إنما تزوجها ليحلها للأول فإنه نكاح صحيح ويبطل الشرط وله أن يقيم معها فهذه ثلاث روايات عن أبي حنيفة. قالوا: وقد قال الله تعالى: فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره [البقرة: 230] وهذا زوج وقد عقد بمهر وولي ورضاها وخلوها من الموانع الشرعية وهو راغب في ردها إلى الأول فيدخل في حديث ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لا نكاح إلا نكاح رغبة وهذا نكاح رغبة في تحليلها للمسلم كما أمر الله تعالى بقوله: حتى تنكح زوجا غيره [البقرة: 230] والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما شرط في عودها إلى الأول مجرد ذوق العسيلة بينهما وغيا الحل بذلك فقال: لا حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها فإذا تذاوقا العسيلة حلت له بالنص.(3\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "750",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "752",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: وأما نكاح الدلسة فنعم هو باطل ولكن ما هو نكاح الدلسة فلعله أراد به أن تدلس له المرأة بغيرها أو تدلس له أنها انقضت عدتها ولم تنقض لتستعجل عودها إلى الأول. وأما لعنه للمحلل فلا ريب أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يرد كل محلل ومحلل له فإن الولي محلل لما كان حراما قبل العقد والحاكم المزوج محلل بهذا الاعتبار والبائع لأمته محلل للمشتري وطأها فإن قلنا: quot; العام إذا خص صار مجملا quot; بطل الاحتجاج بالحديث وإن قلنا: quot; هو حجة فيما عدا محل التخصيص quot; فذلك مشروط ببيان المراد منه ولسنا ندري المحلل المراد من هذا النص أهو الذي نوى التحليل أو شرطه قبل العقد أو شرطه في صلب العقد أو الذي أحل ما حرمه الله ورسوله ووجدنا كل من تزوج مطلقة ثلاثا فإنه محلل ولو لم يشترط التحليل ولم ينوه فإن الحل حصل بوطئه وعقده ومعلوم قطعا أنه لم يدخل في النص فعلم أن النص إنما أراد به من أحل الحرام بفعله أو عقده ونحن وكل مسلم لا نشك في أنه أهل للعنة الله أما من قصد الإحسان إلى أخيه المسلم ورغب في جمع شمله بزوجته ولم شعثه وشعث أولاده وعياله فهو محسن وما على المحسنين من سبيل فضلا عن أن تلحقهم لعنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ثم قواعد الفقه وأدلته لا تحرم مثل ذلك فإن هذه العقود التي لم يشترط المحرم في صلبها عقود صدرت من أهلها في محلها مقرونة بشروطها فيجب الحكم بصحتها لأن السبب هو الإيجاب والقبول وهما تامان وأهلية العاقد لا نزاع فيها ومحلية العقد قابلة فلم يبق إلا القصد المقرون بالعقد ولا تأثير له في بطلان الأسباب الظاهرة لوجوه أحدها: أن المحتال مثلا إنما قصد الربح الذي وضعت له التجارة وإنما لكل امرئ ما نوى فإذا حصل له الربح حصل له مقصوده وقد سلك الطريق المفضية إليه في ظاهر الشرع والمحلل غايته أنه قصد الطلاق ونواه إذا وطئ المرأة وهو مما ملكه الشارع إياه فهو كما لو نوى المشتري إخراج المبيع عن ملكه إذا اشتراه وسر ذلك أن السبب مقتض لتأبد الملك والنية لا تغير موجب السبب حتى يقال: إن النية توجب تأقيت العقد وليست هي منافية لموجب العقد فإن له أن يطلق. ولو نوى بعقد الشراء إتلاف المبيع وإحراقه أو إغراقه لم يقدح في صحة البيع فنية الطلاق أولى وأيضا فالقصد لا يقدح في اقتضاء السبب لحكمه لأنه خارج عما يتم به العقد ولهذا لو اشترى عصيرا ومن نيته أن يتخذه(3\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "751",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "753",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خمرا أو جارية ومن نيته أن يكرهها على البغاء أو يجعلها مغنية أو سلاحا ومن نيته أن يقتل به معصوما فكل ذلك لا أثر له في صحة البيع من جهة أنه منقطع عن السبب فلا يخرج السبب عن اقتضاء حكمه. وقد ظهر بهذا الفرق بين هذا القصد وبين الإكراه فإن الرضا شرط في صحة العقد والإكراه ينافي الرضا وظهر أيضا الفرق بينه وبين الشرط المقارن فإن الشرط المقارن يقدح في مقصود العقد فغاية الأمر أن العاقد قصد محرما لكن ذلك لا يمنع ثبوت الملك كما لو تزوجها ليضار بها امرأة له أخرى ومما يؤيد ما ذكرناه أن النية إنما تعمل في اللفظ المحتمل للمنوي وغيره مثل الكنايات ومثل أن يقول: اشتريت كذا فإنه يحتمل أن يشتريه لنفسه ولموكله فإذا نوى أحدهما صح فإذا كان السبب ظاهرا متعينا لمسببه لم يكن للنية الباطنة أثر في تغيير حكمه. يوضحه أن النية لا تؤثر في اقتضاء الأسباب الحسية والعقلية المستلزمة لمسبباتها ولا تؤثر النية في تغييرها يوضحه أن النية إما أن تكون بمنزلة الشرط أو لا تكون فإن كانت بمنزلة الشرط لزم أنه إذا نوى أن لا يبيع ما اشتراه ولا يهبه ولا يتصرف فيه أو نوى أن يخرجه عن ملكه أو نوى أن لا يطلق الزوجة أو يبيت عندها كل ليلة أو لا يسافر عنها بمنزلة أن يشترط ذلك في العقد وهو خلاف الإجماع وإن لم تكن بمنزلة الشرط فلا تأثير له حينئذ. وأيضا فنحن لنا ظواهر الأمور وإلى الله سرائرها وبواطنها ولهذا يقول الرسل لربهم تعالى يوم القيامة إذا سألهم: ماذا أجبتم [المائدة: 109] فيقولون: لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب [المائدة: 109] كان لنا ظواهرهم وأما ما انطوت عليه ضمائرهم وقلوبهم فأنت العالم به. قالوا: فقد ظهر عذرنا وقامت حجتنا فتبين أنا لم نخرج فيما أصلناه - من اعتبار الظاهر وعدم الالتفات إلى القصود في العقود وإلغاء الشروط المتقدمة الخالي عنها العقد والتحيل على التخلص من مضايق الأيمان وما حرمه الله ورسوله من الربا وغيره - عن كتاب ربنا وسنة نبينا وأقوال السلف الطيب. ولنا بهذه الأصول رهن عند كل طائفة من الطوائف المنكرة علينا.  [ادعاء أن في مذاهب الأئمة فروعا ينبني عليها تجويز الحيل] : قلنا عند الشافعية رهون كثيرة في عدة مواضع وقد سلموا لنا أن الشرط المتقدم على العقد ملغى وسلموا لنا أن القصود غير معتبرة في العقود وسلموا لنا جواز التحيل على(3\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "752",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "754",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إسقاط الشفعة وقالوا: يجوز التحيل على بيع المعدوم من الثمار فضلا عما لم يبد صلاحه بأن يؤجره الأرض ويساقيه على الثمر من كل ألف جزء على جزء وهذا نفس الحيلة على بيع الثمار قبل وجودها فكيف تنكرون علينا التحيل على بيعها قبل بدو صلاحها وهل مسألة العينة إلا ملك باب الحيل وهم يبطلون الشركة بالعروض ثم يقولون: الحيلة في جوازها أن يبيع كل منهما نصف عرضه لصاحبه فيصيران شريكين حينئذ بالفعل ويقولون: لا يصح تعليق الوكالة بالشرط والحيلة على جوازها أن يوكله الآن ويعلق تصرفه بالشرط. وقولهم في الحيل على عدم الحنث بالمسألة السريجية معروف وكل حيلة سواه محلل بالنسبة إليه فإن هذه المسألة حيلة على أن يحلف دائما بالطلاق ويحنث ولا يقع عليه الطلاق أبدا. وأما المالكية فهم من أشد الناس إنكارا علينا للحيل وأصولهم تخالف أصولنا في ذلك إذ عندهم أن الشرط المتقدم كالمقارن والشرط العرفي كاللفظي والقصود في العقود معتبرة والذرائع يجب سدها والتغرير الفعلي كالتغرير القولي وهذه الأصول تسد باب الحيل سدا محكما. ولكن قد علقنا لهم برهون نطالبهم بفكاكها أو بموافقتهم لنا على ما أنكروه علينا فجوزوا التحيل على إسقاط الشفعة وقالوا: لو تزوجها ومن نيته أن يقيم معها سنة صح النكاح ولم تعمل هذه النية في فساده. وأما الحنابلة فبيننا وبينهم معترك النزال في هذه المسائل فإنهم هم الذين شنوا علينا الغارات ورمونا بكل سلاح من الأثر والنظر ولم يراعوا لنا حرمة ولم يرقبوا فينا إلا ولا ذمة. وقالوا: لو نصب شباكا للصيد قبل الإحرام ثم أخذ ما وقع فيها حال الإحرام بعد الحل جاز. ويا لله العجب أي فرق بين هذه الحيلة وحيلة أصحاب السبت على الحيتان وقالوا: لو نوى الزوج الثاني أن يحلها للأول ولم يشترط ذلك جاز وحلت له لأنه لم يشترط ذلك في العقد وهذا تصريح بأن النية لا تؤثر في العقد. وقالوا: لو تزوجها ومن نيته أن يقيم معها شهرا ثم يطلقها صح العقد ولم تكن نية التوقيت مؤثرة فيه وكلامهم في باب المخارج من الأيمان بأنواع الحيل معروف وعنا تلقوه ومنا أخذوه. وقالوا: لو حلف أن لا يشتري منه ثوبا فاتهبه منه وشرط له العوض لا يحنث. وقالوا بجواز مسألة التورق. وهي شقيقة مسألة العينة فأي فرق بين مصير السلعة إلى البائع وبين مصيرها إلى غيره بل قد يكون عودها إلى البائع أرفق بالمشتري وأقل كلفة عليه وأرفع لخسارته وتعنيه. فكيف(3\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "753",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "755",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تحرمون الضرر اليسير وتبيحون ما هو أعظم منه والحقيقة في الموضعين واحدة وهي عشرة بخمسة عشر وبينهما حريرة رجعت في إحدى الصورتين إلى مالكها وفي الثانية إلى غيره وقالوا: لو حلف بالطلاق لا يزوج عبده بأمته أبدا ثم أراد تزويجه بها ولا يحنث فإنه يبيع العبد والجارية من رجل ثم يزوجهما المشتري ثم يستردهما منه. قال القاضي: وهذا غير ممتنع على أصلنا لأن عقد النكاح قد وجد في حال زوال ملكه عنهما ولا يتعلق الحنث باستدامة العقد بعد أن ملكهما لأن التزويج عبارة عن العقد وقد انقضى وإنما بقي حكمه فلم يحنث باستدامة حكمه. وقالوا: لو كان له عليه مال وهو محتاج فأحب أن يدعه له من زكاته فالحيلة أن يتصدق عليه بذلك القدر ثم يقبضه منه ثم قالوا: فإن كان له شريك فيه فخاف أن يخاصمه فيه فالحيلة أن يهب المطلوب للطالب مالا بقدر حصة الطالب مما له عليه ويقبضه منه للطالب ثم يتصدق الطالب على المطلوب بما وهبه له ويحتسب بذلك من زكاته ثم يهب المطلوب ماله عليه من الدين ولا يضمن الطالب لشريكه شيئا لأن هبة الدين لمن في ذمته براءة. وإذا أبرأ أحد الشريكين الغريم من نصيبه لم يضمن لشريكه شيئا وإنما يضمن إذا حصل الدين في ضمانه. وقالوا: لو أجره الأرض بأجرة معلومة وشرط عليه أن يؤدي خراجها لم يجز لأن الخراج على المالك لا على المستأجر والحيلة في جوازه أن يؤجره إياها بمبلغ يكون زيادته بقدر الخراج ثم يأذن له أن يدفع في خراجها ذلك القدر الزائد على أجرتها. قالوا: لأنه متى زاد مقدار الخراج على الأجرة حصل ذلك دينا على المستأجر وقد أمره أن يدفعه إلى مستحق الخراج وهو جائز. وقالوا: ونظير هذا أن يؤجره دابة ويشترط علفها على المستأجر لم يجز والحيلة في جوازه هكذا سواء يزيد في الأجرة ويوكله أن يعلف الدابة بذلك القدر الزائد. وقالوا: لا يصح استئجار الشجرة للثمرة والحيلة في ذلك أن يؤجره الأرض ويساقيه على الثمرة من كل ألف جزء جزء مثلا. وقالوا: لو وكله أن يشتري له جارية معينة بثمن معين دفعه إليه فلما رآها أراد شراءها لنفسه وخاف أن يحلفه أنه إنما اشتراها بمال الموكل له وهو وكيله فالوجه أن يعزل نفسه عن الوكالة ثم يشتريها بثمن في ذمته ثم ينقد ما معه من الثمن ويصير لموكله في ذمته نظيره.(3\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "754",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "756",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: وأما نحن فلا تأتي هذه الحيلة على أصولنا لأن الوكيل لا يملك عزل نفسه إلا بحضرة موكله. قالوا: وقد قالت الحنابلة أيضا: لو أراد إجارة أرض له فيها زرع لم يجز والحيلة في جوازه أن يبيعه الزرع ثم يؤجره الأرض فإن أراد بعد ذلك أن يشتري منه الزرع جاز. وقالوا: لو شرط رب المال على المضارب ضمان مال المضاربة لم يصح والحيلة في صحته أن يقرضه المال في ذمته ثم يقبضه المضارب منه فإذا قبضه دفعه إلى مالكه الأول مضاربة ثم يدفعه رب المال إلى المضارب بضاعة فإن توى. فهو من ضمان المضارب لأنه قد صار مضمونا عليه بالقرض فتسليمه إلى رب المال مضاربة كتسليم مال له آخر. وحيلة أخرى وهي أن يقرض رب المال المضارب ما يريد دفعه إليه ثم يخرج من عنده درهما واحدا فيشاركه على أن يعملا بالمالين جميعا على أن ما رزقه الله فهو بينهما نصفين فإن عمل أحدهما بالمال بإذن صاحبه فربح كان الربح بينهما على ما شرطاه وإن خسر كان الخسران على قدر المالين على رب المال بقدر الدرهم وعلى المضارب بقدر رأس المال وإنما جاز ذلك لأن المضارب والملزم نفسه الضمان بدخوله في القرض. وقالوا: لا تجوز المضاربة على العرض فإن كان عنده عرض فأراد أن يضارب عليه فالحيلة في جوازه أن يبيعه العرض ويقبض ثمنه فيدفعه إليه مضاربة ثم يشتري المضارب ذلك المتاع بالمال. وقالوا: لو حلفته امرأته أن كل جارية يشتريها فهي حرة فالحيلة في جواز الشراء ولا تعتق أن يعني بالجارية السفينة ولا تعتق وإن لم تحضره هذه النية وقت اليمين فالحيلة أن يشتريها صاحبه ويهبه إياها ثم يهبه نظير الثمن. وقالوا: لو حلفته أن كل امرأة يتزوجها عليها فهي طالق وخاف من هذه اليمين عند من يصحح هذا التعليق فالحيلة أن ينوي كل امرأة أتزوجها على طلاقك: أي يكون طلاقك صداقها أو كل امرأة أتزوجها على رقبتك: أي تكون رقبتك صداقها فهي طالق فلا يحنث بالتزويج على غير هذه الصفة. وقالوا: لو أراد أن يصرف دنانير بدراهم ولم يكن عند الصيرفي مبلغ الدراهم وأراد أن(3\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "755",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "757",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يصبر عليه بالباقي لم يجز والحيلة فيه أن يأخذ ما عنده من الدراهم بقدر صرفه ثم يقرضه إياها فيصرف بها الباقي فإن لم يوف فعل ذلك مرارا حتى يستوفي صرفه ويصير ما أقرضه دينا عليه لا أنه عوض الصرف. وقالوا: لو أراد أن يبيعه دراهم بدنانير إلى أجل لم يجز والحيلة في ذلك أن يشتري منه متاعا وينقده ثمنه ويقبض المتاع ثم يشتري البائع منه ذلك المتاع بدنانير إلى أجل والتأجيل جائز في ثمن المتاع. وقالوا: لو مات رب المال بعد أن قبض المضارب المال انتقل إلى ورثته فلو اشترى المضارب به بعد ذلك متاعا ضمن لأنه تصرف بعد بطلان الشركة. والحيلة في تخلص المضارب من ذلك أن يشهد رب المال أن حصته من المال الذي دفعه إليه مضاربة لولده وأنه مقارض إلى هذا الشريك بجميع ما تركه وأمره أن يشتري لولده ما أحب في حياته وبعد وفاته. فيجوز ذلك لأن المانع منه كونه متصرفا في ملك الغير بغير وكالة ولا ولاية فإذا أذن له في التصرف برئ من الضمان وإن كانت هذه الحيلة إنما تتم إذا كان الورثة أولادا صغارا. وقالوا: لو صالح عن المؤجل ببعضه حالا لم يصح والحيلة في تصحيحه أن يفسخا العقد الذي وقع على المؤجل ويجعلاه بذلك القدر الحال. وقالوا: لو لبس المتوضئ أحد الخفين قبل غسل الرجل الأخرى ثم غسل الأخرى ولبس عليها لم يجز المسح لأنه لم يلبس على كمال الطهارة والحيلة في جواز المسح أن يخلع هذه الفردة الثانية ثم يلبسها. قالوا: ولو أوصى لرجل بخدمة عبده أو بما في بطن أمته جاز فلو أراد الورثة شراء خدمة العبد أو ما في بطن الأمة من الموصى له لم يجز والحيلة في جوازه أن يصالحوه عن الموصى به على ما يبذلونه له فيجوز وإن لم يجز البيع فإن الصلح يجوز فيه ما لا يجوز في البيع. قالوا: ولا تجوز الشركة بالعروض فإن كان لأحدهما عرض يساوي خمسة آلاف درهم وللآخر عرض يساوي ألفا فأحبا أن يشتركا في العرضين فالحيلة أن يشتري صاحب العرض الذي قيمته خمسة آلاف من الآخر خمسة أسداس عرضه بسدس عرضه هو فيصير للذي يساوي عرضه ألفا سدس جميع المال وللآخر خمسة أسداسه لأن جميع ماليهما(3\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "756",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "758",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ستة آلاف وقد حصل كل واحد من العرضين بهذه الشركة بينهما أسداسا خمسة أسداسه لأحدهما وسدسه للآخر فإذا هلك أحدهما هلك على الشركة. قالوا: ولا تقبل شهادة الموكل لموكله فيما هو وكيله فيه فلو لم يكن له شاهد غيره وخاف ضياع حقه فالحيلة أن يعزله حتى يشهد له ثم يوكله بعد ذلك إن أراد. قالوا: ولو أعتق عبده في مرضه وثلثه يحتمله وخاف عليه من الورثة أن يجحدوا المال ويرثوا ثلثيه فالحيلة أن يدفع إليه مالا يشتري نفسه منه بحضرة شهود ويشهدون أنه قد أقبضه المال وصار العبد حرا. قالوا: وكذلك الحيلة لو كان لأحد الورثة دين على الموروث وليست له به بينة فأراد بيعه العبد بدينه الذي له عليه فعل مثل ذلك سواء. قالوا: ولو قال: quot; أوصيت إلى فلان وإن لم يقبل فإلى فلان quot; وخاف أن تبطل الوصية على مذهب من لا يرى جواز تعليق الولاية بالشرط فالحيلة أن يقول: quot; فلان وفلان وصيان فإن لم يقبل أحدهما وقبل الآخر فالذي قبل هو الوصي quot; فيجوز على قول الجميع لأنه لم يعلق الولاية بالشرط. قالوا: ولو أراد ذمي أن يسلم وعنده خمر كثير فخاف أن يذهب عليه بالإسلام فالحيلة أن يبادر ببيعها من ذمي آخر ثم يسلم فإنه يملك تقاضيه بعد الإسلام فإن بادر الآخر وأسلم لم يسقط عنه ذلك. وقد نص عليه الإمام أحمد في مجوسي باع مجوسيا خمرا ثم أسلما يأخذ الثمن قد وجب له يوم باعه. قال أرباب الحيل: فهذا رهن الفرق عندنا بأنهم قالوا بالحيل وأفتوا بها فماذا تنكرون علينا بعد ذلك وتشنعون ومثالنا ومثالهم في ذلك كقوم وجدوا كنزا فأصاب كل منهم طائفة منه في يديه فمستقل ومستكثر ثم أقبل بعض الآخذين ينقم على بقيتهم وما أخذه من الكنز في يديه فليرم مما أخذ منه ثم لينكر على الباقين.  [جواب الذين أبطلوا الحيل] قال المبطلون للحيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فسبحان الله الذي فرض الفرائض وحرم المحارم وأوجب الحقوق رعاية لمصالح العباد في المعاش والمعاد وجعل شريعته الكاملة قياما للناس وغذاء لحفظ حياتهم ودواء لدفع أدوائهم وظله الظليل الذي من استظل به أمن من الحرور وحصنه الحصين الذي من دخله نجا من الشرور فتعالى شارع هذه الشريعة(3\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "757",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "759",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفائقة لكل شريعة أن يشرع فيها الحيل التي تسقط فرائضه وتحل محارمه وتبطل حقوق عباده ويفتح للناس أبواب الاحتيال وأنواع المكر والخداع وأن يبيح التوصل بالأسباب المشروعة إلى الأمور المحرمة الممنوعة وأن يجعلها مضغة لأفواه المحتالين عرضة لأغراض المخادعين الذين يقولون ما لا يفعلون ويظهرون خلاف ما يبطنون ويرتكبون العبث الذي لا فائدة فيه سوى ضحكة الضاحكين وسخرية الساخرين. فيخادعون الله كما يخادعون الصبيان ويتلاعبون بحدوده كتلاعب المجان فيحرمون الشيء ثم يستحلونه إياه بعينه بأدنى الحيل ويسلكون إليه نفسه طريقا توهم أن المراد غيره وقد علموا أنه هو المراد لا غيره ويسقطون الحقوق التي وصى الله بحفظها وأدائها بأدنى شيء ويفرقون بين متماثلين من كل وجه لاختلافهما في الصورة أو الاسم أو الطريق الموصل إليهما ويستحلون بالحيل ما هو أعظم فسادا مما يحرمونه ويسقطون بها ما هو أعظم وجوبا مما يوجبونه. والحمد لله الذي نزه شريعته عن هذا التناقض والفساد وجعلها كفيلة وافية بمصالح خلقه في المعاش والمعاد وجعلها من أعظم آياته الدالة عليه ونصبها طريقا مرشدا لمن سلكه إليه فهو نوره المبين وحصنه الحصين وظله الظليل وميزانه الذي لا يعول لقد تعرف بها إلى ألباء عباده غاية التعرف وتحبب بها إليهم غاية التحبب فأنسوا بها من حكمته البالغة وتمت بها عليهم منه نعمه السابغة ولا إله إلا الله الذي في شرعه أعظم آية تدل على تفرده بالإلهية وتوحده بالربوبية وأنه الموصوف بصفات الكمال المستحق لنعوت الجلال الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى وله المثل الأعلى فلا يدخل السوء في أسمائه ولا النقص والعيب في صفاته ولا العبث ولا الجور في أفعاله بل هو منزه في ذاته وأوصافه وأفعاله وأسمائه عما يضاد كماله بوجه من الوجوه. تبارك اسمه وتعالى جده وبهرت حكمته وتمت نعمته وقامت على عباده حجته والله أكبر كبيرا أن يكون في شرعه تناقض واختلاف فلو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا بل هي شريعة مؤتلفة النظام متعادلة الأقسام مبرأة من كل نقص مطهرة من كل دنس مسلمة لا شية فيها مؤسسة على العدل والحكمة والمصلحة والرحمة قواعدها ومبانيها إذا حرمت فسادا حرمت ما هو أولى منه أو نظيره وإذا رعت صلاحا رعت ما هو فوقه أو شبهه فهي صراطه المستقيم الذي لا أمت فيه ولا عوج وملته الحنيفية السمحة التي لا ضيق فيها ولا حرج بل هي حنيفية التوحيد سمحة العمل لم تأمر بشيء فيقول العقل لو نهت عنه لكان أوفق ولم تنه عن شيء فيقول الحجا لو أباحته لكان أرفق بل أمرت بكل صلاح ونهت عن كل فساد وأباحت كل طيب وحرمت كل خبيث فأوامرها(3\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "758",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "760",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غذاء ودواء ونواهيها حمية وصيانة وظاهرها زينة لباطنها وباطنها أجمل من ظاهرها شعارها الصدق وقوامها الحق وميزانها العدل وحكمها الفصل لا حاجة بها ألبتة إلى أن تكمل بسياسة ملك أو رأي ذي رأي أو قياس فقيه أو ذوق ذي رياضة أو منام ذي دين وصلاح بل لهؤلاء كلهم أعظم الحاجة إليها ومن وفق للصواب فلاعتماده وتعويله عليها. لقد أكملها الذي أتم نعمته علينا بشرعها قبل سياسات الملوك وحيل المتحيلين وأقيسة القياسيين وطرائق الخلافيين وأين كانت هذه الحيل والأقيسة والقواعد المتناقضة والطرائق القدد وقت نزول قوله اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا [المائدة: 3]  وأين كانت يوم قوله - صلى الله عليه وسلم -: لقد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك . ويوم قوله - صلى الله عليه وسلم - ما تركت من شيء يقربكم من الجنة ويباعدكم عن النار إلا أعلمتكموه  وأين كانت عند قول أبي ذر: لقد توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما. وعند قول القائل لسلمان: لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة فقال: أجل فأين علمهم الحيل والمخادعة والمكر وأرشدهم إليه ودلهم عليه كلا والله بل حذرهم أشد التحذير وأوعدهم عليه أشد الوعيد وجعله منافيا للإيمان وأخبر عن لعنة اليهود لما ارتكبوه وقال لأمته: لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله تعالى بأدنى الحيل  وأغلق أبواب المكر والاحتيال وسد الذرائع وفصل الحلال من الحرام وبين الحدود وقسم شريعته إلى حلال بين وحرام بين وبرزخ بينهما فأباح الأول وحرم الثاني وحض الأمة على اتقاء الثالث خشية الوقوع في الحرام وقد أخبر الله تعالى عن عقوبة المحتالين على حل ما حرمه عليهم وإسقاط ما فرضه عليهم في غير موضع من كتابه. قال أبو بكر الآجري: وقد ذكر بعض الحيل الربوية التي يفعلها الناس: لقد مسخ اليهود قردة بدون هذا وصدق والله لآكل حوت صيد يوم السبت أهون عند الله وأقل جرما من آكل الربا الذي حرمه الله بالحيل والمخادعة ولكن كما قال الحسن: عجل لأولئك عقوبة تلك الأكلة الوخيمة وأرجئت عقوبة هؤلاء. وقال الإمام أبو يعقوب الجوزجاني: وهل أصاب الطائفة من بني إسرائيل المسخ إلا باحتيالهم على أمر الله بأن حفروا الحفائر على الحيتان في يوم سبتهم فمنعوها الانتشار يومها(3\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "759",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "761",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى الأحد فأخذوها. وكذلك السلسلة التي كانت تأخذ بعنق الظالم فاحتال لها صاحب الدرة إذ صيرها في قصبة ثم دفع القصبة إلى خصمه وتقدم إلى السلسلة ليأخذها فرفعت. وقال بعض الأئمة: في هذه القصة مزجرة عظيمة للمتعاطين الحيل على المناهي الشرعية ممن تلبس بعلم الفقه وليس بفقيه إذ الفقيه من يخشى الله عز وجل في الربويات واستعارة التيس الملعون لتحليل المطلقات وغير ذلك من العظائم والمصائب الفاضحات التي لو اعتمدها مخلوق مع مخلوق لكان في نهاية القبح فكيف بمن يعلم السر وأخفى الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وقال: وإذا وازن اللبيب بين حيلة أصحاب السبت والحيل التي يتعاطاها أرباب الحيل في كثير من الأبواب ظهر له التفاوت ومراتب المفسدة التي بينها وبين هذه الحيل فإذا عرف قدر الشرع وعظمة الشارع وحكمته وما اشتمل عليه شرعه من رعاية مصالح العباد تبين له حقيقة الحال وقطع بأن الله تعالى يتنزه ويتعالى أن يشرع لعباده نقض شرعه وحكمته بأنواع الخداع والاحتيال.  [فصل الجواب على شبه الذين جوزوا الحيل]  تفصيلا] قالوا: ونحن نذكر ما تمسكتم به في تقرير الحيل والعمل بها ونبين ما فيه متحرين للعدل والإنصاف منزهين لشريعة الله وكتابه وسنة رسوله عن المنكر والخداع والاحتيال المحرم ونبين انقسام الحيل والطرق إلى ما هو كفر محض وفسق ظاهر ومكروه وجائز ومستحب وواجب عقلا أو شرعا ثم نذكر فصلا نبين فيه التعويض بالطرق الشرعية عن الحيل الباطلة فنقول وبالله التوفيق وهو المستعان وعليه التكلان: [الكلام على قصة أيوب] أما قوله تعالى لنبيه أيوب - عليه السلام -: وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث [ص: 44] فقال شيخنا: الجواب أن هذا ليس مما نحن فيه فإن للفقهاء في موجب هذه اليمين في شرعنا قولين يعني إذا حلف ليضربن عبده أو امرأته مائة ضربة أحدهما: قول من يقول: موجبها الضرب مجموعا أو مفرقا ثم منهم من يشترط مع الجمع الوصول إلى المضروب فعلى هذا تكون هذه الفتيا موجب هذا اللفظ عند الإطلاق وليس هذا بحيلة إنما الحيلة أن يصرف اللفظ عن موجبه عند الإطلاق والقول الثاني: أن موجبه الضرب(3\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "760",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "762",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعروف وإذا كان هذا موجبه في شرعنا لم يصح الاحتجاج علينا بما يخالف شرعنا من شرائع من قبلنا لأنا إن قلنا: quot; ليس شرعا لنا مطلقا quot; فظاهر وإن قلنا: quot; هو شرع لنا quot; فهو مشروط بعدم مخالفته لشرعنا وقد انتفى الشرط. وأيضا فمن تأمل الآية علم أن هذه الفتيا خاصة الحكم فإنها لو كانت عامة الحكم في حق كل أحد لم يخف على نبي كريم موجب يمينه ولم يكن في اقتصاصها علينا كبير عبرة فإنما يقص ما خرج عن نظائره لنعتبر به ونستدل به على حكمة الله فيما قصه علينا أما ما كان هو مقتضى العادة والقياس فلا يقص ويدل على الاختصاص قوله تعالى: إنا وجدناه صابرا [ص: 44] . وهذه الجملة خرجت مخرج التعليل كما في نظائرها فعلم أن الله سبحانه وتعالى إنما أفتاه بهذا جزاء له على صبره وتخفيفا عن امرأته ورحمة بها لا أن هذا موجب هذه اليمين. وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى إنما أفتاه بهذه الفتيا لئلا يحنث كما أخبر تعالى.  فصل [متى شرعت كفارة اليمين] وهذا يدل على أن كفارة الأيمان لم تكن مشروعة بتلك الشريعة بل ليس في اليمين إلا البر والحنث كما هو ثابت في نذر التبرر في شريعتنا وكما كان في أول الإسلام قالت عائشة - رضي الله عنها -: لم يكن أبو بكر يحنث في يمين حتى أنزل الله كفارة اليمين فدل على أنها لم تكن مشروعة في أول الإسلام وإذا كان كذلك صار كأنه قد نذر ضربها وهو نذر لا يجب الوفاء به لما فيه من الضرر عليه ولا يغني عنه كفارة يمين لأن تكفير النذر فرع عن تكفير اليمين فإذا لم تكن كفارة النذر إذ ذاك مشروعة فكفارة اليمين أولى وقد علم أن الواجب بالنذر يحتذى به حذو الواجب بالشرع وإذا كان الضرب الواجب بالشرع يجب تفريقه إذا كان المضروب صحيحا ويجوز جمعه إذا كان المضروب مريضا ميئوسا منه عند الكل أو مريضا على الإطلاق عند بعضهم كما ثبتت بذلك السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاز أن يقام الواجب بالنذر مقام ذلك عند العذر وقد كانت امرأة أيوب - عليه السلام - ضعيفة عن احتمال مائة الضربة التي حلف أن يضربها إياها وكانت كريمة على ربها فخفف عنها برحمته الواجب باليمين بأن أفتاه بجمع الضربات بالضغث كما خفف عن المريض. ألا ترى أن السنة قد جاءت فيمن نذر الصدقة بجميع ماله أنه يجزيه الثلث فأقام الثلث في النذر مقام الجميع رحمة بالناذر وتخفيفا عنه كما أقيم مقامه في(3\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "761",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "763",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوصية رحمة بالوارث ونظرا له وجاءت السنة فيمن نذرت الحج ماشية أن تركب وتهدي إقامة لترك بعض الواجب بالنذر مقام ترك الواجب بالشرع في المناسك عند العجز عنه كطواف الوداع عن الحائض. وأفتى ابن عباس وغيره من نذر ذبح ابنه بشاة إقامة لذبح الشاة مقام ذبح الابن كما شرع ذلك للخليل وأفتى أيضا من نذر أن يطوف على أربع بأن يطوف أسبوعين إقامة لأحد الأسبوعين مقام طواف اليدين. وأفتى أيضا هو وغيره من الصحابة - رضي الله عنهم - المريض الميئوس منه والشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم بأن يفطرا ويطعما كل يوم مسكينا إقامة للإطعام مقام الصيام وأفتى أيضا هو وغيره من الصحابة: الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أن تفطرا وتطعما كل يوم مسكينا إقامة للإطعام مقام الصيام وهذا كثير جدا وغير مستنكر في واجبات الشريعة أن يخفف الله تعالى الشيء منها عند المشقة بفعل ما يشبهه من بعض الوجوه كما في الأبدال وغيرها ولكن مثل قصة أيوب لا يحتاج إليها في شرعنا لأن الرجل لو حلف ليضربن أمته أو امرأته مائة ضربة أمكنه أن يكفر عن يمينه من غير احتياج إلى حيلة وتخفيف الضرب بجمعه ولو نذر ذلك فهو نذر معصية فلا شيء عليه عند الطائفة وعند طائفة عليه كفارة يمين وأيضا فإن المطلق من كلام الآدميين محمول على ما فسر به المطلق من كلام الشارع خصوصا في الأيمان فإن الرجوع فيها إلى عرف الخطاب شرعا أو عادة أولى من الرجوع إلى موجب اللفظ في أصل اللغة والله سبحانه وتعالى قد قال: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة [النور: 2]  وقال: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة [النور: 4] . وفهم الصحابة والتابعون ومن بعدهم من ذلك أنه ضربات متعددة متفرقة لا مجموعة إلا أن يكون المضروب معذورا عذرا لا يرجى زواله فإنه يضرب ضربا مجموعا وإن كان يرجى زواله فهل يؤخر إلى الزوال أو يقام عليه مجموعا فيه خلاف بين الفقهاء فكيف يقال: إن الحالف ليضربن موجب يمينه هو الضرب المجموع مع صحة المضروب وقوته فهذه الآية هي أقوى ما يعتمد عليه أرباب الحيل وعليها بنوا حيلهم وقد ظهر بحمد الله أنه لا متمسك لهم فيها ألبتة.  فصل [الكلام على قصة يوسف وجعله الصواع في رحل أخيه] وأما إخباره سبحانه وتعالى عن يوسف - عليه السلام - أنه جعل صواعه في رحل أخيه ليتوصل بذلك إلى أخذه وكيد إخوته فنقول لأرباب الحيل:(3\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "762",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "764",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أولا: هل تجوزون أنتم مثل هذا حتى يكون حجة لكم وإلا فكيف تحتجون بما لا تجوزون فعله  فإن قلتم: فقد كان جائزا في شريعته قلنا: وما ينفعكم إذا لم يكن جائزا في شرعنا قال شيخنا - رضي الله عنه -: مما قد يظن أنه من جنس الحيل التي بينا تحريمها وليس من جنسها قصة يوسف حين كاد الله له في أخذ أخيه كما قص ذلك تعالى في كتابه فإن فيه ضروبا من الحيل الحسنة: أحدها: قوله لفتيانه: اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون [يوسف: 62] فإنه تسبب بذلك إلى رجوعهم وقد ذكروا في ذلك معاني: منها أنه تخوف أن لا يكون عندهم ورق يرجعون بها ومنها أنه خشي أن يضر أخذ الثمن بهم ومنها أنه رأى لو ما أخذ الثمن منهم ومنها أنه أراهم كرمه في رد البضاعة ليكون أدعى لهم إلى العود ومنها أنه علم أن أمانتهم تحوجهم إلى العود ليردوها إليه فهذا المحتال به عمل صالح والمقصود رجوعهم ومجيء أخيه وذلك أمر فيه منفعة لهم ولأبيهم وله وهو مقصود صالح وإنما لم يعرفهم نفسه لأسباب أخر فيها أيضا منفعة لهم وله ولأبيهم وتمام لما أراده الله بهم من الخير في البلاء. الضرب الثاني: أنه في المرة الثانية لما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه وهذا القدر تضمن إيهام أن أخاه سارق وقد ذكروا أن هذا كان بمواطأة من أخيه ورضا منه بذلك والحق له في ذلك وقد دل على ذلك قوله تعالى: ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون [يوسف: 69] وفيه قولان: أحدهما: أنه عرفه أنه يوسف ووطنه على عدم الابتئاس بالحيلة التي فعلها في أخذه منهم والثاني: أنه لم يصرح له بأنه يوسف وإنما أراد إني مكان أخيك المفقود فلا تبتئس بما يعاملك به إخوتك من الجفاء. ومن قال هذا قال: إنه وضع السقاية في رحل أخيه والأخ لا يشعر ولكن هذا خلاف المفهوم من القرآن وخلاف ما عليه الأكثرون وفيه ترويع لمن لم يستوجب الترويع. وأما على القول الأول فقد قال كعب وغيره: لما قال له إني أنا أخوك قال: فأنا لا أفارقك. قال يوسف: فقد علمت اغتمام والدي بي فإذا حبستك ازداد غمه ولا يمكنني هذا إلا بعد أن أشهرك بأمر فظيع وأنسبك إلى ما لا يحتمل قال: لا أبالي. فافعل ما بدا لك فإني لا(3\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "763",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "765",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أفارقك قال: فإني أدس صواعي. هذا في رحلك ثم أنادي عليك بالسرقة ليتهيأ لي ردك قال: فافعل وعلى هذا فهذا التصرف إنما كان بإذن الأخ ورضاه. ومثل هذا النوع ما ذكر أهل السير عن عدي بن حاتم أنه لما هم قومه بالردة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفهم عن ذلك وأمرهم بالتربص وكان يأمر ابنه إذا رعى إبل الصدقة أن يبعد فإذا جاء خاصمه بين يدي قومه وهم بضربه فيقومون فيشفعون إليه فيه ويأمره كل ليلة أن يزداد بعدا فلما كان ذات ليلة أمره أن يبعد بها جدا وجعل ينتظره بعدما دخل الليل وهو يلوم قومه على شفاعتهم ومنعهم إياه من ضربه وهم يعتذرون عن ابنه ولا ينكرون إبطاءه حتى إذا انهار الليل ركب في طلبه فلحقه واستاق الإبل حتى قدم بها على أبي بكر - رضي الله عنهما - فكانت صدقات طيئ مما استعان بها أبو بكر في قتال أهل الردة. وكذلك في الحديث الصحيح أن عديا قال لعمر - رضي الله عنه -: أما تعرفني يا أمير المؤمنين قال: بلى أعرفك أسلمت إذ كفروا ووفيت إذ غدروا وأقبلت إذ أدبروا وعرفت إذ أنكروا. ومثل هذا ما أذن فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - للوفد الذين أرادوا قتل كعب بن الأشرف أن يقولوا وأذن للحجاج بن علاط عام خيبر أن يقول وهذا كله من الاحتيال المباح لكون صاحب الحق قد أذن فيه ورضي به والأمر المحتال عليه طاعة لله وأمر مباح. الضرب الثالث: أنه أذن مؤذن: أيتها العير إنكم لسارقون [يوسف: 70] قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون [يوسف: 71] قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم [يوسف: 72] إلى قوله: فما جزاؤه إن كنتم كاذبين [يوسف: 74] قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين - فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله [يوسف: 75 - 76] وقد ذكروا في تسميتهم سارقين وجهين: أحدهما: أنه من باب المعاريض وأن يوسف نوى بذلك أنهم سرقوه من أبيه حيث غيبوه عنه بالحيلة التي احتالوا عليه وخانوه فيه والخائن يسمى سارقا وهو من الكلام المرموز ولهذا يسمى خونة الدواوين لصوصا. الثاني: أن المنادي هو الذي قال ذلك من غير أمر يوسف. قال القاضي أبو يعلى وغيره: أمر يوسف بعض أصحابه أن يجعل الصواع في رحل أخيه ثم قال بعض الموكلين وقد فقدوه ولم يدر من أخذه: أيتها العير إنكم لسارقون [يوسف: 70](3\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "764",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "766",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على ظن منهم أنهم كذلك من غير أمر يوسف لهم بذلك أو لعل يوسف قد قال للمنادي: هؤلاء سرقوا وعنى أنهم سرقوه من أبيه والمنادي فهم سرقة الصواع فصدق يوسف في قوله وصدق المنادي وتأمل حذف المفعول في قوله: إنكم لسارقون [يوسف: 70] ليصح أن يضمن سرقتهم ليوسف فيتم التعريض ويكون الكلام صدقا وذكر المفعول في قوله: نفقد صواع الملك [يوسف: 72] وهو صادق في ذلك فصدق في الجملتين معا تعريضا وتصريحا وتأمل قول يوسف: معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده [يوسف: 79] ولم يقل إلا من سرق وهو أخصر لفظا تحريا للصدق فإن الأخ لم يكن سارقا بوجه وكان المتاع عنده حقا فالكلام من أحسن المعاريض وأصدقها. ومثل هذا قول الملكين لداود - عليه السلام -: خصمان بغى بعضنا على بعض [ص: 22] إلى قوله: وعزني في الخطاب [ص: 23] أي غلبني في الخطاب ولكن تخريج هذا الكلام على المعاريض لا يكاد يتأتى وإنما وجهه أنه كلام خرج على ضرب المثال: أي إذا كان كذلك فكيف الحكم بيننا. ونظير هذا قول الملك للثلاثة الذين أراد الله أن يبتليهم: quot; مسكين وغريب وعابر سبيل وقد تقطعت بي الحبال ولا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك فأسألك بالذي أعطاك هذا المال بعيرا أتبلغ به في سفري هذا quot; وهذا ليس بتعريض وإنما هو تصريح على وجه ضرب المثال وإيهام أني أنا صاحب هذه القضية كما أوهم الملكان داود أنهما صاحبا القصة ليتم الامتحان. ولهذا قال نصر بن حاجب: سئل ابن عيينة عن الرجل يعتذر إلى أخيه من الشيء الذي قد فعله ويحرف القول فيه ليرضيه لم يأثم في ذلك فقال: ألم تسمع قوله: ليس بكاذب من أصلح بين الناس يكذب فيه فإذا أصلح بينه وبين أخيه المسلم خير من أن يصلح بين الناس بعضهم من بعض وذلك إذا أراد به مرضاة الله وكره أذى المؤمن ويندم على ما كان منه ويدفع شره عن نفسه ولا يريد بالكذب اتخاذ المنزلة عندهم ولا طمعا في شيء يصيب منهم فإنه لم يرخص في ذلك ورخص له إذا كره موجدتهم وخاف عداوتهم. قال حذيفة: إني أشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن أقدم على ما هو أعظم منه. قال سفيان وقال الملكان: خصمان بغى بعضنا على بعض [ص: 22] أراد معنى شيء(3\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "765",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "767",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولم يكونا خصمين فلم يصيرا بذلك كاذبين وقال إبراهيم: إني سقيم [الصافات: 89] وقال: بل فعله كبيرهم هذا [الأنبياء: 63]  وقال يوسف: إنكم لسارقون [يوسف: 70] فبين سفيان أن هذا من المعاريض المباحة.  فصل [استنباط من قصة يوسف وتعقيب عليه] . وقد احتج بعض الفقهاء بقصة يوسف على أنه جائز للإنسان التوصل إلى أخذ حقه من الغير بما يمكنه الوصول إليه بغير رضا من عليه الحق. قال شيخنا - رضي الله عنه -: وهذه الحجة ضعيفة فإن يوسف لم يكن يملك حبس أخيه عنده بغير رضاه ولم يكن هذا الأخ ممن ظلم يوسف حتى يقال إنه قد اقتص منه وإنما سائر الإخوة هم الذين كانوا قد فعلوا ذلك نعم تخلفه عنده كان يؤذيهم من أجل تأذي أبيهم والميثاق الذي أخذه عليهم وقد استثنى في الميثاق بقوله: إلا أن يحاط بكم [يوسف: 66] وقد أحيط بهم ولم يكن قصد يوسف باحتباس أخيه الانتقام من إخوته فإنه كان أكرم من هذا وكان في ذلك من الإيذاء لأبيه. أعظم مما فيه من إيذاء إخوته وإنما هو أمر أمره الله به ليبلغ الكتاب أجله ويتم البلاء الذي استحق به يعقوب ويوسف كمال الجزاء وتبلغ حكمة الله التي قضاها لهم نهايتها. ولو كان يوسف قصد القصاص منهم بذلك فليس هذا موضع الخلاف بين العلماء فإن الرجل له أن يعاقب بمثل ما عوقب به وإنما موضع الخلاف: هل يجوز له أن يسرق أو يخون من سرقه أو خانه مثل ما سرق منه أو خانه إياه وقصة يوسف لم تكن من هذا الضرب. نعم لو كان يوسف أخذ أخاه بغير أمره لكان لهذا المحتج شبهة مع أنه لا دلالة في ذلك على هذا التقدير أيضا فإن مثل هذا لا يجوز في شرعنا بالاتفاق وهو أن يحبس رجل بريء ويعتقل للانتقام من غيره من غير أن يكون له جرم ولو قدر أن ذلك وقع من يوسف فلا بد أن يكون بوحي من الله ابتلاء منه لذلك المعتقل كما ابتلى إبراهيم بذبح ابنه فيكون المبيح له على هذا التقدير وحيا خاصا كالوحي الذي جاء إبراهيم بذبح ابنه وتكون حكمته في حق المبتلى امتحانه وابتلاؤه لينال درجة الصبر على حكم الله والرضا بقضائه وتكون حاله في هذا كحال أبيه يعقوب في احتباس يوسف عنه وهذا معلوم من فقه القصة وسياقها ومن حال يوسف. ولهذا قال تعالى: كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم [يوسف: 76](3\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "766",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "768",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فنسب الله تعالى هذا الكيد إلى نفسه كما نسبه إلى نفسه في قوله: إنهم يكيدون كيدا [الطارق: 15] وأكيد كيدا [الطارق: 16]  وفي قوله: ومكروا مكرا ومكرنا مكرا [النمل: 50]  وفي قوله: ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين [الأنفال: 30] . وقد قيل: إن تسمية ذلك مكرا وكيدا واستهزاء وخداعا من باب الاستعارة ومجاز المقابلة نحو: وجزاء سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40]  ونحو قوله: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم [البقرة: 194] وقيل وهو أصوب: بل تسميته بذلك حقيقة على بابه فإن المكر إيصال الشيء إلى الغير بطريق خفي وكذلك الكيد والمخادعة ولكنه نوعان: قبيح وهو إيصال ذلك لمن لا يستحقه وحسن وهو إيصاله إلى مستحقه عقوبة له فالأول مذموم والثاني ممدوح والرب تعالى إنما يفعل من ذلك ما يحمد عليه عدلا منه وحكمة وهو تعالى يأخذ الظالم والفاجر من حيث لا يحتسب لا كما يفعل الظلمة بعباده. وأما السيئة فهي فيعلة مما يسوء ولا ريب أن العقوبة تسوء صاحبها فهي سيئة له حسنة من الحكم العدل وإذا عرفت ذلك فيوسف الصديق كان قد كيد غير مرة: أولها أن إخوته كادوا به كيدا حيث احتالوا به في التفريق بينه وبين أبيه ثم إن امرأة العزيز كادته بما أظهرت أنه راودها عن نفسها ثم أودع السجن ثم إن النسوة كادوه حتى استعاذ. بالله من كيدهن فصرفه عنه وقال له يعقوب: لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا [يوسف: 5] وقال الشاهد لامرأة العزيز: إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم [يوسف: 28] . وقال: ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم [يوسف: 50] فكاد الله له أحسن كيد وألطفه وأعدله بأن جمع بينه وبين أخيه وأخرجه من أيدي إخوته بغير اختيارهم كما أخرجوا يوسف من يد أبيه بغير اختياره وكاد له عوض كيد المرأة بأن أخرجه من ضيق السجن إلى فضاء الملك ومكنه في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء وكان له في تصديق النسوة اللاتي كذبنه وراودنه حتى شهدن ببراءته وعفته وكاد له في تكذيب امرأة العزيز لنفسها واعترافها بأنها هي التي راودته وأنه من الصادقين فهذه عاقبة من صبر على كيد الكائد له بغيا وعدوانا.(3\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "767",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "769",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل [مكر الله تعالى على ضربين] وكيد الله تعالى لا يخرج عن نوعين أحدهما وهو الأغلب: أن يفعل تعالى فعلا خارجا عن قدرة العبد الذي كاد له فيكون الكيد قدرا [زائدا] محضا ليس هو من باب لا يسوغ كما كاد أعداء الرسل بانتقامه منهم بأنواع العقوبات وكذلك كانت قصة يوسف فإن أكثر ما أمكنه أن يفعل أن ألقى الصواع في رحل أخيه وأن أذن مؤذن بسرقتهم فلما أنكروا قال: فما جزاؤه إن كنتم كاذبين [يوسف: 74] أي جزاء السارق أو جزاء السرق: قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه [يوسف: 75] أي جزاؤه نفس السارق يستعبده المسروق منه إما مطلقا وإما إلى مدة وهذه كانت شريعة آل يعقوب. [إعراب جملة في قصة يوسف] ثم في إعراب هذا الكلام وجهان أحدهما: أن قوله: جزاؤه من وجد في رحله [يوسف: 75] جملة مستقلة قائمة من مبتدأ وخبر وقوله: فهو جزاؤه [يوسف: 75] جملة ثانية كذلك مؤكدة للأولى مقررة لها والفرق بين الجملتين أن الأولى إخبار عن استحقاق المسروق لرقبة السارق والثانية إخبار أن هذا جزاؤه في شرعنا وحكمنا فالأولى إخبار عن المحكوم عليه والثانية إخبار عن الحكم وإن كانا متلازمين وإن أفادت الثانية معنى الحصر فإنه لا جزاء له غيره. والقول الثاني: أن جزاؤه [يوسف: 74] الأول مبتدأ وخبره الجملة الشرطية والمعنى جزاء السارق أن من وجد المسروق في رحله كان هو الجزاء كما تقول: جزاء السرقة من سرق قطعت يده وجزاء الأعمال من عمل حسنة فبعشر أو سيئة فبواحدة ونظائره. قال شيخنا - رضي الله عنه -: وإنما احتمل الوجهين  لأن الجزاء قد يراد به نفس الحكم باستحقاق العقوبة وقد يراد به نفس فعل العقوبة وقد يراد به نفس الألم الواصل إلى المعاقب والمقصود أن إلهام الله لهم هذا الكلام كيد كاده ليوسف خارج عن قدرته إذ قد كان يمكنهم أن يقولوا: لا جزاء عليه حتى يثبت أنه هو الذي سرق فإن مجرد وجوده في رحله لا يوجب ثبوت السرقة وقد كان يوسف عادلا لا يأخذهم بغير حجة وقد كان يمكنهم أن يقولوا: يفعل به ما يفعل بالسراق في دينكم وقد كان في دين ملك مصر - كما قاله أهل التفسير - أن يضرب السارق ويغرم قيمة المسروق مرتين ولو قالوا ذلك لم يمكنه أن يلزمهم بما لا يلزم به غيرهم ولهذا قال تعالى: كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله [يوسف: 76](3\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "768",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "770",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أي ما كان يمكنه أخذه في دين ملك مصر إذ لم يكن في دينه طريق له إلى أخذه وعلى هذا فقوله: إلا أن يشاء الله [يوسف: 76] استثناء منقطع أي لكن إن شاء الله أخذه بطريق آخر أو يكون متصلا على بابه أي إلا أن يشاء الله ذلك فيهيئ له سببا يؤخذ به في دين الملك من الأسباب التي كان الرجل يعتقل بها فإذا كان المراد من الكيد فعلا من الله - بأن ييسر لعبده المؤمن المظلوم المتوكل عليه أمورا يحصل بها مقصوده من الانتقام من الظالم - كان هذا خارجا عن الحيل الفقهية فإن كلامنا في الحيل التي يفعلها العبد لا فيما يفعله الله تعالى بما في قصة يوسف. تنبيه على بطلان الحيل وأن من كاد كيدا محرما فإن الله يكيده ويعامله بنقيض قصده وبمثل عمله وهذه سنة الله في أرباب الحيل المحرمة أنه لا يبارك لهم فيما نالوه بهذه الحيل ويهيئ لهم كيدا على يد من يشاء من خلقه يجزون به من جنس كيدهم وحيلهم. [ما تدل عليه قصة يوسف] وفيها تنبيه على أن المؤمن المتوكل على الله إذا كاده الخلق فإن الله يكيد له وينتصر له بغير حول منه ولا قوة. وفيها دليل على أن وجود المسروق بيد السارق كاف في إقامة الحد عليه بل هو بمنزلة إقراره وهو أقوى من البينة وغاية البينة أن يستفاد منها ظن وأما وجود المسروق بيد السارق فيستفاد منه اليقين وبهذا جاءت السنة في وجوب الحد بالحبل والرائحة في الخمر كما اتفق عليه الصحابة والاحتجاج بقصة يوسف على هذا أحسن وأوضح من الاحتجاج بها على الحيل. وفيها تنبيه على أن العلم الخفي الذي يتوصل به إلى المقاصد الحسنة مما يرفع الله به درجات العبد لقوله بعد ذلك: نرفع درجات من نشاء [يوسف: 76] قال زيد بن أسلم وغيره: بالعلم وقد أخبر تعالى عن رفعه درجات أهل العلم في ثلاثة مواضع من كتابه أحدها: قوله: وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء [الأنعام: 83] فأخبر أنه يرفع درجات من يشاء بعلم الحجة. وقال في قصة يوسف: كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء [يوسف: 76] فأخبر أنه يرفع درجات من يشاء بالعلم الخفي الذي يتوصل به صاحبه إلى المقاصد المحمودة وقال: يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات [المجادلة: 11] فأخبر أنه يرفع درجات أهل العلم والإيمان.(3\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "769",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "771",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل [النوع الثاني من كيد الله تعالى لعبده] النوع الثاني من كيده لعبده المؤمن: هو أن يلهمه تعالى أمرا مباحا أو مستحبا أو واجبا يوصله به إلى المقصود الحسن فيكون على هذا إلهامه ليوسف أن يفعل ما فعل هو من كيده تعالى أيضا وقد دل على ذلك قوله: نرفع درجات من نشاء [يوسف: 76] فإن فيها تنبيها على أن العلم الدقيق الموصل إلى المقصود الشرعي صفة مدح كما أن العلم الذي يخصم به المبطل صفة مدح وعلى هذا فيكون من الكيد ما هو مشروع لكن لا يجوز أن يراد به الكيد الذي تستحل به المحرمات أو تسقط به الواجبات فإن هذا كيد لله والله هو الذي يكيد الكائد ومحال أن يشرع الله تعالى أن يكاد دينه وأيضا فإن هذا الكيد لا يتم إلا بفعل يقصد به غير مقصوده الشرعي ومحال أن يشرع الله لعبده أن يقصد بفعله ما لم يشرع الله ذلك الفعل له. فهذا هو الجواب عن احتجاج المتحيلين بقصة يوسف - عليه الصلاة والسلام - وقد تبين أنها من أعظم الحجج عليهم وبالله التوفيق.  فصل [الجواب عن حديث أبو هريرة في تمر خيبر من صور النزاع] وأما حديث أبي هريرة وأبي سعيد: بع الجميع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا فما أصحه من حديث ونحن نتلقاه بالقبول والتسليم والكلام معكم فيه من مقامين: أحدهما: إبطال استدلالكم به على جواز الحيل وثانيهما: بيان دلالته على نقيض مطلوبكم إذ هذا شأن كل دليل صحيح احتج به محتج على باطل فإنه لا بد أن يكون فيه ما يدل على بطلان قوله ظاهرا أو إيماء مع عدم دلالته على قوله. [بحث في دلالة المطلق والفرق بينه وبين العام] فأما المقام الأول فنقول: غاية ما دل الحديث عليه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يبيع سلعته الأولى بثمن ثم يبتاع بثمنها تمرا آخر  ومعلوم قطعا أن ذلك إنما يقتضي البيع الصحيح فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يأذن في العقد الباطل فلا بد أن يكون العقد الذي أذن فيه صحيحا(3\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "770",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "772",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والشأن كل الشأن في العقد المتنازع فيه فلو سلم لكم المنازع صحته لاستغنيتم عن الاستدلال بالحديث ولا يمكن الاستدلال بالحديث على صحته لأنه ليس بعام فإن قوله: quot; بع quot; مطلق لا عام فهذا البيع لو كان صحيحا متفقا على صحته لم يكن هناك لفظ عام يحتج به على تناوله فكيف هذا البيع مما قد دلت السنة الصحيحة وأقوال الصحابة والقياس الصحيح على بطلانه كما تقدم ولو اختلف رجلان في بيع هل هو صحيح أو فاسد وأراد كل واحد منهما إدخاله في هذا اللفظ لم يمكنه ذلك حتى يثبت أنه بيع صحيح ومتى أثبت أنه بيع صحيح لم يحتج إلى الاستدلال بهذا المطلق فتبين أنه لا حجة فيه على صورة من صور النزاع ألبتة. ونكتة الجواب أن يقال: الأمر المطلق بالبيع إنما يقتضي البيع الصحيح ومن سلم لكم أن هذه الصورة التي تواطأ فيها البائع والمشتري على الربا وجعل السلعة الدخيلة محللا له غير مقصودة بالبيع بيع صحيح وإذا كان الحديث ليس فيه عموم وإنما هو مطلق والأمر بالحقيقة المطلق ليس أمرا بشيء من صورها لأن الحقيقة مشتركة بين الأفراد والقدر المشترك ليس هو مما يميز به كل واحد من الأفراد عن الآخر ولا هو مستلزما له فلا يكون الأمر بالمشترك أمرا بالمميز بحال وإن كان مستلزما لبعض تلك القيود لا بعينه فيكون عاما لها على سبيل البدل لكن ذلك لا يقتضي العموم للأفراد على سبيل الجمع وهو المطلق في قوله: بع هذا الثوب لا يقتضي الأمر ببيعه من زيد أو عمرو ولا بكذا أو كذا ولا بهذه السوق أو هذه فإن اللفظ لا دلالة له على شيء من شيء من ذلك إذا أتى بالمسمى حصل ممتثلا من جهة وجود تلك الحقيقة لا من جهة تلك القيود وهذا الأمر لا خلاف فيه لكن بعض الناس يعتقد أن عدم الأمر بالقيود يستلزم عدم الإجزاء إذا أتى بها إلا بقرينة وهو خطأ والصواب أن القيود لا تنافي الأمر ولا تستلزمه وإن كان لزوم بعضها لزوما عقليا ضرورة وقوع القدر المشترك في ضمن قيد من تلك القيود وإذا تبين هذا فليس في الحديث أمره أن يبيع التمر لبائع النوع الآخر ولا لغيره ولا بحلول ولا تأجيل ولا بنقد البلد ولا غيره ولا بثمن المثل أو غيره وكل هذه القيود خارجة عن مفهوم اللفظ ولو زعم زاعم أن اللفظ يعم هذا كله كان مبطلا لكن اللفظ لا يمنع الإجزاء إذا أتى بها وإنما استفيد عدم الامتثال إذا بيع بدون ثمن المثل أو بثمن مؤجل أو بغير نقد البلد من العرف الذي ثبت للبيع المطلق وكذلك ليس في اللفظ ما يدل على أنه يبيعه من البائع بعينه ولا غيره كما ليس فيه ما يمنعه بل كل واحد من الطرفين يحتاج إلى دليل خارج عن اللفظ المطلق فما قام الدليل على إباحته أبيح فعله بالدليل الدال على جوازه لا بهذا اللفظ وما قام دليل على المنع منه لم يعارض دليل المنع بهذا(3\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "771",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "773",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اللفظ المطلق حتى يطلب الترجيح بل يكون دليل المنع سالما عن المعارضة بهذا فإن عورض بلفظ عام متناول لإباحته بوضع اللفظ له أو بدليل خاص صحت المعارضة فتأمل هذا الموضع الذي كثيرا ما يغلط فيه الناظر والمناظر وبالله التوفيق. وقد ظهر بهذا جواب من قال: quot; لو كان الابتياع من المشتري حراما لنهى عنه quot; فإن مقصوده - صلى الله عليه وسلم - إنما كان لبيان الطريق التي بها يحصل اشتراء التمر الجيد لمن عنده رديء وهو أن يبيع الرديء بثمن ثم يبتاع بالثمن جيدا ولم يتعرض لشروط البيع وموانعه لأن المقصود ذكر الحكم على وجه الجملة أو لأن المخاطب أحيل على فهمه وعلمه بأنه إنما أذن له في بيع يتعارفه الناس وهو البيع المقصود في نفسه ولم يؤذن له في بيع يكون وسيلة وذريعة ظاهرة إلى ما هو ربا صريح وكان القوم أعلم بالله ورسوله وشريعته من أن يفهموا عنه أنه أذن لهم في الحيل الربوية التي ظاهرها بيع وباطنها ربا ونحن نشهد بالله أنه كما لم يأذن فيها بوجه لم يفهمها عنه أصحابه بخطابه بوجه وما نظير هذا الاستدلال إلا استدلال بعضهم على جواز أكل ذي الناب والمخلب بقوله: وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود [البقرة: 187] واستدلال آخر بقوله: وأحل لكم ما وراء ذلكم [النساء: 24] على جواز نكاح الزانية المصرة على الزنا واستدلال آخر على ذلك بقوله: وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم [النور: 32]  واستدلال غيره به على صحة نكاح التحليل بذلك وعلى صحة نكاح المتعة واستدلال آخر على جواز نكاح المخلوقة من مائه إذا كان زانيا ولو أن رجلا استدل بذلك على جواز نكاح المرأة على عمتها وخالتها وأخذ يعارض به السنة لم يكن فرق بينه وبين هذا الاستدلال بل لو استدل به على كل نكاح حرمته السنة لم يكن فرق بينه وبين هذا الاستدلال وكذلك قوله: بع الجميع لو استدل به مستدل على بيع من البيوع المتنازع فيها لم يكن فيه حجة وليس بالغالب أن بائع التمر بدراهم يبتاع بها من المشتري حتى يقال: هذه الصورة غالبة فيحمل اللفظ عليها ولا هو المتعارف عند الإطلاق عرفا وشرعا. وبالجملة فإرادة هذه الصورة وحدها من اللفظ ممتنع وإرادتها مع غيرها فرع على عمومه ولا عموم له وإرادة القدر المشترك بين أفراد البيع إنما تنصرف إلى البيع المعهود عرفا وشرعا وعلى التقديرات كلها لا تدخل هذه الصورة. ومما يدل على ذلك أن هذه الصورة لا تدخل في أمر الرجل لعبده وولده ووكيله أن يشتري له كذا فلو قال: quot; بع هذه الحنطة العتيقة واشتر لنا جديدة quot; لم يفهم السامع إلا بيعا مقصودا أو شراء مقصودا فثبت أن الحديث ليس فيه إشعار بالحيلة الربوية ألبتة.(3\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "772",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "774",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يوضحه أن قوله: quot; بع كذا واشتر كذا quot; أو quot; بعت واشتريت quot; لا يفهم منه إلا البيع الذي يقصد به نقل ملك المبيع نقلا مستقرا ولهذا لا يفهم منه بيع الهازل ولا المكره ولا بيع الحيلة ولا بيع العينة ولا يعد الناس من اتخذ خرزة أو عرضا يحلل به الربا ويبيعه ويشتريه صورة خالية عن حقيقة البيع ومقصوده تاجرا وإنما يسمونه مرابيا ومتحيلا فكيف يدخل هذا تحت لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - يزيده إيضاحا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا ونهى عن بيعتين في بيعة ومعلوم أنهما متى تواطئا على أن يبيعه بالثمن ثم يبتاع به منه فهو بيعتان في بيعة فلا يكون ما نهى عنه داخلا تحت ما أذن فيه. يوضحه أيضا أنه قال: لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع وتواطؤهما على أن يبيعه السلعة بثمن ثم يشتري منه غيرها بذلك الثمن منطبق على لفظ الحديث فلا يدخل ما أخبر أنه لا يحل تحت ما أذن فيه. يوضحه أيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: بع الجميع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا وهذا يقتضي بيعا ينشئه ويبتدئه بعد انقضائه البيع الأول ومتى واطأه في أول الأمر على أن أبيعك وأبتاع منك فقد اتفقا على العقدين معا فلا يكون الثاني عقدا مستقلا مبتدأ بل هو من تتمة العقد الأول عندهما وفي اتفاقهما وظاهر الحديث أنه أمر بعقدين مستقلين لا يرتبط أحدهما بالآخر ولا ينبني عليه. ولو نزلنا عن ذلك كله وسلمنا أن الحديث عام عموما لفظيا يدخل تحته صورة الحيلة فهو لا ريب مخصوص بصور كثيرة فنخص منه هذه الصورة المذكورة بالأدلة المتقدمة على بطلان الحيل وأضعافها والعام يخص بدون مثلها بكثير فكم قد خص العموم بالمفهوم وخبر الواحد والقياس وغير ذلك فتخصيصه - لو فرض عمومه - بالنصوص والأقيسة وإجماع الصحابة على تحريم الحيل أولى وأحرى بل واحد من تلك الأدلة التي ذكرناها على المنع من الحيل وتحريمها كاف في التخصيص وإذا كنتم قد خصصتم قوله - صلى الله عليه وسلم -: لعن الله المحلل والمحلل له مع أنه عام عموما لفظيا فخصصتموه بصورة واحدة وهي ما اشترطا في صلب العقد أنه إنما تزوجها ليحلها ومتى أحلها فهي طالق مع أن هذه الصورة نادرة جدا لا يفعلها المحلل والصور الواقعة في التحليل أضعاف هذه(3\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "773",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "775",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فحملتم اللفظ العام عموما لفظيا ومعنويا على أندر صورة تكون لو قدر وقوعها وأخليتموه عن الصور الواقعة المستعملة بين المحللين فقوله - صلى الله عليه وسلم -: بع الجميع بالدراهم أولى بالتقييد بالنصوص الكثيرة والآثار والأقيسة الصحيحة التي هي في معنى الأصل وحمله على البيع المتعارف المعهود عرفا وشرعا وهذا بحمد الله تعالى في غاية الوضوح ولا يخفى على منصف يريد الله ورسوله والدار الآخرة وبالله التوفيق.  فصل [حكمة مشروعية البيع تمنع من صورة الحيلة] : ومما يوضح فساد حمل الحديث على صورة الحيلة وأن كلام الرسول ومنصبه العالي منزه عن ذلك أن المقصود الذي شرع الله تعالى له البيع وأحله لأجله هو أن يحصل ملك الثمن للبائع ويحصل ملك المبيع للمشتري فيكون كل منهما قد حصل له مقصوده بالبيع هذا ينتفع بالثمن وهذا بالسلعة وهذا إنما يكون إذا قصد المشتري نفس السلعة للانتفاع بها أو التجارة فيها وقصد البائع نفس الثمن ولهذا يحتاط كل واحد منهما فيما يصير إليه من العرض هذا في وزن الثمن ونقده ورواجه وهذا في سلامة السلعة من العيب وأنها تساوي الثمن الذي بذله فيها فإذا كان مقصود كل منهما ذلك فقد قصدا بالسبب ما شرعه الله له وأتى بالسبب حقيقة وحكما وسواء حصل مقصوده بعقد أو توقف على عقود مثل أن يكون بيده سلعة وهو يريد أن يبتاع سلعة أخرى لا تباع سلعته [بها] لمانع شرعي أو عرفي أو غيرهما فيبيع سلعته ليملك ثمنها وهذا بيع مقصود وعوضه مقصود ثم يبتاع بالثمن سلعة أخرى وهذه قصة بلال في تمر خيبر سواء فإنه إذا باع الجميع بالدراهم فقد أراد بالبيع ملك الثمن وهذا مقصود مشروع ثم إذا ابتاع بالدراهم جنيبا فقد عقد عقدا مقصودا مشروعا فلما كان بائعا قصد تملك الثمن حقيقة ولما كان مبتاعا قصد تملك السلعة حقيقة فإن ابتاع بالثمن من غير المشتري منه فهذا لا محذور فيه إذ كل من العقدين مقصود مشروع ولهذا يستوفيان حكم العقد الأول من النقد والقبض وغيرهما. وأما إذا ابتاع بالثمن من مبتاعه من جنس ما باعه فهذا يخشى منه أن لا يكون العقد الأول مقصودا لهما بل قصدهما بيع السلعة الأولى بالثانية فيكون ربا بعينه ويظهر هذا القصد بأنهما يتفقان على صاع بصاعين أولا ثم يتوصلان إلى ذلك ببيع الصاع بدرهم ويشتري به صاعين ولا يبالي البائع بنقد ذلك الثمن ولا بقبضه ولا بعيب فيه ولا بعدم رواجه ولا يحتاط لنفسه فيه احتياط من قصده تملك الثمن إذ قد علم هو والآخر أن الثمن بعينه خارج منه عائد إليه فنقده(3\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "774",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "776",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقبضه والاحتياط فيه يكون عبثا وتأمل حال باعة الحلي عنه. كيف يخرج كل حلقة من غير جنسه أو قطعة ما ويبيعك إياها بذلك الثمن ثم يبتاعها منك فكيف لا تسأل عن قيمتها ولا عن وزنها ولا مساواتها للثمن بل قد تساوي أضعافه وقد تساوي بعضه إذ ليست هي القصد وإنما القصد أمر وراءها وجعلت هي محللا لذلك المقصود وإذا عرف هذا فهو إنما عقد معه العقد الأول ليعيد إليه الثمن بعينه ويأخذ العوض الآخر وهذا تواطؤ منهما حين عقداه على فسخه والعقد إذا قصد به فسخه لم يكن مقصودا وإذا لم يكن مقصودا كان وجوده كعدمه وكان توسطه عبثا. ومما يوضح الأمر في ذلك أنه إذا جاءه بتمر أو زبيب أو حنطة ليبتاعه به من جنسه فإنهما يتشارطان ويتراضيان على سعر أحدهما من الآخر وأنه مد بمد ونصف مثلا ثم بعد ذلك يقول: بعتك هذا بكذا وكذا درهما ثم يقول: بعني بهذه الدراهم كذا وكذا صاعا من النوع الآخر وكذلك في الصرف وليس للبائع ولا للمشتري غرض في الدراهم والغرض معروف فأين من يبيعه السلعة بثمن ليشتري به منه من جنسها إلى من يبيعه إياها بثمن له غرض في تملكه وقبضه وتوسط الثمن في الأول عبث محض لا فائدة فيه فكيف يأمر به الشارع الحكيم مع زيادة التعب والكلفة فيه ولو كان هذا سائغا لم يكن في تحريم الربا حكمة سوى تضييع الزمان وإتعاب النفوس بلا فائدة فإنه لا يشاء أحد أن يبتاع ربويا بأكثر منه من جنسه الأول إلا قال: بعتك هذا بكذا وابتعت منك هذا بهذا الثمن فلا يعجز أحد عن استحلال ما حرمه الله قط بأدنى الحيل. يوضحه أن الربا نوعان: ربا الفضل وربا النسيئة فأما ربا الفضل فيمكنه في كل مال ربوي أن يقول: بعتك هذا المال بكذا ويسمي ما شاء ثم يقول: اشتريت منك هذا للذي هو من جنسه - بذلك الذي سماه ولا حقيقة له مقصودة وأما ربا النسيئة فيمكنه أن يقول: بعتك هذه الحريرة بألف درهم أو عشرين صاعا إلى سنة وابتعتها منك بخمسمائة حالة أو خمسة عشر صاعا ويمكنه ربا الفضل فلا يشاء مراب إلا أقرضه ثم حاباه في بيع أو إجارة أو غيرهما ويحصل مقصوده من الزيادة فيا سبحان الله أيعود الربا - الذي قد عظم الله شأنه في القرآن وأوجب محاربة مستحله ولعن آكله وموكله وشاهديه وكاتبه وجاء فيه من الوعيد ما لم يجئ في غيره - إلى أن يستحل نوعاه بأدنى حيلة لا كلفة فيها أصلا إلا بصورة عقد هي عبث ولعب يضحك منها ويستهزأ بها فكيف يستحسن أن ينسب(3\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "775",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "777",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى نبي من الأنبياء فضلا عن سيد الأنبياء بل أن ينسب رب العالمين إلى أن يحرم هذه المحرمات العظيمة ويوعد عليها بأغلظ العقوبات وأنواع الوعيد ثم يبيحها بضرب من الحيل والعبث والخداع الذي ليس له حقيقة مقصودة ألبتة في نفسه للمتعاقدين وترى كثيرا من المرابين - لما علم أن هذا العقد ليس له حقيقة مقصودة ألبتة - قد جعل عنده خرزة ذهب فكل من جاءه يريد أن يبيعه جنسا بجنسه أكثر منه أو أقل ابتاع منه ذلك الجنس بتلك الخرزة ثم ابتاع الخرزة بالجنس الذي يريد أن يعطيه إياه أفيستجيز عاقل أن يقول: إن الذي حرم بيع الفضة بالفضة متفاضلا أحلها بهذه الخرزة وكذلك كثير من الفجار قد أعد سلعة لتحليل ربا النساء فإذا جاءه من يريد ألفا بألف ومائتين أدخل تلك السلعة محللا ولهذا كانت أكثر حيل الربا في بابها أغلظ من حيل التحليل ولهذا حرمها أو بعضها من لم يحرم التحليل لأن القصد في البيع معتبر في فطر الناس ولأن الاحتيال في الربا غالبا إنما يتم بالمواطأة اللفظية أو العرفية ولا يفتقر إلى شهادة ولكن يتعاقدان ثم يشهدان أن له في ذمته دينا ولهذا إنما لعن شاهداه إذا علما به والتحليل لا يمكن إظهاره وقت العقد لكون الشهادة شرطا فيه والشروط المتقدمة تؤثر كالمقارنة كما تقدم تقريره إذ تقديم الشرط ومقارنته لا يخرجه عن كونه عقد تحليل ويدخله في نكاح الرغبة والقصود معتبرة في العقود.  فصل وجماع الأمر أنه إذا باعه ربويا بثمن وهو يريد أن يشتري منه بثمنه من جنسه فإما أن يواطئه على الشراء منه لفظا أو يكون العرف بينهما قد جرى بذلك أو لا يكون فإن كان الأول فهو باطل كما تقدم تقريره فإن هذا لم يقصد ملك الثمن ولا قصد هذا تمليكه وإنما قصد تمليك المثمن بالمثمن وجعلا تسمية الثمن تلبيسا وخداعا ووسيلة إلى الربا فهو في هذا العقد بمنزلة التيس الملعون في عقد التحليل وإن لم تجر بينهما مواطأة لكن قد علم المشتري أن البائع يريد أن يشتري منه ربويا بربوي فكذلك لأن علمه بذلك ضرب من المواطأة وهو يمنع قصد الثمن الذي يخرجان به عن قصد الربا وإن قصد البائع الشراء منه بعد البيع ولم يعلم المشتري فقد قال الإمام أحمد: هاهنا لو باع من رجل دنانير بدراهم لم يجز أن يشتري بالدراهم منه ذهبا إلا أن يمضي ويبتاع بالورق من غيره ذهبا فلا يستقيم فيجوز أن يرجع إلى الذي ابتاع منه الدنانير فيشتري منه ذهبا وكذلك كره مالك أن تصرف دراهمك من رجل بدنانير ثم تبتاع منه بتلك الدنانير دراهم غير دراهمك في الوقت أو بعد يوم أو يومين. قال ابن القاسم: فإن طال الزمان وصح أمرهما فلا بأس به فوجه ما منعه(3\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "776",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "778",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإمام أحمد - رضي الله عنه - أنه متى قصد المشتري منه تلك الدنانير لم يقصد تملك الثمن ولهذا لا يحتاط في النقد والوزن ولهذا يقول: إنه متى بدا له بعد القبض والمفارقة أن يشتري منه - بأن يطلب من غيره فلا يجد - لم يكن في العقد الأول خلل والمتقدمون من أصحابه حملوا هذا المنع منه على التحريم. وقال القاضي وابن عقيل وغيرهما: إذا لم يكن شرط ومواطأة بينهما لم يحرم وقد أومأ إليه الإمام أحمد في رواية حرب فإنه قال قلت لأحمد: أشتري من رجل ذهبا ثم أبتاعه منه قال: بيعه من غيره أحب إلي وذكر ابن عقيل أن أحمد لم يكرهه في رواية أخرى. وكره ابن سيرين للرجل أن يبتاع من الرجل الدراهم بالدنانير ثم يشتري منه بالدراهم دنانير وهذه المسألة في ربا الفضل كمسائل العينة في ربا النساء ولهذا عدها من الربا الفقهاء السبعة وأكثر العلماء وهو قول أهل المدينة كمالك وأصحابه وأهل الحديث كأحمد وأصحابه وهو مأثور عن ابن عمر ففي هذه المسألة قد عاد الثمن إلى المشتري وحصلا على ربا الفضل أو النساء وفي العينة قد عاد المبيع إلى البائع وأفضى إلى ربا الفضل والنساء جميعا ثم إن كان في الموضعين لم يقصد الثمن ولا المبيع وإنما جعل وصلة إلى الربا فهذا الذي لا ريب في تحريمه والعقد الأول هاهنا باطل بلا توقف عند من يبطل الحيل. وقد صرح به القاضي في مسألة العينة في غير موضع وحكى أبو الخطاب في صحته وجهين: قال شيخنا: والأول هو الصواب وإنما تردد من تردد من الأصحاب في العقد الأول في مسألة العينة لأن هذه المسألة إنما ينسب الخلاف فيها في العقد الثاني بناء على أن الأول صحيح وعلى هذا التقدير فليست من مسائل الحيل وإنما هي من مسائل الذرائع ولها مأخذ آخر يقتضي التحريم عند أبي حنيفة وأصحابه فإنهم لا يحرمون الحيل ويحرمون مسألة العينة وهو أن الثمن إذا لم يستوف لم يتم العقد الأول فيصير الثاني مبنيا عليه وهذا تعليل خارج عن قاعدة الحيل والذرائع فصار للمسألة ثلاثة مآخذ فلما لم يتمحص تحريمها على قاعدة الحيل توقف في العقد الأول من توقف. قال شيخنا: والتحقيق أنها إذا كانت من الحيل أعطيت حكم الحيل وإلا اعتبر فيها المأخذان الآخران هذا إذا لم يقصد العقد الأول فإن قصد حقيقته فهو صحيح لكن ما دام الثمن في ذمة المشتري لم يجز أن يشتري منه المبيع بأقل منه من جنسه ولا يجوز أن يبتاع منه الثمن ربويا لا يباع بالأول نساء لأن أحكام العقد الأول لا تتم إلا بالتقابض فإذا لم يحصل كان ذريعة إلى الربا وإن تقابضا وكان العقد مقصودا فله أن يشتري منه كما يشتري من غيره وإذا كان الطريق إلى الحلال هي العقود المقصودة المشروعة التي لا خداع فيها ولا تحريم(3\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "777",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "779",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يصح أن تلحق بها صورة عقد لم تقصد حقيقته وإنما قصد التوصل به إلى استحلال ما حرمه الله والله الموفق. وإنما أطلنا الكلام على هذه الحجة لأنها عمدة أرباب الحيل من السنة كما [أن] عمدتهم من الكتاب: وخذ بيدك ضغثا [ص: 44] .  فصل [دلالة حديث أبو هريرة على تحريم الحيل] : فهذا تمام الكلام على المقام الأول وهو عدم دلالة الحديث على الحيل الربوية بوجه من الوجوه. وأما المقام الثاني - وهو دلالته على تحريمها وفسادها - فلأنه - صلى الله عليه وسلم - نهاه أن يشتري الصاع بالصاعين ومن المعلوم أن الصفة التي في الحيل مقصودة يرتفع سعره لأجلها والعاقل لا يخرج صاعين ويأخذ صاعا إلا لتميز ما يأخذه بصفة أو لغرض له في المأخوذ ليس في المبذول والشارع حكيم لا يمنع المكلف مما هو مصلحة له ويحتاج إليه إلا لتضمنه أو لاستلزامه مفسدة أرجح من تلك المصلحة وقد خفيت هذه المفسدة على كثير من الناس حتى قال بعض المتأخرين: لا يتبين لي ما وجه تحريم ربا الفضل والحكمة فيه وقد تقدم أن هذا من أعظم حكمة الشريعة ومراعاة مصالح الخلق وأن الربا نوعان: quot; ربا نسيئة وتحريمه تحريم المقاصد وربا فضل وتحريمه تحريم الذرائع والوسائل فإن النفوس متى ذاقت الربح فيه عاجلا تسورت منه إلى الربح الآجل فسدت عليها بالذريعة وحمي جانب الحمى وأي حكمة وحكم أحسن من ذلك وإذا كان كذلك فالنبي - صلى الله عليه وسلم - منع بلالا من أخذ مد بمدين لئلا يقع في الربا ومعلوم أنه لو جوز له ذلك بحيلة لم يكن في منعه من بيع مدين بمد فائدة أصلا بل كان بيعه كذلك أسهل وأقل مفسدة من توسط الحيلة الباردة التي لا تغني من المفسدة شيئا وقد نبه على هذا بقوله في الحديث: لا تفعل أوه عين الربا فنهاه عن الفعل والنهي يقتضي المنع بحيلة أو غير حيلة لأن المنهي عنه لا بد أن يشتمل على مفسدة لأجلها ينهى عنه وتلك المفسدة لا تزول بالتحيل عليها بل تزيد وأشار إلى المنع بقوله: أوه عين الربا فدل على أن المنع إنما كان لوجود حقيقة الربا وعينه وأنه لا تأثير للصورة المجردة مع قيام الحقيقة فلا يهمل قوله: عين الربا فتحت هذه اللفظة ما يشير إلى أن الاعتبار بالحقائق وأنها هي التي عليها المعول وهي محل التحليل والتحريم والله تعالى لا ينظر إلى صورها وعباراتها التي يكسوها إياها العبد وإنما ينظر إلى حقائقها وذواتها والله الموفق.(3\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "778",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "780",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل [الجواب عن قولهم إن الحيل معاريض فعلية] : وأما تمسكهم بجواز المعاريض وقولهم: quot; إن الحيل معاريض فعلية على وزان المعاريض القولية quot; فالجواب من وجوه: أحدها: أن يقال ومن سلم لكم أن المعاريض إذا تضمنت استباحة الحرام وإسقاط الواجبات وإبطال الحقوق كانت جائزة بل هي من الحيل القولية وإنما تجوز المعاريض إذا كان فيه تخلص من ظالم كما عرض الخليل بقوله: quot; هذه أختي quot; فإذا تضمنت نصر حق أو إبطال باطل كما عرض الخليل بقوله: إني سقيم [الصافات: 89]  وقوله: بل فعله كبيرهم هذا [الأنبياء: 63] وكما عرض الملكان لداود بما ضرباه له من المثال الذي نسباه إلى أنفسهما وكما عرض النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: نحن من ماء وكما كان يوري عن الغزوة بغيرها لمصلحة الإسلام والمسلمين إذا لم تتضمن مفسدة في دين ولا دنيا كما عرض - صلى الله عليه وسلم - بقوله: إنا حاملوك على ولد الناقة وبقوله: إن الجنة لا تدخلها العجز وبقوله: من يشتري مني هذا العبد يريد عبد الله وبقوله لتلك المرأة: زوجك الذي في عينيه بياض وإنما أراد به البياض الذي خلقه الله في عيون بني آدم وهذه المعاريض ونحوها من أصدق الكلام فأين في جواز هذه ما يدل على جواز الحيل المذكورة . وقال شيخنا - رضي الله عنه -: والذي قيست عليه الحيل الربوية وليست مثله نوعان أحدهما: المعاريض وهي: أن يتكلم الرجل بكلام جائز يقصد به معنى صحيحا ويوهم غيره أنه يقصد به معنى آخر فيكون سبب ذلك الوهم كون اللفظ مشتركا بين حقيقتين لغويتين أو عرفيتين أو شرعيتين أو لغوية مع إحداهما أو عرفية مع إحداهما أو شرعية مع إحداهما فيعني أحد معنييه ويوهم السامع له أنه إنما عنى الآخر: إما لكونه لم يعرف إلا ذلك وإما لكون دلالة الحال تقتضيه وإما لقرينة حالية أو مقالية يضمها إلى اللفظ أو يكون سبب التوهم كون اللفظ ظاهرا في معنى فيعني به معنى يحتمله باطنا: بأن ينوي مجاز اللفظ دون حقيقته أو ينوي بالعام الخاص أو بالمطلق المقيد أو يكون سبب التوهم كون المخاطب إنما يفهم من اللفظ غير حقيقته لعرف خاص به أو غفلة منه أو جهل أو غير ذلك من الأسباب مع كون المتكلم إنما قصد حقيقته فهذا كله إذا كان المقصود به رفع ضرر غير مستحق فهو جائز كقول الخليل: quot; هذه أختي quot; وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: نحن من ماء وقول الصديق - رضي الله عنه -: quot; هاد يهديني السبيل quot; ومنه قول عبد الله بن رواحة:(3\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "779",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "781",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شهدت بأن وعد الله حق الأبيات أوهم امرأته0 القرآن وقد يكون واجبا إذا تضمن دفع ضرر يجب دفعه ولا يندفع إلا بذلك. وهذا الضرب وإن كان نوع حيلة في الخطاب لكنه يفارق الحيل المحرمة من الوجه المحتال عليه والوجه المحتال به أما الأول فلكونه دفع ضرر غير مستحق فلو تضمن كتمان ما يجب إظهاره من شهادة أو إقرار أو علم أو نصيحة مسلم أو التعريف بصفة معقود عليه في بيع أو نكاح أو إجارة فإنه غش محرم بالنص. قال مثنى الأنباري: قلت لأحمد بن حنبل: كيف الحديث الذي جاء في المعاريض فقال: المعاريض لا تكون في الشراء والبيع تكون في الرجل يصلح بين الناس أو نحو هذا. قال شيخنا: والضابط أن كل ما وجب بيانه فالتعريض فيه حرام لأنه كتمان وتدليس ويدخل في هذا الإقرار بالحق والتعريض في الحلف عليه والشهادة على العقود ووصف المعقود عليه والفتيا والحديث والقضاء وكل ما حرم بيانه فالتعريض فيه جائز بل واجب إذا أمكن ووجب الخطاب كالتعريض لسائل عن مال معصوم أو نفسه يريد أن يعتدي عليه وإن كان بيانه جائزا أو كتمانه جائزا فإما أن تكون المصلحة في كتمانه أو في إظهاره أو كلاهما متضمن للمصلحة فإن كان الأول فالتعريض مستحب كتورية الغازي عن الوجه الذي يريده وتورية الممتنع عن الخروج والاجتماع بمن يصده عن طاعة أو مصلحة راجحة كتورية أحمد عن المروزي وتورية الحالف لظالم له أو لمن استحلفه يمينا لا تجب عليه ونحو ذلك وإن كان الثاني فالتورية فيه مكروهة والإظهار مستحب وهذا في كل موضع يكون البيان فيه مستحبا وإن تساوى الأمران وكان كل منهما طريقا إلى المقصود لكون ذلك المخاطب التعريض والتصريح بالنسبة إليه سواء جاز الأمران كما لو كان يعرف بعدة ألسن وخطابه بكل لسان منها يحصل مقصوده ومثل هذا ما لو كان له غرض مباح في التعريض ولا حذر عليه في التصريح والمخاطب لا يفهم مقصوده وفي هذا ثلاثة أقوال للفقهاء وهي في مذهب الإمام أحمد أحدها: له التعريض إذ لا يتضمن كتمان حق ولا إضرارا بغير مستحق. والثاني: ليس له ذلك فإنه إيهام للمخاطب من غير حاجة إليه وذلك تغرير وربما أوقع السامع في الخبر الكاذب وقد يترتب عليه ضرر به. والثالث له التعريض في غير اليمين.(3\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "780",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "782",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الفضيل بن زياد: سألت أحمد عن الرجل يعارض في كلامه يسألني عن الشيء أكره أن أخبره به قال: إذا لم يكن يمينا فلا بأس في المعاريض مندوحة عن الكذب وهذا عند الحاجة إلى الجواب فأما الابتداء فالمنع فيه ظاهر كما دل عليه حديث أم كلثوم أنه لم يرخص فيما يقول الناس إنه كذب إلا في ثلاث وكلها مما يحتاج إليه المتكلم وبكل حال فغاية هذا القسم تجهيل السامع بأن يوقعه المتكلم في اعتقاد ما لم يرده بكلامه وهذا التجهيل قد تكون مصلحته أرجح من مفسدته وقد تكون مفسدته أرجح من مصلحته وقد يتعارض الأمران ولا ريب أن من كان علمه بالشيء يحمله على ما يكرهه الله ورسوله كان تجهيله به وكتمانه عنه أصلح له وللمتكلم وكذلك ما كان في علمه مضرة على القائل أن تفوت عليه مصلحة هي أرجح من مصلحة البيان فله أن يكتمه عن السامع فإن أبى إلا استنطاقه فله أن يعرض له. فالمقصود بالمعاريض فعل واجب أو مستحب أو مباح أباح الشارع السعي في حصوله ونصب له سببا يفضي إليه فلا يقاس بهذه الحيل التي تتضمن سقوط ما أوجبه الشارع وتحليل ما حرمه فأين أحد البابين من الآخر وهل هذا إلا من أفسد القياس وهو كقياس الربا على البيع والميتة على المذكى. فصل فهذا الفرق من جهة المحتال عليه وأما الفرق من جهة المحتال به فإن المعرض إنما تكلم بحق ونطق بصدق فيما بينه وبين الله لا سيما إن لم ينو باللفظ خلاف ظاهره في نفسه وإنما كان عدم الظهور من ضعف فهم السامع وقصوره في فهم دلالة اللفظ ومعاريض النبي - صلى الله عليه وسلم - ومزاحه كانت من هذا النوع كقوله: نحن من ماء وقوله: إنا حاملوك على ولد الناقة ولا يدخل الجنة العجز وزوجك الذي في عينيه بياض وأكثر معاريض السلف كانت من هذا ومن هذا الباب التدليس في الإسناد لكن هذا مكروه لتعلقه بالدين وكون البيان في العلم واجبا بخلاف ما قصد به دفع ظالم أو دفع ضرر عن المتكلم. [المعاريض على نوعين] والمعاريض نوعان أحدهما: أن يستعمل اللفظ في حقيقته وما وضع له فلا يخرج به عن ظاهره ويقصد فردا من أفراد حقيقته فيتوهم السامع أنه قصد غيره: إما لقصور فهمه وإما لظهور ذلك الفرد عنده أكثر من غيره وإما لشاهد الحال عنده وإما لكيفية(3\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "781",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "783",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المخبر وقت التكلم من ضحك أو غضب أو إشارة ونحو ذلك وإذا تأملت المعاريض النبوية والسلفية وجدت عامتها من هذا النوع والثاني: أن يستعمل العام في الخاص والمطلق في المقيد وهو الذي يسميه المتأخرون الحقيقة والمجاز وليس يفهم أكثر من المطلق والمقيد فإن لفظ الأسد والبحر والشمس عند الإطلاق له معنى وعند التقييد له معنى يسمونه المجاز ولم يفرقوا بين مقيد ومقيد ولا بين قيد وقيد فإن قالوا: quot; كل مقيد مجاز quot; لزمهم أن يكون كل كلام مركب مجازا فإن التركيب يقيده بقيود زائدة على اللفظ المطلق وإن قالوا: quot; بعض القيود يجعله مجازا دون بعض quot; سئلوا عن الضابط ما هو ولن يجدوا إليه سبيلا وإن قالوا: quot; يعتبر اللفظ المفرد من حيث هو مفرد قبل التركيب وهناك يحكم عليه بالحقيقة والمجاز quot;. قيل لهم: هذا أبعد وأشد فسادا فإن اللفظ قبل العقد والتركيب بمنزلة الأصوات التي ينعق بها ولا تفيد شيئا وإنما إفادتها بعد تركيبها وأنتم قلتم: الحقيقة هي اللفظ المستعمل وأكثركم يقول: استعمال اللفظ فيما وضع له أولا والمجاز بالعكس فلا بد في الحقيقة والمجاز من استعمال اللفظ فيما وضع له وهو إنما يستعمل بعد تركيبه وحينئذ فتركيبه بعده بقيود يفهم منها مراد المتكلم فما الذي جعله مع بعض تلك القيود حقيقة ومع بعضها مجازا وليس الغرض إبطال هذا التقسيم الحادث المبتدع المتناقض فإنه باطل من أكثر من أربعين وجها وإنما الغرض التنبيه على نوعي التعريض وأنه تارة يكون مع استعمال اللفظ في ظاهره وتارة يكون بإخراجه عن ظاهره ولا يذكر المعرض قرينة تبين مراده ومن هذا النوع عامة التعريض في الأيمان والطلاق كقوله: quot; كل امرأة له فهي طالق quot; وينوي في بلد كذا وكذا أو ينوي فلانة أو قوله: quot; أنت طالق quot; وينوي من زوج كان قبله ونحو ذلك فهذا القسم شيء والذي قبله شيء فأين هذا من قصد المحتال بلفظ العقد أو صورته ما. لم يجعله الشارع مقتضيا له بوجه بل جعله مقتضيا لضده ولا يلزم من صلاحية اللفظ له إخبارا صلاحيته له إنشاء فإنه لو قال: quot; تزوجت quot; في المعاريض وعنى نكاحا فاسدا كان صادقا كما لو بينه ولو قال: quot; تزوجت quot; إنشاء وكان فاسدا لم ينعقد وكذلك في جميع الحيل فإن الشارع لم يشرع القرض إلا لمن قصد أن يسترجع مثل قرضه ولم يشرعه لمن قصد أن يأخذ أكثر منه لا بحيلة ولا بغيرها وكذلك إنما شرع البيع لمن له غرض في تمليك الثمن وتمليك السلعة ولم يشرعه قط لمن قصد به ربا الفضل أو النساء ولا غرض له في الثمن ولا في المثمن ولا في(3\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "782",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "784",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السلعة وإنما غرضهما الربا وكذلك النكاح لم يشرعه إلا لراغب في المرأة لم يشرعه للمحلل وكذلك الخلع لم يشرعه إلا للمفتدية نفسها من الزوج تتخلص منه من سوء العشرة ولم يشرعه للتحيل على الحنث قط. وكذلك التمليك لم يشرعه الله سبحانه وتعالى إلا لمن قصد نفع الغير والإحسان إليه بتمليكه سواء كان محتاجا أو غير محتاج ولم يشرعه لإسقاط فرض من زكاة أو حج أو غيرهما قط وكذلك المعاريض لم يشرعها إلا لمحتاج إليها أو لمن لا يسقط بها حقا ولا يضر بها أحدا ولم يشرعها إذا تضمنت إسقاط حق أو إضرارا لغير مستحق.  [متى تباح المعاريض]  فثبت أن التعريض المباح ليس من المخادعة لله في شيء وغايته أنه مخادعة لمخلوق أباح الشارع مخادعته لظلمه ولا يلزم من جواز مخادعة الظالم المبطل جواز مخادعة المحق فما كان من التعريض مخالفا لظاهر اللفظ كان قبيحا إلا عند الحاجة وما لم يكن منها مخالفا لظاهر اللفظ كان جائزا إلا عند تضمن مفسدة. والمعاريض كما تكون بالقول تكون بالفعل وتكون بالقول والفعل معا مثال ذلك أن يظهر المحارب أنه يريد وجها من الوجوه ويسافر إليه ليحسب العدو أنه لا يريده ثم يكر عليه وهو آمن من قصده أو يستطرد المبارز بين يدي خصمه ليظن هزيمته ثم يعطف عليه وهذا من خداعات الحرب.  فصل [النوع الثاني من المعاريض] : فهذا أحد النوعين الذي قيست عليه الحيل المحرمة والنوع الثاني: الكيد الذي شرعه الله للمظلوم أن يكيد به ظالمه ويخدعه به إما للتوصل إلى أخذ حقه منه أو عقوبة له أو لكف شره وعدوانه عنه كما روى الإمام أحمد في مسنده: أن رجلا شكا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جاره أنه يؤذيه فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يطرح متاعه في الطريق ففعل فجعل كل من مر عليه يسأل عن شأن المتاع فيخبر بأن جار صاحبه يؤذيه فيسبه ويلعنه فجاء إليه وقال: رد متاعك إلى مكانه فوالله لا أؤذيك بعد ذلك أبدا . فهذا من أحسن المعاريض الفعلية وألطف الحيل التي يتوصل بها إلى دفع ظلم الظالم. ونحن لا ننكر هذا الجنس وإنما الكلام في الحيل على استحلال محارم الله(3\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "783",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "785",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإسقاط فرائضه وإبطال حقوق عباده فهذا النوع هو الذي يفوت أفراد الأدلة على تحريمه الحصر.  فصل [الجواب على أن العقود حيل] : وأما قولكم: quot; جعل العقود حيلا على التوصل إلى ما لا يباح إلا بها - إلى آخره quot; فهذا موضع الكلام في الحيل وانقسامها إلى أحكامها الخمسة فنقول: ليس كل ما يسمى حيلة حراما قال الله تعالى: إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا [النساء: 98] أراد بالحيلة التحيل على التخلص من بين الكفار وهذه حيلة محمودة يثاب عليها وكذلك الحيلة على هزيمة الكفار كما فعل نعيم بن مسعود يوم الخندق أو على تخليص ماله منهم كما فعل الحجاج بن علاط بامرأته وكذلك الحيلة على قتل رأس من رءوس أعداء الله كما فعل الذين قتلوا ابن أبي الحقيق اليهودي. وكعب بن الأشرف وأبا رافع وغيرهم فكل هذه حيل محمودة محبوبة لله ومرضية له.  [فصل اشتقاق الحيلة وبيان معناها] [اشتقاق الحيلة وبيان معناها] والحيلة: مشتقة من التحول وهي النوع والحالة كالجلسة والقعدة والركبة فإنها بالكسر للحالة وبالفتح للمرة كما قيل: الفعلة للمرة والفعلة للحالة والمفعل للموضع والمفعل للآلة وهي من ذوات الواو فإنها من التحول من حال يحول وإنما انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها وهو قلب مقيس مطرد في كلامهم نحو ميزان وميقات وميعاد فإنها مفعال من الوزن والوقت والوعد فالحيلة هي نوع مخصوص من التصرف والعمل الذي يتحول به فاعله من حال إلى حال ثم غلب عليها بالعرف استعمالها في سلوك الطرق الخفية التي يتوصل بها الرجل إلى حصول غرضه بحيث لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة فهذا أخص من موضوعها في أصل اللغة وسواء كان المقصود أمرا جائزا أو محرما وأخص من هذا استعمالها في التوصل إلى الغرض الممنوع منه شرعا أو عقلا أو عادة فهذا هو الغالب عليها في عرف الناس فإنهم يقولون: فلان من أرباب الحيل ولا تعاملوه فإنه متحيل وفلان يعلم الناس الحيل وهذا من استعمال المطلق في بعض أنواعه كالدابة والحيوان وغيرهما.(3\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "784",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "786",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل انقسام الحيلة إلى الأحكام الخمسة وأمثلتها] انقسام الحيلة إلى الأحكام الخمسة وأمثلتها] وإذا قسمت باعتبارها لغة انقسمت إلى الأحكام الخمسة فإن مباشرة الأسباب الواجبة حيلة على حصول مسبباتها فالأكل والشرب واللبس والسفر الواجب حيلة على المقصود منه والعقود الشرعية واجبها ومستحبها ومباحها كلها حيلة على حصول المعقود عليه والأسباب المحرمة كلها حيلة على حصول مقاصدها منها وليس كلامنا في الحيلة بهذا الاعتبار العام الذي هو مورد التقسيم إلى مباح ومحظور فالحيلة جنس تحته التوصل إلى فعل الواجب وترك المحرم وتخليص الحق ونصر المظلوم وقهر الظالم وعقوبة المعتدي وتحته التوصل إلى استحلال المحرم وإبطال الحقوق وإسقاط الواجبات ولما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل غلب استعمال الحيل في عرف الفقهاء على النوع المذموم وكما يذم الناس أرباب الحيل فهم يذمون أيضا العاجز الذي لا حيلة عنده لعجزه وجهله بطرق تحصيل مصالحه فالأول ماكر مخادع والثاني عاجز مفرط والممدوح غيرهما وهو من له خبرة بطرق الخير والشر خفيها وظاهرها فيحسن التوصل إلى مقاصده المحمودة التي يحبها الله ورسوله بأنواع الحيل ويعرف طرق الشر الظاهرة والخفية التي يتوصل بها إلى خداعه والمكر به فيحترز منها ولا يفعلها ولا يدل عليها وهذه كانت حال سادات الصحابة - رضي الله عنهم - فإنهم كانوا أبر الناس قلوبا وأعلم الخلق بطرق الشر ووجوه الخداع وأتقى لله من أن يرتكبوا منها شيئا أو يدخلوه في الدين كما قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: لست بخب ولا يخدعني الخب وكان حذيفة أعلم الناس بالشر والفتن وكان الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخير وكان هو يسأله عن الشر والقلب السليم ليس هو الجاهل بالشر الذي لا يعرفه بل الذي يعرفه ولا يريده بل يريد الخير والبر والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد سمى الحرب خدعة ولا ريب في انقسام الخداع إلى ما يحبه الله ورسوله وإلى ما يبغضه وينهى عنه وكذلك المكر ينقسم إلى قسمين: محمود ومذموم فالحيلة والمكر والخديعة تنقسم إلى محمود ومذموم. فالحيل المحرمة منها ما هو كفر ومنها ما هو كبيرة ومنها ما هو صغيرة وغير المحرمة منها ما هو مكروه ومنها ما هو جائز ومنها ما هو مستحب ومنها ما هو واجب فالحيلة بالردة على فسخ النكاح كفر ثم إنها لا تتأتى إلا على قول من يقول بتعجيل الفسخ بالردة فأما من وقفه على انقضاء العدة فإنها لا يتم لها غرضها حتى تنقضي عدتها فإنها متى علم بردتها قتلت إلا على قول من يقول: لا تقتل المرتدة بل يحبسها حتى تسلم أو تموت وكذلك التحيل بالردة على حرمان الوارث كفر والإفتاء بها كفر(3\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "785",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "787",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا تتم إلا على قول من يرى أن مال المرتد لبيت المال فأما على القول الراجح أنه لورثته من المسلمين فلا تتم الحيلة وهذا القول هو الصواب. فإن ارتداده أعظم من مرض الموت المخوف وهو في هذه الحال قد تعلق حق الورثة بماله فليس له أن يسقط هذا التعلق بتبرع فهكذا المرتد بردته تعلق حق الورثة بماله إذ صار مستحقا للقتل.  [فصل الحيل التي تعد من الكبائر] ] : وأما الحيل التي هي من الكبائر فمثل قتل امرأته إذا قتل حماته وله من امرأته ولد والصواب أن هذه الحيلة لا تسقط عنه القود وقولهم: quot; إنه ورث ابنه بعض دم أبيه فسقط عنه القود quot; ممنوع فإن القود وجب عليه أولا بقتل أم المرأة وكان لها أن تستوفيه ولها أن تسقطه فلما قتلها قام وليها في هذه الحال مقامها بالنسبة إليها وبالنسبة إلى أمها ولو كان ابن القاتل فإنه لم يدل كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا ميزان عادل على أن الولد لا يستوفي القصاص من والده لغيره. وغاية ما يدل عليه الحديث أنه لا يقاد الوالد بولده على ما فيه من الضعف وفي حكمه من النزاع ولم يدل على أنه لا يقاد بالأجنبي إذا كان الولد هو مستحق القود والفرق بينهما ظاهر فإنه في مسألة المنع قد أقيد بابنه وفي هذه الصورة إنما أقيد بالأجنبي وكيف تأتي شريعة أو سياسة عادلة بوجوب القود على من قتل نفسا بغير حق فإن عاد فقتل نفسا أخرى بغير حق وتضاعف إثمه وجرمه سقط عنه القود بل لو قيل بتحتم قتله ولا بد إذا قصد هذا كان أقرب إلى العقول والقياس. فصل ومن الحيل المحرمة التي يكفر من أفتى بها تمكين المرأة ابن زوجها من نفسها لينفسخ نكاحها حيث صارت موطوءة ابنه وكذا بالعكس أو وطأه حماته لينفسخ نكاح امرأته مع أن هذه الحيلة لا تتمشى إلا على قول من يرى أن حرمة المصاهرة تثبت بالزنا كما تثبت بالنكاح كما يقوله أبو حنيفة وأحمد في المشهور من مذهبه. والقول الراجح أن ذلك لا يحرم كما هو قول الشافعي وإحدى الروايتين عن مالك فإن التحريم بذلك موقوف على الدليل ولا دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح وقياس السفاح على النكاح في ذلك لا يصح لما بينهما من الفروق والله تعالى جعل الصهر قسيم النسب وجعل ذلك من نعمه التي امتن بها على عباده فكلاهما من نعمه وإحسانه فلا يكون الصهر من آثار الحرام وموجباته كما لا يكون النسب من آثاره بل إذا كان النسب الذي هو(3\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "786",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "788",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصل لا يحصل بوطء الحرام فالصهر الذي هو فرع عليه ومشبه به أولى ألا يحصل بوطء الحرام وأيضا فإنه لو ثبت تحريم المصاهرة لا تثبت المحرمية التي هي من أحكامه فإذا لم تثبت المحرمية لم تثبت الحرمة وأيضا فإن الله تعالى إنما قال: وحلائل أبنائكم [النساء: 23] ومن زنى بها الابن لا تسمى حليلة لغة ولا شرعا ولا عرفا وكذلك قوله: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف [النساء: 22] إنما المراد به النكاح الذي هو ضد السفاح ولم يأت في القرآن النكاح المراد به الزنا قط ولا الوطء المجرد عن عقد. وقد تناظر الشافعي هو وبعض العراقيين في هذه المسألة ونحن نذكر مناظرته بلفظها.  [مناظرة بين الشافعي ومن قال إن الزنا موجب حرمة المصاهرة] : قال الشافعي: الزنا لا يحرم الحلال وقال به ابن عباس. قال الشافعي: لأن الحرام ضد الحلال ولا يقاس شيء على ضده فقال لي قائل: ما تقول لو قبلت امرأة الرجل ابنه بشهوة حرمت على زوجها أبدا فقلت: لم قلت ذا والله تعالى إنما حرم أمهات نسائكم ونحو هذا بالنكاح فلم يجز أن يقاس الحرام بالحلال فقال: أجد جماعا وجماعا قلت: جماعا حمدت به وأحصنت وجماعا رجمت به أحدهما نقمة والآخر نعمة وجعله الله نسبا وصهرا وأوجب به حقوقا وجعلك محرما لأم امرأتك وابنتها تسافر بهما وجعل على الزنا نقمة في الدنيا بالحد وفي الآخرة بالنار إلا أن يعفو الله فتقيس الحرام الذي هو نقمة على الحلال الذي هو نعمة وقلت له: فلو قال لك وجدت المطلقة ثلاثا تحل بجماع زوج وإصابة فأحلها بالزنا لأنه جماع كجماع قال: إذا أخطئ لأن الله تعالى أحلها بنكاح زوج قلت: وكذلك ما حرم الله في كتابه بنكاح زوج وإصابة زوج قال: أفيكون شيء يحرمه الحلال ولا يحرمه الحرام أقول به قلت: نعم ينكح أربعا فيحرم عليه أن ينكح من النساء خامسة أفيحرم عليه إذا زنى بأربع شيء من النساء قال: لا يمنعه الحرام مما يمنعه الحلال قال: فقد ترتد فتحرم على زوجها قلت: نعم وعلى جميع الخلق وأقتلها وأجعل مالها فيئا قال: فقد نجد الحرام يحرم الحلال قلت: أما في مثل ما اختلفنا فيه من أمر النساء فلا انتهى. ومما يدل على صحة هذا القول أن أحكام النكاح التي رتبها الله تعالى عليه من العدة والإحداد والميراث والحل والحرمة ولحوق النسب ووجوب النفقة والمهر وصحة الخلع والطلاق والظهار والإيلاء والقصر على أربع ووجوب القسم والعدل بين الزوجات وملك الرجعة وثبوت الإحصان والإحلال للزوج الأول وغير ذلك من الأحكام لا يتعلق شيء منها(3\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "787",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "789",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالزنا وإن اختلف في العدة والمهر. والصواب أنه لا مهر لبغي كما دلت عليه سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكما فطر الله عقول الناس على استقباحه فكيف يثبت تحريم المصاهرة من بين هذه الأحكام والمقصود أن هذه الحيلة باطلة شرعا كما هي محرمة في الدين.  [إبطال الحيلة على إسقاط حد السرقة] [إبطال حيلة لإسقاط حد السرقة] : وكذلك الحيلة على إسقاط حد السرقة بقول السارق: هذا ملكي وهذه داري وصاحبها عبدي من الحيل التي هي إلى المضحكة والسخرية والاستهزاء بها أقرب منها إلى الشرع ونحن نقول: معاذ الله أن يجعل في فطر الناس وعقولهم قبول مثل هذا الهذيان البارد المناقض للعقول والمصالح فضلا عن أن يشرع لهم قبوله وكيف يظن بالله وشرعه ظن السوء أنه شرع رد الحق بالباطل الذي يقطع كل أحد ببطلانه وبالبهتان الذي يجزم كل حاضر ببهتانه. ومتى كان البهتان والوقاحة والمجاهرة بالزور والكذب مقبولا في دين من الأديان أو شريعة من الشرائع أو سياسة أحد من الناس ومن له مسكة من عقل وإن بلي بالسرقة فإنه لا يرضى لنفسه بدعوى هذا البهت والزور ويا لله ويا للعقول أيعجز سارق قط عن التكلم بهذا البهتان ويتخلص من قطع اليد فما معنى شرع قطع يد السارق ثم إسقاطه بهذا الزور والبهتان .  [إبطال حيلة لإسقاط اليمين عن الغاصب] وكذلك إذا غصب شيئا فادعاه للمغصوب منه فأنكر فطلب تحليفه قالوا: فالحيلة في إسقاط اليمين عنه أن يقر به لولده الصغير فيسقط عنه اليمين ويفوز المغصوب وهذه حيلة باطلة في الشرع كما هي محرمة في الدين بل المقر له إن كان كبيرا صار هو الخصم في ذلك وتوجهت عليه اليمين وإن كان صغيرا توجهت اليمين على المدعى عليه فإن نكل قضي به للمدعي وغرم قيمته لمن أقر له به لأنه بنكوله قد فوته عليه. وكذلك إذا جرح رجلا فخشي أن يموت من الجرح فدفع عليه دواء مسموما فقتله. [إبطال حيلة لإسقاط القصاص] قال أرباب الحيل: يسقط عنه القصاص وهذا خطأ عظيم بل يجب عليه القصاص بقتله بالسم كما يجب عليه بقتله بالسيف ولو أسقط الشارع القتل عمن قتل بالسم لما عجز قاتل عن قتل من يريد قتله به آمنا إذ قد علم أنه لا يجب عليه القود وفي هذا من فساد العالم ما لا تأتي به شريعة.(3\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "788",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "790",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[إبطال حيلة لإخراج الزوجة من الميراث] وكذلك إذا أراد إخراج زوجته من الميراث في مرضه وخاف أن الحاكم يورث المبتوتة قالوا: فالحيلة أن يقر أنه كان طلقها ثلاثا وهذه حيلة محرمة باطلة لا يحل تعليمها ويفسق من علمها المريض ويستحق عقوبة الله ومع ذلك فلا تنفذ فإنه كما هو متهم بطلاقها فهو متهم بالإقرار بتقدم الطلاق على المرض وإذا كان الطلاق لا يمنع الميراث للتهمة فالإقرار لا يمنعه للتهمة ولا فرق بينهما فالحيلة باطلة محرمة.  [إبطال حيلة لإسقاط الزكاة] وكذلك إذا كان في يده نصاب فباعه أو وهبه قبل الحول ثم استرده قال أرباب الحيل تسقط عنه الزكاة بل لو ادعى ذلك لم يأخذ العامل زكاته وهذه حيلة محرمة باطلة ولا يسقط ذلك عنه فرض الله الذي فرضه وأوعد بالعقوبة الشديدة من ضيعه وأهمله فلو جاز إبطاله بالحيلة التي هي مكر وخداع لم يكن في إيجابه والوعيد على تركه فائدة. وقد استقرت سنة الله في خلقه شرعا وقدرا على معاقبة العبد بنقيض قصده كما حرم القاتل الميراث وورث المطلقة في مرض الموت وكذلك الفار من الزكاة لا يسقطها عنه فراره ولا يعان على قصده الباطل فيتم مقصوده ويسقط مقصود الرب تعالى وكذلك عامة الحيل إنما يساعد فيها المتحيل على بلوغ غرضه ويبطل غرض الشارع.  [إبطال حيلة لإسقاط كفارة المجامع في نهار رمضان] [إبطال حيلة لإسقاط الكفارة] وكذلك المجامع في نهار رمضان إذا تغدى أو شرب الخمر أولا ثم جامع قالوا: لا تجب عليه الكفارة وهذا ليس بصحيح فإن إضمامه إلى إثم الجماع إثم الأكل والشرب لا يناسب التخفيف عنه بل يناسب تغليظ الكفارة عليه ولو كان هذا يسقط الكفارة لم تجب كفارة على واطئ اهتدى لجرعة ماء أو ابتلاع لبابة أو أكل زبيبة فسبحان الله هل أوجب الشارع الكفارة لكون الوطء لم يتقدمه مفطر قبله أو للجناية على زمن الصوم الذي لم يجعله الله محلا للوطء أفترى بالأكل والشرب قبله صار الزمان محلا للوطء فانقلبت كراهة الشارع له محبة ومنعه إذنا هذا من المحال وأفسد من هذا قولهم: إن الحيلة في إسقاط الكفارة أن ينوي قبل الجماع قطع الصوم فإذا أتى بهذه النية فليجامع آمنا من وجوب الكفارة ولازم هذا القول الباطل أنه لا تجب كفارة على مجامع أبدا وإبطال هذه الشريعة رأسا فإن المجامع لا بد أن يعزم على الجماع قبل فعله وإذا عزم(3\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "789",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "791",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على الجماع فقد تضمنت نيته قطع الصوم فأفطر قبل الفعل بالنية الجازمة للإفطار فصادفه الجماع وهو مفطر بنية الإفطار السابقة على الفعل فلم يفطر به فلا تجب الكفارة فتأمل كيف تتضمن الحيل المحرمة مناقضة الدين وإبطال الشرائع  [إبطال حيلة لإسقاط وجوب قضاء الحج] وكذلك قالوا: لو أن محرما خاف الفوت وخشي القضاء من قابل فالحيلة في إسقاط القضاء أن يكفر بالله ورسوله في حال إحرامه فيبطل إحرامه فإذا عاد إلى الإسلام لم يلزمه القضاء من قابل بناء على أن المرتد كالكافر الأصلي فقد أسلم إسلاما مستأنفا لا يجب عليه فيه قضاء ما مضى ومن له مسكة من علم ودين يعلم أن هذه الحيلة مناقضة لدين الإسلام أشد مناقضة فهو في شق والإسلام في شق.  [إبطال حيلة لإسقاط حق صاحب الحق] وكذلك لو وكل رجلا في استيفاء حقه فرفعه إلى الحاكم فأراد أن يحلفه بالطلاق أنه لا حق لوكيله قبله فالحيلة في حلفه صادقا أن يحضر الموكل إلى منزله ويدفع إليه حقه ثم يغلق عليه الباب ويمضي مع الوكيل فإذا حلف أنه لا حق لوكيله قبله حلف صادقا فإذا رجع إلى البيت فشأنه وشأن صاحب الحق. وهذه شر من حيلة اليهود أصحاب الحيتان وهذه وأمثالها إنما هي من حيل اللصوص وقطاع الطريق فما لدين الله ورسوله وإدخالها فيه ولا يجدي عليه هذا الفعل في بره باليمين شيئا بل هو حانث كل الحنث إذ لم يتمكن صاحب الحق من الظفر بحقه فهو في ذمة الحالف كما هو وإنما يبرأ منه إذا تمكن صاحبه من قبضه وعد نفسه مستوفيا لحقه.  [إبطال حيلة لإسقاط زكاة عروض التجارة] وكذلك لو كان له عروض للتجارة فأراد أن يسقط زكاتها قالوا: فالحيلة أن ينوي بها القنية. في آخر الحول يوما أو أقل ثم ينقض هذه النية ويعيدها للتجارة فيستأنف بها حولا ثم يفعل هكذا في آخر كل حول فلا تجب عليه زكاتها أبدا. فيا لله العجب أيروج هذا الخداع والمكر والتلبيس على أحكم الحاكمين الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ثم إن هذه الحيلة كما هي مخادعة لله ومكر بدين(3\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "790",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "792",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإسلام فهي باطلة في نفسها فإنها إنما تصير للقنية إذا لم يكن من نيته إعادتها للتجارة فأما وهو يعلم أنه لا يقتنيها ألبتة ولا له حاجة باقتنائها وإنما أعدها للتجارة فكيف تتصور منه النية الجازمة للقنية وهو يعلم قطعا أنه لا يقتنيها ولا يريد اقتناءها وإنما هو مجرد حديث النفس أو خاطر أجراه على قلبه بمنزلة من يقول بلسانه quot; أعددتها للقنية quot; وليس ذلك في قلبه أفلا يستحيي من الله من يسقط فرائضه بهذا الهوس وحديث النفس .  [إبطال حيلة أخرى لإبطال الزكاة] [إبطال حيلة أخرى لإبطال الزكاة] : وأعجب من هذا أنه لو كان عنده عين من الذهب والفضة فأراد إسقاط زكاتها في جميع عمره فالحيلة أن يدفعها إلى محتال مثله أو غيره في آخر الحول ويأخذ منه نظيرها فيستأنف له الحول ثم في آخره يعود فيستبدل بها مثلها فإذا هو فعل مثل ذلك لم تجب عليه زكاته ما عاش وأعظم من هذه البلية إضافة هذا المكر والخداع إلى الرسول وأن هذا من الدين الذي جاء به. ومثل هذا وأمثاله منع كثيرا من أهل الكتاب من الدخول في الإسلام وقالوا: كيف يأتي رسول بمثل هذه الحيل وأساءوا ظنهم به وبدينه وتواصوا بالتمسك بما هم عليه وظنوا أن هذا هو الشرع الذي جاء به وقالوا: كيف تأتي بهذا شريعة أو تقوم به مصلحة أو يكون من عند الله ولو أن ملكا من الملوك ساس رعيته بهذه السياسة لقدح ذلك في ملكه قالوا: وكيف يشرع الحكيم الشيء لما في شرعه من المصلحة ويحرم لما في فعله من المفسدة ثم يبيح إبطال ذلك بأدنى حيلة تكون وترى الواحد منهم إذا ناظره المسلم في صحة دين الإسلام إنما يحتج عليه بهذه الحيل كما هو في كتبهم وكما نسمعه من لفظهم عند المناظرة فالله المستعان. وكذلك قالوا: لو كان له نصاب من السائمة فأراد إسقاط زكاتها فالحيلة في ذلك أن يعلفها يوما واحدا ثم تعود إلى السوم وكذلك يفعل في كل حول وهذه حيلة باطلة لا تسقط عنه وجوب الزكاة بل وكذلك كل حيلة يتحيل بها على إسقاط فرض من فرائض الله أو حق من حقوق عباده لا يزيد ذلك الفرض إلا تأكيدا وذلك الحق إلا إثباتا.  [إبطال حيلة لإبطال الشهادة] وكذلك قالوا: إذا علم أن شاهدين يشهدان عليه فأراد أن يبطل شهادتهما فليخاصمهما قبل الرفع إلى الحاكم وهذه الحيلة حسنة إذا كانا يشهدان عليه بالباطل فإذا علم أنهما يشهدان بحق لم تحل له مخاصمتهما ولا تسقط هذه المخاصمة شهادتهما.(3\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "791",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "793",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[إبطال حيلة لضمان البساتين] وكذلك قالوا: لا يجوز ضمان البساتين والحيلة على ذلك أن يؤجره الأرض ويساقيه على الثمر من كل ألف جزء على جزء وهذه الحيلة لا تتم إذا كان البستان وقفا وهو ناظره أو كان ليتيم فإن هذه المحاباة في المساقاة تقدح في نظره ووصيته. فإن قيل: إنها تغتفر لأجل العقد الآخر وما فيه من محاباة المستأجر له فهذا لا يجوز له أن يحابي في المساقاة لما حصل للوقف واليتيم من محاباة أخرى وهو نظير أن يبيع له سلعة بربح ثم يشتري له سلعة بخسارة توازن ذلك الربح هذا إذا لم يبن أحد العقدين على الآخر فإن بنى عليه كانا عقدين في عقد وكانا بمنزلة سلف وبيع وشرطين في بيع وإن شرط أحد العقدين في الآخر فسدا مع أن هذه الحيلة لا تتم إلا على أصل لم ير جواز المساقاة أو خصها بالتحيل وحده ثم فيها مفسدة أخرى وهي أن المساقاة عقد جائز فمتى أراد أحدهما فسخها فسخها وتضرر الآخر ومفسدة ثانية وهي أنه يجب عليه تسليم هذا الجزء من ألف جزء من جميع ثمرة البستان من كل نوع من أنواعه. وقد يتعذر عليه ذلك أو يتعسر إما بأن يأكل الثمرة أو يهديها كلها أو يبيعها على أصولها فلا يمكنه تسليم ذلك الجزء وهكذا يقع سواء ثم قد يكون ذلك الجزء من الألف يسيرا جدا فلا يطالب به عادة فيبقى في ذمته لليتيم وجهة الوقف إلى غير ذلك من المفاسد التي في هذه الحيلة وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا أفقه من ذلك وأعمق علما وأقل تكلفا وأبر قلوبا فكانوا يرون ضمان الحدائق بدون هذه الحيلة كما فعله عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بحديقة أسيد بن حضير ووافقه عليه جميع الصحابة فلم ينكره منهم رجل واحد وضمان البساتين كما هو إجماع الصحابة فهو مقتضى القياس الصحيح كما تضمن الأرض لمغل الزرع فكذلك تضمن الشجر لمغل الثمر ولا فرق بينهما ألبتة إذ الأصل هنا كالأرض هناك والمغل يحصل بخدمة المستأجر والقيام على الشجر كما يحصل بخدمته والقيام على الأرض ولو استأجر أرضا ليحرثها ويسقيها ويستغل ما ينبته الله تعالى فيها من غير بذر منه كان بمنزلة استئجار الشجر من كل وجه لا فرق بينهما ألبتة فهذا أفقه من هذه الحيلة وأبعد من الفساد وأصلح للناس وأوفق للقياس وهو اختيار أبي الوفاء ابن عقيل وشيخ الإسلام بن تيمية - رضي الله عنهما - وهو الصواب.(3\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "792",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "794",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[الحيلة السريجية لعدم وقوع الطلاق أصلا] ) : ومن هذا الباب الحيلة السريجية التي حدثت في الإسلام بعد المائة الثالثة وهي تمنع الرجل من القدرة على الطلاق ألبتة بل تسد عليه باب الطلاق بكل وجه فلا يبقى له سبيل إلى التخلص منها ولا يمكنه مخالعتها عند من يجعل الخلع طلاقا وهي نظير سد الإنسان على نفسه باب النكاح بقوله: كل امرأة أتزوجها فهي طالق فهذا لو صح تعليقه لم يمكنه في الإسلام أن يتزوج امرأة ما عاش وذلك لو صح شرعه لم يمكنه أن يطلق امرأة أبدا. وصورة هذه الحيلة أن يقول: كلما طلقتك - أو كلما وقع عليك طلاقي - فأنت طالق قبله ثلاثا قالوا: فلا يتصور وقوع الطلاق بعد ذلك إذ لو وقع لزم وقوع ما علق به وهو الثلاث وإذا وقعت الثلاث امتنع وقوع هذا المنجز فوقوعه يفضي إلى عدم وقوعه وما أفضى وجوده إلى عدم وجوده لم يوجد هذا اختيار أبي العباس بن سريج ووافقه عليه جماعة من أصحاب الشافعي وأبى ذلك جمهور الفقهاء من المالكية والحنفية والحنبلية وكثير من الشافعية ثم اختلفوا في وجه إبطال هذا التعليق فقال الأكثرون: هذا التعليق لغو وباطل من القول فإنه يتضمن المحال وهو وقوع طلقة مسبوقة بثلاث وهذا محال فما تضمنه فهو باطل من القول فهو بمنزلة قوله: إذا وقع عليك طلاقي لم يقع وإذا طلقتك لم يقع عليك طلاقي ونحو هذا من الكلام الباطل بل قوله: quot; إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا quot; أدخل في الإحالة والتناقض فإنه في الكلام الأول جعل وقوع الطلاق مانعا من وقوعه مع قيام الطلاق وهنا جعل وقوعه مانعا من وقوعه مع زيادة محال عقلا وعادة فالمتكلم به يتكلم بالمحال قاصدا للمحال فوجود هذا التعليق وعدمه سواء فإذا طلقها بعد ذلك نفذ طلاقها ولم يمنع منه مانع وهذا اختيار أبي الوفاء ابن عقيل وغيره من أصحاب أحمد وأبي العباس بن القاص من أصحاب الشافعي. وقالت فرقة أخرى: بل المحال إنما جاء من تعليق الثلاث على المنجز وهذا محال أن يقع المنجز ويقع جميع ما علق به فالصواب أن يقع المنجز ويقع جميع ما علق به أو تمام الثلاث من المعلق وهذا اختيار القاضي وأبي بكر وبعض الشافعية. ومذهب أبي حنيفة والذين منعوا وقوع الطلاق جملة قالوا: هو ظاهر كلام الشافعي فهذا تلخيص الأقوال في هذا التعليق. قال المصححون للتعليق: صدر من هذا الزوج طلاقان منجز ومعلق والمحل(3\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "793",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "795",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قابل وهو ممن يملك التنجيز والتعليق والجمع بينهما ممتنع ولا مزية لأحدهما على الآخر فتمانعا وتساقطا وبقيت الزوجية بحالها وصار كما لو تزوج أختين في عقد واحد فإنه يبطل نكاحهما لهذا الدليل بعينه. وكذلك إذا أعتق أمته في مرض موته وزوجها عبده ولم يدخل بها وقيمتها مائة ومهرها مائة وباقي التركة مائة لم يثبت لها الخيار لأن إثبات الخيار يقتضي سقوط المهر وسقوط المهر يقتضي نفي الخيار والجمع بينهما لا يمكن وليس أحدهما أولى من الآخر لأن طريق ثبوتهما الشرع فأبقينا النكاح ورفضنا الخيار ولم يسقط المهر وكل ما أفضى وقوعه إلى عدم وقوعه فهذه سبيله. ومثاله في الحس إذا تشاح اثنان في دخول دار وهما سواء في القوة وليس لأحدهما على الآخر مزية توجب تقديمه فإنهما يتمانعان فلا يدخل واحد منهما وهذا مشتق من دليل التمانع على التوحيد وهو أنه يستحيل أن يكون للعالم فاعلان مستقلان بالفعل فإن استقلال كل منهما ينفي استقلال الآخر فاستقلالهما يمنع استقلالهما ووازنه في هذه المسألة أن وقوعهما يمنع وقوعهما.  [مسائل عديدة من الدور الحكمي] قالوا: وغاية ما في هذا الباب استلزام هذا التعليق لدور حكمي يمنع وقوع المعلق والمنجز ونحن نريكم من مسائل الدور التي يفضي وقوعها إلى عدم وقوعها كثيرا منها ما ذكرناه ومنها ما لو وجد من أحدهما ريح وشك كل واحد منهما هل هي منه أو من صاحبه لم يجز اقتداء أحدهما بالآخر لأن اقتداءه به يبطل اقتداءه وكذلك لو كان معهما إناءان أحدهما نجس فأدى اجتهاد كل منهما إلى إناء لم تجز القدوة بينهما لأنها تفضي إلى إبطال القدوة وكذلك إذا اجتهدا في الثوبين والمكانين ومنها لو زوج عبده حرة وضمن السيد مهرها ثم باعه لزوجه قبل الدخول بها فالبيع باطل لأن صحته تؤدي إلى فساده إذ لو صح لبطل النكاح لأنها إذا ملكت زوجها بطل نكاحها وإذا بطل سقط مهرها لأن الفرقة من جهتها وإذا سقط مهرها وهو الثمن بطل البيع والعتق ألبتة بل إما أن يصح البيع ولا يقع العتق إذ لو وقع العتق لبطل البيع وإذا بطل بطل العتق فوقوعه يؤدي إلى عدم وقوعه. وهذا قول المزني وقال ابن سريج: لا يصح بيعه لأنه لو صح لوقع العتق قبله ووقوع العتق قبله يمنع صحة البيع فصحة البيع تمنع صحته وكذلك لو قال له: quot; إذا رهنتك فأنت حر قبله بساعة quot; وكذلك لو قال لعبيده ولا مال له سواهم وقد أفلس: quot; إن حجر الحاكم علي فأنتم أحرار قبل الحجر بيوم quot; لم يصح الحجر لأن صحته تمنع صحته ومثاله لو قال(3\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "794",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "796",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لعبده: quot; متى صالحت عليك فأنت حر قبل الصلح quot; ومثله لو قال لامرأته: quot; إن صالحت فلانا وأنت امرأتي فأنت طالق قبله بساعة quot; لم يصح الصلح لأن صحته تمنع صحته ومثله لو قال لعبده: quot; متى ضمنت عنك صداق امرأتك فأنت حر قبله إن كنت في حال الضمان مملوكي quot; ثم ضمن عنه الصداق لم يصح لأنه لو صح لعتق قبله وإذا عتق قبله لم يصادف الضمان شرطه وهو كونه مملوكه وقت الضمان وكذلك لا يقع العتق لأن وقوعه يؤدي إلى أن لا يصح الضمان عنه وإذا لم يصح الضمان عنه لم يصح العتق فكل من الضمان والعتق تؤدي صحته إلى بطلانه فلا يصح واحد منهما ومثله ما لو قال: quot; إن شاركني في هذا العبد شريك فهو حر قبله بساعة quot; لم تصح الشركة فيه بعد ذلك لأنها لو صحت لعتق العبد وبطلت الشركة فصحتها تفضي إلى بطلانها ومثله لو قال: quot; إن وكلت إنسانا ببيع هذا العبد أو رهنه أو هبته وكالة صحيحة فهو قبلها بساعة حر quot; لم تصح الوكالة لأن صحتها تؤدي إلى بطلانها. ومثله ما لو قال لامرأته: quot; إن وكلت وكيلا في طلاقك فأنت طالق قبله أو معه ثلاثا quot; لم يصح توكيله في طلاقها إذ لو صحت الوكالة لطلقت في حال الوكالة أو قبلها فتبطل الوكالة فصحتها تؤدي إلى بطلانها وكذلك لو خلف الميت ابنا فأقر بابن آخر للميت فقال المقر به: quot; أنا ابنه وأما أنت فلست بابنه quot; لم يقبل إنكار المقر به لأن قبول قوله يبطل قوله ومن هاهنا قال الشافعي: لو ترك أخا لأب وأم فأقر الأخ بابن للميت ثبت نسبه ولم يرث لأنه لو ورث لخرج المقر عن أن يكون وارثا وإذا لم يكن وارثا لم يقبل إقراره بوارث آخر فتوريث الابن يفضي إلى عدم توريثه ونازعه الجمهور في ذلك وقالوا: إذا ثبت نسبه ترتب عليه أحكام النسب ومنها الميراث ولا يفضي توريثه إلى عدم توريثه لأنه بمجرد الإقرار يثبت النسب ويترتب عليه الميراث والأخ كان وارثا في الظاهر فحين أقر كان هو كل الورثة وإنما خرج عن الميراث بعد الإقرار وثبوت النسب فلم يكن توريث الابن مبطلا لكون المقر وارثا حين الإقرار وإن بطل كونه وارثا بعد الإقرار وثبوت النسب وأيضا فالميراث تابع لثبوت النسب والتابع أضعف من المتبوع فإذا ثبت المتبوع الأقوى فالتابع أولى. ألا ترى أن النساء تقبل شهادتهن منفردات في الولادة ثم في النسب ونظائر ذلك كثيرة.  ومن المسائل التي يفضي ثبوتها إلى إبطالها لو أعتقت المرأة في مرضها عبدا فتزوجها وقيمته تخرج من الثلث صح النكاح ولا ميراث له إذ لو ورثها لبطل تبرعها له بالعتق لأنه يكون تبرعا لوارث وإذا بطل العتق بطل النكاح وإذا بطل بطل الميراث وكان توريثه يؤدي إلى إبطال توريثه وهذا على أصل الشافعي وأما على قول الجمهور فلا يبطل ميراثه ولا(3\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "795",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "797",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عتقه ولا نكاحه لأنه حين العتق لم يكن وارثا فالتبرع نزل في غير وارث والعتق المنجز يتنجز من حينه ثم صار وارثا بعد ثبوت عتقه وذلك لا يضره شيئا. ومن ذلك لو أوصى له بابنه فمات قبل قبول الوصية وخلف إخوة لأبيه فقبلوا الوصية عتق على الموصى له ولم يصح ميراثه منه إذ لو ورث لأسقط ميراث الإخوة وإذا سقط ميراثهم بطل قبولهم للوصية فيبطل عتقه لأنه مرتب على القبول وكان توريثه مفضيا إلى عدم توريثه. والصواب قول الجمهور أنه يرث ولا دور لأن العتق حصل حال القبول وهم ورثة ثم ترتب على العتق تابعه وهو الميراث وذلك بعد القبول فلم يكن الميراث مع القبول ليلزم الدور وإنما ترتب على القبول العتق وعلى العتق الميراث فهو مترتب عليه بدرجتين ومن المسائل التي يفضي ثبوتها إلى بطلانها لو زوج عبده امرأة وجعل رقبته صداقها لم يصح إذ لو صح لملكته وانفسخ النكاح. ومنها لو قال لأمته: quot; متى أكرهتك فأنت حرة حال النكاح أو قبله quot; فأكرهها على النكاح لم يصح إذ لو صح النكاح عتقت ولو عتقت بطل إكراهها فيبطل نكاحها. ومنها لو قال لامرأته قبل الدخول: quot; متى استقر مهرك علي فأنت طالق قبله ثلاثا quot; ثم وطئها لم يستقر مهرها بالوطء لأنه لو استقر لبطل النكاح قبله ولو بطل النكاح قبله لكان المستقر نصف المهر لا جميعه فاستقراره يؤدي إلى بطلان استقراره هذا على قول ابن سريج وأما على قول المزني فإنه يستقر المهر بالوطء ولا يقع الطلاق لأنه معلق على صفة تقتضي حكما مستحيلا.  فصل ومن المسائل التي يؤدي ثبوتها إلى نفيها لو قال لامرأته: quot; إن لم أطلقك اليوم فأنت طالق اليوم quot; ومضى اليوم ولم يطلقها لم تطلق إذ لو طلقت بمضي اليوم لكان طلاقها مستندا إلى وجود الصفة وهي عدم طلاقها اليوم وإذا مضى اليوم ولم يطلقها لم يقع الطلاق المعلق باليوم. ومنها لو تزوج أمة ثم قال لها: quot; إن مات مولاك وورثتك فأنت طالق quot; أو قال: quot; إن ملكتك فأنت طالق quot; ثم ورثها أو ملكها بغير إرث لا يقع الطلاق إذ لو وقع لم تكن الزوجة في حال وقوعه ملكا له لاستحالة وقوع الطلاق في ملكه فكان وقوعه مفضيا إلى عدم وقوعه.(3\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "796",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "798",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: لو كان العبد بين موسرين فقال كل منهما لصاحبه: quot; متى أعتقت نصيبك فنصيبي حر قبل ذلك quot; فأعتق أحدهما نصيبه لم ينفذ عتقه لأنه لو نفذ لوجب عتق نصيب صاحبه قبله وذلك يوجب السراية إلى نصيبه فلا يصادف إعتاقه محلا فنفوذ عتقه يؤدي إلى عدم نفوذه. والصواب في هذه المسألة بطلان هذا التعليق لتضمنه المحال وأيهما عتق نصيبه صح وسرى إلى نصيب شريكه. ومنها لو قال لعبده: quot; إن دبرتك فأنت حر قبله quot; ثم دبره صح التدبير ولم يقع العتق لأن وقوعه يمنع صحة التدبير وعدم صحته يمنع وقوع العتق وكانت صحته تفضي إلى بطلانه هذا على قول المزني وعلى قول ابن سريج لا يصح التدبير لأنه لو صح لوقع العتق قبله وذلك يمنع التدبير وكان وقوعه يمنع وقوعه. ونظيره أن يقول لمدبره: quot; متى أبطلت تدبيرك فأنت حر قبله quot; ثم أبطله بطل ولم يقع العتق على قول المزني إذ لو وقع لم يصادف إبطال التدبير محلا وعلى قول ابن سريج لا يصح إبطال التدبير لأنه لو صح إبطاله لوقع العتق ولو وقع العتق لم يصح إبطال التدبير ومثله لو قال لمدبره: quot; إن بعتك فأنت حر قبله quot; ومثله لو قال لعبده: quot; إن كاتبتك غدا فأنت اليوم حر quot; ثم كاتبه من الغد. ومثله لو قال لمكاتبه: quot; إن عجزت عن كتابتك فأنت حر قبله quot; ومثله لو قال: quot; متى زنيت أو سرقت أو وجب عليك حد وأنت مملوك فأنت حر قبله quot; ثم وجد الوصف وجب الحد ولم يقع العتق المعلق به إذ لو وقع لم توجد الصفة فلم يصح وكان مستلزما لعدم وقوعه. ومثله أن يقول له: quot; متى جنيت جناية وأنت مملوكي فأنت حر قبله quot; ثم جنى لم يعتق. ومثله أن يقول له: quot; متى بعتك وتم البيع فأنت حر قبله quot; ثم باعه فعلى قول المزني يصح البيع ولا يقع العتق لأن وقوعه يستلزم عدم وقوعه وعلى قول ابن سريج لا يصح البيع لأنه يعتق قبله وعتقه يمنع صحة بيعه. ومثله لو قال لأمته: quot; إن صليت ركعتين مكشوفة الرأس فأنت حرة قبل ذلك quot; فصلت مكشوفة الرأس. فعلى قول المزني تصح الصلاة دون العتق وعلى قول ابن سريج لا تصح الصلاة لأنها لو صحت عتقت قبل ذلك وإذا عتقت بطلت صلاتها وكانت صحة صلاتها مستلزمة لبطلانها. ومنها لو زوج أمته بحر وادعى عليه مهرها قبل الدخول وادعى الزوج الإعسار وادعى سيد الأمة يساره قبل نكاحه الأمة بميراث أو غيره لم تسمع دعواه إذ لو ثبتت دعواه لبطل النكاح لأنه لا يصح نكاح الأمة مع وجود الطول وإذا بطل النكاح بطل دعوى المهر. وكذلك لو تزوج بأمة فادعت أن الزوج عنين لم تسمع دعواها إذ لو ثبتت دعواها(3\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "797",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "799",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لزال خوف العنت الذي هو شرط في نكاح الأمة وذلك يبطل النكاح وبطلانه يوجب بطلان الدعوى منها فلما كانت صحة دعواها تؤدي إلى إفسادها أفسدناها. وكذلك المرأة إذا ادعت على سيد زوجها أنه باعه إياها بمهرها قبل الدخول لم تصح دعواها لأنها لو صحت لسقط نصف المهر وبطل البيع في العبد. وكذلك لو شهد شاهدان على عتق عبد فحكم بعتقه ثم ادعى العبد بعد الحكم بحريته على أحد الشاهدين أنه مملوكه لم تسمع دعواه لأن تحقيقها يؤدي إلى بطلان الشهادة على العتق فتبطل دعوى ملكه للشاهد. وكذلك لو سبي مراهق من أهل الحرب ولم يعلم بلوغه فأنكر البلوغ لم يستحلف لأن إحلافه يؤدي إلى إبطال استحلافه فإنا لو حلفناه لحكمنا بصغره والحكم بالصغر يمنع الاستحلاف. ونظيره لو ادعى على أم مراهق ما يوجب القصاص أو قذفا يوجب الحد أو مالا من مبايعة أو ضمان أو غير ذلك وادعى أنه بالغ وأنه يلزمه الحكم بذلك فأنكر الغلام ذلك فالقول قوله ولا يمين عليه إذ لو حلفناه لحكمنا بصغره والحكم بالصغر يسقط اليمين عنه وإذا لم يكن هنا يمين لم يكن رد يمين لأن رد اليمين إنما يكون عند نكول من هو من أهلها. وكذلك لو أعتق المريض جارية له قيمتها مائة وتزوج بها في مرض موته ومهرها مائة وترك مائتي درهم فالنكاح صحيح ولا مهر لها ولا ميراث أما الميراث فلأنها لو ورثت لبطلت الوصية بعتقها لأن العتق في المرض وصية وفي بطلان الوصية بطلان الحرية وفيه بطلان الميراث. وأما سقوط المهر فلأنه لو ثبت لركب السيد دين ولم تخرج قيمتها من الثلث فيبطل عتقها كلها فلم يكن للزوج أن ينكحها وبعضها رقيق فيبطل المهر فكان ثبوت المهر مؤديا إلى بطلانه. فالحكم بإبطالها مستفاد من قوله تعالى: ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا [النحل: 92] فعير تعالى من نقض شيئا بعد أن أثبته فدل على أن كل ما كان إثباته مؤديا إلى نفيه وإبطاله كان باطلا فهذا ما احتج به السريجيون.  [الرد على المسألة السريجية قال الآخرون لقد أطلتم الخطب في هذه المسألة ولم تأتوا بطائل وقلتم ولكن تركتم مقالا لقائل وتأبى قواعد اللغة والشرع والعقل لهذه المسائل تصحيحا والميزان العادل لها عند الوزن ترجيحا وهيهات أن تكون شريعتنا في هذه المسألة مشابهة لشريعة(3\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "798",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "800",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أهل الكتاب إذ يستحيل وقوع الطلاق وتسد دونه الأبواب. وهل هذا إلا تغيير لما علم بالضرورة من الشريعة. وإلزام لها بالأقوال الشنيعة وهذا أشنع من سد باب النكاح بتصحيح تعليق الطلاق لكل من تزوجها في مدة عمره فإنه وإن كان نظير سد باب الطلاق لكن قد ذهب إليه بعض السلف وأما هذه المسألة فمما حدث في الإسلام بعد انقراض الأعصار المفضلة. ونحن نبين مناقضة هذه المسألة للشرع واللغة والعقل ثم نجيب عن شبهكم شبهة شبهة. أما مناقضتها للشرع فإن الله تعالى شرع للأزواج - إذا أرادوا استبدال زوج مكان زوج والتخلص من المرأة - الطلاق وجعله بحكمته ثلاثا توسعة على الزوج إذ لعله يبدو له ويندم فيراجعها وهذا من تمام حكمته ورأفته ورحمته بهذه الأمة ولم يجعل أنكحتهم كأنكحة النصارى تكون المرأة غلا في عنق الرجل إلى الموت ولا يخفى ما بين الشريعتين من التفاوت وأن هذه المسألة منافية لإحداهما منافاة ظاهرة ومشتقة من الأخرى اشتقاقا ظاهرا ويكفي هذا الوجه وحده في إبطالها. وأما مناقضتها للغة فإنها تضمنت كلاما ينقض بعضه بعضا ومضمونه إذا وجد الشيء لم يوجد وإذا وجد الشيء اليوم فهو موجود قبل اليوم وإذا فعلت الشيء اليوم فقد وقع مني قبل اليوم ونحو هذا من الكلام المتناقض في نفسه الذي هو إلى المحال أقرب منه إلى الصحيح من المقال. وأما مناقضتها لقضايا العقول فلأن الشرط يستحيل أن يتأخر وجوده عن وجود المشروط ويتقدم المشروط عليه في الوجود هذا مما لا يغفل عنه أحد من العقلاء فإن رتبة الشرط التقدم أو المقارنة والفقهاء وسائر العقلاء معهم مجمعون على ذلك فلو صح تعليق المشروط بشرط متأخر بعده لكان ذلك إخراجا له عن كونه شرطا أو جزء شرط أو علة أو سببا فإن الحكم لا يسبق شرطه ولا سببه ولا علته إذ في ذلك إخراج الشروط والأسباب والعلل عن حقائقها وأحكامها ولو جاز تقديم الحكم على شرطه لجاز تقديم وقوع الطلاق على إيقاعه فإن الإيقاع سبب والأسباب تتقدم مسبباتها كما أن الشروط رتبتها التقدم فإذا جاز إخراج هذا عن رتبته جاز إخراج الآخر عن رتبته فجوزوا حينئذ تقدم الطلاق على التطليق والعتق على الإعتاق والملك على البيع وحل المنكوحة على(3\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "799",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "801",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عقد النكاح. وهل هذا في الشرعيات إلا بمنزلة تقدم الانكسار على الكسر والسيل على المطر والشبع على الأكل والولد على الوطء وأمثال ذلك ولا سيما على أصل من يجعل هذه العلل والأسباب علامات محضة ولا تأثير لها بل هي معرفات والمعرف يجوز تأخيره عن المعرف. وبهذا يخرج الجواب عن قولكم: إن الشروط الشرعية معروفات وأمارات وعلامات والعلامة يجوز تأخرها فإن هذا وهم وإيهام من وجهين: أحدهما: أن الفقهاء مجمعون على أن الشرائط الشرعية لا يجوز تأخرها عن المشروط ولو تأخرت لم تكن شروطا. [بحث في الشروط وأنواعها وحكم كل نوع منها] الثاني: أن هذا شرط لغوي كقوله: quot; إن كلمت زيدا فأنت طالق quot; ونحو ذلك: quot; وإن خرجت بغير إذني فأنت طالق quot; ونحو ذلك والشروط اللغوية أسباب وعلل مقتضية لأحكامها اقتضاء المسببات لأسبابها ألا ترى أن قوله: quot; إن دخلت الدار فأنت طالق quot; سبب ومسبب ومؤثر وأثر ولهذا يقع جوابا عن العلة فإذا قال: quot; لم أطلقها quot; قال: لوجود الشرط الذي علقت عليه الطلاق فلولا أن وجوده مؤثر في الإيقاع لما صح هذا الجواب ولهذا يصح أن يخرجه بصيغة القسم فيقول: الطلاق يلزمني لا تدخلين الدار فيجعل إلزامه للطلاق في المستقبل مسببا عن دخولها الدار بالقسم والشرط وقد غلط في هذا طائفة من الناس حيث قسموا الشرط إلى شرعي ولغوي وعقلي ثم حكموا عليه بحكم شامل فقالوا: الشرط يجب تقديمه على المشروط ولا يلزم من وجوده وجود المشروط ويلزم من انتفائه انتفاء المشروط كالطهارة للصلاة والحياة للعلم. ثم أوردوا على أنفسهم الشرط اللغوي فإنه يلزم من وجوده وجود المشروط ولا يلزم من انتفائه انتفاؤه لجواز وقوعه بسبب آخر ولم يجيبوا عن هذا الإيراد بطائل والتحقيق أن الشروط اللغوية أسباب عقلية والسبب إذا تم لزم من وجوده وجود مسببه وإذا انتفى لم يلزم نفي المسبب مطلقا لجواز خلف سبب آخر بل يلزم انتفاء السبب المعين عن هذا المسبب. وأما قولكم: quot; إنه صدر من هذا الزوج طلاقان منجز ومعلق والمحل قابل لهما quot; فجوابه بالمنع فإن المحل ليس بقابل للمعلق فإنه يتضمن المحال والمحل لا يقبل المحال نعم هو قابل للمنجز وحده فلا مانع من وقوعه وكيف تصح دعواكم أن المحل(3\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "800",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "802",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قابل للمعلق ومنازعكم إنما نازعكم فيه وقال: ليس المحل بقابل للمعلق فجعلتم نفس الدعوى مقدمة في الدليل. وقولكم: quot; إن الزوج ممن يملك التنجيز والتعليق quot; جوابه أنه إنما يملك التعليق الممكن فأما التعليق المستحيل فلم يملكه شرعا ولا عرفا ولا عادة وقولكم: quot; لا مزية لأحدهما على الآخر quot; باطل بل المزية كل المزية لأحدهما على الآخر فإن المنجز له مزية الإمكان في نفسه والمعلق له مزية الاستحالة والامتناع فلم يتمانعا ولم يتساقطا فلم يمنع من وقوع المنجز مانع وقولكم quot; إنه نظير ما لو تزوج أختين في عقد quot; جوابه أنه تنظير باطل فإنه ليس نكاح إحداهما شرطا في نكاح الأخرى بخلاف مسألتنا فإن المنجز شرط في وقوع المعلق وذلك عين المحال. وقولكم: quot; إنه لا مزية لأحد الطلاقين على الآخر quot; باطل بل للمنجز مزية من عدة وجوه أحدها: قوة التنجيز على التعليق الثاني: أن التنجيز لا خلاف في وقوع الطلاق به وأما التعليق ففيه نزاع مشهور بين الفقهاء. والموقعون لم يقيموا على المانعين حجة توجب المصير إليها مع تناقضهم فيما يقبل التعليق وما لا يقبله فمنازعوهم يقولون: الطلاق لا يقبل التعليق كما قلتم أنتم في الإسقاط والوقف والنكاح والبيع ولم يفرق هؤلاء بفرق صحيح وليس الغرض ذكر تناقضهم بل الغرض أن للمنجز مزية على المعلق الثالث: أن المشروط هو المقصود لذاته والشرط تابع ووسيلة الرابع: أن المنجز لا مانع من وقوعه لأهلية الفاعل وقبول المحل والتعليق المحال لا يصلح أن يكون مانعا من اقتضاء السبب الصحيح أثره. الخامس: أن صحة التعليق فرع على ملك التنجيز فإذا انتفى ملكه للمنجز في هذه المسألة انتفى صحة التعليق فصحة التعليق تمنع من صحته وهذه معارضة صحيحة في أصل المسألة فتأملها. السادس: أنه لو قال في مرضه: quot; إذا أعتقت سالما فغانم حر ثم أعتق سالما ولا يخرجان من الثلث قدم عتق المنجز على المعلق لقوته. يوضحه الوجه السابع: أنه لو قال لغيره: quot; ادخل الدار فإذا دخلت أخرجتك quot; وهو نظيره في القوة فإذا دخل لم يمكنه إخراجه وهذا المثال وزان مسألتنا فإن المعلق هو الإخراج والمنجز هو الدخول. الثامن: أن المنجز في حيز الإمكان والمعلق قد قارنه ما جعله مستحيلا. التاسع: أن وقوع المنجز يتوقف على أمر واحد وهو التكلم باللفظ ووجود الشرط ما توقف على شيء واحد أقرب وجودا مما توقف على أمرين. العاشر: أن وقوع المنجز موافق لتصرف الشارع وملك المالك ووقوع المعلق بخلافه لأن الزوج لم يملكه(3\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "801",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "803",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشارع ذلك فهذه عشرة أوجه تدل على مزية المنجز وتبطل قولكم إنه لا مزية له والله أعلم.  فصل وأما سائر الصور التي ذكرتموها من صور الدور التي يفضي ثبوتها إلى إبطالها فمنها ما هو ممنوع الحكم لا يسلمه لكم منازعكم وإنما هي مسائل مذهبية يحتج لها ولا يحتج بها وهم يفكون الدور تارة بوقوع الحكمين معا وعدم إبطال أحدهما للآخر ويجعلونهما معلولي علة واحدة ولا دور وتارة يسبق أحد الحكمين للآخر سبق السبب لمسببه ثم يترتب الآخر عليه. ومنها ما هو مسلم الحكم وثبوت الشيء فيه يقتضي إبطاله. ولكن هذا حجة لهم في إبطال هذا التعليق فإنه لو صح لأفضى ثبوته إلى بطلانه فإنه لو صح لزم منه وقوع طلقة مسبوقة بثلاث وسبقها بثلاث يمنع وقوعها فبطل التعليق من أصله للزوم المحال فهذه الصور التي استشهدتم بها من أقوى حججهم عليكم على بطلان التعليق. وأدلتكم في هذه المسألة نوعان: أدلة صحيحة وهي إنما تقتضي بطلان التعليق. وأما الأدلة التي تقتضي بطلان المنجز فليس منها دليل صحيح فإنه طلاق صدر من أهله في محله فوجب الحكم بوقوعه أما أهلية المطلق فلأنه زوج مكلف مختار وأما محلية المطلقة فلأنها زوجة والنكاح صحيح فيدخل في قوله تعالى: فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره [البقرة: 230] وفي سائر نصوص الطلاق إذ لو لم يلحقها طلاق لزم واحد من ثلاثة وكلها منتفية: إما عدم أهلية المطلق وإما عدم قبول المحل وإما قيام مانع يمنع من نفوذ الطلاق والمانع مفقود إذ ليس مع مدعي قيامه إلا التعليق المحال الباطل شرعا وعقلا وذلك لا يصح أن يكون مانعا. يوضحه أن المانع من اقتضاء السبب لمسببه إنما هو وصف ثابت يعارض سببيته فيوقفها عن اقتضائها فأما المستحيل فلا يصح أن يكون مانعا معارضا للوصف الثابت وهذا في غاية الوضوح ولله الحمد.(3\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "802",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "804",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل [جواب من قال بالمسألة السريجية] قال السريجيون: لقد ارتقيتم مرتقى صعبا وأسأتم الظن بمن قال بهذه المسألة وهم أئمة علماء لا يشق غبارهم ولا تغمز قناتهم كيف وقد أخذوها من نص الشافعي - رحمه الله تعالى - وبنوها على أصوله ونظروا لها النظائر وأتوا لها بالشواهد فنص الشافعي على أنه إذا قال: quot; أنت طالق قبل موتي بشهر quot; ثم مات لأكثر من شهر بعد هذا التعليق وقع الطلاق قبل موته بشهر وهذا إيقاع طلاق في زمن ماض سابق لوجود الشرط وهو موته فإذا وجد الشرط تبينا وقوع الطلاق قبله وإيضاح ذلك بإخراج الكلام مخرج الشرط كقوله: quot; إن مت - أو إذا مت - فأنت طالق قبل موتي بشهر quot; ونحن نلزمكم بهذه المسألة على هذا الأصل فإنكم موافقون عليه وكذا قوله قبل دخوله: quot; أنت طالق طلقة قبلها طلقة quot; فإنه يقع بها طلقتان وإحداهما وقعت في زمن ماض سابق على التطليق وبهذا خرج الجواب عن قوله: quot; إن الوقوع كما لم يسبق الإيقاع فلا يسبق الطلاق التطليق فكذا لا يسبق شرطه فإن الحكم لا يتقدم عليه ويجوز تقدمه على شرطه وأحد سببيه أو أسبابه quot; فإن الشرط معرف محض ولا يمتنع تقديم المعرف عليه وأما تقديمه على أحد سببيه فكتقديم الكفارة على الحنث بعد اليمين وتقديم الزكاة على الحول بعد ملك النصاب وتقديم الكفارة على الجرح قبل الزهوق ونظائره. وأما قولكم: quot; إن الشرط يجب تقديمه على المشروط quot; فممنوع بل مقتضى الشرع توقف المشروط على وجوده وأنه لا يوجد بدونه وليس مقتضاه تأخر المشروط عنه وهذا يتعلق باللغة والعقل والشرع ولا سبيل لكم إلى نص عن أهل اللغة في ذلك ولا إلى دليل شرعي ولا عقلي فدعواه غير مسموعة ونحن لا ننكر أن من الشروط ما يتقدم مشروطه ولكن دعوى أن ذلك حقيقة الشرط وأنه إن لم يتقدم خرج عن أن يكون شرطا دعوى لا دليل عليها وحتى لو جاء عن أهل اللغة ذلك لم يلزم مثله في الأحكام الشرعية لأن الشروط في كلامهم تتعلق بالأفعال كقوله: quot; إن زرتني أكرمتك quot; quot; وإذا طلعت الشمس جئتك quot; فيقتضي الشرط ارتباطا بين الأول والثاني: فلا يتقدم المتأخر ولا يتأخر المتقدم وأما الأحكام فتقبل التقدم والتأخر والانتقال كما لو قال: quot; إذا مت فأنت طالق قبل موتي بشهر quot; ومعلوم أنه لو قال مثل هذا في الحسيات كان محالا فلو قال: quot; إذا زرتني أكرمتك قبل أن تزورني بشهر quot; كان محالا إلا أن يحمل كلامه على معنى صحيح وهو إذا أردت أو عزمت على زيارتي أكرمتك قبلها.(3\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "803",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "805",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسر المسألة أن نقل الحقائق عن مواضعها ممتنع والأحكام قابلة للنقل والتحويل والتقديم والتأخير ولهذا لو قال: quot; أعتق عبدك عني quot; ففعل وقع العتق عن القائل وجعل الملك متقدما على العتق حكما وإن لم يتقدم عليه حقيقة. وقولكم: quot; يلزمنا تجويز تقديم الطلاق على التطليق quot; فذلك غير لازم فإنه إنما يقع بإيقاعه فلا يسبق إيقاعه بخلاف الشرط فإنه لا يوجب وجود المشروط وإنما يرتبط به والارتباط أعم من السابق والمقارن والمتأخر والأعم لا يستلزم الأخص. ونكتة الفرق أن الإيقاع موجب للوقوع فلا يجوز أن يسبقه أثره وموجبه والشرط علامة على المشروط فيجوز أن يكون قبله وبعده فوزان الشرط وزان الدليل ووزان الإيقاع وزان العلة فافترقا. وأما قولكم: quot; إن هذا التعليق يتضمن المحال إلى آخره quot; فجوابه أن هذا التعليق تضمن شرطا ومشروطا وقد تعقد القضية الشرطية في ذلك للوقوع وقد تعقد للإبطال فلا يوجد فيها الشرط ولا الجزاء بل تعليق ممتنع بممتنع فتصدق الشرطية وإن انتفى كل من جزأيها كما تقول: quot; لو كان مع الله إله آخر لفسد العالم quot; وكما في قوله: إن كنت قلته فقد علمته [المائدة: 116] ومعلوم أنه لم يقله ولم يعلمه الله وهكذا قوله: quot; إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا quot; فقضية عقدت لامتناع وقوع طرفيها وهما المنجز والمعلق. ثم نذكر في ذلك قياسا [آخر] حرره الشيخ أبو إسحاق - رحمه الله تعالى - فقال: طلاقان متعارضان يسبق أحدهما الآخر فوجب أن ينفي السابق منهما المتأخر. نظيره أن يقول لامرأته: إن قدم زيد فأنت طالق ثلاثا وإن قدم عمرو فأنت طالق طلقة فقدم زيد بكرة وعمرو عشية ونكتة المسألة أنا لو أوقعنا الطلاق المباشر لزمنا أن نوقع قبله ثلاثا ولو أوقعنا قبله ثلاثا لامتنع وقوعه في نفسه فقد أدى الحكم بوقوعه إلى الحكم بعدم وقوعه فلا يقع. وقولكم: quot; إن هذه اليمين تفضي إلى سد باب الطلاق وذلك تغيير لشرع الله فإن الله ملك الزوج الطلاق رحمة به - إلى آخره quot; جوابه أن هذا ليس فيه تغيير للشرع وإنما هو إتيان بالسبب الذي ضيق به على نفسه ما وسعه الله عليه وهو هذه اليمين وهذا ليس تغييرا للشرع. ألا ترى أن الله تعالى وسع عليه أمر الطلاق فجعله واحدة بعد واحدة ثلاث مرات لئلا يندم فإذا ضيق على نفسه وأوقعها بفم واحد حصر نفسه وضيق عليها ومنعها ما كان حلالا لها وربما لم يبق له سبيل إلى عودها إليه ولذلك جعل الله تعالى الطلاق إلى(3\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "804",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "806",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرجال ولم يجعل للنساء فيه حظا لنقصان عقولهن وأديانهن فلو جعله إليهن لكان فيه فساد كبير تأباه حكمة الرب تعالى ورحمته بعباده فكانت المرأة لا تشاء أن تستبدل بالزوج إلا استبدلت به بخلاف الرجال فإنهم أكمل عقولا وأثبت فلا يستبدل بالزوجة إلا إذا عيل صبره ثم إن الزوج قد يجعل طلاق امرأته بيدها بأن يملكها ذلك أو يحلف عليها أن لا تفعل كذا فتختار طلاقه متى شاءت ويبقى الطلاق بيدها وليس في هذا تغيير للشرع لأنه هو الذي ألزم نفسه هذا الحرج بيمينه وتمليكه ونظير هذا ما قاله فقهاء الكوفة قديما وحديثا: أنه لو قال: quot; كل امرأة أتزوجها فهي طالق quot; لم يمكنه أن يتزوج بعد ذلك امرأة حتى قيل: إن أهل الكوفة أطبقوا على هذا القول ولم يكن في ذلك تغيير للشريعة فإنه هو الذي ضيق على نفسه ما وسع الله عليه ونظير هذا لو قال: quot; كل عبد وأمة أملكهما فهما حران quot; لم يكن له سبيل بعد هذا إلى ملك رقيق أصلا وليس في هذا تغيير للشرع بل هو المضيق على نفسه والضيق والحرج الذي يدخله المكلف على نفسه لا يلزم أن يكون الشارع قد شرعه له وإن ألزمه به بعد أن ألزم نفسه ألا ترى أن من كان معه ألف دينار فاشترى بها جارية فأولدها ثم ساءت العشرة بينهما لم يبق له طريق إلى الاستبدال بها وعليه ضرر في إعتاقها أو تزويجها أو إمساكها ولا بد له من أحدها. ثم نقول في معارضة ما ذكرتم: بل يكون في هذه اليمين مصلحة له وغرض صحيح بأن يكون محبا لزوجته شديد الإلف بها وهو مشفق من أن ينزغ الشيطان بينهما فيقع منه طلاقها من غضبة أو موجدة أو يحلف يمينا بالطلاق أو يبلى بمن يستحلفه بالطلاق ويضطر إلى الحنث أو يبلى بظالم يكرهه على الطلاق ويرفعه إلى حاكم ينفذه أو يبلى بشاهدي زور يشهدان عليه بالطلاق وفي ذلك ضرر عظيم به وكان من محاسن الشريعة أن يجعل له طريقا إلى الأمن من ذلك كله ولا طريق أحسن من هذه فلا ينكر من محاسن هذه الشريعة الكاملة أن تأتي بمثل ذلك ونحن لا ننكر أن في ذلك نوع ضرر عليه لكن رأي احتماله لدفع ضرر الفراق الذي هو أعظم من ضرر البقاء وما ينكر في الشريعة من دفع أعلى الضررين باحتمال أدناهما .  فصل [الجواب على شبه أصحاب الحيلة السريجية] قال الموقعون: لقد دعوتم الشبه الجفلى إلى وليمة هذه المسألة فلم تدعوا منها داعيا ولا مجيبا واجتهدتم في تقريرها ظانين إصابة الاجتهاد وليس كل مجتهد مصيبا.(3\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "805",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "807",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونثرتم عليها ما لا يصلح مثله للنثار وزينتموها بأنواع الحلي ولكنه حلي مستعار فإذا استردت العارة زال الالتباس والاشتباه وهناك تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. فأما قولكم: quot; إنا ارتقينا مرتقى صعبا وأسأنا الظن بمن قال بهذه المسألة quot; فإن أردتم بإساءة الظن بهم تأثيما أو تبديعا فمعاذ الله بل أنتم أسأتم بنا الظن وإن أردتم بإساءة الظن أنا لم نصوبهم في هذه المسألة ورأينا الصواب في خلافهم فيها فهذا قدر مشترك بيننا وبينكم في كل ما تنازعنا فيه بل سائر المتنازعين بهذه المثابة وقد صرح الأربعة الأئمة بأن الحق في واحد من الأقوال المختلفة وليست كلها صوابا. وأما قولكم: quot; إن هذه المسألة مأخوذة من نص الشافعي quot; فجوابه من وجهين: أحدهما: أنها لو كانت منصوصة له فقوله بمنزلة قول غيره من الأئمة يحتج له ولا يحتج به وقد نازعه الجمهور فيها والحجة تفصل ما بين المتنازعين. الثاني: أن الشافعي - رضي الله تعالى عنه - لم ينص عليها ولا على ما يستلزمها. وغاية ما ذكرتم نصه على صحة قوله: quot; أنت طالق قبل موتي بشهر quot; فإذا مات لأكثر من شهر من وقت هذا التعليق تبينا وقوع الطلاق. وهذا قد وافقه عليه من يبطل هذه المسألة وليس فيه ما يدل على صحة هذه المسألة ولا هو نظيرها. وليس فيه سبق الطلاق لشرطه ولا هو متضمن للمحال إذ حقيقته إذا بقي من حياتي شهر فأنت طالق. وهذا الكلام معقول غير متناقض ليس فيه تقديم الطلاق على زمن التطليق ولا على شرط وقوعه وإنما نظير المسألة المتنازع فيها أن يقول: quot; إذا مت فأنت طالق قبل موتي بشهر quot; وهذا المحال بعينه وهو نظير قوله: quot; إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا quot; أو يقول: quot; أنت طالق عام الأول quot; فمسألة الشافعي شيء ومسألة ابن سريج شيء ويدل عليه أن الشافعي إنما أوقع عليه الطلاق إذا مات لأكثر من شهر من حين التعليق فلو مات عقيب اليمين لم تطلق وكانت بمنزلة قوله: quot; أنت طالق في الشهر الماضي quot; وبمنزلة قوله: quot; أنت طالق قبل أن أنكحك quot; فإن كلا الوقتين ليس بقابل للطلاق لأنها في أحدهما لم تكن محلا وفي الثاني لم تكن فيه طالقا قطعا فقوله: quot; أنت طالق في وقت قد مضى quot; ولم تكن فيه طالقا إما إخبار كاذب أو إنشاء باطل وقد قيل يقع عليه الطلاق ويلغو قوله: quot; أمس quot; لأنه أتى بلفظ الطلاق ثم وصل به ما يمنع وقوعه أو يرفعه فلا يصلح ويقع لغوا وكذلك قوله: quot; أنت طالق طلقة قبلها طلقة quot; ليس فيه إيقاع الطلقة الموصوفة بالقبلية في الزمن الماضي ولا تقدمها على الإيقاع وإنما فيه إيقاع طلقتين إحداهما قبل الأخرى فمن ضرورة قوله:(3\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "806",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "808",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قبلها طلقة quot; إيقاع هذه السابقة أولا ثم إيقاع الثانية بعدها فالطلقتان إنما وقعتا بقوله: quot; أنت طالق quot; لم تتقدم إحداهما على زمن الإيقاع وإن تقدمت على الأخرى تقديرا فأين هذا من التعليق المستحيل فإن أبيتم وقلتم: قد وصل الطلقة المنجزة بتقدم مثلها عليها والسبب هو قوله أنت طالق فقد تقدم وقوع الطلقة المعلقة بالقبلية على المنجزة ولما كان هذا نكاحا صح وهكذا قوله: quot; إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا quot; أكثر ما فيه تقدم الطلاق السابق على المنجز ولكن المحل لا يحتملهما فتدافعا وبقيت الزوجة بحالها ولهذا لو قال: quot; إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله واحدة quot; صح لاحتمال المحل لهما. فالجواب أنه أوقع طلقتين واحدة قبل واحدة ولم تسبق إحداهما إيقاعه ولم يتقدم شرط الإيقاع فلا محذور وهو كما لو قال: quot; بعدها طلقة أو معها طلقة quot; وكأنه قال: quot; أنت طالق طلقتين معا أو واحدة بعد واحدة quot; ويلزم من تأخر واحد عن الأخرى سبق إحداهما للأخرى فلا إحالة أما وقوع طلقة مسبوقة بثلاث فهو محال وقصده باطل والتعبير عنه إن كان خبرا فهو كذب وإن كان إنشاء فهو منكر فالتكلم به منكر من القول وزور في إخباره منكر في إنشائه. وأما كون المعلق تمام الثلاث فهاهنا لمنازعيكم قولان تقدم حكايتهما وهما وجهان في مذهب أحمد والشافعي. أحدهما: يصح هذا التعلق ويقع المنجز والمعلق وتصير المسألة على وزان ما نص عليه الشافعي من قوله: quot; إذا مات زيد فأنت طالق قبله بشهر quot; فمات بعد شهر فهكذا إذا قال: quot; إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله واحدة quot; ثم مضى زمن تمكن فيه القبلية ثم طلقها تبينا وقوع المعلق في ذلك الزمان وهو متأخر عن الإيقاع فكأنه قال: quot; أنت طالق في الوقت السابق على تنجيز الطلاق أو وقوعه معلقا quot; فهو تطليق في زمن متأخر. والقول الثاني: أن هذا محال أيضا ولا يقع المعلق إذ حقيقته أنت طالق في الزمن السابق على تطليقك تنجيزا أو تعليقا فيعود إلى سبق الطلاق للتطليق وسبق الوقوع للإيقاع وهو حكم بتقديم المعلول على علته. يوضحه أن قوله: quot; إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله quot; إما أن يريد طالق قبله بهذا الإيقاع أو بإيقاع متقدم. والثاني ممتنع لأنه لم يسبق هذا الكلام منه شيء. والثاني كذلك لأنه لا يتضمن: quot; أنت طالق قبل أن أطلقك quot; وهذا عين المحال. فهذا كشف حجاب هذه المسألة وسر مأخذها وقد تبين أن مسألة الشافعي لون وهذه لون آخر.(3\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "807",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "809",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما قولكم: quot; إن الحكم لا يجوز تقدمه على علته ويجوز تقدمه على شرطه كما يجوز تقدمه على أحد سببيه - إلى آخره quot; فجوابه أن الشرط إما أن يوجد جزءا من المقتضى أو يوجد خارجا عنه وهما قولان للنظار والنزاع لفظي فإن أريد بالمقتضى التام فالشرط جزء منه وإن أريد به المقتضى الذي يتوقف اقتضاؤه على وجود شرطه وعدم مانعه فالشرط ليس جزءا منه ولكن اقتضاؤه يتوقف عليه والطريقة الثانية طريقة القائلين بتخصيص العلة والأولى طريقة المانعين من التخصيص وعلى التقديرين فيمتنع تأخر الشرط عن وقوع المشروط لأن يستلزم وقوع الحكم بدون سببه التام فإن الشرط إن كان جزءا من المقتضى فظاهر وإن كان شرطا لاقتضائه فالمعلق على الشرط لا يوجد عند عدمه وإلا لم يكن شرطا فإنه لو كان يوجد بدونه لم يكن شرطا فلو ثبت الحكم قبله لثبت بدون سببه التام فإن سببه لا يتم إلا بالشرط فعاد الأمر إلى سبق الأثر لمؤثره والمعلول لعلته وهذا محال ولهذا لما لم يكن لكم حيلة في دفعه وعلمتم لزومه فررتم إلى ما لا يجدي عليكم شيئا. وهو جعل الشرط مجرد علامة ودليل ومعرف وهذا إخراج للشرط عن كونه شرطا وإبطال لحقيقته فإن العلامة والدليل [و] المعرف ليست شروطا في المدلول المعرف ولا يلزم من نفيها نفيه فإن الشيء يثبت بدون علامة ومعرف له والمشروط ينتفي لانتفاء شرطه وإن لم يوجد لوجوده. وكل العقلاء متفقون على الفرق بين الشرط والأمارة المحضة وأن حقيقة أحدهما وحكمه دون حقيقة الآخر وحكمه. وإن كان قد يقال: إن العلامة شرط في العلم بالمعلم والدليل شرط في العلم بالمدلول فذاك أمر وراء الشرط في الوجود الخارجي فهذا شيء وذلك شيء آخر وهذا حق ولهذا ينتفي العلم بالمدلول عند انتفاء دليله ولكن هل يقول أحد: إن المدلول ينتفي وانتفاء دليله فإن قيل: نعم قد قاله غير واحد وهو انتفاء الحكم الشرعي لانتفاء دليله. قيل: نعم فإن الحكم الشرعي لا يثبت بدون دليله فدليله موجب لثبوته فإذا انتفى الموجب انتفى الموجب ولهذا يقال: لا موجب فلا موجب أما شرط اقتضاء السبب لحكمة فلا يجوز اقتضاؤه بدون شرطه ولو تأخر الشرط عنه لكان مقتضيا بدون شرطه وذلك يستلزم إخراج الشرط عن حقيقته وهو محال. وأما تقديم الحكم على أحد سببيه في الصورة التي ذكرتموها على إحدى الطريقتين أو تقديمه على شرط بعد وجود سببه على الطريقة الأخرى فالتنظير به مغلطة فإن الحكم لم يتقدم على سببه ولا شرطه وهذا محال. وإن وقع تسامح في عبارة الفقهاء فإن القضاء الحول مثلا والحنث والموت بعد الجرح شرط للوجوب ونحن لم نقدم الوجوب على(3\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "808",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "810",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شرط ولا سببه وإنما قدمنا فعل الواجب. والفرق بين تقدم الحكم بالوجوب وبين تقدم أداء الواجب فظهر أن هذا وهم أو إيهام وقد ظهر أن تقديم شرط علة الحكم وموجبه على الحكم أمر ثابت عقلا وشرعا ونحن لم نأخذ ذلك عن نص أهل اللغة حتى تطالبونا بنقله بل ذلك أمر ثابت لذات الشرط وحكم من أحكامه. وليس ذلك متلقى من اللغة بل هو ثابت في نفس الأمر لا يختلف بتقدم لفظ ولا تأخره حتى لو قال: quot; أنت طالق إن دخلت الدار quot; أو قال: quot; يبعثك الله إذا مت quot; أو: quot; تجب عليك الصلاة إذا دخل وقتها quot; ونحو ذلك فالشرط متقدم عقلا وطبعا وشرعا وإن تأخر لفظا. وأما قولكم: quot; إن الأحكام تقبل النقل عن مواضعها فتتقدم وتتأخر quot; فتطويل بلا تحصيل وتهويل بلا تفضيل فهل تقبل النقل عن ترتيبها على أسبابها وموجباتها بحيث يثبت الحكم بدون سببه ومقتضيه نعم قد يتقدم ويتأخر وينتقل لقيام سبب آخر يقتضي ذلك فيكون مرتبا على سببه الثاني بعد انتقاله كما كان مرتبا على الأول قبل انتقاله وفي كل من الموضعين هو مرتب على سببه هذا في حكمه وذاك في محله وأما تنظيركم بنقل الأحكام وتقدمها على أسبابها بقوله: quot; أنت طالق قبل موتي بشهر quot; وقولكم: quot; إن نظيره في الحسيات أن تقول: إن زرتني أكرمتك قبل زيارتك بشهر quot; فوهم أيضا أو إيهام فإن قوله: quot; أنت طالق قبل موتي بشهر quot; إنما تطلق إذا مضى شهر بعد هذه اليمين حتى يتبين وقوع الطلاق بعد إيقاعه فلو مات قبل مضي شهر لم تطلق على الصحيح لأنه يصير بمنزلة أنت طالق عام الأول ليس كذلك قوله: quot; إن زرتني أكرمتك قبله بشهر quot; فإن الطلاق حكم يمكن تقدير وقوعه قبل الموت والإكرام فعل حسي لا يكون إكراما بالتقدير وإنما يكون إكراما بالوقوع وأما استشهادكم بقوله: quot; أعتق عبدك عني quot; فهو حجة عليكم فإنه يستلزم تقدم الملك التقديري على العتق الذي هو أثره وموجبه والملك شرطه ولو جاز تأخر الشرط لقدر الملك له بعد العتق وهذا محال فعلم أن الأسباب والشروط يجب تقدمها سواء كانت محققة أو مقدرة. وقولكم: quot; إن هذا التعليق يتضمن شرطا ومشروطا والقضية الشرطية قد تعقد للوقوع وقد تعقد لنفي الشرط والجزء - إلى آخره quot; فجوابه أيضا أن هذا من الوهم أو الإيهام فإن القضية الشرطية هي التي يصح الارتباط بين جزأيها سواء كانا ممكنين أو ممتنعين ولا يلزم من صدقها شرطية صدق جزأيها جملتين فالاعتبار إنما هو بصدقها في نفسها ولهذا كان قوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [الأنبياء: 22] من أصدق الكلام وجزء الشرطية ممتنعان لكن أحدهما ملزوم للآخر فقامت القضية الشرطية من(3\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "809",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "811",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التلازم الذي بينهما فإن تعدد الآلهة مستلزم لفساد السموات والأرض فوجود آلهة مع الله ملزوم لفساد السموات والأرض والفساد لازم فإذا انتفى اللازم انتفى ملزومه فصدقت الشرطية دون مفرديها وأما الشرطية في مسألتنا فهي كاذبة في نفسها لأنها عقدت للتلازم بين وقوع الطلاق المنجز وسبق الطلاق الثلاث عليه وهذا كذب في الإخبار باطل في الإنشاء فالشرطية نفسها باطلة لا تصح بوجه فظهر أن تنظيرها بالشرطية الصادقة الممتنعة الجزأين وهم أو إيهام ظاهر لا خفاء به. وأما قياسكم المحرر وهو قولكم: quot; طلاقان متعارضان يسبق أحدهما الآخر فوجب أن ينفي السابق منهما المتأخر. كقوله: إن قدم زيد - إلى آخره quot; فجوابه أنه لما قدم زيد طلقت ثلاثا فقدم عمرو بعده وهي أجنبية فلم يصادف الطلاق الثاني محلا فهذا معقول شرعا ولغة وعرفا فأين هذا من تعلق مستحيل شرعا وعرفا ولقد وهنت كل الوهن مسألة إلى مثل هذا القياس استنادها وعليه اعتمادها. وأما قولكم: quot; نكتة المسألة أنا لو أوقعنا المنجز لزمنا أن نوقع قبله ثلاثا - إلى آخره quot; فجوابه أن يقال: هذا كلام باطل في نفسه فلا يلزم من إيقاع المنجز إيقاع الثلاث قبله لا لغة ولا عقلا ولا شرعا ولا عرفا فإن قلتم: لأنه شرط للمعلق قبله فقد تبين فساد المعلق بما فيه كفاية. ثم نقلب عليكم هذه النكتة قلبا أصح منها شرعا وعقلا ولغة فنقول: إذا أوقعنا المنجز لم يمكنا أن نوقع قبله ثلاثا قطعا وقد وجد سبب وقوع المنجز وهو الإيقاع فيستلزم موجبه وهو الوقوع وإذا وقع موجبه استحال وقوع الثلاث فهذه النكتة أصح وأقرب إلى الشرع والعقل واللغة وبالله التوفيق. وأما قولكم: quot; إن المكلف أتى بالسبب الذي ضيق به على نفسه فألزمناه حكمه - إلى آخره quot; فجوابه أن هذا إنما يصح فيما يملكه من الأسباب شرعا فلا بد أن يكون السبب مقدورا ومشروعا وهذا السبب الذي أتى به غير مقدور ولا مشروع فإن الله تعالى لم يملكه طلاقا ينجزه تسبقه ثلاث قبله ولا ذلك مقدور له فالسبب لا مقدور ولا مأمور بل هو كلام متناقض فاسد فلا يترتب عليه تغيير أحكام الشرع وبهذا خرج الجواب عما نظرتم به من المسائل: أما المسألة الأولى - وهي إذا طلق امرأته ثلاثا جملة - فهذه مما يحتج لها ولا يحتج بها وللناس فيها أربعة أقوال أحدها: الإلزام بها والثاني: إلغاؤها جملة وإن كان هذا إنما يعرف عن الفقهاء الشيعة والثالث: أنها واحدة وهذا قول أبي بكر الصديق وجميع الصحابة في زمانه وإحدى الروايتين عن ابن عباس واختيار أعلم الناس(3\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "810",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "812",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - محمد بن إسحاق والحارث العكلي وغيره وهو أحد القولين في مذهب مالك حكاه التلمساني في شرح تفريع ابن الجلاب وأحد القولين في مذهب أحمد اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. والرابع: أنها واحدة في حق التي لم يدخل بها وثلاث في حق المدخول بها وهذا مذهب إمام أهل خراسان في وقته إسحاق بن راهويه نظير الإمام أحمد والشافعي ومذهب جماعة من السلف وفيها مذهب خامس وهو أنها إن كانت منجزة وقعت وإن كانت معلقة لم تقع وهو مذهب حافظ الغرب وإمام أهل الظاهر في وقته أبو محمد بن حزم ولو طولبتم بإبطال هذه الأقوال وتصحيح قولكم بالدليل الذي يركن إليه العالم لم يمكنكم ذلك والمقصود أنكم تستدلون بما يحتاج إلى إقامة الدليل عليه والذين يسلمون لكم وقوع الثلاث جملة واحدة فريقان: فريق يقول بجواز إيقاع الثلاث فقد أتى المكلف عنده بالسبب المشروع المقدور فترتب عليه سببه وفريق يقول: تقع وإن كان إيقاعها محرما كما يقع الطلاق في الحيض والطهر الذي أصابها فيه وإن كان محرما لأنه ممكن بخلاف وقوع طلقة مسبوقة بثلاث فإنه محال فأين أحدهما من الآخر فصل وأما نقضكم الثاني بتمليك الرجل امرأته الطلاق وتضييقه على نفسه بما وسع الله عليه من جعله بيده فجوابه من وجوه: أحدها: أنه بالتمليك لم يخرج الطلاق عن يده بل هو في يده كما هو هذا إن قيل إنه تمليك وإن قيل إنه توكيل فله عزلها متى شاء. الثاني: أن هذه المسألة فيها نزاع معروف بين السلف والخلف فمنهم من قال: لا يصح تمليك المرأة الطلاق ولا توكيلها فيه ولا يقع الطلاق إلا ممن أخذ بالساق. وهذا مذهب أهل الظاهر وهو مأثور عن بعض السلف فالنقض بهذه الصورة يستلزم إقامة الدليل عليها والأول لا يكون دليلا. ومن هنا قال بعض أصحاب مالك: إنه إذا علق اليمين بفعل الزوجة لم تطلق إذا حنث. قال: لأن الله تعالى ملك الزوج الطلاق وجعله بيده رحمة منه ولم يجعله إلى المرأة فلو وقع الطلاق بفعلها لكان إليها إن شاءت أن تفارقه وإن شاءت أن تقيم معه وهذا خلاف شرع الله وهذا أحد الأقوال في مسألة تعليق الطلاق بالشرط كما تقدم. والثاني: أنه لغو وباطل وهذا اختيار أبي عبد الرحمن ابن بنت الشافعي ومذهب أهل الظاهر.(3\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "811",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "813",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثالث: أنه موجب لوقوع الطلاق عند وقوع الصفة سواء كان يمينا أو تعليقا محضا وهذا المشهور عند الأئمة الأربعة وأتباعهم. والرابع: أنه إن كان بصيغة التعليق لزم وإن كان بصيغة القسم والالتزام لم يلزم إلا أن ينويه وهذا اختيار أبي المحاسن الروياني وغيره. والخامس: أنه إن كان بصيغة التعليق وقع وإن كان بصيغة القسم والالتزام لم يقع وإن نواه وهذا اختيار القفال في فتاويه. والسادس: أنه إن كان الشرط والجزاء مقصودين وقع وإن كانا غير مقصودين - وإنما حل به قاصدا منع الشرط والجزاء - لم يقع ولا كفارة فيه وهذا اختيار بعض أصحاب أحمد. والسابع: كذلك إلا أن فيه الكفارة إذا خرج مخرج اليمين وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية والذي قبله اختيار أخيه. وقد تقدم حكاية قول من حكى إجماع الصحابة أنه إذا حنث فيه لم يلزمه الطلاق وحكينا لفظه. والمقصود الجواب عن النقض بتمليك المرأة الطلاق أو توكيلها فيه. وأما قولكم في النقض الثالث: quot; إن فقهاء الكوفة صححوا تعليق الطلاق بالنكاح وهو يسد باب النكاح quot; فهذا القول مما أنكره عليهم سائر الفقهاء وقالوا: هو سد لباب النكاح حتى قال الشافعي نفسه: أنكره عليهم بذلك وبغيره من الأدلة. ومن العجب أنكم قلتم في الرد عليهم: لا يصح هذا التعليق لأنه لم يصادف محلا وهو لا يملك الطلاق المنجز فلا يملك المعلق إذ كلاهما مستدع لقيام محله ولا محل فهلا قبلتم منهم احتجاجهم عليكم في المسألة السريجية بمثل هذه الحجة وهي أن المحل غير قابل لطلقة مسبوقة بثلاث وكان هذا الكلام لغوا وباطلا فلا ينعقد كما قلتم أنتم في تعليق النكاح بالطلاق: إنه لغو وباطل فلا ينعقد فصل [إذا علق عتق عبده على ملكه] وأما النقض الرابع بقوله: quot; كل عبد أو أمة أملكه فهو حر quot; فهذا للفقهاء فيه قولان وهما روايتان عن الإمام أحمد: إحداهما: أنه لا يصح كتعليق الطلاق.(3\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "812",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "814",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثاني: أنه يصح والفرق بينه وبين تعليق الطلاق أن ملك العبد قد شرع طريقا إلى زوال ملكه عنه بالعتق إما بنفس الملك كمن ملك ذا رحم محرم وإما باختيار الإعتاق كمن اشترى عبدا ليعتقه عن كفارته أو ليتقرب به إلى الله ولم يشرع الله النكاح طريقا إلى زوال ملك البضع ووقوع الطلاق بل هذا يترتب عليه ضد مقصوده شرعا وعقلا وعرفا والعتق المترتب على الشراء ترتيب لمقصوده عليه شرعا وعرفا فأين أحدهما من الآخر وكونه قد سد على نفسه باب ملك الرقيق فلا يخلو إما أن يعلق ذلك تعليقا مقصودا أو تعليقا قسميا فإن كان مقصودا فهو قد قصد التقرب إلى الله بذلك فهو كما لو التزم صوم الدهر وسد على نفسه باب الفطر. وإن كان تعليقا قسميا فله سعة بما وسع الله عليه من الكفارة كما أفتى به الصحابة - رضي الله عنهم - وقد تقدم. فصل وأما النقض الخامس بمن معه ألف دينار فاشترى بها جارية وأولدها فهذا أيضا نقض فاسد فإنه بمنزلة من أنفقها في شهواته وملاذه وقعد ملوما محسورا أو تزوج بها امرأة وقضى وطره منها ونحو ذلك. فأين هذا من سد باب الطلاق وبقاء المرأة كالغل في عنقه إلى أن يموت أحدهما فصل [لم تبن الشرائع على الصور النادرة] . وقولكم: quot; قد يكون له في هذه اليمين مصلحة وغرض صحيح بأن يكون محبا لزوجته ويخشى وقوع الطلاق بالحلف أو غيره فيسرحها quot; جوابه أن الشرائع العامة لم تبن على الصور النادرة ولو كان لعموم المطلقين في هذا مصلحة لكانت حكمة أحكم الحاكمين تمنع الرجال من الطلاق بالكلية وتجعل الزوج في ذلك بمنزلة المرأة لا تتمكن من فراق زوجها. ولكن حكمته تعالى أولى وأليق من مراعاة هذه المصلحة الجزئية التي في مراعاتها تعطيل مصلحة أكبر منها وأهم وقاعدة الشرع والقدر تحصيل أعلى المصلحتين وإن فات أدناهما ودفع أعلى المفسدتين وإن وقع أدناهما وهكذا ما نحن فيه سواء فإن مصلحة تمليك الرجال الطلاق أعلى وأكبر من مصلحة سده عليهم ومفسدة سده عليهم أكبر من مفسدة فتحه لهم المفضية إلى ما ذكرتم. وشرائع الرب تعالى كلها حكم ومصالح وعدل ورحمة وإنما العبث والجور والشدة في خلافها وبالله التوفيق.(3\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "813",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "815",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإنما أطلنا الكلام في هذه المسألة لأنها من أمهات الحيل وقواعدها والمقصود بيان بطلان الحيل فإنها لا تتمشى على قواعد الشريعة ولا أصول الأئمة وكثير منها - بل أكثرها - من توليدات المنتسبين إلا الأئمة وتفريعهم الأئمة براء منها.  [فصل بطلان الحيلة بالخلع لفعل المحلوف عليه] فصل [بطلان الحيلة بالخلع لفعل المحلوف عليه] ومن الحيل الباطلة الحيلة على التخلص من الحنث بالخلع ثم يفعل المحلوف عليه في حال البينونة ثم يعود إلى النكاح وهذه الحيلة باطلة شرعا وباطلة على أصول أئمة الأمصار: أما بطلانها شرعا فإن هذا خلع لم يشرعه الله ولا رسوله وهو تعالى لم يمكن الزوج من فسخ النكاح متى شاء فإنه لازم وإنما مكنه من الطلاق ولم يجعل له فسخه إلا عند التشاجر والتباغض إذا خافا أن لا يقيما حدود الله فشرع لهما التخلص بالافتداء وبذلك جاءت السنة ولم يقع في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا زمن أصحابه قط خلع حيلة ولا في زمن التابعين ولا تابعيهم ولا نص عليه أحد من الأئمة الأربعة وجعله طريقا للتخلص من الحنث وهذا من كمال فقههم - رضي الله عنهم - فإن الخلع إنما جعله الشارع مقتضيا للبينونة ليحصل مقصود المرأة من الافتداء من زوجها وإنما يكون ذلك مقصودها إذا قصدت أن تفارقه على وجه لا يكون له عليها سبيل فإذا حصل هذا ثم فعل المحلوف عليه وقع وليست زوجته فلا يحنث وهذا إنما حصل تبعا للبينونة التابعة لقصدهما فإذا خالعها ليفعل المحلوف عليه لم يكن قصدهما البينونة بل حل اليمين وحل اليمين إنما يحصل تبعا للبينونة لا أنه المقصود بالخلع الذي شرعه الله ورسوله وأما خلع الحيلة فجاءت البينونة فيه لأجل [حل] اليمين وحل اليمين جاء لأجل البينونة فليس عقد الخلع بمقصود في نفسه للرجل ولا للمرأة والله تعالى لا يشرع عقدا لا يقصد واحد من المتعاقدين حقيقته وإنما يقصدان به ضد ما شرعه الله له فإنه شرع لتخلص المرأة من الزوج والمتحيل يفعله لبقاء النكاح فالشارع شرعه لقطع النكاح والمتحيل يفعله لدوام النكاح.  [فصل المتأخرون هم الذين أحدثوا الحيل] . فصل [المتأخرون هم الذين أحدثوا الحيل ونسبوها إلى الأئمة] والمتأخرون أحدثوا حيلا لم يصح القول بها عن أحد من الأئمة ونسبوها إلى الأئمة وهم مخطئون في نسبتها إليهم ولهم مع الأئمة موقف بين يدي الله. ومن عرف سيرة الشافعي وفضله ومكانه من الإسلام علم أنه لم يكن معروفا بفعل الحيل ولا بالدلالة(3\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "814",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "816",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليها ولا كان يشير على مسلم بها. وأكثر الحيل التي ذكرها المتأخرون المنتسبون إلى مذهبه من تصرفاتهم تلقوها عن المشرقيين وأدخلوها في مذهبه وإن كان - رحمه الله تعالى - يجري العقود على ظاهرها ولا ينظر إلى قصد العاقد ونيته كما تقدم حكاية كلامه فحاشاه ثم حاشاه أن يأمر الناس بالكذب والخداع والمكر والاحتيال وما لا حقيقة له بل ما يتيقن أن باطنه خلاف ظاهره ولا يظن بمن دون الشافعي من أهل العلم والدين أنه يأمر أو يبيح ذلك فالفرق [ظاهر] بين أن لا يعتبر القصد في العقد ويجريه على ظاهره وبين أن يسوغ عقدا قد علم بناؤه على المكر والخداع وقد علم أن باطنه خلاف ظاهره. فوالله ما سوغ الشافعي ولا إمام من الأئمة هذا العقد قط ومن نسب ذلك إليه فهم خصماؤه عند الله فالذي سوغه الأئمة بمنزلة الحاكم يجري الأحكام على ظاهر عدالة الشهود وإن كانوا في الباطن شهود زور والذي سوغه أصحاب الحيل بمنزلة الحاكم يعلم أنهم في الباطن شهود زور كذبة وأن ما شهدوا به لا حقيقة له ثم يحكم بظاهر عدالتهم. وهكذا في مسألة العينة: إنما جوز الشافعي أن يبيع السلعة ممن اشتراها منه جريا على ظاهر عقود المسلمين وسلامتها من المكر والخداع ولو قيل للشافعي: quot; إن المتعاقدين قد تواطآ على ألف بألف ومائتين وتراوضا على ذلك وجعلا السلعة محللا للربا quot; لم يجوز ذلك ولأنكره غاية الإنكار. ولقد كان الأئمة من أصحاب الشافعي ينكرون على من يحكى عنه الإفتاء بالحيل قال الإمام أبو عبد الله بن بطة: سألت أبا بكر الآجري وأنا وهو بمنزله بمكة عن هذا الخلع الذي يفتي به الناس وهو أن يحلف رجل أن لا يفعل شيئا ولا بد له من فعله فيقال له: اخلع زوجتك وافعل ما حلفت عليه ثم راجعها واليمين بالطلاق ثلاثا وقلت له: إن قوما يفتون هذا الرجل الذي يحل بأيمان البيعة ويحنث أن لا شيء عليه ويذكرون الشافعي لم ير على من حلف بأيمان البيعة شيئا فجعل أبو بكر يعجب من سؤالي عن هاتين المسألتين في وقت واحد ثم قال لي: منذ كتبت العلم وجلست للكلام فيه وللفتوى ما أفتيت في هاتين المسألتين بحرف ولقد سألت أبا عبد الله الزبيري عن هاتين المسألتين كما سألتني عن التعجب ممن يقدم على الفتوى فيهما فأجابني فيهما بجواب كتبته عنه ثم قام فأخرج لي كتاب أحكام الرجعة والنشوز من كتاب الشافعي وإذا مكتوب على ظهره بخط أبي بكر: سألت أبا عبد الله الزبيري فقلت له: الرجل يحلف بالطلاق ثلاثا أن لا يفعل شيئا ثم يريد أن يفعله وقلت له: إن أصحاب الشافعي يفتون فيها بالخلع يخالع ثم يفعل فقال الزبيري: ما أعرف هذا من قول الشافعي ولا بلغني أن له في هذا قولا(3\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "815",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "817",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معروفا ولا أرى من يذكر هذا عنه إلا محيلا. والزبيري أحد الأئمة الكبار من الشافعية فإذا كان هذا قوله وتنزيهه للشافعي عن خلع اليمين فكيف بحيل الربا الصريح وحيل التحليل وحيل إسقاط الزكاة والحقوق وغيرها من الحيل المحرمة فصل ولا بد من أمرين أحدهما أعظم من الآخر وهو النصيحة لله ولرسوله وكتابه ودينه وتنزيهه عن الأقوال الباطلة المناقضة لما بعث الله به رسوله من الهدى والبينات التي هي خلاف الحكمة والمصلحة والرحمة والعدل وبيان نفيها عن الدين وإخراجها منه وإن أدخلها فيه من أدخلها بنوع تأويل. [من فضل الأئمة] والثاني: معرفة فضل أئمة الإسلام ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم وأن فضلهم وعلمهم ونصحهم لله ورسوله لا يوجب قبول كل ما قالوه وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم فيها ما جاء به الرسول فقالوا بمبلغ علمهم والحق في خلافها لا يوجب إطراح أقوالهم جملة وتنقصهم والوقيعة فيهم فهذان طرفان جائران عن القصد وقصد السبيل بينهما فلا نؤثم ولا نعصم ولا نسلك بهم مسلك الرافضة في علي ولا مسلكهم في الشيخين بل نسلك مسلكهم أنفسهم فيمن قبلهم من الصحابة فإنهم لا يؤثمونهم ولا يعصمونهم ولا يقبلون كل أقوالهم ولا يهدرونها. فكيف ينكرون علينا في الأئمة الأربعة مسلكا يسلكونه هم في الخلفاء الأربعة وسائر الصحابة ولا منافاة بين هذين الأمرين لمن شرح الله صدره للإسلام وإنما يتنافيان عند أحد رجلين: جاهل بمقدار الأئمة وفضلهم أو جاهل بحقيقة الشريعة التي بعث الله بها رسوله ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكان قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل ومأجور لاجتهاده فلا يجوز أن يتبع فيها ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين. قال عبد الله بن المبارك: كنت بالكوفة فناظروني في النبيذ المختلف فيه فقلت لهم: تعالوا فليحتج المحتج منكم عمن شاء من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرخصة فإن لم يبين الرد عليه عن ذلك الرجل بسند صحت عنه فاحتجوا فما جاءوا عن أحد برخصة إلا جئناهم بسند فلما لم يبق في يد أحد منهم إلا عبد الله بن مسعود وليس احتجاجهم عنه في شدة النبيذ بشيء يصح عنه إنما يصح عنه أنه لم ينتبذ له في الجر الأخضر. قال ابن المبارك:(3\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "816",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "818",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقلت للمحتج عنه في الرخصة: يا أحمق عد إن ابن مسعود لو كان هاهنا جالسا فقال: هو لك حلال وما وصفنا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في الشدة كان ينبغي لك أن تحذر وتخشى. فقال قائل: يا أبا عبد الرحمن فالنخعي والشعبي - وسمى عدة معهما - كانوا يشربون الحرام فقلت لهم: دعوا عند المناظرة تسمية الرجال فرب رجل في الإسلام مناقبه كذا وكذا وعسى أن تكون منه زلة أفيجوز لأحد أن يحتج بها فإن أبيتم فما قولكم في عطاء وطاوس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة قالوا: كانوا خيارا قلت: فما قولكم في الدرهم بالدرهمين يدا بيد قالوا: حرام فقلت: إن هؤلاء رأوه حلالا أفماتوا وهم يأكلون الحرام فبهتوا وانقطعت حجتهم. قال ابن المبارك: ولقد أخبرني المعتمر بن سليمان قال: رآني أبي وأنا أنشد الشعر فقال: يا بني لا تنشد الشعر فقلت: يا أبت كان الحسن ينشد الشعر وكان ابن سيرين ينشد فقال: أي بني إن أخذت بشر ما في الحسن وبشر ما في ابن سيرين اجتمع فيك الشر كله قال شيخ الإسلام: وهذا الذي ذكره ابن المبارك متفق عليه بين العلماء فإنه ما من أحد من أعيان الأئمة من السابقين الأولين ومن بعدهم إلا وله أقوال وأفعال خفي عليهم فيها السنة. قلت: وقد قال أبو عمر بن عبد البر في أول استذكاره. قال شيخ الإسلام: وهذا باب واسع لا يحصى مع أن ذلك لا يغض من أقدارهم ولا يسوغ اتباعهم فيها قال تعالى: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول [النساء: 59] قال مجاهد والحكم بن عتيبة ومالك وغيرهم: ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال سليمان التيمي: إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله قال ابن عبد البر: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في هذا المعنى ما ينبغي تأمله. فروى كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إني لأخاف على أمتي من بعدي من أعمال ثلاثة قالوا: وما هي يا رسول الله قال: إني أخاف عليهم من زلة العالم ومن حكم الجائر ومن هوى متبع . وقال زياد بن حدير: قال عمر: ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم وجدال منافق بالقرآن وأئمة مضلون.(3\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "817",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "819",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الحسن: قال أبو الدرداء: إن مما أخشى عليكم زلة العالم وجدال المنافق بالقرآن والقرآن حق وعلى القرآن منار كأعلام الطريق. وكان معاذ بن جبل يقول في خطبته كل يوم قلما يخطئه أن يقول ذلك الله حكم قسط هلك المرتابون إن وراءكم فتنا يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق والمرأة والصبي والأسود والأحمر فيوشك أحدهم أن يقول: قد قرأت القرآن فما أظن أن يتبعوني حتى أبتدع لهم غيره فإياكم وما ابتدع فإن كل بدعة ضلالة وإياكم وزيغة الحكيم فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة وإن المنافق قد يقول كلمة الحق فتلقوا الحق عمن جاء به فإن على الحق نورا قالوا: كيف زيغة الحكيم قال: هي كلمة تروعكم وتنكرونها وتقولون ما هذه فاحذروا زيغته ولا تصدنكم عنه فإنه يوشك أن يفيء ويراجع الحق وإن العلم والإيمان مكانهما إلى يوم القيامة فمن ابتغاهما وجدهما. وقال سلمان الفارسي: كيف أنتم عند ثلاث: زلة عالم وجدال منافق بالقرآن ودنيا تقطع أعناقكم فأما زلة العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم وتقولون نصنع مثل ما يصنع فلان وإن أخطأ فلا تقطعوا إياسكم منه فتعينوا عليه الشيطان وأما مجادلة منافق بالقرآن فإن للقرآن منارا كمنار الطريق فما عرفتم منه فخذوا وما لم تعرفوا فكلوه إلى الله تعالى. وأما دنيا تقطع أعناقكم فانظروا إلى من هو دونكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم. وعن ابن عباس: ويل للأتباع من عثرات العالم قيل: كيف ذلك قال: يقول العالم شيئا برأيه ثم يجد من هو أعلم منه برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيترك قوله ثم يمضي الأتباع ذكر أبو عمر هذه الآثار كلها وغيره. فإن كنا قد حذرنا زلة العالم وقيل لنا: إنها من أخوف ما يخاف علينا وأمرنا مع ذلك أن لا نرجع عنه فالواجب على من شرح الله صدره للإسلام إذا بلغته مقالة ضعيفة عن بعض الأئمة أن لا يحكيها لمن يتقلدها بل يسكت عن ذكرها إن تيقن صحتها وإلا توقف في قبولها فكثيرا ما يحكى عن الأئمة ما لا حقيقة له وكثير من المسائل يخرجها بعض الأتباع على قاعدة متبوعه مع أن ذلك الإمام لو رأى أنها تفضي إلى ذلك لما التزمها وأيضا فلازم المذهب ليس بمذهب وإن كان لازم النص حقا لأن الشارع لا يجوز عليه التناقض فلازم قوله حق وأما من عداه فلا يمتنع عليه أن يقول الشيء ويخفى عليه لازمه ولو علم أن هذا لازمه لما قاله فلا يجوز أن يقال: هذا مذهبه ويقول ما لم يقله وكل من(3\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "818",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "820",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له علم بالشريعة وقدرها وبفضل الأئمة ومقاديرهم وعلمهم وورعهم ونصيحتهم للدين تيقن أنهم لو شاهدوا أمر هذه الحيل وما - أفضت إليه من التلاعب بالدين لقطعوا بتحريمها. ومما يوضح ذلك أن الذين أفتوا من العلماء ببعض مسائل الحيل وأخذوا ذلك من بعض قواعدهم لو بلغهم ما جاء في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لرجعوا عن ذلك يقينا فإنهم كانوا في غاية الإنصاف وكان أحدهم يرجع عن رأيه بدون ذلك وقد صرح بذلك غير واحد منهم وإن كانوا كلهم مجمعين على ذلك. قال الشافعي: إذا صح الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاضربوا بقولي الحائط وهذا وإن كان لسان الشافعي فإنه لسان الجماعة كلهم ومن الأصول التي اتفق عليها الأئمة أن أقوال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المنتشرة لا تترك إلا بمثلها. يوضح ذلك أن القول بتحريم الحيل قطعي ليس من مسالك الاجتهاد إذ لو كان من مسالك الاجتهاد لم يتكلم الصحابة والتابعون والأئمة في أرباب الحيل بذلك الكلام الغليظ الذي ذكرنا منه اليسير من الكثير وقد اتفق السلف على أنها بدعة محدثة فلا يجوز تقليد من يفتي بها ويجب نقض حكمه ولا يجوز الدلالة للمقلد على من يفتي بها وقد نص الإمام أحمد على ذلك كله ولا خلاف في ذلك بين الأئمة كما أن المكيين والكوفيين لا يجوز تقليدهم في مسألة المتعة والصرف والنبيذ ولا يجوز تقليد بعض المدنيين في مسألة الحشوش وإتيان النساء في أدبارهن بل عند فقهاء الحديث أن من شرب النبيذ المختلف فيه حد وهذا فوق الإنكار باللسان بل عند فقهاء أهل المدينة يفسق ولا تقبل شهادته وهذا يرد قول من قال: لا إنكار في المسائل المختلف فيها وهذا خلاف إجماع الأئمة ولا يعلم إمام من أئمة الإسلام قال ذلك وقد نص الإمام أحمد على أن من تزوج ابنته من الزنا يقتل والشافعي وأحمد ومالك لا يرون خلاف أبي حنيفة فيمن تزوج أمه وابنته أنه يدرأ عنه الحد بشبهة دراءة للحد بل عند الإمام أحمد - رضي الله عنه - يقتل وعند الشافعي ومالك يحد حد الزنا في هذا مع أن القائلين بالمتعة والصرف معهم سنة وإن كانت منسوخة وأرباب الحيل ليس معهم سنة ولا أثر عن صاحب ولا قياس صحيح. [خطأ قول من قال لا إنكار في المسائل الخلافية] وقولهم: quot; إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها quot; ليس بصحيح فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول والفتوى أو العمل أما الأول فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعا شائعا وجب(3\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "819",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "821",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنكاره اتفاقا وإن لم يكن كذلك فإن بيان ضعفه ومخالفته للدليل إنكار مثله وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره بحسب درجات الإنكار وكيف يقول فقيه لا إنكار في المسائل المختلف فيها والفقهاء من سائر الطوائف قد صرحوا بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتابا أو سنة وإن كان قد وافق فيه بعض العلماء وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم تنكر على من عمل بها مجتهدا أو مقلدا. وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم. والصواب ما عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوبا ظاهرا مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ فيها - إذا عدم فيها الدليل الظاهر الذي يجب العمل به - الاجتهاد لتعارض الأدلة أو لخفاء الأدلة فيها وليس في قول العالم: quot; إن هذه المسألة قطعية أو يقينية ولا يسوغ فيها الاجتهاد quot; طعن على من خالفها ولا نسبة له إلى تعمد خلاف الصواب والمسائل التي اختلف فيها السلف والخلف وقد تيقنا صحة أحد القولين فيها كثير مثل كون الحامل تعتد بوضع الحمل وأن إصابة الزوج الثاني شرط في حلها للأول وأن الغسل يجب بمجرد الإيلاج وإن لم ينزل وأن ربا الفضل حرام وأن المتعة حرام وأن النبيذ المسكر حرام وأن المسلم لا يقتل بكافر وأن المسح على الخفين جائز حضرا وسفرا وأن السنة في الركوع وضع اليدين على الركبتين دون التطبيق وأن رفع اليدين عند الركوع والرفع منه سنة وأن الشفعة ثابتة في الأرض والعقار وأن الوقت صحيح لازم وأن دية الأصابع سواء وأن يد السارق تقطع في ثلاثة دراهم وأن الخاتم من حديد يجوز أن يكون صداقا وأن التيمم إلى الكوعين بضربة واحدة جائز وأن صيام الولي عن الميت يجزئ عنه وأن الحاج يلبي حتى يرمي جمرة العقبة وأن المحرم له استدامة الطيب دون ابتدائه وأن السنة أن يسلم في الصلاة عن يمينه وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله. وأن خيار المجلس ثابت في البيع وأن المصراة يرد معها عوض اللبن صاعا من تمر وأن صلاة الكسوف بركوعين في كل ركعة وأن القضاء جائز بشاهد ويمين إلى أضعاف أضعاف ذلك من المسائل ولهذا صرح الأئمة بنقض حكم من حكم بخلاف كثير من هذه المسائل من غير طعن منهم على من قال بها. وعلى كل حال فلا عذر عند الله يوم القيامة لمن بلغه ما في المسألة من هذا الباب(3\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "820",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "822",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وغيره من الأحاديث والآثار التي لا معارض لها إذا نبذها وراء ظهره وقلد من نهاه عن تقليده وقال له لا يحل لك أن تقول بقولي إذا خالف السنة وإذا صح الحديث فلا تعبأ بقولي وحتى لو لم يقل له ذلك كان هذا هو الواجب عليه وجوبا لا فسحة له فيه وحتى لو قال له خلاف ذلك لم يسعه إلا اتباع الحجة ولو لم يكن في هذا الباب شيء من الأحاديث والآثار ألبتة فإن المؤمن يعلم بالاضطرار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يعلم أصحابه هذه الحيل ولا يدلهم عليها ولو بلغه عن أحد فعل شيئا منها لأنكر عليه ولم يكن أحد من أصحابه يفتي بها ولا يعلمها وذلك مما يقطع به كل من له أدنى اطلاع على أحوال القوم وسيرتهم وفتاويهم هذا القدر لا يحتاج إلى دليل أكثر من معرفة حقيقة الدين الذي بعث الله به رسوله.  [فصل إبطال حيلة لتصحيح وقف الإنسان على نفسه] فصل فلنرجع إلى المقصود وهو بيان بطلان هذه الحيل على التفصيل وأنها لا تتمشى لا على قواعد الشرع ومصالحه وحكمه ولا على أصول الأئمة [إبطال حيلة لتصحيح وقف الإنسان على نفسه] قال شيخنا: ومن الحيل الجديدة التي لا أعلم بين فقهاء الطوائف خلافا في تحريمها أن يريد الرجل أن يقف على نفسه بعد موته على جهات متصلة فيقول له أرباب الحيل: أقر أن هذا المكان الذي بيدك وقف عليك من غيرك ويعلمونه الشروط التي يريد إنشاءها فيجعلها إقرارا فيعلمونه الكذب في الإقرار ويشهدون على الكذب وهم يعلمون ويحكمون بصحته ولا يستريب مسلم في أن هذا حرام فإن الإقرار شهادة من الإنسان على نفسه فكيف يلقن شهادة الزور ويشهد عليه بصحتها ثم إن كان وقف الإنسان على نفسه باطلا في دين الله فقد علمتموه حقيقة الباطل فإن الله تعالى قد علم أن هذا لم يكن وقفا قبل الإقرار ولا صار وقفا بالإقرار الكاذب فيصير المال حراما على من يتناوله إلى يوم القيامة وإن كان وقف الإنسان على نفسه صحيحا فقد أغنى الله تعالى عن تكلف الكذب. قلت: ولو قيل إنه مسألة خلاف يسوغ فيها الاجتهاد فإذا وقفه على نفسه كان لصحته مساغ لما فيه من الاختلاف لساغ وأما الإقرار بوقفه من غير إنشاء متقدم فكذب بحت ولا يجعله ذلك وقفا اتفاقا إذ أخذ الإقرار على حقيقته ومعلوم قطعا أن تقليد الإنسان لمن يفتي بهذا القول ويذهب إليه أقرب إلى الشرع والعقل من توصله إليه بالكذب والزور(3\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "821",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "823",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والإقرار الباطل فتقليد عالم من علماء المسلمين أعذر عند الله من تلقين الكذب والشهادة عليه. فصل ولهم حيلة أخرى - وهي أن الذي يريد الوقف يملكه لبعض من يثق به ثم يقفه ذلك المملك عليه بحسب اقتراحه - وهذا لا شك في قبحه وبطلانه فإن التمليك المشروع المعقول أن يرضى المملك بنقل الملك إلى المملك بحيث يتصرف فيه بما يجب من وجوه التصرفات وهنا قد علم الله تعالى والحفظة الموكلون بالعبد ومن يشاهدهم من بني آدم من هذا المملك أنه لم يرض بنقل الملك إلى هذا ولا خطر له على بال ولو سأله درهما واحدا فلعله كان لم يسمح به عليه ولم يرض بتصرفه فيه إلا بوقفه على المملك خاصة بل قد ملكه إياه بشرط أن يتبرع عليه به وقفا إما بشرط مذكور وإما بشرط معهود متواطأ عليه وهذا تمليك فاسد قطعا وليس بهبة ولا صدقة ولا هدية ولا وصية ولا إباحة وليس هذا بمنزلة العمرى والرقبى المشروط فيها العود إلى المعمر فإن هناك ملكه التصرف فيه وشرط العود وهنا لم يملكه شيئا وإنما تكلم بلفظ التمليك غير قاصد معناه والموهوب له يصدقه أنهما لم يقصدا حقيقة الملك بل هو استهزاء بآيات الله وتلاعب بحدوده وسنذكر إن شاء الله في الفصل الذي بعد هذا الطريق الشرعية المغنية عن هذه الحيلة الباطلة.  [فصل إبطال حيلة لتأجير الوقف مدة طويلة] فصل [إبطال حيلة لتأجير الوقف مدة طويلة] ومن الحيل الباطلة: تحيلهم على إيجار الوقف مائة سنة مثلا وقد شرط الواقف ألا يؤجر أكثر من سنتين أو ثلاثا فيؤجره المدة الطويلة في عقود متفرقة في مجلس واحد وهذه الحيلة باطلة قطعا فإنه إنما قصد بذلك دفع المفاسد المترتبة على طول مدة الإجارة فإنها مفاسد كثيرة جدا وكم قد ملك من الوقوف بهذه الطرق وخرج عن الوقفية بطول المدة واستيلاء المستأجر فيها على الوقف هو وذريته وورثته سنين بعد سنين وكم فات البطون اللواحق من منفعة الوقف بالإيجار الطويل وكم أوجر الوقف بدون إجارة مثله لطول المدة وقبض الأجرة وكم زادت أجرة الأرض أو العقار أضعاف ما كانت ولم يتمكن الموقوف عليه من استيفائها وبالجملة فمفاسد هذه الإجارة تفوت العد والواقف إنما قصد دفعها وخشي منها بالإجارة الطويلة فصرح بأنه لا يؤجر أكثر من تلك المدة التي شرطها(3\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "822",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "824",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإيجاره أكثر منها سواء كان في عقد أو عقود مخالفة صريحة لشرطه مع ما فيها من المفسدة بل المفاسد العظيمة. ويا لله العجب هل تزول هذه المفاسد بتعدد العقود في مجلس واحد وأي غرض للعاقل أن يمنع الإجارة لأكثر من تلك المدة ثم يجوزها في ساعة واحدة في عقود متفرقة وإذا أجره في عقود متفرقة أكثر من ثلاث سنين أيصح أن يقال: وفى بشرط الواقف ولم يخالفه هذا من أبطل الباطل وأقبح الحيل وهو مخالف لشرط الواقف ومصلحة الموقوف عليه وتعريض لإبطال هذه الصدقة وأن لا يستمر نفعها وألا يصل إلى من بعد الطبقة الأولى وما قاربها فلا يحل لمفت أن يفتي بذلك ولا لحاكم أن يحكم به ومتى حكم به نقض حكمه اللهم إلا أن يكون فيه مصلحة الوقف بأن يخرب ويتعطل نفعه فتدعو الحاجة إلى إيجاره مدة طويلة يعمر فيها بتلك الأجرة فهنا يتعين مخالفة شرط الواقف تصحيحا لوقفه واستمرارا لصدقته وقد يكون هذا خيرا من بيعه والاستبدال به وقد يكون البيع أو الاستبدال خيرا من الأجرة والله يعلم المفسد من المصلح. والذي يقضي منه العجب التحيل على مخالفة شرط الواقف وقصده الذي يقطع بأنه قصده مع ظهور المفسدة والوقوف مع ظاهر شرطه ولفظه المخالف لقصده والكتاب والسنة ومصلحة الموقوف عليه بحيث يكون مرضاة الله ورسوله ومصلحة الواقف وزيادة أجره ومصلحة الموقوف عليه وحصول الرفق به مع كون العمل أحب إلى الله ورسوله لا يغير شرط الواقف ويجري مع ظاهر لفظه وإن ظهر قصده بخلافه. وهل هذا إلا من قلة الفقه بل من عدمه فإذا تحيلتم على إبطال مقصود الواقف حيث يتضمن المفاسد العظيمة فهلا تحيلتم على مقصوده ومقصود الشارع حيث يتضمن المصالح الراجحة بتخصيص لفظه أو تقييده أو تقديم شرط الله عليه فإن شرط الله أحق وأوثق بل يقولون ها هنا: نصوص الواقف كنصوص الشارع وهذه جملة من أبطل الكلام وليس لنصوص الشارع نظير من كلام غيره أبدا بل نصوص الواقف يتطرق إليها التناقض والاختلاف ويجب إبطالها إذا خالفت نصوص الشارع وإلغاؤها ولا حرمة لها حينئذ ألبتة ويجوز - بل يترجح - مخالفتها إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله منها وأنفع للواقف والموقوف عليه ويجوز اعتبارها والعدول عنها مع تساوي الأمرين ولا يتعين الوقوف معها وسنذكر إن شاء الله فيما بعد ونبين ما يحل الإفتاء به وما لا يحل من شروط الواقفين إذ القصد بيان بطلان هذه الحيلة شرعا وعرفا ولغة.(3\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "823",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "825",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل إبطال حيلة لإبرار من حلف ألا يفعل ما لا يفعله بنفسه] فصل [إبطال حيلة لإبرار من حلف ألا يفعل ما لا يفعله بنفسه عادة] : ومن الحيل الباطلة ما لو حلف أن لا يفعل شيئا ومثله لا يفعله بنفسه أصلا كما لو حلف السلطان أن لا يبيع كذا ولا يحرث هذه الأرض ولا يزرعها ولا يخرج هذا من بلده ونحو ذلك فالحيلة أن يأمر غيره أن يفعل ذلك ويبر في يمينه إذا لم يفعله بنفسه وهذا من أبرد الحيل وأسمجها وأقبحها وفعل ذلك هو الحنث الذي حلف عليه بعينه ولا يشك في أنه حانث ولا أحد من العقلاء وقد علم الله ورسوله والحفظة - بل والحالف نفسه - أنه إنما حلف على نفي الأمر والتمكين من ذلك لا على مباشرته والحيل إذا أفضت إلى مثل هذا سمجت غاية السماجة ويلزم أرباب الحيل والظاهر أنهم يقولون إنه إذا حلف أن لا يكتب لفلان توقيعا ولا عهدا ثم أمر كتابه أن يكتبوه له فإنه لا يحنث سواء كان أميا أو كاتبا وكذلك إذا حلف أن لا يحفر هذا البئر ولا يكري هذا النهر فأمر غيره بحفره وإكرائه أنه لا يحنث.  [فصل إبطال حيلة لمن حلف لا يفعل شيئا ففعل بعضه] فصل [إبطال حيلة لمن حلف لا يفعل شيئا ففعل بعضه] ومن الحيل الباطلة لو حلف لا يأكل هذا الرغيف أو لا يسكن في الدار هذه السنة أو لا يأكل هذا الطعام قالوا: يأكل الرغيف ويدع منه لقمة واحدة ويسكن السنة كلها إلا يوما واحدا ويأكل الطعام كله إلا القدر اليسير منه ولو أنه لقمة. وهذه حيلة باطلة باردة ومتى فعل ذلك فقد أتى بحقيقة الحنث وفعل نفس ما حلف عليه وهذه الحيلة لا تتأتى على قول من يقول: يحنث بفعل [بعض] المحلوف [عليه] ولا على قول من يقول لا يحنث لأنه لم يرد مثل هذه الصورة قطعا وإنما أراد به إذا أكل لقمة مثلا من الطعام الذمي حلف أنه لا يأكله أو حبة من القطف الذي حلف على تركه ولم يرد أنه يأكل القطف إلا حبة واحدة منه وعالم لا يقول هذا. ثم يلزم هذا المتحيل أن يجوز للمكلف فعل كل ما نهى الشارع عن جملته فيفعله إلا القدر اليسير منه فإن البر والحنث في الأيمان نظير الطاعة والمعصية في الأمر والنهي ولذلك لا يبر إلا بفعل المحلوف عليه جميعه لا بفعل بعضه كما لا يكون مطيعا إلا بفعله جميعه ويحنث بفعل بعضه كما يعصي بفعل بعضه فيلزم هذا القائل أن يجوز للمحرم(3\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "824",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "826",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في الإحرام حلق تسعة أعشار رأسه بل وتسعة أعشار العشر الباقي لأن الله تعالى إنما نهاه عن حلق رأسه كله لا عن بعضه كما يفتي لمن حلف لا يحلق رأسه أن يحلقه إلا القدر اليسير منه. وتأمل لو فعل المريض هذا فيما نهاه الطبيب عن تناوله هل يعد قابلا منه أو لو فعل مملوك الرجل أو زوجته أو ولده ذلك فيما نهاهم عنه هل يكونون مطيعين له أم مخالفين وإذا تحيل أحدهم على نقض غرض الآمر وإبطاله بأدنى الحيل هل كان يقبل ذلك منه ويحمده عليه أو يعذره وهل يعذر أحدا من الناس يعامله بهذه الحيل فكيف يعامل هو بهذا من لا تخفى عليه خافية  [فصل إبطال حيلة لإسقاط حق الحضانة] فصل [إبطال حيلة لإسقاط حق الحضانة] : ومن الحيل الباطلة المحرمة ما لو أراد الأب إسقاط حضانة الأم أن يسافر إلى غير بلدها فيتبعه الولد. وهذه الحيلة مناقضة لما قصده الشارع فإنه جعل الأم أحق بالولد من الأب مع قرب الدار وإمكان اللقاء كل وقت لو قضى به للأب وقضى أن لا توله والدة على ولدها وأخبر أن من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة ومنع أن تباع الأم دون ولدها والولد دونها وإن كانا في بلد واحد فكيف يجوز مع هذا التحيل على التفريق بينها وبين ولدها تفريقا تعز معه رؤيته ولقاؤه ويعز عليها الصبر عنه وفقده وهذا من أمحل المحال بل قضاء الله ورسوله أحق أن الولد للأم: سافر الأب أو أقام والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال للأم: أنت أحق به ما لم تنكحي فكيف يقال: أنت أحق به ما لم يسافر الأب وأين هذا في كتاب الله أو في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو فتاوى أصحابه أو القياس الصحيح فلا نص ولا قياس ولا مصلحة.  [فصل إبطال حيلة لجعل تصرفات المريض نافذة] فصل (إبطال حيلة لجعل تصرفات المريض نافذة) : ومن الحيل الباطلة المحرمة إذا أراد حرمان امرأته [من] الميراث أو كانت تركته كلها عبيدا وإماء فأراد جعل تدبيرهم من رأس المال أن يقول في الصورة الأولى: إذا مت(3\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "825",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "827",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من مرضي هذا فأنت طالق قبل مرضي بساعة ثلاثا ويقول في الصورة الثانية: إذا مت في مرضي هذا فأنتم عتقاء قبله بساعة وحينئذ فيقع الطلاق والعتق في الصحة. وهذه حيلة باطلة فإن التعليق إنما وقع منه في حال مرض موته ولم يقارنه أثره وهو في هذه الحال لو نجز العتق والطلاق لكان العتق من الثلث والطلاق غير مانع للميراث مع مقارنة أثره له وقوة المنجز وضعف المعلق وأيضا فالشرط هو موته في مرضه والجزاء المعلق عليه هو العتق والطلاق والجزاء يستحيل أن يسبق شرطه إذ في ذلك إخراج الشرط عن حقيقته وحكمه وقد تقدم تقرير ذلك في الحيلة السريجية.  [فصل إبطال حيلة لتأخير رأس مال السلم] فصل [إبطال حيلة لتأخير رأس مال السلم] : ومن الحيل الباطلة المحرمة إذا كان مع أحدهما دينار رديء ومع الآخر نصف دينار جيد فأراد بيع أحدهما بالآخر قال أرباب الحيل: الحيلة أن يبيعه دينارا بدينار في الذمة ثم يأخذ البائع الدينار الذي يريد شراءه بالنصف فيريد الآخر دينارا عوضه فيدفع إليه نصف الدينار وفاء ثم يستقرضه منه فيبقى له في ذمته نصف دينار ثم يعيده إليه وفاء عن قرضه فيبرأ منه ويفوز كل منهما بما كان مع الآخر. ومثل هذه الحيلة لو أراد أن يجعل بعض رأس مال السلم دينارا يوفيه إياه في وقت آخر بأن يكون معه نصف دينار ويريد أن يسلم إليه دينارا في كر حنطة فالحيلة أن يسلم إليه دينارا غير معين ثم يوفيه نصف الدينار ثم يعود فيستقرضه منه ثم يوفيه إياه عما له عليه من الدين فيتفرقان وقد بقي له في ذمته نصف دينار. وهذه الحيلة من أقبح الحيل فإنهما لا يخرجان بها عن بيع دينار بنصف دينار ولا عن تأخير رأس مال السلم عن مجلس العقد ولكن توصلا إلى ذلك بالقرض الذي جعلا صورته مبيحة لصريح الربا ولتأخير قبض رأس مال السلم وهذا غير القرض الذي جاءت به الشريعة وهو قرض لم يشرعه الله وإنما اتخذه المتعاقدان تلاعبا بحدود الله وأحكامه واتخاذا لآياته هزوا وإذا كان القرض الذي يجر النفع ربا عند صاحب الشرع فكيف بالقرض الذي يجر صريح الربا وتأخير قبض رأس مال السلم .(3\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "826",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "828",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل إبطال حيلة لإسقاط حق الشفعة] فصل [إبطال حيلة لإسقاط حق الشفعة] ومن الحيل الباطلة المحرمة التحيل على إسقاط ما جعله الله حقا للشريك على شريكه من استحقاق الشفعة دفعا للضرر والتحيل لإبطالها مناقض لهذا الغرض وإبطال لهذا الحكم بطريق التحيل. وقد ذكروا وجوها من الحيل. منها: أن يتفقا على مقدار الثمن ثم عند العقد يصبره صبرة غير موزونة فلا يعرف الشفيع ما يدفع فإذا فعلا ذلك فللشفيع أن يستحلف المشتري أنه لا يعرف قدر الثمن فإن نكل قضى عليه بنكوله وإن حلف فللشفيع أخذ الشقص بقيمته. ومنها: أن يهب الشقص للمشتري ثم يهبه المشتري ما يرضيه وهذا لا يسقط الشفعة وهذا بيع وإن لم يتلفظا به فله أن يأخذ الشقص بنظير الموهوب. ومنها: أن يشتري الشقص ويضم إليه سكينا أو منديلا بألف درهم فيصير حصة الشقص من الثمن مجهولة. وهذا لا يسقط الشفعة بل يأخذ الشفيع الشقص بقيمته كما لو استحق أحد العوضين وأراد المشتري أخذ الآخر فإنه يأخذ [هـ] بحصته من الثمن إن انقسم الثمن عليهما بالأجزاء وإلا فبقيمته. وهذا الشقص مستحق شرعا فإن الشارع جعل الشفيع أحق به من المشتري بثمن فلا يسقط حقه منه بالحيلة والمكر والخداع. ومنها: أن يشتري الشقص بألف دينار ثم يصارفه عن كل دينار بدرهمين فإذا أراد أخذه أخذه بالثمن الذي وقع عليه العقد. وهذه الحيلة لا تسقط الشفعة وإذا أراد أخذه أخذه بالثمن الذي استقر عليه العقد وتواطأ عليه البائع والمشتري فإنه هو الذي انعقد به العقد ولا عبرة بما أظهراه من الكذب والزور والبهتان الذي لا حقيقة له ولهذا لو استحق المبيع فإن المشتري لا يرجع على البائع بألف دينار وإنما يرجع عليه بالثمن الذي تواطأ عليه واستقر عليه العقد فالذي يرجع به عند الاستحقاق هو الذي يدفعه الشفيع عند الأخذ. هذا محض العدل الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه ولا تحتمل الشريعة سواه. ومنها: أن يشتري بائع الشقص من المشتري عبدا قيمته مائة درهم بألف درهم في ذمته ثم يبيعه الشقص بالألف. وهذه الحيلة لا تبطل الشفعة ويأخذ الشفيع الشقص بالثمن الذي يرجع به المشتري على البائع إذا استحق المبيع وهو قيمة العبد.(3\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "827",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "829",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: أن يشتري الشقص بألف وهو يساوي مائة ثم يبرئه البائع من تسع مائة. وهذا لا يسقط الشفعة ويأخذه الشفيع بما بقي من الثمن بعد الإسقاط وهو الذي يرجع به إذا استحق المبيع. ومنها: أن يشتري جزءا من الشقص بالثمن كله ثم يهب له بقية الشقص. وهذا لا يسقطها ويأخذ الشفيع الشقص كله بالثمن فإن هذه الهبة لا حقيقة لها والموهوب هو المبيع بعينه ولا تغير حقائق العقود وأحكامها التي شرعت فيها بتغير العبارة. وليس للمكلف أن يغير حكم العقد بتغيير عبارته فقط مع قيام حقيقته وهذا لو أراد من البائع أن يهبه جزءا من ألف جزء من الشقص بغير عوض لما سمحت نفسه بذلك ألبتة فكيف يهبه ما يساوي مائة ألف بلا عوض وكيف يشتري منه. الآخر مائة درهم بمائة ألف وهل هذا إلا سفه يقدح في صحة العقد قال الإمام أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد وقد سأله عن الحيلة في إبطال الشفعة فقال: لا يجوز شيء من الحيل في ذلك ولا في إبطال حق مسلم. وقال عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - في هذه الحيل وأشباهها: من يخدع الله يخدعه والحيلة خديعة. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا تحل الخديعة لمسلم والله تعالى ذم المخادعين والمتحيل مخادع لأن الشفعة شرعت لدفع الضرر فلو شرع التحيل لإبطالها لكان عودا على مقصود الشريعة بالإبطال وللحق الضرر الذي قصد إبطاله.  [فصل التحيل على إبطال القسمة] فصل [إبطال حيلة لتفويت حق القسمة] ومن الحيل الباطلة التحيل على إبطال القسمة في الأرض القابلة لها بأن يقف الشريك منها سهما من مائة ألف سهم مثلا على من يريد فيصير الشريك شريكا في الوقف والقسمة بيع فتبطل. وهذه حيلة فاسدة باردة لا تبطل حق الشريك من القسمة وتجوز القسمة ولو وقف حصته كلها فإن القسمة إفراز حق وإن تضمنت معاوضة وهي غير البيع حقيقة واسما وحكما وعرفا ولا يسمى القاسم بائعا لا لغة ولا شرعا ولا عرفا ولا يقال للشريكين إذا(3\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "828",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "830",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تقاسما تبايعا ولا يقال لواحد منهما إنه قد باع ملكه ولا يدخل المتقاسمان تحت نص واحد من النصوص المتناولة للبيع ولا يقال لناظر الوقف إذا أفرز الوقف وقسمه من غيره إنه قد باع الوقف وللآخر إنه قد اشترى الوقف وكيف ينعقد البيع بلفظ القسمة ولو كانت بيعا لوجبت فيها الشفعة ولو كانت بيعا لما أجبر الشريك عليها إذا طلبها شريكه فإن أحدا لا يجبر على بيع ماله ويلزم إخراج القرعة بخلاف البيع ويتقدر أحد النصيبين فيها بقدر النصيب الآخر إذا تساويا وبالجملة فهي منفردة عن البيع باسمها وحقيقتها وحكمها.  [فصل التحيل على تصحيح المزارعة لمن يعتقد فسادها] فصل [إبطال حيلة لتصحيح المزارعة مع القول بفسادها] : ومن الحيل الباطلة التحيل على تصحيح المزارعة لمن يعتقد فسادها بأن يدفع الأرض إلى المزارع ويؤجره نصفها مشاعا مدة معلومة يزرعها ببذره على أن يزرع للمؤجر النصف الآخر ببذره تلك المدة ويحفظه ويسقيه ويحصده ويذريه فإذا فعلا ذلك أخرج البذر منهما نصفين نصفا من المالك ونصفا من المزارع ثم خلطاه فتكون الغلة بينهما نصفين فإن أراد صاحب الأرض أن يعود إليه ثلثا الغلة آجره ثلث الأرض مدة معلومة على أن يزرع له مدة الإجارة ثلثي الأرض ويخرجان البذر منهما أثلاثا ويخلطانه وإن أراد المزارع أن يكون له ثلثا البذر استأجر ثلثي الأرض بزرع الثلث الآخر كما تقدم. فتأمل هذه الحيلة الطويلة الباردة المتعبة وترك الطريق المشروعة التي فعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى كأنها رأي عين واتفق عليها الصحابة وصح فعلها عن الخلفاء الراشدين صحة لا يشك فيها كما حكاه البخاري في صحيحه فما مثل هذا العدول عن طريقة القوم إلى هذه الحيلة الطويلة السمجة إلا بمنزلة من أراد الحج من المدينة على الطريق التي حج فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فقيل له: هذه الطريق مسدودة وإذا أردت أن تحج فاذهب إلى الشام ثم منها إلى العراق ثم حج على درب العراق وقد وصلت. فيا لله العجب كيف تسد عليه الطريق القريبة السهلة القليلة الخطر التي سلكها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ويدل على الطرق الطويلة الصعبة المشقة الخطرة التي لم يسلكها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من أصحابه فلله العظيم عظيم حمد ... كما أهدى لنا نعما غزارا وهذا شأن جميع الحيل إذ كانت صحيحة جائزة وأما إذا كانت باطلة محرمة فتلك لها شأن آخر وهي طريق إلى مقصد آخر غير الكعبة البيت الحرام وبالله التوفيق.(3\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "829",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "831",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل إبطال حيلة لإسقاط حق الأب في الرجوع في الهبة] فصل [إبطال حيلة لإسقاط حق الأب في الرجوع في الهبة ونحو ذلك] : ومن الحيل الباطلة التي لا تسقط الحق إذا أراد الابن منع الأب الرجوع فيما وهبه إياه أن يبيعه لغيره ثم يستقيله إياه وكذلك المرأة إذا أرادت منع الزوج من الرجوع في نصف الصداق باعته ثم استقالته. وهذا لا يمنع الرجوع فإن المحذور إبطال حق لغير من العين وهذا لا يبطل للغير حقا والزائل العائد كالذي لم يزل ولا سيما إذا كان زواله إنما جعل ذريعة وصورة إلى إبطال حق الغير فإنه لا يبطل بذلك. يوضحه أن الحق كان متعلقا بالعين تعلقا قدم الشارع مستحقه على المالك لقوته ولا يكون صورة إخراجه عن يد المالك إخراجا لا حقيقة له أقوى من الاستحقاق الذي أثبت الشارع به انتزاعه من يد المالك بل لو كان الإخراج حقيقة ثم عاد لعاد حق الأول من الأخذ لوجود مقتضيه وزوال مانعه والحكم إذا كان له مقتض فمنع مانع من إعماله ثم زال المانع اقتضى المقتضي عمله.  [فصل إبطال حيلة لتجويز الوصية للوارث] فصل [إبطال حيلة لتجويز الوصية للوارث] ومن الحيل الباطلة المحرمة إذا أراد أن يخص بعض ورثته ببعض الميراث وقد علم أن الوصية لا تجوز وأن عطيته في مرضه وصية فالحيلة أن يقول: كنت وهبت له كذا وكذا في صحتي أو يقر له بدين فيتقدم به. وهذا باطل والإقرار للوارث في مرض الموت لا يصح للتهمة عند الجمهور بل مالك يرده للأجنبي إذا ظهرت التهمة وقوله هو الصحيح وأما إقراره أنه كان وهبه إياه في صحته فلا يقبل أيضا كما لا يقبل إقراره له بالدين ولا فرق بين إقراره له بالدين أو بالعين وأيضا فهذا المريض لا يملك إنشاء عقد التبرع المذكور فلا يملك الإقرار به لاتحاد المعنى الموجب لبطلان الإنشاء فإنه بعينه قائم في الإقرار وبهذا يزول النقض بالصور التي يملك فيها الإقراء دون الإنشاء فإن المعنى الذي منع من الإنشاء هناك لم يوجد في الإقرار فتأمل هذا الفرق.(3\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "830",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "832",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومن الحيل الباطلة المحرمة إذا أراد أن يحابي وارثه في مرضه أن يبيع أجنبيا شفيعه وارثه شقصا بدون ثمنه ليأخذه وارثه بالشفعة. فمتى قصد ذلك حرمت المحاباة المذكورة وكان للورثة إبطالها إذا كانت حيلة على محاباة الوارث وهذا كما يبطل الإقرار له لأنه قد يتخذ حيلة لتخصيصه. وقال أصحابنا: له الأخذ بالشفعة وهذا لا يستقيم على أصول المذهب إلا إذا لم يكن حيلة فأما إذا كان حيلة فأصول المذهب تقتضي ما ذكرناه ومن اعتبر سد الذرائع فأصله يقتضي عدم الأخذ بها وإن لم يقصد الحيلة فإن قصد التحيل امتنع الأخذ لذلك وإن لم يقصده امتنع سدا للذريعة.  [فصل إبطال حيلة لإسقاط أرش الجنايات] فصل [إبطال حيلة لإسقاط أرش الجنايات] : ومن الحيل الباطلة المحرمة إذا أوضح رأسه في موضعين وجب عليه عشرة أبعرة من الإبل فإذا أراد جعلها خمسة فليوضحه ثالثة تخرق ما بينهما. وهذه الحيلة مع أنها محرمة فإنهما لا تسقط ما وجب عليه فإن العشر لا يجب عليه إلا بالاندمال فإذا فعل ذلك بعد الاندمال فهي موضحة ثالثة وعليه ديتها فإن كان قبل الاندمال ولم يستقر أرش الموضحتين الأوليين حتى صار الكل واحدة من جان واحد فهو كما لو سرت الجناية حتى خرقت ما بينهما فإنها تصير واحدة. وهكذا لو قطع أصبعا بعد أصبع من امرأة حتى قطع أربعا فإنه يجب عشرون ولو اقتصر على الثلاث وجب ثلاثون وهذا بخلاف ما لو قطع الرابعة بعد الاندمال فإنه يجب فيها عشرة كما لو تعدد الجاني فإنه يجب على كل واحد أرش جنايته قبل الاندمال وبعده وكذلك لو قطع أطراف رجل وجب عليه ديات فإن اندملت ثم قتله بعد ذلك فعليه مع تلك الديات دية النفس ولو قتله قبل الاندمال فدية واحدة كما لو قطعه عضوا عضوا حتى مات.(3\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "831",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "833",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل إبطال حيل لإسقاط حد السرقة] فصل [إبطال حيل لإسقاط حد السرقة] : ومن الحيل الباطلة الحيل التي فتحت للسراق واللصوص التي لو صحت لم تقطع يد سارق أبدا ولعم الفساد وتتابع السراق في السرقة. فمنها: أن ينقب أحدهما السطح ولا يدخل ثم يدخل عبده أو شريكه فيخرج المتاع من السطح. ومنها: أن ينزل أحدهما من السطح فيفتح الباب من داخل ويدخل الآخر فيخرج المتاع. ومنها: أن يدعي أنه ملكه وأن رب البيت عبده فبمجرد ما يدعي ذلك يسقط عنه القطع ولو كان رب البيت معروف النسب والناس تعرف أن المال ماله وأبلغ من هذا أنه لو ادعى العبد السارق أن المسروق لسيده وكذبه السيد قالوا: فلا قطع عليه بل يسقط عنه القطع بهذه الدعوى. ومنها: أن يبلع الجوهرة أو الدنانير ويخرج بها. ومنها: أن يغير هيئة المسروق بالحرز ثم يخرج به. ومنها: أن يدعي أن رب الدار أدخله داره وفتح له باب داره فيسقط عنه القطع وإن كذبه إلى أمثال ذلك من الأقوال التي حقيقتها أنه لا يجب القطع على سارق ألبتة. وكل هذه حيل باطلة لا تسقط القطع ولا تثير أدنى شبهة ومحال أن تأتي شريعة بإسقاط عقوبة هذه الجريمة بها بل ولا سياسة عادلة فإن الشرائع مبنية على مصالح العباد وفي هذه الحيل أعظم الفساد ولو أن ملكا من الملوك وضع عقوبة على جريمة من الجرائم لمصلحة رعيته ثم أسقطها بأمثال هذه الحيل عد متلاعبا.  [فصل إبطال حيلة لإسقاط حد الزنا] فصل [إبطال حيلة لإسقاط حد الزنا] : ومن الحيل الباطلة الحيلة التي تتضمن إسقاط حد الزنا بالكلية وترفع هذه الشريعة من الأرض بأن يستأجر المرأة لتطوي له ثيابه أو تحول له متاعا من جانب الدار إلى جانب آخر أو يستأجرها لنفس الزنا ثم يزني بها فلا يجب عليه الحد.(3\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "832",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "834",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأعظم من هذا كله أنه إذا أراد أن يزني بأمه أو أخته أو ابنته أو خالته أو عمته ولا يجب عليه الحد فليعقد عليها عقد النكاح بشهادة فاسقين ثم يطؤها ولا حد عليه. وأعظم من ذلك أن الرجل المحصن إذا أراد أن يزني ولا يحد فليرتد ثم يسلم فإنه إذا زنى بعد ذلك فلا حد عليه أبدا حتى يستأنف نكاحا أو وطئا جديدا. وأعظم من هذا كله أنه إذا زنى بأمه وخاف من إقامة الحد عليه فليقتلها فإذا فعل ذلك سقط عنه الحد وإذا شهد عليه الشهود بالزنا ولم يمكنه القدح فيهم فليصدقهم. فإذا صدقهم سقط عنه الحد. ولا يخفى أمر هذه الحيل ونسبتها إلى دين الإسلام وهل هي نسبة موافقة أو هي نسبة مناقضة .  [فصل إبطال حيلة لإبرار من حلف لا يأكل شيئا] فصل [إبطال حيلة لإبرار من حلف لا يأكل شيئا ثم غيره عن حاله الأول] : ومن الحيل الباطلة أنه إذا حلف لا يأكل من هذا القمح فالحيلة أن يطحنه ويعجنه ويأكله خبزا وطرد هذه الحيلة الباردة أنه إذا حلف لا يأكل هذه الشاة فليذبحها وليطبخها ثم يأكلها وإذا حلف أنه لا يأكل هذه النخلة فليجذ ثمرها ثم يأكلها فإن طردوا ذلك فمن الفضائح الشنيعة وإن فرقوا تناقضوا فإن قالوا: quot; الحنطة يمكن أكلها صحاحا بخلاف الشاة والنخلة فإنه لا يمكن فيها ذلك quot; قيل: والعادة أن الحنطة لا يأكلها صحاحا إلا الدواب والطير وإنما تؤكل خبزا فكلاهما سواء عند الحالف وكل عاقل.  [فصل من الحيل الباطلة لو حلف أنه لا يأكل هذا الشحم] فصل ومن الحيل الباطلة المحرمة المضاهية للحيلة اليهودية ما لو حلف أنه لا يأكل هذا الشحم فالحيلة أن يذيبه ثم يأكل. وهذا كله تصديق لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة قالوا: اليهود والنصارى قال: فمن وتصديق قوله: لتأخذن أمتي ما أخذ الأمم قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو كان منهم من أتى علانية لكان فيهم من يفعله .(3\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "833",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "835",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذه الحيلة في الشحوم هي حيلة اليهود بعينها بل أبلغ منها فإن أولئك لم يأكلوا الشحم بعد إذابته وإنما أكلوا ثمنه.  [فصل إبطال حيلة لتجويز نكاح الأمة مع الطول] فصل [إبطال حيلة لتجويز نكاح الأمة مع الطول] : ومن الحيل الباطلة المحرمة لمن أراد أن يتزوج بأمة وهو قادر على نكاح حرة أن يملك ماله لولده ثم يعقد على الأمة ثم يسترد المال منه. وهذه الحيلة لا ترفع المفسدة التي حرم لأجلها نكاح الأمة ولا تخففها ولا تجعله عادما للطول فلا تدخل في قوله: ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات [النساء: 25] وهذه الحيلة حيلة على استباحة نفس ما حرم الله تعالى.  [فصل الحيلة فيما إذا على كافر بناءه على مسلم] فصل ومنها لو على كافر بناءه على مسلم منع من ذلك فالحيلة على جوازه أن يعليها مسلم ما شاء ثم يشتريها الكافر منه فيسكنها. وهذه الحيلة وإن ذكرها بعض الأصحاب فهي مما أدخلت في المذهب غلطا محضا ولا توافق أصوله ولا فروعه فالصواب المقطوع به عدم تمكينه من سكناها فإن المفسدة لم تكن في نفس البناء وإنما كانت في ترفعه على المسلمين. ومعلوم قطعا أن هذه المفسدة في الموضعين واحدة.  [فصل إسقاط حيلة لإبراء الغاصب من الضمان] فصل [إسقاط حيلة لإبراء الغاصب من الضمان] ومن الحيل الباطلة إذا غصبه طعاما ثم أراد أن يبرأ منه ولا يعلمه به فليدعه إلى داره ثم يقدم له ذلك الطعام فإذا أكله برئ الغاصب. وهذه الحيلة باطلة فإنه لم يملكه إياه ولا مكنه من التصرف فيه فلم يكن بذلك رادا لعين ماله إليه. فإن قيل: فما تقولون لو أهداه إليه فقبله وتصرف فيه وهو لا يعلم أنه ماله قيل: إن خاف من إعلامه به ضررا يلحقه منه برئ بذلك وإن لم يخف ضررا وإنما أراد المنة عليه ونحو ذلك لم يبرأ ولا سيما إن كافأه على الهدية فقبل فهذا لا يبرأ قطعا.(3\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "834",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "836",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل إبطال حيل في الأيمان] فصل [إبطال حيل في الأيمان] من الحيل الباطلة بلا شك الحيل التي يفتي بها من حلف لا يفعل الشيء ثم حلف ليفعلنه فيتحيل له حتى يفعله بلا حنث وذكروا لها صورا: أحدها: أن يحلف لا يأكل هذا الطعام ثم يحلف هو أو غيره ليأكلنه فالحيلة أن يأكله إلا لقمة منه فلا يحنث. ومنها: لو حلف أن لا يأكل هذا الجبن ثم حلف ليأكلنه قالوا: فالحيلة أن يأكله بالخبز ويبر ولا يحنث. ومنها: لو حلف لا يلبس هذا الثوب ثم حلف هو أو غيره ليلبسنه فالحيلة أن يقطع منه شيئا يسيرا ثم يلبسه فلا يحنث. وطرد قولهم أن ينسل منه خيطا ثم يلبسه. ولا يخفى أمر هذه الحيلة وبطلانها وأنها من أقبح الخداع وأسمجه ولا يتمشى على قواعد الفقه ولا فروعه ولا أصول الأئمة فإنه إن كان بترك البعض لا يعد آكلا ولا لابسا فإنه لا يبرأ بالحلف ليفعلن فإنه إن عد فاعلا وجب أن يحنث في جانب النفي وإن لم يعد فاعلا وجب أن يحنث في جانب الثبوت فأما أن يعد فاعلا بالنسبة إلى الثبوت وغير فاعل بالنسبة إلى النفي فتلاعب.  [فصل إبطال حيل في الظهار والإيلاء ونحوهما] فصل [إبطال حيل في الظهار والإيلاء ونحوهما] ومنها الحيل التي تبطل الظهار والإيلاء والطلاق والعتق بالكلية وهي مشتقة من الحيلة السريجية كقوله: إن تظاهرت منك أو آليت منك فأنت طالق قبله ثلاثا فلا يمكنه بعد ذلك ظهار ولا إيلاء وكذلك يقول: إن أعتقتك فأنت حر قبل الإعتاق وكذلك لو قال: إن بعتك فأنت حر قبل البيع وقد تقدم بطلان هذه الحيل كلها.  [فصل إبطال حيلة لحسبان الدين من الزكاة] فصل [إبطال حيلة لحسبان الدين من الزكاة] ومن الحيل الباطلة المحرمة أن يكون له على رجل مال وقد أفلس غريمه وأيس من(3\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "835",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "837",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أخذه منه وأراد أن يحسبه من الزكاة فالحيلة أن يعطيه من الزكاة بقدر ما عليه فيصير مالكا للوفاء فيطالبه حينئذ بالوفاء فإذا أوفاه برئ وسقطت الزكاة عن الدافع. وهذه حيلة باطلة سواء شرط عليه الوفاء أو منعه من التصرف فيما دفعه إليه أو ملكه إياه بنية أن يستوفيه من دينه فكل هذا لا يسقط عنه الزكاة ولا يعد مخرجا لها لا شرعا ولا عرفا كما لو أسقط دينه وحسبه من الزكاة. قال مهنا: سألت أبا عبد الله عن رجل له على رجل دين برهن وليس عنده قضاؤه ولهذا الرجل زكاة مال قال: يفرقه على المساكين فيدفع إليه رهنه ويقول له: الدين الذي لي عليك هو لك ويحسبه من زكاة ماله قال: لا يجزئه ذلك فقلت له: فيدفع إليه زكاته فإن رده إليه قضى مما أخذه من ماله قال: نعم وقال في موضع آخر - وقيل له: فإن أعطاه ثم رده إليه - قال: إذا كان بحيلة فلا يعجبني قيل له: فإن استقرض الذي عليه الدين دراهم فقضاه إياها ثم ردها عليه وحسبها من الزكاة قال: إذا أراد بهذا إحياء ماله فلا يجوز ومطلق كلامه ينصرف إلى هذا المقيد فيحصل من مذهبه أن دفع الزكاة إلى الغريم جائز سواء دفعها ابتداء أو استوفى حقه ثم دفع ما استوفاه إليه إلا أنه متى قصد بالدفع إحياء ماله واستيفاء دينه لم يجز لأن الزكاة حق لله وللمستحق فلا يجوز صرفها إلى الدافع يفوز بنفعها العاجل. ومما يوضح ذلك أن الشارع منعه من أخذها من المستحق بعوضها فقال: quot; لا تشترها ولا تعد في صدقتك quot; فجعله بشرائها منه بثمنها عائدا فيها فكيف إذا دفعها إليه بنية أخذها منه قال جابر بن عبد الله: إذا جاء المصدق فادفع إليه صدقتك ولا تشترها فإنهم كانوا يقولون: quot; ابتعها quot; فأقول: إنما هي لله. وقال ابن عمر: لا تشتر طهور مالك. وللمنع من شرائه علتان إحداهما: أنه يتخذ ذريعة وحيلة إلى استرجاع شيء منها لأن الفقير يستحي منه فلا يماكسه في ثمنها وربما أرخصها ليطمع أن يدفع إليه صدقة أخرى وربما علم أو توهم أنه إن لم يبعه إياها استرجعها منه فيقول: ظفري بهذا الثمن خير من الحرمان. العلة الثانية: قطع طمع نفسه عن العود في شيء أخرجه لله بكل طريق فإن النفس متى طمعت في عوده بوجه ما فآمالها بعد متعلقة به فلم تطب به نفسا لله وهي متعلقة به فقطع عليها طمعها في العود ولو بالثمن ليتمحص الإخراج لله وهذا شأن النفوس الشريفة ذوات الأقدار والهمم أنها إذا أعطت عطاء لم تسمح بالعود فيه بوجه لا بشراء ولا(3\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "836",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "838",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بغيره وتعد ذلك دناءة ولهذا مثل النبي - صلى الله عليه وسلم - العائد في هبته بالكلب يعود في قيئه لخسته ودناءة نفسه وشحه بما قاءه أن يفوته. فمن محاسن الشريعة منع المتصدق من شراء صدقته ولهذا منع من سكنى بلاده التي هاجر منها لله وإن صارت بعد ذلك دار إسلام كما منع النبي - صلى الله عليه وسلم - المهاجرين بعد الفتح من الإقامة بمكة فوق ثلاثة أيام لأنهم خرجوا عن ديارهم لله فلا ينبغي أن يعودوا في شيء تركوه لله  وإن زال المعنى الذي تركوها لأجله. فإن قيل: فأنتم تجوزون له أن يقضي بها دين المدين إذا كان المستحق له غيره فما الفرق بين أن يكون الدين له أو لغيره ويحصل للغريم براءة ذمته وراحة من ثقل الدين في الدنيا ومن حمله في الآخرة فمنفعته ببراءة ذمته خير له من منفعة الأكل والشرب واللباس فقد انتفع هو بخلاصه من رق الدين وانتفع رب المال بتوصله إلى أخذ حقه وصار هذا كما لو أقرضه مالا ليعمل فيه ويوفيه دينه من كسبه. قيل: هذه المسألة فيها روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد - رحمه الله - إحداهما: أنه لا يجوز له أن يقضي دينه من زكاته بل يدفع إليه الزكاة ويؤديها هو عن نفسه والثانية: يجوز له أن يقضي دينه من الزكاة قال أبو الحارث: قلت للإمام أحمد: رجل عليه ألف وكان على رجل زكاة ماله ألف فأداها عن هذا الذي عليه الدين يجوز هذا من زكاته قال: نعم ما أرى بذلك بأسا وعلى هذا فالفرق ظاهر لأن الدافع لم ينتفع هاهنا بما دفعه إلى الغريم ولم يرجع إليه بخلاف ما إذا دفعه إليه ليستوفيه منه فإنه قد أحيا ماله بماله ووجه القول بالمنع أنه قد يتخذ ذريعة إلى انتفاعه بالقضاء مثل أن يكون الدين لولده أو لامرأته أو لمن يلزمه نفقته فيستغني عن الإنفاق عليه فلهذا قال الإمام أحمد: أحب إلي أن يدفعه إليه حتى يقضي هو عن نفسه قيل: هو محتاج يخاف أن يدفع إليه فيأكله ولا يقضي دينه قال: فقل له يوكله حتى يقضيه والمقصود أنه متى فعل ذلك حيلة لم تسقط عنه الزكاة بما دفعه فإنه لا يحل له مطالبة المعسر وقد أسقط الله عنه المطالبة فإذا توصل إلى وجوبها بما يدفعه إليه فقد دفع إليه شيئا ثم أخذه فلم يخرج منه شيء فإنه لو أراد الآخذ التصرف في المأخوذ وسد خلته منه لما مكنه فهذا هو الذي لا تسقط عنه الزكاة فأما لو أعطاه عطاء قطع طمعه من عوده إليه وملكه ظاهرا وباطنا ثم دفع إليه الآخذ دينه من الزكاة فهذا جائز كما لو أخذ الزكاة من غيره ثم دفعها إليه والله أعلم.(3\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "837",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "839",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل إبطال حيلة لتجويز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها] فصل [إبطال حيلة لتجويز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها] : ومن الحيل الباطلة التحيل على نفس ما نهى عنه الشارع من بيع الثمرة قبل بدو صلاحها والحب قبل اشتداده بأن يبيعه ولا يذكر تبقيته ثم يخليه إلى وقت كماله فيصح البيع ويأخذه وقت إدراكه وهذا هو نفس ما نهى عنه الشارع إن لم يكن فعله بأدنى الحيل ووجه هذه الحيلة أن موجب العقد القطع فيصح وينصرف إلى موجبه كما لو باعها بشرط القطع ثم القطع حق لهما لا يعدوهما فإذا اتفقا على تركه جاز ووجه بطلان هذه الحيلة أن هذا هو الذي نهى عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعينه للمفسدة التي يفضي إليها من التشاجر والتشاحن فإن الثمار تصيبها العاهات كثيرا فيفضي بيعها قبل كمالها إلى أكل مال المشتري بالباطل كما علل به صاحب الشرع ومن المعلوم قطعا أن هذه الحيلة لا ترفع المفسدة ولا تزيل بعضها وأيضا فإن الله وملائكته والناس قد علموا أن من اشترى الثمار وهي شيص لم يمكن أحدا أن يأكل منها فإنه لا يشتريها للقطع ولو اشتراها لهذا الغرض لكان سفها وبيعه مردود وكذلك الجوز والخوخ والإجاص وما أشبهها من الثمار التي لا ينتفع بها قبل إدراكها لا يشتريها أحد إلا بشرط التبقية وإن سكت عن ذكر الشرط بلسانه فهو قائم بقلبه وقلب البائع وفي هذا تعطيل للنص وللحكمة التي نهى الشارع لأجلها أما تعطيل الحكمة فظاهر وأما تعطيل النص فإنه إنما يحمله على ما إذا باعها بشرط التبقية لفظا فلو سكت عن التلفظ بذلك وهو مراده ومراد البائع جاز وهذا تعطيل لما دل عليه النص وإسقاط لحكمته.  [فصل إبطال حيلة لتجويز بيع شيء حلف ألا يبيعه] فصل [إبطال حيلة لتجويز بيع شيء حلف ألا يبيعه] ومن الحيل الباطلة أنه إذا حلف لا يبيعه هذه الجارية ثم أراد أن يبيعها منه فليبعه منها تسعمائة وتسعة وتسعين سهما ثم يهبه السهم الباقي وقد تقدم نظير هذه الحيلة الباطلة وكذلك لو حلف لا يبيعه ولا يهبه إياها ففعل ذلك لم يحنث. ولو وقعت هذه الحيلة في جارية قد وطئها الحالف اليوم فأراد المالك أن يطأها بلا استبراء فله حيلتان على إسقاط الاستبراء إحداهما: أن يعتقها ثم يتزوجها والثانية: أن يملكها لرجل ثم يزوجه إياها فإذا قضى وطره منها ثم أراد بيعها أو وطأها بملك اليمين فليشترها من المملك فينفسخ نكاحه فإن شاء باعها وإن شاء أقام على وطئها.(3\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "838",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "840",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": " وتقدم أن نظير هذه الحيلة لو حلف أن لا يلبس هذا الثوب فلينسل منه خيطا ثم يلبسه أو لا يأكل هذا الرغيف فليخرج منه لبابة ثم يأكله. قال غير واحد من السلف: لو فعل المحلوف عليه على وجه لكان أخف وأسهل من هذا الخداع ولو قابل العبد أمر الله ونهيه بهذه المقابلة لعد عاصيا مخادعا بل لو قابل أحد الرعية أمر الملك ونهيه أو العبد أمر سيده ونهيه أو المريض أمر الطبيب ونهيه بهذه المقابلة لما عذره أحد قط ولعده كل أحد عاصيا وإذا تدبر العالم في الشريعة أمر هذه الحيل لم يخف عليه نسبتها إليها ومحلها منها والله المستعان.  [فصل إبطال حيلة في الإيمان] فصل [إبطال حيلة في الأيمان] : ومن الحيل الباطلة: لو حلف لا يبيع هذه السلعة بمائة دينار أو زاد عليها فلم يجد من يشتريها بذلك فليبعها بتسعة وتسعين دينارا أو مائة جزء من دينار أو أقل من ذلك أو يبعها بدراهم تساوي ذلك أو يبعها بتسعين دينارا ومنديلا أو ثوبا أو نحو ذلك. وكل هذه حيل باطلة فإنها تتضمن نفس مخالفته لما نواه وقصده وعقد قلبه عليه وإذا كانت يمين الحالف على ما يصدقه عليه صاحبه - كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيمينه على ما يعلمه الله من قلبه كائنا ما. كان فليقل ما شاء وليتحيل ما شاء فليست يمينه إلا على ما علمه الله من قلبه. قال الله تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم [البقرة: 225] فأخبر تعالى أنه إنما يعتبر في الأيمان قصد القلب وكسبه لا مجرد اللفظ الذي لم يقصده أو لم يقصد معناه على التفسيرين في اللغو فكيف إذا كان قاصدا لصد ما يتحيل عليه  [فصل إبطال حيلة لتجويز بيع أم الولد] فصل [إبطال حيلة لتجويز بيع أم الولد] : ومن الحيل الباطلة على أن يطأ أمته وإذا حبلت منه لم تصر أم ولد فله بيعها: أن يملكها لولده الصغير ثم يتزوجها ويطأها فإذا ولدت منه عتق الأولاد على الولد لأنهم إخوته ومن ملك أخاه عتق عليه.(3\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "839",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "841",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: فإن خاف أن لا تتمشى هذه الحيلة على قول الجمهور الذين لا يجوزون للرجل أن يتزوج بجارية ابنه - وهو قول الإمام أحمد ومالك والشافعي - فالحيلة أن يملكها لذي رحم محرم منه ثم يزوجه إياها فإذا ولدت عتق الولد على ملك ذي الرحم فإذا أراد بيع الجارية فليهبها له فينفسخ النكاح وإن لم يكن له ذو رحم محرم فليملكها أجنبيا ثم يزوجها به فإن خاف من رق الولد فليعلق الأجنبي عتقهم بشرط الولادة فيقول: كل ولد تلدينه فهو حر فيكون الأولاد كلهم أحرارا فإذا أراد بيعها بعد ذلك فليتهبها من الأجنبي ثم يبعها. وهذه الحيلة أيضا باطلة فإن حقيقة التمليك لم توجد إذ حقيقته نقل الملك إلى المملك يتصرف فيه كما أحب. هذا هو الملك المشروع المعقول المتعارف فأما تمليك لا يتمكن فيه المملك من التصرف إلا بالتزويج وحده فهو تلبيس لا تمليك فإن المملك لو أراد وطأها أو الخلوة بها أو النظر إليها بشهوة أو التصرف فيها كما يتصرف المالك في مملوكه لما أمكنه ذلك فإن هذا تمليك تلبيس وخداع ومكر لا تمليك حقيقة بل قد علم الله والمملك والمملك أن الجارية لسيدها ظاهرا وباطنا وأنه لم يطب قلبه بإخراجها عن ملكه بوجه من الوجوه وهذا التمليك بمنزلة تمليك الأجنبي ماله كله ليسقط عنه زكاته ثم يسترده منه ومعلوم قطعا أنه لا حقيقة لهذا التمليك عرفا ولا شرعا ولا يعد المملك له على هذا الوجه غنيا به ولا يجب عليه به الحج والزكاة والنفقة وأداء الديون ولا يكون به واجدا للطول معدودا في جملة الأغنياء فهذا هو الحقيقة لا التمليك الباطل الذي هو مكر وخداع وتلبيس.  [فصل إبطال حيلة للتمكن من رجعة البائن بغير علمها] فصل [إبطال حيلة للتمكن من رجعة البائن بغير علمها] : ومن الحيل الباطلة التحيل على رد امرأته بعد أن بانت منه وهي لا تشعر بذلك وقد ذكر أرباب الحيل وجوها كلها باطلة فمنها أن يقول لها: حلفت يمينا واستفتيت فقيل لي جدد نكاحك فإن كان الطلاق قد وقع وإلا لم يضرك فإذا أجابته قال: اجعلي الأمر إلي في تزويجك ثم يحضر الولي والشهود ويتزوجها فتصير امرأته بعد البينونة وهي لا تشعر فإن لم يتمكن من هذا الوجه فلينتقل إلى وجه ثان وهو أن يظهر أنه يريد سفرا ويقول: لا آمن الموت وأنا أريد أن أكتب لك هذه الدار وأجعل لك هذا المتاع صداقا بحيث لا يمكن إبطاله وأريد أن أشهد على ذلك فاجعلي أمرك إلي حتى أجعله صداقا فإذا(3\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "840",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "842",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعلت عقد نكاحها على ذلك وتم الأمر فإن لم يرد السفر فليظهر أنه مريض ثم يقول لها: أريد أن أجعل لك ذلك وأخاف أن أقر لك به فلا يقبل فاجعلي أمرك إلي أجعله صداقا فإذا فعلت أحضر وليها وتزوجها فإن حذرت المرأة من ذلك كله ولم يتمكن منه لم يبق له إلا حيلة واحدة وهي أن يحلف بطلاقها أو يقول: قد حلفت بطلاقك أني أتزوج عليك في هذا اليوم أو هذا الأسبوع أو أسافر بك وأنا أريد أن أتمسك بك ولا أدخل عليك ضرة ولا تسافرين فاجعلي أمرك إلي حتى أخالعك وأردك بعد انقضاء اليوم وتتخلصي من الضرة والسفر فإذا فعلت أحضر الشهود والولي ثم يردها. وهذه الحيلة باطلة فإن المرأة إذا بانت صارت أجنبية منه فلا يجوز نكاحها إلا بإذنها ورضاها وهي لم تأذن في هذا النكاح الثاني ولا رضيت به ولو علمت أنها قد ملكت نفسها وبانت منه فلعلها لا ترغب في نكاحه فليس له أن يخدعها على نفسها ويجعلها له زوجة بغير رضاها. فإن قيل: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جعل جد النكاح كهزله وغاية هذا أنه هازل. قيل: هذا ليس بصحيح وليس هذا كالهازل فإن الهازل لم يظهر أمرا يريد خلافه بل تكلم باللفظ قاصدا أنه لا يلزمه موجبه وذلك ليس إليه بل إلى الشارع وأما هذا فماكر مخادع للمرأة على نفسها مظهر أنها زوجته وأن الزوجية بينهما باقية وهي أجنبية محضة فهو يمكر بها ويخادعها بإظهار أنها زوجته وهي في الباطن أجنبية فهو كمن يمكر برجل يخادعه على أخذ ماله بإظهار أنه يحفظه له ويصونه ممن يذهب به بل هذا أفحش لأن حرمة البضع أعظم من حرمة المال والمخادعة عليه أعظم من المخادعة على المال والله أعلم.  [فصل الحيلة على وطء مكاتبته] فصل [إبطال حيلة لوطء المكاتبة] ومن الحيل الباطلة الحيلة على وطء مكاتبته بعد عقد الكتابة قال أرباب الحيل: الحيلة في ذلك أن يهبها لولده الصغير ثم يتزوجها وهي على ملك ابنه ثم يكاتبها لابنه ثم يطأها بحكم النكاح فإن أتت بولد كانوا أحرارا إذ ولده قد ملكهم فإن عجزت عن الكتابة عادت قنا لولده والنكاح بحاله. وهذه الحيلة باطلة على قول الجمهور وهي باطلة في نفسها لأنه لم يملكها لولده تمليكا حقيقيا ولا كاتبها له حقيقة بل خداعا ومكرا وهو يعلم أنها أمته ومكاتبته في(3\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "841",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "843",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباطن وحقيقة الأمر وإنما أظهر خلاف ذلك توصلا إلى وطء الفرج الذي حرم عليه بعقد الكتابة. فأظهر تمليكا لا حقيقة له وكتابة عن غيره وفي الحقيقة إنما هي عن نفسه والله يعلم ما تخفي الصدور.  [فصل حيلة العقارب وإبطالها] فصل [بيان حيلة العقارب وإبطالها] ومن الحيل المحرمة الباطلة الحيل التي تسمى حيلة العقارب ولها صور منها: أن يوقف داره أو أرضه ويشهد على وقفها ويكتمه ثم يبيعها فإذا علم أن المشتري قد سكنها أو استغلها بمقدار ثمنها أظهر كتاب الوقف وادعى على المشتري بأجرة المنفعة فإذا قال له المشتري: أنا وزنت الثمن قال: وانتفعت بالدار والأرض فلا تذهب المنفعة مجانا ومنها: أن يملكها لولده أو امرأته ويكتم ذلك ثم يبيعها ثم يدعي بعد ذلك من ملكها على المشتري ويعامله تلك المعاملة وضمنه المنافع تضمين الغاصب. ومنها: أن يؤجرها لولده أو امرأته ويكتم ذلك ثم يؤجرها من شخص آخر فإن ارتفع الكري أخرج الإجارة الأولى وفسخ إجارة الثاني وإن نقص الكري أو استمر أبقاها ومنها: أن يرهن داره أو أرضه ثم يبيعها ويأخذ الثمن فينتفع به مدة فمتى أراد فسخ البيع واسترجاع المبيع أظهر كتاب الرهن. وأمثال هذه العقارب التي يأكل بها أشباه العقارب أموال الناس بالباطل ويمشيها لهم من رق علمه ودينه ولم يراقب الله ولم يخف مقامه تقليدا لمن قلد قوله في تضمين المقبوض بالعقد الفاسد تضمين الغاصب فيجعل قوله إعانة لهذا الظالم المعتدي على الإثم والعدوان ولا يجعل القول الذي قاله غيره إعانة للمظلوم على البر والتقوى وكأنه أخذ بشق الحديث وهو: انصر أخاك ظالما أو مظلوما . واكتفى بهذه الكلمة دون ما بعدها وقد أعاذ الله أحدا من الأئمة من تجويز الإعانة على الإثم والعدوان ونصر الظالم وإضاعة حق المظلوم جهارا. وذلك الإمام وإن قال: quot; إن المقبوض بالعقد الفاسد يضمن ضمان المغصوب quot; فإنه لم يقل: إن المقبوض به على هذا الوجه - الذي هو حيلة ومكر وخداع وظلم محض للمشتري وغرور له - يوجب تضمينه وضياع حقه وأخذ ماله كله وإيداعه في الحبس على ما بقي وإخراج الملك من يده فإن الرجل قد يشتري الأرض أو العقار وتبقى في يده مدة طويلة تزيد أجرتها على ثمنها أضعافا مضاعفة فيؤخذ منه العقار ويحسب عليه ثمنه من الأجرة ويبقي الباقي بقدر الثمن مرارا فربما أخذ ما فوقه وما تحته وفضلت(3\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "842",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "844",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه فضلة فيجتاح الظالم الماكر ماله ويدعه على الأرض الخالية فحاشا إماما واحدا من أئمة الإسلام أن يكون عونا لهذا العقرب الخبيث على هذا الظلم والعدوان والواجب عقوبة مثل هذا العقوبة التي تردعه عن لدغ الناس والتحيل على استهلال أموال الناس وأن لا يمكن من طلب عوض المنفعة. أما على أصل من لا يضمن منافع الغصب - وهم الجمهور كأبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه وهي أصحهما دليلا - فظاهر وأما من يضمن الغاصب كالشافعي وأحمد في الرواية الثانية فلا يتأتى تضمين هذا على قاعدته فإنه ليس بغاصب وإنما استوفى المنفعة بحكم العقد فإذا تبين أن العقد باطل وأن البائع غره لم يجب عليه ضمان فإنه إنما دخل على أن ينتفع بلا عوض وأن يضمن المبيع بثمنه لا بقيمته فإذا تلف المبيع بعد القبض تلف من ضمانه بثمنه فإذا انتفع به انتفع بلا عوض لأنه على ذلك دخل ولو قدر وجوب الضمان فإن الغار هو الذي يضمن لأنه تسبب إلى إتلاف مال الغير بغروره وكل من أتلف مال غيره بمباشرة أو سبب فإنه يضمنه ولا بد. ولا يقال: المشتري هو الذي باشر الإتلاف وقد وجد متسبب ومباشر فيحال الحكم على المباشر فإن هذا غلط محض هاهنا فإن المضمون هو مال المشتري الذي تلف عليه بالتضمين وإنما تلف بتسبب الغار وليس هاهنا مباشر يحال عليه الضمان. فإن قيل: فهذا إنما يدل على أنا إذا ضمنا المغرور فهو يرجع على الغار ولا يدل على تضمين الغار ابتداء. قيل: هذا فيه قولان للسلف والخلف وقد نص الإمام أحمد على أن من اشترى أرضا فبنى فيها أو غرس ثم استحقت فللمستحق قلع ذلك ثم يرجع المشتري على البائع بما نقص ونص في موضع آخر أنه ليس للمستحق قلعه إلا أن يضمن نقصه ثم يرجع به على البائع وهذا أفقه النصين وأقربهما إلى العدل فإن المشتري غرس وبنى غراسا وبناء مأذونا فيه وليس ظالما به فالعرق ليس بظالم فلا يجوز للمستحق قلعه حتى يضمن له نقصه والبائع هو الذي ظلم المستحق ببيعه ماله وغر المشتري ببنائه وغراسه فإذا أراد المستحق الرجوع في عين ماله ضمن للمغرور ما نقص بقلعه ثم يرجع به على الظالم وكان تضمينه له أولى من تضمين المغرور ثم تمكينه من الرجوع على الغار. ونظير هذه المسألة ما لو قبض مغصوبا من غاصب ببيع أو عارية أو اتهاب أو إجارة وهو يظن أنه مالك لذلك أو مأذون له فيه ففيه قولان أحدهما: أن المالك مخير بين تضمين أيهما شاء وهذا(3\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "843",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "845",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المشهور عند أصحاب الشافعي وأحمد ثم قال أصحاب الشافعي: إن ضمن المشتري وكان عالما بالغصب لم يرجع بما ضمن على الغاصب وإن لم يعلم نظرت فيما ضمن فإن التزم ضمانه بالعقد كبدل العين وما نقص منها لم يرجع به على الغاصب لأن الغاصب لم يغره بل دخل معه على أن يضمنه. وهذا التعليل يوجب أن يرجع بما زاد على ثمن المبيع إذا ضمنه لأنه إنما التزم ضمانه بالثمن لا بالقيمة فإذا ضمنه إياه بقيمته رجع بما بينهما من التفاوت. قالوا: وإن لم يلتزم ضمانه نظرت فإن لم يحصل له في مقابلته منفعة كقيمة الولد ونقصان الجارية بالولادة رجع به على الغاصب لأنه غره ودخل معه على أنه لا يضمنه وإن حصلت له به في مقابلته منفعة كالأجرة والمهر وأرش البكارة ففيه قولان أحدهما: يرجع به لأنه غره ولم يدخل معه على أن يضمنه. والثاني: لا يرجع لأنه حصل له في مقابلته منفعة وهذا التعليل أيضا يوجب على هذا القول أن يرجع بالتفاوت الذي بين المسمى ومهر المثل وأجرة المثل اللذين ضمنهما فإنه إنما دخل على الضمان بالمسمى لا بعوض المثل والمنفعة التي حصلت له إنما هي بما التزمه من المسمى ومذهب الإمام أحمد وأصحابه نحو ذلك. وعقد الباب عندهم أنه يرجع إذا غره على الغاصب بما لم يلتزم ضمانه خاصة فإذا غرم وهو مودع أو متهب قيمة العين والمنفعة رجع بهما لأنه لم يلتزم ضمانا وإن ضمن وهو مستأجر قيمة العين والمنفعة رجع بقيمة العين والقدر الزائد على ما بذله من عوض المنفعة. وقال أصحابنا: لا يرجع بما ضمنه من عوض المنفعة لأنه دخل على ضمانه فيقال لهم نعم دخل على ضمانه بالمسمى لا بعوض المثل وإن كان مشتريا وضمن قيمة العين والمنفعة فقالوا: يرجع بقيمة المنفعة دون قيمة العين لأنه التزم ضمان العين ودخل على استيفاء المنفعة بلا عوض. والصحيح أنه يرجع بما زاد من قيمة العين على الثمن الذي بذله وإن كان مستعيرا وضمن قيمة العين والمنفعة رجع بما غرمه من ضمان المنفعة لأنه دخل على استيفائها مجانا ولم يرجع بما ضمنه من قيمة العين لأنه دخل على ضمانها بقيمتها. وعن الإمام أحمد رواية أخرى أن ما حصل له منفعة تقابل ما غرم كالمهر والأجرة في المبيع وفي الهبة وفي العارية وكقيمة الطعام إذا قدم له أو وهب منه فأكله فإنه لا يرجع به لأنه استوفى العوض فإذا غرم عوضه لم يرجع به والصحيح قوله الأول لأنه لم يدخل على استيفائه بعوض ولو علم أنه يستوفيه بعوضه لم يدخل على ذلك ولو علم الضيف أن صاحب البيت أو غيره يغرمه الطعام لم يأكله ولو ضمن المالك ذلك كله للغاصب جاز(3\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "844",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "846",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولم يرجع على القابض إلا بما يرجع له عليه فيرجع عليه إذا كان مستأجرا بما غرمه من الأجرة. وعلى القول الذي اخترناه إنما يرجع عليه بما التزمه من الأجرة خاصة ويرجع عليه إذا كان مشتريا بما غرمه من قيمة العين وعلى القول الآخر إنما يرجع عليه بما بذله من الثمن ويرجع عليه إذا كان مستعيرا بما غرمه من قيمة العين إذ لا مسمى هناك وإذا كان متهبا أو مودعا لم يرجع عليه بشيء فإن كان القابض من الغاصب هو المالك فلا شيء له بما استقر عليه لو كان أجنبيا وما سواه فعلى الغاصب لأنه لا يجب له على نفسه شيء وأما ما لا يستقر عليه لو كان أجنبيا بل يكون قراره على الغاصب فهو على الغاصب أيضا هاهنا. والقول الثاني: أنه ليس للمالك مطالبة المغرور ابتداء كما ليس له مطالبته قرارا وهذا هو الصحيح ونص عليه الإمام أحمد في المودع إذا أودعها - يعني الوديعة - عند غيره من غير حاجة فتلفت فإنه لا يضمن الثاني إذا لم يعلم وذلك لأنه مغرور. وطرد هذا النص أنه لا يطالب المغرور في جميع هذه الصور وهو الصحيح فإنه مغرور ولم يدخل على أنه مطالب فلا هو التزم المطالبة ولا الشارع ألزمه بها وكيف يطالب المظلوم المغرور ويترك الظالم الغار ولا سيما إن كان محسنا بأخذه الوديعة وما على المحسنين من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق وهذا شأن الغار الظالم. وقد قضى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن المشتري المغرور بالأمة إذا وطئها ثم خرجت مستحقة وأخذ منه سيدها المهر رجع به على البائع لأنه غره. وقضى علي كرم الله وجهه أنه لا يرجع به لأنه استوفى عوضه. وهاتان الروايتان عن الصحابة هما قولان للشافعي وروايتان عن الإمام أحمد ومالك أخذ بقول عمر وأبو حنيفة أخذ بقول علي كرم الله وجهه. وقول عمر أفقه لأنه لم يدخل على أنه يستمتع بالمهر وإنما دخل على الاستمتاع بالثمن وقد بذله وأيضا فالبائع ضمن له بعقد البيع سلامة الوطء كما ضمن له سلامة الولد. فكما يرجع عليه بقيمة الولد يرجع عليه بالمهر. فإن قيل: فما تقولون في أجرة الاستخدام إذا ضمنه إياها المستحق هل يرجع بها على الغار . قلنا: نعم يرجع بها وقد صرح بذلك القاضي وأصحابه وقد قضى أمير المؤمنين(3\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "845",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "847",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "علي كرم الله وجهه أيضا بأن الرجل إذا وجد امرأته برصاء أو عمياء أو مجنونة فدخل بها فلها الصداق ويرجع به على من غره. وهذا محض القياس والميزان الصحيح لأن الولي لما لم يعلمه وأتلف عليه المهر لزمه غرمه. فإن قيل: هو الذي أتلفه على نفسه بالدخول. قيل: لو علم أنها كذلك لم يدخل بها وإنما دخل بها بناء على السلامة التي غره بها الولي ولهذا لو علم العيب ورضي به ودخل بها لم يكن هناك فسخ ولا رجوع ولو كانت المرأة هي التي غرته سقط مهرها. ونكتة المسألة أن المغرور إما محسن وإما معذور وكلاهما لا سبيل عليه بل ما يلزم المغرور باستلزامه لا يسقط عنه كالثمن في المبيع والأجرة في عقد الإجارة. فإن قيل: فالمهر قد التزمه فكيف يرجع به قيل: إنما التزمه في محل سليم ولم يلتزمه في معيبة ولا أمة مستحقة فلا يجوز أن يلزم به. فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بالنكاح الفاسد فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ألزمه فيه بالصداق بما استحل من فرجها وهو لم يلتزمه إلا في نكاح صحيح. قيل: لما أقدم على الباطل لم يكن هناك من غره بل كان هو الغار لنفسه فلا يذهب استيفاء المنفعة فيه مجانا وليس هناك من يرجع عليه بل لو فسد النكاح بغرور المرأة سقط مهرها أو بغرور الولي رجع عليه.  [فصل التحيل على جواز مسألة العينة] فصل [إبطال حيل لتجويز العينة] : ومن الحيل المحرمة الباطلة التحيل على جواز مسألة العينة مع أنها حيلة في نفسها على الربا وجمهور الأئمة على تحريمها. وقد ذكر أرباب الحيل لاستباحتها عدة حيل منها: أن يحدث المشتري في السلعة حدثا ما تنقص به أو تتعيب فحينئذ يجوز لبائعها أن يشتريها بأقل مما باعها ومنها: أن تكون السلعة قابلة للتجزؤ فيمسك منها جزءا ما ويبيعه بقيتها ومنها: أن يضم البائع إلى السلعة سكينا أو منديلا أو حلقة حديدا أو نحو ذلك فيملكه المشتري ويبيعه السلعة بما يتفقان عليه من الثمن ومنها: أن يهبها المشتري لولده أو زوجته أو من يثق به فيبيعها(3\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "846",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "848",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الموهوب له من بائعها فإذا قبض الثمن أعطاه للواهب ومنها: أن يبيعه إياها نفسه من غير إحداث شيء ولا هبة لغيره لكن يضم إلى ثمنها خاتما من حديد أو منديلا أو سكينا ونحو ذلك. ولا ريب أن العينة على وجهها أسهل من هذا التكلف وأقل مفسدة وإن كان الشارع قد حرم مسألة العينة لمفسدة فيها فإن المفسدة لا تزول بهذه الحيلة بل هي بحالها وانضم إليها مفسدة أخرى أعظم منها وهي مفسدة المكر والخداع واتخاذ أحكام الله هزوا وهي أعظم المفسدتين. وكذلك سائر الحيل لا تزيل المفسدة التي حرم لأجلها وإنما يضم إليها مفسدة الخداع والمكر وإن كانت العينة لا مفسدة فيها فلا حاجة إلى الاحتيال عليها. ثم إن العينة في نفسها من أدنى الحيل إلى الربا فإذا تحيل عليها المحتال صارت حيلا متضاعفة ومفاسد متنوعة والحقيقة والقصد معلومان لله وللملائكة وللمتعاقدين ولمن حضرهما من الناس فليضع أرباب الحيل ما شاءوا وليسلكوا أية طريق سلكوا فإنهم لا يخرجون بذلك عن بيع مائة بمائة وخمسين إلى سنة فليدخلوا محلل الربا أو يخرجوه فليس هو المقصود والمقصود معلوم والله لا يخادع ولا تروج عليه الحيل ولا تلبس عليه الأمور.  [فصل من الحيل المحرمة إذا أراد أن يبيع سلعة بالبراءة من كل عيب] فصل ومن الحيل المحرمة الباطلة - إذا أراد أن يبيع سلعة بالبراءة من كل عيب ولم يأمن أن يردها عليه المشتري ويقول: لم يعين لي عيب كذا وكذا أن يوكل رجلا غريبا لا يعرف في بيعها ويضمن للمشتري درك المبيع فإذا باعها قبض منه رب السلعة الثمن فلا يجد المشتري من يرد عليه السلعة. وهذا غش حرام وحيلة لا تسقط المأتم فإن علم المشتري بصورة الحال فله الرد وإن لم يعلم فهو المفرط حيث لم يضمن الدرك المعروف [الذي] يتمكن من مخاصمته فالتفريط من هذا والمكر والخداع من ذلك.  [فصل إبطال حيلة لإسقاط الاستبراء] فصل [إبطال حيلة لإسقاط الاستبراء] ومن الحيل المحرمة الباطلة أن يشتري جارية ويريد وطأها بملك اليمين في الحال من غير استبراء فله عدة حيل منها: أن يزوجه إياها البائع قبل أن يبيعها منه فتصير زوجته ثم يبيعه إياها فينفسخ النكاح ولا يجب عليه استبراء لأنه ملك زوجته وقد كان(3\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "847",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "849",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وطؤها حلالا له بعقد النكاح فصار حلالا بملك اليمين. ومنها: أن يزوجها غيره ثم يبيعها من الرجل الذي يريد شراءها فيملكها مزوجة وفرجها عليه حرام فيؤمر الزوج بطلاقها فإذا فعل حلت للمشتري. ومنها: أن مشتريها لا يقبضها حتى يزوجها من عبده أو غيره ثم يقبضها بعد التزويج فإذا قبضها طلقها الزوج فيطؤها سيده بلا استبراء. قالوا: فإن خاف المشتري أن لا يطلقها الزوج استوثق بأن يجعل الزوج أمرها بيد السيد فإذا فعل طلقها هو ثم وطئها بلا استبراء. ولا يخفى نسبة هذه الحيل إلى الشرع ومحلها منه وتضمنها أن بائعها يطؤها بكرة ويطؤها المشتري عشية وأن هذا مناقض لما قصده الشارع من الاستبراء ومبطل لفائدة الاستبراء بالكلية. ثم إن هذه الحيل كما هي محرمة فهي باطلة قطعا فإن السيد لا يحل له أن يزوج موطوءته حتى يستبرئها وإلا فكيف يزوجها لمن يطؤها ورحمها مشغول بمائه وكذلك إن أراد بيعها وجب عليه استبراؤها على أصح القولين صيانة لمائه ولا سيما إن لم يأمن من وطء المشتري لها بلا استبراء فهاهنا يتعين عليه الاستبراء قطعا فإذا أراد زوجها حيلة على إسقاط حكم الله وتعطيل أمره كان نكاحا باطلا لإسقاط ما أوجبه الله من الاستبراء وإذا طلقها الزوج بناء على صحة هذا النكاح الذي هو مكر وخداع واتخاذ لآيات الله هزوا لم يحل للسيد أن يطأها بدون الاستبراء فإن الاستبراء وجب عليه بحكم الملك المتجدد والنكاح العارض حال بينه وبينه لأنه لم يكن يحل له وطؤها فإذا زال المانع عمل المقتضي عمله وزوال المانع لا يزيل اقتضاء المقتضي مع قيام سبب الاقتضاء منه. وأيضا فلا يجوز تعطيل الوصف عن موجبه ومقتضاه من غير فوات شرط أو قيام مانع. وبالجملة فالمفسدة التي منع الشارع المشتري لأجلها من الوطء بدون الاستبراء لم تزل بالتحيل والمكر بل انضم إليها مفاسد المكر والخداع والتحيل. فيا لله العجب من شيء حرم لمفسدة فإذا انضم إليه مفسدة أخرى هي أكبر من مفسدته بكثير صار حلالا فهو بمنزلة لحم الخنزير إذا ذبح كان حراما فإن مات حتف أنفه أو خنق حتى يموت صار حلالا لأنه لم يذبح. قال الإمام أحمد: هو حرام من وجهين وهكذا هذه المحرمات إذا احتيل عليها صارت حراما من وجهين وتأكد تحريمها. والذي يقضي منه العجب أنهم يجمعون بين سقوط الاستبراء بهذه الحيل وبين(3\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "848",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "850",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجوب استبراء الصغيرة التي لم توطأ ولا يوطأ مثلها وبين استبراء البكر التي لم يقرعها. فحل واستبراء العجوز الهرمة التي قد أيست من الحبل والولادة واستبراء الأمة التي يقطع ببراءة رحمها ثم يسقطون مع العلم بأن رحمها مشغول فأوجبتموه حيث لم يوجبه الشارع وأسقطتموه حيث أوجبه. قالوا: وليس هذا بعجيب من تناقضكم بل وأعجب منه إنكار كون القرعة طريقا لإثبات الحكم مع ورود السنة الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه بها وإثبات حل الوطء بشهادة شاهدي زور يعلم الزوج الواطئ أنهما شهدا بالزور على طلاقها حتى يجوز لأحد الشاهدين أن يتزوجها فيثبت الحل بشهادتهما. وأعجب من ذلك أنه لو كان له أمة هي سرية يطؤها كل وقت لم تكن فراشا له ولو ولدت [ولدا] لم يلحقه الولد ولو تزوج امرأة ثم قال بحضرة الحاكم والشهود في مجلس العقد quot; هي طالق ثلاثا quot; وكانت بأقصى المشرق وهو بأقصى المغرب صارت فراشا بالعقد فلو أتت بعد ذلك بولد لأكثر من ستة أشهر لحقه نسبه. وأعجب من ذلك قولكم: لو منع الذمي دينارا واحدا ول. quot; لا أؤديه quot; انتقض عهده وحل ماله ودمه ولو سب الله ورسوله وكتابه على رءوسنا أقبح سب وحرق أفضل المساجد على الإطلاق واستهان بالمصحف بين أيدينا أعظم استهانة وبذل ذلك الدينار فعهده باق ودمه معصوم. ومن العجيب تجويز قراءة القرآن بالفارسية ومنع رواية الحديث بالمعنى ومن العجب إخراج الأعمال عن مسمى الإيمان وأنه مجرد التصديق والناس فيه سواء وتكفير من يقول مسيجد أو فقيه أو يصلي بلا وضوء أو يلتذ بآلات الملاهي ونحو ذلك. ومن العجب إسقاط الحد عمن استأجر امرأة للزنا أو لكنس بيته فزنى بها وإيجابه على من وجد امرأة أجنبية على فراشه في الظلمة فجامعها يظنها امرأته. ومن العجب التشديد في المياه حتى تنجس القناطير المقنطرة منها بقطرة بول أو قطرة دم وتجويز الصلاة في ثوب ربعه مضمخ بالنجاسة فإن كانت مغلظة فبقدر راحة الكف.(3\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "849",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "851",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن العجب أنه لو شهد عليه أربعة بالزنا فكذب الشهود حد وإن صدقهم سقط عنه الحد. ومن العجب أنه لا يصح استئجار دار لتتخذ مسجدا يعبد الله فيه ويصح استئجارها [كي] تجعل كنيسة يعبد فيها الصليب أو بيت نار تعبد فيها النار. ومن العجب أنه لو ضحك في صلاة فقهقه بطل وضوءه ولو غنى في صلاته أو قذف المحصنات أو شهد الزور ونحو ذلك فوضوءه بحاله. ومن العجب أنه لو وقع في البئر نجاسة نزح منها أدلاء معدودة فإذا حصل الدلو في البئر تنجس وغرف الماء نجسا وما أصاب حيطان البئر من ذلك الماء نجسها وكذلك ما بعده من الدلاء إلى أن تنتهي النوبة إلى الدلو الأخير فإنه ينزل نجسا ثم يصعد طاهرا فيقشقش النجاسة كلها من قعر البئر إلى رأسه. قال بعض المتكلمين: ما رأيت أكرم من هذا الدلو ولا أعقل. ومن العجب أنه لو حلف أنه لا يأكل فاكهة حنث بأكل الجوز واللوز والفستق ولو كان يابسا قد أتت عليه السنون ولا يحنث بأكل الرطب والعنب والرمان. وأعجب من ذلك تعليل هذا بأن هذه الثلاثة من خيار الفاكهة وأعلى أنواعها فلا تدخل في الاسم المطلق. ومن العجب أنه لو حلف أن لا يشرب من النيل أو الفرات أو دجلة فشرب بكفه أو بكوز أو دلو من هذه الأنهار لم يحنث فإذا شرب بفيه مثل البهائم حنث. ومن العجب أنه لو نام في المسجد وأغلقت عليه الأبواب ودعته الضرورة إلى الخلاء فطاق القبلة ومحراب المسجد أولى بذلك من مؤخر المسجد. ومن العجب أمر هذه الحيل التي لا يزداد بها المنهي عنه إلا فسادا مضاعفا كيف تباح مع تلك المفسدة الزائدة بالمكر والخداع وتحرم بدونها وكيف تنقلب مفاسدها بالحيل صلاحا وتصير خمرتها خلا وخبثها طيبا قالوا: فهذا فصل في الإشارة إلى بيان فساد هذه الحيل على وجه التفصيل كما(3\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "850",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "852",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تقدم الإشارة إلى فسادها وتحريمها على وجه الإجمال ولو تتبعناها حيلة حيلة لطال الكتاب ولكن هذه أمثلة يحتذى عليها والله الموفق للصواب  [أقسام الحيل ومراتبها] [القسم الأول من الحيل] فصل قال أرباب الحيل: قال الله تعالى: ومن يتق الله يجعل له مخرجا [الطلاق: 2] والحيل مخارج من المضائق. والجواب إنما يتبين بذكر قاعدة في أقسام الحيل ومراتبها فنقول وبالله التوفيق هي أقسام. [القسم الأول من الحيل طرق يتوصل بها إلى ما هو حرام] القسم الأول: الطرق الخفية التي يتوصل بها إلى ما هو محرم في نفسه بحيث لا يحل بمثل ذلك السبب بحال فمتى كان المقصود بها محرم في نفسه فهي حرام باتفاق المسلمين وذلك كالحيل على أخذ أموال الناس وظلمهم في نفوسهم وسفك دمائهم وإبطال حقوقهم وإفساد ذات بينهم وهي من جنس حيل الشياطين على إغواء بني آدم بكل طريق وهم يتحيلون عليهم ليوقعوهم في واحدة من ستة ولا بد فيتحيلون عليهم بكل طريق أن يوقعوهم في الكفر والنفاق على اختلاف أنواعه فإذا عملت حيلهم في ذلك قرت عيونهم فإن عجزت حيلهم عن من صحت فطرته وتلاها شاهد الإيمان من ربه بالوحي الذي أنزله على رسوله أعملوا الحيلة في إلقائه في البدعة على اختلاف أنواعها وقبول القلب لها وتهيئته واستعداده. فإن تمت حيلهم كان ذلك أحب إليهم من المعصية وإن كانت كبيرة ثم ينظرون في حال من استجاب لهم إلى البدعة فإن كان مطاعا متبوعا في الناس أمروه بالزهد والتعبد ومحاسن الأخلاق والشيم ثم أطاروا له الثناء بين الناس ليصطادوا عليه الجهال ومن لا علم عنده بالسنة وإن لم يكن كذلك جعلوا بدعته عونا له على ظلمه أهل السنة وأذاهم والنيل منهم وزينوا له أن هذا انتصار لما هم عليه من الحق فإن أعجزتهم هذه الحيلة ومن الله على العبد بتحكيم السنة ومعرفتها والتمييز بينها وبين البدعة ألقوه في الكبائر وزينوا له فعلها بكل طريق وقالوا له: أنت على السنة وفساق أهل السنة أولياء الله وعباد أهل البدعة أعداء الله وقبور فساق أهل السنة روضة من رياض الجنة وقبور عباد أهل البدع حفرة من حفر النار والتمسك بالسنة يكفر الكبائر كما أن مخالفة السنة تحبط الحسنات وأهل السنة إن قعدت بهم أعمالهم قامت بهم عقائدهم وأهل البدع إذا قامت بهم أعمالهم قعدت بهم عقائدهم وأهل السنة هم الذين أحسنوا(3\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "851",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "853",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الظن بربهم إذ وصفوه بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ووصفوه بكل كمال وجلال ونزهوه عن كل نقص والله تعالى عند ظن عبده به وأهل البدع هم الذين يظنون بربهم ظن السوء إذ يعطلونه عن صفات كماله وينزهونه عنها وإذا عطلوه عنها لزم اتصافه بأضدادها ضرورة ولهذا قال الله تعالى في حق من أنكر صفة واحدة من صفاته وهي صفة العلم ببعض الجزئيات: وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين [فصلت: 23] وأخبرهم عن الظانين بالله ظن السوء أن عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا فلم يتوعد بالعقاب أحدا أعظم ممن ظن به ظن السوء وأنت لا تظن به ظن السوء فما لك وللعقاب وأمثال هذا من الحق الذي يجعلونه وصلة لهم وحيلة إلى الاستهانة بالكبائر وأخذه الأمن لنفسه. وهذه حيلة لا ينجو منها إلا الراسخ في العلم العارف بأسماء الله وصفاته فإنه كلما كان بالله أعرف كان له أشد خشية وكلما كان به أجهل كان أشد غرورا به وأقل خشية. فإن أعجزتهم هذه الحيلة وعظم وقار الله في قلب العبد هونوا عليه الصغائر وقالوا له: إنها تقع مكفرة باجتناب الكبائر حتى كأنها لم تكن وربما منوه أنه إذا تاب منها - كبائر كانت أو صغائر - كتب له مكان كل سيئة حسنة فيقولون له: كثر منها ما استطعت ثم اربح مكان كل سيئة حسنة بالتوبة ولو قبل الموت بساعة فإن أعجزتهم هذه الحيلة وخلص الله عبده منها نقلوه إلى الفضول من أنواع المباحات والتوسع فيها وقالوا له: قد كان لداود مائة امرأة إلا واحدة ثم أراد تكميلها بالمائة وكان لسليمان ابنه مائة امرأة وكان للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان من الأموال ما هو معروف وكان لعبد الله بن المبارك والليث بن سعد من الدنيا وسعة المال ما لا يجهل وينسوه ما كان لهؤلاء من الفضل وأنهم لم ينقطعوا عن الله بدنياهم بل ساروا بها إليه فكانت طريقا لهم إلى الله. فإن أعجزتهم هذه الحيلة - بأن تفتح بصيرة قلب العبد حتى كأنه يشاهد بها الآخرة وما أعد الله فيها لأهل طاعته وأهل معصيته فأخذ حذره وتأهب للقاء ربه واستقصر مدة هذه الحياة الدنيا في جنب الحياة الباقية الدائمة - نقلوه إلى الطاعات المفضولة الصغيرة الثواب ليشغلوه بها عن الطاعات الفاضلة الكثيرة الثواب فيعمل حيلته في تركه كل طاعة كبيرة إلى ما هو دونها فيعمل حيلته في تفويت الفضيلة عليه فإن أعجزتهم هذه الحيلة - وهيهات - لم يبق لهم إلا حيلة واحدة وهي تسليط أهل الباطل والبدع والظلمة عليه يؤذونه وينفرون الناس عنه ويمنعونهم من الاقتداء به ليفوتوا عليه مصلحة الدعوة إلى الله وعليهم مصلحة الإجابة.(3\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "852",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "854",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذه مجامع أنواع حيل الشيطان ولا يحصي أفرادها إلا الله ومن له مسكة من العقل يعرف الحيلة التي تمت عليه من هذه الحيل فإن كانت له همة إلى التخلص منها وإلا فيسأل من تمت عليه والله المستعان. [من حيل شياطين الإنس] وهذه الحيل من شياطين الجن نظير حيل شياطين الإنس المجادلين بالباطل ليدحضوا به الحق ويتوصلوا به إلى أغراضهم الفاسدة في الأمور الدينية والدنيوية وذلك كحيل القرامطة الباطنية على إفساد الشرائع وحيل الرهبان على أشباه الحمير من عابد الصليب بما يموهون به عليهم من المخاريق والحيل كالنور المصنوع وغيره مما هو معروف عند الناس وكحيل أرباب الإشارات من الإذن والتسيير والتغيير وإمساك الحيات ودخول النار في الدنيا قبل الآخرة وأمثال ذلك من حيل أشباه النصارى التي تروج على أشباه الأنعام وكحيل أرباب الدك وخفة اليد التي تخفى على الناظرين أسبابها ولا يتفطنون لها وكحيل السحرة على اختلاف أنواع السحر فإن سحر البيان هو من أنواع التحيل: إما لكونه بلغ من اللطف والحسن إلى حد استمالة القلوب فأشبه السحر من هذا الوجه وإما لكون القادر على البيان يكون قادرا على تحسين القبيح وتقبيح الحسن فهو أيضا يشبه السحر من هذا الوجه أيضا. وكذلك سحر الوهم أيضا هو حيلة وهمية والواقع شاهد بتأثير الوهم والإيهام ألا ترى أن الخشبة التي يتمكن الإنسان من المشي عليها إذا كانت قريبة من الأرض لا يمكن المشي عليها إذا كانت على مهواة بعيدة القعر والأطباء تنهى صاحب الرعاف عن النظر إلى الشيء الأحمر وتنهى المصروع عن النظر إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران فإن النفوس خلقت مطية الأوهام والطبيعة فعالة والأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية. وكذلك السحر بالاستعانة بالأرواح الخبيثة إنما هو بالتحيل على استخدامها بالإشراك بها والاتصاف بهيئاتها الخبيثة ولهذا لا يعمل السحر إلا مع الأنفس الخبيثة المناسبة لتلك الأرواح وكلما كانت النفس أخبث كان سحرها أقوى وكذلك سحر التمزيجات - وهو أقوى ما يكون من السحر - أن يمزج بين القوى النفسانية الخبيثة الفعالة والقوى الطبيعية المنفعلة والمقصود أن السحر من أعظم أنواع الحيل التي(3\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "853",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "855",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ينال بها الساحر غرضه وحيل الساحر من أضعف الحيل وأقواها ولكن لا تؤثر تأثيرا مستقرا إلا في الأنفس الباطلة المنفعلة للشهوات الضعيفة تعلقها بفاطر الأرض والسموات المنقطعة عن التوجه إليه والإقبال عليه فهذه النفوس محل تأثير السحر وكحيل أرباب الملاهي والطرب على استمالة النفوس إلى محبة الصور والوصول إلى الالتذاذ بها فحيلة السماع الشيطاني على ذلك من أدنى الحيل عليه حتى قيل: أول ما وقع الزنا في العالم فإنما كان بحيلة اليراع والغناء لما أراد الشيطان ذلك لم يجد عليه حيلة أدنى من الملاهي. وكحيل اللصوص والسراق على أخذ أموال الناس وهم أنواع لا تحصى فمنهم السراق بأيديهم ومنهم السراق بأقلامهم ومنهم السراق بأمانتهم ومنهم السراق بما يظهرونه من الدين والفقر والصلاح والزهد وهم في الباطن بخلافه ومنهم السراق بمكرهم وخداعهم وغشهم وبالجملة فحيل هذا الضرب من الناس من أكثر الحيل وتليها حيل عشاق الصور على الوصول إلى أغراضهم فإنها تقع في الغالب خفية وإنما تتم غالبا على النفوس القابلة المنفعلة الشهوانية وكحيل التتار التي ملكوا بها البلاد وقهروا بها العباد وسفكوا بها الدماء واستباحوا بها الأموال وكحيل اليهود وإخوانهم من الرافضة فإنهم بيت المكر والاحتيال ولهذا ضربت على الطائفتين الذلة وهذه سنة الله في كل مخادع محتال بالباطل.  [أرباب الحيل نوعان] ثم أرباب هذه الحيل نوعان: نوع يقصد به حصول مقصوده ولا يظهر أنه حلال كحيل اللصوص وعشاق الصور المحرمة ونحوهما ونوع يظهر صاحبه أن مقصوده خير وصلاح ويبطن خلافه. وأرباب النوع الأول أسلم عاقبة من هؤلاء فإنهم أتوا البيوت من أبوابها والأمر من طريقه ووجهه وأما هؤلاء فقلبوا موضوع الشرع والدين ولما كان أرباب هذا النوع إنما يباشرون الأسباب الجائزة ولا يظهرون مقاصدهم أعضل أمرهم وعظم الخطب بهم وصعب الاحتراز منهم وعز على العالم استنقاذ قتلاهم فاستبيحت بحيلهم الفروج وأخذت بها الأموال من أربابها فأعطيت لغير أهلها وعطلت بها الواجبات وضيعت بها الحقوق وعجت الفروج والأموال والحقوق إلى ربها عجيجا وضجت مما حل بها إليه ضجيجا ولا يختلف المسلمون أن تعليم هذه الحيل حرام والإفتاء بها حرام والشهادة على مضمونها حرام والحكم بها مع العلم بحالها حرام والذي جوزوا منها ما جوزوا من(3\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "854",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "856",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأئمة لا يجوز أن يظن بهم أنهم جوزوه على وجه الحيلة إلى المحرم وإنما جوزوا صورة ذلك الفعل. ثم إن المتحيل المخادع المكار أخذ صورة ما أفتوا به فتوسل به إلى ما منعوا منه وركب ذلك على أقوالهم وفتاواهم وهذا فيه الكذب عليهم وعلى الشارع مثاله أن الشافعي - رحمه الله تعالى - يجوز إقرار المريض لوارثه فيتخذه من يريد أن يوصي لوارثه وسيلة إلى الوصية له بصورة الإقرار. ويقول: هذا جائز عند الشافعي وهذا كذب على الشافعي فإنه لا يجوز الوصية للوارث بالتحيل عليها بالإقرار فكذلك الشافعي يجوز للرجل إذا اشترى من غيره سلعة بثمن أن يبيعه إياها بأقل مما اشتراها منه بناء على ظاهر السلامة. ولا يجوز ذلك حيلة على بيع مائة بمائة وخمسين إلى سنة فالذي يسد الذرائع يمنع ذلك ويقول: هو يتخذ حيلة إلى ما حرمه الله ورسوله فلا يقبل إقرار المريض لوارثه ولا يصح هذا البيع. ولا سيما فإن إقرار المرء شهادة على نفسه فإذا تطرق إليها التهمة بطلت كالشهادة على غيره. والشافعي يقول: أقبل إقراره إحسانا للظن بالمقر وحملا لإقراره على السلامة ولا سيما عند الخاتمة. ومن هذا الباب احتيال المرأة على فسخ نكاح الزوج بما يعلمه إياها أرباب المكر والاحتيال بأن تنكر أن تكون أذنت للولي أو بأن النكاح لم يصح لأن الولي أو الشهود جلسوا وقت العقد على فراش حرير أو استندوا إلى وسادة حرير. وقد رأيت من يستعمل هذه الحيلة إذا طلق الزوج امرأته ثلاثا وأراد تخليصه من عار التحليل وشناره أرشده إلى القدح في صحة النكاح بفسق الولي أو الشهود فلا يصح الطلاق في النكاح الفاسد. وقد كان النكاح صحيحا لما كان مقيما معها عدة سنين فلما أوقع الطلاق الثلاث فسد النكاح. ومن هذا احتيال البائع على فسخ البيع بدعواه أنه لم يكن بالغا وقت العقد أو لم يكن رشيدا أو كان محجورا عليه أو لم يكن المبيع ملكا له ولا مأذونا له في بيعه  فهذه الحيل وأمثالها لا يستريب مسلم في أنها من كبائر الإثم وأقبح المحرمات وهي من التلاعب بدين الله واتخاذ آياته هزوا وهي حرام من جهتها في نفسها لكونها كذبا وزورا وحرام من جهة المقصود بها وهو إبطال حق وإثبات باطل فهذه ثلاثة أقسام: [الحيل المحرمة على ثلاثة أنواع] أحدها: أن تكون الحيلة محرمة ويقصد بها المحرم. الثاني: أن تكون مباحة في نفسها ويقصد بها المحرم فيصير حراما تحريم الوسائل كالسفر لقطع الطريق وقتل النفس المعصومة.(3\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "855",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "857",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذان القسمان تكون الحيلة فيهما موضوعة للمقصود الباطل المحرم ومفضية إليه كما هي موضوعة للمقصود الصحيح الجائز ومفضية إليه فإن السفر طريق صالح لهذا وهذا. الثالث: أن تكون الطريق لم توضع للإفضاء إلى المحرم وإنما وضعت مفضية إلى المشروع كالإقرار والبيع والنكاح والهبة ونحو ذلك فيتخذها المتحيل سلما وطريقا إلى الحرام وهذا معترك الكلام في هذا الباب وهو الذي قصدنا الكلام فيه بالقصد الأول. [نوع رابع من الحيل ينقسم إلى ثلاثة أقسام يقصد بها أخذ حق] القسم الرابع: أن يقصد بالحيلة أخذ حق أو دفع باطل وهذا القسم ينقسم إلى ثلاثة أقسام أيضا: أحدها: أن يكون الطريق محرما في نفسه وإن كان المقصود به حقا مثل أن يكون له على رجل حق فيجحده ولا يبينه له فيقيم صاحبه شاهدي زور يشهدان به ولا يعلمان ثبوت ذلك الحق ومثل أن يطلق الرجل امرأته ثلاثا ويجحد الطلاق ولا يبينه لها فتقيم شاهدين يشهدان أنه طلقها ولم يسمعا الطلاق منه ومثل أن يكون له على رجل دين وله عنده وديعة فيجحد الوديعة فيجحد هو الدين أو بالعكس ويحلف ما له عندي حق أو ما أودعني شيئا وإن كان يجيز هذا من يجيز مسألة الظفر. ومثل أن تدعي عليه المرأة كسوة أو نفقة ماضية كذبا وباطلا فينكر أن تكون مكنته من نفسها أو سلمت نفسها إليه أو يقيم شاهدي زور أنها كانت ناشزا فلا نفقة لها ولا كسوة ومثل أن يقتل رجل وليه فيقيم شاهدي زور ولم يشهدا القتل فيشهدا أنه قتله ومثل أن يموت موروثه فيقيم شاهدي زور أنه مات وأنه وارثه وهما لا يعلمان ذلك ونظائره ممن له حق لا شاهد له به فيقيم شاهدي زور يشهدان له به فهذا يأثم على الوسيلة دون المقصود وفي مثل هذا جاء الحديث: أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك .  [فصل القسم الثاني من أنواع الحيل] فصل القسم الثاني: أن يكون الطريق مشروعة وما يفضي إليه مشروع وهذه هي الأسباب التي نصبها الشارع مفضية إلى مسبباتها كالبيع والإجارة والمساقاة والمزارعة والوكالة بل الأسباب محل حكم الله ورسوله وهي في اقتضائها لمسبباتها شرعا على وزان الأسباب الحسية في اقتضائها لمسبباتها قدرا فهذا شرع الرب تعالى وذلك قدره(3\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "856",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "858",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهما خلقه وأمره والله له الخلق والأمر ولا تبديل لخلق الله ولا تغيير لحكمه فكما لا يخالف سبحانه بالأسباب القدرية أحكامها بل يجريها على أسبابها وما خلقت له فهكذا الأسباب الشرعية لا يخرجها عن سببها وما شرعت له بل هذه سنته شرعا وأمرا وتلك سنته قضاء وقدرا وسنته الأمرية قد تبدل وتتغير كما يعصى أمره ويخالف وأما سنته القدرية فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا كما لا يعصى أمره الكوني القدري. ويدخل في هذا القسم التحيل على جلب المنافع وعلى دفع المضار وقد ألهم الله تعالى ذلك لكل حيوان فلأنواع الحيوانات من أنواع الحيل والمكر ما لا يهتدي إليه بنو آدم. وليس كلامنا ولا كلام السلف في ذم الحيل متناولا لهذا القسم. بل العاجز من عجز عنه والكيس من كان به أفطن وعليه أقدر ولا سيما في الحرب فإنها خدعة. والعجز كل العجز ترك هذه الحيلة. والإنسان مندوب إلى استعاذته بالله تعالى من العجز والكسل فالعجز عدم القدرة على الحيلة النافعة. والكسل عدم الإرادة لفعلها فالعاجز لا يستطيع الحيلة والكسلان لا يريدها. ومن لم يحتل وقد أمكنته هذه الحيلة أضاع فرصته وفرط في مصالحه كما قال: إذا المرء لم يحتل وقد جد جده ... أضاع وقاسى أمره وهو مدبر وفي هذا قال بعض السلف: الأمر أمران: أمر فيه حيلة فلا يعجز عنه وأمر لا حيلة فيه فلا يجزع منه.  [فصل القسم الثالث من أنواع الحيل] [المثال الأول استأجر منه دارا مدة سنين بأجرة معلومة فخاف أن يغدر به المكري في آخر المدة] فصل [الاحتيال على الوصول إلى الحق بطريق مباحة لكنها لم تشرع له] . القسم الثالث: أن يحتال على التوصل إلى حق أو على دفع الظلم بطريق مباحة لم توضع موصلة إلى ذلك بل وضعت لغيره فيتخذها هو طريقا إلى هذا المقصود الصحيح أو قد يكون قد وضعت له لكن تكون خفية ولا يفطن لها والفرق بين هذا القسم والذي قبله أن الطريق في الذي قبله نصبت مفضية إلى مقصودها ظاهرا فسالكها سالك للطريق المعهود والطريق في هذا القسم نصبت مفضية إلى غيره فيتوصل بها إلى ما لم توضع له فهي في الفعال كالتعريض الجائز في المقال أو تكون مفضية إليه لكن بخفاء ونذكر لذلك أمثلة ينتفع بها في هذا الباب.(3\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "857",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "859",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المثال الأول: إذا استأجر منه دارا مدة سنين بأجرة معلومة فخاف أن يغدر به المكري في آخر المدة ويتسبب إلى فسخ الإجارة بأن يظهر أنه لم تكن له ولاية الإيجار أو أن المؤجر ملك لابنه أو امرأته أو أنه كان مؤجرا قبل إيجاره ويتبين أن المقبوض أجرة المثل لما استوفاه من المدة وينتزع المؤجر له منه فالحيلة في التخلص من هذه الحيلة أن يضمنه المستأجر درك العين المؤجرة له أو لغيره فإذا استحقت أو ظهرت الإجارة فاسدة رجع عليه بما قبضه منه أو يأخذ إقرار من يخاف منه بأنه لا حق له في العين وأن كل دعوى يدعيها بسببها فهي باطلة أو يستأجرها منه بمائة دينار مثلا ثم يصارفه كل دينار بعشرة دراهم فإذا طالبه بأجرة المثل طالبه هو بالدنانير التي وقع عليها العقد فإنه لم يخف من ذلك ولكن يخاف أن يغدر به في آخر المدة فليقسط [مبلغ] الأجرة على عدد السنين ويجعل معظمها للسنة التي يخشى غدره فيها. وكذلك إذا خاف المؤجر أن يغدر المستأجر ويرحل في آخر المدة فليجعل معظم الأجرة على المدة التي يأمن فيها من رحيله والقدر اليسير منها لآخر المدة  [المثال الثاني خوف رب الدار غيبة المستأجر ويحتاج إلى داره] المثال الثاني: أن يخاف رب الدار غيبة المستأجر ويحتاج إلى داره فلا يسلمها أهله إليه فالحيلة في التخلص من ذلك أن يؤجرها ربها من امرأة المستأجر ويضمن الزوج أن ترد إليه المرأة الدار وتفرغها متى انقضت المدة أو تضمن المرأة ذلك إذا استأجر الزوج فمتى استأجر أحدهما وضمن الآخر الرد لم يتمكن أحدهما من الامتناع وكذلك إن مات المستأجر فجحد ورثته الإجارة وادعوا أن الدار لهم نفع رب الدار كفالة الورثة وضمانهم رد الدار إلى المؤجر فإن خاف المؤجر إفلاس المستأجر وعدم تمكنه من قبض الأجرة فالحيلة أن يأخذ منه كفيلا بأجرة ما سكن أبدا ويسمي أجرة كل شهر للضمين ويشهد عليه بضمانه  [المثال الثالث أذن رب الدار للمستأجر أن يكون في الدار ما يحتاج إليه وخاف أن لا يحتسب من الأجرة] المثال الثالث: أن يأذن رب الدار للمستأجر أن يكون في الدار ما يحتاج إليه أو يعلف الدابة بقدر حاجتها وخاف أن لا يحتسب له ذلك من الأجرة فالحيلة في اعتداده به عليه أن يقدر ما يحتاج إليه الدابة أو الدار ويسمي له قدرا معلوما ويحسبه من الأجرة ويشهد على المؤجر أنه قد وكله في صرف ذلك القدر فيما تحتاج إليه الدار أو الدابة. فإن قيل: فهل تجوزون لمن له دين على رجل أن يوكله في المضاربة به أو الصدقة به أو إبراء نفسه منه أو أن يشتري له شيئا ويبرأ المدين إذا فعل ذلك قيل: هذا مما اختلف فيه وفي صورة المضاربة بالدين قولان في مذهب الإمام أحمد.(3\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "858",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "860",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدهما: أنه لا يجوز ذلك وهو المشهور لأنه يتضمن قبض الإنسان من نفسه وإبرائه لنفسه من دين الغريم بفعل نفسه لأنه متى أخرج الدين وضارب به فقد صار المال أمانة وبرئ منه وكذلك إذا اشترى به شيئا أو تصدق به. والقول الثاني: أنه لا يجوز وهو الراجح في الدليل وليس في الأدلة الشرعية ما يمنع من جواز ذلك ولا يقتضي تجويزه مخالفة قاعدة من قواعد الشرع ولا وقوعا في محظور من ربا ولا قمار ولا بيع غرر ولا مفسدة في ذلك بوجه ما فلا يليق بمحاسن الشريعة المنع منه وتجويزه من محاسنها ومقتضاها. وقولهم: quot; إنه يتضمن إبراء الإنسان لنفسه بفعل نفسه quot; كلام فيه إجمال يوهم أنه هو المستقل بإبراء نفسه وبالفعل الذي به يبرأ وهذا إيهام فإنه إنما برئ بما أذن له رب الدين من مباشرة الفعل الذي تضمن براءته من الدين فأي محذور في أن يفعل فعلا أذن له فيه رب الدين ومستحقه يتضمن براءته فكيف ينكر أن يقع في الأحكام الضمنية التبعية ما لا يقع مثله في المتبوعات ونظائر ذلك أكثر من أن تذكر حتى لو وكله أو أذن له أن يبرئ نفسه من الدين جاز وملك ذلك كما لو وكل المرأة أن تطلق نفسها فأي فرق بين أن يقول طلقي نفسك إن شئت أو يقول لغريمه: أبري نفسك إن شئت وقد قالوا: لو أذن لعبده في التكفير بالمال ملك ذلك على الصحيح فلو أذن له في الإعتاق ملكه فلو أعتق نفسه صح على أحد القولين والقول الآخر لا يصح لمانع آخر وهو أن الولاء للمعتق والعبد ليس من أهل الولاء نعم المحذور أن يملك إبراء نفسه من الدين بغير رضا ربه وبغير إذنه فهذا هو المخالف لقواعد الشرع. فإن قيل: فالدين لا يتعين بل هو مطلق كلي ثابت في الذمة فإذا أخرج مالا واشترى به أو تصدق به لم يتعين أن يكون هو الدين ورب الدين لم يعينه فهو باق على إطلاقه. قيل: هو في الذمة مطلق وكل فرد من أفراده طابقه صح أن يعين عنه ويجزئ وهذا كإيجاب الرب تعالى الرقبة المطلقة في الكفارة فإنها غير معينة ولكن أي رقبة عينها المكلف وكانت مطابقة لذلك المطلق تأدى بها الواجب. ونظيره هاهنا أن أي فرد عينه وكان مطابقا لما في الذمة تعين وتأدى به الواجب. وهذا كما يتعين عند الأداء إلى ربه وكما يتعين عند التوكيل في قبضه فهكذا يتعين عند توكيله لمن هو في ذمته أن يعينه ثم يضارب به أو يتصدق أو يشتري به شيئا وهذا محض الفقه وموجب القياس وإلا فما الفرق بين تعينه إذا وكل الغير في قبضه والشراء أو التصدق به وبين تعيينه إذا وكل من هو في ذمته أن(3\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "859",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "861",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعينه ويضارب أو يتصدق به فهل يوجب التفريق فقه أو مصلحة لهما أو لأحدهما أو حكمة للشارع فيجب مراعاتها فإن قيل: تجوزوا على هذا أن يقول له: اجعل الدين عليك رأس مال السلم في كذا وكذا. قيل: شرط صحة النقض أمران أحدهما أن تكون الصورة التي تنقض بها مساوية لسائر الصور في المعنى الموجب للحكم الثاني: أن يكون الحكم فيها معلوما بنص أو إجماع وكلا الأمرين منتف هاهنا فلا إجماع معلوم في المسألة وإن كان قد حكي وليس مما نحن فيه فإن المانع من جوازها رأى أنها من باب بيع الدين بالدين بخلاف ما نحن فيه والمجوز لها يقول: ليس عن الشارع نص عام في المنع من بيع الدين بالدين وغاية ما ورد فيه حديث وفيه ما فيه: أنه نهى عن بيع الكالئ بالكالئ والكالئ: هو المؤخر وهذا كما إذا كان رأس مال السلم دينا في ذمة المسلم فهذا هو الممنوع منه بالاتفاق لأنه يتضمن شغل الذمتين بغير مصلحة لهما وأما إذا كان الدين في ذمة المسلم إليه فاشترى به شيئا في ذمته فقد سقط الدين من ذمته وخلفه دين آخر واجب فهذا من باب بيع الساقط بالواجب فيجوز كما يجوز بيع الساقط بالساقط في باب المقاصة فإن بنى المستأجر أو أنفق على الدابة وقال: أنفقت كذا وكذا وأنكر المؤجر فالقول قول المؤجر لأن المستأجر يدعي براءة نفسه من الحق الثابت عليه والقول قول المنكر. فإن قيل: فهل ينفعه إشهاد رب الدار أو الدابة على نفسه أنه مصدق فيما يدعي إنفاقه . قيل: لا ينفعه ذلك وليس بشيء ولا يصدق أنه أنفق شيئا إلا ببينة لأن مقتضى العقد ألا يقبل قوله في الإنفاق ولكن ينتفع بعد الإنفاق بإشهاد المؤجر أنه صادق فيما يدعي أنه أنفقه والفرق بين الموضعين أنه بعد الإنفاق مدع فإذا صدقه المدعى عليه نفعه ذلك وقبل الإنفاق ليس مدعيا ولا ينفعه إشهاد المؤجر بتصديقه فيما سوف يدعيه في المستقبل فهذا شيء وذاك شيء آخر. فإن قيل: فما الحيلة على أن يصدق المؤجر المستأجر فيما يدعيه من النفقة قيل: الحيلة أن يسلف المستأجر رب الدار أو الحيوان من الأجرة ما يعلم أنه بقدر الحاجة ويشهد عليه بقبضه ثم يدفع رب الدار إلى المستأجر ذلك الذي قبضه منه ويوكله في الإنفاق على داره أو دابته فيصير أمينه فيصدقه على ما يدعيه إذا كان ذلك نفقة(3\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "860",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "862",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مثله عرفا فإن خرج عن العادة لم يصدق به وهذه حيلة لا يدفع بها حقا ولا يتوصل بها لمحرم ولا يقيم بها باطلا.  [المثال الرابع خوف رب الدار من أن يؤخر المستأجر تسليمها] [خوف رب الدار من أن يؤخر المستأجر تسليمها] المثال الرابع: إذا خاف رب الدار أو الدابة أن يعوقها عليه المستأجر بعد المدة فالحيلة في أمنه من ذلك أن يقول: متى حبستها بعد انقضاء المدة فأجرتها كل يوم كذا وكذا فإنه يخاف من حبسها أن يلزمه بذلك.  [المثال الخامس استئجار الشمع ليشعله] [استئجار الشمع ليشعله] المثال الخامس: لا يجوز استئجار الشمع ليشعله لذهاب عين المستأجر والحيلة في تجويز هذا العقد أن يبيعه من الشمعة أواقي معلومة ثم يؤجره إياها فإن كان الذي أشعل منها ذلك القدر وإلا احتسب له بما أذهبه منها وأحسن من هذه الحيلة أن يقول: بعتك من هذه الشمعة كل أوقية منها بدرهم قل المأخوذ منها أو كثر وهذا جائز على أحد القولين في مذهب الإمام أحمد واختاره شيخنا وهو الصواب المقطوع به وهو مخرج على نص الإمام أحمد في جواز إجارة الدار كل شهر بدرهم وقد أجر علي كرم الله وجهه في الجنة نفسه كل دلو بتمرة ولا محذور في هذا أصلا ولا يفضي إلى تنازع ولا تشاحن بل عمل الناس في أكثر بياعاتهم عليه ولا يضره جهالة كمية المعقود عليه عند البيع لأن الجهالة المانعة من صحة العقد هي التي تؤدي إلى القمار والغرر ولا يدري العاقد على أي شيء يدخل وهذه لا تؤدي إلى شيء من ذلك بل إن أراد قليلا أخذ والبائع راض وإن أراد كثيرا أخذ والبائع راض والشريعة لا تحرم مثل هذا ولا تمنع منه بل هي أسمح من ذلك وأحكم. فإن قيل: لكن في العقد على هذا الوجه محذوران أحدهما: تضمنه للجمع بين البيع والإجارة والثاني: أن مورد عقد الإجارة يذهب عينه أو بعضه بالإشعال. قيل: لا محذور في الجمع بين عقدين كل منهما جائز بمفرده كما لو باعه سلعة وأجره داره شهرا بمائة درهم وأما مذهب إجزاء المستأجر بالانتفاع فإنما لم يجز لأنه لم يتعوض عنه المؤجر وعقد الإجارة يقتضي رد العين بعد الانتفاع وأما هذا العقد فهو عقد بيع يقتضي ضمان المتلف بثمنه الذي قدر له وأجرة انتفاعه بالعين قبل الإتلاف فالأجرة في مقابلة انتفاعه بها مدة بقائها والثمن في مقابلة ما أذهب منها فدعونا من تقليد آراء الرجال ما الذي حرم هذا وأين هو في كتاب الله وسنة رسوله أو أقوال الصحابة أو القياس(3\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "861",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "863",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصحيح الذي يكون فيه الفرع مساويا للأصل ويكون حكم الأصل ثابتا بالكتاب أو السنة أو الإجماع وليس كلامنا في هذا الكتاب مع المقلد المتعصب المقر على نفسه بما شهد عليه به جميع أهل العلم أنه ليس من جملتهم فذاك وما اختار لنفسه وبالله التوفيق.  [المثال السادس اشتراط الزوجة دارها أو بلدها ونحو ذلك] [اشتراط الزوجة دارها أو بلدها ونحو ذلك] المثال السادس: أن تشترط المرأة دارها أو بلدها أو أن لا يتزوج عليها ولا يكون هناك حاكم يصحح هذا الشرط أو تخاف أن يرفعها إلى حاكم يبطله فالحيلة في تصحيحه أن تلزمه عند العقد بأن يقول: إن تزوجت عليك امرأة فهي طالق. وهذا الشرط يصح وإن قلنا: quot; لا يصح تعليق الطلاق بالنكاح quot; نص عليه أحمد لأن هذا الشرط لما وجب الوفاء به من منع التزويج بحيث لو تزوج فلها الخيار بين المقام معه ومفارقته جاز اشتراط طلاق من يتزوجها عليها كما جاز اشتراط عدم نكاحها فإن لم تتم لها هذه الحيلة فلتأخذ شرطه أنه إن تزوج عليها فأمرها بيدها أو أمر الضرة بيدها ويصح تعليق ذلك بالشرط لأنه توكيل على الصحيح ويصح تعليق الوكالة على الشرط على الصحيح من قولي العلماء وهو قول الجمهور ومالك وأبي حنيفة وأحمد كما يصح تعليق الولاية على الشرط بالسنة الصحيحة الصريحة. ولو قيل: quot; لا يصح تعليق الوكالة بالشرط quot; لصح تعليق هذا التوكيل الخاص لأنه يتضمن الإسقاط فهو كتعليق الطلاق والعتق بالشرط ولا ينتقض هذا بالبراءة فإنه يصح تعليقها بالشرط وقد فعله الإمام أحمد وأصوله تقتضي صحته وليس عنه نص بالمنع ولو سلم أنه تمليك لم يمنع تعليقه بالشرط كما تعلق الوصية وأولى بالجواز فإن الوصية تمليك مال وهذا ليس كذلك فإن لم تتم لها هذه الحيلة فليتزوجها على مهر مسمى على أنه إن أخرجها من دارها فلها مهر مثلها وهو أضعاف ذلك المسمى ويقر الزوج بأنه مهر مثلها وهذا الشرط صحيح لأنها لم ترض بالمسمى إلا بناء على إقرارها في دارها فإذا لم يسلم لها ذلك وقد شرطت في مقابلته زيادة جاز وتكون تلك الزيادة في مقابلة ما فاتها من الغرض الذي إنما أرخصت المهر ليسلم لها فإذا لم يسلم لها انتقلت إلى المهر الزائد. وقد صرح أصحاب أبي حنيفة بجواز مثل ذلك مع قولهم بأنه لا يصح اشتراط دارها ولا أن لا يتزوج عليها وقد أغنى الله عن هذه الحيلة بوجوب الوفاء بهذا الشرط الذي هو أحق الشروط أن يوفى به وهو مقتضى الشرع والعقل والقياس الصحيح فإن المرأة لم ترض ببذل بضعها للزوج إلا على هذا الشرط ولو لم يجب الوفاء به لم يكن العقد عن تراض وكان إلزاما لها بما لم تلتزمه وبما لم يلزمها الله تعالى ورسوله به فلا نص ولا قياس والله الموفق(3\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "862",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "864",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[المثال السابع تزوج المرأة بشرط ألا يتزوج عليها] تزوج المرأة بشرط ألا يتزوج عليها] المثال السابع: إذا خاصمته امرأته وقالت: قل quot; كل جارية أشتريها فهي حرة وكل امرأة أتزوجها فهي طالق quot; فالحيلة في خلاصه أن يقول ذلك ويعني بالجارية السفينة لقوله: إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية [الحاقة: 11] ويمسك بيده حصاة أو خرقة ويقول: quot; فهي طالق quot; فيرد الكناية إليها فإن تفقهت عليه الزوجة وقالت: قل: quot; كل رقيقة أو أمة quot; فليقل ذلك وليعن فهي حرة الخصال غير فاجرة فإنه لو قال ذلك لم تعتق كما لو قال له رجل: quot; غلامك فاجر زان quot; فقال: ما أعرفه إلا حرا عفيفا ولم يرد العتق لم يعتق. وإن تفقهت عليه وقالت: قل: quot; فهي عتيقة quot; فليقل ذلك ولينو ضد الجديدة أي عتيقة في الرق فإن تفقهت وقالت: قل: quot; فهي معتوقة quot; و: quot; قد أعتقتها إن ملكتها quot; فليرد الكناية إلى حصاة في يده أو خرقة فإن لم تدعه أن يمسك شيئا فليردها إلى نفسه ويعني أن قد أعتقها من النار بالإسلام أو فهي حرة ليست رقيقة لأحد ويجعل الكلام جملتين فإن حضرته وقالت: قل: quot; فالجارية التي أشتريها معتوقة quot; فليقيد ذلك بزمن معين أو مكان معين في نيته ولا يحنث بغيره فإن حضرته وقالت: من غير تورية ولا كناية ولا نية تخالف قولي وهذا آخر التشديد فلا يمنعه ذلك من التورية والكناية. وإن قال بلسانه: quot; لا أوري ولا أكني quot; والتورية والكناية في قلبه كما لو قال: quot; لا أستثني quot; بلسانه ومن نيته الاستثناء ثم استثنى فإنه ينفعه حتى لو لم ينو الاستثناء ثم عزم عليه واستثنى نفعه ذلك بالسنة الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها بوجه في غير حديث كقول الملك لسليمان: قل إن شاء الله وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: إلا الإذخر بعد أن ذكره به العباس وقوله: إن شاء الله بعد أن قال: لأغزون قريشا ثلاث مرات ثم قال بعد الثالثة وسكوته: إن شاء الله . والقرآن صريح في نفع الاستثناء إذا نسيه ولم ينوه في أول كلامه ولا أثناءه في قوله تعالى: ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا - إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت [الكهف: 23 - 24]  وهذا إما أن يختص بالاستثناء إذا نسيه كما فسره به جمهور المفسرين أو يعمه ويعم غيره وهو الصواب فأما أن يخرج منه الاستثناء الذي سيق الكلام لأجله ويرد إلى غيره فلا يجوز ولأن الكلام الواحد لا يعتبر في صحته نية كل جملة من جمله وبعض من أبعاضه فالنص والقياس يقتضي نفع الاستثناء وإن خطر له بعد انقضاء الكلام وهذا هو الصواب المقطوع به.  [المثال الثامن إجارة الأرض المشغولة بالزرع] [إجارة الأرض المشغولة بالزرع] المثال الثامن: لا تصح إجارة الأرض المشغولة بالزرع فإن أراد ذلك فله حيلتان(3\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "863",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "865",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جائزتان إحداهما: أن يبيعه الزرع ثم يؤجره الأرض فتكون الأرض مشغولة بملك المستأجر فلا يقدح في صحة الإجارة فإن لم يتمكن من هذه الحيلة لكون الزرع لم يشتد أو كان زرعا للغير انتقل إلى الحيلة الثانية وهي أن يؤجره إياها لمدة تكون بعد أخذ الزرع ويصح هذا بناء على صحة الإجارة المضافة.  [المثال التاسع استئجار الأرض بخراجها مع الأجرة] [استئجار الأرض بخراجها مع الأجرة] المثال التاسع: لا تصح إجارة الأرض على أن يقوم المستأجر بالخراج مع الأجرة أو يكون قيامه به هو أجرتها ذكره القاضي لأن الخراج مؤنة تلزم المالك بسبب تمكنه من الانتفاع فلا يجوز نقله إلى المستأجر. والحيلة في جوازه أن يسمي مقدار الخراج ويضيفه إلى الأجرة - قلت: ولا يمنع أن يؤجره الأرض بما عليها من الخراج إذا كان مقدارا معلوما لا جهالة فيه - فيقول: أجرتكها بخراجها تقوم به عني فلا محذور في ذلك ولا جهالة ولا غرر وأي فرق بين أن يقول آجرتك كل سنة بمائة أو بالمائة التي عليها كل سنة خراجا فإن قيل: الأجرة تدفع إلى المؤجر والخراج إلى السلطان. قيل: بل تدفع الأجرة إلى المؤجر أو إلى من أذن له بالدفع إليه فيصير وكيله في الدفع.  [المثال العاشر استئجار الدابة بعلفها] [استئجار الدابة بعلفها] المثال العاشر: لا يصح أن يستأجر الدابة بعلفها لأنه مجهول. والحيلة في جوازه أن يسمي ما يعلم أنها تحتاج إليه من العلف فيجعله أجرة ثم يوكله في إنفاق ذلك عليها. وهذه الحيلة غير محتاج إليها على أصلنا فإنا نجوز أن يستأجر الظئر بطعامها وكسوتها والأجير بطعامه وكسوته فكذلك إجارة الدابة بعلفها وسقيها. فإن قيل: علف الدابة على مالكها فإذا شرطه على المستأجر فقد شرط ما ينافي مقتضى العقد فأشبه ما لو شرط في عقد النكاح أن تكون نفقة الزوجة على نفسها. قيل: هذا من أفسد القياس لأن العلف قد جعل في مقابلة الانتفاع فهو نفسه أجرة مغتفرة جهالتها اليسيرة للحاجة بل الحاجة إلى ذلك أعظم من حاجة استئجار الأجير بطعامه وكسوته إذ يمكن الأجير أن يشتري له بالأجرة ذلك فأما الدابة فإن كلف ربها أن يصحبها ليعلفها شق عليه ذلك فتدعو الحاجة إلى قيام المستأجر عليها ولا يظن به تفريطه في علفها لحاجته إلى ظهرها فهو يعلفها لحاجته وإن لم يمكنها مخاصمته(3\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "864",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "866",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[المثال الحادي عشر الإجارة مع عدم معرفة المدة] الإجارة مع عدم معرفة المدة] المثال الحادي عشر: إذا أراد أن يستأجر دارا أو حانوتا ولا يدري مدة مقامه فإن استأجره سنة فقد يحتاج إلى التحول قبلها. فالحيلة أن يستأجر كل شهر بكذا وكذا فتصح الإجارة وتلزم في الشهر الأول وتصير جائزة فيما بعده من الشهور فلكل واحد منهما الفسخ عقيب كل شهر إلى تمام يوم وهذا قول أبي حنيفة وقال الشافعي: الإجارة فاسدة وعن أحمد نحوه والصحيح الأول فإذا خاف المستأجر أن يتحول قبل تمام الشهر الثاني فيلزمه أجرته فالحيلة أن يستأجرها كل أسبوع بكذا فإن خاف التحول قبل الأسبوع استأجرها كل يوم بكذا ويصح ويكون حكم اليوم كحكم الشهر.  [المثال الثاني عشر شراء الوكيل ما وكل فيه لنفسه] [شراء الوكيل ما وكل فيه لنفسه] المثال الثاني عشر: لو وكله أن يشتري له جارية معينة فلما رآها الوكيل أعجبته وأراد شراءها لنفسه من غير إثم يدخل عليه ولا غدر بالموكل جاز ذلك لأن شراءه إياها لنفسه عزل لنفسه وإخراج لها من الوكالة والوكيل يملك عزل نفسه في حضور الموكل وغيبته وإذا عزل [نفسه] واشترى الجارية لنفسه بماله ملكها وليس في ذلك بيع على بيع أخيه أو شراء على شراء أخيه إلا أن يكون سيدها قد ركن إلى الموكل وعزم على إمضاء البيع له فيكون شراء الوكيل لنفسه حينئذ حراما لأنه شراء على شراء أخيه ولا يقال: quot; العقد لم يتم والشراء على شرائه هو أن يطلب من البائع فسخ العقد في مدة الخيار ويعقد معه هو quot; لعدة أوجه: أحدها: أن هذا حمل للحديث على الصورة النادرة والأكثر خلافها. الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرن ذلك بخطبته على خطبة أخيه وذلك إنما يكون قبل عقد النكاح. الثالث: أنه نهي أن يسوم على سوم أخيه  وذلك أيضا قبل العقد. الرابع: أن المعنى الذي حرم الشارع لأجله ذلك لا يختص بحالة الخيار بل هو قائم بعد الركون والتراضي وإن لم يعقداه كما هو قائم بعد العقد. الخامس: أن هذا تخصيص لعموم الحديث بلا موجب فيكون فاسدا فإن شراءه على شراء أخيه متناول لحال الشراء وما بعده والذي غر من خصه بحالة الخيار ظنه أن هذا اللفظ إنما يصدق على من اشترى بعد شراء أخيه وليس كذلك بل اللفظ صادق على القسمين. السادس: أنه لو اختص اللفظ بما بعد الشراء لوجب تعديته بتعدية علته إلى حالة السوم. أما على أصل أبي حنيفة فلا يتأتى ذلك لأن الوكيل لا يملك عزل نفسه في غيبة الموكل فلو اشتراها لنفسه لكان عزلا لنفسه في غيبة موكله وهو لا يملكه.(3\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "865",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "867",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: فالحيلة في شرائها لنفسه أن يشتريها بغير جنس الثمن الذي وكل أن يشتري به وحينئذ فيملكها لأن هذا العقد غير الذي وكل فيه فهو بمنزلة ما لو وكله في شراء شاة فاشترى فرسا فإن العقد يكون للوكيل دون الموكل فإن أراد الموكل الاحتراز من هذه الحيلة وأن لا يمكن الوكيل من شرائها لنفسه فليشهد عليه أنه متى اشتراها لنفسه فهي حرة فإن وكل الوكيل من يشتريها له انبنى ذلك على أصلين: أحدهما: أن الوكيل هل له أن يوكل أم لا والثاني: أن من حلف لا يفعل شيئا فوكل في فعله هل يحنث أم لا وفي الأصلين نزاع معروف فإن وكله رجل في بيع جارية ووكله آخر في شرائها وأراد هو شراءها لنفسه فالحكم على ما تقدم غير أن هاهنا أصلا آخر وهو أن الوكيل في بيع الشيء هل يملك بيعه لنفسه فيه روايتان عن الإمام أحمد إحداهما: لا يملك ذلك سدا للذريعة لأنه لا يستقصي في الثمن والثانية: يجوز إذا زاد على ثمنها في النداء لتزول التهمة فعلى هذه الرواية يفعل ذلك من غير حاجة إلى حيلة والثانية لا يجوز فعل هذا وهل يجوز له التحيل على ذلك فقيل: له أن يتحيل عليه بأن يدفع إلى غيره دراهم ويقول له: اشترها لنفسك ثم يتملكها منه والذي تقتضيه قواعد المذهب أن هذا لا يجوز لأنه تحيل على التوصل إلى فعل محرم ولأن ذلك ذريعة إلى عدم استقصائه واحتياطه في البيع بل يسامح في ذلك لعلمه أنها تصير إليه وأنه هو الذي يزن الثمن ولأنه يعرض نفسه للتهمة ولأن الناس يرون ذلك نوع غدر ومكر فمحاسن الشريعة تأبى الجواز. فإن قيل: فلو وكله أحدهما في بيعها والآخر في شرائها ولم يرد أن يشتريها لنفسه فهل يجوز ذلك . قيل: هذا ينبني على شراء الوكيل في البيع لنفسه فإن أجزناه هناك جاز هاهنا بطريق الأولى وإن منعناه هناك فقال القاضي: لا يجوز أيضا هاهنا لتضاد الغرضين لأن وكيل البيع يستقصي في زيادة الثمن ووكيل الشراء يستقصي في نقصانه فيتضادان ولم يذكر غير ذلك ويتخرج الجواز - وإن منعنا الوكيل من الشراء لنفسه من نص أحمد - على جواز كون الوكيل في النكاح وكيلا من الطرفين وكونه أيضا وليا من الطرفين وأنه يلي بذلك على إيجاب العقد وقبوله ولا ريب أن التهمة التي تلحقه في الشراء لنفسه أظهر من التهمة التي تلحقه في الشراء لموكله. والحيلة الصحيحة في ذلك كله أن يبيعها بيعا بتاتا ظاهرا لأجنبي يثق به ثم يشتريها منه شراء مستقلا فهذا لا بأس به والله أعلم(3\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "866",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "868",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[المثال الثالث عشر الحيلة في التخلص من طلاق امرأته] حيلة في التخلص من طلاق امرأته] المثال الثالث عشر: إذا قال الرجل لامرأته: quot; الطلاق يلزمني لا تقولين لي شيئا إلا قلت لك مثله quot; فقالت له: أنت طالق ثلاثا. فالحيلة في التخلص من أن يقول لها مثل ذلك أن يقول لها: قلت لي: أنت طالق ثلاثا. قال أصحاب الشافعي: وفي هذه الحيلة نظر لا يخفى لأنه لم يقل لها مثل ما قالت له وإنما حكى كلامها من غير أن يقول لها نظيره. ولو أن رجلا سب رجلا فقال له المسبوب: quot; أنت قلت لي كذا وكذا quot; لم يكن قد رد عليه عند أحد لا لغة ولا عرفا فهذه الحيلة ليست بشيء. وقالت طائفة أخرى: الحيلة أن يقول لها: quot; أنت طالق ثلاثا quot; - بفتح التاء - فلا تطلق وهذا نظير ما قالت له سواء وهذه وإن كانت أقرب من الأولى فإن المفهوم المتعارف لغة وعقلا وعرفا من الرد على المرأة أن يخاطبها خطاب المؤنث فإذا خاطبها خطاب المذكر لم يكن ذلك ردا ولا جوابا ولو فرض أنه رد لم يمنع وقوع الطلاق بالمواجهة وإن فتح التاء كأنه قال: أيها الشخص أو الإنسان. وقالت طائفة أخرى: الحيلة في ذلك أن يقول: أنت طالق ثلاثا إن شاء الله أو إن كلمت السلطان أو إن سافرت ونحو ذلك فيكون قد قال لها نظير ما قالت ولا يضره زيادة الشرط وهذه الحيلة أقرب من التي قبلها ولكن في كون المتكلم بها رادا أو مجيبا نظر لا يخفى لأن الشرط وإن تضمن زيادة في الكلام لكنه يخرجه عن كونه نظيرا لكلامها ومثلا له وهو إنما حلف أن يقول لها مثل ما قالت له والجملة الشرطية ليست مثل الجملة الخبرية بل الشرط يدخل على الكلام التام فيصيره ناقصا يحتاج إلى الجواب ويدخل على الخبر فيقلبه إنشاء ويغير صورة الجملة الخبرية ومعناها ولو قال رجل لغيره: quot; لعنك الله quot; فقال له: quot; لعنك الله إن بدلت دينك أو ارتددت عن الإسلام quot; لم يكن سابا له. ولو قال له: quot; يا زان quot; فقال: quot; بل أنت زان إن وطئت فرجا حراما quot; لم يكن الثاني قاذفا له. ولو بذلت له مالا على أن يطلقها فقال: أنت طالق إن كلمت السلطان لم يستحق المال ولم يكن مطلقا. وقالت طائفة أخرى: لا حاجة إلى شيء من ذلك والحالف لم تدخل هذه الصورة في عموم كلامه وإن دخلت فهي من المخصوص بالعرف والعادة والعقل فإنه لم يرد هذه الصورة قطعا ولا خطرت بباله ولا تناولها لفظه فإنه إنما تناول لفظه القول الذي يصح(3\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "867",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "869",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن يقال له وقولها: quot; أنت طالق ثلاثا quot; ليس من القول الذي يصح أن يواجه به فهو لغو محض وباطل وهو بمنزلة قولها quot; أنت امرأتي quot; وبمنزلة قول الأمة لسيدها: quot; أنت أمتي وجاريتي quot; ونحو هذا من الكلام اللغو الذي لم يدخل تحت لفظ الحالف ولا إرادته أما عدم دخوله تحت إرادته فلا إشكال فيه وأما عدم تناول لفظه له فإن اللفظ العام إنما يكون عاما فيما يصلح له وفيما سيق لأجله. وهذا أقوى من جميع ما تقدم وغايته تخصيص العام بالعرف والعادة وهذا أقرب لغة وعرفا وعقلا وشرعا من جعل ما تقدم مطابقا ومماثلا لكلامها مثله فتأمله والله الموفق.  [المثال الرابع عشر الإحرام وقد ضاق الوقت] [الإحرام وقد ضاق الوقت] المثال الرابع عشر: إذا خاف الرجل لضيق الوقت أن يحرم بالحج فيفوته فيلزمه القضاء ودم الفوات فالحيلة أن يحرم إحراما مطلقا ولا يعينه فإن اتسع له الوقت جعله حجا أو قرانا أو تمتعا وإن ضاق عليه الوقت جعله عمرة ولا يلزمه غيرها.  [المثال الخامس عشر من جاوز الميقات غير محرم] [من جاوز الميقات غير محرم] المثال الخامس عشر: إذا جاوز الميقات غير محرم لزمه الإحرام ودم لمجاوزته للميقات غير محرم فالحيلة في سقوط الدم عنه أن لا يحرم من موضعه بل يرجع إلى الميقات فيحرم منه فإن أحرم من موضعه لزمه الدم ولا يسقط برجوعه إلى الميقات.  [المثال السادس عشر الحيلة للبر في يمين] [حيلة للبر في يمين] المثال السادس عشر: إذا سرق له متاع فقال لامرأته: إن لم تخبريني من أخذه فأنت طالق ثلاثا والمرأة لا تعلم من أخذه. فالحيلة في التخلص من هذه اليمين أن تذكر الأشخاص التي لا يخرج المأخوذ عنهم ثم تفرد كل واحد واحد وتقول: هو أخذه فإنها تكون مخبرة عن الآخذ وعن غيره فيبر في يمينه ولا تطلق.  [المثال السابع عشر ادعاء المرأة نفقة ماضية] [ادعاء المرأة نفقة ماضية] المثال السابع عشر: إذا ادعت المرأة النفقة والكسوة لمدة ماضية فقد اختلف في قبول دعواها فمالك وأبو حنيفة لا يقبلان دعواها ثم اختلفا في مأخذ الرد فأبو حنيفة يسقطها بمضي الزمان كما يقوله منازعوه في نفقة القريب ومالك لا يسمع الدعوى التي يكذبها العرف والعادة ولا يحلف عنده فيها ولا يقبل فيها بينة كما لو كان رجل حائزا(3\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "868",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "870",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دارا متصرفا فيها مدة السنين الطويلة بالبناء والهدم والإجارة والعمارة وينسبها إلى نفسه ويضيفها إلى ملكه وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة ومع ذلك لا يعارضه فيها ولا يذكر أن له فيها حقا ولا مانع يمنعه من خوف أو شركة في ميراث ونحو ذلك ثم جاء بعد تلك المدة فادعاها لنفسه فدعواه غير مسموعة فضلا عن إقامة بينته. قالوا: وكذلك إذا كانت المرأة مع الزوج مدة سنين يشاهده الناس والجيران داخلا بيته بالطعام والفاكهة واللحم والخبز ثم ادعت بعد ذلك أنه لم ينفق عليها في هذه المدة فدعواها غير مسموعة فضلا عن أن يحلف لها أو يسمع لها بينة. قالوا: وكل دعوى ينفيها العرف وتكذبها العادة فإنها مرفوضة غير مسموعة. وهذا المذهب هو الذي ندين الله به ولا يليق بهذه الشريعة الكاملة سواه وكيف يليق بالشريعة أن تسمع مثل هذه الدعوى التي قد علم الله وملائكته والناس أنها كذب وزور وكيف تدعي المرأة أنها أقامت مع الزوج ستين سنة أو أكثر لم ينفق عليها فيها يوما واحدا ولا كساها فيها ثوبا ويقبل قولها عليه ويلزم بذلك كله ويقال: الأصل معها وكيف يعتمد على أصل يكذبه العرف والعادة والظاهر الذي بلغ في القوة إلى حد القطع والمسائل التي يقدم فيها الظاهر القوي على الأصل أكثر من أن تحصى ومثل هذا المذهب في القوة مذهب أبي حنيفة وهو سقوطها بمضي الزمان فإن البينة قد قامت بدونها فهي كحق المبيت والوطء. ولا يعرف أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أنهم أئمة الناس في الورع والتخلص من الحقوق والمظالم - قضى لامرأة بنفقة ماضية أو استحل امرأة منها ولا أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك امرأة واحدة منهن ولا قال لها: ما مضى من النفقة حق لك عند الزوج فإن شئت فطالبيه وإن شئت حللتيه وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يتعذر عليه نفقة أهله أياما حتى سألته إياها ولم يقل لهن: هي باقية في ذمتي حتى يوسع الله وأقضيكن ولما وسع الله عليه لم يقض لامرأة منهن ذلك ولا قال لها: هذا عوض عما فاتك من الإنفاق ولا سمع الصحابة لهذه المسألة خبرا وقول عمر - رضي الله عنه - للغياب: quot; إما أن تطلقوا وإما أن تبعثوا بنفقة ما مضى quot; في ثبوته نظر فإن قال ابن المنذر: quot; ثبت عن عمر quot; فإن في إسناده ما يمنع ثبوته. ولو قدر صحته فهو حجة عليهم ودليل على أنهم إذا طلقوا لم يلزمهم بنفقة ما مضى. فإن قيل: وحجة عليكم في إلزامه لهم بها وأنتم لا تقولون بذلك. قيل: بل نقول به وإن الأزواج إذا امتنعوا من الواجب عليهم مع قدرتهم عليه لم(3\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "869",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "871",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يسقط بالامتناع ولزمهم ذلك. وأما المعذور العاجز فلا يحفظ عن أحد من الصحابة أنه جعل النفقة دينا في ذمته أبدا. وهذا التفصيل هو أحسن ما يقال في هذه المسألة. والمقصود أن على هذين المذهبين لا تسمع هذه الدعوى ويسمعها الشافعي وأحمد بناء على قاعدة الدعاوى وأن الحق قد ثبت ومستحقه ينكر قبضه فلا يقبل قول الدافع عليه إلا ببينة فعلى قولهما يحتاج الزوج إلى طريق تخلصه من هذه الدعوى ولا ينفعه دعوى النشور فإن القول فيه قول المرأة ولا يخلصه دعوى عدم التسليم الموجب للإنفاق لتمكن المرأة من إقامة البينة عليه فله حيلتان إحداهما: أن يقيم البينة على نفقته وكسوته لتلك المدة وللبينة أن تشهد على ذلك بناء على ما علمته وتحققته بالاستفاضة والقرائن المفيدة للقطع فإن الشاهد يشهد بما علمه بأي طريق علمه وليس على الحاكم أن يسأل البينة عن مستند التحمل ولا يجب على الشاهد أن يبين مستنده في الشهادة والحيلة الثانية: أن ينكر التمكين الموجب لثبوت المدعى به في ذمته ويكون صادقا في هذا الإنكار فإن التمكين الماضي لا يوجب عليه ما ادعت به الزوجة إذا كان قد أداه إليها. والتمكين الذي يوجب ما ادعت به لا حقيقة له فهو صادق في إنكاره.  [المثال الثامن عشر شراء معيب ثم تعيبه عند المشتري] [شراء معيب ثم تعيبه عند المشتري] : المثال الثامن عشر: إذا اشترى ربويا بمثله فتعيب عنده ثم وجد به عيبا فإنه لا يمكنه رده للعيب الحادث ولا يمكنه أخذ الأرش لدخول التفاضل فالحيلة في استدراك ظلامته أن يدفع إلى البائع ربويا معيبا بنظير العيب الذي وجده بالمبيع ثم يسترجع منه الذي دفعه إليه فإن استهلكه استرد منه نظيره وهذه الحيلة على أصل الشافعي. وأما على أصل أبي حنيفة فالحيلة في الاستدراك أن يأخذ عوض العيب من غير جنسه بناء على أصله في تجويز مسألة مد عجوة وأما على أصل الإمام أحمد فإن كان البائع علم بالعيب فكتمه لم يمنع العيب الحادث عند المشتري رده عليه بل لو تلف جميعه رجع عليه بالثمن عنده. وإن لم يكن من البائع تدليس فإنه يرد عليه المبيع ومعه أرش العيب الحادث عنده ويسترد العوض وليس في ذلك محذور فإنه يبطل العقد فالزيادة ليست زيادة في عوض فلا يكون ربا.  [المثال التاسع عشر إبراء الغريم في مرض الموت] [إبراء الغريم في مرض الموت] المثال التاسع عشر: إذا أبرأ الغريم من دينه في مرض موته ودينه يخرج من الثلث وهو غير وارث فخاف المبرأ أن تقول الورثة: quot; لم يخلف مالا سوى الدين quot; ويطالبون بثلثيه(3\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "870",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "872",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالحيلة أن يخرج المريض إلى الغريم مالا بقدر دينه فيهبه إياه ثم يستوفيه منه من دينه فإن عجز عن ذلك [ولم تغب عنه الورثة] فالحيلة أن يقر بأنه شريكه بقدر الدين الذي عليه. فإن عجز عن ذلك فالحيلة أن يقر بأنه كان قبضه منه أو أبرأه منه في صحته فإن خاف أن يتعذر عليه مطالبته به إذا توفي فالحيلة أن يشهد عليه أنه إن ادعى عليه أو أي وقت ادعى عليه أو متى ادعى عليه بكذا وكذا فهو صادق في دعواه فإن لم يدع عليه بذلك لم يلزمه وليس لوارثه بعده أن يدعي به فإنه إنما صدق الموروث إن ادعى ولم تحصل دعواه وإنما ينتقل إلى الورثة ما ادعى به الموروث وصدقه المدعى عليه ولم يتحقق ذلك.  [المثال العشرون الحيلة لنفاذ عتق عبده مع خوفه جحد الورثة] [حيلة لنفاذ عتق عبده مع خوفه جحد الورثة] المثال العشرون: إذا أراد أن يعتق عبده وخاف أن يجحد الورثة المال ويرقوا ثلثيه فالحيلة أن يبيعه لأجنبي ويقبض ثمنه منه ثم يهب الثمن للمشتري ويسأله إعتاق العبد. ولا ينفعه أن يأخذ إقرار الورثة أن العبد يخرج من الثلث لأن الثلث إنما يعتبر عند الموت لا قبله فإن لم يرد تنجيز عتقه وأحب تدبيره وخاف عليه من ذلك فالحيلة أن يملكه لرجل يثق به ويعلق المشتري عتقه بموت السيد المملك فلا يجد الورثة إليه سبيلا  [المثال الحادي والعشرون إذا كان لأحد الورثة دين على الموروث وأحب أن يوفيه إياه ولا بينة له به]  فإن أقر له به أبطلنا إقراره وإن أعطاه عوضه كان تبرعا في الظاهر فلباقي الورثة رده فالحيلة في خلاصه من دينه أن يقبض الوارث ماله عليه في السر ثم يبيعه سلعة أو دارا أو عبدا بذلك الثمن فيسترد منه المال ويدفع إليه تلك السلعة التي هي بقدر دينه. فإن قيل: وأي حاجة [له] إلى ذلك إذا أمكنه أن يعطيه ما له عليه في السر قيل: بل في ذلك خلاص الوارث من دعوى بقية الورثة واتهامهم له وشكواهم إياه أنه استولى على مال موروثنا أو صار إليه بغير الحق فإذا لم يخرج المال الذي عاينوه عند الموروث عن التركة سلم من تطرق التهمة والأذى والشكوى  [المثال الثاني والعشرون إذا زوج عبده من ابنته] صح فإن خاف من انفساخ النكاح بموته حيث تملكه أو بعضه فالحيلة في إبقاء النكاح أن يبيعه من أجنبي ويقبض ثمنه أو يهبه إياه فإن مات بعد ذلك هو أو الأجنبي لم ينفسخ النكاح  [المثال الثالث والعشرون إذا كان موليه سفيها إن زوجه طلق وإن سراه أعتق وإن أهمله فسق]  فالحيلة أن يشتري جارية من مال نفسه ويزوجه إياها فإن أعتقها لم ينفذ عتقه وإن طلقها رجعت إلى سيدها فلا يطالبه بمهرها(3\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "871",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "873",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[المثال الرابع والعشرون تزويج عبده جارية بعد أن حلف لا يزوجه إياها] تزويج عبده جارية بعد أن حلف لا يزوجه إياها] المثال الرابع والعشرون: إذا طلب عبده منه أن يزوجه جاريته فحلف بالطلاق ألا يزوجه إياها فالحيلة على جواز تزويجه بها ولا يحنث أن يبيعهما جميعا أو يملكهما لمن يثق به ثم يزوجهما المشتري فإذا فعل ذلك استردهما ولا يحنث لأنه لم يزوج أحدهما الآخر وإنما فعل ذلك غيره وقال القاضي أبو يعلى: وهذا غير ممتنع على أصلنا لأن الصفة قد وجدت في حال زوال ملكه فلا يتعلق به حنث ولا يتعلق الحنث باستدامة العقد بعد أن ملكهما لأن التزويج عبارة عن العقد وقد تقضى وإنما بقي حكمه فلم يحنث باستدامته قال: ويفارق هذا إذا حلف على عبده لا أدخل هذه الدار فباعه ودخلها ثم ملكه ودخلها بعد ذلك فإنه يحنث لأن الدخول عبارة عن الكون وذلك موجود بعد الملك كما كان موجودا في الملك الأول. قال: وقد علق أحمد القول في رواية مهنا في رجل قال لامرأته: quot; أنت طالق إن رهنت كذا وكذا quot; فإذا هي قد رهنته قبل اليمين فقال: أخاف أن يكون قد حنث قال: وهذا محمول على أنه قال: quot; إن كنت رهنتيه quot; فيحنث لأنه حلف على ماض. ولا يخفى ما في هذا الحمل من مخالفة ظاهر كلام السائل وكلام الإمام أحمد أما كلام السائل فظاهر في أنه إنما أراد رهنا تنشئه بعد اليمين فإن أداة الشرط تخلص الفعل الماضي للاستقبال فهذا الفعل مستقبل بوضع اللغة والعرف والاستعمال. وأما كلام الإمام أحمد فإنه لو فهم من السائل ما حمله عليه القاضي لجزم بالحنث ولم يقل: quot; أخاف quot; فهو إنما يطلق هذه اللفظة فيما عنده فيه نوع توقف. واستقراء أجوبته يدل على ذلك. وإنما وجه هذا أنه جعل استدامة الرهن رهنا كاستدامة اللبس والركوب والسكنى والجماع والأكل والشرب ونحو ذلك. ولما كان لها شبه بهذا وشبه باستدامة النكاح والطيب ونحوهما لم يجزم بالحنث بل قال: أخاف أن يكون قد حنث والله أعلم.  [المثال الخامس والعشرون الشركة بالعروض والفلوس هل تصح] [الشركة بالعروض والفلوس] المثال الخامس والعشرون: هل تصح الشركة بالعروض والفلوس إن قلنا هي عروض والنقود المغشوشة على قولين هما روايتان عن الإمام أحمد فإن جوزنا الشركة بها لم يحتج إلى حيلة بل يكون رأس المال قيمتها وقت العقد وإن لم تجوز الشركة بها فالحيلة على أن يصيرا شريكين فيها أن يبيع كل واحد منهما صاحبه نصف عرضه بنصف عرضه مشاعا فيصير كل منهما شريكا لصاحبه في عرضه ويصير عرض كل واحد منهما بينهما نصفين ثم يأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف. هذا إذا كان قيمة العرضين سواء فإذا كانا متفاوتين - بأن يساوي أحدهما مائة والآخر مائتين - فالحيلة أن يبيع صاحب(3\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "872",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "874",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العرض الأدنى ثلثي عرضه بثلث عرض صاحبه كما تقدم فيكون العرضان بينهما أثلاثا والربح على قدر الملكين عند الشافعي وعند أحمد على ما شرطاه ولا تمتنع هذه الحيلة على أصلنا فإنها لا تبطل حقا ولا تثبت باطلا ولا توقع في محرم.  [المثال السادس والعشرون الصلح عن الدين ببعضه] [الصلح عن الدين ببعضه] المثال السادس والعشرون: إذا كان له عليه ألف درهم فأراد أن يصالحه على بعضها فلها ثمان صور فإنه إما يكون مقرا أو منكرا وعلى التقديرين فإما أن تكون حالة أو مؤجلة ثم الحلول والتأجيل إما أن يقع في المصالح عنه أو في المصالح به وإنما تتبين أحكام هذه المسائل بذكر صورها وأصولها. الصورة الأولى أن يصالحه عن ألف حالة قد أقر بها على خمسمائة حالة فهذا صلح على الإقرار وهو صحيح على أحد القولين باطل على القول الآخر فإن الشافعي لا يصحح الصلح إلا على الإقرار والخرقي ومن وافقه من أصحاب الإمام أحمد لا يصححه إلا على الإنكار وابن أبي موسى وغيره يصححونه على الإقرار والإنكار وهو ظاهر النص وهو الصحيح فالمبطلون له مع الإقرار يقولون: هو هضم للحق لأنه إذا أقر له فقد لزمه ما أقر به فإذا بذل له دونه فقد هضمه حقه بخلاف المنكر فإنه يقول: إنما افتديت يميني والدعوى علي بما بذلته والآخذ يقول: أخذت بعض حقي والمصححون له يقولون: إنما يمكن الصلح مع الإقرار لثبوت الحق به فتمكن المصالحة على بعضه وأما مع الإنكار فأي شيء ثبت حتى يصالح عليه فإن قلتم: quot; صالحه عن الدعوى واليمين وتوابعهما فإن هذا لا تجوز المعارضة عليه ولا هو مما يقابل بالأعواض فهذا أصل والصواب جواز الأمرين للنص والقياس والمصلحة فإن الله تعالى أمرنا بالوفاء بالعقود ومراعاة العهود وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن المسلمين على شروطهم  وأخبر أن: الصلح بين المسلمين جائز إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا  وقول من منع الصلح على الإقرار: quot; إنه هضم للحق quot; ليس كذلك وإنما الهضم أن يقول: لا أقر لك حتى تهب لي كذا وتضع عني كذا وأما إذا أقر له ثم صالحه ببعض ما أقر به فأي هضم هناك وقول من منع الصلح على الإنكار: quot; إنه يتضمن المعاوضة عما لا تصح المعاوضة عليه quot; فجوابه أنه افتداء لنفسه من الدعوى واليمين وتكليف إقامة البينة كما تفتدي المرأة نفسها من الزوج بما تبذله له وليس هذا بمخالف لقواعد الشرع بل حكمة الشرع وأصوله وقواعده ومصالح المكلفين تقتضي ذلك. فهاتان صورتان: صلح عن الدين الحال ببعضه حالا مع الإقرار ومع الإنكار.(3\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "873",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "875",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصورة الثالثة أن يصالح عنه ببعضه مؤجلا مع الإقرار والإنكار فهاتان صورتان أيضا فإن كان مع الإنكار ثبت التأجيل ولم تكن له المطالبة به قبل الأجل لأنه لم يثبت له قبله دين حال فيقال: لا يقبل التأجيل وإن كان مع الإقرار ففيه ثلاثه أقوال للعلماء وهي في مذهب الإمام أحمد أحدها: لا يصح الإسقاط ولا التأجيل بناء على أن الصلح لا يصح مع الإقرار وعلى أن الحال لا يتأجل. والثاني: أنه يصح الإسقاط دون التأجيل بناء على صحة الصلح مع الإقرار. والثالث: أنه يصح الإسقاط والتأجيل وهو الصواب بناء على تأجيل القرض والعارية وهو مذهب أهل المدينة واختيار شيخنا. وإن كان الدين مؤجلا فتارة يصالحه على بعضه مؤجلا مع الإقرار والإنكار فحكمه ما تقدم. وتارة يصالحه ببعضه حالا مع الإقرار والإنكار فهذا للناس فيه ثلاثة أقوال أيضا: أحدها: أنه لا يصح مطلقا وهو المشهور عن مالك لأنه يتضمن بيع المؤجل ببعضه حالا وهو عين الربا وفي الإنكار المدعي يقول: هذه المائة الحالة عوض عن مائتين مؤجلة وذلك لا يجوز وهذا قول ابن عمر. والقول الثاني أنه يجوز وهو قول ابن عباس وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد حكاها ابن أبي موسى وغيره واختاره شيخنا لأن هذا عكس الربا فإن الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الأجل وهذا يتضمن براءة ذمته من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل فسقط بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل فانتفع به كل واحد منهما ولم يكن هنا ربا لا حقيقة ولا لغة ولا عرفا فإن الربا الزيادة وهي منتفية ههنا والذين حرموا ذلك إنما قاسوه على الربا ولا يخفى الفرق الواضح بين قوله: quot; إما أن تربي وإما أن تقضي quot; وبين قوله: عجل لي وأهب لك مائة فأين أحدهما من الآخر فلا نص في تحريم ذلك ولا إجماع ولا قياس صحيح. والقول الثالث: يجوز ذلك في دين الكتابة ولا يجوز في غيره وهو قول الشافعي وأبي حنيفة. قالوا: لأن ذلك يتضمن تعجيل العتق المحبوب إلى الله والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم ولا ربا بين العبد وبين سيده فالمكاتب وكسبه للسيد فكأنه أخذ بعض كسبه وترك له بعضه ثم تناقضوا فقالوا: لا يجوز أن يبيعه درهما بدرهمين لأنه في المعاملات معه كالأجنبي سواء. فيا لله العجب ما الذي جعله معه كالأجنبي في هذا الباب من أبواب الربا وجعله معه بمنزلة العبد القن في الباب الآخر(3\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "874",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "876",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذه صورة هذه المسائل وأصولها ومذاهب العلماء فيها وقد تبين أن الصواب جوازها كلها فالحيلة على التوصل إليها حيلة على أمر جائز ليست على حرام.  [فصل فالحيلة على الصلح على الإنكار] فصل فالحيلة على الصلح على الإنكار عند من يمنعه أن يجيء رجل أجنبي فيقول للمدعي: أنا أعلم أن ما في يد المدعى عليه لك وهو يعلم أنك صادق في دعواك وأنا وكيله فصالحني على كذا فينقلب حينئذ صلحا على الإنكار. ثم ينظر فإن كان فعل ذلك بإذن المدعى عليه رجع بما دفعه أي المدعي وإن كان بغير إذنه لم يرجع عليه. وإن دفع المدعى عليه المال إلى الأجنبي وقال: quot; صالح عني بذلك quot; جاز أيضا.  [فصل الحيلة في جواز الصلح على الإقرار] فصل والحيلة في جواز الصلح على الإقرار عند من يمنعه أن يبيعه سلعة ويحابيه فيها بالقدر الذي اتفقا على إسقاطه بالصلح.  [فصل الحيلة في الصلح عن الحال ببعضه مؤجلا] فصل والحيلة في الصلح عن الحال ببعضه مؤجلا حتى يلزمه التأجيل أن يبرئه من الحال ويقر أنه لا يستحق عليه إلا المؤجل والحيلة في الصلح عن المؤجل ببعضه حالا أن يتفاسخا العقد الأول ثم يجعلانه بذلك القدر الحال فإذا اشترى منه سلعة أو استأجر منه دابة أو خالفته على عوض مؤجل فسخا العقد ثم جعلا عوضه ذلك القدر الحال فإن لم يكن فيه الفسخ كالدية وغيرها فالحيلة في جواز ذلك أن يعاوض على الدين بسلعة أو بشيء غير جنسه وذلك جائز لأن غاية ما فيه بيع الدين ممن هو في ذمته فإن أتلف له مثليا لزمه مثله دينا عليه فإن صالح عليه بأكثر من جنسه لم يجز لأنه ربا وإن كان المتلف متقوما لزمه قيمته فإن صالح عليه بأكثر من قيمته فإن كان من جنسها لم يجز ذلك وإن كان من غير جنسها جاز إذ هو بيع للقيمة وهي دين بذلك العوض وهو جائز  [المثال السابع والعشرون اختلاف الوكيل والموكل في ثمن ما وكله في شرائه] [اختلاف الوكيل والموكل في ثمن ما وكله في شرائه] المثال السابع والعشرون: إذا وكله في شراء جارية بألف فاشتراها الوكيل وقال: أذنت لي في شرائها بألفين وقد فعلت فالقول قول الوكيل ولا يلزمه الألفان ولا يملك الجارية والوكيل مقر أنها للموكل فإنه لا يحل له وطؤها والألف الزائدة دين عليه ولا يمكن الوكيل بيعها ولا التصرف فيها لأنه معترف أنها ملك للموكل وأن الألف(3\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "875",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "877",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأخرى في ذمته والوكيل ضامن لها فالحيلة في ملك الوكيل لها أن يقول له الموكل: إن كنت أذنت لك في شرائها بألفين فقد بعتكها بالألفين. فيقول: قد اشتريتها منك فيملكها حينئذ ويتصرف فيها وهذا قول المزني وأكثر أصحاب الشافعي ولا يضر تعليق البيع بصورة الشرط فإنه لا يملك صحته إلا على هذا الشرط فهو كما لو قال: quot; إن كانت ملكي فقد بعتكها بألفين quot; ولا يلتفت إلى نصف فقيه يقول: هذا تعليق للبيع بالشرط فيبطل كما لو قال: إن قدم زيد فقد بعتك كذا بكذا بل هذا نظير قوله: إن كنت جائز التصرف فقد بعتك كذا وإن أعطيتني ثمن هذا المبيع فقد بعتكه ونحو ذلك.  [المثال الثامن والعشرون الحيلة في سقوط الضمان عن المودع] [الحيلة في سقوط الضمان عن المودع] : المثال الثامن والعشرون: إذا أودعه وديعة وأشهد عليها فتلفت من غير تفريطه لم يضمن فإن ادعى عليه قبض الوديعة فأنكر فأقام البينة عليه ضمن فإن ادعى التلف بعد ذلك لم يقبل منه لأنه معترف أنه غير أمين له وقد قامت البينة على قبضه ماله فيضمنه ولا ينفعه تكذيب البينة فالحيلة في سقوط الضمان أن يقول: ما لك عندي شيء فإن حلفه حلف حلفا صادقا فإن أقام البينة الوديعة فليصدق البينة ويقول: صدقت فيما شهدت به ويدعي التلف بغير تفريط فإن كذب البينة لزمه الضمان ولا ينفعه دعوى التلف.  [المثال التاسع والعشرون الحيلة في تضمين الراهن تلف المرهون] [الحيلة في تضمين الراهن تلف المرهون] : المثال التاسع والعشرون: إذا رهن عنده رهنا ولم يثق بأمانته وخاف أن يدعي هلاكه ويذهب به فالحيلة في أن يجعله مضمونا عليه أن يعيره إياه أولا فإذا قبضه رهنه منه بعد ذلك فإذا تلف كان في ضمانه لأن طريان الرهن على العارية لا يبطل حكمها لأن المرتهن يجوز له الانتفاع بها بعد الرهن كما كان ينتفع بها قبله ولو بطل لم يجز له الانتفاع.  [المثال الثلاثون الحيلة في سقوط ضمان المستعير عند من يقول به] [الحيلة في سقوط ضمان المستعير عند من يقول به] : المثال الثلاثون: اختلف الناس في العارية: هل توجب الضمان إذا لم يفرط المستعير على أربعة أقوال: أحدها يوجب الضمان مطلقا وهو قول الشافعي وأحمد في المشهور عنه الثاني: لا يوجب الضمان ويد المستعير يد أمانة وهو قول أبي حنيفة الثالث: أنه إن كان التلف بأمر ظاهر كالحريق وأخذ السيل وموت الحيوان وخراب الدار لم يضمن وإن كان بأمر لا يطلع عليه كدعوى سرقة الجوهرة والمنديل والسكين ونحو ذلك ضمن وهو قول مالك. الرابع: أنه إن شرط نفي ضمانها لم يضمن وإن أطلق ضمن(3\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "876",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "878",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا إحدى الروايتين عن أحمد والقول بعدم الضمان قوي متجه وإن كنا لا نقبل قوله في دعوى التلف لأنه ليس بأمينه لكن إذا صدقه المالك في التلف بأمر لا ينسب فيه إلى تفريط فعدم التضمين أقوى. فالحيلة في سقوط الضمان أن يشترط نفيه فإن خاف أن لا يفي له بالشرط فله حيلة أخرى وهي أن يشهد عليه أنه متى ادعى عليه بسبب هذه العين ما يوجب الضمان فدعواك باطلة. فإن لم تصعد معه هذه الحيلة أو خاف من ورثته بعده الدعوى فله حيلة ثالثة وهي أن يستأجر العين منه بأقل شيء للمدة التي يريد الانتفاع بها أو يستأجرها منه بأجرة مثلها ويشهد عليه أنه قبض الأجرة أو أبرأه منها فإن تلفت بعد ذلك لم يضمنها وليست هذه الحيلة مما تحلل حراما أو تحرم حلالا  [المثال الحادي والثلاثون اختلف الناس في تأجيل القرض والعارية إذا أجلها]  فقال الشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه وأبو حنيفة: لا يتأجل شيء من ذلك بالتأجيل وله المطالبة به متى شاء وقال مالك: يتأجل بالتأجيل فإن أطلق ولم يؤجل ضرب له أجل مثله وهذا هو الصحيح لأدلة كثيرة مذكورة من موضعها. [الحيلة في لزوم تأجيل القرض والعارية] : وعلى هذا القول فالمستقرض والمستعير آمن من غدر المقرض غني عن الحيلة للزوم الأجل وعلى القول الأول فالحيلة في لزوم التأجيل أن يشهد عليه أنه لا يستحق ما عليه من الدين إلى مدة كذا وكذا ولا يستحق المطالبة بتسليم العين إلى مدة كذا وكذا فإن أراد حيلة غير هذه فليستأجر منه العين إلى تلك المدة ثم يبرئه من الأجرة كما تقدم وأما القرض فالحيلة في تأجيله أن يشتري من المقرض شيئا ما بمبلغ القرض ثم يكتبه مؤجلا من ثمن مبيع قبضه المشتري فإنه لا يتمكن من المطالبة به قبل الأجل وهذه حيلة على أمر جائز لا يبطل بها حق فلا تكره.  [المثال الثاني والثلاثون الحيلة في جواز بيع الرهن عند حلول الأجل] [حيلة في جواز بيع الرهن عند حلول الأجل] المثال الثاني والثلاثون: إذا رهنه رهنا بدين وقال: quot; إن وفيتك الدين إلى كذا وكذا وإلا فالرهن لك بما عليه quot; صح ذلك وفعله الإمام أحمد وقال أصحابنا: لا يصح وهو المشهور من مذاهب الأئمة الثلاثة واحتجوا بقوله: ألا يغلق الرهن quot; ولا حجة لهم فيه فإن هذا كان موجبه في الجاهلية أن المرتهن يتملك الرهن بغير إذن المالك إذا لم يوفه فهذا هو غلق الرهن الذي أبطله النبي - صلى الله عليه وسلم - وأما بيعه للمرتهن بما عليه عند(3\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "877",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "879",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحلول فلم يبطله كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح ولا مفسدة ظاهرة وغاية ما فيه أنه بيع علق على شرط ونعم فكان ماذا وقد تدعو الحاجة والمصلحة إلى هذا من المرتهنين ولا يحرم عليهما ما لم يحرمه الله ورسوله ولا ريب أن هذا خير للراهن والمرتهن من تكليفه الرفع إلى الحاكم وإثباته الرهن واستئذانه في بيعه والتعب الطويل الذي لا مصلحة فيه سوى الخسارة والمشقة فإذا اتفقا على أنه له بالدين عند الحلول كان أصلح لهما وأنفع وأبعد من الضرر والمشقة والخسارة فالحيلة في جواز ذلك بحيث لا يحتاج إلى حاكم أو يملكه العين التي يريد أن يرهنها منه ثم يشتريها منه بالمبلغ الذي يريد استدانته ثم يقول: إن وفيتك الثمن إلى كذا وكذا وإلا فلا بيع بيننا فإن وفاه وإلا انفسخ البيع وعادت السلعة إلى ملكه وهذه حيلة حسنة مخلصة لغرضهما من غير مفسدة ولا تضمن لتحريم ما أحل الله ولا لتحليل ما حرم الله.  [المثال الثالث والثلاثون الإقرار بالدين المؤجل] [الإقرار بالدين المؤجل] المثال الثالث والثلاثون: إذا كان عليه دين مؤجل فادعى به صاحبه وأقر به فالصحيح المقطوع به أنه لا يؤاخذ به قبل أجله لأنه إنما أقر به على هذه الصفة فإلزامه به على غير ما أقر به إلزام بما لم يقر به وقال بعض أصحاب أحمد والشافعي: يكون مقرا بالحق مدعيا لتأجيله فيؤاخذ بما أقر به ولا تسمع منه دعواه الأجل إلا ببينة وهذا في غاية الضعف فإنه إنما أقر به إقرارا مقيدا لا مطلقا فلا يجوز أن يلغي التقييد ويحكم عليه بحكم الإقرار المطلق كما لو قال: له علي ألف إلا خمسين أو له علي ألف من ثمن مبيع لم أقبضه أو له علي ألف من نقد كذا وكذا أو معاملة كذا وكذا فيلزمهم في هذا ونحوه أن يبطلوا هذه التقييدات كلها ويلزموه بألف كاملة من النقد الغالب ولا يقبل قوله: إنها من ثمن مبيع لم أقبضه ومما يبين بطلان هذا القول أن إقرار المرء على نفسه شهادة منه على نفسه كما قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم [النساء: 135] . ولو شهد عليه شاهدان بألف مؤجلة لم يحكم عليه بها قبل الأجل اتفاقا فهكذا إذا أقر بها مؤجلة فالحيلة في خلاصه من الإلزام بهذا القول الباطل أن يقول: لا يلزمني توفية ما تدعي علي أداءه إليك إلى مدة كذا وكذا ولا يزيد على هذا فإن ألح عليه وقال: quot; لي عليك كذا أم ليس لي عليك شيء quot; ولا بد من أن يجيب بأحد الجوابين فالحيلة في خلاصه أن يقول: إن ادعيتها مؤجلة فأنا مقر بها وإن ادعيتها حالة فأنا منكر. وكذلك لو كان قد قضاه الدين وخاف أن يقول: كان له علي وقضيته فيجعله الحاكم مقرا بالحق مدعيا لقضائه فالحيلة أن يقول: ليس له علي شيء ولا يلزمني أداء ما يدعيه(3\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "878",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "880",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن ألح عليه لم يكن له جواب غير هذا على أن القول الصحيح أنه لا يكون مقرا بالحق مدعيا لقضائه بل منكرا الآن لثبوته في ذمته فكيف يلزم به فإن قيل: هو أقر بثبوت سابق وادعى قضاء طارئا عليه. قيل: لم يقر بثبوت مطلق بل بثبوت مقيد بقيد وهو الزمن الماضي ولم يقر بأنه ثابت الآن في ذمته فلا يجوز إلزامه به الآن استنادا إلى إقراره به في الزمن الماضي لأنه غير منكر ثبوته في الماضي وإنما هو منكر لثبوته الآن فكيف يجعل مقرا بما هو منكر له وقياسهم هذا الإقرار على قوله: quot; له علي ألف لا يلزمني أو لا يثبت في ذمتي quot; قياس باطل فإنه كلام متناقض لا يعقل وأما هذا فكلام معقول وصدقه فيه ممكن ولم يقر بشغل ذمته الآن بالمدعى به فلا يجوز شغل ذمته به بناء على إقراره بشغلها في الماضي وما نظير هذا إلا قول الزوج: quot; كنت طلقت امرأتي وراجعتها quot; فهل يجعل بهذا الكلام مطلقا الآن وقول القائل: كنت فيما مضى كافرا ثم أسلمت فهل يجعل بهذا الكلام كافرا الآن . وقول القائل: كنت عبدا فأعتقني مولاي هل يجعل بهذا الكلام رقيقا فإن طردوا الحكم في هذا كله وطلقوا الزوج وكفروا المعترف بنعمة الله عليه وأنه كان كافرا فهداه الله وأمروه أن يجدد إسلامه وجعلوا هذا قنا. قيل لهم: فاطردوا ذلك فيمن قال: كانت هذه الدار أو هذا البستان أو هذه الأرض أو هذه الدابة لفلان ثم اشتريتها منه فأخرجوها من ملكه بهذا الكلام وقولوا: قد أقر بها لفلان ثم ادعى [أنه] اشتراها فيقبل إقراره ولا تقبل دعواه فمن جرت هذه الكلمة على لسانه وقال الواقع فأخرجوا ملكه من يده وكذلك إذا قالت المرأة: كنت مزوجة بفلان ثم طلقني اجعلوها بمجرد هذا الكلام زوجته والكلام بآخره فلا يجوز أن يؤخذ منه بعضه ويلغى بعضه ويقال قد لزمك حكم ذلك البعض وليس علينا من بقية كلامك فإن هذا يرفع حكم الاستثناء والتقييدات جميعها وهذا لا يخفى فساده. ثم إن هذا على أصل من لا يقبل الجواب إلا على وفق الدعوى يحول بين الرجل وبين التخلص من ظلم المدعي ويلجئه إلى أن يقر له بما يتوصل به الإضرار به وظلمه أو إلى أن يكذب بيانه أنه إذا استدان منه ووفاه فإن قال: quot; ليس له علي شيء quot; لم يقبلوا منه لأنه لم يجب على نفي الدعوى وإن قال: quot; كنت استدنت منه ووفيته quot; لم تسمعوا منه آخر كلامه وسمعتم منه أوله وإن قال: quot; لم أستدن منه quot; وكان كاذبا فقد ألجأتموه إلى أن يظلم أو يكذب ولا بد فالحيلة لمن بلي بهذا القول أن يستعمل التورية ويحلف ما استدان منه وينوي أن تكون ما موصولة فإذا قال: quot; والله إني ما استدنت منه quot; أي إني الذي استدنت منه وينفعه تأويله بالاتفاق إذا كان مظلوما كما لا ينفعه إذا كان ظالما بالاتفاق(3\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "879",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "881",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[المثال الرابع والثلاثون الحيلة في تأجيل الدين على المعسر] حيلة في تأجيل الدين على المعسر] المثال الرابع والثلاثون: إذا كان عليه دين فأعسر به فادعى عليه به فإن أنكره كان كاذبا وإن أقر له به ألزمه إياه وإن جحده أقام به البينة فإن ادعى الإعسار بعد ذلك فإن المدعي قد ظهر للحاكم كذبه في جحده الحق فهكذا هو كاذب في دعوى الإعسار فالحيلة في تخليصه أن يقول: لا يلزمني توفية ما يدعيه علي ولا أداؤه فإن طالبه الحاكم بجواب يطابق السؤال فله أن يوري كما تقدم ويحلف على ذلك فإن خشي من إقامة البينة فهنا تعز عليه الحيلة ولم يبق له إلا تحليف المدعي أنه لا يعلم عجزه عن الوفاء أو إقامة البينة بأنه عاجز عن الوفاء فإن حلف المدعي ولم تقم له بينة بالعجز لم يبق له حيلة غير الصبر.  [المثال الخامس والثلاثون الحيلة في تقديم بينة الخارج] [حيلة في تقديم بينة الخارج] المثال الخامس والثلاثون: إذا تداعيا عينا هي في يد أحدهما فهي لصاحب اليد فإن أقام الآخر بينة حكم له ببينته فإن أقام كل واحد منهما بينة فقال الشافعي: بينة صاحب اليد أولى لأن البينتين قد تعارضتا وسلمت اليد عن معارض وقال الإمام أحمد في ظاهر مذهبه: بينة الخارج أول لأن معها زيادة علم خفيت على بينة صاحب اليد فإنها تستند إلى ظاهر اليد وبينة الخارج تستند أيضا إلى سبب خفي على بينة الداخل فتكون أولى فالحيلة في تقديم بينة الخارج عند من يقدم بينة الداخل أن يدعي الخارج أنه في يد الداخل غصبا أو عارية أو وديعة أو ببيع فاسد ثم تشهد البينة على وفق ما ادعاه فحينئذ تقدم بينة الخارج على الصحيح عندهم.  [المثال السادس والثلاثون الحيلة المخلصة من لدغ المخادع] [حيلة في التخلص من لدغ المخادع] المثال السادس والثلاثون: الحيلة المخلصة من لدغ العقارب وذلك إذا اشترى الماكر المخادع من رجل دارا أو بستانا أو سلعة وأشهد عليه بالبيع ثم مضى إلى البيت أو الحانوت ليأتيه بالثمن فأقر بجميع ما في يده لولده أو لامرأته فلا يصل البائع إلى أخذ الثمن فالحيلة له أن يبيعه بحضرة الحاكم أو يمضي بعد البيع معه إليه ليثبت له التبايع ثم يسأله قبل مفارقته أن يحجر على المشتري في ماله ويقفه حتى يسلم إليه الثمن لئلا يتلف ماله أو يتبرع به فيتعذر عليه الوصول إلى حقه. ويلزم الحاكم إجابته إذا خشي ذلك من المشتري لأن فيه إعانة لصاحب الحق على التوصل إلى حقه فإن تعذرت عليه هذه(3\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "880",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "882",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحيلة ولدغته العقرب وادعى الإعسار عند الجمهور سأل الحاكم الحجر عليه فإن فعل ذلك رجع عليه في عين ماله. فإن كانت العقرب داهية بأن غير العين المبيعة أو ملكها لولده أو زوجته أو كان الحاكم لا يرى رجوع البائع في عين المبيع إذا أفلس المشتري فالحيلة أن يتوصل إلى إبطال العقد بإقرار سابق على المبيع لولده أو لزوجته أو يرهنه أو يبيعه لمن يثق به ويقدم تاريخ ذلك على بيع العقرب وله أن يتوصل بهذه الحيلة وإن كانت مكرا وخداعا فإن المكر والخداع حسن إذا كان على وجه المقابلة لا على وجه الظلم كما قال تعالى: ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون [النمل: 50] وقال: ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين [آل عمران: 54] وقال: إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم [النساء: 142] وأخبر تعالى أنه كاد ليوسف في مقابلة كيد إخوته وقد تقدم ذلك.  [المثال السابع والثلاثون الحيلة في عدم سقوط نفقة القريب بمضي الزمان] [حيلة في عدم سقوط نفقة القريب بمضي الزمان] المثال السابع والثلاثون: إذا تحيل المكار المخادع على سقوط نفقة القريب بالمماطلة وقال: إنها تسقط بمضي الزمان فلا يبقى دينا علي فتركها آمنا من إلزامه بها لما مضى فالحيلة للمنفق عليه أن يرفعه إلى الحاكم ليفرضها عليه ثم يستأذنه في الاستدانة عليه بقدرها فإذا فعل ألزمه الحاكم بقضاء ما استدانه المنفق عليه فإن فرضها عليه ولم يستأذنه في الاستدانة ومضى الزمان فهل تستقر عليه بذلك فيه وجهان لأصحاب الشافعي والأكثرون منهم صرحوا بسقوطها مطلقا فرضت أو لم تفرض ومنهم من قال: إن فرضت لم تسقط فإن لم يمكنه الرفع إلى الحاكم فليقل له: اشفع لي إلى فلان لينفق علي أو يعطيني ما أحتاج إليه فإذا فعل فقد لزم الشافع لأن ذلك حق أداه إلى المشفوع عنده عن الشفيع بإذنه فإن أنفق عليه الغير بغير إذنه ناويا للرجوع فله الرجوع في أصح المذهبين وهو مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين. وهكذا كل من أدى عن غيره واجبا بغير إذنه بشرط أن يكون واجبا على المنصوص من مذهب مالك وأحمد فإن أحمد نص في رواية الجوزجاني على رجوع من عمر قناة غيره بغير إذنه وهو مذهب مالك ولو أن القريب استدان وأنفق على نفسه ثم أحال بالدين على من تلزمه نفقته لزمه أن يقوم له به لأنه أحال على من له عليه حق ولا يقال: قد سقطت بمضي الزمان فلم تصادف الحوالة محلا لأنها إنما تسقط بمضي الزمان إذا لم يكن المنفق عليه قد استدان على المنفق بل تبرع له غيره أو تكلف أو صبر فأما إذا استدان عليه بقدر نفقته الواجبة عليه فهنا لا وجه لسقوطها وإن كان الأصحاب وغيرهم قد أطلقوا السقوط فتعليلهم يدل على ما قلناه فتأمله(3\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "881",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "883",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[المثال الثامن والثلاثون الحيلة في جواز بيع الماء] حيلة في جواز بيع الماء] المثال الثامن والثلاثون: إذا استنبط في ملكه أو أرض استأجرها عين ماء ملكه ولم يملك بيعه لمن يسوقه إلى أرضه أو يسقي به بهائمه بل يكون أولى به من كل أحد وما فضل منه لزمه بذله لبهائم غيره وزرعه فالحيلة على جواز المعاوضة أن يبيعه نصف العين أو ثلثها أو يؤجره ذلك فيكون الماء بينه وبينه على حسب ذلك ويدخل الماء تبعا لملك العين أو منفعتها ولا تدخل هذه الحيلة تحت النهي عن بيع الماء فإنه لم يبعه وإنما باع العين ودخل الماء تبعا والشيء قد يستتبع ما لا يجوز أن يفرد وحده  [المثال التاسع والثلاثون الحيلة في عدم تسويغ بيع المشتري إلا لمن باعه] [حيلة في عدم تسويغ بيع المشتري إلا لمن باعه] المثال التاسع والثلاثون: إذا باع عبده من رجل وله غرض أن لا يكون إلا عنده أو عند بائعه فالحيلة في ذلك أن يشهد عليه أنه إن باعه فهو أحق به بالثمن وهذا يجوز على نص أحمد وهو قول عبد الله بن مسعود ولا محذور في ذلك وقول المانعين: quot; إنه يخالف مقتضى العقد quot; فنعم يخالف مقتضى العقد المطلق وجميع الشروط اللازمة تخالف مقتضى العقد المطلق ولا تخالف مقتضى العقد المقيد بل هي مقتضاه فإن لم تسعد معه هذه الحيلة فله حيلة أخرى وهي أن يقول له في مدة الخيار: إما أن تقول: quot; متى بعته فهو حر quot; وإلا فسخت البيع فإذا قال ذلك فمتى باعه عتق عليه بمجرد الإيجاب قبل قبول المشتري على ظاهر المذهب فإن الذي علق عليه العتق هو الذي يملكه البائع وهو الإيجاب وذلك بيع حقيقة ولهذا يقال: quot; بعته العبد فاشتراه quot; فكما أن الشراء هو قبول المشتري فكذلك البيع هو إيجاب البائع ولهذا يقال: البائع والمشتري قال الشاعر: وإذا تباع كريمة أو تشترى ... فسواك بائعها وأنت المشتري هذا منصوص أحمد فإن لم تسعد معه هذه الحيلة فليقل له في مدة الخيار: quot; إما أن تقول متى بعتك فأنت حر قبله بساعة وإما أن أفسخ quot; فمتى قال ذلك لم يمكنه بيعه ألبتة.  [المثال الأربعون الحيلة في تجويز شهادة الوكيل لموكله] [حيلة في تجويز شهادة الوكيل لموكله] المثال الأربعون: إذا كان للموكل عند وكيله شهادة تتعلق بما هو وكيله فيه لم تقبل فإن أراد قبولها فليعزله أو ليعزل نفسه قبل الخصومة ثم يقيم الشهادة فإذا تمت عاد توكله به وليس في هذه الحيلة محذور فلا تكون محرمة.  [المثال الحادي والأربعون الحيلة في تجويز المسح على الخفين] [حيلة في تجويز المسح على الخفين] المثال الحادي والأربعون: إذا توضأ ولبس إحدى خفيه قبل غسل رجله الأخرى ثم(3\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "882",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "884",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غسل رجله الأخرى وأدخلها في الخف جاز له المسح على أصح القولين وفيه قول آخر أنه لا يجوز لأنه لم يلبس الأولى على طهارة كاملة فالحيلة في جواز المسح أن ينزع خف الرجل الأولى ثم يلبسه وهذا نوع عبث لا غرض للشارع فيه ولا مصلحة للمكلف فالشرع لا يأمره به.  [المثال الثاني والأربعون الحيلة في عدم حنث الحالف] [حيلة في عدم حنث الحالف] المثال الثاني والأربعون: إذا استحلف على شيء فأحب أن يحلف ولا يحنث فالحيلة أن يحرك لسانه بقول: quot; إن شاء الله quot; وهل يشترط أن يسمعها نفسه فقيل: لا بد أن يسمع نفسه وقال شيخنا: هذا لا دليل عليه بل متى حرك لسانه بذلك كان متكلما وإن لم يسمع نفسه وهكذا حكم الأقوال الواجبة والقراءة الواجبة قلت: وكان بعض السلف يطبق شفتيه ويحرك لسانه بلا إله إلا الله ذاكرا وإن لم يسمع نفسه فإنه لا حظ للشفتين في حروف هذه الكلمة بل كلها حلقية لسانية فيمكن الذاكر أن يحرك لسانه بها ولا يسمع نفسه ولا أحدا من الناس ولا تراه العين يتكلم وهكذا التكلم يقول: quot; إن شاء الله quot; يمكن مع إطباق الفم فلا يسمعه أحد ولا يراه وإن أطبق أسنانه وفتح شفتيه أدنى شيء سمعته أذناه بجملته.  [المثال الثالث والأربعون الحيلة في سقوط القصاص عمن قتل زوجته التي لاعنها أو قتل ولدها] [حيلة في سقوط القصاص عمن قتل زوجته التي لاعنها أو قتل ولدها] المثال الثالث والأربعون: إذا لاعن امرأته وانتفى من ولدها ثم قتل الولد لزمه القصاص وكذلك إن قتلها فلولدها القصاص إذا بلغ فإن أراد إسقاط القصاص عن نفسه فالحيلة أن يكذب نفسه ويقر بأنه ابنه فيسقط القصاص في الموضعين وفي جواز هذه الحيلة نظر.  [المثال الرابع والأربعون كان له عليه حق وقد أبرأه منه ولا بينة له بالإبراء ثم عاد فادعاه] [حيلة في التخلص من المطالبة بدين كان أداه] المثال الرابع والأربعون: إذا كان له عليه حق وقد أبرأه منه ولا بينة له بالإبراء ثم عاد فادعاه فإن قال: quot; قد أبرأني منه quot; لم يكن مقرا به كما لو قال: quot; كان له علي وقضيته quot; وعلى القول الآخر يكون مقرا به مدعيا للإبراء فيكلف البينة فالحيلة على التخلص أن يقول: قد أبرأتني من هذه الدعوى فإذا قال ذلك لم يكن مقرا بالمدعى به فإذا سأل إحلاف خصمه أنه لم يبرئه من الدعوى ملك ذلك فإن لم يحلف صرفهما الحاكم وإن حلف طولب بالجواب ولا يسمع منه بعد ذلك أنه أبرأه من الدعوى فإن قال: quot; أبرأتني من الحق quot; ففيه الخلاف المذكور وإن قال: quot; لا شيء عندي quot; اكتفى منه بهذا الجواب عند(3\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "883",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "885",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجمهور فإن طالبه الحاكم بالجواب على وفق الدعوى فالحيلة أن يجيب ويوري كما تقدم.  [المثال الخامس والأربعون الحيلة في المضاربة] [حيلة في المضاربة] المثال الخامس والأربعون: إذا خاف المضارب أن يسترجع رب المال منه المال فقال: quot; قد ربحت ألفا quot; لم يكن له الاسترجاع لأنه قد صار شريكا فإن قال: quot; ذلك حيلة ولم يربح quot; فقال بعد ذلك: quot; كذبت quot; لم يسمع منه فالحيلة في تخلصه أن يدعي خسارتها بعد ذلك أو تلفها فيقبل قوله مع يمينه.  [المثال السادس والأربعون الحيلة في تجويز نظر الواقف على وقفه] [حيلة في تجويز نظر الواقف على وقفه] المثال السادس والأربعون: إذا وقف وقفا وجعل النظر فيه لنفسه مدة حياته ثم من بعده لغيره صح ذلك عند الجمهور وهو اتفاق من الصحابة فإن عمر - رضي الله عنه - كان يلي صدقته وكذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة والنبي - صلى الله عليه وسلم - لما أشار على عمر بوقف أرضه لم يقل له لا يصح ذلك حتى تخرجها عن يدك ولا تلي نظرها وأي غرض للشارع في ذلك وأي مصلحة للواقف أو للموقوف عليه بل المصلحة خلاف ذلك لأنه أخبر بماله وأقوم بعمارته ومصالحه وحفظه من الغريب الذي ليست خبرته وشفقته كخبرة صاحبه وشفقته ويكفي في صحة الوقف إخراجه عن ملكه وثبوت نظره ويده عليه كثبوت نظر الأجنبي ويده ولا سيما إن كان متبرعا فأي مصلحة في أن يقال له: quot; لا يصح وقفك حتى تجعله في يد من لست على ثقة من حفظه والقيام بمصالحه وإخراج نظرك عنه quot; فإن قيل: إخراجه لله يقتضي رفع يده عنه بالكلية كالعتق. قيل: بالعتق خرج العبد عن أن يكون مالا وصار محررا محضا فلا تثبت عليه يد أحد. وأما الوقف فإنه لا بد من ثبوت اليد عليه لحفظه والقيام بمصالحه وأحق ما يثبت عليه يد أشفق الناس عليه وأقومهم بمصالحه وثبوت يده ونظره لا ينافي وقفه لله فإنه وقفه لله وجعل نظره عليه ويده لله فكلاهما قربة وطاعة فكيف يحرم ثواب هذه القربة ويقال له: لا يصح لك قربة الوقف إلا بحرمان قربة النظر والقيام بمصالح الوقف فأي نص وأي قياس وأي مصلحة وأي غرض للشارع أوجب ذلك بل أي صاحب قال ذلك فإن احتاج الواقف إلى ذلك في موضع لا يحكم فيه إلا بقول من يبطل الوقف إذا لم يخرجه عن يده وإذا شرط النظر بنفسه فالحيلة في ذلك أن يفوض النظر إلى من يثق به ويجعل إليه تفويض النظر لمن شاء فيقبل الناظر ذلك ويصح الوقف ويلزم ثم يفوضه الناظر إليه فإنه قد صار أجنبيا(3\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "884",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "886",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بمنزلة سائر الناس فهذه حيلة صحيحة يتوصل بها إلى حق فهي جائزة وكذلك لو جعل النظر فيه للحاكم ثم فوضه الحاكم إليه فإن خاف أن لا يفوضه الحاكم إليه فليملكه لمن يثق به ويقفه ذلك على ما يريد المملك ويشترط أن يكون نظره له وأن يكون تحت يده.  [المثال السابع والأربعون الحيلة لتجويز وقف الإنسان على نفسه] [حيلة لتجويز وقف الإنسان على نفسه] المثال السابع والأربعون: إذا وقف على نفسه ثم على غيره صح في إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وهو قول أبي يوسف وعليه عمل الحنفية وقول بعض الشافعية وممن اختاره أبو عبد الله الزبيري وعند الفقهاء الثلاثة لا يصح. والمانعون من صحته قالوا: يمتنع كون الإنسان معطيا من نفسه لنفسه ولهذا لا يصح أن يبيع نفسه ولا يهب نفسه ولا يؤجر ماله من نفسه فكذا لا يصح وقفه على نفسه. قال المجوزون: الوقف شبيه العتق والتحرير من حيث إنه يمتنع نقل الملك في رقبته ولهذا لا يفتقر إلى قبول إذا كان على غير معين اتفاقا ولا إذا كان على معين على أحد القولين وأشبه شيء به أم الولد. وإذا كان مثل التحرير لم يكن الواقف مملكا لنفسه بل يكون مخرجا للملك عن نفسه ومانعا لها من التصرف في رقبته مع انتفاعه بالعين كأم الولد. وهذا إذا قلنا بانتقال رقبة الوقف إلى الله تعالى ظاهر فإن الواقف أخرج رقبة الوقف لله وجعل نفسه أحد المستحقين للمنفعة مدة حياته فإن لم يكن أولى من البطون المرتبة فلا يكون دون بعضهم فهذا محض القياس. وإن قلنا: الوقف ينتقل إلى الموقوف عليهم بطنا بعد بطن يتلقونه من الواقف فالطبقة الأولى أحد الموقوف عليهم ومعلوم أن أحد الشريكين إذا اشترى لنفسه أو باع من مال الشركة جاز على المختار لاختلاف حكم الملكين فلأن يجوز أن ينقل ملكه المختص إلى طبقات موقوف عليها هو أحدها أولى لأنه في كلا الموضعين نقل ملكه المختص إلى ملك مشترك له فيه نصيب بل في الشركة الملك الثاني من جنس الأول يملك به التصرف في الرقبة وفي الوقف ليس من جنسه فيكون أولى بالجواز. يؤيده أنه لو وقف على جهة عامة جاز أن يكون كواحد من تلك الجهة كما وقف عثمان بئر رومة وجعل دلوه فيها كدلاء المسلمين وكما يصلي المرء في المسجد الذي وقفه ويشرب(3\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "885",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "887",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من السقاية التي وقفها ويدفن في المقبرة التي سبلها أو يمر في الطريق التي فتحها وينتفع بالكتاب الذي وقفه ويجلس على البساط والحصير اللذين وقفهما وأمثال ذلك فإذا جاز للواقف أن يكون موقوفا عليه في الجهة العامة جاز مثله في الجهة الخاصة لاتفاقهما في المعنى بل الجواز هنا أولى من حيث إنه موقوف عليه بالتعيين وهناك دخل في الوقف بشمول الاسم له. وتقليد هذا القول خير من الحيلة الباردة التي يملك الرجل فيها ماله لمن لا تطيب له نفسه أن يعطيه درهما ثم يقفه ذلك المملك على المملك فإن هذه الحيلة تضمنت أمرين أحدهما: لا حقيقة له وهو انتقال الملك إلى المملك. والثاني: اشتراطه عليه أن يقف على هذا الوجه أو إذنه له فيه وهذا في المعنى توكيل [له] في الوقف كما أن اشتراطه حجر عليه في التصرف بغير الوقف فصار وجود هذا التمليك وعدمه سواء لم يملكه المملك ولا يمكنه وجود التصرف فيه ولو مات قبل وقفه لم يحل لورثته أخذه ولو أنه أخذه ولم يقفه على صاحبه ولم يرده إليه عد ظالما غاصبا ولو تصرف فيه صاحبه بعد هذا التمليك لكان تصرفه فيه نافذا كنفوذه قبله هذا فيما بينه وبين الله تعالى وكذلك في الحكم إن قامت بينة بأنهما تواطآ على ذلك وأنه إنما وهبه إياه بشرط أن يقفه عليه أو أقر له بذلك. فإن قيل: فهل عندكم أحسن من هذه الحيلة قيل: نعم أن يقفه على الجهات التي يريد ويستثني غلته ومنفعته لنفسه مدة حياته أو مدة معلومة وهذا جائز بالسنة الصحيحة والقياس الصحيح وهو مذهب فقهاء أهل الحديث فإنهم يجوزون أن يبيع الرجل الشيء أو يهبه أو يعتق العبد ويستثني بعض منفعة ذلك مدة. ويجوزون أن يقف الشيء على غيره ويستثني بعض منفعته مدة معلومة أو إلى حين موته. ويستدلون بحديث جابر وبحديث عتق أم سلمة سفينة وبحديث عتق صفية وبآثار صحاح كثيرة عن الصحابة لم يعلم فيهم من خالفها ولهذا القول قوة في القياس. فإن قيل: فلو عدل إلى الحيلة الأولى فما حكمها في نفس الأمر وما حكم الموقوف عليه إذا علم بالحال هل يطيب له تناول الوقف أم لا قيل: لا يمنع ذلك صحة الوقف ونفوذه ويطيب للموقوف عليه تناول الوقف فإن المقصود مقصود صحيح شرعي وإن كانت الطريق إليه غير مشروعة وهذا كما إذا أعتق العبد أو طلق المرأة وجحد ذلك فأقام العبد أو المرأة شاهدين لم يعلما ذلك فشهدا به وسع العبد أن يتصرف لنفسه والمرأة أن تتزوج وفقه المسألة أن هذا الإذن والتوكيل في الوقف وإن(3\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "886",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "888",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حصل في ضمن عقد فاسد فإنه لا يفسد بفساد العقد كما لو فسدت الشركة أو المضاربة لم يفسد تصرف الشريك والعامل لما تضمنه العقد الفاسد من الإذن بل هذا أولى من وجهين أحدهما: أن الاتفاق يلزمه قبل التمليك إذن صحيح ووكالة صحيحة في الباطن لم يرد بعدها ما ينافيها وأيضا فإنما بطل عقد الهبة لكونه شرط على الموهوب له أن لا يتصرف فيه إلا بالوقف على الواهب ومعلوم أن التصرف في العين لا يتوقف على الملك بل يصح بالوكالة وبطريق الولاية فلا يلزم من إبطال الملك بطلان الإذن الذي تضمنه الشرط لأن الإذن مستند غير الملك. فإن قيل: فإذا بطل الملك ينبغي أن يبطل التصرف الذي هو من توابعه. قيل: لا يلزم ذلك لأن التصرف في مثل هذه الصورة ليس من توابع الملك الحقيقي وإنما هو من توابع الإذن والتوكيل. يوضحه أن هذه الحيل التي لا حقيقة لها يجب أن تسلب الأسماء التي أعيرتها وتعطى الأسماء الحقيقية كما سلب منها ما يسمى بيعا ونكاحا وهدية هذه الأسماء وأعطي اسم الربا والسفاح والرشوة فكذلك هذه الهبة تسلب اسم الهبة وتسمى إذنا وتوكيلا ولا سيما فإن صحة الوكالة لا يتوقف على لفظ مخصوص بل تصح بكل لفظ يدل على الوكالة فهذه الحيلة في الحقيقة توكيل للغير في أن يقف على الموكل فمن اعتقد صحة وقف الإنسان على نفسه اعتقد جواز هذا الوقف ومن اعتقد بطلانه وبطلان الحيل المفضية إلى الباطل فإنه عنده يكون منقطع الابتداء وفيه من الخلاف ما هو مشهور فمن أبطله رأى أن الطبقة الثانية ومن بعدها تبع للأولى فإذا لم يصح في المتبوع ففي التابع أولى أن لا يصح ولأن الواقف لم يرض أن تصير الثانية إلا بعد الأولى فلا يجوز أن يلزم بما لم يرض به إذ لا بد في صحة التصرف من رضا المتصرف وموافقة الشرع فعلى هذا هو باق على ملك الواقف. فإذا مات فهل يصح الوقف حينئذ يحتمل وجهين. ويكون مأخذهما ذلك كما لو قال: quot; هو وقف بعد موتي quot; فيصح أو أنه وقف معلق على شرط وفيه وجهان: فإن قيل بصحته كان من الثلث وفي الزائد يقف على إجازة الورثة وإن قيل ببطلانه كان ميراثا ومن رأى صحته قال: قد أمكن تصحيح تصرف العاقل الرشيد بأن يصحح الوقف ويصرفه في الحال إلى جهته التي يصح الوقف عليها وتلغى الجهة التي لا تصح فتجعل كالمعدومة. وقيل على هذا القول: بل تصرف مصرف الوقف المنقطع فإذا مات الواقف صرف مصرف الجهة الصحيحة.(3\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "887",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "889",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: فما تقولون لو سلك حيلة غير هذا كله وأسهل منه وأقرب وهي أن يقر أن ما في يده من العقار وقف عليه انتقل إليه من جائز الملك جائز الوقف ثم بعده على كذا وكذا فما حكم هذه الحيلة في الباطن وحكم من علم بها من الموقوف عليهم . قيل: هذه الحيلة إنما قصد المتكلم بها إنشاء الوقف وإن أظهر أنه قصد بها الإخبار فهي إنشاء في الباطن إخبار في الظاهر فهي كمن أقر ببطلان أو عتاق ينوي به الإنشاء والوقف ينعقد بالصريح وبالكناية مع النية وبالفعل مع النية عند الأكثرين وإذا كان مقصوده الوقف على نفسه وتكلم بقوله: quot; هذا وقف علي quot; وميزه بفعله عن ملكه صار وقفا فإن الإقرار يصح أن يكون كناية عن الإنشاء مع النية فإذا قصده به صح كما أن لفظ الإنشاء يجوز أن يقصد به الإخبار وإذا أراد به الإخبار دين فكل من الأمرين صالح لاستعماله في الآخر فقد يقصد بالإقرار الإخبار عما مضى وقد يقصد به الإنشاء وإنما ذكر بصيغة الإخبار لغرض من الأغراض. يوضح ذلك أن صيغ العقود قد قيل: هي إنشاءات وقيل: إخبارات والتحقيق أنها متضمنة للأمرين فهي إخبار عن المعاني التي في القلب وقصد تلك المعاني إنشاء فاللفظ خبر والمعنى إنشاء فإذا أخبر أن هذا وقف عليه وهو يعلم أن غيره لم يقفه عليه وإنما مقصوده أن يصير وقفا بهذا الإخبار فقد اجتمع لفظ الإخبار وإرادة الإنشاء فلو كان أخبر عن هذه الإرادة لم يكن هناك ريب أنه أنشأ الوقف لكن لما كان لفظه إخبارا عن غير ما عناه والذي عناه لم ينشئ له لفظا صارت المسألة محتملة ونشأت الشبهة ولكن هذه النية مع هذا اللفظ الصالح للكناية مع الفعل الدال على الوقف يقوم مقام التكلم باللفظ الذي ينشأ به الوقف والله أعلم.  [المثال الثامن والأربعون الحيلة في بيع الشيء مع استثناء منفعته مدة] [بيع الشيء مع استثناء منفعته مدة] : المثال الثامن والأربعون: لو باع غيره دارا أو عبدا أو سلعة واستثنى منفعة المبيع مدة معلومة جاز كما دلت عليه النصوص والآثار والمصلحة والقياس الصحيح فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم يرى بطلان هذا الشرط فيبطله عليه فالحيلة في تخليصه من ذلك أن يواطئه قبل البيع على أن يؤجره إياه تلك المدة بمبلغ معين ويقر بقبض الأجرة ثم يبيعه إياه ثم يستأجره كما اتفقا عليه ويقر له بقبض الأجرة وهذه حيلة صحيحة جائزة لا تتضمن تحليل حرام ولا تحريم حلال.(3\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "888",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "890",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[المثال التاسع والأربعون الحيلة في إسقاط نفقة المطلقة البائنة] حيلة في إسقاط نفقة المطلقة البائنة] المثال التاسع والأربعون: المطلقة البائنة لا نفقة لها ولا سكنى بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها بل هي موافقة لكتاب الله وهي مقتضى القياس وهي مذهب فقهاء أهل الحديث فإن خاف المطلق أن ترفعه إلى حاكم يرى وجوب النفقة والسكنى أو السكنى وحدها فالحيلة في تخليصه أن يعلق طلاقها على البراءة الصحيحة من ذلك فيقول: إن صحت براءتك لي من النفقة والسكنى أو من دعوى ذلك فأنت طالق فلا يمكنها بعد ذلك أن تدعي بهما ألبتة. وله حيلة أخرى وهي أن يخالعها على نظير ما يعلم أنه يفرض عليه للنفقة والسكنى أو أكثر منه فإذا ادعت بذلك وفرضه عليه الحاكم صار لها عليه مثل الذي له عليها فإما أن يأخذ منها ويعطيها وإما أن يتقاصا.  [المثال الخمسون الحيلة في الشراء] [حيلة في الشراء] : المثال الخمسون: إذا اشترى سلعة من رجل غريب فخاف أن تستحق أو تظهر معيبة ولا يعرفه فالحيلة أن يقيم له وكيلا يخاصمه إن ظهر ذلك فإن خاف أن يعزل البائع الوكيل فالحيلة أن يشتريها من الوكيل نفسه ويضمنه درك المبيع.  [المثال الحادي والخمسون الحيلة في الوكالة الوديعة] [حيلة في الوكالة الوديعة] المثال الحادي والخمسون: إذا دفع إليه مالا يشتري به متاعا من [بلد] غير بلده فاشتراه وأراد تسليمه إليه وإقامته في تلك البلدة فإن أودعه غيره ضمن لأنه لم يأذن له ربه وإن وكل غيره في دفعه إليه ضمن أيضا وإن استأجر من يوصله إليه ضمن لأنه لم يكن يأمن غيره عليه فالحيلة في إيصاله إلى ربه أن يشهد عليه قبل الشراء أو بعده أن يعمل في المال برأيه وأن يوكل فيه أو أن يودع إذا رأى المصلحة في ذلك كله فإن أبى ذلك الموكل وقال: quot; لا يوافيني به غيرك quot; فقد ضاقت عليه الحيلة فليخرج نفسه من الوكالة فتصير يده يد مودع فلا يلزمه مؤنة رد الوديعة بل مؤنة ردها على صاحبها فإن أحب أخذ ماله أرسل من يأخذه أو جاء هو في طلبه. فإن قيل: فلو لم يعزل نفسه كان مؤنة الرد عليه قيل: لما دخل معه في عقد الوكالة فقد التزم له أن يسلم إليه المال فيلزمه ما التزم به فإذا أخرج نفسه من الوكالة بقي كالمودع المحض فإن كان وكيلا بجعل فهو كالأجير فمؤنة الرد عليه ولا يملك إخراج نفسه من الوكالة قبل توفية العمل كالأجير.(3\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "889",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "891",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[المثال الثاني والخمسون إسلام ذمي وعنده خمر] إسلام ذمي وعنده خمر] الفصل الثاني والخمسون: إذا أراد الذمي أن يسلم وعنده خمر فخاف إن أسلم يجب عليه إراقتها ولا يجوز له بيعها فالحيلة أن يبيعها من ذمي آخر بثمن معين أو في ذمته ثم يسلم ويتقاضاه الثمن ولا حرج عليه في ذلك فإن تحريمها عليه بالإسلام كتحريمها بالكتاب بعد أن لم تكن حراما وفي الحديث: إن الله يعرض بالخمر فمن كان عنده منها شيء فليبعه . فإن قيل: فلو أسلم من اشتراها ولم يؤد ثمنها هل يسقط عنه قيل: لا يسقط لثبوته في ذمته قبل الإسلام. فإن قيل: فلو أسلم إليه في خمر ثم أسلما أو أحدهما. قيل: ينفسخ العقد ويرد إليه رأس ماله. فإن قيل: فلو أراد أن يشتري خمرا ثم عزم على الإسلام وخاف أن يلزمه بثمنها فهل له حيلة في التخلص من ذلك قيل: الحيلة أن لا يملكها بالشراء بل بالقرض فإذا اقترضها منه ثم أسلما أو أحدهما لم يجب عليه رد بدل القرض فإن موجب القرض رد المثل وقد تعذر بالإسلام.  [المثال الثالث والخمسون الحيل في الشفعة] [حيل في الشفعة] المثال الثالث والخمسون: إذا اشترى دارا أو أرضا وقد وقعت الحدود وصرفت الطرق بينه وبين جاره فلا شفعة فيها وإن كانت الحدود لم تقع ولم تصرف الطرق بل طريقها واحدة ففيها الشفعة هذا أصح الأقوال في شفعة الجوار وهو مذهب أهل البصرة وأحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد واختاره شيخ الإسلام وغيره فإن خاف المشتري أن يرفعه الجار إلى حاكم يرى الشفعة وإن صرفت الطرق فله التحيل على إبطالها بضروب من الحيل أحدها: أن يشتريها منه بألف دينار ويكاتبه على ذلك ثم يعطيه عوض كل دينار درهمين أو نحو ذلك وثانيها: أن يهب منه الدار والأرض ثم يهبه ثمنها وثالثها: أن يقول المشتري للشفيع إن شئت بعتكها بما اشتريتها به أو بأقل من ذلك أو أصبر عليك بالثمن فيجيبه إلى ذلك فتسقط شفعته ورابعها: أن يتصادق البائع والمشتري على شرط أو صفة تفسد البيع كأجل مجهول أو خيار مجهول أو إكراه أو تلجئة ونحو ذلك ثم يقرها البائع في يد المشتري ولا يكون للشفيع سبيل عليها وخامسها: أن يشترط الخيار مدة(3\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "890",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "892",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طويلة فإن صح لم يكن له أن يأخذ قبل انقضائه وإن بطل لم يكن له أن يأخذ ببيع فاسد وسادسها: أن يهب له تسعة أعشار الدار أو الأرض ويبيعه العشر الباقي بجميع الثمن وسابعها: أن يوكل الشفيع في بيع داره أو أرضه فيقبل الوكالة فيبيع أو يوكله المشتري في الشراء له وثامنها: أن يزن له الثمن الذي اتفقا عليه سرا ثم يجعله صبرة غير معلومة ويبيعه الدار بها وتاسعها: أن يقر البائع بسهم من ألف سهم للمشتري فيصير شريكه ثم يبيعه باقي الدار فلا يجد جاره إليها سبيلا لأن حق الشريك مقدم على حق الجار. وعاشرها: أن يتصدق عليه ببيت من الدار ثم يبيعه باقيها بجميع الثمن فيصير شريكا فلا شفعة لجاره وحادي عشرها: أن يأمر غريبا أو مسافرا بشرائها فإذا فعل دفعها إليه ثم وكله بحفظها ثم يشهد على الدفع إليه وتوكيله حتى لا يخاصمه الشفيع وثاني عشرها: أن يجيء المشتري إلى الجار قبل البيع فيشتري منه داره ويرغبه في الثمن أضعاف ما تساوي ويشترط الخيار لنفسه ثلاثة أيام ثم في مدة الخيار يمضي ويشتري تلك الدار التي يريد شراءها فإذا تم العقد بينهما فسخ البيع الأول ولا يستحق جاره عليه شفعة لأنه حين البيع لم يكن جارا وإنما طرأ له الجوار بعد البيع وثالث عشرها: أن يؤجر المشتري لبائع الدار عبده أو ثوبه شهرا بسهم من الدار فيصير شريكه ثم بعد يومين أو ثلاثة يشتري منه بقيتها فلا يكون لجاره عليه سبيل ورابع عشرها: أن يشتريها بثمن مؤجل أضعاف ما تساوي فإن الجار لا يأخذها بذلك الثمن فإذا رغب عنها صالحه من ذلك الثمن على ما يساويه حالا من غير جنسه. [رد شبهة واردة على جواز ذلك] فإن قيل: فأنتم قد بالغتم من الإنكار على من احتال ببعض هذه الوجوه على إسقاط الشفعة وذكرتم تلك الآثار فنكيل لكم بالكيل الذي كلتم به لنا. قلنا: لا سواء نحن وأنتم في ذلك فإنا ذكرنا هذه الوجوه تحيلا على [إبطال] ما أبطله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة فلما أبطل الشفعة تحيلنا على تنفيذ حكمه وأمره بكل طريق فكنا في هذه الحيل منفذين لأمره وأما أنتم فأبطلتم بها ما أثبته بحكمه وقضائه بالشفعة فيما لم يقسم وأنه لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإذا حرم عليه البيع قبل استئذانه فما الظن بالتحيل على إسقاط شفعته فتوصلتم أنتم بهذه الحيل إلى إسقاط ما أثبته وتوصلنا نحن بها إلى إسقاط ما أسقطه وأبطله فأي الفريقين أحق بالصواب وأتبع لمقصود الرسول - صلى الله عليه وسلم - والله المستعان.(3\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "891",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "893",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[المثال الرابع والخمسون الحيلة في جواز تعليق الوكالة بالشرط] حيلة في جواز تعليق الوكالة بالشرط] : المثال الرابع والخمسون: يصح تعليق الوكالة بالشرط كما يصح تعليق الولاية بالشرط كما صحت به السنة بل تعليق الوكالة أولى بالجواز فإن الولي وكيل وكالة عامة فإنه إنما يتصرف نيابة عن المولي فوكالته أعم من وكالة الوكيل في الشيء المعين فإذا صح تعليقها فتعليق الوكالة الخاصة أولى بالصحة وقال الشافعي: لا تصح فإذا دعت الحاجة إلى ذلك فالحيلة في جوازه أو يوكله مطلقا ثم يعلق التصرف على شرط فيصح ولا يظهر فرق فقهي بين امتناع هذا وجواز هذا والمقصود من التوكيل التصرف والتوكيل وسيلة إليه فإذا صح تعليق الغاية فتعليق الوسيلة أولى بالصحة.  [المثال الخامس والخمسون الحيلة في إبطال الشهادة على الزنى] [حيلة في إبطال الشهادة على الزنى] المثال الخامس والخمسون: إذا رفع إلى الإمام وادعى عليه أنه زنى فخاف إن أنكر أن تقوم عليه البينة فيحد فالحيلة في إبطال شهادتهم أن يقر إذا سئل مرة واحدة ولا يزيد عليها فلا تسمع البينة مع الإقرار وليس للحاكم ولا للإمام أن يقرره تمام النصاب بل إذا سكت لم يتعرض له فإن كان الإمام ممن يرى وجوب الحد بالمرة الواحدة فالحيلة أن يرجع عن إقراره فيسقط عنه الحد فإذا خاف من إقامة البينة عليه أقر أيضا ثم رجع وهكذا أبدا وهذه الحيلة جائزة فإنه يجوز له دفع الحد عن نفسه وأن يخلد إلى التوبة كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للصحابة لما فر ماعز من الحد: هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه فإذا فر من الحد إلى التوبة فقد أحسن.  [المثال السادس والخمسون الحيلة في الخلاص من الحنث] [حيلة في الخلاص من الحنث] المثال السادس والخمسون: إذا حلف لغادر أو جاسوس أو سارق أن لا يخبر به أحدا ولا يدل عليه فأراد التخلص من هذه اليمين وأن لا يخفيه فالحيلة أن يسأل عن أقوام هو من جملتهم فإذا سئل عن غيره قال: لا فإذا انتهت التوبة إليه سكت فإنه لا يحنث ولا يأثم بالستر عليه وإيوائه وسئل أبو حنيفة - رحمه الله - عن هذه المسألة بعينها قال له السائل: نزل بي اللصوص فأخذوا مالي واستحلفوني بالطلاق ألا أخبر أحدا بهم فخرجت فرأيتهم يبيعون متاعي في السوق جهرة فقال له: اذهب إلى الوالي فقل له يجمع أهل المحلة أو السكة الذين هم فيه ثم يحضرهم ثم يسألك عنهم واحدا واحدا فإذا سألك عمن ليس منهم فقل: ليس منهم وإذا سألك عمن هو منهم فاسكت ففعل الرجل(3\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "892",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "894",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأخذ الوالي متاعه منهم وسلمه إليه فلو عملت هذه الحيلة مع مظلوم لم تنفع وحنث الحالف فإن المقصود الدفع عنه وبالسكوت قد أعان عليه ولم يدفع عنه.  [المثال السابع والخمسون الحيلة في بر زوج وزوجته حلف كل منهما] [حيلة في بر زوج وزوجته حلف كل منهما] المثال السابع والخمسون: ما سئل عنه أبو حنيفة - رحمه الله - عن امرأة قال لها زوجها: أنت طالق إذا سألتيني الخلع إن لم أخلعك وقالت المرأة: كل مملوك لي حر إن لم أسألك الخلع اليوم فجاء الزوج إلى أبي حنيفة فقال: أحضر المرأة فأحضرها فقال لها أبو حنيفة: سليه الخلع فقالت: سألتك أن تخلعني فقال له أبو حنيفة: قل لها قد خلعتك على ألف درهم تعطينيها فقال لها ذلك فقال لها قولي: لا أقبل فقالت: لا أقبل فقال: قومي مع زوجك فقد بر كل واحد منكما ولم يحنث في شيء ذكرها محمد بن الحسن في كتاب الحيل له. وإنما تتم هذه الحيلة على الوجه الذي ذكره فلو قالت له: quot; أسألك الخلع على ألف درهم حالة أو إلى شهر quot; فقال: quot; قد خلعتك على ذلك quot; وقع الخلع بخلاف ما إذا قالت له: quot; اخلعني quot; قال: quot; خلعتك على ألف quot; فإن هذا لا يكون خلعا حتى تقبل وترضى وهي لم ترض بالألف فلا يقع الخلع. [فإن قيل: فكيف إذا لم يقع الخلع] قيل: هو إنما حلف على فعله لا على قبولها فإذا قال: quot; قد خلعتك على ألف quot; فقد وجد الخلع من جهته فانحلت يمينه ولم يقف حل اليمين على قبولها كما إذا حلف لا يبيع فباع ولم يقبل المشتري ولا بينة له فإنه يحنث.  [المثال الثامن والخمسون أخوان زفت لكل منهما زوجة الآخر] [أخوان زفت لكل منهما زوجة الآخر] المثال الثامن والخمسون: ما ذكره محمد في كتابه أيضا عنه أتاه أخوان قد تزوجا بأختين فزفت كل امرأة منهما إلى زوج أختها فدخل بها ولم يعلم ثم علم الحال لما أصبحا فذكرا له ذلك وسألاه المخرج فقال لهما: كل منكما راض بالتي دخل بها فقالا: نعم فقال: ليطلق كل منكما امرأته التي عقد عليها تطليقة ففعلا فقال: ليعقد كل منكما على المرأة التي دخل بها ففعلا فقال: ليمض كل منكما إلى أهله وهذه الحيلة في غاية اللطف فإن المرأة التي دخل بها كل منهما قد وطئها بشبهة فله أن ينكحها في عدتها فإنه لا يصان ماؤه عن مائه وأمره أن يطلق واحدة فإنه لم يدخل بالتي طلقها فالواحدة تبينها ولا عدة عليها منه فللآخر أن يتزوجها.(3\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "893",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "895",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[المثال التاسع والخمسون الحيلة في تخلص المرأة من الزوج الذي لا ترضى به] حيلة في تخلص المرأة من الزوج الذي لا ترضى به] المثال التاسع والخمسون: إذا تزوجت المرأة وخافت أن يسافر عنها الزوج ويدعها أو يسافر بها ولا تريد الخروج من دارها أو أن يتزوج عليها أو يتسرى أو يشرب المسكر أو يضربها من غير جرم أو يتبين فقيرا وقد ظنته غنيا أو معيبا وقد ظنته سليما أو أميا وقد ظنته قارئا أو جاهلا وقد ظنته عالما أو نحو ذلك فلا يمكنها التخلص فالحيلة لها في ذلك كله أن تشترط عليه أنه متى وجد شيء من ذلك فأمرها بيدها إن شاءت أقامت معه وإن شاءت فارقته وتشهد عليه بذلك فإن خافت أن لا تشترط ذلك بعد لزوم العقد فلا يمكنها إلزامه بالشرط فلا تأذن لوليها أن يزوجها منه إلا على هذا الشرط فيقول: زوجتكما على أن أمرها بيدها إن كان الأمر كيت وكيت فمتى كان الأمر كذلك ملكت تطليق نفسها ولا بأس بهذه الحيلة فإن المرأة تتخلص بها من نكاح من لم ترض بنكاحه وتستغني بها عن رفع أمرها إلى الحاكم ليفسخ نكاحها بالغيبة والإعسار ونحوهما.  [المثال الستون ضمان ما لا يجب] [ضمان ما لا يجب] المثال الستون: يصح ضمان ما لا يجب كقوله: quot; ما أعطيت لفلان فهو علي quot; عند الأكثرين كما دل عليه القرآن في قول مؤذن يوسف: ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم [يوسف: 72] والمصلحة تقتضي ذلك بل قد تدعو إليه الحاجة أو الضرورة وعند الشافعي لا يجوز وسلم جوازه إذا تبين سبب وجوبه كدرك المبيع. والحيلة في جوازه على هذا القول أنه إذا رضي بأن يلتزم عنه مقدارا له لم يجب عليه بعد أن يقر المضمون عنه به للدافع ثم يضمنه عنه الضامن فإن خشي المقر أن يطالبه المقر له بذلك ولا يدفعه إليه فالحيلة أن يقول: هو علي من ثمن مبيع لم أقبضه فإن تحرج من الإخبار بالكذب فالحيلة أن يبيعه ما يريد أخذه منه بالمبلغ الذي التزم الضامن أداءه فإذا صار في ذمته ضمنه عنه وهذا الحكم إذا زوج ابنه أو عبده أو أجيره وضمن للمرأة نفقتها وكسوتها فالصحيح في هذا كله جواز الضمان والحاجة تدعو إليه ولا محذور فيه وليس بعقد معاوضة فتؤثر فيه الجهالة وعقود الالتزام لا تؤثر فيها الجهالة كالنذر ثم يمكن رفع الجهالة بأن يحد له حدا فيقول: من درهم إلى كذا وكذا. فإن قيل: ما بين الدرهم والغاية مجهول لا يدري كم يلزمه منه. قيل: لا يقدح ذلك في جواز الالتزام لأنه يتبين في الآخر كم هو الواجب منه ثم لو أقر بذلك فقال: quot; له علي ما بين درهم إلى ألف quot; صح فهكذا إذا قال: quot; ضمنت عنه ما بين درهم إلى ألف quot;.(3\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "894",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "896",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: الضامن فرع على المضمون عنه فإذا كان الأصل لم يثبت في ذمته شيء فعلى أي شيء ينبني الضمان ويتفرع قيل: إنما يصير ضامنا إذا ثبت في ذمة المضمون عنه وإلا في الحال فليس هو ضامنا. وإن صح أن يقال: quot; هو ضامن بالقوة quot; ففي الحقيقة هو ضمان معلق على شرط وذلك جائز والله أعلم.  [المثال الحادي والستون الحيلة في الخلاص مما سبق به اللسان] [حيلة في الخلاص مما سبق به اللسان] المثال الحادي والستون: إذا سبق لسانه بما يؤاخذ به في الظاهر ولم يرد معناه أو أراده ثم رجع عنه وتاب منه أو خاف أن يشهد عليه به شهود زور ولم يتكلم به فرفع إلى الحاكم وادعي عليه به فإن أنكر شهدوا عليه وإن أقر حكم عليه ولا سيما إن كان لا يرى قبول التوبة من ذلك فالحيلة في الخلاص أن لا يقر به ولا ينكر فيشهد عليه الشهود بل يكفيه في الجواب أن يقول: quot; إن كنت قلته فقد رجعت عنه وأنا تائب إلى الله منه quot; وليس للحاكم بعد ذلك أن يقول: لا أكتفي منك بهذا الجواب بل لا بد من الإقرار أو الإنكار فإن هذا جواب كاف في مثل هذه الدعوى وتكليفه بعد ذلك خطة الخسف بالإقرار - وقد يكون كاذبا فيه أو الإنكار وقد تاب منه بينه وبين الله تعالى فيشهد عليه الشهود - ظلم وباطل فلا يحل للحاكم أن يسأله بعد هذا هل وقع منك ذلك أو لم يقع بل أبلغ من هذا لو شهد عليه بالردة فقال: quot; لم أزل أشهد أن لا إله لا الله وأن محمدا رسول الله منذ عقلت وإلى الآن quot; لم يستكشف عن شيء ولم يسأل لا هو ولا الشهود عن سبب ردته كما ذكره الخرقي في مختصره وغيره من أصحاب الشافعي فإذا ادعى عليه بأنه قال كذا وكذا فقال: quot; إن كنت قلته فأنا تائب إلى الله منه quot; أو quot; قد تبت منه quot; فقد اكتفي منه بهذا الجواب ولم يكشف عن شيء منه بعد ذلك.  [هل تعلق التوبة بالشرط] فإن قيل: هذا تعليق للتوبة أو الإسلام بالشرط ولا يصح تعليقه بشرط. قيل: هذا من قلة فقه مورده فإن التوبة لا تصح إلا على هذا الشرط تلفظ به أو لم يتلفظ به وكذلك تجديد الإسلام لا يصح إلا بشرط أن يوجد ما يناقضه فتلفظه بالشرط تأكيد لمقتضى عقد التوبة والإسلام وهذا كما إذا قال: quot; إن كان هذا ملكي فقد بعتك إياه quot; فهل يقول أحد: إن هذا بيع معلق بشرط فلا يصح وكذلك إذا قال: quot; إن كانت هذه امرأتي فهي طالق quot; لا يقول أحد: إنه طلاق معلق ونظائره أكثر من أن تذكر وقد شرع الله لعباده(3\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "895",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "897",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التعليق بالشروط في كل موضع يحتاج إليه العبد حتى بينه وبين ربه كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لضباعة بنت الزبير وقد شكت إليه وقت الإحرام فقال: حجي واشترطي على ربك فقولي: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني فإن لك ما اشترطت على ربك فهذا شرع مع الله في العبادة وقد شرعه على لسان رسوله لحاجة الأمة إليه ويفيد شيئين: جواز التحلل وسقوط الهدي وكذلك الداعي بالخيرة يشترط على ربه في دعائه فيقول: اللهم إن كان هذا الأمر خيرا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري عاجله وآجله فاقدره لي ويسره لي فيعلق طلب الإجابة بالشرط لحاجته إلى ذلك لخفاء المصلحة عليه. وكذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - اشترط على ربه أيما رجل سبه أو لعنه وليس لذلك بأهل أن يجعلها كفارة له وقربة يقربه بها إليه وهذا تعليق للمدعو به بشرط الاستحقاق. وكذلك المصلي على الميت شرع له تعليق الدعاء بالشرط فيقول: اللهم أنت أعلم بسره وعلانيته إن كان محسنا فتقبل حسناته وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته فهذا طلب للتجاوز عنه بشرط فكيف يمنع تعليق التوبة بالشرط وقال شيخنا: كان يشكل علي أحيانا حال من أصلي عليه الجنائز هل هو مؤمن أو منافق فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام فسألته عن مسائل عديدة منها هذه المسألة فقال: يا أحمد الشرط الشرط أو قال: علق الدعاء بالشرط وكذلك أرشد أمته - صلى الله عليه وسلم - إلى تعليق الدعاء بالحياة والموت بالشرط فقال: لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به ولكن ليقل: اللهم أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي . وكذلك قوله في الحديث الآخر: وإذا أردت بعبادك فتنة فتوفني إليك غير مفتون وقال: المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا . وتعليق العقود والفسوخ والتبرعات والالتزامات وغيرها بالشروط أمر قد تدعو إليه الضرورة أو الحاجة أو المصلحة فلا يستغني عنه المكلف وقد صح تعليق النظر بالشرط بالإجماع ونص الكتاب وتعليق الضمان بالشرط بنص القرآن وتعليق النكاح بالشرط في تزويج موسى بابنة صاحب مدين وهو [من] أصح نكاح على وجه الأرض ولم يأت في شريعتنا ما ينسخه بل أتت مقررة له كقوله - صلى الله عليه وسلم -: quot; إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج quot; فهذا صريح في أن حل الفروج بالنكاح قد يعلق على شرط ونص الإمام أحمد على جواز تعليق النكاح بالشرط وهذا هو الصحيح كما يعلق الطلاق والجعالة والنذر وغيرها من العقود وعلق أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - عقد المزارعة بالشرط فكان يدفع أرضه إلى من يعمل عليها على أنه إن جاء عمر بالبذر فله كذا وإن جاء العامل بالبذر فله كذا ذكره البخاري ولم يخالفه صاحب ونص الإمام أحمد على جواز تعليق البيع(3\/300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "896",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "898",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالشرط في قوله: إن بعت هذه الجارية فأنا أحق بها بالثمن واحتج بأنه قول ابن مسعود ورهن الإمام أحمد نعله وقال للمرتهن: إن جئتك بالحق إلى كذا وإلا فهو لك وهذا بيع بشرط فقد فعله وأفتى به. وكذلك تعليق الإبراء بالشرط نص على جوازه فعلا منه فقال لمن اغتابه ثم استحله: quot; أنت في حل إن لم تعد quot; فقال له الميموني: قد اغتابك وتحلله فقال: ألم ترني قد اشترطت عليه أن لا يعود والمتأخرون من أصحابه يقولون: لا يصح تعليق الإبراء بالشرط وليس ذلك موافقا لنصوصه ولا لأصوله وقد علق النبي - صلى الله عليه وسلم - ولاية الإمارة بالشرط وهذا تنبيه على تعليق الحكم في كل ولاية وعلى تعليق الوكالة الخاصة والعامة وقد علق أبو بكر تولية عمر - رضي الله عنه - بالشرط ووافقه عليه سائر الصحابة فلم ينكره منهم رجل واحد وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع فهذا الشرط خلاف مقتضى العقد المطلق وقد جوزه الشارع وقال: من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع وفي السنن عنه: من أعتق عبدا وله مال فمال العبد له إلا أن يشترطه السيد وفي المسند والسنن عن سفينة قال: كنت مملوكا لأم سلمة فقالت: أعتقتك واشترطت عليك أن تخدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما عشت فقلت: ولو لم تشترطي علي ما فارقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما عشت فأعتقتني واشترطت علي  وذكر البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: مقاطع الحقوق عند الشروط ولك ما شرطت.  وقال البخاري في باب الشروط في القرض: وقال ابن عمر وعطاء: إذا أحله في القرض جاز وقال في باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار والشروط التي يتعارفها الناس بينهم: وقال ابن عوف عن ابن سيرين قال قال رجل لكريه: ارحل ركابك فإن لم أرحل معك في يوم كذا وكذا فلك مائة درهم فلم يخرج فقال شريح: من شرط على نفسه طائعا غير مكره فهو عليه. وقال أيوب عن ابن سيرين: إن رجلا باع طعاما فقال: إن لم آتك الأربعاء فليس بيني وبينك بيع فقال للمشتري: أنت أخلفته فقضى عليه. وقال في باب الشروط في المهر: وقال المسور: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر صهرا له فأثنى عليه في مصاهرته فأحسن فقال: حدثني فصدقني ووعدني فوفاني ثم ذكر فيه حديث: أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج . وقال في كتاب الحرث: وعامل عمر الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر من عنده فلهم الشطر وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا. وهذا صريح في جواز: quot; إن خطته اليوم فلك كذا وإن خطته غدا فلك كذا quot; وفي جواز: quot; بعتكه بعشرة نقدا أو بعشرين نسيئة quot; فالصواب جواز هذا كله للنص والآثار والقياس. وقال جابر: بعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعيرا واشترطت حملانه إلى أهلي . وروى(3\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "897",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "899",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن فروخ عن نافع بن عبد الحارث عامل عمر على مكة أنه اشترى من صفوان بن أمية دارا لعمر بن الخطاب بأربعة آلاف درهم واشترط عليه نافع إن رضي عمر فالبيع له وإن لم يرض فلصفوان أربع مائة درهم ومن هاهنا قال الإمام أحمد: لا بأس ببيع العربون لأن عمر فعله وأجاز هذا البيع والشرط فيه مجاهد ومحمد بن سيرين وزيد بن أسلم ونافع بن عبد الحارث وقال أبو عمر: وكان زيد بن أسلم يقول: أجازه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر الإمام أحمد أن محمد بن مسلمة الأنصاري اشترى من نبطي حزمة حطب واشترط عليه حملها إلى قصر سعد واشترى عبد الله بن مسعود جارية من امرأته وشرطت عليه أنه إن باعها فهي لها بالثمن وفي ذلك اتفاقهما على صحة البيع والشرط ذكره الإمام أحمد وأفتى به.  [للشروط عند الشارع شأن] والمقصود أن للشروط عند الشارع شأنا ليس عند كثير من الفقهاء فإنهم يلغون شروطا لم يلغها الشارع ويفسدون بها العقد من غير مفسدة تقتضي فساده وهم متناقضون فيما يقبل التعليق بالشروط من العقود وما لا يقبله فليس لهم ضابط مطرد منعكس يقوم عليه دليل فالصواب الضابط الشرعي الذي دل عليه النص أن كل شرط خالف حكم الله وكتابه فهو باطل ما لم يخالفه حكمه فهو لازم. يوضحه أن الالتزام بالشرط كالالتزام بالنذر والنذر لا يبطل منه إلا ما خالف حكم الله وكتابه بل الشروط في حقوق العباد أوسع من النذر في حق الله والالتزام به أوفى من الالتزام بالنذر. وإنما بسطت القول في هذا لأن باب الشروط يدفع حيل أكثر المتحيلين ويجعل للرجل مخرجا مما يخاف منه ومما يضيق عليه فالشرط الجائز بمنزلة العقد بل هو عقد وعهد وقد قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود [المائدة: 1] وقال: والموفون بعهدهم إذا عاهدوا [البقرة: 177] .  [الشرط اللازم والشرط الباطل] وهاهنا قضيتان كليتان من قضايا الشرع الذي بعث الله به رسوله إحداهما: أن كل شرط خالف حكم الله وناقض كتابه فهو باطل كائنا ما كان والثانية: أن كل شرط لا يخالف حكمه ولا يناقض كتابه وهو ما يجوز تركه وفعله بدون الشرط - فهو لازم بالشرط ولا يستثنى من هاتين القضيتين شيء وقد دل عليهما كتاب الله وسنة رسوله واتفاق الصحابة(3\/302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "898",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "900",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا تعبأ بالنقض بالمسائل المذهبية والأقوال الأرائية فإنها لا تهدم قاعدة من قواعد الشرع فالشروط في حق المكلفين كالنذر في حقوق رب العالمين فكل طاعة جاز فعلها قبل النذر لزمت بالنذر وكذلك كل شرط قد جاز بذله بدون الاشتراط لزم بالشرط فمقاطع الحقوق عند الشروط. وإذا كان من علامات النفاق إخلاف الوعد وليس بمشروط فكيف الوعد المؤكد بالشرط بل ترك الوفاء بالشرط يدخل في الكذب والخلف والخيانة والغدر وبالله التوفيق.  [المثال الثاني والستون البيع بشرط البراءة من العيوب] [البيع بشرط البراءة من العيوب] المثال الثاني والستون: إذا باعه جارية معيبة وخاف ردها عليه بالعيب فليبين له من عيبها ويشهد أنه دخل عليه فإن خاف ردها بعيب آخر لا يعلمه البائع فليعين له عيوبا يدخل في جملتها وأنه رضي بها كذلك فإن كان العيب غير متصور ولا داخل في جملة تلك العيوب فليقل: quot; وأنك رضيت بها بجملة ما فيها من العيوب التي توجب الرد quot; مقتصرا على ذلك. ولا يقل: quot; وأنك أسقطت حقك من الرد quot; ولا: quot; أبرأتني من كل دعوى توجب الرد quot; ولا يبيعها بشرط البراءة من كل عيب فإن هذا لا يسقط الرد عند كثير من الفقهاء وهي مسألة البيع بالبراءة من العيوب. وللشافعي فيها ثلاثة أقوال أحدها: صحة البيع والشرط والثاني: صحة البيع وفساد الشرط وأنه لا يبرأ من شيء من العيوب والثالث: أنه يبرأ من العيوب الباطنة في الحيوان خاصة دون غيرها. والمشهور من مذهب مالك جواز العقد والشرط وأنه يبرأ من جميع العيوب. وهل يعم ذلك جميع المبيعات أو يخص بعضها فذكر ابن حبيب عن مالك وابن وهب أنه يعم جميع المبيعات عرضا كان المبيع أو حيوانا. وعنه أنه يختص ببعض المبيعات. واختلف عنه في تعيينه فالذي في الموطإ عنه أنه يختص بالحيوان ناطقا كان أو بهيما. والذي في التهذيب اختصاصه بناطق الحيوان. قالوا: وعلى [هذا] المذهب في صحة ذلك مطلقا فبيع السلطان وبيع الميراث إذا علم أنه ميراث جار مجرى بيع البراءة وإن لم يشترط وعلى هذا فإذا قال: أبيعك بيع الميراث لا قيام بعيب صح ذلك ويكون بيع براءة وفي الميراث لا يحتاج إلى ذكره. قالوا: وإذا قلنا إن البراءة تنفع فإنما منفعتها [في] امتناع الرد بعيب لم يعلم به البائع وأما ما علم به البائع فإن شرط البراءة لا يمنع رد المشتري به إذا لم يكن عالما به وقت العقد فإذا ادعى المشتري علم البائع فأقر أو نكل بعد توجه اليمين عليه توجه الرد عليه. قالوا: ولو ملك شيئا ثم باعه قبل أن يستعمله بشرط البراءة لم ينفعه ذلك حتى يستعمله ويستبرئه ثم يبيعه بشرط البراءة. قال في التهذيب في: التجار يقدمون بالرقيق(3\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "899",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "901",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيبيعونه بالبراءة ولم تطل إقامة الرقيق عندهم: هؤلاء يريدون أن يذهبوا بأموال الناس باطلا لا تنفعهم البراءة. وقال عبد الملك وغيره: لا يشترط استعماله ولا طول مقامه عنده بل تنفعه البراءة كما تنفعه مع الطول والاستعمال. قالوا: وإذا كان في المبيع عيب يعلمه البائع بعينه فأدخله في جملة عيوب ليست موجودة وتبرأ منها كلها لم يبرأ منه حتى يفرده بالبراءة ويعين موضعه وجنسه ومقداره بحيث لا يبقى للمبتاع فيه قول. قالوا: وكذلك لو أراه العيب وشاهده لم يبرأ منه إذا كان ظاهره لا يستلزم الإحاطة بباطنه وباطنه فيه فساد آخر كما إذا أراه دبرة البعير وشاهدها وهي منغلة مفسدة فلم يذكر له ما فيها من نغل وغيره ونظائر ذلك. قالوا: وكذلك لو أخبره أن به إباقا أو سرقة وهو إباق بعبد أو سرقة عظيمة والمشتري يظنه يسيرا لم يبرأ حتى يبين له ذلك قال أبو القاسم بن الكاتب: لا يختلف قول مالك في أن بيع السلطان بيع براءة على المفلس أو لقضاء ديون من تركة ميت بيع براءة أيضا وإن لم يشترطها قال: وإنما كان كذلك لأنه حكم منه بالمبيع وبيع البراءة مختلف فيه فإذا حكم السلطان بأحد أقوال العلماء لم ترد قضيته عند من يرى خلاف رأيه فيما حكم به ورد ذلك عليه المازري وغيره وقالوا: السلطان لم يتعرض في البيع إلى خلاف ولا وفاق ولا قصد إلى حكم به يرفع النزاع وقد حكى بعض الشيوخ الخلاف في بيع البراءة ولو تولاه السلطان بنفسه قال: وذلك لأن سحنونا قال: وكان قول مالك القديم أن بيع السلطان وبيع الوارث لا قيام فيه بعيب ولا بعهدة قال: وهذا يدل على أن له قولا آخر خلاف هذا قال: ويدل عليه أن ابن القاسم قال: إذا بيع عبد على مفلس فإن للمشتري أن يرده بالعيب قال: فالصواب أن بيع السلطان وبيع الورثة كغيرهما. قال المازري: أما بيع الورثة لقضاء ديونه وتنفيذ وصاياه فإن فيه الخلاف المشهور قال: وأما ما باعوه لأنفسهم للانفصال من شركة بعضهم لبعض فملتحق ببيع الرجل مال نفسه بالبراءة وكذلك من باع للإنفاق على من في ولايته. قلت: وقول المازري: quot; إن بيع السلطان لا تعرض فيه لحكم quot; مبني على أصل وهو أن الحاكم إذا عقد بنفسه عقدا مختلفا فيه هل يكون بمنزلة حكمه به [فيسوغ تنفيذه ولا يسوغ رده أو لا يكون حكما منه به] فيسوغ لحاكم آخر خلافه وفي هذا الأصل قولان للفقهاء وهما في مذهب الإمام أحمد وغيره فهذا تقرير مذهب مالك في هذه المسألة. وأما مذهب أبي حنيفة: فإنه يصحح البيع والشرط ولا يمكن المشتري من الرد بعد اشتراط البراءة العامة سواء علم البائع العيب أو لم يعلمه حيوانا كان المبيع أو غيره(3\/304)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "900",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "902",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتناظر في هذه المسألة أبو حنيفة وابن أبي ليلى فقال ابن أبي ليلى: لا يبرأ إلا من عيب أشار إليه ووضع يده عليه فقال أبو حنيفة: فلو أن امرأة من قريش باعت عبدا زنجيا على ذكره عيب أفتضع أصبعها على ذكره فسكت ابن أبي ليلى. وأما مذهب الإمام أحمد فعنه ثلاث روايات إحداهن: أنه لا يبرأ بذلك ولا يسقط حق المشتري من الرد بالعيب إلا من عيب عينه وعلم به المشتري. والثانية: أنه يبرأ مطلقا. والثالثة: أنه يبرأ من كل عيب لم يعلمه ولا يبرأ من كل عيب علمه حتى يعلم به المشتري. فإن صححنا البيع والشرط فلا إشكال وإن أبطلنا الشرط فهل يبطل البيع أو يصح ويثبت الرد فيه وجهان فإذا أثبتنا الرد وأبطلنا الشرط فللبائع الرجوع بالتفاوت الذي نقص من ثمن السلعة بالشرط الذي لم يسلم له فإنه إنما باعها بذلك الثمن بناء على أن المشتري لا يردها عليه بعيب ولو علم أن المشتري يتمكن من ردها لم يبعها بذلك الثمن فله الرجوع بالتفاوت وهذا هو العدل وقياس أصول الشريعة فإن المشتري كما يرجع بالأرش عند فوات غرضه من سلامة المبيع فهكذا البائع يرجع بالتفاوت عند فوات غرضه من الشرط الذي أبطلناه عليه.  [بحث في النكول ورد اليمين] والصحيح في هذه المسألة ما جاء عن الصحابة فإن عبد الله بن عمر باع زيد بن ثابت عبدا بشرط البراءة بثمان مائة درهم فأصاب به زيد عيبا فأراد رده على ابن عمر فلم يقبله فترافعا إلى عثمان فقال عثمان لابن عمر: تحلف أنك لم تعلم بهذا العيب فقال: لا فرده عليه فباعه ابن عمر بألف درهم ذكره الإمام أحمد وغيره وهذا اتفاق منهم على صحة البيع وجواز شرط البراءة واتفاق من عثمان وزيد على أن البائع إذا علم بالعيب لم ينفعه شرط البراءة وعلى أن المدعى عليه متى نكل عن اليمين قضي عليه بالنكول ولم ترد اليمين على المدعي لكن هذا فيما إذا كان المدعى عليه منفردا بمعرفة الحال فإذا لم يحلف مع كونه عالما بصورة الحال قضي عليه بالنكول وأما إذا كان المدعي هو المنفرد بالعلم بالحال أو كان مما لا يخفى عليه علمها ردت عليه اليمين فمثال الأول قضية ابن عمر هذه فإنه هو العالم بأنه هل كان يعلم العيب أو لا يعلمه بخلاف زيد بن ثابت فإنه لا يعلم علم ابن عمر بذلك ولا عدم علمه فلا يشرع رد اليمين عليه. ومثال الثاني: إذا ادعى على وارث ميت أنه أقرض مورثه مائة درهم أو باعه سلعة ولم يقبضه(3\/305)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "901",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "903",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثمنها أو أودعه وديعة والوارث غائب لا يعلم ذلك وسأل إحلافه فنكل عن اليمين لم يقض عليه بالنكول وردت اليمين على المدعي لأنه منفرد بعلم ذلك فإذا لم يحلف لم يقض له. ومثال الثالث: إذا ادعى عليه أنه باعه أو أجره فنكل عن اليمين حلف المدعي وقضي له فإن لم يحلف لم يقض له بنكول المدعى عليه لأنه عالم بصحة ما ادعاه فإذا لم يحلف ولم يقم له بينة لم يكن مجرد نكول خصمه مصححا لدعواه. فهذا التحقيق أحسن ما قيل في مسألة النكول ورد اليمين وعليه تدل آثار الصحابة ويزول عنها الاختلاف ويكون هذا في موضعه وهذا في موضعه. وعرف حذيفة جملا له فادعاه فنكل المدعى عليه وتوجهت اليمين على حذيفة فقال: أتراني أترك جملي فحلف بالله أنه ما باع ولا وهب.  [متى يكون تحليف المدعي] فقد ثبت تحليف المدعي إذا أقام شاهدا واحدا والشاهد أقوى من النكول فتحليفه مع النكول أولى وقد شرع الله ورسوله تحليف المدعي في أيمان القسامة لقوة جانبه باللوث فتحليفه مع النكول أولى وكذلك شرع تحليف الزوج في اللعان وكذلك شرع تحليف المدعي إذا كان شاهد الحال يصدقه كما إذا تداعيا متاع البيت أو تداعى النجار والخياط آلة كل منهما فإنه يقضى لمن تدل الحال على صحة دعواه مع يمينه وقد روي في حديث مرفوع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد اليمين على طالب الحق  ذكره الدارقطني وغيره وهذا محض الفقه والقياس فإنه إذا نكل قوي جانب المدعي فظن صدقه فشرع اليمين في حقه فإن اليمين إنما شرعت في جانب المدعى عليه لقوة جانبه بالأصل. فإذا شهد الشاهد الواحد ضعف هذا الأصل ولم يتمكن قوته من الاستقلال وقوي جانب المدعي باليمين وهكذا إذا نكل ضعف أصل البراءة ولم يكن النكول مستقلا بإثبات الدعوى لجواز أن يكون لجهله بالحال أو لتورعه عن اليمين أو للخوف من عاقبة اليمين أو لموافقة قضاء وقدر فيظن الظان أنه بسبب اليمين أو لترفعه عن ابتذاله باستحلاف خصمه له مع علمه بأنه لو حلف كان صادقا وإذا احتمل نكوله هذه الوجوه لم يكن مستقلا بل غايته أن يكون مقويا لجنبة المدعي فترد اليمين عليه ولم تكن هذه المسألة مقصودة وإنما جر إليها الكلام في أثر ابن عمر وزيد في مسألة البراءة. وقد علم حكم هذا الشرط وأين ينتفع به البار وأين لا ينتفع به.(3\/306)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "902",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "904",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن قيل: فهل ينفعه أن يشترط على المشتري أنه متى رده فهو حر أم لا ينفعه وإذا خاف توكيله في الرد استوثق منه بقوله: quot; متى رددته أو وكلت في رده quot; فإن خاف من رد الحاكم عليه حيث يرده بالشرع فلا يكون المشتري هو الراد ولا وكيله بل الحاكم المنفذ للشرع فاستوثق منه بقوله: quot; إذا ادعيت رده فهو حر quot; فهنا تصعب الحيلة على الرد إلا على مذهب أبي ثور وأحد الوجهين من مذهب الإمام أحمد وهو إجماع الصحابة أن تعليق العتق متى قصد به الحض أو المنع فهو يمين حكمه حكم اليمين بالحج والصوم والصدقة وحكم ما لو قال: quot; إن رددته فعلي أن أعتقه quot; بل أولى بعدم العتق فإن هذا نذر قربة ولكن إخراجه مخرج اليمين منع لزوم الوفاء به مع أن الالتزام به أكثر من الالتزام بقوله: quot; فهو حر quot; فكل ما في التزام قوله: quot; فهو حر quot; فهو داخل في التزام: quot; فعلي أن أعتقه quot; ولا ينعكس فإن قوله: quot; فعلي أن أعتقه quot; يتضمن وجوب الإعتاق وفعل العتق ووقوع الحرية. فإذا منع قصد الحض أو المنع وقوع ثلاثة أشياء فلأن يمنع وقوع واحد منها أولى وأحرى وهذا لا جواب عنه وهو مما يبين فضل فقه الصحابة وأن بين فقههم وفقه من بعدهم كما بينه وبينهم وحتى لو لم يصح ذلك عنهم لكان هذا محض القياس ومقتضى قواعد الشرع وأصوله من أكثر من عشرين وجها لا تخفى على متبحر تتبعها ويكفي قول فقيه الأمة وحبرها وترجمان القرآن ابن عباس: quot; العتق ما ابتغي به وجه الله والطلاق ما كان عن وطر quot; فتأمل هاتين الكلمتين الشريفتين الصادرتين عن علم قد رسخ أسفله وبسق أعلاه وأينعت ثمرته وذللت للطالب قطوفه ثم احكم بالكلمتين على أيمان الحالفين بالعتق والطلاق هل تجد الحالف بهذا ممن يبتغي به وجه الله والتقرب إليه بإعتاق هذا العبد وهل تجد الحالف بالطلاق ممن له وطر في طلاق زوجته فرضي الله عن حبر هذه الأمة لقد شفت كلمتاه هاتان الصدور وطبقتا المفصل وأصابتا المحز وكانت برهانا على استجابة دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعلمه الله التأويل ويفقهه في الدين. ولا يوحشنك من قد أقر على نفسه هو وجميع أهل العلم أنه ليس من أولي العلم فإذا ظفرت برجل واحد من أولي العلم طالب للدليل محكم له متبع للحق حيث كان وأين كان ومع من كان زالت الوحشة وحصلت الألفة ولو خالفك فإنه يخالفك ويعذرك والجاهل الظالم يخالفك بلا حجة ويكفرك أو يبدعك بلا حجة وذنبك رغبتك عن طريقته الوخيمة وسيرته الذميمة فلا تغتر بكثرة هذا الضرب فإن الآلاف المؤلفة منهم لا يعدلون بشخص واحد من أهل العلم والواحد من أهل العلم يعدل بملء الأرض منهم.(3\/307)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "903",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "905",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[من هو العالم صاحب الحق] واعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب الحق وإن كان وحده وإن خالفه أهل الأرض قال عمرو بن ميمون الأودي: صحبت معاذا باليمن فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام ثم صحبت من بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعود فسمعته يقول: عليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ثم سمعته يوما من الأيام وهو يقول: سيولى عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها فصلوا الصلاة لميقاتها فهي الفريضة وصلوا معهم فإنها لكم نافلة قال: قلت يا أصحاب محمد ما أدري ما تحدثون قال: وما ذاك قلت: تأمرني بالجماعة وتحضني عليها ثم تقول لي: صل الصلاة وحدك وهي الفريضة وصل مع الجماعة وهي نافلة قال: يا عمرو بن ميمون قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية أتدري ما الجماعة قلت: لا قال: إن جمهور الجماعة هم الذين فارقوا الجماعة الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك وفي لفظ آخر: فضرب على فخذي وقال: ويحك إن جمهور الناس فارقوا الجماعة وإن الجماعة ما وافق طاعة الله تعالى. وقال نعيم بن حماد: إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة حينئذ ذكرها البيهقي وغيره. وقال بعض أئمة الحديث وقد ذكر له السواد الأعظم فقال: أتدري ما السواد الأعظم هو محمد بن أسلم الطوسي وأصحابه. فمسخ المختلفون الذين جعلوا السواد الأعظم والحجة والجماعة هم الجمهور وجعلوهم عيارا على السنة وجعلوا السنة بدعة والمعروف منكرا لقلة أهله وتفردهم في الأعصار والأمصار وقالوا: من شذ شذ الله به في النار وما عرف المختلفون أن الشاذ ما خالف الحق وإن كان الناس كلهم عليه إلا واحدا منهم فهم الشاذون. وقد شذ الناس كلهم زمن أحمد بن حنبل إلا نفرا يسيرا فكانوا هم الجماعة وكانت القضاة حينئذ والمفتون والخليفة وأتباعه كلهم هم الشاذون وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة ولما لم يتحمل هذا عقول الناس قالوا للخليفة: يا أمير المؤمنين أتكون أنت وقضاتك وولاتك والفقهاء والمفتون كلهم على الباطل وأحمد وحده هو على الحق فلم يتسع علمه لذلك فأخذه بالسياط والعقوبة بعد الحبس الطويل فلا إله إلا الله ما أشبه الليلة بالبارحة وهي السبيل المهيع لأهل السنة والجماعة حتى يلقوا ربهم(3\/308)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "904",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "906",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مضى عليها سلفهم وينتظرها خلفهم: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا [الأحزاب: 23] ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.  [المثال الثالث والستون نفقة المبتوتة وسكناها] [نفقة المبتوتة وسكناها] المثال الثالث والستون: إذا وقعت الفرقة البائنة بين الزوجين لم تجب لها عليه نفقة ولا سكنى بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة الصريحة فإن خاف أن ترفعه إلى حاكم يرى وجوب ذلك عليه فالحيلة أن يتغيب مدة العدة فإذا رفعته بعد ذلك لم يحكم بها عليه لأنها تسقط عنه بمضي الزمان كما يقول الأكثرون في نفقة القريب وكما هو متفق عليه في نفقة العبد والحيوان البهيم ولا كراهة في هذه الحيلة لأنها وسيلة إلى إسقاط ما أسقطه الله ورسوله بخلاف الحيلة على إسقاط ما أوجبه الله ورسوله فهذه لون وتلك لون فإن لم تمكنه الغيبة وأمكنه أن يرفعها إلى حاكم يحكم بسقوط ذلك فعل. والحيلة في أن يتوصل إلى حكم حاكم بذلك أن ينشئ الطلاق أو يقر به بحضرته ثم يسأله الحكم بما يراه من سقوط النفقة والسكنى بهذه الفرقة مع علمه باختلاف العلماء في ذلك فإن بدرته إلى حاكم يرى وجوبها فقد ضاقت عليه وجوه الحيل ولم يبق له إلا حيلة واحدة وهي دعواه أنها [كانت] بانت منه قبل ذلك بمدة تزيد على انقضاء عدتها وأنه نسي سبب البينونة. وهذه الحيلة تدخل في قسم التوصل إلى الجائز بالمحظور كما تقدم نظائره.  [المثال الرابع والستون الضمان وأثره] [الضمان وأثره] المثال الرابع والستون: اختلف الفقهاء في الضمان هل هو تعدد لمحل الحق وقيام للضمين مقام المضمون عنه أو هو استيثاق بمنزلة الرهن على قولين وهما روايتان عن مالك يظهر أثرهما في مطالبة الضامن مع التمكن من مطالبة المضمون عنه فمن قال بالقول الأول - وهم الجمهور - قالوا: لصاحب الحق مطالبة من شاء منهما على السواء ومن قال بالقول الثاني قال: ليس له مطالبة الضامن إلا إذا تعذر عليه مطالبة المضمون عنه واحتج هؤلاء بثلاث حجج إحداها: أن الضامن فرع والمضمون عنه أصل وقاعدة الشريعة أن الفروع والأبدال لا يصار إليها إلا عند تعذر الأصول كالتراب في الطهارة والصوم في كفارة اليمين وشاهد الفرع مع شاهد الأصل. وقد اطرد هذا في ولاية النكاح واستحقاق الميراث لا يلي فرع مع أصله ولا يرث معه. الحجة الثانية: أن الكفالة توثقة(3\/309)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "905",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "907",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحفظ للحق فهي جارية مجرى الرهن ولكن ذاك رهن عين وهي رهن ذمة أقامها الشارع مقام رهن الأعيان للحاجة إليها واستدعاء المصلحة لها والرهن لا يستوفى منه إلا مع تعذر الاستيفاء من الراهن فكذا الضمين. ولهذا كثيرا ما يقترن الرهن والضمين لتواخيهما وتشابههما وحصول الاستيثاق بكل منهما. الحجة الثالثة: أن الضامن في الأصل لم يوضع لتعدد محل الحق كما لم يوضع لنقله وإنما وضع ليحفظ صاحب الحق حقه من التوى والهلاك ويكون له محل يرجع إليه عند تعذر الاستيفاء من محله الأصلي ولم ينصب الضامن نفسه لأن يطالبه المضمون له مع وجود الأصيل ويسرته والتمكن من مطالبته. والناس يستقبحون هذا ويعدون فاعله متعديا ولا يعذرونه بالمطالبة حتى إذا تعذر عليه مطالبة الأصيل عذروه بمطالبة الضامن وكانوا عونا له عليه وهذا أمر مستقر في فطر الناس ومعاملاتهم بحيث لو طالب الضامن والمضمون عنه إلى جانبه والدراهم في كمه وهو متمكن من مطالبته لاستقبحوا ذلك غاية الاستقباح. وهذا القول في القوة كما ترى وهو رواية ابن القاسم في الكتاب عن مالك. ولا ينافي هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: الزعيم غارم فإنه لا عموم له ولا يدل على أنه غارم في جميع الأحوال ولهذا لو أدى الأصيل لم يكن غارما ولحديث أبي قتادة في ضمان دين الميت لتعذر مطالبة الأصيل ولا يصح الاحتجاج بأن الضمان مشتق من الضم فاقتضى لفظه ضم إحدى الذمتين إلى الأخرى لوجهين أحدهما: أن الضم من المضاعف والضمان من الضمين فمادتهما مختلفة ومعناهما مختلف وإن تشابها لفظا ومعنى في بعض الأمور. الثاني: أنه لو كان مشتقا من الضم فالضم قدر مشترك بين ضم يطالب معه استقلالا وبدلا والأعم لا يستلزم الأخص.  [تعليق الضمان بالشرط] وإذا عرف هذا وأراد الضامن الدخول عليه فالحيلة أن يعلق الضمان بالشرط فيقول: إن توي المال على الأصيل فأنا ضامن له ولا يمنع تعليق الضمان بالشرط وقد صرح القرآن بتعليقه بالشرط وهو محض القياس فإنه التزام فجاز تعليقه بالشرط كالنذور والمؤمنون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا وهذا ليس واحدا منهما ومقاطع الحقوق عند الشروط فإن خاف من قاصر في الفقه غير راسخ في حقائقه فليقل: quot; ضمنت لك هذا الدين عند تعذر استيفائه ممن هو عليه quot; فهذا ضمان مخصوص بحالة مخصوصة فلا يجوز إلزامه به في غيرها كما لو ضمن الحال مؤجلا أو ضمنه في مكان دون مكان فإن خاف من(3\/310)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "906",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "908",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إفساد هذا أيضا فليشهد عليه أنه لا يستحق المطالبة له به إلا عند تعذر مطالبة الأصيل وأنه متى طالبه أو ادعى عليه به مع قدرته على الأصيل كانت دعواه باطلة والله أعلم.  [المثال الخامس والستون هل يجوز إبهام الإجارة] [هل يجوز إبهام الإجارة] المثال الخامس والستون: قد تدعو الحاجة إلى أن يكون عقد الإجارة مبهما غير معين فمثاله أن يقول له: إن ركبت هذه الدابة إلى أرض كذا فلك عشرة وإن ركبتها إلى أرض كذا فلك خمسة عشر أو يقول: إن خطت هذا القميص اليوم فلك درهم وإن خطته غدا فنصف درهم وإن زرعت هذه الأرض حنطة فأجرتها مائة أو شعيرا فأجرتها خمسون ونحو ذلك فهذا كله جائز صحيح لا يدل على بطلانه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس بل هذه الأدلة تقتضي صحته وإن كان فيه نزاع متأخر فالثابت عن الصحابة الذي لا يعلم عنهم فيه نزاع جوازه كما ذكره البخاري في صحيحه عن عمر أنه دفع أرضه إلى من يزرعها وقال: إن جاء عمر بالبذر من عنده فله كذا وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا ولم يخالفه صحابي واحد ولا محذور في ذلك ولا خطر ولا غرر ولا أكل مال بالباطل ولا جهالة تعود إلى العمل ولا إلى العوض فإنه لا يقع إلا معينا والخيرة إلى الأجير أي ذلك أحب أن يستوفي فعل فهو كما لو قال [له] أي ثوب أخذته من هذه الثياب فقيمته كذا أو أي دابة ركبتها فأجرتها كذا أو أجرة هذه الفرس كذا [وأجرة هذا الحمار كذا]  فأيها شئت فخذه أو ثمن هذا الثوب مائة وثمن هذا مائتان ونحو ذلك مما ليس فيه غرر ولا جهالة ولا ربا ولا ظلم فكيف تأتي الشريعة بتحريمه وعلى هذا فلا يحتاج إلى حيلة على فعله وكثير من المتأخرين من أتباع الأئمة يبطل هذا العقد فالحيلة على جوازه أن يقول: استأجرتك لتخيطه اليوم بدرهم فإن خطته غدا فلك أجرة مثله نصف درهم وكذا يقول: آجرتك هذه الدابة إلى أرض كذا بعشرة فإن ركبتها إلى أرض كذا وكذا فعليك أجرة مثلها كذا وكذا فإن خاف أن يكون يده يد عدوان ضمنه فليقل: فإذا انقضت المسافة الأولى فهي أمانة عندك هذا عند من لم يصحح الإجارة المضافة ومن صححها فالحيلة عنده أن يقول: فإذا قطعت هذه المسافة فقد آجرتكها إلى مسافة كذا وكذا فإذا انتهت آجرتكها إلى مسافة كذا وكذا فإن خشي المستأجر أن ينقضي شغله قبل ذلك فيبقى عقد الإجارة لازما له وقد فرغ شغله فالحيلة أن يقول: إذا انقضت المسافة أو المدة فقد وكلتك في إجارتها لمن شئت فليؤجرها لغيره ثم يستأجرها منه فإن خاف أن لا تتم هذه الحيلة على أصل من لا يجوز تعليق الوكالة بالشرط فليوكله في الحال وكالة غير معلقة ثم يعلق تصرفه بالشرط فيقول: أنت وكيلي في إجارتها فإذا انقضت المدة فقد أذنت لك في إجارتها.(3\/311)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "907",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "909",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال القاضي أبو يعلى في كتاب إبطال الحيل: إن احتال في إجازة هذا الشرط فقال: استأجرها إلى دمشق بكذا ومن دمشق إلى الرملة بكذا ومن الرملة إلى مصر بكذا جاز له لأنه إذا سمى لكل من المسافتين أجرة معلومة فكل واحدة منهما كالمعقود عليه على حاله فلا يمنع صحة العقد. قلت: ولكن لا تنفعه هذه الحيلة إذا انقضى غرضه عند المسافة الأولى ويبقى عقد الإجارة لازما له فيما وراءها فتصير كما لو استأجرها إلى مصر فانقضى غرضه في الرملة فما الذي أفاده تعدد العقود فوجود هذه الحيلة وعدمها سواء فالوجه ما ذكرناه والله أعلم.  [بيع المقاثي وما يخرج شيئا فشيئا] : المثال الخامس والستون: يجوز بيع المقاثي والباذنجان ونحوها بعد أن يبدو صلاحها كما تباع الثمار في رءوس الأشجار ولا يمنع من صحة البيع تلاحق المبيع شيئا بعد شيء كما لم يمنع ذلك صحة بيع التوت والتين وسائر ما يخرج شيئا بعد شيء هذا محض القياس وعليه تقوم مصالح بني آدم ولا بد لهم منه ومن منع بيع ذلك إلا لقطة لقطة فمع أن ذلك متعذر في الغالب لا سبيل إليه إذ هو في غاية الحرج والعسر فهو مجهول لا ينضبط ولا ما هي اللقطة المبيعة أهي الكبار أو الصغار أو المتوسط أو بعض ذلك وتكون المقثأة كبيرة جدا لا يمكن أخذ اللقطة الواحدة إلا في أيام متعددة فيحدث كل يوم لقطة أخرى تختلط بالمبيع ولا يمكن تميزها منه ولا سبيل إلى الاحتراز من ذلك إلا أن يجمع دواب المصر كلها في يوم واحد ومن أمكنه من القطافين ثم يقطع الجميع في يوم واحد ويعرضه للتلف والضياع وحاشا كل الشرائع - بل غيرها من الشرائع - أن تأتي بمثل هذا وإنما هذا من الأغلاط الواقعة بالاجتهاد وأين حرم الله ورسوله على الأمة ما هم أحوج الناس إليه ثم أباح لهم نظيره فإن كان هذا غررا فبيع الثمار المتلاحقة الأجزاء غرر وإن لم يكن ذلك غررا فهذا مثله والصواب أن كليهما ليس غررا لا لغة ولا عرفا ولا شرعا ودعوى أن ذلك غرر دعوى بلا برهان فإن ادعى ذلك على اللغة طولب بالنقل ولن يجد إليه سبيلا وإن ادعى ذلك على العرف فالعرف شاهد بخلافه وأهل العرف لا يعدون ذلك غررا وإن ادعاه على الشرع طولب بالدليل الشرعي فإن بلي بمن يقول هكذا في(3\/312)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "908",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "910",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكتاب وهكذا قالوا: فالحيلة في الجواز أن يشتري ذلك بعروقه فإذا استوفى ثمرته تصرف في العروق بما يريد. والمانعون يجوزون هذه الحيلة ومن المعلوم أن العروق غير مقصودة وإنما المقصود الثمرة فإن امتنع البيع لأجل الغرر فالغرر لم يزل بملك العروق وهذا في غاية الظهور وبيع ذلك كبيع الثمار وهو قول أهل المدينة وأحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد واختاره شيخنا.(3\/313)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "909",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "911",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[المثال السادس والستون قسمة الدين المشترك] قسمة الدين المشترك] المثال السادس والستون: تجوز قسمة الدين المشترك بميراث أو عقد أو إتلاف فينفرد كل من الشريكين بحصته ويختص بما قبضه سواء كان في ذمة واحدة أو في ذمم متعددة فإن الحق لهما فيجوز أن يتفقا على قسمته أو على بقائه مشتركا ولا محذور في ذلك بل هذه أولى بالجواز من قسمة المنافع بالمهايأة بالزمان أو بالمكان ولا سيما فإن المهايأة بالزمان تقدم أحدهما على الآخر وقد تسلم المنفعة إلى نوبة الشريك وقد تتوى. والدين في الذمة يقوم مقام العين ولهذا تصح المعاوضة عليه من الغريم وغيره وتجب على صاحبه زكاته إذا تمكن من قبضه ويجب عليه الإنفاق على أهله وولده ورقيقه منه ولا يعد فقيرا معدما فاقتسامه يجري مجرى اقتسام الأعيان والمنافع فإذا رضي كل من الشريكين أن يختص بما يخصه من الدين فينفرد هذا برجل يطالبه وهذا برجل يطالبه أو ينفرد هذا بالمطالبة بحصته وهذا بالمطالبة بحصته لم يهدما بذلك قاعدة من قواعد الشريعة ولا استحلا ما حرم الله ولا خالفا نص كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول صاحب ولا قياسا شهد له الشرع بالاعتبار وغاية ما يقدر عدم تكافؤ الذمم ووقوع التفاوت فيها وأن ما في الذمة لم يتعين فلا يمكن قسمته وهذا لا يمنع تراضيهما بالقسمة مع التفاوت فإن الحق لا يعدوهما. وعدم تعين ما في الذمة لا يمنع القسمة فإنه يتعين تقديرا ويكفي في إمكان القسمة التعين بوجه فهو معين تقديرا ويتعين بالقبض تحقيقا وأما قول أبي الوفاء بن عقيل: quot; لا تختلف الرواية عن أحمد في عدم جواز قسمة الدين في الذمة الواحدة. واختلفت الرواية عنه في جواز قسمته إذا كان في الذمتين فعنه فيه روايتان quot; فليس كذلك بل عنه في كل من الصورتين روايتان وليس في أصوله ما يمنع جواز القسمة كما ليس في أصول الشريعة ما يمنعها وعلى هذا فلا يحتاج إلى حيلة على الجواز وأما من منع من القسمة فقد تشتد الحاجة إليها فيحتاج إلى التحيل عليها فالحيلة أن يأذن لشريكه أن يقبض من الغريم ما يخصه فإذا فعل لم يكن لشريكه أن يخاصمه فيه بعد الإذن على(4\/3)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "910",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "912",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصحيح من المذهب كما صرح به الأصحاب. وكذلك لو قبض حصته ثم استهلكها قبل المحاصة لم يضعن لشريكه شيئا وكان المقبوض من ضمانه خاصة وذلك أنه لما أذن لشريكه في قبض ما يخصه فقد أسقط حقه من المحاصة فيختص الشريك بالمقبوض وأما إذا استهلك الشريك ما قبضه فإنه لا يضمن لشريكه حصته منه من قبل المحاصة لأنه لم يدخل في ملكه ولم يتعين له بمجرد قبض الشريك له ولهذا لو وفى شريكه نظيره لم يقل انتقل إلى القابض الأول ما كان ملكا للشريك فدل على أنه إنما يصير ملكا له بالمحاصة لا بمجرد قبض الشريك. ومن الأصحاب من فرق بين كون الدين بعقد وبين كونه إتلافا أو إرثا ووجه الفرق أنه إذا كان بعقد فكأنه عقد مع الشريكين فلكل منهما أن يطالب بما يخصه بخلاف دين الإرث والإتلاف والله أعلم.  [المثال السابع والستون بيع المغيبات في الأرض] [بيع المغيبات في الأرض] المثال السابع والستون: اختلف الفقهاء في جواز بيع المغيبات في الأرض من البصل والثوم والجزر واللفت والفجل والقلقاس ونحوها على قولين: أحدهما: المنع من بيعه كذلك لأنه مجهول غير مشاهد والورق لا يدل على باطنه بخلاف ظاهر الصبرة. وعند أصحاب هذا القول لا يباع حتى يقلع والقول الثاني: يجوز بيعه كذلك ما جرت به عادة أصحاب الحقول. وهذا قول أهل المدينة وهو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد اختاره شيخنا وهو الصواب المقطوع به فإن في المنع من بيع ذلك حتى يقلع أعظم الضرر والحرج والمشقة مع ما فيه من الفساد الذي لا تأتي به شريعة فإنه إن قلعه كله في وقت واحد تعرض للتلف والفساد. وإن قيل: quot; كلما أردت بيع شيء منه فاقلعه quot; كان فيه من الحرج والعسر ما هو معلوم وإن قيل: quot; اتركه في الأرض حتى يفسد ولا تبعه فيها quot; فهذا لا تأتي به شريعة وبالجملة فالمفتون بهذا القول لو بلوا بذلك في حقولهم أو ما هو وقف عليهم ونحو ذلك لم يمكنهم إلا بيعه في الأرض ولا بد أو إتلافه وعدم الانتفاع به وقول القائل: quot; إن هذا غرر ومجهول quot; فهذا ليس حظ الفقيه ولا هو من شأنه وإنما هذا من شأن أهل الخبرة بذلك. فإن عدوه قمارا أو غررا فهم أعلم بذلك وإنما حظ الفقيه يحل كذا لأن الله أباحه ويحرم كذا لأن الله حرمه وقال الله وقال رسوله وقال الصحابة. وأما أن يرى هذا خطرا وقمارا أو غررا فليس من شأنه بل أربابه أخبر بهذا منه والمرجع إليهم فيه كما يرجع(4\/4)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "911",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "913",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليهم في كون هذا الوصف عيبا أم لا وكون هذا البيع مربحا أم لا وكون هذه السلعة نافقة في وقت كذا وبلد كذا ونحو ذلك من الأوصاف الحسية والأمور العرفية فالفقهاء بالنسبة إليهم فيها مثلهم بالنسبة إلى ما في الأحكام الشرعية. فإن بليت بمن يقول: هكذا في الكتاب وهكذا قالوا فالحيلة في الجواز أن تستأجر منه الأرض المشغولة بذلك مدة يعلم فراغه منها ويقر له إقرارا مشهودا له به أن ما في باطن الأرض له لا حق للمؤجر فيه ولكن عكس هذه الحيلة لو أصابته آفة لم يتمكن من وضع الجائحة عنه بخلاف ما إذا اشتراه بعد بدو صلاحه فإنه كالثمرة على رءوس الشجر إن أصابته آفة وضعت عنه الجائحة وهذا هو الصواب في المسألتين: جواز بيعه ووضع الجوائح فيه والله أعلم.  [المثال الثامن والستون المبايعة يوميا والقبض عند رأس الشهر] [المبايعة يوميا والقبض عند رأس الشهر] المثال الثامن والستون: اختلفت الفقهاء في جواز البيع بما ينقطع به السعر من غير تقدير الثمن وقت العقد وصورتها: البيع ممن يعامله من خباز أو لحام أو سمان أو غيرهم يأخذ منه كل يوم شيئا معلوما ثم يحاسبه عند رأس الشهر أو السنة على الجميع ويعطيه ثمنه فمنعه الأكثرون وجعلوا القبض به غير ناقل للملك وهو قبض فاسد يجري مجرى المقبوض بالغصب لأنه مقبوض بعقد فاسد. هذا وكلهم إلا من شدد على نفسه يفعل ذلك ولا يجد منه بدا وهو يفتي ببطلانه وأنه باق على ملك البائع ولا يمكنه التخلص من ذلك إلا بمساومته له عند كل حاجة يأخذها قل ثمنها أو كثر وإن كان ممن شرط الإيجاب والقبول لفظا فلا بد مع المساومة أن يقرن بها الإيجاب والقبول لفظا. والقول الثاني -: وهو الصواب المقطوع به وهو عمل الناس في كل عصر ومصر - جواز البيع بما ينقطع به السعر وهو منصوص الإمام أحمد واختاره شيخنا وسمعته يقول: هو أطيب لقلب المشتري من المساومة يقول: لي أسوة بالناس آخذ بما يأخذ به غيري قال: والذين يمنعون من ذلك لا يمكنهم تركه بل هم واقعون فيه وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا إجماع الأمة ولا قول صاحب ولا قياس صحيح ما يحرمه وقد أجمعت الأمة على صحة النكاح بمهر المثل وأكثرهم يجوزون عقد الإجارة بأجرة المثل كالنكاح والغسال والخباز والملاح وقيم الحمام والمكاري والبيع بثمن المثل كبيع ماء الحمام فغاية البيع بالسعر أن يكون بيعه بثمن المثل فيجوز كما تجوز المعاوضة بثمن المثل في هذه الصورة وغيرها فهذا هو القياس الصحيح ولا تقوم مصالح الناس إلا به.(4\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "912",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "914",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن بليت بالقائل هكذا في الكتاب وهكذا قالوا فالحيلة في الجواز أن يأخذ ذلك قرضا في ذمته فيجب عليه للدافع مثله ثم يعاوضه عليه بثمن معلوم فإنه بيع للدين من الغريم وهو جائز. ولكن في هذه الحيلة آفة وهو أنه قد يرتفع السعر فيطالبه بالمثل فيتضرر الآخذ وقد ينخفض فيعطيه المثل فيتضرر الأول فالطريق الشرعية التي لم يحرمها الله ورسوله أولى بهما والله أعلم.  [المثال التاسع والستون توكيل الدائن في استيفاء الدين من غلة الوقف] [توكيل الدائن في استيفاء الدين من غلة الوقف] المثال التاسع والستون: إذا كان له عليه دين وله وقف من غلة دار أو بستان فوكل صاحب الدين أن يستوفي ذلك من دينه جاز فإن خاف أن يحتال عليه ويعزله عن الوكالة فليجعلها حوالة على من في ذمته عوض ذلك المغل فإن لم يكن قد آجر الدار أو الأرض لأحد فالحيلة أن يستأجرها منه صاحب الدين بعوض في ذمته ثم يعاوضه بدينه من ذلك العوض فإن أراد أن يكون هو وكيله في استيفاء دينه من تلك المنافع لا بطريق الإجارة ولا بطريق الحوالة بل بطريق الوكالة في قبض ما يصير إليه من غلة ذلك الوقف وخاف عزله فالحيلة أن يأخذ إقراره أن الواقف شرط أن يقضي ما عليه من الدين أولا ثم يصرف إليه بعد الدين كذا وكذا وأنه وجب لفلان - وهو الغريم - عليه من الدين كذا وكذا وأنه يستحقه من مغل هذا الوقف مقدما به على سائر مصارف الوقف وأنه لا ينتقل من الموقوف شيء قبل قضاء الدين وأن ولاية أمر هذا الوقف إلى فلان حتى يستوفي دينه فإذا استوفاه فلا ولاية له عليه وإن حكم حاكم بذلك كان أوفق.  [المثال السبعون تعليق الإبراء بالشرط] [تعليق الإبراء بالشرط] المثال السبعون: إذا كان له عليه دين فقال: quot; إن مت قبلي فأنت في حل وإن مت قبلك فأنت في حل quot; صح وبرئ في الصورتين فإن إحداهما وصية والأخرى إبراء معلق بالشرط ويصح تعليق الإبراء بالشرط لأنه إسقاط كما يصح تعليق العتق والطلاق وقد نص عليه الإمام أحمد في الإحلال من العرض والمال مثله. وقال أصحابنا وأصحاب الشافعي: إذا قال: quot; إن مت قبلك فأنت في حل quot; هو إبراء صحيح لأنه وصية وإن قال: quot; إن مت قبلي فأنت في حل quot; لم يصح لأنه تعليق للإبراء بالشرط ولم يقيموا شبهة فضلا عن دليل صحيح على امتناع تعليق الإبراء بالشرط ولا يدفعه نص ولا قياس ولا قول صاحب فالصواب صحة الإبراء في الموضعين وعلى هذا فلا يحتاج إلى حيلة فإن بلي بمن يقول هكذا في الكتاب وهكذا قالوا فالحيلة أن يشهد(4\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "913",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "915",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه أنه لا يستحق عليه شيئا بعد موته من هذا الدين ولا في تركته وإن شاء كتب الفصلين في سجل واحد وضمنه الوصية له به إن مات رب الدين وإن مات المدين فلا حق له به قبله فيصح حينئذ مستندا إلى ظاهر الإقرار وهو إبراء في المعنى.  [المثال الحادي والسبعون استدراك الأمين لما غلط فيه] [استدراك الأمين لما غلط فيه] المثال الحادي والسبعون: لو غلط المضارب أو الشريك وقال: quot; ربحت ألفا quot; ثم أراد الرجوع لم يقبل منه لأنه إنكار بعد إقرار ولو أقام بينة على الغلط فالصحيح أنها تقبل وقيل: لا تقبل لأنه مكذب لها فالحيلة في استدراكه ما غلط فيه بحيث تقبل منه أن يقول: خسرتها بعد أن ربحتها فالقول قوله في ذلك ولا يلزمه الألف وهكذا الحيلة في استدراك كل أمين لظلامته كالمودع إذا رد الوديعة التي دفعت إليه ببينة ولم يشهد على ردها فهل يقبل قوله في الرد فيه قولان هما روايتان عن الإمام أحمد فإذا خاف أن لا يقبل قوله فالحيلة في تخلصه أن يدعي تلفها من غير تفريط فإن حلفه على ذلك فليحلف موريا متأولا أن تلفها من عنده خروجها من تحت يده ونظائر ذلك والله أعلم.  [المثال الثاني والسبعون تصرف المدين الذي استغرقت] [تصرف المدين الذي استغرقت الديون ماله] المثال الثاني والسبعون: إن استغرقت الديون ماله لم يصح تبرعه بما يضر بأرباب الديون سواء حجر عليه الحاكم أو لم يحجر عليه هذا مذهب مالك واختيار شيخنا وعند الثلاثة يصح تصرفه في ماله قبل الحجر بأنواع التصرف والصحيح هو القول الأول. وهو الذي لا يليق بأصول المذهب غيره بل هو مقتضى أصول الشرع وقواعده لأن حق الغرماء قد تعلق بماله ولهذا يحجر عليه الحاكم ولولا تعلق حق الغرماء بماله لم يسع الحاكم الحجر عليه فصار كالمريض مرض الموت لما تعلق حق الورثة بماله منعه الشارع من التبرع بما زاد على الثلث فإن في تمكينه من التبرع بماله إبطال حق الورثة منه. وفي تمكين هذا المديان من التبرع إبطال حقوق الغرماء والشريعة لا تأتي بمثل هذا فإنها إنما جاءت بحفظ حقوق أرباب الحقوق بكل طريق وسد الطرق المفضية إلى إضاعتها وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: من أخذ أموال الناس يريد أداءها أداها الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله . ولا ريب أن هذا التبرع إتلاف لها فكيف ينفذ تبرع [من] دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فاعله  وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يحكي عن بعض علماء عصره من أصحاب أحمد أنه كان ينكر هذا المذهب ويضعفه قال: إلى أن بلي بغريم تبرع قبل الحجر عليه فقال: والله مذهب مالك هو الحق في هذه المسألة وتبويب البخاري وترجمته واستدلاله يدل على اختياره هذا المذهب فإنه قال في باب من رد أمر السفيه والضعيف(4\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "914",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "916",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن لم يكن حجر عليه الإمام: ويذكر عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد على المتصدق قبل النهي ثم نهاه فتأمل هذا الاستدلال. قال عبد الحق: أراد به - والله أعلم - حديث جابر في بيع المدبر ثم قال البخاري في هذا الباب نفسه: وقال مالك: إذا كان لرجل على رجل مال وله عبد لا شيء له غيره فأعتقه لم يجز عتقه ثم ذكر حديث: من أخذ أموال الناس يريد أداءها أداها الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله  وهذا الذي حكاه عن مالك هو في كتب أصحابه وقال ابن الجلاب: ولا تجوز هبة المفلس ولا عتقه ولا صدقته إلا بإذن غرمائه وكذلك المديان الذي لم يفلسه غرماؤه في عتقه وهبته وصدقته وهذا القول هو الذي لا يختار غيره وعلى هذا فالحيلة لمن تبرع غريمه بهبة أو صدقة أو وقف أو عتق وليس في ماله سعة له ولدائنه أن يرفعه إلى حاكم يرى بطلان هذا التبرع ويسأله الحكم ببطلانه فإن لم يكن في بلده حاكم يحكم بذلك فالحيلة أن يأخذ عليه إذا خاف منه ذلك الضمين أو الرهن فإن بادر الغريم وتبرع قبل ذلك فقد ضاقت الحيلة على صاحب الحق ولم يبق له غير أمر واحد وهو التوصل إلى إقراره بأن ما في يده أعيان أموال الغرماء فيمتنع التبرع بعد الإقرار فإن قدم تاريخ الإقرار بطل التبرع المتقدم أيضا وليست هذه حيلة على إبطال حق ولا تحقيق باطل بل على إبطال جور وظلم فلا بأس بها والله أعلم.  [المثال الثالث والسبعون خوف الدائن من جحد المدين] [خوف الدائن من جحد المدين] المثال الثالث والسبعون: إذا كان له [عليه] دين ولا بينة له به وخاف أن يجحده أو له بينة به ويخاف أن يمطله فالحيلة أن يستدين منه بقدر دينه إن أمكن ولا يضره أن يعطيه به رهنا أو كفيلا فإذا ثبت له في ذمته نظير دينه قاصه به وإن لم يرض على أصح المذاهب فإن حذر غريمه من ذلك وأمكنه أن يشتري منه سلعة ولا يعين الثمن ويخرج النقد فيضعه بين يديه فإذا قبض السلعة وطلب منه الثمن قاصه بالدين الذي عليه وبكل حال فطريق الحيلة أن يجعل له عليه من الدين نظير ماله.  [المثال الرابع والسبعون خوف زوج الأمة من رق أولاده] [خوف زوج الأمة من رق أولاده] المثال الرابع والسبعون: إذا خاف العنت ولم يجد طول حرة وكره رق أولاده فالحيلة في عتقهم أن يشترط على السيد أن ما ولدته زوجته منه من الولد فهم أحرار فكل ولد تلده بعد ذلك منه فهو حر ويصح تعليق العتق بالولادة لو قال لأمته: كل ولد تلدينه فهو حر قال ابن المنذر: ولا أحفظ فيه خلافا.(4\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "915",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "917",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: فهل تجوزون نكاح الأمة بدون الشرطين إذا أمن رق ولده بهذا التعليق قيل: هذا محل اجتهاد ولا تأباه أصول الشريعة وليس فيه إلا أن الولد يثبت عليه الولاء للسيد وهو شعبة من الرق ومثل هذا هل ينتهض سببا لتحريم نكاح الأمة أو يقال - وهو أظهر -: إن الله تعالى منع من نكاح الإماء لأنهن في الغالب لا يحجبن حجب الحرائر وهن في مهنة ساداتهن وحوائجهن وهن برزات لا مخدرات  وهذه كانت عادة العرب في إمائهن وإلى اليوم فصان الله تعالى الأزواج أن تكون زوجاتهم بهذه المثابة مع ما يتبع ذلك من رق الولد وأباحه لهم عند الضرورة إليه كما أباح الميتة والدم ولحم الخنزير عند المخمصة وكل هذا منع منه تعالى كنكاح غير المحصنة ولهذا شرط تعالى في نكاحهن أن يكن محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان أي: غير زانية مع من كان ولا زانية مع خدينها وعشيقها دون غيره فلم يبح لهم نكاح الإماء إلا بأربعة شروط: عدم الطول وخوف العنت وإذن سيدها وأن تكون عفيفة غير فاجرة فجورا عاما ولا خاصا والله أعلم. المثال الخامس والسبعون: إذا لم تمكنه أمته من نفسها حتى يعتقها ويتزوجها وهو لا يريد إخراجها عن ملكه ولا تصبر نفسه عنها فالحيلة أن يبيعها أو يهبها لمن يثق به ويشهد عليه من حيث لا تعلم هي والبيع أجود لأنه لا يحتاج إلى قبض ثم يعتقها ثم يتزوجها فإذا فعل استردها من المشتري من حيث لا تعلم الجارية فانفسخ النكاح فيطؤها بملك اليمين ولا عدة عليها. [الحيلة في الخلاص من بيع جاريته] المثال السادس والسبعون: إذا أراده من لا يملك رده على بيع جاريته منه فالحيلة في خلاصه أن يفعل ما ذكرناه سواء ويشهد على عتقها أو نكاحها ثم يستقيله البيع فيطؤها بملك اليمين في الباطن وهي زوجته في الظاهر ويجوز هذا لأنه يدفع به عن نفسه ولا يسقط به حق ذي حق وإن شاء احتال بحيلة أخرى وهي إقراره بأنها وضعت منه ما يتبين به خلق الإنسان فصارت بذلك أم ولد لا يمكن نقل الملك فيها فإن أحب دفع التهمة عنه وأنه قصد بذلك التحيل فليبعها لمن يثق به ثم يواطئ المشتري على أن يدعي عليه أنها وضعت في ملكه ما فيه صورة إنسان. ويقر بذلك فينفسخ البيع ويكتب بذلك محضرا فإنه يمتنع بيعها بعد ذلك.(4\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "916",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "918",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المثال السابع والسبعون: إذا أراد أن يبيع الجارية من رجل بعينه ولم تطب نفسه بأن تكون عند غيره فله في ذلك أنواع من الحيل: إحداها: أن يشترط عليه أنه إن باعها فهو أحق بها بالثمن كما اشترطت ذلك امرأة عبد الله بن مسعود عليه ونص الإمام أحمد على جواز البيع والشرط في رواية علي بن سعيد وهو الصحيح فإن لم تتم له هذه الحيلة لعدم من ينفذها له فليشترط عليه أنك إن بعتها لغيري فهي حرة ويصح هذا الشرط وتعتق عليه إن باعها لغيره إما بمجرد الإيجاب عند صاحب المغني وغيره وإما بالقبول فيقع العتق عقيبه وينفسخ البيع عند صاحب المحرر وهذه طريقة القاضي. قال في كتاب إبطال الحيل: إذا قال: quot; إن بعتك هذا العبد فهو حر quot; وقال المشتري: quot; إن اشتريته فهو حر quot; فباعه عتق على البائع لأنه ليس له عند دخوله في ملك الآخر حال استقرار حتى يعتق عليه بنيته التابعة لأن خيار المجلس ثابت للبائع فملك المشتري غير مستقر وقول صاحب المحرر: quot; وانفسخ البيع quot; تقرير لهذه الطريقة وأنه إنما يعتق بالقبول ويعتق في مدة الخيار على أحد الوجوه الثلاثة فإن لم تتم له هذه الحيلة عند من لا يصحح هذا التعليق ويقول إذا اشتراها ملكها ولا تعتق بالشرط في ملك الغير كما يقوله أبو حنيفة فله حيلة أخرى وهي أن يقول: إذا بعتها فهي حرة قبل البيع فيصح هذا التعليق فإذا باعها حكمنا بوقوع العتق قبل البيع على أحد الوجهين في مذهب الشافعي وأحمد - رضي الله عنهما - فإذا لم تتم له هذه الحيلة عند من لا يصحح هذا التعليق فله حيلة أخرى وهي أن يقول: إذا اشتريتها فهي مدبرة فيصح هذا التعليق ويمتنع بيعها عند أبي حنيفة فإن التدبير عنده جار مجرى العتق المعلق بصفة فإذا اشتراها صارت مدبرة ولم يمكنه بيعها عنده. فإن لم تتم له هذه الحيلة على قول من لا يجوز تعليق التدبير بصفة فالحيلة أن يأخذ البائع قرار المشتري بأنه دبر هذه الجارية بعد ما اشتراها وأنه جعلها حرة بعد موته فإن لم تتم له هذه الحيلة على قول من يجوز بيع المدبر - وهو الإمام أحمد ومن قال بقوله - فالحيلة أن يشهد عليه قبل أن يبيعها منه أنه كان قد تزوجها من سيدها تزويجا صحيحا وأنها ولدت منه ولدا ثم اشتراها بعد ذلك فصارت أم ولده فلا يمكنه بيعها. فإن لم تتم له هذه الحيلة على قول من يعتبر في كونها أم ولد أن تحمل وتضع في ملكه ولا يكفي أن تلد منه في غير ملكه - كما هو ظاهر مذهب أحمد والشافعي - فقد ضاقت عليه وجوه الحيل ولم يبق له إلا حيلة واحدة وهي أن يتراضى سيد الجارية والمشتري برجل ثقة عدل بينهما فيبيعها هذا العدل بطريق الوكالة عن سيدها بزيادة على ثمنها الذي اتفقا عليه ويزيد ما شاء ويقبض منه الثمن الذي اتفقا عليه فإن أراد المشتري بيعها طالبه بباقي الثمن الذي أظهره ولو لم يدخلا بينهما ثالثا بل(4\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "917",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "919",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اتفقا على ذلك فقال: quot; أبيعكها بمائة دينار وآخذ منك أربعين فإن بعتها طالبتك بباقي الثمن وإن لم تبعها لم أطالبك quot; جاز لكن في توسط العدل الذي يثق به المشتري كأبيه وصاحبه تطييب لقلبه وأمان له من مطالبة البائع له بالثمن الكثير.  [المثال الثامن والسبعون حيلة في تعليق الطلاق قبل التزوج] [حيلة في تعليق الطلاق قبل التزوج] المثال الثامن والسبعون: إذا طلب منه ولده أو عبده أن يزوجه وخاف أن يلحقه ضرر بالزوجة ويأمره بطلاقها فلا يقبل فالحيلة أن يقول له: لا أزوجك إلا أن تجعل أمر الزوجة بيدي فإن وثق منه بذلك الوعد قال له بعد التزويج: أمرها بيدك وإن لم يثق منه به وخاف أنه إذا قبل العقد لا يفي له التزويج: أمرها بيدك وإن لم يثق منه به وخاف أنه إذا قبل العقد لا يفي له بما وعده فالحيلة أن لا يأذن له حتى يعلق ذلك بالنكاح فيقول: إن تزوجتها فأمرها بيدك ويصح هذا التعليق على مذهب أهل المدينة وأهل العراق فإن أراد أن يكون ذلك مجمعا عليه فليكتب في كتاب الصداق: quot; وأقر الزوج المذكور أن أمر الزوجة المذكورة بيد السيد أو الأب quot; فإذا وقع ما يحذره منها تمكن حينئذ من التطليق عليه والله أعلم لكن قد يخرجه عن الوكالة بعد ذلك فلا يتم مراده فالحيلة أن يشترط عليه أنه متى أخرجه عن الوكالة فهي طالق.  [المثال التاسع والسبعون حيلة في جواز بيع المدبر] [حيلة في جواز بيع المدبر] المثال التاسع والسبعون: إذا دبر عبده أو أمته جاز له بيعه ويبطل تدبيره فإن خاف أن يرفعه العبد إلى حاكم لا يرى بيع المدبر فيحكم عليه بالمنع من بيعه فالحيلة أن يقول: إن مت وأنت في ملكي فأنت حر بعد موتي فإذا قال ذلك تم له الأمر كما أراد فإن أراد بيعه ما دام حيا فله ذلك وإن مات وهو في ملكه عتق عليه والفرق بين أن يقول: quot; أنت حر بعد موتي quot; وبين أن يقول: quot; إن مت وأنت في ملكي فأنت حر بعد موتي quot; أن هذا تعليق للعتق بصفة وذلك لا يمنع بيع العبد كما لو قال: quot; إن دخلت الدار فأنت حر quot; فله بيعه قبل وجود الصفة بخلاف قوله: quot; أنت حر بعد موتي quot; فإنه جزم بحريته في ذلك الوقت ونظير هذا أنه لو قال له: quot; إن مت قبلي فأنت في حل من الدين الذي عليك quot; فهو إبراء معلق بصفة ولو قال له: quot; أنت في حل بعد موتي quot; صح ولم يكن تعليقا للإبراء بالشرط ونظيره لو قال: quot; إن مت فداري وقف quot; فإنه تعليق للوقف بالشرط ولو قال: quot; هي وقف بعد موتي quot; صح والله أعلم.  [المثال الثمانون براءة أحد الضامنين بتسليم الآخر] [براءة أحد الضامنين بتسليم الآخر] المثال الثمانون: لو أن رجلين ضمنا رجلا بنفسه فدفعه أحدهما إلى الطالب برئ الذي(4\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "918",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "920",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يدفع وهذا بمنزلة رجلين ضمنا لرجل مالا فدفعه إليه أحدهما فإنهما يبرآن جميعا لأن المضمون هو إحضار واحد فإذا سلمه أحدهما فقد وجد الإحضار المضمون فبرئا جميعا. قال القاضي: وربما ألزمه بعض القضاة الضمان بنفس المطلوب ولا يجعل دفع الآخر براءة للذي لم يدفع فالحيلة أن يضمنا للطالب هذا الرجل بنفسه على أنه إذا دفعه أحدهما فهما جميعا بريئان فيتخلص على قول الكل أو يشهدا أن كل واحد منهما وكيل صاحبه في دفع هذا الرجل إلى الطالب والتبرؤ إليه فإذا دفعه أحدهما برئا جميعا منه لأنه إذا كان كل منهما وكيل صاحبه كان تسليمه كتسليم موكله.  [المثال الحادي والثمانون زواج أحد دائني المرأة إياها بنصيبه من الدين] [زواج أحد دائني المرأة إياها بنصيبه من الدين] المثال الحادي والثمانون: قال القاضي في كتاب إبطال الحيل: إذا كان لرجلين على امرأة مال وهما شريكان فتزوجها أحدهما على نصيبه من المال الذي عليها لم يضمن لصاحبه شيئا من المهر لأنه لم يجعل نصيبه في ضمانه فصار كما لو أبرأه وربما ضمنه بعض الفقهاء فالحيلة فيه أن يهب لها نصيبه مما عليها ثم يتزوجها بعد ذلك على مقدار ما وهبها ثم تهب المرأة للزوج المهر الذي تزوجها عليه لأن أحد الشريكين إذا وهب نصيبه من المال المشترك لا يضمن لكونه متبرعا فإذا تزوجها بعد ذلك على مهر ووهبته له حصل مقصوده وتخلص من أقاويل المختلفين.  [المثال الثاني والثمانون حيلة في عدم الحنث في يمين] [حيلة في عدم الحنث في يمين] المثال الثاني والثمانون: لو حلف رجل بالطلاق أنه لا يضمن عن أحد شيئا فحلف آخر بالطلاق أن لا بد أن تضمن عني فالحيلة في أن يضمن عنه ولا يحنث أن يشاركه ويشتري متاعا بينه وبين شريكه. قال القاضي: فإنه يضمن عن شريكه نصف الثمن ولا يحنث الحالف في يمينه لأن المحلوف عليه عقد الضمان وما يلزمه في مسألتنا لا يلزمه بعقد الضمان وإنما يلزمه بالوكالة لأن كل واحد من الشريكين وكيل صاحبه فيما يشتريه فلهذا لم يحنث في يمينه فإن كانت بحالها ولم يكن بينه وبين المحلوف عليه شركة لكنه وكله المحلوف عليه فاشتراها لم يحنث أيضا لما بينا.  [المثال الثالث والثمانون الحيلة في ضمان شريكين] [حيلة في ضمان شريكين] المثال الثالث والثمانون: شريكان شركة عنان ضمنا عن رجل مالا بأمره على أنه إن أدى المال أحد الشريكين رجع به على شريكه وإن أداه الآخر فشريكه منه بريء.(4\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "919",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "921",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وللمسألة أربع صور: إحداها: أن يقولا أينا أداه رجع به على شريكه الثانية: عكسه الثالثة: أن يقول إن أديته أنا رجعت به عليك ولا ترجع به علي إن أديته الرابعة: عكسه فالصورة الأولى والثانية لا تحتاج إلى حيلة وأما الثالثة والرابعة فالحيلة في جوازهما أن يضمن أحد الشريكين عن المدين ما عليه لصاحبه ثم يجيء شريكه فيضمن ما لصاحب الحق عليهما فإذا أدى هذا الشريك المال رجع به على شريكه والأصيل وإذا أداه شريكه والأصيل لم يرجع على الشريك بشيء لأن شريكه قد صار صاحب الأصل هاهنا فلو رجع عليه لرجع هو عليه فمن حيث يثبت يسقط فلا معنى للرجوع عليه.  [المثال الرابع والثمانون تحيل المظلوم على مسبة الناس للظالم] [تحيل المظلوم على مسبة الناس للظالم] المثال الرابع والثمانون: لا بأس للمظلوم أن يتحيل على مسبة الناس لظالمه والدعاء عليه والأخذ من عرضه وإن لم يفعل ذلك بنفسه إذ لعل ذلك يردعه ويمنعه من الإقامة على ظلمه وهذا كما لو أخذ ماله فلبس أرث الثياب بعد أحسنها وأظهر البكاء والنحيب والتأوه أو آذاه في جواره فخرج من داره وطرح متاعه على الطريق أو أخذ دابته فطرح حمله على الطريق وجلس يبكي ونحو ذلك فكل هذا مما يدعو الناس إلى لعن الظالم له وسبه والدعاء عليه وقد أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - المظلوم بأذى جاره له إلى نحو ذلك ففي السنن ومسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة: أن رجلا شكا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من جاره فقال: اذهب فاصبر فأتاه مرتين أو ثلاثا فقال: اذهب فاطرح متاعك في الطريق فطرح متاعه في الطريق فجعل الناس يسألونه فيخبرهم خبره فجعل الناس يلعنونه: فعل الله به وفعل فجاء إليه جاره فقال له: ارجع لا ترى مني شيئا تكرهه هذا لفظ أبي داود.  [المثال الخامس والثمانون من لطائف حيل أبي حنيفة] [من لطائف حيل أبي حنيفة] المثال الخامس والثمانون: ما ذكر في مناقب أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن رجلا أتاه بالليل فقال: أدركني قبل الفجر وإلا طلقت امرأتي فقال: وما ذاك قال: تركت الليلة كلامي فقلت لها: إن طلع الفجر ولم تكلميني فأنت طالق ثلاثا وقد توسلت إليها بكل أمر أن تكلمني فلم تفعل فقال له: اذهب فمر مؤذن المسجد أن ينزل فيؤذن قبل الفجر فلعلها إذا سمعته أن تكلمك واذهب إليها وناشدها أن تكلمك قبل أن يؤذن المؤذن ففعل الرجل وجلس يناشدها وأذن المؤذن فقالت: قد طلع الفجر وتخلصت منك فقال: قد كلمتني قبل الفجر وتخلصت من اليمين وهذا من أحسن الحيل.(4\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "920",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "922",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حيلة أخرى له] المثال السادس والثمانون: قال بشر بن الوليد: كان في جوار أبي حنيفة فتى يغشى مجلسه فقال له يوما: إني أريد التزوج بامرأة وقد طلبوا مني من المهر فوق طاقتي وقد تعلقت بالمرأة فقال له: أعطهم ما طلبوا منك ففعل فلما عقد العقد جاء إليه فقال: قد طلبوا مني المهر فقال: احتل واقترض وأعطهم ففعل فلما دخل بأهله قال: إني أخاف المطالبين بالدين وليس عندي ما أوفيهم فقال: أظهر أنك تريد سفرا بعيدا وأنك تريد الخروج بأهلك ففعل واكترى جمالا فاشتد ذلك على المرأة وأوليائها فجاءوا إلى أبي حنيفة - رحمه الله - فسألوه فقال: له أن يذهب بأهله حيث شاء فقالوا: نحن نرضيه ونرد إليه ما أخذناه منه ولا يسافر فلما سمع الزوج طمع فقال: لا والله حتى يزيدوني فقال له: إن رضيت بهذا وإلا أقرت المرأة أن عليها دينا لرجل فلا يمكنك أن تخرجها حتى توفيه فقال: بالله لا يسمع أهل المرأة ذلك منك أنا أرضى بالذي أعطيتهم.  [المثال السابع والثمانون تعليق الفسخ والبراءة بالشروط] [تعليق الفسخ والبراءة بالشروط] المثال السابع والثمانون: قال القاضي أبو يعلى: إذا كان لرجل على رجل ألف درهم فصالحه منها على مائة درهم يؤديها إليه في شهر كذا فإن لم يفعل وأخرها إلى شهر آخر فعليه مائتان فهو جائز وقد أبطله قوم آخرون قال: أما جواز الصلح من ألف على مائة فالوجه فيه أن التسعمائة لا يستفيدها بعقد الصلح وإنما استفادها بعقد المداينة وهو العقد السابق فعلم أنها ليست مأخوذة على وجه المعاوضة وإنما هي على طريق الإبراء عن بعض حقه قال: ويفارق هذا إذا كانت له ألف مؤجلة فصالحه على تسعمائة حالة أنه لا يجوز لأنه استفاد هذه التسعمائة بعقد الصلح لأنه لم يكن مالكا لها حالة وإنما كان يملكها مؤجلة فلهذا لم يصح. وأما جوازه على الشرط المذكور وهو أنه إن لم يفعل فعليه مائتان - فلأن المصالح إنما علق فسخ البراءة بالشرط والفسخ يجوز تعليقه بالشرط وإن لم يجز تعليق البراءة بالشرط ألا ترى أنه لو قال: quot; أبيعك هذا الثوب بشرط أن تنقدني الثمن اليوم فإن لم تنقدني الثمن اليوم فلا بيع بيننا quot; إذا لم ينقد الثمن في يومه انفسخ العقد بينهما كذلك هاهنا ومن لم يجز ذلك يقول: هذا تعليق براءة المال بالشرط وذلك لا يجوز قال: والوجه في جواز هذا الصلح على مذهب الجميع أن يعجل رب المال حط ثمانمائة يحطها على كل حال ثم يصالح المطلوب من المائتين الباقيتين على مائة يؤديها إليه في شهر كذا على أنه إن(4\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "921",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "923",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أخرها عن هذا الوقت فلا صلح بينهما فإذا فعل هذا فقد استوثق في قول الجميع لأنه متى صالحه على مائتين وقد حط عنه الباقي يصير كأنه لم يكن عليه من الدين إلا مائتا درهم ثم صالحه عن المائتين الباقيتين على مائة يؤديها إليه في شهر كذا فإن أخرها فلا صلح بينهما فيكون على قول الجميع فسخ العقد معلقا بترك النقد وذلك جائز على ما بيناه في البيع. فإن أراد أن يكاتب عبده على ألف درهم يؤديها إليه في سنتين فإن لم يفعل فعليه ألف أخرى فهي كتابة فاسدة لأنه علق إيجاب المال بخطر وتعليق المال بالأخطار لا يجوز والحيلة في جوازه أن يكاتبه على ألفي درهم ويكتب عليه بذلك كتابا ثم يصالحه بعد ذلك على ألف درهم يؤديها إليه في سنتين فإن لم يفعل فلا صلح بينهما فيكون تعليقا للفسخ بخطر وذلك جائز على ما قدمناه من مسألة البيع فإن كان السيد كاتب عبده على ألفي درهم إلى سنتين فأراد العبد أن يصالح سيده على النصف يعجلها له فإن ذلك جائز عندنا ويبطله غيرنا انتهى كلامه.  [المثال الثامن والثمانون صلح الشفيع من الشفعة] [صلح الشفيع من الشفعة] المثال الثامن والثمانون: قال القاضي: إذا اشترى رجل من رجل دارا بألف درهم فجاء الشفيع يطلب الشفعة فصالحه المشتري على أن أعطاه نصف الدار بنصف الثمن جاز لأن الشفيع صالح على بعض حقه وذلك جائز كما لو صالح من ألف على خمسمائة فإن صالحه على بيت من الدار بحصته من الثمن لم يجز لأنه صالح على شيء مجهول لأن ما يأخذه الشفيع يأخذه على وجه المعاوضة وحصة المبيع من الثمن مجهولة وجهالة العوض تمنع صحة العقد فالحيلة حتى يسلم البيت للشفيع والدار للمشتري أن يشتري الشفيع هذا البيت من المشتري بثمن مسمى ثم يسلم الشفيع للمشتري ما بقي من الدار وشراء الشفيع لهذا البيت تسليم للشفعة ومساومته بالبيت تسليم للشفعة لأنه إذا اشتراه بثمن مسمى كان عوض البيت معلوما ودخوله في شراء البيت تسليم للشفعة فيما بقي من الدار وذلك جائز فالحيلة أن يأخذ البيت بهذا الثمن المسمى من غير أن يكون مسلما للشفعة حتى يجب له البيت أن يبدأ المشتري فيقول للشفيع: هذا البيت ابتعته لك بكذا وكذا درهما فيقول الشفيع: قد رضيت واستوجبت لأن المشتري متى ابتدأ بقوله: quot; هذا البيت لك بكذا quot; لم يكن الشفيع مسلما للشفعة.  [المثال التاسع والثمانون مشاركة العامل للمالك وأنواعها] [مشاركة العامل للمالك وأنواعها] المثال التاسع والثمانون: تجوز المغارسة عندنا على شجر الجوز وغيره بأن يدفع(4\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "922",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "924",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليه أرضه ويقول: اغرسها من الأشجار كذا وكذا والغرس بيننا نصفان وهذا كما يجوز أن يدفع إليه ماله يتجر فيه والربح بينهما نصفان وكما يدفع إليه أرضه يزرعها والزرع بينهما وكما يدفع إليه شجرة يقوم عليه والثمر بينهما وكما يدفع إليه بقره أو غنمه أو إبله يقوم عليها والدر والنسل بينهما وكما يدفع إليه زيتونه يعصره والزيت بينهما وكما يدفع إليه دابته يعمل عليها والأجرة بينهما وكما يدفع إليه فرسه يغزو عليها وسهمها بينهما وكما يدفع إليه قناة يستنبط ماءها والماء بينهما ونظائر ذلك فكل ذلك شركة صحيحة قد دل على جوازها النص والقياس واتفاق الصحابة ومصالح الناس وليس فيها ما يوجب تحريمها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا مصلحة ولا معنى صحيح يوجب فسادها. والذين منعوا ذلك عذرهم أنهم ظنوا ذلك كله من باب الإجارة فالعوض مجهول فيفسد ثم منهم من أجاز المساقاة والمزارعة للنص الوارد فيها والمضاربة للإجماع دون ما عدا ذلك ومنهم من خص الجواز بالمضاربة ومنهم من جوز بعض أنواع المساقاة والمزارعة ومنهم من منع الجواز فيما إذا كان بعض الأصل يرجع إلى العامل كقفيز الطحان وجوزه فيما إذا رجعت إليه الثمرة مع بقاء الأصل كالدر والنسل. والصواب جواز ذلك كله وهو مقتضى أصول الشريعة وقواعدها فإنه من باب المشاركة التي يكون العامل فيها شريك المالك هذا بماله وهذا بعمله وما رزق الله فهو بينهما وهذا عند طائفة من أصحابنا أولى بالجواز من الإجارة حتى قال شيخ الإسلام: هذه المشاركات أحل من الإجارة قال: لأن المستأجر يدفع ماله وقد يحصل له مقصوده وقد لا يحصل فيفوز المؤجر بالمال والمستأجر على الخطر إذ قد يكمل الزرع. وقد لا يكمل بخلاف المشاركة فإن الشريكين في الفوز وعدمه على السواء إن رزق الله الفائدة كانت بينهما وإن منعها استويا في الحرمان وهذا غاية العدل فلا تأتي الشريعة بحل الإجارة وتحريم هذه المشاركات. وقد أقر النبي - صلى الله عليه وسلم - المضاربة على ما كانت عليه قبل الإسلام فضارب أصحابه في حياته وبعد موته وأجمعت عليها الأمة ودفع خيبر إلى اليهود يقومون عليها ويعمرونها من أموالهم بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع وهذا كأنه رأي عين ثم لم ينسخه ولم ينه عنه ولا امتنع منه خلفاؤه الراشدون وأصحابه بعده بل كانوا يفعلون ذلك بأراضيهم وأموالهم يدفعونها إلى من يقوم عليها بجزء مما يخرج منها وهم مشغولون بالجهاد وغيره. ولم ينقل عن رجل واحد منهم المنع إلا فيما منع منه النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ما قال الليث بن سعد: إذا نظر ذو البصر بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز ولو لم تأت هذه النصوص والآثار فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله والله ورسوله لم يحرم شيئا من ذلك.(4\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "923",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "925",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكثير من الفقهاء يمنعون ذلك فإذا بلي الرجل بمن يحتج في التحريم بأنه هكذا في الكتاب وهكذا قالوا ولا بد له من فعل ذلك إذ لا تقوم مصلحة الأمة إلا به فله أن يحتال على ذلك بكل حيلة تؤدي إليه فإنها حيل تؤدي إلى فعل ما أباحه الله ورسوله ولم يحرمه على الأمة وقد تقدم ذكر الحيلة على جواز المساقاة والمزارعة ونظيرها في الاحتيال على المغارسة أن يؤجره الأرض يغرس فيها ما شاء من الأشجار لمدة كذا وكذا سنة بخدمتها وغرس كذا وكذا من الأشجار فيها فإن اتفقا بعد ذلك أن يجعلا لكل منها غراسا معينا مقررا جاز وإن أحب أن يكون الجميع شائعا بينهما فالحيلة أن يقر كل منهما للآخر أن جميع ما في هذه الأرض من الغراس فهو بينهما نصفين أو غير ذلك والحيلة في جواز المشاركة على البقر والغنم بجزء من درها ونسلها أن يستأجره للقيام عليها كذا وكذا سنة للمدة التي يتفقان عليها بنصف الماشية أو ثلثها على حسب ما يجعل له من الدر والنسل ويقر له بأن هذه الماشية بينهما نصفين أو أثلاثا فيصير درها ونسلها بينهما على حسب ملكهما فإن خاف رب الماشية أن يدعي عليه العامل بملك نصفها حيث أقر له به فالحيلة أن يبيعه ذلك النصف بثمن في ذمته ثم يسترهنه على ذلك الثمن فإن ادعى الملك بعد هذا طالبه بالثمن فإن ادعى الإعسار اقتضاه من الرهن. والحيلة في جواز قفيز الطحان أن يملكه جزءا من الحب أو الزيتون إما ربعه أو ثلثه أو نصفه فيصير شريكه فيه ثم يطحنه أو يعصره فيكون بينهما على حسب ملكيهما فيه فإن خاف أن يملكه ذلك فيملكه عليه ولا يحدث فيه عملا فالحيلة أن يبيعه إياه بثمن في ذمته فيصير شريكه فيه فإذا عمل فيه سلم إليه حصته أو أبرأه من الثمن فإن خاف الأجير أن يطالبه بالثمن ويتسلم الجميع ولا يعطيه أجرته فالحيلة في أمنه من ذلك أن يشهد عليه أن الأصل مشترك بينهما قبل العمل فإذا أحدث فيه العمل فهو على الشركة وهكذا الحيلة في جميع هذا الباب وهي حيلة جائزة فإنها لا تتضمن إسقاط حق ولا تحريم حلال ولا تحليل حرام.  [المثال التسعون حيلة في إسقاط المحلل في السباق] [حيلة في إسقاط المحلل في السباق] المثال التسعون: إذا خرج المتسابقان في النضال معا جاز في أصح القولين والمشهور من مذهب مالك أنه لا يجوز وعلى القول بجوازه فأصح القولين أنه لا يحتاج إلى محلل كما هو مقتضى المنقول عن الصديق وأبي عبيدة بن الجراح واختيار شيخنا وغيره والمشهور من أقوال الأئمة الثلاثة أنه لا يجوز إلا بمحلل على تفاصيل لهم في المحلل وحكمه وقد ذكرناها في كتابنا الكبير في الفروسية الشرعية وذكرنا فيه وفي كتاب: quot; بيان الاستدلال(4\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "924",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "926",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على بطلان اشتراط محلل السباق والنضال quot; بيان بطلانه من أكثر من خمسين وجها وبينا ضعف الحديث الذي احتج به من اشترطه وكلام الأئمة في ضعفه وعدم الدلالة منه على تقدير صحته. والمقصود هنا بيان وجه الحيلة على الاستغناء عنه عند من يقنع بهذا قالوا وهكذا في الكتاب فالحيلة على تخلص المتسابقين المخرجين منه أن يملكا العوضين لثالث يثقان به ويقول الثالث: أيكما سبق فالعوضان له وإن جئتما معا فالعوضان بينكما فيجوز هذا العقد وهذه الحيلة ليست حيلة على جواز أمر محرم ولا تتضمن إسقاط حق ولا تدخل في مأثم فلا بأس بها والله أعلم.  [المثال الحادي والتسعون حيلة في اشتراط الخيار لأكثر من ثلاثة أيام] [اشتراط الخيار لأكثر من ثلاثة أيام] المثال الحادي والتسعون: يجوز اشتراط الخيار في البيع فوق ثلاث على أصح قول العلماء وهو مذهب الإمام أحمد ومالك على تفاصيل عند مالك وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يجوز وقد تدعو الحاجة إلى جوازه لكون المبيع لا يمكنه استعلامه في ثلاثة أيام أو لغيبة من يشاوره ويثق برأيه أو لغير ذلك والقياس المحض جوازه كما يجوز تأجيل الثمن فوق ثلاث والشارع لم يمنع من الزيادة على الثلاثة ولم يجعلها حدا فاصلا بين ما يجوز من المدة وما لا يجوز وإنما ذكرها في حديث حبان بن منقذ وجعلها له بمجرد البيع وإن لم يشترطه لأنه كان يغلب في البيوع فجعل له ثلاثا في كل سلعة يشتريها سواء شرط ذلك أو لم يشترطه هذا ظاهر الحديث فلم يتعرض للمنع من الزيادة على الثلاثة بوجه من الوجوه فإن أراد الجواز على قول الجميع فالمخرج أن يشترط الخيار ثلاثا فإذا قارب انقضاء الأجل فسخه ثم اشترط ثلاثا وهكذا حتى تنقضي المدة التي اتفقا عليها وليست هذه الحيلة محرمة لأنها لا تدخل في باطل ولا تخرج من حق وهذا بخلاف الحيلة على إيجار الوقف مائة سنة وقد شرط الواقف أن لا يؤجر أكثر من سنة واحدة فتحيل على إيجاره أكثر منها بعقود متفرقة في ساعة واحدة كما تقدم.  [المثال الثاني والتسعون حيلة في الرهن] [حيل في الرهن] المثال الثاني والتسعون: إذا أراد أن يقرض رجلا مالا ويأخذ منه رهنا فخاف أن يهلك الرهن فيسقط من دينه بقدره عند حاكم يرى ذلك فالمخرج له أن يشتري العين التي يريد ارتهانها بالمال الذي يقرضه ويشهد عليه أنه لم يقبضه فإن وثق بكونه عند البائع تركه عنده فإن تلف تلف من ضمانه وإن بقي تمكن من أخذه منه متى شاء وإن رد عليه المال أقاله البائع.(4\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "925",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "927",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأحسن من هذه الحيلة أن يستودع العين قبل القرض ثم يقرضه وهي عنده فهي في الظاهر وديعة وفي الباطن رهن فإن تلفت لم يسقط بهلاكها شيء من حقه. فإن خاف الراهن أنه إذا وفاه حقه لم يقله البيع فالمخرج له أن يشترط عليه الخيار إلى المدة التي يعلم أنه يوفيه فيها على قول أبي يوسف ومحمد ومالك وأحمد. فإن خاف المرتهن أن يستحق الرهن أو بعضه فالمخرج له أن يضمن درك الرهن غير الراهن أو يشهد على من يخشى دعواه الاستحقاق بأنه متى ادعاه كانت دعواه باطلة أو يضمنه الدرك لنفسه.  [المثال الثالث والتسعون بيع الثمر وقد بدا صلاح بعضه دون بعضه الآخر] [بيع الثمر وقد بدا صلاح بعضه دون بعضه الآخر] المثال الثالث والتسعون: إذا بدا الصلاح في بعض الشجرة جاز بيع جميعها وكذلك يجوز بيع ذلك النوع كله في البستان وقال شيخنا: يجوز بيع البستان كله تبعا لما بدا صلاحه سواء كان من نوعه أو لم يكن تقارب إدراكه وتلاحق أم تباعد وهو مذهب الليث بن سعد وعلى هذا فلا حاجة إلى الاحتيال على الجواز وقالت الحنفية: إذا خرج بعض الثمرة دون بقيتها أو خرج الجميع وبعضه قد بدا صلاحه دون بعض لا يجوز البيع للجمع بين الموجود والمعدوم والمتقوم وغيره فتصير حصة الموجود المتقوم مجهولة فيفسد البيع وبعض الشيوخ كان يفتي بجوازه في الثمار والباذنجان ونحوهما جعلا المعدوم تبعا للموجود. وأفتى محمد بن الحسن بجوازه في الورد لسرعة تلاحقه قال شمس الأئمة السرخسي: والأصح المنع. قالوا: فالحيلة في الجواز أن يشتري الأصول وهذا قد لا يتأتى غالبا قالوا: فالحيلة أيضا أن يشتري الموجود الذي بدا صلاحه بجميع الثمن ويشهد عليه أنه قد أباح له ما يحدث من بعد وهذه الحيلة أيضا قد تتعذر إذ قد يرجع في الإباحة وإن جعلت هبة فهبة المعدوم لا تصح وإن ساقاه على الثمرة من كل ألف جزء على جزء - مثلا - لم تصح المساقاة عندهم وتصح عند أبي يوسف ومحمد وإن آجره الشجرة لأخذ ثمرتها لم تصح الإجارة عندهم وعند غيرهم فالحيلة إذا أن يبيعه الثمرة الموجودة ويشهد عليه أن ما يحدث بعدها فهو حادث على ملك المشتري لا حق للبائع فيه ولا يذكر سبب الحدوث ولهم حيلة أخرى فيما إذا بدت الثمار أن يشتريها بشرط القطع أو يشتريها ويطلق ويكون القطع [هو] موجب العقد ثم يتفقان على التبقية إلى وقت الكمال ولا ريب أن المخرج ببيعها إذا بدا صلاح بعضها أو بإجارة الشجر أو بالمساقاة أقرب إلى النص والقياس وقواعد الشرع من ذلك كما تقدم تقريره.(4\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "926",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "928",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[المثال الرابع والتسعون حيلة في بيع الوكيل لموكله] حيلة في بيع الوكيل لموكله] المثال الرابع والتسعون: إذا وكله أن يشتري له بضاعة وتلك البضاعة عند الوكيل وهي رخيصة تساوي أكثر مما اشتراها به ولا تسمح نفسه أن يبيعها بما اشتراها به فالحيلة أن يبيعها بما تساويه بيعا تاما صحيحا لأجنبي ثم إن شاء اشتراها من الأجنبي لموكله ولكن تدخل هذه الحيلة سدا للذرائع إذ قد يتخذ ذلك ذريعة إلى أن يبيعها بأكثر مما تساوي فيكون قد غش الموكل ويظهر هذا إذا اشتراها بعينها دون غيرها فيكون قد غر الموكل فإن كان الموكل لو اطلع على الحال لم يكره ذلك ولم يره غرورا فلا بأس به وإن كان لو اطلع عليه لم يرضه لم يجز والله أعلم.  [المثال الخامس والتسعون: مقابلة المكر بالمكر] [مقابلة المكر بالمكر] المثال الخامس والتسعون: إذا اشترى منه دارا وخاف احتيال البائع عليه بأن يكون قد ملكها لبعض ولده فيتركها في يده مدة ثم يدعيها عليه ويحسب سكناها بثمنها كما يفعله المخادعون الماكرون فالحيلة أن يحتال لنفسه بأنواع من الحيل منها أن يضمن من يخاف منه الدرك ومنها: أن يشهد عليه أنه إن ادعى هو أو وكيله في الدار كانت دعوى باطلة وكل بينة يقيمها زور ومنها: أن يضمن الدرك لرجل معروف يتمكن من مطالبته. ومنها: أن يجعل ثمنها أضعاف ما اشتراها به فإن استحقت رجع عليه بالثمن الذي أشهد به مثاله: أن يتفقا على أن الثمن ألف فيشتريها بعشرة آلاف ثم يبيعه بالعشرة آلاف سلعة ثم يشتريها منه بالألف وهي الثمن فيأخذ الألف ويشهد عليه أن الثمن عشرة آلاف وأنه قبضه وبرئ منه المشتري فإن استحقت رجع عليه بالعشرة آلاف وبالجملة فمقابلة الفاسد بالفاسد والمكر بالمكر والخداع بالخداع قد يكون حسنا بل مأمورا به وأقل درجاته أن يكون جائزا كما تقدم بيانه.  [السادس والتسعون حيلة في شراء العبد نفسه من سيده] [حيلة في شراء العبد نفسه من سيده] المثال السادس والتسعون: إذا اشترى العبد نفسه من سيده بمال يؤديه إليه فأدى إليه معظمه ثم جحد السيد أن يكون باعه نفسه وللسيد في يد العبد مال أذن له في التجارة به فالحيلة أن يشهد العبد في السر أن المال الذي في يده لرجل أجنبي فإن وفى له سيده بما عاهده عليه وفى له العبد وسلمه ماله وإن غدر به تمكن العبد من الغدر به وإخراج المال عن يده وهذه الحيلة لا تتأتى على أصل من يمنع مسألة الظفر ولا على قول من يجيزها فإن السيد إذا ظلمه بجحده حقه لم يكن له أن يظلمه بمنعه ماله وأن يحول بينه وبينه فيقابل الظلم بالظلم ولا يرجع إليه منه فائدة ولكن فائدة هذه الحيلة أن السيد متى(4\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "927",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "929",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "علم بصورة الحال وأنه متى جحده البيع حال بينه وبين ماله بالإقرار الذي يظهره منعه ذلك من جحود البيع فيكون بمنزلة رجل أمسك ولد غيره ليقتله فظفر هو بولده قبل القتل فأمسكه وأراه أنه إن قتل ولده قتل هو ولده أيضا ونظائر ذلك. وكذلك إن كان السيد هو الذي يخاف من العبد أن لا يقر له بالمال ويقر به لغيره يتواطآن عليه فالحيلة أن يبدأ السيد فيبيع العبد لأجنبي في السر ويشهد على بيعه ثم يبيع العبد من نفسه فإذا قبض المال فأظهر العبد إقرارا بأن ما في يده لأجنبي أظهر السيد أن بيعه لنفسه كان باطلا وأن فلانا الأجنبي قد اشتراه فإذا علم العبد أن عتقه يبطل ولا يحصل مقصوده امتنع من التحيل على إخراج مال السيد عنه إلى أجنبي. ونظير هذه الحيلة إذا أراد ظالم أخذ داره بشراء أو غيره فالحيلة أن يملكها لمن يثق به ثم يشهد على ذلك وأنها خرجت عن ملكه ثم يظهر أنه وقفها على الفقراء والمساكين ولو كان في بلده حاكم يرى صحة وقف الإنسان على نفسه وصحة استثناء الغلة له وحده مدة حياته وصحة وقفه لها بعد موته فحكم له بذلك استغنى عن هذه الحيلة.  [الحيل على ثلاثة أنواع] وحيل هذا الباب ثلاثة أنواع: حيلة على دفع الظلم والمكر حتى لا يقع وحيلة على رفعه بعد وقوعه وحيلة على مقابلته بمثله حيث لا يمكن رفعه فالنوعان الأولان جائزان وفي الثالث تفصيل فلا يمكن القول بجوازه على الإطلاق ولا بالمنع منه على الإطلاق بل إن كان المتحيل به حراما لحق الله لم يجز مقابلته بمثله كما لو جرعه الخمر أو زنى بحرمته وإن كان حراما لكونه ظلما له في ماله وقدر على ظلمه بمثل ذلك فهي مسألة الظفر وقد توسع فيها قوم حتى أفرطوا وجوزوا قلع الباب ونقب الحائط وخرق السقف ونحو ذلك لمقابلته بأخذ نظير ماله ومنعها قوم بالكلية وقالوا: لو كان عنده وديعة أو له عليه دين لم يجز له أن يستوفي منه قدر حقه إلا بإعلامه به وتوسط آخرون وقالوا: إن كان سبب الحق ظاهرا كالزوجية والأبوة والبنوة وملك اليمين الموجب للإنفاق فله أن يأخذ قدر حقه من غير إعلامه وإن لم يكن ظاهرا كالقرض وثمن المبيع ونحو ذلك لم يكن له الأخذ إلا بإعلامه وهذا أعدل الأقوال في المسألة وعليه تدل السنة دلالة صريحة والقائلون به أسعد بها وبالله التوفيق. وإن كان بهتا له وكذبا عليه أو قذفا له أو شهادة عليه بالزور لم يجز له مقابلته بمثله وإن(4\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "928",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "930",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان دعاء عليه أو لعنا أو مسبة فله مقابلته بمثله على أصح القولين وإن منعه كثير من الناس وإن كان إتلاف مال له فإن كان محترما كالعبد والحيوان لم يجز له مقابلته بمثله وإن كان غير محترم فإن خاف تعديه فيه لم يجز له مقابلته بمثله كما لو حرق داره لم يجز له أن يحرق داره وإن لم يتعد فيه - بل كان يفعل به نظير ما فعل به سواء كما لو قطع شجرته أو كسر إناءه أو فتح قفصا عن طائره أو حل وكاء مائع له أو أرسل الماء على مسطاحه فذهب بما فيه ونحو ذلك وأمكنه مقابلته بمثل ما فعل سواء - فهذا محل اجتهاد لم يدل على المنع منه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح بل الأدلة المذكورة تقتضي جوازه كما تقدم بيانه في أول الكتاب. وكان شيخنا - رضي الله عنه - يرجح هذا ويقول: هو أولى بالجواز من إتلاف طرفه بطرفه والله أعلم.  [المثال السابع والتسعون الضمان والكفالة من العقود اللازمة] [في الضمان والكفالة] المثال السابع والتسعون: الضمان والكفالة من العقود اللازمة ولا يمكن الضامن والكفيل أن يتخلص متى شاء ولا سيما عند من يقول: إن الكفالة توجب ضمان المال إذا تعذر إحضار المكفول به مع بقائه كما هو مذهب الإمام أحمد ومن وافقه. وطريق التخلص من وجوه أحدهما: أن يوقتها بمدة فيقول: ضمنته أو تكفلت به شهرا أو جمعة ونحو ذلك فيصح. الثاني: أن يقيدها بمكان دون مكان فيقول: ضمنته أو تكفلت به ما دام في هذا البلد أو في هذا السوق. الثالث: أن يعلقها على شرط فيقول: ضمنت أو كفلت إن رضي فلان أو يقول: ضمنت ما عليه إن كفل فلان بوجهه ونحو ذلك. الرابع: أن يشترط في الضمان أنه لا يطالبه حتى يتعذر مطالبة الأصيل فيجوز هذا الشرط بل هو حكم الضمان في أشهر الروايتين عن مالك فلا يطالب الضامن حتى يتعذر مطالبة الأصيل وإن لم يشترطه حتى لو شرط أن يأخذ من أيهما شاء كان الشرط باطلا عند ابن القاسم وأصبغ. الخامس: أن يقول: كفلت بوجهه على أني بريء مما عليه فلا يلزمه ما عليه إذا لم يحضره بل يلزم بإحضاره إذا تمكن منه. السادس: أن يطالب المضمون عنه بأداء المال إلى ربه ليبرأ هو من الضمان إذا كان قد ضمن بإذنه ويكون خصما في المطالبة وهذا مذهب مالك فإن ضمنه بغير إذنه لم يكن له [عليه] مطالبته بأداء المال إلى ربه فإن أداه عنه فله مطالبته به حينئذ.(4\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "929",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "931",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[المثال الثامن والتسعون تعليق البيع وغيره بالشرط] تعليق البيع وغيره بالشرط] المثال الثامن والتسعون: إذا كان له داران فاشترى منه إحداهما على أنه إن استحقت فالدار الأخرى له بالثمن فهذا جائز إذ غايته تعليق البيع بالشرط وليس في شيء من الأدلة الشرعية ما يمنع صحته وقد نص الإمام أحمد على جوازه فيمن باع جارية وشرط على المشتري أنه إن باعها فهو أحق بها بالثمن وفعله بنفسه كما رهن نعله وشرط للمرتهن أنه إن جاءه بفكاكها إلى وقت كذا وإلا فهي له بما عليها ونص على جواز تعليق النكاح بالشرط فالبيع أولى ونص على جواز تعليق التولية بالشرط كما نص عليه صاحب الشرع نصا لا يجوز مخالفته وقد تقدم تقرير ذلك. وكثير من الفقهاء يبطل البيع المذكور فالحيلة في جوازه عند الكل أن يشتري منه المشتري الدار الأخرى التي لا يريد شراءها ويقبضها منه ثم يشتري بها الدار التي يريد شراءها ويسلمها إليه ويتسلم داره فإن استحقت هذه الدار عليه رجع في ثمنها وهو الدار الأخرى وهذه حيلة لطيفة جائزة لا تتضمن إبطال حق ولا دخولا في باطل وهي مثال لما كان من جنسها من هذا النوع مما يخاف استحقاقه ويشترط على البائع أخذ ما يقابله من حيوان أو رقيق أو غير ذلك.  [المثال التاسع والتسعون: رجل أراد أن يشتري جارية أو سلعة من رجل غريب]  فلم يأمن أن تستحق أو تخرج معيبة فلا يمكنه الرجوع ولا الرد فإن قال له البائع quot;: أنا أوكل من تعرفه فيما تدعي به من عيب أو رجوع quot; لم يأمن أن يحتال عليه ويعزله فيذهب حقه فالحيلة في التوثق أن يكون الوكيل هو الذي يتولى البيع بنفسه ويضمن له صاحب السلعة الدرك ويكون وكيلا لهذا الذي تولى البيع فيمكن للمشتري حينئذ مطالبة هذا الذي تولى البيع بنفسه ويأمن ما يحذره.  [المثال الموفي المائة رجل قال لغيره اشتر هذه الدار من فلان بكذا وكذا وأنا أربحك فيها كذا وكذا] المثال الموفي المائة: رجل قال لغيره: quot; اشتر هذه الدار - أو هذه السلعة من فلان - بكذا وكذا وأنا أربحك فيها كذا وكذا quot; فخاف إن اشتراها أن يبدو للآمر فلا يريدها ولا يتمكن من الرد فالحيلة أن يشتريها على أنه بالخيار ثلاثة أيام أو أكثر ثم يقول للآمر: قد اشتريتها بما ذكرت فإن أخذها منه وإلا تمكن من ردها على البائع بالخيار فإن لم يشترها الآمر إلا بالخيار فالحيلة أن يشترط له خيارا أو نقص من مدة الخيار التي اشترطها هو على البائع ليتسع له زمن الرد إن ردت عليه.  [المثال الحادي بعد المائة اشترى منه جارية ثم اطلع على عيب بها فخاف إن ادعى أنه اشتراها بكذا] المثال الحادي بعد المائة: إذا اشترى منه جارية أو سلعة ثم اطلع على عيب بها فخاف إن ادعى أنه اشتراها بكذا وكذا أن ينكر البائع قبض الثمن ويسأل الحاكم الحكم عليه بإقراره أو ينكر البيع ويسأله تسليم الجارية إليه فالحيلة التي تخلصه أن يردها عليه أولا(4\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "930",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "932",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيما بينه وبينه ثم يدعي عليه عند الحاكم باستحقاق ثمنها ولا يعين السبب فإن أقر فلا إشكال وإن أنكر لم يلزم المشتري الثمن فإما أن يقيم عليه بينة أو يحلفه  [المثال الثاني بعد المائة: له مال حال فأبى أن يقر له به حتى يصالحه على بعضه أو يؤجله] المثال الثاني بعد المائة: إذا كان له عليه مال حال فأبى أن يقر له به حتى يصالحه على بعضه أو يؤجله ولا بينة له فأراد حيلة يتوسل بها إلى أخذ ماله كله حالا ويبطل الصلح والتأجيل فالحيلة له أن يواطئ رجلا يدعي عليه بالمال الذي له على فلان عند حاكم فيقر له به ويصح إقراره بالدين الذي له على الغير فإنه قد يكون المال مضاربة فيصير ديونا على الناس فلو لم يصح إقراره به له لضاع ماله. وأما قول أبي عبد الله بن أحمد إن في الرعاية ولو قال: ديني الذي على زيد لعمرو احتمل الصحة والبطلان أظهر فهذا إنما هو فيما إذا أضاف الدين إليه ثم قال: هو لعمرو فيصير نظير ما لو قال: ملكي كله لعمرو أو داري هذه له فإن هذا لا يصح إقرارا على أحد الوجهين للتناقض ويصح هبة فأما إذا قال: quot; هذا الدين الذي على زيد لعمرو يستحقه دوني quot; صح ذلك قولا واحدا كما لو قال quot;: هذه الدار له أو هذا الثوب له quot; على أن الصحيح صحة الإقرار ولو أضاف الدين أو العين إلى نفسه ولا تناقض لأن الإضافة تصدق مع كونه ملكا للمقر له. فإنه يصح أن يقال: هذه دار فلان إذا كان ساكنها بالأجرة ويقول المضارب: ديني على فلان وهذا الدين لفلان يعني أنه يستحق المطالبة به والمخاصمة فيه فالإضافة تصدق بدون هذا ثم يأتي صاحب المال إلى من هو في ذمته فيصالحه على بعضه أو يؤجله ثم يجيء المقر له فيدعي على من عليه المال بجملته حالا فإذا أظهر كتاب الصلح والتأجيل قال المقر له: هذا باطل فإنه تصرف فيما لا يملك المصالح فإن كان الغريم إنما أقر باستحقاق غريمه الدين مؤجلا أو بذلك القدر منه فقط بطلت هذه الحيلة.  [الحيلة في إيداع الشهادة] [إيداع الشهادة] ونظير هذه الحيلة حيلة إيداع الشهادة وصورتها أن يقول له الخصم: لا أقر لك حتى تبرئني من نصف الدين أو ثلثه وأشهد عليك أنك لا تستحق علي بعد ذلك شيئا فيأتي صاحب الحق إلى رجلين فيقول: اشهدا أني على طلب حقي كله من فلان وأني لم أبرئه من شيء منه وأني أريد أن أظهر مصالحته على بعضه لأتوصل بالصلح إلى أخذ بعض حقي وأني إذا أشهدت أني لا أستحق عليه سوى ما صالحني عليه فهو إشهاد باطل وأني إنما أشهدت على ذلك توصلا إلى أخذ بعض حقي فهذه تعرف بمسألة إيداع الشهادة فإذا فعل ذلك جاز له أن يدعي بقاءه على حقه ويقيم الشهادة بذلك هذا مذهب مالك وهو مطرد على قياس مذهب أحمد وجار على أصوله. فإن له التوصل إلى حقه بكل(4\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "931",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "933",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طريق جائز بل لا يقتضي المذهب غير ذلك فإن هذا مظلوم توصل إلى أخذ حقه بطريق لم يسقط بها حقا لأحد ولم يأخذ بها ما لا يحل له أخذه فلا خرج بها من حق ولا دخل بها في باطل. ونظير هذا أن يكون للمرأة على رجل حق فيجحده ويأبى أن يقر به حتى تقر له بالزوجية فطريق الحيلة أن تشهد على نفسها أنها ليست امرأة فلان وأني أريد أن أقر له بالزوجية إقرارا كاذبا لا حقيقة له لأتوصل بذلك إلى أخذ مالي عنده فاشهدوا أن إقراري بالزوجية باطل أتوصل به إلى أخذ حقي. ونظيره أيضا أن ينكر نسب أخيه ويأبى أن يقر له به حتى يشهد أنه لا يستحق في تركة أبيه شيئا وأنه قد أبرأه من جميع ما له في ذمته منها أو أنه وهب له جميع ما يخصه منها أو أنه قبضه أو اعتاض عنه أو نحو ذلك فيودع الشهادة عدلين أنه باق على حقه وأنه يظهر ذلك الإقرار توصلا إلى إقرار أخيه بنسبه وأنه لم يأخذ من ميراث أبيه شيئا ولا أبرأ أخاه ولا عاوضه ولا وهبه.  [الحيلة في إقرار المضطهد] [إقرار المضطهد] وهذا يشبه إقرار المضطهد الذي قد اضطهد ودفع عن حقه حتى يسقط حقا آخر والسلف كانوا يسمون مثل هذا مضطهدا كما قال حماد بن سلمة: حدثنا حميد عن الحسن أن رجلا تزوج امرأة وأراد سفرا فأخذه أهلها فجعلها طالقا إن لم يبعث بنفقتها إلى شهر فجاء الأجل ولم يبعث إليها بشيء فلما قدم خاصموه إلى أمير المؤمنين علي - كرم الله وجهه - فقال: اضطهدتموه حتى جعلها طالقا فردها عليه. ومعلوم أنه لم يكن هناك إكراه بضرب ولا أخذ مال وإنما طالبوه بما يجب عليه من نفقتها وذلك ليس بإكراه ولكن لما تعنتوه باليمين جعله مضطهدا لأنه عقد اليمين ليتوصل إلى قصده من السفر فلم يكن حلفه عن اختيار بل هو كالمحمول عليه. [الفرق بين المضطهد والمكره] والفرق بينه وبين المكره أن المكره قاصد لدفع الضرر باحتمال ما أكره عليه وهذا قاصد للوصول إلى حقه بالتزام ما طلب منه وكلاهما غير راض ولا مؤثرا لما التزمه وليس له وطر فيه. فتأمل هذا ونزله على قواعد الشرع ومقاصده وهذا ظاهر جدا في أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - لم يكن يرى الحلف بالطلاق موقعا للطلاق إذا حنث به(4\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "932",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "934",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو قول شريح وطاوس وعكرمة وأهل الظاهر وأبي عبد الرحمن الشافعي وهو أجل أصحابه على الإطلاق قال بعض الحفاظ: ولا يعلم لعلي مخالف من الصحابة وسيأتي الكلام في المسألة إن شاء الله إذ المقصود أن من أقر أو حلف أو وهب أو صالح لا عن رضا منه ولكن منع حقه إلا بذلك فهو بالمكره أشبه منه بالمختار ومثل هذا لا يلزمه ما عقده من هذه العقود. ومن له قدم راسخ في الشريعة ومعرفة بمصادرها ومواردها وكان الإنصاف أحب إليه من التعصب والهوى والعلم والحجة آثر عنده من التقليد ولم يكد يخفى عليه وجه الصواب والله الموفق وهذه المسألة من نفائس هذا الكتاب والجاهل الظالم لا يرى الإحسان إلا إساءة ولا الهدى إلا الضلالة. فقل للعيون الرمد للشمس أعين ... سواك تراها في مغيب ومطلع وسامح نفوسا بالقشور قد ارتضت ... وليس لها للب من متطلع  [المثال الثالث بعد المائة حبس العين على ثمنها وأجرتها] [حبس العين على ثمنها وأجرتها] المثال الثالث بعد المائة: اختلف الفقهاء هل يملك البائع حبس السلعة على ثمنها وهل يملك المستأجر حبس العين بعد العمل على الأجرة على ثلاثة أقوال: أحدها: يملكه في الموضعين وهو قول مالك وأبي حنيفة وهو المختار والثاني: لا يملكه في الموضعين وهو المشهور من مذهب أحمد عند أصحابه والثالث: يملك حبس العين المستأجرة على عملها ولا يملك حبس المبيع على ثمنه والفرق بينهما أن العمل يجري مجرى الأعيان ولهذا يقابل بالعوض فصار كأنه شريك لمالك العين بعمله فأثر عمله قائم بالعين فلا يجب عليه تسليمه قبل أن يأخذ عوضه بخلاف المبيع فإنه قد دخل في ملك المشتري وصار الثمن في ذمته ولم يبق للبائع تعلق بالعين ومن سوى بينهما قال: الأجرة قد صارت في الذمة ولم يشترط رهن العين عليها فلا يملك حبسها. وعلى هذا فالحيلة في الحبس في الموضعين حتى يصل إلى حقه أن يشترط عليه رهن العين المستأجرة على أجرتها فيقول: رهنتك هذا الثوب على أجرته وهي كذا وكذا وهكذا في المبيع يشترط على المشتري رهنه على ثمنه حتى يسلمه إليه ولا محذور في ذلك أصلا ولا معنى ولا مأخذا قويا يمنع صحة هذا الشرط والرهن وقد اتفقوا أنه لو شرط عليه رهن عين أخرى على الثمن جاز فما الذي يمنع جواز رهن المبيع على ثمنه .(4\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "933",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "935",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا فرق بين أن يقبضه أو لا يقبضه على أصح القولين وقد نص الإمام أحمد على جواز اشتراط رهن المبيع على ثمنه وهو الصواب ومقتضى قواعد الشرع وأصوله وقال القاضي وأصحابه: لا يصح وعلله ابن عقيل بأن المشتري رهن ما لا يملك فلم يصح كما لو شرط أن يرهنه عبدا لغيره يشتريه ويرهنه وهذا تعليل باطل فإنه إنما حصل الرهن بعد ملكه واشتراطه قبل الملك لا يكون بمنزلة رهن الملك. والفرق بين هذه المسألة وبين اشتراط رهن عبد زيد أن اشتراط رهن عبد زيد [غرر] قد يمكن وقد لا يمكن بخلاف اشتراط رهن المبيع على ثمنه فإنه إن تم العقد صار المبيع رهنا وإن لم يتم تبينا أنه لا ثمن يحبس عليه الرهن فلا غرر ألبتة فالمنصوص أفقه وأصح وهذا على أصل من يقول quot; للبائع حبس المبيع على ثمنه quot; ألزم وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وبعض أصحاب الإمام أحمد وهو الصحيح وإن كان خلاف منصوص أحمد. لأن عقد البيع يقتضي استواءهما في التسلم والتسليم ففي إجبار البائع على التسليم قبل حضور الثمن وتمكينه من قبضه إضرار به فإذا [كان] ملك حبسه على ثمنه من غير شرط فلأن يملكه مع الشرط أولى وأحرى فقول القاضي وأصحابه مخالف لنص أحمد والقياس فإن شرط أن يقبض المشتري المبيع ثم يرهنه على ثمنه عند بائعه فأولى بالصحة. وقال ابن عقيل في الفصول: والرهن أيضا باطل لأنهما شرطا رهنه قبل ملكه وقد عرفت ما فيه وعلله أيضا بتعليل آخر فقال: إطلاق البيع يقتضي تسليم الثمن من غير المبيع والرهن يقتضي استيفاءه من عينه إن كان عينا أو ثمنه إن كان عرضا فيتضادا وهذا التعليل أقوى من الأول وهو الذي أوجب له القول ببطلان الرهن قبل القبض وبعده فيقال: المحذور من التضاد إنما هو التدافع بحيث يدفع كل من المتضادين المتنافيين الآخر فأما إذا لم يدفع أحدهما الآخر فلا محذور والبائع إنما يستحق ثمن المبيع وللمشتري أن يؤديه إياه من عين المبيع ومن غيره فإن له أن يبيعه ويقبضه ثمنه منه. وغاية عقد الرهن أن يوجب ذلك فأي تدافع وأي تناف هنا : وأما قوله quot; إطلاق العقد يقتضي التسليم للثمن من غير المبيع quot; فيقال: بل إطلاقه يقتضي تسليم الثمن من أي جهة شاء المشتري حتى لو باعه قفيز حنطة بقفيز حنطة وسلمه إليه ملك أن يوفيه إياه ثمنا كما استوفاه مبيعا كما لو اقترض منه ذلك ثم وفاه إياه بعينه.(4\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "934",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "936",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم قال ابن عقيل: وقد قال الإمام أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه: إذا حبس السلعة ببقية الثمن فهو غاصب ولا يكون رهنا إلا أن يكون شرط عليه في نفس البيع الرهن فظاهر هذا إن شرط كون المبيع رهنا [في حال العقد أصح قال: وليس هذا الكلام على ظاهره ومعناه إلا أن يشترط عليه في نفس البيع رهنا] غير المبيع لأن اشتراط رهن البيع اشتراط تعويق التسليم في المبيع. قلت: ولا يخفى منافاة ما قاله لظاهر كلام الإمام أحمد فإن كلام أحمد المستثنى والمستثنى منه في صورة حبس المبيع على ثمنه فقال: quot; هو غاصب إلا أن يكون شرط عليه في نفس البيع الرهن quot; أي: فلا يكون غاصبا بحبس السلعة بمقتضى شرطه ولو كان المراد ما حمله عليه لكان معنى الكلام إذا حبس السلعة ببقية الثمن فهو غاصب إلا أن يكون قد شرط له رهنا آخر غير المبيع يسلمه إليه وهذا كلام لا يرتبط أوله بآخره ولا يتعلق به فضلا عن أن يدخل في الأول ثم يستثنى منه ولهذا جعله أبو البركات ابن تيمية نصا في صحة هذا الشرط ثم قال: وقال القاضي: لا يصح. وأما قوله quot; إن اشتراط رهن المبيع تعويق للتسليم في المبيع quot; فيقال: واشتراط التعويق إذا كان لمصلحة البائع وله فيه غرض صحيح وقد قدم عليه المشتري فأي محذور فيه ثم هذا يبطل باشتراط الخيار فإن فيه تعويقا للمشتري عن التصرف في المبيع وباشتراط المشتري تأجيل الثمن فإن فيه تعويقا للبائع عن تسلمه أيضا ويبطل على أصل الإمام أحمد وأصحابه باشتراط البائع انتفاعه بالمبيع مدة يستثنيها فإن فيه تعويقا للتسليم ويبطل أيضا ببيع العين المؤجرة. فإن قيل: إذا اشترط أن يكون رهنا قبل قبضه تدافع موجب البيع والرهن فإن موجب الرهن أن يكون تلفه من ضمان مالكه لأنه أمانة في يد المرتهن وموجب البيع أن يكون تلفه قبل التمكين من قبضه من ضمان البائع فإذا تلف هذا الرهن قبل التمكن من قبضه فمن ضمان أيهما يكون قيل: هذا السؤال أقوى من السؤالين المتقدمين والتدافع فيه أظهر من التدافع في التعليل الثاني وجواب هذا السؤال أن الضمان قبل التمكن من القبض كان على البائع كما كان ولا يزيل هذا الضمان إلا تمكن المشتري من القبض فإذا لم يتمكن من قبضه فهو(4\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "935",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "937",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مضمون على البائع كما كان وحبسه إياه على ثمنه لا يدخله في ضمان المشتري ويجعله مقبوضا له كما لو حبسه بغير شرط. فإن قيل: فأحمد - رحمه الله تعالى - قد قال: quot; إنه إذا حبسه على ثمنه كان غاصبا إلا أن يشترط عليه الرهن quot; وهذا يدل على أنه قد فرق في ضمانه بين أن يحبسه بشرط أو يحبسه بغير شرط وعندكم هو مضمون عليه في الحالين وهو خلاف النص. فالجواب أن الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - إنما جعله غاصبا بالحبس والغاصب عنده يضمن العين بقيمتها أو مثلها ثم يستوفي الثمن أو بقيته من المشتري وأما إذا تلف قبل قبضه فهو من ضمان البائع بمعنى أنه ينفسخ العقد فيه ولا يملك مطالبة المشتري بالثمن وإن كان قد قبضه منه أعاده إليه فهذا الضمان شيء وضمان الغاصب شيء آخر. فإن قيل: فكيف يكون رهنا وضمانه على المرتهن قيل: لم يضمنه المرتهن من حيث هو رهن وإنما ضمنه من حيث كونه مبيعا لم يتمكن مشتريه من قبضه فحق توفيته بعد على بائعه. فإن قيل: فما تقولون لو حبس البائع السلعة لاستيفاء حقه منها وهذا يكون في صور: إحداها: أن يبيعه دارا له فيها متاع لا يمكن نقله في وقت واحد. والثانية: أن يستثني البائع الانتفاع بالمبيع مدة معلومة على أصلكم أو نحو ذلك فإذا تلفت في يد البائع قبل تمكن المشتري من القبض في هاتين الصورتين هل تكون من ضمانة أو من ضمان البائع . الثالثة: أن يشترط الخيار ويمنعه من تسليم المبيع قبل انقضاء الخيار قيل: الضمان في هذا كله على البائع لأنه لم يدخل تحت يد المشتري ولم يتمكن من قبضه فلا يكون مضمونا عليه. فإن قيل: فهل يكون من ضمانه بالثمن أو بالقيمة قيل: بل يكون مضمونا عليه بالثمن بمعنى أن العقد ينفسخ بتلفه فلا يلزم المشتري تسليم الثمن.  [المثال الرابع بعد المائة إقرار المريض بدين لوارثه] [إقرار المريض بدين لوارثه] المثال الرابع بعد المائة: إقرار المريض لوارثه بدين باطل عند الجمهور للتهمة فلو كان له عليه دين ويريد أن تبرأ ذمته منه قبل الموت وقد علم أن إقراره له باطل فكيف الحيلة في براءة ذمته ووصل صاحب الدين إلى ماله فههنا وجوه: أحدها: أن يأخذ إقرار باقي الورثة(4\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "936",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "938",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأن هذا الدين على الميت فإن الإقرار إنما بطل لحقهم فإذا أقروا به لزمهم فإن لم تتم له هذه الحيلة فله وجه ثان وهو أن يأتي برجل أجنبي يثق به يقر له بالمال فيدفعه الأجنبي إلى ربه. فإن لم تتم له هذه الحيلة فله وجه ثالث وهو أن يشتري منه سلعة بقدر دينه ويقر المريض بقبض الثمن منه أو يقبض منه الثمن بمحضر الشهود ثم يدفعه إليه سرا فإن لم تتم له هذه الحيلة فليجعل الثمن وديعة عنده فيكون أمانة فيقبل قوله في تلفه ويتأول أو يدعي رده إليه والقول قوله. وله وجه آخر وهو أن يحضر الوارث شيئا ثم يبيعه من موروثه بحضرة الشهود ويسلمه إليه فيقبضه ويصير ماله ثم يهبه الموروث لأجنبي ويقبضه منه ثم يهبه الأجنبي للوارث فإذا فعلت هذه الحيلة ليصل المريض إلى براءة ذمته والوارث إلى أخذ دينه جاز ذلك وإلا فلا.  [المثال الخامس بعد المائة الإحالة بالدين وخوف هلاك المحال به] [الإحالة بالدين وخوف هلاك المحال به] المثال الخامس بعد المائة: إذا أحاله بدينه على رجل فخاف أن يتوى ماله على المحال عليه فلا يتمكن من الرجوع على المحيل لأن الحوالة تحول الحق وتنقله فله ثلاث حيل. إحداها: أن يقول: أنا لا أحتال ولكن أكون وكيلا لك في قبضه فإذا قبضه فإن استنفقه ثبت له ذلك في ذمة الوكيل وله في ذمة الموكل نظيره فيتقاصان فإن خاف الموكل أن يدعي الوكيل ضياع المال من غير تفريط فيعود يطالبه بحقه فالحيلة له أن يأخذ إقراره بأنه متى ثبت قبضه منه فلا شيء له على الموكل وما يدعي عليه بسبب هذا الحق أو من جهته فدعواه باطلة وليس هذا إبراء معلقا بشرط حتى يتوصل إلى إبطاله بل هو إقرار بأنه لا يستحق عليه شيئا في هذه الحالة. الحيلة الثانية: أن يشترط عليه أنه إن توى المال رجع عليه ويصح هذا الشرط على قياس المذهب فإن المحتال إنما قبل الحوالة على هذا الشرط فلا يجوز أن يلزم بها بدون الشرط كما لو قبل عقد البيع بشرط الرهن أو الضمين أو التأجيل أو الخيار أو قبل عقد الإجارة بشرط الضمين للأجرة أو تأجيلها أو قبل عقد النكاح بشرط تأجيل الصداق أو قبل عقد الضمان بشرط تأجيل الدين الحال على المضمون عنه أو قبل عقد الكفالة(4\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "937",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "939",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بشرط أن لا يلزمه من المال الذي عليه شيء أو قبل عقد الحوالة بشرط ملاءة المحال عليه وكونه غير محجور ولا مماطل وأضعاف أضعاف ذلك من الشروط التي لا تحل حراما ولا تحرم حلالا فإنها جائز اشتراطها لازم الوفاء بها كما تقدم تقريره نصا وقياسا. وقد صرح أصحاب أبي حنيفة بصحة هذا الشرط في الحوالة فقالوا واللفظ للخصاف: يجوز أن يحتال الطالب بالمال على غريم المطلوب على أن هذا الغريم إن لم يوف الطالب هذا المال إلى كذا وكذا فالمطلوب ضامن لهذا المال على حاله وللطالب أخذه بذلك وتقع الحوالة على هذا الشرط فإن وفاه الغريم إلى الأجل الذي يشترطه وإلا رجع إلى المطلوب وأخذه بالمال ثم حكى عن شيخه قال: قلت: وهذا جائز قال: نعم. الحيلة الثالثة: أن يقول طالب الحق للمحال عليه: اضمن لي هذا الدين الذي على غريمي ويرضى منه بذلك بدل الحوالة فإذا ضمنه تمكن من مطالبة أيهما شاء وهذه من أحسن الحيل وألطفها.  [المثال السادس بعد المائة حيلة في لزوم تأجيل الدين الحال] [حيلة في لزوم تأجيل الدين الحال] المثال السادس بعد المائة: إذا كان له عليه دين حال فاتفقا على تأجيله وخاف من عليه الدين أن لا يفي له بالتأجيل فالحيلة في لزومه أن يفسخ العقد الذي هو سبب الدين الحال ثم يعقده عليه مؤجلا فإن كان عن ضمان أو كان بدل متلف أو عن دية وقد حلت أو نحو ذلك فالحيلة في لزوم التأجيل أن يبيعه سلعة بمقدار هذا الدين ويؤجل عليه ثمنها ثم يبيعه المدين تلك السلعة بالدين الذي أجله عليه أولا فيبرأ منه ويثبت في ذمته نظيره مؤجلا فإن خاف صاحب الحق أن لا يفي له من عليه بأدائه عند كل نجم كما أجله فالحيلة أن يشترط عليه أنه إن حل نجم ولم يؤده قسطه فجميع المال عليه حال فإذا نجمه على هذا الشرط جاز وتمكن من مطالبته به حالا ومنجما عند من يرى لزوم تأجيل الحال ومن لا يراه أما من لا يراه فظاهر وأما من يراه فإنه يجوز تأجيله لهذا الشرط كما صرح به أصحاب أبي حنيفة والله أعلم.  [المثال السابع بعد المائة وصية المريض الذي لا وارث له بجميع ماله في البر] [وصية المريض الذي لا وارث له بجميع ماله في البر] المثال السابع بعد المائة: إذا أراد المريض الذي لا وارث له أن يوصي بجميع أمواله في أبواب البر فهل له ذلك على قولين: أصحهما: أنه يملك ذلك لأنه إنما منعه الشارع(4\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "938",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "940",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما زاد على الثلث وكان له ورثة فمن لا وارث له لا يعترض عليه فيما صنع في ماله فإن خاف أن يبطل ذلك حاكم لا يراه فالحيلة له أن يقر لإنسان يثق بدينه وأمانته بدين يحيط بماله كله ثم يوصيه إذا أخذ ذلك المال أن يضعه في الجهات التي يريد فإن خاف المقر له أن يلزم بيمين باستحقاقه لما أقر له به المريض اشترى منه المريض عرضا من العروض بماله كله ويسلم العرض فإذا حلف المقر له حلف بارا فإن خاف المريض أن يصح فيأخذه البائع بثمن العرض فالحيلة أن يشتريه بشرط الخيار سنة فإن مات بطل الخيار وإن عاش فسخ العقد فإن كان المال أرضا أو عقارا أو أراد أن يوقفه جميعه على قوم يستغلونه ولا يمكن إبطاله فالحيلة أن يقر أن واقفا وقف ذلك جميعه عليه ومن بعده على الجهات التي يعينها ويشهد على إقراره بأن هذا العقار في يده على جهة الوقف من واقف كان ذلك العقار ملكا له إلى حين الوقف أو يقر بأن واقفا معينا وقفه على تلك الجهات وجعله ناظرا عليه فهو في يده على هذا الوجه. وكذلك الحيلة إذا كان له بنت أو أم أو وارث بالفرض لا يستغرق ماله ولا عصبة له ويريد أن لا يتعرض له السلطان فله أنواع من المخارج: منها: أن يبيع الوارث تلك الأعيان ويقر بقبض الثمن منه وإن أمكنه أن يشهد على قبضه بأن يحضر الوارث مالا يقبضه إياه ثم يعيده إليه سرا فهو أولى ومنها: أن يشتري المريض من الوارث سلعة بمقدار التركة من الثمن ويشهد على الشراء ثم يعيد إليه تلك السلعة ويرهنه المال كله على الثمن فإذا أراد السلطان مشاركته قال: وفوني حقي وخذوا ما فضل. ومنها: أن يبيع ذلك لأجنبي يثق به ويقر بقبض الثمن منه أو يقبضه بحضرة الشهود ثم يأذن للأجنبي في تمليكه للوارث أو وقفه عليه ومنها: أن يقر لأجنبي يثق به بما يريد ثم يأمره بدفع ذلك إلى الوارث. ولكن في هذه الحيل وأمثالها أمران مخوفان: أحدهما: أنه قد يصح فيحال بينه وبين ماله والثاني: أن الأجنبي قد يدعي ذلك لنفسه ولا يسلمه إلى الوارث فلا خلاص من ذلك إلا بوجه واحد وهو أن يأخذ إقرار الأجنبي ويشهد عليه في مكتوب ثان أنه متى ادعى لنفسه أو لمن يخاف أن يواطئه على المريض أو وارثه هذا المال أو شيئا منه أو حقا من حقوقه كانت دعواه باطلة. وإن أقام به بينة فهي بينة زور وأنه لا حق له قبل فلان بن فلان ولا وارثه بوجه ما ويمسك الكتاب عنده فيأمن هو والوارث ادعاء ذلك لنفسه والله أعلم.  [المثال الثامن بعد المائة اقتضاء الدين وتواري المدين] [اقتضاء الدين وتواري المدين] المثال الثامن بعد المائة: رجل يكون له الدين ويكون عليه الدين فيوكل وكيلا في اقتضاء ديونه ثم يتوارى عن غريمه فلا يمكنه اقتضاء دينه منه فأراد الغريم ممن له الدين(4\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "939",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "941",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على هذا الرجل حيلة يقتضي بها دينه منه ولا يضره تواري من عليه الدين. فالحيلة أن يأتي هذا الذي له الدين إلى من عليه الدين فيقول له: وكلتك بقبض مالي على فلان وبالخصومة فيه ووكلتك أن تجعل ماله عليك قصاصا بمالي عليه وأجزت أمرك في ذلك وما عملت فيه من شيء فيقبل الوكيل ويشهد على الوكالة على هذا الوجه شهودا ثم يشهدهم الوكيل أنه قد جعل الألف درهم التي لفلان عليه قصاصا بالألف التي لموكله على فلان فيصير الألف قصاصا ويتحول ما كان للرجل المتواري على هذا الوكيل للرجل الذي وكله. وهذه الحيلة جائزة لأن الموكل أقام الوكيل مقام نفسه والوكيل يقول: مطالبتي لك بهذا الدين كمطالبة موكلي به فأنا أطالبك بألف وأنت تطالبني به فاجعل الألف الذي تطالبني به عوضا عن الألف الذي أطالبك به ولو كانت الألف لي لحصلت المقاصة إذ لا معنى لقبضك للألف مني أم أدائها إلي وهذا بعينه فيما إذا طالبتك بها لموكلي أنا أستحق عليك أن تدفع إلي الألف وأنت تستحق علي أن أدفع إليك ألفا فنتقاص في الألفين.  [المثال التاسع بعد المائة إثبات الدين على الغائب] [إثبات الدين على الغائب] المثال التاسع بعد المائة: رجل له على رجل مال فغاب الذي عليه المال فأراد الرجل أن يثبت ماله عليه حتى يحكم له الحاكم عليه وهو غائب فليرفعه إلى حاكم يرى الحكم على الغائب فإن كان حكم البلد لا يرى الحكم على الغائب فالحيلة أن يجيء رجل فيضمن لهذا الذي له المال جميع ماله على الرجل الغائب ويسميه وينسبه ولا يذكر مبلغ المال بل يقول: ضمنت له جميع ما صح له في ذمته ويشهد على ذلك ثم يقدمه إلى القاضي فيقر الضامن بالضمان ويقول: لا أعرف له على فلان شيئا. فيسأل القاضي المضمون له: هل لك بينة فيقول: نعم فيأمره بإقامتها فإذا شهدت ثبت الحق على الغائب وحكم على الضمين بالمال ويجعله خصما عن الغائب لأنه قد ضمن ما عليه ولا ينفذ حكمه على الضامن بثبوت المال على وجه الضمان حتى يحكم على الغائب المضمون عنه بالثبوت لأنه هو الأصل والضامن فرعه وثبوت الفرع بدون أصله ممتنع وهو جائز على أصل أهل العراق حيث يجوزون الحكم على الغائب إذا اتصل القضاء بحاضر محكوم عليه كوكيل الغائب وكما لو ادعى أنه اشترى من غائب ما فيه شفعة فإنه يقضي عليه بالبيع وبالشفعة على المدعي وكهذه المسألة ما لو ادعت زوجة غائب أن له عند فلان وديعة فإنه يفرض لها مما في يديه.(4\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "940",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "942",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[المثال العاشر بعد المائة انتفاع المرتهن بالرهن] انتفاع المرتهن بالرهن] المثال العاشر بعد المائة: ليس للمرتهن أن ينتفع بالرهن إلا بإذن الراهن فإن أذن له كان إباحة أو عارية له الرجوع فيها متى شاء ويقضي له بالأجرة من حين الرجوع في أحد الوجهين فالحيلة في انتفاع المرتهن بالرهن آمنا من الرجوع ومن الأجرة أن يستأجره منه للمدة التي يريد الانتفاع به فيها ثم يبرئه من الأجرة أو يقر بقبضها ويجوز أن يرد عقد الإجارة على عقد الرهن ولا يبطله كما يجوز أن يرهنه ما استأجره فيرد كل من العقدين على الآخر وهو في يده أمانة في الموضعين وحقه متعلق به فيهما إلا أن الانتفاع بالمرهون مع الإجارة والرهن بحاله.  [المثال الحادي عشر بعد المائة استيثاق كل من الراهن والدائن بماله] [استيثاق كل من الراهن والدائن بماله] المثال الحادي عشر بعد المائة: إذا كان له على رجل مال وبالمال رهن فادعى صاحب الرهن به عند الحاكم فخاف المرتهن أن يقر بالرهن فيقول الراهن: قد أقررت بأن لي رهنا في يدك وادعيت الدين فينزعه من يده ولا يقر له بالدين فقد ذكروا له حيلة تحرز حقه وهي أن لا يقر به حتى يقر له صاحبه بالدين فإن ادعاه وسأل إحلافه أنكر وحلف وعرض في يمينه بأن ينوي أن هذا ليس له قبل ملكه أو إذا باعه أو ليس له عاريا عن تعلق الحق به ونحو ذلك. وأحسن من هذه الحيلة أن يفصل في جواب الدعوى فيقول: إن ادعيته رهنا في يدي على ألف لي عليك فأنا مقر به وإن ادعيته على غير هذا الوجه فلا أقر لك وينفعه هذا الجواب كما قالوا فيما إذا ادعى عليه ألفا فقال: إن ادعيتها من ثمن مبيع لم أقبضه منك فأنا مقر وإلا فلا وهذا مثله سواء. فإن كان الغريم هو المدعي للمال فخاف الراهن أن يقر بالمال فيجحد المرتهن الرهن فيلزم الراهن المال ويذهب رهنه فالحيلة في أمنه من ذلك أن يقول: إن ادعيت هذا المال وأنك تستحقه من غير رهن لي عندك فلا أقر به وإن ادعيته مع كوني رهنتك به كذا وكذا فأنا مقر به ولا يزيد على هذا. وقالت الحنفية: الحيلة أن يقر منه بدرهم فيقول: لك علي درهم ولي عندك رهن كذا وكذا فإذا سأل الحاكم المدعي عن الرهن فإما أن يقر به وإما أن ينكر فإن أقر به فليقر له خصمه بباقي دينه وإن أنكره وحلف عليه وسع الآخر أن يجحد باقي الدين ويحلف عليه إن كان الرهن بقدر الدين أو أكثر منه وإن كان أقل منه لزمه أن يعطيه ما زاد(4\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "941",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "943",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على قيمة الرهن من حقه قالوا: لأن الرهن إن كان قد تلف بغير تفريطه سقط ما يقابله من الدين وإن كان قد فرط فيه صارت قيمته دينا عليه فيكون قصاصا بالدين الذي له. وهذا بناء على أصلين لهم: أحدهما: أن الرهن مضمون على المرتهن بأقل الأمرين من قيمته أو قدر الدين والثاني: جواز الاستيفاء في مسألة الظفر.  [المثال الثاني عشر بعد المائة حيلة في إبرار زوج وزوجة] [حيلة في إبرار زوج وزوجة] المثال الثاني عشر بعد المائة: إذا قال لامرأته quot; إن لم أطأك الليلة فأنت طالق ثلاثا quot; فقالت quot; إن وطئتني الليلة فأمتي حرة quot; فالمخلص من ذلك أن تبيعه الجارية فإذا وطئها بعد ذلك لم تعتق  لأنها خرجت من ملكها ثم تستردها. فإن خافت أن يطأ الجارية على قول من لا يرى على الرجل استبراء الأمة التي يشتريها من امرأته كما ذهب إليه بعض الشافعية والمالكية. فالحيلة أن تشتريها منه عقيب الوطء فإن خافت أن لا يرد إليها الجارية ويقيم على ملكها فلا تصل إليها فالحيلة لها أن تشترط عليه أنه إن لم يرد الجارية إليها عقيب الوطء فهي حرة. فإن خافت أن يملكها لغيره تلجئة فلا يصح تعليق عتقها فالحيلة لها أن تشترط عليه أنه إن لم يردها إليها عقيب الوطء فهي طالق فهنا تضيق عليه الحيلة في استدامة ملكها ولم يجد بدا من مفارقة إحداهما.  [المثال الثالث عشر بعد المائة حيلة في المخالفة على نفقتها وسكناها قبل وجوبهما] [حيلة في المخالفة على نفقتها وسكناها قبل وجوبهما] المثال الثالث عشر بعد المائة: إذا أراد الرجل أن يخالع امرأته الحامل على سكناها ونفقتها جاز ذلك وبرئ منهما هذا منصوص أحمد وقال الشافعي: لا يصح الخلع ويجب مهر المثل واحتج له بأن النفقة لم تجب بعد فإنها إنما تجب بعد الإبانة وقد خالعها بمعدوم فلا يصح كما لو خالعها على عوض شيء يتلفه عليها وهذا اختيار أبي بكر عبد العزيز وقال أصحاب أبي حنيفة: إذا خالعها على أن لا سكنى لها ولا نفقة فلا نفقة لها وتستحق عليه السكنى قالوا: لأن النفقة حق لها وقد أسقطته والسكنى حق الشارع فلا تسقط بإسقاطها فيلزم إسكانها. قالوا: فالحيلة على سقوط الأجرة عنه أن يشترط الزوج في الخلع أن لا يكون عليه مؤنة السكنى وأن مؤنتها تلزم المرأة في مالها وتجب أجرة المسكن عليها. فإن قيل: لو أبرأت المرأة زوجها عن النفقة قبل أن تصير دينا في ذمته لم تصح ولو شرط في عقد الخلع براءة الزوج عن النفقة صح.(4\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "942",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "944",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل: الفرق بينهما أن الإبراء إذا شرط في الخلع كان إبراء بعوض فالإبراء بعوض استيفاء لما وقعت البراءة عنه لأن العوض قائم مقام ما وقعت البراءة عنه والاستيفاء يجوز قبل الوجوب بدليل ما لو تسلفت نفقة شهر جملة وأما الإبراء من النفقة في غير خلع قبل ثبوتها فهو إسقاط لما لم يجب فلا يسقط كما لو أسقطت حقها من القسم فإن لها أن ترجع فيه متى شاءت وأما قول صاحب المحرر quot; وقيل: إن أوجبنا نفقة الزوجة بالعقد صح وإلا فهو خلع بمعدوم وقد بينا حكمه quot; يعني إن قلنا: إن نفقة الحامل نفقة زوجة وإن النفقة لها من أجل الحمل وإنها تجب بالعقد فيكون خلعا بشيء ثابت وإن قلنا: إن النفقة إنما تجب بالتمكين فقد زال التمكين بالخلع وصارت النفقة نفقة قريب فالخلع بنفقة الزوجة حينئذ خلع بمعدوم هذا أقرب ما يتوجه به كلامه وفيه ما فيه والله أعلم.  [المثال الرابع عشر بعد المائة حيلة في التحليل من الطلاق بعد الثلاث] [للتحليل بعد الطلاق الثلاث] المثال الرابع عشر بعد المائة: إذا وقع الطلاق الثلاث بالمرأة وكان دينها ودين وليها وزوجها المطلق أعز عليهم من التعرض للعنة الله ومقته بالتحليل الذي لا يحلها ولا يطيبها بل يزيدها خبثا فلو أنها أخرجت من مالها ثمن مملوك فوهبته لبعض من تثق به فاشترى به مملوكا ثم خطبها على مملوكه فزوجها منه فدخل بها المملوك ثم وهبها إياه انفسخ النكاح ولم يكن هناك تحليل مشروط ولا منوي ممن تؤثر نيته وشرطه وهو الزوج فإنه لا أثر لنية الزوجة ولا الولي وإنما التأثير لنية الزوج الثاني فإنه إذا نوى التحليل كان محللا فيستحق اللعنة ثم يستحقها الزوج المطلق إذا رجعت إليه بهذا النكاح الباطل فأما إذا لم يعلم الزوج الثاني ولا الأول بما في قلب المرأة أو وليها من نية التحليل لم يضر ذلك العقد شيئا. وقد علم النبي - صلى الله عليه وسلم - من امرأة رفاعة أنها كانت تريد أن ترجع إليه ولم يجعل ذلك مانعا من رجوعها إليه وإنما جعل المانع عدم وطء الثاني فقال: حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك . وقد صرح أصحابنا بأن ذلك يحلها فقال صاحب المغني فيه: فإن تزوجها مملوك ووطئها أحلها وبذلك قال عطاء ومالك والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم لهم مخالفا. قلت: هذه الصورة غير الصورة التي منع منها الإمام أحمد فإنه منع من حلها إذا كان الزوج المطلق قد اشترى العبد وزوجه بها بإذن وليها ليحلها فهذه حيلة لا تجوز عنده وأما هذه المسألة فليس للزوج الأول ولا للثاني فيها نية ومع هذا فيكره لأنها نوع حيلة.(4\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "943",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "945",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[المثال الخامس عشر بعد المائة الإبرار من حلف بالطلاق] الإبرار من حلف بالطلاق] المثال الخامس عشر بعد المائة: قال عبد الله بن أحمد في مسائله: سألت أبي عن رجل قال لامرأته: أنت طالق إن لم أجامعك اليوم وأنت طالق إن اغتسلت منك اليوم فقال: يصلي العصر ثم يجامعها فإذا غابت الشمس اغتسل إن لم يكن أراد بقوله quot; اغتسلت quot; المجامعة. ونظير هذا أيضا ما نص عليه في رجل قال لامرأته: أنت طالق إن لم أطأك في رمضان فسافر مسيرة أربعة أيام أو ثلاثة ثم وطئها فقال: لا يعجبني لأنها حيلة ولا يعجبني الحيلة في هذا ولا في غيره. وقال القاضي: إنما كره الإمام أحمد هذا لأن السفر الذي يبيح الفطر لا بد أن يكون سفرا مقصودا مباحا وهذا لا يقصد به غير حل اليمين. قال الشيخ أبو محمد المقدسي: والصحيح أن هذا تنحل به اليمين ويباح له الفطر فيه لأنه سفر بعيد مباح لقصد صحيح وإرادة حل يمينه من المقاصد الصحيحة. وقد أبحنا لمن له طريقان قصيرة لا يقصر فيها وبعيدة أن يسلك البعيدة ليقصر فيها الصلاة ويفطر مع أنه لا قصد له سوى الترخص فهاهنا أولى. قلت: ويؤيد اختيار الشيخ قدس الله روحه ما رواه الخطيب في كتاب الفقيه والمتفقه أنبأ الأزهري أنبأ سهيل بن أحمد ثنا محمد بن محمد الأشعث الكوفي حدثني موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - صلوات الله عليهم - ثنا أبي عن أبيه عن جده جعفر بن محمد عن أبيه علي - عليه السلام - في رجل حلف فقال: امرأته طالق ثلاثا إن لم يطأها في شهر رمضان نهارا قال: يسافر ثم يجامعها نهارا.  [المثال السادس عشر بعد المائة المخارج من التحليل في الطلاق] [المخارج من التحليل في الطلاق] المثال السادس عشر بعد المائة: في المخارج من الوقوع في التحليل الذي لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير وجه فاعله والمطلق المحلل له فأي قول من أقوال المسلمين خرج به من لعنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أعذر عند الله ورسوله وملائكته وعباده المؤمنين من ارتكابه لما يلعن عليه ومباءته باللعنة فإن هذه المخارج التي نذكرها دائرة بين ما دل عليه الكتاب والسنة أو أحدهما أو أفتى به الصحابة بحيث لا يعرف عنهم فيه خلاف أو أفتى به بعضهم أو هو خارج عن أقوالهم أو هو قول جمهور الأمة أو بعضهم أو إمام من الأئمة الأربعة أو أتباعهم أو غيرهم من علماء الإسلام ولا تخرج هذه القاعدة التي نذكرها عن(4\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "944",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "946",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك فلا يكاد يوصل إلى التحليل بعد مجاوزة جميعها إلا في أندر النادر ولا ريب أن من نصح لله ورسوله وكتابه ودينه ونصح نفسه ونصح عباده أن أيا منها ارتكب فهو أولى من التحليل. [الأول: أن يكون زائل العقل] المخرج الأول: أن يكون المطلق أو الحالف زائل العقل إما بجنون أو إغماء أو شرب دواء أو شرب مسكر يعذر به أو لا يعذر أو وسوسة وهذا المخلص مجمع عليه بين الأمة إلا في شرب مسكر لا يعذر به فإن المتأخرين من الفقهاء اختلفوا فيه والثابت عن الصحابة الذي لا يعلم فيه خلاف بينهم أنه لا يقع طلاقه. [طلاق السكران والمكره] قال البخاري في صحيحه: باب الطلاق في الإغلاق والمكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشك لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - الأعمال بالنية ولكل امرئ ما نوى وتلا الشعبي ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا [البقرة: 286] وما لا يجوز من إقرار الموسوس  وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي أقر على نفسه: أبك جنون وقال علي: بقر حمزة خواصر شارفي فطفق النبي - صلى الله عليه وسلم - يلوم حمزة فإذا حمزة قد ثمل محمرة عيناه ثم قال حمزة: هل أنتم إلا عبيد لآبائي فعرف النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قد ثمل فخرج وخرجنا معه . قال عثمان: ليس لمجنون ولا لسكران طلاق. وقال ابن عباس: طلاق السكران والمستكره ليس بجائز. وقال عقبة بن عامر: لا يجوز طلاق الموسوس هذا لفظ الترجمة ثم ساق بقية الباب ولا يعرف عن رجل من الصحابة أنه خالف عثمان وابن عباس في ذلك ولذلك رجع الإمام أحمد إلى هذا القول بعد أن كان يفتي بنفوذ طلاقه. فقال أبو بكر عبد العزيز في كتاب الشافي والزاد: قال أبو عبد الله في رواية الميموني: قد كنت أقول بأن طلاق السكران يجوز حتى تبينته فغلب علي أنه لا يجوز طلاقه لأنه لو أقر لم يلزمه ولو باع لم يجز بيعه. قال: وألزمه الجناية وما كان من غير ذلك فلا يلزمه قال أبو بكر: وبهذا أقول وفي مسائل الميموني: سألت أبا عبد الله عن طلاق السكران فقال: أكثر ما عندي فيه أنه لا(4\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "945",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "947",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يلزمه الطلاق قلت: أليس كنت مرة تخاف أن يلزمه قال: بلى ولكن أكثر ما عندي فيه أنه لا يلزمه الطلاق لأني رأيته ممن لا يعقل قلت: السكر شيء أدخله على نفسه فلذلك يلزمه قال: قد يشرب رجل البنج أو الدواء فيذهب عقله قلت: فبيعه وشراؤه وإقراره قال: لا يجوز وقال في رواية أبي الحارث: أرفع شيء فيه حديث الزهري عن أبان بن عثمان عن عثمان quot; ليس لمجنون ولا سكران طلاق quot;. وقال في رواية أبي طالب: والذي لا يأمر بالطلاق فإنما أتى خصلة واحدة والذي يأمر بالطلاق قد أتى خصلتين حرمها عليه وأحلها لغيره فهذا خير من هذا وأنا اتقي جميعها. وممن ذهب إلى القول بعدم نفوذ طلاق السكران من الحنفية أبو جعفر الطحاوي وأبو الحسن الكرخي وحكاه صاحب النهاية عن أبي يوسف وزفر. ومن الشافعية المزني وابن سريج وجماعة ممن اتبعهما. وهو الذي اختاره الجويني في النهاية والشافعي نص على وقوع طلاقه ونص في أحد قوليه على أنه لا يصح ظهاره فمن أتباعه من نقل عن الظهار قولا إلى الطلاق وجعل المسألة على قولين ومنهم من قرر حكم النصين ولم يفرق بطائل. والصحيح أنه لا عبرة بأقواله من طلاق ولا عتاق ولا بيع ولا هبة ولا وقف ولا إسلام ولا ردة ولا إقرار لبضعة عشر دليلا ليس هذا موضع ذكرها ويكفي منها قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون [النساء: 43] وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - باستنكاه ماعز لما أقر بالزنا بين يديه وعدم أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - حمزة بتجديد إسلامه لما قال في سكره quot; أنتم عبيد لآبائي quot; وفتوى عثمان وابن عباس ولم يخالفهما أحد من الصحابة والقياس الصحيح المحض على زائل العقل بدواء أو بنج أو مسكر هو فيه معذور بمقتضى قواعد الشريعة فإن السكران لا قصد له فهو أولى بعدم المؤاخذة من اللاغي ومن جرى اللفظ على لسانه من غير قصد له وقد صرح أصحاب أبي حنيفة بأنه لا يقع طلاق الموسوس وقالوا: لا يقع طلاق المعتوه وهو من كان قليل الفهم مختلط الكلام فاسد التدبير إلا أنه لا يضرب ولا يشتم كما يفعل المجنون.(4\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "946",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "948",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: [المخرج الثاني ويشتمل على القول في طلاق الغضبان] المخرج الثاني: أن يطلق أو يحلف في حال غضب شديد قد حال بينه وبين كمال قصده وتصوره فهذا لا يقع طلاقه ولا عتقه ولا وقفه ولو بدرت منه كلمة الكفر في هذا الحال لم يكفر وهذا نوع من الغلق والإغلاق الذي منع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقوع الطلاق والعتاق فيه نص على ذلك الإمام أحمد وغيره. قال أبو بكر بن عبد العزيز في كتاب زاد المسافر له: باب في الإغلاق في الطلاق قال أحمد في رواية حنبل: وحديث عائشة - رضي الله عنها - أنها سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول لا طلاق ولا عتاق في إغلاق يعني الغضب وبذلك فسره أبو داود في سننه عقب ذكره الحديث فقال: والإغلاق أظنه الغضب. وقسم شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه الغضب إلى ثلاثة أقسام: قسم يزيل العقل كالسكر فهذا لا يقع معه طلاق بلا ريب. وقسم يكون في مبادئه بحيث لا يمنعه من تصور ما يقول وقصده فهذا يقع معه الطلاق. وقسم يشتد بصاحبه ولا يبلغ به زوال عقله بل يمنعه من التثبت والتروي ويخرجه عن حال اعتداله فهذا محل اجتهاد. والتحقيق أن الغلق يتناول كل من انغلق عليه طريق قصده وتصوره كالسكران والمجنون والمبرسم والمكره والغضبان فحال هؤلاء كلهم حال إغلاق والطلاق إنما يكون عن وطر فيكون عن قصد المطلق وتصور لما يقصده فإن تخلف أحدهما لم يقع طلاق وقد نص مالك والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه فيمن قال لامرأته quot;: أنت طالق ثلاثا quot; ثم قال: أردت أن أقول إن كلمت فلانا أو خرجت من بيتي بغير إذني ثم بدا لي فتركت اليمين ولم أرد التنجيز في الحال إنه لا تطلق عليه وهذا هو الفقه بعينه لأنه لم يرد التنجيز ولم يتم اليمين. وكذلك لو أراد أن يقول quot; أنت طاهر quot; فسبق لسانه فقال quot; أنت طالق quot; لم يقع طلاقه لا في الحكم الظاهر ولا فيما بينه وبين الله تعالى نص عليه الإمام أحمد في إحدى الروايتين والثانية لا يقع فيما بينه وبين الله ويقع في الحكم وهذا إحدى الروايتين عن أبي يوسف وقال ابن أبي شيبة: ثنا محمد بن مروان عن عمارة سئل جابر بن زيد عن رجل غلط بطلاق امرأته فقال: ليس على المؤمن غلط ثنا وكيع عن إسرائيل عن عامر في رجل أراد أن يتكلم في شيء فغلط فقال الشعبي: ليس بشيء.(4\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "947",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "949",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: [المخرج الثالث ويشتمل على القول في طلاق المكره] المخرج الثالث: أن يكون مكرها على الطلاق أو الحلف به عند جمهور الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو قول أحمد ومالك والشافعي وجميع أصحابهم على اختلاف بينهم في حقيقة الإكراه وشروطه قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب: يمين المستكره إذا ضرب. ابن عمر وابن الزبير لم يرياه شيئا وقال في رواية أبي الحارث: إذا طلق المكره لم يلزمه الطلاق فإذا فعل به كما فعل بثابت بن الأحنف فهو مكره لأن ثابتا عصروا رجله حتى طلق فأتى ابن عمر وابن الزبير فلم يريا ذلك شيئا وكذا قال الله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان [النحل: 106] وقال الشافعي: قال عز وجل: إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان [النحل: 106] وللكفر أحكام فلما وضعها الله تعالى عنه سقطت أحكام الإكراه عن القول كله لأن الأعظم إذا سقط عن الناس سقط ما هو أصغر منه. وفي سنن ابن ماجه وسنن البيهقي من حديث بشر بن بكر عن الأوزاعي عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إن الله وضع عن أمتي وقال البيهقي تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله: - صلى الله عليه وسلم - إن الله تجاوز لأمتي ما توسوس به صدورها ما لم تعمل به أو تتكلم به . زاد ابن ماجه: وما استكرهوا عليه . وقال الشافعي: روى حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن عليا كرم الله وجهه قال: لا طلاق لمكره وذكر الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير وابن عباس: لم يجز طلاق المكره وذكر أبو عبيد عن علي وابن عباس وابن عمر وابن الزبير وعطاء وعبد الله بن عمير أنهم كانوا يرون طلاقه غير جائز. وقال ابن أبي شيبة: ثنا عبد الله بن أبي طلحة عن أبي يزيد المديني عن ابن عباس قال: ليس على المكروه ولا المضطهد طلاق. وحدثنا أبو معاوية عن عبد الله بن عمير عن ثابت مولى أهل المدينة عن ابن عمر وابن الزبير كانا لا يريان طلاق المكره شيئا ثنا وكيع عن الأوزاعي عن رجل عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه لم يره شيئا. قلت: قد اختلف على عمر فقال إسماعيل بن أبي أويس: حدثني عبد الملك بن قدامة بن إبراهيم الجمحي عن أبيه أن رجلا تدلى يشتار عسلا في زمن عمر - رضي الله عنه - فجاءته امرأته فوقفت على الحبل فحلفت لتقطعنه أو لتطلقني ثلاثا فذكرها الله والإسلام فأبت إلا ذلك فطلقها ثلاثا. فلما ظهر أتى عمر فذكر له ما كان منها إليه ومنه إليها فقال: ارجع إلى أهلك فليس هذا بطلاق تابعه عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الملك(4\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "948",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "950",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو المشهور عن عمر وقال أبو عبيد: حدثني يزيد عن عبد الملك بن قدامة عن أبيه عن عمر بهذا ولكنه قال: فرفع إلى عمر فأبانها منه. قال أبو عبيد: وقد روي عن عمر خلافه ولم يصح عن أحد من الصحابة تنفيذ طلاق المكره سوى هذا الأثر عن عمر وقد اختلف فيه عنه والمشهور أنه ردها إليه ولو صح إبانتها منه لم يكن صريحا في الوقوع بل لعله رأى من المصلحة التفريق بينهما وأنهما لا يتصافيان بعد ذلك فألزمه بإبانتها. ولكن الشعبي وشريحا وإبراهيم يجيزون طلاق المكره حتى قال إبراهيم: لو وضع السيف على مفرقه ثم طلق لأجزت طلاقه. وفي المسألة مذهب ثالث: قال ابن شيبة: ثنا ابن إدريس عن حصين عن الشعبي في الرجل يكره على أمر من أمر العتاق أو الطلاق فقال: إذا أكرهه السلطان جاز وإذا أكرهه اللصوص لم يجز ولهذا القول غور وفقه دقيق لمن تأمله. فصل: واختلفوا في المكره يظن أن الطلاق يقع به فينويه هل يلزمه على قولين وهما وجهان للشافعية فمن ألزمه رأى أن النية قد قارنت اللفظ وهو لم يكره على النية فقد أتى بالطلاق المنوي اختيارا فلزمه ومن لم يلزمه به رأى أن لفظ المكره لغو لا عبرة به فلم يبق إلا مجرد النية وهي لا تستقل بوقوع الطلاق. فصل: واختلف في ما لو أمكنه التورية فلم يور والصحيح أنه لا يقع به الطلاق وإن تركها فإن الله تعالى لم يوجب التورية على من أكره على كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان مع أن التورية هناك أولى ولكن المكره إنما لم يعتبر لفظه لأنه غير قاصد لمعناه ولا مريد لموجبه وإنما تكلم به فداء لنفسه من ضرر الإكراه فصار تكلمه باللفظ لغوا بمنزلة كلام المجنون والنائم ومن لا قصد له سواء ورى أو لم يور. وأيضا فاشتراط التورية إبطال لرخصة التكلم مع الإكراه ورجوع إلى القول بنفوذ طلاق المكره فإنه لو ورى بغير إكراه لم يقع طلاقه والتأثير إذا إنما هو للتورية لا للإكراه وهذا باطل وأيضا فإن الموري إنما لم يقع طلاقه مع قصده للتكلم باللفظ لأنه لم يقصد مدلوله وهذا المعنى بعينه ثابت في الإكراه فالمعنى الذي منع من النفوذ في التورية هو الذي منع النفوذ في الإكراه.(4\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "949",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "951",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل حكم الاستثناء في الطلاق] فصل: [المخرج الرابع ويشتمل على حكم الاستثناء في الطلاق] المخرج الرابع: أن يستثني في يمينه أو طلاقه وهذا موضع اختلف فيه الفقهاء فقال الشافعي وأبو حنيفة: يصح الاستثناء في الإيقاع والحلف فإذا قال: quot; أنت طالق إن شاء الله quot; أو quot; أنت حرة إن شاء الله quot; أو quot; إن كلمت فلانا فأنت طالق إن شاء الله quot; أو quot; الطلاق يلزمني لأفعلن كذا إن شاء الله quot; أو quot; أنت علي حرام أو الحرام يلزمني إن شاء الله quot; نفعه الاستثناء ولم يقع به طلاق في ذلك كله. ثم اختلفا في الموضع [الذي] يعتبر فيه الاستثناء فاشترط أصحاب أبي حنيفة اتصاله بالكلام فقط سواء نواه من أوله أو قبل الفراغ من كلامه أو بعده. وقال أصحاب الشافعي: إن عقد اليمين ثم عن له الاستثناء لم يصح وإن عن له الاستثناء في أثناء اليمين فوجهان أحدهما: يصح والثاني لا يصح وإن نوى الاستثناء مع عقد اليمين صح وجها واحدا وقد ثبت بالسنة الصحيحة أن سليمان بن داود - عليهما الصلاة والسلام - قال: لأطوفن الليلة على كذا وكذا امرأة تحمل كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله فقال له الملك الموكل به: قل إن شاء الله فلم يقل فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - والذي نفسي بيده لو قالها لقاتلوا في سبيل الله فرسانا أجمعون  وهذا صريح في نفع الاستثناء المقصود بعد عقد اليمين. وثبت في السنن عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا ثم سكت قليلا ثم قال: إن شاء الله ثم لم يغزهم رواه أبو داود. وفي جامع الترمذي من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه  وقد قال تعالى: ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا - إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت [الكهف: 23 - 24] فهذه النصوص الصحيحة لم يشترط في شيء منها [ألبتة] في صحة الاستثناء ونفعه أن ينويه مع الشروع في اليمين ولا قبلها بل حديث سليمان صريح في خلافه وكذلك حديث quot; لأغزون قريشا quot; وحديث ابن عمر متناول لكل من قال إن شاء الله بعد يمينه سواء نوى الاستثناء قبل الفراغ أو لم ينوه والآية دالة على نفع الاستثناء مع النسيان أظهر دلالة. ومن شرط النية قبل الفراغ لم يكن لذكر الاستثناء بعد النسيان عنده تأثير وأيضا فالكلام بآخره وهو كلام واحد متصل بعضه ببعض ولا معنى لاشتراط النية في أجزائه وأبعاضه وأيضا فإن الرجل قد يستحضر بعد فراغه من الجملة ما يرفع بعضها ولا يذكر ذلك في حال تكلمه بها فيقول: لزيد عندي ألف درهم ثم في الحال يذكر أنه قضاه منها مائة فيقول: إلا مائة فلو اشترط نية الاستثناء قبل الفراغ لتعذر(4\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "950",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "952",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه استدراك ذلك وألجئ إلى الإقرار بما لا يلزمه والكذب فيه. وإذا كان هذا في الإخبار فمثله في الإنشاء سواء فإن الحالف قد يبدو له فيعلق اليمين بمشيئة الله وقد يذهل في أول كلامه عن قصد الاستثناء أو يشغله شاغل عن نيته فلو لم ينفعه الاستثناء حتى يكون ناويا له من أول يمينه لفات مقصود الاستثناء وحصل الحرج الذي رفعه الله تعالى عن الأمة به ولما قال لرسوله إذا نسيه واذكر ربك إذا نسيت [الكهف: 24] وهذا متناول لذكره إذا نسي الاستثناء قطعا فإنه سبب النزول ولا يجوز إخراجه وتخصيصه لأنه مراد قطعا وأيضا فإن صاحب هذا القول إن طرده لزمه ألا يصح مخصص من صفة أو بدل أو غاية أو استثناء بإلا ونحوها حتى ينويه المتكلم من أول كلامه فإذا قال quot;: له علي ألف مؤجلة إلى سنة quot; هل يقول عالم: إنه لا يصح وصفها بالتأجيل حتى يكون منويا من أول الكلام . وكذلك إذا قال quot; بعتك هذا بعشرة quot; فقال quot; اشتريته على أن لي الخيار ثلاثة أيام quot; يصح هذا الشرط وإن لم ينوه من أول كلامه بل عن له الاشتراط عقيب القبول. ومثله لو قال quot;: وقفت داري على أولادي أو غيرهم بشرط كونهم فقراء مسلمين أو متأهلين وعلى أنه من مات منهم فنصيبه لولده أو للباقين quot; صح ذلك وإن عن له ذكر هذه الشروط بعد تلفظه بالوقف. ولم يقل أحد: لا تقبل منه هذه الشروط إلا أن يكون قد نواها قبل الوقف أو معه ولم يقع في زمن من الأزمنة قط سؤال الواقفين عن ذلك وكذلك لو قال quot; له علي مائة درهم إلا عشرة quot; فإنه يصح الاستثناء وينفعه ولا يقول له الحاكم: إن كنت نويت الاستثناء من أول كلامك لزمك تسعون وإن كنت إنما نويته بعد الفراغ لزمك مائة ولو اختلف الحال لبين له الحاكم ذلك ولساغ له أن يسأله بل يحلفه أنه نوى ذلك قبل الفراغ إذا طلب المقر له ذلك وكذلك لو ادعى عليه أنه باعه أرضا فقال: نعم بعته هذه الأرض إلا هذه البقعة لم يقل أحد: إنه قد أقر بيع الأرض جميعها إلا أن يكون قد نوى استثناء البقعة في أول كلامه وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مكة: إنه لا يختلى خلاها فقال له العباس: إلا الإذخر فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: إلا الإذخر وقال في أسرى بدر: لا ينفلت أحد منهم إلا بفداء أو ضربة عنق فقال له ابن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء فقال: إلا سهيل بن بيضاء. ومعلوم أنه لم ينو واحدا من هذين الاستثناءين في أول كلامه بل استثناه لما ذكر به كما أخبر عن سليمان بن داود صلى الله عليهما أنه لو أنشأه بعد أن ذكره به الملك نفعه ذلك.(4\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "951",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "953",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وشبهة من اشترط ذلك أنه إذا لم ينو الاستثناء من أول كلامه فقد لزمه موجب كلامه فلا يقبل منع رفعه ولا رفع بعضه بعد لزومه وهذه الشبهة لو صحت لما نفع الاستثناء في طلاق ولا عتاق ولا إقرار ألبتة نواه أو لم ينوه لأنه إذا لزمه موجب كلامه لم يقبل منه رفعه ولا رفع بعضه بالاستثناء وقد طرد هذا بعض الفقهاء فقالوا: لا يصح الاستثناء في الطلاق توهما لصحة هذه الشبهة. وجوابها: أنه إنما يلزمه موجب كلامه إذا اقتصر عليه فأما إذا وصله بالاستثناء أو الشرط ولم يقتصر على ما دونه فإن موجب كلامه ما دل عليه سياقه وتمامه من تقييد باستثناء أو صفة أو شرط أو بدل أو غاية فتكليفه نية ذلك التقييد من أول الكلام وإلغاؤه إن لم ينوه أولا تكليف ما لا يكلفه الله به ولا رسوله ولا يتوقف صحة الكلام عليه وبالله التوفيق.  [فصل هل يصح الاستثناء في وقوع الطلاق والعتاق] فصل: وقال مالك: لا يصح الاستثناء في إيقاعهما ولا الحلف بهما ولا الظهار ولا الحلف به ولا النذر ولا في شيء من الأيمان إلا في اليمين بالله تعالى وحده وأما الإمام أحمد فقال أبو القاسم الخرقي: وإذا استثنى في العتاق والطلاق فأكثر الروايات عن أبي عبد الله أنه توقف عن الجواب وقد قطع في مواضع أخر أنه لا ينفعه الاستثناء فقال في رواية ابن منصور: من حلف فقال quot; إن شاء الله quot; لم يحنث وليس له استثناء في الطلاق والعتاق وقال في رواية أبي طالب إذا قال quot;: أنت طالق إن شاء الله quot; لم تطلق وقال في رواية الحارث: إذا قال لامرأته quot; أنت طالق إن شاء الله quot;: الاستثناء إنما يكون في الأيمان. قال الحسن وقتادة وسعيد بن المسيب: ليس له ثنيا في الطلاق. وقال قتادة: وقوله: quot; إن شاء الله quot; قد شاء الله الطلاق حين أذن فيه وقال في رواية حنبل: من حلف فقال quot; إن شاء الله quot; لم يحنث وليس له استثناء في الطلاق والعتاق. قال حنبل: لأنهما ليسا من الأيمان وقال صاحب المغني وغيره: وعنه ما يدل على أن الطلاق لا يقع وكذلك العتاق فعلى هذا يكون عنه في المسألة ثلاث روايات: الوقوع وعدمه والتوقف فيه وقد قال في رواية الميموني: إذا قال لامرأة quot; أنت طالق يوم أتزوج بك إن شاء الله quot; ثم تزوجها لم يلزمه شيء. ولو قال لأمة quot; أنت حرة يوم أشتريك إن شاء الله quot; صارت حرة فلعل أبا حامد الإسفراييني وغيره ممن حكى عن أحمد الفرق بين quot; أنت طالق إن شاء الله quot; فلا تطلق quot; وأنت حرة إن شاء الله quot; فتعتق استند إلى هذا النص وهذا من غلطه على أحمد بل(4\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "952",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "954",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا تفريق منه بين صحة تعليق العتق على الملك وعدم صحة تعليق الطلاق على النكاح وهذا قاعدة مذهبه والفرق عنده أن الملك قد شرع سببا لحصول العتق كملك ذي الرحم المحرم وقد يعقد البيع سببا لحصول العتق اختيارا كشراء من يريد عتقه في كفارة أو قربة أو فداء كشراء قريبه ولم يشرع الله النكاح سببا لإزالته ألبتة فهذا فقهه وفرقه فقد أطلق القول بأنه لا ينفع الاستثناء في إيقاع الطلاق والعتاق وتوقف في أكثر الروايات عنه فتخرج المسألة على وجهين صرح بهما الأصحاب وذكروا وجها ثالثا وهو أنه إن قصد التعليق وجهل استحالة العلم بالمشيئة لم تطلق وإن قصد التبرك أو التأدب طلقت وقيل عن أحمد: يقع العتق دون الطلاق ولا يصح هذا التفريق عنه بل هو خطأ عليه. قال شيخنا: وقد روي في الفرق حديث موضوع على معاذ بن جبل يرفعه: فلو علق الطلاق على فعل يقصد به الحض أو المنع كقوله quot; أنت طالق إن كلمت فلانا إن شاء الله quot; فروايتان منصوصتان عن الإمام أحمد: إحداهما: ينفعه الاستثناء ولا تطلق إن كلمت فلانا وهو قول أبي عبيدة لأنه بهذا التعليق قد صار حالفا وصار تعليقه يمينا باتفاق الفقهاء فصح استثناؤه فيها لعموم النصوص المتناولة للاستثناء في الحلف واليمين. والثانية: لا يصح الاستثناء وهو قول مالك كما تقدم لأن الاستثناء إنما ينفع في الأيمان المكفرة فالتكفير والاستثناء متلازمان ويمين الطلاق والعتاق لا يكفران فلا ينفع فيهما الاستثناء ومن هنا خرج شيخنا على المذهب إجزاء التكفير فيهما لأن أحمد - رضي الله عنه - نص على أن الاستثناء إنما يكون في اليمين المكفرة ونص على أن الاستثناء ينفع في اليمين بالطلاق والعتاق فيخرج من نصه إجزاء الكفارة في اليمين بهما وهذا تخريج في غاية الظهور والصحة ونص أحمد على الوقوع لا يبطل صحة هذا التخريج كسائر نصوصه ونصوص غيره من الأئمة التي يخرج منها على مذهبه خلاف ما نص عليه. وهذا أكثر وأشهر من أن يذكر ومن أصحابه من قال: إن أعاد الاستثناء إلى الفعل نفعه قولا واحدا وإن أعاده إلى الطلاق فعلى روايتين ومنهم من جعل الروايتين على اختلاف حالين فإن أعاده إلى الفعل نفعه وإن أعاده إلى قوله quot; أنت طالق quot; لم ينفعه. وإيضاح ذلك أنه إذا قال: quot; إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله quot; فإنه تارة يريد quot; فأنت طالق إن شاء الله طلاقك quot; وتارة يريد quot; إن شاء الله تعليق اليمين بمشيئة الله quot; أي: إن شاء الله عقد هذه اليمين فهي معقودة فيصير كقوله quot;: والله لأقومن إن شاء الله quot; فإذا قام علمنا أن الله قد شاء القيام وإن لم يقم علمنا أن الله لم يشأ قيامه فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. فلم يوجد الشرط فلم يحنث فينقل هذا بعينه إلى الحلف بالطلاق فإنه إذا قال(4\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "953",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "955",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطلاق يلزمني لأقومن إن شاء الله القيام quot; فلم يقم لم يشأ الله له القيام فلم يوجد الشرط فلم يحنث فهذا الفقه بعينه.  [فصل قال أنت طالق إلا أن يشاء الله] فصل: فإن قال: quot; أنت طالق إلا أن يشاء الله quot; فاختلف الذين يصححون الاستثناء في قوله quot; أنت طالق إن شاء الله quot; هاهنا: هل ينفعه الاستثناء ويمنع وقوع الطلاق أو لا ينفعه على قولين وهما وجهان لأصحاب الشافعي والصحيح عندهم: أنه لا ينفعه الاستثناء ويقع الطلاق والثاني: ينفعه الاستثناء ولا تطلق وهو قول أصحاب أبي حنيفة والذين لم يصححوا الاستثناء احتجوا بأنه أوقع الطلاق وعلق رفعه بمشيئة لم تعلم إذ المعنى قد وقع عليك الطلاق إلا أن يشاء الله رفعه وهذا يقتضي وقوعا منجزا ورفعا معلقا بالشرط والذين صححوا الاستثناء قولهم أفقه فإنه لم يوقع طلاقا منجزا وإنما أوقع طلاقا معلقا على المشيئة. فإن معنى كلامه أنت طالق إن شاء الله طلاقك فإن شاء عدمه لم تطلقي بل لا تطلقين إلا بمشيئته فهو داخل في الاستثناء من قوله إن شاء الله فإنه جعل مشيئة الله لطلاقها شرطا فيه وهاهنا أضاف إلى ذلك جعله عدم مشيئته مانعا من طلاقها. والتحقيق أن كل واحد من الأمرين يستلزم الآخر فقوله: quot; إن شاء الله quot; يدل على الوقوع عند وجود المشيئة صريحا وعلى انتفاء الوقوع عند انتفائها لزوما وقوله quot;: إلا أن يشاء الله quot; يدل على عدم الوقوع عند عدم المشيئة صريحا وعلى الوقوع عندها لزوما فتأمله. فالصورتان سواء كما سوى بينهما أصحاب أبي حنيفة وغيرهم من الشافعية وقولهم quot;: إنه أوقع الطلاق وعلق رفعه بمشيئة لم تعلم quot; فهذا بعينه يحتج به عليهم من قال: إن الاستثناء لا ينفع في الإيقاع بحال فإن صحت هذه الحجة بطل الاستثناء في الإيقاع جملة وإن لم يصح لم يصح الفرق وهو لم يوقعه مطلقا وإنما علقه بالمشيئة نفيا وإثباتا كما قررناه فالطلاق مع الاستثناء ليس بإيقاع. وعلى هذا فإذا قال: quot; إن شاء الله quot; وهو لا يعلم معناها أصلا فهل ينفعه هذا الاستثناء قال أصحاب أبي حنيفة: إذا قال quot; أنت طالق إن شاء الله quot; ولا يدري أي شيء quot; إن شاء الله quot; لا يقع الطلاق قالوا: لأن الطلاق مع الاستثناء ليس بإيقاع فعلمه وجهله سواء قالوا: ولهذا لما كان سكوت البكر رضا استوى فيه العلم والجهل حتى لو زوجها أبوها فسكتت وهي لا تعلم أن السكوت رضا صح النكاح ولم يعتبر جهلها.(4\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "954",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "956",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم قالوا: فلو قال لها quot; أنت طالق quot; فجرى على لسانه من غير قصد quot; إن شاء الله quot; وكان قصده إيقاع الطلاق لم يقع الطلاق لأن الاستثناء قد وجد حقيقة والكلام مع الاستثناء لا يكون إيقاعا وهذا القول في طرف وقول من يشترط نية الاستثناء في أول الكلام أو قبل الفراغ منه في طرف آخر وبينهما أكثر من بعد المشرقين. فلو قال: quot; أنت طالق إن لم يشأ الله أو ما لم يشأ الله quot; فهل يقع الطلاق في الحال أو لا يقع على قولين وهما وجهان في مذهب أحمد فمن أوقعه احتج بأن كلامه تضمن أمرين: محالا وممكنا فالممكن التطليق والمحال وقوعه على هذه الصفة وهو إذا لم يشأ الله فإن ما شاء الله وجب وقوعه فيلغو هذا التقييد المستحيل ويسلم أصل الطلاق فينفذ. الوجه الثاني: لا يقع ولهذا القول مأخذان: أحدهما: أن تعليق الطلاق على الشرط المحال يمنع من وقوعه كما لو قال: quot; أنت طالق إن جمعت بين الضدين quot; أو quot; إن شربت ماء الكوز quot; ولا ماء فيه لعدم وقوع شرطه فهكذا إذا قال: quot; أنت طالق إن لم يشأ الله quot; فهو تعليق للطلاق على شرط مستحيل وهو عدم مشيئة الله فلو طلقت لطلقت بمشيئته وشرط وقوع الطلاق عدم مشيئته. والمأخذ الثاني: - وهو أفقه - أنه استثناء في المعنى وتعليق على المشيئة والمعنى إن لم يشأ الله عدم طلاقك فهو كقوله quot; إلا أن يشأ الله quot; سواء كما تقدم بيانه.  [فصل شبه القائلين بعدم جواز الاستثناء في الطلاق] فصل: [شبه الذين لا يجوزون الاستثناء] قال الموقعون: قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: ثنا خالد بن يزيد بن أسد القسري: ثنا جميع بن عبد الحميد الجعفي عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري وابن عمر قال: كنا معاشر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نرى الاستثناء جائزا في كل شيء إلا في الطلاق والعتاق قالوا: وروى أبو حفص بن شاهين بإسناده عن ابن عباس قال: إذا قال الرجل لامرأته: quot; أنت طالق إن شاء الله quot; فهي طالق وكذلك روي عن أبي بردة قالوا: ولأنه استثناء يرفع جملة الطلاق فلم يصح كقوله quot; أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا quot;. قالوا: ولأنه إنشاء حكم في محل فلم يرتفع بالمشيئة كالبيع والنكاح قالوا: ولأنه إزالة ملك فلم يصح تعليقه على مشيئة الله تعالى كما لو قال: أبرأتك إن شاء الله قالوا: ولأنه تعليق على ما لا سبيل إلى العلم به فلم يمنع وقوع الطلاق كما لو قال: أنت طالق إن شاءت السموات والأرض قالوا: وإن كان لنا سبيل إلى العلم بالشرط صح الطلاق لوجود شرطه. ويكون(4\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "955",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "957",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطلاق حينئذ معلقا على شرط تحقق وجوده بمباشرة الآدمي سببه قال قتادة: قد شاء الله حينئذ أن تطلق قالوا: ولأن الله تعالى وضع لإيقاع الطلاق هذه اللفظة شرعا وقدرا فإذا أتى بها المكلف فقد أتى بما شاءه الله فإنه لا يكون شيء قط إلا بمشيئة الله عز وجل والله شاء الأمور بأسبابها فإذا شاء تكوين شيء وإيجاده شاء سببه فإذا أتى المكلف بسببه فقد أتى به بمشيئة الله ومشيئة السبب مشيئة للمسبب فإنه لو لم يشأ وقوع الطلاق لم يمكن المكلف أن يأتي به فإن ما لم يشأ الله يمتنع وجوده كما أن ما شاءه وجب وجوده. قالوا: وهذا في القول نظير المشيئة في الفعل فلو قال: quot; أنا أفعل كذا إن شاء الله تعالى quot; وهو متلبس بالفعل صح ذلك ومعنى كلامه أن فعلي هذا إنما هو بمشيئة الله كما لو قال حال دخوله الدار quot; أنا أدخلها إن شاء الله quot; أو قال من تخلص من شر: quot; تخلصت إن شاء الله quot; وقد قال يوسف لأبيه وإخوته: ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين [يوسف: 99] في حال دخولهم والمشيئة راجعة إلى الدخول المقيد بصيغة الأمر فالمشيئة متناولة لهما جميعا قالوا: ولو أتى بالشهادتين ثم قال عقيبهما: quot; إن شاء الله quot; أو قال: quot; أنا مسلم إن شاء الله quot; فإن ذلك لا يؤثر في صحة إسلامه شيئا ولا يجعله إسلاما معلقا على شرط. قالوا: ومن المعلوم قطعا أن الله قد شاء تكلمه بالطلاق فقوله بعد ذلك: quot; إن شاء الله quot; تحقيق لما قد علم قطعا أن الله شاءه فهو بمنزلة قوله: quot; أنت طالق إن كان الله أباح الطلاق وأذن فيه quot; ولا فرق بينهما وهذا بخلاف قوله: quot; أنت طالق إن كلمت فلانا quot; فإنه شرط في طلاقها ما يمكن وجوده وعدمه فإذا وجد الشرط وقع ما علق به ووجود الشرط في مسألة المشيئة إنما يعلم بمباشرة العبد سببه فإذا باشره علم أن الله قد شاءه قالوا: وأيضا فالكفارة أقوى من الاستثناء لأنها ترفع حكم اليمين والاستثناء يمنع عقدها والرافع أقوى من المانع وأيضا فإنها تؤثر متصلة ومنفصلة والاستثناء لا يؤثر مع الانفصال ثم الكفارة مع قوتها لا تؤثر في الطلاق والعتاق فأن لا يؤثر فيه الاستثناء أولى وأحرى قالوا: وأيضا فقوله: quot; إن شاء الله quot; إن كان استثناء فهو رافع لجملة المستثنى منه فلا يرتفع وإن كان شرطا فإما أن يكون معناه إن كان الله قد شاء طلاقك أو إن شاء الله أن أوقع عليك في المستقبل طلاقا غير هذا فإن كان المراد هو الأول فقد شاء الله طلاقها بمشيئته لسببه وإن كان المراد هو الثاني فلا سبيل للمكلف إلى العلم بمشيئته تعالى فقد علق الطلاق بمشيئة من لا سبيل إلى العلم بمشيئته فيلغو التعليق ويبقى أصل الطلاق فينفذ. قالوا: ولأنه علق الطلاق بما لا يخرج عنه كائن فوجب نفوذه كما لو قال: quot; أنت طالق إن علم الله quot; أو quot; إن قدر الله quot; أو quot; إن سمع quot; أو quot; إن رأى quot;.(4\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "956",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "958",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يوضحه: أنه حذف مفعول المشيئة ولم ينو مفعولا معينا فحقيقة لفظه: أنت طالق إن كان لله مشيئة أو إن شاء أي شيء كان ولو كان نيته إن شاء الله هذا الحادث المعين وهو الطلاق لم يمنع جعل المشيئة المطلقة إلى هذا الحادث فردا من أفرادها شرطا في الوقوع ولهذا لو سئل المستثني عما أراد لم يفصح بالمشيئة الخاصة بل لعلها لا تخطر بباله وإنما تكلم بهذا اللفظ بناء على ما اعتاده الناس من قول هذه الكلمة عند اليمين والنذر والوعد. قالوا: ولأن الاستثناء إنما بابه الأيمان كقوله: quot; من حلف فقال: إن شاء الله فإن شاء فعل وإن شاء ترك quot; وليس له دخول في الإخبار ولا في الإنشاءات فلا يقال: quot; قام زيد إن شاء الله quot; ولا: quot; قم إن شاء الله quot; ولا: quot; لا تقم إن شاء الله quot; ولا: quot; بعت ولا قبلت إن شاء الله quot;. وإيقاع الطلاق والعتاق من إنشاء العقود التي لا تعلق على الاستثناء فإن زمن الإنشاء مقارن له فعقود الإنشاءات تقارنها أزمنتها فلهذا لا تعلق بالشروط. قالوا: والذي يكشف سر المسألة أن هذا الطلاق المعلق على المشيئة إما أن يريد به طلاقا ماضيا أو مقارنا للتكلم به أو مستقبلا فإن أراد الماضي أو المقارن وقع لأنه لا يعلق على الشرط. وإن أراد المستقبل - ومعنى كلامه إن شاء الله أن تكوني في المستقبل طالقا فأنت طالق - وقع أيضا لأن مشيئة الله بطلاقها الآن يوجب طلاقها في المستقبل فيعود معنى الكلام إلى أني إن طلقتك الآن بمشيئة الله فأنت طالق وقد طلقها بمشيئته فتطلق فهاهنا ثلاث دعاوى: إحداها: أنه طلقها والثانية: أن الله شاء ذلك والثالثة: أنها قد طلقت فإن صحت الدعوى الأولى صحت الأخريان وبيان صحتها أنه تكلم بلفظ صالح للطلاق فيكون طلاقا وبيان الثانية: أنه حادث فيكون بمشيئة الله فقد شاء الله طلاقها فتطلق فهذا غاية ما تمسك به الموقعون. [جواب المانعين] قال المانعون: أنتم معاشر الموقعين قد ساعدتمونا على صحة تعليق الطلاق بالشرط ولستم ممن يبطله كالظاهرية وغيرهم كأبي عبد الرحمن الشافعي فقد كفيتمونا نصف المؤنة وحملتم عنا كلفة الاحتجاج لذلك فبقي الكلام معكم في صحة هذا التعليق المعين هل هو صحيح أم لا فإن ساعدتمونا على صحة التعليق قرب الأمر وقطعنا نصف المسافة الباقية. ولا ريب أن هذا التعليق صحيح إذ لو كان محالا لما صح تعليق اليمين والوعد والنذر وغيرهما بالمشيئة ولكان ذلك لغوا لا يفيد وهذا بين البطلان عند جميع الأمة فصح التعليق حينئذ فبقي بيننا وبينكم منزلة أخرى وهي أنه هل وجود هذا(4\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "957",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "959",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشرط ممكن أم لا فإن ساعدتمونا على الإمكان ولا ريب في هذه المساعدة قربت المسافة جدا وحصلت المساعدة على أنه طلاق معلق صح تعليقه على شرط ممكن فبقيت منزلة أخرى وهي أن تأثير الشرط وعمله يتوقف على الاستقبال أم لا يتوقف عليه بل يجوز تأثيره في الماضي والحال والاستقبال . فإن ساعدتمونا على توقف تأثيره على الاستقبال وأنه لا يصح تعلقه بماض ولا حال - وأنتم بحمد الله على ذلك مساعدون - بقي بيننا وبينكم منزلة واحدة وهي أنه هل لنا سبيل إلى العلم بوقوع هذا الشرط فيترتب المشروط عليه عند وقوعه أم لا سبيل لنا إلى ذلك ألبتة فيكون التعليق عليه تعليقا على ما لم يجعل الله لنا طريقا إلى العلم به فهاهنا معترك النزال ودعوة الأبطال فنزال نزال. فنقول: من أقبح القبائح وأبين الفضائح التي تشمئز منها قلوب المؤمنين وتنكرها فطر العالمين ما تمسك به بعضكم وهذا لفظه بل حروفه قال: لنا إنه علق الطلاق بما لا سبيل لنا إليه فوجب أن يقع لأن أصله الصفات المستحيلة مثل قوله: quot; أنت طالق إن شاء الحجر quot; أو quot; إن شاء الميت quot;: أو quot; إن شاء هذا المجنون المطبق الآن quot; فيا لك من قياس ما أفسده وعن طريق الصواب ما أبعده وهل يستوي في عقل أو رأي أو نظر أو قياس مشيئة الرب جل جلاله ومشيئة الحجر والميت والمجنون عند أحد من عقلاء الناس . وأقبح من هذا والله المستعان وعليه التكلان وعياذا به من الخذلان ونزغات الشيطان تمسك بعضهم بقوله علق الطلاق بمشيئة من لا تعلم مشيئته فلم يصح التعليق كما لو قال quot;: أنت طالق إن شاء إبليس quot; فسبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك وعياذا بوجهك الكريم من هذا الخذلان العظيم ويا سبحان الله لقد كان لكم في نصرة هذا القول غنى عن هذه الشبهة الملعونة في ضروب الأقيسة وأنواع المعاني والإلزامات فسحة ومتسع ولله شرف نفوس الأئمة الذين رفع الله قدرهم وشاد في العالمين ذكرهم حيث يأنفون لنفوسهم ويرغبون بها عن أمثال هذه الهذيانات التي تسود بها الوجوه قبل الأوراق وتحل بقمر الإيمان المحاق. وعند هذا فنقول: علق الطلاق بمشيئة من جميع الحوادث مستندة إلى مشيئته وتعلم مشيئته عند وجود كل حادث أنه إنما وقع بمشيئته فهذا التعليق من أصح التعليقات فإذا أنشأ المعلق طلاقا في المستقبل تبينا وجود الشرط بإنشائه فوقع فهذا أمر معقول شرعا وفطرة وقدرا وتعليق مقبول. يبينه أن قوله: إن شاء الله لا يريد به إن شاء الله طلاقها ماضيا قطعا بل إما أن يريد به هذا الطلاق الذي تلفظ به أو طلاقا مستقبلا غيره فلا يصح أن يراد به هذا الملفوظ فإنه لا(4\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "958",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "960",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يصح تعليقه بالشرط إذ الشرط إنما يؤثر في الاستقبال فحقيقة هذا التعليق أنت طالق إن شاء الله طلاقك في المستقبل ولو صرح بهذا لم تطلق حتى ينشأ لها طلاقا آخر. ونقرره بلفظ آخر فنقول: علقه بمشيئة من له مشيئة صحيحة معتبرة فهو أولى بالصحة من تعليقه بمشيئة آحاد الناس يبينه أنه لو علقه بمشيئة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حياته لم يقع في الحال ومعلوم أن ما شاءه الله فقد شاءه رسوله فلو كان التعليق بمشيئة الله موجبا للوقوع في الحال لكان التعليق بمشيئة رسوله في حياته كذلك وبهذا يبطل ما عولتم عليه. وأما قولكم: quot; إن الله تعالى قد شاء الطلاق حين تكلم المكلف به quot; فنعم إذا لكن شاء الطلاق المطلق أو المعلق ومعلوم أنه لم يقع منه طلاق مطلق بل الواقع منه طلاق معلق على شرط فمشيئة الله تعالى لا تكون مشيئة للطلاق المطلق فإذا طلقها بعد هذا علمنا أن الشرط قد وجد وأن الله قد شاء طلاقها فطلقت. وعند هذا فنقول: لو شاء الله أن ينطق العبد لأنطقه بالطلاق مطلقا من غير تعليق ولا استثناء فلما أنطقه به مقيدا بالتعليق والاستثناء علمنا أنه لم يشأ له الطلاق المنجز فإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ومما يوضح هذا الأمر أن مشيئة اللفظ لا تكون مشيئة للحكم حتى يكون اللفظ صالحا للحكم ولهذا لو تلفظ المكره أو زائل العقل أو الصبي أو المجنون بالطلاق فقد شاء الله منهم وقوع هذا اللفظ ولم يشأ وقوع الحكم فإنه لم يرتب على ألفاظ هؤلاء أحكامها لعدم إرادتهم لأحكامها فهكذا المعلق طلاقه بمشيئة الله يريد أن لا يقع طلاقه وإن كان الله قد شاء له التلفظ بالطلاق وهذا في غاية الظهور لمن أنصف. ويزيده وضوحا أن المعنى الذي منع الاستثناء عقد اليمين لأجله هو بعينه في الطلاق والعتاق فإنه إذا قال: quot; والله لأفعلن اليوم كذا إن شاء الله quot; فقد التزم فعله في اليوم إن شاء الله له ذلك فإن فعله فقد علمنا مشيئة الله له وإن لم يفعله علمنا أن الله لم يشأه إذ لو شاءه لوقع ولا بد ولا يكفي في وقوع الفعل مشيئة الله للعبد إن شاءه فقط فإن العبد قد يشاء الفعل ولا يقع فإن مشيئته ليست موجبة ولا تلزمه بل لا بد من مشيئة الله له أن يفعل وقد قال تعالى في المشيئة الأولى وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما [الإنسان: 30] وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين [التكوير: 29] وقال في المشيئة الثانية: كلا إنه تذكرة [المدثر: 54] فمن شاء ذكره [المدثر: 55] وما يذكرون إلا أن يشاء الله [المدثر: 56] وإذا كان تعليق الحلف بمشيئته تعالى يمنع من انعقاد اليمين وكذلك تعليق الوعد فإذا قال: quot; أفعل إن شاء الله quot; ولم يفعل لم يكن مخلفا كما لا يكون في اليمين(4\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "959",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "961",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حانثا. وهكذا إذا قال: quot; أنت طالق إن شاء الله quot; فإن طلقها بعد ذلك علمنا أن الله قد شاء الطلاق فوقع وإن لم يطلقها تبينا أن الله لم يشأ الطلاق فلا تطلق فلا فرق في هذا بين اليمين والإيقاع فإن كلا منهما إنشاء وإلزام معلق بالمشيئة. قالوا: وأما الأثران اللذان ذكرتموهما عن الصحابة فما أحسنهما لو ثبتا ولكن كيف بثبوتهما وعطية ضعيف وجميع بن عبد الحميد مجهول وخالد بن يزيد ضعيف قال ابن عدي: أحاديثه لا يتابع عليها وأثر ابن عباس لا يعلم حال إسناده حتى يقبل أو يرد. على أن هذه الآثار مقابلة بآثار أخر لا تثبت أيضا فمنها: ما رواه البيهقي في سننه من حديث إسماعيل بن عياش عن حميد بن مالك عن مكحول عن معاذ بن جبل قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا معاذ ما خلق الله شيئا على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق وما خلق الله شيئا على وجه الأرض أحب إليه من العتاق فإذا قال الرجل لمملوكه: أنت حر إن شاء الله فهو حر ولا استثناء له وإذا قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله فله استثناؤه ولا طلاق عليه ثم ساقه من طريق محمد بن مصفى: ثنا معاوية بن حفص عن حميد عن مالك اللخمي حدثني مكحول عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رجل قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله فقال: له استثناؤه فقال رجل: يا رسول الله وإن قال لغلامه: أنت حر إن شاء الله تعالى قال: يعتق لأن الله يشاء العتق ولا يشاء الطلاق . ثم ساق من طريق إسحاق بن أبي نجيح عن عبد العزيز بن أبي رواد عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله أو لغلامه أنت حر إن شاء الله أو عليه المشي إلى بيت الله الحرام إن شاء الله فلا شيء عليه ثم ساق من طريق الجارود بن يزيد عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعا في الطلاق وحده أنه لا يقع ولو كنا ممن يفرح بالباطل ككثير من المصنفين الذين يفرح أحدهم بما وجده مؤيدا لقوله لفرحنا بهذه الآثار ولكن ليس فيها غنية فإنها كلها آثار باطلة موضوعة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. أما الحديث الأول ففيه عدة بلايا: إحداها: حميد بن مالك ضعفه أبو زرعة وغيره. الثانية: أن مكحولا لم يلق معاذا. قال أبو زرعة: مكحول عن معاذ منقطع. الثالثة: أنه قد اضطرب فيه حميد هذا الضعيف فمرة يقول: عن مكحول عن معاذ ومرة يقول: عن مكحول عن خالد بن معدان(4\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "960",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "962",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن معاذ وهو منقطع أيضا وقيل: مكحول عن مالك بن يخامر عن معاذ. قال البيهقي: ولم يصح. الرابعة: أن إسماعيل بن عياش ليس ممن يقبل تفرده بمثل هذا ولهذا لم يذهب أحد من الفقهاء إلى هذا الحديث وما حكاه أبو حامد الإسفراييني عن أحمد من القول به فباطل عنه لا يصح ألبتة وكل ما حكاه عن أحمد فمستنده حكاية أبي حامد الإسفراييني أو من تلقاها عنه. وأما الأثر الثاني فإسناده ظلمات بعضها فوق بعض حتى انتهى أمره إلى الكذاب إسحاق بن نجيح الملطي. وأما الأثر الثالث فالجارود بن يزيد قد ارتقى من حد الضعف إلى حد الترك والمقصود أن الآثار من الطرفين لا مستراح فيها.  [فصل القول بأن الاستثناء يرفع جملة الطلاق] فصل: وأما قولكم: quot; إنه استثناء يرفع جملة الطلاق فلم يصح كقوله: أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا quot; فما أبردها من حجة فإن الاستثناء لم يرفع حكم الطلاق بعد وقوعه وإنما منع من انعقاده منجزا بل انعقد معلقا كقوله: quot; أنت طالق إن شاء فلان quot; فلم يشأ فلان فإنها لا تطلق ولا يقال: إن هذا الاستثناء رفع جملة الطلاق. وأما قولكم quot;: إنه من إنشاء حكم في محل فلم يرتفع بالمشيئة كالبيع والنكاح quot; فأبرد من الحجة التي قبلها فإن البيع والنكاح لا يصح تعليقهما بالشرط بخلاف الطلاق. وأما قولكم: quot; إزالة ملك فلا يصح تعليقه على مشيئة الله كالإبراء quot; فكذلك أيضا فإن الإبراء لا يصح تعليقه على الشرط مطلقا عندكم سواء كان الشرط مشيئة الله أو غيرها فلو قال: quot; أبرأتك إن شاء زيد quot; لم يصح ولو قال: quot; أنت طالق إن شاء زيد quot; صح. وأما قولكم: quot; إنه تعليق على ما لا سبيل إلى العلم به quot; فليس كذلك بل هو تعليق على ما لنا سبيل إلى علمه فإنه إذا أوقعه في المستقبل علمنا وجود الشرط قطعا وأن الله قد شاءه. وأما قولكم quot; إن الله قد شاءه بتكلم المطلق به quot; فالذي شاءه الله إنما هو طلاق معلق والطلاق المنجز لم يشأه الله إذ لو شاءه لوقع ولا بد فما شاءه الله لا يوجب وقوع الطلاق في الحال وما يوجب وقوعه في الحال لم يشأه الله. وأما قولكم: quot; إن الله تعالى وضع لإيقاع الطلاق هذه اللفظة شرعا وقدرا quot; فنعم وضع تعالى المنجز لإيقاع المنجز والمعلق لوقوعه عند وقوع ما علق به.(4\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "961",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "963",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما قولكم: quot; لو لم يشأ الطلاق لم يأذن للمكلف في التكلم به quot; فنعم شاء المعلق وأذن فيه والكلام في غيره وقولكم: quot; إن هذا نظير قوله وهو متلبس بالفعل: أنا أفعل إن شاء الله quot; فهذا فصل النزاع في المسألة فإذا أراد بقوله: quot; أنت طالق إن شاء الله هذا التطليق الذي صدر مني quot; لزمه الطلاق قطعا لوجود الشرط وليس كلامنا فيه وإنما كلامنا فيما إذا أراد quot; إن شاء الله طلاقا مستقبلا quot; أو أطلق ولم يكن له نية فلا ينبغي النزاع في القسم الأول ولا يظن أن أحدا من الأئمة ينازع فيه فإنه تعليق على شرط مستقبل ممكن فلا يجوز إلغاؤه كما لو صرح به فقال: quot; إن شاء الله أن أطلقك غدا فأنت طالق quot; إلا أن يستروح إلى ذلك المسلك الوخيم أنه علق الطلاق بالمستحيل فلغا التعليق كمشيئة الحجر والميت. وأما إذا أطلق ولم يكن له نية فيحمل مطلق كلامه على مقتضى الشرط لغة وشرعا وعرفا وهو اقتضاؤه للوقوع في المستقبل. وأما استدلالكم بقول يوسف لأبيه وإخوته: ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين [يوسف: 99] فلا حجة فيه فإن الاستثناء إن عاد إلى الأمر المطلوب دوامه واستمراره فظاهر وإن عاد إلى الدخول المقيد به فمن أين لكم أنه قال لهم هذه المقالة حال الدخول أو بعده ولعله إنما قالها عند تلقيه لهم ويكون دخولهم عليه في منزل اللقاء فقال لهم حينئذ ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين [يوسف: 99] فهذا محتمل. وإن كان إنما قال لهم ذلك بعد دخولهم عليه في دار مملكته فالمعنى ادخلوها دخول استيطان واستقرار آمنين إن شاء الله. وأما قولكم: quot; إنه لو أتى بالشهادتين ثم قال إن شاء الله أو قال أنا مسلم إن شاء الله صح إسلامه في الحال quot; فنعم إذا فإن الإسلام لا يقبل التعليق بالشرط فإذا علقه بالشرط تنجز كما لو علق الردة بالشرط فإنها تنجز وأما الطلاق فإنه يصح تعليقه بالشرط. وأما قولكم: quot; إنه من المعلوم قطعا أن الله قد شاء تكلمه بالطلاق فقوله بعد ذلك إن شاء الله تحقيق لما علم أن الله قد شاءه quot; فقد تقدم جوابه وهو أن الله إنما شاء الطلاق المعلق فمن أين لكم أنه شاء المنجز  ولم تذكروا عليه دليلا. وقولكم: quot; إنه بمنزلة قوله أنت طالق إن كان الله أذن في الطلاق أو أباحه ولا فرق بينهما quot; فما أعظم الفرق بينهما وأبينه حقيقة ولغة وذلك ظاهر عن تكلف بيانه فإن بيان الواضحات نوع من العي بل نظير ذلك أن يقول: أنت طالق إن كان الله قد شاء تلفظي بهذا اللفظ فهذا يقع قطعا.(4\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "962",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "964",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما قولكم: quot; إن الكفارة أقوى من الاستثناء لأنها ترفع حكم اليمين والاستثناء يمنع عقدها وإذا لم تدخل الكفارة في الطلاق والعتاق فالاستثناء أولى quot; فما أوهنها من شبهة وهي عند التحقيق لا شيء فإن الطلاق والعتاق إذا وقعا لم تؤثر فيهما الكفارة شيئا ولا يمكن حلهما بالكفارة بخلاف الأيمان فإن حلها بالكفارة ممكن وهذا تشريع شرعه شارع الأحكام هكذا فلا يمكن تغييره فالطلاق والعتاق لا يقبل الكفارة كما لم تقبلها سائر العقود كالوقف والبيع والهبة والإجارة والخلع فالكفارة مختصة بالأيمان وهي من أحكامها التي لا تكون لغيرها وأما الاستثناء فيشرع في أعم من اليمين كالوعد والوعيد والخبر عن المستقبل كقول النبي: - صلى الله عليه وسلم - وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وقوله عن أمية بن خلف: بل أنا أقتله إن شاء الله  وكذا الخبر عن الحال نحو quot; أنا مؤمن إن شاء الله quot; ولا تدخل الكفارة في شيء من ذلك فليس بين الاستثناء والتكفير تلازم. بل تكون الكفارة حيث لا استثناء والاستثناء حيث لا كفارة والكفارة شرعت تحلة لليمين بعد عقدها والاستثناء شرع لمعنى آخر وهو تأكيد التوحيد وتعليق الأمور بمشيئة من لا يكون شيء إلا بمشيئته فشرع للعبد أن يفوض الأمر الذي عزم عليه وحلف على فعله أو تركه إلى مشيئة الله ويعقد نطقه بذلك فهذا شيء والكفارة شيء آخر. وأما قولكم: quot; إن الاستثناء إن كان رافعا فهو رافع لجملة المستثنى منه فلا يرتفع quot; فهذا كلام عار عن التحقيق فإن هذا ليس باستثناء بأداة إلا وأخواتها التي يخرج بها بعض المذكور ويبقى بعضه حتى يلزم ما ذكرتم وإنما هو شرط ينتفي المشروط عند انتفائه كسائر الشروط ثم كيف يقول هذا القائل في قوله: quot; أنت طالق إن شاء زيد اليوم quot; ولم يشأ فموجب دليله أن هذا لا يصح. فإن قيل: فلو أخرجه بأداة إلا فقال quot; أنت طالق إلا أن يشاء الله quot; كان رفعا لجملة المستثنى منه قيل: هذه مغلطة ظاهرة فإن الاستثناء هاهنا ليس إخراج جملة ما تناوله المذكور ليلزم ما ذكرت وإنما هو تقييد لمطلق الكلام الأول بجملة أخرى مخصصة لبعض أحوالها أي: أنت طالق في كل حالة إلا حالة واحدة وهي حالة لا يشاء الله فيها الطلاق فإذا لم يقع منه طلاق بعد هذا علمنا بعدم وقوعه أن الله تعالى لم يشأ الطلاق إذ لو شاءه لوقع. ثم ينتقض هذا بقوله quot; إلا أن يشاء زيد quot; و quot; إلا أن تقومي quot; ونحو ذلك فإن الطلاق لا يقع إذا لم يشأه زيد وإذا لم تقم وسمى هذا التعليق بمشيئة الله تعالى استثناء في لغة الشارع كقوله تعالى: إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين [القلم: 17] ولا يستثنون [القلم: 18] أي: لم(4\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "963",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "965",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقولوا إن شاء الله فمن حلف فقال إن شاء الله فقد استثنى فإن الاستثناء استفعال من ثنيت الشيء كأن المستثني بإلا قد عاد على كلامه فثنى آخره على أوله بإخراج ما أدخله أولا في لفظه وهكذا التقيد بالشرط سواء فإن المتكلم به قد ثنى آخر كلامه على أوله فقيد به ما أطلقه أولا وأما تخصيص الاستثناء بإلا وأخواتها فعرف خاص للنحاة. وقولكم: quot; إن كان شرطا ويراد به إن كان الله قد شاء طلاقك في المستقبل فينفذ لمشيئة الله بمشيئته لسببه وهو الطلاق المذكور وإن أراد به إن شاء الله أن أطلقك في المستقبل فقد علقه بما لا سبيل إلى العلم به فيلغو التعليق ويبقى أصل الطلاق quot; فهذا هو أكبر عمدة الموقعين ولا ريب أنه إن أراد بقوله أنت طالق إن كان الله قد شاء تكلمي بهذا اللفظ أو شاء طلاقك بهذا اللفظ طلقت ولكن المستثني لم يرد هذا بل ولا خطر على باله فبقي القسم الآخر وهو أن يريد إن شاء الله وقوع الطلاق عليك فيما يأتي فهذا تعليق صحيح معقول يمكن العلم بوجود ما علق عليه بوجود سببه كما تقدم بيانه. وأما قولكم: quot; إنه علق الطلاق بما لا يخرج عنه كائن فوجب نفوذه كما لو قال: أنت طالق إن علم الله أو إن قدر الله أو سمع الله - إلى آخره quot; فما أبطلها من حجة فإنها لو صحت لبطل حكم الاستثناء في الأيمان لما ذكرتموه بعينه ولا نفع الاستثناء في موضع واحد ومعلوم أن المستثني لم يخطر هذا على باله وإنما أراد تفويض الأمر إلى مشيئة الله وتعليقه به وأنه إن شاءه نفذ وإن لم يشأه لم يقع ولذلك كان مستثنيا أي: وإن كنت قد التزمت اليمين أو الطلاق أو العتاق فإنما التزمه بعد مشيئة الله وتبعا لها فإن شاءه فهو تعالى ينفذه بما يحدثه من الأسباب ولم يرد المستثني إن كان لله مشيئة أو علم أو سمع أو بصر فأنت طالق ولم يخطر ذلك بباله ألبتة. يوضحه: أن هذا مما لا يقبل التعليق ولا سيما بأداة quot; إن quot; التي للجائز الوجود والعدم ولو شك في هذا لكان ضالا بخلاف المشيئة الخاصة فإنها يمكن أن تتعلق بالطلاق وأن لا تتعلق به وهو شاك فيها كما يشك العبد فيما يمكن أن يفعله الله به وأن لا يفعله هل شاءه أم لا فهذا هو المعقول الذي في فطر الحالفين والمستثنين وحذف مفعول المشيئة لم يكن لما ذكرتم وهو عدم إرادة مفعول معين بل للعلم به ودلالة الكلام عليه وتعين إرادته إذ المعنى إن شاء الله طلاقك فأنت طالق. كما لو قال: quot; والله لأسافرن إن شاء الله quot; أي: إن شاء الله سفري وليس مراده إن كان لله صفة هي المشيئة فالذي قدرتموه من المشيئة المطلقة هو الذي لم يخطر ببال الحالف والمطلق وإنما الذي لم يخطر بباله سواء هو المشيئة المعينة الخاصة.(4\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "964",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "966",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقولكم: quot; إن المستثني لو سئل عما أراد لم يفصح بالمشيئة الخاصة بل تكلم بلفظ الاستثناء بناء على ما اعتاده الناس من التكلم بهذا اللفظ quot; كلام غير سديد فإنه لو صح لما نفع الاستثناء في يمين قط ولهذا نقول: إن قصد التحقيق والتأكيد بذكر المشيئة ينجز الطلاق ولم يكن ذلك استثناء. وأما قولكم quot; إن الاستثناء بابه الأيمان quot; إن أردتم به اختصاص الأيمان به فلم تذكروا على ذلك دليلا وقوله - صلى الله عليه وسلم -: من حلف فقال إن شاء الله فقد استثنى  وفي لفظ آخر من حلف فقال إن شاء الله فهو بالخيار فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل فحديث حسن ولكن لا يوجب اختصاص الاستثناء بالمشيئة باليمين وقد قال الله تعالى: ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا [الكهف: 23] إلا أن يشاء الله [الكهف: 24] وهذا ليس بيمين ويشرع الاستثناء في الوعد والوعيد والخبر عن المستقبل كقوله: غدا أفعل إن شاء الله وقد عتب الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال لمن سأله من أهل الكتاب عن أشياء quot; غدا أخبركم quot; ولم يقل إن شاء الله فاحتبس الوحي عنه شهرا ثم نزل عليه: ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا - إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت [الكهف: 23 - 24] أي: إذا نسيت ذلك الاستثناء عقيب كلامك فاذكره به إذا ذكرت هذا معنى الآية وهو الذي أراده ابن عباس بصحة الاستثناء المتراخي ولم يقل ابن عباس قط ولا من هو دونه: إن الرجل إذا قال لامرأته: quot; أنت طالق quot; أو لعبده: quot; أنت حر quot; ثم قال بعد سنة quot; إن شاء الله quot; إنها لا تطلق ولا يعتق العبد وأخطأ من نقل ذلك عن ابن عباس أو عن أحد من أهل العلم ألبتة ولم يفهموا مراد ابن عباس والمقصود أن الاستثناء لا يختص باليمين لا شرعا ولا عرفا ولا لغة وإن أردتم بكون بابه الأيمان كثرته فيها فهذا لا ينفي دخوله في غيرها. وقولكم: quot; إنه لا يدخل في الإخبارات ولا في الإنشاءات فلا يقال: قام زيد إن شاء الله ولا قم إن شاء الله [ولا بعت إن شاء الله] فكذا لا يدخل في قوله: أنت طالق إن شاء الله quot; فليس هذا بتمثيل صحيح والفرق بين البابين أن الأمور الماضية قد علم أنها وقعت بمشيئة الله والشرط إنما يؤثر في الاستقبال فلا يصح أن يقول: قمت أمس إن شاء الله فلو أراد الإخبار عن وقوعها بمشيئة الله أتى بغير صيغة الشرط فيقول: فعلت كذا بمشيئة الله وعونه وتأييده ونحو ذلك بخلاف قوله: غدا أفعل إن شاء الله وأما قوله: quot; قم إن شاء الله quot; و quot; لا تقم إن شاء الله quot; فلا فائدة في هذا الكلام إذ قد علم أنه لا يفعل إلا بمشيئة الله فأي معنى لقوله: إن شاء الله لك القيام فقم وإن لم يشأه فلا تقم . نعم لو أراد بقوله قم أو لا تقم الخبر وأخرجه مخرج الطلب تأكيدا أي: تقوم إن شاء الله صح ذلك كما إذا قال:(4\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "965",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "967",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مت على الإسلام إن شاء الله ولا تمت إلا على توبة إن شاء الله ونحو ذلك وكذا إن أراد بقوله quot; قم إن شاء الله quot; رد المشيئة إلى معنى خبري أي: ولا تقوم إلا أن يشاء الله فهذا صحيح مستقيم لفظا ومعنى وأما quot; بعت إن شاء الله واشتريت إن شاء الله quot; فإن أراد به التحقيق صح وانعقد العقد وإن أراد به التعليق لم يكن المذكور إنشاء وتنافى الإنشاء والتعليق إذ زمن الإنشاء يقارن وجود معناه وزمن وقوع المعلق يتأخر عن التعليق فتنافيا. وأما قولكم: quot; إن هذا الطلاق المعلق على المشيئة إما أن يريد طلاقا ماضيا أو مقارنا أو مستقبلا - إلى آخره quot; فجوابه ما قد تقدم مرارا أنه إن أراد به المشيئة إلى هذا اللفظ المذكور وأن الله إن كان قد شاءه فأنت طالق طلقت ولا ريب أن المستثني لم يرد هذا وإنما أراد ألا يقع الطلاق فرده إلى مشيئة الله وأن الله إن شاءه بعد هذا وقع فكأنه قال: لا أريد طلاقك ولا أرب لي فيه إلا أن يشاء الله ذلك فينفذ رضيت أم سخطت كما قال نبي الله شعيب - عليه السلام -: وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا [الأعراف: 89] أي: نحن لا نعود في ملتكم ولا نختار ذلك إلا أن يشاء الله ربنا شيئا فينفذ ما شاءه وكذلك قال إبراهيم: ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما [الأنعام: 80] أي: لا يقع بي مخوف من جهة آلهتكم أبدا إلا أن يشاء ربي شيئا فينفذ ما شاءه. فرد الأنبياء ما أخبروا ألا يكون إلى مشيئة الرب تعالى وإلى علمه استدراكا واستثناء أي: لا يكون ذلك أبدا ولكن إن شاءه الله تعالى كان فإنه تعالى عالم بما لا نعلمه نحن من الأمور التي تقتضيها حكمته وحده.  [فصل التحقيق في موضوع الاستثناء] فصل: [التحقيق في موضوع الاستثناء] فالتحقيق في المسألة أن المستثني إما أن يقصد بقوله: quot; إن شاء الله quot; التحقيق أو التعليق فإن قصد به التحقيق والتأكيد وقع الطلاق وإن قصد به التعليق وعدم الوقوع في الحال لم تطلق هذا هو الصواب في المسألة وهو اختيار شيخنا وغيره من الأصحاب وقال أبو عبد الله بن حمدان في رعايته: قلت: إن قصد التأكيد والتبرك وقع وإن قصد التعليق وجهل استحالة العلم بالمشيئة فلا وهذا قول آخر غير الأقوال الأربعة المحكية في المسألة وهو أنه إنما ينفعه الاستثناء إذا قصد التعليق وكان جاهلا باستحالة العلم بمشيئة الله تعالى فلو علم استحالة العلم بمشيئته تعالى لم ينعقد الاستثناء. والفرق بين علمه بالاستحالة وجهله بها أنه إذا جهل استحالة العلم بالمشيئة فقد علق الطلاق بما هو ممكن(4\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "966",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "968",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في ظنه فيصح تعليقه وإذا لم يجهل استحالة العلم بالمشيئة فقد علقه على محال يعلم استحالته فلا يصح التعليق وهذا أحد الأقوال في تعليقه بالمحال. قلت: وقولهم: quot; إن العلم بمشيئة الرب محال quot; خطأ محض فإن مشيئة الرب تعلم بوقوع الأسباب التي تقتضي مسبباتها فإن مشيئة المسبب مشيئة لحكمه فإذا أوقع عليها بعد ذلك طلاقا علمنا أن الله قد شاء طلاقها. فهذا تقرير الاحتجاج من الجانبين ولا يخفى ما تضمنه من رجحان أحد القولين والله أعلم. فصل: [الكلام على نية الاستثناء ومتى تعتمد] وقد قدمنا اختلاف الفقهاء في اشتراط نية الاستثناء وزمنها وأن أضيق الأقوال قول من يشترط النية من أول الكلام وأوسع منه قول من يشترطها قبل فراغه وأوسع منه قول من يجوز إنشاءها بعد الفراغ من الكلام كما يقوله أصحاب أحمد وغيرهم. وأوسع منه قول من يجوزه بالقرب ولا يشترط اتصاله بالكلام كما نص عليه أحمد في رواية المروزي فقال: حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا ثم سكت ثم قال: إن شاء الله إذ هو استثناء بالقرب ولم يخلط كلامه بغيره وقال إسماعيل بن سعيد الشالنجي: سئل أحمد بن حنبل عن الاستثناء في اليمين فقال: من استثنى بعد اليمين فهو جائز على مثل فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ قال: والله لأغزون قريشا ثم سكت ثم قال: إن شاء الله ولم يبطل ذلك قال: ولا أقول فيه بقول هؤلاء يعني من لم ير ذلك إلا متصلا هذا لفظ الشالنجي في مسائله. وأوسع من ذلك قول من قال: ينفعه الاستثناء ويصح ما دام في المجلس نص عليه الإمام أحمد في إحدى الروايات عنه وهو قول الأوزاعي كما سنذكره. وأوسع منه من وجه قول من لا يشترط النية بحال كما صرح به أصحاب أبي حنيفة وقال صاحب الذخيرة في كتاب الطلاق في الفصل السادس عشر منه: ولو قال لها: quot; أنت طالق إن شاء الله quot; ولا يدري أي شيء شاء الله لا يقع الطلاق لأن الطلاق مع الاستثناء ليس بإيقاع فعلمه وجهله يكون سواء ولو قال لها: quot; أنت طالق quot; فجرى على لسانه من غير قصد quot; إن شاء الله quot; وكان قصده إيقاع الطلاق لا يقع الطلاق لأن الاستثناء قد وجد حقيقة والكلام مع الاستثناء لا يكون إيقاعا. وقال الجوزجاني في مترجمه: حدثني صفوان ثنا عمر قال: سئل الأوزاعي - رحمه الله - عن رجل حلف: والله لأفعلن(4\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "967",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "969",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كذا وكذا ثم سكت ساعة لا يتكلم ولا يحدث نفسه بالاستثناء فيقول له إنسان إلى جانبه: قل إن شاء الله فقال: إن شاء الله أيكفر عن يمينه فقال: أراه قد استثنى. وبهذا الإسناد عن الأوزاعي أنه سئل عن رجل وصله قريبه بدراهم فقال: والله لا آخذها فقال قريبه: والله لتأخذنها فلما سمعه قال: quot; والله لتأخذنها quot; استثنى في نفسه فقال: إن شاء الله وليس بين قوله والله لا آخذها وبين قوله إن شاء الله كلام إلا انتظاره ما يقول قريبه أيكفر عن يمينه إن هو أخذها فقال: لم يحنث لأنه قد استثنى. ولا ريب أن هذا أفقه وأصح من قول من اشترط نيته مع الشروع في اليمين فإن هذا القول موافق للسنة الصحيحة فعلا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وحكاية عن أخيه سليمان أنه لو قال: quot; إن شاء الله quot; بعدما حلف وذكره ذلك كان نافعا له وموافقا للقياس ومصالح العباد ومقتضى الحنيفية السمحة ولو اعتبر ما ذكر من اشتراط النية في أول الكلام والاتصال الشديد لزالت رخصة الاستثناء وقل من انتفع بها إلا من قد درس على هذا القول وجعله منه على بال. وقد ضيق بعض المالكية في ذلك فقال: لا يكون الاستثناء نافعا إلا وقد أراده صاحبه قبل أن يتمم اليمين كما قال بعض الشافعية. وقال ابن المواز: شرط نفعه أن يكون مقارنا ولو لآخر حرف من حروف اليمين ولم يشترط مالك شيئا من ذلك بل قال في موطئه وهذا لفظ روايته: قال عبد الله بن يوسف: أحسن ما سمعت في الثنيا في اليمين أنها لصاحبها ما لم يقطع كلامه وما كان نسقا يتبع بعضه بعضا قبل أن يسكت فإذا سكت وقطع كلامه فلا ثنيا له انتهى. ولم أر عن أحد من الأئمة قط اشتراط النية مع الشروع ولا قبل الفراغ وإنما هذا من تصرف الأتباع. فصل: [هل يشترط في الاستثناء النطق به] وهل من شرط الاستثناء أن يتكلم به أو ينفع إذا كان في قلبه وإن لم يتلفظ به فالمشهور من مذاهب الفقهاء أنه لا ينفعه حتى يتلفظ به ونص عليه أحمد فقال في رواية ابن منصور: لا يجوز له أن يستثني في نفسه حتى يتكلم به وقد قال أصحاب أحمد وغيرهم: لو قال: quot; نسائي طوالق quot; واستثنى بقلبه quot; إلا فلانة quot; صح استثناؤه ولم تطلق ولو قال quot;: نسائي الأربع طوالق quot; واستثنى بقلبه إلا فلانة لم ينفعه. وفرقوا بينهما بأن الأول ليس نصا في الأربع فجاز تخصيصه بالنية بخلاف الثاني ويلزمهم على هذا الفرق أن يصح تقييده بالشرط بالنية لأن غايته أنه تقييد مطلق فعمل النية فيه أولى من عملها في(4\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "968",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "970",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تخصيص العام لأن العام متناول للأفراد وضعا والمطلق لا يتناول جميع الأحوال بالوضع فتقييده بالنية أولى من تخصيص العام بالنية وقد قال صاحب المغني وغيره: إذا قال: quot; أنت طالق quot; ونوى بقلبه من غير نطق إن دخلت الدار أو بعد شهر أنه يدين فيما بينه وبين الله تعالى وهل يقبل في الحكم على روايتين وقد قال الإمام أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم فيمن حلف لا يدخل الدار وقال: quot; نويت شهرا: quot; قبل منه أو قال: quot; إذا دخلت دار فلان فأنت طالق quot; ونوى تلك الساعة أو ذلك اليوم قبلت نيته قال: والرواية الأخرى لا تقبل فإنه قال: إذا قال لامرأته quot;: أنت طالق quot; ونوى في نفسه إلى سنة تطلق ليس ينظر إلى نيته وقال: إذا قال: quot; أنت طالق quot; وقال: نويت إن دخلت الدار لا يصدق قال الشيخ: ويمكن أن يجمع بين هاتين الروايتين بأن يحمل قوله في القبول على أنه يدين وقوله في عدم القبول على الحكم فلا يكون بينهما اختلاف. قال: والفرق بين هذه الصورة والتي قبلها - يعني مسألة نسائي طوالق وأراد بعضهن - أن إرادة الخاص بالعام شائع كثير وإرادة الشرط من غير ذكره غير شائع وهو قريب من الاستثناء ويمكن أن يقال: هذه كلمة من جملة التخصيص انتهى كلامه. وقد تضمن أن الحالف إذا أراد الشرط دين وقبل في الحكم في إحدى الروايتين ولا يفرق فقيه ولا محصل بين الشرط بمشيئة الله حيث يصح وينفع وبين غيره من الشروط وقد قال الإمام أحمد في رواية حرب: إن كان مظلوما فاستثنى في نفسه رجوت أنه يجوز إذا خاف على نفسه ولم ينص على خلاف هذا في المظلوم وإنما أطلق القول وخاص كلامه ومقيده يقضي على مطلقه وعامه فهذا مذهبه. فصل: [هل يشترط في الاستثناء أن يسمع نفسه] وهل يشترط أن يسمع نفسه أو يكفي تحرك لسانه بالاستثناء وإن كان بحيث لا يسمعه فاشترط أصحاب أحمد وغيرهم أنه لا بد وأن يكون بحيث يسمعه هو أو غيره ولا دليل على هذا من لغة ولا عرف ولا شرع وليس في المسألة إجماع. قال أصحاب أبي حنيفة واللفظ لصاحب الذخيرة: وشرط الاستثناء أن يتكلم بالحروف سواء كان مسموعا أو لم يكن عند الشيخ أبي الحسن الكرخي. وكان الفقيه أبو جعفر يقول: لا بد وأن يسمع نفسه وبه كان يفتي الشيخ أبو بكر محمد بن الفضل وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يميل إلى هذا القول وبالله التوفيق وهذا بعض ما يتعلق بمخرج الاستثناء ولعلك لا تظفر به في غير هذا الكتاب.(4\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "969",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "971",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل فعل المحلوف عليه مع الذهول] فصل: [المخرج الخامس فعل المحلوف عليه مع الذهول ونحوه] المخرج الخامس: أن يفعل المحلوف عليه ذاهلا أو ناسيا أو مخطئا أو جاهلا أو مكرها أو متأولا أو معتقدا أنه لا يحنث به تقليدا لمن أفتاه بذلك أو مغلوبا على عقله أو ظنا منه أن امرأته طلقت فيفعل المحلوف عليه بناء على أن المرأة أجنبية فلا يؤثر فعل المحلوف عليه في طلاقها شيئا. [الذهول والفرق بينه وبين النسيان] فمثال الذهول أن يحلف أنه لا يفعل شيئا هو معتاد لفعله فيغلب عليه الذهول والغفلة فيفعله. والفرق بين هذا وبين الناسي أن الناسي يكون قد غاب عنه اليمين بالكلية فيفعل المحلوف عليه ذاكرا له عامدا لفعله ثم يتذكر أنه كان قد حلف على تركه وأما الغافل والذاهل واللاهي فليس بناس ليمينه ولكنه لها عنها أو ذهل كما يذهل الرجل عن الشيء في يده أو حجره بحديث أو نظر إلى شيء أو نحوه كما قال تعالى: وأما من جاءك يسعى - وهو يخشى - فأنت عنه تلهى [عبس: 8 - 10] . يقال: لهي عن الشيء يلهى كغشي يغشى إذا غفل ولها به يلهو إذا لعب وفي الحديث فلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء كان في يديه أي اشتغل به ومنه الحديث الآخر إذا استأثر الله بشيء فاله عنه . وسئل الحسن عما يجده الرجل من البلة بعد الوضوء والاستنجاء فقال quot; اله عنه quot; وكان ابن الزبير إذا سمع صوت الرعد لها عن حديثه وقال عمر - رضي الله عنه - لرجل بعثه بمال إلى أبي عبيدة ثم قال للرسول: quot; تله عنه ثم انظر ماذا يصنع به quot;. ومنه قول كعب بن زهير: وقال كل صديق كنت آمله ... لا ألهينك إني عنك مشغول أي لا أشغلك عن شأنك وأمرك وفي المسند سألت ربي أن لا يعذب اللاهين من أمتي وهم البله الغافلون الذين لم يتعمدوا الذنوب وقيل: هم الأطفال الذين لم يقترفوا ذنبا. فصل: [النسيان ضربان] وأما الناسي فهو ضربان: ناس لليمين وناس للمحلوف عليه فالأول ظاهر والثاني: كما إذا حلف على شيء وفعله وهو ذاكر ليمينه لكن نسي أن هذا هو المحلوف عليه بعينه وهذا كما لو حلف لا يأكل طعام كذا وكذا فنسيه ثم أكله وهو ذاكر ليمينه ثم ذكر أن هذا(4\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "970",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "972",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو الذي حلف عليه فهذا إذا كان يعتقد أنه غير المحلوف عليه ثم بان أنه هو فهو خطأ. فإن لم يخطر بباله كونه المحلوف عليه ولا غيره فهو نسيان والفرق بين الجاهل بالمحلوف عليه ولا غيره فهو نسيان والفرق بين الجاهل بالمحلوف عليه والمخطئ أن الجاهل قصد الفعل ولم يظنه المحلوف عليه والمخطئ لم يقصده كما لو رمى طائرا فأصاب إنسانا. [المكره نوعان] والمكره نوعان: أحدهما: له فعل اختياري لكن محمول عليه والثاني: ملجأ لا فعل له بل هو آلة محضة. [المتأول] والمتأول كمن يحلف أنه لا يكلم زيدا وكاتبه يعتقد أن مكاتبته ليست تكليما وكمن حلف أنه لا يشرب خمرا فشرب نبيذا مختلفا فيه متأولا وكمن حلف لا يرابي فباع بالعينة أو لا يطأ فرجا حراما فوطئ في نكاح تحليل مختلف فيه ونحو ذلك. والتأويل ثلاث درجات: قريب وبعيد ومتوسط ولا تنحصر أفراده والمعتقد أنه لا يحنث بفعله تقليدا سواء كان المفتي مصيبا أو مخطئا كمن قال لامرأته: إن خرجت من بيتي فأنت طالق أو الطلاق يلزمني لا تخرجين من بيتي فأفتاه مفت بأن هذه اليمين لا يلزم بها الطلاق بناء على أن الطلاق المعلق لغو كما يقوله بعض أصحاب الشافعي كأبي عبد الرحمن الشافعي وبعض أهل الظاهر كما صرح به صاحب المحلى فقال: والطلاق بالصفة عندنا كالطلاق باليمين كل ذلك لا يلزم. [المغلوب على عقله] والمغلوب على عقله كمن يفعل المحلوف عليه في حال سكر أو جنون أو زوال عقل بشرب دواء أو بنج أو غضب شديد ونحو ذلك. [ظن الطلاق] والذي يظن أن امرأته طلقت فيفعل المحلوف عليه بناء على أنه لا يؤثر في الحنث كما إذا قال: إن كلمت فلانا فأنت طالق ثلاثا ثم قال: إن فعلت كذا فامرأتي طالق ثلاثا فقيل له: إن امرأتك قد كلمت فلانا فاعتقد صدق القائل وأنها قد بانت منه ففعل المحلوف عليه بناء على أن العصمة قد انقطعت ثم بان له أن المخبر كاذب. وكذلك لو قيل له: قد كلمت فلانا فقال: طلقت مني ثلاثا ثم بان له أنها لم(4\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "971",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "973",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تكلمه ومثل ذلك لو قيل له: إن امرأتك قد مسكت تشرب الخمر مع فلان فقال: هي طالق ثلاثا ثم ظهر كذب المخبر وأن ذلك لم يكن منه شيء فاختلف الفقهاء في ذلك اختلافا لا ينضبط. فنذكر أقوال من أفتى بعدم الحنث في ذلك إذ هو الصواب بلا ريب وعليه تدل الأدلة الشرعية ألفاظها وأقيستها واعتبارها وهو مقتضى قواعد الشريعة فإن البر والحنث في اليمين نظير الطاعة والمعصية في الأمر والنهي وإن فعل المكلف ذلك في أمر الشارع ونهيه لم يكن عاصيا فأولى في باب اليمين أن لا يكون حانثا. ويوضحه أنه إنما عقد يمينه على فعل ما يملكه والنسيان والجهل والخطأ والإكراه غير داخل تحت قدرته فما فعله في تلك الأحوال لم يتناوله يمينه ولم يقصد منع نفسه منه. يوضحه أن الله تعالى قد رفع المؤاخذة عن المخطئ والناسي والمكره فإلزامه بالحنث أعظم مؤاخذة لما تجاوز الله عن المؤاخذة به كما أنه تعالى لما تجاوز للأمة عما حدثت به أنفسها لم تتعلق به المؤاخذة في الأحكام. يوضحه أن فعل الناسي والمخطئ بمنزلة فعل النائم في عدم التكليف به ولهذا هو عفو لا يكون به مطيعا ولا عاصيا. يوضحه أن الله تعالى إنما رتب الأحكام على الألفاظ لدلاتها على قصد المتكلم بها وإرادته فإذا تيقنا أنه قصد كلامها ولم يقصد معانيها ولم يقصد مخالفة ما التزمه ولا الحنث فإن الشارع لا يلزمه بما لم يقصده بل قد رفع المؤاخذة عنه بما لم يقصده من ذلك. يوضحه أن اللفظ دليل على القصد فاعتبر لدلالته عليه فإذا علمنا يقينا خلاف المدلول لم يجز أن نجعله دليلا على ما تيقنا خلافه. وقد رفع الله المؤاخذة عن قتل المسلم المعصوم بيده مباشرة إذا لم يقصد قتله بل قتله خطأ ولم يلزمه شيئا من ديته بل حملها غيره فكيف يؤاخذه بالخطأ والنسيان في باب الأيمان هذا من الممتنع على الشارع. وقد رفع النبي - صلى الله عليه وسلم - المؤاخذة عمن أكل وشرب في نهار رمضان ناسيا لصومه مع أن أكله وشربه فعل لا يمكن تداركه فكيف يؤاخذه بفعل المحلوف عليه ناسيا ويطلق عليه امرأته ويخرب بيته ويشتت شمله وشمل أولاده وأهله وقد عفا له عن الأكل والشرب في نهار الصوم ناسيا(4\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "972",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "974",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد عفا عمن أكل أو شرب في نهار الصوم عمدا غير ناس لما تأول الخيط الأبيض والخيط الأسود بالحبلين المعروفين فجعل يأكل حتى تبينا له وقد طلع النهار وعفا له عن ذلك ولم يأمره بالقضاء لتأويله فما بال الحالف المتأول لا يعفى له عن الحنث بل يخرب بيته ويفرق بينه وبين حبيبته ويشتت شمله كل مشتت وقد عفا عن المتكلم في صلاته عمدا ولم يأمره بالإعادة لما كان جاهلا بالتحريم لم يتعمد مخالفة حكمه فألغى كلامه ولم يجعله مبطلا للصلاة فكيف لا يقتدى به ويلغى قول الجاهل وفعله في باب الأيمان ولا يحنثه كما لم يؤثمه الشارع وإذا كان قد عفا عمن قدم شيئا أو أخره من أعمال المناسك من الحلق والرمي والنحر نسيانا أو جهلا فلم يؤاخذه بترك ترتيبها نسيانا فكيف يحنث أن قدم ما حلف على تأخيره أو أخر ما حلف على تقديمه ناسيا أو جاهلا  وإذا كان قد عفا عمن حمل القذر في الصلاة ناسيا أو جاهلا به فكيف يؤاخذ الحالف ويحنث به وكيف تكون أوامر الرب تعالى ونواهيه دون ما التزمه الحالف بالطلاق والعتاق وكيف يحنث من لم يتعمد الحنث وهل هذا إلا بمنزلة تأثيمه من لم يتعمد الإثم وتكفيره من لم يتعمد الكفر وكيف يطلق أو يعتق على من لم يتعمد الطلاق والعتاق ولم يطلق على الهازل إلا لتعمده فإنه تعمد الهزل ولم يرد حكمه وذلك ليس إليه بل إلى الشارع فليس الهازل معذورا بخلاف الجاهل والمخطئ والناسي. وبالجملة فقواعد الشريعة وأصولها تقتضي ألا يحنث الحالف في جميع ما ذكرنا ولا يطرد على القياس ويسلم من التناقض إلا هذا القول. وأما تحنيثه في جميع ذلك فإن صاحبه وإن سلم من التناقض لكن قوله مخالف لأصول الشريعة وقواعدها وأدلتها. ومن حنث في بعض ذلك دون بعض تناقض ولم يطرد له قول ولم يسلم له دليل عن المعارضة. وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في ذلك ففيه ثلاث روايات إحداها: أنه لا يحنث في شيء من الأيمان بالنسيان ولا الجهل بفعل المحلوف عليه مع النسيان سواء كانت من الأيمان المكفرة أو غيرها وعلى هذه الرواية فيمينه باقية لم تنحل بفعل المحلوف عليه(4\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "973",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "975",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مع النسيان والجهل لأن اليمين كما لم يتناول حالة الجهل والنسيان بالنسبة إلى الحنث لم يتناولها بالنسبة إلى البر إذ لو كان فاعلا للمحلوف عليه بالنسبة إلى البر لكان فاعلا له بالنسبة إلى الحنث. وهذه الرواية اختيار شيخ الإسلام وغيره وهي أصح قولي الشافعي اختاره جماعة من أصحابه والثانية: يحنث في الجميع وهي مذهب أبي حنيفة ومالك والثالثة: يحنث في اليمين التي لا تكفر كالطلاق والعتاق ولا يحنث في اليمين المكفرة وهي اختيار القاضي وأصحابه. والذين حنثوه مطلقا نظروا إلى صورة الفعل وقالوا: قد وجدت المخالفة. والذين فرقوا قالوا: الحلف بالطلاق والعتاق من باب التعليق على الشرط فإذا وجد الشرط وجد المشروط سواء كان مختارا لوجوده أو لم يكن. كما لو قال: quot; إن قدم زيد فأنت طالق quot; ففعل المحلوف عليه في حال جنونه فهل هو كالنائم فلا يحنث أو كالناسي فيجري فيه الخلاف على وجهين في مذهب الإمام أحمد والشافعي وأصحهما أنه كالنائم لأنه غير مكلف.  ولو حلف على من يقصد منعه كعبده وزوجته وولده وأجيره ففعل المحلوف عليه ناسيا أو جاهلا فهو كما لو حلف على فعل نفسه ففعله ناسيا أو جاهلا هو على الروايات الثلاث وكذلك هو على القولين في مذهب الشافعي فإن منعه لمن يمتنع بيمينه كمنعه لنفسه فلو حلف لا يسلم على زيد فسلم على جماعة هو فيهم ولم يعلم فإن لم نحنث الناسي فهذا أولى بعدم الحنث لأنه لم يقصده والناسي قد قصد التسليم عليه وإن حنثنا الناسي هل يحنث هذا على روايتين إحداهما: يحنث لأنه بمنزلة الناسي إذ هو جاهل بكونه معهم. والثانية: - وهي أصح - أنه لا يحنث قاله أبو البركات وغيره وهذا يدل على أن الجاهل أعذر من الناسي وأولى بعدم الحنث. وصرح به أصحاب الشافعي في الأيمان ولكن تناقضوا كلهم في جعل الناسي في الصوم أولى بالعذر من الجاهل ففطروا الجاهل دون الناسي وسوى شيخنا بينهما وقال: الجاهل أولى بعدم الفطر من الناسي فسلم من التناقض. وقد سووا بين الجاهل والناسي فيمن حمل النجاسة في الصلاة ناسيا أو جاهلا ولم يعلم حتى فرغ منها فجعلوا الروايتين والقولين في الصورتين سواء وقد سوى الله تعالى بين المخطئ والناسي في عدم المؤاخذة وسوى بينهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان فالصواب التسوية بينهما. فصل: [فعل المحلوف عليه مكرها] وأما إذا فعل المحلوف عليه مكرها فعن أحمد روايتان منصوصتان إحداهما: يحنث(4\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "974",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "976",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في الجميع والثانية: لا يحنث في الجميع وهما قولان للشافعي وخرج أبو البركات رواية ثالثة أنه يحنث باليمين بالطلاق والعتاق دون غيرهما من الأيمان من نصه على الفرق في صورة الجاهل والناسي فإن ألجئ أو حمل أو فتح فمه وأوجر ما حلف أنه لا يشربه فإن لم يقدر على الامتناع لم يحنث وإن قدر على الامتناع فوجهان وإذا لم يحنث فاستدام ما ألجئ عليه كما لو ألجئ إلى دخول دار حلف أنه لا يدخلها فهل يحنث فيه وجهان ولو حلف على غيره ممن يقصد منعه على ترك فعل ففعله مكرها أو ملجأ فهو على هذا الخلاف سواء. فصل: [حكم المتأول] أما المتأول فالصواب أنه لا يحنث كما لم يأثم في الأمر والنهي وقد صرح به الأصحاب فيما لو حلف أنه لا يفارق غريمه حتى يقبض حقه فأحاله به ففارقه يظن أن ذلك قبض وأنه بر في يمينه فحكوا فيه الروايات الثلاث وطرد هذا كل متأول ظن أنه لا يحنث بما فعله فإن غايته أن يكون جاهلا بالحنث وفي الجاهل الروايات الثلاث. وإذا ثبت هذا في حق المتأول فكذلك في حق المقلد أولى فإذا حلف بالطلاق ألا يكلم فلانا أو لا يدخل داره فأفتاه مفت بعدم وقوع الطلاق في هذه اليمين اعتقادا لقول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وطاوس وشريح أو اعتقادا لقول أبي حنيفة والقفال في صيغة الالتزام دون صيغة الشرط أو اعتقادا لقول أشهب - وهو أجل أصحاب مالك - أنه إذا علق الطلاق بفعل الزوجة أنه لم يحنث بفعلها أو اعتقادا لقول أبي عبد الرحمن الشافعي أجل أصحاب الشافعي إن الطلاق المعلق لا يصح كما لا يصح النكاح والبيع والوقف المعلق وهو مذهب جماعة من أهل الظاهر لم يحنث في ذلك كله ولم يقع الطلاق ولو فرض فساد هذه الأقوال كلها فإنه إنما فعل المحلوف عليه متأولا مقلدا ظانا أنه لا يحنث به فهو أولى بعدم الحنث من الجاهل والناسي وغاية ما يقال في الجاهل إنه مفرط حيث لم يستقص ولم يسأل غير من أفتاه وهذا بعينه يقال في الجاهل إنه مفرط حيث لم يبحث ولم يسأل عن المحلوف عليه فلو صح هذا الفرق لبطل عذر الجاهل ألبتة فكيف والمتأول مطيع لله مأجور إما أجرا واحدا أو أجرين والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يؤاخذ خالدا في تأويله حين قتل بني جذيمة بعد إسلامهم ولم يؤاخذ أسامة حين قتل من قال لا إله إلا الله لأجل(4\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "975",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "977",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التأويل ولم يؤاخذ من أكل نهارا في الصوم عمدا لأجل التأويل ولم يؤاخذ أصحابه حين قتلوا من سلم عليهم وأخذوا غنيمته لأجل التأويل ولم يؤاخذ المستحاضة بتركها الصوم والصلاة لأجل التأويل ولم يؤاخذ عمر - رضي الله عنه - حين ترك الصلاة لما أجنب في السفر ولم يجد ماء ولم يؤاخذ من تمعك في التراب كتمعك الدابة وصلى لأجل التأويل وهذا أكثر من أن يستقصى. وأجمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن كل مال أو دم أصيب بتأويل القرآن فهو هدر في قتالهم في الفتنة قال الزهري: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلهم متوافرون فأجمعوا على أن كل مال أو دم أصيب بتأويل القرآن فهو هدر أنزلوهم منزلة الجاهلية ولم يؤاخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين رمى حاطب بن أبي بلتعة المؤمن البدري بالنفاق لأجل التأويل ولم يؤاخذ أسيد بن حضير بقوله لسعد سيد الخزرج: quot; إنك منافق تجادل عن المنافقين quot; لأجل التأويل ولم يؤاخذ من قال عن مالك بن الدخشم: quot; ذلك المنافق نرى وجهه وحديثه إلى المنافقين quot; لأجل التأويل ولم يؤاخذ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين ضرب صدر أبي هريرة حتى وقع على الأرض وقد ذهب للتبليغ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأمره فمنعه عمر وضربه وقال: quot; ارجع quot; وأقره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فعله ولم يؤاخذه لأجل التأويل. وكما رفع مؤاخذة التأثيم في هذه الأمور وغيرها رفع مؤاخذة الضمان في الأموال والقضاء في العبادات فلا يحل لأحد أن يفرق بين رجل وامرأته لأمر يخالف مذهبه وقوله الذي قلد فيه بغير حجة فإذا كان الرجل قد تأول وقلد من أفتاه بعدم الحنث فلا يحل له أن يحكم عليه بأنه حانث في حكم الله ورسوله ولم يتعمد الحنث بل هذه فرية على الله ورسوله وعلى الحالف وإذا وصل الهوى إلى هذا الحد فصاحبه تحت الدرك وله مقام وأي مقام بين يدي الله يوم لا ينفعه شيخه ولا مذهبه ومن قلده والله المستعان. وإذا قال الرجل لامرأته: quot; أنت طالق ثلاثا لأجل كلامك لزيد وخروجك من بيتي quot; فبان أنها لم تكلمه ولم تخرج من بيته لم تطلق صرح به الأصحاب قال ابن أبي موسى في الإرشاد فإن قال: quot; أنت طالق إن دخلت الدار quot; بنصب الألف والحالف من أهل اللسان فإن كان تقدم لها دخول إلى تلك الدار قبل اليمين طلقت في الحال لأن ذلك للماضي من الفعل دون المستقبل وإن كانت لم تدخلها قبل اليمين بحال لم تطلق وإن دخلت الدار بعد اليمين إذا كان الحالف قصد بيمينه الفعل الماضي دون المستقبل لأن معنى ذلك إن كنت دخلت الدار فأنت طالق وإن كان الحالف جاهلا باللسان وإنما أراد باليمين الدخول(4\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "976",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "978",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المستقبل فمتى دخلت الدار بعد اليمين طلقت بما حلف به قولا واحدا وإن كان تقدم لها دخول الدار قبل اليمين فهل يحنث بالدخول الماضي أم لا على وجهين أصحهما لا يحنث. والمقصود أنه إذا علل الطلاق بعلة ثم تبين انتفاؤها فمذهب أحمد أنه لا يقع بها الطلاق وعند شيخنا لا يشترط ذكر التعليل بلفظه ولا فرق عنده بين أن يطلقها لعلة مذكورة في اللفظ أو غير مذكورة فإذا تبين انتفاؤها لم يقع الطلاق وهذا هو الذي لا يليق بالمذهب غيره ولا تقتضي قواعد الأئمة غيره فإذا قيل له: امرأتك قد شربت مع فلان أو باتت عنده فقال: اشهدوا علي أنها طالق ثلاثا ثم علم أنها كانت تلك الليلة في بيتها قائمة تصلي فإن هذا الطلاق لا يقع به قطعا وليس بين هذا وبين قوله: quot; إن كان الأمر كذلك فهي طالق ثلاثا quot; فرق ألبتة لا عند الحالف ولا في العرف ولا في الشرع فإيقاع الطلاق بهذا وهم محض إذ يقطع بأنه لم يرد طلاق من ليست كذلك وإنما أراد طلاق من فعلت ذلك وقد أفتى جماعة من الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد والشافعي - منهم الغزالي والقفال وغيرهما الرجل يمر على المكاس برقيق له فيطالبه بمكسهم فيقول: quot; هم أحرار quot; ليتخلص من ظلمه ولا غرض له في عتقهم أنهم لا يعتقون وبهذا أفتينا نحن تجار اليمن لما قدموا منها ومروا على المكاسين فقالوا لهم ذلك وقد صرح به أصحاب الشافعي في باب الكتابة بما إذا دفع إليه العوض فقال: quot; اذهب فأنت حر quot; بناء على أنه قد سلم له العوض فظهر العوض مستحقا ورجع به على صاحبه أنه لا يعتق وهذا هو الفقه بعينه وصرحوا أن الرجل لو علق طلاق امرأته بشرط فظن أن الشرط قد وقع فقال: quot; اذهبي فأنت طالق quot; وهو يظن أن الطلاق قد وقع بوجود الشرط فبان أن الشرط لم يوجد لم يقع الطلاق ونص على ذلك شيخنا قدس الله روحه ومن هذا القبيل ما لو قال quot; حلفت بطلاق امرأتي ثلاثا ألا أفعل كذا quot; وكان كاذبا ثم فعله لم يحنث ولم تطلق عليه امرأته. قال الشيخ في المغني: إذا قال: حلفت ولم يكن حلف فقال الإمام أحمد: هي كذبة ليس عليه يمين وعنه عليه الكفارة لأنه أقر على نفسه والأول هو المذهب لأنه حكم فيما بينه وبين الله تعالى فإنه كذب في الخبر به كما لو قال: quot; ما صليت quot; وقد صلى. قلت: قال أبو بكر عبد العزيز: باب القول في إخبار الإنسان بالطلاق واليمين كاذبا قال في رواية الميموني: إذا قال: quot; حلفت بيمين quot; ولم يكن حلف فعليه كفارة يمين فإن قال: quot; قد حلفت بالطلاق quot; ولم يكن حلف بها يلزمه الطلاق ويرجع إلى نيته في الواحدة والثلاث وقال في رواية محمد بن الحكم في الرجل يقول: قد حلفت ولم يكن حلف: فهي(4\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "977",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "979",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كذبة ليس عليه يمين فاختلف أصحابنا على ثلاث طرق إحداها: أن المسألة على روايتين والثانية -: وهي طريقة أبي بكر - قال عقيب حكاية الروايتين: قال عبد العزيز في الطلاق: يلزمه وفيما لا يكون من الأيمان: لا يلزمه والطريقة الثالثة: أنه حيث ألزمه أراد به في الحكم وحيث لم يلزمه بقي فيما بينه وبين الله وهذه الطريقة أفقه وأطرد على أصول مذهبه والله أعلم فصل: وأما مذهب مالك في هذا الفصل فالمشهور فيه التفريق بين النسيان والجهل والخطإ وبين الإكراه والعجز ونحن نذكر كلام أصحابه في ذلك. قالوا: من حلف ألا يفعل حنث بحصول الفعل عمدا أو سهوا أو خطأ واختار أبو القاسم السيوري ومن تبعه من محققي الأشياخ أنه لا يحنث إذا نسي اليمين وهذا اختيار القاضي أبي بكر بن العربي قالوا: ولو أكره لم يحنث. فصل: في تعذر فعل المحلوف عليه وعجز الحالف عنه. قال أصحاب مالك: من حلف على شيء ليفعلنه فحيل بينه وبين فعله فإن أجل أجلا فامتنع الفعل لعدم المحل وذهابه كموت العبد المحلوف على ضربه أو الحمامة المحلوف على ذبحها فلا حنث عليه بلا خلاف منصوص وإن امتنع الفعل لسبب منع الشرع كمن حلف ليطأن زوجته أو أمته فوجدها حائضا فقيل: لا شيء عليه. قلت: وهذا هو الصواب لأنه إنما حلف على وطء يملكه ولم يقصد الوطء الذي لم يملكه الشارع إياه فإن قصده حنث وهذا هو الصواب: لأنه إنما حلف على وطء يملكه وهكذا في صورة العجز الصواب أنه لا يحنث فإنه إنما حلف على شيء يدخل تحت قدرته ولم يلتزم فعل ما لا يقدر عليه فلا تدخل حالة العجز تحت يمينه وهذا بعينه قد قالوه في المكره والناسي والمخطئ والتفريق تناقض ظاهر فالذي يليق بقواعد أحمد وأصوله أنه لا يحنث في صورة العجز سواء كان العجز لمنع شرعي أو منع كوني قدري كما هو قوله فيما لو كان العجز لإكراه مكره ونصه على خلاف ذلك لا يمنع أن يكون عنده رواية مخرجة من أصوله المذكورة وهذا من أظهر التخريج فلو وطئ مع الحيض وعصى فهل يتخلص من الحنث فيه وجهان في مذهب مالك وأحمد أحدهما: يتخلص وإن أثم بالوطء كما لو حلف بالطلاق ليشربن هذه الخمر فشربها فإنه لا تطلق عليه زوجته والثاني(4\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "978",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "980",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يبر لأنه إنما حلف على فعل وطء مباح فلا تتناول يمينه المحرم فيقال: إذا كان إنما حلف على وطء مأذون فيه شرعا لم تتناول يمينه المحرم فلا يحنث بتركه بعين ما ذكرتم من الدليل وهذا ظاهر وحرف المسألة أن يمينه لم تتناول المعجوز عنه لا شرعا ولا قدرا فلا يحنث بتركه وإن كان الامتناع بمنع ظالم كالغاصب والسارق أو غير ظالم كالمستحق فهل يحنث أم لا قال أشهب: لا يحنث وهو الصواب لما ذكر وقال غيره من أصحاب مالك: يحنث لأن المحل باق وإنما حيل بينه وبين الفعل فيه وللشافعي في هذا الأصل قولان. قال أبو محمد الجويني: ولو حلف ليشربن ما في هذه الإداوة غدا فأريق قبل الغد بغير اختياره فعلى قولي الإكراه قال: والأولى أن لا يحنث وإن حنثنا المكره لعجزه عن الشرب وقدرة المكره على الامتناع فجعل الشيخ أبو محمد العاجز أولى بالعذر من المكره وسوى غيره بينهما ولا ريب أن قواعد الشريعة وأصولها تشهد بهذا القول فإن الأمر والنهي من الشارع نظير الحض والمنع في اليمين وكما أن أمره ونهيه منوط بالقدرة فلا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة فكذلك الحض والمنع في اليمين إنما هو مقيد بالقدرة. يوضحه أن الحالف يعلم أن سر نفسه أنه لم يلتزم فعل المحلوف عليه مع العجز عنه وإنما التزمه مع قدرته عليه ولهذا لم يحنث المغلوب على الفعل بنسيان أو إكراه ولا من لا قصد له إليه كالمغمى عليه وزائل العقل وهذا قول جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنفية وهو مقتضى أصول الإمام أحمد وإن كان المنصوص عنه خلافه فإنه قال في رواية ابنه صالح: إذا حلف أن يشرب هذا الماء الذي في هذا الإناء فانصب فقد حنث ولو حلف أن يأكل رغيفا فجاء كلب فأكله فقد حنث لأن هذا لا يقدر عليه وقال في رواية جعفر بن محمد: إذا حلف الرجل على غريمه أن لا يفارقه حتى يستوفي منه ماله فهرب منه مخاتلة فإنه يحنث وهذا وأمثاله من نصوصه مبني على قوله في المكره والناسي والجاهل quot; إنه يحنث quot; كما نص عليه فإنه قال في رواية أبي الحارث: إذا حلف أن لا يدخل الدار فحمل كرها فأدخل فإنه لا يحنث وكذلك نص على حنث الناسي والجاهل فقد جعل الناسي والجاهل والمكره والعاجز بمنزلة ونص في رواية أبي طالب: إذا حلف أن لا يدخل الدار فحمل كرها فأدخل فلا شيء عليه وقد قال في رواية أحمد بن القاسم: والذباب يدخل حلق الصائم والرجل يرمي بالشيء فيدخل حلق الآخر وكل أمر غلب عليه فليس عليه قضاء ولا غيره وتواترت نصوصه فيمن أكل في رمضان أو شرب ناسيا فلا قضاء(4\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "979",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "981",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه فقد سوى بين الناسي والمغلوب وهذا محض القياس والفقه ومقتضى ذلك التسوية بينهما في باب الأيمان كما نص عليه في المكره فتخرج مسألة العاجز والمغلوب على الروايتين بل المغلوب والعاجز أولى بعدم الحنث من الناسي والجاهل كما تقدم بيانه وبالله التوفيق.  [فصل حكم التزام الطلاق] فصل: [حكم التزام الطلاق] المخرج السادس: أخذه بقول من يقول إن التزام الطلاق لا يلزم ولا يقع به طلاق ولا حنث وهذا إذا أخرجه بصيغة الالتزام كقوله: quot; الطلاق يلزمني أو لازم لي أو ثابت علي أو حق علي أو واجب علي أو متعين علي إن فعلت أو إن لم أفعله quot; وهذا مذهب أبي حنيفة وبه أفتى جماعة من مشايخ مذهبه وبه أفتى القفال في قوله: quot; الطلاق يلزمني quot; ونحن نذكر كلامهم بحروفه. [كلام الحنفية] قال صاحب الذخيرة من الحنفية: لو قال لها: quot; طلاقك علي واجب أو لازم أو فرض أو ثابت quot; ذكر أبو الليث خلافا بين المتأخرين فمنهم من قال: يقع واحدة رجعية نوى أو لم ينو ومنهم من قال: لا يقع نوى أو لم ينو ومنهم من قال: في قوله: quot; واجب quot; يقع بدون النية وفي قوله: quot; لازم quot; لا يقع وإن نوى وعلى هذا الخلاف إذا قال: quot; إن فعلت كذا فطلاقك علي واجب أو قال لازم أو ثابت quot; ففعلت وذكر القدوري في شرحه أن على قول أبي حنيفة لا يقع الطلاق في الكل وعند أبي يوسف إن نوى الطلاق يقع في الكل وعن محمد أنه يقع في قوله لازم ولا يقع في قوله واجب ثم ذكر من اختار من المشايخ الوقوع ومن اختار عدمه فقال: وكان الإمام ظهير الدين المرغيناني يفتي بعدم الوقوع في الكل. [كلام الشافعية] وقال القفال في فتاويه: إذا قال: quot; الطلاق يلزمني quot; فليس بصريح ولا كناية حتى لا يقع به وإن نواه ولهذا القول مأخذان أحدهما: أن الطلاق لا بد فيه من الإضافة إلى المرأة ولم تتحقق الإضافة هاهنا ولهذا لو قال: quot; أنا منك طالق quot; لم تطلق ولو قال لها: quot; طلقي نفسك quot; فقالت: quot; أنت طالق quot; لم تطلق والمأخذ الثاني - وهو مأخذ أصحاب أبي حنيفة -: أنه التزام لحكم الطلاق وحكمه لا يلزمه إلا بعد وقوعه وكأنه قال: quot; فعلي أن(4\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "980",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "982",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أطلقك quot; وهو لو صرح بهذا لم تطلق بغير خلاف فهكذا المصدر وسر المسألة أن ذلك التزام لأن يطلق أو التزام لطلاق واقع فإن كان التزاما لأن يطلق لم تطلق وإن كان التزاما لطلاق واقع فكأنه قال: quot; إن فعلت كذا فأنت طالق طلاقا يلزمني quot; طلقت إذا وجد الشرط ولمن رجح هذا أن يحيل فيه على العرف فإن الحالف لا يقصد إلا هذا ولا يقصد التزام التطليق وعلى هذا فيظهر أن يقال: إن نوى بذلك التزام التطليق لم تطلق وإن نوى وقوع الطلاق طلقت وهذا قول أبي يوسف وقول جمهور أصحاب الشافعي ومن جعله صريحا في وقوع الطلاق حكم فيه بالعرف وغلبة استعمال هذا اللفظ في وقوع الطلاق وهذا قول أبي المحاسن الروياني والوجوه الثلاثة في مذهب الشافعي حكاها شارح التنبيه وغيره. [قولان آخران للحنفية] وفي المسألة قولان آخران وهما للحنفية: أحدهما: أنه إن قال: quot; فالطلاق علي واجب quot; يقع نواه أو لم ينوه وإن قال: quot; فالطلاق لي لازم quot; لا يقع نواه أو لم ينوه ووجه هذا الفرق أن قوله quot; لازم quot; التزام لأن يطلق فلا تطلق بذلك وقوله quot; واجب quot; إخبار عن وجوبه عليه ولا يكون واجبا إلا وقد وقع ولمن سوى بينهما أن يقول: هو إيجاب للتطليق وإخبار عن وقوع الطلاق ولا ريب أن اللفظ محتمل لهما كاحتمال قوله: quot; الطلاق يلزمني quot; سواء وهذا هو الصواب والفرق تحكم. والثاني: قول محمد بن الحسن وهو عكس هذا القول أن الطلاق يقع بقوله: quot; الطلاق لي لازم أو يلزمني quot; ولا يقع بقوله: quot; هو علي واجب quot; وعلى هذا الخلاف قوله: quot; إن فعلت كذا فالعتق يلزمني أو فعلي العتق أو فالعتق لازم لي أو واجب علي quot;.  [فصل الطلاق المعلق] فصل: [المخرج السابع وفيه البحث في الطلاق المعلق يراد به الحض أو المنع] المخرج السابع: أخذه بقول أشهب من أصحاب مالك بل هو أفقههم على الإطلاق فإنه قال: إذا قال الرجل لامرأته: quot; إن كلمت زيدا أو خرجت من بيتي بغير إذني quot; ونحو ذلك مما يكون من فعلها quot; فأنت طالق quot; وكلمت زيدا أو خرجت من بيته تقصد أن يقع عليها الطلاق لم تطلق حكاه أبو الوليد بن رشد في كتاب الطلاق من كتاب المقدمات له وهذا القول هو الفقه بعينه ولا سيما على أصول مالك وأحمد في مقابلة العبد بنقيض قصده كحرمان القاتل ميراثه من المقتول وحرمان الموصى له وصية من قتله بعد الوصية وتوريث امرأة من طلقها في مرض موته فرارا من ميراثها وكما يقوله مالك وأحمد في إحدى(4\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "981",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "983",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الروايتين عنهما وقبلهما عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فيمن تزوج في العدة وهو يعلم: يفرق بينهما ولا تحل له أبدا ونظائر ذلك كثيرة فمعاقبة المرأة هاهنا بنقيض قصدها هو محض القياس والفقه ولا ينتقض هذا على أشهب بمسألة المخيرة ومن جعل طلاقها بيدها لأن الزوج قد ملكها ذلك وجعله بيدها بخلاف الحالف فإنه لم يقصد طلاقها بنفسه ولا جعله بيدها باليمين حتى لو قصد ذلك فقال: quot; إن أعطيتني ألفا فأنت طالق quot; أو quot; إن أبرأتني من جميع حقوقك فأنت طالق quot; فأعطته أو أبرأته طلقت. ولا ريب أن هذا الذي قال أشهب أفقه من القول بوقوع الطلاق فإن الزوج إنما قصد حضها ومنعها ولم يقصد تفويض الطلاق إليها ولا خطر ذلك بقلبه ولا قصد وقوع الطلاق عند المخالفة ومكان أشهب من العلم والإمامة غير مجهول فذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الانتقاء عن محمد بن عبد الله بن عبد الحي قال: أشهب أفقه منكم ومن ابن القاسم مائة مرة وأنكر ابن كنانة ذلك قال: ليس عندنا كما قال محمد وإنما قاله لأن أشهب شيخه ومعلمه قال أبو عمر: أشهب شيخه ومعلمه وابن القاسم شيخه وهو أعلم بهما لكثرة مجالسته لهما وأخذه عنهما.  [فصل هل الحلف بالطلاق يمين أو لا] فصل: [هل الحلف بالطلاق يمين أو لا] المخرج الثامن: أخذه بقول من يقول إن الحلف بالطلاق لا يلزم ولا يقع على الحانث به طلاق ولا يلزمه كفارة ولا غيرها وهذا مذهب خلق من السلف والخلف صح ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. قال بعض الفقهاء المالكية وأهل الظاهر: ولا يعرف لعلي في ذلك مخالف من الصحابة هذا لفظ أبي القاسم التيمي في شرح أحكام عبد الحق وقاله قبله أبو محمد بن حزم وصح ذلك عن طاوس أجل أصحاب ابن عباس - رضي الله عنه - وأفقههم على الإطلاق. قال عبد الرزاق في مصنفه: أنبأنا ابن جريج قال: أخبرني ابن طاوس عن أبيه أنه كان يقول: الحلف بالطلاق ليس شيئا قلت: أكان يراه يمينا قال: لا أدري وهذا أصح إسناد عمن هو من أجل التابعين وأفقههم وقد وافقه أكثر من أربعمائة عالم ممن بنى فقهه على نصوص الكتاب والسنة دون القياس ومن آخرهم أبو محمد بن حزم. قال في كتابه المحلى: مسألة اليمين بالطلاق لا يلزم سواء بر أو حنث لا يقع به طلاق ولا طلاق إلا كما أمر الله تعالى ولا يمين إلا كما شرع الله تعالى على لسان رسوله ثم قرر(4\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "982",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "984",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك وساق اختلاف الناس في ذلك ثم قال: فهؤلاء علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وشريح وطاوس لا يقضون بالطلاق على من حلف به فحنث ولا يعرف في ذلك لعلي كرم الله وجهه مخالف من الصحابة - رضي الله عنهم -. قلت: أما أثر علي - رضي الله عنه - فرواه حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن رجلا تزوج امرأة وأراد سفرا فأخذه أهل امرأته فجعلها طالقا إن لم يبعث بنفقتها إلى شهر فجاء الأجل ولم يبعث إليها بشيء فلما قدم خاصموه إلى علي فقال علي كرم الله وجهه: اضطهدتموه حتى جعلها طالقا فردها عليه ولا متعلق لهم بقوله quot; اضطهدتموه quot; لأنه لم يكن هناك إكراه فإنهم إنما طالبوه بحق نفقتها فقط ومعلوم أن ذلك ليس بإكراه على الطلاق ولا على اليمين وليس في القصة أنهم أكرهوه بالقتل أو بالضرب أو بالحبس أو أخذ المال على اليمين حتى يكون يمين مكره والسائلون لم يقولوا لعلي شيئا من ذلك ألبتة وإنما خاصموه في حكم اليمين فقط فنزل علي كرم الله وجهه ذلك منزلة المضطهد حيث لم يرد طلاق امرأته وإنما أراد التخلص إلى سفره بالحلف فالحالف والمضطهد كل منهما لم يرد طلاق امرأته فالمضطهد محمول على الطلاق تكلم به ليتخلص من ضرر الإكراه والحالف حلف به ليتوصل إلى غرضه من الحض أو المنع أو التصديق أو التكذيب ولو اختلف حال الحالف بين أن يكون مكرها أو مختارا لسأله علي كرم الله وجهه عن الإكراه وشروطه وحقيقته وبأي شيء أكره وهذا ظاهر بحمد الله فارض للمقلد بما رضي لنفسه. وأما أثر شريح ففي مصنف عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن شريح أنه خوصم إليه في رجل طلق امرأته إن أحدث في الإسلام حدثا فاكترى بغلا إلى حمام أعين فتعدى به إلى أصبهان فباعه واشترى به خمرا فقال شريح: إن شئتم شهدتم عليه أنه طلقها فجعلوا يرددون عليه القصة ويردد عليهم فلم يره حدثا ولا متعلق لقول الراوي - إما محمد وإما هشام - فلم يره حدثا فإنما ذلك ظن منه. قال أبو محمد: وأي حدث أعظم ممن تعدى من حمام أعين وهو على مسيرة أميال يسيرة من الكوفة إلى أصبهان ثم باع بغل مسلم ظلما واشترى به خمرا . قلت: والظاهر أن شريحا لما ردت عليه المرأة ظن من شاهد القصة أنه لم ير ذلك حدثا إذ لو رآه حدثا لأوقع عليها الطلاق وشريح إنما ردها لأنه علم أنه لم يقصد طلاق امرأته وإنما قصد اليمين فقط فلم يلزمه بالطلاق فقال الراوي فيهم: فلم ير ذلك حدثا وشريح أفقه في دين الله أن لا يرى مثل هذا حدثا.(4\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "983",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "985",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وممن روى عنه عدم وقوع الطلاق على الحالف إذا حنث عكرمة مولى ابن عباس كما ذكره سنيد بن داود في تفسيره في أول سورة النور عنه بإسناده أنه سئل عن رجل حلف بالطلاق أنه لا يكلم أخاه فكلمه فلم ير ذلك طلاقا ثم قرأ: ولا تتبعوا خطوات الشيطان [البقرة: 168] . ومن تأمل المنقول عن السلف في ذلك وجده أربعة أنواع: صريح في عدم الوقوع وصريح في الوقوع وظاهر في عدم الوقوع وتوقف عن الطرفين فالمنقول عن طاوس وعكرمة صريح في عدم الوقوع وعن علي - عليه السلام - وشريح ظاهر في ذلك وعن ابن عيينة صريح في التوقف. وأما التصريح بالوقوع فلا يؤثر عن صحابي واحد إلا فيما هو محتمل لإرادة الوقوع عند الشرط كالمنقول عن أبي ذر بل الثابت عن الصحابة عدم الوقوع في صورة العتق الذي هو أولى بالنفوذ من الطلاق ولهذا ذهب إليه أبو ثور وقال: القياس أن الطلاق مثله إلا أن تجمع الأمة عليه فتوقف في الطلاق لتوهم الإجماع. وهذا عذر أكثر الموقعين للطلاق وهو ظنهم أن الإجماع على الوقوع مع اعترافهم أنه ليس في الكتاب والسنة والقياس الصحيح ما يقتضي الوقوع وإذا تبين أنه ليس في المسألة إجماع تبين أن لا دليل أصلا يدل على الوقوع والأدلة الدالة على عدم الوقوع في غاية القوة والكثرة وكثير منها لا سبيل إلى دفعه فكيف يجوز معارضتها بدعوى إجماع قد علم بطلانه قطعا فليس بأيدي الموقعين آية من كتاب أو سنة ولا أثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أصحابه ولا قياس صحيح والقائلون بعدم الوقوع لو لم يكن معهم إلا الاستصحاب الذي لا يجوز الانتقال عنه إلا لما هو أقوى منه لكان كافيا فكيف ومعهم الأقيسة التي أكثرها من باب قياس الأولى والباقي من القياس المساوي وهو قياس النظير على نظيره والآثار والعمومات والمعاني الصحيحة والحكم والمناسبات التي شهد لها الشرع بالاعتبار ما لم يدفعهم منازعوهم عنهم بحجة أصلا وقولهم وسط بين قولين متباينين غاية التباين: أحدهما قول من يعتبر التعليق فيوقع به الطلاق على كل حال سواء كان تعليقا قسميا يقصد به الحالف منع الشرط والجزاء أو تعليقا شرطيا يقصد به حصول الجزاء عند حصول الشرط والثاني قول من يقول: إن هذا التعليق كله لغو لا يصح بوجه ما ولا يقع الطلاق به ألبتة كما سنذكره في المخرج الذي بعد هذا إن شاء الله فهؤلاء توسطوا بين الفريقين وقالوا: يقع الطلاق في صورة التعليق المقصود به وقوع الجزاء ولا يقع في صورة التعليق القسمي وحجتهم قائمة على الفريقين وليس لأحد منهما حجة صحيحة عليهم بل كل حجة صحيحة احتج بها الموقعون فإنما تدل على الوقوع في صورة التعليق المقصود. وكل(4\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "984",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "986",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حجة احتج بها المانعون صحيحة فإنما تدل على عدم الوقوع في صورة التعليق القسمي فهم قائلون بمجموع حجج الطائفتين وجامعون للحق الذي مع الفريقين ومعارضون قول كل من الفريقين وحججهم [بقول الفريق الآخر وحججهم] .  [فصل الطلاق المعلق بالشرط] فصل: [المخرج التاسع وفيه حكم الطلاق المعلق بالشرط] المخرج التاسع: أخذه بقول من يقول: إن الطلاق المعلق بالشرط لا يقع ولا يصح تعليق الطلاق كما لا يصح تعليق النكاح وهذا اختيار أبي عبد الرحمن أحمد بن يحيى بن عبد العزيز الشافعي أحد أصحاب الشافعي الأجلة أو أجلهم وكان الشافعي يجله ويكرمه ويكنيه ويعظمه وأبو ثور وكانا يكرمانه وكان بصره ضعيفا فكان الشافعي يقول: لا تدفعوا إلى أبي عبد الرحمن الكتاب يعارض به فإنه يخطئ وذكره أبو إسحاق الشيرازي في طبقات أصحاب الشافعي ومحل الرجل من العلم والتضلع منه لا يدفع وهو في العلم بمنزلة أبي ثور وتلك الطبقة وكان رفيق أبي ثور وهو أجل من جميع أصحاب الوجوه من المنتسبين إلى الشافعي فإذا نزل بطبقته إلى طبقة أصحاب الوجوه كان قوله وجها وهو أقل درجاته. وهذا مذهب لم ينفرد به بل قد قال به غيره من أهل العلم قال أبو محمد بن حزم في المحلى: والطلاق بالصفة عندنا كما هو الطلاق باليمين كل ذلك لا يلزم وبالله التوفيق ولا يكون طلاقا إلا كما أمر الله تعالى وعلمه وما عداه فباطل وتعد لحدود الله تعالى. وهذا القول وإن لم يكن قويا في النظر فإن الموقعين للطلاق لا يمكنهم إبطاله ألبتة لتناقضهم وكان أصحابه يقولون لهم: قولنا في تعليق الطلاق بالشرط كقولكم في تعليق الإبراء أو الهبة والوقف والبيع والنكاح سواء فلا يمكنكم ألبتة أن تفرقوا بين ما صح تعليقه من عقود التبرعات والمعاوضات والإسقاطات بالشروط وما لا يصح تعليقه فلا تبطلوا قول منازعيكم في صحة تعليق الطلاق بالشرط بشيء إلا كان هو بعينه حجة عليكم في إبطال قولكم في منع صحة تعليق الإبراء والهبة والوقف والنكاح فما الذي أوجب إلغاء هذا التعليق وصحة ذلك التعليق فإن فرقتم بالمعاوضة وقلتم: quot; إن عقود المعاوضات لا تقبل التعليق بخلاف غيرها quot; انتقض عليكم طردا بالجعالة وعكسا بالهبة والوقف فانتقض عليكم الفرق طردا وعكسا وإن فرقتم بالتمليك والإسقاط فقلتم: quot; عقود التمليك لا تقبل(4\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "985",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "987",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التعليق بخلاف عقود الإسقاط quot; انتقض أيضا طرده بالوصية وعكسه بالإبراء فلا طرد ولا عكس وإن فرقتم بالإدخال في ملكه والإخراج عن ملكه فصححتم التعليق في الثاني دون الأول انتقض أيضا فرقكم فإن الهبة والإبراء إخراج عن ملكه ولا يصح تعليقهما عندكم وإن فرقتم بما يحتمل الغرر وما لا يحتمله فما يحتمل الغرر والأخطار يصح تعليقه بالشرط كالطلاق والعتق والوصية وما لا يحتمله لا يصح تعليقه كالبيع والنكاح والإجارة انتقض عليكم بالوكالة فإنها لا تقبل التعليق عندكم وتحتمل الخطر ولهذا يصح أن يوكله في شراء عبد ولا يذكر قدره ولا وصفه ولا سنه ولا ثمنه بل يكفي ذكر جنسه فقط أو أن يوكله في شراء دار ويكتفي بذكر محلها وسكنها فقط وأن يوكله في التزوج بامرأة فقط ولا يزيد على كونها امرأة ولا يذكر له جنس مهرها ولا قدره ولا وصفه وأي خطر فوق هذا ومع ذلك منعتم من تعليقها بالشرط وطرد هذا الفرق يوجب عليكم صحة تعليق النكاح بالشرط فإنه يحتمل من الخطر ما لا يحتمل غيره من العقود فلا يشترط فيه رؤية الزوجة ولا صفتها ولا تعيين العوض جنسا ولا قدرا ولا وصفا ويصح مع جهالته وجهالة المرأة ولا يعلم عقد يحتمل من الخطر ما يحتمله فهو أولى بصحة التعليق من الطلاق والعتاق إن صح هذا الفرق. وقد نص الشافعي على صحة تعليقه فيما لو قال: quot; إن كانت جاريتي ولدت بنتا فقد زوجتكها quot; وهذا وإن لم يكن تعليقا على شرط مستقبل فليس بمنزلة قوله: quot; متى ولدت جارية فقد زوجتكها quot; لأن هذا فيه خطر ليس في صورة النص وهذا فرق صحيح ولكن لم يوفوه حقه ولم يطرد فقهه فلو قال: quot; إن كان أبي مات وورثت منه هذا المتاع فقد بعتكه quot; أبطلتموه وقلتم: هو بيع معلق على شرط والبطلان هاهنا في غاية البعد من الفقه ولا معنى تحته ولا خطر هناك ولا غرر ألبتة وقد نص الإمام أحمد على صحة تعليق النكاح على الشرط. قال صاحب المستوعب: وأما إذا علق انعقاد النكاح على شرط مثل أن يقول: quot; زوجتك إذا جاء رأس الشهر أو إذا رضيت أمها quot; ففيه روايتان: إحداهما يبطل النكاح من أصله والأخرى يصح. وذكر في هذا الفصل أنه إذا تزوجها بشرط الخيار وإن جاءها بالمهر إلى وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما ففيه روايتان إحداهما: يبطل النكاح من أصله والثانية: يبطل الشرط ويصح العقد نص عليه في رواية الأثرم وقد ذكر القاضي رواية عنه أنه إذا تزوجها بشرط الخيار يصح العقد والشرط جميعا فصار عنه ثلاث روايات: صحة العقد والشرط وبطلانهما وصحة العقد وفساد الشرط لكن هذا فيما إذا شرط الخيار أو إن جاءها بالمهر إلى وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما. وأما إذا قال:(4\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "986",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "988",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "زوجتك إن رضيت أمها quot; فنص على صحة العقد إذا رضيت أمها. [وقال: هو نكاح] وقال في رواية عبد الله وصالح وحنبل: نكاح المتعة حرام وكل نكاح فيه وقت أو شرط فاسد. والمقصود أن المفرقين بين ما يقبل التعليق بالشروط وما لا يقبل إلى الآن لم يستقر لهم ضابط في الفرق فمن قال من أهل الظاهر وغيرهم إن الطلاق لا يصح تعليقه بالشرط لم يتمكن من الرد عليه من قوله مضطرب فيما يعلق وما لا يعلق ولا يرد عليه بشيء إلا تمكن من رده عليهم بمثله أو أقوى منه وإن ردوا عليه بمخالفته لآثار الصحابة رد عليهم بمخالفة النصوص المرفوعة في صور عديدة قد تقدم ذكر بعضها وإن فرقوا طالبهم بضابط ذلك أولا وبتأثير الفرق شرعا ثانيا فإن الوصف الفارق لا بد أن يكون مؤثرا كالوصف الجامع فإنه لا يصح تعليق الأحكام جمعا وفرقا بالأوصاف التي لا يعلم أن الشارع اعتبرها فإنه وضع شرع لم يأذن به الله وبالجملة فليس بطلان هذا القول أظهر في الشريعة من بطلان التحليل بل العلم بفساد نكاح التحليل أظهر من العلم بفساد هذا القول فإذا جاز التقرير على التحليل وترك إنكاره مع ما فيه من النصوص والآثار التي اتفق عليها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنع منه ولعن فاعله وذمه فالتقرير على هذا القول أجود وأجوز. هذا ما لا يستريب فيه عالم منصف وإن كان الصواب في خلاف القولين جميعا ولكن أحدهما أقل خطأ وأقرب إلى الصواب والله أعلم.  [فصل زوال سبب اليمين] فصل: [المخرج العاشر زوال سبب اليمين] المخرج العاشر: مخرج زوال السبب وقد كان الأولى تقديمه على هذا المخرج لقوته وصحته فإن الحكم يدور مع علته وسببه وجودا وعدما ولهذا إذا علق الشارع حكما بسبب أو علة زال ذلك الحكم بزوالهما كالخمر علق بها حكم التنجيس ووجوب الحد لوصف الإسكار فإذا زال عنها وصارت خلا زال الحكم وكذلك وصف الفسق علق عليه المنع من قبول الشهادة والرواية فإذا زال الوصف زال الحكم الذي علق عليه وكذلك السفه والصغر والجنون والإغماء تزول الأحكام المعلقة عليها بزوالها والشريعة مبنية على هذه القاعدة فهكذا الحالف إذا حلف على أمر لا يفعله لسبب فزال السبب لم يحنث بفعله لأن يمينه تعلقت به لذلك الوصف فإذا زال الوصف زال تعلق اليمين فإذا دعي إلى شراب مسكر ليشربه فحلف أن لا يشربه فانقلب خلا فشربه لم يحنث فإن منع نفسه منه نظير منع(4\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "987",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "989",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشارع فإذا زال منع الشارع بانقلابه خلا وجب أن يزول منع نفسه بذلك والتفريق بين الأمرين تحكم محض لا وجه له فإذا كان التحريم والتنجيس ووجوب الإراقة ووجوب الحد وثبوت الفسق قد زال بزوال سببه فما الموجب لبقاء المنع في صورة اليمين وقد زال سببه وهل يقتضي محض الفقه إلا زوال حكم اليمين يوضحه أن الحالف يعلم من نفسه أنه لم يمنعها من شرب غير المسكر ولم يخطر بباله فإلزامه ببقاء quot; حكم اليمين وقد زال سببها إلزام بما لم يلتزمه هو ولا ألزمه به الشارع وكذلك لو حلف على رجل أن لا يقبل له قولا ولا شهادة لما يعلم من فسقه ثم تاب وصار من خيار الناس فإنه يزول حكم المنع باليمين كما يزول حكم المنع من ذلك بالشرع وكذلك إذا حلف أن لا يأكل هذا الطعام أو لا يلبس هذا الثوب أو لا يكلم هذه المرأة ولا يطأها لكونه لا يحل له ذلك فملك الطعام والثوب وتزوج المرأة فأكل الطعام ولبس الثوب ووطئ المرأة لم يحنث لأن المنع بيمينه كالمنع بمنع الشارع ومنع الشارع يزول بزوال الأسباب التي ترتب عليها المنع فكذلك منع الحالف وكذلك إذا حلف لا دخلت هذه الدار. وكان سبب يمينه أنها تعمل فيها المعاصي وتشرب الخمر فزال ذلك وعادت مجمعا للصالحين وقراءة القرآن والحديث أو قال: quot; لا أدخل هذا المكان quot; لأجل ما رأى فيه من المنكر فصار بيتا من بيوت الله تقام فيه الصلوات لم يحنث بدخوله وكذلك إذا حلف لا يأكل لفلان طعاما وكان سبب اليمين أنه يأكل الربا ويأكل أموال الناس بالباطل فتاب وخرج من المظالم وصار طعامه من كسب يده أو تجارة مباحة لم يحنث بأكل طعامه ويزول حكم منع اليمين كما يزول حكم منع الشارع وكذلك لو حلف لا بايعت فلانا وسبب يمينه كونه مفلسا أو سفيها فزال الإفلاس والسفه فبايعه لم يحنث وأضعاف أضعاف هذه المسائل كما إذا اتهم بصحبة مريب فحلف لا أصاحبه فزالت الريبة وخلفها ضدها فصاحبه لم يحنث وكذلك لو حلف المريض لا يأكل لحما أو طعاما وسبب يمينه كونه يزيد في مرضه فصح وصار الطعام نافعا له لم يحنث بأكله. وقد صرح الفقهاء بمسائل من هذا الجنس فمنها: لو حلف لوال أن لا أفارق البلد إلا بإذنك فعزل ففارق البلد بغير إذنه لم يحنث ومنها: لو حلف على زوجته لا تخرجين من بيتي إلا بإذني أو على عبده لا يخرج إلا بإذنه ثم طلق الزوجة وأعتق العبد فخرجا بغير إذنه لم يحنث ذكره أصحاب الإمام أحمد. قال صاحب المغني: لأن قرينة الحال تنقل حكم الكلام إلى نفسها وهو يملك منع الزوجة والعبد مع ولايته عليهما فكأنه قال: ما دمتما في ملكي ولأن السبب يدل على النية في الخصوص كدلالته عليها في العموم وكذلك لو حلف لقاض أن لا أرى منكرا إلا(4\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "988",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "990",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رفعته إليك فعزل لم يحنث بعدم الرفع إليه بعد العزل وكذلك إذا حلف لامرأته ألا أبيت خارج بيتك أو خارج هذه الدار فماتت أو طلقها لم يحنث إذا بات خارجها وكذلك إذا حلف على ابنه ألا يبيت خارج البيت لخوفه عليه من الفساق لكونه أمرد فالتحى وصار شيخا لم يحنث بمبيته خارج الدار وهذا كله مذهب مالك وأحمد فإنهما يعتبران النية في الأيمان وبساط اليمين وسببها وما هيجها فيحملان اليمين على ذلك. [قف على اعتبارهم بساط اليمين] وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب الأيمان من كتابه الكافي في مذهب مالك: والأصل في هذا الباب مراعاة ما نواه الحالف فإن لم تكن له نية نظر إلى بساط قصته وما أثاره على الحلف ثم حكم عليه بالأغلب من ذلك في نفوس أهل وقته. وقال صاحب الجواهر: المقتضيات للبر والحنث أمور الأول: النية إذا كانت مما يصلح أن يراد اللفظ بها سواء كانت مطابقة له أو زائدة فيه أو ناقصة عنه بتقييد مطلقه وتخصيص عامه الثاني: السبب المثير لليمين يتعرف منه ويعبر عنه بالبساط أيضا وذلك أن القاصد لليمين لا بد أن تكون له نية وإنما يذكرها في بعض الأوقات وينساها في بعضها فيكون المحرك على اليمين - وهو البساط - دليلا عليها لكن قد يظهر مقتضى المحرك ظهورا لا إشكال فيه وقد يخفى في بعض الحالات وقد يكون ظهوره وخفاؤه بالإضافة. وكذلك أصحاب الإمام أحمد صرحوا باعتبار النية وحمل اليمين على مقتضاها فإن عدمت رجع إلى سبب اليمين وما هيجها فحمل اللفظ عليه لأنه دليل على النية. حتى صرح أصحاب مالك فيمن دفن مالا ونسي مكانه فبحث عنه فلم يجده فحلف على زوجته أنها هي التي أخذته ثم وجده لم يحنث قالوا: لأن قصده ونيته إنما هو إن كان المال قد ذهب فأنت التي أخذته فتأمل كيف جعلوا القصد والنية في قوة الشرط وهذا هو محض الفقه. ونظير هذا ما لو دعي إلى طعام فظنه حراما فحلف لا أطعمه ثم ظهر أنه حلال لا شبهة فيه فإنه لا يحنث بأكله لأن يمينه إنما تعلقت به إن كان حراما وذلك قصده. ومثله لو مر به رجل فسلم عليه فحلف لا يرد عليه السلام لظنه أنه مبتدع أو ظالم أو فاجر فظهر أنه غير ذلك الذي ظنه لم يحنث بالرد عليه.(4\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "989",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "991",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومثله لو قدمت له دابة ليركبها فظنها قطوفا أو جموحا أو متعسرة الركوب فحلف لا يركبها فظهرت له بخلاف ذلك لم يحنث بركوبها. وقال أبو القاسم الخرقي في مختصره: ويرجع في الأيمان إلى النية فإن لم ينو شيئا رجع إلى سبب اليمين وما هيجها. وقال أصحاب الإمام أحمد: إذا دعي إلى غداء فحلف أن لا يتغدى أو قيل له اقعد فحلف أن لا يقعد اختصت يمينه بذلك الغداء وبالقعود في ذلك الوقت لأن عاقلا لا يقصد أن لا يتغدى أبدا ولا يقعد أبدا. ثم قال صاحب المغني: إن كان له نية فيمينه على ما نوى وإن لم تكن له نية فكلام أحمد يقتضي روايتين إحداهما: أن اليمين محمولة على العموم لأن أحمد سئل عن رجل حلف أن لا يدخل بلدا لظلم رآه فيه فزال الظلم قال أحمد: النذر يوفى به يعني لا يدخله ووجه ذلك أن لفظ الشارع إذا كان عاما لسبب خاص وجب الأخذ بعموم اللفظ دون خصوص السبب كذلك يمين الحالف. ونازعه في ذلك شيخنا فقال: إنما منعه أحمد من دخول البلد بعد زوال الظلم لأنه نذر لله ألا يدخلها وأكد نذره باليمين والنذر قربة فقد نذر التقرب إلى الله بهجران ذلك البلد فلزمه الوفاء بما نذره. هذا هو الذي فهمه الإمام أحمد وأجاب به السائل حيث قال: النذر يوفى به ولهذا منع النبي - صلى الله عليه وسلم - المهاجرين من الإقامة بمكة بعد قضاء نسكهم فوق ثلاثة أيام لأنهم تركوا ديارهم لله فلم يكن لهم العود فيها وإن زال السبب الذي تركوها لأجله وذلك نظير مسألة ترك البلد للظلم والفواحش التي فيه إذا نذره الناذر فهذا سر جوابه وإلا فمذهبه الذي عليه نصوصه وأصوله اعتبار النية والسبب في اليمين وحمل كلام الحالفين على ذلك وهذا في نصوصه أكثر من أن يذكر فلينظر فيها. وأما مذهب أصحاب أبي حنيفة فقال في كتاب الذخائر في كتاب الأيمان: الفصل السادس في تقييد الأيمان المطلقة بالدلالة إذا أرادت المرأة الخروج من الدار فقال الزوج quot; إن خرجت من الدار فأنت طالق quot; فجلست ساعة ثم خرجت لا تطلق وكذلك لو أراد رجل أن يضربه فحلف آخر أن لا يضربه فهذا على تلك الضربة حي لو مكث ساعة ثم ضربه لا يحنث ويسمى هذا يمين الفور وهذا لأن الخرجة التي قصد والضربة التي قصد هي المقصودة بالمنع منها عرفا وعادة فيتعين ذلك بالعرف والعادة وإذا دخل الرجل على الرجل فقال: تعالى تغد معي فقال: والله لا أتغدى فذهب إلى بيته وتغدى مع أهله لا يحنث وكذلك إذا قال الرجل لغيره: كل مع فلان فقال: والله لا آكل ثم ذكر تقرير ذلك(4\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "990",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "992",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأنه جواب لقول الآمر له والجواب كالمعاد في السؤال فإنه يتضمن ما فيه قال: وليس كابتداء اليمين لأن كلامه لم يخرج جوابا بالتقييد بل خرج ابتداء هو مطلق عن القيد فينصرف إلى كل غداء قال: وإذا قال لغيره: كلم لي زيدا اليوم في كذا فقال: والله لا أكلمه فهذا يختص باليوم لأنه خرج جوابا عن الكلام السابق وعلى هذا إذا قال: ائتني اليوم فقال: امرأته طالق إن أتاك وقد صرح أصحاب أبي حنيفة بأن النية تعمل في اللفظ لتعيين ما احتمله اللفظ فإذا تعين باللفظ ولم يكن اللفظ محتملا لما نوى لم تؤثر النية فيه فإنه حينئذ يكون الاعتبار بمجرد النية ومجرد النية لا أثر لها في إثبات الحكم فإذا احتملها اللفظ فعينت بعض محتملاته أثرت حينئذ قالوا: ولهذا لو قال: quot; إن لبست ثوبا أو أكلت طعاما أو شربت شرابا أو كلمت امرأة فامرأته طالق quot; ونوى ثوبا أو طعاما أو شرابا أو امرأة معينا دين فيما بينه وبين الله وقبلت نيته بغير خلاف ولو حذف المفعول واقتصر على الفعل فكذلك عند أبي يوسف في رواية عنه والخصاف وهو قول الشافعي وأحمد ومالك. والمقصود أن النية تؤثر في اليمين تخصيصا وتعميما وإطلاقا وتقييدا والسبب يقوم مقامها عند عدمها ويدل عليها فيؤثر ما يؤثره وهذا هو الذي يتعين الإفتاء به ولا يحمل الناس على ما يقطع أنهم لم يريدوه بأيمانهم فكيف إذا علم قطعا أنهم أرادوا خلافه والله أعلم.  [التعليل كالشرط] والتعليل يجري مجرى الشرط فإذا قال: quot; أنت طالق لأجل خروجك من الدار quot; فبان أنها لم تخرج لم تطلق قطعا صرح به صاحب الإرشاد فقال: وإن قال: quot; أنت طالق إن دخلت الدار quot; بنصب الألف والحالف من أهل اللسان ولم يتقدم لها دخول قبل اليمين بحال لم تطلق ولم يذكر فيه خلافا وقد قال الأصحاب وغيرهم: إنه إذا قال quot; أنت طالق quot; وقال أردت الشرط دين فكذلك إذا قال: quot; لأجل كلامك زيدا أو خروجك من داري بغير إذني quot; فإنه يدين ثم إن تبين أنها لم تفعل لم يقع الطلاق ومن أفتى بغير هذا فقد وهم على المذهب والله أعلم.  [فصل خلع اليمين] فصل: [الخلع] المخرج الحادي عشر: خلع اليمين عند من يجوزه كأصحاب الشافعي وغيرهم وهذا وإن كان غير جائز على قول أهل المدينة وقول الإمام أحمد وأصحابه كلهم فإذا دعت(4\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "991",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "993",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحاجة إليه أو إلى التحليل كان أولى من التحليل من وجوه عديدة أحدها: أن الله تعالى شرع الخلع رفعا لمفسدة المشاقة الواقعة بين الزوجين وتخلص كل منهما من صاحبه فإذا شرع الخلع رفعا لهذه المفسدة التي هي بالنسبة إلى مفسدة التحليل كتفلة في بحر فتسويغه لدفع مفسدة التحليل أولى. يوضحه الوجه الثاني أن الحيل المحرمة إنما منع منها لما تتضمنه من الفساد الذي اشتملت عليه تلك المحرمات التي يتحيل عليها بهذه الحيل وأما حيلة ترفع مفسدة هي من أعظم المفاسد فإن الشارع لا يحرمها. يوضحه الوجه الثالث أن هذه الحيلة تتضمن مصلحة بقاء النكاح المطلوب للشارع بقاؤه ودفع مفسدة التحليل التي بالغ الشارع كل المبالغة في دفعه والمنع منه ولعن أصحابه فحيلة تحصل المصلحة المطلوب إيجادها وتدفع المفسدة المطلوب إعدامها لا يكون ممنوعا منها. الوجه الرابع: أن ما حرمه الشارع فإنما حرمه لما يتضمنه من المفسدة الخالصة أو الراجحة فإذا كانت مصلحة خاصة أو راجحة لم يحرمه ألبتة وهذا الخلع مصلحته أرجح من مفسدته. الوجه الخامس: أن غاية ما في [هذا] الخلع اتفاق الزوجين ورضاهما بفسخ النكاح بغير شقاق واقع بينهما وإذا وقع الخلع من غير شقاق صح وكان غايته الكراهية لما فيه من مفسدة المفارقة وهذا الخلع أريد له لم شعث النكاح بحصول عقد بعده يتمكن الزوجان فيه من المعاشرة بالمعروف وبدونه لا يتمكنان من ذلك بل إما خراب البيت وفراق الأهل وإما التعرض للعنة من لا يقوم للعنته شيء وإما التزام ما حلف عليه وإن كان فيه فساد دنياه وأخراه كما إذا حلف ليقتلن ولده اليوم أو ليشربن هذا الخمر أو ليطأن هذا الفرج الحرام أو حلف أنه لا يأكل ولا يشرب ولا يستظل بسقف ولا يعطي فلانا حقه ونحو ذلك فإذا دار الأمر بين مفسدة التزام المحلوف عليه أو مفسدة الطلاق وخراب البيت وشتات الشمل أو مفسدة التزام لعنة الله بارتكاب التحليل وبين ارتكاب الخلع المخلص من ذلك جميعه لم يخف على العاقل أي ذلك أولى. الوجه السادس: أنهما لو اتفقا على أن يطلقها من غير شقاق بينهما بل ليأخذ غيرها لم يمنع من ذلك فإذا اتفقا على الخلع ليكون سببا إلى دوام اتصالهما كان أولى وأحرى.(4\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "992",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "994",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويوضحه الوجه السابع: أن الخلع إن قيل quot; إنه طلاق quot; فقد اتفقا على الطلاق بعوض لمصلحة لهما في ذلك فما الذي يحرمه وإن قيل quot; إنه فسخ quot; فلا ريب أن النكاح من العقود اللازمة والعقد اللازم إذا اتفق المتعاقدان على فسخه ورفعه لم يمنعا من ذلك إلا أن يكون العقد حقا لله والنكاح محض حقهما فلا يمنعان من الاتفاق على فسخه. الوجه الثامن: أن الآية اقتضت جواز الخلع إذا خاف الزوجان ألا يقيما حدود الله فكان الخلع طريقا إلى تمكنهما من إقامة حدود الله وهي حقوقه الواجبة عليهما في النكاح فإذا كان الخلع مع استقامة الحال طريقا إلى تمكنهما من إقامة حدوده التي تعطل ولا بد بدون الخلع تعين الخلع حينئذ طريقا إلى إقامتها. فإن قيل: لا يتعين الخلع طريقا بل هاهنا طريقان آخران أحدهما: مفارقتهما والثاني: عدم إلزام الطلاق بالحنث إذا أخرجه مخرج اليمين إما بكفارة أو بدونها كما هي ثلاثة أقوال للسلف معروفة صرح بها أبو محمد بن حزم وغيره. قيل: نعم هذان طريقان ولكن إذا أحكم سدهما غاية الإحكام لم يمكنه سلوك أحدهما وأيهما سلك ترتب عليه غاية الضرر في دينه ودنياه لم يحرم عليه - والحالة هذه - سلوك طريق الخلع وتعين في حقه طريقان: إما طريق الخلع وإما سلوك طريق أرباب اللعنة. وهذه المواضع وأمثالها لا تحتملها إلا العقول الواسعة التي لها إشراف على أسرار الشريعة ومقاصدها وحكمها وأما عقل لا يتسع لغير تقليد من اتفق له تقليده وترك جميع أقوال أهل العلم لقوله فليس الكلام معه. الوجه التاسع: أن غاية ما منع المانعون من صحة هذا الخلع أنه حيلة والحيل باطلة ومنازعوهم ينازعونهم في كلتا المقدمتين فيقولون: الاعتبار في العقود بصورها دون نياتها ومقاصدها فليس لنا أن نسأل الزوج إذا أراد خلع امرأته: ما أردت بالخلع وما السبب الذي حملك عليه هل هو المشاقة أو التخلص من اليمين بل نجري حكم التخالع على ظاهره ونكل سرائر الزوجين إلى الله قالوا: ولو ظهر لنا قصد الحيلة فالشأن في المقدمة الثانية فليس كل حيلة باطلة محرمة وهل هذا الفصل الطويل الذي نحن فيه إلا في أقسام الحيل والحيلة المحرمة الباطلة هي التي تتضمن تحليل ما حرمه الله أو تحريم ما أحله الله أو إسقاط ما أوجبه وأما حيلة تتضمن الخلاص من الآصار والأغلال(4\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "993",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "995",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتخلص من لعنة الكبير المتعال فأهلا بها من حيلة وبأمثالها والله يعلم المفسد من المصلح [البقرة: 220] والمقصود تنفيذ أمر الله ورسوله بحسب الإمكان والله المستعان. الوجه العاشر: أنه ليس القول ببطلان خلع اليمين أولى من القول بلزوم الطلاق للحالف به غير القاصد له فهلم نحاكمكم إلى كتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة - رضي الله عنهم - وقواعد الشريعة المطهرة وإذا وقع التحاكم تبين أن القول بعدم لزوم الطلاق للحالف به أقوى أدلة وأصح أصولا وأطرد قياسا وأوفق لقواعد الشرع وأنتم معترفون بهذا شئتم أم أبيتم فإذا ساغ لكم العدول عنه إلى القول المتناقض المخالف للقياس ولما أفتى به الصحابة ولما تقتضيه [قواعد] الشريعة وأصولها فلأن يسوغ لنا العدول عن قولكم ببطلان خلع اليمين إلى ضده تحصيلا لمصلحة الزوجين ولما لشعث النكاح وتعطيلا لمفسدة التحليل وتخلصا لأمرأين مسلمين من لعنة الله ورسوله أولى وأحرى والله أعلم.  [فصل دخول الكفارة يمين الطلاق] فصل: [المخرج الثاني عشر وفيه بحث أن يمين الطلاق من الأيمان المكفرة] المخرج الثاني عشر: أخذه بقول من يقول quot; الحلف بالطلاق من الأيمان الشرعية التي تدخلها quot; الكفارة quot; وهذا أحد الأقوال في المسألة حكاه أبو محمد بن حزم في كتاب quot; مراتب الإجماع quot; له فقال: واختلفوا فيمن حلف بشيء غير أسماء الله أو بنحر ولده أو هديه أو أجنبي أو بالمصحف أو بالقرآن أو بنذر أخرجه مخرج اليمين أو بأنه مخالف لدين المسلمين أو بطلاق أو بظهار أو تحريم شيء من ماله ثم ذكر صورا أخرى ثم قال: فاختلفوا في جميع هذه الأمور أفيها كفارة أم لا ثم قال: واختلفوا في اليمين بالطلاق أهو طلاق فيلزم أم هو يمين فلا يلزم حكى في كونه طلاقا فيلزم أو يمينا لا يلزم قولين] وحكى قبل ذلك هل فيه كفارة أم لا على قولين واختار هو ألا يلزم ولا كفارة فيه وهذا اختيار شيخنا أبي محمد بن تيمية أخي شيخ الإسلام. قال شيخ الإسلام: والقول بأنه يمين مكفرة هو مقتضى المنقول عن الصحابة في الحلف بالعتق بل بطريق الأولى فإنهم إذا أفتوا من قال: quot; إن لم أفعل كذا فكل مملوك لي حر quot; بأنه يمين تكفر فالحالف بالطلاق أولى قال: وقد علق القول به أبو ثور فقال: إن لم تجمع الأمة على لزومه فهو يمين تكفر وقد تبين أن الأمة لم تجمع على لزومه وحكاه(4\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "994",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "996",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شيخ الإسلام عن جماعة من العلماء الذين سمت هممهم وشرفت نفوسهم فارتفعت عن حضيض التقليد المحض إلى أوج النظر والاستدلال ولم يكن مع خصومه ما يردون به عليه أقوى من الشكاية إلى السلطان فلم يكن له برد هذه الحجة قبل وأما ما سواها فبين فساد جميع حججهم ونقضها أبلغ نقض وصنف في المسألة ما بين مطول ومتوسط ومختصر ما يقارب ألفي ورقة وبلغت الوجوه التي استدل بها عليها من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والقياس وقواعد إمامه خاصة وغيره من الأئمة زهاء أربعين دليلا وصار إلى ربه وهو مقيم عليها داع إليها مباهل لمنازعيه باذل نفسه وعرضه وأوقاته لمستفتيه فكان يفتي في الساعة الواحدة فيها بقلمه ولسانه أكثر من أربعين فتيا فعطلت لفتاواه مصانع التحليل وهدمت صوامعه وبيعه وكسدت سوقه وتقشعت سحائب اللعنة على المحللين والمحلل لهم من المطلقين وقامت سوق الاستدلال بالكتاب والسنة والآثار السلفية وانتشرت مذاهب الصحابة والتابعين وغيرهم من أئمة الإسلام للطالبين وخرج من حبس تقليد المذهب المعين به من كرمت عليه نفسه من المستبصرين فقامت قيامة أعدائه وحساده ومن لا يتجاوز ذكر أكثرهم باب داره أو محلته وهجنوا ما ذهب إليه بحسب المستجيبين لهم غاية التهجين فمن استخفوه من الطغام وأشباه الأنعام قالوا: هذا قد رفع الطلاق بين المسلمين وكثر أولاد الزنا في العالمين ومن صادفوا عنده مسكة عقل ولب قالوا: هذا قد أبطل الطلاق المعلق بالشرط وقالوا لمن تعلقوا به من الملوك والولاة: هذا قد حل بيعة السلطان من أعناق الحالفين ونسوا أنهم هم الذين حلوها بخلع اليمين. وأما هو فصرح في كتبه أن أيمان الحالفين لا تغير شرائع الدين فلا يحل لمسلم حل بيعة السلطان بفتوى أحد من المفتين ومن أفتى بذلك كان من الكاذبين المفترين على شريعة أحكم الحاكمين ولعمر الله لقد مني من هذا بما مني به من سلف من الأئمة المرضيين فما أشبه الليلة بالبارحة للناظرين فهذا مالك بن أنس توصل أعداؤه إلى ضربه بأن قالوا للسلطان: إنه يحل عليك أيمان البيعة بفتواه أن يمين المكره لا تنعقد وهم يحلفون مكرهين غير طائعين فمنعه السلطان فلم يمتنع لما أخذه الله من الميثاق على من آتاه الله علما أن يبينه للمسترشدين ثم تلاه على أثره محمد بن إدريس الشافعي فوشى به أعداؤه إلى الرشيد أنه يحل أيمان البيعة بفتواه أن اليمين بالطلاق قبل النكاح لا تنعقد ولا تطلق إن تزوجها الحالف وكانوا يحلفونهم في جملة الأيمان quot; وإن كل امرأة أتزوجها فهي طالق quot; وتلاهما على آثارهما شيخ الإسلام فقال حساده: هذا ينقض عليكم أيمان البيعة فما فت ذلك في عضد أئمة الإسلام ولا ثنى عزماتهم في الله وهمهم ولا صدهم ذلك عما أوجب(4\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "995",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "997",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله عليهم اعتقاده والعمل به من الحق الذي أداهم إليه اجتهادهم بل مضوا لسبيلهم وصارت أقوالهم أعلاما يهتدي بها المهتدون تحقيقا لقوله تعالى: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون [السجدة: 24] . فصل: [الصحابة والتابعون ومن بعدهم أفتوا بذلك] ومن له اطلاع وخبرة وعناية بأقوال العلماء يعلم أنه لم يزل في الإسلام من عصر الصحابة من يفتي في هذه المسألة بعدم اللزوم وإلى الآن. فأما الصحابة فقد ذكرنا فتاواهم في الحالف بالعتق بعدم اللزوم وأن الطلاق أولى منه وذكرنا فتوى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بعدم لزوم اليمين بالطلاق وأنه لا مخالف له من الصحابة. وأما التابعون فذكرنا فتوى طاوس بأصح إسناد عنه وهو من أجل التابعين وأفتى عكرمة وهو من أغزر أصحاب ابن عباس علما على ما أفتى به طاوس سواء قال سنيد بن داود في تفسيره المشهور في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر [النور: 21] حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن سليمان التيمي عن أبي مجلز في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر [النور: 21] قال: النذور في المعاصي حدثنا عباد بن المهلبي عن عاصم الأحول عن عكرمة في رجل قال لغلامه quot; إن لم أجلدك مائة سوط فامرأته طالق quot; قال: لا يجلد غلامه ولا تطلق امرأته هذا من خطوات الشيطان. وأما من بعد التابعين فقد حكى المعتنون بمذاهب العلماء كأبي محمد بن حزم وغيره ثلاثة أقوال في ذلك للعلماء وأهل الظاهر لم يزالوا متوافرين على عدم لزوم الطلاق للحالف به ولم يزل منهم الأئمة والفقهاء والمصنفون والمقلدون لهم وعندنا بأسانيد صحيحة لا مطعن فيها عن جماعة من أهل العلم الذين هم أهله في عصرنا وقبله أنهم كانوا يفتون بها أحيانا فأخبرني صاحبنا الصادق محمد بن شهوان قال: أخبرني شيخنا الذي قرأت عليه القرآن - وكان من أصدق الناس - الشيخ محمد بن المحلي قال: أخبرني شيخنا(4\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "996",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "998",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإمام خطيب جامع دمشق عز الدين الفاروقي قال: كان والدي يرى هذه المسألة ويفتي بها ببغداد. وأما أهل المغرب فتواتر عمن يعتني بالحديث ومذاهب السلف منهم أنه كان يفتي بها وأوذي بعضهم على ذلك وضرب وقد ذكرنا فتوى القفال في قوله: quot; الطلاق يلزمني quot; أنه لا يقع به طلاق وإن نواه وذكرنا فتاوى أصحاب أبي حنيفة في ذلك وحكايتهم إياه عن الإمام نصا وذكرنا فتوى أشهب من المالكية فيمن قال لامرأته quot; إن خرجت من داري أو كلمت فلانا - ونحو ذلك - فأنت طالق quot; ففعلت لم تطلق ولا يختلف عالمان متحليان بالإنصاف أن اختيارات شيخ الإسلام لا تتقاصر عن اختيارات ابن عقيل وأبي الخطاب بل وشيخهما أبي يعلى فإذا كانت اختيارات هؤلاء وأمثالهم وجوها يفتى بها في الإسلام ويحكم بها الحاكم فلاختيارات شيخ الإسلام أسوة بها إن لم ترجح عليها والله المستعان وعليه التكلان.  [فصل الفتوى بالآثار السلفية والفتاوى الصحابية] فصل: [القول في جواز الفتوى بالآثار السلفية] في جواز الفتوى بالآثار السلفية والفتاوي الصحابية وأنها أولى بالأخذ بها من آراء المتأخرين وفتاويهم وأن قربها إلى الصواب بحسب قرب أهلها من عصر الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأن فتاوى الصحابة أولى أن يؤخذ بها من فتاوى التابعين وفتاوى التابعين أولى من فتاوى تابعي التابعين وهلم جرا وكلما كان العهد بالرسول أقرب كان الصواب أغلب وهذا حكم بحسب الجنس لا بحسب كل فرد فرد من المسائل كما أن عصر التابعين وإن كان أفضل من عصر تابعيهم فإنما هو بحسب الجنس لا بحسب كل شخص شخص ولكن المفضلون في العصر المتقدم أكثر من المفضلين في العصر المتأخر وهكذا الصواب في أقوالهم أكثر من الصواب في أقوال من بعدهم فإن التفاوت بين علوم المتقدمين والمتأخرين كالتفاوت الذي بينهم في الفضل والدين ولعله لا يسع المفتي والحاكم عند الله أن يفتي ويحكم بقول فلان وفلان من المتأخرين من مقلدي الأئمة ويأخذ برأيه وترجيحه ويترك الفتوى والحكم بقول البخاري وإسحاق بن راهويه وعلي بن المديني ومحمد بن نصر المروزي وأمثالهم بل يترك قول ابن المبارك والأوزاعي وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وأمثالهم بل لا يلتفت إلى قول(4\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "997",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "999",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن أبي ذئب والزهري والليث بن سعد وأمثالهم بل لا يعد قول سعيد بن المسيب والحسن والقاسم وسالم وعطاء وطاوس وجابر بن زيد وشريح وأبي وائل وجعفر بن محمد وأضرابهم مما يسوغ الأخذ به بل يرى تقديم قول المتأخرين من أتباع من قلده على فتوى أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود [وأبي بن كعب]  وأبي الدرداء وزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبادة بن الصامت وأبي موسى الأشعري وأضرابهم فلا يدري ما عذره غدا عند الله إذا سوى بين أقوال أولئك وفتاويهم وأقوال هؤلاء وفتاويهم فكيف إذا رجحها عليها فكيف إذا عين الأخذ بها حكما وإفتاء ومنع الأخذ بقول الصحابة واستجاز عقوبة من خالف المتأخرين لها وشهد عليه بالبدعة والضلالة ومخالفة أهل العلم وأنه يكيد الإسلام تالله لقد أخذ بالمثل المشهور quot; رمتني بدائها وانسلت quot; وسمي ورثة الرسول باسمه هو وكساهم أثوابه ورماهم بدائه وكثير من هؤلاء يصرخ ويصيح ويقول ويعلن أنه يجب على الأمة كلهم الأخذ بقول من قلدناه ديننا ولا يجوز الأخذ بقول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة. وهذا كلام من أخذ به وتقلده ولاه الله ما تولى ويجزيه عليه يوم القيامة الجزاء الأوفى والذي ندين الله به ضد هذا القول والرد عليه فنقول: [ترتيب الأخذ بفتاوى الصحابة والتابعين] إذا قال الصحابي قولا فإما أن يخالفه صحابي آخر أو لا يخالفه فإن خالفه مثله لم يكن قول أحدهما حجة على الآخر وإن خالفه أعلم منه كما إذا خالف الخلفاء الراشدون أو بعضهم غيرهم من الصحابة في حكم فهل يكون الشق الذي فيه الخلفاء الراشدون أو بعضهم حجة على الآخرين فيه قولان للعلماء وهما روايتان عن الإمام أحمد والصحيح أن الشق الذي فيه الخلفاء أو بعضهم أرجح وأولى أن يؤخذ به من الشق الآخر فإن كان الأربعة في شق فلا شك أنه الصواب وإن كان أكثرهم في شق فالصواب فيه أغلب وإن كانوا اثنين واثنين فشق أبي بكر وعمر أقرب إلى الصواب فإن اختلف أبو بكر وعمر فالصواب مع أبي بكر. وهذه جملة لا يعرف تفصيلها إلا من له خبرة واطلاع على ما اختلف فيه الصحابة وعلى الراجح من أقوالهم ويكفي في ذلك معرفة رجحان قول الصديق في الجد والإخوة وكون الطلاق الثلاث بفم واحد مرة واحدة وإن تلفظ فيه بالثلاث وجواز بيع أمهات الأولاد وإذا نظر العالم المنصف في أدلة هذه المسائل من الجانبين تبين له أن جانب الصديق أرجح وقد تقدم بعض ذلك في مسألة الجد والطلاق الثلاث بفم واحد(4\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "998",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1000",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يحفظ للصديق خلاف نص واحد أبدا ولا يحفظ له فتوى ولا حكم مأخذها ضعيف أبدا وهو تحقيق لكون خلافته خلافة نبوة.  فصل: [رأي الشافعي في أقوال الصحابة] وإن لم يخالف الصحابي صحابيا آخر فإما أن يشتهر قوله في الصحابة أو لا يشتهر فإن اشتهر فالذي عليه جماهير الطوائف من الفقهاء أنه إجماع وحجة وقالت طائفة منهم: هو حجة وليس بإجماع وقالت شرذمة من المتكلمين وبعض الفقهاء المتأخرين: لا يكون إجماعا ولا حجة وإن لم يشتهر قوله أو لم يعلم هل اشتهر أم لا فاختلف الناس: هل يكون حجة أم لا فالذي عليه جمهور الأمة أنه حجة هذا قول جمهور الحنفية صرح به محمد بن الحسن وذكر عن أبي حنيفة نصا وهو مذهب مالك وأصحابه وتصرفه في موطئه دليل عليه وهو قول إسحاق بن راهويه وأبي عبيد وهو منصوص الإمام أحمد في غير موضع عنه واختيار جمهور أصحابه وهو منصوص الشافعي في القديم والجديد أما القديم فأصحابه مقرون به وأما الجديد فكثير منهم يحكى عنه فيه أنه ليس بحجة وفي هذه الحكاية عنه نظر ظاهر جدا فإنه لا يحفظ له في الجديد حرف واحد أن قول الصحابي ليس بحجة وغاية ما يتعلق به من نقل ذلك أنه يحكي أقوالا للصحابة في الجديد ثم يخالفها ولو كانت عنده حجة لم يخالفها وهذا تعلق ضعيف جدا فإن مخالفة المجتهد الدليل المعين لما هو أقوى في نظره منه لا يدل على أنه لا يراه دليلا من حيث الجملة بل خالف دليلا لدليل أرجح عنده منه وقد تعلق بعضهم بأنه يراه في الجديد إذا ذكر أقوال الصحابة موافقا لها لا يعتمد عليها وحدها كما يفعل بالنصوص بل يعضدها بضروب من الأقيسة فهو تارة يذكرها ويصرح بخلافها وتارة يوافقها ولا يعتمد عليها بل يعضدها بدليل آخر وهذا أيضا تعلق أضعف من الذي قبله فإن تظافر الأدلة وتعاضدها وتناصرها من عادة أهل العلم قديما وحديثا ولا يدل ذكرهم دليلا ثانيا وثالثا على أن ما ذكروه قبله ليس بدليل. وقد صرح الشافعي في الجديد من رواية الربيع عنه بأن قول الصحابة حجة يجب المصير إليه فقال: المحدثات من الأمور ضربان أحدهما: ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو إجماعا أو أثرا فهذه البدعة الضلالة والربيع إنما أخذ عنه بمصر وقد جعل مخالفة الأثر الذي ليس بكتاب ولا سنة ولا إجماع ضلالة وهذا فوق كونه حجة وقال البيهقي في كتاب مدخل السنن له: باب ذكر أقاويل الصحابة إذا تفرقوا. قال الشافعي: أقاويل الصحابة إذا تفرقوا فيها تصير إلى ما وافق الكتاب والسنة أو الإجماع إذا كان أصح في القياس وإذا قال الواحد(4\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "999",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1001",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منهم القول لا يحفظ عن غيره منهم فيه له موافقة ولا خلاف صرت إلى اتباع قوله إذا لم أجد كتابا ولا سنة ولا إجماعا ولا شيئا في معناه يحكم له بحكمه أو وجد معه قياس. قال البيهقي وقال في كتاب اختلافه مع مالك: ما كان الكتاب والسنة موجودين فالعذر على من سمعه مقطوع إلا بإتيانه فإن لم يكن ذلك صرنا إلى أقاويل الصحابة أو واحد منهم ثم كان قول الأئمة أبي بكر وعمر وعثمان إذا صرنا إلى التقليد أحب إلينا وذلك إذا لم نجد دلالة في الاختلاف تدل على أقرب الاختلاف من الكتاب والسنة فنتبع القول الذي معه الدلالة لأن قول الإمام مشهور بأنه يلزم الناس ومن لزم قوله الناس كان أشهر ممن يفتي الرجل أو النفر وقد يأخذ بفتياه ويدعها وأكثر المفتين يفتون الخاصة في بيوتهم ومجالسهم ولا يعتني العامة بما قالوا عنايتهم بما قال الإمام وقد وجدنا الأئمة ينتدبون فيسألون عن العلم من الكتاب والسنة فيما أرادوا أن يقولوا فيه ويقولون فيخبرون بخلاف قولهم فيقبلون من المخبر ولا يستنكفون عن أن يرجعوا لتقواهم الله وفضلهم فإذا لم يوجد عن الأئمة فأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الدين في موضع الأمانة أخذنا بقولهم وكان اتباعهم أولى بنا من اتباع من بعدهم. قال الشافعي - رضي الله عنه -: والعلم طبقات الأولى: الكتاب والسنة الثانية: الإجماع فيما ليس كتابا ولا سنة الثالثة: أن يقول صحابي فلا يعلم له مخالف من الصحابة الرابعة: اختلاف الصحابة الخامسة: القياس هذا كله كلامه في الجديد. قال البيهقي بعد أن ذكر هذا: وفي الرسالة القديمة للشافعي - بعد ذكر الصحابة وتعظيمهم - قال: وهو فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا ومن أدركنا ممن ترضى أو حكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا أو قول بعضهم إن تفرقوا وكذا نقول ولم نخرج من أقوالهم كلهم. قال: وإذا قال الرجلان منهم في شيء قولين نظرت فإن كان قول أحدهما أشبه بالكتاب والسنة أخذت به لأن معه شيئا قويا فإن لم يكن على واحد من القولين دلالة بما وصفت كان قول الأئمة أبي بكر وعمر وعثمان أرجح عندنا من واحد لو خالفهم غير إمام. قال البيهقي: وقال في موضع آخر: فإن لم يكن على القول دلالة من كتاب ولا سنة كان قول أبي بكر وعمر وعثمان أحب إلي من قول غيرهم فإن اختلفوا صرنا إلى القول الذي عليه دلالة وقلما يخلو اختلافهم من ذلك وإن اختلفوا بلا دلالة نظرنا إلى الأكثر فإن تكافئوا نظرنا أحسن أقاويلهم مخرجا عندنا وإن وجدنا للمفتين في زماننا أو قبله إجماعا في شيء تبعناه فإذا نزلت نازلة لم نجد فيها واحدة من هذه الأمور فليس إلا إجهاد الرأي فهذا كلام الشافعي - رحمه الله - ورضي عنه بنصه ونحن نشهد بالله أنه لم(4\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1000",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1002",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يرجع عنه بل كلامه في الجديد مطابق لهذا موافق له كما تقدم ذكر لفظه وقد قال في الجديد في قتل الراهب: إنه القياس عنده ولكن أتركه لقول أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -. فقد أخبرنا أنه ترك القياس الذي هو دليل عنده لقول الصاحب فكيف يترك موجب الدليل لغير دليل وقال: في الضلع بعير قلته تقليدا لعمر وقال في موضع آخر: قلته تقليدا لعثمان وقال في الفرائض: هذا مذهب تلقيناه عن زيد. ولا تستوحش من لفظة التقليد في كلامه وتظن أنها تنفي كون قوله حجة بناء على ما تلقيته من اصطلاح المتأخرين أن التقليد قبول قول الغير بغير حجة فهذا اصطلاح حادث وقد صرح الشافعي في موضع من كلامه بتقليد خبر الواحد فقال: قلت هذا تقليدا للخبر وأئمة الإسلام كلهم على قبول قول الصحابي. قال نعيم بن حماد: ثنا ابن المبارك قال: سمعت أبا حنيفة يقول: إذا جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلى الرأس والعين وإذا جاء عن الصحابة نختار من قولهم وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم. وذهب بعض المتأخرين من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة وأكثر المتكلمين إلى أنه ليس بحجة وذهب بعض الفقهاء إلى أنه إن خالف القياس فهو حجة وإلا فلا قالوا: لأنه إذا خالف القياس لم يكن إلا عن توقيف وعلى هذا فهو حجة وإن خالفه صحابي آخر والذين قالوا quot; ليس بحجة quot; قالوا: لأن الصحابي مجتهد من المجتهدين يجوز عليه الخطأ فلا يجب تقليده ولا يكون قوله حجة كسائر المجتهدين ولأن الأدلة الدالة على بطلان التقليد تعم تقليد الصحابة ومن دونهم ولأن التابعي إذا أدرك عصر الصحابة اعتد بخلافه عند أكثر الناس فكيف يكون قول الواحد حجة عليه ولأن الأدلة قد انحصرت في الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب وقول الصحابي ليس واحدا منها ولأن امتيازه بكونه أفضل وأعلم وأتقى لا يوجب وجوب اتباعه على مجتهد آخر من علماء التابعين بالنسبة إلى من بعدهم. فنقول: الكلام في مقامين أحدهما: في الأدلة الدالة على وجوب اتباع الصحابة الثاني في الجواب عن شبه النفات.  [الأدلة على وجوب اتباع الصحابة] فأما الأول فمن وجوه أحدها: ما احتج به مالك وهو قوله تعالى والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم [التوبة: 100] فوجه الدلالة أن الله تعالى أثنى على من اتبعهم فإذا قالوا قولا فاتبعهم متبع عليه قبل(4\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1001",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1003",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن يعرف صحته فهو متبع لهم فيجب أن يكون محمودا على ذلك وأن يستحق الرضوان ولو كان اتباعهم تقليدا محضا كتقليد بعض المفتين لم يستحق من اتبعهم الرضوان إلا أن يكون عاميا فأما العلماء المجتهدون فلا يجوز لهم اتباعهم حينئذ. فإن قيل: اتباعهم هو أن يقول ما قالوا بالدليل وهو سلوك سبيل الاجتهاد لأنهم إنما قالوا بالاجتهاد والدليل عليه قوله بإحسان [التوبة: 100] ومن قلدهم لم يتبعهم بإحسان لأنه لو كان مطلق الاتباع محمودا لم يفرق بين الاتباع بإحسان أو بغير إحسان وأيضا فيجوز أن يراد به اتباعهم في أصول الدين وقوله بإحسان [التوبة: 100] أي بالتزام الفرائض واجتناب المحارم ويكون المقصود أن السابقين قد وجب لهم الرضوان وإن أساءوا لقوله - صلى الله عليه وسلم - وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم  وأيضا فالثناء على من اتبعهم كلهم وذلك اتباعهم فيما أجمعوا عليه وأيضا فالثناء على من اتبعهم لا يقتضي وجوبه وإنما يدل على جواز تقليدهم وذلك دليل جواز تقليد العالم كما هو مذهب طائفة من العلماء أو تقليد الأعلم كقول طائفة أخرى. أما الدليل على وجوب اتباعهم فليس في الآية ما يقتضيه. فالجواب من وجوه: أحدها: أن الاتباع لا يستلزم الاجتهاد لوجوه أحدها: أن الاتباع المأمور به في القرآن كقوله فاتبعوني يحببكم الله [آل عمران: 31] واتبعوه لعلكم تهتدون [الأعراف: 158] ويتبع غير سبيل المؤمنين [النساء: 115] ونحوه لا يتوقف على الاستدلال على صحة القول مع الاستغناء عن القائل الثاني: أنه لو كان المراد اتباعهم في الاستدلال والاجتهاد لم يكن فرق بين السابقين وبين جميع الخلائق لأن اتباع موجب الدليل يجب أن يتبع فيه كل أحد فمن قال قولا بدليل صحيح وجب موافقته فيه الثالث: أنه إما أن تجوز مخالفتهم في قولهم بعد الاستدلال أو لا تجوز فإن لم تجز فهو المطلوب وإن جازت مخالفتهم فقد خولفوا في خصوص الحكم واتبعوا في أحسن الاستدلال فليس جعل من فعل ذلك متبعا لموافقتهم في الاستدلال بأولى من جعله مخالفا لمخالفته في عين الحكم الرابع: أن من خالفهم في الحكم الذي أفتوا به لا يكون متبعا لهم أصلا بدليل أن من خالف مجتهدا من المجتهدين في مسألة بعد اجتهاد لا يصح أن يقال quot; اتبعه quot; وإن أطلق ذلك فلا بد من تقييده بأن يقال اتبعه في الاستدلال أو الاجتهاد. الخامس: أن الاتباع افتعال من اتبع وكون الإنسان تابعا لغيره نوع افتقار إليه ومشي خلفه وكل واحد(4\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1002",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1004",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من المجتهدين المستدلين ليس تبعا للآخر ولا مفتقرا إليه بمجرد ذلك حتى يستشعر موافقته والانقياد له ولهذا لا يصح أن يقال لمن وافق رجلا في اجتهاده أو فتواه اتفاقا إنه متبع له. السادس: أن الآية قصد بها مدح السابقين والثناء عليهم وبيان استحقاقهم أن يكونوا أئمة متبوعين وبتقدير ألا يكون قولهم موجبا للموافقة ولا مانعا من المخالفة - بل إنما يتبع القياس مثلا - لا يكون لهم هذا المنصب ولا يستحقون هذا المدح والثناء السابع: أن من خالفهم في خصوص الحكم فلم يتبعهم في ذلك الحكم ولا فيما استدلوا به على ذلك الحكم فلا يكون متبعا لهم بمجرد مشاركتهم في صفة عامة وهي مطلق الاستدلال والاجتهاد ولا سيما وتلك الصفة العامة لا اختصاص لها به لأن ما ينفي الاتباع أخص مما يثبته. وإذا وجد الفارق الأخص والجامع الأعم - وكلاهما مؤثر - كان التفريق رعاية للفارق أولى من الجمع رعاية للجامع وأما قوله: بإحسان [التوبة: 100] فليس المراد به أن يجتهد وافق أو خالف لأنه إذا خالف لم يتبعهم فضلا عن أن يكون بإحسان ولأن مطلق الاجتهاد ليس فيه اتباع لهم لكن الاتباع لهم اسم يدخل فيه كل من وافقهم في الاعتقاد والقول فلا بد مع ذلك أن يكون المتبع محسنا بأداء الفرائض واجتناب المحارم لئلا يقع الاغترار بمجرد الموافقة قولا وأيضا فلا بد أن يحسن المتبع لهم القول فيهم ولا يقدح فيهم اشترط الله ذلك لعلمه بأن سيكون أقوام ينالون منهم. وهذا مثل قوله تعالى بعد أن ذكر المهاجرين والأنصار والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا [الحشر: 10] وأما تخصيص اتباعهم بأصول الدين دون فروعه فلا يصح لأن الاتباع عام ولأن من اتبعهم في أصول الدين فقط لو كان متبعا لهم على الإطلاق لكنا متبعين للمؤمنين من أهل الكتاب ولم يكن فرق بين اتباع السابقين من هذه الأمة وغيرها. وأيضا فإنه إذا قيل quot; فلان يتبع فلانا واتبع فلانا وأنا متبع فلانا quot; ولم يقيد ذلك بقرينة لفظية ولا حالية فإنه يقتضي اتباعه في كل الأمور التي يتأتى فيها الاتباع لأن من اتبعه في حال وخالفه في أخرى لم يكن وصفه بأنه متبع أولى من وصفه بأنه مخالف ولأن الرضوان حكم تعلق باتباعهم فيكون الاتباع سببا له لأن الحكم المعلق بما هو مشتق يقتضي أن ما منه الاشتقاق سبب وإذا كان اتباعهم سببا للرضوان اقتضى الحكم في جميع موارده ولا اختصاص للاتباع بحال دون حال ولأن الاتباع يؤذن بكون الإنسان تبعا لغيره وفرعا عليه وأصول الدين ليست كذلك ولأن الآية تضمنت الثناء عليهم وجعلهم أئمة لمن بعدهم فلو لم يتناول إلا اتباعهم في أصول الدين دون الشرائع لم يكونوا أئمة في ذلك لأن ذلك معلوم مع قطع النظر عن اتباعهم.(4\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1003",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1005",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: وأما قولهم quot; إن الثناء على من اتبعهم كلهم quot; فنقول: الآية اقتضت الثناء على من يتبع كل واحد منهم كما أن قوله والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم [التوبة: 100] يقتضي حصول الرضوان لكل واحد من السابقين والذين اتبعوهم في قوله رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري [التوبة: 100] وكذلك في قوله اتبعوهم [التوبة: 100] لأنه حكم علق عليهم في هذه الآية فقد تناولهم مجتمعين ومنفردين. وأيضا فإن الأصل في الأحكام المعلقة بأسماء عامة ثبوتها لكل فرد فرد من تلك المسميات كقوله أقيموا الصلاة [الأنعام: 72] وقوله لقد رضي الله عن المؤمنين [الفتح: 18] وقوله تعالى اتقوا الله وكونوا مع الصادقين [التوبة: 119] وأيضا فإن الأحكام المعلقة على المجموع يؤتى فيها باسم يتناول المجموع دون الأفراد كقوله وكذلك جعلناكم أمة وسطا [البقرة: 143] وقوله كنتم خير أمة أخرجت للناس [آل عمران: 110] وقوله ويتبع غير سبيل المؤمنين [النساء: 115] فإن لفظ الأمة ولفظ سبيل المؤمنين لا يمكن توزيعه على أفراد الأمة وأفراد المؤمنين بخلاف لفظ السابقين فإنه يتناول كل فرد من السابقين. وأيضا فالآية تعم اتباعهم مجتمعين ومنفردين في كل ممكن فمن اتبع جماعتهم إذا اجتمعوا واتبع آحادهم فيما وجد عنهم مما لم يخالفه فيه غيره منهم فقد صدق عليه أنه اتبع السابقين أما من خالف بعض السابقين فلا يصح أن يقال quot; اتبع السابقين quot; لوجود مخالفته لبعضهم لا سيما إذا خالف هذا مرة وهذا مرة وبهذا يظهر الجواب عن اتباعهم إذا اختلفوا فإن اتباعهم هناك قول بعض تلك الأقوال باجتهاد واستدلال إذ هم مجتمعون على تسوية كل واحد من تلك الأقوال لمن أدى اجتهاده إليه فقد قصد اتباعهم أيضا أما إذا قال الرجل قولا ولم يخالفه غيره فلا يعلم أن السابقين سوغوا خلاف ذلك القول وأيضا فالآية تقتضي اتباعهم مطلقا. فلو فرضنا أن الطالب وقف على نص يخالف قول الواحد منهم فقد علمنا أنه لو ظفر بذلك النص لم يعدل عنه أما إذا رأينا رأيا فقد يجوز أن يخالف ذلك الرأي وأيضا فلو لم يكن اتباعهم إلا فيما أجمعوا عليه كلهم لم يحصل اتباعهم إلا فيما قد علم أنه من دين الإسلام بالاضطرار لأن السابقين الأولين خلق عظيم ولم يعلم أنهم أجمعوا إلا على ذلك فيكون هذا الوجه هو الذي قبله وقد تقدم بطلانه إذ الاتباع في ذلك غير مؤثر وأيضا فجميع السابقين قد مات منهم أناس في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحينئذ فلا يحتاج في ذلك الوقت إلى اتباعهم للاستغناء عنه بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم لو فرضنا أحدا يتبعهم إذ ذاك لكان من السابقين فحاصله أن التابعين لا يمكنهم اتباع جميع(4\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1004",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1006",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السابقين وأيضا فإن معرفة قول جميع السابقين كالمتعذر فكيف يتبعون كلهم في شيء لا يكاد يعلم وأيضا فإنهم إنما استحقوا منصب الإمامة والاقتداء بهم بكونهم هم السابقين وهذه صفة موجودة في كل واحد منهم فوجب أن يكون كل منهم إماما للمتقين كما استوجب الرضوان والجنة.  فصل: وأما قوله quot; ليس فيها ما يوجب اتباعهم quot; فنقول: الآية تقتضي الرضوان عمن اتبعهم بإحسان وقد قام الدليل على أن القول في الدين بغير علم حرام فلا يكون اتباعهم قولا بغير علم بل قولا بعلم وهذا هو المقصود وحينئذ فسواء يسمى تقليدا أو اجتهادا وأيضا فإن كان تقليد العالم للعالم حراما كما هو قول الشافعية والحنابلة فاتباعهم ليس بتقليد لأنه مرضي وإن كان تقليدهم جائزا أو كان تقليدهم مستثنى من التقليد المحرم فلم يقل أحد إن تقليد العلماء من موجبات الرضوان فعلم أن تقليدهم خارج عن هذا لأن تقليد العالم وإن كان جائزا فتركه إلى قول غيره أو إلى اجتهاد جائز أيضا بالاتفاق والشيء المباح لا يستحق به الرضوان وأيضا فإن رضوان الله غاية المطالب التي لا تنال إلا بأفضل الأعمال ومعلوم أن التقليد الذي يجوز خلافه ليس بأفضل الأعمال بل الاجتهاد أفضل منه فعلم أن اتباعهم هو أفضل ما يكون في مسألة اختلفوا فيها هم ومن بعدهم وأن اتباعهم دون من بعدهم هو الموجب لرضوان الله فلا ريب أن رجحان أحد القولين يوجب اتباعه. [وقولهم أرجح] بلا شك ومسائل الاجتهاد لا يتخير الرجل فيها بين القولين وأيضا فإن الله أثنى على الذين اتبعوهم بإحسان والتقليد وظيفة العامة فأما العلماء فإما أن يكون مباحا لهم أو محرما إذ الاجتهاد أفضل منه لهم بغير خلاف وهو واجب عليهم فلو أريد باتباعهم التقليد الذي يجوز خلافه لكان للعامة في ذلك النصيب الأوفى وكان حظ علماء الأمة من هذه الآية أبخس الحظوظ ومعلوم أن هذا فاسد وأيضا فالرضوان عمن اتبعهم دليل على أن اتباعهم صواب ليس بخطإ فإنه لو كان خطأ لكان غاية صاحبه أن يعفى له عنه فإن المخطئ إلى أن يعفى عنه أقرب منه إلى أن يرضى عنه وإذا كان صوابا وجب اتباعه لأن خلاف الصواب خطأ والخطأ يحرم اتباعه إذا علم أنه خطأ وقد علم أنه خطأ يكون الصواب خلافه وأيضا فإذا كان اتباعهم موجب الرضوان لم يكن ترك اتباعهم موجب الرضوان لأن الجزاء لا يقتضيه وجود الشيء وضده ولا وجوده وعدمه لأنه يبقى عديم الأثر في ذلك الجزاء وإذا كان في المسألة قولان أحدهما يوجب الرضوان والآخر لا يوجبه كان الحق ما يوجبه وهذا هو المطلوب وأيضا فإن طلب رضوان الله واجب لأنه إذا لم(4\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1005",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1007",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يوجد رضوانه فإما سخطه أو عفوه والعفو إنما يكون مع انعقاد سبب الخطيئة وذلك لا تباح مباشرته إلا بالنص وإذا كان رضوانه إنما هو في اتباعهم واتباع رضوانه واجب كان اتباعهم واجبا وأيضا فإنه إنما أثنى على المتبع بالرضوان ولم يصرح بالوجوب لأن إيجاب الاتباع يدخل في الاتباع في الأفعال ويقتضي تحريم مخالفتهم مطلقا فيقتضي ذم المخطئ وليس كذلك أما الأقوال فلا وجه لمخالفتهم فيها بعدما ثبت أن فيها رضا الله تعالى وأيضا فإن القول إذا ثبت أن فيه رضا الله لم يكن رضا الله في ضده بخلاف الأفعال فقد يكون رضا الله في الأفعال المختلفة وفي الفعل والترك بحسب قصدين وحالين أما الاعتقادات والأقوال فليست كذلك فإذا ثبت أن في قولهم رضوان الله تعالى لم يكن الحق والصواب إلا هو فوجب اتباعه. فإن قيل: السابقون هم الذين صلوا إلى القبلتين أو هم أهل بيعة الرضوان ومن قبلهم فما الدليل على اتباع من أسلم بعد ذلك قيل: إذا ثبت وجوب اتباع أهل بيعة الرضوان فهو أكبر المقصود على أنه لا قائل بالفرق وكل الصحابة سابق بالنسبة إلى من بعدهم.  فصل: [عود إلى أدلة اتباع أقوال الصحابة] الوجه الثاني: قوله تعالى: اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون [يس: 21] هذا قصه الله سبحانه وتعالى عن صاحب ياسين على سبيل الرضاء بهذه المقالة والثناء على قائلها والإقرار له عليها وكل واحد من الصحابة لم يسألنا أجرا وهم مهتدون بدليل قوله تعالى خطابا لهم: وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون [آل عمران: 103] و quot; لعل quot; من الله واجب وقوله تعالى: ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم [محمد: 16] والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم [محمد: 17] وقوله تعالى: والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم - سيهديهم [محمد: 4 - 5] وقوله تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا [العنكبوت: 69] وكل منهم قاتل في سبيل الله وجاهد إما بيده أو بلسانه فيكون الله قد هداهم وكل من هداه فهو مهتد فيجب اتباعه بالآية.(4\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1006",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1008",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثالث: قوله تعالى: واتبع سبيل من أناب إلي [لقمان: 15] وكل من الصحابة منيب إلى الله فيجب اتباع سبيله وأقواله واعتقاداته من أكبر سبيله والدليل على أنهم منيبون إلى الله تعالى أن الله تعالى قد هداهم وقد قال: ويهدي إليه من ينيب [الشورى: 13] . الوجه الرابع: قوله تعالى: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني [يوسف: 108] فأخبر تعالى أن من اتبع الرسول يدعو إلى الله ومن دعا إلى الله على بصيرة وجب اتباعه لقوله تعالى فيما حكاه عن الجن ورضيه: يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به [الأحقاف: 31] ولأن من دعا إلى الله على بصيرة فقد دعا إلى الحق عالما به والدعاء إلى أحكام الله دعاء إلى الله لأنه دعاء إلى طاعته فيما أمر ونهى وإذا فالصحابة - رضوان الله عليهم - قد اتبعوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيجب اتباعهم إذا دعوا إلى الله. الوجه الخامس: قوله تعالى قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى [النمل: 59] قال ابن عباس في رواية أبي مالك: هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - والدليل عليه قوله تعالى ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا [فاطر: 32] وحقيقة الاصطفاء: افتعال من التصفية فيكون قد صفاهم من الأكدار والخطأ من الأكدار فيكونون مصفين منه ولا ينتقض هذا بما إذا اختلفوا لأن الحق لم يعدهم فلا يكون قول بعضهم كدرا لأن مخالفته الكدر وبيانه يزيل كونه كدرا بخلاف ما إذا قال بعضهم قولا ولا يخالف فيه فلو كان قولا باطلا ولم يرده راد لكان حقيقة الكدر وهذا لأن خلاف بعضهم لبعض بمنزلة متابعة النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض أموره فإنها لا تخرجه عن حقيقة الاصطفاء. الوجه السادس: أن الله تعالى شهد لهم بأنهم أوتوا العلم بقوله: ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق [سبأ: 6] وقوله: حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا [محمد: 16] وقوله: يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات [المجادلة: 11] واللام في quot; العلم quot; ليست للاستغراق وإنما هي للعهد أي العلم الذي بعث الله به نبيه - صلى الله عليه وسلم - وإذا كانوا أوتوا هذا العلم كان اتباعهم واجبا. الوجه السابع: قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله [آل عمران: 110] شهد لهم الله تعالى بأنهم يأمرون(4\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1007",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1009",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بكل معروف وينهون عن كل منكر فلو كانت الحادثة في زمانهم لم يفت فيها إلا من أخطأ منهم لم يكن أحد منهم قد أمر فيها بمعروف ولا نهى فيها عن منكر إذ الصواب معروف بلا شك والخطأ منكر من بعض الوجوه ولولا ذلك لما صح التمسك بهذه الآية على كون الإجماع حجة وإذا كان هذا باطلا علم أن خطأ من يعلم منهم في العلم إذا لم يخالفه غيره ممتنع وذلك يقتضي أن قوله حجة. الوجه الثامن: قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين [التوبة: 119] قال غير واحد من السلف: هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا ريب أنهم أئمة الصادقين وكل صادق بعدهم فيهم يأتم في صدقه بل حقيقة صدقه اتباعه لهم وكونه معهم ومعلوم أن من خالفهم في شيء وإن وافقهم في غيره لم يكن معهم فيما خالفهم فيه وحينئذ فيصدق عليه أنه ليس معهم فتنتفي عنه المعية المطلقة وإن ثبت له قسط من المعية وفيما وافقهم فيه فلا يصدق عليه أنه معهم بهذا القسط وهذا كما نفى الله ورسوله الإيمان المطلق عن الزاني والشارب والسارق والمنتهب بحيث لا يستحق اسم المؤمن وإن لم ينتف عنه مطلق الاسم الذي يستحق لأجله أن يقال: معه شيء من الإيمان وهذا كما أن اسم الفقيه والعالم عند الإطلاق لا يقال لمن معه مسألة أو مسألتان من فقه وعلم وإن قيل: معه شيء من العلم ففرق بين المعية المطلقة ومطلق المعية ومعلوم أن المأمور به الأول لا الثاني فإن الله تعالى لم يرد منا أن نكون معهم في شيء من الأشياء وأن نحصل من المعية ما يطلق عليه الاسم وهذا غلط عظيم في فهم مراد الرب تعالى من أوامره فإذا أمرنا بالتقوى والبر والصدق والعفة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحو ذلك لم يرد منا أن نأتي من ذلك بأقل ما يطلق عليه الاسم وهو مطلق الماهية المأمور بها بحيث نكون ممتثلين لأمره إذا أتينا بذلك وتمام تقرير هذا الوجه بما تقدم في تقرير الأمر بمتابعتهم سواء. الوجه التاسع: قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا [البقرة: 143] ووجه الاستدلال بالآية أنه تعالى أخبر أنه جعلهم أمة خيارا عدولا هذا حقيقة الوسط فهم خير الأمم وأعدلها في أقوالهم وأعمالهم وإرادتهم ونياتهم وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسل على أممهم يوم القيامة والله(4\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1008",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1010",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى يقبل شهادتهم عليهم فهم شهداؤه ولهذا نوه بهم ورفع ذكرهم وأثنى عليهم لأنه تعالى لما اتخذهم شهداء أعلم خلقه من الملائكة وغيرهم بحال هؤلاء الشهداء وأمر ملائكته أن تصلي عليهم وتدعو لهم وتستغفر لهم والشاهد المقبول عند الله هو الذي يشهد بعلم وصدق فيخبر بالحق مستندا إلى علمه به كما قال تعالى إلا من شهد بالحق وهم يعلمون [الزخرف: 86] فقد يخبر الإنسان بالحق اتفاقا من غير علمه به وقد يعلمه ولا يخبر به فالشاهد المقبول عند الله هو الذي يخبر به عن علم فلو كان علمهم أن يفتي أحدهم بفتوى وتكون خطأ مخالفة لحكم الله ورسوله ولا يفتي غيره بالحق الذي هو حكم الله ورسوله إما مع اشتهار فتوى الأول أو بدون اشتهارها كانت هذه الأمة العدل الخيار قد أطبقت على خلاف الحق بل انقسموا قسمين قسما أفتى بالباطل وقسما سكت عن الحق وهذا من المستحيل فإن الحق لا يعدوهم ويخرج عنهم إلى من بعدهم قطعا ونحن نقول لمن خالف أقوالهم: لو كان خيرا ما سبقونا إليه. الوجه العاشر: أن قوله تعالى وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس [الحج: 78] فأخبر تعالى أنه اجتباهم والاجتباء كالاصطفاء وهو افتعال من quot; اجتبى الشيء يجتبيه quot; إذا ضمه إليه وحازه إلى نفسه فهم المجتبون الذين اجتباهم الله إليه وجعلهم أهله وخاصته وصفوته من خلقه بعد النبيين والمرسلين ولهذا أمرهم تعالى أن يجاهدوا فيه حق جهاده فيبذلوا له أنفسهم ويفردوه بالمحبة والعبودية ويختاروه وحده إلها معبودا محبوبا على كل ما سواه كما اختارهم على من سواهم فيتخذونه وحده إلههم ومعبودهم الذي يتقربون إليه بألسنتهم وجوارحهم وقلوبهم ومحبتهم وإرادتهم فيؤثرونه في كل حال على من سواه كما اتخذهم عبيده وأولياءه وأحباءه وآثرهم بذلك على من سواهم ثم أخبرهم تعالى أن يسر عليهم دينه غاية التيسير ولم يجعل عليهم فيه من حرج ألبتة لكمال محبته لهم ورأفته ورحمته وحنانه بهم ثم أمرهم بلزوم ملة إمام الحنفاء أبيهم إبراهيم وهي إفراده تعالى وحده بالعبودية والتعظيم والحب والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والتفويض والاستسلام فيكون تعلق ذلك من قلوبهم به وحده لا بغيره ثم أخبر تعالى أنه نوه بهم وسماهم كذلك بعد أن أوجدهم اعتناء بهم ورفعة لشأنهم وإعلاء لقدرهم ثم أخبر تعالى أنه فعل ذلك ليشهد عليهم رسوله ويشهدوا هم على الناس فيكونون مشهودا لهم بشهادة الرسول شاهدين على الأمم بقيام حجة الله عليهم فكان هذا التنويه وإشارة الذكر لهذين الأمرين الجليلين ولهاتين(4\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1009",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1011",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحكمتين العظيمتين والمقصود أنهم إذا كانوا بهذه المنزلة عنده تعالى فمن المحال أن يحرمهم كلهم الصواب في مسألة فيفتي فيها بعضهم بالخطأ ولا يفتي فيها غيره بالصواب ويظفر فيها بالهدى من بعدهم والله المستعان. الوجه الحادي عشر: قوله تعالى ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم [آل عمران: 101] ووجه الاستدلال بالآية أنه تعالى أخبر عن المعتصمين به بأنهم قد هدوا إلى الحق فنقول: الصحابة - رضوان الله عليهم - معتصمون بالله فهم مهتدون فاتباعهم واجب أما المقدمة الأولى فتقريرها من وجوه أحدها: قوله تعالى: واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير [الحج: 78] ومعلوم كمال تولي الله تعالى لهم ونصره إياهم أتم نصرة وهذا يدل على أنهم اعتصموا به أتم اعتصام فهم مهديون بشهادة الرب لهم بلا شك واتباع المهدي واجب شرعا وعقلا وفطرة بلا شك وما يرد على هذا الوجه من أن المتابعة لا تستلزم المتابعة في جميع أمورهم فقد تقدم جوابه. الوجه الثاني عشر: قوله تعالى عن أصحاب موسى: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون [السجدة: 24] فأخبر تعالى أنه جعلهم أئمة يأتم بهم من بعدهم لصبرهم ويقينهم إذ بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين فإن الداعي إلى الله تعالى لا يتم له أمره إلا بيقينه للحق الذي يدعو إليه وبصيرته به وصبره على تنفيذ الدعوة إلى الله باحتمال مشاق الدعوة وكف النفس عما يوهن عزمه ويضعف إرادته فمن كان بهذه المثابة كان من الأئمة الذين يهدون بأمره تعالى ومن المعلوم أن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - أحق وأولى بهذا الوصف من أصحاب موسى فهم أكمل يقينا وأعظم صبرا من جميع الأمم فهم أولى بمنصب هذه الإمامة وهذا أمر ثابت بلا شك بشهادة الله لهم وثنائه عليهم وشهادة الرسول لهم بأنهم خير القرون وأنهم خيرة الله وصفوته ومن المحال على من هذا شأنهم أن يخطئوا كلهم الحق ويظفر به المتأخرون ولو كان هذا ممكنا لانقلبت الحقائق وكان المتأخرون أئمة لهم يجب عليهم الرجوع إلى فتاويهم وأقوالهم وهذا كما أنه محال حسا وعقلا فهو محال شرعا وبالله التوفيق. الوجه الثالث عشر: قوله تعالى والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما [الفرقان: 74]  وإمام بمعنى قدوة وهو يصلح للواحد والجمع كالأمة والأسوة وقد قيل: هو جمع آمم كصاحب وصحاب وراجل ورجال وتاجر وتجار وقيل: هو مصدر كقتال وضراب أي ذوي إمام والصواب الوجه الأول فكل من كان من المتقين وجب عليه أن يأتم بهم والتقوى واجبة والائتمام بهم واجب ومخالفتهم(4\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1010",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1012",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيما أفتوا به مخالف للائتمام بهم وإن قيل quot; نحن نأتم بهم في الاستدلال وأصول الدين quot; فقد تقدم من جواب هذا ما فيه كفاية. الوجه الرابع عشر: ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح من وجوه متعددة أنه قال: خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن خير القرون قرنه مطلقا وذلك يقتضي تقديمهم في كل باب من أبواب الخير إلا لو كانوا خيرا من بعض الوجوه فلا يكونون خير القرون مطلقا فلو جاز أن يخطئ الرجل منهم في حكم وسائرهم لم يفتوا بالصواب - وإنما ظفر بالصواب من بعدهم وأخطئوا هم - لزم أن يكون ذلك القرن خيرا منهم من ذلك الوجه لأن القرن المشتمل على الصواب خير من القرن المشتمل على الخطأ في ذلك الفن ثم هذا يتعدد في مسائل عديدة لأن من يقول quot; قول الصحابي ليس بحجة quot; يجوز عنده أن يكون من بعدهم أصاب في كل مسألة قال فيها الصحابي قولا ولم يخالفه صحابي آخر وفات هذا الصواب الصحابة ومعلوم أن هذا يأتي في مسائل كثيرة تفوق العد والإحصاء فكيف يكونون خيرا ممن بعدهم وقد امتاز القرن الذي بعدهم بالصواب فيما يفوق العد والإحصاء مما أخطئوا فيه ومعلوم أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أكمل الفضائل وأشرفها فيا سبحان الله أي وصمة أعظم من أن يكون الصديق أو الفاروق أو عثمان أو علي أو ابن مسعود أو سلمان الفارسي أو عبادة بن الصامت وأضرابهم - رضي الله عنهم - قد أخبر عن حكم الله أنه كيت وكيت في مسائل كثيرة وأخطأ في ذلك ولم يشتمل قرنهم على ناطق بالصواب في تلك المسائل حتى تبع من بعدهم فعرفوا حكم الله الذي جهله أولئك السادة وأصابوا الحق الذي أخطأه أولئك الأئمة سبحانك هذا بهتان عظيم. الوجه الخامس عشر: ما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري قال: صلينا المغرب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء فجلسنا فخرج علينا فقال: ما زلتم هاهنا فقلنا: يا رسول الله صلينا معك المغرب ثم قلنا نجلس حتى نصلي معك العشاء قال: أحسنتم وأصبتم ورفع رأسه إلى السماء وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء فقال النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون ووجه الاستدلال بالحديث أنه جعل نسبة أصحابه إلى من(4\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1011",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1013",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعدهم كنسبته إلى أصحابه وكنسبة النجوم إلى السماء ومن المعلوم أن هذا التشبيه يعطي من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيهم - صلى الله عليه وسلم - ونظير اهتداء أهل الأرض بالنجوم وأيضا فإنه جعل بقاءهم بين الأمة أمنة لهم وحرزا من الشر وأسبابه فلو جاز أن يخطئوا فيما أفتوا به ويظفر به من بعدهم لكان الظافرون بالحق أمنة للصحابة وحرزا لهم وهذا من المحال. الوجه السادس عشر: ما رواه أبو عبد الله بن بطة من حديث الحسن عن أنس [أنه] قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن مثل أصحابي في أمتي كمثل الملح في الطعام لا يصلح الطعام إلا بالملح قال الحسن: قد ذهب ملحنا فكيف نصلح وروى ابن بطة أيضا بإسنادين إلى عبد الرزاق أخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مثل أصحابي في الناس كمثل الملح في الطعام ثم يقول الحسن: هيهات ذهب ملح القوم وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن علي الجعفي عن أبي موسى يعني إسرائيل - عن الحسن قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل أصحابي كمثل الملح في الطعام قال: يقول الحسن: هل يطيب الطعام إلا بالملح ويقول الحسن: فكيف بقوم ذهب ملحهم ووجه الاستدلال أنه شبه أصحابه في صلاح دين الأمة بهم بالملح الذي صلاح الطعام به فلو جاز أن يفتوا بالخطأ ولا يكون في عصرهم من يفتي بالصواب ويظفر به من بعدهم لكان من بعدهم ملحا لهم وهذا محال. يوضحه أن الملح كما أن به صلاح الطعام فالصواب به صلاح الأنام فلو أخطئوا فيما أفتوا به لاحتاج ذلك إلى ملح يصلحه فإذا أفتى من بعدهم بالحق كان قد أصلح خطأهم فكان ملحا لهم. الوجه السابع عشر: ما روى البخاري في صحيحه من حديث الأعمش قال: سمعت أبا صالح يحدث عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه وفي لفظ quot; فوالذي نفسي بيده quot; وهذا خطاب منه لخالد بن الوليد ولأقرانه من مسلمة الحديبية والفتح فإذا كان مد أحد أصحابه أو نصيفه أفضل عند الله من مثل أحد ذهبا من مثل خالد وأضرابه من أصحابه فكيف يجوز أن يحرمهم الله الصواب في الفتاوى ويظفر به من بعدهم هذا من أبين المحال. الوجه الثامن عشر: ما روى الحميدي ثنا محمد بن طلحة قال: حدثني عبد الرحمن بن سالم بن عبد الرحمن بن عويلم بن ساعدة عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:(4\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1012",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1014",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن الله اختارني واختار لي أصحابا فجعل لي منهم وزراء وأنصارا وأصهارا الحديث ومن المحال أن يحرم الله الصواب من اختارهم لرسوله وجعلهم وزراءه وأنصاره وأصهاره ويعطيه من بعدهم في شيء من الأشياء. الوجه التاسع عشر: ما روى أبو داود الطيالسي ثنا المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد فبعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبة نبيه ونصرة دينه فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح ومن المحال أن يخطئ الحق في حكم الله خير قلوب العباد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويظفر به من بعدهم وأيضا فإن ما أفتى به أحدهم وسكت عنه الباقون كلهم فإما أن يكونوا قد رأوه حسنا أو يكونوا قد رأوه قبيحا فإن كانوا قد رأوه حسنا فهو حسن عند الله وإن كانوا قد رأوه قبيحا ولم ينكروه لم تكن قلوبهم من خير قلوب العباد وكان من أنكره بعدهم خيرا منهم وأعلم وهذا من أبين المحال. الوجه العشرون: ما رواه الإمام أحمد وغيره عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: من كان متأسيا فليتأس بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا وأقومها هديا وأحسنها حالا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوا آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ومن المحال أن يحرم الله أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا وأقومها هديا الصواب في أحكامه ويوفق له من بعدهم. الوجه الحادي والعشرون: ما رواه الطبراني وأبو نعيم وغيرهما عن حذيفة بن اليمان أنه قال: يا معشر القراء خذوا طريق من كان قبلكم فوالله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقا بعيدا ولئن تركتموه يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا. ومن المحال أن يكون الصواب في غير طريق من سبق إلى كل خير على الإطلاق. الوجه الثاني والعشرون: ما قاله جندب بن عبد الله لفرقة دخلت عليه من الخوارج فقالوا: ندعوك إلى كتاب الله فقال: أنتم قالوا: نحن قال: أنتم قالوا: نحن فقال: يا أخابيث خلق الله في اتباعنا تختارون الضلالة أم في غير سنتنا تلتمسون الهدى اخرجوا عني ومن المعلوم أن من جوز أن تكون الصحابة أخطئوا في فتاويهم فمن بعدهم وخالفهم(4\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1013",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1015",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيها فقد اتبع الحق في غير سنتهم وقد دعاه إلى كتاب الله فإن كتاب الله إنما يدعو إلى الحق وكفى ذلك إزراء على نفوسهم وعلى الصحابة. الوجه الثالث والعشرون: ما رواه الترمذي من حديث العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فماذا تعهد إلينا فقال: عليكم بالسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة  وهذا حديث حسن إسناده لا بأس به فقرن سنة خلفائه بسنته وأمر باتباعها كما أمر باتباع سنته وبالغ في الأمر بها حتى أمر بأن يعض عليها بالنواجذ وهذا يتناول ما أفتوا به وسنوه للأمة وإن لم يتقدم من نبيهم فيه شيء وإلا كان ذلك سنته ويتناول ما أفتى به جميعهم أو أكثرهم أو بعضهم لأنه علق ذلك بما سنه الخلفاء الراشدون ومعلوم أنهم لم يسنوا ذلك [وهم خلفاء] في آن واحد فعلم أن ما سنه كل واحد منهم في وقته فهو من سنة الخلفاء الراشدين. رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن ضمرة بن حبيب عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي سمع العرباض بن سارية فذكر نحوه. الوجه الرابع والعشرون: ما رواه الترمذي من حديث الثوري عن عبد الملك بن عمير عن هلال مولى ربعي بن حراش عن ربعي عن حذيفة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن أم عبد قال الترمذي: هذا حديث حسن ووجه الاستدلال به ما تقدم في تقرير المتابعة. الوجه الخامس والعشرون: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن رباح عن أبي قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا  وهو في حديث الميضأة الطويل فجعل الرشد معلقا بطاعتهما فلو أفتوا بالخطأ في حكم وأصابه من بعدهم لكان الرشد في خلافهما. الوجه السادس والعشرون: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بكر وعمر في شأن تأمير القعقاع بن حكيم والأقرع بن حابس لو اتفقتما على شيء لم أخالفكما فهذا رسول(4\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1014",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1016",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله - صلى الله عليه وسلم - يخبر أنه لا يخالفهما لو اتفقا ومن يقول قولهما ليس بحجة يجوز مخالفتهما وبعض غلاتهم يقول: لا يجوز الأخذ بقولهما ويجب الأخذ بقول إمامنا الذي قلدناه وذلك موجود في كتبهم. الوجه السابع والعشرون: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نظر إلى أبي بكر وعمر فقال هذان السمع والبصر أي هما مني بمنزلة السمع والبصر أو هما من الدين بمنزلة السمع والبصر ومن المحال أن يحرم سمع الدين وبصره الصواب ويظفر به من بعدهما.  الوجه الثامن والعشرون: ما رواه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن إسحاق عن مكحول عن غضيف بن الحارث عن أبي ذر قال: مر فتى على عمر - رضي الله عنه - فقال عمر: نعم الفتى قال: فتبعه أبو ذر فقال: يا فتى استغفر لي فقال: يا أبا ذر أستغفر لك وأنت صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: استغفر لي قال: لا أو تخبرني قال: إنك مررت على عمر فقال: نعم الفتى وإني سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه ومن المحال أن يكون الخطأ في مسألة أفتى بها من جعل الله الحق على لسانه وقلبه حظه ولا ينكره عليه أحد من الصحابة ويكون الصواب فيها حظ من بعده هذا من أبين المحال. الوجه التاسع والعشرون: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كان فيمن خلا من الأمم أناس محدثون فإن يكن في أمتي أحد فهو عمر  وهو في المسند والترمذي وغيرهما من حديث أبي هريرة والمحدث: هو المتكلم الذي يلقي الله في روعه الصواب يحدثه به الملك عن الله ومن المحال أن يختلف هذا ومن بعده في مسألة ويكون الصواب فيها مع المتأخر دونه فإن ذلك يستلزم أن يكون ذلك الغير هو المحدث بالنسبة إلى هذا الحكم دون أمير المؤمنين - رضي الله عنه - وهذا وإن أمكن في أقرانه من الصحابة فإنه لا يخلو عصرهم من الحق إما على لسان عمر وإما على لسان غيره منهم وإنما الحال أن يفتي أمير المؤمنين المحدث بفتوى أو يحكم بحكم ولا يقول أحد من الصحابة غيره ويكون خطأ ثم يوفق له من بعدهم فيصيب الحق ويخطئه الصحابة. الوجه الثلاثون: ما رواه الترمذي من حديث بكر بن عمرو عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لو كان بعدي نبي لكان عمر وفي لفظ لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر قال الترمذي: حديث حسن ومن المحال أن يختلف من(4\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1015",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1017",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا شأنه ومن بعده من المتأخرين في حكم من أحكام الدين ويكون حظ عمر منه الخطأ وحظ ذلك المتأخر منه الصواب. الوجه الحادي والثلاثون: ما روى إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي أن عليا كرم الله وجهه قال: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر ومن المحال أن يكون من بعده من المتأخرين أسعد بالصواب منه في أحكام الله تعالى ورواه عمرو بن ميمون عن زر عن علي. الوجه الثاني والثلاثون: ما رواه واصل الأحدب عن أبي وائل عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: ما رأيت عمر إلا وكأن بين عينيه ملكا يسدده. ومعلوم قطعا أن هذا أولى بالصواب ممن ليس بهذه المثابة. الوجه الثالث والثلاثون: ما رواه الأعمش عن شقيق قال: قال عبد الله: والله لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان وجعل علم أهل الأرض في كفة لرجح علم عمر فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: قال عبد الله: والله إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم ومن أبعد الأمور أن يكون المخالف لعمر بعد انقراض عصر الصحابة أولى بالصواب منه في شيء من الأشياء. الوجه الرابع والثلاثون: ما رواه ابن عيينة عن عبد الله بن أبي يزيد قال: كان ابن عباس إذا سئل عن شيء وكان في القرآن أو السنة قال به وإلا قال بما قال به أبو بكر وعمر فإن لم يكن قال برأيه فهذا ابن عباس - واتباعه للدليل وتحكيمه للحجة معروف حتى إنه يخالف لما قام عنده من الدليل أكابر الصحابة - يجعل قول أبي بكر وعمر حجة يؤخذ بها بعد قول الله ورسوله ولم يخالفه في ذلك أحد من الصحابة. الوجه الخامس والثلاثون: ما رواه منصور عن زيد بن وهب عن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد كذا رواه يحيى بن يعلى المحاربي عن زيد عن منصور والصواب ما رواه إسرائيل وسفيان عن منصور عن القاسم بن عبد الرحمن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا ولكن قد روى جعفر بن عوف عن المسعودي عن جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن مسعود اقرأ علي قال: أقرأ وعليك أنزل قال: إني أحب أن أسمعه من غيري فافتتح سورة النساء حتى إذا بلغ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا [النساء: 41] فاضت عينا(4\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1016",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1018",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسلم وكف عبد الله بن مسعود فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتكلم فحمد الله وأثنى عليه في أول كلامه وأثنى على الله وصلى على نبيه - صلى الله عليه وسلم - وشهد شهادة الحق وقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا ورضيت لكم ما رضي لكم ابن أم عبد ومن قال ليس قوله بحجة وإذا خالفه غيره ممن بعده يجوز أن يكون الصواب في قول المخالف له لم يرض للأمة ما رضيه لهم ابن أم عبد ولا ما رضيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. الوجه السادس والثلاثون: ما رواه أبو إسحاق عن حارثة بن مضرب قال: كتب عمر - رضي الله عنه - إلى أهل الكوفة quot; قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرا وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا وهما من النجباء من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - من أهل بدر فاقتدوا بهما واسمعوا قولهما وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي quot; فهذا عمر قد أمر أهل الكوفة أن يقتدوا بعمار وابن مسعود ويسمعوا قولهما ومن لم يجعل قولهما حجة يقول: لا يجب الاقتداء بهما ولا سماع أقوالهما إلا فيما أجمعت عليه الأمة ومعلوم أن ذلك لا اختصاص لهما به بل لا فرق فيه بينهما وبين غيرهما من سائر الأمة. الوجه السابع والثلاثون: ما قاله عبادة بن الصامت وغيره: بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن نقول بالحق حيث كنا ولا نخاف في الله لومة لائم ونحن نشهد [بالله] أنهم وفوا بهذه البيعة وقالوا بالحق وصدعوا به ولم تأخذهم في الله لومة لائم ولم يكتموا شيئا منه مخافة سوط ولا عصا ولا أمير ولا وال كما هو معلوم لمن تأمله من هديهم وسيرتهم فقد أنكر أبو سعيد على مروان وهو أمير على المدينة وأنكر عبادة بن الصامت على معاوية وهو خليفة وأنكر ابن عمر على الحجاج مع سطوته وبأسه وأنكر على عمرو بن سعيد وهو أمير على المدينة وهذا كثير جدا من إنكارهم على الأمراء والولاة إذا خرجوا عن العدل لم يخافوا سوطهم ولا عقوبتهم ومن بعدهم لم تكن لهم هذه المنزلة بل كانوا يتركوه كثيرا من الحق خوفا من ولاة الظلم وأمراء الجور فمن المحال أن يوفق هؤلاء للصواب ويحرمه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. الوجه الثامن والثلاثون: ما ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رقي المنبر فقال: إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله فبكى أبو بكر وقال: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا فعجبنا لبكائه أن يخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن رجل خير فكان المخير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أبو بكر أعلمنا به  وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إن أمن الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت(4\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1017",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1019",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبا بكر خليلا ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقى في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر ومن المعلوم أن فوت الصواب في الفتوى لأعلم الأمة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولجميع الصحابة معه وظفر فلان وفلان من المتأخرين بهذا من أمحل المحال ومن لم يجعل قوله حجة يجوز ذلك بل يحكم بوقوعه والله المستعان. الوجه التاسع والثلاثون: ما رواه زائدة عن عاصم عن زر عن عبد الله قال: لما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال الأنصار: منا أمير ومنكم أمير فأتاهم عمر قال: ألستم تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أبا بكر أن يؤم الناس قالوا: بلى قال: فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر فقالوا: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر ونحن نقول لجميع المفتين: أيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر إذا أفتى بفتوى وأفتى من قلدتموه بغيرها ولا سيما من قال من زعمائكم: إنه يجب تقليد من قلدناه ديننا ولا يجوز تقليد أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - اللهم إنا نشهدك أن أنفسنا لا تطيب بذلك ونعوذ بك أن نطيب به نفسا. الوجه الأربعون: ما ثبت في الصحيح من حديث الزهري عن حمزة بن عبد الله عن أبيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال بينما أنا نائم إذا أتيت بقدح لبن فقيل لي: اشرب فشربت منه حتى إني لأرى الري يجري في أظفاري ثم أعطيت فضلتي عمر قالوا: فما أولت ذلك قال: العلم . ومن أبعد الأشياء أن يكون الصواب مع من خالفه في فتيا أو حكم لا يعلم أن أحدا من الصحابة خالفه فيه وقد شهد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذه الشهادة الوجه الحادي والأربعون: ما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه وضع للنبي - صلى الله عليه وسلم - وضوءا فقال: من وضع هذا قالوا: ابن عباس فقال: اللهم فقهه في الدين وقال عكرمة: ضمني إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال اللهم علمه الحكمة . ومن المستبعد جدا بل الممتنع أن يفتي حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدعوة مستجابة قطعا أن يفقهه في الدين ويعلمه الحكمة ولا يخالفه فيها أحد من الصحابة ويكون فيها على خطأ ويفتي واحد من المتأخرين بعده بخلاف فتواه ويكون الصواب معه فيظفر به هو ومقلدوه ويحرمه ابن عباس والصحابة. الوجه الثاني والأربعون: أن صورة المسألة ما إذا لم يكن في الواقعة حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا اختلاف بين الصحابة - رضي الله عنهم - وإنما قال بعضهم فيها قولا وأفتى بفتيا(4\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1018",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1020",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولم يعلم أن قوله وفتياه أشهر في الباقين ولا أنهم خالفوه وحينئذ فنقول: من تأمل المسائل الفقهية والحوادث الفرعية وتدرب بمسالكها وتصرف في مداركها وسلك سبلها ذللا وارتوى من مواردها عللا ونهلا علم قطعا أن كثيرا منها قد تشتبه فيها وجوه الرأي بحيث لا يوثق فيها بظاهر مراد أو قياس صحيح ينشرح له الصدر ويثلج له الفؤاد بل تتعارض فيها الظواهر والأقيسة على وجه يقف المجتهد في أكثر المواضع حتى لا يبقى للظن رجحان بين لا سيما إذا اختلف الفقهاء فإن عقولهم من أكمل العقول وأوفرها فإذا تلددوا وتوقفوا ولم يتقدموا ولم يتأخروا لم يكن ذلك في المسألة طريقة واضحة ولا حجة لائحة فإذا وجد فيها قول لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنهم والذين هم سادات الأمة وقدوة الأئمة وأعلم الناس بكتاب ربهم تعالى وسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم - وقد شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل ونسبة من بعدهم في العلم إليهم كنسبتهم إليهم في الفضل والدين كان الظن والحالة هذه بأن الصواب في جهتهم والحق في جانبهم من أقوى الظنون وهو أقوى من الظن المستفاد من كثير من الأقيسة هذا ما لا يمتري فيه عاقل منصف. وكان الرأي الذي يوافق رأيهم هو الرأي السداد الذي لا رأي سواه وإذا كان المطلوب في الحادثة إنما هو ظن راجح ولو استند إلى استصحاب أو قياس علة أو دلالة أو شبه أو عموم مخصوص أو محفوظ مطلق أو وارد على سبب فلا شك أن الظن الذي يحصل لنا بقول الصحابي الذي لم يخالف أرجح من كثير من الظنون كحصول الأمور الوجدانية ولا يخفى على العالم أمثلة ذلك. الوجه الثالث والأربعون: أن الصحابي إذا قال قولا أو حكم بحكم أو أفتى بفتيا فله مدارك ينفرد بها عنا ومدارك نشاركه فيها فأما ما يختص به فيجوز أن يكون سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - شفاها أو من صحابي آخر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من أن يحاط به فلم يرو كل منهم كل ما سمع وأين ما سمعه الصديق - رضي الله عنه - والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة - رضي الله عنهم - إلى ما رووه فلم يرو عنه صديق الأمة مائة حديث وهو لم يغب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في شيء من مشاهده بل صحبه من حين بعث بل قبل البعث إلى أن توفي وكان أعلم الأمة به - صلى الله عليه وسلم - بقوله وفعله وهديه وسيرته وكذلك أجلة الصحابة روايتهم قليلة جدا بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم وشاهدوه ولو رووا كل ما سمعوه وشاهدوه لزاد على رواية أبي هريرة أضعافا مضاعفة فإنه إنما صحبه نحو أربع سنين وقد روى عنه الكثير فقول القائل quot; لو كان عند الصحابي في هذه الواقعة شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لذكره quot; قول من لم يعرف سيرة القوم وأحوالهم فإنهم كانوا يهابون الرواية عن(4\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1019",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1021",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويعظمونها ويقللونها خوف الزيادة والنقص ويحدثون بالشيء الذي سمعوه من النبي - صلى الله عليه وسلم - مرارا ولا يصرحون بالسماع ولا يقولون قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فتلك الفتوى التي يفتي بها أحدهم لا تخرج عن ستة أوجه أحدها: أن يكون سمعها من النبي - صلى الله عليه وسلم - الثاني: أن يكون سمعها ممن سمعها منه الثالث: أن يكون فهمها من آية من كتاب الله فهما خفي علينا الرابع: أن يكون قد اتفق عليها ملؤهم ولم ينقل إلينا إلا قول المفتي بها وحده الخامس: أن يكون لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به عنا أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب أو لمجموع أمور فهموها على طول الزمان من رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - ومشاهدة أفعاله وأحواله وسيرته وسماع كلامه والعلم بمقاصده وشهود تنزيل الوحي ومشاهدة تأويله بالفعل فيكون فهم ما لا نفهمه نحن وعلى هذه التقادير الخمسة تكون فتواه حجة يجب اتباعها السادس: أن يكون فهم ما لم يرده الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأخطأ في فهمه والمراد غير ما فهمه وعلى هذا التقدير لا يكون قوله حجة ومعلوم قطعا أن وقوع احتمال من خمسة أغلب على الظن من وقوع احتمال واحد معين هذا ما لا يشك فيه عاقل وذلك يفيد ظنا غالبا قويا على أن الصواب في قوله دون ما خالفه من أقوال من بعده وليس المطلوب إلا الظن الغالب والعمل به متعين ويكفي العارف هذا الوجه.  فصل: [من وجوه فضل الصحابة] هذا فيما انفردوا به عنا أما المدارك التي شاركناهم فيها من دلالات الألفاظ والأقيسة فلا ريب أنهم كانوا أبر قلوبا وأعمق علما وأقل تكلفا وأقرب إلى أن يوفقوا فيها لما لم نوفق له نحن لما خصهم الله تعالى به من توقد الأذهان وفصاحة اللسان وسعة العلم وسهولة الأخذ وحسن الإدراك وسرعته وقلة المعارض أو عدمه وحسن القصد وتقوى الرب تعالى فالعربية طبيعتهم وسليقتهم والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم ولا حاجة بهم إلى النظر في الإسناد وأحوال الرواة وعلل الحديث والجرح والتعديل ولا إلى النظر في قواعد الأصول وأوضاع الأصوليين بل قد غنوا عن ذلك كله فليس في حقهم إلا أمران: أحدهما: قال الله تعالى كذا وقال رسوله كذا والثاني: معناه كذا وكذا وهم أسعد الناس بهاتين المقدمتين وأحظى الأمة بهما فقواهم متوفرة مجتمعة(4\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1020",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1022",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليهما وأما المتأخرون فقواهم متفرقة وهممهم متشعبة فالعربية وتوابعها قد أخذت من قوى أذهانهم شعبة والأصول وقواعدها قد أخذت منها شعبة وعلم الإسناد وأحوال الرواة قد أخذ منها شعبة وفكرهم في كلام مصنفيهم وشيوخهم على اختلافهم وما أرادوا به قد أخذ منها شعبة إلى غير ذلك من الأمور فإذا وصلوا إلى النصوص النبوية إن كان لهم همم تسافر إليها وصلوا إليها بقلوب وأذهان قد كلت من السير في غيرها. وأوهن قواهم مواصلة السرى في سواها فأدركوا من النصوص ومعانيها بحسب تلك القوة وهذا أمر يحس به الناظر في مسألة إذا استعمل قوى ذهنه في غيرها ثم صار إليها وافاها بذهن كال وقوة ضعيفة وهذا شأن من استفرغ قواه في الأعمال غير المشروعة تضعف قوته عند العمل المشروع كمن استفرغ قوته في السماع الشيطاني فإذا جاء قيام الليل قام إلى ورده بقوة كالة وعزيمة باردة وكذلك من صرف قوى حبه وإرادته إلى الصور أو المال أو الجاه فإذا طالب قلبه بمحبة الله فإن انجذب معه انجذب بقوة ضعيفة قد استفرغها في محبة غيره فمن استفرغ قوى فكره في كلام الناس فإذا جاء إلى كلام الله ورسوله جاء بفكرة كالة فأعطى بحسب ذلك. والمقصود أن الصحابة أغناهم الله تعالى عن ذلك كله فاجتمعت قواهم على تينك المقدمتين فقط هذا إلى ما خصوا به من قوى الأذهان وصفائها وصحتها وقوة إدراكها وكماله وكثرة المعاون وقلة الصارف وقرب العهد بنور النبوة والتلقي من تلك المشكاة النبوية فإذا كان هذا حالنا وحالهم فيما تميزوا به علينا وما شاركناهم فيه فكيف نكون نحن أو شيوخنا أو شيوخهم أو من قلدناه أسعد بالصواب منهم في مسألة من المسائل ومن حدث نفسه بهذا فليعزلها من الدين والعمل والله المستعان. الوجه الرابع والأربعون: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق وقال علي كرم الله وجهه ورضي عنه: لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة لكي لا تبطل حجج الله وبيناته فلو جاز أن يخطئ الصحابي في حكم ولا يكون في ذلك العصر ناطق بالصواب في ذلك الحكم لم يكن في الأمة قائم بالحق في ذلك الحكم لأنهم بين ساكت ومخطئ ولم يكن في الأرض قائم لله بحجة في ذلك الأمر ولا من يأمر فيه بمعروف أو ينهى فيه عن منكر حتى نبغت نابغة فقامت بالحجة وأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر وهذا خلاف ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع.(4\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1021",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1023",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الخامس والأربعون: إنهم إذا قالوا قولا أو بعضهم ثم خالفهم مخالف من غيرهم كان مبتدئا لذلك القول ومبتدعا له وقد قال النبي: - صلى الله عليه وسلم - عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة وقول من جاء بعدهم يخالفهم من محدثات الأمور فلا يجوز اتباعهم. وقال عبد الله بن مسعود: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وقال أيضا: إنا نقتدي ولا نبتدي ونتبع ولا نبتدع ولن نضل ما تمسكنا بالأثر. وقال أيضا: إياكم والتبدع وإياكم والتنطع وإياكم والتعمق وعليكم بالدين العتيق وقال أيضا: أنا لغير الدجال أخوف عليكم من الدجال أمور تكون من كبرائكم فأيما مرية أو رجيل أدرك ذلك الزمان فالسمت الأول فالسمت الأول فأنا اليوم على السنة. وقال أيضا: وإياكم والمحدثات فإن شر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وقال أيضا: اتبع ولا تبتدع فإنك لن تضل ما أخذت بالأثر وقال ابن عباس: كان يقال عليكم بالاستقامة والأثر وإياكم والتبدع وقال شريح: إنما أقتفي الأثر فما وجدت قد سبقنا إليه غيركم حدثتكم به. وقال إبراهيم النخعي: لو بلغني عنهم يعني الصحابة أنهم لم يجاوزوا بالوضوء ظفرا ما جاوزته به وكفى على قوم وزرا أن تخالف أعمالهم أعمال أصحاب نبيهم - صلى الله عليه وسلم -. وقال عمر بن عبد العزيز: إنه لم يبتدع الناس بدعة إلا وقد مضى فيها ما هو دليل وعبرة منها والسنة ما استنها إلا من علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق فارض لنفسك ما رضي القوم. وقال أيضا: قف حيث وقف القوم وقل كما قالوا واسكت كما سكتوا فإنهم عن علم وقفوا وببصر ناقد كفوا وهم على كشفها كانوا أقوى وبالفضل لو كان فيها أحرى. أي فلئن كان الهدى ما أنتم عليه فلقد سبقتموهم إليه ولئن قلتم حدث بعدهم فما أحدثه إلا من سلك غير سب يلهم ورغب بنفسه عنهم وإنهم لهم السابقون ولقد تكلموا منه بما يكفي ووصفوا منه ما يشفي فما دونهم مقصر ولا فوقهم مجسر ولقد قصر عنهم قوم فجفوا وطمح آخرون عنهم فغلوا وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم. وقال أيضا كلاما كان مالك بن أنس وغيره من الأئمة يستحسنونه ويحدثون به دائما قال: سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لولاة الأمر بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعته وقوة على دينه ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في رأي من(4\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1022",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1024",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خالفها فمن اقتدى بما سنوا فقد اهتدى ومن استنصر بها منصور ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا ومن هنا أخذ الشافعي الاحتجاج بهذه الآية على أن الإجماع حجة. وقال الشعبي: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوها لك بالقول وقال أيضا: ما حدثوك به عن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فخذه وما حدثوك به عن رأيهم فانبذه في الحش. قال الأوزاعي: اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم وقل بما قالوا وكف عما كفوا ولو كان هذا خيرا ما خصصتم به دون أسلافكم فإنهم لم يدخر عنهم خير خبئ لكم دونهم لفضل عندكم وهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين اختارهم له وبعثه فيهم ووصفهم قال: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم [الفتح: 29] الآية. الوجه السادس والأربعون: أنه لم يزل أهل العلم في كل عصر ومصر يحتجون بما هذا سبيله من فتاوى الصحابة وأقوالهم ولا ينكره منكر منهم وتصانيف العلماء شاهدة بذلك ومناظراتهم ناطقة به. قال بعض علماء المالكية: أهل الأعصار مجمعون على الاحتجاج بما هذا سبيله وذلك مشهور في رواياتهم وكتبهم ومناظراتهم واستدلالاته م ويمتنع والحالة هذه إطباق هؤلاء كلهم على الاحتجاج بما لم يشرع الله ورسوله الاحتجاج به ولا نصبه دليلا للأمة فأي كتاب شئت من كتب السلف والخلف المتضمنة للحكم والدليل وجدت فيه الاستدلال بأقوال الصحابة ووجدت ذلك طرازها وزينتها ولم تجد فيها قط ليس قول أبي بكر وعمر حجة ولا يحتج بأقوال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفتاويهم ولا ما يدل على ذلك وكيف يطيب قلب عالم يقدم على أقوال من وافق ربه تعالى في غير حكم فقال وأفتى بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونزل القرآن بموافقة ما قال لفظا ومعنى قول متأخر بعده ليس له هذه الرتبة ولا يدانيها وكيف يظن أحد أن الظن المستفاد من آراء المتأخرين أرجح من الظن المستفاد من فتاوى السابقين الأولين الذين شاهدوا الوحي والتنزيل وعرفوا التأويل وكان الوحي ينزل خلال بيوتهم وينزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بين أظهرهم . قال جابر: والقرآن ينزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يعرف تأويله فما عمل به من شيء(4\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1023",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1025",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عملنا به في حديث حجة الوداع فمستندهم في معرفة مراد الرب تعالى من كلامه ما يشاهدونه من فعل رسوله وهديه الذي هو يفصل القرآن ويفسره فكيف يكون أحد من الأمة بعدهم أولى بالصواب منهم في شيء من الأشياء هذا عين المحال.  [فصل حجية أقوال الصحابة في تفسير القرآن] فإن قيل: فإذا كان هذا حكم أقوالهم في أحكام الحوادث فما تقولون في أقوالهم في تفسير القرآن هل هي حجة يجب المصير إليها . [أقوال الصحابة في تفسير القرآن] قيل: لا ريب أن أقوالهم في التفسير أصوب من أقوال من بعدهم وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن تفسيرهم في حكم المرفوع قال أبو عبد الله الحاكم في مستدركه: وتفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع ومراده أنه في حكمه في الاستدلال به والاحتجاج لا أنه إذا قال الصحابي في الآية قولا فلنا أن نقول هذا القول قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وله وجه آخر. وهو أن يكون في حكم المرفوع بمعنى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين لهم معاني القرآن وفسره لهم كما وصفه تعالى بقوله: لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل: 44] فبين لهم القرآن بيانا شافيا كافيا وكان إذا أشكل على أحد منهم معنى سأله عنه فأوضحه له كما سأله الصديق عن قوله تعالى من يعمل سوءا يجز به [النساء: 123] فبين له المراد وكما سأله الصحابة عن قوله تعالى: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم [الأنعام: 82] فبين لهم معناها وكما سألته أم سلمة عن قوله تعالى فسوف يحاسب حسابا يسيرا [الانشقاق: 8] فبين لها أنه العرض وكما سأله عمر عن الكلالة فأحاله على آية الصيف التي في آخر السورة وهذا كثير جدا فإذا نقلوا لنا تفسير القرآن فتارة ينقلونه عنه بلفظه وتارة بمعناه فيكون ما فسروا بألفاظهم من باب الرواية بالمعنى كما يروون عنه السنة تارة بلفظها وتارة بمعناها وهذا أحسن الوجهين والله أعلم. فإن قيل: فنحن نجد لبعضهم أقوالا في التفسير تخالف الأحاديث المرفوعة الصحاح وهذا كثير كما فسر ابن مسعود الدخان بأنه الأثر الذي حصل عن الجوع الشديد والقحط وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه دخان يأتي قبل يوم القيامة يكون من أشراط الساعة مع الدابة والدجال وطلوع الشمس من مغربها. وفسر عمر بن الخطاب قوله تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم [الطلاق: 6] بأنها للبائنة والرجعية حتى قال:(4\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1024",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1026",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة مع أن السنة الصحيحة في البائن تخالف هذا التفسير وفسر علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [البقرة: 234] أنها عامة في الحامل والحائل فقال: تعتد أبعد الأجلين والسنة الصحيحة بخلافه. وفسر ابن مسعود قوله تعالى وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن [النساء: 23] بأن الصفة لنسائكم الأولى والثانية فلا تحرم أم المرأة حتى يدخل بها والصحيح خلاف قوله وأن [أم] المرأة تحرم بمجرد العقد على ابنتها والصفة راجعة إلى قوله: وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن [النساء: 23] وهو قول جمهور الصحابة. وفسر ابن عباس السجل بأنه كاتب النبي - صلى الله عليه وسلم - يسمى السجل وذلك وهم وإنما السجل الصحيفة المكتوبة واللام مثلها في قوله تعالى وتله للجبين [الصافات: 103]  وفي قول الشاعر: فخر صريعا لليدين وللفم أي يطوي السماء كما يطوي السجل على ما فيه من الكتاب وهذا كثير جدا فكيف يكون تفسير الصحابي حجة في حكم المرفوع قيل: الكلام في تفسيره كالكلام في فتواه سواء وصورة المسألة هنا كصورتها هناك سواء بسواء وصورتها أن لا يكون في المسألة نص يخالفه ويقول في الآية قولا لا يخالفه فيه أحد من الصحابة سواء علم لاشتهاره أو لم يعلم وما ذكر من هذه الأمثلة فقد فقد فيه الأمران وهو نظير ما روي عن بعضهم من الفتاوى التي تخالف النص وهم مختلفون فيها سواء. فإن قيل: لو كان قوله حجة بنفسه لما أخطأ ولكان معصوما لتقوم الحجة بقوله فإذا كان يفتي بالصواب تارة وبغيره أخرى وكذلك تفسيره فمن أين لكم أن هذه الفتوى المعينة والتفسير المعين من قسم الصواب إذ صورة المسألة أنه لم يقم على المسألة دليل غير قوله وقوله ينقسم فما الدليل على أن هذا القول المعين من أحد القسمين ولا بد قيل: الأدلة المتقدمة تدل على انحصار الصواب في قوله في الصورة المفروضة الواقعة وهو أن من الممتنع أن يقولوا في كتاب الله الخطأ المحض ويمسك الباقون عن الصواب فلا يتكلمون به وهذه الصورة المذكورة وأمثالها قد تكلم فيها غيرهم بالصواب(4\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1025",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1027",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمحظور إنما هو خلو عصرهم عن ناطق بالصواب واشتماله على ناطق بغيره فقط فهذا هو المحال. وبهذا خرج الجواب عن قولكم: لو كان قول الواحد منهم حجة لما جاز عليه الخطأ فإن قوله لم يكن بمجرده حجة بل بما انضاف إليه مما تقدم ذكره من القرائن.  [منزلة قول التابعي وتفسيره] فإن قيل: فبعض ما ذكرتم من الأدلة يقتضي أن التابعي إذا قال قولا ولم يخالفه صحابي ولا تابعي أن يكون قوله حجة. فالجواب: أن التابعين انتشروا انتشارا لا ينضبط لكثرتهم وانتشرت المسائل في عصرهم فلا يكاد يغلب على الظن عدم المخالف لما أفتى به الواحد منهم فإن فرض ذلك فقد اختلف السلف في ذلك فمنهم من يقول: يجب اتباع التابعي فيما أفتى به ولم يخالفه فيه صحابي ولا تابعي وهذا قول بعض الحنابلة والشافعية. وقد صرح الشافعي في موضع بأنه قاله تقليدا لعطاء وهذا من كمال علمه وفقهه - رضي الله عنه - فإنه لم يجد في المسألة غير قول عطاء فكان قوله عنده أقوى ما وجد في المسألة وقال في موضع آخر: وهذا يخرج على معنى قول عطاء والأكثرون يفرقون بين الصحابي والتابعي ولا يخفى ما بينهما من الفروق على أن في الاحتجاج بتفسير التابعي عن الإمام أحمد روايتين ومن تأمل كتب الأئمة ومن بعدهم وجدها مشحونة بالاحتجاج بتفسير التابعي.  [قول الصحابي إذا خالف القياس] [حكم قول الصحابي إذا خالف القياس] فإن قيل: فما تقولون في قوله إذا خالف القياس قيل: من يقول بأن قوله ليس بحجة فلهم قولان فيما إذا خالف القياس. أحدهما: أنه أولى أن لا يكون حجة لأنه قد خالف حجة شرعية وهو ليس بحجة في نفسه والثاني: أنه حجة في هذه الحال ويحمل على أنه قاله توقيفا ويكون بمنزلة المرسل الذي عمل به مرسله. وأما من يقول إنه حجة فلهم أيضا قولان أحدهما: أنه حجة وإن خالف القياس بل هو مقدم على القياس والنص مقدم عليه فترتب الأدلة عندهم: القرآن ثم السنة ثم قول الصحابة ثم القياس والثاني: ليس بحجة لأنه قد خالفه دليل شرعي وهو القياس فإنه لا يكون حجة إلا عند عدم المعارض والأولون يقولون: قول الصحابي أقوى من المعارض الذي خالفه من القياس لوجوه عديدة والأخذ بأقوى الدليلين متعين وبالله التوفيق.(4\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1026",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1028",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل أسئلة السائلين أربعة أنواع] فصل: [أنواع الأسئلة] ولنختم الكتاب بفوائد تتعلق بالفتوى. الفائدة الأولى: أسئلة السائلين لا تخرج عن أربعة أنواع لا خامس لها: الأول: أن يسأل عن الحكم فيقول ما حكم كذا وكذا. الثاني: أن يسأل عن دليل الحكم. الثالث: أن يسأل عن وجه دلالته. الرابع: أن يسأل عن الجواب عن معارضه. [موقف المفتي أمام كل نوع من الأسئلة] فإن سأل عن الحكم فللمسئول حالتان إحداهما: أن يكون عالما به والثانية أن يكون جاهلا به فإن كان جاهلا به حرم عليه الإفتاء بلا علم فإن فعل فعليه إثمه وإثم المستفتي فإن كان يعرف في المسألة ما قاله الناس ولم يتبين له الصواب من أقوالهم فله أن يذكر له ذلك فيقول: فيها اختلاف بين العلماء ويحكيه إن أمكنه للسائل. وإن كان عالما بالحكم فللسائل حالتان إحداهما: أن يكون قد حضره وقت العمل وقد احتاج إلى السؤال فيجب على المفتي المبادرة على الفور إلى جوابه فلا يجوز له تأخير بيان الحكم له عن وقت الحاجة. والحالة الثانية: أن يكون قد سأل عن الحادثة قبل وقوعها فهذا لا يجب على المفتي أن يجيبه عنها وقد كان السلف الطيب إذا سئل أحدهم عن مسألة يقول للسائل: هل كانت أو وقعت فإن قال quot; لا quot; لم يجبه وقال: دعنا في عافية وهذا لأن الفتوى بالرأي لا تجوز إلا عند الضرورة فالضرورة تبيحه كما تبيح الميتة عند الاضطرار وهذا إنما هو في مسألة لا نص فيها ولا إجماع فإن كان فيها نص أو إجماع فعليه تبليغه بحسب الإمكان فمن سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار هذا إذا أمن المفتي غائلة الفتوى فإن لم يأمن غائلتها وخاف من ترتب شر أكثر من الإمساك عنها أمسك عنها ترجيحا لدفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما. وقد أمسك النبي - صلى الله عليه وسلم - عن نقض الكعبة وإعادتها على قواعد إبراهيم لأجل حدثان عهد قريش بالإسلام وأن ذلك ربما نفرهم عنه بعد الدخول فيه وكذلك إن كان عقل السائل لا يحتمل الجواب عما سأل عنه وخاف المسئول أن يكون فتنة له أمسك عن جوابه قال ابن عباس - رضي الله عنه - لرجل سأله عن تفسير آية: وما يؤمنك أني لو أخبرتك بتفسيرها كفرت به أي جحدته وأنكرته وكفرت به ولم يرد أنك تكفر بالله ورسوله.(4\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1027",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1029",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[عدول المفتي عن السؤال إلى ما هو أنفع] للمفتي العدول عن السؤال إلى ما هو أنفع] الفائدة الثانية: يجوز للمفتي أن يعدل عن جواب المستفتي عما سأله عنه إلى ما هو أنفع له منه ولا سيما إذا تضمن ذلك بيان ما سأل عنه وذلك من كمال علم المفتي وفقهه ونصحه وقد قال تعالى: يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم [البقرة: 215] فسألوه عن المنفق فأجابهم بذكر المصرف إذ هو أهم مما سألوه عنه ونبههم عليه بالسياق مع ذكره لهم في موضع آخر وهو قوله تعالى قل العفو [البقرة: 219] وهو ما سهل عليهم إنفاقه ولا يضرهم إخراجه. وقد ظن بعضهم أن من ذلك قوله تعالى يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج [البقرة: 189] فسألوه عن سبب ظهور الهلال خفيا ثم لا يزال يتزايد فيه النور على التدريج حتى يكمل ثم يأخذ في النقصان فأجابهم عن حكمة ذلك من ظهور مواقيت الناس التي بها تمام مصالحهم في أحوالهم ومعاشهم ومواقيت أكبر عبادتهم وهو الحج وإن كانوا قد سألوا عن السبب فقد أجيبوا بما هو أنفع لهم مما سألوا عنه وإن كانوا إنما سألوا عن حكمة ذلك فقد أجيبوا عن عين ما سألوا عنه ولفظ سؤالهم محتمل فإنهم قالوا: ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يأخذ في الزيادة حتى يتم ثم يأخذ في النقص .  [جواب المفتي بأكثر من السؤال] [جواب المفتي بأكثر من السؤال] الفائدة الثالثة: يجوز للمفتي أن يجيب السائل بأكثر مما سأله عنه وهو من كمال نصحه وعلمه وإرشاده ومن عاب ذلك فلقلة علمه وضيق عطنه وضعف نصحه وقد ترجم البخاري لذلك في صحيحه فقال: باب من أجاب السائل بأكثر مما سأل عنه ثم ذكر حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - ما يلبس المحرم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا الخفاف إلا أن لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين فسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما يلبس المحرم فأجاب عما لا يلبس وتضمن ذلك الجواب عما يلبس فإن ما لا يلبس محصور وما يلبسه غير محصور فذكر لهم النوعين وبين لهم حكم لبس الخف عند عدم النعل وقد سألوه عن الوضوء بماء البحر فقال لهم هو الطهور ماؤه الحل ميتته .  [منع المفتي المستفتي من محظور دل على مباح] [إذا منع المفتي من محظور دل على مباح] الفائدة الرابعة: من فقه المفتي ونصحه إذا سأله المستفتي عن شيء فمنعه منه(4\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1028",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1030",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكانت حاجته تدعوه إليه أن يدله على ما هو عوض له منه فيسد عليه باب المحظور ويفتح له باب المباح وهذا لا يتأتى إلا من عالم ناصح مشفق قد تاجر الله وعامله بعلمه. فمثاله في العلماء مثال الطبيب العالم الناصح في الأطباء يحمي العليل عما يضره ويصف له ما ينفعه فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم . وهذا شأن خلق الرسل وورثتهم من بعدهم ورأيت شيخنا قدس الله روحه يتحرى ذلك في فتاويه مهما أمكنه ومن تأمل فتاويه وجد ذلك ظاهرا فيها وقد منع النبي - صلى الله عليه وسلم - بلالا أن يشتري صاعا من التمر الجيد بصاعين من الرديء ثم دله على الطريق المباح فقال بع الجميع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيبا فمنعه من الطريق المحرم وأرشده إلى الطريق المباح. ولما سأله عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث والفضل بن عباس أن يستعملهما في جباية الزكاة ليصيبا ما يتزوجان به منعهما من ذلك وأمر محمية بن جزو - وكان على الخمس - أن يعطيهما ما ينكحان به فمنعهما من الطريق المحرم وفتح لهم الطريق المباح وهذا اقتداء منه بربه تبارك وتعالى فإنه يسأله عبده الحاجة فيمنعه إياها ويعطيه ما هو أصلح له وأنفع منها وهذا غاية الكرم والحكمة.  [ينبغي للمفتي أن ينبه السائل إلى الاحتراز عن الموهم] الفائدة الخامسة: إذا أفتى المفتي للسائل بشيء ينبغي له أن ينبهه على وجه الاحتراز مما قد يذهب إليه الوهم منه من خلاف الصواب وهذا باب لطيف من أبواب العلم والنصح والإرشاد. ومثال هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده فتأمل كيف أتبع الجملة الأولى بالثانية رفعا لتوهم إهدار دماء الكفار مطلقا وإن كانوا في عهدهم فإنه لما قال لا يقتل مؤمن بكافر فربما ذهب الوهم إلى أن دماءهم هدر ولهذا لو قتل أحدهم مسلم لم يقتل به فرفع هذا التوهم بقوله ولا ذو عهد في عهده ولقد خفيت هذه اللطيفة الحسنة على من قال: يقتل المسلم بالكافر المعاهد وقدر في الحديث: ولا ذو عهد في عهده بكافر ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها فلما كان نهيه عن الجلوس عليها نوع تعظيم لها عقبه بالنهي عن المبالغة في تعظيمها حتى تجعل قبلة. وهذا بعينه مشتق من القرآن كقوله تعالى لنساء نبيه: يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا [الأحزاب: 32] فنهاهن عن الخضوع بالقول فربما ذهب الوهم إلى الإذن في الإغلاظ في القول والتجاوز فرفع هذا التوهم بقوله: وقلن قولا معروفا [الأحزاب: 32] ومن ذلك قوله تعالى(4\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1029",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1031",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء [الطور: 21] لما أخبر سبحانه بإلحاق الذرية ولا عمل لهم بآبائهم في الدرجة فربما توهم متوهم أن يحط الآباء إلى درجة الذرية فرفع هذا التوهم بقوله: وما ألتناهم من عملهم من شيء [الطور: 21] أي ما نقصنا من الآباء شيئا من أجور أعمالهم بل رفعنا ذريتهم إلى درجتهم ولم نحطهم إلى درجتهم بنقص أجورهم. ولما كان الوهم قد يذهب إلى أنه يفعل ذلك بأهل النار كما يفعله بأهل الجنة قطع هذا الوهم بقوله تعالى كل امرئ بما كسب رهين [الطور: 21] ومن هذا قوله تعالى إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء [النمل: 91] فلما كان ذكر ربوبيته البلدة الحرام قد يوهم الاختصاص عقبه بقوله: وله كل شيء [النمل: 91] ومن ذلك قوله تعالى ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا [الطلاق: 3] فلما ذكر كفايته للمتوكل عليه فربما أوهم ذلك تعجيل الكفاية وقت التوكل فعقبه بقوله: قد جعل الله لكل شيء قدرا [الطلاق: 3] أي وقتا لا يتعداه فهو يسوقه إلى وقته الذي قدره له. فلا يستعجل المتوكل ويقول: قد توكلت ودعوت فلم أر شيئا ولم تحصل لي الكفاية فالله بالغ أمره في وقته الذي قدره له وهذا كثير جدا في القرآن والسنة وهو باب لطيف من أبواب فهم النصوص.  [ذكر المفتي دليل الحكم الذي أفتى به ومأخذه] [مما ينبغي للمفتي أن يذكر الحكم بدليله] الفائدة السادسة: ينبغي للمفتي أن يذكر دليل الحكم ومأخذه ما أمكنه من ذلك ولا يلقيه إلى المستفتي ساذجا مجردا عن دليله ومأخذه فهذا لضيق عطنه وقلة بضاعته من العلم ومن تأمل فتاوى النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي قوله حجة بنفسه رآها مشتملة على التنبيه على حكمة الحكم ونظيره ووجه مشروعيته وهذا كما سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال أينقص الرطب إذا جف قالوا: نعم فزجر عنه  ومن المعلوم أنه كان يعلم نقصانه بالجفاف ولكن نبههم على علة التحريم وسببه. ومن هذا قوله لعمر وقد سأله عن قبلة امرأته وهو صائم فقال: أرأيت لو تمضمضت ثم مججته أكان يضر شيئا قال: لا  فنبه على أن مقدمة المحظور لا يلزم أن تكون محظورة فإن غاية القبلة أنها مقدمة الجماع فلا يلزم من تحريمه تحريم مقدمته كما أن وضع الماء في الفم مقدمة شربه وليست المقدمة محرمة. ومن هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم(4\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1030",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1032",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أرحامكم  فذكر لهم الحكم ونبههم على علة التحريم. ومن ذلك قوله لأبي النعمان بن بشير وقد خص بعض ولده بغلام نحله إياه فقال: أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء قال: نعم قال فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم وفي لفظ إن هذا لا يصلح وفي لفظ إني لا أشهد على جور وفي لفظ أشهد على هذا غيري تهديدا لا إذنا فإنه لا يأذن في الجور قطعا وفي لفظ: رده والمقصود أنه نبهه على علة الحكم. ومن هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - لرافع بن خديج وقد قال: له إنا لاقو العدو غدا وليس معنا مدى أفنذبح بالقصب فقال ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر وسأحدثك عن ذلك أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة فنبه على علة المنع من التذكية بهما بكون أحدهما عظما وهذا تنبيه على عدم التذكية بالعظام إما لنجاسة بعضها وإما لتنجيسه على مؤمني الجن ولكون الآخر مدى الحبشة ففي التذكية بها تشبه بالكفار. ومن ذلك قوله: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الإنسية فإنها رجس ومن ذلك قوله في الثمرة تصيبها الجائحة: أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأكل أحدكم مال أخيه بغير حق . وهذا التعليل بعينه ينطبق على من استأجر أرضا للزراعة فأصاب الزرع آفة سماوية لفظا ومعنى فيقال للمؤجر: أرأيت إن منع الله الزرع فبم تأكل مال أخيك بغير حق  وهذا هو الصواب الذي ندين الله به في المسألة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. والمقصود أن الشارع مع كون قوله حجة بنفسه يرشد الأمة إلى علل الأحكام ومداركها وحكمها فورثته من بعده كذلك. ومن ذلك نهيه عن الخذف وقال إنه يفقأ العين ويكسر السن ومن ذلك إفتاؤه للعاض يد غيره بإهدار دية ثنيته لما سقطت بانتزاع المعضوض يده من فيه ونبه على العلة بقوله أيدع يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل وهذا من أحسن التعليل وأبينه فإن العاض لما صال على المعضوض جاز له أن يرد صياله عنه بانتزاع يده من فمه فإذا أدى ذلك إلى إسقاط ثناياه كان سقوطها بفعل مأذون فيه من الشارع فلا يقابل بالدية وهذا كثير جدا في السنة. فينبغي للمفتي أن ينبه السائل على علة الحكم ومأخذه إن عرف ذلك وإلا حرم عليه أن يفتي بلا علم. وكذلك أحكام القرآن يرشد سبحانه فيها إلى مداركها وعللها كقوله: ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض [البقرة: 222](4\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1031",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1033",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأمر سبحانه نبيه أن يذكر لهم علة الحكم قبل الحكم وكذلك قوله: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم [الحشر: 7] . وكذلك قوله: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم [المائدة: 38] وقال في جزاء الصيد: ليذوق وبال أمره [المائدة: 95] .  [تمهيد المفتى للحكم المستغرب] [من أدب المفتي أن يمهد للحكم المستغرب] الفائدة السابعة: (إذا كان الحكم مستغربا جدا مما لا تألفه النفوس وإنما ألفت خلافه فينبغي للمفتي أن يوطئ قبله ما يكون مؤذنا به) كالدليل عليه والمقدمة بين يديه فتأمل ذكره سبحانه قصة زكريا وإخراج الولد منه بعد انصرام عصر الشبيبة وبلوغه السن الذي لا يولد [فيه] لمثله في العادة فذكر قصته مقدمة بين يدي قصة المسيح وولادته من غير أب فإن النفوس لما آنست بولد من بين شيخين كبيرين لا يولد لهما عادة سهل عليها التصديق بولادة ولد من غير أب وكذلك ذكر سبحانه قبل قصة المسيح موافاة مريم رزقها في غير وقته وغير إبانه. وهذا الذي شجع نفس زكريا وحركها لطلب الولد وإن كان في غير إبانه وتأمل قصة نسخ القبلة لما كانت شديدة على النفوس جدا كيف وطأ سبحانه قبلها عدة موطئات: منها: ذكر النسخ ومنها: أنه يأتي بخير من المنسوخ أو مثله ومنها: أنه على كل شيء قدير وأنه بكل شيء عليم فعموم قدرته وعلمه صالح لهذا الأمر الثاني كما كان صالحا للأول. ومنها: تحذيرهم الاعتراض على رسوله كما اعترض من قبلهم على موسى بل أمرهم بالتسليم والانقياد. ومنها: تحذيرهم بالإصغاء إلى اليهود وأن لا تستخفهم شبههم فإنهم يودون أن يردوهم كفارا من بعد ما تبين لهم الحق. ومنها: إخباره أن دخول الجنة ليس بالتهود ولا بالتنصر وإنما هو بإسلام الوجه والقصد والعمل والنية لله مع متابعة أمره. ومنها: إخباره سبحانه عن سعته وأنه حيث ولى المصلي وجهه فثم وجهه تعالى فإنه واسع عليم فذكر الإحاطتين الذاتية والعلمية فلا يتوهمون أنهم في القبلة الأولى لم يكونوا مستقبلين وجهه تبارك وتعالى ولا في الثانية بل حيثما توجهوا فثم وجهه تعالى. ومنها: أنه سبحانه وتعالى حذر نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن اتباع أهواء الكفار من أهل الكتاب وغيرهم بل أمر أن يتبع هو وأمته ما أوحي إليه فيستقبلونه بقلوبهم وحده. ومنها: أنه ذكر عظمة بيته الحرام وعظمة بانيه وملته وسفه من يرغب عنها وأمر باتباعها فنوه بالبيت وبانيه وملته وكل هذا توطئة بين يدي التحويل مع ما في ضمنه من المقاصد الجليلة والمطالب السنية.(4\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1032",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1034",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم ذكر فضل هذه الأمة وأنهم الأمة الوسط العدل الخيار فاقتضى ذلك أن يكون نبيهم - صلى الله عليه وسلم - أوسط الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وخيارهم وكتابهم كذلك ودينهم كذلك وقبلتهم التي يستقبلونها كذلك فظهرت المناسبة شرعا وقدرا في أحكامه تعالى الأمرية والقدرية وظهرت حكمته الباهرة وتجلت للعقول الزكية المستنيرة بنور ربها تبارك وتعالى. والمقصود أن المفتي جدير أن يذكر بين يدي الحكم الغريب الذي لم يؤلف مقدمات تؤنس به وتدل عليه وتكون توطئة بين يديه وبالله التوفيق.  [حلف المفتى على ثبوت الحكم] [يجوز للمفتي أن يحلف على ثبوت الحكم] الفائدة الثامنة: يجوز للمفتي والمناظر أن يحلف على ثبوت الحكم عنده وإن لم يكن حلفه موجبا لثبوته عند السائل والمنازع ليشعر السائل والمنازع له أنه على ثقة ويقين مما قال له وأنه غير شاك فيه فقد تناظر رجلان في مسألة فحلف أحدهما على ما يعتقده فقال له منازعه: لا يثبت الحكم بحلفك فقال: إني لم أحلف ليثبت الحكم عندك ولكن لأعلمك أني على يقين وبصيرة من قولي وأن شبهتك لا تغير عندي في وجه يقيني ما أنا جازم به. وقد أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يحلف على ثبوت الحق الذي جاء به في ثلاثة مواضع من كتابه أحدها: ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق [يونس: 53] والثاني: قوله تعالى وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب [سبأ: 3] والثالث: قوله تعالى زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن [التغابن: 7] . وقد أقسم النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما أخبر به من الحق في أكثر من ثمانين موضعا وهي موجودة في الصحاح والمسانيد وقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - يحلفون على الفتاوى والرواية فقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لابن عباس في متعة النساء: إنك امرؤ تائه فانظر ما تفتي به في متعة النساء فوالله وأشهد بالله لقد نهى عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . ولما ولي عمر - رضي الله عنه - حمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحل المتعة ثلاثا ثم حرمها ثلاثا فأنا أقسم بالله قسما لا أجد أحدا من المسلمين متمتعا إلا رجمته إلا أن يأتي بأربعة من المسلمين يشهدون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحلها بعد أن حرمها. وقد حلف الشافعي في بعض أجوبته فقال محمد بن الحكم: سألت الشافعي - رضي الله عنه - عن المتعة كان يكون فيها طلاق أو ميراث أو نفقة أو شهادة فقال: لا والله ما أدري. وقال يزيد بن هارون: من قال القرآن مخلوق أو شيء منه مخلوق فهو والله عندي زنديق(4\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1033",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1035",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسئل عن حديث جرير في الرؤية فقال: والله الذي لا إله إلا هو من كذب به ما هم إلا زنادقة وأما الإمام أحمد رحمة الله عليه ورضوانه فإنه حلف على عدة مسائل من فتاويه. قيل: أيزيد الرجل في الوضوء على ثلاث مرات فقال: لا والله إلا رجل مبتلى يعني بالوسواس. وسئل عن تخلل الرجل لحيته إذا توضأ فقال: إي والله. وسئل يكون الرجل في الجهاد بين الصفين يبارز علجا بغير إذن الإمام فقال: لا والله. وقيل له: أتكره الصلاة في المقصورة فقال: إي والله قلت: وهذا لما كانت المقصورة تحمى للأمراء وأتباعهم. وسئل: أيؤجر الرجل على بغض من خالف حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إي والله. وسئل: من قال القرآن مخلوق كافر فقال: إي والله وسئل: هل صح عندك في النبيذ حديث فقال: والله ما صح عندي حديث واحد إلا على التحريم. وسئل: أيكره الخضاب بالسواد فقال: إي والله وسئل عن الرجل يؤم أباه ويصلي الأب خلفه فقال: إي والله. وسئل: هل يكره النفخ في الصلاة فقال: إي والله. وسئل عن تزوج الرجل المسلم الأمة من أهل الكتاب فقال: لا والله. وسئل عن المرأة تستلقي على قفاها وتنام يكره ذلك فقال: إي والله. وسئل عن الرجل يرهن جاريته فيطؤها وهي مرهونة فقال: لا والله. وسئل عن حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قضى في رجل استسقى قوما وهو عطشان فلم يسقوه فمات فأغرمهم عمر الدية تقول أنت كذا قال: إي والله. وسئل عن الرجل إذا حد في القذف ثم قذف زوجته يلاعنها فقال: إي والله. وسئل [أ] يضرب الرجل رقيقه فقال: إي والله ذكر هذه المسائل القاضي أبو علي الشريف. وقال الإمام أحمد في رواية ابنه صالح: والله لقد أعطيت المجهود من نفسي ولوددت أني أنجو من هذا الأمر كفافا لا علي ولا لي وقال في روايته أيضا: والله لقد تمنيت الموت في الأمر الذي كان وإنه لأتمنى الموت في هذا وهذا فتنة الدنيا. وقال إسحاق بن منصور لأحمد: يكره الخاتم من ذهب أو حديد فقال: إي والله. وقال إسحاق أيضا: قلت لأحمد: يؤجر الرجل يأتي أهله وليس له شهوة في النساء فقال: إي والله يحتسب الولد وإن لم يرد الولد إلا أنه يقول: هذه امرأة شابة. وقال له محمد بن عون: يا أبا عبد الله يقولون: إنك وقفت على عثمان فقال: كذبوا والله علي وإنما حدثتهم بحديث ابن عمر كنا نفاضل بين أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نقول: أبو بكر ثم(4\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1034",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1036",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عمر ثم عثمان ثم علي فيبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم ينكره ولم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تخايروا بعد هؤلاء فمن وقف على عثمان ولم يربع بعلي - عليه السلام - فهو على غير السنة . وسئل أحمد: هل المقام بالثغر أفضل من المقام بمكة فقال: إي والله. وذكر أبو أحمد بن عدي في الكامل: أن أيوب بن إسحاق بن سافري قال: سألت أحمد بن حنبل فقلت: يا أبا عبد الله ابن إسحاق إذا انفرد بحديث تقبله فقال: لا والله إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا. وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: تقتل الحية والعقرب في الصلاة فقال: إي والله وقال أيضا: قلت لأبي: تجهر بآمين فقال: إي والله الإمام وغير الإمام وقال أيضا: قلت لأبي: يفتح على الإمام قال: إي والله. وقال الميموني: قلت لأحمد: ونحن نحتاج في رمضان أن نبيت الصوم من الليل فقال: إي والله وقال الميموني أيضا: تباع الفرس الحبيس إذا عطبت وإذا فسدت فقال: إي والله وقال الميموني أيضا: قلت لأحمد: هل ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في العقيقة شيء فأملى علي أبي: إي والله وفي غير حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - quot; عن الغلام شاتان مكافأتان وعن الجارية شاة quot;. وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء قال: إي والله وقال الكوسج أيضا: قلت لأحمد: قال سفيان: تجزئه تكبيرة إذا نوى بها افتتاح الصلاة قال أحمد: إي والله تجزئه إذا نوى ابن عمر وزيد وقال أيضا: قلت لأحمد: المؤذن يجعل أصبعيه في أذنيه قال: إي والله وقال أيضا: قلت لأحمد: سئل سفيان عن امرأة ماتت وفي بطنها ولد يتحرك ما أرى بأسا أن يشق بطنها قال أحمد: بئس والله ما قال يردد ذلك سبحان الله بئس ما قال. وقال أيضا: قلت لأحمد: تجوز شهادة رجل وامرأتين في الطلاق قال: لا والله وقال أيضا: قلت لأحمد: المرجئ إذا كان داعيا قال: إي والله يجفى ويقصى. وقال أبو طالب: قلت لأحمد: رجل قال القرآن كلام الله ليس بمخلوق ولكن لفظي هذا به مخلوق قال: من قال هذا فقد جاء بالأمر كله إنما هو كلام الله على كل حال والحجة فيه حديث أبي بكر الم [الروم: 1] غلبت الروم [الروم: 2] فقيل له: هذا مما جاء به(4\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1035",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1037",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صاحبك فقال: لا والله ولكنه كلام الله هذا وغيره وإنما هو كلام الله قلت: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون [الأنعام: 1] هذا الذي قرأت الساعة كلام الله قال: إي والله هو كلام الله. ومن قال quot; لفظي بالقرآن مخلوق quot; فقد جاء بالأمر كله وقال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن شبرمة عن الشعبي في رجل نذر أن يطلق امرأته فقال له الشعبي: أوف بنذرك أترى ذلك فقال: لا والله وقال الفضل أيضا: سمعت أبا عبد الله وذكر يحيى بن سعيد القطان فقال: لا والله ما أدركنا مثله. وذكر أحمد في رسالته إلى مسدد: ولا عين نظرت بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - خيرا من أبي بكر ولا بعد أبي بكر عين نظرت خيرا من عمر ولا بعد عمر عين نظرت خيرا من عثمان ولا بعد عثمان عين نظرت خيرا من علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - ثم قال أحمد: هم والله الخلفاء الراشدون المهديون. وقال الميموني: قلت لأحمد: جابر الجعفي قال: كان يرى التشيع قلت: قد يتهم في حديثه بالكذب قال: إي والله. قال القاضي: فإن قيل: كيف استجاز الإمام أحمد أن يحلف في مسائل مختلف فيها قيل: أما مسائل الأصول فلا يسوغ فيها اختلاف فهي إجماع وأما مسائل الفروع فإنه لما غلب على ظنه صحة ذلك حلف عليه كما لو وجد في دفتر أبيه أن له على فلان دينا جاز له أن يدعيه لغلبة الظن بصدقه قلت: ويحلف عليه قال: فإن قيل أليس قد امتنع من اليمين على إسقاط الشفعة بالجوار قيل: لأن اليمين هناك عند الحاكم والنية فيه للخصم قلت: ولم يمنع أحمد اليمين لهذا بل شفعة الجوار عنده مما يسوغ القول بها وفيها أحاديث صحاح لا ترد ولهذا اختلف قوله فيها فمرة نفاها ومرة أثبتها ومرة فصل بين أن يشتركا في حقوق الملك كالطريق والماء وغيره وبين ألا يشتركا في شيء من ذلك فلا يثبت. وهذا هو الصواب الذي لا ريب فيه وبه تجتمع الأحاديث وهو اختيار شيخ الإسلام ومذهب فقهاء البصرة ولا يختار غيره وقد روى أحمد عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم حلفوا في الرواية والفتوى وغيرها تحقيقا وتأكيدا للخير لا إثباتا له باليمين وقد قال تعالى: فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون [الذاريات: 23] وقال تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم [النساء: 65] الآية وقال تعالى: فوربك لنسألنهم أجمعين [الحجر: 92] عما كانوا يعملون [الحجر: 93]  وكذلك أقسم بكلامه كقوله تعالى: يس [يس: 1] والقرآن الحكيم [يس: 2](4\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1036",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1038",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ق والقرآن المجيد [ق: 1] ص والقرآن ذي الذكر [ص: 1]  وأما إقسامه بمخلوقاته التي هي آيات دالة عليه فكثير جدا.  [من أدب المفتي أن يفتي بلفظ النصوص] الفائدة التاسعة: ينبغي للمفتي أن يفتي بلفظ النص مهما أمكنه فإنه يتضمن الحكم والدليل مع البيان التام فهو حكم مضمون له الصواب متضمن للدليل عليه في أحسن بيان وقول الفقيه المعين ليس كذلك وقد كان الصحابة والتابعون والأئمة الذين سلكوا على منهاجهم يتحرون ذلك غاية التحري حتى خلفت من بعدهم خلوف رغبوا عن النصوص واشتقوا لهم ألفاظا غير ألفاظ النصوص فأوجب ذلك هجر النصوص ومعلوم أن تلك الألفاظ لا تفي بما تفي به النصوص من الحكم والدليل وحسن البيان فتولد من هجران ألفاظ النصوص والإقبال على الحادثة وتعليق الأحكام بها على الأمة من الفساد ما لا يعلمه إلا الله. فألفاظ النصوص عصمة وحجة بريئة من الخطأ والتناقض والتعقيد والاضطراب ولما كانت هي عصمة عهدة الصحابة وأصولهم التي إليها يرجعون كانت علومهم أصح من علوم من بعدهم وخطؤهم فيما اختلفوا فيه أقل من خطأ من بعدهم ثم التابعون بالنسبة إلى من بعدهم كذلك وهلم جرا ولما استحكم هجران النصوص عند أكثر أهل الأهواء والبدع كانت علومهم في مسائلهم وأدلتهم في غاية الفساد والاضطراب والتناقض. وقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سئلوا عن مسألة يقولون: قال الله كذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذا أو فعل [رسول] الله كذا ولا يعدلون عن ذلك ما وجدوا إليه سبيلا قط فمن تأمل أجوبتهم وجدها شفاء لما في الصدور فلما طال العهد وبعد الناس من نور النبوة صار هذا عيبا عند المتأخرين أن يذكروا في أصول دينهم وفروعه قال الله وقال رسول الله. أما أصول دينهم فصرحوا في كتبهم أن قول الله ورسوله لا يفيد اليقين في مسائل أصول الدين وإنما يحتج بكلام الله ورسوله فيها الحشوية والمجسمة والمشبهة وأما فروعهم فقنعوا بتقليد من اختصر لهم بعض المختصرات التي لا يذكر فيها نص عن الله ولا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عن الإمام الذي زعموا أنهم قلدوه دينهم بل عمدتهم فيما يفتون ويقضون به وينقلون به الحقوق ويبيحون به الفروج والدماء والأموال على قول ذلك المصنف وأجلهم عند نفسه وزعيمهم عند بني جنسه من يستحضر لفظ الكتاب ويقول: هكذا قال وهذا لفظه فالحلال ما أحله ذلك الكتاب والحرام ما حرمه والواجب ما أوجبه والباطل ما أبطله والصحيح ما صححه. هذا وأنى لنا بهؤلاء في مثل هذه الأزمان فقد دفعنا إلى أمر تضج منه الحقوق إلى الله ضجيجا وتعج منه الفروج والأموال(4\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1037",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1039",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والدماء إلى ربها عجيجا تبدل فيه الأحكام ويقلب فيه الحلال والحرام ويجعل المعروف فيه أعلى مراتب المنكرات والذي لم يشرعه الله ورسوله من أفضل القربات الحق فيه غريب وأغرب منه من يعرفه وأغرب منهما من يدعو إليه وينصح به نفسه والناس قد فلق بهم فالق الإصباح صبحه عن غياهب الظلمات وأبان طريقه المستقيم من بين تلك الطرق الجائرات وأراه بعين قلبه ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه مع ما عليه أكثر الخلق من البدع المضلات رفع له علم الهداية فشمر إليه ووضح له الصراط المستقيم فقام واستقام عليه وطوبى له من وحيد على كثرة السكان غريب على كثرة الجيران بين أقوام رؤيتهم قذى العيون وشجى الحلوق وكرب النفوس وحمى الأرواح وغم الصدور ومرض القلوب. وإن أنصفتهم لم تقبل طبيعتهم الإنصاف وإن طلبته منهم فأين الثريا من يد الملتمس قد انتكست قلوبهم وعمي عليهم مطلوبهم رضوا بالأماني وابتلوا بالحظوظ وحصلوا على الحرمان وخاضوا بحار العلم لكن بالدعاوى الباطلة وشقاشق الهذيان ولا والله ما ابتلت من وشله أقدامهم ولا زكت به عقولهم وأحلامهم ولا ابيضت به لياليهم وأشرقت بنوره أيامهم ولا ضحكت بالهدى والحق منه وجوه الدفاتر إذ بلت بمداده أقلامهم أنفقوا في غير شيء نفائس الأنفاس وأتعبوا أنفسهم وحيروا من خلفهم من الناس ضيعوا الأصول فحرموا الوصول وأعرضوا عن الرسالة فوقعوا في مهامه الحيرة وبيداء الضلالة. والمقصود أن العصمة مضمونة في ألفاظ النصوص ومعانيها في أتم بيان وأحسن تفسير ومن رام إدراك الهدى ودين الحق من غير مشكاتها فهو عليه عسير غير يسير.  [فصل من أدب المفتي أن يتوجه لله ليلهمه الصواب] فصل: [من أدب المفتي أن يتوجه لله ليلهمه الصواب] الفائدة العاشرة: ينبغي للمفتي الموفق إذا نزلت به المسألة أن ينبعث من قلبه الافتقار الحقيقي [الحالي] لا العلمي المجرد إلى ملهم الصواب ومعلم الخير وهادي القلوب أن يلهمه الصواب ويفتح له طريق السداد ويدله على حكمه الذي شرعه لعباده في هذه المسألة فمتى قرع هذا الباب فقد قرع باب التوفيق وما أجدر من أمل فضل ربه أن لا يحرمه إياه فإذا وجد من قلبه هذه الهمة فهي طلائع بشرى التوفيق فعليه أن يوجه(4\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1038",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1040",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجهه ويحدق نظره إلى منبع الهدى ومعدن الصواب ومطلع الرشد وهو النصوص من القرآن والسنة وآثار الصحابة فيستفرغ وسعه في تعرف حكم تلك النازلة منها فإن ظفر بذلك أخبر به وإن اشتبه عليه بادر إلى التوبة والاستغفار والإكثار من ذكر الله فإن العلم نور الله يقذفه في قلب عبده والهوى والمعصية رياح عاصفة تطفئ ذلك النور أو تكاد ولا بد أن تضعفه. وشهدت شيخ الإسلام قدس الله روحه إذا أعيته المسائل واستصعبت عليه فر منها إلى التوبة والاستغفار والاستغاثة بالله واللجأ إليه واستنزال الصواب من عنده والاستفتاح من خزائن رحمته فقلما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع عليه مدا وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بأيتهن يبدأ ولا ريب أن من وفق هذا الافتقار علما وحالا وسار قلبه في ميادينه بحقيقة وقصد فقد أعطي حظه من التوفيق ومن حرمه فقد منع الطريق والرفيق فمتى أعين مع هذا الافتقار ببذل الجهد في درك الحق فقد سلك به الصراط المستقيم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.  [فصل لا يفتي ولا يحكم إلا بما يكون عالما بالحق فيه] [لا يفتي ولا يحكم إلا بما يكون عالما بالحق فيه] الفائدة الحادية عشرة: إذا نزلت بالحاكم أو المفتي النازلة فإما أن يكون عالما بالحق فيها أو غالبا على ظنه بحيث قد استفرغ وسعه في طلبه ومعرفته أو لا فإن لم يكن عالما بالحق فيها ولا غلب على ظنه لم يحل له أن يفتي ولا يقضي بما لا يعلم ومتى أقدم على ذلك فقد تعرض لعقوبة الله ودخل تحت قوله تعالى قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون [الأعراف: 33] فجعل القول عليه بلا علم أعظم المحرمات الأربع التي لا تباح بحال ولهذا حصر التحريم فيها بصيغة الحصر. ودخل تحت قوله تعالى ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين [البقرة: 168] إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون [البقرة: 169] ودخل في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - من أفتى بغير علم فإنما إثمه على من أفتاه وكان أحد القضاة الثلاثة الذين ثلثاهم في النار وإن كان قد عرف الحق في المسألة علما أو ظنا غالبا لم يحل له أن يفتي ولا يقضي بغيره بالإجماع المعلوم بالضرورة من دين الإسلام وهو أحد القضاة الثلاثة والمفتين الثلاثة والشهود الثلاثة وإذا كان من أفتى أو حكم أو شهد بغير علم مرتكبا لأعظم الكبائر فكيف من أفتى(4\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1039",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1041",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو حكم أو شهد بما يعلم خلافه . فالحاكم والمفتي والشاهد كل منهم مخبر عن حكم الله فالحاكم مخبر منفذ والمفتي مخبر غير منفذ والشاهد مخبر عن الحكم الكوني القدري المطابق للحكم الديني الأمري فمن أخبر منهم عما يعلم خلافه فهو كاذب على الله عمدا ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة [الزمر: 60]  ولا أظلم ممن كذب على الله وعلى دينه وإن أخبروا بما لم يعلموا فقد كذبوا على الله جهلا وإن أصابوا في الباطن وأخبروا بما لم يأذن الله لهم في الإخبار به. وهم أسوأ حالا من القاذف إذا رأى الفاحشة وحده فأخبر بها فإنه كاذب عند الله وإن أخبر بالواقع فإن الله لم يأذن له في الإخبار بها إلا إذا كان رابع أربعة فإن كان كاذبا عند الله في خبر مطابق لمخبره حيث لم يأذن له في الإخبار به فكيف بمن أخبر عن حكمه بما لم يعلم أن الله حكم به ولم يأذن له في الإخبار به قال الله تعالى: ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون [النحل: 116] متاع قليل ولهم عذاب أليم [النحل: 117]  وقال تعالى: فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه [الزمر: 32] والكذب على الله يستلزم التكذيب بالحق والصدق وقال تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين [هود: 18] . وهذه الآيات وإن كانت في حق المشركين والكفار فإنها متناولة لمن كذب على الله في توحيده ودينه وأسمائه وصفاته وأفعاله ولا تتناول المخطئ المأجور إذا بذل جهده واستفرغ وسعه في إصابة حكم الله وشرعه فإن هذا هو الذي فرضه الله عليه فلا يتناول المطيع لله وإن أخطأ وبالله التوفيق.  [الواجب على الراوي والمفتي والحاكم والشاهد] [الواجب على الراوي والمفتي والحاكم والشاهد] الفائدة الثانية عشر [ة] حكم الله ورسوله يظهر على أربعة ألسنة: لسان الراوي ولسان المفتي ولسان الحاكم ولسان الشاهد فالراوي يظهر على لسانه لفظ حكم الله ورسوله والمفتي يظهر على لسانه معناه وما استنبطه من لفظه والحاكم يظهر على لسانه الإخبار بحكم الله وتنفيذه والشاهد يظهر على لسانه الإخبار بالسبب الذي يثبت حكم الشارع. والواجب على هؤلاء الأربعة أن يخبروا بالصدق المستند إلى العلم فيكونون عالمين لما يخبرون به صادقين في الإخبار به وآفة أحدهم الكذب والكتمان فمتى كتم(4\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1040",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1042",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحق أو كذب فيه فقد حاد الله في شرعه ودينه وقد أجرى الله سنته أن يمحق عليه بركة علمه ودينه ودنياه إذا فعل ذلك كما أجرى عادته سبحانه في المتبايعين إذا كتما وكذبا أن يمحق بركة بيعهما ومن التزم الصدق والبيان منهم في مرتبته بورك له في علمه ووقته ودينه ودنياه وكان مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما فبالكتمان يعزل الحق عن سلطانه وبالكذب يقلبه عن وجهه والجزاء من جنس العمل فجزاء أحدهم أن يعزله الله عن سلطان المهابة والكرامة والمحبة والتعظيم الذي يلبسه أهل الصدق والبيان ويلبسه ثوب الهوان والمقت والخزي بين عباده فإذا كان يوم القيامة جازى الله سبحانه من يشاء من الكاذبين الكاتمين بطمس الوجوه وردها على أدبارها كما طمسوا وجه الحق وقلبوه عن وجهه جزاء وفاقا وما ربك بظلام للعبيد [فصلت: 46] .  [من أدب المفتي ألا ينسب الحكم إلى الله إلا بنص] [من أدب المفتي ألا ينسب الحكم إلى الله إلا بنص] الفائدة الثالثة عشرة: (لا يجوز للمفتي أن يشهد على الله ورسوله بأنه أحل كذا أو حرمه أو أوجبه أو كرهه إلا لما يعلم أن الأمر فيه كذلك مما نص الله ورسوله على إباحته أو تحريمه أو إيجابه أو كراهته) . (وأما ما وجده في كتابه الذي تلقاه عمن قلده دينه فليس له أن يشهد على الله ورسوله به)  ويغر الناس بذلك ولا علم له بحكم الله ورسوله. قال غير واحد من السلف: ليحذر أحدكم أن يقول: أحل الله كذا أو حرم الله كذا فيقول الله له: كذبت لم أحل كذا ولم أحرمه. وثبت في صحيح مسلم من حديث بريدة بن الحصيب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: وإذا حاصرت حصنا فسألوك أن تنزلهم على حكم الله ورسوله فلا تنزلهم على حكم الله ورسوله فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك . وسمعت شيخ الإسلام يقول: حضرت مجلسا فيه القضاة وغيرهم فجرت حكومة حكم فيها أحدهم بقول زفر فقلت له: ما هذه الحكومة فقال: هذا حكم الله فقلت له: صار قول زفر هو حكم الله الذي حكم به وألزم به الأمة  قل: هذا حكم زفر ولا تقل هذا حكم الله أو نحو هذا من الكلام.  [حال المفتي مع المستفتي] [حال المفتي مع المستفتي على ثلاثة أوجه] الفائدة الرابعة عشرة: المفتي إذا سئل عن مسألة فإما أن يكون قصد السائل فيها معرفة حكم الله ورسوله ليس إلا وإما أن يكون قصده معرفة ما قاله الإمام الذي شهر(4\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1041",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1043",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المفتي نفسه باتباعه وتقليده دون غيره من الأئمة وإما أن يكون مقصوده معرفة ما ترجح عند ذلك المفتي وما يعتقده فيها لاعتقاده علمه ودينه وأمانته فهو يرضى تقليده [هو]  وليس له غرض في قول إمام بعينه فهذه أجناس الفتيا التي ترد على المفتين. ففرض المفتي في القسم الأول أن يجيب بحكم الله ورسوله إذا عرفه وتيقنه لا يسعه غير ذلك وأما في القسم الثاني فإذا عرف قول الإمام نفسه وسعه أن يخبر به ولا يحل له أن ينسب إليه القول ويطلق عليه أنه قوله بمجرد ما يراه في بعض الكتب التي حفظها أو طالعها من كلام المنتسبين إليه فإنه قد اختلطت أقوال الأئمة وفتاويهم بأقوال المنتسبين إليهم واختياراتهم فليس كل ما في كتبهم منصوصا عن الأئمة بل كثير منه يخالف نصوصهم وكثير منه لا نص لهم فيه وكثير منه يخرج على فتاويهم وكثير منه أفتوا به بلفظه أو بمعناه فلا يحل لأحد أن يقول quot; هذا قول فلان ومذهبه quot; إلا أن يعلم يقينا أنه قوله ومذهبه فما أعظم خطر المفتي وأصعب مقامه بين يدي الله تعالى. وأما القسم الثالث: فإنه يسعه أن يخبر المستفتي بما عنده في ذلك مما يغلب على ظنه أنه الصواب بعد بذل جهده واستفراغ وسعه ومع هذا فلا يلزم المستفتي الأخذ بقوله وغايته أنه يسوغ له الأخذ به فلينزل المفتي نفسه في منزلة من هذه المنازل الثلاث وليقم بواجبها فإن الدين دين الله والله سبحانه ولا بد سائله عن كل ما أفتى به وهو موقرة عليه ومحاسب ولا بد والله المستعان.  [فتوى المفتي بما خالف مذهبه] [يفتي المفتي بما يعتقد أنه الصواب وإن كان خلاف مذهبه] الفائدة الخامسة عشر [ة] ليحذر المفتي الذي يخاف مقامه بين يدي الله سبحانه أن يفتي السائل بمذهبه الذي يقلده وهو يعلم أن مذهب غيره في تلك المسألة أرجح من مذهبه وأصح دليلا فتحمله الرياسة على أن يقتحم الفتوى بما يغلب على ظنه أن الصواب في خلافه فيكون خائنا لله ورسوله وللسائل وغاشا له والله لا يهدي كيد الخائنين وحرم الجنة على من لقيه وهو غاش للإسلام وأهله والدين النصيحة والغش مضاد للدين كمضادة الكذب للصدق والباطل للحق وكثيرا ما ترد المسألة نعتقد فيها خلاف المذهب(4\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1042",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1044",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلا يسعنا أن نفتي بخلاف ما نعتقده فنحكي المذهب الراجح ونرجحه ونقول: هذا هو الصواب وهو أولى أن يؤخذ به وبالله التوفيق.  [لا يجوز للمفتي إلقاء المستفتي في الحيرة] [لا يجوز للمفتي إلقاء المستفتي في الحيرة] الفائدة السادسة عشرة: لا يجوز للمفتي الترويج وتخيير السائل وإلقاؤه في الإشكال والحيرة بل عليه أن يبين بيانا مزيلا للإشكال متضمنا لفصل الخطاب كافيا في حصول المقصود لا يحتاج معه إلى غيره ولا يكون كالمفتي الذي سئل عن مسألة في المواريث فقال: يقسم بين الورثة على فرائض الله عز وجل وكتبه فلان. وسئل آخر عن صلاة الكسوف فقال: تصلى على حديث عائشة وإن كان هذا أعلم من الأول. وسئل آخر عن مسألة من الزكاة فقال: أما أهل الإيثار فيخرجون المال كله وأما غيرهم فيخرج القدر الواجب عليه أو كما قال. وسئل آخر عن مسألة فقال: فيها قولان ولم يزد. قال أبو محمد بن حزم: وكان عندنا مفت إذا سئل عن مسألة لا يفتي فيها حتى يتقدمه من يكتب فيكتب هو: جوابي فيها مثل جواب الشيخ فقدر أن مفتيين اختلفا في جواب فكتب تحت جوابهما: جوابي مثل جواب الشيخين فقيل له: إنهما قد تناقضا فقال: وأنا أتناقض كما تناقضا وكان في زماننا رجل مشار إليه بالفتوى وهو مقدم في مذهبه وكان نائب السلطان يرسل إليه في الفتاوى فيكتب: يجوز كذا أو يصح كذا أو ينعقد بشرطه فأرسل إليه يقول له: تأتينا فتاوى منك فيها يجوز أو ينعقد أو يصح بشرطه ونحن لا نعلم شرطه فإما أن تبين شرطه وإما أن لا تكتب ذلك. وسمعت شيخنا يقول: كل أحد يحسن أن يفتي بهذا الشرط فإن أي مسألة وردت عليه يكتب فيها يجوز بشرطه أو يصح بشرطه أو يقبل بشرطه ونحو ذلك وهذا ليس بعلم ولا يفيد فائدة أصلا سوى حيرة السائل وتبلده وكذلك قول بعضهم في فتاويه: يرجع في ذلك إلى رأي الحاكم فيا سبحان الله والله لو كان الحاكم شريحا وأشباهه لما كان مرد أحكام الله ورسوله إلى رأيه فضلا عن حكام زماننا فالله المستعان. وسئل بعضهم عن مسألة فقال: فيها خلاف فقيل له: كيف يعمل المفتي فقال: يختار له القاضي أحد المذهبين. قال أبو عمرو بن الصلاح: كنت عند أبي السعادات بن الأثير الجزري فحكى لي عن بعض المفتين أنه سئل عن مسألة فقال: فيها قولان فأخذ يزري عليه وقال: هذا حيد عن الفتوى ولم يخلص السائل من عمايته ولم يأت بالمطلوب قلت: وهذا فيه تفصيل فإن المفتي المتمكن من العلم(4\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1043",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1045",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المضطلع به قد يتوقف في الصواب في المسألة المتنازع فيها فلا يقدم على الجزم بغير علم وغاية ما يمكنه أن يذكر الخلاف فيها للسائل. وكثيرا ما يسأل الإمام أحمد رضي الله عليه وغيره من الأئمة عن مسألة فيقول: فيها قولان أو قد اختلفوا فيها وهذا كثير في أجوبة الإمام أحمد لسعة علمه وورعه وهو كثير في كلام الإمام الشافعي - رضي الله عنه - يذكر المسألة ثم يقول: فيها قولان. وقد اختلف أصحابه هل يضاف القولان اللذان يحكيهما إلى مذهبه وينسبان إليه أم لا على طريقين وإذا اختلف علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وزيد وأبي وغيرهم من الصحابة - رضي الله عنهم - ولم يتبين للمفتي القول الراجح من أقوالهم فقال: هذه مسألة اختلف فيها فلان وفلان من الصحابة فقد انتهى إلى ما يقدر عليه من العلم. قال أبو إسحاق الشيرازي: سمعت شيخنا أبا الطيب الطبري يقول: سمعت أبا العباس الحضرمي يقول: كنت جالسا عند أبي بكر بن داود الظاهري فجاءته امرأة فقالت: ما تقول في رجل له زوجة لا هو ممسكها ولا هو مطلقها فقال لها: اختلف في ذلك أهل العلم فقال قائلون: تؤمر بالصبر والاحتساب ويبعث على التطلب والاكتساب وقال قائلون: يؤمر بالإنفاق ولا يحمل على الطلاق فلم تفهم المرأة قوله فأعادت المسألة فقال: يا هذه أجبتك عن مسألتك وأرشدتك إلى طلبتك ولست بسلطان فأمضي ولا قاض فأقضي ولا زوج فأرضي فانصرفي.  [الإفتاء في شروط الواقفين] [الإفتاء في شروط الواقفين] الفائدة السابعة عشرة: إذا سئل عن مسألة فيها شرط واقف لم يحل له أن يلزم بالعمل به بل ولا يسوغه على الإطلاق حتى ينظر في ذلك الشرط فإن كان يخالف حكم الله ورسوله فلا حرمة له ولا يحل له تنفيذه ولا يسوغ تنفيذه وإن لم يخالف حكم الله ورسوله فلينظر: هل فيه قربة أو رجحان عند الشارع أم لا فإن لم يكن فيه قربة ولا رجحان لم يجب التزامه ولم يحرم فلا تضر مخالفته وإن كان فيه قربة وهو راجح على خلافه فلينظر: هل يفوت بالتزامه والتقييد به ما هو أحب إلى الله ورسوله وأرضى له وأنفع للمكلف وأعظم تحصيلا لمقصود الواقف من الأجر فإن فات ذلك بالتزامه لم يجب التزامه ولا التقييد به قطعا وجاز العدول بل يستحب إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله وأنفع للمكلف وأكثر تحصيلا لمقصود الواقف وفي جواز التزام شرط الواقف في هذه الصورة تفصيل سنذكره إن شاء الله. وإن كان في قربة وطاعة ولم يفت بالتزامه ما هو أحب إلى الله ورسوله منه وتساوى هو وغيره في تلك القربة ويحصل غرض الواقف بحيث يكون هو وغيره طريقين موصلين إلى مقصوده ومقصود الشارع من كل وجه ولم يتعين عليه التزام الشرط(4\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1044",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1046",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بل له العدول عنه إلى ما هو أسهل عليه وأرفق به وإن ترجح موجب الشرط وكان قصد القربة والطاعة فيه أظهر وجب التزامه. فهذا هو القول الكلي في شروط الواقفين وما يجب التزامه منها وما يسوغ وما لا يجب ومن سلك غير هذا المسلك تناقض أظهر تناقض ولم يثبت له قدم يعتمد عليه. فإذا شرط الواقف أن يصلي الموقوف عليه في هذا المكان المعين الصلوات الخمس ولو كان وحده وإلى جانبه المسجد الأعظم وجماعة المسلمين لم يجب عليه الوفاء بهذا الشرط بل ولا يحل له التزامه إذا فاتته الجماعة فإن الجماعة إما شرط لا تصح الصلاة بدونها وإما واجبة يستحق تاركها العقوبة وإن صحت صلاته وإما سنة مؤكدة يقاتل تاركها وعلى كل تقدير فلا يصح التزام شرط يخل بها. وكذلك إذا شرط الواقف العزوبية وترك التأهل لم يجب الوفاء بهذا الشرط بل ولا التزامه بل من التزمه رغبة عن السنة فليس من الله ورسوله في شيء فإن النكاح عند الحاجة إليه إما فرض يعصي تاركه وإما سنة الاشتغال بها أفضل من صيام النهار وقيام الليل وسائر أوراد التطوعات وإما سنة يثاب فاعلها كما يثاب فاعل السنن والمندوبات وعلى كل تقدير فلا يجوز اشتراط تعطيله أو تركه إذ يصير مضمون هذا الشرط أنه لا يستحق تناول الوقف إلا من عطل ما فرض الله عليه وخالف سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ومن فعل ما فرضه الله عليه وقام بالسنة لم يحل له أن يتناول من هذا الوقف شيئا ولا يخفى ما في التزام هذا الشرط والإلزام به من مضادة الله ورسوله وهو أقبح من اشتراطه ترك الوتر والسنن الراتبة وصيام الخميس والاثنين والتطوع بالليل بل أقبح من اشتراطه ترك ذكر الله بكرة وعشيا ونحو ذلك ومن هذا اشتراطه أن يصلي الصلوات في التربة المدفون بها ويدع المسجد وهذا أيضا مضاد لدين الإسلام أعظم مضادة فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعن المتخذين قبور أنبيائهم مساجد فالصلاة في المقبرة معصية لله ورسوله باطلة عند كثير من أهل العلم لا يقبلها الله ولا تبرأ الذمة بفعلها فكيف يجوز التزام شرط الواقف لها وتعطيل شرط الله ورسوله فهذا تغيير الدين لولا أن الله سبحانه يقيم له من يبين أعلامه ويدعو إليه. ومن ذلك اشتراط إيقاد سراج أو قنديل على القبر فلا يحل للواقف اشتراط ذلك ولا للحاكم تنفيذه ولا للمفتي تسويغه ولا للموقوف عليه فعله والتزامه فقد لعن رسول(4\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1045",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1047",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله - صلى الله عليه وسلم - المتخذين السرج على القبور فكيف يحل للمسلم أن يلزم أو يسوغ فعل ما لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعله وحضرت بعض قضاة الإسلام يوما وقد جاءه كتاب وقف على تربة ليثبته وفيه: quot; وأنه يوقد على القبر كل ليلة قنديل quot; فقلت له: كيف يحل لك أن تثبت هذا الكتاب وتحكم بصحته مع علمك بلعنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمتخذين السرج على القبور فأمسك عن إثباته وقال: الأمر كما قلت أو كما قال. ومن ذلك أن يشترط القراءة عند قبره دون البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال والناس لهم قولان: أحدهما: أن القراءة لا تصل إلى الميت فلا فرق بين أن يقرأ عند القبر أو بعيدا منه عند هؤلاء والثاني: أنها تصل ووصولها فرع حصول الصواب للقارئ ثم ينتقل منه إلى الميت فإذا كانت قراءة القارئ ومجيئه إلى القبر إنما هو لأجل الجعل [و] لم يقصد به التقرب إلى الله لم يحصل له ثواب فكيف ينتقل عنه إلى الميت وهو فرعه فما زاد بمجيئه إلى التربة إلا العناء والتعب بخلاف ما إذا قرأ لله في المسجد أو غيره في مكان يكون أسهل عليه وأعظم لإخلاصه ثم جعل ثواب ذلك للميت وصل إليه. وذاكرت مرة بهذا المعنى بعض الفضلاء فاعترف به وقال: لكن بقي شيء آخر وهو أن الواقف قد يكون قصد انتفاعه بسماع القرآن على قبره ووصول بركة ذلك إليه فقلت له: انتفاعه بسماع القرآن مشروط بحياته فلما مات انقطع عمله كله. واستماع القرآن من أفضل الأعمال الصالحة وقد انقطع بموته ولو كان ذلك ممكنا لكان السلف الطيب من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أولى بهذا الحظ العظيم لمسارعتهم إلى الخير وحرصهم عليه ولو كان خيرا لسبقونا إليه فالذي لا شك فيه أنه لا يجب حضور التربة ولا تتعين القراءة عند القبر. ونظير هذا ما لو وقف وقفا يتصدق به عند القبر كما يفعل كثير من الجهال فإن في ذلك من تعنية الفقير وإتعابه وإزعاجه من موضعه إلى الجبانة في حال الحر والبرد والضعف حتى يأخذ تلك الصدقة عند القبر مما لعله أن يحبط أجرها ويمنع انعقاده بالكلية. ومن هذا لو شرط واقف الخانقاه وغيرها على أهلها أن لا يشتغلوا بكتابة العلم وسماع الحديث والاشتغال بالفقه فإن هذا شرط باطل مضاد لدين الإسلام لا يحل تنفيذه ولا التزامه ولا يستحق من قام به شيئا من هذا الوقف فإن مضمون هذا الشرط أن الوقف(4\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1046",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1048",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعين إنما يستحقه من ترك ما يجب عليه من العلم النافع وجهل أمر الله ورسوله ودينه وجهل أسماءه وصفاته وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأحكام الثواب والعقاب ولا ريب أن هذا الصنف من شرار خلق الله وأمقتهم عند الله ورسوله وهم خاصة الشيطان وأولياؤه وحزبه ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون [المجادلة: 19] ومن ذلك أن يشترط الواقف أن لا يقرأ في ذلك المكان شيء من آيات الصفات وأحاديث الصفات كما أمر به بعض أعداء الله من الجهمية لبعض الملوك وقد وقف مسجدا لله تعالى ومضمون هذا الشرط المضاد لما بعث الله به رسوله أن يعطل أكثر آيات القرآن عن التلاوة والتدبر والتفهم وكثيرا من السنة أو أكثرها عن أن تذكر أو تروى أو تسمع أو يهتدى بها ويقام سوق التجهم والكلام المبتدع المذموم الذي هو كفيل بالبدع والضلالة والشك والحيرة. ومن ذلك أيضا أن يقف مكانا أو مسجدا أو مدرسة أو رباطا على طائفة معينة من الناس دون غيرهم كالعجم مثلا أو الروم أو الترك أو غيرهم وهذا من أبطل الشروط فإن مضمونه أن أقارب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذرية المهاجرين والأنصار لا يحل لهم أن يصلوا في هذا المسجد ولا ينزلوا في هذا الرباط أو المدرسة أو الخانقاه بل لو أمكن أن يكون أبو بكر وعمر وأهل بدر وأهل بيعة الرضوان - رضي الله عنهم - بين أظهرنا حرم عليهم النزول بهذا المكان الموقوف. وهذه الشروط والاشتغال بها والاعتداد بها من أسمج الهذيان ولا تصدر من قلب طاهر ولا ينفذها من شم روائح العلم الذي بعث الله به رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وكذلك لو شرط أن يكون المقيمون بهذه الأمكنة طائفة من أهل البدع كالشيعة والخوارج والمعتزلة والجهمية والمبتدعين في أعمالهم كأصحاب الإشارات والإذن والشير والعنبر وأكل الحيات وأصحاب النار وأشباه الذئاب المشتغلين بالأكل والشرب والرقص ولم يصح هذا الشرط وكان غيرهم أحق بالمكان منهم وشروط الله أحق. فهذه الشروط وأضعافها وأضعاف أضعافها من باب التعاون على الإثم والعدوان والله تعالى إنما أمر بالتعاون على البر والتقوى وهو ما شرعه على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دون ما لم يشرعه فكيف بما شرع خلافه والوقف إنما يصح على القرب والطاعات ولا فرق في ذلك بين مصرفه وجهته وشرطه فإن الشرط صفة وحال في الجهة والمصرف فإذا اشترط أن يكون المصرف قربة وطاعة فالشرط كذلك ولا يقتضي الفقه إلا هذا ولا يمكن(4\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1047",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1049",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحد أن ينقل عن أئمة الإسلام الذين لهم في الأمة لسان صدق ما يخالف ذلك ألبتة بل نشهد بالله والله أن الأئمة لا تخالف ما ذكرناه وأن هذا نفس قولهم وقد أعاذهم الله من غيره وإنما يقع الغلط من كثير من المنتسبين إليهم في فهم أقوالهم كما وقع لبعض من نصب نفسه للفتوى من أهل عصرنا. ما تقول السادة الفقهاء في رجل وقف وقفا على أهل الذمة هل يصح ويتقيد الاستحقاق بكونه منهم فأجاب بصحة الوقف وتقييد الاستحقاق بذلك الوصف وقال: هكذا قال أصحابنا ويصح الوقف على أهل الذمة فأنكر ذلك شيخنا عليه غاية الإنكار وقال: مقصود الفقهاء بذلك أن كونه من أهل الذمة ليس مانعا من صحة الوقف عليه بالقرابة أو بالتعيين وليس مقصودهم أن الكفر بالله ورسوله أو عبادة الصليب وقولهم إن المسيح ابن الله شرط لاستحقاق الوقف حتى إن من آمن بالله ورسوله واتبع دين الإسلام ولم يحل له أن يتناول بعد ذلك من الوقف فيكون حل تناوله مشروطا بتكذيب الله ورسوله والكفر بدين الإسلام ففرق بين كون وصف الذمة مانعا من صحة الوقف وبين كونه مقتضيا فغلظ طبع هذا الفتى وكثف فهمه وغلظ حجابه عن ذلك ولم يميز. ونظير هذا أن يقف على الأغنياء فهذا يصح إذا كان الموقوف عليه غنيا أو ذا قرابة فلا يكون الغنى مانعا ولا يصح أن يكون جهة الاستحقاق هو الغنى فيستحق ما دام غنيا فإذا افتقر واضطر إلى ما يقيم أوده حرم عليه تناول الوقف فهذا لا يقوله إلا من حرم التوفيق وصحبه الخذلان ولو رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدا من الأئمة يفعل ذلك لاشتد إنكاره وغضبه عليه ولما أقره ألبتة وكذلك لو رأى رجلا من أمته قد وقف على من يكون من الرجال عزبا غير متأهل فإذا تأهل حرم عليه تناول الوقف لاشتد غضبه ونكيره عليه بل دينه يخالف هذا فإنه كان إذا جاءه مال أعطى العزب حظا وأعطى الآهل حظين وأخبر أن ثلاثة على الله عونهم فذكر منهم الناكح يريد العفاف وملتزم هذا الشرط حق عليه عدم إعانة الناكح. ومن هذا أن يشترط أنه لا يستحق الوقف إلا من ترك الواجب عليه من طلب النصوص ومعرفتها والتفقه في متونها والتمسك بها إلى الأخذ بقول فقيه معين يترك لقوله قول من سواه بل يترك النصوص لقوله فهذا شرط من أبطل الشروط وقد صرح أصحاب الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى بأن الإمام إذا شرط على القاضي أن لا يقضي إلا بمذهب معين بطل الشرط ولم يجز له التزامه. وفي بطلان التولية قولان مبنيان على بطلان العقود بالشروط الفاسدة وطرد هذا أن المفتي من شرط عليه ألا يفتي إلا بمذهب معين بطل الشرط(4\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1048",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1050",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وطرده أيضا أن الواقف متى شرط على الفقيه أن لا ينظر ولا يشتغل إلا بمذهب معين بحيث يهجر له كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفتاوى الصحابة ومذاهب العلماء لم يصح هذا الشرط قطعا ولا يجب التزامه بل ولا يسوغ. وعقد هذا الباب وضابطه أن المقصود إنما هو التعاون على البر والتقوى وأن يطاع الله ورسوله بحسب الإمكان وأن يقدم من قدمه الله ورسوله ويؤخر من أخره الله ورسوله [ويعتبر ما اعتبره الله ورسوله ويلغى ما ألغاه الله ورسوله]  وشروط الواقفين لا تزيد على نذر الناذرين فكما أنه لا يوفي من النذور إلا بما كان طاعة لله ورسوله فلا يلزم من شروط الواقفين إلا ما كان طاعة الله ورسوله. فإن قيل: الواقف إنما نقل ماله لمن قام بهذه الصفة فهو الذي رضي بنقل ماله إليه ولم يرض بنقله إلى غيره وإن كان أفضل منه فالوقف يجري مجرى الجعالة فإذا بذل الجاعل ماله لمن يعمل عملا لم يستحقه من عمل غيره وإن كان بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض. قيل: هذا منشأ الوهم والإيهام في هذه المسألة وهو الذي قام بقلوب ضعفة المتفقهين فالتزموا وألزموا من الشروط بما غيره أحب إلى الله وأرضى له منه بإجماع الأمة بالضرورة المعلومة من الدين. وجواب هذا الوهم أن الجاعل يبذل ماله في غرضه الذي يريده إما محرما أو مكروها أو مباحا أو مستحبا أو واجبا لينال غرضه الذي بذل فيه ماله وأما الواقف فإنما يبذل ماله فيما يقربه إلى الله وثوابه فهو لما علم أنه لم يبق له تمكن من بذل ماله في أغراضه أحب أن يبذله فيما يقربه إلى الله وما هو أنفع له في الدار الآخرة ولا يشك عاقل أن هذا غرض الواقفين بل ولا يشك واقف أن هذا غرضه والله سبحانه وتعالى ملكه المال لينتفع به في حياته وأذن له أن يحبسه لينتفع به بعد وفاته فلم يملكه أن يفعل به بعد موته ما كان يفعل به في حياته بل حجر عليه فيه وملكه ثلثه يوصي به بما يجوز ويسوغ أن يوصي به حتى إن حاف أو جار أو أثم في وصيته جاز بل وجب على الوصي والورثة رد ذلك الجور والحيف والإثم ورفع سبحانه الإثم عمن يرد ذلك الحيف والإثم من الورثة والأوصياء فهو سبحانه لم يملكه أن يتصرف في تحبيس ماله بعده إلا على وجه يقربه إليه ويدنيه من رضاه لا على أي وجه أراد ولم يأذن الله ولا رسوله للمكلف أن يتصرف في تحبيس ماله بعده على أي وجه أراده أبدا. فأين في كلام الله ورسوله أو أحد من الصحابة ما يدل على أن(4\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1049",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1051",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لصاحب المال أن يقف ما أراد على من أراد ويشرط ما أراد ويجب على الحكام والمفتين أن ينفذوا وقفه ويلزموا بشروطه وأما ما قد لهج به بعضهم من قوله quot; شروط الواقف كنصوص الشارع quot; فهذا يراد به معنى صحيح ومعنى باطل فإن أريد أنها كنصوص الشارع في الفهم والدلالة وتقييد مطلقها بمقيدها وتقديم خاصها على عامها والأخذ فيها بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فهذا حق من حيث الجملة وإن أريد أنها كنصوص الشارع في وجوب مراعاتها والتزامها وتنفيذها فهذا من أبطل الباطل بل يبطل منها ما لم يكن طاعة لله ورسوله وما غيره أحب إلى الله وأرضى له ولرسوله منه وينفذ منها ما كان قربة وطاعة كما تقدم. ولما نذر أبو إسرائيل أن يصوم ويقوم في الشمس ولا يجلس ولا يتكلم أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجلس في الظل ويتكلم ويتم صومه فألزمه بالوفاء بالطاعة ونهاه عن الوفاء بما ليس بطاعة. وهكذا أخت عقبة بن عامر لما نذرت الحج ماشية مكشوفة الرأس أمرها أن تختمر وتركب وتحج وتهدي بدنة فهكذا الواجب على أتباع الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله أن يعتمدوا في شروط الواقفين وبالله التوفيق.  [لا يطلق المفتي الجواب إذا كان في المسألة تفصيل] [لا يطلق المفتي الجواب إذا كان في المسألة تفصيل] الفائدة الثامنة عشرة: ليس للمفتي أن يطلق الجواب في مسألة فيها تفصيل إلا إذا علم أن السائل إنما سأل عن أحد تلك الأنواع بل إذا كانت المسألة تحتاج إلى التفصيل استفصله كما استفصل النبي - صلى الله عليه وسلم - ماعزا لما أقر بالزنا: هل وجد منه مقدماته أو حقيقته فلما أجابه عن الحقيقة استفصله: هل به جنون فيكون إقراره غير معتبر أم هو عاقل فلما علم عقله استفصله: بأن أمر باستنكاهه ليعلم هل هو سكران أم صاح فلما علم أنه صاح استفصله: هل أحصن أم لا فلما علم أنه قد أحصن أقام عليه الحد. ومن هذا قوله لمن سألته: هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت فقال نعم إذا رأت الماء فتضمن هذا الجواب الاستفصال بأنها يجب عليها الغسل في حال ولا يجب عليها في حال. ومن ذلك أن أبا النعمان بن بشير سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يشهد على غلام نحله ابنه(4\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1050",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1052",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاستفصله وقال: أكل ولدك نحلته كذلك فقال: لا فأبى أن يشهد . وتحت هذا الاستفصال: أن ولدك إن كانوا اشتركوا في النحل صح ذلك وإلا لم يصح ومن ذلك أن ابن أم مكتوم استفتاه: هل يجد له رخصة أن يصلي في بيته فقال هل تسمع النداء قال: نعم قال فأجب فاستفصله بين أن يسمع النداء أو لا يسمعه. ومن ذلك أنه لما استفتي عن رجل وقع على جارية امرأته فقال إن كان استكرهها فهي حرة وعليه مثلها وإن كانت طاوعته فهي له وعليه لسيدتها مثلها وهذا كثير في فتاويه - صلى الله عليه وسلم -. فإذا سئل المفتي عن رجل دفع ثوبه إلى قصار يقصره فأنكر القصار الثوب ثم أقر به هل يستحق الأجرة على القصارة أم لا فالجواب بالإطلاق خطأ نفيا وإثباتا والصواب التفصيل فإن كان قصره قبل الجحود فله أجرة القصارة لأنه قصره لصاحبه وإن كان قصره بعد جحوده فلا أجرة له لأنه قصره لنفسه. وكذلك إذا سئل عن رجل حلف لا يفعل كذا وكذا ففعله لم يجز له أن يفتي بحنثه حتى يستفصله: هل كان ثابت العقل وقت فعله أم لا وإذا كان ثابت العقل فهل كان مختارا في يمينه أم لا وإذا كان مختارا فهل استثنى عقيب يمينه أم لا وإذا لم يستثن فهل فعل المحلوف عليه عالما ذاكرا مختارا أم كان ناسيا أو جاهلا أو مكرها وإذا كان عالما مختارا فهل كان المحلوف عليه داخلا في قصده ونيته أو قصد عدم دخوله فخصصه بنيته أو لم يقصد دخوله ولا نوى تخصيصه فإن الحنث يختلف باختلاف ذلك كله. ورأينا من مفتي العصر من بادر إلى التحنيث فاستفصلناه فوجده غير حانث في مذهب من أفتاه وقع ذلك مرارا فخطر المفتي عظيم فإنه موقع عن الله ورسوله زاعم أن الله أمر بكذا وحرم كذا أو أوجب كذا. ومن ذلك أن يستفتيه عن الجمع بين الظهر والعصر مثلا: هل يجوز له أن يفرق بينهما فجوابه بتفصيل المسألتين وأن الجمع إن كان في وقت الأولى لم يجز التفريق وإن كان في وقت الثانية جاز. ومن ذلك أنه لو قال له quot; إن لم تحرق هذا المتاع أو تهدم هذه الدار أو تتلف هذا المال وإلا قتلتك quot; ففعل: هل يضمن أم لا جوابه بالتفصيل فإن كان المال المكره على إتلافه للمكره لم يضمن وإن كان لغيره ضمنه.(4\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1051",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1053",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك لو سأله المظاهر إذا وطئ في أثناء الكفارة: هل يلزمه الاستئناف أو يبني فجوابه بالتفصيل أنه إن كان كفر بالصيام فوطئ في أثنائه لزمه الاستئناف وإن كفر بالإطعام لم يلزمه الاستئناف وله البناء فإن حكم تتابع الصوم وكونه قبل المسيس قد انقطع بخلاف الإطعام. وكذلك لو سأله عن المكفر بالعتق إذا أعتق عبدا مقطوعة أصبعه فجوابه بالتفصيل إن كان إبهاما لم يجزه وإلا أجزأه فلو قال له: مقطوع الأصبعين - وهما الخنصر والبنصر فجوابه بالتفصيل أيضا: إن كانا من يد واحدة لم يجزه وإن كانت كل أصبع من يد أجزأه. وكذلك لو سأله عن فاسق التقط لقطة أو لقيطا هل يقر في يده فجوابه بالتفصيل تقر اللقطة دون اللقيط لأنها كسب فلا يمنع منه الملتقط وثبوت يده على اللقيط ولاية وليس من أهلها. ولو قال له quot; اشتريت سمكة فوجدت في جوفها مالا ما أصنع به quot; فجوابه إن كان لؤلؤة أو جوهرة فهو للصياد لأنه ملكه بالاصطياد ولم تطب نفسه لك به وإن كان خاتما أو دينارا فهو لقطة يجب تعريفها كغيرها. وكذلك لو قال له quot;: اشتريت حيوانا فوجدت في جوفه جوهرة quot; فجوابه إن كانت شاة فهي لقطة للمشتري يلزمه تعريفها حولا ثم هي له بعده وإن كان سمكة أو غيرها من دواب البحر فهي ملك للصياد والفرق واضح. ومن ذلك لو سأله عن عبد التقط لقطة فأنفقها: هل تتعلق بذمته أو برقبته فجوابه أنه إن أنفقها قبل التعريف حولا فهي في رقبته وإن أنفقها بعد حول التعريف فهي في ذمته يتبع بها بعد العتق نص عليها الإمام أحمد مفرقا بينهما لأنه قبل الحول ممنوع منها فإنفاقه لها جناية منه عليها وبعد الحول غير ممنوع منها بالنسبة إلى مالكها فإذا أنفقها في هذه الحال فكأنه أنفقها بإذن مالكها فتتعلق بذمته كديونه. ومن ذلك لو سأله عن رجل جعل جعلا لمن رد عليه لقطته فهل يستحقه من ردها فجوابه إن التقطها قبل بلوغ قول الجاعل لم يستحقه لأنه لم يلتقطها لأجل الجعل وقد وجب عليه ردها بظهور مالكها وإن التقطها بعد أن بلغه الجعل استحقه ومن ذلك أن يسأل فيقول: هل يجوز للوالدين أن يتملكا مال ولدهما أو يرجعان فيما وهباه فالجواب أن ذلك للأب دون الأم.(4\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1052",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1054",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك إذا شهد له اثنان من ورثته غير الأب والابن بالجرح فالجواب فيه تفصيل فإن شهدا قبل الاندمال لم يقبلا للتهمة وإن شهدا بعده قبلت لعدم التهمة ومن ذلك إذا سئل عن رجل ادعى نكاح امرأة فأقرت له هل يقبل إقرارها أم لا جوابه بالتفصيل إن ادعى زوجيتها وحده قبل إقرارها وإن ادعاها معه آخر لم يقبل. ومن ذلك لو سئل عن رجل مات فادعى ورثته شيئا من تركته وأقاموا شاهدا حلف كل منهم يمينا مع الشاهد فإن حلف بعضهم استحق قدر نصيبه من المدعى وهل يشاركه من لم يحلف في قدر حصته التي انتزعها بيمينه أو لا يشاركه فالجواب فيه تفصيل إن كان المدعى دينا لم يشاركه وينفرد الحالف بقدر حصته وإن كان عينا شاركه من لم يحلف لأن الدين غير متعين فمن حلف فإنما ثبت بيمينه مقدار حصته من الدين لا غيره ومن لم يحلف لم يثبت له حق وأما العين فكل واحد من الورثة يقر أن كل جزء منها مشترك بين جماعتهم وحقوقهم متعلقة بعينه فالمخلص مشترك بين جماعتهم والباقي غصب على جماعتهم. ومن ذلك إذا سئل عن رجل استعدى على خصمه ولم يحرر الدعوى هل يحضره الحاكم الجواب بالتفصيل إن استعدى على حاضر في البلد أحضره لعدم المشقة وإن كان غائبا لم يحضره حتى يحررها. ومن ذلك لو سئل عن رجل قطع عضوا من صيد وأفلت هل يحل أكل العضو الجواب بالتفصيل إن كان صيدا بحريا حل أكله وإن كان بريا لم يحل. ومن ذلك لو سئل عن تاجر أهل الذمة هل يؤخذ منه العشر فالجواب بالتفصيل إن كان رجلا أخذ منه [العشر]  وإن كانت امرأة ففيها تفصيل إن اتجرت إلى أرض الحجاز أخذ منها العشر وإن اتجرت إلى غيرها لم يؤخذ منها شيء لأنها تقر في غير أرض الحجاز بلا جزية. ومن ذلك لو سئل عن ميت مات فطلب الأب ميراثه ولم يعلم من الورثة غيره كم يعطى الأب فالجواب بالتفصيل إن كان الميت ذكرا أعطي الأب أربعة من سبعة وعشرين سهما لأن غاية ما يمكن أن يقدر معه زوجة وأم وابنتان فله أربعة بلا شك من سبعة وعشرين وإن كان الميت أنثى فله سهمان من خمسة عشر قطعا لأن أكثر ما يمكن أن يقدر زوج [وأم] وابنتان فله سهمان من خمسة عشر قطعا. فإن قال السائل: مات ميت وترك ثلاث بنات ابن بعضهن أسفل من بعض مع العليا(4\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1053",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1055",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جدها قال المفتي: إن كان الميت ذكرا فالمسألة محال لأن جد العليا نفس الميت وإن كان الميت أنثى فجد العليا إما أن يكون زوج الميت أو لا يكون كذلك فإن كان زوجها فله الربع وللعليا النصف وللوسطى السدس تكملة الثلثين والباقي للعصبة. فلو قال السائل: ميت خلف ابنتين وأبوين ولم تقسم التركة حتى ماتت إحداهما وخلفت من خلفت قال المفتي: إن كان الميت ذكرا فمسألته من ستة للأبوين سهمان ولكل بنت سهمان فلما ماتت إحداهما خلفت جدة وجدا وأختا لأب فمسألتها من ستة وتصح من ثمانية عشر وتركتها سهمان توافق مسألتها بالنصف فترد إلى تسعة ثم تضربها في ستة تكون أربعة وخمسين ومنها تصح وإن كان الميت أنثى ففريضتها أيضا من ستة ثم ماتت إحدى البنتين عن سهمين وخلفت جدة وجدا من أم وأختا لأب فلا شيء للجد وللجدة السدس وللأخت النصف والباقي للعصبة فمسألتها من ستة وسهامها اثنان فاضرب ثلاثة في المسألة الأولى تكن ثمانية عشر والمقصود التنبيه على وجوب التفصيل إذا كان يجد السؤال محتملا وبالله التوفيق. فكثيرا ما يقع غلط المفتي في هذا القسم فالمفتي ترد إليه المسائل في قوالب متنوعة جدا فإن لم يتفطن لحقيقة السؤال وإلا هلك وأهلك فتارة تورد عليه المسألتان صورتهما واحدة وحكمهما مختلف فصورة الصحيح والجائز صورة الباطل والمحرم ويختلفان بالحقيقة فيذهل بالصورة عن الحقيقة فيجمع بين ما فرق الله ورسوله بينه وتارة تورد عليه المسألتان صورتهما مختلفة وحقيقتهما واحدة وحكمهما واحد فيذهل باختلاف الصورة عن تساويهما في الحقيقة فيفرق بين ما جمع الله بينه وتارة تورد عليه المسألة مجملة تحتها عدة أنواع فيذهب وهمه إلى واحد منها ويذهل عن المسئول عنه منها فيجيب بغير الصواب وتارة تورد عليه المسألة الباطلة في دين الله في قالب مزخرف ولفظ حسن فيتبادر إلى تسويغها وهي من أبطل الباطل وتارة بالعكس فلا إله إلا الله كم ههنا من مزلة أقدام ومجال أوهام وما دعي محق إلى حق إلا أخرجه الشيطان على لسان أخيه ووليه من الإنس في قالب تنفر عنه خفافيش البصائر وضعفاء العقول وهم أكثر الناس وما حذر أحد من باطل إلا أخرجه الشيطان على لسان وليه من الإنس في قالب مزخرف يستخف به عقول ذلك الضرب من الناس فيستجيبون له وأكثر الناس نظرهم قاصر على الصور لا يتجاوزونها إلى الحقائق فهم محبوسون في سجن الألفاظ مقيدون بقيود العبارات كما قال تعالى: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون - ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون [الأنعام: 112 - 113] .(4\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1054",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1056",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأذكر لك من هذا مثالا وقع في زماننا وهو أن السلطان أمر أن يلزم أهل الذمة بتغيير عمائهم وأن تكون خلاف ألوان عمائم المسلمين فقامت لذلك قيامتهم وعظم عليهم وكان في ذلك من المصالح وإعزاز الإسلام وإذلال الكفرة ما قرت به عيون المسلمين فألقى الشيطان على ألسنة أوليائه وإخوانه أن صوروا فتيا يتوصلون بها إلى إزالة هذا الغبار وهي: ما تقول السادة العلماء في قوم من أهل الذمة ألزموا بلباس غير لباسهم المعتاد وزي غير زيهم المألوف فحصل لهم بذلك ضرر عظيم في الطرقات والفلوات وتجرأ عليهم بسببه السفهاء والرعاة وآذوهم غاية الأذى فطمع بذلك في إهانتهم والتعدي عليهم فهل يسوغ للإمام ردهم إلى زيهم الأول وإعادتهم إلى ما كانوا عليه مع حصول التميز بعلامة يعرفون بها وهل في ذلك مخالفة للشرع أم لا فأجابهم من منع التوفيق وصد عن الطريق بجواز ذلك وأن للإمام إعادتهم إلى ما كانوا عليه. قال شيخنا: فجاءتني الفتوى فقلت: لا تجوز إعادتهم ويجب إبقاؤهم على الزي الذي يتميزون به عن المسلمين فذهبوا ثم غيروا الفتوى ثم جاءوا بها في قالب آخر فقلت: لا تجوز إعادتهم فذهبوا ثم أتوا بها في قالب آخر فقلت: هي المسألة المعينة وإن خرجت في عدة قوالب ثم ذهب إلى السلطان وتكلم عنده بكلام عجب منه الحاضرون فأطبق القوم على إبقائهم ولله الحمد. ونظائر هذه الحادثة أكثر من أن تحصى فقد ألقى الشيطان على ألسنة أوليائه أن صوروا فتوى فيما يحدث ليلة النصف في الجامع وأخرجوها في قالب حسن حتى استخفوا عقل بعض المفتين فأفتاهم بجوازه وسبحان الله كم توصل بهذه الطرق إلى إبطال حق وإثبات باطل وأكثر الناس إنما هم أهل ظواهر في الكلام واللباس والأفعال وأهل النقد منهم الذين يعبرون من الظاهر إلى حقيقته وباطنه لا يبلغون عشر معشار غيرهم ولا قريبا من ذلك فالله المستعان.  [على المفتي ألا يفصل إلا حيث يجب التفصيل] [على المفتي ألا يفصل إلا حيث يجب التفصيل] الفائدة التاسعة عشرة: إذا سئل عن مسألة من الفرائض لم يجب عليه أن يذكر موانع الإرث فيقول: بشرط ألا يكون كافرا ولا رقيقا ولا قاتلا وإذا سئل عن فريضة فيها أخ وجب عليه أن يقول: إن كان لأب فله كذا وإن كان لأم فله كذا وكذلك إذا سئل عن الأعمام وبنيهم وبني الإخوة وعن الجد والجدة فلا بد من التفصيل. والفرق بين الموضعين أن(4\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1055",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1057",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السؤال المطلق في الصورة الأولى يدل على الوارث الذي لم يقم به مانع من الميراث كما لو سئل عن رجل باع أو آجر أو تزوج أو أقر لم يجب عليه أن يذكر موانع الصحة من الجنون والإكراه ونحوهما إلا حيث يكون الاحتمال متساويا. ومن تأمل أجوبة النبي - صلى الله عليه وسلم - رآه يستفصل حيث تدعو الحاجة إلى الاستفصال ويتركه حيث لا يحتاج إليه ويحيل فيه مرة على ما علم من شرعه ودينه من شروط الحكم وتوابعه بل هذا كثير من القرآن كقوله تعالى: وأحل لكم ما وراء ذلكم [النساء: 24] وقوله: فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره [البقرة: 230] وقوله تعالى والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم [المائدة: 5] . ولا يجب على المتكلم والمفتي أن يستوعب شرائط الحكم وموانعه كلها عند ذكر حكم المسألة ولا ينفع السائل والمتكلم والمتعلم قوله quot; بشرطه وعدم موانعه quot; ونحو ذلك فلا بيان أتم من بيان الله ورسوله ولا هدي أكمل من هدي الصحابة والتابعين وبالله التوفيق.  [هل للمقلد أن يفتي] [هل يجوز للمقلد أن يفتي] الفائدة العشرون: لا يجوز للمقلد أن يفتي في دين الله بما هو مقلد فيه وليس على بصيرة فيه سوى أنه قول من قلده دينه هذا إجماع من السلف كلهم وصرح به الإمام أحمد والشافعي - رضي الله عنهما - وغيرهما. قال أبو عمرو بن الصلاح: قطع أبو عبد الله الحليمي إمام الشافعيين بما وراء النهر والقاضي أبو المحاسن الروياني صاحب بحر المذهب وغيرهما بأنه لا يجوز للمقلد أن يفتي بما هو مقلد فيه. وقال: وذكر الشيخ أبو محمد الجويني في شرحه لرسالة الشافعي عن شيخه أبي بكر القفال المروزي أنه يجوز لمن حفظ كلام صاحب مذهب ونصوصه أن يفتي به وإن لم يكن عارفا بغوامضه وحقائقه وخالفه الشيخ أبو محمد وقال: لا يجوز أن يفتي بمذهب غيره إذا لم يكن متبحرا فيه عالما بغوامضه وحقائقه كما لا يجوز للعامي الذي جمع فتاوى المفتين أن يفتي بها وإذا كان متبحرا فيه جاز أن يفتي به. وقال أبو عمرو: من قال quot; لا يجوز له أن يفتي بذلك quot; معناه لا يذكره في صورة ما يقوله من عند نفسه بل يضيفه إلى غيره ويحكيه عن إمامه الذي قلده. فعلى هذا من عددناه في أصناف المفتين المقلدين ليسوا على الحقيقة من المفتين ولكنهم قاموا مقام المفتين(4\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1056",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1058",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وادعوا عنهم فعدوا منهم وسبيلهم في ذلك أن يقولوا مثلا: مذهب الشافعي كذا وكذا ومقتضى مذهبه كذا وكذا وما أشبه ذلك ومن ترك منهم إضافة ذلك إلى إمامه فإن كان ذلك اكتفاء منه بالمعلوم عن الصريح فلا بأس. قلت: ما ذكره أبو عمرو حسن إلا أن صاحب هذه المرتبة يحرم عليه أن يقول quot; مذهب الشافعي quot; لما لا يعلم أنه نصه الذي أفتى به أو يكون شهرته بين أهل المذهب شهرة لا يحتاج معها إلى الوقوف على نصه كشهرة مذهبه في الجهر بالبسملة والقنوت في الفجر ووجوب تبييت النية للصوم في الفرض من الليل ونحو ذلك فأما مجرد ما يجد في كتب من انتسب إلى مذهبه من الفروع فلا يسعه أن يضيفها إلى نصه ومذهبه بمجرد وجودها في كتبهم فكم فيها من مسألة لا نص له فيها ألبتة ولا ما يدل عليه وكم فيها من مسألة نصه على خلافها وكم فيها من مسألة اختلف المنتسبون إليه في إضافتها إلى مقتضى نصه ومذهبه فهذا يضيف إلى مذهبه إثباتها وهذا يضيف إليه نفيها فلا ندري كيف يسع المفتي عند الله أن يقول: هذا مذهب الشافعي وهذا مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة . وأما قول الشيخ أبي عمرو quot; إن لهذا المفتي أن يقول هذا مقتضى مذهب الشافعي مثلا quot; فلعمر الله لا يقبل ذلك من كل من نصب نفسه للفتيا حتى يكون عالما بمأخذ صاحب المذهب ومداركه وقواعده جمعا وفرقا ويعلم أن ذلك الحكم مطابق لأصوله وقواعده بعد استفراغ وسعه في معرفة ذلك فيها إذا أخبر أن هذا مقتضى مذهبه كان له حكم أمثاله ممن قال بمبلغ علمه ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وبالجملة فالمفتي مخبر عن الحكم الشرعي وهو إما مخبر عما فهمه عن الله ورسوله وإما مخبر عما فهمه من كتابه أو نصوص من قلده دينه وهذا لون وهذا لون فكما لا يسع الأول أن يخبر عن الله ورسوله إلا بما علمه فكذا لا يسع الثاني أن يخبر عن إمامه الذي قلده دينه إلا بما يعلمه وبالله التوفيق.  [فتوى القاصر عن معرفة الكتاب والسنة] [هل يجوز أن يقلد الفتوى المتفقه القاصر عن معرفة الكتاب والسنة] الفائدة الحادية والعشرون: إذا تفقه الرجل وقرأ كتابا من كتب الفقه أو أكثر وهو مع ذلك قاصر في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف والاستنباط والترجيح فهل يسوغ تقليده في الفتوى فيه للناس أربعة أقوال: الجواز مطلقا والمنع مطلقا والجواز عند عدم المجتهد ولا يجوز مع وجوده والجواز إن كان مطلعا على مأخذ من يفتي بقولهم والمنع إن لم يكن مطلعا.(4\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1057",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1059",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والصواب فيه التفصيل وهو أنه إن كان السائل يمكنه التوصل إلى عالم يهديه السبيل لم يحل له استفتاء مثل هذا ولا يحل لهذا أن ينسب نفسه للفتوى مع وجود هذا العالم وإن لم يكن في بلده أو ناحيته غيره بحيث لا يجد المستفتي من يسأله سواه فلا ريب أن رجوعه إليه أولى من أن يقدم على العمل بلا علم أو يبقى مرتبكا في حيرته مترددا في عماه وجهالته بل هذا هو المستطاع من تقواه المأمور بها. ونظير هذه المسألة إذا لم يجد السلطان من يوليه إلا قاضيا عاريا من شروط القضاء لم يعطل البلد عن قاض وولى الأمثل فالأمثل ونظير هذا لو كان الفسق هو الغالب على أهل تلك البلد وإن لم تقبل شهادة بعضهم على بعض وشهادته له تعطلت الحقوق وضاعت قبل شهادة الأمثل فالأمثل. ونظيرها لو غلب الحرام المحض أو الشبهة حتى لم يجد الحلال المحض فإنه بتناول الأمثل بالأمثل ونظير هذا لو شهد بعض النساء على بعض بحق في بدن أو عرض أو مال وهن منفردات بحيث لا رجل معهن كالحمامات والأعراس قبلت شهادة الأمثل فالأمثل منهن قطعا ولا يضيع الله ورسوله حق المظلوم ولا يعطل إقامة دينه في مثل هذه الصورة أبدا بل قد نبه الله تعالى على القبول في مثل هذه الصورة بقبول شهادة الكفار على المسلمين في السفر في الوصية في آخر سورة أنزلت في القرآن ولم ينسخها شيء ألبتة ولا نسخ هذا الحكم كتاب ولا سنة ولا أجمعت الأمة على خلافه ولا يليق بالشريعة سواه. فالشريعة شرعت لتحصيل مصالح العباد بحسب الإمكان وأي مصلحة لهم في تعطيل حقوقهم إذا لم يحضر أسباب تلك الحقوق شاهدان حران ذكران عدلان بل إذا قلتم: تقبل شهادة الفساق حيث لا عدل وينفذ حكم الجاهل والفاسق إذا خلا الزمان عن قاض عالم عادل فكيف لا تقبل شهادة النساء إذا خلا جمعهن عن رجل أو شهادة العبيد إذا خلا جمعهم عن حر أو شهادة الكفار بعضهم على بعض إذا خلا جمعهم عن مسلم وقد قبل ابن الزبير شهادة الصبيان بعضهم على بعض في تجارحهم ولم ينكره عليه أحد من الصحابة وقد قال به مالك والإمام أحمد رحمهما الله تعالى في إحدى الروايتين عنه حيث يغلب على الظن صدقهم بأن يجيبوا قبل أن يجتنبوا أو يتفرقوا إلى بيوتهم وهذا هو الصواب وبالله التوفيق. وكلام أصحاب أحمد في ذلك يخرج على وجهين فقد منع كثير منهم الفتوى(4\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1058",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1060",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحكم بالتقليد وجوزه بعضهم لكن على وجه الحكاية لقول المجتهد كما قال أبو إسحاق بن شاقلا - وقد جلس في جامع المنصور فذكر قول أحمد أن المفتي ينبغي له أن يحفظ أربعمائة ألف حديث ثم يفتي - فقال له الرجل: أنت تحفظ هذا فقال: إن لم أحفظ هذا فأنا أفتي بقول من كان يحفظه وقال [أبو الحسن بن بشار من كبار أصحابنا: ما ضر رجلا عنده ثلاث مسائل أو أربع من فتاوى الإمام أحمد يستند إلى هذه السارية ويقول: قال أحمد بن حنبل.  [فتوى العامي في مسألة علم حكمها] [هل للعامي إذا علم مسألة أن يفتي فيها] الفائدة الثانية والعشرون: إذا عرف العامي حكم حادثة بدليلها فهل له أن يفتي به ويسوغ لغيره تقليده فيه ففيه ثلاثة أوجه للشافعية وغيرهم أحدها: الجواز لأنه قد حصل له العلم بحكم تلك الحادثة عن دليلها كما حصل للعالم وإن تميز العالم عنه بقوة يتمكن بها من تقرير الدليل ودفع المعارض له فهذا قدر زائد على معرفة الحق بدليله. والثاني: لا يجوز له ذلك مطلقا لعدم أهليته للاستدلال وعدم علمه بشروطه وما يعارضه ولعله يظن دليلا ما ليس بدليل. والثالث: إن كان الدليل كتابا أو سنة جاز له الإفتاء وإن كان غيرهما لم يجز لأن القرآن والسنة خطاب لجميع المكلفين فيجب على المكلف أن يعمل بما وصل إليه من كتاب ربه تعالى وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ويجوز له أن يرشد غيره إليه ويدله عليه.  [خصال يجب تحققها فيمن ينصب نفسه للفتيا] الفائدة الثالثة والعشرون: ذكر أبو عبد الله بن بطة في كتابه في الخلع عن الإمام أحمد أنه قال: (لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال)  أولها: أن تكون له نية فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور. والثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة. الثالثة: أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته. الرابعة: الكفاية وإلا مضغه الناس. الخامسة: معرفة الناس وهذا مما يدل على جلالة أحمد ومحله من العلم والمعرفة فإن هذه الخمسة هي دعائم الفتوى وأي شيء نقص منها ظهر الخلل في المفتي بحسبه. [النية ومنزلتها] فأما النية فهي رأس الأمر وعموده وأساسه وأصله الذي عليه يبنى فإنها روح العمل وقائده وسائقه والعمل تابع لها يبنى عليها يصح بصحتها ويفسد بفسادها وبها يستجلب التوفيق وبعدمها يحصل الخذلان وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة فكم(4\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1059",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1061",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بين مريد بالفتوى وجه الله ورضاه والقرب منه وما عنده ومريد بها وجه المخلوق ورجاء منفعته وما يناله منه تخويفا أو طمعا فيفتي الرجلان بالفتوى الواحدة وبينهما في الفضل والثواب أعظم مما بين المشرق والمغرب. هذا يفتي لتكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر ورسوله هو المطاع وهذا يفتي ليكون قوله هو المسموع وهو المشار إليه وجاهه هو القائم سواء وافق الكتاب والسنة أو خالفهما فالله المستعان. وقد جرت عادة الله التي لا تبدل وسنته التي لا تحول أن يلبس المخلص من المهابة والنور والمحبة في قلوب الخلق وإقبال قلوبهم إليه ما هو بحسب إخلاصه ونيته ومعاملته لربه ويلبس المرائي اللابس ثوبي الزور من المقت والمهانة والبغضة ما هو اللائق به فالمخلص له المهابة والمحبة وللآخر المقت والبغضاء. [العلم والحلم والوقار والسكينة] وأما قوله: quot; أن يكون له حلم ووقار وسكينة quot; فليس صاحب العلم والفتيا إلى شيء أحوج منه إلى الحلم والسكينة والوقار فإنها كسوة علمه وجماله وإذا فقدها كان علمه كالبدن العاري من اللباس وقال بعض السلف: ما قرن شيء إلى شيء أحسن من علم إلى حلم. والناس ههنا أربعة أقسام فخيارهم من أوتي الحلم والعلم وشرارهم من عدمهما الثالث: من أوتي علما بلا حلم الرابع: عكسه فالحلم زينة العلم وبهاؤه وجماله. وضد الطيش والعجلة والحدة والتسرع وعدم الثبات فالحليم لا يستفزه البدوات ولا يستخفه الذين لا يعلمون ولا يقلقه أهل الطيش والخفة والجهل. بل هو وقور ثابت ذو أناة يملك نفسه عند ورود أوائل الأمور عليه ولا تملكه أوائلها وملاحظته للعواقب تمنعه من أن تستخفه دواعي الغضب والشهوة فبالعلم تنكشف له مواقع الخير والشر والصلاح والفساد وبالحلم يتمكن من تثبيت نفسه عند الخير فيؤثره ويصير عليه وعند الشر فيصبر عنه فالعلم يعرفه رشده والحلم يثبته عليه وإذا شئت أن ترى بصيرا بالخير والشر لا صبر له على هذا ولا عن هذا رأيته وإذا شئت أن ترى صابرا على المشاق لا بصيرة له رأيته وإذا شئت أن ترى من لا صبر له ولا بصيرة رأيته وإذا شئت أن ترى بصيرا صابرا لم تكد فإذا رأيته فقد رأيت إمام هدى حقا فاستمسك بغرزه. والوقار والسكينة ثمرة الحلم ونتيجته. ولشدة الحاجة إلى السكينة وحقيقتها وتفاصيلها وأقسامها نشير إلى ذلك بحسب علومنا القاصرة وأذهاننا الجامدة وعباراتنا الناقصة ولكن نحن أبناء الزمان والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم ولكل زمان دولة ورجال.(4\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1060",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1062",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حقيقة السكينة] فالسكينة فعيلة من السكون وهو طمأنينة القلب واستقراره وأصلها في القلب ويظهر أثرها على الجوارح وهي عامة وخاصة. فسكينة الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - أخص مراتبها وأعلى أقسامها كالسكينة التي حصلت لإبراهيم الخليل وقد ألقي في المنجنيق مسافرا إلى ما أضرم له أعداء الله من النار فلله تلك السكينة التي كانت في قلبه حين ذلك السفر وكذلك السكينة التي حصلت لموسى وقد غشيه فرعون وجنوده من ورائهم والبحر أمامهم وقد استغاث بنو إسرائيل: يا موسى إلى أين تذهب بنا هذا البحر أمامنا وهذا فرعون خلفنا وكذلك السكينة التي حصلت له وقت تكليم الله له نداء ونجاء كلاما حقيقة سمعه حقيقة بأذنه وكذلك السكينة التي حصلت له وقد رأى العصا ثعبانا مبينا وكذلك السكينة التي نزلت عليه وقد رأى حبال القوم وعصيهم كأنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة وكذلك السكينة التي حصلت لنبينا - صلى الله عليه وسلم - وقد أشرف عليه وعلى صاحبه عدوهما وهما في الغار فلو نظر أحدهم إلى تحت قدميه لرآهما وكذلك السكينة التي نزلت عليه في مواقفه العظيمة وأعداء الله قد أحاطوا به كيوم بدر ويوم حنين ويوم الخندق وغيره فهذه السكينة أمر فوق عقول البشر وهي من أعظم معجزاته عند أرباب البصائر فإن الكذاب - ولا سيما على الله - أقلق ما يكون وأخوف ما يكون وأشده اضطرابا في مثل هذه المواطن فلو لم يكن للرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - من الآيات إلا هذه وحدها لكفتهم. [السكينة الخاصة] وأما الخاصة فتكون لأتباع الرسل بحسب متابعتهم وهي سكينة الإيمان وهي سكينة تسكن القلوب عن الريب والشك ولهذا أنزلها الله على المؤمنين في أصعب المواطن أحوج ما كانوا إليها هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما [الفتح: 4] فذكر نعمته عليهم بالجنود الخارجة عنهم والجنود الداخلة فيهم وهي السكينة عند القلق والاضطراب الذي لم يصبر عليه مثل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وذلك يوم الحديبية قال الله - سبحانه وتعالى - يذكر نعمته عليهم بإنزالها أحوج ما كانوا إليها: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا [الفتح: 18] لما علم الله - سبحانه وتعالى - ما في قلوبهم من القلق والاضطراب لما منعهم(4\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1061",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1063",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كفار قريش من دخول بيت الله وحبسوا الهدي عن محله واشترطوا عليهم تلك الشروط الجائرة الظالمة فاضطربت قلوبهم وقلقت ولم تطق الصبر فعلم - تعالى - ما فيها فثبتها بالسكينة رحمة منه ورأفة ولطفا وهو اللطيف الخبير وتحتمل الآية وجها آخر وهو أنه - سبحانه - علم ما في قلوبهم من الإيمان والخير ومحبته ومحبة رسوله فثبتها بالسكينة وقت قلقها واضطرابها والظاهر أن الآية تعم الأمرين وهو أنه علم ما في قلوبهم مما يحتاجون معه إلى إنزال السكينة وما في قلوبهم من الخير الذي هو سبب إنزالها ثم قال بعد ذلك: إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما [الفتح: 26] لما كانت حمية الجاهلية توجب من الأقوال والأعمال ما يناسبها جعل الله في قلوب أوليائه سكينة تقابل حمية الجاهلية وفي ألسنتهم كلمة التقوى مقابلة لما توجبه حمية الجاهلية من كلمة الفجور فكان حظ المؤمنين السكينة في قلوبهم وكلمة التقوى على ألسنتهم وحظ أعدائهم حمية الجاهلية في قلوبهم وكلمة الفجور والعدوان على ألسنتهم فكانت هذه السكينة وهذه الكلمة جندا من جند الله أيد بها الله رسوله والمؤمنين في مقابلة جند الشيطان الذي في قلوب أوليائه وألسنتهم. وثمرة هذه السكينة الطمأنينة للخير تصديقا وإيقانا وللأمر تسليما وإذعانا فلا تدع شبهة تعارض الخير ولا إرادة تعارض الأمر فلا تمر معارضات السوء بالقلب إلا وهي مجتازة من مرور الوساوس الشيطانية التي يبتلى بها العبد ليقوى إيمانه ويعلو عند الله ميزانه بمدافعتها وردها وعدم السكون إليها فلا يظن المؤمن أنها لنقص درجته عند الله. فصل: [السكينة عند القيام بوظائف العبودية] ومنها السكينة عند القيام بوظائف العبودية وهي التي تورث الخضوع والخشوع وغض الطرف وجمعية القلب على الله - تعالى - بحيث يؤدي عبوديته بقلبه وبدنه والخشوع نتيجة هذه السكينة وثمرتها وخشوع الجوارح نتيجة خشوع القلب وقد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه . فإن قلت: قد ذكرت أقسامها ونتيجتها وثمرتها وعلامتها فما أسبابها الجالبة لها [أسباب السكينة] قلت: سببها استيلاء مراقبة العبد لربه جل جلاله حتى كأنه يراه وكلما اشتدت هذه(4\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1062",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1064",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المراقبة أوجبت له من الحياء والسكينة والمحبة والخضوع والخشوع والخوف والرجاء ما لا يحصل بدونها فالمراقبة أساس الأعمال القلبية كلها وعمودها الذي قيامها به ولقد جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - أصول أعمال القلب وفروعها كلها في كلمة واحدة وهي قوله في الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فتأمل كل مقام من مقامات الدين وكل عمل من أعمال القلوب كيف تجد هذا أصله ومنبعه . والمقصود أن العبد محتاج إلى السكينة عند الوساوس المعترضة في أصل الإيمان ليثبت قلبه ولا يزيغ وعند الوساوس والخطرات القادحة في أعمال الإيمان لئلا تقوى وتصير هموما وغموما وإرادات ينقص بها إيمانه وعند أسباب المخاوف على اختلافها ليثبت قلبه ويسكن جأشه وعند أسباب الفرح لئلا يطمح به مركبه فيجاوز الحد الذي لا يعبر فينقلب ترحا وحزنا وكم ممن أنعم الله عليه بما يفرحه فجمح به مركب الفرح وتجاوز الحد فانقلب ترحا عاجلا ولو أعين بسكينة تعدل فرحه لأريد به الخير وبالله التوفيق وعند هجوم الأسباب المؤلمة على اختلافها الظاهرة والباطنة فما أحوجه إلى السكينة حينئذ وما أنفعها له وأجداها عليه وأحسن عاقبتها. والسكينة في هذه المواطن علامة على الظفر وحصول المحبوب واندفاع المكروه وفقدها علامة على ضد ذلك لا يخطئ هذا ولا هذا والله المستعان. [الاضطلاع بالعلم] وأما قوله quot; أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته quot; أي مستظهرا مضطلعا بالعلم متمكنا منه غير ضعيف فيه فإنه إذا كان ضعيفا قليل البضاعة غير مضطلع به أحجم عن الحق في موضع ينبغي فيه الإقدام لقلة علمه بمواضع الإقدام والإحجام فهو يقدم في غير موضعه ويحجم في غير موضعه ولا بصيرة له بالحق ولا قوة له على تنفيذه فالمفتي محتاج إلى قوة في العلم وقوة في التنفيذ فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له. [الكفاية] وأما قوله quot; الرابعة الكفاية وإلا مضغه الناس quot; فإنه إذا لم يكن له كفاية احتاج إلى الناس وإلى الأخذ مما في أيديهم فلا يأكل منهم شيئا إلا أكلوا من لحمه وعرضه أضعافه وقد كان لسفيان الثوري شيء من مال وكان لا يتروى في بذله ويقول: لولا ذلك لتمندل(4\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1063",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1065",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بنا هؤلاء فالعالم إذا منح غناء فقد أعين على تنفيذ علمه وإذا احتاج إلى الناس فقد مات علمه وهو ينظر. [معرفة الناس] وأما قوله quot; الخامسة معرفة الناس quot; فهذا أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم فإن لم يكن فقيها فيه فقيها في الأمر والنهي ثم يطبق أحدهما على الآخر وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح فإنه إذا لم يكن فقيها في الأمر له معرفة بالناس تصور له الظالم بصورة المظلوم وعكسه والمحق بصورة المبطل وعكسه وراج عليه المكر والخداع والاحتيال وتصور له الزنديق في صورة الصديق والكاذب في صورة الصادق ولبس كل مبطل ثوب زور تحتها الإثم والكذب والفجور وهو لجهله بالناس وأحوالهم وعوائدهم وعرفياتهم لا يميز هذا من هذا بل ينبغي له أن يكون فقيها في معرفة مكر الناس وخداعهم واحتيالهم وعوائدهم وعرفياتهم فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال وذلك كله من دين الله كما تقدم بيانه وبالله التوفيق  [الصفات التي تلزم المفتي] [كلمات حفظت عن الإمام أحمد تتضمن الصفات التي تلزم المفتي] الفائدة الرابعة والعشرون: في كلمات حفظت عن الإمام أحمد - رحمه الله تعالى ورضي عنه - في أمر الفتيا سوى ما تقدم آنفا. قال في رواية ابنه صالح: ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالما بوجوه القرآن عالما بالأسانيد الصحيحة عالما بالسنن. وقال في رواية أبي الحارث: لا تجوز الفتيا إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة. وقال في رواية حنبل: ينبغي لمن أفتى أن يكون عالما بقول من تقدم وإلا فلا يفتي. وقال في رواية يوسف بن موسى: أحب أن يتعلم الرجل كل ما تكلم فيه الناس. وقال في رواية ابنه عبد الله وقد سأله عن الرجل يريد أن يسأله عن أمر دينه مما يبتلى به من الأيمان في الطلاق وغيره وفي مصره من أصحاب الرأي وأصحاب الحديث لا يحفظون ولا يعرفون الحديث الضعيف ولا الإسناد القوي فلمن يسأل لهؤلاء أو لأصحاب الحديث على قلة معرفتهم فقال: يسأل أصحاب الحديث ولا يسأل أصحاب الرأي ضعيف الحديث خير من الرأي. وقال في رواية محمد بن عبيد الله بن المنادي وقد سمع رجلا يسأله: إذا حفظ الرجل مائة ألف حديث يكون فقيها قال: لا قال: فمائتي ألف قال: لا قال: فثلاثمائة ألف قال: لا قال:(4\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1064",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1066",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأربعمائة ألف قال بيده هكذا وحركها قال حفيده أحمد بن جعفر بن محمد: فقلت لجدي: كم كان يحفظ أحمد فقال أجاب عن ستمائة ألف. وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن الرجل يكون عنده الكتب المصنفة فيها قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والتابعين وليس للرجل بصر بالحديث الضعيف المتروك ولا الإسناد القوي من الضعيف فيجوز أن يعمل بما شاء ويتخير منها فيفتي به ويعمل به قال: لا يعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها فيكون يعمل على أمر صحيح يسأل عن ذلك أهل العلم. وقال أبو داود: سمعت أحمد وسئل عن مسألة فقال: دعنا من هذه المسائل المحدثة وما أحصي ما سمعت أحمد سئل عن كثير مما فيه الاختلاف من العلم فيقول: لا أدري وسمعته يقول: ما رأيت مثل ابن عيينة في الفتيا أحسن فتيا منه كان أهون عليه أن يقول quot; لا أدري quot; من يحسن مثل هذا سل العلماء. وقال أبو داود: قلت لأحمد: الأوزاعي هو أتبع من مالك فقال: لا تقلد دينك أحدا من هؤلاء ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فخذ به ثم التابعين بعد الرجل فيه مخير. وقال إسحاق بن هانئ: سألت أبا عبد الله عن الذي جاء في الحديث أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار فقال: يفتي بما لم يسمع. وقال أيضا: قلت لأبي عبد الله: يطلب الرجل الحديث بقدر ما يظن أنه قد انتفع به قال: العلم لا يعدله شيء وجاءه رجل يسأل عن شيء فقال: لا أجيبك في شيء ثم قال: قال عبد الله بن مسعود: إن كل من يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون. قال الأعمش: فذكرت ذلك للحاكم فقال: لو حدثتني به قبل اليوم ما أفتيت في كثير مما كنت أفتي به قال ابن هانئ: وقيل لأبي عبد الله: يكون الرجل في قرية فيسأل عن الشيء الذي فيه اختلاف قال: يفتي بما وافق الكتاب والسنة وما لم يوافق الكتاب والسنة أمسك عنه قيل له: أفتخاف عليه قال: لا قيل له: ما كان من كلام إسحاق بن راهويه وما كان وضع في الكتاب وكلام أبي عبيد ومالك ترى النظر فيه فقال: كل كتاب ابتدع فهو بدعة أو كل كتاب محدث فهو بدعة وأما ما كان عن مناظرة يخبر الرجل بما عنده وما يسمع من الفتيا فلا أرى به بأسا قيل له: فكتاب أبي عبيد غريب الحديث قال: ذلك شيء حكاه عن قوم أعراب قيل له: فهذه الفوائد التي فيها المناكير ترى أن تكتب قال: المنكر أبدا منكر.(4\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1065",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1067",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[دلالة العالم للمستفتي على غيره] ] الفائدة الخامسة والعشرون: في دلالة العالم للمستفتي على غيره وهو موضع خطر جدا فلينظر الرجل ما يحدث من ذلك فإنه متسبب بدلالته إما إلى الكذب على الله ورسوله في أحكامه أو القول عليه بلا علم فهو معين على الإثم والعدوان وإما معين على البر والتقوى فلينظر الإنسان إلى من يدل عليه وليتق الله ربه فكان شيخنا - قدس الله روحه - شديد التجنب لذلك ودللت مرة بحضرته على مفت أو مذهب فانتهرني وقال: ما لك وله دعه ففهمت من كلامه أنك لتبوء بما عساه يحصل له من الإثم ولمن أفتاه ثم رأيت هذه المسألة بعينها منصوصة عن الإمام أحمد. قال أبو داود في مسائله: قلت لأحمد: الرجل يسأل عن المسألة فأدله على إنسان يسأله فقال: إذا كان - يعني الذي أرشدته إليه - متبعا ويفتي بالسنة فقيل لأحمد: إنه يريد الاتباع وليس كل قوله يصيب فقال أحمد: ومن يصيب في كل شيء قلت له: فرأي مالك فقال: لا تتقلد في مثل هذا بشيء قلت: وأحمد كان يدل على أهل المدينة ويدل على الشافعي ويدل على إسحاق ولا خلاف عنه في استفتاء هؤلاء ولا خلاف عنه في أنه لا يستفتي أهل الرأي المخالفون لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبالله التوفيق ولا سيما كثير من المنتسبين إلى الفتوى في هذا الزمان وغيره وقد رأى رجل ربيعة بن أبي عبد الرحمن يبكي فقال: ما يبكيك فقال استفتى من لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيم قال: ولبعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السراق. قال بعض العلماء: فكيف لو رأى ربيعة زماننا وإقدام من لا علم عنده على الفتيا وتوثبه عليها ومد باع التكلف إليها وتسلقه بالجهل والجرأة عليها مع قلة الخبرة وسوء السيرة وشؤم السريرة وهو من بين أهل العلم منكر أو غريب فليس له في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف نصيب ولا يبدي جوابا بإحسان وإن ساعد القدر فتواه كذلك يقول فلان بن فلان. يمدون للإفتاء باعا قصيرة وأكثرهم عند الفتاوى يكذلك وكثير منهم نصيبهم مثل ما حكاه أبو محمد بن حزم قال: كان عندنا مفت قليل البضاعة فكان لا يفتي حتى يتقدمه من يكتب الجواب فيكتب تحته: جوابي مثل جواب الشيخ فقدر أن اختلف مفتيان في جواب فكتب تحتهما: جوابي مثل جواب الشيخين فقيل له: إنهما قد تناقضا فقال: وأنا أيضا تناقضت كما تناقضا وقد أقام الله - سبحانه - لكل(4\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1066",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1068",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عالم ورئيس وفاضل من يظهر مماثلته ويرى الجهال وهم الأكثرون مساجلته ومشاكلته وأنه يجري معه في الميدان وأنهما عند المسابقة كفرسي رهان ولا سيما إذا طول الأردان وأرخى الذوائب الطويلة وراءه كذنب الأتان وهدر باللسان وخلا له الميدان الطويل من الفرسان. فلو لبس الحمار ثياب خز لقال الناس: يا لك من حمار وهذا الضرب إنما يستفتون بالشكل لا بالفضل وبالمناصب لا بالأهلية قد غرهم عكوف من لا علم عنده عليهم ومسارعة من أجهل منهم إليهم تعج منهم الحقوق إلى الله - تعالى - عجيجا وتضج منهم الأحكام إلى من أنزلها ضجيجا. فمن أقدم بالجرأة على ما ليس له بأهل من فتيا أو قضاء أو تدريس استحق اسم الذم ولم يحل قبول فتياه ولا قضائه هذا حكم دين الإسلام. وإن رغمت أنوف من أناس فقل: يا رب لا ترغم سواها  [كذلكة المفتي] الفائدة السادسة والعشرون: في حكم كذلكة المفتي ولا يخلو من حالين إما أن يعلم صواب جواب من تقدمه بالفتيا أو لا يعلم فإن علم صواب جوابه فله أن يكذلك وهل الأولى له الكذلكة أو الجواب المستقل فيه تفصيل فلا يخلو المبتدئ إما أن يكون أهلا أو متسلقا متعاطيا ما ليس له بأهل فإن كان الثاني فتركه الكذلكة أولى مطلقا إذ في كذلكته تقرير له على الإفتاء وهو كالشهادة له بالأهلية وكان بعض أهل العلم يضرب على فتوى من كتب وليس بأهل فإن لم يتمكن من ذلك خوف الفتنة منه فقد قيل: لا يكتب معه في الورقة ويرد السائل وهذا نوع تحامل. والصواب أنه يكتب في الورقة الجواب ولا يأنف من الإخبار بدين الله الذي يجب عليه الإخبار به لكتابة من ليس بأهل فإن هذا ليس عذرا عند الله ورسوله وأهل العلم في كتمان الحق بل هذا نوع رياسة وكبر والحق لله عز وجل فكيف يجوز أن يعطل حق الله ويكتم دينه لأجل كتابة من ليس بأهل وقد نص الإمام أحمد على أن الرجل إذا شهد الجنازة فرأى فيها منكرا لا يقدر على إزالته أنه لا يرجع ونص على أنه إذا دعي إلى وليمة عرس فرأى فيها منكرا لا يقدر على إزالته أنه يرجع فسألت شيخنا عن الفرق فقال: لأن الحق في الجنازة للميت فلا يترك حقه لما فعله الحي من المنكر والحق في الوليمة لصاحب البيت فإذا أتى فيها بالمنكر فقد أسقط حقه من الإجابة وإن كان المبتدي بالجواب أهلا للإفتاء فلا يخلو إما أن يعلم المكذلك صواب(4\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1067",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1069",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جوابه أو لا يعلم فإن لم يعلم صوابه لم يجز له أن يكذلك تقليدا له إذ لعله أن يكون قد غلط ولو نبه لرجع وهو معذور وليس المكذلك معذورا بل مفت بغير علم ومن أفتى بغير علم فإثمه على من أفتاه وهو أحد المفتين الثلاثة الذين ثلثاهم في النار وإن علم أنه قد أصاب فلا يخلو إما أن تكون المسألة ظاهرة لا يخفى وجه الصواب فيها بحيث لا يظن بالمكذلك أنه قلده فيما لا يعلم أو تكون خفية فإن كانت ظاهرة فالأولى الكذلكة لأنه إعانة على البر والتقوى وشهادة للمفتي بالصواب وبراءة من الكبر والحمية وإن كانت خفية بحيث يظن بالمكذلك أنه وافقه تقليدا محضا فإن أمكنه إيضاح ما أشكله الأول وزيادة بيان أو ذكر قيد أو تنبيه على أمر أغفله فالجواب المستقل أولى وإن لم يمكنه ذلك فإن شاء كذلك وإن شاء أجاب استقلالا. فإن قيل: ما الذي يمنعه من الكذلكة إذا لم يعلم صوابه تقليدا له كما قلد المبتدي من فوقه فإذا أفتى الأول بالتقليد المحض فما الذي يمنع المكذلك من تقليده قيل: الجواب من وجوه أحدها: أن الكلام في المفتي الأول أيضا فقد نص الإمام الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة على أنه لا يحل للرجل أن يفتي بغير علم حكي في ذلك الإجماع وقد تقدم ذكر ذلك مستوفى. الثاني: أن هذا الأول وإن جاز له التقليد للضرورة فهذا المكذلك المتكلف لا ضرورة له إلى تقليده بل هذا من بناء الضعيف على الضعيف وذلك لا يسوغ كما لا تسوغ الشهادة على الشهادة وكما لا يجوز المسح على الخفين على طهارة التيمم ونظائر ذلك كثيرة. الثالث: أن هذا لو ساغ لصار الناس كلهم مفتين إذ ليس هذا بجواز تقليد المفتي أولى من غيره وبالله التوفيق.  [فتوى المفتى لمن لا تجوز شهادته له] [للمفتي أن يفتي من لا تجوز شهادته له] الفائدة السابعة والعشرون: يجوز للمفتي أن يفتي أباه وابنه وشريكه ومن لا تقبل شهادته له وإن لم يجز أن يشهد له ولا يقضي له والفرق بينهما أن الإفتاء يجري مجرى الرواية فكأنه حكم عام بخلاف الشهادة والحكم فإنه يخص المشهود له والمحكوم له ولهذا يدخل الراوي في حكم الحديث الذي يرويه ويدخل في حكم الفتوى التي يفتي بها ولكن لا يجوز له أن يحابي من يفتيه فيفتي أباه أو ابنه أو صديقه بشيء ويفتي غيرهم بضده محاباة بل هذا يقدح في عدالته إلا أن يكون ثم سبب يقتضي التخصيص غير المحاباة ومثال هذا: أن يكون في المسألة قولان قول بالمنع وقول بالإباحة فيفتي ابنه وصديقه بقول الإباحة والأجنبي بقول المنع.(4\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1068",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1070",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: هل يجوز له أن يفتي نفسه . قيل: نعم إذا كان له أن يفتي غيره وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: استفت قلبك وإن أفتاك المفتون فيجوز له أن يفتي نفسه بما يفتي غيره به ولا يجوز له أن يفتي نفسه بالرخصة وغيره بالمنع ولا يجوز له إذا كان في المسألة قولان قول بالجواز وقول بالمنع أن يختار لنفسه قول الجواز ولغيره قول المنع وسمعت شيخنا يقول: سمعت بعض الأمراء يقول عن بعض المفتين من أهل زمانه يكون عندهم في المسألة ثلاثة أقوال أحدها الجواز والثاني المنع والثالث التفصيل فالجواز لهم والمنع لغيرهم وعليه العمل.  [الفتيا بالتشهي والتخير] [لا تجوز الفتيا بالتشهي والتخير] الفائدة الثامنة والعشرون: لا يجوز للمفتي أن يعمل بما يشاء من الأقوال والوجوه من غير نظر من الترجيح ولا يعتد به بل يكتفي في العمل بمجرد كون ذلك قولا قاله إمام أو وجها ذهب إليه جماعة فيعمل بما يشاء من الوجوه والأقوال حيث رأى القول وفق إرادته وغرضه عمل به فإرادته وغرضه هو المعيار وبها الترجيح وهذا حرام باتفاق الأمة وهذا مثل ما حكى القاضي أبو الوليد الباجي عن بعض أهل زمانه ممن نصب نفسه للفتوى أنه كان يقول: إن الذي لصديقي علي إذا وقعت له حكومة أو فتيا أن أفتيه بالرواية التي توافقه وقال: وأخبرني من أثق به أنه وقعت له واقعة فأفتاه جماعة من المفتيين بما يضره وأنه كان غائبا فلما حضر سألهم بنفسه فقالوا: لم نعلم أنها لك وأفتوه بالرواية الأخرى التي توافقه قال: وهذا مما لا خلاف بين المسلمين ممن يعتد بهم في الإجماع أنه لا يجوز وقد قال مالك - رحمه الله - في اختلاف الصحابة - رضي الله عنهم - مخطئ ومصيب فعليك بالاجتهاد. وبالجملة فلا يجوز العمل والإفتاء في دين الله بالتشهي والتخير وموافقة الغرض فيطلب القول الذي يوافق غرضه وغرض من يحابيه فيعمل به ويفتي به ويحكم به ويحكم على عدوه ويفتيه بضده وهذا من أفسق الفسوق وأكبر الكبائر والله المستعان.  [أقسام المفتين] [أقسام المفتين أربعة] الفائدة التاسعة والعشرون: المفتون الذين نصبوا أنفسهم للفتوى أربعة أقسام: أحدهم العالم بكتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة فهو المجتهد في أحكام النوازل يقصد فيها موافقة الأدلة الشرعية حيث كانت ولا ينافي اجتهاده تقليده لغيره أحيانا فلا تجد أحدا من الأئمة إلا وهو مقلد من هو أعلم منه في بعض الأحكام وقد قال(4\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1069",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1071",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشافعي - رحمه الله ورضي عنه - في موضع من الحج: قلته تقليدا لعطاء فهذا النوع الذي يسوغ لهم الإفتاء ويسوغ استفتاؤهم ويتأدى بهم فرض الاجتهاد وهم الذين قال فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها وهم غرس الله الذين لا يزال يغرسهم في دينه وهم الذين قال فيهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: لن تخلو الأرض من قائم لله بحجته. فصل: النوع الثاني: مجتهد مقيد في مذهب من ائتم به فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله ومأخذه وأصوله عارف بها متمكن من التخريج عليها وقياس ما لم ينص من ائتم به عليه على منصوصه من غير أن يكون مقلدا لإمامه لا في الحكم ولا في الدليل لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتيا ودعا إلى مذهبه ورتبه وقرره فهو موافق له في مقصده وطريقه معا. وقد ادعي هذه المرتبة من الحنابلة القاضي أبو يعلى والقاضي أبو علي بن أبي موسى في شرح الإرشاد الذي له ومن الشافعية خلق كثيرة وقد اختلف الحنفية في أبي يوسف ومحمد وزفر بن الهذيل والشافعية في المزني وابن سريج وابن المنذر ومحمد بن نصر المروزي والمالكية في أشهب وابن عبد الحكم وابن القاسم وابن وهب والحنابلة في أبي حامد والقاضي: هل كان هؤلاء مستقلين بالاجتهاد أو متقيدين بمذاهب أئمتهم على قولين ومن تأمل أحوال هؤلاء وفتاويهم واختياراتهم علم أنهم لم يكونوا مقلدين لأئمتهم في كل ما قالوه وخلافهم لهم أظهر من أن ينكر وإن كان منهم المستقل والمستكثر ورتبة هؤلاء دون رتبة الأئمة في الاستقلال بالاجتهاد. فصل: النوع الثالث: من هو مجتهد في مذهب من انتسب إليه مقرر له بالدليل متقن لفتاويه عالم بها لكن لا يتعدى أقواله وفتاويه ولا يخالفها وإذا وجد نص إمامه لم يعدل عنه إلى غيره ألبتة وهذا شأن أكثر المصنفين في مذاهب أئمتهم وهو حال أكثر علماء الطوائف وكثير منهم يظن أنه لا حاجة به إلى معرفة الكتاب والسنة والعربية لكونه مجتزيا بنصوص إمامه فهي عنده كنصوص الشارع قد اكتفى بها من كلفة التعب والمشقة وقد كفاه الإمام استنباط الأحكام ومؤنة استخراجها من النصوص وقد يرى إمامه ذكر حكما بدليله فيكتفي هو بذلك الدليل من غير بحث عن معارض له.(4\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1070",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1072",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا شأن كثير من أصحاب الوجوه والطرق والكتب المطولة والمختصرة وهؤلاء لا يدعون الاجتهاد ولا يقرون بالتقليد وكثير منهم يقول: اجتهدنا في المذاهب فرأينا أقربها إلى الحق مذهب إمامنا وكل منهم يقول ذلك عن إمامه ويزعم أنه أولى بالاتباع من غيره ومنهم من يغلو فيوجب اتباعه ويمنع من اتباع غيره. فيا لله العجب من اجتهاد نهض بهم إلى كون متبوعهم ومقلدهم أعلم من غيره أحق بالاتباع من سواه وأن مذهبه هو الراجح والصواب دائما معه وقعد بهم عن الاجتهاد في كلام الله ورسوله واستنباط الأحكام منه وترجيح ما يشهد له النص مع استيلاء كلام الله ورسوله على غاية البيان وتضمنه لجوامع الكلم وفصله للخطاب وبراءته من التناقض والاختلاف والاضطراب فقعدت بهم هممهم واجتهادهم عن الاجتهاد فيه ونهضت بهم إلى الاجتهاد في كون إمامهم أعلم الأمة وأولاها بالصواب وأقواله في غاية القوة وموافقة السنة والكتاب والله المستعان. فصل: النوع الرابع: طائفة تفقهت في مذاهب من انتسبت إليه وحفظت فتاويه وفروعه وأقرت على أنفسها بالتقليد المحض من جميع الوجوه فإن ذكروا الكتاب والسنة يوما ما في مسألة فعلى وجه التبرك والفضيلة لا على وجه الاحتجاج والعمل وإذا رأوا حديثا صحيحا مخالفا لقول من انتسبوا إليه أخذوا بقوله وتركوا الحديث وإذا رأوا أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وغيرهم من الصحابة - رضي الله عنهم - قد أفتوا بفتيا ووجدوا لإمامهم فتيا تخالفها أخذوا بفتيا إمامهم وتركوا فتاوى الصحابة قائلين: الإمام أعلم بذلك منا ونحن قد قلدناه فلا نتعداه ولا نتخطاه بل هو أعلم بما ذهب إليه منا ومن عدا هؤلاء فمتكلف متخلف قد دنا بنفسه عن رتبة المشتغلين وقصر عن درجة المحصلين فهو مكذلك مع المكذلكين وإن ساعد القدر واستقل بالجواب قال: يجوز بشرطه ويصح بشرطه ويجوز ما لم يمنع منه مانع شرعي ويرجع في ذلك إلى رأي الحاكم ونحو ذلك من الأجوبة التي يستحسنها كل جاهل ويستحيي منها كل فاضل. [منزلة كل نوع من المفتين] ففتاوى القسم الأول من جنس توقيعات الملوك وعلمائهم وفتاوى النوع الثاني من(4\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1071",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1073",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جنس توقيعات نوابهم وخلفائهم وفتاوى النوع الثالث والرابع من جنس توقيعات خلفاء نوابهم ومن عداهم فمتشبع بما لم يعط متشبه بالعلماء محاك للفضلاء وفي كل طائفة من الطوائف متحقق بغيه ومحاك له متشبه به والله المستعان.  [فتوى مجتهد المذهب بقول الإمام] [هل للمجتهد في المذهب أن يفتي بقول الإمام] الفائدة الثلاثون: إذا كان الرجل مجتهدا في مذهب إمام ولم يكن مستقلا بالاجتهاد فهل له أن يفتي بقول ذلك الإمام على قولين وهما وجهان لأصحاب الشافعي وأحمد. أحدهما: الجواز ويكون متبعه مقلدا للميت لا له وإنما له مجرد النقل عن الإمام. والثاني: لا يجوز له أن يفتي لأن السائل مقلد له لا للميت وهو لم يجتهد له والسائل يقول له: أنا أقلدك فيما تفتيني به. والتحقيق أن هذا فيه تفصيل فإن قال له السائل: quot; أريد حكم الله - تعالى - في هذه المسألة وأريد الحق فيما يخلصني quot; ونحو ذلك لم يسعه إلا أن يجتهد له في الحق ولا يسعه أن يفتيه بمجرد تقليد غيره من غير معرفة بأنه حق أو باطل وإن قال له: quot; أريد أن أعرف في هذه النازلة قول الإمام ومذهبه quot; ساغ له الإخبار به ويكون ناقلا له ويبقى الدرك على السائل فالدرك في الوجه الأول على المفتي وفي الثاني على المستفتي  [هل للحي أن يقلد الميت من غير نظر للدليل] [هل للحي أن يقلد الميت من غير نظر للدليل] الفائدة الحادية والثلاثون: هل يجوز للحي تقليد الميت والعمل بفتواه من غير اعتبارها بالدليل الموجب لصحة العمل بها فيه وجهان لأصحاب الإمام أحمد والشافعي فمن منعه قال: يجوز تغيير اجتهاده لو كان حيا فإنه كان يجدد النظر عند نزول هذه النازلة إما وجوبا وإما استحبابا على النزاع المشهور ولعله لو جدد النظر لرجع عن قوله الأول. والثاني: الجواز وعليه عمل جميع المقلدين في أقطار الأرض وخيار ما بأيديهم من التقليد تقليد الأموات ومن منع منهم تقليد الميت فإنما هو شيء يقوله بلسانه وعمله في فتاويه وأحكامه بخلافه والأقوال لا تموت بموت قائله كما لا تموت الأخبار بموت رواتها وناقليها(4\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1072",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1074",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[هل للمجتهد في نوع من العلم أن يفتي فيه] ] الفائدة الثانية والثلاثون: الاجتهاد حالة تقبل التجزؤ والانقسام فيكون الرجل مجتهدا في نوع من العلم مقلدا في غيره أو في باب من أبوابه كمن استفرغ وسعه في نوع العلم بالفرائض وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيرها من العلوم أو في باب الجهاد أو الحج أو غير ذلك فهذا ليس له الفتوى فيما لم يجتهد فيه ولا تكون معرفته بما اجتهد فيه مسوغة له الإفتاء بما لا يعلم في غيره وهل له أن يفتي في النوع الذي اجتهد فيه فيه ثلاثة أوجه: أصحها الجواز بل هو الصواب المقطوع به. والثاني: المنع. والثالث: الجواز في الفرائض دون غيرها. فحجة الجواز أنه قد عرف الحق بدليله وقد بذل جهده في معرفة الصواب فحكمه في ذلك حكم المجتهد المطلق في سائر الأنواع. وحجة المنع تعلق أبواب الشرع وأحكامه بعضها ببعض فالجهل ببعضها مظنة للتقصير في الباب والنوع الذي قد عرفه ولا يخفى الارتباط بين كتاب النكاح والطلاق والعدة وكتاب الفرائض وكذلك الارتباط بين كتاب الجهاد وما يتعلق به وكتاب الحدود والأقضية والأحكام وكذلك عامة أبواب الفقه. ومن فرق بين الفرائض وغيرها رأى انقطاع أحكام قسمة المواريث ومعرفة الفروض ومعرفة مستحقها عن كتاب البيوع والإجارات والرهون والنضال وغيرها وعدم تعلقاتها وأيضا فإن عامة أحكام المواريث قطعية وهي منصوص عليها في الكتاب والسنة. فإن قيل: فما تقولون فيمن بذل جهده في معرفة مسألة أو مسألتين هل له أن يفتي بهما قيل: نعم يجوز في أصح القولين وهما وجهان لأصحاب الإمام أحمد وهل هذا إلا من التبليغ عن الله وعن رسوله وجزى الله من أعان الإسلام ولو بشطر كلمة خيرا ومنع هذا من الإفتاء بما علم خطأ محض وبالله التوفيق.  [من تصدر للفتوى من غير أهلها أثم] الفائدة الثالثة والثلاثون: من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص ومن أقره من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضا. قال أبو الفرج بن الجوزي - رحمه الله -: ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية(4\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1073",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1075",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب وليس له علم بالطريق وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس بل هو أسوأ حالا من هؤلاء كلهم وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين . وكان شيخنا - رضي الله عنه - شديد الإنكار على هؤلاء فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: أجعلت محتسبا على الفتوى فقلت له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب وقد روى الإمام أحمد وابن ماجه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرفوعا: من أفتى بغير علم كان إثم ذلك على الذي أفتاه وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال ولكن يقبض العلم بقبض العلماء فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا وفي أثر مرفوع ذكره أبو الفرج وغيره: من أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة السماء وملائكة الأرض . وكان مالك - رحمه الله - يقول: من سئل عن مسألة فينبغي له قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار وكيف يكون خلاصه في الآخرة ثم يجيب فيها. وسئل عن مسألة فقال: لا أدري فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة فغضب وقال: ليس في العلم شيء خفيف أما سمعت قول الله عز وجل: إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا [المزمل: 5] فالعلم كله ثقيل وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة وقال: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك وقال: لا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلا لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه وما أفتيت حتى سألت ربيعة ويحيى بن سعيد فأمراني بذلك ولو نهياني انتهيت قال: وإذا كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تصعب عليهم المسائل ولا يجيب أحد منهم عن مسألة حتى يأخذ رأي صاحبه مع ما رزقوا من السداد والتوفيق والطهارة فكيف بنا الذين غطت الذنوب والخطايا قلوبنا وكان - رحمه الله - إذا سئل عن مسألة فكأنه واقف بين الجنة والنار. وقال عطاء بن أبي رباح: أدركت أقواما إن كان أحدهم ليسأل عن شيء فيتكلم وإنه ليرعد. وسئل النبي - صلى الله عليه وسلم -: أي البلاد شر فقال: لا أدري حتى أسأل جبريل فسأله فقال: أسواقها وقال الإمام أحمد: من عرض نفسه للفتيا فقد عرضها لأمر عظيم إلا أنه قد تلجئ الضرورة. وسئل الشعبي عن مسألة فقال: لا أدري فقيل له: ألا تستحيي من قولك لا(4\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1074",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1076",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أدري وأنت فقيه أهل العراق فقال: لكن الملائكة لم تستحي حين قالوا: لا علم لنا إلا ما علمتنا [البقرة: 32] . وقال بعض أهل العلم: تعلم لا أدري فإنك إن قلت لا أدري علموك حتى تدري وإن قلت: أدري سألوك حتى لا تدري. وقال عتبة بن مسلم: صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهرا فكان كثيرا ما يسأل فيقول: لا أدري. وكان سعيد بن المسيب لا يكاد يفتي فتيا ولا يقول شيئا إلا قال: اللهم سلمني وسلم مني. وسئل الشافعي عن مسألة فسكت فقيل: ألا تجيب فقال: حتى أدري الفضل في سكوتي أو في الجواب وقال ابن أبي ليلى: أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول وما منهم من أحد يحدث بحديث أو يسأل عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه. وقال أبو الحسين الأزدي: إن أحدهم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر. وسئل القاسم بن محمد عن شيء فقال: إني لا أحسنه فقال له السائل: إني جئتك لا أعرف غيرك فقال له القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي والله ما أحسنه فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي الزمها فوالله ما رأيناك في مجلس أنبل منك اليوم فقال القاسم: والله لأن يقطع لساني أحب إلي من أن أتكلم بما لا علم لي به. وكتب سلمان إلى أبي الدرداء - رضي الله عنهما - وكان بينهما مؤاخاة: بلغني أنك قعدت طبيبا فاحذر أن تكون متطببا أو تقتل مسلما فكان ربما جاءه الخصمان فيحكم بينهما ثم يقول: ردوهما علي متطبب والله أعيدا علي قضيتكما.  [حكم العامي الذي لا يجد من يفتيه] [حكم العامي الذي لا يجد من يفتيه] الفائدة الرابعة والثلاثون: (إذا نزلت بالعامي نازلة وهو في مكان لا يجد من يسأله) عن حكمها ففيه طريقان للناس أحدهما: أن له حكم ما قبل الشرع على الخلاف في الحظر والإباحة والوقف لأن عدم المرشد في حقه بمنزلة عدم المرشد بالنسبة إلى الأمة. والطريقة الثانية: أنه يخرج على الخلاف في مسألة تعارض الأدلة عند المجتهد هل يعمل بالأخف أو بالأشد أو يتخير والصواب أنه يجب عليه أن يتقي الله ما استطاع ويتحرى الحق بجهده ومعرفة مثله وقد نصب الله تعالى على الحق أمارات كثيرة ولم يسو الله سبحانه وتعالى بين ما يحبه وبين ما يسخطه من كل وجه بحيث لا يتميز هذا من هذا ولا بد أن تكون الفطر السليمة مائلة إلى الحق مؤثرة له ولا بد أن يقوم لها عليه بعض الأمارات المرجحة ولو بمنام أو بإلهام فإن قدر ارتفاع ذلك كله وعدمت في حقه جميع الأمارات فهنا يسقط التكليف عنه في حكم هذه النازلة ويصير بالنسبة إليها كمن لم تبلغه الدعوة وإن(4\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1075",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1077",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان مكلفا بالنسبة إلى غيره فأحكام التكليف تتفاوت بحسب التمكن من العلم والقدرة والله أعلم.  [من تجوز له الفتيا ومن لا تجوز له] [من تجوز له الفتيا ومن لا تجوز له] الفائدة الخامسة والثلاثون: الفتيا أوسع من الحكم والشهادة فيجوز فتيا العبد والحر والمرأة والرجل والقريب والبعيد والأجنبي والأمي والقارئ والأخرس بكتابته والناطق والعدو والصديق وفيه وجه أنه لا تقبل فتيا العدو ولا من لا تقبل شهادته له كالشهادة والوجهان في الفتيا كالوجهين في الحكم وإن كان الخلاف في الحاكم أشهر وأما فتيا الفاسق فإن أفتى غيره لم تقبل فتواه وليس للمستفتي أن يستفتيه وله أن يعمل بفتوى نفسه ولا يجب عليه أن يفتي غيره وفي جواز استفتاء مستور الحال وجهان والصواب جواز استفتائه وإفتائه. قلت: وكذلك الفاسق إلا أن يكون معلنا بفسقه داعيا إلى بدعته فحكم استفتائه حكم إمامته وشهادته وهذا يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة والقدرة والعجز فالواجب شيء والواقع شيء والفقيه من يطبق بين الواقع والواجب وينفذ الواجب بحسب استطاعته لا من يلقى العداوة بين الواجب والواقع فلكل زمان حكم والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم وإذا عم الفسوق وغلب على أهل الأرض فلو منعت إمامة الفساق وشهاداتهم وأحكامهم وفتاويهم وولاياتهم لعطلت الأحكام وفسد نظام الخلق وبطلت أكثر الحقوق ومع هذا فالواجب اعتبار الأصلح فالأصلح وهذا عند القدرة والاختيار وأما عند الضرورة والغلبة بالباطل فليس إلا الاصطبار والقيام بأضعف مراتب الإنكار.  [هل للقاضي أن يفتي] [هل يجوز للقاضي أن يفتي] الفائدة السادسة والثلاثون: (لا فرق بين القاضي وغيره في جواز الإفتاء بما تجوز الفتيا به)  ووجوبها إذا تعينت ولم يزل أمر السلف والخلف على هذا فإن منصب الفتيا داخل في ضمن منصب القضاء عند الجمهور والذين لا يجوزون قضاء الجاهل فالقاضي مفت ومثبت ومنفذ لما أفتى به وذهب بعض الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد والشافعي إلى أنه يكره للقاضي أن يفتي في مسائل الأحكام المتعلقة به دون الطهارة والصلاة والزكاة ونحوها واحتج أرباب هذا القول بأن فتياه تصير كالحكم منه على الخصم ولا يمكن نقضه وقت المحاكمة قالوا: ولأنه قد يتغير اجتهاده وقت الحكومة أو تظهر له قرائن لم تظهر له عند الإفتاء فإن أصر على فتياه والحكم بموجبها حكم بخلاف ما يعتقد صحته(4\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1076",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1078",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن حكم بخلافها طرق الخصم إلى تهمته والتشنيع عليه بأنه يحكم بخلاف ما يعتقده ويفتي به ولهذا قال شريح: أنا أقضي لكم ولا أفتي حكاه ابن المنذر واختار كراهية الفتوى في مسائل الأحكام وقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني: لأصحابنا في فتواه في مسائل الأحكام جوابان أحدهما: أنه ليس له أن يفتي فيها لأن لكلام الناس عليه مجالا ولأحد الخصمين عليه مقالا والثاني: له ذلك لأنه أهل له.  [فتيا الحاكم وحكمها] [فتيا الحاكم وحكمها] الفائدة السابعة والثلاثون: (فتيا الحاكم ليست حكما منه)  ولو حكم غيره بخلاف ما أفتى به لم يكن نقضا لحكمه ولا هي كالحكم ولهذا يجوز أن يفتي الحاضر والغائب ومن يجوز حكمه له ومن لا يجوز ولهذا لم يكن في حديث هند دليل على الحكم على الغائب لأنه - صلى الله عليه وسلم - إنما أفتاها فتوى مجردة ولم يكن ذلك حكما على الغائب فإنه لم يكن غائبا عن البلد وكانت مراسلته وإحضاره ممكنة ولا طلب البينة على صحة دعواها وهذا ظاهر بحمد الله.  [فتوى المفتي عما لم يقع] [هل يجيب المفتي عما لم يقع] الفائدة الثامنة والثلاثون: إذا سأل المستفتي عن مسألة لم تقع فهل تستحب إجابته أو تكره أو تخير فيه ثلاثة أقوال وقد حكي عن كثير من السلف أنه كان لا يتكلم فيما لم يقع وكان بعض السلف إذا سأله الرجل عن مسألة قال: هل كان ذلك فإن قال: نعم تكلف له الجواب وإلا قال: دعنا في عافية. وقال الإمام أحمد لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام. والحق التفصيل فإن كان في المسألة نص من كتاب الله أو سنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو أثر عن الصحابة لم يكره الكلام فيها وإن لم يكن فيها نص ولا أثر فإن كانت بعيدة الوقوع أو مقدرة لا تقع لم يستحب له الكلام فيها وإن كان وقوعها غير نادر ولا مستبعد وغرض السائل الإحاطة بعلمها ليكون منها على بصيرة إذا وقعت استحب له الجواب بما يعلم لا سيما إن كان السائل يتفقه بذلك ويعتبر بها نظائرها ويقرع عليها فحيث كانت مصلحة الجواب راجحة كان هو الأولى والله أعلم.  [لا يجوز للمفتي تتبع الحيل] [لا يجوز للمفتي تتبع الحيل] الفائدة التاسعة والثلاثون: لا يجوز للمفتي تتبع الحيل المحرمة والمكروهة ولا(4\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1077",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1079",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تتبع الرخص لمن أراد نفعه فإن تتبع ذلك فسق وحرم استفتاؤه فإن حسن قصده في حيلة جائزة لا شبهة فيها ولا مفسدة لتخليص المستفتي بها من حرج جاز ذلك بل استحب وقد أرشد الله - تعالى - نبيه أيوب - عليه السلام - إلى التخلص من الحنث بأن يأخذ بيده ضغثا فيضرب به المرأة ضربة واحدة. وأرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - بلالا إلى بيع التمر بدراهم ثم يشتري بالدراهم تمرا آخر فيتخلص من الربا فأحسن المخارج ما خلص من المآثم وأقبح الحيل ما أوقع في المحارم أو أسقط ما أوجبه الله ورسوله من الحق اللازم وقد ذكرنا من النوعين ما لعلك لا تظفر بجملته في غير هذا الكتاب والله الموفق للصواب.  [رجوع المفتي عن فتواه] [حكم رجوع المفتي عن فتواه] الفائدة الأربعون: في حكم رجوع المفتي عن فتياه إذا أفتى المفتي بشيء ثم رجع عنه فإن علم المستفتي برجوعه ولم يكن عمل بالأول فقيل: يحرم عليه العمل به وعندي في المسألة تفصيل وأنه لا يحرم عليه الأول بمجرد رجوع المفتي بل يتوقف حتى يسأل غيره فإن أفتاه بموافقة الأول استمر على العمل به وإن أفتاه بموافقة الثاني ولم يفته أحد بخلافه حرم عليه العمل بالأول وإن لم يكن في البلد إلا مفت واحد سأله عن رجوعه عما أفتاه به فإن رجع إلى اختيار خلافه مع تسويغه لم يحرم عليه وإن رجع لخطأ بان له وأن ما أفتاه به لم يكن صوابا حرم عليه العمل بالأول هذا إذا كان رجوعه لمخالفة دليل شرعي فإن كان رجوعه لمجرد ما بان له أن ما أفتى به خلاف مذهبه لم يحرم على المستفتي ما أفتاه به أولا إلا أن تكون المسألة إجماعية. فلو تزوج بفتواه ودخل ثم رجع المفتي لم يحرم عليه إمساك امرأته إلا بدليل شرعي يقتضي تحريمها ولا يجب عليه مفارقتها بمجرد رجوعه ولا سيما إن كان إنما رجع لكونه تبين له أن ما أفتى به خلاف مذهبه وإن وافق مذهب غيره هذا هو الصواب. وأطلق بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي وجوب مفارقتها عليه وحكوا في ذلك وجهين ورجحوا وجوب المفارقة قالوا: لأن الرجوع عنه ليس مذهبا له كما لو تغير اجتهاد من قلده في القبلة في أثناء الصلاة فإنه يتحول مع الإمام في الأصح. فيقال لهم: المستفتي قد دخل بامرأته دخولا صحيحا سائغا ولم يفهم ما يوجب مفارقته لها من نص ولا إجماع فلا يجب عليه مفارقتها بمجرد تغير اجتهاد المفتي وقد رجع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن القول بالتشريك وأفتى بخلافه ولم يأخذ المال من الذين شرك بينهم أولا وأما قياسكم ذلك على من تغير اجتهاده في معرفة القبلة فهو حجة(4\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1078",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1080",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليكم فإنه لا يبطل ما فعله المأموم بالاجتهاد الأول ويلزمه التحول ثانيا لأنه مأمور بمتابعة الإمام. بل نظير مسألتنا ما لو تغير اجتهاده بعد الفراغ من الصلاة فإنه لا تلزمه الإعادة ويصلي الثانية بالاجتهاد الثاني. وأما قول أبي عمرو بن الصلاح وأبي عبد الله بن حمدان من أصحابنا: quot; إذا كان المفتي إنما يفتي على مذهب إمام معين فإذا رجع لكونه بان له قطعا أنه خالف في فتواه نص مذهب إمامه فإنه يجب نقضه وإن كان ذلك في محل الاجتهاد لأن نص مذهب إمامه في حقه كنص الشارع في حق المفتي المجتهد المستقل quot; فليس كما قالا ولم ينص على هذه المسألة أحد من الأئمة ولا تقتضيها أصول الشريعة ولو كان نص إمامه بمنزلة نص الشارع لحرم عليه وعلى غيره مخالفته وفسق بخلافه. ولم يوجب أحد من الأئمة نقض حكم الحاكم ولا إبطال فتوى المفتي بكونه خلاف قول زيد أو عمرو ولا يعلم أحد سوغ النقض بذلك من الأئمة والمتقدمين من أتباعهم وإنما قالوا: ينقض من حكم الحاكم ما خالف نص كتاب أو سنة أو إجماع الأمة ولم يقل أحد: ينقض من حكمه ما خالف قول فلان أو فلان وينقض من فتوى المفتي ما ينقض من حكم الحاكم فكيف يسوغ نقض أحكام الحكام وفتاوى أهل العلم بكونها خالفت قول واحد من الأئمة ولا سيما إذا وافقت نصا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو فتاوى الصحابة يسوغ نقضها لمخالفة قول فلان وحده ولم يجعل الله تعالى ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من الأئمة قول فقيه من الأمة بمنزلة نص الله ورسوله بحيث يجب اتباعه ويحرم خلافه. فإذا بان للمفتي أنه خالف إمامه ووافق قول الأئمة الثلاثة لم يجب على الزوج أن يفارق امرأته ويخرب بيته ويشتت شمله وشمل أولاده بمجرد كون المفتي ظهر له أن ما أفتى به خلاف نص إمامه ولا يحل له أن يقول له: quot; فارق أهلك quot; بمجرد ذلك ولا سيما إن كان النص مع قول الثلاثة. وبالجملة فبطلان هذا القول أظهر من أن نتكلف بيانه. فإن قيل: فما تقولون لو تغير اجتهاد المفتي فهل يلزمه إعلام المستفتي قيل: اختلف في ذلك فقيل: لا يلزمه إعلامه فإنه عمل أولا بما يسوغ له فإذا لم يعلم بطلانه لم يكن آثما فهو في سعة من استمراره وقيل: بل يلزمه إعلامه لأن ما رجع عنه قد اعتقد بطلانه وبان له أن ما أفتاه به ليس من الدين فيجب عليه إعلامه كما جرى لعبد الله بن مسعود حين أفتى رجلا بحل أم امرأته التي فارقها قبل الدخول ثم سافر إلى المدينة وتبين له خلاف هذا القول فرجع إلى الكوفة وطلب هذا الرجل وفرق بينه وبين أهله(4\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1079",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1081",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكما جرى للحسن بن زياد اللؤلؤي لما استفتي في مسألة فأخطأ فيها ولم يعرف الذي أفتاه به فاستأجر مناديا ينادي أن الحسن بن زياد استفتي في يوم كذا وكذا في مسألة فأخطأ فمن كان أفتاه الحسن بن زياد بشيء فليرجع إليه ثم لبث أياما لا يفتي حتى جاء صاحب الفتوى فأعلمه أنه قد أخطأ وأن الصواب خلاف ما أفتاه به. قال القاضي أبو يعلى في كفايته: من أفتى بالاجتهاد ثم تغير اجتهاده لم يلزمه إعلام المستفتي بذلك إن كان قد عمل به وإلا أعلمه. والصواب التفصيل فإن كان المفتي ظهر له الخطأ قطعا لكونه خالف نص الكتاب أو السنة التي لا معارض لها أو خالف إجماع الأمة فعليه إعلام المستفتي وإن كان إنما ظهر له أنه خالف مجرد مذهبه أو نص إمامه لم يجب عليه إعلام المستفتي. وعلى هذا تخرج قصة ابن مسعود - رضي الله عنه - فإنه لما ناظر الصحابة في تلك المسألة بينوا له أن صريح الكتاب يحرمها لكون الله تعالى أبهمها فقال تعالى: وأمهات نسائكم [النساء: 23] وظن عبد الله أن قوله: اللاتي دخلتم بهن [النساء: 23] راجع إلى الأول والثاني فبينوا له أنه إنما يرجع إلى أمهات الربائب خاصة فعرف أنه الحق وأن القول بحلها خلاف كتاب الله - تعالى ففرق بين الزوجين ولم يفرق بينهما بكونه تبين له أن ذلك خلاف قول زيد أو عمرو والله أعلم.  [هل يضمن المفتي المال أو النفس فيما بان خطؤه] [هل يضمن المفتي المال أو النفس] الفائدة الحادية والأربعون: (إذا عمل المستفتي بفتيا مفت في إتلاف نفس أو مال ثم بان خطؤه) . قال أبو إسحاق الإسفراييني من الشافعية: يضمن المفتي إن كان أهلا للفتوى وخالف القاطع وإن لم يكن أهلا فلا ضمان عليه لأن المستفتي قصر في استفتائه وتقليده ووافقه على ذلك أبو عبد الله بن حمدان في كتاب: آداب المفتي والمستفتي quot; له ولم أعرف هذا لأحد قبله من الأصحاب ثم حكى وجها آخر في تضمين من ليس بأهل قال: لأنه تصدى لما ليس له بأهل وغر من استفتاه بتصديه لذلك. قلت: خطأ المفتي كخطأ الحاكم والشاهد وقد اختلفت الرواية في خطأ الحاكم في النفس أو الطرف فعن الإمام أحمد في ذلك روايتان إحداهما: أنه في بيت المال لأنه يكثر منه ذلك الحكم فلو حملته العاقلة لكان ذلك إضرارا عظيما بهم والثانية: أنه على عاقلته كما لو كان الخطأ بسبب غير الحاكم وأما خطؤه في المال فإذا حكم بحق ثم بان كفر الشهود أو فسقهم نقض حكمه ثم رجع المحكوم عليه ببدل المال على المحكوم له وكذلك إذا كان الحكم بقود رجع أولياء المقتول ببدله على المحكوم له. وكذلك إن كان(4\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1080",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1082",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحكم بحق الله بإتلاف مباشر أو بالسراية ففيه ثلاثة أوجه أحدها: أن الضمان على المزكين لأن الحكم إنما وجب بتزكيتهم والثاني: يضمنه الحاكم لأنه لم يتثبت بل فرط في المبادرة إلى الحكم وترك البحث والسؤال والثالث: أن للمستحق تضمين أيهما شاء والقرار على المزكين لأنهم ألجئوا الحاكم إلى الحكم فعلى هذا إن لم يكن ثم تزكية فعلى الحاكم. وعن أحمد رواية أخرى أنه لا ينقض بفسقهم فعلى هذا لا ضمان. وعلى هذا إذا استفتى الإمام أو الوالي مفتيا فأفتاه ثم بان له خطؤه فحكم المفتي مع الإمام حكم المزكين مع الحاكم وإن عمل المستفتي بفتواه من غير حكم حاكم ولا إمام فأتلف نفسا أو مالا: فإن كان المفتي أهلا فلا ضمان عليه والضمان على المستفتي وإن لم يكن أهلا فعليه الضمان لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: من تطبب ولم يعرف منه طب فهو ضامن وهذا يدل على أنه إذا عرف منه طب وأخطأ لم يضمن والمفتي أولى بعدم الضمان من الحاكم والإمام لأن المستفتي مخير بين قبول فتواه وردها فإن قوله لا يلزم بخلاف حكم الحاكم والإمام وأما خطأ الشاهد فإما أن يكونوا شهودا بمال أو طلاق أو عتق أو حد أو قود فإن بان خطؤهم قبل الحكم لم يحكم بذلك وإن بان بعد الحكم باستيفاء القود وقبل استيفائه لم يستوف قطعا وإن بان بعد استيفائه فعليهم دية ما تلف ويتقسط الغرم على عددهم وإن بان خطؤهم قبل الحكم بالمال لغت شهادتهم ولم يضمنوا وإن بان بعد الحكم به نقض حكمه كما لو شهدوا بموت رجل باستفاضة فحكم الحاكم بقسم ميراثه ثم بانت حياته فإنه ينقض حكمه وإن بان خطؤهم في شهادة الطلاق من غير جهتهم كما لو شهدوا أنه طلق يوم كذا وكذا وظهر للحاكم أنه في ذلك اليوم كان محبوسا لا يصل إليه أحد أو كان مغمى عليه فحكم ذلك حكم ما لو بان كفرهم أو فسقهم فإنه ينقض حكمه وترد المرأة إلى الزوج ولو تزوجت بغيره بخلاف ما إذا قالوا: quot; رجعنا عن الشهادة quot; فإن رجوعهم إن كان قبل الدخول ضمنوا نصف المسمى لأنهم قرروه عليه ولا تعود إليه الزوجة إذا كان الحاكم قد حكم بالفرقة وإن رجعوا بعد الدخول ففيه روايتان إحداهما: أنهم لا يغرمون شيئا لأن الزوج استوفى المنفعة بالدخول فاستقر عليه عوضها والثانية: يغرمون المسمى كله لأنهم فوتوا عليه البضع بشهادتهم وأصلهما أن خروج البضع من يد الزوج هل هو متقوم أو لا وأما شهود العتق فإن بان خطؤهم تبينا أنه لا عتق وإن قالوا: رجعنا غرموا للسيد قيمة العبد.  [أحوال ليس للمفتي أن يفتي فيها] [أحوال ليس للمفتي أن يفتي فيها] الفائدة الثانية والأربعون: (ليس للمفتي الفتوى في حال غضب شديد أو جوع مفرط)(4\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1081",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1083",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو هم مقلق أو خوف مزعج أو نعاس غالب أو شغل قلب مستول عليه أو حال مدافعة الأخبثين بل متى أحس من نفسه شيئا من ذلك يخرجه عن حال اعتداله وكمال تثبته وتبينه أمسك عن الفتوى فإن أفتى في هذه الحالة بالصواب صحت فتياه. ولو حكم في مثال هذه الحالة فهل ينفذ حكمه أو لا ينفذ فيه ثلاثة أقوال: النفوذ وعدمه والفرق بين أن يعرض له الغضب بعد فهم الحكومة فينفذ وبين أن يكون سابقا على فهم الحكومة فلا ينفذ والثلاثة في مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.  [على المفتي أن يرجع إلى العرف في مسائل] [على المفتي أن يرجع إلى العرف في مسائل] الفائدة الثالثة والأربعون: لا يجوز له أن يفتي في الإقرار والأيمان والوصايا وغيرها مما يتعلق باللفظ بما اعتاده هو من فهم تلك الألفاظ دون أن يعرف عرف أهلها والمتكلمين بها فيحملها على ما اعتادوه وعرفوه وإن كان مخالفا لحقائقها الأصلية فمتى لم يفعل ذلك ضل وأضل فلفظ الدينار عند طائفة اسم لثمانية دراهم وعند طائفة اسم لاثني عشر درهما والدرهم عند غالب البلاد اليوم اسم للمغشوش فإذا أقر له بدراهم أو حلف ليعطينه إياها أو أصدقها امرأة لم يجز للمفتي ولا للحاكم أن يلزمه بالخالصة فلو كان في بلد إنما يعرفون الخالصة لم يجز له أن يلزم المستحق بالمغشوشة وكذلك في ألفاظ الطلاق والعتاق فلو جرى عرف أهل بلد أو طائفة في استعمالهم لفظ الحرية في العفة دون العتق فإذا قال أحدهم عن مملوكه: quot; إنه حر quot; أو عن جاريته: quot; إنها حرة quot; وعادته استعمال ذلك في العفة لم يخطر بباله غيرها لم يعتق بذلك قطعا وإن كان اللفظ صريحا عند من ألف استعماله في العتق وكذلك إذا جرى عرف طائفة في الطلاق بلفظ التسميح بحيث لا يعرفون لهذا المعنى غيره فإذا قالت: quot; اسمح لي quot; فقال: quot; سمحت لك quot; فهذا صريح في الطلاق عندهم وقد تقدم الكلام في هذا الفصل مشبعا وأنه لا يسوغ أن يقبل تفسير من قال: quot; لفلان علي مال جليل أو عظيم quot; بدانق أو درهم ونحو ذلك ولا سيما إن كان المقر من الأغنياء المكثرين أو الملوك وكذلك لو أوصى له بقوس في محلة لا يعرفون إلا أقواس البندق أو الأقواس العربية أو أقواس الرجل أو حلف لا يشم الريحان في محل لا يعرفون الريحان إلا هذا الفارسي أو حلف لا يركب دابة في موضع عرفهم بلفظ الدابة الحمار أو الفرس أو حلف لا يأكل ثمرا في بلد عرفهم في الثمار نوع واحد منها لا يعرفون غيره أو حلف لا يلبس ثوبا في بلد عرفهم في الثياب القمص وحدها دون الأردية والأزر والجباب ونحوها تقيدت يمينه بذلك وحده في جميع هذه الصور واختصت بعرفه دون موضوع اللفظ لغة أو في عرف غيره بل لو قالت المرأة لزوجها الذي لا يعرف التكلم بالعربية ولا(4\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1082",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1084",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يفهمها: quot; قل لي: أنت طالق ثلاثا quot; وهو لا يعلم موضوع هذه الكلمة فقال لها لم تطلق قطعا في حكم الله تعالى ورسوله وكذلك لو قال الرجل لآخر: quot; أنا عبدك ومملوكك quot; على جهة الخضوع له كما يقوله الناس لم يستبح ملك رقبته بذلك ومن لم يراع المقاصد والنيات العرف في الكلام فإنه يلزمه أن يجوز له بيع هذا القائل وملك رقبته بمجرد هذا اللفظ.  [لا يعين المفتي على التحايل ولا على المكر] [لا يعين المفتي على التحايل ولا على المكر] وهذا باب عظيم يقع فيه المفتي الجاهل فيغر الناس ويكذب على الله ورسوله ويغير دينه ويحرم ما لم يحرمه الله ويوجب ما لم يوجبه الله والله المستعان. الفائدة الرابعة والأربعون: (يحرم عليه إذا جاءته مسألة فيها تحيل على إسقاط واجب أو تحليل محرم أو مكر أو خداع أن يعين المستفتي فيها)  ويرشده إلى مطلوبه أو يفتيه بالظاهر الذي يتوصل به إلى مقصوده بل ينبغي له أن يكون بصيرا بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم ولا ينبغي له أن يحسن الظن بهم بل يكون حذرا فطنا فقيها بأحوال الناس وأمورهم يوازره فقهه في الشرع وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ وكم من مسألة ظاهرها ظاهر جميل وباطنها مكر وخداع وظلم فالغر ينظر إلى ظاهرها ويقضي بجوازه وذو البصيرة ينقد مقصدها وباطنها فالأول يروج عليه زغل المسائل كما يروج على الجاهل بالنقد زغل الدراهم والثاني يخرج زيفها كما يخرج الناقد زيف النقود. وكم من باطل يخرجه الرجل بحسن لفظه وتنميقه وإبرازه في صورة حق وكم من حق يخرجه بتهجينه وسوء تعبيره في صورة باطل ومن له أدنى فطنة وخبرة لا يخفى عليه ذلك بل هذا أغلب أحوال الناس ولكثرته وشهرته يستغنى عن الأمثلة. بل من تأمل المقالات الباطلة والبدع كلها وجدها قد أخرجها أصحابها في قوالب مستحسنة وكسوها ألفاظا بها من لم يعرف حقيقتها ولقد أحسن القائل: تقول هذا جناء النحل تمدحه ... وإن تشأ قلت ذا قيء الزنابير مدحا وذما وما جاوزت وصفهما ... والحق قد يعتريه سوء تعبير ورأى بعض الملوك كأن أسنانه قد سقطت فعبرها له معبر بموت أهله وأقاربه فأقصاه وطرده واستدعى آخر فقال له: لا عليك تكون أطول أهلك عمرا فأعطاه وأكرمه وقربه فاستوفى المعنى وغير له العبارة وأخرج المعنى في قالب حسن.(4\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1083",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1085",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمقصود أنه لا يحل له أن يفتي بالحيل المحرمة ولا يعين عليها ولا يدل عليها فيضاد الله في أمره قال الله تعالى: ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين [آل عمران: 54] وقال تعالى: ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون [النمل: 50] فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين [النمل: 51] وقال تعالى: يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون [البقرة: 9] وقال تعالى: ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين [الأنفال: 30] وقال تعالى: ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله [فاطر: 43] وقال تعالى: إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم [النساء: 142] وقال تعالى: وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون [الأنعام: 123] وقال تعالى في حق أرباب الحيل المحرمة: ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين [البقرة: 65] فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين [البقرة: 66] وفي صحيح مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ملعون من ضار مسلما أو مكر به وقال: لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل وقال: المكر والخديعة في النار وفي سنن ابن ماجه وغيره عنه - صلى الله عليه وسلم -: ما بال أقوام يلعبون بحدود الله ويستهزئون بآياته طلقتك راجعتك طلقتك راجعتك وفي لفظ: خلعتك راجعتك خلعتك راجعتك وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم -: لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها وقال أيوب السختياني: يخادعون الله كما يخادعون الصبيان وقال ابن عباس: من يخادع الله يخدعه وقال بعض السلف: ثلاث من كن فيه كن عليه المكر والبغي والنكث. وقال تعالى: ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله [فاطر: 43] وقال تعالى إنما بغيكم على أنفسكم [يونس: 23] وقال تعالى: فمن نكث فإنما ينكث على نفسه [الفتح: 10] وقال الإمام أحمد: هذه الحيل التي وضعها هؤلاء عمدوا إلى السنن فاحتالوا في نقضها أتوا إلى الذي قيل لهم إنه حرام فاحتالوا فيه حتى حللوه وقال: ما أخبثهم - يعني أصحاب الحيل - يحتالون لنقض سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال: من احتال بحيلة فهو حانث. وقال: إذا حلف على شيء ثم احتال بحيلة فصار إليها فقد صار إلى الذي حلف عليه بعينه. وقد تقدم بسط الكلام في هذه المسألة مستوفى فلا حاجة إلى إعادته.(4\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1084",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1086",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[حكم أخذ المفتي أجرة أو هدية] ] الفائدة الخامسة والأربعون: في أخذ الأجرة والهدية والرزق على الفتوى فيه ثلاث صور مختلفة السبب والحكم. فأما أخذه الأجرة فلا يجوز له لأن الفتيا منصب تبليغ عن الله ورسوله فلا تجوز المعاوضة عليه كما لو قال له: لا أعلمك الإسلام أو الوضوء أو الصلاة إلا بأجرة أو سئل عن حلال أو حرام فقال للسائل: لا أجيبك عنه إلا بأجرة فهذا حرام قطعا ويلزمه رد العوض ولا يملكه. وقال بعض المتأخرين: إن أجاب بالخط فله أن يقول للسائل: لا يلزمني أن أكتب لك خطي إلا بأجرة وله أخذ الأجرة وجعله بمنزلة أجرة الناسخ فإنه يأخذ الأجرة على خطه ولا على جوابه وخطه قدر زائد على جوابه. والصحيح خلاف ذلك وأنه يلزمه الجواب مجانا لله بلفظه وخطه ولكن لا يلزمه الورق ولا الحبر. وأما الهدية ففيها تفصيل فإن كانت بغير سبب الفتوى كمن عادته يهاديه أو من لا يعرف أنه مفت فلا بأس بقبولها والأولى أن يكافئ عليها وإن كانت بسبب الفتوى فإن كانت سببا إلى أن يفتيه بما لا يفتي به غيره ممن لا يهدي له لم يجز له قبول هديته وإن كان لا فرق بينه وبين غيره عنده في الفتيا بل يفتيه بما يفتي به الناس كره له قبول الهدية لأنها تشبه المعاوضة على الإفتاء. وأما أخذ الرزق من بيت المال فإن كان محتاجا إليه جاز له ذلك وإن كان غنيا عنه ففيه وجهان وهذا فرع متردد بين عامل الزكاة وعامل اليتيم فمن ألحقه بعامل الزكاة قال: النفع فيه عام فله الأخذ ومن ألحقه بعامل اليتيم منعه من الأخذ وحكم القاضي في ذلك حكم المفتي بل القاضي أولى بالمنع والله أعلم.  [ما يصنع المفتي إذا أفتى في واقعة ثم وقعت له مرة أخرى] الفائدة السادسة والأربعون: إذا أفتى في واقعة ثم وقعت له مرة أخرى فإن ذكرها وذكر مستندها ولم يتجدد له ما يوجب تغير اجتهاده أفتى بها من غير نظر ولا اجتهاد وإن ذكرها ونسي مستندها فهل له أن يفتي بها دون تجديد نظر واجتهاد فيه وجهان لأصحاب(4\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1085",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1087",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإمام أحمد والشافعي أحدهما: أن يلزمه تجديد النظر لاحتمال تغير اجتهاده وظهور ما كان خافيا عنه والثاني: لا يلزمه تجديد النظر لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان وإن ظهر له ما يغير اجتهاده لم يجز له البقاء على القول الأول ولا يجب عليه نقضه ولا يكون اختلافه مع نفسه فادحا في علمه بل هذا من كمال علمه وورعه ولأجل هذا خرج عن الأئمة في المسألة قولان فأكثر وسمعت شيخنا - رحمه الله تعالى - يقول: حضرت عقد مجلس عند نائب السلطان في وقف أفتى فيه قاضي البلد بجوابين مختلفين فقرأ جوابه الموافق للحق فأخرج بعض الحاضرين جوابه الأول وقال: هذا جوابك بضد هذا فكيف تكتب جوابين متناقضين في واقعة واحدة فوجم الحاكم فقلت: هذا من علمه ودينه أفتى أولا بشيء ثم تبين له الصواب فرجع إليه كما يفتي إمامه بقول ثم يتبين له خلافه فيرجع إليه ولا يقدح ذلك في علمه ولا دينه وكذلك سائر الأئمة فسر بذلك وسري عنه.  [كل الأئمة يذهبون إلى الحديث ومتى صح فهو مذهبهم] الفائدة السابعة والأربعون: قول الشافعي - رحمه الله تعالى -: quot; إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعوا ما قلته quot; وكذلك قوله: quot; إذا صح الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقلت أنا قولا فأنا راجع عن قولي وقائل بذلك الحديث quot; وقوله: quot; إذا صح الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاضربوا بقولي الحائط quot; وقوله: quot; إذا رويت حديثا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم أذهب إليه فاعلموا أن عقلي قد ذهب quot; وغير ذلك من كلامه في هذا المعنى صريح في مدلوله وأن مذهبه ما دل عليه الحديث لا قول له غيره ولا يجوز أن ينسب إليه ما خالف الحديث ويقال: quot; هذا مذهب الشافعي quot; ولا يحل الإفتاء بما خالف الحديث على أنه مذهب الشافعي ولا الحكم به صرح بذلك جماعة من أئمة أتباعه حتى كان منهم من يقول للقارئ إذا قرأ عليه مسألة من كلامه: قد صح الحديث بخلافها اضرب على هذه المسألة فليست مذهبه وهذا هو الصواب قطعا ولو لم ينص عليه فكيف إذا نص عليه وأبدى فيه وأعاد وصرح فيه بألفاظ كلها صريحة في مدلولها فنحن نشهد بالله أن مذهبه وقوله الذي لا قول له سواء ما وافق الحديث دون ما خالفه وأن من نسب إليه خلافه فقد نسب إليه خلاف مذهبه ولا سيما إذا ذكر هو ذلك الحديث وأخبر أنه إنما خالفه لضعف في سنده أو لعدم بلوغه له من وجه يثق به ثم ظهر للحديث سند صحيح لا مطعن فيه وصححه أئمة الحديث من وجوه لم تبلغه فهذا لا يشك عالم ولا يماري في أنه مذهبه قطعا وهذا كمسألة الجوائح فإنه علل حديث سفيان بن عيينة بأنه كان ربما ترك ذكر الجوائح وقد(4\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1086",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1088",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صح الحديث من غير طريق سفيان صحة لا مرية فيها ولا علة ولا شبهة بوجه فمذهب الشافعي وضع الجوائح وبالله التوفيق. وقد صرح بعض أئمة الشافعية بأن مذهبه أن الصلاة الوسطى صلاة العصر وأن وقت المغرب يمتد إلى مغيب الشفق وأن من مات وعليه صيام صام عنه وليه وأن أكل لحوم الإبل ينقض الوضوء وهذا بخلاف الفطر بالحجامة وصلاة المأموم قاعدا إذا صلى إمامه كذلك فإن الحديث وإن صح في ذلك فليس بمذهبه فإن الشافعي قد رواه وعرف صحته ولكن خالفه لاعتقاده نسخه. وهذا شيء وذاك شيء ففي هذا القسم يقع النظر في النسخ وعدمه وفي الأول يقع النظر في صحة الحديث وثقة السند فاعرفه.  [هل تجوز الفتيا لمن عنده كتب الحديث] [هل تجوز الفتيا لمن عنده كتب الحديث] الفائدة الثامنة والأربعون: إذا كان عند الرجل الصحيحان أو أحدهما أو كتاب من سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موثوق بما فيه فهل له أن يفتي بما يجده فيه فقالت طائفة من المتأخرين: ليس له ذلك لأنه قد يكون منسوخا أو له معارض أو يفهم من دلالته خلاف ما يدل عليه أو يكون أمر ندب فيفهم منه الإيجاب أو يكون عاما له مخصص أو مطلقا له مقيد فلا يجوز له العمل ولا الفتيا به حتى يسأل أهل الفقه والفتيا. وقالت طائفة: بل له أن يعمل به ويفتي به بل يتعين عليه كما كان الصحابة يفعلون إذا بلغهم الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحدث به بعضهم بعضا بادروا إلى العمل به من غير توقف ولا بحث عن معارض ولا يقول أحد منهم قط: هل عمل بهذا فلان وفلان ولو رأوا من يقول ذلك لأنكروا عليه أشد الإنكار وكذلك التابعون وهذا معلوم بالضرورة لمن له أدنى خبرة بحال القوم وسيرتهم وطول العهد بالسنة وبعد الزمان وعتقها لا يسوغ ترك الأخذ بها والعمل بغيرها ولو كانت سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يسوغ العمل بها بعد صحتها حتى يعمل بها فلان أو فلان لكان قول فلان أو فلان عيارا على السنن ومزكيا لها وشرطا في العمل بها وهذا من أبطل الباطل وقد أقام الله الحجة برسوله دون آحاد الأمة وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بتبليغ سنته ودعا لمن بلغها فلو كان من بلغته لا يعمل بها حتى يعمل بها الإمام فلان والإمام فلان لم يكن في تبليغها فائدة وحصل الاكتفاء بقول فلان وفلان. قالوا: والنسخ الواقع في الأحاديث الذي أجمعت عليه الأمة لا يبلغ عشرة أحاديث ألبتة بل ولا شطرها فتقدير وقوع الخطأ في الذهاب إلى المنسوخ أقل بكثير من وقوع الخطأ في تقليد من يصيب ويخطئ ويجوز عليه التناقض والاختلاف ويقول القول(4\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1087",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1089",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويرجع عنه ويحكي عنه في المسألة الواحدة عدة أقوال ووقوع الخطأ في فهم كلام المعصوم أقل بكثير من وقوع الخطأ في فهم كلام الفقيه المعين فلا يفرض احتمال خطأ لمن عمل بالحديث وأفتى به إلا وأضعاف أضعافه حاصل لمن أفتى بتقليد من لا يعلم خطؤه من صوابه. والصواب في هذه المسألة التفصيل فإن كانت دلالة الحديث ظاهرة بينة لكل من سمعه لا يحتمل غير المراد فله أن يعمل به ويفتي به ولا يطلب له التزكية من قول فقيه أو إمام بل الحجة قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن خالفه من خالفه وإن كانت دلالته خفية لا يتبين المراد منها لم يجز له أن يعمل ولا يفتي بما يتوهمه مرادا حتى يسأل ويطلب بيان الحديث ووجهه وإن كانت دلالته ظاهرة كالعام على أفراده والأمر على الوجوب والنهي على التحريم فهل له العمل والفتوى به يخرج على الأصل وهو العمل بالظواهر قبل البحث عن المعارض وفيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره: الجواز والمنع والفرق بين العام [والخاص] فلا يعمل به قبل البحث عن المخصص والأمر والنهي فيعمل به قبل البحث عن المعارض وهذا كله إذا كان ثم نوع أهلية ولكنه قاصر في معرفة الفروع وقواعد الأصوليين والعربية وإذا لم تكن ثمة أهلية قط ففرضه ما قال الله تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [النحل: 43] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ألا سألوا إذا لم يعلموا إنما شفاء العي السؤال وإذا جاز اعتماد المستفتي على ما يكتبه المفتي من كلامه أو كلام شيخه وإن علا وصعد فمن كلام إمامه فلأن يجوز اعتماد الرجل على ما كتبه الثقات من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى بالجواز وإذا قدر أنه لم يفهم الحديث كما لو لم يفهم فتوى المفتي فيسأل من يعرفه معناه كما يسأل من يعرفه معنى جواب المفتي وبالله التوفيق.  [فتوى المفتي المقلد بغير مذهب إمامه] [هل للمفتي أن يفتي بغير مذهب إمامه] الفائدة التاسعة والأربعون: (هل للمنتسب إلى تقليد إمام معين أن يفتي بقول غيره)  لا يخلو الحال من أمرين: إما أن يسأل عن مذهب ذلك الإمام فقط فيقال له: ما مذهب الشافعي مثلا في كذا وكذا أو يسأل عن حكم الله الذي أداه إليه اجتهاده فإن سئل عن مذهب ذلك الإمام لم يكن له أن يخبره بغيره إلا على وجه الإضافة إليه وإن سئل عن حكم الله من غير أن يقصد السائل قول فقيه معين فههنا يجب عليه الإفتاء بما هو راجح عنده وأقرب إلى الكتاب والسنة من مذهب إمامه أو مذهب من خالفه لا يسعه غير ذلك فإن لم(4\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1088",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1090",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يتمكن منه وخاف أن يؤدي إلى ترك الإفتاء في تلك المسألة لم يكن له أن يفتي بما لا يعلم أنه صواب فكيف بما يغلب على ظنه أن الصواب في خلافه ولا يسع الحاكم والمفتي غير هذا ألبتة فإن الله سائلهما عن رسوله وما جاء به لا عن الإمام المعين وما قاله وإنما يسأل الناس في قبورهم ويوم معادهم عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيقال له في قبره: ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين [القصص: 65] ولا يسأل أحد قط عن إمام ولا شيخ ولا متبوع غيره بل يسأل عمن اتبعه وائتم به غيره فلينظر بماذا يجيب وليعد للجواب صوابا. وقد سمعت شيخنا - رحمه الله - يقول: جاءني بعض الفقهاء من الحنفية فقال: أستشيرك في أمر قلت: ما هو قال: أريد أن أنتقل عن مذهبي قلت له: ولم قال: لأني أرى الأحاديث الصحيحة كثيرا تخالفه واستشرت في هذا بعض أئمة أصحاب الشافعي فقال لي: لو رجعت عن مذهبك لم يرتفع ذلك من المذهب وقد تقررت المذاهب ورجوعك غير مفيد وأشار علي بعض مشايخ التصوف بالافتقار إلى الله والتضرع إليه وسؤال الهداية لما يحبه ويرضاه فماذا تشير به أنت علي قال: فقلت له: اجعل المذهب ثلاثة أقسام قسم الحق فيه ظاهر بين موافق للكتاب والسنة فاقض به وأفت به طيب النفس منشرح الصدر وقسم مرجوح ومخالفه معه الدليل فلا تفت به ولا تحكم به وادفعه عنك وقسم من مسائل الاجتهاد التي الأدلة فيها متجاذبة فإن شئت أن تفتي به وإن شئت أن تدفعه عنك فقال: جزاك الله خيرا أو كما قال. وقالت طائفة أخرى - منهم أبو عمرو بن الصلاح وأبو عبد الله بن حمدان -: من وجد حديثا يخالف مذهبه فإن كملت آلة الاجتهاد فيه مطلقا أو في مذهب إمامه أو في ذلك النوع أو في تلك المسألة فالعمل بذلك الحديث أولى وإن لم تكمل آلته ووجد في قلبه حزازة من مخالفة الحديث بعد أن بحث فلم يجد لمخالفته عنده جوابا شافيا فلينظر: هل عمل بذلك الحديث إمام مستقل أم لا فإن وجده فله أن يتمذهب بمذهبه في العمل بذلك الحديث ويكون ذلك عذرا له في ترك مذهب إمامه في ذلك والله أعلم.  [فتوى المفتي بغير مذهب إمامه إذا ترجح في نظره] [إذا ترجح عند المفتي مذهب غير مذهب إمامه فهل يفتي به] الفائدة الخمسون: (هل للمفتي المنتسب إلى مذهب إمام بعينه أن يفتي بمذهب غيره إذا ترجح عنده)  فإن كان سالكا سبيل ذلك الإمام في الاجتهاد ومتابعة الدليل أين كان - وهذا هو المتبع للإمام حقيقة - فله أن يفتي بما ترجح عنده من قول غيره وإن كان مجتهدا(4\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1089",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1091",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "متقيدا بأقوال ذلك الإمام لا يعدوها إلى غيرها فقد قيل: ليس له أن يفتي بغير قول إمامه فإن أراد ذلك حكاه عن قائله حكاية محضة. والصواب أنه إذا ترجح عنده قول غير إمامه بدليل راجح فلا بد أن يخرج على أصول إمامه وقواعده فإن الأئمة متفقة على أصول الأحكام ومتى قال بعضهم قولا مرجوحا فأصوله ترده وتقتضي القول الراجح فكل قول صحيح فهو يخرج على قواعد الأئمة بلا ريب فإذا تبين لهذا المجتهد المقيد رجحان هذا القول وصحة مأخذه خرج على قواعد إمامه فله أن يفتي به وبالله التوفيق. وقد قال القفال: لو أدى اجتهادي إلى مذهب أبي حنيفة قلت: مذهب الشافعي كذا لكني أقول بمذهب أبي حنيفة لأن السائل إنما يسألني عن مذهب الشافعي فلا بد أن أعرفه أن الذي أفتيته به غير مذهبه فسألت شيخنا قدس الله روحه عن ذلك فقال: أكثر المستفتين لا يخطر بقلبه مذهب معين عند الواقعة التي سأل عنها وإنما سؤاله عن حكمها وما يعمل به فيها فلا يسع المفتي أن يفتيه بما يعتقد الصواب في خلافه.  [إذا تساوى عند المفتي قولان فماذا يصنع] [إذا تساوى عند المفتي قولان فماذا يصنع] الفائدة الحادية والخمسون: (إذا اعتدل عند المفتي قولان ولم يترجح له أحدهما على الآخر)  فقال القاضي أبو يعلى: له أن يفتي بأيهما شاء كما يجوز له أن يعمل بأيهما شاء وقيل: بل يخير المستفتي فيقول له: أنت مخير بينهما لأنه إنما يفتي بما يراه والذي يراه هو التخيير وقيل: بل يفتيه بالأحوط من القولين. قلت: الأظهر أنه يتوقف ولا يفتيه بشيء حتى يتبين له الراجح منهما لأن أحدهما خطأ فليس له أن يفتيه بما لا يعلم أنه صواب وليس له أن يخيره بين الخطأ والصواب وهذا كما إذا تعارض عند الطبيب في أمر المريض أمران خطأ وصواب ولم يتبين له أحدهما لم يكن له أن يقدم على أحدهما ولا يخيره وكما لو استشاره في أمر فتعارض عنده الخطأ والصواب من غير ترجيح لم يكن له أن يشير بأحدهما ولا يخيره وكما لو تعارض عنده طريقان مهلكة وموصلة ولم يتبين له طريق الصواب لم يكن له الإقدام ولا التخيير فمسائل الحلال والحرام أولى بالتوقف. والله أعلم.  [هل للمفتي أن يفتي بالقول الذي رجع عنه إمامه] [هل للمفتي أن يفتي بالقول الذي رجع عنه إمامه] الفائدة الثانية والخمسون: (أتباع الأئمة يفتون كثيرا بأقوالهم القديمة التي رجعوا عنها)  وهذا موجود في سائر الطوائف فالحنفية يفتون بلزوم المنذورات التي مخرجها(4\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1090",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1092",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مخرج اليمين كالحج والصوم والصدقة وقد حكوا هم عن أبي حنيفة أنه رجع قبل موته بثلاثة أيام إلى التكفير والحنابلة يفتي كثير منهم بوقوع طلاق السكران وقد صرح الإمام أحمد بالرجوع عنه إلى عدم الوقوع كما تقدم حكايته والشافعية يفتون بالقول القديم في مسألة التثويب وامتداد وقت المغرب ومسألة التباعد عن النجاسة في الماء الكثير وعدم استحباب قراءة السورة في الركعتين الأخيرتين وغير ذلك من المسائل وهي أكثر من عشرين مسألة ومن المعلوم أن القول الذي صرح بالرجوع عنه لم يبق مذهبا له فإذا أفتى المفتي به مع نصه على خلافه لرجحانه عنده لم يخرجه ذلك عن التمذهب بمذهبه فما الذي يحرم عليه أن يفتي بقول غيره من الأئمة الأربعة وغيرهم إذا ترجح عنده فإن قيل: الأول قد كان مذهبا له مرة بخلاف ما لم يقل به قط. قيل: هذا فرق عديم التأثير إذ ما قال به وصرح بالرجوع عنه بمنزله ما لم يقله وهذا كله مما يبين أن أهل العلم لا يتقيدون بالتقليد المحض الذي يهجرون لأجله قول كل من خالف من قلدوه. وهذه طريقة ذميمة وخيمة حادثة في الإسلام مستلزمة لأنواع من الخطأ ومخالفة الصواب والله أعلم.  [فتوى المفتي بما يخالف النص] [لا يجوز للمفتي أن يفتي بما يخالف النص] الفائدة الثالثة والخمسون: (يحرم على المفتي أن يفتي بضد لفظ النص وإن وافق مذهبه) . ومثاله: أن يسأل عن رجل صلى من الصبح ركعة ثم طلعت الشمس هل يتم صلاته أم لا فيقول: لا يتمها ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: فليتم صلاته . ومثل أن يسأل عمن مات عليه صيام: هل يصوم عنه وليه فيقول: لا يصوم عنه وليه وصاحب الشرع - صلى الله عليه وسلم - قال: من مات وعليه صيام صام عنه وليه . ومثل أن يسأل عن رجل باع متاعه ثم أفلس المشتري فوجده بعينه هل هو أحق به فيقول: ليس أحق به وصاحب الشرع يقول: فهو أحق به . ومثل أن يسأل عن رجل أكل في رمضان أو شرب ناسيا هل يتم صومه فيقول: لا يتم صومه وصاحب الشرع يقول: فليتم صومه .(4\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1091",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1093",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومثل أن يسأل عن أكل كل ذي ناب من السباع هل هو حرام فيقول: ليس بحرام ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: أكل كل ذي ناب من السباع حرام . ومثل أن يسأل عن الرجل: هل له منع جاره من غرز خشبة في جداره فيقول: له أن يمنعه وصاحب الشرع يقول quot; لا يمنعه quot;. ومثل أن يسأل: هل تجزي صلاة من لا يقيم صلبه من ركوعه وسجوده فيقول: تجزيه صلاته وصاحب الشرع - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه بين ركوعه وسجوده . أو يسأل عن مسألة التفضيل بين الأولاد في العطية: هل يصح أو لا يصح وهل هو جور [أم لا] فيقول: يصح وليس بجور وصاحب الشرع يقول: quot; إن هذا لا يصح quot; ويقول: لا تشهدني على جور . ومثل أن يسأل عن الواهب: هل يحل له أن يرجع في هبته فيقول: نعم يحل له [أن يرجع إلا أن يكون والدا أو قرابة فلا يرجع وصاحب الشرع يقول: لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما يهب لولده . ومثل أن يسأل عن رجل له شرك في أرض أو دار أو بستان: هل يحل له أن يبيع حصته قبل إعلام شريكه بالبيع وعرضها عليه فيقول: نعم يحل له أن يبيع قبل إعلامه وصاحب الشرع يقول: من كان له شرك في أرض أو ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه . ومثل أن يسأل عن قتل المسلم بالكافر فيقول: نعم يقتل المسلم بالكافر وصاحب الشرع يقول: لا يقتل مسلم بكافر . ومثل أن يسأل عمن زرع في أرض قوم بغير إذنهم فهل الزرع له أم لصاحب الأرض فيقول: الزرع له وصاحب الشرع يقول: من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته . ومثل أن يسأل: هل يصح تعليق الولاية بالشرط فيقول: لا يصح وصاحب الشرع يقول: أميركم زيد فإن قتل فجعفر فإن قتل فعبد الله بن رواحة .(4\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1092",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1094",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومثل أن يسأل: هل يحل القضاء بالشاهد واليمين فيقول: لا يجوز وصاحب الشرع قضى بالشاهد واليمين . ومثل أن يسأل عن الصلاة الوسطى: هل هي صلاة العصر أم لا فيقول: ليست العصر وقد قال صاحب الشريعة: صلاة الوسطى صلاة العصر . ومثل أن يسأل عن يوم الحج الأكبر: هل هو يوم النحر أم لا فيقول: ليس يوم النحر وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يوم الحج الأكبر يوم النحر . ومثل أن يسأل: هل يجوز الوتر بركعة واحدة فيقول: لا يجوز الوتر بركعة واحدة وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة . ومثل أن يسأل: هل يسجد في إذا السماء انشقت [الانشقاق: 1]  و اقرأ باسم ربك الذي خلق [العلق: 1] فيقول: لا يسجد فيهما وقد سجد فيهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ومثل أن يسأل عن رجل عض يد رجل فانتزعها من فيه فسقطت أسنانه فيقول: له ديتها وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا دية له . ومثل أن يسأل عن رجل اطلع في بيت رجل فخذفه ففقأ عينه: هل عليه جناح فيقول: نعم عليه جناح وتلزمه دية عينه وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنه لو فعل ذلك لم يكن عليه جناح . ومثل أن يسأل عن رجل اشترى شاة أو بقرة أو ناقة فوجدها مصراة فهل له ردها ورد صاع من تمر معها أم لا فيقول: لا يجوز له ردها ورد الصاع من التمر معها وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن سخطها ردها وصاعا من تمر . ومثل أن يسأل عن الزاني البكر: هل عليه مع الجلد تغريب فيقول: لا تغريب عليه وصاحب الشرع يقول: عليه جلد مائة وتغريب عام . ومثل أن يسأل عن الخضراوات: هل فيها زكاة فيقول: يجب فيها الزكاة وصاحب الشرع يقول: لا زكاة في الخضراوات . أو يسأل عما دون خمسة أوسق: هل فيه زكاة فيقول: نعم تجب فيه الزكاة وصاحب الشرع يقول: لا زكاة فيما دون خمسة أوسق . أو يسأل عن امرأة أنكحت نفسها بدون إذن وليها فيقول: نكاحها صحيح وصاحب الشرع يقول: فنكاحها باطل باطل باطل .(4\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1093",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1095",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو يسأل عن المحلل والمحلل له: هل يستحقان اللعنة فيقول: لا يستحقان اللعنة وقد لعنهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غير وجه . أو يسأل: هل يجوز إكمال شعبان ثلاثين يوما ليلة الإغماء فيقول: لا يجوز إكماله ثلاثين يوما وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما . أو يسأل عن المطلقة المبتوتة: هل لها نفقة وسكنى فيقول: نعم لها النفقة والسكنى وصاحب الشرع يقول: لا نفقة لها ولا سكنى . أو يسأل عن الإمام: هل يستحب له أن يسلم في الصلاة تسليمتين فيقول: يكره ذلك ولا يستحب وقد روى خمسة عشر نفسا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يسلم عن يمينه وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله . أو يسأل عمن رفع يديه عند الركوع والرفع عنه: هل صلاته مكروهة أو [هي] ناقصة فيقول: نعم تكره صلاته أو هي ناقصة وربما غلا فقال: باطلة وقد روى بضعة وعشرون نفسا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يرفع يديه عند الافتتاح وعند الركوع وعند الرفع منه بأسانيد صحيحة لا مطعن فيها. أو يسأل عن بول الغلام الذي لم يأكل الطعام: هل يجزي فيه الرش [أم يجب الغسل]  فيقول: لا يجزي [فيه الرش] وصاحب الشرع يقول: يرش من بول الغلام ورشه [هو] بنفسه. أو يسأل عن التيمم: هل يكفي بضربة واحدة إلى الكوعين فيقول: لا يكفي ولا يجزئ وصاحب الشرع قد نص على أنه يكفي نصا صحيحا لا مدفع له. أو يسأل عن بيع الرطب بالتمر: هل يجوز فيقول: نعم [يجوز]  وصاحب الشرع يسأل عنه فيقول: لا آذن . أو يسأل عن رجل أعتق ستة عبيد لا يملك غيرهم عند موته: هل تكمل الحرية في اثنين منهم أو يعتق من كل واحد سدسه فيقول: لا تكمل الحرية في اثنين منهم وقد أقرع بينهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكمل الحرية في اثنين وأرق أربعة. أو يسأل عن القرعة: هل هي جائزة أم باطلة فيقول: لا بل هي باطلة وهي من أحكام الجاهلية وقد أقرع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر بالقرعة في غير موضع. أو يسأل عن الرجل يصلي خلف الصف وحده: هل له صلاة أم لا [صلاة] له وهل(4\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1094",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1096",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يؤمر بالإعادة فيقول: نعم له صلاة ولا يؤمر بالإعادة وقد قال صاحب الشرع: لا صلاة له وأمره بالإعادة. أو يسأل: هل للرجل رخصة في ترك الجماعة من غير عذر فيقول: نعم له رخصة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا أجد لك رخصة . أو يسأل عن رجل أسلف رجلا ماله وباعه سلعة: هل يحل ذلك فيقول نعم يحل ذلك وصاحب الشرع يقول: لا يحل سلف وبيع . ونظائر ذلك كثيرة جدا وقد كان السلف الطيب يشتد نكيرهم وغضبهم على من عارض حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برأي أو قياس أو استحسان أو قول أحد من الناس كائنا من كان ويهجرون فاعل ذلك وينكرون على من يضرب له الأمثال ولا يسوغون غير الانقياد له والتسليم والتلقي بالسمع والطاعة ولا يخطر بقلوبهم التوقف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس أو يوافق قول فلان وفلان بل كانوا عاملين بقوله: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم [الأحزاب: 36] وبقوله تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [النساء: 65] وبقوله تعالى: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون [الأعراف: 3] وأمثالها فدفعنا إلى زمان إذا قيل لأحدهم quot; ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال كذا وكذا quot; يقول: من قال بهذا ويجعل هذا دفعا في صدر الحديث أو يجعل جهله بالقائل [به] حجة له في مخالفته وترك العمل به ولو نصح نفسه لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل وأنه لا يحل له دفع سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمثل هذا الجهل وأقبح من ذلك عذره في جهله إذ يعتقد أن الإجماع منعقد على مخالفة تلك السنة وهذا سوء ظن بجماعة المسلمين إذ ينسبهم إلى اتفاقهم على مخالفة سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقبح من ذلك عذره في دعوى هذا الإجماع وهو جهله وعدم علمه بمن قال بالحديث فعاد الأمر إلى تقديم جهله على السنة والله المستعان. ولا يعرف إمام من أئمة الإسلام ألبتة قال: لا نعمل بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نعرف من عمل به فإن جهل من بلغه الحديث من عمل به لم يحل له أن يعمل به كما يقول هذا القائل.(4\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1095",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1097",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[إخراج النصوص عن ظاهرها لتوافق مذهب المفتي] لا يجوز إخراج النصوص عن ظاهرها لتوافق مذهب المفتي] الفائدة الخامسة والخمسون: إذا سئل عن تفسير آية من كتاب الله أو سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فليس له أن يخرجها عن ظاهرها بوجوه التأويلات الفاسدة لموافقة نحلته وهواه ومن فعل ذلك استحق المنع من الإفتاء والحجر عليه وهذا الذي ذكرناه هو الذي صرح به أئمة الإسلام قديما وحديثا. قال أبو حاتم الرازي: حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي محمد بن إدريس الشافعي: الأصل قرآن أو سنة فإن لم يكن فقياس عليهما وإذا اتصل الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصح الإسناد به فهو المنتهى والإجماع أكبر من الخبر الفرد والحديث على ظاهره وإذا احتمل المعاني فما أشبه منها ظاهره أولاها به فإذا تكافأت الأحاديث فأصحها إسنادا أولاها وليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع سعيد بن المسيب ولا يقاس أصل على أصل ولا يقال لأصل: لم وكيف وإنما يقال للفرع: لم فإذا صح قياسه على الأصل صح وقامت به الحجة رواه الأصم عن ابن أبي حاتم. وقال أبو المعالي الجويني في الرسالة النظامية في الأركان الإسلامية quot;: ذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب تعالى والذي نرتضيه رأيا وندين الله به عقد اتباع سلف الأمة فالأولى الاتباع وترك الابتداع والدليل السمعي القاطع في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة وهو مستند معظم الشريعة وقد درج صحب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ورضي عنهم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها وهم صفوة الإسلام والمستقلون بأعباء الشريعة وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها ولو كان تأويل هذه الظواهر مسوغا أو محتوما لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة وإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين لهم على الإضراب عن التأويل كان ذلك قاطعا بأنه الوجه المتبع فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزيه الباري عن صفات المحدثين ولا يخوض في تأويل المشكلات ويكل معناها إلى الرب تعالى. وعند إمام القراء وسيدهم الوقوف على قوله تعالى: وما يعلم تأويله إلا الله [آل عمران: 7] من العزائم ثم الابتداء بقوله: والراسخون في العلم يقولون آمنا به [آل عمران: 7] . ومما استحسن من كلام مالك أنه سئل عن قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] كيف استوى فقال: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به(4\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1096",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1098",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واجب والسؤال عنه بدعة فلتجر آية الاستواء والمجيء وقوله: لما خلقت بيدي [ص: 75] وقوله: ويبقى وجه ربك [الرحمن: 27] وقوله: تجري بأعيننا [القمر: 14] وما صح من أخبار الرسول كخبر النزول وغيره على ما ذكرنا انتهى كلامه. وقال أبو حامد الغزالي: الصواب للخلف سلوك مسلك السلف في الإيمان المرسل والتصديق المجمل وما قاله الله ورسوله بلا بحث وتفتيش. وقال في كتاب التفرقة: الحق الاتباع والكف عن تغيير الظاهر رأسا والحذر عن اتباع تأويلات لم يصرح بها الصحابة وحسم باب السؤال رأسا والزجر عن الخوض في الكلام والبحث إلى أن قال: ومن الناس من يبادر إلى التأويل ظنا لا قطعا فإن كان فتح هذا الباب والتصريح به يؤدي إلى تشويش قلوب العوام بدع صاحبه وكل ما لم يؤثر عن السلف ذكره وما يتعلق من هذا الجنس بأصول العقائد المهمة فيجب تكفير من يغير الظواهر بغير برهان قاطع. وقال أيضا: كل ما لم يحتمل التأويل في نفسه وتواتر نقله ولم يتصور أن يقوم على خلافه برهان فمخالفته تكذيب محض وما تطرق إليه احتمال تأويل ولو بمجاز بعيد فإن كان برهانه قاطعا وجب القول به وإن كان البرهان يفيد ظنا غالبا ولا يعظم ضرره في الدين فهو بدعة وإن عظم ضرره في الدين فهو كفر. قال: ولم تجر عادة السلف بهذه المجادلات بل شددوا القول على من يخوض في الكلام ويشتغل بالبحث والسؤال. وقال أيضا: الإيمان المستفاد من الكلام ضعيف والإيمان الراسخ إيمان العوام الحاصل في قلوبهم في الصبا بتواتر السماع وبعد البلوغ بقرائن يتعذر التعبير عنها. قال: وقال شيخنا أبو المعالي: يحرص الإمام ما أمكنه على جمع عامة الخلق على سلوك سبيل السلف في ذلك انتهى. وقد اتفقت الأئمة الأربعة على ذم الكلام وأهله وكلام الإمام الشافعي ومذهبه فيهم معروف عند جميع أصحابه وهو أنهم يضربون ويطاف بهم في قبائلهم وعشائرهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام. وقال: لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما كنت أظنه وقال: لأن يبتلى العبد(4\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1097",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1099",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بكل شيء نهي عنه غير الكفر أيسر من أن يبتلى بالكلام وقال لحفص الفرد: أنا أخالفك في كل شيء حتى في قول لا إله إلا الله أنا أقول لا إله إلا الله الذي يرى في الآخرة والذي كلم موسى تكليما وأنت تقول: لا إله إلا الله الذي لا يرى في الآخرة ولا يتكلم. وقال البيهقي: ذكر الشافعي إبراهيم بن إسماعيل بن علية فقال: أنا مخالف له في كل شيء وفي قوله لا إله إلا الله لست أقول كما يقول أنا أقول: لا إله إلا الله الذي كلم موسى من وراء حجاب وذاك يقول: لا إله إلا الله الذي خلق كلاما أسمعه موسى من وراء حجاب. وقال في أول خطبة رسالته: الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به الواصفون من خلقه وهذا تصريح بأنه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه - تعالى وأنه يتعالى ويتنزه عما يصفه به المتكلمون وغيرهم مما لم يصف به نفسه. وقال أبو نصر أحمد بن محمد بن خالد السجزي: سمعت أبي يقول: قلت لأبي العباس بن سريج: ما التوحيد فقال: توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتوحيد أهل الباطل الخوض في الأعراض والأجسام وإنما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإنكار ذلك. وقال بعض أهل العلم: كيف لا يخشى الكذب على الله ورسوله من يحمل كلامه على التأويلات المستنكرة والمجازات المستكرهة التي هي بالألغاز والأحاجي أولى منها بالبيان والهداية وهل يأمن على نفسه أن يكون ممن قال الله فيهم ولكم الويل مما تصفون [الأنبياء: 18] قال الحسن: هي والله لكل واصف كذبا إلى يوم القيامة وهل يأمن أن يتناوله قوله تعالى: وكذلك نجزي المفترين [الأعراف: 152] قال ابن عيينة: هي لكل مفتر من هذه الأمة إلى يوم القيامة وقد نزه - سبحانه - نفسه عن كل ما يصفه به خلقه إلا المرسلين فإنهم إنما يصفونه بما أذن لهم أن يصفوه به فقال تعالى: سبحان ربك رب العزة عما يصفون [الصافات: 180] وسلام على المرسلين [الصافات: 181] وقال تعالى: سبحان الله عما يصفون - إلا عباد الله المخلصين [الصافات: 159 - 160] ويكفي المتأولين كلام الله ورسوله بالتأويلات التي لم يردها ولم يدل عليها كلام الله أنهم قالوا برأيهم على الله وقدموا آراءهم على نصوص الوحي وجعلوها عيارا على كلام الله ورسوله ولو علموا أي باب شر فتحوا(4\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1098",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1100",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على الأمة بالتأويلات الفاسدة وأي بناء للإسلام هدموا بها وأي معاقل وحصون استباحوها لكان أحدهم أن يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتعاطى شيئا من ذلك فكل صاحب باطل قد جعل ما تأوله المتأولون عذرا له فيما تأوله هو وقال: ما الذي حرم علي التأويل وأباحه لكم فتأولت الطائفة المنكرة للمعاد نصوص المعاد وكان تأويلهم من جنس تأويل منكري الصفات بل أقوى منه لوجوه عديدة يعرفها من وازن بين التأويلين وقالوا: كيف نحن نعاقب على تأويلنا وتؤجرون أنتم على تأويلكم قالوا: ونصوص الوحي بالصفات أظهر وأكثر من نصوصه بالمعاد ودلالة النصوص عليها أبين فكيف يسوغ تأويلها بما يخالف ظاهرها ولا يسوغ لنا تأويل نصوص المعاد وكذلك فعلت الرافضة في أحاديث فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة - رضي الله عنهم - وكذلك فعلت المعتزلة في تأويل أحاديث الرؤية والشفاعة وكذلك القدرية في نصوص القدر وكذلك الحرورية وغيرهم من الخوارج في النصوص التي تخالف مذاهبهم وكذلك القرامطة والباطنية طردت الباب وطمث الوادي على القري وتأولت الدين كله فأصل خراب الدين والدنيا إنما هو من التأويل الذي لم يرده الله ورسوله بكلامه ولا دل عليه أنه مراده وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل وهل وقعت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيرة إلا بالتأويل فمن بابه دخل إليها وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل [الأديان السابقة إنما فسدت بالتأويل] وليس هذا مختصا بدين الإسلام فقط بل سائر أديان الرسل لم تزل على الاستقامة والسداد حتى دخلها التأويل فدخل عليها من الفساد ما لا يعلمه إلا رب العباد. وقد تواترت البشارات بصحة نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - في الكتب المتقدمة ولكن سلطوا عليها التأويلات فأفسدوها كما أخبر - سبحانه - عنهم من التحريف والتبديل والكتمان فالتحريف تحريف المعاني بالتأويلات التي لم يردها المتكلم بها والتبديل تبديل لفظ بلفظ آخر والكتمان جحده. وهذه الأدواء الثلاثة منها غيرت الأديان والملل وإذا تأملت دين المسيح وجدت النصارى إنما تطرقوا إلى إفساده بالتأويل بما لا يكاد يوجد قط مثله في شيء من الأديان ودخلوا إلى ذلك من باب التأويل. وكذلك زنادقة الأمم جميعهم إنما تطرقوا إلى إفساد ديانات الرسل صلوات الله وسلامه عليهم بالتأويل ومن بابه دخلوا وعلى أساسه بنوا وعلى نقطه خطوا.(4\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1099",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1101",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دواعي التأويل] والمتأولون أصناف عديدة بحسب الباعث لهم على التأويل وبحسب قصور أفهامهم ووفورها وأعظمهم توغلا في التأويل الباطل من فسد قصده وفهمه فكلما ساء قصده وقصر فهمه كان تأويله أشد انحرافا فمنهم من يكون تأويله لنوع هوى من غير شبهة بل يكون على بصيرة من الحق ومنهم من يكون تأويله لنوع شبهة عرضت له أخفت عليه الحق [ومنهم من يكون تأويله لنوع هدى من غير شبهة بل يكون على بصيرة من الحق] ومنهم من يجتمع له الأمران الهوى في القصد والشبهة في العلم. [بعض آثار التأويل] وبالجملة فافتراق أهل الكتابين وافتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إنما أوجبه التأويل وإنما أريقت دماء المسلمين يوم الجمل وصفين والحرة وفتنة ابن الزبير وهلم جرا بالتأويل وإنما دخل أعداء الإسلام من المتفلسفة والقرامطة والباطنية والإسماعيلية والنصيرية من باب التأويل فما امتحن الإسلام بمحنة قط إلا وسببها التأويل فإن محنته إما من المتأولين وإما أن يسلط عليهم الكفار بسبب ما ارتكبوا من التأويل وخالفوا ظاهر التنزيل وتعللوا بالأباطيل فما الذي أراق دماء بني جذيمة وقد أسلموا غير التأويل حتى رفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه وتبرأ إلى الله من فعل المتأول بقتلهم وأخذ أموالهم وما الذي أوجب تأخر الصحابة - رضي الله عنهم - يوم الحديبية عن موافقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير التأويل حتى اشتد غضبه لتأخرهم عن طاعته حتى رجعوا عن ذلك التأويل وما الذي سفك دم أمير المؤمنين عثمان ظلما وعدوانا وأوقع الأمة فيما أوقعها فيه حتى الآن غير التأويل وما الذي سفك دم علي - رضي الله عنه - وابنه الحسين وأهل بيته - رضي الله تعالى عنهم - غير التأويل وما الذي أراق دم عمار بن ياسر وأصحابه غير التأويل وما الذي أراق دم ابن الزبير وحجر بن عدي وسعيد بن جبير وغيرهم من سادات الأمة غير التأويل وما الذي أريقت عليه دماء العرب في فتنة أبي مسلم غير التأويل وما الذي جرد الإمام أحمد بين العقابين وضرب السياط حتى عجت الخليقة إلى ربها تعالى غير التأويل وما الذي قتل الإمام أحمد بن نصر الخزاعي وخلد خلقا من العلماء في السجون حتى ماتوا غير التأويل وما الذي سلط سيوف التتار على دار الإسلام حتى ردوا أهلها غير التأويل وهل دخلت طائفة الإلحاد من أهل الحلول والاتحاد إلا من باب التأويل وهل فتح باب التأويل إلا مضادة ومناقضة لحكم الله في تعليمه عباده البيان الذي امتن الله في كتابه على الإنسان بتعليمه(4\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1100",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1102",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إياه فالتأويل بالألغاز والأحاجي والأغلوطات أولى منه بالبيان والتبيين وهل فرق بين دفع حقائق ما أخبرت به الرسل عن الله وأمرت به بالتأويلات الباطلة المخالفة له وبين رده وعدم قبوله ولكن هذا رد جحود ومعاندة وذاك رد خداع ومصانعة. قال أبو الوليد بن رشد المالكي في كتابه المسمى بالكشف عن مناهج الأدلة quot; وقد ذكر التأويل وجنايته على الشريعة إلى أن قال: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه [آل عمران: 7] هؤلاء أهل الجدل والكلام وأشد ما عرض على الشريعة من هذا الصنف أنهم تأولوا كثيرا مما ظنوه ليس على ظاهره وقالوا: إن هذا التأويل هو المقصود به وإنما أمر الله به في صورة المتشابه ابتلاء لعباده واختبارا لهم ونعوذ بالله من سوء الظن بالله بل نقول: إن كتاب الله العزيز إنما جاء معجزا من جهة الوضوح والبيان فما أبعد من مقصد الشارع من قال فيما ليس بمتشابه: إنه متشابه ثم أول ذلك المتشابه بزعمه وقال لجميع الناس: إن فرضكم هو اعتقاد هذا التأويل مثل ما قالوه في آية الاستواء على العرش وغير ذلك مما قالوا: إن ظاهره متشابه ثم قال: وبالجملة فأكثر التأويلات التي زعم القائلون بها أنها المقصود من الشرع إذا تأملت وجدت ليس يقوم عليها برهان. [مثل المتأولين] إلى أن قال: ومثال من أول شيئا من الشرع وزعم أن ما أوله هو الذي قصده الشرع مثال من أتى إلى دواء قد ركبه طبيب ماهر ليحفظ صحة جميع الناس أو أكثرهم فجاء رجل فلم يلائمه ذلك الدواء الأعظم لرداءة مزاج كان به ليس يعرض إلا للأقل من الناس فزعم أن بعض تلك الأدوية التي صرح باسمها الطبيب الأول في ذلك الدواء العام المنفعة لم يرد به ذلك الدواء العام الذي جرت العادة في اللسان أن يدل بذلك الاسم عليه وإنما أراد به دواء آخر مما يمكن أن يدل عليه بذلك باستعارة بعيدة فأزال ذلك الدواء الأول من ذلك المركب الأعظم وجعل فيه بدله الدواء الذي ظن أنه قصده الطبيب وقال للناس: هذا هو الذي قصده الطبيب الأول فاستعمل الناس ذلك الدواء المركب على الوجه الذي تأوله عليه هذا المتأول ففسدت أمزجة كثير من الناس فجاء آخرون فشعروا بفساد أمزجة الناس من ذلك الدواء المركب فراموا إصلاحه بأن بدلوا بعض أدويته بدواء آخر غير الدواء الأول فعرض من ذلك للناس نوع من المرض غير النوع الأول فجاء ثالث فتأول من أدوية ذلك المركب غير التأويل الأول والثاني فعرض للناس من ذلك نوع ثالث من المرض غير النوعين المتقدمين فجاء متأول رابع فتأول دواء آخر غير الأدوية المتقدمة فعرض منه للناس نوع رابع من المرض غير الأمراض المتقدمة فلما طال الزمان بهذا(4\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1101",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1103",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدواء المركب الأعظم وسلط الناس التأويل على أدويته وغيروها وبدلوها عرض منه للناس أمراض شتى حتى فسدت المنفعة المقصودة بذلك الدواء المركب في حق أكثر الناس وهذه هي حالة الفرق الحادثة في هذه الشريعة مع الشريعة وذلك أن كل فرقة منهم تأولت غير التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى وزعمت أنه هو الذي قصده صاحب الشرع حتى تمزق الشرع كل ممزق وبعد جدا عن موضوع الأول ولما علم صاحب الشرع - صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله - أن مثل هذا يعرض ولا بد في شريعته قال - صلى الله عليه وسلم -: ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة يعني بالواحدة التي سلكت ظاهر الشرع ولم تؤوله. وأنت إذا تأملت ما عرض في هذه الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض فيها من قبل التأويل تبينت أن هذا المثال صحيح. وأول من غير هذا الدواء الأعظم هم الخوارج ثم المعتزلة بعدهم ثم الأشعرية ثم الصوفية ثم جاء أبو حامد فطم الوادي على القرى هذا كلامه بلفظه. ولو ذهبنا نستوعب ما جناه التأويل على الدنيا والدين وما نال الأمم قديما وحديثا بسببه من الفساد لاستدعى ذلك عدة أسفار والله المستعان.  [لا يعمل بالفتوى حتى يطمئن لها قلب المستفتي] [لا يعمل بالفتوى حتى يطمئن لها قلب المستفتي] الفائدة السادسة والخمسون: لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئن نفسه وحاك في صدره من قبوله وتردد فيها لقوله - صلى الله عليه وسلم -: استفت نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك فيجب عليه أن يستفتي نفسه أولا ولا تخلصه فتوى المفتي من الله إذا كان يعلم أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه كما لا ينفعه قضاء القاضي له بذلك كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: من قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من نار والمفتي والقاضي في هذا سواء ولا يظن المستفتي أن مجرد فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن سواء تردد أو حاك في صدره لعلمه بالحال في الباطن أو لشكه فيه أو لجهله به أو لعلمه جهل المفتي أو محاباته في فتواه أو عدم تقييده بالكتاب والسنة أو لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرخص المخالفة للسنة وغير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه وسكون النفس إليها فإن كان عدم الثقة والطمأنينة لأجل المفتي يسأل ثانيا وثالثا حتى تحصل له الطمأنينة فإن لم يجد فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها والواجب تقوى الله بحسب الاستطاعة. فإن كان في البلد مفتيان أحدهما أعلم من الآخر فهل يجوز استفتاء المفضول مع(4\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1102",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1104",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجود الفاضل فيه قولان للفقهاء وهما وجهان لأصحاب الشافعي وأحمد فمن جوز ذلك رأى أنه يقبل قوله إذا كان وحده فوجود من هو أفضل منه لا يمنع من قبول قوله كالشاهد ومن منع استفتاءه قال: المقصود حصول ما يغلب على الظن الإصابة وغلبة الظن بفتوى الأعلم أقوى فيتعين والحق التفصيل بأن المفضول إن ترجح بديانة أو ورع أو تحر للصواب وعدم ذلك الفاضل فاستفتاء المفضول جائز إن لم يتعين وإن استويا فاستفتاء الأعلم أولى والله أعلم.  [الترجمان عند المفتي] [الترجمان عند المفتي] الفائدة السابعة والخمسون: إذا لم يعرف المفتي لسان السائل أو لم يعرف المستفتي لسان المفتي أجزأ ترجمة واحد بينهما لأنه خبر محض فيكتفى فيه بواحد كأخبار الديانات [والطب] وطرد هذا الاكتفاء بترجمة الواحد في الجرح والتعديل والرسالة والدعوى والإقرار والإنكار بين يدي الحاكم والتعريف في إحدى الروايتين وهي مذهب أبي حنيفة واختارها أبو بكر إجراء لها مجرى الخبر. والرواية الثانية لا يقبل في هذه المواضع أقل من اثنين إجراء لها مجرى الشهادة وسلوكا بها سبيلها لأنها تثبت الإقرار عند الحاكم وتثبت عدالة الشهود وجرحهم فافتقرت إلى العدد كما لو شهد على إقراره شاهد واحد فإنه لا يكتفى به وهذا بخلاف ترجمة الفتوى والسؤال فإنه خبر محض فافترقا.  [ما يصنع المفتي في جواب سؤال يحتمل عدة صور] [ما يصنع المفتي في جواب سؤال يحتمل عدة صور] الفائدة الثامنة والخمسون: إذا كان السؤال محتملا لصور عديدة فإن لم يعلم المفتي الصورة المسئول عنها لم يجب عن صورة واحدة منها وإن علم الصورة المسئول عنها فله أن يخصها بالجواب ولكن يقيد لئلا يتوهم أن الجواب عن غيرها فيقول: إن كان الأمر كيت وكيت أو كان المسئول عنه كذا وكذا فالجواب كذا وكذا وله أن يفرد كل صورة بجواب فيفصل الأقسام المحتملة ويذكر حكم كل قسم ومنع بعضهم من ذلك لوجهين أحدهما: أنه ذريعة إلى تعليم الحيل وفتح باب لدخول المستفتي وخروجه من حيث شاء الثاني: أنه سبب لازدحام أحكام تلك الأقسام على فهم العامي فيضيع مقصوده. والحق التفصيل فيكره حيث استلزم ذلك ولا يكره - بل يستحب - إذا كان فيه زيادة إيضاح وبيان وإزالة لبس وقد فصل النبي - صلى الله عليه وسلم - في كثير من أجوبته بقوله: إن كان كذا فالأمر كذا كقوله في الذي وقع على جارية امرأته: إن كان استكرهها فهي حرة وعليه(4\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1103",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1105",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لسيدتها مثلها وإن كانت مطاوعة فهي له وعليه لسيدتها مثلها : وهذا كثير في فتاويه - صلى الله عليه وسلم -] .  [ينبغي للمفتي أن يكون حذرا]] الفائدة التاسعة والخمسون: وهي مما ينبغي التفطن له: إن رأى المفتي خلال السطور بياضا يحتمل أن يلحق به ما يفسد الجواب فليحترز منه فربما دخل من ذلك عليه مكروه فإما أن يأمر بكتابة غير الورقة وإما أن يخط على البياض أو يشغله بشيء كما يحترز منه كتاب الوثائق والمكاتيب. وبالجملة فليكن حذرا فطنا ولا يحسن ظنه بكل أحد وهذا الذي حمل بعض المفتين على أنه كان يقيد السؤال عنده في ورقة ثم يجيب في ورقة السائل ومنهم من كان يكتب السؤال في ورقة من عنده ثم يكتب الجواب وليس شيء من ذلك بلازم والاعتماد على قرائن الأحوال ومعرفة الواقع والعادة. [وينبغي له أن يشاور من يثق به] الفائدة الستون: إن كان عنده من يثق بعلمه ودينه فينبغي له أن يشاوره ولا يستقل بالجواب ذهابا بنفسه وارتفاعا بها أن يستعين على الفتاوى بغيره من أهل العلم وهذا من الجهل فقد أثنى الله سبحانه على المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم وقال تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: وشاورهم في الأمر وقد كانت المسألة تنزل بعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فيستشير لها من حضر من الصحابة وربما جمعهم وشاورهم حتى كان يشاور ابن عباس - رضي الله عنهما - وهو إذ ذاك أحدث القوم سنا وكان يشاور عليا كرم الله وجهه وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم - رضي الله عنهم - أجمعين ولا سيما إذا قصد بذلك تمرين أصحابه وتعليمهم وشحذ أذهانهم. قال البخاري في صحيحه: quot; باب إلقاء العالم المسألة على أصحابه quot; وأولى ما ألقى عليهم المسألة التي سئل عنها هذا ما لم يعارض ذلك مفسدة من إفشاء سر السائل أو تعريضه للأذى أو مفسدة لبعض الحاضرين فلا ينبغي له أن يرتكب ذلك وكذلك الحكم في عابر الرؤيا فالمفتي والمعبر والطيب يطلعون من أسرار الناس وعوراتهم على ما لا يطلع عليه غيرهم فعليهم استعمال الستر فيما لا يحسن إظهاره.  [يجمل بالمفتي أن يكثر من الدعاء لنفسه بالتوفيق] الفائدة الحادية والستون: حقيق بالمفتي أن يكثر الدعاء بالحديث الصحيح اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم(4\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1104",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1106",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم وكان شيخنا كثير الدعاء بذلك وكان إذا أشكلت عليه المسائل يقول quot; يا معلم إبراهيم علمني quot; ويكثر الاستعانة بذلك اقتداء بمعاذ بن جبل - رضي الله عنه - حيث قال لمالك بن يخامر السكسكي عند موته وقد رآه يبكي فقال: والله ما أبكي على دنيا كنت أصيبها منك ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنت أتعلمهما منك فقال معاذ بن جبل - رضي الله عنه -: إن العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما اطلب العلم عند أربعة: عند عويمر أبي الدرداء وعند عبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري وذكر الرابع فإن عجز عنه هؤلاء فسائر أهل الأرض عنه أعجز فعليك بمعلم إبراهيم صلوات الله عليه. وكان بعض السلف يقول عند الإفتاء: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. وكان مكحول يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله وكان مالك يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله العلي العظيم وكان بعضهم يقول: رب اشرح لي صدري [طه: 25] ويسر لي أمري [طه: 26] واحلل عقدة من لساني [طه: 27] يفقهوا قولي [طه: 28] وكان بعضهم يقول: اللهم وفقني واهدني وسددني واجمع لي بين الصواب والثواب وأعذني من الخطأ والحرمان. وكان بعضهم يقرأ الفاتحة وجربنا نحن ذلك فرأيناه أقوى أسباب الإصابة. والمعول في ذلك كله على حسن النية وخلوص القصد وصدق التوجه في الاستمداد من المعلم الأول معلم الرسل والأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم فإنه لا يرد من صدق في التوجه إليه لتبليغ دينه وإرشاد عبيده ونصيحتهم والتخلص من القول عليه بلا علم فإذا صدقت نيته ورغبته في ذلك لم يعدم أجرا إن فاته أجران والله المستعان. وسئل الإمام أحمد فقيل له: ربما اشتد علينا الأمر من جهتك فلمن نسأل بعدك فقال: سلوا عبد الوهاب الوراق فإنه أهل أن يوفق للصواب. واقتدى الإمام أحمد بقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: اقتربوا من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون فإنهم تجلى لهم أمور صادقة وذلك لقرب قلوبهم من الله وكلما قرب القلب من الله زالت عنه معارضات السوء وكان نور كشفه للحق أتم وأقوى وكلما بعد عن الله كثرت عليه(4\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1105",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1107",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعارضات وضعف نور كشفه للصواب فإن العلم نور يقذفه الله في القلب يفرق به العبد بين الخطأ والصواب. وقال مالك للشافعي - رضي الله عنهما - في أول ما لقيه: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بظلمة المعصية وقد قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا [الأنفال: 29] ومن الفرقان النور الذي يفرق به العبد بين الحق والباطل وكلما كان قلبه أقرب إلى الله كان فرقانه أتم وبالله التوفيق.  [لا يسع المفتي أن يجعل غرض السائل سائق حكمه] [لا يسع المفتي أن يجعل غرض السائل سائق حكمه] الفائدة الثانية والستون: قد تكرر لكثير من أهل الإفتاء الإمساك عما يفتون بها مما يعلمون أنه الحق إذا خالف غرض السائل ولم يوافقه وكثير منهم يسأله عن غرضه فإن صادفه عنه كتب له وإلا دله على مفت أو مذهب يكون غرضه عنده وهذا غير جائز على الإطلاق بل لا بد فيه من تفصيل فإن كان المسئول عنه من مسائل العلم والسنة أو من المسائل العلميات التي فيها نص عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يسع المفتي تركه إلى غرض السائل بل لا يسعه توقفه في الإفتاء به على غرض السائل بل ذلك إثم عظيم وكيف يسعه من الله أن يقدم غرض السائل على الله ورسوله وإن كانت المسألة من المسائل الاجتهادية التي يتجاذب أعنتها الأقوال والأقيسة فإن لم يترجح له قول منها لم يسع له أن يترجح لغرض السائل وإن ترجح له قول منها وظن أنه الحق فأولى بذلك فإن السائل إنما يسأل عما يلزمه في الحكم ويسعه عند الله فإن عرفه المفتي أفتاه به سواء وافق غرضه أو خالفه ولا يسعه ذلك أيضا إذا علم أن السائل يدور على من يفتيه بغرضه في تلك المسألة فيجعل استفتاءه تنفيذا لغرضه لا تعبدا لله بأداء حقه ولا يسعه أن يدله على غرضه أين كان بل ولا يجب عليه أن يفتي هذا الضرب من الناس فإنهم لا يستفتون ديانة وإنما يستفتون توصلا إلى حصول أغراضهم بأي طريق اتفق فلا يجب على المفتي مساعدتهم فإنهم لا يريدون الحق بل يريدون أغراضهم بأي طريق وافق ولهذا إذا وجدوا أغراضهم في أي مذهب اتفق اتبعوه في ذلك الموضع وتمذهبوا به كما يفعله أرباب الخصومات بالدعاوى عند الحكام ولا يقصد أحدهم حاكما بعينه بل أي حاكم نفذ غرضه عنده صار إليه. وقال شيخنا - رحمه الله - مرة: أنا مخير بين إفتاء هؤلاء وتركهم فإنهم لا يستفتون للدين بل لوصولهم إلى أغراضهم حيث كانت ولو وجدوها عند غيري لم يجيئوا إلي(4\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1106",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1108",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بخلاف من يسأل عن دينه وقد قال الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - في حق من جاءه يتحاكم إليه لأجل غرضه لا لالتزامه لدينه - صلى الله عليه وسلم - من أهل الكتاب فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا [المائدة: 42] فهؤلاء لما لم يلتزموا دينه لم يلزمه الحكم بينهم والله تعالى أعلم.  [ذكر المفتى الفتوى مع دليلها] [ذكر الفتوى مع دليلها أولى] الفائدة الثالثة والستون: عاب بعض الناس ذكر الاستدلال في الفتوى وهذا العيب أولى بالعيب بل جمال الفتوى وروحها هو الدليل فكيف يكون ذكر كلام الله ورسوله وإجماع المسلمين وأقوال الصحابة - رضوان الله عليهم - والقياس الصحيح عيبا وهل ذكر قول الله ورسوله إلا طراز الفتاوى وقول المفتي ليس بموجب للأخذ به فإذا ذكر الدليل فقد حرم على المستفتي أن يخالفه وبرئ هو من عهدة الفتوى بلا علم وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأل عن المسألة فيضرب لها الأمثال ويشبهها بنظائرها هذا وقوله وحده حجة فما الظن بمن ليس قوله بحجة ولا يجب الأخذ به وأحسن أحواله وأعلاها أن يسوغ له قبول قوله وهيهات أن يسوغ بلا حجة وقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سئل أحدهم عن مسألة أفتى بالحجة نفسها فيقول: قال الله كذا وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذا أو فعل كذا فيشفي السائل ويبلغ القائل وهذا كثير جدا في فتاويهم لمن تأملها ثم جاء التابعون والأئمة بعدهم فكان أحدهم يذكر الحكم ثم يستدل عليه وعلمه يأبى أن يتكلم بلا حجة والسائل يأبى قبول قوله بلا دليل. ثم طال الأمد وبعد العهد بالعلم وتقاصرت الهمم إلى أن صار بعضهم يجيب بنعم أو لا فقط ولا يذكر للجواب دليلا ولا مأخذا ويعترف بقصوره وفضل من يفتي بالدليل ثم نزلنا درجة أخرى إلى أن وصلت الفتوى إلى عيب من يفتي بالدليل وذمه ولعله أن يحدث للناس طبقة أخرى لا يدرى ما حالهم في الفتاوى والله المستعان.  [هل يقلد المفتي الميت إذا علم عدالته] [هل يقلد المفتي الميت إذا علم عدالته] الفائدة الرابعة والستون: هل يجوز للمفتي تقليد الميت إذا علم عدالته وأنه مات عليها من غير أن يسأل الحي فيه وجهان لأصحاب أحمد والشافعي أصحهما له ذلك فإن المذاهب لا تبطل بموت أصحابها ولو بطلت بموتهم لبطل ما بأيدي الناس من الفقه عن أئمتهم ولم يسغ لهم تقليدهم والعمل بأقوالهم وأيضا لو بطلت أقوالهم بموتهم لم يعتد بهم في الإجماع والنزاع ولهذا لو شهد الشاهدان ثم ماتا بعد الأداء وقبل الحكم(4\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1107",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1109",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بشهادتهما لم تبطل شهادتهما وكذلك الراوي لا تبطل روايته بموته فكذلك المفتي لا تبطل فتواه بموته ومن قال: تبطل فتواه بموته قال: أهليته زالت بموته ولو عاش لوجب عليه تجديد الاجتهاد ولأنه قد يتغير اجتهاده وممن حكى الوجهين في المفتي أبو الخطاب فقال: إن مات المفتي قبل عمل المستفتي فله العمل بها وقيل: لا يعمل بها والله أعلم.  [تكررت الواقعة فهل يستفتي من جديد] [إذا تكررت الواقعة فهل يستفتي من جديد] الفائدة الخامسة والستون: إذا استفتاه عن حكم حادثة فأفتاه وعمل بقوله ثم وقعت له مرة ثانية فهل له أن يعمل بتلك الفتوى الأولى أم يلزمه الاستفتاء مرة ثانية فيه وجهان لأصحاب أحمد والشافعي فمن لم يلزمه بذلك قال: الأصل بقاء ما كان على ما كان فله أن يعمل بالفتوى وإن أمكن تغير اجتهاده كما أن له أن يعمل بها بعد مدة من وقت الإفتاء وإن جاز تغير اجتهاده ومن منعه من ذلك قال: ليس على ثقة من بقاء المفتي على اجتهاده الأول فلعله أن يرجع عنه فيكون المستفتي قد عمل بما هو خطأ عند من استفتاه ولهذا رجح بعضهم العمل بقول الميت على قول الحي واحتجوا بقول ابن مسعود: من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة  [هل يلزم استفتاء الأعلم إذا تعدد المفتون] [هل يلزم استفتاء الأعلم] الفائدة السادسة والستون: هل يلزم المستفتي أن يجتهد في أعيان المفتين ويسأل الأعلم والأدين أم لا يلزمه ذلك فيه مذهبان كما سبق وبينا مأخذهما والصحيح أنه يلزمه لأنه المستطاع من تقوى الله - تعالى - المأمور بها كل أحد وتقدم أنه إذا اختلف عليه مفتيان أحدهما أورع والآخر أعلم فأيهما يجب تقليده فيه ثلاثة مذاهب سبق توجيهها.  [هل يلزم العامي أن يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة أم لا] وهل يلزم العامي أن يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة أم لا فيه مذهبان: [هل على العامي أن يتمذهب بمذهب واحد من الأربعة أو غيرهم] أحدهما: لا يلزمه وهو الصواب المقطوع به إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دينه دون غيره وقد انطوت القرون الفاضلة مبرأة مبرأ أهلها من هذه النسبة بل لا يصح للعامي مذهب ولو تمذهب به فالعامي لا مذهب له لأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال ويكون بصيرا بالمذاهب على حسبه أو لمن قرأ كتابا في فروع ذلك المذهب وعرف فتاوى إمامه وأقواله وأما من لم يتأهل لذلك ألبتة بل قال: أنا شافعي أو(4\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1108",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1110",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حنبلي أو غير ذلك لم يصر كذلك بمجرد القول كما لو قال: أنا فقيه أو نحوي أو كاتب لم يصر كذلك بمجرد قوله. يوضحه أن القائل إنه شافعي أو مالكي أو حنفي يزعم أنه متبع لذلك الإمام سالك طريقه وهذا إنما يصح له إذا سلك سبيله في العلم والمعرفة والاستدلال فأما مع جهله وبعده جدا عن سيرة الإمام وعلمه وطريقه فكيف يصح له الانتساب إليه إلا بالدعوى المجردة والقول الفارغ من كل معنى والعامي لا يتصور أن يصح له مذهب ولو تصور ذلك لم يلزمه ولا لغيره ولا يلزم أحدا قط أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة بحيث يأخذ أقواله كلها ويدع أقوال غيره. وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام وهم أعلى رتبة وأجل قدرا وأعلم بالله ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة. فيالله العجب ماتت مذاهب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومذاهب التابعين وتابعيهم وسائر أئمة الإسلام وبطلت جملة إلا مذاهب أربعة أنفس فقط من بين سائر الأئمة والفقهاء وهل قال ذلك أحد من الأئمة أو دعا إليه أو دلت عليه لفظة واحدة من كلامه عليه والذي أوجبه الله - تعالى ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامة لا يختلف الواجب ولا يتبدل وإن اختلفت كيفيته أو قدره باختلاف القدرة والعجز والزمان والمكان والحال فذلك أيضا تابع لما أوجبه الله ورسوله ومن صحح للعامي مذهبا قال: هو قد اعتقد أن هذا المذهب الذي انتسب إليه هو الحق فعليه الوفاء بموجب اعتقاده وهذا الذي قاله هؤلاء لو صح للزم منه تحريم استفتاء أهل غير المذهب الذي انتسب إليه وتحريم تمذهبه بمذهب نظير إمامه أو أرجح منه أو غير ذلك من اللوازم التي يدل فسادها على فساد ملزوماتها بل يلزم منه أنه إذا رأى نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو قول خلفائه الأربعة مع غير إمامه أن يترك النص وأقوال الصحابة ويقدم عليها قول من انتسب إليه. وعلى هذا فله أن يستفتي من شاء من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم ولا يجب عليه ولا على المفتي أن يتقيد بأحد من الأئمة الأربعة بإجماع الأمة كما لا يجب على العالم أن يتقيد بحديث أهل بلده أو غيره من البلاد بل إذا صح الحديث وجب عليه العمل به حجازيا(4\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1109",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1111",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان أو عراقيا أو شاميا أو مصريا أو يمنيا وكذلك لا يجب على الإنسان التقيد بقراءة السبعة المشهورين باتفاق المسلمين بل إذا وافقت القراءة رسم المصحف الإمام وصحت في العربية وصح سندها جازت القراءة بها وصحت الصلاة بها اتفاقا بل لو قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان وقد قرأ بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة بعده جازت القراءة بها ولم تبطل الصلاة بها على أصح الأقوال والثاني تبطل الصلاة بها وهاتان روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد والثالث: إن قرأ بها في ركن لم يكن مؤديا لفرضه وإن قرأ بها في غيره لم تكن مبطلة وهذا اختيار أبي البركات بن تيمية قال: لأنه لم يتحقق الإتيان بالركن في الأول ولا الإتيان بالمبطل في الثاني ولكن ليس له أن يتبع رخص المذاهب وأخذ غرضه من أي مذهب وجده فيه بل عليه اتباع الحق بحسب الإمكان.  [ما الحكم إذا اختلف مفتيان] الفائدة السابعة والستون: فإن اختلف عليه مفتيان فأكثر فهل يأخذ بأغلظ الأقوال أو بأخفها أو يتخير أو يأخذ بقول الأعلم أو الأورع أو يعدل إلى مفت آخر فينظر من يوافق من الأولين فيعمل بالفتوى التي يوقع عليها أو يجب عليه أن يتحرى ويبحث عن الراجح بحسبه فيه سبعة مذاهب أرجحها السابع فيعمل كما يعمل عند اختلاف الطريقين أو الطبيبين أو المشيرين كما تقدم وبالله التوفيق.  [هل يجب العمل بفتوى المفتي] [هل يجب العمل بفتوى المفتي] الفائدة الثامنة والستون: إذا استفتى فأفتاه المفتي فهل تصير فتواه موجبة على المستفتي العمل بها بحيث يكون عاصيا إن لم يعمل بها أو لا يوجب عليه العمل فيه أربعة أوجه لأصحابنا وغيرهم أحدها أنه لا يلزمه العمل بها إلا أن يلتزمه هو والثاني أنه يلزمه إذا شرع في العمل فلا يجوز له حينئذ الترك والثالث أنه إن وقع في قلبه صحة فتواه وأنها حق لزمه العمل بها والرابع: أنه إذا لم يجد مفتيا آخر لزمه الأخذ بفتياه فإن فرضه التقليد وتقوى الله ما استطاع وهذا هو المستطاع في حقه وهو غاية ما يقدر عليه وإن وجد مفتيا آخر فإن وافق الأول فأبلغ في لزوم العمل وإن خالفه فإن استبان له الحق في إحدى الجهتين لزمه العمل به وإن لم يستبن له الصواب فهل يتوقف أو يأخذ بالأحوط أو يتخير أو يأخذ بالأسهل فيه وجوه تقدمت.  [العمل بخط المفتي وما يشبه ذلك] [العمل بخط المفتي وما يشبه ذلك] الفائدة التاسعة والستون: يجوز له العمل بخط المفتي وإن لم يسمع الفتوى من لفظه(4\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1110",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1112",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا عرف أنه خطه أو أعلمه به من يسكن إلى قوله ويجوز له قبول قول الرسول إن هذا خطه وإن كان عبدا أو امرأة أو صبيا أو فاسقا كما يقبل قوله في الهدية والإذن في دخول الدار اعتمادا على القرائن والعرف وكذا يجوز اعتماد الرجل على ما يجده من كتابة الوقف على كتاب أو رباط أو خان أو نحوه فيدخله وينتفع به وكذلك يجوز له الاعتماد على ما يجده بخط أبيه في برنامجه أن له على فلان كذا وكذا فيحلف على الاستحقاق وكذا يجوز للمرأة الاعتماد على خط الزوج أنه أبانها فلها أن تتزوج بناء على الخط وكذا الوصي والوارث يعتمد على خط الموصي فينفذ ما فيه وإن لم يشهد شاهدان وكذا إذا كتب الراوي إلى غيره حديثا جاز له أن يعتمد عليه ويعمل به ويرويه بناء على الخط إذا تيقن ذلك كله هذا عمل الأمة قديما وحديثا من عهد نبينا - صلى الله عليه وسلم - وإلى الآن وإن أنكره من أنكره. ومن العجب أن من أنكر ذلك وبالغ في إنكاره ليس معه فيما يفتي به إلا مجرد كتاب قيل: إنه كتاب فلان فهو يقضي به ويفتي ويحل ويحرم ويقول: هكذا في الكتاب والله الموفق. وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرسل كتبه إلى الملوك وإلى الأمم يدعوهم إلى الإسلام فتقوم عليهم الحجة بكتابه وهذا أظهر من أن ينكر وبالله التوفيق.  [حدثت حادثة ليس فيها قول لأحد من العلماء] [ما العمل إذا حدثت حادثة ليس فيها قول لأحد من العلماء] الفائدة السبعون: إذا حدثت حادثة ليس فيها قول لأحد من العلماء فهل يجوز الاجتهاد فيها بالإفتاء والحكم أم لا فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يجوز وعليه تدل فتاوى الأئمة وأجوبتهم فإنهم كانوا يسألون عن حوادث لم تقع قبلهم فيجتهدون فيها وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر وهذا يعم ما اجتهد فيه مما لم يعرف فيه قول من قبله وما عرف فيه أقوالا واجتهد في الصواب منها وعلى هذا درج السلف والخلف والحاجة داعية إلى ذلك لكثرة الوقائع واختلاف الحوادث ومن له مباشرة لفتاوى الناس يعلم أن المنقول وإن اتسع غاية الاتساع فإنه لا يفي بوقائع العالم جميعا وأنت إذا تأملت الوقائع رأيت مسائل كثيرة واقعة وهي غير منقولة ولا يعرف فيها كلام لأئمة المذاهب ولا لأتباعهم. والثاني: لا يجوز له الإفتاء ولا الحكم بل يتوقف حتى يظفر فيها بقائل قال الإمام أحمد لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام.(4\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1111",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1113",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثالث: يجوز ذلك في مسائل الفروع لتعلقها بالعمل وشدة الحاجة إليها وسهولة خطرها ولا يجوز في مسائل الأصول. والحق التفصيل وأن ذلك يجوز - بل يستحب أو يجب - عند الحاجة وأهلية المفتي والحاكم فإن عدم الأمران لم يجز وإن وجد أحدهما دون الآخر احتمل الجواز والمنع والتفصيل فيجوز للحاجة دون عدمها والله أعلم  [فصل من فتاوى إمام المفتين] [فصل: فتاوى في مسائل من العقيدة] فصل: ولنختم الكتاب بذكر فصول يسير قدرها عظيم أمرها من فتاوى إمام المفتين ورسول رب العالمين تكون روحا لهذا الكتاب ورقما على جلة هذا التأليف. [فتاوى في مسائل من العقيدة] فصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن رؤية المؤمنين ربهم - تبارك وتعالى - فقال: هل تضارون في رؤية الشمس صحوا في الظهيرة ليس دونها سحاب قالوا: لا فقال هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس دونه سحاب قالوا: لا قال فإنكم ترونه كذلك متفق عليه. وسئل: كيف نراه ونحن ملء الأرض وهو واحد فقال أنبئكم عن ذلك في آلاء الله الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ويريانكم ساعة واحدة لا تضارون في رؤيتهما ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه ذكره أحمد.  وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - سئل عن مسألة القدر وما يعمل الناس فيه أمر قد قضي وفرغ منه أم أمر يستأنف فقال بل أمر قد قضي وفرغ منه فسئل حينئذ: ففيم العمل فأجاب بقوله اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ قوله تعالى: فأما من أعطى واتقى [الليل: 5] إلى آخر الآيتين  ذكره مسلم.  وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عما يكتمه الناس في ضمائرهم هل يعلمه الله فقال نعم ذكره مسلم.  وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل: أين كان ربنا قبل أن تخلق السموات والأرض فلم ينكر على السائل وقال: كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء ذكره أحمد.(4\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1112",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1114",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن مبدأ تخليق هذا العالم فأجاب بأن قال: كان والله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ذكره البخاري.  وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض فقال على الصراط وفي لفظ آخر هم في الظلمة دون الجسر فسئل: من أول الناس إجازة فقال فقراء المهاجرين ذكره مسلم ولا تنافي بين الجوابين فإن الظلمة أول الصراط فهناك مبدأ التبديل وتمامه وهم على الصراط.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى: فسوف يحاسب حسابا يسيرا [الانشقاق: 8] فقال ذلك العرض ذكره مسلم.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن أول طعام يأكله أهل الجنة فقال: زيادة كبد الحوت فسئل - صلى الله عليه وسلم -: ما غذاؤهم على أثره فقال ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها فسئل - صلى الله عليه وسلم -: ما شرابهم عليه فيها فقال من عين فيها تسمى سلسبيلا ذكره مسلم.  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: هل رأيت ربك فقال نور أنى أراه ذكره مسلم فذكر الجواز ونبه على المانع من الرؤية وهو النور الذي هو حجاب الرب تعالى الذي لو كشفه لم يقم له شيء.  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله كيف يجمعنا ربنا بعدما تمزقنا الرياح والبلى والسباع فقال للسائل أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله الأرض أشرفت عليها وهي مدرة بالية فقالت: لا تحيي أبدا ثم أرسل ربك عليها السماء فلم تلبث عليك إلا أياما ثم أشرفت عليها وهي شرية واحدة ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعهم من الماء على أن يجمع نبات الأرض ذكره أحمد.  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله ما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه فقال تعرضون عليه بادية له صفحاتكم لا تخفى عليه خافية منكم فيأخذ ربك عز وجل بيده غرفة من الماء فينضح بها قلبكم فلعمر إلهك ما يخطي وجه واحد منكم منها قطرة فأما المسلم فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء وأما الكافر فتحطمه بمثل الحميم الأسود ذكره أحمد.  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: بم نبصر وقد حبس الشمس والقمر فقال للسائل بمثل بصرك ساعتك هذه وذلك مع طلوع الشمس وذلك في يوم أشرقت فيه الأرض ثم واجهته الجبال فسئل - صلى الله عليه وسلم -: بم نجزى من حسناتنا وسيئاتنا فقال الحسنة بعشرة أمثالها والسيئة بمثلها أو(4\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1113",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1115",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعفو . فسئل - صلى الله عليه وسلم - على ماء يطلع من الجنة فقال على أنهار من عسل مصفى وأنهار من كأس ما بها من صداع ولا ندامة وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وماء غير آسن وفاكهة لعمر إلهك مما تعلمون وخير من مثله معه وأزواج مطهرة فسئل - صلى الله عليه وسلم -: ألنا فيها أزواج فقال الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذونكم غير أن لا توالد ذكره أحمد.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن كيفية إتيان الوحي إليه فقال يأتيني أحيانا مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا متفق عليه.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن شبه الولد بأبيه تارة وبأمه تارة فقال إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة كان الشبه له وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل فالشبه لها متفق عليه. وأما ما رواه مسلم في صحيحه أنه قال إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكر الرجل بإذن الله واذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنث بإذن الله فكان شيخنا يتوقف في كون هذا اللفظ محفوظا ويقول: المحفوظ هو اللفظ الأول. والإذكار والإيناث ليس له سبب طبيعي وإنما هو بأمر الرب تبارك - وتعالى - للملك أن يخلقه كما يشاء ولهذا جعل مع الرزق والأجل والسعادة والشقاوة. قلت: فإن كان هذا اللفظ محفوظا فلا تنافي بينه وبين اللفظ الأول ويكون سبق الماء سببا للشبه وعلوه على ماء الآخر سببا للإذكار والإيناث والله أعلم.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من ذراريهم ونسائهم فقال هم منهم حديث صحيح ومراده - صلى الله عليه وسلم - بكونهم منهم التبعية في أحكام الدنيا وعدم الضمان لا التبعية في عقاب الآخرة فإن الله - تعالى - لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى: ولقد رآه نزلة أخرى [النجم: 13] فقال: إنما هو جبريل - عليه السلام - لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين ذكره مسلم. ولما نزل قوله تعالى: إنك ميت وإنهم ميتون [الزمر: 30] ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون [الزمر: 31] سئل - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب فقال: نعم ليكررن عليكم حتى تؤدوا إلى كل ذي حق حقه فقال الزبير: والله إن الأمر لشديد .(4\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1114",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1116",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسئل - صلى الله عليه وسلم -: كيف يحشر الكافر على وجهه فقال: أليس الذي أمشاه في الدنيا على رجليه قادر أن يمشيه في الآخرة على وجهه .  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: هل تذكرون أهاليكم يوم القيامة فقال: أما في ثلاث مواطن فلا يذكر أحد أحدا حيث يوضع الميزان حتى يعلم أيثقل ميزانه أم يخف وحيث يتطاير الكتب حتى يعلم كتابه من يمينه أو من شماله أو من وراء ظهره وحيث يوضع الصراط على جسر جهنم على حافتيه كلاليب وحسك يحبس الله به من يشاء من خلقه حتى يعلم أينجو أم لا ينجو .  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله الرجل يحب القوم ولما يعمل بأعمالهم فقال: المرء مع من أحب .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الكوثر فقال: هو نهر أعطانيه ربي في الجنة هو أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل فيه طيور أعناقها كأعناق الجزر قيل: يا رسول الله إنها لناعمة قال: أكلها أنعم منها .  وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: الأجوفان الفم والفرج وعن أكثر ما يدخلهم الجنة فقال: تقوى الله وحسن الخلق .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن المرأة تتزوج الرجلين والثلاثة مع من تكون منهم يوم القيامة فقال: تخير فتكون مع أحسنهم خلقا .  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الذنب أعظم فقال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك قيل: ثم ماذا قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قيل: ثم ماذا قال: أن تزني بحليلة جارك .  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الأعمال أحب إلى الله فقال: الصلاة على وقتها وفي لفظ لأول وقتها قيل: ثم ماذا قال: الجهاد في سبيل الله قيل: ثم ماذا قال: بر الوالدين .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى: يا أخت هارون [مريم: 28] وبين عيسى وموسى - عليهما السلام - ما بينهما فقال: كانوا يسمون بأنبيائهم وبالصالحين قبلهم .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن أول أشراط الساعة فقال: نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب . وهذه إحدى مسائل عبد الله بن سلام الثلاث والمسألة الثانية ما أول طعام يأكله(4\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1115",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1117",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أهل الجنة والثالثة سبب شبه الولد أبيه وأمه فولدها الكاذبون وجعلوها كتابا مستقلا سموه مسائل عبد الله بن سلام وهي هذه الثلاثة في صحيح البخاري.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام فقال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت . وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت . وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الإحسان فقال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى: والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة [المؤمنون: 60] فقال: هم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون أن لا يقبل منهم .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم [الأعراف: 172]  فقال: إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح على ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال: خلق هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح على ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل فقال: إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل النار .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم [المائدة: 105] فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العوام .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الأدوية والرقى هل ترد من القدر شيئا فقال: هي من القدر  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عمن يموت من أطفال المشركين فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين وليس هذا قولا بالتوقف كما ظنه بعضهم ولا قولا بمجازاة الله لهم على ما يعلمه منهم أنهم عاملوه لو كانوا عاشوا بل هو جواب فصل وأن الله يعلم ما هم عاملوه وسيجازيهم على معلومه فيهم بما يظهر منهم يوم القيامة لا على مجرد علمه كما صرحت به سائر الأحاديث واتفق عليه أهل الحديث أنهم يمتحنون يوم القيامة فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار.(4\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1116",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1118",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن سبأ: هل هو أرض أم امرأة فقال: ليس بأرض ولا امرأة ولكنه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسان وعاملة وأما الذين تيامنوا فالأزد والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار فقال رجل: يا رسول الله وما أنمار فقال الذين منهم خثعم وبجيلة .  وسئل عن قوله تعالى: لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة [يونس: 64] فقال - صلى الله عليه وسلم -: هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له .  وسئل عن أفضل الرقاب يعني في العتق فقال: أنفسها عند أهلها وأغلاها ثمنا .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن أفضل الجهاد فقال: من عقر جواده وأريق دمه .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن أفضل الصدقة فقال: أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى .  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الكلام أفضل فقال: ما اصطفى الله للملائكة: سبحان الله وبحمده .  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: متى وجبت لك النبوة وفي لفظ: متى كنت نبيا فقال: وآدم بين الروح والجسد هذا هو اللفظ الصحيح والعوام يروونه quot; بين الماء والطين quot; قال شيخنا: وهذا باطل وليس بين الماء والطين مرتبة واللفظ المعروف ما ذكرناه. وذكر الإمام أحمد في مسنده أن أعرابيا سأله: يا رسول الله أخبرني عن الهجرة إليك أينما كنت أم لقوم خاصة أم إلى أرض معلومة أم إذا مت انقطعت فسأل ثلاث مرات ثم جلس فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسيرا ثم قال: أين السائل قال: ها هو ذا حاضر يا رسول الله قال: الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ثم أنت مهاجر وإن مت في الحضر فقام آخر فقال: يا رسول الله أخبرني عن ثياب أهل الجنة أتخلق خلقا أم تنسج نسجا قال: فضحك القوم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تضحكون من جاهل يسأل عالما فاستلبث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساعة ثم قال: أين السائل عن ثياب أهل الجنة فقال: ها هو ذا يا رسول الله قال لا بل تنشق عنها ثمار الجنة ثلاث مرات .  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أنفضي إلى نسائنا في الجنة وفي لفظ آخر: هل نصل إلى نسائنا في الجنة فقال إي والذي نفسي بيده إن الرجل ليفضي في الغداة الواحدة إلى مائة عذراء قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي: رجال إسناده عندي على شرط الصحيح.(4\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1117",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1119",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسئل: أنطأ في الجنة فقال: نعم والذي نفسي بيده دحما دحما فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكرا ورجال إسناده على شرط صحيح ابن حبان. وفي معجم الطبراني أنه سئل: هل يتناكح أهل الجنة فقال بذكر لا يميل وشهوة لا تنقطع دحما دحما . قال الجوهري: الدحم: الدفع الشديد. وفيه أيضا أنه سئل - صلى الله عليه وسلم -: أيجامع أهل الجنة فقال دحما دحما ولكن لا مني ولا منية .  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أينام أهل الجنة فقال النوم أخو الموت وأهل الجنة لا ينامون . وسئل - صلى الله عليه وسلم -: هل في الجنة خيل فقال إن دخلت الجنة أتيت بفرس من ياقوتة له جناحان فحملت عليه فطار بك في الجنة حيث شئت . وسئل - صلى الله عليه وسلم -: هل في الجنة إبل فلم يقل للسائل مثل ما قال للأول بل قال إن يدخلك الله الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك وقرت عينك .  وفي معجم الطبراني أن أم سلمة - رضي الله عنها - سألته فقالت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عز وجل وحور عين [الواقعة: 22] قال حور: بيض عين: ضخام العيون شعر الحوراء بمنزلة جناح النسر قلت: أخبرني عن قول الله عز وجل كأمثال اللؤلؤ المكنون [الواقعة: 23] فقال صفاؤهن صفاء الدر الذي في الأصداف الذي لم تمسه الأيدي قلت: أخبرني عن قوله تعالى: فيهن خيرات حسان [الرحمن: 70] قال: خيرات الأخلاق حسان الوجوه قلت: أخبرني عن قول الله عز وجل كأنهن بيض مكنون [الصافات: 49] قال رقتهن كرقة الجلد الذي رأيت في داخل البيضة مما يلي القشرة قلت: أخبرني يا رسول الله عن قوله تعالى: عربا أترابا [الواقعة: 37] قال هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز رمصا شمطا خلقهن الله بعد الكبر فجعلهن الله عذارى عربا متعشقات متحببات أترابا على ميلاد واحد قلت: يا رسول الله نساء الدنيا أفضل أم الحور العين قال بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين كفضل الظهارة على البطانة قلت: يا رسول الله وبم ذاك قال بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن الله تعالى ألبس الله وجوههن النور وأجسادهن الحرير بيض الألوان خضر الثياب صفر الحلي مجامرهن الدر وأمشاطهن الذهب يقلن: نحن الخالدات فلا نموت ونحن الناعمات فلا نبأس أبدا ونحن المقيمات فلا نظعن أبدا ونحن الراضيات فلا نسخط أبدا طوبى(4\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1118",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1120",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لمن كنا له وكان لنا قلت: يا رسول الله المرأة منا تتزوج الزوجين والثلاثة والأربعة ثم تموت فتدخل الجنة ويدخلون معها من يكون زوجها قال يا أم سلمة إنها تخير فتختار أحسنهم خلقا فتقول: يا رب إن هذا كان أحسنهم معي خلقا في دار الدنيا فزوجنيه يا أم سلمة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى: والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه [الزمر: 67] أين الناس يومئذ قال على جسر جهنم .  وسئل عن الإيمان فقال إذا سرتك حسناتك وساءتك سيئاتك فأنت مؤمن .  وسئل عن الإثم فقال إذا حاك في قلبك شيء فدعه . وسئل عن البر والإثم فقال البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر .  وسأله عمر: هل نعمل في شيء نستأنفه أم في شيء قد فرغ منه قال بل في شيء قد فرغ منه قال: ففيم العمل قال يا عمر لا يدرك ذلك إلا بالعمل قال: إذا نجتهد يا رسول الله . وكذلك سأله سراقة بن جعشم فقال: يا رسول الله أخبرنا عن أمرنا كأننا ننظر إليه أبما جرت به الأقلام وثبتت به المقادير أم بما يستأنف فقال لا بل بما جرت به الأقلام وثبتت به المقادير قال: ففيم العمل إذا قال اعملوا فكل ميسر قال سراقة: فلا أكون أبدا أشد اجتهادا في العمل مني الآن .  [فصل فتاوى تتعلق بالطهارة] فصل: [فتاوى تتعلق بالطهارة] وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الوضوء بماء البحر فقال: هو الطهور ماؤه والحل ميته . وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الوضوء من بئر بضاعة - وهي بئر يلقى فيها الحيض والنتن ولحوم الكلاب - فقال الماء طهور لا ينجسه شيء . وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الماء يكون بالفلاة وما ينوبه من الدواب والسباع فقال إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء .  وسأله أبو ثعلبة فقال: إنا بأرض قوم أهل كتاب وإنهم يأكلون لحم الخنزير(4\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1119",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1121",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويشربون الخمر فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم فقال إن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء واطبخوا فيها واشربوا . وفي الصحيحين: إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم قال: لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها ثم كلوا فيها . وفي المسند والسنن: أفتنا في آنية المجوس إذا اضطررنا إليها فقال إذا اضطررتم إليها فاغسلوها بالماء واطبخوا فيها . وفي الترمذي سئل عن قدور المجوس فقال أنقوها غسلا واطبخوا فيها .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن المذي قال يجزئ منه الوضوء فقال له السائل: فكيف بما أصاب ثوبي منه فقال يكفيك أن تأخذ كفا من ماء فتنضح به ثوبك حيث ترى أنه أصاب منه صححه الترمذي.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عما يوجب الغسل وعن الماء يكون بعد الماء فقال ذاك المذي وكل فحل يمذي فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك وتوضأ وضوءك للصلاة .  وسألته فاطمة بنت أبي حبيش فقالت: إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة فقال: لا إنما ذلك عرق وليس بحيضة فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي . وسئل عنها أيضا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تحيض فيها ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة وتصوم وتصلي .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الوضوء من لحوم الغنم فقال إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الوضوء من لحوم الإبل فقال نعم توضأ من لحوم الإبل  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في مرابض الغنم فقال نعم صلوا فيها .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في مبارك الإبل فقال لا .  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: يا رسول الله ما تقول في رجل لقي امرأة لا يعرفها فليس يأتي الرجل من امرأته شيء إلا قد أتاه منها غير أنه لم يجامعها فأنزل الله تعالى هذه الآية(4\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1120",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1122",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات [هود: 114] فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثم صل فقال معاذ: فقلت يا رسول الله أله خاصة أم للمؤمنين عامة قال بل للمؤمنين عامة .  وسألته أم سليم فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعم إذا رأت الماء فقالت أم سلمة: أوتحتلم المرأة فقال تربت يداك فبم يشبهها ولدها وفي لفظ أن أم سليم سألت نبي الله - صلى الله عليه وسلم - عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رأت المرأة ذلك فلتغتسل . وفي المسند أن خولة بنت حكيم سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل فقال ليس عليها غسل حتى تنزل كما أن الرجل ليس عليه غسل حتى ينزل .  وسأله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عن المذي فقال من المذي الوضوء ومن المني الغسل وفي لفظ إذا رأيت المذي فتوضأ واغسل ذكرك وإذا رأيت نضح الماء فاغتسل ذكره أحمد.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما فقال: يغتسل وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولم يجد البلل فقال: لا غسل عليه ذكره أحمد.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل وعائشة جالسة فقال: إني أفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل ذكره مسلم.  وسألته أم سلمة فقالت: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة فقال: لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء ذكره مسلم وعند أبي داود: اغمزي قرونك عند كل حفنة .  وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: يا رسول الله إن لنا طريقا إلى المسجد منتنة فكيف نفعل إذا مطرنا فقال: أليس بعد طريق هي أطيب منها قلت: بلى يا رسول الله قال: هذه بهذه وفي لفظ: أليس بعده ما هو أطيب منه قلت: بلى قال: فإن هذا يذهب بذاك ذكره أحمد.(4\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1121",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1123",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسئل - صلى الله عليه وسلم - فقيل له: إنا نريد المسجد فنطأ الطريق النجسة فقال: الأرض يطهر بعضها بعضا ذكره ابن ماجه.  وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به فقال: تحته ثم تقرضه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه متفق عليه.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن فأرة وقعت في سمن فقال: ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم ذكره البخاري ولم يصح فيه التفصيل بين الجامد والمائع.  وسألته - صلى الله عليه وسلم - ميمونة عن شاة ماتت فألقوا إهابها فقال: هلا أخذتم مسكها فقالت: نأخذ مسك شاة قد ماتت فقال لها: إنما قال تعالى: قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير [الأنعام: 145] وإنكم لا تطعمونه إن تدبغوه تنتفعوا به فأرسلت إليها فسلخت مسكها فدبغته فاتخذت منه قربة حتى تخرقت عندها  ذكره أحمد.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن جلود الميتة فقال: ذكاؤها دباغها ذكره النسائي.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الاستطابة فقال: أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار حجران للصفحتين وحجر للمسربة حديث حسن وعن مالك مرسلا أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار ولم يزد.  وسأله سراقة عن التغوط فأمر أن يتنكب القبلة ولا يستقبلها ولا يستدبرها ولا يستقبل الريح وأن يستنجي بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع أو ثلاثة أعواد أو بثلاث حثيات من تراب ذكره الدارقطني.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الوضوء فقال: أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما ذكره أبو داود. وسأله - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن عنبسة فقال: كيف الوضوء قال: أما الوضوء فإنك إذا توضأت فغسلت كفيك فأنقيتهما خرجت خطاياك من بين أظفارك وأناملك فإذا تمضمضت واستنشقت وغسلت وجهك ويديك إلى المرفقين ومسحت رأسك وغسلت رجليك اغتسلت من عامة خطاياك كيوم ولدتك أمك ذكره النسائي. وسأله - صلى الله عليه وسلم - أعرابي عن الوضوء فأراه ثلاثا ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم ذكره أحمد.(4\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1122",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1124",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أعرابي فقال: يا رسول الله الرجل منا يكون في الصلاة فيكون منه الرويحة ويكون في الماء قلة فقال: إذا فسا أحدكم فليتوضأ ولا تأتوا النساء في أعجازهن فإن الله لا يستحيي من الحق ذكره الترمذي.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن المسح على الخفين فقال: للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوما وليلة . وسأله - صلى الله عليه وسلم - ابن عمارة فقال: يا رسول الله أمسح على الخفين فقال نعم قال: يوما قال ويومين قال: وثلاثة أيام قال نعم وما شئت ذكره أبو داود فطائفة من أهل العلم أخذت بظاهره وجوزوا المسح بلا توقيت وطائفة قالت: هذا مطلق وأحاديث التوقيت مقيدة والمقيد يقضي على المطلق.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - أعرابي فقال: أكون في الرمل أربعة أشهر أو خمسة أشهر ويكون فينا النفساء والحائض والجنب فما ترى قال عليك بالتراب ذكره أحمد. وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو ذر: إني أغرب عن الماء ومعي أهلي فتصيبني الجنابة فقال إن الصعيد طهور ما لم تجد الماء عشر حجج فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك حديث حسن.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فقال: انكسرت إحدى زندي فأمره أن يمسح على الجبائر ذكره ابن ماجه.  وقال ثوبان: استفتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الغسل من الجنابة فقال: أما الرجل فلينشر رأسه فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه لتغرف على رأسها ثلاث غرفات تكفيها ذكره أبو داود. وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إني اغتسلت من الجنابة وصليت الصبح ثم أصبحت فرأيت قدر الظفر لم يصبه ماء فقال لو كنت مسحت عليه بيدك أجزأك ذكره ابن ماجه.  وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة عن الحيض فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرها فتطهر فتحسن الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شئون رأسها ثم تصب عليها الماء ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها . وسألته - صلى الله عليه وسلم - عن غسل الجنابة فقال تأخذ ماء فتطهر فتحسن الطهور ثم تصب الماء على رأسها فتدلكه حتى يبلغ شئون رأسها ثم تفيض الماء عليها .(4\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1123",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1125",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض فقال: تشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها ذكره مالك.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن مؤاكلة الحائض فقال واكلها ذكره الترمذي.  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: كم تجلس النفساء فقال تجلس أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك ذكره الدارقطني.  [فصل فتاوى تتعلق بالصلاة وأركانها] [فتاوى تتعلق بالصلاة وأركانها] وسأله - صلى الله عليه وسلم - ثوبان عن أحب الأعمال إلى الله - تعالى - فقال - صلى الله عليه وسلم -: عليك بكثرة السجود لله عز وجل فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط بها عنك خطيئة ذكره مسلم. وسأله عبد الله بن سعد: أيما أفضل الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد فقال: ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد فلأن أصلي في بيتي أحب إلي من أن أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة ذكره ابن ماجه. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الرجل في بيته فقال: نوروا بيوتكم ذكره ابن ماجه.  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: متى يصلي الصبي فقال: إذا عرف يمينه من شماله فمروه بالصلاة .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن قتل رجل مخنث يتشبه بالنساء فقال إني نهيت عن قتل المصلين ذكره أبو داود.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن وقت الصلاة فقال للسائل صل معنا هذين اليومين فلما زالت الشمس أمر بلالا فأذن ثم أمره فأقام الظهر ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر فلما كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر وصلى العصر والشمس مرتفعة أخرها فوق الذي كان وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق وصلى العشاء بعدما ذهب ثلث الليل وصلى الفجر فأسفر بها ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة فقال الرجل: أنا يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: وقت صلاتكم ما رأيتم ذكره مسلم.  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: هل من ساعة أقرب إلى الله من الأخرى قال نعم أقرب ما يكون الرب عز وجل من العبد جوف الليل الآخر فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن .(4\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1124",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1126",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة الوسطى فقال: هي صلاة العصر.  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: هل في ساعات الليل والنهار ساعة تكره الصلاة فيها فقال نعم إذا صليت الصبح فدع الصلاة حتى تطلع الشمس فإنها تطلع بين قرني شيطان ثم صل فإن الصلاة محضورة متقبلة حتى تستوي الشمس على رأسك كالرمح فدع الصلاة فإن تلك الساعة تسجر جهنم وتفتح فيها أبوابها حتى ترتفع الشمس عن حاجبك الأيمن فإذا زالت الشمس فالصلاة محضورة متقبلة حتى تصلي العصر ثم دع الصلاة حتى تغيب الشمس ذكره ابن ماجه. وفيه دليل على تعلق النهي بفعل صلاة الصبح لا بوقتها.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: لا أستطيع أن آخذ شيئا من القرآن فعلمني ما يجزيني فقال قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله فقال: يا رسول الله هذا لله فما لي فقال قل اللهم ارحمني وعافني واهدني وارزقني فقال بيده هكذا وقبضها فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما هذا فقد ملأ يديه من الخير ذكره أبو داود.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - عمران بن حصين - وكان به بواسير - عن الصلاة فقال: صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنبك ذكره البخاري.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: أقرأ خلف الإمام أو أنصت قال: بل أنصت فإنه يكفيك ذكره الدارقطني.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - حطان فقال: يا رسول الله إنا لا نزال سفرا فكيف نصنع بالصلاة فقال: ثلاث تسبيحات ركوعا وثلاث تسبيحات سجودا ذكره الشافعي مرسلا.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - عثمان بن أبي العاص فقال: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بين صلاتي وبين قراءتي يلبسها علي فقال: ذاك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله واتفل على يسارك ثلاثا قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله  ذكره مسلم.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: أصلي في ثوبي الذي آتي فيه أهلي قال نعم إلا أن ترى فيه شيئا فتغسله .  وسأله - صلى الله عليه وسلم - معاوية بن حيدة: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر قال احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك قال: قلت: يا رسول الله الرجل يكون مع الرجل قال إن استطعت أن لا يراها أحد فافعل قال: قلت: فالرجل يكون خاليا قال: الله أحق أن يستحيا منه ذكره أحمد.(4\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1125",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1127",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في الثوب الواحد قال أوكلكم يجد ثوبين متفق عليه. وسأله - صلى الله عليه وسلم - سلمة بن الأكوع: يا رسول الله إني أكون في الصيد فأصلي وليس علي إلا قميص واحد فقال: فازرره وإن لم تجد إلا شوكة ذكره أحمد وعند النسائي: إني أكون في الصيف وليس علي إلا قميص .  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: يا رسول الله أصلي في الفراء قال فأين الدباغ .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في القوس والقرن فقال اطرح القرن وصل في القوس ذكره الدارقطني. والقرن - بالتحريك - الجعبة  وسألته أم سلمة: هل تصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار فقال إذا كان الدرع سابلا يغطي ظهر قدميها ذكره أبو داود.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو ذر عن أول مسجد وضع في الأرض قال: المسجد الحرام فقال: ثم أي قال المسجد الأقصى فقال: كم بينهما قال أربعون عاما ثم الأرض لك مسجد حيث أدركتك الصلاة فصل متفق عليه.  وذكر الحاكم في مستدركه أن جعفر بن أبي طالب سأله عن الصلاة في السفينة فقال quot; صل فيها قائما إلا أن تخاف الغرق quot;.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن مسح الحصى في الصلاة فقال: واحدة أو دع . وسأله - صلى الله عليه وسلم - جابر عن ذلك فقال واحدة ولأن تمسك عنها خير لك من مائة ناقة كلها سود الحدق فقلت: المسجد كان مفروشا بالحصباء فكان أحدهم يمسحه بيديه لموضع سجوده فرخص النبي في مسحة واحدة وندبهم إلى تركها والحديث في المسند.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الالتفات في الصلاة فقال هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد .  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: يصلي أحدنا في منزله الصلاة ثم يأتي المسجد وتقام الصلاة أفأصلي معهم فقال لك سهم جمع ذكره أبو داود.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو ذر عن الكلب الأسود يقطع الصلاة دون الأحمر والأصفر فقال الكلب الأسود شيطان .  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: يا رسول الله إني صليت فلم أدر أشفعت أو أوترت فقال(4\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1126",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1128",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياكم أن يتلعب بكم الشيطان في صلاتكم من صلى فلم يدر أشفع أم أوتر فليسجد سجدتين فإنهما تمام صلاته ذكره أحمد.  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: لأي شيء فضلت يوم الجمعة فقال لأن فيها طبعت طينة أبيك آدم وفيها الصعقة والبعثة وفيها البطشة وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له  . وسئل أيضا عن ساعة الإجابة فقال حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها ولا تنافي بين الحديثين لأن ساعة الإجابة وإن كانت آخر ساعة بعد العصر فالساعة التي تقام فيها الصلاة أولى أن تكون ساعة الإجابة كما أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء ومسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى بذلك منه وهو أولى من جمع بينهما بتنقلها فتأمل. وسئل - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله أخبرنا عن يوم الجمعة ما فيها من الخير فقال: فيه خمس خلال: فيه خلق آدم وفيه أهبط آدم إلى الأرض وفيه توفى الله آدم وفيه ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا أعطاه إياه ما لم يسأل إثما أو قطيعة رحم وفيه تقوم الساعة فما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا جبال ولا حجر إلا وهو مشفق من يوم الجمعة ذكره أحمد والشافعي.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الليل فقال مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة متفق عليه. وسأله أبو أمامة: بكم أوتر قال: بواحدة قال: إني أطيق أكثر من ذلك قال ثلاث ثم قال بخمس ثم قال بسبع وفي الترمذي أنه سئل عن الشفع والوتر فقال هي الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر . وفي سنن الدارقطني أن رجلا سأله عن الوتر فقال افصل بين الواحدة والاثنتين بالسلام .  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الصلاة أفضل قال طول القنوت ذكره أحمد.  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي القيام أفضل قال نصف الليل وقليل فاعله . وسئل - صلى الله عليه وسلم -: هل من ساعة أقرب إلى الله من الأخرى قال نعم جوف الليل الأوسط ذكره النسائي.(4\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1127",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1129",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل فتاوى تتعلق بالموت وبالموتى] فصل: [فتاوى تتعلق بالموت وبالموتى] وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن موت الفجاءة فقال: راحة للمؤمن وأخذة أسف للفاجر ذكره أحمد ولهذا لم يكره أحمد موت الفجاءة في إحدى الروايتين عنه وقد روي عنه كراهتها وروي في مسنده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بجدار أو حائط مائل فأسرع المشي فقيل له في ذلك فقال إني أكره موت الفوات ولا تنافي بين الحديثين فتأمله.  وسئل: تمر بنا جنازة الكافر أفنقوم لها قال نعم إنكم لستم تقومون لها إنما تقومون إعظاما للذي يقبض النفوس ذكره أحمد وقام لجنازة يهودية فسئل عن ذلك فقال إن للموت فزعا فإذا رأيتم جنازة فقوموا  وسئل عن امرأة أوصت أن يعتق عنها رقبة مؤمنة فدعا بالرقبة فقال: من ربك قالت: الله قال من أنا قالت: رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة ذكره أبو داود  وسأله - صلى الله عليه وسلم - عمر - رضي الله عنه -: هل ترد إلينا عقولنا في القبر وقت السؤال فقال نعم كهيئتكم اليوم ذكره أحمد.  وسئل عن عذاب القبر فقال نعم عذاب القبر حق .  [فصل فتاوى تتعلق بالزكاة والصدقة] فصل: [فتاوى تتعلق بالزكاة والصدقة] وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن صدقة الإبل قال ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها - ومن حقها حلبها يوم ورودها - إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلا واحدا تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار . وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن البقر فقال ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئا ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عصباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما مرت أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار . وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الخيل فقال الخيل ثلاثة هي لرجل وزر ولرجل ستر ولرجل(4\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1128",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1130",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أجر فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال لها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات ولو أنه انقطع طيلها فاستنت شرفا أو شرفين كانت له آثارها وأرواثها حسنات ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقيها كانت له حسنات فهي لذلك الرجل أجر ورجل ربطها تغنيا وتعففا ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا في ظهورها فهي لذلك الرجل ستر ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام فهي على ذلك وزر .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الحمر فقال ما أنزل علي فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره [الزلزلة: 7] ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره [الزلزلة: 8]  ذكره مسلم.  وسألته - صلى الله عليه وسلم - أم سلمة فقالت: إني ألبس أوضاحا من ذهب أكنز هو قال ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز ذكره مالك.  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أفي المال حق سوى الزكاة قال نعم ثم قرأ وآتى المال على حبه [البقرة: 177]  ذكره الدارقطني.  وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: إن لي حليا وإن زوجي خفيف ذات اليد وإن لي ابن أخ أفيجزئ عن أن أجعل زكاة الحلي فيهم قال نعم .  وذكر ابن ماجه أن أبا سيارة سأله فقال: إن لي نخلا فقال أد العشر فقلت: يا رسول الله احمها لي فحماها لي . وسأله - صلى الله عليه وسلم - العباس عن تعجيل زكاته قبل أن يحول الحول فأذن له في ذلك  ذكره أحمد.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن زكاة الفطر فقال هي على كل مسلم صغيرا أو كبيرا حرا أو عبدا صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو أقط .  وسأله - صلى الله عليه وسلم - أصحاب الأموال فقالوا: إن أصحاب الصدقة يعتدون علينا أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا قال لا ذكره أبو داود.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إني ذو مال كثير وذو أهل وولد وحاضرة فأخبرني كيف أنفق وكيف أمنع فقال تخرج الزكاة من مالك فإنها طهرة تطهرك وتصل بها رحمك وأقاربك وتعرف حق السائل والجار والمسكين فقال: يا رسول الله أقلل في قال: وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا [الإسراء: 26] فقال:(4\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1129",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1131",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حسبي وقال: يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله قال رسول الله نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها ولك أجرها وإثمها على من بدلها ذكره أحمد.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الصدقة على أبي رافع مولاه فقال إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة وإن مولى القوم من أنفسهم ذكره أحمد.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - عمر عن أرضه بخيبر واستفتاه ما يصنع فيها وقد أراد أن يتقرب بها إلى الله فقال إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ففعل . وتصدق عبد الله بن زيد بحائط له فأتاه أبواه فقالا: يا رسول الله إنها كانت قيم وجوهنا ولم يكن لنا مال غيره فدعا عبد الله فقال إن الله قد قبل منك صدقتك وردها على أبويك فتوارثاها بعد ذلك  ذكره النسائي. وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الصدقة أفضل فقال: المنيحة أن يمنح أحدكم الدرهم أو ظهر الدابة أو لبن الشاة أو لبن البقرة ذكره أحمد. وسئل - صلى الله عليه وسلم - مرة عن هذه المسألة فقال جهد المقل وابدأ بمن تعول ذكره أبو داود. وسئل - صلى الله عليه وسلم - مرة أخرى عنها فقال: أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى . وسئل مرة أخرى عنها فقال: سقي الماء . وسئل مرة أخرى عنها فقال  وسأله - صلى الله عليه وسلم - سراقة بن مالك عن الإبل تغشى حياضه: هل له من أجر في سقيها فقال نعم في كل كبد حرى أجر ذكره أحمد. وسأله - صلى الله عليه وسلم - امرأتان عن الصدقة على أزواجهما فقال: لهما أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة متفق عليه وعند ابن ماجه: أتجزيء عني من النفقة الصدقة على زوجي وأيتام في حجري فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها أجران: أجر الصدقة وأجر القرابة . وسألته - صلى الله عليه وسلم - أسماء فقالت: ما لي مال إلا ما أدخل علي الزبير أفأتصدق فقال تصدقي ولا توعي فيوعى عليك متفق عليه.(4\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1130",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1132",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسأله - صلى الله عليه وسلم - مملوك: أتصدق من مال مولاي بشيء فقال: نعم والأجر بينكما نصفان ذكره مسلم.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - عمر - رضي الله عنه - عن شراء فرس تصدق به فقال لا تشتره ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكه بدرهم فإن العائد في هبته كالعائد في قيئه متفق عليه.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن المعروف فقال: لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تعطي صلة الحبل ولو أن تعطي شسع النعل ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي ولو أن تنحي الشيء من طريق الناس يؤذيهم ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه طلق ولو أن تلقى أخاك فتسلم عليه ولو أن تؤنس الوحشان في الأرض ذكره أحمد. فلله ما أجل هذه الفتاوى وما أحلاها وما أنفعها وما أجمعها لكل خير فوالله لو أن الناس صرفوا هممهم إليها لأغنتهم عن فتاوى فلان وفلان والله المستعان.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إني تصدقت على أمي بعبد وإنها ماتت فقال وجبت صدقتك وهو لك بميراثك ذكره الشافعي. وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت فقال وجب أجرك وردها عليك الميراث ذكره مسلم.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إن أمي توفيت أفينفعها إن تصدقت عنها قال نعم ذكره البخاري. وسأله آخر فقال: إن أمي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها قال نعم متفق عليه. وسأله - صلى الله عليه وسلم - آخر فقال: إن أبو مات ولم يوص أفينفعه أن أتصدق عنه قال نعم ذكره مسلم.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - حكيم بن حزام فقال: يا رسول الله أمور كنت أتحنث بها في الجاهلية من صلة وعتاقة وصدقة هل لي فيها أجر قال أسلمت على ما سلف لك من خير متفق عليه. وسألته - صلى الله عليه وسلم - عائشة - رضي الله عنها - عن ابن جدعان وأنه كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه فقال لا ينفعه إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ذكره مسلم.(4\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1131",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1133",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الغني الذي يحرم المسألة فقال خمسون درهما أو قيمتها من الذهب ذكره أحمد. ولا ينافي هذا جوابه للآخر ما يغديه أو يعشيه فإن هذا غناء اليوم وذاك غناء العام بالنسبة إلى حال ذلك السائل والله أعلم. وسأله - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقد أرسل إليه بعطاء فقال: أليس أخبرتنا أن خيرا لأحدنا أن لا يأخذ من أحد شيئا فقال إنما ذلك من المسألة فأما ما كان عن غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله فقال عمر: والذي نفسي بيده لا أسأل أحدا شيئا ولا يأتيني شيء من غير مسألة إلا أخذته . ذكره مالك.  [فصل فتاوى تتعلق بالصوم] فصل: [فتاوى تتعلق بالصوم] وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الصوم أفضل فقال شعبان لتعظيم رمضان قيل: فأي الصدقة أفضل قال صدقة رمضان ذكره الترمذي والذي في الصحيح أنه سئل: أي الصيام أفضل بعد شهر رمضان فقال: شهر الله الذي تدعونه المحرم قيل: فأي الصلاة أفضل بعد المكتوبة قال: الصلاة في جوف الليل . قال شيخنا: ويحتمل أن يريد بشهر الله المحرم أول العام وأن يريد به الأشهر الحرم والله أعلم.  وسألته - صلى الله عليه وسلم - عائشة - رضي الله عنها - فقالت: يا رسول الله دخلت علي وأنت صائم ثم أكلت حيسا فقال نعم إنما منزلة من صام في غير رمضان أو قضى رمضان في التطوع بمنزلة رجل أخرج صدقة من ماله فجاد منها بما شاء فأمضاه وبخل بما شاء فأمسكه ذكره النسائي. ودخل - صلى الله عليه وسلم - على أم هانئ فشرب ثم ناولها فشربت فقالت: إني كنت صائمة فقال الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر ذكره أحمد وذكر الدارقطني أن أبا سعيد صنع طعاما فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فقال رجل من القوم: إني صائم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صنع لك أخوك طعاما وتكلف لك أخوك أفطر وصم يوما آخر مكانه وذكر أحمد أن حفصة أهديت لها شاة فأكلت منها هي وعائشة وكانتا صائمتين فسألتا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال أبدلا يوما مكانه .  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: قد اشتكيت عيني أفأكتحل وأنا صائم قال نعم ذكره(4\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1132",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1134",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الترمذي. وذكر الدارقطني أنه سئل أفريضة الوضوء من القيء فقال لا لو كان فريضة لوجدته في القرآن  وفي إسناد الحديثين مقال.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - عمر بن أبي سلمة أيقبل الصائم فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سل هذه لأم سلمة فأخبرته أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك قال: يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إني لأتقاكم لله وأخشاكم له ذكره مسلم. وعند الإمام أحمد أن رجلا قبل امرأته وهو صائم في رمضان فوجد من ذلك وجدا شديدا فأرسل امرأته0 فسألت أم سلمة عن ذلك فأخبرتها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله فأخبرت زوجها فزاده ذلك شرا وقال: لسنا مثل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله يحل لرسوله ما شاء ثم رجعت امرأته إلى أم سلمة فوجدت عندها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما هذه المرأة فأخبرته أم سلمة فقال: ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك قالت: قد أخبرتها فذهبت إلى زوجها فزاده ذلك شرا وقال: لسنا مثل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله يحل لرسوله ما شاء فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال والله إني لأتقاكم لله وأعلمكم بحدوده ذكره مالك وأحمد والشافعي - رضي الله عنهم -. وذكر أحمد أن شابا سأله فقال: أقبل وأنا صائم قال: لا وسأله شيخ: أقبل وأنا صائم قال: نعم ثم قال إن الشيخ يملك نفسه .  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: يا رسول الله أكلت وشربت ناسيا وأنا صائم فقال: أطعمك الله وسقاك ذكره أبو داود وعند الدارقطني فيه بإسناد صحيح أتم صومك فإن الله أطعمك وسقاك ولا قضاء عليك وكان أول يوم من رمضان . وسألته - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك امرأة أكلت معه فأمسكت فقال: ما لك فقالت: كنت صائمة فنسيت فقال ذو اليدين: الآن بعد ما شبعت فقال - صلى الله عليه وسلم -: أتمي صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك ذكره أحمد.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الخيط الأبيض والخيط الأسود فقال: هو بياض النهار وسواد الليل ذكره النسائي.  ونهاهم عن الوصال وواصل فسألوه عن ذلك فقال إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقيني متفق عليه.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: يا رسول الله تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم فقال: لست مثلنا يا رسول الله قد غفر الله(4\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1133",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1135",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي ذكره مسلم.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الصوم في السفر فقال: إن شئت صمت وإن شئت أفطرت وسأله - صلى الله عليه وسلم - حمزة بن عمرو فقال: إني أجد في قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح فقال: هي رخصة الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه ذكرهما مسلم.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن تقطيع قضاء رمضان فقال: ذلك إليك أرأيت لو كان على أحدكم دين قضى الدرهم والدرهمين ألم يكن ذلك قضاء فالله أحق أن يعفو ويغفر ذكره الدارقطني وإسناده حسن.  وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها فقال: أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدى ذلك عنها قالت: نعم قال: فصومي عن أمك متفق عليه وعن أبي داود أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله عز وجل نجاها أن تصوم شهرا فنجاها الله فلم تصم حتى ماتت فجاءت ابنتها أو أختها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمرها أن تصوم عنها .  وسألته - صلى الله عليه وسلم - حفصة فقالت: إني أصبحت أنا وعائشة صائمتين متطوعتين فأهدي لنا طعام فأفطرنا عليه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اقضيا مكانه يوما ذكره أحمد ولا ينافي هذا قوله: الصائم المتطوع أمير نفسه فإن القضاء أفضل.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: هلكت وقعت على امرأتي وأنا صائم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هل تجد رقبة تعتقها قال: لا قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال: لا قال: هل تجد إطعام ستين مسكينا قال: لا قال: اجلس فبينا نحن على ذلك إذ أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بفرق فيه تمر - والفرق: المكتل الضخم - فقال: أين السائل قال: أنا قال: خذ هذا فتصدق به فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت أنيابه ثم قال: أطعمه أهلك متفق عليه.  سأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: أي شهر تأمرني أن أصوم بعد رمضان فقال: إن كنت صائما بعد رمضان فصم المحرم فإنه شهر فيه تاب الله على قوم ويتوب فيه على قوم آخرين ذكره أحمد.(4\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1134",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1136",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسئل - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله لم نرك تصوم في شهر من الشهور ما تصوم في شعبان فقال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم ذكره أحمد. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم الاثنين فقال: ذاك يوم ولدت فيه وفيه أنزل علي القرآن ذكره مسلم. وسأله - صلى الله عليه وسلم - أسامة فقال: يا رسول الله إنك تصوم لا تكاد تفطر وتفطر حتى لا تكاد تصوم إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما قال: أي يومين قال: يوم الاثنين ويوم الخميس قال: ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم ذكره أحمد. وسئل - صلى الله عليه وسلم - فقيل: يا رسول الله إنك تصوم الاثنين والخميس فقال: إن يوم الاثنين والخميس يغفر الله فيهما لكل مسلم إلا مهتجرين يقول حتى يصطلحا ذكره ابن ماجه. وسئل - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله كيف بمن يصوم الدهر قال: لا صام ولا أفطر أو قال: لم يصم ولم يفطر قال: كيف بمن يصوم يومين ويفطر يوما قال: ويطيق ذلك أحد قال: كيف بمن يصوم يوما ويفطر يوما قال: ذاك صوم داود - عليه السلام - قال: كيف بمن يصوم يوما ويفطر يومين قال: وددت أني طوقت ذلك ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان هذا صيام الدهر كله  صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي بعده ذكره مسلم.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: أصوم يوم الجمعة ولا أكلم أحدا فقال: لا تصم يوم الجمعة إلا في أيام هو أحدها أو في شهر وأما أن لا تكلم أحدا فلعمري أن تكلم بمعروف أو تنهى عن منكر خير من أن تسكت ذكره أحمد.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - عمر - رضي الله عنه - فقال: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوما في المسجد الحرام فكيف ترى فقال اذهب فاعتكف يوما .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن ليلة القدر أفي رمضان أو في غيره قال: بل في رمضان فقيل: تكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا قبضوا رفعت أم هي إلى يوم القيامة قال: بل هي إلى يوم القيامة فقيل: في أي رمضان هي قال التمسوها في العشر الأول أو في العشر الأخر فقيل: في أي العشرين قال: ابتغوها في العشر الأواخر لا تسألني عن شيء بعدها(4\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1135",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1137",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال: أقسمت عليك بحقي عليك لما أخبرتني في أي العشر هي فغضب غضبا شديدا وقال: التمسوها في السبع الأواخر لا تسألن عن شيء بعدها ذكره أحمد والسائل أبو ذر وعند أبي داود أنه - صلى الله عليه وسلم - سئل عن ليلة القدر فقال: في كل رمضان . وسئل عنها أيضا فقال: كم الليلة فقال السائل: اثنتان وعشرون فقال: هي الليلة ثم رجع فقال: أو القابلة يريد ثلاثا وعشرين  ذكره أبو داود. وسأل - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن أنيس: متى نلتمس هذه الليلة المباركة فقال: التمسوها هذه الليلة وذلك مساء ليلة ثلاث وعشرين . وسألته - صلى الله عليه وسلم - عائشة - رضي الله عنها -: إن وافقتها فبم أدعو قال قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني حديث صحيح.  [فصل فتاوى تتعلق بالحج] فصل: [فتاوى تتعلق بالحج] وسألته - صلى الله عليه وسلم - عائشة - رضي الله عنها - فقالت: نرى الجهاد أفضل الأعمال أفلا نجاهد قال: لكن أفضل الجهاد وأجمله حج مبرور ذكره البخاري وزاد أحمد لكن هو جهاد .  وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة: ما يعدل حجة معك فقال: عمرة في رمضان ذكره أحمد وأصله في الصحيح.  وسألته - صلى الله عليه وسلم - أم معقل فقالت: يا رسول الله إن علي حجة وإن لأبي معقل بكرا فقال أبو معقل: صدقت قد جعلته في سبيل الله فقال: أعطها فلتحج عليه فإنه في سبيل الله فأعطاها البكر فقالت: يا رسول الله إني امرأة قد كبرت سني وسقمت فهل من عمل يجزئ عني من حجتي فقال: عمرة في رمضان تجزئ عن حجة ذكره أبو داود. وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إني أكري في هذا الوجه وكان الناس يقولون: ليس لك حج فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يجبه حتى نزلت هذه الآية: ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم [البقرة: 198] فأرسل إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقرأها عليه وقال: لك حج ذكره أبو داود.  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الحج أفضل قال العج والثج فقيل: ما الحاج قال: الشعث التفل قال: ما السبيل قال: الزاد والراحلة ذكره الشافعي.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن العمرة أواجبة هي فقال لا وإن تعتمر فهو أفضل قال الترمذي:(4\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1136",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1138",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صحيح. وعند أحمد أن أعرابيا قال: يا رسول الله أخبرني عن العمرة أواجبة هي فقال: لا وأن تعتمروا خير لكم .  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إن أبي أدركه الإسلام وهو شيخ كبير لا يستطيع ركوب الرحل والحج مكتوب علينا أفأحج عنه قال أنت أكبر ولده قال: نعم قال أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه كان ذلك يجزي عنه قال: نعم قال فحج عنه ذكره أحمد. وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو ذر فقال: أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن فقال له حج عن أبيك واعتمر قال الدارقطني: رجال إسناده كلهم ثقات. وسأله رجل فقال: إن أبي مات ولم يحج أفأحج عنه فقال أرأيت إن كان على أبيك دين أكنت قاضيه قال: نعم قال: فدين الله أحق ذكره أحمد. وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: إن أمي ماتت ولم تحج أفأحج عنها قال نعم حجي عنها حديث صحيح. وعند الدارقطني أن رجلا سأله قال: هلك أبي ولم يحج قال أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أيقبل منك قال: نعم قال فاحجج عنه وهو يدل على أن السؤال والجواب إنما كانا عن القبول والصحة لا عن الوجوب والله أعلم.  وأفتى - صلى الله عليه وسلم - رجلا سمعه يقول: لبيك عن شبرمة قريب له فقال أحججت عن نفسك قال: لا قال حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة ذكره الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى.  وسألته امرأة عن صبي رفعته إليه فقالت: ألهذا حج قال نعم ولك أجر ذكره مسلم.  وسأله رجل فقال: إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لو كان عليها دين أكنت قاضيه قال: نعم قال فاقض الله فهو أحق بالقضاء متفق عليه.  وسئل: ما يلبس المحرم في إحرامه فقال: لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرنس ولا السراويل ولا ثوبا مسه ورس ولا زعفران ولا الخفين إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين متفق عليه. وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل عليه جبة وهو متضمخ بالخلوق فقال: أحرمت بعمرة وأنا كما ترى فقال انزع عنك الجبة واغسل عنك الصفرة متفق عليه وفي بعض طرقه واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك .(4\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1137",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1139",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو قتادة عن الصيد الذي صاده وهو حلال فأكل أصحابه منه وهم محرمون فقال هل معكم منه شيء فناوله العضد فأكلها وهو محرم  متفق عليه.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عما يقتل المحرم فقال الحية والعقرب والفويسقة والكلب العقور والسبع العادي زاد أحمد ويرمي بالغراب ولا يقتل .  وسألته - صلى الله عليه وسلم - ضباعة بنت الزبير فقالت: إني أريد الحج وأنا شاكية فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني ذكره مسلم واستفتته أم سلمة في الحج وقالت: إني أشتكي فقال طوفي من وراء الناس وأنت راكبة .  وسألته - صلى الله عليه وسلم - عائشة فقالت: يا رسول الله ألا أدخل البيت فقال ادخلي الحجر فإنه من البيت .  واستفتاه - صلى الله عليه وسلم - عروة بن مضرس فقال: يا رسول الله جئت من جبلي طيئ أذللت مطيتي وأتعبت نفسي والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه هل لي من حج فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أدرك معنا هذه الصلاة - يعني صلاة الفجر - وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا تم حجه وقضى تفثه حديث صحيح.  واستفتاه - صلى الله عليه وسلم - ناس من أهل نجد فقالوا: يا رسول الله كيف الحج فقال الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر تم حجه ومن تأخر فلا إثم عليه ثم أردف رجلا خلفه ينادي بهن ذكره أحمد.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح فقال اذبح ولا حرج وسأله - صلى الله عليه وسلم - آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي فقال ارم ولا حرج فما سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن شيء قدم ولا أخر إلا قال افعل ولا حرج متفق عليه وعند أحمد فما سئل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور على بعض وأشباهها إلا قال افعل ولا حرج وفي لفظ: حلقت قبل أن أنحر قال اذبح ولا حرج وسأله - صلى الله عليه وسلم - آخر قال: حلقت ولم أرم قال ارم ولا حرج وفي لفظ أنه سئل عمن ذبح قبل أن يحلق أو حلق قبل أن يذبح قال لا حرج وقال: كان الناس يأتونه فمن قائل: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف وأخرت شيئا وقدمت شيئا فكان يقول لا حرج إلا على رجل اقترض عرض مسلم وهو ظالم فذلك الذي حرج وهلك ذكره أبو داود. وأفتى - صلى الله عليه وسلم - كعب بن عجرة أن يحلق رأسه وهو محرم لأذى القمل: أن ينسك بشاة أو يطعم ستة مساكين أو يصوم ثلاثة أيام.(4\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1138",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1140",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأفتى - صلى الله عليه وسلم - من أهدى بدنة أن يركبها  متفق عليه.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - ناجية الخزاعي: ما يصنع بما عطب من الهدي فقال انحرها واغمس نعلها في دمها واضرب به صفحاتها وخل بينها وبين الناس فيأكلوها ولا يأكل منه هو ولا أحد من أهل رفقته .  وسأله عمر فقال: إني أهديت نجيبا فأعطيت بها ثلاثمائة دينار فأبيعها فأشتري بها بدنا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا انحرها إياها .  وسأله - صلى الله عليه وسلم - زيد بن أرقم: ما هذه الأضاحي فقال سنة أبيكم إبراهيم صلاة الله وسلامه عليه قال: فما لنا منها قال بكل شعرة حسنة قالوا: يا رسول الله فالصوف قال بكل شعرة من الصوف حسنة ذكره أحمد  وسأله - صلى الله عليه وسلم - أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: عن يوم الحج الأكبر فقال يوم النحر ذكره الترمذي. وعند أبي داود بإسناد صحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فيها فقال: أي يوم هذا قالوا: يوم النحر فقال: هذا يوم الحج الأكبر وقد قال تعالى: وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله [التوبة: 3] وإنما أذن المؤذن بهذه البراءة يوم النحر  وثبت في الصحيح عن أبي هريرة أنه قال: يوم الحج الأكبر يوم النحر وأفتى - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بجواز فسخهم الحج إلى العمرة ثم أفتاهم باستحبابه ثم أفتاهم بفعله حتما ولم ينسخه شيء بعده وهو الذي ندين الله به أن القول بوجوبه أقوى وأصح من القول بالمنع منه وقد صح عنه صحة لا شك فيها أنه قال من لم يكن أهدى فليهل بعمرة ومن كان أهدى فليهل بحج مع عمرة وأما ما فعله هو فإنه صح عنه أنه قرن بين الحج والعمرة من بضعة وعشرين وجها . رواه عنه ستة عشر نفسا من أصحابه ففعل القران وأمر بفعله من ساق الهدي وأمر بفسخه إلى التمتع من لم يسق الهدي وهذا من فعله وقوله كأنه رأي عين وبالله التوفيق.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى أفأضحي بها قال: لا ولكن خذ من شعرك وأظفارك وقص شاربك وتحلق عانتك وذلك تمام أضحيتك عند الله ذكره أبو داود. والمنيحة: الشاة التي أعطاه إياها غيره لينتفع بلبنها فمنعت من التضحية بها بأنها ليست ملكه وإن كان قد منحها هو غيره وقتا معلوما لزم الوفاء له بذلك فلا يضحي بها أيضا.(4\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1139",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1141",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعة من أصحابه كانوا معه فأخرج كل واحد منهم درهما فاشتروا أضحية فقالوا: يا رسول الله لقد أغلينا بها فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إن أفضل الضحايا أغلاها وأسمنها فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذ رجل برجل ورجل برجل ورجل بيد ورجل بيد ورجل بقرن ورجل بقرن وذبحها السابع وكبروا عليها جميعا  ذكره أحمد نزل هؤلاء النفر منزلة أهل البيت الواحد في إجزاء الشاة عنهم لأنهم كانوا رفقة واحدة. وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إن علي بدنة وأنا مؤثر بها ولا أجدها فأشتريها فأفتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبتاع سبع شياه فيذبحهن  ذكره أحمد.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - زيد بن خالد عن جذع من المعز فقال ضح به ذكره أحمد. وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو بردة بن نيار عن شاة ذبحها يوم العيد فقال أقبل الصلاة قال: نعم قال تلك شاة لحم قال: عندي عناق جذعة هي أحب إلي من مسنة قال تجزئ عنك ولن تجزئ عن أحد بعدك ذكره أحمد وهو صحيح صريح في أن الذبح قبل الصلاة لا يجزئ سواء دخل وقتها أو لم يدخل وهذا الذي ندين الله به قطعا ولا يجوز غيره. وفي الصحيحين من حديث جندب بن سفيان البجلي عنه - صلى الله عليه وسلم - من كان ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله . وفي الصحيحين من حديث أنس عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال من كان ذبح قبل الصلاة فليعد ولا قول لأحد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو سعيد فقال: اشتريت كبشا أضحي به فعدا الذئب فأخذ أليته فقال ضح به ذكره أحمد.  وأفتى - صلى الله عليه وسلم - أن من أراد الخروج إلى بيت المقدس للصلاة أن يصلي في مكة  ذكره أحمد. وسأله - صلى الله عليه وسلم - آخر يوم فتح مكة فقال: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس فقال صل ههنا ثم سأله فقال شأنك إذا ذكره أبو داود.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو ذر: أي مسجد وضع في الأرض أول قال المسجد الحرام قال: ثم أي قال المسجد الأقصى قال: كم بينهما قال أربعون عاما متفق عليه.  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي المسجدين أسس على التقوى قال مسجدكم هذا يريد مسجد المدينة ذكره مسلم وزاد الإمام أحمد وفي ذلك خير كثير يعني مسجد قباء .(4\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1140",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1142",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل فتاوى في بيان فضل بعض سور القرآن] فصل: [فتاوى في بيان فضل بعض سور القرآن] وسئل: أي آية في القرآن أعظم فقال الله لا إله إلا هو الحي القيوم ذكره أبو داود.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر فإذا إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر ذكره الترمذي وقال ابن عبد البر: هو صحيح.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: أقرئني سورة جامعة فأقرأه إذا زلزلت الأرض [الزلزلة: 1] حتى فرغ منها فقال الرجل: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها أبدا ثم أدبر الرجل فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أفلح الرويجل مرتين  ذكره أبو داود.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني أحب سورة قل هو الله أحد [الإخلاص: 1] فقال: حبك إياها أدخلك الجنة . وقال له عقبة بن عامر: اقرأ سورة هود وسورة يوسف فقال: لن تقرأ شيئا أبلغ عند الله من قل أعوذ برب الفلق [الفلق: 1] و قل أعوذ برب الناس [الناس: 1]  ذكره النسائي.  [فتاوى في بيان فضل بعض الأعمال] [فتاوى في بيان فضل بعض الأعمال] وفي الترمذي عنه أنه سئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الأعمال أحب إلى الله قال الحال المرتحل وفهم بعضهم من هذا أنه إذا فرغ من ختم القرآن قرأ فاتحة الكتاب وثلاث آيات من سورة البقرة لأنه حل بالفراغ وارتحل بالشروع وهذا لم يفعله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا استحبه أحد من الأئمة والمراد بالحديث الذي كلما حل من غزاة ارتحل في أخرى أو كلما حل من عمل ارتحل إلى غيره تكميلا له كما كمل الأول وأما هذا الذي يفعله بعض القراء فليس مراد الحديث قطعا وبالله التوفيق. وقد جاء تفسير الحديث متصلا به أن يضرب من أول القرآن إلى آخره كلما حل ارتحل وهذا له معنيان أحدهما: أنه كلما حل من سورة أو جزء ارتحل في غيره والثاني: أنه كلما حل من ختمة ارتحل في أخرى.  وسئل عن أهل الله: من هم فقال هم أهل القرآن أهل الله وخاصته ذكره أحمد. وسأله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن عمرو بن العاص في كم أقرأ القرآن فقال في شهر فقال:(4\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1141",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1143",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أطيق أفضل من ذلك فقال في عشرين فقال: أطيق أفضل من ذلك فقال في خمس عشرة فقال: أطيق أفضل من ذلك قال في عشرة فقال: أطيق أفضل من ذلك قال في خمس قال: أطيق أفضل من ذلك قال لا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاث ذكره أحمد.  واختلف رجلان في آية كل منهما أخذها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألاه عنها فقال لكل منهما هكذا أنزلت ثم قال أنزل القرآن على سبعة أحرف متفق عليه.  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي المجاهدين أعظم أجرا قال أكثرهم ذكرا لله قيل: فأي الصائمين أعظم أجرا قال أكثرهم لله ذكرا ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة كل ذلك يقول أكثرهم لله ذكرا فقال أبو بكر لعمر - رضي الله عنهما -: ذهب الذاكرون بكل خير فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجل ذكره أحمد. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن المفردين الذين هم أهل السبق فقال الذاكرون الله كثيرا وفي لفظ المشتهرون بذكر الله يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون يوم القيامة خفافا ذكره الترمذي.  وسئل عن رياض الجنة فقال حلق الذكر . وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن أهل الكرم الذين يقال لهم يوم القيامة: سيعلم أهل الجمع من أهل الكرم فقال هم أهل الذكر في المساجد ذكره أحمد. وسئل عن غنيمة مجالس الذكر فقال غنيمة مجالس الذكر الجنة ذكره أحمد. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن قوم غزوا فقالوا: ما رأينا أفضل غنيمة ولا أسرع رجعة منهم فقال أدلكم على قوم أفضل غنيمة منهم وأسرع رجعة قوم شهدوا صلاة الصبح ثم جلسوا يذكرون الله حتى طلعت الشمس فأولئك أسرع رجعة وأفضل غنيمة ذكره الترمذي. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن خيار الناس فقال الذين إذا رأوا ذكر الله ذكروا ذكره أحمد. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن خير الأعمال وأزكاها عند الله وأرفعها في الدرجات فقال ذكر الله ذكره أحمد.  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الدعاء أسمع فقال جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات ذكره أحمد. وقال الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد قالوا: فماذا نقول يا رسول الله قال سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة ذكره الترمذي. وسئل - صلى الله عليه وسلم -: بأي شيء يختم الدعاء فقال: بآمين ذكره أبو داود.(4\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1142",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1144",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن تمام النعمة فقال: الفوز بالجنة والنجاة من النار ذكره الترمذي فنسأل الله تمام نعمته بالفوز بالجنة والنجاة من النار. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الاستعجال المانع من إجابة الدعاء فقال يقول: قد دعوت قد دعوت فلم يستجب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء ذكره مسلم وفي لفظ يقول قد سألت قد سألت فلم أعط شيئا . وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الباقيات الصالحات فقال التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد ولا حول ولا قوة إلا بالله ذكره أحمد. وسأله - صلى الله عليه وسلم - الصديق - رضي الله عنه - أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته فقال قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم متفق عليه. وسأله - صلى الله عليه وسلم - الأعرابي الذي علمه أن يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم فقال: هذا لربي فما لي فقال قل: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني وعافني فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك ذكره مسلم. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رياض الجنة فقال المساجد فسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الرتع فيها فقال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ذكره الترمذي. واستفتاه - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزيني قال قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله قال: يا رسول الله هذا لله فما لي قال قل اللهم ارحمني وعافني واهدني وارزقني فقال هكذا بيده وقبضها فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما هذا فقد ملأ يده من الخير ذكره أبو داود. ومر - صلى الله عليه وسلم - بأبي هريرة وهو يغرس غرسا فقال ألا أدلك على غراس خير لك من هذا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر يغرس لك بكل واحدة شجرة في الجنة ذكره ابن ماجه. وسئل - صلى الله عليه وسلم -: كيف يكسب أحدنا كل يوم ألف حسنة قال يسبح مائة تسبيحة يكتب له ألف حسنة أو يحط عنه ألف خطيئة ذكره مسلم.(4\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1143",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1145",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأفتى - صلى الله عليه وسلم - من قال له لدغتني عقرب بأنه لو قال حين أمسى: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضره  ذكره مسلم. وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل أن يعلمه تعوذا يتعوذ به فقال قل: اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي وشر بصري وشر لساني وشر قلبي وشر هني يعني الفرج ذكره النسائي.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن كيفية الصلاة عليه فقال قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد متفق عليه.  وقال له - صلى الله عليه وسلم - معاذ: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار قال لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال ألا أدلك على أبواب الخير قلت: بلى يا رسول الله. قال الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وصلاة الرجل في جوف الليل ثم قال ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ثم قال ألا أخبرك بملاك ذلك كله قلت: بلى يا رسول الله قال: كف عليك هذا وأشار إلى لسانه قلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به فقال ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم حديث صحيح. وسأله - صلى الله عليه وسلم - أعرابي فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان فقال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا ولا أنقص منه فلما ولى قال النبي - صلى الله عليه وسلم - من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا متفق عليه. وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل آخر فقال: أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويبعدني من النار فقال تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة وتصل الرحم متفق عليه. وسأله أعرابي فقال: علمني عملا يدخلني الجنة فقال لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة أعتق النسمة وفك الرقبة قال: أوليسا واحدا قال لا عتق النسمة أن تنفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في عتقها والمنحة الوكوف والفيء على ذي(4\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1144",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1146",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرحم الظالم فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع واسق الظمآن وأمر بالمعروف وانه عن المنكر فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من خير ذكره أحمد.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: ما الإسلام فقال: أن يسلم قلبك لله وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك قال: فأي الإسلام أفضل قال: الإيمان قال: وما الإيمان قال: تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت قال: فأي الإيمان أفضل قال: الهجرة قال: وما الهجرة قال: أن تهجر السوء قال: فأي الهجرة أفضل قال الجهاد قال: وما الجهاد قال: أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم قال: فأي الجهاد أفضل قال: من عقر جواده وأهريق دمه ثم عملان هما أفضل الأعمال إلا من عمل بمثلهما حجة مبرورة أو عمرة ذكره أحمد. وسئل: أي الأعمال أفضل فقال: الإيمان بالله وحده ثم الجهاد ثم حجة مبرورة تفضل سائر العمل كما بين مطلع الشمس ومغربها ذكره أحمد. وسئل - صلى الله عليه وسلم - أيضا: أي الأعمال أفضل فقال: أن تحب لله وتبغض لله وتعمل لسانك في ذكر الله قال السائل: وماذا يا رسول الله قال: وأن تحب للناس ما تحب لنفسك وأن تقول خيرا أو تصمت . واختلف نفر من الصحابة في أفضل الأعمال فقال بعضهم: سقاية الحاج وقال بعضهم: عمارة المسجد الحرام وقال بعضهم: الحج وقال بعضهم: الجهاد في سبيل الله فاستفتى عمر في ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله عز وجل: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين [التوبة: 19] إلى قوله تعالى: وأولئك هم الفائزون [التوبة: 20]  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: يا رسول الله شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الخمس وأديت زكاة مالي وصمت شهر رمضان فقال: من مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا ونصب أصابعه ما لم يعق والديه ذكره أحمد. وسأله - صلى الله عليه وسلم - آخر فقال: أرأيت إذا صليت المكتوبة وصمت رمضان وأحللت الحلال وحرمت الحرام ولم أزد على ذلك شيئا أدخل الجنة قال: نعم قال: والله لا أزيد على ذلك شيئا  ذكره مسلم.(4\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1145",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1147",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الأعمال خير قال: أن تطعم الطعام وتقرئ السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف متفق عليه. وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو هريرة فقال: إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني فأنبئني عن كل شيء فقال: كل شيء خلق من ماء قال: أنبئني عن أمر إذا أخذت به دخلت الجنة قال: أفش السلام وأطعم الطعام وصل الأرحام وقم بالليل والناس نيام ثم ادخل الجنة بسلام ذكره أحمد. وسأله - صلى الله عليه وسلم - آخر فشكا إليه قسوة قلبه فقال: إذا أردت أن يلين قلبك فأطعم المسكين وامسح رأس اليتيم . وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الأعمال أفضل قال: طول القيام قيل: فأي الصدقة أفضل قال: جهد المقل قيل: فأي الهجرة أفضل قال: من هجر ما حرم الله عليه قيل: فأي الجهاد أفضل قال: من جاهد المشركين بماله ونفسه قيل: فأي القتل أشرف قال: من أهريق دمه وعقر جواده ذكره أبو داود. وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الأعمال أفضل قال: إيمان لا شك فيه وجهاد لا غلول فيه وحج مبرور . وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو ذر فقال: من أين أتصدق وليس لي مال قال: إن من أبواب الصدقة التكبير وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله وأستغفر الله وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتعزل الشوكة عن طريق الناس والعظم والحجر وتهدي الأعمى وتسمع الأصم والأبكم حتى يفقه وتدل المستدل في حاجة له قد علمت مكانها وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث وترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف كل ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك ولك من جماعك لزوجتك أجر فقال أبو ذر: فكيف يكون لي أجر في شهوتي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أرأيت لو كان لك ولد ورجوت أجره فمات أكنت تحتسب به قلت: نعم قال: أنت خلقته قلت: بل الله خلقه قال: فأنت هديته قلت: بل الله هداه قال: فأنت كنت رزقته قلت: بل الله كان يرزقه قال: فكذلك فضعه في حلاله وجنبه حرامه فإن شاء الله أحياه وإن شاء الله أماته فلك أجر ذكره أحمد. وسأل - صلى الله عليه وسلم - أصحابه يوما: من أصبح منكم اليوم صائما قال أبو بكر: أنا قال: من اتبع منكم اليوم جنازة قال أبو بكر: أنا قال: من أطعم منكم اليوم مسكينا(4\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1146",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1148",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أبو بكر: أنا قال: فمن عاد منكم اليوم مريضا قال أبو بكر: أنا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما اجتمعن في رجل إلا دخل الجنة ذكره مسلم.  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله الرجل يعمل العمل فيستره فإذا اطلع عليه أعجبه فقال له أجران: أجر السر وأجر العلانية ذكره الترمذي. وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو ذر: يا رسول الله أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير يحمده الناس عليه قال: تلك عاجل بشرى المؤمن ذكره مسلم. وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: أي العمل أفضل فقال الإيمان بالله وتصديق به وجهاد في سبيله قال: أريد أهون من ذلك يا رسول الله قال السماحة والصبر قال: أريد أهون من ذلك قال لا تتهم الله تعالى في شيء قضي لك ذكره أحمد. وسأله - صلى الله عليه وسلم - عقبة عن فواضل الأعمال فقال يا عقبة صل من قطعك وأعط من حرمك وأعرض عمن ظلمك ذكره أحمد.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: كيف لي أن أعلم إذا أحسنت أني قد أحسنت وإذا أسأت أني قد أسأت فقال إذا قال جيرانك: إنك قد أحسنت فقد أحسنت وإذا قالوا: قد أسأت فقد أسأت ذكره ابن ماجه. وعند الإمام أحمد إذا سمعتهم يقولون قد أحسنت فقد أحسنت وإذا سمعتهم يقولون قد أسأت فقد أسأت .  [فصل فتاوى في الكسب والأموال] فصل: [فتاوى في الكسب والأموال] وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الكسب أفضل قال عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور ذكره أحمد. وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إن لي مالا وولدا وإن أبي يريد أن يجتاح مالي قال أنت ومالك لأبيك إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم فكلوه هنيئا ذكره أبو داود وأحمد. وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: إنا كل على آبائنا وأبنائنا وأزواجنا فما يحل لنا من أموالهم قال الرطب تأكلينه وتهدينه ذكره أبو داود وقال عقبة: الرطب يعني به ما يفسد إذا بقي.(4\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1147",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1149",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسئل - صلى الله عليه وسلم -: إنا نأخذ على كتاب الله أجرا فقال إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ذكره البخاري في قصة الرقية.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن أموال السلطان فقال ما أتاك الله منها من غير مسألة ولا إشراف فكله وتموله ذكره أحمد.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - عن أجرة الحجام فقال أعلفه ناضحك وأطعمه رقيقك ذكره مالك.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل عن عسب الفحل فنهاه فقال: إنا نطرق الفحل فنكرم فرخص له في الكرامة  حديث حسن ذكره الترمذي.  [إرشادات لبعض الأعمال] [إرشادات لبعض الأعمال] ونهى عن القسامة بضم القاف فسئل عنها فقال الرجل يكون على الفئام من الناس فيأخذ من حظ هذا وحظ هذا ذكره أبو داود. وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الصدقة أفضل قال سقي الماء . وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك قال قد علمت أنك تحبين الصلاة معي وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي فأمرت فبني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلم فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله عز وجل.  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي البقاع شر قال لا أدري حتى أسأل جبريل فسأل جبريل فقال: لا أدري حتى أسأل ميكائيل فجاء فقال: خير البقاع المساجد وشرها الأسواق . وقال: في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل عليه أن يتصدق عن كل مفصل صدقة فسألوه من يطيق ذلك قال النخاعة تراها في المسجد فتدفنها أو الشيء فتنحيه عن الطريق فإن لم تجد فركعتا الضحى يجزيانك .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة قاعدا فقال: من صلى قائما فهو أفضل ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم ومن صلى مضطجعا فله نصف أجر القاعد . قلت: وهذا له محملان أحدهما: أن يكون في النافلة عند من يجوزها مضطجعا والثاني: على المعذور فيكون له بالفعل النصف والتكميل بالنية.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: ما يمنعني أن أتعلم القرآن إلا خشية أن لا أقوم به فقال(4\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1148",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1150",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعلم القرآن واقرأه وارقد فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقال به كمثل جراب محشو مسكا يفوح ريحه على كل مكان ومن تعلمه ورقد وهو في جوفه كمثل جراب وكي على مسك . وقال عن رجل توفي من أصحابه ليته مات في غير مولده فسئل: لم ذلك فقال إن الرجل إذا مات في غير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة ذكر هذه الأحاديث أبو حاتم [و] ابن حبان في صحيحه.  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أيغني الدواء شيئا فقال سبحان الله وهل أنزل الله تبارك وتعالى من داء في الأرض إلا جعل له شفاء .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الرقى والأدوية: هل ترد من قدر الله شيئا قال هي من قدر الله .  وسأل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل من المسلمين طعن رجلا من المشركين في الحرب فقال: خذها وأنا الغلام الفارسي فقال لا بأس في ذلك يحمد ويؤجر ذكرهما أحمد.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل أن يعلمه ما ينفعه فقال لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي ولو أن تكلم أخاك ووجهك منبسط إليه وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة ولا يحبها الله وإن امرؤ شتمك بما يعلم فيك فلا تشتمه بما تعلم منه فإن أجره لك ووباله على من قاله .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن لحوم الحمر الأهلية فقال: لا تحل لمن شهد أني رسول الله ذكره أحمد.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها: كيف يصنع معهم فقال: صل الصلاة لوقتها ثم صل معهم فإنها لك نافلة حديث صحيح.  وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة صفوان بن المعطل السلمي فقالت: إنه يضربني إذا صليت ويفطرني إذا صمت ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس فسأله عما قالت امرأته فقال: أما قولها يضربني إذا صليت فإنها تقرأ بسورتين وقد نهيتها عنهما فقال - صلى الله عليه وسلم -: لو كانت سورة واحدة لكفت الناس وأما قولها يفطرني إذا صمت فإنها تنطلق فتصوم وأنا رجل شاب ولا أصبر فقال - صلى الله عليه وسلم - يومئذ لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها قال: وأما قولها لا أصلي حتى تطلع الشمس فإنا أهل بيت لا نكاد أن نستيقظ حتى تطلع الشمس فقال صل إذا استيقظت ذكره ابن حبان.(4\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1149",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1151",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت: ولهذا صادف أم المؤمنين في قصة الإفك لأنه كان في آخر الناس ولا ينافي هذا الحديث قوله في حديث الإفك quot; والله ما كشفت كنف أنثى قط quot; فإنه إلى ذلك الوقت لم يكشف كنف أنثى قط ثم تزوج بعد ذلك.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن قتل الوزغ فأمر بقتله  ذكره ابن حبان.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل نذر أن يمشي إلى الكعبة فجعل يهادي بين رجلين فقال: إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه وأمره أن يركب . واستفتاه - صلى الله عليه وسلم - رجل في جار له يؤذيه فأمره بالصبر ثلاث مرات فقال له في الرابعة: اطرح متاعك في الطريق ففعل فجعل الناس يمرون به ويقولون: ما له ويقول: آذاه جاره فجعلوا يقولون: لعنه الله فجاءه جاره فقال: رد متاعك والله لا أؤذيك أبدا  ذكره أحمد وابن حبان.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إني أذنبت ذنبا كبيرا فهل لي من توبة فقال له ألك والدان فقال: لا قال فلك خالة قال: نعم قال فبرها ذكره ابن حبان. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل قد أوجب فقال أعتقوا عنه رقبة يعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار ذكره ابن حبان أيضا. أوجب: أي استوجب النار بذنب عظيم ارتكبه. وسأله رجل إن أبوي قد هلكا فهل بقي من بعد موتهما شيء فقال نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عقودهما من بعدهما وإكرام صديقهما وصلة رحمهما التي لا رحم لك إلا من قبلهما قال الرجل: ما ألذ هذا وأطيبه قال فاعمل به .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل شد على رجل من المشركين ليقتله فقال إني مسلم فقتله فقال فيه قولا شديدا فقال: إنما قاله تعوذا من السيف فقال إن الله حرم علي أن أقتل مؤمنا حديث صحيح.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: يا رسول الله أخبرنا بخيرنا من شرنا فقال خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره وشركم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره ذكره ابن حبان.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: ما الذي بعثك الله به فقال الإسلام فقال: وما الإسلام قال: أن تسلم قلبك لله وأن توجه وجهك لله وأن تصلي الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة أخوان نصيران لا يقبل من عبد توبة أشرك بعد إسلامه ذكره ابن حبان أيضا.(4\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1150",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1152",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسأله - صلى الله عليه وسلم - الأسود بن سريع فقال: أرأيت إن لقيت رجلا من المشركين فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله أفأقتله بعد أن قالها فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تقتله فقلت: يا رسول الله إنه قطع إحدى يدي ثم قال ذلك بعد أن قطعها أفأقتله قال: لا تقتله فإنك إن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال حديث صحيح.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: يا رسول الله مررت برجل فلم يضفني ولم يقرني أفأحتكم قال: بل أقره ذكرهما ابن حبان وقوله: أحتكم أي أعامله إذا مر بي بمثل ما عاملني به  وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو ذر فقال: الرجل يحب القوم ولا يستطيع أن يعمل بعملهم قال: يا أبا ذر أنت مع من أحببت قال: فإني أحب الله ورسوله قال: أنت يا أبا ذر مع من أحببت  وسأله - صلى الله عليه وسلم - ناس من الأعراب فقالوا: أفتنا في كذا أفتنا في كذا أفتنا في كذا أفتنا في كذا فقال: أيها الناس إن الله قد وضع عنكم الحرج إلا من اقترض من عرض أخيه فذلك الذي حرج وهلك قالوا: أفنتداوى يا رسول الله قال: نعم إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له دواء غير داء واحد قالوا: يا رسول الله وما هو قال: الهرم قالوا: فأي الناس أحب إلى الله يا رسول الله قال: أحب الناس إلى الله أحسنهم خلقا ذكره أحمد وابن حبان.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - عدي بن حاتم فقال: إن أبي كان يصل الرحم وكان يفعل ويفعل فقال إن أباك أراد أمرا فأدركه يعني الذكر قال: قلت: يا رسول الله إني أسألك عن طعام لا أدعه إلا تحرجا قال لا تدع شيئا ضارع النصرانية فيه قال: قلت: إني أرسل كلبي المعلم فيأخذ صيدا فلا أجد ما أذبح به إلا المروة والعصا أهرق الدم بما شئت واذكر اسم الله ذكره ابن حبان. وسألته - صلى الله عليه وسلم - عائشة عن ابن جدعان وما كان يفعل في الجاهلية من صلة الرحم وحسن الجوار وقرى الضيف هل ينفعه فقال: لا لأنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين . وسأله - صلى الله عليه وسلم - سفيان بن عبد الله الثقفي أن يقول له قولا لا يسأل عنه أحدا بعده فقال قل آمنت بالله ثم استقم .(4\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1151",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1153",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسئل - صلى الله عليه وسلم -: من أكرم الناس فقال أتقاهم لله قالوا: لسنا عن هذا نسألك قال فعن معادن العرب تسألوني خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا .  وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: إني نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب على رأسك بالدف فقال إن كنت نذرت فافعلي وإلا فلا قالت: إني كنت نذرت فقعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضربت بالدف  حديث صحيح. وله وجهان أحدهما: أن يكون أباح لها الوفاء بالنذر المباح تطييبا لقلبها وجبرا وتأليفا لها في زيادة الإيمان وقوته وفرحها بسلامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والثاني: أن يكون هذا النذر قربة لما تضمنه من السرور والفرح بقدوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سالما مؤيدا منصورا على أعدائه قد أظهره الله وأظهر دينه وهذا من أفضل القرب فأمرت بالوفاء به.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: يا رسول الله الرجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي من عرض الدنيا فقال لا أجر له فأعظم ذلك الناس فقالوا للرجل: أعد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلعلك لم تفهمه فقال الرجل: يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي من عرض الدنيا فقال لا أجر له فأعظم ذلك الناس فقالوا: أعد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعاد فقال لا أجر له .  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: أقاتل أو أسلم قال أسلم ثم قاتل فأسلم ثم قاتل فقتل فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا عمل قليلا وأجر كثيرا .  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: ما أكثر ما تخاف علي فأخذ بلسانه ثم قال هذا .  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: قل لي قولا ينفعني الله به وأقلل لعلي أعقله فقال لا تغضب فردد مرارا كل ذلك يقول له لا تغضب .  وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: إن لي ضرة فهل علي جناح إن استكثرت من زوجي بما لا يعطيني فقال: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور وكل هذه الأحاديث في الصحيح.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأوصني بشيء أتشبث به فقال: لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله ذكره أحمد.(4\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1152",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1154",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: يا رسول الله أرسل ناقتي وأتوكل على الله فقال: بل اعقلها وتوكل ذكره ابن حبان والترمذي.  وقال له - صلى الله عليه وسلم - رجل: ليس عندي يا رسول الله ما أتزوج به قال: أوليس معك قل هو الله أحد [الإخلاص: 1]  قال: بلى قال: ثلث القرآن قال أليس معك قل يا أيها الكافرون [الكافرون: 1]  قال: بلى قال: ربع القرآن قال أليس معك إذا زلزلت الأرض [الزلزلة: 1]  قال: بلى قال: ربع القرآن قال أليس معك إذا جاء نصر الله [النصر: 1]  قال: بلى قال: ربع القرآن أليس معك آية الكرسي قال: بلى قال: ربع القرآن قال: تزوج تزوج تزوج ثلاث مرات ذكره أحمد.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - معاذ فقال: يا رسول الله أرأيت إن كان علينا أمراء لا يستنون بسنتك ولا يأخذون بأمرك فما تأمرنا في أمرهم قال: لا طاعة لمن لم يطع الله .  وسأله - صلى الله عليه وسلم - أنس أن يشفع له فقال إني فاعل قال: فأين أطلبك يوم القيامة قال اطلبني أول ما تطلبني على الصراط قلت: فإذا لم ألقك على الصراط قال فأنا على الميزان قلت: فإن لم ألقك عند الميزان قال فأنا عند الحوض لا أخطئ هذه الثلاث مواطن يوم القيامة ذكرهما أحمد.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - الحجاج بن علاط فقال: إن لي بمكة مالا وإن لي بها أهلا وإني أريد أن آتيهم فأنا في حل إن أنا نلت منك أو قلت شيئا فأذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول ما شاء  ذكره أحمد. وفيه دليل على أن الكلام إذا لم يرد به قائله معناه إما لعدم قصده له أو لعدم علمه به أو أنه أراد به غير معناه لم يلزمه ما لم يرده بكلامه وهذا هو دين الله الذي أرسل به رسوله ولهذا لم يلزم المكره على التكلم بالكفر الكفر ولم يلزم زائل العقل بجنون أو نوم أو سكر ما تكلم به ولم يلزم الحجاج بن علاط حكم ما تكلم به لأنه أراد به غير معناه ولم يعقد قلبه عليه وقد قال تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان [المائدة: 89] وفي الآية الأخرى ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم [البقرة: 225] فالأحكام في الدنيا والآخرة مرتبة على ما كسبه القلب وعقد عليه وأراده من معنى كلامه.  وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: يا رسول الله إن نساء أسعدنني في الجاهلية يعني في(4\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1153",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1155",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النوح أفأساعدهن في الإسلام قال لا إسعاد في الإسلام ولا شغار في الإسلام ولا عقر في الإسلام ولا جلب في الإسلام ومن انتهب فليس منا ذكره أحمد. والإسعاد: إسعاد المرأة في مصيبتها بالنوح. والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر بنته. والعقر: الذبح على قبور الموتى. والجلب: الصياح على الفرس في السباق. والجنب: أن يجنب فرسا فإذا أعيت فرسه انتقل إلى تلك في المسابقة.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - بعض الأنصار فقالوا: قد كان لنا جمل نسير عليه وإنه قد استصعب علينا ومنعنا ظهره وقد عطش الزرع والنخل فقال لأصحابه قوموا فقاموا فدخل الحائط والجمل في ناحيته فمشى النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه فقالت الأنصار: يا نبي الله إنه قد صار مثل الكلب الكلب وإنا نخاف عليك صولته فقال ليس علي منه بأس فلما نظر الجمل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقبل نحوه حتى خر ساجدا بين يديه فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بناصيته أذل ما كان قط حتى أدخله في العمل فقال له الصحابة يا نبي الله هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك ونحن نعقل فنحن أحق أن نسجد لك فقال لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر ولو صلح بشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها والذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه يتنجس بالقيح والصديد ثم استقبلته تلحسه ما أدت حقه ذكره أحمد فأخذ المشركون مع مريديهم بسجود الجمل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتركوا قوله لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر وهؤلاء شر من الذين يتبعون المتشابه ويدعون المحكم.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - فقيل له: إن أهل الكتاب يحتفون ولا ينتعلون في الصلاة قال فاحتفوا وانتعلوا وخالفوا أهل الكتاب قالوا: فإن أهل الكتاب يقصون عثانينهم ويوفرون سبالهم فقال قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم وخالفوا أهل الكتاب ذكره أحمد  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: يا نبي الله مررت بغار فيه شيء من ماء فحدثت نفسي بأن أقيم فيه فيقوتني ما فيه من ماء وأصيب ما حوله من البقل وأتخلى عن الدنيا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة .(4\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1154",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1156",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل فتاوى في أنواع البيوع] فصل: [فتاوى في أنواع البيوع] وأخبرهم أن الله سبحانه وتعالى حرم عليهم بيع الخمر والميتة والخنزير وعبادة الأصنام فسألوه وقالوا: أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال هو حرام ثم قال قاتل الله اليهود فإن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه . وفي قوله هو حرام قولان أحدهما: أن هذه الأفعال حرام والثاني: أن البيع حرام وإن كان المشتري يشتريه لذلك والقولان مبنيان على أن السؤال منهم هل وقع عن البيع لهذا الانتفاع المذكور أو وقع عن الانتفاع المذكور والأول اختيار شيخنا وهو الأظهر لأنه لم يخبرهم أولا عن تحريم هذا الانتفاع حتى يذكروا له حاجتهم إليه وإنما أخبرهم عن تحريم البيع فأخبروه أنهم يبتاعونه لهذا الانتفاع فلم يرخص لهم في البيع ولم ينههم عن الانتفاع المذكور ولا تلازم بين جواز البيع وحل المنفعة والله أعلم.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو طلحة عن أيتام ورثوا خمرا فقال أهرقها قال: أفلا أجعلها خلا قال لا حديث صحيح وفي لفظ أن أبا طلحة قال: يا رسول الله إني اشتريت خمرا لأيتام في حجري فقال أهرق الخمر واكسر الدنان . وسأله - صلى الله عليه وسلم - حكيم بن حزام فقال: الرجل يأتيني ويريد مني البيع وليس عندي ما يطلب أفأبيع منه ثم أبتاع من السوق قال لا تبع ما ليس عندك ذكره أحمد. وسأله - صلى الله عليه وسلم - أيضا فقال: إني أبتاع هذه البيوع فما يحل لي منها وما يحرم علي منها قال يا ابن أخي لا تبيعن شيئا حتى تقبضه ذكره أحمد وعند النسائي: ابتعت طعاما من طعام الصدقة فربحت فيه قبل أن أقبضه فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له ذلك فقال لا تبعه حتى تقبضه .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاح الذي إذا وجد جاز بيع الثمار فقال: تحمار وتصفار ويؤكل منها متفق عليه.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: ما الشيء الذي لا يحل منعه قال الماء قال: ما الشيء الذي لا يحل منعه قال الملح قال: ثم ماذا قال النار ثم سأله - صلى الله عليه وسلم -: ما الشيء الذي لا يحل منعه قال أن تفعل الخير خير لك ذكره أبو داود.(4\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1155",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1157",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسئل أن يحجر على رجل يغبن في البيع لضعف في عقدته فنهاه عن البيع فقال: لا أصبر عنه فقال إذا بايعت فقل لا خلابة وأنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاثا .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل ابتاع غلاما فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم ثم وجد به عيبا فرده عليه فقال البائع: يا رسول الله قد استغل غلامي فقال الخراج بالضمان ذكره أبو داود.  وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: إني امرأة أبيع وأشتري فإذا أردت أن أبتاع الشيء سمت به أقل مما أريد ثم زدت حتى أبلغ الذي أريد وإذا أردت أن أبيع الشيء سمت به أكثر من الذي أريد ثم وضعت حتى أبلغ الذي أريد فقال لا تفعلي إذا أردت أن تبتاعي شيئا فاستامي به الذي تريدين أعطيت أو منعت وإذا أردت أن تبيعي شيئا فاستامي به الذي تريديه أعطيت أو منعت ذكره ابن ماجه.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - بلال عن تمر رديء باع منه صاعين بصاع جيد فقال أوه عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر بيعا آخر ثم اشتر بالثمن متفق عليه.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - البراء بن عازب فقال: اشتريت أنا وشريكي شيئا يدا بيد ونسيئة فسألنا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أما ما كان يدا بيد فخذوه وما كان نسيئة فذروه ذكره البخاري وهو صريح في تفريق الصفقة وعند النسائي عن البراء قال: كنت أنا وزيد بن أرقم تاجرين على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألناه عن الصرف فقال إن كان يدا بيد فلا بأس وإن كان نسيئة فلا يصلح .  وسأله - صلى الله عليه وسلم - فضالة بن عبيد عن قلادة اشتراها يوم خيبر باثني عشر دينارا فيها ذهب وخرز ففصلها فوجد فيها أكثر من اثني عشر دينارا فقال لا تباع حتى تفصل ذكره مسلم وهو يدل على أن مسألة مد عجوة لا تجوز إذا كان أحد العوضين فيه ما في الآخر وزيادة فإنه صريح الربا والصواب أن المنع مختص بهذه الصورة التي جاء فيها الحديث وما شابهها من الصور  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الفرس بالأفراس والنجيبة بالإبل فقال لا بأس إذا كان يدا بيد ذكره أحمد. وسأله - صلى الله عليه وسلم - ابن عمر فقال: أشتري الذهب بالفضة  فقال: إذا أخذت واحدا منهما فلا يفارقك صاحبك وبينك وبينه لبس وفي لفظ: كنت أبيع الإبل وكنت آخذ الذهب من الفضة والفضة من الذهب والدنانير من الدراهم والدراهم من الدنانير فسألت(4\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1156",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1158",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إذا أخذت أحدهما وأعطيت الآخر فلا يفارقك صاحبك وبينك وبينه لبس ذكره ابن ماجه. وتفسير هذا ما في اللفظ الذي عند أبي داود عنه قلت: يا رسول الله إني أبيع الإبل بالنقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه فقال لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء ذكره أحمد.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن اشتراء التمر بالرطب فقال أينقص الرطب إذا يبس قالوا: نعم فنهى عن ذلك  ذكره أحمد والشافعي ومالك - رضي الله عنهم -.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل أسلف في نخل فلم يخرج تلك السنة فقال اردد عليه ماله ثم قال لا تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحه وفي لفظ أن رجلا أسلم في حديقة نخل قبل أن يطلع النخل فلم يطلع النخل شيئا ذلك العام فقال المشتري: هو لي حتى يطلع وقال البائع: إنما بعتك النخل هذه السنة فاختصما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال للبائع آخذ من نخلك شيئا قال: لا قال فبم تستحل ماله اردد عليه ماله ثم قال لا تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحه . وهو حجة لمن لم يجوز السلم إلا في موجود الجنس حال العقد كما يقوله الأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي. وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إن بني فلان قد أسلموا لقوم من اليهود وإنهم قد جاعوا فأخاف أن يرتدوا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - من عنده قال رجل من اليهود: عندي كذا وكذا لشيء سماه أراه قال: ثلاثمائة دينار بسعر كذا وكذا من حائط بني فلان فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: بسعر كذا وكذا وليس من حائط بني فلان ذكره ابن ماجه.  [فصل فتاوى في فضل بعض الأعمال] فصل: [فتاوى في فضل بعض الأعمال]  وسأله - صلى الله عليه وسلم - حمزة بن عبد المطلب فقال: اجعلني على شيء أعيش به فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا حمزة نفس تحييها أحب إليك أم نفس تميتها فقال: نفس أحييها قال عليك نفسك ذكره أحمد.  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: ما عمل الجنة قال quot; الصدق فإذا صدق العبد بر وإذا بر آمن وإذا آمن دخل الجنة quot;.(4\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1157",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1159",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسئل - صلى الله عليه وسلم -: ما عمل أهل النار قال الكذب إذا كذب العبد فجر وإذا فجر كفر وإذا كفر دخل النار .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن أفضل الأعمال فقال الصلاة قيل: ثم مه قال الصلاة ثلاث مرات فلما غلب عليه قال الجهاد في سبيل الله قال الرجل: فإن لي والدين قال آمرك بالوالدين خيرا قال: والذي بعثك بالحق نبيا لأجاهدن ولأتركهما فقال: أنت أعلم ذكره أحمد.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الغرف التي في الجنة يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها لمن هي قال لمن ألان الكلام وأطعم الطعام وبات لله قائما والناس نيام .  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: أرأيت إن جاهدت بنفسي ومالي فقتلت صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر أدخل الجنة قال نعم فقال ذلك مرتين أو ثلاثا قال إلا إن مت وعليك دين وليس عندك وفاؤه وأخبرهم بتشديد أنزل فسألوه عنه فقال الدين والذي نفسي بيده لو أن رجلا قتل في سبيل الله ثم عاش ثم قتل في سبيل الله ثم عاش ثم قتل في سبيل الله ما دخل الجنة حتى يقضي دينه ذكرهما أحمد.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل عن أخيه مات وعليه دين فقال هو محبوس بدينه فاقض عنه فقال: يا رسول الله قد أديت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة وليس لها بينة فقال أعطها فإنها محقة ذكره أحمد. وفيه دليل على أن الوصي إذا علم بثبوت الدين على الميت جاز له وفاؤه وإن لم تقم به بينة.  وسألوه - صلى الله عليه وسلم - أن يسعر لهم فقال إن الله هو الخالق القابض الباسط الرازق وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم أو مال ذكره أحمد.  فصل: وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: أرضي ليس لأحد فيها شركة ولا قسمة إلا الجار فقال الجار أحق بصقبه ذكره أحمد والصواب العمل بهذه الفتوى إذا اشتركا في طريق أو حق من حقوق الملك.  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الظلم أعظم قال: ذراع من الأرض ينتقصه من حق أخيه وليست(4\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1158",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1160",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حصاة من الأرض أخذها إلا طوقها يوم القيامة إلى قعر الأرض ولا يعلم قعرها إلا الذي خلقها ذكره أحمد. وأفتى - صلى الله عليه وسلم - في شاة ذبحت بغير إذن صاحبها وقدمت إليه أن تطعم الأسارى  ذكره أبو داود.  [فصل فتاوى في الرهن والدين] فتاوى في الرهن والدين فصل: [فتاوى في الرهن والدين] وأفتى - صلى الله عليه وسلم - بأن ظهر الرهن يركب بنفقته إذا كان مرهونا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا وعلى الذي يركب ويشرب النفقة  ذكره البخاري. وأخذ أحمد وغيره من أئمة الحديث بهذه الفتوى وهو الصواب.  وأفتى - صلى الله عليه وسلم - بأن الرهن لا يغلق من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه  حديث حسن.  وأفتى - صلى الله عليه وسلم - في رجل أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه فأمر أن يتصدق عليه فلم يوف ذلك دينه فقال للغرماء: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك ذكره مسلم.  وأفتى - صلى الله عليه وسلم - من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره  متفق عليه.  [فصل تصدق المرأة] فصل: [المرأة تتصدق] وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة عن حلي لها تصدقت به فقال لها: لا يجوز لامرأة عطية في مالها إلا بإذن زوجها وفي لفظ لا يجوز للمرأة أمر في مالها إذا ملك زوجها عصمتها ذكره أهل السنن. وعند ابن ماجه أن خيرة امرأة كعب بن مالك أتته بحلي فقالت: تصدقت بهذا فقال هل استأذنت كعبا فقالت: نعم فبعث إلى كعب فقال: هل أذنت لخيرة أن تتصدق بحليها هذا فقال: نعم فقبله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .  [مال اليتيم] وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: ليس لي مال ولي يتيم فقال: كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل مالا ومن غير أن تقي مالك أو قال تفدي مالك بماله . ولما نزلت ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن [الأنعام: 152] عزلوا أموال(4\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1159",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1161",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اليتامى حتى جعل الطعام يفسد واللحم ينتن فسألوا عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح [البقرة: 220] ذكره أحمد وأهل السنن.  [اللقطة] وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن لقطة الذهب والورق فقال: اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه . فسئل - صلى الله عليه وسلم - عن ضالة الإبل قال ما لك ولها دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها . فسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الشاة فقال: خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو الذئب متفق عليه. وفي لفظ لمسلم فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها إياه وإلا فهي لك . وفي لفظ لمسلم ثم كلها فإن جاء صاحبها فأدها إليه . وقال أبي بن كعب: وجدت صرة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها مائة دينار فأتيت بها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: عرفها حولا فعرفتها حولا ثم أتيته بها فقال: عرفها حولا فعرفتها ثم أتيته بها فقال: عرفها حولا فعرفتها ثم أتيته بها الرابعة فقال: اعرف عددها ووكاءها ووعاءها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها فاستمتعت بها  متفق عليه واللفظ للبخاري. وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل من مزينة عن الضالة من الإبل قال: معها حذاؤها وسقاؤها تأكل الشجر وترد الماء فدعها حتى يأتيها باغيها قال: الضالة من الغنم قال: لك أو لأخيك أو للذئب تجمعها حتى يأتيها باغيها قال: الحريسة التي توجد في مراتعها قال فيها ثمنها مرتين وضرب نكال وما أخذ من عطنه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن قال: يا رسول الله فالثمار وما أخذ منها في أكمامها قال ما أخذ بفمه فلم يتخذ خبيئة فليس عليه شيء وما احتمل فعليه ثمنه مرتين وضرب نكال وما أخذ من أجرانه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن قالوا: يا رسول الله فاللقطة يجدها في سبيل العامرة قال عرفها حولا فإن وجدت باغيها فأدها إليه وإلا فهي لك قال: ما يوجد في الحرب العادي قال فيه وفي الركاز الخمس ذكره أحمد وأهل السنن. والإفتاء بما فيه متعين وإن خالفه من خالفه فإنه لم يعارضه ما يوجب تركه.(4\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1160",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1162",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأفتى بأن من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل وليحفظ عفاصها ووكاءها ثم لا يكتم ولا يغيب فإن جاء ربها فهو أحق بها وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل جلس لحاجته فأخرج جرذ من جحر دينارا ثم أخرج آخر ثم أخرج آخر حتى أخرج سبعة عشر دينارا ثم أخرج طرف خرقة حمراء فأتى بها السائل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره خبرها وقال: خذ صدقتها قال ارجع بها لا صدقة فيها بارك الله لك فيها ثم قال: لعلك أهويت بيدك في الجحر قلت: لا والذي أكرمك بالحق فلم يفن آخرها حتى مات . وقوله والله أعلم quot; لعلك أهويت بيدك في الجحر quot; إذ لو فعل ذلك لكان [ذلك] في حكم الركاز وإنما ساق الله هذا المال إليه بغير فعل منه أخرجته له الأرض بمنزلة ما يخرج من المباحات ولهذا - والله أعلم - لم يجعله لقطة إذ لعله علم أنه من دفن الكفار.  [فصل الهدية وما في حكمها] فصل: [الهدية وما في حكمها] وأهدى له - صلى الله عليه وسلم - عياض بن حماد إبلا قبل أن يسلم فأبى أن يقبلها وقال إنا لا نقبل زبد المشركين قال: قلت وما زبد المشركين قال: رفدهم وهديتهم  ذكره أحمد ولا ينافي هذا قبوله هدية أكيدر وغيره من أهل الكتاب لأنهم أهل كتاب فقبل هديتهم ولم يقبل هدية المشركين.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - عبادة بن الصامت فقال: رجل أهدى إلي قوسا ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وليست بمال وأرمي عليها في سبيل الله فقال إن كنت تحب أن تطوق طوقا من نار فاقبلها . ولا ينافي هذا قوله إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله في قصة الرقية لأن تلك جعالة على الطب فطبه بالقرآن فأخذ الأجرة على الطب لا على تعليم القرآن وههنا منعه من أخذ الأجرة على تعليم القرآن فإن الله تعالى قال لنبيه: قل لا أسألكم عليه أجرا [الأنعام: 90] وقال تعالى: قل ما سألتكم من أجر فهو لكم [سبأ: 47] وقال تعالى: اتبعوا من لا يسألكم أجرا [يس: 21] فلا يجوز أخذ الأجرة على تبليغ الإسلام والقرآن.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو النعمان بن بشير أن يشهد على غلام نحله لابنه فلم يشهد وقال لا(4\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1161",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1163",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تشهدني على جور وفي لفظ إن هذا لا يصلح وفي لفظ: أكل ولدك نحلته مثل هذا قال: لا قال فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم وفي لفظ فارجعه وفي لفظ أشهد على هذا غيري متفق عليه وهذا أمر تهديد قطعا لا أمر إباحة لأنه سماه جورا وخلاف العدل وأخبر أنه لا يصلح وأمره برده ومحال مع هذا أن يأذن الله له في الإشهاد على ما هذا شأنه وبالله التوفيق.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - فقال: يا رسول الله قد بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا رجل ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي أفأتصدق بثلثي مالي قال لا قلت: فالشطر يا رسول الله قال لا قلت: فالثلث قال الثلث والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك متفق عليه.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن العاص فقال: يا رسول الله إن أبي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة فأعتق ابنه هشام خمسين وبقيت عليه خمسون رقبة. أفأعتق عنه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنه لو كان مسلما فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك ذكره أبو داود.  [فصل فتاوى في المواريث] فصل: [فتاوى في المواريث] وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إن ابن ابني مات فما لي من ميراثه فقال لك السدس فلما أدبر دعاه فقال لك سدس آخر فلما ولى دعاه وقال إن السدس الآخر طعمة ذكره أحمد.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن الكلالة فقال يكفيك من ذلك الآية التي أنزلت في الصيف في آخر سورة النساء ذكره مالك. وسأله - صلى الله عليه وسلم - جابر: كيف أقضي في مالي ولا يرثني إلا كلالة فنزلت يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة [النساء: 176]  ذكره البخاري.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - تميم الداري: يا رسول الله ما السنة في الرجل من المشركين يسلم على يد رجل من المسلمين فقال هو أولى الناس بمحياه ومماته ذكره أبو داود.  وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: كنت تصدقت على أمي بوليدة وإنها ماتت وتركت(4\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1162",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1164",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوليدة قال قد وجب أجرك ورجعت إليك في الميراث ذكره أبو داود وهو ظاهر جدا في القول بالرد فتأمله.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الكلالة قال ما خلا الولد والوالد ذكره أبو عبد الله المقدسي في أحكامه.  وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة سعد فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد قتل معك يوم أحد وابن عمهما أخذ جميع ما ترك أبوهما وإن المرأة لا تنكح إلا على مالها فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أنزلت آية الميراث فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخا سعد بن الربيع فقال أعط بنتي سعد ثلثي ميراثه وأعط امرأته الثمن وخذ أنت ما بقي ذكره أحمد. وسئل أبو موسى الأشعري عن ابنة وابنة ابن وأخت فقال: للبنت النصف وللأخت النصف وأت ابن مسعود فسيتابعني فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين أقضي فيها بما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - للبنت النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت ذكره البخاري.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: عندي ميراث رجل من الأزد ولست أجد أزديا أدفعه إليه فقال اذهب فالتمس أزديا حولا فأتاه بعد الحول فقال: يا رسول الله لم أجد أزديا أدفعه إليه قال فانطلق فانظر أول خزاعي تلقاه فادفعه إليه فلما ولى قال علي بالرجل فلما جاءه قال انظر أكبر خزاعة فادفعه إليه ذكره أحمد.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل مات ولم يدع وارثا إلا غلاما له كان أعتقه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل له أحد قالوا: لا إلا غلاما له كان أعتقه فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ميراثه له  ذكره أحمد وأهل السنن وهو حسن وبهذه الفتوى نأخذ.  وأفتى - صلى الله عليه وسلم - بأن المرأة تحوز ثلاثة مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه  ذكره أحمد وأهل السنن وهو حديث حسن وبه نأخذ.  وأفتى - صلى الله عليه وسلم - بأن المرأة ترث من دية زوجها وماله وهو يرث من ديتها ومالها ما لم يقتل أحدهما صاحبه عمدا فإذا قتل أحدهما صاحبه عمدا لم يرث من ديته وماله شيئا وإن قتل أحدهما صاحبه خطأ ورث من ماله ولم يرث من ديته  ذكره ابن ماجه وبه نأخذ.  وأفتى - صلى الله عليه وسلم - بأنه أيما رجل عاهر بحرة أو أمة فالولد ولد زنا لا يرث ولا يورث  ذكره الترمذي.(4\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1163",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1165",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقضى - صلى الله عليه وسلم - في ولد المتلاعنين أنه يرث أمه وترثه أمه ومن قذفها جلد ثمانين ومن دعاه ولد زنا جلد ثمانين  ذكره أحمد وأبو داود وعند أبي داود وجعل ميراث ولد الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها .  [فتاوى تتعلق بالعتق] وسأله - صلى الله عليه وسلم - الشريد بن سويد فقال: إن أمي أوصت أن تعتق عنها رقبة مؤمنة وعندي جارية سوداء نوبية أفأعتقها عنها فقال ائت بها فقال: من ربك قالت: الله قال: من أنا قالت: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: أعتقها فإنها مؤمنة ذكره أهل السنن. وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: علي عتق رقبة مؤمنة وأتاه بجارية سوداء أعجمية فقال لها أين الله فأشارت إلى السماء بأصبعها السبابة فقال لها من أنا فأشارت بأصبعها إلى رسول الله وإلى السماء أي أنت رسول الله فقال أعتقها ذكره أحمد. وسأله معاوية بن الحكم السلمي فقال: كانت لي جارية ترعى غنما لي قبل نجد والجوانية فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون فصككتها صكة فعظم ذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: أفلا أعتقها فقال: ائتني بها فقال لها: أين الله قالت: في السماء قال من أنا قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة . قال الشافعي: فلما وصفت الإيمان وأن ربها تبارك وتعالى في السماء قال quot; أعتقها فإنها مؤمنة quot; فقد سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - quot; أين الله quot;. وسأل - صلى الله عليه وسلم - أين الله فأجاب من سأله بأن الله في السماء فرضي جوابه وعلم به أنه حقيقة الإيمان لربه وأجاب هو - صلى الله عليه وسلم - من quot; سأله أين الله quot; ولم ينكر هذا السؤال عليه وعند الجهمي أن السؤال بأين الله كالسؤال بما لونه وما طعمه وما جنسه وما أصله ونحو ذلك من الأسئلة المحالة الباطلة.  وسألته - صلى الله عليه وسلم - ميمونة أم المؤمنين فقالت: أشعرت أني أعتقت وليدتي قال: لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك متفق عليه.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - نفر من بني سليم عن صاحب لهم قد أوجب يعني النار بالقتل فقال أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار ذكره أبو داود.(4\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1164",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1166",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: كم أعفو عن الخادم فصمت عنه ثم قال: يا رسول الله كم أعفو عن الخادم قال اعف عنه كل يوم سبعين مرة ذكره أبو داود.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن ولد الزنا فقال لا خير فيه نعلان أجاهد فيهما في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق ولد الزنا ذكره أحمد.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - سعد بن عبادة فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر أفيجزي عنها أن أعتق عنها قال أعتق عن أمك ذكره أحمد. وعند مالك: إن أمي هلكت فهل ينفعها أن أعتق عنها فقال نعم . واستفتته - صلى الله عليه وسلم - عائشة - رضي الله عنها - فقالت: إني أردت أن أشتري جارية فأعتقها فقال أهلها: نبيعكها على أن ولاءها لنا فقال لا يمنعك ذلك إنما الولاء لمن أعتق . والحديث في الصحيح فقالت طائفة: يصح الشرط والعقد ويجب الوفاء به وهو خطأ وقالت طائفة: يبطل العقد والشرط وإنما صح عقد عائشة لأن الشرط لم يكن في صلب العقد وإنما كان متقدما عليه فهو بمنزلة الوعد لا يلزم الوفاء به وهذا وإن كان أقرب من الذي قبله فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلل به ولا أشار في الحديث إليه بوجه ما والشرط المتقدم كالمقارن وقالت طائفة: في الكلام إضمار تقديره: اشترطي لهم الولاء أو لا تشترطيه فإن اشتراطه لا يفيد شيئا لأن الولاء لمن أعتق وهذا أقرب من الذي قبله مع مخالفته لظاهر اللفظ وقالت طائفة: اللام بمعنى على أي اشترطي عليهم الولاء فإنك أنت التي تعتقين والولاء لمن أعتق وهذا وإن كان أقل تكلفا مما تقدم ففيه إلغاء الاشتراط فإنها لو لم تشترط لكان الحكم كذلك وقالت طائفة: هذه الزيادة ليست من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - بل هي من قول هشام بن عروة وهذا جواب الشافعي نفسه وقال شيخنا: بل الحديث على ظاهره ولم يأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - باشتراط الولاء تصحيحا لهذا الشرط ولا إباحة له ولكن عقوبة لمشترطه إذ أبى أن يبيع جارية للمعتق إلا باشتراط ما يخالف حكم الله تعالى وشرعه فأمرها أن تدخل تحت شرطهم الباطل ليظهر به حكم الله ورسوله لأن الشروط الباطلة لا تغير شرعه وإن من شرط ما يخالف دينه لم يجز أن يوفى له بشرطه ولا يبطل البيع به وإن من عرف فساد الشرط وشرطه ألغي اشتراطه ولم يعتبر فتأمل هذه الطريقة وما قبلها من الطرق والله تعالى أعلم.(4\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1165",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1167",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل فتاوي في الزواج] فصل: [فتاوى في الزواج] وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي النساء خير فقال التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه فيما يكره في نفسها وماله ذكره أحمد.  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي المال يتخذ فقال ليتخذ أحدكم قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على أمر الآخرة ذكره أحمد والترمذي وحسنه.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال وإنها لا تلد أفأتزوجها قال لا ثم أتاه الثانية فنهاه ثم أتاه الثالثة فقال تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم .  وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو هريرة - رضي الله عنه - فقال: إني رجل شاب وإني أخاف الفتنة ولا أجد ما أتزوج به أفلا أختصي قال: فسكت عني ثم قلت: فسكت عني ثم قال يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق فاختصر على ذلك أو زد ذكره البخاري. وسأله - صلى الله عليه وسلم - آخر فقال: يا رسول الله ائذن لي أن أختصي قال خصاء أمتي الصيام ذكره أحمد.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - ناس من أصحابه فقالوا: ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به إن كل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسول الله يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر قال أرأيتم لو كان وضعها في حرام أكان عليه وزر فكذلك إذا كان وضعها في الحلال كان له أجر ذكره مسلم.  وأفتى - صلى الله عليه وسلم - من أراد أن يتزوج امرأة بأن ينظر إليها . وسأله - صلى الله عليه وسلم - المغيرة بن شعبة عن امرأة خطبها قال اذهب فانظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينكما فأتى أبويها فأخبرهما بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكأنهما كرها ذلك فسمعت ذلك المرأة وهي في خدرها فقالت: إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرك أن تنظر فانظر وإلا فإني أنشدك كأنها عظمت ذلك عليه قال: فنظرت إليها فتزوجتها فذكر من موافقتها له  ذكره أحمد وأهل السنن.(4\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1166",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1168",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسأله - صلى الله عليه وسلم - جرير عن نظرة الفجاءة فقال اصرف بصرك ذكره مسلم.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: عوراتنا ما نأتي منها وما نذر قال احفظ عورتك إلا من زوجتك وما ملكت يمينك قال: قلت: يا رسول الله إذا كان القوم بعضهم في بعض فقال إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها قيل: قلت: يا رسول الله إذا كان أحدنا خاليا قال الله أحق أن يستحيا منه ذكره أهل السنن.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل أن يزوجه امرأة فأمره أن يصدقها شيئا ولو خاتما من حديد فلم يجده فقال: ما معك من القرآن قال: معي سورة كذا وسورة كذا قال: تقرؤهن عن ظهر قلبك قال: نعم قال اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن متفق عليه.  واستأذنته - صلى الله عليه وسلم - أم سلمة في الحجامة فأمر أبا طيبة أن يحجمها قال: حسبت أنه كان أخاها من الرضاعة أو غلاما لم يحتلم  ذكره مسلم.  وأمر - صلى الله عليه وسلم - أم سلمة وميمونة أن يحتجبا من ابن أم مكتوم فقالتا: أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا قال أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه ذكره أهل السنن وصححه الترمذي فأخذت طائفة بهذه الفتوى وحرمت على المرأة نظرها إلى الرجل وعارضت طائفة أخرى هذا الحديث بحديث عائشة في الصحيحين أنها كانت تنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد  وفي هذه المعارضة نظر إذ لعل قصة الحبشة كانت قبل نزول الحجاب وخصت طائفة أخرى ذلك بأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -.  وسألته - صلى الله عليه وسلم - عائشة - رضي الله عنها - عن الجارية ينكحها أهلها أتستأمر أم لا فقال نعم تستأمر قالت عائشة - رضي الله عنها -: فإنها تستحيي فقال - صلى الله عليه وسلم - فذاك إذنها إذا هي سكتت متفق عليه. وبهذه الفتوى نأخذ وأنه لا بد من استئمار البكر وقد صح عنه - صلى الله عليه وسلم - الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها وفي لفظ والبكر يستأذنها أبوها في نفسها وإذنها صماتها وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - لا تنكح البكر حتى تستأذن قالوا: وكيف إذنها قال أن تسكت . وسألته - صلى الله عليه وسلم - جارية بكر فقالت: إن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد أمر باستئذان البكر ونهى عن إنكاحها بدون إذنها وخير - صلى الله عليه وسلم - من نكحت ولم تستأذن  فكيف بالعدول عن ذلك كله ومخالفته بمجرد مفهوم قوله الأيم أحق بنفسها من وليها  كيف ومنطوقه صريح في أن هذا المفهوم الذي فهمه من قال(4\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1167",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1169",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تنكح بغير اختيارها غير مراد فإن قال عقيبه quot; والبكر تستأذن في نفسها quot; بل هذا احتراز منه - صلى الله عليه وسلم - من حمل كلامه على ذلك المفهوم كما هو المعتاد في خطابه كقوله لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده فإنه لما نفى قتل المسلم بالكافر أوهم ذلك إهدار دم الكافر وأنه لا حرمة له فرفع هذا الوهم بقوله ولا ذو عهد في عهده ولما كان الاقتصار على قوله: quot; ولا ذو عهد quot; يوهم أنه لا يقتل إذا ثبت له العهد من حيث الجملة رفع هذا الوهم بقوله quot; في عهده quot; وجعل ذلك قيدا لعصمة العهد فيه وهذا كثير في كلامه - صلى الله عليه وسلم - لمن تأمله كقوله لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها فإن نهيه عن الجلوس عليها لما كان ربما يوهم التعظيم المحذور رفعه بقوله: quot; ولا تصلوا إليها quot; والمقصود أن أمره باستئذان البكر ونهيه عن نكاحها بدون إذنها وتخييرها حيث لم تستأذن لا معارض له فيتعين القول به وبالله التوفيق.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن صداق النساء فقال هو ما اصطلح عليه أهلوهم ذكره الدارقطني. وعنده مرفوعا أنكحوا اليتامى قيل: يا رسول الله ما العلائق بينهم قال: ما تراضى عليه الأهلون ولو قضيبا من أراك .  وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته فجعل الأمر إليها فقالت: قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن يعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء  ذكره أحمد والنسائي. ولما هلك عثمان بن مظعون ترك ابنة له فزوجها عمها قدامة من عبد الله بن عمر ولم يستأذنها فكرهت نكاحه وأحبت أن يتزوجها المغيرة بن شعبة فنزعها من ابن عمر وزوجها المغيرة وقال: إنها يتيمة ولا تنكح إلا بإذنها  ذكره أحمد.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - مرثد الغنوي فقال: يا رسول الله أنكح عناقا وكانت بغيا بمكة فسكت عنه فنزلت الآية الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك [النور: 3] وقال لا تنكحها . وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل آخر عن نكاح امرأة يقال لها أم مهزول كانت تسافح فقرأ عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الآية  ذكره أحمد. وأفتى - صلى الله عليه وسلم - بأن الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله  فأخذ بهذه الفتاوى التي لا معارض لها الإمام أحمد ومن وافقه وهي من محاسن مذهبه رحمة الله عليه فإنه لم يجز أن يكون الرجل زوج قحبة ويعضد مذهبه بضعة وعشرون دليلا قد ذكرناها في موضع آخر.(4\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1168",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1170",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأسلم قيس بن الحارث وتحته ثمان نسوة فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال اختر منهن أربعا . وأسلم غيلان وتحته عشر نسوة فأمره - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ منهن أربعا  ذكرهما أحمد وهما كالصريح في أن الخيرة إليه بين الأوائل والأواخر. وسأله - صلى الله عليه وسلم - فيروز الديلمي فقال: أسلمت وتحتي أختان فقال طلق أيتهما شئت ذكره أحمد.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - بصرة بن أكتم فقال: نكحت امرأة بكرا في سترها فدخلت عليها فإذا هي حبلى فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لها الصداق بما استحللت من فرجها والولد عبد لك فإذا ولدت فاجلدوها وفرق بينهما  ذكره أبو داود. ولا يشكل من هذه الفتوى إلا مثل عبودية الولد والله أعلم.  وأسلمت امرأة على عهده - صلى الله عليه وسلم - فتزوجت فجاء زوجها فقال: يا رسول الله إني كنت أسلمت وعلمت بإسلامي فانتزعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من زوجها الآخر وردها إلى الأول  ذكره أحمد وابن حبان.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا حتى مات فقضى لها على صداق نسائها وعليها العدة ولها الميراث  ذكره أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وغيره وهذه فتوى لا معارض لها فلا سبيل إلى العدول عنها.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن امرأة تزوجت ومرضت فتمعط شعرها فأرادوا أن يصلوه فقال لعن الله الواصلة والمستوصلة متفق عليه.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن العزل قال أو إنكم لتفعلون قالها ثلاثا ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة متفق عليه ولفظ مسلم ألا عليكم أن لا تفعلوا ما كتب الله عز وجل خلق نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - أيضا عن العزل فقال ما من كل الماء يكون الولد وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - آخر فقال: إن لي جارية وأنا أعزل عنها وأنا أكره أن تحمل وأنا أريد ما يريد الرجال وإن اليهود تحدث أن العزل موءودة صغرى فقال كذبت اليهود لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه ذكرهما أحمد وأبو داود. وسأله - صلى الله عليه وسلم - آخر فقال: عندي جارية وأنا أعزل عنها فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن ذلك لا يمنع شيئا إذا أراد الله فجاء الرجل فقال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الجارية التي كنت ذكرتها لك(4\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1169",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1171",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حملت فقال أنا عبد الله ورسوله ذكره مسلم وعنده أيضا: إن لي جارية هي خادمتنا وساقيتنا وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل فقال اعزل عنها إن شئت فإنه سيؤتيها ما قدر لها فلبث الرجل ثم أتاه فقال: إن الجارية قد حملت فقال قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها . وسأله - صلى الله عليه وسلم - آخر عن ذلك فقال لو أن الماء الذي يكون منه الولد أهرقته على صخرة لأخرجه الله منها وليخلقن الله عز وجل نفسا هو خالقها ذكره أحمد. وسأله - صلى الله عليه وسلم - آخر فقال: إني أعزل عن امرأتي فقال: لم تفعل ذلك فقال: إني أشفق على ولدها فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو كان ذلك ضارا ضر فارس والروم وفي لفظ إن كان كذلك فلا ما ضر ذلك فارس والروم ذكره مسلم.  فصل: وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة من الأنصار عن التجبية وهي وطء المرأة في قبلها من ناحية دبرها فتلا عليها قوله تعالى: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم [البقرة: 223] صماما واحدا  ذكره أحمد. وسأله - صلى الله عليه وسلم - عمر - رضي الله عنه - فقال: يا رسول الله هلكت قال: وما أهلكك قال: حولت رحلي البارحة فلم يرد عليه شيئا فأوحى الله إلى رسوله: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم [البقرة: 223] أقبل وأدبر واتقوا الحيضة والدبر ذكره أحمد والترمذي وهذا هو الذي أباحه الله ورسوله وهو الوطء من الدبر لا في الدبر وقد قال ملعون من أتى امرأته في دبرها وقال من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد وقال إن الله لا يستحيي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن وقال لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في الدبر وقال في الذي يأتي امرأته في دبرها: هي اللوطية الصغرى وهذه الأحاديث جميعها ذكرها أحمد في المسند.  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: ما حق المرأة على الزوج قال أن يطعمها إذا طعم ويكسوها إذا اكتسى ولا يضرب الوجه ولا يقبح ولا يهجر إلا في البيت ذكره أحمد وأهل السنن.(4\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1170",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1172",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل فتاوى في أحكام الرضاع] فصل: [فتاوى في أحكام الرضاع] وسألته - صلى الله عليه وسلم - عائشة أم المؤمنين فقالت إن أفلح أخا أبي القعيس استأذن علي وكانت امرأته أرضعتني فقال ائذني له إنه عمك متفق عليه. وسأله - صلى الله عليه وسلم - أعرابي فقال: إني كانت لي امرأة فتزوجت عليها أخرى فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت امرأتي الحدثاء رضعة أو رضعتين فقال لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان ذكره مسلم. وسألته سهلة بنت سهيل فقالت: إن سالما قد بلغ ما يبلغ الرجال وعقل ما عقلوا وإنه يدخل علينا وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا فقال أرضعيه تحرمي عليه ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة فرجعت فقالت: إني قد أرضعته فذهب الذي في نفس أبي حذيفة  ذكره مسلم. فأخذت طائفة من السلف بهذه الفتوى منهم عائشة ولم يأخذ بها أكثر أهل العلم وقدموا عليها أحاديث توقيت الرضاع المحرم بما قبل الفطام وبالصغر وبالحولين لوجوه أحدها: كثرتها وانفراد حديث سالم الثاني: أن جميع أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - خلا عائشة - رضي الله عنهن - في شق المنع الثالث: أنه أحوط الرابع: أن رضاع الكبير لا ينبت لحما ولا ينشر عظما فلا تحصل به البعضية التي هي سبب التحريم الخامس: أنه يحتمل أن هذا كان مختصا بسالم وحده ولهذا لم يجئ ذلك إلا في قصته السادس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل على عائشة وعندها رجل قاعد فاشتد ذلك عليه وغضب فقالت: إنه أخي من الرضاعة فقال انظرن من إخوانكن من الرضاعة فإنما الرضاعة من المجاعة متفق عليه واللفظ لمسلم وفي قصة سالم مسلك آخر وهو أن هذا كان موضع حاجة فإن سالما كان قد تبناه أبو حذيفة ورباه ولم يكن له منه ومن الدخول على أهله بد فإذا دعت الحاجة إلى مثل ذلك فالقول به مما يسوغ فيه الاجتهاد ولعل هذا المسلك أقوى المسالك وإليه كان شيخنا يجنح والله أعلم. وسئل - صلى الله عليه وسلم - أن ينكح ابنة حمزة فقال لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب ذكره مسلم. وسأله - صلى الله عليه وسلم - عقبة بن الحارث فقال: تزوجت امرأة فجاءت أمة سوداء فقالت: أرضعتكما وهي كاذبة فأعرض عنه فقال: إنها كاذبة فقال كيف بها وقد زعمت بأنها(4\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1171",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1173",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أرضعتكما دعها عنك ففارقها وأنكحت غيره  ذكره مسلم وللدارقطني دعها عنك فلا خير لك فيها . وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: ما يذهب عني مذمة الرضاع فقال غرة عبد أو أمة ذكره الترمذي وصححه والمذمة - بكسر الذال - من الذمام لا من الذم الذي هو نقيض المدح والمعنى أن للمرضعة على المرضع حقا وذماما فيذهبه عبد أو أمة فيعطيها إياه. وسئل - صلى الله عليه وسلم -: ما الذي يجوز من الشهود في الرضاع فقال: رجل أو امرأة ذكره أحمد.  [فصل فتاوى في الطلاق] فصل من فتاويه - صلى الله عليه وسلم - في الطلاق [فتاوى في الطلاق] ثبت عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه سأله عن طلاق ابنه امرأته وهي حائض فأمر بأن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أن يطلق بعد فليطلق . وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إن امرأتي وذكر من بذائها فقال طلقها فقال: إن لها صحبة وولدا قال مرها وقل لها فإن يكن فيها خير فستفعل ولا تضرب ظعينتك ضربك أمتك ذكره أحمد. وسأله - صلى الله عليه وسلم - آخر فقال: إن امرأتي لا ترد يد لامس قال: غيرها إن شئت وفي لفظ طلقها قال: إني أخاف أن تتبعها نفسي قال فاستمتع بها . فعورض بهذا الحديث المتشابه الأحاديث المحكمة الصريحة في المنع من تزويج البغايا واختلفت مسالك المحرمين لذلك فيه فقالت طائفة: المراد باللامس ملتمس الصدقة لا ملتمس الفاحشة وقالت طائفة: بل هذا في الدوام غير مؤثر وإنما المانع ورود العقد على زانية فهذا هو الحرام وقالت طائفة: بل هذا من التزام أخف المفسدتين لدفع أعلاهما فإنه لما أمر بمفارقتها خاف أن لا يصبر عنها فيواقعها حراما فأمره حينئذ بإمساكها إذ مواقعتها بعد عقد النكاح أقل فسادا من مواقعتها بالسفاح وقالت طائفة: بل الحديث ضعيف لا يثبت وقالت طائفة: ليس في الحديث ما يدل على أنها زانية وإنما فيه أنها لا تمتنع ممن لمسها أو وضع يده عليها أو نحو ذلك فهي تعطي الليان لذلك ولا(4\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1172",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1174",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يلزم أن تعطيه الفاحشة الكبرى ولكن هذا لا يؤمن معه إجابتها لداعي الفاحشة فأمره بفراقها تركا لما يريبه إلى ما لا يريبه فلما أخبره بأن نفسه تتبعها وأنه لا صبر له عنها رأى مصلحة إمساكها أرجح من مفارقتها لما يكره من عدم انقباضها عمن يلمسها فأمره بإمساكها وهذا لعله أرجح المسالك والله أعلم. وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: إن زوجي طلقني يعني ثلاثا وإني تزوجت زوجا غيره وقد دخل بي فلم يكن معه إلا مثل هدبة الثوب فلم يقربني إلا بهنة واحدة ولم يصل مني إلى شيء أفأحل لزوجي الأول فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تحلين لزوجك الأول حتى يذوق الآخر عسيلتك وتذوقي عسيلته متفق عليه. وسئل - صلى الله عليه وسلم - أيضا عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا فيتزوجها الرجل فيغلق الباب ويرخي الستر ثم يطلقها قبل أن يدخل بها قال لا تحل للأول حتى يجامعها الآخر ذكره النسائي. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن التيس المستعار فقال هو المحلل ثم قال لعن الله المحلل والمحلل له ذكره ابن ماجه. وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة عن كفر المنعمين فقال لعل إحداكن أن تطول أيمتها بين يدي أبويها تعنس فيرزقها الله زوجا ويرزقها منه مالا وولدا فتغضب الغضبة فتقول: ما رأيت منه يوما خيرا قط ذكره أحمد. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل طلق امرأته ثلاث طليقات جميعا فقام غضبان ثم قال أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم حتى قام رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله  ذكره النسائي. وطلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كيف طلقتها فقال: طلقتها ثلاثا فقال في مجلس واحد فقال: نعم قال إنما تلك واحدة فارجعها إن شئت قال: فراجعها  فكان ابن عباس يروي إنما الطلاق عند كل طهر ذكر أحمد قال: حدثنا سعيد بن إبراهيم. قال: حدثني أبي عن محمد بن إسحاق قال: حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس فذكره وأحمد يصحح هذا الإسناد ويحتج به وكذلك الترمذي. وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا ابن جريج قال: أخبرني بعض بني رافع مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن عكرمة عن ابن عباس قال: طلق عبد يزيد أبو ركانة وإخوته أم ركانة ونكح امرأة من مزينة فجاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة لشعرة أخذتها من رأسها ففرق بيني وبينه فأخذت النبي - صلى الله عليه وسلم - حميته فدعا بركانة وإخوته ثم قال لجلسائه: أترون أن(4\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1173",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1175",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلانا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد وفلانا منه كذا وكذا قالوا: نعم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد يزيد: طلقها ففعل فقال: راجع امرأتك أم ركانة وإخوته فقال: إني طلقتها ثلاثا يا رسول الله قال قد علمت راجعها وتلا يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن [الطلاق: 1]  . قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا عبد الرزاق فذكره فهذه طريقة أخرى متابعة لابن إسحاق والذي يخاف من ابن إسحاق التدليس وقد قال quot; حدثني quot; وهذا مذهبه وبه أفتى ابن عباس في إحدى الروايتين عنه صح عنه ذلك وصح عنه إمضاء الثلاث موافقة لعمر - رضي الله عنه - وقد صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أن الثلاث كانت واحدة في عهده وعهد أبي بكر وصدرا من خلافة عمر - رضي الله عنهما - وغاية ما يقدر مع بعده أن الصحابة كانوا على ذلك ولم يبلغه وهذا وإن كان كالمستحيل فإنه يدل على أنهم كانوا يفتون في حياته وحياة الصديق بذلك وقد أفتى هو - صلى الله عليه وسلم - به فهذه فتواه وعمل أصحابه كأنه أخذ باليد ولا معارض لذلك ورأى عمر - رضي الله عنه - أن يحمل الناس على إنفاذ الثلاث عقوبة وزجرا لهم لئلا يرسلوها جملة وهذا اجتهاد منه - رضي الله عنه - غايته أن يكون سائغا لمصلحة رآها ولا يوجب ترك ما أفتى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان عليه أصحابه في عهده وعهد خليفته فإذا ظهرت الحقائق فليقل امرؤ ما شاء وبالله التوفيق. وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق ثلاثا فقال تزوجها فإنه لا طلاق إلا بعد النكاح . وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل قال: يوم أتزوج فلانة فهي طالق فقال طلق ما لا يملك ذكرهما الدارقطني. وسأله - صلى الله عليه وسلم - عبد فقال: إن مولاتي زوجتني وتريد أن تفرق بيني وبين امرأتي فحمد الله وأثنى عليه وقال ما بال أقوام يزوجون عبيدهم إماءهم ثم يريدون أن يفرقوا بينهم ألا إنما يملك الطلاق من أخذ بالساق ذكره الدارقطني.  [الخلع] وسأله - صلى الله عليه وسلم - ثابت بن قيس: هل يصلح أن يأخذ بعض مال امرأته ويفارقها قال نعم قال: فإني قد أصدقتها حديقتين وهما بيدها فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - خذهما وفارقها ذكره أبو داود وكانت قد شكته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وتحب فراقه كما ذكره البخاري أنها قالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعيب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام فقال(4\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1174",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1176",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أتردين عليه حديقته قالت: نعم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اقبل الحديقة وطلقها تطليقة . وعند ابن ماجه: إني أكره الكفر في الإسلام ولا أطيقه بغضا فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد  وعند النسائي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفتاها أن تتربص حيضة واحدة . وعند أبي داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها أن تعتد بحيضة واحدة . وأفتى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن المرأة إذا ادعت طلاق زوجها فجاءت على ذلك بشاهد عدل استحلفت زوجها فإن حلف بطلت شهادة الشاهد وإن نكل فنكوله بمنزلة شاهد آخر وجاز طلاقه  ذكره ابن ماجه من رواية عمرو بن أبي سلمة وقد روى له مسلم في صحيحه.  [فصل الظهار واللعان] فصل: [الظهار واللعان] وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل ظاهر من امرأته ثم وقع عليها قبل أن يكفر قال وما حملك على ذلك يرحمك الله قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر قال لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله عز وجل حديث صحيح.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فتكلم جلدتموه أو قتل قتلتموه أو سكت سكت على غيظ فقال اللهم افتح وجعل يدعو فنزلت آية اللعان فابتلي به ذلك الرجل من بين الناس فجاء هو وامرأته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتلاعنا  ذكره مسلم. وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل آخر فقال: إن امرأتي ولدت على فراشي غلاما أسود وإنا أهل بيت لم يكن فينا أسود قط قال: هل لك من إبل قال: نعم قال: فما ألوانها قال: حمر قال هل فيها من أورق قال: نعم قال فأنى كان ذلك قال: عسى أن يكون نزعه عرق قال فلعل ابنك هذا نزعه عرق  quot; متفق عليه. وحكم بالفرقة بين المتلاعنين وأن لا يجتمعا أبدا وأخذ المرأة صداقها وانقطاع نسب الولد من أبيه وإلحاقه بأمه ووجوب الحد على من قذفه أو قذف أمه وسقوط الحد عن الزوج وأنه لا يلزمه نفقة ولا كسوة ولا سكنى بعد الفرقة.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - سلمة بن صخر البياضي فقال: ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ شهر رمضان فبينما هي تخدمني ذات ليلة إذ انكشف لي منها شيء فلم ألبث أن نزوت(4\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1175",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1177",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليها فقال أنت بذاك يا سلمة فقلت: أنا بذاك فأنا صابر لأمر الله عز وجل فاحكم في بما أراك الله قال حرر رقبة قلت: والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها وضربت صفحة رقبتي قال فصم شهرين متتابعين فقلت: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام قال فأطعم وسقا من تمر بين ستين مسكينا قلت: والذي بعثك بالحق نبيا لقد بتنا وحشيين ما لنا من طعام قال فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك فأطعم ستين مسكينا وسقا من تمر وكل أنت وعيالك بقيتها فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ووجدت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السعة وحسن الرأي وأمر لي بصدقتكم ذكره أحمد. وسألته - صلى الله عليه وسلم - خولة بنت مالك فقالت: إن زوجها أوس بن الصامت ظاهر منها وشكته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجادلها فيه بقوله اتقي الله فإنه ابن عمك فما برحت حتى نزل القرآن: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله [المجادلة: 1] الآيات فقال يعتق رقبة قالت: لا يجد قال فيصوم شهرين متتابعين قالت: إنه شيخ كبير ما به من صيام قال فليطعم ستين مسكينا قالت: ما عنده من شيء يتصدق به فأتى ساعته بعرق من تمر قلت: يا رسول الله إني أعينه بعرق آخر قال أحسنت اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينا وارجعي إلى ابن عمك ذكره أحمد وأبو داود ولفظ أحمد: قالت في والله وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة قالت: كنت عنده وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه وضجر قالت: فدخل علي يوما فراجعته بشيء فغضب فقال: أنت علي كظهر أمي ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة ثم دخل علي فإذا هو يريدني عن نفسي قالت: قلت: كلا والذي نفس خويلة بيده لا تخلص إلي وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكم قالت: فواثبني فامتنعت منه فغلبته بما تغلب المرأة الشيخ الضعيف فألقيته عني ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثيابها ثم خرجت حتى جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلست بين يديه فذكرت له ما لقيت منه فجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول يا خويلة ابن عمك شيخ كبير فاتقي الله فيه قالت: فوالله ما برحت حتى نزل القرآن فتغشى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كان يتغشاه ثم سري عنه فقال: يا خويلة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك ثم قرأ علي: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله [المجادلة: 1] إلى قوله: وللكافرين عذاب أليم [المجادلة: 4] قالت: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مريه فليعتق رقبة وذكر نحو ما تقدم وعند ابن ماجه أنها قالت: يا رسول الله أكل(4\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1176",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1178",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك فما برحت حتى نزل جبرائيل - عليه السلام - بهؤلاء الآيات .  [فصل فتاوى في العدد] فصل في فتاويه - صلى الله عليه وسلم - في العدد: [فتاوى في مسائل العدد] ثبت أن سبيعة الأسلمية سألته وقد مات زوجها ووضعت حملها بعد موته قالت: فأفتاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزويج إن بدا لي . وعند البخاري أنها سئلت كيف أفتاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت: أفتاني إذا وضعت أن أنكح وكانت أم كلثوم بنت عقبة عند الزبير بن العوام فقالت له وهي حامل: طيب نفسي بتطليقة فطلقها تطليقة ثم خرج إلى الصلاة فرجع وقد وضعت فقال لها: خدعتيني خدعك الله ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن ذلك فقال: سبق الكتاب أجله اخطبها إلى نفسها  ذكره ابن ماجه.  وسألته - صلى الله عليه وسلم - فريعة بنت مالك فقالت: إن زوجي خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه فسألته أن ترجع إلى أهله وقالت: إن زوجي لم يترك لي مسكنا يملكه ولا نفقة فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعم قالت: فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة - أو في المسجد - ناداني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو أمر بي فنوديت له فقال كيف قلت فرددت عليه القصة التي ذكرت له فقال امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به  حديث صحيح ذكره أهل السنن.  وأفتى - صلى الله عليه وسلم - امرأة ثابت بن قيس بن شماس وجميلة بنت عبد الله بن أبي لما اختلعت من زوجها فأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها  ذكره النسائي. وعند أبي داود والترمذي عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها فأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تعتد حيضة . وعند الترمذي عن الربيع بنت معوذ أنها اختلعت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمرها النبي - أو أمرت - أن تعتد بحيضة . قال الترمذي: حديث الربيع الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة وعند النسائي وابن ماجه - واللفظ له - عن الربيع قالت:(4\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1177",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1179",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اختلعت من زوجي ثم جئت عثمان فسألت: ماذا علي من العدة فقال: quot; لا عدة عليك إلا أن يكون حديث عهد بك فتمكثين عنده حتى تحيضي حيضة quot; قالت: وإنما تبع في ذلك قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مريم المغالية وكانت تحت ثابت بن قيس فاختلعت منه  [فصل ثبوت النسب] فصل: [ثبوت النسب] واختصم إليه - صلى الله عليه وسلم - سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في الغلام فقال سعد: هو ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه انظر إلى شبهه وقال عبد بن زمعة: هو أخي ولد على فراش أبي من وليدته فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى شبهه فرأى شبها بينا بعتبة فقال: هو لك يا عبد الولد للفراش وللعاهر الحجر واحتجبي منه يا سودة فلم تره سودة قط متفق عليه. وفي لفظ البخاري: هو أخوك يا عبد . وعند النسائي: واحتجبي منه يا سودة فليس لك بأخ . وعند الإمام أحمد: أما الميراث فله وأما أنت فاحتجبي منه فإنه ليس لك بأخ فحكم وأفتى بالولد لصاحب الفراش عملا بموجب الفراش وأمر سودة أن تحتجب منه عملا بشبهه بعتبة وقال: ليس لك بأخ للشبهة وجعله أخا في الميراث فتضمنت فتواه - صلى الله عليه وسلم - أن الأمة فراش وأن الأحكام تتبعض في العين الواحدة عملا بالاشتباه كما تتبعض في الرضاعة وثبوتها يثبت بها الحرمة والمحرمية دون الميراث والنفقة وكما في ولد الزنا هو ولد في التحريم وليس ولدا في الميراث ونظائر ذلك أكثر من أن تذكر فيتعين الأخذ بهذا الحكم والفتوى وبالله التوفيق.  [الإحداد على الميت] [الإحداد على الميت] وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا مرتين أو ثلاثا  متفق عليه. ومنع - صلى الله عليه وسلم - المرأة أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد أربعة أشهر وعشرا ولا تكتحل ولا تطيب ولا تلبس ثوبا مصبوغا ورخص لها في طهرها إذا اغتسلت في نبذة من قسط أو أظفار  متفق عليه. وعند أبي داود والنسائي ولا تختضب . وعند النسائي ولا تمتشط . وعند أحمد لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الشقة الممشقة ولا الحلي لا تختضب ولا تكتحل . وجعلت أم سلمة - رضي الله عنها - على عينيها صبرا لما توفي أبو سلمة فقال ما هذا يا أم سلمة قالت: إنما هو صبر ليس فيه طيب قال إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب قلت:(4\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1178",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1180",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأي شيء أمتشط يا رسول الله قال بالسدر تغلفين به رأسك ذكره النسائي. وعند أبي داود فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار . وسألته - صلى الله عليه وسلم - خالة جابر بن عبد الله وقد طلقت: هل تخرج تجد نخلها فقال: فجدي نخلك فإنك عسى أن تتصدقي أو تفعلي معروفا ذكره مسلم.  [فصل فتاوى في نفقة المعتدة وكسوتها] فصل: [فتاوى في نفقة المعتدة وكسوتها] في فتواه - صلى الله عليه وسلم - في نفقة المعتدة وكسوتها. ثبت أن فاطمة بنت قيس طلقها زوجها ألبتة فخاصمته في السكنى والنفقة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة  وفي السنن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يا بنت آل قيس إنما السكنى والنفقة على من كانت له رجعة ذكره أحمد وعنده أيضا إنما السكنى والنفقة للمرأة على زوجها ما كانت له عليها رجعة فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى وفي صحيح مسلم عنها: طلقني زوجي ثلاثا فلم يجعل لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سكنى ولا نفقة . وفي رواية لمسلم أيضا أن أبا عمرو بن حفص خرج مع علي كرم الله وجهه إلى اليمن فأرسل إلى امرأته بتطليقة بقيت من طلاقها وأمر عياش بن أبي ربيعة والحارث بن هشام أن ينفقا عليها فقالا: والله ما لها نفقة إلا أن تكون حاملا فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له قولهما فقال لا نفقة لك فاستأذنته في الانتقال فأذن لها فقالت له: أين يا رسول الله فقال عند ابن أم مكتوم وكان أعمى تضع ثيابها عنده ولا يراها فلما مضت عدتها أنكحها النبي - صلى الله عليه وسلم - أسامة بن زيد  فأرسل إليها مروان قبيصة بن ذؤيب يسألها عن الحديث فحدثته فقال: لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان: بيني وبينكم القرآن قال تعالى: لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن [الطلاق: 1] الآية قالت: هذا لمن كانت له مراجعة فأي أمر يحدث بعد الثلاث .  وأفتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن للنساء على الرجال رزقهن وكسوتهن بالمعروف ذكره مسلم. وسئل - صلى الله عليه وسلم -: ما تقول في نساءنا فقال أطعموهن مما تأكلون وأكسوهن مما تلبسون ولا تضربوهن ولا تقبحوهن ذكره مسلم. وسألته - صلى الله عليه وسلم - هند امرأة أبي سفيان فقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني(4\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1179",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1181",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من النفقة ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم قال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف متفق عليه. فتضمنت هذه الفتوى أمورا أحدها: أن نفقة الزوجة غير مقدرة بل المعروف ينفي تقديرها ولم يكن تقديرها معروفا في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم. الثاني: أن نفقة الزوجة من جنس نفقة الولد كلاهما بالمعروف. الثالث: انفراد الأب بنفقة أولاده. الرابع: أن الزوج أو الأب إذا لم يبذل النفقة الواجبة عليه فللزوجة والأولاد أن يأخذوا قدر كفايتهم بالمعروف. الخامس: أن المرأة إذا قدرت على أخذ كفايتها من مال زوجها لم يكن لها إلى الفسخ سبيل. السادس: أن ما لم يقدره الله ورسوله من الحقوق الواجبة فالمرجع فيه إلى العرف. السابع: إن ذم الشاكي لخصمه بما هو فيه حال الشكاية لا يكون غيبة فلا يأثم به هو ولا سامعه بإقراره عليه. الثامن: أن من منع الواجب عليه وكان سبب ثبوته ظاهرا فلمستحقه أن يأخذ بيده إذا قدر عليه كما أفتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - هندا وأفتى به الضيف إذا لم يقره من نزل عليه كما في سنن أبي داود عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ليلة الضيف حق على كل مسلم فإن أصبح بفنائه محروما كان دينا عليه إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه وفي لفظ من نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه وإن كان سبب الحق خفيا لم يجز له ذلك كما أفتى النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك .  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: من أحق الناس بحسن صحابتي قال أمك قال: ثم من قال أمك قال: ثم من قال أمك قال: ثم من قال أبوك متفق عليه. زاد مسلم ثم أدناك فأدناك . قال الإمام أحمد: للأم ثلاثة أرباع البر وقال أيضا: الطاعة للأب وللأم ثلاثة أرباع البر وعند الإمام أحمد قال ثم الأقرب فالأقرب . وعند أبي داود أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: من أبر قال أمك وأباك وأختك وأخاك ومولاك ومولاك الذي يلي ذاك حق واجب ورحم موصولة .(4\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1180",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1182",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في الحضانة] [فتاوى في الحضانة وفي مستحقها] قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها خمس قضايا. إحداها: قضى بابنة حمزة لخالتها وكانت تحت جعفر بن أبي طالب وقال الخالة بمنزلة الأم فتضمن هذا القضاء أن الخالة مقام الأم في الاستحقاق وأن تزوجها لا يسقط حضانتها إذا كانت جارية. القضية الثانية: أن رجلا جاء بابن له صغير لم يبلغ فاختصم فيه هو وأمه ولم تسلم الأم فأجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأب ههنا وأجلس الأم ههنا ثم خير الصبي وقال: اللهم اهده فذهب إلى أمه  ذكره أحمد. القضية الثالثة: أن رافع بن سنان أسلم وأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - وقالت: ابنتي فطيم أو شبهه وقال رافع: ابنتي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اقعد ناحية وقال لها: اقعدي ناحية فأقعد الصبية بينهما ثم قال: ادعواها فمالت إلى أمها فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: اللهم اهدها فمالت إلى أبيها فأخذها  ذكره أحمد. القضية الرابعة: جاءته امرأة فقالت: إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عتبة وقد دفعني فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: استهما عليه فقال زوجها: من يحاقني في ولدي فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: هذا أبوك وهذا أمك فخذ بيد أيهما شئت فأخذ بيد أمه فانطلقت به  ذكره أبو داود. القضية الخامسة: جاءته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وثديي له سقاء وحجري له حواء وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني فقال لها أنت أحق به ما لم تنكحي ذكره أبو داود. [وعلى هذه القضايا الخمس تدور الحضانة وبالله التوفيق] .  [فصل فتاوى في جرم القاتل وجزائه] فصل: [فتاوى في جرم القاتل وجزائه] ومن فتاويه - صلى الله عليه وسلم - في باب الدماء والجنايات.(4\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1181",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1183",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سئل - صلى الله عليه وسلم - عن الآمر والقاتل فقال قسمت النار سبعين جزءا فللآمر تسع وستون وللقاتل جزء ذكره أحمد. وجاءه رجل فقال: إن هذا قتل أخي قال اذهب فاقتله كما قتل أخاك فقال له الرجل: اتق الله واعف عني فإنه أعظم لأجرك وخير لك يوم القيامة فخلى عنه فأخبر النبي فسأله فأخبره بما قال له فقال له أما إنه خير مما هو صانع بك يوم القيامة تقول: يا رب سل هذا فيم قتل أخي . وجاءه - صلى الله عليه وسلم - رجل بآخر قد ضرب ساعده بالسيف فقطعها من غير مفصل فأمر له بالدية فقال: أريد القصاص فقال خذ الدية بارك الله لك فيها ولم يقض له بالقصاص  ذكره ابن ماجه. وأفتى - صلى الله عليه وسلم - بأنه إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر يقتل الذي قتل ويحبس الذي أمسك ذكره الدارقطني. ورفع إليه - صلى الله عليه وسلم - يهودي قد رض رأس جارية بين حجرين فأمر به أن يرض رأسه بين حجرين  متفق عليه. وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن شبه العمد مغلظ مثل العمد ولا يقتل صاحبه ذكره أبو داود. وقضى - صلى الله عليه وسلم - في الجنين يسقط من الضربة بغرة عبد أو أمة  ذكره أبو داود أيضا. وقضى - صلى الله عليه وسلم - في قتل الخطأ شبه العمد بمائة من الإبل: أربعون منها في بطونها أولادها  ذكره أبو داود. وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن لا يقتل مسلم بكافر  متفق عليه. وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن لا يقتل الوالد بالولد  ذكره الترمذي. وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن يعقل المرأة عصبتها من كانوا ولا يرثون عنها إلا ما فضل عن ورثتها وإن قتلت فعقلها بين ورثتها فهم يقتلون قاتلها  ذكره أبو داود. وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن الحامل إذا قتلت عمدا لم تقتل حتى تضع ما في بطنها وحتى تكفل ولدها وإن زنت حتى تضع ما في بطنها وحتى تكفل ولدها  ذكره ابن ماجه. وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يفدي وإما أن يقتل  متفق عليه.(4\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1182",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1184",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن من أصيب بدم أو خبل - والخبل: الجراح - فهو بالخيار بين إحدى ثلاث فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه: أن يقتل أو يعفو أو يأخذ الدية فمن فعل شيئا من ذلك فعاد فإن له نار جهنم خالدا مخلدا أبدا فيه  يعني قتل بعد عفوه وأخذ الدية أو قتل غير الجاني. وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن لا يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه  ذكره أحمد.  [فتاوى في الديات] [فتاوى في الديات] وقضى - صلى الله عليه وسلم - في الأنف إذا أوعب جدعا بالدية وإذا جدعت أرنبته بنصف الدية . وقضى - صلى الله عليه وسلم - في العين بنصف الدية خمسين من الإبل أو عدلها ذهبا أو ورقا أو مائة بقرة أو ألف شاة وفي الرجل نصف العقل وفي اليد نصف العقل والمأمومة ثلث العقل والمنقلة خمس عشرة من الإبل والموضحة خمس من الإبل والأسنان خمس خمس  ذكره أحمد. وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن الأسنان سواء: الثنية والضرس سواء  ذكره أبو داود. وقضى - صلى الله عليه وسلم - في دية أصابع اليدين والرجلين بعشر عشر  صححه الترمذي. وقضى - صلى الله عليه وسلم - في العين العوراء السادة لمكانها إذا طمست بثلث الدية وفي اليد الشلاء إذا قطعت ثلث ديتها  ذكره أبو داود. وقضى - صلى الله عليه وسلم - في اللسان بالدية وفي الشفتين بالدية وفي البيضتين بالدية وفي الذكر بالدية وفي الصلب بالدية وفي العينين بالدية وفي الرجل الواحدة نصف الدية وأن الرجل يقتل بالمرأة  ذكره النسائي. وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن من قتل خطأ فديته مائة من الإبل: ثلاثون بنت مخاض وثلاثون بنت لبون وثلاثون حقة وعشرة ابن لبون  ذكره النسائي. وعند أبي داود: عشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن مخاض ذكر . وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن من قتل متعمدا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاءوا قتلوا وإن شاءوا أخذوا الدية وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وما صولحوا عليه فهو لهم  ذكره الترمذي وحسنه. وقضى - صلى الله عليه وسلم - على أهل الإبل بمائة من الإبل وعلى أهل البقر بمائتي بقرة وعلى أهل الشاة ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة  ذكره أبو داود.(4\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1183",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1185",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى تبلغ الثلث من ديتها  ذكره مسلم. وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين  ذكره النسائي. وعند الترمذي: عقل الكافر نصف عقل المؤمن  حديث [حسن] يصحح مثله أكثر أهل الحديث. وعند أبي داود: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانمائة دينار وثمانية آلاف درهم ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلم فلما كان عمر رفع دية المسلمين وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية . وقضى - صلى الله عليه وسلم - في جنين امرأة ضربتها أخرى بغرة عبد أو أمة ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى - صلى الله عليه وسلم - أن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها  متفق عليه. وقضى - صلى الله عليه وسلم - في امرأتين قتلت إحداهما الأخرى ولكل منهما زوج بالدية على عاقلة القاتلة وميراثها لزوجها وولدها فقال عاقلة المقتولة: ميراثها لنا يا رسول الله فقال - صلى الله عليه وسلم -: لا ميراثها لزوجها وولدها ذكره أبو داود. وجاءه - صلى الله عليه وسلم - عبد صارخ فقال: ما لك قال: سيدي رآني أقبل جارية له فجب مذاكيري فقال: علي بالرجل فطلب فلم يقدر عليه فقال: اذهب فأنت حر قال: على من نصرني يا رسول الله قال على كل مؤمن أو مسلم ذكره ابن ماجه. وقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإبطال دية العاض لما انتزع المعضوض يده من فيه فأسقط ثنيته  متفق عليه. وقضى - صلى الله عليه وسلم - بأن من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فخذفوه ففقئوا عينه بأنه لا جناح عليهم  متفق عليه. وعند مسلم: فقد حل لهم أن يفقئوا عينه . وعند الإمام أحمد في هذا الحديث فلا دية له ولا قصاص . وقضى - صلى الله عليه وسلم - أنه لا دية في المأمومة ولا الجائفة ولا المنقلة  ذكره ابن ماجه. وجاءه - صلى الله عليه وسلم - رجل يقود آخر بنسعة فقال: هذا قتل أخي فقال: كيف قتلته قال:(4\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1184",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1186",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كنت أنا وهو نختبط من شجرة فسبني فأغضبني فضربته بالفأس على قرنه فقتلته فقال: هل لك من شيء تؤديه عن نفسك قال: ما لي إلا كسائي وفأسي قال: فترى قومك يشترونك قال: أنا أهون على قومي من ذلك فقال دونك صاحبك فانطلق به فلما ولى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن قتله فهو مثله فرجع فقال: يا رسول الله بلغني أنك قلت إن قتله فهو مثله وأخذته بأمرك فقال أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك قال: يا نبي الله بلى فرمى بنسعته وخلى سبيله ذكره مسلم. وقد أشكل هذا الحديث على من لم يحط بمعناه ولا إشكال فيه فإن قوله - صلى الله عليه وسلم -: quot; إن قتله فهو مثله quot; لم يرد به أنه مثله في الإثم وإنما عنى به أنه إن قتله لم يبق عليه إثم القتل لأنه قد استوفى منه في الدنيا فيستوي هو والولي في عدم الإثم أما الولي فإنه قتله بحق وأما هو فلكونه قد اقتص منه وأما قوله: quot; تبوء بإثمك وإثم صاحبك quot; فإثم الولي مظلمته بقتل أخيه وإثم المقتول إراقة دمه وليس المراد أنه يحمل خطاياك وخطايا أخيك والله أعلم. وهذه غير قصة الذي دفع إليه وقد قتل فقال: والله ما أردت قتله فقال: أما إنه إن كان صادقا فقتلته دخلت النار فخلاه الرجل صححه الترمذي وإن كانت هي القصة فتكون هذه علة كونه إن قتله فهو مثله في المأثم والله أعلم.  [فصل فتاوى في القسامة] فصل: [فتاوى في القسامة] وأقر - صلى الله عليه وسلم - القسامة على ما كانت عليه قبل الإسلام وقضى بها بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود  ذكره مسلم. وقضى - صلى الله عليه وسلم - في شأن محيصة بأن يقسم خمسون من أولياء القتيل على رجل من المتهمين به فيدفع برمته إليه فأبوا فقال تبرئكم يهود بأيمان خمسين فأبوا فوداه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمائة من عنده  متفق عليه. وعند مسلم بمائة من إبل الصدقة . وعند النسائي فقسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ديته عليهم وأعانهم بنصفها . وقضى - صلى الله عليه وسلم - أنه: لا تجني نفس على أخرى ولا يجني والد على ولده ولا ولد على والده والمراد أنه لا يؤخذ بجنايته فلا تزر وازرة وزر أخرى.(4\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1185",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1187",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن: من قتل في عميا أو رميا لكونه بينهم بحجر أو سوط فعقله عقل خطأ ومن قتل عمدا فقود يديه فمن حال بينه وبينه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ذكره أبو داود. وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن: المعدن جبار والعجماء جبار والبئر جبار متفق عليه وفي قوله: المعدن جبار قولان أحدهما: أنه إذا استأجر من يحفر له معدنا فسقط عليه فقتله فهو جبار ويؤيد هذا القول اقترانه بقوله: البئر جبار والعجماء جبار والثاني: أنه لا زكاة فيه ويؤيد هذا القول اقترانه بقوله: وفي الركاز الخمس ففرق بين المعدن والركاز فأوجب الخمس في الركاز لأنه مال مجموع يؤخذ بغير كلفة ولا تعب وأسقطها عن المعدن لأنه يحتاج إلى كلفة وتعب في استخراجه والله أعلم.  [فصل فتاوى في حد الزنا] فصل: [فتاوى في حد الزنا] وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم وإني سألت رجالا من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا الرجم فقال والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله المائة والخادم رد عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فاعترفت فرجمها متفق عليه. وقضى - صلى الله عليه وسلم - فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وإقامة الحد عليه ذكره البخاري. وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن الثيب بالثيب جلد مائة ثم الرجم والبكر بالبكر جلد مائة ثم نفي سنة ذكره مسلم. وجاءه اليهود فقالوا: إن رجلا منهم وامرأة زنيا فقال لهم: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم فقالوا: نفضحهم ويجلدون فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما بعدها وما قبلها فقال له(4\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1186",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1188",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع يده فإذا آية الرجم فقالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم فأمر بهما فرجما  متفق عليه. ولأبي داود أن رجلا منهم وامرأة زنيا فقالوا: اذهبوا به إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها منه واحتجبنا بها عند الله وقلنا: إنها فتيا نبي من أنبيائك فأتوه وهو جالس في المسجد في الصحابة فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا فلم يكلمهم بكلمة حتى أتى بيت مدراسهم فقام على الباب فقال: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذ أحصن قالوا: يحمم ويجبه ويجلد والتجبيه: أن يحمل الزانيان على حمار وتقابل أقفيتهما ويطاف بهما فسكت شاب منهم فلما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - سكت نظر إليه وأنشده فقال: اللهم إذ أنشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: فما أول ما ارتخصتم أمر الله قال: زنى ذو قرابة ملك من ملوكنا فأخر عنه الرجم ثم زنى رجل في أسرة من الناس فأراد رجمه فحال قومه دونه وقالوا: لا يرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه فاصطلحوا على هذه العقوبة بينهم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: فإني أحكم بما في التوراة فأمر بهما فرجما . وعند أبي داود أيضا أنه دعا بالشهود فجاءه أربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة . وسأله - صلى الله عليه وسلم - ماعز بن مالك أن يطهره وقال: إني قد زنيت فأرسل إلى قومه: هل تعلمون بعقله بأسا تنكرون منه شيئا قالوا: ما نعلمه إلا أوفى العقل من صالحينا فيما نرى فأقر أربع مرات فقال له في الخامسة: أنكتها قال: نعم قال: حتى غاب ذلك منك في ذلك منها قال: نعم. قال: كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر قال: نعم قال: فهل تدري ما الزنا قال: نعم أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا قال: فما تريد بهذا القول قال: أريد أن تطهرني فأمر رجلا فاستنكهه ثم أمر به فرجم ولم يحفر له فلما وجد مس الحجارة فر يشتد حتى مر برجل معه لحي جمل فضربه وضربه الناس حتى مات فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: هلا تركتموه وجئتموني به . وفي بعض طرق هذه القصة أنه - صلى الله عليه وسلم - قال له: شهدت على نفسك أربع مرات اذهبوا به فارجموه . وفي بعضها: فلما شهد على نفسه أربع مرات دعاه النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أبك جنون قال: لا قال: أهل أحصنت قال: نعم قال: اذهبوا به فارجموه .(4\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1187",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1189",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي بعض طرقها أنه - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب فسكت عنهما ثم سار ساعة حتى مر بجيفة حمار شائل برجليه فقال: أين فلان وفلان فقالا: نحن ذان يا رسول الله فقال: انزلا وكلا من جيفة هذا الحمار فقالا: يا نبي الله من يأكل هذا قال: فما نلتما من عرض أخيكما آنفا أشد أكلا منه والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها . وفي بعض طرقها أنه - صلى الله عليه وسلم - قال له: لعلك رأيت في منامك لعلك استكرهت  وكل هذه الألفاظ صحيحة. وفي بعضها أنه أمر فحفرت له حفيرة  ذكره مسلم وهي غلط من رواية بشير بن المهاجر وإن كان مسلم قد روى له في الصحيح فالثقة قد يغلط على أن أحمد وأبا حاتم الرازي قد تكلما فيه وإنما حصل الوهم من حفرة الغامدية فسرى إلى ماعز والله أعلم. وجاءته - صلى الله عليه وسلم - الغامدية فقالت إني قد زنيت فطهرني وإنه رددها فقالت: ترددني كما رددت ماعزا فوالله إني لحبلى فقال: اذهبي حتى تلدي فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة فقالت: هذا قد ولدته فقال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه فلما فطمته أتته به وفي يده كسرة من خبز فقالت: هذا قد فطمته وأكل الطعام فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها فأقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فنضح الدم على وجهه فسبها فسمع نبي الله - صلى الله عليه وسلم - سبه إياها فقال مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ثم أمر بها فصل عليها ودفنت  ذكره مسلم. وجاءه - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي ولم يسأله عنه وحضرت الصلاة فصلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فقام إليه الرجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدا فأقم في كتاب الله قال: أليس قد صليت معنا قال: نعم قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك - أو قال - حدك  متفق عليه. وقد اختلف في وجه هذا الحديث فقالت طائفة: أقر بحد لم يسمه فلم يجب على الإمام استفساره ولو سماه لحده كما حد ماعزا وقالت طائفة: بل غفر الله له بتوبته(4\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1188",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1190",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتائب من الذنب كمن لا ذنب له وعلى هذا فمن تاب من الذنب قبل القدرة عليه سقطت عنه حقوق الله - تعالى - كما تسقط عن المحارب وهذا هو الصواب. وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: أصبت من امرأة قبلة فنزلت: وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين [هود: 114] فقال الرجل: إلي هذه فقال: بل لمن عمل بها من أمتي متفق عليه. وقد استدل به من يرى أن التعزير ليس بواجب وأن للإمام إسقاطه ولا دليل فيه فتأمله. وخرجت امرأة تريد الصلاة فتجللها رجل فقضى حاجته منها فصاحت وفر ومر عليها غيره فأخذوه فظنت أنه هو وقالت: هذا الذي فعل بي فأتوا به النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمر برجمه فقام صاحبها الذي وقع عليها فقال: أنا صاحبها فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: اذهبي فقد غفر الله لك وقال للرجل قولا حسنا فقالوا: ألا ترجم صاحبها فقال لا لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم ذكره أحمد وأهل السنن ولا فتوى ولا حكم أحسن من هذا. فإن قيل: كيف أمر برجم البريء قيل: لو أنكر لم يرجمه ولكن لما أخذ وقالت: هو هذا ولم ينكر ولم يحتج عن نفسه فاتفق مجيء القوم به في صورة المريب وقول المرأة هذا هو وسكوته سكوت المريب وهذه القرائن أقوى من قرائن حد المرأة بلعان الرجل وسكوتها فتأمله.  [أثر اللوث في التشريع] [أثر اللوث في التشريع] وللوث تأثير في الدماء والحدود والأموال: أما الدماء ففي القسامة وأما الحدود ففي اللعان وأما الأموال ففي قصة الوصية في السفر فإن الله تعالى حكم بأنه إن اطلع على أن الشاهدين والوصيين ظلما وغدرا أن يحلف اثنان من الورثة على استحقاقهما ويقضي لهم وهذا هو الحكم الذي لا حكم غيره فإن اللوث إذا أثر في إراقة الدماء وإزهاق النفوس وفي الحدود فلأن يعمل به في المال بطريق الأولى والأحرى وقد حكم به نبي الله سليمان بن داود في النسب مع اعتراف المرأة أنه ليس بولدها بل هو ولد الأخرى فقال لها: quot; هو ابنك quot; ومن تراجم النسائي على قصته: quot; التوسعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله أفعل كذا ليستبين به الحق quot; ثم ترجم عليه ترجمة أخرى فقال: quot; الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم عليه إذا تبين للحاكم أن الحق غير ما اعترف به quot; وهذا هو العلم استنباطا(4\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1189",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1191",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ودليلا ثم ترجم عليه ترجمة ثالثة فقال: quot; نقض الحاكم ما حكم به من هو مثله أو أجل منه quot;. قلت: وفيه رد لقول من قال: يكون بينهما إجراء للنسب مجرى المال وفيه أن حكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته في الباطن وفيه نوع لطيف شريف عجيب من أنواع العلم النافع وهو الاستدلال بقدر الله على شرعه فإن سليمان - عليه السلام - استدل بما قدره الله وخلقه في قلب الصغرى من الرحمة والشفقة بحيث أبت أن يشق الولد على أنه ابنها وقوى هذا الاستدلال رضا الأخرى بأن يشق الولد وقالت: نعم شقه وهذا قول لا يصدر من أم وإنما يصدر من حاسد يريد أن يتأسى بصاحب النعمة في زوالها عنه كما زالت عنه هو ولا أحسن من هذا الحكم وهذا الفهم وإذا لم يكن مثل هذا في الحاكم أضاع حقوق الناس وهذه الشريعة الكاملة طافحة بذلك.  [العمل بالسياسة] [العمل بالسياسة] وجرت في ذلك مناظرة بين أبي الوفاء ابن عقيل وبين بعض الفقهاء فقال ابن عقيل: العمل بالسياسة هو الحزم ولا يخلو منه إمام وقال الآخر: لا سياسة إلا ما وافق الشرع فقال ابن عقيل: السياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يشرعه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا نزل به وحي فإن أردت بقولك quot; لا سياسة إلا ما وافق الشرع quot; أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح وإن أردت ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والمثل ما لا يجحده عالم بالسير ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف كان رأيا اعتمدوا فيه على مصلحة وكذلك تحريق علي كرم الله وجهه الزنادقة في الأخاديد ونفي عمر نصر بن حجاج. قلت: هذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام وهو مقام ضنك في معترك صعب فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود وضيعوا الحقوق وجرؤا أهل الفجور على الفساد وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد وسدوا على أنفسهم طرقا صحيحة من الطرق التي يعرف بها المحق من المبطل وعطلوها مع علمهم وعلم الناس بها أنها أدلة حق ظنا منهم منافاتها لقواعد الشرع والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة حقيقة الشريعة والتطبيق بين الواقع وبينها فلما رأى ولاة الأمر ذلك وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة فأحدثوا لهم قوانين سياسية ينتظم بها مصالح العالم فتولد من تقصير أولئك في الشريعة وإحداث هؤلاء ما أحدثوه من أوضاع سياستهم شر(4\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1190",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1192",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طويل وفساد عريض وتفاقم الأمر وتعذر استدراكه وأفرط في طائفة أخرى فسوغت منه ما يناقض حكم الله ورسوله وكلا الطائفتين أتيت من قبل تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض فإذا ظهرت أمارات الحق وقامت أدلة العقل وأسفر صبحه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه ورضاه وأمره والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدل وأظهر بل بين بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط فأي طريق استخرج بها الحق ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها. والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد ولكن نبه بما شرعه من الطرق على أسبابها وأمثالها ولن تجد طريقا من الطرق المثبتة للحق إلا وهي شرعة وسبيل للدلالة عليها وهل يظن بالشريعة الكاملة خلاف ذلك ولا نقول: إن السياسة العادلة مخالفة للشريعة الكاملة بل هي جزء من أجزائها وباب من أبوابها وتسميتها سياسة أمر اصطلاحي وإلا فإذا كانت عدلا فهي من الشرع فقد حبس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تهمة وعاقب في تهمة لما ظهرت أمارات الريبة على المتهم فمن أطلق كلا منهم وخلى سبيله أو حلفه مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض ونقب الدور وتواتر السرقات - ولا سيما مع وجود المسروق معه - وقال: لا آخذه إلا بشاهدي عدل أو إقرار اختيار وطوع فقوله مخالف للسياسة الشرعية وكذلك منع النبي - صلى الله عليه وسلم - الغال من الغنيمة سهمه وتحريق الخلفاء الراشدين متاعه ومنع المسيء على أمين سلب قتيله وأخذ شطر مال مانع الزكاة وإضعافه الغرم على سارق مالا قطع فيه وعقوبته بالجلد وإضعافه الغرم على كاتم الضالة وتحريق عمر بن الخطاب حانوت الخمار وتحريقه قرية يباع فيها الخمر وتحريقه قصر سعد بن أبي وقاص لما احتجب فيه عن رعيته وحلقه رأس نصر بن حجاج ونفيه وضربه صبيغا بالدرة لما تتبع المتشابه فسأل عنه إلى غير ذلك من السياسة التي ساس بها الأمة فسارت سنة إلى يوم القيامة وإن خالفها من خالفها. ولقد حد أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في الزنا بمجرد الحبل وفي الخمر بالرائحة والقيء وهذا هو الصواب فإن دليل القيء والرائحة والحبل على الشرب والزنا أولى من البينة قطعا فكيف يظن بالشريعة إلغاء أقوى الدليلين ومن ذلك تحريق الصديق اللوطي وإلقاء أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه له من شاهق على رأسه ومن ذلك تحريق عثمان المصاحف المخالفة للمصحف الذي جمع الناس عليه وهو الذي بلسان قريش ومن ذلك تحريق(4\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1191",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1193",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصديق الفجاءة السلمي ومن ذلك اختيار عمر - رضي الله عنه - للناس إفراد الحج وأن يعتمروا في غير أشهر الحج فلا يزال البيت الحرام معمورا بالحجاج والمعتمرين ومن ذلك منع عمر - رضي الله عنه - الناس من بيع أمهات الأولاد وقد باعوهن في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحياة أبي بكر - رضي الله عنه - وأرضاه ومن ذلك إلزامه بالطلاق الثلاث لمن أوقعه بفم واحد عقوبة له كما صرح هو بذلك وإلا فقد كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدرا من إمارته هو يجعل واحدة إلى أضعاف ذلك من السياسات العادلة التي ساسوا بها الأمة وهي مشتقة من أصول الشريعة وقواعدها. وتقسيم بعضهم طرق الحكم إلى شريعة وسياسة كتقسيم غيرهم الدين إلى شريعة وحقيقة وكتقسيم آخرين الدين إلى عقل ونقل وكل ذلك تقسيم باطل بل السياسة والحقيقة والطريقة والعقل كل ذلك ينقسم إلى قسمين: صحيح وفاسد فالصحيح قسم من أقسام الشريعة لا قسيم لها والباطل ضدها ومنافيها وهذا الأصل من أهم الأصول وأنفعها وهو مبني على حرف واحد وهو عموم رسالته - صلى الله عليه وسلم - بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم وأنه لم يحوج أمته إلى أحد بعده وإنما حاجتهم إلى من يبلغهم عنه ما جاء به فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرق إليهما تخصيص: عموم بالنسبة إلى المرسل إليهم وعموم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه من بعث إليه في أصول الدين وفروعه فرسالته كافية شافية عامة لا تحوج إلى سواها ولا يتم الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا فلا يخرج أحد من المكلفين عن رسالته ولا يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به. [بين الرسول جميع أحكام الحياة والموت] وقد توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر للأمة منه علما وعلمهم كل شيء حتى آداب التخلي وآداب الجماع والنوم والقيام والقعود والأكل والشرب والركوب والنزول والسفر والإقامة والصمت والكلام والعزلة والخلطة والغنى والفقر والصحة والمرض وجميع أحكام الحياة والموت ووصف لهم العرش والكرسي والملائكة والجن والنار والجنة ويوم القيامة وما فيه حتى كأنه رأي عين وعرفهم معبودهم وإلههم أتم تعريف حتى كأنهم يرونه ويشاهدونه بأوصاف كماله ونعوت جلاله وعرفهم الأنبياء وأممهم وما جرى لهم وما جرى عليهم معهم حتى كأنهم كانوا بينهم وعرفهم من طرق الخير والشر دقيقها وجليلها ما لم يعرفه نبي لأمته قبله وعرفهم - صلى الله عليه وسلم - من(4\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1192",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1194",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحوال الموت وما يكون بعده في البرزخ وما يحصل فيه من النعيم والعذاب للروح والبدن ما لم يعرف به نبي غيره وكذلك عرفهم - صلى الله عليه وسلم - من أدلة التوحيد والنبوة والمعاد والرد على جميع فرق أهل الكفر والضلال ما ليس لمن عرفه حاجة من بعده اللهم إلا إلى من يبلغه إياه ويبينه ويوضح منه ما خفي عليه وكذلك عرفهم - صلى الله عليه وسلم - من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرق النصر والظفر ما لو علموه وعقلوه ورعوه حق رعايته لم يقم لهم عدو أبدا وكذلك عرفهم - صلى الله عليه وسلم - من مكايد إبليس وطرقه التي يأتيهم منها وما يتحرزون به من كيده ومكره وما يدفعون به شره ما لا مزيد عليه وكذلك عرفهم - صلى الله عليه وسلم - من أحوال نفوسهم وأوصافها ودسائسها وكمائنها ما لا حاجة لهم معه إلى سواه وكذلك عرفهم - صلى الله عليه وسلم - من أمور معايشهم ما لو علموه وعملوه لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة. وبالجملة فجاءهم بخير الدنيا والآخرة برمته ولم يحوجهم الله إلى أحد سواه فكيف يظن أن شريعته الكاملة التي ما طرق العالم شريعة أكمل منها ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكملها أو إلى قياس أو حقيقة أو معقول خارج عنها ومن ظن ذلك فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعده وسبب هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك وقلة نصيبه من الفهم الذي وفق الله له أصحاب نبيه الذين اكتفوا بما جاء به واستغنوا به عما ما سواه وفتحوا به القلوب والبلاد وقالوا: هذا عهد نبينا إلينا وهو عهدنا إليكم وقد كان عمر - رضي الله عنه - يمنع من الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خشية أن يشتغل الناس به عن القرآن فكيف لو رأى اشتغال الناس بآرائهم وزبد أفكارهم وزبالة أذهانهم عن القرآن والحديث فالله المستعان. وقد قال الله تعالى: أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون [العنكبوت: 51] وقال تعالى: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين [النحل: 89] وقال تعالى: يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين [يونس: 57] وكيف يشفي ما في الصدور كتاب لا يفي هو وما تبينه السنة بعشر معشار الشريعة أم كيف يشفي ما في الصدور كتاب لا يستفاد منه اليقين في مسألة واحدة من مسائل معرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله أو عامتها ظواهر لفظية دلالتها موقوفة على انتفاء عشرة أمور لا يعلم انتفاؤها سبحانك هذا بهتان عظيم ويا لله العجب كيف كان الصحابة والتابعون قبل وضع هذه القوانين التي أتى الله بنيانها من القواعد وقبل استخراج هذه الآراء والمقاييس والأوضاع أهل كانوا مهتدين(4\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1193",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1195",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مكتفين بالنصوص أم كانوا على خلاف ذلك حتى جاء المتأخرون فكانوا أعلم منهم وأهدى وأضبط للشريعة منهم وأعلم بالله وأسمائه وصفاته وما يجب له و [ما] يمتنع عليه منهم فوالله لأن يلقى الله [عبده] بكل ذنب ما خلا الإشراك خير من أن يلقاه بهذا الظن الفاسد والاعتقاد الباطل. فصل: [كلام أحمد في السياسة الشرعية] وهذه نبذة يسيرة من كلام الإمام أحمد - رحمه الله - في السياسة الشرعية: قال في رواية المروزي وابن منصور: والمخنث ينفى لأنه لا يقع منه إلا الفساد والتعرض له وللإمام نفيه إلى بلد يأمن فساد أهله وإن خاف به عليهم حبسه. وقال في رواية حنبل فيمن شرب خمرا في نهار رمضان أو أتى شيئا نحو هذا: أقيم الحد عليه وغلظ عليه مثل الذي يقتل في الحرم دية وثلث. وقال في رواية حرب: إذا أتت المرأة المرأة تعاقبان وتؤدبان. وقال أصحابنا: إذا رأى الإمام تحريق اللوطي بالنار فله ذلك لأن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر - رضي الله عنه - أنه وجد في بعض نواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة فاستشار أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيهم أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه وكان أشدهم قولا فقال: إن هذا الذنب لم تعص الله به أمة من الأمم إلا واحدة فصنع الله بهم ما قد علمتم أرى أن يحرقوه بالنار فأجمع رأي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن يحرقوه بالنار فكتب أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - إلى خالد بن الوليد - رضي الله عنهما - بأن يحرقوا فحرقهم ثم حرقهم ابن الزبير ثم حرقهم هشام بن عبد الملك. ونص الإمام أحمد - رضي الله عنه - فيمن طعن على الصحابة أنه قد وجب على السلطان عقوبته وليس للسلطان أن يعفو عنه بل يعاقبه ويستتيبه فإن تاب وإلا أعاد العقوبة. وصرح أصحابنا في أن النساء إذا خيف عليهن المساحقة حرم خلوة بعضهن ببعض. وصرحوا بأن من أسلم وتحته أختان فإنه يجبر على اختيار إحداهما فإن أبى ضرب حتى يختار. قالوا: وهكذا كل من وجب عليه حق فامتنع من أدائه فإنه يضرب حتى يؤديه.(4\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1194",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1196",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما كلام مالك وأصحابه في ذلك فمشهور. وأبعد الناس من الأخذ بذلك الشافعي - رحمه الله تعالى - مع أنه اعتبر قرائن الأحوال في أكثر من مائة موضع وقد ذكرنا منها كثيرا في غير هذا الكتاب. منها جواز وطء الرجل المرأة ليلة الزفاف وإن لم يرها ولم يشهد عدلان أنها امرأته بناء على القرائن. ومنها قبول الهدية التي يوصلها إليه صبي أو عبد أو كافر وجواز أكلها والتصرف فيها وإن لم يشهد عدلان أن فلانا أهدى لك كذا بناء على القرائن ولا يشترط تلفظه ولا تلفظ الرسول بلفظ الهبة والهدية. ومنها جواز تصرفه في بابه بقرع حلقته ودقه عليه وإن لم يستأذنه في ذلك. ومنها استدعاء المستأجر للدار والبستان لمن شاء من أصحابه وضيوفه وإنزالهم عنده مدة وإن لم يستأذنه نطقا وإن تضمن ذلك تصرفهم في منفعة الدار وإشغالهم الكنيف وإضعافهم السلم ونحوه. ومنها جواز الإقدام على الطعام إذا وضعه بين يديه وإن لم يصرح له بالإذن لفظا. ومنها جواز شربه من الإناء وإن لم يقدمه إليه ولا يستأذنه. ومنها جواز قضاء حاجته في كنيفه وإن لم يستأذنه. ومنها جواز الاستناد إلى وسادته. ومنها أخذ ما ينبذه رغبة عنه من الطعام وغيره وإن لم يصرح بتمليكه له. ومنها انتفاعه بفراش زوجته ولحافها ووسادتها وآنيتها وإن لم يستأذنها نطقا إلى أضعاف أضعاف ذلك. وهل السياسة الشرعية إلا من هذا الباب. وهي الاعتماد على القرائن التي تفيد القطع تارة والظن الذي هو أقوى من ظن الشهود بكثير تارة وهذا باب واسع وقد تقدم التنبيه عليه مرارا ولا يستغني عنه المفتي والحاكم.  [فصل فتاوى في الأطعمة] فصل: فلنرجع إلى فتاوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر طرف من فتاويه في الأطعمة. [فتاوى في الأطعمة] وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الثوم: أحرام هو قال لا ولكني أكرهه من أجل رائحته ذكره مسلم. وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو أيوب: هل يحل لنا البصل فقال بلى ولكني يغشاني ما لا يغشاكم ذكره أحمد. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الضب أحرام هو فقال لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه متفق عليه.(4\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1195",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1197",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن السمن والجبن والفرا فقال الحلال ما أحله الله في كتابه والحرام ما حرمه الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه ذكره ابن ماجه. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الضبع فقال أويأكل الضبع أحد . وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الذئب فقال أو يأكل الذئب أحد فيه خير ذكره الترمذي وعند ابن ماجه قال: قلت: يا رسول الله ما تقول في الضبع قال: ومن يأكل الضبع وإن صح حديث جابر في إباحة الضبع فإن في القلب منه شيئا كان هذا الحديث يدل على ترك أكله تقذرا أو تنزها والله أعلم. وسألته - صلى الله عليه وسلم - عائشة - رضي الله عنها - فقالت: إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا  فقال سموا أنتم وكلوا ذكره البخاري. وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: أنأكل ما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله فأنزل الله: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه [الأنعام: 121]  إلى آخر الآية هكذا ذكره أبو داود وأن الذي سأل هذا السؤال هم اليهود والمشهور في هذه القصة أن المشركين هم الذين أوردوا هذا السؤال وهو الصحيح ويدل عليه كون السورة مكية وكون اليهود يحرمون الميتة كما يحرمها المسلمون فكيف يوردون هذا السؤال وهم يوافقون على هذا الحكم ويدل عليه أيضا قوله: وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم [الأنعام: 121] فهذا سؤال مجادل في ذلك واليهود لم تكن تجادل في هذا وقد رواه الترمذي بلفظ ظاهره أن بعض المسلمين سأل هذا السؤال ولفظه أتى ناس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا رسول الله أنأكل مما نقتل ولا نأكل مما قتل الله فأنزل الله تعالى: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه [الأنعام: 118] إلى قوله: وإن أطعتموهم إنكم لمشركون [الأنعام: 121]  وهذا لا يناقض كون المشركين هم الذين أوردوا هذا السؤال فسأل عنه المسلمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحسب قوله إن اليهود سألوا عن ذلك إلا وهما من أحد الرواة والله أعلم. وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: يا رسول الله إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي فحرمت علي اللحم فأنزل الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين [المائدة: 87] وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا [المائدة: 88]  ذكره الترمذي. وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو ثعلبة الخشني - رضي الله عنه - فقال: إن أرضنا أرض أهل كتاب وإنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم فقال - صلى الله عليه وسلم -:(4\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1196",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1198",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن لم تجدوا غيرها فارحضوها واطبخوا فيها واشربوا قال: قلت: يا رسول الله ما يحل لنا وما يحرم علينا قال: لا تأكلوا لحم الحمر الإنسية ولا يحل أكل كل ذي ناب من السباع ذكره أحمد وقد ثبت عنه في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أنه قال: أكل كل ذي ناب من السباع حرام وهذان اللفظان يبطلان [قول] من تأول نهيه عن أكل كل ذي ناب من السباع بأنه نهي كراهة فإنه تأمل فاسد قطعا وبالله التوفيق. وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة فقال: لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك ذكره أبو داود وقال: هذا ذكاة المتردي وقال يزيد بن هارون: هذا للضرورة وقيل: هو في غير المقدور عليه. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الجنين يكون في بطن الناقة أو البقرة أو الشاة أنلقيه أم نأكله فقال: كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه ذكره أحمد وهذا يبطل تأويل من تأول الحديث أنه يذكى كما تذكى أمه ثم يؤكل فإنه أمرهم بأكله وأخبر أنه ذكاة أمه ذكاة له وهذا لأنه جزء من أجزائها فلم يحتج إلى أن يفرد بذبح كسائر أجزائها. وسأله - صلى الله عليه وسلم - رافع بن خديج فقال: إنا لاقو العدو غدا وليست معنا مدى أفتذكى بالليطة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل إلا ما كان من سن أو ظفر فإن السن عظم والظفر مدى الحبشة متفق عليه والليطة: الفلقة من القصب. وسأله - صلى الله عليه وسلم - عدي بن حاتم - رضي الله عنه - فقال: إن أحدنا ليصيب الصيد وليس معه سكين أيذبح بالمروة وشقة العصا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرر الدم واذكر اسم الله ذكره أحمد. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن شاة حل بها الموت فأخذت جارية حجرا فذبحتها به فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأكلها ذكره البخاري. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن شاة نيب فيها الذئب فذبحوها بمروة فرخص لهم في أكلها ذكره النسائي. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن أكل الحوت الذي جزر البحر عنه فقال: كلوا رزقا أخرجه الله لكم وأطعمونا إن كان معكم متفق عليه. وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو ثعلبة الخشني فقال: إنا بأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي المعلم وبكلبي الذي ليس بمعلم فما يصلح لي فقال ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك غير المعلم(4\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1197",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1199",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأدركت ذكاته فكل متفق عليه وهو صريح في اشتراط التسمية لحل الصيد ودلالته على ذلك أصرح من دلالته على تحريم صيد غير المعلم. وسأله - صلى الله عليه وسلم - عدي بن حاتم فقال: إني أرسل كلابي المعلمة فيمسكن علي واذكر اسم الله فقال: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك قلت: وإن قتلن قال وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس منها قلت: فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب فقال: إذا رميت بالمعراض فخزق فكله وإن أصابه بعرضه فلا تأكله متفق عليه. وفي بعض ألفاظ هذا الحديث: إلا أن يأكل الكلب فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره . وفي بعض ألفاظه: إذا أرسلت كلبك المكلب فاذكر اسم الله فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله فإن أخذ الكلب ذكاته وفي بعض ألفاظه: إذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله وفيه فإن غاب عنك اليومين أو الثلاثة ولم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت فإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك . وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو ثعلبة الخشني فقال: يا رسول الله إن لي كلابا مكلبة فأفتني في صيدها فقال: إن كانت لك كلاب مكلبة فكل مما أمسكت عليك فقال: يا رسول الله ذكي أو غير ذكي قال: ذكي وغير ذكي قال: وإن أكل منه قال: وإن أكل منه قال: يا رسول الله أفتني في قوسي قال: كل ما أمسكت عليك قوسك قال: ذكي وغير ذكي قال: ذكي وغير ذكي قال: وإن تغيب عني قال: وإن تغيب عنك ما لم يصل يعني يتغير أو تجد فيه أثرا غير أثر سهمك ذكره أبو داود. ولا يناقض هذا قوله لعدي بن حاتم وإن أكل منه فلا تأكل فإن حديث عدي فيما أكل منه حال صيده إذ يكون ممسكا على نفسه وحديث أبي ثعلبة فيما أكل منه بعد ذلك فإنه يكون قد أمسك على صاحبه ثم أكل منه بعد ذلك وهذا لا يحرم كما لو أكل مما ذكاه صاحبه. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الذي يدرك صيده بعد ثلاث فقال: كله ما لم ينتن ذكره مسلم.(4\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1198",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1200",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسأله - صلى الله عليه وسلم - أهل بيت كانوا في الحرة محتاجين ماتت عندهم ناقة لهم أو لغيرهم فرخص لهم في أكلها فعصمتهم بقية شتائهم ذكره أحمد. وعند أبي داود أن رجلا نزل بالحرة ومعه أهله وولده فقال له رجل: إن لي ناقة قد ضلت فإن وجدتها فأمسكها فوجدها فلم يجد صاحبها فمرضت فقالت امرأته: انحرها فأبى فنفقت فقالت: اسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها نأكله فقال: حتى أسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتاه فسأله فقال له: هل عندك ما يغنيك قال: لا قال فكلوه قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر فقال: هلا كنت نحرتها قال: استحييت منك وفيه دليل على جواز إمساك الميتة للمضطر . وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: من الطعام طعام نتحرج منه فقال: لا يختلجن في نفسك شيء ضارعت فيه النصرانية ذكره أحمد ومعناه - والله أعلم - النهي عما شابه طعام النصارى يقول: لا تشكن فيه بل دعه فأجابه بجواب عام وخص النصارى دون اليهود لأن النصارى لا يحرمون شيئا من الأطعمة [بل] يبيحون ما دب ودرج من الفيل إلى البعوض. وسأله - صلى الله عليه وسلم - عقبة بن عامر فقال: إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقروننا فما ترى فقال إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم ذكره البخاري وعند الترمذي إنا نمر بقوم فلا يضيفوننا ولا يؤدون ما لنا عليهم من الحق ولا نحن نأخذ منهم فقال: إن أبوا إلا أن تأخذوا قرى فخذوه  وعند أبي داود ليلة الضيق حق على كل مسلم فإن أصبح بفنائه محروما كان دينا عليه إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه  وعنده أيضا من نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه . وهو دليل على وجوب الضيافة وعلى أخذ الإنسان نظير حقه ممن هو عليه إذا أبى دفعه وقد استدل به في مسألة الظفر ولا دليل فيه لظهور سبب الحق ههنا فلا يتهم الآخذ كما تقدم في قصة هند مع أبي سفيان. وسأله - صلى الله عليه وسلم - عوف بن مالك فقال: الرجل أمر به فلا يقريني ولا يضيفني ثم يمر بي أفأجزيه قال: لا بل أقره قال: ورآني - يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - رث الثياب فقال هل لك(4\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1199",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1201",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من مال قال: قلت: من كل المال قد أعطاني الله من الإبل والغنم قال فلير عليك ذكره الترمذي. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن جائزة الضيف فقال يومه وليلته والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه متفق عليه.  [فصل فتاوى في العقيقة] فصل: [فتاوى في العقيقة] وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن العقيقة وكان كره الاسم وقال من ولد له مولود فأحب أن ينسك عنه فليفعل ذكره أحمد وعنده أيضا أنه سئل - صلى الله عليه وسلم - عن العقيقة فقال لا يحب الله العقوق كأنه كره الاسم قالوا: يا رسول الله إنما نسألك عن أحدنا يولد له ولد قال من يولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فلينسك عن الغلام شاتين متكافئتين وعن الجارية شاة .  [فصل فتاوى في الأشربة] فصل: [فتاوى في الأشربة] وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: لا أروى من نفس واحدة قال: فأبن القدح عن فيك ثم تنفس قال: فإني أرى القذاة فيه قال: فأهرقها ذكره مالك. وعند الترمذي أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن النفخ في الشراب فقال رجل: القذاة أراها في الإناء قال: أهرقها قال إني لا أروى من نفس واحدة قال فأبن القدح إذن عن فيك حديث صحيح. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن البتع فقال كل شراب أسكر فهو حرام متفق عليه. وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو موسى فقال: يا رسول الله أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن: البتع وهو من العسل ينبذ حتى يشتد والمزر وهو من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتد فقال: كل مسكر حرام متفق عليه. وسأله - صلى الله عليه وسلم - طارق بن سعيد عن الخمر فنهاه أن يصنعها فقال: إنما أصنعها للدواء فقال: إنه ليس بدواء ولكنه داء . وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل من اليمن عن شراب بأرضهم يقال له المزر قال: أمسكر هو قال: نعم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كل مسكر حرام وإن على الله عهدا لمن شرب المسكر أن(4\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1200",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1202",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يسقيه من طينة الخبال قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال قال: عرق أهل النار أو قال: عصارة أهل النار . وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل من عبد قيس فقال: يا رسول الله ما ترى في شراب نصنعه في أرضنا من ثمارنا فأعرض عنه حتى سأله ثلاث مرات حتى قام يصلي فلما قضى صلاته قال: لا تشربه ولا تسقه أخاك المسلم فوالذي نفسي بيده - أو والذي يحلف به - لا يشربه رجل ابتغاء لذة سكر فيسقيه الله الخمر يوم القيامة ذكره أحمد. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الخمر تتخذ خلا قال: لا ذكره مسلم. وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو طلحة عن أيتام ورثوا خمرا فقال: أهرقها قال: أفلا نجعلها خلا قال: لا ذكره أحمد. وفي لفظ: أن يتيما كان في حجر أبي طلحة فاشترى له خمرا فلما حرمت الخمر سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: أيتخذها خلا قال: لا . وسأله - صلى الله عليه وسلم - قوم فقالوا: إنا ننتبذ نبيذا نشربه على غدائنا وعشائنا وفي رواية: على طعامنا فقال: اشربوا واجتنبوا كل مسكر فأعادوا عليه فقال: إن الله ينهاكم عن قليل ما أسكر وكثيره ذكره الدارقطني. وسأله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن فيروز الديلمي - رضي الله عنهما - فقال: إنا أصحاب أعناب وكرم وقد نزل تحريم الخمر فما نصنع بها قال تتخذونه زبيبا قال: نصنع بالزبيب ماذا قال: تنقعونه على غدائكم وتشربونه على عشائكم وتنقعونه على عشائكم وتشربونه على غدائكم قال: قلت يا رسول الله: نحن ممن قد علمت ونحن بين ظهراني من قد علمت فمن ولينا فقال: الله ورسوله قال: حسبي يا رسول الله .  [فصل فتاوى في الأيمان وفي النذور] فصل: [فتاوى في الأيمان وفي النذور] في طرف من فتاويه - صلى الله عليه وسلم - في الأيمان والنذور. وسأله سعد بن أبي وقاص فقال: يا رسول الله إني حلفت باللات والعزى وإن العهد كان قريبا فقال: قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له ثلاثا ثم انفث عن يسارك ثلاثا ثم تعوذ ولا تعد ذكره أحمد. ولما قال - صلى الله عليه وسلم -: من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار سألوه - صلى الله عليه وسلم -: وإن كان شيئا يسيرا قال: وإن كان قضيبا من أراك ذكره مسلم.(4\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1201",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1203",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأعتم رجل عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم رجع إلى أهله فوجد الصبية قد ناموا فأتاه أهله بطعام فحلف لا يأكل من أجل الصبية ثم بدا له فأكل فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له فقال: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأتها وليكفر عن يمينه ذكره مسلم. وسأله - صلى الله عليه وسلم - مالك بن فضالة فقال: يا رسول الله أرأيت ابن عم لي آتيه أسأله فلا يعطيني ولا يصلني ثم يحتاج إلي فيأتيني فيسألني وقد حلفت أن لا أعطيه ولا أصله قال: فأمرني أن آتي الذي هو خير وأكفر عن يميني . وخرج سويد بن حنظلة ووائل بن حجر يريدان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع قومهما فأخذ وائلا عدو له فتحرج القوم أن يحلفوا أنه أخوهم وحلف سويد أنه أخوه فخلوا سبيله فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: أنت أبرهم وأصدقهم المسلم أخو المسلم ذكره أحمد. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ويصوم ولا يفطر بنهاره ولا يستظل ولا يتكلم فقال: مروه فليستظل وليتكلم وليقعد وليتم صومه ذكره البخاري. وفيه دليل على تفريق الصفقة في النذر وأن من نذر قربة صح النذر في القربة وبطل في غير القربة وهكذا الحكم في الوقف سواء. وسأله - صلى الله عليه وسلم - عمر - رضي الله عنه - فقال: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال أوف بنذرك متفق عليه. وقد احتج به من يرى جواز الاعتكاف عن غير صوم ولا حجة فيه لأن في بعض ألفاظ الحديث: أن أعتكف يوما أو ليلة ولم يأمره بالصوم إذ الاعتكاف المشروع إنما هو اعتكاف الصائم فيحمل اللفظ المطلق على المشروع. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن امرأة نذرت أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافية غير مختمرة فأمرها أن تركب وتختمر وتصوم ثلاثة أيام ذكره أحمد. وفي الصحيحين عن عقبة بن عامر قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافية فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستفتيته فقال: لتمش ولتركب . وعند الإمام أحمد أن أخت عقبة نذرت أن تحج ماشية وأنها لا تطيق ذلك فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن الله لغني عن مشي أختك فلتركب ولتهد بدنة . ونظر وهو يخطب إلى أعرابي قائم في الشمس فقال ما شأنك قال: نذرت أن لا(4\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1202",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1204",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أزال في الشمس حتى يفرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الخطبة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ليس هذا نذرا إنما النذر فيما ابتغي به وجه الله ذكره أحمد. ورأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيخا يهادي بين ابنيه فقال: ما بال هذا فقالوا: نذر أن يمشي فقال: إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه وأمره أن يركب  متفق عليه. ونظر إلى رجلين مقترنين يمشيان إلى البيت فقال: ما بال القران قالوا: يا رسول الله نذرنا أن نمشي إلى البيت مقترنين فقال: ليس هذا نذرا إنما النذر فيما ابتغي به وجه الله ذكره أحمد.  وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: إن أمي توفيت وعليها نذر صيام فتوفيت قبل أن تقضيه فقال: ليصم عنها الولي ذكره ابن ماجه [النيابة في فعل الطاعة] وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من مات وعليه صيام صام عنه وليه . فطائفة حملت هذا على عمومه وإطلاقه وقالت: يصام عنه النذر والفرض وأبت طائفة ذلك وقالت: لا يصام عنه نذر ولا فرض. وفصلت طائفة فقالت: يصام عنه النذر دون الفرض الأصلي وهذا قول ابن عباس وأصحابه والإمام أحمد وأصحابه وهو الصحيح لأن فرض الصيام جار مجرى الصلاة فكما لا يصلي أحد عن أحد ولا يسلم أحد عن أحد فكذلك الصيام وأما النذر فهو التزام في الذمة بمنزلة الدين فيقبل قضاء الولي له كما يقضي دينه وهذا محض الفقه وطرد هذا أنه لا يحتج عنه ولا يزكي عنه إلا إذا كان معذورا بالتأخير كما يطعم الولي عمن أفطر في رمضان لعذر فأما المفرط من غير عذر أصلا فلا ينفعه أداء غيره عنه لفرائض الله - تعالى - التي فرط فيها وكان هو المأمور بها ابتلاء وامتحانا دون الولي فلا تنفع توبة أحد عن أحد ولا إسلامه عنه ولا أداء الصلاة عنه ولا غيرها من فرائض الله - تعالى - التي فرط فيها حتى مات والله أعلم. وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف فقال: أوفي بنذرك قالت: إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا مكان يذبح فيه أهل الجاهلية قال: لصنم قالت: لا قال: لوثن قالت: لا قال: أوفي بنذرك ذكره أبو داود. وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: كان فيها(4\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1203",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1205",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وثن من أوثان الجاهلية يعبد قالوا: لا قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم قالوا: لا قال: أوف بنذرك فإنه لا وفاء بالنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم ذكره أبو داود.  [فصل فتاوى في الجهاد] فصل: [فتاوى في الجهاد] في طرف من فتاويه - صلى الله عليه وسلم - في الجهاد. سئل عن قتال الأمراء الظلمة فقال: لا ما أقاموا الصلاة وقال: خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم قالوا: أفلا ننابذهم قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة لا ما أقاموا فيكم الصلاة ثم قال - صلى الله عليه وسلم - ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعته ذكره مسلم. وقال: يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع قالوا: أفلا نقاتلهم قال لا ما صلوا ذكره مسلم وزاد أحمد ما صلوا الخمس . وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعوننا حقنا ويسألوننا حقهم قال اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم ذكره الترمذي. وقال إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها قالوا: فما تأمرنا من أدرك ذلك قال: تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم متفق عليه. وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد قال: لا أجده ثم قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر قال: ومن يستطيع ذلك فقال مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله ذكره مسلم. وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الناس أفضل فقال مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله قال: ثم من قال: رجل في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره متفق عليه. وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله وأنا صابر محتسب مقبل غير مدبر يكفر الله عني خطاياي قال: نعم ثم قال: كيف قلت فرد(4\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1204",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1206",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه كما قال فقال: نعم فكيف قلت فرد عليه القول أيضا فقال: أرأيت يا رسول الله إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر يكفر الله عني خطاياي قال: نعم إلا الدين فإن جبريل سارني بذلك ذكره أحمد. وسئل - صلى الله عليه وسلم -: ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة ذكره النسائي. وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الشهداء أفضل عند الله تعالى قال: الذين يلقون في الصف لا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا أولئك ينطلقون في الغرف العلى من الجنة ويضحك إليهم ربك تعالى وإذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا فلا حساب عليه ذكره أحمد. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله متفق عليه. وعند أبي داود أن أعرابيا أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: الرجل يقاتل للذكر ويقاتل ليحمد ويقاتل ليغنم ويقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله . وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: يا رسول الله الرجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضا من أعراض الدنيا فقال: لا أجر له فأعظم ذلك الناس وقالوا للرجل: عد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنك لم تفهمه فقال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضا من عرض الدنيا فقال: لا أجر له فقالوا للرجل: عد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له الثالثة فقال: لا أجر له ذكره أبو داود. وعند النسائي أنه سئل - صلى الله عليه وسلم -: أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا شيء له. فأعادها ثلاث مرار يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا شيء له ثم قال: إن الله - تعالى - لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا له وابتغى به وجهه . وسألته - صلى الله عليه وسلم - أم سلمة فقالت: يا رسول الله يغزو الرجال ولا تغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث فأنزل الله تعالى: ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض [النساء: 32] الآية  ذكره أحمد. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الشهداء فقال: من قتل في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في الطاعون فهو شهيد. ومن مات في البطن فهو شهيد ذكره مسلم(4\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1205",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1207",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل فتاوى في الطب] فصل: [فتاوى في الطب] في ذكر طرف من فتاويه - صلى الله عليه وسلم - في الطب. سأله - صلى الله عليه وسلم - أعرابي فقال: يا رسول الله أنتداوى قال نعم فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله ذكره أحمد. وفي السنن أن الأعراب قالت: يا رسول الله ألا نتداوى قال: نعم عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء إلا داء واحدا قالوا: يا رسول الله وما هو قال: الهرم . وسئل - صلى الله عليه وسلم - فقيل له: أرأيت رقى تسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا قال: هي من قدر الله ذكره الترمذي. وسئل - صلى الله عليه وسلم -: هل يغني الدواء شيئا فقال سبحان الله وهل أنزل الله - تبارك وتعالى - من داء في الأرض إلا جعل له شفاء ذكره أحمد. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب من أمته فقال: هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون متفق عليه. وسأله - صلى الله عليه وسلم - آل عمرو بن حزم فقالوا: إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب وإنك نهيت عن الرقى قال اعرضوا علي رقاكم قال: فعرضوا عليه فقال: ما أرى بأسا من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل ذكره مسلم. واستفتاه عثمان بن أبي العاص - رضي الله عنه - وشكا إليه وجعا يجده في جسده منذ أسلم فقال: ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل: باسم الله ثلاثا وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر ذكره مسلم. وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الناس أشد بلاء قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل الرجل يبتلى على حسب دينه فإن كان رقيق الدين ابتلي على حسب ذلك وإن كان صلب الدين ابتلي على حسب ذلك فما يزال البلاء بالرجل حتى يمشي على وجه الأرض وما عليه خطيئة ذكره أحمد وصححه الترمذي. وذكر ابن ماجه أنه سئل: أي الناس أشد بلاء قال: الأنبياء قلت: يا رسول الله ثم(4\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1206",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1208",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من قال ثم الصالحون إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة تحويه وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالعافية . وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا ما لنا بها قال: كفارات قال أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه -: وإن قلت قال وإن شوكة فما فوقها فدعا أبو سعيد على نفسه أن لا يفارقه الوعك حتى يموت وأن لا يشغله عن حج ولا عن عمرة ولا جهاد في سبيل الله ولا صلاة مكتوبة في جماعة فما مسه إنسان إلا وجد حرة حتى مات ذكره أحمد. وقال أسامة - رضي الله عنه -: شهدت الأعراب يسألون النبي - صلى الله عليه وسلم - أعلينا حرج في كذا أعلينا حرج في كذا فقال: عباد الله وضع الله الحرج إلا من اقترض من عرض أخيه شيئا فذلك هو الحرج فقالوا: يا رسول الله هل علينا من جناح أن نتداوى قال: تداووا عباد الله فإن الله لم يضع داء إلا وضع معه شفاء إلا الهرم قالوا: يا رسول الله ما خير ما أعطي العبد قال: حسن الخلق ذكره ابن ماجه. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الرقى فقال اعرضوا علي من رقاكم ثم قال: لا بأس بما ليس فيه شرك ذكره مسلم. وسأله - صلى الله عليه وسلم - طبيب عن ضفدع يجعلها في دواء فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قتلها ذكره أهل السنن. وشكا إليه - صلى الله عليه وسلم - الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف القمل فأفتاهم بلبس قميص الحرير  ذكره البخاري في صحيحه. وأفتى - صلى الله عليه وسلم - أن من تطبب ولم يعرف منه طب فهو ضامن وهو يدل بمفهومه على أنه إذا كان طبيبا وأخطأ في تطبيبه فلا ضمان عليه . وشكا إليه - صلى الله عليه وسلم - المشاة في طريق الحج تعبهم وضعفهم عن المشي فقال لهم: استعينوا بالنسل فإنه يقطع عنكم الأرض وتخفون له قالوا: ففعلنا فخففنا له والنسل: العدو مع تقارب الخطا  ذكر ابن مسعود الدمشقي [أن] هذا الحديث في مسلم وليس فيه وإنما هو زيادة في حديث جابر الطويل الذي رواه مسلم في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم - وإسناده حسن. وسألته - صلى الله عليه وسلم - أسماء بنت عميس - رضي الله عنها - فقالت: يا رسول الله إن ولد جعفر(4\/300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1207",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1209",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تسرع إليهم العين أفأسترقي لهم قال: نعم فإنه لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين ذكره أحمد. وعند مالك عن حميد بن قيس المكي قال: دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بابني جعفر بن أبي طالب فقال لحاضنتهما: ما لي أراهما ضارعين فقالت: إنه لتسرع إليهما العين ولم يمنعنا أن نسترقي لهما إلا أنا لا ندري ما يوافقك من ذلك فقال: استرقوا لهما فإنه لو سبق شيء القدر لسبقته العين . وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن النشرة فقال: هي من عمل الشيطان ذكره أحمد وأبو داود والنشرة: حل السحر عن المسحور وهي نوعان: حل سحر بسحر مثله وهو الذي من عمل الشيطان فإن السحر من عمل فيتقرب إليه الناشر والمنتشر بما يحب فيبطل عمله عن المسحور والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة فهذا جائز بل مستحب وعلى النوع المذموم يحمل قول الحسن quot; لا يحل السحر إلا ساحر quot;.  [فصل فتاوى في الطيرة وفي الفأل وفي الاستصلاح] فصل: [فتاوى في الطيرة وفي الفأل وفي الاستصلاح] وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الطاعون فقال: عذابا كان يبعثه الله على من كان قبلكم فجعله الله رحمة للمؤمنين ما من عبد يكون في بلد ويكون فيه فيمكث لا يخرج صابرا محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد ذكره البخاري. وسأله - صلى الله عليه وسلم - فروة بن مسيك - رضي الله عنه - فقال: يا رسول الله إنا بأرض يقال لها أبين وهي ريفنا وميرتنا وهي وبئة أو قال: وباها شديد فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعها عنك فإن من القرف التلف . وفيه دليل على نوع شريف من أنواع الطب وهو استصلاح التربة والهواء كما ينبغي استصلاح الماء والغذاء فإن بصلاح هذه الأربعة يكون صلاح البدن واعتداله. وقال - صلى الله عليه وسلم -: لا طيرة وخيرها الفأل قيل: يا رسول الله وما الفأل قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم متفق عليه. وفي لفظ لهما لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل قالوا: وما الفأل قال: كلمة طيبة .(4\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1208",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1210",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولما قال: لا عدوى ولا طيرة ولا هامة قال له رجل: أرأيت البعير يكون به الجرب فتجرب الإبل قال: ذاك القدر فمن أجرب الأول  ذكره أحمد. ولا حجة في هذا لمن أنكر الأسباب بل فيه إثبات القدر ورد الأسباب كلها إلى الفاعل الأول إذ لو كان كل سبب مستندا إلى سبب قبله لا إلى غاية لزم التسلسل في الأسباب وهو ممتنع فقطع النبي - صلى الله عليه وسلم - التسلسل بقوله: quot; فمن أعدى الأول quot; إذ لو كان الأول قد جرب بالعدوى والذي قبله كذلك لا إلى غاية لزم التسلسل الممتنع. وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: يا رسول الله دار سكناها والعدد كثير والمال وافر فقل العدد وذهب المال فقال: دعوها ذميمة ذكره مالك مرسلا. وهذا موافق لقوله - صلى الله عليه وسلم - إن كان الشؤم في شيء فهو في ثلاثة: في الفرس وفي الدار والمرأة وهو إثبات لنوع خفي من الأسباب ولا يطلع عليه أكثر الناس ولا يعلم إلا بعد وقوع مسببه فإن من الأسباب ما يعلم سببيته قبل وقوع مسببه وهي الأسباب الظاهرة ومنها ما لا يعلم سببيته إلا بعد وقوع مسببه وهي الأسباب الخفية ومنه قول الناس quot; فلان مشئوم الطلعة ومدور الكعب quot; ونحوه فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أشار إلى هذا النوع ولم يبطله وقوله: إن كان الشؤم في شيء فهو في ثلاثة تحقيق لحصول الشؤم فيها وليس نفيا لحصوله من غيرها كقوله: إن كان في شيء تتداوون به شفاء ففي شرطه محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار ولا أحب الكي ذكره البخاري. وقال: من ردته الطيرة من حاجته فقد أشرك قالوا: يا رسول الله وما كفارة ذلك قال: أن يقول: اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ذكره أحمد.  [فصل فصول من فتاويه صلى الله عليه وسلم في أبواب متفرقة] [التوبة] ذكر فصول من فتاويه - صلى الله عليه وسلم - في أبواب متفرقة: [التوبة] وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إني أصبت ذنبا عظيما فهل لي من توبة فقال: هل لك من أم قال: لا قال فهل لك من خالة قال: نعم قال: فبرها ذكره الترمذي وصححه. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالمشركين ثم ندم فأرسل إلى قومه: سلوا لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل لي من توبة فجاء قومه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: هل له من توبة فنزلت: كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم [آل عمران: 86](4\/302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1209",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1211",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى قوله: إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم [آل عمران: 89] فأرسل إليه فأسلم ذكره النسائي. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل أوجب فقال: أعتقوا عنه ذكره أحمد وقوله: quot; أوجب quot; أي فعل ما يستوجب النار.  [حق الطريق] [حق الطريق] وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى وتأتون في ناديكم المنكر [العنكبوت: 29] قال: كانوا يخذفون أهل الطريق ويسخرون منهم وذلك المنكر الذي كانوا يأتونه ذكره أحمد.  [الكذب] الكذب] وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أن يكون المؤمن جبانا قال: نعم قالوا: أيكون كذابا قال: لا ذكره مالك. وسألته امرأة فقالت: إن لي ضرة فهل علي جناح إن تشبعت من زوجي غير الذي يعطيني فقال: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور متفق عليه. وفي لفظ: أقول إن زوجي أعطاني ما لم يعطني . وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: هل أكذب على امرأتي قال: لا خير في الكذب فقال: يا رسول الله أعدها وأقول لها فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا جناح ذكره مالك.  [الشرك وما يلحق به] وقال - صلى الله عليه وسلم -: اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل فقيل له: كيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله فقال: قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلم ذكره أحمد. وقال - صلى الله عليه وسلم -: إن أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله قال: الرياء يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء ذكره أحمد. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الأخسرين أعمالا يوم القيامة فقال: هم الأكثرون أموالا إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا إلى من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم. ولما نزلت: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم [الأنعام: 82] شق ذلك(4\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1210",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1212",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليهم وقالوا: يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ليس ذلك إنما هو الشرك ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم [لقمان: 13]  . وخرج عليهم وهم يتذاكرون المسيح الدجال فقال: ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال قالوا: بلى قال: الشرك الخفي قالوا: وما الشرك قال: أن يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل آخر ذكره ابن ماجه.  [طاعة الأمراء] [طاعة الأمراء] وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن طاعة الأمير الذي أمر أصحابه فجمعوا حطبا فأضرموه نارا وأمرهم بالدخول فيها فقال - صلى الله عليه وسلم -: لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف وفي لفظ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وفي لفظ من أمركم منهم بمعصية الله فلا تطيعوه . فهذه فتوى عامة لكل من أمره أمير بمعصية الله كائنا من كان ولا تخصيص فيها ألبتة.  [من سد الذرائع] ولما قال - صلى الله عليه وسلم - إن من أكبر الكبائر شتم الرجل والديه سألوه: كيف يشتم الرجل والديه قال: يسب أبا الرجل وأمه فيسب أباه وأمه متفق عليه. وللإمام أحمد إن أكبر الكبائر عقوق الوالدين قيل: وما عقوق الوالدين قال - صلى الله عليه وسلم - يسب أبا الرجل وأمه فيسب أباه وأمه . وهو صريح في اعتبار الذرائع وطلب الشرع لسدها وقد تقدمت شواهد هذه القاعدة بما فيه كفاية.  [حسن الجوار] [الجوار] وقال - صلى الله عليه وسلم -: ما تقولون في الزنا قالوا: حرام فقال: لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره ما تقولون في السرقة قالوا: حرام قال: لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر من أن يسرق من بيت جاره ذكره أحمد.  [الغيبة] [الغيبة] وقال - صلى الله عليه وسلم -: أتدرون ما الغيبة قالوا: الله ورسوله أعلم قال: ذكرك أخاك بما(4\/304)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1211",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1213",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكره قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته ذكره مسلم. وللإمام أحمد ومالك أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما الغيبة فقال: أن تذكر من المرء ما يكره أن يسمع فقال: يا رسول الله وإن كان حقا فقال رسول الله: إذا قلت باطلا فذلك البهتان .  [الكبائر] [الكبائر] وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الكبائر فقال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقول الزور وقتل النفس التي حرم الله والفرار يوم الزحف ويمين الغموس وقتل الإنسان ولده خشية أن يطعم منه والزنا بحليلة جاره والسحر وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات وهذا مجموع من أحاديث. فصل: [تعداد الكبائر] ومن الكبائر: ترك الصلاة ومنع الزكاة وترك الحج مع الاستطاعة والإفطار في رمضان بغير عذر وشرب الخمر والسرقة والزنا واللواط والحكم بخلاف الحق وأخذ الرشا على الأحكام والكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - والقول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه وجحود ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله واعتقاد أن كلامه وكلام رسوله لا يستفاد منه يقين أصلا وأن ظاهر كلامه وكلام رسوله باطل وخطأ بل كفر وتشبيه وضلال وترك ما جاء به لمجرد قول غيره وتقديم الخيال المسمى بالعقل والسياسة الظالمة والعقائد الباطلة والآراء الفاسدة والإدراكات والكشوفات الشيطانية على ما جاء به - صلى الله عليه وسلم - ووضع المكوس وظلم الرعايا والاستئثار بالفيء والكبر والفخر والعجب والخيلاء والرياء والسمعة وتقديم خوف الخلق على خوف الخالق ومحبته على محبة الخالق ورجائه على رجائه وإرادة العلو في الأرض والفساد وإن لم ينل ذلك ومسبة الصحابة - رضوان الله عليهم - وقطع الطريق وإقرار الرجل الفاحشة في أهله وهو يعلم والمشي بالنميمة وترك التنزه من البول وتخنث الرجل وترجل المرأة ووصل شعر المرأة وطلبها ذلك وطلب الوصل كبيرة وفعله كبيرة والوشم والاستيشام والوشر والاستيشار(4\/305)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1212",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1214",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنمص والتنميص والطعن في النسب وبراءة الرجل من أبيه وبراءة الأب من ابنه وإدخال المرأة على زوجها ولدا من غيره والنياحة ولطم الخدود وشق الثياب وحلق المرأة شعرها عند المصيبة بالموت وغيره وتغيير منار الأرض وهو أعلامها وقطيعة الرحم والجور في الوصية وحرمان الوارث حقه من الميراث وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير والتحليل واستحلال المطلقة به والتحيل على إسقاط ما أوجب الله. وتحليل ما حرم الله وهو استباحة محارمه وإسقاط فرائضه بالحيل وبيع الحر [ائر]  وإباق المملوك من سيده ونشوز المرأة على زوجها وكتمان العلم عند الحاجة إلى إظهاره وتعلم العلم للدنيا والمباهاة والجاه والعلو على الناس والغدر والفجور في الخصام وإتيان المرأة في دبرها وفي محيضها والمن بالصدقة وغيرها من عمل الخير. وإساءة الظن بالله واتهامه في أحكامه الكونية والدينية والتكذيب بقضائه وقدره واستوائه على عرشه وأنه القاهر فوق عباده وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عرج به إليه وأنه رفع المسيح إليه وأنه يصعد إليه الكلم الطيب وأنه كتب كتابا فهو عنده على عرشه وأن رحمته تغلب غضبه وأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يمضي شطر الليل فيقول: من يستغفرني فأغفر له وأنه كلم موسى تكليما وأنه تجلى للجبل فجعله دكا واتخذ إبراهيم خليلا وأنه نادى آدم وحواء ونادى موسى وينادي نبينا يوم القيامة وأنه خلق آدم بيديه وأنه يقبض سماواته بإحدى يديه والأرض باليد الأخرى يوم القيامة. فصل ومنها الاستماع إلى حديث قوم لا يحبون استماعه وتخبيث المرأة على زوجها والعبد على سيده وتصوير صور الحيوان سواء كان لها ظل أو لم يكن وأن يري عينيه في المنام ما لم ترياه وأخذ الربا وإعطاؤه والشهادة عليه وكتابته وشرب الخمر وعصرها واعتصارها وحملها وبيعها وأكل ثمنها ولعن من لم يستحق اللعن وإتيان الكهنة والمنجمين والعرافين والسحرة وتصديقهم والعمل بأقوالهم والسجود لغير الله والحلف بغيره كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - من حلف بغير الله فقد أشرك وقد قصر ما شاء أن يقصر من قال: إن ذلك مكروه وصاحب الشرع يجعله شركا فرتبته فوق رتبة الكبائر واتخاذ القبور مساجد وجعلها أوثانا وأعيادا يسجدون لها تارة ويصلون إليها تارة ويطوفون بها تارة ويعتقدون أن الدعاء عندها أفضل من الدعاء في بيوت الله التي شرع أن يدعى فيها ويعبد ويصلى له ويسجد.(4\/306)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1213",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1215",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها معاداة أولياء الله وإسبال الثياب من الإزار والسراويل والعمامة وغيرها والتبختر في المشي واتباع الهوى وطاعة الهوى وطاعة الشح والإعجاب بالنفس وإضاعة من تلزمه مؤنته ونفقته من أقاربه وزوجته ورقيقه ومماليكه والذبح لغير الله وهجر أخيه المسلم سنة كما في صحيح الحاكم من حديث أبي خراش الهذلي السلمي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من هجر أخاه سنة فهو كقتله  وأما هجره فوق ثلاثة أيام فيحتمل أنه من الكبائر ويحتمل أنه دونها والله أعلم. ومنها الشفاعة في إسقاط حدود الله وفي الحديث عن ابن عمر يرفعه من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره رواه أحمد وغيره بإسناد جيد. ومنها تكلم الرجل بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا. ومنها أن يدعو إلى بدعة أو ضلالة أو ترك سنة بل هذا من أكبر الكبائر وهو مضادة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ومنها ما رواه الحاكم في صحيحه من حديث المستورد بن شداد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أكل بمسلم أكلة أطعمه الله بها أكلة من نار جهنم يوم القيامة ومن قام بمسلم مقام سمعة أقامه الله يوم القيامة مقام رياء وسمعة ومن اكتسى بمسلم ثوبا كساه الله ثوبا من نار يوم القيامة . ومعنى الحديث أنه توصل إلى ذلك وتوسل إليه بأذى أخيه المسلم من كذب عليه أو سخرية أو همزة أو لمزة أو غيبة والطعن عليه والازدراء به والشهادة عليه بالزور والنيل من عرضه عند عدوه ونحو ذلك مما يفعله كثير من الناس وأوقع في وسطه والله المستعان. ومنها التبجح والافتخار بالمعصية بين أصحابه وأشكاله وهو الإجهار الذي لا يعافي الله صاحبه وإن عافاه من شر نفسه. ومنها أن يكون له وجهان ولسانان فيأتي القوم بوجه ولسان ويأتي غيرهم بوجه ولسان آخر. ومنها أن يكون فاحشا بذيا يتركه الناس ويحذرونه اتقاء فحشه. ومنها مخاصمة الرجل في باطل يعلم أنه باطل ودعواه ما ليس له وهو يعلم أنه ليس له. ومنها أن يدعي أنه من آل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس منهم أو يدعي أنه ابن فلان(4\/307)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1214",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1216",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وليس بابنه وفي الصحيحين من ادعي إلى غير أبيه فالجنة عليه حرام وفيهما أيضا لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كافر وفيهما أيضا ليس من رجل ادعي لغير أبيه وهو يعلمه إلا وقد كفر ومن ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار ومن دعا رجلا بالكفر أو قال: عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه . فمن الكبائر تكفير من لم يكفره الله ورسوله وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أمر بقتال الخوارج وأخبر أنهم شر قتلى تحت أديم السماء وأنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ودينهم تكفير المسلمين بالذنوب فكيف من كفرهم بالسنة ومخالفة آراء الرجال لها وتحكيمها والتحاكم إليها ومنها أن يحدث حدثا في الإسلام أو يؤوي محدثا وينصره ويعينه وفي الصحيحين من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا ومن أعظم الحدث تعطيل كتاب الله وسنة رسوله وإحداث ما خالفهما ونصر من أحدث ذلك والذب عنه ومعاداة من دعا إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. ومنها إحلال شعائر الله في الحرم والإحرام كقتل الصيد واستحلال القتال في حرم الله. ومنها لبس الحرير والذهب للرجال واستعمال أواني الذهب والفضة للرجال. وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: الطيرة شرك فيحتمل أن يكون من الكبائر وأن يكون دونها. ومنها الغلول من الغنيمة ومنها غش الإمام والوالي لرعيته ومنها أن يتزوج ذات رحم محرم منه أو يقع على بهيمة. ومنها المكر بأخيه المسلم ومخادعته ومضارته وقد قال - صلى الله عليه وسلم - ملعون من مكر بمسلم أو ضار به . ومنها الاستهانة بالمصحف وإهدار حرمته كما يفعله من لا يعتقد أن فيه كلام الله من وطئه برجله ونحو ذلك. ومنها أن يضل أعمى عن الطريق وقد لعن - صلى الله عليه وسلم - من فعل ذلك فكيف بمن أضل عن طريق الله أو صراطه المستقيم(4\/308)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1215",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1217",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها أن يسم إنسانا أو دابة في وجهها وقد لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فعل ذلك. ومنها أن يحمل السلاح على أخيه المسلم فإن الملائكة تلعنه. ومنها أن يقول ما لا يفعل قال الله تعالى: كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون [الصف: 3] . ومنها الجدال في كتاب الله ودينه بغير علم. ومنها إساءة الملكة برقيقه في الحديث لا يدخل الجنة سيئ الملكة . ومنها أن يمنع المحتاج فضل ما لا يحتاج إليه مما لم تعمل يداه. ومنها القمار وأما اللعب بالنرد فهو من الكبائر لتشبيه لاعبه بمن صبغ يده في لحم الخنزير ودمه ولا سيما إذا أكل المال به فحينئذ يتم التشبيه به فإن اللعب بمنزلة غمس اليد وأكل المال بمنزلة أكل لحم الخنزير. ومنها ترك الصلاة في الجماعة وهو من الكبائر وقد عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على تحريق المتخلفين عنها ولم يكن ليحرق مرتكب صغيرة وقد صح عن ابن مسعود أنه قال: ولقد رأيتنا وما يتخلف عن الجماعة إلا منافق معلوم النفاق وهذا فوق الكبيرة. ومنها ترك الجمعة وفي صحيح مسلم لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين وفي السنن بإسناد جيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه . ومنها أن يقطع ميراث وارثه من تركته أو يدله على ذلك ويعلمه من الحيل ما يخرجه به من الميراث. ومنها الغلو في المخلوق حتى يتعدى به منزلته وهذا قد يرتقي من الكبيرة إلى الشرك. وقد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إياكم والغلو وإنما هلك من كان قبلكم بالغلو . ومنها الحسد وفي السنن أنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. ومنها المرور بين يدي المصلي ولو كان صغيرة لم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتال فاعله ولم يجعل وقوفه عن حوائجه ومصالحه أربعين عاما خيرا له من مروره بين يديه كما في مسند البزار والله أعلم.(4\/309)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1216",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1218",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل عود إلى فتاوى الرسول] فصل [عود إلى فتاوى الرسول] مستطرد من فتاويه - صلى الله عليه وسلم - فارجع إليها. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الهجرة فقال: إذا أقمت الصلاة وآتيت الزكاة فأنت مهاجر وإن مت بالحضرمة يعني أرضا باليمامة  ذكره أحمد. وسأله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن حوالة أن يختار له بلادا يسكنها فقال: عليك بالشام فإنها خيرة الله من أرضه يجتبي إليها خيرته من عباده فإن أبيتم فعليكم بيمنكم واسقوا من غدركم فإن الله يتوكل لي بالشام وأهله ذكره أبو داود بإسناد صحيح. وسأله معاوية بن حيدة جد بهز بن حكيم فقال: يا رسول الله أين تأمرني قال ههنا ونحا بيده نحو الشام  ذكره الترمذي وصححه. وسألته - صلى الله عليه وسلم - اليهود عن الرعد: ما هو فقال ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوقه به حيث يشاء الله قالوا: فما هذا الصوت الذي يسمع قال: زجره السحاب حتى تنتهي حيث أمرت قالوا: صدقت ثم قالوا: فأخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه قال: اشتكى عرق النسا فلم يجد شيئا يلائمه إلا لحوم الإبل وألبانها فلذلك حرمها على نفسه قالوا: صدقت  ذكره الترمذي وحسنه. وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن القردة والخنازير: أهي من نسل اليهود فقال: إن الله لم يلعن قوما قط فمسخهم فكان لهم نسل حتى يهلكهم ولكن هذا خلق كان فلما كتب الله على اليهود مسخهم جعلهم مثلهم ذكره أحمد. وقال: فيكم المغربون فقال عائشة: وما المغربون قال: الذين يشترك فيهم الجن ذكره أبو داود وهذا من مشاركة الشياطين للإنس في الأولاد وسموا مغربين لبعد أنسابهم وانقطاعهم عن أصولهم ومنه قولهم quot; عنقاء مغرب quot;.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: أين أتزر فأشار إلى عظم ساقه وقال ههنا اتزر قال: فإن أبيت قال: فههنا أسفل من ذلك فإن أبيت فههنا فوق الكعبين فإن أبيت فإن الله لا يحب كل مختال فخور ذكره أحمد. وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - فقال: إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده فقال: إنك لست ممن يفعله خيلاء ذكره البخاري وقال: من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله(4\/310)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1217",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1219",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليه يوم القيامة فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن قال يرخين شبرا فقالت: إذا تنكشف أقدامهن قال يرخين ذراعا لا يزدن عليه .  وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: إن ابنتي أصابتها الحصبة فامزق شعرها أفأصل فيه فقال لعن الله الواصلة والمستوصلة متفق عليه.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن إتيان الكهان فقال لا تأتهم .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الطيرة قال ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يردنهم .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الخط فقال كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الكهان أيضا فقال ليسوا بشيء فقال السائل: إنهم يحدثوننا أحيانا بالشيء فيكون فقال تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليه من الإنس فيخلطون معها مائة كذبة متفق عليه.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى: لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة [يونس: 64] فقال هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له ذكره أحمد. وسألته - صلى الله عليه وسلم - خديجة - رضي الله عنها - عن ورقة بن نوفل فقالت: إنه كان صدقك ومات قبل أن تظهر فقال: رأيته في المنام وعليه ثياب بيض ولو كان من أهل النار لكان عليه لباس غير ذلك . وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل رأى في المنام كأن رأسه ضرب فتدحرج فاشتد في أثره. فقال لا تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك ذكره مسلم. وسألته - صلى الله عليه وسلم - أم العلاء فقالت: رأيت لعثمان بن مظعون عينا تجري يعني بعد موته فقال ذاك عمله يجري له . وذكر أبو داود أن معاذا سأله فقال: بم أقضي قال بكتاب الله قال: فإن لم أجد قال فبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فإن لم أجد قال استدن الدنيا وعظم في عينيك ما عند الله واجتهد رأيك فسيسددك الله بالحق  وقوله quot; استدن الدنيا quot; أي: استصغرها واحتقرها. وسأله - صلى الله عليه وسلم - دحية الكلبي فقال: ألا أحمل لك حمارا على فرس فتنتج لك بغلا فتركبها فقال إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون ذكره أحمد.  ولما نزل التشديد في أكل مال اليتيم عزلوا طعامهم عن طعام الأيتام وشرابهم من(4\/311)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1218",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1220",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شرابهم فذكروا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله - تعالى -: ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم [البقرة: 220] فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم.  وسألته - صلى الله عليه وسلم - عائشة - رضي الله عنها - عن قوله تعالى: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله [آل عمران: 7] فقال إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم متفق عليه.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى: يا أخت هارون [مريم: 28] فقال كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين من قومهم .  وفي الترمذي أنه سئل - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى: وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون [الصافات: 147] كم كانت الزيادة قال عشرة آلاف .  وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو ثعلبة عن قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم [المائدة: 105] الآية فقال: ائتمروا بالمعروف وانتهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ودع عنك العوام فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين يعملون مثل عملكم ذكره أبو داود.  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: متى وجبت لك النبوة فقال وآدم بين الروح والجسد صححه الترمذي.  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: كيف كان بدء أمرك فقال: دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام ذكره أحمد.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو هريرة: يا رسول الله ما أول ما رأيت من النبوة قال إني لفي الصحراء ابن عشر سنين وأشهر وإذا بكلام فوق رأسي وإذا برجل يقول لرجل: أهو هو فاستقبلاني بوجوه لم أرها لأحد قط وأرواح لم أجدها لخلق قط وثياب لم أرها على خلق قط فأقبلا يمشيان حتى أخذ كل منهما بعضدي لا أجد لأخذهما مسا فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه فأضجعاني بلا قصر ولا هصر فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره فحوى أحدهما صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع فقال له: أخرج الغل والحسد فأخرج شيئا كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها ثم قال له: أدخل الرأفة والرحمة فإذا مثل(4\/312)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1219",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1221",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي أخرج شبه الفضة ثم هز إبهام رجلي اليمنى فقال: اغد سليما فرجعت بها رقة على الصغير ورحمة على الكبير ذكره أحمد.  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الناس خير قال القرن الذي أنا فيه ثم الثاني ثم الثالث .  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن أحب النساء إليه فقال عائشة فقيل: ومن الرجال فقال أبوها فقيل: ثم من قال: عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - . وسأله - صلى الله عليه وسلم - علي والعباس: أي أهلك أحب إليك قال: فاطمة بنت محمد قالا: ما جئناك نسألك عن أهلك قال أحب أهلي إلي من أنعم الله عليه وأنعمت عليه أسامة بن زيد قالا: ثم من قال علي بن أبي طالب قال العباس: يا رسول الله جعلت عمك آخرهم قال إن عليا سبقك بالهجرة ذكره الترمذي وحسنه. وفي الترمذي أيضا أنه - صلى الله عليه وسلم - سئل: أي أهل بيتك أحب إليك قال الحسن - رضي الله عنه - والحسين - رضي الله عنه - .  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الأعمال أحب إلى الله فقال الحب في الله والبغض في الله ذكره أحمد.  وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن امرأة كثيرة الصيام والصلاة والصدقة غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها فقال هي في النار فقيل: إن فلانة فذكر قلة صلاتها وصيامها وصدقتها ولا تؤذي جيرانها بلسانها فقال هي في الجنة ذكره أحمد. وسألته - صلى الله عليه وسلم - عائشة فقالت: إن لي جارين فإلى أيهما أهدي قال إلى أقربهما منك بابا ذكره البخاري.  ونهاهم عن الجلوس بالطرقات إلا بحقها فسئل عن حق الطريق فقال غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .  سأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إن لي مالا ووالدا وإن أبي اجتاح مالي فقال أنت ومالك لأبيك إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من كسب أولادكم ذكره أبو داود.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل عن الهجرة والجهاد معه فقال ألك والدان قال: نعم قال فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما ذكره مسلم. وسأله - صلى الله عليه وسلم - آخر عن ذلك فقال ويحك أحية أمك قال: نعم قال ويحك الزم رجلها فثم الجنة ذكره ابن ماجه.(4\/313)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1220",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1222",
        "book_id": "qym_3958",
        "book_name": " إعلام الموقعين عن رب العالمين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل من الأنصار: هل بقي علي من بر أبوي شيء بعد موتهما قال نعم خصال أربع: الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما فهو الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما ذكره أحمد. وسئل - صلى الله عليه وسلم -: ما حق الوالدين على الولد فقال: هما جنتك ونارك ذكره ابن ماجه. وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئوني وأعفو عنهم ويظلموني أفأكافئهم قال: لا إذا تكونوا جميعا ولكن خذ الفضل وصلهم فإنه لن يزال معك ظهير من الله ما كنت على ذلك ذكره أحمد. وعند مسلم لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ولن يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك .  وسئل - صلى الله عليه وسلم -: ما حق المرأة على الزوج قال يطعمها إذا طعم ويكسوها إذا لبس ولا يضرب لها وجها ولا يقبح ولا يهجر إلا في البيت ذكره أبو داود.  وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: أستأذن على أمي قال نعم فقال: إني معها في البيت فقال استأذن عليها فقال: إني خادمها قال استأذن عليها أتحب أن تراها عريانة قال: لا قال استأذن عليها ذكره مالك. وسئل عن الاستئناس في قوله تعالى: حتى تستأنسوا [النور: 27] قال: يتكلم الرجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة ويتنحنح ويؤذن أهل البيت ذكره ابن ماجه.  وعطس رجل فقال: ما أقول يا رسول الله قال قل: الحمد لله فقال القوم: ما نقول له يا رسول الله قال قولوا له: يرحمك الله قال: ما أقول لهم يا رسول الله قال قل لهم: يهديكم الله ويصلح بالكم ذكره أحمد.(4\/314)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1221",
        "book_number": "2",
        "slug": " -qym_3958"
    },
    {
        "id": "1223",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان لابن قيم الجوزية الحمد لله الحكيم الكريم العلي العظيم السميع العليم الرءوف الرحيم الذي أسبغ على عباده النعمة وكتب على نفسه الرحمة وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته تغلب عضبه فهو ارحم بعباده من الوالدة بولدها كما هو اشد فرحا بتوبة التائب من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة إذا وجدها واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين وارحم الراحمين الذي تعرف إلى خلقه بصفاته وأسمائه وتحبب إليهم بإحسانه وآلائه واشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي ختم به(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1224",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النبيين وأرسله رحمة للعالمين وبعثه بالحنيفية السمحة والدين المهيمن على كل دين فوضع به الإصار والإغلال وأغنى بشريعته عن طرق المكر والاحتيال وفتح لمن اعتصم بها طريقا واضحا ومنهجا وجعل لمن تمسك بها من كل ما ضاق عليه فرجا ومخرجا فعند رسول الله السعة والرحمة وعند غيره الشدة والنقمة فما جاءه مكروب إلا وجد عنده تفريج كربته ولا لهفان إلا وجد عنده إغاثة لهفته فما فرق بين زوجين إلا عن وطر واختيار ولا شتت شمل محبين إلا عن إرادة منهما وإيثار ولم يخرب ديار المحبين بغلظ اللسان ولم يفرق بينهم بما جرى عليه من غير قصد الإنسان(1\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1225",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بل رفع المؤاخذة بالكلام الذي لم يقصده بل جرى على لسانه بحكم الخطأ والنسيان او الاكراه والسبق على طريق الاتفاق فقال فيما رواه عنه أهل السنن من حديث عائشة أم المؤمنين: quot;لا طلاق ولا عتاق في إغلاقquot; رواه الإمام احمد وأبو داود(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1226",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وابن ماجه والحاكم في صحيحه وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه قال ابو داود quot;في غلاقquot; ثم قال: والغلاق أظنه الغضب وقال حنبل: سمعت ابا عبد الله - يعني احمد بن حنبل - يقول: هو الغضب ذكره الخلال أبو بكر عبد العزيز ولفظ احمد: يعني الغضب. قال أبو بكر سالت أبا محمد وابن دريد وأبا عبد الله وأبا طاهر النحويين عن قوله quot;لا طلاق ولا عتاق في إغلاقquot; قالوا: يريد الإكراه لأنه إذا اكره انغلق عليه رأيه ويدخل في هذا المعنى المبرسم quot;مكررquot; والمجنون فقلت لبعضهم والغضب أيضا فقال:(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1227",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويدخل فيه الغضب لان الإغلاق أحدهما الإكراه والآخر ما دخل عليه مما ينغلق به رايه عليه وهذا مقتضى تبويب البخاري فإنه قال في صحيحه: باب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون يفرق بين الطلاق وفي الإغلاق وبين هذه الوجوه وهو أيضا مقتضى كلام الشافعي فانه يسمي نذر اللجاج والغضب يمين الغلق ونذر الغلق(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1228",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "أحدها: قوله تعالى",
        "content": "هذا اللفظ يريد به نذر الغظب وهو قوله غير واحد من أئمة اللغة والقول بموجبه وهو مقتضى الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وأئمة الفقهاء ومقتضى القياس الصحيح والاعتبار وأصول الشريعة.  أما quot;الكتابquot; فمن وجوه: أحدها: قوله تعالى: لا يؤاخذهم الله باللغو في ايمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم قال ابن جرير في تفسيره حدثنا ابن وكيع quot;ثناquot; مالك بن إسماعيل عن خالد عن عطاء بن رستم عن ابن عباس قال: لغو اليمين أن تحلف وأنت عضبان حدثنا ابن حمبد quot;ثناquot; يحيى بن واضح quot;ثناquot; أبو حمزة عن عطاء عن طاووس قال: كل يمين حلف عليها(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1229",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجل وهو غضبان فلا كفارة عليه فيها لقوله لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم وهذا احد الأقوال في مذهب مالك ان لغو اليمين هو اليمين في الغضب وهذا اختيار اجل المالكية وأفضلهم على الإطلاق وهو: القاضي إسماعيل بن اسحق فانه ذهب إلى أن الغضبان لا تنعقد يمينه ولا تنافي بين هذا القول وبين قول ابن عباس وعائشة ان لغو اليمين هو قول الرجل لا والله وبلى والله وقول عائشة وغيرها أيضا: انه يمين الرجل على الشيء يعتقده كما حلف عليه فيتبين بخلافه فان الجميع من لغو اليمين والذي فسر لغو اليمين بأنها يمين الغضب يقول بان النوعين الآخرين من اللغو وهذا هو الصحيح فإن الله سبحانه جعل لغو اليمين مقابلا لكسب القلب ومعلوم أن الغضبان والحالف على الشيء يظنه كما حلف عليه والقائل: لا والله وبلى والله من غير عقد(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1230",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اليمين لم يكسب قلبه عقد اليمين ولا قصدها والله سبحانه قد رفع المؤاخذة بلفظ جرى على اللسان لم يكسبه القلب ولا يقصده فلا تجوز المؤاخذة بما رفع الله المؤاحذة به بل قد يقال: لغو الغضبان اظهر من لغو القسمين الآخرين: لما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. فصل quot;الوجه الثانيquot; من دلالة الكتاب قوله سبحانه ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون وفي تفسير ابن ابي نجيح عن مجاهد: هو قول الإنسان لولده وماله إذا عضب عليهم quot;اللهم لا تبارك فيه والعنهquot; فلو يعجل لهم الاستجابة في ذلك كما يستجاب في الخير لأهلكهم. انتهض الغضب مانعا من انعقاد سبب الدعاء الذي تاثيره في الإجابة أسرع من تأثير الأسباب في أحكامها فان الله سبحانه يجيب دعاء الصبي والسفيه والمبرسم ومن لا يصح طلاقه ولا عقوده فإذا كان الغضب قد منع كون الدعاء سببا لان الغضبان لم يقصده بقلبه فان عاقلا لا يختار أهلاك نفسه وأهله وذهاب ماله وقطع يده ورجله وغير ذلك بما يدعو به فاقتضت رحمة العزيز العليم أن لا يؤاخذه بذلك ولا يجيب دعاءه لأنه عن غير قصد منه بل الحامل له عليه الغضب الذي هو من الشيطان. quot;فإن قيلquot; إن هذا ينتقض عليكم بالحديث الذي رواه ابو داود عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: quot;لا تدعوا على أولادكم ولا على أموالكم ولا تدعوا على خدمكم لا توافقوا من الله ساعة لا يسال فيها شيئا إلا أعطاهquot;.(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1231",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;قيلquot;: لا تنافي بين الآية والحديث. فان الآية اقتضت الفرق بين دعاء المختار ودعاء الغضبان الذي لا يختار ما دعا به والحديث دل على: أن لله سبحانه أوقاتا لا يرد فيها داعيا ولا يسال فيها شيئا إلا اعطاه. فنهى الأمة إن يدعوا احدهم على نفسه أو أهله أو ماله خشية أن يوافق تلك الساعة فيجاب له ولا ريب أن الدعاء بالشر كثيرا ما يجلب الدعاء بالخير والإنسان(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1232",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "الوجه الثالث",
        "content": "يدعو على غيره ظلما وعدوانا مع ذلك فقد يستجاب له لكن اجابة دعاء الخير من صفة الرحمة وإجابة ضده من صفة الغضب والرحمة تغلب الغضب والمقصود ان الغضب مؤثر في عدم انعقاد السبب في الجملة ومن هذا قوله تعالى: ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا وهو الرجل يدعو على نفسه واهله بالشر في حال الغضب فصل quot;الوجه الثالثquot; قوله تعالى ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين ووجه الاستدلال بالآية: ان موسى quot;صلوات الله عليهquot; لم يكن ليلقي الواحا كتبها الله تعالى فيها كلامه من على راسه الى الارض فيكسرها اختيارا منه لذلك ولا كان فيه مصلحة لبني اسرائيل ولذلك جره بلحيته وراسه وهو اخوه وانما حمله على ذلك الغضب فعذره الله سبحانه به ولم يعتب عليه بما فعل اذ كان مصدره الغضب الخارج عن قدرة العبد واختياره فالمتولد عنه غير منسوب الى اختياره ورضاه به يوضحه quot;الوجه الرابعquot; وهو قوله ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح فعدل سبحانه عن قوله سكن الى قوله quot;سكتquot; تنزيلا للغضب منزلة السلطان الآمر الناهي الذي يقول لصاحبه: افعل لا تفعل فهو مستجيب لداعي الغضب الناطق فيه المتكلم على لسانه فهو أولى بان يعذر من المكره الذي لم يتسلط عليه غضب يأمره وينهاه كما سياتي تقريره بعد هذا ان شاء الله وإذا كان الغضب هو الناطق على لسانه(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1233",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "الوجه الخامس",
        "content": "الأمر الناهي له لم يكن ما جرى على لسانه في هذا الحال منسوبا الى اختياره ورضاه فلا يتم عليه أثره. quot;الوجه الخامسquot; قوله تعالى وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله في ثلاثة مواضع من القران. وما يتكلم به الفضبان في حال شدة غضبه من طلاق وأو شتم ونحوه هو من: نزغات الشيطان فإنه يلجئه إلى ان يقول ما لم يكن مختارا لقوله: فإذا سرى عنه علم ان ذلك من القاء الشيطان على لسانه مما لم يكن يرضاه واختياره والغضب من الشيطان واثره منه كما في الصحيح ان رجلين استبا عند النبي حتى احمر وجه احدهما وانتفخت أوداجه فقال النبي صلى الله عليه وسلم quot; اني لاعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: quot;اعوذ بالله من الشيطان الرجيمquot; وفي السنن ان النبي صلى الله عليه وسلم قال quot;ان الغضب من الشيطان وان الشيطان من النار وانما تطفأ النار بالماء فإذا غضب احدكم فليتوضأquot;.(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1234",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "أحدها",
        "content": "وإذا كان هذا السبب واثره من الجاء الشيطان لم يكن من اختيار العبد فلا يترتب عليه حكمه فصل فاما دلالة السنة فمن وجوه أحدها حديث عائشة المتقدم وهو قوله quot;لا طلاق ولا عتاق في اغلاقquot;. وقد اختلف في الاغلاق فقال اهل الحجاز: هو الاكراه. وقال اهل العراق: هو الغضب وقالت طائفة: هو جمع الثلاث بكلمة واحدة. حكى الأقوال الثلاثة صاحب كتاب مطالع الانوار وكان الذي فسره بجمع الثلاث اخذه من التغليق وهو ان المطلق غلق طلاقه كما يغلق صاحب الدين ما عليه وهو من غلق الباب فكأنه اغلق على نفسه باب الرحمة بجمعه الثلاث فلم يجعل له الشارع ذلك ولم يملكه اياه رحمة به انما ملكه طلاقا يملك فيه الرجعة بعد الدخول وحجر عليه في وقته ووضعه وقدره. فلم يملكه اياه في وقت الحيض ولا في وقت طهر جامعها فيه ولم يملكه ان يبينها بغير عوض بعد الدخول فيكون قد غير صفة الكلام وهذا عند الجمهور فلو قال لها: انت طالق طلقة لا رجعة لي فيها أو طلقة بائنة لغا ذلك وثبتت له الرجعة وكذلك لم يملكه جمع الثلاث في(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1235",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مرة واحدة بل حجر عليه في هذا وهذا وكان ذلك من حجة من لم يوقع الطلاق المحرم ولا الثلاث بكلمة واحدة لانه طلاق محجور على صاحبه شرعا وحجر الشارع يمنع نفوذ التصرف وصحته كما يمنع نفوذ التصرف في العقود المالية فهذه حجة من اكثر من ثلاثين حجة ذكروها على كلام وقع الطلاق المحجور على المطلق فيه. والمقصود هاهنا ان هؤلاء فسروا الاغلاق بجمع الثلاث لكونه اغلق على نفسه باب الرحمة الذي لم يغلقه الله عليه الا في المرة الثالثة quot;واما الآخرونquot; فقالوا: الإغلاق مأخوذ من إغلاق الباب وهو ارتاجه واطباقه فالأمر المغلق ضد الأمر المنفرج والذي أغلق عليه الأمر ضد الذي فرج له وفتح عليه فالمكره quot;مكررquot; الذي اكره على أمر إن لم يفعله وإلا حصل له من الضرر ما اكره عليه قد أغلق عليه باب القصد والإرادة لما اكره عليه فالإغلاق في حقه بمعنى أغلاق أبواب القصد والإرادة له فلم يكن قلبه منفتحا لإرادة القول والفعل الذي اكره عليه ولا لاختيارهما فليس مطلق الإرادة والاختيار بحيث إن شاء طلق وان شاء لم يطلق وان شاء تكلم وان شاء لم يتكلم بل أغلق عليه باب الإرادة إلا للذي قد اكره عليه. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم quot;لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1236",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شئت ولكن ليعزم المسالة فان الله لا مكره لهquot; فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الله لا يفعل إلا إذا شاء بخلاف المكره الذي يفعل ما لا يشاؤه فانه لا يقال يفعل ما يشاء إلا إذا كان مطلق الدواعي وهو المختار وأما من الزم بفعل معين فلا ولهذا يقال المكره غير مختار ويجعل قسيم المختار لا قسما منه ومن سماه مختارا فانه يعني أن له إرادة واختيارا بالقصد الثاني فانه يريد الخلاص من الشر ولا خلاص له إلا بفعل ما اكره عليه فصار مريدا له بالقصد الثاني لا بالقصد الأول والغضبان الذي يمنعه الغضب من معرفة ما يقول وقصده فهذا من أعظم الاغلاق وهو في هذا الحال بمنزلة المبرسم والمجنون والسكران بل أسوأ حالا من السكران لان السكران لا يقتل نفسه ولا يلقي ولده من علو والغضبان يفعل ذلك وهذا لا يتوجه فيه نزاع انه لا يقع طلاقه والحديث يتناول هذا القسم قطعا. وحينئذ فنقول الغضب ثلاثة أقسام:(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1237",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "الثاني",
        "content": "quot;احدهاquot; إن يحصل للإنسان مبادئه وأوائله بحيث لا يتغير عليه عقله ولا ذهنه ويعلم ما يقول وما يقصده فهذا لا إشكال في وقوع طلاقه وعتقه وصحة عقوده ولا سيما إذا وقع منه ذلك بعد تردده فكره quot;القسم الثانيquot; أن يبلغ به الغضب نهايته بحيث ينغلق عليه باب العلم والإرادة فلا يعلم ما يقول ولا يريده فهذا لا يتوجه خلاف في عدم وقوع طلاقه كما تقدم والغضب غول العقل فإذا اغتال الغضب عقله حتى لم يعلم ما يقول فلا ريب انه لا ينفذ شيء من أقواله في هذه الحالة فإن أقوال المكلف إنما مع علم القائل بصدورها منه ومعناها وإرادته للتكلم بها. quot;فالأولquot; يخرج النائم والمجنون والمبرسم والسكران وهذا الغضبان quot;والثانيquot; يخرج من تكلم باللفظ وهو لا يعلم معناه البتة فإنه لا يلزم مقتضاه quot;والثالثquot; يخرج من تكلم به مكرها وان كان عالما بمعناه. quot;القسم الثالثquot; من توسط في الغضب بين المرتبتين فتعدى مبادئه ولم ينته إلى أخره بحيث صار كالمجنون فهذا موضع الخلاف ومحل النظر والأدلة الشرعية تدل على عدم نفوذ طلاقه وعتقه وعقوده التي يعتبر فيها الاختيار والرضا وهو فرع من الاغلاق كما فسره به الأئمة وقد ذكرنا دلالة الكتاب على ذلك من وجوه. quot;وأما دلالة السنةquot; فمن وجوه quot;أحدهماquot; حديث عائشة وقد تقدم ذكر وجه دلالته. quot;الثانيquot; ما رواه احمد والحاكم في مستدركه من حديث عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمينquot;.(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1238",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو حديث صحيح وله طرق وجه الاستدلال به أنه صلى الله عليه وسلم الغي وجوب الوفاء بالنذر إذا كان في حال بالغضب مع أن الله quot;سبحانه وتعالىquot; اثنى على الموفين بالنذور وأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناذر لطاعة الله بالوفاء بنذره. وقال quot;من نذر أن يطيع الله فليطعمه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصهquot;.(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1239",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا كان النذر الذي أثنى الله من أوفى به وأمر رسوله بالوفاء بما كان منه طاعة قد اثر الغضب في انعقاده لكون الغضبان لم يقصده وإنما حمله على بيانه الغضب فالطلاق بطريق الأولى والأخرى فإن قيل: فكيف رتب عليه كفارة اليمين quot;قيلquot; ترتب الكفارة عليه لا يدل على ترتب موجبه ومقتضاه عليه والكفارة لا تستلزم التكليف ولهذا تجب في مال الصبي والمجنون إذا قتلا صيدا أو غيره وتجب على قاتل الصيد ناسيا أو مخطئا وتجب على من وطئ في نهار رمضان ناسيا عند الأكثرين فلا يلزم من ترتب الكفارة اعتبار كلام الغضبان وهذا هو الذي يسميه الشافعي نذر الغلق ومنصوصه عدم وجوب الوفاء به إذا حلف به بل يخير بينه وبين الكفارة. وحكى له قول آخر بتعين الكفارة عينا وقول آخر بعين الوفاء به إذا حنث كما يلزمه الطلاق والعتاق وهذا قول مالك واشهر الروايتين عن أبي حنيفة(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1240",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "الثالث",
        "content": "quot;الثالثquot; ماثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم انه قال: quot;لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبانquot; ولولا أن الغضب يؤثر في قصده وعلمه لم ينهه عن الحكم حال الغضب وقد اختلف الفقهاء في صحة حكم الحاكم في حال غضبه على ثلاثة أقوال سنذكرها بعد إن شاء الله فصل quot;وأما آثار الصحابةquot; فمن وجوه quot;أحدهاquot; ما ذكره البخاري في صحيحه عن ابن عباس انه قال الطلاق عن وطر والعتق ما ينبغي به وجه الله فحصر الطلاق فيما كان عن وطر وهو الغرض المقصود والغضبان لا وطر له وهذا في الطلاق عن ابن عباس نظير قوله وقول أصحابه لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان quot;الوجه الثانيquot; أن الزهري روى عن أبان بن عثمان عن عثمان انه رد طلاق(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1241",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السكران ولا يعرف له مخالف من الصحابة وهذا هو الصحيح وهو الذي رجع إليه الإمام احمد أخيرا قال في رواية أبي طالب والذي لا يأمر بالطلاق فإنما أتى خصلة واحدة والذي يأمر الطلاق قد أتى خصلتين حرمها عليه وأحلها لغيره فهذا خير من هذا وانا اتقي جميعها وقال في رواية عبد الله الميموني قد كنت أقول: ان طلاق السكران يجوز حتى تبينته فغلب علي انه لا يجوز طلاقه لان لو اقر لم يلزمه ولو باع لم يجز بيعه quot;قالquot;: والزمه الجناية وما كان من غير ذلك فلا يلزمه. قال ابو بكر: وبهذا أقول وقال في رواية ابي الحرث: ارفع شيء في حديث(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1242",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الزهري عن أبان بن عثمان عن عثمان: ليس لمجنون ولا سكران طلاق وهو اختيار الطحاوي وابي الحسن الكرخي وإمام الحرمين وشيخ الإسلام ابن تيمية واحد قولي الشافعي وإذا كان هؤلاء لا يوقعون طلاق السكران لأنه غير قاصد للطلاق فمعلوم ان الغضبان كثيرا ما يكون أسوأ حالا من السكران.(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1243",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "واما الاعتبار وأصول الشريعة",
        "content": "والسكر نوعان: سكر طرب وسكر غضب وقد يكون هذا اشد وقد يكون الآخر اشد فإذا اشتد به الغضب حتى صار كالسكران كان أولى بعدم وقوع الطلاق منه لانه يعذر ما لا يعذر السكران ويبلغ به الغضب اشد ما يبلغ به السكران كما يشاهد من حال السكران الغضبان فصل quot;واما الاعتبار وأصول الشريعةquot; فمن وجوه: quot;الأولquot;: ان المؤاخده إنما ترتبت على الأقوال لكونها أدلة على ما في القلب من كسبه وارداته كما قال تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم فجعل سبب المؤاخذة كسب القلب وكسبه هو إرادته وقصده ومن جرى على لسانه الكلام من غير قصد واختيار بل لشدة غضب وسكر أو غير ذلك لم يكن من كسب قلبه ولهذا لم يؤاخذ الله سبحانه الذي اشتد فرحه بوجود راحلته بعد الاباس منها فلما وجدها أخطأ من شدة الفرح وقال: quot;اللهم انت عبدي وانا ربكquot; فجرى هذا اللفظ على لسانه من غير قصد فلم يؤاخذه كما يجري الغلط في القران على لسان القارىء ولكن قد يقال هذا قصد الصواب فأخطأ فلم يؤاخذ إذا كان قصده ضد ما تكلم به بخلاف الغضبان إذا طلق فانه قاصد للطلاق. quot;قيلquot; لا كلام في الغضبان العالم بما يقول القاصد المختار لحكمه دفعا لمكروه(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1244",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "الوجه الثاني",
        "content": "البقاء مع الزوجة وانما الكلام في الذي اشتد غضبه حتى الجاه الشيطان إلى التكلم بما لم يكن مختارا للتكلم به كما يلجئه إلى فعل ما لم يكن لولا الغضب يفعله يوضحه quot;الوجه الثانيquot; وهو: ان الإرادة فيه هو محمول عليها ملجأ اليه كالمكره بل المكره احسن حالا منه فان له قصدا وإرادة حقيقة لكن هو محمول عليه وهذا ليس له قصد في الحقيقة فإذا لم يقع طلاق المكره فطلاق هذا أولى بعدم الوقوع. يوضحه  quot;الوجه الثالثquot; وهو: ان الامر الحامل المكره على التكلم بالطلاق يشبه الحامل للغضبان على التكلم به فان المتكلم مكرها انما يقصد الاستراحة من توقع ما اكره به ان لم يباشر به أو من حصوله ان كان قد باشره بشيء منه فيتكلم بالطلاق قاصدا لراحته من الم ما اكره به وهكذا الغضبان فإنه إذا اشتد به الغضب يألم بحمله فيقول ما يقول ويفعل ما يفعل ليدفع عن نفسه حرارة الغضب فيستريح بذلك وكذلك يلطم وجهه ويصيح صياحا قويا ويشق ثيابه ويلقي ما في يده دفعا لألم الغضب وإلقاء لحمه منه وكذلك يدعو على نفسه واحب الناس اليه فهو يتكلم بصيغة الطلب والاستدعاء والدعاء وهو غير طالب لذلك في الحقيقة فكذلك يتكلم بصيغة الانشاء وهو غير قاصد لمعناها ولهذا يأمر الملوك وغيرهم عند الغضب بأمور يعلم خواصهم انهم تكلموا بها دفعا لحرارة الغضب وانهم لا يريدون مقتضاها فلا يمتثله خواصهم بل يؤخرونه فيحمدونهم على ذلك إذا سكن غضبهم وكذلك الرجل وقت شدة الغضب يقوم ليبطش بولده أو صديقه فيحول غيره بينه وبين ذلك فيحمدهم بعد ذلك كما يحمد السكران والمحموم ونحوهما من يحول بينه وبين ما يهم بفعله في تلك الحالة quot;الوجه الرابعquot;: ان العاقل لا يستدعي الغضب ولا يريده بل هو اكره شيء اليه وهو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;جمرة في قلب ابن ادم اما رأيتم من احمرار عينيه وانتفاخ أوداجهquot;.(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1245",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "الوجه الخامس",
        "content": "والعاقل لا يقصد القاء الجمرة في قلبه فهو ناشئ فيه بغير اختياره وإذا كان هو السبب الحامل على المتكلم بالطلاق وغيره لم يكن ذلك أيضا مضافا إلى اختياره وإرادته وهذا كما ان إرادة السبب إرادة للمسبب فكراهة السبب وبغضه كراهة للمسبب يوضحه quot;الوجه الخامسquot; وهو: انك تقول للغضبان إذا اشتد غضبه ففعل ما لم يكن يفعله أو تكلم بما لم يكن يتكلم به قبل الغضب: هل اردت ذلك أو قصدته ? فيحلف انه ما اراده ولا قصده ولا كان له باختيار ويحلف انه وقع بغير اختيار ولا تنكر هذا فانك تجده من نفسك وتحقيق الأمر ان له فيه إرادة هو: محمول عليها حملة عليها الغضب فهي: كإرادة المكره بل المكره ادخل في الإرادة كما تقدم وهذا يدل على ان الغضبان أولى بعدم الوقوع من المكره. يوضحه quot;الوجه السادسquot; وهو: ان الخوف في قلب المكره كالغضب في قلب الغضبان لكن المكره مقهور بغيره من خارج والغضبان مقهور بغضبه الداخل فيه وقهر الاكراه يبطل حكم الأقوال التي اكره عليها ويجعلها بمنزلة كلام النائم والمجنون دون حكم الأفعال فانه يقتل إذا قتل ويضمن إذا تلف فكذلك قهر الغضب يبطل حكم أقوال الغضبان دون أفعاله حتى لو قتل في هذه الحالة قتل أو أتنلف شيئا ضمنه هذا كله في الغضبان الذي يكره ما قاله حقيقة فما من هو مريد له على تقدير عدم غضبه لاقتضاء السبب ذلك فليس من هذا الباب كمن زنت امراته فغضب فطلقها لانه لا يرى المقام مع زانية فلم يقصد بالطلاق إطفاء نار الغضب بل التخلص من المقام مع زانية فهذا يقع(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1246",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "الوجه السابع",
        "content": "طلاقة فتأمل هذا الفرق فانه حرف المسالة ونكتتها وهذا بخلاف من خاصمته امرأته وهو يعلم من نفسه إرادة المقام معها على الخصومة وسوء الخلق ولكن حملة الغضب على ان شفي نفسه بالتكلم بالطلاق كسرا لها وأطفأء لنار غضبه. يوضحه quot;الوجه السابعquot; وهو: ان الغضبان يفعل أمورا من شق الثياب واتلاف المال وغير ذلك مما لو اكره حتى يتكلم بالطلاق لم ينفذ طلاقه ولغت أقواله فإذا فعل هو هذه الأمور علم ان الذي الجأه اليها اعظم من الاكراه فإن المكره لو اكره بها لم يفعلها وهذا قد فعلها ان المقتضي لفعلها فيه أولى من اقتضاء الاكراه لفعلها والمكره لو فعل به ذلك كان مكرها فالغضبان كذلك وهذا واضح جدا quot;فإن قيلquot;: المكره إذا تكلم بما اكره عليه دفع عنه الضرر والغضبان لا يدفع عنه بهذا القول ضررا فليس كالمكره. quot;قيلquot; لا ريب انهما يفترقان في هذا الوجه ولكن لا يوجب ذلك ان يكون الغضبان مختارا مريدا لما قاله أو فعله بك اكره شيء اليه وهذا امر لا يمكن دفعه. quot;فإن قيلquot;: فما الحامل على ما يكره ويؤديه من غير ان يتوصل به إلى ما هو احب اليه منه ? quot;قيلquot; لما كان الغضب عدو العقل وهو له كالذئب للشاة قل ما يتمكن منه الا اغتال عقله فقد إزاله الغضب وأطفأ ناره وهذا مقصود صحيح في نفسه لكن لما غاب عنه عقله قصد ازالة ذلك مما فيه ضرر عليه ليخفف عن نفسه ما هو فيه من البلاء ولولا ذلك لم يفعل ما لا يفعله في الرضا ولا تكلم بما لم يكن به فهو قصد ان يستريح ويسكن ويبرد غضبه بتلك الأقوال والأفعال وان لم يدفع ذلك عنه بجملته تلك الشدة فانها تخفف وتضعف فاقتضت رحمة الشارع به ان الغي أقواله في هذه الحال ان تمكن ان لا يترتب عليها اثرها وتكون كأقوال المبرسم والمجنون الهاجر ونحوهما واما الأفعال فلا يمكن الغاء اثرها فرتب عليه موجب فعله.(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1247",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;فإن قيلquot;: فيلزمكم على هذا انه لوحلف في هذه الحال ان لا تنعقد يمينه quot;قيلquot; قد قال بذلك جماعة من السلف والخلف واختاره من لا يرتاب في امامته وجلالته وكان يقرن بالأئمة الكبار اسماعيل بن اسحاق القاضي. quot;فان قيلquot; لكن المنقول عن الصحابة وجمهور التابعين والأئمة الاربعة اعتبار نذر اللجاج والغضب وان تنازعوا في موجبه فأوجب مالك واهل العراق الوفاء به كنذر التبرر وخبر الليث بن سعد والشافعي واحمد بن حنبل بين فعله وبين فعله وبين كفارة اليمين ولم يقل احد منهم: انه لا ينعقد وانه لغو. وقد ذكر الله تعالى الكفارة في الإيمان كلها ولم يحصل منها يمين الغضب دون يمين الرضا. quot;قيلquot; نعم هذا حق ولكن اليمين لما قصد صاحبها الحض أو المنع كانت الكفارة رافعة لما حصل بها من الضرر بخلاف الطلاق والعتاق فانهما اتلاف محض لملك البضع والرقبة ولا كفارة فيهما فالضرر الحاصل بوقوعهما لا يندفع بكفارة ولا غيرها وكما انه يفرق في الإكراه بين نوع ونوع فالإكراه يبيح الأقوال عندنا وعند الجمهور وكل قول اكره عليه بغير حق فانه باطل وأبو حنيفة يفرق بين نوع ونوع والإكراه على الأفعال ثلاثة أنواع. quot;نوعquot; لا يباح بالإكراه كقتل المعصوم وإتلاف أطرافه quot;ونوعquot; يبيحه الإكراه بشرط الضمان كإتلاف مال المعصوم. quot;ونوعquot; مختلف فيه كالزنا والشرب والسرقة وفيه روايتان عن الإمام احمد فما أمكن تلافيه أبيح بالإكراه كالأقوال والأموال وما كان ضرره كضرر الإكراه لم يبح به كالقتل فانه ليس قتل المعصوم بحياة المكره أولى من العكس.(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1248",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "الوجه الثامن",
        "content": "quot;واما الأفعالquot; كالقران يدل على رفع الإثم فيها. كقوله تعالى ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم quot;الوجه الثامنquot;: أن النبي صلى الله عليه وسلم شرع للغضبان ان يقول: quot;أعوذ بالله من الشيطان الرجيمquot; وان يتوضأ وان يتحول عن حالته فإن كان قائما فليقعد وإذا كان قاعدا فليضطجع. قال: quot;ان الغضب من الشيطان وان الشيطان من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأquot;. وهذا يدل على انه محمول عليه من غيره وان الشيطان يغضبه ليحمله بغضبه على(1\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1249",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "الوجه التاسع",
        "content": "فعل ما يحبه الشيطان وعلى التكلم به وما يضاف إلى الشيطان مما يكره العبد ولا يحبه فلا يؤاخذ به الإنسان كالوسوسة والنسيان كما قال فتى موسى لموسى وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره فالله تعالى لا يؤاخذ بالوسوسة ولا بالنسيان اذ هما من اثر فعل الشيطان في القلب وقد اخبر النبي صلى الله عليه وسلم ان الغضب من الشيطانquot; فيكون اثره مضافا اليه أيضا فلا يؤاخذ به العبد كأثر النسيان فإنه لو حلف ان لا يتكلم بكذا فتكلم به ناسيا لم يحنث لعدم قصده وإرادته لمخالفة ما عقد يمينه عليه وان كان قاصدا للكلام فانه لم يقع منه الا بقصده وإرادته وهذه حال الغضبان فانه لم يقصد حقيقة ما تكلم به وموجبه بل جرى على لسانه كما جرى كلام الناسي على لسانه بل قصد الناسي للتكلم اظهر من قصد الغضبان ولهذا يقول الناسي: قصدت ان أقول كذا وكذا والغضبان يحلف انه لم يقصد quot;الوجه التاسعquot;: إن المقصود في العقود معتبرة في عقدها كلها والغضبان ليس له قصد معتبر في حل عقدة النكاح كما ليس له قصد في قتل نفسه وولده واتلاف ماله فانه يفعل في الغضب هذا ويقول: هذا فإذا لم يكن له قصد معتبر لم يصح طلاقه quot;فإن قيلquot;: هذا ينقص عليكم بالهازل فانه يصح طلاقه وان لم يكن له فيه قصد quot;قيلquot;: الفرق بينهما: ان الهازل قصد التكلم باللفظ وأراده رضا واختيار منه لم يحمل على التلفظ به وغايته ان لم يرد حكمة وموجبه وذلك إلى الشارع ليس إيه فالسبب الذي اليه قد اتى به اختيارا وقصدا مع علمه به لم يحمل عليه والسبب إلى المشرع ليس اليه فلا يصح اعتبار احدهما بالآخر وكيف يقاس الغضبان على المتخذ آيات الله هزؤا وهذا من افسد القياس ?(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1250",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "الوجه العاشر",
        "content": "quot;الوجه العاشرquot; ان الغضب مرض من الأمراض وداء من الأدواء فهو في أمراض القلوب نظير الحمى والوسواس والصرع في أمراض الا بدان فالغضبان المغلوب في غضبه كالمريض والمحموم والمصروع المغلوب في مرضه والمبرسم المغلوب في برسامه وهذا قياس صحيح في الغضبان الذي قد اشتد به الغضب حتى لا يعلم ما يقول واما إذا كان يعلم ما يقول ولكن يتكلم به حرجا وضيقا وغلقا لا قصدا للوقوع فو يشبه المبرسم والهاجر من الحمى من وجه ويشبه المكره القاصد للتكلم من وجه ويشبه المختار القاصد للطلاق من وجه فهو متردد بين هذا وهذا وهذا ولكن جهة الاختيار والقصد فيه ضعيف فإنه يعلم من نفسه انه لم يكن مختارا لما صدر منه من خراب بيته وفراق حبيبه وكونه يراه في يد غيره فان كان عاقلا لايختار هذا إلا ليدفع به ما هو اكره إليه منه أو ليحصل به ما هو أحب إليه فإذا انتفى هذا أو هذا لم يكن مختارا لذلك وهذا امر يعلمه كل إنسان من نفسه فصار تردده بين المريض المغلوب والمكره المحمول على الطلاق وأيهما كان فانه لا ينفذ طلاقه. quot;فان قيلquot; الفرق بينهما ان المريض المغلوب لا يملك نفسه في الحال والمكره وان يملك نفسه لكنه لا يملك دفع المكروه عنه وأما الغضبان فإنه يملك نفسه. كما قال النبي: quot;ليس الشديد بالصرعه ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضبquot;(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1251",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "الوجه الحادي عشر",
        "content": "quot;قيلquot;: من الغضب ما يمكن صاحبه أن يملك نفسه عنده وهو الغضب في مبادئه فإذا استحكم وتمكن منه لم يملك نفسه عند ذلك وكذلك الحزن الحامل على الجزع يمكن صاحبه أن يملك نفسه في أوله فإذا استحكم وقهر لم يملك نفسه وكذلك الغضب يمكن صاحبه أن يملك نفسه في أوله فإذا تمكن واستولى سلطانه على القلب لم يملك صاحبه قلبه فهو اختياري في أوله اضطراري في نهايته كما قال القائل يا عاذلي والأمر في يده ... هلا عذلت وفي يدي الأمر وهكذا السكران سبب السكر مقدور له يمكنه فعله وتركه فإذا اتى بالسبب خرج الأمر عن يده ولم يملك نفسه عند السكر فإذا كان السكر الذي هو مفرط بتعاطي أسبابه ويقدر على ملك نفسه باجتنابها قد عذر الصحابة وغيرهم من الفقهاء صاحبة إذا طلق في هذه الحال مع كونه غير مغدور في تعاطي سببه فلان يعذر سكران الغضب الذي لم يفر مع شدة سكره على سكر الخمر أولى وأحرى. quot;الوجه الحادي عشرquot; وهو أن من الناس من إذا لم ينفذ غضبه قتله غضب غضبه ومات أو مرض أو اغشي عليه كما يذكر عن بعض العرب أن رجلا سبه فأراد أن يرد على الساب فامسك جليس له بيده على فمه ثم رفع يده لما ظن أن غضبه قد سكن فقال: قتلتني رددت غضبي في جوفي ومات من ساعته فإذا نفذ مثل هذا غضبه بقتل أو ظلم لغيره لم يعذر بذلك السكران واما إذا نفذ بقول فانه يمكن اهدار قوله وان لا يترتب اثره عليه كما أهدر الله سبحانه دعاءه ولم يرتب اثره عليه ولم يستجبه له ولهذا ذهب بعض الفقهاء إلى انه لا يجلد القذف في حال الخصومة والغضب وانما يجلد به إذا اتى به اختيارا وقصدا لقذفه وهو قول قوي جدا ويدل عليه ان الخصم لا يعذر بجرحه لخصمه وطعنه فيه حال الخصومة بقوله: هو فاجر ظالم غاشم يحلف على الكذب ونحو ذلك: ومن يحده في هذه الحال يفرق بين قذفه وطلاقة بان القدف حق لآدمي وانتهاك لعرضه أو قدحه في نفسه فيجري مجرى اتلاف نفسه وماله فلا يعذر فيه بالغضب لا(1\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1252",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "الوجه الثاني عشر",
        "content": "سيما ولو عذر فيه بذلك لامكن كل قاذف ان يقول في حال الغضب فيسقط الحد بخلاف الطلاق فانه يمكن ان يدين فيما بينه وبين الله والحق لا يعدوه. والمقصود انه إذا تكلم بالطلاق دواء لهذا المرض وشفاء له بإخراج هذه الكلمة من صدره وتنفسه بها فمن كمال هذه الشريعة ومحاسنها وما اشتملت عليه من الرحمة والحكمة والمصلحة ان لا يؤاخذ بها ويلزم بموجبها وهو لم يلتزمه. quot;الوجه الثاني عشرquot;: ان قاعدة الشريعة ان العوارض النفسية لها تأثير في القول اهدارا واعتبارا وإعمالا والغاء وهذا كعارض النسيان والخطأ والاكراه والسكر والجنون والخوف والحزن والغفلة والذهول ولهذا يحتمل من الواحد من هؤلاء من القول ما لا يحتمل من غيره ويعذر بما لا يعذر به غيره لعدم تجرد القصد والإرادة ووجود الحامل على القول ولهذا كان الصحابة يسال احدهم الناذر: في رضا قلت ذلك ام في غضب ? فان كان في غضب امره بكفارة يمين لانهم استدلوا بالغضب على ان مقصوده الحض والمنع كالحلف لا التقرب وقد قال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون فجعل عارض السكر مانعا من اعتبار قراءة السكران وذكره وصلاته كما جعله النبي صلى الله عليه وسلم مانعا من صحة إقراره لما امر باستنكاه من اقر بين يديه بالزنا وجعله مانعا من تكفير من قال له ولأصحابه: هل انتم الا عبيد لأبي(1\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1253",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجعل الله سبحانه الغضب مانعا من إجابة الداعي على نفسه واهله وجعل سبحانه الاكراه مانعا من كفر المتكلم بكلمة الكفر وجعل الخطأ والنسيان مانعا من المؤاخذة بالقول والفعل(1\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1254",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "الوجه الثالث عشر",
        "content": "وعارض الغضب قد يكون أقوى من كثير من هذه العوارض فإذا كان الواحد من هؤلاء لا يترتب على كلامه مقتضاه لعدم القصد فالغضبان الذي لم يقصد ذلك أن لم يكن أولى بالعذر منهم لم يكن دونهم يوضحه quot;الوجه الثالث عشرquot; ان الطلاق في حال الغضب له ثلاث صور quot;أحداهاquot; ان يبلغه عن امرأته أمر يشتد غضبه لأجله ويظن انه حق فيطلقها لاجله ثم يتبين انها بريئة منه فهذا في وقوع الطلاق به وجهان أصحهما انه لا يقع طلاقه لإنه إنما طلقها لهذا السبب والعلة والسبب كالشرط فكانه قال ان كانت فعلت ذلك فهي طالق فإذا لم تفعله لم يوجد الشرط وقد ذكر المسالة بعينها ابو الوفاء ابن عقيل وذكر الشريف ابن ابي موسى في إرشاده فيما إذا قال أنت طالق إن دخلت الدار بفتح الهمزة مرارا وهو يعرف العربية ثم تبين أنها لم تدخل لم تطلق ولا يقال هو ها هنا قد صرح بالتعليل بخلاف ما إذا لم يصرح به فان هذا لا تأثير له فإنه قد أوقع الطلاق لعلة فإذا انتفت العلة تبينا انه لم يكن مريدا لوقوعه بدونها سواء صرح بالعلة أو لم يصرح بها وغاية الأمر ان تكون العلة بمنزلة الشرط وهو لو قال انت طلق وقال اردت ان فعلت كذا وكذا دين فيما بينه وبين الله تعالى وقد ذكر أصحاب الشافعي احمد فيما إذا كاتب عبده على عوض فاداه اليه فقال: انت حر ثم تبين ان العوض مستحق لم يعتق مع تصريحه بالحرية فالطلاق أولى بعدم الوقوع في هذه الصورة. quot;الصورة الثانيةquot; ان يكون قد غضب عليها لامر قد علم وقوعه منها فتكلم بكلمة الطلاق قاصدا للطلاق عالما بما يقول عقوبة لها على ذلك فهذا يقع طلاقه اذ لو يقع هذا الطلاق لم يقع اكثر الطلاق فانه غالبا يقع مع الرضا quot;92 مكررquot; quot;الصورة الثالثةquot;: ان لا يقصد امرا بعينه ولكن الغضب حمله على ذلك وغير عقله ومنعه كمال التصور والقصد فكان بمنزلة الذي فيه نوع من السكر والجنون فليس هو غائب(1\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1255",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "الوجه الرابع عشر",
        "content": "العقل بحيث لا يفهم ما يقول بالكلية ولا هو حاضر العقل بحيث يكون قصده معتبرا فهذا لا يقع به الطلاق أيضا كما لا يقع بالمبرسم والمجنون يوضحه quot;الوجه الرابع عشرquot; ان المجنون والمبرسم والموسوس والهاجر قد يشعر احدهم بما قاله ويستحي منه وكذلك السكران ولهذا لم يشترط اكثر الفقهاء في كونه سكران ان يعدم تمييزه بالكلية بل قد قال الإمام احمد وغيره: انه الذي يخلط في كلامه ولا يعرف رداءه من رداء غيره وفعله من فعل غيره. والسنة الصريحة الصحيحة تدل عليه فان النبي صلى الله عليه وسلم امر ان يستنكه من اقر بالزنا مع انه حاضر العقل والذهن يتكلم بكلام مفهوم ومنتظم صحيح الحركة ومع هذا فجوز النبي صلى الله عليه وسلم ان يكون به سكر يحول بينه وبين كمال عقله وعلمه فامر باستنكاهه والمقصود ان هؤلاء ليسوا مسلوبي التمييز بالكلية وليسوا كالعقلاء الذين لهم قصد صحيح فان ما عرض لهم أوجب تغير العقل الذي منع صحة القصد فلم يبق احدهم يقصد قصد العقلاء الذي مراده جلب ما ينفع ودفع ما يضر فلم يتصور احدهم لوازم ما تكلم به ولا غاب عقله عن الشعورية بل هو ناقص التصور ضعيف القصد والغضبان في حال غضبه قد يكون اسوا حالا من هؤلاء وأشبه بالمجانين ولهذا يقول ويفعل مالا يقوله المجنون ولا يفعله quot;فإن قيلquot; فهل يحجر عليه في هذه الحال كما يحجر على المجنون quot;قيلquot; لا والفرق بينهما ان هذه الحالة لا تدوم فهو كالذي يجن أحيانا نادرا ثم يفيق فانه لا يحجر عليه نعم لو صدر منه تلك الحال قول عن غير قصد منه كان مثل القول الصادر عن المجنون في عدم ترتب أثره عليه ولا ريب انه قد يحصل للغضبان اغماء وغشي وهو في هذه الحالة غير مكلف قطعا كما يحصل ذلك للمريض فيزيل تكليفه حال الاغماء حتى ان بعض الفقهاء لا يوجب عليه قضاء الصلاة في هذه الحالة إلحاقا بالمجنون كما يقوله الشافعي واحمد يوجب عليه القضاء إلحاقا له بالنائم.(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1256",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأبو حنيفة يفرق بين الطويل والزائد على اليوم والليلة فيحلفه بالمجنون وبين القصير الذي هو دون ذلك فيلحقه بالنوم وقد ينكر كثير من الناس ان الغضب يزيل العقل ويبلغ بصاحبه إلى هذه الحالة فإنه لا يعرف من الغضب الا ما يجد من نفسه وهو لم يعلم غضبا انتهى إلى هذه الحالة وهذا غلط فان الناس متفاوتون في الغضب تفاوتا عظيما فمنه ما هو كالنشوة ومنه ما هو كالسكر ومنه ما هو كالجنون ومنه ما هو سريع الحصول سريع الزوال وعكسه ومنه سريع الحصول بطئ الزوال وعكسه كما قسمه النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الأقسام(1\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1257",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "الوجه الخامس عشر",
        "content": "وقوى الناس متفاوته تفاوتا عظيما في ملك تقواهم عند الغضب والطمع والحزن والخوف والشهوة فمنهم من يملك ذلك ويتصرف فيه ومنهم من يملكه ذلك ويتصرف فيه quot;الوجه الخامس عشرquot; ان الغضبان الذي قد انغلق عليه القصد والرأي وقد صار إلى الجنون والعارض اقرب منه إلى العقل الثابت أولى بعدم وقوع طلاقه من الهازل المتلفظ بالطلاق في حال عقله وان لم يرده بقلبه وقد الغي طلاق الهازل بعض الفقهاء وهو احدى الروايتين عن الإمام احمد حكاها ابو بكر عبد العزيز وغيره وبه يقول بعض اصحاب مالك إذا قام دليل الهزل فلم يلزمه عتق ولا نكاح ولا طلاق ولا ريب ان الغضبان أولى بعدم وقوع طلاقه من هذا  quot;الوجه السادس عشرquot; ان جماعة من اصحابنا لم يشترطوا في الجنون والمبرسم ان لا يكون ذاكرا لطلاقه وان كان ظاهر نص احمد انه متى ذكر الطلاق لزمه فانه قال في رواية ابي طالب في المجنون يطلق فقيل له لما افاق انك طلقت امراتك فقال انا ذاكر اني طلقت ولم يكن عقلي معي فقال إذا كان يذكر انه طلق فقد طلقت. قال ابو محمد المقدسي وهذا هو المنقول عن الإمام احمد فيمن كان جنونه لذهاب معرفته بالكلية وبطلان حواسه فأما من كان جنونه لنشاف أوكان مبرسما فإن ذلك يسقط حكم تصرفه مع ان معرفته غير ذاهبة بالكلية فلا يضره ذكر الطلاق ان شاء الله انتهى كلامه.(1\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1258",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "الوجه السابع عشر",
        "content": "معلوم ان الغضبان الممتلىء اسوا حالا ممن جنونه من نشاف أو برسام واقل احواله ان يكون مثله يوضحه quot;الوجه السابع عشرquot; وهو ان الموسوس لا يقع طلاقه صرح به اصحاب ابو حنيفة وغيرهم. وما ذاك الا عدم صحة العقل والإرادة منه فهكذا هذا quot;الوجه الثامن عشرquot;: انه لم يقل احد ان مجرد التكلم بلفظ الطلاق موجب لوقوعه على أي حال كان بل لابد من امر اخر وراء التكلم باللفظ وطائفة اشترطت ان ياتي به في حال التكليف فقط سواء قصده أو جرى على لسانه من غير سواء اكره عليه أو اتى به اختيارا وهذا مذهب من يوقع طلاق المكره والطلاق الذي يجري على لسان العبد من غير قصد منه وهو المنصوص عن ابي حنيفة في الموضعين وطائفة اشترطت مع ذلك ان ياتي باللفظ مختار قاصدا له وهو قول الجمهور الذين لا ينفدون طلاق المكره. ثم منهم من اشترط مع ذلك ان يكون عالما بمعناه فان تكلم به اختيارا غير عارف بمعناه لم يلزمه حكمه وهذا قول من يقول لا يلزم المكلف أحكام الأقوال حتى يكون عارفا بمدلولها وهذا هو الصواب. ومنهم: من اشترط مع ذلك ان يكون مريدا لمعناه ناويا له فان لم ينو معناه ولم يرده لم يلزمه حكمه وهذا قول من يقول: لا يلزم لصريح الطلاق النية وقول من لا يوقع الطلاق الهازل. وهو قول في مذهب الإمام احمد ومالك في المسالتين فيشترط هؤلاء الرضا بالنطق اللساني والعلم بمعناه وإرادة مقتضاه.(1\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1259",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنهم: من يشترط مع ذلك كون الطلاق مأوذنا فيه من جهة الشارع وهو قول من لا يوقع الطلاق المحرم وهو قول طائفة من السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وقال عمر بن عبد السلام الخشني: حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر انه قال: في الرجل يطلق امراته وهي حائض لا يعتد بذلك وحسبك بهذا الاسناد إذا صح رواه محمد بن حزم قال: حدثنا يوسف بن عبد الله قال: حدثنا احمد بن عبد الله بن عبد الرحيم قال: حدثنا احمد بن خالد قال: حدثنا محمد بن عبد السلام فذكره. وهذا مذهب افقه التابعين على الاطلاق سعيد بن المسيب حكاه عنه الثعلبي في تفسير سورة الطلاق.(1\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1260",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو مذهب افقه التابعين من اصحاب ابن عباس وهو طاوس قال عبد الرزاق عن جريج عن عبد الله بن طاووس عن ابيه: انه كان لا يرى طلاقا مما خالف وجه الطلاق ووجه العدة وكان يقول: وجه الطلاق يطلقها طاهرا من غير جماع وإذا استبان حملها. وهذا مذهب خلاس بن عمرو قال ابن خزم: حدثنا محمد بن سعيد بن ساث قال: حدثنا عباس بن اصبع قال: حدثنا محمد بن قاسم بن محمد قال: حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني قال: حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن من مهدي قال: حدثنا هشام بن يحيى عن قتادة عن خلاس بن عمرو انه قال: في الرجل يطلق امراته وهي حائض فقال: لا يعتد بها. وهذا قول ابي قلابة قال ابن ابي شيبة: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن ابي قلابة قال: إذا طلق الرجل امراته وهي حائض فلا يعتد بها. وهذا اختيار ابن عقيل في كتابه الواضح في اصول الفقه صرح به في مسالة النهي يقتضي الفساد(1\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1261",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "الوجه التاسع عشر",
        "content": "وهو اختيار شيخ الاسلام ابن تيمية وهو احد الوجهين في مذهب احمد وقال ابو جعفر الباقر لا طلاق الا على بينة ولا طلاق الا على طهر من غير جماع وكل طلاق في غضب أو يمين أو عتق فليس بطلاق الا لمن اراد الطلاق والمقصود ان هؤلاء يشترطون في وقوع الطلاق اذن الشارع فيه وما لم يأذن فيه الشارع فهو عندهم لاغ غير نافذ قال شيخ الاسلام وقولهم اصح في الدليل من قول من يوقع الطلاق الذي لم يأذن فيه الله وسوله ويراه صحيحا لازما والمقصود ان احدا لم يقل ان مجرد التكلم بالطلاق موجب لترتب اثره على أي وجه كان quot;الوجه التاسع عشرquot; ان هذا مقتضى نص احمد كما تقدم تفسيره الاغلاق في رواية حنبل بالغضب وقال عبد الله ابنه في مسائلة سالت ابي عن المجنون إذا طلق في وقت زولان عقله. . . . أيجوز ? قال ابي: كل من كان صحيح العقل فزال عقله عن صحته فطلق فليس طلاقه بشيء فهذا عموم كلامه وذاك خاصة فقد جعل تغير العقل عن صحته مانعا من وقوع الطلاق ولا ريب ان اغلاق الغضب بغير العقل عن صحته.(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1262",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "الوجه العشرون",
        "content": "quot;الوجه العشرونquot;: ان الفقهاء اختلفوا في صحة حكم الحاكم في الغضب على ثلاثة أقوال: وهي ثلاثة أوجه في مذهب احمد: quot;احدهاquot;: لا يصح ولا ينفذ لان النهي يقتضي الفساد quot;والثانيquot;: ينفذ quot;والثالثquot;: ان عرض له الغضب بعد فهم الحكم نفذ حكمه وان عرض له قبل ذلك لم ينفذ. فان الحاكم يجب ان يكون عالما عدلا فمن نفذ حكمه قال: الغضب لا يمنع العلم والعدل. فقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم للزبير في شراج الحرة وهو غضبان.(1\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1263",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "الوجه الحادي والعشرون",
        "content": "ومن لم ينفذ حكمه قال الغضب يمنعه كمال المقصود وحسن القصد فيمنعه العلم والعدل ولا يصح القياس على النبي صلى الله عليه وسلم فانه معصوم في غضبه ورضاه فكان إذا غضب لم يقل الا حقا كما كان في رضاه كذلك ومن فرق قال إذا علم الحق قبل الغضب لم يمنعه الغضب من العلم وحينئذ فيمكنه ان ينفذ الحق الذي علمه وإذا غضب قبل الفهم لم ينفذ حكمه لإمكان ان يحول الغضب بينه وبين الفهم وهؤلاء يحتجون بقضية الزبير وان النبي صلى الله عليه وسلم انما عرض له الغضب بعد فهم الحكومة والمقصود ان الغضب إذا اثر عند هؤلاء في بطلان الحكم علم ان كلام الغضبان غير كلام الراضي المختار وان للغضب تاثيرا في ذلك quot;الوجه الحادي والعشرونquot; ان وقع الطلاق حكم شرعي فيستدعي دليلا شرعيا والدليل اما كتاب أو سنة أو اجماع أو قياس يستوي فيه حكم الأصل والفرع وليس شيء منها موجودا في مسالتنا وإذا شئت قلت الدليل اما نص أو معقول نص وكلاهما منتف وان شئت قلت لو ثبت الوقوع لزم وجود دليله واللازم منتف فالملزوم مثله quot;والوجه الثاني والعشرونquot; ان نكاح هذا مثبت بإجماع فلا يزول الا بالإجماع مثله وان شتت قلت: نكاحه قبل صدور هذا اللفظ منه ثابت بالإجماع والأصل بقاؤه حتى يثبت ما يرفعه. quot;الوجه الثالث والعشرونquot;: ان جمهور العلماء يقولون ان طلاق الصبي المميز العاقل لا ينفذ ولا يصح. هذا قول ابي حنيفة ومالك والشافعي واحدى الروايتين عن الإمام احمد اختارها الشيخ ابو محمد وهو قول اسحق مع كونه عارفا باللفظ وموجبه(1\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1264",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "الوجه الرابع والعشرون",
        "content": "بكلماته اختيارا وقصدا وله قصد صحيح وإرادة صحيحة وقد امر الله سبحانه بابتلائه واختياره في تصرفاته وقد نفذ صبر عمر به الخطاب وصيته واعتبر النبي صلى الله عليه وسلم قصده واختياره في التخيير بين ابويه فالغضبان الشديد الغضب الذي قد اغلق عليه باب القصد والعلم أولى بعدم وقوع طلاقه من هذا بلا ريب quot;فان قيلquot; الغضبان مكلف وهذا غير مكلف لان القلم مرفوع عنه quot;قيلquot; نعم الأمر كذلك ولكن لا يلزم من كونه مكلفا ان يترتب الحكم على مجرد لفظة كما تقدم كيف والمكره مكلف ولا يصح طلاقه والسكران مكلف والمريض مكلف ولا يلزم من كون العبد مكلفا ان لا يعرض له حال يمنع اعتبار أقواله ونقص افعاله quot;الوجه الرابع والعشرونquot;: ان غاية التلفظ بالطلاق ان يكون جزء سبب والحكم لا يتم الا بعد وجود سببه وانتفاء ما نعه وليس مجرد التلفظ سببا تاما باتفاق الأئمة كما تقدم وحينئذ فالقصد والعلم والتكليف اما ان تكون بقية أجزاء الكسب أو تكون شروطا في اقتضائه أو يكون عدمها مانعا من تاثيره وعلى التقادير الثلاثة فلا يؤثر التكلم بالطلاق بدونها وليس مع من أوقع طلاق الغضبان والسكران والمكره ومن جرى على(1\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1265",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "الوجه الخامس والعشرون",
        "content": "لسانه بغير قصد منه الا مجرد السبب أو جزؤه بدون شرطه وانتفاء مانعه وذلك غير كاف في ثبوت الحكم والله اعلم quot;الوجه الخامس والعشرونquot; انه لو سبق لسانه بالطلاق ولم يرده دين فيما بينه وبين الله تعالى ويقبل منه ذلك في الحكم في احدى الروايتين عن احمد الا ان تكذبه قرينه والرواية الاخرى يدين ولا يقبل في الحكم وكذلك قال أصحاب الشافعي إذا سبق الطلاق إلى لسانه بغير قصد فهو لغو ولكن لا تقبل دعوى سبق اللسان الا إذا ظهرت قرينة تدل عليه فقبلوا منه في الباطن دون الحكم الا بقرينة وكذلك قال اصحاب مالك: من سبق لسانه إلى الطلاق لم يقع عليه الطلاق قالوا: ويقبل في الفتوى. وابو حنيفة لا يرى سبق اللسان مانعا من وقوع الطلاق وعنه في سبق اللسان في العتق روايتان وقرر اصحابه بان المراة تملك بضعها لسبب يستوي فيه القصد وعدم(1\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1266",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القصد كالسكران والمكره والهازل وكالرضاع بالاتفاق فزوال البضع لا يختلف في سببه القصد وعدم القصد بخلاف العتق فان السبب الذي يملك به نفسه يختلف فيه القصد وعدمه وروى ابو يوسف عن ابي حنيفة التسوية بينهما ثم اختلف اصحابه فقالت طائفة هما سواء في الوقوع وقالت طائفة بل هما سواء في عدم الوقوع والمقصود ان سبق اللسان إلى الطلاق من غير قصد له مانع من وقوعه عند الجمهور والغضبان إذا علم من نفسه ان لسانه سبقه بالطلاق من غير قصد جاز له الاقامة على نكاحه ويدين في الفتوى واما قبوله في الحكم فيخرج على الخلاف والأظهر انه ان قامت قرينة ظاهرة تدل على صحة قوله قبل في الحكم والغضب الشديد من اقوى القرائن ولا سيما فان كثيرا ممن يطلق في شدة الغضب يحلف بالله جهد يمينه انه لم يقصد الطلاق وانما سبق لسانه وحينئذ فالجمهور لا يوقعون عليه الطلاق كما صرح به اصحاب احمد والشافعي ومالك. وفي قوله في القضاء ثلاثة أقوال اصحها انه ان قامت قرينة ظاهرة على صحة قوله قبل والا فلا فصل وما يبين أن الغضبان قد يتكلم في الغضب بما لا يريده ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول سمعت رسول الله يقول: quot;إنما أنا بشر وإني اشترطت على ربي عز وجل أي عبد من المسلمين شتمته أبو سببته أن يكون ذلك له زكاة وأجراquot;(1\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1267",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي مسند الإمام احمد من حديث مسروق عن عائشة قالت: quot;دخل على النبي صلى الله عليه وسلم رجلان فاغلظ لهما وسبهما قالت فقلت: يا رسول الله لمن اصاب منك خير ما اصاب هذان منك خير قالت فقال quot;أو ما علمت ما عاهدت عليه ربي عز وجل قلت ايما مؤمن سببته أو جلدته أو لعنته فاجعلهما له مغفرة وعافيةquot; وفي الصحيحين من حديث ابي هريرة انه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول quot;اللهم ايما عبد مؤمن سببته فاجعل ذلك قربة اليك يوم القيامةquot; وفي بعض الفاظ الحديث quot;انما انا بشر ارضى كما يرضى البشر واغضب كما يغضب البشر فايما مؤمن سببته أو لعنته فاجعلها له زكاةquot; فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم مريدا لما دعا به في الغضب لما شرط على ربه وساله ان يفعل بالمدعو عليه ضد ذلك اذ من الممتنع اجتماع إرادة الضدين وقد صرح بإرادة احدهما مشترطا على ربه فدل على عموم إرادته لما دعا به في الحال الغضب هذا وهو النبي صلى الله عليه وسلم معصوم الغضب كما هو معصوم الرضا وهو مالك لفظه بتصرفه فكيف بمن لم يعصمه في غضبه وتمليكه ويتصرف فيه غضبه ويتلاعب الشيطان به فيه وإذا كان الغضبان يتكلم بما لا يريده ولا يريد مضمونه فهو بمنزلة المكره الذي يلجا إلى الكلام أو يتكلم به باختياره ولا يريد مضمونه والله اعلم. quot;فان قيلquot;: ما ذكر ثم معارض بما يدل على وقوع الطلاق فان الغضبان اتى بالسبب اختيارا واراد في حال الغضب ترتب اثره عليه ولا يضر عدم إرادته له في حال(1\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1268",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رضاه اذ الاعتبار بالإرادة انما هو التلفظ بخلاف المكره فانه محمول على التكلم بالسبب غير مريد لترتب اثره عليه وبخلاف السكران المغلوب عقله فإنه غير مكلف والغضبان مكلف مختار فلا وجه لإلغاء كلامه. quot;فالجوابquot;: ان يقال ان اريد بالاختيار رضاه به وايثاره له فليس بمختار وان اردتم انه يوقع بمشيئته وإرادته التي هو غير راض بها ولا باثرها فهذا بمجرده لا يوجب ترتب الاثر فان هذا الاختيار ثابت للمكره والسكران فانا لا نشترط في السكران ان لا يفرق بين الأرض والسماء بل المشترط في عدم ترتب اثر أقواله انه يهذي ويخلط في كلامه وكذلك المحموم والمريض وابلغ من هذا الصبي المراهق للبلوغ إذ هو من أهل الإرادة والقصد الصحيح ثم لم يترتب على كلامه أثره وكذلك من سبق لسانه بالطلاق ولم يرده فانه لا يقع طلاقه وقد أتى باللفظ في حال الاختيار غير سكره ولكن لم يقصده والغضبان وان قصده فلا حكم لقصده في حال الغضب لما تقدم من الأدلة الدالة على ذلك وقد صرح أصحابنا بان من كان جنونه لنشاف أو برسام لا يقع طلاقه ويسقط حكم تصرفه إن كانت معرفته غير ذاهبة بالكلية ولا يضره ان يذكر الطلاق وانه أوقعه وما ذكرناه من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ربه ان يجعل سبه لمن سبه في حال غضبه صريح في انه مريد له إذ لو أراده واختار لم يسأل ربه أن يفعل بالمدعو عليه ضد ما دعا به عليه إذ لا يتصور إرادة ضدين في حالة واحدة وهذا وحده كاف في المسالة فهذا ما ظهر في هذه المسألة بعد طول التأمل والفكر ونحن من وراء القبول والشكر لمن رد ذلك بحجة يجب المصير إليها ومن وراء الرد على من رد ذلك بالهوى والعناد والله المستعان وعليه التكلان quot;وصلى الله على سيد المرسلينquot; وخاتم النبيين وعلى اله وأصحابه وعترته وأنصاره صلاة دائمة بدوام ملك الله عز وجل تم نسخها على يد حامد بن أديب التقي لقبا الأثري مذهبا في أواخر رمضان سنة 1327(1\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1269",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المطلقة قصيدة لاديب العراقي معروف افندي الرصافي في الانتصار لمذهب المؤلف وشيخه عليهما رحمة الرحمة والرضوان. بدت كالشمس يحضنها الغروب ... فتاة راع نضرتها الشحوب منزهة عن الفحشاء خود ... من الخفرات انسة عروب نور تستجد بها المعالي ... وتبلى دون عفتها العيوب صفا ماء الشباب بوجنتيها ... فحامت حول رونقه القلوب ولكن الشوائب ادركته ... فعاد وصفوه كدر مشوب ذوي منها الجمال الغض وجدا ... وكاد يجف ناعمه الرطيب اصابت من شيبتها الليالي ... ولم يدرك ذؤابتها المشيب وقد خلب العقول لها جبين ... تلوح على اسرته النكوب الا ان الجمال إذا علاه ... نقاب الحزن منظره عجيب حليلة طيب الاعراق زالت ... به عنها وعنه بها الكروب رعى ورعت فلم تر قط منه ... ولم ير قط منها ما يريب توثق حبل ودهما حضورا ... ولم ينكث توثقه المغيب فغاضب زوجها الخلطاء يوما ... بامر للخلاف به نشوب فاقسم بالطلاق لهم يمينا ... وتلك النية خطا وحوب وطلقها على جهل ثلاثا ... كذلك يجهل الرجل الغضوب وافتى بالطلاق طلاق بت ... ذوو فتيا تعصبهم عصيب فبانت عنه لم تات الدنايا ... ولم يعلق بها الذام المعيب(1\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1270",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فظلت وهي باكية تنادي ... بصوت منه ترتجف القلوب لماذا يا نجيب صرمت حبلي ... وهل اذنبت عندك يا نجيب ومالك قد جفوت جفاء قال ... وصرت إذا دعوتك لا تجيب ابن ذنبي الي فدتك نفسي ... فاني عنه بعدئذ اتوب اما عاهدتني بالله ان لا ... يفرق بيننا الا شعوب لئن فارقتني وصددت عني ... فقلبي لا يفارقه الوجيب وما ادماه ترتع حول روض ... ويرتع خلفها رشا ربيب فما لفتت اليه الجيد حتى ... تخطفه بازمتيه ذيب فراحت من تحرقها عليه ... بداء مالها فيه طبيب تشم الارض تطلب منه ريحا ... وتنجب والبغام هو النحيب وتمزع في الفلاة لغير وجه ... وأونة لمصرعه تؤوب باجزع من فؤادي يوم قالوا ... برغم منك فارقك الحبيب فاطرق راسه خجلا واغضى ... وقال ودمع عينيه سكوب نجيبة اقصري عني فاني ... كفاني من لظي الندم اللهيب وما والله هجرك باختياري ... ولكن هكذا جرت الخطوب فليس يزول حبك من فؤادي ... وليس العيش دونك لي يطيب ولا اسلو هواك وكيف اسلو ... هوى كالروح في له دبيب سلي عني الكواكب وهي تسري ... بجنح الليل تطلع أو تغيب فكم غالبتها بهواك سهدا ... ونجم القطب مطلع رقيب خذي من نور quot;رنتجنquot; شعاعا ... به للعين تنكشف الغيوب والقيه بصدري وانظريني ... ترى قلبي عليك به ندوب وما المكبول القى في خضم ... به الامواج تصعد أو تصوب فراح يغطه التيار غطا ... إلى ان تم فيه له الرسوب باهلك يا ابنة الامجاد مني ... إذا أنا لم يعد بك لي نصيب(1\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1271",
        "book_id": "qym_4103",
        "book_name": " إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الا قل في الطلاق لموقعيه ... بما في الشرع ليس له وجوب غلوتم في ديانتكم غلوا ... يضيق ببعضه الشرع الرحيب اراد الله تيسيرا وانتم ... من التعسير عندكم ضروب وقد حلت بامتكم كروب ... لكم فيهن لا لهم الذنوب وهي حبل الزواج ورق حتى ... كاد إذا نفخت له يذوب كخيط من لعاب الشمس ادلت ... به في الجو هاجرة حلوب يمزقه من الافواه نفث ... ويقطعه من النسم الهبوب فدى quot;ابن القيمquot; الفقهاء كم قد ... دعاهم للصواب فلم يجيبوا ففي quot;اعلامهquot; للناس رشد ... ومزدجر لمن هو مستريب نحا فيما اتاه طريق علم ... نحاها شيخه الحبر الاديب وبين حكم دين الله لكن ... من الغالين لم تعه القلوب لعل الله يحدث بعد امرا ... لنا فيخيب منهم من يخيب(1\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "3",
        "slug": " -qym_4103"
    },
    {
        "id": "1272",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "المجلد الأول",
        "content": "المجلد الأول مقدمة ... إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان تأليف: أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الشهير بابن قيم الجوزية بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذى ظهر لأوليائه بنعوت جلاله وأنار قلوبهم بمشاهدة صفات كماله وتعرف إليهم بما أسداه إليهم من إنعامه وإفضاله فعلموا أنه الواحد الأحد الفرد الصمد. الذى لا شريك له فى ذاته ولا صفاته ولا فى أفعاله بل هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به أحد من خلقه فى إكثاره وإقلاله لا يحصى أحد ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه على لسان من أكرمهم بإرساله الأول الذى ليس قبله شئ والظاهر الذى ليس فوقه شئ والباطن الذى ليس دونه شئ ولا يحجب المخلوق عنه تستره بسر باله الحى القيوم الواحد الأحد الفرد الصمد المنفرد بالبقاء وكل مخلوق ينتهى إلى زواله السميع الذى يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات فلا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ولا يتبرم بإلحاح الملحين فى سؤاله البصير الذى يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء فى الليلة الظلماء حيث كانت من سهله أو جباله. وألطف من ذلك رؤيته لتقلب قلب عبده ومشاهدته لاختلاف أحواله فإن أقبل إليه تلقاه وإنما إقبال العبد عليه من إقباله وإن أعرض عنه لم يكله إلى عدوه ولم يدعه فى إهماله بل يكون أرحم به من الوالدة بولدها الرفيقة به فى حمله ورضاعه وفصاله فإن تاب فهو أفرح بتوبته من الفاقد لراحلته التى عليها طعامه وشرابه فى الأرض الدوية المهلكة إذا وجدها وقد تهيأ لموته وانقطع أوصاله وإن أصر على الإعراض ولم يتعرض لأسباب الرحمة بل أصر على العصيان فى إدباره وإقباله(1\/3)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1273",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصالح عدوه وقاطع سيده فقد استحق الهلاك ولا يهلك على الله إلا الشقى الهالك لعظيم رحمته وسعة إفضاله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا أحدا فردا صمدا جل عن الأشباه والأمثال وتقدس عن الأضداد والأنداد والشركاء والأشكال لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع ولا راد لحكمه ولا معقب لأمره: وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال [الرعد: 11] . وأشهد أن محمد عبده ورسوله القائم له بحقه وأمينه على وحيه وخيرته من خلقه أرسله رحمة للعالمين وإماما للمتقين وحسرة على الكافرين وحجة على العباد أجمعين بعثه على حين فترة من الرسل فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل. وافترض على العباد طاعته ومحبته وتعظيمه وتوقيره والقيام بحقوقه وسد إلى جنته جميع الطرق فلم يفتح لأحد إلا من طريقه. فشرح له صدره ووضح له عنه وزره ورفع له ذكره وجعل الذل والصغار على من خالف أمره وأقسم بحياته فى كتابه المبين وقرن اسمه باسمه فلا يذكر إلا ذكر معه كما فى التشهد والخطب والتأذين. فلم يزل صلى الله عليه وسلم قائما بأمر الله لا يرجه عنه راد مشمرا فى مرضاة الله لا يصده عن ذلك صاد إلى أن أشرقت الدنيا برسالته ضياء وابتهاجا ودخل الناس فى دين الله أفواجا (أفواجا)  وسارت دعوته مسير الشمس فى الأقطار وبلغ دينه القيم ما بلغ الليل والنهار ثم استأثر الله به لينجز له ما وعده به فى كتابه المبين بعدم أ بلغ رسالته وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد فى الله حق جهاده وأقام الدين وترك أمته على البيضاء الواضحة البينة للسالكين. وقال هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين [يوسف: 108] .(1\/4)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1274",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أما بعد: فإن الله سبحانه لم يخلق خلقه سدى مهملا بل جعلهم موردا للتكليف ومحلا للأمر والنهى وألزمهم (فهم) ما أرشدهم إليه مجملا ومفصلا وقسمهم إلى شقى وسعيد وجعل لكل واحد من الفريقين منزلا وأعطاهم مواد العلم والعمل: من القلب والسمع والبصر والجوارح نعمة منه وتفضلا فمن استعمل ذلك فى طاعته وسلك به طريق معرفته على ما أرشد إله ولم يبغ عنه عدولا فقد قام بشكر ما أوتيه من ذلك وسلك به إلى مرضاة الله سبيلا. ومن استعمله فى إرادته وشهوته ولم يرع حق خالقه فيه يخسر إذا سئل عن ذلك ويحزن حزنا طويلا. فإنه لا بد من الحساب على حق هذه الأعضاء لقوله تعالى: إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا [الإسراء: 36] . ولما كان القلب لهذه الأعضاء كالملك المتصرف فى الجنود الذى تصدر كلها عن أمره ويستعملها فيما شاء فكلها تحت عبوديته وقهره وتكتسب منه الاستقامة والزيغ وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحله قال النبى صلى الله عليه وسلم: quot;ألا وإن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلهquot;. فهو ملكها وهى المنفذة لما يأمرها به القابلة لما كان يأتيها من هديته ولا يستقيم لها شئ من أعمالها حتى تصدر عن قصده ونيته. وهو المسؤول عنها كلها quot;لأن كل راع مسؤول عن رعيتهquot; كان الاهتمام بتصحيحه وتسديده أولى ما اعتمد عليه السالكون. والنظر فى أمراضه وعلاجها أهم ما تنسك به الناسكون. ولما علم عدو الله إبليس أن المدار على القلب والاعتماد عليه أجلب عليه بالوساوس وأقبل بوجوه الشهوات إله وزين له من الأقوال والأعمال ما يصده عن الطريق وأمده من أسباب الغى بما يقطعه عن أسباب التوفيق ونصب له من المصايد والحبائل ما إن سلم من الوقوع فيها لم يسلم من أن يحصل له بها التعويق فلا نجاة من مصائده ومكائده إلا بدوام الاستعانة بالله تعالى والتعريض لأسباب مرضاته والتجاء القلب إليه وإقباله عليه فى حركاته وسكناته والتحقق بذل العبودية الذى هو أولى ما تلبس به الإنسان ليحصل له الدخول فى ضمان إن عبادي ليس لك عليهم سلطان [الحجر: 42] فهذه الإضافة هى القاطعة بين العبد وبين الشياطين وحصولها يسبب تحقيق مقام العبودية لرب العالمين وإشعار القلب(1\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1275",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إخلاص العمل ودام اليقين فإذا أشرب القلب العبودية والإخلاص صار عند الله من المقربين وشمله استثناء إلا عبادك منهم المخلصين [الحجر: 40] . ولما من الله الكريم بلطفه بالاطلاع على ما اطلع عليه من أمراض القلوب وأدوائها وما يعرض لها من وساوس الشياطين أعدائها وما تثمر تلك الوساوس من الأعمال. وما يكتسب القلب بعدها من الأحوال. فإن العمل السيئ مصدر عن فساد قصد القلب ثم يعرض للقلب من فساد العمل قسوة فيزداد مرضا على مرضه حتى يموت ويبقى لا حياة فيه ولا نور له. وكل ذلك من انفعاله لوسوسة الشيطان وركونه إلى عدوه الذى لا يفلح. إلى من جاهده بالعصيان: أردت أن أقيد ذلك فى هذا الكتاب لأستذكره معترفا فيه لله بالفضل والإحسان ولينتفع له من نظر فيه داعيا لمؤلفه بالمغفرة والرحمة والرضوان وسميته quot; إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان quot; ورتبته ثلاثة عشر بابا: الباب الأول: فى انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميت. الباب الثانى: فى ذكر حقيقة مرض القلب. الباب الثالث: فى انقسام أدوية أمراض القلب إلى طبيعية وشرعية. الباب الرابع: فى أن حياة القلب وإشراقة مادة كل خير فيه وموته وظلمته مادة كل شر (وفتنة) فيه. الباب الخامس: فى أن حياة القلب وصحته لا تحصل إلا بأن يكون مدركا للحق مريدا له مؤثرا له على غيره. الباب السادس: فى أنه لا سعادة للقلب ولا لذة ولا نعيم ولا صلاح إلا بأن يكون إلهه وفاطره وحده هو معبوده وغاية مطلوبه وأحب إليه مما سواه. الباب السابع: فى أ القرآن الكريم متضمن لأدوية القلب وعلاجه من جميع أمراضه. الباب الثامن: فى زكاة القلب. الباب التاسع: فى طهارة القلب من أدرانه وأنجاسه. الباب العاشر: فى علامات مرض القلب وصحته.(1\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1276",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الحادى عشر: فى علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه. الباب الثانى عشر: فى علاج مرض القلب بالشيطان. الباب الثالث عشر: فى مكايد الشيطان التى يكيد بها ابن آدم. وهو الذى وضع لأجله الكتاب. وفيه فصول جمة الفوائد حسنة المقاصد. والله تعالى يجعله خالصا لوجهه مؤمنا من الكرة الخاسرة وينفع به مصنفه وكاتبه والناظر فيه فى الدنيا والآخرة إنه سميع عليم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.(1\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1277",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "الباب الأول: فى انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميت",
        "content": "الباب الأول: فى انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميت لما كان القلب يوصف بالحياة وضدها انقسم بحسب ذلك إلى هذه الأحوال الثلاثة. فالقلب الصحيح: هو القلب السليم الذى لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به كما قال تعالى: يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم [الشعراء: 88-89] . والسليم هو السالم وجاء على هذا المثال لأنه للصفات كالطويل والقصير والظريف فالسليم القلب الذى قد صارت السلامة صفة ثابتة له كالعليم والقدير وأيضا فإنه ضد المريض والسقيم والعليل. وقد اختلفت عبارات الناس فى معنى القلب السليم والأمر الجامع لذلك: أنه الذى قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه ومن كل شبهة تعارض خبره. فسلم من عبودية ما سواه وسلم من تحكيم غير رسوله. فسلم فى محبة غير الله معه ومن خوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه والذل له وإيثار مرضاته فى كل حال والتباعد من سخطه بكل طريق. وهذا هو حقيقة العبودية التى لا تصلح إلا لله وحده. فالقلب السليم: هو الذى سلم من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه ما بل قد خلصت عبوديته لله تعالى: إرادة ومحبة وتوكلا وإنابة وإخباتا وخشية ورجاء. وخلص عمله لله(1\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1278",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن أحب أحب فى الله وإن أبغض أبغض فى الله وإن أعطى أعطى لله وإن منع منع لله ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكيم لكل من عدا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فيعقد قلبه معه عقدا محكما على الائتمام والاقتداء به وحده دون كل أحد فى الأقوال والأعمال من أقوال القلب وهى العقائد وأقوال اللسان وهى الخبر عما فى القلب. وأعمال القلب وهى الإرادة والمحبة والكراهة وتوابعها وأعمال الجوارح. فيكون الحاكم عليه فى ذلك كله دقه وجله هو ما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فلا يتقدم بين يديه بعقيدة ولا قول ولا عمل كما قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدى الله ورسوله [الحجرات: 1] . أى لا تقولوا حتى يقول ولا تفعلوا حتى يأمر قال بعض السلف: ما من فعلة وإن صغرت إلا ينشر لها ديوانان: لم وكيف أى لم فعلت وكيف فعلت فالأول: سؤال عن علة الفعل وباعثه وداعيه هل هو حظ عاجل من حظوظ العامل وغرض من أغراض الدنيا فى محبة المدح من الناس أو خوف ذمهم أو استجلاب محبوب عاجل أو دفع مكروه عاجل أم الباعث على الفعل القيام بحق العبودية وطلب التودد والتقرب إلى الرب سبحانه وتعالى وابتغاء الوسيلة إليه. ومحل هذا السؤال: أنه هل كان عليك أن تفعل هذا الفعل لمولاك أم فعلته لحظك وهواك. والثانى: سؤال عن متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام فى ذلك التعبد أى هل كان ذلك العمل مما شرعته لك على لسان رسولى أم كان عملا لم أشرعه ولم أرضه. فالأول سؤال عن الإخلاص والثانى عن المتابعة فإن الله سبحانه لا يقبل عملا إلا بهما. فطريق التخلص من السؤال الأول: بتجريد الإخلاص وطريق التخلص من السؤال الثانى: بتحقيق المتابعة وسلامة القلب من إرادة تعارض الإخلاص وهوى يعارض الاتباع. فهذه حقيقة سلامة القلب الذى ضمنت له النجاة والسعادة.(1\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1279",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل فى القلب الميت والقلب الثانى: ضد هذا وهو القلب الميت الذى لا حياة به فهو لا يعرف ربه ولا يعبده بأمره وما يحبه ويرضاه بل هو واقف مع شهواته ولذاته ولو كان فيها سخط ربه وغضبه فهو لا يبالى إذا فاز بشهوته وحظه رضى ربه أم سخط فهو متعبد لغير الله: حبا وخوفا ورجاء ورضا وسخطا وتعظيما وذلا. إن أحب أحب لهواه وإن أبغض أبغض لهواه وإن أعطى أعطى لهواه وإن منع منع لهواه. فهواه آثر عنده وأحب إليه من رضا مولاه. فالهوى إمامه والشهوة قائده والجهل سائقه والغفلة مركبه. فهو بالفكر فى تحصيل أغراضه الدنيوية مغمور وبسكرة الهوى وحب العاجلة مخمور. ينادى إلى الله وإلى الدار الآخرة من مكان بعيد فلا يستجيب للناصح ويتبع كل شيطان مريد. الدنيا تسخطه وترضيه. والهوى يصمه عما سوى الباطل ويعميه. فهو فى الدنيا كما قيل فى ليلى: عدو لمن عادت وسلم لأهلها ... ومن قربت ليلى أحب وأقربا فمخالطة صاحب هذا القلب سقم. ومعاشرته سم. ومجالسته هلاك. فصل فى القلب المريض والقلب الثالث: قلب له حياة وبه علة فله مادتان تمده هذه مرة وهذه أخرى وهو لما غلب عليه منهما ففيه من محبة الله تعالى والإيمان به والإخلاص له والتوكل عليه: ما هو مادة حياته وفيه من محبة الشهوات وإيثارها والحرص على تحصيلها والحسد والكبر والعجب وحب العلو والفساد فى الأرض بالرياسة: ما هو مادة هلاكه وعطبه وهو ممتحن بين داعيين: داع يدعوه إلى الله ورسوله والدار الآخرة وداع يدعوه إلى العاجلة. وهو إنما يجيب أقربهما منه بابا وأدناهما إليه جوارا. فالقلب الأول حى مخبت لين واع والثانى يابس ميت والثالث مريض فإما إلى السلامة أدنى وإما إلى العطب أدنى. وقد جمع الله سبحانه بين هذه القلوب الثلاثة فى قوله: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقى الشيطان(1\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1280",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ف تنة للذين فى قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفى شقاق بعيد وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم [الحج: 52 - 54] . فجعل الله سبحانه وتعالى القلوب فى هذه الآيات ثلاثة: قلبين مفتونين وقلبا ناجيا فالمفتونان: القلب الذى فيه مرض والقلب القاسى. والناجى: القلب المؤمن المخبت إلى ربه. وهو المطمئن إليه الخاضع له المستسلم المنقاد. وذلك: أن القلب وغيره من الأعضاء يراد منه أن يكون صحيحا سليما لا آفة به يتأتى منه ما هيئ له وخلق لأجله. وخروجه عن الاستقامة إما ليبسه وقساوته وعدم التأتى لما يراد منه كاليد الشلاء واللسان الأخرس والأنف الأخشم وذكر العنين والعين التى لا تبصر شيئا. وإما بمرض وآفة فيه تمنعه من كمال هذه الأفعال ووقوعها على السداد. فلذلك انقسمت القلوب إلى هذه الأقسام الثلاثة. فالقلب الصحيح السليم: ليس بينه وبين قبول الحق ومحبته وإيثاره سوى إدراكه فهو صحيح الإدراك للحق تام الانقياد والقبول له. والقلب الميت القاسى: لا يقبله ولا ينقاد له. والقلب المريض: إن غلب عليه مرضه التحق بالميت القاسى. وإن غلبت عليه صحته التحق بالسليم. فما يلقيه الشيطان فى الأسماع من الألفاظ وفى القلوب من الشبه والشكوك: فيه فتنة لهذين القلبين وقوة للقلب الحى السليم. لأنه يرد ذلك ويكرهه ويبغضه ويعلم أن الحق فى خلافه فيخبت للحق قلبه ويطمئن وينقاد ويعلم بطلان ما ألقاه الشيطان فيزداد إيمانا بالحق ومحبة له وكفرا بالباطل وكراهة له. فلا يزال القلب المفتون فى مرية من إلقاء الشيطان. وأما القلب الصحيح السليم فلا يضره ما يلقيه الشيطان أبدا. قال حذيفة بن اليمان رضى الله عنه: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot; تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا. فأى قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء وأى قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تعود القلوب على قلبين: قلب(1\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1281",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أسود مربادا كالكوز مجخيا. لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه وقلب أبيض لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرضquot;. فشبه عرض الفتن على(1\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1282",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القلوب شيئا فشيئا كعرض عيدان الحصير وهى طاقاتها شيئا فشيئا وقسم القلوب عند عرضها عليها إلى قسمين: قلب إذا عرضت عليه فتنة أشربها كما يشرب السفنج الماء فتنكت فيه نكتة سوداء فلا يزال يشرب كل فتنة تعرض عليه حتى يسود وينتكس وهو معنى قوله quot;كالكوز مجخياquot; أى مكبوبا منكوسا فإذا اسود وانتكس عرض له من هاتين الآفتين مرضان خطران متراميان به إلى الهلاك: أحدهما: اشتباه المعروف عليه بالمنكر فلا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا وربما استحكم عليه هذا المرض حتى يعتقد المعروف منكرا والمنكر معروفا والسنة بدعة والبدعة سنة والحق باطلا والباطل حقا الثانى: تحكيمه هواه على ما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وانقياده للهوى واتباعه له. وقلب أبيض قد أشرق فيه نور الإيمان وأزهر فيه مصباحه فإذا عرضت عليه الفتنة أنكرها وردها فازداد نوره وإشراقه وقوته. والفتن التى تعرض على القلوب هى أسباب مرضها وهى فتن الشهوات وفتن الشبهات فتن الغى والضلال فتن المعاصى والبدع فتن الظلم والجهل فالأولى توجب فساد القصد والإرادة والثانية توجب فساد العلم والاعتقاد. وقد قسم الصحابة رضى الله تعالى عنهم القلوب إلى أربعة كما صح عن حذيفة بن اليمان: quot;القلوب أربعة: قلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن وقلب أغلف فذلك قلب الكافر وقلب منكوس فذلك قلب المنافق عرف ثم أنكر وأبصر ثم عمى وقلب تمده مادتان: مادة إيمان ومادة نفاق وهو لما غلب عليه منهماquot;. فقوله quot;قلب أجردquot; أى متجرد مما سوى الله ورسوله فقد تجرد وسلم مما سوى الحق. وquot;فيه سراج يزهرquot; وهو مصباح الإيمان: فأشار بتجرده إلى سلامته من شبهات(1\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1283",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباطل وشهوات الغى وبحصول السراج فيه إلى إشراقه واستنارته بنور العلم والإيمان. وأشار بالقلب الأغلف إلى قلب الكافر لأنه داخل فى غلافه وغشائه فلا يصل إليه نور العلم والإيمان كما قال تعالى حاكيا عن اليهود: وقالوا قلوبنا غلف [البقرة: 88] . وهو جمع أغلف وهو الداخل فى غلافه كقلف وأقلف وهذه الغشاوة هى الأكنة التى ضربها الله على قلوبهم عقوبة لهم على رد الحق والتكبر عن قبوله. فهى أكنة على القلوب ووقر فى الأسماع وعمى فى الأبصار وهى الحجاب المستور عن العيون فى قوله تعالى: وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقرا [الإسراء: 45-46] . فإذا ذكر لهذه القلوب تجريد التوحيد وتجريد المتابعة ولى أصحابها على أدبارهم نفورا. وأشار بالقلب المنكوس- وهو المكبوب- إلى قلب المنافق كما قال تعالى: فما لكم فى المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا [النساء: 88] . أى نكسهم وردهم فى الباطل الذى كانوا فيه بسبب كسبهم وأعمالهم الباطلة وهذا شر القلوب وأخبثها فإنه يعتقد الباطل حقا ويوالى أصحابه والحق باطلا ويعادى أهله فالله المستعان. وأشار بالقلب الذى له مادتان إلى القلب الذى لم يتمكن فيه الإيمان ولم يزهر فيه سراجه حيث لم يتجرد للحق المحض الذى بعث الله به رسوله بل فيه مادة منه ومادة من خلافه فتارة يكون للكفر أقرب منه للإيمان وتارة يكون للإيمان أقرب منه للكفر والحكم للغالب وإليه يرجع.(1\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1284",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الثانى: فى ذكر حقيقة مرض القلب قال الله تعالى عن المنافقين فى قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا [البقرة: 10]  وقال تعالى ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين فى قلوبهم مرض [الحج: 53]  وقال تعالى يا نساء النبى لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذى فى قلبه مرض [الأحزاب:32]  أمرهن أن لا يلن فى كلامهن كما تلين المرأة المعطية الليان فى منطقها فيطمع الذى فى قلبه مرض الشهوة ومع ذلك فلا يخشن فى القول بحيث يلتحق بالفحش بل يقلن قولا معروفا وقال تعالى لئن لم ينته المنافقون والذين فى قلوبهم مرض والمرجفون فى المدينة لنغرينك بهم [الأحزاب: 60]  وقال تعالى وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين فى قلوبهم مرض وا-لكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا [المدثر: 31] . أخبر الله سبحانه عن الحكمة التى جعل لأجلها عدة الملائكة الموكلين بالنار تسعة عشر فذكر سبحانه خمس حكم: فتنة الكافرين. فيكون ذلك زيادة فى كفرهم وضلالهم وقوة يقين أهل الكتاب فيقوى يقينهم بموافقة الخبر بذلك لما عندهم عن أنبيائهم من غير تلق من رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عنهم فتقوم الحجة على معاندهم وينقاد للإيمان من يريد الله أن يهديه. وزيادة الذين آمنوا بكمال تصديقهم بذلك والإقرار به وانتفاء الريب عن أهل الكتاب لجزمهم بذلك وعن المؤمنين لكمال تصديقهم به. فهذه أربعة حكم: فتنة الكفار ويقين أهل الكتاب وزيادة إيمان المؤمنين وانتفاء الريب عن المؤمنين وأهل الكتاب.(1\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1285",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والخامسة: حيرة الكافر ومن فى قلبه مرض وعمى قلبه عن المراد بذلك فيقول: ماذا أراد الله بهذا مثلا [البقرة: 26] . وهذا حال القلوب عند ورود الحق المنزل عليها: قلب يفتتن به كفرا وجحودا. وقلب يزداد به إيمانا وتصديقا وقلب يتيقنه فتقوم عليه به الحجة وقلب يوجب له حيرة وعمى فلا يدرى ما يراد به. واليقين وعدم الريب فى هذا الموضع إن رجعا إلى شىء واحد كان ذكر عدم الريب مقررا لليقين ومؤكدا له ونافيا عنه ما يضاده بوجه من الوجوه. وإن رجعا إلى شيئين بأن يكون اليقين راجعا إلى الخبر المذكور عن عدة الملائكة وعدم الريب عائدا إلى عموم ما أخبر الرسول به لدلالة هذا الخبر الذى لا يعلم إلا من جهة الرسل على صدقه فلا يرتاب من قد عرف صحة هذا الخبر بعد صدق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ظهرت فائدة ذكره. والمقصود: ذكر مرض القلب وحقيقته. وقال تعالى يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما فى الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين [يونس: 57] . فهو شفاء لما فى الصدور من مرض الجهل والغى فإن الجهل مرض شفاؤه العلم والهدى. والغى مرض شفاؤه الرشد وقد نزه الله سبحانه نبيه عن هذين الداءين. فقال: والنجم إذا هوى  ما ضل صاحبكم وما غوى [النجم: 12] . ووصف رسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم خلفاءه بضدهما فقال: quot; عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدىquot;. وجعل كلامه سبحانه موعظة للناس عامة وهدى ورحمة لمن آمن به خاصة وشفاء تاما لما فى الصدور فمن استشفى به صح وبرئ من مرضه ومن لم يستشف به فهو كما قيل:(1\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1286",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا بل من داء به ظن أنه ... نجا وبه الداء الذى هو قاتله وقال تعالى وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا [الإسراء: 82] والأظهر أن quot;منquot; هاهنا لبيان الجنس فالقرآن جميعه شفاء ورحمة للمؤمنين. فصل: فى أسباب ومشخصات مرض البدن والقلب ولما كان مرض البدن خلاف صحته وصلاحه وهو خروجه عن اعتداله الطبيعى لفساد يعرض له يفسد به إدراكه وحركته الطبيعية فإما أن يذهب إدراكه بالكلية كالعمى والصمم والشلل وإما أن ينقص إدراكه لضعف فى آلات الإدراك مع استقامة إدراكه وإما أن يدرك الأشياء على خلاف ما هى عليه كما يدرك الحلو مرا والخبيث طيبا والطيب خبيثا. وأما فساد حركته الطبيعية: فمثل أن تضعف قوته الهاضمة أو الماسكة أو الدافعة أو الجاذبة فيحصل له من الألم بحسب خروجه عن الاعتدال ولكن مع ذلك لم يصل إلى حد الموت والهلاك بل فيه نوع قوة على الإدراك والحركة. وسبب هذا الخروج عن الاعتدال: إما فساد فى الكمية أو فى الكيفية. فالأول: إما لنقص فى المادة فيحتاج إلى زيادتها وإما لزيادة فيها فيحتاج إلى نقصانها. والثانى: إما بزيادة الحرارة أو البرودة أو الرطوبة أو اليبوسة أو نقصانها عن القدر الطبيعى فيداوى بمقتضى ذلك ومدار الصحة على حفظ القوة والحمية عن المؤذى واستفراغ المواد الفاسدة. ونظر الطبيب دائر على هذه الأصول الثلاثة وقد تضمنها الكتاب العزيز وأرشد إليها من أنزله شفاء ورحمة.(1\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1287",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأما حفظ القوة: فإنه سبحانه أمر المسافر والمريض أن يفطرا فى رمضان ويقضى المسافر إذا قدم والمريض إذا برئ حفظا لقوتهما عليهما فإن الصوم يزيد المريض ضعفا والمسافر يحتاج إلى توفير قوته عليه لمشقة السفر والصوم يضعفها. وأما الحمية عن المؤذى: فإنه سبحانه حمى المريض عن استعمال الماء البارد فى الوضوء والغسل إذا كان يضره وأمره بالعدول إلى التيمم حمية له عن ورود المؤذى عليه من ظاهر بدنه فكيف بالمؤذى له فى باطنه. وأما استفراغ المادة الفاسدة: فإنه سبحانه أباح للمحرم الذى به أذى من رأسه أن يحلقه فيستفرغ بالحلق الأبخرة المؤذية له وهذا من أسهل أنواع الاستفراغ وأخفها فنبه به على ما هو أحوج إليه منه. وذاكرت مرة بعض رؤساء الطب بمصر بهذا فقال: والله لو سافرت إلى الغرب فى معرفة هذه الفائدة لكان سفرا قليلا أو كما قال. وإذا عرف هذا فالقلب محتاج إلى ما يحفظ عليه قوته وهو الإيمان وأوراد الطاعات وإلى حمية عن المؤذى الضار وذلك باجتناب الآثام والمعاصى وأنواع المخالفات وإلى استفراغه من كل مادة فاسدة تعرض له وذلك بالتوبة النصوح واستغفار غافر الخطيئات. ومرضه هو نوع فساد يحصل له يفسد به تصوره للحق وإرادته له فلا يرى الحق حقا أو يراه على خلاف ما هو عليه أو ينقص إدراكه له وتفسد به إرادته له فيبغض الحق النافع أو يحب الباطل الضار أو يجتمعان له وهو الغالب ولهذا يفسر المرض الذى يعرض له تارة بالشك والريب كما قال مجاهد وقتادة فى قوله تعالى: فى قلوبهم مرض [البقرة: 10] . أى شك. وتارة بشهوة الزنا كما فسر به قوله تعالى: فيطمع الذى فى قلبه مرض [الأحزاب: 32] .(1\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1288",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالأول مرض الشبهة والثانى مرض الشهوة. والصحة تحفظ بالمثل والشبه والمرض يدفع بالضد والخلاف وهو يقوى بمثل سببه ويزول بضده والصحة تحفظ بمثل سببها وتضعف أو تزول بضده. ولما كان البدن المريض يؤذيه ما لا يؤذى الصحيح: من يسير الحر والبرد والحركة ونحو ذلك فكذلك القلب إذا كان فيه مرض آذاه أدنى شىء: من الشبهة أو الشهوة حيث لا يقدر على دفعهما إذا وردا عليه والقلب الصحيح القوى يطرقه أضعاف ذلك وهو يدفعه بقوته وصحته. وبالجملة فإذا حصل للمريض مثل سبب مرضه زاد مرضه وضعفت قوته وترامى إلى التلف ما لم يتدارك ذلك بأن يحصل له ما يقوى قوته ويزيل مرضه.(1\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1289",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "الباب الثالث: في انقسام أمراض القلب إلى قسمين: طبيعية, وشرعية",
        "content": "الباب الثالث: في انقسام أمراض القلب إلى قسمين: طبيعية, وشرعية ... الباب الثالث: فى انقسام أدوية أمراض القلب إلى قسمين: طبيعية وشرعية مرض القلب نوعان: نوع لا يتألم به صاحبه فى الحال وهو النوع المتقدم كمرض الجهل ومرض الشبهات والشكوك ومرض الشهوات. وهذا النوع هو أعظم النوعين ألما ولكن لفساد القلب لا يحس بالألم ولأن سكرة الجهل والهوى تحول بينه وبين إدراك الألم وإلا فألمه حاضر فيه حاصل له وهو متوار عنه باشتغاله بضده وهذا أخطر المرضين وأصعبهما. وعلاجه إلى الرسل وأتباعهم فهم أطباء هذا المرض. والنوع الثانى: مرض مؤلم له فى الحال كالهم والغم والحزن والغيظ وهذا المرض قد يزول بأدوية طبيعية كإزالة أسبابه أو بالمداواة بما يضاد تلك الأسباب ويدفع موجبها مع قيامها وهذا كما أن القلب قد يتألم بما يتألم به البدن ويشقى بما يشقى به البدن فكذلك البدن يتألم كثيرا بما يتألم به القلب ويشقيه ما يشقيه.(1\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1290",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأمراض القلب التى تزول بالأدوية الطبيعية من جنس أمراض البدن وهذه قد لا توجب وحدها شقاءه وعذابه بعد الموت. وأما أمراضه التى لا تزول إلا بالأدوية الإيمانية النبوية فهى التى توجب له الشقاء والعذاب الدائم إن لم يتداركها بأدويتها المضادة لها فإذا استعمل تلك الأدوية حصل له الشفاء ولهذا يقال quot;شفى غيظهquot; فإذا استولى عليه عدوه آلمه ذلك فإذا انتصف منه اشتفى قلبه قال تعالى: قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء [التوبة: 14-15] . فأمر بقتال عدوهم وأعلمهم أن فيه ست فوائد. فالغيظ يؤلم القلب ودواؤه فى شفاء غيظه فإن شفاه بحق اشتفى وإن شفاه بظلم وباطل زاده مرضا من حيث ظن أنه يشفيه وهو كمن شفى مرض العشق بالفجور بالمعشوق فإن ذلك يزيد مرضه ويوجب له أمراضا أخر أصعب من مرض العشق كما سيأتى إن شاء الله تعالى وكذلك الغم والهم والحزن أمراض للقلب وشفاؤها بأضدادها: من الفرح والسرور فإن كان ذلك بحق اشتفى القلب وصح وبرئ من مرضه وإن كان بباطل توارى ذلك واستتر ولم يزل وأعقب أمراضا هى أصعب وأخطر. وكذلك الجهل مرض يؤلم القلب. فمن الناس من يداويه بعلوم لا تنفع ويعتقد أنه قد صح من مرضه بتلك العلوم وهى فى الحقيقة إنما تزيده مرضا إلى مرضه لكن اشتغال القلب بها عن إدراك الألم الكامن فيه بسبب جهله بالعلوم النافعة التى هى شرط فى صحته وبرئه وقال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى الذين أفتوا بالجهل فهلك المستفتى بفتواهم quot;قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العى السؤالquot; فجعل الجهل مرضا وشفاءه سؤال أهل العلم. وكذلك الشاك فى الشىء المرتاب فيه يتألم قلبه حتى يحصل له العلم واليقين ولما كان(1\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1291",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك يوجب له حرارة قيل لمن حصل له اليقين: ثلج صدره وحصل له برد اليقين وهو كذلك يضيق بالجهل والضلال عن طريق رشده وينشرح بالهدى والعلم قال الله تعالى: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد فى السماء [الأنعام: 125] . وسيأتى ذكر مرض ضيق الصدر وسببه وعلاجه إن شاء الله تعالى. والمقصود: أن من أمراض القلوب ما يزول بالأدوية الطبيعية. ومنها ما لا يزول إلا بالأدوية الشرعية الإيمانية والقلب له حياة وموت ومرض وشفاء وذلك أعظم مما للبدن.(1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1292",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "الباب الرابع: فى أن حياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه وموته وظلمته مادة كل شر وفتنة فيه",
        "content": "الباب الرابع: فى أن حياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه وموته وظلمته مادة كل شر وفتنة فيه أصل كل خير وسعادة للعبد بل لكل حى ناطق: كمال حياته ونوره. فالحياة والنور مادة الخير كله قال الله تعالى: أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به فى الناس كمن مثله فى الظلمات ليس بخارج منها [الأنعام: 122] . فجمع بين الأصلين: الحياة والنور فبالحياة تكون قوته وسمعه وبصره وحياؤه وعفته وشجاعته وصبره وسائر أخلاقه الفاضلة ومحبته للحسن وبغضه للقبيح. فكلما قويت حياته قويت فيه هذه الصفات وإذا ضعفت حياته ضعفت فيه هذه الصفات وحياؤه من القبائح هو بحسب حياته فى نفسه فالقلب الصحيح الحى إذا عرضت عليه القبائح نفر منها بطبعه وأبغضها ولم يلتفت إليها بخلاف القلب الميت فإنه لا يفرق بين الحسن والقبيح كما قال عبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنه: quot;هلك من لم يكن له قلب يعرف به المعروف وينكر به المنكرquot;.(1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1293",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك القلب المريض بالشهوة فإنه لضعفه يميل إلى ما يعرض له من ذلك بحسب قوة المرض وضعفه. وكذلك إذا قوى نوره وإشراقه انكشفت له صور المعلومات وحقائقها على ما هى عليه فاستبان حسن الحسن بنوره وآثره بحياته وكذلك قبح القبيح وقد ذكر سبحانه وتعالى هذين الأصلين فى مواضع من كتابه. فقال تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم [الشورى: 52] . فجمع بين الروح الذى يحصل به الحياة والنور الذى يحصل به الإضاءة والإشراق وأخبر أن كتابه الذى أنزله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم متضمن للأمرين فهو روح تحيا به القلوب ونور تستضىء وتشرق به كما قال تعالى: أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به فى الناس كمن مثله فى الظلمات ليس بخارج منها [الأنعام: 122] . أى أو من كان كافرا ميت القلب مغمورا فى ظلمة الجهل: فهديناه لرشده ووفقناه للإيمان وجعلنا قلبه حيا بعد موته مشرقا مستنيرا بعد ظلمته فجعل الكافر لانصرافه عن طاعته وجهله بمعرفته وتوحيده وشرائع دينه وترك الأخذ بنصيبه من رضاه والعمل بما يؤديه إلى نجاته وسعادته: بمنزلة الميت الذى لا ينفع نفسه بنافعة ولا يدفع عنها من مكروه فهديناه للإسلام وأنعشناه به فصار يعرف مضار نفسه ومنافعها ويعمل فى خلاصها من سخط الله تعالى وعقابه فأبصر الحق بعد عماه عنه وعرفه بعد جهله به واتبعه بعد إعراضه عنه وحصل له نور وضياء يستضىء به فيمشى بنوره بين الناس وهم فى سدف الظلام كما قيل: ليلى بوجهك مشرق ... وظلامه فى الناس سارى الناس فى سدف الظلا ... م ونحن فى ضوء النهار ولهذا يضرب الله سبحانه وتعالى المثلين المائى والنارى لوحيه ولعباده. أما الأول فكما قال فى سورة الرعد أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه فى النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض كذلك يضرب الله الأمثال [الرعد: 17] .(1\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1294",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فضرب لوحيه المثل بالماء لما يحصل به من الحياة وبالنار لما يحصل بها من الإضاءة والإشراق وأخبر سبحانه أن الأودية تسيل بقدرها فواد كبير يسع ماء كثيرا وواد صغير يسع ماء قليلا. كذلك القلوب مشبهة بالأودية فقلب كبير يسع علما كثيرا وقلب صغير إنما يسع بقدره. وشبه ما تحمله القلوب من الشبهات والشهوات بسبب مخالطة الوحى لها وإمارته لما فيها من ذلك بما يحتمله السيل من الزبد. وشبه بطلان تلك الشبهات باستقرار العلم النافع فيها بذهاب ذلك الزبد وإلقاء الوادى له وإنما يستقر فيه الماء الذى به النفع. وكذلك فى المثل الذى بعده: يذهب الخبث الذى فى ذلك الجوهر ويستقر صفوه. وأما ضرب هذين المثلين للعباد فكما قال فى سورة البقرة: مثلهم كمثل الذى استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم فى ظلمات لا يبصرون صم بكم عمى فهم لا يرجعون [البقرة: 17-18] .فهذا المثل النارى ثم قال أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم فى آذانهم من الصواعق حذر الموت [البقرة: 19] . فهذا المثل المائى. وقد ذكرنا الكلام على أسرار هذين المثلين وبعض ما تضمناه من الحكم فى كتاب المعالم وغيره. والمقصود: أن صلاح القلب وسعادته وفلاحه موقوف على هذين الأصلين. قال تعالى: إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيا [يس: 69-70] . فأخبر أن الانتفاع بالقرآن والإنذار به إنما يحصل لمن هو حى القلب كما قال فى موضع آخر: إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب [ق: 37] . وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم [الأنفال: 24] . فأخبر سبحانه وتعالى أن حياتنا إنما هى بما يدعونا إليه الله والرسول من العلم والإيمان. فعلم أن موت القلب وهلاكه بفقد ذلك. وشبه سبحانه من لا يستجيب لرسوله بأصحاب القبور. وهذا من أحسن التشبيه فإن أبدانهم قبور لقلوبهم. فقد ماتت قلوبهم وقبرت فى أبدانهم. فقال الله تعالى: إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من فى القبور [فاطر: 22] . ولقد أحسن القائل:(1\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1295",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفى الجهل قبل الموت موت لأهله ... وأجسامهم قبل القبور قبور وأرواحهم فى وحشة من جسومهم ... وليس لهم حتى النشور نشور ولهذا جعل سبحانه وحيه الذى يلقيه إلى الأنبياء روحا كما قال تعالى: يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده [غافر: 15] . فى موضعين من كتابه وقال وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا [الشورى: 52]  لأن حياة الأرواح والقلوب به وهذه الحياة الطيبة هى التى خص بها سبحانه من قبل وحيه وعمل به فقال: من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [النحل: 97] . فخصهم سبحانه وتعالى بالحياة الطيبة فى الدارين ومثله قوله تعالى: وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذى فضل فضله [هود: 3] . ومثله قوله تعالى للذين أحسنوا فى هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين [النحل:30] ومثله قوله تعالى للذين أحسنوا فى هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة [الزمر: 10] . فبين سبحانه أنه يسعد المحسن بإحسانه فى الدنيا وفى الآخرة كما أخبر أنه يشقى المسىء بإساءته فى الدنيا والآخرة. قال تعالى: ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى [طه: 124] . وقال تعالى وقد جمع بين النوعين: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد فى السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون [الأنعام: 125] . فأهل الهدى والإيمان لهم شرح الصدر واتساعه وانفساحه وأهل الضلال لهم ضيق الصدر والحرج. وقال تعالى: أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه [الزمر: 22] . فأهل الإيمان فى النور وانشراح الصدور وأهل الضلال فى الظلمة وضيق الصدور. وسيأتى فى باب طهارة القلب مزيد تقرير لهذا إن شاء الله تعالى. والمقصود: أن حياة القلب وإضاءته مادة كل خير فيه وموته وظلمته مادة كل شر فيه.(1\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1296",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "الباب الخامس: فى أن حياة القلب وصحته لا تحصل إلا بأن يكون مدركا للحق مريدا له، مؤثرا له على غيره.",
        "content": "الباب الخامس: فى أن حياة القلب وصحته لا تحصل إلا بأن يكون مدركا للحق مريدا له مؤثرا له على غيره. لما كان فى القلب قوتان: قوة العلم والتمييز وقوة الإرادة والحب. كان كماله وصلاحه باستعمال هاتين القوتين فيما ينفعه ويعود عليه بصلاحه وسعادته. فكماله باستعمال قوة العلم فى إدراك الحق ومعرفته والتمييز بينه وبين الباطل وباستعمال قوة الإرادة والمحبة فى طلب الحق ومحبته وإيثاره على الباطل. فمن لم يعرف الحق فهو ضال ومن عرفه وآثر غيره عليه فهو مغضوب عليه. ومن عرفه واتبعه فهو منعم عليه. وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نسأله فى صلاتنا أن يهدينا صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ولهذا كان النصارى أخص بالضلال لأنهم أمة جهل. واليهود أخص بالغضب لأنهم أمة عناد. وهذه الأمة هم المنعم عليهم. ولهذا قال سفيان بن عيينة: من فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى ومن فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود لأن النصارى عبدوا بغير علم واليهود عرفوا الحق وعدلوا عنه. وفى المسند والترمذى من حديث عدى بن حاتم عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالونquot;. وقد جمع الله سبحانه بين هذين الأصلين فى غير موضع من كتابه فمنها قوله تعالى: وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لى وليؤمنوا بى لعلهم يرشدون [البقرة: 186] . فجمع سبحانه بين الاستجابة له والإيمان به. ومنها قوله عن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم: فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى أنزل معه أولئك هم المفلحون [الأعراف: 157] وقال تعالى آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1297",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون [البقرة:1-5] . وقال تعالى فى وسط السورة: ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ... إلى آخر الآية [البقرة: 177] وقال تعالى: والعصر إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر [العصر: 1- 3] . فأقسم سبحانه وتعالى بالدهر الذى هو زمن الأعمال الرابحة والخاسرة على أن كل واحد فى خسر إلا من كمل قوته العلمية بالإيمان بالله وقوته العملية بالعمل بطاعته. فهذا كماله فى نفسه ثم كمل غيره بوصيته له بذلك وأمره إياه به وبملاك ذلك وهو الصبر. فكمل نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح وكمل غيره بتعليمه إياه ذلك ووصيته له بالصبر عليه ولهذا قال الشافعى رحمه الله: لو فكر الناس فى سورة والعصر لكفتهم. وهذا المعنى فى القرآن فى مواضع كثيرة: يخبر سبحانه أن أهل السعادة هم الذين عرفوا الحق واتبعوه وأهل الشقاوة هم الذين جهلوا الحق وضلوا عنه أو علموه وخالفوه واتبعوا غيره. وينبغى أن يعرف أن هاتين القوتين لا تتعطلان فى القلب بل إن استعمل قوته العلمية فى معرفة الحق وإدراكه وإلا استعملها فى معرفة ما يليق به ويناسبه من الباطل وإن استعمل قوته الإرادية العملية فى العمل به وإلا استعملها فى ضده فالإنسان حارث همام بالطبع كما قال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;أصدق الأسماء: حارث وهمامquot;. فالحارث الكاسب العامل والهمام المريد فإن النفس متحركة بالإرادة. وحركتها الإرادية لها من لوازم ذاتها والإرادة تستلزم مرادا يكون متصورا لها متميزا عندها فإن لم تتصور الحق وتطلبه وتريده تصورت الباطل وطلبته وأرادته ولا بد. وهذا يتبين بالباب الذى بعده. فنقول:(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1298",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب السادس: فى أنه لا سعادة للقلب ولا لذة ولا نعيم ولا صلاح إلا بأن يكون الله هو إلهه وفاطره وحده وهو معبوده وغاية مطلوبه وأحب إليه من كل ما سواه. معلوم أن كل حى سوى الله سبحانه: من ملك أو إنس أو جن أو حيوان فهو فقير إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره ولا يتم ذلك له إلا بتصوره للنافع والضار والمنفعة من جنس النعيم واللذة والمضرة من جنس الألم والعذاب. فلا بد له من أمرين: أحدهما معرفة ما هو المحبوب المطلوب الذى ينتفع به ويلتذ بإدراكه والثانى: معرفة المعين الموصل المحصل لذلك المقصود. وبإزاء ذلك أمران آخران أحدهما: مكروه بغيض ضار والثانى: معين دافع له عنه فهذه أربعة أشياء: أحدها: أمر هو محبوب مطلوب الوجود. الثانى: أمر مكروه مطلوب العدم. الثالث: الوسيلة إلى حصول المطلوب المحبوب. الرابع: الوسيلة إلى دفع المكروه. فهذه الأمور الأربعة ضرورية للعبد بل ولكل حيوان لا يقوم وجوده وصلاحه إلا بها. فإذا تقرر ذلك فالله تعالى هو الذى يجب أن يكون هو المقصود المدعو المطلوب الذى يراد وجهه ويبتغى قربه ويطلب رضاه وهو المعين على حصول ذلك. وعبودية ما سواه والالتفات إليه والتعلق به: هو المكروه الضار والله هو المعين على دفعه فهو سبحانه الجامع لهذه الأمور الأربعة دون ما سواه. فهو المعبود المحبوب المراد. وهو المعين لعبده على وصوله إليه وعبادته له. والمكروه البغيض إنما يكون بمشيئته وقدرته وهو المعين لعبده على دفعه عنه كما قال أعرف الخلق به صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من(1\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1299",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عقوبتك وأعوذ بك منكquot; وقال: quot;اللهم إنى أسلمت نفسى إليك ووجهت وجهى إليك وفوضت أمرى إليك وألجأت ظهرى إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليكquot;. فمنه المنجى وإليه الملجأ وبه الاستعاذة من شر ما هو كائن بمشيئته وقدرته فالإعاذة فعله والمستعاذ منه فعله أو مفعوله الذى خلقه بمشيئته. فالأمر كله له والحمد كله له والملك كله له والخير كله فى يديه لا يحصى أحد من خلقه ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثنى عليه كل أحد من خلقه. ولهذا كان صلاح العبد وسعادته فى تحقيق معنى قوله: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] . فإن العبودية تتضمن المقصود المطلوب لكن على أكمل الوجوه والمستعان هو الذى يستعان به على المطلوب. فالأول: من معنى ألوهيته والثانى: من معنى ربوبيته فإن الإله هو الذى تألهه القلوب: محبة وإنابة وإجلالا وإكراما وتعظيما وذلا وخضوعا وخوفا ورجاء وتوكلا. والرب تعالى هو الذى يربى عبده فيعطيه خلقه ثم يهديه إلى مصالحه فلا إله إلا هو ولا رب إلا هو فكما أن ربوبية ما سواه أبطل الباطل فكذلك إلهية ما سواه. وقد جمع الله سبحانه بين هذين الأصلين فى مواضع من كتابه كقوله: فاعبده وتوكل عليه [هود: 123] وقوله عن نبيه شعيب وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب [هود: 88] وقوله وتوكل على الحى الذى لا يموت وسبح بحمده [الفرقان: 58] وقوله: وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا [المزمل: 8-9] وقوله قل هو ربى لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب [الرعد: 30] وقوله عن الحنفاء أتباع إبراهيم عليه لسلام ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير [الممتحنة: 4] .(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1300",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذه سبعة مواضع تنتظم هذين الأصلين الجامعين لمعنيى التوحيد اللذين لا سعادة للعبد بدونهما البتة. الوجه الثانى: أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ومحبته والإخلاص له فبذكره تطمئن قلوبهم وتسكن نفوسهم وبرؤيته فى الآخرة تقر عيونهم ويتم نعيمهم فلا يعطيهم فى الآخرة شيئا خيرا لهم ولا أحب إليهم ولا أقر لعيونهم ولا أنعم لقلوبهم: من النظر إليه وسماع كلامه منه بلا واسطة. ولم يعطهم فى الدنيا شيئا خيرا لهم ولا أحب إليهم ولا أقر لعيونهم من الإيمان به ومحبته والشوق إلى لقائه والأنس بقربه والتنعم بذكره. وقد جمع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بين هذين الأمرين فى الدعاء الذى رواه النسائى والإمام أحمد وابن حبان فى صحيحه وغيرهم من حديث عمار ابن ياسر: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يدعو به quot;اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحينى ما علمت الحياة خيرا لى وتوفنى إذا كانت الوفاة خيرا لى وأسألك خشيتك فى الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحق فى الرضى والغضب وأسألك القصد فى الفقر والغنى وأسألك نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لا تنقطع وأسألك الرضى بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك وأسألك الشوق إلى لقائك فى غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة. اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدينquot;. فجمع فى هذا الدعاء العظيم القدر بين أطيب شىء فى الدنيا وهو الشوق إلى لقائه سبحانه وأطيب شىء فى الآخرة وهو النظر إلى وجهه سبحانه. ولما كان كمال ذلك وتمامه موقوفا على عدم ما يضر فى الدنيا. ويفتن فى الدين قال: quot;فى غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلةquot;. ولما كان كمال العبد فى أن يكون عالما بالحق متبعا له معلما لغيره مرشدا له قال: quot;واجعلنا هداة مهتدينquot;. ولما كان الرضى النافع المحصل للمقصود هو الرضى بعد وقوع القضاء لا قبله فإن ذلك عزم على الرضى فإذا وقع القضاء انفسخ ذلك العزم سأل الرضى بعده فإن المقدور يكتنفه أمران: الاستخارة قبل وقوعه والرضى بعد وقوعه. فمن سعادة العبد أن يجمع بينهما كما فى المسند وغيره عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم quot;إن من سعادة ابن آدم استخارة الله ورضاه(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1301",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بما قضى الله وإن من شقاوة ابن آدم ترك استخارة الله وسخطه بما قضى الله تعالىquot;. ولما كانت خشية الله عز وجل رأس كل خير فى المشهد والمغيب سأله خشيته فى الغيب والشهادة. ولما كان أكثر الناس إنما يتكلم بالحق فى رضاه فإذا غضب أخرجه غضبه إلى الباطل وقد يدخله أيضا رضاه فى الباطل سأل الله عز وجل من توفيقه لكلمة الحق فى الغضب والرضى. ولهذا قال بعض السلف: لا تكن ممن إذا رضى أدخله رضاه فى الباطل وإذا غضب أخرجه غضبه من الحق. ولما كان الفقر والغنى محنتين وبليتين يبتلى الله بهما عبده. ففى الغنى يبسط يده وفى الفقر يقبضها سأل الله عز وجل القصد فى الحالين وهو التوسط الذى ليس معه إسراف ولا تقتير. ولما كان النعيم نوعين: نوعا للبدن ونوعا للقلب وهو قرة العين وكماله بدوامه واستمراره جمع بينهما فى قوله quot;أسألك نعيما لا ينفد وقرة عين لا تنقطعquot;. ولما كانت الزينة زينتين: زينة البدن وزينة القلب وكانت زينة القلب أعظمهما قدرا وأجلهما خطرا وإذا حصلت زينة البدن على أكمل الوجوه فى العقبى سأل ربه الزينة الباطنة فقال: quot;زينا بزينة الإيمانquot;. ولما كان العيش فى هذه الدار لا يبرد لأحد كائنا من كان بل هو محشو بالغصص والنكد ومحفوف بالآلام الباطنة والظاهرة سأل برد العيش بعد الموت. والمقصود: أنه جمع فى هذا الدعاء بين أطيب ما فى الدنيا وأطيب ما فى الآخرة. فإن حاجة العباد إلى ربهم فى عبادتهم إياه وتألههم له كحاجتهم إليه فى خلقه لهم ورزقه إياهم(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1302",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومعافاة أبدانهم وستر عوراتهم وتأمين روعاتهم بل حاجتهم إلى تألهه ومحبته وعبوديته أعظم فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم. ولا صلاح لهم ولا نعيم ولا فلاح ولا لذة ولا سعادة بدون ذلك بحال ولهذا كانت quot;لا إله إلا اللهquot; أحسن الحسنات وكان توحيد الإلهية رأس الأمر وأما توحيد الربوبية الذى أقر به المسلم والكافر وقرره أهل الكلام فى كتبهم فلا يكفى وحده بل هو الحجة عليهم كما بين ذلك سبحانه فى كتابه الكريم فى عدة مواضع ولهذا كان حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا كما فى الحديث الصحيح الذى رواه معاذ بن جبل رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال: quot;أتدرى ما حق الله على عباده قلت: الله ورسوله أعلم قال: حقه على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. أتدرى ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك قلت: الله ورسوله أعلم قال: حقهم عليه أن لا يعذبهم بالنارquot; ولذلك يحب سبحانه عباده المؤمنين الموحدين ويفرح بتوبتهم كما أن فى ذلك أعظم لذة العبد وسعادته ونعيمه فليس فى الكائنات شىء غير الله سبحانه يسكن القلب إليه ويطمئن به ويأنس به ويتنعم بالتوجه إليه ومن عبد غيره سبحانه وحصل له به نوع منفعة ولذة فمضرته بذلك أضعاف أضعاف منفعته وهو بمنزلة أكل الطعام المسموم اللذيذ وكما أن السماوات والأرض لو كان فيهما آلهة غيره سبحانه لفسدتا كما قال تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [الأنبياء: 22] . فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله تعالى فسد فسادا لا يرجى صلاحه إلا بأن يخرج ذلك المعبود من قلبه ويكون الله تعالى وحده إلهه ومعبوده الذى يحبه ويرجوه ويخافه ويتوكل عليه وينيب إليه. الوجه الثالث: أن فقر العبد إلى أن يعبد الله سبحانه وحده لا يشرك به شيئا ليس له نظير فيقاس به ولكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الغذاء والشراب والنفس فيقاس بها ولكن بينهما فروق كثيرة فإن حقيقة العبد قلبه وروحه ولا صلاح له إلا بإلهه الحق الذى لا إله إلا هو فلا يطمئن إلا بذكره ولا يسكن إلا بمعرفته وحبه وهو كادح إليه كدحا فملاقيه ولا بد له من لقائه ولا صلاح له إلا بتوحيد محبته وعبادته وخوفه ورجائه ولو حصل له من اللذات والسرور بغيره ما حصل فلا يدوم له ذلك بل ينتقل من نوع إلى نوع ومن شخص إلى شخص ويتنعم بهذا فى حال وبهذا فى حال وكثيرا ما يكون ذلك الذى(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1303",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يتنعم به هو أعظم أسباب ألمه ومضرته. وأما إلهه الحق فلا بد له منه فى كل وقت وفى كل حال وأينما كان فنفس الإيمان به ومحبته وعبادته وإجلاله وذكره هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه كما عليه أهل الإيمان ودلت عليه السنة والقرآن وشهدت به الفطرة والجنان لا كما يقوله من قل نصيبه من التحقيق والعرفان وبخس حظه من الإحسان: إن عبادته وذكره وشكره تكليف ومشقة لمجرد الابتلاء والامتحان أو لأجل مجرد التعويض بالثواب المنفصل كالمعاوضة بالأثمان أو لمجرد رياضة النفس وتهذيبها ليرتفع عن درجة البهيم من الحيوان كما فى مقالات من بخس حظه من معرفة الرحمن وقل نصيبه من ذوق حقائق الإيمان وفرح بما عنده من زبد الأفكار وزبالة الأذهان بل عبادته ومعرفته وتوحيده وشكره قرة عين الإنسان وأفضل لذة للروح والقلب والجنان وأطيب نعيم ناله من كان أهلا لهذا الشان والله المستعان وعليه التكلان. وليس المقصود بالعبادات والأوامر المشقة والكلفة بالقصد الأول وإن وقع ذلك ضمنا وتبعا فى بعضها لأسباب اقتضته لابد منها هى من لوازم هذه النشأة. فأوامره سبحانه وحقه الذى أوجبه على عباده وشرائعه التى شرعها لهم هى قرة العيون ولذة القلوب ونعيم الأرواح وسرورها وبها شفاؤها وسعادتها وفلاحها وكمالها فى معاشها ومعادها بل لا سرور لها ولا فرح ولا لذة ولا نعيم فى الحقيقة إلا بذلك كما قال تعالى: يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما فى الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون [يونس: 57- 58] . قال أبو سعيد الخدرى quot;فضل الله: القرآن ورحمته: أن جعلكم من أهلهquot; وقال هلال بن يساف quot;بالإسلام الذى هداكم إليه. وبالقرآن الذى علمكم إياه هو خير مما تجمعون: من الذهب والفضةquot; وكذلك قال ابن عباس والحسن وقتادة quot;فضله: الإسلام ورحمته: القرآنquot; وقالت طائفة من السلف quot;فضله: القرآن ورحمته: الإسلامquot;. والتحقيق: أن كلا منهما فيه الوصفان الفضل والرحمة وهما الأمران اللذان امتن الله بهما على رسوله عليه الصلاة والسلام فقال: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان [الشورى: 52] . والله سبحانه إنما رفع من رفع بالكتاب والإيمان. ووضع من وضع بعدمهما.(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1304",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: فقد وقع تسمية ذلك تكليفا فى القرآن كقوله: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [البقرة: 286] وقوله: لا نكلف نفسا إلا وسعها [الأنعام: 152] . قيل: نعم إنما جاء ذلك فى جانب النفى ولم يسم سبحانه أوامره ووصاياه وشرائعه تكليفا قط بل سماها روحا ونورا وشفاء وهدى ورحمة وحياة وعهدا ووصية ونحو ذلك. الوجه الرابع: أن أفضل نعيم الآخرة وأجله وأعلاه على الإطلاق هو النظر إلى وجه الرب جل جلاله وسماع خطابه كما فى صحيح مسلم عن صهيب رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون: ما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال: فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليهquot; وفى حديث آخر: quot;فلا يلتفتون إلى شىء من النعيم ما داموا ينظرون إليهquot; فبين النبى عليه الصلاة والسلام أنهم مع كمال تنعمهم بما أعطاهم ربهم فى الجنة لم يعطهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه وإنما كان ذلك أحب إليهم لأن ما يحصل لهم به من اللذة والنعيم والفرح والسرور وقرة العين فوق ما يحصل لهم من التمتع بالأكل والشرب والحور العين ولا نسبة بين اللذتين والنعيمين البتة. ولهذا قال سبحانه وتعالى فى حق الكفار: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم [المطففين: 15-16] . فجمع عليهم نوعى العذاب: عذاب النار وعذاب الحجاب عنه سبحانه كما جمع لأوليائه نوعى النعيم: نعيم التمتع بما فى الجنة. ونعيم التمتع برؤيته وذكر سبحانه هذه الأنواع الأربعة فى هذه السورة فقال فى حق الأبرار: إن الأبرار لفى نعيم على الأرائك ينظرون [المطففين: 22 23] . ولقد هضم معنى الآية من قال: ينظرون إلى أعدائهم يعذبون أو ينظرون إلى قصورهم وبساتينهم أو ينظر بعضهم إلى بعض وكل هذا عدول عن المقصود إلى غيره وإنما المعنى ينظرون إلى وجه ربهم ضد حال الكفار الذين هم عن ربهم لمحجوبون. ثم إنهم لصالوا الجحيم [المطففين: 16] . وتأمل كيف قابل سبحانه ما قاله الكفار فى أعدائهم فى الدنيا وسخروا به منهم بضده فى القيامة فإن الكفار كانوا إذا مر بهم المؤمنون يتغامزون ويضحكون منهم: وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون [المطففين: 32](1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1305",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال تعالى: فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون [المطففين: 34] مقابلة لتغامزهم وضحكهم منهم ثم قال: فأطلق النظر ولم يقيده بمنظور دون منظور وأعلى ما نظروا إليه وأجله وأعظمه هو الله سبحانه. والنظر إليه أجل أنواع النظر وأفضلها وهو أعلى مراتب الهداية فقابل بذلك قولهم: إن هؤلاء لضالون [المطففين: 32] . فالنظر إلى الرب سبحانه مراد من هذين الموضعين ولا بد إما بخصوصه وإما بالعموم والإطلاق ومن تأمل السياق لم يجد الآيتين تحتملان غير إرادة ذلك خصوصا أو عموما. فصل: [فى أن لذة النظر إلى وجه الله يوم القيامة تابعة للتلذذ بمعرفته ومحبته فى الدنيا] وكما أنه لا نسبة لنعيم ما فى الجنة إلى نعيم النظر إلى وجه الأعلى سبحانه فلا نسبة لنعيم الدنيا إلى نعيم محبته ومعرفته والشوق إليه والأنس به بل لذة النظر إليه سبحانه تابعة لمعرفتهم به ومحبتهم له فإن اللذة تتبع الشعور والمحبة. فكلما كان المحب أعرف بالمحبوب وأشد محبة له كان التذاذه بقربه ورؤيته ووصوله إليه أعظم. الوجه الخامس: أن المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضر ولا عطاء ولا منع ولا هدى ولا ضلال ولا نصر ولا خذلان ولا خفض ولا رفع ولا عز ولا ذل بل الله وحده هو الذى يملك له ذلك كله قال الله تعالى: ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم [فاطر: 2] وقال تعالى: وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم [يونس: 107] وقال تعالى: إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذى ينصركم من بعده [آل عمران:160] . وقال تعالى عن صاحب يس: أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عنى شفاعتهم شيئا ولا ينقذون [يس: 23] وقال تعالى: يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون [فاطر: 3] وقال تعالى: أمن هذا الذى هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1306",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فى غرور أمن هذا الذى يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا فى عتو ونفور [الملك: 20- 21] . فجمع سبحانه بين النصر والرزق فإن العبد مضطر إلى من يدفع عنه عدوه بنصره ويجلب له منافعه برزقه فلا بد له من ناصر ورازق. والله وحده هو الذى ينصر ويرزق فهو الرزاق ذو القوة المتين. ومن كمال فطنة العبد ومعرفته: أن يعلم أنه إذا مسه الله بسوء لم يرفعه عنه غيره وإذا ناله بنعمة لم يرزقه إياها سواه. ويذكر أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه: quot;أدرك لى لطيف الفطنة وخفى اللطف فإنى أحب ذلك. قال: يا رب وما لطيف الفطنة قال: إن وقعت عليك ذبابة فاعلم أنى أنا أوقعتها فاسألنى أرفعها. قال: وما خفى اللطف قال: إذا أتتك حبة فاعلم أنى أنا ذكرتك بهاquot; وقد قال تعالى عن السحرة: وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله [البقرة: 102] . فهو سبحانه وحده الذى يكفى عبده وينصره ويرزقه ويكلؤه. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال: سمعت وهبا يقول: قال الله تعالى فى بعض كتبه: quot;بعزتى إنه من اعتصم بى فإن كادته السموات بمن فيهن والأرضون بمن فيهن فإنى أجعل له من ذلك مخرجا ومن لم يعتصم بى فإنى أقطع يديه من أسباب السماء وأخسف به من تحت قدميه الأرض فأجعله فى الهواء ثم أكله إلى نفسه كفى لعبدى ملأى إذا كان عبدى فى طاعتى أعطيه قبل أن يسألنى وأستجيب له قبل أن يدعونى فإنى أعلم بحاجته التى ترفق به منهquot;. قال أحمد: وحدثنا هاشم بن القاسم حدثنا أبو سعيد المؤدب حدثنا من سمع عطاء الخراسانى قال: لقيت وهب بن منبه وهو يطوف بالبيت فقلت له: حدثنى حديثا أحفظه عنك فى مقامى هذا وأوجز قال نعم: quot;أوحى الله تبارك وتعالى إلى داود: يا داود أما وعزتى وعظمتى لا يعتصم بى عبد من عبيدى دون خلقى - أعرف ذلك من نيته - فتكيده السموات السبع ومن فيهن والأرضون السبع ومن فيهن إلا جعلت له من بينهن مخرجا أما وعزتى وعظمتى لا يعتصم عبد من عبادى بمخلوق دونى - أعرف ذلك من نيته- إلا قطعت أسباب السماء من يده وأسخت الأرض من تحت قدميه ثم لا أبالى بأى واد هلكquot;. وهذا الوجه أظهر للعامة من الذى قبله. ولهذا خوطبوا به فى القرآن أكثر من الأول ومنه دعت الرسل إلى الوجه الأول. وإذا تدبر اللبيب القرآن وجد الله سبحانه يدعو عباده(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1307",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بهذا الوجه إلى الوجه الأول وهذا الوجه يقتضى التوكل على الله تعالى والاستعانة به ودعاءه ومسألته دون ما سواه ويقتضى أيضا: محبته وعبادته لإحسانه إلى عبده وإسباغ نعمه عليه فإذا أحبوه وعبدوه وتوكلوا عليه من هذا الوجه دخلوا منه إلى الوجه الأول. ونظير ذلك: من ينزل به بلاء عظيم أو فاقة شديدة أو خوف مقلق فجعل يدعو الله سبحانه ويتضرع إليه حتى فتح له من لذيذ مناجاته وعظيم الإيمان به والإنابة إليه ما هو أحب إليه من تلك الحاجة التى قصدها أولا ولكنه لم يكن يعرف ذلك أولا حتى يطلبه ويشتاق إليه وفى نحو ذلك قال القائل: جزى الله يوم الروع خيرا فإنه ... أرانا على علاته أم ثابت أرانا مصونات الحجاب ولم نكن ... نراهن إلا عند نعت النواعت الوجه السادس: أن تعلق العبد بما سوى الله تعالى مضرة عليه إذا أخذ منه فوق القدر الزائد على حاجته غير مستعين به على طاعته فإذا نال من الطعام والشراب والنكاح واللباس فوق حاجته ضره ذلك ولو أحب سوى الله ما أحب فلا بد أن يسلبه ويفارقه فإن أحبه لغير الله فلا بد أن تضره محبته ويعذب بمحبوبه إما فى الدنيا وإما فى الآخرة والغالب أنه يعذب به فى الدارين قال تعالى: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون [التوبة: 34- 35] . وقال تعالى: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها فى الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون [التوبة: 55] . ولم يصب من قال: إن الآية على التقديم والتأخير كالجرجانى حيث قال: ينتظم قوله فى الحياة الدنيا بعد فصل آخر ليس بموضعه على تأويل فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها فى الحياة الدنيا [التوبة: 55] وهذا القول يروى عن ابن عباس رضى الله عنهما. وهو منقطع واختاره قتادة وجماعة وكأنهم لما أشكل عليهم وجه تعذيبهم بالأموال والأولاد فى الدنيا وأن سرورهم ولذتهم ونعيمهم بذلك فروا إلى التقديم والتأخير. وأما الذين رأوا أن الآية على وجهها ونظمها فاختلفوا فى هذا التعذيب فقال الحسن البصرى: يعذبهم بأخذ الزكاة منها والإنفاق فى الجهاد واختاره ابن جرير وأوضحه. فقال: العذاب بها إلزامهم بما أوجب الله عليهم فيها من حقوقه وفرائضه إذ كان يؤخذ منه ذلك(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1308",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو غير طيب النفس ولا راج من الله جزاء ولا من الآخذ منه حمدا ولا شكرا بل على صغار منه وكره. وهذا أيضا عدول عن المراد بتعذيبهم فى الدنيا بها وذهاب عن مقصود الآية. وقالت طائفة: تعذيبهم بها أنهم يتعرضون بكفرهم لغنيمة أموالهم وسبى أولادهم فإن هذا حكم الكافر وهم فى الباطن كذلك. وهذا أيضا من جنس ما قبله فإن الله سبحانه أقر المنافقين وعصم أموالهم وأولادهم بالإسلام الظاهر وتولى سرائرهم فلو كان المراد ما ذكره هؤلاء لوقع مراده سبحانه من غنيمة أموالهم وسبى أولادهم فإن الإرادة هاهنا كونية بمعنى المشيئة وما شاء الله كان ولا بد وما لم يشأ لم يكن. والصواب والله أعلم أن يقال: تعذيبهم بها هو الأمر المشاهد من تعذيب طلاب الدنيا ومحبيها ومؤثريها على الآخرة: بالحرص على تحصيلها والتعب العظيم فى جمعها ومقاساة أنواع المشاق فى ذلك فلا تجد أتعب ممن الدنيا أكبر همه وهو حريص بجهده على تحصيلها. والعذاب هنا هو الألم والمشقة والتعب كقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;السفر قطعة من العذابquot; وقوله: quot;إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليهquot;. أى يتألم ويتوجع لا أنه يعاقب بأعمالهم وهكذا من كانت الدنيا كل همه أو أكبر همه كما قال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى الحديث الذى رواه الترمذى وغيره من حديث أنس رضى الله عنه: quot; من كانت الآخرة همه جعل الله غناه فى قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهى راغمة. ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر لهquot;. ومن أبلغ العذاب فى الدنيا: تشتيت الشمل وتفرق القلوب وكون الفقر نصب عينى العبد لا يفارقه ولولا سكرة عشاق الدنيا بحبها لاستغاثوا من هذا العذاب على أن أكثرهم(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1309",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يزال يشكو أو يصرخ منه. وفى الترمذى أيضا عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;يقول الله تبارك وتعالى: ابن آدم تفرغ لعبادتى أملأ صدرك غنى وأسد فقرك وإن لا تفعل ملأت يديك شغلا ولم أسد فقركquot;. وهذا أيضا من أنواع العذاب وهو اشتغال القلب والبدن بتحمل أنكاد الدنيا ومحاربة أهلها إياه ومقاساة معاداتهم كما قال بعض السلف: من أحب الدنيا فليوطن نفسه على تحمل المصائب. ومحب الدنيا لا ينفك من ثلاث: هم لازم وتعب دائم وحسرة لا تنقضى وذلك أن محبها لا ينال منها شيئا إلا طمحت نفسه إلى ما فوقه كما فى الحديث الصحيح عن النبى عليه الصلاة والسلام: quot;لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثاquot;. وقد مثل عيسى ابن مريم عليه السلام محب الدنيا بشارب الخمر كلما ازداد شربا ازداد عطشا. وذكر ابن أبى الدنيا أن الحسن البصرى كتب إلى عمر بن عبد العزيز quot;أما بعد: فإن الدنيا دار ظعن ليست بدار إقامة إنما أنزل إليها آدم عليه السلام عقوبة فاحذرها يا أمير المؤمنين فإن الزاد منها تركها والغنى فيها فقرها لها فى كل حين قتيل تذل من أعزها وتفقر من جمعها. هى كالسم يأكله من لا يعرفه وهو حتفه فكن فيها كالمداوى جراحه يحتمى قليلا مخافة ما يكره طويلا ويصبر على شدة الدواء مخافة طول البلاء فاحذر هذه الدار الغرارة الخداعة الختالة التى قد تزينت بخدعها وفتنت بغرورها وختلت بآمالها وتشوفت لخطابها فأصبحت كالعروس المجلوة فالعيون إليها ناظرة والقلوب عليها والهة والنفوس لها عاشقة وهى لأزواجها كلهم قاتلة فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغتر وطغى ونسى المعاد فشغل بها لبه حتى زلت عنها قدمه فعظمت عليه ندامته وكثرت حسرته واجتمعت عليه سكرات الموت وألمه وحسرات الفوت. وعاشق لم ينل منها بغيته فعاش بغصته وذهب بكمده ولم يدرك منها ما طلب ولم تسترح نفسه من التعب فخرج بغير(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1310",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "زاد وقدم على غير مهاد. فكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه وصل الرخاء منها بالبلاء وجعل البقاء فيها إلى فناء. سرورها مشوب بالحزن أمانيها كاذبة وآمالها باطلة وصفوها كدر وعيشها نكد فلو كان ربنا لم يخبر عنها خبرا ولم يضرب لها مثلا لكانت قد أيقظت النائم ونبهت الغافل. فكيف وقد جاء من الله فيها واعظ وعنها زاجر فما لها عند الله قدر ولا وزن ولا نظر إليها منذ خلقها. ولقد عرضت على نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بمفاتيحها وخزائنها لا تنقصه عند الله جناح بعوضة فأبى أن يقبلها كره أن يحب ما أبغض خالقه أو يرفع ما وضع مليكه. فزواها عن الصالحين اختيارا وبسطها لأعدائه اغترارا. فيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أكرم بها ونسى ما صنع الله عز وجل برسوله صلى الله عليه وسلم حين شد الحجر على بطنهquot;. وقال الحسن أيضا: إن قوما أكرموا الدنيا فصلبتهم على الخشب. فأهينوها فأهنأ ما تكون إذا أهنتموها. وهذا باب واسع. وأهل الدنيا وعشاقها أعلم بما يقاسونه من العذاب وأنواع الألم فى طلبها. ولما كانت هى أكبر هم من لا يؤمن بالآخرة ولا يرجو لقاء ربه كان عذابه بها بحسب حرصه عليها وشدة اجتهاده فى طلبها. وإذا أردت أن تعرف عذاب أهلها بها فتأمل حال عاشق فان فى حب معشوقه وكلما رام قربا من معشوقه نأى عنه ولا يفى له ويهجره ويصل عدوه. فهو مع معشوقه فى أنكد عيش يختار الموت دونه فمعشوقه قليل الوفاء كثير الجفاء كثير الشركاء سريع الاستحالة عظيم الخيانة كثير التلون لا يأمن عاشقه معه على نفسه ولا على ماله مع أنه لا صبر له عنه ولا يجد عنه سبيلا إلى سلوة تريحه ولا وصال يدوم له فلو لم يكن لهذا العاشق عذاب إلا هذا العاجل لكفى به فكيف إذا حيل بينه وبين لذاته كلها وصار معذبا بنفس ما كان ملتذا به على قدر لذته به التى شغلته عن سعيه فى طلب زاده ومصالح معاده وسنعود إلى تمام الكلام فى هذا الباب فى باب ذكر علاج مرض القلب بحب الدنيا إن شاء الله تعالى إذ المقصود بيان أن من أحب شيئا سوى الله تعالى ولم تكن محبته له(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1311",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لله تعالى ولا لكونه معينا له على طاعة الله تعالى: عذب به فى الدنيا قبل يوم القيامة. كما قيل: أنت القتيل بكل من أحببته ... فاختر لنفسك فى الهوى من تصطفى فإذا كان يوم المعاد ولى الحكم العدل سبحانه كل محب ما كان يحبه فى الدنيا. فكان معه: إما منعما أو معذبا. ولهذا: quot;يمثل لصاحب المال ماله شجاعا أقرع يأخذ بلهزمتيه يعنى شدقيه يقول: أنا مالك أنا كنزك ويصفح له صفائح من نار يكوى بها جبينه وجنبه وظهرهquot;. وكذلك عاشق الصور إذا اجتمع هو ومعشوقه على غير طاعة الله تعالى جمع الله بينهما فى النار وعذب كل منهما بصاحبه. قال تعالى: الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين [الزخرف: 67] . وأخبر سبحانه أن الذين توادوا فى الدنيا على الشرك يكفر بعضهم ببعض يوم القيامة ويلعن بعضهم بعضا ومأواهم النار وما لهم من ناصرين. فالمحب مع محبوبه دنيا وأخرى. ولهذا يقول الله تعالى يوم القيامة للخلق: quot;أليس عدلا منى أن أولى كل رجل منكم ما كان يتولى فى دار الدنيا quot;. وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: quot;المرء مع من أحبquot;. وقال تعالى: ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتا ليتنى لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلنى عن الذكر بعد إذ جاءنى وكان الشيطان للإنسان خذولا [الفرقان: 27 - 29] . وقال تعالى: احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسئولون مالكم لا تناصرون [الصافات: 22 - 25] . قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه quot;أزواجهم: أشباههم ونظراؤهمquot; وقال تعالى: وإذا النفوس زوجت [التكوير:7] . فقرن كل شكل إلى شكله وجعل معه قرينا وزوجا: البر مع البر والفاجر مع الفاجر. والمقصود: أن من أحب شيئا سوى الله عز وجل فالضرر حاصل له بمحبوبه: إن وجد وإن فقد فإنه إن فقده عذب بفراقه وتألم على قدر تعلق قلبه به وإن وجده كان ما يحصل(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1312",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له من الألم قبل حصوله ومن النكد فى حال حصوله ومن الحسرة عليه بعد فوته أضعاف أضعاف ما فى حصوله له من اللذة: فما فى الأرض أشقى من محب ... وإن وجد الهوى حلو المذاق تراه باكيا فى كل ... حالمخافة فرقة أو لاشتياق فيبكى إن نأوا شوقا إليهم ... ويبكى إن دنوا حذر الفراق فتسخن عينه عند التلاقى ... وتسخن عينه عند الفراق وهذا أمر معلوم بالاستقراء والاعتبار والتجارب ولهذا قال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى الحديث الذى رواه الترمذى وغيره: quot;الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاهquot; فذكره: جميع أنواع طاعته فكل من كان فى طاعته فهو ذاكره وإن لم يتحرك لسانه بالذكر وكل من والاه الله فقد أحبه وقربه فاللعنة لا تنال ذلك إلا بوجهه وهى نائلة كل ما عداه. الوجه السابع: أن اعتماد العبد على المخلوق وتوكله عليه يوجب له الضرر من جهته هو ولا بد عكس ما أمله منه فلا بد أن يخذل من الجهة التى قدر أن ينصر منها ويذم من حيث قدر أن يحمد وهذا أيضا كما أنه ثابت بالقرآن والسنة فهو معلوم بالاستقراء والتجارب قال تعالى: واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا [مريم: 81- 82] وقال تعالى: واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون [يس: 74- 75] . أى يغضبون لهم ويحاربون كما يغضب الجند ويحارب عن أصحابه وهم لا يستطيعون نصرهم بل هم كل عليهم. وقال تعالى: وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التى يدعون من دون الله من شىء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب [هود: 101] . أى غير تخسير وقال تعالى: فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين [الشعراء: 213] وقال تعالى: لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا [الإسراء: 22] . فإن المشرك يرجو بشركه النصر تارة والحمد والثناء تارة فأخبر سبحانه أن مقصوده ينعكس عليه ويحصل له الخذلان والذم. والمقصود: أن هذين الوجهين فى المخلوق وضدهما فى الخالق سبحانه. فصلاح القلب(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1313",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسعادته وفلاحه فى عبادة الله تعالى والاستعانة به وهلاكه وشقاؤه وضرره العاجل والآجل فى عبادة المخلوق والاستعانة به. الوجه الثامن: أن الله سبحانه غنى كريم عزيز رحيم. فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه يريد به الخير ويكشف عنه الضر لا لجلب منفعه إليه من العبد ولا لدفع مضرة بل رحمة منه وإحسانا. فهو سبحانه لم يخلق خلقه ليتكثر بهم من قلة ولا ليعتز بهم من ذلة ولا ليرزقوه قوة ولا لينفعوه ولا ليدفعوا عنه كما قال تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين [الذاريات: 56 - 58] وقال تعالى: وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك فى الملك ولم يكن له ولى من الذل وكبره تكبيرا [الإسراء: 111] . فهو سبحانه لا يوالى من يواليه من الذل كما يوالى المخلوق المخلوق وإنما يوالى أولياءه إحسانا ورحمة ومحبة لهم. وأما العباد فإنهم كما قال عز وجل: والله الغنى وأنتم الفقراء [محمد: 38] . فهم لفقرهم وحاجتهم إنما يحسن بعضهم إلى بعض لحاجته إلى ذلك وانتفاعه به عاجلا أو آجلا. ولولا تصور ذلك النفع لما أحسن إليه. فهو فى الحقيقة إنما أراد الإحسان إلى نفسه وجعل إحسانه إلى غيره وسيلة وطريقا إلى وصول نفع ذلك الإحسان إليه. فإنه إما أن يحسن إليه لتوقع جزائه فى العاجل فهو محتاج إلى ذلك الجزاء أو معاوضة بإحسانه أو لتوقع حمده وشكره. وهو أيضا إنما يحسن إليه ليحصل منه ما هو محتاج إليه من الثناء والمدح فهو محسن إلى نفسه بإحسانه إلى الغير. وإما أن يريد الجزاء من الله تعالى فى الآخرة فهو أيضا محسن إلى نفسه بذلك وإنما أخر جزاءه إلى يوم فقره وفاقته فهو غير ملوم فى هذا القصد فإنه فقير محتاج وفقره وحاجته أمر لازم له من لوازم ذاته فكماله أن يحرص على ما ينفعه ولا يعجز عنه وقال تعالى: إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم [الإسراء: 7] وقال: وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون [البقرة: 272] . وقال تعالى فيما رواه عنه رسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot; يا عبادى: إنكم لن تبلغوا نفعى فتنفعونى ولن تبلغوا ضري فتضرونى يا عبادى: إنما هى أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسهquot;.(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1314",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالمخلوق لا يقصد منفعتك بالقصد الأول بل إنما يقصد انتفاعه بك. والرب تعالى إنما يريد نفعك لا انتفاعه به وذلك منفعة محضة لك خالصة من المضرة بخلاف إرادة المخلوق نفعك فإنه قد يكون فيه مضرة عليك ولو بتحمل منته. فتدبر هذا فإن ملاحظته تمنعك أن ترجو المخلوق أو تعامله دون الله عز وجل أو تطلب منه نفعا أو دفعا أو تعلق قلبك به فإنه إنما يريد انتفاعه بك لا محض نفعك وهذا حال الخلق كلهم بعضهم مع بعض وهو حال الولد مع والده والزوج مع زوجه والمملوك مع سيده والشريك مع شريكه. فالسعيد من عاملهم لله تعالى لا لهم وأحسن إليهم لله تعالى وخاف الله تعالى فيهم ولم يخفهم مع الله تعالى ورجا الله تعالى بالإحسان إليهم ولم يرجهم مع الله وأحبهم بحب الله ولم يحبهم مع الله تعالى كما قال أولياء الله عز وجل: إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا [الإنسان: 9] . الوجه التاسع: أن العبد المخلوق لا يعلم مصلحتك حتى يعرفه الله تعالى إياها ولا يقدر على تحصيلها لك حتى يقدره الله تعالى عليها ولا يريد ذلك حتى يخلق الله فيه إرادة ومشيئة. فعاد الأمر كله لمن ابتدأ منه وهو الذى بيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله فتعلق القلب بغيره رجاء وخوفا وتوكلا وعبودية: ضرر محض لا منفعة فيه وما يحصل بذلك من المنفعة فهو سبحانه وحده الذى قدرها ويسرها وأوصلها إليك. الوجه العاشر: أن غالب الخلق إنما يريدون قضاء حوائجهم منك وإن أضر ذلك بدينك ودنياك فهم إنما غرضهم قضاء حوائجهم ولو بمضرتك والرب تبارك وتعالى إنما يريدك لك ويريد الإحسان إليك لك لا لمنفعته ويريد دفع الضرر عنك فكيف تعلق أملك ورجاءك وخوفك بغيره وجماع هذا أن تعلم: quot;أن الخلق كلهم لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشىء لم ينفعوك إلا بشىء قد كتبه الله تعالى لك ولو اجتمعوا كلهم على أن يضروك بشىء لم يضروك إلا بشىء قد كتبه الله تعالى عليكquot; قال تعالى: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون [التوبة: 51] .(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1315",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خاتمة لهذا الباب لما كان الإنسان بل وكل حى متحرك بالإرادة لا ينفك عن علم وإرادة وعمل بتلك الإرادة وله مراد مطلوب وطريق وسبب يوصل إليه معين عليه وتارة يكون السبب منه وتارة من خارج منفصل عنه وتارة منه ومن الخارج فصار الحى مجبولا على أن يقصد شيئا ويريده ويستعين بشىء ويعتمد عليه فى حصول مراده. والمراد قسمان: أحدهما: ما هو مراد لنفسه. والثانى: ما هو مراد لغيره. والمستعان قسمان أحدهما: ما هو مستعان بنفسه والثانى: ما هو تبع له وآلة. فهذه أربعة أمور: مراد لنفسه ومراد لغيره ومستعان بنفسه ومستعان بكونه آلة وتبعا للمستعان بنفسه. فلا بد للقلب من مطلوب يطمئن إليه وينتهى إليه محبته. ولا بد له من شىء يتوصل به ويستعين به فى حصول مطلوبه والمستعان مدعو ومسئول والعبادة والاستعانة كثيرا ما يتلازمان فمن اعتمد القلب عليه فى رزقه ونصره ومتفعته ونفعه خضع له وذل له وانقاد له وأحبه من هذه الجهة وإن لم يحبه لذاته لكن قد يغلب عليه حكم الحال حتى يحبه لذاته وينسى مقصوده منه وأما من أحبه القلب وأراده وقصده فقد لا يستعين به ويستعين بغيره عليه كمن أحب مالا أو منصبا أو امرأة فإن علم أن محبوبه قادر على تحصيل غرضه استعان به فاجتمع له محبته والاستعانة به. فالأقسام أربعة: محبوب لنفسه وذاته مستعان بنفسه. فهذا أعلى الأقسام وليس ذلك إلا لله وحده. وكل ما سواه فإنما ينبغى أن يحب تبعا لمحبته ويستعان به لكونه آلة وسببا. الثانى: محبوب لغيره ومستعان به أيضا كالمحبوب الذى هو قادر على تحصيل غرض محبه الثالث: محبوب مستعان عليه بغيره الرابع: مستعان به غير محبوب فى نفسه. فإذا عرف ذلك تبين من أحق هذه الأقسام الأربعة بالعبودية والاستعانة وأن محبة غيره واستعانته به إن لم تكن وسيلة إلى محبته واستعانته وإلا كانت مضرة على العبد ومفسدتها أعظم من مصلحتها. والله المستعان وعليه التكلان.(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1316",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "الباب السابع: فى أن القرآن متضمن لأدوية القلب، وعلاجه من جميع أمراضه",
        "content": "الباب السابع: فى أن القرآن متضمن لأدوية القلب وعلاجه من جميع أمراضه قال الله عز وجل: يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما فى الصدور [يونس: 57] وقال تعالى: وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين [الإسراء: 82] . وقد تقدم أن جماع أمراض القلب هى أمراض الشبهات والشهوات. والقرآن شفاء للنوعين. ففيه من البينات والبراهين القطعية ما يبين الحق من الباطل فتزول أمراض الشبه المفسدة للعلم والتصور والإدراك بحيث يرى الأشياء على ما هى عليه وليس تحت أديم السماء كتاب متضمن للبراهين والآيات على المطالب العالية: من التوحيد وإثبات الصفات وإثبات المعاد والنبوات ورد النحل الباطلة والآراء الفاسدة مثل القرآن. فإنه كفيل بذلك كله متضمن له على أتم الوجوه وأحسنها وأقربها إلى العقول وأفصحها بيانا. فهو الشفاء على الحقيقة من أدواء الشبه والشكوك ولكن ذلك موقوف على فهمه ومعرفة المراد منه. فمن رزقه الله تعالى ذلك أبصر الحق والباطل عيانا بقلبه كما يرى الليل والنهار وعلم أن ما عداه من كتب الناس وآرائهم ومعقولاتهم بين علوم لا ثقة بها وإنما هى آراء وتقليد. وبين ظنون كاذبة لا تغنى من الحق شيئا. وبين أمور صحيحة لا منفعة للقلب فيها. وبين علوم صحيحة قد وعروا الطريق إلى تحصيلها وأطالوا الكلام فى إثباتها مع قلة نفعها. فهى: quot;لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتفلquot;. وأحسن ما عند المتكلمين وغيرهم فهو فى القرآن أصح تقريرا وأحسن تفسيرا فليس عندهم إلا التكلف والتطويل والتعقيد كما قيل: لولا التنافس فى الدنيا لما وضعت ... كتب التناظر لا المغنى ولا العمد يحللون بزعم منهم عقدا ... وبالذى وضعوه زادت العقد(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1317",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهم يزعمون أنهم يدفعون بالذى وضعوه الشبه والشكوك والفاضل الذكى يعلم أن الشبه والشكوك زادت بذلك. ومن المحال أن لا يحصل الشفاء والهدى والعلم واليقين من كتاب الله تعالى وكلام رسوله ويحصل من كلام هؤلاء المتحيرين المتشككين الشاكين الذين أخبر الواقف على نهايات إقدامهم بما انتهى إليه من ميراثهم حيث يقول: نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعى العالمين ضلال وأرواحنا فى وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرناسوى ... أن جمعنا فيه قيل وقالوا لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفى عليلا ولا تروى غليلا. ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن أقرأ فى الإثبات: الرحمن على العرش استوى [طه: 5]  إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر: 10] وأقرأ فى النفى: ليس كمثله شىء [الشورى: 11]  ولا يحيطون به علما [طه: 110] . ومن جرب مثل تجربتى عرف مثل معرفتى. فهذا إنشاده وألفاظه فى آخر كتبه. وهو أفضل أهل زمانه على الإطلاق فى علم الكلام والفلسفة وكلام أمثاله فى مثل ذلك كثير جدا قد ذكرناه فى كتاب الصواعق وغيره. وذكرنا قول بعض العارفين بكلام هؤلاء quot;آخر أمر المتكلمين الشك وآخر أمر المتصوفين الشطحquot; والقرآن يوصلك إلى نفس اليقين فى هذه المطالب التى هى أعلى مطالب العباد ولذلك أنزله من تكلم به. وجعله شفاء لما فى الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين. وأما شفاؤه لمرض الشهوات فذلك بما فيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب والتزهيد فى الدنيا والترغيب فى الآخرة والأمثال والقصص التى فيها أنواع العبر والاستبصار فيرغب القلب السليم إذا أبصر ذلك فيما ينفعه فى معاشه ومعاده ويرغب عما يضره فيصير القلب محبا للرشد مبغضا للغى. فالقرآن مزيل للأمراض الموجهة للإرادات الفاسدة فيصلح القلب فتصلح إرادته ويعود إلى فطرته التى فطر عليها فتصلح أفعاله(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1318",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاختيارية الكسبية كما يعود البدن بصحته وصلاحه إلى الحال الطبيعى فيصير بحيث لا يقبل إلا الحق كما أن الطفل ليس بقابل إلا اللبن. وعاد الفتى كالطفل ليس بقابل ... سوى المحض شيئا واستراحت عواذله فيتغذى القلب من الإيمان والقرآن بما يزكيه ويقويه ويؤيده ويفرحه ويسره وينشطه ويثبت ملكه كما يتغذى البدن بما ينميه ويقويه. وكل من القلب والبدن محتاج إلى أن يتربى فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح فكما أن البدن محتاج إلى أن يزكو بالأغذية المصلحة له والحمية عما يضره فلا ينمو إلا بإعطائه ما ينفعه ومنع ما يضره فكذلك القلب لا يزكو ولا ينمو ولا يتم صلاحه إلا بذلك ولا سبيل له إلى الوصول إلى ذلك إلا من القرآن وإن وصل إلى شىء منه من غيره فهو نزر يسير لا يحصله به تمام المقصود وكذلك الزرع لا يتم إلا بهذين الأمرين فحينئذ يقال: زكا الزرع وكمل. ولما كانت حياته ونعيمه لا تتم إلا بزكاته وطهارته لم يكن بد من ذكر هذا وهذا فنقول:(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1319",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "الباب الثامن: فى زكاة القلب",
        "content": "الباب الثامن: فى زكاة القلب الزكاة فى اللغة: هى النماء والزيادة فى الصلاح وكمال الشىء يقال: زكا الشىء إذا نما قال الله تعالى: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها [التوبة: 103] . فجمع بين الأمرين: الطهارة والزكاة لتلازمهما. فإن نجاسة الفواحش والمعاصى فى القلب بمنزلة الأخلاط الرديئة فى البدن وبمنزلة الدغل فى الزرع وبمنزلة الخبث فى الذهب والفضة والنحاس والحديد فكما أن البدن إذا استفرغ من الأخلاط الرديئة تخلصت القوة الطبيعية منها فاستراحت فعملت عملها بلا معوق ولا ممانع فنما البدن فكذلك القلب إذا تخلص من الذنوب بالتوبة فقد استفرغ من تخليطه فتخلصت إرادة القلب وإرادته للخير فاستراح(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1320",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من تلك الجواذب الفاسدة والمواد الرديئة: زكا ونما وقوى واشتد وجلس على سرير ملكه ونفذ حكمه فى رعيته فسمعت له وأطاعت. فلا سبيل له إلى زكاته إلا بعد طهارته كما قال تعالى: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون [النور: 30] . فجعل الزكاة بعد غض البصر وحفظ الفرج. ولهذا كان غض البصر عن المحارم يوجب ثلاث فوائد عظيمة الخطر جليلة القدر: إحداها: حلاوة الإيمان ولذته التى هى أحلى وأطيب وألذ مما صرف بصره عنه وتركه لله تعالى فإن من ترك شيئا لله عوضه الله عز وجل خيرا منه والنفس مولعة بحب النظر إلى الصور الجميلة والعين رائد القلب. فيبعث رائده لنظر ما هناك فإذا أخبره بحسن المنظور إليه وجماله تحرك اشتياقا إليه وكثيرا ما يتعب ويتعب رسوله ورائده كما قيل: وكنت متى أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتعبتك المناظر رأيت الذى لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر فإذا كف الرائد عن الكشف والمطالعة استراح القلب من كلفة الطلب والإرادة فمن أطلق لحظاته دامت حسراته فإن النظر يولد المحبة. فتبدأ علاقة يتعلق بها القلب بالمنظور إليه. ثم تقوى فتصير صبابة. ينصب إليه القلب بكليته. ثم تقوى فتصير غراما يلزم القلب كلزوم الغريم الذى لا يفارق غريمه. ثم يقوى فيصير عشقا. وهو الحب المفرط. ثم يقوى فيصير شغفا. وهو الحب الذى قد وصل إلى شغاف القلب وداخله. ثم يقوى فيصير تتيما. والتتيم التعبد ومنه تيمه الحب إذا عبده. وتيم الله عبد الله. فيصير القلب عبدا لمن لا يصلح أن يكون هو عبدا له. وهذا كله جناية النظر فحينئذ يقع القلب فى الأسر. فيصير أسيرا بعد أن كان ملكا ومسجونا بعد أن كان مطلقا. يتظلم من الطرف ويشكوه. والطرف يقول: أنا رائدك ورسولك وأنت بعثتنى. وهذا إنما ابتلى به القلوب الفارغة من حب الله والإخلاص له فإن القلب لا بد له من التعلق بمحبوب. فمن لم يكن الله وحده محبوبه وإلهه ومعبوده فلا بد أن ينعقد قلبه لغيره. قال تعالى عن يوسف الصديق عليه السلام: كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين [يوسف: 24] . فامرأة العزيز لما كانت مشركة وقعت فيما وقعت فيه مع كونها ذات زوج ويوسف عليه السلام لما كان مخلصا لله تعالى نجا من ذلك مع كونه شابا عزبا غريبا مملوكا.(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1321",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لفائدة الثانية فى غض البصر: نور القلب وصحة الفراسة. قال أبو شجاع الكرمانى: quot;من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة وكف نفسه عن الشهوات وغض بصره عن المحارم واعتاد أكل الحلال لم تخطئ له فراسةquot; وقد ذكر الله سبحانه قصة قوم لوط وما ابتلوا به ثم قال بعد ذلك: إن فى ذلك لآيات للمتوسمين [الحجر: 75] . وهم المتفرسون الذين سلموا من النظر المحرم والفاحشة وقال تعالى عقيب أمره للمؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم: الله نور السموات والأرض [النور: 35] . وسر هذا الخبر: أن الجزاء من جنس العمل. فمن غض بصره عما حرم الله عز وجل عليه عوضه الله تعالى من جنسه ما هو خير منه فكما أمسك نور بصره عن المحرمات أطلق الله نور بصيرته وقلبه فرأى به ما لم يره من أطلق بصره ولم يغضه عن محارم الله تعالى وهذا أمر يحسه الإنسان من نفسه. فإن القلب كالمرآة والهوى كالصدأ فيها. فإذا خلصت المرآة من الصدأ انطبعت فيها صورة الحقائق كما هى عليه. وإذا صدئت لم ينطبع فيها صورة المعلومات. فيكون علمه وكلامه من باب الخرص والظنون. الفائدة الثالثة قوة القلب وثباته وشجاعته فيعطيه الله تعالى بقوته سلطان النصرة كما أعطاه بنوره سلطان الحجة فيجمع له بين السلطانين ويهرب الشيطان منه كما فى الأثر: quot;إن الذى يخالف هواه يفرق الشيطان من ظلهquot;. ولهذا يوجد فى المتبع هواه من ذل النفس وضعفها ومهانتها ما جعله الله لمن عصاه فإنه سبحانه جعل العز لمن أطاعه والذل لمن عصاه. قال تعالى: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين [المنافقون: 8] وقال تعالى: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين [آل عمران: 139] وقال تعالى: من كان يريد العزة فلله العزة جميعا [فاطر: 10] . أى من كان يطلب العزة فليطلبها بطاعة الله: بالكلم الطيب والعمل الصالح وقال بعض السلف: quot;الناس يطلبون العز بأبواب الملوك ولا يجدونه إلا فى طاعة اللهquot; وقال الحسن: quot;وإن هملجت بهم البراذين وطقطقت بهم البغال إن ذل المعصية لفى قلوبهم أبى الله عز وجل إلا أن يذل من عصاه وذلك أن من أطاع الله تعالى فقد والاه ولا يذل من والاه الله كما فى دعاء القنوت: quot;إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديتquot;.(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1322",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمقصود: أن زكاة القلب موقوفة على طهارته كما أن زكاة البدن موقوفة على استفراغه من أخلاطه الرديئة الفاسدة قال تعالى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكى من يشاء والله سميع عليم [النور: 21] . وذكر ذلك سبحانه عقيب تحريم الزنا والقذف ونكاح الزانية فدل على أن التزكى هو باجتناب ذلك. وكذلك قوله تعالى فى الاستئذان على أهل البيوت: وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم [النور: 28] . فإنهم إذا أمروا بالرجوع لئلا يطلعوا على عورة لم يحب صاحب المنزل أن يطلع عليها كان ذلك أزكى لهم كما أن رد البصر وغضه أزكى لصاحبه وقال تعالى: قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى [الأعلى: 14- 15] . وقال تعالى عن موسى عليه السلام فى خطابه لفرعون: هل لك إلى أن تزكى [النازعات: 18] وقال تعالى وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة [فصلت: 6- 7] . قال أكثر المفسرين من السلف ومن بعدهم: هى التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله والإيمان الذى به يزكو القلب فإنه يتضمن نفى إلهية ما سوى الحق من القلب وذلك طهارته وإثبات إلهيته سبحانه وهو أصل كل زكاة ونماء فإن التزكى- وإن كان أصله النماء والزيادة والبركة- فإنما يحصل بإزالة الشر. فلهذا صار التزكى ينتظم الأمرين جمعيا. فأصل ما تزكو به القلوب والأرواح. هو التوحيد: والتزكية جعل الشىء زكيا إما فى ذاته وإما فى الاعتقاد والخبر عنه كما يقال: عدلته وفسقته إذا جعلته كذلك فى الخارج أو فى الاعتقاد والخبر. وعلى هذا فقوله تعالى: فلا تزكوا أنفسكم [النجم: 32] هو على غير معنى قد أفلح من زكاها [الشمس: 9] . أى لا تخبروا بزكاتها وتقولوا: نحن زاكون صالحون متقون ولهذا قال عقيب ذلك: هو أعلم بمن اتقى [النجم: 32] . وكان اسم quot;زينبquot; quot;برةquot; فقال: quot;تزكى نفسها quot; فسماها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم quot;زينبquot; وقال: quot;الله أعلم بأهل البر منكمquot; وكذلك قوله:(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1323",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم [النساء: 49] . أى يعتقدون زكاءها ويخبرون به كما يزكى المزكى الشاهد فيقول عن نفسه ما يقول المزكى فيه كما قال الله تعالى: بل الله يزكى من يشاء [النساء: 49] . أى هو الذى يجعله زاكيا ويخبر بطاعة الله فيصير زاكيا وهذا بخلاف قوله: قد أفلح من زكاها [الشمس: 9] فإنه من باب قوله: هل لك إلى أن تزكى [النازعات: 18] أى تعمل بطاعة الله تعالى فتصير زاكيا ومثله قوله: قد أفلح من تزكى [الأعلى: 14] . وقد اختلف فى الضمير المرفوع فى قوله: زكاها فقيل: هو الله. أى أفلحت نفس زكاها الله عز وجل وخابت نفس دساها وقيل: إن الضمير يعود على فاعل أفلح وهو quot;منquot; سواء كانت موصولة أو موصوفة فإن الضمير لو عاد على الله سبحانه لقال: قد أفلح من زكاه وقد خاب من دساه. والأولون يقولون quot;منquot; وإن كان لفظها مذكرا فإذا وقعت على مؤنث جاز إعادة الضمير عليها بلفظ المؤنث مراعاة للمعنى وبلفظ المذكر مراعاة للفظ وكلاهما من الكلام الفصيح وقد وقع فى القرآن اعتبار لفظها ومعناها فالأول كقوله: ومنهم من يستمع إليك [الأنعام: 25] فأفرد الضمير والثانى كقوله: ومنهم من يستمعون إليك [يونس: 42] . قال المرجحون للقول الأول: يدل على صحة قولنا: ما رواه أهل السنن من حديث ابن أبى مليكة عن عائشة رضى الله عنها قالت: quot;أتيت ليلة فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: رب أعط نفسى تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاهاquot;. فهذا الدعاء كالتفسير لهذه الآية وأن الله تعالى هو الذى يزكى النفوس فتصير زاكية فالله هو المزكى والعبد هو المتزكى. والفرق بينهما فرق ما بين الفاعل والمطاوع. قالوا: والذى جاء فى القرآن من إضافة الزكاة إلى العبد إنما هو بالمعنى الثانى دون الأول. كقوله: قد أفلح من تزكى [الأعلى: 14]  وقوله: هل لك إلى أن تزكى [النازعات: 18] . أى تقبل تزكية الله تعالى لك فتتزكى قالوا: وهذا هو الحق. فإنه لا يفلح إلا من زكاه الله تعالى. قالوا: وهذا اختيار ترجمان القرآن ابن عباس فإنه قال فى رواية على بن أبى طلحة وعطاء والكلبى: quot;قد أفلح من زكى الله تعالى نفسهquot; وقال ابن زيد: quot;قد أفلح من زكى الله تعالى نفسهquot;.(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1324",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واختاره ابن جرير. قالوا: ويشهد لهذا القول أيضا قوله فى أول السورة: فألهمها فجورها وتقواها [الشمس: 8] . قالوا: وأيضا فإنه سبحانه وتعالى أخبر أنه خالق النفس وصفاتها. وذلك فى معنى التسوية. قال أصحاب القول الآخر: ظاهر الكلام ونظمه الصحيح: يقتضى أن يعود الضمير على quot;منquot; أى أفلح من زكى نفسه. هذا هو المفهوم المتبادر إلى الفهم بل لا يكاد يفهم غيره كما إذا قلت: هذه جارية قد ربح من اشتراها وصلاة قد سعد من صلاها وضالة قد خاب من آواها. ونظائر ذلك. قالوا: والنفس مؤنثة فلو عاد الضمير على الله سبحانه لكان وجه الكلام: قد أفلحت نفس زكاها أو أفلحت من زكاها لوقوع quot;منquot; على النفس. قالوا: وإن جاز تفريغ الفعل من التاء لأجل لفظ quot;منquot; كما تقول: قد أفلح من قامت منكن فذاك حيث لا يقع اشتباه والتباس. فإذا وقع الاشتباه لم يكن بد من ذكر ما يزيله. قالوا: و quot;منquot; موصولة بمعنى الذى. ولو قيل: قد أفلح الذى زكاها الله لم يكن جائزا لعود الضمير المؤنث على الذى وهو مذكر. قالوا: وهو سبحانه قصد نسبة الفلاح إلى صاحب النفس إذا زكى نفسه. ولهذا فرغ الفعل من التاء وأتى ب quot;منquot; التى هى بمعنى quot;الذىquot; وهذا الذى عليه جمهور المفسرين حتى أصحاب ابن عباس رضى الله عنهما. وقال قتادة: قد أفلح من زكاها [الشمس: 9] . quot;من عمل خيرا زكاها بطاعة الله عز وجلquot; وقال أيضا: quot;قد أفلح من زكى نفسه بعمل صالحquot; وقال الحسن: quot;قد أفلح من زكى نفسه فأصلحها وحملها على طاعة الله تعالى وقد خاب من أهلكها وحملها على معصية الله تعالىquot; قال ابن قتيبة: quot;يريد أفلح من زكى نفسه أى نماها وأعلاها بالطاعة والبر والصدقة واصطناع المعروفquot;. وقد خاب من دساها [الشمس: 10] . أى نقصها وأخفاها بترك عمل البر وركوب المعاصى. والفاجر أبدا خفى المكان زمن المروءة غامض الشخص ناكس الرأس. فمرتكب الفواحش قد دس نفسه وقمعها ومصطنع المعروف قد شهر نفسه ورفعها. وكانت أجواد العرب تنزل الربى ويفاع الأرض(1\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1325",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لتشهر أماكنها للمعتفين. وتوقد النيران فى الليل للطارقين. وكانت اللئام تنزل الأولاج والأطراف والأهضام لتخفى أماكنها على الطالبين فأولئك أعلوا أنفسهم وزكوها وهؤلاء أخفوا أنفسهم ودسوها. وأنشد: وبواب بيتك فى معلم ... رحيب المباءة والمسرح كفيت العفاة طلاب القرى ... ونبح الكلاب لمستنبح فهذان قولان مشهوران فى الآية. وفيها قول ثالث: أن المعنى: خاب من دس نفسه مع الصالحين وليس منهم حكاه الواحدى قال: ومعنى هذا: أنه أخفى نفسه فى الصالحين يرى الناس أنه منهم وهو منطو على غير ما ينطوى عليه الصالحون. وهذا- وإن كان حقا فى نفسه- لكن فى كونه هو المراد بالآية نظر وإنما يدخل فى الآية بطريق العموم. فإن الذى يدس نفسه بالفجور إذا خالط أهل الخير دس نفسه فيهم والله تعالى أعلم.(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1326",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "الباب التاسع: فى طهارة القلب من أدرانه ونجاساته",
        "content": "الباب التاسع: فى طهارة القلب من أدرانه ونجاساته ... لباب التاسع: فى طهارة القلب من أدرانه ونجاساته هذا الباب وإن كان داخلا فيما قبله كما بينا أن الزكاة لا تحصل إلا بالطهارة ولكنا أفردناه بالذكر لبيان معنى طهارته وشدة الحاجة إليها ودلالة القرآن والسنة عليها. قال الله تعالى: يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر [المدثر: 1- 4] وقال تعالى: أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم فى الدنيا خزى ولهم فى الآخرة عذاب عظيم [المائدة: 41] . وجمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم على أن المراد بالثياب هاهنا القلب والمراد بالطهارة إصلاح الأعمال والأخلاق.(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1327",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الواحدى: اختلف المفسرون فى معناه فروى عطاء عن ابن عباس رضى الله عنهما قال quot;يعنى من الإثم ومما كانت الجاهلية تجيزهquot; وهذا قول قتادة ومجاهد قالا: quot;نفسك فطهرها من الذنبquot; ونحوه قول الشعبى وإبراهيم والضحاك والزهرى. وعلى هذا القول: quot;الثيابquot; عبارة عن النفس والعرب تكنى بالثياب عن النفس ومنه قول الشماخ: رموها بأثواب خفاف فلا ترى ... لها شبها إلا النعام المنفرا رموها يعنى الركاب بأبدانهم. وقال عنترة: فشككت بالرمح الأصمثيابه ... ليس الكريم على القنى بمحرم يعنى نفسه. وقال فى رواية الكلبى: يعنى لا تغدر فتكون غادرا دنس الثياب. وقال سعيد بن جبير: quot;كان الرجل إذا كان غادرا قيل: دنس الثياب وخبيث الثيابquot; وقال عكرمة: quot;لا تلبس ثوبك على معصية ولا على فجرةquot; وروى ذلك عن ابن عباس واحتج بقول الشاعر: وإنى بحمد الله لا ثوب غادر ... لبست ولا من خزية أتقنع وهذا المعنى أراد من قال فى هذه الآية quot;وعملك فأصلحquot; وهو قول أبى رزين ورواية منصور عن مجاهد وأبى روق وقال السدى: يقال للرجل إذا كان صالحا: إنه لطاهر الثياب وإذا كان فاجرا: إنه لخبيث الثياب. قال الشاعر: لا هم إن عامر بن جهم ... أو ذم حجا فى ثياب دسم يعنى أنه متدنس بالخطايا وكما وصفوا الغادر الفاجر بدنس الثوب وصفوا الصالح بطهارة الثوب قال امرؤ القيس: ثياب بنى عوف طهارى نقية يريد أنهم لا يغدرون بل يفون وقال الحسن: quot;خلقك فحسنهquot; وهذا قول القرطبى وعلى هذا: الثياب عبارة عن الخلق لأن خلق الإنسان يشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه.(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1328",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ".. وروى العوفى عن ابن عباس فى هذه الآية quot;لا تكن ثيابك التى تلبس من مكسب غير طيبquot; والمعنى طهرها من أن تكون مغصوبة أو من وجه لا يحل اتخاذها منه وروى عن سعيد بن جبير: quot;وقلبك ونيتك فطهرquot; وقال أبو العباس: الثياب اللباس. ويقال: القلب وعلى هذا ينشد: فسلى ثيابى من ثيابك تنسلى وذهب بعضهم فى تفسير هذه الآية إلى ظاهرها وقال: إنه أمر بتطهير ثيابه من النجاسات التى لا تجوز معها الصلاة وهو قول ابن سيرين وابن زيد. وذكر أبو إسحاق: quot;وثيابك فقصرquot; قال: لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسة فإنه إذا انجر على الأرض لم يؤمن أن يصيبه ما ينجسه وهذا قول طاوس. وقال ابن عرفة quot;معناه: نساءك طهرهنquot; وقد يكنى عن النساء بالثياب واللباس. قال تعالى: أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن [البقرة: 187] . ويكنى عنهن بالإزار ومنه قول الشاعر: ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدى لك من أخى ثقة: إزارى أى أهلى ومنه قول البراء بن معرور للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة العقبة: quot;لنمنعنك مما نمنع منه أزرناquot; أى نساءنا. قلت: الآية تعم هذا كله وتدل عليه بطريق التنبيه واللزوم إن لم تتناول ذلك لفظا فإن المأمور به إن كان طهارة القلب فطهارة الثوب وطيب مكسبه تكميل لذلك فإن خبث الملبس يكسب القلب هيئة خبيثة كما أن خبث المطعم يكسبه ذلك ولذلك حرم لبس جلود النمور والسباع بنهى النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن ذلك فى عدة أحاديث صحاح لا معارض لها لما تكسب القلب من الهيئة المشابهة لتلك الحيوانات فإن الملابسة(1\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1329",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الظاهرة تسرى إلى الباطن ولذلك حرم لبس الحرير والذهب على الذكور لما يكتسب القلب من الهيئة التى تكون لمن ذلك لبسه من النساء وأهل الفخر والخيلاء. والمقصود: أن طهارة الثوب وكونه من مكسب طيب هو من تمام طهارة القلب وكمالها فإن كان المأمور به ذلك فهو وسيلة مقصودة لغيرها فالمقصود لنفسه أولى أن يكون مأمورا به وإن كان المأمور به طهارة القلب وتزكية النفس فلا يتم إلا بذلك فتبين دلالة القرآن على هذا وهذا. وقوله: أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم [المائدة: 41] عقيب قوله: سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه [المائدة: 41] . مما يدل على أن العبد إذا اعتاد سماع الباطل وقبوله أكسبه ذلك تحريفا للحق عن مواضعه فإنه إذا قبل الباطل أحبه ورضيه فإذا جاء الحق بخلافه رده وكذبه إن قدر على ذلك وإلا حرفه كما تصنع الجهمية بآيات الصفات وأحاديثها يردون هذه بالتأويل الذى هو تكذيب بحقائقها وهذه بكونها أخبار آحاد لا يجوز الاعتماد عليها فى باب معرفة الله تعالى وأسمائه وصفاته. فهؤلاء وإخوانهم من الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم فإنها لو طهرت لما أعرضت عن الحق وتعوضت بالباطل عن كلام الله تعالى ورسوله كما أن المنحرفين من أهل الإرادة لما لم تطهر قلوبهم تعوضوا بالسماع الشيطانى عن السماع القرآنى الإيمانى. قال عثمان بن عفان رضى الله عنه: quot;لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام اللهquot;. فالقلب الطاهر لكمال حياته ونوره وتخلصه من الأدران والخبائث لا يشبع من القرآن ولا يتغذى إلا بحقائقه ولا يتداوى إلا بأدويته بخلاف القلب الذى لم يطهره الله تعالى فإنه يتغذى من الأغذية التى تناسبه بحسب ما فيه من النجاسة. فإن القلب النجس كالبدن العليل المريض لا تلائمه الأغذية التى تلائم الصحيح. ودلت الآية على أن طهارة القلب موقوفة على إرادة الله تعالى وأنه سبحانه لما لم يرد أن يطهر قلوب القائلين بالباطل المحرفين للحق لم يحصل لها الطهارة.(1\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1330",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يصح أن تفسر الإرادة هاهنا بالإرادة الدينية وهى الأمر والمحبة فإنه سبحانه قد أراد ذلك لهم أمرا ومحبة ولم يرده منهم كونا فأراد الطهارة لهم وأمرهم بها ولم يرد وقوعها منهم لما له فى ذلك من الحكمة التى فواتها أكره إليه من فوات الطهارة منهم. وقد أشبعنا الكلام فى ذلك فى كتابنا الكبير فى القدر. ودلت الآية على أن من لم يطهر الله قلبه فلا بد أن يناله الخزى فى الدنيا والعذاب فى الآخرة بحسب نجاسة قلبه وخبثه. ولهذا حرم الله سبحانه الجنة على من فى قلبه نجاسة وخبث ولا يدخلها إلا بعد طيبه وطهره. فإنها دار الطيبين. ولهذا يقال لهم: طبتم فادخلوها خالدين [الزمر: 73] . أى ادخلوها بسبب طيبكم. والبشارة عند الموت لهؤلاء دون غيرهم كما قال تعالى: الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون [النحل: 32] . فالجنة لا يدخلها خبيث ولا من فيه شىء من الخبث. فمن تطهر فى الدنيا ولقى الله طاهرا من نجاساته دخلها بغير معوق ومن لم يتطهر فى الدنيا فإن كانت نجاسته عينية كالكافر لم يدخلها بحال. وإن كانت نجاسته كسبية عارضة دخلها بعد ما يتطهر فى النار من تلك النجاسة ثم يخرج منها حتى إن أهل الإيمان إذا جازوا الصراط حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فيهذبون وينقون من بقايا بقيت عليهم قصرت بهم عن الجنة ولم توجب لهم دخول النار حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم فى دخول الجنة. والله سبحانه بحكمته جعل الدخول عليه موقوفا على الطهارة فلا يدخل المصلى عليه حتى يتطهر. وكذلك جعل الدخول إلى جنته موقوفا على الطيب والطهارة فلا يدخلها إلا طيب طاهر. فهما طهارتان: طهارة البدن وطهارة القلب. ولهذا شرع للمتوضئ أن يقول عقيب وضوئه: quot;أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم اجعلنى من التوابين واجعلنى من المتطهرينquot;. فطهارة القلب بالتوبة وطهارة البدن بالماء. فلما اجتمع له الطهران صلح للدخول على الله تعالى والوقوف بين يديه ومناجاته.(1\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1331",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسألت شيخ الإسلام عن معنى دعاء النبى صلى الله عليه وسلم: quot;اللهم طهرنى من خطاياى بالماء والثلج والبردquot;. كيف يطهر الخطايا بذلك وما فائدة التخصيص بذلك وقوله فى لفظ آخر quot;والماء الباردquot; والحار أبلغ فى الإنقاء. فقال: الخطايا توجب للقلب حرارة ونجاسة وضعفا فيرتخى القلب وتضطرم فيه نار الشهوة وتنجسه فإن الخطايا والذنوب له بمنزلة الحطب الذى يمد النار ويوقدها ولهذا كلما كثرت الخطايا اشتدت نار القلب وضعفه والماء يغسل الخبث ويطفئ النار فإن كان باردا أورث الجسم صلابة وقوة فإن كان معه ثلج وبرد كان أقوى فى التبريد وصلابة الجسم وشدته فكان أذهب لأثر الخطايا. هذا معنى كلامه وهو محتاج إلى مزيد بيان وشرح. فاعلم أن هاهنا أربعة أمور: أمران حسيان وأمران معنويان. فالنجاسة التى تزول بالماء هى ومزيلها حسيان وأثر الخطايا التى تزول بالتوبة والاستغفار هى ومزيلها معنويان وصلاح القلب وحياته ونعيمه لا يتم إلا بهذا وهذا. فذكر النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من كل شطر قسما نبه به على القسم الآخر. فتضمن كلامه الأقسام الأربعة فى غاية الاختصار وحسن البيان. كما فى حديث الدعاء بعد الوضوء: quot;اللهم اجعلنى من التوابين واجعلنى من المتطهرينquot;. فإنه يتضمن ذكر الأقسام الأربعة. ومن كمال بيانه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وتحقيقه لما يخبر به ويأمر به: تمثيله الأمر المطلوب المعنوى بالأمر المحسوس. وهذا كثير فى كلامه كقوله فى حديث على بن أبى طالب: quot; سل الله الهدى والسداد واذكر بالهدى هدايتك الطريق وبالسداد سداد السهمquot;. هذا من أبلغ التعليم والنصح حيث أمره أن يذكر إذا سأل الله الهدى إلى طريق رضاه وجنته: كونه مسافرا وقد ضل عن الطريق ولا يدرى أين يتوجه فطلع له رجل خبير بالطريق عالم بها فسأله أن يدله على(1\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1332",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطريق فهكذا شأن طريق الآخرة تمثيلا لها بالطريق المحسوس للمسافر. وحاجة المسافر إلى الله سبحانه: إلى أن يهديه تلك الطريق أعظم من حاجة المسافر إلى بلد من يدله على الطريق الموصل إليها. وكذلك السداد وهو إصابة القصد قولا وعملا فمثله مثل رامى السهم إذا وقع سهمه فى نفس الشىء الذى رماه فقد سدد سهمه وأصاب ولم يقع باطلا فهكذا المصيب للحق فى قوله وعمله بمنزلة المصيب فى رميه. وكثيرا ما يقرن فى القرآن هذا وهذا. فمنه قوله تعالى: وتزودوا فإن خير الزاد التقوى [البقرة: 197] . أمر الحاج بأن يتزودوا لسفرهم ولا يسافروا بغير زاد ثم نبههم على زاد سفر الآخرة وهو التقوى. فكما أنه لا يصل المسافر إلى مقصده إلا بزاد يبلغه إياه فكذلك المسافر إلى الله تعالى والدار الآخرة لا يصل إلا بزاد من التقوى فجمع بين الزادين ومنه قوله تعالى: يا بنى آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير [الأعراف: 26] . فجمع بين الزينتين: زينة البدن باللباس وزينة القلب بالتقوى زينة الظاهر والباطن وكمال الظاهر والباطن ومنه قوله تعالى: فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى [طه: 123] . فنفى عنه الضلال الذى هو عذاب القلب والروح والشقاء الذى هو عذاب البدن والروح أيضا فهو منعم القلب والبدن بالهدى والفلاح ومنه قول امرأة العزيز عن يوسف عليه السلام لما أرته النسوة اللائمات لها فى حبه: فذلكن الذى لمتننى فيه [يوسف: 32] فأرتهن جماله الظاهر. ثم قالت: ولقد راودته عن نفسه فاستعصم [يوسف: 32] . فأخبرت عن جماله الباطن بعفته فأخبرتهن بجمال باطنه وأرتهن جمال ظاهره. فنبه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بقوله: quot;اللهم طهرنى من خطاياى بالماء والثلج والبردquot;. على شدة حاجة البدن والقلب إلى ما يطهرهما ويبردهما ويقويهما وتضمن دعاؤه سؤال هذا وهذا والله تعالى أعلم. وقريب من هذا: أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;كان إذا خرج من الخلاء قال: غفرانكquot;. وفى هذا من السر والله أعلم أن النجو يثقل البدن ويؤذيه باحتباسه والذنوب تثقل القلب وتؤذيه باحتباسها فيه فهما مؤذيان مضران بالبدن والقلب فحمد الله عند خروجه(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1333",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على خلاصه من هذا المؤذى لبدنه وخفة البدن وراحته وسأل أن يخلصه من المؤذى الآخر ويريح قلبه منه ويخففه. وأسرار كلماته وأدعيته صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فوق ما يخطر بالبال. فصل فيما فى الشرك والزنا واللواطة من الخبث وقد وسم الله سبحانه الشرك والزنا واللواطة بالنجاسة والخبث فى كتابه دون سائر الذنوب وإن كانت مشتملة على ذلك لكن الذى وقع فى القرآن قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس [التوبة: 28] وقوله تعالى فى حق اللوطية: ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التى كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين [الأنبياء: 74]  وقالت اللوطية: أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون [النمل: 56] . فأقروا مع شركهم وكفرهم أنهم هم الأخابث الأنجاس وأن لوطا وآله مطهرون من ذلك باجتنابهم له وقال تعالى فى حق الزناة: الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات [النور: 26] . فأما نجاسة الشرك فهى نوعان: نجاسة مغلظة ونجاسة مخففة فالمغلظة: الشرك الأكبر الذى لا يغفره الله عز وجل فإن الله لا يغفر أن يشرك به. والمخففة: الشرك الأصغر كيسير الرياء والتصنع للمخلوق والحلف به وخوفه ورجائه. ونجاسة الشرك عينية. ولهذا جعل سبحانه الشرك نجسا بفتح الجيم ولم يقل: إنما المشركون نجس بالكسر فإن النجس عين النجاسة والنجس بالكسر هو المتنجس. فالثوب إذا أصابه بول أو خمر نجس. والبول والخمر نجس. فأنجس النجاسة الشرك كما أنه أظلم الظلم. فإن النجس فى اللغة والشرع هو المستقذر الذى يطلب مباعدته والبعد منه بحيث لا يلمس ولا يشم ولا يرى(1\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1334",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فضلا أن يخالط ويلابس لقذارته ونفرة الطباع السليمة عنه. وكلما كان الحى أكمل حياة وأصح حياء كان إبعاده لذلك أعظم ونفرته منه أقوى. فالأعيان النجسة إما أن تؤذى البدن أو القلب أو تؤذيهما معا. والنجس قد يؤذى برائحته وقد يؤذى بملابسته وإن لم تكن له رائحة كريهة. والمقصود: أن النجاسة تارة تكون محسوسة ظاهرة وتارة تكون معنوية باطنة فيغلب على الروح والقلب الخبث والنجاسة حتى إن صاحب القلب الحى ليشم من تلك الروح والقلب رائحة خبيثة يتأذى بها كما يتأذى من يشم رائحة النتن ويظهر ذلك كثيرا فى عرقه حتى ليوجد لرائحة عرقه نتنا. فإن نتن الروح والقلب يتصل بباطن البدن أكثر من ظاهره. والعرق يفيض من الباطن ولهذا كان الرجل الصالح طيب العرق. وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أطيب الناس عرقا. قالت أم سليم وقد سألها رسول الله عليه الصلاة والسلام عنه وهى تلتقطه quot;هو من أطيب الطيبquot; فالنفس النجسة الخبيثة يقوى خبثها ونجاستها حتى يبدو على الجسد. والنفس الطيبة بضدها فإذا تجردت وخرجت من البدن وجد لهذه كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض ولتلك كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض. والمقصود: أن الشرك لما كان أظلم الظلم وأقبح القبائح وأنكر المنكرات كان أبغض الأشياء إلى الله تعالى وأكرهها له وأشدها مقتا لديه. ورتب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه وأخبر أنه لا يغفره وأن أهله نجس ومنعهم من قربان حرمه وحرم ذبائحهم ومناكحتهم وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين وجعلهم أعداء له سبحانه ولملائكته ورسله وللمؤمنين وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم وأن يتخذوهم عبيدا وهذا لأن الشرك هضم لحق الربوبية وتنقيص لعظمة الإلهية وسوء ظن(1\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1335",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "برب العالمين كما قال تعالى: ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا [الفتح: 6] . فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الإشراك فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به ولو أحسنوا به الظن لوحدوه حق توحيده ولهذا أخبر سبحانه عن المشركين أنهم ما قدروه حق قدره فى ثلاثة مواضع من كتابه وكيف يقدره حق قدره من جعل له عدلا وندا يحبه ويخافه ويرجوه ويذل له ويخضع له ويهرب من سخطه ويؤثر مرضاته قال تعالى: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله [البقرة: 165] . وقال تعالى: الحمد لله الذى خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون [الأنعام: 1] . أى يجعلون له عدلا فى العبادة والمحبة والتعظيم. وهذه هى التسوية التى أثبتها المشركون بين الله وبين آلهتهم وعرفوا وهم فى النار أنها كانت ضلالا وباطلا فيقولون لآلهتهم وهم فى النار معهم: تالله إن كنا لفى ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين [الشعراء: 97-98] . ومعلوم أنهم ما سووهم به فى الذات والصفات والأفعال ولا قالوا: إن آلهتهم خلقت السماوات والأرض وأنها تحيى وتميت وإنما سووها به فى محبتهم لها وتعظيمهم لها وعبادتهم إياها كما ترى عليه أهل الإشراك ممن ينتسب إلى الإسلام. ومن العجب أنهم ينسبون أهل التوحيد إلى التنقص بالمشايخ والأنبياء والصالحين وما ذنبهم إلا أن قالوا: إنهم عبيد لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وأنهم لا يشفعون لعابديهم أبدا بل قد حرم الله شفاعتهم لهم ولا يشفعون لأهل التوحيد إلا بعد إذن الله لهم فى الشفاعة فليس لهم من الأمر شىء بل الأمر كله لله والشفاعة كلها له سبحانه والولاية له فليس لخلقه من دونه ولى ولا شفيع.(1\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1336",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالشرك والتعطيل مبنيان على سوء الظن بالله تعالى ولهذا قال إبراهيم إمام الحنفاء لخصمائه من المشركين: أإفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين [الصافات: 86-87] . وإن كان المعنى: ما ظنكم به أن يعاملكم ويجازيكم به وقد عبدتم معه غيره وجعلتم له ندا فأنت تجد تحت هذا التهديد: ما ظننتم بربكم من السوء حتى عبدتم معه غيره فإن المشرك إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم معه: من وزير أو ظهير أو عون. وهذا أعظم التنقيص لمن هو غنى عن كل ما سواه بذاته وكل ما سواه فقير إليه بذاته وإما أن يظن أن الله سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشريك وإما أن يظن بأنه لا يعلم حتى يعلمه الواسطة أو لا يرحم حتى يجعله الواسطة يرحم أو لا يكفى عبده وحده أو لا يفعل ما يريد العبد حتى يشفع عنده الواسطة كما يشفع المخلوق عند المخلوق فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع وانتفاعه به وتكثره به من القلة وتعززه به من الذلة أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الواسطة أن ترفع تلك الحاجات إليه كما هو حال ملوك الدنيا وهذا أصل شرك الخلق. أو يظن أنه لا يسمع دعاءهم لبعده عنهم حتى يرفع الوسائط إليه ذلك أو يظن أن للمخلوق عليه حقا فهو يقسم عليه بحق ذلك المخلوق عليه ويتوسل إليه بذلك المخلوق كما يتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم ولا يمكنهم مخالفته وكل هذا تنقص للربوبية وهضم لحقها ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله تعالى وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه من قلب المشرك بسبب قسمته ذلك بينه سبحانه وبين من أشرك به فينقص ويضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من عبده من دونه- لكفى فى شناعته. فالشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه والتنقص لازم له ضرورة شاء المشرك أم أبى ولهذا اقتضى حمده سبحانه وكمال ربوبيته أن لا يغفره وأن يخلد صاحبه فى العذاب الأليم ويجعله أشقى البرية. فلا تجد مشركا قط إلا وهو متنقص لله سبحانه وإن زعم أنه يعظمه بذلك. كما أنك لا تجد مبتدعا إلا وهو متنقص للرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وإن زعم أنه معظم له بتلك البدعة. فإنه يزعم أنها خير من السنة وأولى بالصواب أو يزعم أنها هى السنة وإن كان مستبصرا فى بدعته فهو مشاق لله ورسوله.(1\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1337",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالمتنقصون المنقوصون عند الله تعالى ورسوله وأوليائه: هم أهل الشرك والبدعة ولا سيما من بنى دينه على أن كلام الله ورسوله أدلة لفظية لا تفيد اليقين ولا تغنى من اليقين والعلم شيئا. فيالله للمسلمين أى شىء فات من هذا التنقص. وكذلك من نفى صفات الكمال عن الرب تعالى خشية ما يتوهمه من التشبيه والتجسيم فقد جاء من التنقص بضد ما وصف الله سبحانه نفسه من الكمال. والمقصود: أن هاتين الطائفتين هم أهل التنقص فى الحقيقة بل هم أعظم الناس تنقصا لبس عليهم الشيطان حتى ظنوا أن تنقصهم هو الكمال. ولهذا كانت البدعة قرينة الشرك فى كتاب الله تعالى قال تعالى: قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغى بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون [الأعراف: 33] . فالإثم والبغى قرينان والشرك والبدعة قرينان. فصل وأما نجاسة الذنوب والمعاصى فإنها بوجه آخر فإنها لا تستلزم تنقيص الربوبية ولا سوء الظن بالله عز وجل. ولهذا لم يرتب الله سبحانه عليها من العقوبات والأحكام ما رتبه على الشرك وهكذا استقرت الشريعة على أنه يعفى عن النجاسة المخففة كالنجاسة فى محل الاستجمار وأسفل الخف والحذاء وبول الصبى الرضيع وغير ذلك مالا يعفى عن المغلظة. وكذلك يعفى عن الصغائر ما لا يعفى عن الكبائر ويعفى لأهل التوحيد المحض الذى لم يشوبوه بالشرك ما لا يعفى لمن ليس كذلك فلو لقى الموحد الذى لم يشرك بالله شيئا(1\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1338",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البتة ربه بقراب الأرض خطايا أتاه بقرابها مغفرة ولا يحصل هذا لمن نقص توحيده وشابه بالشرك. فإن التوحيد الخالص الذى لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب. فإنه يتضمن من محبة الله تعالى وإجلاله وتعظيمه وخوفه ورجائه وحده ما يوجب غسل الذنوب ولو كانت قراب الأرض فالنجاسة عارضة والدافع لها قوى فلا تثبت معه ولكن نجاسة الزنا واللواط أغلظ من غيرهما من النجاسات من جهة أنها تفسد القلب وتضعف توحيده جدا ولهذا كان أحظى الناس بهذه النجاسة أكثرهم شركاء فكلما كان الشرك فى العبد أغلب كانت هذه النجاسة والخبائث فيه أكثر وكلما كان أعظم إخلاصا كان منها أبعد كما قال تعالى عن يوسف الصديق عليه السلام. كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين [يوسف: 24] . فإن عشق الصور المحرمة نوع تعبد لها بل هو من أعلى أنواع التعبد ولا سيما إذا استولى على القلب وتمكن منه صار تتيما والتتيم التعبد فيصير العاشق عابدا لمعشوقه وكثيرا ما يغلب حبه وذكره والشوق إليه والسعى فى مرضاته وإيثار محابه على حب الله وذكره والسعى فى مرضاته بل كثيرا ما يذهب ذلك من قلب العاشق بالكلية ويصير متعلقا بمعشوقه من الصور كما هو مشاهد فيصير المعشوق هو إلهه من دون الله عز وجل يقدم رضاه وحبه على رضى الله وحبه ويتقرب إليه ما لا يتقرب إلى الله وينفق فى مرضاته ما لا ينفقه فى مرضاة الله ويتجنب من سخطه ما لا يتجنب من سخط الله تعالى فيصير آثر عنده من ربه: حبا وخضوعا وذلا وسمعا وطاعة. ولهذا كان العشق والشرك متلازمين وإنما حكى الله سبحانه العشق عن المشركين من قوم لوط وعن امرأة العزيز وكانت إذ ذاك مشركة فكلما قوى شرك العبد بلى بعشق الصور وكلما قوى توحيده صرف ذلك عنه. والزنا واللواطة كمال لذتهما إنما يكون مع العشق ولا يخلو صاحبهما منه وإنما لتنقله من محل إلى محل لا يبقى عشقه مقصورا على محل واحد بل ينقسم على سهام كثيرة لكل محبوب نصيب من تألهه وتعبده.(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1339",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فليس فى الذنوب أفسد للقلب والدين من هاتين الفاحشتين ولهما خاصية فى تبعيد القلب من الله فإنهما من أعظم الخبائث فإذا انصبغ القلب بهما بعد ممن هو طيب لا يصعد إليه إلا طيب وكلما ازداد خبثا ازداد من الله بعدا ولهذا قال المسيح عليه السلام فيما رواه الإمام أحمد فى كتاب الزهد: quot;لا يكون البطالون من الحكماء ولا يلج الزناة ملكوت السماءquot;. ولما كانت هذا حال الزنا كان قريبا للشرك فى كتاب الله تعالى. قال الله تعالى: الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين [النور: 3] . والصواب: القول بأن هذه الآية محكمة يعمل بها لم ينسخها شىء وهى مشتملة على خبر وتحريم ولم يأت من ادعى نسخها بحجة البتة والذى أشكل منها على كثير من الناس واضح بحمد الله تعالى فإنهم أشكل عليهم قوله: الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة [النور: 3] هل هو خبر أو نهى أو إباحة فإن كان خبرا فقد رأينا كثيرا من الزناة ينكح عفيفة وإن كان نهيا فيكون قد نهى الزانى أن يتزوج إلا بزانية أو مشركة فيكون نهيا له عن نكاح المؤمنات العفائف وإباحة له فى نكاح المشركات والزوانى والله سبحانه لم يرد ذلك قطعا فلما أشكل عليهم ذلك طلبوا للآية وجها يصح حملها عليه. فقال بعضهم: المراد من النكاح الوطء والزنا فكأنه قال: الزانى لا يزنى إلا بزانية أو مشركة. وهذا فاسد فإنه لا فائدة فيه ويصان كلام الله تعالى عن حمله على مثل ذلك فإنه من المعلوم أن الزانى لا يزنى إلا بزانية فأى فائدة فى الإخبار بذلك ولما رأى الجمهور فساد هذا التأويل أعرضوا عنه. ثم قالت طائفة: هذا عام اللفظ خاص المعنى والمراد به رجل واحد وامرأة واحدة وهى عناق البغى وصاحبها فإنه أسلم واستأذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى نكاحها فنزلت هذه الآية.(1\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1340",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا أيضا فاسد فإن هذه الصورة المعينة وإن كانت سبب النزول فالقرآن لا يقتصر به على محال أسبابه ولو كان كذلك لبطل الاستدلال به على غيرها. وقالت طائفة: بل الآية منسوخة بقوله: وأنكحوا الأيامى منكم [النور: 32] . وهذا أفسد من الكل فإنه لا تعارض بين هاتين الآيتين ولا تناقض إحداهما الأخرى بل أمر سبحانه بإنكاح الأيامى وحرم نكاح الزانية كما حرم نكاح المعتدة والمحرمة وذوات المحارم فأين الناسخ والمنسوخ فى هذا. فإن قيل: فما وجه الآية. قيل: وجهها والله أعلم أن المتزوج أمر أن يتزوج المحصنة العفيفة وإنما أبيح له نكاح المرأة بهذا الشرط كما ذكر ذلك سبحانه فى سورتى النساء والمائدة والحكم المعلق على الشرط ينتفى عند انتفائه والإباحة قد علقت على شرط الإحصان فإذا انتفى الإحصان انتفت الإباحة المشروطة به فالمتزوج إما أن يلتزم حكم الله وشرعه الذى شرعه على لسان رسوله أو لا يلتزمه فإن لم يلتزمه فهو مشرك لا يرضى بنكاحه إلا من هو مشرك مثله وإن التزمه وخالفه ونكح ما حرم عليه لم يصح النكاح فيكون زانيا فظهر معنى قوله: لا ينكح إلا زانية أو مشركة [النور: 3] وتبين غاية البيان وكذلك حكم المرأة. وكما أن هذا الحكم هو موجب القرآن وصريحه فهو موجب الفطرة. ومقتضى العقل فإن الله سبحانه حرم على عبده أن يكون قرنانا ديوثا زوج بغى فإن الله تعالى فطر الناس على استقباح ذلك واستهجانه ولهذا إذا بالغوا فى سب الرجل قالوا زوج قحبة فحرم الله على المسلم أن يكون كذلك. فظهرت حكمة التحريم وبان معنى الآية والله الموفق. ومما يوضح التحريم وأنه هو الذى يليق بهذه الشريعة الكاملة: أن هذه الجناية من المرأة تعود بفساد فراش الزوج وفساد النسب الذى جعله الله تعالى بين الناس لتمام مصالحهم(1\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1341",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعده من جملة نعمه عليهم فالزنا يفضى إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب فمن محاسن الشريعة: تحريم نكاح الزانية حتى تتوب وتستبرأ. وأيضا فإن الزانية خبيثة كما تقدم بيانه والله سبحانه جعل النكاح سببا للمودة والرحمة والمودة وخالص الحب فكيف تكون الخبيثة مودودة للطيب زوجا له والزوج سمى زوجا من الازدواج وهو الاشتباه فالزوجان الاثنان المتشابهان والمنافرة ثابتة بين الطيب والخبيث شرعا وقدرا فلا يحصل معها الازدواج والتراحم والتواد فلقد أحسن كل الإحسان من ذهب إلى هذا المذهب ومنع الرجل أن يكون زوج قحبة. فأين هذا من قول من جوز أن يتزوجها ويطأها الليلة وقد وطئها الزانى البارحة وقال: ماء الزانى لا حرمة له فهب أن الأمر كذلك فماء الزوج له حرمة فكيف يجوز اجتماعه مع ماء الزانى فى رحم واحد والمقصود: أن الله سبحانه سمى الزوانى والزناة خبيثين وخبيثات وجنس هذا الفعل قد شرعت فيه الطهارة وإن كان حلالا وسمى فاعله جنبا لبعده عن قراءة القرآن وعن الصلاة وعن المساجد فمنع من ذلك كله حتى يتطهر بالماء. فكذلك إذا كان حراما يبعد القلب عن الله تعالى وعن الدار الآخرة بل يحول بينه وبين الإيمان حتى يحدث طهرا كاملا بالتوبة وطهرا لبدنه بالماء. وقول اللوطية: أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون [الأعراف: 82] . من جنس قوله سبحانه فى أصحاب الأخدود: وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد [البروج: 8] وقوله تعالى: قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل [المائدة: 59] . وهكذا المشرك إنما ينقم على الموحد تجريده للتوحيد وأنه لا يشوبه بالإشراك. وهكذا المبتدع: إنما ينقم على السنى تجريده متابعة الرسول وأنه لم يشبها بآراء الرجال ولا بشىء مما خالفها. فصبر الموحد المتبع للرسول على ما ينقمه عليه أهل الشرك والبدعة خير له وأنفع وأسهل عليه من صبره على ما ينقمه الله ورسوله عليه من موافقة أهل الشرك والبدعة. إذا لم يكن بد من الصبر فاصطبر ... على الحق ذاك الصبر تحمد عقباه(1\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1342",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "الباب العاشر: فى علامات مرض القلب وصحته",
        "content": "الباب العاشر: فى علامات مرض القلب وصحته كل عضو من أعضاء البدن خلق لفعل خاص به كماله فى حصول ذلك الفعل منه ومرضه: أن يتعذر عليه الفعل الذى خلق له حتى لا يصدر منه أو يصدر مع نوع من الاضطراب فمرض اليد: أن يتعذر عليها البطش ومرض العين: أن يتعذر عليها النظر والرؤية ومرض اللسان: أن يتعذر عليه النطق ومرض البدن: أن يتعذر عليه حركته الطبيعية أو يضعف عنها ومرض القلب: أن يتعذر عليه ما خلق له من المعرفة بالله ومحبته والشوق إلى لقائه والإنابة إليه وإيثار ذلك على كل شهوته فلو عرف العبد كل شىء ولم يعرف ربه فكأنه لم يعرف شيئا ولو نال كل حظ من حظوظ الدنيا ولذاتها وشهواتها ولم يظفر بمحبة الله والشوق إليه والأنس به فكأنه لم يظفر بلذة ولا نعيم ولا قرة عين بل إذا كان القلب خاليا عن ذلك عادت تلك الحظوظ واللذات عذابا له ولا بد فيصير معذبا بنفس ما كان منعما به من جهتين من جهة حسرة فوته وأنه حيل بينه وبينه مع شدة تعلق روحه به ومن جهة فوت ما هو خير له وأنفع وأدوم حيث لم يحصل له فالمحبوب الحاصل فات والمحبوب الأعظم لم يظفر به وكل من عرف الله أحبه وأخلص العبادة له ولا بد ولم يؤثر عليه شيئا من المحبوبات فمن آثر عليه شيئا من المحبوبات فقلبه مريض كما أن المعدة إذا اعتادت أكل الخبيث وآثرته على الطيب سقطت عنها شهوة الطيب وتعوضت بمحبة غيره. وقد يمرض القلب ويشتد مرضه ولا يعرف به صاحبه لاشتغاله وانصرافه عن معرفة صحته وأسبابها بل قد يموت وصاحبه لا يشعر بموته وعلامة ذلك أنه لا تؤلمه جراحات القبائح ولا يوجعه جهله بالحق وعقائده الباطلة فإن القلب إذا كان فيه حياة تألم بورود القبيح عليه وتألم بجهله بالحق بحسب حياته. وما لجرح بميت إيلام(1\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1343",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد يشعر بمرضه ولكن يشتد عليه تحمل مرارة الدواء والصبر عليها فهو يؤثر بقاء ألمه على مشقة الدواء فإن دواءه فى مخالفة الهوى وذلك أصعب شىء على النفس وليس لها أنفع منه. وتارة يوطن نفسه على الصبر ثم ينفسخ عزمه ولا يستمر معه لضعف علمه وبصيرته وصبره: كمن دخل فى طريق مخوف مفض إلى غاية الأمن وهو يعلم أنه إن صبر عليه انقضى الخوف وأعقبه الأمن فهو محتاج إلى قوة صبر وقوة يقين بما يصير إليه ومتى ضعف صبره ويقينه رجع من الطريق ولم يتحمل مشقتها ولا سيما إن عدم الرفيق واستوحش من الوحدة وجعل يقول: أين ذهب الناس فلى بهم أسوة. وهذه حال أكثر الخلق وهى التى أهلكتهم فالصبر الصادق لا يستوحش من قلة الرفيق ولا من فقده إذا استشعر قلبه مرافقة الرعيل الأول الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا فتفرد العبد فى طريق طلبه دليل على صدق طلبه. ولقد سئل إسحاق بن راهويه عن مسألة فأجاب عنه. فقيل له: إن أخاك أحمد ابن حنبل يقول فيها بمثل ذلك. فقال: ما ظننت أن أحدا يوافقنى عليها ولم يستوحش بعد ظهور الصواب له من عدم الموافقة فإن الحق إذا لاح وتبين لم يحتج إلى شاهد يشهد به والقلب يبصر الحق كما تبصر العين الشمس. فإذا رأى الرائى الشمس لم يحتج فى علمه بها واعتقاده أنها طالعة إلى من يشهد بذلك ويوافقه عليه. وما أحسن ما قال أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبى شامة فى كتاب الحوادث والبدع: quot;حيث جاء به الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق واتباعه وإن كان المتمسك به قليلا والمخالف له كثيراquot; لأن الحق هو الذى كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه ولا نظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم. قال عمرو بن ميمون الأودى: quot;صحبت معاذا باليمن. فما فارقته حتى واريته فى التراب بالشام ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعود رضى الله عنه فسمعته يقول: عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ثم سمعته يوما من الأيام وهو يقول: سيلى عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها فصلوا الصلاة لميقاتها فهى الفريضة وصلوا معهم فإنها لكم نافلة. قال قلت: يا أصحاب محمد ما أدرى ما تحدثونا قال: وما ذاك قلت: تأمرنى بالجماعة وتحضنى عليها ثم تقول: صل الصلاة وحدك وهى(1\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1344",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفريضة وصل مع الجماعة وهى نافلة قال: يا عمرو بن ميمون قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية تدرى ما الجماعة قلت: لا: قال: إن جمهور الجماعة: الذين فارقوا الجماعة. الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدكquot; وفى طريق أخرى: quot;فضرب على فخذى وقال: ويحك إن جمهور الناس فارقوا الجماعة. وإن الجماعة ما وافق طاعة الله عز وجلquot; قال نعيم بن حماد: quot;يعنى إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة حينئذquot; ذكره البيهقى وغيره. وقال أبو شامة عن مبارك عن الحسن البصرى قال: quot;السنة والذى لا إله إلا هو بين الغالى والجافى فاصبروا عليها رحمكم الله فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى وهم أقل الناس فيما بقى: الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف فى إترافهم ولا مع أهل البدع فى بدعهم وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم فكذلك إن شاء الله فكونواquot;. وكان محمد بن أسلم الطوسى الإمام المتفق على إمامته مع رتبته أتبع الناس للسنة فى زمانه حتى قال: quot;ما بلغنى سنة عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلا عملت بها ولقد حرصت على أن أطوف بالبيت راكبا فما مكنت من ذلكquot; فسئل بعض أهل العلم فى زمانه عن السواد الأعظم الذين جاء فيهم الحديث: quot;إذا اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظمquot;. فقال: quot;محمد بن أسلم الطوسى هو السواد الأعظمquot; وصدق والله فإن العصر إذا كان فيه إمام عارف بالسنة داع إليها فهو الحجة وهو الإجماع وهو السواد الأعظم وهو سبيل المؤمنين التى من فارقها واتبع سواها ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا. والمقصود: أن من علامات أمراض القلوب عدولها عن الأغذية النافعة الموافقة لها إلى الأغذية الضارة وعدولها عن دوائها النافع إلى دوائها الضار فهنا أربعة أمور: غذاء نافع ودواء شاف وغذاء ضار ودواء مهلك. فالقلب الصحيح يؤثر النافع الشافى على الضار المؤذى والقلب المريض بضد ذلك. وأنفع الأغذية غذاء الإيمان وأنفع الأدوية دواء القرآن وكل منهما فيه الغذاء والدواء. ومن علامات صحته أيضا: أن يرتحل عن الدنيا حتى ينزل بالآخرة ويحل فيها حتى يبقى كأنه من أهلها وأبنائها جاء إلى هذه الدار غريبا يأخذ منها حاجته ويعود إلى وطنه(1\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "73",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1345",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كما قال النبى عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمر: quot;كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبورquot;. فحى على جنات عدن ... فإنهامنازلك الأولى وفيها المخيم ولكننا سبى العدو فهل ... ترىنعود إلى أوطاننا ونسلم وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه quot;إن الدنيا قد ترحلت مدبرة وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة ولكل منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عملquot;. وكلما صح القلب من مرضه ترحل إلى الآخرة وقرب منها حتى يصير من أهلها وكلما مرض القلب واعتل آثر الدنيا واستوطنها حتى يصير من أهلها. ومن علامات صحة القلب أنه لا يزال يضرب على صاحبه حتى ينيب إلى الله ويخبت إليه ويتعلق به تعلق المحب المضطر إلى محبوبه الذى لا حياة له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا برضاه وقربه والأنس به فبه يطمئن وإليه يسكن وإليه يأوى وبه يفرح وعليه يتوكل وبه يثق وإياه يرجو وله يخاف. فذكره قوته وغذاؤه ومحبته والشوق إليه حياته ونعيمه ولذته وسروره والالتفات إلى غيره والتعلق بسواه داؤه والرجوع إليه دواؤه فإذا حصل له ربه سكن إليه واطمأن به وزال ذلك الاضطراب والقلق وانسدت تلك الفاقة فإن فى القلب فاقة لا يسدها شىء سوى الله تعالى أبدا وفيه شعث لا يلمه غير الإقبال عليه وفيه مرض لا يشفيه غير الإخلاص له وعبادته وحده فهو دائما يضرب على صاحبه حتى يسكن ويطمئن إلى إلهه ومعبوده فحينئذ يباشر روح الحياة ويذوق طعمها ويصير له حياة أخرى غير حياة الغافلين المعرضين عن هذا الأمر الذى له خلق الخلق ولأجله خلقت الجنة والنار وله أرسلت الرسل ونزلت الكتب ولو لم يكن جزاء إلا نفس وجوده لكفى به جزاء وكفى بفوته حسرة وعقوبة.(1\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "74",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1346",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال بعض العارفين: quot;مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيهاquot; وقال آخر quot;إنه ليمر بى أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة فى مثل هذا إنهم لفى عيش طيبquot;. وقال آخر: quot;والله ما طابت الدنيا إلا بمحبته وطاعته ولا الجنة إلا برؤيته ومشاهدتهquot;. وقال أبو الحسين الوراق: quot;حياة القلب فى ذكر الحى الذى لا يموت والعيش الهنى الحياة مع الله تعالى لا غيرquot;. ولهذا كان الفوت عند العارفين بالله أشد عليهم من الموت لأن الفوت انقطاع عن الحق والموت انقطاع عن الخلق فكم بين الانقطاعين. وقال آخر: quot;من قرت عينه بالله تعالى قرت به كل عين ومن لم تقر عينه بالله تقطع قلبه على الدنيا حسراتquot;. وقال يحيى بن معاذ: quot;من سر بخدمة الله سرت الأشياء كلها بخدمته ومن قرت عينه بالله قرت عيون كل واحد بالنظر إليهquot;. ومن علامات صحة القلب: أن لا يفتر عن ذكر ربه ولا يسأم من خدمته ولا يأنس بغيره إلا بمن يدله عليه ويذكره به ويذاكره بهذا الأمر. ومن علامات صحته: أنه إذا فاته ورده وجد لفواته ألما أعظم من تألم الحريص بفوات ماله وفقده. ومن علامات صحته: أنه يشتاق إلى الخدمة كما يشتاق الجائع إلى الطعام والشرب. ومن علامات صحته: أن يكون همه واحدا وأن يكون فى الله. ومن علامات صحته: أنه إذا دخل فى الصلاة ذهب عنه همه وغمه بالدنيا واشتد عليه خروجه منها ووجد فيها راحته ونعيمه وقرة عينه وسرور قلبه. ومن علامات صحته: أن يكون أشح بوقته أن يذهب ضائعا من أشد الناس شحا بماله. ومنها: أن يكون اهتمامه بتصحيح العمل أعظم منه بالعمل فيحرص على الإخلاص فيه والنصيحة والمتابعة والإحسان ويشهد مع ذلك منة الله عليه فيه وتقصيره فى حق الله.(1\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "75",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1347",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذه ست مشاهد لا يشهدها إلا القلب الحى السليم. وبالجملة فالقلب الصحيح: هو الذى همه كله فى الله وحبه كله له وقصده له وبدنه له وأعماله له ونومه له ويقظته له وحديثه والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث وأفكاره تحوم على مراضيه ومحابه والخلوة به آثر عنده من الخلطة إلا حيث تكون الخلطة أحب إليه وأرضى له قرة عينه به وطمأنينته وسكونه إليه فهو كلما وجد من نفسه التفاتا إلى غيره تلا عليها: يا أيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك راضية مرضية [الفجر: 27-28] . فهو يردد عليها الخطاب بذلك ليسمعه من ربه يوم لقائه فينصبغ القلب بين يدى إلهه ومعبوده الحق بصبغة العبودية فتصير العبودية صفة له وذوقا لا تكلفا فيأتى بها توددا وتحببا وتقربا كما يأتى المحب المتيم فى محبة محبوبه بخدمته وقضاء أشغاله. فكلما عرض له أمر من ربه أو نهى أحس من قلبه ناطقا ينطق: quot;لبيك وسعديك إنى سامع مطيع ممتثل ولك على المنة فى ذلك والحمد فيه عائد إليكquot;. وإذا أصابه قدر وجد من قلبه ناطقا يقول: quot;أنا عبدك ومسكينك وفقيرك وأنا عبدك الفقير العاجز الضعيف المسكين وأنت ربى العزيز الرحيم لا صبر لى إن لم تصبرنى ولا قوة لى إن لم تحملنى وتقونى لا ملجأ لى منك إلا إليك ولا مستعان لى إلا بك ولا انصراف لى عن بابك ولا مذهب لى عنكquot;. فينطرح بمجموعه بين يديه ويعتمد بكليته عليه فإن أصابه بما يكره قال: رحمة أهديت إلى ودواء نافع من طبيب مشفق وإن صرف عنه ما يحب قال: شرا صرف عنى: وكم رمت أمرا خرت لى فى انصرافه وما زلت بى منى أبر وأرحما فكل ما مسه به من السراء والضراء اهتدى بها طريقا إليه وانفتح له منه باب يدخل منه عليه كما قيل: ما مسنى قدر بكره أو رضى ... إلا اهتديت به إليك طريقا أمض القضاء على الرضى به ... منى بهإنى وجدتك فى البلاء رفيقا فلله هاتيك القلوب وما انطوت عليه من الضمائر وماذا أودعته من الكنوز والذخائر ولله طيب أسرارها ولا سيما يوم تبلى السرائر. سيبدو لها طيب ونور وبهجة ... وحسن ثناء يوم تبلى السرائر(1\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "76",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1348",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تالله لقد رفع لها علم عظيم فشمرت له واستبان لها صراط مستقيم فاستقامت عليه ودعاها ما دون مطلوبها الأعلى فلم تستجب له واختارت على ما سواه وآثرت ما لديه.(1\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "77",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1349",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الحادى عشر: فى علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه هذا الباب كالأساس والأصل لما بعده من الأبواب فإن سائر أمراض القلب إنما تنشأ من جانب النفس فالمواد الفاسدة كلها إليها تنصب ثم تنبعث منها إلى الأعضاء. وأول ما تنال القلب. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فى خطبة الحاجة: quot;الحمد لله نستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالناquot;. وفى المسند والترمذى من حديث حصين بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: quot;يا حصين كم تعبد قال: سبعة ستة فى الأرض وواحد فى السماء قال: فمن الذى تعد لرغبتك ورهبتك قال: الذى فى السماء. قال: أسلم حتى أعلمك كلمات ينفعك الله بها فأسلم. فقال: قل: اللهم ألهمنى رشدى وقنى شر نفسىquot;. وقد استعاذ صلى الله عليه وسلم من شرها عموما ومن شر ما يتولد منها من الأعمال ومن شر ما يترتب على ذلك من المكاره والعقوبات وجمع بين الاستعاذة من شر النفس وسيئات الأعمال. وفيه وجهان:(1\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "78",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1350",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدهما: أنه من باب إضافة النوع إلى جنسه أى أعوذ بك من هذا النوع من الأعمال. والثانى: أن المراد به عقوبات الأعمال التى تسوء صاحبها. فعلى الأول: يكون قد استعاذ من صفة النفس وعملها. وعلى الثانى: يكون قد استعاذ من العقوبات وأسبابها. ويدخل العمل السيئ فى شر النفس. فهل المعنى: ما يسوءنى من جزاء عملى أو من عملى السيئ وقد يترجح الأول فإن الاستعاذة من العمل السيئ بعد وقوعه إنما هى استعاذة من جزائه وموجبه وإلا فالموجود لا يمكن رفعه بعينه. وقد اتفق السالكون إلى الله على اختلاف طرقهم وتباين سلوكهم على أن النفس قاطعة بين القلب وبين الوصول إلى الرب وأنه لا يدخل عليه سبحانه ولا يوصل إليه إلا بعد إماتتها وتركها بمخالفتها والظفر بها. فإن الناس على قسمين: قسم ظفرت به نفسه فملكته وأهلكته وصار طوعا لها تحت أوامرها. وقسم ظفروا بنفوسهم فقهروها فصارت طوعا لهم منقادة لأوامرهم. قال بعض العارفين: انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بأنفسهم. فمن ظفر بنفسه أفلح وأنجح ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك. قال تعالى: فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا  فإن الجحيم هى المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هى المأوى [النازعات: 37 - 41] . فالنفس تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا والرب يدعو عبده إلى خوفه ونهى النفس عن الهوى. والقلب بين الداعيين يميل إلى هذا الداعى مرة وإلى هذا مرة وهذا موضع المحنة والابتلاء وقد وصف سبحانه النفس فى القرآن بثلاث صفات: المطمئنة والأمارة بالسوء واللوامة. فاختلف الناس: هل النفس واحدة وهذه أوصاف لها أم للعبد ثلاث أنفس: نفس مطمئنة ونفس لوامة ونفس أمارة. فالأول قول الفقهاء والمتكلمين وجمهور المفسرين وقول محققى الصوفية. والثانى قول كثير من أهل التصوف.(1\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "79",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1351",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتحقيق: أنه لا نزاع بين الفريقين فإنها واحدة باعتبار ذاتها وثلاث باعتبار صفاتها. فإذا اعتبرت بنفسها فهى واحدة وإن اعتبرت مع كل صفة دون الأخرى فهى متعددة وما أظنهم يقولون إن لكل أحد ثلاث أنفس قائمة بذاتها مساوية للأخرى فى الحد والحقيقة وأنه إذا قبض العبد قبضت له ثلاث أنفس كل واحدة مستقلة بنفسها. وحيث ذكر سبحانه النفس وأضافها إلى صاحبها فإنما ذكرها بلفظ الإفراد وهكذا فى سائر الأحاديث ولم يجئ فى موضع واحد quot;نفوسكquot; و quot;نفوسهquot; ولا quot;أنفسكquot; وquot;أنفسهquot; وإنما جاءت مجموعة عند إرادة العموم كقوله: وإذا النفوس زوجت [التكوير: 7] أو عند إضافتها إلى الجمع كقوله صلى الله عليه وسلم: quot;إنما أنفسنا بيد اللهquot;. ولو كانت فى الإنسان ثلاث أنفس لجاءت مجموعة إذا أضيفت إليه ولو فى موضع واحد. فالنفس إذا سكنت إلى الله واطمأنت بذكره وأنابت إليه واشتاقت إلى لقائه وأنست بقربه فهى مطمئنة وهى التى يقال لها عند الوفاة. يا أيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك راضية مرضية [الفجر: 27-28] . قال ابن عباس: quot;يا أيتها النفس المطمئنةquot;. ارجعى إلى ربك راضية مرضية يقول: المصدقة وقال قتادة: quot;هو المؤمن اطمأنت نفسه إلى ما وعد اللهquot; وقال الحسن: quot;المطمئنة بما قال الله. والمصدقة بما قالquot; وقال مجاهد: quot;هى المنيبة المخبتة التى أيقنت أن الله ربها وضربت جأشا لأمره وطاعته وأيقنت بلقائهquot;. وحقيقة الطمأنينة: السكون والاستقرار فهى التى قد سكنت إلى ربها وطاعته وأمره وذكره ولم تسكن إلى سواه فقد اطمأنت إلى محبته وعبوديته وذكره واطمأنت إلى أمره ونهيه وخبره واطمأنت إلى لقائه ووعده واطمأنت إلى التصديق بحقائق أسمائه وصفاته واطمأنت إلى الرضى به ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا واطمأنت إلى قضائه وقدره واطمأنت إلى كفايته وحسبه وضمانه فاطمأنت بأنه وحده ربها وإلهها ومعبودها ومليكها ومالك أمرها كله وأن مرجعها إليه وأنها لا غنى لها عنه طرفة عين.(1\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "80",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1352",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا كانت بضد ذلك فهى أمارة بالسوء تأمر صاحبها بما تهواه: من شهوات الغى واتباع الباطل فهى مأوى كل سوء وإن أطاعها قادته إلى كل قبيح وكل مكروه. وقد أخبر سبحانه أنها أمارة بالسوء ولم يقل quot;آمرةquot; لكثرة ذلك منها وأنه عادتها ودأبها إلا إذا رحمها الله وجعلها زاكية تأمر صاحبها بالخير فذلك من رحمة الله لا منها. فإنها بذاتها أمارة بالسوء لأنها خلقت فى الأصل جاهلة ظالمة إلا من رحمه الله والعدل والعلم طارئ عليها بإلهام ربها وفاطرها لها ذلك فإذا لم يلهمها رشدها بقيت على ظلمها وجهلها. فلم تكن أمارة إلا بموجب الجهل والظلم فلولا فضل الله ورحمته على المؤمنين ما زكت منهم نفس واحدة. فإذا أراد الله سبحانه بها خيرا جعل فيها ما تزكو به وتصلح: من الإرادات والتصورات وإذا لم يرد بها ذلك تركها على حالها التى خلقت عليها من الجهل والظلم. وسبب الظلم: إما جهل وإما حاجة. وهى فى الأصل جاهلة. والحاجة لازمة لها فلذلك كان أمرها بالسوء لازما لها إن لم تدركها رحمة الله وفضله. وبهذا يعلم أن ضرورة العبد إلى ربه فوق كل ضرورة ولا تشبهها ضرورة تقاس بها فإنه إن أمسك عنه رحمته وتوفيقه وهدايته طرفة عين خسر وهلك. فصل وأما اللوامة فاختلف فى اشتقاق هذه اللفظة هل هى من التلوم وهو التلون والتردد أو هى من اللوم وعبارات السلف تدور على هذين المعنيين. قال سعيد بن جبير: quot;قلت لابن عباس: ما اللوامة قال: هى النفس اللئومquot;. وقال مجاهد: quot;هى التى تندم على ما فات وتلوم عليهquot;. وقال قتادة: quot;هى الفاجرةquot; وقال عكرمة: quot;تلوم على الخير والشرquot; وقال عطاء عن ابن عباس: quot;كل نفس تلوم نفسها يوم القيامة تلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد إحسانا وتلوم المسىء نفسه أن لا يكون رجع عن إساءتهquot;. وقال الحسن: quot;إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته يستقصرها فى كل ما يفعل فيندم ويلوم نفسه وإن الفاجر ليمضى قدما لا يعاتب نفسهquot;.(1\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "81",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1353",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذه عبارات من ذهب إلى أنها من اللوم. وأما من جعلها من التلوم فلكثرة ترددها وتلومها وأنها لا تستقر على حال واحدة. والأول أظهر فإن هذا المعنى لو أريد لقيل: المتلومة. كما يقال: المتلونة والمترددة. ولكن هو من لوازم القول الأول فإنها لتلومها وعدم ثباتها تفعل الشىء ثم تلوم عليه. فالتلوم من لوازم اللوم. والنفس قد تكون تارة أمارة وتارة لوامة وتارة مطمئنة بل فى اليوم الواحد والساعة الواحدة يحصل منها هذا وهذا. والحكم للغالب عليها من أحوالها فكونها مطمئنة وصف مدح لها. وكونها أمارة بالسوء وصف ذم لها. وكونها لوامة ينقسم إلى المدح والذم بحسب ما تلوم عليه. والمقصود: ذكر علاج مرض القلب باستيلاء النفس الأمارة عليه. وله علاجان: محاسبتها ومخالفتها وهلاك القلب من إهمال محاسبتها ومن موافقتها واتباع هواها وفى الحديث الذى رواه أحمد وغيره من حديث شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على اللهquot; دان نفسه: أى حاسبها. وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: quot;حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا فإنه أهون عليكم فى الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم وتزينوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافيةquot;. وذكر أيضا عن الحسن قال: quot;لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه: وماذا أردت تعملين وماذا أردت تأكلين وماذا أردت تشربين. والفاجر يمضى قدما قدما لا يحاسب نفسهquot;. وقال قتادة فى قوله تعالى: وكان أمره فرطا [الكهف: 28] . أضاع نفسه وغبن مع ذلك تراه حافظا لماله مضيعا لدينه. وقال الحسن: quot;إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه وكانت المحاسبة من همتهquot;.(1\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "82",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1354",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ميمون بن مهران: quot;لا يكون العبد تقيا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه ولهذا قيل: النفس كالشريك الخوان إن لم تحاسبه ذهب بمالكquot;. وقال ميمون بن مهران أيضا: quot;إن التقى أشد محاسبة لنفسه من سلطان عاص ومن شريك شحيحquot;. وذكر الإمام أحمد عن وهب قال: quot;مكتوب فى حكمة آل داود: حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجى فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه وساعة يخلى فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل فإن فى هذه الساعة عونا على تلك الساعات وإجماما للقلوبquot; وقد روى هذا مرفوعا من كلام النبى صلى الله عليه وسلم. رواه أبو حاتم وابن حبان وغيره. وكان الأحنف بن قيس يجىء إلى المصباح فيضع أصبعه فيه ثم يقول: حس يا حنيف ما حملك على ما صنعت يوم كذا ما حملك على ما صنعت يوم كذا ويبكى. وكتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله: quot;حاسب نفسك فى الرخاء قبل حساب الشدة فإن من حاسب نفسه فى الرخاء قبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضى والغبطة ومن ألهته حياته وشغلته أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والخسارةquot;. وقال الحسن: quot;المؤمن قوام على نفسه يحاسب نفسه لله وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم فى الدنيا وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة. إن المؤمن يفاجئه الشىء ويعجبه فيقول: والله إنى لأشتهيك. وإنك لمن حاجتى ولكن والله ما من صلة إليك هيهات هيهات حيل بينى وبينك ويفرط منه الشىء فيرجع إلى نفسه فيقول: ما أردت إلى هذا مالى ولهذا والله لا أعود إلى هذا أبدا إن المؤمنين قوم أوقفهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم إن المؤمن أسير فى الدنيا يسعى فى فكاك رقبته لا يأمن شيئا حتى يلقى الله يعلم أنه مأخوذ عليه فى سمعه وفى بصره وفى لسانه وفى جوارحه مأخوذ عليه فى ذلك كلهquot;. قال مالك بن دينار: quot;رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا ألست صاحبة كذا ثم زمها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله عز وجل فكان لها قائداquot;. وقد مثلت النفس مع صاحبها بالشريك فى المال فكما أنه لا يتم مقصود الشركة من(1\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "83",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1355",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الربح إلا بالمشارطة على ما يفعل الشريك أولا ثم بمطالعة ما يعمل والإشراف عليه ومراقبته ثانيا ثم بمحاسبته ثالثا ثم بمنعه من الخيانة إن اطلع عليه رابعا فكذلك النفس: يشارطها أولا على حفظ الجوارح السبعة التى حفظها هو رأس المال والربح بعد ذلك. فمن ليس له رأس مال فكيف يطمع فى الربح وهذه الجوارح السبعة وهى العين والأذن والفم واللسان والفرج واليد والرجل: هى مراكب العطب والنجاة فمنها عطب من عطب بإهمالها. وعدم حفظها ونجا من نجا بحفظها ومراعاتها فحفظها أساس كل خير وإهمالها أساس كل شر. قال تعالى: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم [النور: 30] . وقال تعالى: ولا تمش فى الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا [الإسراء: 37] وقال تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا [الإسراء: 36] وقال تعالى: وقل لعبادى يقولوا التى هى أحسن [الإسراء: 53] وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا [الأحزاب: 70] وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد [الحشر: 18] . فإذا شارطها على حفظ هذه الجوارح انتقل منها إلى مطالعتها والإشراف عليها ومراقبتها فلا يهملها فإنه إن أهملها لحظة رتعت فى الخيانة ولا بد فإن تمادى على الإهمال تمادت فى الخيانة حتى تذهب رأس المال كله فمتى أحس بالنقصان انتقل إلى المحاسبة فحينئذ يتبين له حقيقة الربح والخسران فإذا أحس بالخسران وتيقنه استدرك منها ما يستدركه الشريك من شريكه: من الرجوع عليه بما مضى والقيام بالحفظ والمراقبة فى المستقبل ولا مطمع له فى فسخ عقد الشركة مع هذا الخائن والاستبدال بغيره فإنه لا بد له منه فليجتهد فى مراقبته ومحاسبته وليحذر من إهماله. ويعينه على هذه المراقبة والمحاسبة: معرفته أنه كلما اجتهد فيها اليوم استراح منها غدا إذا صار الحساب إلى غيره وكلما أهملها اليوم اشتد عليه الحساب غدا. ويعينه عليها أيضا: معرفته أن ربح هذه التجارة سكنى الفردوس والنظر إلى وجه الرب سبحانه وخسارتها: دخول النار والحجاب عن الرب تعالى فإذا تيقن هذا هان عليه الحساب اليوم. فحق على الحازم المؤمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها فى حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها فكل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة(1\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "84",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1356",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا حظ لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد. فإضاعة هذه الأنفاس أو اشتراء صاحبها بها ما يجلب هلاكه: خسران عظيم لا يسمح بمثله إلا أجهل الناس وأحمقهم وأقلهم عقلا. وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا  [آل عمران: 30] . فصل ومحاسبة النفس نوعان: نوع قبل العمل ونوع بعده. فأما النوع الأول: فهو أن يقف عند أول همه وإرادته ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه. قال الحسن رحمه الله: رحم الله عبدا وقف عند همه فإن كان لله مضى وإن كان لغيره تأخر. وشرح هذا بعضهم فقال: إذا تحركت النفس لعمل من الأعمال وهم به العبد وقف أولا ونظر: هل ذلك العمل مقدور له أو غير مقدور ولا مستطاع فإن لم يكن مقدورا لم يقدم عليه وإن كان مقدورا وقف وقفة أخرى ونظر: هل فعله خير له من تركه أو تركه خير له من فعله فإن كان الثاني تركه ولم يقدم عليه وإن كان الأول وقف وقفة ثالثة ونظر: هل الباعث عليه إرادة وجه الله عز وجل وثوابه أو إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق فإن كان الثاني لم يقدم وإن أفضى به إلى مطلوبه لئلا تعتاد النفس الشرك. ويخف عليها العمل لغير الله فبقدر ما يخف عليها ذلك يثقل عليها العمل لله تعالى حتى يصير أثقل شىء عليها وإن كان الأول وقف وقفة أخرى ونظر هل هو معان عليه وله أعوان يساعدونه وينصرونه إذا كان العمل محتاجا إلى ذلك أم لا فإن لم يكن له أعوان أمسك عنه كما أمسك النبي صلى الله عليه وسلم عن الجهاد بمكة حتى صار له شوكة وأنصار(1\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "85",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1357",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن وجده معانا عليه فليقدم عليه فإنه منصور ولا يفوت النجاح إلا من فوت خصلة من هذه الخصال وإلا فمع اجتماعها لا يفوته النجاح. فهذه أربعة مقامات يحتاج إلى محاسبة نفسه عليها قبل الفعل فما كل ما يريد العبد فعله يكون مقدورا له ولا كل ما يكون مقدورا له يكون فعله خيرا له من تركه ولا كل ما يكون فعله خيرا له من تركه يفعله لله ولا كل ما يفعله لله يكون معانا عليه فإذا حاسب نفسه على ذلك تبين له ما يقدم عليه وما يحجم عنه. فصل النوع الثانى: محاسبة النفس بعد العمل وهو ثلاثة أنواع: أحدها: محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق الله تعالى فلم توقعها على الوجه الذى ينبغي. وحق الله تعالى فى الطاعة ستة أمور قد تقدمت وهى: الإخلاص فى العمل والنصيحة لله فيه ومتابعة الرسول فيه وشهود مشهد الإحسان فيه وشهود منة الله عليه فيه وشهود تقصيره فيه بعد ذلك كله. فيحاسب نفسه: هل وفى هذه المقامات حقها وهل أتى بها فى هذه الطاعة. الثاني: أن يحاسب نفسه على كل عمل كان تركه خيرا له من فعله. الثالث: أن يحاسب نفسه على أمر مباح أو معتاد: لم فعله وهل أراد به الله والدار الآخرة فيكون رابحا أو أراد به الدنيا وعاجلها فيخسر ذلك الربح ويفوته الظفر به. فصل وأضر ما عليه الإهمال وترك المحاسبة والاسترسال وتسهيل الأمور وتمشيتها فإن هذا يؤول به إلى الهلاك وهذه حال أهل الغرور: يغمض عينيه عن العواقب ويمشى الحال ويتكل على العفو فيهمل محاسبة نفسه والنظر فى العاقبة. وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة(1\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "86",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1358",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذنوب وأنس بها وعسر عليها فطامها ولو حضره رشده لعلم أن الحمية أسهل من الفطام وترك المألوف والمعتاد. قال ابن أبى الدنيا: حدثني رجل من قريش ذكر أنه من ولد طلحة بن عبيد الله قال: quot;كان توبة بن الصمة بالرقة وكان محاسبا لنفسه فحسب يوما فإذا هو ابن ستين سنة فحسب أيامها فإذا هى أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم فصرخ وقال: يا ويلتى ألقى ربي بأحد وعشرين ألف ذنب كيف وفى كل يوم آلاف من الذنوب. ثم خرج مغشيا عليه فإذا هو ميت فسمعوا قائلا يقول: quot;يا لك ركضة إلى الفردوس الأعلىquot;quot;. وجماع ذلك: أن يحاسب نفسه أولا على الفرائض فإن تذكر فيها نقصا تداركه إما بقضاء أو إصلاح. ثم يحاسبها على المناهي فإن عرف أنه ارتكب منها شيئا تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية. ثم يحاسب نفسه على الغفلة فإن كان قد غفل عما خلق له تداركه بالذكر والإقبال على الله تعالى. ثم يحاسبها بما تكلم به أو مشت إليه رجلاه أو بطشت يداه أو سمعته أذناه: ماذا أرادت بهذا ولم فعلته وعلى أي وجه فعلته ويعلم أنه لابد أن ينشر لكل حركة وكلمة منه ديوانان: ديوان لم فعلته وكيف فعلته فالأول سؤال عن الإخلاص والثانى سؤال عن المتابعة وقال تعالى: فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون [الحجر: 92 - 93] وقال تعالى فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين [الأعراف: 6 - 7] وقال تعالى ليسأل الصادقين عن صدقهم [الأحزاب: 8] . فإذا سئل الصادقون وحوسبوا على صدقهم فما الظن بالكاذبين. قال مقاتل: quot;يقول تعالى: أخذنا ميثاقهم لكي يسأل الله الصادقين يعني النبيين عن تبليغ الرسالةquot;. وقال مجاهد: quot;يسأل المبلغين المؤدين عن الرسل يعني: هل بلغوا عنهم كما يسأل الرسل هل بلغوا عن الله تعالى quot;. والتحقيق: أن الآية تتناول هذا وهذا فالصادقون هم الرسل والمبلغون عنهم فيسأل الرسل عن تبليغ رسالاته ويسأل المبلغين عنهم عن تبليغ ما بلغتهم الرسل ثم يسأل الذين بلغتهم الرسالة ماذا أجابوا المرسلين كما قال تعالى: ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين [القصص: 65] .(1\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "87",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1359",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال قتادة: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم المرسلين فيسأل عن المعبود وعن العبادة. وقال تعالى: ثم لتسألن يومئذ عن النعيم [التكاثر: 8] . قال محمد بن جرير: يقول الله تعالى: ثم ليسألنكم الله عز وجل عن النعيم الذي كنتم فيه فى الدنيا: ماذا عملتم فيه من أين دخلتم إليه وفيم أصبتموه وماذا عملتم به. وقال قتادة: quot;إن الله سائل كل عبد عما استودعه من نعمته وحقهquot;. والنعيم المسئول عنه نوعان: نوع أخذ من حله وصرف فى حقه فيسأل عن شكره. ونوع أخذ بغير حله وصرف فى غير حقه فيسأل عن مستخرجه ومصرفه. فإذا كان العبد مسئولا ومحاسبا على كل شىء حتى على سمعه وبصره وقلبه كما قال تعالى: إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا [الإسراء: 36] . فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش الحساب. وقد دل على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد [الحشر: 18] . يقول تعالى: لينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من الأعمال: أمن الصالحات التى تنجيه أم من السيئات التى توبقه قال قتادة: quot;ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغدquot;. والمقصود أن صلاح القلب بمحاسبة النفس وفساده بإهمالها والاسترسال معها. فصل وفى محاسبة النفس عدة مصالح منها: الاطلاع على عيوبها ومن لم يطلع على عيب نفسه لم يمكنه إزالته فإذا اطلع على عيبها مقتها فى ذات الله تعالى. وقد روى الإمام أحمد عن أبى الدرداء رضي الله عنه قال: quot;لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس فى جنب الله ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتاquot;. وقال مطرف بن عبد الله: quot;لولا ما أعلم من نفسي لقليت الناسquot;.(1\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "88",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1360",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال مصرف فى دعائه بعرفة: quot;اللهم لا ترد الناس لأجلىquot;. وقال بكر بن عبد الله المزني: quot;لما نظرت إلى أهل عرفات ظننت أنهم قد غفر لهم لولا أني كنت فيهمquot;. وقال أيوب السختياني: quot;إذا ذكر الصالحون كنت عنهم بمعزلquot;. ولما احتضر سفيان الثوري دخل عليه أبو الأشهب وحماد بن سلمة فقال له حماد: quot;يا أبا عبد الله أليس قد أمنت مما كنت تخافه وتقدم على من ترجوه وهو أرحم الراحمين فقال: يا أبا سلمة أتطمع لمثلي أن ينجو من النار قال: إي والله إنى لأرجو لك ذلكquot;. وذكر زيد عن مسلم بن سعيد الواسطي قال: أخبرني حماد بن جعفر بن زيد: أن أباه أخبره قال: quot;خرجنا فى غزاة إلى كابل وفى الجيش: صلة بن أشيم فنزل الناس عند العتمة فصلوا ثم اضطجع فقلت: لأرمقن عمله فالتمس غفلة الناس حتى إذا قلت: هدأت العيون وثب فدخل غيضة قريبا منا فدخلت على أثره فتوضأ ثم قام يصلي وجاء أسد حتى دنا منه فصعدت فى شجرة فتراه التفت أو عده جروا فلما سجد قلت: الآن يفترسه فجلس ثم سلم ثم قال: أيها السبع اطلب الرزق من مكان آخر. فولى وإن له لزئيرا أقول: تصدع الجبال منه. قال فما زال كذلك يصلي حتى كان عند الصبح جلس فحمد الله تعالى بمحامد لم أسمع بمثلها ثم قال: اللهم إنى أسألك أن تجيرني من النار ومثلى يصغر أن يجترئ أن يسألك الجنة قال: ثم رجع وأصبح كأنه بات على الحشايا وأصبحت وبى من الفترة شىء الله به عالمquot;. وقال يونس بن عبيد: quot;إنى لأجد مائة خصلة من خصال الخير ما أعلم أن فى نفسي منها واحدةquot;. وقال محمد بن واسع: quot;لو كان للذنوب ريح ما قدر أحد يجلس إلىquot;. وذكر ابن أبى الدنيا عن الخلد بن أيوب قال: quot;كان راهب فى بنى إسرائيل فى صومعة(1\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "89",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1361",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منذ ستين سنة. فأتى فى منامه. فقيل له: إن فلانا الإسكافي خير منك- ليلة بعد ليلة- فأتى الإسكافي فسأله عن عمله. فقال: إني رجل لا يكاد يمر بى أحد إلا ظننته أنه فى الجنة وأنا فى النار ففضل على الراهب بإزرائه على نفسهquot;. وذكر داود الطائي عند بعض الأمراء فأثنوا عليه فقال: quot;لو يعلم الناس بعض ما نحن فيه ما ذل لنا لسان بذكر خير أبداquot;. وقال أبو حفص: quot;من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات ولم يخالفها فى جميع الأحوال ولم يجرها إلى مكروهها فى سائر أوقاته كان مغرورا ومن نظر إليها باستحسان شىء منها فقد أهلكهاquot;. فالنفس داعية إلى المهالك معينة للأعداء طامحة إلى كل قبيح متبعة لكل سوء فهى تجري بطبعها فى ميدان المخالفة. فالنعمة التى لا خطر لها: الخروج منها والتخلص من رقها فإنها أعظم حجاب بين العبد وبين الله تعالى وأعرف الناس بها أشدهم إزراء عليها ومقتا لها. قال ابن أبى حاتم فى تفسيره: حدثنا علي بن الحسين المقدمي: حدثنا عامر ابن صالح عن أبيه عن ابن عمر: أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: quot;اللهم اغفر لى ظلمى وكفرى فقال قائل: يا أمير المؤمنين هذا الظلم فما بال الكفر قال: إن الإنسان لظلوم كفارquot;. قال: وحدثنا يونس بن حبيب: حدثنا أبو داود عن الصلت بن دينار: حدثنا عقبة بن صهبان الهنائى قال: quot;سألت عائشة رضى الله عنها عن قول الله عز وجل: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله [فاطر: 32] . فقالت: يا بنى هؤلاء في الجنة أما السابق بالخيرات فمن مضي علي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة والرزق وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به وأما الظالم لنفسه فمثلى ومثلكم فجعلت نفسها معناquot;.(1\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "90",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1362",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج: حدثنا شريك عن عاصم عن أبى وائل عن مسروق قال: دخل عبد الرحمن علي أم سلمة رضي الله عنها فقالت: quot;سمعت النبي صلي الله وسلم يقول: إن من أصحابى لمن لا يرانى بعد أن أموت أبدا فخرج عبد الرحمن من عندها مذعورا حتى دخل علي عمر رضى الله عنه. فقال له: اسمع ما تقول أمك فقام عمر رضى الله عنه حتى أتاها فدخل عليها فسألها ثم قال: أنشدك بالله أمنهم أنا قالت: لا ولن أبرئ بعدك أحداquot;. فسمعت شيخنا يقول: إنما أرادت أني لا أفتح عليها هذا الباب ولم ترد أنك وحدك البرئ من ذلك دون سائر الصحابة. ومقت النفس فى ذات الله من صفات الصديقين ويدنو العبد به من الله سبحانه فى لحظة واحدة أضعاف أضعاف ما يدنو به بالعمل. ذكر ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال: quot;إن قوما من بني إسرائيل كانوا في مسجد لهم فى يوم عيد فجاء شاب حتى قام على باب المسجد فقال: ليس مثلي يدخل معكم أنا صاحب كذا أنا صاحب كذا يزري على نفسه فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم: إن فلانا صديقquot;. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن الحسن بن أنس: حدثنا منذر عن وهب: quot;أن رجلا سائحا عبد الله عز وجل سبعين سنة. ثم خرج يوما فقلل عمله وشكا إلى الله تعالى منه. واعترف بذنبه فأتاه آت من الله عز وجل فقال: إن مجلسك هذا أحب إلي من عملك فيما مضى من عمركquot;. قال أحمد: وحدثنا عبد الصمد أبو هلال عن قتادة قال: قال عيسى ابن مريم عليه السلام: quot;سلونى فإنى لين القلب صغير عند نفسىquot;.(1\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "91",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1363",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر أحمد أيضا عن عبد الله بن رباح الأنصاري قال quot;كان داود عليه السلام ينظر أغمص حلقة فى بني إسرائيل فيجلس بين ظهرانيهم ثم يقول: يا رب مسكين بين ظهرانى مساكينquot;. وذكر عن عمران بن موسى القصير قال: قال موسى عليه السلام: quot;يا رب أين أبغيك قال: ابغنى عند المنكسرة قلوبهم فإني أدنو منهم كل يوم باعا ولولا ذلك انهدمواquot;. وفى كتاب الزهد للإمام أحمد: quot;أن رجلا من بنى إسرائيل تعبد ستين سنة فى طلب حاجة. فلم يظفر بها. فقال فى نفسه: والله لو كان فيك خير لظفرت بحاجتك فأتى فى منامه فقيل له: أرأيت ازدراءك على نفسك تلك الساعة فإنه خير من عبادتك تلك السنينquot;. ومن فوائد محاسبة النفس: أنه يعرف بذلك حق الله تعالى عليه. ومن لم يعرف حق الله تعالى عليه فإن عبادته لا تكاد تجدي عليه وهى قليلة المنفعة جدا. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج: حدثنا جرير بن حازم عن وهب قال: quot;بلغني أن نبي الله موسى عليه السلام مر برجل يدعو ويتضرع فقال: يا رب ارحمه فإني قد رحمته فأوحى الله تعالى إليه: لو دعاني حتى تنقطع قواه ما استجيب له حتى ينظر فى حقي عليهquot;. فمن أنفع ما للقلب النظر فى حق الله على العبد. فإن ذلك يورثه مقت نفسه والإزدراء عليها ويخلصه من العجب ورؤية العمل ويفتح له باب الخضوع والذل والانكسار بين يدي الله واليأس من نفسه وأن النجاة لا تحصل له إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته فإن من حقه أن يطاع ولا يعصى وأن يذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر. فمن نظر فى هذا الحق الذى لربه عليه علم علم اليقين أنه غير مؤد له كما ينبغي وأنه لا يسعه إلا العفو والمغفرة وأنه إن أحيل على عمله هلك. فهذا محل نظر أهل المعرفة بالله تعالى وبنفوسهم وهذا الذى أيأسهم من أنفسهم وعلق رجاءهم كله بعفو الله ورحمته. وإذا تأملت حال أكثر الناس وجدتهم بضد ذلك ينظرون فى حقهم على الله ولا ينظرون فى حق الله عليهم. ومن هاهنا انقطعوا عن الله وحجبت قلوبهم عن معرفته ومحبته والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره وهذا غاية جهل الإنسان بربه وبنفسه. فمحاسبة النفس هو نظر العبد فى حق الله عليه أولا ثم نظره هل قام به كما ينبغي(1\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "92",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1364",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثانيا وأفضل الفكر الفكر فى ذلك فإنه يسير القلب إلى الله ويطرحه بين يديه ذليلا خاضعا منكسرا كسرا فيه جبره ومفتقرا فقرا فيه غناه. وذليلا ذلا فيه عزه ولو عمل من الأعمال ما عساه أن يعمل فإذا فاته هذا فالذي فاته من البر أفضل من الذي أتى. وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن القاسم حدثنا صالح المدني عن أبي عمران الجونى عن أبي الخلد أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: quot;إذا ذكرتني فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك وكن عند ذكري خاشعا مطمئنا وإذا ذكرتني فاجعل لسانك من وراء قلبك وإذا قمت بين يدي فقم مقام العبد الحقير الذليل وذم نفسك فهي أولى بالذم وناجنى حين تناجيني بقلب وجل ولسان صادقquot;. ومن فوائد نظر العبد في حق الله عليه أن لا يتركه ذلك يدل بعمل أصلا كائنا ما كان ومن أدل بعمله لم يصعد إلى الله تعالى كما ذكر الإمام أحمد عن بعض أهل العلم بالله أنه قال له رجل: quot;إني لأقوم في صلاتى فأبكى حتى يكاد ينبت البقل من دموعى فقال له: إنك إن تضحك وأنت تعترف لله بخطيئتك خير من أن تبكى وأنت مدل بعملك. فإن صلاة المدل لا تصعد فوقه. فقال له: أوصنى قال: عليك بالزهد فى الدنيا وأن لا تنازعها أهلها وأن تكون كالنحلة إن أكلت أكلت طيبا وإن وضعت وضعت طيبا وإن وقعت على عود لم تضره ولم تكسره وأوصيك بالنصح لله عز وجل نصح الكلب لأهله فإنهم يجيعونه ويطردونه ويأبى إلا أن يحوطهم وينصحهمquot;. ومن هاهنا أخذ الشاطبى قوله: وقد قيل: كن كالكلب يقصيه ... أهلهولا يأتلى فى نصحهم متبتلا وقال الإمام أحمد: حدثنا سيار: حدثنا جعفر: حدثنا الجريرى قال: quot;بلغنى أن رجلا من بني إسرائيل كانت له إلى الله عز وجل حاجة. فتعبد واجتهد ثم طلب إلي الله تعالى حاجته فلم ير نجاحا فبات ليلته مزريا على نفسه. وقال: يا نفس مالك لا [تقضى] حاجتك فبات محزونا قد أزرى على نفسه وألزم الملامة نفسه فقال: أما والله ما من قبل ربى أتيت ولكن من قبل نفسى أتيت فبات ليلته مزريا وألزم نفسه الملامة فقضيت حاجتهquot;.(1\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "93",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1365",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الثانى عشر: فى علاج مرض القلب بالشيطان هذا الباب من أهم أبواب الكتاب وأعظمها نفعا والمتأخرون من أرباب السلوك لم يعتنوا به اعتناءهم بذكر النفس وعيوبها وآفاتها فإنهم توسعوا في ذلك وقصروا فى هذا الباب. ومن تأمل القرآن والسنة وجد اعتناءهما بذكر الشيطان وكيده ومحاربته أكثر من ذكر النفس فإن النفس المذمومة ذكرت فى قوله: إن النفس لأمارة بالسوء [يوسف: 53] . واللوامة فى قوله: ولا أقسم بالنفس اللوامة [القيامة: 2] . وذكرت النفس المذمومة فى قوله: ونهى النفس عن الهوى [النازعات: 40] . وأما الشيطان فذكر فى عدة مواضع وأفردت له سورة تامة. فتحذير الرب تعالى لعباده منه جاء أكثر من تحذيره من النفس وهذا هو الذى لا ينبغي غيره فإن شر النفس وفسادها ينشأ من وسوسته فهى مركبه وموضع شره ومحل طاعته وقد أمر الله سبحانه بالاستعاذة منه عند قراءة القرآن وغير ذلك وهذا لشدة الحاجة إلى التعوذ منه ولم يأمر بالاستعاذة من النفس فى موضع واحد وإنما جاءت الاستعاذة من شرها فى خطبة الحاجة فى قوله صلى الله عليه وسلم: quot;ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالناquot;. كما تقدم ذلك فى الباب الذى قبله. وقد جمع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بين الاستعاذة من الأمرين فى الحديث الذى رواه الترمذي وصححه عن أبي هريرة رضى الله عنه: quot;أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه قال: يا رسول الله علمنى شيئا أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت قال قل: اللهم عالم الغيب والشهادة فاطر السموات والأرض رب كل شىء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسى وشر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسى سوءا أو أجره إلى مسلم قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعكquot;.(1\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "94",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1366",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقد تضمن هذا الحديث الشريف الاستعاذة من الشر وأسبابه وغايته فإن الشر كله إما أن يصدر من النفس أو من الشيطان وغايته: إما أن تعود على العامل. أو على أخيه المسلم فتضمن الحديث مصدرى الشر اللذين يصدر عنهما وغايتيه اللتين يصل إليهما. فصل قال تعالى: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون [النحل: 98 - 100] . ومعنى quot;استعذ باللهquot; امتنع به واعتصم به والجأ إليه ومصدره العوذ والعياذ والمعاذ وغالب استعماله فى المستعاذ به ومنه قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;لقد عذت بمعاذquot;. وأصل اللفظة: من اللجأ إلى الشيء والاقتراب منه ومن كلام العرب quot;أطيب اللحم عوذهquot; أى الذى قد عاذ بالعظم واتصل به. وناقة عائذ: يعوذ بها ولدها وجمعها quot;عوذquot; كحمر. ومنه فى حديث الحديبية: quot;معهم العوذ المطافيلquot;. والمطافيل: جمع مطفل وهى الناقة التى معها فصيلها. قالت طائفة منهم صاحب جامع الأصول: استعار ذلك للنساء أى معهم النساء وأطفالهم ولا حاجة إلى ذلك بل اللفظ على حقيقته. أى قد خرجوا إليك بدوابهم(1\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "95",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1367",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومراكبهم حتى أخرجوا معهم النوق التى معها أولادها فأمر سبحانه بالاستعاذة به من الشيطان عند قراءة القرآن. وفى ذلك وجوه: منها: أن القرآن شفاء لما في الصدور يذهب لما يلقيه الشيطان فيها من الوساوس والشهوات والإرادات الفاسدة فهو دواء لما أمره فيها الشيطان فأمر أن يطرد مادة الداء ويخلى منه القلب ليصادف الدواء محلا خاليا فيتمكن منه ويؤثر فيه كما قيل: أتانى هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا فيجىء هذا الدواء الشافى إلى قلب قد خلا من مزاحم ومضاد له فينجع فيه. ومنها: أن القرآن مادة الهدى والعلم والخير فى القلب كما أن الماء مادة النبات والشيطان نار يحرق النبات أولا فأولا فكلما أحس بنبات الخير فى القلب سعى فى إفساده وإحراقه فأمر أن يستعيذ بالله عز وجل منه لئلا يفسد عليه ما يحصل له بالقرآن. والفرق بين هذا الوجه والوجه الذى قبله أن الاستعاذة فى الوجه الأول لأجل حصول فائدة القرآن وفى الوجه الثاني لأجل بقائها وحفظها وثباتها. وكأن من قال: إن الاستعاذة بعد القراءة لاحظ هذا المعنى وهو لعمر الله ملحظ جيد إلا أن السنة وآثار الصحابة إنما جاءت بالاستعاذة قبل الشروع في القراءة وهو قول جمهور الأمة من السلف والخلف وهو محصل للأمرين. ومنها: أن الملائكة تدنو من قارئ القرآن وتستمع لقراءته. كما فى حديث أسيد ابن حضير لما كان يقرأ ورأى مثل الظلة فيها مثل المصابيح فقال النبى عليه الصلاة والسلام: quot;تلك الملائكةquot;. والشيطان ضد الملك وعدوه. فأمر القارئ أن يطلب من الله تعالى مباعدة عدوه عنه حتى يحضره خاصته وملائكته فهذه وليمة لا يجتمع فيها الملائكة والشياطين.(1\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "96",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1368",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: أن الشيطان يجلب على القارئ بخيله ورجله حتى يشغله عن المقصود بالقرآن وهو تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد به المتكلم به سبحانه فيحرص بجهده على أن يحول بين قلبه وبين مقصود القرآن فلا يكمل انتفاع القارئ به فأمر عند الشروع أن يستعيذ بالله عز وجل منه. ومنها: أن القارئ مناج لله تعالى كلامه والله تعالى أشد أذنا للقارئ الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته. والشيطان إنما قراءته الشعر والغناء. فأمر القارئ أن يطرده بالاستعاذة عند مناجاته تعالى واستماع الرب قراءته. ومنها: أن الله سبحانه أخبر أنه ما أرسل من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته والسلف كلهم على أن المعنى: إذا تلا ألقى الشيطان فى تلاوته. كما قال الشاعر فى عثمان: تمنى كتاب الله أول ليله ... وآخره لاقى حمام المقادر فإذا كان هذا فعله مع الرسل عليهم الصلاة والسلام فكيف بغيرهم ولهذا يغلط القارئ تارة ويخلط عليه القراءة ويشوشها عليه فيخبط عليه لسانه أو يشوش عليه ذهنه وقلبه فإذا حضر عند القراءة لم يعدم منه القارئ هذا أو هذا وربما جمعهما له فكان من أهم الأمور: الاستعاذة بالله تعالى منه عند القراءة. ومنها: أن الشيطان أحرص ما يكون على الإنسان عندما يهم بالخير أو يدخل فيه فهو يشتد عليه حينئذ ليقطعه عنه وفى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;إن شيطانا تفلت على البارحة فأراد أن يقطع على صلاتيquot; الحديث. وكلما كان الفعل أنفع للعبد وأحب إلى الله تعالى كان اعتراض الشيطان له أكثر. وفى مسند الإمام أحمد من حديث سبرة بن أبى الفاكه أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول: quot;إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه فقعد له بطريق الإسلام فقال: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك فعصاه(1\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "97",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1369",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كالفرس فى الطول فعصاه وهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد وهو جهاد النفس والمال فقال: تقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال قال: فعصاه فجاهدquot;. فالشيطان بالرصد للإنسان على طريق كل خير. وقال منصور عن مجاهد رحمه الله: quot;ما من رفقة تخرج إلى مكة إلا جهز معهم إبليس مثل عدتهمquot; رواه ابن أبي حاتم فى تفسيره فهو بالرصد ولاسيما عند قراءة القرآن فأمر سبحانه العبد أن يحارب عدوه الذى يقطع عليه الطريق ويستعيذ بالله تعالى منه أولا ثم يأخذ فى السير كما أن المسافر إذا عرض له قاطع طريق اشتغل بدفعه ثم اندفع فى سيره. ومنها: أن الاستعاذة قبل القراءة عنوان وإعلام بأن المأتى به بعدها القرآن ولهذا لم تشرع الاستعاذة بين يدى كلام غيره بل الاستعاذة مقدمة وتنبيه للسامع أن الذي يأتي بعدها هو التلاوة فإذا سمع السامع الاستعاذة استعد لاستماع كلام الله تعالى ثم [شرع] ذلك للقارئ وإن كان وحده لما ذكرنا من الحكم وغيرها. فهذه بعض فوائد الاستعاذة. وقد قال أحمد فى رواية حنبل: quot;لا يقرأ فى صلاة ولا غير صلاة إلا استعاذ لقوله عز وجل: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم [النحل: 98] . وقال فى رواية ابن مشيش: quot;كلما قرأ يستعيذquot;. وقال عبد الله بن أحمد: quot;سمعت أبي كان إذا قرأ استعاذ يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليمquot;. وفى المسند والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري قال: quot;كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة استفتح ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم: من همزه ونفخه ونفثهquot;.(1\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "98",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1370",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ابن المنذر: quot;جاء عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول قبل القراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيمquot;. واختار الشافعي وأبو حنيفة والقاضي فى الجامع أنه كان يقول: quot;أعوذ بالله من الشيطان الرجيمquot; وهو رواية عن أحمد لظاهر الآية وحديث ابن المنذر. وعن أحمد من رواية عبد الله: quot;أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيمquot;. لحديث أبى سعيد وهو مذهب الحسن وابن سيرين ويدل عليه ما رواه أبو داود فى قصة الإفك: quot;أن النبى صلى الله عليه وسلم جلس وكشف عن وجهه وقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيمquot;. وعن أحمد رواية أخرى أنه يقول: quot;أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليمquot;. وبه قال سفيان الثوري ومسلم بن يسار واختاره القاضي فى المجرد وابن عقيل لأن قوله: فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم [فصلت: 36] . ظاهره أنه يستعيذ بقوله quot;أعوذ بالله من الشيطان الرجيمquot; وقوله فى الآية الأخرى: فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم [فصلت: 36] . يقتضي أن يلحق بالاستعاذة وصفه بأنه هو السميع العليم فى جملة مستقلة بنفسها مؤكدة بحرف quot;إنquot; لأنه سبحانه هكذا ذكره. وقال إسحاق: الذى أختاره ما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;اللهم إنى أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثهquot;. وقد جاء فى الحديث تفسير ذلك قال: quot;وهمزه: المؤتة ونفخه: الكبر ونفثه: الشعرquot;. وقال تعالى: وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون [المؤمنون: 97 - 98] . والهمزات: جمع همزة كتمرات وتمرة. وأصل الهمز الدفع قال أبو عبيد عن الكسائي: همزته ولمزته ولهزته ونهزته- إذا دفعته والتحقيق: أنه دفع بنخز وغمز يشبه الطعن فهو دفع خاص فهمزات الشياطين: دفعهم الوساوس والإغواء إلى القلب قال ابن عباس والحسن: quot;همزات الشياطين: نزغاتهم ووساوسهمquot; وفسرت همزاتهم بنفخهم ونفثهم وهذا قول مجاهد وفسرت بخنقهم وهو المؤتة التى تشبه الجنون. وظاهر الحديث أن الهمز نوع غير النفخ والنفث وقد يقال- وهو الأظهر- إن همزات الشياطين إذا أفردت دخل فيها جميع إصاباتهم لابن آدم وإذا قرنت بالنفخ والنفث كانت نوعا خاصا كنظائر ذلك(1\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "99",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1371",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم قال: وأعوذ بك رب أن يحضرون [المؤمنون: 98] . قال ابن زيد: فى أموري. وقال الكلبي: عند تلاوة القرآن وقال عكرمة: عند النزع والسياق فأمره أن يستعيذ من نوعي شر إصابتهم له بالهمز وقربهم ودنوهم منه. فتضمنت الاستعاذة أن لا يمسوه ولا يقربوه وذكر ذلك سبحانه عقيب قوله: ادفع بالتى هى أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون [المؤمنون: 96] . فأمره أن يحترز من شر شياطين الإنس بدفع إساءتهم إليه بالتى هى أحسن وأن يدفع شر شياطين الجن بالاستعاذة منهم. ونظير هذا قوله فى سورة الأعراف: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين [الأعراف: 199] . فأمره بدفع شر الجاهلين بالإعراض عنهم ثم أمره بدفع شر الشيطان بالاستعاذة منه فقال: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم [الأعراف: 200] . ونظير ذلك قوله فى سورة فصلت: ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم [فصلت: 34] . فهذا لدفع شر شياطين الإنس ثم قال: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم [فصلت: 36] وقال هاهنا: إنه هو السميع العليم [فصلت: 36]  فأكد بإن وبضمير الفصل وأتى باللام فى السميع العليم [فصلت: 36] . وقال فى الأعراف: إنه سميع عليم [الأعراف: 200] . وسر ذلك- والله أعلم- أنه حيث اقتصر على مجرد الاسم ولم يؤكده أريد إثبات مجرد الوصف الكافى في الاستعاذة والإخبار بأنه سبحانه يسمع ويعلم فيسمع استعاذتك فيجيبك ويعلم ما تستعيذ منه فيدفعه عنك فالسمع لكلام المستعيذ والعلم بالفعل المستعاذ منه وبذلك يحصل مقصود الاستعاذة وهذا المعنى شامل للموضعين وامتاز المذكور فى سورة فصلت بمزيد التأكيد والتعريف والتخصيص لأن سياق ذلك بعد إنكاره سبحانه على الذين شكوا فى سمعه لقولهم وعلمهم به كما جاء فى الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: quot;اجتمع عند البيت ثلاثة نفر قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم فقالوا: أترون الله يسمع ما نقول فقال أحدهم: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا فقال الآخر: إن سمع بعضه سمع كله فأنزل الله عز وجل: وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون إلى قوله: فأصبحتم(1\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "100",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1372",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من الخاسرين [فصلت: 22 - 23] . فجاء التوكيد فى قوله: إنه هو السميع العليم [فصلت: 36] . فى سياق هذا الإنكار: أى هو وحده الذى له كمال قوة السمع وإحاطة العلم لا كما يظن به أعداؤه الجاهلون: أنه لا يسمع إن أخفوا وأنه لا يعلم كثيرا مما يعملون وحسن ذلك أيضا: أن المأمور به فى سورة فصلت دفع إساءتهم إليه بإحسانه إليهم وذلك أشق على النفوس من مجرد الإعراض عنهم ولهذا عقبه بقوله: وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم [فصلت: 35] . فحسن التأكيد لحاجة المستعيذ. وأيضا فإن السياق هاهنا لإثبات صفات كماله وأدلة ثبوتها وآيات ربوبيته وشواهد توحيده ولهذا عقب ذلك بقوله: ومن آياته الليل والنهار [فصلت: 37] وبقوله: ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة [فصلت: 39] . فأتى بأداة التعريف الدالة على أن من أسمائه quot;السميع العليمquot; كما جاءت الأسماء الحسنى كلها معرفة والذى فى الأعراف فى سياق وعيد المشركين وإخوانهم من الشياطين ووعد المستعيذ بأن له ربا يسمع ويعلم وآلهة المشركين التي عبدوها من دونه ليس لهم أعين يبصرون بها ولا آذان يسمعون بها فإنه سميع عليم وآلهتهم لا تسمع ولا تبصر ولا تعلم فكيف تسوونها به في العبادة فعلمت أنه لا يليق بهذا السياق غير التنكير كما لا يليق بذلك غير التعريف والله أعلم بأسرار كلامه. ولما كان المستعاذ منه فى سورة quot;حم المؤمنquot; هو شر مجادلة الكفار فى آياته وما ترتب عليها من أفعالهم المرئية بالبصر قال: إن الذين يجادلون فى آيات الله بغير سلطان أتاهم إن فى صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير [غافر: 56] . فإنه لما كان المستعاذ منه كلامه وأفعالهم المشاهدة عيانا قال: إنه هو السميع البصير [غافر: 56]  وهناك المستعاذ منه غير مشاهد لنا فإنه يرانا هو وقبيله من حيث لا نراه. بل هو معلوم بالإيمان وإخبار الله ورسوله.(1\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "101",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1373",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل فالقرآن أرشد إلى دفع هذين العدوين بأسهل الطرق بالاستعاذة والإعراض عن الجاهلين ودفع إساءتهم بالإحسان. وأخبر عن عظم حظ من لقاه ذلك فإنه ينال بذلك كف شر عدوه وانقلابه صديقا ومحبة الناس له وثناءهم عليه وقهر هواه وسلامة قلبه من الغل والحقد وطمأنينة الناس- حتى عدوه- إليه. هذا غير ما يناله من كرامة الله وحسن ثوابه ورضاه عنه وهذا غاية الحظ عاجلا وآجلا ولما كان ذلك لا ينال إلا بالصبر قال: وما يلقاها إلا الذين صبروا [فصلت: 35] فإن النزق الطائش لا يصبر على المقابلة. ولما كان الغضب مركب الشيطان فتتعاون النفس الغضبية والشيطان على النفس المطمئنة التى تأمر بدفع الإساءة بالإحسان - أمر أن يعاونها بالاستعاذة منه فتمد الاستعاذة النفس المطمئنة فتقوى على مقاومة جيش النفس الغضبية ويأتي مدد الصبر الذى يكون النصر معه وجاء مدد الإيمان والتوكل فأبطل سلطان الشيطان: إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون [النحل: 99] . قال مجاهد وعكرمة والمفسرون: ليس له حجة. والصواب: أن يقال: ليس له طريق يتسلط به عليهم: لا من جهة الحجة ولا من جهة القدرة. والقدرة داخلة فى مسمى السلطان وإنما سميت الحجة سلطانا لأن صاحبها يتسلط بها تسلط صاحب القدرة بيده وقد أخبر سبحانه أنه لا سلطان لعدوه على عباده المخلصين المتوكلين فقال فى سورة الحجر: قال رب بما أغويتنى لأزينن لهم فى الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط على مستقيم إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين [الحجر: 39 - 42] . وقال فى سورة النحل: إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون  إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون [النحل: 99- 100] . فتضمن ذلك أمرين: أحدهما نفى سلطانه وإبطاله على أهل التوحيد والإخلاص. والثاني إثبات سلطانه على أهل الشرك وعلى من تولاه.(1\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "102",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1374",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولما علم عدو الله أن الله تعالى لا يسلطه على أهل التوحيد والإخلاص قال: فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين [ص: 82- 83] . فعلم عدو الله أن من اعتصم بالله عز وجل وأخلص له وتوكل عليه لا يقدر على إغوائه وإضلاله وإنما يكون له السلطان على من تولاه وأشرك مع الله فهؤلاء رعيته وهو وليهم وسلطانهم ومتبوعهم. فإن قيل: فقد أثبت له السلطان على أوليائه فى هذا الموضع. فكيف ينفيه فى قوله: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها فى شك [سبأ: 20- 21] . قيل: إن كان الضمير فى قوله: وما كان له عليهم من سلطان [سبأ: 21] . عائدا على المؤمنين فالسؤال ساقط ويكون الاستثناء منقطعا: أى لكن امتحناهم بإبليس لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها فى شك. وإن كان عائدا على ما عاد عليه فى قوله: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه [سبأ: 20] . وهو الظاهر ليصح الاستثناء المنقطع بوقوعه بعد النفى ويكون المعنى: وما سلطناه عليهم إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة. قال ابن قتيبة: quot;إن إبليس لما سأل الله تعالى النظرة قال لأغوينهم ولأضلنهم ولآمرنهم بكذا ولأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا وليس هو فى وقت هذه المقالة مستيقنا أن ما قدره فيه يتم وإنما قال ظانا فلما اتبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم فقال تعالى: وما كان تسليطنا إياه إلا لنعلم المؤمنين من الشاكين يعني نعلمهم موجودين ظاهرين فيحق القول ويقع الجزاءquot;. وعلى هذا فيكون السلطان هاهنا على من لم يؤمن بالآخرة وشك فيها وهم الذين تولوه وأشركوا به فيكون السلطان ثابتا لا منفيا فتتفق هذه الآية مع سائر الآيات. فإن قيل: فما تصنع بالتي فى سورة إبراهيم. حيث يقول لأهل النار:(1\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "103",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1375",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي [إبراهيم: 22] . وهذا وإن كان قوله فالله سبحانه أخبر به عنه مقررا له لا منكرا فدل على أنه كذلك. قيل: هذا سؤال جيد. وجوابه: أن السلطان المنفي فى هذا الموضع: هو الحجة والبرهان أى ما كان لي عليكم من حجة وبرهان أحتج به عليكم كما قال ابن عباس: quot;ما كان لي من حجة أحتج بها عليكمquot; أى: ما أظهرت لكم حجة إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى وصدقتم مقالتي واتبعتمونى بلا برهان ولا حجة. فأما السلطان الذي أثبته فى قوله: إنما سلطانه على الذين يتولونه [النحل: 100] . فهو تسلطه عليهم بالإغواء والإضلال وتمكنه منهم بحيث يؤزهم إلى الكفر والشرك ويزعجهم إليه ولا يدعهم يتركونه كما قال تعالى: ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا [مريم: 83] . قال ابن عباس: quot;تغريهم إغراءquot; وفى رواية: quot;تشليهم إشلاءquot; وفى لفظ: quot;تحرضهم تحريضاquot; وفى آخر: quot;تزعجهم إلى المعاصي إزعاجاquot; وفى آخر: quot;توقدهمquot; أى تحركهم كما يحرك الماء بالإيقاد تحته قال الأخفش: quot;توهجهمquot;. وحقيقة ذلك: أن quot;الأزquot; هو التحريك والتهييج ومنه يقال لغليان القدر: الأزيز لأن الماء يتحرك عند الغليان. ومنه الحديث: quot;لجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاءquot;. قال أبو عبيدة quot;الأزيزquot; الالتهاب والحركة كالتهاب النار فى الحطب يقال: إز قدرك أى ألهب تحتها بالنار وأيزت القدر إذا اشتد غليانها فقد حصل للأز معنيان: أحدهما: التحريك والثاني: الإيقاد والإلهاب وهما متقاربان فإنه تحريك خاص بإزعاج وإلهاب. فهذا من السلطان الذي له على أوليائه وأهل الشرك ولكن ليس له على ذلك سلطان حجة وبرهان وإنما استجابوا له بمجرد دعوته إياهم لما وافقت أهواءهم وأغراضهم فهم الذين أعانوا على أنفسهم ومكنوا عدوهم من سلطانه عليهم بموافقته ومتابعته فلما أعطوا(1\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "104",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1376",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأيديهم واستأسروا له سلط عليهم عقوبة لهم. وبهذا يظهر معنى قوله سبحانه: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا [النساء: 141] . فالآية على عمومها وظاهرها وإنما المؤمنون تصدر منهم من المعصية والمخالفة التى تضاد الإيمان ما يصير به للكافرين عليهم سبيل بحسب تلك المخالفة فهم الذين تسببوا إلى جعل السبيل عليهم كما تسببوا إليه يوم أحد بمعصية الرسول ومخالفته والله سبحانه لم يجعل للشيطان على العبد سلطانا حتى جعل له العبد سبيلا إليه بطاعته والشرك به فجعل الله حينئذ له عليه تسلطا وقهرا فمن وجد خيرا فليحمد الله تعالى ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. فالتوحيد والتوكل والإخلاص يمنع سلطانه والشرك وفروعه يوجب سلطانه والجميع بقضاء من أزمة الأمور بيده ومردها إليه وله الحجة البالغة فلو شاء لجعل الناس أمة واحدة لكن أبت حكمته وحمده وملكه إلا ذلك. فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم [الجاثية: 36 - 37] .(1\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "105",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1377",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "الباب الثالث عشر: في مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن آدم",
        "content": "الباب الثالث عشر: في مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن آدم قال الله تعالى إخبارا عن عدوه إبليس لما سأله عن امتناعه عن السجود لآدم واحتجاجه بأنه خير منه وإخراجه من الجنة أنه سأله أن ينظره فأنظره ثم قال عدو الله: فبما أغويتنى لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين [الأعراف: 16- 17] . قال جمهور المفسرين والنحاة: حذف quot;علىquot; فانتصب بالفعل. والتقدير: لأقعدن لهم على صراطك. والظاهر: أن الفعل مضمر فإن القاعد على الشىء ملازم له فكأنه قال: لألزمنه ولأرصدنه ولأعوجنه ونحو ذلك. قال ابن عباس: quot;دينك الواضحquot; وقال ابن مسعود: quot;هو كتاب اللهquot; وقال جابر: quot;هو الإسلامquot; وقال مجاهد: quot;هو الحقquot;. والجميع عبارات عن معنى واحد وهو الطريق الموصل إلى الله تعالى وقد تقدم حديث سبرة بن أبى الفاكه: quot;إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه كلهاquot; الحديث. فما من طريق خير إلا والشيطان قاعد عليه يقطعه على السالك. وقوله: ثم لآتينهم من بين أيديهم [الأعراف: 17] . قال ابن عباس فى رواية عطية عنه: quot;من قبل الدنياquot; وفى رواية علي عنه quot;أشككهم فى آخرتهمquot;. وكذلك قال الحسن: quot;من قبل الآخرة تكذيبا بالبعث والجنة والنارquot;. وقال مجاهد: quot;من بين أيديهم من حيث يبصرونquot;(1\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "106",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1378",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن خلفهم. قال ابن عباس: quot;أرغبهم فى دنياهمquot; وقال الحسن: quot;من قبل دنياهم أزينها لهم وأشهيها لهمquot;. وعن ابن عباس رواية أخرى: quot;من قبل الآخرةquot;. وقال أبو صالح: quot;أشككهم فى الآخرة وأباعدها عليهمquot; وقال مجاهد أيضا: quot;من حيث لا يبصرونquot;. وعن أيمانهم قال ابن عباس: quot;أشبه عليهم أمر دينهمquot; وقال أبو صالح: quot;الحق أشككهم فيهquot; وعن ابن عباس أيضا: quot;من قبل حسناتهمquot;. قال الحسن: quot;من قبل الحسنات أثبطهم عنهاquot;. وقال أبو صالح أيضا: quot;من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم: أنفقه عليهم وأرغبهم فيهquot;. وقال الحسن quot;وعن شمائلهمالسيئات يأمرهم بها ويحثهم عليها ويرغبهم فيها ويزينها فى أعينهمquot;. وصح عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: quot;ولم يقل من فوقهم لأنه علم أن الله من فوقهمquot;. قال الشعبي: quot;فالله عز وجل أنزل الرحمة عليهم من فوقهمquot;. وقال قتادة: quot;أتاك الشيطان يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك. لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة اللهquot;. قال الواحدي: quot;وقول من قال: الأيمان كناية عن الحسنات والشمائل كناية عن السيئات حسن لأن العرب تقول: اجعلني فى يمينك ولا تجعلني فى شمالك تريد: اجعلني من المقدمين عندك ولا تجعلني من المؤخرينquot; وأنشد لابن الدمينة: ألبنى أفى يمنى يديك جعلتنى ... فأفرح أم صيرتنى فى شمالك وروى أبو عبيد عن الأصمعى: quot;هو عندنا باليمين: أى بمنزلة حسنة وبضد ذلك هو عندنا بالشمالquot; وأنشد: رأيت بنى العلات لما تظافروا ... يحوزون سهمى بينهم فى الشمائل(1\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "107",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1379",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أى ينزلونى بالمنزلة السيئة. وحكى الأزهرى عن بعضهم فى هذه الآية لآتينهم من بين أيديهم [الأعراف: 17] : quot;أى لأغوينهم حتى يكذبوا بما تقدم من أمور الأمم السالفة ومن خلفهم [الأعراف: 17] بأمر البعث وعن أيمانهم وعن شمائلهم [الأعراف: 17] : أى لأضلنهم فيما يعملون لأن الكسب يقال فيه: ذلك بما كسبت يداك وإن كانت اليدان لم تجنيا شيئا لأنهما الأصل فى التصرف فجعلتا مثلا لجميع ما يعمل بغيرهماquot;. وقال آخرون منهم أبو إسحاق والزمخشرى واللفظ لأبى إسحاق: ذكر هذه الوجوه للمبالغة فى التوكيد أى: لآتينهم من جميع الجهات والله أعلم أتصرف لهم فى الإضلال من جميع جهاتهم. وقال الزمخشرى: ثم لآتينهم من الجهات الأربع التى يأتى منها العدو فى الغالب وهذا مثل لوسوسته إليهم وتسويله ما أمكنه وقدر عليه كقوله: واستفزز من استطعت منهم بسوطك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك [الإسراء: 64] . وهذا يوافق ما حكيناه عن قتادة: quot;أتاك من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقكquot;. وهذا القول أعم فائدة ولا يناقض ما قاله السلف فإن ذلك على جهة التمثيل لا التعيين. قال شقيق: quot;ما من صباح إلا قعد لى الشيطان على أربعة مراصد: من بين يدي ومن خلفى وعن يمينى وعن شمالي فيقول: لا تخف فإن الله غفور رحيم فأقرأ: وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى [طه: 82] . وأما من خلفي فيخوفنى الضيعة على من أخلفه فأقرأ: وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها [هود: 6] . ومن قبل يميني يأتيني من قبل النساء فأقرأ: والعاقبة للمتقين [الأعراف: 128] . ومن قبل شمالى فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ: وحيل بينهم وبين ما يشتهون [سبأ: 54] . قلت: السبل التى يسلكها الإنسان أربعة لا غير فإنه تارة يأخذ على جهة يمينه وتارة على شماله وتارة أمامه وتارة يرجع خلفه فأي سبيل سلكها من هذه وجد الشيطان عليها رصدا له فإن سلكها فى طاعة وجده عليها يثبطه عنها ويقطعه أو يعوقه ويبطئه وإن سلكها لمعصية وجده عليها حاملا له وخادما ومعينا وممنيا ولو اتفق له الهبوط إلى أسفل لأتاه من هناك.(1\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "108",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1380",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومما يشهد لصحة أقوال السلف قوله تعالى: وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم [فصلت: 25] . قال الكلبي: quot;ألزمناهم قرناء من الشياطينquot;. وقال مقاتل: quot;هيأنا لهم قرناء من الشياطينquot;. وقال ابن عباس: quot;ما بين أيديهم من أمر الدنيا وما خلفهم من أمر الآخرةquot;. والمعنى: زينوا لهم الدنيا حتى آثروها ودعوهم إلى التكذيب بالآخرة والإعراض عنها. وقال الكلبى: quot;زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة: أنه لا جنة ولا نار ولا بعث وما خلفهم من أمر الدنيا: ما هم عليه من الضلالةquot;. وهذا اختيار الفراء. وقال ابن زيد: quot;زينوا لهم ما مضى من خبث أعمالهم وما يستقبلون منهاquot;. والمعنى: على هذا زينوا لهم ما عملوه فلم يتوبوا منه وما يعزمون عليه فلا ينوون تركه. فقول عدو الله تعالى: ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم [الأعراف: 17] . يتناول الدنيا والآخرة وقوله: وعن أيمانهم وعن شمائلهم [الأعراف: 17] . فإن ملك الحسنات عن اليمين يستحث صاحبه على فعل الخير فيأتيه الشيطان من هذه الجهة يثبطه عنه وإن ملك السيئات عن الشمال ينهاه عنها فيأتيه الشيطان من تلك الجهة يحرضه عليها وهذا يفصل ما أجمله فى قوله: فبعزتك لأغوينهم أجمعين [ص: 82] وقال تعالى: إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا [النساء: 117 - 120] . قال الضحاك: quot;مفروضا أى معلوماquot; وقال الزجاج: quot;أى نصيبا افترضته على نفسىquot; قال الفراء: quot;يعنى ما جعل له عليه السبيل من الناس فهو كالمفروضquot;. قلت: حقيقة الفرض هو التقدير. والمعنى: أن من اتبع الشيطان وأطاعه فهو من نصيبه المفروض وحظه المقسوم فكل من أطاع عدو الله فهو من مفروضه فالناس قسمان: نصيب الشيطان ومفروضه وأولياء الله وحزبه وخاصته. وقوله ولأضلنهم يعنى عن الحق ولأمنيهم  قال ابن عباس: quot;يريد تعويق التوبة وتأخيرهاquot;.(1\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "109",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1381",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الكلبى: quot;منيهم أنه لا جنة ولا نار ولا بعثquot;. وقال الزجاج: quot;أجمع لهم مع الإضلال أن أوهمهم أنهم ينالون مع ذلك حظهم من الآخرةquot;. وقيل: quot;لأمنينهم ركوب الأهواء الداعية إلى العصيان والبدعquot;. وقيل: quot;أمنيهم طول البقاء فى نعيم الدنيا فأطيل لهم الأمل فيها ليؤثروها على الآخرةquot;. وقوله: ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام [النساء: 119] . البتك: القطع وهو فى هذا الموضع: قطع آذان البحيرة عن جميع المفسرين ومن هاهنا كره جمهور أهل العلم تثقيب أذنى الطفل للحلق ورخص بعضهم فى ذلك للأنثى دون الذكر لحاجتها إلى الحلية واحتجوا بحديث أم زرع وفيه: quot;أناس من حلى أذنى quot; وقال النبى صلى الله عليه وسلم: quot;كنت لك كأبى زرع لأم زرعquot;. ونص أحمد رحمه الله على جواز ذلك فى حق البنت وكراهته فى حق الصبي. وقوله: ولآمرنهم فليغيرن خلق الله [النساء: 119] . قال ابن عباس: quot;يريد دين اللهquot;. وهو قول إبراهيم ومجاهد والحسن والضحاك وقتادة والسدى وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير. ومعنى ذلك: هو أن الله تعالى فطر عباده على الفطرة المستقيمة وهى ملة الإسلام كما قال تعالى: فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه [الروم: 30- 31] . ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: quot;ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء فهل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونهاquot;. ثم قرأ أبو هريرة: فطرت الله التى فطر الناس عليها [الروم: 30] الآية متفق عليه.(1\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "110",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1382",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فجمع النبى عليه الصلاة والسلام بين الأمرين: تغيير الفطرة بالتهويد والتنصير وتغيير الخلقة بالجدع وهما الأمران اللذان أخبر إبليس أنه لا بد أن يغيرهما فغير فطرة الله بالكفر وهو تغيير الخلقة التى خلقوا عليها وغير الصورة بالجدع والبتك فغيروا الفطرة إلى الشرك والخلقة إلى البتك والقطع فهذا تغيير خلقة الروح وهذا تغيير خلقة الصورة. ثم قال: يعدهم ويمنيهم [النساء: 120] فوعده ما يصل إلى قلب الإنسان نحو: سيطول عمرك وتنال من الدنيا إربك وستعلو على أقرانك وتظفر بأعدائك والدنيا دول ستكون لك كما كانت لغيرك ويطول أمله ويعده بالحسنى على شركه ومعاصيه ويمنيه الأمانى الكاذبة على اختلاف وجوهها والفرق بين وعده وتمنيته أن الوعد فى الخير والتمنية فى الطلب والإرادة فيعده الباطل الذى لا حقيقة له- وهو الغرور- ويمنيه المحال الذى لا حاصل له. ومن تأمل أحوال أكثر الناس وجدهم متعلقين بوعده وتمنيه وهم لا يشعرون أنه يعد الباطل ويمنى المحال والنفس المهينة التى لا قدر لها تغتذى بوعده وتمنيته كما قال القائل: منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا فالنفس المبطلة الخسيسة تلتذ بالأمانى الباطلة والوعود الكاذبة وتفرح بها كما يفرح بها النساء والصيبان ويتحركون لها فالأقوال الباطلة مصدرها وعد الشيطان وتمنيه فإن الشيطان يمنى أصحابها الظفر بالحق وإدراكه ويعدهم الوصول إليه من غير طريقه فكل مبطل فله نصيب من قوله: يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا [النساء: 120] . ومن ذلك قوله تعالى: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا [البقرة: 268] . قيل: يعدكم الفقر [البقرة: 268] : يخوفكم به يقول: إن أنفقتم أموالكم افتقرتم ويأمركم بالفحشاء [البقرة: 268] قالوا: هى البخل فى هذا الموضع خاصة ويذكر عن مقاتل والكلبى كل فحشاء فى القرآن فهى الزنا إلا فى هذا الموضع فإنها البخل. والصواب: أن الفحشاء على بابها وهى كل فاحشة فهى صفة لموصوف محذوف فحذف موصوفها إرادة للعموم أى بالفعلة الفحشاء والخلة الفحشاء ومن جملتها البخل فذكر سبحانه وعد الشيطان وأمره يأمرهم بالشر ويخوفهم من فعل الخير وهذان الأمران هما جماع ما يطلبه الشيطان من الإنسان فإنه إذا خوفه من فعل الخير تركه وإذا أمره بالفحشاء وزينها له ارتكبها وسمى سبحانه تخويفه وعد الانتظار الذى خوفه إياه كما ينتظر الموعود ما وعد به ثم ذكر سبحانه وعده على طاعته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه وهى المغفرة(1\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "111",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1383",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والفضل فالمغفرة: وقاية الشر والفضل: إعطاء الخير وفى الحديث المشهور: quot;إن للملك بقلب ابن آدم لمة وللشيطان لمة فلمة الملك: إيعاد بالخير وتصديق بالوعد ولمة الشيطان: إيعاد بالشر وتكذيب بالوعدquot; ثم قرأ: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء [البقرة: 268] الآية. فالملك والشيطان يتعاقبان على القلب تعاقب الليل والنهار فمن الناس من يكون ليله أطول من نهاره وآخر بضده ومنهم من يكون زمنه نهارا كله وآخر بضده نستعيذ بالله تعالى من شر الشيطان. فصل ومن كيده للإنسان: أنه يورده الموارد التى يخيل إليه أن فيها منفعته ثم يصدره المصادر التى فيها عطبه ويتخلى عنه ويسلمه ويقف يشمت به ويضحك منه فيأمره بالسرقة والزنا والقتل ويدل عليه ويفضحه قال تعالى: وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إنى برىء منكم إنى أرى مالا ترون إنى أخاف الله والله شديد العقاب [الأنفال: 48] . فإنه تراءى للمشركين عند خروجهم إلى بدر فى صورة سراقة بن مالك وقال: أنا جار لكم من بنى كنانة أن يقصدوا أهلكم وذراريكم بسوء فلما رأى عدو الله جنود الله تعالى من الملائكة نزلت لنصر رسوله فر عنهم وأسلمهم كما قال حسان:(1\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "112",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1384",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دلاهم بغرور ثم أسلمهم ... إن الخبيث لمن والاه غرار وكذلك فعل بالراهب الذى قتل المرأة وولدها أمره بالزنا ثم بقتلها ثم دل أهلها عليه وكشف أمره لهم ثم أمره بالسجود له فلما فعل فر عنه وتركه. وفيه أنزل الله سبحانه: كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إنى برىء منك إنى أخاف الله رب العالمين [الحشر: 16] . وهذا السياق لا يختص بالذى ذكرت عنه هذه القصة بل هو عام فى كل من أطاع الشيطان فى أمره له بالكفر لينصره ويقضى حاجته فإنه يتبرأ منه ويسلمه كما يتبرأ من أوليائه جملة فى النار ويقول لهم: إنى كفرت بما أشركتمون من قبل [إبراهيم: 22] . فأوردهم شر الموارد وتبرأ منهم كل البراءة. وتكلم الناس فى قول عدو الله إني أخاف الله [الأنفال: 48] فقال قتادة وابن إسحاق: quot;صدق عدو الله فى قوله إني أرى ما لا ترون [الأنفال: 48] وكذب فى قوله إني أخاف الله [الأنفال: 48] والله ما به مخافة الله ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة فأوردهم وأسلمهم. وكذلك عادة عدو الله بمن أطاعهquot;. وقالت طائفة: quot;إنما خاف بطش الله تعالى به فى الدنيا كما يخاف الكافر والفاجر أن يقتل أو يؤخذ بجرمه لا أنه خاف عقابه فى الآخرةquot;. وهذا أصح وهذا الخوف لا يستلزم إيمانا ولا نجاة. قال الكلبى: quot;خاف أن يأخذه جبريل فيعرفهم حاله فلا يطيعونهquot;. وهذا فاسد فإنه إنما قال لهم ذلك بعد أن فر ونكص على عقبيه إلا أن يريد أنه إذا عرف المشركون أن الذى أجارهم وأوردهم إبليس لم يطيعوه فيما بعد ذلك وقد أبعد النجعة إن أراد ذلك وتكلف غير المراد. وقال عطاء: quot;إنى أخاف الله أن يهلكنى فيمن يهلكquot; وهذا خوف هلاك الدنيا فلا ينفعه.(1\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "113",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1385",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الزجاج وابن الأنبارى: quot;ظن أن الوقت الذى أنظر إليه قد حضرquot;. زاد ابن الأنبارى قال: quot;أخاف أن يكون الوقت المعلوم الذى يزول معه إنظارى قد حضر فيقع بى العذاب فإنه لما عاين الملائكة خاف أن يكون وقت الإنظار قد انقضى فقال ما قال إشفاقا على نفسهquot;. فصل ومن كيد عدو الله تعالى: أنه يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه فلا يجاهدونهم ولا يأمرونهم بالمعروف ولا ينهونهم عن المنكر وهذا من أعظم كيده بأهل الإيمان وقد أخبرنا الله سبحانه عنه بهذا فقال: إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين [آل عمران: 175] . المعنى عند جميع المفسرين: يخوفكم بأوليائه. قال قتادة: quot;يعظمهم فى صدوركم ولهذا قال: فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين فكلما قوى إيمان العبد زال من قلبه خوف أولياء الشيطان وكلما ضعف إيمان العبد قوى خوفه منهمquot;. ومن مكايده أنه يسحر العقل دائما حتى يكيده ولا يسلم من سحره إلا من شاء الله فيزين له الفعل الذى يضره حتى يخيل إليه أنه من أنفع الأشياء وينفر من الفعل الذى هو أنفع الأشياء له حتى يخيل له أنه يضره فلا إله إلا الله. كم فتن بهذا السحر من إنسان وكم حال به بين القلب وبين الإسلام والإيمان والإحسان وكم جلا الباطل وأبرزه فى صورة مستحسنة وشنع الحق وأخرجه فى صورة مستهجنة وكم بهرج من الزيوف على الناقدين وكم روج من الزغل على العارفين فهو الذى سحر العقول حتى ألقى أربابها فى الأهواء المختلفة والآراء المتشعبة وسلك بهم فى سبل الضلال كل مسلك وألقاهم من المهالك فى مهلك بعد مهلك وزين لهم عبادة الأصنام وقطيعة الأرحام ووأد البنات ونكاح الأمهات ووعدهم الفوز بالجنات مع الكفر والفسوق والعصيان وأبرز لهم الشرك فى صورة التعظيم والكفر بصفات الرب تعالى وعلوه على عرشه وتكلمه بكتبه فى قالب التنزيه وترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى قالب التودد إلى الناس وحسن الخلق معهم والعمل بقوله: عليكم أنفسكم [المائدة: 105] . والإعراض عما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام فى قالب التقليد(1\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "114",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1386",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والاكتفاء بقول من هو أعلم منهم والنفاق والإدهان فى دين الله فى قالب العقل المعيشى الذى يندرج به العبد بين الناس. فهو صاحب الأبوين حين أخرجهما من الجنة وصاحب قابيل حين قتل أخاه وصاحب قوم نوح حين أغرقوا وقوم عاد حين أهلكوا بالريح العقيم وصاحب قوم صالح حين أهلكوا بالصيحة وصاحب الأمة اللوطية حين خسف بهم وأتبعوا بالرجم بالحجارة وصاحب فرعون وقومه حين أخذوا الأخذة الرابية وصاحب عباد العجل حين جرى عليهم ما جرى وصاحب قريش حين دعوا يوم بدر وصاحب كل هالك ومفتون. فصل وأول كيده ومكره: أنه كاد الأبوين بالأيمان الكاذبة: أنه ناصح لهما وأنه إنما يريد خلودهما فى الجنة قال تعالى: فوسوس لهما الشيطان ليبدى لهما ما وورى عنهما من سوءاتهما وقال مانهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إنى لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور [الأعراف: 20 - 22] . فالوسوسة: حديث النفس والصوت الخفى وبه سمى صوت الحلى وسواسا ورجل موسوس بكسر الواو ولا يفتح فإنه لحن وإنما قيل له: موسوس لأن نفسه توسوس إليه قال تعالى: ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ق: 16] . وعلم عدو الله أنهما إذا أكلا من الشجرة بدت لهما عوراتهما فإنها معصية والمعصية تهتك ستر ما بين الله وبين العبد فلما عصيا انهتك ذلك الستر فبدت لهما سوآتهما فالمعصية تبدى السوأة الباطنة والظاهرة ولهذا رأى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى رؤياه الزناة والزوانى عراة بادية سوآتهم وهكذا إذا رؤى الرجل أو المرأة فى منامه مكشوف السوأة يدل على فساد فى دينه قال الشاعر:(1\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "115",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1387",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنى كأنى أرى من لا حياء له ... ولا أمانة وسط الناس عريانا فإن الله سبحانه أنزل لباسين: لباسا ظاهرا يوارى العورة ويسترها ولباسا باطنا من التقوى يجمل العبد ويستره فإذا زال عنه هذا اللباس انكشفت عورته الباطنة كما تنكشف عورته الظاهرة بنزع ما يسترها. ثم قال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين [الأعراف: 20] . أى: إلا كراهة أن تكونا ملكين وكراهة أن تخلدا فى الجنة ومن هاهنا دخل عليهما لما عرف أنهما يريدان الخلود فيها وهذا باب كيده الأعظم الذى يدخل منه على ابن آدم فإنه يجرى منه مجرى الدم حتى يصادف نفسه ويخالطها ويسألها عما تحبه وتؤثره فإذا عرفه استعان بها على العبد ودخل عليه من هذا الباب وكذلك علم إخوانه وأولياءه من الإنس إذا أرادوا أغراضهم الفاسدة من بعضهم بعضا أن يدخلوا عليهم من الباب الذى يحبونه ويهوونه فإنه باب لا يخذل عن حاجته من دخل منه ومن رام الدخول من غيره فالباب عليه مسدود وهو عن طريق مقصده مصدود. فشام عدو الله الأبوين فأحس منهما إيناسا وركونا إلى الخلد فى تلك الدار فى النعيم المقيم فعلم أنه لا يدخل عليهما من غير هذا الباب فقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين وقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين. وكان عبد الله بن عباس يقرؤها ملكين بكسر اللام ويقول: لم يطمعا أن يكونا من الملائكة ولكن استشرفا أن يكونا ملكين فأتاهما من جهة الملك ويدل على هذه القراءة قوله فى الآية الأخرى: قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى [طه: 120] . وأما على القراءة المشهورة فيقال: كيف أطمع عدو الله آدم عليه السلام أن يكون بأكله من الشجرة من الملائكة وهو يرى الملائكة لا تأكل ولا تشرب وكان آدم عليه السلام أعلم بالله وبنفسه وبالملائكة من أن يطمع أن يكون منهم بأكله ولا سيما مما نهاه الله عز وجل عنه فالجواب: أن آدم وحواء عليهما السلام لم يطمعا فى ذلك أصلا وإنما كذبهما عدو الله وغرهما وخدعهما بأن سمى تلك الشجرة شجرة الخلد فهذا أول المكر والكيد ومنه ورث أتباعه تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التى تحب النفوس مسمياتها فسموا الخمر: أم الأفراح(1\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "116",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1388",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسموا أخاها بلقيمة الراحة وسموا الربا بالمعاملة وسموا المكوس بالحقوق السلطانية وسموا أقبح الظلم وأفحشه شرع الديوان وسموا أبلغ الكفر وهو جحد صفات الرب تنزيها وسموا مجالس الفسوق مجالس الطيبة. فلما سماها شجرة الخلد قال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تأكلا منها فتخلدا فى الجنة ولا تموتا فتكونان مثل الملائكة الذين لا يموتون ولم يكن آدم عليه السلام قد علم أنه يموت بعد واشتهى الخلود فى الجنة وحصلت الشبهة من قول العدو وإقسامه بالله جهد أيمانه أنه ناصح لهما فاجتمعت الشبهة والشهوة وساعده القدر ولما فرغ الله سبحانه من تقديره فأخذتهما سنة الغفلة واستيقظ لهما العدو كما قيل: واستيقظوا وأراد الله غفلتهم ... لينفذ القدر المحتوم فى الأزل إلا أن هذا الجواب يعترض عليه قوله أو تكونا من الخالدين [الأعراف: 20] . فيقال: الماكر المخادع لا بد أن يكون فيما يمكر به ويكيد من التناقض والباطل ما يدل على مكره وكيده ولا حاجة بنا إلى تصحيح كلام عدو الله والاعتذار عنه وإنما يعتذر عن الأب فى كون ذلك راج عليه وولج سمعه فهو لم يجزم لهما بأنهما إن أكلا منها صارا ملكين وإنما ردد الأمر بين أمرين: أحدهما ممتنع والآخر: ممكن وهذا من أبلغ أنواع الكيد والمكر ولهذا لما أطمعه فى الأمر الممكن جزم له به ولم يردده. فقال: يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى [طه: 120] . فلم يدخل أداة الشك هاهنا كما أدخلها فى قوله: إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين [الأعراف: 20] فتأمله ثم قال: وقاسمهما إنى لكما لمن الناصحين [الأعراف: 21] . فتضمن هذا الخبر أنواعا من التأكيد: أحدها: تأكيده بالقسم. الثانى: تأكيده بإن. الثالث: تقديم المعمول على العامل إيذانا بالاختصاص. أى نصيحتى مختصة بكما وفائدتها إليكما لا إلى. الرابع: إتيانه باسم الفاعل الدال على الثبوت واللزوم دون الفعل الدال على التجدد: أى النصح صفتى وسجيتى ليس أمرا عارضا لى.(1\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "117",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1389",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخامس: إتيانه بلام التأكيد فى جواب القسم. السادس: أنه صور نفسه لهما ناصحا من جملة الناصحين فكأنه قال لهما: الناصحون لكما فى ذلك كثير وأنا واحد منهم كما تقول لمن تأمره بشىء: كل أحد معى على هذا وأنا من جملة من يشير عليك به. سعى نحوها حتى تجاوز حده ... وكثر فارتابت ولو شاء قللا وورث عدو الله هذا المكر لأوليائه وحزبه عند خداعهم للمؤمنين كما كان المنافقون يقولون لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا جاءوه: نشهد إنك لرسول الله [المنافقون: 1] . فأكدوا خبرهم بالشهادة وبإن وبلام التأكيد وكذلك قوله سبحانه: ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم [التوبة: 56] . ثم قال تعالى: فدلاهما بغرور [الأعراف: 22] . قال أبو عبيدة: quot;خذلهما وخلاهما من تدلية الدلو وهو إرسالها فى البئرquot;. وذكر الأزهرى لهذه اللفظة أصلين: أحدهما قال: quot;أصله الرجل العطشان يتدلى فى البئر ليروى من الماء فلا يجد فيها ماء فيكون قد تدلى فيها بالغرور. فوضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدى نفعا فيقال: دلاه إذا أطمعهquot; ومنه قول أبى جندب الهذلى: أحص فلا أجير ومن أجره ... فليس كمن تدلى بالغرور أحص: أى أقطع. الثانى: quot;فدلاهما بغرور أى جرأهما على أكل الشجرة وأصله: دللهما من الدلال والدالة وهى الجراءةquot; قال شمر: quot;يقال: ما دلك على أى ما جرأك علىquot; وأنشد لقيس بن زهير: أظن الحلم دل على قومى ... وقد يستجهل الرجل الحليم(1\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "118",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1390",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت: أصل التدلية فى اللغة الإرسال والتعليق. يقال: دلى الشىء فى مهواة إذا أرسله بتعليق. وتدلى الشىء بنفسه. ومنه قوله تعالى: فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه [يوسف: 19] . قال عامة أهل اللغة: يقال: أدلى دلوه إذا أرسلها فى البئر. ودلاها بالتخفيف إذا نزعها من البئر فأدلى دلوه يدليه إدلاء إذا أرسلها ودلاها يدلوها دلوا إذا نزعها وأخرجها ومنه الإدلاء وهو التوصل إلى الرجل برحم منه ويشاركه فى الاشتقاق الأكبر الدلالة وهى التوصل إلى الشىء بإبانته وكشفه ومنه الدل وهو ما يدل على العبد من أفعاله وكان عبد الله بن مسعود يتشبه برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى هديه ودله وسمته فالهدى الطريقة التى عليها العبد من أخلاقه وأقواله وأعماله والدل ما يدل من ظاهره على باطنه والسمت هيأته ووقاره ورزانته. والمقصود: ذكر كيد عدو الله ومكره بالأبوين. قال مطرف بن عبد الله: quot;قال لهما إنى خلقت قبلكما وأنا أعلم منكما فاتبعانى أرشدكما وحلف لهما وإنما يخدع المؤمن باللهquot; قال قتادة: quot;وكان بعض أهل العلم يقول من خادعنا بالله خدعناquot; فالمؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم وفى الصحيح: quot;أن عيسى بن مريم عليه السلام رأى رجلا يسرق فقال: سرقت فقال: لا والله الذى لا إله إلا هو فقال المسيح: آمنت بالله وكذبت بصرىquot;. وقد تأوله بعضهم على أنه لما حلف له جوز أن يكون قد أخذ من ماله فظنه المسيح سرقة وهذا تكلف وإنما كان الله سبحانه وتعالى فى قلب المسيح عليه السلام أجل وأعظم من أن يحلف به أحد كاذبا فلما حلف له السارق دار الأمر بين تهمته وتهمة بصره فرد التهمة إلى بصره لما اجتهد له فى اليمين بالله كما ظن آدم عليه السلام صدق إبليس لما حلف له بالله عز وجل وقال: ما ظننت أحدا يحلف بالله تعالى كاذبا. فصل ومن كيده العجيب: أنه يشام النفس حتى يعلم أى القوتين تغلب عليها: قوة الإقدام والشجاعة أم قوة الانكفاف والإحجام والمهانة.(1\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "119",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1391",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن رأى الغالب على النفس المهانة والإحجام أخذ فى تثبيطه وإضعاف همته وإرادته عن المأمور به وثقله عليه فهون عليه تركه حتى يتركه جملة أو يقصر فيه ويتهاون يه. وإن رأى الغالب عليه قوة الإقدام وعلو الهمة أخذ يقلل عنده المأمور به ويوهمه أنه لا يكفيه وأنه يحتاج معه إلى مبالغة وزيادة فيقصر بالأول ويتجاوز بالثانى كما قال بعض السلف: quot;ما أمر الله سبحانه بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وتقصير وإما إلى مجاوزة وغلو. ولا يبالى بأيهما ظفرquot;. وقد اقتطع أكثر الناس إلا أقل القليل فى هذين الواديين: وادى التقصير ووادى المجاوزة والتعدى. والقليل منهم جدا الثابت على الصراط الذى كان عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه. فقوم قصر بهم عن الإتيان بواجبات الطهارة وقوم تجاوز بهم إلى مجاوزة الحد وقوم قصر بهم عن إخراج الواجب من المال وقوم تجاوز بهم حتى أخرجوا جميع ما فى أيديهم وقعدوا كلا على الناس مستشرفين إلى ما بأيديهم. وقوم قصر بهم عن تناول ما يحتاجون إليه من الطعام والشراب واللباس حتى أضروا بأبدانهم وقلوبهم وقوم تجاوز بهم حتى أخذوا فوق الحاجة فأضروا بقلوبهم وأبدانهم. وكذلك قصر بقوم فى حق الأنبياء وورثتهم حتى قتلوهم وتجاوز بآخرين حتى عبدوهم. وقصر بقوم فى خلطة الناس حتى اعتزلوهم فى الطاعات كالجمعة والجماعات والجهاد وتعلم العلم وتجاوز بقوم حتى خالطوهم فى الظلم والمعاصى والآثام. وقصر بقوم حتى امتنعوا من ذبح عصفور أو شاة ليأكله وتجاوز بآخرين حتى جرأهم على الدماء المعصومة. وكذلك قصر بقوم حتى منعهم من الاشتغال بالعلم الذى ينفعهم وتجاوز بآخرين حتى جعلوا العلم وحده هو غايتهم دون العمل به. وقصر بقوم حتى أطعمهم من العشب ونبات البرية دون غذاء بنى آدم وتجاوز بآخرين حتى أطعمهم الحرام الخالص. وقصر بآخرين حتى زين لهم ترك سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من النكاح فرغبوا عنه بالكلية وتجاوز بآخرين حتى ارتكبوا ما وصلوا إليه من الحرام.(1\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "120",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1392",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقصر بقوم حتى جفوا الشيوخ من أهل الدين والصلاح وأعرضوا عنهم ولم يقوموا بحقهم وتجاوز بآخرين حتى عبدوهم مع الله تعالى. وكذلك قصر بقوم حتى منعهم قبول أقوال أهل العلم والالتفات إليها بالكلية وتجاوز بآخرين حتى جعلوا الحلال ما حللوه والحرام ما حرموه وقدموا أقوالهم على سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الصحيحة الصريحة. وقصر بقوم حتى قالوا: إن الله سبحانه لا يقدر على أفعال عباده ولا شاءها منهم ولكنهم يعملونها بدون مشيئة الله تعالى وقدرته وتجاوز بآخرين حتى قالوا: إنهم لا يفعلون شيئا البتة وإنما الله سبحانه هو فاعل تلك الأفعال حقيقة فهى نفس فعله لا أفعالهم. والعبيد ليس لهم قدرة ولا فعل البتة. وقصر بقوم حتى قالوا: إن رب العالمين ليس داخلا فى خلقه ولا بائنا عنهم ولا هو فوقهم ولا تحتهم ولا خلفهم ولا أمامهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم وتجاوز بآخرين حتى قالوا: هو فى كل مكان بذاته كالهواء الذى هو داخل فى كل مكان. وقصر بقوم حتى قالوا: لم يتكلم الرب سبحانه بكلمة واحدة البتة وتجاوز بآخرين حتى قالوا: لم يزل أزلا وأبدا قائلا: يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى ويقول لموسى اذهب إلى فرعون فلا يزال هذا الخطاب قائما به ومسموعا منه كقيام صفة الحياة به. وقصر بقوم حتى قالوا: إن الله سبحانه لا يشفع أحدا فى أحد البتة ولا يرحم أحدا بشفاعة أحد وتجاوز بآخرين حتى زعموا أن المخلوق يشفع عنده بغير إذنه كما يشفع ذو الجاه عند الملوك ونحوهم. وقصر بقوم حتى قالوا: إيمان أفسق الناس وأظلمهم كإيمان جبريل وميكائيل فضلا عن أبى بكر وعمر وتجاوز بآخرين حتى أخرجوا من الإسلام بالكبيرة الواحدة. وقصر بقوم حتى نفوا حقائق أسماء الرب تعالى وصفاته وعطلوه منها وتجاوز بآخرين حتى شبهوه بخلقه ومثلوه بهم. وقصر بقوم حتى عادوا أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاتلوهم واستحلوا حرمتهم وتجاوز بقوم حتى ادعوا فيهم خصائص النبوة: من العصمة وغيرها. وربما ادعوا فيهم الإلهية.(1\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "121",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1393",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك قصر باليهود فى المسيح حتى كذبوه ورموه وأمه بما برأهما الله تعالى منه وتجاوز بالنصارى حتى جعلوه ابن الله وجعلوه إلها يعبد مع الله. وقصر بقوم حتى نفوا الأسباب والقوى والطبائع والغرائز وتجاوز بآخرين حتى جعلوها أمرا لازما لا يمكن تغييره ولا تبديله وربما جعلها بعضهم مستقلة بالتأثير. وقصر بقوم حتى تعبدوا بالنجاسات وهم النصارى وأشباههم وتجاوز بقوم حتى أفضى بهم الوسواس إلى الآصار والأغلال وهم أشباه اليهود. وقصر بقوم حتى تزينوا للناس وأظهروا لهم من الأعمال والعبادات ما يحمدونهم عليه وتجاوز بقوم حتى أظهروا لهم من القبائح ومن الأعمال السيئة ما يسقطون به جاههم عندهم وسموا أنفسهم الملامية. وقصر بقوم حتى أهملوا أعمال القلوب ولم يلتفتوا إليها وعدوها فضلا أو فضولا وتجاوز بآخرين حتى قصروا نظرهم وعملهم عليها ولم يلتفتوا إلى كثير من أعمال الجوارح وقالوا: العارف لا يسقط وارده لورده. وهذا باب واسع جدا لو تتبعناه لبلغ مبلغا كثيرا وإنما أشرنا إليه أدنى إشارة. فصل ومن حيله ومكايده: الكلام الباطل والآراء المتهافتة والخيالات المتناقضة التى هى زبالة الأذهان ونحاتة الأفكار والزبد الذى يقذف به القلوب المظلمة المتحيرة التى تعدل الحق بالباطل والخطأ بالصواب قد تقاذفت بها أمواج الشبهات ورانت عليها غيوم الخيالات فمركبها القيل والقال والشك والتشكيك وكثرة الجدال ليس لها حاصل من اليقين يعول عليه ولا معتقد مطابق للحق يرجع إليه يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا فقد اتخذوا لأجل ذلك القرآن مهجورا وقالوا من عند أنفسهم فقالوا منكرا من القول وزورا فهم فى شكهم يعمهون وفى حيرتهم يترددون نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما تلته الشياطين على ألسنة أسلافهم من أهل الضلال فهم إليه يتحاكمون وبه يتخاصمون فارقوا الدليل واتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل.(1\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "122",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1394",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومن كيده بهم وتحيله على إخراجهم من العلم والدين: أن ألقى على ألسنتهم أن كلام الله ورسوله ظواهر لفظية لا تفيد اليقين وأوحى إليهم أن القواطع العقلية والبراهين اليقينية فى المناهج الفلسفية والطرق الكلامية فحال بينهم وبين اقتباس الهدى واليقين من مشكاة القرآن وأحالهم على منطق يونان وعلى ما عندهم من الدعاوى الكاذبة العرية عن البرهان وقال لهم: تلك علوم قديمة صقلتها العقول والأذهان ومرت عليها القرون والأزمان فانظر كيف تلطف بكيده ومكره حتى أخرجهم من الإيمان والدين كإخراج الشعرة من العجين. فصل ومن كيده: ما ألقاه إلى جهال المتصوفة من الشطح والطامات وأبرزه لهم فى قالب الكشف من الخيالات فأوقعهم فى أنواع الأباطيل والترهات وفتح لهم أبواب الدعاوى الهائلات وأوحى إليهم: أن وراء العلم طريقا إن سلكوه أفضى بهم إلى الكشف العيان وأغناهم عن التقيد بالسنة والقرآن فحسن لهم رياضة النفوس وتهذيبها وتصفية الأخلاق والتجافى عما عليه أهل الدنيا وأهل الرياسة والفقهاء وأرباب العلوم والعمل على تفريغ القلب وخلوه من كل شىء حتى ينتقش فيه الحق بلا واسطة تعلم فلما خلا من صورة العلم الذى جاء به الرسول نقش فيه الشيطان بحسب ما هو مستعد له من أنواع الباطل وخيله للنفس حتى جعله كالمشاهد كشفا وعيانا فإذا أنكره عليهم ورثة الرسل قالوا: لكم العلم الظاهر ولنا الكشف الباطن ولكم ظاهر الشريعة وعندنا باطن الحقيقة ولكم القشور ولنا اللباب فلما تمكن هذا من قلوبهم سلخها من الكتاب والسنة والآثار كما ينسلخ الليل عن النهار ثم أحالهم فى سلوكهم على تلك الخيالات وأوهمهم أنها عن الآيات البينات وأنها من قبل الله سبحانه إلهامات وتعريفات فلا تعرض على السنة والقرآن ولا تعامل إلا بالقبول والإذعان. فلغير الله لا له سبحانه ما يفتحه عليهم الشيطان من الخيالات والشطحات وأنواع(1\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "123",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1395",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لهذيان. وكلما ازدادوا بعدا وإعراضا عن القرآن وما جاء به الرسول كان هذا الفتح على قلوبهم أعظم. فصل ومن أنواع مكايده ومكره: أن يدعو العبد بحسن خلقه وطلاقته وبشره إلى أنواع من الآثام والفجور فيلقاه من لا يخلصه من شره إلا تجهمه والتعبيس فى وجهه والإعراض عنه فيحسن له العدو أن يلقاه ببشره وطلاقة وجهه وحسن كلامه فيتعلق به فيروم التخلص منه فيعجز فلا يزال العدو يسعى بينهما حتى يصيب حاجته فيدخل على العبد بكيده من باب حسن الخلق وطلاقة الوجه ومن هاهنا وصى أطباء القلوب بالإعراض عن أهل البدع وأن لا يسلم عليهم ولا يريهم طلاقة وجهه ولا يلقاهم إلا بالعبوس والإعراض. وكذلك أوصوا عند لقاء من يخاف الفتنة بلقائه من النساء والمردان وقالوا: متى كشفت للمرأة أو الصبى عن بياض أسنانك كشفا لك عما هنالك ومتى لقيتهما بوجه عابس وقيت شرهما. ومن مكايده: أنه يأمرك أن تلقى المساكين وذوى الحاجات بوجه عبوس ولا تريهم بشرا ولا طلاقة فيطمعوا فيك ويتجرأوا عليك وتسقط هيبتك من قلوبهم فيحرمك صالح أدعيتهم وميل قلوبهم إليك ومحبتهم لك فيأمرك بسوء الخلق ومنع البشر والطلاقة مع هؤلاء وبحسن الخلق والبشر مع أولئك ليفتح لك باب الشر ويغلق عنك باب الخير. فصل ومن مكايده أنه يأمرك بإعزاز نفسك وصونها حيث يكون رضى الرب تعالى فى إذلالها وابتذالها كجهاد الكفار والمنافقين وأمر الفجار والظلمة بالمعروف ونهيهم عن المنكر فيخيل إليك أن ذلك تعريض لنفسك إلى مواطن الذل وتسليط الأعداء وطعنهم فيك فيزول جاهك فلا يقبل منك بعد ذلك ولا يسمع منك.(1\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "124",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1396",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويأمرك بإذلالها وامتهانها حيث تكون مصلحتها فى إعزازها وصيانتها كما يأمرك بالتبذل لذوى الرياسات وإهانة نفسك لهم ويخيل إليك أنك تعزها بهم وترفع قدرها بالذل لهم ويذكرك قول الشاعر: أهين لهم نفسى لأرفعها بهم ... ولن تكرم النفس التى لا تهينها وغلط هذا القائل: فإن ذلك لا يصلح إلا لله وحده فإنه كلما أهان العبد نفسه له أكرمه وأعزه بخلاف المخلوق فإنك كلما أهنت نفسك له ذللت عند الله وعند أوليائه وهنت عليه. ويأمرك بإذلالها وامتهانها حيث تكون مصلحتها فى إعزازها وصيانتها كما يأمرك بالتبذل لذوى الرياسات وإهانة نفسك لهم ويخيل إليك أنك تعزها بهم وترفع قدرها بالذل لهم ويذكرك قول الشاعر: أهين لهم نفسى لأرفعها بهم ... ولن تكرم النفس التى لا تهينها وغلط هذا القائل: فإن ذلك لا يصلح إلا لله وحده فإنه كلما أهان العبد نفسه له أكرمه وأعزه بخلاف المخلوق فإنك كلما أهنت نفسك له ذللت عند الله وعند أوليائه وهنت عليه. فصل ومن كيده وخداعه: أنه يأمر الرجل بانقطاعه فى مسجد أو رباط أو زاوية أو تربة ويحبسه هناك وينهاه عن الخروج ويقول له: متى خرجت تبذلت للناس وسقطت من أعينهم وذهبت هيبتك من قلوبهم وربما ترى فى طريقك منكرا وللعدو فى ذلك مقاصد خفية يريدها منه: منها الكبر واحتقار الناس وحفظ الناموس وقيام الرياسة ومخالطة الناس تذهب ذلك. وهو يريد أن يزار ولا يزور ويقصده الناس ولا يقصدهم ويفرح بمجىء الأمراء إليه واجتماع الناس عنده وتقبيل يده فيترك من الواجبات والمستحبات والقربات ما يقربه إلى الله ويتعوض عنه بما يقرب الناس إليه. وقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يخرج إلى السوق قال بعض الحفاظ: quot;وكان يشترى حاجته ويحملها بنفسهquot;. ذكره أبو الفرج بن الجوزى وغيره. وكان أبو بكر رضى الله عنه يخرج إلى السوق يحمل الثياب فيبيع ويشترى. ومر عبد الله بن سلام رضى الله عنه وعلى رأسه حزمة حطب فقيل له: ما يحملك على هذا وقد أغناك الله عز وجل فقال: أردت أن أدفع به الكبر فإنى سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: quot;لا يدخل الجنة عبد فى قلبه مثقال ذرة من كبرquot;. وكان أبو هريرة رضى الله تعالى عنه يحمل الحطب وغيره من حوائج نفسه وهو أمير على المدينة ويقول: quot;افسحوا لأميركم افسحوا لأميركمquot;.(1\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "125",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1397",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وخرج عمر بن الخطاب رضى الله عنه يوما وهو خليفة فى حاجة له ماشيا فأعيى فرأى غلاما على حمار له فقال: يا غلام احملنى فقد أعييت فنزل الغلام عن الدابة وقال: اركب يا أمير المؤمنين فقال: لا اركب أنت وأنا خلفك فركب خلف الغلام حتى دخل المدينة والناس يرونه. فصل ومن كيده: أنه يغرى الناس بتقبيل يده والتمسح به والثناء عليه وسؤاله الدعاء ونحو ذلك حتى يرى نفسه ويعجبه شأنها فلو قيل له: إنك من أوتاد الأرض وبك يدفع البلاء عن الخلق ظن ذلك حقا وربما قيل له: إنه يتوسل به إلى الله تعالى ويسأل الله تعالى به وبحرمته فيقضى حاجتهم فيقع ذلك فى قلبه ويفرح به ويظنه حقا وذلك كل الهلاك فإذا رأى من أحد من الناس تجافيا عنه أو قلة خضوع له تذمر لذلك ووجد فى باطنه وهذا شر من أرباب الكبائر المصرين عليها وهم أقرب إلى السلامة منه. فصل ومن كيده: أنه يحسن إلى أرباب التخلى والزهد والرياضة العمل بهاجسهم وواقعهم دون تحكيم أمر الشارع ويقولون: القلب إذا كان محفوظا مع الله كانت هواجسه وخواطره معصومة من الخطإ وهذا من أبلغ كيد العدو فيهم. فإن الخواطر والهواجس ثلاثة أنواع: رحمانية وشيطانية ونفسانية كالرؤيا فلو بلغ العبد من الزهد والعبادة ما بلغ فمعه شيطانه ونفسه لا يفارقانه إلى الموت والشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم والعصمة إنما هى للرسل صلوات الله وسلامه عليهم الذين هم وسائط بين الله عز وجل وبين خلقه فى تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده ومن عداهم يصيب ويخطئ وليس بحجة على الخلق. وقد كان سيد المحدثين الملهمين عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول الشىء فيرده عليه(1\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "126",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1398",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من هو دونه فيتبين له الخطأ فيرجع إليه وكان يعرض هواجسه وخواطره على الكتاب والسنة ولا يلتفت إليها ولا يحكم بها ولا يعمل بها. وهؤلاء الجهال يرى أحدهم أدنى شىء فيحكم هواجسه وخواطره على الكتاب والسنة ولا يلتفت إليهما ويقول: حدثنى قلبى عن ربى ونحن أخذنا عن الحى الذى لا يموت وأنتم أخذتم عن الوسائط ونحن أخذنا بالحقائق وأنتم اتبعتم الرسوم وأمثال ذلك من الكلام الذى هو كفر وإلحاد وغاية صاحبه أن يكون جاهلا يعذر بجهله حتى قيل لبعض هؤلاء: ألا تذهب فتسمع الحديث من عبد الرزاق فقال: ما يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يسمع من الملك الخلاق. وهذا غاية الجهل فإن الذى سمع من الملك الخلاق موسى بن عمران كليم الرحمن. وأما هذا وأمثاله فلم يحصل لهم السماع من بعض ورثة الرسول وهو يدعى أنه يسمع الخطاب من مرسله فيستغنى به عن ظاهر العلم ولعل الذى يخاطبهم هو الشيطان أو نفسه الجاهلة أو هما مجتمعتين ومنفردتين. ومن ظن أنه يستغنى عما جاء به الرسول بما يلقى فى قلبه من الخواطر والهواجس فهو من أعظم الناس كفرا. وكذلك إن ظن أنه يكتفى بهذا تارة وبهذا تارة فما يلقى فى القلوب لا عبرة به ولا التفات إليه إن لم يعرض على ما جاء به الرسول ويشهد له بالموافقة وإلا فهو من إلقاء النفس والشيطان. وقد سئل عبد الله بن مسعود عن مسألة المفوضة شهرا فقال بعد الشهر: quot;أقول فيها برأيى فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمنى ومن الشيطان والله برىء(1\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "127",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1399",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منه ورسولهquot;. وكتب كاتب لعمر رضى الله عنه بين يديه: هذا ما أرى الله عمر فقال: لا. امحه واكتب: هذا ما رأى عمر. وقال عمر رضى الله عنه أيضا: quot;أيها الناس اتهموا الرأى على الدين فلقد رأيتنى يوم أبى جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله عليه السلام لرددتهquot;. واتهام الصحابة لآرائهم كثير مشهور وهم أبر الأمة قلوبا وأعمقها علما وأبعدها من الشيطان فكانوا أتبع الأمة للسنة وأشدهم اتهاما لآرائهم وهؤلاء ضد ذلك. وأهل الاستقامة منهم سلكوا على الجادة ولم يلتفتوا إلى شىء من الخواطر والهواجس والإلهامات حتى يقوم عليها شاهدان. قال الجنيد: قال أبو سليمان الدارانى: quot;ربما يقع فى قلبى النكتة من نكت القوم أياما فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين من الكتاب والسنةquot;. وقال أبو زيد: quot;لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى يتربع فى الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهى وحفظ الحدودquot;.(1\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "128",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1400",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أيضا: quot;من ترك قراءة القرآن ولزوم الجماعات وحضور الجنائز وعيادة المرضى وادعى بهذا الشأن فهو مدعquot;. وقال سرى السقطى: quot;من ادعى باطن علم ينقضه ظاهر حكم فهو غالطquot;. وقال الجنيد: quot;مذهبنا هذا مقيد بالأصول بالكتاب والسنة فمن لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث ويتفقه لا يقتدى بهquot;. وقال أبو بكر الدقاق: quot;من ضيع حدود الأمر والنهى فى الظاهر حرم مشاهدة القلب فى الباطنquot;. وقال أبو الحسين النورى: quot;من رأيته يدعى مع الله حالة تخرجه عن حد العلم الشرعى فلا تقربه ومن رأيته يدعى حالة لا يشهد لها حفظ ظاهره فاتهمه على دينهquot;. وقال أبو سعيد الخراز: quot;كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطلquot;. وقال الجريرى: quot;أمرنا هذا كله مجموع على فصل واحد: أن تلزم قلبك المراقبة ويكون العلم على ظاهرك قائماquot;. وقال أبو حفص الكبير الشأن: quot;من لم يزن أحواله وأفعاله بالكتاب والسنة ولم يتهم خواطره فلا تعدوه فى ديوان الرجالquot;. وما أحسن ما قال أبو أحمد الشيرازى: quot;كان الصوفية يسخرون من الشيطان والآن الشيطان يسخر منهمquot;. ونظير هذا ما قاله بعض أهل العلم: quot;كان الشيطان فيما مضى يهب من الناس واليوم الرجل الذى يهب من الشيطانquot;. فصل ومن كيده: أمرهم بلزوم زى واحد ولبسة واحدة وهيئة ومشية معينة وشيخ معين وطريقة مخترعة ويفرض عليهم لزوم ذلك بحيث يلزمونه كلزوم الفرائض فلا يخرجون عنه ويقدحون فيمن خرج عنه ويذمونه وربما يلزم أحدهم موضعا معينا للصلاة لا يصلى إلا فيه وقد نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: quot;أن يوطن الرجل المكان للصلاة(1\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "129",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1401",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كما يوطن البعيرquot;. وكذلك ترى أحدهم لا يصلى إلا على سجادة ولم يصل رسول الله عليه السلام على سجادة قط ولا كانت السجادة تفرش بين يديه بل كان يصلى على الأرض وربما سجد فى الطين وكان يصلى على الحصير فيصلى على ما اتفق بسطه فإن لم يكن ثمة شىء صلى على الأرض. وهؤلاء اشتغلوا بحفظ الرسوم عن الشريعة والحقيقة فصاروا واقفين مع الرسوم المبتدعة ليسوا مع أهل الفقه ولا مع أهل الحقائق فصاحب الحقيقة أشد شىء عليه التعبد بالرسوم الوضعية وهى من أعظم الحجب بين قلبه وبين الله فمتى تقيد بها حبس قلبه عن سيره. وكان أخس أحواله الوقوف معها ولا وقوف فى السير بل إما تقدم وإما تأخر كما قال تعالى: لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر [المدثر: 37] . فلا وقوف فى الطريق إنما هو ذهاب وتقدم أو رجوع وتأخر. ومن تأمل هدى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وسيرته وجده مناقضا لهدى هؤلاء فإنه كان يلبس القميص تارة والقباء تارة والجبة تارة والإزار والرداء تارة ويركب البعير وحده ومردفا لغيره ويركب الفرس مسرجا وعريانا ويركب الحمار ويأكل ما حضر ويجلس على الأرض تارة وعلى الحصير تارة وعلى البساط تارة ويمشى وحده تارة ومع أصحابه تارة وهديه عدم التكلف والتقيد بغير ما أمره به ربه فبين هديه وهدى هؤلاء بون بعيد. فصل ومن كيده الذى بلغ به من الجهال ما بلغ: الوسواس الذى كادهم به فى أمر الطهارة والصلاة عند النية حتى ألقاهم فى الآصار والأغلال وأخرجهم عن اتباع سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وخيل إلى أحدهم أن ما جاءت به السنة لا يكفى حتى يضم إليه غيره فجمع لهم بين هذا الظن الفاسد والتعب الحاضر وبطلان الأجر أو تنقيصه.(1\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "130",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1402",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا ريب أن الشيطان هو الداعى إلى الوسواس: فأهله قد أطاعوا الشيطان ولبوا دعوته واتبعوا أمره ورغبوا عن اتباع سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وطريقته حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أو اغتسل كاغتساله لم يطهر ولم يرتفع حدثه ولولا العذر بالجهل لكان هذا مشاقة للرسول فقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يتوضأ بالمد وهو قريب من ثلث رطل بالدمشقى ويغتسل بالصاع وهو نحو رطل وثلث والموسوس يرى أن ذلك القدر لا يكفيه لغسل يديه وصح عنه عليه السلام أنه توضأ مرة مرة ولم يزد على ثلاث بل أخبر أن: quot;من زاد عليها فقد أساء وتعدى وظلمquot;. فالموسوس مسىء متعد ظالم بشهادة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فكيف يتقرب إلى الله بما هو مسىء به متعد فيه لحدوده وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يغتسل هو وعائشة رضى الله عنها من قصعة بينهما فيها أثر العجين ولو رأى الموسوس من يفعل هذا لأنكر عليه غاية الإنكار وقال: ما يكفى هذا القدر لغسل اثنين كيف والعجين يحلله الماء فيغيره هذا والرشاش ينزل فى الماء فينجسه عند بعضهم ويفسده عند آخرين فلا تصح به الطهارة وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يفعل ذلك مع غير عائشة مثل ميمونة وأم سلمة وهذا كله فى الصحيح. وثبت أيضا فى الصحيح عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه قال: quot;كان الرجال والنساء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضئون من إناء واحدquot;. والآنية التى كان رسول الله عليه السلام وأزواجه وأصحابه ونساؤهم يغتسلون منها لم تكن من كبار الآنية ولا كانت لها مادة تمدها كأنبوب الحمام ونحوه ولم يكونوا يراعون فيضانها حتى يجرى الماء من حافاتها كما يراعيه جهال الناس ممن بلى بالوسواس فى جرن الحمام. فهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى من رغب عنه فقد رغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم جواز الاغتسال من الحياض والآنية وإن كانت ناقصة غير فائضة ومن انتظر الحوض حتى(1\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "131",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1403",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يفيض ثم استعمله وحده ولم يمكن أحدا أن يشاركه فى استعماله فهو مبتدع مخالف للشريعة. قال شيخنا: quot;ويستحق التعزير البليغ الذى يزجره وأمثاله عن أن يشرعوا فى الدين ما لم يأذن به الله ويعبدوا الله بالبدع لا بالاتباعquot;. ودلت هذه السنن الصحيحة على أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا يكثرون صب الماء ومضى على هذا التابعون لهم بإحسان. قال سعيد بن المسيب: quot;إنى لأستنجى من كوز الحب وأتوضأ وأفضل منه لأهلىquot;. وقال الإمام أحمد: quot;من فقه الرجل قلة ولوعه بالماءquot;. وقال المروزى: quot;وضأت أبا عبد الله بالعسكر فسترته من الناس لئلا يقولوا إنه لا يحسن الوضوء لقلة صبه الماءquot;. وكان أحمد يتوضأ فلا يكاد يبل الثرى. وثبت عنه صلى الله عليه وسلم فى الصحيح: quot;أنه توضأ من إناء فأدخل يده فيه ثم تمضمض واستنشقquot;. وكذلك كان صلى الله عليه وسلم فى غسله يدخل يده فى الإناء ويتناول الماء منه والموسوس لا يجوز ذلك ولعله أن يحكم بنجاسة الماء ويسلبه طهوريته بذلك. وبالجملة فلا تطاوعه نفسه لاتباع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأن يأتى بمثل ما أتى به أبدا وكيف يطاوع الموسوس نفسه أن يغتسل هو وامرأته من إناء واحد قدر الفرق قريبا من خمسة أرطال بالدمشقى يغمسان أيديهما فيه ويفرغان عليهما فالمسوس يشمئز من ذلك كما يشمئز المشرك إذا ذكر الله وحده. قال أصحاب الوسواس: إنما حملنا على ذلك الاحتياط لديننا والعمل بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: quot;دع ما يريبك إلى مالا يريبكquot; وقوله: quot;من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضهquot; وقوله: quot;الإثم ما حاك فى الصدرquot;.(1\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "132",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1404",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال بعض السلف: quot;الإثم خوار القلوبquot; وقد وجد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تمرة فقال: quot;لولا أنى أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتهاquot;. أفلا يرى أنه ترك أكلها احتياطا وقد أفتى مالك رحمه الله تعالى فيمن طلق امرأته وشك هل هى واحدة أم ثلاث: بأنها ثلاث احتياطا للفروج. وأفتى من حلف بالطلاق: أن فى هذه اللوزة حبتين وهو لا يعلم ذلك فبان الأمر كما حلف عليه: أنه حانث لأنه حلف على ما لا يعلم. وقال فيمن طلق واحدة من نسائه ثم أنسيها: يطلق عليه جميع نسائه احتياطا وقطعا للشك. وقال أصحاب مالك فيمن حلف بيمين ثم نسيها: إنه يلزمه جميع ما يحلف به عادة فيلزمه الطلاق والعتاق والصدقة بثلث المال وكفارة الظهار وكفارة اليمين بالله تعالى والحج ماشيا ويقع الطلاق فى جميع نسائه ويعتق عليه جميع عبيده وإمائه. وهذا أحد القولين عندهم. ومذهب مالك أيضا إنه إذا حلف ليفعلن كذا: أنه على حنث حتى يفعله فيحال بينه وبين امرأته. ومذهبه أيضا: أنه إذا قال: إذا جاء رأس الحول فأنت طالق ثلاثا: أنها تطلق فى الحال وهذا كله احتياط. وقال الفقهاء: quot;من خفى عليه موضع النجاسة من الثوب وجب عليه غسله كلهquot;. وقالوا: quot;إذا كان معه ثياب طاهرة وتنجس منها ثياب وشك فيها صلى فى ثوب بعد ثوب بعدد النجس وزاد صلاة ليتيقن براءة ذمتهquot;. وقالوا: quot;إذا اشتبهت الأوانى الطاهرة بالنجسة أراق الجميع وتيمم وكذلك إذا اشتبهت عليه القبلة فلا يدرى فى أى جهة فإنه يصلى أربع صلوات عند بعض الأئمة لتبرأ ذمته بيقينquot;. وقالوا: quot;من ترك صلاة من يوم ثم نسيها وجب عليه أن يصلى خمس صلواتquot;. وقد أمر النبى عليه الصلاة والسلام من شك فى صلاته أن يبنى على اليقين.(1\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "133",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1405",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحرم أكل الصيد إذا شك صاحبه هل مات بسهمه أو بغيره كما إذا وقع فى الماء. وحرم أكله إذا خالط كلبه كلبا آخر للشك فى تسمية صاحبه عليه. وهذا باب يطول تتبعه. فالاحتياط والأخذ باليقين غير مستنكر فى الشرع وإن سميتموه وسواسا. وقد كان عبد الله بن عمر يغسل داخل عينيه فى الطهارة حتى عمى. وكان أبو هريرة إذا توضأ أشرع فى العضد وإذا غسل رجليه أشرع فى الساقين. فنحن إذا احتطنا لأنفسنا وأخذنا باليقين وتركنا ما يريب إلى ما لا يريب وتركنا المشكوك فيه للمتيقن المعلوم وتجنبنا محل الاشتباه لم نكن بذلك عن الشريعة خارجين ولا فى البدعة والجين وهل هذا إلا خير من التسهيل والاسترسال حتى لا يبالى العبد بدينه ولا يحتاط له بل يسهل الأشياء ويمشى حالها ولا يبالى كيف توضأ ولا بأى ماء توضأ ولا بأى مكان صلى ولا يبالى ما أصاب ذيله وثوبه. ولا يسأل عما عهد بل يتغافل ويحسن ظنه فهو مهمل لدينه لا يبالى ما شك فيه. ويحمل الأمور على الطهارة وربما كانت أفحش النجاسة ويدخل بالشك ويخرج بالشك. فأين هذا ممن استقصى فى فعل ما أمر به واجتهد فيه حتى لا يخل بشىء منه وإن زاد على المأمور فإنما قصده بالزيادة تكميل المأمور وأن لا ينقص منه شيئا قالوا: وجماع ما ينكرونه علينا احتياط فى فعل مأمور أو احتياط فى اجتناب محظور وذلك خير وأحسن عاقبة من التهاون بهذين فإنه يفضى غالبا إلى النقص من الواجب والدخول فى المحرم وإذا وازنا بين هذه المفسدة ومفسدة الوسواس كانت مفسدة الوسواس أخف هذا إن ساعدناكم على تسميته وسواسا وإنما نسميه احتياطا واستظهارا فلستم بأسعد منا بالسنة ونحن حولها ندندن وتكميلها نريد. وقال أهل الاقتصاد والاتباع: قال الله تعالى: لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر [الأحزاب: 21] وقال تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله [آل عمران: 31] وقال تعالى: واتبعوه لعلكم تهتدون [الأعراف: 158] وقال تعالى: وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون [الأنعام: 153] .(1\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "134",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1406",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا الصراط المستقيم الذى وصانا باتباعه هو الصراط الذى كان عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأصحابه وهو قصد السبيل وما خرج عنه فهو من السبل الجائرة وإن قاله من قاله لكن الجور قد يكون جورا عظيما عن الصراط وقد يكون يسيرا وبين ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله وهذا كالطريق الحسى فإن السالك قد يعدل عنه ويجور جورا فاحشا وقد يجور دون ذلك فالميزان الذى يعرف به الاستقامة على الطريق والجور عنه هو ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عليه والجائر عنه إما مفرط ظالم أو مجتهد متأول أو مقلد جاهل. فمنم المستحق للعقوبة. ومنهم المغفور له. ومنهم المأجور أجرا واحدا بحسب نياتهم ومقاصدهم واجتهادهم فى طاعة الله تعالى ورسوله أو تفريطهم. ونحن نسوق من هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدى أصحابه ما يبين أى الفريقين أولى باتباعه ثم نجيب عما احتجوا به بعون الله وتوفيقه. ونقدم قبل ذلك ذكر النهى عن الغلو وتعدى الحدود والإسراف وأن الاقتصاد والاعتصام بالسنة عليهما مدار الدين. قال الله تعالى: يا أهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم [النساء: 171] وقال تعالى: ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين [الأنعام: 141] وقال تعالى: تلك حدود الله فلا تعتدوها [البقرة: 229] وقال تعالى: ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين [البقرة: 190] وقال تعالى: ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين [الأعراف: 55] . وقال ابن عباس رضى الله عنهما: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم غداة العقبة وهو على ناقته: quot;القط لى حصى فلقطت له سبع حصيات من حصى الخذف فجعل ينفضهن فى كفه ويقول: أمثال هؤلاء فارموا ثم قال: أيها الناس: إياكم والغلو فى الدين فإنما أهلك الذين من قبلكم الغلو فى الدينquot;. رواه الإمام أحمد والنسائى. وقال أنس رضى الله عنه: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم. فتلك بقاياهم فى الصوامع والديار: رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهمquot;.(1\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "135",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1407",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فنهى النبى صلى الله عليه وآله وسلم عن التشديد فى الدين وذلك بالزيادة على المشروع وأخبر أن تشديد العبد على نفسه هو السبب لتشديد الله عليه إما بالقدر وإما بالشرع. فالتشديد بالشرع: كما يشدد على نفسه بالنذر الثقيل فيلزمه الوفاء به وبالقدر كفعل أهل الوسواس. فإنهم شددوا على أنفسهم فشدد عليهم القدر حتى استحكم ذلك وصار صفة لازمة لهم. قال البخارى: quot;وكره أهل العلم الإسراف فيه- يعنى الوضوء- وأن يجاوزوا فعل النبى صلى الله تعالى عليه وسلمquot; وقال ابن عمر رضى الله عنهما: quot;إسباع الوضوء: الإنقاءquot;. فالفقه كل الفقه الاقتصاد فى الدين والاعتصام بالسنة. قال أبى بن كعب رضى الله عنه: quot;عليكم بالسبيل والسنة فإنه ما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله عز وجل فاقشعر جلده من خشية الله تعالى إلا تحاتت عنه خطاياه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها. وإن اقتصادا فى سبيل وسنة خير من اجتهاد فى خلاف سبيل وسنة. فاحرصوا إذا كانت أعمالكم اقتصادا أن تكون على منهاج الأنبياء وسنتهمquot;. قال الشيخ أبو محمد المقدسى فى كتابه ذم الوسواس: quot;الحمد لله الذى هدانا بنعمه وشرفنا بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم وبرسالته ووفقنا للاقتداء به والتمسك بسنته ومن علينا باتباعه الذى جعله علما على محبته ومغفرته وسببا لكتابة رحمته وحصول هدايته فقال سبحانه: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم [آل عمران: 31]  وقال تعالى: ورحمتي وسعت كل شىء فسأكتبها للذين يتقون إلى قوله: الذين يتبعون الرسول النبى الأمى [الأعراف: 156-157] ثم قال: فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون [الأعراف: 158] . أما بعد: فإن الله سبحانه جعل الشيطان عدوا للإنسان يقعد له الصراط المستقيم ويأتيه من كل جهة وسبيل كما أخبر الله تعالى عنه أنه قال: لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين [الأعراف: 16-17] . وحذرنا الله عز وجل من متابعته وأمرنا بمعاداته ومخالفته فقال(1\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "136",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1408",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبحانه: إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا [فاطر: 6] وقال: يا بنى آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة [الأعراف: 27] وأخبرنا بما صنع بأبوينا تحذيرا لنا من طاعته وقطعا للعذر فى متابعته وأمرنا الله سبحانه وتعالى باتباع صراطه المستقيم ونهانا عن اتباع السبل فقال سبحانه: وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله [الأنعام: 153] . وسبيل الله وصراطه المستقيم هو الذى كان عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وصحابته بدليل قوله عز وجل: يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم [يس: 1- 4] وقال: وإنك لعلى هدى مستقيم [الحج: 67] وقال: إنك لتهدى إلى صراط مستقيم [الشورى: 52]  فمن اتبع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى قوله وفعله فهو على صراط الله المستقيم وهو ممن يحبه الله ويغفر له ذنوبه ومن خالفه فى قوله أو فعله فهو مبتدع متبع لسبيل الشيطان غير داخل فيمن وعد الله بالجنة والمغفرة والإحسانquot;. فصل ثم إن طائفة الموسوسين قد تحقق منهم طاعة الشيطان حتى اتصفوا بوسوسته. وقبلوا قوله وأطاعوه ورغبوا عن اتباع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وصحابته حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء رسول الله عليه الصلاة والسلام أو صلى كصلاته فوضوؤه باطل وصلاته غير صحيحة. ويرى أنه إذا فعل مثل فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام فى مؤاكلة الصبيان وأكل طعام عامة المسلمين أنه قد صار نجسا يجب عليه تسبيع يده وفيه كما لو ولغ فيهما كلب أو بال عليهما هر. ثم إنه بلغ من استيلاء إبليس عليهم أنهم أجابوه إلى ما يشبه الجنون ويقارب مذهب السوفسطائية الذين ينكرون حقائق الموجودات والأمور المحسوسات وعلم الإنسان بحال نفسه من الأمور الضروريات اليقينيات وهؤلاء يغسل أحدهم عضوه غسلا يشاهده ببصره ويكبر ويقرأ بلسانه بحيث تسمعه أذناه ويعلمه بقلبه بل يعلمه غيره منه ويتيقنه(1\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "137",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1409",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم يشك: هل فعل ذلك أم لا وكذلك يشككه الشيطان فى نيته وقصده التى يعلمها من نفسه يقينا بل يعلمها غيره منه بقرائن أحواله. ومع هذا يقبل قول إبليس فى أنه ما نوى الصلاة ولا أرادها مكابرة منه لعيانه وجحدا ليقين نفسه حتى تراه متلددا متحيرا كأنه يعالج شيئا يجتذبه أو يجد سيئا فى باطنه يستخرجه. كل ذلك مبالغة فى طاعة إبليس وقبول وسوسته ومن انتهت طاعته لإبليس إلى هذا الحد فقد بلغ النهاية فى طاعته. ثم إنه يقبل قوله فى تعذيب نفسه ويطيعه فى الإضرار بجسده تارة بالغوص فى الماء البارد وتارة بكثرة استعماله وإطالة العرك. وربما فتح عينيه فى الماء البارد وغسل داخلهما حتى يضر ببصره وربما أفضى إلى كشف عورته للناس وربما صار إلى حال يسخر منه الصبيان ويستهزئ به من يراه. قلت: ذكر أبو الفرج بن الجوزى عن أبى الوفاء بن عقيل: quot;أن رجلا قال له: أنغمس فى الماء مرارا كثيرة وأشك: هل صح لى الغسل أم لا فما ترى فى ذلك فقال له الشيخ: اذهب فقد سقطت عنك الصلاة. قال: وكيف قال: لأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال: quot;رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يفيق والنائم حتى يستيقظ والصبى حتى يبلغquot;. ومن ينغمس فى الماء مرارا ويشك هل أصابه الماء أم لا فهو مجنونquot;. قال: وربما شغله بوسواسه حتى تفوته الجماعة وربما فاته الوقت ويشغله بوسوسته فى النية حتى تفونه التكبيرة الأولى وربما فوت عليه ركعة أو أكثر ومنهم من يحلف أنه لا يزيد على هذا ثم يكذب. قلت: وحكى لى من أثق به عن موسوس عظيم رأيته أنا يكرر عقد النية مرارا عديدة فيشق على المأمومين مشقة كبيرة فعرض له أن حلف بالطلاق أنه لا يزيد على تلك المرة فلم يدعه إبليس حتى زاد ففرق بينه وبين امرأته فأصابه لذلك غم شديد وأقاما متفرقين(1\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "138",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1410",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دهرا طويلا حتى تزوجت تلك المرأة برجل آخر وجاءه منها ولد ثم إنه حنث فى يمين حلفها ففرق بينهما وردت إلى الأول بعد أن كاد يتلف لمفارقتها. وبلغنى عن آخر أنه كان شديد التنطع فى التلفظ بالنية والتقعر فى ذلك فاشتد به التنطع والتقعر يوما إلى أن قال: أصلى أصلى مرارا صلاة كذا وكذا. وأراد أن يقول: أداء فأعجم الدال وقال: أذاء لله. فقطع الصلاة رجل إلى جانبه فقال: ولرسوله وملائكته وجماعة المصلين. قال: ومنهم من يتوسوس فى إخراج الحرف حتى يكرره مرارا. قال: فرأيت منهم من يقول: الله أكبر. قال: وقال لى إنسان منهم: قد عجزت عن قول السلام عليكم فقلت له: قل مثل ما قد قلت الآن وقد استرحت. وقد بلغ الشيطان منهم أن عذبهم فى الدنيا قبل الآخرة وأخرجهم عن اتباع الرسول وأدخلهم فى جملة أهل التنطع والغلو وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. فمن أراد التخلص من هذه البلية فليستشعر أن الحق فى اتباع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى قوله وفعله وليعزم على سلوك طريقة عزيمة من لا يشك أنه على الصراط المستقيم وأن ما خالفه من تسويل إبليس ووسوسته ويوقن أنه عدو له لا يدعوه إلى خير. إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير [فاطر: 6] . وليترك التعريج على كل ما خالف طريقة رسول الله عليه الصلاة والسلام كائنا ما كان فإنه لا يشك أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان على الصراط المستقيم. ومن شك فى هذا فليس بمسلم. ومن علمه فإلى أين العدول عن سنته وأى شىء يبتغى العبد غير طريقته ويقول لنفسه: ألست تعلمين أن طريقة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هى الصراط المستقيم فإذا قالت له: بلى قال لها: فهل كان يفعل هذا فستقول: لا فقل لها: فماذا بعد الحق إلا الضلال وهل بعد طريق الجنة إلا طريق النار وهل بعد سبيل الله وسبيل رسوله إلا سبيل الشيطان فإن اتبعت(1\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "139",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1411",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبيله كنت قرينه وستقولين: يا ليت بينى وبينك بعد المشرقين فبئس القرين [الزخرف: 38] . ولينظر أحوال السلف فى متابعتهم لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فليقتد بهم وليختر طريقهم فقد روينا عن بعضهم أنه قال: لقد تقدمنى قوم لو لم يتجاوزوا بالوضوء الظفر ما تجاوزته. قلت: هو إبراهيم النخعى. وقال زين العابدين يوما لابنه: quot;يا بنى اتخذ لى ثوبا ألبسه عند قضاء الحاجة فإنى رأيت الذباب يسقط على الشىء ثم يقع على الثوب ثم انتبه فقال: ما كان للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه إلا ثوب واحد فتركهquot;. وكان عمر رضى الله تعالى عنه يهم بالأمر ويعزم عليه فإذا قيل له: لم يفعله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم انتهى حتى إنه قال: quot;لقد هممت أن أنهى عن لبس هذه الثياب فإنه قد بلغنى أنها تصبغ ببول العجائز فقال له أبى: ما لك أن تنهى فإن رسول الله عليه الصلاة والسلام قد لبسها ولبست فى زمانه ولو علم الله أن لبسها حرام لبينه لرسوله صلى الله عليه وسلم. فقال عمر: صدقتquot;. ثم ليعلم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان فيهم موسوس. ولو كان الوسوسة فضيلة لما ادخرها الله عن رسوله وصحابته وهم خير الخلق وأفضلهم ولو أدرك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الموسوسين لمقتهم ولو أدركهم عمر رضى الله تعالى عنه لضربهم وأدبهم ولو أدركهم الصحابة لبدعوهم وها أنا أذكر ما جاء فى خلاف مذهبهم على ما يسره الله تعالى مفصلا: الفصل الأول: فى النية فى الطهارة والصلاة النية هى القصد والعزم على فعل الشىء ومحلها القلب لا تعلق لها باللسان أصلا ولذلك لم ينقل عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ولا عن أصحابه فى النية لفظ بحال ولا سمعنا(1\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "140",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1412",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنهم ذكر ذلك. وهذه العبارات التى أحدثت عند افتتاح الطهارة والصلاة قد جعلها الشيطان معتركا لأهل الوسواس يحبسهم عندها ويعذبهم فيها ويوقعهم فى طلب تصحيحها فترى أحدهم يكررها ويجهد نفسه فى التلفظ بها وليست من الصلاة في شىء وإنما النية قصد فعل الشىء فكل عازم على فعل فهو ناويه لا يتصور انفكاك ذلك عن النية فإنه حقيقتها فلا يمكن عدمها فى حال وجودها ومن قعد ليتوضأ فقد نوى الوضوء ومن قام ليصلى فقد نوى الصلاة ولا يكاد العاقل يفعل شيئا من العبادات ولا غيرها بغير نية فالنية أمر لازم لأفعال الإنسان المقصودة لا يحتاج إلى تعب ولا تحصيل. ولو أراد إخلاء أفعاله الاختيارية عن نيته لعجز عن ذلك. ولو كلفه الله عز وجل الصلاة والوضوء بغير نية لكلفه ما لا يطيق ولا يدخل تحت وسعه. وما كان هكذا فما وجه التعب فى تحصيله وإن شك فى حصول نيته فهو نوع جنون. فإن علم الإنسان بحال نفسه أمر يقينى. فكيف يشك فيه عاقل من نفسه ومن قام ليصلى صلاة الظهر خلف الإمام فكيف يشك فى ذلك ولو دعاه داع إلى شغل فى تلك الحال لقال: إنى مشتغل أريد صلاة الظهر ولو قال له قائل فى وقت خروجه إلى الصلاة: أين تمضى لقال: أريد صلاة الظهر مع الإمام فكيف يشك عاقل فى هذا من نفسه وهو يعلمه يقينا. بل أعجب من هذا كله أن غيره يعلم بنيته بقرائن الأحوال فإنه إذا رأى إنسانا جالسا فى الصف فى وقت الصلاة عند اجتماع الناس علم أنه ينتظر الصلاة. وإذا رآه قد قام عند إقامتها ونهوض الناس إليها علم أنه إنما قام ليصلى. فإن تقدم بين يدى المأمومين علم أنه يريد إمامتهم فإن رآه فى الصف علم أنه يريد الائتمام. قال: فإذا كان غيره يعلم نيته الباطنة بما ظهر من قرائن الأحوال فكيف يجهلها من نفسه مع اطلاعه هو على باطنه فقبوله من الشيطان أنه ما نوى تصديق له فى جحد العيان وإنكار الحقائق المعلومة يقينا. ومخالفة للشرع ورغبة عن السنة وعن طريق الصحابة. ثم إن النية الحاصلة لا يمكن تحصيلها والموجودة لا يمكن إيجادها لأن من شرط إيجاد(1\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "141",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1413",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشىء كونه معدوما فإن إيجاد الموجود محال وإذا كان كذلك فما يحصل له بوقوفه شىء لو وقف ألف عام. قال: ومن العجب أنه يتوسوس حال قيامه حتى يركع الإمام فإذا خشى فوات الركوع كبر سريعا وأدركه. فمن لم يحصل النية فى الوقوف الطويل حال فراغ باله كيف يحصلها فى الوقت الضيق مع شغل باله بفوات الركعة ثم ما يطلبه إما أن يكون سهلا أو عسيرا فإن كان سهلا فكيف يعسره وإن كان عسيرا فكيف تيسر عند ركوع الإمام سواه وكيف خفى ذلك على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وصحابته من أولهم إلى آخرهم والتابعين ومن بعدهم وكيف لم ينتبه له سوى من استحوذ عليه الشيطان أفيظن بجهله أن الشيطان ناصح له أما علم أنه لا يدعو إلى هدى ولا يهدى إلى خير وكيف يقول فى صلاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وسائر المسلمين الذين لم يفعلوا فعل هذا الموسوس أهى ناقصة عنده مفضولة أم هى التامة الفاضلة فما دعاه إلى مخالفتهم والرغبة عن طريقهم. فإن قال: هذا مرض بليت به قلنا: نعم سببه قبولك من الشيطان ولم يعذر الله تعالى أحدا بذلك ألا ترى أن آدم وحواء لما وسوس لهما الشيطان فقبلا منه أخرجا من الجنة ونودى عليهما بما سمعت وهما أقرب إلى العذر لأنهما لم يتقدم قبلهما من يعتبران به وأنت قد سمعت وحذرك الله تعالى من فتنته وبين لك عداوته وأوضح لك الطريق فمالك عذر ولا حجة فى ترك السنة والقبول من الشيطان. قلت: قال شيخنا: ومن هؤلاء من يأتى بعشر بدع لم يفعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولا أحد من أصحابه واحدة منها فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم نويت أصلى صلاة الظهر فريضة الوقت أداء لله تعالى إماما أو مأموما أربع ركعات مستقبل القبلة ثم يزعج أعضاءه ويحنى جبهته ويقيم عروق عنقه ويصرح بالتكبير. كأنه يكبر على العدو. ولو مكث أحدهم عمر نوح عليه السلام يفتش: هل فعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أو أحد من أصحابه شيئا من ذلك لما ظفر به إلا أن يجاهر بالكذب البحت. فلو كان(1\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "142",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1414",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فى هذا خير لسبقونا إليه ولدلونا عليه. فإن كان هذا هدى فقد ضلوا عنه وإن كان الذى كانوا عليه هو الهدى والحق فماذا بعد الحق إلا الضلال. قال: ومن أصناف الوسواس ما يفسد الصلاة مثل تكرير بعض الكلمة كقوله فى التحيات: إت إت التحى التحى وفى السلام: أس أس. وقوله فى التكبير: أكككبر ونحو ذلك فهذا الظاهر بطلان الصلاة به وربما كان إماما فأفسد صلاة المأمومين وصارت الصلاة التى هى من أكبر الطاعات أعظم إبعادا له عن الله من الكبائر وما لم تبطل به الصلاة من ذلك فمكروه وعدول عن السنة ورغبة عن طريقة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهديه وما كان عليه أصحابه. وربما رفع صوته بذلك فآذى سامعيه وأغرى الناس بذمه والوقيعة فيه فجمع على نفسه طاعة إبليس ومخالفة السنة وارتكاب شر الأمور ومحدثاتها وتعذيب نفسه وإضاعة الوقت والاشتغال بما ينقص أجره وفوات ما هو أنفع له وتعريض نفسه لطعن الناس فيه وتغرير الجاهل بالاقتداء به فإنه يقول: لولا أن ذلك فضل لما اختاره لنفسه وأساء الظن بما جاءت به السنة وأنه لا يكفى وحده وانفعال النفس وضعفها للشيطان حتى يشتد طمعه فيه وتعريضه نفسه للتشديد عليه بالقدر عقوبة له وإقامته على الجهل ورضاه بالخبل فى العقل كما قال أبو حامد الغزالى وغيره: quot;الوسوسة سببها إما جهل بالشرع وإما خبل فى العقل وكلاهما من أعظم النقائص والعيوبquot;. فهذه نحو خمسة عشر مفسدة فى الوسواس ومفاسده أضعاف ذلك بكثير. وقد روى مسلم فى صحيحه من حديث عثمان بن أبى العاص قال: قلت: quot;يا رسول الله إن الشيطان قد حال بينى وبين صلاتى يلبسها على فقال رسول الله صلى عليه وسلم: ذاك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا ففعلت ذلك فأذهبه الله تعالى عنىquot;. فأهل الوسواس قرة عين خنزب وأصحابه نعوذ بالله عز وجل منه.(1\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "143",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1415",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومن ذلك الإسراف فى ماء الوضوء والغسل. وقد روى أحمد فى مسنده من حديث عبد الله بن عمرو: quot;أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ فقال: لا تسرف فقال: يا رسول الله أوفى الماء إسراف قال: نعم وإن كنت على نهر جارquot;. وفى جامع الترمذى من حديث أبى بن كعب: أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال: quot;إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماءquot;. وفى المسند والسنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: quot;جاء أعرابى إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يسأله عن الوضوء فأراه ثلاثا ثلاثا وقال: هذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلمquot;. وفى كتاب الشافى لأبى بكر عبد العزيز من حديث أم سعد قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: quot;يجزئ من الوضوء مد والغسل صاع. وسيأتى قوم يستقلون ذلك فأولئك خلاف أهل سنتى والآخذ بسنتى فى حضرة القدس منتزه أهل الجنةquot;. وفى سنن الأثرم من حديث سالم بن أبى الجعد عن جابر بن عبد الله قال: quot;يجزئ من الوضوء المد ومن الغسل من الجنابة الصاع فقال رجل: ما يكفينى فغضب جابر حتى تربد وجهه ثم قال: قد كفى من هو خير منك وأكثر شعراquot;. وقد رواه الإمام أحمد فى مسنده مرفوعا. ولفظه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: quot;يجزئ من الغسل الصاع ومن الوضوء المدquot;. وفى صحيح مسلم عن عائشة رضى الله تعالى عنها: quot;أنها كانت تغتسل هى والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم من إناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريبا من ذلكquot;. وفى سنن النسائى عن عبيد بن عمير: quot;أن عائشة رضى الله عنها قالت: لقد رأيتنى أغتسل(1\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "144",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1416",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنا ورسول الله من هذا فإذا تور موضوع مثل الصاع أو دونه - نشرع فيه جميعا فأفيض بيدى على رأسى ثلاث مرات وما أنقض لى شعراquot;. وفى سنن أبى داود والنسائى عن عباد بن تميم عن أم عمارة بنت كعب أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: quot;توضأ فأتى بماء فى إناء قدر ثلثى المدquot;. وقال عبد الرحمن بن عطاء: سمعت سعيد بن المسيب يقول: quot;إن لى ركوة أو قدحا ما يسع إلا نصف المد أو نحوه أبول ثم أتوضأ منه وأفضل منه فضلاquot;. قال عبد الرحمن: quot;فذكرت ذلك لسليمان بن يسار فقال: وأنا يكفينى مثل ذلكquot;. قال عبد الرحمن: quot;فذكرت ذلك لأبى عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر فقال: وهكذا سمعنا من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلمquot; رواه الأثرم فى سننه. وقال إبراهيم النخعى: quot;كانوا أشد استيفاء للماء منكم وكانوا يرون أن ربع المد يجزئ من الوضوءquot;. وهذا مبالغة عظيمة فإن ربع المد لا يبلغ أوقية ونصفا بالدمشقى. وفى quot;الصحيحينquot; عن أنس قال: quot;كان رسول صلى الله تعالى عليه وسلم يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمدادquot;. وفى quot;صحيح مسلمquot; عن سفينة قال: quot;كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يغسله الصاع من الجنابة ويوضئه المدquot;. وقال إبراهيم النخعى: quot;إنى لأتوضأ من كوز الحب مرتينquot;. وتوضأ القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق بقدر نصف المد أو أزيد بقليل. وقال محمد بن عجلان: quot;الفقه فى دين الله إسباغ الوضوء وقلة إهراق الماءquot;. وقال الإمام أحمد: quot;كان يقال: من قلة فقه الرجل ولعه بالماءquot; وقال الميمونى: quot;كنت أتوضأ بماء كثير: فقال لى أحمد: يا أبا الحسن أترضى أن تكون كذا فتركتهquot;.(1\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "145",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1417",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال عبد الله بن أحمد: quot;قلت لأبى: إنى لأكثر الوضوء فنهانى عن ذلك وقال يا بنى يقال: إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان. قال لى ذلك غير مرة ينهانى عن كثرة صب الماء وقال لى: أقلل من هذا الماء يا بنىquot;. وقال إسحاق بن منصور: quot;قلت لأحمد: نزيد على ثلاث فى الوضوء فقال: لا والله إلا رجل مبتلىquot;. وقال أسود بن سالم الرجل الصالح شيخ الإمام أحمد: quot;كنت مبتلى بالوضوء فنزلت دجلة أتوضأ فسمعت هاتفا يقول: يا أسود يحيى عن سعيد: الوضوء ثلاث ما كان أكثرلم يرفع فالتفت فلم أر أحداquot;. وقد روى أبو داود فى سننه من حديث عبد الله بن مغفل قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: quot;سيكون فى هذه الأمة قوم يعتدون فى الطهور والدعاءquot;. فإذا قرنت هذا الحديث بقوله تعالى: إن الله لا يحب المعتدين [الأعراف: 55] . وعلمت أن الله يحب عبادته أنتج لك من هذا أن وضوء الموسوس ليس بعبادة يقبلها الله تعالى وإن أسقطت الفرض عنه فلا تفتح أبواب الجنة الثمانية لوضوئه يدخل من أيها شاء. ومن مفاسد الوسواس: أنه يشغل ذمته بالزائد على حاجته إذا كان الماء مملوكا لغيره كماء الحمام فيخرج منه وهو مرتهن الذمة بما زاد على حاجته ويتطاول عليه الدين حتى يرتهن من ذلك بشئ كثير جدا يتضرر به فى البرزخ ويوم القيامة. فصل ومن ذلك الوسواس فى انتقاض الطهارة لا يلتفت إليه. وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. quot; إذا وجد أحد كم فى بطنه شيئا فأشكل عليه: أخرج منه شئ أم لا فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحاquot;.(1\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "146",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1418",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفى الصحيحين عن عبد الله بن زيد قال: quot;شكى إلى رسول صلى الله عليه وسلم: الرجل يخيل إليه أنه يجد الشئ فى الصلاة قال: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحاquot;. وفى المسند وسنن أبى داود عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: quot;إن الشيطان يأتى أحدكم وهو فى الصلاة فيأخذ بشعرة من دبره فيمدها فيرى أنه قد أحدث فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحاquot; ولفظ أبى داود: quot;إذا أتى الشيطان أحدكم فقال له: إنك قد أحدثت فليقل له: كذبت إلا ما وجد ريحا بأنفه أو سمع صوتا بأذنهquot;. فأمر عليه الصلاة والسلام بتكذيب الشيطان فيما يحتمل صدقه فيه فكيف إذا كان كذبه معلوما متيقنا كقوله للموسوس: لم تفعل كذا وقد فعله قال الشيخ أبو محمد: ويستحب للإنسان أن ينضح فرجه وسراويله بالماء إذا بال ليدفع عن نفسه الوسوسة فمتى وجد بللا قال: هذا من الماء الذى نضحتا لما روى أبو داود بإسناده عن سفيان بن الحكم الثقفى أو الحكم بن سفيان قال: quot;كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إذا بال توضأ وينتضحquot;. وفى رواية: quot;رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم نضح فرجهquot;. وكان ابن عمر ينضح فرجه حتى يبل سراويله. وشكا إلى الإمام أحمد بعض أصحابه أنه يجد البلل بعد الوضوء فأمره أن ينضح فرجه إذا بال قال: quot;ولا تجعل ذلك من همتك واله عنهquot;. وسئل الحسن أو غيره عن مثل هذا فقال: quot;اله عنهquot;. فأعاد عليه المسألة فقال: quot;أتستدره لا أب لك أله عنهquot;. فصل ومن هذا ما يفعله كثير من الموسوسين بعد البول وهو عشرة أشياء: السلت والفطر والنحنحة والمشى والقفز والحبل والتفقد والجور والحشو والعصابة والدرجة.(1\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "147",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1419",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أما السلت فيسلته من أصله إلى رأسه على أنه قد روى فى ذلك حديث غريب لا يثبت ففى المسند وسنن ابن ماجه عن عيسى بن يزداد عن أبيه قال: قال: رسول الله تعالى عليه وسلم: quot;إذا بال أحدكم فليمسح ذكره ثلاث مراتquot;. وقال جابر بن زيد: quot;إذا بلت فامسح أسفل ذكرك فإنه ينقطعquot;. رواه سعيد عنه. قالوا: ولأنه بالسلت والنتر يستخرج ما يخشى عوده بعد الاستنجاء. قالوا: وإن احتاج إلى مشى خطوات لذلك ففعل فقد أحسن والنحنحة ليستخرج الفضلة. وكذلك القفز يرتفع عن الأرض شيئا ثم يجلس بسرعة والحبل يتخذ بعضهم حبلا يتعلق به حتى يكاد يرتفع ثم ينخرط منه حتى يقعد والتفقد: يمسك الذكر ثم ينظر فى المخرج هل بقى فيه شىء أم لا. والوجور: يمسكه ثم يفتح الثقب ويصب فيه الماء: والحشو: يكون معه ميل وقطن يحشوه به كما يحشو الدمل بعد فتحها. والعصابة: يعصبه بخرقة والدرجة يصعد فى سلم قليلا ثم ينزل بسرعة والمشى يمشى خطوات ثم يعيد الاستجمار. قال شيخنا: quot;وذلك كله وسواس وبدعةquot; فراجعته فى السلت والنتر فلم يره وقال: quot;لم يصح الحديثquot; قال: quot;والبول كاللبن فى الضرع إن تركته قر وإن حلبته درquot;. قال: quot;ومن اعتاد ذلك ابتلى منه بما عوفى منه من لها عنهquot;. قال: quot;ولو كان هذا سنة لكان أولى الناس به رسول الله عليه الصلاة والسلام وأصحابهquot; وقد قال اليهودى لسلمان: quot;لقد علمكم نبيكم كل شىء حتى الخرأة فقال: أجلquot; فأين علمنا نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك أو شيئا منه بلى علم المستحاضة أن تتلجم وعلى قياسها من به سلس البول أن يتحفظ ويشد عليه خرقة. فصل ومن ذلك أشياء سهل فيها المبعوث بالحنيفية السمحة فشدد فيها هؤلاء. فمن ذلك المشى حافيا فى الطرقات ثم يصلى ولا يغسل رجليه فقد روى أبو داود فى(1\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "148",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1420",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سننه: عن امرأة من بنى عبد الأشهل قالت: quot;قلت: يا رسول الله إن لنا طريقا إلى المسجد منتنة فكيف نفعل إذا تطهرنا قال: أليس بعدها طريق أطيب منها قالت: قلت: بلى قال: فهذه بهذهquot;. وقال عبد الله بن مسعود: quot;كنا لا نتوضأ من موطىءquot;. وعن على رضى الله عنه: أنه خاص فى طين المطر ثم دخل المسجد فصلى ولم يغسل رجليه. وسئل ابن عباس رضى الله عنهما عن الرجل يطأ العذرة قال: quot;إن كانت يابسة فليس بشىء وإن كانت رطبة غسل ما أصابهquot;. وقال حفص: أقبلت مع عبد الله بن عمر عامدين إلى المسجد. فلما انتهينا عدلت إلى المطهرة لأغسل قدمى من شىء أصابهما فقال عبد الله: لا تفعل فإنك تطأ الموطىء الردئ ثم تطأ بعده الموطئ الطيب- أو قال: النظيف- فيكون ذلك طهورا فدخلنا المسجد جميعا فصلينا. وقال أبو الشعثاء: quot;كان ابن عمر يمشى بمنى فى الفروث والدماء اليابسة حافيا ثم يدخل المسجد فيصلى فيه ولا يغسل قدميهquot;. وقال عمران بن حدير: كنت أمشى مع أبى مجلز إلى الجمعة وفى الطريق عذرات يابسة فجعل يتخطاهن ويقول: ما هذه إلا سوادات ثم جاء حافيا إلى المسجد فصلى ولم يغسل قدميهquot;. وقال عاصم الأحول: quot;أتينا أبا العالية فدعونا بوضوء فقال: ما لكم ألستم متوضئين قلنا:(1\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "149",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1421",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بلى ولكن هذه الأقذار التى مررنا بها. قال: هل وطئتم على شىء رطب تعلق بأرجلكم قلنا: لا. فقال: فكيف بأشد من هذه الأقذار يجف فينسفها الريح فى رؤوسكم ولحاكمquot; فصل ومن ذلك أن الخف والحذاء إذا أصابت النجاسة أسفله أجزأ دلكه بالأرض مطلقا وجازت الصلاة فيه بالسنة الثابتة. نص عليه أحمد. واختاره المحققون من أصحابه قال أبو البركات: ورواية: quot;أجزأ الدلك مطلقاquot;. هى الصحيحة عندى لما روى أبو هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;إذا وطىء أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهورquot; وفى لفظ: quot; إذا وطىء أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما الترابquot;. رواهما أبو داود. وروى أبو سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. quot;صلى فخلع نعليه فخلع الناس نعالهم فلما انصرف قال: لم خلعتم قالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا فقال: إن جبريل أتانى فأخبرنى أن بهما خبثا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ثم لينظر فإن رأى خبثا فليمسحه بالأرض ثم ليصل فيهماquot;. رواه الإمام أحمد. وتأويل ذلك: على ما يستقذر من مخاط أو نحوه من الطاهرات لا يصح لوجوه: أحدها: أن ذلك لا يسمى خبثا. الثانى: أن ذلك لا يؤمر بمسحه عند الصلاة فإنه لا يبطلها. الثالث: أنه لا تخلع النعل لذلك فى الصلاة فإنه عمل لغير حاجة فأقل أحواله الكراهة. الرابع: أن الدارقطنى روى فى سننه فى حديث الخلع من رواية ابن عباس: أن النبى عليه الصلاة والسلام قال: quot;إن جبريل أتانى فأخبرنى أن فيهما دم حلمةquot; والحلم كبار القراد.(1\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "150",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1422",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولأنه بمحل يتكرر ملاقاة النجاسة غالبا فأجزأ مسحه بالجامد كمحل الاستجمار بل أولى. فإن محل الاستجمار يلاقى النجاسة فى اليوم مرتين أو ثلاثا. فصل وكذلك ذيل المرأة على الصحيح وقالت امرأة لأم سلمة: quot;إنى أطيل ذيلى وأمشى فى المكان القذر. فقالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: quot;يطهره ما بعدهquot; رواه أحمد وأبو داود. وقد رخص النبى عليه الصلاة والسلام للمرأة أن ترخى ذيلها ذراعا ومعلوم أنه يصيب القذر ولم يأمرها بغسل ذلك بل أفتاهن بأنه تطهره الأرض. فصل ومما لا تطيب به قلوب الموسوسين: الصلاة فى النعال. وهى سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأصحابه فعلا منه وأمرا. quot;كان يصلى فى نعليهquot; متفق عليه. وعن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون فى خفافهم ولا نعالهمquot;. رواه أبو داود. وقيل للإمام أحمد: أيصلى الرجل فى نعليه فقال: إى والله. وترى أهل الوسواس إذا بلى أحدهم بصلاة الجنازة فى نعليه قام على عقبيهما كأنه واقف على الجمر حتى لا يصلى فيهما.(1\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "151",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1423",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفى حديث أبى سعيد الخدرى: quot;إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر فإن رأى على نعليه قذرا فليمسحه وليصلquot;. فصل ومن ذلك: أن سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: الصلاة حيث كان وفى أى مكان كان سوى ما نهى عنه من المقبرة والحمام وأعطان الإبل فصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: quot;جعلت لى الأرض مسجدا وطهورا فحيثما أدركت رجلا من أمتى الصلاة فليصلquot;. وكان يصلى فى مرابض الغنم وأمر بذلك ولم يشترط حائلا. قال ابن المنذر: quot;أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على إباحة الصلاة فى مرابض الغنم إلا الشافعيquot;. فإنه قال: quot;أكره ذلك إلا إذا كان سليما من أبعارهاquot;. وقال: أبو هريرة رضى الله عنه: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;صلوا فى مرابض الغنم ولا تصلوا فى أعطان الإبلquot;. رواه الترمذى وقال: حديث حسن صحيح. وروى الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;صلوا فى مرابض الغنم ولا تصلوا فى أعطان الإبل أو مبارك الإبلquot;. وفى المسند أيضا من حديث عبد الله بن المغفل قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;صلوا فى مرابض الغنم ولا تصلوا فى أعطان الإبل فإنها خلقت من الشياطينquot;. وفى الباب عن جابر بن سمرة والبراء بن عازب وأسيد بن الحضير وذى الغرة كلهم رووا عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: quot;صلوا فى مرابض الغنمquot;. وفى بعض ألفاظ الحديث: quot;صلوا فى مرابض الغنم فإن فيها بركةquot;.(1\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "152",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1424",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: quot;الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمامquot;. رواه أهل السنن كلهم إلا النسائى. فأين هذا الهدى من فعل من لا يصلى إلا على سجادة تفرش فوق البساط فوق الحصير ويضع عليها المنديل ولا يمشى على الحصير ولا على البساط بل يمشى عليها نقرا كالعصفور. فما أحق هؤلاء بقول ابن مسعود: quot;لأنتم أهدى من أصحاب محمد أو أنتم على شعبة ضلالةquot;. وقد صلى النبى عليه الصلاة والسلام على حصير قد اسود من طول ما لبس فنضح له بالماء وصلى عليه ولم يفرش له فوقه سجادة ولا منديل وكان يسجد على التراب تارة وعلى الحصى تارة وفى الطين تارة حتى يرى أثره على جبهته وأنفه. وقال ابن عمر: quot;كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول فى المسجد ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلكquot;. رواه البخارى ولم يقل quot;وتبولquot; وهو عند أبى داود بإسناد صحيح بهذه الزيادة. فصل ومن ذلك: أن الناس فى عصر الصحابة والتابعين ومن بعدهم كانوا يأتون المساجد حفاة فى الطين وغيره. قال يحيى بن وثاب: quot;قلت لابن عباس: الرجل يتوضأ ثم يخرج إلى المسجد حافيا قال: لا بأس بهquot;. وقال كميل بن زياد: quot;رأيت عليا رضى الله عنه يخوض طين المطر ثم دخل المسجد فصلى ولم يغسل رجليهquot;. قال إبراهيم النخعى: quot;كانوا يخوضون الماء والطين إلى المسجد فيصلونquot;. وقال يحيى بن وثاب: quot;كانوا يمشون فى ماء المطر وينتضح عليهمquot;. رواها سعيد بن منصور فى سننه.(1\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "153",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1425",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ابن المنذر: quot;وطئ ابن عمر بمنى وهو حاف فى ماء وطين ثم صلى ولم يتوضأquot;. قال: quot;وممن رأى ذلك علقمة والأسود وعبد الله بن مغفل وسعيد بن المسيب والشعبى والإمام أحمد وأبو حنيفة ومالك وأحد الوجهين للشافعيةquot; قال: quot;وهو قول عامة أهل العلم ولأن تنجيسها فيه مشقة عظيمة منتفية بالشرع كما فى أطعمة الكفار وثيابهم وثياب الفساق شربة المسكر وغيرهمquot;. قال أبو البركات بن تيمية: quot;وهذا كله يقوى طهارة الأرض بالجفاف لأن الإنسان فى العادة لا يزال يشاهد النجاسات فى بقعة من طرقاته التى يكثر فيها تردده إلى سوقه ومسجده وغيرهما فلو لم تطهر إذا أذهب الجفاف أثرها للزمه تجنب ما شاهده من بقاع النجاسات بعد ذهاب أثرها ولما جاز له التحفى بعد ذلك وقد علم أن السلف الصالح لم يحترزوا من ذلك. ويعضده أمره عليه الصلاة والسلام بمسح النعلين بالأرض لمن أتى المسجد ورأى فيهما خبثا ولو تنجست الأرض بذلك نجاسة لا تطهر بالجفاف لأمر بصيانة طريق المسجد عن ذلك لأنه يسلكه الحافى وغيرهquot;. قلت: وهذا اختيار شيخنا رحمه الله. وقال أبو قلابة: quot;جفاف الأرض طهورهاquot;. فصل ومن ذلك: أن النبى عليه الصلاة والسلام سئل عن المذى فأمر بالوضوء منه فقال: quot;كيف ترى بما أصاب ثوبى منه قال: تأخذ كفا من ماء فتنضح به حيث ترى أنه أصابهquot;. رواه أحمد والترمذى والنسائى. فجوز نضح ما أصابه المذى كما أمر بنضح بول الغلام. قال شيخنا: وهذا هو الصواب لأن هذه نجاسة يشق الأحتراز منها لكثرة ما يصيب ثياب الشاب العزب فهى أولى بالتخفيف من بول الغلام ومن أسفل الخف والحذاء.(1\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "154",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1426",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومن ذلك: إجماع المسلمين على ما سنه لهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من جواز الاستجمار بالأحجار فى زمن الشتاء والصيف مع أن المحل يعرق فينضح على الثوب ولم يأمر بغسله من ذلك. ومن ذلك: أنه يعفى عن يسير أرواث البغال والحمير والسباع فى إحدى الروايتين عن أحمد اختارها شيخنا لمشقة الاحتراز. قال الوليد بن مسلم: quot;قلت للأوزاعى: فأبوال الدواب مما لا يؤكل لحمه كالبغل والحمار والفرس فقال: قد كانوا يبتلون بذلك فى مغازيهم فلا يغسلونه من جسد ولا ثوبquot;. ومن ذلك: نص أحمد على أن الودى يعفى عن يسيره كالمذى وكذلك يعفى عن يسير القئ نص عليه أحمد. وقال شيخنا: quot;لا يجب غسل الثوب ولا الجسد من المدة والقيح والصديدquot; قال: quot;ولم يقم دليل على نجاستهquot;. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه طاهر حكاه أبو البركات. وكان ابن عمر رضى الله عنهما لا ينصرف منه فى الصلاة وينصرف من الدم. وعن الحسن نحوه. وسئل أبو مجلز عن القيح يصيب البدن والثوب فقال: quot;ليس بشىء إنما ذكر الله الدم ولم يذكر القيحquot;. وقال إسحاق بن راهويه: quot;كل ما كان سوى الدم فهو عندى مثل العرق المنتن وشبهه ولا يوجب وضوءاquot;. وسئل أحمد رحمه الله: الدم والقيح عندك سواء فقال: quot;لا الدم لم يختلف الناس فيه والقيح قد اختلف الناس فيهquot;. وقال مرة: quot;القيح والصديد والمدة عندى أسهل من الدمquot;. ومن ذلك: ما قاله أبو حنيفة: quot;أنه لو وقع بعر الفأر فى حنطة فطحنت أو فى دهن مائع جاز أكله ما لم يتغير لأنه لا يمكن صونه عنهquot;. قال: quot;فلو وقع فى الماء نجسهquot;.(1\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "155",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1427",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذهب بعض أصحاب الشافعى إلى جواز أكل الحنطة التى أصابها بول الحمير عند الدياس من غير غسل. قال: quot;لأن السلف لم يحترزوا من ذلكquot;. وقالت عائشة رضى الله عنها: quot;كنا نأكل اللحم والدم خطوط على القدرquot;. وقد أباح الله عز وجل صيد الكلب وأطلق ولم يأمر بغسل موضع فمه من الصيد ومعضه ولا تقويره ولا أمر به رسوله ولا أفتى به أحد من الصحابة. ومن ذلك: ما أفتى به عبد الله بن عمر وعطاء بن أبى رباح وسعيد بن المسيب وطاووس وسالم ومجاهد والشعبى وإبراهيم النخعى والزهرى ويحيى بن سعيد الأنصارى والحكم والأوزاعى ومالك وإسحاق بن راهويه وأبو ثور والإمام أحمد فى أصح الروايتين وغيرهم: quot;أن الرجل إذا رأى على بدنه أو ثوبه نجاسة بعد الصلاة لم يكن عالما بها أو كان يعلمها لكنه نسيها أو لم ينسها لكنه عجز عن إزالتها أن صلاته صحيحة ولا إعادة عليهquot;. فصل ومن ذلك: أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: quot;كان يصلى وهو حامل أمامة بنت ابنته زينب فإذا ركع وضعها وإذا قام حملهاquot; متفق عليه. ولأبى داود: quot;أن ذلك كان فى إحدى صلاتى العشىquot;. وهو دليل على جواز الصلاة فى ثياب المربية والمرضع والحائض والصبى ما لم يتحقق نجاستها. وقال أبو هريرة: quot;كنا مع النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى صلاة العشاء فلما سجد وثب الحسن والحسين على ظهره فلما رفع رأسه أخذهما بيده من خلفه أخذا رفيقا ووضعهما على الأرض فإذا عاد عادا حتى قضى صلاتهquot;. رواه الإمام أحمد. وقال عبد الله بن شداد بن الهاد: عن أبيه: quot;خرج علينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وهو حامل الحسن والحسين فوضعه ثم كبر للصلاة فصلى فسجد بين ظهرانى صلاته سجدة أطالها. فلما قضى الصلاة قال: إن ابنى ارتحلنى فكرهت أن أعجلهquot;. رواه أحمد والنسائى. وقالت عائشة رضى الله تعالى عنها: quot;كان رسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يصلى بالليل وأنا إلى جنبه وأنا حائض وعلى مرط وعليه بعضهquot;. رواه أبو داود.(1\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "156",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1428",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالت: quot; كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نبيت فى الشعار الواحد وأنا طامث- حائض- فإن أصابه منى شى غسل مكانه ولم يعده وصلى فيهquot; رواه أبو داود. فصل ومن ذلك: أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يلبس الثياب التى نسجها المشركون ويصلى فيها. وتقدم قول عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه وهمه أن ينهى عن ثياب بلغه أنها تصبغ بالبول وقول أبى له: quot;مالك أن تنهى عنها فإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لبسها ولبست فى زمانه ولو علم الله أنها حرام لبينه لرسوله. قال: صدقتquot;. قلت: وعلى قياس ذلك: الجوخ بل أولى بعدم النجاسة من هذه الثياب فتجنبه من باب الوسواس. ولما قدم عمر بن الخطاب رضى الله عنه الجابية استعار ثوبا من نصرانى فلبسه حتى خاطوا له قميصه وغسلوه. وتوضأ من نجرة نصرانية. وصلى سلمان وأبو الدرداء رضى الله عنهما فى بيت نصرانية. فقال لها أبو الدرداء: quot;هل فى بيتك مكان طاهر فنصلى فيه quot; فقالت: طهرا قلوبكما ثم صليا اين أحببتما. فقال له سلمان: quot;خذها من غير فقيهquot;. فصل ومن ذلك: أن الصحابة والتابعين كانوا يتوضئون من الحياض والأوانى المكشوفة ولا يسألون: هل أصابتها نجاسة أو وردها كلب أو سبع ففى الموطإ عن يحيى ابن سعيد أن عمر رضى الله عنه خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضا فقال عمرو: quot;يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع quot; فقال عمر رضى الله عنه: quot;لا تخبرنا. فإنا نرد على السباع وترد عليناquot;.(1\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "157",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1429",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفى سنن ابن ماجه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;سئل: أنتوضأ بما أفضلت الحمر قال: نعم وبما أفضلت السباعquot;. ومن ذلك: أنه لو سقط عليه شئ من ميزاب لا يدرى هل هو أو بول. لم يجب عليه أن يسأل عنه. فلو سأل لم يجب على المسئول أن يجيبه ولو علم أنه نجس ولا يجب عليه غسل ذلك. ومر عمر بن الخطاب رضى الله عنه يوما فسقط عليه شئ من ميزاب ومعه صاحب له فقال: يا صاحب الميزاب ماؤك طاهر أو نجس فقال عمر رضى الله عنه: quot;يا صاحب الميزاب لا تخبرنا ومضىquot; ذكره أحمد. قال شيخنا: quot;وكذلك إذا أصاب رجله أو ذيله بالليل شىء رطب ولا يعلم ما هو لم يجب عليه أن يشمه ويتعرف ما هو. واحتج بقصة عمر رضى الله عنه فى الميزاب وهذا هو الفقه فإن الأحكام إنما تترتب على المكلف بعد علمه بأسبابها وقبل ذلك هى على العفو. فما عفا الله عنه فلا ينبغى البحث عنهquot;. فصل ومن ذلك: الصلاة مع يسير الدم ولا يعيد. قال البخارى: قال الحسن رحمه الله: quot;مازال المسلمون يصلون فى جراحاتهمquot;. قال: quot;وعصر ابن عمر رضى الله عنهما بثرة فخرج منها دم فلم يتوضأ وبصق ابن أبى أو فى دما ومضى فى صلاته. وصلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه وجرحه يثعب دماquot;.(1\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "158",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1430",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن ذلك: أن المراضع مازلن من عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وإلى الآن يصلين فى ثيابهن والرضعاء يتقيئون ويسيل لعابهم على ثياب المرضعة وبدنها فلا يغسلن شيئا من ذلك لأن ريق الرضيع مطهر لقمه لأجل الحاجة. كما أن ريق الهرة مطهر لفمها. وقد قال رسول الله صلى الله تعالي عليه وآله وسلم: quot;إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات وكان يصغى لها الإناء حتى تشربquot;. وكذلك فعل أبو قتادة. مع العلم اليقينى أنها تأكل الفأر والحشرات والعلم القطعى أنه لم يكن بالمدينة حياض فوق القلتين تردها السنانير وكلاهما معلوم قطعا. ومن ذلك: أن الصحابة ومن بعدهم كانوا يصلون وهم حاملو سيوفهم وقد أصابها الدم. وكانوا يمسحونها ويجتزئون بذلك. وعلى قياس هذا: مسح المرآة الصقيلة إذا أصابتها النجاسة فإنه يطهرها. وقد نص أحمد على طهارة سكين الجزار بمسحها. ومن ذلك: أنه نص على حبل الغسال أنه ينشر عليه الثوب النجس ثم تجففه الشمس فينشر عليه الثوب الطاهر. فقال: لا بأس به. وهذا كقول أبى حنيفة: quot;إن الأرض النجسة يطهرها الريح والشمسquot;. وهو وجه لأصحاب أحمد حتى إنه يجوز التيمم بها. وحديث ابن عمر رضى الله عنهما كالنص فى ذلك وهو قوله: quot;كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول فى المسجد ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلكquot;.(1\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "159",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1431",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا لا يتوجه إلا على القول بطهارة الأرض بالريح والشمس. ومن ذلك: أن الذى دلت عليه سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وآثار أصحابه: أن الماء لا ينجس إلا بالتغير وإن كان يسيرا. وهذا قول أهل المدينة وجمهور السلف وأكثر أهل الحديث. وبه أفتى عطاء بن أبى رباح وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد والأوزاعى وسفيان الثورى ومالك بن أنس وعبد الرحمن بن مهدى واختاره ابن المنذر. وبه قال أهل الظاهر. ونص عليه أحمد فى إحدى روايتيه. وإختاره جماعة من أصحابنا منهم ابن عقيل فى مفرداته وشيخنا أبو العباس وشيخه ابن أبى عمر. وقال ابن عباس رضى الله عنهما: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;الماء لا ينجسه شئquot; رواه الإمام أحمد. وفى المسند والسنن عن أبى سعيد قال: quot;قيل: يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة وهى بئر تلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن فقال: الماء طهور لا ينجسه شئquot;. قال الترمذى: quot;هذا حديث حسنquot;. وقال الإمام أحمد: quot;حديث بئر بضاعة صحيحquot;. وفى لفظ للإمام أحمد: quot;إنه يستقى لك من بئر بضاعة وهى بئر يطرح فيها حايض النساء ولحم الكلاب وعذر الناس فقال رسول الله تعالى عليه وسلم: إن الماء طهور لا ينجسه شىquot;. وفى سنن ابن ماجه من حديث أبى أمامة مرفوعا: quot;الماء لا ينجسه شى إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونهquot;. وفيها من حديث أبى سعيد الحدرى: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: quot;سئل عن الحياض التى بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب والحمر وعن الطهارة بها فقال: لها ما حملت فى بطونها ولنا ما غبر طهورquot;. وإن كان فى إسناد هذين الحديثين مقال. فإنا ذكرناهما للاستشهاد لا للاعتماد. وقال البخارى: قال الزهرى: quot;لا بأس بالماء ما لم يتغير منه طعم أو ريح أو لونquot;.(1\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "160",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1432",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الزهرى أيضا: quot;إذا ولغ الكلب فى الإناء ليس له وضوء غيره يتوضأ به ثم يتيممquot;. قال سفيان: quot;هذا الفقه بعينهquot; يقول الله تعالى: quot; فلم تجدوا ماء فتيمموا [المائدة: 6] . وهذا ماء وفى النفس منه شىء يتوضأ به ثم يتيممquot; ونص أحمد رحمه الله فى جب زيت ولغ فيه كلب فقال: quot;يؤكلquot;. فصل ومن ذلك: أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يجيب من دعاه فيأكل من طعامه وأضافه يهودى بخبز شعير وإهالة سنخة. وكان المسلمون يأكلون من أطعمة أهل الكتاب. وشرط عمر رضى الله تعالى عنه عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين وقال: quot;أطعموهم مما تأكلونquot;. وقد أحل الله عز وجل ذلك فى كتابه. ولما قدم عمر رضى الله عنه الشام صنع له أهل الكتاب طعاما فدعوه فقال: quot;أين هو quot; قالوا: فى الكنيسة فكره دخولها وقال لعلى رضى الله عنه: quot;اذهب بالناس فذهب على بالمسلمينquot;. فدخلوا وأكلوا وجعل على رضى الله عنه: ينظر إلى الصور وقال: quot;ما على أمير المؤمنين لو دخل وأكل quot;. وكان النبى عليه السلام يقبل ابنى ابنته فى أفواههما ويشرب من موضع فم عائشة رضى الله عنها ويتعرق العرق فيضع فاه على موضع فيها وهى حائض. وحمل أبو بكر رضى الله عنه الحسن على عاتقه ولعابه يسيل عليه. وأتى رسول الله عليه السلام بصبى فوضعه فى حجره فبال عليه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله. وكان يؤتى بالصبيان فيضعهم فى حجره يبرك عليهم ويدعو لهم.(1\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "161",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1433",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا الذى ذكرناه قليل من كثير من السنة ومن له اطلاع على ما كان عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأصحابه لا يخفى عليه حقيقة الحال. وقد روى الإمام أحمد فى مسنده عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;بعثت بالحنيفية السمحةquot;. فجمع بين كونها حنيفية وكونها سمحة. فهى حنيفية فى التوحيد سمحة فى العمل. وضد الأمرين: الشرك وتحريم الحلال وهما اللذان ذكرهما النبى صلى الله تعالى عليه وآله فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: quot; إنى خلقت عبادى حنفاء وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بى ما لم أنزل به سلطاناquot;. فالشرك وتحريم الحلال قرينان. وهما اللذان عابهما الله تعالى فى كتابه على المشركين فى سورة الأنعام والأعراف. وقد ذم النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم المتنطعين فى الدين وأخبر بمهلكهم حيث يقول: quot;ألا هلك المتنطعون ألا هلك المتنطعون ألا هلك المتنطعونquot;. وقال ابن أبى شيبة: حدثنا أبو أسامة عن مسعر قال: quot;أخرج إلى معن بن عبد الرحمن كتابا وحلف بالله أنه خط أبيه فإذا فيه: قال عبد الله: والله الذى لا إله غيره ما رأيت أحدا كان أشد على المتنطعين من رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولا رأيت بعده أحدا أشد خوفا عليهم من أبى بكر وإنى لأظن عمر رضى الله عنه كان أشد أهل الأرض خوفا عليهمquot;. وكان عليه الصلاة والسلام يبغض المتعمقين حتى إنه لما واصل بهم ورأى الهلال. قال: quot;لو تأخر الهلال لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم كالمنكل بهمquot;.(1\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "162",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1434",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان الصحابة أقل الأمة تكلفا اقتداء بنبيهم صلى الله تعالى وسلم. قال الله تعالى: قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين [ص: 86] . وقال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: quot;من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات. فإن الحى لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد كانوا أفضل هذه الأمة: أبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا. اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ولإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم على أثرهم وسيرتهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيمquot;. وقال أنس رضى الله عنه: quot;كنا عند عمر رضى الله عنه فسمعته يقول: نهينا عن التكلفquot;. وقال مالك: قال عمر بن عبد العزيز: quot;سن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وولاة الأمور بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستعمال لطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها ولا النظر فيما خالفها. من اقتدى بها فهو مهتد ومن استنصر بها فهو منصور ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيراquot;. وقال مالك: بلغنى أن عمر بن الخطاب كان يقول: quot;سنت لكم السنن وفرضت لكم الفرائض وتركتم على الواضحة إلا أن تميلوا بالناس يمينا وشمالاquot;. وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: quot; يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلينquot;. فأخبر أن الغالبين يحرفون ما جاء به. والمبطلون ينتحلون بباطلهم غير ما كان عليه. والجاهلون يتأولونه على غير تأويله. وفساد الإسلام من هؤلاء الطوائف الثلاثة. فلولا أن الله تعالى يقيم لدينه من ينفى عنه ذلك لجرى عليه ما جرى على أديان الأنبياء قبله من هؤلاء.(1\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "163",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1435",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومن ذلك الوسوسة فى مخارج الحروف والتنطع فيها. ونحن نذكر ما ذكره العلماء بألفاظهم: قال أبو الفرج بن الجوزى: quot;قد لبس إبليس على بعض المصلين فى مخارج الحروف فتراه يقول: الحمد الحمد. فيخرج بإعادة الكلمة عن قانون أدب الصلاة. وتارة يلبس عليه فى تحقيق التشديد فى إخراج ضاد quot;المغضوبquot; قال: quot;ولقد رأيت من يخرج بصاقه مع إخراج الضاد لقوة تشديده. والمراد تحقيق الحرف حسب. وإبليس يخرج هؤلاء بالزيادة عن حد التحقيق ويشغلهم بالمبالغة فى الحروف عن فهم التلاوة. وكل هذه الوساوس من إبليسquot;. وقال محمد بن قتيبة فى مشكل القرآن: quot;وقد كان الناس يقرؤون القرآن بلغاتهم ثم خلف من بعدهم قوم من أهل الأمصار وأبناء العجم ليس لهم طبع اللغة ولا علم التكلف فهفوا فى كثير من الحروف. وذلوا فأخلوا. ومنهم رجل ستر الله عليه عند العوام بالصلاح وقربه من القلوب بالدين. فلم أر فيمن تتبعت فى وجوه قراءته أكثر تخليطا ولا أشد اضطرابا منه لأنه يستعمل فى الحروف ما يدعه فى نظيره ثم يؤصل أصلا ويخالف إلى غيره بغير علة ويختار فى كثير من الحروف ما لا مخرج له إلا على طلب الحيلة الضعيفة. هذا إلى نبذه فى قراءته مذاهب العرب وأهل الحجاز بإفراطه فى المد والهمز والإشباع وإفحاشه فى الإضجاع والإدغام وحمله المتعلمين على المذهب الصعب وتعسيره على الأمة ما يسره الله تعالى وتضييقه ما فسحه الله. ومن العجب أنه يقرئ الناس بهذه المذاهب ويكره الصلاة بها. ففى أى موضع يستعمل هذه القراءة إن كانت الصلاة لا تجوز بها وكان ابن عيينة يرى لمن قرأ فى صلاته بحرفه أو ائتم بإمام يقرأ بقراءته أن يعيد ووافقه على ذلك كثير من خيار المسلمين. منهم بشر بن الحارث والإمام أحمد بن حنبل وقد شغف بقراءته عوام الناس وسوقتهم. وليس ذلك إلا لما يرونه من مشقتها وصعوبتها وطول اختلاف المتعلم إلى المقرئ فيها. فإذا رأوه قد اختلف فى أم الكتاب عشرا. وفى مائة آية شهرا وفى السبع الطوال حولا. ورأوه(1\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "164",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1436",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عند قراءته مائل الشدقين دار الوريدين راشح الجبين توهموا أن ذلك لفضله فى القراءة وحذقه بها وليس هكذا كانت قراءة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولا خيار السلف ولا التابعين ولا القراء العالمين بل كانت سهلة رسلةquot;. وقال الخلال فى الجامع: عن أبى عبد الله إنه قال: quot;لا أحب قراءة فلانquot; يعنى هذا الذى أشار إليه ابن قتيبة وكرهها كراهية شديدة وجعل يعجب من قراءته وقال: quot;لا تعجبنى. فإن كان رجل يقبل منك فانههquot;. وحكى عن ابن المبارك عن الربيع بن أنس: أنه نهاه عنها. وقال الفضل بن زياد: quot;إن رجلا قال لأبى عبد الله: فما أترك من قراءته قال: الإدغام والكسر. ليس يعرف فى لغة من لغات العربquot;. وسأله عبد الله ابنه عنها فقال: quot;أكره الكسر الشديد والإضجاعquot;. وقال فى موضع آخر: quot;إن لم يدغم ولم يضجع ذلك الإضجاع فلا بأس بهquot;. وسأله الحسن بن محمد بن الحارث: quot;أتكره أن يتعلم الرجل تلك القراءة quot; قال: quot;أكرهه أشد كراهة إنما هى قراءة محدثةquot;. وكرهها شديدا حتى غضب. وروى عنه ابن سنيد أنه سئل عنها فقال: quot;أكرهها أشد الكراهةquot; قيل له: ما تكره منها قال: quot;هى قراءة محدثة ما قرأ بها أحدquot;. وروى جعفر بن محمد عنه أنه سئل عنها فكرهها. وقال: quot;كرهها ابن إدريسquot; وأراه قال: وعبد الرحمن بن مهدى. وقال: quot;ما أدرى إيش هذه القراءة quot; ثم قال: quot;وقراءتهم ليست تشبه كلام العربquot;. وقال عبد الرحمن بن مهدى quot;لو صليت خلف من يقرأ بها لأعدت الصلاةquot;.(1\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "165",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1437",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونص أحمد رحمه الله على أنه يعيد. وعنه رواية أخرى: quot;أنه لا يعيدquot;. والمقصود. أن الأئمة كرهوا التنطع والغلو فى النطق بالحرف. ومن تأمل هدى رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم وإقراره أهل كل لسان على قراءتهم تبين له أن التنطع والتشدق والوسوسة فى إخراج الحروف ليس من سنته. فصل فى الجواب عما احتج به أهل الوسواس أما قولهم: إن ما نفعله احتياط لا وسواسا. قلنا: سموه ما شئتم فنحن نسألكم: هل هو موافق لفعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأمره وما كان عليه أصحابه أو مخالف فإن زعمتم أنه موافق فبهت وكذب صريح. فإذن لا بد من الإقرار بعدم موافقته وأنه مخالف له فلا ينفعكم تسمية ذلك احتياطا. وهذا نظير من ارتكب محظورا وسماه بغير اسمه كما يسمى الخمر بغير اسمها والربا معاملة والتحليل الذى لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فاعله: نكاحا ونقر الصلاة الذى أخبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن فاعله لم يصل وأنه لا تجزيه صلاته ولا يقبلها الله تعالى منه: تخفيفا. فهكذا تسمية الغلو فى الدين والتنطع: احتياطا. وينبغى أن يعلم أن الاحتياط الذى ينفع صاحبه ويثيبه الله عليه الاحتياط فى موافقة السنة وترك مخالفتها. فالاحتياط كل الاحتياط فى ذلك وإلا فما احتاط لنفسه من خرج عن السنة بل ترك حقيقة الاحتياط فى ذلك. وكذلك المتسرعون إلى وقوع الطلاق فى موارد النزاع الذى اختلف فيه الأئمة كطلاق(1\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "166",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1438",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لمكره وطلاق السكران والبتة وجمع الثلاث والطلاق بمجرد النية والطلاق المؤجل المعلوم مجئ أجله واليمين بالطلاق وغير ذلك مما تنازع فيه العلماء إذا أوقعه المفتى تقليدا بغير برهان وقال: ذلك احتياط للفروج. فقد ترك معنى الاحتياط. فإنه يحرم الفرج على هذا ويبيحه لغيره. فأين الاحتياط هاهنا بل لو أبقاه على حاله حتى تجمع الأمة على تحريمه وإخراجه عمن هو حلال له أو يأتى برهان من الله ورسوله على ذلك لكان قد عمل بالاحتياط. ونص على مثل ذلك الإمام أحمد فى طلاق السكران. فقال فى رواية أبى طالب: quot;والذى لا يأمر بالطلاق فإنما أتى خصلة واحدة. والذى يأمر بالطلاق فقد أتى خصلتين: حرمها الله عليه وأحلها لغيرهquot;. فهذا خير من هذا فلا يمكن الاحتياط فى وقوع الطلاق إلا حيث أجمعت الأمة. أو كان هناك نص عن الله ورسوله يجب المصير إليه. قال شيخنا: quot;والاحتياط حسن ما لم يفض بصاحبه إلى مخالفة السنة. فإذا أفضى إلى ذلك فالاحتياط ترك هذا الاحتياطquot; وبهذا خرج الجواب عن احتجاجهم بقوله صلى الله عليه وسلم: quot;من ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضهquot; وقوله: quot;دع ما يريبك إلى ما لا يريبكquot; وقوله: quot;الإثم ما حاك فى الصدرquot;. فهذا كله من أقوى الحجج على بطلان الوسواس. فإن الشبهات ما يشتبه فيه الحق بالباطل والحلال بالحرام على وجه لا يكون فيه دليل على أحد الجانبين أو تتعارض الأمارتان عنده فلا يترجح فى ظنه احداها فيشتبه عليه هذا بهذا فأرشده النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى ترك المشتبه والعدول إلى الواضح الجلى. ومعلوم أن غاية الوسواس أن يشتبه على صاحبه: هل هو طاعة وقربة أم معصية وبدعة هذا أحسن أحواله والواضح الجلى هو اتباع طريق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وما سنه للأمة قولا وعملا. فمن أراد ترك الشبهات عدل عن ذلك المشتبه إلى هذا الواضح. فكيف ولا شبهة بحمد الله هناك إذ قد بينت بالسنة أنه تنطع وغلو فالمصير إليه ترك للسنة وأخذ بالبدعة وترك لما يحبه الله تعالى ويرضاه وأخذ بما يكرهه ويبغضه ولا يتقرب به إليه البتة فإنه لا يتقرب إليه إلا بما شرع لا بما يهواه العبد ويفعله من تلقاء(1\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "167",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1439",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفسه. فهذا هو الذى يحيك فى الصدر ويتردد فى القلب وهو حواز القلوب. وأما التمرة التى ترك رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أكلها وقال: quot;أخشى أن تكون من الصدقةquot;. فذلك من باب اتقاء الشبهات وترك ما اشتبه فيه الحلال بالحرام فإن التمرة كانت قد وجدها فى بيته وكان يؤتى بتمر الصدقة يقسمه على من تحل له الصدقة ويدخل بيته تمر يقتات منه أهله فكان فى بيته النوعان فلما وجد تلك التمرة لم يدر عليه الصلاة والسلام من أى النوعين هى فأمسك عن أكلها. فهذا الحديث أصل فى الورع واتقاء الشبهات فما لأهل الوسواس وما له. وأما قولكم: إن مالكا أفتى فيمن طلق ولم يدر: أواحدة طلق أم ثلاثا: إنها ثلاث احتياطا فنعم هذا قول مالك فكان ماذا أفحجة هو على الشافعى وأبى حنيفة وأحمد وعلى كل من خالفه فى هذه المسألة حتى يجب عليهم أن يتركوا قولهم لقوله وهذا القول مما يحتج له لا مما يحتج به على أن هذا ليس من باب الوسواس فى شىء وإنما حجة هذا القول: أن الطلاق يوجب تحريم الزوجة. والرجعة ترفع ذلك التحريم فهو يقول: قد تيقن سبب التحريم وهو الطلاق وشك فى رفعه بالرجعة فإنه يحتمل أن يكون رجعيا فترفعه الرجعة ويحتمل أن يكون ثلاثا فلا ترفعه الرجعة فقد تيقن سبب التحريم وشك فيما يرفعه. والجمهور يقولون: النكاح متيقن. والقاطع له المزيل لحل الفرج مشكوك فيه فإنه يحتمل أن يكون المأتى به رجعيا فلا يزيل النكاح. ويحتمل أن يكون بائنا فيزيله فقد تيقنا يقين النكاح وشككنا فيما يزيله. فالأصل بقاء النكاح حتى يتيقن ما يرفعه. فإن قلتم: فقد تيقن التحريم وشك فى التحليل قلنا: الرجعية ليست بحرام عندكم ولهذا تجوزون وطأها ويكون رجعة إذا نوى به الرجعة. فإن قلتم: بل هى حرام والرجعة حصلت بالنية حال الوطء. قلنا: لا ينفعكم ذلك أيضا.(1\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "168",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1440",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنه إنما تيقن تحريما يزول بالرجعة ولم يتيقن تحريما لا تؤثر فيه الرجعة. وليس المقصود تقرير هذه المسألة. والمقصود أنه لا راحة فى ذلك لأهل الوسواس. فصل وأما من حلف بالطلاق: أن فى هذه اللوزة حبتين ونحو ذلك مما لا يتيقنه الحالف فبان كما حلف عليه. فهذا لا يحنث عند الأكثرين. وكذلك لو لم يتبين الحال استمر مجهولا. فإن النكاح ثابت بيقين فلا يزيله بالشك. ولمالك رحمه الله أصل نازعه فيه غيره. وهو إيقاع الطلاق بالشك فى الحنث وإيقاعه بالشك فى عدده كما تقدم. وإيقاعه بالشك فى المطلقة. كما لو طلق واحدة من نسائه ثم أنسيها ووقف الحال مدة الإيلاء ولم يتبين طلق عليه الجميع. وكما لو حلف أن هذا فلان أو حيوان وهو غير متيقن له بل هو شاك حال الحلف فتبين أن الأمر كما حلف عليه. فإنه يحنث عنده وتطلق امرأته. فمن حلف على رجل أنه زيد فتبين أنه غيره أو لم يتبين: أهو المحلوف عليه أم لا حنث عنده. وإن تبين أنه المحلوف عليه- وكان حال اليمين لا يعلم حقيقته ولا يغلب على ظنه. ولا طريق له إلى العلم به فى العادة- فإنه يحنث عنده لشكه حال الحلف. فالحالف يحنث بالمخالفة لما حلف عليه. أما فى الطلب فبأن يفعل ما حلف على تركه وأما فى الخبر فبأن يتبين كذبه. وعند مالك يحنث بأمر آخر وهو الشك حال اليمين سواء تبين صدقة أم لا. وأبلغ من هذا: أنه يحنث من حلف بالطلاق على إنسان إلى جانبه إنسان أو حجر: أنه حجر ونحو ذلك مما لا شك فيه. وعمدته فى الموضعين: أن الحالف هازل. فإن من قال: أنت طالق إذ لم تكونى امرأة أو إن لم أكن رجلا لا معنى لكلامه إلا الهزل فإن هذا مما لا غرض للعقلاء فيه. قالوا: وإن لم يكن هذا هزلا فإن الهزل لا حقيقة له.(1\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "169",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1441",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وربما عللوا الحنث بأنه أراد أن يجزم الطلاق ثم ندم فوصله بما لا يفيد ليرفعه. وأما فى القسم الأول: فأصله فيه: تغليب الحنث بالشك كمن حلف ثم شك: هل حنث أم لا فإنهم يأمرونه بفراق زوجته وهل هو للوجوب أم للاستحباب على قولين الأول: لابن القاسم والثانى: لمالك. فمالك يراعى بقاء النكاح وقد شككنا فى زواله والأصل البقاء. وابن القاسم يقول: قد صار حل الوطء مشكوكا فيه فيجب عليه مفارقتها. والأكثرون يقولون: لا يجب عليه مفارقتها ولا يستحب له فإن قاعدة الشريعة: أن الشك لا يقوى على إزالة الأصل المعلوم ولا يزول اليقين إلا بيقين أقوى منه أو مساو له. فصل وأما من طلق واحدة من نسائه ثم أنسيها أو طلق واحدة مبهمة ولم يعينها فقد اختلف الفقهاء فى حكم هذه المسألة على أقوال: فقال أبو حنيفة والشافعى والثورى وحماد: يختار أيتهن شاء فيوقع عليها الطلاق فى المبهمة. وأما فى المنسية. وأما فى المنسية فيمسك عنهن وينفق عليهن حتى ينكشف الأمر. فإن مات الزوج قبل أن يقرع فقال أبو حنيفة: يقسم بينهن كلهن ميراث امرأة. وقال الشافعى: quot;يوقف ميراث امرأة حتى يصطلحنquot;. وقالت المالكية: إذا طلق واحدة منهن غير معلومة عنده بأن قال: أنت طالق ولا يدرى من هى. طلق الجميع. وإن طلق واحدة معلومة ثم أنسيها وقف عنهن حتى يتذكر. فإن طال ذلك ضرب له مدة المولى. فإن تذكر فيها وإلا طلق عليه الجميع ولو قال: إحداكن طالق ولم يعينها بالنية طلق الجميع. وقال أحمد: quot;يقرع بينهن فى الصورتينquot; نص على ذلك فى رواية جماعة من أصحابه وحكاه عن على وابن عباس. وظاهر المذهب الذى عليه جل الأصحاب: أنه لا فرق بين المبهمة والمنسية.(1\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "170",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1442",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال صاحب المغنى: quot;يخرج المبهمة بالقرعة وأما المنسية فإنه يحرم عليه الجميع. حتى يتيقن المطلقة ويؤخذ بنفقة الجميع فإن مات أقرع بينهن للميراثquot; قال: وقد روى إسماعيل بن سعيد عن أحمد ما يدل على أن القرعة لا تستعمل فى المنسية لمعرفة الحل وإنما تستعمل لمعرفة الميراث. فإنه قال: quot;سألت أحمد عن الرجل يطلق امرأة من نسائه ولا يعلم أيتهن طلقquot;. قال: quot;أكره أن أقول فى الطلاق بالقرعةquot;. قلت: quot;أرأيت إن مات هذا quot; قال: quot;أقول بالقرعة وذلك لأنه تصير القرعة على المالquot;. قال: quot;وجماعة من روى عنه القرعة فى المطلقة المنسية إنما هو فى التوريث. وأما فى الحل فلا ينبغى أم تثبت القرعةquot;. قال: quot;وهذا قول أكثر أهل العلمquot;. واحتج الشيخ لصحة قوله: بأنه اشتبهت عليه زوجته بأجنبية فلم تحل له إحداهما بالقرعة كما لو اشتبهت عليه بأجنبية لم يكن له عليها عقد ولأن القرعة لا تزيل التحريم من المطلقة فلا يرفع الطلاق عمن وقع عليها ولاحتمال كون المطلقة غير من خرجت عليها القرعة. ولهذا لو ذكر أن المطلقة غيرها حرمت عليه. ولو ارتفع التحريم أو زال بالطلاق لما عاد بالذكر. فيجب بقاء التحريم بعد القرعة كما كان قبلها. قال: quot;وقد قال الخرقى فيمن طلق امرأته فلم يدر واحدة طلق أم ثلاثا ومن حلف بالطلاق لا يأكل تمرة فوقعت فى تمر فأكل منه واحدة: لا تحل له امرأته حتى يعلم أنها ليست التى وقعت اليمين عليها. فحرمها مع أن الأصل بقاء النكاح ولم يعارضه يقين التحريم فهاهنا أولىquot;. قال: quot;وهكذا الحكم فى كل موضع وقع الطلاق على امرأة بعينها ثم اشتبهت بغيرها. مثل أن يرى امرأة فى روزنة أو مولية فيقول: أنت طالق ولا يعلم عينها من نسائه. وكذلك إذا أوقع الطلاق على واحدة من نسائه فى مسألة الطائر وشبهها فإنه يحرم عليه جميع نسائه حتى تتبين المطلقة. ويؤخذ بنفقة الجميع لأنهن محبوسات عليه وإن أقرع بينهن لم تفد القرعة شيئا. ولا يحل لمن وقعت عليها القرعة التزويج لأنها يجوز أن تكون غير المطلقة. ولا يحل للزوج غيرها لاحتمال أن تكون المطلقةquot;. وقال أصحابنا: إذا أقرع بينهن فخرجت القرعة على إحداهن: ثبت حكم الطلاق فيها(1\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "171",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1443",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فحل لها النكاح بعد انقضاء عدتها. وحل للزوج من سواها. كما لو كان الطلاق فى واحدة غير معينة. وقال شيخنا: الصحيح استعمال القرعة فى الصورتين. قلت: وهو منصوص أحمد فى رواية الجماعة. وأما رواية الشالنجى فإنه توقف وكره أن يقول فى الطلاق بالقرعة ولم يعين المنسية ولا المبهمة وأكثر نصوصه على القرعة فى الصورتين. قال فى رواية الميمونى فيمن له أربع نسوة طلق واحدة منهن ولم يدر: quot;يقرع بينهن وكذلك فى الأعبد. فإن أقرع بينهن فوقعت القرعة على واحدة ثم ذكر التى طلق رجعت هذه التى وقعت عليها القرعة. ويقع الطلاق على التى ذكر. فإن تزوجت فذاك شىء قد مرquot;. وكذلك نقل أبو الحارث عنه فى رجل له أربع نسوة طلق إحداهن ولم يكن له نية فى واحدة بعينها: quot;يقرع بينهن فأيتهن أصابتها القرعة فهى المطلقة وكذلك إن قصد إلى واحدة بعينها ونسيهاquot;. فنص على القرعة فى الصورتين مسويا بينهما. والذى أفتى به على رضى الله عنه هو فى المنسية. وبه احتج أحمد رحمه الله. قال وكيع: سمعت عبد الله قال: quot;سألت أبا جعفر عن رجل كان له أربع نسوة وطلق إحداهن لا يدرى أيتهن طلقquot; فقال: قال على رضى الله عنه: quot;يقرع بينهنquot;. والأدلة الدالة على القرعة تتناول الصورتين والمنسية قد صارت كالمجهولة شرعا فلا فرق بينها وبين المبهمة المجهولة ولأن فى الإيقاف والإمساك حتى يتذكر وتحريم الجميع عليه وإيجاب النفقة على الجميع عدة مفاسد له وللزوجات مندفعة شرعا ولأن القرعة أقرب إلى مقاصد الشرع ومصلحة الزوج والزوجات من تركهن معلقات لا ذوات أزوج ولا أيامى وتركه هو معلقا لا ذا زوج ولا عزبا وليس فى الشريعة نظير ذلك بل ليس فيها وقف الأحكام بل الفصل وقطع الخصومات بأقرب الطرق. فإذا ضاقت الطرق ولم يبق إلا القرعة تعينت طريقا كما عينها الشارع فى عدة قضايا حيث لم يكن هناك غيرها ولم(1\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "172",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1444",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يوقف الأمر إلى وقت الانكشاف فإنه إذا علم أنه لا سبيل له إلى انكشاف الحال كان إيقاف الأمر إلى آخر العمر من أعظم المفاسد التى لا تأتى بها الشريعة. وغاية ما يقدر أن القرعة تصيب التى لم يقع عليها الطلاق وتخطئ المطلقة. وهذا لا يضرها هاهنا فإنها لما جهل كونها هى التى وقع عليها الطلاق صار المجهول كالمعدوم وكل ما يقدر من المفسدة فى ذلك فمثلها فى العتق سواء. وقد دلت سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام الصحيحة الصريحة على إخراج المعتق من غيره بالقرعة وقد نص أحمد على حل البضع بالقرعة. فقال- فى رواية ابن منصور وحنبل- إذا زوجها الوليان من رجلين ولم يعلم السابق منهما أقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حكم أنه الأول. فإذا قويت القرعة على تعيين الزوج فى حل البضع له فلأن تقوى على تعيين المطلقة فى تحريم بضعها عنه أولى. فإن الطلاق مبنى على التغليب والسراية وهو أسرع نفوذا وثبوتا من النكاح من وجوه كثيرة. وقول الشيخ أبى محمد قدس الله تعالى روحه: quot;إنه اشتبهت عليه زوجته بأجنبية فلم تحل له إحداهما بالقرعة كما لو اشتبهت بأجنبية لم يكن عليها عقدquot;. جوابه: بالفرق بين حالتى الدوام والابتداء فإنه هناك شك فى هذه الأجنبية هل حصل عقد أم لا والأصل فيها التحريم فإذا اشتبهت بها الزوجة لم يقدم على واحدة منهما. وهاهنا ثبت الحل والنكاح. وحصل الشك بعده هل ترك التحريم فى هذا أو فى هذه. فإما أن يحرما جميعا أو يحلا جميعا أو يقال له: اختر من ينزل عليه التحريم أو يوقف الأمر أبدا أو تستعمل القرعة والأقسام الأربعة الأول باطلة لا أصل لها فى السنة ولم يعتبرها الشارع بخلاف القرعة. وبالجملة فلا يصح إلحاق إحدى الصورتين بالأخرى إذ هناك تحريم متيقن ونحن(1\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "173",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1445",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نشك فى حله وهنا حل متيقن نشك فى تحريمه بالنسبة إلى كل واحدة. قوله: ولأن القرعة لا تزيل التحريم من المطلقة ولا ترفع الطلاق على من وقع عليه. فيقال: إذا جهلت المطلقة. ولم يكن له سبيل إلى تعيينها قامت القرعة مقام الشاهد والمخبر بأنها المطلقة للضرورة حيث تعينت طريقا فالمطلقة المجهولة قد صار طلاقها بعينها كالمعدوم ولو كانت مطلقة فى نفس الأمر فإن الشارع لم يكلفنا بما فى نفس الأمر بل بما ظهر وبدا. ولهذا لو نسى الطلاق بالكلية وأقام على وطئها حتى توفى كانت أحكامه أحكام الزوج والنسب لاحق به والميراث ثابت وهى مطلقة فى نفس الأمر ولكن ليست مطلقة فى حكم الله كما لو طلع الهلال فى نفس الأمر ولم يره أحد من الناس أو كان الهلال تحت الغيم فإنه لا يترتب عليه حكم الشهر ولا يكون طالعا فى حكم الله تعالى وإن كان طالعا فى نفس الأمر ونظائر هذا كثيرة جدا. فغاية الأمر: أن هذه مطلقة فى نفس الأمر ولا علم له بطلاقها فلا تكون مطلقة فى الحكم كما لو نسى طلاقها. قوله: ولهذا لو ذكر أن المطلقة غيرها حرمت عليه ولو ارتفع التحريم أو زال الطلاق لما عاد بالذكر. جوابه: أن القرعة إنما عملت مع استمرار النسيان فإذا زال النسيان بطل عمل القرعة كما أن المتيمم إذا قدر على استعمال الماء بطل حكم تيممه. فإن التراب إنما يعمل عند العجز عن الماء فإذا قدر عليه بطل حكمه. ونظائر ذلك كثيرة. منها: أن الاجتهاد إنما يعمل به عند عدم النص فإذا تبين النص فلا اجتهاد إلا فى إبطال ما خالفه. قوله: وقد قال الخرقى فيمن طلق امرأته ولم يدر أواحدة طلق أم ثلاثا يلزمه الثلاث. ومن حلف بالطلاق أن لا يأكل تمرة فوقعت فى تمر فأكل منه واحدة لا تحل له امرأته حتى يعلم(1\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "174",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1446",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نها ليست التى وقعت اليمين عليها فحرمها مع أن الأصل بقاء النكاح ولم يعارضه يقين التحريم فهاهنا أولى. فيقال: الخرقى نص على المسألتين مفرقا بينهما فى مختصره فقال: وإذا طلق واحدة من نسائه وأنسيها أخرجت بالقرعة. وقال: ما حكاه الشيخ عنه فى الموضعين. فأما من شك: هل طلق واحدة أم ثلاثا فأكثر النصوص أنه إنما يلزمه واحدة وهو ظاهر المذهب. والخرقى اختار الرواية الأخرى. وهى مذهب مالك وقد تقدم مأخذ القولين وبيان الراجح منهما. وعلى القول بلزوم الثلاث فالفرق بين ذلك وبين إخراج المنسية بالقرعة: أن المجهول فى الشرع كالمعدوم. فقد جهلنا وقوع الطلاق بأى الزوجتين فلم يتحقق تحريم إحداهما. ولم يكن لنا سبيل إلى تحريمهما ولا إباحتهما. والوقف مفسدة ظاهرة فتعينت القرعة بخلاف من أوقع على زوجته طلاقا قد شك فى عدده فإنه قد شك: هل يرتفع ذلك الطلاق بالرجعة أولا يرتفع بها فألزمه بالثلاث. فظهر الفرق بينهما على هذا القول. وأما على المشهور من المذهب فلا إشكال. وأما من حلف بالطلاق لا يأكل تمرة فوقعت فى تمر أكل منه واحدة. فقد قال الخرقى: إنه يمنع من وطء زوجته حتى يتيقن. وهذا يحتمل الكراهة والتحريم. ومذهب الشافعى وأبى حنيفة: أنه لا يحنث ولا يحرم عليه وطء زوجته: هو اختيار أبى الخطاب وهو الصحيح. وإن أراد به التحريم فهو يشبه ما قاله هو ومالك فيمن طلق وشك هل طلق واحدة أم ثلاثا فصل وأما من حلف على يمين ثم نسيها. وقولهم: يلزمه جميع ما يحلف به فقول شاذ جدا. وليس عن مالك إنما قاله بعض أصحابه. وسائر أهل العلم على خلافه. وأنه لا يلزمه شىء حتى يتيقن كما لو شك: هل حلف أو لا فإن قيل: فينبغى أن يلزمه كفارة يمين لأنها الأقل. قيل: موجب الأيمان مختلف. فما من يمين إلا وهى مشكوك فيها هل حلف بها أم لا(1\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "175",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1447",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعلى قول شيخنا: يلزمه كفارة يمين حسب لأن ذلك موجب الأيمان كلها عنده. فصل وأما من حلف ليفعلن كذا ولم يعين وقتا. فعند الجمهور هو على التراخى إلى آخر عمره إلا أن يعين بنيته وقتا فيتقيد به. فإن عزم الترك بالكلية حنث حالة عزمه نص عليه أحمد. وقال مالك: هو على حنث حتى يفعل فيحال بينه وبين امرأته إلى أن يأتى بالمحلوف عليه وهذا صحيح على أصله فى سد الذرائع فإنه إذا كان على التراخى إلى وقت الموت لم يكن لليمين فائدة وصار لا فرق بين الحلف وعدمه والحمل فى ذلك على القرينة والعرف وإن لم تكن نية. ولا يكاد اليمين يتجرد عن هذه الثلاثة. فصل وأما تعليق الطلاق بوقت يجئ لا محالة كرأس الشهر والسنة وآخر النهار ونحوه. فللفقهاء فى ذلك أربعة أقوال: أحدها: أنها لا تطلق بحال وهذا مذهب ابن حزم واختيار أبى عبد الرحمن الشافعى وهو من أجل أصحاب الوجوه. وحجتهم: أن الطلاق لا يقبل التعليق بالشرط كما لا يقبله النكاح والبيع والإجارة والإبراء. قالوا: والطلاق لا يقع فى الحال ولا عند مجئ الوقت. أما فى الحال فلأنه لم يوقعه منجزا وأما عند مجئ الوقت فلأنه لم يصدر منه طلاق حينئذ ولم يتجدد سوى مجئ الزمان. ومجئ الزمان لا يكون طلاقا. وقابل هذا القول آخرون وقالوا: يقع الطلاق فى الحال وهذا مذهب مالك وجماعة من التابعين.(1\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "176",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1448",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحجتهم أن قالوا: لو لم يقع فى الحال لحصل منه استباحة وطء مؤقت وذلك غير جائز فى الشرع لأن استباحة الوطء فيه لا تكون إلا مطلقا غير مؤقت ولهذا حرم نكاح المتعة لدخول الأجل فيه وكذلك وطء المكاتبة. ألا ترى أنه لو عرى من الأجل بأن يقول: إن جئتنى بألف درهم فأنت حرة لم يمنع ذلك الوطء. قال الموقعون عند الأجل: لا يجوز أن يؤخذ حكم الدوام من حكم الابتداء فإن الشريعة فرقت بينهما فى مواضع كثيرة فإن ابتداء عقد النكاح فى الإحرام فاسد دون دوامه وابتداء عقده على المعتدة فاسد دون دوامه وابتداء عقده على الأمة مع الطول وعدم خوف العنت فاسد دون دوامه وابتداء عقده على الزانية فاسد عند أحمد ومن وافقه دون دوامه. ونظائر ذلك كثيرة جدا. قالوا: والمعنى الذى حرم لأجله نكاح المتعة: كون العقد مؤقتا من أصله وهذا العقد مطلق وإنما عرض له ما يبطله ويقطعه فلا يبطل كما لو علق الطلاق بشرط وهو يعلم أنها تفعله أو يفعله هو ولا بد ولكن يجوز تخلفه. والقول الثالث: أنه إن كان الطلاق المعلق بمجئ الوقت المعلوم ثلاثا وقع فى الحال وإن كان رجعيا لم يقع قبل مجيئه وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد نص عليه فى رواية مهنا: quot;إذا قال: أنت طالق ثلاثا قبل موتى بشهر: هى طالق الساعة. كان سعيد بن المسيب والزهرى لا يوقتون فى الطلاقquot;. قال مهنا: فقلت له: quot;أفتزوج هذه التى قال لها: أنت طالق ثلاثا قبل موتى بشهر quot; قال quot;لا: ولكن يمسك عن الوطء أبدا حتى يموتquot; هذا لفظه. وهو فى غاية الإشكال فإنه قد أوقع عليها الطلاق منجزا فكيف يمنعها من التزويج(1\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "177",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1449",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله quot;يمسك عن الوطء أبداquot; يدل على أنها زوجته إلا أنه لا يطأها وهذا لا يكون مع وقوع الطلاق. فإن الطلاق إذا وقع زالت أحكام الزوجية كلها. فقد يقال: أخذ بالاحتياط فأوقع الطلاق ومنعها من التزويج للخلاف فى ذلك فحرم وطأها وهو أثر الطلاق ومنعها من التزويج لأن النكاح لم ينقطع بإجماع ولا نص. ووجه هذا: أنه إذا كان الطلاق ثلاثا لم يحل وطؤها بعد الأجل. فيصير حال الوطء مؤقتا وإن كان رجعيا جاز له وطؤها بعد الأجل. فلا يصير الحال مؤقتا وهذا أفقه من القول الأول. والقول الرابع: أنها لا تطلق إلا عند مجئ الأجل وهو قول الجمهور. وإنما تنازعوا هل هو مطلق فى الحال ومجئ الوقت شرط لنفوذ الطلاق كما لو وكله فى الحال. وقال: لا تتصرف إلى رأس الشهر فمجئ رأس الشهر شرط لنفوذ تصرفه لا بحصول الوكالة بخلاف ما إذا قال: إذا جاء رأس الشهر فقد وكلتك. وهذا يفرق الشافعى بينهما. فيصحح الأولى ويبطل الثانية أو يقال: ليس مطلقا فى الحال. وإنما هو مطلق عند مجئ الأجل فيقدر حينئذ أنه قال: أنت طالق. فيكون حصول الشرط وتقدير حصول: أنت طالق معا. فعلى التقدير الأول: السبب تقدم وتأخر شرط تأثيره وعلى التقدير الثانى: نفس السبب تأخر تقدير إلى مجئ الوقت. وكأنه قال إذا جاء رأس الشهر فحينئذ أنا قائل لك: أنت طالق فإذا جاء رأس الشهر قدر قائلا لذلك اللفظ المتقدم. فمذهب الحنفية: أن الشرط يمتنع به وجود العلة. فإذا وجد الشرط وجدت العلة فيصير وجودها مضافا إلى الشرط وقيل تحققه لم يكن المعلق عليه علة بخلاف الوجوب. فإنه ثابت قبل مجئ الشرط فإذا قال: إن دخلت الدار فأنت طالق فالعلة للوقوع: التلفظ بالطلاق والشرط الدخول وتأثيره فى امتناع وجود العلة قبله فإذا وجد وجدت. وأصحاب الشافعى يقولون: أثر الشرط فى تراخى الحكم والعلة قد وجدت وإنما تراخى تأثيرها إلى وقت مجئ الشرط فالمتقدم عله قد تأخر تأثيرها إلى مجئ الشرط.(1\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "178",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1450",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وأما ما أفتى به الحسن وإبراهيم النخعى ومالك فى إحدى الروايتين عنه: أن من شك هل انتقض وضوءه أم لا وجب عليه أن يتوضأ احتياطا ولا يدخل فى الصلاة بطهارة مشكوك فيها فهذه مسألة نزاع بين الفقهاء. وقد قال الجمهور منهم الشافعى وأحمد وأبو حنيفة وأصحابهم ومالك فى الرواية الأخرى عنه: إنه لا يجب عليه الوضوء وله أن يصلى بذلك الوضوء الذى تيقنه وشك فى انتقاضه. واحتجوا بما رواه مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;إذا وجد أحدكم فى بطنه شيئا فأشكل عليه: أخرج منه شى أم لا فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحاquot;. وهذا يعم المصلى وغيره. وأصحاب القول الأول يقولون: الصلاة ثابته فى ذمته بيقين وهو يشك فى براءة الذمة منها بهذا الوضوء فإنه على تقدير بقائه هى صحيحة وعلى تقدير انتقاضه باطلة فلم يتيقن براءة ذمته ولأنه شك فى شرط الصلاة: هل هو ثابت أم لا فلا يدخل فيها بالشك. والآخرون يجيبون عن هذا بأنها صلاة مستندة إلى طهارة معلومة قد شك فى بطلانها فلا يلتفت إلى الشك ولا يزيل اليقين به كما لو شك: هل أصاب ثوبه أو بدنه نجاسة فإنه لا يجب عليه غسله وقد دخل فى الصلاة بالشك. ففرقوا بينهما بفرقين. أحدهما: أن اجتناب النجاسة ليس بشرط. ولهذا لا يجب نيته وإنما هو مانع والأصل عدمه بخلاف الوضوء فإنه شرط وقد شك فى ثبوته فأين هذا من هذا. الثانى: أنه قد كان قبل الوضوء محدثا وهو الأصل فيه. فإذا شك فى بقائه كان ذلك رجوعا إلى الأصل. وليس الأصل فيه النجاسة حتى نقول: إذا شك فى حصولها رجعنا إلى أصل النجاسة فهنا يرجع إلى أصل الطهارة وهناك يرجع إلى أصل الحدث.(1\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "179",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1451",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الآخرون: أصل الحدث قد زال بيقين الطهارة فصارت هى الأصل فإذا شككنا فى الحدث رجعنا إليه فأين هذا من الوسواس المذموم شرعا وعقلا وعرفا. فصل وأما قولكم: إن من خفى عليه موضع النجاسة من الثوب وجب عليه غسله كله: فليس هذا من باب الوسواس وإنما ذلك من باب ما لا يتم الواجب إلا به. فإنه قد وجب عليه غسل جزء من ثوبه ولا يعلمه بعينه ولا سبيل إلى العلم بأداء هذا الواجب إلا بغسل جميعه. فصل وأما مسألة الثياب التى اشتبه الطاهر منها بالنجس فهذه مسألة نزاع. فذهب مالك فى رواية عنه وأحمد: إلى أنه يصلى فى ثوب بعد ثوب حتى يتيقن أنه صلى فى ثوب طاهر. وقال الجمهور ومنهم أبو حنيفة والشافعى ومالك فى الرواية الأخرى: إنه يتحرى فيصلى فى واحد منها صلاة واحدة كما يتحرى فى القبلة. وقال المزنى وأبو ثور: quot;بل يصلى عريانا ولا يصلى فى شىء منها لأن الثوب النجس فى الشرع كالمعدوم والصلاة فيه حرام وقد عجز عن السترة بثوب طاهر فيسقط فرض السترةquot; وهذا أضعف الأقوال. والقول بالتحرى هو الراجح الظاهر سواء كثر عدد الثياب الطاهرة أو قل. وهو اختيار شيخنا. وابن عقيل يفصل فيقول: quot;إن كثر عدد الثياب تحرى دفعا للمشقة وإن قل عمل باليقينquot;. قال شيخنا: quot;اجتناب النجاسة من باب المحظورات فإذا تحرى وغلب على ظنه طهارة ثوب منها فصلى فيه لم يحكم ببطلان صلاته بالشك فإن الأصل عدم النجاسة وقد شك فيها فى هذا الثوب فيصلى فيه كما لو استعار ثوبا أو اشتراه ولا يعلم حالهquot;.(1\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "180",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1452",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقول أبى ثور فى غاية الفساد. فإنه لو تيقن نجاسة الثوب لكانت صلاته فيه خيرا وأحب إلى الله من صلاته عريانا بادى السوءة للناظرين. وبكل حال فليس هذا من الوسواس المذموم. فصل وأما مسألة اشتباه الأوانى فكذلك ليست من باب الوسواس. وقد اختلف فيها الفقهاء اختلافا متباينا. فقال أحمد: quot;يتيمم ويتركها وقال مرة يريقها ويتيمم ليكون عادما للماء الطهور بيقينquot;. وقال أبو حنيفة: quot;إن كان عدد الأوانى الطاهرة أكثر تحرى وإن تساوت أو كثرت النجسة لم يتحرquot;. وهذا اختيار أبى بكر وابن شاقلا والنجاد من أصحاب أحمد. وقال الشافعى وبعض المالكية: quot;يتحرى بكل حالquot;. وقال عبد الملك بن الماجشون: quot;يتوضأ بكل واحد منها وضوءا ويصلىquot;. وقال محمد بن مسلمة من المالكية: quot;يتوضأ من أحدها ويصلى ثم يغسل ما أصابه منه ثم يتوضأ من الآخر ويصلىquot;. وقالت طائفة- منهم شيخنا- يتوضأ من أيها شاء بناء على أن الماء لا ينجس إلا بالتغير فتستحيل المسألة وليس هذا موضع ذكر حجج هذه الأقوال وترجيح راجحها. فصل وأما إذا اشتبهت عليه القبلة فالذى عليه أهل العلم كلهم: أنه يجتهد ويصلى صلاة واحدة.(1\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "181",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1453",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وشذ بعض الناس فقال: يصلى أربع صلوات إلى أربع جهات وهذا قول شاذ مخالف للسنة وإنما التزمه قائله فى مسألة اشتباه الثياب وهذا ونحوه من وجوه الالتزامات عند المضايق طردا لدليل المستدل مما لا يلتفت إليها ولا يعول عليها. ونظيره: التزام من التزم اشتراط النية لإزالة النجاسة لما ألزمهم أصحاب أبى حنيفة بذلك قال بعضهم: نقول به. ونظيره: إدراك الجمعة والجماعة بإدراك تكبيرة مع الإمام لما ألزمت الحنفية من نازعها فى ذلك بالتسوية بين الجمعة والجماعة التزمه بعضهم وقال: نقول به. فصل وأما من ترك صلاة من يوم لا يعلم عينها فاختلف الفقهاء فى هذه المسألة على أقوال. أحدها: أنه يلزمه خمس صلوات. نص عليه أحمد وهو قول مالك والشافعى وأبى حنيفة وإسحاق لأنه لا سبيل له إلى العلم ببراءة ذمته يقينا إلا بذلك. القول الثانى: أنه يصلى رباعية ينوى بها ما عليه. ويجلس عقيب الثانية والثالثة والربعة. وهذا قول الأوزاعى وزفر بن الهذيل ومحمد بن مقاتل من الحنفية بناء على أنه يخرج من الصلاة بدون الصلاة على النبى صلى الله تعالى وآله عليه وسلم وبدون السلام وأن نية الفرضية تكفى من غير تعيين كما فى الزكاة ولا يضر جلوسه عقيب الثالثة إن كانت المنسية رباعية لأنه زيادة من جنس الصلاة لا على وجه العمد. القول الثالث: أنه يجزيه أن يصلى فجرا ومغربا ورباعية ينوى ما عليه. وهذا قول سفيان الثورى ومحمد بن الحسن. ويخرج على المذهب إذا قلنا بأن نية المكتوبة تكفى من غير تعيين. وقد قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبى يسأل: ما تقول فى رجل ذكر أن عليه صلاة لم يعينها فصلى ركعتين وجلس وتشهد ونوى بها الغداة ولم يسلم ثم قام فأتى بركعه وجلس وتشهد ونوى بها المغرب وقام ولم يسلم وأتى برابعة ثم جلس فتشهد ونوى بها ظهرا أو عصرا أو عشاء الآخرة ثم سلم فقال له أبى: quot;هذا يجزيه ويقضى عنه على مذهب العراقيين(1\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "182",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1454",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأنهم اعتمدوا فى التشهد على خبر ابن مسعود: quot;إذا قلت هذا فقد تمت صلاتكquot;. وأما على مذهب صاحبنا أبى عبد الله الشافعى ومذهبنا: لا يجزئ عنه لأنا نذهب إلى قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;تحريمها التكبير وتحليلها التسليمquot;. ونذهب إلى الصلاة على رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فيهاquot; وهذا لفظه. قال أبو البركات: quot;هذا من أحمد يبين أن قضاء الواحدة لا يجزيه لتعذر التحليل المعتبر لا لفوات نية التعيين فإذا قضى ثلاثا كما قال الثورى- اندفع المفسد- وبكل حال فليس فى هذا راحة للموسوسينquot;. فصل وأما من شك فى صلاته فإنه يبنى على اليقين لأنه لا تبرأ ذمته منه بالشك. وأما تحريم أكل الصيد إذا شك صاحبه: هل مات بالجرح أو بالماء وتحريم أكله(1\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "183",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1455",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا خالط كلابه كلبا من غيره فهو الذى أمر به رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لأنه قد شك فى سبب الحل والأصل فى الحيوان التحريم. فلا يستباح بالشك فى شرط حله بخلاف ما إذا كان الأصل فيه الحل. فإنه لا يحرم بالشك فى سبب تحريمه كما لو اشترى ماء أو طعاما أو ثوبا لا يعلم حاله جاز شربه وأكله ولبسه. وإن شك هل تنجس أم لا فإن الشرط متى سبق اعتباره أو كان الأصل عدم المانع لم يلتفت إلى ذلك. فالأول: كما إذا أتى بلحم لا يعلم: هل سمى عليه ذابحه أم لا. وهل ذكاه فى الحلق واللبة واستوفى شروط الذكاة أم لا لم يحرم أكله لمشقة التفتيش عن ذلك وقد قالت عائشة رضى الله عنها: quot; يا رسول الله إن ناسا من الأعراب يأتوننا باللحم لا ندرى أذكروا اسم الله عليه أم لا فقال: سموا أنتم وكلواquot;. مع أنه قد نهى عن أكل ما لم يذكر عليه اسم الله تعالى. والثانى كما ذكرنا من الماء والطعام واللباس. فإن الأصل فيها الطهارة وقد شك فى وجود المتنجس فلا يلتفت إليه. فصل وأما ما ذكرتموه عن ابن عمر وأبى هريرة رضى الله عنهما فشئ تفردا به دون الصحابة ولم يوافق ابن عمر على ذلك أحد منهم وكان ابن عمر رضى الله عنهما يقول: quot;إن بى وسواسا فلا تقتدوا بىquot;. وظاهر مذهب الشافعى وأحمد: أن غسل داخل العينين فى الوضوء لا يستحب وإن أمن الضرر. لأنه لم ينقل عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه فعله قط ولا أمر به وقد نقل وضوءه جماعة كعثمان وعلى وعبد الله بن زيد والربيع بنت معوذ وغيرهم فلم يقل أحد منهم إنه غسل داخل عينيه. وفى وجوبه فى الجنابة روايتان عن أحمد أصحهما أنه لا يجب وهو قول الجمهور. وعلى هذا فلا يجب غسلهما من النجاسة وأولى لأن المضرة به أغلب لزيادة التكرار والمعالجة.(1\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "184",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1456",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالت الشافعية والحنفية: يجب لأن إصابة النجاسة لهما تندر فلا يشق غسلهما منها. وغلا بعض الفقهاء من أصحاب أحمد فأوجب غسلهما فى الوضوء. وهو قول لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه. والصحيح أنه لا يجب غسلهما فى وضوء ولا جنابة ولا من نجاسة. وأما فعل أبى هريرة رضى الله عنه فهو شئ تأوله وخالفه فيه غيره ينكرونه عليه وهذه المسألة تلقب بمسألة إطالة الغرة وإن كانت الغرة فى الوجه خاصة. وقد اختلف الفقهاء فى ذلك وفيها روايتان عن الإمام أحمد. إحداهما: يستحب إطالتها وبها قال أبو حنيفة والشافعى واختارها أبو البركات ابن تيمية وغيره. والثانية: لا يستحب وهى مذهب مالك وهى اختيار شيخنا أبى العباس. فالمستحبون يحتجون بحديث أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من أثر الوضوء فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيلهquot; متفق عليه ولأن الحلية تبلغ من المؤمن حيث يبلغ الوضوء. قال النافون للاستحباب: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;إن الله حد حدودا فلا تعتدوهاquot;. والله سبحانه قد حد المرفقين والكعبين فلا ينبغى تعديهما ولأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لم ينقل من نقل عنه وضوءه أنه تعداهما ولأن ذلك أصل الوسواس ومادته ولأن فاعله إنما يفعله قربة وعبادة والعبادات مبناها على الاتباع ولأن ذلك ذريعة إلى الغسل إلى الفخذ وإلى الكتف. وهذا مما لا يعلم أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأصحابه لم يفعلوه ولا مرة واحدة ولأن هذا من الغلو وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم: quot;إياكم والغلو فى الدينquot;. ولأنه تعمق وهو منهى عنه ولأنه عضو من أعضاء الطهارة فكره مجاوزته كالوجه.(1\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "185",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1457",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الحديث فراويه عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه نعيم المجمر. وقد قال: quot;لا أدرى قوله: فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل من قول رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أو من قول أبى هريرة رضى الله عنه quot; روى ذلك عنه الإمام أحمد فى المسند. وأما حديث الحلية فالحليه المزينة ما كان فى محله فإذا جاوز محله لم تكن زينة. فصل وأما قولكم: إن الوسواس خير مما عليه أهل التفريط والاسترسال وتمشية الأمر كيف اتفق وإلى آخره. فلعمر الله إنهما لطرفا إفراط وتفريط وغلو وتقصير وزيادة ونقصان وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن الأمرين فى غير موضع. كقوله: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط [الإسراء: 29] . وقوله: وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا [الإسراء: 26] . وقوله: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما [الفرقان: 67] . وقوله وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين [الأعراف: 31] فدين الله بين الغالى فيه والجافى عنه. وخير الناس النمط الأوسط الذين ارتفعوا عن تقصير المفرطين ولم يلحقوا بغلو المعتدين وقد جعل الله سبحانه هذه الأمة وسطا وهى الخيار العدل لتوسطها بين الطرفين المذمومين والعدل هو الوسط بين طرفى الجور والتفريط. والآفات إنما ينتظرون إلى الأطراف والأوساط محمية بأطرافها فخيار الأمور أوساطها. قال الشاعر: كانت هى الوسط المحمى فاكتنفت ... بها الحوادث حتى أصبحت طرفا فصل ومن أعظم مكايده التي كاد بها أكثر الناس وما نجا منها إلا من لم يرد الله تعالى فتنته: ما أوحاه قديما وحديثا إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور. حتى آل الأمر فيها إلى(1\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "186",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1458",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن عبد أربابها من دون الله وعبدت قبورهم واتخذت أوثانا وبنيت عليها الهياكل وصورت صور أربابها فيها ثم جعلت تلك الصور أجسادا لها ظل ثم جعلت أصناما وعبدت مع الله تعالى. وكان أول هذا الداء العظيم فى قوم نوح كما أخبر سبحانه عنهم فى كتابه حيث يقول: قال نوح رب إنهم عصونى واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ومكروا مكرا كبارا وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا [نوح: 21-24] . قال ابن جرير: quot;وكان من خبر هؤلاء فيما بلغنا ما حدثنا به ابن حميد حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس: أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قوما صالحين من بنى آدم. وكان لهم أتباع يقتدون بهم فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم. فصوروهم فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهمquot;. قال سفيان عن أبيه عن عكرمة قال: quot;كان بين آدم ونوح عليهما السلام عشرة قرون كلهم على الإسلامquot;. حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة فى هذه الآية قال: quot;كانت آلهة يعبدها قوم نوح ثم عبدتها العرب بعد ذلك فكان ود لكلب بدومة الجندل وكان سواع لهذيل. وكان يغوث لبنى غطيف من مراد. وكان يعوق لهمدان. وكان نسر لذى الكلاع من حميرquot;. وقال الوالبى عن ابن عباس: quot;هذه أصنام كانت تعبد فى زمان نوح عليه السلامquot;. وقال البخارى: حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام عن ابن جريج قال: قال عطاء عن ابن عباس: quot;صارت الأوثان التى كانت فى قوم نوح فى العرب بعد. أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل. وأما سواع فكانت لهذيل. وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبنى غطيف بالجرف عند سبأ. وأما يعوق فكانت لهمدان. وأما نسر فكانت لحمير لآل ذى الكلاع(1\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "187",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1459",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أسماء رجال صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التى كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسى العلم عبدتquot;. وقال غير واحد من السلف: كان هؤلاء قوما صالحين فى قوم نوح عليه السلام فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل. وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى الحديث المتفق على صحته عن عائشة رضى الله عنها: quot;أن أم سلمة رضى الله عنها ذكرت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها: مارية. فذ كرت له ما رأت فيها من الصور. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله تعالىquot;. وفى لفظ آخر فى الصحيحين: quot;أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينهاquot;. فجمع فى هذا الحديث بين التماثيل والقبور وهذا كان سبب عبادة اللات. فروى ابن جرير بإسناده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: أفرأيتم اللات والعزى [النجم: 19] . قال: quot;كان يلت لهم السويق. فمات فعكفوا على قبرهquot;. وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس رضى الله عنهما: quot;كان يلت السويق للحاجquot;. فقد رأيت أن سبب عبادة ود ويغوث ويعوق ونسرا واللات إنما كانت من تعظيم قبورهم ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوها كما أشار إليه النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. قال شيخنا: quot;وهذه العلة التى لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور هى التى أوقعت كثيرا من الأمم إما فى الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك. فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين وتماثيل يزعمون أنه طلاسم للكواكب ونحو ذلك. فإن الشرك بقبر الرجل الذى يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر. ولهذا نجد أهل الشرك كثيرا يتضرعون عندها ويخشعون ويخضعون ويعبدونهم بقلوبهم عبادة(1\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "188",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1460",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يفعلونها فى بيوت الله ولا وقت السحر. منهم من يسجد لها. وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه فى المساجد. فلأجل هذه المفسدة حسم النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مادتها حتى نهى عن الصلاة فى المقبرة مطلقا وإن لم يقصد المصلى بركة البقعة بصلاته كما يقصد بصلاته بركة المساجد كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها لأنها أوقات يقصد المشركون الصلاة فيها للشمس. فنهى أمته عن الصلاة حينئذ وإن لم يقصد المصلى ما قصده المشركون سدا للذريعةquot;. قال: وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركا بالصلاة فى تلك البقعة فهذا عين المخادعة لله ولرسوله والمخالفة لدينه وابتداع دين لم يأذن به الله تعالى. فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن الصلاة عند القبور منهى عنها وأنه لعن من اتخذها مساجد. فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مساجد وبناء المساجد عليها. وقد تواترت النصوص عن النبى عليه الصلاة والسلام بالنهى عن ذلك والتغليظ فيه. فقد صرح عامة الطوائف بالنهى عن بناء المساجد عليها متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة. وصرح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعى بتحريم ذلك. وطائفة أطلقت الكراهة. والذى ينبغى أن يحمل على كراهة التحريم إحسانا للظن بالعلماء وأن لا يظن بهم أن يجوزوا فعل ما تواتر عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لعن فاعله والنهى عنه. ففى صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلى قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: quot;إنى أبرأ إلى الله أن يكون لى منكم خليلا. فإن الله تعالى قد اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتى خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنهاكم عن ذلكquot;. وعن عائشة وعبد الله بن عباس قالا: quot;لما نزل برسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه. فإذا اغتم كشفها فقال: وهو كذلك لعنة الله على اليهود(1\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "189",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1461",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعواquot; متفق عليه. وفى الصحيحين أيضا عن أبى هريرة رضى الله عنه: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot; قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجدquot;. وفى رواية مسلم: quot;لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجدquot;. فقد نهى عن اتخاذ القبور مساجد فى آخر حياته ثم إنه لعن وهو فى السياق من فعل ذلك من أهل الكتاب ليحذر أمته أن يفعلوا ذلك. قالت عائشة رضى الله عنها: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى مرضه الذى لم يقم منه: quot;لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشى أن يتخذ مسجداquot; متفق عليه. وقولها: quot;خشىquot; هو بضم الخاء تعليلا لمنع إبراز قبره. وروى الإمام أحمد فى مسنده بإسناد جيد عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجدquot;. وعن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجدquot; رواه الإمام أحمد. وعن ابن عباس قال: quot;لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرجquot; رواه الإمام أحمد وأهل السنن. وفى صحيح البخارى: أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه رأى أنس بن مالك يصلى عند قبر فقال: القبر القبر. وهذا يدل على أنه كان من المستقر عند الصحابة رضى الله عنهم ما نهاهم عنه نبيهم من الصلاة عند القبور. وفعل أنس رضى الله عنه لا يدل على اعتقاده جوازه فإنه لعله لم يره أو لم يعلم أنه قبر أو ذهل عنه. فلما نبهه عمر رضى الله تعالى عنه تنبه. وقال أبو سعيد الخدرى رضى الله تعالى عنه: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمامquot;. رواه الإمام أحمد وأهل السنن الأربعة وصححه أبو حاتم بن حبان(1\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "190",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1462",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأبلغ من هذا: أنه نهى عن الصلاة إلى القبر فلا يكون القبر بين المصلى وبين القبلة. فروى مسلم فى صحيحه عن أبى مرثد الغنوى رحمه الله أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليهاquot;. وفى هذا إبطال قول من زعم أن النهى عن الصلاة فيها لأجل النجاسة فهذا أبعد شئ عن مقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو باطل من عدة أوجه: منها: أن الأحاديث كلها ليس فيها فرق بين المقبرة الحديثة والمنبوشة كما يقوله المعللون بالنجاسة. ومنها: أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد. ومعلوم قطعا أن هذا ليس لأجل النجاسة. فإن ذلك لا يختص بقبور الأنبياء ولأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع وليس للنجاسة عليها طريق البتة فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم فهم فى قبورهم طريون. ومنها: أنه نهى عن الصلاة إليها. ومنها: أنه أخبر أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام. ولو كان ذلك لأجل النجاسة لكان ذكر الحشوش والمجازر ونحوها أولى من ذكر القبور. ومنها: أن موضع مسجده صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان مقبرة للمشركين فنبش قبورهم وسواها واتخذه مسجدا: ولم ينقل ذلك التراب بل سوى الأرض ومهدها وصلى فيه كما ثبت فى الصحيحين عن أنس بن مالك قال: quot;لما قدم النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم المدينة فنزل بأعلى المدينة فى حى يقال لهم: بنو عمرو بن عوف فأقام النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فيهم أربع عشرة ليلة ثم أرسل إلى ملاء بنى النجار فجاءوا متقلدى السيوف وكأنى أنظر إلى النبى صلى الله عليه وسلم على راحلته وأبو بكر ردفه وملأ بنى النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوب. وكان يحب أن يصلى حيث أدركته الصلاة ويصلى فى مرابض الغنم وأنه أمر ببناء المسجد فأرسل إلى ملإ بنى النجار فقال: يا بنى النجار ثامنونى بحائطكم هذا. قالوا: لا والله ما نطلب ثمنه إلا إلى الله(1\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "191",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1463",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين. وفيه خرب. وفيه نخل. فأمر النبى صلى الله تعالى عليه واله وسلم بقبور المشركين فنبشت ثم بالخرب فسويت. وبالنخل فقطع. فصفوا النخل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه الحجارة. وجعلوا ينقلون الصخر. وهم يريجزون وذكر الحديثquot;. ومنها: أن فتنة الشرك بالصلاة فى القبور ومشابهة عباد الأوثان أعظم بكثير من مفسدة الصلاة بعد العصر والفجر. فإذا نهى عن ذلك سدا لذريعة التشبه التى لا تكاد تخطر ببال المصلى فكيف بهذه الذريعة القريبة التى كثيرا ما تدعو صاحبها إلى الشرك ودعاء الموتى واستغاثتهم وطلب الحوائج منهم واعتقاد أن الصلاة عند قبورهم أفضل منها فى المساجد. وغير ذلك مما هو محادة ظاهرة لله ورسوله. فأين التعليل بنجاسة البقعة من هذه المفسدة ومما يدل على أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قصد منع هذه الأمة من الفتنة بالقبور كما افتتن بها قوم نوح ومن بعدهم. ومنها: أنه لعن المتخذين عليها المساجد. ولو كان ذلك لأجل النجاسة لأمكن أن يتخذ عليها المسجد مع تطيينها بطين طاهر فتزول اللعنة وهو باطل قطعا. ومنها: أنه قرن فى اللعن بين متخذى المساجد عليها وموقدي السرج عليها. فهما فى اللعنة قرينان. وفى ارتكاب الكبيرة صنوان. فإن كل ما لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فهو من الكبائر ومعلوم أن إيقاد السرج عليها إنما لعن فاعله لكونه وسيلة إلى تعظيمها وجعلها نصبا يوفض إليه المشركون كما هو الواقع فهكذا اتخاذ المساجد عليها. ولهذا قرن بينهما. فإن اتخاذ المساجد عليها تعظيم لها وتعريض للفتنة بها ولهذا حكى الله سبحانه وتعالي عن المتغلبين على أمر أصحاب الكهف أنهم قالوا: لنتخذن عليهم مسجدا [الكهف: 21] . ومنها: أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد. اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجدquot;. فذكره ذلك عقيب قوله: quot;اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبدquot; تنبيه منه على سبب لحوق اللعن لهم. وهو توصلهم بذلك إلى أن تصير أوثانا تعبد.(1\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "192",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1464",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه وفهم عن الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مقاصده جزم جزما لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة منه باللعن والنهى بصيغتيه: صيغة quot;لا تفعلواquot; وصيغة quot;إنى أنهاكمquot; ليس لأجل النجاسة بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه وارتكب ما عنه نهاه واتبع هواه ولم يخش ربه ومولاه وقل نصيبه أو عدم فى تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله. فإن هذا وأمثاله من النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم صيانة لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه وتجريد له وغضب لربه أن يعدل به سواه. فأبى المشركون إلا معصية لأمره وارتكابا لنهيه وغرهم الشيطان. فقال: بل هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين. وكلما كنتم أشد لها تعظيما وأشد فيهم غلوا كنتم بقربهم أسعد ومن أعدائهم أبعد. ولعمر الله من هذا الباب بعينه دخل على عباد يغوث ويعوق ونسر ومنه دخل على عباد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة. فجمع المشركون بين الغلو فيهم والطعن فى طريقتهم وهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقتهم وإنزالهم التى أنزلهم الله إياها: من العبودية وسلب خصائص الإلهية عنهم. وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم. فأما المشركون فعصوا أمرهم وتنقصوهم فى صورة التعظيم لهم. قال الشافعى: quot;أكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناسquot;. وممن علل بالشرك ومشابهة اليهود والنصارى: الأثرم فى كتاب ناسخ الحديث ومنسوخه فقال- بعد أن ذكر حديث أبى سعيد أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;جعلت لى الأرض مسجدا إلا المقبرة والحمامquot; وحديث زيد بن جبير عن داود بن الحصين عن نافع عن ابن عمر: أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;نهى عن الصلاة فى سبع مواطن وذكر منها المقبرةquot; قال الأثرم: إنما كرهت الصلاة فى المقبرة للتشبه بأهل الكتاب لأنهم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجدquot;.(1\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "193",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1465",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومن ذلك اتخاذها عيدا. والعيد: ما يعتاد مجيئه وقصده: من مكان وزمان. فأما الزمان فكقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلامquot;. رواه أبو داود وغيره. وأما المكان فكما روى أبو داود فى سننه أن رجلا قال: quot;يا رسول الله إنى نذرت أن أنحر إبلا ببوانة فقال: أبها وثن من أوثان المشركين أو عيد من أعيادهم قال: لا. قال: فأوف بنذركquot; وكقوله: quot;لا تجعلوا قبرى عيداquot;. والعيد: مأخوذ من المعاودة والاعتياد فإذا كان اسما للمكان فهو المكان الذى بقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة أو لغيرها كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله تعالى عيدا للحنفاء ومثابة كما جعل أيام التعبد فيها عيدا. وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية. فلما جاء الله بالإسلام أبطلها وعوض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النحر وأيام منى كما عوضهم عن أعياد المشركين المكانية بالكعبة البيت الحرام وعرفة ومنى والمشاعر.(1\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "194",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1466",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاتخاذ القبور عيدا هو من أعياد المشركين التى كانوا عليها قبل الإسلام وقد نهى عنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى سيد القبور منبها به على غيره. فقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح قال: قرأت على عبد الله بن نافع أخبرنى ابن أبى ذئب عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبرى عيدا وصلوا على فإن صلاتكم تبلغنى حيث كنتمquot;. صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وهذا إسناد حسن رواته كلهم ثقات مشاهير. وقال أبو يعلى الموصلى فى مسنده: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا زيد ابن الحباب حدثنا جعفر بن إبراهيم من ولد ذى الجناحين حدثنا على بن عمر عن أبيه عن على بن الحسين: أنه رأى رجلا يجئ إلى فرجة كانت عند قبر النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فيدخل فيها فيدعو فنهاه وقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبى عن جدى عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;لا تتخذوا قبرى عيدا ولا بيوتكم قبورا فإن تسليمكم يبلغنى أينما كنتمquot; رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسى فى مختاراته. وقال سعيد بن منصور فى السنن: حدثنا حبان بن على حدثنى محمد بن عجلان عن أبى سعيد مولى المهرى قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;لا تتخذوا بيتى عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا على حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغنىquot;. وقال سعيد: حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرنى سهيل بن أبى سهيل قال: رآنى الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب عند القبر فنادانى وهو فى بيت فاطمة يتعشى فقال: هلم إلى العشاء فقلت: لا أريده فقال: مالى رأتيك عند القبر فقلت: سلمت على النبى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: إذا دخلت المسجد فسلم. ثم قال: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;لا تتخذوا بيتى عيدا ولا تتخذوا بيوتكم مقابر لعن(1\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "195",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1467",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وصلوا على فإن صلاتكم تبلغنى حيثما كنتمquot; ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء. فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث لا سيما وقد احتج به من أرسله به وذلك يقتضى ثبوته عنده هذا لو لم يكن روى من وجوه مسندة غير هذين فكيف وقد تقدم مسندا. قال شيخ الإسلام قدس الله روحه: quot;ووجه الدلالة: أن قبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أفضل قبر على وجه الأرض وقد نهى عن اتخاذه عيدا فقبر غيره أولى بالنهى كائنا من كان ثم إنه قرن ذلك بقوله quot;ولا تتخذوا بيوتكم قبوراquot; أى لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة فتكون بمنزلة القبور. فأمر بتحرى النافلة فى البيوت ونهى عن تحرى العبادة عند القبور وهذا ضد ما عليه المشركون من النصارى وأشباههم ثم إنه عقب النهى عن اتخاذه عيدا بقوله: quot;وصلوا على فإن صلاتكم تبلغنى حيث كنتمquot; يشير بذلك إلى أن ما ينالنى منكم من الصلاة والسلام تحصل مع قربكم من قبرى وبعدكم فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيداquot;. وقد حرف هذه الأحاديث بعض من أخذ شبها من النصارى بالشرك وشبها من اليهود بالتحريف فقال: هذا أمر بملازمة قبره والعكوف عنده واعتياد قصده وانتيابه ونهى أن يجعل كالعيد الذى إنما يكون فى العام مرة أو مرتين فكأنه قال: لا تجعلوه بمنزلة العيد الذى يكون من الحول إلى الحول واقصدوه كل ساعة وكل وقت. وهذا مراغمة ومحادة لله ومناقضة لما قصده الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقلب للحقائق ونسبة الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلى التدليس والتلبيس بعد التناقض. فقاتل الله أهل الباطل أنى يؤفكون. ولا ريب أن من أمر الناس باعتياد أمر ملازمة إتيانه بقوله: quot;لا تجعلوا عيداquot; فهو إلى التلبيس وضد البيان أقرب منه إلى الدلالة والبيان. فإن لم يكن هذا تنقيصا فليس للتنقيص حقيقة فينا كمن يرمى أنصار الرسول صلى الله عليه وسلم وحزبه بدائه ومصابه وينسل كأنه برئ ولا ريب أن ارتكاب كل كبيرة بعد الشرك أسهل إثما وأخف عقوبة من تعاطى مثل ذلك فى دينه وسنته. وهكذا(1\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "196",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1468",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غيرت ديانات الرسل. ولولا أن الله أقام لدينه الأنصار والأعوان الذابين عنه لجرى عليه ما جرى على الأديان قبله. ولو أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما قاله هؤلاء الضلال لم ينه عن اتخاذ. قبور الأنبياء مساجد ويلعن فاعل ذلك. فإنه إذا لعن من اتخذها مساجد يعبد الله فيها فكيف يأمر بملازمتها والعكوف عندها وأن يعتاد قصدها واتيانها ولا تجعل كالعيد الذى يجئ من الحول إلى الحول وكيف يسأل ربه أن لا يجعل قبره وثنا يعبد وكيف يقول أعلم الخلق بذلك: quot;ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن خشى أن يتخذ مسجداquot; وكيف يقول: quot;لا تجعلوا قبرى عيدا وصلوا على حيثما كنتمquot; وكيف لم يفهم أصحابه وأهل بيته من ذلك ما فهمه هؤلاء الضلال الذين جمعوا بين الشرك والتحريف وهذا أفضل التابعين من أهل بيته على بن الحسين رضى الله عنهما نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم واستدل بالحديث. وهو الذى رواه وسمعه من أبيه الحسين عن جده على رضى الله عنه وهو أعلم بمعناه من هؤلاء الضلال. وكذلك ابن عمه الحسن بن الحسن شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر إذا لم يكن يريد المسجد ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدا. قال شيخنا: فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قرب النسب وقرب الدار لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا له أضبط. فصل ثم إن فى اتخاذ القبور أعيادا من المفاسد العظيمة التى لا يعلمها إلا الله تعالى ما يغضب لأجله كل من فى قلبه وقار لله تعالى وغيرة على التوحيد وتهجين وتقبيح للشرك. ولكن ما لجرح بميت إيلام(1\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "197",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1469",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فمن مفاسد اتخاذها أعيادا: الصلاة إليها والطواف بها وتقبيلها واستلامها وتعفير الخدود على ترابها وعبادة أصحابها والاستغاثة بهم وسؤالهم النصر والرزق والعافية وقضاء الديون وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وغير ذلك من أنواع الطلبات التى كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم. فلو رأيت غلاة المتخذين لها عيدا وقد نزلوا عن الأكوار والدواب إذا رأوها من مكان بعيد فوضعوا لها الجباه وقبلوا الأرض وكشفوا الرؤوس وارتفعت أصواتهم بالضجيج وتباكوا حتى تسمع لهم النشيج ورأوا أنهم قد أربوا فى الربح على الحجيج فاستغاثوا بمن لا يبدى ولا يعيد ونادوا ولكن من مكان بعيد حتى إذا دنوا منها صلوا عند القبر ركعتين ورأوا أنهم قد أحرزوا من الأجر ولا أجر من صلى إلى القبلتين فتراهم حول القبر ركعا سجدا يبتغون فضلا من الميت ورضوانا وقد ملئوا أكفهم خيبة وخسرانا فلغير الله بل للشيطان ما يراق هناك من العبرات ويرتفع من الأصوات ويطلب من الميت من الحاجات ويسأل من تفريج الكربات وإغناء ذوى الفاقات ومعافاة أولى العاهات والبليات ثم انبثوا بعد ذلك حول القبر طائفين تشبيها له بالبيت الحرام الذى جعله الله مباركا وهدى للعالمين ثم أخذوا فى التقبيل والاستلام أرأيت الحجر الأسود وما يفعل به وفد البيت الحرام ثم عفروا لديه تلك الجباه والخدود التى يعلم الله أنها لم تعفر كذلك بين يديه فى السجود. ثم كملوا مناسك حج القبر بالتقصير هناك والحلاق واستمتعوا بخلاقهم من ذلك الوثن إذ لم يكن لهم عند الله من خلاق وقربوا لذلك الوثن القرابين. وكانت صلاتهم ونسكهم وقربانهم لغير الله رب العالمين فلو رأيتهم يهنئ بعضهم بعضا ويقول: أجزل الله لنا ولكم أجرا وافرا وحظا فإذا رجعوا سألهم غلاة المتخلفين أن يبيع أحدهم ثواب حجة القبر بحج المتخلف إلى البيت الحرام فيقول: لا ولو بحجك كل عام. هذا ولم نتجاوز فيما حكيناه عنهم ولا استقصينا جميع بدعهم وضلالهم. إذ هى فوق ما يخطر بالبال أو يدور فى الخيال. وهذا كان مبدأ عبادة الأصنام فى قوم نوح كما تقدم. وكل من شم أدنى رائحة من العلم والفقه يعلم أن من أهم الأمور سد الذريعة إلى هذا المحظور(1\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "198",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1470",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأن صاحب الشرع أعلم بعاقبة ما نهى عنه لما يئول إليه وأحكم فى نهيه عنه وتوعده عليه. وأن الخير والهدى فى اتباعه وطاعته والشر والضلال فى معصيته ومخالفته. ورأيت لأبى الوفاء بن عقيل فى ذلك فصلا حسنا فذكرته بلفظه قال: quot;لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. قال: وهم عندى كفار بهذه الأوضاع مثل تعظيم القبور وإكرامها بما نهى عنه الشرع: من إيقاد النيران وتقبيلها وتخليقها وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع فيها: يا مولاى افعل بى كذا وكذا. وأخذ تربتها تبركا وإفاضة الطيب على القبور. وشد الرحال إليها وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى. والويل عندهم لمن لم يقبل مشهد الكف ويتمسح بآجرة مسجد الملموسة يوم الأربعاء. ولم يقل الحمالون على جنازته: الصديق أبو بكر أو محمد وعلى أو لم يعقد على قبر أبيه أزجا بالجص والآجر ولم يخرق ثيابه إلى الذيل ولم يرق ماء الورد على القبرquot;. انتهى. ومن جمع بين سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى القبور وما أمر به ونهى عنه وما كان عليه أصحابه وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضادا للآخر مناقضا له بحيث لا يجتمعان أبدا. فنهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن الصلاة إلى القبور وهؤلاء يصلون عندها. ونهى عن اتخاذها مساجد وهؤلاء يبنون عليها المساجد ويسمونها مشاهد مضاهاة لبيوت الله تعالى. ونهى عن إيقاد السرج عليها وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها. ونهى أن تتخذ أعيادا وهؤلاء يتخذونها أعيادا ومناسك ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر. وأمر بتسويتها كما روى مسلم فى صحيحه عن أبى الهياج الأسدى قال: قال على(1\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "199",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1471",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بن أبى طالب رضى الله عنه: quot;ألا أبعثك على ما بعثنى عليه رسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويتهquot;. وفى صحيحه أيضا عن ثمامة بن شفى قال: quot;كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس. فتوفى صاحب لنا فأمر فضالة بقبره فسوى ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يأمر بتسويتها وهؤلاء يبالغون فى مخالفة هذين الحديثين. ويرفعونها عن الأرض كالبيت ويعقدون عليها القبابquot;. ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه كما روى مسلم فى صحيحه عن جابر قال: quot; نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن تجصيص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه بناءquot;. ونهى عن الكتابة عليها كما روى أبو داود والترمذى فى سننهما عن جابر رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;نهى أن تجصص القبور وأن يكتب عليهاquot;. قال الترمذى: حديث حسن صحيح وهؤلاء يتخذون عليها الألواح ويكتبون عليها القرآن وغيره. ونهى أن يزاد عليها غير ترابها كما روى أبو داود من حديث جابر أيضا: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم quot;نهى أن يجصص القبر أو يكتب عليه أو يزاد عليهquot; وهؤلاء لا يزيدون عليه سوى التراب الآجر والأحجار والجص. ونهى عمر بن عبد العزيز أن يبنى القبر بأجر وأوصى أن لا يفعل ذلك بقبره. وأوصى الأسود بن يزيد: quot;أن لا تجعلوا على قبرى آجراquot;. وقال إبراهيم النخعى: quot;كانوا يكرهون الأجر على قبورهمquot;. وأوصى أبو هريرة حين حضرته الوفاة: quot;أن لا تضربوا على قبرى فسطاطاquot;. وكره الإمام أحمد أن يضرب على القبر فسطاطا. والمقصود: أن هؤلاء المعظمين للقبور المتخذينها أعيادا الموقدين عليها السرج الذين يبنون عليها المساجد والقباب. مناقضون لما أمر به رسول الله صلى الله تعالى عليها وسلم(1\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "200",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1472",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محادون لما جاء به. وأعظم ذلك اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها. وهو من الكبائر. وقد صرح الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم بتحريمه. قال أبو محمد المقدسى: quot;ولو أبيح اتخاذ السرج عليها لم يلعن النبى صلى الله تعالى عليه من فعله. ولأن فيه تضييعا للمال فى غير فائدة وإفراطا فى تعظيم القبور أشبه تعظيم الأصنامquot;. قال: quot;ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور لهذا الخبر. ولأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال: quot;لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعواquot; متفق عليه. وقالت عائشة: quot;إنما لم يبرز قبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لئلا يتخذ مسجداquot; لأن تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها. وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم والتمسح بها والصلاة عندهاquot;. انتهى. وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجا ووضعوا له مناسك حتى صنف بعض غلاتهم فى ذلك كتابا وسماه quot;مناسك حج المشاهدquot; مضاهاه منه بالقبور للبيت الحرام ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام ودخول فى دين عباد الأصنام. فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقصده من النهى عما تقدم ذكره فى القبور وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه. ولا ريب أن فى ذلك من المفاسد ما يعجز العبد عن حصره. فمنها: تعظيمها المواقع فى الافتتان بها. ومنها: اتخاذها عيدا. ومنها: السفر إليها. ومنها: مشابهة عبادة الأصنام بما يفعل عندها: من العكوف عليها والمجاورة عندها. وتعليق الستور عليها وسدانتها وعبادها يرجحون المجاورة عندها على المجاورة عند المسجد الحرام ويرون سدانتها أفضل من خدمة المساجد والويل عندهم لقيمها ليلة يطفئ القنديل المعلق عليها. ومنها: النذر لها ولسدنتها. ومنها: اعتقاد المشركين بها أن بها يكشف البلاء وينصر على الأعداء ويستنزل غيث السماء وتفرج الكروب وتقضى الحوائج وينصر المظلوم ويجار الخائف وإلى غير ذلك. ومنها: الدخول فى لعنة الله تعالى ورسوله باتخاذ المساجد عليها وإيقاد السرج عليها ومنها: الشرك الأكبر الذى يفعل عندها. ومنها: إيذاء أصحابها بما يفعله المشركون بقبورهم فإنهم يؤذيهم بما يفعل عند قبورهم. ويكرهونه غاية الكراهة. كما أن المسيح يكره(1\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "201",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1473",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما يفعله النصارى عند قبره. وكذلك غيره من الأنبياء والأولياء والمشايخ يؤذيهم ما يفعله أشباه النصارى عند قبورهم. ويوم القيامة يتبرءون منهم. كما قال تعالى: ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادى هؤلاء أم هم ضلوا السبيل قالوا سبحانك ما كان ينبغى لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا [الفرقان: 17-18] . قال الله للمشركين فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا [الفرقان: 19] الآية وقال تعالى وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق [المائدة: 116] الآية وقال تعالى ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون [سبأ: 40-41] . ومنها: مشابهة اليهود والنصارى فى اتخاذ المساجد والسرج عليها ومنها: محادة الله ورسوله ومناقضة ما شرعه فيها. ومنها: التعب العظيم مع الوزر الكثير والإثم العظيم. ومنها: إماتة السنن وإحياء البدع. ومنها: تفضيلها على خير البقاع وأحبها إلى الله. فإن عباد القبور يقصدونها مع التعظيم والاحترام والخشوع ورقة القلب والعكوف بالهمة على الموتى بما لا يفعلونه فى المساجد. ولا يحصل لهم فيها نظيره ولا قريب منه. ومنها: أن ذلك يتضمن عمارة المشاهد وخراب المساجد. ودين الله الذى بعث به رسوله بضد ذلك. ولهذا لما كانت الرافضة من أبعد الناس عن العلم والدين عمروا المشاهد وأخربوا المساجد. ومنها: أن الذى شرعه الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم عند زيارة القبور: إنما هو تذكر الآخرة والإحسان إلى المزور بالدعاء له والترحم عليه والاستغفار له وسؤال العافية له. فيكون الزائر محسنا إلى نفسه وإلى الميت فقلب هؤلاء المشركون الأمر وعكسوا الدين وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت ودعاءه والدعاء به وسؤاله حوائجهم واستنزال البركات منه ونصره لهم على الأعداء ونحو ذلك. فصاورا مسيئين إلى نفوسهم وإلى الميت(1\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "202",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1474",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولو لم يكن إلا بحرمانه بركة ما شرعه الله تعالى من الدعاء له والترحم عليه والاستغفار له. فاسمع الآن زيارة أهل الإيمان التى شرعها الله تعالي على لسان رسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ثم وازن بينها وبين زيارة أهل الإشراك التى شرعها لهم الشيطان واختر لنفسك. قالت عائشة رضى الله عنها: quot;كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كلما كان ليلتها منه يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقدquot; رواه مسلم. وفى صحيحه عنها أيضا: quot;أن جبريل أتاه فقال: إن ربك يأمرك أن تأتى أهل البقيع فتستغفر لهم قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله قال: قولى: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقونquot;. وفى صحيحه أيضا عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: quot;كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: السلام على أهل الديارquot;. وفى لفظ: quot;السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. نسأل الله لنا ولكم العافيةquot;. وعن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;كنت نهيتكم عن زيارة القبور فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هجراquot; رواه أحمد والنسائى.(1\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "203",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1475",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قد نهى الرجال عن زيارة القبور سدا للذريعة فلما تمكن التوحيد فى قلوبهم أذن لهم فى زيارتها على الوجه الذى شرعه ونهاهم أن يقولوا هجرا فمن زارها على غير الوجه المشروع الذى يحبه الله ورسوله فإن زيارته غير مأذون فيها ومن أعظم الهجر: الشرك عندها قولا وفعلا. وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;زوروا القبور فإنها تذكر الموت quot;. وعن على بن طالب رضى الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;إنى كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرةquot; رواه الإمام أحمد. وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال: quot;مر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم ونحن بالأثرquot; رواه أحمد والترمذى وحسنه. وعن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروا القبور فإنها تزهد فى الدنيا وتذكر الآخرةquot; رواه ابن ماجه. وروى الإمام أحمد عن أبى سعيد رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن فيها عبرةquot;. فهذه الزيارة التى شرعها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لأمته وعلمهم إياها هل تجد فيها شيئا مما يعتمده أهل الشرك والبدع أم تجدها مضادة لما هم عليه من كل وجه. وما أحسن ما قال مالك بن أنس رحمه الله: quot;لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم ونقص إيمانهم عوضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشركquot;. ولقد جرد السلف الصالح التوحيد وحموا جانبه حتى كان أحدهم إذا سلم على(1\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "204",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1476",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ثم أراد الدعاء استقبل القبلة وجعل ظهره إلى جدار القبر ثم دعا. فقال سلمة بن وردان: quot;رأيت أنس بن مالك رضى الله عنه يسلم على النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ثم يسند ظهره إلى جدار القبر ثم يدعوquot;. ونص على ذلك الأئمة الأربعة: أنه يستقبل القبلة وقت الدعاء حتى لا يدعو عند القبر فإن الدعاء عبادة. وفى الترمذى وغيره مرفوعا. quot;الدعاء هو العبادة quot;. فجرد السلف العبادة الله ولم يفعلوا عند القبور منها إلا ما أذن فيه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: من السلام على أصحابها والاستغفار لهم والترحم عليهم. وبالجملة. فالميت قد انقطع عمله فهو محتاج إلى من يدعو له ويشفع له. ولهذا شرع فى الصلاة عليه من الدعاء له وجوبا واستحبابا ما لم يشرع مثله فى الدعاء للحى. قال عوف بن مالك: quot;صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: quot;اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه. وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر أو من عذاب النار. حتى تمنيت أن أكون أنا الميت لدعاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على ذلك الميتquot; رواه مسلم. وقال أبو هريرة رضى الله تعالى عنه: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول فى صلاته على الجنازة: quot;اللهم أنت ربها وأنت خلقتها وأنت هديتها للإسلام وأنت قبضت روحها وأنت أعلم بسرها وعلانيتها جئنا شفعاء فاغفر لهquot; رواه الإمام أحمد. وفى سنن أبى داود عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاءquot;. وقالت عائشة وأنس عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;ما من ميت يصلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيهquot;. رواه مسلم(1\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "205",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1477",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعن ابن عباس رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: quot;ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيهquot; رواه مسلم. فهذا مقصود الصلاة على الميت وهو الدعاء له والاستغفار والشفاعة فيه. ومعلوم أنه فى قبره أشد حاجة منه على نعشه. فإنه حينئذ معرض للسؤال وغيره. وقد كان النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقف على القبر بعد الدفن فيقول: quot;سلوا له التثبيت فإنه الآن يسألquot;. فعلم أنه أحوج إلى الدعاء له بعد الدفن فإذا كنا على جنازته ندعو له لا ندعو به ونشفع له لا نشفع به. فبعد الدفن أولى وأحرى. فبدل أهل البدع والشرك قولا غير الذى قيل لهم: بدلوا الدعاء له بدعائه نفسه والشفاعة له بالاستشفاع به. وقصدوا بالزيارة التى شرعها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إحسانا إلى الميت وإحسانا إلى الزائر وتذكيرا بالآخرة: سؤال الميت والإقسام به على الله وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذى هو مخ العبادة وحضور القلب عندها وخشوعه أعظم منه فى المساجد وأوقات الأسحار. ومن المحال أن يكون دعاء الموتى أو الدعاء بهم أو الدعاء عندهم مشروعا وعملا صالحا ويصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ثم يرزقه الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون. فهذه سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى أهل القبور بضعا وعشرين سنة حتى توفاه الله تعالى وهذه سنة خلفائه الراشدين وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان هل يمكن بشر على وجه الأرض أن يأتى عن أحد منهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أو منقطع: أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها وتمسحوا بها فضلا أن يصلوا عندها أو يسألوا الله بأصحابها أو يسألوهم حوائجهم. فليوقفوا على أثر واحد: أو حرف واحد مى ذلك بلى يمكنهم أن يأتوا عن الخلوف التى خلفت بعدهم بكثير من ذلك وكلما تأخر الزمان وطال العهد كان ذلك أكثر حتى لقد وجد فى ذلك عدة(1\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "206",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1478",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مصنفات ليس فيها عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولا عن خلفائه الراشدين ولا عن أصحابه حرف واحد من ذلك بلى فيها من خلاف ذلك كثير كما قدمناه من الأحاديث المرفوعة. وأما آثار الصحابة فأكثر من أن يحاط بها. وقد ذكرنا إنكار عمر رضى الله عنه على أنس رضى الله عنه صلاته عند القبر. وقوله له: القبر القبر. وقد ذكر محمد بن إسحاق فى مغازيه من زيادات يونس بن بكير عن أبى خلدة خالد بن دينار قال: حدثنا أبو العالية قال: quot;لما فتحنا تستر وجدنا فى بيت مال الهرمزان سريرا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف له فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه فدعا له كعبا فنسخه بالعربية. فأنا أول رجل من العرب قرأه قرأته مثل ما أقرأ القرآن. فقلت لأبى العالية: ما كان فيه قال سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم. وما هو كائن بعد. قلت: فما صنعتم بالرجل قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة فلما كان الليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه فقلت: وما يرجون منه قال: كانت السماء إذا حبست عنهم أبرزوا السرير فيمطرون. فقلت من كنتم تظنون الرجل قال: رجل يقال له: دانيال فقلت: مذ كم وجدتموه مات قال: مذ ثلاثمائة سنة قلت: ما كان تغير منه شىء قال: لا إلا شعيرات من قفاه إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض ولا تأكلها السباعquot; ففى هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره(1\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "207",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1479",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لئلا يفتتن به الناس ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به ولو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسيوف ولعبدوه من دون الله فهم قد اتخذوا من القبور أوثانا من لا يدانى هذا ولا يقاربه وأقاموا لها سدنة وجعلوها معابد أعظم من المساجد. فلو كان الدعاء عند القبور والصلاة عندها والتبرك بها فضيلة أو سنة أو مباحا لنصب المهاجرون والأنصار هذا القبر علما لذلك ودعوا عنده وسنوا ذلك لمن بعدهم ولكن كانوا أعلم بالله ورسوله ودينه من الخلوف التى خلفت بعدهم وكذلك التابعون لهم بإحسان راحوا على هذا السبيل وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم بالأمصار عدد كثير وهم متوافرون. فما منهم من استغاث عند قبر صاحب ولا دعاه ولا دعا به ولا دعا عنده ولا استشفى به ولا استسقى به ولا استنصر به ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعى على نقله بل على نقل ما هو دونه. وحينئذ فلا يخلو إما أن يكون الدعاء عندها والدعاء بأربابها أفضل منه فى غير تلك البقعة أولا يكون فإن كان أفضل فكيف خفى علما وعملا على الصحابة والتابعين وتابعيهم فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلة بهذا الفضل العظيم وتظفر به الخلوف علما وعملا ولا يجوز أن يعلموه ويزهدوا فيه مع حرصهم على كل خير لا سيما الدعاء فإن المضطر يتشبث بكل سبب وإن كان فيه كراهة ما فكيف يكونون مضطرين فى كثير من الدعاء وهم يعلمون فضل الدعاء عند القبور ثم لا يقصدونه هذا محال طبعا وشرعا. فتعين القسم الآخر. وهو أنه لا فضل للدعاء عندها ولا هو مشروع ولا مأذون فيه بقصد الخصوص بل تخصيصها بالدعاء عندها ذريعة إلى ما تقدم من المفاسد. ومثل هذا مما لا يشرعه الله ورسوله البتة بل استحباب الدعاء عندها شرع عبادة لم يشرعها الله ولم ينزل بها سلطانا. وقد أنكر الصحابة ما هو دون هذا بكثير. فروى غير واحد عن المعرور بن سويد قال: quot;صليت مع عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى طريق مكة صلاة الصبح فقرأ فيها: ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل [الفيل: 1] و لإيلاف قريش [قريش: 1] . ثم رأى الناس يذهبون مذاهب فقال: quot;أين يذهب هؤلاء quot; فقيل: يا أمير المؤمنين مسجد صلى فيه النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فهم يصلون فيه فقال:(1\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "208",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1480",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا. كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعا. فمن أدركته الصلاة منكم فى هذه المساجد فليصل ومن لا فليمض ولا يتعمدهاquot; وكذلك أرسل عمر رضى الله تعالى عنه أيضا فقطع الشجرة التى بايع تحتها أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. بل قد أنكر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على الصحابة لما سألوه أن يجعل لهم شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ومتاعهم بخصوصها. فروى البخارى فى صحيحة عن أبى واقد الليثى قال: quot;خرجنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قبل حنين ونحن حديثوا عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط. فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;الله أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون [الأعراف: 138] لتركبن سنن من كان قبلكمquot;. فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف حولها اتخاذ إله مع الله تعالى مع أنهم لا يعبدونها ولا يسألونها. فما الظن بالعكوف حول القبر والدعاء به ودعائه والدعاء عنده فأى نسبة للفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر لو كان أهل الشرك والبدعة يعلمون. قال بعض أهل العلم من أصحاب مالك: فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمونها ويرجون البرء والشفاء من قبلها ويضربون بها المسامير والخرق فهى ذات أنواط فاقطعوها. ومن له خبرة بما بعث الله تعالى به رسوله وبما عليه أهل الشرك والبدع اليوم فى هذا الباب وغيره علم أن بين السلف وبين هؤلاء الخلوف من البعد أبعد مما بين المشرق والمغرب وأنهم على شىء والسلف على شىء كما قيل: سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب والأمر والله أعظم مما ذكرنا.(1\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "209",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1481",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد ذكر البخارى فى الصحيح عن أم الدرداء رضى الله عنها قالت: quot;دخل على أبو الدرداء مغضبا فقلت له: مالك quot; فقال: quot;والله ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلا أنهم يصلون جميعاquot;. وروى مالك فى الموطأ عن عمه أبى سهيل بن مالك عن أبيه أنه قال: quot;ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة يعنى الصحابة رضى الله عنهمquot;. وقال الزهرى: quot;دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكى فقلت له: ما يبكيك quot; فقال: quot;ما أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة. وهذه الصلاة قد ضيعتquot;. ذكره البخارى. وفى لفظ آخر: quot;ما كنت أعرف شيئا على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلا قد أنكرته اليومquot;. وقال الحسن البصرى: quot;سأل رجل أبا الدرداء رضى الله عنه فقال: رحمك الله لو أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بين أظهرنا هل كان ينكر شيئا مما نحن عليه فغضب واشتد غضبه وقال: وهل كان يعرف شيئا مما أنتم عليه quot;. وقال المبارك بن فضالة: quot;صلى الحسن الجمعة وجلس فبكى فقيل له: ما يبكيك يا أبا سعيد فقال: quot;تلوموننى على البكاء ولو أن رجلا من المهاجرين اطلع من باب مسجدكم ما عرف شيئا مما كان عليه على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنتم اليوم عليه إلا قبلتكم هذهquot;. وهذه هى الفتنة العظمى التى قال فيها عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: quot;كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير وينشأ فيها الصغير تجرى على الناس يتخذونها سنة إذا غيرت قيل: غيرت السنة أو هذا منكرquot;. وهذا مما يدل على أن العمل إذا جرى على خلاف السنة فلا عبرة به ولا التفات إليه. فإن العمل قد جرى على خلاف السنة منذ زمن أبى الدرداء وأنس كما تقدم. وذكر أبو العباس أحمد بن يحيى قال: حدثنى محمد بن عبيد بن ميمون حدثنى عبد الله(1\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "210",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1482",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بن إسحاق الجعفرى قال: كان عبد الله بن الحسن يكثر الجلوس إلى ربيعة قال: فتذاكروا يوما السنن فقال رجل كان فى المجلس: ليس العمل على هذا فقال عبد الله: quot;أرأيت إن كثر الجهال حتى يكونوا هم الحكام فهم الحجة على السنة quot; فقال ربيعة: quot;أشهد أن هذا كلام أبناء الأنبياءquot;. فصل ومن أعظم مكايده: ما نصبه للناس من الأنصاب والأزلام التى هى من عمله وقد أمر الله تعالى باجتناب ذلك وعلق الفلاح باجتنابه فقال: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون [المائدة: 90] . فالأنصاب: كل ما نصب يعبد من دون الله: من حجر أو شجر أو وثن أو قبر. وهى جمع واحدها نصب كطنب وأطناب. قال مجاهد: وقتادة وابن جريج: quot;كانت حول البيت أحجار كان أهل الجاهلية يذبحون عليها ويشرحون اللحم عليها وكانوا يعظمون هذه الحجارة ويعبدونها قالوا: وليست بأصنام إنما الصنم ما يصور وينقشquot;. وقال ابن عباس: quot;هى الأصنام التى يعبدونها من دون الله تعالىquot;. وقال الزجاج: quot;حجارة كانت لهم يعبدونها وهى الأوثانquot;. وقال الفراء: quot;هى الآلهة التى كانت تعبد من أحجار وغيرهاquot;.(1\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "211",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1483",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأصل اللفظة: الشئ المنصوب الذى يقصده من رآه ومنه قوله تعالى: يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون [المعارج: 43] . قال ابن عباس: إلى غاية أو علم يسرعون. وهو قول أكثر المفسرين. وقال الحسن: quot;يعنى إلى أنصابهم أيهم يستلمها أولاquot;. قال الزجاج: quot;وهذا على قراءة من قرأ quot;نصبquot; بضمتين كقوله: وما ذبح على النصب [المائدة: 3] . قال: ومعناه: أصنام لهمquot;. والمقصود: أن النصب كل شئ نصب من خشبة أو حجر أو علم. والإيفاض الإسراع. وأما الأزلام. فقال ابن عباس رضى الله عنهما: quot;هى قداح كانوا يستقسمون بها الأمور. أى يطلبون بها علم ما قسم لهمquot;. وقال سعيد بن جبير: quot;كانت لهم حصيات إذا أراد أحدهم أن يغزو أو يجلس استقم بهاquot;. وقال أيضا: quot;هى القدحان اللذان كان يستقسم بهما أهل الجاهلية فى أمورهم. أحدهما عليه مكتوب: أمرنى ربى والآخر: نهانى. فإذا أرادوا أمرا ضربوا بها فإن خرج الذى عليه أمرنى فعلوا ما هموا به. وإن خرج الذى عليه نهانى تركوهquot;. وقال أبو عبيد: quot;الاستقسام: طلب القسمةquot;. وقال المبرد: quot;الاستقسام: أخذ كل واحد قسمهquot;. وقيل: الاستقسام: إلزام أنفسهم بما تأمرهم به القداح كقسم اليمين. وقال الأزهرى: quot;وأن تستقسموا بالأزلام: أى تطلبوا من جهة الأزلام ما قسم لكم من أحد الأمرينquot;. وقال أبو إسحاق الزجاج وغيره: quot;الاستقسام بالأزلام حرامquot;. ولا فرق بين ذلك وبين قول المنجم: لا تخرج من أجل نجم كذا واخرج من أجل طلوع نجم كذا لأن الله تعالى يقول: وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا [لقمان: 34] .(1\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "212",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1484",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذلك دخول فى علم الله عز وجل الذى هو غيب عنا. فهو حرام كالأزلام التى ذكرها الله تعالى. والمقصود: أن الناس قد ابتلوا بالأنصاب والأزلام. فالأنصاب للشرك والعبادة والأزلام للتكهن وطلب علم ما استأثر الله به. هذه للعلم وتلك للعمل ودين الله سبحانه وتعالى مضاد لهذا وهذا والذى جاء به رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إبطالهما وكسر الأنصاب والأزلام. فمن الأنصاب ما قد نصبه الشيطان للمشركين: من شجرة أو عمود أو وثن أو قبر أو خشبة أو غير ذلك. والواجب هدم ذلك كله ومحو أثره كما أمر النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عليا رضى الله عنه بهدم القبور المشرفة وتسويتها بالأرض. كما روى مسلم فى صحيحه عن أبى الهياج الأسدى. قال: قال لى على رضى الله عنه: quot;ألا أبعثك على ما بعثنى عليه رسول الله تعالى عليه وآله وسلم أن لا أدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويتهquot;. وعمى الصحابة بأمر عمر رضى الله عنه قبر دانيال وأخفوه عن الناس. ولما بلغه أن الناس ينتابون الشجرة التى بايع تحتها رسول الله صلى الله تعالى عليه(1\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "213",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1485",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وآله وسلم أصحابه أرسل فقطعها. رواه ابن وصاح فى كتابه فقال: سمعت عيسى بن يونس يقول: quot;أمر عمر بن الخطاب رضى الله عنه بقطع الشجرة التى بويع تحتها النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقطعها لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها فخاف عليهم الفتنةquot;. قال عيسى بن يونس: وهو عندنا من حديث ابن عون عن نافع: quot;أن الناس كانوا يأتون الشجرة فقطعها عمر رضى الله عنهquot;. فإذا كان هذا فعل عمر رضى الله عنه بالشجرة التى ذكرها الله تعالى فى القرآن وبايع تحتها الصحابة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فماذا حكمه فيما عداها من هذه الأنصاب والأوثان التى قد عظمت الفتنة بها واشتدت البلية بها. وأبلغ من ذلك: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم هدم مسجد الضرار. ففى هذا دليل على هدم ما هو أعظم فسادا منه كالمساجد المبنية على القبور. فإن حكم الإسلام فيها أن تهدم كلها حتى تسوى بالأرض وهى أولى بالهدم من مسجد الضرار. وكذلك القباب التى على القبور يجب هدمها كلها لأنها أسست على معصية الرسول لأنه قد نهى عن البناء على القبور كما تقدم. فبناء أسس على معصيته ومخالفته بناء غير محترم. وهو أولى بالهدم من بناء الغاصب قطعا. وقد أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بهدم القبور المشرفة كما تقدم. فهدم القباب والبناء والمساجد التى بنيت عليها أولى وأحرى لأنه لعن متخذى المساجد عليها ونهى عن البناء عليها فيجب المبادرة والمساعدة إلى هدم ما لعن رسول الله تعالى عليه وآله وسلم فاعله ونهى عنه. والله عز وجل يقيم لدينه وسنة رسوله من ينصرهما ويذب عنهما. فهو أشد غيرة وأسرع تغييرا. وكذلك يجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر وطفيه. فإن فاعل ذلك ملعون بلعنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. ولا يصح هذا الوقف ولا يحل إثباته وتنفيذه.(1\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "214",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1486",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الإمام أبو بكر الطرطوشى: quot;انظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمونها ويرجون البرء والشفاء من قبلها ويضربون بها المسامير والخرق فهى ذات أنواط فاقطعوهاquot;. وقال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبى شامة فى كتاب الحوادث والبدع: quot;ومن هذا القسم ما قد عم به الابتلاء من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد وسرج مواضع مخصوصة من كل بلد يحكى لهم حاك أنه رأى فى منامه بها أحدا ممن شهر بالصلاح والولاية فيفعلون ذلك ويحافظون عليه مع تضييعهم فرائض الله وسننه ويظنون أنهم متقربون بذلك. ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن فى قلوبهم فيعظمونها ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لها وهى من بين عيون وشجر وحائط وحجر. وفى مدينة دمشق من ذلك مواضع متعددة. كعوينة الحمى خارج باب توما والعمود المخلق داخل باب الصغير والشجرة الملعونة اليابسة خارج باب النصر فى نفس قارعة الطريق سهل الله قطعها واجتثاثها من أصلها فما أشبهها بذات أنواط التى فى الحديثquot; ثم ساق حديث أبى واقد: quot;أنهم مروا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بشجرة عظيمة خضراء يقال لها: ذات أنواط فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال النبى صلى الله عليه وسلم: الله أكبر هذا كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. قال: إنكم قوم تجهلون لتركبن سنن من كان قبلكمquot;. قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح. ثم ذكر ما صنعه بعض أهل العلم ببلاد إفريقية: quot;أنه كان إلى جانبه عين تسمى عين العافية كان العامة قد افتتنوا بها يأتونها من الآفاق فمن تعذر عليه نكاح أو ولد قال: امضوا بى إلى العافية فيعرف فيها الفتنة فخرج فى السحر فهدمها وأذن للصبح عليها ثم(1\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "215",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1487",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: اللهم إنى هدمتها لك فلا ترفع لها رأسا قال: فما رفع لها رأس إلى الآنquot;. وقد كان بدمشق كثير من هذه الأنصاب فيسر الله سبحانه كسرها على يد شيخ الإسلام وحزب الله الموحدين كالعمود المخلق والنصب الذى كان بمسجد النارنج عند المصلى يعبده الجهال والنصب الذى كان تحت الطاحون الذى عند مقابر النصارى ينتابه الناس للتبرك به وكان صورة صنم فى نهر القلوط ينذرون له ويتبركون به وقطع الله سبحانه النصب الذى كان عند الرحبة يسرج عنده ويتبرك به المشركون. وكان عمودا طويلا على رأسه حجر كالكرة. وعند مسجد درب الحجر نصب قد بنى عليه مسجد صغير يعبده المشركون يسر الله كسره. فما أسرع أهل الشرك إلى اتخاذ الأوثان من دون الله ولو كانت ما كانت ويقولون: إن هذا الحجر وهذه الشجرة وهذه العين تقبل النذر أى تقبل العبادة من دون الله تعالى فإن النذر عبادة وقربة يتقرب بها الناذر إلى المنذور له ويتمسحون بذلك النصب ويستلمونه. ولقد أنكر السلف التمسح بحجر المقام الذى أمر الله تعالى أن يتخذ منه مصلى كما ذكر الأزرقى فى كتاب تاريخ مكة عن قتادة فى قوله تعالى: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى [البقرة: 125] . قال: quot;إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه. ولقد تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفته الأمم قبلها ذكر لنا من رأى أثره وأصابعه فما زالت هذه الأمة تمسحه حتى اخلولقquot;. وأعظم الفتنة بهذه الأنصاب فتنة أنصاب القبور وهى أصل فتنة عبادة الأصنام كما قاله السلف من الصحابة والتابعين وقد تقدم. ومن أعظم كيد الشيطان: أنه ينصب لأهل الشرك قبر معظم يعظمه الناس ثم يجعله وثنا يعبد من دون الله ثم يوحى إلى أوليائه: أن من نهى عن عبادته واتخاذه عيدا وجعله وثنا فقد تنقصه وهضم حقه. فيسعى الجاهلون المشركون فى قتله وعقوبته ويكفرونه. وذنبه عند أهل الإشراك: أمره بما أمر الله به ورسوله ونهيه عما نهى الله عنه ورسوله: من جعله وثنا وعيدا وإيقاد السرج عليه وبناء المساجد والقباب عليه وتجصيصه وإشادته وتقبيله واستلامه ودعائه والدعاء به أو السفر إليه أو الاستغاثة به من دون الله مما قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله: من تجريد التوحيد لله(1\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "216",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1488",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأن لا يعبد إلا الله. فإذا نهى الموحد عن ذلك غضب المشركون واشمأزت قلوبهم وقالوا: قد تنقص أهل الرتب العالية. وزعم أنهم لا حرمة لهم ولا قدر. ويسرى ذلك فى نفوس الجهال والطغام وكثير ممن ينسب إلى العلم والدين حتى عادوا أهل التوحيد ورموهم بالعظائم ونفروا الناس عنهم. ووالوا أهل الشرك وعظموهم وزعموا أنهم هم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله ويأبى الله ذلك. فما كانوا أولياءه وإن أولياؤه إلا المتبعون له الموافقون له العارفون بما جاء به الداعون إليه لا المتشبعون بما لم يعطوا لابسو ثياب الزور الذين يصدون الناس عن سنة نبيهم ويبغونها عوجا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. فصل ولا تحسب أيها المنعم عليه باتباع صراط الله المستقيم صراط أهل نعمته ورحمته وكرامته أن النهى عن اتخاذ القبور أوثانا وأعيادا وأنصابا والنهى عن اتخاذها مساجد أو بناء المساجد عليها وإيقاد السرج عليها والسفر إليها والنذر لها واستلامها وتقبيلها وتعفير الجباه في عرصاتها: غض من أصحابها ولا تنقيص لهم ولا تنقص كما يحسبه أهل الإشراك والضلال. بل ذلك من إكرامهم وتعظيمهم واحترامهم ومتابعتهم فيما يحبونه وتجنب ما يكرهونه. فأنت والله وليهم ومحبهم وناصر طريقهم وسنتهم وعلى هديهم ومنهاجهم. وهؤلاء المشركون أعصى الناس لهم وأبعدهم من هديهم ومتابعتهم. كالنصارى مع المسيح واليهود مع موسى عليهما السلام والرافضة مع على رضى الله عنه. فأهل الحق أولى بأهل الحق من أهل الباطل فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض. والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض. فاعلم أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن فتجد أكثر هؤلاء العاكفين على القبور معرضين عن طريقة من فيها وهديه وسنته مشتغلين بقبره عما أمر به ودعا إليه. وتعظيم الأنبياء والصالحين ومحبتهم إنما هى باتباع ما دعو إليه من العلم النافع والعمل الصالح واقتفاء آثارهم وسلوك طريقتهم دون عبادة قبورهم والعكوف عليها واتخاذها أعيادا.(1\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "217",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1489",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن من اقتفى آثارهم كان متسببا إلى تكثير أجورهم باتباعه لهم ودعوته الناس إلى اتباعهم فإذا أعرض عما دعوا إليه واشتغل بضده حرم نفسه وحرمهم ذلك الأجر. فأى تعظيم لهم واحترام فى هذا. وإنما اشتغل كثير من الناس بأنواع من العبادات المبتدعة التى يكرهها الله ورسوله لإعراضهم عن المشروع أو بعضه وإن قاموا بصورته الظاهرة فقد هجروا حقيقته المقصودة منه وإلا فمن أقبل على الصلوات الخمس بوجهه وقلبه عارفا بما اشتملت عليه من الكلام الطيب والعمل الصالح مهتما بها كل الاهتمام أغنته عن الشرك وكل من قصر فيها أو فى بعضها تجد فيه من الشرك بحسب ذلك. ومن أصغى إلى كلام الله بقلبه وتدبره وتفهمه أغناه عن السماع الشيطانى الذى يصد عن ذكر الله وعن الصلاة وينبت النفاق فى القلب. وكذلك من أصغى إليه وإلى حديث الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بكليته وحدث نفسه باقتباس الهدى والعلم منه لا من غيره أغناه عن البدع والآراء والتخرصات والشطحات والخيالات التى هى وساوس النفوس وتخيلاتها. ومن بعد عن ذلك فلا بد له أن يتعوض عنه بما لا ينفعه كما أن من عمر قلبه بمحبة الله تعالى وذكره وخشيته والتوكل عليه والإنابة إليه: أغناه ذلك عن محبة غيره وخشيته والتوكل عليه وأغناه أيضا عن عشق الصور. وإذا خلا من ذلك صار عبد هواه أى شئ استحسنه ملكه واستعبده. فالمعرض عن التوحيد مشرك شاء أم أبى والمعرض عن السنة مبتدع ضال شاء أم أبى والمعرض عن محبة الله وذكره عبد الصور شاء أم أبى والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. فصل فإن قيل: فما الذى أوقع عباد القبور فى الافتتان بها مع العلم بأن ساكنيها أموات لا يملكون لهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا قيل: أوقعهم فى ذلك أمور: منها: الجهل بحقيقة ما بعث الله به رسوله بل جميع الرسل من تحقيق التوحيد وقطع أسباب الشرك فقل نصيبهم جدا من ذلك. ودعاهم الشيطان إلى الفتنة ولم يكن(1\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "218",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1490",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عندهم من العلم ما يبطل دعوته فاستجابوا له بحسب ما عندهم من الجهل وعصموا بقدر ما معهم من العلم. ومنها: أحاديث مكذوبة مختلقة وضعها أشباه عباد الأصنام من المقابرية على رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم تناقض دينه وما جاء به كحديث: quot;إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبورquot; وحديث: quot;لو أحسن أحدكم ظنه بحجر نفعهquot; وأمثال هذه الأحاديث التى هى مناقضة لدين الإسلام. وضعها المشركون وراجت على أشباههم من الجهال الضلال. والله بعث رسوله يقتل من حسن ظنه بالأحجار وجنب أمته الفتنة بكل طريق كما تقدم. ومنها: حكايات حكيت لهم عن تلك القبور: أن فلانا استغاث بالقبر الفلانى فى شدة فخلص منها. وفلانا دعاه به فى حاجة فقضيت له. وفلانا نزل به ضر فاسترجى صاحب ذلك القبر فكشف ضره. وعند السدنة والمقابرية من ذلك شىء كثير يطول ذكره. وهم من أكذب خلق الله تعالى على الأحياء والأموات. والنفوس مولعة بقضاء حوائجها وإزالة ضروراتها ويسمع بأن قبر فلان ترتاق مجرب. والشيطان له تلطف فى الدعوة فيدعوهم أولا إلى الدعاء فيدعو العبد عنده بحرقة وانكسار وذلة فيجيب الله دعوته لما قام بقلبه لا لأجل القبر. فإنه لو دعاه كذلك فى الحانة والخمارة والحمام والسوق أجابه فيظن الجاهل أن للقبر تأثيرا فى إجابة تلك الدعوة والله سبحانه يجيب دعوة المضطر ولو كان كافرا. وقد قال تعالى: كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا [الإسراء:20] وقد قال الخليل: وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر [البقرة: 126] فقال الله سبحانه وتعالى: ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير [البقرة: 126] . فليس كل من أجاب الله دعاءه يكون راضيا عنه ولا محبا له ولا راضيا بفعله فإنه يجيب البر والفاجر والمؤمن والكافر وكثير من الناس يدعو دعاء يعتدى فيه أو يشترط فى دعائه أو يكون مما لا يجوز أن يسأل فيحصل له ذلك أو بعضه. فيظن أن عمله صالح(1\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "219",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1491",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مرضى لله ويكون بمنزلة من أملى له وأمد بالمال والبنين وهو يظن أن الله تعالى يسارع له فى الخيرات. وقد قال تعالى: فلما نسوا ماذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شىء [الأنعام: 44] . فالدعاء قد يكون عبادة فيثاب عليه الداعى. وقد يكون مسألة تقضى به حاجته ويكون مضرة عليه إما أن يعاقب بما يحصل له أو تنقص به درجته فيقضى حاجته ويعاقبه على ما جرأ عليه من إضاعة حقوقه واعتداء حدوده. والمقصود: أن الشيطان بلطف كيده يحسن الدعاء عند القبر وأنه أرجح منه فى بيته ومسجده وأوقات الأسحار. فإذا تقرر ذلك عنده نقله درجة أخرى من الدعاء عنده إلى الدعاء به والإقسام على الله به وهذا أعظم من الذى قبله فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه أو يسأل بأحد من خلقه وقد أنكر أئمة الإسلام ذلك. فقال أبو الحسين القدورى فى شرح كتاب الكرخى: قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة: quot;لا ينبغى لأحد أن يدعو الله إلا به. قال: وأكره أن يقول: أسألك بمعقد العز من عرشك. وأكره أن يقول: بحق فلان وبحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرامquot;. قال أبو الحسين: quot;أما المسألة بغير الله فمنكرة فى قولهم لأنه لا حق لغير الله عليه وإنما الحق لله على خلقه وأما قوله: بمعقد العز من عرشك فكرهه أبو حنيفة ورخص فيه أبو يوسفquot;. وقال: quot;وروى أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم دعا بذلك قال: ولأن معقد العز من العرش إنما يراد به القدرة التى خلق بها العرش مع عظمته. فكأنه سأله بأوصافهquot;.(1\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "220",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1492",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ابن بلدجى فى شرح المختار: quot;ويكره أن يدعو الله تعالى إلا به فلا يقول: أسألك بفلان أو بملائكتك أو بأنبيائك ونحو ذلك لأنه لا حق للمخلوق على خالقه أو يقول فى دعائه: أسألك بمعقد العز من عرشك. وعن أبى يوسف جوازهquot;. وما يقول فيه أبو حنيفة وأصحابه أكره كذا هو عند محمد حرام. وعند أبى حنيفة وأبى يوسف هو إلى الحرام أقرب وجانب التحريم عليه أغلب. وفى فتاوى أبى محمد بن عبد السلام: quot;أنه لا يجوز سؤال الله سبحانه بشىء من مخلوقاته لا الأنبياء ولا غيرهم وتوقف فى نبينا صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لاعتقاده أن ذلك جاء فى حديث وأنه لم يعرف صحة الحديثquot;. فإذا قرر الشيطان عنده أن الإقسام على الله به والدعاء به أبلغ فى تعظيمة واحترامه وأنجع فى قضاء حاجته نقله درجة أخرى إلى دعائه نفسه من دون الله. ثم ينقله بعد ذلك درجة أخرى إلى أن يتخذ وثنا يعكف عليه ويوقد عليه القنديل ويعلق عليه الستور ويبنى عليه المسجد ويعبده بالسجود له والطواف به وتقبيله واستلامه والحج إليه والذبح عنده. ثم ينقله درجة أخرى إلى دعاء الناس إلى عبادته واتخاذه عيدا ومنسكا وأن ذلك أنفع لهم فى دنياهم وآخرتهم. قال شيخنا قدس الله روحه: quot;وهذه الأمور المبتدعة عند القبور مراتب ابعدها عن الشرع: أن يسأل الميت حاجته ويستغيث به فيها كما يفعله كثير من الناس. قال: وهؤلاء من جنس عباد الأصنام ولهذا قد يتثمل لهم الشيطان فى صورة الميت أو الغائب كما يتمثل لعباد الأصنام. وهذا يحصل للكفار من المشركين وأهل الكتاب يدعو أحدهم من يعظمه فيتمثل له الشيطان أحيانا. وقد يخاطبهم ببعض الأمور الغائبة. وكذلك السجود للقبر والتمسح به وتقبيلهquot;. والمرتبة الثانية: أن يسأل الله عز وجل به. وهذا يفعله كثير من المتأخرين وهو بدعة باتفاق المسلمين. الثالثة: أن يسأله نفسه. الرابعة: أن يظن أن الدعاء عند قبره مستجاب أو أنه أفضل من الدعاء فى المسجد(1\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "221",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1493",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيقصد زيارته والصلاة عنده لأجل طلب حوائجه. فهذا أيضا من المنكرات المبتدعة باتفاق المسلمين. وهى محرمة وما علمت فى ذلك نزاعا بين أئمة الدين وإن كان كثير من المتأخرين يفعل ذلك ويقول بعضهم: قبر فلان ترياق مجرب. والحكاية المنقولة عن الشافعى أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبى حنيفة من الكذب الظاهر. فصل فى الفرق بين زيارة الموحدين للقبور وزيارة المشركين أما زيارة الموحدين: فمقصودها ثلاثة أشياء: أحدها: تذكر الآخرة والاعتبار والاتعاظ. وقد أشار النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلى ذلك بقوله: quot;زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرةquot;. الثانى: الإحسان إلى الميت وأن لا يطول عهده به فيهجره ويتناساه كما إذا ترك زيارة الحى مدة طويلة تناساه فإذا زار الحى فرح بزيارته وسر بذلك فالميت أولى. لأنه قد صار فى دار قد هجر أهلها إخوانهم وأهلهم ومعارفهم فإذا زاره وأهدى إليه هدية: من دعائه أو صدقة أو أهدى قربة ازداد بذلك سروره وفرحه كما يسر الحى بمن يزوره ويهدى له. ولهذا شرع النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم للزائرين أن يدعوا لأهل القبور بالمغفرة والرحمة وسؤال العافية فقط. ولم يشرع أن يدعوهم ولا يدعوا بهم ولا يصلى عندهم. الثالث: إحسان الزائر إلى نفسه باتباع السنة والوقوف عند ما شرعه الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فيحسن إلى نفسه وإلى المزور. وأما الزيارة الشركية فأصلها مأخوذ عن عباد الأصنام.(1\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "222",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1494",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: الميت المعظم الذى لروحه قرب ومنزلة ومزية عند الله تعالى لا يزال تأتيه الألطاف من الله تعالى وتفيض على روحه الخيرات. فإذا علق الزائر روحه به وأدناها منه فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية والماء ونحوه على الجسم المقابل له. قالوا: فتمام الزيارة أن يتوجه الزائر بروحه وقلبه إلى الميت ويعكف بهمته عليه ويوجه قصده كله وإقباله عليه بحيث لا يبقى فيه التفات إلى غيره. وكلما كان جمع الهمة والقلب عليه أعظم كان أقرب إلى انتفاعه به. وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه ابن سينا والفارابى وغيرهما. وصرح بها عباد الكواكب فى عبادتها. وقالوا: إذا تعلقت النفس الناطقة بالأرواح العلوية فاض عليها منها النور. وبهذا السر عبدت الكواكب واتخذت لها الهياكل وصنفت لها الدعوات واتخذت الأصنام المجسدة لها. وهذا بعينه هو الذى أوجب لعباد القبور اتخاذها أعيادا وتعليق الستور عليها وإيقاد السرج عليها وبناء المساجد عليها. وهو الذى قصد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إبطاله ومحوه بالكلية وسد الذرائع المفضية إليه. فوقف المشركون فى طريقه وناقضوه فى قصده. وكان صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى شق وهؤلاء فى شق. وهذا الذى ذكره هؤلاء المشركون فى زيارة القبور هو الشفاعة التى ظنوا أن آلهتهم تنفعهم بها وتشفع لهم عند الله تعالى. قالوا: فإن العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجيه المقرب عند الله وتوجه بهمته إليه وعكف بقلبه عليه صار بينه وبينه اتصال يفيض به عليه منه نصيب مما يحصل له من الله. وشبهوا ذلك بمن يخدم ذا جاه وحظوة وقرب من السلطان فهو شديد التعلق به. فما يحصل لذلك من السلطان من الإنعام والإفضال ينال ذلك المتعلق به بحسب تعلقه به. فهذا سر عبادة الأصنام وهو الذى بعث الله رسله وأنزل كتبه بإبطاله وتكفير أصحابه ولعنهم. وأباح دماءهم وأموالهم وسبى ذراريهم وأوجب لهم النار. والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على أهله وإبطال مذهبهم.(1\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "223",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1495",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال تعالى: أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون  قل لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والأرض [الزمر:43-44] . فأخبر أن الشفاعة لمن له ملك السموات والأرض وهو الله وحده. فهو الذى يشفع بنفسه إلى نفسه ليرحم عبده. فيأذن هم لمن يشاء أن يشفع فيه. فصارت الشفاعة فى الحقيقة إنما هى له والذى يشفع عنده إنما يشفع بإذنه له وأمره بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه وهى إرادته من نفسه أن يرحم عبده. وهذا ضد الشفاعة الشركية التى أثبتها هؤلاء المشركون ومن وافقهم وهى التى أبطلها الله سبحانه فى كتابه بقوله تعالى: واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة [البقرة: 123] وقوله يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة [البقرة: 254] وقال تعالى: وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع لعلهم يتقون [الأنعام: 51] وقال: الله الذى خلق السموات والأرض بينهما فى ستة أيام ثم استوى على العرش مالكم من دونه من ولى ولا شفيع [السجدة: 4] . فأخبر سبحانه أنه ليس للعباد شفيع من دونه بل إذا أراد الله سبحانه رحمة عبده أذن هو لمن يشفع فيه. كما قال تعالى: ما من شفيع إلا من بعد إذنه [يونس: 3] . وقال: من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه [البقرة: 255] فالشفاعة بإذنه ليست شفاعة من دونه ولا الشافع شفيع من دونه بل شفيع بإذنه. والفرق بين الشفيعين كالفرق بين الشريك والعبد المأمور. فالشفاعة التى أبطلها الله: شفاعة الشريك فإنه لا شريك له والتى أثبتها: شفاعة العبد المأمور الذى لا يشفع ولا يتقدم بين يدى مالكه حتى يأذن له. ويقول: اشفع فى فلان. ولهذا كان أسعد الناس بشفاعته سيد الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد الذين جردوا التوحيد وخلصوه من تعلقات الشرك وشوائبه وهم الذين ارتضى الله سبحانه. قال تعالى: ولا يشفعون إلا لمن ارتضى [الأنبياء: 28]  وقال: يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولا [طه: 109](1\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "224",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1496",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأخبر أنه لا يحصل يومئذ شفاعة تنفع إلا بعد رضاء قول المشفوع له وإذنه للشافع فيه فأما المشرك فإنه لا يرتضيه ولا يرضى قوله فلا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه فإنه سبحانه علقها بأمرين: رضاه عن المشفوع له وإذنه للشافع فما لم يوجد مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة. وسر ذلك: أن الله له الأمر كله وحده فليس لأحد معه من الأمر شىء وأعلى الخلق وأفضلهم وأكرمهم عنده: هم الرسل والملائكة المقربون وهم عبيد محض لا يسبقونه بالقول ولا يتقدمون بين يديه ولا يفعلون شيئا إلا بعد إذنه لهم وأمرهم. ولاسيما يوم لا تملك نفس لنفس شيئا فهم مملوكون مربوبون أفعالهم مقيدة بأمره وإذنه. فإذا أشرك بهم المشرك واتخذهم شفعاء من دونه ظنا منه أنه إذا فعل ذلك تقدموا وشفعوا له عند الله فهو من أجهل الناس بحق الرب سبحانه وما يجب له ويمتنع عليه فإن هذا محال ممتنع شبيه قياس الرب تعالى على الملوك والكبراء حيث يتخذ الرجل من خواصهم وأوليائهم من يشفع له عندهم فى الحوائج. وبهذا القياس الفاسد عبدت الأصنام واتخذ المشركون من دون الله الشفيع والولى. والفرق بينهما هو الفرق بين المخلوق والخالق والرب والمربوب والسيد والعبد والمالك والمملوك والغنى والفقير والذى لا حاجة به إلى أحد قط والمحتاج من كل وجه إلى غيره. فالشفعاء عند المخلوقين: هم شركاؤهم فإن قيام مصالحهم بهم وهم أعوانهم وأنصارهم الذين قيام أمر الملوك والكبراء بهم ولولاهم لما انبسطت أيديهم وألسنتهم فى الناس فلحاجتهم إليهم يحتاجون إلى قبول شفاعتهم وإن لم يأذنوا فيها ولم يرضوا عن الشافع لأنهم يخافون أن يردوا شفاعتهم فتنتقض طاعتهم لهم ويذهبون إلى غيرهم. فلا يجدون بدا من قبول شفاعتهم على الكره والرضى. فأما الغنى الذى غناه من لوازم ذاته وكل ما سواه فقير إليه بذاته. وكل من فى السماوات والأرض عبد له مقهورون بقهره مصرفون. بمشيئته. لو أهلكهم جميعا لم ينقص من عزه وسلطانه وملكه وربوبيته وإلهيته مثقال ذرة. قال تعالي: لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الأرض جميعا ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شىء قدير [المائدة: 17]  وقال سبحانه فى سيدة آى القرآن: آية الكرسى: له ما فى السموات وما فى الأرض من ذا الذى(1\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "225",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1497",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يشفع عنده إلا بإذنه [البقرة: 255]  وقال: قل لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والأرض [الزمر: 44] . فأخبر أن حال ملكه للسموات والأرض يوجب أن تكون الشفاعة كلها له وحده وأن أحدا لا يشفع عنده إلا بإذنه فإنه ليس بشريك بل مملوك محض بخلاف شفاعة أهل الدنيا بعضهم عند بعض. فتبين أن الشفاعة التى نفاها الله سبحانه فى القرآن هى هذه الشفاعة الشركية التى يعرفها الناس ويفعلها بعضهم مع بعض ولهذا يطلق نفيها تارة بناء على أنها هى المعروفة المتعاهدة عند الناس ويقيدها تارة بأنها لا تنفع إلا بعد إذنه وهذه الشفاعة فى الحقيقة هى منه فإنه الذى أذن والذى قبل والذى رضى عن المشفوع والذى وفقه لفعل ما يستحق به الشفاعة وقوله. فمتخذ الشفيع مشرك لا تنفعه شفاعته ولا يشفع فيه ومتخذ الرب وحده إلهه ومعبوده ومحبوبه ومرجوه ومخوفه الذى يتقرب إليه وحده ويطلب رجاءه ويتباعد من سخطه هو الذى يأذن الله سبحانه للشفيع أن يشفع فيه. قال تعالى: أم اتخذوا من دون الله شفعاء  إلى قوله: قل لله الشفاعة جميعا [الزمر: 43-44]  وقال تعالى: ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم فى السموات ولا فى الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون [يونس: 18]  فبين سبحانه أن المتخذين شفعاء مشركون وأن الشفاعة لا تحصل باتخاذهم هم وإنما تحصل بإذنه للشافع ورضاه عن المشفوع. وسر الفرق بين الشفاعتين: أن شفاعة المخلوق للمخلوق وسؤاله للمشفوع عنده لا يفتقر فيها إلى المشفوع عنده لا خلقا ولا أمرا ولا إذنا بل هو سبب محرك له من خارج كسائر الأسباب التى تحرك الأسباب وهذا السبب المحرك قد يكون عند المتحرك لأجله ما يوافقه كمن يشفع عنده فى أمر يحبه ويرضاه وقد يكون عنده ما يخالفه كمن يشفع إليه(1\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "226",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1498",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فى أمر يكرهه ثم قد يكون سؤاله وشفاعته أقوى من المعارض فيقبل شفاعة الشافع. وقد يكون المعارض الذى عنده أقوى من شفاعة الشافع فيردها ولا يقبلها وقد يتعارض عنده الأمران فيبقى مترددا بين ذلك المعارض الذى يوجب الرد وبين الشفاعة التى تقتضى القبول فيتوقف إلى أن يترجح عنده أحد الأمرين بمرجح فشفاعة الإنسان عند المخلوق مثله: هى سعى فى سبب منفصل عن المشفوع إليه يحركه به ولو على كره منه فمنزلة الشفاعة عنده منزلة من يشفع يأمر غيره أو يكرهه على الفعل إما بقوة وسلطان وإما يرغبه شفاعته فلا بد أن يحصل للمشفوع إليه من الشافع إما رغبة ينتفع بها وإما رهبة منه تندفع عنه بشفاعته. وهذا بخلاف الشفاعة عند الرب سبحانه فإنه ما لم يخلق شفاعة الشافع ويأذن له فيها ويحبها منه ويرضى عن الشافع لم يمكن أن توجد والشافع لا يشفع عنده لحاجة الرب إليه ولا لرهبته منه ولا لرغبته فيما لزمه وإنما يشفع عنده مجرد امتثال أمره وطاعته له فهو مأمور بالشفاعة مطيع بامتثال الأمر فإن أحدا من الأنبياء والملائكة وجميع المخلوقات لا يتحرك بشفاعة ولا غيرها إلا بمشيئة الله تعالى وخلقه فالرب سبحانه وتعالى هو الذى يحرك الشفيع حتى يشفع والشفيع عند المخلوق هو الذى يحرك المشفوع إليه حتى يقبل والشافع عند المخلوق مستغن عنه فى أكثر أموره وهو فى الحقيقة شريكه ولو كان مملوكه وعبده. فالمشفوع عنده محتاج إليه فيما يناله منه من النفع بالنصر والمعاونة وغير ذلك كما أن الشافع محتاج إليه فيما يناله منه: من رزق أو نصر أو غيره فكل منهما محتاج إلى الآخر. ومن وفقه الله تعالى لفهم هذا الموضع ومعرفته تبين له حقيقة التوحيد والشرك والفرق بين ما أثبته الله تعالى من الشفاعة وبين ما نفاه وأبطله ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور [النور: 40] .(1\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "227",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1499",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومن مكايد عدو الله ومصايده التى كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين سماع المكاء والتصدية والغناء بالآلات المحرمة الذى يصد القلوب عن القرآن ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان فهو قرآن الشيطان والحجاب الكثيف عن الرحمن وهو رقية اللواط والزنا وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقة غاية المنى كاد به الشيطان النفوس المبطلة وحسنه لها مكرا منه وغرورا وأوحى إليها الشبه الباطلة على حسنه فقبلت وحيه واتخذت لأجله القرآن مهجورا فلو رأيتهم عند ذياك السماع وقد خشعت منهم الأصوات وهدأت منهم الحركات وعكفت قلوبهم بكليتها عليه وانصبت انصبابة واحدة إليه فتمايلوا له ولا كتمايل النشوان وتكسروا فى حركاتهم ورقصهم أرأيت تكسر المخانيث والنسوان ويحق لهم ذلك وقد خالط خمارة النفوس ففعل فيها أعظم ما تفعله حميه الكؤوس فلغير الله بل الشيطان قلوب هناك تمزق وأثواب تشقق وأموال فى غير طاعة الله تنفق حتى إذا عمل السكر فيهم عمله وبلغ الشيطان منهم أمنيته وأمله واستفزهم بصوته وحيله وأجلب عليهم برجله وخيله وخز فى صدورهم وخزا. وأزهم إلى ضرب الأرض بالأقدام أزا فطورا يجعلهم كالحمير حول المدار وتارة كالذباب ترقص وسيط الديار. فيا رحمتا للسقوف والأرض من دك تلك الأقدام ويا سوأتا من أشباه الحمير والأنعام وياشماتة أعداء الإسلام بالذين يزعمون أنهم خواص الإسلام قضوا حياتهم لذة وطربا واتخذوا دينهم لهوا ولعبا مزامير الشيطان أحب إليهم من استماع سور القرآن لو سمع أحدهم القرآن من أوله إلى آخره لما حرك له ساكنا ولا أزعج له قاطنا ولا أثار فيه وجدا ولا قدح فيه(1\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "228",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1500",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من لواعج الشوق إلى الله زندا حتى إذا تلى عليه قرآن الشيطان وولج مزمور سمعه تفجرت ينابيع الوجد من قلبه على عينه فجرت وعلى أقدامه فرقصت وعلى يديه فصفقت وعلى سائر أعضائه فاهتزت وطربت وعلى أنفاسه فتصاعدت وعلى زفراته فتزايدت وعلى نيران أشواقه فاشتعلت فيا أيها الفاتن المفتون والبائع حظه من الله بنصيبه من الشيطان صفقة خاسر مغبون هلا كانت هذه الأشجان عند سماع القرآن وهذه الأذواق والمواجيد عند قراءة القرآن المجيد وهذه الأحوال السنيات عند تلاوة السور والآيات ولكن كل امرئ يصبو إلى ما يناسبه ويميل إلى ما يشاكله والجنسية علة الضم قدرا وشرعا والمشاكلة سبب الميل عقلا وطبعا فمن هذا أين الإخاء والنسب لولا التعلق من الشيطان بأقوى سبب ومن أين هذه المصالحة التى أوقعت فى عقد الإيمان وعهد الرحمن خللا أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا [الكهف: 50] . ولقد أحسن القائل: تلى الكتاب فأطرقوا لا خيفة ... لكنه إطراق ساه لاهى وأتى الغناء فكالحميرتناهقوا ... والله ما رقصوا لأجل الله دف ومزمار ونغمة شاذن ... فمتى رأيت عبادة بملاهى ثقل الكتاب عليهم لما رأوا ... تقييده بأوامر ونواهى سمعوا له رعدا وبرقا إذحوى ... زجرا وتخويفا مناهى ورأوه أعظم قاطع للنفس عن ... شهواتها ياذبحها المتناهى وأتى السماع موافقاأغراضها ... فلأجل ذاك غدا عظيم الجاه أين المساعدللهوى من قاطع ... أسبابه عند الجهول الساهى إن لم يكن خمر الجسوم فإنه ... خمر العقول مماثل ومضاهى فانظر إلى النشوان عند شرابه ... وانظر إلى النسوان عند ملاهى وانظر إلى تمزيق ذا أثوابه ... من بعد تمزيق الفؤاد اللاهى(1\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "229",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1501",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحكم فأى الخمرتين أحق بالتحريم والتأثيم عند الله وقال آخر: برئنا إلى الله من معشر ... يهم مرض من سماع الغنا وكم قلت ياقوم أنتم على ... شفا جرف مابه من بنا شفا جرف تحته هوة ... إلى درك كم به من عنا وتكرار النصح منا لهم ... لنعذر فيهم إلى ربنا فلما استهانوا بتنبيهنا ... رجعنا إلى الله فى أمرنا فعشنا على سنة المصطفى ... وماتوا على تنتنا تنتنا ولم يزل أنصار الإسلام وأئمة الهدى تصيح بهؤلاء من أقطار الأرض وتحذر من سلوك سبيلهم واقتفاء آثارهم من جميع طوائف الملة. قال الإمام أبو بكر الطرطوشى فى خطبة كتابه فى تحريم السماع: الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين ونسأله أن يرينا الحق حقا فنتبعه والباطل باطلا فنجتنبه. وقد كان الناس فيما مضى يستتر أحدهم بالمعصية إذا واقعها ثم يستغفر الله ويتوب إليه منها ثم كثر الجهل وقل العلم وتناقص الأمر حتى صار أحدهم يأتى المعصية جهارا ثم ازداد الأمر إدبارا حتى بلغنا أن طائفة من إخواننا المسلمين- وفقنا الله وإياهم- استزلهم الشيطان واستغوى عقولهم فى حب الأغانى واللهو وسماع الطقطقة والنقير واعتقدته من الدين الذى يقربهم إلى الله وجاهرت به جماعة المسلمين وشاقت سبيل المؤمنين وخالفت الفقهاء والعلماء وحملة الدين ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المومنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا [النساء: 115] . فرأيت أن أوضح الحق وأكشف عن شبه أهل الباطل بالحجج التى تضمنها كتاب الله وسنة رسوله وأبدأ بذكر أقاويل العلماء الذين تدور الفتيا عليهم فى أقاصى الأرض ودانيها حتى تعلم هذه الطائفة أنها قد خالفت علماء المسلمين فى بدعتها. والله ولى التوفيق. ثم قال: أما مالك فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه وقال: quot;إذا اشترى جارية فوجدها مغنية له أن يردها بالعيبquot;.(1\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "230",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1502",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسئل مالك رحمه الله: عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال: quot;إنما يفعله عندنا الفساقquot;. قال: quot;وأما أبو حنيفة: فإنه يكره الغناء ويجعله من الذنوبquot; وكذلك مذهب أهل الكوفة: سفيان وحماد وإبراهيم والشعبى وغيرهم لا اختلاف بينهم فى ذلك ولا نعلم خلافا أيضا بين أهل البصرة فى المنع منه. قلت: مذهب أبى حنيفة فى ذلك من أشد المذاهب وقوله فيه أغلظ الأقوال. وقد صرح أصحابه بتحريم سماع الملاهى كلها كالمزمار والدف حتى الضرب بالقضيب وصرحوا بأنه معصية يوجب الفسق وترد به الشهادة وأبلغ من ذلك أنهم قالوا: إن السماع فسق والتلذذ به كفر هذا لفظهم ورووا فى ذلك حديثا لا يصح رفعه. قالوا: ويجب عليه أن يجتهد فى أن لا يسمعه إذا مر به أو كان فى جواره وقال أبو يوسف فى دار يسمع منها صوت المعازف والملاهى: quot;أدخل عليهم بغير إذنهم لأن النهى عن المنكر فرضquot; فلو لم يجز الدخول بغير إذن لامتنع الناس من إقامة الفرضquot;. قالوا: ويتقدم إليه الإمام إذا سمع ذلك من داره فإن أصر حبسه وضربه سياطا وإن شاء أزعجه عن داره. وأما الشافعى: فقال فى كتاب quot;أدب القضاءquot;: quot;إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل والمحال. ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادتهquot;. وصرح أصحابه العارفون بمذهبه بتحريمه وأنكروا على من نسب إليه حله كالقاضى أبى الطيب الطبرى والشيخ أبى إسحاق وابن الصباغ. قال الشيخ أبو إسحاق فى quot;التنبيهquot;: quot;ولا تصح الإجارة على منفعة محرمة كالغناء والزمر وحمل الخمر ولم يذكر فيه خلافاquot;. وقال فى quot;المهذبquot;: quot;ولا يجوز على المنافع المحرمة لأنه محرم فلا يجوز أخذ العوض عنه كالميتة والدمquot;. فقد تضمن كلام الشيخ أمورا.(1\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "231",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1503",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها: أن منفعة الغناء بمجرده منفعة محرمة. الثانى: أن الاستئجار عليها باطل. الثالث: أن أكل المال به أكل مال بالباطل بمنزلة أكله عوضا عن الميتة والدم. الرابع: أنه لا يجوز للرجل بذل ماله للمغنى ويحرم عليه ذلك فإنه بذل ماله فى مقابلة محرم. وأن بذله فى ذلك كبذله فى مقابلة الدم والميتة. الخامس: أن الزمر حرام. وإذا كان الزمر الذى هو أخف آلات اللهو حراما فكيف بما هو أشد منه كالعود والطنبور واليراع ولا ينبغى لمن شم رائحة العلم أن يتوقف فى تحريم ذلك. فأقل ما فيه: أنه من شعار الفساق وشاربى الخمور. وكذلك قال أبو زكريا النووى في quot;روضتهquot;. القسم الثانى: أن يغنى ببعض آلات الغناء بما هو فى شعار شاربى الخمر وهو مطرب كالطنبور والعود والصنبح وسائر المعازف والأوتار. يحرم استعماله واستماعه. قال: وفى اليراع وجهان صحح البغوى التحريم. ثم ذكر عن الغزالى الجواز. قال: والصحيح تحريم اليراع وهو الشبابة. وقد صنف أبو القاسم الدولعى كتابا فى تحريم اليراع. وقد حكى أبو عمرو بن الصلاح الإجماع على تحريم السماع الذى جمع الدف والشبابة. والغناء. فقال فى فتاويه: وأما إباحة هذا السماع وتحليله فليعلم أن الدف والشبابة والغناء إذا اجتمعت فاستماع ذلك حرام عند أئمة المذاهب وغيرهم من علماء المسلمين. ولم يثبت عن أحد- ممن يعتد بقوله فى الإجماع والاختلاف- أنه أباح هذا السماع والخلاف المنقول عن بعض أصحاب الشافعى إنما نقل فى الشبابة منفردة والدف منفردا فمن لا يحصل أو لا يتأمل ربما اعتقد خلافا بين الشافعيين فى هذا السماع الجامع هذه الملاهى وذلك وهم بين من الصائر إليه تنادى عليه أدلة الشرع والعقل مع أنه ليس كل خلاف يستروح إليه ويعتمد عليه ومن تتبع ما اختلف فيه العلماء وأخذ بالرخص من أقاويلهم تزندق أو كاد. قال: وقولهم فى السماع(1\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "232",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1504",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المذكور: إنه من القربات والطاعات قول مخالف لإجماع المسلمين ومن خالف إجماعهم فعليه ما فى قوله تعالى: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا [النساء: 115] . وأطال الكلام فى الرد على هاتين الطائفتين اللتين بلاء الإسلام منهم: المحللون لما حرم الله والمتقربون إلى الله بما يباعدهم عنه. والشافعى وقدماء أصحابه والعارفون بمذهبه: من أغلظ الناس قولا فى ذلك. وقد تواتر عن الشافعى أنه قال: quot;خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآنquot;. فإذا كان هذا قوله فى التغبير وتعليله: أنه يصد عن القرآن وهو شعر يزهد فى الدنيا يغنى به مغن فيضرب بعض الحاضرين بقضيب على نطع أو مخذة على توقيع غنائه- فليت شعرى ما يقول فى سماع التغبير عنده كتفلة فى بحر. قد اشتمل على كل مفسدة وجمع كل محرم فالله بين دينه وبين كل متعلم مفتون وعابد جاهل. قال سفيان بن عيينة: quot;كان يقال: احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتونquot;. ومن تأمل الفساد الداخل على الأمة وجده من هذين المفتونين. فصل وأما مذهب الإمام أحمد فقال عبد الله ابنه: quot;سألت أبى عن الغناء فقال: الغناء ينبت النفاق فى القلب لا يعجبنىquot; ثم ذكر قول مالك: quot;إنما يفعله عندنا الفساقquot;. قال عبد الله: وسمعت أبى يقول: سمعت يحيى القطان يقول: quot;لو أن رجلا عمل بكل رخصة بقول أهل الكوفة فى النبيذ وأهل المدينة فى السماع وأهل مكة فى المتعة لكان فاسقاquot;.(1\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "233",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1505",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أحمد: وقال سليمان التيمى: quot;لو أخذت برخصة كل عالم أو زلة كل عالم اجتمع فيك الشر كلهquot;. ونص على كسر آلات اللهو كالطنبور وغيره إذا رآها مكشوفة وأمكنه كسرها وعنه فى كسرها إذا كانت مغطاة تحت ثيابه وعلم بها روايتان منصوصتان. ونص فى أيتام ورثوا جارية مغنية وأرادوا بيعها فقال: quot;لا تباع إلا على أنها ساذجة فقالوا: إذا بيعت مغنية ساوت عشرين ألفا أو نحوها وإذا بيعت ساذجة لا تساوى ألفين فقال: لا تباع إلا على أنها ساذجةquot;. ولو كانت منفعة الغناء مباحة لما فوت هذا المال على الأيتام. فصل وأما سماعه من المرأة الأجنبية أو الأمرد فمن. أعظم المحرمات وأشدها فسادا للدين. قال الشافعى رحمه الله: quot;وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادتهquot; وأغلظ القول فيه. وقال: quot;هو دياثة فمن فعل ذلك كان ديوثاquot;. قال القاضى أبو الطيب: quot;وإنما جعل صاحبها سفيها لأنه دعا الناس إلى الباطل ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيها فاسقاquot;. قال: وكان الشافعى يكره التغبير وهو الطقطقة بالقضيب ويقول: quot;وضعته الزنادقة ليشغلوا به عن القرآنquot;. قال: quot;وأما العود والطنبور وسائر الملاهى فحرام ومستمعه فاسق واتباع الجماعة أولى من اتباع رجلين مطعون عليهماquot;. قلت: يريد بهما إبراهيم بن سعد وعبيد الله بن الحسن. فإنه قال: quot;وما خالف فى الغناء إلا رجلان: إبراهيم بن سعد فإن الساجى حكى عنه: أنه كان لا يرى به بأسا والثانى: عبيد الله بن الحسن العنبرى قاضى البصرة وهو مطعون فيهquot;. قال أبو بكر الطرطوشى: quot;وهذه الطائفة مخالفة لجماعة المسلمين لأنهم جعلوا الغناء دينا(1\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "234",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1506",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وطاعة ورأت إعلانه فى المساجد والجوامع وسائر البقاع الشريفة والمشاهد الكريمة. وليس فى الأمة من رأى هذا الرأىquot;. قلت: ومن أعظم المنكرات: تمكينهم من إقامة هذا الشعار الملعون هو وأهله فى المسجد الأقصى عشية عرفة. ويقيمونه أيضا فى مسجد الخيف أيام منى. وقد أخرجناهم منه بالضرب والنفى مرارا ورأيتهم يقيمون بالمسجد الحرام نفسه والناس فى الطواف فاستدعيت حزب الله وفرقنا شملهم. ورأيتهم يقيمون بعرفات والناس فى الدعاء والتضرع والابتهال والضجيج إلى الله وهم فى هذا السماع الملعون باليراع والدف والغناء. فإقرار هذه الطائفة على ذلك فسق يقدح فى عدالة من أقرهم ومنصبه الدينى. وما أحسن ما قال بعض العلماء وقد شاهد هذا وأفعالهم: ألا قل لهم قول عبد نصوح ... وحق النصيحة أن تستمع: متى علم الناس فى ديننا ... بأن الغنا سنة تتبع وأن يأكل المرء أكل الحما ... ر ويرقص فى الجمع حتى يقع وقالوا: سكرنا بحب الإله ... وما أسكر القوم إلا القصع كذاك البهائم إن أشبعت ... يرقصها ريها والشبع ويسكره الناى ثم الغنا ... ويس لو تليت ما انصدع فيا للعقول ويا للنهى ... ألا منكر منكم للبدع تهان مساجدنا بالسما ... ع وتكرم عن مثل ذاك البيع وقال آخر وأحسن ما شاء: ذهب الرجال وحال دون مجالهم ... زمر من الأوباش والأنذال(1\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "235",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1507",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "زعموا بأنهم على آثارهم ... ساروا ولكن سيرة البطال لبسوا الدلوق مرقعا وتقشفوا ... كتقشف الأقطاب والأبدال قطعوا طريق السالكين وغوروا ... سبل الهدى بجهالة وضلال عمروا ظواهرهم بأثواب التقى ... وحشوا بواطنهم من الأدغال إن قلت: قال الله قال رسوله ... همزوك همز المنكر المتغالى أو قلت: قد قال الصحابة والأولى ... تبعوهم فى القول والأعمال أو قلت: قال الآل آل المصطفى ... صلى عليه الله أفضل آل أو قلت: قال الشافعى وأحمد ... وأبو حنيفة والإمام العالى أو قلت: قال صحابهم من بعدهم ... فالكل عندهم كشبه خيال ويقول: قلبى قال لى عن سره ... عن سر سرى عن صفا أحوالى عن حضرتى عن فكرت عن خلوتى ... عن شاهدى عن واردى عن حالى عن صفو وقتى عن حقيقة مشهدى ... عن سر ذاتى عن صفات فعالى دعوى إذا حققتها ألفيتها ... ألقاب زور لففت بمحال تركوا الحقائق والشرائع واقتدوا ... بظواهر الجهال والضلال جعلوا المراد فتحا وألفاظ الخنا ... شطحا وصالوا صولة الإدلال نبذوا كتاب الله خلف ظهورهم ... نبذ المسافر فضلة الأكال جعلوا السماع مطية لهواهمو ... غلوا فقالوا فيه كل محال هو طاعة هو قربة هو سنة ... صدقوا لذاك الشيخ ذى الإضلال شيخ قديم صادهم بتحيل ... حتى أجابوا دعوة المحتال ورأوا سماع الشعر أنفع للفتى ... من أوجه سبع لهم بتوال هجروا له القرآن والأخبار والآ ... ـثار إذ شهدت لهم بضلال تالله ما ظفر العدو بمثلها ... من مثلهم واخيبة الآمال نصب الحبال لهم فلم يقعوا بها ... فأتى بذا الشرك المحيط الغالى(1\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "236",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1508",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا هموا وسط العرين ممزقىال ... آثواب والأديان والأحوال لا يسمعون سوى الذى يهوونه ... شغلا به عن سائر الأشغال ودعوا إلى ذات اليمين فأعرضوا ... عنها وسار القوم ذات شمال خروا على القرآن عند سماعه ... صما وعميانا ذوى إهمال وإذا تلا القارى عليهم سورة ... فأطالها عدوه فى الأثقال ويقول قائلهم: أطلت وليس ذا ... عشر فخفف أنت ذو إملال هذا وكم لغو وكم صخب وكم ... ضحك بلا أدب ولا إجمال حتى إذا قام السماع لديهم ... خشعت له الأصوات بالإجلال وامتدت الأعناق تسمع وحى ذا ... ك الشيخ من مترنم قوال وتحركت تلك الرءوس وهزها ... طرب وأشواق لنيل وصال فهنالك الأشواق والأشجان وال ... أحوال لا أهلا بذى الأحوال تالله لو كانت صحاة أبصروا ... ماذا دهاهم من قبيح فعال لكنما سكر السماع أشد من ... سكر المدام وذا بلا إشكال فإذا هما اجتمعا لنفس مرة ... نالت من الخسران كل منال يا أمة لعبت بدين نبيها ... كتلاعب الصبيان فى الأوحال أشمتوا أهل الكتاب بدينكم ... والله لن يرضوا بذى الأفعال كم ذا نعير منهم بقريقكم ... سرا وجهرا عند كل جدال قالوا لنا: دين عبادة أهله ... هذا السماع فذاك دين محال بل لا تجئ شريعة بجوازه ... فسلوا الشرائع تكتفوا بسؤال لو قلتموا فسق ومعصية وتز ... بين من الشيطان للأنذال كنا شهدنا أن ذا دين أتى ... بالحق دين الرسل لا بضلال والله منهم قدسمعنا ذاإلى اللآ ... ذان من أفواههم بمقال ...(1\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "237",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1509",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتمام ذاك القول بالحيل التى ... فسخت عقود الدين فسخ فصال جعلته كالثوب المهلهل نسجه ... فيه تفصله من الأوصال ما شئت من مكر ومن ... خدع ومنحيل وتلبيس بلا إقلال فاحتل على إسقاط كل فريضة ... وعلى حرام الله بالإحلال واحتل على المظلوم يقلب ظالما ... وعلى الظلوم بضد تلك الحال واقلب وحول فالتحيل كله ... فى القلب والتحويل ذو إعمال إن كنت تفهم ذا ظفرت بكل ما ... تبغى من الأفعال والأقوال واحتل على شرب المدام وسمها ... غير اسمها واللفظ ذو إجمال واحتل على أكل الربا واهجر شنا ... عة لفظه واحتل على الأبدال واحتل على الوطء الحرام ولا تقل ... هذا زنا وانكح رخى البال واحتل على حل العقود وفسخها ... بعد اللزوم وذاك ذو إشكال إلا على المحتال فهو طبيبها ... يا محنة الأديان بالمحتال واحتل على نقض الوقوف وعودها ... طلقا ولا تستحى من إبطال فكر وقدر ثم فصل بعد ذا ... فإذا غلبت فلج فى الإشكال واحتل على الميراث فانزعه من ... الوراث ثم أبلع جميع المال قد أثبتوا نسبا وحصرا فيكم ... حتى تحوز الإرث للأموال واعمد إلى تلك الشهادة واجعل ... الإبطال همك تحظ بالأبطال فالحصر إثبات ونفى غير معـ ... لوم وهذا موضع الإشكال واحتل على مال اليتيم فإنه ... رزق هنى من ضعيف الحال لا سوطه تخشى ولا من سيفه ... والقول قولك فى ذهاب المال واحتل على أكل الوقوف فإنها ... مثل السوائب ربة الإهمال فأبو حنيفة عنده هى باطل ... فى الأصل لم تحتج إلى إبطال فالمال مال ضائع أربابه ... هلكوا فخذ منه بلا مكيال(1\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "238",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1510",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا تصح بحكم قاض عاد ... لفشروطها صارت إلى اضمحلال قد عطل الناس الشروط وأهملوا ... مقصودها فالكل فى إهمال وتمام ذاك قضاتنا وشهودنا ... فاسأل بهم ذا خبرة بالحال أما الشهود فهم عدول عن طري ... ق العدل فى الأقوال والأفعال زورا وتنميقا وكتمانا وتل ... بيسا وإسرافا بأخذ نوال ينسى شهادته ويحلف إنه ... ناس لها والقلب ذو إغفال فإذا رأى المنقوش قال: ذكرتها ... يا للمذكر جئت بالآمال ويقول قائلهم: أخوض النار فى ... نزر يسير ذاك عين خبال ثقل لى الميزان إنى خائض ... للمنكبين أجر بالأغلال أما القضاة فقد تواتر عنهم ... ما قد سمعت فلا تفه بمقال ماذا تقول لمن يقول: حكمت أنـ ... ك فاسق أو كافر فى الحال فإذا استغثت أغثت بالجلد الذى ... قد طرقوه كمثل طرق نعال فيقول طق فتقول: قط فتعارضا ... ويكون قول الجلد ذا إعمال فأجارك الرحمن ضرب ومن ... عرض ومن كذب وسوء مقال هذا ونسبة ذاك أجمعه إلى ... دين الرسول وذا من الأهوال حاشا رسول الله يحكم بالهوى ... والجهل تلك حكومة الضلال والله لو عرضت عليه كلها ... لاجتثها بالنقض والإبطال إلا التى منها يوافق حكمه ... فهو الذى يلقاه بالإقبال أحكامه عدل وحق كلها ... فى رحمة ومصالح وحلال شهدت عقول الخلق قاطبة بما ... فى حكمه من صحة وكمال فإذا أتت أحكامه ألفيتها ... وفق العقول تزيل كل عقال حتى يقول السامعون لحكمه ... ما بعد هذا الحق غير ضلال لله أحكام الرسول وعدلها ... بين العباد ونورها المتلالى(1\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "239",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1511",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كانت بها فى الأرض أعظم رحمة ... والناس فى سعد وفى إقبال أحكامهم تجرى على وجه السد ... اد وحالهم فى ذاك أحسن حال أمنا وعزا فى هدى وتراحم ... وتواصل ومحبة وجلال فتغيرت أوضاعها حتى غدت ... منكورة بتلوث الأعمال فتغيرت أعمالهم وتبدلت ... أحوالهم بالنقص بعد كمال لو كان دين الله فيهم قائما ... لرأيتهم فى أحسن الأحوال وإذا هموا حكموا بحكم جائر ... حكموا لمنكره بكل وبال قالوا: أتنكر حكم شرع محمد ... حاشا لذا الشرع الشريف العالى عجت فروج الناس ثم حقوقهم ... لله بالبكرات والآصال كم تستحل بكل حكم باطل ... لا يرتضيه ربنا المتعالى والكل فى قعر الجحيم سوى الذى ... يقضى بدين الله لا لنوال أو ما سمعت بأن ثلثيهم غدا ... فى النار فى ذاك الزمان الخالى وزماننا هذا فربك عالم ... هل فيه ذاك الثلث أم هو خالى يا باغى الإحسان يطلب ربه ... ليفوز منه بغايه الآمال انظر إلى هدى الصحابة والذى ... كانوا عليه فى الزمان الخالى واسلك طريق القوم أين تيمموا ... خذ يمنة ما الدرب ذات شمال تالله ما اختاروا لأنفسهم سوى ... سبل الهدى فى القول والأفعال درجوا على نهج الرسول وهديه ... وبه اقتدوا فى سائر الأحوال نعم الرفيق لطالب يبغى الهدى ... فمآله فى الحشر خير مآل القانتين المخبتين لربهم ... الناطقين بأصدق الأقوال التاركين لكل فعل منكر ... والعاملين بأحسن الأعمال أهواؤهم تبع لدين نبيهم ... وسواهم بالضد فى ذى الحال ما شانهم فى دينهم نقص ولا ... فى قولهم شطح الجهول الغالى(1\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "240",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1512",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عملوا بما علموا ولم يتكلفوا ... فلذاك ما شابوا الهدى بضلال وسواهم بالضد فى الأمرين قد ... تركوا الهدى ودعوا لكل ضلال فهم الأدلة للحيارى من يسر ... بهداهم لم يخش من إضلال وهم النجوم هداية وإضاءة ... وعلو منزلة وبعد منال يمشون بين الناس هونا نطقهم ... بالحق لا بجهالة الجهال حلما وعلما مع تقى وتواضع ... ونصيحة مع رتبة الإفضال يحيون ليلهم بطاعة ربهم ... بتلاوة وتضرع وسؤال وعيونهم تجرى بفيض دموعهم ... مثل انهمال الوابل الهطال فى الليل رهبان وعند جهادهم ... لعدوهم من أشجع الأبطال وإذا بدا علم الرهان رأيتهم ... يتسابقون بصالح الأعمال بوجوههم أثر السجود لربهم ... وبها أشعة نوره المتلالى ولقد أبان لك الكتاب صفاتهم ... فى سورة الفتح المبين العالى وبرابع السبع الطوال صفاتهم ... قوم يحبهم ذوو إدلال وبراءة والحشر فيها وصفهم ... وبهل أتى وبسورة الأنفال فصل هذا السماع الشيطانى المضاد للسماع الرحمانى له فى الشرع بضعة عشر اسما: اللهو واللغو والباطل والزور والمكاء والتصدية ورقية الزنا وقرآن الشيطان ومنبت النفاق فى القلب والصوت الأحمق والصوت الفاجر وصوت الشيطان ومزمور الشيطان والسمود: أسماؤه دلت على أوصافه ... تبا لذى الأسماء والأوصاف فنذكر مخازى هذه الأسماء ووقوعها عليه فى كلام الله عز وجل وكلام رسوله والصحابة ليعلم أصحابه وأهله بما به ظفروا وأى تجارة رابحة خسروا:(1\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "241",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1513",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فدع صاحب المزمار والدف والغنا ... وما اختاره الله عن طاعة الله مذهبا ودعه يعش في غيه وضلاله ... على تاتنا يحيا ويبعث أشيبا وفي تنتنا يوم المعاد نجاته ... إلى الجنة الحمراء يدعى مقربا سيعلم يوم العرض أي بضاعة ... أضاع وعند الوزن ما خف أو ربا ويعلم ما قد كان فيه حياته ... إذا حصلت أعماله كلها هبا دعاه الهدى والغي من ذا يجيبه ... فقال لداعي الغي: أهلا ومرحبا وأعرض عن داعي الهدى قائلا له ... هواي إلى صوت المعارف قد صبا يراع ودف بالصنوج وشاهد ... وصوت مغن صوته يقنص الظبا إذا ما تغني فالظباء تجيبه ... إلى أن تراها حوله تشبه الدبا فما شئت من صيد بغير تطارد ... ووصل حبيب كان بالهجر عذبا فيا آمري بالرشد لو كنت حاضرا ... لكان توالي اللهو عندك أقربا فصل فالاسم الأول: اللهو ولهو الحديث: قال تعالى: ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن فى أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم [لقمان: 6 7] . قال الواحدى وغيره: أكثر المفسرين: على أن المراد بلهو الحديث: الغناء قاله ابن عباس فى رواية سعيد بن جبير ومقسم عنه وقاله عبد الله بن مسعود فى رواية أبى الصهباء عنه وهو قول مجاهد وعكرمة. وروى ثور بن أبى فاختة عن أبيه عن ابن عباس فى قوله تعالى: ومن الناس من يشترى لهو الحديث [لقمان: 6] قال: quot;هو الرجل يشترى الجارية تغنيه ليلا ونهاراquot;(1\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "242",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1514",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ابن أبى نجيح عن مجاهد: quot;هو اشتراء المغنى والمغنية بالمال الكثير والاستماع إليه وإلى مثله من الباطلquot; وهذا قول مكحول. وهذا اختيار أبى إسحاق أيضا. قال: أكثر ما جاء فى التفسير: أن لهو الحديث هاهنا هو الغناء لأنه يلهى عن ذكر الله تعالى. قال الواحدى: قال أهل المعانى: ويدخل فى هذا كل من اختار اللهو والغناء والمزامير والمعازف على القرآن وإن كان اللفظ قد ورد بالشراء فلفظ الشراء يذكر فى الاستبدال والاختيار وهو كثير فى القرآن. قال: ويدل على هذا: ما قاله قتادة فى هذه الآية quot;لعله أن لا يكون أنفق مالاquot; قال: quot;وبحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحقquot;. قال الواحدى: وهذه الآية على هذا التفسير تدل على تحريم الغناء ثم ذكر كلام الشافعى فى رد الشهادة بإعلان الغناء. قال: وأما غناء القينات: فذلك أشد ما فى الباب وذلك لكثرة الوعيد الوارد فيه وهو ما روى أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;من استمع إلى قينة صب فى أذنيه الآنك يوم القيامةquot;. الآنك: الرصاص المذاب. وقد جاء تفسير لهو الحديث بالغناء مرفوعا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. ففى quot;مسند الإمام أحمدquot; quot;ومسند عبد الله بن الزبير الحميدىquot; quot;وجامع الترمذىquot; من حديث أبى أمامة والسياق للترمذى: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:quot;لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير فى تجارة فيهن وثمنهن حرامquot;. فى مثل هذا نزلت هذه الآية: ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله [لقمان: 6] . وهذا الحديث وإن كان(1\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "243",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1515",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مداره على عبيد الله بن زحر عن على بن يزيد الإلهانى عن القاسم فعبيد الله بن زحر ثقة والقاسم ثقة وعلى ضعيف إلا أن للحديث شواهد ومتابعات سنذكرها إن شاء الله ويكفى تفسير الصحابة والتابعين للهو الحديث: بأنه الغناء فقد صح ذلك عن ابن عباس وابن مسعود. قال أبو الصهباء: quot;سألت ابن مسعود عن قوله تعالى: ومن الناس من يشترى لهو الحديث [لقمان: 6] فقال: والله الذى لا إله غيره هو الغناء -يرددها ثلاث مرات. وصح عن ابن عمر رضى الله عنهما أيضا أنه: [الغناء] . قال الحاكم أبو عبد الله فى التفسير من كتاب المستدرك: quot;ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابى الذى شهد الوحى والتنزيل عند الشيخين: حديث مسند. وقال فى موضع آخر من كتابه: quot;هو عندنا فى حكم المرفوعquot;. وهذا وإن كان فيه نظر فلا ريب أنه أولى بالقبول من تفسير من بعدهم فهم أعلم الأمة بمراد الله عز وجل من كتابه فعليهم نزل وهم أول من خوطب به من الأمة. وقد شاهدوا تفسيره من الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم علما وعملا وهم العرب الفصحاء على الحقيقة فلا يعدل عن تفسيرهم ما وجد إليه سبيل. ولا تعارض بين تفسير quot;لهو الحديثquot; بالغناء وتفسيره: بأخبار الأعاجم وملوكها وملوك الروم ونحو ذلك مما كان النضر بن الحارث يحدث به أهل مكة يشغلهم به عن القرآن فكلاهما لهو الحديث ولهذا قال ابن عباس: quot;لهو الحديث: الباطل والغناءquot;. فمن الصحابة من ذكر هذا ومنهم من ذكر الآخر ومنهم من جمعهما. والغناء أشد لهوا وأعظم ضررا من أحاديث الملوك وأخبارهم فإنه رقية الزنا ومنبت النفاق وشرك الشيطان وخمرة العقل وصده عن القرآن أعظم من صد غيره من الكلام الباطل لشدة ميل النفوس إليه ورغبتها فيه. إذا عرف هذا فأهل الغناء ومستمعوه لهم نصيب من هذا الذم بحسب اشتغالهم بالغناء عن القرآن وإن لم ينالوا جميعه فإن الآيات تضمنت ذم من استبدل لهو الحديث(1\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "244",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1516",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالقرآن ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا وإذا تليى عليه القرآن ولى مستكبرا كأن لم يسمعه كأن فى أذنيه وقرا وهو الثقل والصمم وإذا علم منه شيئا استهزأ به فمجموع هذا لا يقع إلا من أعظم الناس كفرا وإن وقع بعضه للمغنين ومستمعيهم فلهم حصة ونصيب من هذا الذم. يوضحه: أنك لا تجد أحدا عنى بالغناء وسماع آلاته إلا وفيه ضلال عن طريق الهدى علما وعملا وفيه رغبة عن استماع القرآن إلى استماع الغناء بحيث إذا عرض له سماع الغناء وسماع القرآن عدل عن هذا إلى ذاك وثقل عليه سماع القرآن وربما حمله الحال على أن يسكت القارئ ويستطيل قراءته ويستزيد المغنى ويستقصر نوبته وأقل ما فى هذا: أن يناله نصيب وافر من هذا الذم إن لم يحظ به جميعه والكلام فى هذا مع من فى قلبه بعض حياة يحس بها. فأما من مات قلبه وعظمت فتنته فقد سد على نفسه طريق النصيحة: ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم فى الدنيا خزى ولهم فى الآخرة عذاب عظيم [المائدة: 41] . فصل الاسم الثانى والثالث: الزور واللغو. قال تعالى: والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما [الفرقان: 72] . قال محمد بن الحنفية: quot;الزور هاهنا الغناءquot; وقاله ليث عن مجاهد وقال الكلبى: لا يحضرون مجالس الباطل. واللغو فى اللغة: كل ما يلغى ويطرح والمعنى: لا يحضرون مجالس الباطل وإذا مروا بكل ما يلغى من قول وعمل أكرموا أنفسهم أن يقفوا عليه أو يميلوا إليه. ويدخل فى هذا: أعياد المشركين كما فسرها به السلف والغناء وأنواع الباطل كلها.(1\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "245",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1517",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الزجاج: quot;لا يجالسون أهل المعاصى ولا يمالئونهم عليها ومروا مر الكرام الذين لا يرضون باللغو لأنهم يكرمون أنفسهم عن الدخول فيه والاختلاط بأهلهquot;. وقد روى أن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: مر بلهو فأعرض عنه فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;إن أصبح ابن مسعود لكريما quot;. وقد أثنى الله سبحانه على من أعرض عن اللغو إذا سمعه نقال: وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم [القصص: 55] . وهذه الآية وإن كان سبب نزولها خاصا فمعناها عام متناول لكل من سمع لغوا فأعرض عنه وقال بلسانه أو بقلبه لأصحابه: quot;لنا أعمالنا ولكم أعمالكمquot;. وتأمل كيف قال سبحانه لا يشهدون الزور [الفرقان: 72] . ولم يقل: بالزور لأن يشهدون بمعنى: يحضرون. فمدحهم على ترك حضور مجالس الزور فكيف بالتكلم به وفعله. والغناء من أعظم الزور. والزور: يقال على الكلام الباطل وعلى العمل الباطل وعلى العين نفسها كما فى حديث معاوية لما أخذ قصة من شعر يوصل به فقال: quot;هذا الزورquot; فالزور: القول والفعل والمحل. وأصل اللفظة من الميل ومنه الزور بالفتح ومنه: زرت فلانا إذا ملت إليه وعدلت إليه فالزور: ميل عن الحق الثابت إلى الباطل الذى لا حقيقة له قولا وفعلا.(1\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "246",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1518",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل الاسم الرابع: الباطل. والباطل: ضد الحق يراد به المعدوم الذى لا وجود له والموجود الذى مضرة وجوده أكثر من منفعته. فمن الأول: قول الموحد: كل إله سوى الله باطل ومن الثانى قوله: السحر باطل والكفر باطل قال تعالى: وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا [الإسراء: 81] . فالباطل إما معدوم لا وجود له وإما موجود لا نفع فيه فالكفر والفسوق والعصيان والسحر والغناء واستماع الملاهى: كله من النوع الثانى. قال ابن وهب: أخبرنى سليمان بن بلال عن كثير بن زيد: أنه سمع عبيد الله يقول للقاسم بن محمد: quot;كيف ترى فى الغناء قال: فقال له القاسم: هو باطل فقال: قد عرفت أنه باطل فكيف ترى فيه فقال له القاسم: أرأيت الباطل أين هو قال: فى النار قال: فهو ذاكquot;. وقال رجل لابن عباس رضى الله عنهما: quot;ما تقول فى الغناء أحلال هو أم حرام فقال: لا أقول حراما إلا ما فى كتاب الله. فقال: أفحلال هو فقال: ولا أقول ذلك ثم قال له: أرأيت الحق والباطل إذا جاء يوم القيامة فأين يكون الغناء فقال الرجل: يكون مع الباطل فقال له ابن عباس: اذهب فقد أفتيت نفسكquot;. فهذا جواب ابن عباس رضى الله عنهما عن غناء الأعراب الذى ليس فيه مدح الخمر والزنا واللواط والتشبيب بالأجنبيات وأصوات المعازف والآلات المطربات. [فإن غناء القوم لم يكن فيه شىء من ذلك ولو شاهدوا هذا الغناء لقالوا] أعظم قول. فإن مضرته وفتنته فوق مضرة شرب الخمر بكثير وأعظم من فتنته. فمن أبطل الباطل أن تأتى شريعة بإباحته فمن قاس هذا على غناء القوم فقياسه من جنس قياس الربا على البيع والميتة على المذكاة والتحليل الملعون فاعله على النكاح الذى هو(1\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "247",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1519",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. وهو أفضل من التخلى لنوافل العبادة فلو كان نكاح التحليل جائزا فى الشرع لكان أفضل من قيام الليل وصيام التطوع فضلا أن يلعن فاعله. فصل وأما اسم المكاء والتصدية. فقال تعالى عن الكفار: وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية [الأنفال: 35] . قال ابن عباس وابن عمر وعطية ومجاهد والضحاك والحسن وقتادة: quot;المكاء: الصفير والتصدية: التصفيقquot;. وكذلك قال أهل اللغة: المكاء: الصفير يقال: مكا يمكو مكاء إذا جمع يديه ثم صفر فيهما ومنه: مكت است الدابة إذا خرجت منها الريح بصوت. ولهذا جاء على بناء الأصوات كالرغاء والعواء والثغاء. قال ابن السكيت: الأصوات كلها مضمومة إلا حرفين: النداء والغناء. وأما التصدية: فهى فى اللغة: التصفيق يقال: صدى يصدى تصدية إذا صفق بيديه. قال حسان بن ثابت يعيب المشركين بصفيرهم وتصفيقهم: إذا قام الملائكة انبعثتم ... صلاتكم التصدى والمكاء وهكذا الأشباه يكون المسلمون فى الصلوات الفرض والتطوع وهم فى الصفير والتصفيق. قال ابن عباس رضى الله عنهما: quot;كانت قريش يطوفون بالبيت عراة ويصفرون ويصفقونquot;. وقال مجاهد: quot;كانوا يعارضون النبى صلى الله عليه وسلم فى الطواف ويصفرون ويصفقون يخلطون عليه صلاته وطوافهquot; ونحو ذلك عن مقاتل. ولا ريب أنهم كانوا يفعلوا هذا وهذا.(1\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "248",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1520",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالمتقربون إلى الله بالصفير والتصفيق أشباه النوع الأول وإخوانهم المخلطون به على أهل الصلاة والذكر والقراءة أشباه النوع الثانى. قال ابن عرفة وابن الأنبارى: المكاء والتصدية ليسا بصلاة ولكن الله تعالى أخبر أنهم جعلوا مكان الصلاة التى أمروا بها المكاء والتصدية فألزمهم ذلك عظيم الأوزار وهذا كقولك: زرته فجعل جفائى صلتى أى أقام الجفاء مقام الصلة. والمقصود: أن المصفقين والصفارين فى يراع أو مزمار ونحوه فيهم شبه من هؤلاء ولو أنه مجرد الشبه الظاهر فلهم قسط من الذم بحسب تشبههم بهم وإن لم يتشبهوا بهم فى جميع مكائهم وتصديتهم والله سبحانه لم يشرع التصفيق للرجال [وقت الحاجة إليه] فى الصلاة إذا نابهم أمر بل أمروا بالعدول عنه إلى التسبيح لئلا يتشبهوا بالنساء فكيف إذا فعلوه لا لحاجة وقرنوا به أنواعا من المعاصى قولا وفعلا. فصل وإنما تسميته رقية الزنى: فهو اسم موافق لمسماه ولفظ مطابق لمعناه فليس فى رقى الزنى أنجع منه وهذه التسمية معروفة عن الفضيل بن عياض. قال ابن أبى الدنيا: أخبرنا الحسن بن عبد الرحمن قال: قال فضيل بن عياض: quot;الغناء رقية الزنىquot;. قال: إبراهيم بن محمد المروزى عن أبى عثمان الليثى قال: قال يزيد بن الوليد: quot;يا بنى أمية إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء ويزيد فى الشهوة ويهدم المروءة وإنه(1\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "249",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1521",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعل السكر فإن كنتم لابد فاعلين فجنبوه النساء فإن الغناء داعية الزنىquot;. قال: وأخبرنى محمد بن الفضل الأزدى قال: نزل الحطيئة برجل من العرب ومعه ابنته مليكة فلما جنه الليل سمع غناء فقال لصاحب المنزل: كف هذا عنى فقال: وما تكره من ذلك فقال: إن الغناء رائد من رادة الفجور ولا أحب أن تسمعه هذه يعنى ابنته فإن كففته وإلا خرجت عنك. ثم ذكر عن خالد بن عبد الرحمن قال: quot;كنا فى عسكر سليمان بن عبد الملك فسمع غناء من الليل فأرسل إليهم بكرة فجئ بهم فقال: إن الفرس ليصهل فتستودق له الرمكة وإن الفحل ليهدر فتضبع له الناقة وإن التيس لينب فتستحرم له العنز وإن الرجل ليتغنى فتشتاق إليه المرأة. ثم قال: اخصوهم فقال عمر بن عبد العزيز: هذه المثلة ولا تحل فخلquot; [سبيلهم قال:] فخلى سبيلهمquot;. قال: وأخبرنى الحسين بن عبد الرحمن قال: قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: quot;جاوروا الحطيئة قوما من بنى كلاب فمشى ذو النهى منهم بعضهم إلى بعض وقالوا: يا قوم إنكم قد رميتم بداهية هذا الرجل شاعر والشاعر يظن فيحقق ولا يستأنى فيتثبت ولا يأخذ الفضل فيعفو فأتوه وهو فى فناء خبائه فقالوا: يا أبا مليكة إنه قد عظم حقك علينا بتخطيك القبائل إلينا وقد أتيناك لنسألك عما تحب فنأتيه وعما تكره فنزدجر عنه فقال: جنبونى ندى مجلسكم ولا تسمعونى أغانى شبيبتكم. فإن الغناء رقية الزنىquot;. فإذا كان هذا الشاعر المفتون اللسان الذى هابت العرب هجاه خاف عاقبة الغناء وأن تصل رقيته إلى حرمته فما الظن بغيره ولا ريب أن كل غيور يجنب أهله سماع الغناء كما يجنبهن أسباب الريب ومن طرق أهله إلى سماع رقية الزنى فهو أعلم بالإثم الذى يستحقه.(1\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "250",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1522",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن الأمر المعلوم عند القوم: أن المرأة إذا استصعبت على الرجل اجتهد أن يسمعها صوت الغناء فحينئذ تعطى الليان. وهذا لأن المرأة سريعة الانفعال للأصوات جدا فإذا كان الصوت بالغناء صار انفعالها من وجهين: من جهة الصوت ومن جهة معناه ولهذا قال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لأنجشة حادية: quot;يا أنجشة رويدك رفقا بالقواريرquot;: يعنى النساء. فأما إذا اجتمع إلى هذه الرقية الدف والشبابة والرقص بالتخنث والتكسر فلو حبلت المرأة من غناء لحبلت من هذا الغناء. فلعمر الله كم من حرة صارت بالغناء من البغايا وكم من حر أصبح به عبدا للصبيان أو الصبايا وكم من غيور تبدل به اسما قبيحا بين البرايا وكم من ذى غنى وثروة أصبح بسببه على الأرض بعد المطارف والحشايا وكم من معافى تعرض له فأمسى وقد حلت به أنواع البلايا وكم أهدى للمشغوف به من أشجان وأحزان فلم يجد بدا من قبول تلك الهدايا وكم جرع من غصة وأزال من نعمة وجلب من نقمة وذلك منه من إحدى العطايا وكم خبأ لأهله من آلام منتظرة وغموم متوقعة وهموم مستقبلة كما قيل: فسل ذا خبرة ينبيك عنه ... لتعلم كم خبايا فى الزوايا وحاذر إذا شغفت به سهاما ... مريشة بأهداب المنايا إذا ما خالطت قلبا كئيبا ... يقلب بين أطباق الرزايا ويصبح بعد أن قد كان حرا ... عفيف الفرج: عبدا للصبايا ويعطى من به يغنى غناء ... وذلك منه من شر العطايا فصل وأما تسميته: منبت النفاق. فقال على بن الجعد: حدثنا [محمد بن] طلحة عن سعيد بن كعب المروزى عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: quot;الغناء ينبت النفاق فى القلب كما ينبت الماء الزرعquot;.(1\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "251",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1523",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال شعبة: حدثنا الحكم عن حماد عن إبراهيم قال: قال عبد الله بن مسعود: quot;الغناء ينبت النفاق فى القلبquot;. وهو صحيح عن ابن مسعود من قوله. وقد روى عن ابن مسعود مرفوعا رواه ابن أبى الدنيا فى quot;كتاب ذم الملاهىquot;. قال: أخبرنا عصمة بن الفضل حدثنا حرمى بن عمارة حدثنا سلام بن مسكين حدثنا شيخ عن أبى وائل عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;الغناء ينبت النفاق فى القلب كما ينبت الماء البقلquot;. وقد تابع حرمى بن عمارة عليه بهذا الإسناد والمتن مسلم بن إبراهيم. قال أبو الحسين بن المنادى فى كتاب quot;أحكام الملاهىquot;: حدثنا محمد بن على بن عبد الله بن حمدان المعروف بحمدان الوراق حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا سلام بن مسكين فذكر الحديث. فمداره على هذا الشيخ المجهول وفى رفعه نظر والموقوف أصح. فإن قيل: فما وجه إنباته للنفاق فى القلب من بين سائر المعاصى قيل: هذا من أدل شئ على فقه الصحابة فى أحوال القلوب وأعمالها ومعرفتهم بأدويتها وأدوائها وأنهم هم أطباء القلوب دون المنحرفين عن طريقتهم الذين داووا أمراض القلوب بأعظم أدوائها فكانوا كالمدوى من السقم بالسم القاتل وهكذا والله فعلوا بكثير من الأدوية التى ركبوها أو بأكثرها فاتفق قلة الأطباء وكثرة المرضى وحدوث أمراض مزمنة لم تكن فى السلف والعدول عن الدواء النافع الذى ركبه الشارع وميل المريض إلى ما يقوى مادة المرض فاشتد المرض وتفاقم الأمر وامتلأت الدور والطرقات والأسواق من المرضى قام كل جهول يطبب الناس. فاعلم أن للغناء خواص لها تأثير فى صبغ القلب بالنفاق ونباته فيه كنبات الزرع بالماء. فمن خواصه: أنه يلهى القلب ويصده عن فهم القرآن وتدبره والعمل بما فيه فإن القرآن ينهى عن اتباع الهوى ويأمر بالعفة ومجانبة شهوات النفوس وأسباب الغى وينهى عن اتباع(1\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "252",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1524",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خطوات الشيطان والغناء يأمر بضد ذلك كله ويحسنه ويهيج النفوس إلى شهوات الغى فيثير كامنها ويزعج قاطنها ويحركها إلى كل قبيح ويسوقها إلى وصل كل مليحة ومليح فهو والخمر رضيعا لبان وفى تهييجهما على القبائح فرسا رهان فإنه صنو الخمر ورضيعه ونائبه وخليفته وخدينه وصديقه عقد الشيطان بينهما عقد الإخاء الذى لا يفسخ وأحكم بينهما شريعة الوفاء التى لا تفسخ وهو جاسوس القلوب وسارق المروءة وسوس العقل يتغلغل فى مكامن القلوب ويطلع على سرائر الأفئدة ويدب إلى محل التخيل فيثير ما فيه من الهوى والشهوة والسخافة والرقاعة والرعونة والحماقة. فبينا ترى الرجل وعليه سمة الوقار وبهاء العقل وبهجة الإيمان ووقار الإسلام وحلاوة القرآن. فإذا استمع الغناء ومال إليه نقص عقله وقل حياؤه وذهبت مروءته وفارقه بهاؤه وتخلى عنه وقاره وفرح به شيطانه وشكا إلى الله تعالى إيمانه وثقل عليه قرآنه وقال: يا رب لا تجمع بينى وبين قرآن عدوك فى صدر واحد فاستحسن ما كان قبل السماع يستقبحه وأبدى من سره ما كان يكتمه وانتقل من الوقار والسكينة إلى كثرة الكلام والكذب والزهزهة والفرقعة بالأصابع فيميل برأسه ويهز منكبيه ويضرب الأرض برجليه ويدق على أم رأسه بيديه ويثب وثبات الدباب ويدور دوران الحمار حول الدولاب ويصفق بيديه تصفيق النسوان ويخور من الوجد كخوران الثيران وتارة يتأوه تأوه الحزين وتارة يزعق زعقات المجانين ولقد صدق الخبير به من أهله حيث يقول: أتذكر ليلة وقد اجتمعنا ... على طيب السماع إلى الصباح ودارت بيننا كأس الأغانى ... فأسكرت النفوس بغير راح فلم تر فيهم إلا نشاوى ... سرورا والسرور هناك صاحى إذا نادى أخو اللذات فيه ... أجاب اللهو: حى على السماح ولم نملك سوى المهجات شيئا ... أرقناها لألحاظ الملاح وقال بعض العارفين: السماع يورث النفاق فى قوم والعناد فى قوم والتكذيب فى قوم والفجور فى قوم والرعونة فى قوم.(1\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "253",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1525",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأكثر ما يورث عشق الصور واستحسان الفواحش وإدمانه يثقل القرآن على القلب ويكرهه إلى سماعه بالخاصية وإن لم يكن هذا نفاقا فما للنفاق حقيقة. وسر المسألة: أنه قرآن الشيطان كما سيأتى فلا يجتمع هو وقرآن الرحمن فى قلب أبدا. وأيضا فإن أساس النفاق: أن يخالف الظاهر الباطن وصاحب الغناء بين أمرين إما أن يتهتك فيكون فاجرا أو يظهر النسك فيكون منافقا فإنه يظهر الرغبة فى الله والدار الآخرة وقلبه يغلى بالشهوات ومحبة ما يكرهه الله ورسوله من أصوات المعازف وآلات اللهو وما يدعو إليه الغناء ويهيجه فقلبه بذلك معمور وهو من محبة ما يحبه الله ورسوله وكراهة ما يكرهه قفر وهذا محض النفاق. وأيضا فإن الإيمان قول وعمل: قول الحق وعمل بالطاعة وهذا ينبت على الذكر وتلاوة القرآن. والنفاق: قول الباطل وعمل البغى هذا ينبت على الغناء. وأيضا فمن علامات النفاق: قلة ذكر الله والكسل عند القيام إلى الصلاة ونقر الصلاة وقل أن تجد مفتونا بالغناء إلا وهذا وصفه. وأيضا: فإن النفاق مؤسس على الكذب والغناء من أكذب الشعر فإنه يحسن القبيح ويزينه ويأمر به ويقبح الحسن ويزهد فيه وذلك عين النفاق. وأيضا فإن النفاق غش ومكر وخداع والغناء مؤسس على ذلك. وأيضا: فإن المنافق يفسد من حيث يظن أنه يصلح كما أخبر الله سبحانه بذلك عن المنافقين وصاحب السماع يفسد قلبه وحاله من حيث [يظن] أنه يصلحه. والمغنى يدعو القلوب إلى فتنة الشهوات والمنافق يدعوها إلى فتنة الشبهات قال الضحاك: quot;الغناء مفسدة للقلب مسخطة للربquot;. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدب ولده: quot;ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهى التى بدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن فإنه بلغنى عن الثقات من أهل العلم: أن صوت المعازف واستماع الأغانى واللهج بها ينبت النفاق فى القلب كما ينبت العشب على الماءquot;.(1\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "254",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1526",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالغناء يفسد القلب وإذا فسد القلب هاج فيه النفاق. وبالجملة. فإذا تأمل البصير حال أهل الغناء وحال أهل الذكر والقرآن تبين له حذق الصحابة ومعرفتهم بأدواء القلوب وأدويتها وبالله التوفيق. فصل وأما تسميته قرآن الشيطان. فمأثور عن التابعين وقد روى فى حديث مرفوع قال قتادة: quot;لما أهبط إبليس قال: يا رب لعنتنى فما عملى قال: السحر قال فما قرآنى قال: الشعر قال: فما كتابى قال: الوشم قال: فما طعامى قال: كل ميتة وما لم يذكر اسم الله عليه قال: فما شرابى قال: كل مسكر قال: فأين مسكنى قال: الأسواق قال فما صوتى قال: المزامير قال: فما مصايدى قال: النساءquot;. هذا والمعروف فى هذا وقفه وقد رواه الطبرانى فى quot;معجمهquot; من حديث أبى أمامة مرفوعا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. وقال ابن أبى الدنيا فى كتاب quot;مكايد الشيطان وحيلهquot; حدثنا أبو بكر التميمى حدثنا ابن أبى مريم حدثنا يحيى بن أيوب قال حدثنا ابن زحر عن على بن يزيد عن القاسم عن أبى أمامة عن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: quot;إن إبليس لما أنزل إلى الأرض قال: يا رب أنزلتنى إلى الأرض وجعلتنى رجيما فاجعل لى بيتا قال: الحمام قال: فاجعل لى مجلسا قال: الأسواق ومجامع الطرقات قال: فاجعل لى طعاما قال: كل ما لم يذكر اسم الله عليه قال: فاجعل لى شرابا قال: كل مسكر قال: فاجعل لى مؤذنا قال: المزمار قال: فاجعل لى قرآنا قال: الشعر قال: فاجعل لى كتابا قال: الوشم قال: فاجعل لى حديثا قال: الكذب قال: فاجعل لى رسلا قال الكهنة قال: فاجعل لى مصايد قال: النساءquot;. وشواهد هذا الأثر كثيرة فكل جملة منه لها شواهد من السنة أو من القرآن.(1\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "255",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1527",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكون السحر من عمل الشيطان شاهده قوله تعالى: واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر [البقرة: 102] . وأما كونه الشعر قرآنه فشاهده: ما رواه أبو داود فى quot;سننهquot; من حديث جبير بن مطعم: quot;أنه رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يصلى فقال: الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا الحمد لله كثيرا الحمد لله كثيرا الحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا ثلاثا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: من نفخه ونفثه وهمزهquot; قال: نفثه: الشعر ونفخه: الكبر وهمزه: الموته. ولما علم الله رسوله القرآن وهو كلامه صانه عن تعليم قرآن الشيطان. وأخبر أنه لا ينبغى له فقال: وما علمناه الشعر وما ينبغى له [يس: 69] . وأما كون الوشم كتابه فإنه من عمله وتزيينه ولهذا لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم quot;الواشمة والمستوشمةquot; فلعن الكاتبة والمكتوب عليها. وأما كون الميته ومتروك التسمية طعامه فإن الشيطان يستحل الطعام إذا لم يذكر عليه اسم الله ويشارك آكله والميتة لا يذكر عليها اسم الله تعالى فهى وكل طعام إذا لم يذكر عليه اسم الله عز وجل من طعامه ولهذا لما سأل الجن الذين آمنوا برسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الزاد قال: quot;لكم كل عظم ذكر اسم الله عليهquot;. فلم يبح لهم طعام الشياطين وهو متروك التسمية. وأما كون المسكر شرابه. فقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان [المائدة: 90] . فهو يشرب من الشراب الذى عمله أولياؤه بأمره وشاركهم فى عمله. فيشاركهم فى عمله وشربه وإثمه وعقوبته. وأما كون الأسواق مجلسه ففى الحديث الآخر: quot;أنه يركز رايته بالسوقquot; ولهذا يحضره(1\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "256",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1528",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اللغو واللغط والصخب والخيانة والغش. وكثير من عمله وفى صفة النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى الكتب المتقدمة: quot;أنه ليس صخابا بالأسواقquot;. وأما كون الحمام بيته فشاهده كونه غير محل للصلاة وفى حديث أبى سعيد: quot;الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمامquot;. ولأنه محل كشف العورات وهو بيت مؤسس على النار وهى مادة الشيطان التى خلق منها. وأما كون المزمار مؤذنه ففى غاية المناسبة فإن الغناء قرآنه والرقص والتصفيق اللذين هما المكاء والتصدية صلاته فلابد لهذه الصلاة من مؤذن وإمام ومأموم. فالمؤذن المزمار والإمام المغنى والمأموم الحاضرون. وأما كون الكذب حديثه فهو الكاذب الآمر بالكذب المزين له فكل كذب يقع فى العالم فهو تعليمه وحديثه. وأما كون الكهنة رسله فلأن المشركين يهرعون إليهم ويفزعون إليهم فى أمورهم العظام ويصدقونهم ويتحاكمون إليهم ويرضون بحكمهم كما يفعل أتباع الرسل بالرسل فإنهم يعتقدون أنهم يعلمون الغيب ويخبرون عن المغيبات التى لا يعرفها غيرهم فهم عند المشركين بهم بمنزلة الرسل فالكهنة رسل الشيطان حقيقة أرسلهم إلى حزبه من المشركين وشبههم بالرسل الصادقين حتى استجاب لهم حزبه ومثل رسل الله بهم لينفر عنهم ويجعل رسله هم الصادقين العالمين بالغيب ولما كان بين النوعين أعظم التضاد قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمدquot;. فإن الناس قسمان: أتباع الكهنة وأتباع رسل الله فلا يجتمع فى العبد أن يكون من هؤلاء وهؤلاء بل يبعد عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بقدر قربه من الكاهن ويكذب الرسول بقدر تصديقه للكاهن(1\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "257",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1529",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله: اجعل لى مصايد قال: مصايدك النساء فالنساء أعظم شبكة له يصطاد بهن الرجال كما سيأتى إن شاء الله تعالى فى الفصل الذى بعد هذا. والمقصود أن: الغناء المحرم قرآن الشيطان. ولما أراد عدو الله أن يجمع عليه نفوس المبطلين قرنه بما يزينه من الألحان المطربة وآلات الملاهى والمعازف وأن يكون من امرأة جملية أو صبى جميل. ليكون ذلك أدعى إلى قبول النفوس لقرآنه تعويضا به عن القرآن المجيد. فصل وأما تسميته بالصوت الأحمق والصوت الفاجر. فهى تسمية الصادق المصدوق الذى لا ينطق عن الهوى. فروى الترمذى من حديث ابن أبى ليلى عن عطاء عن جابر رضى الله عنه قال: quot;خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مع عبد الرحمن بن عوف إلى النخل فإذا ابنه إبراهيم يجود بنفسه فوضعه فى حجره ففاضت عيناه فقال عبد الرحمن: أتبكى وأنت تنهى الناس قال: إنى لم أنه عن البكاء وإنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة: لهو ولعب ومزامير شيطان وصوت عند مصيبة: خمش وجوه وشق جيوب ورنة وهذا هو رحمة ومن لا يرحم لا يرحم لولا أنه أمر حق ووعد صدق وأن آخرنا سيلحق أولنا لحزنا عليك حزنا هو أشد من هذا وإنا بك لمحزونون تبكى العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الربquot;. قال الترمذى: هذا حديث حسن. فانظر إلى هذا النهى المؤكد بتسميته صوت الغناء صوتا أحمق ولم يقتصر على ذلك حتى وصفه بالفجور ولم يقتصر على ذلك حتى سماه من مزامير الشيطان وقد أقر النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أبا بكر الصديق على تسمية الغناء مزمور الشيطان فى الحديث الصحيح كما سيأتى فإن لم يستفد التحريم من هذا لم نستفده من نهى أبدا. وقد اختلف فى قوله quot;لا تفعلquot; وقوله quot;نهيت عن كذاquot; أيهما أبلغ فى quot;التحريمquot;(1\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "258",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1530",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والصواب بلا ريب: أن صيغة quot;نهيتquot; أبلغ فى التحريم لأن quot;لا تفعلquot; يحتمل النهى وغيره بخلاف الفعل لصريح. فكيف يستجيز العارف إباحة ما نهى عنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وسماه صوتا أحمق فاجرا ومزمور الشيطان وجعله والنياحة التى لعن فاعلها أخوين وأخرج النهى عنهما مخرجا واحدا ووصفهما بالحمق والفجور وصفا واحدا. وقال الحسن: quot;صوتان ملعونان: مزمار عند نغمة ورنة عند مصيبةquot;. وقال أبو بكر الهذلى: quot;قلت للحسن: أكان نساء المهاجرات يصنعن ما يصنع النساء اليوم قال: لا ولكن هاهنا خمش وجوه وشق جيوب ونتف أشعار ولطم خدود ومزامير شيطان صوتان قبيحان فاحشان: عند نغمة إن حدثت وعند مصيبة إن نزلت ذكر الله المؤمنين فقال: والذين فى أموالهم حق معلوم  للسائل والمحروم [المعارج: 24-25] . وجعلتم أنتم فى أموالكم حقا معلوما للمغنية عند النغمة والنائحة عند المصيبة. فصل وأما تسميته صوت الشيطان. فقد قال تعالى للشيطان وحزبه: اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا  واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم فى الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا [الإسراء: 63-64] . قال ابن أبى حاتم فى تفسيره: حدثنا أبى أخبرنا أبو صالح كاتب الليث حدثنا معاوية بن صالح عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس: واستفزز من استطعت منهم بصوتك قال: quot;كل داع إلى معصيةquot;. ومن المعلوم أن الغناء من أعظم الدواعى إلى المعصية ولهذا فسر صوت الشيطان به. قال ابن أبى حاتم: حدثنا أبى. أخبرنا يحيى بن المغيرة. أخبرنا جرير عن ليث عن مجاهد.(1\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "259",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1531",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واستفزز من استطعت منهم بصوتك قال: quot;استزل منهم من استطعت قال: quot;وصوته الغناء والباطلquot;. وبهذا الإسناد إلى جرير عن منصور عن مجاهد قال: quot;صوته المزاميرquot;. ثم روى بإسناده عن الحسن البصرى قال: quot;صوته هو الدفquot;. وهذه الإضافة إضافة تخصيص كما أن إضافة الخيل والرجل إليه كذلك فكل متكلم بغير طاعة الله ومصوت بيراع أو مزمار أو دف حرام أو طبل فذلك صوت الشيطان وكل ساع فى معصية الله على قدميه فهو من رجله وكل راكب فى معصية الله فهو من خيالته كذلك قال السلف كما ذكر ابن أبى حاتم عن ابن عباس قال: quot;رجله كل رجل مشت فى معصية اللهquot;. وقال مجاهد: quot;كل رجل يقاتل فى غير طاعة الله فهو من رجلهquot;. وقال قتادة: quot;إن له خيلا ورجلا من الجن والإنسquot;. فصل وأما تسميته مزمور الشيطان. ففى quot;الصحيحينquot; عن عائشة رضى الله عنها قالت: quot;دخل على النبى صلى الله عليه وآله وسلم وعندى جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحول وجهه ودخل أبو بكر رضى الله عنه فانتهرنى وقال: مزمار الشيطان عند النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: quot;دعهماquot; فلما غفل غمزتهما فخرجنquot;.(1\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "260",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1532",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلم ينكر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على أبى بكر تسميته الغناء مزمار الشيطان وأقرهما لأنهما جاريتان غير مكلفتين تغنيان بغناء الأعراب الذى قيل فى يوم حرب بعاث من الشجاعة والحرب وكان اليوم يوم عيد فتوسع حزب الشيطان فى ذلك إلى صوت امرأة جميلة أجنبية أو صبى أمرد صوته فتنة وصورته فتنة يغنى بما يدعو إلى الزنى والفجور وشرب الخمور مع آلات اللهو التى حرمها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى عدة أحاديث كما سيأتى. مع التصفيق والرقص وتلك الهيئة المنكرة التى لا يستحلها أحد من أهل الأوثان فضلا عن أهل العلم والإيمان ويحتجون بغناء جويريتين غير مكلفتين بنشيد الأعراب ونحوها فى الشجاعة ونحوها وفى يوم عيد بغير شبابة ولا دف ولا رقص ولا تصفيق ويدعون المحكم الصريح لهذا المتشابه وهذا شأن كل مبطل. نعم نحن لا نحرم ولا نكره مثل ما كان فى بيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على ذلك الوجه وإنما نحرم وسائر أهل العلم والإيمان السماع المخالف لذلك وبالله التوفيق.(1\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "261",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1533",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وأما تسميته بالسمود. فقد قال تعالى: أفمن هذا الحديث تعجبون  وتضحكون ولا تبكون  وأنتم سامدون [النجم: 59-61] . قال عكرمة عن ابن عباس quot;السمود: الغناء فى لغة حميرquot;. يقال: اسمدى لنا أى غنى لنا وقال أبو زبيد: وكأن العزيف فيها غناء ... للندامى من شارب مسمود قال أبو عبيدة: quot;المسمود: الذى غنى لهquot; وقال عكرمة: quot;كانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا فنزلت هذه الآيةquot;. وهذا لا يناقض ما قيل فى هذه الآية من أن السمود الغفلة والسهو عن الشئ قال المبرد: هو الاشتغال عن الشئ بهم أو فرح يتشاغل به وأنشد: رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سمودا وقال ابن الأنبارى: السامد اللاهى والسامد الساهى والسامد المتكبر والسامد القائم. وقال ابن عباس فى الآية: quot;وأنتم مستكبرونquot;. وقال الضحاك: quot;أشرون بطرونquot; وقال مجاهد: quot;غضاب مبرطمونquot; وقال غيره: quot;لاهون غافلون معرضونquot;. فالغناء يجمع هذا كله ويوجبه. فهذه أربعة عشر اسما سوى اسم الغناء. فصل فى بيان تحريم رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الصريح لآلات اللهو والمعازف وسيأتى الأحاديث فى ذلك. عن عبد الرحمن بن غنم قال: حدثنى أبو عامر أو أبو مالك الأشعرى رضى الله عنهما أنه سمع النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: quot;ليكونن من أمتى قوم يستحلون الحر(1\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "262",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1534",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحرير والخمر والمعازفquot;. هذا حديث صحيح أخرجه البخارى فى quot;صحيحهquot; محتجا به وعلقه تعليقا مجزوما به فقال: quot;باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمهquot; وقال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثنا عطية بن قيس الكلابى حدثنى عبد الرحمن بن غنم الأشعرى حدثنى أبو عامر أو أبو مالك الأشعرى والله ما كذبنى أنه سمع النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: quot;ليكونن من أمتى أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم لحاجة فيقولوا ارجع إلينا غدا فيبيتهم الله تعالى ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامةquot;. ولم يصنع من قدح فى صحة هذا الحديث شيئا كابن حزم نصرة لمذهبه الباطل فى إباحة الملاهى وزعم أنه منقطع لأن البخارى لم يصل سنده به. وجواب هذا الوهم من وجوه:(1\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "263",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1535",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها: أن البخارى قد لقى هشام بن عمار وسمع منه فإذا قال quot;قال هشامquot; فهو بمنزلة قوله quot;عن هشامquot;. الثانى: أنه لو لم يسمع منه فهو لم يستجز الجزم به عنه إلا وقد صح عنه أنه حدث به. وهذا كثيرا ما يكون لكثرة من رواه عنه عن ذلك الشيخ وشهرته. فالبخارى أبعد خلق الله من التدليس. الثالث: أنه أدخله فى كتابه المسمى بالصحيح محتجا به فلولا صحته عنده لما فعل ذلك. الرابع: أنه علقه بصيغة الجزم دون صيغة التمريض فإذا توقف فى الحديث أو لم يكن على شرطه يقول: quot;ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذكر عنهquot; نحو ذلك: فإذا قال: quot;قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلمquot; فقد جزم وقطع بإضافته إليه. الخامس: أنا لو أضربنا عن هذا كله صفحا فالحديث صحيح متصل عند غيره. قال أبو داود فى كتاب اللباس: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا بشر بن بكر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثنا عطية بن قيس قال: سمعت عبد الرحمن ابن غنم الأشعرى قال حدثنا أبو عامر أو أبو مالك فذكره مختصرا. ورواه أبو بكر الإسماعيلى فى كتابه الصحيح مسندا فقال: أبو عامر ولم يشك. ووجه الدلالة منه: أن المعازف هى آلات اللهو كلها لا خلاف بين أهل اللغة فى ذلك. ولو كانت حلالا لما ذمهم على استحلالها ولما قرن استحلالها باستحلال الخمر والخز. فإن كان بالحاء والراء المهملتين فهو استحلال الفروج الحرام. وإن كان بالخاء والزاى المعجمتين فهو نوع من الحرير غير الذى صح عن الصحابة رضى الله عنهم لبسه. إذ الخز نوعان أحدهما: من حرير. والثانى: من صوف. وقد روى هذا الحديث بالوجهين. وقال ابن ماجه فى quot;سننهquot;: حدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا معن بن عيسى عن معاوية بن صالح عن حاتم بن حريث عن ابن أبى مريم عن عبد الرحمن بن غنم الأشعرى عن أبى مالك الأشعرى رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;ليشربن ناس من أمتى الخمر(1\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "264",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1536",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يسمونها بغير اسمها يعزف على رءوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم قردة وخنازيرquot;. وهذا إسناد صحيح. وقد توعد مستحلى المعازف فيه بأن يخسف الله بهم الأرض ويمسخهم قردة وخنازير. وإن كان الوعيد على جميع هذه الأفعال فلكل واحد قسط فى الذم والوعيد. وفى الباب عن سهل بن سعد الساعدى وعمران بن حصين وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عباس وأبى هريرة وأبى أمامة الباهلى وعائشة أم المؤمنين وعلى بن أبى طالب وأنس بن مالك وعبد الرحمن بن سابط والغازى بن ربيعة رضى الله عنهم. ونحن نسوقها لتقربها عيون أهل القرآن وتشجى بها حلوق أهل سماع الشيطان. فأما حديث سهل بن سعد فقال ابن أبى الدنيا: أخبرنا الهيثم بن خارجة حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبى حازم عن سهل بن سعد الساعدى قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;يكون فى أمتى خسف وقذف ومسخ قيل: يا رسول الله متى قال: إذا ظهرت المعازف والقينات واستحلت الخمرةquot;. وأما حديث عمران بن حصين فرواه الترمذى من حديث الأعمش عن هلال ابن يساف عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;يكون فى أمتى قذف وخسف ومسخ فقال رجل من المسلمين: متى ذاك يا رسول الله قال: إذا ظهرت القيان والمعازف وشربت الخمورquot; قال الترمذى: هذا حديث غريب. وأما حديث عبد الله بن عمرو فروى أحمد فى quot;مسندهquot; وأبو داود عنه أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;إن الله تعالى حرم على أمتى الخمر والميسر والكوبة والغبيراء وكل مسكر حرامquot;. وفى لفظ آخر لأحمد: quot;إن الله حرم على أمتى الخمر والميسر والمزر والكوبة والقنينquot;.(1\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "265",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1537",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث ابن عباس ففى المسند أيضا: عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة وكل مسكر حرامquot; والكوبة الطبل. قاله سفيان وقيل: البربط والقنين: هو الطنبور بالحبشية والتقنين: الضرب به قاله ابن الأعرابى. وأما حديث أبى هريرة رضى الله عنه. فرواه الترمذى عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;إذا اتخذ الفئ دولا والأمانة مغنما والزكاة مغرما وتعلم العلم لغير الدين وأطاع الرجل امرأته وعق أمه وأدنى صديقه وأقصى أباه وظهرت الأصوات فى المساجد وساد القبيلة فاسقهم وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره وظهرت القينات والمعازف وشربت الخمر ولعن آخر هذه الأمة أولها فلير تقبوا عند ذلك ريحا حمراء وزلزلة وخسفا ومسخا وقذفا وآيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابعquot;. قال الترمذى: هذا حديث حسن غريب. وقال ابن أبى الدنيا: حدثنا عبد الله بن عمر الجشمى حدثنا سليمان بن سالم أبو داود حدثنا حسان بن أبى سنان عن رجل عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;يمسخ قوم من هذه الأمة فى آخر الزمان قردة وخنازير. قالوا: يا رسول الله أليس يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قال: بلى ويصومون ويصلون ويحجون قيل: فما بالهم قال: اتخذوا المعازف والدفوف والقينات فباتوا على شربهم ولهوهم فأصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازيرquot;. وأما حديث أبى أمامة الباهلى فهو فى quot;مسندquot; أحمد والترمذى عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;تبيت طائفة من أمتى على أكل وشرب ولهو ولعب ثم يصبحون قردة وخنازير ويبعث على أحياء من أحيائهم ريح فينسفهم كما نسف من كان قبلكم باستحلالهم الخمر وضربهم بالدفوف واتخاذهم القيناتquot;. فى إسناده فرقد السبخى وهو(1\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "266",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1538",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من كبار الصالحين. ولكنه ليس بقوى فى الحديث وقال الترمذى: تكلم فيه يحيى بن سعيد وقد روى عنه الناس. وقال ابن أبى الدنيا: حدثنا عبد الله بن عمر الجشمى حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا فرقد السبخى حدثنا قتادة عن سعيد بن المسيب قال: وحدثنى عاصم بن عمرو البجلى عن أبى أمامة عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;يبت قوم من هذه الأمة على طعم وشرب ولهو فيصبحون وقد مسخوا قردة وخنازير وليصيبنهم خسف وقذف حتى يصبح الناس فيقولون: خسف الليله بدار فلان خسف الليلة ببنى فلان وليرسلن عليهم حجارة من السماء كما أرسلت على قوم لوط على قبائل فيها وعلى دور فيها وليرسلن عليهم الريح العقيم التى أهلكت عادا بشربهم الخمر وأكلهم الربا واتخاذهم القينات وقطيعتهم الرحمquot;. وفى quot;مسندquot; أحمد من حديث عبيد الله بن زحر عن على بن يزيد عن القاسم عن أبى أمامة عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;إن الله بعثنى رحمة وهدى للعالمين وأمرنى أن أمحق المزامير والكبارات يعنى البرابط والمعازف والأوثان التى كانت تعبد فى الجاهليةquot;. قال البخارى: عبيد الله بن زحر ثقة وعلى بن يزيد ضعيف والقاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن ثقة. وفى الترمذى وquot;مسندquot; أحمد بهذا الإسناد بعينه: أن النبى صلى الله تعالي عليه وآله وسلم قال: quot;لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير فى تجارة فيهن وثمنهن حرامquot;. وفى مثل هذا نزلت هذه الآية: ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ... الآية [لقمان: 6] .(1\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "267",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1539",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث عائشة رضى عنها فقال ابن أبى الدنيا: حدثنا الحسن بن محبوب حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم حدثنا أبو معشر عن محمد بن المنكدر عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;يكون فى أمتى خسف ومسخ وقذف قالت عائشة: يا رسول الله وهم يقولون لا إله إلا الله فقال: إذا ظهرت القينات وظهر الزنى وشربت الخمر ولبس الحرير كان ذا عند ذاquot;. وقال ابن أبى الدنيا أيضا: حدثنا محمد بن ناصح حدثنا بقية بن الوليد عن يزيد ابن عبد الله الجهنى حدثنى أبو العلاء عن أنس بن مالك أنه دخل على عائشة رضى الله عنها ورجل معه فقال لها الرجل: quot;يا أم المؤمنين حدثينا عن الزلزلة فقالت: إذا استباحوا الزنى وشربوا الخمر وضربوا بالمعازف غار الله فى سمائه فقال: تزلزلى [بهم]  فإن تابوا وفزعوا وإلا هدمتها عليهم قال قلت: يا أم المؤمنين أعذاب لهم قالت: بل موعظة ورحمة وبركة للمؤمنين ونكال وعذاب وسخط على الكافرينquot; قال أنس: quot;ما سمعت حدثيا بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنا أشد به فرحا منى بهذا الحديثquot;. وأما حديث على فقال ابن أبى الدنيا أيضا: حدثنا الربيع بن تغلب حدثنا فرج ابن فضالة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن على عن على رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: quot;إذا عملت أمتى خمس عشرة خصلة حل بها البلاء قيل: يا رسول الله وما هن قال: إذا كان المغنم دولا والأمانة مغنما والزكاة مغرما وأطاع الرجل زوجته وعق أمه وبر صديقه وجفا أباه وارتفعت الأصوات فى المساجد وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره وشربت الخمور ولبس الحرير واتخذت القيان ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وخسفا ومسخاquot;. حدثنا عبد الجبار بن عاصم قال: حدثنا أبو طالب قال حدثنا إسماعيل ابن عياش عن عبد الرحمن التميمى عن عباد بن أبى على عن على رضى الله عنه رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال: quot; تمسخ طائفة من أمتى قردة وطائفة خنازير ويخسف بطائفة ويرسل على طائفة الريح العقيم بأنهم شربوا الخمر ولبسوا الحرير واتخذوا القيان وضربوا بالدفوفquot;.(1\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "268",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1540",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث أنس رضى الله عنه فقال ابن أبى الدنيا: حدثنا أبو عمرو هارون ابن عمر القرشى حدثنا الخصيب بن كثير عن أبى بكر الهذلى عن قتادة عن أنس رضى الله عنه قال: قال رسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;ليكونن فى هذه الأمة خسف وقذف ومسخ ذلك إذا شربوا الخمور واتخذوا القينات وضربوا بالمعازفquot;. قال: وأخبرنا أبو إسحاق الأزدى حدثنا إسماعيل بن أبى أويس حدثنى عبد الرحمن [بن زيد] بن أسلم عن أحد ولد أنس بن مالك وعن غيره عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;ليبيتن رجال على أكل وشرب وعزف فيصبحون على أرائكهم ممسوخين قردة وخنازيرquot;. وأما حديث عبد الرحمن بن سابط فقال ابن أبى الدنيا: أخبرنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا جرير عن أبان بن تغلب عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن سابط قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;يكون فى أمتى خسف وقذف ومسخ قالوا: فمتى ذاك يا رسول الله قال: إذا أظهرت المعازف واستحلوا الخمورquot;. وأما حديث الغازى بن ربيعة. فقال ابن أبى الدنيا حدثنا: عبد الجبار بن عاصم حدثنا إسمعيل بن عياش عن عبيد الله بن عبيد عن أبى العباس الهمدانى عن عمارة بن راشد عن الغازى بن ربيعة رفع الحديث قال: quot;ليمسخن قوم وهم على أريكتهم قردة وخنازير بشربهم الخمر وضربهم بالبرابط والقيانquot;. قال ابن أبى الدنيا: وحدثنا عبد الجبار بن عاصم قال حدثنى المغيرة بن المغيرة عن صالح بن خالد رفع ذلك إلى النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال: quot;ليستحلن ناس من أمتى الحرير والخمر والمعازف وليأتين الله على أهل حاضر منهم عظيم بجبل حتى ينبذه عليهم ويمسخ آخرون قردة وخنازيرquot;. قال ابن أبى الدنيا: حدثنا هارون بن عبيد الله حدثنا يزيد بن هارون حدثنا أشرس أبو شيبان الهذلى قال: قلت لفرقد السبخى: أخبرنى يا أبا يعقوب من تلك الغرائب التى قرأت فى التوراة فقال: quot;يا أبا شيبان والله ما أكذب على ربى مرتين أو ثلاثا لقد قرأت(1\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "269",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1541",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فى التوراة: ليكونن مسخ وخسف وقذف فى أمة محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى أهل القبلة قال: قلت يا أبا يعقوب ما أعمالهم قال: باتخاذهم القينات وضربهم بالدفوف ولباسهم الحرير والذهب ولئن بقيت حتى ترى أعمالا ثلاثة فاستيقن واستعد واحذر. قال قلت: ما هى قال: إذا تكافأ الرجال بالرجال والنساء بالنساء ورغبت العرب فى ابنه العجم فعند ذلك. قلت له: العرب خاصة قال: لا بل أهل القبلة ثم قال: والله ليقذفن رجال من السماء بحجارة يشدخون بها فى طرقهم وقبائلهم. كما فعل بقوم لوط وليمسخن آخرون قردة وخنازير كما فعل ببنى إسرائيل وليخسفن بقوم كما خسف بقارونquot;. وقد تظاهرت الأخبار بوقوع المسخ فى هذه الأمة وهو مقيد فى أكثر الأحاديث بأصحاب الغناء وشراب الخمر وفى بعضها مطلق. قال سالم بن أبى الجعد: quot;ليأتين على الناس زمان يجتمعون فيه على باب رجل ينتظرون أن يخرج إليهم فيطلبون إليه حاجتهم فيخرج إليهم وقد مسخ قردا أو خنزيرا وليمرن الرجل على الرجل حانوته يبيع فيرجع إليه وقد مسخ قردا أو خنزيراquot;. وقال أبو هريرة رضى الله عنه: quot;لا تقوم الساعة حتى يمشى الرجلان إلى الأمر يعملانه فيمسخ أحدهما قردا أو خنزيرا فلا يمنع الذى نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمضى إلى شأنه ذلك حتى يقضى شهوته وحتى يمشى الرجلان إلى الأمر يعملانه فيخسف بأحدهما فلا يمنع الذى نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمشى لشأنه ذلك حتى يقضى شهوته منهquot;. وقال عبد الرحمن بن غنم: quot;سيكون حيان متجاورين فيشق بينهما نهر فيستقيان منه قبسهم واحد يقبس بعضهم من بعض فيصبحان يوما من الأيام قد خسف بأحدهما والآخر حىquot;. وقال عبد الرحمن بن غنم أيضا: quot;يوشك أن يقعد اثنان على رحا يطحنان فيمسخ أحدهما والآخر ينظرquot;.(1\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "270",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1542",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال مالك بن دينار: quot;بلغنى أن ريحا تكون فى آخر الزمان وظلم فيفزع الناس إلى علمائهم فيجدونهم قد مسخواquot;. قال بعض أهل العلم: إذا اتصف القلب بالمكر والخديعة والفسق وانصبغ بذلك صبغا تاما صار صاحبه على خلق الحيوان الموصوف بذلك: من القردة والخنازير وغيرهما ثم لا يزال يتزايد ذلك الوصف فيه حتى يبدو على صفحات وجهه بدوا خفيا ثم يقوى ويتزايد حتى يصير ظاهرا على الوجه ثم يقوى حتى يقلب الصورة الظاهرة كما قلب الهيئة الباطنة ومن له فراسة تامة يرى على صور الناس مسخا من صور الحيوانات التى تخلقوا بأخلاقها فى الباطن فقل أن ترى محتالا مكارا مخادعا ختارا إلا وعلى وجهه مسخة قرد وقل ترى رافضيا إلا وعلى وجهه مسخة خنزير وقل أن ترى شرها نهما نفسه نفس كلبية إلا وعلى وجهه مسخة كلب. فالظاهر مرتبط بالباطن أتم ارتباط فإذا استحكمت الصفات المذمومة فى النفس قويت على قلب الصورة الظاهرة ولهذا خوف النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من سابق الإمام فى الصلاة بأن يجعل الله صورته صورة حمار لمشابهته للحمار فى الباطن فإنه لم يستفد بمسابقة الإمام إلا فساد صلاته وبطلان أجره فإنه لا يسلم قبله فهو شبه الحمار فى البلادة وعدم الفطنة. إذا عرف هذا فأحق الناس بالمسخ هؤلاء الذين ذكروا فى هذه الأحاديث فهم أسرع الناس مسخا قردة وخنازير لمشابهتهم لهم فى الباطن وعقوبات الرب تعالى نعوذ بالله منها جارية على وفق حكمته وعدله. وقد ذكرنا شبه المغذين والمفتونين بالسماع الشيطانى ونقضناها نقضا وإبطالا فى كتابنا الكبير فى السماع وذكرنا الفرق بين ما يحركه سماع الأبيات وما يحركه سماع الآيات(1\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "271",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1543",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكرنا الشبهة التى دخلت على كثير من العباد فى حضوره حتى عدوه من القرب فمن أحب الوقوف على ذلك فهو مستوفى فى ذلك الكتاب وإنما أشرنا ههنا إلى نبذة يسيرة فى كونه من مكايد الشيطان وبالله التوفيق. فصل ومن مكايده التى بلغ فيها مرادة: مكيدة التحليل الذى لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فاعله وشبهه بالتيس المستعار وعظم بسببه العار والشنار وعير المسلمين به الكفار وحصل بسببه من الفساد مالا يحصيه إلا رب العباد واستكريت له التيوس المستعارات وضاقت به ذرعا النفوس الأبيات ونفرت منه أشد من نفارها من السفاح وقالت: لو كان هذا نكاحا صحيحا لم يلعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من أتى بما شرعه من النكاح فالنكاح سنته وفاعل السنة مقرب غير ملعون والمحلل مع وقوع اللعنة عليه بالتيس المستعار مقرون فقد سماه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالتيس المستعار وسماه السلف بمسمار النار فلو شاهدت الحرائر المصونات على حوانيت المحللين متبذلات تنظر المرأة إلى التيس نظرة الشاة إلى شفرة الجازر وتقول: يا ليتنى قبل هذا كنت من أهل المقابر حتى إذا تشارطا على ما يجلب اللعنة والمقت نهض واستتبعها خلفه للوقت بلا زفاف ولا إعلان بل بالتخفى والكتمان فلا جهاز ينقل ولا فراش إلى بيت الزوج يحول ولا صواحب يهدينها إليه ولا مصلحات يجلينها عليه ولا مهر مقبوض ولا مؤخر ولا نفقة ولا كسوة تقدر ولا وليمة ولا نثار ولا دف إعلان ولا شعار والزوج يبذل المهر وهذا التيس يطأ بالأجر حتى إذا خلا بها وأرخى الحجاب والمطلق والولى واقفان على الباب دنا ليطهرها بمائه النجس الحرام ويطيبها بلعنة الله ورسوله عليه الصلاة والسلام حتى إذا قضيا عرس التحليل ولم يحصل بينهما المودة والرحمة التى ذكرها الله تعالى فى التنزيل. فإنها لا تحصل باللعن الصريح ولا يوجبها إلا النكاح الجائر الصحيح. فإن كان قد قبض أجرة ضرابه سلفا وتعجيلا وإلا حبسها حتى تعطيه أجره طويلا. فهل سمعتم بزوج لا يأخذ بالساق(1\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "272",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1544",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حتى يأخذ أجرته بعد الشرط والاتفاق حتى إذا طهرها وطيبها وخلصها بزعمه من الحرام وجنبها. قال لها: اعترفى بما جرى بيننا ليقع عليك الطلاق فيحصل بعد ذلك بينكما الالتئام والاتفاق فتأتى المصخمة إلى حضرة الشهود فيسألونها: هل كان ذاك فلا يمكنها الجحود فيأخذون منها أو من المطلق أجرا وقد أرهقوهما من أمرهما عسرا هذا وكثير من هؤلاء المستأجرين للضراب يحلل الأم وابنتها فى عقدين ويجمع ماءه فى أكثر من أربع وفى رحم أختين وإذا كان هذا من شأنه وصفته فهو حقيق بما رواه عبد الله ابن مسعود رضى الله تعالى عنه قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل لهquot;. رواه الحاكم فى الصحيح والترمذى وقال: حديث حسن صحيح قال: والعمل عليه عند أهل العلم. منهم: عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر رضى الله عنهم وهو قول الفقهاء من التابعين. ورواه الإمام أحمد فى quot;مسندهquot; والنسائى فى quot;سننهquot; بإسناد صحيح ولفظهما quot;لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة والمؤتشمة والواصلة والموصولة والمحلل والمحلل له وآكل الربا وموكلهquot;. وفى quot;مسند الإمام أحمدquot; وquot;سنن النسائىquot; أيضا: عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: quot;آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه إذا علموا به والواصلة والمستوصلة ولاوى الصدقة والمعتدى فيها والمرتد على عقبيه أعرابيا بعد هجرته والمحلل والمحلل له: ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامةquot;. وعن على بن أبى طالب رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم quot;أنه لعن المحلل لهquot; رواه الإمام أحمد وأهل السنن كلهم غير النسائى. وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم(1\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "273",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1545",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;لعن الله المحلل والمحلل لهquot; رواه الإمام أحمد بإسناد رجاله كلهم ثقات وثقهم ابن معين وغيره. وقال الترمذى فى كتاب quot;العللquot;: سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن وعبد الله بن جعفر المخزومي صدوق ثقة وعثمان بن محمد الأخنسي ثقة. وقال أبو عبد الله بن ماجه فى سننه: حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو عامر عن زمعة بن صالح عن سلمة بن وهران عن عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: quot;لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل لهquot;. وعن ابن عباس أيضا قال: quot;سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن المحلل فقال: لا إلا نكاح رغبة لا نكاح دلسة ولا استهزاء بكتاب الله ثم تذوق العسيلةquot;. رواه أبو إسحاق الجوزجانى فى كتاب المترجم قال: أخبرنى إبراهيم بن إسماعيل ابن أبى جبيبة عن داود بن حصين عن عكرمة عنه وهؤلاء كلهم ثقات إلا إبراهيم فإن كثيرا من الحفاظ يضعفه والشافعى حسن الرأى فيه ويحتج بحديثه. وعن عقبة بن عامر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;ألا أخبركم بالتيس المستعار قالوا: بلى يا رسول الله قال: هو المحلل. لعن الله المحلل والمحلل لهquot;. رواه ابن ماجه بإسناد رجاله كلهم موثقون لم يجرح واحد منهم. وعن عمرو بن دينار وهو من أعيان التابعين: quot;أنه سئل عن رجل طلق امرأته فجاء رجل من أهل القرية بغير علمه ولا علمها فأخرج شيئا من ماله فتزوجها ليحلها له فقال لا ثم ذكر أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن مثل ذلك فقال: quot;لا حتى ينكح مرتغبا لنفسه فإذا فعل ذلك لم تحل له حتى يذوق العسيلةquot;. ورواه أبو بكر بن أبى شيبة فى المصنف بإسناد جيد. وهذا المرسل قد احتج به من أرسله فدل على ثبوته عنده وقد عمل به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتى وهو موافق لبقية الأحاديث الموصولة ومثل هذا حجة(1\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "274",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1546",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "باتفاق الأئمة وهو والذى قبله نص فى التحليل المنوى وكذلك حديث نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما: quot;أن رجلا له: امرأة تزوجتها أحلها لزوجها لم يأمرنى ولم يعلم قال: لا. إلا نكاح رغبة إن أعجبتك أمسكتها وإن كرهتها فارقتها وإن كنا لنعد هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سفاحاquot; ذكره شيخ الإسلام فى إبطال التحليل. فصل وأما الآثار عن الصحابة. ففى كتاب quot;المصنفquot; لابن أبى شيبة وquot;سننquot; الأثرم وquot;الأوسطquot; لابن المنذر عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: quot;لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهماquot;. ولفظ عبد الرزاق وابن المنذر: quot;لا أوتى بمحلل ولا محللا إلا رجمتهماquot; وهو صحيح عن عمر. وقال عبد الرزاق: عن معمر عن الزهرى عن عبد الملك بن المغيرة قال: quot;سئل ابن عمر رضى الله تعالى عنهما عن تحليل المرأة لزوجها فقال: ذاك السفاحquot; ورواه ابن أبى شيبة. وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثورى عبد الله بن شريك العامرى قال: سمعت ابن عمر رضى الله تعالى عنهما: quot;سئل عن رجل طلق ابنة عم له ثم رغب فيها وندم فأراد أن يتزوجها رجل يحللها له فقال ابن عمر رضى الله عنهما: كلاهما زان وإن مكث عشرين سنة أو نحو ذلك إذا كان الله يعلم أنه يريد أن يحلها لهquot;. قال وأنبأنا معمر والثورى عن الأعمش عن مالك بن الحارث عن ابن عباس رضى الله عنهما وسأله رجل فقال: quot;إن عمى طلق امرأته ثلاثا فقال: إن عمك عصى الله فأندمه وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا قال: كيف ترى فى رجل يحللها قال: من يخادع الله يخدعهquot;.(1\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "275",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1547",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعن سليمان بن يسار قال: quot;رفع إلى عثمان رضى الله عنه رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها ففرق بينهما وقال: لا ترجع إليه إلا بنكاح رغبة غير دلسةquot;. رواه أبو إسحق الجورجانى فى quot;كتاب المترجمquot; وذكره ابن المنذر عنه فى كتاب الأوسطquot;. وفى quot;المهذبquot; لأبى إسحق الشيرازى عن أبى مرزوق التجيبى: quot;أن رجلا أتى عثمان رضى الله عنه فقال: إن جارى طلق امرأته فى غضبه ولقى شدة فأردت أن أحتسب نفسى ومالى فأتزوجهاquot; ثم أبنى بها ثم أطلقها فترجع إلى زوجها الأول فقال له عثمان رضى الله عنه: لا تنكحها إلا نكاح رغبةquot;. وذكر أبو بكر الطرطوشى فى خلافه عن يزيد بن أبى حبيب عن على بن أبى طالب رضى الله عنه فى المحلل: quot;لا ترجع إليه إلا بنكاح رغبة غير دلسة ولا استهزاء بكتاب اللهquot; وعلى رضى الله عنه هو ممن روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;أنه لعن المحللquot; فقد جعل هذا من التحليل. وروى ابن أبى شيبة فى quot;مصنفهquot; عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: quot;لعن الله المحلل والمحلل لهquot; وهو ممن روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لعن المحلل. وقد فسره بما قصد به التحليل وإن لم تعلم به المرأة فكيف بما اتفقا عليه وتراضيا وتعاقدا على أنه نكاح لعنة لا نكاح رغبة وذكر ابن أبى شيبة عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: quot;لعن الله المحلل والمحلل لهquot;. وروى الجوزجانى بإسناد جيد عن ابن عمر رضى الله عنهما: quot;أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها فقال: لعن الله الحال والمحلل لهquot;. قال شيخ الإسلام: وهذه الآثار عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن عمر رضى الله عنهم مع أنها نصوص فيما إذا قصد التحليل ولم يظهره ولم يتواطآ عليه فهى مبينة أن هذا هو التحليل وهو المحلل الملعون على لسان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فإن أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أعلم بمراده ومقصوده. لاسيما إذا رووا حديثا وفسروه بما يوافق الظاهر. هذا مع أنه لم يعلم أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فرق بين تحليل وتحليل ولا رخصوا فى شىء من أنواعه مع أن المطلقة(1\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "276",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1548",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثلاثا مثل امرأة رفاعة القرظى قد كانت تختلف إليه المدة الطويلة: وإلى خلفائه لتعود إلى زوجها فيمنعونها من ذلك. ولو كان التحليل جائزا لدلها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على ذلك فإنها لم تكن تعدم من يحللها لو كان التحليل جائزا. قال: والأدلة الدالة على أن هذه الأحاديث النبوية قصد بها التحليل وإن لم يشترط فى العقد كثير جدا ليس هذا موضع ذكرها انتهى. ذكر الآثار عن التابعين قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن قتادة قال: quot;إذا نوى الناكح أو المنكح أو المرأة أو أحد منهم التحليل. فلا يصلحquot;. أخبرنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: quot;المحلل عامدا هل عليه عقوبة قال: ما علمت وإنى لأرى أن يعاقبquot; قال: وكلهم إن تمالئووا على ذلك مستوون وإن أعظموا الصداقquot;. أخبرنا معمر عن قتادة قال: quot;إن طلقها المحلل فلا يحل لزوجها الأول أن يقربها إذا كان نكاحه على وجه التحليلquot;. أخبرنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: quot;فطلق المحلل فراجعها زوجها قال: يفرق بينهماquot;. أخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول فى رجل تزوج امرأة يحللها ولا يعلمها فقال الحسن: quot;اتق الله ولا تكن مسمار نار فى حدود اللهquot;. قال ابن المنذر: وقال إبراهيم النخعى: quot;إذا كان نية أحد الثلاثة: الزوج الأول أو الزوج الآخر أو المرأة: أنه محلل فنكاح الآخر باطل ولا تحل للأولquot;.(1\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "277",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1549",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[قال: وقال الحسن البصرى: quot;إذا هم أحد الثلاثة بالتحليل فقد أفسدquot;] . قال: وقال بكر بن عبد الله المزنى فى الحال والمحلل له: quot;أولئك كانوا يسمون فى الجاهلية: التيس المستعارquot;. قال: وقال عبد الله بن أبى نجيح عن مجاهد فى قوله تعالى: إن ظنا أن يقيما حدود الله [البقرة: 230] . قال: quot;إن ظنا أن نكاحهما على غير دلسةquot; ورواه ابن أبى حاتم فى التفسير عنه. وقال هشيم: أخبرنا سيار عن الشعبى: quot;أنه سئل عن رجل تزوج امرأة كان زوجها طلقها ثلاثا قبل ذلك: أيطلقها لترجع إلى زوجها الأول فقال: لا حتى يحدث نفسه أنه يعمر معها وتعمر معهquot; أى تقيم معه رواه الجوزجانى. وروى عن النفيلى حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبى غنية حدثنا عبد الملك عن عطاء: quot;فى الرجل يطلق المرأة فينطلق الرجل الذى يتحزن له فيتزوجها من غير مؤامرة منه فقال: إن كان تزوجها ليحلها له لم تحل له وإن كان تزوجها يريد إمساكها فقد حلت لهquot;. وقال سعيد بن المسيب: quot;فى رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها الأول ولم يشعر بذلك زوجها الأول ولا المرأة قال: إن كان إنما نكحها ليحلها فلا يصلح ذلك لهما ولا تحل لهquot; رواه حرب فى مسائله. وعنه أيضا قال: quot;إن الناس يقولون: حتى يجامعها وأنى أقول: إذا تزوجها تزويجا صحيحا لا يريد بذلك إحلالها فلا بأس أن يتزوجها الأولquot; رواه سعيد ابن منصور عنه. فهؤلاء الأئمة الأربعة أركان التابعين وهم: الحسن وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبى رباح وإبراهيم النخعى. وقال أبو الشعثاء جابر بن زيد: quot;فى رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها الأول وهو لا يعلم قال لا يصلح ذلك إذا كان تزوجها ليحلهاquot;.(1\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "278",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1550",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذكر الاثار عن تابعى التابعين ومن بعدهم قال ابن المنذر: وممن قال: إن ذلك لا يصلح إلا نكاح رغبة: مالك بن أنس والليث بن سعد وقال مالك رحمة الله: quot;يفرق بينهما على كل حال وتكون الفرقة فسخا بغير طلاقquot;. وقال سفيان الثورى: quot;إذا تزوجها وهو يريد أن يحلها لزوجها ثم بدا له أن يمسكها لا يعجبنى إلا أن يفارق ويستقبل نكاحا جديداquot;. قال أحمد بن حنبل: quot;جيدquot;. وقال إسحاق: quot;لا يحل له أن يمسكها لأن المحلل لم تتم له عقدة النكاحquot;. وكان أبو عبيد يقول بقول الحسن والنخعى. وقال الجوزجانى: حدثنا إسماعيل بن سعيد قال: سألت أحمد بن حنبل عن الرجل تزوج المرأة وفى نفسه أن يحللها لزوجها الأول ولم تعلم المرأة بذلك فقال: quot;هو محلل وإذا أراد بذلك الإحلال فهو ملعونquot;. قال الجوزجانى: وبه قال أيوب. وقال ابن أبى شيبة: quot;لست أرى أن ترجع بهذا النكاح إلى زوجها الأولquot;. قال الجوزجانى: وأقول: إن الإسلام دين الله الذى اختاره واصطفاه وطهره حقيق بالتوقير والصيانة مما لعله يشينه وينزه مما أصبح أبناء الملل من أهل الذمة يعيرون به المسلمين على ما تقدم فيه من النهى عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولعنه عليه ثم ساق الأحاديث المرفوعة فى ذلك والآثار. فصل ومن العجائب معارضة هذه الأحاديث والآثار عن الصحابة بقوله تعالى: فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره [البقرة: 230] . والذى أنزلت عليه هذه الآية(1\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "279",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1551",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو الذى لعن المحلل والمحلل له وأصحابه أعلم الناس بكتاب الله تعالى: فلم يجعلوه زوجا وأبطلوا نكاحه ولعنوه. وأعجب من هذا قول بعضهم: نحن نحتج بكونه سماه quot;محللاquot; فلولا أنه أثبت الحل لم يكن محللا. فيقال: هذه من العظائم فإن هذا يتضمن أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لعن من فعل السنة التى جاء بها وفعل ما هو جائز صحيح فى شريعته وإنما سماه محللا لأنه أحل ما حرم الله فاستحق اللعنة فإن الله سبحانه حرمها على المطلق حتى تنكح زوجا غيره والنكاح اسم فى كتاب الله وسنة رسوله للنكاح الذى يتعارفه الناس بينهم نكاحا وهو الذى شرع إعلانه والضرب عليه بالدفوف والوليمة فيه وجعل للإيواء والسكن وجعله الله مودة ورحمة وجرت العادة فيه بضد ما جرت به فى نكاح المحلل فإن المحلل لم يدخل على نفقة ولا كسوة ولا سكنى ولا إعطاء مهر ولا تحصل نسب ولا صهر ولا قصد المقام مع الزوجة وإنما دخل عارية كالتيس المستعار للضراب ولهذا شبهه به النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ثم لعنه فعلم قطعا [لا شك فيه أنه ليس هو الزوج المذكور فى القرآن ولا نكاحه هو النكاح المذكور فى القرآن وقد فطر الله سبحانه قلوب الناس على أن هذا] ليس بنكاح ولا المحلل بزوج وأن هذا منكر قبيح تعير به المرأة والزوج والمحلل والولى فكيف يدخل هذا فى النكاح الذى شرعه الله ورسوله وأحبه وأخبر أنه سنته ومن رغب عنه فليس منه وتأمل قوله تعالى: فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا [البقرة: 230] . أى فإن طلقها هذا الثانى فلا جناح عليها وعلى الأول أن يتراجعا أى ترجع إليه بعقد جديد فأتى بحرق quot;إنquot; الدالة على أنه يمكنه أن يطلق وأن يقيم والتحليل الذى يفعله هؤلاء لا يتمكن الزوج فيه من الأمرين بل يشرطون عليه أنه متى وطئها فهى طالق ثم لما علموا أنه قد لا يخبر بوطئها ولا يقبل قولها فى وقوع الطلاق انتقلوا إلى أن جعلوا الشرط إخبار المرأة بأنه دخل بها فبمجرد إخبارها بذلك تطلق عليه والله سبحانه أنه شرع النكاح للوصلة الدائمة(1\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "280",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1552",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وللاستمتاع وهذا النكاح جعله أصحابه سببا لا نقطاعه ولوقوع الطلاق فيه فإنه متى وطئ كان وطؤه سببا لانقطاع النكاح وهذا ضد شرع الله. وأيضا. فإن الله سبحانه جعل نكاح الثانى وطلاقه واسمه كنكاح الأول وطلاقه واسمه. فهذا زوج وهذا زوج وهذا نكاح وهذا نكاح وكذلك الطلاق ومعلوم أن نكاح المحلل وطلاقه واسمه لا يشبه نكاح الأول ولا طلاقه ولا اسمه كاسمه ذاك زوج راغب قاصد للنكاح. باذل للمهر ملتزم للنفقة والسكنى والكسوة وغير ذلك من خصائص النكاح والمحلل برئ من ذلك كله غير ملتزم لشئ منه. وإذا كان الله تعالى ورسوله قد حرم نكاح المتعة مع أن قصد الزوج الاستمتاع بالمرأة وأن يقيم معها زمانا وهو ملتزم لحقوق النكاح فالمحلل الذى ليس له غرض أن يقيم مع المرأة إلا قدر ما ينزو عليها كالتيس المستعار لذلك ثم يفارقها أولى بالتحريم. وسمعت شيخ الإسلام يقول: نكاح المتعة خير من نكاح التحليل من عشرة أوجه: أحدها: أن نكاح المتعة كان مشروعا فى أول الإسلام ونكاح التحليل لم يشرع فى زمن من الأزمان. الثانى: أن الصحابة تمتعوا على عهد النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولم يكن فى الصحابة محلل قط. الثالث: أن نكاح المتعة مختلف فيه بين الصحابة فأباحه ابن عباس وإن قيل: إنه رجع عنه وأباحه عبد الله بن مسعود. ففى quot;الصحيحينquot; عنه قال: quot;كنا نغزو مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وليس لنا نساء فقلنا: ألا نختصى فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجلquot;. ثم قرأ عبد الله: يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم [المائدة: 87] . وفتوى ابن عباس بها مشهورة. قال عروة: quot;قام عبد الله بن الزبير بمكة فقال: إن ناسا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة يعرض بعبد الله بن عباس فناداه فقال: إنك لجلف جاف فلعمرى لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين يريد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم(1\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "281",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1553",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال له ابن الزبير: فجرب نفسك فو الله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجاركquot;. فهذا قول ابن مسعود وابن عباس فى المتعة وذاك قولهما وروايتهما فى نكاح التحليل. الرابع: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لم يجئ عنه فى لعن المستمتع والمستمتع بها حرف واحد وجاء عنه فى لعن المحلل والمحلل له وعن الصحابة: ما قد تقدم. الخامس: أن المستمتع له غرض صحيح فى المرأة ولها غرض أن تقيم معه مدة النكاح. فغرضه المقصود بالنكاح مدة والمحلل لا غرض له سوى أنه مستعار للضراب كالتيس. فنكاحه غير مقصود له ولا للمرأة ولا للولى وإنما هو كما قال الحسن: quot;مسمار نار فى حدود اللهquot; وهذه التسمية مطابقة للمعنى. قال شيخ الإسلام: يريد الحسن: أن المسمار هو الذى يثبت الشئ المسمور فكذلك هذا يثبت تلك المرأة لزوجها وقد حرمها الله عليه. السادس: أن المستمتع لم يحتل على تحليل ما حرم الله فليس من المخادعين الذين يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان بل هو ناكح ظاهرا وباطنا والمحلل ماكر مخادع متخذ آيات الله هزوا. ولذلك جاء فى وعيده ولعنه ما لم يجئ فى وعيد المستمتع مثله ولا قريب منه. السابع: أن المستمتع يريد المرأة لنفسه وهذا هو سر النكاح ومقصوده فيريد بنكاحه حلها له ولا يطؤها حراما والمحلل لا يريد حلها لنفسه وإنما يريد حلها لغيره ولهذا سمى محللا فأين من يريد أن يحل له وطء امرأة يخاف أن يطأها حراما إلى من لا يريد ذلك وإنما يريد بنكاحها أن يحل وطأها لغيره فهذا ضد شرع الله ودنيه وضد ما وضع له النكاح. الثامن: أن الفطر السليمة والقلوب التى لم يتمكن منها مرض الجهل والتقليد تنفر من التحليل أشد نفار وتعير به أعظم تعيير حتى إن كثيرا من النساء تعير المرأة به أكثر مما تعيرها بالزنا ونكاح المتعة لا تنفر منه الفطر والعقول ولو نفرت منه لم يبح فى أول الإسلام. التاسع: أن نكاح المتعة يشبه إجارة الدابة مدة للركوب وإجارة الدار مدة للانتفاع(1\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "282",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1554",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والسكنى وإجارة العبد للخدمة مدة ونحو ذلك مما للباذل فيه غرض صحيح. ولكن لما دخله التوقيت أخرجه عن مقصود النكاح الذى شرع بوصف الدوام والاستمرار وهذا بخلاف نكاح المحلل فإنه لا يشبه شيئا من ذلك ولهذا شبهه الصحابة رضى الله عنهم بالسفاح وشبهوه باستعارة التيس للضراب. العاشر: أن الله سبحانه نصب هذه الأسباب كالبيع والإجارة والهبة والنكاح مفضية إلى أحكام جعلها مسببات لها ومقتضيات فجعل البيع سببا لملك الرقبة والاجارة سببا لملك المنفعة أو الانتفاع والنكاح سببا لملك البضع وحل الوطء. والمحلل مناقض معاكس لشرع الله تعالى ودينه فإنه جعل نكاحه سببا لتمليك المطلق- البضع وإحلاله له ولم يقصد بالنكاح ما شرعه الله له من ملكه هو للبضع وحله له ولا له غرض فى ذلك ولا دخل عليه. وإنما قصد به أمرا آخر لم يشرع له ذلك السبب ولم يجعل طريقا له. الحادى عشر: أن المحلل من جنس المنافق فإن المنافق يظهر أنه مسلم ملتزم لعقد الإسلام ظاهرا وباطنا وهو فى الباطن غير ملتزم له. وكذلك المحلل يظهر أنه زوج وأنه يريد النكاح ويسمى المهر ويشهد على رضى المرأة وفى الباطن بخلاف ذلك لا يريد أن يكون زوجا ولا أن تكون المرأة زوجة له ولا يريد بذل الصداق ولا القيام بحقوق النكاح وقد أظهر خلاف ما أبطن وأنه مريد لذلك. والله يعلم والحاضرون والمرأة وهو والمطلق: أن الأمر كذلك وأنه غير زوج على الحقيقة ولا هى امرأته على الحقيقة. الثانى عشر: أن نكاح المحلل لا يشبه نكاح أهل الجاهلية ولا نكاح أهل الإسلام فكان أهل الجاهلية يتعاطون فى أنكحتهم أمورا منكرة ولم يكونوا يرضون نكاح التحليل ولا يفعلونه. ففى quot;صحيح البخارىquot; عن عروة بن الزبير أن عائشة رضى الله عنها أخبرته: quot;أن النكاح فى الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم: يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحهاquot;. وquot;نكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلى إلى فلان فاستبضعى منه فيعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذى تستبضع منه فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب وإنما يفعل ذلك(1\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "283",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1555",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رغبة فى نجابة الولد فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع ونكاح آخر: يجتمع الرهط مادون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ومر ليالى بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها فتقول لهم: قد عرفتم الذى كان من أمركم وقد ولدت فهو ابنك يا فلان تسمى من أحبت باسمه فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع منه ونكاح رابع: يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة ولا تمنع من جاءها وهن البغايا. كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما فمن أرادهن دخل عليهن فإذا حملت إحداهن فوضعت حملها جمعوا لها ودعوا لهم القافة ثم ألحقوا ولدها بالذى يرون فالتاط به ودعى ابنه لا يمتنع من ذلك. فلما بعث الله تعالى محمدا صلى الله تعالي عليه وآله وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم. ومعلوم أن نكاح المحلل ليس من نكاح الناس الذى أشارت إليه عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أقره ولم يهدمه ولا كان أهل الجاهلية يرضون به فلم يكن من أنكحتهم فإن الفطر والأمم تنكره وتعير به. فصل وسبب هذا كله: معصية الله ورسوله وطاعة الشيطان فى إيقاع الطلاق على غير الوجه الذى شرعه الله والله سبحانه يبغض الطلاق فى الأصل كما روى أبو داود من حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاقquot;. وفى سنن ابن ماجه من حديث أبى موسى رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;ما بال قوم يلعبون بحدود الله يقول: قد طلقتك قد راجعتك قد طلقتكquot;. وفى quot;صحيحquot; مسلم عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منزلة أعظمهم فتنة يجىء(1\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "284",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1556",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا فيقول: ما صنعت شيئا قال: ويجىء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله قال: فيدنيه منه أو قال فيلتزمه ويقول: نعم أنت أنتquot;. فالشيطان وحزبه قد أغروا بإيقاع الطلاق والتفريق بين المرء وزوجه وكثيرا ما يندم المطلق ولا يصبر عن امرأته ولا تطاوعه نفسه أن يصبر عنها إلى أن تتزوج زواج رغبة تبقى فيه مع الزوج إلى أن يموت عنها أو يفارقها إذا قضى منها وطره ولابد له من المرأة فيهرع إلى التحليل وهو حيلة من عشر حيل نصبوها للناس. إحداها: التحيل على عدم وقوع الطلاق وهو نوعان تحيل على عدم وقوعه مع صحة النكاح بالتسريح فيأمرونه أن يقول لها: إذا طلقتك أو إذا وقع عليك طلاقى فأنت طالق قبله ثلاثا فلا يمكن أن يقع عليها الطلاق بعد هذا لا مطلقا ولا مقيدا عن المسرحين فسدوا باب الطلاق وجعلوا المرأة كالغل فى عنق الزوج لا سبيل له إلى طلاقها أبدا. الحيلة الثانية: التحيل على عدم وقوع الطلاق يكون النكاح فاسدا فلا يقع فيه الطلاق ويتحيلون لبيان فساده من وجوه: منها: أن عدالة الولى شرط فى صحته فإذا كان فى الولى ما يقدح فى عدالته فالنكاح باطل فلا يقع فيه الطلاق والقوادح كثيرة فلا تكاد تفتش فيمن شئت إلا وجدت فيه قادحا. ومنها: أن عدالة الشهود شرط والشاهد يفسق بجلوسه على مقعد حرير أو استناده إلى مسند حرير أو جلوسه تحت حركاة حرير أو تجمره بمجمرة فضة ونحو ذلك مما لا يكاد يخلو البيت منه وقت العقد ونحو ذلك. فيا للعجب يكون الوطء حلالا والنسب لاحقا والنكاح صحيحا حتى يقع الطلاق فحينئذ يطلب وجوه إفساده. الحيلة الثالثة: التحيل بالمخالعة حتى يفعل المحلوف عليه فإذا فعله تزوجها بعقد جديد. الحيلة الرابعة: إذا وقع الفأس فى الرأس وحنث ولابد اشترى غلاما دون البلوغ(1\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "285",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1557",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وزوجه بها وأمرها أن تمكنه من إيلاج الحشفة هناك فإذا فعل وهبها إياه فانفسخ نكاحها بملكه فتعتد وترد إلى المطلق فإن عجزوا عن ذلك وآعوزهم انتقلوا إلى: الحيلة الخامسة: وهى استكراء التيس الملعون المستعار لينزوا عليها ويحلها بزعمه فهذه خمس حيل للخاصة. وأما جهال العامة فلما رأوا أن المقصود التحيل على ردها إلى المطلق بأى طريق اتفق 0 قالوا: المقصود هو الرجوع والحيلة مقصودة لغيرها وأعيان الحيل ليست مقصودة فاستنبطوا لهم خمس حيل أخرى. إحداها: أن يأمروا المحلل بأن يطأها برجله فيطأها وهى قاعدة أو مضطجعة برجله ثم يخرج ورأوا أن الوطء بالرجل أسهل عليهم وأقل مفسدة من الوطء بالآلة. فإنه إذا كان كلاهما غير مقصود فما كان أقل فسادا كان أقرب إلى المقصود. الحيلة الثانية: أن تكون حاملا فتلد ذكرا وكأنهم قاسوا الذكر الذى شقها خارجا على الذكر الذى يشقها داخلا وهذا من جنس قياس التيس الملعون على الزوج المقصود. الحيلة الثالثة: أن يصب المحلل عليها دهنا يشربه جسدها ولا يطؤها وكأنهم قاسوا تشرب جسدها للدهن وسريانه فيه على شربه للنطفة وسريانها فيه. الحيلة الرابعة: السفر عنها أو سفرها عنه فإذا قدم ظن أن ذلك كاف عن الزوج ولا أدرى من أين ألقى إليهم الشيطان ذلك وكأنهم ظنوا أنهم قد التقوا من الآن وأن السفر قطع حكم ما مضى رأسا. الحيلة الخامسة: أن يجتمعا على عرفات فإذا وقف بها على الجبل لم يحتج بعد ذلك إلى زوج آخر عندهم وقد سئلنا نحن وغيرنا عن ذلك وسمعناه منهم.(1\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "286",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1558",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل واعلم أن من اتقى الله فى طلاقة فطلق كما أمره الله ورسوله وشرعه له. أغناه عن ذلك كله ولهذا قال تعالى بعد أن ذكر حكم الطلاق المشروع: ومن يتق الله يجعل له مخرجا [الطلاق: 2] . فلو اتقى الله عامة المطلقين لاستغنوا بتقواه عن الآصار والأغلال والمكر والاحتيال فإن الطلاق الذى شرعه الله سبحانه: أن يطلقها طاهرا من غير جماع ويطلقها واحدة ثم يدعها حتى تنقضى عدتها. فإن بدا له أن يمسكها فى العدة أمسكها وإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها أمكنه أن تستقبل عليها من غير زوج آخر وإن لم يكن له فيها غرض لم يضره أن تتزوج بزوج غيره فمن فعل هذا لم يندم ولم يحتج إلى حيلة بزوج ولا تحليل. ولهذا سئل ابن عباس عن رجل طلق امرأته مائة فقال: quot;عصيت ربك وفارقت امرأتك لم تتق الله فيجعل لك مخرجاquot;. وقال سعيد بن جبير: quot;جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إنى طلقت امرأتى ألفا فقال: أما ثلاث فتحرم عليك امرأتك وبقيتهن وزر اتخذت آيات الله هزواquot;. وقال مجاهد: quot;كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا. فسكت حتى ظننت أنه رادها إليه ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة ثم يقول: يا ابن عباس يا ابن عباس وإن الله تعالى قال: ومن يتق الله يجعل له مخرجا [الطلاق: 2]  وإنك لم تتق الله فلا أجد لك مخرجا عصيت ربك وبانت منك امرأتك ذكره أبو داود. وقد روى النسائى عن محمود بن لبيد قال: quot; أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقام غضبان ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنآ بين أظهركم حتى قام رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله quot;. وهذه الآثار موافقة لما دل عليه القرآن فإن الله سبحانه إنما شرع الطلاق مرة بعد مرة. ولم يشرعه جملة واحدة أصلا. قال تعالى: الطلاق مرتان [البقرة: 229]  والمرتان فى لغة العرب بل وسائر لغات الناس إنما تكون لما يأتى مرة بعد مرة فهذا القرآن من أوله إلى(1\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "287",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1559",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "آخره وسنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وكلام العرب قاطبة شاهد بذلك كقوله تعالى: سنعذبهم مرتين [التوبة: 101] وقوله: أولا يرون أنهم يفتنون فى كل عام مرة أو مرتين [التوبة: 126] وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات [النور: 58] . ثم فسرها بالأوقات الثلاثة وشواهد هذا أكثر من أن تحصى. ثم قال سبحانه: فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره [البقرة: 230] . فهذه هى المرة الثالثة. فهذا هو الطلاق الذى شرعه الله سبحانه مرة بعد مرة فهذا شرعه من حيث العدد. وأما شرعه من حيث الوقت: فشرع الطلاق للعدة وقد فسره النبى صلى الله عليه وآله وسلم بأن يطلقها طاهرا من غير جماع فلم يشرع جمع ثلاث ولا تطليقتين ولم يشرع الطلاق فى حيض ولا فى طهر وطئها فيه وكان المطلق فى زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كله وزمن أبى بكر كله وصدرا من خلافة عمر رضى الله عنهما إذا طلق ثلاثا يحسب له واحدة وفى ذلك حديثان صحيحان: أحدهما رواه مسلم فى quot;صحيحهquot; والثانى: رواه الإمام أحمد فى quot;مسندهquot;. فأما حديث مسلم: فرواه من طريق ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: quot;كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبى بكر وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة فقال عمر رضى الله عنه: إن الناس قد استعجلوا فى أمر كانت لهم أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهمquot;. وفى quot;صحيحهquot; أيضا عن طاوس: أن أبا الصهباء قال لابن عباس: quot;هات من هنياتك: ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبى بكر واحدة فقال: قد كان ذلك فلما كان فى عهد عمر تتايع الناس فى الطلاق فأجازه عليهمquot;. وفى لفظ لأبى داود: quot;أن رجلا يقال له: أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس قال:(1\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "288",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1560",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبى بكر وصدرا من إمارة عمر رضى الله عنهما فقال ابن عباس: بلى كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم وأبى بكر وصدرا من إمارة عمر رضى الله عنهما فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال: أجرهن عليهمquot; هكذا فى هذه الرواية: quot;قبل أن يدخل بهاquot; وبها أخذ إسحاق بن راهويه وخلق من السلف جعلوا الثلاث واحدة فى غير المدخول بها. وسائر الروايات الصحيحة ليس فيها: quot;قبل الدخولquot; ولهذا لم يذكر مسلم منها شيئا. وهذا الحديث قد رواه عن ابن عباس ثلاثة نفر: طاوس وهو أجل من روى عنه وأبو الصهباء العدوى وأبو الجوزاء. وحديثه عند الحاكم فى quot;المستدركquot;. ولفظه: quot;أن أبا الجوزاء أتى ابن عباس فقال: أتعلم أن الثلاث كن يرددن على عهد رسول الله عليه الصلاة السلام إلى واحدة قال: نعمquot; قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ورواية طاوس نفسه عن ابن عباس ليس فى شئ منها quot;قبل الدخولquot; وإنما حكى ذلك طاوس عن سؤال أبى الصهباء لابن عباس فأجابه ابن عباس بما سأله عنه. ولعله إنما بلغه جعل الثلاث واحدة فى حق مطلق قبل الدخول فسأل عن ذلك ابن عباس وقال: quot;كانوا يجعلونها واحدةquot; فقال له ابن عباس quot;نعمquot; أى الأمر على ما قلت. وهذا لا مفهوم له فإن التقييد فى الجواب وقع فى مقابلة تقييد السؤال ومثل هذا لا يعتبر مفهومه. نعم. لو لم يكن السؤال مقيدا فقيد المسئول الجواب كان مفهومه معتبرا وهذا كما إذا سئل عن فأرة وقعت فى سمن فقال: quot;إذا وقعت الفأرة فى السمن فألقوها وما حولها وكلوهquot;. لم يدل ذلك على تقييد الحكم بالسمن خاصة. وبالجملة فغير المدخول بها فرد من أفراد النساء فذكر النساء مطلقا فى أحد الحديثين(1\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "289",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1561",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر بعض أفرادهن فى الحديث الآخر لا تعارض بينهما. وأما الحديث الآخر: فقال أبو داود فى quot;سننهquot;: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال: أخبرنى بعض بنى أبى رافع- مولى النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- عن عكرمة عن ابن عباس قال: quot;طلق عبد يزيد- أبو ركانة وإخوته- أم ركانة ونكح امرأة من مزينة فجاءت إلى النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقالت: ما يغنى عنى إلا كما تغنى هذه الشعرة- لشعرة أخذتها من رأسها- ففرق بينى وبينه فأخذت النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم حمية فدعا بركانة وإخوته ثم قال لجلسائه: quot;أترون فلانا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد وفلانا يشبه منه كذا وكذا quot; قالوا: نعم فقال النبى صلى الله عليه وآله وسلم: quot;طلقهاquot; ففعل فقال: راجع امرأتك أم ركانة فقال: إنى طلقتها ثلاثا يا رسول الله قال: قد علمت راجعها وتلا: يأيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة ... الآية [الطلاق: 1] quot;. فأمره أن يراجعها وقد طلقها ثلاثا وتلا الآية التى هى وما بعدها صريحة فى كون الطلاق الذى شرعه الله لعباده هو الطلاق الذى يكون للعدة فإذا شارفت انقضاءها فإما أن يمسكها بمعروف أو يفارقها بمعروف وأنه سبحانه شرعه على وجه التوسعة والتيسير فلعل المطلق أن يندم فيكون له سبيل إلى الرجعة وهو قوله تعالى: لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا [الطلاق: 1] . فأمره بالمراجعة وتلاوته الآية كاف فى الاستدلال على ما كان عليه الحال. فإن قيل: فهذا الحديث فيه مجهول وهو بعض بنى [أبى] رافع والمجهول لا تقوم به حجة. فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الإمام أحمد قد قال فى quot;المسندquot;: حدثنا سعد بن إبراهيم حدثنا أبى عن محمد بن إسحق قال: حدثنى داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال:(1\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "290",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1562",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;طلق ركانة بن عبد يزيد- أخو المطلب- امرأته ثلاثا فى مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا فسأله رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;كيف طلقتها quot; قال: طلقتها ثلاثا قال: quot;فى مجلس واحد quot; قال: نعم قال: quot;فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئتquot; قال: فراجعهاquot; قال: quot;وكان ابن عباس يرى أن الطلاق عند كل طهرquot;. ورواه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسى فى quot;مختاراتهquot; التى هى أصح من quot;صحيح الحاكمquot;. فهذا موافق للأول وكلاهما موافق لحديث طاوس وأبى الصهباء وأبى الجوزاء عن ابن عباس وطاوس وعكرمة أعلم أصحاب ابن عباس. فإن عكرمة كان مولاه مصاحبا له وكان يقيده على العلم وكان طاوس خاصا عنده يجتمع به كثيرا ويدخل عليه مع الخاصة. وكان طاوس وعكرمة يفتيان بأن الثلاث واحدة وكذلك ابن إسحق لما صح عنده هذا الحديث أفتى بموجبه وكان يقول: quot;جهل السنة فيرد إليهاquot;. فرواة هذا الحديث أفتوا به وعملوا به. وعن ابن عباس فيه روايتان إحداهما: موافقة عمر رضى الله عنه تأديبا وتعزيرا للمطلقين والثانية: الإفتاء بموجبه. وروى حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس- وحسبك بهذا السند صحة وجلالة- quot;إذا قال: أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهى واحدةquot; ذكره أبو داود في quot;السننquot;. الوجه الثانى: أن هذا المجهول هو من التابعين من أبناء مولى النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولم يكن الكذب مشهورا فيهم والقصة معروفة محفوظة وقد تابعه عليها داود بن الحصين وهذا يدل على أنه حفظها. الوجه الثالث: أن روايته لم يعتمد عليها وحدها فقد ذكرنا رواية داود بن الحصين وحديث أبى الصهباء فهب أن وجود روايته وعدمها سواء ففى حديث داود كفاية وقد زالت تهمة تدليس ابن إسحاق بقوله quot;حدثنى بهquot; وقد احتج الأئمة بهذا السند بعينه فى حديث(1\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "291",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1563",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تقدير العرايا بخمسة أوسق أو دونها وأخذوا به وعملوا بموجبه مع مخالفة عمومات الأحاديث الصحيحة فى منع بيع الرطب بالتمر له: والقول بهذه الأحاديث موافق لظاهر القرآن ولأقوال الصحابة وللقياس ومصالح بنى آدم. أما ظاهر القرآن: فإن الله سبحانه شرع الرجعة فى كل طلاق إلا طلاق غير المدخول بها والمطلقة طلقة ثالثة بعد الأولتين وليس فى القرآن طلاق بائن قط إلا فى هذين الموضعين وأحدهما بائن غير محرم والثانى بائن محرم وقال تعالى: الطلاق مرتان [البقرة: 229] . والمرتان ما كان مرة بعد مرة كما تقدم.(1\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "292",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1564",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما القياس فإن الله سبحانه قال: والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله [النور: 6]  ثم قال: ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله [النور: 8]  فلو قال: أشهد بالله أربع شهادات إنى صادق أو قالت: أشهد بالله أربع شهادات إنه كاذب كانت شهادة واحدة ولم تكن أربعا فكيف يكون قوله أنت طالق ثلاثا ثلاث تطليقات وأى قياس أصح من هذا وهكذا كل ما يعتبر فيه العدد من الإقرار ونحوه ولهذا لو قال المقر بالزنى: إنى أقر بالزنى أربع مرات كان ذلك مرة واحدة وقد قال الصحابة لماعز: quot;إن أقررت أربعا رجمك رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلمquot; فلو قال: أقر به أربع مرات كانت مرة واحدة. فهكذا الطلاق سواء. فهذا القياس وتلك الآثار وذاك ظاهر القرآن. وأما أقوال الصحابة: فيكفى كون ذلك على عهد الصديق ومعه جميع الصحابة لم يختلف عليه منهم أحد ولا حكى في زمانه القولان حتى قال بعض أهل العلم: إن ذلك إجماع قديم وإنما حدث الخلاف فى زمن عمر رضى الله عنه واستمر الخلاف فى المسألة إلى وقتنا هذا كما سنذكره. قالوا: فقد صح بلا شك أنهم كانوا فى زمن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبى بكر مدة خلافته كلها وصدرا من خلافة عمر رضى الله عنهما يوقعون على من طلق ثلاثا واحدة. قالوا: فنحن أحق بدعوى الإجماع منكم لأنه لا يعرف فى عهد الصديق أحد رد ذلك ولا خالفه فإن كان إجماع فهو من جانبنا أظهر ممن يدعيه من نصف خلافة عمر رضى الله عنه وهلم جرا فإنه لم يزل الاختلاف فيها قائما وذكره أهل العلم فى مصنفاتهم قديما وحدثنا. فممن ذكر الخلاف فى ذلك: داود وأصحابه واختاروا أن الثلاث واحدة. وممن حكى الخلاف: الطحاوى فى كتابه quot;اختلاف العلماءquot; وفى كتاب quot;تهذيب الآثارquot;(1\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "293",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1565",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأبو بكر الرازى فى كتاب quot;أحكام القرآنquot; وحكاه ابن المنذر وحكاه ابن جرير وحكاه المؤرخ فى quot;تفسيرهquot; وحكى حجة القولين ثم قال: وهى مسألة خلاف بين العلماء وحكاه محمد بن نصر المروزى واختار القول بالثلاث: أنها واحدة في حق البكر ثلاث فى quot;حقquot; المدخول بها وحكاه من المتأخرين المازرى فى كتاب quot;المعلمquot; وحكاه عن محمد بن مقاتل من أصحاب أبى حنيفة وهو من أجل أصحابهم من الطبقة الثالثة من أصحاب أبى حنيفة. فهو أحد القولين فى مذهب أبى حنيفة. وحكاه التلمسانى فى quot;شرح التفريع فى مذهب مالكquot; قولا فى مذهبه بل رواية عن مالك وحكاه غيره قولا فى المذهب فهو أحد القولين فى مذهب مالك وأبى حنيفة وحكاه شيخ الإسلام عن بعض أصحاب أحمد وهو اختياره وأسوأ أحواله أن يكون لبعض أصحاب الوجوه فى مذهبه كالقاضى وأبى الخطاب وهو أجل من ذلك فهو قول فى مذهب أحمد بلا شك. وأما التابعون فقال ابن المنذر: كان سعيد بن جبير وطاوس وأبو الشعثاء وعطاء وعمرو بن دينار يقولون: من طلق البكر ثلاثا فهى واحدة. قال: واختلف فى هذا الباب عن الحسن فروى عنه أنه ثلاث وذكر قتادة وحميد ويونس عنه: أنه رجع عن قوله بعد ذلك وقال: واحدة بائنة.(1\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "294",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1566",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال محمد بن نصر فى كتاب quot;اختلاف العلماءquot;: أجمع أهل العلم أن الرجل إذا طلق امرأته تطليقة ولم يدخل بها أنها بانت منه وليس عليها عدة واختلفوا فى غير المدخول بها إذا طلقها الزوج ثلاثا بلفظ واحد فقال الأوزاعى ومالك وأهل المدينة: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره وروى عن ابن عباس وغير واحد من التابعين أنهم قالوا: quot;إذا طلقها ثلاثا قبل أن يدخل بها فهى واحدةquot;. وأكثر أهل الحديث على القول الأول. قال: وكان إسحق يقول: طلاق الثلاث للبكر واحدة وتأول حديث طاوس عن ابن عباس: quot;كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبى بكر وعمر رضى الله عنهم يجعل واحدةquot; على هذا: قلت: هذا تأويل إسحاق وأما أبو داود فجعله منسوخا فقال فى كتاب quot;السننquot;: باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث ثم ساق حديث ابن عباس رضى الله عنهما: quot;أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: الطلاق مرتان [البقرة: 229] . ثم ذكر فى أثناء الباب حديث أبى الصهباء وكأنه اعتقد أن حكمه كان ثابتا لما كان الرجل يراجع امرأته كلما طلقها وهذا وهم لوجهين: أحدهما: أن المنسوخ هو ثبوت الرجعة بعد الطلاق ولو بلغ ما بلغ كما كان فى أول الإسلام. الثانى: أن النسخ لا يثبت بعد موت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وكون الثلاث واحدة قد عمل به فى خلافة الصديق كلها وأول خلافة عمر رضى الله عنه فمن المستحيل أن ينسخ بعد ذلك. وأما ابن المنذر فقال: لم يكن ذلك عن علم النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولا عن أمره قال: وغير جائز أن يظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم شيئا ثم يفتى بخلافه فلما لم يجز ذلك دل فتيا ابن عباس رضى الله عنه على أن ذلك لم يكن عن علم النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولا عن أمره إذ لو كان ذلك عن علم النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ما استحل ابن عباس أن يفتى بخلافه أو يكون ذلك منسوخا استدلالا بفتيا ابن عباس وهذا المسلك ضعيف جدا لوجوه:(1\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "295",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1567",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها: أن حديث عكرمة عن ابن عباس فى رد النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم امرأة ركانة عليه بعد الطلاق الثلاث. يبطل هذا التأويل رأسا. الثانى: أن هذا لو كان صحيحا لقال ابن عباس لأبى الصهباء: ما أدرى أبلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أو لم يبلغه فلما أقره على ذلك كان إقراره دليلا على أنه مما بلغه. الثالث: أنه لو كان ذلك صحيحا لم يقل عمر: quot;إن الناس قد استعجلوا فى أمر كانت لهم فيه أناةquot; بل كان الواجب أن يبين السنة عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى خلاف ذلك وأن هذا العمل من الناس خلاف دين الإسلام وشرع محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولا يقول: quot;فلو أنا أمضيناه عليهمquot; فإن هذا إنما يكون إمضاء من الله تعالى ورسوله لا من عمر. الرابع: أنه من الممتنع والمستحيل أن يكون خيار الخلق يطلقون فى عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وعهد خليفته من بعده ويراجعون على خلاف دينه فيطلقون طلاقا محرما ويراجعون رجعة محرمة ولا يعلمون بذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وهو بين أظهرهم. ثم حديث ابن عباس الذى رواه أحمد يرد ذلك ثم يرده فتوى ابن عباس فى إحدى الروايتين عنه وهى ثابته عنه بأصح الإسناد كما أن الرواية الأخرى ثابته عنه. وكيف يستمر جهل أخيار الأمة بالطلاق والرجعة مدة حياته صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ومدة حياة الصديق كلها وشطرا من خلافة عمر رضى الله عنهما ثم ظهر لهم بعد ذلك الطلاق والرجعة الجائزان وكيف يصح قول عمر رضى الله عنه: quot;إن الناس قد استعجلوا فى شىء كانت لهم فيه أناةquot; وكيف يصح قوله: quot;فلو أنا أمضيناه عليهمquot; فهذا المسلك كما ترى. وأما الإمام أحمد فإنما رده بفتوى ابن عباس بخلافه وهو راوى الحديثين. قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس: quot;كان الطلاق الثلاث على عهد(1\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "296",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1568",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبى بكر وعمر رضى الله عنهما: طلاق الثلاث واحدةquot; بأى شىء تدفعه قال: برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه. وكذلك نقل عنه ابن منصور وهذا المسلك إنما يجىء على إحدى الروايتين: أن الصحابى إذا عمل بخلاف الحديث لم يحتج به واتبع عمل الصحابى والمشهور عنه: أن العبرة بما رواه الصحابى لا بقوله إذا خالف الحديث ولهذا أخذ برواية ابن عباس فى حديث بريرة وأن بيع الأمة لا يكون طلاقا لها لأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم خيرها ولو انفسخ ببيعها لم يخيرها مع أن مذهب ابن عباس: أن بيع الأمة طلاقها واحتج بظاهر القرآن وهو قوله تعالى: والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم [النساء: 24] . فأباح وطء مملوكته المزوجة ولو كان النكاح باقيا لم ينفسخ لم يبح له وطأها. والجمهور وأحمد معهم خالفوه فى ذلك وقالوا: لا يكون بيعها طلاقا. واحتجوا بحديث بريرة وتركوا رأيه لروايته فإن روايته معصومة ورأيه غير معصوم. والمشهور من مذهب الشافعى: أن الأخذ بروايته دون رأيه والمشهور من مذهب أبى حنيفة عكس ذلك وعن أحمد روايتان. فهذا المسلك فى رد الحديث لا يقوى. وسلك آخرون فى رد الحديث مسلكا آخر. فقالوا: هو حديث مضطرب لا يصح ولذلك أعرض عنه البخارى وترجم فى quot;صحيحهquot; على خلافه فقال: quot;باب جواز الطلاق الثلاث فى كلمة لقوله تعالى: الطلاق مرتان [البقرة: 229] .(1\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "297",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1569",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم ذكر حديث اللعان وفيه: quot;فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلمquot; ولم يغير عليه النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وهو لا يقر على باطلquot;. قالوا: ووجه اضطرابه: أنه تارة يروى عن طاوس عن ابن عباس تارة عن طاوس عن أبى الصهباء عن ابن عباس وتارة عن أبى الجوزاء عن ابن عباس فهذا اضطرابه من جهة السند. وأما المتن: فإن أبا الصهباء تارة يقول: quot;ألم تعلم أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة quot; وتارة يقول: quot;ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبى بكر وصدرا من خلافة عمر واحدة quot; فهذا يخالف اللفظ الآخر. وهذا المسلك من أضعف المسالك ورد الحديث به ضرب من التعنت ولا يعرف أحد من الحفاظ قدح فى هذا الحديث ولا ضعفه والإمام أحمد لما قيل له: بأى شىء ترده قال: quot;برواية الناس عن ابن عباس خلافهquot; ولم يرده بتضعيف ولا قدح فى صحته وكيف يتهيأ القدح فى صحته ورواته كلهم أئمة حفاظ حدث به عبد الرزاق وغيره عن ابن جريج بصيغة الإخبار. وحدث به كذلك ابن جريج عن ابن طاوس وحدث به ابن طاووس عن أبيه وهذا إسناد لا مطعن فيه لطاعن وطاووس من أخص أصحاب ابن عباس ومذهبه: أن الثلاث واحدة وقد رواه حماد بن زيد عن أيوب عن غير واحد عن طاووس فلم ينفرد به عبد الرزاق ولا ابن جريج ولا عبد الله بن طاووس فالحديث من أصح الأحاديث وترك رواية البخارى له لا يوهنه وله حكم أمثاله من الأحاديث الصحيحة التى تركها البخارى لئلا يطول كتابه فإنه سماه: quot;الجامع المختصر الصحيحquot; مثل هذا العذر لا يقبله من له حظ من العلم. وأما رواية من رواه عن أبى الجوزاء فإن كانت محفوظة فهى مما يزيد الحديث قوة وإن لم تكن محفوظة وهو الظاهر فهى وهم فى الكنية انتقل فيها عبد الله بن المؤمل عن ابن أبى مليكة من أبى الصهباء إلى أبى الجوزاء فإنه كان سىء الحفظ والحفاظ قالوا: quot;أبو الصهباءquot; وهذا لا يوهن الحديث.(1\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "298",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1570",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذه الطريق عند الحاكم فى quot;المستدركquot;. وأما رواية من رواه مقيدا quot;قبل الدخولquot; فإنه تقدم أنها لا تناقض رواية الآخرين على أنها عند أبى داود عن أيوب عن غير واحد ورواية الأطلاق عن معمر عن ابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه فإن تعارضا فهذه الرواية أولى وإن لم يتعارضا فالأمر واضح. وحديث داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم صريح فى كون الثلاث واحدة فى حق المدخول بها. وعامة ما يقدر فى حديث أبى الصهباء: أن قوله quot;قبل الدخولquot; زيادة من ثقة فيكون الأخذ بها أولى وحينئذ فيدل أحد حديثى ابن عباس على أن هذا الحكم ثابت فى حق البكر وحديثه الآخر على أنه ثابت فى حكم الثيب أيضا فأحد الحديثين يقوى الآخر ويشهد بصحته. وبالله التوفيق. وقد رده آخرون بمسلك أضعف من هذا كله: فقالوا: هذا حديث لم يروه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ابن عباس وحده ولا عن ابن عباس إلا طاووس وحده. قالوا: فأين أكابر الصحابة وحفاظهم عن رواية مثل هذا الأمر العظيم الذى الحاجة إليه شديدة جدا فكيف خفى هذا على جميع الصحابة وعرفه ابن عباس وحده وخفى على أصحاب ابن عباس كلهم وعلمه طاووس وحده وهذا أفسد من جميع ما تقدم ولا ترد أحاديث الصحابة وأحاديث الأمة الثقات بمثل هذا. فكم من حديث تفرد به واحد من الصحابة لم يروه غيره وقبلته الأمة كلهم فلم يرده أحد منهم وكم من حديث تفرد به من هو دون طاووس بكثير ولم يرده أحد من الأئمة ولا نعلم أحدا من أهل العلم قديما ولا حديثا قال: إن الحديث إذا لم يروه إلا صحابى واحد لم يقبل وإنما يحكى عن أهل البدع ومن تبعهم فى ذلك أقوال لا يعرف لها قائل من الفقهاء.(1\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "299",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1571",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قد تفرد الزهرى بنحو ستين سنة لم يردها غيره وعملت بها الأمة ولم يردوها بتفرده. هذا مع أن عكرمة روى عن ابن عباس رضى الله عنهما حديث ركانة وهو موافق لحديث طاووس عنه فإن قدح فى عكرمة أبطل وتناقض فإن الناس احتجوا بعكرمة وصحح أئمة الحفاظ حديثه ولم يلتفتوا إلى قدح من قدح فيه. فإن قيل: فهذا هو الحديث الشاذ وأقل أحواله أن يتوقف فيه ولا يجزم بصحته عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. قيل: ليس هذا هو الشاذ وإنما الشاذ: أن يخالف الثقات فيما رووه فيشذ عنهم بروايته فأما إذا روى الثقة حدثيا منفردا به لم يرو الثقات خلافه فإن ذلك لا يسمى شاذا وإن اصطلح على تسميته شاذا بهذا المعنى لم يكن الاصطلاح موجبا لرده ولا مسوغا له. قال الشافعى رحمه الله: quot;وليس الشاذ أن ينفرد الثقة برواية الحديث بل الشاذ أن يروى خلاف ما رواه الثقاتquot; قاله فى مناظرته لبعض من رد الحديث بتفرد الراوى به. ثم إن هذا القول لا يمكن أحدا من أهل العلم ولا من الأئمة ولا من أتباعهم طرده ولو طردوه لبطل كثير من أقوالهم وفتاويهم. والعجب أن الرادين لهذا الحديث بمثل هذا الكلام قد بنوا كثيرا من مذاهبهم على أحاديث ضعيفة انفرد بها رواتها لا تعرف عن سواهم وذلك أشهر وأكثر من أن يعد. ولما رأى بعضهم ضعف هذه المسالك وأنها لا تجدى شيئا استروح إلى تأويله. فقال: معنى الحديث: أن الناس كانوا يطلقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر واحدة ولا يوقعون الثلاث فلما كان فى أثناء خلافة عمر رضى الله عنه أوقعوا الثلاث وأكثروا من ذلك فأمضاه عليهم عمر رضى الله عنه. كما أوقعوه فقوله: quot;كانت الثلاث على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام واحدةquot; أى فى التطليق وإيقاع المطلقين: لا فى حكم الشرع.(1\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "300",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1572",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال هذا القائل: وهذا من أقوى ما يجاب به وبه يزول كل إشكال. ولعمر الله لو سكت هذا كان خيرا له وأستر فإن هذا المسلك من أضعف ما قيل فى الحديث. وسياقه يبين بطلانه بيانا ظاهرا لا إشكال فيه وكأن قائله أحب الترويج على قوم ضعفاء العلم مخلدين إلى حضيض التقليد فروج عليهم مثل هذا وهذا القائل كأنه لم يتأمل ألفاظ الحديث ولم يعن بطرقه فقد ذكرنا من بعض ألفاظه قول أبى الصهباء لابن عباس: quot;أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبى وصدرا من إمارة عمر رضى الله عنهما quot; فأقر ابن عباس بذلك وقال: quot;نعمquot;. وأيضا فقول هذا المتأول: إنهم كانوا يطلقون على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم واحدة فقد نقضه هو بعينه وأبطله حيث احتج على وقوع الثلاث بحديث الملاعن وحديث محمود بن لبيد: quot;أن رجلا طلق امرأته على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ثلاثا فغضب النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم quot; ثم زاد هذا القائل فى الحديث زيادة من عنده فقال: quot;وأمضاه عليه ولم يردهquot;. وهذه اللفظة موضوعة لا تروى فى شىء من طرق هذا الحديث ألبته وليست فى شىء(1\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "301",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1573",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من كتب الحديث وإنما هى من كيس هذا القائل حمله عليها فرط التقليد. ومحمود بن لبيد لم يذكر ما جرى بعد ذلك من إمضاء أو رد إلى واحدة. والمقصود: أن هذا القائل تناقص وتأول الحديث تأويلا بطلانه من سياقه. ومن بعض ألفاظه: quot;أن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وصدرا من خلافة عمر رضى الله عنهما يرد إلى الواحدةquot; وهذا موافق للفظ الآخر: quot;كان إذا طلق امرأته ثلاثا جعلوها واحدةquot; وجميع ألفاظه متفقة على هذا المعنى يفسر بعضها بعضا. فجعل هذا وأمثاله المحكم متشابها والواضح مشكلا وكيف يصنع بقوله: quot;فلو أمضيناه عليهمquot; فإن هذا يدل على أنه رأى من عمر رضى الله عنه رأى أن يمضيه عليهم لتتايعهم فيه وسدهم على أنفسهم ما وسعه الله عليهم وجمعهم ما فرقه وتطليقهم على غير الوجه الذى شرعه وتعديهم حدوده ومن كمال علمه رضى الله عنه أنه علم أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل المخرج إلا لمن اتقاه وراعى حدوده وهؤلاء لم يتقوه فى الطلاق ولم يراعوا حدوده فلا يستحقون المخرج الذى ضمنه لمن اتقاه. ولو كان الثلاث تقع ثلاثا على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وهو دينه الذى بعثه الله تعالى به لم يضف عمر رضى الله عنه إمضاءه إلى نفسه ولا كان يصح هذا القول منه وهو بمنزلة أن يقول فى الزنى وقتل النفس وقذف المحصنات: لو حرمناه عليهم. [فحرمه عليهم]  وبمنزلة أن يقول فى وجوب الظهر والعصر ووجوب صوم شهر رمضان والغسل من الجنابة: فلو فرضناه عليهم ففرضه عليهم. فدعوى هذه التأويلات المستكرهة التى كلما نظر فيها طالب العلم ازداد بصيرة فى المسألة وقوى جانبها عنده فإنه يرى أن الحديث لا يرد يمثل هذه الأشياء. وقد سلك أبو عبد الرحمن النسائى فى quot;سننهquot; فى الحديث مسلكا آخر فقال: باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة ثم ساقه قال: حدثنا أبو داود حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه: أن أبا الصهباء جاء إلى ابن عباس رضى الله عنهما فقال: quot;يا ابن عباس ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله صلى عليه وآله وسلم(1\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "302",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1574",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأبى بكر وصدرا من خلافة عمر ترد إلى الواحدة قال: نعمquot; وأنت إذا طابقت بين هذه الترجمة وبين لفظ الحديث وجدتها لا يدل عليها ولا يشعر بها بوجه من الوجوه بل الترجمة لون والحديث لون أخر. وكأنه لما أشكل عليه وجه الحديث حمله على ماذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق أنت طالق أنت طالق طلقت واحدة ومعلوم أن الحكم لم يزل ولا يزال كذلك ولا يتقيد ذلك بزمان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبى بكر وصدرا من خلافة عمر رضى الله عنهما ثم يتغير فى خلافة عمر رضى الله عنه ويمضى الثلاث بعد ذلك علي المطلق. فالحديث لا يندفع بمثل هذا ألبتة. وسلك آخرون فى الحديث مسلكا آخر وقالوا: هذا حديث يخالف أصول الشرع فلا يلتفت إليه. قالوا: لأن الله سبحانه ملك الزوج ثلاث تطليقات وجعل إيقاعها إليه فإن قلنا بقول الشافعى ومن وافقه: أن جمع الثلاث جائز فقد فعل ما أبيح له فيصح وإن قلنا: جمع الثلاث حرام وهو طلاق بدعى فالشارع إنما ملكه تفريق الثلاث فسحة له فإذا جمعها فقد جمعها ما فسح له فى تفريقه فلزمه حكمه كما لو فرقه. قالوا: وهذا كما أنه يملك تفريق المطلقات وجمعهن فكذلك يملك تفريق الطلاق وجمعه فهذا قياس الأصول فلا نبطله بخبر الواحد. قال الآخرون: هذا القياس لا يصلح أن يثبت به هذا الحكم لو لم يعارض بنص فضلا عن أن يقدم على النص وهو قياس مخالف لأصول الشرع ولغة العرب وسنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وعمل الصحابة فى عهد الصديق. فأما مخالفته لأصول الشرع فإن الله سبحانه إنما ملك المطلق بعد الدخول طلاقا يملك فيه الرجعة ويكون مخيرا فيه بين الإمساك بالمعروف وبين التسريح بالإحسان ما لم يكن بعوض أو يستوفى فيه العدد. والقرآن قد بين ذلك كله: فبين أن الطلاق قبل الدخول تبين به المرأة ولا عدة عليها وبين أن المفتدية تملك نفسها ولا رجعة لزوجها عليها وبين أن المطلقة الطلقة المسبوقة بطلقتين قبلها تبين منه وتحرم عليه فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره وبين(1\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "303",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1575",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن ما عدا ذلك من الطلاق فللزوج فيه الرجعة وهو مخير بين الإمساك بالمعروف والتسريح بإحسان. وهذا كتاب الله عز وجل قد تضمن هذه الأنواع الأربعة وأحكامها وجعل سبحانه أحكامها من لوازمها التى لا تنفك عنها. فلا يجوز أن تتغير أحكامها البته فكما لا يجوز فى الطلاق قبل الدخول أن تثبت فيه الرجعة وتجب فيه العدة ولا فى الطلقة المسبوقة بطلقتين أن تثبت فيها الرجعة وأن تباح بغير زوج وإصابة ولا فى طلاق الفدية أن تثبت فيه الرجعة فكذلك لا يجوز فى النوع الآخر من الطلاق أن يتغير حكمه فيقع على وجه لا تثبت فيه الرجعة فإنه مخالف لحكم الله تعالى الذى حكم به فيه. وهذا صفة لازمة له فلا يكون على خلافها البتة. ومن تأمل القرآن وجده لا يحتمل غير ذلك فما شرع الله سبحانه الطلاق إلا وشرع فيه الرجعة إلا الطلاق قبل الدخول وطلاق الخلع والطلقة الثالثة. فبيننا وبينكم كتاب الله فإن كان فيه شىء غير هذا فأوجدونا إياه. ومما يوضح ذلك: أن جمهور الفقهاء من الطوائف الثلاثة احتجوا على الشافعى فى تجويزه جمع الثلاث بالقرآن وقالوا: ما شرع الله سبحانه جمع الطلاق الثلاث وما شرع الطلاق بعد الدخول بغير عوض إلا شرع فيه الرجعة ما لم يستوف العدد. واحتجوا عليه بقوله تعالى: الطلاق مرتان [البقرة: 229] . قالوا: ولا يعقل فى لغة من لغات الأمم المرتان إلا مرة بعد مرة. فعارضهم بعض أصحابه بقوله تعالى: ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين [الأحزاب: 31] . وقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;ثلاثة يؤتون أجرهم مرتينquot;.فأجابهم الآخرون بأن المرتين والمرات يراد بها الأفعال تارة والأعيان تارة. وأكثر ما تستعمل فى الأفعال. وأما الأعيان فكقوله فى الحديث: quot;انشق القمر على عهد رسول الله صلى(1\/300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "304",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1576",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله تعالى عليه وآله وسلم مرتين quot;. أى شقتين وفلقتين. ولما خفى هذا على من لم يحط به علما زعم أن الانشقاق وقع مرة بعد مرة فى زمانين. وهذا مما يعلم أهل الحديث ومن له خبرة بأحوال الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وسيرته أنه غلط وأنه لم يقع الانشقاق إلا مرة واحدة ولكن هذا وأمثاله فهموا من قوله quot;مرتينquot; المرة الزمانية. إذا عرف هذا فقوله: نؤتها أجرها مرتين [الأحزاب: 31] وقوله quot;يؤتون أجرهم مرتينquot;. أى ضعفين فيؤتون أجرهم مضاعفا. وهذا يمكن اجتماع المرتين منه فى زمان واحد. وأما المرتان من الفعل فمحال اجتماعهما فى زمن واحد فإنهما مثلان واجتماع المثلين محال. وهو نظير اجتماع حرفين فى آن واحد من متعلم واحد وهذا مستحيل قطعا فيستحيل أن يكون مرتا الطلاق فى إيقاع واحد. ولهذا جعل مالك وجمهور العلماء من رمى الجمار بسبع حصيات جملة أنه غير مؤد للواجب عليه وإنما يستحب له رمى حصاة واحدة فهى رمية لا سبع رميات واتفقوا كلهم على أنه لو قال فى اللعان: أشهد بالله أربع شهادات أنى صادق كانت شهادة واحدة. وفى الحديث الصحيح: quot;من قال فى يوم سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحرquot;. فلو قال: سبحان الله وبحمده مائه مرة هذا اللفظ لم يستحق الثواب المذكور وكانت تسبيحة واحدة. وكذلك قوله: quot;تسبحون الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وتحمدون ثلاثا وثلاثين وتكبرون أربعا وثلاثينquot;. لو قال: سبحان الله ثلاثا وثلاثين لم يكن مسبحا هذا العدد حتى يأتى به واحدة بعد واحدة. ونظائر ذلك فى الكتاب والسنة أكثر من أن تذكر. قالوا: فقوله تعالى: الطلاق مرتان [البقرة: 229] . إما أن يكون خبرا فى معنى الأمر أى إذا طلقتم(1\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "305",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1577",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فطلقوا مرتين. وإما أن يكون خبرا عن حكمه الشرعى الدينى أى الطلاق الذى شرعته لكم وشرعت فيه الرجعة: مرتان. وعلى التقديرين: إما أن يكون ذلك مرة بعد مرة فلا يكون موقعا للطلاق الذى شرع إلا إذا طلق مرة بعد مرة ولا يكون موقعا للمشروع بقوله: أنت طالق ثلاثا ولا مرتين. قالوا: ويوضح ذلك أنه حصر الطلاق المشروع فى مرتين فلو شرع جمع الطلاق فى دفعة واحدة لم يكن الحصر صحيحا ولم يكن الطلاق كله مرتان بل كان منه مرتان ومنه مرة واحدة بجمعه. وهذا خلال ظاهر القرآن وأنه لا طلاق للمدخول بها إلا مرتان. وتبقى الثالثة المحرمة بعد ذلك. قالوا: ويدل عليه أن الطلاق اسم محلى باللام وليست للعهد بل للعموم فالمراد بالآية: كل الطلاق مرتان. والمرة الثالثة التى تحرمها عليه وتسقط رجعته. وهذا صريح فى أن الطلاق المشروع هو المتفرق لأن المرات لا تكون إلا متفرقة كما تقدم. قالوا: ويدل عليه قول تعالى: فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان [البقرة: 229] . فهذا حكم كل طلاق شرعه الله إلا الطلقة المسبوقة بطلقتين قبلها فإنه لا يبقى بعدها إمساك. قالوا: ويدل عليه قوله تعالى: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف [البقرة: 231] . وquot;إذاquot; من أدوات العموم كأنه قال: أى طلاق وقع منكم فى أى وقت فحكمه هذا إلا أنه أخرج من هذا العموم الطلقة المسبوقة باثنتين فبقى ما عدها داخلا فى لفظ الآية نصا أو ظاهرا. قالوا: ويدل عليه أيضا قوله تعالى: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن [البقرة: 232] . فهذا عام فى كل طلاق غير الثالثة المسبوقة باثنتين فالقرآن يقتضى أن ترجع إلى زوجها إذا أرادت فى كل طلاق ماعدا الثالثة. قالوا: ويدل عليه أيضا قوله تعالى: يا أيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا  فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف [الطلاق: 1-2] . ووجه الأستدلال بالآية من وجوه.(1\/302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "306",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1578",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها: أنه سبحانه وتعالى إنما شرع أن تطلق لعدتها أى لاستقبال عدتها. فتطلق طلاقا يعقبه شروعها فى العدة ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله بن عمر رضى الله عنهما لما طلق امرأته فى حيضها أن يراجعها وتلا هذه الآية تفسيرا للمراد بها وأن المراد بها الطلاق فى قبل العدة. وكذلك كان يقرؤها عبد الله بن عمر ولهذا قال كل من قال بتحريم جمع الثلاث: إنه لا يجوز له أن يردف الطلقة بأخرى فى ذلك الطهر لأنه غير مطلق للعدة. فإن العدة قد استقبلت من حين الطلقة الأولى فلا تكون الثانية للعدة. ثم قال الإمام أحمد فى ظاهر مذهبه ومن وافقه: إذا أراد أن يطلقها ثانية طلقها بعد عقد أو رجعة لأن العدة تنقطع بذلك. فإذا طلقها بعد ذلك أخرى طلقها للعدة. وقال فى رواية أخرى عنه: له أن يطلقها الثانية فى الطهر الثانى ويطلقها الثالثة فى الطهر الثالث وهو قول أبى حنيفة فيكون مطلقا للعدة أيضا لأنها تبتنى على ما مضى. والصحيح هو الأول وأنه ليس له أن يردف الطلاق قبل الرجعة أو العقد لأن الطلاق البائن لم يكن لاستقبال العدة بل هو طلاق لغير العدة فلا يكون مأذونا فيه. فإن العدة إنما تحسب من الطلقة الأولى لأنها طلاق العدة بخلاف الثانية والثالثة. ومن جعله مشروعا قال: هو الطلاق لتمام العدة والطلاق لتمامها كالطلاق لاستقبالها. وكلاهما طلاق للعدة. وأصحاب القول الأول يقولون: المراد بالطلاق للعدة الطلاق لاستقبالها كما فى القراءة الأخرى التى تفسر القراءة المشهورة فطلقوهن فى قبل عدتهن. قالوا: فإذا لم يشرع إرداف الطلاق للطلاق قبل الرجعة أو العقد فإن لا يشرع جمعه معه أولى وأحرى فإن إرداف الطلاق أسهل من جمعه ولهذا يسوغ الإرداف فى الأطهار من لا يجوز الجمع فى الطهر الواحد. وقد احتج عبد الله بن عباس على تحريم جمع الثلاث بهذه الآية. قال مجاهد: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا فسكت حتى ظننت أنه رادها إليه. ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة ثم يقول: يا ابن عباس(1\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "307",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1579",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن الله عز وجل قال: ومن يتق الله يجعل له مخرجا [الطلاق: 2] . فما أجد لك مخرجا عصيت ربك وبانت منك امرأتك وإن الله عز وجل قال: يأيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن [الطلاق: 1] . ففهم ابن عباس من الآية أن جمع الثلاث محرم وهذا فهم من دعا له النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;أن يفقهه الله الدين ويعلمه التأويلquot;. وهو من أحسن الفهوم كما تقرر. الوجه الثانى من الاستدلال بالآية: قوله تعالى: لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن [الطلاق: 1] . وهذا إنما هو فى الطلاق الرجعى. فأما البائن فلا سكنى لها ولا نفقة لسنة رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم الصحيحة التى لا مطعن فى صحتها الصريحة التى لا شبهة فى دلالتها. فدل على أن هذا حكم كل طلاق شرعه الله تعالى ما لم يسبقه طلقتان قبله ولهذا قال الجمهور: إنه لا يشرع له ولا يملك إبانتها بطلقة واحدة بدون العوض. وأبو حنيفة قال: لا يملك ذلك لأن الرجعة حقه وقد أسقطها. والجمهور يقولون: ثبوت الرجعة وإن كان حقا له فلها عليه حقوق الزوجية فلا يملك إسقاطها إلا بمخالعة أو باستيفاء العدد كما دل عليه القرآن. الوجه الثالث: أنه قال: وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه [الطلاق: 1] . فإذا طلقها ثلاثا جملة واحدة فقد تعدى حدود الله فيكون ظالما. الوجه الرابع: أنه سبحانه قال: لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا [الطلاق: 1] . وقد فهم أعلم الأمة بالقرآن وهم الصحابة أن الأمر هاهنا هو الرجعة. قالوا quot;وأى أمر يحدث بعد الثلاث quot;. الوجه الخامس: قوله تعالى: فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف [البقرة: 231] . فهذا حكم كل طلاق شرعه الله إلا أن يسبق بطلقتين قبله وقد احتج ابن عباس على تحريم جمع الثلاث بقوله تعالى: يأيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن [الطلاق: 1] . كما تقدم وهذا حق فإن الآية إذا دلت على منع إرداف(1\/304)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "308",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1580",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطلاق الطلاق فى طهر أو أطهار قبل رجعة أو عقد كما تقدم لأنه يكون مطلقا فى غير قبل العدة فلأن تدل على تحريم الجمع أولى وأحرى. قالوا: والله سبحانه شرع الطلاق على أيسر الوجوه وأرفقها بالزوج والزوجة لئلا يتسارع العبد فى وقوعه ومفارقة حبيبته. وقد وقت للعدة أجلا لاستدراك الفارط بالرجعة فلم يبح له أن يطلق المرأة فى حال حيضها لأنه وقت نفرته عنها وعدم قدرته على استمتاعه بها ولا عقيب جماعها لأنه قد قضى غرضه منها وربما فترت رغبته فيها وزهد فى إمساكها لقضاء وطره. فإذا طلقها فى هاتين الحالتين ربما يندم بعد هذا مع ما فى الطلاق فى الحيض من تطويل العدة وعقيب الجماع من طلاق من لعلها. قد اشتمل رحمها على ولد منه فلا يريد فراقها. فأما إذا حاضت ثم طهرت فنفسه تتوق إليها لطول عهده بجماعها فلا يقدم على طلاقها فى هذه الحال إلا لحاجته إليه. فلم يبح له الشارع أن يطلقها إلا فى هذه الحال أو فى حال استبانة حملها لأن إقدامه أيضا على طلاقها فى هذه الحال دليل على حاجته إلى الطلاق. وقد أكد النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم هذا بمنعه لعبد الله بن عمر أن يطلق فى الطهر الذى يلى الحيضة التى طلق فيها بل أمره أن يراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن بدا له أن يطلقها فليطلقها. وفى ذلك عدة حكم: منها: أن الطهر المتصل بالحيضة هو وهى فى حكم القرء الواحد فإذا طلقها فى ذلك الطهر فكأنه طلقها فى الحيضة لاتصاله بها وكونه معها كالشىء الواحد. الثانية: أنه لو أذن له فى طلاقها فى ذلك الطهر فيصير كأنه راجع لأجل الطلاق وهذا ضد مقصود الرجعة. فإن الله تعالى إنما شرع الرجعة للإمساك ولم شعث النكاح وعود الفراش فلا يكون لأجل الطلاق فيكون كأنه راجع ليطلق وإنما شرعت الرجعة ليمسك وبهذا بعينه أبطلنا نكاح المحلل فإن الله سبحانه وتعالى شرع النكاح للإمساك والمعاشرة والمحلل تزوج ليطلق فهو مضاد الله تعالى فى شرعه ودينه.(1\/305)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "309",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1581",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالثة: أنه إذا صبر عليها حتى تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم تطهر زال ما فى نفسه من الغضب الحامل له على الطلاق وربما صلحت الحال بينهما وأقلعت عما يدعوه إلى طلاقها فيكون تطويل هذه المدة رحمة به وبها. وإذا كان الشارع ملتفتا إلى مثل هذه الرحمة والشفقة على الزوج وشرع الطلاق على هذا الوجه الذى هو أبعد شىء عن الندم فكيف يليق بشرعه أن يشرع إبانتها وتحريمها عليه بكلمة واحدة يجمع فيها ما شرعه متفرقا بحيث لا يكون له سببا إليها وكيف يجتمع فى حكمة الشارع وحكمة هذا وهذا. فهذه الوجوه ونحوها ما بين بها الجمهور أن جمع الثلاث غير مشروع هى بعينها تبين عدم الوقوع وأنه إنما يقع المشروع وحده وهى الواحدة. قالوا: فتبين أنا بأصول الشرع وقواعده أسعد منكم وأن قياس الأصول وقواعد الشرع من جانبنا وقد تأيدت بالسنة الصحيحة التى ذكرناها. وقولكم: إن المطلق ثلاثا قد جمع ما فسح له فى تفريقه: هو إلى أن يكون حجة عليكم أقرب فإنه إنما أذن له فيه وملكه متفرقا لا مجموعا فإذا جمع ما أمر بتفريقه فقد تعدى حدود الله وخالف ما شرعه ولهذا قال من قال من السلف: quot;رجل أخطأ السنة فيرد إليهاquot; فهذا أحسن من كلامكم وأبين وأقرب إلى الشرع والمصلحة. ثم هذا ينتقض عليكم بسائر ما ملكه الله تعالى العبد وأذن فيه متفرقا فأراد أن يجمعه كرمى الجمار الذى إنما شرع له مفرقا واللعان الذى شرع كذلك وأيمان القسامة التى شرعت كذلك. ونظير قياسكم هذا: أن له أن يؤخر الصلوات كلها ويصليها فى وقت واحد لأنه جمع ما أمر بتفريقه. على أن هذا قد فهمه كثير من العوام يؤخرون صلاة اليوم إلى الليل ويصلون الجميع فى وقت واحد ويحتجون بمثل هذه الحجة بعينها ولو سكتم عن نصرة المسألة بمثل ذلك لكان أقوى لها.(1\/306)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "310",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1582",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل فاستروح بعضهم إلى مسلك آخر غير هذه المسالك لما تبين له فسادها. فقال هذا حديث واحد والأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم دالة على خلافه وذكروا أحاديث. منها: ما فى الصحيحين عن فاطمة بنت قيس: quot;أن أبا حفص بن المغيرة طلقها البتة وهو غائب. فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته فجاءت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فذكرت له ذلك. فقال ليس لك عليه نفقةquot;. وقد جاء تفسير هذه quot;البتةquot; فى الحديث الآخر الصحيح أنه طلقها ثلاثا فلم يجعل لها النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم سكنى ولا نفقة. فقد أجاز عليه الثلاث وأسقط بذلك نفقتها وسكناها. وفى المسند quot;أن هذه الثلاث كانت جميعاquot; فروى من حديث الشعبى: quot;أن فاطمة خاصمت أخا زوجها إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لما أخرجها من الدار ومنعها النفقة. فقال: مالك ولابنة قيس قال: يا رسول الله إن أخى طلقها ثلاثا جميعاquot; وذكر الحديث. ومنها ما فى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها: quot;أن رجلا طلق امرأته ثلاثا. فتزوجت فطلقت فسئل النبى صلى الله تعالى علي وآله وسلم: أتحل للأول قال: لا حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأولquot;. ووجه الدليل: أنه لم يستفصل هل طلقها ثلاثا مجموعة أو متفرقة ولو اختلف الحال لوجب الاستفصال. ومنها: ما اعتمد عليه الشافعى فى قصة الملاعنة: quot;أن عويمرا العجلانى أتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله رأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: قد أنزل فيك وفى صاحبتك فاذهب فائت بها. قال سهل فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم.(1\/307)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "311",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1583",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. قال الزهرى: وكانت تلك سنة المتلاعنينquot; متفق على صحته. قال الشافعى: فقد أقره رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على الطلاق ثلاثا ولو كان حراما لما أقره عليه. ومنها: ما رواه النسائى عن محمود بن لبيد قال quot;أخبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقام غضبان ثم قال: أيلعب بكتاب الله. وأنا بين أظهركم حتى قام رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله quot; ولم يقل: إنه لم يقع عليه إلا واحدة بل الظاهر أنه أجازها عليه إذ لو كانت زوجته ولم يقع عليه إلا واحدة لبين له ذلك لأنه إنما طلقها ثلاثا يعتقد لزومها فلو لم يلزمه لقال له: هى زوجتك بعد وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. ومنها: ما رواه أبو داود وابن ماجه عن ركانة: quot;أنه طلق امرأته البتة. فأتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: ما أردت قال: واحدة. قال: الله ما أردت بها إلا واحدة قال: الله ما أردت بها إلا واحدةquot; ورواه الترمذى وفيه quot;فقال: يا رسول الله إنى طلقت امرأتى ألبتة فقال: ما أردت بها فقلت: واحدة قال: والله قلت: والله قال: فهو ما أردتquot; قال أبو داود: وهذا أصح من حديث ابن جريج quot;أن ركانة طلق امرأته ثلاثاquot; وقال ابن ماجه: سمعت أبا الحسن على بن محمد الطنافسى يقول: ما أشرف هذا الحديث قال أبو عبد الله بن ماجه: quot;أبو عبيدquot; تركه ناجية وأحمد جبن عنه.(1\/308)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "312",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1584",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ووجه الدلالة: أنه حلفه quot;ما أراد بها إلا واحدةquot; وهذا يدل على أنه لو أراد بها أكثر من واحدة لألزمه ذلك ولو كانت واحدة مطلقا لم يفترق الحال بين أن يريد واحدة أو أكثر وإذا كان هذا فى الكناية فكيف بالطلاق الصريح إذا صرح فيه بالثلاث. ومنها: ما رواه الدارقطنى من حديث حماد بن زيد: حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت معاذ بن جبل يقول: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: quot;يا معاذ من طلق للبدعة واحدة أو اثنتين أو ثلاثا ألزمناه بدعتهquot;. ومنها: ما رواه الدارقطنى من حديث إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده قال: quot;طلق بعض آبائى امرأته البتة فانطلق بنوه إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقالوا: يا رسول الله إن أبانا طلق امرأته ألفا فهل له من مخرج فقال: إن أباكم لم يتق الله فيجعل له مخرجا بانت منه بثلاث على غير السنة وتسعمائة وسبعة وتسعون إثم فى عنقهquot;. ومنها: ما رواه الدارقطنى أيضا من حديث زاذان عن على رضى الله عنه قال: quot;سمع النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم رجلا طلق البتة فغضب وقال: أتتخذون آيات الله هزوا أو دين الله هزوا ولعبا من طلق البتة ألزمناه ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيرهquot;. ومنها: ما رواه الدارقطنى من حديث الحسن البصرى قال: حدثنا عبد الله بن عمر quot;أنه طلق امرأته وهى حائض ثم أراد أن يتبعها بتطليقتين أخريين عند القرءين فبلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: يا ابن عمر ما هكذا أمرك الله تعالى. إنك قد أخطأت السنة والسنة أن تستقبل الطهر فتطلق عند ذلك أو أمسك. فقلت: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكان يحل لى أن أراجعها قال: لا. كانت تبين منك تكون معصيةquot;. ومنها: ما رواه أبو داود والنسائى عن حماد بن زيد قال quot;قلت لأيوب: هل علمت أحدا قال فى quot;أمرك بيدكquot; إنها ثلاث غير الحسن قال: لا. ثم قال: اللهم غفرا إلا ما حدثنى(1\/309)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "313",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1585",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قتادة عن كثير مولى ابن سمرة عن أبى سلمة عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;ثلاثquot;. فلقيت كثيرا فسألته فلم يعرفه فرجعت إلى قتادة فأخبرته: فقال: نسى. ورواه الترمذى وقال: لا نعرفه إلا من حديث سلمان بن حرب عن حماد بن زيد. وحسبك بسليمان بن حرب وحماد بن زيد ثقتين ثبتين. ومنها: ما رواه البيهقى من حديث سويد بن غفلة عن الحسن أنه طلق عائشة الخثعمية ثلاثا. ثم قال: لولا أنى سمعت جدى أو حدثنى أبى أنه سمع جدى يقول: quot;أيما رجل طلق امرأته ثلاثا عند الأقراء أو ثلاثا مبهمة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره لراجعتهاquot;. رواه من حديث محمد بن حميد: حدثنا سلمة بن الفضل عن عمر بن أبى قيس عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد وهذا مرفوع. قالوا: فهذه الأحاديث أكثر وأشهر وعامتها أصح من حديث أبى الصهباء وحديث ابن جريج عن عكرمة عن ابن عباس. فيجب تقديمها عليه ولا سيما على قاعدة الإمام أحمد فإنه يقدم الأحاديث المتعددة على الحديث الفرد عند التعارض وإن كان الحديث الفرد متأخرا. كما قدم فى إحدى الروايتين أحاديث تحريم الأوعية على حديث بريدة لكونها متعددة وحديث بريدة فى إباحتها فرد وهو متأخر فإنه قال: quot;كنت نهيتكم عن الانتباذ فى الأوعية فاشربوا فيما بدا لكم غير أن لا تشربوا مسكراquot;. مع أنه حديث صحيح. رواه مسلم ولا يعرف له علة.(1\/310)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "314",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1586",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل قال الآخرون: هذه الأحاديث التى ذكرتموها ولم تدعوا بعدها شيئا هى بين أحاديث صحيحة لا مطعن فيها ولا حجة فيها. وبين أحاديث صريحة الدلالة ولكنها باطلة أو ضعيفة لا يصح شئ منها. ونحن نذكر ما فيها ليتبين الصواب ويزال الإشكال. أما حديث فاطمة بنت قيس فمن أصح الأحاديث مع أن أكثر المنازعين لنا فى هذه المسألة قد خالفوه ولم يأخذوا به. فأوجبوا للمبتوته النفقة والسكنى ولم يلتفتوا إلى هذا الحديث ولا عملوا به وهذا قول أبى حنيفة وأصحابه. وأما الشافعى ومالك فأوجبوا لها السكنى. والحديث قد صرح فيه بأنه لا نفقة لها ولا سكنى فخالفوه ولم يعملوا به. فإن كان الحديث صحيحا فهو حجة عليكم وإن لم يكن محفوظا بل هو غلط كما قال بعض المتقدمين فليس حجة علينا فى جمع الثلاث. فأما أن يكون حجة لكم على منازعيكم وليس حجة لهم عليكم فبعيد من الإنصاف والعدل. هذا مع أنا نتنزل عن هذا المقام ونقول: الاحتجاج بهذا الحديث فيه نوع سهو من(1\/311)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "315",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1587",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المحتج به. ولو تأمل طرق الحديث وكيف وقعت القصة لم يحتج به. فإن الثلاث المذكورة فيه لم تكن مجموعة وإنما كان قد طلقها تطليقتين من قبل ذلك ثم طلقها آخر الثلاث هكذا جاء مصرحا به فى الصحيح. فروى مسلم فى صحيحه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة quot;أنا أبا عمرو بن حفص بن المغيرة خرج مع على بن أبى طالب رضى الله عنه إلى اليمن فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها وأمر لها الحارث بن هشام وعياش بن أبى ربيعة بنفقة فقالا لها: والله مالك نفقة إلا أن تكونى حاملا. فأتت النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;فذكرت له قولهما فقال: لا نفقة لكquot; وساق الحديث بطوله. فهذا المفسر يبين ذلك المجمل وهو قوله quot;طلقها ثلاثاquot;. وقال الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أبى سلمة عن فاطمة بنت قيس: أنها أخبرته quot;أنها كانت تحت أبى حفص بن المغيرة وأن أبا حفص بن المغيرة طلقها آخر ثلاث تطليقاتquot; وساق الحديث ذكره أبو داود ثم قال: وكذلك رواه صالح بن كيسان وابن جريج وشعيب بن أبى حمزة كلهم عن الزهرى. ثم ساق من طريق عبد الرزاق عن معمر عن(1\/312)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "316",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1588",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الزهرى عن عبيد الله قال: quot;أرسل مروان إلى فاطمة فسألها فأخبرته أنها كانت عند أبى حفص ابن المغيرة وكان النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أمر على بن أبى طالب رضى الله عنه على بعض اليمن فخرج معه زوجها فبعث إليها بتطليقة كانت بقيت لهاquot;. وذكر الحديث بتمامه والواسطة بين مروان وبينها هو قبيصة بن ذؤيب. كذلك ذكره أبو داود فى طريق أخرى. فهذا بيان حديث فاطمة بنت قيس. قالوا: ونحن أخذنا به جميعه ولم نخالف شيئا منه إذ كان صحيحا صريحا لا مطعن فيه ولا معارض له. فمن خالفه فهو محتاج إلى الاعتذار. وقد جاء هذا الحديث بخمسة ألفاظ quot;طلقها ثلاثاquot; و quot;طلقها ألبتةquot; و quot;طلقها آخر ثلاث تطليقاتquot; و quot;أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لهاquot; و quot;طلقها ثلاثا جميعاquot;. هذه جملة ألفاظ الحديث وبالله التوفيق. فأما اللفظ الخامس وهو قوله quot;طلقها ثلاثا جميعاquot; هذه القصة عن الشعبى. ولم يقل ذلك عن الشعبى غيره مع كثرة من روى هذه القصة عن الشعبى. فتفرد مجالد على ضعفه من بينهم بقوله quot;ثلاثا جميعاquot; وعلى تقدير صحته فالمراد به: أنه اجتمع لها التطليقات الثلاث لا أنها وقعت بكلمة واحدة فإذا طلقها آخر ثلاث صح أن يقال طلقها ثلاثا جميعا. فإن هذه اللفظة يراد بها تأكيد العدد وهو الأغلب عليها لا الاجتماع فى الآن الواحد لقوله تعالى: ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا [يونس: 99] . فالمراد حصول الإيمان من الجميع لا إيمانهم كلهم فى آن واحد سابقهم ولاحقهم. فصل وكذلك ما ذكروه من حديث عائشة رضى الله عنها: quot;أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فسئل النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: هل تحل للأول فقال: لاquot; الحديث. هو حق يجب المصير إليه لكن ليس فيه أنه طلقها ثلاثا بفم واحد فلا تدخلوا فيه ما ليس فيه. وقولكم: quot;ولم يستفصلquot; جوابه: أن الحال قد كان عندهم معلوما وأن الثلاث إنما(1\/313)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "317",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1589",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تكون ثلاثا واحدة بعد واحدة وهذا مقتضى اللغة والقرآن والشرع والعرف كما بينا. فخرج الكلام على المفهوم المتعارف من لغة القوم. فصل وأما ما اعتمد عليه الشافعى من طلاق الملاعن ثلاثا بحضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولم ينكره فلا دليل فيه. لأن الملاعنة يحرم عليه إمساكها وقد حرمت تحريما مؤبدا فما زاد الطلاق الثلاث هذا التحريم الذى هو مقصود اللعان إلا تأكيدا وقوة وهذا جواب شيخنا رحمه الله. وقال ابن المنذر: وقد ذكر الأدلة على تحريم جمع الطلاق الثلاث وأنه بدعة ثم قال: وأما ما اعتل به من رأى أن مطلق الثلاث فى مرة واحدة مطلق للسنة بحديث العجلانى. فإنما أوقع الطلاق عنده على أجنبية علم الزوج الذى طلق ذلك أو لم يعلم. لأن قائله يوقع الفرقة بالتعان الرجل قبل أن تلتعن المرأة فغير جائز أن يحتج بمثل هذه الحجة من يرى أن الفرقة تقع بالتعان الزوج وحده انتهى. وحينئذ فنقول: إما أن تقع الفرقة بالتعان الزوج وحده كما يقوله الشافعى أو بالتعانهما كما يقوله أحمد أو يقف على تفريق الحاكم. فإن وقعت بالتعانه أو التعانهما فالطلاق الذى وقع منه لغو لم يفد شيئا ألبتة بل هو طلاق فى أجنبية. وإن وقفت الفرقة على تفريق الحاكم فهو يفرق بينهما تفريقا يحرمها عليه تحريما مؤبدا. فالطلاق الثلاث أكد هذا التحريم الذى هو موجب اللعان ومقصود الشارع. فكيف يلحق به طلاق الملاعنة وبينهما أعظم فرق. فصل وأما حديث محمود بن لبيد فى قصة المطلق ثلاثا فالاحتجاج به على الجواز من باب قلب الحقائق والاحتجاج بأعظم ما يدل على التحريم لا على الإباحة. والاستدلال به على(1\/314)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "318",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1590",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوقوع من باب التكهن والخرص والزيادة فى الحديث ما ليس فيه ولا يدل عليه بشئ من وجوه الدلالات ألبتة ولكن المقلد لا يبالى بنصرة تقليده بما اتفق له وكيف يظن برسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه أجاز عمل من استهزأ بكتاب الله وصححه واعتبره فى شرعه وحكمه ونفذه وقد جعله مستهزئا بكتاب الله تعالى وهذا صريح فى أن الله سبحانه وتعالى لم يشرع جمع الثلاث ولا جعله فى أحكامه. فصل وأما حديث ركانة quot;أنه طلق امرأته البتة وأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم استحلفه ما أراد بها إلا واحدةquot; فحديث لا يصح. قال أبو الفرح بن الجوزى فى كتاب العلل له: قال أحمد: حديث ركانة ليس بشىء. وقال الخلال فى كتاب العلل عن الأثرم: قلت لأبى عبد الله: حديث ركانة فى quot;البتةquot; فضعفه وقال quot;ذاك جعله بنيتهquot;. وقال شيخنا: الأئمة الكبار العارفون بعلل الحديث كالإمام أحمد والبخارى وأبى عبيد وغيرهم ضعفوا حديث ركانة quot;البتةquot; وكذلك أبو محمد بن حزم وقالوا: إن رواته قوم مجاهيل لا تعرف عدالتهم وضبطهم قال: وقال الإمام أحمد: حديث ركانة أنه طلق امرأته ألبتة لا يثبت. وقال أيضا: حديث ركانة فى ألبتة ليس بشئ لأن ابن إسحق يرويه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس quot;أن ركانة طلق امرأته ثلاثاquot; وأهل المدينة يسمون من طلق ثلاث طلق البتةquot;. فإن قيل: فقد قال أبو داود: حديث quot;البتةquot; أصح من حديث ابن جريج quot;أن ركانة طلق امرأته ثلاثاquot; لأنهم أهل بيته وهم أعلم به يعني وهم الذين رووا حديث quot;البتةquot;. فقال شيخنا في الجواب: أبو داود إنما رجح حديث quot;البتةquot; على حديث ابن جريج لأنه روى حديث ابن جريج من طريق فيها مجهول فقال: حدثنا أحمد ابن صالح حدثنا عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرنى بعض ولد أبي رافع عن عكرمة عن ابن عباس قال: quot;طلق(1\/315)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "319",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1591",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبد يزيد أبو ركانة وإخوته أم ركانة ثلاثاquot; الحديث ولم يرو الحديث الذى رواه أحمد في مسنده عن إبراهيم بن سعد: حدثني أبى عن محمد بن إسحق حدثنا داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: quot;طلق ركانة ابن عبد يزيد امرأته ثلاثا في مجلس واحدquot; فلهذا رجح أبو داود حديث quot;البتةquot; على حديث ابن جريج. ولم يتعرض لهذا الحديث ولا رواه فى سننه ولا ريب أنه أصح من الحديثين. وحديث ابن جريج شاهد له وعاضد فإذا انضم حديث أبى الصهباء إلى حديث ابن إسحاق إلى حديث ابن جريج مع اختلاف مخارجها وتعدد طرقها أفادت العلم بأنها أقوى من حديث quot;البتةquot; بلا شك ولا يمكن من شم روائح الحديث ولو على بعد أن يرتاب فى ذلك. فكيف يقدم الحديث الضعيف الذى ضعفه الأئمة ورواته مجاهيل على هذه الأحاديث(1\/316)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "320",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1592",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وأما حديث معاذ بن جبل فلقد وهت مسألة يحتج فيها بمثل هذا الحديث الباطل. والدارقطنى إنما رواه للمعرفة وهو أجل من أن يحتج به. وفى إسناده: إسماعيل ابن أمية الذارع يرويه عن حماد. قال الدارقطنى بعد روايته: إسماعيل ابن أمية ضعيف متروك الحديث فصل وأما حديث عبادة بن الصامت الذى رواه الدارقطنى. فقد قال عقيب إخراجه: رواته مجهولون وضعفاء إلا شيخنا وابن عبد الباقى. فصل وأما حديث زاذان عن على رضى الله عنه. فيرويه إسماعيل بن أمية القرشى. قال الدارقطنى: إسماعيل بن أمية هذا كوفى ضعيف. قلت: وفى إسناده مجاهيل وضعفاء.(1\/317)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "321",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1593",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وأما حديث الحسن عن ابن عمر فهو أمثل هذه الأحاديث الضعاف. قال الدارقطنى: حدثنا على بن محمد بن عبيد الحافظ: حدثنا محمد بن شاذان الجوهرى: حدثنا يعلى بن منصور: حدثنا شعيب بن رزيق: أن عطاء الخرسانى حدثهم عن الحسن قال: حدثنا عبد الله بن عمر فذكره. وشعيب وثقه الدارقطنى. وقال أبو الفتح الأزدى فيه لين. وقال البيهقى وقد روى هذا الحديث: وهذه الزيادات انفرد بها شعيب وقد تكلموا فيه انتهى. ولا ريب أن الثقات الأثبات الأئمة رووا حديث ابن عمر هذا فلم يأت أحد منهم بما أتى به شعيب ألبتة ولهذا لم يرو حديثه هذا أحد من أصحاب الصحيح ولا السنن. فصل وأما حديث كثير مولى ابن سمرة عن أبى سلمة عن أبى هريرة فقد أنكره كثير لما سئل عنه ومثل هذا بعيد أن ينسى. وقد أعل البيهقى هذا الحديث وقال: كثير لم يثبت(1\/318)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "322",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1594",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من معرفته ما يوجب الاحتجاج به قال: وقول العامة بخلاف روايته وقد ضعفه عبد الحق فى أحكامهquot; وابن حزم فى كتابه. فصل وأما حديث سويد بن غفلة عن الحسن فمن رواية محمد بن حميد الرازى. قال أبو زرعة الرازى: كذاب وقال صالح جزرة: ما رأيت أحذق بالكذب منه ومن الشاذكونى سلمة بن الفضل. قال أبو حاتم: منكر الحديث وإن كان رواته شتى فقد ضعفه إسحاق بن راهويه وغيره. فصل فما رأى آخرون ضعف هذه المسالك استروحوا إلى مسلك آخر وظنوا أنهم قد استروحوا به من كلفة التأويل ومشقته. فقالوا: الإجماع قد انعقد على لزوم الثلاث وهو أكبر من خبر الواحد كما قال الشافعى رحمه الله الإجماع أكبر من الخبر المنفرد. وذلك أن الخبر يجوز الخطأ والوهم على راويه بخلاف الإجماع فإنه معصوم. قالوا: ونحن نسوق عن الصحابة والتابعين ما يبين ذلك. فثبت فى صحيح مسلم أن عمر رضى الله عنه أمضى عليهم الثلاث ووافقه الصحابة. قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان عن شقيق سمع أنسا يقول: قال عمر فى الرجل يطلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها قال: هى ثلاث لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره وكان إذا أتى به أوجعه. وروى البيهقى من حديث ابن أبى ليلى عن على رضى الله عنه فيمن طلق ثلاثا قبل الدخول قال: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره.(1\/319)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "323",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1595",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروى حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على: لا تحل له حتى تنكح غيره. وروى أبو نعيم عن الأعمش عن حبيب بن أبى ثابت عن بعض أصحابه قال: جاء رجل إلى على رضى الله عنه. فقال: طلقت امرأتى ألفا فقال: ثلاث تحرمها عليك واقسم سائرها بين نسائك. وقال علقمة بن قيس: أتى رجل ابن مسعود رضى الله عنه فقال: إن رجلا طلق امرأته البارحة مائة قال: قلتها مرة واحدة قال: نعم. قال: تريد أن تبين منك امرأتك قال: نعم قال هو كما قلت. وأتاه رجل فقال: إنه طلق امرأته البارحة عدد النجوم فقال له مثل ذلك ثم قال: قد بين الله سبحانه أمر الطلاق. فمن طلق كما أمره الله تعالى فقد بين له. ومن لبس جعلنا عليه لبسه. والله لا تلبسون إلا على أنفسكم ونتحمله عنكم هو كما تقولون. وروى مالك فى الموطأ عن ابن شهاب عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن محمد بن إياس البكير قال: طلق رجل امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها ثم بدا له أن ينكحها فجاء يستفتى. فذهبت معه أسأل له فسأل أبا هريرة وابن عباس عن ذلك. فقالا لا نرى أن تنكحها حتى تنكح زوجا غيرك. قال: إنما كان طلاقى إياها واحدة. فقال ابن عباس: إنك قد أرسلت من يدك ما كان لك من فضل. وفى الموطأ أيضا فى هذه القصة: أن ابن البكير سأل عنها ابن الزبير. فقال: إن هذا الأمر مالنا فيه قول اذهب إلى ابن عباس وأبى هريرة فإنى تركتهما عند عائشة فاسألهما ثم ائتنا فأخبرنا. فذهب فسألهما فقال ابن عباس لأبى هريرة: أفته يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة. فقال أبو هريرة: الواحد تبينها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره. وقال ابن عباس مثل ذلك.(1\/320)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "324",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1596",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذه عائشة لم تنكر عليهما ولا ابن الزبير. وفى الموطأ أيضا: عن النعمان بن أبى عياش عن عطاء بن يسار قال quot;جاء رجل يستفتى عبد الله بن عمرو بن العاص عن رجل طلق امرأته ثلاثا قبل أن يمسها قال عطاء فقلت إنما طلاق البكر واحدة. فقال لى عبد الله بن عمرو بن العاص: إنما أنت قاص. الواحدة تبينها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيرهquot;. وروى عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره. وروى البيهقى من حديث معاذ بن معاذ: حدثنا شعبة عن طارق بن عبد الرحمن سمعت قيس بن أبى عاصم قال: سأل رجل المغيرة وأنا شاهد عن رجل طلق امرأته مائة فقال: ثلاثة تحرم وسبع وتسعون فضلquot;. وروى البيهقى عن سويد بن غفلة قال: كانت عائشة الخثعمية عند الحسن فلما قتل على رضى الله عنه قالت: لنهنئك الخلافة قال: بقتل على تظهرين الشماتة اذهبى فأنت طالق: يعنى ثلاثا فتلفعت بثيابها حتى قضت عدتها فبعث إليها ببقية بقيت لها من صداقها وعشرة آلاف صدقة فقالت لما جاءها الرسول: متاع قليل من حبيب مفارق. فلما بلغه قولها بكى وقال: لولا أنى سمعت جدى أو حدثنى أبى أنه سمع جدى يقول: أيما رجل طلق امرأته ثلاثا عند الأقراء أو ثلاثة مبهمة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره لراجعتها. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عطاء بن السائب عن على رضى الله عنه أنه قال فى الحرام والبتة والبائن والخلية والبرية: ثلاثا ثلاثا. قال(1\/321)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "325",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1597",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شعبة: فلقيت عطاء فقلت: من حدثك عن على قال أبو البخترى قال أحمد: وأنا أهابها لا أحب فيها لأنه يروى عن عامة الناس أنها ثلاث: على وزيد وابن عمر وعامة التابعين. وأما ابن عباس فروى عنه مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء بن أبى رباح وعمرو بن دينار ومالك بن الحارث ومحمد بن إياس بن البكير ومعاوية بن أبى عياش وغيرهم: أنه ألزم الثلاث من أوقعها جملة. قال الإمام أحمد وقد سأله الأثرم: بأى شئ ترد حديث ابن عباس quot;كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبى بكر وعمر رضى عنهما طلاق الثلاث واحدةquot; بأى شئ تدفعه قال quot;برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافهquot; ثم ذكر عن عدة عن ابن عباس أنها ثلاث وإلى هذا نذهب. وذكر البيهقى أن رجلا أتى عمران بن حصين وهو فى المسجد فقال: رجل طلق امرأته ثلاثا فى مجلس فقال: أثم بربه وحرمت عليه امرأته. فانطلق الرجل فذكر ذلك لأبى موسى يريد بذلك عيبه فقال: ألا ترى أن عمران قال كذا وكذا فقال أبو موسى: أكثر الله فينا مثل أبى نجيد. قالوا: فهذا عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله ابن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعمران بن حصين والمغيرة بن شعبة والحسن بن على رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. وأما التابعون فأكثر من أن يذكروا والإجماع يثبت بدون هذا ولهذا حكاه غير واحد منهم أبو بكر بن العربى وأبو بكر الرازى وهو ظاهر كلام الإمام أحمد فإنه(1\/322)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "326",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1598",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال فى رواية الأثرم وذكر قول من قال: إذا خالف السنة يرد إلى السنة إنه ليس بشىء. وقال: هذا مذهب الرافضة. وظاهر هذا أن القول بالوقوع إجماع أهل السنة. قال الآخرون: قد عرفتم ما فى دعوى الإجماع الذى لم يعلم فيه مخالف: أنه راجع إلى عدم العلم لا إلى العلم بانتفاء المخالف وعدم العلم ليس بعلم حتى يحتج به ويقدم على النصوص الثابتة هذا إذا لم يعلم مخالف فكيف إذا علم المخالف وحينئذ فتكون المسألة مسألة نزاع يجب ردها إلى الله تعالى ورسوله ومن أبى ذلك فهو إما جاهل مقلد وإما متعصب صاحب هوى عاص لله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم متعرض للحوق الوعيد به. فإن الله تعالى يقول: فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر [النساء: 59] . فإذا ثبت أن المسألة مسألة نزاع وجب قطعا ردها إلى كتاب الله وسنة رسوله وهذه المسألة مسألة نزاع بلا نزاع بين أهل العلم الذين هم أهله. والنزاع فيها من عهد الصحابة إلى وقتنا هذا وبيان هذا من وجوه: أحدها: ما رواه أبو داود وغيره من حديث حماد بن زيد عن أيوب عن كرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما: إذا قال أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهى واحدة وهذا الإسناد على شرط البخارى. وقال عبد الرزاق. أخبرنا معمر عن أيوب قال: دخل الحكم بن عيينة على الزهرى بمكة وأنا معهم فسألوه عن البكر تطلق ثلاثا فقال: سئل عن ذلك ابن عباس وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو فكلهم قالوا: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره قال: فخرج الحكم وأنا معه فأتى طاوسا وهو فى المسجد فأكب عليه فسأله عن قول ابن عباس فيها وأخبره بقول الزهرى قال: فرأيت طاوسا رفع يديه تعجبا من ذلك وقال: والله ما كان ابن عباس يجعلها إلا واحدة. أخبرنا ابن جريج قال: وأخبرنى حسن بن مسلم عن ابن شهاب أن ابن عباس قال: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا ولم يجمع كن ثلاثا قال: فأخبرت طاوسا فقال: أشهد ما كان ابن عباس يراهن إلا واحدة.(1\/323)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "327",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1599",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقوله quot;إذا طلق ثلاثا ولم يجمع كن ثلاثاquot; أى إذا كن متفرقات فدل على أنه إذا جمعهن كانت واحدة. وهذا هو الذى حلف عليه طاووس: أن ابن عباس كان يجعله واحدة. ونحن لا نشك أن ابن عباس صح عنه خلاف ذلك وأنها ثلاث فهما روايتان ثابتتان عن ابن عباس بلا شك. الوجه الثانى: أن هذا مذهب طاوس quot; قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج عن بن طاوس عن أبيه أنه كان لا يرى طلاقا ما خالف وجه الطلاق ووجه العدة وأنه كان يقول: يطلقها واحدة ثم يدعها حتى تنقضى عدتها. وقال أبو بكر بن أبى شيبة: حدثنا إسماعيل بن عليه عن ليث عن طاوس وعطاء أنهما قالا: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها فهى واحدة. الوجه الثالث: أنه قول عطاء بن أبى رباح قال ابن أبى شيبة: حدثنا محمد بن بشر: حدثنا إسماعيل عن قتادة عن طاوس وعطاء وجابر بن زيد أنهم قالوا: إذا طلقها ثلاثا قبل أن يدخل بها فهى واحدة. الوجه الرابع: أنه قول جابر بن زيد كما تقدم. الوجه الخامس: أن هذا مذهب محمد بن إسحق عن داود بن الحصين حكاه عنه الإمام أحمد فى رواية الأثرم ولفظه حدثنا سعيد بن إبراهيم عن أبيه عن ابن إسحق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: أن ركانة طلق امرأته ثلاثا فجعلها النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم واحدة. قال أبو عبد الله: وكان هذا مذهب ابن إسحاق يقول: خالف السنة فيرد إلى السنة. الوجه السادس: أنه مذهب إسحاق بن راهويه فى البكر. قال محمد بن نصر المروزى فى كتاب quot;اختلاف العلماءquot; له: وكان إسحاق يقول: طلاق الثلاث للبكر واحدة. وتأول حديث طاووس عن ابن عباس quot;كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبى بكر وعمر يجعل واحدةquot;: على هذا. قال: فإن قال لها ولم يدخل بها: أنت طالق أنت طالق أنت طالق. فإن سفيان وأصحاب الرأى والشافعى وأحمد وأبا عبيدة قالوا:(1\/324)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "328",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1600",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بانت منه بالأولى وليست الثنتان بشىء. لأن غير المدخول بها تبين بواحدة ولا عدة عليها. وقال مالك وربيعة وأهل المدينة والأوزاعى وابن أبى ليلى: إذا قال لها ثلاث مرات أنت طالق نسقا متتابعة حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره. فإن هو سكت بين التطليقتين بانت بالأولى ولم تلحقها الثانية. فصار فى وقوع الثلاث بغير المدخول بها ثلاثة مذاهب للصحابة والتابعين ومن بعدهم. أحدها: أنها واحدة سواء قالها بلفظ واحد أو بثلاثة ألفاظ. والثانى: أنها ثلاث سواء أوقع الثلاث بلفظ واحد أو بثلاثة ألفاظ. والثالث: أنه إن أوقعها بلفظ واحد فهى ثلاث. وإن أوقعها بثلاثة ألفاظ فهى واحدة. الوجه السابع: أن هذا مذهب عمرو بن دينار فى الطلاق قبل الدخول. قال ابن المنذر فى كتابه الأوسط: وكان سعيد بن جبير وطاوس وأبو الشعثاء وعطاء وعمرو بن دينار يقولون: من طلق البكر ثلاثا فهى واحدة. الوجه الثامن: أنه مذهب سعيد بن جبير كما حكاه ابن المنذر وغيره عنه وحكاه الثعلبى عن سعيد بن المسيب وهو غلط عليه وإنما هو مذهب سعيد بن جبير. الوجه التاسع: أنه مذهب الحسن البصرى الذى استقر عليه. قال ابن المنذر: واختلف فى هذا الباب عن الحسن. فروى عنه كما رويناه عن أصحاب النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. وذكر قتادة وحميد ويونس عنه: أنه رجع عن قوله بعد ذلك فقال: واحدة بائنة. وهذا الذى ذكره ابن المنذر رواه عبد الرزاق فى المصنف فقال: أخبرنا معمر عن قتادة قال: سألت الحسن عن الرجل يطلق البكر ثلاثا فقال الحسن: وما بعد الثلاث فقلت صدقت وما بعد الثلاث فأفتى الحسن بذلك زمنا ثم رجع فقال: واحد تبينها ويحطها قاله حياته. الوجه العاشر: أنه مذهب عطاء بن يسار قال عبد الرزاق: أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن بكير عن [النعمان] بن أبى عياش قال: سأل رجل عطاء بن يسار عن الرجل(1\/325)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "329",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1601",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يطلق البكر ثلاثا فقال إنما طلاق البكر واحدة فقال له عبد الله ابن عمرو بن العاص: أنت قاص الواحدة تبينها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره مالك: فذكر عطاء مذهبه وعبد الله بن عمرو مذهبه. الوجه الحادى عشر: أنه مذهب خلاس بن عمرو حكاه بشر بن الوليد عن أبى يوسف عنه. الوجه الثانى عشر: أنه مذهب محمد بن مقاتل الرازى حكاه عنه المازرى فى كتابه quot;المعلم بفوائد مسلمquot; قال الخطيب: حدث عن عبد الله بن المبارك عباد بن العوام ووكيع بن الجراح وأبى عاصم النبيل روى عنه الإمام أحمد والبخارى فى صحيحه وكان ثقة. الوجه الثالث عشر: أنه إحدى الروايتين عن مالك حكاها عنه جماعة من المالكية منهم التلمسانى صاحب شرح الخلاف وعزاها إلى ابن أبى زيد أنه حكاها رواية عن مالك وحكاها غيره قولا فى مذهب مالك وجعله شاذا. الوجه الرابع عشر: أن ابن مغيث المالكى حكاه فى كتاب quot;الوثائقquot; وهو مشهور عند المالكية عن بضعة عشر فقيها من فقهاء طليطلة المفتين على مذهب مالك هكذا قال واحتج لهم بأن قوله: أنت طالق ثلاثا: كذب لأنه لم يطلق ثلاثا ولم يطلق إلا واحدة. كما لو قال: حلفت ثلاثا كانت يمينا واحدة ثم ذكر حججهم من الحديث. الوجه الخامس عشر: أن أبا الحسن على بن عبد الله بن إبراهيم اللخمى المشطى صاحب كتاب الوثائق الكبير الذى لم يصنف فى الوثائق مثله حكى الخلاف فيها عن السلف والخلف حتى عن المالكية أنفسهم فقال: وأما من قال: أنت طالق ثلاثا فقد بانت منه قال quot;البتةquot; أو لم يقل. قال: وقال بعض الموثقين يريد المصنفين فى الوثائق: اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلق كم يلزمه من الطلاق فالجمهور من العلماء على أنه يلزمه الثلاث وبه القضاء وعليه الفتوى وهو الحق الذى لا شك فيه قال: وقال بعض السلف: يلزمه من ذلك طلقة واحدة وتابعهم على ذلك قوم من الخلف من المفتين بالأندلس. قال: واحتجوا على ذلك بحجج كثيرة وأحاديث مسطورة أضربنا عنها واقتصرنا على الصحيح منها فمنها: ما رواه داود بن الحصين عن(1\/326)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "330",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1602",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عكرمة عن ابن عباس quot;أن ركانة طلق زوجته عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ثلاثا فى مجلس واحد فقال له النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: إنما هى واحدة فإن شئت فدعها وإن شئت فار تجعهاquot; ثم ذكر حديث أبى الصهباء وذكر بعض تأويلاته التى ذكرناها. الوجه السادس عشر: أن أبا جعفر الطحاوى حكى القولين فى كتابه quot;تهذيب الآثارquot; فقال: باب الرجل يطلق امرأته ثلاثا معا ثم ذكر حديث أبى الصهباء ثم قال: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا معا فقد وقعت عليها واحدة إذا كانت فى وقت سنة وذلك أن تكون طاهرا فى غير جماع واحتجوا فى ذلك بهذا الحديث وقالوا: لما كان الله عز وجل إنما أمر عباده أن يطلقوا لوقت على صفة فطلقوا على غير ما أمرهم به لم يقع طلاقهم. ألا ترى لو أن رجلا أمر رجلا أن يطلق امرأته فى وقت فطلقها فى غيره أو أمره أن يطلقها على شريطة فطلقها على غير تلك الشريطة أن طلاقه لا يقع إذ كان قد خالف ما أمر به. ثم ذكر حجج الآخرين والجواب عن حجج هؤلاء على عادة أهل العلم والدين فى إنصاف مخالفيهم والبحث معهم. ولم يسلك طريق جاهل ظالم متعد يبرك على ركبتيه ويفجر عينيه ويصول بمنصبه لا بعلمه وبسوء قصده لا بحسن فهمه ويقول: القول بهذه المسألة كفر يوجب ضرب العنق ليبهت خصمه ويمنعه عن بسط لسانه والجرى معه فى ميدانه والله سبحانه عند لسان كل قائل وهو له يوم الوقوف بين يديه عما قاله سائل. الوجه السابع عشر: أن شيخنا حكى عن جده أبى البركات: أنه كان يفتى بذلك أحيانا سرا وقال فى بعض مصنفاته: هذا قول بعض أصحاب مالك وأبى حنيفة وأحمد. قلت: أما المالكية فقد حكينا الخلاف عنهم وأما بعض أصحاب أبى حنيفة فإنه محمد بن مقاتل من الطبقة الثانية من أصحاب أبى حنيفة وأما بعض أصحاب أحمد فإن كان أراد إفتاء جده بذلك أحيانا وإلا فلم أقف على نقل لأحد منهم. الوجه الثامن عشر: قال أبو الحسن النسفى فى وثائقه وقد ذكر الخلاف فى المسألة(1\/327)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "331",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1603",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم قال: ومن بعض حججهم أيضا فى ذلك: أن الله سبحانه وتعالى أمر بتفريق الطلاق بقوله تعالى: الطلاق مرتان [البقرة: 229] . وإذا جمع الإنسان ذلك فى كلمة واحدة وكان ما زاد عليها لغوا كما جعل مالك رحمه الله رمى السبع الجمرات فى مرة واحدة جمرة واحدة وبنى عليها أن الطلاق عندهم مثله قال: وممن نصر هذا القول من أهل الفتيا بالأندلس: أصبغ بن الحباب ومحمد بن بقى ومحمد بن عبد السلام الخشنى وابن زنباع مع غيرهم من نظرائهم هذا لفظه. الوجه التاسع عشر: أن أبا الوليد هشام بن عبد الله بن هشام الأزدى القرطبى صاحب كتاب quot;مفيد الحكام فيما يعرض لهم من النوازل والأحكامquot; ذكر الخلاف بين السلف والخلف فى هذه المسألة حتى ذكر الخلاف فيها فى مذهب مالك نفسه. وذكر من كان يفتى بها من المالكية. والكتاب مشهور معروف عند أصحاب مالك كثير الفوائد جدا ونحن نذكر نصه فيه بلفظه فنذكر ما ذكره عن ابن مغيث ثم نتبعه كلامه ليعلم أن النقل بذلك معلوم متداول بين أهل العلم وأن من قصر فى العلم باعه وطال فى الجهل والظلم ذراعه يبادر إلى الجهل والتكفير والعقوبة جهلا منه وظلما ويحق له وهو الدعى فى العلم وليس منه أقرب رحما. قال ابن هشام: قال ابن مغيث: الطلاق ينقسم على ضربين: طلاق السنة وطلاق البدعة. فطلاق السنة: هو الواقع على الوجه الذى ندب الشرع إليه. وطلاق البدعة: نقيضه وهو أن يطلقها فى حيض أو نفاس أو ثلاثا فى كلمة واحدة فإن فعل لزمه الطلاق. ثم اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلق كم يلزمه من الطلاق. فقال على بن أبى طالب وابن مسعود: يلزمه طلقة واحدة وقاله ابن عباس. وقال: قوله quot;ثلاثاquot; لا معنى له: لأنه لم يطلق ثلاث مرات وإنما يجوز قوله فى quot;ثلاثquot; إذا كان مخبرا عما مضى فيقول طلقت ثلاثا بخبر عن ثلاثة أفعال كانت منه فى ثلاثة أوقات كرجل قال: قرأت أمس سورة كذا ثلاث مرات فذلك يصح. ولو قرأها مرة واحدة فقال: قرأتها ثلاث مرات لكان كاذبا. وكذلك لو حلف بالله تعالى ثلاثا يردد الحلف كانت ثلاثة أيمان ولو قال: أحلف بالله ثلاثا لم يكن حلف إلا يمينا واحدة. فالطلاق مثله. ومثله(1\/328)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "332",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1604",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهما روينا ذلك كله عن ابن وضاح. وبه قال من شيوخ قرطبة ابن زنباع شيخ هدى ومحمد بن بقى بن مخلد ومحمد بن عبد السلام الخشنى فقيه عصره وأصبغ بن الحباب وجماعة سواهم من فقهاء قرطبة. وكان من حجة ابن عباس: أن الله تعالى فرق فى كتابه لفظ الطلاق فقال: الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان [البقرة: 229] . يريد أكثر الطلاق الذى يمكن بعده الإمساك بالمعروف وهو الرجعة فى العدة ومعنى قوله: أو تسريح بإحسان [البقرة: 229] . يريد تركها بلا ارتجاع حتى تنقضى عدتها وفى ذلك إحسان إليه وإليها إن وقع ندم منهما قال الله تعالى: لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا [الطلاق: 1] . يريد الندم على الفرقة والرغبة فى المراجعة وموقع الثلاث غير محسن لأنه ترك المندوحة التى وسع الله تعالى بها ونبه عليها فذكر الله سبحانه وتعالى لفظ الطلاق مفرقا. فدل على أنه إذا جمع أنه لفظ واحد فتدبره. وقد يخرج من غير ما مسألة من الديانة ما يدل على ذلك. من ذلك: قول الرجل: مالى صدقة في المساكين: أن الثلث من ذلك يجزيه. هذا كله لفظ صاحب الكتاب بحروفه. أفترى الجاهل الظالم المعتدى يجعل هؤلاء كلهم كفارا مباحة دماؤهم سبحانك هذا بهتان عظيم بل هؤلاء من أكابر أهل العلم والدين وذنبهم عند أهل العمى أهل التقليد: كونهم لم يرضوا لأنفسهم بما رضى به المقلدون وردوا ما تنازع فيه المسلمون إلى الله ورسوله. وتلك شكاة ظاهر عنك عارها الوجه العشرون: أن هذا مذهب أهل الظاهر: داود وأصحابه. وذنبهم عند كثير من الناس أخذهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم ونبذهم القياس وراء ظهورهم فلم يعبئوا به شيئا وخالفهم أبو محمد بن حزم فى ذلك فأباح جمع الثلاث وأوقعها. فهذه عشرون وجها فى إثبات النزاع فى هذه المسألة بحسب بضاعتنا المزجاة من الكتب وإلا فالذى لم نقف عليه من ذلك كثير. وقد حكى ابن وضاح وابن مغيث ذلك عن على وابن مسعود والزبير وعبد الرحمن(1\/329)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "333",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1605",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بن عوف وابن عباس. ولعله إحدى الروايتين عنهم وإلا فقد صح بلا شك عن ابن مسعود وعلى وابن عباس: الإلزام بالثلاث لمن أوقعها جملة وصح عن ابن عباس أنه جعلها واحدة. ولم نقف على نقل صحيح عن غيرهم من الصحابة بذلك فلذلك لم نعد ما حكى عنهم فى الوجوه المبينة للنزاع وإنما نعد ما وقفنا عليه فى مواضعه ونعزوه إليها وبالله التوفيق. فإن قيل: فقد ذكرتم أعذار الأئمة الملزمين بالثلاث عن تلك الأحاديث المخالفة لقولهم فما عذركم أنتم عن أمير المؤمنين وثانى الخلفاء الراشدين المحدث الملهم الذى أمرنا باتباع سنته والاقتداء به أفتظنون به أنه كان يرى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وخليفته من بعده والصحابة في عهده يجعلون الثلاث واحدة مع أنه أيسر على الأمة وأسهل وأبعد من الحرج ثم يعمد إلى مخالفة ذلك برأيه ويلزم الأمة بالثلاث من قبل نفسه فيضيق عليهم ما وسعه الله تعالى ويعسر ما سهله ويسد ما فتحه ويحرج ما فسحه ثم يتابعه على ذلك أكابر الصحابة ويوافقونه ولا يخالفونه ثم هب أنهم خافوا منه في حياته وكلا فإنه كان أتقى لله سبحانه وتعالى من ذلك. وكان إذا بينت له المرأة ما خفى عليه من الحق رجع إليه. وكان الصحابة أتقى لله تعالى وأعلم به أن يأخذهم لومة لائم في الحق وأن يمسكوا عنه خوفا من عمر رضى الله عنه. فقد دار الأمر بين القدح فى عمر رضى الله عنه والصحابة معه وبين رد تلك الأحاديث إما لضعفها وإما لنسخها وخفى علينا الناسخ وإما بتأويلها وحملها على محمل يصح. ولا ريب أن هذا أولى لتوفية حق الصحابة الذين هم أعلم بالله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من جميع من بعدهم قيل: لعمر الله وإن هذا لسؤال يورد أمثاله أهل العلم وإنه ليحتاج إلى جواب شاف كاف فيقول: الناس هنا طائفتان: طائفة اعتذرت عن هذه الأحاديث لأجل عمر ومن وافقه. وطائفة اعتذرت عن عمر رضى الله عنه ولم ترد الأحاديث. فقالوا: الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها. لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة ولا اجتهاد الأئمة كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات والحدود(1\/330)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "334",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1606",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه. والنوع الثانى: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانا ومكانا وحالا كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها. فإن الشارع بنوع فيها بحسب المصلحة فشرع التعزير بالقتل لمدمن الخمر فى المرة الرابعة. وعزم على التعزير بتحريق البيوت على المتخلف عن حضور الجماعة لولا ما منعه من تعدى العقوبة إلى غير من يستحقها من النساء والذرية. وعزر بحرمان النصيب المستحق من السلب. وأخبر عن تعزير مانع الزكاة بأخذ شطر ماله.(1\/331)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "335",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1607",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعزر بالعقوبات المالية فى عدة مواضع. وعزر من مثل بعبده بإخراجه عنه وإعتاقه عليه. وعزر بتضعيف الغرم على سارق مالا قطع فيه وكاتم الضالة. وعزر بالهجر ومنع قربان النساء. ولم يعرف أنه عزر بدرة ولا حبس ولا سوط وإنما حبس فى تهمة ليتبين حال المتهم. وكذلك أصحابه تنوعوا فى التعزيرات بعده. فكان عمر رضى الله عنه يحلق الرأس وينفي ويضرب ويحرق حوانيت الخمارين(1\/332)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "336",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1608",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والقرية التى تباع فيها الخمر وحرق قصر سعد بالكوفة لما احتجب فيه عن الرعية. وكان له رضى الله تعالى عنه فى التعزير اجتهاد وافقه عليه الصحابة لكمال نصحه ووفور علمه وحسن اختياره للأمة وحدوث أسباب اقتضت تعزيره لهم بما يردعهم لم يكن مثلها على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أو كانت ولكن زاد الناس عليها وتتابعوا فيها. فمن ذلك: أنهم لما زادوا فى شرب الخمر وتتابعوا فيه وكان قليلا على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم جعله عمر رضى الله عنه ثمانين ونفى فيه. ومن ذلك: اتخاذه درة يضرب بها من يستحق الضرب. ومن ذلك: اتخاذه دارا للسجن. ومن ذلك: ضربه لنوائح حتى بدا شعرها. وهذا باب واسع اشتبه فيه على كثير من الناس الأحكام الثابتة اللازمة التى لا تتغير بالتعزيرات التابعة للمصالح وجودا وعدما. ومن ذلك: أنه رضى الله عنه لما رأى الناس قد أكثروا من الطلاق الثلاث ورأى أنهم لا ينتهون عنه إلا بعقوبة رأى إلزامهم بها عقوبة لهم ليكفوا عنها. وذلك إما من التعزير العارض الذى يفعل عند الحاجة كما كان يضرب فى الخمر ثمانين ويحلق فيها الرأس وينفى عن الوطن وكما منع النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الثلاثة الذين خلفوا عنه عن الاجتماع بنسائهم فهذا له وجه. وإما ظنا أن جعل الثلاث واحدة كان مشروعا بشرط وقد زال كما ذهب إلى ذلك فى متعة الحج إما مطلقا وإما متعة الفسخ فهذا وجه آخر.(1\/333)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "337",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1609",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإما لقيام مانع قام فى زمنه منع من جعل الثلاث واحدة كما قام عنده مانع من بيع أمهات الأولاد ومانع من أخذ الجزية من نصارى بنى تغلب وغير ذلك. فهذا وجه ثالث: فإن الحكم ينتفى لانتفاء شروطه أو لوجود مانعه. والإلزام بالفرقة فسخا أو طلاقا لمن لم يقم بالواجب مما يسوغ فيه الاجتهاد لكن تارة يكون حقا للمرأة كما فى العنة والإيلاء والعجز عن النفقة والغيبة الطويلة عند من يرى ذلك. وتارة يكون حقا للزوج كالعيوب المانعة له من استيفاء المعقود عليه أو كماله. وتارة يكون حقا لله تعالى كما فى تفريق الحكمين بين الزوجين عند من يجعلهما وكيلين وهو الصواب وكما فى وقوع الطلاق بالمولى إذا لم يفئ فى مدة التربص عند كثير من السلف والخلف وكما قال بعض السلف ووافقهم عليه بعض أصحاب أحمد رحمه الله: إنهما إذا تطاوعا على الإتيان فى الدبر فرق بينهما. وقريب من ذلك: أن الأب الصالح إذا أمر ابنه بالطلاق لما يراه من مصلحة الولد فعليه أن يطيعه كما قاله أحمد رحمه الله وغيره. واحتجوا بأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: quot;أمر عبد الله بن عمر أن يطيع أباه لما أمره بطلاق زوجتهquot;.(1\/334)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "338",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1610",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالإلزام إما من الشارع وإما من الإمام بالفرقة إذا لم يقم الزوج بالواجب: هو من موارد الاجتهاد. وأصل هذا: أن الله سبحانه وتعالى لما كان يبغض الطلاق لما فيه من كسر الزوجة وموافقة رضى عدوه إبليس حيث يفرح بذلك ويلتزم من يكون على يديه من أولاده ويدنيه منه ومفارقة طاعته بالنكاح الذى هو واجب أو مستحب وتعريض كل من الزوجين للفجور والمعصية وغير ذلك من مفاسد الطلاق. وكان مع ذلك قد يحتاج إليه الزوج أو الزوجة وتكون المصلحة فيه شرعه على وجه تحصل به المصلحة وتندفع به المفسدة وحرمه على غير ذلك الوجه. فشرعه على أحسن الوجوه وأقربها لمصلحة الزوج والزوجة. فشرع له أن يطلقها طاهرا من غير جماع طلقة واحدة ثم يدعها حتى تنقضى عدتها فإن زال الشر بينهما وحصلت الموافقة كان له سبيل إلى لم الشعث وإعادة الفراش كما كان وإلا تركها حتى انقضت عدتها فإن تبعتها نفسه كان له سبيل إلى خطبتها وتجديد العقد عليها برضاها وإن لم تتبعها نفسه تركها فنكحت من شاءت. وجعل العدة ثلاثة قروء ليطول زمن المهلة والاختيار. فهذا هو الذى شرعه وأذن فيه. ولم يأذن فى إبانتها بعد الدخول إلا بالتراضى بالفسخ والافتداء فإذا طلقها مرة بعد مرة بقى له طلقة واحدة. فإذا طلقها الثالثة حرمها عليه عقوبة له ولم يحل له أن ينكحها حتى تنكح زوجا غيره ويدخل بها ثم يفارقها بموت أو طلاق. فإذا علم أن حبيبته تصير إلى غيره فيحظى به دونه أمسك عن الطلاق. فلما رأى أمير المؤمنين أن الله سبحانه عاقب المطلق ثلاثا بأن حال بينه وبين زوجته وحرمها عليه حتى تنكح زوجا غيره علم أن ذلك لكراهته الطلاق المحرم وبغضه له. فوافقه أمير المؤمنين فى عقوبته لمن طلق ثلاثا جميعا بأن ألزمه بها وأمضاها عليه. فإن قيل: فكان أسهل من ذلك أن يمنع الناس من إيقاع الثلاث ويحرمه عليهم ويعاقب بالضرب والتأديب من فعله لئلا يقع المحذور الذى يترتب عليه.(1\/335)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "339",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1611",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل: نعم لعمر الله قد كان يمكنه ذلك ولذلك ندم عليه فى آخر أيامه وود أنه كان فعله. قال الحافظ أبو بكر الإسماعيلى فى مسند عمر: أخبرنا أبو يعلى: حدثنا صالح ابن مالك: حدثنا خالد بن يزيد بن أبى مالك عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: ما ندمت على شىء ندامتى على ثلاث: أن لا أكون حرمت الطلاق وعلى أن لا أكون أنكحت الموالى وعلى أن لا أكون قتلت النوائح. ومن المعلوم أنه رضى الله عنه لم يكن مراده تحريم الطلاق الرجعى الذى أباحه الله تعالى وعلم بالضرورة من دين رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم جوازه. ولا الطلاق المحرم الذى أجمع المسلمون على تحريمه كالطلاق فى الحيض وفى الطهر المجامع فيه. ولا الطلاق قبل الدخول الذى قال الله تعالى فيه: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة [البقرة: 236] . هذا كله من أبين المحال أن يكون عمر رضى الله عنه أراده: فتعين قطعا أنه أراد تحريم إيقاع الثلاث فعلم أنه إنما كان أوقعها لاعتقاده جواز ذلك ولذلك قال: إن الناس قد استعجلوا فى شئ كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم وهذا كالصريح فى أنه غير حرام عنده وإنما أمضاه لأن المطلق كانت له فسحة من الله تعالى فى التفريق فرغب عما فسحه الله تعالى له إلى الشدة والتغليظ. فأمضاه عمر رضى الله عنه عليه فلما تبين له بأخرة ما فيه من الشر والفساد ندم على أن لا يكون حرم عليهم إيقاع الثلاث ومنعهم منه. وهذا مذهب الأكثرين: مالك وأحمد وأبى حنيفة رحمهم الله. فرأى عمر رضى الله عنه أن المفسدة تندفع بإلزامهم به. فلما تبين له أن المفسدة لم تندفع بذلك وما زاد الأمر إلا شدة أخبر أن الأولى كان عدوله إلى تحريم الثلاث الذى يدفع المفسدة من أصلها. واندفاع هذه المفسدة بما كان عليه الأمر فى زمن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبى بكر وأول خلافة عمر رضى الله عنهما أولى من ذلك كله. ولا يندفع الشر والفساد بغيره البتة ولا يصلح الناس سواه ولهذا لما رغب عنه كثير من الناس احتاجوا إلى أحد أمرين لابد لهم منهما: إما الدخول فيما لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاعله وتابع عليه اللعنة وإما التزام الآصار والأغلال ورؤية حبيبته حسرة.(1\/336)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "340",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1612",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والذى شرعه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ودلت عليه السنة الصحيحة الصريحة يخلص من هذا وهذا ولكن تأتى حكمة الله تعالى أن يفتح للظالمين المتعدين لحدوده الراغبين عن تقواه وطاعته أبواب اليسر والفرج السهولة. فإن الله سبحانه وتعالى إنما جعل ذلك لمن اتقاه والتزم طاعته وطاعة رسوله كما قال تعالى فى السورة التى بين فيها الطلاق وأحكامه وحدوده وما شرعه لعباده: ومن يتق الله يجعل له مخرجا [الطلاق: 2] وقال فيها ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا [الطلاق: 4] وقال فيها ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا [الطلاق: 5] . فمن طلق على غير تقوى الله كان حقيقا أن لا يجعل الله له مخرجا وأن لا يجعل له من أمره يسرا. وقد أشار إلى هذا بعينه الصحابة حيث قال ابن عباس وابن مسعود لمن طلق ثلاثا جميعا: إنك لم تتق الله فيجعل لك مخرجا. وقال شعبة عن ابن أبى نجيح عن مجاهد: سئل ابن عباس عن رجل طلق امرأته مائة فقال: عصيت ربك: وبانت منك امرأتك إنك لم تتق الله فيجعل لك مخرجا. ومن يتق الله يجعل له مخرجا [الطلاق: 2] . وقال الأعمش: عن مالك بن الحارث عن ابن عباس: أن رجلا أتاه فقال: إن عمى طلق امرأته ثلاثا فقال: إن عمك عصى الله فلم يجعل له مخرجا فاندمه الله تعالى أطاع الشيطان فقال: أفلا يحللها له رجل فقال من يخادع الله يخدعه. والله تعالى قد جرت سنته فى خلقه بأن يحرم الطيبات شرعا وقدرا على من ظلم وتعدى حدوده وعصى أمره وأن ييسر للعسرى من بخل بما أمره به فلم يفعله واستغنى عن طاعته باتباع شهواته وهواه كما أنه سبحانه ييسر لليسرى من أعطى واتقى وصدق بالحسنى. فهذا نهاية إقدام الناس فى باب الطلاق. يبقى أن يقال: فإذا خفى على أكثر الناس حكم الطلاق ولم يفرقوا بين الحلال والحرام منه جهلا وأوقعوا الطلاق المحرم يظنونه جائزا هل يستحقون العقوبة بالإلزام به(1\/337)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "341",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1613",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لكونهم لم يتعلموا دينهم الذى أمرهم الله تعالى به وأعرضوا عنه ولم يسألوا أهل العلم كيف يطلقون وماذا أبيح لهم من الطلاق وماذا يحرم عليهم منه أم يقال لا يستحقون العقوبة لأن الله سبحانه لا يعاقب شرعا ولا قدرا إلا بعد قيام الحجة ومخالفة أمره كما قال تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [الإسراء: 15] . وأجمع الناس على أن الحدود لا تجب إلا على عالم بالتحريم متعمد لارتكاب أسبابها والتعزيرات ملحقة بالحدود. فهذا موضع نظر واجتهاد وقد قال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;التائب من الذنب كمن لا ذنب لهquot;. فمن طلق على غير ما شرعه الله تعالى وأباحه جاهلا ثم علم به فندم وتاب فهو حقيق بأن لا يعاقب وأن يفتى بالمخرج الذى جعله الله تعالى لمن اتقاه ويجعل له من أمره يسرا. والمقصود: أن الناس لابد لهم فى باب الطلاق من أحد ثلاثة أبواب يدخلون منها. أحدها: باب العلم والاعتدال الذى بعث الله تعالى به رسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وشرعه للأمة رحمة بهم وإحسانا إليهم. والثانى: باب الآصار والأغلال الذى فيه من العسر والشدة والمشقة ما فيه. والثالث: باب المكر والاحتيال الذى فيه من الخداع والتحيل والتلاعب بحدود الله تعالى واتخاذ آياته هزوا ما فيه ولكل باب من المطلقين وغيرهم جزء مقسوم. فصل ومن مكايده التى كاد بها الإسلام وأهله: الحيل والمكر والخداع الذى يتضمن تحليل ما حرم الله وإسقاط ما فرضه ومضادته فى أمره ونهيه وهى من الرأى الباطل الذى اتفق السلف على ذمه(1\/338)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "342",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1614",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن الرأى رأيان: رأى يوافق النصوص وتشهد له بالصحة والاعتبار وهو الذى اعتبره السلف وعملوا به. ورأى يخالف النصوص وتشهد له بالإبطال والإهدار فهو الذى ذموه وأنكروه. وكذلك الحيل نوعان: نوع يتوصل به إلى فعل ما أمر الله تعالى به وترك ما نهى عنه والتخلص من الحرام وتخليص الحق من الظالم المانع له وتخليص المظلوم من يد الظالم الباغى فهذا النوع محمود يثاب فاعله ومعلمه. ونوع يتضمن إسقاط الواجبات وتحليل المحرمات وقلب المظلوم ظالما والظالم مظلوما والحق باطلا والباطل حقا فهذا النوع الذى اتفق السلف على ذمه وصاحوا بأهله من أقطار الأرض. وقال الإمام أحمد رحمة الله: لا يجوز شئ من الحيل فى إبطال حق مسلم. وقال الميمونى: قلت لأبى عبد الله: من حلف على يمين ثم احتال لإبطالها فهل تجوز تلك الحيلة قال: نحن لا نرى الحيلة إلا بما يجوز. قلت: أليس حيلتنا فيها أن نتبع ما قالوا وإذا وجدنا لهم قولا فى شئ اتبعناه قال: بلى هكذا هو. قلت: أو ليس هذا منا نحن حيلة قال: نعم. فبين الإمام أحمد أن من اتبع ما شرعه الله له وجاء عن السلف فى معانى الأسماء التى علقت بها الأحكام ليس بمحتال الحيل المذمومة.. وإن سميت حيلة فليس الكلام فيها. وغرض الإمام أحمد بهذا: الفرق بين سلوك الطريق المشروعة التى شرعت لحصول مقصود الشارع وبين الطريق التى تسلك لإبطال مقصوده. فهذا هو سر الفرق بين النوعين وكلامنا الآن فى النوع الثانى. قال شيخنا: فالدليل على تحريم هذا النوع وإبطاله من وجوه: الوجه الأول: قوله سبحانه وتعالى: ومن الناس من يقول آمنا بالله(1\/339)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "343",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1615",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون [البقرة: 8-9] وقال تعالى: إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم [النساء: 142] . وقال فى أهل العهد: وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله [الأنفال: 62] . فأخبر سبحانه وتعالى أن هؤلاء المخادعين مخدوعون وهم لا يشعرون أن الله تعالى خادع من خدعه وأنه يكفى المخدوع شر من خدعه. والمخادعة: هى الاحتيال والمراوغة بإظهار الخير مع إبطان خلافه ليحصل مقصود المخادع. وهذا موافق لاشتقاق اللفظ فى اللغة. فإنهم يقولون: طريق خيدع إذا كان مخالفا للقصد لا يشعر به ولا يفطن له ويقال للسراب الخيدع لأنه يغر من يراه وضب خدع أى مراوغ. كما قالوا: أخدع من ضب ومنه: quot;الحرب خدعةquot; وسوق خادعة أى متلونة وأصله: الإخفاء والستر. ومنه سميت الخزانة مخدعا. فلما كان القائل quot;آمنتquot; مظهرا لهذه الكلمة غير مريد حقيقتها المرعية المطلوبة شرعا بل مريد لحكمها وثمرتها فقط مخادعا كان المتكلم بلفظ quot;بعتquot; و quot;اشتريتquot; و quot;طلقتquot; و quot;نكحتquot; وquot;خالعتquot; و quot;آجرتquot; و quot;ساقيتquot; و quot;أو صيتquot; غير مريد لحقائقها الشرعية المطلوبة منها شرعا بل مريد لأمور أخرى غير ما شرعت له أو ضد ما شرعت له مخادعا. ذاك مخادع فى أصل الإيمان وهذا مخادع فى أعماله وشرائعه. قال شيخنا: وهذا ضرب من النفاق فى آيات الله تعالى وحدوده كما أن الأول نفاق فى أصل الدين. يؤيد ذلك: ما رواه سعيد بن منصور عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما quot;أنه جاءه رجل فقال: إن عمى طلق امرأته ثلاثا أيحلها له رجل فقال: من يخادع الله يخدعهquot;. وعن أنس بن مالك: أنه سئل عن العينة يعنى بيع الحريرة فقال: إن الله تعالى لا يخدع هذا ما حرم الله تعالى ورسوله. رواه أبو جعفر محمد بن سليمان الحافظ المعروف بمطين فى كتاب البيوع له. وعن ابن عباس: أنه سئل عن العينة يعنى بيع الحريرة فقال: إن الله لا يخدع هذا مما حرم الله تعالى ورسوله رواه الحافظ أبو محمد النخشى.(1\/340)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "344",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1616",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فسمى الصحابة من أظهر عقد التبايع ومقصود به الربا خداعا لله وهم المرجوع إليهم فى هذا الشأن والمعول عليهم فى فهم القرآن. وقد تقدم عن عثمان وعبد الله بن عمر وغيرهما أنهما قالا فى المطلقة ثلاثا: لا يحلها إلا نكاح رغبة لا نكاح دلسة. قال أهل اللغة: المدالسة: المخادعة. وقال أيوب السختيانى فى المحتالين: يخادعون الله كما يخادعون الصبيان فلو أتوا الأمر عيانا كان أهون على. وقال شريك بن عبد الله القاضى فى كتاب الحيل: هو كتاب المخادعة. وكذلك المعاهدون إذا أظهروا للرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنهم يريدون سلمه وهم يقصدون بذلك المكر به من حيث لا يشعر. فيظهرون له أمانا ويبطنون له خلافه. كما أن المحلل والمرابى يظهران النكاح والبيع المقصودين ومقصود هذا الطلاق بعد استفراش المرأة ومقصود الآخر ما تواطآ عليه قبل إظهار العقد من بيع الألف الحالة بالألف والمائتين إلى أجل فمخالفة ما يدل عليه العقد شرعا أو عرفا خديعة. قال: وتلخيص ذلك أن مخادعة الله تعالى حرام والحيل مخادعة لله. بيان الأول: أن الله تعالى ذم المنافقين بالمخادعة وأخبر أنه خادعهم وخدعه للعبد عقوبة تستلزم فعله للمحرم. وبيان الثانى: أن ابن عباس وأنسا وغيرهما من الصحابة والتابعين أفتوا أن التحليل ونحوه من الحيل مخادعة لله تعالى وهم أعلم بكتاب الله تعالى. الثانى: أن المخادعة إظهار شئ من الخير وإبطان خلافه كما تقدم. الثالث: أن المنافق لما أظهر الإسلام ومراده غيره سمى مخادعا لله تعالى وكذلك المرابى. فإن النفاق والربى من باب واحد. فإذا كان هذا الذى أظهر قولا غير معتقد ولا مريد لما يفهم منه وهذا الذى أظهر فعلا غير معتقد ولا مريد لما شرع له مخادعا. فالمحتال لا يخرج عن أحد القسمين: إما إظهار فعل لغير مقصوده الذى شرع له أو إظهار قول لغير مقصوده الذى شرع له. وإذا كان مشاركا لهما فى المعنى الذى سميا به مخادعين وجب أن يشركهما فى اسم الخداع وعلم أن الخداع اسم لعموم الحيل لا لخصوص هذا النفاق.(1\/341)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "345",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1617",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثانى: أن الله تعالى ذم المستهزئين بآياته والمتكلم بالأقوال التى جعل الشارع لها حقائق ومقاصد مثل كلمة الإيمان وكلمة الله تعالى التى يستحل بها الفروج ومثل العهود والمواثيق التى بين المتعاقدين وهو يريد بها حقائقها المقومة لها ولا مقاصدها التى جعلت هذه الألفاظ محصلة لها بل يريد أن يراجع المرأة ليضرها ويسئ عشرتها ولا حاجة فى نكاحها أو ينكحها ليحلها لمطلقها لا ليتخذها زوجا أو يخلعها ليلبسها أو يبيع بيعا جائزا ومقصوده به ما حرمه الله تعالى ورسوله فهو ممن اتخذ آيات الله تعالى هزوا. يوضحه: الوجه الثالث: ما رواه ابن ماجه بإسناد حسن عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه. قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم quot;ما بال أقوام يلعبون بحدود الله ويستهزئون بآياته طلقتك راجعتك طلقتك راجعتك quot; فجعل المتكلم بهذه العقود غير مريد لحقائقها وما شرعت له مستهزئا بآيات الله تعالى متلاعبا بحدوده. ورواه ابن بطة بإسناد جيد ولفظة quot;خلعتك راجعتك خلعتك راجعتكquot;. الوجه الرابع: ما رواه النسائى عن محمود بن لبيد quot;أن رجلا طلق امرأته ثلاثا على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم quot; الحديث وقد تقدم. فجعله لاعبا بكتاب الله مع قصده الطلاق لكنه خالف وجه الطلاق وأراد غير ما أراد الله تعالى به فإن الله سبحانه وتعالى أراد أن يطلق طلاقا يملك فيه رد المرأة إذا شاء فطلق هو طلاقا لا يملك فيه ردها. وأيضا فإن المرتين والمرات فى لغة القرآن والسنة بل ولغة العرب بل ولغات سائر الأمم: لما كان مرة بعد مرة فإذا جمع المرتين والمرات فى مرة واحدة فقد تعدى حدود الله تعالى وما دل عليه كتابه فكيف إذا أراد باللفظ الذى رتب عليه الشارع حكما ضد ما قصده الشارع. الوجه الخامس: أن الله سبحانه أخبر عن أهل الجنة الذين بلاهم ما بلاهم به فى سورة(1\/342)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "346",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1618",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ن وهم قوم كان للمساكين حق فى أموالهم إذا جذوا نهارا بأن يلتقط المساكين ما يتساقط من التمر فأرادوا أن يجدوا ليلا ليسقط ذلك الحق لئلا يأتيهم مسكين وأنه عاقبهم بأنه أرسل على جنتهم طائفا وهم نائمون فأصبحت كالصريم. وذلك لما تحيلوا على إسقاط نصيب المساكين بأن يصرموها مصبحين قبل مجئ المساكين فكان فى ذلك عبرة لكل محتال على إسقاط حق من حقوق الله تعالى أو حقوق عباده. الوجه السادس: أن الله تعالى أخبر [الأعراف: 163 167] عن أهل السبت من اليهود بمسخهم قردة لما احتالوا على إباحة ما حرمه الله تعالى عليهم من الصيد بأن نصبوا الشباك يوم الجمعة فلما وقع فيها الصيد أخذوه يوم الأحد. قال بعض الأئمة: ففى هذا زجر عظيم لمن يتعاطى الحيل على المناهى الشرعية ممن يتلبس بعلم الفقه وهو غير فقيه إذ الفقيه من يخشى الله تعالى بحفظ حدوده وتعظيم حرماته والوقوف عندها ليس المحتال على إباحة محارمه وإسقاط فرائضه. ومعلوم أنهم لم يستحلوا ذلك تكذيبا لموسى عليه السلام وكفرا بالتوراة وإنما هو استحلال تأويل واحتيال ظاهره ظاهر الاتقاء وباطنه باطن الاعتداء ولهذا والله أعلم مسخوا قردة لأن صورة القرد فيها شبه من صورة الإنسان وفى بعض ما يذكر من أوصافه شبه منه وهو مخالف له فى الحد والحقيقة. فلما مسخ أولئك المعتدون دين الله تعالى بحيث لم يتمسكوا إلا بما يشبه الدين فى بعض ظاهره دون حقيقته مسخهم الله تعالى قردة يشبهونهم فى بعض ظواهرهم دون الحقيقة جزاء وفاقا يوضحه: الوجه السابع: أن بنى إسرائيل كانوا أكلى الربا وأموال الناس بالباطل كما قصه الله(1\/343)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "347",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1619",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى فى كتابه وذلك أعظم من أكل الصيد الحرام فى يوم بعينه ولذلك كان الربا والظلم حراما فى شريعتنا والصيد يوم السبت غير محرم فيها ثم أن أكلة الربا وأموال الناس بالباطل لم يعاقبوا بالمسخ كما عوقب به مستحلو الحرام بالحيلة وإن كانوا عوقبوا بجنس آخر كعقوبات أمثالهم من العصاة. فيشبه والله أعلم أن هؤلاء لما كانوا أعظم جرما إذ هم بمنزلة المنافقين ولا يعترفون بالذنب بل قد فسدت عقيدتهم وأعمالهم كانت عقوبتهم أغلظ من عقوبة غيرهم فإن من أكل الربا والصيد الحرام عالما بأنه حرام فقد اقترن بمعصيته اعترافه بالتحريم وهو إيمان بالله تعالى وآياته. ويترتب على ذلك من خشية الله تعالى ورجاء مغفرته وإمكان التوبة ما قد يقضى به إلى خير ورحمة. ومن أكله مستحلا له بنوع احتيال تأول فيه فهو مصر على الحرام وقد اقترن به اعتقاده الفاسد فى حل الحرام وذلك قد يفضى به إلى شر طويل. وقد جاء ذكر المسخ فى عدة أحاديث قد تقدم بعضها فى هذا الكتاب كقوله فى حديث أبى مالك الأشعرى الذى رواه البخارى فى صحيحه: quot;ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامةquot;. وقوله فى حديث أنس: quot;ليبيتن رجال على أكل وشرب وعزف فيصبحون على أرائكهم ممسوخين قردة وخنازيرquot;. وفى حديث أبى أمامة أيضا: quot;يبيت قوم من هذه الامة على طعم وشرب ولهو فيصبحون وقد مسخوا قردة وخنازيرquot;. وفى حديث عمران بن حصين: quot;يكون فى أمتى قذف ومسخ وخسفquot;. وكذلك فى حديث سهل بن سعد وكذلك فى حديث على بن أبى طالب وقوله: quot; فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وخسفا ومسخاquot;.(1\/344)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "348",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1620",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفى حديثه الآخر: quot;يمسخ طائفة من أمتى قردة وطائفة خنازيرquot;. وفى حديث أنس رضى الله عنه quot;ليكونن فى هذه الأمة خسف وقذف ومسخquot;. وفى حديث أبى هريرة رضى الله عنه quot;يمسخ قوم من هذه الأمة فى آخر الزمان قردة وخنازير. قالوا: يا رسول الله أليس يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قال: بلى ويصومون ويصلون ويحجون. قالوا: فما بالهم لله قال: اتخذوا المعازف والدفوف القينات فباتوا على شربهم ولهوهم. فأصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازيرquot;. وفى حديث جبير بن نفير: ليبتلين آخر هذه الأمة بالرجف. فإن تابوا تاب الله عليهم وإن عادوا عاد الله تعالى عليهم بالرجف والقذف والمسخ والصواعق. وقال سالم بن أبى الجعد: ليأتين على الناس زمان يجتمعون فيه على باب رجل ينظرون أن يخرج إليهم فيطلبوا إليه الحاجة فيخرج إليهم وقد مسخ قردا أو خنزيرا وليمرن الرجل على الرجل فى حانوته يبيع فيرجع إليه وقد مسخ قردا أو خنزيرا. وقال أبو هريرة: لا تقوم الساعة حتى يمشى الرجلان إلى الأمر يعملانه فيمسخ أحدهما قردا أو خنزيرا. فلا يمنع الذى نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمضى إلى شأنه ذلك حتى يقضى شهوته وحتى يمشى الرجلان إلى الأمر يعملانه فيخسف بأحدهما فلا يمنع الذى نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمضى لشأنه ذلك حتى يقضى شهوته منه. وقال عبد الرحمن بن غنم: quot;يوشك أن يقعد أثنان على ثفال رحى يطحنان فيمسخ أحدهما والآخر ينظرquot;. وقال مالك بن دينار: بلغنى أن ريحا تكون فى آخر الزمان وظلم فيفزع الناس إلى علمائهم فيجدونهم قد مسخوا. وقد ساق هذه الأحاديث والآثار وغيرها بأسانيدها ابن أبى الدنيا فى كتاب ذم الملاهى. فالمسخ على صورة القردة والخنازير واقع فى هذه الأمة ولا بد وهو فى طائفتين: علماء السوء الكاذبين على الله ورسوله الذين قلبوا دين الله تعالى وشرعه. فقلب الله تعالى صورهم كما قلبوا دينه. والمجاهرين المتهتكين بالفسق والمحارم. ومن لم يمسخ منهم فى الدنيا مسخ فى قبره أو يوم القيامة.(1\/345)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "349",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1621",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد جاء فى حديث الله أعلم بحاله: quot;يحشر أكلة الربا يوم القيامة فى صور الخنازير والكلاب من أجل حيلهم على الربا كما مسخ أصحاب داود لاحتيالهم على أخذ الحيتان يوم السبتquot;. وبكل حال فالمسخ لأجل الاستحلال بالاحتيال قد جاء فى أحاديث كثيرة. قال شيخنا: وإنما ذلك إذا استحلوا هذه المحرمات بالتأويلات الفاسدة. فإنهم لو استحلوها مع اعتقد أن الرسول حرمها كانوا كفار ولم يكونوا من أمته. ولو كانوا معترفين بأنها حرام لأوشك أن لا يعاقبوا بالمسخ كسائر الذين يفعلون هذه المعاصى مع اعترافهم بأنها معصية ولما قيل فيهم: يستحلون. فإن المستحل للشئ هو الذى يفعله معتقدا حله. فيشبه أن يكون استحلالهم للخمر يعنى أنهم يسمونها بغير اسمها كما جاء فى الحديث. فيشربون الأنبذة المحرمة ولا يسمونه خمرا. واستحلالهم المعازف باعتقادهم أن آلات اللهو مجرد سمع صوت فيه لذة. وهذا لا يحرم كأصوات الطيور واستحلال الحرير وسائر أنواعه باعتقادهم أنه حلال فى بعض الصور كحال الجرب وحال الحكة. فيقيسون عليه سائر الأحوال ويقولون: لا فرق بين حال وحال. وهذه التأويلات ونحوها واقعة فى الطوائف الثلاثة الذين قال فيهم عبد الله بن المبارك رحمه الله: وهل أفسد الدين إلا الملو ... ك وأحبار سوء ورهبانها ومعلوم أنها لا تغنى عن أصحابها من الله شيئا بعد أن بلغ الرسول وبين تحريم هذه(1\/346)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "350",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1622",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأشياء بيانا قاطعا للعذر مقيما للحجة. والحديث الذى رواه أبو داود بإسناد صحيح من حديث عبد الرحمن بن غنم عن أبى مالك الأشعرى رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;ليشربن ناس من أمتى الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رؤوسهم بالمعازف والقينات يخسف الله تعالى بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازيرquot;. الوجه الثامن: أن النبى صلى الله تعالى وآله وسلم قال: quot;إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوىquot; الحديث. وهو أصل فى إبطال الحيل وبه احتج البخارى على ذلك. فإن من أراد أن يعامل رجلا معاملة يعطيه فيها ألفا بألف وخمسمائة إلى أجل فأقرضه تسعمائة وباعه ثوبا بستمائة يساوى مائة إنما نوى بإقراض التسعمائة تحصيل الربح الزائد. وإنما نوى بالستمائة التى أظهر أنها ثمن الثوب الربا. والله يعلم ذلك من جذر قلبه وهو يعلمه ومن عامله يعلمه ومن أطلع على حقيقة الحال يعلمه فليس له من عمله إلا ما نواه وقصده حقيقة من إعطاء الألف حالة وأخذ الألف والخمسمائة مؤجلة وجعل صورة القرض وصورة البيع محللا لهذا المحرم. الوجه التاسع: ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;البيعان بالخيار حتى يتفرقا إلا أن يكون صفقة خيار. ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقلهquot;. رواه أحمد وأهل السنن وحسنه الترمذى. وقد استدل به الإمام أحمد وقال: فيه إبطال الحيل. ووجه ذلك: أن الشارع أثبت الخيار إلى حين التفرق الذى يفعله المتعاقدان بداعية طباعهما. فحرم صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن يقصد المفارق منع الآخر من الاستقالة وهى طلب الفسخ سواء كان العقد جائزا أو لازما لأنه قصد بالتفرق غير ما جعل التفرق فى العرف له. فإنه قصد به إبطال حق أخيه من الخيار ولم يوضع التفرق لذلك. وإنما جعل التفرق لذهاب كل منهما فى حاجته ومصلحته.(1\/347)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "351",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1623",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه العاشر: ما روى محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود وتستحلوا محارم الله بأدنى الحيلquot;. رواه أبو عبد الله بن بطة: حدثنا أحمد بن محمد بن سلام حدثنا الحسن بن الصباح الزعفرانى حدثنا يزيد بن هارون حدثنا محمد بن عمرو وهذا إسناد جيد يصحح مثله الترمذى. وهو نص فى تحريم استحلال محارم الله تعالى بالحيل. وإنما ذكر صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أدنى الحيل تنبيها على أن مثل هذا المحرم العظيم الذى قد توعد الله تعالى عليه بمحاربة من لم ينته عنه. فمن أسهل الحيل على من أراد فعله: أن يعطيه مثلا ألفا إلا درهما باسم القرض ويبيعه خرقة تساوى درهما بخمسمائة. وكذلك المطلق ثلاثا: من أسهل الأشياء عليه أن يعطى بعض السفهاء عشرة دراهم مثلا. ويستعيره لينزو على مطلقته فتطيب له بخلاف الطريق الشرعى. فإنه يصعب معه عودها حلالا إذ من الممكن أن لا يطلق بل أن يموت المطلق أولا قبله ثم إنه صلى الله عليه وآله وسلم نهانا عن التشبه باليهود وقد كانوا احتالوا فى الاصطياد يوم السبت بأن حفروا خنادق يوم الجمعة تقع فيها الحيتان يوم السبت ثم يأخذونها يوم الأحد وهذا عند المحتالين جائز. لأن فعل الاصطياد لم يوجد يوم السبت وهو عند الفقهاء حرام لأن المقصود هو الكف عما ينال به الصيد بطريق التسبب أو المباشرة. ومن احتيالهم: أن الله سبحانه وتعالى لما حرم عليهم الشحوم تأولوا أن المراد نفس إدخاله الفم وأن الشحم هو الجامد دون المذاب فجملوه فباعوه وأكلوا ثمنه وقالوا: ما أكلنا الشحم ولم ينظروا فى أن الله تعالى إذا حرم الانتفاع بشئ فلا فرق بين الانتفاع بعينه أو ببدله إذ البدل يسد مسده. فلا فرق بين حال جامده وودكه فلو كان ثمنه حلالا لم يكن فى تحريمه كثير أمر وهذا هو:(1\/348)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "352",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1624",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الحادى عشر: وهو ما روى ابن عباس قال: quot;بلغ عمر رضى الله عنه أن فلانا باع خمرا. فقال: قاتل الله فلانا ألم يعلم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوهاquot; متفق عليه. قال الخطابى: quot;جملوهاquot; معناه: أذابوها حتى تصير ودكا فيزول عنها اسم الشحم يقال: جملت الشحم وأجملته واجتملته. والجميل: الشحم المذاب. وعن جابر بن عبد الله: أنه سمع النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: quot;إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال: لا هو حرام. ثم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عند ذلك: قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنهquot; رواه البخارى وأصله متفق عليه. قال الإمام أحمد فى رواية صالح وأبى الحارث فى أصحاب الحيل: عمدوا إلى السنن فاحتالوا فى نقضها فالشئ الذى قيل إنه حرام احتالوا فيه حتى أحلوه. ثم احتج بهذا الحديث وحديث: quot;لعن الله المحلل والمحلل لهquot;. قال الخطابى قد ذكر حديث الشحوم: فى هذا الحديث بطلان كل حيلة يحتال بها المتوصل إلى المحرم وأنه لا يتغير حكمه بتغير هيئة وتبديل اسمه وقد مثلت حيلة أصحاب الشحوم بمن قيل له: لا تقرب مال اليتيم فباعه وأخذ ثمنه فأكله وقال: لم آكل نفس مال اليتيم. أو اشترى شيئا فى ذمته ونقده وقال: هذا قد ملكته وصار عوضه دينا فى ذمتى فإنما أكلت ما هو ملكى باطنا وظاهرا. ولولا أن الله سبحانه رحم هذه الأمة بأن نبيها نبههم على ما لعنت به اليهود وكان السابقون منها فقهاء أتقياء علموا مقصود الشارع فاستقرت الشريعة بتحريم المحرمات: من الميتة والدم ولحم الخنزير وغيرها وإن تبدلت صورها وبتحريم أثمانها لطرق الشيطان لأهل الحيل ما طرق لهم فى الأثمان ونحوها. إذ البابان باب واحد على ما لا يخفى. الوجه الثانى عشر: أن باب الحيل المحرمة مداره على تسمية الشئ بغير اسمه على تغيير(1\/349)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "353",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1625",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صورته مع بقاء حقيقته فمداره على تغيير الاسم مع بقاء المسمى وتغيير الصورة مع بقاء الحقيقة. فإن المحلل مثلا غير اسم التحليل إلى اسم النكاح واسم المحلل إلى الزوج وغير مسمى التحليل بأن جعل صورته صورة النكاح والحقيقة حقيقة التحليل. ومعلوم قطعا أن لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على ذلك إنما هو لما فيه من الفساد العظيم الذى اللعنة من بعض عقوبته وهذا الفساد لم يزل بتغيير الاسم والصورة مع بقاء الحقيقة ولا بتقديم الشرط من صلب العقد إلى ما قبله. فإن المفسدة تابعة للحقيقة لا للاسم ولا لمجرد الصورة. وكذلك المفسدة العظيمة التى اشتمل عليها الربا لا تزول بتغيير اسمه من الربا إلى المعاملة ولا بتغيير صورته من صورة إلى صورة والحقيقة معلومة متفق عليها بينهما قبل العقد يعلمها من قلوبهما عالم السرائر فقد اتفقا على حقيقة الربا الصريح قبل العقد ثم غير اسمه إلى المعاملة وصورته إلى التبايع الذى لا قصد لهما فيه ألبتة وإنما هو حيلة ومكر ومخادعة الله تعالى ولرسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. وأى فرق بين هذا وبين ما فعلته اليهود من استحلال ما حرم الله عليهم من الشحوم بتغيير اسمه وصورته فإنهم أذابوه حتى صار ودكا وباعوه وأكلوا ثمنه وقالوا: إنما أكلنا الثمن لا المثمن فلم نأكل شحما. وكذلك من استحل الخمر باسم النبيذ كما فى حديث أبى مالك الأشعرى رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال: quot;ليشربن ناس من أمتى الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رؤوسهم بالمعازف والقينات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازيرquot;. وإنما أتى هؤلاء من حيث استحلوا المحرمات بما ظنوه من انتفاء الاسم ولم يلتفتوا إلى وجود المعنى المحرم وثبوته وهذا بعينه هو شبهة اليهود فى استحلال بيع الشحم بعد جمله واستحلال أخذ الحيتان يوم الأحد بما أو أوقعوها به يوم السبت فى الحفائر والشباك من فعلهم يوم الجمعة وقالوا: ليس هذا صيد يوم السبت ولا استباحة لنفس الشحم بل الذى(1\/350)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "354",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1626",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يستحل الشراب المسكر زاعما أنه ليس خمرا مع علمه أن معناه معنى الخمر ومقصوده مقصوده وعمله عمله أفسد تأويلا. فإن الخمر اسم لكل شراب مسكر كما دلت عليه النصوص الصحيحة الصريحة وقد جاء هذا الحديث عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من وجوه أخرى. منها: ما رواه النسائى عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;يشرب ناس من أمتى الخمر يسمونها بغير اسمهاquot; وإسناده صحيح. ومنها: ما رواه ابن ماجه عن عبادة بن الصامت يرفعه: quot;يشرب ناس من أمتى الخمر يسمونها بغير اسمهاquot; ورواه الإمام أحمد ولفظه: quot;ليستحلن طائفة من أمتى الخمرquot;. ومنها: ما رواه ابن ماجه أيضا من حديث أبى أمامة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;لا تذهب الليالى والأيام حتى تشرب طائفة من أمتى الخمر يسمونها بغير اسمهاquot;. فهؤلاء إنما شربوا الخمر استحلالا لما ظنوا أن المحرم مجرد ما وقع عليه اللفظ وأن ذلك اللفظ لا يتناول ما استحلوه. وكذلك شبهتهم فى استحلال الحرير والمعازف فإن الحرير أبيح للنساء وأبيح للضرورة وفى الحرب. وقد قال تعالى: قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده [الأعراف: 32] . والمعازف قد أبيح بعضها فى العرس ونحوه وأبيح الحداء وأبيح بعض أنواع الغناء. وهذه الشبهة أقوى بكثير من شبه أصحاب الحيل. فإذا كان من عقوبة هؤلاء: أن يمسخ بعضهم قردة وخنازير فما الظن بعقوبة من جرمهم أعظم وفعلهم أقبح فالقوم الذين يخسف بهم ويمسخون. إنما فعل ذلك بهم من جهة التأويل الفاسد الذى استحلوا به المحارم بطريق الحيلة وأعرضوا عن مقصود الشارع وحكمته فى تحريم هذه الأشياء. ولذلك مسخوا قردة وخنازير كما مسخ أصحاب السبت بما تأولوا من التأويل الفاسد الذى استحلوا به المحارم وخسف ببعضهم كما خسف بقارون لأن فى الخمر والحرير والمعازف من الكبر والخيلاء ما فى الزينة التى خرج فيها قارون على قومه فلما مسخوا دين الله تعالى مسخهم الله ولما تكبروا عن الحق أذلهم الله تعالى فلما جمعوا بين الأمرين جمع الله لهم بين هاتين(1\/351)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "355",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1627",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العقوبتين وما هى من الظالمين ببعيد وقد جاء ذكر المسخ والخسف فى عدة أحاديث تقدم ذكر بعضها. فصل وقد أخبر صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن طائفة من أمته تستحل الربا باسم البيع كما أخبر عن استحلالهم الخمر باسم آخر. فروى ابن بطة بإسناده عن الأوزاعى عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;يأتى على الناس زمان يستحلون الربا بالبيعquot;. يعنى العينة وهذا وإن كان مرسلا فإنه صالح للاعتضاد به بالاتفاق وله من المسندات ما يشهد له وهى الأحاديث الدالة على تحريم العينة. فإنه من المعلوم أن العينة عند مستحلها إنما يسميها بيعا وفى هذا الحديث بيان أنها ربا لا بيع فإن الأمة لم يستحل أحد منها الربا الصريح وإنما استحل باسم البيع وصورته فصوروه بصورة البيع وأعاروه لفظه. ومن المعلوم أن الربا لم يحرم لمجرد صورته ولفظه وإنما حرم لحقيقته ومعناه ومقصوده وتلك الحقيقة والمعنى والمقصود قائمة فى الحيل الربوية كقيامها فى صريحه سواء والمتعاقدان يعلمان ذلك من أنفسهما ويعلمه من شاهد حالهما والله يعلم أن قصدهما نفس الربا وإنما توسلا إليه بعقد غير مقصود وسمياه باسم مستعار غير اسمه. ومعلوم أن هذا لا يدفع التحريم ولا يرفع المفسدة التى حرم الربا لأجلها بل يزيدها قوة وتأكيدا من وجوه عديدة. منها: أنه يقدم على مطالبة الغريم المحتاج بقوة لا يقدم بمثلها المربى صريحا لأنه واثق بصورة العقد واسمه. ومنها: أنه يطالبه مطالبه معتقد حل تلك الزيادة وطيبها بخلاف مطالبه المربى صريحا. ومنها: اعتقاده أن ذلك تجارة حاضرة مدارة. والنفوس أرغب شئ فى التجارة فهو فى ذلك بمنزلة من أحب امرأة حبا شديدا ويمنعه من وصالها كونها محرمة عليه. فاحتال إلى أن أوقع بينه وبينها صورة عقد لا حقيقة له يأمن به من بشاعة الحرام وشناعته فصار(1\/352)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "356",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1628",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يأتيها آمنا. وهما يعلمان فى الباطن أنها ليست زوجته وإنما أظهرا صورة عقد يتوصلان بها إلى الغرض. ومن المعلوم أن هذا يزيد المفسدة التى حرم الحكيم الخبير لأجلها الربا قوة فإن الله سبحانه وتعالى حرم الربا لما فيه من ضرر المحتاج وتعريضه للفقر الدائم. والدين اللازم الذى لا ينفك عنه. وتولد ذلك وزيادته إلى غاية تجتاحه وتسلبه متاعه وأثاثه كما هو الواقع فى الواقع. فالربا أخو القمار الذى يجعل المقمور سليبا حزينا محسورا. فمن تمام حكمة الشريعة الكاملة المنتظمة لمصالح العباد تحريمه وتحريم الذريعة الموصلة إليه كما حرم التفرق فى الصرف قبل القبض وأن يبيعه درهما بدرهم إلى أجل وإن لم يكن هناك زيادة فكيف يظن بالشارع مع كمال حكمته أن يبيح التحيل والمكر على حصول هذه المفسدة ووقوعها زائدة متضاعفة بأكل المحتال فيها مال المحتاج أضعافا مضاعفة ولو سلك مثل هذا بعض الأطباء مع المرضى لأهلكهم. فإن ما حرم الله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من المحرمات إنما هو حمية لحفظ صحة القلب وقوة الإيمان كما أن ما يمنع منه الطبيب مما يضر المريض حمية له فإذا احتال المريض أو الطبيب على تناول ذلك المؤذى بتغيير صورته مع بقاء حقيقته وطبعه أو تغيير اسمه مع بقاء مسماه ازداد المريض بتناوله مرضا إلى مرضه وترامى به إلى الهلاك ولم ينفعه تغير صورته ولا تبدل اسمه. وأنت إذا تأملت الحيل المتضمنة لتحليل ما حرم الله سبحانه وتعالى وإسقاط ما أوجب وحل ما عقد وجدت الأمر فيها كذلك ووجدت المفسدة الناشئة منها أعظم من المفسدة الناشئة من المحرمات الباقية على صورتها وأسمائها والوجدان شاهد بذلك. فالله سبحانه إنما حرم هذه المحرمات وغيرها لما اشتملت عليه من المفاسد المضرة بالدنيا والدين ولم يحومها لأجل أسمائها وصورها. ومعلوم أن تلك المفاسد تابعة لحقائقها لا تزول بتبدل أسمائها وتغير صورتها ولو زالت تلك المفاسد بتغير الصورة والأسماء لما لعن(1\/353)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "357",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1629",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله سبحانه اليهود على تغيير صورة الشحم واسمه بإذابته حتى استحدث اسم الودك وصورته ثم أكلوا ثمنه وقالوا لم نأكله. وكذلك تغيير صورة الصيد يوم السبت بالصيد يوم الأحد. فتغيير صور المحرمات وأسمائها مع بقاء مقاصدها وحقائقها زيادة فى المفسدة التى حرمت لأجلها مع تضمنه لمخادعة الله تعالى ورسوله ونسبة المكر والخداع والغش والنفاق إلى شرعه ودينه وأنه يحرم الشئ لمفسدة ويبيحه لأعظم منها. ولهذا قال أيوب السختيانى: يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان لو أتوا الأمر على وجهه كان أهون. وقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيلquot;. وقال بشر بن السرى وهو من شيوخ الإمام أحمد: نظرت فى العلم فإذا هو الحديث والرأى فوجدت فى الحديث ذكر النبيين والمرسلين وذكر الموت وذكر ربوبية الرب تعالى وجلاله وعظمته وذكر الجنة والنار والحلال والحرام والحث على صلة الأرحام وجماع الخير. ونظرت فى الرأى فإذا فيه المكر والخديعة والتشاح واستقصاء الحق والمماراة فى الدين واستعمال الحيل والبعث على قطيعة الأرحام والتجرؤ على الحرام. وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل وذكر أصحاب الحيل فقال: يحتالون لنقض سنن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. والرأى الذى اشتقت منه الحيل المتضمنة لإسقاط ما أوجب الله تعالى وإباحة ما حرم الله هو الذى اتفق السلف على ذمه وعيبه. فروى حرب عن الشعبى قال: قال ابن مسعود رضى الله عنه: إياكم وأرأيت أرأيت فإنما هلك من كان قبلكم بأرأيت أرأيت ولا تقيسوا شيئا بشئ فتزل قدم بعد ثبوتها. وعن الشعبى عن مسروق قال: قال عبد الله: ليس من عام إلا والذى بعده شر(1\/354)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "358",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1630",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منه لا أقول أمير خير من أمير ولا عام أخصب من عام ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم فينهدم الإسلام وينثلم. وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: إياكم وأصحاب الرأى فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا: لا نعلم. فعارضوها برأيهم فإياكم وإياهم. وقال أحمد فى رواية إسماعيل بن سعيد: لا يجوز شئ من الحيل. وفى رواية صالح ابنه: الحيل لا نراها. وقال فى رواية الأثرم وذكر حديث عبد الله بن عمر فى حديث: quot;البيعان بالخيار ولا يحل لواحد منهما أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيلهquot; قال فيه إبطال الحيل. وقال فى رواية أبى الحارث: هذه الحيل التى وضعها هؤلاء احتالوا فى الشئ الذى قيل لهم: إنه حرام فاحتالوا فيه حتى أحلوه وقد قال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فأذابوها وأكلوا أثمانهاquot; فإنما أذابوها حتى أزالوا عنها اسم الشحوم. وقد لعن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم المحلل والمحلل له. وقال فى رواية ابنه صالح: ينقضون الأيمان بالحيل وقد قال الله تعالى: ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها [النحل: 91]  وقال تعالى: يوفون بالنذر [الإنسان: 7] . وقال فى رواية أبى طالب فى التحيل لإسقاط العدة quot;سبحان الله ما أعجب هذا(1\/355)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "359",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1631",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبطلوا كتاب الله والسنة جعل الله على الحرائر العدة من الحمل فليس من امرأة تطلق أو يموت زوجها إلا تعتد من أجل الحمل ففرج يوطأ ثم يعتقها على المكان فيتزوجها فيطؤها فإن كانت حاملا كيف يصنع يطؤها رجل اليوم ويطؤها الآخر غدا هذا نقض لكتاب الله والسنة قال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل تحيضquot; فلا يدرى هى حامل أم لا سبحان الله ما أسمج هذا. وقال فى رواية حبيش بن سندى فى الرجل يشترى الجارية ثم يعتقها من يومه ويتزوجها: أيطؤها من يومه فقال: كيف يطؤها هذا من يومه وقد وطئها ذاك بالأمس وغضب وقال: هذا أخبث قول. وقال فى رواية الميمونى: إذا حلف على شئ ثم احتال بحيلة فصار إليه فقد صار إلى ذلك بعينه. وقال فى رواية الميمونى فيمن حلف على يمين ثم احتال لإبطالها: هل يجوز قال: نحن لا نرى الحيلة إلا بما يجوز. فقال له الميمونى: أليس حيلتنا فيها أن نتبع ما قالوا فإذا وجدنا لهم فيها قولا اتبعناه قال: بلى هكذا هو. قلت: أو ليس هذا منا نحن حيلة قال: نعم فقلت: إنهم يقولون فى رجل حلف على امرأته وهى على درجة: إن صعدت أو نزلت فأنت طالق. قالوا: تحمل حملا ولا تنزل. فقال: هذا الحنث بعينه ليس هذا حيلة هذا هو الحنث. وذكر لأحمد: أن امرأة كانت تريد أن تفارق زوجها فيأبى عليها فقال لها بعض أرباب الحيل: لو ارتددت عن الإسلام بنت منه ففعلت فغضب أحمد رحمه الله وقال: من أفتى بهذا أو علمه أو رضى به فهو كافر. وكذلك قال عبد الله بن المبارك ثم قال: ما أرى الشيطان يحسن مثل هذا حتى جاء هؤلاء فتعلمه منهم. وقال يزيد بن هارون: أفتى أصحاب الحيل بشيء لو أفتى به اليهود والنصارى كان(1\/356)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "360",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1632",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قبيحا. أفتوا رجلا حلف أن لا يطلق امرأته بوجه من الوجوه فبذلت له مالا كثيرا فى طلاقها فأفتوه بأن يقبل أمها أو يباشرها. وذكرت الحيلة عند شريك فقال: من يخادع الله يخدعه. وقال النضر بن شميل: فى كتاب الحيل ثلاثمائة وعشرون مسألة كلها كفر. وقال حفص بن غياث: ينبغى أن يكتب عليه: كتاب الفجور. وقال عبد الله بن المبارك فى قصة بنت أبى روح حيث أمرت بالارتداد فى أيام أبى غسان فارتدت ففرق بينهما وأودعت السجن: فقال ابن المبارك وهو غضبان: من أمر بهذا فهو كافر ومن كان هذا الكتاب عنده أو فى بيته ليأمر به فهو كافر وإن هويه ولم يأمر به فهو كافر. وقال أيوب السختيانى: ويل لهم من يخدعون يعنى أصحاب الحيل. وقال بعض أصحاب الحيل: ما تنقمون منا إلا أنا عمدنا إلى أشياء كانت عليكم حراما فاحتلنا فيها حتى صارت حلالا. وقال زاذان. قال على رضى الله عنه يعنى وقد رأى مبادئ الحيل: إنى أراكم تحلون أشياء قد حرمها الله وتحرمون أشياء قد حللها الله. قلت: ومن تأمل الشريعة ورزق فيها فقه نفس رآها قد أبطلت على أصحاب الحيل مقاصدهم وقابلتهم بنقيضها وسدت عليهم الطرق التى فتحوها للتحيل الباطل.(1\/357)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "361",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1633",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فمن ذلك: أن الشارع منع المتحيل على الميراث بقتل مورثه ميراثه ونقله إلى غيره دونه لما احتال عليه بالباطل. ومن ذلك: بطلان وصية الموصى له بمال إذا قتل الموصى. ومن ذلك: بطلان تدبير المدبر إذا قتل سيده ليعجل العتق. ومن ذلك: تحريم المنكوحة فى عدتها على الزوج تحريما مؤبدا عند عمر ابن الخطاب ومالك وإحدى الروايتين عن أحمد لما احتال على وطئها بصورة العقد المحرم. ومن ذلك: ما لو احتال المريض على منع امرأته من الميراث بطلاقها فإنها ترثه مادامت فى العدة عند طائفة وعند آخرين ترثه وإن انقضت عدتها ما لم تتزوج وعند طائفة: ترث وإن تزوجت. ومن ذلك: بطلان إقرار المريض لوارثه بمال لأنه يتخذه حيلة على الوصية له. ونظائر ذلك كثيرة: فالمحتال بالباطل معامل بنقبض قصده شرعا وقدرا. وقد شاهد الناس عيانا أنه من عاش بالمكرمات بالفقر. ولهذا عاقب الله سبحانه وتعالى من احتال على إسقاط نصيب المساكين وقت الجداد بحرمانهم الثمرة كلها. وعاقب من احتال على الصيد المحرم بأن مسخهم قردة وخنازير. وعاقب من احتال على أكل أموال الناس بالربا بأن يمحق ماله. كما قال تعالى: يمحق الله الربا ويربى الصدقات [البقرة: 276] . فلا بد أن يمحق مال المرابى ولو بلغ ما بلغ. وأصل هذا: أن الله سبحانه جعل عقوبات أصحاب الجرائم بضد ما قصدوا له بتلك الجرائم فجعل عقوبة الكاذب إهدار كلامه ورده عليه. وجعل عقوبة الغال من الغنيمة لما قصد تكثير ماله بالغلول: حرمانه سهمه وإحراق متاعه.(1\/358)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "362",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1634",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجعل عقوبة من اصطاد فى الحرم أو الإحرام: تحريم أكل ما صاده وتغريمه نظيره. وجعل عقوبة من تكبر عن قبول الحق والانقياد له: أن ألزمه من الذل والصغار بحسب ما تكبر عنه من الحق. وجعل عقوبة من استكبر عن عبوديته وطاعته: أن صيره عبدا لأهل عبوديته وطاعته. وجعل عقوبة من أخاف السبيل وقطع الطريق: أن تقطع أطرافه وتقطع عليه الطرق كلها بالنفى من الأرض فلا يسير فيها إلا خائفا. وجعل عقوبة من التذ بدنه كله وروحه بالوطء الحرام: إيلام بدنه وروحه بالجلد والرجم فيصل الألم إلى حيث وصلت اللذة. وشرع النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عقوبة من اطلع فى بيت غيره: أن تقلع عينه بعود ونحوه إفسادا للعضو الذى خانه وأولجه بيته بغير إذنه واطلع به على حرمته. وعاقب كل خائن بأنه يضل كيده ويبطله ولا يهديه المقصوده وإن نال بعضه فالذى ناله سبب لزيادة عقوبته وخيبته: وأن الله لا يهدي كيد الخائنين [يوسف: 52] . وعاقب من حرص على الولاية والإمارة والقضاء بأن شرع منعه وحرمانه ما حرص عليه كما قال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot; إنا لا نولى عملنا هذا من سألهquot;. ولهذا عاقب أبا البشر آدم عليه السلام: بأن أخرجه من الجنة لما عصاه بالأكل من الشجرة ليخلد فيها فكانت عقوبته إخراجه منها ضد ما أمله. وعاقب من اتخذ معه إلها آخر ينتصر به ويتعزز به: بأن جعله عليه ضدا يذل به ويخذل به. كما قال تعالى: واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا [مريم: 81-82] وقال تعالى واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون [يس: 74-75](1\/359)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "363",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1635",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال تعالى لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا [الإسراء: 22] . ضد ما أمله المشرك من اتخاذ الإله من النصر والمدح. وعاقب الناس إذا بخسوا الكيل والميزان بجور السلطان عليهم يأخذ من أموالهم أضعاف ما يبخس به بعضهم بعضا. وعاقبهم إذا منعوا الزكاة والصدقة ترفيها لأموالهم بحبس الغيث عنهم فيمحق بذلك أموالهم ويستوى غيهم وفقيرهم فى الحاجة. وعاقبهم إذا أعرضوا عن كتابه وسنة نبيه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وطلبوا الهدى من غيره: بأن يضلهم ويسد عليهم أبواب الهدى كما قال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى حديث على رضى الله عنه الذى رواه الترمذى وغيره وذكر القرآن: quot;من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى فى غيره أضله اللهquot;. فإن المعرض عن القرآن إما أن يعرض عنه كبرا فجزاؤه أن يقصمه الله أو طلبا للهدى من غيره فجزاؤه أن يضله الله. وهذا باب واسع جدا عظيم النفع. لمن تدبره يجده متضمنا لمعاقبة الرب سبحانه من خرج عن طاعته بأن يعكس عليه مقصوده شرعا وقدرا دنيا وآخره. وقد اطردت سنته الكونية سبحانه فى عباده بأن من مكر بالباطل مكربه ومن احتال احتيل عليه ومن خادع غيره خدع. قال الله تعالى: إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم [النساء: 142] وقال تعالى ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله [فاطر: 43] . فلا تجد ما كرا إلا وهو ممكور به ولا مخادعا إلا وهو مخدوع ولا محتالا إلا وهو محتال عليه.(1\/360)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "364",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1636",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وإذا تدبرت الشريعة وجدتها قد أتت بسد الذرائع إلى المحرمات وذلك عكس باب الحيل الموصلة إليها. فالحيل وسائل وأبواب إلى المحرمات وسد الذرائع عكس ذلك. فبين البابين أعظم تناقض والشارع حرم الذرائع وإن لم يقصد بها المحرم لإفضائها إليه. فكيف إذا قصد بها المحرم نفسه فنهى الله تعالى عن سب آلهة المشركين لكونه ذريعة إلى أن يسبوا الله سبحانه وتعالى عدوا وكفرا على وجه المقابلة. وأخبر النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن: quot;من أكبر الكبائر شتم الرجل والديه. قالوا: وهل يشتم الرجل والديه قال: نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه. ويسب أمه فيسب أمهquot;. ولما جاءت صفية رضى الله تعالى عنها تزوره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وهو معتكف قام معها ليوصلها إلى بيتها فرآهما رجلان من الأنصار فقال: quot;على رسلكما إنها صفية بنت حيى. فقالا: سبحان الله يا رسول الله. فقال: إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم. إنى خشيت أن يقذف فى قلوبكما شراquot;. فسد الذريعة إلى ظنهما السوء بإعلامهما أنها صفية. وأمسك صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن قتل المنافقين مع ما فيه من المصلحة لكونه ذريعة إلى التنفير وقول الناس: quot;إن محمدا يقتل أصحابهquot;. وحرم القطرة من الخمر وإن لم تحصل بها مفسدة الكثير لكون قليلها ذريعة إلى شرب كثيرها.(1\/361)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "365",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1637",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحرم إمساكها للتخليل وجعلها نجسة لئلا تفضى مقاربتها بوجه من الوجوه إلى شربها. ونهى عن الخليطين وعن شرب العصير والنبيذ بعد ثلاث وعن الانتباذ فى الأوعية التى لا يعلم بتخمير النبيذ فيها حسما للمادة وسدا للذريعة. وحرم الخلوة بالمرأة الأجنبية والسفر بها والنظر إليها لغير حاجة حسما للمادة وسدا للذريعة. ومنع النساء إذا خرجن إلى المسجد من الطيب والبخور. ومنعهن من التسبيح فى الصلاة لنائبة تنوب بل جعل لهن التصفيق. ومنع المعتدة من الوفاة من الزينة والطيب والحلى. ومنع الرجل من التصريح بخطبتها فى العدة وإن كان إنما يعقد النكاح بعد انقضاءها. ونهى المرأة أن تصف لزوجها امرأة غيرها حتى كأنه ينظر إليها. ونهى عن بناء المساجد على القبور ولعن فاعله. ونهى عن تعلية القبور وتشريفها وأمر بتسويتها. ونهى عن البناء عليها وتجصيصها والكتابة عليها والصلاة إليها وعندها وإيقاد المصابيح عليها. كل ذلك سدا لذريعة اتخاذها أوثانا. وهذا كله حرام على من قصده ومن لم يقصده بل على من قصد خلافه سدا للذريعة. ونهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها لكون هذين الوقتين وقته سجود الكفار للشمس. ففى الصلاة نوع تشبه بهم فى الظاهر. وذلك ذريعة إلى الموافقة والمشابهة فى الباطن وأكد كذلك بالنهى عن الصلاة بعد العصر وبعد الفجر وإن لم يحضر وقت سجود الكفار للشمس مبالغة فى هذا المقصود وحماية لجانب التوحيد وسدا لذريعة الشرك بكل ممكن. ومنع من التفرق فى الصرف قبل التقابض وكذلك الربوى إذا بيع بربوى آخر من غير جنسه سدا لذريعة النساء الذى هو صلب الربا ومعظمه بل منع من بيع الدرهم(1\/362)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "366",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1638",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالدرهمين نقدا سدا لذريعة ربا النساء كما علل بذلك صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى الحديث الذى رواه مسلم فى صحيحه وهذا أحسن العلل فى تحريم ربا الفضل. وحرم الجمع بين السلف والبيع لما فيه من الذريعة إلى الربح فى السلف بأخذ أكثر مما أعطى والتوسل إلى ذلك بالبيع أو الإجارة كما هو الواقع. ومنع البائع أن يشترى السلعة من مشتريها بأقل مما اشتراها به وهى مسألة العينة وإن لم يقصد الربا لكونه وسيلة ظاهرة واقعة إلى بيع خمسة عشر نسيئة بعشرة نقدا. وحرم جمع الشرطين فى البيع لكونه وسيلة إلى ذلك وهو منطبق على مسألة العينة. ومنع من القرض الذى يجر النفع وجعله ربا. ومنع المقرض من قبول هدية المقترض ما لم يكن بينهما عادة جارية بذلك قبل القرض. ففى سنن ابن ماجه عن يحيى بن أبى إسحاق الهنائى. قال سألت أنس بن مالك: الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدى إليه فقال: قال رسول الله صلى الله تعالي عليه وآله وسلم: quot;إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبنها ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلكquot;. وروى البخارى فى تاريخه عن يزيد بن أبى يحيى الهنائى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;إذا أقرض أحدكم فلا يأخذ هديةquot;. وفى صحيح البخارى عن أبى بردة عن أبى موسى قال: quot;قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام فقال لى: إنك بأرض الربا فيها فاش فإذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه فإنه رباquot;. وروى سعيد بن منصور فى سننه هذا المعنى عن أبى بن كعب. وجاء عن ابن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو رضى الله عنهم نحوه.(1\/363)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "367",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1639",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكل ذلك سدا لذريعة أخذ الزيادة فى القرض الذى موجبه رد المثل. ونهى عن بيع الكالئ بالكالئ وهو الدين المؤخر بالدين المؤخر لأنه ذريعة إلى ربا النسيئة فلو كان الدينان حالين لم يمتنع لأنهما يسقطان جميعا من ذمتيهما وفى الصورة المنهى عنها ذريعة إلى تضاعف الدين فى ذمة كل واحد منهما فى مقابلة تأجيله وهذه مفسدة ربا [النسيئة] بعينها. ونهى الله سبحانه وتعالى النساء أن يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن [النور: 31] . فلما كان الضرب بالرجل ذريعة إلى ظهور صوت الخلخال الذى هو ذريعة إلى ميل الرجال إليهن نهاهن عنه. وأمر الله سبحانه الرجال والنساء بغض أبصارهم لما كان النظر ذريعة إلى الميل والمحبة التى هى ذريعة إلى مواقعة المحظور. وحرم التجارة فى الخمر وإن كان إنما يبيعها من كافر يستحل شربها فإن التجارة فيها ذريعة إلى اقتنائها وشربها ولهذا لما نزلت الآيات فى تحريم الربا قرأها عليهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقرن بها تحريم التجارة فى الخمر فإن الربا ذريعة إلى إفساد الأموال. والخمر ذريعة إلى إفساد العقول. فجمع بين تحريم التجارة فى هذا وهذا. ونهى عن استقبال رمضان بيوم أو يومين لئلا يتخذ ذريعة إلى الزيادة فى الصوم الواجب كما فعل أهل الكتاب. ونهى عن التشبه بأهل الكتاب وغيرهم من الكفار فى مواضع كثيرة لأن المشابهة الظاهرة ذريعة إلى الموافقة الباطنة فإنه إذا أشبه الهدى الهدى أشبه القلب القلب. وقد قال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;خالف هدينا هدى الكفارquot;. وفى المسند مرفوعا: quot;من تشبه بقوم فهو منهمquot;. وحرم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها لكونه ذريعة إلى قطيعة الرحم. وبهذه العلة بعينها علل رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: quot;إنكم إذا فعلتم(1\/364)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "368",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1640",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك قطعتم أرحامكمquot;. وأمر بالتسوية بين الأولاد فى العطية وأخبر أن تخصيص بعضهم بها جور لا يصلح ولا تنبغى الشهادة عليه. وأمر فاعله برده ووعظه وأمره بتقوى الله تعالى وأمره بالعدل لكون ذلك ذريعة ظاهرة قريبة جدا إلى وقوع العداوة بين الأولاد وقطيعة الرحم بينهم كما هو المشاهد عيانا فلو لم تأت السنة الصحيحة الصريحة التى لا معارض لها بالمنع منه لكان القياس وأصول الشريعة وما تضمنته من المصالح ودرء المفاسد يقتضى تحريمه. ومنع من نكاح الأمة لكونه ذريعة ظاهرة إلى استرقاق ولده ثم جوز وطأها يملك اليمين لزوال هذه المفسدة. ومنع من تجاوز أربع زوجات لكونه ذريعة ظاهرة إلى الجور وعدم العدل بينهن وقصر الرجال على الأربع فسحة لهم فى التخلص من الزنا وإن وقع منهم بعض الجور فاحتماله أقل مفسدة من مفسدة الزنى. ومنع من عقد النكاح فى حال العدة وحال الإحرام وإن تأخر الدخول إلى ما بعد انقضائها وحصول الحل لكون العقد ذريعة إلى الوطء والنفوس لا تصبر غالبا مع قوة الداعى. وشرط فى النكاح شروطا زائدة على مجرد العقد فقطع عنه شبه بعض أنواع السفاح به كاشتراط إعلانه إما بالشهادة أو بترك الكتمان أو بهما. واشتراط الولى ومنع المرأة أن تليه. وندب إلى إظهاره حتى استحب فيه الدف والصوت والوليمة وأوجب فيه المهر.(1\/365)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "369",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1641",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنع هبة المرأة نفسها لغير النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. وسر ذلك: أن فى ضد ذلك والإخلال به ذريعة إلى وقوع السفاح بصورة النكاح كما فى الأثر: quot;إن الزانية هى التى تزوج نفسهاquot;. فإنه لا تشاء زانية تقول: زوجتك نفسى بكذا سرا من وليها بغير شهود ولا إعلان ولا وليمة ولا دف ولا صوت إلا فعلت. ومعلوم قطعا أن مفسدة الرنا لا تنتفى بقولها: أنكحتك نفسى أو زوجتك نفسى. أو أبحتك منى كذا وكذا. فلو انتفت مفسدة الزنا بذلك لكان هذا من أيسر الأمور عليها وعلى الرجل. فعظم الشارع أمر هذا العقد. وسد الذريعة إلى مشابهته للزنا بكل طريق. ثم أكد ذلك بأن جعل له حريما من العدة يزيد على مقدار الاستبراء وأثبت له أحكاما من المصاهرة وحرمتها ومن التوارث. ولهذا كان الراجح فى الدليل: أن الزنى لا يثبت حرمة المصاهرة كما لا يثبت التوارث والنفقة وحقوق الزوجية. ولا يثبت به النسب ولا العدة على الصحيح. وإنما تستبرأ بحيضة ليعلم براءة رحمها ولا يقع فيه طلاق ولا ظهار ولا إيلاء. ولا يثبت المحرمية بينه وبين أمها وابنتها. فلا يثبت حرمة المصاهرة ولا تحريمها. فإن الشارع جعل وصلة الصهر فيه مع وصلة النسب. وجمع بينهما فى قوله: فجعله نسبا وصهرا [الفرقان: 54] . فإذا انتفت وصلة النسب فيه انتفت وصلة الصهر. وكنا ننصر القول بالتحريم ثم رأينا الرجوع إلى عدم التحريم أولى لاقتضاء الدليل له. وليس المقصود استيفاء أدلة المسألة من الجانبين وإنما الغرض التنبيه على أن من قواعد الشرع العظيمة: قاعدة سد الذرائع. ومن ذلك: نهى النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن تقام الحدود فى دار الحرب. وأن تقطع الأيدى فى الغزو لئلا يكون ذلك ذريعة إلى لحاق المحدود بالكفار. ومن ذلك: أن المسلم إذا احتاج إلى التزوج بدار الحرب وخاف على نفسه الزنا عزل(1\/366)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "370",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1642",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن امرأته نص عليه أحمد لئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن ينشأ ولده كافرا. ومن ذلك: أن الصحابة اتفقوا على قتل الجماعة الكثيرة بالواحد وإن كان القصاص يقتضى المساواة لئلا يتخذ ذريعة إلى إهدار الدماء وتعاون الجماعة على قتل المعصوم. ومن ذلك: أن السكران لو قتل اقتص منه وإن كان فى هذه الحالة لا قصد له. لئلا يتخذ السكر ذريعة إلى قتل المعصوم وسقوط القصاص. ومن ذلك: نهيه سبحانه رسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن الجهر بالقرآن بحضرة العدو لما كان ذريعة إلى سبهم للقرآن ومن أنزله. ومن ذلك: أنه سبحانه نهى الصحابة أن قالوا للنبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: راعنا [البقرة: 104] . مع قصدهم المعنى الصحيح وهو المراعاة لئلا يتخذ اليهود هذه اللفظة ذريعة إلى السب ولئلا يتشبهوا بهم ولئلا يخاطب بلفظ يحتمل معنى فاسدا. ومن ذلك: أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كره الصلاة إلى ما قد عبد من دون الله وأحب لمن صلى إلى عمود أو عود أو شجرة أن يجعله على أحد حاجبيه ولا يصمد له صمدا سدا لذريعة التشبه بالسجود لغير الله تعالى. ومن ذلك: أنه أمر المأمومين أن يصلوا جلوسا إذا صلى إمامهم جالسا سدا لذريعة التشبه بفارس والروم فى قيامهم على ملوكهم وهم قعود. ومن ذلك: أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم منع الرجل من أخذ نظير حقه بصورة الخيانة ممن خانه وجحد حقه وإن كان إنما يأخذ حقه أو دونه فقال لمن سأله: عن ذلك: quot;أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانكquot;. لأن ذلك ذريعة إلى إساءة الظن به ونسبته إلى الخيانة. ولا يمكنه أن يحتج عن نفسه ويقيم عذره مع أن ذلك أيضا ذريعة إلى أن لا يقتصر على قدر الحق وصفته فإن النفوس لا تقتصر فى الاستيفاء غالبا على قدر الحق.(1\/367)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "371",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1643",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن ذلك: أن سلط الشريك على انتزاع الشقص المشفوع من يد المشترى سدا لذريعة المفسدة الناشئة من الشركة والمخالطة بحسب الإمكان. وقبل البيع ليس أحدهما أولى بانتزاع نصيب شريكه من الآخر. فإذا رغب عنه وعرضه للبيع كان شريكه أحق به لما فيه من إزالة الضرر عنه وعدم تضرره هو. فإنه يأخذه بالثمن الذى يأخذه به الأجنبى ولهذا كان الحق: أنه لا يحل الاحتيال لإسقاط الشفعة ولا تسقط بالاحتيال. فإن الاحتيال على إسقاطها يعود على الحكمة التى شرعت لها بالنقض والإبطال. ومن ذلك: أنه لا يقبل شهادة العدو ولا الظنين فى تهمة أو قرابة. ولا الشريك فيما هو شريك فيه ولا الوصى فيما هو وصى فيه ولا الولد على ضرة أمه ولا يحكم القاضى بعلمه. كل ذلك سدا لذريعة التهمة والغرض الفاسد. ومن ذلك: أن السنة مضت بكراهة إفراد رجب بالصوم وإفراد يوم الجمعة لئلا يتخذ ذريعة إلى الابتداع فى الدين بتخصيص زمان لم يخصه الشارع بالعبادة. ومن ذلك: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه أمر بقطع الشجرة التى كانت تحتها البيعة وأمر بإخفاء قبر دانيال سدا لذريعة الشرك والفتنة. ونهى عن تعمد الصلاة فى الأمكنة التى كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ينزل بها فى سفره وقال quot;أتريدون أن تتخدوا آثار أنبيائكم مساجد من أدركته الصلاة فيه فليصل وإلا فلاquot;. ومن ذلك: جمع عثمان بن عفان رضى الله عنه الأمة على حرف واحد من الأحرف السبعة لئلا يكون اختلافهم فيها ذريعة إلى اختلافهم فى القرآن. ووافقه على ذلك الصحابة رضى الله عنهم. ومن ذلك: أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أمر الذى أرسل معه بهدية إذا عطب شئ منه دون المحل أن ينحره ويصبغ نعله الذى قلده به بدمه ويخلى بينه وبين(1\/368)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "372",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1644",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المساكين ونهاه أن يأكل منه هو أو أحد من أهل رفقته قالوا: لأنه لو جاز له أن يأكل منه أو أحد من رفقته قبل بلوغ المحل لخادعته نفسه إلى أن يقصر فى علفه وحفظه حتى يشارف العطب فينحره. فسد الشارع الذريعة ومنعه ورفقته من الأكل منه. ومن ذلك: نهيه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن الذرائع التى توجب الاختلاف والتفرق والعداوة والبغضاء كخطبة الرجل على خطبة أخيه وسومه على سومه وبيعه على بيعه وسؤال المرأة طلاق ضرتها وقال: quot;إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهماquot;. سدا لذريعة الفتنة والفرقة. ونهى عن قتال الأمراء والخروج على الأئمة وإن ظلموا وجاروا ما أقاموا الصلاة سدا لذريعة الفساد العظيم والشر الكبير بقتالهم كما هو الواقع فإنه حصل بسبب قتالهم والخروج عليهم من الشرور أضعاف أضعاف ما هم عليه والأمة فى بقايا تلك الشرور إلى الآن. ومن ذلك: أن الشروط المضروبة على أهل الذمة تضمنت تمييزهم عن المسلمين في اللباس والشعور والمراكب لئلا تفضى مشابهتهم للمسلمين فى ذلك إلى معاملتهم معاملة المسلمين فى الإكرام والاحترام ففى إلزامهم بتمييزهم عنهم سدا لهذه الذريعة. ومن ذلك: منعه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من بيع القلادة التى فيها خرز وذهب بذهب لئلا يتخذ ذريعة إلي بيع الذهب بالذهب متفاضلا إذا ضم إلى أحدهما خرز أو نحوه. ولو لم يكن فى هذا الباب إلا أن الله سبحانه وتعالى أوجب إقامة الحدود سدا للذريعة إلى الجرائم إذا لم يكن عليها وازع طبيعى وجعل مقادير عقوباتها وأجناسها وصفاتها(1\/369)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "373",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1645",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بحسب مفاسدها في نفسها وقوة الداعى إليها وتقاضى الطباع لها. وبالجملة فالمحرمات قسمان: مفاسد وذرائع موصلة إليها مطلوبة الإعدام كما أن المفاسد مطلوبة الإعدام. والقربات نوعان: مصالح للعباد وذرائع موصلة إليها. ففتح باب الذرائع فى النوع الأول كسد باب الذرائع فى النوع الثانى وكلاهما مناقض لما جاءت به الشريعة فبين باب الحيل وباب سد الذرائع أعظم تناقض. وكيف يظن بهذه الشريعة العظيمة الكاملة التى جاءت بدفع المفاسد وسد أبوابها وطرقها أن تجوز فتح باب الحيل وطرق المكر على إسقاط واجباتها واستباحة محرماتها. والتذرع إلى حصول المفاسد التى قصدت دفعها. وإذا كان الشئ الذى قد يكون ذريعة إلى الفعل المحرم إما بأن يقصد به ذلك المحرم أو بأن لا يقصد به وإنما يقصد به المباح نفسه لكن قد يكون ذريعة إلى المحرم يحرمه الشارع بحسب الإمكان ما لم يعارض ذلك مصلحة راجحة تقتضى حله فالتذرع إلى المحرمات بالاحتيال عليها أولى أن يكون حراما وأولى بالإبطال والإهدار إذا عرف قصد فاعله وأولى أن لا يعان فاعله عليه وأن يعامل بنقيض قصده وأن يبطل عليه كيده ومكره. وهذا بحمد الله تعالى بين لمن له فقه وفهم فى الشرع ومقاصده. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وتجويز الحيل يناقض سد الذرائع مناقضة ظاهرة فإن الشارع يسد الطريق إلى ذلك المحرم بكل ممكن والمحتال يتوسل إليه بكل ممكن ولهذا اعتبر الشارع فى البيع والصرف والنكاح وغيرها شروطا سد ببعضها التذرع إلى الربا والزنا وكمل بها مقصود العقود ولم يمكن المحتال الخروج منها فى الظاهر. ومن يريد الاحتيال على ما منع الشارع منه فيأتى بها مع حيلة أخرى توصله بزعمه إلى نفس ذلك الشئ الذى سد الشارع الذريعة إليه لم يبق لتلك الشروط التى أتى بها فائدة ولا حقيقة بل تبقى بمنزلة العبث واللعب وتطويل الطريق إلى المقصود من غير فائدة.(1\/370)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "374",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1646",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: واعتبر هذا بالشفعة فإن الشارع أباح انتزاع الشقص من مشتريه والشارع لا يخرج الملك عن مالكه بقيمة أو غيرها إلا لمصلحة راجحة وكانت المصلحة هاهنا تكميل العقار للشريك فإنه بذلك يزول ضرر المشاركة والمقاسمة وليس فى هذا التكميل ضرر على البائع لأن مقصوده من الثمن يحصل بأخذه من المشترى شريكا كان أو أجنبيا فالمحتال لإسقاطها مناقض لمقصود الشارع مضاد له فى حكمه. فالشارع يقول: لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك والمحتال يقول: لك أن تتحيل على منع الشريك من الأخذ بأنواع من الحيل التى ظاهرها مكر وخداع وباطنها منع الشريك مما أباحه له الشارع ومكنه منه وتفويت نفس مقصود الشارع. والمصيبة الكبرى: إظهار المحتال أنه إنما فعل ما أذن له الشارع فى فعله وأنه مكنه من المكر والخداع والتحيل على إسقاط حق الشريك وهذا بين لمن تأمله. قال: والمقصود: بيان تحريم الحيل وأن صاحبها متعرض لسخط الله تعالى وأليم عقابه. ويترتب على ذلك أن ينقض على صاحبها مقصوده منها بحسب الإمكان وذلك فى كل حيلة بحسبها. فلا يخلو الاحتيال: إما أن يكون من واحد أو اثنين فأكثر فإن كان من اثنين فأكثر فإن كان عقد بيع تواطآ عليه تحيلا على الربا كما في العينة حكم بفساد العقدين ويرد إلى الأول رأس ماله كما قالت أم المؤمنين عائشة رضى الله تعالى عنها وكان بمنزلة المقبوض بعقد ربا لا يحل الانتفاع به بل يجب رده إن كان باقيا وبدله إن كان تالفا وكذلك إن جمعا بين بيع وقرض أو إجارة وقرض أو مضاربة أو شراكه أو مساقاة أو مزارعة وقرض حكم بفسادهما فيجب أن يرد عليه بدل ماله الذى جعلاه قرضا والعقد الآخر فاسد حكمه حكم العقود الفاسدة. وكذلك إن كان نكاحا تواطآ عليه كان حكمه حكم الأنكحة الفاسدة. وكذلك إن تواطآ على هبة أو بيع لإسقاط الزكاة أو على هبة لتصحيح نكاح فاسد أو وقف فاسد مثل أن تريد مواقعة مملوكها فتهبه لرجل فيزوجها به فإذا قضت وطرها منه استوهبته من الرجل فوهبتها إياه فانفسخ النكاح فهذا البيع والهبة فاسدان فى جميع الأحكام.(1\/371)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "375",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1647",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن كان الاحتيال من واحد فإن كانت الحيلة يستقل بها لم يحصل بها غرضه. فإن كانت عقدا كان فاسدا مثل أن يهب لابنه هبة يريد أن يرجع فيها لئلا يجب عليه الزكاة فإن وجود هذه الهبة كعدمها ليست هبة فى شئ من الأحكام لكن إن ظهر المقصود ترتب الحكم عليه ظاهرا وباطنا وإلا كانت فاسدة فى الباطن فقط. وإن كانت حيلة لا يستقل بها مثل أن ينوى التحليل ولا يظهره للزوجة أو يرتجع المرأة إضرارا بها أو يهب ماله إضرارا للورثة ونحو ذلك كانت هذه العقود بالنسبة إليه وإلى من علم غرضه باطلة فلا يحل له وطء المرأة ولا يرثها لو ماتت. وإذا علم الموهوب له والموصى له غرضه باطلا: لم يحصل له الملك فى الباطن. فلا يحل له الانتفاع به بل يجب رده إلى مستحقه. وأما بالنسبة إلى العاقد الآخر الذى لم يعلم فإنه صحيح يفيد مقصود العقود الصحيحة ولهذا نظائر كثيرة فى الشريعة. وإن كانت الحلية له وعليه كطلاق المريض صح الطلاق من جهة أنه أزال ملكه ولم يصح من جهة أنه يمنع الإرث. فإنه إنما منع من قطع الإرث لا من إزالة ملك البضع. وإن كانت الحيلة فعلا يفضى إلى غرض له مثل أن يسافر فى الصيف ليتأخر عنه الصوم إلى الشتاء لم يحصل غرضه بل يجب عليه الصوم في هذا السفر. قلت: ونظير هذا ما قالت المالكية: إنه لا يستبيح رخصة المسح على الخفين إذا لبسهما لنفس المسح فلو مسح لذلك لم يجزه وعليه إعادة الصلاة أبدا. وإنما تثبت الرخصة فى حق من لبسهما لحاجة كالبرد والركوب ونحوهما. فيمسح عليهما لمشقة النزع. وخالفهم باقى الفقهاء فى ذلك والمنع جار على أصول من راعى المقاصد. قال شيخنا: وإن كان يفضى إلى سقوط حق غيره مثل أن يطأ امرأة أبيه أو ابنه لينفسخ نكاحه أو مثل أن تباشر المرأة ابن زوجها أو أباه عند من يرى ذلك موجبا للتحريم فهذه الحيل بمنزلة الإتلاف للملك بقتل أو غصب لا يمكن إبطالها لأن حرمة المرأة بهذا السبب حق الله تعالى يترتب عليه فسخ النكاح ضمنا. والأفعال الموجبة للتحريم لا يعتبر لها العقل فضلا عن القصد. وهذا بمنزلة أن يحتال على نجاسة مائع فإن نجاسات(1\/372)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "376",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1648",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المائعات بالمخالطة وتحريم المصاهرة بالمباشرة أحكام تثبت بأمور حسية فلا ترفع الأحكام مع وجود تلك الأسباب. قلت: هذا كان قول الشيخ أولا ثم رجع إلى أن تحريم المصاهرة لا يثبت بالمباشرة المحرمة. وحينئذ فصورة ذلك: أن ترضع ابنته الكبيرة أو أمته امرأته الصغيرة. لينفسخ نكاحها. فإن فسخ النكاح هاهنا لا يتوقف على العقل ولا على القصد بل لو كانت المرضعة مجنونة يثبت التحريم فهو بمنزلة أن يلقى فى مائعه ما ينجسه. قال: وإن كانت الحيلة فعلا يفضى إلى تحليل له أو لغيره مثل أن يقتل رجلا ليتزوج امرأته أو يزوجها غيره. فهاهنا تحل المرأة لغير من قصد تزويجها به. فإنها بالنسبة إليه كمن مات عنها زوجها أو قتل بحق أو فى سبيل الله. وأما بالنسبة إلى من قصد بالقتل أن يتزوج المرأة إما بمواطأة منها أو بدونها فهذا يشبه من بعض الوجوه ما لو خلل الخمر بنقلها من موضع إلى موضع من غير أن يطرح فيها شيئا. والصحيح أنها لا تطهر وإن كانت تطهر إذا تخللت بفعل الله تعالى. وكذلك هذا الرجل لو مات بدون هذا القصد حلت المرأة فإذا قتله لهذا القصد أمكن أن يقال تحرم عليه مع حلها لغيره. ويشبه هذا: الحلال إذا صاد الصيد وذبحه لحرام فإنه يحرم على ذلك المحرم ويحل للحلال. ومما يؤيد هذا: أن القاتل يمنع الإرث ولا يمنعه غيره من الورثة. لكن لما كان مال الرجل تتطلع إليه نفوس الورثة كان القتل مما يقصد به المال بخلاف الزوجة فإن ذلك لا يكاد يقصد فإن التفات الرجل إلى امرأة غيره بالنسبة إلى التفات الورثة إلى مال المورث قليل. وكونه يقتله ليتزوجها فهذا أقل. فلذلك لم يشرع أن من قتل رجلا حرمت عليه امرأته كما شرع أن من قتل مورثا منع ميراثه فإذا قتله ليتزوج بها فقد وجدت الحكمة فيه فيعاقب بنقيض قصده. وأكثر ما يقال فى رد هذا: أن الأفعال المحرمة لحق الله تعالى لا تفيد الحل كذبح الصيد وتحليل الخمر والتذكية فى غير المحل. أما المحرم لحق الآدمى كذبح المغصوب فإنه بفيد الحل. أو يقال: إن الفعل المشروع لثبوت الحكم يشترط فيه وقوعه على الوجه(1\/373)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "377",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1649",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المشروع كالذكاة والقتل لم يشرع لحل المرأة وإنما انقضاء النكاح بانقضاء الأجل فحصل الحل صمنا وتبعا. ويمكن أن يقال فى جواب هذا: إن قتل الآدمى حرام لحق الله تعالى وحق الآدمى. ولهذا لا يستباح بالإباحة بخلاف ذبح المغصوب فإنه حرم لمحض حق الآدمى. ولهذا لو أباحه حل فالمحرم هناك إنما هو تفويت المالية على المالك لا إزهاق الروح. وقد اختلف فى الذبح بآلة مغصوبة وفيه عن أحمد روايتان واختلف العلماء فى ذبح المغصوب وقد نص أحمد على أنه ذكى. وفيه حديث رافع بن خديج فى ذبح الغنم المنهوبة والحديث الآخر فى المرأة التى أضافت النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فذبحت له شاة أخذتها بدون إذن أهلها فقال: quot;أطعموها الأسارىquot;. وفى هذا دليل على أن المذبوح بدون إذن أهله يمنع من أكله المذبوح له دون غيره كالصيد إذا ذبحه الحلال لحرام حرم على الحرام دون الحلال. وقد نقل صالح عن أبيه فيمن سرق شاة فذبحها: لا يحل أكلها يعنى له قلت لأبى: فإن ردها على صاحبها قال: تؤكل. فهذه الرواية قد يؤخذ منها أنها حرام على الذابح مطلقا لأن أحمد لو قصد التحريم من جهة أن المالك لم يأذن له فى الأكل لم يخص الذابح بالتحريم. فهذا القول الذى دل عليه الحديث فى الحقيقة حجة لتحريم مثل هذه المرأة على القاتل ليتزوجها دون غيره بطريق الأولى. هذا كله كلام شيخنا.(1\/374)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "378",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1650",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبعد فالتحريم مطرد على قواعد أحمد ومالك من وجوه متعددة. منها: مقابلة الفاعل بنقيض قصده كطلاق الفار وقاتل مورثه وقاتل الموصى والمدبر إذا قتل سيده. ومنها: سد الذرائع. ومنها: تحريم الحيل. ومنها: تخليل الخمر كما ذكره شيخنا والله تعالى أعلم. قال: فتلخص أن الحيل نوعان: أقوال وأفعال. فالأقوال: يشترط لثبوت أحكامها العقل ويعتبر فيها القصد وتكون صحيحة تارة وفاسدة أخرى. ثم ما ثبت حكمه منه ما يمكن فسخه ورفعه بعد وقوعه كالبيع والنكاح. ومنه مالا يمكن فيه ذلك كالعتق والطلاق. فهذا الضرب إذا قصد به الاحتيال على فعل محرم أو إسقاط واجب أمكن إبطاله إما من جميع الوجوه وإما من الوجه الذى يبطل مقصود المحتال بحيث لا يترتب عليه الحكم المحتال على حصوله كما حكم به الصحابة رضوان الله تعالى عليهم فى طلاق الفار. وأما الأفعال: فإن اقتضت الرخصة للمحتال لم تحصل كالسفر للقصر والفطر. وإن اقتضت تحريما على الغير فإنه قد يقع وتكون بمنزلة إتلاف النفس والمال. وإن اقتضت حلا عاما إما بنفسها أو بواسطة زوال الملك فهذه مسألة القتل وذبح الصيد للحلال وذبح المغصوب للغاصب. وبالجملة: فإذا قصد بالفعل استباحة محرم لم يحل له وإن قصد إزالة ملك الغير ليحل له فالأقيس أن لا يحل له أيضا وإن حل لغيره. وقد دخل فى القسم الأول احتيال المرأة على فسخ النكاح بالردة فهى لا تمشى غالبا إلا عند من يقول: الفرقة تنجز بنفس الردة أو يقول: بأنها لا تقتل فالواجب فى مثل هذه الحيلة: أن لا ينفسخ بها النكاح وإذا علم الحاكم أنها ارتدت لذلك لم يفرق بينهما. وتكون مرتدة من حيث العقوبة والقتل غير مرتدة من حيث فساد النكاح حتى لو توفيت أو قتلت قبل الرجوع استحق ميراثها لكن لا يجوز له وطؤها فى حالة الردة فإن(1\/375)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "379",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1651",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الزوجة قد يحرم وطؤها بأسباب من جهتها كما لو أحرمت لكن لو ثبت أنها ارتدت ثم قالت: إنما ارتدت لفسخ النكاح لم يقبل هذا فإنه قد يجعل ذريعة إلى عود نكاح كل مرتدة بأن تلقن أنها إنما ارتدت للفسخ ولأنها متهمة فى ذلك ولأن الأصل أنها مرتدة فى جميع الأحكام. فصل وقد استدل البخارى فى صحيحه على بطلان الحيل بقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقةquot;. فإن هذا النهى يعم ما قبل الحول وما بعده. واحتج بقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى الطاعون: quot;إذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منهquot;. وهذا من دقة فقهه رحمه الله فإنه إذا كان قد نهى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن الفرار من قدر الله تعالي إذا نزل بالعبد رضا بقضاء الله تعالى وتسليما لحكمه فكيف بالفرار من أمره ودينه إذا نزل بالعبد. واحتج بأنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;نهى عن بيع فضل الماء ليمنع به الكلأquot;. فدل على أن الشئ الذى هو فى نفسه غير محرم إذا قصد به أمر محرم صار محرما. واحتج أحمد رحمه الله على بطلان الحيل وتحريمها بلعنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم للمحلل وبقوله quot;لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله تعالى بأدنى الحيلquot;. واحتج على تحريم الحيل لإسقاط الشفعة بقوله quot;فلا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكهquot;. واحتج ابن عباس وبعده أيوب السختيانى وغيره من السلف: بأن الحيل مخادعة لله تعالى. وقد قال الله تعالى: يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم [البقرة: 9] . قال ابن عباس: ومن يخادع الله يخدعه.(1\/376)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "380",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1652",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا ريب أن من تدبر القرآن والسنة ومقاصد الشارع جزم بتحريم الحيل وبطلانها فإن القرآن دل على أن المقاصد والنيات معتبرة فى التصرف والعادات كما هى معتبرة فى القربات والعبادات فيجعل الفعل حلالا أو حراما وصحيحا أو فاسدا وصحيحا من وجه فاسدا من وجه كما أن القصد والنية فى العبادات تجعلها كذلك. وشواهد هذه القاعدة كثير ة جدا فى الكتاب والسنة. فمنها: قوله تعالى فى آية الرجعة: ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا [البقرة: 231] . وذلك نص فى أن الرجعة إنما تثبت لمن قصد الصلاح دون الضرار فإذا قصد الضرار لم يملكه الله تعالى الرجعة. ومنها: قوله تعالى فى آية الخلع: ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به [البقرة: 229] . وهذا دليل على أن الخلع المأذون فيه إنما هو إذا خاف الزوجان أن لا يقيما حدود الله وأن النكاح الثانى إنما يباح إذا ظنا أن يقيما حدود الله فإنه شرط فى الخلع عدم خوف إقامة حدوده وشرط فى العود ظن إقامة حدوده. ومنها: قوله تعالى فى آية الفرائض: من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار [النساء: 12] . فإنه سبحانه وتعالى إنما قدم على الميراث وصية من لم يضار الورثة فإذا كانت الوصية وصية ضرار كانت حراما وكان للورثة إبطالها وحرم على الموصى له أخذ ذلك بدون رضا الورثة وأكد سبحانه وتعالى ذلك بقوله: تلك حدود الله فلا تعتدوها [البقرة: 229] . وتأمل كيف ذكر سبحانه وتعالى الضرار فى هذه الآية دون التى قبلها. لأن الأولى تضمنت ميراث العمودين والثانية تضمنت ميراث الأطراف: من الزوجين والإخوة. والعادة أن الميت قد يضار زوجته وإخوته ولا يكاد يضار والديه وولده. والضرار نوعان: جنف وإثم. فإنه قد يقصد الضرار وهو الإثم وقد يضار من غير قصد وهو الجنف فمن أوصى بزيادة على الثلث فهو مضار قصد أو لم يقصد فللوارث رد هذه الوصية. وإن أوصى بالثلث فما دون ولم يعلم أنه قصد الضرار وجب إمضاؤها.(1\/377)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "381",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1653",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن علم الموصى له أن الموصى إنما أوصى ضرارا لم يحل له الأخذ ولو اعترف الموصى أنه إنما أوصى ضرارا لم تجز إعانته على إمضاء هذه الوصية. وقد جوز سبحانه وتعالى إبطال وصية الجنف والإثم وأن يصلح الوصى أو غيره بين الورثة والموصى له فقال تعالى: فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه [البقرة: 182] . وكذلك إذا ظهر للحاكم أو الوصى الجنف أو الإثم في الوقف ومصرفه أو بعض شروطه فأبطل ذلك كان مصلحا لا مفسدا. وليس له أن يعين الواقف على إمضاء الجنف والإثم ولا يصحح هذا الشرط ولا يحكم به فإن الشارع قد رده وأبطله. فليس له أن يصحح ما رده الشارع وحرمه فإن ذلك مضادة له ومناقضة. ومن ذلك: قوله تعالى: ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة [النساء: 19] . فهذا دليل على أنه إذا عضلها لتفتدى نفسها منه وهو ظالم لها بذلك لم يحل له أخذ ما بذلته له ولا يملكه بذلك. ومن ذلك قوله تعالى: يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن [النساء: 19] . فحرم سبحانه وتعالى أن يأخذ منها شيئا مما آتاها إذا كان قد توسل إليه بالعضل. ومن ذلك: أن جداد النخل عمل مباح أى وقت شاء صاحبه لكن لما قصد به أصحابه في الليل حرمان الفقراء عاقبهم الله تعالى بإهلاكه. ثم قال: ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون [القلم: 33] [الزمر: 26] . ثم جاءت السنة بكراهة الجداد بالليل لكونه ذريعة إلى هذه المفسدة. ونص عليه غير واحد من الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره. قال أصحاب الحيل: قد أسمعتمونا على بطلان الحيل وتحريمها ما فيه كفاية. فاسمعوا الآن على جوازها واستحبابها ما نقيم به عذرنا. قال الله سبحانه وتعالى: إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا(1\/378)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "382",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1654",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين فى الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم [النساء: 97-99] . ووجه الاستدلال: أنه سبحانه وتعالى إنما عذرهم بتخلفهم وعجزهم إذ لم يستطيعوا حيلة يتخلصون بها من المقام بين أظهر الكفار وهو حرام. فعلم أن الحيلة التى تخلص من الحرام مستحبة مأذون فيها. وعامة الحيل التى تنكرونها علينا هى من هذا الباب. فإنها حيل تخلص من الحرام ولهذا سمى بعض من صنف فى ذلك كتابه: quot;المخارج الحرام والتخلص من الآثامquot; واعتبر هذا بحيلة العينة فإنها تخلص من الربا المحرم. وكذلك الجمع بين الإجارة والمساقاة يخلص من بيع الثمرة قبل بدو صلاحها وهو حرام. وكذلك خلع اليمين يخلص من وقوع الطلاق الذى هو حرام أو مكروه أو من مواقعة المرأة بعد الحنث وهو حرام. وكذلك هبة الرجل ماله قبل الحول لولده أو امرأته يخلصه من إثم منع الزكاة كما يتخلص من إثم المنع بإخراجها فهما طريقان للتخلص. فالحيل تخلص من الحرج وتخلص من الإثم. والله تعالى قد نفى الحرج عنا وعن ديننا وندبنا إلى التخلص منه ومن الآثام فمن أفضل الأشياء معرفة ما يخلصنا من هذا وهذا وتعليمه وفتح طريقه. ألا ترى أن الرجل إذا حلف بالطلاق ليقتلن أباه أو ليشربن الخمر أو ليزنين بامرأة ونحو ذلك. كانت الحيلة تخليصه من مفسدة فعل ذلك ومن مفسدة خراب بيته ومفارقة أهله. فإن من لا يرى الحيلة ليس له عنده مخرج إلا بوقوع الطلاق فإذا علم أنه يقع به الطلاق فزال فعل المحلوف عليه فأى شئ أفضل من تخليصه من هذا وهذا وكذلك من وقع عليه الطلاق الثلاث ولا صبر له عن امرأته ويرى اتصالها بغيره أشد من موته فاحتلنا له بأن زوجناها بعبد فوطئها ثم وهبناه منها فانفسخ نكاحه وحلت لزوجها المطلق بعد انقضاء العدة.(1\/379)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "383",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1655",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: وقد قال الله تعالى لنبيه أيوب عليه السلام وقد حلف ليجلدن امرأته مائة. وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث [ص: 44] . قال سعيد عن قتادة: كانت امرأته قد عرضت له بأمر وأرادها إبليس على شئ فقال لها: لو تكلمت بكذا وكذا وإنما حملها عليها الجوع. فحلف نبى الله لئن شفاه الله تعالى ليجلدنها مائة جلدة قال: فأمر بأصل فيه تسعة وتسعون قضيبا والأصل تكملة المائة فيضربها به ضربة واحدة. فأبر الله تعالى نبيه. وخفف عن أمته. وقال عبد الرحمن بن جبير: لقيها إبليس فقال لها: والله لو تكلم صاحبك بكلمة واحدة لكشف عنه كل ضر ولرجع إليه ماله وولده فأخبرت أيوب فقال: ويلك ذاك عدو الله إنما مثلك المرأة الزانية إذا جاءها صديقها بشئ قبلته وأدخلته. وإن لم يأتها بشئ طردته وأغلقت بابها عنه. لما أعطانا الله تعالى المال والولد آمنا به وإذا قبض الذى له منا نكفر به. إن أقامنى الله تعالى من مرضى لأجلدنك مائة. فأفتاه الله بما أخبر به: أن يأخذ ضغثا وهو الحزمة من الشئ مثل الشماريخ الرطبة والعيدان ونحوها مما هو قائم على ساق فيضربها ضربة واحدة. وهذا تعليم منه سبحانه لعباده التخلص من الآثام والمخرج من الحرج بأيسر شئ وهذا أصلنا فى باب الحيل فإنا قسنا على هذا وجعلناه أصلا. قالوا: وقد أرشد النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلى التخلص من صريح الربا بأن يبيع التمر بدراهم ثم يشترى بتلك الدراهم تمرا. وروى أبو سعيد الخدرى رضى الله تعالى عنه قال: quot;جاء بلال إلى النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بتمر برنى فقال له النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: من أين هذا قال: كان عندنا تمر رديء فبعت منه صاعين بصاع لنطعم النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. فقال له النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عند ذلك: أوه عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشترى فبع التمر بالدراهم ثم اشتر بهquot; متفق عليه. وفى لفظ آخر: quot;بع الجمع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيباquot;. والجمع والجنيب نوعان من التمر.(1\/380)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "384",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1656",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفى لفظ لمسلم: quot;بعه بسلعة ثم ابتع بسلعتك أى التمر شئتquot;. فقد أمره أن يبيع التمر بالدراهم أو السلعة ثم يبتاع بها تمرا. وهذا ضرب من الحيلة. ولم يفرق بين بيعه ممن يشترى منه التمر أو من غيره. وقد جاء قوله تعالى: إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم [البقرة: 282] . وهذا إرشاد إلى حيلة العينة وما يشبهها. فإن السلعة تدور بين المتعاقدين للتخلص من الربا. قالوا: وقد دلت السنة على أنه يجوز للإنسان أن يتخلص من القول الذى يأثم به أو يخاف بالمعاريض وهى حيلة فى الأقوال كما أن تلك حيلة فى الأعمال. فروى قيس بن الربيع عن سليمان التيمى عن أبى عثمان النهدى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: إن فى معاريض الكلام ما يغنى الرجل عن الكذب. وقال الحكم عن مجاهد عن ابن عباس رضى الله عنهما: ما يسرنى بمعاريض الكلام حمر النعم. وقال الزهرى عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة ابن أبى معيط وكانت من المهاجرات الأول: quot;لم أسمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يرخص فى شئ مما يقول الناس إنه كذب إلا فى ثلاث: الرجل يصلح بين الناس والرجل يكذب لامرأته والكذب فى الحربquot;. ومعنى الكذب فى ذلك هو المعاريض لا صريح الكذب. وقال منصور: كان لهم كلام يدرءون به عن أنفسهم العقوبة والبلايا وقد لقى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم طليعة للمشركين وهو فى نفر من أصحابه فقال المشركون: quot;ممن أنتم فقال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: نحن من ماء. فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: أحياء اليمن كثير لعلهم منهم وانصرفواquot;. وأراد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بقوله quot;نحن من ماءquot; قوله تعالى: خلق من ماء دافق [الطارق: 6] . ولما وطئ عبد الله بن رواحة جاريته أبصرته امرأته فأخذت السكين وجاءته فوجدته قد قضى حاجته. فقالت: لو رأيتك حيث كنت لوجأت بها فى عنقك. فقال ما فعلت فقالت: إن كنت صادقا فاقرأ القرآن. فقال:(1\/381)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "385",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1657",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمين وتحمله ملائكة شداد ... ملائكة الإله مسومينا فقالت: آمنت بكتاب الله وكذبت بصرى. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فضحك حتى بدت نواجذه. قال ابن عبد البر: ثبت ذلك عن عبد الله بن رواحة. ويذكر عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: عجبت لمن يعرف المعاريض كيف يكذب. ودعى أبو هريرة رضى الله عنه إلى طعام فقال: quot;إنى صائم ثم رأوه يأكل. فقالوا: ألم تقل: إنى صائم. فقال: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: quot;صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهرquot;. وكان محمد بن سيرين إذا اقتضاه غريم ولا شئ معه قال: أعطيك فى أحد اليومين إن شاء الله تعالى. فيظن أنه أراد يومه والذى يليه وإنما أراد يومى الدنيا والآخرة. وذكر الأعمش عن إبراهيم أنه قال له رجل: إن فلانا أمرنى أن آتى مكان كذا وكذا وأنا لا أقدر على ذلك المكان فكيف الحيلة فقال له: قل والله ما أبصر إلا ما سددنى غيرى يعنى إلا ما أبصرك ربك. وقال حماد عن إبراهيم فى رجل أخذه رجل فقال: إن لى معك حقا. فقال: لا. فقال: احلف بالمشى إلى بيت الله فقال احلف بالمشى إلى بيت الله واعن مسجد حيك. وذكر هشام بن حسان عن ابن سيرين أن رجلا كان يصيب بالعين فرأى بغلة شريح فأراد أن يعينها ففطن له شريح. فقال: إنها إذا ربضت لم تقم حتى تقام. فقال الرجل: أف أف. وسلمت بغلته. وإنما أراد: أن الله سبحانه وتعالى هو الذى يقيمها. وقال الأعمش عن إبراهيم: إنه سئل عن الرجل يبلغه عن الرجل الشيء يقوله فيه: فيسأله عنه فقال: قل: والله إن الله ليعلم ما من ذلك من شيئ يعنى بquot;ماquot;: الذى.(1\/382)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "386",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1658",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال عقبة بن المعيرة: كنا نأتى إبراهيم وهو خائف من الحجاج فكنا إذا خرجنا من عنده يقول: إن سئلتم عنى وحلفتم فاحلفوا بالله ما تدرون أين أنا. ولا لنا به علم ولا فى أى موضع هو. واعنوا أنكم لا تدرون أى موضع أنا فيه قائم أو قاعد وقد صدقتم. وجاءه رجل فقال: إنى اعترضت على دابة فنفقت فأخذت غيرها ويريدون أن يحلفونى أنها الدابة التى اعترضت عليها فقال: اركبها واعترض عليها على بطنك راكنا. ثم احلف أنها الدابة التى اعترضت عليها. وقال أبو عوانة عن أبى مسكين: كنت عند إبراهيم وامرأته تعاتبه فى جارية له وبيده مروحة فقال: أشهدكم أنها لها فلما خرجنا قال: علام شهدتم قلنا: شهدنا أنك جعلت الجارية لها. قال: أما رأيتمونى أشير إلى المروحة إنما قلت لكم: اشهدوا أنها لها وأنا أعنى المروحة. وقال محمد بن الحسن عن عمر بن ذر عن الشعبى: من حلف على يمين لا يستثنى فالبر والإثم فيها على علمه. قلت: ما تقول فى الحيل قال: لا بأس بالحيل فيما يحل ويجوز وإنما الحيل شئ يتخلص به الرجل من الحرام ويخرج به إلى الحلال. فما كان من هذا ونحوه فلا بأس به وإنما نكره من ذلك أن يحتال الرجل فى حق لرجل حتى يبطله أو يحتال فى باطل حتى يموهه أو يحتال فى شئ حتى يدخل فيه شبهة وأما ما كان على السبيل الذى قلنا فلا بأس بذلك. وكان حماد رحمه الله إذا جاءه من لا يريد الاجتماع به وضع يده على ضرسه ثم قال: ضرسى ضرسى. ووجه الرشيد إلى شريك رجلا ليحضره فسأله شريك أن ينصرف ويدافع بحضوره ففعل. فحبسه الرشيد ثم أرسل إليه رسولا آخر فأحضره وسأله عن تخلفه لما جاءه رسوله. فحلف له بالأيمان المغلظة أنه ما رأى الرسول فى اليوم الذى أرسله فيه وعنى بذلك الرسول الثانى فصدقه وأمر بإطلاق الرجل. وأحضر الثورى إلى مجلس المهدى فأراد أن يقوم فمنع فحلف بالله أنه يعود فترك نعله وخرج ثم رجع فلبسها ولم يعد فقال المهدى: ألم يحلف أنه يعود فقالوا:(1\/383)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "387",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1659",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنه عاد فأخذ نعله. قالوا: وليس مذهب من مذاهب الأئمة المتبوعين إلا وقد تضمن كثيرا من مسائل الحيل. فأبعد الناس عن القول بها مالك وأحمد وقد سئل أحمد عن المروزى وهو عنده ولم يرد أن يخرج إلى السائل فوضع أحمد إصبعه فى كفه وقال: ليس المروزى هاهنا. وماذا يصنع المروزى هاهنا. وقد سئل أحمد عن رجل حلف بالطلاق ليطأن امرأته فى نهار رمضان فقال يسافر بها ويطؤها فى السفر. وقال صاحب المستوعب: وجدت بخط شيخنا أبى حكيم: حكى أن رجلا سأل أحمد عن رجل حلف أن لا يفطر فى رمضان فقال له: اذهب إلى بشر ابن الوليد فاسأله ثم ائتنى فأخبرنى فذهب فسأله فقال له بشر: إذا أفطر أهلك فاقعد معهم ولا تفطر فإذا كان وقت السحر فكل واحتج بقول النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;هلم إلى الغداء المباركquot; فاستحسنه أحمد. قالوا: وقد علم الله سبحانه نبيه يوسف عليه السلام الحيلة التى توصل بها إلى أخذ أخيه بإظهار أنه سارق ووضع الصواع فى رحله ولم يكن كذلك حقيقة. لكن أظهر ذلك توصلا إلى أخذ أخيه وجعله عنده. وأجزه الله سبحانه أن ذلك كيد كاده سبحانه ليوسف ليأخذ أخاه ثم أخبر سبحانه وتعالى أن ذلك من العلم الذى رفع به درجات من يشاء وأن الناس متفاوتون فيه. فوق كل ذى علم عليم. فصل قال منكرو الحيل: الحيل ثلاثة أنواع: نوع هو قربة وطاعة وهو من أفضل الأعمال عند الله تعالى. ونوع هو جائز مباح لا حرج على فاعله ولا على تاركه تركه وترجح فعله على تركه أو عكس ذلك تابع لمصلحته.(1\/384)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "388",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1660",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونوع هو محرم ومخادعة لله تعالى ورسوله متضمن لإسقاط ما أوجبه وإبطال ما شرعه وتحليل ما حرمه. وإنكار السلف والأئمة وأهل الحديث إنما هو لهذا النوع. فإن الحيلة لا تذم مطلقا ولا تحمد مطلقا ولفظها لا يشعر بمدح ولا ذم وإن غلب فى العرف إطلاقها على ما يكون من الطرق الخفية إلى حصول الغرض بحيث لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة. وأخص من هذا: تخصيصها بما يذم من ذلك وهذا هو الغالب على عرف الفقهاء المنكرين للحيل فإن أهل العرف لهم تصرف فى تخصيص الألفاظ العامة ببعض موضوعاتها وتقييد مطلقها ببعض أنواعه. فإن الحيلة فعلة من الحول وهو التصرف من حال إلى حال وهى من ذوات الواو وأصلها quot;حولةquot; فسكنت الواو وانكسر ما قبلها فقلبت ياء كميزان وميقات وميعاد. قال فى المحكم: الحول والحيل والحول والحولة والحيلة والحويل والمحالة والمحال والاحتيال والتحول والتحيل: كل ذلك: الحذق وجودة النظر والقدرة على وجه التصرف. قال: والحول والحيل والحيلات: جمع حيلة ورجل حول وحولة وحول وحولة وحوالى وحولول وحولى: شديد الاحتيال. وما أحوله وأحيله وهو أحول منك وأحيل انتهى. فالحيلة: فعلة من الحول وهو التحول من حال إلى حال وكل من حاول أمرا يريد فعله أو الخلاص منه فما يحاوله به حيلة يتوصل بها إليه. فالحيلة: معتبرة بالأمر المحتال بها عليه إطلاقا ومنعا ومصلحة ومفسدة وطاعة ومعصية. فإن كان المقصود أمرا حسنا كانت الحيلة حسنة. وإن كان قبيحا كانت الحيلة قبيحة. وإن كان طاعة وقربة كانت الحيلة عليه كذلك. وإن كانت معصية وفسوقا كانت الحيلة عليه كذلك. ولما قال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله تعالى بأدنى الحيلquot;. صارت فى عرف الفقهاء إذا أطلقت: يقصد بها الحيل التى تستحل بها المحارم كحيل اليهود. وكل حيلة تتضمن إسقاط حق لله تعالى أو لآدمى فهى مما يستحل بها المحارم.(1\/385)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "389",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1661",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونظير ذلك: لفظ الخداع فإنه ينقسم إلى محمود ومذموم فإن كان بحق فهو محمود وإن كان بباطل فهو مذموم. ومن النوع المحمود: قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم quot;الحرب خدعةquot; وقوله فى الحديث الذى رواه الترمذى وغيره: quot;كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا ثلاث خصال: رجل كذب على امرأته ليرضيها ورجل كذب بين اثنين ليصلج بينهما ورجل كذب فى خدعة حرب. ومن النوع المذموم قوله فى حديث عياض بن جمار الذى رواه مسلم فى صحيحه: quot;أهل النار خمسة ذكر منهم رجلا لا يصبح ولا يمسى إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالكquot;. وقوله تعالى: يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون [البقرة: 9] وقوله تعالى: وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله [الأنفال: 62] . ومن النوع المحمود: خدع كعب بن الأشراف وأبى رافع عدوى رسول الله(1\/386)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "390",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1662",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلى الله تعالى عليه وآله وسلم حتى قتلا وقتل خالد بن سفيان الهذلى. ومن أحسن ذلك: خديعة معبد بن أبى معبد الخزاعى لأبى سفيان وعسكر المشركين حين هموا بالرجوع ليستأصلوا المسلمين وردهم من فورهم. ومن ذلك: خديعة نعيم بن مسعود الأشجعى ليهود بنى قريظة ولكفار قريش والأحزاب(1\/387)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "391",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1663",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حتى ألقى الخلف بينهم وكان سبب تفرقهم ورجوعهم. ونظائر ذلك كثيرة. وكذلك المكر ينقسم إلى محمود ومذموم. فإن حقيقته إظهار أمر وإخفاء خلافه ليتوصل به إلى مراده. فمن المحمود: مكره تعالى بأهل المكر مقابلة لهم بفعلهم وجزاء لهم بجنس عملهم. قال تعالى: ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين [الأنفال: 30] وقال تعالى ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون [النمل: 50] . وكذلك الكيد ينقسم إلى نوعين. قال تعالى: وأملى لهم إن كيدى متين [الأعراف: 183] وقال تعالى: كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك إلا أن يشاء الله [يوسف: 76] وقال تعالى إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا [الطارق: 15-16] . فصل إذا عرف ذلك فلا إشكال أنه يجوز للإنسان أن يظهر قولا أو فعلا مقصوده به مقصود صالح وإن كان ظاهره خلاف ما قصد به إذا كانت فيه مصلحة دينية مثل دفع الظلم عن نفسه أو غيره أو إبطال حيلة محرمة. وإنما المحرم: أن يقصد بالعقود الشرعية غير ما شرعها الله تعالى ورسوله له. فيصير مخادعا لله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كائدا لدينه ماكرا بشرعه فإن مقصوده حصول الشئ الذى حرمه الله تعالى ورسوله بتلك الحيلة وإسقاط الذى أوجبه بتلك الحيلة.(1\/388)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "392",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1664",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا ضد الذى قبله. فإن ذلك مقصوده التوصل إلى إظهار دين الله تعالى. ودفع معصيته وإبطال الظلم وإزالة المنكر. فهذا لون وذاك لون آخر. ومثال ذلك: التأويل فى اليمين فإنه نوعان: نوع لا ينفعه ولا يخلصه من الإثم وذلك إذا كان الحق عليه فجحده ثم حلف على إنكاره متأولا فإن تأويله لا يسقط عنه إثم اليمين الغموس والنية للمستحلف فى ذلك باتفاق المسلمين بل لو تأول من غير حاجة لم ينفعه ذلك عند الأكثرين. وأما المظلوم المحتاج فإنه ينفعه تأويله ويخلصه من الإثم وتكون اليمين على نيته. فإذا استحلفه ظالم بأيمان البيعة أو أيمان المسلمين فتأول الأيمان بجمع يمين وهى اليد أو حلفه بأن كل امرأة له طالق فتأول أنها طالق من وثاق أو طالق عند الولادة أو طالق من غيرى ونحو ذلك. أو استحلفه بأن كل مملوك له حر أو عتيق فتأول أنه عتيق أو كريم من قولهم: فرس عتيق. أو استحلفه بأن تكون امرأته عليه كظهر أمه فتأول ظهر أمه بمركوبها فإن ضيق عليه وألزمه أن يقول: إنه مظاهر من امرأته تأول بأنه قد ظاهر بين ثوبين أو جبتين من عند امرأته. وإن استحلفه بالحرام تأول أن الحرام الذى حرمه الله تعالى عليه يلزمه تحريمه فإن ضيق عليه بأن يلزمه أن يقول: الحرام يلزمنى من زوجتى أو أن تكون على حراما قيد ذلك بنية: إذا أحرمت أو صامت أو قامت إلى الصلاة ونحو ذلك. وإن استحلفه بأن كل ماله أو كل ما يملكه صدقة تأول بأنه صدقة من الله سبحانه وتعالى عليه. وإن قال له: قل: وإن جميع ما أملكه: من دار وعقار وضيعة وقف على المساكين تأول الفعل المضارع بما يملكه فى المستقبل بعد كذا وكذا سنة. فإن ضيق عليه وقال قل: جميع ما هو جار فى ملكى الآن نوى إضافة الملك إلى(1\/389)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "393",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1665",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الآن لا إلى نفسه والآن لا يملك شيئا فإن قال: مما هو فى ملكى فى هذا الوقت يكون وقفا أخرج معنى لفظ الوقف عن المعهود إلى معنى آخر والعرب تسمى سوار العاج وقفا. وإن استحلفه بالمشى إلى بيت الله نوى مسجدا من مساجد المسلمين. فإن قال قل: على الحج إلى بيت الله نوى بالحج القصد إلى المسجد. فإن قال: إلى البيت العتيق نوى المسجد القديم فإن قال: البيت الحرام نوى الحرام هدمه واتخاذه دار أو حماما ونحو ذلك. وإن استحلفه بالأمانة نوى بها الوديعة أو اللقطة ونحو ذلك. وإن استحلفه بصوم سنة نوى بالصوم الإمساك عن كلام يمكنه الإمساك عنه سنة أو دائما. هذا كله فى المحلوف به. وأما المحلوف عليه فيجرى هذا المجرى. فإذا استحلفه: ما رأيت فلانا نوى ما ضربت رئته. أو ما كلمته نوى ما جرحته. أو ما عاشرته ولا خالطته نوى بالمعاشرة والمخالطة معاشرة الزوجة والسرية. أو ما بايعته ولا شاريته نوى بذلك ما بايعته بيعة اليمين ولا شاريته من المشاراة وهى اللجاج أو الغضب تقول: شرى على مثال علم إذا لج أو استشاط غضبا. وإن استحلفه لص أنه لا يدل عليه ولا يعلم به ولا يخبر به أحدا نوى أنه لا يفعل ذلك مادام معه. وإن ضيق عليه وقال: ما عاش أو ما بقى أو مادام فى هذه البلدة نوى قطع الظرف عما قبله وأن لا يكون متعلقا به أو نوى بما: الذى أى لا أدل عليك الذى عاش أو بقى بعد أخذك. وإن استحلفه أن لا يطأ زوجته نوى وطأها برجله. وإن استحلفه أن لا يتزوج فلانة نوى أن لا يتزوجها نكاحا فاسدا. وكذلك إذا استحلفه أن لا يبيع كذا أو لا يشتريه أو لا يؤجره ونحو ذلك. وكذلك إذا استحلفه أن لا يدخل هذه الدار أو البلد أو المحلة قيد الدخول بنوع معين بالنية.(1\/390)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "394",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1666",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك لو استحلفه: أنك لا تعلم أين فلان نوى مكانه الخاص من داره أو بلده أو سوقه. ولو استحلفه: أنه ليس عنده فى داره نوى أنه ليس عنده إذا خرج من الدار. فإن ضيق عليه وقال: الآن نوى أنه ليس حاضرا معه الآن وقد بر وصدق. وإن استحلفه ليس لى به علم نوى أنه ليس لى علم بسره وما ينطوى عليه وما يضمره أو ليس لى علم به على جهة التفصيل فإن هذا لا يعلمه إلا الله سبحانه وحده. فصل وللمظلوم المستحلف مخرجان يتخلص بهما: مخرج بالتأويل حال الحلف. فإن فاته فله مخرج يتخلص به بعده إن أمكنه كما إذا استحلفه قطاع الطريق أو اللصوص أن لا يخبر بهم أحدا. فالحيلة فى ذلك أن يجمع الوالى المتهمين ثم يسأله عن واحد واحد فيبرئ البرئ ويسكت عن المتهم وهذا المخرج أضيق من الأول. فإذا استحلفه ظالم أن لا يشكو غريمه ولا يطالبه بحقه فحلف ولم يتأول أحال عليه بذلك الحق من يطالبه به ولم يحنث فى يمينه. وإذا استحلفه ظالم أن يبيعه شيئا فله أن يملكه زوجته أو ولده فإذا باعه بعد فلك كان قد بر فى يمينه ويمنع من تسليمه من ملكه إياه.(1\/391)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "395",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1667",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "المجلد الثاني",
        "content": "المجلد الثاني الثالث عشر (تابع) ... فصل وللحيل التى يتخلص بها من مكر غيره والغدر به أمثلة: المثال الأول: إن استأجر منه أرضا أو بستانا أو دارا سنين ثم لا يأمن من مكره إذا صلحت الأرض والبستان بنوع من أنواع المكر والغدر ولو لم يكن إلا بأن يدعى أن أجرة المثل فى هذه الحال أكثر مما سمى. فالحيلة فى أمنه من ذلك: أن يسمى لكل سنة أجرا معلوما ويجعل أجرة السنين المتأخرة معظم الأجرة وأقلها للسنين الأول فلا يسهل عليه المكر بعد ذلك. وعكسه إذا خاف المؤجر مكر المستأجر وغدره فى المستقبل جعل معظم الأجرة فى السنين الأول وأقلها فى الأواخر. المثال الثانى: أن يخاف المؤجر غيبة المستأجر فلا يتمكن من مطالبة امرأته بالأجرة ولا من إخراجها. فالحيلة فى أمنه من ذلك: أن يؤجرها رب الدار من المرأة. فإن دخل عليه تعذر مطالبتها بالأجرة ضمن الزوج الأجرة أو أخذ بها رهنا. فإن كان قد أجرها من الزوج وخاف غيبته أشهد على إقرار المرأة أن الدار له وأنها فى يدها بحكم إجارة الزوج إلى مدة كذا وكذا وإن كفل المرأة وقت العقد أنها ترد إليه الدار عند انقضاء المدة نفعه ذلك. المثال الثالث: أن يخاف المستأجر أن يزاد عليه فى الأجرة ويفسخ عقده إما بكون العين المؤجرة وقفا عند من يرى ذلك أو يتحيل عليه حتى يبطل عقده.(2\/3)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "396",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1668",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالحيلة فى أمنه وتخليصه: أن يسمى للأجرة أكثر مما اتفقا عليه ثم يصارفه عليه بقدر المسمى ويدفعه إليه ويشهد عليه أنه قبض المسمى الذى وقع عليه العقد. فإذا مكر به وطلب فسخ عقده طالبه بما قبضه من المسمى. هذا إذا تعذر عليه رفع تلك الإجارة إلى حاكم يحكم بلزومها وعدم فسخها للزيادة. المثال الرابع: أن يخاف أن يؤجره مالا يملك فيأبى المالك ويفسخ العقد ويرجع عليه بالأجرة. فالحيلة فى تخليصه: أن يضمن المؤجر درك العين المستأجرة وإن ضمن من يخاف منه الاستحقاق ومطالبته كان أقوى. المثال الخامس: أن يخاف فلس المستأجر ولم يجد من يضمنه الأجرة. فالحيلة فى فسخه: أن يشهد عليه فى العقد أنه متى تعذر عليه القيام بأجرة شهر أو سنة فله الفسخ. ويصح هذا الشرط ولو لم يشرط ذلك. فإنه يملك الفسخ عند تعذر قبض أجرة ذلك الشهر أو السنة ويكون حدوث الفلس عيبا فى الذمة يتمكن به من الفسخ. كما يكون حدوث العيب فى العين المستأجرة مسوغا للفسخ. وهذا ظاهر إذا سمى لكل شهر أو سنة قسطا معلوما. ولا يعين مقدار المدة بل يقول آجرتك كل سنة بكذا أو كل شهر بكذا تقوم لى بالأجرة فى أول الشهر أو السنة فإن أفلس قبل مضى شئ من المدة ملك المؤجر الفسخ. وإن أفلس بعد مضى شئ منها فهل يملك الفسخ على وجهين: أحدهما: لا يملكه. لأن مضى بعضها كتلف بعض المبيع وهو يمنع الرجوع. والثانى: يملكه. وهو قول القاضى. وهو الصحيح لأن المنافع إنما تملك شيئا فشيئا بخلاف الأعيان فإنها تملك فى آن واحد. فيتعذر تجدد العقد عند تجدد المنافع. المثال السادس: إذا خاف المستأجر أن تنهدم الدار فيعمرها فلا يحتسب له المؤجر بما أنفق فى ذلك. فالحيلة فى ذلك: أن يقول وقت العقد: وأذن المؤجر للمستأجر أن يعمر ما تحتاج(2\/4)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "397",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1669",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدار إلى عمارته من أجرتها ويقدر لذلك قدرا معلوما. فيقول مثلا: بمائة فما دونها أو يقول: من عشرة إلى مائة. فإن لم يفعل ذلك واحتاجت إلى عمارة لا يتم الانتفاع إلا بها أشهد على ذلك وعلى ما أنفق عليها وأنه غير متبرع به وحسب له من الأجرة. وكذلك إذا استأجر منه دابة واحتاجت إلى علف وخاف أن لا يحتسب له به المؤجر فعل مثل ذلك. فإن قال: أذنت لك أن تنفق على الدار أو الدابة ما تحتاج إليه فادعى قدرا وأنكره المؤجر. فالقول قول المؤجر. والحيلة فى قبول المستأجر: أن يسلف رب الدار ما يعلم أنها تحتاج إليه من العمارة ويشهد عليه بقبضه من الأجرة ثم يدفعها إليه ويوكله أن ينفق منه على الدار أو الدابة ما تحتاج إليه فالقول حينئذ قوله لأنه أمين. فإن خاف المؤجر أن يستهلك المستأجر المال الذى قبضه ويقول إنه تلف وهو أمانة فلا يلزمنى ضمانه فالحيلة فى أمنه من ذلك: أن يقرضه إياه ويجعله فى ذمته ثم يوكله أن ينفق على العين ما تحتاج إليه من ذلك. المثال السابع: إذا آجره دابة أو دارا مدة معلومة وخاف أن يحبسها عنه بعد انقضاء المدة. فطريق التخلص من ذلك: أن يقول: فإذا انقضت المدة فأجرتها بعدها لكل يوم دينار أو نحوه فلا يسهل عليه حبسها بعد انقضاء المدة. المثال الثامن: إذا كان له عليه دين فقال: اشتر له به كذا وكذا ففعل لم يبرأ من الدين بذلك لأنه لا يكون مبرئا لنفسه من دين الغير بفعله. وطريق التخلص: أن يشهد على إقرار رب الدين أن من عليه الدين برئ منه بعد شرائه لمستحقه كذا وكذا والقياس أنه يبرأ بالشراء وإن لم يفعل ذلك لأنه بتوكيله له قد أقامه مقام نفسه فكما قام مقامه فى التصرف قام مقامه فى الإبراء. فهو لم يبرأ بفعل نفسه لنفسه وإنما برئ بفعله لموكله القائم مقام فعل الموكل. المثال التاسع: إذا أراد أن يستأجر إلى مكان بأجرة معلومة. فإن لم يبلغه وأقام دونه فالأجرة كذا وكذا فقالوا: لا يصح العقد. لأنا لا نعلم على أى المسافتين وقع العقد.(2\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "398",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1670",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: والحيلة فى تصحيحه: أن يسمى للمكان الأقرب أجرة ثم يسمى منه إلى المكان الأبعد أجرة أخرى. فيقول مثلا: آجرتك إلى الرملة بمائة ومن الرملة إلى مصر بمائة. لكن لا يأمن المستأجر مطالبة المؤجر له بالأجرة إلى المكان الأقصى ويكون قد أقام فى المكان الأقرب. فالحيلة فى تخلصه: أن يشترط عليه الخيار فى العقد الثانى. إن شاء أمضاه وإن شاء فسخه. ويصح اشتراط الخيار فى عقد الإجارة إذا كانت على مدة لا تلى العقد. والقياس يقتضى صحة الإجارة على أنه إن وصل إلى مكان كذا وكذا فالأجرة مائة. وإن وصل إلى مكان كذا وكذا فالأجرة مائتان. ولا غرر فى ذلك ولا جهالة. وكذا إذا قال: إن خطت هذا الثوب روميا. فلك درهم وإن خطته فارسيا فلك نصف درهم إنما يقع على وجه واحد. وكذلك قطع المسافة فإنه إما أن يقطع القريبة أو البعيدة فلا يشبه هذا قوله: بعتكه بعشرة نقدا أو بعشرين نسيئة. فإنه إذا أخذه لا يدرى بأى الثمنين أخذ. فيقع التنازع ولا سبيل لنا إلى العلم بالمعين منهما. بخلاف عقد الإجارة فإن استيفاء المعقود عليه لا يقع إلا معينا فيجب أجرة عمله. المثال العاشر: إذا زرع أرضه. ثم أراد أن يؤجرها والزرع قائم لم يجز لتعذر انتفاع المستأجر بالأرض. طريق تصحيحها: أن يبيعه الزرع ثم يؤجره الأرض فإن أحب بقاء الزرع على ملكه قدر لكماله مدة معينة. ثم أجره الأرض بعد تلك المدة إجارة مضافة. فإن خاف أن يفسخ عليه العقد حاكم يرى بطلان هذه الإجارة فالحيلة: أن يبيعه الزرع ثم يؤجره الأرض فإذا تم العقد اشترى منه الزرع فعاد الزرع إلى ملكه وصحت الإجارة. المثال الحادى عشر: إذا أراد أن يؤجر الأرض على أن خراجها على المستأجر. لم يصح(2\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "399",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1671",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأن الخراج تابع لرقبة الأرض فهو على مالكها لا على المنتفع بها: من مستأجر أو مستعير. وطريق الجواز: أن يؤجره إياها بأجرة زائدة على أجر مثلها بقدر خراجها ثم يشهد عليه أنه قد أذن للمستأجر أن يدفع من أجرة الأرض فى الخراج كل سنة كذا وكذا. وكذلك لو استأجر دابة على أن يكون علفها على المستأجر لم يصح. وطريق الحيلة: أن يستأجرها بشيء مسمى ثم يقدر له ما تحتاج إليه الدابة ويوكله فى إنفاقه عليها. والقياس يقتضى صحة العقد بدون ذلك فإنا نصحح استئجار الأجير بطعامه وكسوته كما أجر موسى عليه السلام نفسه بعفة فرجه وشبع بطنه. فكذلك يجوز إجارة الدابة بعلفها وكما يجوز أن يكون علفها جميع الأجرة يجوز أن يكون بعض الأجرة والبعض الآخر شيئا مسمى. المثال الثانى عشر: لا تجوز إجارة الأشجار لأن المقصود منها الفواكه. وذلك بمنزلة بيعها قبل بدوها. قالوا: والحيلة فى جوازه: أن يؤجره الأرض ويساقيه على الشجر بجزء معلوم. قال شيخ الإسلام: وهذا لا يحتاج إليه بل الصواب جواز إجارة الشجر. كما فعل عمر بن الخطاب رضى الله عنه بحديقة أسيد بن حضير. فإنه أجرها سنين وقضى بها دينه. قال: وإجارة الأرض لأجل ثمنها بمنزلة إجارة الأرض لمغلها. فإن المستأجر يقوم على الشجر بالسقى والإصلاح والذيار فى الكرم حتى تحصل الثمرة. كما يقوم على الأرض بالحرث والسقى والبذر حتى يحصل المغل. فثمرة الشجر تجرى مجرى مغل الأرض.(2\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "400",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1672",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: الفرق بين المسألتين: أن المغل من البذر. وهو ملك المستأجر والمعقود عليه الانتفاع بإيداعه فى الأرض. وسقيه والقيام عليه. بخلاف استئجار الشجر فإن الثمرة من الشجرة وهى ملك المؤجر. والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا لا تأثير له فى صحة العقد وبطلانه. وإنما هو فرق عديم التأثير. الثانى: أن هذا يبطل باستئجار الأرض لكلئها وعشبها الذى ينبته الله سبحانه وتعالى بدون بذر من المستأجر فهو نظير ثمرة الشجر. الثالث: أن الثمرة إنما حصلت بالسقى والخدمة والقيام على الشجرة فهى متولدة من عمل المستأجر ومن الشجرة. فللمستأجر سعى وعمل فى حصولها. الرابع: أن تولد الزرع ليس من البذر وحده. بل من البذر: والتراب والماء والهواء. فحصول الزرع من التراب الذى هو ملك المؤجر كحصول الثمرة من الشجرة. والبذر فى الأرض قائم مقام السقى للشجرة. فهذا أودع فى أرض المؤجر عينا جامدة. وهذا أودع فى شجرة عينا مائعة ثم حصلت الثمرة من أصل هذا وماء المستأجر وعمله كما حصل العمل من أرض هذا وبذر المستأجر وعمله. وهذا من أصح قياس على وجه الأرض. وبه يتبين أن الصحابة أفقه الأمة وأعلمهم بالمعانى المؤثرة فى الأحكام ولم ينكر أحد من الصحابة على عمر رضى الله عنه فهو إجماع منهم. ثم إن هذه الحيلة التى ذكرها هؤلاء تتعذر غالبا إذا كان البستان ليتيم أو وقفا فإن المؤجر ليس له أن يحابى فى المساقاة حينئذ ولا يخلص من ذلك محاباة المستحق فى إجارة الأرض فإنه إذا أربحه فى عقد لم يجز له أن يخسره فى عقد آخر ولا يخلص من ذلك اشتراط عقد فى عقد بأن يقول: إنما أساقيك على جزء من ألف جزء بشرط أن أؤجرك الأرض بكذا وكذا فإن هذا لا يصح. فعلى ما فعله الصحابة - وهو مقتضى القياس الصحيح - لا يحتاج إلى هذه الحيلة وبالله التوفيق. المثال الثالث عشر: إذا اشترى دارا أو أرضا وخاف أن تخرج وقفا أو مستحقة فتؤخذ منه هى وأجرتها فالحيلة: أن يضمن البائع أو غيره درك المبيع وأنه ضامن لما(2\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "401",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1673",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غرمه المشترى من ذلك ويصح ضمان الدرك حتى عند من يبطل ضمان المجهول وضمان ما لم يجب للحاجة إلى ذلك فإن ضمن من يخاف استحقاقه: كان أقوى فإن خاف أن يظهر الاستحقاق على وارثه بعد موته ضمن الدرك ورثة البائع أو ورثة من يخاف استحقاقه إن أمكنه. فإن كان على ثقة أنه متى استحق عليه المبيع رجع بثمنه ولكن يغرم قيمة المنفعة وهى أجرة المثل لمدة استيلائه على العين وهذا قول ضعيف جدا. فإن المشترى إنما دخل على أن يستوفى المنفعة بلا عوض والعوض الذى بذله فى مقابلة العين لا للانتفاع فإلزامه بالأجرة إلزام ما لم يلتزمه وكذلك نقول فى المستعير إذا استحقت العين لم يلزمه عوض المنفعة لأنه إنما دخل على أن ينتفع مجانا بلا عوض بخلاف المستأجر فإنه التزم الانتفاع بالعوض ولكن لا يلزمه إلا المسمى الذى دخل عليه. وكذلك الأمة المشتراة إذا وطئها ثم استحقت لم يلزمه المهر لأنه دخل على أن يطأها مجانا بخلاف الزوج فإنه دخل على أن الوطء فى مقابلة المهر ولكن لا يلزمه إذا استحقت إلا المسمى وعلى هذا فليس للمستحق أن يطالب المغرور لأنه معذور غير ملتزم للضمان وهو محسن غير ظالم فما عليه من سبيل وهذا هو الصواب. فإن طالبه على القول الآخر رجع على من غره بما لم يلتزم ضمانه خاصة ولا يرجع عليه بما التزم غرامته. فإذا غرم المودع أو المتهب قيمة العين والمنفعة رجع على الغار بهما وإذا غرم المستأجر ذلك رجع بقيمة العين دون قيمة المنفعة إلا أنه يرجع بالزائد على المسمى حيث لم يلتزم ضمانه وإذا ضمن وهو مشتر أو مستعير قيمة العين والمنفعة رجع بقيمة المنفعة دون قيمة العين لكنه يرجع بما زاد على الثمن المسمى. والمقصود: أن هذا المشترى متى خاف أن يطالب بقيمة المنفعة إذا استحق عليه المبيع. فالحيلة فى تخلصه من ذلك: أن يستأجر منه الدار أو الأرض سنين معلومة بأجرة مسماة ثم يشتريها منه بعد ذلك ويشهد عليه أنه أقبضه الأجرة فمتى استحقت العين وطولب بعوض المنفعة طالب هو المؤجر بما قبضه من الأجرة لما ظهرت الإجارة باطلة. المثال الرابع عشر: إذا وكله أن يزوجه امرأة معينة أو يشترى له جارية معينة ثم خاف الموكل أن تعجب وكيله فيتزوجها أو يشتريها لنفسه. فطريق التخلص من ذلك فى(2\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "402",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1674",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجارية: أن يقول له: ومتى اشتريتها لنفسك فهى حرة. ويصح هذا التعليق والعتق وأما الزوجة: فمن صحيح هذا التعليق فيها كمالك وأبى حنيفة نفعه. وأما على قول الشافعى وأحمد فإنه لا ينفعه. فطريق التخلص: أن يشهد عليه أنها لا تحل له وأن بينهما سببا يقتضى تحريمها عليه وأنه متى نكحها كان نكاحه باطلا. فإن أراد الوكيل أن يتزوجها أو يشتريها لنفسه ولا يأثم فيما بينه وبين الله تعالى فالحيلة: أن يعزل نفسه عن الوكالة ثم يعقد عليها لنفسه ولو عقد عليها لنفسه كان ذلك عزلا لنفسه عن الوكالة. فإن خاف أن لا يتم له ذلك بأن يرفعه إلى حاكم حنفى يرى أنه لا يملك الوكيل عزل نفسه فى غيبة الموكل فأراد التخلص من ذلك. فالطريق فى ذلك: أن يشتريها لنفسه بغير جنس ما أذن له فيه فإنه إذا اشترها لنفسه بجنس ما أذن له فيه تضمن ذلك عزل نفسه فى غيبة موكله وهو ممتنع. فإذا اشتراها بغير الجنس حصل الشراء له ولم يكن ذلك عزلا. المثال الخامس عشر: إذا وكله فى بيع جارية ووكله آخر فى شرائها. فإن قلنا: الوكيل يتولى طرفى العقد. جاز أن يكون بائعا مشتريا لهما. وإن منعنا ذلك فالطريق: أن يبيعها لمن يستوثق منه أن يشتريها منه ثم يشتريها لموكله. فإن خاف أن لا يفى له المشترى الذى توثق منه فالحيلة أن يبيعه إياها بشرط الخيار. فإن وفى له بالبيع وإلا كان متمكنا من الفسخ. المثال السادس عشر: لا يملك خلع ابنته بصداقها. فإن ظهرت المصلحة فى ذلك لها. فالطريق: أن يتملكه عليها ثم يخلعها من زوجها به فيكون قد اختلعها بماله. والصحيح: أنه لا يحتاج إلى ذلك بل إذا ظهرت المصلحة فى افتدائها من الزوج بصداقها جاز بذلك. وكان بمنزلة افتدائها من الأسر بمالها وربما كان هذا خيرا لها. المثال السابع عشر: إذا وكله أن يشترى له متاعا فاشتراه ثم أراد أن يبعث به إليه. فخاف أن يهلك فيضمنه الوكيل. فطريق التخلص من ذلك: أن يستأذن الوكيل أن يعمل فى ذلك برأيه ويفوض إليه ذلك. فإذا أذن له فبعث به فتلف لم يضمنه.(2\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "403",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1675",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المثال الثامن عشر: إذا أراد أن يسلم وعنده خمر أو خنازير وأراد أن لا يتلف عليه فالحيلة: أن يبيعها لكافر قبل الإسلام. ثم يسلم ويكون له المطالبة بالثمن سواء أسلم المشترى أو بقى على كفره. نص على هذا أحمد فى مجوسى باع مجوسيا خمرا ثم أسلما يأخذ الثمن الذى قد وجب له يوم باعه. المثال التاسع عشر: إذا كان له عصير فخاف أن يتخمر فلا يجوز له بعد ذلك أن يتخذه خلا. فالحيلة: أن يلقى فيه أولا ما يمنع تخمره فإن لم يفعل حتى تخمر وجب عليه إراقته. ولم يجز له حبسه حتى يتخلل فإن فعل لم يطهر لأن حبسه معصية وعوده خلا نعمة فلا تستباح بالمعصية. المثال العشرون: إذا كان له على رجل دين مؤجل وأراد رب الدين السفر وخاف أن يتوى ماله أو احتاج إليه ولا يمكنه المطالبة قبل الحلول. فأراد أن يضع عن الغريم البعض ويعجل له باقيه. فقد اختلف السلف والخلف فى هذه المسألة. فأجازها ابن عباس وحرمها ابن عمر. وعن أحمد فيها روايتان. أشهرهما عنه: المنع وهى اختيار جمهور أصحابه والثانية: الجواز حكاها ابن موسى. وهى اختيار شيخنا. وحكى ابن عبد البر فى الاستذكار ذلك عن الشافعى قولا. وأصحابه لا يكادون يعرفون هذا القول ولا يحكونه وأظن أن هذا - إن صح عن الشافعى- فإنما هو فيما إذا جرى ذلك بغير شرط بل لو عجل له بعض دينه وذلك جائز فأبرأه من الباقى حتى لو كان قد شرط ذلك قبل الوضع والتعجيل ثم فعلاه بناء على الشرط المتقدم صح عنده. لأن الشرط المؤثر فى مذهبه: هو الشرط المقارن لا السابق وقد صرح بذلك بعض أصحابه. والباقون قالوا: لو فعل ذلك من غير شرط جاز ومرادهم الشرط المقارن. وأما مالك فإنه لا يجوزه مع الشرط ولا بدونه سدا للذريعة. وأما أحمد فيجوزه فى دين الكتابة وفى غيره عنه روايتان. واحتج المانعون بالآثار والمعنى.(2\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "404",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1676",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أما الآثار: ففى سنن البيهقى عن المقداد بن الأسود قال: quot;أسلفت رجلا مائة دينار ثم خرج سهمى فى بعث بعثه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. فقلت له: عجل تسعين دينارا وأحط عشرة دنانير. فقال: نعم. فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: فقال: أكلت ربا مقداد وأطعمتهquot; وفى سنده ضعف. وصح عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه: quot;قد سئل عن الرجل يكون له الدين على رجل إلى أجل فيضع عنه صاحبه ويعجل له الآخر. فكره ذلك ابن عمر ونهى عنهquot;. وصح عن أبى المنهال أنه سأل ابن عمر رضى الله عنهما رضى الله عنهما. فقال: لرجل على دين فقال لى: عجل لى لأضع عنك قال: فنهانى عنه وقال: نهى أمير المؤمنين - يعنى عمر- أن يبيع العين بالدين. وقال أبو صالح مولى السفاح واسمه عبيد: بعت برا من أهل السوق إلى أجل ثم أردت الخروج إلى الكوفة فعرضوا على أن أضع عنهم وينقدونى فسألت عن ذلك زيد بن ثابت. فقال: لا آمرك أن تأكل هذا ولا تؤكله. رواه مالك فى الموطأ. وأما المعنى: فإنه إذا تعجل البعض وأسقط الباقى فقد باع الأجل بالقدر الذى أسقطه وذلك عين الربا كما لو باع الأجل بالقدر الذى يزيده إذا حل عليه الدين فقال: زدنى فى الدين وأزيدك فى المدة فأى فرق بين أن تقول: حط من الأجل وأحط من الدين أو تقول: زد فى الأجل وأزيد فى الدين قال زيد بن أسلم: كان ربا الجاهلية: أن يكون للرجل على الرجل الحق إلى أجل فإذا حل الحق قال له غريمه: أتقضى أم تربى فإن قضاه أخذه وإلا زاده فى حقه وأخر عنه فى الأجل. رواه مالك. وهذا الربا مجمع على تحريمه وبطلانه وتحريمه معلوم من دين الإسلام كما يعلم تحريم الزنى واللواطة والسرقة. قالوا: فنقص الأجل فى مقابلة نقص العوض كزيادته فى مقابلة زيادته فكما أن هذا ربا فكذلك الآخر.(2\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "405",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1677",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال المبيحون: صح عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه كان لا يرى بأسا أن يقول: quot;أعجل لك وتضع عنىquot; وهو الذى روى: quot;أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: لما أمر بإخراج بنى النضير من المدينة جاءه ناس منهم فقالوا: يا رسول الله إنك أمرت بإخراجهم ولهم على الناس ديون لم تحل فقال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ضعوا وتعجلواquot;. قال أبو عبد الله الحاكم: هو صحيح الإسناد. قلت: هو على شرط السنن وقد ضعفه البيهقى وإسناده ثقات: وإنما ضعف بمسلم بن خالد الزنجى وهو ثقة فقيه روى عنه الشافعى واحتج به. وقال البيهقى: باب من عجل له أدنى من حقه قبل محله فوضع عنه طيبة به أنفسهما. وكأن مراده أن هذا وقع بغير شرط بل هذا عجل وهذا وضع ولا محذور فى ذلك. قالوا: وهذا ضد الربا فإن ذلك يتضمن الزيادة فى الأجل والدين وذلك إضرار محض بالغريم ومسألتنا تتضمن براءة ذمة الغريم من الدين وانتفاع صاحبه بما يتعجله فكلاهما حصل له الانتفاع من غير ضرر بخلاف الربا المجمع عليه فإن ضرره لا حق بالمدين ونفعه مختص برب الدين فهذا ضد الربا صورة ومعنى. قالوا: ولأن مقابلة الأجل بالزيادة فى الربا ذريعة إلى أعظم الضرر وهو أن يصير الدرهم الواحد ألوفا مؤلفة فتشتغل الذمة بغير فائدة وفى الوضع والتعجيل تتخلص ذمة هذا من الدين وينتفع ذاك بالتعجيل له. قالوا: والشارع له تطلع إلى براءة الذمم من الديون وسمى الغريم المدين: أسيرا ففى براءة ذمته تخليص له من الأسر وهذا ضد شغلها بالزيادة مع الصبر وهذا لازم لمن قال: يجوز ذلك فى دين الكتابة. وهو قول أحمد وأبى حنيفة فإن المكاتب مع سيده كالأجنبى فى باب المعاملات ولهذا لا يجوز أن يبيعه درهما بدرهمين ولا يبايعه بالربا فإذا جاز له أن يتعجل بعض كتابته ويضع عنه باقيها لما له فى ذلك من مصلحة تعجيل العتق وبراءة ذمته من الدين لم يمنع ذلك فى غيره من الديون. ولو ذهب ذاهب إلى التفصيل فى المسألة وقال: لا يجوز فى دين القرض إذا قلنا بلزوم تأجيله ويجوز فى ثمن المبيع والأجرة وعوض الخلع والصداق لكان له وجه فإنه فى القرض يجب رد المثل فإذا عجل له وأسقط(2\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "406",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1678",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "باقيه خرج عن موجب العقد وكان قد أقرضه مائة فوفاه تسعين بلا منفعة حصلت للمقرض بل اختص المقترض بالمنفعة فهو كالمربى سواء فى اختصاصه بالمنفعة دون الآخر وأما فى البيع والإجارة فإنهما يملكان فسخ العقد وجعل العوض حالا أنقص مما كان وهذا هو حقيقة الوضع والتعجيل لكن تحيلا عليه والعبرة فى العقود بمقاصدها لا بصورها. فإن كان الوضع والتعجيل مفسدة فالاحتيال عليه لا يزيل مفسدته وإن لم يكن مفسدة لم يحتج إلى الاحتيال عليه. فتلخص فى المسألة أربعة مذاهب: المنع مطلقا بشرط وبدونه فى دين الكتابة وغيره كقول مالك. وجوازه فى دين الكتابة دون غيره كالمشهور من مذهب أحمد وأبى حنيفة. وجوازه فى الموضعين. كقول ابن عباس وأحمد فى الرواية الأخرى. وجوازه بلا شرط وامتناعه مع الشرط المقارن كقول أصحاب الشافعى والله أعلم. المثال الحادى والعشرون: إذا كان له عليه ألف درهم فصالحه منها على مائة درهم يؤديها إليه فى شهر كذا من سنة كذا فإن لم يفعل فعليه مائتان فقال القاضى أبو يعلى: هو جائز وقد أبطله قوم آخرون. والحيلة فى جوازه على مذهب الجميع: أن يعجل رب المال حط ثمانمائة بتا ثم يصالح عن المطلوب من المائتين الباقيتين على مائة يؤديها إليه فى شهر كذا على أنه إن أخرها عن هذا الوقت فلا صلح بينهما. المثال الثانى والعشرون: إذا كاتب عبده على ألف يؤديها إليه فى سنتين فإن لم يفعل فعليه ألف أخرى فهى كتابة فاسدة ذكره القاضى لأنه علق إيجاب المال بخطر ولا يجوز ذلك. والحيلة فى جوازه: أن يكاتبه على ألفى درهم ثم يصالحه منها على ألف درهم يؤديها إليه فى سنتين. فإن لم يفعل فلا صلح بينهما فيكون قد علق الفسخ بخطر فيجوز. وتكون كالمسألة التى قبلها. المثال الثالث والعشرون: إذا كان له عليه دين حال فصالحه على تأجيله أو تأجيل بعضه(2\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "407",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1679",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يلزمه التأجيل. فإن الحال لا يتأجل. والصحيح: أنه يتأجل كما يتأجل بدل القرض. وإن كان النزاع فى الصورتين. فمذهب أهل المدينة فى ذلك هو الراجح. وطريق الحيلة فى صحة التأجيل ولزومه: أن يشهد على إقرار صاحب الدين أنه لا يستحق المطالبة به قبل الأجل الذى اتفقا عليه وأنه متى طالب به قبله فقد طالب بما لا يستحق. فإذا فعل هذا من رجوعه فى التأجيل. المثال الرابع والعشرون: إذا اشترى من رجل دارا بألف فجاء الشفيع يطلب الشفعة فصالحه المشترى على نصف الدار بنصف الثمن جاز ذلك لأن الشفيع صالح على بعض حقه كما أنه صالح من ألف على خمسمائة. فإن صالحه على بيت من الدار بعينه بحصته من الثمن يقوم البيت ثم تخرج حصته من الثمن جاز أيضا لأن حصته معلومة فى أثناء الحال. فلا يضر كونها مجهولة حالة الصلح. كما إذا اشترى شقصا وسيفا: فللشفيع أن يأخذ الشقص بحصته من الثمن وإن كانت مجهولة حال العقد لأن مآلها إلى العلم. وقال القاضى وغيره من أصحابنا: لا يجوز لأنه صالحه على شئ مجهول. ثم قال: والحيلة فى تصحيح ذلك: أن يشترى الشفيع هذا البيت من المشترى بثمن مسمى ثم يسلم الشفيع للمشترى ما بقى من الدار وشراء الشفيع لهذا البيت تسليم للشفعة ومساومته بالبيت تسليم للشفعة. فإن أراد الشفيع شراء البيت المعين وبقاءه على شفعته فى الباقى. فالحيلة أن لا يبدأ بالمساومة بل يصبر حتى يبتدئ المشترى فيقول: هذا البيت أخذته بكذا وكذا فيقول الشفيع: قد استوجبته بما أخذته به ولا يكون مسلما للشفعة فى باقى الدار وليس فى هذه الحيلة إبطال حق غيره وإنما فيها التوصل إلى حقه. المثال الخامس والعشرون: يجوز تعليق الوكالة على الشرط. كما يجوز تعليق الولاية والإمارة على الشرط. وقد صح عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم تعليق الإمارة(2\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "408",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1680",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالشرط وهى وكالة وتفويض وتولية ولا محذور فى تعليق الوكالة بالشرط البتة. والحيلة فى تصحيحها: أن ينجز الوكالة ويعلق الإذن فى التصرف بالشرط وهذا فى الحقيقة تعليق لها نفسها بالشرط فإن مقصود الوكالة صحة التصرف ونفوذه والتوكل وسيلة وطريق إلى ذلك فإذا لم يمتنع تعليق المقصود بالشرط فالوسيلة أولى بالجواز. المثال السادس والعشرون: يجوز تعليق الإبراء بالشرط. ويصح وفعله الإمام أحمد وقال أصحابنا: لا يصح. قالوا: فإذا قال: إن مت فأنت فى حل مما لى عليك. فإن علق ذلك بموت نفسه صح لأنه وصية. وإن علقه بموت من عليه الدين لم يصح. لأنه تعليق البراءة بالشرط ولا يصح كما لا يصح تعليق الهبة. فيقال: أولا الحكم فى الأصل غير ثابت بالنص ولا بالإجماع فما الدليل على بطلان تعليق الهبة بالشرط وقد صح عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه علق الهبة بالشرط فى حديث جابر لما قال: quot;لو قد جاء مال البحرين لأعطيتك هكذا وهكذا ثم هكذاquot; - ثلاث حثيات. وأنجز ذلك له الصديق رضى الله عنه لما جاء مال البحرين بعد وفاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. فإن قيل: كان ذلك وعدا. قلنا: نعم والهبة المعلقة بالشرط وعد. وكذلك فعل النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لما بعث إلى النجاشى بهدية من مسك وقال لأم سلمة: quot;إنى قد أهديت إلى النجاشى حلة(2\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "409",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1681",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأواقى من مسك ولا أرى النجاشى لا قد مات ولا أرى هديتى إلا مردودة فإن ردت على فهى لكquot; وذكر الحديث رواه أحمد. فالصحيح: صحة تعليق الهبة بالشرط عملا بهذين الحديثين. وأيضا. فالوصية تمليك وهى فى الحقيقة تعليق للتمليك بالموت فإنه إذا قال: إن مت من مرضى هذا فقد أوصيت لفلان بكذا فهذا تمليك معلق بالموت. وكذلك الصحيح: صحة تعليق الوقف بالشرط. نص عليه فى رواية الميمونى فى تعليقه بالموت. وسائر التعليق فى معناه ولا فرق البتة. ولهذا طرده أبو الخطاب. وقال: لا يصح تعليقه بالموت. والصواب طرد النص وأنه يصح تعليقه بالموت وغيره. وهو أحد الوجهين فى مذهب أحمد. وهو مذهب مالك. ولا يعرف عن أحمد نص على عدم صحته. وإنما عدم الصحة قول القاضى وأصحابه. وفى المسألة وجه ثالث: أنه يصح تعليقه بشرط الموت دون غيره من الشروط وهذا اختيار الشيخ موفق الدين. وفرق بأن تعليقه بالموت وصية والوصية أوسع من التصرف فى الحياة بدليل الوصية بالمجهول والمعدوم والحمل والصحيح: الصحة مطلقا. ولو كان تعليقه بالموت وصية لامتنع على الوارث ولا خلاف أنه يصح تعليقه بالشرط بالنسبة إلى البطون بطنا بعد بطن وأن كونه وقفا على البطن الثانى مشروط بانقضاء البطن الأول. وقد قال تعالى: يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود [المائدة: 1] . وقال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;المسلمون عند شروطهمquot;. والقياس الصحيح: يقتضى صحة تعليقه فإنه أشبه بالعتق منه بالتمليك ولهذا لا يشترط فيه القبول إذا كان على جهة اتفاقا وكذلك إذا كان على آدمى معين فى أقوى الوجهين(2\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "410",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1682",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما ذاك إلا لشبهه بالعتق. والمقصود: أن تعليق الإبراء بالشرط أولى من ذلك كله فمنعه مخالف لموجب الدليل والمذهب. ويقال ثانيا: لا يلزم من بطلان تعليق الهبة بطلان تعليق الإبراء بل القياس الصحيح يقتضى صحة تعليقه لأنه إسقاط محض ولهذا لا يفتقر إلى قبول المبرئ ولا رضاه فهو بالعتق والطلاق أشبه منه بالتمليك. وعلى هذا فيستغنى بالصحة فى ذلك كله عن الحيلة. فإن احتاج إلى التعليق وخاف أن ينقض عليه فالحيلة: أن يقول: لا شئ لى عليه بعد هذا الشهر أو العام أو لا شئ لى عليه عند قدوم زيد أو كل دعوى أدعيها عليه بعد شهر كذا أو عام كذا أو عند قدوم زيد بسبب كذا أو من دين كذا فهى دعوى باطلة أو يقول: كل دعوى أدعيها فى تركته بعد موته: من دين كذا أو ثمن كذا فهى دعوى باطلة. وعلى ما قررناه لا يحتاج إلى شئ من ذلك. المثال السابع والعشرون: إذا أعسر الزوج بنفقة المرأة ملكت الفسخ فإن تحملها عنه غيره لم يسقط ملكها للفسخ لأن عليها فى ذلك منة كما أراد قضاء دين عن الغير فامتنع ربه من قبوله لم يجبر على ذلك. وطريق الحيلة فى إبطال حقها من الفسخ: أن يحيلها بما وجب لها عليه من النفقة على ذلك الغير فتصح الحوالة وتلزم على أصلنا إذا كان المحال عليه غنيا. وطريق صحة الحوالة: أن يقر ذلك الغير للزوج بقدر معين لنفقتها سنة أو شهرا أو نحو ذلك ثم يحيلها الزوج عليه فإن لم يمكنه الإجبار على القبول لعدم من يرى ذلك وكل الزوج الملتزم لنفقتها فى الإنفاق عليها والزوج مخير بين أن ينفق عليها بنفسه أو بوكيله. وهكذا العمل فى مسألة أداء الدين عن الغريم سواء.(2\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "411",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1683",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المثال الثامن والعشرون: إذا خاف المضارب أن يضمنه المالك بسبب من الأسباب التى لا يملكها بعقد المضاربة فخلط المال بغيره أو استبراء به بأكثر من رأس المال والاستدانة على مال المضاربة أو دفعه إلى غيره مضاربة أو إبضاعا أو إيداعا أو السفر به. فطريق التخلص من ضمانه فى هذا كله: أن يشهد على رب المال أنه قال له: اعمل برأيك أو ما تراه مصلحة. المثال التاسع والعشرون: إذا كان لكل من الرجلين عروض وأرادا أن يشتركا فيها شركة عنان ففى ذلك روايتان: إحداهما: تصح الشركة. وتقوم العروض عند العقد ويكون قيمتها هو رأس المال. فيقسم الربح على حسبه أو على ما شرطاه. وإذا أرادا الفسخ رجع كل منهما إلى قيمة عروضه واقتسما الربح على ما شرطاه وهذا القول هو الصحيح. والرواية الثانية: لا تصح إلا على النقدين لأنهما إذا تفاسخا الشركة وأراد كل منهما الرجوع إلى رأس ماله ويقتسما الربح لم يعلم ما مقدار رأس مال كل منهما إلا بالتقويم وقد تزيد قيمة العروض وتنقص قبل العمل فلا يستقر رأس المال. وأيضا فمقتضى عقد الشركة: أن لا ينفرد أحد الشريكين بربح مال الآخر وهذه الشركة تفضى إلى ذلك لأنه قد تزيد قيمة عرض أحدهما ولا تزيد قيمة عرض الآخر فيشاركه من لم تزد قيمة عروضه. وهذا إنما يصح فى المقومات كالرقيق والحيوان ونحوهما. فأما المثليات فإن ذلك منتف فيها ولهذا كان الصحيح عند من منع الشركة بالعروض: جوازها بالمثليات. فالصحيح: الجواز فى الموضعين. لأن مبنى عقد الشركة على العدل من الجانبين وكل من الشريكين متردد بين الربح والخسران فهما فى هذا الجواز مستويان. فتجويز ربح أحدهما دون الآخر فى مقابلة عكسه فقد استويا فى رجاء الغنم وخوف الغرم وهذا هو العدل كالمضاربة فإنه يجوز أن يربحا وأن يخسرا وكذلك المساقاة والمزارعة. وطريق الحيلة فى تصحيح هذه المشاركة عند من لا يجوزها بالعروض: أن يبيع كل منهما بعض عروضه ببعض عروض صاحبه فإذا كان عرض أحدهما يساوى خمسة آلاف(2\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "412",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1684",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعرض الآخر يساوى ألفا فيشترى صاحب العرض الذى قيمته خمسة آلاف من صاحبه خمسة أسداس عرضه الذى يساوى ألفا بسدس عرضه الذى يساوى خمسة آلاف فإذا فعلا ذلك صارا شريكين فتصير للذى يساوى متاعه ألفا سدس جميع المتاع. وللآخر خمسة أسداسه. أو يبيع كل منهما صاحبه بعض عرضه بثمن مسمى ثم يتقابضان فيصير مشتركا بينهما ثم يأذن كل واحد منهما لصاحبه فى التصرف فما حصل من الربح يكون بينهما على ما شرطاه عند أحمد وعلى قدر رءوس أموالهما عند الشافعى والخسران على قدر المال اتفاقا. المثال الثلاثون: إذا تزوجها على أن لا يخرجها من دارها أو بلدها أو لا يتزوج عليها ولا يتسرى عليها فالنكاح صحيح. والشرط لازم. هذا إجماع الصحابة رضى الله عنهم فإنه صح عن عمر وسعد ومعاوية ولا مخالف لهم من الصحابة. وإليه ذهب عامة التابعين وقال به أحمد. وخالف فى ذلك الثلاثة فأبطلوا الشرط ولم يوجبوا الوفاء به. فإذا احتاجت المرأة إلى ذلك ولم يكن عندها حاكم يرى صحة ذلك ولزومه فالحيلة لها فى حصول مقصودها: أن تمتنع من الإذن إلا أن تشترط بعد العقد أنه إن سافر بها أو نقلها من دارها أو تزوج عليها فهى طالق أو لها الخيار فى المقام معه أو الفسخ. فإن لم تثق به أن يفعل ذلك فإنها تطلب مهرا كثيرا جدا إن لم يفعل وتطلب ما دونه إن فعل فإن شرط لها ذلك رضيت بالمهر الأدنى وإن لم يشرط ذلك طالبته بالأعلى وجعلته حالا ولها أن تمنع نفسها حتى تقبضه أو يشرط لها ما سألته. فإن قيل: فعلى أى المهرين يقع العقد قيل: يقع على المهر الزائد لتتمكن من إلزامه بالشرط. فإن خاف أن يشرط لها ما طلبت ويستقر عليه المهر الزائد فالحيلة: أن يشهد عليها أنها لا تستحق عليه بعد الاشتراط شيئا من المبلغ الزائد على الصداق الأدنى وأنها متى ادعت به فدعواها باطلة فيستوثق منها بذلك ويكتب هو الشرط ولها أن تطالب بالصداق الزائد إذا لم يف لها بالشرط لأنها لم ترض بأن يكون الأدنى مهرا إلا فى مقابلة منفعة(2\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "413",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1685",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أخرى تسلم لها وهى المقام فى دارها أو بلدها أو يكون الزوج لها وحدها وهذا جار مجرى بعض صداقها. فإذا فاتها فلها المطالبة بالمهر الأعلى. المثال الحادى والثلاثون: إذا زوج ابنته بعبده صح النكاح فإن حضره الموت فخاف هو أو المرأة أن ترث جزءا منه فينفسخ النكاح. فالحيلة فى بقائه: أن يبيع العبد من أجنبى فإن شاء قبض ثمنه وإن شاء جعله دينا فى ذمته يكون حكمه حكم سائر ديونه فإذا ورثت نصيبها من ثمنه لم ينفسخ نكاحها. وإن باع العبد من أجنبى قبل العقد ثم زوجه الابنة أمن هذا المحذور أيضا. وكذلك إذا أراد أن يزوج أمته بابنه وخاف أن يموت فيرث الابن زوجته فينفسخ النكاح باعها من أجنبى ثم زوجها الابن أو يبيعها من الأجنبى بعد العقد. المثال الثانى والثلاثون: إذا أحاله بدينه وخاف المحتال أن يبور ماله عند المحال عليه وأراد التوثق لماله. فالحيلة فى ذلك أن يقول: لا تحلنى بالمال لكن وكلنى فى المطالبة به واجعل ما أقبضه فى ذمتى قرصا فييرآن جميعا بالمقاصة. فإن خاف المحيل أن يهلك المال فى يد الوكيل قبل اقتراضه فيرجع عليه بالدين. فالحيلة له: أن يقول للمحال عليه: اضمن عنى هذا الدين لهذا الطالب فيضمنه فإذا قبضه قبضه لنفسه. فإن امتنع المحال عليه من الضمان احتال الطالب عليه على أنه إن لم يوفه حقه إلى وقت كذا وكذا فالمحيل ضامن لهذا المال ويصح تعليق الضمان بالشرط. فإن وفاه المحيل عليه وإلا رجع إلى المحال وأخذه بالمال. المثال الثالث والثلاثون: إذا كان له دين على رجل فرهنه به عبدا فخاف أن يموت العبد فيحاكمه إلى من يرى سقوط الدين بتلف الرهن. فالحيلة فى تخليصه من هذا المحذور: أن يشترى العبد منه بدينه ولا يقبض العبد فإن وفاه دينه أقاله فى البيع. وإن لم يوفه الدين طالبه بالتسليم وإن تلف العبد كان من ضمان البائع ورجع المشترى إلى دينه الذى هو ثمنه. المثال الرابع والثلاثون: إذا كان له عليه دين فرهنه به رهنا ثم خاف أن يستحق الرهن فتبطل الوثيقة.(2\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "414",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1686",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالحيلة فيه: أن يضمن دينه لمن يخاف منه استحقاق الرهن. فإذا استحقه عليه طالبه بالمال أو يضمنه درك الرهن أو يشهد عليه أنه لا حق له فيه. ومتى ادعى فيه حقا فدعواه باطلة. المثال الخامس والثلاثون: إذا كان له عليه مائة دينار خمسون منها بوثيقة وخمسون بغير وثيقة وجحده الغريم القدر الذى بغير وثيقة. فالحيلة له فى تخليص ماله: أن يوكل رجلا غريبا بقبض المال الذى بالوثيقة. ويشهد على وكالته علانية ثم يشهد شهودا آخرين: أنه قد عزله عن الوكالة ثم يطالب الوكيل المطلوب بذلك المال ويثبت شهود وكالته. فإذا قبض الخمسين دينارا دفعها إلى مستحقها وغاب ثم يطالبه المستحق بهذه الخمسين. فإن قال: دفعتها إلى وكيلك. أقام البينة أنه كان قد عزله عن الوكالة فيلزمه الحاكم بالمال ويقول له: اتبع القابض فخذ مالك منه. فإن كان الغريم حذرا لم يدفع إلى الوكيل شيئا خشية مثل هذا. ويقول: لا أدفع إليك إلا بحضرة الموكل وإقراره أنك وكيله فتبطل هذه الحيلة. المثال السادس والثلاثون: إذا حضره الموت ولبعض ورثته عليه دين وأراد تخليص ذمته. فإن أقر له به لم يصح إقراره وإن وصى له به كانت وصية لوارث. فالحيلة فى خلاصه: أن يواطئه على أن يأتى بمن يثق به فيقر له بذلك الدين فإذا قبضه أوصله إلى مستحقه فإن خاف الأجنبى أن يلزمه الحاكم أن يحلف أن هذا الدين واجب لك على الميت ولم تبرئه منه ولا من شئ منه لم يجز له أن يحلف على ذلك. وانتقلنا إلى حيلة أخرى وهى أن يقول له المريض: بع دارك أو عبدك من وارثى بالمال الذى له على فيفعل. فإذا لزمته اليمين بعد هذا حلف على أمر صحيح فإن لم يكن له ما يبيعه إياه وهب له الوارث عبدا أو أمة فقبضه ثم باعه من الوارث بالدين على الميت. المثال السابع والثلاثون: إذا نكح أمة حيث يجوز له نكاح الإماء وخاف أن يسترق سيدها ولده.(2\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "415",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1687",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالحيلة فى ذلك: أن يسأل سيد الأمة أن يقول: كل ولد تلده منك فهو حر. فإذا قال فما ولدته منه فهم أحرار. المثال الثامن والثلاثون: إذا قال لامرأته: إن سألتنى الخلع فأنت طالق ثلاثا إن لم أخلعك. وقالت المرأة: كل مملوك لها حر إن لم أسألك الخلع اليوم. فسئل أبو حنيفة عنها فقال للمرأة: سليه الخلع فقالت: أسألك أن تخلعنى. فقال للزوج: قل خلعتك على ألف درهم فقال ذلك. فقال أبو حنيفة للمرأة قولى: لا أقبل. فقالت: لا أقبل فقال أبو حنيفة: قومى مع زوجك فقد بر كل منكما فى يمينه. المثال التاسع والثلاثون: سئل أبو حنيفة عن أخوين تزوجا أختين فزفت امرأة كل واحد منهما إلى الآخر فوطئها ولم يعلموا بذلك حتى أصبحوا فقيل له: ما الحيلة فى ذلك فقال: أكل منهما راض بالتى دخل بها قالوا: نعم فقال: ليطلق كل واحد منهما امرأته طلقة ففعلا فقال: ليتزوج كل منهما المرأة التى وطئها فطابت أنفسهما. المثال الأربعون: إذا كان لرجل على رجل مال وللذى عليه المال عقار فأراد أن يجعل عقاره فى يد غريمه يستغله ويقبض غلته من دينه جاز ذلك لأنه توكيل له فيه فإن خاف الغريم أن يعزله صاحب العقار عن الوكالة. فالحيلة: أن يسترهنه منه ويستديم قبضه ثم يأذن له فى قبض أجرته من دينه ولو لم يأذن له فله أن يقبضها قصاصا. وله حيلة أخرى: أن يستأجره منه بمقدار دينه فما وجب له عليه من الأجرة سقط من دينه بقدره قصاصا. المثال الحادى والأربعون: إذا كان له جارية فأراد وطأها وخاف أن تحبل منه فتصير أم ولد لا يمكنه بيعها. فالحيلة: أن يبيعها لأبيه أو أخيه أو أخته فإذا ملكها سأله أن يزوجه إياها فيطأها بالنكاح ويكون ولده منها أحرارا يعتقون على البائع بالرحم وهذا إذا كان ممن(2\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "416",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1688",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يجوز له نكاح الإماء بأن لا يكون تحته حرة عند أبى حنيفة. أو يكون خائفا للعنت عادما لطول حرة عند الجمهور. المثال الثانى والأربعون: إذا بانت منه امرأته ببينونة صغرى وأراد أن يجدد نكاحها فخاف إن أعلمها لم تتزوج به فله فى ذلك حيل: إحداها: أن يقول: قد حلفت بيمين ثم استفتيت فقيل لى: جدد نكاحك فإن كانت قد بانت منك عاد النكاح وإلا لم يضرك. فإن كان لها ولى جدد نكاحها وإلا فالحاكم أو نائبه. ومنها: أن يظهر أنه يريد سفرا وأنه يريد أن يجعل لها شيئا من ماله وأن الاحتياط أن يجعله صداقا بعقد يظهره. ومنها: أن يظهر مرضا وأنه يريد أن يقر لها بمال أو يوصى لها به وأن ذلك لا يتم. والأحوط أن أظهر عقد نكاح وأجعل ذلك صداقا فيه. فإن قيل: إذا بانت منه ملكت نفسها ولم يصح نكاحها إلا برضاها ولعلها لو علمت الحال لم ترض بالنكاح الثانى. قيل: رضاها بتجديد العقد للغرض الذى يريده يتضمن رضاها بالنكاح وهى لو هزلت بالإذن صح إذنها وصح النكاح مع أنها لم تقصده كما لو هزل الزوج بالقبول صح نكاحه وهاهنا قد قصدت بقاء النكاح ورضيت به فهو أولى بالصحة. فإن قيل: فالرجل قاصد إلى النكاح والمرأة غير قاصدة له قيل: بل قصدت إلى تجديد نكاح يتم به غرضها فلم تخرج بذلك عن القصد والرضا. ولو قال رجل لرجل هزلا ومزاحا: زوجنى ابنتك على مائة درهم أو قال: زوجنى موليتك وهى تسمع فقال له مزاحا وهزلا: قد زوجتكها. انعقد النكاح وحل له وطؤها لحديث أبى هريرة الذى رواه أهل السنن عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: quot;ثلاث جدهن(2\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "417",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1689",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعةquot;. المثال الثالث والأربعون: إذا كان الرجل حسن التصرف فى ماله غير مبذر له(2\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "418",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1690",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فرفع إلى الحاكم وشهد عليه أنه مبذر فخاف أن يحجر عليه. فقال: إن حجرت على فعبيدى أحرار ومالى صدقة على المساكين لم يملك القاضى أن يحجر عليه بعد ذلك لأنه إنما يحجر عليه صيانة لماله وفى الحجر عليه إتلاف ماله فهو يعود على مقصود الحجر بالإبطال. المثال الرابع والأربعون: يصح الصلح عندنا وعند أبى حنيفة ومالك على الإنكار فإذا ادعى عليه شيئا فأنكره ثم صالحه على بعضه جاز. والشافعى لا يصحح هذا الصلح لأنه لم يثبت عنده شئ فبأى طريق يأخذ ما صالحه عليه بخلاف الصلح على الإقرار فإنه إذا أقر له بالدين والعين فصالحه على بعضه كان قد وهبه أو أبرأه من البعض الآخر. والجمهور يقولون: قد دل الكتاب والسنة والقياس على صحة هذا الصلح فإن الله سبحانه وتعالى ندب إلى الإصلاح بين الناس. وأخبر أن الصلح خير وقال: إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم [الحجرات: 10] . وقال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;الصلح بين المسلمين جائز إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالاquot;. وأما القياس: فإن المدعى عليه يفتدى مطالبته باليمين وإقامة البينة وتوابع ذلك: بشيء من ماله يبذله ليتخلص من الدعوى ولوازمها. وذلك غرض صحيح مقصود عند العقلاء. وغاية ما يقدر أن يكون المدعى كاذبا فهو يتخلص من تحليفه له وتعريضه للنكول فيقضى عليه به أو ترد اليمين بل عند الخرقى: لا يصح الصلح إلا على الإنكار ولا يصح مع الإقرار قال: لأنه يكون هضما للحق. فإذا صالحه مع الإنكار فخاف أن يرفعه إلى حاكم يبطل الصلح فالحيلة فى تخلصه من ذلك: أن يصالح أجنبى عن المنكر على مال ويقر الأجنبى لهذا المدعى بما ادعاه على(2\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "419",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1691",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غريمه ثم يصالحه من دعواه على مال ولا يفتقر إلى إذن المدعى عليه ولا وكالته إن كان المدعى دينا لأنه يقول: إن كان كاذبا فقد استنقذته من هذه الدعوى وذلك بمنزلة فكاك الأسير وإن كان صادقا فقد قضيت عنه بعض دينه وأبرأه المدعى من باقيه وذلك لا يفتقر إلى إذنه. وإن كان المدعى عينا لم يصح حتى يقول: قد وكلنى المنكر. لأنه يقول: قد اشتريت له هذه العين المدعاة بالمال الذى أصالحك عليه فإن لم يعترف أنه وكله وإلا لم يصح. فإن لم يعترف بوكالته فطريق الصحة: أن يصالح الأجنبى لنفسه فيكون بمنزلة شراء العين المغصوبة. فإن اعترف بها المدعى باطنا صار هو الخصم فيها. وإن لم يعترف بها له لم يسعه أن يخاصم فيها المدعى عليه ويكون اعترافه له بها ظاهرا حيلة على تصحيح الصلح. وعلى هذا فإن كان المدعى دار خلفها الميت لابنه وامرأته فادعاها رجل فصالحاه من دعواه على مال فإن كان صلحا على الإنكار فالدار بينهما على ثمانية أسهم على المرأة الثمن وعلى الابن سبعة أثمان. وإن كان على الإقرار فالمال بينهما نصفان والدار لهما نصفان. فإذا أراد لزوم الصلح على الإنكار صالح عنهما أجنبى على الإقرار فلزم الصلح وكان المال بينهما على سبعة أثمان وكذلك الدار فإنهما لم يقرا له بالدار وإقرار الأجنبى لا يلزمهما حكمه. المثال الخامس والأربعون: إذا ادعى عليه أرضا فى يده أو دارا أو بستانا. فصالحه على عشرة أذرع أو أقل أو أكثر جاز وكذلك لو صالحه على عشرة أذرع من أرض أو أخرى جاز لأنه يقول: قد أخذت بعض حقى وأسقطت البعض. فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم حنفى لا يرى جواز ذلك بناء على أنه لا يجوز بيع ذراع ولا عشرة من أرض أو دار. فطريق الجواز: أن يذرع الدار التى صالحه على هذا القدر منها ثم ينسبه إلى المجموع فما أخرجته النسبة أوقع الصلح عليه ويصح ذلك ويلزم. المثال السادس والأربعون: إذا أوصى لرجل بخدمة عبده مدة معينة أو ما عاش جاز(2\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "420",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1692",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك. فإذا أراد الوارث أن يشترى من الموصى له خدمة العبد لم يصح لأن الحق الموصى له به إنما هو فى المنافع وبيع المنافع لا يجوز. والحيلة فى الجواز: أن يصالحه الوارث من وصيته على مال معين فيجوز ذلك. وكذلك لو أوصى له بحمل شاته أو أمته أو بما يحمل شجره عاما. فإذا أراد الوارث شراءه منه لم يصح وله أن يصالحه عليه فإن الصلح - وإن كان فيه شائبة من البيع - فهو أوسع منه. المثال السابع والأربعون: لو شجه رجل فعفا المشجوج عن الشجة وما يحدث منها ثم مات منها لم يلزم الشاج شيئا ولو قال: عفوت عن هذه الجراحة أو الشجة ولم يقل: وما يحدث منها فكذلك فى إحدى الروايتين وفى الأخرى: تضمن بقسطها من الدية. ولو قال: عفوت عن هذه الجناية فلا شئ له فى السراية رواية واحدة. وعند أبى حنيفة له المطالبة بالدية فى ذلك كله إلا إذا قال: عفوت عنها وعما يحدث منها. فالحيلة فى تخلص المعفو عنه: أن يشهد على المجنى عليه: أنه عفا عن هذه الجناية أو الشجة وما يحدث منها فيتخلص عند الجميع. المثال الثامن والأربعون: إذا مات وترك زوجة وورثة فأرادت الزوجة أن يصالحها الورثة عن حقها نظرنا فى التركة وفى الذى وقع عليه الصلح فإن كان فى التركة أثمان: ذهب وفضة فصالحتهم على شئ من الأثمان لم يصح لإفضائه إلى الربا. لأن صلحها بيع نصيبها منهم. وإن صالحتهم على عرض أو عقار أو كان فى التركة دراهم فصالحتهم بدنانير أو بالعكس جاز. ولا تضر جهالة حقها لأن عقد الصلح أوسع من البيع كما تقدم. فإن كان فى التركة ديون لم يصح لأن بيع الدين من غير الذى هو فى ذمته لا يصح. ويحتمل أن يقول بصحته كما يصح عن المجهول وإن لم يصح بنفسه. فالحيلة فى صلحها عن الدين أيضا: أن يعجل لها حصتها من الدين يقرضها الورثة(2\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "421",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1693",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك وتوكلهم فى اقتضائه ثم تصالحهم من الأعيان على ما اتفقوا عليه لأنهم إذا أقرضوها حصتها من الدين ثم وكلتهم بقبض حصتها من الدين فإذا قبضوا حصتها من الدين فقد حصل فى أيديهم بمالها من جنس مالهم عليها فيتقاصان. ويكون عقد الصلح قد وقع على العروض والمتاع خاصة. فإن لم تطب أنفسهم أن يقرضوها قدر حصتها من الدين وأحبت تعجيل الصلح صالحتهم عن حقها من المتاع والعروض دون الديون. وكلما قبض من الدين شئ أخذت حقها منه فإن تعسر ذلك وشق عليها وأحبت الخلاص. حاسبوها فى الصلح من الأعيان بأكثر من حقها منها وأقرت أن الدين حق للورثة دونها من ثمن متاع باعه الميت لهم. فإن أرادوا قسمة الدين فى الذمم. فالمشهور: أنه لا يصح لأن الذمم لا تتكافأ وفيه رواية أخرى تجوز قسمته وهى الصحيحة. فإن قد تكون مصلحة الورثة والغرماء فى ذلك وتفاوت الذمم لا يمنع القسمة فإن التفاوت فى المحل والمقسوم واحد متماثل وإن اختلفت محاله. وإذا كان الغرماء كلهم موسرين أو معسرين أو بعضهم موسرا وبعضهم معسرا فأخذ كل من الورثة موسرا ومعسرا كان هذا عدلا غير ممتنع وقد تراضوا به فلا وجه لبطلانه وبالله التوفيق. المثال التاسع والأربعون: إذا كان لرجل على رجل دين فقال: تصدق به عنى ففعل لم يبرأ وكانت الصدقة عن المخرج ودينه باقيا قاله أصحابنا لأنه لم يتعين ولأنه لا يكون مبرئا لنفسه بفعله. قالوا: وطريق الصحة أن يقول: تصدق عنى بكذا بقدر دينه ويكون ذلك إقراضا منه. فإذا فعل ثبت له فى ذمته ذلك القدر وعليه له مثله فيتقاصان(2\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "422",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1694",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك لو قال له: ضارب بالمال الذى عليك والربح بيننا لم يصح. والحيلة فى صحته: أن يقول: أذنت لك فى دفعه إلى ابنك أو زوجتك وديعة ثم وكلتك فى أخذه والمضاربة به. والظاهر: أنه لا يحتاج إلى شئ من ذلك. ويكفى قبضه من نفسه لرب الناس. وإذا تصدق عنه بالذى قال كان عن الآمر. هذا هو الصحيح وهو تخريج لبعض أصحابنا ولا حاجة به إلى هذه الحيلة فإذا عينه بالنية تعين وكان قابضا من نفسه لموكله وأى محذور فى ذلك. المثال الخمسون: يجوز استئجار الأجير بطعامه وكسوته عندنا وكذلك الدابة بعلفها وكذلك المرضعة وهو مذهب مالك وقال الشافعى: لا يجوز فيهما وجوزه أبو حنيفة فى الظئر خاصة. فإذا عقد الإجارة كذلك ثم خاف أن يرفعه إلى حاكم يرى بطلانها فيلزمه بأجرة مثله فالحيلة فى تصحيح ذلك: أن يستأجر بنقد معلوم يكون بقدر الطعام والكسوة ثم يشهد عليه أنه وكله فى إنفاق ذلك على نفسه وكسوته وكذلك فى الدابة. المثال الحادى والخمسون: يجوز للمستأجر أن يؤجر ما استأجره المؤجر كما يجوز لغيره. وأبو حنيفة يبطل هذه الإجارة. فالحيلة فى لزومها: أن يؤجر ذلك لأجنبى غير المؤجر ثم يؤجره إياها الأجنبى. المثال الثانى والخمسون: إذا كفل اثنان واحدا فسلمه أحدهما برئ الآخر كما لو ضمنا دينا فقضاه أحدهما فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم لا يرى ذلك ويلزم الآخر بتسليمه. فالحيلة فى خلاصه: أن يكفلا هذا المكفول به على أنه إذا دفعه أحدهما فهما جميعا بريئان أو يشهدا عليهما أن كل واحد منهما وكيل صاحبه فى دفع المكفول به إلى الطالب والتبرى إليه منه فيبرآن على قول الجميع.(2\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "423",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1695",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المثال الثالث والخمسون: يصح ضمان المجهول وضمان ما لم يجب عندنا كما يصح ضمان الدرك فإذا قال: ما أعطيت لفلان فأنا ضامن له صح ولزمه. وقال الشافعى: لا يصح. فالحلية فى صحته لئلا يبطل ذلك حاكم يرى بطلانه: أن يقول: ما أعطيت لفلان من درهم إلى ألف فأنا ضامن له. فإن ضمنه اثنان وأطلقا جاز واستويا فى الغرم. فإن ضمناه على أن على أحدهما الثلث وعلى الآخر الثلثين جاز ذلك لأن المال إنما يجب على كل منها بالتزامه فإذا التزماه على هذا الوجه صح. فان أراد أحد الضامنين أن يضمن الآخر ما لزمه من هذا الضمان فيصير ضامنا جاز ذلك أيضا لأن المال قد ثبت فى ذمة كل واحد منهما فإذا ضمنه أحدهما جاز كما يجوز فى الأصل. المثال الرابع والخمسون: إذا اشترك رجلان شركة عنان فسافر أحدهما بالمال بإذن شريكه فخاف أن يموت المقيم فيشترى بالمال بعد موته متاعا فيضمن لأنه قد انتقل إلى الورثة وبطلت الشركة. فالحيلة فى تخلصه من ذلك: أن يشهد على شريكه المقيم أن حصته فى المال الذى بينه وبينه لولده الصغار وقد أوصى إلى شريكه بالتصرف فيه وأمره أن يشترى بها ما أحب فى حياته وبعد وفاته فإن كان ولده كبارا أشهد على نفسه أن هذا المال لهم ثم يأمر ولده الكبار هذا الشريك أن يعمل لهم فى مالهم هذا بما يرى ويشترى لهم ما أحب. المثال الخامس والخمسون: إذا كان لرجلين على امرأة ألف درهم مثلا فتزوجها أحدهما على نصيبه فى المال عليها صح النكاح وبرئت ذمة المرأة من ذلك المقدار ولم يلزم الزوج أن يضمن لصاحبه شيئا منه لأنه لم يقبض شيئا من نصيبه ولم يحصل فى ضمانه فجرى مجرى إبرائها له منه. وبعض الفقهاء يضمنه نصيب شريكه من المهر ويجعله كالمقبوض لأنه عاوض عليه بالبضع فهو كما لو اشترى منها به سلعة فإنها تكون بينهما وهاهنا تعذرت مشاركته فى البضع فيشاركه فى بدله وهو المهر فكأنها وفته نصيبه من الدين.(2\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "424",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1696",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وطريق الحيلة فى تخليصه من ذلك: أن يهب لها نصيبه مما عليها ثم يتزوجها بعد ذلك على خمسمائة فى ذمته ثم تهب له المرأة مالها عليه من الصداق فإن أحد الشريكين إذا وهب نصيبه من المال المشترك لا يضمن لشريكه شيئا لأنه متبرع. فإن خاف أن يهبها أو يبرئها فتغدر به ولا تتزوج به فالحيلة له: أن يشهد على إقرارها أنه يستحق عليها ذلك المبلغ مادامت أجنبية منه وأنه لا يستحق على زوجته فلانة شيئا من ذلك المال. وأكثر ما فيه: أنه يسميها زوجة قبل العقد برئت من الدين. فإن خاف أن لا تبرئه من الصداق وتطالبه به ويسقط حقه من المال الذى عليها فالحيلة له: أن يشهد عليها فى العقد: أنه برئ إليها من الصداق وأنها لا تستحق المطالبة به. المثال السادس والخمسون: إذا أراد أن يشترى جارية وعرض له آخر يريد شراءها. فاستحلف أحدهما صاحبه: أنه إن اشتراها فهى بينه وبينه نصفين فأراد أن يشتريها وتكون له. تأول فى يمينه: أنه إن اشتراها بنفسه فهى بينه وبينه. فإذا وكل من يشتريها له كانت له وحده. فإن استحلفه أنه إن ملكها فهو شريكه فيها بطلت هذه الحيلة فله أن يأمر من يثق به أن يشتريها لنفسه ويؤدى هو عنه الثمن. ثم يزوجه إياها. فإذا أراد بيعها استبرأها ثم أمر ذلك الرجل أن يبيعها ويرجع ثمنها إليه. المثال السابع والخمسون: إذا كان بينهما عرض من العروض فاشتراه منهما أجنبى بمائه درهم وقبضه. ثم إن المشترى أراد أن يصالح أحدهما من جميع الثمن على بعضه على أن يضمن له الدرك من شريكه حتى يخلصه منه أو يرد عليه جميع الثمن الذى وقع العقد عليه فقال القاضى: لا يجوز ذلك لأن الضمان على شريكه إنما يجب بقبضه المال وذلك لم يوجد فلا يكون مضمونا عليه. فالحلية للمشترى: أن يكون بريئا. وإن أدركه درك من شريكه رجع به على الذى صالحه أن يحط الشريك المصالح عن المشترى نصيبه كله من الثمن ثم يدفع المشترى إليه نصيب صاحبه فصالحه على أنه ضامن لما أدركه من شريكه حتى يخلصه منه أو يرد عليه(2\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "425",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1697",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما قبضه منه ويبرئه هو من نصيبه لأنه إذا أبرأه من نصيبه لم يبق من الدين إلا نصيب صاحبه فإذا قبضه كان مضمونا عليه لأنه قبض دين الغير بغير أمره. المثال الثامن والخمسون: إذا كان عبد بين شريكين موسرين فأراد كل منهما عتق نصيبه وأن لا يغرم لشريكه شيئا. فالحيلة: أن يوكلا رجلا فيعتقه عنهما ويكون ولاؤه بينهما. المثال التاسع والخمسون: إذا سأله عبده أن يزوجه أمته فحلف أن لا يفعل ثم بداله فى تزويجه. فالحيلة: أن يبيع العبد والأمة لمن يثق به ثم يزوجه المشترى فإذا تم العقد أقاله فى البيع. ولا بأس هذه الحيلة فإنها لا تتضمن إبطال حق ولا تحليل محرم. وذلك غير ممتنع على أصلنا لأن الصفة وهى عقد النكاح قد وجدت فى حال زوال ملكه. فلا يتعلق بها حنث ولا يحنث أيضا باستدامة التزويج بعد ملكهما. لأن التزويج عبارة عن العقد وقد انقضى وإنما بقى حكمه. ولهذا لو حلف لا يتزوج فاستدام التزويج. لم يحنث وهذا بخلاف ما إذا حلف على عبده أنه لا يدخل الدار فباعه. ودخلها ثم ملكه. فإن دخلها حنث لأنه ابتدأ الدخول واليمين باقية ولو دخلها فى حال زوال ملكه وهو داخل فيها حنث لأن الدخول الأول عبارة عن الكون وذلك موجود بعد الملك الثانى فيحنث به كما لو كان موجودا فى الملك الأول. وقد قال أحمد فى رواية مهنا فى رجل قال لامرأته: أنت طالق إن رهنت كذا وكذا. فإذا هى قد رهنته قبل يمينه فقال: أخاف أن يكون حنث. قال القاضى: وهذا محمول على أنه قال إن كنت رهنته. وهذا تأويل منه لكلام أحمد: فظاهر كلامه أنه جعل استدامة الرهن بمنزلة ابتدائه كالدخول. المثال الستون: إذا كان له عليه مال فمرض المستحق وأراد أن يبرئه منه وهو يخرج من ثلثه. فخاف أن تكتم الورثة ماله ويقولوا: لم يدع إلا الدين الذى على هذا.(2\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "426",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1698",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالحلية فى خلاصه: أن يخرج المريض من ماله بقدر الدين الذى على غريمه فيملكه إياه ثم يستوفيه منه ويشهد على ذلك وكذلك إذا أراد المريض أن يعتق عبدا وله مال يخرج من ثلثه ويملكه ماله فخاف أن يقول الورثة: لم يخلف الميت شيئا غير هذا العبد وماله. فالحيلة: أن يبيع المريض العبد من رجل يثق به ويقبض الثمن فيهبه للمشترى ثم يعتقه المشترى. فإن كان على الميت دين وله وفاء وفضل يخرج العبد من ثلثه فخاف المريض أن يغيب الورثة ماله ثم يقولوا: أعتق العبد ولا مال له غيره فلا نجيز له ما صنع من ذلك. فالحيلة فيه: أن يبيع العبد من نفسه ويقبض الثمن منه بمحضر من الشهود. ثم يهب المريض للعبد ما قبض منه فى السر فيأمن حينئذ من اعتراض الورثة فإن لم يكن للعبد مال يشترى به نفسه وهبه مالا فى السر وأقبضه إياه فيشترى به العبد نفسه من سيده. فإن لم يرد السيد عتقه وأراد بيعه من بعض ورثته بمال على المريض ليست له به بينة. فالحيلة فى ذلك: أن يقبض وارثه ماله فى السر ثم يبيعه العبد ويشهد له على ذلك ويقبض الثمن بمحضر من الشهود فيتخلص من اعتراض الورثة. المثال الحادى والستون: إذا أوصى إلى رجل فخاف أن لا يقبل فقال: إن لم يقبل فلان وصيتى فهى لفلان. صح ذلك بسنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الصحيحة الصريحة التى لا تجوز مخالفتها حيث علق الإمارة بالشرط. فتعليق الوصية أولى لأنه يستفيد بالإمارة أكثر مما يستفيد بالوصية. وبعض الفقهاء يبطل ذلك. فالحيلة فى ذلك: أن يشهد المريض أنهما جميعا وصياه فإن لم يقبل أحدهما وقبل الآخر فالذى قبل منهما وصى وحده. فإن قبلا جميعا فلكل واحد منهما أن ينفرد بالتصرف عن صاحبه لأنه رضى بتصرف كل واحد منهما قاله القاضى:(2\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "427",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1699",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن خاف أن يمنع ذلك من لا يرى انفراد أحدهما بالتصرف ويقول: قد شرك بينهما وجعلهما بمنزلة وصى واحد. فالحيلة فى الجواز: أن يقول: أو صيت إليهما على الاجتماع والانفراد. المثال الثانى والستون: إذا تصرف الوصى وباع واشترى وأنفق على اليتيم. فللحاكم أن يحاسبه ويسأله عن وجوه ذلك ولا يمنعه من محاسبته كونه أمينا فإن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم حاسب عماله كما ثبت فى صحيح البخارى: quot;أنه بعث ابن اللتبية عاملا على الصدقة فلما جاء حاسبهquot;. فإن أراد الوصى أن يتخلص من ذلك. فالحيلة له: أن يجعل غيره هو الذى يتولى بيع التركة وقبض الدين والإنفاق ولا يشهد على نفسه بوصول شئ من ذلك إليه فإذا سأله الحاكم قال: لم يصل إلى شئ من التركة ولا تصرفت فيها. فإن كانت التركة قد بيعت بأمره وقبض ثمنها بأمره وصرف بأمره. فحلفه الحاكم إنه لم يقبض ولم يوكل من قبض وتصرف وأنفق. فإن كان محسنا قد وضع التركة موضعها ولم يخن وسعه أن يتأول فى يمينه. وإن كان ظالما لم ينفعه تأويله. المثال الثالث والستون: يصح وقف الإنسان على نفسه على أصح الروايتين ويجوز اشتراط النظر لنفسه ويجوز أن يستثنى الإنفاق منه على نفسه ما عاش أو على أهله. وغيرنا ينازعنا فى ذلك فإذا خاف من حاكم يبطل الوقف على هذا الوجه. فالحيلة له: أن يملكه لولده أو زوجته أو أجنبى يقفه عليه ويشترط له النظر فيه.(2\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "428",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1700",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأن يقدم على غيره من الموقوف عليهم بغلته أو بالإنفاق عليه فيصح حينئذ ولا يبقى للاعتراض عليه سبيل. المثال الرابع والستون: إذا اشترى جارية وقبضها فوجد بها عيبا ولم يكن نقد ثمنها فأراد ردها. فصالحه البائع على أن يأخذ البائع الجارية بأقل من الثمن الذى اشتراها به. فقال القاضى: لا يجوز ذلك لأن هذا الصلح فى معنى البيع وبيع المبيع من بائعه بأقل من ثمنه لا يجوز لأنه ذريعة إلى الربا وهو كمسألة العينة فإن كان قد حدث بالجارية عيب عند المشترى جاز ذلك لأن مقدار الحط يكون بإزاء العيب الذى حدث عند المشترى فلا يؤدى إلى مسألة العينة. والحيلة فى جواز ذلك فى الصورة الأولى على وجه لا يشبه العينة: أن يخرج الجارية من ملكه فيبيعها لرجل بالثمن الذى يأخذها به البائع فيصالح الذى فى يده الجارية البائع على أن يقبلها بدون الثمن الذى وقع عليه العقد ويجعل هذا الثمن الذى يأخذ به الجارية قضاء عن مشترى الجارية لأن المشترى الثانى متى صالح البائع على أن يقبل الجارية بدون الثمن الذى اشتريت به فهو عقد جرى بينهما مبتدأ من غير بناء أحد العقدين على الآخر فإذا اشتراها البائع من هذا الثانى حصل ثمنها فى ذمته له وله هو على المشترى الأول ثمنها فإذا طالبه البائع بالثمن أحاله على المشترى الأول فيتقاصان. المثال الخامس والستون: الضمان لا تبرأ ذمة المضمون عنه بمجرده حيا كان المضمون عنه أو ميتا. وفيه رواية أخرى: أنه يبرئ ذمة الميت دون الحى وهى مذهب أبى حنيفة. وفيه قول ثالث: أنه يبرئ ذمة الحى والميت كالحوالة وهو مذهب داود. فإذا أراد الضامن أن يكون مراجعه مبرئا لذمة المضمون عنه فالحيلة فى ذلك: أن يقول: لا أضمن دينه إلا بشرط أن تبرئه منه فمتى أبرأته منه فأنا ضامن له ويصح تعليق الضمان بالشرط فى أقوى الوجهين فإذا أبرأه صحت البراءة ولزم الدين الضامن وحده. فإن خاف رب الدين أن يرفعه إلى حاكم لا يرى صحة الضمان المعلق فيبطل دينه من ذمة الأصيل بالإبراء ولا يثبت له فى ذمة الضامن.(2\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "429",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1701",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالحيلة له: أن يكتب ضمانه ضمانا مطلقا ويشهد عليه به من غير شرط بعد إقراره ببراءة الأصيل فيحصل مقصودهما. المثال السادس والستون: الحوالة تنقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه فلا يملك مطالبة المحيل بعد ذلك إلا فى صورة واحدة وهى: أن يشترط ملاءة المحال عليه فيتبين مفلسا. وعند أبى حنيفة: إذا قرر المال على المحال عليه [بأن جحده حقه إذ قرار المحال على المحال عليه] . فإن جحده حقه وحلف عليه أو مات مفلسا رجع على المحيل. وعند مالك: إن ظن ملاءته فبان مفلسا رجع وإن طرأ عليه الفلس لم يكن له الرجوع. فإذا أراد صاحب الحق التوثق لنفسه وأنه إن تقرر ماله على المحال عليه رجع على المحيل. فالحيلة له فى ذلك: أن يحتال حوالة قبض لا حوالة استيفاء. فيقول للمحيل: أحلنى على غريمك أن أقبض لك ما عليه من الدين فيجيبه إلى ذلك. فما قبضه منه كان على ملك المحيل فيأذن له فى استيفائه. فإن خاف المحيل أن يهلك هذا المال فى يد القابض ولا يغرمه لأنه وكيل فى قبضه. فالحيلة أن يقول له: ما قبضته فهو قرض فى ذمتك فيثبت فى ذمته نظير ماله عليه فيتقاصان. فالحوالة ثلاثة أنواع: حوالة قبض محض فهى وكالة وحوالة استيفاء وهى التى تنقل الحق وحوالة إقراض. فالأولى لا تثبت المقبوض فى ذمة المحال والثانية تجعل حقه فى ذمة المحال عليه والثالثة تثبت المأخوذ فى ذمته بحكم الاقتراض. المثال السابع والستون: إذا ضمن الدين ضامن فلمستحقه مطالبة أيهما شاء. وعن مالك روايتان إحداهما: كذلك. والثانية: أنه ليس له مطالبة الضامن إلا إذا تعذر مطالبة الأصيل. فإن أراد الضامن أن يضمن على هذا الوجه فالحيلة أن يقول: إن تعذر مالك قبله فأنا ضامن له. ويصح تعليق الضمان على الشرط على الأصح.(2\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "430",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1702",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن أراد أن يصحح ذلك على كل قول ويأمن رفعه إلى من يرى بطلان ذلك. فالحيلة فيه: أن يقول: ضمنت لك ما يتقرر لك على فلان أو يعجز عن أدائه فيصح ذلك ولا يتمكن من مطالبته إلا إذا تقرر المال على الأصيل أو عجز عنه. المثال الثامن والستون: إذا بذت عليه امرأته فقال: الطلاق يلزمنى منك لا تقولين لى شيئا إلا قلت لك مثله فقالت: أنت طالق ثلاثا فقال بعضهم: يقول لها: أنت طالق ثلاثا بفتح التاء ولا تطلق لأن الخطاب لا يصلح لها وهذا ضعيف جدا لأن قوله: أنت طالق إما أن يعنيها به أو يعنى غيرها فإن لم يعنها لم يكن قد قال لها مثل ما قالت بل يكون القول لغيرها فلا يبر به وإن عناها به طلقت للمواجهة وفتح لتاء لا يمنع صحة الخطاب والمعنى: أنت أيها الشخص أو الإنسان. ثم ما يقول هذا القائل: إذا قالت له: فعل الله بك كذا فقال لها: فعل الله بك وفتح الكاف هل يكون بارا فى يمينه بذلك فإن قال: لا يبر لزمه مثله فى الطلاق وإن قال: يبر كان قائلا لها مثل ذلك فيكون مطلقا لها. وأجود من هذا أن يكون قوله على التراخى ما لم يقيده بالفور بلفظه أو نيته. وقالت طائفة: يقول لها: أنت طالق ثلاثا إن لم أفعل كذا وكذا أو إن فعلت لما لا تقدر هى عليه فيكون قد قال لها مثل ما قالت وزاد عليه وفى هذا ضعف لا يخفى لأن هذه الزيادة تنقص الكلام فهى زيادة فى اللفظ ونقصان فى المعنى فإنه إذا علق الطلاق بشرط خرج من التنجيز إلى التعليق وصار كله كلاما واحدا وهى لم تعلق كلامها وإنما نجزته. فالمماثلة تقتضى تنجيزا مثله. وأجود من هذا كله أن يقال: لا يدخل هذا الكلام الذى صدر منها فى يمينه لأنه لم يرده قطعا ولا خطر بباله فيمينه لم يتناوله فهو غير محلوف عليه بلا شك واللفظ العام يختص بالنية والعرف والعرف فى مثل هذا لا يدخل فيه قولها له ذلك والأيمان يرجع فيها إلى العرف والنية والسبب وهذا مطرد ظاهر على أصول مالك وأحمد فى اعتبارهم(2\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "431",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1703",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عرف الحالف ونيته وسبب يمينه والله أعلم. المثال التاسع والستون: يجوز أن يستأجر الشاة والبقرة ونحوهما مدة معلومة للبنها. ويجوز أن يستأجرها لذلك بعلفها وبدراهم مسماة والعلف عليه هذا مذهب مالك وخالفه الباقون. وقوله هو الصحيح واختاره شيخنا. لأن الحاجة تدعو إليه ولأنه كاستئجار الظئر للبنها مدة ولأن اللبن وإن كان عينا فهو كالمنافع فى استخلافه وحدوثه شيئا بعد شئ ولأن إجارة الأرض لما نبت فيها من الكلأ والشوك جائزة وهو عين ولأن اللبن حصل بعلفه وخدمته فهو كحصول المغل ببذره وخدمته ولا فرق بينهما فإن تولد اللبن من العلف كتولد المغل من البذر فهذا من أصح القياس. وأيضا فإنه يجوز أن يقفها فينتفع الموقوف عليها بلبنها وحق الواقف إنما هو فى منفعة الموقوف مع بقاء عينه. وأيضا فإنه يجوز أن يمنحها غيره مدة معلومة لأجل لبنها. وهى باقية على ملك المانح. فتجرى منحتها مجرى إعارتها والعارية إباحة المنافع فإذا كان اللبن يجرى مجرى المنفعة فى الوقف والعارية جرى مجراها فى الإجارة. وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى قال: فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن [الطلاق: 6] . فسمى ما تأخذه المرضعة فى مقابلة اللبن أجرا ولم يسمه ثمنا. وأيضا فيجوز أن يستأجر بئرا مدة معلومة لمائها والماء لم يحصل بعمله فلأن يجوز استئجار الشاة للبنها الحاصل بعلفه والقيام عليها أولى. وأيضا: فإنه يجوز أن يستأجر بركة يعشش فيها السمك لأجله فهذا أولى بالجواز لأنه معلوم بالعرف. وهو حاصل بعلفه والقيام على الحيوان. وقياس المنع على تحريم بيع اللبن فى الضرع قياس فإن ذاك بيع مجهول لا يعرف قدره وما يتحصل منه وهو بيع معدوم فلا يجوز. والإجارة أوسع من البيع ولهذا يجوز على المنافع المعدومة المستخلفة شيئا بعد شئ فاللبن فى ذلك كالمنفعة سواء وإن كان عينا فهذا القول هو الصحيح.(2\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "432",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1704",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم يبطل هذا العقد. فالحيلة فى لزومه: أن يؤجره الحيوان مدة بدراهم مسماة ثم يأذن له فى علفه بها ويبيحه اللبن. وهذه الحيلة تتأتى فى إجارة البقرة والناقة والجاموس إذ يمكن الحرث عليها وركوبها وأما الشاة فلا يراد منها إلا الدر والنسل فلا تتهيأ الإجارة على منفعتها فالطريق فى ذلك: أن يستأجرها لرضاع سخلة له مدة معلومة ويوكله فى النفقة عليها بأجرتها أو ببعضها ويبيحه اللبن. المثال السبعون: إذا دفع إليه ثوبه وقال: بعه بعشرة فما زاد فلك. فنص أحمد على صحته تبعا لعبد الله بن عباس ووافقه إسحاق ومنعه أكثرهم. ووجه الخلاف. أن فى هذا العقد شائبة الوكالة والإجارة والمضاربة فمن رجح جانب الوكالة صحح العقد ومن رجح جانب الإجازة أو المضاربة أبطله لأن الأجرة والربح الذى جعل له مجهول. والصحيح: الجواز لأن العشرة تجرى مجرى رأس المال فى المضاربة وما زاد فهو كالربح فإذا جعله كله له كان بمنزلة الإبضاع إذا دفع إليه مالا يضارب به وقال: ما ربحت فهو لك فليس العقد من باب الإجارات بل هو بالمشاركات أشبه. فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم يرى بطلانه. فالحيلة فى ذلك: أن يقول: وكلتك فى بيعه بعشرة فإن بعته بأكثر فلا حق لى فى الزيادة فيصح هذا. وتكون الزيادة للوكيل. المثال الحادى والسبعون: قال الإمام أحمد فى رواية مهنا: quot;لا بأس أن يحصد الزرع ويصرم النخل بسدس ما يخرج منه وهو أحب إلى من المقاطعةquot; يعنى أن يقاطعه على كيل معين أو دراهم أو عروض. وكذلك نص فى رواية الأثرم وغيره فى رجل دفع دابته إلى آخر ليعمل عليها وما رزق الله بينهما نصفين: quot;أن ذلك جائزquot;. وقال أحمد أيضا: quot;لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربعquot; لحديث جابر: quot;أن النبى صلى الله(2\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "433",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1705",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى عليه وآله وسلم أعطى خيبر على الشطرquot;. ونقل عنه أبو داود فيمن يعطى فرسه على النصف من الغنيمة: quot;أرجو أن لا يكون به بأسquot;. وقال فى رواية إسحاق بن إبراهيم: quot;إذا كان على النصف والربع فهو جائزquot;. ونقل عنه أحمد بن سعيد فيمن دفع عبده إلى رجل ليكتسب عليه ويكون له ثلث الكسب أو ربعه: quot;أنه جائزquot;. ونقل عنه حرب فيمن دفع ثوبا إلى خياط ليفصله قمصانا يبيعها وله نصف ربحها بحق عمله فهو جائز. ونص فى رجل دفع غزله إلى رجل ينسجه ثوبا بثلث ثمنه أو ربعه: أنه جائز. وقال فى quot;المغنىquot;: وعلى قياس قول أحمد: يجوز أن يعطى الطحان أقفزة معلومة يطحنها بقفيز دقيق منها. وحكى عن ابن عقيل المنع منه. واحتج بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم. quot;نهى عن قفيز الطحانquot;. قال الشيخ: وهذا الحديث لا نعرفه ولا ثبت عندنا صحته. وقياس قول أحمد: جوازه لما ذكرنا عنه من المسائل. وكذلك لو دفع شبكته إلى صياد ليصيد بها والسمك بينهما نصفين. قال فى quot;المغنىquot;: فقياس قول أحمد صحة ذلك والسمك بينهما شركة. وقال ابن عقيل: السمك للصائد ولصاحب الشبكة أجرة مثلها. ولو كان له على رجل مال فقال لرجل: اقبضه منه ولك ربعه أو ثلثه أو ما اقتضيته منه فلك منه الربع أو الثلث فهو جائز(2\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "434",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1706",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك لو غصبت منه عين فقال لرجل: خلصها لى ولك نصفها جاز أيضا. ولو غرق متاعه فى البحر فقال لرجل: ما خلصته منه فلك نصفه أو ربعه جاز. ولو أبق عبده فقال لرجل أو قال: من رده على فله فيه نصفه أو ربعه أو شردت دابته فقال ذلك صح ذلك كله. قلت: وكذلك يجوز أن يقول له: انقض لى هذا الزيتون بالسدس أو الربع. أو اعصره بالثلث أو الربع أو اكسر هذا الحطب بالربع أو اخبز هذا العجين بالربع وما أشبه ذلك. فكل هذا جائز على نصوصه وأصوله وهو أحب من المقاطعة فى بعض الصور. ولم يجوز الشافعى وأبو حنيفة شيئا من ذلك. وأما مالك فقال أصحابه عنه: إذا قال: احصد زرعى ولك نصفه فذلك جائز وإن قال: احصد اليوم فما حصدت فلك نصفه لم يجز عند ابن القاسم وفى العينية أنه يجوز. فإن قال: القط زيتونى فما لقطت فلك نصفه فهو جائز عند ابن القاسم وروى سحنون أنه لا يجوز. ولو قال: انقض زيتونى فما نقضت فلك نصفه لم يجز عند ابن القاسم وأجازه عبد الملك بن حبيب. فإن قال: اقبض لى المائة دينار التى على فلان ولك عشرها جاز عند ابن القاسم وابن وهب. وعند أشهب لا يجوز. فلو قال: اقبض دينى الذى على فلان ولك من كل عشرة واحد ولم يبين قدر الدين لم يجز عند ابن وهب. وأجازه ابن القاسم وأصبغ. والذين منعوا الجواز فى ذلك جعلوه إجارة والأجر فيها مجهول والصحيح: أن هذا ليس من باب الإجارات بل من باب المشاركات وقد نص أحمد على ذلك. فاحتج على جواز دفع الثوب بالثلث والربع بحديث خيبر. وقد دلت السنة على جواز ذلك كما فى المسند والسنن عن رويفع بن ثابت قال: quot;أن كان أحدنا فى زمن رسول الله(2\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "435",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1707",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ليأخذ نضو أخيه على أن له النصف مما يغنم ولنا النصف وإن كان أحدنا ليطير له النصل والريش وللآخر القدحquot;. وأصل هذا كله: أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم دفع أرض خيبر إلى اليهود يعملونها بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع. وأجمع المسلمون على جواز المضاربة. وأنها دفع ماله لمن يعمل عليه بجزء من ربحه. فكل عين تنمى فائدتها من العمل عليها جاز لصاحبها دفعها لمن يعمل بجزء من ربحها. فهذا محض القياس وموجب الأدلة. وليس مع المانعين حجة سوى ظنهم أن هذا من باب الإجارات بعوض مجهول. وبهذا أبطلوا المساقاة والمزارعة. واستثنى قوم بعض صورها وقالوا: المضاربة على خلاف القياس لظنهم أنها إجارة بعوض عنده لم يعلم قدره. وأحمد رحمه الله عنده هذا الباب كله أطيب وأحل من المؤاجرة لأنه فى الإجارة يحصل(2\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "436",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1708",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على سلامة العوض قطعا والمستأجر متردد بين سلامة العوض وهلاكه فهو على خطر. وقاعدة العدل فى المعاوضات: أن يستوى المتعاقدان فى الرجاء والخوف. وهذا حاصل فى المزارعة والمساقاة والمضاربة وسائر هذه الصور الملحقة بذلك فإن المنفعة إن سلمت سلمت لهما وإن تلفت عليهما وهذا من أحسن العدل. واحتج المتأخرون من المانعين بحديث أبى سعيد الذى رواه الدارقطنى: quot;نهى عن قفيز الطحانquot; وهذا الحديث لا يصح. وسمعت شيخ الإسلام يقول: هو موضوع. وحمله بعض أصحابنا على أن المنهى عنه طحن الصبرة لا يعلم كيلها بقفيز منها لأن ماعداه مجهول فهو كبيعها إلا قفيزا منها فأما إذا كانت معلومة القفزان فقال: اطحن هذه العشرة بقفيز منها صح حبا ودقيقا. أما إذا كان حبا فقد استأجره على طحن تسعة أقفزة بقفيز حنطة. وأما إذا كان دقيقا شاركه فى ذلك على أن العشر للعامل وتسعة الأعشار للآخر فيصير شريكه بالجزء المسمى. فإن قيل: فالشركة عندكم لا تصح بالعروض قيل: بل أصح الروايتين صحتها وإن قلنا بالرواية الأخرى فإلحاق هذه بالمساقاة والمزارعة أولى بها من إلحاقها بالمضاربة على العروض لأن المضاربة بالعروض تتضمن التجارة والتصرف فى رقبة المال بإبداله بغيره بخلاف هذا. فإن قيل: دفع حبه إلى من يطحنه بجزء منه مطحونا أو غزله إلى من ينسجه بجزء منه منسوجا يتضمن محذورين. أحدهما: أن يكون طحن قدر الأجرة ونسجه مستحقا على العامل بحكم الإجارة ومستحقا له بحكم كونه أجرة وذلك متناقض. فإن كونه مستحقا عليه يقتضى مطالبة المستأجر به وكونه مستحقا له يقتضى مطالبة المؤجر به. الثانى: أن يكون بعض المعقود عليه هو العوض نفسه وذلك ممتنع. قيل: إنما نشأ هذا من ظن كونه إجارة وقد بينا أنه مشاركة لا إجارة ولو سلم أنه(2\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "437",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1709",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من باب المؤاجرة فلا تناقض فى ذلك فإن جهة الاستحقاق مختلفة فإنه مستحق له بغير الجهة التى يستحق بها عليه فأى محذور فى ذلك وأما كون بعض المعقود عليه يكون عوضا فهو إنما عقد على عمله فالمعقود عليه العمل والنفع بجزء من العين وهذا أمر متصور شرعا وحسا. فظهر أن صحة هذا الباب هى مقتضى النص والقياس وبالله التوفيق. وعلى هذا فلا يحتاج إلى حيلة لتصحيح ذلك إلا إذا خيف غدر أحدهما وإبطاله للعقد والرجوع إلى أجرة المثل. فالحيلة فى التخلص من ذلك: أن يدفع إليه ربع الغزل والحب أو نصفه. ويقول: انسج لى باقيه بهذا القدر فيصيران شريكين فى الغزل والحب فإذا تشاركا فيه بعد ذلك صح وكان بينهما على قدر ما شرطاه. والعجب أن المانعين جوزوا ذلك على هذا الوجه وجعلوه مشاركة لا مؤاجرة فهلا أجازوه من أصله كذلك وهل الاعتبار فى العقود إلا بمقاصدها وحقائقها [ومعانيها]  دون صورها وألفاظها وبالله التوفيق. المثال الثانى والسبعون: إذا كان لرجل على رجل دين فتوارى عن غريمه وله هو دين على آخر. فأراد الغريم أن يقبض دينه من الدين الذى له على ذلك لم يكن له ذلك إلا بحوالة أو وكالة وقد توارى عنه غريمه فيتعذر عليه الحوالة والوكالة. فالحيلة له فى اقتضاء دينه من ذلك: أن يوكله فيقول: وكلتك فى اقتضاء دينى الذى على فلان وبالخصومة فيه ووكلتك أن تجعل ماله عليك قصاصا مما لى عليه وأجزت أمرك فى ذلك. فيقبل الوكيل ويشهد عليه شهودا ثم يشهد الوكيل أولئك الشهود أو غيرهم أن فلانا وكلنى بقبض ماله على فلان وأن أجعله قصاصا بما لفلان على وأجاز أمرى فى ذلك وقد قبلت من فلان ما جعل إلى من ذلك واشهدوا أنى قد جعلت الألف درهم التى لفلان على قصاصا بالألف التى لفلان موكلى عليه فتصير الألف قصاصا ويتحول ما كان للرجل المتوارى على هذا الوكيل للرجل الذى وكله. المثال الثالث والسبعون: إذا كان لرجل على رجل مال فغاب الذى عليه المال. وأراد(2\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "438",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1710",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرجل أن يثبت ماله عليه حتى يحكم الحاكم عليه وهو غائب جاز للحاكم أن يحكم عليه فى حال غيبته مع بقائه على حجته فى أصح المذهبين. وهو قول أحمد فى الصحيح عنه ومالك والشافعى. وعند أبى حنيفة لا يجوز الحكم على الغائب. فإذا لم يكن فى الناحية إلا حاكم يرى هذا القول ويخشى صاحب الحق من ضياع حقه. فالحيلة له: أن يجئ برجل فيضمن لهذا الرجل الذى له المال جميع ماله على الرجل الغائب ويسميه وينسبه ويشهد على ذلك ثم يقدمه إلى القاضى فيقر الضامن بالضمان ويقول: قد ضمنت له ماله على فلان بن فلان ولا أدرى كم له عليه. ولا أدرى: له عليه مال أم لا فإن القاضى يكلف المضمون له أن يحضر بينته على ذلك بماله على فلان فإذا أحضر البينة قبلها القاضى بمحضر من هذا الضمين وحكم على الغائب وعلى هذا الضامن بالمال بموجب ضمانه ويجعل القاضى هذا الضمين بالمال خصما على الغائب لأنه قد ضمن ما عليه. ولا يجوز الحكم على هذا الضمين حتى يحكم على المضمون عنه. ثم يحكم بذلك على الضمين لأنه فرعه فما لم يثبت المال على الأصل لا يثبت على الفرع. المثال الرابع والسبعون: إذا غصبه متاعا له ويقر له فى السر بعينه. ويجحده فى العلانية ويريد تخليص ماله منه. فالحيلة له: أن يبيعه ممن يثق به ويشهد له على ذلك ببينة عادلة. ثم يبيعه بعد ذلك من الغاصب. ويكون بين البيعين من المدة ما يعرفه الشهود ليوقنوا بذلك عند الأداء فإذا أشهد الغاصب بالبيع فى الوقت المعين جاء الذى باع منه المغصوب قبله ببينته فيحكم له لسبق بينته فيرجع الغاصب على المغصوب منه بالثمن الذى دفعه إليه فيسلم العين للمغصوب منه. وكذلك لو أقربها المغصوب منه لرجل يثق به ثم باعها بعد ذلك للغاصب ثم جاء المقر له فأقام بينة على الإقرار السابق. فإن قيل: فلو خاف الغاصب من هذه الحيلة وقال للمغصوب منه: لست أبتاع منك(2\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "439",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1711",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذه السلعة خشية هذا الصنيع ولكن آمر من يبتاعها منك لى فأراد المغصوب منه حيلة ترجع إليه بها سلعته. فالحيلة: أن يبيعها أولا ممن يثق به ولا يكتب فى كتاب هذا الشراء الثانى قبض المشترى فإنه إذا أقر وكيل الغاصب بقبض العين من المغصوب منه ثم جاء الرجل الذى كتب له المغصوب منه الشراء كان أولى بها من وكيل الغاصب لأن وقت شرائه أقدم وإقراره بقبضها وتسليمها إلى الرجل المشترى لها أولا أولى ويرجع وكيل الغاصب على المغصوب منه بالثمن الذى دفعه إليه. المثال الخامس والسبعون: إذا أقرضه مالا وأجله. لزم تأجيله على أصح المذهبين وهو مذهب مالك وقول فى مذهب أحمد. والمنصوص عنه: أنه لا يتأجل كما هو قول الشافعى وأبى حنيفة ويدل على التأجيل قوله تعالى: أوفوا بالعقود [المائدة: 1] وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون [الصف: 2- 3] وقوله وأوفوا بالعهد [الإسراء: 34] . وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: quot;المسلمون عند شروطهمquot; وقوله: quot;آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا وعد أخلفquot; وقوله: quot;ينصب لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة بقدر غدرتهquot; وقوله: quot;لا تغدرواquot; وقوله: quot;إن الغدر لا يصلحquot;. وقوله فى صفة المنافق: quot;إذا وعد أخلفquot;. وإخلاف الوعد مما فطر الله العباد على ذمه واستقباحه وما رآه المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح وعلى هذا فلا حاجة إلى التحيل على لزوم التأجيل. وعلى القول الأخر: قد يحتاج إلى حيلة يلزم بها التأجيل. فالحيلة فيه: أن يحيل المستقرض صاحب المال بماله إلى سنة أو نحوها بقدر مدة التأجيل فيكون المال على المحتال عليه إلى ذلك الأجل ولا يكون للطالب ولا لورثته على المستقرض سبيل ولا على المحال عليه إلى الأجل. فإن الحوالة تنقل الحق.(2\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "440",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1712",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولو أحال المحال عليه صاحب المال على رجل آخر إلى ذلك الأجل جازت الحوالة فإن مات المحال عليه الأول لم يكن لصاحب المال على تركته سبيل ولا على المحال عليه الثانى. المثال السادس والسبعون: إذا رهنه دارا أو سلعة على دين وليس عنده من يشهد على قدر الدين ويكتبه. فالقول قول المرتهن فى قدره ما لم يدع أكثر من قيمته هذا قول مالك: وقال الشافعى وأبو حنيفة وأحمد: القول قول الراهن وقول مالك هو الراجح. وهو اختيار شيخنا لأن الله سبحانه جعل الرهن بدلا من الكتاب يشهد بقدر الحق والشهود التى تشهد به وقائما مقامه. فلو لم يقبل قول المرتهن فى ذلك بطلت الوثيقة من الرهن وادعى المرتهن أنه رهن على أقل شئ فلم يكن فى الرهن فائدة. والله سبحانه وتعالى قد قال فى آية المداينة [البقرة: 282] التى أرشد بها عباده إلى حفظ حقوق بعضهم على بعض خشية ضياعها بالجحود أو النسيان فأرشدهم إلى حفظها بالكتاب وأكد ذلك بأن أمرهم بكتابة الدين وأمر الكاتب أن يكتب ثم أكد ذلك بأن نهاه أن يأبى أن يكتب. ثم أعاد الأمر بأن يكتب مرة أخرى وأمر من عليه الحق أن يملل ويتقى ربه فلا يبخس من الحق شيئا. فإن تعذر إملاؤه لسفهه أو صغره أو جنونه أو عدم استطاعته فوليه مأمور بالإملاء عنه. فأرشدهم إلى حفظها باستشهاد شهيدين من الرجال أو رجل وامرأتين. فأمرهم بالحفظ بالنصاب التام الذى لا يحتاج صاحب الحق معه إلى يمين ونهى الشهود أن يأبوا إذا دعوا إلى إقامة الشهادة. ثم أكد ذلك عليهم بنهيهم أن يمتنعوا من كتابة الحقير والجليل من الحقوق سآمة ومللا. وأخبر أن ذلك أعدل عنده وأقوم للشهادة. فيتذكرها الشاهد إذا عاين خطه فيقيمها. وفى ذلك تنبيه على أن له أن يقيمها إذا رأى خطه وتيقنه. وإلا لم يكن بالتعليل بقوله وأقوم للشهادة [البقرة: 282] فائدة. وأخبر أن ذلك أقرب إلى اليقين وعدم الريب. ثم رفع عنهم الجناح بترك الكتابة(2\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "441",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1713",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا كان بيعا حاضرا فيه التقايض من الجانبين يأمن به كل واحد من المتبايعين من جحود الآخر ونسيانه. ثم أمرهم مع ذلك بالإشهاد إذا تبايعوا خشية الجحود وغدر كل واحد منهما بصاحبه فإذا أشهدا على التبايع أمنا ذلك. ثم نهى الكاتب والشهيد عن أن يضارا إما بأن يمتنعا من الكتابة والشهادة تحملا وأداء أو أن يطلبا على ذلك جعلا يضر بصاحب الحق أو بكتم الشاهد بعض الشهادة أو يؤخر الكتابة والشهادة تأخيرا يضر بصاحب الحق أو يمطلاه ونحو ذلك أو هو نهى لصاحب الحق أن يضار الكاتب والشهيد بأن يشغلهما عن ضرورتهما وحوائجهما أو يكلفهما من ذلك ما يشق عليهما. ثم أخبر أن ذلك فسوق بفاعله. فهذا كله عند القدرة على الكتاب والشهود. ثم ذكر ما تحفظ به الحقوق عند عدم القدرة على الكتاب والشهود وهو السفر فى الغالب فقال سبحانه: وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة [البقرة: 283] . فدل ذلك دلالة بينة أن الرهان قائمة مقام الكتاب والشهود شاهدة مخبرة بالحق كما يخبر به الكتاب والشهود. وهذا والله أعلم سر تقييد الرهن بالسفر لأنه حال يتعذر فيها الكتاب الذى ينطق بالحق غالبا فقام الرهن مقامه وناب منابه وأكد ذلك بكونه مقبوضا للمرتهن حتى لا يتمكن الراهن من جحده. فلا أحسن من هذه النصيحة وهذا الإرشاد والتعليم الذى لو أخذ به الناس لم يضع فى الأكثر حق أحد ولم يتمكن المبطل من الجحود والنسيان. فهذا حكمه سبحانه المتضمن لمصالح العباد فى معاشهم ومعادهم. والمقصود: أنه لو لم يقبل قول المرتهن على الراهن فى قدر الدين لم يكن وثيقة ولا(2\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "442",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1714",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حافظا لدينه ولا بدلا من الكتاب الشهود فإن الراهن يتمكن من أخذه منه ويقول: إنما رهنته منه على ثمن درهم ونحوه ومن يجعل القول قول الراهن فإنه يصدقه على ذلك ويقبل قوله فى رهن الربع والضيعة على هذا القدر. فالذى نعتقده وندين الله به: هو قول أهل المدينة. فإذا أراد الرجل حفظ حقه وخاف أن يقع التحاكم عند حاكم لا يرى هذا المذهب. فالحيلة فى قبول قوله: أن يسترهنه المرتهن على قيمته ويدفع إليه ما اتفقا عليه ويشهد الراهن أن الباقى من قيمته أمانة عنده أو قرض فى ذمته يطالبه به متى شاء فيتمكن كل واحد منهما من أخذ حقه ويأمن ظلم الآخر له والله أعلم. المثال السابع والسبعون: إذا كان لرجل على رجل ألف درهم وفى يده رهن بالألف فطالب صاحب الدين الغريم بالألف وقدمه إلى الحاكم وقال: لى على هذا ألف درهم وخاف أن يقول: وله عندى رهن بالألف وهو كذا وكذا. فيقول الغريم: ماله على هذه الألف التى يدعيها ولا شئ منها وهذا الذى ادعى أنه لى رهن فى يده هو لى كما قال ولكنه ليس برهن بل وديعة أو عارية فيأخذه منه ويبطل حقه. فالحيلة فى أمنه من ذلك: أن يدعى بالألف فيسأل الحاكم المطلوب عن المال فإما أن يقر به وإما أن ينكره فإن أقر به وادعى أن له رهنا لزمه المال ودفع الرهن إلى صاحبه أو بيع فى وفائه. وإن أنكره وقال: ليس له على شئ ولى عنده تلك العين: إما الدار وإما الدابة. فليقل صاحب الحق للقاضى: سله عن هذا الذى يدعى على: على أى وجه هو عندى أعارية أم غصب أم وديعة أم رهن فإن ادعى أنه فى يده على غير وجه الرهن حلف على إبطال دعواه وكان صادقا وإن ادعى أنه فى يده على وجه الرهن قال للقاضى: سله: على كم هو رهن فإن أقر بقدر الحق أقر له بالعين وطالب بحقه. وإن جحد بعضه حلف على نفى ما ادعاه وكان صادقا. المثال الثامن والسبعون: إذا باعه سلعة ولم يقبضه إياها أو أجره دارا ولم يتسلمها أو زوجه ابنته ولم يسلمها إليه. ثم ادعى عليه بالثمن أو الأجرة أو المهر فخاف إن أنكر أن يستحلفه أو يقيم عليه البينة بجريان هذه العقود وإن أقر لزمه ما ادعى عليه به.(2\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "443",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1715",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالحيلة فى تخلصه: أن يقول فى الجواب: إن ادعيت هذا المبلغ من ثمن مبيع لم أقبضه أو إجارة دار لم تسلمها إلى أو نكاح امرأة لم تسلمها إلى أو كانت المرأة هى التى ادعت فقال: إن ادعيت هذا المبلغ من مهر أو كسوة أو نفقة من نكاح لم تسلمى إلى نفسك فيه ولم تمكنينى من استيفاء المعقود عليه فأنا مقر به. وإن كان غير ذلك فلا أقر به. وهذا جواب صحيح يتخلص به. فإن قيل: فهذا تعليق للإقرار بالشرط والإقرار لا يصح تعليقه كما لو قال: إن شاء الله أو إن شاء زيد فله على ألف. قيل: بل يصح تعليق الإقرار بالشرط فى الجملة كقوله: إذا جاء رأس الشهر فله على ألف فهذا إقرار صحيح ولا يلزمه قبل مجيء الشهر وكذا لو قال: إن شهد فلان على بما ادعاه صدقته صح التعليق. فإذا شهد به عليه فلان كان مقرا به ولا فرق بين تقديم الشرط وتأخيره كما فى تعليق الطلاق والعتاق والخلع. وفيه وجه آخر: أنه إن أخر الشرط لم ينفعه وكان إقرارا ناجزا. وهذا ضعيف جدا فإن الكلام بآخره ولو بطل الشرط الملحق به لبطل الاستثناء والبدل والصفة فإن ذلك يغير الكلام ويخرجه من العموم إلى الخصوص. والشرط يخرجه من الإطلاق إلى التقييد فهو أولى بالصحة. وقد جاء تأخير الشرط فى القرآن فيما هو أبلغ من الإقرار. كقوله تعالى حاكيا عن نبيه شعيب أنه قال لقومه: قد افترينا على الله كذبا إن عدنا فى ملتكم [الأعراف: 89] . وقد وافق صاحب هذا الوجه على أنه إذا قال: له على ألف درهم إذا جاء رأس الشهر: أنه يصح وجها واحدا. وهذا يبطل تعليله بأن إلحاق الشرط بعد الخبر كالرجوع عن الإقرار. وعلى هذا فلو قال: له على ألف مؤجلة صح الإقرار ولزمه الألف مؤجلا. وقيل: القول قول خصمه فى حلوله وشبهة هذا: أنه مقر بالدين مدع لحلوله وهذا ظاهر البطلان فإنه إنما أقر به على هذه الصفة فلا يجوز إلزامه به مطلقا كما لو وصفها بنقد غير النقد الغالب أو استثنى منها شيئا.(2\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "444",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1716",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك لو قال: له على ألف من ثمن مبيع لم أقبضه أو أجرة عن دار لم أتسلمها أو قال: هلك قبل التمكن من قبضه على أصح الوجهين لأنه إنما أقر به على هذه الصفة فلا يجوز إلزامه به مطلقا. وكذا لو قال: كان له على ألف فقصيته لم يلزمه لأنه إنما أقر به فى الماضى لا فى الآن هذا منصوص أحمد وليس الكلام بمتناقض فى نفسه فيكون بمنزلة قوله: له على ألف لا تلزمنى. والفرق بين الكلامين أظهر من أن يحتاج إلى بيان. وعن أحمد رواية أخرى: أنه مقر بالحق مدع لقضائه فلا يقبل منه إلا ببينة. وهذا قول الأئمة الثلاثة. وعنه رواية ثالثة: أن هذا ليس بجواب صحيح فيطالب برد الجواب. وعلى هذا فإذا قال: له على ألف قضيته إياه. ففيه ثلاث روايات منصوصات. إحداهن: أنه غير مقر كما لو قال: كان له على. والثانية: أنه مقر مدع للقضاء فلا يقبل منه إلا ببينة. والثالثة: أنه لا يسمع منه دعوى القضاء ولو أقام به بينة. بل يكون مكذبا لها وعلى هذا إذا قال: كان له على ولم يزد على هذا فهو مقر. وخرج أنه غير مقر من نصه على أنه إذا قال: كان له على وقضيته: أنه غير مقر وهو تخريج فى غاية الصحة فإن أحمد لم يجعله غير مقر من قوله: وقضيته. فإن هذا دعوى منه للقضاء وإنما جعله كذلك من جهة أنه أخبر عن الماضى لا عن الحال فلا يلزم بكونه فى ذمته فى الحال وهو لم يقربه. والمقصود: أن المدعى عليه إذا كان مظلوما فالحيلة فى تخلصه أن يقول: إن ادعيت كذا من جهة كذا وكذا فأنا غير مقر به وإن ادعيته من جهة كذا وكذا فأنا مقر به كان جوابا صحيحا ولم يكن مقرا على الإطلاق. المثال التاسع والسبعون: قال أصحابنا: لا يملك البائع حبس المبيع على قبض ثمنه بل يجبر على تسليمه إلى المشترى ثم إن كان الثمن معينا فتشاحنا فى المبتدئ بالتسليم جعل بينهما عدل يقبض منهما ويسلم إليهما. وإن كان دينا أجبر البائع على التسليم ثم يجبر(2\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "445",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1717",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المشترى على دفع الثمن. فإن كان ماله غائبا عن المجلس حجر عليه فى ماله كله حتى يسلم الثمن. وإن كان غائبا عن البلد فوق مسافة القصر ثبت للبائع الفسخ. وإن كان دونها فهل يحجر عليه أو يثبت للبائع الفسخ على وجهين. وإن كان المشترى معسرا فللبائع الفسخ والرجوع فى عين ماله. هذا منصوص أحمد والشافعى. وللشافعية وجه: أنه تباع السلعة ويقضى دينه من ثمنها. فإن فضل له فضل أخذه وإن فضل عليه شئ استقر فى ذمته. والصحيح: أن البائع يملك حبس السلعة على الثمن حتى يقبضه هذا هو موجب العدل وإلا ففى تمكين المشترى من القبض قبل الإقباض إضرار بالبائع فإنه قد يتلف المبيع بأن يكون طعاما أو شرابا فيستهلكه ويتعذر أو يتعسر عليه مطالبته بالثمن فيضر به ولا يزول ضرره إلا بحبس المبيع على ثمنه. وعلى هذا لو دفع الثمن إلا درهما منه فله حبس المبيع كله على باقى الثمن كما نقول فى الرهن. وفيه قول آخر: أنه يملك أن يتسلم من المبيع بقدر ما دفع من الثمن لأن كل جزء من المبيع فى مقابلة كل جزء من أجزاء الثمن فإذا سلم بعض الثمن ملك تسليم ما يقابله. والفرق بينه وبين الرهن: أن الرهن ليس بعوض من الدين. وإنما هو وثيقة فملك حبسه إلى أن يستوفى جميع الدين. والأول هو الصحيح لأنه إنما رضى بإخراج المبيع من ملكه إذا سلم له جميع الثمن ولم يرض بإخراجه ولا إخراج شئ منه ببعض الثمن. فإذا خاف البائع أن يجبر على التسليم ثم يحال على تقاضى المشترى. فالحيلة له فى الأمن من ذلك: أن يبيعه العين بشرط أن يرتهنها على ثمنها ويجوز شرط الرهن والضمين فى عقد البيع ويصح رهنه قبل قبضه على ثمنه فى أصح الوجهين كما يصح رهنه قبل القبض بدين آخر غير ثمنه ومن غير البائع بل رهنه على ثمنه أولى. فإنه يملك حبسه على الثمن بدون الرهن كما تقدم فلأن يصح حبسه على الثمن رهنا أولى وأحرى. وأيضا. فإذا جاز التصرف فيه بالرهن من الأجنبى قبل القبض فجوازه من البائع أولى.(2\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "446",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1718",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأن المشترى يملك من التصرف مع البائع قبل القبض بالإقالة وغيرها مالا يملكه مع الأجنبى ومن منع رهنه على ثمنه قبل قبضه لزمه أن يمنع رهنه على غير الثمن أو من الأجنبى. فإن قيل: الفرق بينهما: أنه قبل القبض عرضة للتلف فيكون من ضمان البائع وكونه رهنا يقتضى أن يكون من ضمان راهنه فتنافى الأمران حيث يكون مضمونا له ومضمونا عليه من جهة واحدة. وهذا بخلاف رهنه من أجنبى قبل القبض. فإنه يكون مضمونا عليه للأجنبى ومضمونا له من البائع ولا تنافى بين أن يكون مضمونا له من شخص ومضمونا عليه لغيره. كالعين المؤجرة إذا أجرها المستأجر صارت المنافع مضمونة عليه للمستأجر الثانى ومضمونة له من المؤجر الأول. وكذلك الثمار إذا بدا صلاحها جاز للمشترى بيعها وهى مضمونة له على البائع الأول ومضمونة عليه للمشترى الثانى. فإن قيل: هذا هو الفرق الذى بنى عليه هذا القول ولكن يقال: أى محذور فى ذلك وأن يكون مضمونا له وعليه وقولكم: إن ذلك من جهة واحدة ليس كذلك فإنه مضمون له من جهة كونه مشتريا فهو من ضمان البائع حتى يمكنه من قبضه ومضمونا عليه من جهة كونه راهنا فإذا تلف تلف من ضمانه حتى لو اتحدت الجهة لم يكن فى ذلك محذور بحيث يكون مضمونا له وعليه من جهة واحدة كما قلتم: إنه يجوز للمستأجر إجارة ما استأجره لمؤجره فتكون المنافع مضمونة عليه وله فأى محذرو فى ذلك فإن قيل: فإذا تلف هذا الرهن فمن ضمان من يكون فالبائع يقول للمشترى: يتلف من ضمانك لأنه رهن. والمشترى يقول: يتلف من ضمانك لأنه مبيع لم يقبض وليس أحدهما بترجيح جانبه أولى من الآخر. قيل: بل يكون تلفه من ضمان البائع لأن ضمانه أسبق من ضمان الراهن لأنه لما باعه كان من ضمانه حتى يسلمه فحبسه على ثمنه لا يسقط عنه ضمانه كما لو حبس من غير ارتهان فارتهانه إياه لم يسقط عنه ما لزمه بعقد البيع من التسليم فإنه إنما احتاط لنفسه(2\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "447",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1719",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعقد الرهن والراهن لم يتعوض عن الرهن بدين يكون الرهن فى مقابلته فإذا تلف كان قد انتفع بالدين الذى أخذه فى مقابلة الرهن. فإن أراد الحيلة فى تصحيح الرهن والوثيقة وأن لا يعرضه للبطلان. فالحيلة له: أن يقبضه من البائع تم يرهنه إياه على ثمنه بعد قبضه فيصح الرهن ولا يتوالى هناك ضمانان فإذا تلف بعد ذلك تلف من ضمان المشترى ولا يسقط الثمن عنه فإن خاف البائع أن يغيب المشترى أو يؤخر فكاك الرهن كتب كتابا وأشهد فيه شهودا: أنه إن مضى وقت كذا وكذا ولم يفتك الرهن فقد أذن له فى بيعه وقبض دينه من ثمنه وما بقى منه فهو أمانة فى يده. فإن خاف أن يبطل هذه الوكالة من يرى أنه لا يصح تعليقها بالشرط. كتب فى الكتاب: أنه قد وكله الآن ويعلق تصرفه فيه بالبيع بمجيء الوقت فيعلق التصرف وينجز التوكيل. فإن خاف أن يعز له الموكل فلا ينفذ تصرفه فيه. فالحيلة له: أن يوكل وكالة دورية عند من يرى ذلك فيقول: وكلما عزلته فقد وكلته وإن شاء أن يقول: وكلته وكالة لا تقبل العزل وإن شاء أن يقول: على أنى متى عزلته فلا حق لى عنده ولا دعوى وما ادعيته عليه من جهة كذا وكذا فدعواى باطلة والله أعلم. المثال الثمانون: إذا ادعت عليه المرأة أنه لم ينفق عليها ولم يكسها مدة مقامها معه أو سنين كثيرة والحس والعرف يكذبها لم يحل للحاكم أن يسمع دعواها ولا يطالبه برد الجواب فإن الدعوى إذا ردها الحس والعادة المعلومة كانت كاذبة. وفى الصحيح عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلةquot;. وفى الصحيح أيضا عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;من ادعى ما ليس له فليس منا(2\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "448",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1720",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وليتبوأ مقعده من النارquot;. فلا يجوز لأحد. حاكم ولا غيره أن يساعد من ادعى ما يشهد الحس والعرف والعادة أنه ليس له وأن دعواه كاذبة ففى سماع دعواه وإحضار المدعى عليه وإحلافه أعظم مساعدة ومعاونة على ما يكذبه الحس والعادة. ثم كيف يسع الحاكم أن يقبل قول المرأة: أنها هى التى كانت تنفق على نفسها وتكسو نفسها هذه المدة كلها مع شهادة العرف والعادة المطردة بكذبها ولا يقبل قول الزوج: أنه هو الذى كان ينفق عليها ويكسوها مع شهادة العرف والعادة له ومشاهدة الجيران وغيرهم له: أنه كل وقت يدخل إلى بيته الطعام والشراب والفاكهة وغير ذلك. فكيف يكذب من معه مثل هذه الشهادة ويقبل قول من يكذب دعواه ذلك وكيف يمكن الزوج أن يتخلص من مثل هذا البلاء الطويل والخطب الجليل إلا بأن يشهد كل يوم بكرة وعشية شاهدى عدل على الإنفاق وعلى الكسوة. أو يفرض لها كل شهر بكرة وعشية شاهدى عدل على الإنفاق وعلى الكسوة. أو يفرض لها كل شهر دراهم معلومة يقبضها إياها بإشهاد. ثم إما أن يمكنها أن تخرج من بيته كل وقت تشترى لها ما يقوم بمصالحها أو يتصدى هو لخدمتها وشراء حوائجها فيكون هو العانى الأسير المملوك وهى المالكة الحاكمة عليه. وكل هذا ضد ما قصده الشارع من النكاح: من الألفة والمودة والمعاشرة بالمعروف. فإن هذه المعاشرة من أنكر المعاشرة وأبعدها من المعروف. ثم من العجب: أنها إذا ادعت الكسوة والنفقة لمدة مقامها عنده فقال الزوج للحاكم: سلها: من أين كانت تأكل وتشرب وتلبس فيقول الحاكم: لا يلزمها ذلك!!. فيالله العجب: إذا كانت غير معروفة بالدخول والخروج ولا يمكن الزوج أحدا يدخل عليها وهى فى منزله عدد سنين تأكل وتشرب وتلبس كيف لا يسألها الحاكم: من الذى كان يقوم لك بذلك فمتى سأل الزوج سؤالها وجب عليه ذلك. ومتى تركه كان تاركا(2\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "449",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1721",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للحق فإن سمت أجنبيا غير الزوج كلفها الحاكم البينة على ذلك وإن قالت: أنا الذى كنت أطعم نفسى وأكسوها فى هذه المدة كان كذبها معلوما ولم يقبل قولها فإن النفقة والكسوة واجبان على الزوج وهى تدعى أنها هى التى قامت عنه بهذا الواجب وأدته من مالها وهو ويدعى أنه هو الذى فعل هذا الواجب وقام به وأسقطه عن نفسه ومعه الظاهر والأصل. أما الظاهر: فلا يمكن عاقلا أن يكابر فيه بل هو ظاهر ظهورا قريبا من القطع بل يقطع به فى حق أكثر الناس. وأما الأصل: فهو أيضا من جانب الزوج. فإنهما قد اتفقا على القيام بواجب حقها وهى تضيف ذلك إلى نفسها أو إلى أجنبى وهو يدعى أنه هو الذى قام بهذا الواجب فقد اتفقا على وصول النفقة والكسوة إليها وهى تقول: كان ذلك بطريق البدل والنيابة عنك. وهو يقول: لم يكن بطريق النيابة بل بطريق الأصالة. وهذا بخلاف ما إذا لم يعلم وصول الحق إلى مستحقه كالديون والأعيان المضمونة فإن قبول قول المنكر متوجه ومعه الأصل. ونظيره: أن يعترف بقضاء الدين ووصوله إليه ثم ينكر أن يكون وصل إليه من جهة من عليه الدين. فيقول: وصل إلى الدين الذى لى لكن ليس من جهتك بل غيرك أداه عنك. فهل يقبل قوله هاهنا أحد ويقال: الأصل بقاء الدين فى ذمته. وهذا نظير مسألة الإنفاق سواء بسواء فإنها مقرة بوصول النفقة إليها ولو أنكرتها لكذبها الحس ومدعية أن وصول ذلك إلى لم يكن من جهتك فدعواها تخالف الأصل والظاهر جميعا. ولهذا لا يقبلها مالك وفقهاء أهل المدينة وقولهم هو الصواب والحق الذى ندين الله به ولا نعتقد سواه. وأى قبيح أعظم من دعوى امرأة على الزوج ترك النفقة والكسوة ستين سنة أو أكثر وهى لا تدخل ولا تخرج ولا يمكنها أن تعيش عيش الملائكة فيطالب الزوج بنفقة جميع المدة التى ادعت ترك الإنفاق فيها وقد تستغرق جميع ماله وداره وثيابه ودوابه. فيؤخذ(2\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "450",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1722",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك كله منه ويحبس على الباقى ويجعل دينا مستقرا فى ذمته تطالبه به متى شاءت. وهى تعلم كذب دعواها ووليها يعلم ذلك وجيرانها والله وملائكته والذى يساعدها ويخاصم عنها. ولما علم فقهاء العراق كأبى حنيفة وأصحابه ما فى ذلك من الشر والفساد والضرر الذى لا تأتى به شريعة. أسقطوا النفقة والكسوة عن الزوج بمضى الزمان. فلم يسمعوا دعوى المرأة بذلك. كما يقوله منازعوهم فى نفقة القريب فنفسوا الخناق عن الأزواج بهذا القول وأشموهم رائحة الحياة ونفسوا عنهم بعض الكرب. ولقد أقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بعد أن أرسله الله تعالى إلى الناس ثلاث عشرة سنة بمكة وعشرا بالمدينة فما ألزم زوجا قط بنفقة وكسوة ماضية ولا ادعتها عنده امرأة. وكذلك خلفاؤه الراشدون من بعده وكذلك عصر الصحابة جميعهم وعصر التابعين ولا حبس على عهده وعهد أصحابه وتابعيهم رجل واحد على ذلك. ولا على صداق امرأته مع صيانة نسائهم ولزومهن بيوتهن وعدم تبرجهن وتزينهن وخروجهن فى الأسواق والطرقات. والأزواج فى الحبوس وهن مسيبات يخرجن ويذهبن حيث أردن. فوالله لو رأى هذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لشق عليه غاية المشقة ولعظم عليه وعز عليه ولكان إلى دفعه وإنكاره أسرع منه إلى غيره. وبالجملة فالدعوى إذا كانت مما تردها العادة والعرف والظاهر لم يجز سماعها. ومن هاهنا قال أصحاب مالك: إذا كان رجل حائزا لدار متصرفا فيها مدة السنين الطويلة بالبناء والهدم والإجارة والعمارة وينسبها إلى نفسه ويضيفها إلى ملكه وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة وهو مع ذلك لا يعارضه فيها ولا يذكر أن له فيها حقا ولا مانع يمنعه من مطالبته: من خوف سلطان أو نحو ذلك من الضرر المانع من المطالبة بالحقوق ولا بينه وبين المتصرف فى الدار قرابة ولا شركة فى ميراث وما أشبه ذلك مما يتسامح به القرابات وذوو الصهر بينهم فى إضافة أحدهم أموال الشركة إلى نفسه بل كان عريا عن ذلك كله ثم جاء بعد طول هذه المدة(2\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "451",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1723",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يدعيها لنفسه ويزعم أنها له ويريد أن يقيم بذلك بينة. فدعواه غير مسموعة أصلا فضلا عن بينة وتقر الدار بيد حائزها. قالوا: لأن كل دعوى ينفيها العرف وتكذبها العادة فإنها مرفوضة غير مسموعة قال تعالى: وأمر بالعرف [الأعراف: 199] . وأوجبت الشريعة الرجوع إليه عند الاختلاف فى الدعاوى وغيرها. قلت: ومما يدل على ذلك: أن الظن المستفاد من هذا الظاهر أقوى بكثير من الظن المستفاد من شاهدين أو شاهد ويمين أو مجرد النكول أو الرد. وأيضا فإن البينة على المدعى والبينة هى كل ما يبين الحق والعرف والعادة والظاهر القوى الذى إن لم يقطع به فهو أقرب إلى القطع يدل على صدق الزوج وكذب المرأة فى إمساكها عن كسوتها والإنفاق عليها مدة سنين متطاولة ولا يدخل عليها أحد ولا هى ممن تخرج تشترى لها ما تأكل وتلبس. فالشريعة جاءت بما يعرف لا بما ينكر وقد أخبر الله سبحانه أن للزوجة مثل الذى عليها بالمعروف وليس من المعروف إلزام الزوج بنفقة ستين سنة وكسوتها واجتياح ماله كله وسلبه نعمة الله عليه وجعله مسكينا ذا متربة وجعله أسيرا لها ينافى ما ادعت به بل هذا من أنكر المنكر ومما يراه المسلمون بل وغير المسلمين قبيحا. وأيضا: فالرجل له ولاية الإنفاق على زوجته كما له ولاية حبسها ومنعها من الخروج من بيته فالشارع جعل إليه ذلك وأمره أن يقوم على المرأة ولا يؤتها ماله بل يرزقها ويكسوها فيه وجعلها الله سبحانه فى ذلك بمنزلة الصغير والمجنون مع وليه كما قال تعالى: ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم [النساء: 5] . قال ابن عباس: لا تعمد إلى مالك الذى خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك وبنيك فيكونوا هم الذين يقومون عليك فى كسوتهم ورزقهم ومؤنتهم. فالسفهاء هم النساء والصبيان وقد جعل الله سبحانه الأزواج قوامين عليهم كما جعل ولى الطفل قواما عليه والقوام على غيره أمين عليه. ومن قبل قول الزوجة أو الطفل بعد(2\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "452",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1724",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البلوغ فى عدم إيصال النفقة إليهما فقد جعلهما قوامين على الأزواج والأولياء ولو لم يقبل قول الزوج لم يكن قواما على المرأة. فإن المرأة إذا كانت غريما مقبول القول دون الزوج كانت هى القوامة. وبالجملة فللرجل على امرأته ولاية حتى فى مالها فإن له أن يمنعها من التبرع به لأنه إنما بذل لها المهر لمالها ونفسها فليس لها أن تتصرف فى ذلك بما يمنع الزوج من كمال استمتاعه وقد سوى النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بين نفقة الزوجات ونفقة المماليك وجعل المرأة عانية عند الزوج والعانى: هو الأسير وهو نوع من الرق فقال فى المرأة: quot;تطعمها مما تأكل وتكسوها مما تلبسquot;. وكذلك قال فى الرقيق سواء فهو أمير على نفقة امرأته ورقيقه وأولاده بحكم قيامه عليهم ولم يوجب الله سبحانه على الأزواج تمليك النساء طعاما وإداما ولا دراهم أصلا وإنما أوجب إطعامهن وكسوتهن بالمعروف وإيجاب التمليك مما لم يدل عليه كتاب ولا سنة ولا إجماع.(2\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "453",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1725",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك فرض النفقة وتقديرها بدراهم لا أصل له من كتاب ولا سنة ولا قول صحابى ولا تابعى ولا أحد من الأئمة الأربعة. فإن الناس لهم قولان منهم من يرى تقديرها بالحب كالشافعى ومنهم من يردها إلى العرف وهم الجمهور ولا يعرف عن أحد من السلف والأئمة تقديرها بالدراهم البتة. ثم أن فيه إيجاب المعاوضة على الواجب لها بغير رضا الزوج ومن غير اعتبار كون الدراهم قيمة الواجب لها من الحب أو الواجب بالعرف ففرض الدراهم مخالف لهذا وهذا ولأقوال جميع السلف والأئمة وفيه من الفساد ما لا يحصيه إلا الله. فإنه إن مكن المرأة تخرج كل وقت تشترى لها طعاما وإداما دخل على الزوج والزوجة من الشر والفساد ما يشهد به العيان وإن منعها من الخروج أضر بها وبالزوج وجعله كالأجير والأسير معها. وبالجملة: فمبنى الحكم فى الدعاوى على غلبة الظن المستفاد من براءة الأصل تارة ومن الإقرار تارة ومن البينة تارة ومن النكول مع يمين الطالب المردودة. أو بدونها وهذا كله مما يبين الحق ظاهرا فهو بينة وتخصيص البينة بالشهود عرف خاص وإلا فالبينة اسم لما يبين الحق. فمن كان ظن الصدق من جانبه أقوى كان بالحكم أولى ولهذا قدمنا جانب المدعى عليه حيث لا بينة ولا إقرار ولا نكول ولا شاهد حال استنادا إلى الظن المستفاد من البراءة الأصلية. فإذا كان فى جانب المدعى بينة شرعية قدم لقوة الظن فى جانبه بالبينة. وكذلك إذا كان فى جانبه قرينة ظاهرة كاللوث قدم جانبه. ولذلك قدم جانبه فى اللعان إذا نكلت المرأة فإنها ترجم بأيمانه. لقوة الظن فى جانبه بإقدامه على اللعان مع نكول المرأة عن دفع الحد والعار عنها باليمين.(2\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "454",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1726",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد أجمع الناس على جواز وطء المرأة التى تزف إلى الزوج ليلة العرس وإن لم يكن رآها ولا وصفت له من غير اشتراط شاهدى عدل يشهدان أنها هى امرأته التى وقع عليها العقد اكتفاء بالظن الغالب بالقطع المستفاد من شاهد الحال. وكذلك يجوز الأكل من الهدى المنحور إذا كان بالفلاة ولا أحد عنده اكتفاء بشاهد الحال. وكذلك درج السلف والخلف على جواز أكل الفقير مما يدفعه إليه الصبى ويخرجه من البيت: من كسرة ونحوها اعتمادا على شاهد الحال. وكذلك يكتفى بشاهد الحال فى بيع المحقرات بالمعاطاة. وهو عمل الأمة قديما وحديثا. واكتفى الشارع بسكوت البكر فى الاستئذان وجعله دليلا على رضاها اكتفاء بشاهد الحال. واكتفت الأمة فى الاعتماد على المعاملات والهدايا والتبرعات بكونها بيد الباذل لأن دلالتها على ملكه تورث ظنا ظاهرا. واكتفت بمعاملة مجهول الحرية والرشد وإقراره وأكل طعامه وقبول هديته وإباحة الدخول إلى منزله اعتمادا على شاهد الحال والظن الغالب. واكتفى الشارع بقول الخارص. الواحد فى محل الظن والخرص نظرا إلى الظن المستفاد من خرصه. واكتفت الأمة بقول المقومين فيما دق وجل اعتمادا على الظن المستفاد من تقويمهم. وقد اكتفى الشارع بتقويم اثنين فى جزاء الصيد. واكتفى بواحد فى الخرص(2\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "455",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1727",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واكتفى بواحد فى رؤية هلال رمضان. واكتفت الأمة بقول القاسم وحده أو بقول اثنين وكذلك القائف أو القائفين. واكتفت بقول المؤذن الواحد. وقد اكتفى كثير من الفقهاء بانتساب الصغير وميل طبعه إلى من ادعاه من رجلين أو أكثر اعتمادا على الظن المستفاد من ميل طبعه وهو من أضعف الظنون ولذلك كان فى آخر رتب الإلحاق عندهم عند عدم القائف. وكذلك الاعتماد فى وجوب دفع اللقطة أو جوازه على الظن المستفاد من وصف الواصف لها. وكذلك الاعتماد على أمارات الطهارة والنجاسة. والقبلة والاعتماد على قول الكيال والوزان. وقال كثير من الفقهاء: يحبس المدعى عليه بشهادة المستورين إلا أن يعدلا إذ الغالب من المستورين العدالة. فاستجازوا عقوبة الرجل المسلم يمثل هذا الظن. وقالوا: تسمع الشهادة على المقر بالإقرار من غير اشتراط ذكر الشاهدين أهلية المقر حال إقراره اعتمادا على ظن الرشد والاختيار. وقالوا: إذا كان الجدار حائلا بين الطريق وبين ملك المدعى أو بين ملكه وبين موات اختص به المدعى لأن الظاهر أن الطريق والموات لا يحاط عليهما. وقالوا: لو كان بين الملكين جدار متصل بأبنية أحد المالكين اتصالا بدواخل وترصيف اختص به صاحب الترصيف لقوة الظن من جانبه إذ معه دلالتان إحداهما: الاتصال. والثانية: التداخل والترصيف فلو تداخل من أحد طرفيه فى ملك أحدهما ومن الطرف الآخر فى الملك الأخر اشتراكا فيه: لتساويهما فى الدلالتين.(2\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "456",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1728",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالوا: إن الأبواب المشرعة فى الدروب غير النافذة دالة على الاشتراك فى الدرب إلى حد كل باب منها فيكون الأول شريكا من أول الدرب إلى بابه والثانى شريكا إلى بابه والذى فى آخر الدرب شريك من أول الدرب إلى بابه قولا واحدا وإلى آخر الدرب على الصحيح وكل ذلك بناء على الظن المستفاد من الاستطراق وأنه بحق. وقالوا: إن الأجنحة المطلة على ملك الجار وعلى الدروب غير النافذة أنها ملك لأصحابها اعتمادا على غلبة الظن بذلك وأنها وضعت باستحقاق. وكذلك القنوات والجداول الجارية فى ملك الغير دالة على اختصاصها بأرباب المياه بناء على الظن المستفاد من ذلك وأن صورها دالة على أنها وضعت باستحقاق. ومن ذلك: دلالة الأيدى على الاستحقاق اعتمادا على الظن الغالب مع القطع بكثرة وضع الأيدى عدوانا وظلما ولا سيما ما اطردت العادة بإجارته وخروجه من يد مالكه إلى يد مستأجره كالأراضى والدواب والحوانيت والرباع والحمامات وأن الغالب فيها الخروج عن يد مالكها وقد اعتبرتم اليد وقد استشكل كثير من فضلاء أصحابكم هذا واعترف بأن جوابه مشكل جدا ولما كان الظن المستفاد من الشهود أقوى من الظن المستفاد من هذه الوجوه قدم عليها. ولما كان الظن المستفاد من الإقرار أقوى من الظن المستفاد من الشهود قدم الإقرار عليها. ولذلك اكتفى كثير من الفقهاء بالمرة الواحدة فى الإقرار بالزنا والسرقة لهذه القوة. قالوا: لأن وازع المقر طبعى ووازع الشهود شرعى والوازع الطبعى أقوى من الوازع الشرعى ولذلك يقبل الإقرار من المسلم والكافر والبر والفاجر: لقيام الوازع الطبعى. ولما كان الوازع عن الكذب على نفسه مخصوصا بالمقر كان إقراره حجة قاصرة عليه وعلى من يتلقى عنه لكونه فرعه. ولما كان الوازع الشرعى عاما بالنسبة إلى جميع الناس كان حجة عامة: فإن خوف(2\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "457",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1729",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله يزع الشاهد عن الكذب فى حق كل أحد. فكان قوله حجة عامة لكل أحد. ولما كان وازع الكذب مختصا بالمقر قصر عليه فهو خاص قوى والشهادة عامة ضعيفة بالنسبة إلى الإقرار قوية بالنسبة إلى الأيدى وإلى ما ذكرناه من الدلالات. ومعلوم أن الظنون لا تقع إلا بأسباب تثيرها وتحركها. فمن أسبابها: الاستصحاب واطراد العادة أو كثرة وقوعها أو قول الشاهد أو شاهد الحال. ولا يقع فى الظنون تعارض وإنما يقع فى أسبابها وعلاماتها. فإذا تعارضت أسباب الظنون فإن حصل الشك لم يحكم بشئ وإن وجد الظن فى أحد الطرفين حكم به والحكم للراجح. لأن مرجوحية مقابله تدل على ضعفه. فإذا تعارض سببا ظن- وكان كل واحد منهما مكذبا للآخر- تساقطا: كتعارض البينتين والأمارتين وإن لم يكن كل واحد منهما مكذبا للآخر عمل بهما على حسب الإمكان كدابة عليها راكبان وعبد ممسك بيديه اثنان ودار فيها ساكنان وخشبة لها حاملان وجدار متصل بملكين ونظائر هذا. فإن كان أحدهما أرجح من الآخر عمل بالراجح كالشاهد مع البراءة الأصلية ومع اليد يقدم عليهما لرجحانه. ولما كانت اليد لها مراتب فى القوة والضعف. كانت يد اللابس لثيابه وعمامته وخفه ومنطقته ونعله: أقوى من يد الجالس على البساط والراكب على الدابة ويد الراكب أقوى من يد السائق والقائد ويد الساكن للدار أضعف من تلك الأيدى ويد من هو داخل الحمام والخان أضعف من هذا كله- قدم أقوى الأيدى على أضعفها. فلو كان فى الدار اثنان وتنازعا فيها وفى لباسهما الذى عليهما جعلت الدار بينهما لاستوائهما فى اليد. وكان القول قول كل منهما فى لباسه المختص به لقوة يده بالقرب والاتصال. ولو تنازع الراكب والسائق والقائد قدمت يد الراكب. وكذلك قال الجمهور.(2\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "458",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1730",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولو تنازع الزوجان فى متاع البيت أو الصانعان فى حانوت كان القول قول من يدعى منهما ما يصلح له وحده لغلبة الظن القريب من القطع باختصاصه به. وكذلك لو رأينا رجلا شريفا حاسر الرأس وأمامه داعر على رأسه عمامة وبيده عمامة لا تليق به وهو هارب. فتقديم يده على الظن المستفاد من كونها يدا عادية مما يقطع ببطلانه. وكذلك فقيه له كتب فى داره. وامرأته غير معروفة بشئ من ذلك البتة. فتقديم يدها على شاهد حال الفقيه فى غاية البعد. وأين الظن المستفاد من هذا وأمثاله إلى الظن المستفاد من النكول ومن الظن المستفاد من اليد بل أين ذاك الظن من الظن المستفاد من الشاهد واليمين. ومن الممتنع أن يرتب الشارع الأحكام على هذه الظنون ولا يرتبها على الظنون التى هى أقوى منها بمراتب كثيرة. بل تكاد تقرب من القطع. كما أنه من المحال أن يحرم التأفيف للوالدين ويبيح شتمهما وضربهما. وهل تقديم قول المدعى فى القسامة إلا اعتمادا على الظن الغالب باللوث وقدم هذا الظن على ظن البراءة الأصلية لقوته. وقد حكى الله سبحانه فى كتابه عن الشاهد الذى شهد من أهل امرأة العزيز. وحكم بالقرائن الظاهرة على براءة يوسف عليه السلام. وكذب المرأة بقوله: إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم [يوسف: 26 - 28] . وسمى الله سبحانه ذلك أية وهى أبلغ من البينة فقال: ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين [يوسف: 35] . وحكى سبحانه ذلك مقررا له غير منكر وذلك يدل على رضاه به. ومن هذا: حكم نبى الله سليمان بن داود عليهما السلام بالولد الذى تنازع فيه المرأتان فقضى به داود للكبرى فخرجتا على سليمان فقصتا عليه القصة فقال سليمان عليه السلام: ائتونى بالسكين أشقه بينكما فقالت الصغرى: لا تفعل يا نبى الله هو ابنها. فقضى به(2\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "459",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1731",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للصغرى ولم يكن سليمان ليفعل ولكن أوهمهما ذلك فطابت نفس الكبرى بذلك. استرواحا منها إلى راحة التسلى والتأسى بذهاب ابن الأخرى. كما ذهب ابنها ولم تطب نفس الصغرى بذلك بل أدركتها شفقة الأم ورحمتها فناشدته أن لا يفعل استرواحا إلى بقاء الولد ومشاهدته حيا وإن اتصل إلى الأخرى. وتأمل حكم سليمان به للصغرى وقد أقرت به للكبرى تجد تحته: أن الإقرار إذا ظهرت أمارات كذبه وبطلانه لم يلتفت إليه ولم يحكم به على المقر وكان وجوده كعدمه. وهذا هو الحق الذى لا يجوز الحكم بغيره. وكذلك إذا غلط المقر أو أخطأ أو نسى أو أقر بما لا يعرف مضمونه. لم يؤاخذ بذلك الإقرار ولم يحكم به عليه كما لو أقر مكرها. والله تعالى رفع المؤاخذة بلغو اليمين لكون الحلف لم يقصد موجبها. وأخبر أنه إنما يؤاخذ بكسب القلب والغالط والمخطئ والناسى والجاهل والمكره لم يكسب قلبه ما أقر به أو حلف عليه فلا يؤاخذ به. والمقصود: أن الزوج المظلوم المدعى عليه دعوى كاذبة ظالمة: بأنه ترك النفقة والكسوة تلك السنين كلها أو مدة مقامها عنده إذا تبين كذب المرأة فى دعواها لم يجز للحاكم سماعها فضلا عن مطالبته برد الجواب. فله طرق فى التخلص من هذه الدعوى. أحدها: أن يقول: كيف يسوغ سماع دعوى تكذبها العادة والعرف ومشاهدة الجيران. الثانى: أن يقول للحاكم: سلها: من كان ينفق عليها ويكسوها فى هذه المدة.(2\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "460",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1732",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن ادعت أن غيره كان يؤدى ذلك عنه لم تسمع دعواها وكانت الدعوى لذلك الغير. ولا يقبل قولها على الزوج إن غيره قام بهذا الواجب عنه. وهذا مما لا خفاء به ولا إشكال فيه. وإن قالت: أنا كنت أنفق على نفسى. قال الزوج: سلها: هل كانت هى التى كانت تدخل وتخرج تشترى الطعام والإدام فإن قالت: نعم ظهر كذبها ولا سيما إن كانت من ذوات الشرف والأقدار. وإن قالت: كنت أوكل غيرى فى ذلك ألزمت ببيانه وإلا ظهر كذبها وظلمها وعدوانها. وكانت معاونتها على ذلك معاونة على الإثم والعدوان. فإن أعوز الزوج حاكم عالم متحر للحق لا تأخذه فيه لومة لائم فليعدل إلى التحيل بالخلاص بما يبطل دعواها الكاذبة إما بأن يجحد استحقاقها لما ادعت به ولا يعدل إلى الجواب المفصل فتحتاج هى إلى إقامة البينة على سبب الاستحقاق. وقد يتعذر أو يتعسر عليها ذلك. فإن أحضرت الصداق وأقامت البينة فإن كانت لم تنتقل معه إلى داره جحد تسليمها إليه والقول قوله إذا لم تكن معه فى منزله. فإن كانت قد انتقلت معه إلى منزله وادعى نشوزها تلك المدة وأمكنه إقامة البينة بذلك سقطت نفقتها فى مدة النشوز. وإن لم يمكنه إقامة البينة وادعى عدم تمكينها له من الوطء وادعت أنها مكنته فالقول قوله لأن الأصل عدم التمكين وهذا غير دعواه النشوز فإن النشوز هو العصيان والأصل عدمه وهذا إنكار لاستيفاء حقه والأصل عدمه فتأمله. فإن كان له منها ولد لم يمكنه هذا الإنكار. ومتى أحس بالشر والمكر احتال بأن يخبئ شاهدى عدل بحيث يسمعان كلامها ولا تراهما ثم يدفع إليها مالا أو ترضى به ويتلطف بها ثم يقول: أريد أن يجعل كل منا صاحبه فى حل حتى تطيب أنفسنا ولعل الموت يأتى بغتة ونحو ذلك من الكلام. وإن أمكنه أن يستنطقها بأنها لا تستحق عليه إلى ذلك الوقت نفقة ولا كسوة وأنه(2\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "461",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1733",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يرضيها من الآن ويدفع إليها ما ترضى به كان أقوى. ثم يأخذ خط الشاهدين بذلك ويكتمه منها. فإن أعجله الأمر عن ذلك وأمكنه المبادرة برفعها إلى حاكم مالكى أو حنفى بادر إلى ذلك. وبالجملة فالحازم من يستعد لحيلهن ويعد لها حيلا يتخلص بها منها وهذا لا بأس به ولا إثم فيه ولا فى تعليمه فإن فيه تخليص المظلوم وإغاثة الملهوف وإخزاء الظالم المعتدى. والله الموفق للصواب. وإنما أطلنا الكلام فى هذا المثال لشدة حاجة الناس إلى ذلك ولعموم البلوى وكثرة الفجور وانتشار الضرر بتمكين المرأة من هذه الدعوى وسماعها وجعل القول قولها وفى ذلك كفاية وإلا فهى تحتمل أكثر من ذلك. فصل والمقصود بهذه الأمثلة وأضعافها مما لم نذكره: أن الله سبحانه أغنانا بما شرعه لنا من الحنيفية السمحة وما يسره من الدين على لسان رسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وسهله للأمة عن الدخول فى الآصار والأغلال وعن ارتكاب طرق المكر والخداع والاحتيال كما أغنانا عن كل باطل ومحرم وضار بما هو أنفع لنا منه من الحق والمباح النافع. فأغنانا بأعياد الإسلام عن أعياد الكفار والمشركين من أهل الكتاب والمجوس والصابئين وعبدة الأصنام. وأغنانا بوجوه التجارات والمكاسب الحلال عن الربا والميسر والقمار. وأغنانا بنكاح ما طاب لنا من النساء مثنى وثلاث ورباع والتسرى بما شئنا من الإماء عن الزنا والفواحش. وأغنانا بأنواع الأشربة اللذيذة النافعة للقلب والبدن عن الأشربة الخبيثة المسكرة المذهبة للعقل والدين. وأغنانا بأنواع الملابس الفاخرة: من الكتان والقطن والصوف عن الملابس(2\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "462",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1734",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المحرمة من الحرير والذهب. وأغنانا عن سماع الأبيات وقرآن الشيطان بسماع الآيات وكلام الرحمن. وأغنانا عن الاستقسام بالأزلام طلبا لما هو خير وأنفع لنا باستخارته التى هى توحيد وتفويض واستعانة وتوكل. وأغنانا عن طلب التنافس فى الدنيا وعاجلها بما أحبه لنا وندبنا إليه من التنافس فى الآخرة وما أعد لنا فيها وأباح الحسد فى ذلك. وأغنانا به عن الحسد على الدنيا وشهواتها. وأغنانا بالفرح بفضله ورحمته وهما القرآن والإيمان عن الفرح بما يجمعه أهل الدنيا من المتاع والعقار والأثمان فقال تعالى: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون [يونس: 58] . وأغنانا بالتكبر على أعداء الله تعالى وإظهار الفخر والخيلاء لهم عن التكبر على أولياء الله تعالى والفخر والخيلاء عليهم فقال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لمن رآه يتبختر بين الصفين: quot;إنها لمشية يبغضها الله إلا فى مثل هذا الموطنquot;. وأغنانا بالفروسية الإيمانية والشجاعة الإسلامية التى تأثيرها فى الغضب على أعدائه ونصرة دينه عن الفروسية الشيطانية التى يبعث عليها الهوى وحمية الجاهلية.(2\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "463",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1735",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأغنانا بالخلوة الشرعية حال الاعتكاف عن الخلوة البدعية التى يترك لها الحج والجهاد والجمعة والجماعة. وكذلك أغنانا بالطرق الشرعية عن طرق أهل المكر والاحتيال. فلا تشتد حاجة الأمة إلى شئ إلا وفيما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ما يقتضى إباحته وتوسعته بحيث لا يحوجهم فيه إلى مكر واحتيال ولا يلزمهم الآصار والأغلال فلا هذا من دينه ولا هذا. كما أغنانا بالبراهين والآيات التى أرشد إليها القرآن عن الطرق المتكلفة المتعسفة المعقدة التى باطلها أضعاف حقها: من الطرق الكلامية التى الصحيح منها كلحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل. ونحن نعلم علما لا نشك فيه أن الحيل التى تتضمن تحليل ما حرمه الله تعالى وإسقاط ما أوجبه لو كانت جائزة لسنها الله سبحانه. وندب إليها لما فيها من التوسعة والفرج للمكروب والإغاثة للملهوف كما ندب إلى الإصلاح بين الخصمين. وقد قال المبعوث بالحنيفية السمحة صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;ما تركت من شئ يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به ولا تركت من شئ يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به وتركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدى إلا هالكquot;. فهلا ندب النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلى الحيل وحض عليها كما حض على إصلاح ذات البين بل لم يزل يحذر من الخداع والمكر والنفاق ومشابهة أهل الكتاب باستحلال محارمه بأدنى الحيل. ولو كان مقصود الشارع إباحة تلك المحرمات التى رتب عليها أنواع الذم والعقوبات وسد الذرائع الموصلة إليها لم يحرمها ابتداء ولا رتب عليها العقوبة ولا سد الذرائع إليها. ولكان ترك أبوابها مفتحة أسهل من المبالغة فى غلقها وسدها ثم يفتح لها أنواع الحيل حتى ينقب المحتال عليها من كل ناحية. فهذا مما تصان عنه الشرائع فضلا عن أكملها شريعة وأفضلها دينا.(2\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "464",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1736",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد قدمنا أن الضرر والمفاسد الحاصلة من تلك المحرمات لا يزول بالاحتيال والتنقيب عليها بل تقوى وتشتد مفاسدها. فصل إذا عرف هذا. فالطرق التى تتضمن نفع المسلمين والذب عن الدين ونصر المظلومين وإغاثة الملهوفين ومعارضة المحتالين بالباطل ليدحضوا به الحق من أنفع الطرق وأجلها علما وعملا وتعليما. فيجوز للرجل أن يظهر قولا أو فعلا مقصوده به مقصود صالح وإن ظن الناس أنه قصد به غير ما قصد به إذا كان فيه مصلحة دينية مثل دفع ظلم عن نفسه أو عن مسلم أو معاهد أو نصرة حق أو إبطال باطل من حيلة محرمة أو غيرها أو دفع الكفار عن المسلمين أو التوصل إلى تنفيذ أمر الله تعالى ورسوله. فكل هذه طرق جائزة أو مستحبة أو واجبة. وإنما المحرم: أن يقصد بالعقود الشرعية غير ما شرعت له فيصير مخادعا له فهذا مخادع لله ورسوله وذلك مخادع للكفار والفجار والظلمة وأرباب المكر والاحتيال. فبين هذا الخداع وذاك الخداع من الفرق كما بين البر والإثم والعدل والظلم والطاعة والمعصية فأين من قصده إظهار دين الله تعالى ونصر المظلوم وكسر الظالم إلى من قصده ضد ذلك. إذا عرف هذا فنقول: الحيل أقسام: أحدها: الطرق الخفية التى يتوصل بها إلى ما هو محرم فى نفسه فمتى كان المقصود بها محرما فى نفسه فهى حرام باتفاق المسلمين وصاحبها فاجر ظالم آثم. وذلك كالتحيل على هلاك النفوس. وأخذ الأموال المعصومة وفساد ذات البين وحيل الشياطين على إغواء بنى آدم وحيل المخادعين بالباطل على إدحاض الحق وإظهار الباطل فى الخصومات الدينية والدنيوية. فكل ما هو محرم فى نفسه فالتوصل إليه محرم بالطرق الظاهرة والخفية بل التوصل إليه بالطرق الخفية أعظم إثما وأكبر عقوبة فإن(2\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "465",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1737",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أذى المخادع وشره يصل إلى المظلوم من حيث لا يشعر ولا يمكنه الاحتراز عنه ولهذا قطع السارق دون المنتهب والمختلس. ومن هذا: رأى مالك ومن وافقه: أن القاتل غيلة يقتل وإن قتل من لا يكافئه لمفسدة فعله وعدم إمكان التحرز منه. ومن هذا: رأى عبد الله بن الزبير: قطع يد الزغلى لعظم ضرره على الأموال وعدم إمكان التحرز منه فهو أولى بالقطع من السارق وقوله قوى جدا. ومن هذا رأى الأمام أحمد قطع يد جاحد العارية لأنه لا يمكن الاحتراز منه بخلاف جاحد الوديعة فإنه هو الذى ائتمنه. والعمدة فى ذلك على السنة الصحيحة التى لا معارض لها. والقصد: أن التوصل إلى الحرام حرام سواء توصل إليه بحيلة خفية أو بأمر ظاهر. وهذا النوع من الحيل ينقسم قسمين: أحدهما: ما يظهر فيه أن مقصود صاحبه الشر والظلم كحيل اللصوص والظلمة والخونة. والثانى: ما لا يظهر ذلك فيه بل يظهر المحتال أن قصده الخير ومقصوده الظلم والبغى مثل إقرار المريض لوارث لا شئ له عنده قصدا لتخصيصه بالمقر به أو إقراره بوارث وهو غير وارث إضرارا بالورثة وهذا حرام باتفاق الأمة وتعليمه لمن يفعله حرام والشهادة عليه حرام إذا علم الشاهد صورة الحال. والحكم بموجب ذلك حكم باطل حرام يأثم به الحاكم باتفاق المسلمين. إذا علم صورة الحال فهذه الحيلة فى نفسها محرمة لأنها كذب وزور والمقصود بها محرم لكونه ظلما وعدوانا. ولكن لما أمكن أن يكون صدقا اختلف العلماء فى إقرار المريض لوارث هل هو باطل سدا للذريعة وردا للإقرار الذى صادف حق الورثة فيما هو متهم فيه لأنه شهادة على نفسه فيما تعلق به حقهم فيرد للتهمة كالشهادة على غيره أو هو مقبول إحسانا للظن بالمقر ولا سيما عند الخاتمة. ومن هذا الباب: احتيال المرأة على فسخ نكاح الزوج مع إمساكه بالمعروف بإنكارها الإذن للولى أو إساءة عشرة الزوج ونحو ذلك.(2\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "466",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1738",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحتيال البائع على فسخ البيع بدعواه أنه كان محجورا عليه. واحتيال المشترى على الفسخ بأنه لم ير المبيع. واحتيال المؤجر على المستأجر فى فسخ الإجارة. أو احتيال المستأجر عليه بأنه استأجر ما لم يره. واحتيال الراهن على المرتهن فى فسخ الرهن بأن يظهر أنه آجره قبل الرهن أو كان رهنه عند زوجته أو أمته ونحو ذلك. فهذا النوع لا يستريب أحد أنه من كبائر الإثم وهو من أقبح المحرمات وهو بمنزلة لحم خنزير ميت حرام وأنه فى نفسه معصية لتضمنه الكذب والزور. ومن جهة تضمنه إبطال الحق وإثبات الباطل. القسم الثالث: ما هو مباح فى نفسه لكن بقصد المحرم صار حراما كالسفر لقطع الطريق ونحو ذلك فهاهنا المقصود حرام والوسيلة فى نفسها غير محرمة لكن لما توسل بها إلى الحرام صارت حراما. القسم الرابع: أن يقصد بالحيلة أخذ حق أو دفع باطل لكن تكون الطريق إلى حصول ذلك محرمة. مثل أن يكون له على رجل حق فيجحده فيقيم شاهدين لا يعرفان غريمه ولم يرياه يشهدان له بما ادعاه. فهذا محرم أيضا وهو عند الله تعالى عظيم لأن الشاهدين يشهدان بالزور وشهادة الزور من الكبائر. وقد حملهما على ذلك. وكذلك لو كان له عند رجل دين فيجحده إياه. وله عنده وديعة فجحد الوديعة وحلف أنه لم يودعه أو كان له على رجل دين لا بينة له به. ودين آخر به بينه لكنه اقتضاه منه فيدعى هذا الدين. ويقيم به بينة. وينكر الاستيفاء. أو يكون قد اشترى منه شيئا فظهر به عيب تلف المبيع به فادعى عليه بثمنه فأنكر أصل العقد. وأنه لم يشتر منه شيئا أو تزوج امرأة فأنفق عليها مدة طويلة. فادعت عليه أنه لم ينفق عليها شيئا فجحد نكاحها بالكلية. فهذا حرام أيضا لأنه كذب. ولاسيما إن حلف عليه. ولكن لو تأول فى يمينه لم يكن به بأس فإنه مظلوم.(2\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "467",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1739",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: فما تقولون لو عامله معاملة ربا فقبض رأس ماله ثم ادعى عليه بالزيادة المحرمة هل يسوغ له أن ينكر المعاملة أو يحلف عليها. قيل: يسوغ له الحلف على عدم استحقاقها وأن دعواها دعوى باطلة فلو لم يقبل منه الحاكم هذا الجواب ساغ له التأويل فى اليمين لأنه مظلوم ولا يسوغ له الإنكار والحلف من غير تأويل لأنه كذب صريح. فليس له أن يقابل الفجور بمثله كما أنه ليس له أن يكذب على من كذب عليه أو يقذف من قذفه أو يفجر بزوجة من فجر بزوجته أو بابنة من فجر بابنته. فإن قيل: فما تقولون فى مسألة الظفر هل هى من هذا الباب أو من القصاص المباح. قيل: قد اختلف الفقهاء فيها على خمسة أقوال: أحدها: أنها من هذا الباب وأنه ليس له أن يخون من خانه. ولا يجحد من جحده. ولا يغصب من غصبه. وهذا ظاهر مذهب أحمد ومالك. والثانى: يجوز له أن يستوفى قدر حقه إذا ظفر بجنسه أو غير جنسه. وفى غير الجنس يدفعه إلى الحاكم يبيعه ويستوفى ثمنه منه. وهذا قول أصحاب الشافعى. والثالث: يجوز له أن يستوفى قدر حقه إذا ظفر بجنس ماله. وليس له أن يأخذ من غير الجنس. وهذا قول أصحاب أبى حنيفة. والرابع: أنه إن كان عليه دين لغيره لم يكن له الأخذ وإن لم يكن عليه دين فله الأخذ. وهذا إحدى الروايتين عن مالك. والخامس: أنه إن كان سبب الحق ظاهرا كالنكاح والقرابة وحق الضيف جاز للمستحق الأخذ بقدر حقه كما أذن فيه النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لهند. quot;أن تأخذ من مال أبى سفيان ما يكفيها ويكفى بنيهاquot;. وكما أذن لمن نزل بقوم ولم يضيفوه أن يعقبهم(2\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "468",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1740",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فى مالهم بمثل قراه كما فى الصحيحين عن عقبة بن عامر قال: quot;قلت للنبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقرونا فما ترى فقال لنا: إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغى لضيف فاقبلوا وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذى ينبغى لهمquot;. وفى المسند من حديث المقدام أبى كريمة أنه سمع النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: quot;من نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراهquot;. وفى المسند لأحمد أيضا من حديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;أيما ضيف نزل بقوم فأصبح الضيف محروما فله أن يأخذ بقدر قراه ولا حرج عليهquot;. وإن كان سبب الحق خفيا بحيث يتهم بالأخذ وينسب إلى الخيانة ظاهرا لم يكن له(2\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "469",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1741",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأخذ وتعريض نفسه للتهمة والخيانة وإن كان فى الباطن آخذا حقه. كما أنه ليس له أن يتعرض للتهمة التى تسلط الناس على عرضه وإن ادعى أنه محق غير متهم. وهذا القول أصح الأقوال وأسدها وأوفقها لقواعد الشريعة وأصولها وبه تجتمع الأحاديث. فإنه قد روى أبو داود فى سننه من حديث يوسف بن ماهك قال: quot;كنت أكتب لفلان نفقه أيتام كان وليهم فغالطوه بألف درهم فأداها إليهم فأدركت له من أموالهم مثلها فقلت: اقبض الألف الذى ذهبوا به منك قال: لا حدثنى أبى أنه سمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: quot; أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانكquot;. وهذا وإن كان فى حكم المنقطع فإن له شاهدا من وجه آخر وهو حديث طلق بن غنام: أخبرنا شريك وقيس عن أبى حصين عن أبى صالح عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانكquot; وقيس هو ابن الربيع وشريك ثقة وقد قوى حديثه بمتابعة قيس له وإن كان فيه ضعف. وله شاهد آخر من حديث أيوب بن سويد عن ابن شوذب عن أبى التياح عن أنس رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم نحوه وأيوب بن سويد - وإن كان فيه ضعف - فحديثه يصلح للاستشهاد به. وله شاهد آخر وإن كان فيه ضعف فهو يقوى بانضمام هذه الأحاديث إليه. رواه يحيى بن أيوب عن إسحاق بن أسيد عن أبى حفص الدمشقى عن مكحول: أن رجلا قال لأبى أمامة الباهلى: quot;الرجل أستودعه الوديعة أو يكون لى عليه دين فيجحدنى ثم يستودعنى أو يكون له عندى الشيء أفأجحده فقال: لا سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانكquot;. وله شاهد آخر مرسل. قال يحيى بن أيوب: عن ابن جريج عن الحسن عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانكquot;. وله شاهد. آخر. وهو ما رواه الترمذى من حديث مالك بن نضله قال: quot;قلت: يا رسول الله(2\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "470",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1742",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرجل أمر به فلا يقرينى ولا يضيفنى. فيمر بى أفأجزيه قال: لا أقرهquot;. قال الترمذى: هذا الحديث حسن صحيح. وله شاهد آخر. وهو ما رواه أبو داود من حديث بشر بن الخصاصية قال: quot;قلت: يا رسول الله إن أهل الصدقة يعتدون علينا أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا فقال: لاquot;. وله شاهد آخر من حديث بشر هذا أيضا: quot;قلت: يا رسول الله إن لنا جيرانا لا يدعون لنا شاذة ولا فاذة إلا أخذوها فإذا قدرنا لهم على شئ أنأخذه فقال: أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانكquot;. ذكره شيخنا فى كتاب إبطال التحليل. فهذه الآثار مع تعدد طرقها واختلاف مخارجها يشد بعضها بعضا ولا يشبه الأخذ فيها الأخذ فى الموضعين اللذين أباح رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فيهما الأخذ لظهور سبب الحق فلا ينسب الآخذ إلى الخيانة ولا يتطرق إليه تهمة ولتعسر الشكوى فى ذلك إلى الحاكم وإثبات الحق والمطالبة به والذين جوزوه يقولون: إذا أخذ قدر حقه من غير زيادة لم يكن ذلك خيانة فإن الخيانة أخذ ما لا يحل له أخذه وهذا ضعيف جدا فإنه يبطل فائدة الحديث. فإنه قال: quot;ولا تخن من خانكquot; فجعل مقابلته له خيانة ونهاه عنها فالحديث نص بعد صحته. فإن قيل: فهلا جعلتموه مستوفيا لحقه بنفسه إذ عجز عن استيفائه بالحاكم كالمغصوب ماله. إذا رآه فى يد الغاصب وقدر على أخذه منه قهرا فهل تقولون: إنه لا يحل له أخذ عين ماله وهو يشاهده فى يد الظالم المعتدى ولا يحل له إخراجه من داره وأرضه. وكذلك إذا غصب زوجته وحال بينه وبينها وعقد عليها ظاهرا بحيث لا يتهم فهل يحرم على الزوج الأول انتزاع زوجته منه خشية التهمة وهذا لا تقولونه أنتم ولا أحد من أهل العلم. ولهذا قال الشافعى وقد ذكر حديث هند: وإذ قد دلت السنة وإجماع كثير من أهل العلم على أن يأخذ الرجل حقه لنفسه سرا فقد دل أن ذلك ليس بخيانة. إذ الخيانة أخذ ما لا يحل له أخذه.(2\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "471",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1743",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالجواب: أنا نقول يجوز له أن يستوفى قدر حقه لكن بطريق مباح فأما بخيانة وطريق محرمة فلا. وقولكم: ليس ذلك بخيانة قلنا: بل هو خيانة حقيقة ولغة وشرعا وقد سماه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم خيانة وغايتها أنها خيانة مقابلة ومقاصة لا خيانة ابتداء فيكون كل واحد منهما مسيئا إلى الآخر ظالما له فإن تساوت الخيانتان قدرا وصفة فقد يتساقط إثمهما والمطالبة فى الآخرة أو يكون لكل منهما على الآخر مثل ما للآخر عليه وإن بقى لأحدهما فضل رجع به فهذا فى أحكام الثواب والعقاب. وأما فى أحكام الدنيا فليس كذلك لأن الأحكام فيها مرتبة على الظواهر وأما السرائر فإلى الله ولهذا قال النبى صلى الله تعالى عليه وأله وسلم: quot;إنكم تختصمون إلى وإنما أنا بشر أقضى بنحو ما أسمع ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النارquot;. فأخبر صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه يحكم بينهم بالظاهر وأعلم المبطل فى نفس الأمر أن حكمه لا يحل له أخذ ما يحكم له به وأنه مع حكمه له به فإنما يقطع له قطعة من النار فإذا كان الحق مع هذا الخصم فى الظاهر وجب على الحاكم أن يحكم له به ويقره بيده وإن كانت يدا عادية ظالمة عند الله تعالى فكيف يسوغ لخصمه أن يحكم لنفسه ويستوفى لنفسه بطريق محرمة باطلة لا يحكم بمثلها الحاكم وإن كان محقا فى نفس الأمر. وليس هذا بمنزلة من رأى عين ماله أو أمته أو زوجته بيد غاصب ظالم فخلصها منه قهرا فإنه قد تعين حقه فى هذا العين بخلاف صاحب الدين فإن حقه لم يتعين فى تلك العين التى يريد أن يستوفى منها ولأنه لا يتكتم بذلك ولا يستخفى به كما يفعل الخائن بل يكابر صاحب اليد العادية ويغالبه ويستعين عليه بالناس فلا ينسب إلى خيانة والأول متكتم مستخف متصور بصورة خائن وسارق. فإلحاق أحدهما بالآخر باطل والله أعلم.(2\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "472",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1744",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل القسم الخامس من الحيل. أن يقصد حل ما حرمه الشارع أو سقوط ما أوجبه بأن يأتى بسبب نصبه الشارع سببا إلى أمر مباح مقصود فيجعله المحتال المخادع سببا إلى أمر محرم مقصود اجتنابه. فهذه هى الحيل المحرمة التى ذمها السلف وحرموا فعلها وتعليمها. وهذا حرام من جهتين: من جهة غايته ومن جهة سببه. أما غايته: فإن المقصود به إباحة ما حرمه الله ورسوله وإسقاط ما أوجبه. وأما من جهة سببه: فإنه اتخذ آيات الله هزوا وقصد بالسبب ما لم يشرع لأجله ولا قصده به الشارع بل قصد ضده فقد ضاد الشارع فى الغاية والحكمة والسبب جميعا. وقد يكون أصحاب القسم الأول من الحيل أحسن حالا من كثير من أصحاب هذا القسم فإنهم يقولون: إن ما نفعله حرام وإثم ومعصية ونحن أصحاب تحيل بالباطل عصاة لله ورسوله مخالفون لدينه. وكثير من هؤلاء يجعلون هذا القسم من الدين الذى جاءت به الشريعة وأن الشارع جوز لهم التحيل بالطرق المتنوعة على إباحة ما حرمه وإسقاط ما أوجبه فأين حال هؤلاء من حال أولئك. ثم إن هذا النوع من الحيل يتضمن نسبة الشارع إلى العبث وشرع ما لا فائدة فيه إلا زيادة الكلفة والعناء فإن حقيقة الأمر عند أرباب الحيل الباطلة: أن تصير العقود الشرعية عبثا لا فائدة فيها فإنها لم يقصد بها المحتال مقاصدها التى شرعت لها بل لا غرض له فى مقاصدها وحقائقها البتة وإنما غرضه التوصل بها إلى ما هو ممنوع منه فجعلها سترة وجنة يتستر بها من ارتكاب ما نهى عنه صرفا فأخرجه فى قالب الشرع. كما أخرجت الجهمية التعطيل فى قالب التنزيه. وأخرج المنافقون النفاق فى قالب الإحسان والتوفيق والعقل المعيشى.(2\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "473",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1745",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأخرج الظلمة الفجرة الظلم والعدوان فى قالب السياسة وعقوبة الجناة. وأخرج المكاسون أكل المكوس فى قالب إعانة المجاهدين وسد الثغور وعمارة الحصون. وأخرج الروافض الإلحاد والكفر والقدح فى سادات الصحابة وحزب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأوليائه وأنصاره فى قالب محبة أهل البيت والتعصب لهم وموالاتهم. وأخرجت الإباحية وفسقة المنتسبين إلى الفقر والتصوف بدعهم وشطحهم فى قالب الفقر والزهد والأحوال والمعارف ومحبة الله ونحو ذلك. وأخرجت الاتحادية أعظم الكفر والإلحاد فى قالب التوحيد وأن الوجود واحد لا اثنان وهو الله وحده فليس هاهنا وجودان: خالق ومخلوق ولا رب وعبد بل الوجود كله واحد وهو حقيقة الرب. وأخرجت القدرية إنكار عموم قدرة الله تعالى على جميع الموجودات: أفعالها وأعيانها فى قالب العدل وقالوا: لو كان الرب قادرا على أفعال عباده لزم أن يكون ظالما لهم فأخرجوا تكذيبهم بالقدر فى قالب العدل. وأخرجت الجهمية جحدهم لصفات كماله سبحانه فى قالب التوحيد وقالوا: لو كان له سبحانه سمع وبصر وقدرة وحياة وإرادة وكلام يقوم به لم يكن واحدا وكان آلهة متعددة. وأخرجت الفسقة والذين يتبعون الشهوات الفسوق والعصيان فى قالب الرجاء وحسن الظن بالله تعالى وعدم إساءة الظن بعفوه وقالوا: تجنب المعاصى والشهوات إزراء بعفو الله تعالى وإساءة للظن به ونسبة له إلى خلاف الجود والكرم والعفو. وأخرجت الخوارج قتال الأئمة والخروج عليهم بالسيف فى قالب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وأخرج أرباب البدع جميعهم بدعهم فى قوالب متنوعة بحسب تلك البدع.(2\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "474",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1746",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأخرج المشركون شركهم فى قالب التعظيم لله وأنه أجل من أن يتقرب إليه بغير وسائط وشفعاء وآلهة تقربهم إليه. فكل صاحب باطل لا يتمكن من ترويج باطله إلا بإخراجه فى قالب حق. والمقصود: أن أهل المكر والحيل المحرمة يخرجون الباطل فى القوالب الشرعية ويأتون بصور العقود دون حقائقها ومقاصدها. فصل وهذا القسم من أقسام الحيل أنواع: أحدها: الاحتيال لحل ما هو حرام فى الحال. كالحيل الربوية وحيلة التحليل. الثانى: الاحتيال على حل ما انعقد سبب تحريمه فهو صائر إلى التحريم ولا بد كما إذا علق طلاقها بشرط محقق تعليقا يقع به ثم أراد منع وقوع الطلاق عند الشرط فخالعها خلع الحيلة حتى بانت ثم تزوجها بعد ذلك. الثالث: الاحتيال على إسقاط ما هو واجب فى الحال كالاحتيال على إسقاط الإنفاق الواجب عليه وأداء الدين الواجب بأن يملك ماله لزوجته أو ولده فيصير معسرا فلا يجب عليه الإنفاق والأداء وكمن يدخل عليه رمضان ولا يريد صومه فيسافر ولا غرض له سوى الفطر ونحو ذلك. الرابع: الاحتيال على إسقاط ما انعقد سبب وجوبه ولم يجب لكنه صائر إلى الوجوب. فيحتال حتى يمنع الوجوب كالاحتيال على إسقاط الزكاة بتمليكه ماله قبل مضى الحول لبعض أهله ثم استرجاعه بعد ذلك. وهذا النوع ضربان: أحدهما: إسقاط حق الله تعالى بعد وجوبه أو انعقاد سببه. والثانى: إسقاط حق المسلم بعد وجوبه. أو انعقاد سببه. كالاحتيال على إسقاط الشفعة التى شرعت دفعا للضرر عن الشريك قبل وجوبها أو بعده. الخامس: الاحتيال على أخذ حقه أو بعضه أو بدله بخيانة كما تقدم. وله صور كثيرة.(2\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "475",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1747",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منها: أن يجحده دينه كما جحده. ومنها: أن يخونه فى وديعته كما خانه. ومنها: أن يغشه فى بيع معيب كما غشه هو فى بيع معيب. ومنها: أن يسرق ماله كما سرق ماله. ومنها: أن يستعمله بأجره دون أجرة مثله ظلما وعدوانا أو غرورا وخداعا. أو غبنا فيقدر المستأجر له على مال فيأخذ تمام أجرته. وهذا النوع يستعمله كثير من أرباب الديوان ونظار الوقوف والعمال وجباة الفيء والخراج والجزية والصدقة وأمثالهم. فإن كان المال مشتركا بين المسلمين رتعوا وربعوا ورأى أحدهم أن من الغبن أن يفوته شئ منه. ويرى إن عدل أن له نصف ذلك المال. ويسعى فى السدس تكملة للثلثين كما قيل فى بعضهم: له نصف بيت المال فرض مقرر ... وفى سدس التكميل يسعى ليخلصا من القوم لا تثنيهم عن مرادهم ... عقوبة سلطان بسوط ولا عصا فصل وقد عرف بما ذكرنا الفرق بين الحيل التى تخلص من الظلم والبغى والعدوان والحيل التى يحتال بها على إباحة الحرام وإسقاط الواجبات وإن جمعهما اسم الحيلة والوسيلة. وعرف بذلك أن العينة لا تخلص من الحرام وإنما يتوسل بها إليه وهو المقصود الذى اتفقا عليه ويعلمه الله تعالى من نفوسهما وهما يعلمانه ومن شاهدهما يعلمه. وكذلك تمليك ماله لولده عند قرب الحول فرارا من الزكاة لا يخلص من الإثم بل يغمسه فيه لأنه قصد إلى إسقاط فرض قد انعقد سببه ولكن عذر من جوز ذلك أنه لم يسقط الواجب وإنما أسقط الوجوب وفرق بين الأمرين فإن له أن يمنع الوجوب وليس له أن يمنع الواجب. وهكذا القول فى التحيل على إسقاط الشفعة قبل البيع فإنه يمنع وجوب الاستحقاق.(2\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "476",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1748",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يمنع الحق الذى وجب بالبيع فذلك لا يجوز وهو نظير منع الزكاة بعد وجوبها فذلك لا يجوز بحيلة ولا غيرها. وكذلك التحيل على منع وجوب الجمعة عليه بأن يسكن فى مكان لا يبلغه النداء أولا يمكنه الذهاب منه إلى الجمعة والرجوع فى يومه أو السفر قبل دخول وقتها ولا يجوز له التحيل على تركها بعد وجوبها عليه. وكذلك التحيل على منع وجوب الإنفاق على القريب بأن لا يكتسب ما لا يجب فيه الإنفاق. ولا يجوز له التحيل على إسقاط ما وجب من ذلك. فهذا سر الفرق اعتمده أصحاب الحيل. وأما المانعون فيجيبون عن ذلك: بأن هذا لو أجدى على المتحيلين لم يعاقب الله سبحانه وتعالى أصحاب الجنة الذين عزموا على صرامها ليلا لئلا يحضرهم المساكين فهؤلاء قصدوا دفع الوجوب بعد انعقاد سببه وهو نظير التحيل لإسقاط الزكاة بعد ثبوت سببها. وبأن هذا يبطل حكمة الإيجاب. فإن الله سبحانه إنما أوجبها فى أموال الأغنياء طهرة لهم وزكاة ورحمة للمساكين وسدا لفاقتهم. فالتحيل على منع وجوبها يعود على ذلك كله بالإبطال. وبأن الشارع لوجوز التحيل على منع الإيجاب بعد انعقاد سببه لم يكن فى الإيجاب فائدة إذ ما من أحد إلا ويمكنه التحيل بأدنى حيلة على الدفع فيكون الإيجاب عديم الفائدة فإنه إذا أوجبه وجوز إسقاطه بعد انعقاد سبب الإيجاب عاد ذلك بنقض ما قصده. وبأنه إذا انعقد سبب الوجوب فقد تعلق الوجوب بالمكلف فلا يمكنه الشارع من قطع هذا التعليق ولا سيما إذا شارف وقت الوجوب وحضر حتى كأنه داخل فيه كما إذا بقى من الحول يوم أو ساعة فالإسقاط هاهنا فى حكم الإسقاط بعد الحول سواء ومفسدته كمفسدته فإن المصلحة الفائتة بالمنع بعد تلك الساعة كالمفسدة الحاصلة بالتسبب إلى المنع قبلها من كل وجه.(2\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "477",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1749",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبأن الحكم بعد انعقاد سببه كالثابت الذى قد صح ووجد. وبأن الوجوب قد تحقق بانعقاد سببه وإنما جوز له التأخير إلى تمام الحول توسعة عليه ولهذا يجوز له أداء الواجب قبل الحول ويكون واقعا موقعه ولأن الفرار من الإيجاب إنما يقصد به الفرار من أداء الواجب وأن يسقط ما فرضه الله عليه عند مضى الحول. وليس هذا كمن ترك اكتساب المال الذى يجب فيه الزكاة فرارا من وجوبها عليه أو ترك بيع الشقص فرارا من أخذ الشفيع له أوترك التزوج فرار أمن وجوب الإنفاق ونحو ذلك فإن هذا لم ينعقد فى حقه السبب. بل ترك ما يفضى إلى الإيجاب ولم يتسبب إليه وهذا تحيل بعد السبب على إسقاط ما تعلق به من أداء الواجب. واحتال على قطع سببيته بعد ثبوتها. وأيضا فإن قطع سببية السبب تغيير لحكم الله وإسقاط للسببيه بالتحيل وليس ذلك للمكلف فإن الله سبحانه هو الذى جعل هذا سببا بحكمه وحكمته فليس له أن يبطل هذا الجعل بالحيلة والمخادعة وهذا بخلاف ما إذا وهبه ظاهرا وباطنا أو أنفقه فإنه لم يحتل بإظهار أمر وإبطان خلافه على منع الإيجاب وأداء الواجب. وأيضا فإنه إذا احتال على منع الإيجاب تضمن ذلك الحيلة على منع أداء الواجب. ومعلوم أن منعه أداء الواجب فقط أيسر من تحيله على الأمرين جميعا. وأيضا فإنه لا يصح فراره من الوجوب مع إتيانه بسببه فإن الفار من الشيء فار من أسبابه وهذا أحرص شئ على الملك الذى هو سبب وجوب الحق عليه ومن حرصه عليه: تحيل على ترك الإخراج حرصا وشحا. فهو فار من أداء الواجب ظانا أنه يفر من وجوبه عليه. والأول حاصل له دون الثانى. ونكتة الفرق من جهة الوسيلة والمقصود فإن المحتال على المحرمات وإسقاط الواجبات مقصوده فاسد ووسيلته باطلة. فإنه توسل بالشيء إلى غير مقصوده وتوسل به إلى مقصود محرم. فإن الله سبحانه إنما جعل النكاح وسيلة إلى المودة والرحمة والمصاهرة والنسل وغض(2\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "478",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1750",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البصر وحفظ الفرج والتمتع والإيواء وغير ذلك من مقاصد النكاح والمحلل لم يتوسل به إلى شئ من ذلك بل إلى تحليل ما حرمه الله تعالى فإنه سبحانه حرمها على المطلق ثلاثا عقوبة له فتوسل هذا بنكاحها إلى تحليل ما حرمه الله تعالى له ولم يتوسل به إلى ما شرع له. فكان القصد محرما والوسيلة باطلة. وكذلك شرع الله البيع وسيلة إلى انتفاع المشترى بالعين والبائع بالثمن فتوسل به المرابى إلى محض الربا وأتى به لغير مقصوده. فإنه لا غرض له فى تملك تلك العين ولا الانتفاع بها وإنما غرضه الربا فتوسل إليه بالبيع. وكذلك شرع سبحانه الأخذ بالشفعة دفعا للضرر عن الشريك. فتوسل المبطل لها بإظهار الصرف الذى لا حقيقة له إلى إبطالها فكانت وسيلته باطلة ومقصوده محرما. وكذلك الزكاة. فرضها رحمة منه بالمساكين وطهرة للأغنياء فتوسل المسقط لها إلى إبطال هذا المقصود بإظهار عقد لا حقيقة له من بيع أو هبة. وكذلك القرض شرع الله سبحانه فيه العدل وأن لا يزداد على مثل ما أقرضه. فإذا احتال المقرض على الزيادة فقد احتال على مقصود محرم بطريق باطلة. وكذلك بيع الثمر قبل بدو صلاحها باطل لما يفضى إليه من أكل المال بالباطل فإذا احتال عليه بأن شرط القطع ثم تركه حتى يكمل كان قد احتال على مقصود محرم بشرط غير مقصود بل قد علم المتعاقدان وغيرهما أنه لا يقطعه ولا سيما إن كان مما لا ينتفع به قبل الصلاح بوجه كالتوت والفرسك وغيرهما. فاشتراط قطعه خداع محض. وكذلك سائر الحيل التى تعود على مقصود الشارع وشرعه بالنقض والإبطال غاياتها محرمة ووسائلها باطلة لا حقيقة لها. وكذلك الفدية والخلع التى شرعها الله ليخلص كلا من الزوجين من الآخر إذا وقع الشقاق بينهما فجعلوه حيلة للحنث فى اليمين وبقاء النكاح. والله سبحانه إنما شرعه لقطع النكاح. حيث يكون قطعه مصلحة لهما. وبهذا يتبين لك الفرق بين الحيل التى يتوصل بها إلى تنفيذ أمر الله تعالى ورسوله وإقامة(2\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "479",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1751",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دينه والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ونصر المحق وكسر المبطل. والحيل التى يتوصل بها إلى خلاف ذلك. فتحصيل المقاصد المشروعة بالطرق التى جعلت موصلة إليها شئ وتحصيل المقاصد الفاسدة بالطرق التى جعلت لغيرها شئ آخر. فالفرق بين النوعين ثابت من جهة الوسيلة والمقصود اللذين هما: المحتال به والمحتال عليه. فالطرق الموصلة إلى الحلال المشروع هى الطرق التى لا خداع فى وسائلها ولا تحريم فى مقاصدها وبالله التوفيق. فصل [الرد على أقوال من يجيز الحيل] وأما قولكم: إن من حلف بطلاق زوجته: ليشربن هذا الخمر أو ليقتلن هذا الرجل أو نحو ذلك - كان فى الحيلة تخليصه من هذه المفسدة. ومن مفسدة وقوع الطلاق. فيقال: نعم والله قد شرع الله له ما يتخلص به ولخلاصه طرق عديدة فلا تتعين الحيلة التى هى خداع ومكر لتخليصه بل هاهنا طرق عدة قد سلك كل طريق منها طائفة من الفقهاء من سلف الأمة وخلفها. الطريق الأولى: طريقة من قال: لا تنعقد هذه اليمين بحال ولا يحنث فيها بشيء سواء كانت بصيغة الحلف كقوله quot;الطلاق يلزمنى لأفعلنquot; أو بصيغة التعليق المقصود كقوله quot;إن طلعت الشمس أو إن حضت أو إن جاء رأس الشهر فأنت طالقquot; أو التعليق المقصود به اليمين من الحض والمنع والتصديق والتكذيب كقوله quot;إن لم أفعل كذا وإن فعلت كذا فامرأتى طالقquot; وهذا اختيار أجل أصحاب الشافعى الذين جالسوه أو من هو من أجلهم: أبى عبد الرحمن. وهو أجل من أصحاب الوجوه المنتسبين إلى الشافعى وهذا مذهب أكثر أهل الظاهر.(2\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "480",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1752",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعندهم أن الطلاق لا يقبل التعليق كالنكاح ولم يرد مخالفوا هؤلاء عليهم بحجة تشفى. الطريق الثانية: طريق من يقول: لا يقع الطلاق المحلوف به ولا العتق المحلوف به ويلزمه كفارة اليمين إذا حنث فيه وهذا مذهب ابن عمر وابن عباس وأبى هريرة وعائشة وزينب بنت أم سلمة وحفصة فى الحلف بالعتق الذى هو قربه إلى الله تعالى بل من أحب القرب إلى الله ويسرى فى ملك الغير فما يقول هؤلاء فى الحلف بالطلاق الذى هو أبغض الحلال إلى الله تعالى وأحب الأشياء إلى الشيطان. والسائل لهؤلاء الصحابة إنما كان امرأة حلفت بأن كل مملوك لها حر إن لم تفرق بين عبدها وبين امرأته. فقالوا لها كفرى عن يمينك وخلى بين الرجل وبين امرأته.(2\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "481",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1753",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهؤلاء الصحابة أفقه فى دين الله وأعلم من أن يفتوا بالكفارة فى الحلف بالعتق ويرونه يمينا. ولا يرون الحلف بالطلاق يمينا. ويلزمون الحانث بوقوعه فإنه لا يجد فقيه شم رائحة بين البابين والتعليقين فرقا بوجه من الوجوه. وإنما لم يأخذ به أحمد لأنه لم يصلح عنده إلا من طريق سليمان التيمى واعتقد أنه تفرد به. وقد تابعه عليه محمد بن عبد الله الأنصارى وأشعث الحمرانى ولهذا لما ثبت عند أبى ثور قال به وظن الإجماع فى الحلف بالطلاق على لزومه فلم يقل به. الطريق الثالثة: طريق من يقول: ليس الحلف بالطلاق شيئا وهذا صحيح عن طاوس وعكرمة. أما طاوس فقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه: أنه كان لا يرى الحلف بالطلاق شيئا. وقد رد بعض المتعصبين لتقليدهم ومذاهبهم هذا النقل بأن عبد الرزاق ذكره فى باب يمين المكره فحمله على الحلف بالطلاق مكرها وهذا فاسد فإن الحجة ليست فى الترجمة. وإنما الاعتبار بما يروى فى أثناء الترجمة ولا سيما المتقدمين كابن أبى شيبة وعبد الرزاق ووكيع وغيرهم فإنهم يذكرون فى أثناء الترجمة آثارا لا تطابق الترجمة وإن كان لها بها نوع تعلق وهذا فى كتبهم - لمن تأمله - أكثر وأشهر من أن يخفى وهو فى صحيح البخارى وغيره وفى كتب الفقهاء وسائر المصنفين. ثم لو فهم عبد الرزاق هذا وأنه فى يمين المكره لم تكن الحجة فى فهمه بل الأخذ بروايته وأى فائدة فى تخصيص الحلف بالطلاق بذلك بل كل مكره حلف بأى يمين كانت فيمينه ليست بشيء. وأما عكرمة فقال سنيد بن داود فى تفسيره: حدثنا عباد بن عباد المهلبى عن عاصم الأحول عن عكرمة: فى رجل قال لغلامه: إن لم أجلدك مائة سوط فامرأتى طالق قال quot;لا يجلد غلامه ولا يطلق امرأته هذا من خطوات الشيطانquot;. فإذا ضممت هذا الأثر إلى أثر ابن طاوس عن أبيه إلى أثر ابن عباس فيمن قالت(2\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "482",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1754",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لمملوكها: إن لم أفرق بينك وبين امرأتك فكل مملوك لى حر إلى الآثار المستفيضة عن ابن عباس فى الحلف بتحريم الزوجة: أنها يمين يكفرها - تبين لك ما كان عليه ابن عباس وأصحابه فى هذا الباب. فإذا ضممت ذلك إلى آثار الصحابة فى الحلف بالتعليقات. كالحج والصوم والصدقة والهدى والمشى إلى مكة حافيا ونحو ذلك: أنها أيمان مكفرة - تبين لك حقيقة ما كان عليه الصحابة فى ذلك. فإذا ضممت ذلك إلى القياس الصحيح الذى يستوفى فيه حكم الأصل والفرع: تبين لك توافق القياس وهذه الآثار. فإذا ارتفعت درجة أخرى ووزنت ذلك بالنصوص من القرآن والسنة تبين لك الراجح من المرجوح. ومع هذا كله فلا يدان لك بمقاومة السلطان ومن يقول: حكمت وثبت عندى فالله المستعان. الطريق الرابعة: طريق من يفرق بين أن يحلف على فعل امرأته أو فعل نفسه أو على غير الزوجة فيقول: إن قال لامرأته quot;إن خرجت من الدار أو كلمت رجلا أو فعلت كذا فأنت طالقquot; فلا يقع عليه الطلاق بفعلها ذلك وإن حلف على فعل نفسه أو غير امرأته وحنث لزمه الطلاق. وهذا قول أفقه أصحاب مالك على الإطلاق وهو أشهب بن عبد العزيز ومحله من الفقه والعلم غير خاف. ومأخذ هذا: أن المرأة إذا فعلت ذلك لتطلق نفسها لم يقع به الطلاق معاقبة لها بنقيض قصدها وهذا جار على أصول مالك وأحمد ومن وافقهما فى معاقبة الفار من التوريث والزكاة وقاتل مورثه والموصى له ومن دبره بنقيض قصده وهذا هو الفقه لا سيما وهو لم يرد طلاقها إنما أراد حضها أو منعها وأن لا تتعرض لما يؤذيه فكيف يكون فعلها سببا لأعظم أداه وهو لم يملكها ذلك بالتوكيل والخيار ولا ملكها الله إياه بالفسخ فكيف تكون الفرقة إليها إن شاءت أقامت معه وإن شاءت فارقته بمجرد حضها ومنعها وأى شئ أحسن من هذا الفقه وأطرد على قواعد الشريعة.(2\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "483",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1755",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطريق الخامسة: طريق من يفصل بين الحلف بصيغة الشرط والجزاء والحلف يصيغه الالتزام. فالأول: كقوله: إن فعلت كذا أو إن لم أفعله فأنت طالق. والثانى: كقوله: الطلاق يلزمنى أو لى لازم أو على الطلاق إن فعلت أو إن لم أفعل. فلا يلزمه الطلاق فى هذا القسم إذا حنث دون الأول. وهذا أحد الوجوه الثلاثة لأصحاب الشافعى وهو المنقول عن أبى حنيفة وقدماء أصحابه ذكره صاحب الذخيرة وأبو الليث فى فتاويه. قال أبو الليث: ولو قال: طلاقك على واجب أو لازم أو فرض أو ثابت فمن المتأخرين من أصحابنا من قال: يقع واحدة رجعية نواه أو لم ينوه ومنهم من قال: لا يقع وإن نوى والفارق: العرف. قال صاحب الذخيرة: وعلى هذا الخلاف: إذا قال: إن فعلت كذا فطلاقك على واجب أو قال: لازم ففعلت. وذكر القدورى فى شرحه: أن على قول أبى حنيفة: لا يقع الطلاق فى الكل وعند أبى يوسف: إن نوى الطلاق يقع فى الكل وعن محمد: أنه يقع فى قوله: لازم ولا يقع فى: واجب. واختار الصدر الشهيد الوقوع فى الكل وكان ظهير الدين المرغينانى يفتى بعدم الوقوع فى الكل هذا كله لفظ صاحب الذخيرة. وأما الشافعية: فقال ابن يونس فى شرح التنبيه: وإن قال: الطلاق والعتاق لازم لى ونواه لزمه لأنهما يقعان بالكناية مع النية وهذا اللفظ محتمل فجعل كناية وقال الرويانى: الطلاق لازم لى: صريح وعد ذلك فى صرائح الطلاق ولعل وجهه غلبة استعماله لإرادة الطلاق. وقال القفال فى فتاويه: ليس بصريح ولا كناية حتى لا يقع به الطلاق وإن نواه لأن الطلاق لابد فيه من الإضافة إلى المرأة ولم يتحقق هذا لفظه. وحكى شيخنا هذا القول عن بعض أصحاب أحمد. فقد صار الخلاف فى هذا الباب فى المذاهب الأربعة بنقل أصحابها فى كتبهم.(2\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "484",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1756",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولهذا التفريق مأخذ آخر من هذا الذى ذكره الشارح وهو أن الطلاق لا يصح التزامه وإنما يلزم التطليق فإن الطلاق هو الواقع بالمرأة وهو اللازم لها وإنما الذى يلتزمه الرجل: هو التطليق فالطلاق لازم لها إذا وقع. إذا تبين هذا فالتزام التطليق لا يوجب وقوع الطلاق فإنه لو قال: إن فعلت كذا فعلى أن أطلقك أو تالله على أن أطلقك أو فتطليقك لازم لى أو واجب على وحنث لم يقع عليه الطلاق. فهكذا إذا قال: إن فعلت كذا فالطلاق يلزمنى لأنه إنما التزم التطليق ولا يقع بالتزامه. والموقعون يقولون: هو قد التزم حكم الطلاق وهو خروج البضع من ملكه وإنما يلزمه حكمه إذا وقع فصار هذا الالتزام مستلزما لوقوعه. فقال لهم الآخرون: إنما يلزمه حكمه إذا أتى بسببه وهو التطليق فحينئذ يلزمه حكمه وهو لم يأت بالتطليق منجزا بلا ريب وإنما أتى به معلقا له والتزام التطليق بالتنجيز لا يلزم فكيف يلزم بالتعليق. والمنصف المتبصر لا يخفى عليه الصحيح وبالله التوفيق. فصل وممن ذكر الفرق بين الطلاق وبين الحلف بالطلاق: القاضى أبو الوليد هشام ابن عبد الله بن هشام الأزدى القرطبى فى كتابه quot;مفيد الحكام فيما يعرض لهم من نوازل الأحكامquot;. فقال فى كتاب الطلاق من ديوانه وقد ذكر اختلاف أصحاب مالك فى الأيمان اللازمة. ثم قال: ولا ينبغى أن تتلقى هذه المسألة هكذا تلقيا تقليديا إلا أن يشمها نور الفهم ويوضحها لسان البرهان وأنا أشير لك إلى نكتة تسعد بالغرض فيها إن شاء الله تعالى. منها: الفرق بين الطلاق إيقاعا وبين اليمين بالطلاق وفى المدونة كتابان موضوعان: أحدهما لنفس الطلاق والثانى للأيمان بالطلاق ووراء هذا الفن فقه على الجملة. وذلك(2\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "485",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1757",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن الطلاق صورته فى الشرع. حل وارد على عقد واليمين بالطلاق عقد فليفهم هذا. وإذا كان عقدا لم يحصل منه حل إلا أن تنقله من موضع العقد إلى موضع الحل بنية ليخرج بها اللفظ من حقيقته إلى كنايته فقد نجمت هذه المسألة فى أيام الحجاج بعد أن استقل الشرع بأصوله وفروعه وحقائقه ومجازاته فى أيمان البيعة وليس فى أيمان الطلاق إلا ما أذكره لك. وذلك أن الطلاق على ضربين: صريح وكناية. فالصريح: كل لفظ استقل بنفسه فى إثبات حكمه تحديدا. والكناية: على ضربين كناية غالبة وكناية غير غالبة. فالغالبة: كل ما أشعر بثبوت الطلاق فى موضوع اللغة أو الشرع كقوله: الحقى بأهلك واعتدى. وغير الغالبة: كل مالا يشعر بثبوت الطلاق فى وضع اللغة والشرع كقوله: ناولينى الثوب وقال: أردت بذلك الطلاق. فإذا عرضنا لفظ الأيمان يلزمنى على صريح الطلاق لم تكن من قسمه وإن عرضناها على الكناية لم تكن من قسيمها إلا بقرينة من شاهد حال أو جارى عرف أو نية تقارن اللفظ فإن اضطرب شاهد الحال أو جارى العرف باحتمال يحتمله فقد تعذر الوقوف على النية ولا ينبغى لحاكم ولا لغيره أن يمد القلم فى فتوى حتى يتأمل مثل هذه المعانى فإن الحكم إن لم يقع مستوضحا عن نور فكرى مشعر بالمعنى المربوط اضمحل. ثم قال: وأنا ذاكر لك ما بلغنى فى هذه اليمين من كلام العلماء ورأيته من أقوال الفقهاء وهى يمين محدثة لم تقع فى الصدر الأول. ثم ذكر اختلاف أهل العلم فى الحلف بالأيمان اللازمة. والمقصود: أنه ذكر الفرق الفطرى العقلى الشرعى بين إيقاع الطلاق والحلف بالطلاق وأنهما بابان مفترقان بحقائقهما ومقاصدهما وألفاظهما فيجب افتراقهما حكما. أما افتراقهما بالحقيقة فما ذكره من أن الطلاق حل وفسخ واليمين عقد والتزام. فهما إذن حقيقتان مختلفتان قال تعالى: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان [المائدة: 89] .(2\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "486",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1758",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم أشار إلى الافتراق فى الحكم بقوله: وإذا كانت اليمين عقدا لم يحصل بها حل إلا أن ينقل من موضع العقد إلى موضع الحل ومن البين أن الشارع لم ينقلها من العقد إلى الحل. فيجب بقاؤها على ما وضعت عليه نعم لو قصد الحالف بها إيقاع الطلاق عند الحنث فقد استعملها فى العقد والحل فتصير كناية فى الوقوع وقد نواه. فيقع به الطلاق لأن هذا العقد صالح للكناية. وقد اقترنت به النية فيقع الطلاق. أما إذا نوى مجرد العقد ولم ينو الطلاق البتة بل هو أكره شئ إليه فلم يأت بما ينقل اليمين من موضوعها الشرعى ولا نقلها عنه الشارع. فلا يلزمه غير موجب الأيمان. فليتأمل المنصف العالم هذا الفرق ويخرج قلبه ساعة من التعصب والتقليد واتباع غير الدليل. والمقصود: أن باب اليمين وباب الإيقاع مختلفان فى الحقيقة والقصد واللفظ فيجب اختلافهما فى الحكم. أما الحقيقة فما تقدم. وأما القصد. فلأن الحالف مقصوده الحض والمنع أو التصديق أو التكذيب والمطلق مقصوده التخلص من الزوجة من غير أن يخطر بباله حض ولا منع ولا تصديق ولا تكذيب. فالتسوية بينهما لا يخفى حالها. وأما اختلافهما لفظا فإن لفظ اليمين لا بد فيها من التزام قسمى يأتى فيه بجواب القسم أو تعليق شرطى يقصد فيه انتفاء الشرط والجزاء أو وقوع الجزاء على تقدير وقوع الشرط وإن كان يكرهه ويقصد انتفاءه فالمقدم فى الصورة الأولى مؤخر فى الثانية والمنفى فى الأولى ثابت فى الثانية ولفظ الإيقاع لا يتضمن شيئا من ذلك ومن تصور هذا حق التصور جزم بالحق فى هذه المسألة والله الموفق. الطريقة السادسة: أن يزول المعنى الذى كانت اليمين لأجله فإذا فعل المحلوف عليه بعد ذلك لم يحنث لأن امتناعه باليمين إنما كان لعلة فيزول بزوالها وهذا مطرد على أصول الشرع وقواعد مذهب أحمد وغيره ممن يعتبر النية والقصد فى اليمين تعميما وتخصيصا وإطلاقا وتقييدا. فإذا حلف: لا أكلم فلانة وكان سبب اليمين الذى هيجها كونها أجنبية يخاف الوقوع فى عرضه بكلامها فتزوجها. لم يحنث بكلامها إعمالا لسبب اليمين وما هيجها(2\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "487",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1759",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فى التقييد بكونها أجنبية. هذا إذا لم يكن له نية مادامت كذلك أما إذا كانت له نية فلا إشكال فى تقييد اليمين بها. ونظيره: أن يحلف: لا يكلم فلانا ولا يعاشره. لكونه صبيا فصار رجلا وكانت نيته وسبب يمينه لأجل صباه. ونظيره: أن يحلف: لا دخلت هذه الدار لأجل من يظن به التهمة لدخولها فمات أو سافر فدخلها لم يحنث. وبذلك أفتى أبو حنيفة وأبو يوسف: من حلف: لا دخلت دار فلان هذه ولا كلمت عبده هذا. فباع العبد والدار. ونظير هذا: أن يحلف لا يكلم فلانا والحامل له على اليمين كونه تاركا للصلاة أو مرابيا أو خمارا أو واليا فتاب من ذلك كله وزالت الصفة التى حلف لأجلها لم يحنث بكلامه. وكذلك إذا حلف: لا تزوجت فلانة. والحامل له على اليمين صفة فيها مثل كونها بغيا أو غير ذلك فزالت تلك الصفة لم يحنث بتزوجها. كل هذا مراعاة للمقاصد التى الألفاظ دالة عليها. فإذا ظهر القصد كان هو المعتبر. ولهذا لو حلف: ليقضينه حقه فى غد. وقصده أو السبب: أن لا يجاوزه فقضاه قبله لم يحنث. ولو حلف: لا يبيع عبده إلا بألف فباعه بأكثر لم يحنث. ولو حلف أن لا يخرج من البلد إلا بإذن الوالى. والنية أو السبب: يقتضى التقييد مادام كذلك فعزل لم يحنث بالخروج بغير إذنه. وكذلك لو حلف على زوجته أو عبده أو أمته: أن لا تخرج إلا بإذنه فطلق أو أعتق أو باع لم يحنث بخروجهم بغير إذنه. لأن اقتضاء السبب والقصد التقييد فى غاية الظهور. ونظائر ذلك كثيرة جدا. وسائر الفقهاء يعتبرون ذلك وإن خالفوه فى كثير من المواضع. وهذا هو الصواب لأن الألفاظ إنما اعتبرت لدلالتها على المقاصد فإذا ظهر القصد كان(2\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "488",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1760",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاعتبار له وتقيد اللفظ به. ولهذا لو دعى إلى غداء فحلف لا يتغذى تقيدت يمينه بذلك الغداء وحده لأن النية والسبب ومناط اليمين لا يقتضى غيره. وقد أخبر النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم quot;أن الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوىquot; وما لم ينوه بيمينه أو كان السبب لا يقتضيه لا يجوز أن يلزم به مع القطع بأنه لم يرده ولا خطر على باله. وقد أفتى غير واحد من الفقهاء منهم ابن عقيل وشيخنا وغيرهما: فيمن قيل له: إن امرأتك قد خرجت من بيتك أو قد زنت بفلان فقال هى طالق ثم تبين له أنها لم تخرج من البيت وأن الذى رميت به فى بلد بعيد لا يمكن وصوله إليها أو أنه حين رميت به كان ميتا ونحو ذلك مما يعلم به أنها لم تزن فإنه لا يقع عليه الطلاق لأنه إنما طلقها بناء على هذا السبب فهو كالشرط فى طلاقها. وهذا الذى قالوه هو الذى لا يقتضى المذهب وقواعد الفقه غيره فإنهم قد قالوا: لو قال: لها أنت طالق وقال: أردت إن قمت دين ولم يقع به الطلاق فهذا مثله سواء. ونظير هذا: ما قالوه: إن المكاتب لو أدى إلى سيده المال فقال: أنت حر فبان أن المال الذى أعطاه مستحق أو زيوف لم يقع العتق وإن كان قد صرح به. ذكره أصحاب أحمد والشافعى لأنه إنما أعتقه بناء على سلامة العوض ولم يسلم له وقواعد الشريعة كلها مبنية على أن الحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها. وأمثلة ذلك أكثر من أن تحصر. فهذه الطريقة تخلص من كثير من الحنث. وإذا تأملت هذه الطرق لرأيت أيتها سلكت أحسن من طرق الحيل التى يتحيلون بها على عدم الحنث وهى أنواع: أحدها: التسريج. الثانى: خلع اليمين. الثالث: التحيل لفساد النكاح إما بكون الولى كان قد فعل ما يفسق به أو الشهود كانوا جلوسا على مقعد حرير ونحو ذلك فيكون النكاح باطلا. فلا يقع فيه الطلاق.(2\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "489",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1761",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرابع: الاحتيال على فعل المحلوف عليه بتغيير اسمه أو صفته. أو نقله من مالك إلى مالك ونحو ذلك. فإذا غلبوا عن شئ من هذه الحيل الأربعة فزعوا إلى التيس المستعار فاستأجروه ليسفد ويأخذ على سفاده أجرا. فليوازن من يعلم أنه موقوف بين يدى الله تعالى ومسئول بين هذه الطرق وتلك الطرق التى قبلها. وليقم لله ناظرا ومناظرا متجردا من العصبية والحمية فإنه لا يكاد يخفى عليه الصواب والله ولى التوفيق. فصل وأما قوله تعالى لأيوب عليه السلام: وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث [ص: 44] . فمن العجب أن يحتج بهذه الآية من يقول إنه لو حلف ليضربنه عشرة أسواط فجمعها وضربه بها ضربة واحدة لم يبر فى يمينه. هذا قول أصحاب أبى حنيفة ومالك وأصحاب أحمد. وقال الشافعى: إن علم أنها مسته كلها بر فى يمينه وإن علم أنها لم تمسه لم يبر. وإن شك لم يحنث ولو كان هذا موجبا لبر الحالف لسقط عن الزانى والقاذف والشارب تعدد الضرب بأن يجمع له مائة سوط أو ثمانين ويضرب بها ضربة واحدة وهذا إنما يجزئ فى حق المريض كما قال الإمام أحمد فى المريض عليه الحد quot;يضرب بعثكال يسقط عنه الحدquot;. واحتج بما رواه عن أبى أمامة بن سهل عن سعيد بن سعد بن عبادة قال: quot;كان بين أبياتنا رويجل ضعيف مخدع فلم يرع الحى إلا وهو على أمة من إمائهم يخبث بها قال: فذكر ذلك سعد بن عبادة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وكان ذلك الرجل(2\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "490",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1762",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مسلما فقال: quot;اضربوه حدهquot; فقالوا: يا رسول الله: إنه أضعف مما تحسب لو ضربناه مائة قتلناه فقال: quot;خذوا له عثكالا فيه مائة شمراخ ثم اضربوه به ضربة واحدة ففعلواquot;. وأما قصة أيوب فلها فقه دقيق فإن امرأته كانت لشدة حرصها على عافيته وخلاصه من دائه تلتمس له الدواء بما تقدر عليه. فلما لقيها الشيطان وقال ما قال أخبرت أيوب عليه السلام بذلك فقال: إنه الشيطان ثم حلف: لئن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة سوط فكانت معذورة محسنة فى شأنه ولم يكن فى شرعهم كفارة فإنه لو كان فى شرعهم كفارة لعدل إلى التكفير ولم يحتج إلى ضربها فكانت اليمين موجبة عندهم كالحدود وقد ثبت أن المحدود إذا كان معذورا خفف عنه بأن يجمع له مائة شمراخ أو مائة سوط فيضرب بها ضربة واحدة وامرأة أيوب كانت معذورة لم تعلم أن الذى خاطبها الشيطان وإنما قصدت الإحسان فلم تكن تستحق العقوبة فأفتى الله نبيه أيوب عليه السلام أن يعاملها معاملة المعذور هذا مع رفقها به وإحسانها إليه فجمع الله له بين البر فى يمينه والرفق بامرأته المحسنة المعذورة التى لا تستحق العقوبة. فظهر موافقة نص القرآن فى قصة أبوب عليه السلام لنص السنة فى شأن الضعيف الذى زنى فلا يتعدى بها عن محلها. فإن قيل: فقولوا هذا فى نظير ذلك ممن حلف ليضربن امرأته أو أمته مائة وكانتا معذورتين لا ذنب لهما: أنه يبر بجمع ذلك فى ضربة بمائة شمراخ.(2\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "491",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1763",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل: قد جعل الله له مخرجا بالكفارة ويجب عليه أن يكفر عن يمينه ولا يعصى الله بالبر فى يمينه هاهنا ولا يحل له أن يبر فيها بل بره فيها هو حنثه مع الكفارة ولا يحل له أن يضربها لا مفرقا ولا مجموعا. فإن قيل: فإذا كان الضرب واجبا. كالحد هل تقولون: ينفعه ذلك قيل: إما أن يكون العذر مرجو الزوال كالحر والبرد الشديد والمرض اليسير فهذا ينتظر زواله ثم يحد الحد الواجب كما روى مسلم فى صحيحه عن على رضى الله عنه: quot;أن أمة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم زنت فأمرنى أن أجلدها فأتيتها فإذا هى حديثة عهد بنفاس فخشيت إن جلدتها أن أقتلها فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: أحسنت اتركها حتى تماثلquot;. فصل وأما حديث بلال فى شأن التمر وقول النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم له: quot;بع التمر بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيباquot;. فقال شيخنا: ليس فيه دلالة على الاحتيال بالعقود التى ليست مقصودة لوجوه: أحدها: أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أمره أن يبيع سلعته الأولى ثم يبتاع بثمنها سلعة أخرى ومعلوم أن ذلك إنما يقتضى البيع الصحيح ومتى وجد البيعان على الوجه الصحيح جاز ذلك بلا ريب ونحن نقول: كل بيع صحيح يفيد الملك لكن الشأن فى بيوع قد دلت السنة وأقوال الصحابة على أن ظاهرها وإن كان بيعا فإنها ربا وهى بيع فاسد ومعلوم أن مثل هذا لا يدخل فى الحديث ولو اختلف رجلان فى بيع مثل هذا هل هو صحيح أو فاسد وأراد أحدهما إدخاله فى هذا اللفظ لم يمكنه ذلك حتى يثبت أنه بيع صحيح ومتى أثبت أنه بيع صحيح لم يحتج إلى الاستدلال بهذا الحديث. فتبين أنه لا حجة فيه على صورة من صور النزاع البتة. قلت: ونظير ذلك أن يحتج به محتج على جواز بيع الغائب أو على البيع بشرط الخيار(2\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "492",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1764",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أكثر من ثلاث أو على البيع بشرط البراءة وغير ذلك من أنواع البيوع المختلف فيها ويقول المنازع: الشارع قد أطلق الإذن فى البيع ولم يقيده. وحقيقة الأمر أن يقال: إن الأمر المطلق بالبيع إنما يقتضى البيع الصحيح ونحن لا نسلم له أن هذه الصورة التى تواطأ فيها على ذلك بيع صحيح. والوجه الثانى: أن الحديث ليس فيه عموم لأنه قال: quot;وابتع بالدراهم جنيباquot; والأمر بالحقيقة المطلقة ليس أمرا بشيء من قيودها لأن الحقيقة مشتركة بين الأفراد. والقدر المشترك ليس هو ما يميز كل واحد من الأفراد عن الآخر ولا هو مستلزما له فلا يكون الأمر بالمشترك ليس هو ما يميز كل واحد من الأفراد عن الآخر ولا هو مستلزما له فلا يكون الأمر بالمشترك أمرا بالمميز بحال. نعم: هو مستلزم لبعض تلك القيود لا بعينه فيكون عاما لها على سبيل البدل لكن ذلك لا يقتضى العموم بالأفراد على سبيل الجمع وهو المطلوب فقوله: بع هذا الثوب لا يقتضى الأمر ببيعه من زيد أو عمرو ولا بكذا وكذا ولا بهذه السوق أو هذه. فإن اللفظ لا دلالة له على شئ من ذلك لكن إذا أتى بالمسمى حصل ممتثلا من جهة وجود تلك الحقيقة لا من جهة وجود تلك القيود. إذا تبين ذلك فليس فى الحديث أنه أمره أن يبتاع من المشترى ولا أمره أن يبتاع من غيره ولا بنقد البلد ولا غيره ولا بثمن حال أو مؤجل فإن هذه القيود خارجة عن مفهوم اللفظ ولو زعم زاعم أن اللفظ يعم هذا كله كان مبطلا لكن اللفظ لا يمنع الأجزاء إذا أتى بها. وقد قال بعض الناس: إن عدم الأمر بالقيود يستلزم عدم الأجزاء إذا أتى بها إلا بقرينة وهذا غلط بين فإن اللفظ لا تعرض فيه للقيود بنفى ولا إثبات ولا الإتيان بها ولا تركها من لوازم الامتثال وإن كان المأمور به لا يخلو عن واحد منهما ضرورة وقوعه جزئيا مشخصا فذلك من لوازم الواقع لأنه مقصود الأمر وإنما يستفاد الأمر بتلك اللوازم أو النهى عنها من دليل منفصل. وقد خرج بهذا الجواب عن قول من قال: لو كان الابتياع من المشترى حراما لنهى عنه. فإن مقصوده صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إنما هو بيان الطريق التى يحصل بها اشتراء(2\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "493",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1765",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التمر الجيد لمن عنده رديء. وهو أن يبيع الردئ بثمن ثم يبتاع بالثمن جيدا. ولم يتعرض لشروط البيع وموانعه فلا معنى للاحتجاج بهذا الحديث على نفى شرط مخصوص كما لا يحتج به على نفى سائر الشروط وهذا بمنزلة الاحتجاج بقوله تعالى: وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر [البقرة: 187] . على جواز أكل كل ذى ناب من السباع ومخلب من الطير وعلى حل ما اختلف فيه من الأشربة ونحو ذلك. فالاستدلال بذلك استدلال غير صحيح بل هو من أبطل الاستدلال. إذ لا تعرض فى اللفظ لذلك ولا أريد به تحليل مأكول ومشروب. وإنما أريد به بيان وقت الأكل والشرب وانتهائه. وكذلك من استدل بقوله تعالى: وأنكحوا الأيامى منكم [النور: 32] . على جواز نكاح الزانية قبل التوبة وصحة نكاح المحلل وصحة نكاح الخامسة فى عدة الرابعة أو نكاح المتعة أو الشغار أو غير ذلك من الأنكحة الباطلة كان استدلاله باطلا. وكذلك من استدل بقوله تعالى: وأحل الله البيع [البقرة: 275] . على حل بيع الكلب أو غيره مما اختلف فيه فاستدلاله باطل فإن الآية لم يرد بها بيان ذلك. وإنما أريد بها الفرق بين عقد الربا وبين عقد البيع وأنه سبحانه حرم هذا وأباح هذا فأما أن يفهم منه أنه أحل بيع كل شئ فهذا غير صحيح وهو بمنزلة الاستدلال بقوله تعالى: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا [الأعراف: 31] . على حل كل مأكول ومشروب. وبمنزلة الاستدلال بقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;من استطاع منكم الباءة فليتزوجquot;. على حل الأنكحة المختلف فيها. وبمنزلة الاستدلال بقوله تعالى: إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن [الطلاق: 1] . على جواز جمع الثلاث ونفوذه وعلى صحة طلاق المكره والسكران.(2\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "494",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1766",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبمنزلة الاستدلال بقوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن [البقرة: 221] . على صحة النكاح بلا ولى وبلا شهود وغير ذلك من الصور المختلف فيها. وبمنزلة الاستدلال بقوله تعالى: فانكحوا ما طاب لكم من النساء [النساء: 3] . على حل كل نكاح اختلف فيه فيستدل به على صحة نكاح المتعة والمحلل والشغار والنكاح بلا ولى وبلا شهود ونكاح الأخت ونكاح الزانية والنكاح المنفى فيه المهر وغير ذلك وهذا كله استدلال فاسد فى النظر والمناظرة. ومن العجب أن ينكر من يسلكه على ابن حزم استدلاله بقوله تعالى: وعلى الوارث مثل ذلك [البقرة: 233] . على وجوب نفقة الزوج على زوجته إذا أعسر بالنفقة وكان لها ما تنفق منه فإنها وارثة له وهذا أصح من تلك الاستدلالات فإنه استدلال بعام لفظا ومعنى. وقد علق الحكم فيه بمعنى مقصود يقتضى العموم وتلك مطلقة لا عموم فيها لفظا ولا معنى ولم يقصد بها تلك الصور التى استدلوا بها عليها. إذا عرف هذا فالاستدلال بقوله quot;بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباquot; لا يدل على جواز بيع العينة بوجه من الوجوه فمن احتج به على جوازه وصحته فاحتجاجه باطل. وليس الغالب أن بائع التمر بدراهم يبتاع بها من المشترى حتى يقال: هذه الصورة غالبة بل الغالب أن من يفعل ذلك يعرضه على أهل السوق عامة أو حيث يقصد أو ينادى عليه. وإذا باعه لواحد منهم فقد تكون عنده السلعة التى يريدها وقد لا تكون. ومثل هذا: إذا قال الرجل فيه لموكله: بع هذا القطن واشتر بثمنه ثياب قطن أو بع هذه الحنطة العتيقة واشتر بثمنها جديدة لا يكاد يخطر بباله الاشتراء من ذلك المشترى بعينه بل يشترى من حيث وجد غرضه. ووجود غرضه عند غيره أغلب من وجوده عنده. فإن قيل: فهب أن الأمر كذلك فهلا نهاه عن تلك الصورة وإن لم يدخل فى لفظه فإطلاقه يقتضى عدم النهى عنه. قيل: إطلاق اللفظ لا يقتضى المنع منها ولا الإذن فيها كما تقدم بيانه فحكمها إذنا(2\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "495",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1767",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنعا يستفاد من مواضع أخر فغاية هذا اللفظ: أن يكون قد سكت عنها فقد علم تحريمها من الأدلة الدالة على تحريم العينة. الوجه الثالث: أن قوله: quot;بع الجمع بالدراهمquot; إنما يفهم منه البيع المقصود الخالى عن شرط يمنع كونه مقصودا بخلاف البيع الذى لا يقصد فإنه لو قال: بع هذا الثوب أو بعت هذا الثوب لم يفهم منه بيع المكره ولا بيع الهازل ولا بيع التلجئة وإنما يفهم منه البيع الذى يقصد به نقل ذلك العوض. وقد تقدم تقرير هذا. يوضحه: أن مثل هذين قد يتراوضان أولا على بيع التمر بالتمر متفاضلا ثم يجعلان الدراهم محللا غير مقصودة. والمقصود إنما هو بيع صاع بصاعين ومعلوم أن الشارع لا يأذن فى مثل هذا فضلا عن أن يأمر به ويرشد إليه. الوجه الرابع: إن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. quot;نهى عن بيعتين فى بيعةquot;. ومتى تواطآ على أن يبيعه بالثمن ثم يبتاع منه فهو بيعتان فى بيعة فلا يكون داخلا فى الحديث إذ المنهى عنه لا يتناوله المأذون فيه. يبين ذلك الوجه الخامس: وهو أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;بع الجمع ثم ابتع بالدراهم جنيباquot; وهذا يقتضى بيعا ينشئه ويبتدئه بعد انقضاء البيع الأول ومتى واطأه من أول الأمر على أن أبيعك وأبتاع منك فقد اتفقا على العقدين معا فلا يكون داخلا فى حديث الإذن بل فى حديث النهى. الوجه السادس: أنه لو فرض أن فى الحديث عموما لفظيا فهو مخصوص بصور لا تعد. فإن كل بيع فاسد فهو غير داخل فيه فتضعف دلالته وتخص منه الصورة التى ذكرناها بالأدلة التى هى نصوص أو كالنصوص فإخراجها من العموم من أسهل الأشياء وبالله التوفيق.(2\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "496",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1768",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وقد تبين بهذا بطلان الاستدلال على جواز الحيل الباطلة بقوله تعالى: إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم [البقرة: 282] . وأن هذا يتناول صورة العينة وغيرها فإن المتبايعين يديران السلعة بينهما. فإن الله سبحانه قسم البياعات المقصودة التى شرعها لعباده ونصبها لمصالحهم فى معاشهم ومعادهم إلى بيوع مؤجلة وبيوع حالة ثم أمرهم أن يستوثقوا فى البيوع المؤجلة بالكتاب والشهود وإن عدموا ذلك فى السفر استوثقوا بالرهن حفظا لأموالهم وتخلصا من بطلان الحقوق بجحود أو نسيان ثم أخبرهم أنه لا حرج عليهم فى ترك ذلك فى البيوع الحالة لأمنهم فيها مفسدة التجاحد والنسيان. فالمراد بالتجارة الدائرة: البيعات التى تقع غالبا بين الناس. ولم يفهم أحد من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولا من التابعين ولا تابعيهم ولا أهل التفسير ولا أئمة الفقهاء منها: المعاملة الدائرة بالربا بين المترابيين بل فهموا تحريمها من نصوص تحريم الربا. ولا ريب أن دخولها فى تلك النصوص أظهر من دخولها فى هذه الآية. ومما يدل عليه: أن هذه المعاملة الدائرة بينهما بالربا لا تكون فى الغالب إلا مع أجل بأن يبتاع منه سلعة بثمن حال ثم يبيعها إياه بأكثر منه إلى أجل وذلك فى الغالب مما يطلب عليه الشهود والكتاب خشية الجحود والله سبحانه قال: إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها [البقرة: 282] . فاستثنى هذا من قوله: يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه [البقرة:282] . وهذه المعاملة الربوية قد اتفقا فيها على التداين إلى أجل مسمى واتفقا فيها على المائة بمائة وثلاثين ونحو ذلك فأين هى من التجارة الحاضرة التى يعرف الناس الفرق فيها بين التجارة والربا فالتجارة فى كلام الله ورسوله ولغة العرب وعرف الناس: إنما تنصرف إلى البياعات(2\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "497",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1769",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المقصودة التى يقصد فيها الثمن والمثمن. وأما ما تواطآ فيه على الربا المحض ثم أظهرا بيعا غير مقصود لهما البتة يتوسلان به إلى أن يعطيه مائة حالة بمائة وعشرين مؤجلة فهذا ليس من التجارة المأذون فيها بل من الربا المنهى عنه والله أعلم. فصل وأما استدلالكم بالمعاريض على جواز الحيل. فما أبطله من استدلال فأين المعاريض التى يتخلص بها الإنسان من الظلم والكذب إلى الحيل التى يسقط بها ما فرض الله تعالى ويستحل بها ما حرم الله فالمعرض تكلم بحق ونطق بصدق فيما بينه وبين الله تعالى لا سيما إذا لم ينو باللفظ خلاف ظاهره فى نفسه وإنما كان الظهور من ضعف فهم السامع وقصوره فى معرفة دلالة اللفظ ومعاريض النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ومزاحه عامته كان من هذا الباب كقوله صلى الله عليه وسلم: quot;نحن من ماءquot; و quot;إنا حاملوك على ولد الناقةquot; و quot;وزوجك الذى فى عينه بياضquot; و quot;لا يدخل الجنة عجوزquot;. وأكثر معاريض السلف كانت من هذا. فالمعرض إنما يقصد باللفظ ما جعل اللفظ دالا عليه ومثبتا له فى الجملة فهو لم يخرج بتعريضه عن حدود الكلام فإن الكلام فيه الحقيقة والمجاز والعام والخاص والمطلق والمقيد والمفرد والمشترك والمتباين والمترادف وتختلف دلالته تارة بحسب اللفظ المفرد وتارة بحسب التأليف فأين هذا من الحيل التى يقصد بالعقد فيها ما لم يشرع العقد له أصلا ولا هو مقتضاه ولا موجبة شرعا ولا حقيقة.(2\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "498",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1770",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفرق ثان وهو أن المعرض لو صرح بقصده لم يكن باطلا ولا محرما بخلاف المحتال فإنه لو صرح بما قصده بإظهار صورة العقد كان محرما باطلا فإن المرابى بالحيلة لو قال: بعتك مائة حالة بمائة وعشرين إلى سنة كان حراما باطلا وذلك عين مقصوده ومقصوده الآخر. وكذلك المقرض لو قال: أقرضتك ألفا على أن تعيدها إلى ومعها زيادة كذا وكذا كان حراما باطلا وذلك نفس مقصوده. وكذلك المحلل لو قال: تزوجتها على أن أحلها للمطلق ثلاثا. والمعرض لو صرح بمقصوده لم يكن حراما فأين أحدهما من الآخر وفرق ثالث: وهو أن المعرض قصد بالقول ما يحتمله اللفظ أو يقتضيه. والمحتال قصد بالعقد مالا يحتمله ولا جعل مقتضيا له شرعا ولا عرفا ولا حقيقة. وفرق رابع: وهو أن المعرض مقصده صحيح ووسيلته جائزة فلا حجر عليه فى مقصوده ولا فى وسيلته إلى مقصوده بخلاف المحتال فإن قصده أمر محرم ووسيلته باطلة كما تقدم تقريره. وفرق خامس: وهو أن التعريض المباح ليس من مخادعة الله سبحانه فى شئ وإنما غايته أنه مخادعة لمخلوق أباح الشارع مخادعته لظلمه جزاء له على ذلك ولا يلزم من جواز مخادعة الظالم جواز المحق فما كان من التعريض لظاهر اللفظ فى نفسه كان قبيحا إلا عند الحاجة وما لم يكن كذلك كان جائزا إلا عند تضمن مفسدة والذى يدخل فى الحيل المذمومة إنما هو الأول فالمعرض قاصد لدفع الشر والمحتال بالباطل قاصد لدفع الحق. والتعريض كما يكون بالقول يكون بالفعل كما يظهر المحارب أنه يريد وجها من الوجوه ويسافر إلى تلك الناحية ليحسب العدو أنه لا يريده ثم يكر عليه. ومثل أن يستطرد المبارز بين يدى خصمه ليظن هزيمته ثم يعطف عليه. ومثل أن يظهر ضعفا وعجزا يتخلص به من تسخيره وأذاه ونحو ذلك.(2\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "499",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1771",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد يكون التعريض بالقول والفعل معا كما قال سليمان عليه السلام quot;ائتونى بالسكين أشقه بينكماquot; وقد يكون بإظهار الصمم وأنه لا يسمع وبإظهار النوم وإظهار الشبع وإظهار الغنى بحيث يحسبه الجاهل غنيا. وكما يقع الإجمال فى الأقوال فكذلك يقع فى الأفعال كما أعطى النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عمر رضى الله عنه حلة من حرير فلما لبسها أنكر عليه وقال: quot;لم أعطكها لتلبسهاquot; فكساها أخا له مشركا بمكة. فكل من الإجمال والاشتراك والاشتباه يقع فى الألفاظ تارة وفى الأفعال تارة وفيهما معا تارة. ومن أنواع التعريض: أن يتكلم المتكلم بكلام حق يقصد به حقيقته وظاهره ويوهم السامع نسبته إلى غير قائله ليقبله ولا يرده عليه أو ليتخلص به من شره وظلمه كما أنشد عبد الله بن رواحة رضى الله تعالى عنه امرأته تلك الأبيات وأوهمها أنه يقرأ وكذلك إذا كان الرجل يريد تنفيذ حق صحيح ولكن لا يقبل منه لكونه هو أو من لا يحسن به الظن قائله فإذا عرض للمخاطب بنسبة الكلام إلى معظم يقبله منه كان من أحسن التعريض كما علمه أبو حنيفة - رحمه الله أصحابه - حين شكوا إليه: إنا نقول لهم: قال أبو حنيفة فيبادرون بالإنكار. فقال: قولوا لهم المسألة فإذا استحسنوها ووقعت منهم بموقع فقولوا: هذا قول أبى حنيفة. وكما يجرى لأصحابنا مع الجهمية وفروخهم كثيرا. فصل وأما استدلالهم بأن الله سبحانه علم نبيه يوسف عليه السلام الحيلة التى توصل بها إلى أخذ أخيه إلى آخره. فهذا قد ظن بعض أرباب الحيل أنه حجة لهم فى هذا الباب وليس كما زعموا والاستدلال بذلك من أبطل الباطل.(2\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "500",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1772",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن المحتجين بذلك لا يجوزون شيئا مما فى هذه القصة البتة ولا تجوزها شريعتنا بوجه من الوجوه فكيف يحتج المحتج بما يحرم العمل به ولا يسوغه بوجه من الوجوه والله سبحانه إنما سوغ ذلك لنبيه يوسف عليه السلام جزاء لإخوته وعقوبة لهم على ما فعلوا به ونصرا له عليهم وتصديقا لرؤياه ورفعة لدرجته ودرجة أبيه. وبعد ففى قصته مع إخوته ضروب من الحيل المستحسنة. أحدها قوله لفتيانه: اجعلوا بضاعتهم فى رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون [يوسف: 62] . فإنه تسبب بذلك إلى رجوعهم وقد ذكروا فى ذلك معانى: منها: أنه تخوف أن لا يكون عندهم ورق يرجعون بها. ومنها: أنه خشى أن يضر أخذ الثمن بهم. ومنها: أنه إذا رأى لؤما أخذ الثمن منهم. ومنها: أنه أراهم كرمه فى رد البضاعة ليكون أدعى لهم إلى العود. وقد قيل: إنه علم أن أمانتهم تحوجهم إلى الرجعة ليردوها إليه فهذا المحتال به عمل صالح. والمقصود: رجوعهم ومجيء أخيه وذلك أمر فيه منفعة لهم ولأبيهم وله وهو مقصود صالح وإنما لم يعرفهم نفسه لأسباب أخر فيها منفعة لهم ولأبيهم وله وتمام لما أراده الله تعالى بهم من الخير فى هذا البلاء. وأيضا فلو عرفهم نفسه فى أول مرة لم يقع الاجتماع بهم وبأبيه ذلك الموقع العظيم ولم يحل ذلك المحل وهذه عادة الله سبحانه فى الغايات العظيمة الحميدة: إذا أراد أن يوصل عبده إليها هيأ لها أسبابا من المحن والبلايا والمشاق فيكون وصوله إلى تلك الغايات بعدها كوصول أهل الجنة إليها بعد الموت وأهوال البرزخ والبعث والنشور والموقف والحساب والصراط ومقاساة تلك الأهوال والشدائد وكما أدخل رسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلى مكة ذلك المدخل العظيم بعد أن أخرجه الكفار ذلك المحرج ونصره ذلك النصر العزيز بعد أن قاسى مع أعداء الله ما قاساه.(2\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "501",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1773",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك ما فعله برسله كنوح وإبراهيم وموسى وهود وصالح وشعيب عليهم السلام فهو سبحانه يوصل إلى الغايات الحميدة بالأسباب التى تكرهها النفوس وتشق عليها. كما قال تعالى: كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون [البقرة: 216] . وربما كان مكروه النفوس إلىمحبوبها سببا ما مثله سبب وبالجملة فالغايات الحميدة فى خبايا الأسباب المكروهة الشاقة كما أن الغايات المكروهة المؤلمة فى خبايا الأسباب المشتهاة المستلذة وهذا من حين خلق الله سبحانه الجنة وحفها بالمكاره وخلق النار وحفها بالشهوات. فصل ومنها: أنه لما جهزهم فى المرة الثانية بجهازهم جعل السقاية فى رحل أخيه. وهذا القدر يتضمن اتهام أخيه بأنه سارق. وقد قيل: إنه كان بمواطأة من أخيه ورضا منه بذلك والحق كان له وقد أذن فيه وطابت نفسه به ودل على ذلك قوله تعالى: ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إنى أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون [يوسف: 69] . فهذا يدل على أنه عرف أخاه نفسه. وقد قيل: إنه لم يصرح له بأنه يوسف وأنه إنما أراد بقوله: إنى أنا أخوك [يوسف: 69] . أى أنا مكان أخيك المفقود. ومن قال هذا قال: إنه وضع السقاية فى رحل أخيه والأخ لا يشعر بذلك والقرآن يدل على خلاف هذا والعدل يرده. وأكثر أهل التفسير على خلافه. ومن لطيف الكيد فى ذلك: أنه لما أراد أخذ أخيه توصل إلى أخذه بما يقر إخوته أنه حق وعدل ولو أخذه بحكم قدرته وسلطانه لنسب إلى الظلم والجور ولم يكن له طريق فى دين الملك يأخذه بها. فتوصل إلى أخذه بطريق يعترف إخوته أنها ليست ظلما فوضع الصواع(2\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "502",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1774",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فى رحل أخيه بمواطأة منه له على ذلك. ولهذا قال: فلا تبتئس بما كانوا يعملون [يوسف: 69] . ومن لطيف الكيد: أنه لم يفتش رحالهم وهم عنده بل أمهلهم حتى جهزهم بجهازهم وخرجوا من البلد ثم أرسل فى آثارهم لذلك. قال ابن أبى حاتم فى تفسيره: حدثنا على بن الحسين حدثنا محمد بن عيسى حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال: quot;أمهلهم حتى إذا انطلقوا فأمعنوا من القرية أمر فأدركوا ثم جلسوا ثم ناداهم مناد: أيتها العير إنكم لسارقون فوقفوا وانتهى إليهم رسوله فقال لهم فيما يذكرون: ألم نكرم ضيافتكم ونوفكم كيلكم ونحسن منزلتكم ونفعل بكم ما لم نفعله بغيركم وأدخلنا كم علينا فى بيوتنا ومنازلنا قالوا: بلى وما ذاك قال إنكم لسارقون . وذكر عن السدى quot;فلما ارتحلوا أذن مؤذن أيتها العيرquot;. والسياق يقتضى ذلك إذ لو كان هذا وهم بحضرته لم يحتج إلى الأذان وإنما يكون الأذان نداء لبعيد يطلب وقوفه وحبسه. فكان فى هذا من لطيف الكيد: أنه أبعد من التهمة للطالب بالمواطأة والموافقة وأنه لا يشعر بما فقد له فكأنه لما خرج القوم وارتحلوا وفصلوا عن المدينة احتاج الملك إلى صواعه لبعض حاجته إليه فالتمسه فلم يجده فسأل عنه الحاضرين فلم يجدوه فأرسلوا فى أثر القوم. فهذا أحسن وأبعد من التفطن للحيلة من التفتيش فى الحال قبل انفصالهم عنه. بل كلما ازدادوا بعدا عنه كان أبلغ فى هذه المعنى. ومن لطيف الكيد: أنه أذن فيهم بصوت عال رفيع يسمعه جميعهم ولم يقل لواحد واحد منهم إعلاما بزن ذهاب الصواع أمر قد اشتهر ولم يبق فيه خفاء وأنتم قد اشتهرتم بأخذه ولم يتهم به سواكم. ومن لطيف الكيد: أن المؤذن قال إنكم لسارقون ولم يعين المسروق حتى سألهم عنه القوم فقالوا لهم: ماذا تفتقدون قالوا: نفقد صواع الملك فاستقر عند القوم أن الصواع هو المتهم به وأنهم لم يفقدوا غيره. فإذا ظهر لم يكونوا ظالمين باتهامهم بغيره. وظهر صدقهم وعدلهم فى اتهامهم به وحده وهذا من لطيف الكيد. ومن لطيف الكيد: قول المؤذن وأصحابه لإخوة يوسف عليه السلام  قالوا فما جزاؤه إن(2\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "503",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1775",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كنتم كاذبين - أى ما عقوبة من ظهر عليه أنه سرقه منكم ووجد معه أى ما عقوبته عندكم وفى دينكم. قالوا جزاؤه من وجد فى رحله فهو جزاؤه [يوسف: 75] . فأخذوهم بما حكموا به على نفوسهم لا بحكم الملك وقومه. ومن لطيف الكيد: أن الطالب لما هم بتفتيش رواحلهم بدأ بأوعيتهم يفتشها قبل وعاء من هو معه تطمينا لهم وبعدا عن تهمة المواطأة. فإنه لو بدأ بوعاء من هو فيه لقالوا: وما يدريه أنه فى هذا الوعاء دون غيره من أوعيتنا وما هذا إلا بمواطأة وموافقة. فأزال هذه التهمة بأن بدأ بأوعيتهم أولا فلما لم يجده فيها هم بالرجوع قبل تفتيش وعاء من فيه الصواع وقال: ما أراكم سارقين وما أظن هذا أيضا أخذ شيئا. فقالوا: لا والله لا ندعكم حتى تفتشوا متاعه فإنه أطيب لقلوبكم وأظهر لبراءتنا فلما ألحوا عليهم بذلك فتشوا متاعه فاستخرجوا منه الصواع. وهذا من أحسن الكيد. فلهذا قال تعالى: كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذى علم عليم [يوسف: 76] . فالعلم بالكيد الواجب أو المستحب الذى يتوصل به إلى طاعة الله تعالى ورسوله ونصر المحق وكسر المبطل مما يرفع الله به درجة العبد. وقد ذكروا فى تسميتهم سارقين وجهين: أحدهما: أنه من باب المعاريض وأن يوسف عليه السلام نوى بذلك أنهم سرقوه من أبيه حيث غيبوه عنه بالحيلة التى احتالوا بها عليه وخانوه فيه. والخائن يسمى سارقا وهو من الاستعمال المشهور. الثانى: أن المنادى هو الذى قال ذلك من غير أمر يوسف عليه السلام. قال القاضى أبو يعلى وغيره: أمر يوسف بعض أصحابه أن يجعل الصاع فى رحل أخيه. ثم قال بعض الموكلين به لما فقده ولم يدر من أخذه - أيتها العير إنكم لسارقون - على ظن منهم أنهم كذلك ولم يأمرهم يوسف عليه السلام بذلك ولعل يوسف عليه السلام قال للمنادى: هؤلاء قد سرقوا وعنى سرقته من أبيه والمنادى فهم سرقة الصواع وصدق فى قوله: إنكم(2\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "504",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1776",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لسارقون - ولم يقل: صواع الملك ثم لما جاء إلى ذكر المفقود قال - نفقد الملك - وهو صادق فى ذلك فحذف المفعول فى قوله - لسارقون - وذكره فى قوله - نفقد صواع الملك - وكذلك قال يوسف عليه السلام لما عرضوا عليه أن يأخذ أحدهم مكان أخيهم - معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده - ولم يقل: أن نأخذ إلا من سرق فإن المتاع كان موجودا عنده ولم يكن سارقا. وهذا من أحسن المعاريض. وقد قال نصر بن حاجب: سئل سفيان بن عيينة عن الرجل يعتذر إلى أخيه من الشيء الذى قد فعله ويحرف القول فيه ليرضيه أيأثم فى ذلك فقال: ألم تسمع قوله عليه الصلاة والسلام: quot;ليس بكاذب من أصلح بين الناس فكذب فيهquot;. فإذا أصلح بينه وبين أخيه المسلم كان خيرا من أن يصلح بين الناس بعضهم فى بعض ذلك أنه أراد به مرضاة الله وكراهية أذى المؤمن ويندم على ما كان منه ويدفع شره عن نفسه ولا يريد بالكذب اتخاذ المنزلة عندهم ولا طمعا فى شئ يصيبه منهم فإنه لم يرخص فى ذلك ورخص له إذا كره موجدتهم وخاف عداوتهم. قال حذيفة بن اليمان رضى الله عنه quot;إنى أشترى دينى بعضه ببعض مخافة أن أقدم على ما هو أعظم منهquot;. قال سفيان: وقال الملكان: خصمان بغى بعضنا على بعض [ص: 22] . أراد معنى شئ ولم يكونا خصمين فلم يصيرا بذلك كاذبين.(2\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "505",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1777",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال إبراهيم عليه السلام: إنى سقيم [الصافات: 89] وقال بل فعله كبيرهم هذا [الأنبياء: 63] . وقال يوسف عليه السلام إنكم لسارقون [يوسف: 70] أراد يعنى أخاهم. فبين سفيان رحمه الله تعالى أن هذا كله من المعاريض المباحة مع تسميته كذبا. وإن لم يكن فى الحقيقة كذبا. وقد احتج بعض الفقهاء بقصة يوسف على أنه يجوز للإنسان التوصل إلى أخذ حقه من الغير بما يمكنه الوصول إليه بغير رضا من عليه الحق. قال شيخنا: وهذه الحجة ضعيفة فإن يوسف عليه السلام لم يكن يملك حبس أخيه عنده بغير رضاه ولم يكن هذا الأخ ممن ظلم يوسف. حتى يقال قد اقتص منه وإنما سائر الإخوة هم الذين كانوا قد فعلوا ذلك نعم كان تخلفه عنهم مما يؤذيهم لتأذى أبيهم وللميثاق الذى أخذه عليهم وقد استثنى فى الميثاق بقوله: إلا أن يحاط بكم [يوسف: 66] . وقد أحيط بهم ويوسف عليه السلام لم يكن قصده باحتباس أخيه الانتقام من إخوته فإنه كان أكرم من هذا وإن كان فى ضمن ما فعل من تأذى أبيه أعظم من أذى إخوته فإنما ذلك أمر أمره الله تعالى به ليبلغ الكتاب أجله ويتم البلاء الذى استحق به يوسف ويعقوب عليهما السلام كمال الجزاء وعلو المنزلة وتبلغ حكمة الله تعالى - التى قدرها وقضاها - نهايتها ولو فرض أن يوسف عليه السلام قصد الاقتصاص منهم بما فعل فليس هذا بموضع خلاف بين العلماء. فإن الرجل له أن يعاقب بمثل ما عوقب به وإنما موضع الخلاف: هل له أن يخونه كما خانه أو يسرقه كما سرقه ولم تكن قصة يوسف عليه السلام من هذا النوع. نعم لو كان يوسف عليه السلام أخذ أخاه بغير أمره لكان لهذا المحتج شبهة مع أنه لا شبهة له أيضا على هذا التقدير فإن مثل هذا لا يجوز فى شرعنا بالاتفاق ولو كان يوسف قد أخذ أخاه واعتقله بغير رضاه كان فى هذا ابتلاء من الله تعالى لذلك المعتقل كأمر إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه فيكون المبيح له على هذا التقدير وحيا خاصا كالوحى إلى إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه وتكون حكمته فى حق الأخ امتحانه وابتلاءه لينال درجة الصبر على حكم الله والرضا بقضائه ويكون حاله فى هذا كحال أبيه يعقوب عليه السلام فى احتباس يوسف عليه السلام عنه.(2\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "506",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1778",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد دل على هذا نسبة الله سبحانه ذلك الكيد إلى نفسه بقوله: كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك إلا أن يشاء الله [يوسف: 76] . وهو سبحانه ينسب إلى نفسه أحسن هذه المعانى وما هو منها حكمة وحق وصواب وجزاء للمسيء وذلك غاية العدل والحق كقوله تعالى: إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا [الطارق: 15 - 16] وقوله ومكروا ومكر الله [آل عمران:54] وقوله الله يستهزئ بهم [البقرة: 15] وقوله إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم [النساء: 142] وقوله وأملى لهم إن كيدى متين [القلم: 45] . فهذا منه سبحانه فى أعلى مراتب الحسن وإن كان من العبد قبيحا سيئا لأنه ظالم فيه وموقعه بمن لا يستحقه والرب تعالى عادل فيه موقعه بأهله ومن يستحقه سواء قيل: إنه مجاز للمشاكلة الصورية أو للمقابلة أو سماه كذلك مشاكلة لاسم ما فعلوه أو قيل: إنه حقيقة وإن مسمى هذه الأفعال ينقسم إلى مذموم ومحمود واللفظ حقيقة فى هذا وهذا كما قد بسطنا هذا المعنى واستوفينا عليه الكلام فى كتاب الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة. فصل وإذا عرف ذلك فيوسف صلوات الله عليه وسلامه أكيد من وجوه عديدة. أحدها: أن إخوته كادوه حيث احتالوا فى التفريق بينه وبين أبيه كما قال له يعقوب عليه السلام: لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا [يوسف: 5] . وثانيها: أنهم كادوه حيث باعوه بيع العبيد وقالوا: إنه غلام لنا أبق. وثالثها: كيد امرأة العزيز له بتغليق الأبواب ودعائه إلى نفسها. ورابعها: كيدها له بقولها: ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن(2\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "507",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1779",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يسجن أو عذاب أليم [يوسف:25] . فكادته بالمراودة أولا وكادته بالكذب عليه ثانيا ولهذا قال لها الشاهد لما تبين له براءة يوسف عليه السلام: إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم [يوسف: 28] . وخامسها كيدها له حيث جمعت له النسوة وأخرجته عليهن تستعين بهن عليه وتستعذر إليهن من شغفها به. وسادسها: كيد النسوة له حتى استجار بالله تعالى من كيدهن فقال: وإلا تصرف عنى كيدهن إليهن أصب وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم [يوسف: 33- 34] . ولهذا لما جاء الرسول بالخروج من السجن قال له: ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتى قطعن أيديهن إن ربى بكيدهن عليم [يوسف: 50] . فإن قيل: فما كان مكر النسوة اللاتى مكرن به وسمعت به امرأة العزيز فإن الله سبحانه لم يقصه فى كتابه. قيل: بلى قد أشار إليه بقوله: وقال نسوة فى المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها فى ضلال مبين [يوسف: 30] . وهذا الكلام متضمن لوجوه من المكر: أحدها: قولهن: امرأة العزيز تراود فتاها [يوسف: 30] . ولم يسموها باسمها بل ذكروها بالوصف الذى ينادى عليها بقبيح فعلها بكونها ذات بعل. فصدور الفاحشة منها أقبح من صدورها ممن لا زوج لها. الثانى أن زوجها عزيز مصر ورئيسها وكبيرها وذلك أقبح لوقوع الفاحشة منها. الثالث: أن الذى تراوده مملوك لا حر وذلك أبلغ فى القبح.(2\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "508",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1780",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرابع: أنه فتاها الذى هو فى بيتها وتحت كنفها فحكمه حكم أهل البيت بخلاف من طلب ذلك من الأجنبى البعيد. الخامس: أنها هى المراودة الطالبة. السادس: أنها قد بلغ بها عشقها له كل مبلغ حتى وصل حبها له إلى شغاف قلبها. السابع: أن فى ضمن هذا أنه أعف منها وأبر وأوفى حيث كانت هى المراودة الطالبة وهو الممتنع عفافا وكرما وحياء وهذا غاية الذم لها. الثامن: أنهن أتين بفعل المراودة بصيغة المستقبل الدالة على الاستمرار والوقوع حالا واستقبالا: وأن هذا شأنها ولم يقلن: راودت فتاها. وفرق بين قولك: فلان أضاف ضيفا وفلان يقرى الضيف ويطعم الطعام ويحمل الكل. فإن هذا يدل على أن هذا شأنه وعادته. التاسع قولهن: إنا لنراها فى ضلال مبين [يوسف: 30] . أى إنا لنستقبح منها ذلك غاية الاستقباح فنسبن الاستقباح إليها. ومن شأنهن مساعدة بعضهن بعضا على الهوى ولا يكدن يرين ذلك قبيحا كما يساعد الرجال بعضهم بعضا على ذلك فحيث استقبحن منها ذلك كان هذا دليلا على أنه من أقبح الأمور وأنه مما لا ينبغى أن تساعد عليه ولا يحسن معاونتها عليه. العاشر: أنهن جمعن لها فى هذا الكلام واللوم بين العشق المفرط والطلب المفرط. فلم تقتصد فى حبها ولا فى طلبها. أما العشق فقولهن: قد شغفها حبا [يوسف: 30] . أى وصل حبه إلى شغاف قلبها. وأما الطلب المفرط فقولهن: تراود فتاها [يوسف: 30] . والمراودة: الطلب مرة بعد مرة فنسبوها إلى شدة العشق وشدة الحرص على الفاحشة. فلما سمعت بهذا المكر منهن هيأت لهن مكرا أبلغ منه فهيأت لهن متكأ ثم أرسلت إليهن فجمعتهن وخبأت يوسف عليه السلام عنهن. وقيل: إنها جملته وألبسته أحسن ما تقدر عليه وأخرجته عليهن فجأة فلم يرعهن إلا وأحسن خلق الله وأجملهم قد طلع عليهن بغتة فراعهن ذلك المنظر البهى وفى أيديهن مدى يقطعن بها ما يأكلنه فدهشن حتى قطعن أيديهن وهن لا يشعرن. وقد قيل: إنهن أبن أيديهن والظاهر خلاف ذلك وإنما تقطيعهن أيديهن: جرحها وشقها بالمدى لدهشهن بما رأين(2\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "509",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1781",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقابلت مكرهن القولى بهذا المكر الفعلى وكانت هذه فى النساء غاية فى المكر. والمقصود: أن الله سبحانه كاد ليوسف عليه السلام بأن جمع بينه وبين أخيه وأخرجه من أيدى إخوته بغير اختيارهم كما أخرجوا يوسف من يد أبيه بغير اختياره. وكاد له بأن أوقفهم بين يديه موقف الذليل الخاضع المستجدى فقالوا: يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزى المتصدقين [يوسف: 88] . فهذا الذل والخضوع فى مقابلة ذله وخضوعه لهم يوم إلقائه فى الجب وبيعه بيع العبيد. وكاد له بأن هيأ له الأسباب التى سجدوا له هم وأبوه وخالته فى مقابلة كيدهم له حذرا من وقوع ذلك فإن الذى حملهم على إلقائه فى الجب خشيتهم أن يرتفع عليهم حتى يسجدوا له كلهم فكادوه خشية ذلك. فكاد الله تعالى له حتى وقع ذلك. كما رآه فى منامه. وهذا كما كاد فرعون بنى إسرائيل: يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم [القصص: 4] . خشية أن يخرج فيهم من يكون زوال ملكه على يديه فكاده الله سبحانه بأن أخرج له هذا المولود ورباه فى بيته وفى حجره حتى وقع به منه ما كان يحذره كما قيل: وإذا خشيت من الأمور مقدرا ... وفررت منه فنحوه تتوجه فصل وكيد الله سبحانه لا يخرج عن نوعين. أحدهما: أن يفعل سبحانه فعلا خارجا عن قدرة العبد الذى كاد له فيكون الكيد قدرا محضا ليس من باب الشرع كما كاد الذين كفروا بأن انتقم منهم بأنواع العقوبات وكذلك كانت قصة يوسف عليه السلام فإن يوسف أكثر ما قدر عليه أن ألقى الصواع فى رحل أخيه وأرسل مؤذنا يؤذن: أيتها العير إنكم لسارقون [يوسف: 70] فلما أنكروا قال: فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا جزاؤه من وجد فى رحله فهو جزاؤه [يوسف: 74] . أى جزاؤه استعباد المسروق ماله للسارق إما مطلقا وإما إلى مدة. وهذه كانت شريعة آل يعقوب عليه السلام(2\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "510",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1782",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حتى قيل: إن مثل هذا كان مشروعا فى أول الإسلام: أن المدين إذا أعسر بالدين استرقه صاحب الحق وعليه حمل حديث بيع النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم سرق. وقيل: بل كان بيعه إياه: إيجاره لمن يستعمله وقضى دينه بأجرته وعلى هذا فليس بمنسوخ وهو إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله تعالى: أن المفلس إذا بقيت عليه ديون وله صنعة أجبر على إجارته نفسه أو أجره الحاكم ووفى دينه من أجرته. وكان إلهام الله تعالى لإخوة يوسف عليه السلام قولهم: من وجد فى رحله فهو جزاؤه [يوسف: 75] . كيدا من الله تعالى ليوسف عليه السلام أجراه على ألسن إخوته وذلك خارج عن قدرته. وكان يمكنهم أن يتخلصوا من ذلك بأن يقولوا: لا جزاء عليه حتى يثبت أنه هو الذى سرق فإن مجرد وجوده فى رحله لا يوجب أن يكون سارقا. وقد كان يوسف عليه السلام عادلا لا يأخذهم بغير حجة وكان يمكنهم التخلص أيضا بأن يقولوا: جزاؤه أن يفعل به ما تفعلونه بالسراق فى دينكم وقد كان من دين ملك مصر - فيما ذكر -: أن السارق يضرب ويغرم قيمة المسروق مرتين فلو قالوا له ذلك لم يمكنه أن يلزمهم بما لا يلزم به غيرهم فلذلك قال سبحانه: كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك إلا أن يشاء الله [يوسف: 76] . أى ما كان ليمكنه أخذه فى دين ملك مصر لأنه لم يكن فى دينه طريق إلى أخذه. وقوله إلا أن يشاء الله [يوسف: 76] . استثناء منقطع أى لكن إن شاء الله أخذه بطريق آخر ويجوز أن يكون متصلا والمعنى: إلا أن يهيئ الله سببا آخر يؤخذ به فى دين الملك غير السرقة.(2\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "511",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1783",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفى هذه القصة تنبيه على الأخذ باللوث الظاهر فى الحدود وإن لم تقم بينة ولم يحصل إقرار فإن وجود المسروق مع السارق أصدق من البينة فهو بينة لا تلحقها التهمة وقد اعتبرت شريعتنا ذلك فى مواضع. منها: اللوث فى القسامة والصحيح: أنها يقاد بها كما دل عليه النص الصحيح الصريح. ومنها: حد الصحابة رضى الله عنهم فى الخمر بالرائحة والقيء. ومنها: حد عمر رضى الله عنه فى الزنا بالحبل وجعله قسيم الاعتراف والشهادة فوجود المسروق مع السارق إن لم يكن أظهر من هذا كله فليس دونه. فلما فتشوا متاعه فوجدوا فيه الصواع كان ذلك قائما مقام البينة والاعتراف فلهذا لم يمكنهم أن يتظلموا من أخذه ولو كان هذا ظلما لقالوا: كيف يأخذه بغير بينة ولا إقرار. وقد أشبعنا الكلام فى ذلك فى كتاب quot;الإعلام باتساع طرق الأحكامquot;. والمقصود: أنه ليس فى قصة يوسف عليه السلام شبهة فضلا عن الحجة لأرباب الحيل. فإنا إنما تكلمنا فى الحيل التى يفعلها العبد وحكمها فى الإباحة والتحريم لا فيما يكيد الله سبحانه وتعالى لعبده بل فى قصة يوسف عليه السلام تنبيه على أن من كاد غيره كيدا محرما فإن الله سبحانه وتعالى لا بد أن يكيده وأنه لا بد أن يكيد للمظلوم إذا صبر على كيد كائده وتلطف به فالمؤمن المتوكل على الله إذا كاده الخلق فإن الله تعالى يكيد له وينتصر له بغير حول منه ولا قوة. فهذا أحد النوعين من كيده سبحانه لعبده. النوع الثانى: أن يلهمه أمرا مباحا أو مستحبا أو واجبا يوصله به إلى المقصود الحسن فيكون على هذا إلهامه ليوسف عليه السلام أن يفعل ما فعل هو من كيده سبحانه أيضا فيكون قد كاد له نوعى الكيد ولهذا قال سبحانه: نرفع درجات من نشاء [يوسف: 76] . وفى ذلك تنبيه على أن العلم الدقيق بلطيف الحيل الموصلة إلى المقصود الشرعى الذى يحبه الله تعالى ورسوله من نصر دينه وكسر أعدائه ونصر المحق وقمع المبطل: صفة مدح يرفع الله تعالى بها درجة العبد كما أن العلم الذى يخصم به المبطل ويدحض حجته صفة مدح يرفع(2\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "512",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1784",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بها درجة عبده كما قال سبحانه فى قصة إبراهيم عليه السلام ومناظرته قومه وكسر حجتهم: وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء [الأنعام: 83] . وعلى هذا فيكون من الكيد ما هو مشروع ولكن ليس هو الكيد الذى تستحل به المحرمات وتسقط به الواجبات فإن هذا كيد لله تعالى ودينه فالله سبحانه ودينه هو المكيد فى هذا القسم فمحال أن يشرع الله سبحانه هذا النوع من الكيد. وأيضا فإن هذا الكيد لا يتم إلا بفعل يقصد به غير مقصوده الشرعى ومحال أن يشرع الله تعالى لعبد أن يقصد بفعله ما لم يشرع الله ذلك الفعل له. وأيضا فإن الأمر المشروع هو عام لا يختص به شخص دون شخص فالشيء إذا كان مباحا لشخص كان مباح لكل من كان حاله مثل حاله فمن احتال بحيلة فقهية محرمة أو مباحة لم يكن له اختصاص بتلك الحيلة عمن لا يفهمها ولا يعلمها وإنما خاصية الفقيه إذا حدثت به حادثة: أن يتفطن لاندراجها تحت الحكم العام الذى يعلمه هو وغيره والله سبحانه إنما كاد ليوسف عليه السلام كيدا خاصا به جزاء له على صبره وإحسانه وذكره فى معرض المنة عليه وهذه الأفعال التى فعلها يوسف عليه السلام والأفعال التى فعلها الله سبحانه له إذا تأملها اللبيب رآها لا تخرج عن نوعين: أحدهما: إلهام الله سبحانه له فعلا كان مباحا له أن يفعله. الثانى: فعل من الله تعالى به خارج عن مقدور العبد. وكلا النوعين مباين للحيل المحرمة التى يحتال بها على إسقاط الواجبات وإباحة المحرمات. فصل لعلك تقول: قد أطلت الكلام فى هذا الفصل جدا وقد كان يكفى الإشارة إليه. فيقال: بل الأمر أعظم مما ذكرنا وهو بالإطالة أجدر. فإن بلاء الإسلام ومحنته عظمت من هاتين الطائفتين: أهل المكر والمخادعة والاحتيال فى العمليات وأهل التحريف والسفسطة والقرمطة فى العلميات. وكل فساد فى الدين - بل والدنيا - فمنشؤه من هاتين الطائفتين.(2\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "513",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1785",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فبالتأويل الباطل قتل عثمان رضى الله عنه وعاثت الأمة فى دمائها وكفر بعضها بعضا وتفرقت على بضع وسبعين فرقة فجرى على الإسلام من تأويل هؤلاء وخداع هؤلاء ومكرهم ما جرى واستولت الطائفتان وقويت شوكتهما وعاقبوا من لم يوافقهم وأنكر عليهم ويأبى الله إلا أن يقيم لدينه من يذب عنه ويبين أعلامه وحقائقه لكيلا تبطل حجج الله وبيناته على عباده. فلنرجع إلى ما نحن بصدده من بيان مكايد الشيطان ومصايده. فصل ومن مكايده ومصايده: ما فتن به عشاق الصور. وتلك لعمر الله الفتنة الكبرى والبلية العظمى التى استعبدت النفوس لغير خلاقها. وملكت القلوب لمن يسومها الهوان من عشاقها وألقت الحرب بين العشق والتوحيد ودعت إلى موالاة كل شيطان مريد. فصيرت القلب للهوى أسيرا وجعلته عليه حاكما وأميرا. فأوسعت القلوب محنة. وملأتها فتنة وحالت بينها وبين رشدها. وصرفتها عن طريق قصدها. ونادت عليها فى سوق الرقيق فباعتها بأبخس الأثمان وأعاضتها بأخس الحظوظ وأدنى المطالب عن العالى من غرف الجنان فضلا عما هو فوق ذلك من القرب من الرحمن فسكنت إلى ذلك المحبوب الخسيس الذى ألمها به أضعاف لذتها ونيله والوصول إليه أكبر أسباب مضرتها فما أوشكه حبيبا يستحيل عدوا عن قريب. ويتبرأ منه محبه لو أمكنه حتى كأنه لم يكن له بحبيب. وإن تمتع به فى هذه الدار فسوف يجد به أعظم الألم بعد حين. لاسيما إذا صار الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوا إلا المتقين. فيا حسرة المحب الذى باع نفسه لغير الحبيب الأول بثمن بخس وشهوة عاجلة ذهبت لذتها وبقيت تبعتها وانقضت منفعتها وبقيت مضرتها فذهبت الشهوة وبقيت الشقوة وزالت النشوة وبقيت الحسرة فوا رحمتاه لصب جمع له بين الحسرتين حسرة فوت المحبوب الأعلى والنعيم المقيم وحسرة ما يقاسيه من النصب فى العذاب الأليم. فهناك يعلم(2\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "514",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1786",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المخدوع أى بضاعة أضاع وأن من كان مالك رقه وقلبه لم يكن يصلح أن يكون له من جملة الخدم والأتباع فأى مصيبة أعظم من مصيبة ملك أنزل عن سرير ملكه وجعل لمن لا يصلح أن يكون مملوكه أسيرا وجعل تحت أوامره ونواهيه مقهورا. فلو رأيت قلبه وهو فى يد محبوبه لرأيته: كعصفورة فى يد طفل يسومها ... حياض الردى والطفل يلهو ويلعب ولو شاهدت حاله وعيشه لقلت: وما فى الأرض أشقى من محب ... وإن وجد الهوى حلو المذاق تراه باكيا فى كل حين ... مخافة فرقة أو لاشتياق فيبكى إن نأوا شوقا إليهم ... ويبكى إن دنوا حذر الفراق ولو شاهدت نومه وراحته لعلمت أن المحبة والمنام تعاهدا وتحالفا أن ليسا يلتقيان ولو شاهدت فيض مدامعه ولهيب النار فى أحشائه لقلت: سبحان رب العرش متقن صنعه ... ومؤلف الأضداد دون تعاند قطر تولد عن لهيب فى الحشا ... ماء ونار فى محل واحد ولو شاهدت مسلك الحب فى القلب وتغلغه فيه لعلمت: أن الحب ألطف مسلكا فيه من الأرواح فى أبدانها. فهل يليق بالعاقل أن يبيع هذا الملك المطاع لمن يسومه سوء العذاب ويوقع بينه وبين وليه ومولاه الحق الذى لا غناء له عنه ولا بد له منه أعظم الحجاب فالمحب بمن أحبه قتيل. وهو له عبد خاضع ذليل. إن دعاه لباه. وإن قيل له: ما تتمنى فهو غاية ما يتمناه لا يأنس بغيره ولا يسكن إلى سواه فحقيق به أن لا يملك رقه إلا لأجل حبيب. وأن لا يبيع نصيبه منه بأخس نصيب.(2\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "515",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1787",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل إذا عرف هذا فأصل كل فعل وحركة فى العالم: من الحب والإرادة فهما مبدأ لجميع الأفعال والحركات كما أن البغض والكراهية مبدأ كل ترك وكف إذا قيل: إن الترك والكف أمر وجودى كما عليه أكثر الناس وإن قيل: إنه عدمى فيكفى فى عدمه عدم مقتضيه. والتحقيق: أن الترك نوعان: ترك هو أمر وجودى. وهو كف النفس ومنعها وحبسها عن الفعل فهذا سببه أمر وجودى وترك هو عدم محض فهذا يكفى فيه عدم المقتضى. فانقسم الترك إلى قسمين: قسم يكفى فيه عدم السبب المقتضى لوجوده وقسم يستلزم وجود السبب الموجب له: من البغض والكراهة وهذا السبب لا يقتضى بمجرده كف النفس وحبسها. والالتئام مسبب عن المحبة والإرادة تقتضى أمرا هو أحب إليه من هذا الذى كف نفسه عنه فيتعارض عنده الأمران. فيؤثر خيرهما وأعلاهما وأنفعهما له وأحبهما إليه على أدناهما فلا يترك محبوبا إلا لمحبوب هو أحب إليه منه ولا يرتكب مبغوضا إلا ليتخلص به من مبغوض هو أكره إليه منه. ثم خاصية العقل واللب: التمييز بين مراتب المحبوبات والمكروهات بقوة العلم والتمييز وإيثار أعلى المحبوبين على أدناهما واحتمال أدنى المكروهين التخلص من أعلاهما بقوة الصبر واليقين. فالنفس لا تترك محبوبا إلا لمحبوب ولا تتحمل مكروها إلا لتحصيل محبوب أو للتخلص من مكروه آخر وهذا التخلص لا تقصده إلا لمنافاته لمحبوبها فصار سعيها فى تحصيل بالذات وأسبابه بالوسيلة ودفع مبغوضها بالذات وأسبابه بالوسيلة فسعيه فى تحصيل محبوبه لماله فيه من اللذة وكذلك سعيه فى دفع مكروهه أيضا لماله فى دفعه من اللذة. كدفع ما يؤلمه من البول والنجو والدم والقيء وما يؤلمه من الحر والبرد والجوع والعطش وغير ذلك.(2\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "516",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1788",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا علم أن هذا المكروه يفضى إلى ما يحبه يصير محبوبا له وإن كان يكرهه. فهو يحبه من وجه ويكرهه من وجه وكذلك إذا علم أن هذا المحبوب يفضى إلى ما يكرهه يصير مكروها له وإن كان يحبه. فهو يكرهه من وجه ويحبه من وجه. فلا يترك الحى ما يحبه ويهواه مع قدرته إلا لما يحبه ويهواه. ولا يرتكب ما يكرهه ويخشاه إلا حذار وقوعه فيما يكرهه ويخشاه لكن خاصية العقل أن يترك أدنى المحبوبين وأقلهما نفعا لأعلاهما وأعظمهما نفعا ويرتكب أدنى المكروهين ضررا ليتخلص به من أشدهما ضررا. فتبين بذلك أن المحبة والإرادة أصل للبغض والكراهة وعلة لهما من غير عكس فكل بغض فهو لمنافاة البغيض للمحبوب. ولولا وجود المحبوب لم يكن البغض بخلاف الحب للشيء. فإنه قد يكون لنفسه لا لأجل منافاته للبغيض. وبغض الإنسان لما يضاد محبوبه مستلزم لمحبته لضده. وكلما كان الحب أقوى كانت قوة البغض للمنافى أشد. ولهذا كان quot;أوثق عرى الإيمان الحب فى الله والبغض فى اللهquot; وكان quot;من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمانquot;. فإن الإيمان علم وعمل والعمل ثمرة العلم وهو نوعان: عمل القلب حبا وبغضا ويترتب عليهما عمل الجوارح فعلا وتركا وهما العطاء والمنع. فإذا كانت هذه الأصول الأربعة لله تعالى كان صاحبها مستكمل الإيمان وما نقص منها فكان لغير الله نقص من إيمانه بحسبه.(2\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "517",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1789",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل إذا عرف هذا فكل حركة فى العالم العلوى والسفلى فسببها المحبة والإرادة وغايتها المحبة والإرادة. فإن الحركات ثلاث: إرادية وطبعية وقسرية. فإن المتحرك إن كان له شعور بحركته وإرادة لها فحركته إرادية وإن لم يكن له شعور بحركته أوله بها شعور وهو غير مريد لها فحركته إما على وفق طبعه أو على خلافه فالأولى طبعية والثانية قسرية. أظهر من هذا أن يقال: مبدأ الحركة إما أن يكون أمرا مباينا للمتحرك أو قوة فيه فالأول الحركة فيه قسرية والثانى إما أن يكون له به شعور أم لا فالأول: الحركة فيه إرادية والثانى طبعية. فالحركة متى لازمت الشعور والإرادة فهى إرادية ومتى انتفى عنها الأمران فإن كانت بقوة فى المتحرك فهى الطبعية وإن كانت من غير قوة فى المحرك فهى القسرية. وكل حركة فى السماوات والأرض: من حركات الأفلاك والنجوم والشمس والقمر والرياح والسحاب والنبات والحيوان فهى ناشئة عن الملائكة الموكلين بالسماوات والأرض كما قال تعالى: فالمدبرات أمرا [النازعات: 5]  وقال فالمقسمات أمرا [الذاريات: 4] . وهى الملائكة عند أهل الإيمان وأتباع الرسل عليهم السلام وأما المكذبون للرسل المنكرون للصانع فيقولون: هى النجوم. وقد أشبعنا الرد على هؤلاء فى كتابنا الكبير المسمى بالمفتاح. وقد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة وأنها موكلة بأصناف المخلوقات وأنه سبحانه وكل بالجبال ملائكة ووكل بالسحاب والمطر ملائكة ووكل بالرحم ملائكة تدبر أمر النطفة حتى يتم خلقها. ثم وكل بالعبد ملائكة لحفظه وملائكة لحفظ ما يعمله(2\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "518",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1790",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإحصائه وكتابته ووكل بالموت ملائكة ووكل بالشمس والقمر ملائكة ووكل بالنار وإيقادها وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكة ووكل بالسؤال فى القبر ملائكة ووكل بالأفلاك ملائكة يحركونها ووكل بالجنة وعمارتها وغراسها وعمل الأنهار فيها ملائكة فالملائكة أعظم جنود الله تعالى. ومنهم: والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا [المرسلات: 1-5] ومنهم والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا [النازعات:1-5] ومنهم والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا [الصافات:1-3] . ومنهم ملائكة الرحمة وملائكة العذاب وملائكة قد وكلوا بحمل العرش(2\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "519",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1791",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وملائكة قد وكلوا بعمارة السماوات بالصلاة والتسبيح والتقديس إلى غير ذلك من أصناف الملائكة التى لا يحصيها إلا الله تعالى. ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر غيره فليس لهم من الأمر شيء بل الأمر كله لله الواحد القهار وهم ينفذون أمره: لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون [الأنبياء: 27 - 28] يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون [النحل: 50] لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون [التحريم: 6] . ولا تتنزل إلا بأمره ولا تفعل شيئا إلا من بعد إذنه فهم: عباد مكرمون [الأنبياء: 26] . منهم الصافون ومنهم المسبحون. ليس منهم إلا من له مقام معلوم لا يتخطاه وهو على عمل قد أمر به لا يقصر عنه ولا يتعداه وأعلاهم الذين عنده سبحانه: لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون [الأنبياء: 19- 20] . ورؤساؤهم الأملاك الثلاث: جبريل وميكائيل وإسرافيل وكان النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: quot;اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيمquot;.(2\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "520",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1792",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتوسل إليه سبحانه بربوبيته العامة والخاصة لهؤلاء الأملاك الثلاثة الموكلين بالحياة. فجبريل موكل بالوحى الذى به حياة القلوب والأرواح وميكائيل موكل بالقطر الذى به حياة الأرض والنبات والحيوان وإسرافيل موكل بالنفخ فى الصور الذى به حياة الخلق بعد مماتهم. فسأله رسوله بربوبيته لهؤلاء أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه لما فى ذلك من الحياة النافعة. وقد أثنى الله سبحانه على عبده جبريل فى القرآن أحسن الثناء ووصفه بأجمل الصفات فقال: فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس إنه لقول رسول كريم ذى قوة عند ذى العرش مكين مطاع ثم أمين [التكوير: 15- 21] . فهذا جبريل فوصفه بأنه رسوله وأنه كريم عنده وأنه ذو قوة ومكانة عند ربه سبحانه وأنه مطاع فى السماوات وأنه أمين على الوحى. فمن كرمه على ربه: أنه أقرب الملائكة إليه. قال بعض السلف: منزلته من ربه منزلة الحاجب من الملك. ومن قوته: أنه رفع مدائن قوم لوط على جناحه ثم قلبها عليهم. فهو قوى على تنفيذ ما يؤمر به غير عاجز عنه إذ تطيعه أملاك السماوات فيما يأمرهم به عن الله تعالى. قال ابن جرير فى quot;تفسيرهquot;: عن إسماعيل بن أبى خالد عن أبى صالح: أمين على أن يدخل سبعين سرادقا من نور بغير إذن. ووصفه بالأمانة يقتضى صدقه ونصحه وإلقاءه إلى الرسل ما أمر به من غير زيادة ولا نقصان ولا كتمان. فالمكانة والأمانة والقوة والقرب من الله. ونظير الجمع له بين المكانة والأمانة: قول العزيز ليوسف عليه السلام: إنك اليوم لدينا مكين أمين [يوسف: 54] . والجمع بين القوة والأمانة: نظير قول ابنه شعيب فى موسى(2\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "521",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1793",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليهما السلام: إن خير من استأجرت القوى الأمين [القصص: 26] . وقال تعالى فى وصفه: علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى [النجم: 5-6] . قال ابن عباس رضى الله عنهما quot;ذو منظر حسنquot; وقال قتادة quot;ذو خلق حسنquot; وقال ابن جرير: quot;عنى بالمرة صحة الجسم وسلامته من الآفات والعاهات والجسم إذا كان كذلك من الإنسان كان قوياquot;. والمرة واحدة المرر وإنما أريد به ذو مرة سوية ومنه قول النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;لا تحل الصدقة لغنى ولا لذى مرة سوىquot;. قلت: هذا حجة من قال: المرة القوة فى الآية وهو قول مجاهد وابن زيد وهو قول ضعيف. لأنه قد وصفه قبل ذلك بأنه: شديد القوى [النجم: 5] . ولا ريب أن المرة فى الحديث هى القوة لا المنظر الحسن فإما أن يقال: المرة تقال على هذا وعلى هذا وإما أن يقال - وهو الأظهر -: إن المرة هى الصحة والسلامة من الآفات والعاهات الظاهرة والباطنة وذلك يستلزم كمال الخلقة وحسنها وجمالها. فإن العاهة والآفة إنما تكون من ضعف الخلقة والتركيب فهى قوة وصحة تتضمن جمالا وحسنا والله أعلم. وقالت اليهود للنبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم quot;من صاحبك الذى يأتيك من الملائكة فإنه ليس من نبى إلا يأتيه ملك بالخبر قال: quot;هو جبريلquot;. قالوا: ذاك الذى ينزل بالحرب والقتال ذاك عدونا لو قلت: ميكائيل الذى ينزل بالنبات والقطر والرحمة فأنزل الله تعالى: من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين [البقرة: 97 - 98] .(2\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "522",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1794",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمقصود: أن الله سبحانه وكل بالعالم العلوى والسفلى ملائكة فهى تدبر أمر العالم بإذنه ومشيئته وأمره فلهذا يضيف التدبير إلى الملائكة تارة لكونهم هم المباشرين للتدبير كقوله: فالمدبرات أمرا [النازعات: 5] . ويضيف التدبير إليه كقوله: إن ربكم الله الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر [يونس: 3] قوله: قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى ومن يدبر الأمر فسيقولون الله [يونس: 31] . فهو المدبر أمرا وإذنا ومشيئة والملائكة المدبرات مباشرة وامتثالا. وهذا كما أضاف التوفى إليهم تارة كقوله تعالى: توفته رسلنا [الأنعام: 61] . وإليه تارة كقوله: الله يتوفى الأنفس [الزمر: 42] ونظائره. والملائكة الموكلة بالإنسان من حين كونه نطفة إلى آخر أمره لهم وله شأن آخر فإنهم موكلون بتخليقه ونقله من طور إلى طور وتصويره وحفظه فى أطباق الظلمات الثلاث وكتابة رزقه وعمله وأجله وشقاوته وسعادته وملازمته فى جميع أحواله وإحصاء أقواله وأفعاله وحفظه فى حياته وقبض روحه عند وفاته وعرضها على خالقه وفاطره. وهم الموكلون بعذابه ونعيمه فى البرزخ وبعد البعث. وهم الموكلون بعمل آلات النعيم والعذاب. وهم المثبتون للعبد المؤمن بإذن الله والمعلمون له ما ينفعه والمقاتلون الذابون عنه وهم أولياؤه فى الدنيا والآخرة وهم الذين يرونه فى منامه ما يخافه ليحذره وما يحبه ليقوى قلبه ويزداد شكرا وهم الذين يعدونه بالخير ويدعونه إليه وينهونه عن الشر ويحذرونه منه. فهم أولياؤه وأنصاره وحفظته ومعلموه وناصحوه والداعون له والمستغفرون له وهم الذين يصلون عليه مادام فى طاعة ربه ويصلون عليه مادام يعلم الناس الخير ويبشرونه بكرامة الله تعالى فى منامه وعند موته ويوم بعثه. وهم الذين يزهدونه فى الدنيا ويرغبونه فى الآخرة. وهم الذين يذكرونه إذا نسى. وينشطونه إذا كسل ويثبتونه إذا جزع. وهم الذين يسعون فى مصالح دنياه وآخرته.(2\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "523",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1795",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهم رسل الله فى خلقه وأمره وسفراؤه بينه وبين عباده تتنزل بالأمر من عنده فى أقطار العالم وتصعد إليه بالأمر قد أطت بهم السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم أو راكع أو ساجد ويدخل البيت المعمور كل يوم منهم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليه. والقرآن مملوء بذكر الملائكة وأصنافهم وأعمالهم ومراتبهم. كقوله تعالى: وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم مالا تعلمون وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنى أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم إلى آخر القصة [البقرة: 30 - 38] وقوله: تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم [القدر: 4] . وما بين هاتين السورتين فى سور القرآن. بل لا تخلو سورة من سور القرآن عن ذكر الملائكة تصريحا أو تلويحا أو إشارة. وأما ذكرهم فى الأحاديث النبوية فأكثر وأشهر من أن يذكر. ولهذا كان الإيمان بالملائكة عليهم السلام أحد الأصول الخمس التى هى أركان الإيمان وهى الأيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. فلنرجع إلى المقصود. وهو أن حركات العالم العلوى والسفلى بالملائكة. فالحركات الإرادية كلها تابعة للإرادة التى تحرك المريد إلى فعل ما يفعله والحركة الطبيعية سببها ما فى(2\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "524",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1796",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المتحرك من الميل والطلب لكماله وانتهائه كحركة النار وحركة النبات وحركة الرياح. وكذلك حركة الجسم الثقيل إلى أسفل فإنه بطبعه يطلب مستقره من المركز ما لم يعقه عنه عائق. وأما الحركة القسرية: كحركته بالقسر إلى العلو فتابعه لإرادة القاسر له فلم يبق حركة أصلية إلا عن الإرادة والمحبة. فصل فإذا عرف ذلك فالمحبة هى التى تحرك المحب فى طلب محبوبه الذى يكمل بحصوله له فتحرك محب الرحمن ومحب القرآن ومحب العلم والإيمان ومحب المتاع والأثمان ومحب الأوثان والصلبان ومحب النسوان والمردان ومحب الأوطان ومحب الإخوان فتثير من كل قلب حركة إلى محبوبه من هذه الأشياء. فيتحرك عند ذكر محبوبه منه دون غيره ولهذا تجد محب النسوان والصبيان ومحب قرآن الشيطان بالأصوات والألحان لا يتحرك عند سماع العلم وشواهد الإيمان ولا عند تلاوة القرآن حتى إذا ذكر له محبوبه اهتز له وربا وتحرك باطنه وظاهره شوقا إليه وطربا لذكره. فكل هذه المحاب باطلة مضمحلة سوى محبة الله وما والاها من محبة رسوله وكتابه ودينه وأوليائه. فهذه المحبة تدوم وتدوم ثمرتها ونعيمها بدوام من تعلقت به وفضلها على سائر المحاب كفضل من تعلقت به على ما سواه. وإذا انقطعت علائق المحبين وأسباب توادهم وتحابهم لم تنقطع أسبابها. قال تعالى: إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب [البقرة: 166] . قال عطاء عن ابن عباس رضى الله عنهما: quot;المودةquot;. وقال مجاهد: quot;تواصلهم فى الدنياquot;. وقال الضحاك: quot;يعنى تقطعت بهم الأرحام وتفرقت بهم المنازل فى النارquot;. وقال أبو صالح: quot;الأعمالquot;.(2\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "525",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1797",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والكل حق. فإن الأسباب هى الوصل التى كانت بينهم فى الدنيا تقطعت بهم أحوج ما كانوا إليها. وأما أسباب الموحدين المخلصين لله فاتصلت بهم ودام اتصالها بدوام معبودهم ومحبوبهم. فإن السبب تبع لغايته فى البقاء والانقطاع. فصل إذا تبين أصل هذا فأصل المحبة المحمودة التى أمر الله تعالى بها وخلق خلقه لأجلها: هى محبته وحده لا شريك له المتضمنة لعبادته دون عبادة ما سواه. فإن العبادة تتضمن غاية الحب بغاية الذل ولا يصلح ذلك إلا لله عز وجل وحده. ولما كانت المحبة جنسا تندرج تحته أنواع متفاوتة فى القدر والوصف كان أغلب ما يذكر فيها فى حق الله تعالى: ما يختص به ويليق به كالعبادة والإنابة والإخبات ولهذا لا يذكر فيها لفظ العشق والغرام والصبابة والشغف والهوى وقد يذكر لها لفظ المحبة كقوله: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54] وقوله قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله [آل عمران: 31] وقوله والذين آمنوا أشد حبا لله [البقرة: 165] . ومدار كتب الله تعالى المنزلة من أولها إلى آخرها على الأمر بتلك المحبة ولوازمها والنهى عن محبة ما يضادها وملازمتها وضرب الأمثال والمقاييس لأهل المحبتين وذكر قصصهم ومآلهم ومنازلهم وثوابهم وعقابهم ولا يجد حلاوة الإيمان بل لا يذوق طعمه إلا من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما كما فى الصحيحين من حديث أنس رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله سلم قال: quot;ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان - وفى لفظ: لا يجد طعم الإيمان إلا من كان فيه ثلاث: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يرجع فى الكفر بعد إذ أنقذه الله تعالى منه كما يكره أن يلقى فى النارquot;. وفى الصحيحين أيضا عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;والذى نفسى بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعينquot;.(2\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "526",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1798",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولهذا اتفقت دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم على عبادة الله وحده لا شريك له. وأصل العبادة وتمامها وكمالها هو المحبة وإفراد الرب سبحانه بها فلا يشرك العبد به فيها غيره. والكلمة المتضمنة لهذين الأصلين هى الكلمة التى لا يدخل فى الإسلام إلا بها ولا يعصم دمه وماله إلا بالإتيان بها ولا ينجو من عذاب الله إلا بتحقيقها بالقلب واللسان وذكرها أفضل الذكر كما فى صحيح ابن حبان عنه صلى الله تعالى عليه وسلم: quot;أفضل الذكر لا إله إلا اللهquot;. والآية المتضمنة لها ولتفضيلها سيدة آى القرآن والسورة المختصة بتحقيقها تعدل ثلث القرآن بها أرسل الله سبحانه جميع رسله وأنزل جميع كتبه وشرع جميع شرائعه قياما بحقها وتكميلا لها. وهى التى يدخل بها العبد على ربه ويصير فى جواره وهى مفزع أوليائه وأعدائه فإن أعداءه إذا مسهم الضر فى البر والبحر فزعوا إلى توحيده وتبرءوا من شركهم ودعوه مخلصين له الدين. وأما أولياؤه فهى مفزعهم فى شدائد الدنيا والآخرة. ولهذا كانت دعوات المكروب quot;لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريمquot;. ودعوة ذى النون التى ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه quot;لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمينquot;. وقال ثوبان رضى الله تعالى عنه quot;كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إذا راعه(2\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "527",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1799",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أمر قال: الله ربى لا أشرك به شيئاquot; وفى لفظ قال: quot; هو الله لا شريك لهquot;. وقالت أسماء بنت عميس رضى الله عنها quot;علمنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كلمات أقولها عند الكرب: الله الله ربى لا أشرك به شيئاquot;. وفى الترمذى من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه عن جده عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;دعوة يونس إذ نادى فى بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين فإنه لم يدع بها مسلم فى شئ إلا استجيب لهquot;. وفى quot;مسند الإمام أحمدquot; مرفوعا quot;دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلنى إلى نفسى طرفة عين وأصلح لى شأنى كله لا إله إلا أنتquot;. فالتوحيد ملجأ الطالبين ومفزع الهاربين ونجاة المكروبين وغياث الملهوفين وحقيقته إفراد الرب سبحانه بالمحبة والإجلال التعظيم والذل والخضوع. فصل فإذا عرف أن كل حركة فأصلها الحب والإرادة فلا بد من محبوب مراد لنفسه لا يطلب ويحب لغيره إذ لو كان كل محبوب يحب لغيره لزم الدور أو التسلسل فى العلل والغايات وهو باطل باتفاق العقلاء والشيء قد يحب من وجه دون وجه وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله عز وجل وحده الذى لا تصلح الألوهية إلا له فلو كان فى السماوات والأرض آلهة إلا الله لفسدتا. والإلهية التى دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها: هى العبادة والتأليه. ومن لوازمها: توحيد الربوبية الذى أقر به المشركون فاحتج الله عليهم به فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الإلهية.(2\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "528",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1800",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وكل حى فله إرادة وعمل بحسبه وكل متحرك فله غاية يتحرك إليها ولا صلاح له إلا أن تكون غاية حركته ونهاية مطلبه: هو الله وحده. كما لا وجود له إلا أن يكون الله وحده هو ربه وخالقه فوجوده بالله وحده وكماله أن يكون لله وحده. فما لا يكون به لا يكون ومالا يكون له لا ينفع ولا يدوم ولهذا قال تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [الأنبياء: 22] . ولم يقل لعدمتا إذ هو سبحانه قادر على أن يبقيهما على وجه الفساد لكن لا يمكن أن تكونا صالحين إلا بأن يكون فاطرهما وخالقهما هو المعبود وحده لا شريك له فإن صلاح الأعمال والحركات بصلاح نياتها ومقاصدها فكل عمل فهو تابع عامله وقصده وإرادته. وتقسيم الأعمال إلى صالح فاسد هو باعتبارها فى ذواتها تارة وباعتبار مقاصدها ونياتها تارة. وأما تقسيم المحبة والإرادة إلى نافعة وضارة فهو باعتبار متعلقها ومحبوبها ومرادها فإن كان المحبوب المراد هو الذى لا ينبغى أن يحب لذاته ويراد لذاته إلا هو وهو المحبوب الأعلى الذى لا صلاح للعبد ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا بأن يكون هو وحده محبوبه ومراده وغاية مطلوبه كانت محبته نافعة له. وإن كان محبوبه ومراده ونهاية مطلوبه غيره كانت محبته ضارة غيره كانت محبته ضارة له وعذابا شقاء. فالمحبة النافعة هى التى تجلب لصاحبها ما ينفعه من السعادة والنعيم والمحبة الضارة هى التى تجلب لصاحبها ما يضره من الشقاء والألم والعناء. فصل إذا تبين هذا فالحى العالم الناصح لنفسه لا يؤثر محبة ما يضره ويشقى به ويتألم به ولا يقع ذلك إلا من فساد تصوره ومعرفته أو من فساد قصده وإرادته. فالأول: جهل والثانى ظلم: والإنسان خلق فى الأصل ظلوما جهولا ولا ينفك عن(2\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "529",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1801",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجهل والظلم إلا بأن يعلمه الله ما ينفعه ويلهمه رشده فمن أراد به الخير علمه ما ينفعه فخرج به عن الجهل ونفعه بما علمه فخرج به عن الظلم ومتى لم يرد به خيرا أبقاه على أصل الخلقة كما فى المسند من حديث عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;إن الله خلق خلقه فى ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضلquot;. فالنفس تهوى ما يضرها ولا ينفعها لجهلها بمضرته لها تارة ولفساد قصدها تارة ولمجموعهما تارة وقد ذم الله تعالى فى كتابه من أجاب داعى الجهل والظلم فقال: فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدى القوم الظالمين [القصص: 50] وقال إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى [النجم: 23] . فأصل كل خير: هو العلم والعدل وأصل كل شر: هو الجهل والظلم. وقد جعل الله سبحانه للعدل المأمور به حدا فمن تجاوزه كان ظالما معتديا وله من الذم والعقوبة بحسب ظلمه وعدوانه الذى خرج به عن العدل ولهذا قال سبحانه وتعالى: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين [الأعراف: 31] . قال فيمن ابتغى سوى زوجته أو ملك يمينه: فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون [المؤمنون: 7] وقال ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين [البقرة: 190] . والمقصود: أن محبة الظلم والعدوان سببها فساد العلم. أو فساد القصد أو فسادهما جميعا. وقد قيل: إن فساد القصد من فساد العلم وإلا فلو علم ما فى الضار من المضرة ولوازمها حقيقة العلم لما آثره ولهذا من علم من طعام شهى لذيذ أنه مسموم فإنه لا يقدم عليه فضعف علمه بما فى الضار من وجوه المضرة وضعف عزمه عن اجتنابه يوقعه فى ارتكابه ولهذا كان الإيمان الحقيقى هو الذى يحمل صاحبه على فعل ما ينفعه وترك ما يضره فإذا لم يفعل هذا ولم يترك هذا لم يكن إيمانه على الحقيقة وإنما معه من الإيمان بحسب ذلك. فإن المؤمن بالنار حقيقة الإيمان حتى كأنه يراها لا يسلك طريقها(2\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "530",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1802",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الموصلة إليها فضلا عن أن يسعى فيها بجهده والمؤمن بالجنة حقيقة الإيمان لا تطاوعه نفسه أن يقعد عن طلبها وهذا أمر يجده الإنسان فى نفسه فيما يسعى فيه فى الدنيا من المنافع أو التخلص منه من المضار. فصل إذا تبين هذا فالعبد أحوج شئ إلى معرفة ما يضره ليجتنبه وما ينفعه ليحرص عليه ويفعله فيحب النافع: ويبغض الضار فتكون محبته وكراهته موافقتين لمحبة الله تعالى وكراهته وهذا من لوازم العبودية والمحبة ومتى خرج عن ذلك أحب ما يسخطه ربه وكره ما يحبه فنقصت عبوديته بحسب ذلك. وهاهنا طريقان: العقل والشرع. أما العقل فقد وضع الله سبحانه فى العقول والفطر استحسان الصدق والعدل والإحسان والبر والعفة والشجاعة ومكارم الأخلاق وأداء الأمانات وصلة الأرحام ونصيحة الخلق والوفاء بالعهد وحفظ الجوار ونصر المظلوم والإعانة على نوائب الحق وقرى الضيف وحمل الكل ونحو ذلك. ووضع فى العقول والفطر استقباح أضداد ذلك ونسبة هذا الاستحسان والاستقباح إلى العقول والفطر كنسبة استحسان شرب الماء البارد عند الظمأ وأكل الطعام اللذيذ النافع عند الجوع ولبس ما يدفئه عند البرد فكما لا يمكنه أن يدفع عن نفسه وطبعه استحسان ذلك ونفعه. فكذلك لا يدفع عن نفسه وفطرته استحسان صفات الكمال ونفعها واستقباح أضدادها ومن قال: إن ذلك لا يعلم بالعقل ولا بالفطرة وإنما عرف بمجرد السمع فقوله باطل قد بينا بطلانه فى كتاب المفتاح من ستين وجها وبينا هناك دلالة القرآن والسنة والعقول والفطر على فساد هذا القول. والطريق الثانى لمعرفة الضار والنافع من الأعمال: السمع. وهو أوسع وأبين وأصدق من الطريق الأول لخفاء صفات الأفعال وأحوالها ونتائجها وأن العالم بذلك على التفصيل ليس هو إلا الرسول صلوات الله وسلامه عليه. فأعلم الناس وأصحهم عقلا ورأيا واستحسانا من(2\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "531",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1803",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان عقله ورأيه واستحسانه وقياسه موافقا للسنة كما قال مجاهد quot;أفضل العبادة الرأى الحسن وهو اتباع السنةquot; قال تعالى: ويرى الذين أوتوا العلم الذى أنزل إليك من ربك هو الحق [سبأ: 6] . وكان السلف يسمون أهل الآراء المخالفة للسنة وما جاء به الرسول فى مسائل العلم الخبرية وأهل مسائل الأحكام العملية يسمونهم: أهل الشبهات والأهواء لأن الرأى المخالف للسنة جهل لا علم وهوى لا دين. فصاحبه ممن اتبع هواه بغير هدى من الله واتبع هواه بغير علم وغايته الضلال فى الدنيا والشقاء فى الآخرة وإنما ينتفى الضلال والشقاء عمن اتبع هدى الله الذى أرسل به رسله وأنزل به كتبه كما قال تعالى: فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى  ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى [طه: 123-124] . واتباع الهوى يكون فى الحب والبغض كما قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا [النساء: 135]  وقال: ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى [المائدة: 8] . والهوى المنهى عن اتباعه كما يكون هو هوى الشخص فى نفسه فقد يكون أيضا هوى غيره فهو منهى عن اتباع هذا وهذا لمضادة كل منهما لهدى الله الذى أرسل به رسله وأنزل به كتبه. فصل فمن المحبة النافعة: محبة الزوجة وما ملكت يمين الرجل فإنها معينة على ما شرع الله سبحانه له من النكاح وملك اليمين من إعفاف الرجل نفسه وأهله فلا تطمح نفسه إلى سواها من الحرام ويعفها فلا تطمح نفسها إلى غيره وكلما كانت المحبة بين الزوجين أتم وأقوى كان هذا المقصود أتم وأكمل قال تعالى: هو الذى خلقكم من(2\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "532",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1804",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها [الأعراف: 189]  وقال: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة [الروم: 21] . وفى الصحيح عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه سئل quot;من أحب الناس إليك فقال: عائشةquot; ولهذا كان مسروق رحمه الله يقول إذا حدث عنها: quot;حدثتنى الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم المبرأة من فوق سبع سماواتquot;. وصح عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال: quot;حبب إلى من دنياكم النساء والطيب. وجعلت قرة عينى فى الصلاةquot;. فلا عيب على الرجل فى محبته لأهله وعشقه لها إلا إذا شغله ذلك عن محبة ما هو أنفع له من محبة الله ورسوله وزاحم حبه وحب رسوله فإن كل محبة زاحمت محبة الله ورسوله بحيث تضعفها وتنقصها فهى مذمومة. وإن أعانت على محبة الله ورسوله وكانت من أسباب قوتها فهى محمودة ولذلك كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يحب الشراب البارد الحلو ويحب الحلواء والعسل ويحب الخيل وكان أحب الثياب إليه القميص وكان يحب الدباء فهذه المحبة لا تزاحم محبة الله بل قد تجمع الهم والقلب على التفرغ لمحبة الله فهذه محبة طبيعية تتبع نية صاحبها وقصده بفعل ما يحبه. فإن نوى به القوة على أمر الله تعالى وطاعته كانت قربة وإن فعل ذلك بحكم الطبع والميل المجرد لم يثب ولم يعاقب. وإن فاته درجة من فعله متقربا به إلى الله. فالمحبة النافعة ثلاثة أنواع: محبة الله ومحبة فى الله ومحبة ما يعين على طاعة الله تعالى واجتناب معصيته. والمحبة الضارة ثلاثة أنواع: المحبة مع الله ومحبة ما يبغضه الله تعالى ومحبة ما تقطع محبته عن محبة الله تعالى أو تنقصها. فهذه ستة أنواع عليها مدار محاب الخلق. فمحبة الله عز وجل أصل المحاب المحمودة وأصل الإيمان والتوحيد والنوعان الآخران تبع لها.(2\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "533",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1805",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمحبة مع الله أصل الشرك والمحاب المذمومة والنوعان الآخران تبع لها. ومحبة الصور المحرمة وعشقها من موجبات الشرك وكلما كان العبد أقرب إلى الشرك وأبعد من الإخلاص كانت محبته بعشق الصور أشد وكلما كان أكثر إخلاصا وأشد توحيدا كان أبعد من عشق الصور ولهذا أصاب امرأة العزيز ما أصابها من العشق لشركها. ونجا منه يوسف الصديق عليه السلام بإخلاصه قال تعالى: كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين [يوسف: 24] . فالسوء: العشق والفحشاء: الزنا. فالمخلص قد خلص حبه لله فخلصه الله من فتنة عشق الصور. والمشرك قلبه متعلق بغير الله لم يخلص توحيده وحبه لله عز وجل. فصل ومن أبلغ كيد الشيطان وسخريته بالمفتونين بالصور: أنه يمنى أحدهم أنه إنما يحب ذلك الأمرد أو تلك المرأة الأجنبية لله تعالى لا للفاحشة ويأمره بمواخاته. وهذا من جنس المخادنة بل هو مخادنة باطنة. كذوات الأخدان اللاتى قال الله تعالى فيهن: محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان [النساء: 25] . وقال فى حق الرجال: محصنين غير مسافحين ولا متخذى أخدان [المائدة: 5] . فيظهرون للناس أن محبتهم تلك الصورة لله تعالى ويبطنون اتخاذها خدنا يتلذذون بها فعلا أو تقبيلا أو تمتعا مجرد النظر والمخادنة والمعاشرة واعتقادهم أن هذا لله وأنه قربة وطاعة: هو من أعظم الضلال والغى وتبديل الدين حيث جعلوا ما كرهه الله سبحانه محبوبا له وذلك من نوع الشرك والمحبوب المتخذ من دون الله طاغوت. فإن اعتقاد كون التمتع بالمحبة والنظر والمخادنة وبعض المباشرة لله وأنه حب فيه: كفر وشرك كاعتقاد محبى الأوثان فى أوثانهم.(2\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "534",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1806",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد يبلغ الجهل بكثير من هؤلاء إلى أن يعتقد أن التعاون على الفاحشة تعاون على الخير والبر وأن الجالب محسن إلى العاشق جدير بالثواب وأنه ساع فى دوائه وشفائه وتفريج كرب العشق عنه وأن quot;من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامةquot;. فصل ثم هم بعد هذا الضلال والغى أربعة أقسام: قوم يعتقدون أن هذا لله وهذا كثير فى طوائف العامة والمنتسبين إلى الفقر والتصوف وكثير من الأتراك. وقوم يعلمون فى الباطن أن هذا ليس لله وإنما يظهرون أنه لله خداعا ومكرا وتسترا. وهؤلاء من وجه أقرب إلى المغفرة من أولئك لما يرجى لهم من التوبة. ومن وجه أخبث لأنهم يعلمون التحريم ويأتون المحرم وأولئك قد يشتبه الأمر على بعضهم كما اشتبه على كثير من الناس أن استماع أصوات الملاهى قربة وطاعة ووقع فى ذلك من شاء الله من الزهاد والعباد فكذلك اشتبه على من هو أضعف علما وإيمانا أن التمتع بعشق الصور ومشاهدتها ومعاشرتها عبادة وقربة. القسم الثالث: مقصودهم الفاحشة الكبرى. فتارة يكونون من أولئك الضالين الذين يعتقدون أن هذه المحبة التى لا وطء فيها لله تعالى وأن الفاحشة معصية فيقولون نفعل شيئا لله تعالى ونفعل أمرا لغير الله تعالى وتارة يكونون من أهل القسم الثانى الذين يظهرون أن هذه المحبة لله وهم يعلمون أن الأمر بخلاف ذلك فيجمعون بين الكذب والفاحشة وهم فى هذه المخادنة والمواخاة مضاهئون للنكاح فإنه يحصل بين هذين من الاقتران والازدواج والمخالطة نظير ما يحصل بين الزوجين. وقد يزيد عليه تارة فى الكم والكيف وقد ينقص عنه. وقد يحصل بينهما من الاقتران ما يشبه اقتران المتواخيين المتحابين فى الله لكن الذين(2\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "535",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1807",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "آمنوا أشد حبا لله فإن المتحابين فى الله يعظم تحابهما ويقوى ويثبت بخلاف هذه المواخاة والمحبة الشيطانية. ثم قد يشتد بينهما الاتصال حتى يسمونه زواجا ويقولون: تزوج فلان بفلان كما يفعله المستهزئون بآيات الله تعالى ودينه من مجان الفسقة ويقرهم الحاضرون على ذلك ويضحكون منه ويعجبهم مثل ذلك المزاح والنكاح. وربما يقول بعض زنادقة هؤلاء: الأمرد حبيب الله والملتحى عدو الله وربما اعتقد كثير من المرادن أن هذا صحيح وأنه المراد بقوله quot;إذا أحب الله العبد نادى: يا جبريل إنى أحب فلانا فأحبه - الحديثquot;. وأنه توضع له المحبة فى الأرض فيعجبه أن يحب ويفتخر بذلك بين الناس ويعجبه أن يقال: هو معشوق أو حظوة البلد وأن الناس يتغايرون على محبته ونحو ذلك. وقد آل الأمر بكثير من هؤلاء إلى ترجيح وطء المردان على نكاح النسوان. وقالوا: هو أسلم من الحبل والولادة ومؤنة النكاح والشكوى إلى القاضى وفرض النفقة والحبس على الحقوق. وربما قال بعضهم: إن جماع النساء يأخذ من القوة أكثر مما يأخذ جماع الصبيان. لأن الفرج يجذب من القوة والماء أكثر مما يجذب المحل الأخر بحكم الطبيعة. وقسمت هذه الطائفة المفعول به إلى ثلاثة أقسام: مؤاجر ومملوك ومعشوق خاص. فالأول: بإزاء البغايا المؤجرات أنفسهن. والثانى: بإزاء الأمة والسرية. والثالث: بإزاء الزوجة أو الأجنبية المعشوقة. وتعوض كل منهم بقسم عن نظيره من الإناث. وربما فضل بعضهم اتخاذ المردان(2\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "536",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1808",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واستفراشهم على النساء من وجوه. وهذا مضادة ومحادة لله ودينة وكتبه ورسله. وصنف بعضهم كتابا فى هذا الباب وقال فى أثنائه: باب فى المذهب المالكى وذكر فيه الجماع فى الدبر من الذكور والإناث. وقد علم أن مالكا رحمه الله تعالى من أشد الناس وأشدهم مذهبا فى هذا الباب حتى إنه يوجب قتل اللوطى حدا بكرا أو ثيبا وقوله فى ذلك هو أصح المذاهب كما دلت عليه النصوص واتفق عليه أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وإن اختلفت أقوالهم فى كيفية قتله كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وسبب غلط هذا وأمثاله: أنه قد نسب إلى مالك رحمه الله تعالى القول بجواز وطء الرجل امرأته فى دبرها وهو كذب على مالك وعلى أصحابه فكتبهم كلها مصرحة بتحريمه. ثم لما استقر عند هؤلاء أن مالكا يبيح ذلك نقلوا الإباحة من الإناث إلى الذكور وجعلوا البابين بابا واحدا. وهذا كفر وزندقة من قائله بإجماع الأمة. ونظير هذا: ما يتوهمه كثير من الفسقة وجهال الترك وغيرهم أن مذهب أبى حنيفة رحمه الله تعالى أن هذا ليس من الكبائر وغايته أن تكون صغيرة من الصغائر. وهذا من أعظم الكذب والبهت على الأئمة. فقد أعاذ الله أبا حنيفة وأصحابه من ذلك. وشبهة هؤلاء الفسقة الجهلة: أنهم لما رأوا أبا حنيفة رحمه الله تعالى لم يوجب فيه الحد ركبوا على ذلك أنه ليس من كبائر الذنوب بل من صغائرها. وهذا ظن كاذب. فإن أبا حنيفة لم يسقط فيه الحد لخفة أمره فإن جرمه عنده وعند جميع أهل الإسلام أعظم من جرم الزنا. ولهذا عاقب الله سبحانه أهله بما لم يعاقب به أمة من الأمم وجمع عليهم من أنواع العذاب ما لم يجمعه على غيرهم.(2\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "537",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1809",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وشبهة من أسقط فيه الحد: أن فحش هذا مركوز فى طباع الأمم. فاكتفى فيه بالوازع الطبعى كما اكتفى بذلك فى أكل الرجيع وشرب البول والدم ورتب الحد على شرب الخمر لكونه مما تدعو إليه النفوس. والجمهور يجيبون عن هذا بأن فى النفوس الخبيثة المتعدية حدود الله أقوى الداعى لذلك فالحد فيه أولى من الحد فى الزنا ولذلك وجب الحد على من وطئ أمه وابنته وخالته وجدته وإن كان فى النفوس وازع وزاجر طبعى عن ذلك بل حد هذا القتل بكل حال بكرا كان أو محصنا فى أصح الأقوال وهو مذهب أحمد وغيره. هذا ونفرة النفوس عن ذلك أعظم بكثير من نفرتها عن المردان. ونظير هذا الظن الكاذب والغلط الفاحش: ظن كثير من الجهال أن الفاحشة بالمملوك كالمباحة أو مباحة أو أنها أيسر من ارتكابها من الحر وتأولت هذه الفرقة القرآن على ذلك وأدخلت المملوك فى قوله: إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين [المؤمنون: 6 المعارج: 30] . وحتى إن بعض النساء لتمكن عبدها من نفسها تتأول القرآن على ذلك كما رفع إلى عمر بن الخطاب امرأة تزوجت عبدها وتأولت هذه الآية ففرق عمر رضى الله عنه بينهما وأدبها وقال quot;ويحك إنما هذا للرجال لا للنساءquot;. ومن تأول هذه الآية على وطء الذكران من المماليك فهو كافر باتفاق الأمة قال شيخنا: ومن هؤلاء من يتأول قوله تعالى: ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم [البقرة: 221] . على ذلك قال: وقد سألنى بعض الناس عن هذه الآية وكان ممن يقرأ القرآن فظن أن معناها فى إباحة ذكران العبيد المؤمنين. قال: ومنهم من يجعل ذلك مسألة نزاع يبيحه بعض العلماء ويحرمه بعضهم ويقول: اختلافهم شبهة وهذا كذب وجهل فإنه ليس فى فرق الأمة من يبيح ذلك بل ولا فى دين من أديان الرسل وإنما يبيحه زنادقة العالم الذين لا يؤمنون بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر.(2\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "538",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1810",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: ومنهم من يقول: هو مباح للضرورة مثل أن يبقى الرجل أربعين يوما لا يجامع إلى أمثال هذه الأمور التى خاطبنى فيها وسألنى عنها طوائف من الجند والعامة والفقراء. قال: ومنهم من قد بلغه خلاف بعض العلماء فى وجوب الحد فيه فظن أن ذلك خلاف فى التحريم ولم يعلم أن الشيء قد يكون من أعظم المحرمات كالميتة والدم ولحم الخنزير وليس فيه حد مقدر. ثم ذلك الخلاف قد يكون قولا ضعيفا فيتولد من ذلك القول الضعيف الذى هو من خطأ بعض المجتهدين وهذا الظن الفاسد الذى هو خطأ بعض الجاهلين: تبديل الدين وطاعة الشيطان ومعصية رب العالمين فإذا انضافت الأقوال الباطلة إلى الظنون الكاذبة وأعانتها الأهواء الغالبة فلا تسأل عن تبديل الدين بعد ذلك والخروج عن جملة الشرائع بالكلية. ولما سهل هذا الأمر فى نفوس كثير من الناس صار كثير من المماليك يتمدح بأنه لا يعرف غير سيده أنه لم يطأه سواه كما تتمدح الأمة والمرأة بأنها لا تعرف غير سيدها وزوجها وكذلك كثير من المردان يتمدح بأنه لا يعرف غير خدينه وصديقه أو مؤاخيه أو معلمه وكذلك من الفاعلين يتمدح بأنه عفيف عما سوى خدنه الذى هو قرينه وعشيره كالزوجة أو عما سوى مملوكه الذى هو كسريته. ومنهم من يرى أن التحريم إنما هو إكراه الصبى على فعل الفاحشة فإذا كان مختارا راضيا لم يكن بذلك بأس فكأن المحرم عنده من ذلك إنما هو الظلم والعدوان بإكراه المفعول به. قال شيخنا: وحكى لى من أثق به: أن بعض هؤلاء أخذ على هذه الفاحشة فحكم عليه بالحد فقال: والله هو ارتضى بذلك وما أكرهته ولا غصبته فكيف أعاقب فقال نصير المشركين - وكان حاضرا - هذا حكم محمد بن عبد الله وليس لهؤلاء ذنب.(2\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "539",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1811",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن هؤلاء من يعتقد أن العشق إذا بلغ بالعاشق إلى حد يخاف معه التلف أبيح له وطء معشوقه للضرورة وحفظ النفس كما يباح له الدم والميتة ولحم الخنزير فى المخمصة. وقد يبيح هؤلاء شرب الخمر على وجه التدواى وحفظ الصحة إذا سلم من معرة السكر ولا ريب أن الكفر والفسوق والمعاصى درجات كما أن الإيمان والعمل الصالح درجات كما قال تعالى: هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون [آل عمران: 163] وقال: ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون [الأنعام: 132] . وقال إنما النسئ زيادة فى الكفر [التوبة: 37] وقال فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين فى قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم [التوبة: 124 - 125] . ونظائره فى القرآن كثيرة. ومن أخف هؤلاء جرما: من يرتكب ذلك معتقدا تحريمه وأنه إذا قضى حاجته قال: استغفر الله فكأن ما كان لم يكن. فقد تلاعب الشيطان بأكثر هذا الخلق كتلاعب الصبيان بالكرة وأخرج لهم أنواع الكفر والفسوق والعصيان فى كل قالب. وبالجملة فمراتب الفاحشة متفاوتة بحسب مفاسدها فالمتخذ خدنا من النساء والمتخذة خدنا من الرجال أقل شرا من المسافح والمسافحة مع كل أحد والمستخفى بما يرتكبه أقل إثما من المجاهر المستعلن والكاتم له أقل إثما من المخبر المحدث للناس به فهذا بعيد عن عافية الله تعالى وعفوه كما قال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;كل أمتى معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يستر الله تعالى عليه ثم يصبح يكشف ستر الله عنه يقول يا فلان فعلت البارحة كذا وكذا فيبيت ربه يستره ويصبح يكشف ستر الله عن نفسهquot; أو كما قال. وفى الحديث الآخر عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;من ابتلى من هذه القاذورات بشيء فليستتر بستر الله فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب اللهquot;:(2\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "540",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1812",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفى الحديث الآخر quot;إن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامةquot;. وكذلك الزنا بالمرأة التى لا زوج لها أيسر إثما من الزنا بذات الزوج لما فيه من ظلم الزوج والعدوان عليه وإفساد فراشه عليه وقد يكون إثم هذا أعظم من إثم مجرد الزنا أو دونه. والزنا بحليلة الجار أعظم إثما من الزنا ببعيدة الدار لما اقترن بذلك من أذى الجار وعدم حفظ وصية الله تعالى ورسوله به. وكذلك الزنا بامرأة الغازى فى سبيل الله أعظم إثما عند الله من الزنا بغيرها. ولهذا يقام له يوم القيامة ويقال له: quot;خذ من حسناته ما شئتquot;. وكما تختلف درجاته بحسب المزنى بها فكذلك تتفاوت درجاته بحسب الزمان والمكان والأحوال وبحسب الفاعل. فالزنا فى رمضان ليلا أو نهارا أعظم إثما منه فى غيره. وكذلك فى البقاع الشريفة المفضلة هو أعظم إثما منه فيما سواها. وأما تفاوته بحسب الفاعل: فالزنا من الحر أقبح منه من العبد. ولهذا كان حده على النصف من حده. ومن المحصن أقبح منه من البكر ومن الشيخ أقبح منه من الشاب. ولهذا كان أحد الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: الشيخ الزانى. ومن العالم أقبح منه من الجاهل لعلمه بقبحه وما يترتب عليه وإقدامه على بصيرة. ومن القادر على الاستغناء عنه أقبح من الفقير العاجز.(2\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "541",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1813",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومما ينبغى أن يعلم: أنه قد يقترن بالأيسر إثما ما يجعله أعظم إثما مما هو فوقه. مثاله: أنه قد يقترن بالفاحشة من العشق الذى يوجب اشتغال القلب بالمعشوق وتأليهه له وتعظيمه والخضوع له والذل له وتقديم طاعته وما يأمر به على طاعة الله تعالى ورسوله وأمره فيقترن بمحبة خدنه وتعظيمه وموالاة من يواليه ومعاداة من يعاديه ومحبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه ما قد يكون أعظم ضررا على صاحبه من مجرد ركوب الفاحشة. فإن المحبوبات لغير الله قد أثبت الشارع فيها اسم التعبد. كقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى الحديث الصحيح: quot;تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش إن أعطى رضى وإن منع سخطquot; رواه البخارى. فسمى هؤلاء الذين إن أعطوا رضوا وإن منعوا سخطوا عبيدا لهذه الأشياء لانتهاء محبتهم ورضاهم ورغبتهم إليها. فإذا شغف الإنسان بمحبة صورة لغير الله بحيث يرضيه وصوله إليها وظفره بها ويسخطه فوات ذلك كان فيه من التعبد لها بقدر ذلك.(2\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "542",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1814",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولهذا يجعلون الحب مراتب: أوله: العلاقة ثم الصبابة ثم الغرام ثم العشق. وآخر ذلك: التتيم. وهو التعبد للمعشوق. فيصير العاشق عبدا لمعشوقه. والله سبحانه إنما حكى عشق الصور فى القرآن عن المشركين. فحكاه عن امرأة العزيز وكانت مشركة على دين زوجها. وكانوا مشركين وحكاه عن اللوطية وكانوا مشركين فقال تعالى فى قصتهم: لعمرك إنهم لفى سكرتهم يعمهون [الحجر: 72] . أخبر سبحانه أنه يصرفه عن أهل الإخلاص فقال: كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين [يوسف: 24] وقال عن عدوه إبليس أنه قال: فبعزتك لأغوينهم أجمعين  إلا عبادك منهم المخلصين [ص: 82 - 83] وقال تعالى: إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين [الحجر: 42] . والغاوى ضد الراشد والعشق المحرم من أعظم الغى. لهذا كان أتباع الشعراء وأهل السماع الشعرى غاوين. كما سماهم الله تعالى بذلك فى قوله: الشعراء يتبعهم الغاوون [الشعراء: 224] . فالغاوون يتبعون الشعراء وأصحاب السماع الشعرى الشيطانى وهؤلاء لا ينفكون عن طلب وصال أو سؤال نوال. كما قال أبو تمام لرجل: أما تعرفنى فقال: ومن أعرف بك منى. أنت بين اثنتين تبرز للن ... اس وكلتاهما بوجه مذال لست تنفك طالبا لوصال ... من حبيب أو راجيا لنوال أى ماء يبقى لوجهك هذا ... بين ذل الهوى وذل السؤال والزنا بالفرج - وإن كان أعظم من الإلمام بالصغيرة كالنظرة والقبلة واللمس- لكن إصرار العاشق على محبة الفعل وتوابعه ولوازمه وتمنيه له وحديث نفسه به: أنه لا يتركه واشتغال قلبه بالمعشوق قد يكون أعظم ضررا من فعل الفاحشة مرة بشيء كثير. فإن(2\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "543",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1815",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإصرار على الصغيرة قد يساوى إثمه إثم الكبيرة أو يربى عليها. وأيضا فإن تعبد القلب للمعشوق شرك وفعل الفاحشة معصية ومفسدة الشرك أعظم من مفسدة المعصية. وأيضا فإنه قد يتخلص من الكبيرة بالتوبة والاستغفار وأما العشق إذا تمكن من القلب فإنه يعز عليه التخلص منه كما قال القائل: تالله ما أسرت لواحظك امرأ ... إلا وعز على الورى استنقاذه بل يصير تعبدا لازما للقلب لا ينفك عنه ومعلوم أن هذا أعظم ضررا وفسادا من فاحشة يرتكبها مع كراهيته لها وقلبه غير معبد لمن ارتكبها منه. وقد أخبر الله سبحانه أن سلطان الشيطان إنما هو: على الذين يتولونه والذين هم به مشركون [النحل: 100] . وأن سلطانه إنما هو على من اتبعه من الغاوين والغى اتباع الهوى والشهوات كما أن الضلال اتباع الظنون والشبهات. وأصل الغى من الحب لغير الله فإنه يضعف الإخلاص به ويقوى الشرك بقوته فأصحاب العشق الشيطانى لهم من تولى الشيطان والإشراك به بقدر ذلك لما فيهم من الإشراك بالله ولما فاتهم من الإخلاص له ففيهم نصيب من اتخاذ الأنداد ولهذا ترى كثيرا منهم عبدا لذلك المعشوق متيما فيه. يصرخ فى حضوره ومغيبه: أنه عبده فهو أعظم ذكرا له من ربه وحبه فى قلبه أعظم من حب الله فيه وكفى به شاهدا بذلك على نفسه: بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره [القيامة: 14- 15] . فلو خير بين رضاه ورضا الله لاختار رضا معشوقه على رضا ربه ولقاء معشوقه أحب إليه من لقاء ربه وتمنيه لقربه أعظم من تمنيه لقرب ربه وهربه من سخطه عليه أشد من هربه من سخط ربه عليه يسخط ربه بمرضاة معشوقه ويقدم مصالح معشوقة وحوائجه على طاعة ربه فإن فضل من وقته وكان عنده قليل من الإيمان صرف تلك الفضلة فى طاعة ربه وإن استغرق الزمان حوائج معشوقه ومصالحه صرف زمانه كله فيها وأهمل أمر الله تعالى يجود لمعشوقه بكل نفيسة ونفيس ويجعل لربه من ماله - إن جعل له - كل رذيلة(2\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "544",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1816",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وخسيس فلمعشوقه لبه وقلبه وهمه ووقته وخالص ماله وربه على الفضلة قد اتخذه وراءه ظهريا وصار لذكره نسيا إن قام فى خدمته فى الصلاة فلسانه يناجيه وقلبه يناجى معشوقه ووجه بدنه إلى القبلة ووجه قلبه إلى المعشوق. ينفر من خدمة ربه حتى كأنه واقف فى الصلاة على الجمر من ثقلها عليه وتكلفه لفعلها فإذا جاءت خدمة المعشوق أقبل عليها بقلبه وبدنه فرحا بها ناصحا له فيها خفيفة على قلبه لا يستثقلها ولا يستطيلها. ولا ريب أن هؤلاء من الذين اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله. وعشقهم يجمع المحرمات الأربع: من الفواحش الظاهرة والباطنة والإثم والبغى بغير الحق والشرك بالله ما لم ينزل به سلطانا والقول على الله ما لا يعلمون فإن هذا من لوازم الشرك فكل مشرك يقول على الله ما لا يعلم. فكثيرا ما يوجد فى هذا العشق من الشرك الأكبر الأصغر ومن قتل النفوس تغايرا على المعشوق وأخذ أموال الناس بالباطل ليصرفها فى رضا المعشوق ومن الفاحشة والكذب والظلم مالا خفاء به. وأصل ذلك كله من خلو القلب من محبة الله تعالى والإخلاص له والتشريك بينه وبين غيره فى المحبة ومن محبة ما يحب لغير الله فيقوم ذلك بالقلب ويعمل بموجبه بالجوارح وهذا هو حقيقة اتباع الهوى. وفى الأثر. quot;ما تحت أديم السماء إله يعبد أعظم عند الله من هوى متبعquot;. وقال تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون [الجاثية: 23] . وإذا تأملت حال عشاق الصور المتيمين فيها وجدت هذه الآية منطبقة عليهم مخبرة عن حالهم. قال بعض العلماء: ليس شيء من المحبوبات يستوعب محبة القلب إلا محبة الله أو محبة بشر مثلك أما محبة الله فهى التى خلق لها العباد وبها غاية سعادتهم وكمال نعيمهم وأما البشر المماثل من ذكر أو أنثى فإن فيه من المشاكلة والمناسبة بين العاشق وبينه(2\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "545",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1817",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما ليس مثله وبين جنس آخر من المخلوقات. ولهذا لا يعرف فى محبة شيء من المحبوبات المخالفة للمحب فى الجنس ما يزيل العقل ويفسد الإدراك ويوجب انقطاع الإرادة لغير ذلك المحبوب وإنما يعرف ذلك فى محبته لجنسه فتستوعب قلبه وتسلب لبه ويصير لمعشوقه سامعا مطيعا كما قيل: إن هواك الذى بقلبىصيرنى سامعا مطيعا ويقوى هذا السمع والطاعة عند كثير من العشاق حتى يبذل نفسه ويسلمها للتلف فى طاعة معشوقه كما يبذل المجاهد نفسه لربه حتى يقتل فى سبيله وإذا كان النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قد قال فى الحديث الذى رواه أحمد وغيره: quot;شارب الخمر - أو قال مدمن الخمر - كعابد وثنquot;. ومر على بن طالب رضى الله عنه بقوم يلعبون بالشطرنج فقال quot;ما هذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون quot;. فما الظن بالعاشق المتيم الفانى فى معشوقه ولهذا قرن الله سبحانه بين الخمر والأنصاب وهى الأصنام التى تعبد من دون الله فقال: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون  إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون [المائدة: 90 - 91] . ومعلوم أن شارب الخمر لا يدوم سكره بل لا بد أن يفيق ولعل أوقات إفاقته أكثر من أوقات سكره. وأما سكرة العشق فقل أن يستفيق صاحبها إلا إذا جاءت الرسل تطلبه للقدوم على الله تعالى ولهذا استمرت سكرة اللوطية حتى فاجأهم عذاب الله وعقوبته(2\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "546",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1818",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهم فى سكرتهم يعمهون فكيف إذا خرج العشق إلى حد الجنون المطبق كما أنشد محمد بن جعفر الخرائطى فى كتاب اعتلال القلوب قال: أنشد الصيدلانى: قالت: جننت على رأسى فقلت لها ... العشق أعظم مما بالمجانين العشق لا يستفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون فى الحين فصاحبه أحق بأن يشبه بعابد الوثن والعاكف على التماثيل فإن عكوف قلب العاشق على صورة محبوبه وتمثاله يشبه عكوف عابد الصنم على صنمه. وإذا كان الشيطان يريد أن يوقع العدواة والبغضاء بين المسلمين فى الخمر والميسر ويصدهم بذلك عن ذكر الله وعن الصلاة فالعدواة والبغضاء والصد الذى يوقعه بالعشق أعظم بكثير. وجميع المعاصى يجتمع فيها هذان الوصفان وهما العدواة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة فإن التحاب والتآلف إنما هو بالإيمان والعمل الصالح كما قال تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا [مريم: 96] . أى يلقى بينهم المحبة فيحب بعضهم بعضا فيتراحمون ويتعاطفون بما جعل الله لبعضهم فى قلوب بعض من المحبة. وقال ابن عباس quot;يحبهم ويحببهم إلى عبادةquot;. قال هرم بن حيان quot;ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهمquot;.(2\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "547",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1819",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأهل المعاصى والفسوق وإن كان بينهم نوع مودة وتحاب فإنها تنقلب عدواة وبغضا وفى الغالب يتعجل لهم ذلك فى الدنيا قبل الآخرة أما فى الآخرة فالأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين. وقال إمام الحنفاء لقومه: إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم فى الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا [العنكبوت: 25] . فالمعاصى كلها توجب ذلك وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة وذكر ذلك فى الخمر الميسر - اللذين هما من أواخر المحرمات - تنبيه على ما فى غيرهما من ذلك مما حرم قبلهما وهو أشد تحريما منهما فإن ما يوقعه قتل النفوس وسرقة الأموال وارتكاب الفواحش من ذلك وما يصد به عن ذكر الله وعن الصلاة أضعاف أضعاف ما يقتضيه الخمر والميسر والواقع شاهد بذلك. وكم وقع وهو واقع بين الناس - بسبب عشق الصور - من العداوة والبغضاء وزوال الألفة والمحبة وانقلا بها عدواة. وأما صده عن ذكر الله فقلب العاشق ليس فيه موضع لغير معشوقه كما قيل: ما فى الفؤاد لغير حبك موضع ... كلا ولا أحد سواك يحله وأما صده عن الصلاة فهو إن لم يصد عن صورتها وأعمالها الظاهرة فإنه يصد عن حقيقتها ومقاصدها الباطنة. فصل ومما يبين أن هذه الفواحش أصلها المحبة لغير الله تعالى سواء كان المطلوب المشاهدة أو المباشرة أو غير ذلك: أنها فى المشركين أكثر منها فى المخلصين ويوجد فيهم منها ما لا يوجد مثله فى المخلصين. قال تعالى يا بنى آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث(2\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "548",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1820",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله مالا تعلمون قل أمر ربى بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين - إلى قوله تعالى - قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغى بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله مالا تعلمون [الأعراف: 27- 33] . فأخبر سبحانه أنه جعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون وهو قوله: أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا [الكهف: 50] . وقال تعالى فى الشيطان: إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون [النحل: 100] . وأخبر عنه أنه أقسم بعزة ربه أنه يغوى عباده أجمعين واستثنى أهل الإخلاص منهم وأخبر سبحانه عن أولياء الشيطان: أنهم إذا فعلوا فاحشة احتجوا بتقليد أسلافهم وزعموا أن الله سبحانه أمرهم بها فاتبعوا الظن الكاذب والهوى الباطل. قال شيخنا: وفى هذا الوصف نصيب كبير لكثير من المنتسبين إلى القبلة من الصوفية والعباد والأمراء والأجناد والمتفلسفة والمتكلمين والعامة وغيرهم يستحلون من الفواحش ما حرمه الله ورسوله ظانين أن الله أباحه أو تقليدا لأسلافهم وأصله العشق الذى يبغضه الله فكثير منهم يجعله دينا ويرى أنه يتقرب به إلى الله إما لزعمه أنه يزكى النفس ويهذبها وإما لزعمه أنه يجمع بذلك قلبه على آدمى ثم ينقله إلى عبادة الله وحده وإما لزعمه أن الصور الجميلة مظاهر الحق ومشاهده ويسميها quot;مظاهر الجمال الأحدىquot; وإما لاعتقاده حلول الرب فيها واتحاده بها ولهذا تجد بين نساك هؤلاء وفقرائهم وأمرائهم وأصحابهم توافقا وتآلفا على اتخاذ أنداد من دون الله يحبونهم كحب الله. إما تدينا وإما شهوة وإما جمعا بين الأمرين. ولهذا يتآلفون ويجتمون على السماع الشيطانى الذى يهيج الحب المشترك فيهيج من كل قلب ما فيه من الحب. وسبب ذلك: خلو القلب مما خلق له من عبادة الله تعالى التى تجمع محبته وتعظيمه والخضوع والذل له والوقوف مع أمره ونهيه ومحابه ومساخطه. فإذا كان فى القلب وجدان حلاوة الإيمان وذوق طعمه أغناه ذلك عن محبة الأنداد وتأليهها. وإذا خلا القلب من ذلك احتاج إلى أن يستبدل به ما يهواه ويتخذه إلهه وهذا من تبديل الدين وتغيير فطرة الله التى(2\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "549",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1821",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فطر عليها عباده. قال تعالى: فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها. لا تبديل لخلق الله [الروم: 30] . أى نفس خلق الله لا تبديل له فلا يخلق الخلق إلا على الفطرة كما أن خلقه للأعضاء على السلامة من الشق والقطع. ولا تبديل لنفس هذا الخلق. ولكن يقع التغيير فى المخلوق بعد خلقه كما قال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot; كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهمية بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونهاquot;.(2\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "550",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1822",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالقلوب مفطورة على حب إلهها وفاطرها وتأليهه. فصرف ذلك التأله والمحبة إلى غيره تغيير للفطرة. ولما تغيرت فطر الناس بعث الله الرسل بصلاحها وردها إلى حالتها التى خلقت عليها فمن استجاب لهم رجع إلى أصل الفطرة ومن لم يستجب لهم استمر على تغيير الفطرة وفسادها. فصل والفتنة بعشق الصور تنافى أن يكون دين العبد كله الله بل ينقص من كون دينه لله بحسب ما حصل له من فتنة العشق. وربما أخرجت صاحبه من أن يبقى معه شئ من الدين لله. قال تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله [الأنفال: 39] . فناقض بين كون الفتنة وبين كون الدين كله. فكل منهما يناقض الآخر. والفتنة قد فسرت بالشرك. فما حصلت به فتنة القلوب فهو إما شرك وإما من أسباب الشرك. وهى جنس تحته أنواع من الشبهات والشهوات. وفتنة الذين اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله من أعظم الفتن. ومنه فتنة أصحاب العجل كما قال تعالى لموسى: إنا قد فتنا قومك من بعدك [طه: 85] . وكذلك فتنة العشق من أعظم الفتن قال تعالى: ومنهم من يقول ائذن لى ولا تفتنى ألا فى الفتنة سقطوا [التوبة: 49] . نزلت فى الجد بن قيس لما غزا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم تبوك قال له quot;هل لك يا جد فى بلاد بنى الأصفر تتخذ منهم السرارى والوصفاء فقال جد: ائذن لى فى القعود عنك. فقد عرف قومى أنى مغرم بالنساء وأنى أخشى إن رأيت بنات الأصفر أن لا أصبر عنهن فأنزل الله تعالى هذه الآيةquot;.(2\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "551",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1823",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ابن زيد: يريد لا تفتنى بصباحة وجوههن. وقال أبو العالية: لا تعرضنى للفتنة. وقوله تعالى: ألا فى الفتنة سقطوا [التوبة: 49] . قال قتادة: quot;ما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله سلم والرغبة بنفسه عنه أعظمquot;. فالفتنة التى فر منها - بزعمه - هى فتنة محبة النساء وعدم صبره عنهن والفتنة التى وقع فيها هى فتنة الشرك والكفر فى الدنيا والعذاب فى الآخرة. لفظ الفتنة فى كتاب الله تعالى يراد بها الامتحان الذى لم يفتتن صاحبه بل خلص من الافتتان. ويراد بها الامتحان الذى حصل معه افتتان. فمن الأول: قوله تعالى لموسى عليه السلام: وفتناك فتونا [طه: 40] . ومن الثانى: قوله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة [الأنفال:39] وقوله: ألا فى الفتنة سقطوا [التوبة: 49] . ويطلق على ما يتناول الأمرين كقوله تعالى: الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين [العنكبوت: 1 -3] . ومنه قول موسى عليه السلام: إن هى إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء [الأعراف: 155] . أى امتحانك وابتلاؤك تضل بها من وقع فيها وتهدى من نجا منها.(2\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "552",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1824",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتطلق الفتنة على أعم من ذلك كقوله تعالى: إنما أموالكم وأولادكم فتنة [التغابن: 15] . قال مقاتل quot;أى بلاء وشغل عن الآخرة. قال ابن عباس: فلا تطيعوهم فى معصية الله تعالىquot;. وقال الزجاج: أعلمهم الله عز وجل أن الأموال والأولاد مما يفتنون به وهذا عام فى جميع الأولاد فإن الإنسان مفتون بولده لأنه ربما عصى الله تعالى بسببه تناول الحرام لأجله ووقع فى العظائم إلا من عصمه الله تعالى. ويشهد لهذا ما روى أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم quot;كان يخطب فجاء الحسن والحسين رضى الله عنهما وعليهما قميصان أحمران يعثران فنزل النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إليهما فأخذهما فوضعهما فى حجره على المنبر وقال: صدق الله: إنما أموالكم وأولادكم فتنة [التغابن: 15] رأيت هذين الصبيين فلم أصبر عنهماquot;. وقال ابن مسعود رضى الله عنه quot;لا يقولن أحدكم: اللهم إنى أعوذ بك من الفتنة فإنه ليس منكم أحد إلا وهو مشتمل على فتنة لأن الله تعالى يقول: إنما أموالكم وأولادكم فتنة [التغابن: 15] فأيكم استعاذ فليستعذ بالله تعالى من مضلات الفتنquot;. ومنه قوله تعالى: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة [الفرقان: 20] . وهذا عام فى جميع الخلق امتحن بعضهم ببعض فامتحن الرسل بالمرسل إليهم ودعوتهم إلى الحق والصبر على أذاهم. وتحمل(2\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "553",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1825",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المشاق فى تبليغهم رسالات ربهم وامتحن المرسل إليهم بالرسل وهل يطيعونهم وينصرونهم ويصدقونهم أم يكفرون بهم ويردون عليهم ويقاتلونهم وامتحن العلماء بالجهال هل يعلمونهم وينصحونهم ويصبرون على تعليمهم ونصحهم وإرشادهم ولوازم ذلك وامتحن الجهال بالعلماء هل يطيعونهم ويهتدون بهم وامتحن الملوك بالرعية والرعية بالملوك وامتحن الأغنياء بالفقراء والفقراء بالغنياء وامتحن الضعفاء بالأقوياء والأقوياء بالضعفاء والسادة بالأتباع والأتباع بالسادة وامتحن المالك بمملوكه ومملوكه به وامتحن الرجل بامرأته وامرأته به وامتحن الرجال بالنساء والنساء بالرجال والمؤمنين بالكفار ولكفار بالمؤمنين. وامتحن الآمرين بالمعروف بمن يأمرونهم وامتحن المأمورين بهم ولذلك كان فقراء المؤمنين وضعفاؤهم من أتباع الرسل فتنة لأغنيائهم ورؤسائهم امتنعوا من الإيمان بعد معرفتهم بصدق الرسل وقالوا: لو كان خيرا ما سبقونا إليه [الأحقاف: 11] هؤلاء. وقالوا لنوح عليه السلام: أنؤمن لك واتبعك الأرذلون [الشعراء: 111] . قال تعالى: وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا [الأنعام: 53] . فإذا رأى الشريف الرئيس المسكين الذليل قد سبقه إلى الإيمان ومتابعة الرسول حمى وأنف أن يسلم فيكون مثله وقال: أسلم فأكون أنا وهذا الوضيع على حد سواء.(2\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "554",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1826",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الزجاج: كان الرجل الشريف ربما أراد الإسلام فيمتنع منه لئلا يقال أسلم قبله من هو دونه فيقيم على كفره لئلا يكون للمسلم السابقة عليه فى الفضل. ومن كون بعض الناس لبعضهم فتنة أن الفقير يقول: لم لم أكن مثل الغنى ويقول الضعيف: هلا كنت مثل القوى ويقول المبتلى هلا كنت مثل المعافى وقال الكفار: لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله [الأنعام: 124] . قال مقاتل: نزلت فى افتتان المشركين بفقراء المهاجرين نحو بلال وخباب وصهيب وأبى ذر وابن مسعود وعمار كان كفار قريش يقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين تبعوا محمدا من موالينا وأراذلنا قال الله تعالى: إنه كان فريق من عبادى يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكرى وكنتم منهم تضحكون إنى جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون [المؤمنون: 109- 111] . فأخبر سبحانه أنه جزاهم على صبرهم كما قال تعالى: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون [الفرقان: 20] . قال الزجاج: أى أتصبرون على البلاء فقد عرفتم ما وجد الصابرون: قلت: قرن الله سبحانه الفتنة بالصبر هاهنا وفى قوله: ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا [النحل: 110] . فليس لمن قد فتن بفتنة دواء مثل الصبر فإن صبر كانت الفتنة ممحصة له ومخلصة من الذنوب كما يخلص الكير خبث الذهب والفضة. فالفتنة كير القلوب ومحك الإيمان وبها يتبين الصادق من الكاذب: قال تعالى: ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين [العنكبوت: 3] . فالفتنة قسمت الناس إلى صادق وكاذب ومؤمن ومنافق وطيب وخبيث. فمن صبر عليها كانت رحمة فى حقه ونجا بصبره من فتنة أعظم منها ومن لم يصبر عليها وقع فى فتنة أشد منها. فالفتنة لا بد منها فى الدنيا والآخرة كما قال تعالى: يوم هم على النار يفتنون ذوقوا فتنتكم هذا الذى كنتم به تستعجلون [الذاريات: 13 14] . فالنار فتنة من لم يصبر(2\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "555",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1827",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على فتنة الدنيا قال تعالى فى شجرة الزقوم: إنا جعلناها فتنة للظالمين [الصافات: 63] . قال قتادة: لما ذكر الله تعالى هذه الشجرة افتتن بها الظلمة فقالوا: يكون فى النار شجرة والنار تأكل الشجر فأنزل الله عز وجل: إنها شجرة تخرج فى أصل الجحيم [الصافات: 64] . فأخبرهم أن غذاءها من النار أى غذيت بالنار. قال ابن قتيبة: قد تكون شجرة الزقوم نبتا من النار ومن جوهر لا تأكله النار وكذلك سلاسل النار وأغلالها وأنكالها وعقاربها وحياتها ولو كانت على ما يعلم لم تبق على النار وإنما دلنا الله تعالى على الغائب عنده بالحاضر عندنا فالأسماء متفقة الدلالة والمعانى مختلفة وما فى الجنة من ثمرها وفرشها وشجرها وجميع آلاتها على مثل ذلك. والمقصود: أن هذه الشجرة فتنة لهم فى الدنيا بتكذيبهم بها وفتنة لهم فى الآخرة بأكلهم منها. وكذلك إخباره سبحانه بأن عدة الملائكة الموكلين بالنار تسعة عشر كان فتنة للكفار حيث قال عدو الله أبو جهل: أيخوفكم محمد بتسعة عشر وأنتم الدهم أفيعجز كل مائة منكم أن يبطشوا بواحد منهم ثم تخرجون من النار فقال أبو الأسد: يا معشر قريش إذا كان يوم القيامة فأنا أمشى بين أيديكم على الصراط فأدفع عشرة بمنكبى الأيمن وتسعة بمنكبى الأيسر فى النار ونمضى فندخل الجنة. فكان ذكر هذا العدد فتنة لهم فى الدنيا وفتنة لهم يوم القيامة. والكافر مفتون بالمؤمن فى الدنيا كما أن المؤمن مفتون به ولهذا سأل المؤمنون(2\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "556",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1828",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ربهم أن لا يجعلهم فتنة للذين كفروا كما قال الحنفاء: ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا [الممتحنة: 4-5] . وقال أصحاب موسى عليه السلام: ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين [يونس: 85] . قال مجاهد: المعنى لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولون: لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم هذا. وقال الزجاج: معناه: لا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على حق فيفتنوا بذلك. وقال الفراء: لا تظهر علينا الكفار فيروا أنهم على حق وأنا على باطل. وقال مقاتل: لا تقتر علينا الرزق وتبسطه عليهم فيكون ذلك فتنة لهم. وقد أخبر الله سبحانه أنه قد فتن كلا من الفريقين بالفريق الآخر فقال: وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا [الأنعام: 52] فقال الله تعالى أليس الله بأعلم بالشاكرين [الأنعام: 53] . والمقصود: أن الله سبحانه فتن أصحاب الشهوات بالصور الجميلة وفتن أولئك بهم فكل من النوعين فتنة للآخر فمن صبر منهم على تلك الفتنة نجا مما هو أعظم منها ومن أصابته تلك الفتنة سقط فيما هو شر منها فإن تدارك ذلك بالتوبة النصح وإلا فبسبيل من هلك ولهذا قال النبى صلى الله تعالى عليه وآله سلم: quot;ما تركت بعدى فتنة أضر من النساء على الرجالquot; أو كما قال. فالعبد فى هذه الدار مفتون بشهواته ونفسه الأمارة وشيطانه المغوى المزين وقرنائه وما يراه ويشاهده مما يعجز صبره عنه ويتفق مع ذلك ضعف الإيمان واليقين وضعف القلب ومرارة الصبر وذوق حلاوة العاجل وميل النفس إلى زهرة الحياة الدنيا وكون العوض مؤجلا فى دار أخرى غير هذه الدار التى خلق فيها وفيها نشأ فهو مكلف بأن يترك شهوته الحاضرة المشاهدة لغيب طلب منه الإيمان به: فو الله لولا الله يسعد عبده ... توفيقه والله بالعبد أرحم(2\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "557",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1829",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لما ثبت الإيمان يوما بقلبه ... على هذه العلات والأمر أعظم ولا طاوعته النفس فى ترك شهوة ... مخافة نار جمرها يتضرم ولا خاف يوما من مقام إلهه ... عليه بحكم القسط إذ ليس يظلم فصل والفتنة نوعان: فتنة الشبهات. وهى أعظم الفتنتين وفتنة الشهوات. وقد يجتمعان للعبد. وقد ينفرد بإحداهما. ففتنة الشبهات من ضعف البصيرة وقلة العلم ولا سيما إذا اقترن بذلك فساد القصد وحصول الهوى فهنالك الفتنة العظمى والمصيبة الكبرى فقل ما شئت فى ضلال سيئ القصد الحاكم عليه الهوى لا الهدى مع ضعف بصيرته وقلة علمه بما بعث الله به رسوله فهو من الذين قال الله تعالى فيهم: إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس [النجم: 23] . وقد أخبر الله سبحانه أن اتباع الهوى يضل عن سبيل الله فقال: يا داود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب [ص: 26] . وهذه الفتنة مآلها إلى الكفر والنفاق وهى فتنة المنافقين وفتنة أهل البدع على حسب مراتب بدعهم. فجميعهم إنما ابتدعوا من فتنة الشبهات التى اشتبه عليهم فيها الحق بالباطل والهدى بالضلال. ولا ينجى من هذه الفتنة إلا تجريد اتباع الرسول وتحكيمه فى دق الدين وجله ظاهره وباطنه عقائده وأعماله حقائقه وشرائعه فيتلقى عنه حقائق الإيمان وشرائع الإسلام. وما يثبته الله من الصفات والأفعال والأسماء وما ينفيه عنه كما يتلقى عنه وجوب الصلوات وأوقاتها وأعدادها ومقادير نصب الزكاة ومستحقيها ووجوب الوضوء والغسل(2\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "558",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1830",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من الجنابة وصوم رمضان فلا يجعله رسولا فى شيء دون شيء من أمور الدين بل هو رسول فى كل شيء تحتاج إليه الأمة فى العلم والعمل لا يتلقى إلا عنه ولا يؤخذ إلا منه فالهدى كله دائر على أقواله وأفعاله وكل ما خرج عنها فهو ضلال فإذا عقد قلبه على ذلك وأعرض عما سواه ووزنه بما جاء به الرسول فإن وافقه قبله لا لكون ذلك القائل قاله بل لموافقته للرسالة وإن خالفه رده ولو قاله من قاله فهذا الذى ينجيه من فتنة الشبهات وإن فاته ذلك أصابه من فتنتها بحسب ما فاته منه. وهذه الفتنة تنشأ تارة من فهم فاسد وتارة من نقل كاذب وتارة من حق ثابت خفى على الرجل فلم يظفر به وتارة من غرض فاسد وهوى متبع فهى من عمى فى البصيرة وفساد فى الإرادة. فصل وأما النوع الثانى من الفتنة. ففتنة الشهوات. وقد جمع سبحانه بين ذكر الفتنتين فى قوله: كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقهم [التوبة: 69] . أى تمتعوا بنصيبهم من الدنيا وشهواتها والخلاق هو النصيب المقدر ثم قال وخضتم كالذى خاضوا فهذا الخوض بالباطل وهو الشبهات. فأشار سبحانه فى هذه الآية إلى ما يحصل به فساد القلوب والأديان من الاستمتاع بالخلاق والخوض بالباطل لأن فساد الدين إما أن يكون باعتقاد الباطل والتكلم به أو بالعمل بخلاف العلم الصحيح. فالأول: هو المبدع وما والاها والثانى: فسق الأعمال. فالأول فساد من جهة الشبهات والثانى من جهة الشهوات. ولهذا كان السلف يقولون quot;احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه وصاحب دنيا أعمته دنياهquot;.(2\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "559",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1831",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكانوا يقولون quot;احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتونquot;. وأصل كل فتنة إنما هو من تقديم الرأى على الشرع والهوى على العقل. فالأول: أصل فتنة الشبهة والثانى: أصل فتنة الشهوة. ففتنة الشبهات تدفع باليقين وفتنة الشهوات تدفع بالصبر ولذلك جعل سبحانه إمامة الدين منوطة بهذين الأمرين فقال: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون [السجدة: 24] . فدل على أنه بالصبر واليقين تنال الإمامة فى الدين. وجمع بينهما أيضا فى قوله: وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر [العصر: 3] . فتواصوا بالحق الذى يدفع الشبهات وبالصبر الذى يكف عن الشهوات. وجمع بينهما فى قوله: واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولى الأيدى والأبصار [ص: 45] . فالأيدى: القوى والعزائم فى ذات الله والأبصار: البصائر فى أمر الله. وعبارات السلف تدور على ذلك. قال ابن عباس quot;أولى القوة فى طاعة الله والمعرفة باللهquot;. وقال الكلبى quot;أولى القوة فى العبادة والبصر فيهاquot;. وقال مجاهد quot;الأيدى: القوة فى طاعة الله والأبصار: البصر فى الحقquot;. وقال سعيد بن جبير quot;الأيدى: القوة فى العمل والأبصار: بصرهم بما هم فيه من دينهمquot;. وقد جاء فى حديث مرسل quot;إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهواتquot;. فبكمال العقل والصبر تدفع فتنة الشهوة وبكمال البصيرة واليقين تدفع فتنة الشبهة والله المستعان.(2\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "560",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1832",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل إذا سلم العبد من فتنة الشبهات والشهوات حصل له أعظم غايتين مطلوبتين بهما سعادته وفلاحه وكماله. وهما الهدى والرحمة. قال تعالى عن موسى وفتاه: فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما [الكهف: 65] . فجمع له بين الرحمة والعلم وذلك نظير قول أصحاب الكهف: ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا [الكهف: 10] . فإن الرشد هو العلم بما ينفع والعمل به. والرشد والهدى إذا أفرد كل منها تضمن الآخر وإذا قرن أحدهما. فالهدى هو العلم بالحق. والرشد هو العمل به وضدهما الغى واتباع الهوى. وقد يقابل الرشد بالضر والشر. قال تعالى: قل إنى لا أملك لكم ضرا ولا رشدا [الجن: 21] . وقال مؤمنو الجن: وأنا لا ندرى أشر أريد بمن فى الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا [الجن: 10] . فالرشد يقابل الغى كما فى قوله: وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا [الأعراف: 146] . ويقابل الضر والشر كما تقدم وذلك لأن الغى سبب حصول الشر والضر ووقوعهما بصاحبه. فالضر والشر غاية البغى وثمرته كما أن الرحمة والفلاح غاية الهدى وثمرته. فلهذا يقابل كل منهما بنقيضه وسبب نقبضه فيقابل الهدى بالضلال كقوله: يضل من يشاء ويهدى من يشاء [النحل: 93] وقوله إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدى من يضل [النحل: 37] وهو كثير. ويقابل بالضلال والعذاب. كقوله: فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى [طه: 123] . فقابل الهدى بالضلال والشقاء. وجمع سبحانه بين الهدى والفلاح والهدى والرحمة كما يجمع بين الضلال والشقاء والضلال والعذاب: كقوله: إن المجرمين فى ضلال وسعر [القمر: 47] . فالضلال ضد الهدى والسعر العذاب وهو ضد الرحمة.(2\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "561",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1833",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمي [طه: 124] . والمقصود: أن من سلم من فتنة الشبهات والشهوات جمع له بين الهدى والرحمة والهدى والفلاح. قال تعالى عن أوليائه: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب [آل عمران: 8] وقال تعالى: ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفى نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون [الأعراف: 154] وقال تعالى: هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يوقنون [الأعراف: 203] وقال تعالى: لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذى بين يديه وتفصيل كل شئ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون [يوسف: 111] وقال تعالى: يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما فى الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين [يونس: 57] . فقوله: quot;هذا بصائر من ربكمquot; عام مطلق وقوله: quot;وهدى ورحمة لقوم يوقنونquot; خاص بأهل اليقين. ونظير ذلك قوله يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما فى الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين [يونس: 57] . ونظيره فى الخصوص قوله تعالى: هدى للمتقين [البقرة: 2] وقوله: يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام [المائدة: 16] . ونظيره أيضا قوله: هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين [آل عمران: 138] . وقد أخبر أنه هدى عام لجميع المكلفين. فقال: إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى [النجم: 23] . فأخبر سبحانه أن القرآن بصائر لجميع الناس. والبصائر جمع بصيرة وهى فعيلة بمعنى مفعلة أى مبصرة لمن تبصر. ومنه قوله تعالى: وآتينا ثمود الناقة مبصرة [الإسراء: 59] .(2\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "562",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1834",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أى مبينة موجبة للتبصر. وفعل الإبصار يستعمل لازما ومتعديا. يقال: أبصرته بمعنى أريته وأبصرته بمعنى رأيته فمبصرة فى الآية: بمعنى مرئية لا بمعنى رائية والذين ظنوها بمعنى رائية غلطوا فى الآية وتحيروا فى معناها. فإنه يقال: بصر به وأبصره فيعدى بالباء تارة والهمزة تارة. ثم يقال: أبصرته كذا أى أريته إياه كما يقال: بصرته به. وبصر هو به. فهاهنا بصيرة وتبصرة ومبصرة. فالبصيرة: المبينة التى تبصر والتبصرة مصدر مثل التذكرة وسمى بها ما يوجب التبصرة فيقال: هذه الآية تبصرة لكونها آلة التبصر وموجبه. فالقرآن بصيرة وتبصرة وهدى وشفاء ورحمة بمعنى عام وبمعنى خاص. ولهذا يذكر الله سبحانه هذا وهذا فهو هدى للعالمين وموعظة للمتقين وهدى للمتقين وشفاء للعالمين وشفاء للمؤمنين وموعظة للعالمين وموعظة للمتقين فهو فى نفسه هدى ورحمة وشفاء وموعظة. فمن اهتدى به واتعظ واشتفى كان بمنزلة من استعمل الدواء الذى يحصل به الشفاء فهو دواء له بالفعل. وإن لم يستعمله فهو دواء له بالقوة وكذلك الهدى. فالقرآن هدى بالفعل لمن اهتدى به وبالقوة لمن يهتد به فإنما يهتدى به ويرحم ويتعظ المتقون الموقنون. والهدى فى الأصل: مصدر هدى يهدى هدى. فمن لم يعمل بعلمه لم يكن مهتديا كما فى الأثر quot;من ازداد علما ولم يزدد هدى لم يزدد من الله تعالى إلا بعداquot; ولكن يسمى هدى لأن من شأنه أن يهدى. وهذا أحسن من قول من قال: إنه هدى بمعنى هاد فهو مصدر بمعنى الفاعل كعدل بمعنى العادل وزور بمعنى الزائر ورجل صوم أى بمعنى صائم فإن الله سبحانه قد أخبر أنه يهدى به. فالله الهادى وكتابه الهدى الذى يهدى به على لسان رسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. فهاهنا ثلاثة أشياء: فاعل وقابل وآله. فالفاعل: هو الله تعالى والقابل: قلب(2\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "563",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1835",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العبد والآلة: هو الذى يحصل به الهدى وهو الكتاب المنزل والله سبحانه يهدى خلقه هدى كما يقال: دلهم دلالة وأرشدهم إرشادا وبين لهم بيانا. والمقصود: أن المحل القابل هو قلب العبد المتقى المنيب إلى ربه الخائف منه الذى يبتغى رضاه ويهرب من سخطه فإذا هداه الله فكأنه وصل أثر فعله إلى محل قابل فيتأثر به فصار هدى له وشفاء ورحمة وموعظة بالوجود والفعل والقبول وإذا لم يكن المحل قابلا وصل إليه الهدى فلم يؤثر فيه كما يصل الغذاء إلى محل غير قابل للاغتذاء فإنه لا يؤثر فيه شيئا بل لا يزيده إلا ضعفا وفسادا إلى فساده كما قال تعالى فى السورة التى نزلها: فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين فى قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم [التوبة: 124 - 125]  وقال: وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا [الإسراء: 82] . فتخلف الاهتداء يكون لعدم قبول المحل تارة ولعدم آلة الهدى تارة ولعدم فعل الفاعل وهو الهادى تارة ولا يحصل الهدى على الحقيقة إلا عند اجتماع هذه الأمور الثلاثة. وقد قال سبحانه: ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون [الأنفال: 23] . فأخبر سبحانه أنه قطع عنهم مادة الاهتداء وهو إسماع قلوبهم وإفهامها ما ينفعها لعدم قبول المحل فإنه لا خير فيه فإن الرجل إنما ينقاد للحق بالخير الذى فيه والميل إليه والطلب له ومحبته والحرص عليه والفرح بالظفر به وهؤلاء ليس فى قلوبهم شيء من ذلك فوصل الهدى إليها ووقع عليها كما يصل الغيث النازل من السماء ويقع على الأرض الغليظة العالية والتى لا تمسك ماء ولا تنبت كلاء فلا هى قابلة للماء ولا للنبات فالماء فى نفسه رحمة وحياة ولكن ليس فيها قبول له. ثم أكد الله هذا المعنى فى حقهم بقوله: ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون [الأنفال: 23] . فأخبر أن فيهم مع عدم القبول والفهم آفة أخرى وهى الكبر والإعراض وفساد القصد فلو فهموا لم ينقادوا ولم يتبعوا الحق. ولم يعملوا به فالهدى فى حق هؤلاء هدى بيان وإقامة(2\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "564",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1836",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حجة لا هدى توفيق وإرشاد فلم يتصل الهدى فى حقهم بالرحمة. وأما المؤمنون: فاتصل الهدى فى حقهم بالرحمة فصار القرآن لهم هدى ورحمة ولأولئك هدى بلا رحمة. والرحمة المقارنة للهدى فى حق المؤمنين عاجلة وآجلة. فأما العاجلة فما يعطيهم الله تعالى فى الدنيا من محبة الخير والبر وذوق طعم الإيمان ووجد حلاوته والفرح والسرور بأن هداهم الله تعالى لما أضل عنه غيرهم ولما اختلف فيه من الحق فهم يتقلبون فى نور هداه ويمشون به فى الناس ويرون غيرهم متحيرا فى الظلمات فهم أشد الناس فرحا بما آتاهم ربهم من الهدى قال تعالى: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون [يونس: 58] . فأمر سبحانه عباده المؤمنين المهتدين أن يفرحوا بفضله ورحمته. وقد دارت عبارات السلف على أن الفضل والرحمة هو العلم والإيمان والقرآن واتباع الرسول وهذا من أعظم الرحمة التى يرحم الله بها من يشاء من عباده فإن الأمن والعافية والسرور ولذة القلب ونعيمه وبهجته وطمأنينته: مع الإيمان والهدى إلى طريق الفلاح والسعادة والخوف ولهم والغم والبلاء والألم والقلق: مع الضلال والحيرة. ومثل هدا بمسافرين أحدهما قد اهتدى لطريق مقصده فسار آمنا مطمئنا والآخر قد ضل الطريق فلم يدر أين يتوجه كما قال تعالى: قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذى استهوته الشياطين فى الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى [الأنعام: 71] . فالرحمة التى تحصل لمن حصل له الهدى هى بحسب هداه فكلما كان نصيبه من الهدى أتم كان حظه من الرحمة أوفر وهذه هى الرحمة الخاصة بعباده المؤمنين وهى غير الرحمة العامة بالبر والفاجر. وقد جمع الله سبحانه لأهل هدايته بين الهدى والرحمة والصلاة عليهم فقال تعالى: أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون [البقرة: 157] . قال عمر(2\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "565",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1837",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بن الخطاب رضى الله تعالى عنه quot;نعم العدلان ونعمت العلاوةquot; فبالهدى خلصوا من الضلال وبالرحمة نجوا من الشقاء والعذاب وبالصلاة عليهم نالوا منزلة القرب والكرامة. والضالون حصل لهم ضد هذه الثلاثة: الضلال عن طريق السعادة والوقوع فى ضد الرحمة من الألم والعذاب والذم واللعن الذى هو ضد الصلاة. ولما كان نصيب كل عبد من الرحمة على قدر نصيبه من الهدى كان أكمل المؤمنين إيمانا أعظمهم رحمة كما قال تعالى فى أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم [الفتح: 29] . وكان الصديق رضى الله تعالى عنه من أرحم الأمة وقد روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال: quot;أرحم أمتى بأمتى أبو بكرquot; رواه الترمذى وكان أعلم الصحابة باتفاق الصحابة كما قال أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه quot;وكان أبو بكر رضى الله عنه أعلمنا به يعنى النبى صلى الله تعالى وآله وسلمquot; فجمع الله له بين سعة العلم والرحمة. وهكذا الرجل كلما اتسع علمه اتسعت رحمته وقد وسع ربنا كل شيء رحمة وعلما. فوسعت رحمته كل شيء وأحاط بكل شيء علما فهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها بل(2\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "566",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1838",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو أرحم بالعبد من نفسه كما هو أعلم بمصلحة العبد من نفسه والعبد لجهله بمصالح نفسه وظلمه لها يسعى فيما يضرها ويؤلمها وينقص حظها من كرامته وثوابه ويبعدها من قربه وهو يظن أنه ينفعها ويكرمها وهذا غاية الجهل والظلم والإنسان ظلوم جهول فكم من مكرم لنفسه بزعمه وهو لها مهين ومرفه لها وهو لها متعب ومعطيها بعض غرضها ولذتها وقد حال بينها وبين جميع لذاتها فلا علم له بمصالحها التى هى مصالحها ولا رحمة عنده لها فما يبلغ عدوه منه ما يبلغ هو من نفسه. فقد بخسها حظها وأضاع حقها وعطل مصالحها وباع نعيمها الباقى ولذتها الدائمة الكاملة بلذة فانية مشوبة بالتنغيص إنما هى كأضغاث أحلام أو كطيف زار فى المنام وليس هذا بعجيب من شأنه وقد فقد نصيبه من الهدى والرحمة. فلو هدى ورحم لكان شأنه غير هذا الشأن ولكن الرب تعالى أعلم بالمحل الذى يصلح للهدى والرحمة. فهو الذى يؤتيها العبد. كما قال عن عبده الخضر: فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما [الكهف: 65]  ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا [الكهف: 10] . فصل ومما ينبغى أن يعلم: أن الرحمة صفة تقتضى إيصال المنافع والمصالح إلى العبد وإن كرهتها نفسه وشقت عليها. فهذه هى الرحمة الحقيقية فأرحم الناس بك من شق عليك فى إيصال مصالحك ودفع المضار عنك. فمن رحمة الأب بولده: أن يكرهه على التأدب بالعلم والعمل ويشق عليه فى ذلك بالضرب وغيره ويمنعه شهواته التى تعود بضرره ومتى أهمل من ولده كان لقلة رحمته به وإن ظن أنه يرحمه [ويرفهه] ويريحه. فهذه رحمة مقرونة بجهل كرحمة الأم. ولهذا كان من إتمام رحمة أرحم الراحمين: تسليط أنواع البلاء على العبد فإنه أعلم بمصلحته فابتلاؤه له وامتحانه ومنعه من كثير من أعراضه وشهواته: من رحمته به ولكن العبد لجهله وظلمه يتهم ربه بابتلائه ولا يعلم إحسانه إليه بابتلائه وامتحانه.(2\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "567",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1839",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد جاء فى الأثر quot;إن المبتلى إذا دعى له: اللهم ارحمه يقول الله سبحانه: كيف أرحمه من شيء به أرحمه quot; وفى أثر آخر quot;إن الله إذا أحب عبدا حماه الدنيا وطيباتها وشهواتها كما يحمى أحدكم مريضهquot;. فهذا من تمام رحمته به لا من بخله عليه. كيف وهو الجواد الماجد الذى له الجود كله وجود جميع الخلائق فى جنب وجود أقل من ذرة فى جبال الدنيا ورمالها. فمن رحمته سبحانه بعباده: ابتلاؤهم بالأوامر والنواهى رحمة وحمية لا حاجة منه إليهم بما أمرهم به فهو الغنى الحميد ولا بخلا منه عليهم بما نهاهم عنه فهو الجواد الكريم. ومن رحمته: أن نغص عليهم الدنيا وكدرها لئلا يسكنوا إليها ولا يطمئنوا إليها ويرغبوا فى النعيم المقيم فى داره وجواره فساقهم إلى ذلك بسياط الابتلاء والامتحان فمنعهم ليعطيهم وابتلاهم ليعافيهم وأماتهم ليحييهم. ومن رحمته بهم: أن حذرهم نفسه لئلا يغتروا به فيعاملوه بما لا تحسن معاملته به كما قال تعالى: ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد [آل عمران: 30] . قال غير واحد من السلف: من رأفته بالعباد: حذرهم من نفسه لئلا يغتروا به. فصل ولما كان تمام النعمة على العبد إنما هو بالهدى والرحمة كان لهما ضدان: الضلال والغضب. فأمرنا الله سبحانه أن نسأله كل يوم وليلة مرات عديدة أن يهدينا صراط الذين أنعم عليهم وهم أولو الهدى والرحمة يجنبنا طريق المغضوب عليهم وهم ضد المرحومين وطريق الضالين وهم ضد المهتدين ولهذا كان هذا الدعاء من أجمع الدعاء وأفضله وأوجبه وبالله التوفيق.(2\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "568",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1840",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل إذا كان كل عمل فأصله المحبة والإرادة والمقصود به التنعم بالمراد المحبوب فكل حى إنما يعمل لما فيه تنعمه ولذته. فالتنعم هو المقصود الأول من كل قصد وكل حركة كما أن العذاب والتألم هو المكروه المقصود أولا بكل بغض وكل امتناع وكف ولكن وقع الجهل والظلم من بنى آدم بمعنيين: بالدين الفاسد والدنيا الفاجرة طلبوا بهما النعيم وفى الحقيقة فإنما فيهما ضده. ففاتهم النعيم من حيث طلبوه وآثروه ووقعوا فى الألم والعذاب من حيث هربوا منه. وبيان ذلك: أن الأعمال التى يعملها جميع بنى آدم إما أن يتخذوها دينا أو لا يتخذوها دينا. والذين يتخذونها دينا إما أن يكون الدين بها دين حق وإما أن يكون دينا باطلا. فنقول: النعيم التام: هو فى الدين الحق علما وعملا. فأهله هم أصحاب النعيم الكامل. كما أخبر الله تعالى بذلك فى كتابه فى غير موضع كقوله: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين [الفاتحة:6-7] . وقوله عن المتقين المهتدين بالكتاب: أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون [البقرة: 5] وقوله فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى [طه: 123] وفى الآية الأخرى فمن تبع هداى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون [البقرة: 38]  وقوله: إن الأبرار لفى نعيم وإن الفجار لفى جحيم [الانفطار: 13-14] . فوعد أهل الهدى والعمل الصالح بالنعيم التام فى الدار الآخرة ووعيد أهل الضلال والفجور بالشقاء فى الدار الآخرة مما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى آخرهم وتضمنته الكتب. ولكن نذكر هاهنا نكتة نافعة. وهى: أن الإنسان قد يسمع ويرى ما يصيب كثيرا من أهل الإيمان فى الدنيا من المصائب وما ينال كثيرا من الكفار والفجار والظلمة فى الدنيا من الرياسة والمال وغير ذلك فيعتقد أن النعيم فى الدنيا لا يكون إلا للكفار والفجار وأن المؤمنين حظهم من النعيم فى الدنيا قليل وكذلك قد يعتقد أن العزة والنصرة فى الدنيا قد تستقر للكفار والمنافقين على المؤمنين. فإذا سمع فى القرآن قوله تعالى: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين [المنافقون: 8](2\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "569",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1841",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله وإن جندنا لهم الغالبون [الصافات: 173] وقوله كتب الله لأغلبن أنا ورسلى [المجادلة: 21] وقوله والعاقبة للمتقين [الأعراف: 128 القصص: 83] . ونحو هذه الآيات وهو ممن يصدق بالقرآن حمل ذلك على أن حصوله فى الدار الآخرة فقط وقال: أما الدنيا فإنا نرى الكفار والمنافقين يغلبون فيها ويظهرون ويكون لهم النصر والظفر. والقرآن لا يرد بخلاف الحس ويعتمد على هذا الظن إذا أديل عليه عدو من جنس الكفار والمنافقين أو الفجرة الظالمين: وهو عند نفسه من أهل الإيمان والتقوى. فيرى أن صاحب الباطل قد علا على صاحب الحق فيقول: أنا على الحق. وأنا مغلوب: فصاحب الحق فى هذه الدنيا مغلوب مقهور والدولة فيها الباطل. فإذا ذكر بما وعده الله تعالى من حسن العاقبة للمتقين والمؤمنين قال: هذا فى الآخرة فقط. وإذا قيل له: كيف يفعل الله تعالى هذا بأوليائه وأحبائه وأهل الحق فإن كان ممن لا يعلل أفعال الله تعالى بالحكم والمصالح قال: يفعل الله فى ملكه ما يشاء ويحكم ما يريد: لا يسأل عما يفعل وهم يسألون [الأنبياء: 23] . وإن كان ممن يعلل الأفعال قال: فعل بهم هذا ليعرضهم بالصبر عليه لثواب الآخرة وعلو الدرجات وتوفية الأجر بغير حساب. ولكل أحد مع نفسه فى هذا المقام مباحثات وإيرادات وإشكالات وأجوبة بحسب حاصله وبضاعته من المعرفة بالله تعالى وأسمائه وصفاته وحكمته والجهل بذلك فالقلوب تغلى بما فيها كالقدر إذا استجمعت غليانا. فلقد بلغنا وشاهدنا من كثير من هؤلاء من التظلم للرب تعالى واتهامه ما لا يصدر إلا من عدو فكان الجهم يخرج بأصحابه فيقفهم على الجذمى وأهل البلاء ويقول انظروا أرحم الراحمين يفعل مثل هذا إنكارا لرحمته كما أنكر حكمته. فليس الله عند جهم وأتباعه حكيما ولا رحيما.(2\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "570",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1842",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال آخر من كبار القوم: ما على الخلق أضر من الخالق. وكان بعضهم يتمثل: إذا كان هذا فعله محبة ... فما تراه فى أعاديه يصنع وأنت تشاهد كثيرا من الناس إذا أصابه نوع من البلاء يقول: يا ربى ما كان ذنبى حتى فعلت بى هذا وقال لى غير واحد: إذا تبت إليه وأنبت وعملت صالحا ضيق على رزقى ونكد على معيشتى وإذا رجعت إلى معصيته وأعطيت نفسى مرادها جاءنى الرزق والعون ونحو هذا. فقلت لبعضهم: هذا امتحان منه ليرى صدقك وصبرك هل أنت صادق فى مجيئك إليه وإقبالك عليه فتصبر على بلائه فتكون لك العاقبة أم أنت كاذب فترجع على عقبك. وهذه الأقوال والظنون الكاذبة الحائدة عن الصواب مبنية على مقدمتين. إحداهما: حسن ظن العبد بنفسه وبدينه واعتقاده أنه قائم بما يجب عليه وتارك ما نهى عنه واعتقاده فى خصمه وعدوه خلاف ذلك وأنه تارك للمأمور مرتكب للمحظور وأنه نفسه أولى بالله ورسوله ودينه منه. والمقدمة الثانية: اعتقاده أن الله سبحانه وتعالى قد لا يؤيد صاحب الدين الحق وينصره وقد لا يجعل له العاقبة فى الدنيا بوجه من الوجوه بل يعيش عمره مظلوما مقهورا مستضاما مع قيامه بما أمر به ظاهرا وباطنا وانتهائه عما نهى عنه باطنا وظاهرا فهو عند نفسه قائم بشرائع الإسلام وحقائق الإيمان وهو تحت قهر أهل الظلم والفجور والعدوان. فلا إله إلا الله كم فسد بهذا الاغترار من عابد جاهل ومتدين لا بصيرة له ومنتسب إلى العلم لا معرفة له بحقائق الدين.(2\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "571",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1843",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنه من المعلوم: أن العبد وإن آمن بالآخرة فإنه طالب فى الدنيا لما لا بد له منه: من جلب النفع ودفع الضر بما يعتقد أنه مستحب أو واجب أو مباح. فإذا اعتقد أن الدين الحق واتباع الهدى والاستقامة على التوحيد ومتابعة السنة ينافى ذلك. وأنه يعادى جميع أهل الأرض لما لا يقدر عليه من البلاء وفوات حظوظه ومنافعه العاجلة لزم من ذلك إعراضه عن الرغبة فى كمال دينه وتجرده لله ورسوله فيعرض قلبه عن حال السابقين المقربين بل قد يعرض عن حال المقتصدين أصحاب اليمين بل قد يدخل مع الظالمين بل مع المنافقين وإن لم يكن هذا فى أصل الدين كان فى كثير من فروعه وأعماله كما قال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسى كافرا ويمسى كافرا ويصبح مؤمنا يبيع دينه بعرض من الدنياquot;. وذلك أنه إذا اعتقد أن الدين الكامل لا يحصل إلا بفساد دنياه من حصول ضرر لا يحتمله وفوات منفعة لابد له منها لم يقدم على احتمال هذا الضرر ولا تفويت تلك المنفعة. فسبحان الله كم صدت هذه الفتنة الكثير من الخلق بل أكثرهم عن القيام بحقيقة الدين. وأصلها ناشئ من جهلين كبيرين: جهل بحقيقة الدين وجهل بحقيقة النعيم الذى هو غاية مطلوب النفوس وكمالها وبه ابتهاجها والتذاذها فيتولد من بين هذين الجهلين إعراضه عن القيام بحقيقة الدين وعن طلب حقيقة النعيم. ومعلوم أن كمال العبد هو بأن يكون عارفا بالنعيم الذى يطلبه والعمل الذى يوصل إليه وأن يكون مع ذلك فيه إرادة جازمة لذلك العمل ومحبة صادقة لذلك النعيم وإلا فالعلم بالمطلوب وطريقه لا يحصله إن لم يقترن بذلك العمل والإرادة الجازمة لا توجب وجود المراد إلا إذا لازمها الصبر.(2\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "572",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1844",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصارت سعادة العبد وكمال لذته ونعيمه موقوفا على هذه المقامات الخمسة علمه بالنعيم المطلوب ومحبته له وعلمه بالطريق الموصل إليه وعمله به وصبره على ذلك. قال الله تعالى والعصر إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر [العصر: 1-3] . والمقصود: أن المقدمتين اللتين تثبت عليهما هذه الفتنة أصلهما الجهل بأمر الله ودينه وبوعده ووعيده. فإن العبد إذا اعتقد أنه قائم بالدين الحق فقد اعتقد أنه قد قام بفعل المأمور باطنا وظاهرا وترك المحظور باطنا وظاهرا وهذا من جهله بالدين الحق وما لله عليه وما هو المراد منه فهو جاهل بحق الله عليه جاهل بما معه من الدين قدرا ونوعا وصفة. وإذا اعتقد أن صاحب الحق لا ينصره الله تعالى فى الدنيا والآخرة بل قد تكون العاقبة فى الدنيا للكفار والمنافقين على المؤمنين وللفجار الظالمين على الأبرار المتقين فهذا من جهله بوعد الله تعالى ووعيده. فأما المقام الأول: فإن العبد كثيرا ما يترك واجبات لا يعلم بها ولا بوجوبها فيكون مقصرا فى العلم وكثيرا ما يتركها بعد العلم بها وبوجوبها إما كسلا وتهاونا وإما لنوع تأويل باطل أو تقليد أو لظنه أنه مشتغل بما هو أوجب منها أو لغير ذلك فواجبات القلوب أشد وجوبا من واجبات الأبدان وآكد منها وكأنها ليست من واجبات الدين عند كثير من الناس بل هى من باب الفضائل والمستحبات. فتراه يتحرج من ترك فرض أو من ترك واجب من واجبات البدن وقد ترك ما هو أهم من واجبات القلوب وأفرضها ويتحرج من فعل أدنى المحرمات وقد ارتكب من محرمات القلوب ما هو أشد تحريما وأعظم إثما. بل ما أكثر من يتعبد لله عز وجل بترك ما أوجب عليه فيتخلى وينقطع عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مع قدرته عليه وبزعم أنه متقرب إلى الله تعالى بذلك مجتمع على ربه تارك ما لا يعنيه فهذا من أمقت الخلق إلى الله تعالى وأبغضهم له مع(2\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "573",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1845",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ظنه أنه قائم بحقائق الإيمان وشرائع الإسلام وأنه من خواص أوليائه وحزبه. بل ما أكثر من يتعبد لله بما حرمه الله عليه ويعتقد أنه طاعة وقربة وحاله فى ذلك شر من حال من يعتقد ذلك معصية وإثما كأصحاب السماع الشعرى الذى يتقربون به إلى الله تعالى ويظنون أنهم من أولياء الرحمن وهم فى الحقيقة من أولياء الشيطان. وما أكثر من يعتقد أنه هو المظلوم المحق من كل وجه ولا يكون الأمر كذلك بل يكون معه نوع من الحق ونوع من الباطل والظلم ومع خصمه نوع من الحق والعدل حبك الشيء يعمى ويصم. والإنسان مجبول على حب نفسه فهو لا يرى إلا محاسنها ومبغض لخصمه فهو لا يرى إلا مساوئه بل قد يشتد به حبه لنفسه حتى يرى مساويها محاسن كما قال تعالى: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا [فاطر: 8] . ويشتد به بغض خصمه حتى يرى محاسنه مساوئ كما قيل: نظروا بعين عداوة ولو أنها ... عين الرضا لاستحسنوا ما استقبحوا وهذا الجهل مقرون بالهوى والظلم غالبا فإن الإنسان ظلوم جهول. وأكثر ديانات الخلق إنما هى عادات أخذوها عن آبائهم وأسلافهم وقلدوهم فيها: فى الإثبات والنفى والحب والبغض والموالاة والمعاداة. والله سبحانه إنما ضمن نصر دينه وحزبه وأوليائه بدينه علما وعملا لم يضمن نصر الباطل ولو اعتقد صاحبه أنه محق وكذلك العزة والعلو إنما هما لأهل الإيمان الذى بعث الله به رسله وأنزل به كتبه وهو علم وعمل وحال قال تعالى: وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين [آل عمران: 139] . فللعبد من العلو بحسب ما معه من الإيمان وقال تعالى: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين [المنافقون: 8] . فله من العزة بحسب ما معه من الإيمان وحقائقه فإذا فاته حظ من العلو والعزة ففى مقابلة ما فاته من حقائق الإيمان علما وعملا ظاهرا وباطنا. وكذلك الدفع عن العبد هو بحسب إيمانه قال تعالى: إن الله يدافع عن الذين آمنوا [الحج: 38] . فإذا ضعف الدفع عنه فهو من نقص إيمانه.(2\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "574",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1846",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك الكفاية والحسب هى بقدر الإيمان قال تعالى: يأيها النبى حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين [الأنفال: 64] . أى الله حسبك وحسب أتباعك أى كافيك وكافيهم فكفايته لهم بحسب اتباعهم لرسوله وانقيادهم له وطاعتهم له فما نقص من الإيمان عاد بنقصان ذلك كله. ومذهب أهل السنة والجماعة: أن الإيمان يزيد وينقص. وكذلك ولاية الله تعالى لعبده هى بحسب إيمانه قال تعالى: والله ولى المؤمنين [آل عمران: 68] وقال الله تعالى: الله ولى الذين آمنوا [البقرة: 257] . وكذلك معيته الخاصة هى لأهل الإيمان كما قال تعالى: وأن الله مع المؤمنين [الأنفال: 19] . فإذا نقص الإيمان وضعف كان حظ العبد من ولاية الله له ومعيته الخاصة بقدر حظه من الإيمان. وكذلك النصر والتأييد الكامل. إنما هو لأهل الإيمان الكامل قال تعالى: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد [غافر: 51] وقال فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين [الصف: 14] . فمن نقص إيمانه نقص نصيبه من النصر والتأييد ولهذا إذا أصيب العبد بمصيبة فى نفسه أو ماله أو بإدالة عدوه عليه فإنما هى بذنوبه إما بترك واجب أو فعل محرم وهو من نقص إيمانه. وبهذا يزول الإشكال الذى يورده كثير من الناس على قوله تعالى: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا [النساء: 141] . ويجيب عنه كثير منهم بأنه لن يجعل لهم عليهم سبيلا فى الآخرة ويجيب آخرون بأنه لن يجعل لهم عليهم سبيلا فى الحجة. والتحقيق: أنها مثل هذه الآيات وأن انتفاء السبيل عن أهل الإيمان الكامل فإذا ضعف الإيمان صار لعدوهم عليهم من السبيل بحسب ما نقص من إيمانهم فهم جعلوا لهم عليهم السبيل بما تركوا من طاعة الله تعالى. فالمؤمن عزيز غالب مؤيد منصور مكفى مدفوع عنه بالذات أين كان ولو اجتمع عليه من بأقطارها إذا قام بحقيقة(2\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "575",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1847",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإيمان وواجباته ظاهرا وباطنا. وقد قال تعالى للمؤمنين: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين [آل عمران: 139] وقال تعالى فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم [محمد: 35] . فهذا الضمان إنما هو بإيمانهم وأعمالهم التى هى جند من جنود الله يحفظهم بها ولا يفردها عنهم ويقتطعها عنهم فيبطلها عليهم كما يتر الكافرين والمنافقين أعمالهم إذ كانت لغيره ولم تكن موافقة لأمره. فصل وأما المقام الثانى الذى وقع فيه الغلط فكثير من الناس يظن أن أهل الدين الحق فى يكونون الدنيا أذلاء مقهورين مغلوبين دائما بخلاف من فارقهم إلى سبيل أخرى وطاعة أخرى فلا يثق بوعد الله بنصر دينه وعباده بل إما أن يجعل ذلك خاصا بطائفة دون طائفة أو بزمان دون زمان أو يجعله معلقا بالمشيئة وإن لم يصرح بها. وهذا من عدم الوثوق بوعد الله تعالى ومن سوء الفهم فى كتابه. والله سبحانه قد بين فى كتابه أنه ناصر المؤمنين فى الدنيا والآخرة. قال تعالى: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد [غافر: 51] . وقال تعالى: ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون [المائدة: 56] . وقال تعالى: إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك فى الأذلين  كتب الله لأغلبن أنا ورسلي [المجادلة: 20- 21] وهذا كثير فى القرآن. وقد بين سبحانه فيه أن ما أصاب العبد من مصيبة أو إدالة عدو أو كسر وغير ذلك فبذنوبه. فبين سبحانه فى كتابه كلا المقدمتين فإذا جمعت بينهما تبين لك حقيقة الأمر وزال الإشكال بالكلية واستغنيت عن تلك التكليفات الباردة والتأويلات البعيدة. فقرر سبحانه المقام الأول بوجوه من التقرير: منها ما تقدم.(2\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "576",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1848",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: أنه ذم من يطلب النصر والعزة من غير المؤمنين كقوله: يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدى القوم الظالمين فترى الذين فى قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتى بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا فى أنفسهم نادمين ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون [المائدة: 51 - 56] . فأنكر على من طلب النصر من غير حزبه وأخبر أن حزبه هم الغالبون. ونظير هذا قوله: بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا [النساء: 138 - 139] . وقال تعالى: يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون [المنافقون: 8] . وقال تعالى: من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر: 10] . أى من كان يريد العزة فليطلبها بطاعة الله من الكلم الطيب والعمل الصالح. وقال تعالى: هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله [التوبة: 33 الفتح: 29 الصف: 9] .(2\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "577",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1849",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون فى سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الأنهار ومساكن طيبة فى جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين [الصف: 10 - 13] أى ويعطيكم أخرى فوق مغفرة الذنوب ودخول الجنة وهى النصر والفتح يأيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بنى إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين [الصف: 14] . وقال تعالى للمسيح: إنى متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة [آل عمران: 55] . فلما كان للنصارى نصيب ما من اتباعه كانوا فوق اليهود إلى يوم القيامة ولما كان المسلمون أتبع له من النصارى كانوا فوق النصارى إلى يوم القيامة. وقال تعالى للمؤمنين: ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله التى قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا [الفتح: 22- 23] . فهذا خطاب للمؤمنين الذين قاموا بحقائق الإيمان ظاهرا وباطنا. وقال تعالى: والعاقبة للمتقين [الأعراف: 128] وقال: والعاقبة للتقوى [طه: 132] . والمراد: العاقبة فى الدنيا قبل الآخرة لأنه ذكر ذلك عقيب قصة نوح ونصره وصبره على قومه. فقال تعالى: تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين [هود: 49] . أى عاقبة النصر لك ولمن معك كما كانت لنوح عليه السلام ومن آمن معه. وكذلك قوله: وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى [طه: 132] . وقال تعالى: وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا [آل عمران: 120] .(2\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "578",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1850",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: بلى إن تصبروا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين [آل عمران: 125] . وقال تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام أنه نصر بتقواه وصبره فقال: أنا يوسف وهذا أخى قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين [يوسف: 90] يأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم [الأنفال: 29] . والفرقان: هو العز والنصر والنجاة والنور الذى يفرق بين الحق والباطل. وقال تعالى: ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسب إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا [الطلاق: 2- 3] . وقد روى ابن ماجه وابن أبى الدنيا عن أبى ذر رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: quot;لو عمل الناس كلهم بهذه الآية لوسعتهمquot; فهذا فى المقام الأول. وأما المقام الثانى: فقال تعالى فى قصة أحد: أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم [آل عمران: 165] . وقال تعالى: إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا [آل عمران: 155] . وقال تعالى: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير [الشورى: 30] . وقال: ظهر الفساد فى البر والبحر بما كسبت أيدى الناس ليذيقهم بعض الذى عملوا لعلهم يرجعون [الروم: 41] . وقال: وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة(2\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "579",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1851",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور [الشورى: 48] . وقال: وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون [الروم: 36] . وقال: أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير [الشورى: 34] . وقال: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك [النساء: 79] . ولهذا أمر الله سبحانه رسوله والمؤمنين باتباع ما أنزل إليهم وهو طاعته وهو المقدمة الأولى وأمر بانتظار وعده وهو المقدمة الثانية وأمر بالاستغفار والصبر لأن العبد لا بد أن يحصل له نوع تقصير وسرف يزيله الاستغفار ولا بد فى انتظار الوعد من الصبر فبالاستغفار تتم الطاعة. وبالصبر يتم اليقين بالوعد. وقد جمع الله سبحانه بينهما فى قوله: فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشى والإبكار [غافر: 55] . وقد ذكر الله سبحانه فى كتابه قصص الأنبياء وأتباعهم وكيف نجاهم بالصبر والطاعة ثم قال: لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب [يوسف: 111] . فصل وتمام الكلام فى هذا المقام العظيم يتبين بأصول نافعة جامعة. الأول: أن ما يصيب المؤمنين من الشرور والمحن والأذى دون ما يصيب الكفار. والواقع شاهد بذلك. وكذلك ما يصيب الأبرار فى هذه الدنيا دون ما يصيب الفجار والفساق والظلمة بكثير. الأصل الثانى: أن ما يصيب المؤمنين فى الله تعالى مقرون بالرضا والاحتساب فإن فاتهم الرضا فمعولهم على الصبر وعلى الاحتساب وذلك يخفف عنهم ثقل البلاء ومؤنته فإنهم كلما شاهدوا العوض هان عليهم تحمل المشاق والبلاء والكفار لا رضا عندهم ولا احتساب وإن صبروا فكصبر البهائم وقد نبه تعالى على ذلك بقوله: ولا(2\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "580",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1852",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تهنوا فى ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون [النساء: 104] . فاشتركوا فى الألم وامتاز المؤمنون برجاء الأجر والزلفى من الله تعالى. الأصل الثالث: أن المؤمن إذا أوذى فى الله فإنه محمول عنه بحسب طاعته وإخلاصه ووجود حقائق الإيمان فى قلبه حتى يحمل عنه من الأذى ما لو كان شيء منه على غيره لعجز عن حمله وهذا من دفع الله عن عبده المؤمن فإنه يدفع عنه كثيرا من البلاء وإذا كان لابد له من شيء منه دفع عنه ثقله ومؤنته ومشقته وتبعته. الأصل الرابع: أن المحبة كلما تمكنت فى القلب ورسخت فيه كان أذى المحب فى رضى محبوبه مستحلى غير مسخوط والمحبون يفتخرون عند أحبابهم بذلك حتى قال قائلهم: لئن ساءنى أن نلتنى بمساءة ... لقد سرنى أنى خطرت ببالك فما الظن بمحبة المحبوب الأعلى الذى ابتلاؤه لحبيبه رحمة منه له وإحسان إليه. الأصل الخامس: أن ما يصيب الكافر والفاجر والمنافق من العز والنصر والجاه دون ما يحصل للمؤمنين بكثير بل باطن ذلك ذل وكسر وهوان وإن كان فى الظاهر بخلافه. الأصل السادس: أن ابتلاء المؤمن كالدواء له يستخرج منه الأدواء التى لو بقيت فيه أهلكته أو نقصت ثوابه وأنزلت درجته فيستخرج الابتلاء والامتحان منه تلك الأدواء ويستعد به لتمام الأجر وعلو المنزلة ومعلوم أن وجود هذا خير للمؤمن من عدمه كما(2\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "581",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1853",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;والذى نفسى بيده لا يقضى الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له وليس ذلك إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا لهquot;. فهذا الابتلاء والامتحان من تمام نصره وعزه وعافيته ولهذا كان أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأقرب إليهم فالأقرب يبتلى المرء حسب دينه فإن كان فى دينه صلابة شدد عليه البلاء وإن كان فى دينه رقة خفف عنه ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشى على وجه الأرض وليس عليه خطيئة. الأصل السابع: أن ما يصيب المؤمن فى هذه الدار من إدالة عدوه عليه وغلبته له وأذاه له فى بعض الأحيان: أمر لازم لابد منه وهو كالحر الشديد والبرد الشديد والأمراض والهموم والغموم فهذا أمر لازم للطبيعة والنشأة الإنسانية فى هذه الدار حتى للأطفال والبهائم لما اقتضته حكمة أحكم الحاكمين فلو تجرد الخير فى هذا العالم عن الشر والنفع عن الضر واللذة عن الألم لكان ذلك عالما غير هذا ونشأة أخرى غير هذه النشأة وكانت تفوت الحكمة التى مزج لأجلها بين الخير والشر والألم واللذة والنافع والضار وإنما يكون تخليص هذا من هذا وتمييزه فى دار أخرى غير هذه الدار كما قال تعالى: ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله فى جهنم أولئك هم الخاسرون [الأنفال: 37] . الأصل الثامن: أن ابتلاء المؤمنين بغلبة عدوهم لهم وقهرهم وكسرهم لهم أحيانا فيه حكمة عظيمة لا يعلمها على التفصيل إلا الله عز وجل. فمنها: استخراج عبوديتهم وذلهم لله وانكسارهم له وافتقارهم إليه وسؤالهم نصرهم على أعدائهم ولو كانوا دائما منصورين قاهرين غالبين لبطروا وأشروا: ولو كانوا دائما مقهورين مغلوبين منصورا عليهم عدوهم لما قامت للدين قائمة ولا كانت للحق دولة(2\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "582",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1854",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن صرفهم بين غلبهم تارة وكونهم مغلوبين تارة فإذا غلبوا تضرعوا إلى ربهم وأنابوا إليه وخضعوا له وانكسروا له وتابوا إليه وإذا غلبوا أقاموا دينه وشعائره وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وجاهدوا عدوه ونصروا أو لياءه. ومنها: أنهم لو كانوا دائما منصورين غالبين قاهرين لدخل معهم من ليس قصده الدين ومتابعة الرسول. فإنه إنما ينضاف إلى من له الغلبة والعزة ولو كانوا مقهورين مغلوبين دائما لم يدخل معهم أحد. فاقتضت الحكمة الإلهية أن كانت لهم الدولة تارة وعليهم تارة. فيتميز بذلك بين من يريد الله ورسوله ومن ليس له مراد إلا الدنيا والجاه. ومنها: أنه سبحانه يحب من عباده تكميل عبوديتهم على السراء والضراء وفى حال العافية والبلاء وفى حال إدالتهم والإدالة عليهم. فلله سبحانه على العباد فى كلتا الحالين عبودية بمقتضى تلك الحال لا تحصل إلا بها ولا يستقيم القلب بدونها كما لا تستقيم الأبدان إلا بالحر والبرد والجوع والعطش والنصب وأضدادها. فتلك المحن والبلايا شرط فى حصول الكمال الإنسانى والاستقامة المطلوبة منه ووجود الملزوم بدون لازمة ممتنع. ومنها: أن امتحانهم بإدالة عدوهم عليهم يمحصهم ويخلصهم ويهذبهم كما قال تعالى فى حكمة إدالة الكفار على المؤمنين يوم أحد: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين [آل عمران: 139 - 144] .(2\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "583",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1855",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فذكر سبحانه أنواعا من الحكم التى لأجلها أديل عليهم الكفار بعد أن ثبتهم وقواهم وبشرهم بأنهم الأعلون بما أعطوه من الإيمان وسلاهم بأنهم وإن مسهم القرح فى طاعته وطاعة رسوله فقد مس أعداءهم القرح فى عداوته وعداوة رسوله. ثم أخبرهم أنه سبحانه بحكمته يجعل الأيام دولا بين الناس فيصيب كلا منهم نصيبه منها كالأرزاق والآجال. ثم أخبرهم أنه فعل ذلك ليعلم المؤمنين منهم وهو سبحانه بكل شيء عليم قبل كونه وبعد كونه ولكنه أراد أن يعلمهم موجودين مشاهدين فيعلم إيمانهم واقعا. ثم أخبر أنه يحب أن يتخذ منهم شهداء فإن الشهادة درجة عالية عنده ومنزلة رفيعة لا تنال إلا بالقتل فى سبيله فلولا إدالة العدو لم تحصل درجة الشهادة التى هى من أحب الأشياء إليه وأنفعها للعبد. ثم أخبر سبحانه أنه يريد تمحيص المؤمنين: أى تخليصهم من ذنوبهم بالتوبة والرجوع إليه واستغفاره من الذنوب التى أديل بها عليهم العدو وأنه مع ذلك يريد أن يمحق الكافرين ببغيهم وطغيانهم وعدوانهم إذا انتصروا. ثم أنكر عليهم حسبانهم وظنهم دخول الجنة بغير جهاد ولا صبر. وأن حكمته تأبى ذلك فلا يدخلونها إلا بالجهاد والصبر ولو كانوا دائما منصورين غالبين لما جاهدهم أحد ولما ابتلوا بما يصبرون عليه من أذى أعدائهم فهذا بعض حكمه فى نصر عدوهم عليهم وإدالته فى بعض الأحيان. الأصل التاسع: أنه سبحانه وتعالى إنما خلق السماوات والأرض وخلق الموت والحياة وزين الأرض بما عليها لابتلاء عباده وامتحانهم ليعلم من يريده ويريد ما عنده ممن يريد الدنيا وزينتها. قال تعالى: وهو الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام وكان عرشه عل الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا [هود: 7] .(2\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "584",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1856",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا [الكهف:7] . وقال الذى خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا [الملك: 2] . وقال تعالى: ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون [الأنبياء: 35] . وقال تعالى ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم [محمد: 31] . وقال تعالى الم  أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون  ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين [العنكبوت: 1-3] . فالناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين: إما أن يقول أحدهم: آمنت أولا يؤمن بل يستمر على السيئات والكفر ولابد من امتحان هذا وهذا. فأما من قال: آمنت فلا بد أن يمتحنه الرب ويبتليه ليتبين: هل هو صادق فى قوله آمنت أو كاذب فإن كان كاذبا رجع على عقبيه وفر من الامتحان كما يفر من عذاب الله وإن كان صادقا ثبت على قوله ولم يزده الابتلاء والامتحان إلا إيمانا على إيمانه. قال تعالى ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما [الأحزاب: 22] . وأما من لم يؤمن فإنه يمتحن فى الآخرة بالعذاب ويفتن به وهى أعظم المحنتين هذا إن سلم من امتحانه بعذاب الدنيا ومصائبها وعقوبتها التى أوقعها الله بمن لم يتبع رسله وعصاهم فلا بد من المحنة فى هذه الدار وفى البرزخ وفى القيامة لكل أحد ولكن المؤمن أخف محنة وأسهل بلية. فإن الله يدفع عنه بالإيمان ويحمل عنه به ويرزقه من الصبر والثبات والرضى والتسليم ما يهون به عليه محنته. وأما الكافر والمنافق والفاجر فتشتد محنته(2\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "585",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1857",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبليته وتدوم فمحنة المؤمن خفيفة منقطعة ومحنة الكافر والمنافق والفاجر شديدة متصلة. فلا بد من حصول الألم والمحنة لكل نفس آمنت أو كفرت لكن المؤمن يحصل له الألم فى الدنيا ابتداء ثم تكون له عاقبة الدنيا والآخرة والكافر والمنافق والفاجر تحصل له اللذة والنعيم ابتداء ثم يصير إلى الألم فلا يطمع أحد أن يخلص من المحبة والألم البتة يوضحه: الأصل العاشر: وهو أن الإنسان مدنى بالطبع لا بد له أن يعيش مع الناس والناس لهم إرادات وتصورات واعتقادات فيطلبون منه أن يوافقهم عليها فإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب من وجه آخر فلا بد له من الناس ومخالطتهم ولا ينفك عن موافقتهم أو مخالفتهم. وفى الموافقة ألم وعذاب إذا كانت على باطل وفى المخالفة ألم وعذاب إذا لم يوافق أهواءهم واعتقاداتهم وإراداتهم ولا ريب أن ألم المخالفة لهم فى باطلهم أسهل من الألم المترتب على موافقتهم. واعتبر هذا بمن يطلبون منه الموافقة على ظلم أو فاحشة أو شهادة زور أو المعاونة على محرم. فإن لم يوافقهم آذوه وظلموه وعادوه ولكن له العاقبة والنصرة عليهم إن صبر واتقى وإن وافقهم فرارا من ألم المخالفة أعقبه ذلك من الألم أعظم مما فر منه والغالب أنهم يسلطون عليه فيناله من الألم منهم أضعاف ما ناله من اللذة أولا بموافقتهم. فمعرفة هذا ومراعاته من أنفع ما للعبد فألم يسير يعقب لذة عظيمة دائمة أولى بالاحتمال من لذة يسيرة تعقب ألما عظيما دائما والتوفيق بيد الله. الأصل الحادى عشر: أن البلاء الذى يصيب العبد فى الله لا يخرج عن أربعة أقسام. فإنه إما أن يكون فى نفسه أو فى ماله أو فى عرضه أو فى أهله ومن يحب. والذى فى نفسه قد يكون بتلفها تارة وبتألمها بدون التلف فهذا مجموع ما يبتلى به العبد فى الله.(2\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "586",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1858",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأشد هذه الأقسام: المصيبة فى النفس. ومن المعلوم أن الخلق كلهم يموتون وغاية هذا المؤمن أن يستشهد فى الله وتلك أشرف الموتات وأسهلها فإنه لا يجد الشهيد من الألم إلا مثل ألم القرصة فليس فى قتل الشهيد مصيبة زائدة على ما هو معتاد لبنى آدم. فمن عد مصيبة هذا القتل أعظم من مصيبة الموت على الفراش فهو جاهل بل موت الشهيد من أيسر الميتات وأفضلها وأعلاها ولكن الفار يظن أنه بفراره يطول عمره فيتمتع بالعيش وقد أكذب الله سبحانه هذا الظن حيث يقول: قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا [الأحزاب: 16] . فأخبر الله أن الفرار من الموت بالشهادة لا ينفع فلا فائدة فيه وأنه لو نفع لم ينفع إلا قليلا إذ لابد له من الموت فيفوته بهذا القليل ما هو خير منه وأنفع من حياة الشهيد عند ربه. ثم قال: من ذا الذى يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا [الأحزاب: 17] . فأخبر سبحانه أن العبد لا يعصمه أحد من الله إن أراد به سوءا غير الموت الذى فر منه فإنه من الموت لما كان يسوءه فأخبر الله سبحانه أنه لو أراد به سوءا غيره لم يعصمه أحد من الله وأنه قد يفر مما يسوءه من القتل فى سبيل الله فيقع فيما يسوءه مما هو أعظم منه. وإذا كان هذا فى مصيبة النفس فالأمر هكذا فى مصيبة المال والعرض والبدن فإن من بخل بماله أن ينفقه فى سبيل الله تعالى وإعلاء كلمته سلبه الله إياه أو قيض له إنفاقه فيما لا ينفعه دنيا ولا أخرى بل فيما يعود عليه بمضرته عاجلا وآجلا وإن حبسه وادخره منعه التمتع به ونقله إلى غيره. فيكون له مهنؤه وعلى مخلفه وزوه. وكذلك من رفه بدنه وعرضه وآثر راحته على التعب لله وفى سبيله أتعبه الله سبحانه أضعاف ذلك فى غير سبيله ومرضاته وهذا أمر يعرفه الناس بالتجارب.(2\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "587",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1859",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أبو حازم: quot;لما يلقى الذى لا يتقى الله معالجة الخلق أعظم مما يلقى الذى يتقى الله من معالجة التقوىquot;. واعتبر ذلك بحال إبليس. فإنه امتنع من السجود لآدم فرارا أن يخضع له ويذل وطلب إعزاز نفسه فصيره الله أذل الأذلين وجعله خادما لأهل الفسوق والفجور من ذريته فلم يرض بالسجود له ورضى أن يخدم هو وبنوه فساق ذريته. وكذلك عباد الأصنام أنفوا أن يتبعوا رسولا من البشر وأن يعبدوا إلها واحدا سبحانه ورضوا أن يعبدوا آلهة من الأحجار. وكذلك كل من امتنع أن يذل لله أو يذل ماله فى مرضاته أو يتعب نفسه وبدنه فى طاعته ومرضاته عقوبة له كما قال بعض السلف: quot;من امتنع أن يمشى مع أخيه خطوات فى حاجته أمشاه الله تعالى أكثر منها فى غير طاعتهquot;. فصل فى خاتمة لهذا الباب هى الغاية المطلوبة وجميع ما تقدم كالوسيلة إليها. وهى: أن محبة الله سبحانه والأنس به والشوق إلى لقائه والرضى به وعنه: أصل الدين وأصل أعماله وإرادته كما أن معرفته والعلم بأسمائه وصفاته وأفعاله أجل علوم الدين كلها. فمعرفته أجل المعارف وإرادة وجهة أجل المقاصد وعبادته أشرف الأعمال والثناء عليه بأسمائه وصفاته ومدحه وتمجيده أشرف الأقوال وذلك أساس الحنيفية ملة إبراهيم. وقد قال تعالى لرسوله: ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين [النحل: 123] .(2\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "588",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1860",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان النبى صلى الله عليه وآله وسلم يوصى أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا quot;أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركينquot;. وذلك هو حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله وعليها قام دين الإسلام الذى هو دين جميع الأنبياء والمرسلين وليس لله دين سواه ولا يقبل من أحد دينا غيره. ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين [آل عمران: 85] . فمحبته تعالى بل كونه أحب إلى العبد من كل ما سواه على الإطلاق من أعظم واجبات الدين وأكبر أصوله وأجل قواعده ومن أحب معه مخلوقا مثل ما يحبه فهو من الشرك الذى لا يغفر لصاحبه ولا يقبل معه عمل. قال تعالى: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله [البقرة: 165] . وإذا كان العبد لا يكون من أهل الإيمان حتى يكون عبد الله ورسوله أحب إليه من نفسه وأهله وولده ووالده والناس أجمعين ومحبته تبع لمحبة الله فما الظن بمحبته سبحانه وهو سبحانه لم يخلق الجن والإنس إلا لعبادته التى تتضمن كمال تعظيمه والذل له ولأجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه وشرع شرائعه. وعلى ذلك وضع الثواب والعقاب وأسست الجنة والنار وانقسم الناس إلى شقى وسعيد وكما أنه سبحانه ليس كمثله شيء فليس كمحبته وإجلاله محبة وإجلال ومخافة. فالمخلوق كلما خفته استوحشت منه وهربت منه. والله سبحانه كلما خفته أنست به وفررت إليه. والمخلوق يخاف ظلمه وعدوانه والرب سبحانه إنما يخاف عدله وقسطه. وكذلك المحبة. فإن محبة المخلوق إذا لم تكن لله فهى عذاب للمحب ووبال عليه.(2\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "589",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1861",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما يحصل له بها من التألم أعظم مما يحصل له من اللذة. وكلما كانت أبعد عن الله كان ألمها وعذابها أعظم. هذا إلى ما فى محبته من الإعراض عنك والتجنى عليك وعدم الوفاء لك إما لمزاحمة غيرك من المحبين له وإما لكراهته ومعاداته لك وإما لاشتغاله عنك بمصالحه وما هو أحب إليه منك وإما لغير ذلك من الآفات. وأما محبة الرب سبحانه فشأنها غير هذا الشأن فإنه لا شيء أحب إلى القلوب من خالقها وفاطرها فهو إلهها ومعبودها ووليها ومولاها وربها ومدبرها ورازقها ومميتها ومحييها. فمحبة نعيم النفوس وحياة الأرواح وسرور النفوس وقوت القلوب ونور العقول وقرة العيون وعمارة الباطن. فليس عند القلوب السليمة والأرواح الطيبة والعقول الزاكية أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا أسر ولا أنعم من محبته والأنس به والشوق إلى لقائه والحلاوة التى يجدها المؤمن فى قلبه بذلك فوق كل حلاوة والنعيم الذى يحصل له بذلك أتم من كل نعيم واللذة التى تناله أعلى من كل لذة. كما أخبر بعض الواجدين عن حاله بقوله quot;إنه ليمر بالقلب أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة فى مثل هذا إنهم لفى عيش طيبquot;. وقال آخر: quot;إنه ليمر بالقلب أوقات يهتز فيها طربا بأنسه بالله وحبه لهquot;. وقال آخر: quot;مساكين أهل الغفلة خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيهاquot;. وقال آخر: quot;لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوفquot;. ووجدان هذه الأمور وذوقها هو بحسب قوة المحبة وضعفها وبحسب إدراك جمال المحبوب والقرب منه وكلما كانت المحبة أكمل وإدراك المحبوب أتم والقرب منه أوفر كانت الحلاوة واللذة والسرور والنعيم أقوى. فمن كان بالله سبحانه وأسمائه وصفاته أعرف وفيه أرغب وله أحب وإليه أقرب(2\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "590",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1862",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجد من هذه الحلاوة فى قلبه ما لا يمكن التعبير عنه ولا يعرف إلا بالذوق والوجد ومتى ذاق القلب ذلك لم يمكنه أن يقدم عليه حبا لغيره ولا أنسابه وكلما ازداد له حبا ازداد له عبودية وذلا وخضوعا ورقا له وحرية عن رق غيره. فالقلب لا يفلح ولا يصلح ولا يتنعم ولا يبتهج ولا يلتذ ولا يطمئن ولا يسكن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه ولو حصل له جميع ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن إليها ولم يسكن إليها بل لا تزيده إلا فاقة وقلقا حتى يظفر بما خلق له وهيئ له: من كون الله وحده نهاية مراده وغاية مطالبه. فإن فيه فقرا ذاتيا إلى ربه وإلهه من حيث هو معبوده ومحبوبه وإلهه ومطلوبه كما أن فيه فقرا ذاتيا إليه من حيث هو ربه وخالقه ورازقه ومدبره. وكلما تمكنت محبة الله من القلب وقويت فيه أخرجت منه تألهه لما سواه وعبودبته له. فأصبح حرا عزة وصيانة ... على وجهه أنواره وضياؤه وما من مؤمن إلا وفى قلبه محبة لله تعالى. وطمأنينة بذكره وتنعم بمعرفته ولذة وسرور بذكره وشوق إلى لقائه وأنس بقربه وإن لم يحسن به لاشتغال قلبه بغيره وانصرافه إلى ما هو مشغول به فوجود الشيء غير الإحساس والشعور به. وقوة ذلك وضعفه وزيادته ونقصانه: هو بحسب قوة الإيمان وضعفه وزيادته ونقصانه. ومتى لم يكن الله وحده غاية مراد العبد ونهاية مقصوده وهو المحبوب المراد له بالذات والقصد الأول وكل ما سواه فإنما يحبه ويريده ويطلبه تبعا لأجله لم يكن قد حقق شهادة أن لا إله إلا الله وكان فيه من النقص والعيب والشرك بقدره وله من موجبات ذلك من الألم والحسرة والعذاب بحسب ما فاته من ذلك. ولو سعى فى هذا المطلوب بكل طريق واستفتح من كل باب ولم يكن مستعينا بالله متوكلا عليه مفتقرا إليه فى حصوله متيقنا أنه إنما يحصل بتوفيقه ومشيئته وإعانته لا طريق له سوى ذلك بوجه من الوجوه لم يحصل له مطلوبه. فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. فلا يوصل إليه سواه ولا يدل عليه سواه ولا يعبد إلا بإعانته ولا يطاع إلا بمشيئته. لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين [التكوير: 28 - 29] .(2\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "591",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1863",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا عرف هذا فالعبد فى حال معصيته واشتغاله عنه بشهوته ولذته تكون تلك اللذة والحلاوة الإيمانية قد استترت عنه وتوارت أو نقصت أو ذهبت. فإنها لو كانت موجودة كاملة لما قدم عليها لذة وشهوة لا نسبة بينها بوجه ما بل هى أدنى من حبة خردل بالنسبة إلى الدنيا وما فيها. ولهذا قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: quot;لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمنquot;. فإن ذوق حقيقة الإيمان ومباشرته لقلبه يمنعه من أن يؤثر عليه ذلك القدر الخسيس وينهاه عما يشعثه وينقصه. ولهذا تجد العبد إذا كان مخلصا لله منيبا إليه مطمئنا بذكره مشتاقا إلى لقائه منصرفا عن هذه المحرمات لا يلتفت إليها ولا يعول عليها ويرى استبداله بها عما هو فيه كاستبداله البعر الخسيس بالجوهر النفيس وبيعه الذهب بأعقاب الجزر وبيعه المسك بالرجيع. ولا ريب أن فى النفوس البشرية من هو بهذه المثابة إنما يصبو إلى ما يناسبه ويميل إلى ما يشاكله ينفر من المطالب العالية واللذات الكاملة ينفر الجعل من رائحة الورد. وشاهدنا من يمسك بأنفه عند وجود المسك ويتكره بها لما يناله بها من المضرة. فمن خلق للعمل فى الدباغة لا يجيء منه العمل فى صناعة الطيب ولا يليق ولا يتأتى منه. والنفس لا تترك محبوبا وإلا لمحبوب هو أحب إليها منه أو للخوف من مكروه هو أشق عليها من فوات ذلك المحبوب. فالذنب يعدم لعدم المقتضى له تارة ولاشتغال القلب بما هو أحب إليه منه ولوجود المانع تارة ومن خوف فوات محبوب هو أحب إليه منه تارة. فالأول: حال من حصل له من ذوق حلاوة الإيمان وحقائقه والتنعم به ما عوض قلبه عن ميله إلى الذنوب.(2\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "592",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1864",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثانى: حال من عنده داع وإرادة لها وعنده إيمان وتصديق بوعد الله تعالى ووعيده فهو يخاف إن واقعها أن يقع فيما هو أكره إليه وأشق عليه. فالأول: النفوس المطمئنة إلى ربها. والثانى: لأهل الجهاد والصبر. وهاتان النفسان هما المخصوصتان بالسعادة والفلاح. قال الله تعالى فى النفس الأولى: يا أيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك راضية مرضية فادخلى فى عبادى وادخلى جنتى [الفجر: 27 - 30] . وقال فى الثانية: ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم [النحل: 110] . فالنفوس ثلاثة: نفس مطمئنة إلى ربها. وهى أشرف النفوس وأزكاها. ونفس مجاهدة صابرة. ونفس مفتونة بالشهوات والهوى وهى النفس الشقية التى حظها الألم والعذاب والبعد عن الله تعالى والحجاب. فصل فى بيان كيد الشيطان لنفسه قبل كيده للأبوين. ثم لو يقتصر على ذلك حتى كاد ذرية نفسه وذرية آدم. فكان مشئوما على نفسه وعلى ذريته وأوليائه وأهل طاعته من الجن والإنس. أما كيده لنفسه: فإن الله سبحانه لما أمره بالسجود لآدم عليه السلام كان فى امتثال أمره وطاعته سعادته وفلاحه وعزه ونجاته. فسولت له نفسه الجاهلة الظالمة: أن فى سجوده لآدم عليه السلام غضاضة عليه وهضما لنفسه إذ يخضع ويقع ساجدا لمن خلق من طين وهو مخلوق من نار. والنار - بزعمه - أشرف من الطين. فالمخلوق منها خير من المخلوق منه وخضوع الأفضل لمن هو دونه غضاضة عليه وهضم لمنزلته. فلما قام بقلبه هذا الهوس وقارنه الحسد لآدم لما رأى ربه سبحانه قد خصه به من أنواع الكرامة. فإنه خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء وميزه بذلك عن الملائكة(2\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "593",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1865",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأسكنه جنته فعند ذلك بلغ الحسد من عدو الله كل مبلغ وكان عدو الله يطيف به وهو صلصال كالفخار فيتعجب منه ويقول: لأمر عظيم قد خلق هذا ولئن سلط على لأعصينه ولئن سلطت عليه لأهلكنه فلما تم خلق آدم عليه السلام فى أحسن تقويم وأكمل صورة وأجملها وكملت محاسنه الباطنة بالعلم والحلم والوقار وتولى ربه سبحانه خلقه بيده فجاء فى أحسن خلق وأتم صورة طوله فى السماء ستون ذراعا قد ألبس رداء الجمال والحسن والمهابة والبهاء فرأت الملائكة منظرا لم يشاهدوا أحسن منه ولا أجمل فوقعوا كلهم سجودا له بأمر ربهم تبارك وتعالى فشق الحسود قميصه من دبر واشتعلت فى قلبه نيران الحسد المتين فعارض النص بالمعقول بزعمه كفعل أوليائه من المبطلين. وقال: أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين [الأعراف: 12] . فأعرض عن النص الصريح وقابله بالرأى الفاسد القبيح. ثم أردف ذلك بالاعتراض على العليم الحكيم الذى لا تجد العقول إلى الاعتراض على حكمته سبيلا. فقال: أرأيتك هذا الذى كرمت على لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا [الإسراء: 62] . وتحت هذا الكلام من الاعتراض معنى: أخبرنى لم كرمته على وغور هذا الاعتراض: أن الذى فعلته ليس بحكمة ولا صواب وأن الحكمة كانت تقتضى أن يسجد هو لى لأن المفضول يخضع للفاضل فلم خالفت الحكمة. ثم أردف ذلك بتفضيل نفسه عليه وإزرائه به فقال: أنا خير منه [الأعراف: 12] . ثم قرر ذلك بحجته الداحضة فى تفضيل مادته وأصله على مادة آدم عليه السلام وأصله. فأنتجت له هذه المقدمات إباءه وامتناعه من السجود ومعصيته الرب المعبود. فجمع بين الجهل والظلم والكبر والحسد والمعصية ومعارضة النص بالرأى والعقل فأهان نفسه كل الإهانة من حيث أراد تعظيمها ووضعها من حيث أراد رفعتها وأذلها من حيث أراد عزتها وآلها كل الألم من حيث أراد لذتها ففعل بنفسه ما لو اجتهد أعظم أعدائه فى مضرته لم يبلغ منه ذلك المبلغ. ومن كان هذا غشه لنفسه فكيف يسمع منه العاقل ويقبل ويواليه. قال تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من(2\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "594",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1866",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا [الكهف: 50] . فصل وأما كيده للأبوين: فقد قص الله [الأعراف: 20- 22] سبحانه علينا قصته معهما وأنه لم يزل يخدعهما ويعدهما ويمنيهما الخلود فى الجنة حتى حلف لهما بالله جهد يمينه: إنه ناصح لهما حتى اطمأنا إلى قوله وأجاباه إلى ما طلب منهما فجرى عليهما من المحبة والخروج من الجنة ونزع لباسهما عنهما ما جرى وكان ذلك بكيده ومكره الذى جرى به القلم وسبق به القدر ورد الله سبحانه كيده عليه وتدارك الأبوين برحمته ومغفرته فأعادهما إلى الجنة على أحسن الأحوال وأجملها وعاد عاقبة مكره عليه. ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله [فاطر: 43] . وظن عدو الله بجهله أن الغلبة والظفر له فى هذه الحرب ولم يعلم بكمين جيش: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [الأعراف: 23] . ولا بإقبال دولة ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى [طه: 122] . وظن اللعين بجهله أن الله سبحانه يتخلى عن صفيه وحبيبه الذى خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء من أجل أكلة أكلها. وما علم أن الطبيب قد علم المريض الدواء قبل المرض فلما أحس بالمرض بادر إلى استعمال الدواء لما رماه العدو وبسهم وقع فى غير مقتل فى غير مقتل فبادر إلى مداواة الجرح فقام كأن لم يكن به قلبة.(2\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "595",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1867",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بلى العدو بالذنب فأصر واحتج وعارض الأمر وقدح فى الحكمة ولم يسأل الإقالة ولا ندم على الزلة. وبلى الحبيب بالذنب فاعترف وتاب وندم وتضرع واستكان وفزع إلى مفزع الخليقة وهو التوحيد والاستغفار فأزيل عنه العتب وغفر له الذنب وقبل منه المتاب وفتح له من الرحمة والهداية كل باب ونحن الأبناء ومن أشبه أباه فما ظلم ومن كانت شيمته التوبة والاستغفار فقد هدى لأحسن الشيم. فصل ثم كاد أحد ولدى آدم ولم يزل يتلاعب به حتى قتل أخاه وأسخط أباه وعصى مولاه فسن للذرية قتل النفوس وقد ثبت فى الصحيح عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال: quot;ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم كفل من دمها لأنه أول من سن القتلquot;. فكاد العدو هذا القاتل بقطيعة رحمه وعقوق والديه وإسخاط ربه ونقص عدده وظلم نفسه وعرضه لأعظم العقاب وحرمه حظه من جزيل الثواب. فصل [كيده بالناس من بعد آدم] ثم جرى الأمر على السداد والاستقامة والأمة واحدة والدين واحد والمعبود واحد. قال تعالى: وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم فيما فيه يختلفون [يونس: 19] وقال تعالى: كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه [البقرة: 213] . قال سعيد عن قتادة quot;ذكر لنا: أنه كان بين آدم ونوح عليهما السلام عشرة قرون(2\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "596",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1868",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كلهم على الهدى وعلى شريعة من الحق ثم اختلفوا بعد ذلك فبعث الله عز وجل نوحا وكان أول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض وبعث عند الاختلاف بين الناس وترك الحقquot;. وقال ابن عباس quot;كان الناس أمة واحدة: كانوا على الإسلام كلهمquot;. وهذا هو القول الصحيح فى الآية. وقد روى عطية عن ابن عباس رضى الله عنهما quot;كانوا أمة واحدة كانوا كفاراquot;. وهذا قول الحسن وعطاء قالا quot;كان الناس من وقت وفاة آدم إلى مبعث نوح عليهما السلام أمة واحدة على ملة واحدة وهى الكفر كانوا كفارا كلهم أمثال البهائم فبعث الله نوحا وإبراهيم والنبيينquot;. وهذا القول ضعيف جدا وهو منقطع عن ابن عباس والصحيح عنه خلافه. قال ابن حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا همام حدثنا قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال quot;كانوا على الإسلام كلهمquot;. وهذا هو الصواب قطعا فإن قراءة أبى بن كعب quot;فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرينquot;. ويشهد لهذه القراءة: قوله تعالى فى سورة يونس: وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا [يونس: 19] . والمقصود: أن العدو كادهم وتلاعب بهم حتى انقسموا قسمين كفارا ومؤمنين فكادهم بعبادة الأصنام وإنكار البعث.(2\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "597",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1869",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان أول ما كاد به عباد الأصنام من جهة العكوف على القبور وتصاوير أهلها ليتذكروهم بها كما قص الله سبحانه قصصهم فى كتابه فقال: وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا [نوح: 13] . قال البخارى فى صحيحه عن ابن عباس رضى الله عنهما quot;هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التى كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدتquot;. وقال ابن جرير عن محمد بن قيس قال: quot;كانوا قوما صالحين من بنى آدم كان لهم أتباع يقتدون بهم فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم فصوروهم فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهمquot;. وقال هشام بن محمد بن السائب الكلبى: أخبرنى أبى قال: quot;أول ما عبدت الأصنام أن آدم عليه السلام لما مات جعله بنو شيث بن آدم فى مغارة فى الجبل الذى أهبط عليه أدم بأرض الهند ويقال للجبل: نوذ وهو أخصب جبل فى الأرضquot;. قال هشام: فأخبرنى أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال: quot;فكان بنو شيث عليه السلام يأتون جسد آدم فى المغارة فيعظمونه ويترحمون عليه فقال رجل من بنى قابيل بن آدم: يا بنى قابيل إن لبنى شيث دوارا يدورون حوله ويعظمونه وليس لكم شيء فنحت لهم صنما فكان أول من عملهاquot;. قال هشام: وأخبرنى أبى قال: quot;كان ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر: قوما صالحين فماتوا فى شهر فجزع عليهم ذوو أقاربهم فقال رجل من بنى قابيل: يا قوم هل لكم أن أعمل لكم خمسة أصنام على صورهم غير أنى لا أقدر أن أجعل فيها أرواحا قالوا:(2\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "598",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1870",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نعم فنحت لهم خمسة أصنام على صورهم ونصبها لهم فكان الرجل يأتى أخاه وعمه وابن عمه فيعظمه ويسعى حوله حتى ذهب ذلك القرن الأول وكانت عملت على عهد برد ابن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ثم جاء قرن آخر فعظموهم أشد من تعظيم القرن الأول ثم جاء من بعدهم القرن الثالث فقالوا: ما عظم أولونا هؤلاء إلا يرجون شفاعتهم عند الله تعالى فعبدوهم وعظموا أمرهم واشتد كفرهم فبعث الله إليهم إدريس عليه السلام نبيا فدعاهم فكذبوه فرفعه الله مكانا عليا ولم يزل أمرهم يشتد فيما قال ابن الكلبى عن أبى الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس: - حتى أدرك نوح عليه السلام فبعثه الله تعالى نبيا وهو يومئذ ابن أربعمائة وثمانين سنة فدعاهم إلى الله تعالى فى نبوته عشرين ومائة سنة فعصوه وكذبوه فأمره الله تعالى أن يصنع الفلك ففرغ منها وركبها وهو ابن ستمائة سنة وغرق من غرق ومكث بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين سنة فدعاهم إلى الله. وكان بين آدم ونوح ألفا سنة ومائتا سنة: فأهبط الماء هذه الأصنام من أرض إلى أرض حتى قذفها إلى أرض جدة فلما نضب الماء وبقيت على الشط فسفت الريح عليها حتى وارتهاquot;. قلت: ظاهر القرآن يدل على خلاف هذا وأن نوحا عليه السلام لبث فى قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وأن الله عز وجل أهلكهم بالغرق بعد أن لبث فيهم هذه المدة. قال الكلبى: وكان عمرو بن لحى كاهنا وله رئى من الجن:(2\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "599",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1871",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عجل المسير والظعن من تهامة بالسعد والسلامة قال: جير ولا إقامة قال: ائت ضف جدة تجد فيها أصناما معدة فأوردها تهامة ولا تهب ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب. فأتى نهر جدة فاستثارها ثم حملها حتى ورد تهامة وحضر الحج فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة فأجابه عوف بن عذرة بن زيد اللات ابن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب ابن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة فدفع إليه ودا فحمله فكان بوادى القرى بدومة الجندل وسمى ابنه عبدود فهو أول من سمى به وجعل عرف ابنه عامرا الذى يقال له: عامر الأجدار سادنا له. فلم يزل بنوه يسد نونه حتى جاء الله بالإسلام. قال الكلبى: فحدثنى مالك بن حارثة أنه رأى ودا. قال: وكان أبى يبعثنى باللبن إليه فيقول: اسقه إلهك فأشربه. قال: ثم رأيت خالد بن الوليد رضى الله عنه بعد كسره فجعله جذاذا. وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بعث خالد بن الوليد لهدمه فحالت بينه وبين هدمه بنو عذرة وبنو عامر الأجدار. فقاتلهم فقتلهم وهدمه وكسره. قال الكلبى: فقلت لمالك بن حارثة: صف لى ودا حتى كأنى أنظر إليه. قال: كان تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال قد دبر - أى نقش - عليه حلتان متزر بحلة مرتد بأخرى عليه سيف قد تقلده وقد تنكب قوسا وبين يديه حربة فيها لواء ووفضة فيها نبل يعنى جعبة.(2\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "600",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1872",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: ورجع الحديث. قال: وأجابت عمرو بن لحى مضر بن نزار. فدفع إلى رجل من هذيل يقال له: الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر: سواعا فكان بأرض يقال لها: وهاط من بطن نخلة يعبده من يليه من مضر. وفى ذلك يقول رجل من العرب: تراهم حول قبلتهم عكوفا ... كما عكفت هذيل على سواع تظل جنابه صرعى لديه ... عتائر من ذخائر كل راع وأجابته مذحج فدفع إلى أنعم بن عمرو المرادى يغوث. وكان بأكمة باليمن تعبده مذحج ومن والاها. وأجابته همدان. فدفع إلى مالك بن مرثد بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيران بن نوف بن همدان: يعوق. فكان بقرية يقال لها: خيوان. تعبده همدان ومن والاها من اليمن. وأجابت حمير: فدفع إلى رجل من ذى رعين. يقال له: معد يكرب نسرا. فكان بموضع من أرض سبأ يقال له: بلخع تعبده حمير ومن والاها. فلم يزل يعبدونه حتى هودهم ذو نواس. فلم تزل هذه الأصنام تعبد حتى بعث الله النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فهدمها وكسرها. قلت: هذا شرح ما ذكره البخارى فى صحيحه عن ابن عباس قال quot;صارت الأوثان التى كانت فى قوم نوح فى العرب تعبد. أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل. وأما سواع فكانت لهذيل. وأما يغوث فكان لمراد ثم لبنى غطيف بالحرف عند سبأ. وأما يعوق فكانت لهمدان وأما نسر فكانت لحمير لآل ذى الكلاع قال: وهؤلاء أسماء رجال صالحين من قوم نوحquot; وذكر ما تقدم.(2\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "601",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1873",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفى صحيح البخارى عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;رأيت عمرو بن عامر الخزاعى يجر قصبه فى النار. وكان أول من سيب السوائبquot;. وفى لفظ quot;وغير دين إبراهيمquot;. وقال بن إسحق: حدثنى محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى أن أبا صالح السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول لأكثم ابن الجون الخزاعى quot;يا أكثم رأيت عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف يجر قصبه فى النار فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا به منك فقال أكثم: عسى أن يضرنى شبهه يا رسول الله قال: لا إنك مؤمن وهو كافر إنه كان أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامquot;. قال ابن هشام: وحدثنى بعض أهل العلم quot;أن عمرو بن لحى خرج من مكة إلى الشام فى بعض أموره فلما قدم مآب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق وهم ولد عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح رآهم يعبدون الأصنام. فقال لهم: ما هذه الأصنام التى تعبدون فقالوا: نستمطر بها فتمطرنا. ونستنصرها فتنصرنا. فقال: أفلا تعطونى منها صنما فأسير به(2\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "602",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1874",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى أرض العرب فيعبدونه فأعطوه صنما يقال له: هبل. فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمهquot;. قال هشام: وحدثنى أبى وغيره quot;أن إسماعيل عليه السلام لما سكن مكة وولد بها أولاده فكثروا حتى ملؤوا مكة ونفوا من كان بها من العماليق ضاقت عليهم مكة ووقعت بينهم الحروب والعداوات وأخرج بعضهم بعضا فتفسحوا فى البلاد والتماس المعاش فكان الذى حملهم على عبادة الأوثان والحجارة: أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم وصبابة بمكة. فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالبيت حبا للبيت وصبابة به وهم على ذلك يعظمون البيت ومكة ويحجون ويعتمرون على إرث إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. ثم عبدوا ما استحسنوا ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم غيره فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم واستخرجوا ما كان يعبد قوم نوح عليه السلام منها على إرث ما بقى من ذكرها فيهم وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل يتنسكون بها من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة والوقوف على عرفة والمزدلفة. وإهداء البدن مع إدخالهم فيه ما ليس منه وكانت نزار تقول فى إهلالها: لبيك اللهم لبيك ... لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك ... تملكه وما ملك ويوحدونه بالتلبية ويدخلون معه آلهتهم ويجعلون ملكها بيده. يقول الله عز وجل لنبيه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم(2\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "603",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1875",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مشركون [يوسف: 106] . أى ما يوحدوننى بمعرفة حقى إلا جعلوا معى شريكا من خلقى. وكانت تلبية عك إذا خرجوا حجاجا قدموا أمامهم غلامين أسودين. فكانا أمام ركبهم فيقولان: نحن غرابا عك فتقول عك من بعدهما: عك إليك عانيه ... عبادك اليمانيه وكانت ربيعة إذا حجت فقضت المناسك ووقفت فى المواقف نفرت فى النفر الأول ولم تقم إلى آخر التشريق. وكان أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وسيب السائبة وبحر البحيرة ووصل الوصيلة وحمى الحامى: عمرو بن ربيعة. وهو لحى بن حارثة ابن عمرو بن عامر الأزدى - وهو أبو خزاعة. وكانت أم عمرو فهيرة بنت عامر بن الحارث. ويقال قمعة بنت مضاض وكان الحرث الذى يلى أمر الكعبة فلما بلغ عمرو بن لحى نازعه فى الولاية وقاتل جرهما ببنى إسماعيل فظفر بهم وأجلاهم عن الكعبة ونفاهم من بلاد مكة. وتولى حجابة البيت بعدهم ثم إنه مرض مرضا شديدا فقيل له: إن بالبلقاء من الشام حمة إن أتيتها برأت فأتاها فاستحم فيها فبرأ ووجد أهلها يعبدون الأصنام فقال: ما هذه فقالوا: نستسقى بها المطر ونستنصر بها على العدو فسألهم أن يعطوه منها ففعلوا فقدم بها مكة ونصبها حول الكعبة. واتخذت العرب الأصنام فكان أقدمها مناة وقد كانت العرب تسمى: عبد مناة وزيد مناة وكان منصوبا على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد بين مكة والمدينة وكانت العرب جميعها تعظمه. وكانت الأوس والخرزج ومن ينزل المدينة ومكة وما قارب(2\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "604",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1876",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من المواضع يعظمونه ويذبحون له ويهدون له وكان أولاد معد على بقية من دين إسماعيل. وكانت ربيعة ومضر على بقية من دينه ولم يكن أحد أشد إعظاما له من الأوس والخزرج. قال هشام: وحدثنا رجل من قريش عن أبى عبيدة بن عبد الله بن أبى عبيدة ابن محمد بن عمار بن ياسر قال: quot;كانت الأوس والخزرج ومن جاورهم من عرب أهل يثرب وغيرها يحجون فيقفون مع الناس المواقف كلها. ولا يحلقون رؤوسهم. فإذا نفروا أتوه فحلقوا عنده رؤوسهم وأقاموا عنده لا يرون لحجهم تمام إلا بذلكquot;. وكانت مناة لهذيل وخزاعة. فبعث رسول الله عليه السلام عليا فهدمها عام الفتح. ثم اتخذوا اللات بالطائف. وهى أحدث من مناة. وكانت صخرة مربعة وكان يهودى يلت عندها السويق وكان سدنتها من ثقيف بنو عتاب بن مالك. وكانوا قد بنوا عليها. وكانت قريش وجميع العرب تعظمها. وبها كانت العرب تسمى زيد اللات. وتيم اللات. وكانت فى موضع منارة مسجد الطائف اليسرى اليوم. فلم تزل كذلك(2\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "605",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1877",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حتى أسلمت ثقيف. فبعث رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار. ثم اتخذوا العزى. وهى أحدث من اللات ومناة اتخذها ظالم بن أسعد. وكانت بواد من نخلة [الشامية. يقال له: حراض بإزاء الغمير عن يمين المصعد إلى العراق من مكة. وذلك]  فوق ذات عرق وبنوا عليها بيتا. وكانوا يسمعون منه الصوت.(2\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "606",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1878",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال هشام: وحدثنى أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال: كانت العزى شيطانة تأتى ثلاث سمرات ببطن نخلة. فلما افتتح رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد فقال: ائت بطن نخلة. فإنك ستجد ثلاث سمرات فاعضد الأولى. فأتاها فعضدها. فلما جاء إليه قال: هل رأيت شيئا قال: لا. قال: فاعضد الثانية. فأتاها فعضدها. ثم أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: هل رأيت شيئا قال: لا. قال: فاعضد الثالثة. فأتاها فإذا هو بحبشية نافشة شعرها واضعة يديها على عاتقها تصرف بأنيابها وخلفها [دبية ابن حرمى الشيبانى ثم السلمى وكان] سادنها [فلما نظر إلى خالد] قال: أعزاء شدى شدة لا تكذبى ... على خالد ألقى الخمار وشمري فإنك إلا تقتلى اليوم خالدا ... تبوئى بذل عاجلا وتنصري فقال خالد: يا عزى كفرانك لا سبحانك ... إنى رأيت الله قد أهانك ثم ضربها ففلق رأسها. فإذا هى حممة. ثم عضد الشجرة وقتل السادن ثم أتى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبره فقال: تلك العزى ولا عزى بعدها للعرب [أما إنها لن تعبد بعد اليوم] .(2\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "607",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1879",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال هشام: وكانت لقريش أصنام فى جوف الكعبة وحولها وأعظمها عندهم: هبل. وكان - فيما بلغنى - من عقيق أحمر على صورة إنسان مكسور اليد اليمنى أدركته قريش كذلك. فجعلوا له يدا من ذهب. وكان أول من نصبه خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر [وكان يقال له: هبل خزيمة] . وكان فى جوف الكعبة. وكان قدامه [سبعة] قداح مكتوب فى أحدها: صريح وفى الآخر: ملصق. فإذا شكوا فى مولود أهدوا له هدية ثم ضربوا بالقداح فإن خرج quot;صريحquot; ألحقوه. وإن خرج quot;ملصقquot; دفعوه [وقدح على الميت وقدح على النكاح. وثلاثة لم تفسر لى علام كانت] . وكانوا إذا اختصموا فى أمر أو أرادوا سفرا أو عملا أتوه فاستقسموا بالقداح عنده [فما خرج عملوا به وانتهوا إليه. وعنده ضرب عبد المطلب بالقداح على ابنه عبد الله والد النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم] وهو الذى قال له أبو سفيان يوم أحد أعل هبل. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: quot;قولوا له: الله أعلى وأجلquot;. وكان لهم إساف ونائلة. قال هشام: فحدث الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس quot;أن إسافا رجل من جرهم يقال له: إساف بن يعلى ونائله بنت زيد من جرهم وكان يتعشقها فى أرض اليمن فأقبلوا حجاجا فدخلا الكعبة فوجدا غفلة من الناس وخلوة من الناس وخلوة من البيت ففجر بها فى البيت فمسخا حجرين فأصبحوا فوجدوهما مسخين فأخرجوهما فوضعوهما موضعهما فعبدتهما خزاعة وقريش ومن حج البيت بعد من العربquot;. قال هشام: لما مسخا حجرين وضعا عند الكعبة ليتعظ بهما الناس فلما طال مكثهما وعبدت الأصنام عبدا معها. وكان أحدهما ملصقا بالكعبة والآخر فى موضع زمزم فنقلت قريش الذى كان ملصقا بالكعبة إلى الآخر فكانوا يذبحون عندهما. وكان من تلك الأصنام ذو الخلصة وكان مروة بيضاء منقوشة عليها كهيئة التاج وكان له بيت بين مكة واليمن على مسيرة سبع ليال من مكة [وكان سدنتها بنو أمامة من(2\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "608",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1880",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "باهلة بن أعصر] وكانت تعظمها وتهدى لها خثعم وبجيلة [وأزد السراة ومن قلوبهم من بطون العرب من هوازن] فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لجرير: quot;ألا تكفينى ذا الخلصة quot;. فسار إليه بأحمس فقاتلته خثعم وباهلة دونه فظفر بهم. وهدم بيت ذى الخلصة وأضرم فيه النار فاحترق. وذو الخلصة اليوم عتبة باب مسجد تبالة. وكان لدوس صنم يقال له quot;ذو الكفينquot; فلما أسلموا بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الطفيل بن عمرو فحرقه. وكان لبنى الحارث بن يشكر [بن مبشر من الأزد] صنم يقال له quot;ذو الشرىquot;. وكان لقضاعة ولحم وجذام وعاملة وغطفان صنم فى مشارف الشام يقال له quot;الأقيصرquot;. وكان لمزينة صنم يقال له quot;نهمquot; وبه كانت تسمى عبد نهم. [وكان لأزد السراة صنم يقال له quot;عائمquot;] .(2\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "609",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1881",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان لعنزة صنم يقال له quot;سعيرquot;. وكان لطيء صنم يقال له quot;الفلسquot;. وكان لأهل كل دار من مكة صنم فى دارهم كان يعبدونه فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع فى منزله: أن يتمسح به وإذا قدم من سفره كان أول ما يصنع إذا دخل منزله: أن يتمسح به. قال ابن إسحاق: وكان لخولان صنم يقال له: عم أنس بأرض خولان يقسمون له من أنعامهم وحروثهم قسما بينه وبين الله بزعمهم فما دخل فى حق الله من حق عم أنس رده عليه وما دخل فى الحق الصنم من حق الله الذى سموا له تركوه له وفيهم أنزل الله سبحانه: وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون [الأنعام: 136] .(2\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "610",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1882",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ابن إسحق: وكان لبنى ملكان بن كنانة بن خزيمة بن مدركة صنم يقال له: quot;سعدquot; صخرة بفلاة من الأرض طويلة فأقبل رجل من بنى ملكان بإبل مؤبلة ليقفها عليه ابتغاء بركته - فيما يزعم - فلما رأته الإبل [وكانت مرعية لا تركب] وكان يهراق عليه الدماء نفرت منه فذهب فى كل وجه فغضب ربها فأخذ حجرا فرماه به ثم قال: لا بارك الله فيك نفرت عنى إبلى ثم خرج فى طلبها حتى جمعها فلما اجتمعت له قال: أيتنا إلى سعد ليجمع شملنا ... فشتتنا سعد فلا نحن من سعد وهل سعد إلا صخرة بتنوفة ... من الأرض لا تدعو لغى ولا رشد قال ابن إسحق: وكان عمرو بن الجموح سيدا من سادات بنى سلمة وشريفا من أشرافهم. وكان قد اتخذ فى داره صنما من خشب يقال له مناة [كما كان الأشراف يصنعون. يتخذه إلها يعظمه ويظهره] فلما أسلم فتيان بنى سلمة معاذ بن جبل وابنه معاذ بن عمرو وغيرهم ممن أسلم وشهد العقبة وكانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك فيحملونه فيطرحونه فى بعض حفر بنى سلمة وفيها عذرات الناس منكسا على رأسه فإذا أصبح عمرو قال: ويلكم من عدا على إلهنا هذه الليلة قال ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطهره وطيبه ثم قال: والله لو أعلم من فعل هذا بك لأخزينه. فإذا أمسى ونام غدوا(2\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "611",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1883",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ففعلوا بصنمهم مثل ذلك فيغدو فيلتمسه فيجده فى مثل ما كان فيه من الأذى فيغسله ويطهره ويطيبه فيغدون عليه إذا أمسى فيفعلون به ذلك فلما طال عليه استخرجه من حيث ألقوه يوما فغسله وطهره وطيبه ثم جاء بسيفه فعلقه عليه ثم قال له: والله إنى لا أعلم من يصنع بك ما ترى. فإن كان فيك خير فامتنع: فهذا السيف معك فلما أمسى ونام غدوا عليه فأخذوا السيف من عنقه ثم أخذوا كلبا ميتا فقربوه به بحبل ثم ألقوه فى بئر من آبار بنى سلمة فيها عذر من عذر الناس وغدا عمرو فلم يجده فى مكانه الذى كان به فخرج يتبعه حتى وجده فى تلك البئر منكسا مقرونا بكلب ميت. فلما رآه أبصر شأنه وكلمه من أسلم من قومه فأسلم وحسن إسلامه فقال حين أسلم وعرف من الله ما عرف وهو يذكر صنمه ذلك وما أبصر من أمره ويشكر الله إذ أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة ويقول: والله لو كنت إلها لم تكن ... أنت وكلب وسط بئر فى قرن أف لملقاك إلها مستدن ... الآن فتشناك عن سوء الغبن الحمد لله العلى ذى المنن ... الواهب الرزاق ديان الدين هو الذى أنقذنى من قبل أن ... أكون فى ظلمة قبر مرتهن قال ابن إسحق: واتخذ أهل كل دار فى دارهم صنما يعبدونه فإذا أراد رجل منهم سفرا تمسح به وإذا قدم من سفر تمسح به فيكون آخر عهده به وأول عهده به فلما بعث الله محمدا صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالتوحيد قالت قريش: أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب [ص: 5] . وكانت العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت وهى بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة لها سدنة وحجاب وتهدى لها كما تهدى للكعبة وتطوف بها كما تطوف بالكعبة وتنحر عندها كما تنحر عند الكعبة.(2\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "612",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1884",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان الرجل إذا سافر فنزل منزلا أخذ أربعة أحجار فنظر إلى أحسنها فاتخذه ربا وجعل الثلاثة أثافى القدرة فإذا ارتحل تركه فإذا نزل منزلا آخر فعل مثل ذلك. قال حنبل: حدثنا حسن بن الربيع قال: حدثنا مهدى بن ميمون قال: سمعت أبا رجاء العطاردى يقول quot;لما بعث النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فسمعنا به لحقنا بمسيلمة الكذاب فلحقنا بالنار قال: وكنا نعبد الحجر فى الجاهلية فإذا وجدنا حجرا هو أحسن منه نلقى ذلك ونأخذه فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من تراب ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه ثم طفنا بهquot;. وقال أبو رجاء أيضا quot;كنا نعمد إلى الرمل فنجمعه ونحلب عليه فنعبده وكنا نعمد إلى الحجر الأبيض فنعبده زمانا ثم نلقيهquot;. وقال أبو بكر بن أبى شيبة: حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا الحجاج بن أبى زينب قال(2\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "613",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1885",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سمعت أبا عثمان النهدى يقول quot;كنا فى الجاهلية نعيد حجرا فسمعنا مناديا ينادى: يا أهل الرحال إن ربكم قد هلك فالتمسوا ربا قال: فخرجنا على كل صعب وذلول فبينا نحن كذلك نطلبه إذا نحن بمناد ينادى: إنا قد وجدنا ربكم أو شبهه فإذا حجر فنحرنا عليه الجزرquot;. وقال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى الحجاج بن صفوان عن ابن أبى حسين عن شهر بن حوشب عن عمر بن عبسة قال quot;كنت امرأ ممن يعبد الحجارة فينزل الحى ليس معهم إله فيخرج الرجل منهم فيأتى بأربعة أحجار فينصب ثلاثة لقدره ويجعل أحسنها إلها يعبده ثم لعله يجد ما هو أحسن منه قبل أن يرتحل فيتركه ويأخذ غيرهquot;. ولما فتح رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مكة وجد حول البيت ثلاثمائة وستين صنما فجعل يطعن بسية قوسه فى وجوهها وعيونها ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا [الإسراء: 81] . وهى تتساقط على رؤوسها ثم أمر بها فأخرجت من المسجد وحرقت.(2\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "614",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1886",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وتلاعب الشيطان بالمشركين فى عبادة الأصنام له أسباب عديدة تلاعب بكل قوم على قدر عقولهم. فطائفة دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم الموتى الذين صوروا تلك الأصنام على صورهم كما تقدم عن قوم نوح عليه السلام ولهذا لعن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم المتخذين على القبور المساجد والسرج ونهى عن الصلاة إلى القبور وسأل ربه سبحانه أن لا يجعل قبره وثنا يعبد ونهى أمته أن يتخذوا قبره عيدا وقال: quot;اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجدquot; وأمر بتسوية القبور وطمس التماثيل. فأبى المشركون إلا خلافه فى ذلك كله إما جهلا وإما عنادا لأهل التوحيد ولم يضرهم ذلك شيئا. وهذا السبب هو الغالب على عوام المشركين. وأما خواصهم فإنهم اتخذوها - بزعمهم - على صور الكواكب المؤثرة فى العالم عندهم وجعلوا لها بيوتا وسدنة وحجابا وحجا وقربانا ولم يزل هذا فى الدنيا قديما وحديثا. فمنها: بيت على رأس جبل بأصبهان. كان به أصنام أخرجها بعض ملوك المجوس وجعله بيت نار. ومنها بيت ثان وثالث ورابع بصنعاء. بناه بعض المشركين على اسم الزهرة فخربه عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه. ومنها بيت بناه قابوس الملك على اسم الشمس بمدينة فرغانه فخربه المعتصم. وأشد الأمم فى هذا النوع من الشرك: الهند. قال يحيى بن بشر: إن شريعة الهند وضعها لهم رجل يقال له برهمن ووضع لهم أصناما وجعل أعظم بيوتها بيتا بمدينة من مدائن السند. وجعل فيه صنمهم الأعظم. وزعم(2\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "615",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1887",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنه بصورة الهيولى الأكبر. وفتحت هذه المدينة فى أيام الحجاج. واسمها quot;الملتانquot; فأراد المسلمون قلع الصنم. فقيل: إن تركتموه ولم تقلعوه جعلنا لكم ثلث ما يجتمع له من المال فأمر عبد الملك بن مروان بتركه فالهند تحج إليه من نحو ألفى فرسخ ولا بد لمن يحجه أن يحمل معه من النقد ما يمكنه من مائة إلى عشرة آلاف لا يكون أقل من هذا ولا أكثر. فيلقيه فى صندوق هناك عظيم ويطوف بالصنم فإذا ذهبوا ورجعوا إلى بلادهم قسم ذلك المال فثلثه للمسلمين وثلثه لعمارة المدينة وحصونها وثلثه لسدنة الصنم ومصالحه. وأصل هذا المذهب من مشركى الصابئة وهم قوم إبراهيم عليه السلام الذين ناظرهم فى بطلان الشرك وكسر حجتهم بعلمه وآلهتهم بيده فطلبوا تحريقه. وهو مذهب قديم فى العالم وأهله طوائف شتى. فمنهم عباد الشمس زعموا أنها ملك من الملائكة لها نفس وعقل وهى أصل نور القمر والكواكب وتكون الموجودات السفلية كلها عندهم منها من عندهم ملك الفلك فيستحق التعظيم والسجود والدعاء. ومن شريعتهم فى عبادتها: أنهم اتخذوا لها صنما بيده جوهرة على لون النار. وله بيت خاص قد بنوه باسمه وجعلوا له الوقوف الكثيرة من القرى والضياع وله سدنة وقوام وحجبة يأتون البيت ويصلون فيه لها ثلاث كرات فى اليوم. ويأتيه أصحاب العاهات فيصومون لذلك الصنم ويصلون ويدعون ويستسقون به وهم إذا طلعت الشمس سجدوا كلهم لها وإذا غربت وإذا توسطت الفلك ولهذا يقارنها الشيطان فى هذه الأوقات الثلاثة لتقع عبادتهم وسجودهم له. ولهذا نهى النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن تحرى الصلاة فى هذه الأوقات قطعا لمشابهة الكفار ظاهرا وسدا لذريعة الشرك وعبادة الأصنام.(2\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "616",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1888",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وطائفة أخرى اتخذت للقمر صنما وزعموا أنه يستحق التعظيم والعبادة وإليه تدبير هذا العالم السفلى. ومن شريعة عباده: أنهم اتخذوا له صنما على شكل عجل يجره أربعة ويبد الصنم جوهرة ويعبدونه ويسجدون له ويصومون له أياما معلومة من كل شهر ثم يأتون إليه بالطعام والشراب والفرح والسرور فإذا فرغوا من الأكل أخذوا فى الرقص والغناء وأصوات المعازف بين يديه. ومنهم من يعبد أصناما اتخذوها على صورة الكواكب وروحانيتها بزعمهم وبنوا لها هياكل ومتعبدات لكل كوكب منها هيكل يخصه وصنم يخصه وعبادة تخصه. ومتى أردت الوقوف على هذا فانظر فى كتاب quot;السر المكتوم فى مخاطبة النجومquot; المتسوب إلى ابن خطيب الرى تعرف سر عبادة الأصنام وكيفية تلك العبادة وشرائطها. وكل هؤلاء مرجعهم إلى عبادة الأصنام فإنهم لا تستمر لهم طريقة إلا بشخص خاص على شكل خاص ينظرون إليه ويعكفون عليه. ومن هاهنا اتخذ أصحاب الروحانيات والكواكب أصناما زعموا أنها على صورتها فوضع الصنم إنما كان الأصل على شلك معبود غائب فجعلوا الصنم على شكله وهيأته وصورته ليكون نائبا وقائما مقامه. وإلا فمن المعلوم أن عاقلا لا ينحت خشبة أو حجرا بيده ثم يعتقد أنه إلهه ومعبوده. ومن أسباب عبادتها أيضا: أن الشياطين تدخل فيها وتخاطبهم منها وتخبرهم ببعض المغيبات وتدلهم على بعض ما يخفى عليهم وهم لا يشاهدون الشياطين فجهلتهم وسقطهم يظنون أن الصنم نفسه هو المتكلم المخاطب وعقلاؤهم يقولون: إن تلك روحانيات الأصنام وبعضهم يقولون: إنها الملائكة وبعضهم يقول: إنها العقول المجردة. وبعضهم يقول:(2\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "617",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1889",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هى روحانيات الأجرام العلوية. وكثير منهم لا يسأل عما عهد بل إذا سمع الخطاب من الصنم اتخذه إلها ولا يسأل عما وراء ذلك. وبالجملة فأكثر أهل الأرض مفتونون بعبادة الأصنام والأوثان ولم يتخلص منها إلا الحنفاء أتباع ملة إبراهيم عليه السلام وعبادتها فى الأرض من قبل نوح عليه السلام كما تقدم وهياكلها ووقوفها وسدنتها وحجابها. والكتب المصنفة فى شرائع عبادتها طبق ذلك كله الأرض. قال إمام الحنفاء: واجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس [إبراهيم: 35 - 36] . والأمم التى أهلكها الله بأنواع الهلاك كلهم كانوا يعبدون الأصنام كما قص الله تعالى ذلك عنهم فى القرآن وأنجى الرسل وأتباعهم من الموحدين. ويكفى فى معرفة كثرتهم وأنهم أكثر أهل الأرض: ما صح عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: quot;أن بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعونquot; وقد قال تعالى: فأبى أكثر الناس إلا كفورا [الإسراء: 89] وقال: وإن تطع أكثر من فى الأرض يضلوك عن سبيل الله [الأنعام: 116] وقال: وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين [يوسف: 103] وقال: وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين [الأعراف: 102] . ولو لم تكن الفتنة بعبادة الأصنام عظيمة لما أقدم عبادها على بذل نفوسهم وأموالهم وأبنائهم دونها فهم يشاهدون مصارع إخوانهم وما حل بهم ولا يزيدهم ذلك إلا حبا لها وتعظيما ويوصى بعضهم بعضا بالصبر عليها وتحمل أنواع المكاره فى نصرتها وعبادتها وهم يسمعون أخبار الأمم التى فتنت بعبادتها وما حل بهم من عاجل العقوبات ولا يثنيهم ذلك عن عبادتها. ففتنة عبادة الأصنام أشد من فتنة عشق الصور وفتنة الفجور بها. والعاشق لا يثنيه(2\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "618",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1890",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن مراده خشية عقوبة فى الدنيا ولا فى الآخرة وهو يشاهد ما يحل بأصحاب ذلك: من الآلام والعقوبات والضرب والحبس والنكال والفقر غير ما أعد الله له فى الآخرة وفى البرزخ ولا يزيده ذلك إلا إقداما وحرصا على الوصول والظفر بحاجته. فهكذا الفتنة بعبادة الأصنام أشد فإن تأله القلوب لها أعظم من تألها للصور التى يريد منها الفاحشة بكثير. والقرآن بل وسائر الكتب الإلهية من أولها إلى آخرها مصرحة ببطلان هذا الدين وكفر أهله وأنهم أعداء الله ورسله وأنهم أولياء الشيطان وعباده وأنهم هم أهل النار الذين لا يخرجون منها وهم الذين حلت بهم المثلاث ونزلت بهم العقوبات وأن الله سبحانه برئ منهم هو وجميع وملائكته وأنه سبحانه لا يغفر لهم ولا يقبل لهم عملا. وهذا معلوم بالضرورة من الدين الحنيف. وقد أباح الله عز وجل لرسوله وأتباعه من الحنفاء دماء هؤلاء وأموالهم ونساءهم وأبناءهم بتطهير الأرض منهم حيث وجدوا وذمهم بسائر أنواع الذم وتوعدهم بأعظم أنواع العقوبة فهؤلاء فى شق ورسل الله تعالى كلهم فى شق. فصل ومن أسباب عبادة الأصنام: الغلو فى المخلوق وإعطاؤه فوق منزلته حتى جعل فيه حظ من الإلهية وشبهوه بالله سبحانه وهذا التشبيه الواقع فى الأمم الذى أبطله الله سبحانه وبعث رسله وأنزل كتبه بإنكاره والرد على أهله. فهو سبحانه ينفى وينهى أن يجعل غيره مثلا له وندا له وشبها له لا أن يشبه هو بغيره إذ ليس فى الأمم المعروفة أمة جعلته سبحانه مثلا لشيء من مخلوقاته فجعلت المخلوق أصلا وشبهت به الخالق فهذا لا يعرف فى طائفة من طائفة بنى آدم وإنما الأول هو(2\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "619",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1891",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعروف فى طوائف أهل الشرك غلوا فيمن يعظمونه ويحبونه حتى شبهوه بالخالق وأعطوه خصائص الإلهية بل صرحوا أنه إله وأنكروا جعل الآلهة إلها واحدا وقالوا: اصبروا على آلهتكم [ص: 6] . وصرحوا بأنه إله معبود يرجى ويخاف ويعظم ويسجد له ويحلف باسمه وتقرب له القرابين إلى غير ذلك من خصائص العبادة التى لا تنبغى إلا لله تعالى. فكل مشرك فهو مشبه لإلهه ومعبوده بالله سبحانه وإن لم يشبهه به من كل وجه حتى إن الذين كفروا وصفوه سبحانه بالنقائص والعيوب كقولهم: إن الله فقير [آل عمران: 181] وإن يد الله مغلولة [المائدة: 64] . وإنه استراح لما فرغ من خلق العالم. والذين جعلوا له ولدا وصاحبة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - لم يكن قصدهم أن يجعلوا المخلوق أصلا ثم يشبهون به الخالق بل وصفوه بهذه الأشياء استقلالا لا قصدا أن يكون غيره أصلا فيها وهو مشبه به. ولهذا كان وصفه سبحانه بهذه الأمور من إبطال الباطل لكونها فى نفسها نقائص وعيوبا ليس جهة البطلان فى اتصافه بها: هو التشبيه والتمثيل فلا يتوقف فى نفيها عنه على ثبوت انتفاء التشبيه كما يفعله بعض أهل الكلام الباطل حيث صرحوا بأنه لا يقوم دليل عقلى على انتفاء النقائص والعيوب عنه وإنما تنفى عنه لاستلزامها التشبيه والتمثيل. وهؤلاء إذا قال لهم الواصفون لله سبحانه بهذه الصفات: نحن نثبتها له على وجه لا يماثل فيها خلقه بل نثبت له فقرا وصاحبة وإيلادا يماثل فيه خلقه كما تثبتون أنتم له علما وقدرة وحياة وسمعا وبصرا لا يماثل فيها خلقه. فقولنا فى هذا كقولكم فيما أثبتموه سواء - لم يتمكنوا من إبطال قولهم ويصيرون أكفاء لهم فى المناظرة فإنهم قد أعطوهم أنه لا يقوم دليل عقلى على انتفاء النقائص والعيوب وإنما ننفى ما نفى عنه لأجل التشبيه والتمثيل وقد أثبتوا له صفات على وجه لا يستلزم التشبيه فقال أولئك: وهكذا نقول نحن. ولما عرف بعضهم أن هذا لازم له لا محالة استروح إلى دليل الإجماع وقال: إنما نفينا النقائص والعيوب عنه بالإجماع وعندهم أن الإجماع أدلته ظنية لا تفيد اليقين فليس عند(2\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "620",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1892",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القوم يقين وقطع بأن الله سبحانه منزه عن النقائص والعيوب. وأهل السنة يقولون: إن تنزيهه سبحانه عن العيوب والنقائص واجب لذاته كما أن إثبات صفات الكمال والحمد واجب له لذاته وهو أظهر فى العقول والفطر وجميع الكتب الإلهية وأقوال الرسل من كل شيء. ومن العجب أن هؤلاء جاءوا إلى ما علم بالاضطرار أن الرسل جاءوا به ووصفوا الله سبحانه به ودلت عليه العقول والفطر والبراهين فنفوه وقالوا: إثباته يستلزم التجسيم والتشبيه فلم يثبت لهم قدم البتة فيما يثبتونه له سبحانه وينفونه عنه. وجاءوا إلى ما علم بالاضطرار والفطر والعقول وجميع الكتب الإلهية من تنزيه الله سبحانه عن كل نقص وعيب فقالوا: ليس فى أدلة العقل ما ينفيه وإنما ننفيه بما ننفى به التشبيه. وليس فى الخذلان فوق هذا بل إثبات هذه العيوب والنقائص يضاد كماله المقدس وهو سبحانه موصوف بما يضادها وينافيها من كل وجه ونفيها أظهر وأبين فى العقول من نفى التشبيه فلا يجوز أن يثبت له على وجه لا يشابه فيه خلقه. والمقصود: أنه لم يكن فى الأمم من مثله بخلقه وجعل المخلوق أصلا ثم شبهه به وإنما كان التمثيل والتشبيه فى الأمم حيث شبهوا أوثانهم ومعبوديهم به فى الإلهية وهذا التشبيه هو أصل عبادة الأصنام فأعرض عنه وعن بيان بطلانه أهل الكلام صرفوا العناية إلى إنكار تشبيهه بالخلق الذى لم تعرف أمة من الأمم عليه وبالغوا فيه حتى نفوا به عنه صفات الكمال. ولهذا موضع مهم نافع جدا به يعرف الفرق بين ما نزه الرب سبحانه نفسه عنه وذم به المشركين المشبهين العادلين به خلقه وبين ما ينفيه الجهمية المعطلة من صفات كماله ويزعمون أن القرآن دل عليه وأريد به نفيه. والقرآن مملوء من إبطال أن يكون فى المخلوقات ما يشبه الرب تعالى أو يماثله فهذا هو الذى قصد بالقرآن إبطالا لما عليه المشركون والمشبهون العادلون بالله تعالى غيره. قال تعالى: فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون [البقرة: 22](2\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "621",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1893",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله [البقرة: 165] . فهؤلاء جعلوا المخلوق مثلا للخالق. فالند: الشبه. يقال فلان ند فلان ونديده أى مثله وشبهه ومنه قول حسان بن ثابت: أتهجوه ولست له بند ... فشر كما لخير كما الفداء ومنه قول النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - لمن قال له ما شاء الله وشئت: quot;أجعلتنى لله نداquot; وقال جرير: أتيما تجعلون إلى ندا ... وما تيم لذى حسب نديد قال ابن مسعود وابن عباس: quot;لا تجعلوا لله أكفاء من الرجال تطيعونهم فى معصية اللهquot;. وقال ابن زيد: quot;الأنداد الآلهة التى جعلوها معهquot;. وقال الزجاج: quot;أى لا تجعلوا لله أمثالاquot;. فالذى أنكره الله سبحانه عليهم: هو تشبيه المخلوق به حتى جعلوه ندا لله تعالى يعبدونه كما يعبدون الله وكذلك قوله فى الآية الأخرى: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله [البقرة: 165] فأنكر هذا التشبيه عليهم وهو أصل عبادة الأصنام. ونظير هذا قوله سبحانه: الحمد لله الذى خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون [الأنعام: 1] . أى يعدلون به غيره فيجعلون له من خلقه عدلا وشبها.(2\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "622",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1894",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ابن عباس: يريد عدلوا بى من خلقى الحجارة والأصنام بعد أن أقروا بنعمتى وربوبيتى. وقال الزجاج: أعلم الله سبحانه أنه خالق ما ذكر فى هذه الآية. وأن خالقها لا شيء مثله وأعلم أن الكفار يجعلون له عديلا. والعدل التسوية يقال: عدل الشيء بالشيء إذا سواه به ومعنى يعدلون به: يشركون به غيره. قال مجاهد قال الأحمر: يقال: عدل الكافر بربه عدلا وعدولا: إذا سوى به غيره فعبده. وقال الكسائى: عدلت الشيء بالشيء أعدله عدولا إذا ساويته به. ومثله قوله تعالى عن هؤلاء المشبهين إنهم يقولون فى النار لآلهتهم: تالله إن كنا لفى ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين [الشعراء: 97- 98] . فاعترفوا أنهم كانوا فى أعظم الضلال وأبينه إذ جعلوا لله شبها وعدلا من خلقه سووهم به فى العبادة والتعظيم. وقال تعالى: رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا [مريم: 65] . قال ابن عباس: quot;شبها ومثلا وهو من يساميهquot;. وذلك نفى عن المخلوق أن يكون مشابها للخالق ومماثلا له بحيث يستحق العبادة والتعظيم ولم يقل سبحانه: هل تعلمه سميا أو مشبها لغيره فإن هذا لم يقله أحد. بل المشركون المشبهون جعلوا بعض المخلوقات مشابها له مساميا وندا وعدلا فأنكر عليهم هذا التشبيه والتمثيل. وكذلك قوله: ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا ولا يستطيعون فلا تضربوا لله الأمثال [النحل: 73 - 74] . فنهاهم أن يضربوا له مثلا من خلقه ولم ينههم أن يضربوه هو مثلا لخلقه فإن هذا لم يقله أحد ولم يكونوا يفعلونه. فإن الله سبحانه أجل وأعظم وأكبر من كل شيء فى فطر الناس كلهم. ولكن المشبهون المشركون يغلون فيمن يعظمونه. فيشبهونهم بالخالق والله تعالى أجل فى صدور جميع الخلق من أن يجعلوا غيره أصلا ثم يشبهونه سبحانه بغيره.(2\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "623",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1895",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالذى يشبهه بغيره إن قصد تعظيمه لم يكن فى هذا تعظيم لأنه مثل أعظم العظماء بما هو دونه بل بما ليس بينه نسبة وشبه فى العظمة والجلالة وعاقل لا يفعل هذا. وإن قصد التنقيص شبهه بالناقصين المذمومين لا بالكاملين الممدوحين. ومن هنا يعلم أن إثبات صفات الكمال له لا يتضمن التشبيه والتمثيل لا بالكاملين ولا بالناقصين وأن نفى تلك الصفات يستلزم تشبيهه بأنقص الناقصين. فانظر إلى الجهمية وأتباعهم جاءوا إلى التشبيه المذموم فأعرضوا عنه صفحا وجاءوا إلى الكمال والمدح فجعلوه تشبيها وتمثيلا عكس ما يثبته القرآن وجاء به من كل وجه. ومن هذا قوله تعالى: ولم يكن له كفوا أحد [الإخلاص: 4] . هو سلب عن المخلوق مكافأته ومماثلته للخالق سبحانه ولم يقل: ولم يكن هو كفوا لأحد فينفى عن نفسه مشابهته للمخلوق ومكافأته له إذ كان ذلك أبين وأظهر من أن يحتاج إلى نفيه. وسر ذلك: أن المقصود أن المخلوق لا يماثله سبحانه فى شيء من صفاته وخصائصه. وأما كونه سبحانه هو لا يماثل المخلوق لا يماثل المخلوق ولا يشابهه ولا هو ند له ولا كفؤ فليس فيه مدح له. فإنه لو مدح بعض الملوك أو غيرهم بأنه لا يشبه الحيوانات ولا الحجارة ولا الخشب ونحو ذلك لم يعد هذا مدحا ولا ثناء عليه ولا كمالا له بخلاف ما إذا قيل: لا تجعل للملك ندا ولا كفؤا ولا شبيها من رعيته تعظمه كتعظيمه وتطيعه كطاعته فإنه ليس فى رعيته من يساميه. ولا يماثله ولا يكافئه: كان هذا غاية المدح. وكذلك قول سبحانه: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [الشورى: 11] . إنما قصد به نفى أن يكون معه شريك أو معبود يستحق العبادة والتعظيم كما يفعله المشبهون والمشركون. ولم يقصد به نفى صفات كماله وعلوه على خلقه وتكلمه بكتبه وتكليمه لرسله(2\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "624",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1896",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورؤية المؤمنين له جهرة بأبصارهم كما ترى الشمس والقمر فى الصحو. فإنه سبحانه إنما ذكر هذا فى سياق رده على المشركين الذين اتخذوا من دونه أولياء. يوالونهم من دونه فقال تعالى: والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق فى الجنة وفريق فى السعير ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء فى رحمته والظالمون مالهم من ولى ولا نصير أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولى وهو يحيى الموتى وهو على كل شيء قدير وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربى عليه توكلت وإليه أنيب فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [الشورى: 6 - 11] . فتأمل كيف ذكر هذا النفى تقريرا للتوحيد وإبطالا لما عليه أهل الشرك: من تشبيه آلهتهم وأوليائهم به حتى عبدوهم معه. فحرفها المحرفون وجعلوها ترسا لهم فى نفى صفات كماله وحقائق أسمائه وأفعاله. وهذا التشبيه الذى أبطله الله سبحانه نفيا ونهيا: هو أصل شرك العالم وعبادة الأصنام: ولهذا نهى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يسجد أحد لمخلوق مثله أو يحلف بمخلوق مثله أو يصلى إلى قبر أو يتخذ عليه مسجدا أو يعلق عليه(2\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "625",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1897",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قنديلا أو يقول القائل: ما شاء الله وشاء فلان. ونحو ذلك حذرا من هذا التشبيه الذى هو أصل الشرك. وأما إثبات صفات الكمال فهو أصل التوحيد. فتبين أن المشبهة هم الذين يشبهون المخلوق بالخالق فى العبادة والتعظيم والخضوع والحلف به والنذر له والسجود له والعكوف عند بيته وحلق الرأس له والاستغاثة به والتشريك بينه وبين الله فى قولهم: ليس لى إلا الله وأنت وأنا متكل على الله وعليك. وهذا من الله ومنك. وأنا فى حسب الله وحسبك وما شاء الله وشئت. وهذا لله ولك. وأمثالك ذلك. فهؤلاء هم المشبهة حقا لا أهل التوحيد المثبتون لله ما أثبته لنفسه والنافون عنه ما نفاه عن نفسه الذين لا يجعلون له ندا من خلقه ولا عدلا ولا كفؤا ولا سميا وليس لهم من دونه ولى ولا شفيع. فمن تدبر هذا الفصل حق التدبر تبين له كيف وقعت الفتنة فى الأرض بعبادة الأصنام وتبين له سر القرآن فى الإنكار على هؤلاء المشبهة الممثلة ولا سيما إذا جمعوا إلى هذا التشبيه تعطيل الصفات والأفعال. كما هو الغالب عليهم. فيجمعون بين تعطيل الرب سبحانه عن صفات كماله وبين تشبيه خلقه به. فصل ومن كيده وتلاعبه: ما تلاعب بعباد النار حتى اتخذوها إلها معبودة. وقد قيل: إن هذا كان من عهد قابيل. كما ذكر أبو جعفر محمد بن جرير: quot;أنه لما قتل قابيل هابيل وهرب من أبيه آدم عليه السلام. أتاه إبليس. فقال له: إن هابيل إنما قبل قربانه وأكلته النار لأنه كان يخدمها ويعبدها فانصب أنت أيضا نارا تكون لك ولعقبك. فبنى بيت نار فهو أول من نصب النار وعبدهاquot;. وسرى هذا المذهب فى المجوس فبنوا لها بيوتا كثيرة واتخذوا لها الوقوف والسدنة(2\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "626",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1898",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحجاب فلا يدعوها تخمد لحظة واحدة فاتخذ لها إفريدون بيتا بطوس وآخر ببخارى. واتخذ لها بهمن بيتا بسجستان واتخذ لها أبو قباذ بيتا بناحية بخارى واتخذت لها بيوت كثيرة. وعباد النار يفضلونها على التراب ويعظمونها ويصوبون رأى إبليس وقد رمى بشار بن برد بهذا المذهب لقوله فى قصيدته: الأرض سافلة سوداء مظلمة ... والنار معبودة مذ كانت النار ويقولون: إنها أوسع العناصر خيرا وأعظمها جرما وأوسعها مكانا وأشرفها جوهرا وألطفها جسما ولا كون فى العالم إلا بها ولا نمو ولا انعقاد إلا بممازجتها. ومن عبادتهم لها: أن يحفروا لها أخدودا مربعا فى الأرض ويطوفون به. وهم أصناف مختلفة. فمنهم من يحرم إلقاء النفوس فيها وإحراق الأبدان بها وهم أكثر المجوس. وطائفة أخرى منهم: تبلغ بهم عبادتهم لها إلى أن يقربوا أنفسهم وأولادهم لها وهؤلاء أكثر ملوك الهند وأتباعهم. ولهم سنة معروفة فى تقريب نفوسهم وإلقائهم فيها فيعمد الرجل الذى يريد أن يفعل ذلك بنفسه أو بولده أو حبيبه. فيجمله ويلبسه أحسن اللباس وأفخر الحلى. ويركبه أعلى المراكب وحول المعازف والطبول والبوقات فيزف إلى النار أعظم من زفافه ليلة عرسه. حتى إذا ما قابلها ووقف عليها وهى تأجج طرح نفسه فيها فضج(2\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "627",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1899",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحاضرون ضجة واحدة بالدعاء له وغبطته على ما فعل. فلا يلبث إلا يسيرا حتى يأتيهم الشيطان فى صورته وشكله وهيأته لا ينكرون منه شيئا فيأمرهم بأمره ويوصيهم بما يوصيهم به ويوصيهم بالتمسك بهذا الدين. ويخبرهم أنه صار إلى جنة ورياض وأنهار وأنه لم يتألم بمس النار له فلا يهولنهم ذلك ولا يمنعهم عن أن يفعلوا مثله. ومنهم زهاد وعباد يجلسون حول النار صائمين عاكفين عليها. ومن سنتهم: الحث على الأخلاق الجميلة كالصدق والوفاء وأداء الأمانة والعفة والعدل وترك أضدادها. ولهؤلاء شرائع فى عبادتها ونواميس وأوضاع لا يخلون بها. فصل ومن كيده وتلاعبه: تلاعبه بطائفة أخرى تعبد الماء من دون الله وتسمى الحلبانية. وتزعم أن الماء لما كان أصل كل شيء وبه كل ولادة ونمو ونشوء وطهارة وعمارة. وما من عمل فى الدنيا إلا ويحتاج إلى الماء فكان حقه أن يعبد. ومن شريعتهم فى عبادته: أن الرجل منهم إذا أراد عبادته تجرد وستر عورته ثم دخل فيه حتى يصير إلى وسطه فيقيم هناك ساعتين أو أكثر بقدر ما أمكنه ويكون معه ما يمكنه أخذه من الرياحين. فيقطعها صغارا فيلقيها فيه شيئا فشيئا وهو يسبحه ويمجده. فإذا أراد الانصراف حرك الماء بيديه ثم أخذ منه فيضعه على رأسه ووجهه وجسد ثم يسجد وينصرف. فصل ومن تلاعبه: تلاعبه بعباد الحيوانات. فطائفة عبدت الخيل وطائفة عبدت(2\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "628",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1900",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البقر وطائفة عبدت البشر الأحياء والأموات وطائفة تعبد الشجر وطائفة تعبد الجن كما قال سبحانه: ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون [سبأ: 40- 41] . وقال تعالى: ألم أعهد إليكم يا بنى آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين  وأن اعبدونى هذا صراط مستقيم [يس: 60- 61] . وقال تعالى: ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد آستكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذى أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم [الأنعام: 128] . يعنى قد استكثرتم من إضلالهم وإغوائهم.(2\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "629",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1901",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم quot;أضللتم منهم كثيراquot; فيجيبه سبحانه أولياؤهم من الإنس بقولهم: ربنا استمتع بعضنا ببعض [الأنعام: 128] . يعنون استمتاع كل نوع بالنوع الآخر. فاستمتاع الجن بالإنس: طاعتهم لهم فيما يأمرونهم به: من الكفر والفسوق والعصيان. فإن هذا أكثر أغراض الجن من الإنس. فإذا أطاعوهم فيه فقد أعطوهم مناهم. واستمتاع الإنس بالجن: أنهم أعانوهم على معصية الله تعالى والشرك به بكل ما يقدرون عليه: من التحسين والتزيين والدعاء وقضاء كثير من حوائجهم واستخدامهم بالسحر والعزائم وغيرها. فأطاعهم الإنس فيما يرضيهم: من الشرك والفواحش والفجور وأطاعتهم الجن فيما يرضيهم: من التأثيرات والإخبار ببعض المغيبات. فتمتع كل من الفريقين بالآخر. وهذه الآية منطبقة على أصحاب الأحوال الشيطانية الذين لهم كشوف شيطانية وتأثير شيطانى. فيحسبهم الجاهل أولياء الرحمن وإنما هم من أولياء الشيطان. أطاعوه فى الإشراك ومعصية الله والخروج عما بعث به رسله وأنزل به كتبه. فأطاعهم فى أن خدمهم بإخبارهم بكثير من المغيبات والتأثيرات واغتر بهم من قل حظه من العلم والإيمان فوالى أعداء الله وعادى أولياءه وحسن الظن بمن خرج عن سبيله وسنته وأساء الظن بمن اتبع سنة الرسول وما جاء به ولم يدعها لأقوال المختلفين وآراء المتحيرين وشطحات المارقين وترهات المتصوفين. والبصير الذى نور الله بصيرته بنور الإيمان والمعرفة إذا عرف حقيقة ما عليه أكثر هذا الحلق وكان ناقدا لا يروج عليه الزغل تبين له أنهم داخلون تحت حكم هذه الآية وهى منطبقة عليهم. فالفاسق يستمتع بالشيطان بإعانته له على أسباب فسوقه والشيطان يستمتع به فى(2\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "630",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1902",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قبوله منه وطاعته له فيسره ذلك ويفرح به منه. والمشرك يستمتع به الشيطان بشركه به وعبادته له. ويستمتع هو بالشيطان فى قضاء حوائجه وإعانته له. ومن لم يحط علما بهذا لم يعلم حقيقة الإيمان والشرك وسر امتحان الرب سبحانه كلا من الثقلين بالآخر. ثم قالوا وبلغنا أجلنا الذى أجلت لنا [الأنعام: 128] . وهو يتناول أجل الموت وأجل البعث. فكلاهما أجل أجله الله تعالى لعباده وهما الأجلان اللذان قال الله فيهما: ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده [الأنعام: 2] . وكأن هذا - والله أعلم - إشارة منهم إلى نوع استعطاف وتوبة. فكأنهم يقولون: هذا أمر قد كان إلى وقت وانقطع بانقطاع أجله. فلم يستمر ولم يدم فبلغ الأمر الذى كان أجله وانتهى إلى غايته. ولكل شيء آخر فقال تعالى: النار مثواكم خالدين فيها [الأنعام: 128] . فإنه وإن انقطع زمن التمتع وانقضى أجله فقد بقى زمن العقوبة فلا يتوهم أنه إذا انقضى زمن الكفر والشرك وتمتع بعضكم ببعض أن مفسدته زالت بزواله وانتهت بانتهائه. والمقصود: أن الشيطان تلاعب بالمشركين حتى عبدوه واتخذوه وذريته أولياء من دون الله. فصل ومن تلاعبه بهم: أن زين لقوم عبادة الملائكة فعبدوهم بزعمهم. ولم تكن عبادتهم فى الحقيقة لهم ولكن كانت للشياطين. فعبدوا أقبح خلق الله وأحقهم باللعن والذم. قال تعالى: ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون [سبأ: 40-41] . وقال تعالى: ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم(2\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "631",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1903",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أضللتم عبادى هؤلاء أم هم ضلوا السبيل قالوا سبحانك ما كان ينبغى لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا. ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا [الفرقان: 17- 19] . وهذه الآيات تحتاج إلى تفسير وبيان. فقوله سبحانه ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله [الفرقان: 17] . عام فى كل عابد ومن عبده من دون الله. وأما قوله فيقول أأنتم أضللتم عبادى هؤلاء أم هم ضلوا السبيل [الفرقان: 17] . فقال مجاهد فيما رواه ورقاء عن ابن أبى نجيح - عنه قال: quot;هذا خطاب لعيسى وعزير والملائكةquot; وروى عنه ابن جريج نحوه. وأما عكرمة والضحاك والكلبى فقالوا: هو عام فى الأوثان وعبدتها. ثم يأذن سبحانه لها فى الكلام فيقول: أأنتم أضللتم عبادى هؤلاء [الفرقان: 17] . قال مقاتل: يقول سبحانه: quot;أأنتم أمرتموهم بعبادتكم أم هم ضلوا السبيل أى أم هم أخطأوا الطريق فأجاب المعبودون بما حكى الله عنهم من قولهم: سبحانك ما كان ينبغى لنا أن نتخذ من دونك من أولياء [الفرقان: 18] . وهذا الجواب إنما يحسن من الملائكة والمسيح وعزير ومن عبدهم المشركون من أولياء الله. ولهذا قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: قالت الملائكة وعيسى الذين كان هؤلاء المشركون يعبدونهم من دون الله [تنزيها لك يا ربنا وتبرئة مما أضاف إليك هؤلاء المشركون] . ما كان ينبغى لنا أن نتخذ من دونك من أولياء [الفرقان: 18] . نواليهم بل أنت ولينا من دونهم. وقال ابن عباس ومقاتل quot;نزهوا الله وعظموه أن يكون معه إلهquot;.(2\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "632",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1904",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيها قراءتان: أشهرهما - نتخذ - بفتح النون وكسر الخاء على البناء للفاعل وهى قراءة السبعة. والثانية - نتخذ - بضم النون وفتح الخاء على البناء للمفعول. وهى قراءة الحسن ويزيد بن القعقاع. وعلى كل واحدة من القراءتين إشكال. فأما قراءة الجمهور فإن الله سبحانه إنما سألهم: هل أضلوا المشركين بأمرهم إياهم بعبادتهم أم هم ضلوا السبيل باختيارهم وأهوائهم وكيف يكون هذا الجواب مطابقا للسؤال فإنه لم يسألهم: هل اتخذتم من دونى من أولياء حتى يقولوا: ما كان ينبغى لنا أن نتخذ من دونك من أولياء [الفرقان: 18] . وإنما سألهم هل أمرتم عبادى هؤلاء بالشرك أم هم أشركوا من قبل أنفسهم فالجواب المطابق أن يقولوا: لم نأمرهم بالشرك وإنما هم آثروه وارتضوه أو لم نأمرهم بعبادتنا كما قال فى الآية الأخرى عنهم: تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون [القصص: 13] . فلما رأى أصحاب القراءة الأخرى ذلك فروا إلى بناء الفعل للمفعول. وقالوا: الجواب يصح على ذلك ويطابق. إذ المعنى: ليس يصلح لنا أن نعبد ونتخذ آلهة فكيف نأمرهم بما لا يصلح لنا ولا يحسن منا. ولكن لزم هؤلاء من الإشكال أمر آخر وهو قوله: من أولياء [الفرقان: 18] . فإن زيادة ((من)) لا يحسن إلا مع قصد العموم كما تقول: ما قام من رجل. وما ضربت من رجل. فأما إذا كان النفى واردا على شيء مخصوص فإنه لا يحسن زيادة ((من فيه وهم إنما نفوا عن أنفسهم ما نسب إليهم من دعوى المشركين: أنهم أمروهم بالشرك. فنفوا عن أنفسهم ذلك بأنه لا تحسن منهم ولا يليق بهم أن يعبدوا فكيف ندعو عبادك إلى أن يعبدونا فكان الواجب على هذا: أن تقرأ: ما كان ينبغى لنا أن نتخذ أولياء من دونك أو من دونك أولياء . فأجاب أصحاب القراءة الأولى بوجوه: أحدها: أن المعنى: ما كان ينبغى لنا أن نعبد غيرك ونتخذ غيرك وليا ومعبودا فكيف ندعو أحدا إلى عبادتنا أى إذا كنا نحن لا نعبد غيرك فكيف ندعو أحدا إلى أن(2\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "633",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1905",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبادتنا أى إذا كنا نحن لا نعبد غيرك فكيف ندعو أحدا إلى أن يعبدنا والمعنى: أنهم إذا كانوا لا يرون لأنفسهم عبادة الله تعالى فكيف يدعون غيرهم إلى عبادتهم وهذا جواب الفراء. وقال الجرجانى: هذا بالتدريج يصير جوابا للسؤال الظاهر وهو أن من عبد شيئا فقد تولاه وإذا تولاه العابد صار المعبود وليا للعابد يدل على هذا قوله تعالى: ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون  قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم [سبأ: 40 - 41] . فدل على أن العابد يصير وليا للمعبود. ويصير المعنى كأنهم قالوا: ما كان ينبغى لنا أن نأمر غيرنا باتخاذنا أولياء وأن نتخذ من دونك وليا يعبدنا. وهذا بسط لقول ابن عباس فى هذه الآية. قال: يقولون: ما توليناهم ولا أحببنا عبادتهم. قال: ويحتمل أن يكون قولهم: ما كان ينبغى لنا أن نتخذ من دونك من أولياء [الفرقان: 18] . أن يريدوا معشر العبيد لا أنفسهم: أى نحن وهم عبيدك ولا ينبغى لعبيدك أن يتخذوا من دونك أولياء ولكنهم أضافوا ذلك إلى أنفسهم تواضعا منهم. كما يقول الرجل لمن أتى منكرا: ما كان ينبغى لى أن أفعل مثل هذا: أى أنت مثلى عبد محاسب فإذا لم يحسن من مثلى أن يفعل هذا لم يحسن منك أيضا. قال: ولهذا الإشكال قرأ من قرأ نتخذ بضم النون. وهذه القراءة أقرب فى التأويل. لكن قال الزجاج: هذه القراءة خطأ لأنك تقول: ما اتخذت من أحد وليا ولا يجوز ما اتخذت أحدا من ولى لأن quot;منquot; إنما دخلت لأنها تنفى واحدا من معنى جميع تقول: ما من أحد قائما وما من رجل محبا لما يضره ولا يجوز: ما رجل من محب لما يضره. قال: ولا وجه عندنا لهذا البتة ولو جاز هذا لجاز فى: فما منكم من أحد عنه حاجزين [الحاقة: 47] . ما أحد عنه من حاجزين. فلو لم تدخل quot;منquot; لصحت هذه القراءة. قال صاحب النظم: العلة فى سقوط هذه القراءة: أن quot;منquot; لا تدخل إلا على مفعول لا مفعول دونه: فإذا كان قبل المفعول مفعول سواه لم يحسن دخول quot;منquot; كقوله:(2\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "634",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1906",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما كان لله أن يتخذ من ولد [مريم: 35] . فقوله quot;من ولدquot; لا مفعول دونه سواه ولو قال: ما كان لله أن يتخذ أحدا من ولد لم يحسن فيه دخول quot;منquot; لأن فعل الاتخاذ مشغول بأحد. وصحح آخرون هذه القراءة لفظا ومعنى وأجروها على قواعد العربية. قالوا وقد قرأ بها من لا يرتاب فى فصاحته. فقرأ بها زيد بن ثابت وأبو الدرداء وأبو جعفر ومجاهد ونصر بن علقمة ومكحول وزيد بن على وأبو رجاء والحسن وحفص بن حميد ومحمد بن على على خلاف عن بعض هؤلاء ذكر ذلك أبو الفتح ابن جنى. ثم وجهها بأن يكون quot;من أولياءquot; فى موضع الحال: أى ما كان ينبغى لنا أن نتخذ من دونك أولياء. ودخلت quot;منquot; زائدة لمكان النفى. كقولك اتخذت زيدا وكيلا فإذا نفيت قلت: ما اتخذت زيدا من وكيل. وكذلك أعطيته درهما وما أعطيته من درهم. وهذا فى المفعول فيه. قلت: يعنى أن زيادتها مع الحال كزيادتها مع المفعول. ونظير ذلك أن تقول: ما ينبغى لى أن أخدمك متثاقلا فإذا أكدت قلت: من متثاقل. فإن قيل: فقد صحت القراءتان لفظا ومعنى فأيهما أحسن قلت: قراءة الجمهور أحسن وأبلغ فى المعنى المقصود والبراءة مما لا يليق بهم فإنهم على قراءة الضم: يكونون قد نفوا حسن اتخاذ المشركين لهم أولياء وعلى قراءة الجمهور: يكونون قد أخبروا أنهم لا يليق بهم ولا يحسن منهم أن يتخذوا وليا من دونه بل أنت وحدك ولينا ومعبودنا فإذا لم يحسن بنا أن نشرك بك شيئا فكيف يليق بنا أن ندعو عبادك إلى أن يعبدونا من دونك وهذا المعنى أجل من الأول وأكبر فتأمله. والمقصود: أنه على القراءتين: فهذا الجواب من الملائكة ومن عبد من دون الله من أوليائه. وأما كونه من الأصنام فليس بظاهر. وقد يقال: إن الله سبحانه أنطقها بذلك تكذيبا لهم وردا عليهم وبراءة منهم كقوله: إذ تبرا الذين اتبعوا من الذين اتبعوا [البقرة: 166] . وفى الآية الأخرى تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون [القصص: 63] .(2\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "635",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1907",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم ذكر المعبودون سبب ترك العابدين الإيمان بالله تعالى: بقولهم: ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا [الفرقان: 18] . قال ابن عباس: أطلت لهم العمر وأفضلت عليهم ووسعت لهم فى الرزق. وقال الفراء: ولكنك متعتهم بالأموال والأولاد حتى نسوا ذكرك وكانوا قوما بورا: أى هلكى فاسدين قد غلب عليهم الشقاء والخذلان. والبوار: الهلاك والفساد يقال: بارت السلعة وبارت المرأة إذا كسدت ولم يحصل لها من يتزوجها. قال قتادة: والله ما نسى قوم ذكر الله عز وجل إلا باروا وفسدوا. والمعنى: ما أضللناهم ولكنهم ضلوا. قال الله تعالى فقد كذبوكم بما تقولون [الفرقان: 19] . أى كذبكم المعبودون بقولكم فيهم: إنهم آلهة وإنهم شركاء أو بما تقولون إنهم أمروكم بعبادتهم ودعوكم إليها. وقيل: الخطاب للمؤمنين فى الدنيا: أى فقد كذبكم أيها المؤمنون هؤلاء المشركون بما تقولونه مما جاء به محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن الله من التوحيد والإيمان والأول أظهر وعليه يدل السياق. ومن قرأها - آخر الحروف - فالمعنى فقد كذبوكم بقولهم ثم قال: فما تستطيعون صرفا ولا نصرا [الفرقان: 19] . إخبارا عن حالهم يومئذ وأنهم لا يستطيعون صرف العذاب عن أنفسهم ولا نصرها من الله. قال ابن زيد: ينادى مناد يوم القيامة حين يجمع الخلائق: يقول: من عبد من دون الله لا ينصر اليوم من عبده والعابد لا ينصر إلهه: بل هم اليوم مستسلمون [الصافات: 26] . فهذا حال عباد الشيطان يوم لقاء الرحمن فوا سوء حالهم حين امتيازهم عن المؤمنين إذا سمعوا النداء. وامتازوا اليوم أيها المجرمون ألم أعهد إليكم يا بنى آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدونى هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون [يس: 59 - 62] .(2\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "636",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1908",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومن تلاعبه وكيده: تلاعبه بالثنوية. وهم طائفة قالوا: الصانع اثنان ففاعل الخير نور وفاعل الشر ظلمة وهما قديمان لم يزالا ولن يزالا قويين حساسين مدركين سميعين بصيرين وهما مختلفان فى النفس والصورة متضادان فى الفعل والتدبير. فالنور فاضل حسن نقى طيب الريح حسن المنظر ونفسه خيرة كريمة حكيمة نفاعة منها الخيرات والمسرات والصلاح. وليس فيها شيء من الضرر ولا من الشر. والظلمة على ضد ذلك: من الكدر والنقص ونتن الريح وقبح المنظر ونفسها نفس شريرة بخيلة سفيهة. منتنة مضرة منها الشر والفساد. ثم اختلفوا فقالت منهم: إن النور لم يزل فوق الظلمة. وقالت فرقة: بل كل واحد منهما إلى جانب الآخر. وقالت فرقة: النور لم يزل مرتفعا فى ناحية الشمال والظلمة منحطة فى الجنوب ولم يزل كل واحد منهما مباينا لصاحبه. وزعموا أن لكل واحد منهما أربعة أبدان وخامس هو الروح. فأبدات النور الأربعة: النار والنور والريح والماء وروحه: النسيم ولم يزل يتحرك فى هذه الأبدان. وأبدان الظلمة الأربعة: الحريق والظلمة والسموم والضباب وروحها: الدخان. وسموا أبدان النور ملائكة سموا أبدان الظلمة شياطين وعفاريت. وبعضهم يقول: الظلمة تتولد شياطين والنور يتولد ملائكة والنور لا يقدر على الشر ولا يجئ منه والظلمة لا تقدر على الخير ولا يجئ منها. ولهم مذاهب سخيفة جدا.(2\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "637",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1909",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفرض عليهم صوم سبع العمر وأن لا يؤذى أحدهم ذا روح البتة. ومن شريعتهم: أن لا يدخروا إلا قوت يوم وتجنب الكذب والبخل والسحر وعبادة الأوثان والزنا والسرقة. واختلفوا: هل الظلمة قديمة أو حادثة فقالت فرقة منهم: هى قديمة لم تزل مع النور. وقالت فرقة: بل النور هو القديم ولكنه فكر فكرة رديئة حدثت منها الظلمة. فدار مذهبهم على أصلين من أبطل الباطل. أحدهما: أن شر الموجودات وأخبثها وأردأها: كفؤ لخير الموجودات وضد له ومناوئ له يعارضه ويضاده ويناقضه دائما. ولا يستطيع دفعه. وهذا أعظم من شرك عباد الأصنام الذين عبدوها لتقربهم إلى الله تعالى. فإنهم جعلوها مملوكة له مربوبة مخلوقة كما كانوا يقولون فى تلبيتهم. لبيك اللهم لبيك ... لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك ... تملكه وما ملك والأصل الثانى: أنهم نزهوا النور أن يصدر منه شر. ثم جعلوه منبع الشر كله وأصله ومولده وأثبتوا إلهين وربين وخالقين. فجمعوا بين الكفر بالله تعالى وأسمائه وصفاته ورسله وأنبيائه وملائكته وشرائعه وأشركوا به أعظم الشرك. وحكى أرباب المقالات عنهم: أن قوما منهم يقال لهم: الديصانية زعموا أن طينة العالم كانت طينة خشنة وكانت تحاكى جسم النور - الذى هو البارى عنهم - زمانا فتأذى بها. فلما طال ذلك عليه قصد تنميتها عنه فتوحل فيها واختلط بها فتركب من بينهما(2\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "638",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1910",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا العالم المشتمل على النور والظلمة فما كان من جهة الصلاح فمن النور وما كان من جهة الفساد فمن الظلمة. قال: وهؤلاء يغتالون الناس ويخقونهم ويزعمون أنهم يحسنون إليهم بذلك وأنهم يخلصون الروح النورانية من الجسد المظلم. وقال بعضهم: إن البارى سبحانه لما طالت وحدته استوحش ففكر فكرة سوء فتجسمت فكرته فاستحالت ظلمة. فحدث منها إبليس فرام البارى إبعاده عن نفسه فلم يستطع فتحرز منه بخلق الجنود والخيرات فشرع إبليس فى خلق الشر وأصل عقد مذهبهم الذى عليه خواصهم: إثبات القدماء الخمسة: البارى والزمان والخلاء والهيولى وإبليس. فالبارى خالق الخيرات وإبليس خالق الشرور. وكان محمد بن زكريا الرازى على هذا المذهب لكنه لم يثبت إبليس فجعل مكانه النفس وقال: يقدم الخمسة مع ما رشحه به من مذاهب الصابئة والدهرية والفلاسفة والبراهمة فكان قد أخذ من كل دين شر ما فيه وصنف كتابا فى إبطال النبوات ورسالة فى إبطال المعاد فركب مذهبا مجموعا من زنادقة العالم: وقال: أنا أقول: إن البارى والنفس والهيولى والمكان والزمان: قدماء وأن العالم محدث. فقيل له: فما العلة فى إحداثه فقال: إن النفس اشتهت أن تحبل فى هذا العالم وحركتها الشهوة لذلك ولم تعلم ما يلحقها من الوبال إذا حبلت فيه فاضطربت وحركت الهيولى حركات مشوشة مضطربة على غير نظام وعجزت عما أرادت فأعانها البارى على إحداث هذا العالم وحملها على النظام والاعتدال. وعلم أنها إذا ذاقت وبال ما اكتسبته عادت إلى عالمها وسكن اضطرابها وزالت شهواتها واستراحت فأحدثت هذا العالم بمعاونة البارى لها. قال: ولولا ذلك لما قدرت على إحداث هذا العالم ولولا هذه العلة لما حدث هذا العالم. ولولا أن الله سبحانه يحكى عن المشركين والكفار أقوالا أسخف من هذا وأبطل لاستحيى العاقل من حكاية مثل هذا. ولكن الله سبحانه سن لنا حكاية أقوال أعدائه.(2\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "639",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1911",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفى ذلك من قوة الإيمان وظهور جلالته ومعرفة قدره وتمام نعمة الله تعالى على أهله به ومعرفة قدر خذلانه للعبد وإلى أى شيء يصيره الخذلان حتى يصير ضحكة لكل عاقل. فأى ضلال وأى خذلان أعجب من أن يفنى عمره فى النظر والبحث. وهذا غاية علمه بالله عز وجل وبالمبدإ والمعاد فصل والمجوس تعظم الأنوار والنيران والماء والأرض. ويقرون بنبوة زرادشت. ولهم شرائع يصيرون إليها. وهم فرق شتى. منهم: المزدكية أصحاب مزدك الموبذ. والموبذ عندهم: العالم القدوة. وهؤلاء يرون الاشتراك فى النساء والمكاسب كما يشترك فى الهواء والطرق وغيرها. ومنهم الخرمية: أصحاب بابك الخرمى. وهم شر طوائفهم لا يقرون بصانع ولا(2\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "640",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1912",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معاد ولا نبوة ولا حلال ولا حرام. وعلى مذهبهم: طوائف القرامطة والإسماعيلية والنصيرية والبشكية والدرزية والحاكمية وسائر العبيدية الذين(2\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "641",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1913",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يسمون أنفسهم الفاطمية وهم من أكفر الكفار كما ستأتى ترجمتهم. فكل هؤلاء يجمعهم هذا المذهب ويتفاوتون فى التفصيل. فالمجوس شيوخ هؤلاء كلهم وأئمتهم وقدوتهم. وإن كان المجوس قد يتقيدون بأصل دينهم وشرائعهم. وهؤلاء لا يتقيدون بدين من ديانات العالم ولا بشريعة من الشرائع. ذكر تلاعبه بالصابئة هذه أمة كبيرة من الأمم الكبار. وقد اختلف الناس فيهم اختلافا كثيرا بحسب ما وصل إليهم من معرفة دينهم. وهم منقسمون إلى مؤمن وكافر. قال الله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون [البقرة: 62] . فذكرهم فى الأمم الأربعة الذين تنقسم كل أمة منهم إلى ناج وهالك.(2\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "642",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1914",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكرهم أيضا فى الأمم الستة الذين انقسمت جملتهم إلى ناج وهالك كما فى قوله: إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة [الحج: 17] . فذكر الأمتين اللتين لا كتاب لهم ولا ينقسمون إلى شقى وسعيد وهما: المجوس والمشركون - فى آية الفصل ولم يذكرهما فى آية الوعد بالجنة. وذكر الصابئين فيهما فعلم أن فيهم الشقى والسعيد. وهؤلاء كانوا قوم إبراهيم الخليل. وهم أهل دعوته. وكانوا بحران فهى دار الصابئة. وكانوا قسمين صابئة حنفاء وصابئة مشركين والمشركون منهم يعظمون الكواكب السبعة والبروج الاثنى عشر ويصورونها فى هياكلهم. ولتلك الكواكب عندهم هياكل مخصوصة وهى المتعبدات الكبار كالكنائس للنصارى والبيع لليهود. فلهم هيكل كبير للشمس وهيكل للقمر وهيكل للزهرة وهيكل للمشترى وهيكل للمريخ وهيكل لعطادر وهيكل لزحل وهيكل للعلة الأولى. ولهذه الكواكب عندهم عبادات ودعوات مخصوصة. ويصورونها فى تلك الهياكل. ويتخذون لها أصناما تخصها ويقربون لها القرابين. ولها صلوات خمس فى اليوم والليلة نحو صلوات المسلمين. وطوائف منهم يصومون شهر رمضان ويستقبلون فى صلواتهم الكعبة ويعظمون مكة ويرون الحج إليها ويحرمون الميتة والدم ولحم الخنزير ويحرمون من القرابات فى النكاح ما يحرمه المسلمون.(2\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "643",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1915",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعلى هذا المذهب كان جماعة من أعيان الدولة ببغداد منهم هلال بن المحسن الصابئ صاحب الديوان الإنشائى وصاحب الرسائل المشهورة. وكان يصوم مع المسلمين ويعيد معهم ويزكى ويحرم المحرمات. وكان الناس يعجبون من موافقته للمسلمين وليس على دينهم. وأصل دين هؤلاء - فيما زعموا - أنهم يأخذون بمحاسن ديانات العالم ومذاهبهم ويخرجون من قبيح ما هم عليه قولا وعملا ولهذا سموا صابئة أى خارجين. فقد خرجوا عن تقيدهم بجملة كل دين وتفصيله إلا ما رأوه فيه من الحق. وكانت كفار قريش تسمى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الصابئ وأصحابه الصبأة يقال: صبأ الرجل بالهمز إذا خرج من شيء إلى شيء. وصبا يصبو إذا مال ومنه قوله: وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن [يوسف: 33] . أى أمل. والمهموز والمعتل يشتركان. فالمهوز: ميل عن الشيء. والمعتل: ميل إليه واسم الفاعل من المهموز: صابئ بوزن قارئ ومن المعتل: صاب بوزن قاض وجمع الأول: صابئون كقارئون وجمع الثانى: صابون كقاضون وقد قرئ بهما. والمقصود: أن هذه الأمة قد شاركت جميع الأمم وفارقتهم فالحنفاء منهم شاركوا أهل الإسلام فى الحنيفية. والمشركون منهم شاركوا عباد الأصنام ورأوا أنهم على صواب. وأكثر هذه الأمة فلاسفة. والفلاسفة يأخذون من كل دين - بزعمهم - محاسن ما دلت عليه العقول. وعقلاؤهم يوجبون اتباع الأنبياء وشرائعهم. وبعضهم لا يوجب ذلك ولا يحرمه. وسفهاؤهم وسفلتهم يمنعون ذلك. كما سيأتى ذكر تلاعب الشيطان بهم بعد هذا.(2\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "644",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1916",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولهذا لم يكن هؤلاء الفلاسفة ولا الصابئة من الأمم المستقلة التى لها كتاب ونبى وإن كانوا من أهل دعوة الرسل. فما من أمة إلا وقد أقام الله سبحانه عليها حجته وقطع عنها حجتها. لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [النساء: 165] . وتكون حجته عليهم. والمقصود: أن الصابئة فرق. صابئة حنفاء وصابئة مشركون وصابئة فلاسفة وصابئة يأخذون بمحاسن ما عليه أهل الملل والنحل من غير تقيد بملة ولا نحلة. ثم منهم من يقر بالنبوات جملة ويتوقف فى التفصيل ومنهم من يقر بها جملة وتفضيلا ومنهم من ينكرها جملة وتفصيلا. وهم يقرون أن للعالم صانعا فاطرا حكيما مقدسا عن العيوب والنقائص. ثم قال المشركون منهم: لا سبيل لنا إلى الوصول إلى جلاله إلا بالوسائط. فالواجب علينا أن نتقرب إليه بتوسطات الروحانيات القريبة منه. وهم الروحانيون المقربون المقدسون عن المواد الجسمانية وعن القوى الجسدانية بل قد جبلوا على الطهارة فنحن نتقرب إليهم ونتقرب بهم إليه فهم أربابنا وآلهتنا وشفعاؤنا عند رب الأرباب وإله الآلهة. فما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. فالواجب علينا أن نطهر نفوسنا عن الشهوات الطبيعية ونهذب أخلاقنا عن علائق القوى الغضبية حتى تحصل المناسبة بيننا وبين الروحانيات وتتصل أرواحنا بهم فحينئذ نسأل حاجتنا منهم ونعرض أحوالنا عليهم ونصبوا فى جميع أمورنا إليهم فيشفعون لنا إلى إلهنا وإلههم. وهذا التطهير والتهذيب لا يحصل إلا باستمداد من جهة الروحانيات. وذلك بالتضرع والابتهال بالدعوات: من الصلوات. والزكوات وذبح القرابين والبخورات والعزائم فحينئذ يحصل لنفوسنا استعداد واستمداد من غير واسطة الرسل بل نأخذ من المعدن الذى أخذت منه الرسل. فيكون حكمنا وحكمهم واحدا: ونحن وإياهم بمنزلة واحدة. قالوا: والأنبياء أمثالنا فى النوع وشركاؤنا فى المادة وأشكالنا فى الصورة يأكلون(2\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "645",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1917",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مما نأكل ويشربون مما نشرب وما هم إلا بشر مثلنا يريدون أن يتفضلوا علينا. وزادت الاتحادية أتباع ابن عربى وابن سبعين والعفيف التلمسانى وأضرابهم على هؤلاء بما قاله شيخ الطائفة محمد بن عربى: أن الولى أعلى درجة من الرسول لأنه يأخذ من المعدن الذى يأخذ منه الملك الذى يوحى إلى الرسول فهو أعلى منه بدرجتين. فجعل هؤلاء الملاحدة أنفسهم وشيوخهم أعلى فى التلقى من الرسل بدرجتين وإخوانهم من المشركين جعلوا أنفسهم فى ذلك التلقى بمنزلة الأنبياء ولم يدعوا أنهم فوقهم. والمقصود: أن هؤلاء كفروا بالأصلين اللذين جاءت بهما جميع الرسل والأنبياء من أولهم إلى آخرهم. أحدهما: عبادة الله وحده لا شريك له. والكفر بما يعبد من دونه من إله. والثانى: الإيمان برسله وما جاءوا به من عند الله تصديقا وإقرارا وانقيادا وامتثالا. وليس هذا مختصا بمشركى الصابئة كما غلط فيه كثير من أرباب المقالات بل هذا مذهب المشركين من سائر الأمم. لكن شرك الصابئة كان من جهة الكواكب والعلويات ولذلك ناظرهم إمام الحنفاء صلوات الله وسلامه عليه فى بطلان إلهيتها بما حكاه الله سبحانه فى سورة الأنعام [74 - 83] أحسن مناظرة وأبينها ظهرت فيها حجته ودحضت حجتهم. فقال بعد أن بين بطلان إلهية الكواكب والقمر والشمس بأفولها وأن الإله لا يليق به أن يغيب ويأفل بل لا يكون إلا شاهدا غير غائب كما لا يكون إلا غالبا قاهرا غير مغلوب ولا مقهور. نافعا لعبادة يملك لعابده الضر والنفع فيسمع كلامه ويرى مكانه ويهديه ويرشده ويدفع عنه كل ما يضره ويؤذيه. وذلك ليس إلا لله وحده. فكل معبود سواه باطل. فلما رأى إمام الحنفاء أن الشمس والقمر والكواكب ليست بهذه المثابة صعد منها إلى فاطرها وخالقها ومبدعها فقال: إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض حنيفا [الأنعام: 79] . وفى ذلك إشارة إلى أنه سبحانه خالق أمكنتها ومحالها التى هى مفترة إليها ولا قوام لها إلا بها فهى محتاجة إلى محل تقوم به وفاطر يخلقها ويدبرها ويربها. والمحتاج المخلوق المربوب المدبر لا يكون إلها. فحاجة قومه فى الله ومن حاج فى عبادة الله فحجته داحضة. فقال(2\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "646",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1918",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إبراهيم عليه السلام: أتحاجونى فى الله وقد هدان [الأنعام: 80] . وهذا من أحسن الكلام أى أتريدون أن تصرفونى عن الإقرار بربى وبتوحيده وعن عبادته وحده وتشككونى فيه. وقد أرشدنى وبين لى الحق حتى استبان لى كالعيان وبين لى بطلان الشرك وسوء عاقبته وأن آلهتكم لا تصلح للعبادة وأن عبادتها توجب لعابديها غاية الضرر فى الدنيا والآخرة فكيف تريدون منى أن أنصرف عن عبادته وتوحيده إلى الشرك به وقد هدانى إلى الحق وسبيل الرشاد فالمحاجة والمجادلة إنما فائدتها طلب الرجوع والانتقال من الباطل إلى الحق ومن الجهل إلى العلم ومن العمى إلى الإبصار ومجادلتكم إياى فى الإله الحق الذى كل معبود سواه باطل تتضمن خلاف ذلك. فخوفوه بآلهتهم أن تصيبه بسوء كما يخوف المشرك الموحد بإلهه الذى يأله مع الله أن يناله بسوء فقال الخليل: ولا أخاف ما تشركون به [الأنعام: 80] . فإن آلهتكم أقل وأحقر من أن تضر من كفر بها وجحد عبادتها ثم رد الأمر إلى مشيئة الله وحده وأنه هو الذى يخاف ويرجى. فقال: إلا أن يشاء ربى شيئا [الأنعام: 80] . وهذا استثناء منقطع. والمعنى: لا أخاف آلهتكم فإنها لا مشيئة لها ولا قدرة لكن إن شاء ربى شيئا نالنى وأصابنى لا آلهتكم التى لا تشاء ولا تعلم شيئا وربى له المشيئة النافذة وقد وسع كل شيء علما. فمن أولى بأن يخاف ويعبد: هو سبحانه أم هى ثم قال أفلا تتذكرون [الأنعام: 80] . فتعلمون ما أنتم عليه من إشراك من لا مشيئة له ولا يعلم شيئا ممن له المشيئة التامة والعلم التام. ثم قال وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانآ [الأنعام: 81] . وهذا من أحسن قلب الحجة وجعل حجة المبطل بعينها دالة على فساد قوله وبطلان مذهبه. فإنهم خوفوه بآلهتهم التى لم ينزل الله عليهم سلطانا بعبادتها. وقد تبين بطلان إلهيتها ومضرة عبادتها. ومع هذا فلا تخافون شرككم بالله وعبادتكم معه آلهة أخرى فأى الفريقين أحق بالأمن وأولى بأن لا يلحقه الخوف فريق الموحدين أم فريق المشركين(2\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "647",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1919",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فحكم الله سبحانه بين الفريقين بالحكم العدل الذى لا حكم أصح منه. فقال: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم - أى بشرك - أولئك لهم الأمن وهم مهتدون [الأنعام: 82] . ولما نزلت هذه الآية شق أمرها على الصحابة وقالوا: يا رسول الله quot;وأينا لم يظلم نفسه فقال إنما هو الشرك: ألم تسمعوا قول العبد الصالح: إن الشرك لظلم عظيم [لقمان: 13] quot;. فحكم سبحانه للموحدين بالهدى والأمن وللمشركين بضد ذلك وهو الضلال والخوف ثم قال: وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم [الأنعام: 83] . قال أبو محمد بن حزم: وكان الذى ينتحله الصابئون أقدم الأديان على وجه الدهر والغالب على الدنيا إلى أن أحدثوا الحوادث وبدلوا شرائعه. فبعث الله إليهم إبراهيم خليله بدين الإسلام الذى نحن عليه اليوم وتصحيح ما أفسدوه وبالحنيفية السمحة التى أتانا بها محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من عند الله تعالى. وكانوا فى ذلك الزمان وبعده يسمون الحنفاء. قلت: هم قسمان: صابئة مشركون وصابئة حنفاء وبينهم مناظرات. وقد حكى الشهرستانى بعض مناظراتهم فى كتابه. فصل فى ذكر تلاعبه بالدهرية وهؤلاء قوم عطلوا المصنوعات عن صانعها وقالوا ما حكاه الله عنهم. وقالوا ما هى حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر [الجاثية: 24] . وهؤلاء فرقتان. فرقة قالت: إن الخالق سبحانه لما خلق الأفلاك متحركة أعظم حركة دارت عليه فأحرقته ولم يقدر على ضبطها وإمساك حركاتها.(2\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "648",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1920",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ".. وفرقة قالت: إن الأشياء ليس لها أول البتة وإنما تخرج من القوة إلى الفعل. فإذا خرج ما كان بالقوة إلى الفعل تكونت الأشياء: مركباتها وبسائطها من ذاتها لا من شيء آخر. وقالوا: إن العالم دائم لم يزل ولا يزال لا يتغير ولا يضمحل ولا يجوز أن يكون المبدع يفعل فعلا يبطل ويضمحل إلا وهو يبطل ويضمحل مع فعله وهذا العالم هو الممسك لهذه الأجزاء التى فيه. وهؤلاء هم المعطلة حقا وهم فحول المعطلة وقد سرى هذا التعطيل إلى سائر فرق المعطلة على اختلاف آرائهم وتباينهم فى التعطيل كما سرى داء الشرك تأصيلا وتفصيلا فى سائر فرق المشركين على اختلاف مذاهبهم فيه وكما سرى جحد النبوات تأصيلا وتفصيلا فى سائر من جحد النبوة أو صفة من صفاتها أو أقر بها جملة وجحد مقصودها وزبدتها أو بعضه. فهذه الفرق الثلاثة سرى داؤها وبلاؤها فى الناس ولم ينج منه إلا أتباع الرسول العارفون بحقيقة ما جاء به المتمسكون به دون ما سواه ظاهرا وباطنا. فداء التعطيل وداء الإشراك وداء مخالفة الرسول وجحد ما جاء به أو شيء منه: هو أصل بلاء العالم ومنبع كل شر وأساس كل باطل. فليست فرقة من فرق أهل الإلحاد والباطل والبدع إلا وقولها مشتق من هذه الأصول الثلاثة أو من بعضها. فإن تنج منها تنج من ذى عظيمة ... وإلا فإنى لا أظنك ناجيا فصل فسرت هذه البلايا الثلاثة فى كثير من طوائف الفلاسفة لا فى جميعهم. فإن الفلسفة من حيث هى لا تعطى ذلك. فإن معناها محبة الحكمة والفيلسوف أصله quot;فيلاسوفاquot; أى محب الحكمة quot;ففيلاquot; هى المحب quot;وسوفاquot; هى الحكمة. والحكمة نوعان: قولية وفعلية. فالقولية: قول الحق والفعلية. فعل الصواب وكل طائفة من الطوائف لهم حكمة يتقيدون بها. وأصح الطوائف حكمة: من كانت حكمتهم أقرب إلى حكمة الرسل التى جاءوا بها عن الله(2\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "649",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1921",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى. قال تعالى عن نبيه داود عليه السلام: وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب [ص: 20] . وقال عن المسيح عليه السلام: ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل [آل عمران: 48] . وقال عن يحيى عليه السلام: وآتيناه الحكم صبيا [مريم: 12] . والحكم: هو الحكمة وقال لرسوله محمد صلى الله تعالى عليه وسلم: وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة [النساء: 113] وقال يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا [البقرة: 269] . وقال لأهل بيت رسوله: واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من آيات الله والحكمة [الأحزاب: 33] . فالحكمة التى جاءت بها الرسل: هى الحكمة الحق المتضمنة للعلم النافع والعمل الصالح للهدى ودين الحق لإصابة الحق اعتقادا وقولا وعملا. وهذه الحكمة فرقها الله سبحانه بين أنبيائه ورسله وجمعها لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم كما جمع له من المحاسن ما فرقه فى الأنبياء قبله وجمع فى كتابه من العلوم والأعمال ما فرقه فى الكتب قبله. فلو جمعت كل حكمة صحيحة فى العالم من كل طائفة لكانت فى الحكمة التى أوتيها صلوات الله وسلامه عليه جزاء يسيرا جدا لا يدرك البشر نسبته. والمقصود: أن الفلاسفة اسم جنس لمن يحب الحكمة ويؤثرها. وقد صار هذا الاسم فى عرف كثير من الناس مختصا بمن خرج عن ديانات الأنبياء ولم يذهب إلا إلى ما يقتضيه العقل فى زعمه. وأخص من ذلك: أنه فى عرف المتأخرين اسم لأتباع إرسطو وهم المشاؤون خاصة. وهم الذين هذب ابن سينا طريقتهم وبسطها وقررها وهى التى يعرفها بل لا يعرف سواها المتأخرون من المتكلمين. وهؤلاء فرقة شاذة من فرق الفلاسفة ومقالتهم واحدة من مقالات القوم حتى قيل: إنه ليس فيهم من يقول بقدم الأفلاك غير إرسطو وشيعته فهو أول من عرف أنه قال بقدم هذا العالم. والأساطين قبله كانوا يقولون بحدوثه وإثبات الصانع ومباينته للعالم وأنه فوق(2\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "650",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1922",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العالم وفوق السماوات بذاته كما حكاه عنهم أعلم الناس فى زمانه بمقالاتهم: أبو الوليد بن رشد فى كتابه quot;مناهج الأدلةquot;. فقال فيه: quot;القول فى الجهةquot; وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلة ثم تبعهم على نفيها متأخروا الأشعرية كأبى المعالى ومن اقتدى بقوله - إلى أن قال -: والشرائع كلها مبنية على أن الله فى السماء وأن منه تنزل الملائكة بالوحى إلى النبيين وأن من السماوات نزلت الكتب وإليها كان الإسراء بالنبى صلى الله عليه وسلم حتى قرب من سدرة المنتهى. وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة فى السماء كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك. ثم ذكر تقرير ذلك بالمعقول وبين بطلان الشبهة التى لأجلها نفتها الجهمية ومن وافقهم إلى أن قال: فقد ظهر لك من هذا أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل وأنه الذى جاء به الشرع وانبنى عليه وأن إبطال هذه القاعدة إبطال للشرائع. فقد حكى لك هذا المطلع على مقالات القوم الذى هو أعرف بالفلسفة من ابن سينا وأضرابه: إجماع الحكماء على أن الله سبحانه فى السماء فوق العالم. والمتطفلون فى حكايات مقالات الناس لا يحكون ذلك إما جهلا وإما عمدا وأكثر من رأيناه يحكى مذاهبهم ومقالات الناس يتطفل. وكذلك الأساطين منهم متفقون على إثبات الصفات والأفعال وحدوث العالم وقيام الأفعال الاختيارية بذاته سبحانه كما ذكره فيلسوف الإسلام فى وقته أبو البركات البغدادى وقرره غاية التقرير. وقال: لا يستقيم كون الرب سبحانه رب العالمين إلا بذلك وأن نفى هذه المسألة ينفى ربوبيته. قال: والإجلال من هذا الإجلال والتنزيه من هذا التنزيه أولى.(2\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "651",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1923",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وكذلك كان أساطينهم ومتقدموهم العارفون فيهم معظمين للرسل والشرائع موجبين لاتباعهم خاضعين لأقوالهم معترفين بأن ما جاءوا به آخر وراء طور العقل وأن عقول الرسل وحكمتهم فوق عقول العالمين وحكمتهم. وكانوا لا يتكلمون فى الإلهيات ويسلمون باب الكلام فيها إلى الرسل ويقولون: علومنا إنما هى الرياضيات والطبيعيات وتوابعها. وكانوا يقرون بحدوث العالم. وقد حكى أرباب المقالات أن أول من عرف عنه القول بقدم هذا العالم إرسطو. وكان مشركا يعبد الأصنام. وله فى الإلهيات كلام كله خطأ من أوله إلى آخره فقد تعقبه بالرد عليه طوائف المسلمين حتى الجهمية والمعتزلة والقدرية والرافضة وفلاسفة الإسلام أنكروه عليه وجاء فيه بما يسخر منه العقلاء. وأنكر أن يكون الله سبحانه يعلم شيئا من الموجوادت وقرر ذلك بأنه لو علم شيئا لكمل بمعلوماته ولم يكن كاملا فى نفسه وبأنه كان يلحقه التعب والكلال من تصور المعلومات. فهذا غاية عقل هذا المعلم والأستاذ. وقد حكى ذلك أبو البركات وبالغ فى إبطال هذه الحجج وردها. فحقيقة ما كان عليه هذا المعلم لأتباعه: الكفر بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ودرج على أثره أتباعه من الملاحدة ممن يتستر باتباع الرسل وهو منحل من كل ما جاءوا به. وأتباعه يعظمونه فوق ما يعظم به الأنبياء ويرون عرض ما جاءت به الأنبياء على كلامه فما وافقه منها قلبوه وما خالفه لم يعبأوا به شيئا. ويسمونه المعلم الأول لأنه أول من وضع لهم التعاليم المنطقية كما أن الخليل بن أحمد أول من وضع عروض الشعر.(2\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "652",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1924",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وزعم إرسطو وأتباعه أن المنطق ميزان المعانى كما أن العروض ميزان الشعر. وقد بين نظار الإسلام فساد هذا الميزان وعوجه وتعويجه للعقول وتخبيطه للأذهان. وصنفوا فى رده وتهافته كثيرا. وآخر من صنف فى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ألف فى رده وإبطاله كتابين كبيرا وصغيرا بين فيه تناقضه وتهافته وفساد كثير من أوضاعه. ورأيت فيه تصنيفا لأبى سعيد السيرافى. والمقصود: أن الملاحدة درجت على أثر هذا المعلم الأول حتى انتهت نوبتهم إلى معلمهم الثانى: أبى نصر الفارابى. فوضع لهم التعاليم الصوتية كما أن المعلم الأول وضع لهم التعاليم الحرفية ثم وسع الفارابى الكلام فى صناعة المنطلق وبسطها وشرح فلسفة إرسطو وهذبها وبالغ فى ذلك. وكان على طريقة سلفه: من الكفر بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. فكل فيلسوف لا يكون عند هؤلاء كذلك فليس بفيلسوف فى الحقيقة. وإذا رأوه مؤمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه متقيدا بشريعة الإسلام نسبوه إلى الجهل والغباوة. فإن كان ممن لا يشكون فى فضيلته ومعرفته نسبوه إلى التلبيس والتنميس بناموس الدين استمالة لقلوب العوام. فالزندقة والإلحاد عند هؤلاء جزء من مسمى الفضيلة أو شرط. ولعل الجاهل يقول: إنا تحاملنا عليهم فى نسبة الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله إليهم. وليس هذا من جهلة بمقالات القوم وجهلة بحقائق الإسلام ببعيد. فاعلم أن الله - سبحانه وتعالى عما يقولون عندهم كما قرره أفضل متأخريهم ولسانهم وقدوتهم الذى يقدمونه على الرسل: أبو على بن سينا: هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق. وليس له عندهم صفة ثبوتية تقوم به ولا يفعل شيئا باختياره البتة ولا يعلم شيئا من الموجوادت أصلا لا يعلم عدد الأفلاك ولا شيئا من المغيبات. ولا له كلام يقوم به ولا صفة. ومعلوم أن هذا إنما هو خيال مقدر فى الذهن لا حقيقة له وإنما غايته أن يفرضه الذهن(2\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "653",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1925",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويقدره كما يفرض الأشياء المقدرة وليس هذا هو الرب الذى دعت إليه الرسل وعرفته الأمم بل بين هذا الرب الذى دعت إليه الملاحدة وجردته عن الماهية وعن كل صفة ثبوتية وكل فعل اختيارى وأنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا مباين له ولا فوقه ولا تحته ولا أمامه ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن شماله - وبين رب العالمين وإله المرسلين ومن الفرق ما بين الوجود والعدم والنفى والإثبات. فأى موجود فرض كان أكمل من هذا الإله الذى دعت إليه الملاحدة ونحتته أفكارهم بل منحوت الأيدى من الأصنام له وجود وهذا الرب ليس له وجود ويستحيل وجوده إلا فى الذهن. هذا وقول هؤلاء الملاحدة أصلح من قول معلمهم الأول إرسطو. فإن هؤلاء أثبتوا وجودا واجبا ممكنا هو معلول له وصادر عنه صدور المعلول عن العلة وأما إرسطو فلم يثبته إلا من جهة كونه مبدأ عقليا للكثرة وعلة غائية لحركة الفلك فقط وصرح بأنه لا يعقل شيئا ولا يفعل باختياره. وأما هذا الذى يوجد فى كتب المتأخرين من حكاية مذهبه فإنما هو من وضع ابن سينا. فإنه قرب مذهب سلفه الملاحدة من دين الإسلام بجهده وغاية ما أمكنه أن قربه من أقوال الجهمية الغالين فى التجهم فهم فى غلوهم فى تعطيلهم ونفيهم أشد مذهبا وأصح قولا من هؤلاء. فهذا ما عند هؤلاء من خبر الإيمان بالله عز وجل. وأما الإيمان بالملائكة فهم لا يعرفون الملائكة ولا يؤمنون بهم. وإنما الملائكة عندهم ما يتصوره النبى بزعمهم فى نفسه من أشكال نورانية هى العقول عندهم وهى مجردات ليست داخل العالم ولا خارجه ولا فوق السماوات ولا تحتها ولا هى أشخاص تتحرك ولا تصعد ولا تنزل ولا تدبر شيئا ولا تتكلم ولا تكتب أعمال العبد ولا لها إحساس ولا حركة البتة ولا تنتقل من مكان إلى مكان ولا تصف عند ربها ولا تصلى ولا لها تصرف فى أمر العالم البتة فلا تقبض نفس العبد ولا تكتب رزقه وأجله وعمله ولا عن اليمين وعن الشمال قعيد كل هذا لا حقيقة له عندهم البتة. وربما تقرب بعضهم إلى الإسلام فقال: الملائكة هى القوى الخيرة الفاضلة التى فى العبد. والشياطين هى القوى الشريرة الرديئة هذا إذا تقربوا إلى الإسلام وإلى الرسل.(2\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "654",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1926",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الكتب فليس لله عندهم كلام أنزله إلى الأرض بواسطة الملك فإنه ما قال شيئا ولا يقول ولا يجوز عليه الكلام. ومن تقرب منهم إلى المسلمين يقول: الكتب المنزلة فيض فاض من العقل الفعال على النفس المستعدة الفاضلة الزكية فتصورت تلك المعانى وتشكلت فى نفسه بحيث توهمها أصواتا تخاطبه وربما قوى الوهم حتى يراها أشكالا نورانية تخاطبه وربما قوى ذلك حتى يخيلها لبعض الحاضرين فيرونها ويسمعون خطابها ولا حقيقة لشيء من ذلك فى الخارج. وأما الرسل والأنبياء. فللنبوة عندهم ثلاث خصائص من استكملها فهو نبى: أحدها: قوة الحدس بحيث يدرك الحد الأوسط بسرعة. الثانية: قوة التخيل والتخييل بحيث يتخيل فى نفسه أشكالا نورانية تخاطبه ويسمع الخطاب منها ويخيلها إلى غيره. الثالثة: قوة التأثير بالتصرف فى هيولى العالم. وهذا يكون عندهم بتجرد النفس عن العلائق واتصالها بالمفارقات من العقول والنفوس المجردة. وهذه الخصائص تحصل بالاكتساب. ولهذا طلب النبوة من تصوف على مذهب هؤلاء كابن سبعين وابن هود وأضرابهما. والنبوة عند هؤلاء صنعة من الصنائع بل من أشرف الصنائع كالسياسة بل هى سياسة العامة وكثير منهم لا يرضى بها ويقول: الفلسفة: نبوة الخاصة. والنبوة: فلسفة العامة. وأما الإيمان باليوم الآخر. فهم لا يقرون بانفطار السماوات وانتثار الكواكب وقيامة الأبدان ولا يقرون بأن الله خلق السماوات والأرض فى ستة أيام وأوجد هذا العالم بعد عدمه. فلا مبدأ عندهم ولا معاد ولا صانع ولا نبوة ولا كتب نزلت من السماء تكلم الله بها ولا ملائكة تنزلت بالوحى من الله تعالى. فدين اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل خير وأهون من دين هؤلاء. وحسبك جهلا بالله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله من يقول: إنه سبحانه لو علم الموجودات لحقه الكلال والتعب واستكمل بغيره. وحسبك خذلانا وضلالا وعمى: السير خلف هؤلاء وإحسان الظن بهم وأنهم أولو العقول.(2\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "655",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1927",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحسبك عجبا من جهلهم وضلالهم: ما قالوه فى سلسلة الموجودات وصدور العالم عن العقول والنفوس إلى أن أنهوا صدور ذلك إلى واحد من كل جهة لا علم له بما صدر عنه ولا قدرة له عليه ولا إرادة وأنه لم يصدر عنه إلا واحد. فذلك الصادر إن كان فيه كثرة بوجه ما فقد بطل ما أصلوه وإن لم يكن فيه كثرة البتة لزم أن لا يصدر عنه إلا واحد مثله وتكثر الموجودات وتعددها يكذب هذا الرأى الذى هو ضحكة للعقلاء وسخرية لأولى الألباب مع أن هذا كله من تخليط ابن سينا وإرادته تقريب هذا المذهب من الشرائع وهيهات. وإلا فالمعلم الأول لم يثبت صانعا للعالم البتة. والرجل معطل مشرك جاحد للنبوات والمعاد لا مبدأ عنده ولا معاد ولا رسول ولا كتاب والرازى وفروخه لا يعرفون مذهب الفلاسفة غير طريقه. ومذاهبهم وآراؤهم كثيرة جدا قد حكاها أصحاب المقالات كالأشعرى فى مقالاته الكبيرة وأبى عيسى الوراق والحسن بن موسى النوبختى. وأبو الوليد بن رشد يحكى مذهب إرسطو غير ما حكاه ابن سينا ويغلطه فى كثير من المواضع. وكذلك أبو البركات البغدادى يحكى نفس كلامه على غير ما يحكيه ابن سينا. فصل والفلاسفة لا تختص بأمة من الأمم بل هم موجودون فى سائر الأمم وإن كان المعروف عند الناس الذين اعتنوا بحكاية مقالاتهم: هم فلاسفة اليونان. فهم طائفة من طوائف الفلاسفة وهؤلاء أمة من الأمم لهم مملكة وملوك وعلماؤهم فلاسفتهم ومن ملوكهم الإسكندر المقدونى. وهو ابن فيلبس. وليس هو بالإسكندر ذى القرنين الذى قص الله(2\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "656",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1928",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى نبأه فى القرآن بل بينهما قرون كثيرة وبينهما فى الدين أعظم تباين. فذو القرنين كان رجلا صالحا موحدا لله تعالى يؤمن بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وكان يغزو عباد الأصنام وبلغ مشارق الأرض ومغاربها وبنى السد بين الناس وبين يأجوج ومأجوج. وأما هذا المقدونى فكان مشركا يعبد الأصنام هو وأهل مملكته. وكان بينه وبين المسيح نحو ألف سنة وستمائة سنة. والنصارى تؤرخ له. وكان إرسطاطاليس وزيره وكان مشركا يعبد الأصنام. وهو الذى غزا دارا بن دارا ملك الفرس فى عقر داره فثل عرشه ومزق ملكه وفرق جمعه ثم دخل إلى الصين والهند وبلاد الترك فقتل وسبى. وكان لليونانيين فى دولته عز وسطوة بسبب وزيره إرسطو فإنه كان مشيره ووزيره ومدبر مملكته. وكان بعده لليونان عدة ملوك يعرفون بالبطالسة وأحدهم بطليموس كما إن كسرى ملك الفرس وقيصر ملك الروم. ثم غلبهم الروم واستولوا على ممالكهم فصاروا رعية لهم وانقرض ملكهم فصارت المملكة للروم وصارت المملكة واحدة. وهم على شركهم من عبادة الأصنام وهو دينهم الظاهر ودين آبائهم فنشأ فيهم سقراط أحد تلامذة فيثاغورس وكان من عبادهم ومتألهيهم وجاهرهم بمخالفتهم فى عبادة الأصنام وقابل رؤساءهم بالأدلة والحجج على بطلان عبادتها فثار عليه العامة واضطروا الملك إلى قتله فأودعه السجن ليكفهم عنه ثم لم يرض المشركون إلا بقتله فسقاه السم خوفا من شرهم بعد مناظرات طويلة جرت له معهم. ومذهبه فى الصفات قريبا من مذهب أهل الإثبات فقال: إنه إله كل شيء وخالقه(2\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "657",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1929",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومقدره. وهو عزيز أى منيع ممتنع أن يضام وحكيم أى محكم أفعاله على النظام. وقال: إن علمه وقدرته ووجوده وحكمته بلا نهاية لا يبلغ العقل أن يصفها. وقال: إن تناهى المخلوقات بحسب احتمال القوابل لا بحسب الحكمة والقدرة فلما كانت المادة لا تحتمل صورا بلا نهاية تناهت الصور لا من جهة بخل فى الواهب بل لقصور فى المادة. قال: وعن هذا اقتضت الحكمة الإلهية أنها وإن تناهت ذاتا وصورة وحيزا ومكانا. إلا أنها لا تتناهى زمانا فى آخرها لا من نحو أولها فاقتضت الحكمة استبقاء الأشخاص باستبقاء الأنواع وذلك بتجدد أمثالها ليحفظ الأشخاص ببقاء الأنواع ويستبقى الأنواع بتجدد الأشخاص. فلا تبلغ القدرة إلى حد النهاية ولا الحكمة تقف على غاية. ومن مذهبه: أن أخص ما يوصف به الرب سبحانه هو كونه حيا قيوما لأن العلم والقدرة والجود والحكمة تندرج تحت كونه حيا قيوما فهما صفتان جامعتان للكل. وكان يقول: هو حى ناطق من جوهره أى من ذاته وحياته ونطقنا وحياتنا لا من جوهرنا ولهذا يتطرق إلى حياتنا ونطقنا العدم والدثور والفساد ولا يتطرق ذلك إلى حياته ونطقه. وكلامه فى المعاد والصفات والمبدأ أقرب إلى كلام الأنبياء من كلام غيره. وبالجملة فهو أقرب القوم إلى تصديق الرسل ولهذا قتله قومه. وكان يقول: إذا أقبلت الحكمة خدمت الشهوات العقول وإذا أدبرت خدمت العقول الشهوات. وقال: لا تكرهوا أولادكم على آثاركم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم. وقال: ينبغى أن يغتم بالحياة ويفرح بالموت لأن الإنسان يحيا ليموت ثم يموت ليحيا. وقال: قلوب المغرمين بالمعرفة بالحقائق منابر الملائكة. وقلوب المؤثرين للشهوات مقاعد للشياطين.(2\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "658",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1930",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: للحياة حدان: أحدهما: الأمل والآخر: الأجل. فبالأول بقاؤها وبالآخر فناؤها. وكذلك أفلاطون. كان معروفا بالتوحيد وإنكار عبادة الأصنام وإثبات حدوث العالم وكان تلميذ سقراط ولما هلك سقراط قام مقامه وجلس على كرسيه. وكان يقول إن للعالم صانعا محدثا مبدعا أزليا واجبا بذاته عالما بجميع المعلومات. قال: وليس فى الوجود رسم ولا طلل إلا ومثاله عند البارى تعالى. يشير إلى وجود صور المعلومات فى علمه. فهو مثبت للصفات وحدوث العالم. ومنكر لعبادة الأصنام ولكن لم يواجه قومه بالرد عليهم وعيب آلهتهم فسكتوا عنه. وكانوا يعرفون له فضله وعمله. وصرح أفلاطون بحدوث العالم. كما كان عليه الأساطين. وحكى ذلك عنه تلميذه إرسطو. وخالفه فيه فزعم أنه قديم وتبعه على ذلك ملاحدة الفلاسفة من المنتسبين إلى الملل وغيرهم حتى انتهت النوبة إلى أبى على بن سينا فرام بجهده تقريب هذا الرأى من قول أهل الملل وهيهات اتفاق النقيضين واجتماع الضدين. فرسل الله تعالى وكتبه وأتباع الرسل فى طرف. وهؤلاء القوم فى طرف. وكان ابن سينا كما أخبر عن نفسه قال: أنا وأبى من أهل دعوة الحاكم فكان من القرامطة الباطنية الذين لا يؤمنون بمبدأ ولا معاد ولا رب خالق ولا رسول مبعوث جاء من عند الله تعالى. وكان هؤلاء الزنادقة يتسترون بالرفض ويبطنون الإلحاد المحض وينتسبون إلى أهل بيت الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. وهو وأهل بيته براء منهم نسبا ودينا وكانوا(2\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "659",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1931",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقتلون أهل العلم والإيمان ويدعون أهل الإلحاد والشرك والكفران لا يحرمون حراما ولا يحلون حلالا. وفى زمنهم ولخواصهم وضعت رسائل إخوان الصفا. ولما انتهت النوبة إلى نصير الشرك والكفر الملحد وزير الملاحدة النصير الطوسى وزير هولاكو شفا نفسه من أتباع الرسول وأهل دينه فعرضهم على السيف حتى شفا إخوانه من الملاحدة واشتفى هو فقتل الخليفة والقضاة والفقهاء والمحدثين واستبقى الفلاسفة والمنجمين والطبائعيين والسحرة. ونقل أوقاف المدارس والمساجد والربط إليهم وجعلهم خاصته وأولياءه ونصر فى كتبه قدم العالم وبطلان المعاد وإنكار صفات الرب جل جلاله: من عمله وقدرته وحياته وسمعه وبصره وأنه لا داخل العالم ولا خارجه وليس فوق العرش إله يعبد البتة. واتخذ للملاحدة مدارس ورام جعل إشارات إمام الملحدين ابن سينا مكان القرآن فلم يقدر على ذلك. فقال: هى قرآن الخواص. وذاك قرآن العوام. ورام تغيير الصلاة وجعلها صلاتين فلم يتم له الأمر. وتعلم السحر فى آخر الأمر. فكان ساحرا يعبد الأصنام. وصارع محمد الشهرستانى ابن سينا فى كتاب سماه quot;المصارعةquot; أبطل فيه قوله بقدم العالم وإنكار المعاد ونفى علم الرب تعالى وقدرته وخلقه العالم فقام له نصير الإلحاد وقعد ونقضه بكتاب سماه quot;مصارعة المصارعةquot; ووقفنا على الكتابين - نصر فيه: أن الله تعالى لم يخلق السماوات والأرض فى ستة أيام. وأنه لا يعلم شيئا وأنه لا يفعل شيئا بقدرته واختياره ولا يبعث من فى القبور. وبالجملة فكان هذا الملحد هو وأتباعه من الملحدين الكافرين بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر.(2\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "660",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1932",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والفلسفة التى يقرؤها أتباع هؤلاء اليوم هى مأخوذة عنه وعن إمامه ابن سينا وبعضها عن أبى نصر الفارابى وشيء يسير منها من كلام إرسطو. وهو - مع قلته وغثاتته وركاكة ألفاظه - كثير التطويل لا فائدة فيه. وخيار ما عند هؤلاء فالذى عند مشركى العرب من كفار قريش وغيرهم خير منهم فإنهم يدأبون حتى يثبتوا واجب الوجود ومع إثباتهم له فهو عندهم وجود مطلق لا صفة له ولا نعت ولا فعل يقوم به لم يخلق السماوات والأرض بعد عدمهما ولا له قدرة على فعل ولا يعلم شيئا. وعباد الأصنام كانوا يثبتون ربا خالقا مبدعا عالما قادرا حيا ويشركون به فى العبادة فنهاية أمر هؤلاء الوصول إلى شيء برز عليهم فيه عباد الأصنام وهم فرق شتى لا يحصيهم إلا الله عز وجل. وأحصى المعتنون بمقالات الناس منهم اثنتى عشرة فرقة كل فرقة منها مختلفة اختلافا كثيرا عن الأخرى. فمنهم أصحاب الرواق وأصحاب الظلة والمشاؤون وهم شيعة إرسطو. وفلسفتهم هى الدائرة اليوم بين الناس وهى التى يحكيها ابن سينا والفارابى وابن خطيب الرى وغيرهم. ومنهم الفيثاغورية والأفلاطونية ولا تكاد تجد منهم اثنين متفقين على رأى واحد بل قد تلاعب بهم الشيطان كتلاعب الصبيان بالكرة. ومقالاتهم أكثر من أن نذكرها على التفصيل. وبالجملة: فملاحدتهم هم أهل التعطيل المحض. فإنهم عطلوا الشرائع وعطلوا المصنوع عن الصانع وعطلوا الصانع عن صفات كماله وعطلوا العالم عن الحق الذى خلق له ربه فعطلوه عن مبدئه ومعاده وعن فاعله وغايته. ثم سرى هذا الداء منهم فى الأمم وفى فرق المعطلة. فكان منهم إمام المعطلين فرعون فإنه أخرج التعطيل إلى العمل وصرح به وأذن به بين قومه ودعا إليه وأنكر أن يكون لقومه إله غيره. وأنكر أن يكون الله تعالى(2\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "661",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1933",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فوق سماواته على عرشه وأن يكون كلم عبده موسى تكليما وكذب موسى فى ذلك وطلب من وزيره هامان أن يبنى له صرحا ليطلع - بزعمه - إلى إله موسى عليه السلام وكذبه فى ذلك فاقتدى به كل جهمى. فكذب أن يكون الله مكلما متكلما أو أن يكون فوق سماواته على عرشه بائنا من خلقه على العرش استوى ودرج قومه وأصحابه على ذلك حتى أهلكهم الله تعالى بالغرق وجعلهم عبرة لعباده المؤمنين ونكالا لأعدائه المعطلين. ثم استمر الأمر على عهد نبوة موسى كليم الرحمن على التوحيد وإثبات الصفات وتكليم الله لعبده موسى تكليما إلى أن توفى موسى عليه السلام ودخل الداخل على بنى إسرائيل ورفع التعطيل رأسه بينهم وأقبلوا على عموم المعطلة أعداء موسى عليه السلام وقدموها على نصوص التوراة فسلط الله تعالى عليهم من أزال ملكهم وشردهم من أوطانهم وسبى ذراريهم كما هى عادته سبحانه وسنته فى عباده إذا أعرضوا عن الوحى وتعوضوا عنه بكلام الملاحدة والمعطلة من الفلاسفة وغيرهم كما سلط النصارى على بلاد العرب لما ظهرت فيها الفلسفة والمنطق واشتغلوا بها فاستولت النصارى على أكثر بلادهم وأصاروهم رعية لهم وكذلك لما ظهر ذلك ببلاد المشرق سلط عليهم عساكر التتار فأبادوا أكثر البلاد الشرقية واستولوا عليها. وكذلك فى أواخر المائة الثالثة وأول الرابعة لما اشتغل أهل العراق بالفلسفة وعلوم أهل الإلحاد سلط عليهم القرامطة الباطنية فكسروا عسكر الخليفة عده مرات واستولوا على الحاج واستعرضوهم قتلا وأسرا واشتدت شوكتهم واتهم بموافقتهم فى الباطن كثير من الأعيان من الوزراء والكتاب والأدباء وغيرهم واستولى أهل دعوتهم على بلاد المعرب واستقرت دار مملكتهم بمصر وبنيت فى أيامهم القاهرة واستولوا(2\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "662",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1934",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على الشام والحجاز واليمن والمغرب وخطب لهم على منبر بغداد. والمقصود أن هذا الداء لما دخل فى بنى إسرائيل كان سبب دمارهم وزوال مملكتهم ثم بعث الله سبحانه عبده ورسوله وكلمته المسيح ابن مريم فجدد لهم الدين وبين لهم معالمه ودعاهم إلى عبادة الله وحده والتبرى من تلك الأحداث والآراء الباطلة فعادوه وكذبوه ورموه وأمه بالعظائم وراموا قتله فطهره الله تعالى منهم ورفعة إليه فلم يصلوا إليه بسوء. وأقام الله تعالى للمسيح أنصارا دعوا إلى دينه وشريعته حتى ظهر دينه على من خالفه ودخل فيه الملوك وانتشرت دعوته واستقام الأمر على السداد بعده نحو ثلاثمائة سنة. ثم أخذ دين المسيح فى التبديل والتغيير حتى تناسخ واضمحل ولم يبق بأيدى النصارى منه شيء بل ركبوا دينا بين دين المسيح ودين الفلاسفة عباد الأصنام وراموا بذلك أن يتلطفوا للأمم حتى يدخلوهم فى النصرانية فنقلوهم من عبادة الأصنام المجسدة إلى عبادة الصور التى لا ظل لها ونقلوهم من السجود للشمس إلى السجود إلى جهة المشرق ونقلوهم من القول باتحاد العاقل والمعقول والعقل إلى القول باتحاد الأب والابن وروح القدس. هذا ومعهم بقايا من دين المسيح كالختان والاغتسال من الجنابة وتعظيم السبت وتحريم الخنزير وتحريم ما حرمته التوراة إلا ما أحل لهم بنصها. ثم تناسخت الشريعة إلى أن استحلوا الخنزير وأحلوا السبت وعوضوا منه يوم الأحد وتركوا الختان والاغتسال من الجنابة وكان المسيح يصلى إلى بيت المقدس فصلوا هم إلى المشرق ولم يعظم المسيح عليه السلام صليبا قط فعظموا هم الصليب وعبدوه ولم يصم المسيح عليه السلام صومهم هذا أبدا ولا شرعه ولا أمر به البتة بل هم وضعوه على هذا العدد ونقلوه إلى زمن الربيع فجعلوا ما زادوا فيه من العدد عوضا عن نقله من الشهور الهلالية إلى الشهور الرومية وتعبدوا بالنجاسات وكان المسيح عليه السلام فى غاية الطهارة والطيب والنظافة وأبعد الخلق عن النجاسة فقصدوا بذلك تغيير دين اليهود ومراغمتهم فغيروا دين المسيح وتقربوا إلى الفلاسفة وعباد الأصنام بأن وافقوهم فى بعض الأمر ليرضوهم به وليستنصروا بذلك على اليهود. ولما أخذ دين المسيح عليه السلام فى التغيير والفساد اجتمعت النصارى عدة مجامع تزيد(2\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "663",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1935",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على ثمانين مجمعا ثم يتفرقون على الاختلاف والتلاعن يلعن بعضهم بعضا حتى قال فيهم بعض العقلاء: quot;لو اجتمع عشرة من النصارى يتكلمون فى حقيقة ما هم عليه لتفرقوا عن أحد عشر مذهباquot;. حتى جمعهم قسطنطين الملك آخر ذلك من الجزائر والبلاد وسائر الأقطار. فجمع كل بترك وأسقف وعالم فكانوا ثلاثمائة وثمانية عشر. فقال: أنتم اليوم علماء النصرانية وأكابر النصارى فاتفقوا على أمر تجتمع عليه كلمة النصرانية ومن خالفها لعنتموه وحرمتموه فقاموا وقعدوا وفكروا وقدروا واتفقوا على وضع الأمانة التى بأيديهم اليوم وكان ذلك بمدينة نيقية سنة خمس عشرة من ملك قسطنطين. وكان أحد أسباب ذلك أن بطريق الإسكندرية منع أريوس من دخول الكنيسة ولعنه فخرج أريوس إلى قسطنطين الملك مستعديا عليه ومعه أسقفان فشكوه إليه وطلبوا مناظرته بين يدى الملك فاستحضره الملك وقال لأريوس: اشرح مقالتك. فقال أريوس: أقول: إن الأب كان إذ لم يكن الابن ثم أحدث الابن فكان كلمة له إلا أنه محدث مخلوق ثم فوض الأمر إلى ذلك الابن المسمى كلمة. فكان هو خالق السماوات والأرض وما بينهما كما قال فى إنجيله إذ يقول quot;وهب لى سلطانا على السماء والأرضquot; فكان هو الخالق لهما بما أعطى من ذلك. ثم إن تلك الكلمة بعد تجسدت من مريم العذراء ومن روح القدس. فصار ذلك مسيحا واحدا. فالمسيح الآن معنيان: كلمة وجسد إلا أنهما جميعا مخلوقان.(2\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "664",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1936",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال بطريق الإسكندرية: أخبرنا: أيما أوجب علينا عندك عبادة من خلقنا أو عبادة من لم يخلقنا. فقال أريوس: بل عبادة من خلقنا. فقال: [فإن كان الابن خالقنا كما وصفت. وكان الابن مخلوقا] فعبادة الابن الذى خلقنا - وهو مخلوق - أوجب من عبادة الأب الذى ليس بمخلوق بل تصير عبادة الأب الخالق كفرا. وعبادة الابن المخلوق إيمانا [وذلك من أقبح الأقوال] . فاستحسن الملك والحاضرون مقالته وأمرهم الملك أن يلعنوا أريوس وكل من يقول مقالته. فلما انتصر البطريق قال للملك: استحضر البطارقة والأساقفة حتى يكون لنا مجمع ونصنع قصة نشرح فيها الدين ونوضحه للناس فحشرهم قسطنطين من سائر الآفاق فاجتمع عنده بعد سنة وشهرين ألفان وثمانية وأربعون أسقفا. وكانوا مختلفى الآراء متباينين فى أديانهم. فلما اجتمعوا كثر اللغط بينهم وارتفعت الأصوات وعظم الاختلاف فتعجب الملك من شدة اختلافهم. فأجرى عليهم الأنزال وأمرهم أن يتناظروا حتى يعلم(2\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "665",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1937",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدين الصحيح مع من منهم. فطالت المناظرة بينهم. فاتفق منهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا على رأى واحد. فناظروا بقية الأساقفة فظهروا عليهم. فعقد الملك لهؤلاء الثلاثمائة والثمانية عشر مجلسا خاصا وجلس فى وسطه وأخذ خاتمه وسيفه وقضيبه فدفعها إليهم وقال لهم: قد سلطتكم على المملكة. فاصنعوا ما بدا لكم مما فيه قوام دينكم وصلاح أمتكم. فباركوا عليه وقلدوه سيفه وقالوا له: أظهر دين النصرانية وذب عنه. ودفعوا إليه الأمانة التى اتفقوا على وضعها. فلا يكون عندهم نصرانى من لم يقر بها. ولا يتم لهم قربان إلا بها وهى هذه: quot;نؤمن بالله الواحد الأب مالك كل شئ صانع ما يرى وما لا يرى وبالرب الواحد يسوع المسيح ابن الله الواحد بكر الخلائق كلها الذى ولد من أبيه قبل العوالم كلها. وليس بمصنوع إله حق من إله حق من جوهر أبيه الذى بيده أتقنت العوالم وخلق كل شيء الذى من أجلنا - معشر الناس ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من روح القدس وصار إنسانا وحمل به ثم ولد من مريم البتول وألم وشج وقتل وصلب ودفن وقام فى اليوم الثالث وصعد إلى السماء وجلس عن يمين أبيه وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء. ونؤمن بروح القدس الواحد روح الحق الذى يخرج من أبيه روح محبته وبمعمودية واحدة لغفران الخطايا وبجماعة واحدة قديسية جاثليقية وبقيامة أبداننا والحياة الدائمة إلى أبد الآبدينquot;. فهذا العقد الذى أجمع عليه الملكية والنسطورية واليعقوبية. وهذه الأمانة التى ألفها أولئك البتاركة والأساقفة والعلماء وجعلوها شعار النصرانية. وكان رؤساء هذا المجمع بترك الإسكندرية وبترك أنطاكية وبترك بيت المقدس. فافترقوا عليها وعلى لعن ما خالفها ومن خالفها والتبرى منه وتكفيره.(2\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "666",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1938",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم ذهب أريوس يدعو إلى مقالته وينفر النصارى عن أولئك الثلاثمائة والثمانية عشر. فجمع جمعا عظيما وصاروا إلى بيت المقدس وخالف بكثير من النصارى لأولئك المجمع. فلما اجتمعوا قال أريوس: إن أولئك النفر تعدوا على وظلمونى ولم ينصفونى فى الحجاج وحرمونى ظلما وعدوانا. ووافقه كثير من الذين معه. وقالوا: صدق. فوثبوا عليه فضربوه حتى كاد أن يقتل لولا ابن أخت الملك خلصه. وافترقوا على هذه الحال. ثم كان لهم مجمع ثالث بعد ثمان وخمسين سنة من المجمع الأول. اجتمع الوزراء والقواد إلى الملك وقالوا: إن مقالة الناس قد فسدت وغلب عليهم مقالة أريوس فاكتب إلى جميع البتاركة والأساقفة: أن يجتمعوا ويوضحوا دين النصرانية فكتب الملك إلى سائر بلاده. فاجتمع بقسطنطينية مائة وخمسون أسقفا. وكان مقدموهم بترك الإسكندرية وبترك أنطاكية وبترك بيت المقدس. فنظروا فى مقالة أريوس. وكان من مقالته: أن روح القدس مخلوق مصنوع ليس بإله. فقال بترك الإسكندرية: ليس لروح القدس عندنا معنى غير روح الله تعالى وليس روح الله تعالى شيئا غير حياته. فإذا قلنا: إن روح القدس مخلوق فقد قلنا: إن روح الله مخلوق. وإذا قلنا: إن روح الله مخلوقة فقد قلنا: إن حياته مخلوقة. فقد جعلناه غير حى. ومن جعله غير حى فقد كفر. ومن كفر وجب عليه اللعن. فلعنوا بأجمعهم أريوس وأشياعه وأتباعه والبتاركة الذين قالوا بمقالته وبينوا أن روح القدس خالق غير مخلوق إله حق وأن طبيعة الأب والابن جوهر واحد وطبيعة واحدة(2\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "667",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1939",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وزادوا فى الأمانة التى وضعها الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفا quot;ونؤمن بروح القدس الرب المحيى المميت المنبثق من الأب الذى مع الابن والأب وهو مسجود وممجدquot;. وكان فى الأمانة الأولى quot;وبروح القدس فقطquot;. وبينوا أن الأب والابن وروح القدس ثلاثة أقانيم وثلاث وجوه وثلاثة خواص وحدة فى تثليث وتثليث فى وحدة وزادوا ونقصوا فى الشريعة. وأطلق بترك الإسكندرية للرهبان والأساقفة والبتاركة أكل اللحم وكانوا على مذهب مانى لا يرون أكل ذوات الأرواح. فانفض هذا المجمع وقد لعنوا فيه أكثر أساقفتهم وبتاركتهم ومضوا على تلك الأمانة. ثم كان لهم مجمع رابع بعد إحدى وخمسين سنة من هذا المجمع على نسطورس. وكان مذهبه quot;أن مريم ليست بوالدة الإله على الحقيقة ولكن ثمة اثنان: إله الذى هو موجود من الأب والآخر إنسان الذى هو موجود من مريم. وأن هذا الإنسان الذى نقول إنه المسيح بالمحبة متوحد مع ابن الإله وابن الإله ليس ابنا على الحقيقة. لكن على سبيل الموهبة والكرامة واتفاق الاسمينquot;. فبلغ ذلك بتاركة سائر البلاد فجرت بينهم مراسلات. واتفقوا على تخطئته. واجتمع منهم مائتا أسقف فى مدينة أفسيس وأرسلوا إلى نسطورس للمناظرة. فامتنع ثلاث مرات. فأوجبوا عليه الكفر فلعنوه ونفوه وحرموه وثبتوا quot;أن مريم ولدت إلها وأن المسيح إله حق وإنسان معروف بطبيعتين متوحد فى الأقنومquot;.(2\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "668",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1940",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلما لعنوا نسطورس غضب له يوحنا بترك أنطاكية. فجمع أساقفته الذين قدموا معه وناظرهم فقطعهم فتقاتلوا. ووقع الحرب والشر بينهم وتفاقم أمرهم. فلم يزل الملك [تذوس] حتى أصلح بينهم. فكتب أولئك صحيفة quot;أن مريم القدسية ولدت إلها وهو ربنا يسوع المسيح الذى هو مع أبيه فى الطبيعة ومع الناس فى الناسوتquot; وأنفذوا لعن نسطورس. فلما نفى نسطورس سار إلى أرض مصر وأقام بإخميم سبع سنين ودفن بها ودرست مقالته إلى أن أحياها ابن صرما مطران نصيبين وبثها فى بلاد المشرق فأكثر نصارى العراق والمشرق نسطورية. وانفض ذلك المجمع أيضا على لعن نسطورس ومن قال بقوله. وكل مجامعهم كانت تجتمع على الضلال وتفترق على اللعن. فلا ينفض المجمع إلا وهم ما بين لاعن وملعون. ثم كان لهم مجمع خامس. وذلك أنه كان بالقسطنطينية طبيب راهب يقال له: أوطيوس يقول. إن جسد المسيح ليس هو مع أجسادنا فى الطبيعة وأن المسيح قبل التجسد طبيعتان وبعد التجسد طبيعة واحدة. وهذه مقالة اليعقوبية. فرحل إليه أسقف دولته فناظره فقطعه ودحض حجته. ثم سار إلى قسطنطينية فأخبر بتركها بالمناظرة وبانقطاعه. فأرسل بترك الإسكندرية إليه فاستحضره وجمع جمعا عظيما وسأله عن قوله. فقال: إن قلنا: إن للمسيح طبيعتان فقد قلنا بقول نسطورس. ولكنا نقول: إن المسيح طبيعة واحدة وأقنوم واحد لأنه من طبيعتين كانتا قبل التجسد فلما تجسد زالت عنه الاثنينية وصار طبيعة واحدة وأقنوما واحدا.(2\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "669",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1941",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال له بترك القسطنطينية: إن كان المسيح طبيعة واحدة فالطبيعة القديمة هى الطبيعة المحدثة. وإن كان القديم هو المحدث فالذى لم يزل هو الذى لم يكن. ولو جاز أن يكون القديم هو المحدث لكان القائم هو القاعد والحار هو البارد فأبى أن يرجع عن مقالته فلعنوه فاستعدى عليهم الملك وزعم أنهم ظلموه وسأله أن يكتب إلى جميع البتاركة للمناظرة: فاستحضر الملك البتاركة والأساقفة من سائر البلاد إلى مدينة أفسيس فثبت بطريق الإسكندرية مقالة أوطيوس وقطع بتاركة القسطنطينية وأنطاكية وبيت المقدس وسائر البتاركة والأساقفة. وكتب إلى بترك رومية وإلى جماعة البتاركة والأساقفة فحرمهم ومنعهم من القربان إن لم يقلبوا مقالة أوطيوس. ففسدت الأمانة صارت المقالة مقالة أوطيوس وخاصة بمصر والإسكندرية وهو مذهب اليعقوبية. فافترق هذا المجمع الخامس وهم ما بين لاعن وملعون وضال ومضل وقائل يقول: الصواب مع اللاعنين وقائل يقول: الحق مع الملاعنين. ثم كان لهم بعد هذا مجمع سادس فى دولة مرقيون فإنه اجمتع إليه الأساقفة من سائر البلاد فأعلموه ما كان من ظلم ذلك المجمع وقلة الإنصاف وأن مقالة أوطيوس قد غلبت على الناس وأفسدت دين النصرانية فأمر الملك باستحضار سائر الأساقفة والبطارقة إلى حضرته. فاجتمع عنده ستمائة وثلاثون أسقفا فنظروا فى مقالة أوطيوس وبترك الإسكندرية التى قطعا بها جميع البتاركة. فأفسدوا مقالتهما ولعنوهما. وأثبتوا quot;أن المسيح إله وإنسان وهو مع الله فى اللاهوت ومعنا فى الناسوت له طبيعتان تامتان. فهو تام باللاهوت تام بالناسوت وهو مسيح واحدquot; وثبتوا قول الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفا وقبلوا قولهم quot;بأن الابن مع الله فى المكان وأنه إله حق من إله حقquot; ولعنوا أريوس وقالوا: quot;إن روح القدس إله وقالوا: إن الأب وروح القدس واحد بطبيعة واحدة وأقانيم ثلاثةquot;. وثبتوا قول أهل المجمع الثالث وقالوا quot;إن مريم العذراء ولدت إلها ربنا يسوع المسيح الذى هو مع الله فى الطبيعة ومعنا فى الناسوتquot;. وقالوا: إن للمسيح طبيعتان وأقنوم واحد ولعنوا نسطورس وبترك الإسكندرية.(2\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "670",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1942",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فانفض هذا المجمع وهم ما بين لاعن وملعون. ثم كان لهم بعد هذا مجمع سابع فى أيام أنسطاس الملك. وذلك أن سورس القسطنطين جاء إلى الملك فقال quot;إن أصحاب ذلك المجمع الستمائة والثلاثين قد أخطأوا والصواب ما قاله أوطيوس وبترك الإسكندرية فلا تقبل ممن سواهما واكتب إلى جميع بلادك أن العنوا الستمائة والثلاثين وأن يأخذوا الناس بطبيعة واحدة ومشيئة واحدة وأقنوم واحدquot; فأجابه الملك إلى ذلك. فلما بلغ بترك بيت المقدس جمع الرهبان فلعنوا أنسطاس الملك وسورس ومن يقول بمقالتهما فبلغ ذلك الملك فغضب وبعث فنفى البترك إلى أيلة وبعث يوحنا بتركا على بيت المقدس: لأنه كان قد ضمن للملك أن يلعن الستمائة والثلاثين. فلما قدم إلى بيت المقدس اجتمع الرهبان وقالوا: إياك أن تقبل عن سورس ولكن اقبل عن الستمائة والثلاثين ونحن معك. ففعل وخالف الملك. فلما بلغه أرسل قائدا وأمره أن يأخذ يوحنا بلعنة أولئك فإن لم يفعل أنزله عن الكرسى ونفاه. فقدم القائد وطرح يوحنا فى الحبس فصار إليه الرهبان فى الحبس وأشاروا عليه بأن يضمن للقائد أن يفعل ذلك. فإذا حضر فليقر بلعنة كل من لعنه الرهبان. فاجتمع الرهبان وكانوا عشرة آلاف راهب فلعنوا أوطسوس ونسطورس وسورس ومن لا يقبل من أولئك الستمائة والثلاثين. ففزع رسول الملك من الرهبان وبلغ ذلك الملك فهم بنفى يوحنا. فاجتمع الرهبان والأساقفة فكتبوا إلى الملك: أنهم لا يقبلون مقالة سورس ولو أريقت دماؤهم وسألوه أن يكف أذاه عنهم. وكتب بترك رومية إلى الملك بقبح فعله وبلعنه فانفض هذا المجمع على اللعنة أيضا. وكان لسورس تلميذ يقال له يعقوب البراذعى لأنه كان يلبس من قطع براذع الدواب يرقع بعضها ببعض. وإليه ينسب اليعاقبة. فأفسد أمانة القوم. ثم هلك أنسطاس الملك وولى بعده قسطنطين فرد كل من نفاه أنسطاس إلى موضعه. وكتب إلى بيت المقدس بأمانته.(2\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "671",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1943",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاجتمع الرهبان وأظهروا كتابه وفرحوا به وأثبتوا قول الستمائة والثلاثين أسقفا وغلبت اليعقوبية على الإسكندرية وقتلوا بتركا لهم يقال له بولس وكان ملكانيا. فولى الملك إسطفانوس. فأرسل قائدا ومعه عسكر عظيم إلى الإسكندرية فدخل الكنيسة فى ثياب البتركة وتقدم وقدس فرموه بالحجارة حتى كادوا يقتلونه. فانصرف وتوارى عنهم. ثم أظهر لهم بعد ثلاثة أيام أنه أتاه كتاب من الملك. وأمر الحرس أن يجمعوا الناس لسماعه. فلم يبق أحد بالإسكندرية حتى حضر لسماعه. وكان قد جعل بينه وبين جنده علامة إذا هو فعلها وضعوا السيف فى الناس. فصعد المنبر وقال: يا معشر أهل الإسكندرية إن رجعتم إلى الحق وتركتم مقالة اليعاقبة وإلا لم تأمنوا أن يوجه الملك إليكم من يسفك دماءكم. فرموه بالحجارة حتى خاف على نفسه. فأظهر العلامة فوضعوا السيوف على من بالكنيسة. فقتل خلق لا يحصيهم إلا الله تعالى حتى خاض الجند فى الدماء. وظهرت مقالة الملكانية بالإسكندرية. ثم كان لهم بعد ذلك مجمع ثامن. وذلك أن أسقف منبج كان يقول بالتناسخ وأنه ليس ثمة قيامة ولا بعث. وكان أسقف الرها وأسقف المصيصة وأسقف ثالث يقولون: إن جسد المسيح خيال غير حقيقة. فحشرهم الملك إلى قسطنطينية. فقال لهم بتركها: إن: كان جسده خيالا فيجب أن يكون فعله خيالا وقوله خيالا وكل جسد نعاينه لأحد من الناس أو فعل أو قول فهو كذلك. وقال له: إن المسيح قد قام من الموتى وأعلمنا أنه كذلك يقوم الناس يوم الدين. واحتج بنصوص من الإنجيل كقوله quot;إن كل من فى القبور إذا سمعوا قول الله سبحانه يحيونquot; فأوجب عليهم اللعن. وأمر الملك أن يكون لهم مجمع يلعنون فيه واستحضر بتاركة البلاد. فاجتمع عنده مائة وأربعة وستون أسقفا فلعنوا أسقف منبج وأسقف المصيصة وثبتوا quot;أن جسد المسيح حقيقة لا خيال وأنه إله تام وإنسان تام معروف بطبيعتين ومشيئتين وفعلين أقنوم واحد وأن الدنيا زائلة وأن القيامة كائنة وأن المسيح يأتى(2\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "672",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1944",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بمجد عظيم فيدين الأحياء والأموات كما قال الثلاثمائة والثمانية عشر الأوائلquot; فتفرقوا على ذلك. ثم كان لهم مجمع تاسع على عهد معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنه تلاعنوا فيه. وذلك أنه كان برومية راهب له تلميذان فجاء إلى قسطا الوالى فوبخه على قبح مذهبه وشناعة كفره فأمر به قسطا فقطعت يداه ورجلاه ونزع لسانه وفعل بأحد التلميذين كذلك وضرب الآخر بالسياط ونفاه. فبلغ ذلك ملك قسطنطينية فأرسل إليه أن يوجه إليه من أفاضل الأساقفة ليعلم وجه هذه الشبهة ومن كان ابتدأ بها ويعلم من يستحق اللعن. فبعث إليه مائة وأربعين أسقفا وثلاثمائة شماس فلما وصلوا إليه جمع الملك مائة وثمانية وخمسين أسقفا فصاروا ثلاثمائة وثمانية وأسقطوا الشمامسة. وكان رئيس هذا المجمع بترك قسطنطينية وبترك أنطاكية فلعنوا من تقدم من القديسين والبتاركة واحدا واحدا فلما لعنوهم جلسوا فلخصوا الأمانة وزادوا فيها ونقصوا فقالوا quot;نؤمن بأن الواحد من الناسوت الابن الوحيد الذى هو الكلمة الأزلية الدائم المستوى مع الأب الإله فى الجوهر الذى هو ربنا يسوع المسيح بطبيعتين تامتين وفعلين ومشيئتين فى أقنوم واحد ووجه واحد تاما بلاهوته تاما بناسوته وشهدت أن الإله الابن فى آخر الأيام اتخذ من العذراء السيدة مريم القدسية جسدا إنسانا بنفس ناطفة عقلية. وذلك برحمة الله تعالى محب البشر. ولم يلحقه اختلاط ولا فساد ولا فرقة ولا فصل ولكن هو واحد يعمل بما يشبه الإنسان أن يعمله فى طبيعته وما يشبه الإله أن يعمله فى طبيعته الذى هو الابن الوحيد والكلمة الأزلية المتجسدة التى صارت فى الحقيقة لحما كما يقول الإنجيل المقدس من غير أن ينتقل من مجده الأزلى وليست بمتغيرة لكنها بفعلين ومشيئتين وطبيعتين إلهى وإنسى الذى بهما يكمل قول الحق. وكل واحدة من الطبيعتين تعمل مع شركة صاحبتها مشيئتين غير متضادتين ولا متصارعتين ولكن مع المشيئة الإنسية المشيئة الإلهية القادرة على كل شيءquot;. هذه أمانة هذا المجمع. فوضعوها ولعنوا من لعنوه وبين المجمع الخامس الذى اجتمع فيه الستمائة والثلاثون وبين هذا المجمع مائة سنة. ثم كان لهم مجمع عاشر:(2\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "673",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1945",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذلك لما مات الملك وولى ابنه بعده. فاجتمع أهل المجمع السادس. وزعموا أن اجتماعهم كان على الباطل. فجمع الملك مائة وثلاثين أسقفا. فثبتوا قول أهل المجامع الخمسة ولعنوا من لعنهم وخالفهم وانصرفوا بين لاعن وملعون. فهذه عشرة مجامع كبار من مجامعهم مشهورة اشتملت على أكثر من أربعة عشر ألفا من البتاركة والأساقفة والرهبان. كلهم ما بين لاعن وملعون. فهذه حال المتقدمين مع قرب زمانهم من أيام المسيح ووجود أخباره فيهم والدولة دولتهم والكلمة كلمتهم وعلماؤهم إذ ذاك أوفر ما كانوا واهتمامهم بأمر دينهم واحتفالهم به كما ترى وهم حيارى تائهون ضالون مضلون. لا يثبت لهم قدم ولا يستقر لهم قول فى إلههم بل كل منهم قد اتخذ إلهه هواه وصرح بالكفر والتبرى ممن اتبع سواه. قد تفرقت بهم فى نبيهم وإلههم الأقاويل وهم كما قال الله تعالى: قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل [المائدة: 77] . فلو سألت أهل البيت الواحد عن دينهم ومعتقدهم فى ربهم ونبيهم لأجابك الرجل بجواب وامرأته بجواب وابنه بجواب والخادم بجواب. فما ظنك بمن فى عصرنا هذا وهم نخالة الماضين وزبالة الغابرين ونفاية المتحيرين وقد طال عليهم الأمد وبعد عهدهم بالمسيح ودينه. وهؤلاء هم الذين أوجبوا لأعداء الرسل - من الفلاسفة والملاحدة - أن يتمسكوا بما هم عليه فإنهم شرحوا لهم دينهم الذى جاء به المسيح على هذا الوجه ولا ريب أن هذا دين لا يقبله عاقل. فتواصى أولئك بينهم أن يتمسكوا بما هم عليه وساءت ظنونهم بالرسل والكتب. ورأوا أن ما هم عليه من الآراء أقرب إلى المعقول من هذا الدين. وقال لهم هؤلاء الحيارى النصارى الضلال: إن هذا هو الحق الذى جاء به المسيح. فتركب من هذين الظنين الفاسدين إساءة الظن بالرسل وإحسان الظن بما هم عليه. ولهذا قال بعض ملوك الهند - وقد ذكرت له الملل الثلاث - فقال: أما النصارى فإن كان محاربوهم من أهل الملل يحاربونهم بحكم شرعى فإنى أرى ذلك بحكم عقلى وإن كنا لا نرى بحكم عقولنا قتالا. ولكن أستثنى هؤلاء القوم من بين جميع العوالم(2\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "674",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1946",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأنهم قصدوا مضادة العقل وناصبوه العداوة. وحلوا ببيت الاستحالات وحادوا عن المسلك الذى انتهجه غيرهم من أهل الشرائع فشذوا عن جميع مناهج العالم الصالحة العقلية والشرعية واعتقدوا كل مستحيل ممكنا وبنوا على ذلك شريعة لا تؤدى البتة إلى صلاح نوع من أنواع العالم إنها تصير العاقل إذا تشرع بها أخرق والرشيد سفيها والمحسن مسيئا. لأن من كان أصل عقيدته التى جرى نشوءه عليها: لإساءة إلى الخالق والنيل منه ووصفه بضد صفاته الحسنى فأخلق به أن يستسهل الإساءة إلى المخلوق مع ما بلغنا عنهم من الجهل وضعف العقل وقلة الحياء وخساسة الهمة. فهذا وقد ظهر له من باطلهم وضلالهم غيض من فيض وكانوا إذ ذاك أقرب عهدا بالنبوة. وقال أفلاطون رئيس سدنة الهياكل بمصر وليس بأفلاطون تلميذ سقراط إذ ذاك أقدم من هذا: quot;لما ظهر محمد بتهامة ورأينا أمره يعلو على الأمم المجاورة له رأينا أن نقصد اصطمر البابلى لنعلم ما عنده ونأخذ برأيه. فلما اجتمعنا على الخروج من مصر رأينا أن نصبر إلى قراطيس معلمنا وحكيمنا لنودعه. فلما دخلنا عليه ورأى جمعنا أيقن أن الهياكل قد خلت منا فغشى عليه حينا غشية ظننا أنه فارق الحياة فيها فبكينا فأومأ إلينا أن كفوا عن البكاء فتصبرنا جهدنا هدأ وفتح عينيه وقال: هذا ما كنت أنهاكم عنه وأحذركم منه إنكم قوم غيرتم فغير بكم. أطعتم جهالا من ملوككم فخلطوا عليكم فى الأدعية فقصدتم البشر من التعظيم بما هو للخالق وحده فكنتم فى ذلك كمن أعطى القلم مدحة الكاتب. وإنما حركة القلم بالكاتبquot;. ومن المعلوم أن هذه الأمة ارتكبت محذورين عظيمين لا يرضى بهما ذو عقل ولا معرفة. أحدهما: الغلو فى المخلوق حتى جعلوه شريك الخالق وجزءا منه وإلها آخر معه وأنفوا أن يكون عبدا له. والثانى: تنقص الخالق وسبه ورميه بالعظائم حيث زعموا أنه - سبحانه وتعالى عن قولهم علوا كبيرا - نزل من العرش عن كرسى عظمته ودخل فى فرج امرأة وأقام هناك تسعة أشهر يتخبط بين البول والدم والنجو وقد علته أطباق المشيمة والرحم والبطن ثم خرج من حيث دخل رضيعا صغيرا يمص الثدى ولف فى القمط وأودع السرير يبكى ويجوع ويعطش(2\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "675",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1947",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويبول ويتغوط ويحمل على الأيدى والعواتق ثم صار إلى أن لطمت اليهود خديه وربطوا يديه وبصقوا فى وجهه وصفعوا قفاه وصلبوه جهرا بين لصين وألبسوه إكليلا من الشوك. وسمروا يديه ورجليه وجرعوه أعظم الآلام هذا وهو الإله الحق الذى بيده أتقنت العوالم وهو المعبود المسجود له. ولعمر الله إن هذه مسبة لله سبحانه ما سبه بها أحد من البشر قبلهم ولا بعدهم كما قال تعالى فيما يحكى عنه رسوله الذى نزهه ونزه أخاه المسيح عن هذا الباطل الذى. تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا [مريم: 90] . فقال: quot;شتمنى ابن آدم وما ينبغى له ذلك. وكذبنى ابن آدم وما ينبغى له ذلك. أما شتمه إياى فقوله: اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد الذى لم ألد ولم أولد ولم يكن لى كفوا أحد وأما تكذيبه إياى. فقوله: لن يعيدنى كما بدأنى. وليس أول الخلق بأهون على من إعادتهquot;. وقال عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه فى هذه الأمة: أهينوهم ولا تظلموهم فلقد سبوا الله عز وجل مسبة ما سبه إياها أحد من البشرquot;. ولعمر الله إن عباد الأصنام مع أنهم أعداء الله عز وجل على الحقيقة وأعداء رسله عليهم السلام وأشد الكفار كفرا يأنفون أن يصفوا آلهتهم التى يعبدونها من دون الله تعالى - وهى من الحجارة والحديد والخشب - بمثل ما وصفت به هذه الأمة رب العالمين إله السماوات والأرضين. وكان الله تعالى فى قلوبهم أجل وأعظم من أن يصفوه بذلك أو بما يقاربه. وإنما شرك القوم: أنهم عبدوا من دونه آلهة مخلوقة مربوبة محدثة وزعموا أنها تقربهم إليه لم يجعلوا شيئا من آلهتهم كفوا له ولا نظيرا ولا ولدا ولم ينالوا من الرب تعالى ما نالت منه هذه الأمة. عذرهم فى ذلك أقبح من قولهم فإن أصل معتقدهم: أن أرواح الأنبياء عليهم السلام كانت فى الجحيم فى سجن إبليس من عهد آدم إلى زمن المسيح وكان إبراهيم وموسى ونوح(2\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "676",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1948",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصالح وهود معذبين مسجونين فى النار بسبب خطيئة آدم عليه السلام وأكله من الشجرة وكان كلما مات واحد من بنى آدم أخذه إبليس وسجنه فى النار بذنب أبيه. ثم إن الله سبحانه وتعالى لما أراد رحمتهم وخلاصهم من العذاب تحيل على إبليس بحيلة فنزل عن كرسى عظمته والتحم ببطن مريم حتى ولد وكبر وصار رجلا. فمكن أعداءه اليهود من نفسه حتى صلبوه وتوجوه بالشوك على رأسه فخلص أنبياءه ورسله وفداهم بنفسه ودمه فهرق دمه فى مرضاة جميع ولد آدم. إذ كان ذنبه باقيا فى أعناق جميعهم فخلصهم منه بأن مكن أعداءه من صلبه وتسميره وصفعه إلا من أنكر صلبه أو شك فيه أو قال: بأن الإله يجل عن ذلك فهو فى سجن إبليس معذب حتى يقر بذلك. وأن إلهه صلب وصفع وسمر. فنسبوا الإله الحق سبحانه إلى ما يأنف أسقط الناس وأقلهم أن يفعله بمملوكه وعبده وإلى ما يأنف عباد الأصنام أن ينسب إليه أوثانهم وكذبوا الله عز وجل فى كونه تاب على آدم عليه السلام وغفر له خطيئته ونسبوه إلى أقبح الظلم حيث زعموا أنه سجن أنبياءه ورسله وأولياءه فى الجحيم بسبب خطيئة أبيهم ونسبوه إلى غاية السفه حيث خلصهم من العذاب بتمكينه أعداءه من نفسه حتى قتلوه: وصلبوه وأراقوا دمه ونسبوه إلى غاية العجز حيث عجزوه أن يخلصهم بقدرته من غير هذه الحلية ونسبوه إلى غاية النقص حيث سلط أعداءه على نفسه وابنه ففعلوا به ما فعلوا. وبالجملة فلا نعلم أمة من الأمم سبت ربها ومعبودها وإلهها بما سبت به هذه الأمة كما قال عمر رضى الله عنه quot;إنهم سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد من البشرquot;. وكان بعض أئمة الإسلام إذا رأى صليبيا أغمض عينيه عنه وقال: لا أستطيع أن أملأ عينى ممن سب إلهه ومعبوده بأقبح السب. ولهذا قال عقلاء الملوك: إن جهاد هؤلاء واجب شرعا وعقلا فإنهم عار على بنى آدم مفسدون للعقول والشرائع.(2\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "677",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1949",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما شريعتهم ودينهم فليسوا متمسكين بشيء من شريعة المسيح ولا دينه البتة. فأول ذلك أمر القبلة. فإنهم ابتدعوا الصلاة إلى مطلع الشمس مع علمهم أن المسيح عليه السلام لم يصل إلى المشرق أصلا. بل قد نقل مؤرخوهم أن ذلك حدث بعد المسيح بنحو ثلاثمائة سنة وإلا فالمسيح إنما كان يصلى إلى قبلة بيت المقدس وهى قبلة الأنبياء قبله وإليها كان يصلى النبى صلى الله عليه وسلم مدة مقامه بمكة وبعد هجرته ثمانية عشر شهرا ثم نقله الله تعالى إلى قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام. ومن ذلك: أن طوائف منهم - وهم الروم وغيرهم - لا يرون الاستنجاء بالماء فيبول أحدهم ويتغوط ويقوم بأثر البول والغائط إلى صلاته بتلك الرائحة الكريهة فيستقبل المشرق ويصلب على وجهه ويحدث من يليه بأنواع الحديث كذبا كان أو فجورا أو غيبة أو سبا وشتما ويخبره بسعر الخمر ولحم الخنزير وما شاكل ذلك ولا يضر ذلك فى الصلاة ولا يبطلها. وإن دعته الحاجة إلى البول فى الصلاة بال وهو يصلى ولا يضر صلاته. وكل عاقل يعلم أن مواجهة إله العالمين بهذه العبادة قبيح جدا وصاحبها إلى استحقاق غضبه وعقابه أقرب منه إلى الرضا والثواب. ومن العجيب إنهم يقرءون فى نص التوراة quot;ملعون من تعلق بالصليبquot; وهم قد جعلوا شعار دينهم ما يلعنون عليه. ولو كان لهم أدنى عقل لكان الأولى بهم أن يحرقوا الصليب حيث وجدوه ويكسروه ويضمخوه بالنجاسة. فإنه صلب عليه إلههم ومعبودهم بزعمهم وأهين عليه وفضح وخزى. فيا للعجب بأى وجه - بعد هذا - يستحق الصليب التعظيم لولا أن القوم أضل من الأنعام. وتعظيمهم للصليب مما ابتدعوه فى دين المسيح بعده بزمان. ولا ذكر له فى الإنجيل البتة. وإنما ذكر فى التوراة باللعن لمن تعلق به. فاتخذته هذه الأمة معبودا يسجدون له(2\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "678",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1950",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا اجتهد أحدهم فى اليمين بحيث لا يحنث ولا يكذب حلف بالصليب ويكذب إذا حلف بالله ولا يكذب إذا حلف بالصليب ولو كان لهذه الأمة أدنى مسكة من عقل لكان ينبغى لهم أن يلعنوا الصليب من أجل معبودهم وإلههم حين صلب عليه كما قالوا: إن الأرض لعنت من أجل آدم حين أخطأ وكما لعنت الأرض حين قتل قابيل أخاه وكما فى الإنجيل: إن اللعنة تنزل على الأرض إذا كان أمراؤها الصبيان. فلو عقلوا لكان ينبغى لهم أن لا يحملوا صليبا ولا يمسوه بأيديهم ولا يذكرونه بألسنتهم. وإذا ذكر لهم سدوا مسامعهم عن ذكره. ولقد صدق القائل: quot;عدو عاقل خير من صديق أحمقquot; لأنهم بحمقهم قصدوا تعظيم المسيح فاجتهدوا فى ذمه وتنقصه والإزراء به والطعن عليه. وكان مقصودهم بذلك التشنيع على اليهود وتنفير الناس عنهم وإغراءهم بهم فنفروا الأمم عن النصرانية وعن المسيح ودينه أعظم تنفير وعلموا أن الدين لا يقوم بذلك. فوضع لهم رهبانهم وأساقفتهم من الحيل والمخاريق وأنواع الشعبذة ما استمالوا به الجهال وربطوهم به وهم يستجيزون ذلك ويستحسنونه ويقولون: يشذ دين النصرانية. وكأنهم إنما عظموا الصليب لما رأوه قد ثبت لصلب إلههم ولم ينشق ولم يتطاير ولم يتكسر من هيبته لما حمل عليه. وقد ذكروا أن الشمس اسودت وتغير حال السماء والأرض فلما لم يتغير الصليب ولم يتطاير استحق عندهم التعظيم وأن يعبد. ولقد قال بعض عقلائهم: إن تعظيمنا للصليب جار مجرى تعظيم قبور الأنبياء فإنه كان قبر المسيح وهو عليه ثم لما دفن صار قبره فى الأرض وليس وراء هذا الحمق والجهل حمق فإن السجود لقبور الأنبياء وعبادتها شرك بل من أعظم الشرك وقد لعن إمام الحنفاء وخاتم الأنبياء صلى الله تعالى عليه وسلم اليهود والنصارى حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. وأصل الشرك وعبادة الأوثان من العكوف على القبور واتخاذها مساجد. ثم يقال: فأنتم تعظمون كل صليب لا تخصون التعظيم بذلك الصليب بعينه. فإن قلتم: الصليب من حيث هو يذكر بالصليب الذى صلب عليه إلهنا.(2\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "679",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1951",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلنا: وكذلك الحفر تذكر بحفرته. فعظموا كل حفرة واسجدوا لها لأنها كحفرته أيضا بل أولى لأن خشبة الصلب لم يستقر عليها استقراره فى الحفرة. ثم يقال: اليد التى مسته أولى أن تعظم من الصليب فعظموا أيدى اليهود لمسهم إياه وإمساكهم له. ثم انقلوا ذلك التعظيم إلى سائر الأيدى. فإن قلتم: منع من ذلك مانع العداوة فعندكم أنه هو الذى رضى بذلك واختاره. ولو لم يرض به لم يصلوا إليه منه فعلى هذا فينبغى لكم أن تشكروهم وتحمدوهم إذ فعلوا مرضاته واختياره الذى كان سبب خلاص جميع الأنبياء والمؤمنين والقديسين من الجحيم ومن سجن إبليس فما أعظم منة اليهود عليكم وعلى آبائكم وعلى سائر النبيين من لدن آدم عليه السلام إلى زمن المسيح. والمقصود: أن هذه الأمة جمعت بين الشرك وعيب الإله وتنقصه وتنقص نبيهم وعيبه ومفارقة دينه بالكلية فلم يتمسكوا بشيء مما كان عليه المسيح لا فى صلاتهم ولا فى صيامهم ولا فى أعيادهم. بل هم فى ذلك أتباع كل ناعق مستجيبون لكل ممخرق ومبطل. أدخلوا فى الشريعة ما ليس منها وتركوا ما أتت به. وإذا شئت أن ترى التغيير فى دينهم فانظر إلى صيامهم الذى وضعوه لملوكهم وعظمائهم فلهم صيام للحواريين وصيام لمار مريم وصيام لمار جرجس وصيام للميلاد. وتركهم أكل اللحم فى صيامهم مما أدخلوه فى دين المسيح. وإلا فهم يعلمون أن المسيح عليه السلام كان يأكل اللحم ولم يمنعهم منه لا فى صوم ولا فطر. وأصل ذلك: أن المانوية كانوا لا يأكلون ذا روح فلما دخلوا فى النصرانية خافوا أن يتركوا أكل اللحم فيقتلوا فشرعوا لأنفسهم صياما فصاموا للميلاد والحواريين ومار مريم وتركوا فى هذا الصوم أكل اللحم محافظة على ما اعتادوه من مذهب مانى. فلما طال الزمان تبعهم على ذلك النسطورية واليعقوبية. فصارت سنة متعارفة بينهم ثم تبعهم على ذلك الملكانية.(2\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "680",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1952",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ثم إنك إذا كشفت عن حالهم وجدت أئمة دينهم ورهبانهم قد نصبوا حبائل الحيل ليقتنصوا بها عقول العوام ويتوصلوا بالتمويه والتلبيس إلى استمالتهم وانقيادهم لهم واستدرار أموالهم. وذلك أشهر وأكثر من أن يذكر. فمن ذلك: ما يعتمدونه فى العيد الذى يسمونه عيد النور ومحله بيت المقدس فيجتمعون من سائر النواحى فى ذلك اليوم ويأتون إلى بيت فيه قنديل معلق لا نار فيه فيتلو أحبارهم الإنجيل ويرفعون أصواتهم ويبتهلون فى الدعاء فبينا هم كذلك وإذا نار قد نزلت من سقف البيت فتقع على ذبالة القنديل فيشرق ويضيء ويشتعل فيضجون ضجة واحدة ويصلبون على وجوههم ويأخذون فى البكاء والشهيق. قال أبو بكر الطرطوشى: كنت ببيت المقدس وكان واليها إذ ذاك رجلا يقال له سقمان. فلما نما خبر هذا العيد إليه أنفذ إلى بتاركتهم وقال: أنا نازل إليكم فى يوم هذا العيد لأكشف عن حقيقة ما تقولون فإن كان حقا ولم يتضح لى وجه الحيلة فيه أقررتكم عليه وعظمته معكم بعلم. وإن كان مخرقة على عوامكم أوقعت بكم ما تكرهونه. فصعب ذلك عليهم جدا وسألوه أن لا يفعل فأبى ولج فحملوا له مالا عظيما فأخذه وأعرض عنهم. قال الطرطوشى: ثم اجتمعت بأبى محمد بن الأقدم بالإسكندرية. فحدثنى أنهم يأخذون خيطا دقيقا من نحاس وهو الشريط ويجعلونه فى وسط قبة البيت إلى رأس الفتيلة التى فى القنديل ويدهنونه بدهن اللبان. والبيت مظلم بحيث لا يدرك الناظرون الخيط النحاس وقد عظموا ذلك البيت فلا يمكنون كل أحد من دخوله. وفى رأس القبة رجل فإذا قدسوا ودعوا ألقى على ذلك الخيط شيئا من نار النفط فتجرى النار مع دهن اللبان إلى آخر الخيط النحاس فتلقى فيتعلق بها. فلو نصح أحد منهم نفسه وفتش على نجاته لتتبع هذا القدر وطلب الخيط النحاس وفتش رأس القبة ليرى الرجل والنفط ويرى أن منبع ذلك النور من ذلك الممخرق الملبس وأنه لو نزل من السماء لظهر من فوق ولم يكن ظهوره من الفتيلة.(2\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "681",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1953",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن حيلهم أيضا: أنه قد كان بأرض الروم فى زمن المتوكل كنيسة إذا كان يوم عيدها يحج الناس إليها ويجتمعون عند صنم فيها فيشاهدون ثدى ذلك الصنم فى ذلك اليوم يخرج منه اللبن. وكان يجتمع للسادن فى ذلك اليوم مال عظيم. فبحث الملك عنها. فانكشف له أمرها فوجد القيم قد ثقب من وراء الحائط ثقبا إلى ثدى الصنم وجعل فيها أنبوبة من رصاص وأصلحها بالجبس ليخفى أمرها فإذا كان يوم العيد فتحها وصب فيها اللبن فيجرى إلى الثدى فيقطر منه فيعتقد الجهال أن هذا سر فى الصنم وأنه علامة من الله تعالى لقبول قربانهم وتعظيمهم له. فلما انكشف له ذلك أمر بضرب عنق السادن ومحو الصور من الكنائس. وقال: إن هذه الصور مقام الأصنام. فمن سجد للصورة فهو كمن سجد للأصنام. ولقد كان من الواجب على ملوك الإسلام أن يمنعوا هؤلاء من هذا وأمثاله لما فيه من الإعانة على الكفر وتعظيم شعائره. فالمساعد على ذلك والمعين عليه شريك للفاعل. لكن لما هان عليهم دين الإسلام وكان السحت الذى يأخذونه منهم أحب إليهم من الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام أقروهم على ذلك ومكنوهم منه. فصل والمقصود: أن دين الأمة الصليبية بعد أن بعث الله عز وجل محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم بل قبله بنحو ثلاثمائة سنة مبنى على معاندة العقول والشرائع وتنقص إله العالمين ورميه بالعظائم فكل نصرانى لا يأخذ بحظه من هذه فليس بنصرانى على الحقيقة. أفليس هو الدين الذى أسسه أصحاب المجامع المتلاعنين على أن الواحد ثلاثة والثلاثة واحد. فيا عجبا كيف رضى العاقل أن يكون هذا مبلغ عقله ومنتهى علمه. أترى لم يكن فى هذه الأمة من يرجع إلى عقله وفطرته ويعلم أن هذا عين المحال وإن ضربوا له الأمثال واستخرجوا له الأشباه. فلا يذكرون مثالا. ولا شبها إلا وفيه بيان خطئهم وضلالهم.(2\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "682",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1954",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كتشبيه بعضهم اتحاد اللاهوت بالناسوت وامتزاجه به باتحاد النار والحديد وتمثيل غيرهم ذلك باختلاط الماء باللبن وتشبيه آخرين ذلك بامتزاج الغذاء واختلاطه بأعضاء البدن إلى غير ذلك من الأمثال والمقاييس التى تتضمن امتزاج حقيقتين واختلاطهما حتى صارا حقيقة أخرى تعالى الله عز وجل عن إفكهم وكذبهم. ولم يقنعهم هذا القول فى رب السماوات والأرض حتى اتفقوا بأسرهم على أن اليهود أخذوه وساقوه بينهم ذليلا مقهورا وهو يحمل خشبته التى صلبوه عليها واليهود يبصقون فى وجهه ويضربونه ثم صلبوه وطعنوه بالحربة حتى مات وتركوه مصلوبا حتى التصق شعره بجلده لما يبس دمه بحرارة الشمس ثم دفن وأقام تحت التراب ثلاثة أيام ثم قام بلاهوتيته من قبره. هذا قول جميعهم ليس فيهم من ينكر منه شيئا. فيا للعقول كيف كان حال هذا العالم الأعلى والأسفل فى هذه الأيام الثلاثة ومن كان يدبر أمر السماوات والأرض ومن الذى خلف الرب سبحانه وتعالى فى هذه المدة ومن الذى كان يمسك السماء أن تقع على الأرض وهو مدفون فى قبره. ويا عجبا هل دفنت الكلمة معه بعد أن قتلت وصلبت أم فارقته وخذلته أحوج ما كان إلى نصرها له كما خذله أبوه وقومه فإن كانت قد فارقته وتجرد منها فليس هو حينئذ المسيح. وإنما هو كغيره من آحاد الناس. وكيف يصح مفارقتها له بعد أن اتحدت به ومازجت لحمه ودمه وأين ذهب الاتحاد والامتزاج وإن كانت لم تفارقه وقتلت وصلبت ودفنت معه. فكيف وصل المخلوق إلى قتل الإله وصلبه ودفنه. ويا عجبا أى قبر يسع إله السماوات والأرض هذا وهو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون. الحمد لله ثم الحمد لله تعالى الذى هدانا للإسلام وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله. يا ذا الجلال والإكرام كما هديتنا للإسلام أسألك أن لا تنزعه عنا حتى تتوفانا على الإسلام. أعباد المسيح لنا سؤال ... نريد جوابه ممن وعاه إذا مات الإله بصنع قوم ... أماتوه فما هذا الإله(2\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "683",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1955",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهل أرضاه ما نالوه منه ... فبشراهم إذا نالوا رضاه وإن سخط الذى فعلوه فيه ... فقوتهم إذا أوهت قواه وهل بقى الوجود بلا إله ... سميع يستجيب لمن دعاه وهل خلت الطباق السبع لما ... ثوى تحت التراب وقد علاه وهل خلت العوالم من إله ... يدبرها وقد سمرت يداه وكيف تخلت الأملاك عنه ... بنصرهم وقد سمعوا بكاه وكيف أطاقت الخشبات حمل ال ... إله الحق مشدودا قفاه وكيف دنا الحديد إليه حتى ... يخالطه ويلحقه أذاه وكيف تمكنت أيدى عداه ... وطالت حيث قد صفعوا قفاه وهل عاد المسيح إلى حياة ... أم المحيى له رب سواه ويا عجبا لقبر ضم ربا ... وأعجب منه بطن قد حواه أقام هناك تسعا من شهور ... لدى الظلمات من حيض غذاه وشق الفرج مولودا صغيرا ... ضعيفا فاتحا للثدى فاه ويأكل ثم يشرب ثم يأتى ... بلازم ذاك هل هذا إله تعالى الله عن إفك النصارى ... سيسأل كلهم عما افتراه أعباد الصليب لأى معنى ... يعظم أو يقبح من رماه وهل تقضى العقول بغير كسر ... وإحراق له ولمن بغاه إذا ركب الإله عليه كرها ... وقد شدت لتسمير يداه فذاك المركب الملعون حقا ... فدسه لا تبسه إذ تراه يهان عليه رب الخلق طرا ... وتعبده فإنك من عداه فإن عظمته من أجل أن قد ... حوى رب العباد وقد علاه وقد فقد الصليب فإن رأينا ... له شكلا تذكرنا سناه(2\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "684",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1956",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهلا للقبور سجدت طرا ... لضم القبر ربك فى حشاه فيا عبد المسيح أفق فهذا ... بدايته وهذا منتهاه فصل فقد بان لكل ذى عقل أن الشيطان تلاعب بهذه الأمة الضالة كل التلاعب ودعاهم فأجابوه واستخفهم فأطاعوه. فتلاعب بهم فى شأن المعبود سبحانه وتعالى. وتلاعب بهم فى أمر المسيح. وتلاعب بهم فى شأن الصليب وعبادته. وتلاعب بهم فى تصوير الصور فى الكنائس وعبادتها. فلا تجد كنيسة من كنائسهم تخلو عن صورة مريم والمسيح وجرجس وبطرس وغيرهم من القديسين عندهم والشهداء وأكثرهم يسجدون للصور ويدعونها من دون الله تعالى. حتى لقد كتب بطريق الإسكندرية إلى ملك الروم كتابا يحتج فيه للسجود للصور: بأن الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يصور فى قبة الزمان صورة الساروس وبأن سليمان بن داود لما عمل الهيكل عمل صورة الساروس من ذهب ونصبها داخل الهيكل. ثم قال فى كتابه: وإنما هذا مثال الملك يكتب إلى بعض عماله كتابا فيأخذه العامل ويقبله ويضعه على عينيه ويقوم له لا تعظيما للقرطاس والمداد بل تعظيما للملك كذلك السجود للصور تعظيم لاسم ذلك المصور لا للأصباغ والألوان. وبهذا المثال بعينه عبدت الأصنام. وما ذكره هذا المشرك عن موسى وسليمان عليهما السلام لو صح لم يكن فيه دليل على السجود للصور. وغايته: أن يكون بمثابة ما يذكر عن داود: أنه نقش خطيئته فى كفه كيلا ينساها. فأين هذا مما يفعله هؤلاء المشركون: من التذلل والخضوع والسجود بين يدى تلك الصور. وإنما المثال المطابق لما يفعله هؤلاء المشركون مثال خادم من خدام الملك دخل على رجل. فوثب الرجل من مجلسه وسجد له وعبده وفعل به ما لا يصلح أن يفعل إلا مع الملك.(2\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "685",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1957",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكل عاقل يستجهله ويستحمقه فى فعله إذ قد فعل مع عبد الملك ما كان ينبغى له أن يخص به الملك دون عبيده: من الإكرام والخضوع والتذلل. ومعلوم أن هذا إلى مقت الملك له وسقوطه من عينه أقرب منه إلى إكرام له ورفع منزلته. كذلك حال من سجد لمخلوق أو لصورة مخلوق لأنه عمد إلى السجود الذى هو غاية ما يتوصل به العبد إلى رضى الرب ولا يصلح إلا له ففعله لصورة عبد من عبيده وسوى بين الله وبين عبده فى ذلك. وليس وراء هذا فى القبح والظلم شيء ولهذا قال تعالى: إن الشرك لظلم عظيم [لقمان: 33] . وقد فطر الله سبحانه عباده على استقباح معاملة عبيد الملك وخدمه بالتعظيم والإجلال والخضوع والذل الذى يعامل به الملك. فكيف حال من فعل ذلك بأعداء الملك فإن الشيطان عدو الله والمشرك إنما يشرك به لا بولى الله ورسوله بل رسول الله وأولياؤه بريئون ممن أشرك بهم معادون لهم أشد الناس مقتا لهم. فهم فى نفس الأمر إنما أشركوا بأعداء الله وسووا بينهم وبين الله فى العبادة والتعظيم والسجود والذل ولهذا كان بطلان الشرك وقبحه معلوما بالفطرة السليمة والعقول الصحيحة والعلم بقبحه أظهر من العلم بقبح سائر القبائح. والمقصود: ذكر تلاعب الشيطان بهذه الأمة فى أصول دينهم وفروعه. كتلاعبه بهم فى صيامهم. فإن أكثر صومهم لا أصل له فى شرع المسيح بل هو مختلق مبتدع. فمن ذلك: أنهم زادوا جمعة فى بدء الصوم الكبير يصومونها لهرقل مخلص بيت المقدس. وذلك أن الفرس لما ملكوا بيت المقدس وقتلوا النصارى وهدموا الكنائس أعانهم اليهود على ذلك وكانوا أكثر قتلا وفتكا فى النصارى من الفرس. فلما سار هرقل إليه استقبله اليهود بالهدايا وسألوه أن يكتب لهم عهدا. ففعل فلما دخل بيت المقدس شكا إليه من فيه من النصارى ما كان اليهود صنعوه بهم.(2\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "686",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1958",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال لهم هرقل: وما تريدون منى قالوا: تقتلهم. قال: كيف أقتلهم وقد كتبت لهم عهدا بالأمان وأنتم تعلمون ما يجب على ناقض العهد. فقالوا له: إنك حين أعطيتهم الأمان لم تدر ما فعلوا من قتل النصارى وهدم الكنائس. وقتلهم قربان إلى الله تعالى. ونحن نتحمل عنك هذا الذنب ونكفره عنك ونسأل المسيح أن لا يؤاخذك به ونجعل لك جمعة كاملة فى بدء الصوم نصومها لك ونترك فيها أكل اللحم مادامت النصرانية ونكتب به إلى جميع الأفاق غفران لما سألناك. فأجابهم. وقتل من اليهود حول بيت المقدس وجبل الخليل ما لا يحصى كثرة. فصيروا أول جمعة من الصوم الذى يترك فيه الملكية أكل اللحم يصومونها لهرقل الملك غفرانا لنقضه العهد وقتل اليهود وكتبوا بذلك إلى الآفاق. وأهل بيت المقدس وأهل مصر يصومونها وبقية أهل الشام والروم يتركون أكل اللحم فيها ويصومون الأربعاء والجمعة. وكذلك لما أرادوا نقل الصوم إلى فصل الربيع المعتدل وتغيير شريعة المسيح زادوا فيه عشرة أيام عوضا وكفارة لنقلهم له. ومن ذلك: تلاعبه بهم فى أعيادهم: فكلها موضوعة مختلقة محدثة بآرائهم واستحسانهم. فمن ذلك: عيد ميكائيل. وسببه: أنه كان بالإسكندرية صنم وكان جميع من بمصر والإسكندرية يعيدون له عيدا عظيما ويذبحون له الذبائح. فولى بتركه الإسكندرية واحدا منهم فأراد أن يكسره(2\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "687",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1959",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويبطل الذبائح فامتنعوا عليه فاحتال عليهم وقال: إن هذا الصنم لا ينفع ولا يضر فلو جعلتم هذا العيد لميكائيل ملك الله تعالى وجعلتم هذه الذبائح له كان يشفع لكم عند الله وكان خيرا لكم من هذا الصنم. فأجابوه إلى ذلك فكسر الصنم وصيره صلبانا وسمى الكنيسة كنيسة ميكائيل. وسماها قيسارية ثم احترقت الكنيسة وخربت وصيروا العيد والذبائح لميكائيل. فنقلهم من كفر إلى كفر ومن شرك إلى شرك. فكانوا فى ذلك كمجوسى أسلم فصار رافضيا. فدخل الناس عليه يهنئونه فدخل عليه رجل وقال: إنك إنما انتقلت من زاوية من النار إلى زاوية أخرى. ومن ذلك عيد الصليب. وهو مما اختلقوه وابتدعوه. فإن ظهور الصليب إنما كان بعد المسيح بزمن كثير. وكان الذى أظهره - زورا وكذبا - أخبرهم به بعض اليهود أن هذا هو الصليب الذى صلب عليه إلههم وربهم. فانظر إلى هذا السند وهذا الخبر فاتخذوا ذلك الوقت الذى ظهر فيه عيدا وسموه عيد الصليب ولو أنهم فعلوا كما فعل أشباههم من الرافضة حيث اتخذوا وقت قتل الحسين رضى الله عنه مأتما وحزنا لكان أقرب إلى العقول. وكان من حديث الصليب: أنه لما صلب المسيح - على زعمهم الكاذب - وقتل ودفن رفع من القبر إلى السماء وكان التلاميذ كل يوم يصيرون إلى القبر إلى موضع الصلب ويصلون. فقالت اليهود: إن هذا الموضع لا يخفى وسيكون له نبأ. وإذا رأى الناس القبر خاليا آمنوا به فطرحوا عليه التراب والزبل حتى صار مزبلة عظيمة. فلما كان فى أيام قسطنطين الملك جاءت زوجته إلى بيت المقدس تطلب الصليب فجمعت من اليهود والسكان ببيت المقدس وجبل الخليل مائة رجل واختارت منهم عشرة واختارت من العشرة ثلاثة اسم أحدهما يهوذا فسألتهم أن يدلوها على الموضع فامتنعوا وقالوا: لا علم لنا بالموضع(2\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "688",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1960",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فطرحتهم فى الحبس فى جب لا ماء فيه. فأقاموا سبعة أيام لا يطعمون ولا يسقون. فقال يهوذا لصاحبيه: إن أباه عرفه بالموضع الذى تطلب. فصاح الاثنان فأخرجوهما. فخبراها بما قال يهوذا. فأمرت بضربه بالسياط فأقر وخرج إلى الموضع الذى فيه المقبرة. وكان مزبلة عظيمة. فصلى وقال: اللهم إن كان فى هذا الموضع فاجعله أن يتزلزل ويخرج منه دخان فتزلزل الموضع وخرج منه دخان فأمرت الملكة بكنس الموضع من التراب فظهرت المقبرة وأصابوا ثلاثة صلبان. فقالت الملكة: كيف لنا أن نعلم صليب سيدنا المسيح. وكان بالقرب منهم عليل شديد العلة قد أيس منه فوضع الصليب الأول عليه ثم الثانى ثم الثالث. فقام عند الثالث واستراح من علته. فعلمت أنه صليب المسيح فجعلته فى غلاف من ذهب وحملته إلى قسطنطين. وكان من ميلاد المسيح إلى ظهور هذا الصليب ثلاثمائة وثمانية وعشرون سنة. هذا كله نقله سعيد بن بطريق النصرانى فى تاريخه. والمقصود: أنهم ابتدعوا هذا العيد بنقل علمائهم بعد المسيح بهذه المدة. وبعد فسند هذه الحكاية من بين يهودى ونصرانى مع انقطاعها وظهور الكذب فيها لمن له عقل من وجوه كثيرة. ويكفى فى كذبها وبيان اختلاقها: أن ذلك الصليب الذى شفى العليل كان أولى أن لا يميت الإله الرب المحيى المميت. ومنها: أنه إذا بقى تحت التراب خشب ثلاثمائة وثمانية وعشرون سنة فإنه ينخر ويبلى لدون هذه المدة. فإن قال عباد الصليب: إنه لما مس جسم المسيح حصل له الثبات والقوة والبقاء. قيل لهم: فما بال الصليبين الباقيين لم يتفتتا واشتبها به فلعلهم يقولون: لما مست صليبه مسها البقاء والثبات. وجهل القوم وحمقهم أعظم من ذلك والرب سبحانه لما تجلى للجبل تدكدك الجبل وساخ فى الأرض ولم يثبت لتجليه فكيف تثبت الخشبة لركوبه عليها فى تلك الحال ولقد صدق القائل: إن هذه الأمة لعار على بنى آدم أن يكونوا منهم. فإن كانت هذه الحكاية صحيحة فما أقربها من حيل اليهود التى تخلصوا بها من(2\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "689",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1961",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحبس والهلاك وحيل بنى آدم تصل إلى أكثر من ذلك بكثير. ولا سيما لما علم اليهود أن ملكة دين النصرانية قاصدة إلى بيت المقدس وأنها تعاقبهم حتى يدلوها على موضع القتل والصلب وعلموا أنهم إن لم يفعلوا لم يتخلصوا من عقوبتها. ومنها: أن عباد الصليب يقولون: إن المسيح لما قتل غار دمه. ولو وقع منه قطرة على الأرض ليبست ولم تنبت فيا عجبا كيف يحيى الميت ويبرأ العليل بالخشبة التى شهر عليها وصلب أهذا كله من بركتها وفرحها به وهو مشدود عليها يبكى ويستغيث. ولقد كان الأليق أن يتفتت الصليب ويضمحل لهيبة من صلب عليه وعظمته. ولخسفت الأرض بالحاضرين عند صلبه والمتمائلين عليه. بل تتفطر السماوات وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا. ثم يقال لعباد الصليب: لا يخلوا أن يكون المصلوب الناسوت وحده أو مع اللاهوت فإن كان المصلوب هو الناسوت وحده فقد فارقته الكلمة وبطل اتحادها به. وكان المصلوب جسدا من الأجساد ليس بإله. ولا فيه شيء من الإلهية والربوبية البتة. وإن قلتم: إن الصلب وقع على اللاهوت والناسوت معا. فقد أقررتم بصلب الإله وقتله وموته وقدرة الخلق على أذاه. وهذا أبطل الباطل وأمحل المحال. فبطل تعلقكم بالصليب من كل وجه عقلا وشرعا. وأما تلاعبه بهم فى صلاتهم فمن وجوه أحدها: صلاة كثير منهم بالنجاسة والجنابة. والمسيح بريء من هذه الصلاة وسبحانه الله أن يتقرب إليه بمثل هذه الصلاة فقدره أعلى وشأنه أجل من ذلك. ومنها: صلاتهم إلى مشرق الشمس وهم يعلمون أن المسيح لم يصل إلى المشرق أصلا. وإنما كان يصلى إلى قبلة بيت المقدس. ومنها: تصليبهم على وجوههم عند الدخول فى الصلاة والمسيح بريء من ذلك فصلاة مفتاحها النجاسة وتحريمها التصليب على الوجه وقبلتها الشرق وشعارها الشرك كيف يخفى على العاقل أنها لا تأتى بها شريعة من الشرائع البتة.(2\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "690",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1962",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولما علمت الرهبان والمطارنة والأساقفة: أن مثل هذا الدين تنفر عنه العقول أعظم نفرة شدوه بالحيل والصور فى الحيطان بالذهب واللازورد والزنجفر وبالأرغل وبالأعياد المحدثة ونحو ذلك مما يروج على السفهاء وضعفاء العقول البصائر وساعدهم ما عليه اليهود من القسوة والغلظة والمكر والكذب والبهت وما عليه كثير من المسلمين من الظلم والفواحش والفجور والبدعة والغلو فى المخلوق حتى يتخذه إلها من دون الله واعتقاد كثير من الجهال أن هؤلاء من خواص المسلمين وصالحيهم فتركب من هذا وأمثاله تمسك القوم بما هم فيه ورؤيتهم أنه خير من كثير مما عليه المنتسبون إلى الإسلام من البدع والفجور والشرك والفواحش. ولهذا لما رأى النصارى الصحابة وما هم عليه آمن أكثرهم اختيارا وطوعا. وقالوا: ما الذين صحبوا المسيح بأفضل من هؤلاء. ولقد دعونا نحن وغيرنا كثيرا من أهل الكتاب إلى الإسلام فأخبروا أن المانع لهم ما يرون عليه المنتسبين إلى الإسلام ممن يعظمهم الجهال: من البدع والظلم والفجور والمكر والاحتيال ونسبة ذلك إلى الشرع ولمن جاء به. فساء ظنهم بالشرع وبمن جاء به. فالله طليب قطاع طريق الله وحسيبهم. فهذه إشارة يسيرة جدا إلى تلاعب الشيطان بعباد الصليب تدل على ما بعدها. والله الهادى الموفق. فصل: فى ذكر تلاعبه بالأمة الغضبية وهم اليهود قال الله تعالى فى حقهم: بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل(2\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "691",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1963",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب [البقرة: 90] . وقال تعالى: قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون وترى كثيرا منهم يسارعون فى الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون [المائدة: 60 - 63] . وقال تعالى: ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفى العذاب هم خالدون [المائدة: 80] . وقد أمرنا الله سبحانه أن نسأله فى صلواتنا أن يهدينا صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. وثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالونquot;. فأول تلاعب الشيطان بهذه الأمة فى حياة نبيها وقرب العهد بإنجائهم من فرعون وإغراقه وإغراق قومه فلما جاوزوا البحر رأوا قوما يعكفون على أصنام لهم فقالوا: يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة [الأعراف: 138] . فقال لهم موسى عليه السلام: إنكم قوم تجهلون. إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون [الأعراف: 138] . فأى جهل فوق هذا والعهد قريب وإهلاك المشركين أمامهم بمرأى من عيونهم. فطلبوا من موسى عليه السلام أن يجعل لهم إلها. فطلبوا من مخلوق أن يجعل لهم إلها مخلوقا وكيف يكون الإله مجعولا فإن الإله هو الجاعل لكل ما سواه. والمجعول مربوب مصنوع فيستحيل أن يكون إلها.(2\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "692",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1964",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما أكثر الخلف لهؤلاء فى اتخاذ إله مجعول فكل من اتخذ إلها غير الله فقد اتخذ إلها مجعولا. وقد ثبت عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم quot;أنه كان فى بعض غزواته فمروا بشجرة يعلق عليها المشركون أسلحتهم وشاراتهم وثيابهم يسمونها ذات أنواط. فقال بعضهم: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال: الله أكبر قلتم كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ثم قال: لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذةquot;. فصل ومن تلاعبه بهم: عبادتهم العجل من دون الله تعالى وقد شاهدوا ما حل بالمشركين من العقوبة والأخذة الرابية ونبيهم حى لم يمت. هذا وقد شاهدوا صانعه يصنعه ويصوغه ويصليه النار ويدقه بالمطرقة ويسطو عليه بالمبرد ويقلبه بيديه ظهرا لبطن. ومن عجيب أمرهم: أنهم لم يكتفوا بكونه إلههم حتى جعلوه إله موسى. فنسبوا موسى عليه السلام إلى الشرك وعبادة غير الله تعالى بل عبادة أبلد الحيوانات وأقلها دفعا على نفسه بحيث يضرب به المثل فى البلادة والذل. فجعلوه إله كليم الرحمن. ثم لم يكتفوا بذلك حتى جعلوا موسى عليه السلام ضالا مخطئا فقالوا فنسى [طه: 88] . قال ابن عباس quot;أى ضل وأخطأ الطريقquot;.(2\/300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "693",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1965",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفى رواية عنه quot;أى إن موسى ذهب يطلب ربه فضل ولم يعلم مكانهquot;. وعنه أيضا quot;نسى أن يذكر لكم أن هذا إلهه وإلهكمquot;. وقال السدى quot;أى ترك موسى إلهه هاهنا وذهب يطلبهquot;. وقال قتادة quot;أى إن موسى إنما يطلب هذا ولكنه نسيه وخالفه فى طريق آخرquot;. هذا هو القول المشهور: أن قوله quot;فنسىquot; من كلام السامرى وعباد العجل معه. وعن ابن عباس رواية أخرى quot;أن هذا من إخبار الله تعالى عن السامرى: أنه نسى أى ترك ما كان عليه من الإيمانquot;. والصحيح القول الأول. والسياق يدل عليه ولم يذكر البخارى فى التفسير غيره فقال يقولونه: quot;أخطأ الربquot;. فإنه لما جعله إله موسى استحضر سؤالا من بنى إسرائيل يوردونه عليه فيقولون له: إذا كان هذا إله موسى فلأى شيء ذهب عنه لموعد إلهه فأجاب عن هذا السؤال قبل إيراده عليه بقوله quot;فنسىquot;. وهذا من أقبح تلاعب الشيطان بهم. فانظر إلى هؤلاء كيف اتخذوا إلها مصنوعا من جوهر أرضى إنما يكون تحت التراب محتاجا إلى سبك بالنار وتصفية وتخليص لخبثه منه مدقوقا بمطارق الحديد مقلبا فى النار مرة بعد مرة قد نحت بالمبارد وأحدث الصانع صورته وشكله على صورة الحيوان المعروف بالبلادة والذل والضيم. وجعلوه إله موسى ونسبوه إلى الضلال حيث ذهب يطلب إلها غيره. قال محمد بن جرير: وكان سبب اتخاذهم العجل ما حدثنى به عبد الكريم بن الهيثم قال: حدثنى إبراهيم بن بشار الرمادى حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا أبو سعيد عن عكرمة عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال: quot;لما هجم فرعون على البحر هو وأصحابه وكان فرعون على فرس أدهم [ذنوب] فلما هجم فرعون على البحر هاب الحصان أن يقتحم فى البحر فمثل له جبريل على فرس أنثى [وديق] فلما رآها الحصان تقحم خلفها قال: وعرف السامرى(2\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "694",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1966",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جبريل [لأن أمه حين خافت أن يذبح خلفته فى غار وأطبقت عليه. وكان جبريل يأتيه فيغذوه بأصابعه فيجد فى بعض أصابعه لبنا وفى الأخرى عسلا وفى الأخرى سمنا فلم يزل يغذوه حتى نشأ فلما عاينه فى البحر عرفه] . فقبض قبضة من أثر فرسه. قال: أخذ قبضة من تحت الحافر. قال سفيان: وكان ابن مسعود يقرؤها: quot;فقبضت قبضة من أثر فرس الرسولquot;. قال أبو سعيد: قال عكرمة عن ابن عباس quot;وألقى فى روع السامرى: إنك لا تلقيها على شيء فتقول: كن كذا وكذا إلا كان فلم تزل القبضة معه فى يده حتى جاوز البحر فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر وأغرق الله آل فرعون. قال موسى لأخيه هارون: اخلفنى فى قومى وأصلح ومضى موسى لموعد ربه. قال: وكان مع بنى إسرائيل حلى من حلى آل فرعون قد استعاروه فكأنهم تأثموا منه فأخرجوه لتنزل النار فتأكله. فلما جمعوه قال السامرى بالقبضة التى كانت فى يده هكذا. [وأومأ ابن إسحاق بيده هكذا]  فقذفها فيه وقال: كن عجلا جسدا له خوار فصار عجلا جسدا له خوار فكان يدخل الريح من دبره ويخرج من فيه يسمع له صوت. فقال هذا إلهكم وإله موسى [طه: 88] . فعكفوا على العجل يعبدونه. فقال هارون: يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعونى وأطيعوا أمرى قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى [طه: 89 - 90] . وقال السدى quot;لما أمر الله موسى أن يخرج ببنى إسرائيل من أرض مصر أمر موسى بنى إسرائيل أن يخرجوا وأمرهم أن يستعيروا الحلى من القبط. فلما نجى الله موسى ومن معه من بنى إسرائيل من البحر وأغرق آل فرعون أتى جبريل إلى موسى ليذهب به إلى الله فأقبل على فرس فرآه السامرى فأنكره. ويقال: إنه فرس الحياة. فقال حين رآه: إن لهذا لشأنا فأخذ من تربة حافر الفرس. فانطلق موسى عليه السلام واستخلف هارون على بنى إسرائيل وواعدهم ثلاثين ليلة فأتمها الله تعالى بعشر. فقال لهم هارون: يا بنى إسرائيل إن الغنيمة لا تحل لكم وإن حلى القبط إنما هو غنيمة فاجمعوها جميعا(2\/302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "695",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1967",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحفروا لها حفرة فادفنوها فإن جاء موسى فأحلها أخذ تموها [وإلا كان شيئا لم تأكلوه] فجمعوا ذلك الحلى فى تلك الحفرة وجاء السامرى بتلك القبضة فقذفها فأخرج الله من الحلى عجلا جسدا له خوار [وعدت بنو إسرائيل موعد موسى فعدوا الليلة يوما واليوم يوما. فلما كان تمام العشرين أخرج لهم العجل] فلما رأوه قال لهم السامرى- هذا إلهكم وإله موسى فنسى- يقول: ترك موسى إلهه هاهنا وذهب يطلبه. فعكفوا عليه يعبدونه وكان يخور ويمشى فقال لهم هارون: يا بنى إسرائيل إنما فتنتم به يقول إنما ابتليتم بالعجل: وإن ربكم الرحمن [طه: 90]  فأقام هارون ومن معه من بنى إسرائيل لا يقاتلونهم. وانطلق موسى إلى الله يكلمه فلما كلمه قال له: ما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثرى وعجلت إليك رب لترضى قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامرى [طه: 83-85] . فأخبره خبرهم. قال موسى: quot;يا رب هذا السامرى أمرهم أن يتخذوا العجل.(2\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "696",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1968",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالروح من نفخها فيه قال الرب تعالى: أنا قال: يا رب أنت إذا أضللتهمquot;. وقال ابن إسحق عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: quot;كان السامرى [من أهل باجرما] من قوم يعبدون البقر فكان يحب عبادة البقر فى نفسه وكان قد أظهر الإسلام فى بنى إسرائيل. فلما ذهب موسى إلى ربه قال لهم هارون: أنتم قد حملتم أوزارا من زينة القوم آل فرعون وأمتعة وحليا فتطهروا منها فإنها نجس وأوقد لهم نارا. فقال: اقذفوا ما كان معكم من ذلك فيها فجعلوا يأتون بما كان معهم من تلك الأمتعة والحلى فيقذفون به فيها حتى إذا انكسر الحلى فيها ورأى السامرى أثر فرس جبريل فأخذ ترابا من أثر فرس جبريل فأخذ ترابا من أثر حافره ثم أقبل إلى النار فقال لهارون: يا نبى الله ألقى ما فى يدى ولا يظن هارون إلا أنه كبعض ما جاء به غيره من الحلى والأمتعة. فقذفه فيها فقال: كن عجلا جسدا له خوار فكان البلاء والفتنة. فقال هذا إلهكم وإله موسى فعكفوا عليه وأحبوه حبا لم يحبوا شيئا مثله قط. يقول الله عز وجل: فنسى أى ترك ما كان عليه من الإسلام يعنى السامرى. أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا [طه: 89] . [وكان اسم السامرى موسى بن ظفر وقع فى أرض مصر فدخل فى بنى إسرائيل] . فلما رأى هارون ما وقعوا فيه قال: يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعونى وأطيعوا أمرى. قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسي [طه:90] . فأقام هارون فيمن معه من المسلمين ممن لم يفتتن وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل وتخوف هارون إن سار بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: فرقت بين بنى إسرائيل ولم ترقب قولى [طه: 94] . وكان له هائبا مطيعا. فقال تعالى مذكرا لبنى إسرائيل بهذه القصة التى جرت لأسلافهم مع نبيهم(2\/304)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "697",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1969",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده [البقرة: 51] . يعنى من بعد ذهابه إلى ربه وليس المراد من بعد موته. وأنتم ظالمون [البقرة: 51] . أى بعبادة غير الله تعالى لأن الشرك أظلم الظلم لأن المشرك وضع العبادة فى غير موضعها. فلما قدم موسى عليه السلام ورأى ما أصاب قومه من الفتنة اشتد غضبه وألقى الألواح عن رأسه وفيها كلام الله الذى كتبه له وأخذ برأس أخيه ولحيته ولم يعتب الله عليه فى ذلك لأنه حمله عليه الغضب لله. وكان الله عز وجل قد أعلمه بفتنة قومه ولكن لما رأى الحال مشاهدة حدث له غضب آخر فإنه ليس الخبر كالمعاينة. فصل ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة فى حياة نبيهم أيضا: ما قصه الله تعالى فى كتابه حيث يقول: وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة [البقرة: 55] [أى عيانا] . قال ابن جرير: ذكرهم الله سبحانه بذلك اختلاف آبائهم وسوء استقامة أسلافهم لأنبيائهم مع كثرة معاينتهم من آيات الله ما يثلج بأقلها الصدور وتطمئن بالتصديق معها النفوس. وذلك مع تتابع الحجج عليهم وسبوغ النعم من الله تعالى لديهم. وهم مع ذلك مرة يسألون نبيهم أن يجعل لهم إلها غير الله ومرة يعبدون العجل من دون الله ومرة يقولون: لا نصدقك حتى نرى الله جهرة وأخرى يقولون له إذا دعوا إلى القتال. اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون [المائدة: 24] ومرة يقال لهم قولوا حطة(2\/305)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "698",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1970",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطاياكم [البقرة: 58] . فيقولون quot;حبة فى شعيرةquot; ويدخلون من قبل أستاههم. ومرة يعرض عليهم العمل بالتوراة فيمتنعون من ذلك حتى نتق الله تعالى عليهم الجبل كأنه ظلة إلى غير ذلك من أفعالهم التى آذوا بها نبيهم التى يكثر إحصاؤها. فأعلم ربنا تبارك وتعالى الذين خاطبهم بهذه الآيات من يهود بنى إسرائيل الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنهم لن يعدوا أن يكونوا فى تكذيبهم محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم وجحودهم نبوته وتركهم الإقرار به وبما جاء به مع علمهم به ومعرفتهم بحقيقة أمره كأسلافهم وآبائهم الذين قص الله علينا قصصهم. وقال محمد بن إسحق: لما رجع موسى إلى قومه فرأى ما هم فيه من عبادة العجل وقال لأخيه وللسامرى ما قال وحرق العجل وذراه فى اليم اختار موسى منهم سبعين رجلا الخير فالخير وقال: انطلقوا إلى الله عز وجل فتوبوا إلى الله مما صنعتم واسألوه التوبة على من تركتم وراءكم من قوكم فصوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه وكان لا يأتيه إلا بإذن منه فقال له السبعون - فيما ذكر لى - حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا للقاء الله: يا موسى اطلب لنا إلى ربك أن نسمع كلام ربنا فقال: أفعل فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل كله ودنا موسى فأدخل فيه وقال للقوم: ادنوا وكان موسى عليه السلام إذا كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بنى آدم أن ينظر إليه. فضرب دونه بالحجاب ودنا القوم حتى إذا دخلوا فى الغمام وقعوا سجودا فسمعوه تعالى وهو يكلم نبيه موسى يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل. فلما فرغ الله من أمره انكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم فقالوا لموسى عليه السلام: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة [البقرة: 55] . فماتوا جميعا. وقام موسى عليه السلام يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول: رب لو شئت أهلكتهم(2\/306)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "699",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1971",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من قبل وإياى أتهلكنا بما فعل السفهاء منا [الأعراف: 155] . فإن قيل: فما مقصود موسى بقوله: لو شئت أهلكتهم من قبل [الأعراف: 155] . فقد ذكر فيه وجوه: فقال السدى: لما ماتوا قام موسى يبكى ويقول: يا رب ماذا أقول لبنى إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم. وقال محمد بن إسحق: اخترت منهم سبعين رجلا الخير فالخير أرجع إليهم وليس معى منهم رجل واحد فما الذى يصدقونى به أو يأمنونى عليه بعد هذا. وعلى هذا فالمعنى: لو شئت أهلكتهم من قبل خروجنا. فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهموننى. وقال الزجاج: المعنى: لو شئت أهلكتهم من قبل أن تبتليهم بما أوجب عليهم الرجفة. قلت: وهؤلاء كلهم حاموا حول المقصود. والذى يظهر- والله أعلم بمراده ومراد نبيه: أن هذا استعطاف من موسى عليه السلام لربه وتوسل إليه بعفوه عنهم من قبل حين عبد قومهم العجل ولم ينكروا عليهم. يقول موسى: إنهم قد تقدم منهم ما يقتضى هلاكهم. ومع هذا فوسعهم عفوك ومغفرتك ولم تهلكهم فليسعهم اليوم ما وسعهم من قبل. وهذا كما يقول من واخذه سيده بجرم: لو شئت واخذتنى من قبل هذا بما هو أعظم من هذا الجرم ولكن وسعنى عفوك أولا فليسعنى اليوم. ثم قال نبى الله أتهلكنا بما فعل السفهاء منا [الأعراف: 155] . فقال ابن الأنبارى وغيره: هذا استفهام على معنى الجحد أى لست تفعل ذلك. والسفهاء هنا: عبدة العجل. قال الفراء: ظن موسى أنهم أهلكوا باتخاذ قومهم العجل فقال: أتهلكنا بما فعل(2\/307)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "700",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1972",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السفهاء منا [الأعراف: 155] . وإنما كان إهلاكهم بقولهم: أرنا الله جهرة [البقرة: 55] ثم قال إن هى إلا فتنتك [الأعراف: 155] . وهذا من تمام الاستعطاف أى ما هى إلا ابتلاؤك واختبارك لعبادك. فأنت ابتليتهم وامتحنتهم فالأمر كله لك وبيدك لا يكشفه إلا أنت كما لم يمتحن به ويختبر به إلا أنت. فنحن عائذون بك منك. ولاجئون منك إليك. فصل ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة وكيده لهم: أنهم قيل لهم وهم مع نبيهم والوحى ينزل عليه من الله تعالى: ادخلوا هذه القرية [البقرة: 58] . قال قتادة وابن زيد والسدى وابن جرير وغيرهم: هى قرية بيت المقدس: فكلوا منها حيث شئتم رغدا [البقرة: 58]  أى: هنيئا واسعا وادخلوا الباب سجدا [البقرة: 58] . قال السدى: هو باب من أبواب بيت المقدس. وكذلك قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال: والسجود بمعنى الركوع. وأصل السجود: الانحناء لمن تعظمه. فكل منحن لشيء تعظيما له فهو ساجد قاله ابن جرير وغيره. قلت: وعلى هذا فانحناء المتلاقيين عند السلام أحدهما لصاحبه من السجود المحرم وفيه نهى صريح عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. ثم قيل لهم قولوا حطة [البقرة: 58] . أى حط عنا خطايانا. هذا قول الحسن وقتادة وعطاء. وقال عكرمة وغيره: أى قولوا: quot;لا إله إلا اللهquot; وكأن أصحاب هذا القول اعتبروا الكلمة التى تحط بها الخطايا وهى كلمة التوحيد. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس quot;أمروا بالاستغفارquot;.(2\/308)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "701",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1973",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعلى القولين: فيكونون مأمورين بالدخول بالتوحيد والاستغفار وضمن لهم بذلك مغفرة خطاياهم. فتلاعب الشيطان بهم فبدلوا قولا غير الذى قيل لهم وفعلا غير الذى أمروا به. فروى البخارى فى صحيحه ومسلم أيضا من حديث همام بن منبه عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: quot;قيل لبنى إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم وقالوا: حبة فى شعرة. فبدلوا القول والفعل معا. فأنزل الله عليهم رجزا من السماءquot;. قال أبو العالية: هو الغضب. وقال ابن زيد: هو الطاعون. وعلى هذا فالطاعون بالرصد لمن بدل دين الله قولا وعملا. فصل ومن تلاعب الشيطان بهم: أنهم كانوا فى البرية قد ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى فملوا ذلك وذكروا عيش الثوم والبصل والعدس والبقل والقثاء. فسألوه موسى عليه السلام. وهذا من سوء اختيارهم لأنفسهم وقلة بصرهم بالأغذية النافعة الملائمة واستبدال الأغذية الضارة القليلة التغذية منها ولهذا قال لهم موسى عليه السلام: أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير اهبطوا مصرا -أى مصرا من الأمصار- فإن لكم ما سألتم [البقرة: 61] .(2\/309)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "702",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1974",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكانوا فى أفسح الأمكنة وأوسعها وأطيبها هواء وأبعدها عن الأذى ومجاورة الأنتان والأقذار سقفهم الذى يظلهم من الشمس: الغمام وطعامهم: السلوى وشرابهم: المن. قال ابن زيد: كان طعام بنى إسرائيل فى التيه واحدا وشرابهم واحدا. كان شرابهم عسلا ينزل من السماء يقال له: المن. وطعامهم طير يقال له: السلوى يأكلون الطير ويشربون العسل لم يكن لهم خبز ولا غيره. ومعلوم فضل هذا الغذاء والشراب على غيرهما من الأغذية والأشربة. وكانوا مع ذلك يتفجر لهم من الحجر اثنا عشر عينا من الماء. فطلبوا الاستبدال بما هو دون ذلك بكثير. فذموا على ذلك فكيف بمن استبدل الضلال بالهدى والغى بالرشاد والشرك بالتوحيد والسنة بالبدعة وخدمة الخالق بخدمة المخلوق والعيش الطيب فى المساكن الطيبة فى جوار الله تعالى بحظه من العيش النكد الفانى فى هذه الدار(2\/310)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "703",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1975",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومن تلاعبه بهم: أنهم لما عرضت عليهم التوراة لم يقبلوها وقد شاهدوا من الآيات ما شاهدوه حتى أمر الله سبحانه جبريل فقلع جبلا من أصله على قدرهم. ثم رفعه فوق رؤوسهم وقيل لهم: إن لم تقبلوها ألقيناه عليكم فقبلوها كرها. قال الله تعالى: وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون [الأعراف: 171] . قال عبد الله بن وهب قال ابن زيد: لما رجع موسى من عند ربه بالألواح قال لبنى إسرائيل: إن هذه الألواح فيها كتاب الله وأمره الذى أمركم به ونهيه الذى نهاكم عنه. فقالوا: ومن يأخذ بقولك أنت لا والله حتى نرى الله جهرة حتى يطلع الله إلينا فيقول: هذا كتابى فخذوه. فما له لا يكلمنا كما كلمك أنت يا موسى فيقول: هذا كتابى فخذوه فجاءت غضبة من الله تعالى. فجاءتهم صاعقة فصعقتهم فماتوا أجمعون. قال: ثم أحياهم الله تعالى بعد موتهم. فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله. فقالوا: لا. فقال: أى شيء أصابكم قالوا: متنا ثم حيينا. فقال: خذوا كتاب الله. قالوا: لا. قال: فبعث الله ملائكته فنتقت الجبل فوقهم فقيل لهم: أتعرفون هذا قالوا: نعم الطور. قال: خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم. قال: فأخذوه بالميثاق. وقال السدى: لما قال الله تعالى لهم: ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة [البقرة: 58] . فأبوا أن يسجدوا فأمر الله الجبل أن يرتفع فوق رؤوسهم فنظروا إليه وقد غشيهم فسقطوا سجدا على شق ونظروا بالشق الآخر فكشفه عنهم ثم تولوا من بعد هذه الآيات وأعرضوا(2\/311)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "704",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1976",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولم يعملوا بما فى كتاب الله ونبذوه وراء ظهورهم. فقال تعالى مذكرا لهؤلاء بما جرى من أسلافهم. وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين [البقرة: 63 - 64] . فصل ومن تلاعبهم بهم: أن الله سبحانه أنجاهم من فرعون وسلطانه وظلمه وفرق بهم البحر وأراهم الآيات والعجائب ونصرهم وآواهم وأعزهم وآتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين. ثم أمرهم أن يدخلوا القرية التى كتب الله لهم وفى ضمن هذا بشارتهم بأنهم منصورون ومفتوح لهم. وأن تلك القرية لهم. فأبوا طاعته وامتثال أمره وقابلوا هذا الأمر والبشارة بقولهم: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون [المائدة: 24] . وتأمل: تلطف نبى الله تعالى موسى عليه السلام بهم وحسن خطابه لهم وتذكيرهم بنعم الله عليهم وبشارتهم بوعد الله لهم: بأن القرية مكتوبة لهم ونهيهم عن معصيته بارتدادهم على أدبارهم وأنهم إن عصوا أمره ولم يمتثلوا انقلبوا خاسرين. فجمع لهم بين الأمر والنهى والبشارة والنذارة والترغيب والترهيب والتذكير بالنعم السالفة. فقابلوه أقبح المقابلة. فعارضوا أمر الله تعالى بقولهم: يا موسى إن فيها قوما جبارين [المائدة: 22] . فلم يوقروا رسول الله وكليمه حتى نادوه باسمه ولم يقولوا: يا نبى الله. وقالوا: quot;إن فيها قوما جبارينquot; ونسوا قدرة جبار السماوات والأرض الذى يذل الجبابرة لأهل طاعته. وكان خوفهم من أولئك الجبارين - الذين نواصيهم بيد الله- أعظم من خوفهم من الجبار الأعلى سبحانه وكانوا أشد رهبة فى صدورهم منه. ثم صرحوا بالمعصية والامتناع من الطاعة. فقالوا: إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها [المائدة: 22] . فأكدوا معصيتهم بأنواع من التأكيد.(2\/312)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "705",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1977",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها: تمهيد عذر العصيان بقولهم: إن فيها قوما جبارين [المائدة: 22] . والثانى: تصريحهم بأنهم غير مطيعين وصدروا الجملة بحرق تأكيد وهو quot;إنquot; ثم حققوا النفى بأداة quot;لنquot; الدالة على نفى المستقبل: أى لا ندخلها الآن ولا فى المستقبل. ثم علقوا دخولها بشرط خروج الجبارين منها فقال لهم: رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما [المائدة: 23] . بطاعته والانقياد إلى أمره من الذين يخافون الله. هذا قول الأكثرين وهو الصحيح. وقيل: من الذين يخافونهم من الجبارين أسلما واتبعا موسى عليه السلام: ادخلوا عليهم الباب [المائدة: 23] . أى باب القرية فاهجموا عليهم فإنهم قد ملئوا منكم رعبا: فإذا دخلتموه فإنكم غالبون [المائدة: 23] . ثم أرشدهم إلى ما يحقق النصر والغلبة لهم وهو التوكل. فكان جواب القوم أن قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون [المائدة: 24] . فسبحان من عظم حلمه حيث يقابل أمره بمثل هذه المقابلة ويواجه رسوله بمثل هذا الخطاب وهو يحلم عنهم ولا يعاجلهم بالعقوبة بل وسعهم حلمه وكرمه وكان أقصى ما عاقبهم به: أن رددهم فى برية التيه أربعين عاما يظل عليهم الغمام من الحر وينزل عليهم المن والسلوى. وفى الصحيحين: عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: quot;لقد شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلى مما عدل به أتى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكنا نقاتل عن يمينك وشمالك وبين يديك ومن خلفك. فرأيت رسول الله صلى الله تعالى وسلم أشرق وجهه لذلك وسر بهquot;.(2\/313)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "706",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1978",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فما قابلوا نبى الله بهذه المقابلة. قال رب لا أملك إلا نفسى وأخى فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين. قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون فى الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين [المائدة: 25] . فصل ومن تلاعبه بهم فى حياة نبيهم أيضا: ما قصه الله سبحانه وتعالى [البقرة: 67 - 74] فى كتابه من قصة القتيل الذى قتلوه وتدافعوا فيه حتى أمروا بذبح بقرة وضربه ببعضها. وفى القصة أنواع من العبر: منها: أن الإخبار بها من أعلام نبوه رسول الله تعالى عليه وآله وسلم. ومنها: الدلالة على نبوة موسى وأنه رسول رب العالمين. ومنها: الدلالة على صحة ما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم: من معاد الأبدان وقيام الموتى من قبورهم. ومنها: إثبات الفاعل المختار وأنه عالم بكل شيء قادر على كل شيء عدل لا يجوز عليه الظلم والجور حكيم لا يجوز عليه العبث. ومنها: إقامة أنواع الآيات والبراهين والحجج على عباده بالطرق المتنوعات زيادة فى هداية المهتدين وإعذار وإنذارا للضال.(2\/314)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "707",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1979",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: أنه لا ينبغى مقابلة أمر الله تعالى بالتعنت وكثرة الأسئلة بل يبادر إلى الامتثال فإنهم لما أمروا أن يذبحوا بقرة كان الواجب عليهم أن يبادروا إلى الامتثال بذبح أى بقرة اتفقت فإن الأمر بذلك لا إجمال فيه ولا إشكال بل هو بمنزلة قوله: أعتق رقبة وأطعم مسكينا وصم يوما ونحو ذلك ولذلك غلط من احتج بالآية على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب فإن الآية غنية عن البيان المنفصل مبينة بنفسها ولكن لما تعنتوا وشدودا شدد عليهم. قال أبو جعفر بن جرير عن الربيع عن أبى العالية quot;لو أن القوم حين أمروا أن يذبحوا بقرة استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها لكانت إياها. ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهمquot;. ومنها: أنه لا يجوز مقابلة أمر الله الذى لا يعلم المأمور به وجه الحكمة فيه بالإنكار. وذلك نوع من الكفر. فإن القوم لما قال لهم نبيهم: إن الله يأمر كم أن تذبحوا بقرة [البقرة: 67] . قابلوا هذا الأمر بقولهم: أتتخذنا هزوا [البقرة: 67] . فلما لم يعلموا وجه الحكمة فى ارتباط هذا الأمر بما سألوه عنه قالوا: أتتخذنا هزوا [البقرة: 67] . وهذا من غاية جهلهم بالله ورسوله. فإنه أخبرهم عن أمر الله لهم بذلك ولم يكن هو الآمر به. ولو كان هو الآمر به لم يجز لمن آمن بالرسول أن يقابل أمره بذلك. فلما قال لهم: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين [البقرة: 67] . وتيقنوا أن الله سبحانه أمره بذلك أخذوا فى التعنت بسؤالهم عن عينها ولونها. فلما أخبروا عن ذلك رجعوا إلى السؤال مرة ثالثة عن عينها. فلما تعينت لهم ولم يبق إشكال توقفوا فى الامتثال ولم يكادوا يفعلون.(2\/315)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "708",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1980",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم من أقبح جهلهم وظلمهم قولهم لنبيهم: الآن جئت بالحق [البقرة: 71] . فإن أرادوا بذلك: إنك لم تأت بالحق قبل ذلك فى أمر البقرة فتلك ردة وكفر ظاهر. وإن أرادوا: أنك الآن بينت لنا البيان التام فى تعيين البقرة المأمور بذبحها فذلك جهل ظاهر فإن البيان قد حصل بقوله: إن الله يأمر كم أن تذبحوا بقرة [البقرة: 67] . فإنه لا إجمال فى الأمر ولا فى الفعل ولا فى المذبوح فقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحق من أول مرة. قال محمد بن جرير: وقد كان بعض من سلف يزعم أن القوم ارتدوا عن دينهم وكفروا بقولهم لموسى quot;الآن جئت بالحقquot; وزعم أن ذلك نفى منهم أن يكون موسى عليه السلام أتاهم بالحق فى أمر البقرة قبل ذلك وأن ذلك كفر منهم قال: وليس الأمر كما قال عندنا لأنهم قد أذعنوا بالطاعة بذبحها وإن كان قولهم الذى قالوا لموسى جهلا منهم وهفوة من هفواتهم.(2\/316)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "709",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1981",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومنها: الإخبار عن قساوة قلوب الأمة وغلظها وعدم تمكن الإيمان فيها. قال عبد الصمد بن معقل عن وهب: كان ابن عباس يقول quot;إن القوم بعد أن أحيى الله تعالى الميت فأخبرهم بقاتله أنكروا قتله. وقالوا: والله ما قتلناه بعد أن رأوا الآيات والحقquot; قال الله تعالى: ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهى كالحجارة أو أشد قسوة [البقرة: 74] . ومنها: مقابلة الظالم الباغى بنقيض قصده شرعا وقدرا. فإن القاتل قصده ميراث المقتول ودفع القتل عن نفسه ففضحه الله تعالى وهتكه وحرمه ميراث المقتول. ومنها: أن بنى إسرائيل فتنوا بالبقرة مرتين من بين سائر الدواب. ففتنوا بعبادة العجل وفتنوا بالأمر بذبح البقرة. والبقر من أبلد الحيوان حتى ليضرب به المثل. والظاهر: أن هذه القصة كانت بعد قصة العجل. ففى الأمر بذبح البقرة تنبيه على أن هذا النوع من الحيوان الذى لا يمتنع من الذبح والحرث والسقى لا يصلح أن يكون إلها معبودا من دون الله تعالى وأنه إنما يصلح للذبح والحرث والسقى والعمل. فصل ومن تلاعبه بهذه الأمة أيضا: ما قصه الله تعالى علينا [البقرة: 65 - 66] من قصة أصحاب السبت حتى مسخهم قردة لما تحيلوا على استحلال محارم الله تعالى. ومعلوم أنهم كانوا يعصون الله تعالى بأكل الحرام واستباحة الفروج والحرام(2\/317)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "710",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1982",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والدم الحرام. وذلك أعظم إثما من مجرد العمل يوم السبت. ولكن لما استحلوا محارم الله تعالى بأدنى الحيل وتلاعبوا بدينه وخادعوه مخادعة الصبيان ومسخوا دينه بالاحتيال مسخهم الله تعالى قردة. وكان الله تعالى قد أباح لهم الصيد فى كل أيام الأسبوع إلا يوما واحدا فلم يدعهم حرصهم وجشعهم حتى تعدوا إلى الصيد فيه وساعد القدر بأن عوقبوا بإمساك الحيتان عنهم فى غير يوم السبت وإرسالها عليهم يوم السبت وهكذا يفعل الله سبحانه بمن تعرض لمحارمه. فإنه يرسلها عليه بالقدر تزدلف إليه بأيها يبدأ. فانظر ما فعل الحرص وما أوجب من الحرمان بالكلية. ومن هاهنا قيل: من طلبه كله فاته كله. فصل ومن تلاعب الشيطان بهم أيضا: أنهم لما حرمت عليهم الشحوم أذابوها ثم باعوها وأكلوا أثمانها وهذا من عدم فقههم وفهمهم عن الله تعالى دينه. فإن ثمنها بدل منها. فتحريمها تحريم لبدلها والمعاوضة عنها. كما أن تحريم الخمر والميتة والدم ولحم الخترير يتناول تحريم أعيانها وأبدالها.(2\/318)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "711",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1983",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن تلاعبه بهم أيضا: اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد وقد لعنهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على ذلك ولعنته تتناول من فعل فعلهم. ومن تلاعبه بهم أيضا: أنهم كانوا يقتلون الأنبياء الذين لا تنال الهداية إلا على أيديهم. ويتخذون أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله تعالى يحرمون عليهم ويحلون لهم. فيأخذون بتحريمهم وتحليلهم. ولا يلتفتون: هل ذلك التحريم والتحليل من عند الله تعالى أم لا. قال عدى بن حاتم: quot;أتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فسألته عن قوله. اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله [التوبة: 31] . فقلت: يا رسول الله ما عبدوهم فقال: حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فأطاعوهم. فكانت تلك عبادتهم إياهمquot; رواه الترمذى وغيره. وهذا من أعظم تلاعب الشيطان بالإنسان: أن يقتل أو يقاتل من هداه على يديه ويتخذ من لم تضمن له عصمته ندا لله يحرم عليه ويحلل له. ومن تلاعبه بهم: ما كان منهم فى شأن زكريا ويحيى عليهما السلام وقتلهم لهما حتى سلط الله عليهم بختنصر وسنحاريب وجنودهما فنالوا منهم ما نالوه.(2\/319)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "712",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1984",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم كان منهم فى شأن المسيح ورميه وأمه بالعظائم وهم يعلمون أنه رسول الله تعالى إليهم فكفروا به بغيا وعنادا وراموا قتله وصلبه فصانه الله تعالى من ذلك ورفعه إليه وطهره منهم. فأوقعوا القتل والصلب على شبهه وهم يظنون أنه رسول الله عيسى صلى الله تعالى عليه وسلم. فانتقم الله تعالى منهم ودمر عليهم أعظم تدمير وألزمهم كلهم حكم الكفر بتكذيبهم بالمسيح كما ألزم النصارى معهم حكم الكفر بتكذيبهم بمحمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. ولم يزل أمر اليهود بعد تكذيبهم بالمسيح وكفرهم به فى سفال ونقص إلى أن قطعهم الله تعالى فى الأرض أمما ومزقهم كل ممزق وسلبهم عزهم وملكهم فلم يقم لهم بعد ذلك ملك إلى أن بعث الله تعالى محمدا صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فكفروا به وكذبوه فأتم عليهم غضبه ودمرهم غاية التدمير وألزمهم ذلا وصغارا لا يرفع عنهم إلى أن ينزل أخوه المسيح من السماء فيستأصل شأفتهم ويطهر الأرض منهم ومن عباد الصليب. قال تعالى: بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين [البقرة: 90] . فالغضب الأول: بسبب كفرهم بالمسيح والغضب الثانى: بسبب كفرهم بمحمد صلوات الله وسلامه عليهما. فصل ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة: أن ألقى إليهم أن الرب تعالى محجور عليه فى نسخ الشرائع فحجروا عليه أن يفعل ما يشاء(2\/320)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "713",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1985",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويحكم ما يريد وجعلوا هذه الشبهة الشيطانية ترسا لهم فى جحد نبوة رسول الله محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. وقرروا ذلك بأن النسخ يستلزم البداء وهو على الله تعالى محال. وقد أكذبهم الله سبحانه فى نص التوراة كما أكذبهم فى القرآن. قال الله تعالى: كل الطعام كان حلا لبنى إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين [آل عمران: 93- 95] . فتضمنت هذه الآيات بيان كذبهم صريحا فى إبطال النسخ فإنه سبحانه وتعالى أخبر أن الطعام كله كان حلالا لبنى إسرائيل قبل نزول التوراة سوى ما حرم إسرائيل على نفسه منه. ومعلوم أن بنى إسرائيل كانوا على شريعة أبيهم إسرائيل وملته وأن الذى كان لهم حلالا إنما هو بإحلال الله تعالى له على لسان إسرائيل والأنبياء بعده إلى حين نزول التوراة ثم جاءت التوراة بتحريم كثير من المآكل عليهم التى كانت حلالا لبنى إسرائيل وهذا محض النسخ. وقوله تعالى: من قبل أن تنزل التوراة [آل عمران: 93] متعلق بقوله: كان حلا لبنى إسرائيل. أى كان حلالا لهم قبل نزول التوراة وهم يعلمون ذلك. ثم قال تعالى: قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين [آل عمران: 93] . هل تجدون فيها أن إسرائيل حرم على نفسه ما حرمته التوراة عليكم أم تجدون فيها تحريم ما خصه بالتحريم وهى لحوم الإبل وألبانها خاصة. وإذا كان إنما حرم هذا وحده وكان ما سواه حلالا له ولبنيه وقد حرمت التوراة كثيرا منه ظهر كذبكم وافتراؤكم فى إنكار نسخ الشرائع والحجر على الله تعالى فى نسخها. فتأمل هذا الموضع الشريف الذى حام حوله أكثر المفسرين وما وردوه. وهذا أولى من احتجاج كثير من أهل الكلام عليهم بأن التوراة حرمت أشياء كثيرة(2\/321)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "714",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1986",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من المناكح والذبائح والأفعال والأقوال. وذلك نسخ لحكم البراءة الأصلية فإن هذه المناظرة ضعيفة جدا. فإن القوم لم ينكروا رفع البراءة الأصلية بالتحريم والإيجاب إذ هذا شأن كل الشرائع وإنما أنكروا تحريم ما أباحه الله تعالى فيجعله حراما أو تحليل ما كان حرمه فيجعله مباحا. وأما رفع البراءة والاستصحاب فلم ينكره أحد من أهل الملل. ثم يقال لهذه الأمة الغضبية: هل تقرون أنه كان قبل التوراة شريعة أم لا فهم لا ينكرون أن يكون قبل التوراة شريعة. فيقال لهم: فهل رفعت التوراة شيئا من أحكام تلك الشرائع المتقدمة أم لا فإن قالوا: لم ترفع شيئا من أحكام تلك الشرائع فقد جاهروا بالكذب والبهت وإن قالوا: قد رفعت بعض الشرائع المتقدمة فقد أقروا بالنسخ قطعا.(2\/322)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "715",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1987",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأيضا فيقال للأمة الغضبية: هل أنتم اليوم على ما كان عليه موسى عليه السلام فإن قالوا: نعم قلنا أليس فى التوراة أن من مس عظم ميت أو وطئ قبرا أو حضر ميتا عند موته فإنه يصير من النجاسة بحال لا مخرج له منها إلا برماد البقرة التى كان الإمام الهارونى يحرقها فلا يمكنهم إنكار ذلك. فيقال لهم: فهل أنتم اليوم على ذلك. فإن قالوا: لا نقدر عليه فيقال لهم: لم جعلتم أن من مس العظم والقبر والميت طاهرا يصلح للصلاة والذى فى كتابكم خلافه. فإن قالوا: لأنا عدمنا أسباب الطهارة وهى رماد البقرة وعدمنا الإمام المطهر ليستغفر. فيقال لهم: فهل أغناكم عدمه عن فعله أو لم يغنكم فإن قالوا: أغنانا عدمه عن فعله. قيل لهم: قد تبدل الحكم الشرعى من الوجوب إلى إسقاطه لمصلحة التعذر. فيقال: وكذلك يتبدل الحكم الشرعى بنسخه لمصلحة النسخ فإنكم إن بنيتم على اعتبار المصالح والمفاسد فى الأحكام فلا ريب أن الشيء يكون مصلحة فى وقت دون وقت وفى شريعة دون أخرى كما كان تزويج الأخ بالأخت مصلحة فى شريعة آدم عليه السلام ثم صار مفسدة فى سائر الشرائع وكذلك إباحة العمل يوم السبت كان مصلحة فى شريعة إبراهيم عليه السلام ومن قبله وفى سائر الشرائع ثم صار مفسدة فى شريعة موسى عليه السلام وأمثال ذلك كثيرة. وإن منعتم مراعاة المصالح فى الأحكام ومنعتم تعليلها بها فالأمر حينئذ أظهر فإنه سبحانه يحلل ما يشاء ويحرم ما يشاء والتحليل والتحريم تبع لمجرد مشيئته لا يسأل عما يفعل. وإن قلتم: لا نستغنى فى الطهارة عن ذلك الطهور الذى كان عليه أسلافنا فقد أقررتم بأنكم الأنجاس أبدا ولا سبيل لكم إلى حصول الطهارة.(2\/323)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "716",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1988",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قالوا: نعم الأمر كذلك. قيل لهم: فإذا كنتم أنجاسا على مقتضى أصولكم فما بالكم تعتزلون الحائض بعد انقطاع الحيض وارتفاعه سبعة أيام اعتزالا تخرجون فيه إلى حد لو أن أحدكم لمس ثوبه ثوب المرأة نجستموه مع ثوبه. فإن قلتم: ذلك من أحكام التوراة. قيل لكم: ليس فى التوراة أن ذلك يراد به الطهارة فإذا كانت الطهارة قد تعذرت عندكم والنجاسة التى أنتم عليها لا ترتفع بالغسل فهى إذا أشد من نجاسة الحيض. ثم إنكم ترون أن الحائض طاهر إذا كانت من غير ملتكم ولا تنجسون من لمسها ولا الثوب الذى تلمسه فتخصيص هذا الأمر بطائفتكم ليس فى التوراة. فصل قالت الأمة الغضبية: التوراة قد حظرت أمورا كانت مباحة من قبل ولم تأت بإباحة محظور والنسخ الذى ننكره ونمنع منه: هو ما أوجب إباحة محظور لأن تحريم الشيء إنما هو لأجل ما فيه من المفسدة فإذا جاءت شريعة بتحريمه كان ذلك من مؤكداتها ومقرراتها فإذا جاء من أباحه علمنا بإباحة المفسدة: أنه غير نبى بخلاف تحريم ما كان مباحا فإنا نكون متعبدين بتحريمه. قالوا: وشريعتكم جاءت بإباحة كثير مما حرمته التوراة مع أنه إنما حرم لما فيه من المفسدة. فهذه النكتة هى التى تعتمد عليها الأمة الغضبية ويتلقاها خالف منهم عن سالف والمتكلمون لم يشفوهم فى جوابها. وإنما أطالوا معهم الكلام فى رفع البراءة الأصلية بالشرائع وفى نسخ الإباحة بالتحريم. ولعمر الله إنه لمما يبطل شبهتهم لأن رفع البراءة الأصلية ورفع الإباحة بالتحريم هو تغيير لما كان عليه الحكم الاستصحابى أو الشرعى بحكم آخر لمصلحة اقتضت تغييره ولا فرق فى اقتضاء المصلحة بين تغيير الإباحة بالتحريم أو تغيير التحريم بالإباحة.(2\/324)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "717",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1989",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والشبهة التى عرضت لهم فى أحد الموضعين هى بعينها فى الموضع الآخر فإن إباحة الشى فى الشريعة تابع لعدم مفسدته إذا لو كانت فيه مفسدة راجحة لم تأت الشريعة بإباحته. فإذا حرمته الشريعة الأخرى وجب قطعا أن يكون تحريمه فيها هو المصلحة كما كان إباحته فى الشريعة الأولى هو المصلحة فإن تضمن إباحة الشحوم المحرمة فى الشريعة الأولى هو المصلحة فإن تضمن إباحة الشحوم المحرمة فى الشريعة الأولى إباحة المفاسد- وحاشا لله- تضمن تحريم المباح فى الشريعة الأولى تحريم المصالح. وكلاهما باطل قطعا. فإذا جاز أن تأتى شريعة التوراة بتحريم ما كان إبراهيم ومن تقدمه يستبيحه فجائز أن تأتى شريعة أخرى بتحليل بعض ما كان فى التوراة محظورا. وهذه الشبهة الباطلة الداحضة هى التى ردت بها الأمة الغضبية نبوة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم هى بعينها التى رد بها أسلافهم نبوة المسيح وتوارثوها كافرا عن كافر. وقالوا لمحمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كما قال أسلافهم للمسيح: لا نقر بنبوة من غير شريعة التوراة. فيقال لهم: فكيف أقررتم لموسى بالنبوة وقد جاء بتغيير بعض شرائع من تقدمه فإن قدح ذلك فى المسيح ومحمد عليهما الصلاة والسلام قدح فى موسى فلا تقدحون فى نبوتهما بقادح(2\/325)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "718",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1990",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلا ومثله فى نبوة موسى سواء كما أنكم لا تثبتون نبوءة موسى ببرهان إلا وأضعافه شاهد على نبوة محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. فمن أبين المحال أن يكون موسى رسولا صادقا ومحمد ليس برسول أو يكون المسيح رسولا ومحمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ليس برسول. ويقال للأمة الغضبية أيضا: لا يخلو المحرم إما أن يكون تحريمه لعينه وذاته بحيث تمنع إباحته فى زمان من الأزمنة وإما أن يكون تحريمه لما تضمنه من المفسدة فى زمان دون زمان ومكان دون مكان وحال دون حال. فإن كان الأول لزم أن يكون ما حرمته التوراة محرما على جميع الأنبياء فى كل زمان ومكان من عهد نوح إلى خاتم الأنبياء عليهم السلام. وإن كان الثانى ثبت أن التحريم والإباحة تابعان للمصالح وإنما يختلفان باختلاف الزمان والمكان والحال فيكون الشيء الواحد حراما فى ملة دون ملة وفى وقت دون وقت وفى مكان دون مكان وفى حال دون حال. وهذا معلوم بالاضطرار من الشرائع ولا يليق بحكمة أحكم الحاكمين غير ذلك. ألا ترى أن تحريم السبت لو كان لعينه لكان حراما على إبراهيم ونوح وسائر النبيين. وكذلك ما حرمته التوراة من المطاعم والمناكح وغيرها لو كان حراما لعينه وذاته لوجب تحريمه على كل نبى وفى كل شريعة. وإذا كان الرب تعالى لا حجر عليه بل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ويبتلى عباده لما يشاء ويحكم ولا يحكم عليه. فما الذى يحيل عليه ويمنعه أن يأمر أمة بأمر من أوامر الشريعة ثم ينهى أمة أخرى عنه أو يحرم محرما على أمة ويبيحه لأمة أخرى. بل أى شيء يمنعه سبحانه أن يفعل ذلك فى الشريعة الواحدة فى وقتين مختلفين بحسب المصلحة وقد بين ذلك سبحانه وتعالى بقوله: ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير  ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض [البقرة: 106- 107] . فأخبر سبحانه أن عموم قدرته وملكه وتصرفه فى مملكته وخلقه لا يمنعه أن ينسخ ما يشاء ويثبت(2\/326)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "719",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1991",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما يشاء كما أنه يمحو من أحكامه القدرية الكونية ما يشاء ويثبت فهكذا أحكامه الدينية الأمرية ينسخ منها ما يشاء ويثبت منها ما يشاء. فمن أكفر الكفر وأظلم الظلم: أن يعارض الرسول الذى جاء بالبينات والهدى وتدفع نبوته وتجحد رسالته: بكونه أتى بإباحة بعض ما كان محرما على من قبله أو تحريم بعض ما كان مباحا لهم. وبالله التوفيق يضل من يشاء ويهدى من يشاء. ومن العجب أن هذه الأمة الغضبية تحجر على الله تعالى أن ينسخ ما يشاء من شرائعه وقد تركوا شريعة موسى عليه السلام فى أكثر ما هم عليه وتمسكوا بما شرعه لهم أحبارهم وعلماؤهم. فمن ذلك: أنهم يقولون فى صلاتهم ما ترجمته هكذا quot;اللهم اضرب ببوق عظيم لفيفنا واقبضنا جميعا من أربعة أقطار الأرض إلى قدسك سبحانك يا جامع شتات قوم إسرائيلquot;. ويقولون كل يوم ما ترجمته هكذا quot;أردد حكامنا كالأولين ومسراتنا كالابتداء وابن أورشليم قرية قدسك فى أيامنا وأعزنا بابتنائها سبحانك يا بانى يورشليمquot;. فهذا قولهم فى صلاتهم مع علمهم بأن موسى وهارون عليهما السلام لم يقولا شيئا من ذلك. ولكنها فصول لفقوها بعد زوال دولتهم. وكذلك صيامهم كصوم إحراق بيت المقدس وصوم حصا وصوم كدليا التى جعلوها فرضا لم يصمها موسى ولا يوشع بن نون. وكذلك صوم صلب هامان ليس شيء من ذلك فى التوراة وإنما وضعوها لأسباب اقتضت وضعها عندهم. هذا. مع أنه فى التوراة ما ترجمته quot;لا تزيدوا على الأمر الذى أنا موصيكم به شيئا ولا تنقصوا منه شيئاquot;. وقد تضمنت التوراة أوامر كثيرة جدا هم مجمعون على تعطليها وإلغائها فإما أن تكون منسوخة بنصوص أخرى من التوراة أو بنقل صحيح عن موسى عليه السلام أو باجتهاد(2\/327)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "720",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1992",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "علمائهم. وعلى التقادير الثلاث. فقد بطلت شبهتهم فى إنكار النسخ. ثم من العجب أن أكبر تلك الأوامر التى هم مجمعون على عدم القول والعمل بها إنما يستندون فيها إلى أقوال علمائهم وأمرائهم. وقد اتفقوا على تعطيل الرجم للزانى وهو نص التوراة. وتعطيل أحكام كثيرة منصوصة فى التوراة. ومن تلاعب الشيطان بهم: أنهم يزعمون أن الفقهاء إذا أحلوا لهم الشيء صار حلالا وإذا حرموه صار حراما وإن كان نص التوراة بخلافه. وهذا تجويز منهم لنسخهم ما شاءوا من شريعة التوراة. فحجروا على الرب تعالى وتقدس أن ينسخ ما يريد من شريعته وجوزوا ذلك لأحبارهم وعلمائهم. كما تكبر إبليس أن يسجد لآدم ورأى أن ذلك يغض منه. ثم رضى أن يكون قوادا لكل عاص وفاسق. وكما أبى عباد الأصنام أن يكون النبى المرسل إليهم بشرا ثم رضوا أن يكون إلههم ومعبودهم حجرا. وكما نزهت النصارى بتاركتهم عن الولد والصاحبة ولم يتحاشوا من نسبة ذلك إلى الله سبحانه تعالى. وكما نزهت الفرعونية من الجهمية الرب سبحانه أن يكون مستويا على عرشه لئلا يلزم الحصر ثم جعلوه سبحانه فى الآبار والحانات وأجواف الحيوانات.(2\/328)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "721",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1993",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومن تلاعب الشيطان بهم: ما شددوه على أنفسهم فى باب الذبائح وغيرها مما ليس له أصل عن موسى عليه السلام ولا هو فى التوراة وإنما هو من أوضاع الحاخاميم وآرائهم وهم فقهاءهم. ولقد كان لهذه الأمة فى قديم الزمان بالشام والعراق والمدائن مدراس وفقهاء كثيرون وذلك فى زمن دولة البابليين والفرس ودولة اليونان والروم حتى فقهاؤهم فى بعض تلك الدول على تأليف المشنا والتلمود. فأما المشنا فهو الكتاب الأصغر ومبلغ حجمه نحو ثمانمائة ورقة. وأما التلمود فهو الكتاب الأكبر. ومبلغه نحو نصف حمل بغل لكبره. ولم يكن الفقهاء الذين ألفوه فى عصر واحد. وإنما ألفوه جيلا بعد جيل. فلما نظر المتأخرون منهم إلى هذا التأليف وأنه كلما مر عليه الزمان زادوا فيه وأن فى الزيادات المتأخرة ما يناقض أوائل هذا التأليف علموا أنهم إن لم يقطعوا ذلك ويمنعوا من الزيادة فيه أدى إلى الخلل الذى لا يمكن سده قطعوا الزيادة فيه ومنعوا منها. وحظروا على الفقهاء الزيادة فيه وإضافة شيء آخر إليه وحرموا من يضيف إليه شيئا آخر فوقف على ذلك المقدار. وكانت أئمتهم قد حرموا عليهم فى هذين الكتابين مؤاكلة الأجانب وهم من كان على غير ملتهم. فحرموا عليهم الأكل من ذبيحة من لم يكن على دينهم لأن علماءهم علموا أن دينهم لا يبقى فى هذه الخلوة مع كونهم تحت الذل والعبودية إلا أن يصدوهم عن مخالطة من هو على غير ملتهم. فحرموا عليهم الأكل من ذبائحهم ومناكحتهم. ولم يمكن تقرير ذلك إلا بحجة يبتدعونها من أنفسهم ويكذبون بها على الله تعالى. لأن التوراة إنما حرمت(2\/329)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "722",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1994",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليهم مناكحة غيرهم من الأمم لئلا يوافقوا الأزواج فى عبادة الأصنام والشرك. وحرم عليهم فى التوراة أكل ذبائح الأمم التى يذبحونها قربانا إلى الأصنام. لأنه قد سمى عليها اسم غير الله تعالى. فأما الذبائح التى لم تذبح قربانا للأصنام فلم تنطق التوراة بتحريمها. وإنما نطقت بإباحة الأكل من أيدى غيرهم من الأمم وموسى عليه السلام إنما نهاهم عن مناكحة عباد الأصنام وأكل ما يذبحونها على اسمها. فما بال هؤلاء لا يأكلون من ذبائح المسلمين وهم لا يذبحون للأصنام ولا يذكرون اسمها عليها فلما نظر أئمتهم إلى أن التوراة غير ناطقة بتحريم مآكل الأمم عليهم إلا عباد الأصنام وأن التوراة قد صرحت بأن تحريم مؤاكلتهم ومخالطتهم خوف استدراج المخالطة إلى المناكحة وأن مناكحتهم إنما منع منها خوف استتباعها إلى الانتقال إلى أديانهم وعبادة أوثانهم ووجدوا جميع هذا واضحا فى التوراة. اختلقوا كتابا فى علم الذباحة ووضعوا فيه من التشديد والآصار والأغلال ما شغلوهم به عما هم فيه من الذل والمشقة. وذلك أنهم أمروهم أن ينفخوا الرئة حتى يملؤها هواء ويتأملوها هل يخرج الهواء من ثقب منها أم لا فإن خرج منها الهواء حرموها. وإن كان بعض أطراف الرئة لاصقا ببعض لم يأكلوه. وأمروا الذى يتفقد الذبيحة أن يدخل يده فى بطن الذبيحة ويتأمل بأصابعه فإن وجد القلب ملتصقا إلى الظهر أو أحد الجانبين ولو كان الالتصاق بعرق دقيق كالشعرة حرموه ولم يأكلوه. وسموه طريفا. يعنون بذلك أنه تنجس وأكله حرام.(2\/330)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "723",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1995",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذه التسمية هى أصل بلائهم. وذلك أن التوراة حرمت عليهم أكل الطريفا. والطريفا: هى الفريسة التى يفترسها الأسد أو الذئب أو غيرهما من السباع. وهو الذى عبر عنه القرآن بقوله تعالى: وما أكل السبع [المائدة: 3] . والدليل على ذلك: أنه قال فى التوراة quot;ولحما فى الصحراء فريسة لا تأكلوه وللكلب ألقوهquot;. وأصل لفظ quot;طريفاquot; طوارف. وقد جاءت هذه اللفظة فى التوراة فى قصة يوسف عليه السلام لما جاء إخوته على قميصه بدم كذب وزعموا أن الذئب افترسه. وقال فى التوراة quot;ولحما فى الصحراء فريسة لا تأكلواquot; والفريسة إنما توجد غالبا فى الصحراء. وكان سبب نزول هذا عليهم: أنهم كانوا ذوى أخبية يسكنون البر والتيه لأنهم مكثوا يترددون فى التيه أربعين سنة كانوا لا يجدون طعاما إلا المن والسلوى. وهو طائر صغير يشبه السمان. وفيه من الخاصية أن أكل لحمه يلين القلب ويذهب بالخروب والقساوة فإن هذا الطائر يموت إذا سمع صوت الرعد كما أن الخطاف يقتله البرد فألهمه الله سبحانه وتعالى أن يسكن جزائر البحر التى لا يكون بها مطر ولا رعد إلى انقضاء أوان المطر والرعد فيخرج من الجزائر وينتشر فى الأرض. فجلب الله تعالى إليهم هذا الطائر لينتفعوا به ويكون اغتذاؤهم به كالدواء لغلظ قلوبهم وقسوتها.(2\/331)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "724",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1996",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمقصود: أن مشايخهم تعدوا فى تفسير الطريفا عن موضوعها وما أريد بها. وكذلك فقهاؤهم اختلقوا من أنفسهم هذيانات وخرافات تتعلق بالرئة والقلب وقالوا: ما كان من الذبائح سليما من تلك الشروط فهو quot;دحياquot;. ومعنى هذه الفظة أنه طاهر. وما كان خارجا عن هذه الشروط فهو quot;طريفاquot; وتفسيرها أنه حرام. قالوا: ومعنى نص التوراة quot;ولحما فريسة فى الصحراء لا تأكلوه وللكلب ألقوهquot; أى إنكم إذا ذبحتم ذبيحة ولم توجد فيها هذه الشروط فلا تأكلوها بل تبيعونها على من ليس من أهل ملتكم. وفسروا قوله quot;للكلب ألقوهquot; أى لمن ليس من أهل ملتكم فأطعموه وبيعوه. وهم أحق بهذا اللقب وأشبه الناس بالكلاب. ثم إن هذه الأمة الغضبية فرقتان: إحداهما: عرفوا أن أولئك السلف الذين ألفوا المشنا والتلمود هم فقهاء اليهود وهم قوم كذابون على الله وعلى موسى النبى. وهم أصحاب حماقات وتنطع ودعاوى كاذبة يزعمون أنهم كانوا إذا اختلفوا فى شيء من تلك المسائل يوحى الله تعالى إليهم بصوت يسمعه جمهورهم يقول: الحق فى هذه المسألة مع الفقيه فلان ويسمون هذا الصوت quot;بث قولquot;. فلما نظرت اليهود القراءون وهم أصحاب quot;عانان وبنيامينquot; إلى هذه المحالات الشنيعة وهذا الافتراء الفاحش والكذب البارد. انفصلوا بأنفسهم عن الفقهاء وعن كل من يقول بمقالاتهم وكذبوهم فى كل ما افتروا به على الله وزعموا أنه لا يجوز قبول شيء من أقوالهم حيث ادعوا النبوة وأن الله تعالى كان يوحى إليهم كما يوحى إلى الأنبياء.(2\/332)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "725",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1997",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما تلك الترهات التى ألفها الحاخاميم وهم فقهاؤهم ونسبوها إلى التوراة وإلى موسى فإن القرائين اطرحوها كلها وألقوها ولم يحرموا شيئا من الذبائح التى يتولون ذباحتها البتة ولم يحرموا سوى لحم الجدى بلبن أمه فقط مراعاة لنص التوراة: quot;لا تنضج الجدى بلبن أمهquot; وليسوا بأصحاب قياس بل أصحاب ظاهر فقط. وأما الفرقة الثانية: فهم الربانون وهم أصحاب القياس وهم أكثر عددا من القرائين وفيهم الحاخاميم المفترون على الله تعالى الكذب الذين زعموا أن الله تعالى كان يخاطب جميعهم فى كل مسألة بالصوت الذى يسمونه quot;بث قولquot;. وهذه الطائفة أشد اليهود عداوة لغيرهم من الأمم لأن حاخاميمهم أوهموهم أن المأكولات إنما تحل للناس إن استعملوا فيها هذا العلم الذى نسبوه إلى موسى عليه السلام وإلى الله تعالى وأن سائر الأمم لا يعرفون هذا وأنهم إنما شرفهم الله تعالى بهذا وأمثال ذلك من الترهات فصار أحدهم ينظر من ليس على مذهبه وملته كما ينظر إلى الحيوان البهيم وينظر مآكل الأمم وذبائحهم كما ينظر إلى العذرة. وهذا من كيد الشيطان لهم ولعبه بهم فإن الحاخاميم قصدا بذلك المبالغة فى مخالفتهم الأمم والإزراء عليهم ونسبتهم إلى قلة العلم وأنهم اختصوا دون الأمم بهذه الآصار والأغلال والتشديدات. وكلما كان الحاخاميم فيهم أكثر تكلفا وأشد إصرا وأكثر تحريما قالوا: هذا هو العالم الربانى. ومما دعاهم إلى التضييق والتشديد: أنهم مبددون فى شرق الأرض وغربها فما من جماعة منهم فى بلدة إلا إذا قدم عليهم رجل من أهل دينهم من بلاد بعيدة يظهر لهم الخشونة فى دينهم والمبالغة فى الاحتياط فإن كان من المتفقهة فهو يسرع فى إنكار أشياء عليهم ويوهمهم التنزه عما هم عليهم وينسبهم إلى قلة الدين وينسب ما ينكره عليهم إلى مشايخه وإلى أهل بلده(2\/333)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "726",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1998",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويكون فى أكثر تلك الأشياء كاذبا وقصده بذلك إما الرياسة عليهم وإما تحصيل بعض مآربه منهم ولا سيما إن أراد المقام عندهم. فتراه أول ما ينزل بهم لا يأكل من أطعمتهم ولا من ذبائحهم ويتأمل سكين ذابحهم وينكر عليهم بعض أمره ويقول: أنا لا آكل إلا من ذبيحة يدى فتراهم معه فى عذاب لا يزال ينكر عليهم المباح ويوهمهم تحريمه بأشياء يخترعها حتى لا يشكون فى ذلك. فإن قدم عليهم قادم آخر فخاف المقيم أن ينقض عليه القادم تلقاه وأكرمه وسعى فى موافقته وتصديقه فيستحسن ما فعله الأول ويقول لهم: لقد عظم الله تعالى ثواب فلان إذ قوى ناموس الدين فى قلوب هذه الجماعة وشد سياج الشرع عندهم وإذا لقيه يظهر من مدحه وشكره والدعاء له ما يؤكد أمره. وإن كان القادم الثانى منكرا لما جاء به الأول من التشديد والتضييق لم يقع عندهم بموقع وينسبونه إما إلى الجهل وإما إلى رقة الدين لأنهم يعتقدون أن تضييق المعيشة وتحريم الحلال هو المبالغة فى الدين. وهم أبدا يعتقدون الصواب والحق مع من يشدد ويضيق عليهم. هذا إن كان القادم من فقهائهم. فأما إن كانوا من عبادهم وأحبارهم فهناك ترى العجب العجاب من الناموس الذى يعتمد والسنن التى يحدثها ويلحقها بالفرائض. فتراهم مسلمين له منقادين وهو يحتلب درهم ويجتلب درهمهم حتى إذا بلغه أن يهوديا جلس على قارعة الطريق يوم السبت أو اشترى لبنا من مسلم تلبسه وسبه فى مجمع اليهود وأباح عرضه ونسبه إلى قلة الدين.(2\/334)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "727",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "1999",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة الغضبية: أنهم إذا رأوا الأمر أو النهى مما أمروا به أو نهوا عنه شاقا عليهم طلبوا التخلص منه بوجوه الحيل. فإن أعيتهم الحيل قالوا: هذا كان علينا لما كان لنا الملك والرياسة. فمن ذلك: أنهم إذا أقام أخوان فى موضع واحد ومات أحدهما ولم يعقب ولدا فلا تخرج امرأة الميت إلى رجل أجنبى بل ولد حميها ينكحها. وأول ولد ممن ينكحها ينسب إلى أخيه الدارج. فإن أبى أن ينكحها خرجت مشتكية منه إلى مشيخة قومه تقول: قد أبى ابن حمى أن يستبقى اسما لأخيه فى إسرائيل. ولم يرد نكاحى فيحضره الحاكم هناك ويكلفه أن يقف ويقول: ما أردت نكاحها. فتتناول المرأة نعله فيخرجه من رجله وتمسكها بيدها وتبصق فى وجهه وتنادى عليه: كذا فليصنع بالرجل الذى لا يبنى بيت أخيه ويدعى فيما بعد بالمخلوع النعل وينبز بنوه ببنى مخلوع النعل. هذا كله مفترض عليهم فيما يزعمون فى التوراة. وفيه حكمة ملجئة للرجل إلى نكاح زوجة أخيه الدارج. فإنه إذا علم أن ذلك يناله إن لم ينكحها آثر نكاحها عليه. فإن كان مبغضا لها زاهدا فى نكاحها أو كانت هى زاهدة فى نكاحه مبغضه له استخرج له الفقهاء حيلة يتخلص بها منها وتتخلص منه فيلزمونها الحضور عند الحاكم بمحضر من مشايخهم ويلقنونها أن تقول: أبى ابن حمى أن يقيم لأخيه اسما فى إسرائيل لم يرد نكاحى: فيلزمونها بالكذب عليه لأنه أراد نكاحها وكرهته وإذا لقنوها هذه الألفاظ قالتها فيأمرونه بالكذب وأن يقوم ويقول: ما أردت نكاحها. ولعل ذلك سؤله وأمنيته فيأمرونه بأن يكذب ولم يكفهم أن كذبوا عليه وألزموه أن يكذب حتى سلطوها على الإخراق به والبصاق فى وجهه. ويسمون هذه مسألة quot;البياما والجالوسquot;. وقد تقدم من التنبيه على حيلهم فى استباحتهم محارم الله تعالى بعض ما فيه كفاية. فالقوم بيت الحيل والمكر والخبث. وقد كانوا يتنوعون فى عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأنواع الحيل والكيد والمكر عليه وعلى أصحابه ويرد الله سبحانه وتعالى ذلك كله عليهم. فتحيلوا عليه وأرادوا قتله مرارا والله تعالى ينجيه من كيدهم.(2\/335)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "728",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2000",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتحيلوا عليه وصعدوا فوق سطح وأخذوا رحا أرادوا طرحها عليه وهو جالس فى ظل حائط فأتاه الوحى فقام منصرفا وأخذ فى حربهم وإجلائهم. ومكروا به وظاهروا عليه أعداءه من المشركين فظفره الله تعالى بهم. ومكروا به وأخذوا فى جمع العدو له فظفره الله تعالى برئيسهم فقتله. ومكروا به وأرادوا قتله بالسم فأعلمه الله تعالى به ونجاه منه.(2\/336)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "729",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2001",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومكروا فسحروه حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله. فشفاه الله تعالى وخلصه. ومكروا به فى قولهم: آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره [آل عمران: 72] . يريدون بذلك تشكيك المسلمين فى نبوته فإنهم إذا أسلموا أول النهار اطمأن المسلمون إليهم وقالوا: قد اتبعوا الحق وظهرت لهم أدلته فيكفرون آخر النهار ويجحدون نبوته ويقولون: لم نقصد إلا الحق واتباعه فلما تبين لنا أنه ليس به رجعنا عن الإيمان به. وهذا من أعظم خبثهم ومكرهم. ولم يزالوا موضعين مجتهدين فى المكر والخبث إلى أن أخزاهم الله بيد رسوله وأتباعه - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ورضى عنهم - أعظم الخزى ومزقهم كل ممزق وشتت شملهم كل مشتت. وكانوا يعاهدونه عليه الصلاة والسلام ويصالحونه. فإذا خرج لحرب عدوه نقضوا عهده. ولما سلب الله تعالى هذه الأمة ملكها وعزها وأذلها وقطعهم فى الأرض انتقلوا من التدبير بالقدرة والسلطان إلى التدبير بالمكر والدهاء والخيانة والخداع. وكذلك كل عاجز جبان سلطانه فى مكره وخداعه وبهته وكذبه ولذلك كان النساء بيت المكر والخداع والكذب والخيانة كما قال الله تعالى عن شاهد يوسف عليه السلام أن قال: إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم [يوسف: 28] . ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة: أنهم يمثلون أنفسهم بعناقيد الكرم وسائر الأمم بالشوك المحيط بأعالى حيطان الكرم.(2\/337)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "730",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2002",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا من غاية جهلهم وسفههم. فإن المعتنين بمصالح الكرم إنما يجعلون على أعالى حيطانه الشوك حفظا له وحياطة وصيانة. ولسنا نرى لليهود من سائر الأمم إلا الضرر والذل والصغار. كما يفعل الناس بالشوك. ومن تلاعبه بهم أنهم ينتظرون قائما من ولد داود النبى إذا حرك شفتيه بالدعاء مات جميع الأمم وأن هذا المنتظر بزعمهم هو المسيح الذى وعدوا به. وهم فى الحقيقة إنما ينتظرون مسيح الضلالة الدجال. فهم أكثر أتباعه. وإلا فمسيح الهدى عيسى ابن مريم عليه السلام يقتلهم ولا يبقى منهم أحدا. والأمم الثلاث تنتظر منتظرا يخرج فى آخر الزمان فإنهم وعدوا به فى كل ملة. والمسلمون ينتظرون نزول المسيح عيسى ابن مريم من السماء لكسر الصليب وقتل الخنزير وقتل أعدائه من اليهود وعباده من النصارى وينتظرون خروج المهدى من أهل بيت النبوة يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا. فصل ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة الغضبية: أنهم فى العشر الأول من الشهر الأول من كل سنة يقولون فى صلاتهم quot;لم تقول الأمم: أين إلههم انتبه. كم تنام يارب استيقظ من رقدتكquot;. وهؤلاء إنما أقدموا على هذه الكفريات من شدة ضجرهم من الذل والعبودية وانتظار فرج لا يزداد منهم إلا بعدا. فأوقعهم ذلك فى الكفر والتزندق الذى لا يستحسنه إلا أمثالهم. وتجرءوا على الله سبحانه وتعالى بهذه المناجاة القبيحة كأنهم ينخونه بذلك لينتخى لهم ويحمى لنفسه فكأنهم يخبرونه سبحانه وتعالى بأنه قد اختار الخمول لنفسه ولأحبابه ولأبناء أنبيائه. فينخونه للنباهة واشتهار الصيت.(2\/338)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "731",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2003",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فترى أحدهم إذا تلا هذه الكلمات فى الصلاة يقشعر جلده ولا يشك أن هذه المناجاة تقع عند الله تعالى بموقع عظيم. وأنها تؤثر فيه وتحركه وتهزه وتنخيه. ومن ذلك: أنهم ينسبون إلى الله سبحانه وتعالى الندم على الفعل. فمن ذلك: قولهم فى التوراة التى بأيديهم quot;وندم الله سبحانه وتعالى على خلق البشر الذين فى الأرض وشق عليه وعاد فى رأيهquot;. وذلك عندهم فى قصة قوم نوح. وزعموا أن الله سبحانه وتعالى وتقدس لما رأى فساد قوم نوح وأن شركهم وكفرهم قد عظم ندم على خلق البشر. وكثير منهم يقول: إنه بكى على الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة. وأنه عض على أنامله حتى جرى الدم منها. وقالوا أيضا: إن الله تعالى ندم على تمليكه شاؤول على بنى إسرائيل. وأنه قال ذلك لشمويل. وعندهم أيضا: أن نوحا عليه السلام لما خرج من السفينة بدأ ببناء مذبح لله تعالى وقرب عليه قرابين وأن الله تعالى استنشق رائحة القتار فقال الله تعالى فى ذاته quot;لن أعاود لعنة الأرض بسبب الناس لأن خاطر البشر مطبوع على الرداءة ولن أهلك جميع الحيوان كما صنعتquot;. وقد واجهوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه رضى الله تعالى عنهم بأمثال هذه الكفريات. فقال قائل منهم للنبى صلى الله عليه وسلم: quot;إن الله سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرض فى ستة أيام ثم استراح. فشق ذلك على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. فأنزل الله تعالى تكذيبا لهم: ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام وما مسنا من لغوب [ق: 38] .(2\/339)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "732",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2004",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتأمل قوله تعالى عقيب ذلك: فاصبر على ما يقولون [ق: 39] . فإن أعداء الرسول عليه الصلاة والسلام نسبوه إلى ما لا يليق به وقالوا فيه ما هو منزه عنه. فأمره الله سبحانه وتعالى أن يصبر على قولهم ويكون له أسوة بربه سبحانه وتعالى حيث قال أعداؤه فيه ما لا يليق. وكذلك قال فنحاص لأبى بكر رضى الله عنه: إن الله فقير ونحن أغنياء. لهذا استقرضنا من أموالنا. فأنزل الله سبحانه وتعالى: لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق [آل عمران: 182] . وقالوا أيضا: يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء [المائدة: 64] . ويقولون فى العشر الأول من الشهر الأول من كل سنة: quot;يا إلهنا وإله آبائنا أملك على جميع أهل الأرض ليقول كل ذى نسمة: الله إله إسرائيل قد ملك ومملكته فى الكل متسلطةquot;. ويقولون فى هذه الصلاة أيضا: quot;وسيكون لله تعالى الملك. وفى ذلك اليوم يكون الله تعالى واحدا واسمه واحداquot;. ويعنون بذلك: أنه لا يظهر الملك لله تعالى إلا إذا صارت الدولة لليهود الذين هم صفوته(2\/340)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "733",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2005",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأمته. فأما ما دامت الدولة لغير اليهود فإنه سبحانه وتعالى خامل الذكر عند الأمم مطعون فى ملكه مشكوك فى قدرته. فصل ومن تلاعب الشيطان بهم: أنهم يقولون بالقدح فى الأنبياء وأذيتهم. وقد آذوا موسى عليه السلام فى حياته ونسبوه إلى ما برأه الله تعالى منه. ونهى الله سبحانه هذه الأمة عن الاقتداء بهم فى ذلك حيث يقول: يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها [الأحزاب: 69] . وثبت فى الصحيحين من حديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال quot;كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض وكان موسى عليه السلام يغتسل وحده فقالت بنو إسرائيل: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر فذهب موسى يغتسل. فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه. قال: فجمع موسى بأثره يقول: ثوبى حجر ثوبى حجر حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى. وقالوا: والله ما بموسى من بأس فقام الحجر حتى نظر إليه بنو إسرائيل وأخذ ثوبه وطفق بالحجر ضرباquot; قال أبو هريرة quot;والله إن بالحجر لندبا ستة أو سبعة. من أثر ضرب موسى الحجرquot; وأنزل الله تعالى هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا [الأحزاب: 69] الآية. وقال ابن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا يعقوب عن جعفر عن سعيد quot;قالت بنو إسرائيل: إن موسى آدر. وقالت طائفة: هو أبرص من شدة تسترهquot;. وقال ابن سيرين عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم quot;كان موسى رجلا حييا ستيرا لا يكاد يرى من جلده شيء استحياء منه. فآذاه من آذاه من بنى إسرائيل وقالوا: ما يتستر هذا التستر إلا من عيب بجلده إما برص وإما أدرة وإما آفة. وإن الله تعالى أراد أن يبرئه مما قالواquot; وذكر الحديث.(2\/341)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "734",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2006",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال سفيان بن حسين عن الحكم عن ابن جبير عن الحكم بن جبير عن ابن عباس عن على بن أبى طالب فى قوله تعالى: لا تكونوا كالذين آذوا موسى [الأحزاب: 69] . قال quot;صعد موسى وهارون الجبل فمات هارون. فقالت بنو إسرائيل: أنت قتلته وكان أشد حبا لنا منك وألين لنا منك وآذوه بذلك. فأمر الله تعالى الملائكة فحملته حتى مروا به على بنى إسرائيل وتكلمت الملائكة بموته حتى عرف بنو إسرائيل أنه مات فبرأه الله تعالى من ذلك فانطلقوا به فدفنوه فلم يطلع على قبره أحد من خلق الله تعالى إلا الرخم فجعله الله تعالى أصم أبكمquot;. وقال الله تعالى: وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذننى وقد تعلمون أنى رسول الله إليكم [الصف: 5] . فإنها جملة فى موضع الحال: أى أتؤذوننى وأنتم تعلمون أنى رسول الله إليكم. وتأمل قوله: وقد تعلمون أنى رسول الله إليكم [الصف: 5] . وذلك أبلغ فى العناد. وكذلك المسيح قال: يا بنى إسرائيل إنى رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدى من التوراة ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين [الصف: 6] . فهذا قليل من كثير من أذاهم لأنبيائهم. وأما أذاهم لهم بالقتل والبغى فأشهر من أن يذكر. ولقد بالغوا فى أذى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بجهدهم بالقول والفعل حتى ردهم الله تعالى خاسئين. ومن قدحهم فى الأنبياء: ما نسبوه إلى نص التوراة. أنه لما أهلك الله أمة لوط لفسادها ونجى لوطا بابنتيه فقط ظن ابنتاه أن الأرض قد(2\/342)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "735",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2007",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خلت ممن يستبقين منه نسلا. فقالت الصغرى للكبرى: إن أبانا شيخ ولم يبق فى الأرض إنسان يأتينا كسبيل البشر فهلمى نسقى أبانا خمرا ونضاجعه لنستبقى من أبينا نسلا ففعلتا ذلك بزعمهم. فنسبوا لوطا النبى عليه السلام إلى أنه سكر حتى لم يعرف ابنتيه ثم وطئهما وأحبلهما وهو لا يعرفهما. فولدت إحداهما ولدا أسمته quot;موابquot; يعنى أنه من الأب. والثانية سمت ولدها quot;بنى عموquot; يعنى أنه من قبيلتها. وقد أجاب بعضهم عن هذا: بأنه كان قبل نزول التوراة فلم يكن نكاح الأقارب حراما والتوراة تكذبهم. فإن فيها quot;أن إبراهيم الخليل خاف فى ذلك العصر أن يقتله المصريون حسدا له على زوجته سارة فأخفى نكاحها وقال: هى أختى علما منه بأنه إذا قال ذلك لم يبق للظنون إليهما سبيلquot;. وهذا أظهر دليل على أن تحريم نكاح الأخت كان ثابتا فى ذلك الزمان. فما ظنك بنكاح البنت الذى لم يشرع ولا فى زمن آدم عليه السلام. وعندهم أيضا فى التوراة التى بأيديهم قصة أعجب من هذه. وهى أن يهوذا بن يعقوب النبى زوج ولده الأكبر من امرأة يقال لها quot;تامارquot; فكان يأتها مستدبرا فغضب الله تعالى من فعله. فأماته فزوجها يهوذا من ولده الآخر. فكان إذا دخل بها أنزل على الأرض علما منه بأنه إن أولدها كان أول الأولاد مدعوا باسم أخيه ومنسوبا إلى أخيه. فكره الله تعالى ذلك من فعله فأماته أيضا. فأمرها يهوذا باللحاق ببيت أبيها إلى أن يكبر ولده شبلا ويتم عقله حذرا من أن يصيبه ما أصاب أخويه. فأقامت فى بيت أبيها. ثم ماتت من بعد زوجة يهوذا وصعد إلى منزل [يقال له مناث] ليحرس غنمه فلما أخبرت المرأة quot;تامارquot; بإصعاد حموها إلى المنزل لبست زى الزوانى وجلست فى مستشرف على طريقه لعلمها بشبقه فلما مر بها خالها زانية فراودها فطالبته بالأجرة فوعدها بجدى ورهن عندها عصاه وخاتمه ودخل بها فعلقت منه. فلما أخبر يهوذا أن كنته علقت من الزنا أذن(2\/343)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "736",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2008",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بإحراقها فبعث إليه بخاتمه وعصاه. فقالت: من رب هذين أنا حامل. فقال صدقت ومنى ذلك. واعتذر بأنه لم يعرفها. ولم يستحل معاودتها. ولا تسليمها إلى ولده وعلقت من هذا الزنا بفارص. قالوا: ومن ولدها داود النبى. ففى ذلك من نسبتهم الزنا والكفر إلى بيت النبوة ما يقارب ما نسبوه إلى لوط عليه السلام وهذا كله عندهم وفى نص كتابهم. وهم يجعلون هذا نسبا لداود وسليمان عليهما السلام ولمسيحهم المنتظر. ومن العجب: أنهم يجعلون المسلمين أولاد زنا ويسمونهم quot;ممزيريمquot; واحدها quot;ممزيرquot; وهو اسم لولد الزنا. لأن فى شرعهم أن الزوج إذا راجع زوجته بعد أن نكحت زوجا غيره فأولادهما أولاد زنا. وزعموا أن ما جاءت به شريعة الإسلام من ذلك هو من موضوعات عبد الله بن سلام قصد به أن يجعل أولاد المسلمين quot;ممزيريمquot; بزعمهم. قالوا: وكان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم قد رأى أحلاما تدل على أنه صاحب دولة فسافر إلى الشام فى تجارة لخديجة. واجتمع بأحبار اليهود وقص عليهم أحلامه فعلموا أنه صاحب دولة فأصحبوه عبد الله بن سلام. فقرأ عليه علوم التوراة وفقهها مدة ونسبوا الفصاحة والإعجاز اللذين فى القرآن إلى عبد الله بن سلام وأن من جملة ما قرره عبد الله بن سلام: أن الزوجة لا تحل للمطلق ثلاثا إلا بعد أن ينكحها رجل آخر ليجعل أولاد المسلمين quot;ممزيريمquot; أولاد زنا. ولا ريب أن مثل هذا البهت يروج على كثير من حميرهم. وقد خلق الله تعالى لكل باطل وبهت حملة كما للحق حملة وليس وراء هذا البهت بهت. وليس بمستنكر من أمة قدحت فى معبودها وإلهها ونسبته إلى مالا يليق بعظمته وجلاله ونسبت أنبياءه إلى ما لا يليق بهم ورمتهم بالعظائم أن ينسبوا محمدا صلى الله تعالى وآله(2\/344)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "737",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2009",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسلم وبجل وكرم وعظم - إلى ذلك. وعدواته لهم وملاحمه فيهم وإجلاؤه لهم من ديارهم وأموالهم وسبى ذراريهم ونسائهم معلوم غير مجهول. وقد نسبت هذه الأمة الغضبية عيسى ابن مريم إلى أنه ساحر ولد بغية. ونسبت أمه إلى الفجور. ونسبت لوطا إلى أنه وطئ ابنتيه وأولدهما وهو سكران من الخمر. ونسبوا سليمان عليه السلام إلى أنه كان ملكا ساحرا. وكان أبوه عندهم ملكا مسيحا. ونسبوا يوسف عليه السلام إلى أنه حل تكة سراويله وتكة سراويل سيدته وأنه قعد منها مقعد الرجل من امرأته وأن الحائط انشق له فرأى أباه يعقوب عليه السلام عاضا على أنامله فلم يقم حتى نزل جبريل عليه السلام فقال quot;يا يوسف تكون من الزناة وأنت معدود عند الله تعالى من الأنبياء quot; فقام حينئذ. ومعلوم أن ترك الفاحشة عن هذا لا مدح فيه فإن أفسق الناس لو رأى هذا لولى هاربا وترك الفاحشة. ومنهم من يزعم أن المسيح كان من العلماء وأنه كان يداوى المرضى بالأدوية ويوهمهم أن الانتفاع إنما حصل لهم بدعائه وأنه داوى جماعة من المرضى فى يوم السبت فأنكرت عليه اليهود ذلك فقال لهم: quot;أخبرونى عن الشاة من الغنم إن وقعت فى بئر أما تنزلون إليها وتحلون السبت لتخليصها قالوا: بلى. قال: فلم أحللتم السبت لتخليص الغنم ولا تحلونه لتخليص الإنسان الذى هو أكبر حرمة من الغنم quot; فأفحموا.(2\/345)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "738",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2010",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويحكون أيضا عنه. أنه مشى مع قوم من تلاميذه فى جبل ولم يحضرهم الطعام فأذن لهم فى تناول الحشيش يوم السبت فأنكرت عليه اليهود قطع الحشيش فى يوم السبت فقال لهم: أرأيتم لو أن أحدكم كان وحيدا مع قوم على غير ملته وأمروه بقطع النبات وإلقائه لدوابهم لا يقصدون بذلك إبطال السبت ألستم تجيزون له قطع النبات قالوا: بلى. قال: فإن هؤلاء القوم أمرتهم بقطع النبات ليأكلوه وليتغذوا به لا لقطع السبت. ومن العجب: أن عندهم فى التوراة التى بأيديهم: quot;لا يزول الملك من آل يهودا والراسم من بين ظهرانيهم إلى أن يأتى المسيحquot; وهم لا يقدرون أن يجحدوا ذلك. فيقال لهم: إنكم كنتم أصحاب دولة حتى ظهر المسيح ثم انقضى ملككم ولم يبق لكم اليوم ملك. وهذا برهان على أن المسيح قد أرسل. ومن حين بعث المسيح وكفروا به وطلبوا قتله استولت ملوك الروم على اليهود وبيت المقدس وانقضت دولتهم وتفرق شملهم. فيقال لهم: ما تقولون فى عيسى ابن مريم. فيقولون: إنه ولد يوسف النجار لغية لا لرشدة وقد كان عرف اسم الله الأعظم سحر به كثيرا من الأشياء. وعند هذه الأمة الغضبية أيضا: أن الله تعالى كان قد أطلع موسى عليه السلام على الاسم المركب من اثنين وأربعين حرفا وبه شق البحر وعمل المعجزات. فيقال لهم فإذا كان موسى قد عمل المعجزات باسم الله فلم صدقتم نبوته وأقررتم بها وجحدتم نبوة عيسى وقد عمل المعجزات بالاسم الأعظم(2\/346)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "739",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2011",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأجاب بعضهم عن الإلزام: بأن الله سبحانه وتعالى علم موسى ذلك الاسم فعلمه بالوحى وعيسى إنما تعلم من حيطان بيت المقدس. وهذا هو اللائق ببهتهم وكذبهم على الله تعالى وأنبيائه. وهو يسد عليهم العلم بنبوة موسى. لأن كلا الرسولين اشتركا فى المعجزات والآيات الظاهرة التى لا يقدر أحد أن يأتى بمثلها. فإن كان أحدهما قد تعلمها بحيله أو بعلم. فالآخر يمكن ذلك فى حقه. وقد أخبرا جميعا أن الله سبحانه وتعالى هو الذى أجرى ذلك على أيديهما وأنه ليس من صنعهما. فتكذيب أحدهما وتصديق الآخر تفريق بين المتماثلين. وأيضا فإنه لا دليل لهم على أن موسى تلقى تلك المعجزات عن الله تعالى إلا وهو يدل على أن عيسى عليه السلام تلقاها أيضا عن الله تعالى. فإن أمكن القدح فى معجزات عيسى أمكن القدح فى معجزات موسى عليه السلام. وإن كان ذلك باطلا فهذا أيضا باطل. وإذا كان هذا شأن معجزات هذين الرسولين - مع بعد العهد وتشتت شمل أمتيهما فى الأرض وانقطاع معجزاتهما - فما الظن بنبوة من معجزاته وآياته تزيد على الألف والعهد بها قريب وناقلوها أصدق الخلق وأبرهم ونقلها ثابت بالتواتر قرنا بعد قرن. وأعظهما معجزة كتاب باق غض طرى لم يتغير ولم يتبدل منه شيء بل كأنه منزل الآن وهو القرآن العظيم وما أخبر به يقع كل وقت على الوجه الذى أخبر به كأنه كان يشاهده عيانا. فصل ولا يمكن البتة أن يؤمن يهودى بنبوة موسى عليه السلام إن لم يؤمن بنبوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. ولا يمكن نصرانيا أن يقر بنبوة المسيح إلا بعد إقراره بنبوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم.(2\/347)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "740",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2012",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبيان ذلك أن يقال لهاتين الأمتين: أنتم لم تشاهدوا هذين الرسولين ولا شاهدتم آياتهما وبراهين نبوتهما. فكيف يسع العاقل أن يكذب نبيا ذا دعوة سابقة وكلمة قائمة وآيات باهرة وتصديق من ليس مثله ولا قريبا منه فى ذلك لأنه لم ير أحد النبيين ولا شاهد معجزاته. فإذا كذب بنبوة أحدهما لزمه التكذيب بنبوتهما. وإن صدق بأحدهما لزمه التصديق بنبوتهما فمن كفر بنبى واحد فقد كفر بالأنبياء كلهم ولم ينفعه إيمانه به. قال الله تعالى: إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا  والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما [النساء: 150 - 152]  وقال تعالى: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله [البقرة: 285] . فنقول للمغضوب عليه: هل رأيت موسى وعاينت معجزاته فبالضرورة يقول: لا. فنقول له: بأى شيء عرفت نبوته وصدقه فله جوابان. أحدهما: أن يقول: أبى عرفنى ذلك وأخبرنى به.(2\/348)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "741",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2013",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثانى: أن يقول: التواتر وشهادات الأمم حقق ذلك عندى كما حققت شهادتهم وجود البلاد النائية والبحار والأنهار المعروفة وإن لم أشاهدها. فإن اختار الجواب الأول وقال: إن شهادة أبى وإخباره إياى بنبوة موسى هى سبب تصديقى بنبوته. قلنا له: ولم كان أبوك عندك صادقا فى ذلك معصوما عن الكذب وأنت ترى الكفار يعلمهم آباؤهم ما هو كفر عندك. فإذا كنت ترى الأديان الباطلة والمذاهب الفاسدة قد أخذها أربابها عن آبائهم كأخذك مذهبك عن أبيك وأنت تعلم أن الذى هم عليه ضلال. فلزمك أن تبحث ما أخذته عن أبيك خوفا أن تكون هذه حاله. فإن قال: إن الذى أخذته عن أبى أصح من الذى أخذه الناس عن آبائهم كفاه معارضة غيره له بمثل قوله. فإن قال: أبى أصدق من آبائهم وأعرف وأفضل عارضه سائر الناس فى آبائهم بنظير ذلك. فإن قال: أنا أعرف حال أبى ولا أعرف حال غيره. قيل له: فما يؤمنك أن يكون غير أبيك أصدق من أبيك وأصدق وأعرف. وبكل حال. فإن كان تقليد أبيه حجة صحيحة كان تقليد غيره لأبيه كذلك. وإن كان ذلك باطلا كان تقليده لأبيه باطلا. فإن رجع عن هذا الجواب واختار الجواب الثانى وقال: إنما علمت نبوة موسى بالتواتر قرنا بعد قرن. فإنهم أخبروا بظهوره وبمعجزاته وآياته وبراهين نبوته التى تضطرنى إلى تصديقه. فيقال له: لا ينفعك هذا الجواب. لأنك قد أبطلت ما شهد به التواتر من نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام: فإن قلت: تواتر ظهور موسى ومعجزاته وآياته ولم يتواتر ذلك فى المسيح ومحمد عليهما الصلاة والسلام. قيل لك: هذا هو اللائق ببهت الأمة الغضبية. فإن الأمم جميعهم قد عرفوا أنهم قوم بهت. وإلا فمن المعلوم أن الناقلين لمعجزات المسيح ومحمد صلى الله تعالى عليهما وسلم أضعاف أضعافكم بكثير. والمعجزات التى شاهدها أوائلهم لا تنقص عن المعجزات التى أتى بها موسى عليه السلام وقد نقلها عنهم أهل التواتر جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن. وأنت لا تقبل(2\/349)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "742",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2014",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خبر التواتر فى ذلك وترده فيلزمك أن لا تقبله فى أمر موسى عليه السلام. ومن المعلوم بالضرورة: أن من أثبت شيئا ونفى نظيره فقد تناقض. وإذا اشتهر النبى فى عصر وصحت نبوته فى ذلك العصر بالآيات التى ظهرت عليه لأهل عصره ووصل خبره إلى أهل عصر آخر وجب عليهم تصديقه والإيمان به. وموسى ومحمد والمسيح فى هذا سواء ولعل تواتر الشهادات بنبوة موسى أضعف من تواتر الشهادات بنبوة عيسى ومحمد لأن الأمة الغضبية قد مزقها الله تعالى كل ممزق وقطعها فى الأرض وسلبها ملكها وعزها فلا عيش لها إلا تحت قهر سواهم من الأمم لها بخلاف أمة عيسى عليه السلام فإنها قد انتشرت فى الأرض وفيهم الملوك ولهم الممالك. وأما الحنفاء فممالكهم قد طبقت مشارق الأرض ومغاربها وملأوا الدنيا سهلا وجبلا فكيف يكون نقلهم لما نقلوه كذبا ونقل الأمة الغضبية الخاملة القليلة الزائلة صدقا. فثبت أنه لا يمكن يهوديا على وجه الأرض أن يصدق بنبوة موسى عليه السلام إلا بتصديقه وإقراره بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ولا يمكن نصرانيا البتة الإيمان بالمسيح عليه السلام إلا بعد الإيمان بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم. ولا ينفع هاتين الأمتين شهادة المسلمين بنبوة موسى والمسيح. لأنهم آمنوا بهما على يد محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وكان إيمانهم بهما من الإيمان بمحمد وبما جاء له. فلولاه ما عرفنا نبوتهما ولا أمنا بهما. ولا سيما فإن أمة الغضب والضلال ليس بأيديهم عن أنبيائهم ما يوجب الإيمان بهم فلولا القرآن ومحمد صلى الله تعالى عليه وسلم ما عرفنا شيئا من آيات الأنبياء المتقدمين. فمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم وكتابه هو الذى قرر نبوة موسى ونبوة المسيح لا اليهود ولا النصارى. بل كان نفس ظهوره ومجيئه تصديقا لنبوتهما. فإنهما أخبرا بظهوره وبشرا به قبل ظهوره. فلما بعث كان بعثه تصديقا لهما. وهذا أحد المعنيين فى قوله تعالى: ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون بل جاء بالحق وصدق المرسلين [الصافات: 36- 37] . أى مجيئه تصديق لهم من جهتين. من(2\/350)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "743",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2015",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جهة إخبارهم بمجيئه ومبعثه ومن جهة إخباره بمثل ما أخبروا به ومطابقة ما جاءوا به لما جاءوا به. فإن الرسول الأول إذا أتى بأمر لا يعلم إلا بالوحى ثم جاء نبى آخر لم يقارنه فى الزمان ولا فى المكان ولا تلقى عنه ما جاء به وأخبر بمثل ما أخبر به سواء دل ذلك على صدق الرسولين الأول والآخر. وكان ذلك بمنزلة رجلين أخبر أحدهما بخبر عن عيان ثم جاء آخر من غير بلده وناحيته بحيث يعلم أنه لم يجتمع به ولا تلقى عنه ولا عمن تلقى عنه فأخبر بمثل ما أخبر به الأول سواء. فإنه يضطر السامع إلى تصديق الأول والثانى. والمعنى الثانى: أنه لم يأت مكذبا لمن قبله من الأنبياء مزريا عليهم كما يفعل الملوك المتغلبون على الناس بمن تقدمهم من الملوك بل جاء مصدقا لهم شاهدا بنبوتهم. ولو كان كاذبا متقولا منشئا من عنده سياسة لم يصدق من قبله بل كان يزرى بهم ويطعن عليهم كما يفعل أعداء الأنبياء. فصل وقد اختلف أقوال الناس فى التوراة التى بأيديهم: هل هى مبدلة أم التبديل والتحريف وقع فى التأويل دون التنزيل على ثلاثة أقوال طرفين ووسط. فأفرطت طائفة وزعمت أنها كلها أو أكثرها مبدلة مغيرة. ليست التوراة التى أنزلها الله تعالى على موسى عليه السلام وتعرض هؤلاء لتناقضها وتكذيب بعضها لبعض: وغلا بعضهم. فجوز الاستجمار بها من البول. وقابلهم طائفة أخرى من أئمة الحديث والفقه والكلام فقالوا: بل التبديل وقع فى التأويل لا فى التنزيل.(2\/351)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "744",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2016",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا مذهب أبى عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى.(2\/352)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "745",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2017",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال فى صحيحه: quot;يحرفون: يزيلون. وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله تعالى ولكنهم يحرفونه: يتأولونه على غير تأويلهquot;. وهذا اختيار الرازى فى تفسيره. وسمعت شيخنا يقول: وقع النزاع فى هذه المسألة بين بعض الفضلاء. فاختار هذا المذهب ووهن غيره فأنكر عليه فأحضر لهم خمسة عشر نقلا به. ومن حجة هؤلاء: أن التوراة قد طبقت مشارق الأرض ومغاربها وانتشرت جنوبا وشمالا. ولا يعلم عدد نسخها إلا الله تعالى. ومن الممتنع أن يقع التواطؤ على التبديل والتغيير فى جميع تلك النسخ. بحيث لا يبقى فى الأرض نسخة إلا مبدلة مغيرة. والتغيير على منهاج واحد. وهذا مما يحيله العقل ويشهد ببطلان. قالوا: وقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم محتجا على اليهود بها: قل فائتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين [آل عمران: 93] . قالوا: وقد اتفقوا على ترك فريضة الرجم ولم يمكنهم تغييرها من التوراة ولهذا لما قرؤوها على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وضع القارئ يده على آية الرجم. فقال له عبد الله بن سلام: quot;ارفع يدك عن آية الرجمquot;. فرفعها فإذا هى تلوح تحتها. فلو كانوا قد بدلوا ألفاظ التوراة لكان هذا من أهم ما يبدلونه. قالوا: وكذلك صفات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ومخرجه هو فى التوراة بين جدا. ولم(2\/353)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "746",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2018",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يمكنهم إزالته وتغييره. وإنما ذمهم الله تعالى بكتمانهم. وكانوا إذا احتج عليهم بما فى التوراة من نعته وصفته يقولون: ليس هو ونحن ننتظره. قالوا: وقد روى أبو داود فى سننه عن ابن عمر رضى الله عنه قال: quot;أتى نفر من اليهود. فدعوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى القف فأتاهم فى بيت المدراس فقالوا يا أبا القاسم إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم فوضعوا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وسادة فجلس عليها ثم قال ائتونى بالتوراة فأتى بها فنزع الوساده من تحته ووضع التوراة عليها ثم قال آمنت بك وبمن أنزلك قال ائتونى بأعلمكم فأتى بفتى ثم ذكر قصة الرجمquot;. قالوا: فلو كانت مبدلة مغيرة لم يضعها على الوسادة ولم يقل: quot;آمنت بك وبمن أنزلكquot;. قالوا وقد قال تعالى: وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم [الأنعام: 115] والتوراة من كلماته. قالوا: والآثار التى فى كتمان اليهود صفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فى التوراة ومنعهم أولادهم وعوامهم الاطلاع عليها مشهورة ومن اطلع عليها منهم قالوا له ليس به. فهذا بعض ما احتجت به هذه الفرقة. وتوسطت طائفة ثالثة. وقالوا: قد زيد فيها وغير ألفاظ يسيرة ولكن أكثرها باق على ما أنزل عليه. والتبديل فى يسير منها جدا. وممن اختار هذا القول شيخنا فى كتابه quot;الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيحquot;. قال: وهذا كما فى التوراة عندهم: أن الله سبحانه وتعالى قال لإبراهيم عليه السلام:(2\/354)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "747",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2019",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;اذبح ولدك بكرك ووحيدك إسحاقquot; زيادة منهم فى لفظ التوراة. قلت: وهى باطلة قطعا من عشرة أوجه. أحدها: أن بكره ووحيده هو إسماعيل باتفاق الملل الثلاث. فالجمع بين كونه مأمور بذبح بكره وتعيينه بإسحاق جمع بين النقيضين. الثانى: أن الله سبحانه وتعالى أمر إبراهيم أن ينقل هاجر وابنها إسماعيل عن سارة ويسكنها فى برية مكة لئلا تغير سارة. فأمر بإبعاد السرية وولدها عنها حفظا لقلبها ودفعا لأذى الغيرة عنها. فكيف يأمر سبحانه وتعالى بعد هذا بذبح ابن سارة وإبقاء ابن السرية فهذا مما لا تقتضيه الحكمة. الثالث: أن قصة الذبح كانت بمكة قطعا ولهذا جعل الله تعالى ذبح الهدايا والقرابين بمكة تذكيرا للأمة بما كان من قصة أبيهم إبراهيم مع ولده. الرابع: أن الله سبحانه بشر سارة أم إسحاق: بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب [هود: 71] . فبشرها بهما جمعيا فكيف يأمر بعد ذلك بذبح إسحق وقد بشر أبويه بولد ولده. الخامس: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر قصة الذبيح وتسليمه نفسه لله تعالى وإقدام إبراهيم على ذبحه وفرغ من قصته قال بعدها: وبشرناه بإسحق نبيا من الصالحين [الصافات: 112] . فشكر الله تعالى له استسلامه لأمره وبذل ولده له وجعل من إثابته على ذلك: أن آتاه إسحق. فنجى إسماعيل من الذبح وزاده عليه إسحق. السادس: أن إبراهيم - صلوات الله تعالى وسلامه عليه - سأل ربه الولد. فأجاب الله دعاءه وبشره فلما بلغ معه السعى أمره بذبحه. قال تعالى: وقال إنى ذاهب إلى ربى سيهدين رب هب لى من الصالحين فبشر ناه بغلام حليم [الصافات: 99- 101] .(2\/355)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "748",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2020",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا دليل على أن هذا الولد إنما بشر به بعد دعائه وسؤاله ربه أن يهب له ولدا وهذا المبشر به هو المأمور بذبحه قطعا بنص القرآن. وأما إسحق فإنما بشر به من غير دعوة منه بل على كبر السن وكون مثله لا يولد له وإنما كانت البشارة به لامرأته سارة ولهذا تعجبت من حصول الولد منها ومنه. قال تعالى: ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تحف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب قالت ياويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلى شيخا إن هذا لشئ عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله [هود: 69-73] . فتأمل سياق هذه البشارة وتلك تجدهما بشارتين متفاوتتين مخرج إحداهما غير مخرج الأخرى. والبشارة الأولى كانت له. والثانية كانت لها. والبشارة الأولى هى التى أمر بذبح من بشر به فيها دون الثانية. السابع: أن إبراهيم عليه السلام لم يقدم بإسحاق إلى مكة البتة ولم يفرق بينه وبين أمه. وكيف يأمره الله تعالى أن يذهب بابن امرأته فيذبحه بموضع ضرتها فى بلدها ويدع ابن ضرتها. الثامن: أن الله تعالى لما اتخذ إبراهيم خليلا. والخلة تتضمن أن يكون قلبه كله متعلقا بربه ليس فيه شعبة لغيره. فلما سأله الولد وهبه إسماعيل. فتعلق به شعبة من قلبه. فأراد خليله سبحانه أن تكون تلك الشعبة له ليست لغيره من الخلق. فامتحنه بذبح ولده. فلما أقدم على الامتثال. خلصت له تلك الخلة وتمحضت لله وحده. فنسخ الأمر بالذبح لحصول المقصود وهو العزم وتوطين النفس على الامتثال. ومن المعلوم: أن هذا إنما يكون فى أول الأولاد لا فى آخرها. فلما حصل هذا المقصود من الولد الأول لم يحتج فى الولد الآخر إلى مثله. فإنه لو زاحمت محبة الولد الآخر الخلة لأمر بذبحه. كما أمر بذبح الأول. فلو كان المأمور بذبحه هو الولد الآخر لكان قد أقره فى الأول(2\/356)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "749",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2021",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على مزاحمة الخلة به مدة طويلة. ثم أمره بما يزيل المزاحم بعد ذلك. وهذا خلاف مقتضى الحكمة فتأمله. التاسع: أن إبراهيم عليه السلام إنما رزق إسحاق عليه السلام على الكبر وإسماعيل عليه السلام رزقه فى عنفوانه وقوته. والعادة أن القلب أعلق بأول الأولاد وهو إليه أميل وله أحب بخلاف من يرزقه على الكبر. ومحل الولد بعد الكبر كمحل الشهوة للمرأة. العاشر: أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يفتخر بقوله: quot;أنا ابن الذبيحينquot;. يعنى أباه عبد الله وجده إسماعيل.(2\/357)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "750",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2022",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمقصود: أن هذه اللفظة مما زادوها فى التوراة. ونحن نذكر السبب الموجب لتغيير ما غير منها والحق أحق ما اتبع فلا تغلوا غلو المستهينين لها المتمسخرين بها بل معاذ الله من ذلك. ولا نقول: إنها باقية كما أنزلت من كل وجه كالقرآن. فنقول وبالله التوفيق: علماء اليهود وأحبارهم يعتقدون أن هذه التوراة التى بأيديهم ليست هى التى أنزلها الله تعالى على موسى بن عمران بعينها. لأن موسى عليه السلام صان التوراة عن بنى إسرائيل خوفا من اختلافهم من بعده فى تأويلها المؤدى إلى تفرقهم أحزابا. وإنما سلمها إلى عشيرته أولاد لاوى. ودليل ذلك قوله فى التوراة: quot;وكتب موسى هذه التوراة ودفعها إلى بنى إسرائيل إلى الأئمة من بنى لاوىquot;. وكان بنو هارون قضاة اليهود وحكامهم لأن الإمامة وخدمة القرابين وبيت المقدس كانت موقوفة عليهم. ولم يبذل موسى عليه السلام من التوراة لبنى إسرائيل إلا نصف سورة وهى التى قال فيها: quot;وكتب موسى هذه السورة وعلمها بنى إسرائيلquot;.(2\/358)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "751",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2023",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا نص التوراة عندهم قال: quot;وتكون لى هذه السورة شاهدة على بنى إسرائيلquot;. وفيها: قال الله تعالى: quot;إن هذه السورة لا تنسى من أفواه أولادهمquot;. يعنى أن هذه السورة مشتملة على ذم طبائعهم وأنهم سيخالفون شرائع التوراة وأن السخط يأتيهم بعد ذلك وتخرب ديارهم ويسبون فى البلاد. فهذه السورة تكون متداولة فى أفواههم. كالشاهد عليهم. الموقف لهم على صحة ما قيل لهم. فما نصت التوراة أن هذه السورة لا تنسى من أفواه أولادهم دل ذلك على أن غيرها من السور ليس كذلك وأنه يجوز أن ينسى من أفواههم. وهذا يدل على أن موسى عليه السلام لم يعط بنى إسرائيل من التوراة إلا هذه السورة فأما بقيتها فدفعها إلى أولاد هارون وجعلها فيهم وصانها عمن سواهم. وهؤلاء الأئمة الهارونيون - الذين كانوا يعرفون التوراة ويحفظون أكثرها - قتلهم بختنصر على دم واحد يوم فتح بيت المقدس ولم يكن حفظ التوراة فرضا عليهم ولا سنة. بل كان كل واحد من الهارونيين يحفظ فصلا من التوراة. فلما رأى عزرا أن القوم قد أحرق هيكلهم وزالت دولتهم وتفرق جمعهم ورفع كتابهم جمع من محفوظاته ومن الفصول التى يحفظها الكهنة ما اجتمعت منه هذه التوراة التى بأيديهم ولذلك بالغوا فى تعظيم عزرا هذا غاية المبالغة. فزعموا أن النور الآن يظهر على قبره وهو عند بطائح العراق. لأنه جمع لهم ما يحفظ دينهم.(2\/359)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "752",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2024",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وغلا بعضهم فيه حتى قال: هو ابن الله. ولذلك نسب الله تعالى ذلك إلى اليهود إلى جنسهم لا إلى كل واحد منهم. فهذه التوراة التى بأيديهم فى الحقيقة كتاب عزرا. وفيها كثير من التوراة التى أنزلها الله تعالى على موسى عليه الصلاة والسلام. ثم تداولتها أمة قد مزقها الله تعالى كل ممزق وشتت شملها فلحقها ثلاثة أمور. أحدها: بعض الزيادة والنقصان. الثانى: اختلاف الترجمة.(2\/360)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "753",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2025",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالث: اختلاف التأويل والتفسير. ونحن نذكر من ذلك أمثلة تبين حقيقة الحال. المثال الأول: نص ما تقدم من قوله quot;ولحم فريسة فى الصحراء لا تأكلوه وللكلب ألقوهquot;. وتقدم بيان تحريفهم هذا النص وحمله على غير محمله. المثال الثاني: قوله فى التوراة quot;نبيا أقيم لهم من وسط إخوتهم مثلك به فليؤمنواquot;. فحرفوا تأويله إذ لم يمكنهم أن يبدلوا تنزيله وقالوا: هذه بشارة بنبى من بنى إسرائيل. وهذا باطل من وجوه. أحدها: أنه لو أراد ذلك لقال quot;من أنفسهمquot; كما قال فى حق محمد صلى الله تعالى عليه وسلم: لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم [آل عمران: 164] وقال تعالى: لقد جاءكم رسول من أنفسكم [التوبة: 128] ولم يقل من إخوتكم. الثانى: أن المعهود فى التوراة: أن إخوتهم غير بنى إسرائيل. ففى الجزء الأول من السفر الخامس قوله quot;أنتم عابرون فى تخوم إخوتكم بنى العيص المقدس فى سيعير إياكم أن تطمعوا فى شيء من أرضهمquot;. فإذا كان بنو العيص إخوة لبنى إسرائيل لأن العيص وإسرائيل ولدا إسحاق. والروم هم بنو العيص واليهود بنو إسرائيل وهم إخوتهم. فكذلك بنو إسماعيل إخوة لجميع ولد إبراهيم.(2\/361)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "754",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2026",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالث: أن هذه البشارة لو كانت بشمويل أو غيره من بنى إسرائيل لم يصح أن يقال: بنو إسرائيل إخوة بنى إسرائيل. وإنما المفهوم من هذا: أن بنى إسماعيل أو بنى العيص هم إخوة بنى إسرائيل. الرابع: أنه قال: quot;سأقيم لهم نبيا مثلكquot; وفى موضع آخر quot;أنزل عليه التوراة مثل توراة موسىquot;. ومعلوم أن شمويل وغيره من أنبياء بنى إسرائيل لم يكن فيهم مثل موسى لا سيما وفى التوراة quot;لا يقوم فى بنى إسرائيل مثل موسىquot;. وأيضا فليس فى بنى إسرائيل من أنزل عليه توراة مثل توراة موسى إلا محمد والمسيح عليهم الصلاة والسلام. والمسيح كان من أنفس بنى إسرائيل لا من إخوتهم بخلاف محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. فإنه من إخوتهم بنى إسماعيل. وأيضا. فإن فى بعض ألفاظ هذا النص quot;كلكم له تسمعونquot; وشمويل لم يأت بزيادة ولا بنسخ لأنه إنما أرسل ليقوى أيديهم على أهل فلسطين وليردهم إلى شرع التوراة. فلم يأت بشريعة جديدة ولا كتاب جديد. وإنما حكمه حكم سائر الأنبياء من بنى إسرائيل. فإنهم كانوا يسوسهم الأنبياء. كلما هلك نبى قام فيهم نبى. فإن كانت هذه البشارة لشمويل فهى بشارة بسائر الأنبياء الذين بعثوا فيهم. ويكونون كلهم مثل موسى عليه السلام وكلهم قد أنزل عليهم كتاب مثل كتاب موسى عليه السلام.(2\/362)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "755",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2027",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المثال الثالث: قوله فى التوراة quot;جاء الله تعالى من طور سيناء وأشرق نوره من سيعير واستعلن من جبال فاران ومعه ربوات المقدسينquot;. وهم يعلمون أن جبل سيعير هو جبل السراة الذى يسكنه بنو العيص الذين آمنوا بعيسى. ويعلمون أن فى هذا الجبل كان مقام المسيح. ويعلمون أن سيناء هو جبل الطور. وأما جبال فاران فهم يحملونها على جبال الشام. وهذا من بهتهم وتحريف التأويل. فإن جبال فاران هى جبال مكة وquot;فارانquot; اسم من أسماء مكة. وقد دل على هذا نص التوراة: أن إسماعيل لما فارق أباه سكن برية فاران وهى جبال مكة. ولفظ التوراة quot;أن إسماعيل أقام فى برية فاران وأنكحته أمه امرأة من أرض مصرquot;. فثبت بنص التوراة أن جبال فاران مسكن لولد إسماعيل وإذا كانت التوراة قد أشارت إلى نبوة تنزل على جبال فاران لزم أنها تنزل على ولد إسماعيل لأنهم سكانها. ومن المعلوم بالضرورة أنها لم تنزل على غير محمد صلى الله تعالى عليه وسلم من ولد إسماعيل عليه السلام. وهذا من أظهر الأمور بحمد الله تعالى.(2\/363)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "756",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2028",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومما يدل على غلظ أفهام هذه الأمة الغضبية وقلة فقههم وفساد رأيهم وعقولهم كما فى التوراة quot;أنهم شعب عادم الرأى. فليس فيهم فطانةquot;: أنهم سمعوا فى التوراة quot;يكون ثمار أرضك تحمل إلى بيت الله ربك ولا ينضج الجدى بلبن أمهquot;. والمراد بذلك: أنهم أمروا عقيب افتراض الحج إلى بيت المقدس عليهم: أن يستصحبوا معهم إذا حجوا أبكار أغنامهم وأبكار مستغلات أرضهم لأنه كان فرض عليهم قبل ذلك أن تبقى سخولة الغنم والبقر وراء أمها سبعة أيام وفى اليوم الثامن فصاعدا يصلح أن تكون قربانا. فأشار فى هذا النص بقوله quot;لا ينضج الجدى بلبن أمهquot; إلى أنهم لا يبالغون فى إطالة مكث باكور أولاد البقر والغنم وراء أمها بل يستصحبون أبكارهم اللاتى قد عبرت سبعة أيام منذ ميلادهن معهم إذا حجوا إلى بيت المقدس ليتخذوا منها القرابين. فتوهم المشايخ البله أن الشرع يريد بالإنضاج إنضاج الطبيخ فى القدر وأنهم نهوا أن يطبخوا لحم الجدى باللبن. ولم يكفهم هذا الغلط فى تفسير هذه اللفظة حتى حرموا أكل سائر اللحمان باللبن فألغوا لفظ quot;الجدىquot; وألغوا لفظ quot;أمهquot; وحملوا النص ما لا يحتمله وإذا أرادوا أن يأكلوا اللحم واللبن أكلوا كلا منهما على حدة. والأمر فى هذا ونحوه قريب.(2\/364)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "757",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2029",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ولا يستبعد اصطلاح كافة هذه الأمة على المحال واتفاقهم على أنواع الضلال. فإن الدولة إذا انقرضت عن أمة باستيلاء غيرها عليها وأخذها انطمست معالم دينها واندرست آثارها. فإن الدولة إنما يكون زوالها بتتابع الغارات والمصافات وإخراب البلاد وإحراقها لا تزال هذه الأمور متواترة عليها إلى أن يعود علمها جهلا وعزها ذلا وكثرتها قلة. وكلما كانت الأمة أقدم واختلفت عليها الدول المتناولة لها بالذل والصغار كان حظها من اندراس معالم دينها وآثارها أوفر. وهذه الأمة أوفر الأمم حظا من هذا الأمر لأنها من أقدم الأمم ولكثرة الأمم التى استولت عليها: من الكلدانيين والبانليين والفرس واليونان والنصارى وآخر ذلك المسلمون. وما من هذه الأمم إلا من طلب استئصالهم وبالغ فى إحراق بلادهم وكتبهم وقطع آثارهم إلا المسلمين فإنهم أعدل الأمم فيهم وفى غيرهم حفظا لوصية الله تعالى بهم حيث قال: يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا [النساء: 135] ويقول: يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى [المائدة: 8] . وصادف الإسلام هذه الأمة تحت ذمة الفرس وذمة النصارى بحيث لم يبق لهم مدينه ولا جيش. وأعز ما صادفه الإسلام من هذه الأمة يهود خيبر والمدينة وما جاورها.(2\/365)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "758",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2030",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنهم إنما قصدوا تلك الناحية لما كانوا وعدوا به من ظهور رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وكانوا يقاتلون المشركين من العرب فيستنصرون عليهم بالإيمان برسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قبل ظهوره ويعدونهم بأنه سيخرج نبى نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما بعث الله عز وجل نبيه صلى الله تعالى وآله وسلم سبقهم إليه من كانوا يحاربونهم من العرب فحملهم الحسد والبغى على الكفر به وتكذيبه. وأشد ما على هذه الأمة الغضبية من ذلك ما نالهم من ملوك العصاة وغيرهم من ملوك الإسرائيلين الذين قتلوا الأنبياء وبالغوا فى تطلبهم وعبدوا الأصنام وأحضروا من البلاد سدنتها ليعلموا رسومها فى العبادة وبنوا لها البيع والهياكل وعكفوا على عبادتها وتركوا أحكام التوراة أعصارا متصلة. فإذا كان هذا تواتر الآفات على دينهم من قبل ملوكهم ومن قبل أنفسهم فما الظن بالآفات التى نالتهم من غير ملوكهم وقتلهم أئمتهم وإحراقهم كتبهم ومنعهم من القيام بدينهم. فإن الفرس كثيرا ما منعوهم عن الختان. وكثيرا ما منعوهم من الصلاة لمعرفتهم بأن معظم صلاة هذه الطائفة دعاء على الأمم بالبوار وعلى العالم بالخراب [سوى بلادهم التى(2\/366)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "759",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2031",
        "book_id": "qym_3960",
        "book_name": " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هى أرض كنعان] . فلما رأت هذه الأمة الجد من الفرس فى منعهم من الصلاة اخترعوا أدعية [زعموا أنها فصول من صلاتهم] سموها الحزانة وصاغوا لها ألحانا عديدة وصاروا يجتمعون فى أوقات صلاتهم على تلحينها وتلاوتها. وسموا القائم بها الحزان. والفرق بينها وبين الصلاة: أن الصلاة بغير لحن والمصلى يتلو الصلاة وحده ولا يجهر معه غيره. والحزان يشاركه غيره فى الجهر بالحزانة ويعاونونه فى الألحان. فكانت الفرس إذا أنكرت ذلك منهم قالت اليهود: إنا ننعى أحيانا وننوح على أنفسنا. فيتركونهم وذلك. فلما قام الإسلام وأقرهم على صلاتهم استصحبوا تلك الحزانة ولم يعطلوها. فهذه فصول مختصرة فى كيد الشيطان وتلاعبه بهذه الأمة يعرف بها المسلم الحنيف قدر نعمة الله تعالى عز وجل عليه وما من به عليه من نعمة العلم والإيمان ويهتدى بها من أراد الله تعالى هدايته من طالبى الحق من هذه الأمة. ومن الله التوفيق والإرشاد إلى سواء الطريق. والحمد لله رب العالمين.(2\/367)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "760",
        "book_number": "4",
        "slug": " -qym_3960"
    },
    {
        "id": "2032",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[مقدمة] اجتماع الجيوش الإسلامية(2\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2033",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بسم الله الرحمن الرحيم وهو حسبي وكفى مقدمة: الله سبحانه المسئول المرجو الإجابة أن يمتعكم بالإسلام والسنة والعافية فإن سعادة الدنيا والآخرة ونعيمهما وفوزهما مبني على هذه الأركان الثلاثة وما اجتمعن في عبد بوصف الكمال إلا وقد كملت نعمة الله عليه وإلا فنصيبه من نعمة الله بحسب نصيبه منها.  [أقسام النعمة] [النعمة المطلقة] ((أقسام النعمة)) والنعمة نعمتان: نعمة مطلقة ونعمة مقيدة. 1 - فالنعمة المطلقة: هي المتصلة بسعادة الأبد وهي نعمة الإسلام والسنة وهي النعمة التي أمرنا الله سبحانه أن نسأله في صلاتنا أن يهدينا صراط أهلها ومن خصهم بها وجعلهم أهل الرفيق الأعلى حيث يقول تعالى: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا [النساء: 69] . فهؤلاء الأصناف الأربعة هم أهل هذه النعمة المطلقة وأصحابها أيضا هم المعنيون بقوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا - فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم. . . [المائدة: 3]  فأضاف الدين إليهم ; إذ هم المختصون بهذا الدين القيم دون سائر الأمم والدين تارة يضاف إلى العبد وتارة يضاف إلى الرب فيقال الإسلام دين الله (الذي) لا يقبل من أحد دينا سواه(2\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2034",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولهذا يقال في الدعاء: (اللهم انصر دينك الذي أنزلته من السماء) ونسب الكمال إلى الدين والتمام إلى النعمة مع إضافتها إليه ; لأنه هو وليها ومسديها إليهم وهم محل محض لنعمه قابلين لها ولهذا يقال في الدعاء المأثور للمسلمين (واجعلهم مثنين بها عليك قابليها وأتممها عليهم) . وأما الدين فلما كانوا هم القائمين به الفاعلين له بتوفيق ربهم نسبه إليهم فقال: أكملت لكم دينكم [المائدة: 3]  وكان الكمال في جانب الدين والتمام في جانب النعمة واللفظتان وإن تقاربتا وتوازنتا فبينهما فرق لطيف يظهر عند التأمل فإن الكمال أخص بالصفات والمعاني ويطلق على الأعيان والذوات وذلك باعتبار صفاتها وخواصها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة(2\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2035",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بنت خويلد ) . وقال عمر بن عبد العزيز: quot; إن للإيمان حدودا وفرائض وسننا وشرائع فمن استكملها فقد استكمل الإيمان quot; وأما التمام فيكون في الأعيان والمعاني ونعمة الله أعيان وأوصاف ومعان. وأما دينه فهو شرعه المتضمن لأمره ونهيه ومحابه فكانت نسبة الكمال إلى الدين والتمام إلى النعمة أحسن كما كانت إضافة الدين إليهم والنعمة إليه أحسن والمقصود(2\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2036",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن هذه النعمة هي النعمة المطلقة وهي التي اختصت بالمؤمنين وإذا قيل: ليس لله على الكافر نعمة بهذا الاعتبار فهو صحيح.  [النعمة المقيدة] والنعمة الثانية: النعمة المقيدة كنعمة الصحة والغنى وعافية الجسد وبسط الجاه وكثرة الولد والزوجة الحسنة وأمثال هذه فهذه النعمة مشتركة بين البر والفاجر والمؤمن والكافر وإذا قيل: لله على الكافر نعمة بهذا الاعتبار فهو حق فلا يصح إطلاقا السلب والإيجاب إلا على وجه واحد ; وهو أن النعم المقيدة لما كانت استدراجا للكافر ومآلها إلى العذاب والشقاء فكأنها لم تكن نعمة وإنما كانت بلية كما سماها الله تعالى في كتابه كذلك فقال تعالى: فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمني - وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانني كلا. . . [الفجر: 15 - 16] الآية أي: ليس كل من أكرمته في الدنيا ونعمته فيها(2\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2037",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقد أنعمت عليه وإنما كان ذلك ابتلاء مني له واختبارا ولا كل من قدرت عليه رزقه فجعلته بقدر حاجته من غير فضل أكون قد أهنته بل أبتلي عبدي بالنعم كما أبتليه بالمصائب. فإن قيل - فكيف يلتئم هذا المعنى ويتفق مع قوله: فأكرمه ونعمه [الفجر: 15] . فأثبت الإكرام ثم أنكر عليه قوله: ربي أكرمني [الفجر: 15] وقال: (كلا) . أي: ليس ذلك إكراما مني وإنما هو ابتلاء فكأنه أثبت له الإكرام ونفاه . قيل: الإكرام المثبت غير الإكرام المنفي وهما من جنس النعمة المطلقة والمقيدة فليس هذا الإكرام المقيد بموجب لصاحبه أن يكون من أهل الإكرام المطلق. وكذلك أيضا إذا قيل إن الله أنعم على الكافر نعمة مطلقة ولكنه رد نعمة الله وبدلها فهو بمنزلة من أعطي مالا يعيش به فرماه في البحر كما قال تعالى: ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار [إبراهيم: 28] وقال تعالى: وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى [فصلت: 17]  فهدايته إياهم نعمة منه عليهم فبدلوا نعمته وآثروا عليها الضلال. فهذا فصل النزاع في مسألة: هل لله على الكافر نعمة أم لا وأكثر اختلاف الناس من جهتين إحداهما:(2\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2038",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اشتراك الألفاظ وإجمالها والثانية: من جهة الإطلاق والتفصيل. فصل: quot; في أن النعمة المطلقة هي التي يفرح بها في الحقيقة مع بيان منزلة السنة وصاحبها quot;: وهذه النعمة المطلقة هي التي يفرح بها في الحقيقة والفرح بها مما يحبه الله ويرضاه وهو لا يحب الفرحين قال الله تعالى: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون [يونس: 58] . وقد دارت أقوال السلف على أن فضل الله ورحمته هي الإسلام والسنة وعلى حسب حياة القلب يكون فرحه بهما وكلما كان أرسخ فيهما كان قلبه أشد فرحا حتى إن القلب ليرقص فرحا إذا باشر روح السنة أحزن ما يكون الناس وهو ممتلئ أمنا أخوف ما يكون الناس.  [بيان منزلة السنة] فإن السنة حصن الله الحصين الذي من دخله كان من الآمنين. وبابه الأعظم الذي من دخله كان إليه من الواصلين تقوم بأهلها وإن قعدت بهم أعمالهم ويسعى نورها بين أيديهم(2\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2039",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا طفئت لأهل quot; البدع والنفاق أنوارهم quot; وأهل السنة: هم المبيضة وجوههم إذا اسودت وجوه أهل البدعة قال الله تعالى: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه [آل عمران: 106] الآية قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف وتسود وجوه أهل البدعة والتفرق. وهي الحياة والنور quot; اللذان quot; بهما سعادة العبد وهداه وفوزه قال جل وعلا: أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها. . . [الأنعام: 122] .  [بيان منزلة صاحب السنة وصاحب البدعة] فصاحب السنة: حي القلب مستنير القلب وصاحب البدعة: ميت القلب مظلمه. وقد ذكر الله سبحانه هذين الأصلين في كتابه في غير موضع وجعلهما صفة أهل الإيمان وجعل ضدهما صفة من خرج عن الإيمان فإن القلب الحي المستنير هو الذي عقل عن الله وأذعن وفهم عنه وانقاد لتوحيده ومتابعة ما بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم. quot; والقلب الميت المظلم الذي لم يعقل عن الله ولا انقاد لما بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم quot; ولهذا يصف سبحانه(2\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2040",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا الضرب من الناس بأنهم أموات غير أحياء وبأنهم في الظلمات لا يخرجون منها ولهذا كانت الظلمة مستولية عليهم في جميع جهاتهم فقلوبهم مظلمة ترى الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق وأعمالهم مظلمة وأقوالهم مظلمة وأحوالهم كلها مظلمة وقبورهم ممتلئة عليهم ظلمة. وإذا قسمت الأنوار دون الجسر للعبور عليه بقوا في الظلمات ومدخلهم في النار مظلم وهذه الظلمة هي التي خلق فيها الخلق أولا فمن أراد الله سبحانه وتعالى به السعادة أخرجه منها إلى النور ومن أراد به الشقاوة تركه فيها كما روى الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما quot; عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك أقول جف القلم على علم الله ) quot; وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله تعالى أن يجعل له(2\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2041",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نورا في قلبه وسمعه وبصره وشعره وبشره ولحمه وعظمه ودمه ومن فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله وخلفه وأمامه وأن يجعل ذاته نورا فطلب صلى الله عليه وسلم النور لذاته ولأبعاضه ولحواسه الظاهرة والباطنة ولجهاته الست. وقال أبي بن كعب quot; رضي الله عنه quot;: quot; المؤمن مدخله من نور ومخرجه من نور وقوله نور وعمله نور. . quot; وهذا النور بحسب قوته وضعفه يظهر لصاحبه يوم القيامة فيسعى بين يديه ويمينه. فمن الناس من يكون نوره كالشمس وآخر كالنجم وآخر كالنخلة السحوق وآخر دون ذلك حتى quot; إن quot; منهم من يعطى نورا على رأس إبهام قدمه يضيء مرة ويطفئ أخرى كما كان نور إيمانه ومتابعته في الدنيا كذلك فهو هذا بعينه يظهر هناك للحس والعيان. وقال تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا. . [الشورى: 52] الآية فسمى وحيه وأمره روحا لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح. وسماه نورا ; لما يحصل به من الهدى واستنارة القلوب والفرقان بين الحق والباطل.(2\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2042",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد اختلف في الضمير في قوله quot; عز وجل quot;: ولكن جعلناه نورا [الشورى: 52] فقيل: يعود على الكتاب وقيل: على الإيمان والصحيح أنه يعود على الروح في قوله: روحا من أمرنا [الشورى: 52] فأخبر تعالى أنه جعل أمره روحا ونورا وهدى ولهذا ترى صاحب اتباع الأمر والسنة قد كسي من الروح والنور وما يتبعهما من الحلاوة والمهابة والجلالة والقبول ما قد حرمه غيره كما قال الحسن: (إن المؤمن من رزق حلاوة ومهابة)  وقال جل وعلا: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات. . [البقرة: 257]  فأولياؤهم يعيدونهم إلى ما خلقوا فيه من ظلمة طبائعهم وجهلهم وأهوائهم وكلما أشرق لهم نور النبوة والوحي وكادوا أن يدخلوا فيه منعهم أولياؤهم منه وصدوهم فذلك إخراجهم إياهم من النور إلى الظلمات. وقال جل وعلا: أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها. . [الأنعام: 122] فأحياه سبحانه وتعالى بروحه الذي هو وحيه وهو روح(2\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2043",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإيمان والعلم وجعل له نورا يمشي به بين أهل الظلمة كما يمشي الرجل بالسراج المضيء في الظلمة فهو يرى هل الظلمة في ظلماتهم وهم لا يرونه كالبصير الذي يمشي بين العميان.  [فصل في أن الخارجين عن طاعة الرسل يتقلبون في الظلمات وأن أتباعهم يتقلبون في عشرة أنوار] والخارجون عن طاعة الرسل quot; صلوات الله وسلامه عليهم quot; ومتابعتهم يتقلبون في عشر ظلمات: ظلمة الطبع وظلمة الجهل وظلمة الهوى وظلمة القول وظلمة العمل وظلمة المدخل وظلمة المخرج وظلمة القبر وظلمة القيامة وظلمة دار القرار. فالظلمة لازمة لهم في دورهم الثلاث. وأتباع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم يتقلبون في عشرة أنوار ولهذه الأمة ونبيها من النور ما ليس لأمة غيرها ولا لنبي غيره فإن لكل quot; نبي quot; منهم نورين ولنبيها صلى الله عليه وسلم تحت كل شعرة من رأسه وجسده نور تام كذلك صفته وصفة أمته في الكتب المتقدمة. وقال جل وعلا: ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم [الحديد: 28] وفي قوله: تمشون به [الحديد: 28] إعلام بأن تصرفهم وتقلبهم الذي ينفعهم إنما هو النور وأن مشيهم بغير النور غير مجد عليهم ولا نافع لهم بل ضرره أكثر من نفعه.(2\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2044",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيه: أن أهل النور هم أهل المشي في الناس ومن سواهم أهل الزمانة والانقطاع فلا مشي لقلوبهم ولا لأحوالهم ولا لأقوالهم ولا لأقدامهم إلى الطاعات. وكذلك لا تمشي على الصراط إذا مشت بأهل الأنوار أقدامهم. وفي قوله تعالى: تمشون به [الحديد: 28] نكتة بديعة وهي: أنهم يمشون على الصراط بأنوارهم كما يمشون بها بين الناس في الدنيا ومن لا نور له فإنه لا يستطيع أن ينقل قدما عن قدم على الصراط فلا يستطيع المشي أحوج ما يكون إليه.  [فصل في ذكر الأنوار وفيه فوائد جليلة] والله سبحانه وتعالى سمى نفسه نورا وجعل كتابه نورا ورسوله صلى الله عليه وسلم نورا ودينه نورا واحتجب عن خلقه بالنور وجعل دار أوليائه نورا تتلألأ قال الله تعالى: الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم [النور: 35] وقد فسر: الله نور السماوات والأرض. . [النور: 35] الآية بكونه: منور السماوات والأرض وهادي أهل السماوات(2\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2045",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والأرض فبنوره اهتدى أهل السماوات والأرض وهذا إنما هو فعله وإلا فالنور الذي هو من أوصافه قائم به ومنه اشتق له اسم النور الذي هو أحد الأسماء الحسنى. والنور يضاف إليه سبحانه على أحد وجهين: إضافة صفة إلى موصوفها وإضافة مفعول إلى فاعله. فالأول: كقوله تعالى: وأشرقت الأرض بنور ربها. . [الزمر: 69] الآية فهذا إشراقها يوم القيامة بنوره تعالى إذا جاء لفصل القضاء. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء المشهور: ( أعوذ بنور وجهك الكريم أن تضلني لا إله إلا أنت ) . وفي الأثر الآخر: ( أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ) فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الظلمات أشرقت لنور وجهه كما أخبر تعالى: أن الأرض تشرق يوم القيامة بنوره. وفي معجم الطبراني والسنة له وكتاب عثمان الدارمي وغيرها عن ابن(2\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2046",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مسعود رضي الله عنه قال: ( ليس عند ربكم ليل ولا نهار نور السماوات والأرض من نور وجهه )  وهذا الذي قاله ابن مسعود رضي الله عنه أقرب إلى تفسير الآية من قول من فسرها بأنه هادي أهل السماوات والأرض quot; وأما من فسرها بأنه منور السماوات والأرض quot; فلا تنافي بينه وبين قول ابن مسعود والحق أنه نور السماوات والأرض بهذه الاعتبارات كلها وفي صحيح مسلم وغيره من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قام فينا رسول(2\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2047",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله صلى الله عليه وسلم بخمس quot; كلمات quot; فقال: ( إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل quot; عمل quot; النهار وعمل النهار قبل quot; عمل quot; الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ) . وفي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك قال: (نور أنى أراه)  فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: معناه كان ثم نور أو حال دون رؤيته(2\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2048",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نور فأنى أراه. قال: ويدل عليه أن في بعض ألفاظ الصحيح هل رأيت ربك فقال: رأيت نورا  وقد أعضل أمر هذا الحديث على كثير من الناس حتى صحفه بعضهم فقال: نوراني أراه  على أنها ياء النسب والكلمة كلمة واحدة وهذا خطأ لفظا ومعنى وإنما أوجب لهم هذا الإشكال والخطأ أنهم لما اعتقدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه وكان قوله: أنى أراه  كالإنكار للرؤية حاروا في الحديث ورده بعضهم باضطراب لفظه وكل هذا عدول عن موجب الدليل. وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب quot; الرد quot; له إجماع الصحابة على أنه لم ير ربه ليلة المعراج وبعضهم استثنى ابن عباس من ذلك وشيخنا يقول: ليس ذلك بخلاف في الحقيقة. فإن ابن عباس لم يقل: رآه بعيني رأسه وعليه اعتمد أحمد في إحدى الروايتين حيث قال: quot; أنه رآه عز وجل ولم يقل بعيني رأسه ولفظ أحمد(2\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2049",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كلفظ ابن عباس رضي الله عنهما ويدل على صحة ما قاله شيخنا في quot; معنى quot; حديث أبي ذر رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: حجابه النور. فهذا النور هو - والله أعلم - النور المذكور في حديث أبي ذر quot; رضي الله عنه quot; رأيت نورا .  [فصل في تفسير قوله تعالى (مثل نوره. .) . الآية] فصل: في تفسير قوله تعالى: مثل نوره. . [النور: 35] . الآية وقوله تعالى: مثل نوره كمشكاة فيها مصباح. . [النور: 35] الآية هذا مثل لنوره في قلب عبده المؤمن كما قال أبي بن كعب وغيره وقد اختلف في تفسير الضمير في نوره فقيل: هو النبي صلى الله عليه وسلم أي: مثل نور محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: تفسيره المؤمن أي: مثل نور المؤمن والصحيح أنه يعود على الله عز وجل والمعنى: مثل نور الله سبحانه وتعالى في قلب عبده وأعظم عباده نصيبا من هذا النور رسوله صلى الله عليه وسلم فهذا مع ما تضمنه عود الضمير إلى المذكور وهو وجه الكلام يتضمن التقادير الثلاثة وهو أتم معنى ولفظا.(2\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2050",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا النور يضاف إلى الله تعالى إذ هو معطيه لعبده وواهبه إياه ويضاف إلى العبد إذ هو محله وقابله فيضاف إلى الفاعل والقابل ولهذا النور فاعل وقابل ومحل وحامل ومادة وقد تضمنت الآية ذكر هذه الأمور كلها على وجه التفصيل. فالفاعل: هو الله تعالى مفيض الأنوار الهادي لنوره من يشاء والقابل: العبد المؤمن والمحل قلبه والحامل: همته وعزيمته وإرادته والمادة: قوله وعمله وهذا التشبيه العجيب الذي تضمنته الآية فيه من الأسرار والمعاني وإظهار تمام نعمته على عبده المؤمن بما أناله من نوره ما تقر به عيون أهله وتبتهج به قلوبهم. وفي هذا التشبيه لأهل المعاني طريقتان: أحدهما: طريقة التشبيه المركب وهي أقرب مأخذا وأسلم من التكلف وهي أن تشبه الجملة برمتها بنور المؤمن من غير تعرض لتفصيل كل جزء من أجزاء المشبه ومقابلته بجزء من المشبه به وعلى هذا عامة أمثال القرآن الكريم. فتأمل صفة مشكاة وهي كوة لا تنفذ لتكون أجمع للضوء قد وضع فيها مصباح وذلك المصباح داخل زجاجة تشبه الكوكب الدري في صفائها وحسنها ومادته من أصفى(2\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2051",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأدهان وأتمها وقودا من زيت شجرة في وسط القراح لا شرقية ولا غربية بحيث تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار بل هي في وسط القراح محمية بأطرافه تصيبها الشمس أعدل إصابة والآفات إلى الأطراف دونها فمن شدة إضاءة زيتها وصفائه وحسنه يكاد يضيء من غير أن تمسه نار فهذا المجموع المركب هو مثل نور الله تعالى الذي وضعه في قلب عبده المؤمن وخصه به. والطريقة الثانية: طريقة التشبيه المفصل فقيل: المشكاة صدر المؤمن والزجاجة قلبه وشبه قلبه بالزجاجة لرقتها وصفائها وصلابتها وكذلك قلب المؤمن فإنه قد جمع الأوصاف الثلاثة فهو يرحم ويحسن ويتحنن ويشفق على الخلق برقته. وبصفائه تتجلى فيه صور الحقائق والعلوم على ما هي عليه ويباعد الكدر والدرن والوسخ بحسب ما فيه من الصفاء وبصلابته يشتد في أمر الله تعالى ويتصلب في ذات الله(2\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2052",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى ويغلظ على أعداء الله تعالى ويقوم بالحق لله تعالى وقد جعل الله تعالى القلوب كالآنية كما قال بعض السلف: القلوب آنية الله في أرضه وأحبها إليه أرقها وأصلبها وأصفاها. والمصباح هو نور الإيمان في قلبه والشجرة المباركة هي شجرة الوحي المتضمنة للهدى ودين الحق وهي مادة المصباح التي يتقد منها والنور على النور: نور الفطرة الصحيحة والإدراك الصحيح ونور الوحي والكتاب فينضاف أحد النورين إلى الآخر فيزداد العبد نورا على نور ولهذا يكاد ينطق بالحق والحكمة قبل أن يسمع quot; ما quot; فيه بالأثر ثم يبلغه الأثر بمثل ما وقع في قلبه ونطق به فيتفق عنده شاهد العقل والشرع والفطرة والوحي فيريه عقله وفطرته وذوقه quot; أن quot; الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق لا يتعارض عنده العقل والنقل البتة بل يتصادقان ويتوافقان فهذا علامة النور على النور عكس من تلاطمت في قلبه quot; أمواج quot; الشبه الباطلة والخيالات الفاسدة من الظنون الجهليات التي يسميها(2\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2053",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أهلها القواطع العقليات فهي في صدره كما قال الله تعالى: أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور [النور: 40] فانظر كيف تضمنت هذه الآيات طرائف بني آدم كلهم أتم انتظام واشتملت عليه أكمل اشتمال.  [أقسام الناس بالنسبة لما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم] [القسم الأول أهل الهدى والبصائر] [أقسام الناس] : بالنسبة لما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم: القسم الأول: [أهل الهدى والبصائر] : فإن الناس قسمان: أهل الهدى والبصائر الذين عرفوا أن الحق فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله وأن كل ما عارضه فشبهات يشتبه على من قل نصيبه من العقل والسمع أمرها فيظنها شيئا له حاصل ينتفع به وهي: كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب - أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور [النور: 39 - 40] . وهؤلاء هم أهل الهدى ودين الحق أصحاب العلم النافع والعمل الصالح الذين صدقوا الرسول صلى الله عليه وسلم في أخباره ولم يعارضوها بالشبهات وأطاعوه في أوامره ولم يضيعوها بالشهوات فلا هم في عملهم من أهل الخوض الخراصين الذين هم في غمرة ساهون ولا هم في(2\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2054",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عملهم من المستمتعين بخلاقهم الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون. أضاء لهم نور الوحي المبين فرأوا في نوره أهل الظلمات في ظلمات آرائهم يعمهون وفي ضلالتهم يتهوكون وفي ريبهم يترددون مغترين بظاهر السراب ممحلين مجدبين مما بعث الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم من الحكمة وفصل الخطاب إن عندهم إلا نخالة الأفكار وزبالة الأذهان التي قد رضوا بها واطمأنوا إليها وقدموها على السنة والقرآن إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه أوجبه لهم اتباع الهوى ونخوة الشيطان وهم لأجله يجادلون في آيات الله بغير سلطان.(2\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2055",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل القسم الثاني أهل الجهل والظلم] [أهل الجهل المركب] فصل: القسم الثاني: أهل الجهل والظلم الذين جمعوا بين الجهل بما جاء به والظلم باتباع أهوائهم الذين قال الله تعالى فيهم: إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى [النجم: 23] . وهؤلاء قسمان: أحدهما: الذين يحسبون أنهم على علم وهدى وهم أهل جهل وضلال فهؤلاء أهل الجهل المركب الذين يجهلون الحق ويعادونه ويعادون أهله وينصرون الباطل ويوالونه ويوالون أهله وهم يحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون فهم لاعتقادهم الشيء على خلاف ما هو عليه بمنزلة رائي السراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا فهكذا هؤلاء أعمالهم وعلومهم بمنزلة السراب الذي يخون صاحبه أحوج ما هو إليه ولم يقتصر على مجرد الخيبة والحرمان كما هو حال من أم السراب فلم يجده ماء بل انضاف إلى ذلك أنه وجد عنده أحكم الحاكمين وأعدل العادلين سبحانه وتعالى فحسب له ما عنده(2\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2056",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من العلم والعمل ووفاه إياه بمثاقيل الذر وقدم إلى ما عمل من عمل يرجو نفعه فجعله هباء منثورا: إذ لم يكن خالصا لوجهه ولا على سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وصارت تلك الشبهات الباطلة التي كان يظنها علوما نافعة كذلك هباء منثورا فصارت أعماله وعلومه حسرات عليه. والسراب ما يرى في الفلوات المنبسطة من ضوء الشمس وقت الظهيرة يسرب على وجه الأرض كأنه ماء يجري. والقيعة والقاع هو: المنبسط من الأرض الذي لا جبل فيه ولا واد فشبه علوم من لم يأخذ علومه من الوحي وأعماله بسراب يراه المسافر في شدة الحر فيؤمه فيخيب ظنه ويجده نارا تلظى فهكذا علوم أهل الباطل وأعمالهم إذا حشر الناس واشتد بهم العطش بدت لهم كالسراب فيحسبونه ماء فإذا أتوه وجدوا الله عنده فأخذتهم زبانية العذاب فعتلوهم إلى نار الجحيم فسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم وذلك الماء الذي سقوه هو تلك العلوم التي لا تنفع. والأعمال التي كانت لغير الله تعالى صيرها الله تعالى حميما سقاهم إياه كما أن طعامهم من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع وهو تلك العلوم والأعمال(2\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2057",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباطلة التي كانت في الدنيا كذلك لا يسمن ولا يغني من جوع وهؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم: قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا [الكهف: 103] وهم الذين عنى بقوله: وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا [الفرقان: 23] وهم الذين عنى بقوله تعالى: كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار [البقرة: 167] .  [أصحاب الظلمات] والقسم الثاني من هذا الصنف: أصحاب الظلمات وهم المنغمسون في الجهل بحيث قد أحاط بهم من كل وجه فهم بمنزلة الأنعام بل هم أضل سبيلا فهؤلاء أعمالهم - التي عملوها على غير بصيرة بل بمجرد التقليد واتباع الآباء من غير نور quot; من quot; الله تعالى - كظلمات - جمع ظلمة - وهي ظلمة الجهل وظلمة الكفر وظلمة الظلم واتباع الهوى وظلمة الشك والريب وظلمة الإعراض عن الحق الذي بعث الله تعالى به رسله صلوات الله وسلامه عليهم والنور الذي أنزله معهم ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور فإن المعرض عما بعث الله تعالى به محمدا صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق يتقلب في خمس ظلمات قوله ظلمة وعمله ظلمة ومدخله ظلمة ومخرجه ظلمة ومصيره إلى الظلمة فقلبه مظلم ووجهه مظلم وكلامه مظلم وحاله مظلمة وإذا قابلت بصيرته الخفاشية ما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم من(2\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2058",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النور جد في الهرب منه وكاد نوره يخطف بصره فهرب إلى ظلمات الآراء التي هي به أنسب وأولى كما قيل. خفافيش أعشاها النهار بضوئه ووافقها قطع من الليل مظلم فإذا جاء إلى زبالة الأفكار ونحاتة الأذهان جال وصال وأبدى وأعاد وقعقع وفرقع. فإذا طلع نور الوحي وشمس الرسالة انحجر في أحجرة الحشرات.  [في تفسير قوله تعالى: (في بحر لجي يغشاه موج. . .) الآية] [في تفسير قوله تعالى: في بحر لجي يغشاه موج [النور: 40] . . .) الآية] . وقوله تعالى: في بحر لجي [النور: 40]  اللجي: العميق منسوب إلى لجة البحر وهي معظمه. وقوله تعالى: يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب [النور: 40] تصوير لحال هذا المعرض عن وحيه فشبه تلاطم أمواج الشبه والباطل في صدره بتلاطم أمواج ذلك البحر وأنها أمواج بعضها(2\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2059",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فوق بعض والضمير الأول في قوله: (يغشاه) راجع إلى البحر والضمير الثاني: في قوله: (من فوقه) عائد إلى الموج ثم إن تلك الأمواج مغشاة بسحاب فهاهنا ظلمات: ظلمة البحر اللجي وظلمة الموج الذي فوقه وظلمة السحاب: الذي فوق ذلك كله إذا أخرج - من في هذا البحر - يده لم يكد يراها.  [مطلب في بحث كاد] quot; مطلب في بحث كاد quot; واختلف في معنى ذلك فقال كثير من النحاة: هو نفي لمقاربة رؤيتها وهو أبلغ من نفي الرؤية فإنه قد ينفى وقوع الشيء ولا تنفى مقاربته فكأنه قال: لم يقارب رؤيتها بوجه. قال هؤلاء: وكاد من أفعال المقاربة لها حكم سائر الأفعال في النفي والإثبات فإذا قيل: كاد يفعل فهو إثبات لمقاربة الفعل فإذا قيل: لم يكد يفعل فهو نفي لمقاربة الفعل. وقالت طائفة أخرى بل هذا دال على أنه إنما يراها بعد جهد شديد وفي ذلك إثبات رؤيتها بعد أعظم العسر ; لأجل تلك الظلمات قالوا: لأن كاد لها شأن ليس لغيرها من الأفعال فإنها إذا(2\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2060",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أثبتت نفت وإذا نفت أثبتت. فإذا قلت: ما كدت أصل إليك فمعناه: وصلت إليك بعد الجهد والشدة فهذا إثبات للوصول وإذا قلت: كاد زيد يقوم فهي نفي لقيامه كما قال تعالى: وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا [الجن: 19] ومنه قوله تعالى: وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم. . [القلم: 51] الآية وأنشد بعضهم في ذلك ملغزا: أنحوي هذا العصر ما هي لفظة ... جرت في لساني جرهم وثمود إذا استعملت في صورة النفي أثبتت ... وإن أثبتت قامت مقام جحود وقالت فرقة ثالثة: منهم أبو عبد الله بن مالك وغيره: إن استعمالها مثبتة يقتضي نفي خبرها كقولك: كاد زيد يقوم واستعمالها منفية يقتضي نفيه بطريق الأولى فهي عنده تنفي الخبر سواء كانت منفية أو مثبتة (فلم يكد زيد يقوم) أبلغ عنده في النفي من (لم يقم)  واحتج بأنها إذا نفيت وهي من أفعال المقاربة فقد نفت مقاربة الفعل وهو أبلغ من نفيه وإذا استعملت مثبتة فهي تقتضي مقاربة اسمها لخبرها وذلك يدل على عدم وقوعه واعتذر عن مثل(2\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2061",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله تعالى: فذبحوها وما كادوا يفعلون. . [البقرة: 71] الآية وعن مثل قوله: وصلت إليك وما كدت أصل. وسلمت وما كدت أسلم. بأن هذا وارد على كلامين متباينين أي: فعلت كذا بعد أن لم أكن مقاربا له فالأول: يقتضي وجود الفعل والثاني يقتضي أنه لم يكن مقاربا له بل كان آيسا منه فهما كلامان مقصود بهما أمران متغايران وذهبت فرقة رابعة: إلى الفرق بين ماضيها ومستقبلها فإذا كانت في الإثبات فهي لمقاربة الفعل سواء كانت بصيغة الماضي أو المستقبل وإن كانت في طرف النفي فإن كانت بصيغة المستقبل كانت لنفي الفعل ومقاربته نحو قوله تعالى: لم يكد يراها [النور: 40]  وإن كانت بصيغة الماضي فهي تقتضي الإثبات نحو قوله تعالى: فذبحوها وما كادوا يفعلون [البقرة: 71] . فهذه أربعة طرق للنحاة في هذه اللفظة والصحيح أنها فعل يقتضي المقاربة ولها حكم سائر الأفعال ونفي الخبر لم يستفد من لفظها ووضعها فإنها لم توضع لنفيه وإنما استفيد من لوازم معناها فإنها إذا اقتضت مقاربة الفعل لم يكن واقعا فيكون منفيا باللزوم وأما إذا استعملت منفية فإن كانت في كلام واحد فهي لنفي المقاربة كما إذا قلت: لا يكاد البطال يفلح ولا يكاد البخيل يسود ولا يكاد الجبان يفرح ونحو ذلك وإن كانت في كلامين اقتضت وقوع الفعل بعد أن لم يكن مقاربا كما قال ابن مالك فهذا التحقيق في أمرها والمقصود أن قوله(2\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2062",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى لم يكد يراها [النور: 40] إما أن يدل على أنه لا يقارب رؤيتها لشدة الظلمة وهو الأظهر فإذا كان لا يقارب رؤيتها فكيف يراها. قال ذو الرمة: إذا غير النائي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح أي: لم يقارب البراح وهو الزوال فكيف يزول فشبه سبحانه أعمالهم أولا في فوات نفعها وحصول ضررها عليهم بسراب خداع يخدع رائيه من بعيد فإذا جاءه وجد عنده عكس ما أمله ورجاه وشبهها ثانيا في ظلمتها وسوادها لكونها باطلة خالية عن نور الإيمان بظلمات متراكمة في لجج البحر المتلاطم الأمواج الذي قد غشيه السحاب من فوقه فياله تشبيها ما أبدعه وأشده مطابقة بحال أهل البدع والضلال وحال من عبد الله سبحانه وتعالى على خلاف ما بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل به كتابه. وهذا التشبيه هو تشبيه لأعمالهم الباطلة بالمطابقة والتصريح ولعلومهم وعقائدهم الفاسدة باللزوم وكل واحد من السراب والظلمات مثل لمجموع علومهم وأعمالهم فهي سراب لا حاصل لها وظلمات لا نور فيها.(2\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2063",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا عكس مثل أعمال المؤمن وعلومه التي تلقاها من مشكاة النبوة فإنها مثل الغيث الذي به حياة البلاد والعباد ومثل النور الذي به انتفاع أهل الدنيا والآخرة.  [في تفسير قوله تعالى (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا. . .) الآية] في تفسير قوله تعالى: مثلهم كمثل الذي استوقد نارا [البقرة: 17] . . .) الآية: ولهذا يذكر سبحانه وتعالى هذين المثلين في القرآن في غير موضع لأوليائه وأعدائه كما ذكرهما في سورة البقرة في قوله تعالى: مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون [البقرة: 17] . شبه سبحانه وتعالى أعداءه المنافقين بقوم أوقدوا نارا لتضيء لهم وينتفعوا بها فلما أضاءت لهم النار فأبصروا في ضوئها ما ينفعهم ويضرهم وأبصروا الطريق بعد أن كانوا حيارى تائهين فهم كقوم سفر ضلوا عن الطريق فأوقدوا النار لتضيء لهم الطريق ; فلما أضاءت لهم فأبصروا وعرفوا طفئت تلك النار وبقوا في الظلمات لا يبصرون قد سدت عليهم أبواب الهدى الثلاث فإن الهدى يدخل إلى العبد من ثلاثة أبواب مما يسمعه بأذنه ويراه بعينه ويعقله بقلبه وهؤلاء قد سدت عليهم أبواب الهدى فلا تسمع قلوبهم شيئا ولا تبصره ولا تعقل ما ينفعها. وقيل: لما لم ينتفعوا بأسماعهم وأبصارهم وقلوبهم نزلوا منزلة من لا سمع له ولا بصر ولا عقل والقولان متلازمان وقال في صفتهم: فهم لا يرجعون [البقرة: 18] ; لأنهم قد رأوا في ضوء النار وأبصروا الهدى فلما طفئت عنهم لم يرجعوا إلى ما رأوا وأبصروا وقال سبحانه وتعالى:(2\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2064",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذهب الله بنورهم [البقرة: 17]  ولم يقل: ذهب نورهم وفيه سر بديع وهو انقطاع تلك المعية الخاصة التي هي للمؤمنين من الله تعالى فإن الله تعالى مع المؤمنين وإن الله مع الصابرين و إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون [النحل: 128]  فذهاب الله بذلك النور انقطاع لمعيته الخاصة التي هي للمؤمنين خص بها أولياءه فقطعها بينه وبين المنافقين فلم يبق عندهم بعد ذهاب نورهم ولا معهم فليس لهم نصيب من قوله تعالى: لا تحزن إن الله معنا [التوبة: 40] ولا من: كلا إن معي ربي سيهدين [الشعراء: 62] . وتأمل قوله تعالى: أضاءت ما حوله [البقرة: 17] كيف جعل ضوءها خارجا عنه منفصلا ولو اتصل ضوءها به ولابسه لم يذهب ولكنه كان ضوء مجاورة لا ملابسة ومخالطة وكان الضوء عارضا والظلمة أصلية فرجع الضوء إلى معدنه وبقيت الظلمة في معدنها فرجع كل منهما إلى أصله اللائق به حجة من الله قائمة وحكمة بالغة تعرف بها إلى أولي الألباب من عباده وتأمل قوله تعالى: ذهب الله بنورهم [البقرة: 17] ولم يقل: بنارهم لتطابق أول الآية ; فإن النار فيها إشراق وإحراق فذهب بما فيها من الإشراق وهو النور وأبقى عليهم ما فيها من الإحراق وهو النارية.(2\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2065",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتأمل كيف قال: بنورهم [البقرة: 17] ولم يقل: بضوئهم مع قوله: فلما أضاءت ما حوله [البقرة: 17] ; لأن الضوء هو زيادة في النور ولو قيل: ذهب الله بضوئهم لأوهم الذهاب بالزيادة فقط دون الأصل فلما كان النور أصل الضوء كان الذهاب به ذهابا بالشيء وزيادته وأيضا فإنه أبلغ في النفي عنهم وأنهم من أهل الظلمات الذين لا نور لهم وأيضا: فإن الله سبحانه وتعالى سمى كتابه نورا ورسوله صلى الله عليه وسلم نورا ودينه نورا وهداه نورا ومن أسمائه النور والصلاة نور فذهابه سبحانه بنورهم ذهاب بهذا كله. وتأمل مطابقة هذا المثل لما تقدمه من قوله تعالى: أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين [البقرة: 16]  كيف طابق هذه التجارة الخاسرة التي تضمنت حصول الضلالة والرضى بها وبذل الهدى في مقابلتها وحصول الظلمات التي هي الضلالة والرضى بها بدلا عن النور الذي هو الهدى والنور فبذلوا الهدى والنور وتعوضوا عنه بالظلمة والضلالة فيالها quot; من quot; تجارة ما أخسرها وصفقة ما أشد غبنها. وتأمل(2\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2066",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كيف قال الله تعالى: ذهب الله بنورهم [البقرة: 17] فوحده ثم قال: وتركهم في ظلمات لا يبصرون [البقرة: 17] فجمعها فإن الحق واحد وهو صراط الله المستقيم الذي لا صراط يوصل إليه سواه وهو عبادته وحده لا شريك له بما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم لا بالأهواء والبدع وطرق الخارجين عما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق بخلاف طرق الباطل فإنها متعددة متشعبة ولهذا يفرد سبحانه وتعالى الحق ويجمع الباطل كقوله تعالى: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [البقرة: 257] وقال تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله [الأنعام: 153] فجمع سبل الباطل ووحد سبيله الحق ولا يناقض هذا قوله تعالى: يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام [المائدة: 16] فإن تلك هي طرق مرضاته التي يجمعها سبيله الواحد وصراطه المستقيم فإن طرق مرضاته كلها ترجع إلى صراط واحد وسبيل واحد وهي سبيله التي لا سبيل إليه إلا منها وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خط خطا مستقيما وقال: هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله فقال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ قوله تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون [الأنعام: 153] . وقد قيل: إن هذا مثل للمنافقين وما يوقدونه من نار الفتنة التي يوقعونها بين أهل الإسلام(2\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2067",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويكون بمنزلة قوله تعالى: كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله [المائدة: 64] ويكون قوله تعالى: ذهب الله بنورهم [البقرة: 17] مطابقا لقوله تعالى: أطفأها الله [المائدة: 64] ويكون تخييبهم وإبطال ما راموه هو تركهم في ظلمات الحيرة لا يهتدون إلى التخلص مما وقعوا فيه ولا يبصرون سبيلا بل هم صم بكم عمي. وهذا التقدير وإن كان حقا ففي كونه مرادا بالآية نظر فإن السياق إنما قصد لغيره ويأباه قوله تعالى: فلما أضاءت ما حوله [البقرة: 17] وموقد نار الحرب لا يضيء ما حوله أبدا ويأباه قوله تعالى: ذهب الله بنورهم [البقرة: 17] وموقد نار الحرب لا نور له ويأباه قوله تعالى: وتركهم في ظلمات لا يبصرون [البقرة: 17] وهذا يقتضي أنهم انتقلوا من نور المعرفة والبصيرة إلى ظلمة الشك والكفر قال الحسن رحمه الله: هو المنافق أبصر ثم عمي وعرف ثم أنكر ولهذا قال: فهم لا يرجعون [البقرة: 18] . quot; أي: لا يرجعون quot; إلى النور الذي فارقوه. وقال تعالى في حق الكفار: صم بكم عمي فهم لا يرجعون [البقرة: 18] فسلب العقل عن الكفار إذ(2\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2068",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يكونوا من أهل البصيرة والإيمان وسلب الرجوع عن المنافقين لأنهم آمنوا ثم كفروا فلم يرجعوا إلى الإيمان.  [فصل في تفسير قوله تعالى أو كصيب من السماء. . . [البقرة: 19] الآية] ثم ضرب الله سبحانه وتعالى لهم مثلا آخر مائيا فقال تعالى: أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين [البقرة: 19] فشبه نصيبهم مما بعث الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم من النور والحياة بنصيب المستوقد للنار التي طفئت عنه أحوج ما كان إليها وذهب نوره وبقي في الظلمات حائرا تائها لا يهتدي سبيلا ولا يعرف طريقا وبنصيب أصحاب الصيب وهو المطر الذي يصوب أي ينزل من علو إلى سفل فشبه الهدى الذي هدى به عباده بالصيب لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر ونصيب المنافقين من هذا الهدى بنصيب من لم يحصل له من الصيب إلا ظلمات ورعد وبرق ولا نصيب له فيما وراء ذلك مما هو المقصود بالصيب من حياة البلاد والعباد والشجر والدواب وأن تلك الظلمات التي فيه وذلك الرعد والبرق مقصود لغيره وهو وسيلة إلى كمال الانتفاع بذلك الصيب فالجاهل لفرط جهله يقتصر على الإحساس بما في الصيب من ظلمة ورعد وبرق ولوازم ذلك من برد شديد وتعطل مسافر عن سفره وصانع عن صنعته ولا بصيرة له تنفذ إلى ما يئول إليه أمر ذلك الصيب من الحياة(2\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2069",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنفع العام وهكذا شأن كل قاصر النظر ضعيف العقل لا يجاوز نظره الأمر المكروه الظاهر إلى ما وراءه من كل محبوب. وهذه حال أكثر الخلق إلا من صحت بصيرته فإذا رأى ضعيف البصيرة ما في الجهاد من quot; التعب quot; والمشاق والتعرض لتلاف المهجة والجراحات الشديدة وملامة اللوام ومعاداة من يخاف معاداته لم يقدم عليه لأنه لم يشهد ما يئول إليه من العواقب الحميدة والغايات التي إليها تسابق المتسابقون وفيها تنافس المتنافسون وكذلك من عزم على سفر الحج إلى البيت الحرام فلم quot; يعلم quot; من سفره ذلك إلا مشقة السفر ومفارقة الأهل والوطن ومقاساة الشدائد وفراق المألوفات ولا يجاوز نظره وبصيرته آخر ذلك السفر ومآله وعاقبته فإنه لا يخرج إليه ولا يعزم عليه وحال هؤلاء حال ضعيف البصيرة والإيمان الذي يرى ما في القرآن من الوعد والوعيد والزواجر والنواهي والأوامر الشاقة على النفوس التي تفطمها عن رضاعها من ثدي المألوفات والشهوات والفطام على الصبي أصعب شيء وأشقه والناس كلهم صبيان العقول إلا من بلغ مبالغ الرجال العقلاء الألباء وأدرك الحق علما وعملا ومعرفة فهذا الذي ينظر إلى ما وراء الصيب وما فيه من الرعد والبرق والصواعق ويعلم أنه حياة الوجود وقال الزمخشري: quot; لقائل أن يقول: شبه دين(2\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2070",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإسلام بالصيب لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر وما يتعلق به من شبه الكفار بالظلمات وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق وما يصيب الكفرة من الأفزاع والبلايا والفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق والمعنى: أو كمثل ذوي صيب والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة فلقوا منها ما لقوا. قال: والصحيح الذي عليه علماء البيان لا يتخطونه أن التمثيلين جميعا من جهة التمثيلات المركبة دون المفرقة لا يتكلف لواحد واحد شيئا يقدر شبهه به وهذا القول الفحل والمذهب الجزل بيانه أن العرب تأخذ أشياء فرادى معزولا بعضها من بعض لم يأخذ هذا بحجزة ذاك فشبهها بنظائرها. . كما جاء في القرآن حيث شبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامنت وتلاصقت حتى(2\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2071",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عادت شيئا واحدا بأخرى مثلها كقوله تعالى: مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا [الجمعة: 5] الآية الغرض تشبيه حال اليهود في جهلها بما معها من التوراة وآياتها الباهرة بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة وتساوي الحالتين عنده من حمل أسفار الحكمة وحمل ما سواها من الأوقار ولا يشعر من ذلك إلا بما يمر بدفيه من الكد والتعب وكقوله تعالى: واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح [الكهف: 45] الآية المراد: قلة بقاء زهرة الدنيا كقلة بقاء هذا الخضر فأما أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد غير منوط بعضهم ببعض ومصيره شيئا واحدا فلا. فكذلك لما وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة شبهت حيرتهم وشدة الأمر عليهم بما يكابد من طفئت ناره بعد إيقادها في ظلمة الليل وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق قال: فإن قلت: أي التمثيلين أبلغ قلت: الثاني لأنه أدل على فرط(2\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2072",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحيرة وشدة الأمر وفظاعته ولذلك أخر وهم يتدرجون في مثل هذا من الأهون إلى الأغلظ.  [أقسام الناس في الهدى الذي بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم] [القسم الأول قبلوه ظاهرا وباطنا] (أقسام الناس في الهدى الذي بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم) : قلت: quot; قال شيخنا quot;: الناس في الهدى الذي بعث الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم أربعة أقسام قد اشتملت عليهم هذه الآيات من أول السورة إلى هنا. القسم الأول: قبلوه ظاهرا وباطنا وهم نوعان: أحدهما: أهل الفقه فيه والفهم والتعليم وهم الأئمة الذين عقلوا عن الله تعالى كتابه وفهموا مراده وبلغوه إلى الأمة واستنبطوا أسراره وكنوزه فهؤلاء كمثل الأرض الطيبة التي قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير فرعى الناس فيه ورعت أنعامهم وأخذوا من ذلك الكلأ الغذاء والقوت والدواء وسائر ما يصلح لهم. النوع الثاني: حفظوه وضبطوه وبلغوا ألفاظه إلى الأمة فحفظوا عليهم النصوص وليسوا من أهل الاستنباط والفقه في مراد الشارع فهم أهل حفظ وضبط وأداء لما سمعوه والأولون أهل فهم وفقه واستنباط وإثارة لدفائنه وكنوزه وهذا النوع الثاني بمنزلة الأرض التي أمسكت الماء للناس فوردوه وشربوا منه وسقوا منه أنعامهم وزرعوا به.  [فصل القسم الثاني من رده ظاهرا وباطنا وكفر به ولم يرفع به رأسا] فصل: القسم الثاني: من رده ظاهرا وباطنا وكفر به ولم يرفع به رأسا وهؤلاء أيضا نوعان: أحدهما: عرفه وتيقن صحته وأنه حق ولكن حمله الحسد والكبر وحب الرياسة والملك(2\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2073",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتقدم بين قومه على جحده ودفعه بعد البصيرة واليقين. النوع الثاني: أتباع هؤلاء الذين يقولون هؤلاء ساداتنا وكبراؤنا وهم أعلم منا بما يقبلونه وما يردونه ولنا أسوة بهم ولا نرغب بأنفسنا عن أنفسهم ولو كان حقا لكانوا هم أهله وأولى بقبوله وهؤلاء بمنزلة الدواب والأنعام يساقون حيث يسوقهم راعيهم وهم الذين قال الله عز وجل فيهم: إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار [البقرة: 166] . وقال تعالى فيهم: يوم تقلب وجوههم في النار يقولون ياليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول - وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل - ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا [الأحزاب: 66 - 68] . وقال تعالى فيهم: وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد [غافر: 47] . وقال فيهم: هذا فليذوقوه حميم وغساق - وآخر من شكله أزواج - هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار - قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار [ص: 57 - 60] أي سننتموه لنا وشرعتموه: قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار [ص: 61] فقولهم: لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار [ص: 59] أي: دخلوها كما دخلناها ومقاسون عذابها كما نقاسيه فأجابهم الأتباع وقالوا: قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا [ص: 60] وفي الضمير قولان: أحدهما: أنه ضمير الكفر والتكذيب ورد قول الرسول صلى الله عليه وسلم واستبدال(2\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2074",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غيره به والمعنى: أنتم زينتم لنا الكفر ودعوتمونا إليه وحسنتموه لنا وقيل على هذا القول: أنه قول الأمم المتأخرين للمتقدمين والمعنى على هذا: أنتم شرعتم لنا تكذيب الرسل ورد ما جاءوا به والشرك بالله سبحانه وتعالى وبدأتم به وتقدمتمونا إليه فدخلتم النار قبلنا فبئس القرار أي: بئس المستقر والمنزل. والقول الثاني: أن الضمير في قوله: أنتم قدمتموه لنا. ضمير العذاب وصلي النار والقولان متلازمان وهما حق. وأما القائلون: ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار [ص: 61] فيجوز أن يكون الأتباع دعوا على سادتهم وكبرائهم وأئمتهم به لأنهم هم الذين حملوهم عليه ودعوهم إليه ويجوز أن يكون جميع أهل النار سألوا ربهم أن يزيد من سن لهم الشرك وتكذيب الرسل صلى الله عليهم وسلم ضعفا وهم الشياطين.  [فصل القسم الثالث من أقسام الناس في الهدى الذي بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم الذين قبلوا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وآمنوا به ظاهرا وجحدوه وكفروا به باطنا] فصل: القسم الثالث quot; من أقسام الناس في الهدى الذي بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم quot;: الذين قبلوا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وآمنوا به ظاهرا وجحدوه وكفروا به باطنا وهم المنافقون الذين ضرب لهم هذان المثلان بمستوقد النار وبالصيب وهم أيضا نوعان: أحدهما: من أبصر ثم عمي وعلم ثم جهل وأقر ثم أنكر وآمن ثم كفر فهؤلاء رءوس(2\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2075",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أهل النفاق وساداتهم وأئمتهم ومثلهم مثل من استوقد نارا ثم حصل بعدها على الظلمة. والنوع الثاني: ضعفاء البصائر الذين أعشى بصائرهم ضوء البرق فكاد أن يخطفها لضعفها وقوته وأصم آذانهم صوت الرعد فهم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق ولا يقربون من سماع القرآن والإيمان ; بل يهربون منه ويكون حالهم حال من يسمع الرعد الشديد فمن شدة خوفه منه يجعل أصابعه في أذنيه وهذه حال كثير من خفافيش البصائر في كثير من نصوص الوحي إذا وردت عليه مخالفة لما تلقاه عن أسلافه وذوي مذهبه ومن يحسن به الظن ورآها مخالفة لما عنده عنهم هرب من النصوص وكره من يسمعه إياها ولو أمكنه لسد أذنيه عند سماعها ويقول: دعنا من هذه ولو قدر لعاقب من يتلوها ويحفظها وينشرها ويعلمها فإذا ظهر له منها ما يوافق ما عنده مشى فيها وانطلق فإذا جاءت بخلاف ما عنده أظلمت عليه فقام حائرا لا يدري أين يذهب ثم يعزم له التقليد وحسن الظن برؤسائه وسادته على اتباع ما قالوه دونها ويقول مسكين الحال: هم أخبر بها مني وأعرف فيالله العجب! أوليس أهلها والذابون عنها والمنتصرون لها والمعظمون لها والمخالفون لأجلها آراء الرجال المقدمون لها على ما خالفها أعرف بها أيضا منك وممن اتبعته فلم كان من خالفها وعزلها عن اليقين وزعم أن الهدى والعلم لا يستفاد منها وأنها أدلة لفظية لا تفيد شيئا من اليقين ولا يجوز أن يحتج بها على مسألة واحدة من مسائل التوحيد والصفات ويسميها الظواهر النقلية ويسمي ما خالفها القواطع العقلية فلم كان هؤلاء أحق بها وأهلها وكان أنصارها والذابون عنها والحافظون لها هم أعداؤها ومحاربوها ! .(2\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2076",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولكن هذه سنة الله في أهل الباطل أنهم يعادون الحق وأهله وينسبونهم إلى معاداته ومحاربته كالرافضة الذين عادوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بل وأهل بيته ونسبوا أتباعه وأهل سنته إلى معاداة أهل بيته: وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون [الأنفال: 34]  والمقصود أن هؤلاء المنافقين صنفان: أئمة وسادة يدعون إلى النار وقد مردوا على النفاق. وأتباع لهم بمنزلة الأنعام والبهائم فأولئك زنادقة مستبصرون وهؤلاء زنادقة مقلدون. فهؤلاء أصناف بني آدم في العلم والإيمان ولا يجاوز هذه السنة اللهم إلا من أظهر الكفر وأبطن الإيمان كحال المستضعف بين الكفار الذي تبين له الإسلام ولم يمكنه المهاجرة بخلاف قومه ولم يزل هذا الضرب في الناس على عهد رسول الله وبعده وهؤلاء عكس المنافقين من كل وجه. (موجز لأقسام الناس في الهدي الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم) وعلى هذا فالناس إما مؤمن ظاهرا وباطنا وإما كافرا ظاهرا وباطنا أو مؤمن ظاهرا كافر باطنا أو كافر ظاهرا مؤمن باطنا. والأقسام الأربعة قد اشتمل عليها الوجود وقد بين القرآن أحكامها فالأقسام الثلاثة الأول ظاهرة وقد اشتمل عليها أول سورة البقرة.  [القسم الرابع من أقسام الناس في الهدى الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم الذين يكتمون إيمانهم ولا يتمكنون من إظهاره] quot; القسم الرابع من أقسام الناس في الهدى الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم quot; وأما القسم الرابع: ففي قوله تعالى: ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم. . [الفتح: 25] الآية(2\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2077",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهؤلاء كانوا يكتمون إيمانهم في قومهم ولا يتمكنون من إظهاره ومن هؤلاء مؤمن آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه ومن هؤلاء النجاشي الذي صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان ملك نصارى الحبشة وكان في الباطن مؤمنا وقد قيل: إنه وأمثاله الذين عناهم الله عز وجل بقوله: وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا [آل عمران: 199] وقوله تعالى: ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين [آل عمران: 113] فإن هؤلاء ليس المراد بهم المتمسك باليهودية والنصرانية بعد بعث محمد صلى الله عليه وسلم قطعا فإن هؤلاء قد شهد لهم بالكفر وأوجب لهم النار فلا يثنى عليهم بهذا الثناء وليس المراد به من آمن من أهل الكتاب ودخل في جملة المؤمنين وباين قومه ; فإن هؤلاء لا يطلق عليهم أنهم من أهل الكتاب إلا باعتبار ما كانوا عليه وذلك الاعتبار قد زال بالإسلام واستحدثوا اسم المسلمين والمؤمنين وإنما يطلق الله سبحانه هذا الاسم على من هو باق على دين أهل الكتاب هذا quot; هو quot; المعروف في القرآن كقوله تعالى: ياأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله. . . [آل عمران: 70] الآية. قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم. . [آل عمران: 64](2\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2078",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ياأهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم. . [آل عمران: 65] الآية. وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم. . [البقرة: 144] الآية. ولهذا قال جابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك والحسن وقتادة أن قوله تعالى: وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم. . [آل عمران: 199] الآية أنها نزلت في النجاشي زاد الحسن وقتادة: وأصحابه وذكر ابن جرير في تفسيره من حديث أبي بكر الهذلي عن قتادة عن ابن المسيب عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اخرجوا فصلوا على أخ لكم فصلى بنا فكبر أربع تكبيرات فقال: هذا النجاشي أصحمة فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني لم يره قط. فأنزل الله تعالى: وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله. . . [آل عمران: 199] الآية . والمقصود أن الأقسام الأربعة قد ذكرها الله تعالى في كتابه وبين أحكامها في الدنيا وأحكامها في الآخرة وقد تبين أن أحد الأقسام من آمن ظاهرا وكفر باطنا وأنهم نوعان: رؤساؤهم وساداتهم وأتباعهم ومقلدوهم وعلى(2\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2079",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا فأصحاب المثل الأول الناري شر من أصحاب المثل الثاني المائي كما يدل السياق عليه وقد يقال: - وهو أولى - إن المثلين لسائر النوع. وأنهم قد جمعوا بين مقتضى المثل الأول من الإنكار بعد الإقرار. والحصول في الظلمات بعد النور وبين مقتضى المثل الثاني من ضعف البصيرة في القرآن وسد الآذان عند سماعه والإعراض عنه فإن المنافقين فيهم هذا وهذا وقد يكون الغالب على فريق منهم المثل الأول وعلى فريق quot; منهم quot; المثل الثاني.  [فصل في بيان الحكم التي اشتمل عليها المثلان المتقدمان] وقد اشتمل هذان المثلان على حكم عظيمة: منها: أن المستضيء بالنار مستضيء بنور من جهة غيره لا من قبل نفسه فإذا ذهبت تلك النار بقي في ظلمة. وهكذا المنافق لما أقر بلسانه من غير اعتقاد ومحبة بقلبه وتصديق جازم كان ما معه من النور كالمستعار. ومنها: أن ضياء النار يحتاج في دوامه إلى مادة تحمله وتلك المادة للضياء بمنزلة غذاء الحيوان فكذلك نور الإيمان يحتاج إلى مادة من العلم النافع والعمل الصالح يقوم بها ويدوم بدوامها فإذا انقطعت مادة الإيمان طفيء كما تطفأ النار بفراغ مادتها. ومنها: أن الظلمة نوعان: ظلمة مستمرة لم يتقدمها نور وظلمة حادثة بعد النور وهي أشد الظلمتين وأشقهما على من كانت حظه وظلمة المنافق ظلمة بعد إضاءة فمثلت حاله بحال المستوقد للنار الذي حصل في الظلمة بعد الضوء وأما الكافر فهو في الظلمات لم يخرج منها قط.(2\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2080",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: أن في هذا المثل إيذانا وتنبيها على حالهم في الآخرة وأنهم يعطون نورا ظاهرا كما كان نورهم في الدنيا ظاهرا ثم يطفأ ذلك النور أحوج ما يكونون إليه إذ لم تكن له مادة باقية تحمله ويبقون على الجسر في الظلمة لا يستطيعون العبور ; فإنه لا يمكن أحد عبوره إلا بنور ثابت يصحبه حتى يقطع الجسر فإن لم يكن لذلك النور مادة من العلم النافع والعمل الصالح وإلا ذهب الله تعالى به أحوج ما كان إليه صاحبه فطابق مثلهم في الدنيا بحالتهم التي هم عليها في هذه الدار وبحالهم يوم القيامة عندما تقسم الأنوار دون الجسر ويثبت نور المؤمنين ويطفأ نور المنافقين. ومن هاهنا تعلم السر في قوله تعالى: ذهب الله بنورهم. . . [البقرة: 17] الآية ولم يقل: أذهب الله نورهم فإن أردت زيادة بيان وإيضاح فتأمل ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. وقد سئل عن الورود فقال: ( نجيء نحن يوم القيامة quot; على تل quot; فوق الناس قال: فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد الأول فالأول ثم يأتينا ربنا تبارك وتعالى بعد ذلك فيقول: من تنتظرون فيقولون ننتظر ربنا. فيقول: أنا ربكم فيقولون: حتى ننظر إليك فيتجلى لهم يضحك قال: فينطلق بهم ويتبعونه ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نورا ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله تعالى ثم يطفأ نور المنافقين ثم ينجو المؤمنون(2\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2081",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فينجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفا لا يحاسبون ثم الذين يلونهم كأضواء نجم في السماء ثم كذلك ثم تحل الشفاعة ويشفعون حتى يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة فيجعلون بفناء الجنة ويجعل أهل الجنة يرشون عليهم الماء . وذكر باقي الحديث. فتأمل قوله: فينطلق فيتبعونه ويعطى كل إنسان منهم نورا المنافق والمؤمن  ثم تأمل قوله تعالى: ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون [البقرة: 17] الآية. وتأمل حالهم إذا أطفئت أنوارهم فبقوا في الظلمة وقد ذهب المؤمنون في نور إيمانهم يتبعون ربهم عز وجل وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة لتتبع كل أمة ما كانت تعبد quot; فيتبع كل quot; مشرك إلهه الذي كان يعبده. والموحد حقيق بأن يتبع الإله الحق الذي كل معبود سواه باطل وتأمل قوله تعالى: يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون [القلم: 42] وذكر هذه الآية في حديث الشفاعة في هذا الموضع وقوله في الحديث: فيكشف عن ساقه وهذه الإضافة تبين المراد بالساق المذكور في الآية وتأمل ذكر الانطلاق واتباعه سبحانه بعد هذا وذلك يفتح لك بابا من أسرار التوحيد وفهم القرآن ومعاملة الله سبحانه وتعالى لأهل توحيده الذين عبدوه وحده ولم يشركوا به شيئا هذه المعاملة التي عامل بمقابلها أهل الشرك حيث ذهبت(2\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2082",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كل أمة مع معبودها فانطلق بها واتبعته إلى النار وانطلق المعبود الحق واتبعه أولياؤه وعابدوه فسبحان الله رب العالمين الذي قرت عيون أهل التوحيد به في الدنيا والآخرة وفارقوا الناس فيه أحوج ما كانوا إليهم. ومنها: أن المثل الأول متضمن لحصول الظلمة التي هي الضلال والحيرة التي ضدها الهدى والمثل الثاني: متضمن لحصول الخوف الذي ضده الأمن فلا هدى ولا أمن: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون [الأنعام: 82] قال ابن عباس وغيره من السلف: مثل هؤلاء في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارا في ليلة مظلمة في مفازة فاستدفأ ورأى ما حوله فاتقى مما يخاف فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره فبقي في ظلمة خائفا متحيرا كذلك المنافقون بإظهار كلمة الإيمان أمنوا على أموالهم وأولادهم وناكحوا المؤمنين ووارثوهم وقاسموهم الغنائم فذلك نورهم فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف. قال مجاهد: (إضاءة النار لهم إقبالهم إلى المسلمين والهدى وذهاب نورهم إقبالهم إلى المشركين والضلالة) وقد فسرت تلك الإضاءة وذهاب النور بأنها في الدنيا وفسرت بالبرزخ وفسرت بيوم القيامة والصواب أن ذلك شأنهم في الدور الثلاثة فإنهم لما كانوا كذلك في الدنيا جوزوا في البرزخ وفي القيامة بمثل حالهم جزاء وفاقا [النبأ: 26]  وما ربك بظلام للعبيد [فصلت: 46] فإن المعاد يعود على العبد فيه ما كان حاصلا له في الدنيا ولهذا يسمى يوم الجزاء: ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا [الإسراء: 72]  ويزيد الله الذين اهتدوا هدى. . [مريم: 76] الآية.(2\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2083",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن كان مستوحشا مع الله بمعصيته إياه في هذه الدار فوحشته معه في البرزخ يوم المعاد أعظم وأشد ومن قرت عينه به في quot; هذه الحياة quot; الدنيا قرت عينه به يوم القيامة وعند الموت ويوم البعث فيموت العبد على ما عاش عليه ويبعث على ما مات عليه ويعود عليه عمله بعينه فينعم به ظاهرا وباطنا. فيورثه من الفرح والسرور واللذة والبهجة quot; وقرة العين quot; والنعيم وقوة القلب واستبشاره وحياته وانشراحه واغتباطه ما هو من أفضل النعيم وأجله وأطيبه وألذه وهل النعيم إلا طيب النفس وفرح القلب وسروره وانشراحه واستبشاره هذا وينشأ له من أعماله ما تشتهيه نفسه وتلذه عينه من سائر المشتهيات التي تشتهيها الأنفس وتلذها الأعين ويكون تنوع تلك المشتهيات وكمالها وبلوغها مرتبة الحسن والموافقة بحسب كمال عمله ومتابعته فيه وإخلاصه وبلوغه مرتبة الإحسان فيه وبحسب تنوعه فمن تنوعت أعماله المرضية لله المحبوبة له في هذه الدار تنوعت الأقسام التي يتلذذ بها في تلك الدار وتكثرت له بحسب تكثر أعماله هنا وكان مزيده من تنوعها والابتهاج بها والالتذاذ بنيلها هناك على حسب مزيده من الأعمال وتنوعه فيها في هذه الدار وقد جعل الله سبحانه لكل عمل من الأعمال المحبوبة له والمسخوطة أثرا وجزاء ولذة وألما يخصه لا يشبه أثر الآخر وجزاءه. ولهذا تنوعت لذات أهل الجنة وآلام أهل النار وتنوع ما فيهما من الطيبات والعقوبات فليست لذة من ضرب في كل مرضاة الله بسهم وأخذ منها بنصيب كلذة من أنمى سهمه ونصيبه في نوع واحد منها ولا ألم من ضرب في كل(2\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2084",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مسخوط لله بنصيب وعقوبته كألم من ضرب بسهم واحد في مساخطه. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن كمال ما يستمتع به من الطيبات في الآخرة بحسب كمال ما قابله من الأعمال في الدنيا (. . . . فرأى قنوا من حشف معلقا في المسجد للصدقة فقال إن صاحب هذا يأكل الحشف يوم القيامة ] فأخبر أن جزاءه يكون من جنس عمله فيجزى على تلك الصدقة بحشف من جنسها. وهذا الباب يفتح لك أبوابا عظيمة من فهم المعاد وتفاوت الناس في أحواله وما يجري فيه من الأمور المتنوعة فمنها: خفة حمل العبد على ظهره وثقله إذا قام من قبره فإنه بحسب خفة وزره وثقله إن خف خف وإن ثقل ثقل. ومنها: استظلاله بظل العرش أو ضحاؤه للحر والشمس إن كان له من الأعمال الصالحة الخالصة والإيمان ما يظله في هذه الدار من حر الشرك والمعاصي والظلم استظل هناك في ظل أعماله تحت عرش الرحمن. وإن كان ضاحيا هنا للمناهي والمخالفات والبدع والفجور ضحى هناك للحر الشديد. ومنها: طول وقوفه في الموقف ومشقته عليه وتهوينه quot; عليه quot; إن طال وقوفه في الصلاة ليلا ونهارا لله وتحمل لأجله المشاق في مرضاته وطاعته خف عليه quot; الوقوف في ذلك اليوم(2\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2085",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسهل عليه وإن آثر الراحة quot; هنا والدعة البطالة والنعمة طال عليه الوقوف هناك واشتدت مشقته عليه. وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله: إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا [الإنسان: 23] فمن سبح الله ليلا طويلا لم يكن ذلك اليوم ثقيلا عليه بل كان أخف شيء عليه. ومنها: أن ثقل ميزانه هناك بحسب تحمله ثقل الحق في هذه الدار لا بحسب مجرد كثرة الأعمال وإنما يثقل الميزان باتباع الحق والصبر عليه وبذله إذا سئل وأخذه إذا بذل كما قال الصديق في وصيته لعمر: (واعلم أن لله حقا بالليل لا يقبله بالنهار وله حق بالنهار لا يقبله بالليل واعلم أنه إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه باتباعهم الحق وثقل ذلك عليهم في دار الدنيا وحق لميزان يوضع فيه الحق أن يكون ثقيلا وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في دار الدنيا خفته عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفا. .) . ومنها: أن ورود الناس الحوض وشربهم منه يوم العطش الأكبر بحسب ورودهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشربهم منها فمن وردها في هذه الدار وشرب منها وتضلع ورد هناك حوضه وشرب منه وتضلع فله صلى الله عليه وسلم حوضان عظيمان: حوض في الدنيا وهو سنته وما جاء به وحوض في الآخرة فالشاربون من هذا الحوض في الدنيا هم الشاربون من حوضه يوم القيامة فشارب ومحروم ومستقل ومستكثر والذين يذودهم هو والملائكة عن حوضه يوم القيامة هم الذين كانوا يذودون أنفسهم وأتباعهم عن سنته ويؤثرون عليها غيرها فمن ظمأ من سنته في هذه الدنيا ولم(2\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2086",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكن له منها شرب فهو في الآخرة أشد ظمأ وأحر كبدا وإن الرجل ليلقى الرجل فيقول: يا فلان أشربت فيقول: نعم والله فيقول: لكني والله ما شربت واعطشاه. فرد أيها الظمآن والورد ممكن فإن لم ترد فاعلم بأنك هالك وإن لم يكن رضوان يسقيك شربة سيسقيكها إذ أنت ظمآن مالك وإن لم ترد في هذه الدار حوضه ستصرف عنه يوم يلقاك آنك ومنها: قسمه الأنوار في الظلمة دون الجسر فإن العبد يعطى من النور هناك بحسب قوة نور إيمانه ويقينه وإخلاصه ومتابعته للرسول في دار الدنيا فمنهم: من يكون نوره كالشمس ودون ذلك كالقمر ودونه كأشد كوكب في السماء إضاءة. ومنهم: من يكون نوره كالسراج في قوته وضعفه وما بين ذلك. ومنهم: من يعطى نور على إبهام قدمه يضئ مرة ويطفي أخرى بحسب ما كان معه من نور الإيمان في دار الدنيا فهو هذا النور بعينه أبرزه الله لعبده في الآخرة ظاهرا يرى عيانا بالأبصار ولا يستضيء به غيره ولا يمشي أحدا إلا في نور نفسه إن كان quot; له quot; نور مشى في نوره وإن لم يكن له نور أصلا لم ينفعه نور غيره. ولما كان المنافق في الدنيا قد حصل له نور ظاهر غير مستمر ولا متصل بباطنه ولا له مادة من الإيمان أعطي في الآخرة نورا ظاهرا لا مادة له ثم يطفأ عنه أحوج ما كان إليه. ومنها: أن مشيهم على الصراط في السرعة والبطء بحسب quot; سرعة quot; سيرهم وبطئه على صراط الله المستقيم في الدنيا فأسرعهم سيرا هنا أسرعهم هناك وأبطأهم هنا أبطأهم هناك. وأشدهم ثباتا على الصراط المستقيم quot; هنا quot; أثبتهم هناك ومن خطفته كلاليب الشهوات والشبهات والبدع المضلة هنا خطفته الكلاليب التي كأنها شوك السعدان هناك ويكون(2\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2087",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تأثير الكلاليب فيه هناك فيه على حسب الشهوات quot; والشبهات quot; والبدع فيه هاهنا فناج مسلم ومخدوش مسلم ومخزول أي: مقطع بالكلاليب مكردس في النار كما أثرت فيهم تلك الكلاليب في الدنيا جزاء وفاقا [النبأ: 26] وما ربك بظلام للعبيد [فصلت: 46] . والمقصود أن الله تبارك وتعالى ضرب لعباده المثلين المائي والناري في سورة البقرة وفي سورة الرعد وفي سورة النور لما تضمن المثلان من الحياة والإضاءة. فالمؤمن حي القلب مستنيره والكافر والمنافق ميت القلب مظلمه قال الله تعالى: أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها [الأنعام: 122] الآية وقال تعالى وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات [فاطر: 19] الآية فجعل من اهتدى بهداه واستنار بنوره بصيرا حيا في ظل يقيه من حر الشبهات والضلال والبدع والشرك مستنيرا بنوره والآخر أعمى ميتا في حر الكفر والشرك والضلال منغمسا في الظلمات وقال تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا [الشورى: 52] الآية. وقد اختلف في مفسر الضمير من قوله تعالى: ولكن جعلناه نورا [الشورى: 52] فقيل: هو الإيمان quot; لكونه أقرب المذكورين. وقيل: هو الكتاب quot; فإنه النور الذي هدى به عباده. قال شيخنا: والصواب أنه عائد على الروح المذكور في قوله تعالى:(2\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2088",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا [الشورى: 52] الآية أي: جعلنا ذلك الروح نورا نهدي به من نشاء من عبادنا فسمى وحيه روحا لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح التي هي الحياة في الحقيقة ومن عدمها فهو ميت لا حي والحياة الأبدية السرمدية في دار النعيم هي ثمرة حياة القلب بهذا الروح الذي أوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم فمن لم يحيا به في الدنيا فهو ممن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا وأعظم الناس حياة في الدور الثلاث دار الدنيا ودار البرزخ ودار الجزاء أعظمهم نصيبا من هذه الحياة بهذه الروح. وسماه روحا في غير موضع من القرآن كقوله تعالى: رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق [غافر: 15] وقال تعالى: ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون [النحل: 2] . وسماه نورا لما يحصل به من استنارة القلوب وإضاءتها وكمال الروح بهاتين الصفتين: بالحياة والنور. ولا سبيل إليهما إلا على أيدي الرسل صلوات الله وسلامه عليهم والاهتداء بما بعثوا به وتلقي العلم النافع والعمل الصالح من مشكاتهم وإلا فالروح ميتة مظلمة فإن كان العبد مشارا إليه بالزهد والفقه والفضيلة والكلام والبحوث فإن الحياة والاستنارة بالروح الذي أوحاه الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وجعله نورا يهدي به من يشاء من عباده وراء ذلك كله فليس العلم كثرة النقل والبحث والكلام ولكن نور يميز به صحيح الأقوال من سقيمها وحقها من باطلها وما هو من مشكاة النبوة مما هو من آراء الرجال ويميز النقد الذي عليه سكة المدينة النبوية الذي لا يقبل الله عز وجل ثمنا لجنته سواه من النقد الذي عليه quot; سكة quot; جنكيزخان(2\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2089",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونوابه من الفلاسفة والجهمية والمعتزلة وكل من اتخذ لنفسه سكة وضربا ونقدا يروجه بين العالم فهذه الأثمان كلها زيوف لا يقبل الله سبحانه وتعالى في ثمن جنته شيئا منها بل ترد على عاملها أحوج ما يكون إليها وتكون من الأعمال التي قدم الله تعالى عليها فجعلها هباء منثورا ولصاحبها نصيب وافر من قوله تعالى: قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا [الكهف: 103] وهذا حال أرباب الأعمال التي كانت لغير الله عز وجل أو على غير سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحال أرباب العلوم والأنظار التي لم يتلقوها عن مشكاة النبوة ولكن تلقوها عن زبالة أذهان الرجال وكناسة أفكارهم فأتبعوا قواهم وأفكارهم وأذهانهم في تقرير آراء الرجال أو الانتصار لهم وفهم ما قالوه وبثه في المجالس والمحاضر وأعرضوا عما جاء به الرسول صفحا ومن به رمق منهم يعيره أدنى التفات طلبا للفضيلة. وأما تجريد اتباعه وتحكيمه واستفراغ قوى النفس في طلبه وفهمه وعرض آراء الرجال عليه quot; ورد ما يخالفه منها وقبول ما وافقه ولا يلتفت إلى شيء من آرائهم وأقوالهم quot; إلا إذا أشرقت عليها شمس الوحي وشهد لها بالصحة فهذا أمر لا تكاد ترى أحدا منهم يحدث به نفسه فضلا عن أن يكون أخيته ومطلوبه وهذا الذي لا ينجي سواه فوارحمتا لعبد شقي في طلب العلم واستفرغ فيه قواه واستنفذ فيه أوقاته وآثره على ما الناس فيه والطريق بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم مسدود وقلبه عن المرسل سبحانه وتعالى وتوحيده والإنابة إليه والتوكل عليه والتنعم بحبه(2\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2090",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والسرور بقربه مطرود ومصدود quot; و quot; قد طاف عمره كله على أبواب المذاهب فلم يفز إلا بأخس المطالب quot; سبحان الله quot; إن هي والله إلا فتنة أعمت القلوب عن مواقع رشدها وحيرت العقول عن طرق قصدها تربى فيه الصغير وهرم عليه الكبير فظنت خفافيش الأبصار أنها الغاية التي تسابق إليها المتسابقون والنهاية التي تنافس فيها المتنافسون وهيهات أين الظلام من الضياء وأين الثرى من كوكب الجوزاء وأين الحرور من الظلال وأين طريقة أصحاب اليمين من طريقة أصحاب الشمال وأين القول الذي لم تضمن لنا عصمة قائله بدليل معلوم من النقل المصدق عن القائل المعصوم وأين العلم الذي سنده محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم عن جبرائيل صلى الله عليه وسلم عن رب العالمين سبحانه وتعالى إلى quot; الخوض quot; الخرص الذي سنده شيوخ [أهل] الضلال من الجهمية والمعتزلة وفلاسفة المشائين بل أين الآراء التي أعلى درجاتها أن تكون عند الضرورة سائغة الاتباع إلى النصوص النبوية الواجب على كل مسلم تحكيمها والتحاكم إليها في موارد النزاع وأين الآراء التي نهى قائلها عن تقليده فيها وحذر إلى النصوص التي فرض على كل عبد أن يهتدي بها ويتبصر. وأين الأقوال والآراء التي إذا مات أنصارها والقائمون بها فهي من جملة الأموات إلى النصوص التي لا تزول إلا إذا زالت الأرض والسماوات. لقد استبان - والله - الصبح لمن له عينان ناظرتان وتبين الرشد من الغي لمن له أذنان واعيتان لكن عصفت على القلوب أهوية البدع والشبهات والآراء المختلفات فأطفأت مصابيحها وتحكمت فيها أيدي الشهوات فأغلقت أبواب رشدها وأضاعت مفاتيحها وران عليها كسبها(2\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2091",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتقليدها لآراء الرجال فلم تجد حقائق القرآن والسنة فيها منقذا وتمكنت فيها أسقام الجهل والتخليط فلم تنتفع معها بصالح الغذاء واعجبا جعلت غذاءها من هذه الآراء التي لا تسمن ولا تغني من جوع ولم تقبل الاغتذاء بكلام الله تعالى ونص نبيه المرفوع واعجبا لها كيف اهتدت في ظلم الآراء إلى التمييز بين الخطأ فيها والصواب وعجزت عن الاهتداء بمطالع الأنوار ومشارقها من السنة والكتاب فأقرت بالعجز عن تلقي الهدى والعلم من مشكاة السنة والقرآن ثم تلقته من رأي فلان ورأي فلان. فسبحان الله ماذا حرم المعرضون عن نصوص الوحي واقتباس الهدى من مشكاتها من الكنوز والذخائر وماذا فاتهم من حياة القلوب واستنارة البصائر قنعوا بأقوال استنبطتها معاول الآراء quot; فكرا quot; وتقطعوا أمرهم بينهم لأجلها زبرا وأوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا فاتخذوا لأجل ذلك القرآن مهجورا درست معالم القرآن في قلوبهم فليسوا يعرفونها ودثرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها ووقعت أعلامه من أيديهم فليسوا يرفعونها وأفلت كواكبه من آفاقهم فليسوا يبصرونها وكسفت شمسه عند اجتماع ظلم آرائهم وعقدها فليسوا يثبتونها خلعوا نصوص الوحي عن سلطان الحقيقة وعزلوها عن ولاية اليقين وشنوا عليها غارات التحريف بالتأويلات الباطلات فلا يزال يخرج عليها من جيوشهم المخذولة كمين بعد كمين نزلت عليهم نزول الضيف على أقوام(2\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2092",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لئام فعاملوها بغير ما يليق بها من الإجلال والإكرام وتلقوها من بعيد ولكن بالدفع في صدورها والأعجاز وقالوا: ما لك عندنا من عبور وإن كان لا بد فعلى سبيل المجاز أنزلوا النصوص منزلة الخليفة العاجز في هذه الأزمان له السكة والخطبة وما له حكم نافذ ولا سلطان حرموا والله الوصول بخروجهم عن منهج الوحي وتضييع الأصول quot; و quot; تمسكوا بأعجاز لا صدور لها فخانتهم أحرص ما كانوا عليها وتقطعت بهم أسبابهم أحوج ما كانوا إليها حتى إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور وتميز لكل قوم حاصلهم الذي حصلوه وانكشفت لهم حقيقة ما اعتقدوه وقدموا على ما قدموه (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) وسقط في أيديهم عند quot; الحصاد لما عاينوا غلة ما بذروه فيا شدة الحسرة عندما يعاين quot; المبطل سعيه وكده هباء منثورا ويا عظم المصيبة عندما تتبين بوارق آماله وأمانيه خلبا غرورا. فما ظن من انطوت سريرته على البدعة والهوى والتعصب للآراء بربه سبحانه وتعالى: يوم تبلى السرائر [الطارق: 9]  وما عذر من نبذ كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وراء ظهره في يوم لا ينفع quot; فيه quot; الظالمين المعاذر أفيظن المعرض عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينجو غدا بآراء الرجال quot; أو quot; يتخلص من مطالبة الله تعالى له بكثرة البحوث والجدال أو ضروب(2\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2093",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأقيسة وتنوع الأشكال أو بالشطحات والإشارات وأنواع الخيال هيهات والله لقد ظن أكذب الظن ومنته نفسه أبين المحال وإنما ضمنت النجاة لمن حكم هدى الله تعالى على غيره وتزود التقوى وأتم بالدليل وسلك الصراط المستقيم واستمسك من التوحيد واتباع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها والله سميع عليم.  [فصل في التوحيدين اللذين عليهما مدار كتاب الله تعالى] وملاك النجاة والسعادة والفوز بتحقيق التوحيدين اللذين عليهما مدار كتب الله تعالى وبتحقيقهما بعث الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم وإليهما رغب الرسل صلوات الله وسلامه عليهم quot; كلهم quot; من أولهم إلى آخرهم. أحدهما التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي المتضمن إثبات صفات الكمال لله تعالى وتنزيهه فيها عن التشبيه والتمثيل وتنزيهه عن صفات النقص. والتوحيد الثاني: عبادته وحده لا شريك له وتجريد محبته والإخلاص له وخوفه ورجاؤه والتوكل عليه والرضى به ربا وإلها ووليا وأن لا يجعل له عدلا في شيء من الأشياء.(2\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2094",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد جمع سبحانه وتعالى هذين النوعين من التوحيد في سورتي الإخلاص وهما: سورة: قل ياأيها الكافرون [الكافرون: 1] المتضمنة للتوحيد العملي الإرادي وسورة: قل هو الله أحد [الإخلاص: 1] المتضمنة للتوحيد الخبري العلمي. فسورة: قل هو الله أحد [الإخلاص: 1] فيها بيان ما يجب لله تعالى من صفات الكمال وبيان ما يجب تنزيهه عنه من النقائص والأمثال وسورة: قل ياأيها الكافرون [الكافرون: 1] فيها إيجاب عبادته وحده (لا شريك له) والتبري من عبادة كل ما سواه ولا يتم أحد التوحيدين إلا بالآخر ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهاتين السورتين في سنة الفجر والمغرب والوتر اللتين هما فاتحة العمل وخاتمته ليكون مبدأ النهار توحيدا وخاتمته توحيدا. فالتوحيد العلمي الخبري له ضدان التعطيل والتشبيه والتمثيل فمن نفى صفات الرب عز وجل وعطلها كذب تعطيله توحيده ومن شبهه بخلقه ومثله بهم كذب تشبيهه وتمثيله توحيده. والتوحيد الإرادي العملي له ضدان: الإعراض عن محبته والإنابة إليه والتوكل عليه أوالإشراك به في ذلك واتخاذ أوليائه شفعاء من دونه. وقد جمع سبحانه وتعالى بين التوحيدين في غير موضع من القرآن فمنها قوله تعالى: ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون [البقرة: 21] ومنها قوله تعالى: الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين [غافر: 61] .(2\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2095",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها قوله تعالى: الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم [السجدة: 4] .  [الرد على الملاحدة والمعطلة] وتأمل ما في هذه الآيات من الرد على طوائف المعطلين والمشركين فقوله: خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام [الفرقان: 59] يتضمن إبطال قول الملاحدة القائلين بقدم العالم وأنه لم يزل وأن الله سبحانه لم يخلقه بقدرته ومشيئته ومن أثبت منهم وجود الرب جعله لازما لذاته أولا وأبدا غير مخلوق كما هو قول ابن سينا والنصير الطوسي وأتباعهما من الملاحدة الجاحدين لما اتفقت عليه الرسل عليهم الصلاة والسلام والكتب وشهدت به العقول والفطر. وقوله تعالى: ثم استوى على العرش [الأعراف: 54] يتضمن إبطال قول المعطلة والجهمية الذين يقولون ليس على العرش شيء سوى العدم وأن الله ليس مستويا على عرشه ولا ترفع إليه الأيدي ولا يصعد إليه الكلم الطيب ولا رفع المسيح عليه الصلاة والسلام إليه ولا عرج برسوله محمد صلى الله عليه وسلم quot; إليه quot; ولا تعرج الملائكة والروح إليه ولا ينزل من عنده جبريل عليه الصلاة والسلام ولا غيره ولا ينزل هو كل ليلة إلى السماء الدنيا ولا يخافه عباده من الملائكة(2\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2096",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وغيرهم من فوقهم ولا يراه المؤمنون في الدار الآخرة عيانا بأبصارهم من فوقهم ولا تجوز الإشارة إليه بالأصابع إلى فوق كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في أعظم مجامعه في حجة الوداع وجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكبها إلى الناس ويقول: اللهم اشهد.  [إثبات استواء الله على عرشه بالكتاب] قال شيخ الإسلام: quot; وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعامة كلام الصحابة والتابعين وكلام سائر الأئمة مملوء بما هو نص أو ظاهر في أن الله سبحانه وتعالى فوق كل شيء وأنه فوق العرش فوق السماوات مستو على عرشه. مثل قوله تعالى: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر: 10] الآية وقوله تعالى: إذ قال الله ياعيسى إني متوفيك ورافعك إلي [آل عمران: 55] الآية وقوله تعالى: بل رفعه الله إليه [النساء: 158] الآية وقوله تعالى: (. . . . . . . . . ذي المعارج تعرج الملائكة والروح إليه [المعارج: 3] الآية وقوله تعالى: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه [السجدة: 5] الآية وقوله تعالى: يخافون ربهم من فوقهم [النحل: 50] الآية وقوله تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات [البقرة: 29] الآية وقوله تعالى: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين [الأعراف: 54] وقوله تعالى: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون [يونس: 3]  فذكر التوحيدين في هذه الآية. وقوله تعالى:(2\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2097",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا الرحمن على العرش استوى [طه: 4] . وقوله تعالى: وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا [الفرقان: 58] . وقوله تعالى هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون [الحديد: 4] فذكر عموم علمه وعموم قدرته وعموم إحاطته وعموم رؤيته. وقوله تعالى: أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير [الملك: 16] وقوله تعالى: تنزيل من حكيم حميد [فصلت: 42]  وقوله تعالى: تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم [الزمر: 1]  وقوله تعالى: وقال فرعون ياهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا [غافر: 36] الآية. قال أبو الحسن الأشعري: وقد احتج بهذه الآية على الجهمية فكذب فرعون موسى عليه السلام في قوله: إن الله quot; فوق quot; السماوات وسيأتي إن شاء الله تعالى حكاية كلامه بحروفه.(2\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2098",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[إثبات استواء الله على عرشه بالسنة] وأما الأحاديث فمنها قصة المعراج وهي متواترة وتجاوز النبي صلى الله عليه وسلم quot; السماوات quot; سماء سماء حتى انتهى إلى ربه تعالى فقربه وأدناه وفرض عليه الصلوات خمسين صلاة فلم يزل يتردد بين موسى عليه السلام وبين ربه تبارك وتعالى ينزل من عند ربه إلى عند موسى فيسأله كم فرض عليه فيخبره فيقول: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فيصعد إلى ربه quot; فيسأله التخفيف . وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لما خلق الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي . وفي لفظ آخر: كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده إن رحمتي تغلب غضبي ) وفي لفظ: وضع عنده على العرش  وفي لفظ: فهو مكتوب quot; عنده quot; فوق العرش . وهذه الألفاظ كلها صحاح في صحيح البخاري ومسلم quot; وفي صحيح مسلم quot; عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور لو(2\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2099",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه . وذكر البخاري في كتاب التوحيد في صحيحه حديث أنس رضي الله عنه حديث الإسراء وقال فيه: ثم علا به - يعني جبرائيل - فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاوز سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى إليه فيما أوحى إليه خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه فقال: يا محمد ماذا عهد إليك ربك قال: عهد إلي خمسين صلاة quot; كل يوم وليلة quot; قال: إن أمتك لا تستطيع quot; ذلك quot; فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبرائيل كأنه يستشيره في ذلك فأشار إليه جبرائيل أن نعم إن شئت فعلا به إلى الجبار تبارك وتعالى فقال وهو مكانه: يا رب خفف عنا. . . وذكر الحديث . وفي الصحيحين عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم - وهو أعلم بهم - فيقول: كيف تركتم عبادي فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون quot;. ولما حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه في بني قريظة بأن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذريتهم وتقسم أموالهم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة وفي لفظ من فوق سبع سماوات . وأصل القصة في(2\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2100",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصحيحين وهذا السياق لمحمد بن إسحاق في المغازي. وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: بعث علي بن أبي طالب إلى النبي بذهيبة في أديم مقروض لم تحصل من ترابها. قال: فقسمها بين أربعة بين - عيينة بن بدر والأقرع بن حابس وزيد الخير quot; والرابع: إما علقمة بن علاثة وإما عامر بن الطفيل quot; قال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء قال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء quot;. وفي صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: لطمت جارية لي فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال: بلى ائتني بها(2\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2101",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: فجئت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: أين الله قالت: في السماء قال: فمن أنا قالت: أنت رسول الله قال: quot; اعتقها quot; فإنها مؤمنة . وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كانت زينب رضي الله عنها تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات. وفي سنن أبي داود من حديث جبير بن مطعم قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: يا رسول الله جهدت الأنفس وجاع العيال ونهكت الأموال وهلكت الأنعام فاستسق الله لنا فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; ويحك! أتدري ما تقول quot; وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال: quot; ويحك! إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك ويحك! أتدري ما الله إن عرشه على سماواته لهكذا quot; وقال بأصابعه مثل القبة عليه quot; وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب quot;. وفي سنن أبي داود أيضا ومسند الإمام أحمد من حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: كنت في البطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرت بهم سحابة فنظر إليها فقال: quot; ما تسمون هذه quot; قالوا: السحاب قال: quot; والمزن quot; قالوا: والمزن قال: quot; والعنان quot; قالوا: والعنان قال: quot; هل تدرون كم بعد ما بين السماء والأرض quot; قالوا: لا(2\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2102",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ندري قال: quot; إن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة ثم السماء فوقها كذلك quot; حتى عد سبع سماوات quot; ثم فوق السابعة بحر بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء ثم على ظهورهم العرش (بين) أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم الله عز وجل فوق ذلك quot; زاد أحمد: وليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء . وفي سنن أبي داود أيضا عن فضالة بن عبيد عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من اشتكى منكم شيئا أو اشتكاه أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض واغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على quot; هذا quot; الوجع فيبرأ  وفي مسند الإمام(2\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2103",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء أعجمية فقال: يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الله فأشارت بإصبعها السبابة إلى السماء فقال لها: من أنا فأشارت بإصبعها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلى السماء أي: أنت رسول الله فقال: أعتقها )  وفي جامع الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء . قال الترمذي: حديث حسن صحيح وفيه أيضا عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي: يا حصين كم تعبد اليوم إلها قال أبي: سبعة ستة في الأرض وواحدا في السماء قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك قال الذي في السماء قال: يا حصين أما أنك لو أسلمت علمتك كلمتين ينفعانك قال: فلما أسلم حصين جاء فقال: يا رسول الله علمني الكلمتين اللتين وعدتني قال: قل اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسي.  وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها quot; وروى الشافعي في مسنده من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: quot; أتى جبريل وفي كفه مرآة بيضاء فيها نكتة سوداء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال النبي(2\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2104",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلى الله عليه وسلم ما هذه يا (جبريل)  قال: هذه الجمعة فضلت بها أنت وأمتك فالناس لكم فيها تبع اليهود والنصارى ولكم فيها خير وفيها ساعة لا يوافقها مؤمن يدعو الله بخير إلا استجيب له وهي عندنا يوم المزيد فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا جبريل وما يوم المزيد قال: إن ربك اتخذ في الجنة واديا أفيح فيه كثب من مسك فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله تبارك وتعالى ما شاء من ملائكته وحوله منابر من نور عليها مقاعد النبيين وحف تلك المنابر بمنابر من ذهب مكللة بالياقوت والزبرجد عليها الشهداء والصديقون فجلسوا من ورائهم على تلك الكثب فيقول الله عز وجل: أنا ربكم وقد صدقتكم وعدي فاسألوني أعطكم فيقولون: ربنا نسألك رضوانك فيقول: قد رضيت عنكم ولكم ما تمنيتم ولدي مزيد فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من الخير وهو اليوم الذي استوى فيه ربك سبحانه وتعالى على العرش وفيه خلق آدم وفيه تقوم الساعة . ولهذا الحديث عدة طرق جمعها أبو بكر بن أبي داود في جزء وفي سنن ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رءوسهم فإذا الرب تعالى قد أشرف عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم يا أهل الجنة قال: وذلك قوله تعالى: سلام قولا من رب رحيم [يس: 58]  قال فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم  وفي الصحيحين من حديث أبي صالح عن أبي(2\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "73",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2105",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot; من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل quot;. وفي صحيح ابن حبان عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا ليس فيهما شيء )  وروى ابن وهب قال: أخبرني سعيد بن أبي أيوب عن زهرة بن معبد عن ابن عمر رضي الله عنهما أخبره أنه سمع عقبة بن عامر رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: quot; من توضأ فأحسن وضوءه ثم رفع نظره إلى السماء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له quot; وأشهد quot; أن محمدا عبده ورسوله فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء quot; وفي حديث الشفاعة الطويل عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: فأدخل على ربي تبارك وتعالى وهو على عرشه وذكر الحديث وفي بعض ألفاظ البخاري في صحيحه فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه  قال عبد الحق في الجمع بين الصحيحين هكذا قال في(2\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "74",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2106",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "داره في المواضع الثلاث يريد مواضع الشفاعات الثلاث التي يسجد فيها ثم يرفع رأسه وروى يحيى بن سعيد الأموي في مغازيه من طريق محمد بن إسحاق قال: خرج عبد أسود لبعض أهل خيبر حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: من هذا قالوا: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: الذي في السماء قالوا: نعم. قال: أنت رسول الله قال: نعم قال الذي في السماء قال: نعم. فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالشهادة فتشهد فقاتل حتى استشهد وروى عدي بن عميرة الكندي عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث عن ربه عز وجل فقال: quot; وعزتي وجلالي وارتفاعي فوق عرشي ما من أهل قرية ولا بيت ولا رجل ببادية كانوا على ما كرهت من معصيتي فتحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابي إلى ما يحبون من رحمتي  رواه ابن أبي شيبة في كتاب العرش وأبو أحمد العسال في كتاب المعرفة. وصح عنه عن أبي هريرة رضي الله عنه بإسناد مسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم quot; إن لله ملائكة سيارة quot; فضلا quot; يتبعون مجالس الذكر فإذا وجدوا مجلس ذكر جلسوا معهم فإذا تفرقوا صعدوا إلى ربهم quot; وأصل الحديث في صحيح مسلم ولفظه: فإذا تفرقوا صعدوا إلى السماء. فيسألهم الله عز وجل وهو(2\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "75",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2107",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أعلم بهم من quot; أين quot; جئتم الحديث . . . وذكر الدارقطني في كتاب نزول الرب عز وجل كل ليلة إلى سماء الدنيا من حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم quot; ينزل الله كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: ألا عبد من عبادي يدعوني فأستجيب له ألا ظالم لنفسه يدعوني فأفكه فيكون كذلك إلى مطلع الصبح ويعلو على كرسيه . وعن جابر بن سليم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن رجلا ممن كان قبلكم لبس بردين له فتبختر فيهما فنظر الله إليه من فوق عرشه فمقته فأمر الأرض فأخذته فهو يتجلجل فيها quot; رواه الدارمي عن سهل بن بكار أحد شيوخ البخاري وله شاهد في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اقبلوا البشرى يا بني تميم قالوا قد بشرتنا فأعطنا فدخل ناس من أهل اليمن فقال اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا: قبلنا جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان فقال: كان الله عز وجل على العرش وكان قبل كل شيء وكتب في اللوح المحفوظ كل شيء يكون ) حديث صحيح أصله في صحيح البخاري وروى الخلال في كتاب السنة بإسناد صحيح على شرط(2\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "76",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2108",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البخاري عن قتادة بن النعمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot; لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه quot; وفي قصة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي رضي الله عنه: quot; إذا أنا مت فغسلني أنت وابن عباس يصب الماء وجبرائيل ثالثكما وكفني في ثلاثة أثواب (بيض) جدد وضعوني في المسجد فإن أول من يصلي علي الرب عز وجل من فوق عرشه quot; وقد روي في حديث خطبة علي رضي الله عنه لفاطمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما استأذنها قالت: يا أبت كأنك إنما ادخرتني لفقير قريش فقال: والذي بعثني بالحق (نبيا) ما تكلمت بهذا حتى أذن الله فيه من السماء فقالت: رضيت بما رضي الله لي  وفي مسند الإمام أحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قصة الشفاعة الحديث بطوله مرفوعا وفيه: فآتي ربي عز وجل فأجده على كرسيه أو سريره جالسا . وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: quot; يأتوني فأمشي بين أيديهم حتى آتي باب الجنة وللجنة مصراعان من ذهب مسيرة ما بينهما خمسمائة عام قال معبد: فكأني أنظر إلى أصابع أنس حين فتحها يقول مسيرة ما بينهما خمسمائة عام فاستفتح فيؤذن لي فأدخل على(2\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "77",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2109",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ربي فأجده قاعدا على كرسي العزة فأخر له ساجدا  رواه خشيش بن أصرم النسائي في كتاب السنة له وذكر عبد الرزاق عن معمر عن ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن الله عز وجل ينزل إلى سماء الدنيا وله في كل سماء كرسي فإذا نزل إلى سماء الدنيا جلس على كرسيه ثم يقول: من ذا الذي يقرض غير عديم ولا ظلوم من ذا الذي يستغفرني فأغفر له من ذا الذي يتوب فأتوب عليه فإذا كان عند الصبح ارتفع فجلس على كرسيه  رواه أبو عبد الله بن منده وروي عن سعيد مرسلا وموصولا قال الشافعي رحمه الله تعالى مرسل سعيد عندنا حسن وعن أنس رضي الله عنه قال:(2\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "78",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2110",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: quot; إذا جمع الله الخلائق حاسبهم فيميز بين أهل الجنة وأهل النار وهو في جنته على عرشه  قال محمد بن عثمان الحافظ هذا حديث صحيح وعن جابر بن سليم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن رجلا ممن كان قبلكم لبس بردين فتبختر فنظر الله إليه من فوق عرشه فمقته فأمر الأرض فأخذته quot; حديث صحيح وروى عبد الله بن بكر السهمي حدثنا يزيد بن عوانة عن محمد بن ذكوان عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنا جلوسا ذات يوم بفناء رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ مرت بنا امرأة من بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل من القوم هذه ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو سفيان ما مثل محمد في بني هاشم إلا كمثل ريحانة في وسط الذبل فسمعته تلك المرأة فأبلغته رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسبه قال مغضبا فصعد على منبره وقال: quot; ما بال أقوال تبلغني عن أقوام أن الله خلق سماواته سبعا فاختار العليا فسكنها وأسكن سماواته من شاء من خلقه وخلق أرضين سبعا فاختار العليا فأسكن فيها من خلقه واختار خلقه فاختار بني آدم ثم اختار بني آدم فاختار العرب ثم اختار مضر فاختار قريشا ثم اختار قريشا فاختار بني هاشم ثم اختار بني هاشم فاختارني من بني هاشم فلم أزل خيارا ألا من أحب قريشا فبحبي أحبهم ومن أبغض قريشا فببغضي أبغضهم(2\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "79",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2111",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو عن عطاء عن سعيد بن يسار رضي الله عنه عن أبي (هريرة) رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله تعالى وإذا كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال من هذا فيقال فلان فيقال: لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ارجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك أبواب السماء فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر. . . وروى الإمام أحمد أيضا في مسنده من حديث البراء بن عازب قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولم يلحد فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجلسنا حوله كأن على رءوسنا الطير وفي يده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا ثم قال إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان قال: فتخرج فتسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ويخرج(2\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "80",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2112",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض قال فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة فيقولون: فلان ابن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا إلى سماء الدنيا فيستفتحون له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة فيقول الله تعالى (اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى قال فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك فيقول: ربي الله فيقولان له: ما دينك فيقول: ديني الإسلام فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول: هو رسول الله فيقولان quot; له quot;: وما علمك فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة قال: فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره قال: ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول: أبشر بالذي يسرك فهذا يومك الذي كنت توعد فيقول له: من أنت فوجهك وجه الذي يأتي بالخير فيقول: أنا عملك الصالح فيقول: رب أقم الساعة رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي . .) وذكر الحديث وهو صحيح صححه جماعة من الحفاظ.(2\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "81",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2113",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال عثمان بن سعيد الدارمي الإمام الحافظ أحد أئمة الإسلام: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد وهو ابن سلمة حدثنا عطاء بن السائب عن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لما أسري بي مررت برائحة طيبة فقلت يا جبرائيل ما هذه الرائحة الطيبة قال هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها كانت تمشطها فوقع المشط من يدها فقالت: بسم الله تعالى فقالت ابنته أبي قالت: لا ولكن ربي ورب أبيك الله فقالت: أخبر ذلك أبي quot; قالت: نعم quot; فأخبرته فدعا بها فقال: من ربك هل لك رب غيري قالت ربي وربك الله الذي في السماء فأمر بنقرة من نحاس فأحميت ثم دعا بها وبولدها فألقاهما فيها وساق الحديث بطوله وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: quot; كان ملك الموت يأتي الناس quot; عيانا quot; فأتى موسى فلطمه فذهب بعينه فعرج إلى ربه فقال: بعثتني إلى موسى فلطمني فذهب بعيني ولولا كرامته عليك لشققت عليه. قال: ارجع إلى عبدي فقل له. . فليضع يده على متن ثور فله بكل شعرة توارت بيده سنة يعيشها فأتى فبلغه ما أمره به فقال: ما بعد ذلك قال: الموت قال: الآن فشمه شمة قبض روحه فيها ورد الله على ملك الموت بصره . هذا حديث صحيح أصله وشاهده في الصحيحين وقال أيضا: حدثنا ابن هشام الرفاعي حدثنا إسحاق بن(2\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "82",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2114",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سليمان حدثنا أبو جعفر الرازي عن عاصم ابن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما ألقي إبراهيم في النار قال: اللهم إنك في السماء أحد وأنا في الأرض واحد أعبدك  وعن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه عجبت من ملكين نزلا يلتمسان عبدا في مصلاه كان يصلي فيه فلم يجداه فعرجا إلى الله فقالا: يا ربنا عبدك فلان كنا نكتب له من العمل فوجدناه قد حبسته في حبالك فقال: اكتبوا لعبدي عمله الذي كان يعمل رواه ابن أبي الدنيا وله شاهد في البخاري وفي حديث عبد الله بن أنيس الأنصاري الذي رحل إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنه من المدينة إلى مصر حتى سمعه منه وقال له: بلغني أنك تحدث بحديث في القصاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أشهده وليس أحد أحفظ له منك فقال: نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يبعثكم يوم القيامة(2\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "83",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2115",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حفاة عراة غرلا بهما ثم يجمعكم ثم ينادي - وهو قائم على عرشه - وذكر الحديث احتج به أئمة أهل السنة أحمد بن حنبل وغيره وروى الحارث بن أبي أسامة في مسنده من حديث عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن الله ليكره في السماء أن يخطأ أبو بكر في الأرض . ولا تعارض بين هذا الحديث وبين قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الرؤيا: أصبت بعضا وأخطأت بعضا . لوجهين: أحدهما أن الله سبحانه وتعالى يكره تخطئة غيره من آحاد الأمة له لا تخطئة الرسول صلى الله عليه وسلم له في أمر ما فإن الحق والصواب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعا بخلاف غيره من الأمة فإنه إذا أخطأ الصديق رضي الله عنه لم يتحقق أن الصواب معه بل ما تنازع الصديق وغيره في أمر ما إلا وكان الصواب مع الصديق رضي الله عنه. الثاني: أن التخطئة هنا نسبة إلى الخطأ (العمد) الذي هو الإثم كقوله تعالى:(2\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "84",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2116",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن قتلهم كان خطئا كبيرا [الإسراء: 31]  لا من الخطأ الذي هو ضد العلم والتعمد والله أعلم. وروى أبو نعيم من حديث شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن العبد ليشرف على حاجة من حاجات الدنيا فيذكره الله من فوق سبع سماوات فيقول: ملائكتي إن عبدي هذا قد أشرف على حاجة من حاجات الدنيا فإن فتحتها له فتحت له بابا من أبواب النار ولكن ازووها عنه فيصبح العبد عاضا على أنامله يقول: من سبقني من دهاني وما هي إلا رحمة رحمه الله بها  وفي مسند الإمام أحمد من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله ما أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين عز وجل فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم . وفي الثقفيات من حديث جابر بن سليم رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا ممن كان قبلكم لبس بردين فتبختر فيهما فنظر الله إليه من فوق عرشه فمقته فأمر الأرض(2\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "85",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2117",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأخذته فهو يتجلجل (في الأرض) فاحذروا معاصي الله وأصله في الصحيح. وقال أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبدة بن سليمان عن أبي حيان عن حبيب بن أبي ثابت أن حسان بن ثابت رضي الله عنه أنشد النبي صلى الله عليه وآله وسلم: شهدت بإذن الله أن محمدا ... رسول الذي فوق السماوات من عل وإن أبا يحيى ويحيى كلاهما ... له عمل في دينه متقبل وإن أخا الأحقاف إذ يعذ لونه ... يجاهد في ذات الإله ويعدل وقال شيخ الإسلام: أخبرنا علي بن بشر أخبرنا ابن منده أخبرنا خيثمة بن سليمان حدثنا السري quot; بن يحيى حدثنا هناد بن السري quot; حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي سعيد(2\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "86",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2118",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البقال عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عن خلق السماوات والأرض فذكر حديثا طويلا. . قالوا: ثم ماذا يا محمد قال: ثم استوى على العرش قالوا: أصبت يا محمد لو أتممت ثم استراح فغضب غضبا شديدا فنزلت: ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب [ق: 38] .  [فصل فيما حفظ عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم من ذلك] [ما حفظ عن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم] [قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه] فصل: فيما حفظ عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم من ذلك: أولا: ما حفظ عن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم: (قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه) قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا محمد بن فضيل عن أبيه عن نافع عن ابن عمر قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر رضي الله عنه: أيها الناس إن كان محمد إلهكم الذي تعبدون فإن إلهكم قد مات وإن كان إلهكم الله الذي في السماء فإن إلهكم لم يمت ثم تلا:(2\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "87",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2119",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل [آل عمران: 144] حتى ختم الآية. وقال البخاري في تاريخه: قال محمد بن فضيل عن فضيل بن غزوان عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل أبو بكر رضي الله عنه عليه (فأكب عليه) وقبل جبهته وقال: بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا وقال: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله في السماء (حي) لا يموت وفي صحيح البخاري من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم فحانت الصلاة فجاء المؤذن إلى أبي بكر رضي الله عنه فذكر الحديث وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشار إلى أبي بكر أن امكث مكانك فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استأخر. . . فذكره.   [ذكر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه] ) عن إسماعيل عن قيس قال: لما قدم عمر رضي الله عنه الشام استقبله الناس وهو على بعيره فقالوا: يا أمير المؤمنين لو ركبت برذونا(2\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "88",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2120",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليلقاك عظماء الناس ووجوههم فقال عمر رضي الله عنه: ألا أراكم هاهنا إنما الأمر من هاهنا وأشار بيده إلى السماء. وذكر أبو نعيم بإسناده عنه: ويل لديان الأرض من ديان السماء يوم يلقونه إلا من أمر بالعدل وقضى بالحق ولم يقضي على هوى ولا قرابة ولا على رغب ولا على رهب وجعل كتاب الله مرآة بين عينيه. وقال عثمان بن سعيد الدارمي: حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا جرير بن حازم قال: سمعت أبا يزيد المزني قال: لقيت امرأة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقال لها خولة بنت ثعلبة - رضي الله عنها - وهو يسير مع الناس فاستوقفته فوقف لها ودنا منها وأصغى إليها رأسه حتى قضت حاجتها وانصرفت فقال له رجل يا أمير المؤمنين حبست رجالا من قريش على هذه العجوز قال: ويلك تدري من هذه (قال: لا)  (قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات هذه خولة بنت ثعلبة والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت حتى تقضي حاجتها إلا أن تحضرني صلاة فأصليها ثم أرجع إليها حتى تقضي حاجتها) . وقال خليد بن دعلج عن قتادة قال خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه من المسجد ومعه(2\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "89",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2121",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جارود العبدي فإذا بامرأة بارزة على ظهر الطريق فسلم عليها عمر رضي الله عنه فردت عليه السلام وقالت: هيها يا عمر عهدتك يا عمر وأنت تسمى عميرا في سوق عكاظ تزع الصبيان بعصاك فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر ولم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين فاتق الله في الرعية واعلم أنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد ومن خاف الموت خشي الفوت فقال الجارود: فقد أكثرت أيتها المرأة على أمير المؤمنين فقال عمر رضي الله عنه: دعها أما تعرفها هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات فعمر والله أحق أن يستمع لها. قال ابن عبد البر: وروينا من وجوه عن عمر بن الخطاب أنه خرج ومعه الناس فمر بعجوز فاستوقفته فوقف (لها) وجعل يحدثها وتحدثه فقال رجل: يا أمير المؤمنين حبست الناس على هذه العجوز قال: ويلك أتدري من هذه هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات. فذكر الحديث.  [قول عبد الله بن رواحة رضي الله عنه] (قول عبد الله بن رواحة رضي الله عنه)  قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى في كتاب(2\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "90",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2122",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاستيعاب روينا من وجوه صحاح أن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه مشى إلى أمة له فنالها فرأته امرأته فلامته فجحدها فقالت له: إن كنت صادقا فاقرأ القرآن فإن الجنب لا يقرأ (القرآن) فقال: شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا وتحمله ملائكة شداد ... ملائكة الإله مسومينا فقالت: آمنت بالله وكذبت عيني وكانت لا تحفظ القرآن ولا تقرؤه.  [قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه] (قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه) قال الدارمي: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام وبين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام وبين السماء السابعة وبين الكرسي مسيرة خمسمائة عام وبين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام والعرش على الماء والله تعالى فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه وروى الأعمش عن خيثمة عنه: إن العبد ليهم بالأمر من التجارة أو الإمارة حتى إذا تيسر له نظر الله إليه من فوق سبع سماوات فيقول للملك: اصرفه عنه قال: فيصرفه.(2\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "91",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2123",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[قول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما] : ذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة من حديث سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله فإن بين السماوات السبع إلى الكرسي سبعة آلاف نور وهو فوق ذلك  وفي مسند الحسن بن سفيان وكتاب عثمان بن سعيد الدارمي من حديث عبد الله بن أبي مليكة أنه حدثه ذكوان قالا: استأذن ابن عباس رضي الله عنه على عائشة رضي الله عنها وهي تموت فقال لها: كنت أحب نساء النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب إلا طيبا وأنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات جاء بها الروح الأمين فأصبح ليس مسجد من مساجد الله يذكر فيه الله(2\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "92",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2124",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلا وهي تتلى فيها آناء الليل وآناء النهار. وذكر الطبراني في شرح السنة من حديث سفيان عن أبي هاشم عن مجاهد قال: قيل لابن عباس: إن ناسا يكذبون بالقدر قال: يكذبون بالكتاب لئن أخذت شعر أحدهم لأنضونه إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا فخلق الخلق فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه. وقال إسحاق بن راهويه: أخبرنا إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه عن عكرمة في قوله تعالى: ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم [الأعراف: 17] الآية. قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لم يستطع أن يقول من فوقهم علم أن الله من فوقهم.  [قول عائشة رضي الله عنها] (قول عائشة رضي الله عنها)  قال الدارمي: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جويرية بن أسماء قال: سمعت نافعا يقول: قالت عائشة رضي الله عنها: وايم الله إني لأخشى لو كنت(2\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "93",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2125",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحب قتله لقتلته (تعني: عثمان) ولكن علم الله quot; من quot; فوق عرشه إني لم أحب قتله.  [قول زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله عنها] (قول زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله عنها) . ثبت في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه قال: كانت زينب تفتخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات وفي لفظ لغيرهما كانت تقول: زوجنيك الرحمن من فوق عرشه كان جبريل السفير بذلك وأنا ابنة عمتك. رواه العسال.  [قول أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه] (قول أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه) قال: لما لعن الله إبليس وأخرجه من سماواته(2\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "94",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2126",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأخزاه قال: رب أخزيتني ولعنتني وطردتني من سماواتك وجوارك وعزتك لأغوين خلقك ما دامت الأرواح في أجسادها فأجابه الرب تبارك وتعالى quot; فقال quot;: وعزتي وجلالي وارتفاعي على عرشي لو أن عبدي أذنب حتى ملأ السماء والأرض خطاياه ثم لم يبق من عمره إلا نفس واحد فندم على ذنوبه لغفرتها وبدلت سيآته كلها حسنات وقد روي هذا المتن مرفوعا ولفظه: وعزتي وجلالي وارتفاعي لو أن عبدي . . . فذكره ورواه ابن لهيعة عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم فقال الرب: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروني(2\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "95",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2127",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[قول الصحابة كلهم رضي الله عنهم] quot; قول الصحابة كلهم رضي الله عنهم quot; قال يحيى بن سعيد الأموي في مغازيه: حدثنا البكائي عن ابن إسحاق قال: حدثني يزيد بن سنان عن سعيد بن الأجيرد الكندي عن العرس بن قيس الكندي عن عدي بن عميرة رضي الله عنه قال: خرجت مهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر قصة طويلة وقال فيها: فإذا هو ومن معه يسجدون على وجوههم ويزعمون أن إلههم في السماء فأسلمت وتبعته .  [ذكر أقوال التابعين رحمهم الله تعالى] [قول مسروق رحمه الله] quot; ذكر أقوال التابعين رحمهم الله تعالى quot;: قول مسروق رحمه الله: قال علي بن الأقمر: كان مسروق إذا حدث عن عائشة رضي الله عنها قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما حبيبة حبيب الله صلى الله عليه وسلم المبرأة من فوق سبع سماوات.(2\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "96",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2128",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[قول عكرمة رحمه الله تعالى] quot; قول عكرمة رحمه الله تعالى quot; قال سلمة بن شبيب حدثنا إبراهيم بن الحكم قال حدثني أبي عن عكرمة رحمه الله تعالى قال: بينما رجل مستلق على متنه في الجنة فقال في نفسه لم يحرك شفتيه: لو أن الله يأذن لي لزرعت في الجنة فلم يعلم إلا والملائكة على أبواب جنته قابضين على أكفهم فيقولون: سلام عليك فاستوى قاعدا فقالوا له: يقول لك ربك تمنيت شيئا في نفسك قد علمته وقد بعث معنا هذا البذر يقول لك: ابذر فألقى يمينا وشمالا وبين يديه وخلفه فخرج أمثال الجبال على ما كان تمنى وزاد فقال له الرب من فوق عرشه: كل يا ابن آدم فإن ابن آدم لا يشبع.  [قول قتادة رحمه الله تعالى] quot; قول قتادة رحمه الله تعالى quot; قال الدارمي: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو هلال حدثنا قتادة قال: قالت بنو إسرائيل: يا رب أنت في السماء ونحن في الأرض فكيف لنا أن نعرف رضاك وغضبك قال: إذا أرضيت عنكم استعملت عليكم خياركم وإذا غضبت عليكم استعملت عليكم شراركم.(2\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "97",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2129",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[قول سليمان التيمي رحمه الله تعالى] quot; قول سليمان التيمي رحمه الله تعالى quot;: قال ابن أبي خيثمة في تاريخه حدثنا هارون بن معروف quot; قال quot; حدثنا ضمرة عن صدقة التيمي عن سليمان التيمي قال: لو سئلت أين الله لقلت في السماء.  [قول كعب الأحبار رحمه الله تعالى] quot; قول كعب الأحبار رحمه الله تعالى quot;: قال الليث بن سعد حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال أن زيد بن أسلم حدثه عن عطاء بن يسار قال: أتى رجل كعبا وهو في نفر فقال: يا أبا إسحاق حدثني عن الجبار فأعظم القوم قوله فقال كعب: دعوا الرجل فإن كان جاهلا تعلم وإن كان عالما ازداد علما ثم قال كعب: أخبرك أن الله خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ثم جعل ما بين كل سماءين كما بين سماء الدنيا والأرض وكثفهن مثل ذلك ثم رفع العرش فاستوى عليه. وقال نعيم بن حماد: أخبرنا أبو صفوان الأموي عن يونس بن يزيد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن كعب قال: قال الله في التوراة: أنا الله فوق عبادي وعرشي فوق جميع خلقي وأنا(2\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "98",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2130",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على عرشي أدبر quot; أمور quot; عبادي لا يخفى علي شيء من أمر عبادي في سمائي ولا في أرضي وإلي مرجع خلقي فأنبئهم بما خفي عليهم من علمي أغفر لمن شئت منهم بمغفرتي وأعاقب من شئت بعقابي.  [قول مقاتل رحمه الله تعالى] quot; قول مقاتل رحمه الله تعالى quot;: ذكر البيهقي في الأسماء والصفات عن بكر بن معروف عن مقاتل بلغنا - والله أعلم - في قوله عز وجل: هو الأول والآخر والظاهر والباطن [الحديد: 3] الآية الأول قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء والظاهر فوق كل شيء والباطن أقرب من كل شيء. وإنما يعني القرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه وهو بكل شيء عليم وبهذا الإسناد عنه في قوله تعالى: إلا هو معهم [المجادلة: 7] يقول بعلمه وذلك قوله: إن الله بكل شيء عليم [الأنفال: 75] فيعلم نجواهم ويسمع كلامهم ثم ينبئهم يوم القيامة بكل شيء وهو فوق عرشه وعلمه معهم.(2\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "99",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2131",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[قول الضحاك رحمه الله تعالى] quot; قول الضحاك رحمه الله تعالى quot; روى بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان عنه ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم. . . [المجادلة: 7] الآية. قال هو الله على العرش وعلمه معهم.  [قول التابعين جملة] quot; قول التابعين جملة quot;: روى البيهقي بإسناد صحيح إلى الأوزاعي قال: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى جل ذكره فوق عرشه ونؤمن بما وردت السنة به من صفاته. قال شيخ الإسلام وإنما قال الأوزاعي ذلك بعد ظهور جهم المنكر لكون الله عز وجل فوق عرشه والنافي لصفاته ليعرف الناس أن مذهب السلف كان بخلاف قوله quot;. وقال أبو عمر بن عبد البر في التمهيد quot; لأن علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم [المجادلة: 7](2\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "100",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2132",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو على العرش وعلمه في كل مكان وما خالفهم أحد في ذلك يحتج بقوله.  [قول الحسن رحمه الله تعالى] quot; قول الحسن رحمه الله تعالى quot;: روى أبو بكر الهذلي عن الحسن رحمه الله تعالى قال: ليس شيء عند ربك من الخلق أقرب إليه من إسرافيل وبينه وبين ربه مسيرة سبعة حجب كل حجاب مسيرة خمسمائة عام وإسرافيل دون هؤلاء ورأسه من تحت العرش ورجلاه في تخوم الثرى.  [قول مالك بن دينار رحمه الله تعالى] quot; قول مالك بن دينار رحمه الله تعالى quot;: ذكر أبو العباس السراج حدثنا عبد الله بن أبي زياد وهارون قالا: حدثنا سيار quot; قال quot; حدثنا جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: إن الصديقين إذا قرئ عليهم القرآن طربت قلوبهم إلى الآخرة ثم يقول: خذوا فيقرأ ويقول اسمعوا(2\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "101",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2133",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى قوله الصادق من فوق عرشه. وكان مالك بن دينار وغيره من السلف يذكرون هذا الأثر: ابن آدم خيري إليك نازل وشرك يصعد إلي وأتحبب إليك بالنعم وتتبغض إلي بالمعاصي ولا يزال ملك كريم قد عرج إلي منك بعمل قبيح.  [قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن رحمه الله شيخ مالك بن أنس رحمة الله عليه] quot; قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن رحمه الله شيخ مالك بن أنس رحمة الله عليه quot; قال يحيى بن آدم عن أبيه عن ابن عيينة قال: سئل ربيعة عن قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] كيف استوى . قال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ومن الله تعالى الرسالة وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم البلاغ وعلينا التصديق.  [قول عبد الله بن الكوا رحمه الله تعالى] quot; قول عبد الله بن الكوا رحمه الله تعالى quot;: ذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر رحمه الله(2\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "102",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2134",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى في تاريخه عن هشام بن سعد قال: قدم عبد الله بن الكواء على معاوية فقال له: أخبرني عن أهل البصرة قال: quot; يقاتلون معا ويدبرون شتى. قال: فأخبرني عن أهل الكوفة قال: أنظر الناس في صغيرة وأوقعهم في كبيرة. قال فأخبرني عن أهل المدينة قال: أحرص الناس على الفتنة وأعجزهم عنها. قال: فأخبرني عن أهل مصر قال: لقمة أكل قال: فأخبرني عن أهل الجزيرة قال كناسة بين مدينتين. قال فأخبرني عن أهل الموصل قال: قلادة وليدة فيها من كل شيء خرزة. قال فأخبرني عن أهل الشام قال: جند أمير المؤمنين لا أقول فيهم شيئا قال: لتقولن. قال: أطوع الناس لمخلوق وأعصاهم لخالق ولا يحسبون للسماء ساكنا.  [قول تابع التابعين جملة رحمهم الله تعالى] [ذكر قول عبد الله بن المبارك رحمه الله] quot; قول تابع التابعين جملة رحمهم الله تعالى quot;: ذكر قول عبد الله بن المبارك رحمه الله: روى الدارمي والحاكم والبيهقي وغيرهم بأصح إسناد إلى علي بن الحسن بن شقيق قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: نعرف ربنا بأنه فوق سبع سماوات على العرش استوى بائن من خلقه ولا نقول كما قالت الجهمية وفي(2\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "103",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2135",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لفظ آخر قلت: كيف نعرف ربنا قال: في السماء السابعة على عرشه ولا نقول كما قالت الجهمية. قال الدارمي: حدثنا الحسن بن الصباح البزار حدثنا علي بن الحسن بن شقيق عن ابن المبارك قال: قيل له كيف نعرف ربنا قال: بأنه فوق السماء السابعة على العرش بائن من خلقه. قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي: ومما يحقق قول ابن المبارك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للجارية أين الله يمتحن بذلك إيمانها فلما قالت: في السماء قال أعتقها فإنها مؤمنة والآثار في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرة والحجج متظاهرة والحمد لله على ذلك ثم ساقها الدارمي رحمه الله تعالى وذكر ابن خزيمة عن ابن المبارك أنه قال له رجل: يا أبا عبد الرحمن قد خفت من كثرة ما أدعو على الجهمية فقال: لا تخف فإنهم يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس بشيء وصح عن ابن المبارك أنه قال: إنا نستطيع أن نحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية.  [قول الأوزاعي رحمه الله تعالى] quot; قول الأوزاعي رحمه الله تعالى quot;: قال أبو عبد الله الحاكم أخبرني محمد بن علي الجوهري ببغداد حدثنا إبراهيم بن الهيثم حدثنا محمد بن كثير المصيصي قال: سمعت الأوزاعي يقول كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة وهذا الأثر يدخل في حكاية مذهبه ومذاهب التابعين فلذلك ذكرناه في الموضعين.(2\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "104",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2136",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[قول حماد بن زيد رحمه الله تعالى] quot; قول حماد بن زيد رحمه الله تعالى quot;: قال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا سليمان بن حرب قال: سمعت حماد بن زيد يقول: quot; الجهمية إنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء شيء قال شيخ الإسلام وهذا الذي كانت الجهمية يحاولونه قد صرح به المتأخرون منهم وكان ظهور السنة وكثرة الأئمة في عصر أولئك يحول بينهم وبين التصريح به فلما بعد العهد وخفيت السنة وانقرضت الأئمة صرحت الجهمية النفاة بما كان سلفهم يحاولونه ولا يتمكنون من إظهاره.  [قول سفيان الثوري] quot; قول سفيان الثوري quot;: قال معدان: سألت سفيان الثوري عن قوله تعالى: وهو معكم أين ما كنتم [الحديد: 4] قال: علمه. ذكره أبو عمر.(2\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "105",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2137",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[قول وهب بن جرير رحمه الله تعالى] quot; قول وهب بن جرير رحمه الله تعالى quot;: قال الأثرم حدثنا أبو عبد الله الأوسي قال: سمعت وهب بن جرير يقول: إنما يريد الجهمية أنه ليس في السماء شيء. قال: وقلت لسليمان بن حرب أي شيء كان حماد بن زيد يقول في الجهمية فقال: كان يقول إنما يريدون أنه ليس في السماء شيء.  [ذكر أقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى] [قول الإمام أبي حنيفة قدس الله روحه] ذكر أقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى quot; قول الإمام أبي حنيفة قدس الله روحه quot; قال البيهقي: حدثنا أبو بكر بن الحارث الفقيه حدثنا أبو محمد بن حيان أخبرنا أحمد بن جعفر بن نصر (قال) حدثنا يحيى بن يعلى (قال: سمعت نعيم بن حماد يقول: سمعت نوحا بن أبي مريم أبا عصمة يقول كنا عند أبي حنيفة أول ما ظهر إذ جاءته امرأة من ترمذ كانت تجالس جهما فدخلت الكوفة فقيل(2\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "106",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2138",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لها إن هاهنا رجلا قد نظر في المعقول يقال له: أبو حنيفة فأتيه فأتته فقالت: أنت الذي تعلم الناس المسائل وقد تركت دينك أين إلهك الذي تعبده فسكت عنها ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها ثم خرج إلينا وقد وضع كتابا إن الله سبحانه وتعالى في السماء دون الأرض فقال له رجل: أرأيت قول الله تعالى: وهو معكم [الحديد: 4] قال هو كما تكتب للرجل إني معك وأنت عنه غائب قال البيهقي: لقد أصاب أبو حنيفة رحمه الله تعالى فيما نفى عن الله تعالى وتقدس من الكون في الأرض وفيما ذكر من تأويل الآية وتبع مطلق السمع في قوله إن الله عز وجل في السماء قال شيخ الإسلام: وفي كتاب الفقه الأكبر المشهور عند أصحاب أبي حنيفة الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع البلخي الحكم بن عبد الله قال: سألت أبا حنيفة عن الفقه الأكبر قال: لا تكفر أحدا بذنب ولا تنف أحدا من الإيمان وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولا تتبرأ من أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا توالي أحدا دون أحد وأن ترد أمر عثمان وعلي رضي الله عنهما إلى الله تعالى قال أبو حنيفة رحمه الله الفقه الأكبر في الدين خير من الفقه في العلم ولأن يتفقه الرجل كيف يعبد ربه عز وجل خير من أن يجمع العلم الكثير قال أبو مطيع قلت: فأخبرني عن أفضل الفقه قال: يتعلم الرجل الإيمان والشرائع والسنن والحدود واختلاف الأئمة. وذكر مسائل في الإيمان ثم ذكر مسائل في القدر. . . ثم(2\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "107",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2139",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: فقلت: فما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيتبعه على ذلك أناس فيخرج من الجماعة هل ترى ذلك قال: لا قلت: ولم وقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو فريضة واجبة. فقال: هو كذلك لكن ما يفسدون أكثر مما يصلحون من سفك الدماء واستحلال الحرام وذكر الكلام في قتال الخوارج والبغاة إلى أن قال: قال أبو حنيفة ومن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر لأن الله تعالى يقول: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] وعرشه فوق سبع سماوات (قلت) : فإن قال: إنه على العرش ولكنه يقول: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض قال: هو كافر ; لأنه أنكر أن يكون في السماء ; لأنه تعالى في أعلى عليين وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل وفي لفظ سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أدري ربي في السماء أم في الأرض قال: قد كفر لأن الله يقول: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] وعرشه فوق سبع سماوات قال: فإنه يقول: على العرش استوى ولكنه لا يدري العرش في الأرض أو في السماء قال إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر. وروي هذا عن شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري في كتابه (الفاروق) بإسناده. قال(2\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "108",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2140",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شيخ الإسلام أبو العباس رحمه الله تعالى: ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة رحمه الله عند أصحابه أنه كفر الواقف الذي يقول: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فكيف يكون الجاحد النافي الذي يقول ليس في السماء ولا في الأرض واحتج على كفره بقوله تعالى الرحمن على العرش استوى [طه: 5] قال: وعرشه فوق سبع سماوات وبين بهذا أن قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] دل أن الله فوق السماوات فوق العرش وأن الاستواء على العرش دل على أن الله تعالى بنفسه فوق العرش ثم أردف ذلك بكفر من قال إنه على العرش استوى ولكن توقف في كون العرش في السماء أم في الأرض. قال: لأنه أنكر أن يكون في السماء وأن الله في أعلى عليين وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل واحتج بأن الله في أعلى عليين وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل. وكل من هاتين الحجتين فطرية عقلية فإن القلوب مفطورة على الإقرار بأن الله عز وجل في العلو وعلى أنه يدعى من أعلى لا من أسفل وكذلك أصحابه من بعده كأبي يوسف وهشام بن عبيد الله الرازي كما روى ابن أبي حاتم وشيخ الإسلام بأسانيدهما أن هشام بن عبيد الله الرازي صاحب محمد بن الحسن قاضي الري حبس رجلا في التجهم فتاب فجيء به إلى هشام ليمتحنه فقال: الحمد لله على التوبة فامتحنه هشام فقال: أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه فقال: أشهد أن الله على عرشه ولا أدري ما(2\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "109",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2141",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بائن من خلقه. فقال: ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب وسيأتي قول الطحاوي عند أقوال أهل الحديث.  [قول إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله تعالى] quot; قول إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله تعالى quot;: ذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد: أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل (قال) حدثني أبي (قال) حدثنا شريح بن النعمان (قال) حدثنا عبد الله بن نافع قال: قال مالك بن أنس: الله في السماء وعلمه في كل مكان (لا يخلو منه مكان) قال: وقيل لمالك: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] كيف استوى فقال مالك رحمه الله تعالى (استواؤه معقول وكيفيته مجهولة وسؤالك عن هذا بدعة وأراك رجل سوء) . وكذلك أئمة أصحاب مالك من بعده.  [قول أئمة أصحاب مالك من بعده] قال يحيى بن إبراهيم الطليطي في كتاب سير الفقهاء وهو كتاب جليل غزير العلم(2\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "110",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2142",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حدثني عبد الملك بن حبيب عن عبد الله بن المغيرة عن الثوري عن الأعمش عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون قول الرجل: يا خيبة الدهر وكانوا يقولون: الله هو الدهر وكانوا يكرهون قول الرجل: رغم (أنفي لله)  وإنما يرغم أنف الكافر وكانوا يكرهون قول الرجل: لا والذي خاتمه على فمي وإنما يختم على فم الكافر وكانوا يكرهون قول الرجل: والله حيث كان أو أن الله بكل مكان. قال أصبغ: وهو مستو على عرشه وبكل مكان علمه وإحاطته وأصبغ من أجل أصحاب مالك وأفقههم  [ذكر قول أبي عمرو الطلمنكي] quot; ذكر قول أبي عمرو الطلمنكي quot;: قال في كتابه في الأصول: أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله استوى على عرشه بذاته. وقال في هذا الكتاب أيضا: أجمع أهل السنة على أن الله تعالى استوى على العرش على حقيقته لا على المجاز ثم ساق بسنده عن مالك قوله: الله في السماء وعلمه في كل مكان ثم قال في هذا الكتاب: وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى: وهو معكم أين ما [الحديد: 4] ونحو ذلك من القرآن: أن ذلك علمه وأن الله فوق السماوات بذاته مستو على عرشه كيف شاء وهذا لفظه في كتابه.(2\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "111",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2143",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[ذكر قول بخاري الغرب الإمام الحافظ أبي عمر بن عبد البر إمام السنة في زمانه رحمه الله تعالى] quot; ذكر قول بخاري الغرب الإمام الحافظ أبي عمر بن عبد البر إمام السنة في زمانه رحمه الله تعالى quot;: قال في كتاب التمهيد في شرح الحديث الثامن لابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ينزل ربنا في كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له هذا الحديث ثابت من جهة النقل صحيح الإسناد لا يختلف أهل الحديث في صحته. وفيه دليل على أن الله جل وعلا في السماء على العرش من فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة وهو حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم إن الله في كل مكان وليس على العرش والدليل على صحة ما قال أهل الحق في ذلك قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] وقوله: ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون [السجدة: 4] وقوله تعالى: ثم استوى إلى السماء وهي دخان [فصلت: 11] وقوله تعالى: إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا [الإسراء: 42] وقوله تبارك اسمه: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر: 10] وقوله تعالى: فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا [الأعراف: 143] وقوله تعالى: أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض [الملك: 16](2\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "112",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2144",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: سبح اسم ربك الأعلى [الأعلى: 1] وهذا من العلو وكذلك قوله: العلي العظيم [البقرة: 255] و الكبير المتعال [الرعد: 9] و رفيع الدرجات ذو العرش [غافر: 15] و يخافون ربهم من فوقهم [النحل: 50] والجهمي يقول إنه أسفل وقال جل ذكره يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه [السجدة: 5] وقال لعيسى: إني متوفيك ورافعك إلي [آل عمران: 55] وقال: بل رفعه الله إليه [النساء: 158] وقال فالذين عند ربك يسبحون له [فصلت: 38] وقال: ليس له دافع من الله ذي المعارج تعرج الملائكة والروح إليه [المعارج: 2] والعروج هو الصعود وأما قوله تعالى: أأمنتم من في السماء [الملك: 16] فمعناه من على السماء يعني على العرش وقد تكون في بمعنى على ألا ترى إلى قوله تعالى: فسيحوا في الأرض [التوبة: 2] أي: على الأرض وكذلك قوله تعالى: ولأصلبنكم في جذوع النخل [طه: 71] وهذا كله يعضده قوله تعالى: تعرج الملائكة والروح إليه [المعارج: 4] . وما كان مثله مما تلونا من الآيات في هذا الباب وهذه الآيات كلها واضحات في إبطال قول المعتزلة وأما ادعاؤهم المجاز في الاستواء وقولهم في تأويل استوى: استولى فلا معنى له ; لأنه غير ظاهر في اللغة ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة والله تعالى لا يغالبه ولا يعلوه أحد(2\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "113",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2145",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو الواحد الصمد. ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا تعالى إلا على ذلك وإنما يوجه كلام الله عز وجل على الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبادات وجل الله أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب من معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين والاستواء معلوم في اللغة مفهوم وهو: العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه قال أبو عبيدة في قوله: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] قال: علا قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت. وقال غيره: استوى أي استقر واحتج بقوله تعالى: ولما بلغ أشده واستوى [القصص: 14] أي انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد. قال ابن عبد البر: والاستواء الاستقرار في العلو وبهذا خاطبنا الله تعالى في كتابه فقال: لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه [الزخرف: 13] وقال تعالى: واستوت على الجودي [هود: 44] وقال تعالى: فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك [المؤمنون: 28] . وقال الشاعر: فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة ... وقد حلق النجم اليماني فاستوى(2\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "114",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2146",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد استولى. لأن النجم لا يستولي وقد ذكر النضر بن شميل وكان ثقة مأمونا جليلا في علم الديانة واللغة قال: حدثني الخليل وحسبك بالخليل قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي وكان من أعلم ما رأيت فإذا هو على سطح فسلمنا فرد علينا السلام وقال لنا. . استووا. فبقينا متحيرين ولم ندر ما قال. فقال لنا أعرابي إلى جنبه إنه أمركم أن ترفعوا فقال الخليل: هو من قول الله: ثم استوى إلى السماء وهي دخان [فصلت: 11] فصعدنا إليه. قال: وأما نزع من نزع منهم بحديث يرويه عبد الله بن داود الواسطي عن إبراهيم بن عبد الصمد عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] قال: استولى على جميع بريته فلا يخلو منه مكان. فالجواب: إن هذا حديث منكر على ابن عباس رضي الله عنهما ونقلته مجهولون وضعفاء فأما عبد الله بن داود الواسطي وعبد الوهاب بن مجاهد: فضعيفان وإبراهيم بن عبد الصمد مجهول لا يعرف وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول فكيف يسوغ لهم الاحتجاج(2\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "115",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2147",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بمثل هذا من الحديث لو عقلوا وأنصفوا أما سمعوا الله سبحانه حيث يقول: وقال فرعون ياهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا [غافر: 36] فدل على أن موسى عليه الصلاة والسلام كان يقول إن إلهي في السماء وفرعون يظنه كاذبا. وقال الشاعر: فسبحان من لا يقدر الخلق قدره ... ومن هو فوق العرش فرد موحد مليك على عرش السماء مهيمن ... لعزته تعنوا الوجوه وتسجد وهذا الشعر لأمية بن أبي الصلت وفيه يقول في وصف الملائكة: وساجدهم لا يرفع الدهر رأسه ... يعظم ربا فوقه ويمجد قال: فإن احتجوا بقوله تعالى: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله [الزخرف: 84] وبقوله تعالى: وهو الله في السماوات وفي الأرض [الأنعام: 3] وبقوله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم [المجادلة: 7] الآية وزعموا أن الله سبحانه في كل مكان بنفسه وذاته تبارك وتعالى جده. قيل لهم: لا خلاف بيننا وبينكم وبين سائر الأمة أنه ليس في الأرض دون السماء بذاته فوجب حمل هذه الآيات على المعنى الصحيح المجتمع عليه وذلك أنه في السماء إله معبود من أهل السماء وفي الأرض إله معبود من أهل الأرض وكذا قال أهل العلم بالتفسير(2\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "116",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2148",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وظاهر التنزيل يشهد أنه على العرش فالاختلاف في ذلك ساقط وأسعد الناس به من ساعده الظاهر وأما قوله في الآية الأخرى: وفي الأرض إله [الزخرف: 84] فالإجماع والاتفاق قد بين أن المراد أنه معبود من أهل الأرض فتدبر هذا فإنه قاطع. ومن الحجة أيضا في أنه عز وجل على العرش فوق السماوات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء ونصبوا أيديهم رافعين مشيرين بها إلى السماء يستغيثون الله ربهم تبارك وتعالى وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى quot; أكثر من quot; حكايته لأنه اضطرار لم يوقعهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للأمة التي أراد مولاها عتقها إن كانت مؤمنة فاختبرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن قال لها أين الله فأشارت إلى السماء ثم قال لها من أنا قالت: quot; أنت quot; رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة فاكتفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منها برفعها رأسها إلى السماء واستغنى بذلك عما سواه قال وأما احتجاجهم بقوله تعالى: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم [المجادلة: 7] فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية لأن علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل في القرآن قالوا في تأويل هذه الآية: هو على العرش وعلمه في كل مكان وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله وذكر سنيد عن مقاتل بن حيان عن الضحاك بن مزاحم في قوله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم [المجادلة: 7] قال هو على عرشه وعلمه معهم أينما كانوا. قال: وبلغني عن سفيان الثوري مثله(2\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "117",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2149",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال سنيد وحدثنا حماد بن زيد عن عاصم ابن بهدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: الله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم. ثم ساق من طريق يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن عاصم ابن بهدلة عن زر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام وما بين كل سماء إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام وما بين السماء السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام وما بين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام والعرش على الماء والله على العرش ويعلم أعمالكم وذكر هذا الكلام أو قريبا منه في كتاب الاستذكار.  [ذكر قول الإمام مالك الصغير أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني] قال في خطبة رسالته المشهورة: باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات ومن ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان أن الله إله واحد لا إله غيره(2\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "118",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2150",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا شبيه له ولا نظير له ولا ولد له ولا والد له ولا صاحبة له ولا شريك له ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انقضاء ولا يبلغ كنه صفته الواصفون ولا يحيط بأمره المتفكرون يعتبر المتفكرون بآياته ولا يتفكرون في ماهية ذاته: ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم [البقرة: 255] العليم الخبير المدبر القدير السميع البصير العلي الكبير وأنه فوق عرشه المجيد بذاته وهو في كل مكان بعلمه. لذلك ذكر مثل هذا في نوادره وغيرها من كتبه (وذكر في كتابه المفرد في السنة تقرير العلو) واستواء الرب تعالى على عرشه بذاته أتم تقرير فقال: (فصل) فيما اجتمعت عليه الأمور من أمور الديانة quot; و quot; من السنن التي خلافها بدعة وضلالة: أن الله سبحانه وتعالى اسمه له الأسماء الحسنى والصفات العلى لم يزل بجميع صفاته قائم وهو سبحانه موصوف بأن له علما وقدرة وإرادة ومشيئة أحاط علما بجميع ما بدأ قبل كونه فطر الأشياء بإرادته وقوله: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [يس: 82] وأن كلامه صفة من صفاته ليس بمخلوق فيبيد ولا صفة لمخلوق فينفد وأن الله عز وجل كلم موسى عليه الصلاة والسلام بذاته وأسمعه كلامه لا كلاما قام في غيره وأنه يسمع ويرى ويقبض ويبسط وأن يديه مبسوطتان(2\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "119",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2151",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه [الزمر: 67] وأن يديه غير نعمته في ذلك وفي قوله تعالى: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [ص: 75] وأنه يجيء يوم القيامة بعد أن لم يكن جائيا: والملك صفا صفا لعرض الأمم وحسابها وعقابها وثوابها فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وأنه يرضى عن الطائعين ويحب التوابين ويسخط على من كفر به ويغضب فلا يقوم شيء لغضبه وأنه فوق سماواته على عرشه دون أرضه وأنه في كل مكان بعلمه وأن لله سبحانه كرسيا كما قال عز وجل: وسع كرسيه السماوات والأرض [البقرة: 255] وكما جاءت به الأحاديث أن الله سبحانه يضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء وقال مجاهد: كانوا يقولون ما السماوات والأرض في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض. وأن الله سبحانه يراه أولياؤه في المعاد بأبصارهم لا يضامون في رؤيته كما قال عز وجل في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة [القيامة: 22] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة [يونس: 26] هو النظر إلى وجهه الكريم وأنه يكلم عباده يوم القيامة ليس بينه وبينهم واسطة ولا ترجمان وأن الجنة والنار داران قد خلقتا وأعدت الجنة للمتقين المؤمنين والنار للكافرين الجاحدين. لا تفنيان ولا تبيدان والإيمان بالقدر خيره وشره وكل ذلك قد قدره ربنا سبحانه وتعالى وأحصاه علمه وأن مقادير الأمور بيده ومصدرها عن قضائه تفضل على من أطاعه فوفقه وحبب الإيمان إليه وزينه في قلبه فيسره له وشرح له صدره ونور به قلبه فهداه و من يهد الله فهو المهتدي [الأعراف: 178] . وخذل من عصاه وكفر به فأسلمه ويسره(2\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "120",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2152",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لذلك فحجبه وأضله: ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا [الكهف: 17] وكل ينتهي إلى سابق علمه لا محيص لأحد عنه وأن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح يزيد quot; ذلك quot; بالطاعة وينقص بالمعصية نقصا عن حقائق الكمال لا محبط للإيمان ولا قول إلا بعمل ولا قول ولا عمل إلا بنية ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بموافقة السنة وأنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب وإن كان كبيرا ولا يحبط الإيمان غير الشرك بالله تعالى كما قال سبحانه: لئن أشركت ليحبطن عملك [الزمر: 65] وقال تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [النساء: 48] وأن على العباد حفظة يكتبون أعمالهم كما قال تعالى: وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون [الانفطار: 10] وقال تعالى: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد [ق: 18] وأن ملك الموت يقبض الأرواح كلها بإذن الله تعالى متى شاء كما قال تعالى: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم [السجدة: 11] وأن الخلق ميتون بآجالهم فأرواح أهل السعادة باقية ناعمة إلى يوم يبعثون وأرواح أهل الشقاء في سجين معذبة إلى يوم الدين وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون وأن عذاب القبر حق وأن المؤمنين يفتنون في قبورهم ويضغطون ويسألون ويثبت الله منطق من أحب تثبيته وأنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون كما بدأهم يعودون حفاة عراة غرلا وأن الأجساد التي أطاعت أو عصت هي التي تبعث يوم القيامة لتجازى والجلود التي كانت في الدنيا والألسنة والأيدي والأرجل التي تشهد عليهم يوم القيامة على من تشهد عليه منهم(2\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "121",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2153",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتنصب الموازين لوزن أعمال العباد فأفلح من ثقلت موازينه وخاب quot; وخسر quot; من خفت موازينه. ويؤتون صحائفهم فمن أوتي كتابه بيمينه حوسب حسابا يسيرا ومن أوتي كتابه بشماله فأولئك يصلون سعيرا وأن الصراط جسر مورود يجوزه العباد بقدر أعمالهم فناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليه من نار جهنم وقوم أوبقتهم أعمالهم فيها يتساقطون وأنه يخرج من النار من في قلبه شيء من الإيمان وأن الشفاعة لأهل الكبائر من المؤمنين ويخرج من النار بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من أمته بعد أن صاروا quot; فيها quot; حمما فيطرحون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل. والإيمان بحوض رسول الله صلى الله عليه وسلم ترده أمته لا يظمأ من شرب منه ويذاد عنه من غير وبدل. والإيمان بما جاء من خبر الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماوات على ما صحت به الروايات وأنه صلى الله عليه وسلم رأى من آيات ربه الكبرى وبما ثبت من خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام حكما عدلا وقتله للدجال وبالآيات التي بين يدي الساعة من طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وغير ذلك مما صحت به الروايات ونصدق بما جاءنا عن الله تعالى في كتابه و quot; ما quot; ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخباره(2\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "122",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2154",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يوجب العمل بمحكمه quot; ونؤمن quot; ونقر بنص مشكله ومتشابهه ونكل ما غاب عنا من حقيقة تفسيره إلى الله تعالى والله يعلم تأويل المتشابه من كتابه والراسخون في العلم يقولون: آمنا به (كل من عند ربنا) وقال بعض الناس: الراسخون في العلم يعلمون مشكله ولكن الأول قول أهل المدينة وعليه يدل الكتاب وأن أفضل القرون قرن الصحابة رضي الله عنهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وأن أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي وقيل ثم عثمان وعلي ونكف عن التفضيل بينهما روي ذلك عن مالك وقال: ما أدركت أحدا أقتدي به يفضل أحدهما على صاحبه فرأى الكف عنهما وروي عنه القول الأول وعن سفيان وغيره وهو قول أهل الحديث ثم بقية العشرة ثم أهل بدر من المهاجرين ثم من الأنصار ومن جميع الصحابة على قدر الهجرة والسابقة والفضيلة وكل من صحبه ولو ساعة أو quot; رآه quot; ولو مرة فهو بذلك أفضل من التابعين والكف عن ذكر(2\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "123",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2155",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بخير ما يذكرون به وأنهم أحق أن ننشر محاسنهم ويلتمس لهم أفضل المخارج ونظن بهم أحسن المذاهب قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تؤذوني في أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه . وقال صلى الله عليه وسلم: إذا ذكر أصحابي فأمسكوا . قال أهل العلم لا يذكرون إلا بأحسن ذكر والسمع والطاعة لأئمة المسلمين وكل من ولي أمر المسلمين عن رضى أو عن غلبة واشتدت وطأته من بر أو فاجر فلا يخرج عليه جار أو عدل ونغزو معه العدو ونحج معه البيت ودفع الصدقات إليهم مجزية إذا طلبوها ونصلي خلفهم الجمعة والعيدين قاله غير واحد من العلماء وقال مالك: لا نصلي خلف المبتدع منهم إلا أن نخافه فنصلي. واختلف في الإعادة ولا بأس بقتال من دافعك من الخوارج واللصوص من المسلمين وأهل الذمة عن نفسك ومالك والتسليم للسنن لا تعارض برأي ولا تدافع بقياس وما تأوله منها السلف الصالح تأولناه وما عملوا به عملناه وما تركوه تركناه ويسعنا أن نمسك عما أمسكوا ونتبعهم فيما بينوا ونقتدي بهم فيما استنبطوه ورأوه في الحوادث ولا نخرج من جماعتهم فيما اختلفوا فيه أو في تأويله وكل ما قدمنا ذكره فهو قول أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث على ما بيناه وكله قول مالك فمنه منصوص من قوله ومنه معلوم من مذهبه قال مالك: قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعته وقوة على دين الله تعالى ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها ولا النظر فيما خالفها من اهتدى بها هدي ومن استنصر بها نصر ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا قال مالك: أعجبني(2\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "124",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2156",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عزم عمر رضي الله عنه في ذلك. وقال في مختصر المدونة: وأنه تعالى فوق عرشه بذاته فوق سبع سماواته دون أرضه رضي الله عنه ما كان أصلبه في السنة وأقومه بها.  [قول الإمام أبي بكر محمد بن موهب المالكي شارح رسالة ابن أبي زيد من المشهورين في الفقه والسنة رحمه الله تعالى] (قول الإمام أبي بكر محمد بن موهب المالكي شارح رسالة ابن أبي زيد من المشهورين في الفقه والسنة رحمه الله تعالى) : قال في شرحه للرسالة ومعنى quot; فوق quot; quot; وعلا quot; واحد بين جميع العرب وفي كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تصديق ذلك وهو قوله تعالى: ثم استوى على العرش الرحمن [الفرقان: 59] وقال تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] وقال تعالى في وصف خوف الملائكة: يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون [النحل: 50] وقال تعالى: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر: 10] ونحو ذلك كثير وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للأعجمية: أين الله فأشارت إلى السماء  ووصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه عرج به من الأرض إلى السماء (ثم من سماء إلى سماء) إلى سدرة المنتهى ثم إلى ما فوقها حتى قال: لقد سمعت صريف الأقلام ولما فرضت الصلاة جعل كلما هبط من مكانه تلقاه موسى(2\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "125",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2157",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه السلام في بعض السماوات وأمره بسؤال التخفيف عن أمته فرجع صاعدا مرتفعا إلى الله سبحانه وتعالى فسأله حتى انتهت إلى خمس صلوات وسنذكر تمام كلامه قريبا إن شاء الله تعالى عن قرب.  [قول الإمام أبي القاسم خلف بن عبد الله المقري الأندلسي رحمه الله] قال في الجزء الأول من كتاب الاهتداء لأهل الحق والاقتداء من تصنيفه من شرح الملخص للشيخ أبي الحسن القابسي رحمه الله تعالى عن مالك quot; عن quot; ابن شهاب عن أبي عبد الله الأغر وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له ومن يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له في هذا الحديث دليل على أنه تعالى في السماء على العرش فوق سبع سماوات من غير مماسة ولا تكييف كما قال أهل العلم ودليل قولهم أيضا من القرآن قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] وقوله تعالى: ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع [السجدة: 4] وقوله تعالى: إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا [الإسراء: 42] وقوله تعالى: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض [السجدة: 5] وقوله تعالى:(2\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "126",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2158",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعرج الملائكة والروح إليه [المعارج: 4] وقوله تعالى لعيسى عليه الصلاة والسلام: إني متوفيك ورافعك إلي [آل عمران: 55] وقوله تعالى: ليس له دافع - من الله ذي المعارج - تعرج الملائكة والروح إليه [المعارج: 2 - 4] والعروج هو الصعود (و) قال مالك بن أنس: إن الله عز وجل في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو من علمه مكان يريد - والله أعلم - بقوله في السماء: على السماء كما قال تعالى: ولأصلبنكم في جذوع النخل [طه: 71] وكما قال تعالى: أأمنتم من في السماء [الملك: 16] أي: من على السماء يعني على العرش وكما قال تعالى: فسيحوا في الأرض [التوبة: 2] أي على الأرض وقيل لمالك: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] . كيف استوى قال مالك رحمه الله تعالى لقائله: استواؤه معقول وكيفيته مجهولة وسؤالك عن هذا بدعة وأراك رجل سوء قال أبو عبيدة في قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] أي: علا قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابة وفوق البيت وكل ما قدمت دليل واضح في إبطال قول من قال بالمجاز في الاستواء وأن استوى بمعنى استولى لأن الاستيلاء في اللغة المغالبة وأنه لا يغالبه أحد ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا سبحانه وتعالى إلا على ذلك وإنما يوجه كلام الله تعالى إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما(2\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "127",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2159",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبادات وجل الله تعالى عن أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب من معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين. والاستواء معلوم في اللغة وهو العلو والارتفاع والتمكن في الشيء. ومن الحجة أيضا في أن الله سبحانه وتعالى على العرش فوق السماوات السبع أن الموحدين أجمعين إذا كربهم أمر رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون الله ربهم وقوله صلى الله عليه وآله وسلم للأمة التي أراد مولاها عتقها: أين الله فأشارت إلى السماء ثم قال لها: من أنا قالت: quot; أنت quot; رسول الله قال: أعتقها فإنها مؤمنة . فاكتفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منها برفع رأسها إلى السماء. فدل على ما قدمناه أنه على العرش والعرش فوق السماوات السبع ودليل قولنا أيضا قول أمية بن أبي الصلت في وصف الملائكة: وساجدهم لا يرفع الدهر رأسه ... يعظم ربا فوقه ويمجد فسبحان من لا يقدر الخلق قدره ... ومن هو فوق العرش فرد موحد مليك على عرش السماء مهيمن ... لعزته تعنوا الوجوه وتسجد(2\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "128",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2160",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله تعالى: وقال فرعون ياهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى [غافر: 36] فدل على أن موسى عليه الصلاة والسلام كان يقول: إلهي في السماء وفرعون يظنه كاذبا فإن احتج quot; أحد quot; علينا فيما قدمناه وقال: لو كان كذلك لأشبه المخلوقات لأن ما أحاطت به الأمكنة واحتوته فهو مخلوق فشيء لا يلزم ولا معنى له لأنه تعالى ليس كمثله شيء من خلقه ولا يقاس بشيء من بريته quot; و quot; لا يدرك بقياس ولا يقاس بالناس كان قبل الأمكنة ويكون بعدها لا إله إلا هو خالق كل شيء لا شريك له وقد اتفق المسلمون وكل ذي لب أنه لا يعقل كائن إلا في مكان ما وما ليس في مكان فهو عدم وقد صح في العقول وثبت بالدلائل أنه كان في الأزل لا في مكان وليس بمعدوم فكيف يقاس على شيء من خلقه أو يجري بينه وبينهم تمثيل أو تشبيه تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. (فإن قال قائل) : إذا وصفنا ربنا تعالى أنه كان في الأزل لا في مكان ثم خلق الأماكن فصار في مكان وفي ذلك إقرار منا بالتغيير والانتقال إذ زال عن صفته في الأزل وصار في مكان دون مكان. قيل له: وكذلك quot; زعمت quot; أنت أنه كان لا في مكان ثم صار في كل مكان فنقل صفته من الكون لا في مكان إلى صفة هي الكون في كل مكان فقد تغير عندك معبود وانتقل من لا مكان إلى كل مكان فإن قال: إنه كان في الأزل في كل مكان كما هو الآن فقد أوجب(2\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "129",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2161",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأماكن والأشياء موجودة معه في أزليته وهذا فاسد. (فإن قال) : فهل يجوز عندك أن ينتقل من لا مكان في الأزل إلى مكان. قيل له: أما الانتقال وتغير الحال فلا سبيل إلى إطلاق ذلك عليه لأن كونه في الأزل لا يوجب مكانا وكذلك نقلته لا توجب مكانا وليس في ذلك كالخلق لأن كون ما كونه يوجب quot; مكانا quot; من الخلق ونقلته توجب مكانا ويصير منتقلا من مكان إلى مكان والله تعالى ليس كذلك. . . ولكنا نقول: استوى من لا مكان إلى مكان ولا نقول: انتقل وإن كان المعنى في ذلك واحدا. كما نقول: له عرش ولا نقول: له سرير ونقول: هو الحكيم ولا نقول: هو العاقل ونقول: خليل إبراهيم ولا نقول: صديق إبراهيم وإن كان المعنى في ذلك واحدا لأنا لا نسميه ولا نصفه ولا نطلق عليه إلا ما سمى به نفسه على ما تقدم ولا ندفع ما وصف به نفسه لأنه دفع للقرآن وقد قال الله تعالى: وجاء ربك والملك صفا صفا [الفجر: 22] وليس مجيئه حركة ولا زوالا ولا انتقالا لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسما أو جوهرا فلما ثبت أنه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض لم يجب أن يكون مجيئه حركة ولا نقلة ولو اعتبرت ذلك بقولهم جاءت فلانا قيامته وجاءه الموت وجاءه المرض وشبه ذلك (مما هو موجود نازل به ولا مجيء لبان لك وبالله العصمة والتوفيق. فإن قال: إنه لا يكون مستويا على مكان إلا مقرونا بالكيف قيل له: قد يكون الاستواء واجبا والتكييف مرتفع وليس رفع التكييف يوجب رفع الاستواء ولو لزم هذا لزم التكييف في الأزل quot; لأنه quot; لا يكون كائنا في مكان ولا مقرونا بالتكييف. فإن قال إنه كان ولا مكان وهو غير مقرون بالتكييف وقد(2\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "130",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2162",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عقلنا وأدركنا بحواسنا أن لنا أرواحا في أبداننا ولا نعلم كيفية ذلك وليس جهلنا بكيفية الأرواح يوجب أن ليس لنا أرواح وكذلك ليس جهلنا بكيفيته على عرشه يوجب أنه ليس على عرشه وقد روي عن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله أين كان ربنا تبارك وتعالى قبل أن يخلق السماوات والأرض قال كان في عماء ما فوقه هواء . قال أبو القاسم العماء: ممدود وهو السحاب والعمى مقصور: الظلمة وقد روي الحديث بالمد والقصر فمن رواه بالمد فمعناه عنده كان في عماء سحاب ما تحته وما فوقه هواء والهاء راجعة على العماء ومن رواه بالقصر فمعناه عنده كان في عمى عن خلقه لأنه من عمي عن شيء فقد أظلم عنه. قال سنيد بسنده عن مجاهد قال: إن بين العرش وبين الملائكة لسبعين حجابا من نور وحجابا من ظلمة وروى أيضا سنيد بسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام وما بين كل سماء إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام وما بين السماء السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام quot; وما بين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام quot; والعرش على الماء والله سبحانه وتعالى على العرش ويعلم أعمالكم. وقال ابن مسعود رضي الله عنه أيضا: إنه فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم. قال أبو القاسم: يريد فوق العرش لأن العرش آخر المخلوقات ليس فوقه مخلوق والله تعالى على المخلوقات دون تكييف ولا مماسة ولا أعلم في هذا الباب حديثا مرفوعا إلا حديث عبد الله بن عميرة عن الأحنف عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى سحابة فقال ما تسمون هذه قالوا: السحاب قال: والمزن. قالوا: والمزن. قال: والعنان. قالوا: والعنان قال: كم ترون بينكم وبين السماء قالوا لا ندري قال بينكم وبينه إما واحد أو اثنان أو ثلاث وسبعون سنة والسماء فوقها كذلك بينهما مثل ذلك حتى عد سبع سماوات ثم فوق السماء(2\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "131",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2163",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السابعة بحر أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء على ظهورهم العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم الله تعالى فوق ذلك  هذا حديث حسن صحيح أخرجه أبو داود.  [قول الإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى المالكي المشهور بابن أبي زمنين رحمه الله تعالى] (قول الإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى المالكي المشهور بابن أبي زمنين رحمه الله تعالى) : قال في كتابه الذي صنفه في أصول السنة: باب الإيمان بالعرش قال: ومن قول أهل السنة أن الله عز وجل خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق ثم استوى عليه كيف شاء كما أخبر عن نفسه في قوله عز وجل: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] وفي قوله تعالى: ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها [الحديد: 4] وذكر حديث أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض قال كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء ثم خلق عرشه على الماء : ثم ذكر الآثار في ذلك إلى أن قال: باب الإيمان بالحجب قال: ومن قول أهل السنة أن الله تعالى بائن من خلقه محتجب عنهم بالحجب تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا: كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا [الكهف: 5] إلى أن قال: باب الإيمان(2\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "132",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2164",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالنزول قال: ومن قول أهل السنة أن الله ينزل إلى السماء الدنيا وذكر حديث النزول ثم قال: وهذا الحديث يبين أن الله تعالى على عرشه في السماء دون الأرض وهو أيضا بين في كتاب الله تعالى وتقدس وفي غير ما حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال الله عز وجل: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض [السجدة: 5] ثم يعرج إليه [السجدة: 5] وساق الآيات في العلو وذكر من طريق أنس بن مالك قول النبي صلى الله عليه وسلم للجارية أين الله ثم قال: والأحاديث مثل هذا كثيرة جدا.  [قول القاضي عبد الوهاب إمام المالكية بالعراق] (قول القاضي عبد الوهاب إمام المالكية بالعراق) : من كبار أهل السنة رحمه الله تعالى صرح بأن الله سبحانه استوى على عرشه بذاته نقله شيخ الإسلام عنه في غير موضع من كتبه ونقله عنه القرطبي في شرح الأسماء الحسنى.  [ذكر قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي] (ذكر قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي) : رحمه الله تعالى وقدس روحه ونور ضريحه(2\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "133",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2165",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الإمام ابن الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي حدثنا أبو شعيب وأبو ثور عن أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى قال: القول في السنة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتهم وأخذت عنهم مثل سفيان ومالك وغيرهما الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن الله تعالى على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء وأن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا كيف شاء. قال عبد الرحمن وحدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي يقول وقد سئل عن صفات الله وما يؤمن به فقال: لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه أمته لا يسع أحدا من خلق الله قامت عليه الحجة ردها ; لأن القرآن نزل بها وصح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القول quot; بها quot; فيما روى عنه العدول فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر أما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالروية والقلب ولا نكفر بالجهل بها أحدا إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها وتثبيت هذه الصفات وننفي عنها التشبيه كما نفى التشبيه عن نفسه فقال: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [الشورى: 11] وصح عن الشافعي أنه قال: خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه quot; حق quot; قضاها الله في سمائه وجمع عليها قلوب أصحاب نبيه ومعلوم أن المقضي في الأرض والقضاء فعله سبحانه وتعالى المتضمن لمشيئته وقدرته وقال في خطبة رسالته: (الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به خلقه) فجعل صفاته سبحانه إنما تتلقى بالسمع. وقال يونس بن عبد الأعلى: قال لي محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه الأصل قرآن وسنة فإن(2\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "134",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2166",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يكن فقياس عليهما وإذا اتصل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصح الإسناد منه فهو سنة والإجماع أكبر من الخبر المفرد والحديث على ظاهره وإذا احتمل المعاني فما أشبه منها ظاهره فهو أولى به قال الخطيب في الكفاية: أخبرنا أبو نعيم الحافظ حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان حدثنا عبد الله بن محمد بن يعقوب حدثنا أبو حاتم الرازي حدثني يونس بن عبد الأعلى فذكره به.  [قول صاحبه إمام الشافعية في وقته أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني] (قول صاحبه إمام الشافعية في وقته أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني) : في رسالته في السنة التي رواها أبو طاهر السلفي عنه بإسناده ونحن نسوقها كلها بلفظها. بسم الله الرحمن الرحيم. عصمنا الله وإياكم بالتقوى ووفقنا وإياكم لموافقة الهدى أما بعد فإنك سألتني أن أوضح لك من السنة أمرا تبصر نفسك على التمسك quot; به quot; وتدرأ به عنك شبه الأقاويل وزيغ محدثات الضالين فقد شرحت quot; لك quot; منهاجا واضحا لم آل نفسي وإياك فيه نصحا بدأت فيه بحمد الله ذي الرشد والتسديد الحمد لله أحق ما بدأ وأولى من شكر وعليه أثني الواحد الصمد الذي ليس له صاحبة ولا ولد جل عن المثل فلا شبيه له ولا عديل السميع البصير العليم الخبير المنيع الرفيع عال على عرشه وهو دان بعلمه من خلقه أحاط علمه(2\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "135",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2167",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالأمور وأنفذ في خلقه سابق المقدور (و) يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور فالخلق عاملون بسابق علمه ونافذون لما خلقهم له من خير وشر لا يملكون لأنفسهم من الطاعة ولا يجدون إلى صرف المعصية عنها دفعا خلق الخلق بمشيئته من غير حاجة كانت به فخلق الملائكة جميعا لطاعته وجبلهم على عبادته فمنهم ملائكة بقدرته للعرش حاملون وطائفة منهم حول عرشه يسبحون وآخرون بحمده يقدسون واصطفى منهم رسلا إلى رسله وبعض مدبرون لأمره. ثم خلق آدم بيده وأسكنه جنته وقبل ذلك للأرض خلقه ونهاه عن شجرة قد نفذ قضاؤه عليه بأكلها ثم ابتلاه بما نهاه عنه منها ثم سلط عليه عدوه فأغواه عليها وجعل أكله quot; إلى الهبوط quot; إلى الأرض سببا فما وجد إلى ترك أكلها سبيلا ولا عنه لها مذهبا. ثم خلق للجنة من ذريته أهلا فهم بأعمالهم بمشيئته عاملون وبقدرته وبإرادته ينفذون. وخلق من ذريته للنار أهلا فخلق لهم أعينا لا يبصرون بها وآذانا لا يسمعون بها وقلوبا لا يفقهون بها فهم بذلك عن الهدى محجوبون وهم بأعمال أهل النار بسابق قدره يعملون والإيمان قول وعمل وهما شيئان ونظامان وقرينان لا يفرق بينهما ; لا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بإيمان. والمؤمنون في الإيمان يتفاضلون وبصالح الأعمال هم متزايدون ولا يخرجون من الإيمان بالذنوب ولا يكفرون بركوب كبيرة ولا عصيان ولا يوجب لمحسنهم بغير ما أوجب له النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يشهد على مسيئهم بالنار.(2\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "136",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2168",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والقرآن كلام الله عز وجل ومن الله وليس بمخلوق فيبيد وقدرة الله ونعمته وصفاته كلها غير مخلوقات دائمات أزلية ليست بمحدثات ولا كان ربنا ناقصا فيزيد جلت صفاته عن شبه المخلوقين وقصرت عن فطن الواصفين قريب بالإجابة عند السؤال بعيد بالتعزيز لا ينال عال عرشه بائن عن خلقه موجود ليس بمعدوم ولا مفقود والخلق ميتون بآجالهم عند نفاد أرزاقهم وانقطاع آثارهم. ثم هم بعد الضغطة في القبور مسئولون. وبعد البلى منشورون ويوم القيامة إلى ربهم محشورون وعند العرض عليه محاسبون بحضرة الموازين ونشر صحف الدواوين أحصاه الله ونسوه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة لو كان غير الله عز وجل الحاكم بين خلقه فالله يلي الحكم بينهم بعدله بمقدار القائلة في الدنيا وهو أسرع الحاسبين كما بدأهم من له شقاوة وسعادة. يومئذ تعودون فريق في الجنة وفريق في السعير وأهل الجنة يومئذ ينعمون وبصنوف اللذات يتلذذون وبأفضل الكرامة يحبرون فهم حينئذ إلى ربهم ينظرون لا يمارون في النظر ولا يشكون فوجوههم بكرامته ناضرة وأعينهم بفضله إليه ناظرة في نعيم دائم مقيم لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين [الحجر: 48] أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار [الرعد: 35] . وأهل الجحد عن ربهم يومئذ محجوبون وفي النار مسجرون لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون [المائدة: 80] لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها إلا من شاء الله إخراجه من الموحدين منها والطاعة لأولي الأمر فيما كان عند الله عز وجل مرضيا واجتناب ما كان مسخطا وترك الخروج عند تعديهم وجورهم والتوبة إلى الله عز وجل كيما يعطف بهم على رعيتهم والإمساك عن تكفير أهل القبلة والبراءة(2\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "137",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2169",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منهم فيما أحدثوا ما لم يبتدعوا ضلالة فمن ابتدع منهم ضلالة كان عن أهل القبلة خارجا ومن الدين مارقا ويتقرب إلى الله بالبراءة منه ونهجر ونتجنب غرته فهي أعدى من غرة الحرب. ويقال يفضل خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم عمر فهما وزيرا رسول الله صلى الله عليه وسلم وضجيعاه ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم أجمعين ثم الباقين من العشرة الذين أوجب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة ويخلص لكل رجل منهم من المحبة بقدر الذي أوجبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم من التفضيل ثم لسائر أصحابه من بعدهم رضي الله عنهم أجمعين ويقال بفضلهم ويذكرون بمحاسن أفعالهم ويمسك عن الخوض فيما شجر بينهم وهم خيار أهل الأرض بعد نبيهم اختارهم الله عز وجل وجعلهم أنصارا لدينه فهم أئمة الدين وأعلام المسلمين رضي الله عنهم أجمعين ولا نترك حضور صلاة الجمعة وصلاتها مع بر هذه الأمة وفاجرها ما كان من البدعة بريا والجهاد مع كل إمام عادل أو جائر والحج وإقصار الصلاة في الأسفار والتخيير فيه بين الصيام والإفطار هذه مقالات اجتمع عليها الماضون الأولون من أئمة الهدى وبتوفيق الله اعتصم بها التابعون قدوة ورضا وجانبوا التكلف فيما كفوا فسددوا بعون الله ووفقوا لم يرغبوا عن الاتباع فيقصروا ولم يجاوزوه فيعتدوا فنحن بالله واثقون وعليه متوكلون وإليه في اتباع آثارهم راغبون. فهذا شرح السنة تحريت كشفها وأوضحته فمن وفقه الله للقيام بما أبنته مع معونته له بالقيام على أداء فرائضه بالاحتياط في النجاسات وإسباغ الطهارات على الطاعات وأداء الصلوات على الاستطاعات وإيتاء الزكاة على أهل الجدات والحج على أهل الجدة(2\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "138",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2170",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والاستطاعات وصيام شهر رمضان لأهل الصحات وخمس صلوات سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلاة الوتر في كل ليلة وركعتا الفجر وصلاة الفطر والنحر وصلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء واجتناب المحارم والاحتراز من النميمة والكذب والغيبة والبغي بغير الحق وأن تقول على الله ما لا تعلم كل هذه كبائر محرمات والتحري في المكاسب والمطاعم والمحارم والمشارب والملابس واجتناب الشهوات فإنها داعية لركوب المحرمات فمن رعى حول الحمى فإنه يوشك أن يواقع في الحمى فمن يسر لهذا فإنه من الدين على هدى ومن الرحمن على رجاء. وفقنا الله وإياك إلى سبيله الأقوم بمنه الجزيل الأقدم وجلاله العلي الأكرم والسلام عليك ورحمة الله وبركاته وعلى من قرأ علينا السلام ولا ينال سلام الله تعالى الضالون والحمد لله رب العالمين.  [قول إمام الشافعية في وقته أبي العباس بن سريج رحمه الله تعالى] ذكر أبو القاسم سعد بن علي بن محمد الزنجاني في جوابات المسائل التي سئل عنها بمكة فقال: الحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا وعلى كل حال وصلى الله على محمد المصطفى وعلى الأخيار الطيبين من الأصحاب والآل سألت أيدك الله تعالى بتوفيقه بيان ما صح لدي وتأدى حقيقته إلى من مذهب السلف وصالحي الخلف في الصفات الواردة في الكتاب المنزل والسنة المنقولة بالطرق الصحيحة برواية الثقات الأثبات عن النبي صلى الله عليه وسلم بوجيز(2\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "139",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2171",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من القول واختصار في الجواب فاستخرت الله سبحانه وتعالى وأجبت عنه بجواب بعض الأئمة الفقهاء وهو أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج رحمه الله تعالى وقد سئل عن مثل هذا السؤال فقال: أقول وبالله التوفيق حرام على العقول أن تمثل الله سبحانه وتعالى وعلى الأوهام أن تحده وعلى الظنون أن تقطع وعلى الضمائر أن تعمق وعلى النفوس أن تفكر وعلى الأفكار أن تحيط وعلى الألباب أن تصف إلا ما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وقد صح وتقرر واتضح عند جميع أهل الديانة والسنة والجماعة من السلف الماضين والصحابة والتابعين من الأئمة المهتدين الراشدين المشهورين إلى زماننا هذا: أن جميع الآي الواردة عن الله تعالى في ذاته وصفاته والأخبار الصادقة (الصادرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الله وفي صفاته) التي صححها أهل النقل وقبلها النقاد الأثبات. يجب على المرء المسلم المؤمن الموقن الإيمان بكل واحد منه كما ورد وتسليم أمره إلى الله سبحانه وتعالى كما أمر وذلك مثل قوله تعالى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة [البقرة: 210] وقوله تعالى: وجاء ربك والملك صفا صفا [الفجر: 22] وقوله تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] وقوله تعالى والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه [الزمر: 67] ونظائرها مما نطق به القرآن كالفوقية والنفس واليدين والسمع والبصر والكلام والعين والنظر والإرادة والرضى والغضب والمحبة والكراهة والعناية والقرب والبعد والسخط والاستحياء والدنو كقاب قوسين أو أدنى وصعود الكلام الطيب quot; إليه quot; وعروج الملائكة والروح إليه ونزول القرآن منه وندائه الأنبياء عليهم الصلاة السلام وقوله للملائكة وقبضه وبسطه وعلمه ووحدانيته وقدرته ومشيئته وصمديته وفردانيته وأوليته وآخريته وظاهريته وباطنيته وحياته وبقائه وأزليته وأبديته ونوره وتجليه والوجه وخلق آدم عليه السلام بيده ونحو قوله تعالى: أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض [الملك: 16] وقوله تعالى:(2\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "140",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2172",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله [الزخرف: 84] وسماعه من غيره وسماع غيره منه وغير ذلك من صفاته المتعلقة به المذكورة في كتابه المنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم وجميع ما لفظ به المصطفى صلى الله عليه وسلم من صفاته كغرسه جنة الفردوس بيده وشجرة طوبى بيده وخط التوراة بيده والضحك والتعجب ووضعه القدم على النار فتقول: قط قط وذكر الأصابع والنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا وليلة الجمعة وليلة النصف من شعبان وليلة القدر وكغيرته وفرحه بتوبة العبد واحتجابه بالنور وبرداء الكبرياء وأنه ليس بأعور وأنه يعرض عما يكره ولا ينظر إليه وأن كلتا يديه يمين واختيار آدم قبضتة اليمنى وحديث القبضة وله كل يوم كذا وكذا نظرة في اللوح المحفوظ وأنه يوم القيامة يحثو ثلاث حثيات. . . فيدخلهم الجنة ولما خلق آدم عليه الصلاة والسلام مسح ظهره بيمينه فقبض قبضة فقال: هذه للجنة ولا أبالي أصحاب اليمين وقبض قبضة أخرى وقال: هذه للنار ولا أبالي أصحاب الشمال ثم ردهم في صلب آدم وحديث القبضة التي يخرج بها من النار قوما لم يعملوا خيرا قط عادوا حمما فيلقون في نهر من الجنة يقال له: (نهر) الحياة وحديث خلق آدم على صورته وقوله: لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق(2\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "141",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2173",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صورة الرحمن  وإثبات الكلام بالحرف والصوت وباللغات وبالكلمات وبالسور وكلامه تعالى لجبريل والملائكة ولملك الأرحام وللرحم ولملك الموت ولرضوان ولمالك ولآدم ولموسى ولمحمد صلى الله عليه وسلم وللمؤمن عند الحساب وفي الجنة ونزول القرآن إلى سماء الدنيا وكون القرآن في المصاحف وما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن وقوله: لله أشد أذنا لقاريء القرآن من صاحب القينة إلى قينته وأن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب  وفرغ الله من الرزق والأجل. وحديث ذبح الموت ومباهات الله تعالى وصعود الأقوال والأعمال والأرواح إليه. وحديث معراج الرسول صلى الله عليه وسلم ببدنه ونفسه ونظره إلى الجنة والنار وبلوغه إلى العرش إلى أن لم يكن بينه وبين الله تعالى إلا حجاب العزة وعرض الأنبياء عليه عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام وعرض أعمال الأمة عليه وغير هذا مما صح عنه صلى الله عليه وسلم من الأخبار المتشابهة الواردة في صفات الله سبحانه ما بلغنا وما لم يبلغنا مما صح عنه اعتقادنا فيه وفي الآيات المتشابهة في القرآن أن نقبلها ولا نردها ولا نتأولها بتأويل المخالفين ولا نحملها على تشبيه المشبهين ولا نزيد عليها ولا ننقص منها ولا نفسرها ولا نكفيها ولا نترجم عن صفاته بلغة غير العربية ولا نشير إليها بخواطر القلوب ولا بحركات الجوارح بل نطلق ما أطلقه الله عز وجل ونفسر ما فسره النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون والأئمة المرضيون من السلف المعروفين بالدين والأمانة ونجمع على ما أجمعوا عليه ونمسك عن ما أمسكوا عنه ونسلم الخبر الظاهر والآية الظاهر تنزيلها لا نقول(2\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "142",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2174",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بتأويل المعتزلة والأشعرية والجهمية والملحدة والمجسمة والمشبهة والكرامية والكيفية بل نقبلها بلا تأويل ونؤمن بها بلا تمثيل ونقول: الإيمان بها واجب والقول بها سنة وابتغاء تأويلها بدعة. آخر كلام أبي العباس بن سريج الذي حكاه أبو القاسم سعيد بن علي الزنجاني في أجوبته ثم ذكر باقي المسائل وأجوبتها.(2\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "143",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2175",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[قول الإمام حجة الإسلام أبي أحمد بن الحسين الشافعي المعروف بابن الحداد رحمه الله تعالى] قال: الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وصلى الله على محمد وآله الطاهرين وسلم تسليما أما بعد: فإنك وفقك الله تعالى لقول السداد وهداك سبل الرشاد سألتني عن الاعتقاد الحق والمنهج الصدق الذي يجب على العبد المكلف أن يعتقده ويلتزمه فأقول والله الموفق للصواب: الذي يجب على العبد اعتقاده ويلزمه في ظاهره وباطنه اعتماده ما دل عليه كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وإجماع الصدر الأول من علماء السلف وأئمتهم الذين هم أعلام الدين وقدوة من بعدهم من المسلمين وذلك أن يعتقد العبد ويقر ويعترف بقلبه ولسانه أن الله واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد لا إله سواه ولا معبود إلا إياه ولا شريك له ولا نظير له ولا وزير له ولا ظهير له ولا سمي له ولا صاحبة له ولا ولد له قديم أبدي (أزلي) أول من غير بداية وآخر من غير نهاية موصوف بصفات الكمال من الحياة والقدرة والعلم والإرادة والسمع والبصر والبقاء والبهاء والجمال والعظمة والجلال والمن والإفضال لا يعجزه شيء ولا يشبهه شيء ولا يعزب عن علمه شيء يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين منزه عن كل نقص وآفة ومقدس عن كل عيب وعاهة الخالق الرازق المحيي المميت الباعث الوارث الأول الآخر الظاهر الباطن الطالب الغالب المثيب المعاقب الغفور الشكور قدر(2\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "144",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2176",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كل شيء فقضاه وأبرمه وأمضاه من خير وشر ونفع وضر وطاعة وعصيان وعمد ونسيان وعطاء وحرمان لا يجري في ملكه مالا يريد عدل في أقضيته غير ظالم لبريته. لا راد لأمره ولا معقب لحكمه رب العالمين. إله الأولين والآخرين مالك يوم الدين: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [الشورى: 11] نصفه بما وصف به نفسه في كتابه العظيم وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم الكريم لا نجاوز ذلك ولا نزيد بل نقف عنده وننتهي إليه ولا ندخل فيه برأي ولا قياس لبعده عن الأشكال والأجناس ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون [يوسف: 38] وأنه سبحانه مستو على عرشه وفوق جميع خلقه كما أخبر في كتابه وعلى ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف ولا تأويل وكذلك كل ما جاء من الصفات نمره كما جاء من غير مزيد عليه ونقتدي في ذلك بعلماء السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ونسكت عما سكتوا عنه ونتأول ما تأولوا وهم القدوة في هذا الباب: أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب [الزمر: 18]  ونؤمن بالقدر خيره وشره وحلوه ومره أنه من الله عز وجل لا معقب لما حكم ولا ناقض لما أبرم وأن أعمال العباد حسنها وسيئها خلق الله عز وجل ومقدرة منه عليهم لا خالق لها سواه ولا مقدر لها إلا إياه: ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى [النجم: 31]  لا يسأل عما يفعل وهم يسألون [الأنبياء: 23] فإنه عدل في ذلك غير جائر لا يظلمهم مثقال ذرة: (وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما) وكذلك الأرزاق والآجال مقدرة لا تزيد ولا تنقص(2\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "145",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2177",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونؤمن ونقر ونشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأنه خاتم النبيين وسيد المرسلين أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ونؤمن أن كل كتاب أنزله الله تعالى حق وأن كل رسول أرسله الله تعالى حق وأن الملائكة حق وأن جبرائيل حق وميكائيل حق وإسرافيل حق وعزرائيل حق وحملة العرش والكرام الكاتبين من الملائكة حق وأن الشياطين والجن حق وأن كرامات (الأولياء ومعجزات) الأنبياء حق والعين حق والسحر له حقيقة وتأثير في الأجسام ومسائلة منكر ونكير حق وفتنة القبر حق ونعيمه حق وعذابه حق والبعث حق بعد الموت. وقيام الساعة والوقوف بين يدي الله تعالى يوم القيامة للحساب والقصاص والميزان حق والصراط حق والحوض والشفاعة التي خص بها (نبينا) يوم القيامة حق والشفاعة من الملائكة والنبيين والمؤمنين حق والجنة حق والنار حق وأنهما مخلوقتان لا يبيدان ولا يفنيان وخروج المؤمنين من النار بعد دخولها حق ولا يخلد فيها من في قلبه مثقال ذرة من إيمان وأهل الكبائر في مشيئة الله تعالى لا يقطع عليهم بالنار ولكن يخاف عليهم ولا يقطع للطائعين بالجنة بل نرجو لهم وأن الإيمان قول باللسان ومعرفة بالقلب وعمل بالجوارح وأنه يزيد وينقص وأن المؤمنين يرون ربهم عز وجل في الآخرة من غير حجاب وأن الكفار عن رؤيته عز وجل محجوبون وأن القرآن كلام الله رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلب محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وآله(2\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "146",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2178",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسلم أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا وأنه غير مخلوق وأن السور والآيات والحروف المسموعات والكلمات التامات التي عجزت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ليس بمخلوق كما قال المعتزلة ولا عبارة كما قال الكلابي وأنه المتلو بالألسنة المحفوظ في الصدور المكتوب في المصاحف المسموع لفظه المفهوم معناه لا يتعدد بتعدد الصدور والمصاحف والآلات ولا يختلف باختلاف الحناجر والنغمات أنزله إذا شاء ويرفعه إذا شاء وهذا معنى قول السلف منه بدأ وإليه يعود واللفظية الذين يقولون ألفاظا بالقرآن مخلوقة مبتدعة جهمية عند الإمام أحمد والشافعي أخبرنا به الحسين بن أحمد بن إبراهيم الطبري قال: سمعت أحمد بن يوسف الشالنجي يقول: سمعت أبا عبد الله الحسين بن علي القطان يقول: سمعت علي بن الجنيد يقول: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: من قال لفظي بالقرآن أو القرآن بلفظي مخلوق فهو جهمي. وحكي بهذا اللفظ عن أبي زرعة وعلي بن خشرم وغيرهم من أئمة السلف وأن الآيات التي تظهر عند قرب الساعة من الدجال ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام والدخان والدابة وطلوع الشمس من مغربها وغيرها من الآيات التي وردت بها الأخبار الصحاح حق وأن خير هذه الأمة القرن الأول وهم(2\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "147",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2179",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصحابة رضي الله عنهم وخيرهم العشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة وخير هؤلاء العشرة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم ونعتقد حب آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأزواجه وسائر أصحابه رضوان الله عليهم ونذكر محاسنهم وننشر فضائلهم ونمسك ألسنتنا وقلوبنا عن التطلع فيما شجر بينهم ونستغفر الله لهم ونتوسل إلى الله تعالى باتباعهم ونرى الجهاد والجمعة والجماعة ماضيان إلى يوم القيامة والسمع والطاعة لولاة الأمر من المسلمين واجب في طاعة الله تعالى دون معصيته لا يجوز الخروج عليهم ولا المفارقة لهم ولا نكفر أحدا من المسلمين بذنب عمله ولو كبر ولا ندع الصلاة عليهم بل نحكم فيهم بحكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونترحم على معاوية ونكل سريرة يزيد إلى الله تعالى وقد روى عنه أنه لما رأى رأس الحسين رضوان الله عليه قال: لقد قتلك من كانت الرحم بينك وبينه قاطعة ونبرأ ممن قتل الحسين رضوان الله عليه وأعان عليه وأشار به ظاهرا أو باطنا هذا اعتقادنا ونكل سريرته إلى الله تعالى والعبارة الجامعة في باب التوحيد أن يقال: إثبات من غير تشبيه ونفي من غير تعطيل قال الله تعالى: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [الشورى: 11] والعبارة الجامعة في المتشابه من آيات الصفات أن يقال: آمنت بما قال الله تعالى على ما أراده وآمنت بما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ما أراده فهذا اعتقادنا الذي نتمسك به وننتهي إليه ونسأل الله تعالى أن يحيينا (عليه) ويميتنا عليه ويجعله وسيلتنا يوم الوقوف بين يديه إنه جواد كريم والحمد لله رب العالمين.  [قول الإمام إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي] (قول الإمام إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي) صاحب كتاب الترغيب والترهيب(2\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "148",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2180",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكتاب الحجة في بيان المحجة ومذهب أهل السنة وكان إماما للشافعية في وقته رحمه الله تعالى وجمع له أبو موسى المديني مناقب جليلة لجلالته قال في كتاب الحجة (باب في بيان استواء الله سبحانه وتعالى على العرش) قال الله تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] . وقال في آية أخرى: وسع كرسيه السماوات والأرض [البقرة: 255] وقال: لعلي حكيم [الزخرف: 4] . وقال تعالى: سبح اسم ربك الأعلى [الأعلى: 1] قال أهل السنة: الله فوق السماوات لا يعلوه خلق من خلقه ومن الدليل على ذلك أن الخلق يشيرون إلى السماء بأصابعهم ويدعونه ويرفعون إليه رءوسهم وأبصارهم وقال عز وجل: وهو القاهر فوق عباده [الأنعام: 18] وقال تعالى: أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور - أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير [الملك: 16 - 17] والدليل على ذلك الآيات التي فيها ذكر نزول الوحي. فصل في بيان أن العرش فوق السماوات وأن الله سبحانه وتعالى فوق العرش ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الذي في البخاري: لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش quot; إن رحمتي غلبت غضبي وبسط الاستدلال على ذلك بالسنة ثم قال: قال علماء السنة: إن الله عز وجل على عرشه بائن من خلقه وقالت المعتزلة: هو بذاته في كل مكان.(2\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "149",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2181",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: وقالت الأشعرية: الاستواء عائد إلى العرش قال: ولو كان كما قالوا لكانت القراءة برفع العرش فلما كانت بخفض العرش دل على أنه عائد إلى الله سبحانه وتعالى قال: وقال بعضهم: استوى بمعنى استولى قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف أو دم مهراق والاستيلاء لا يوصف به إلا من قدر على الشيء بعد العجز عنه والله تعالى لم يزل قادرا على الأشياء ومستوليا عليها ألا ترى أنه لا يوصف بشر بالاستيلاء على العراق إلا وهو عاجز عنه قبل ذلك ثم حكى أبو القاسم عن ذي النون المصري أنه قيل له: ما أراد الله سبحانه بخلق العرش قال: أراد أن لا تتوه قلوب العارفين. قال: وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم [المجادلة: 7] قال: هو على العرش وعلمه في كل مكان ثم ساق الاحتجاج بالآثار إلى أن قال: وزعم هؤلاء أن معنى الرحمن على العرش استوى [طه: 5] أي ملكه وأنه لا اختصاص له بالعرش أكثر مما له بالأمكنة وهذا إلغاء لتخصيص العرش وتشريفه. (وقال أهل السنة) : خلق الله تعالى السماوات وكان عرشه مخلوقا قبل خلق السماوات والأرض ثم استوى على العرش بعد خلق السماوات والأرض على ما ورد به النص وليس معناه المماسة بل هو مستو على عرشه بلا كيف كما أخبر عن نفسه. قال: وزعم هؤلاء أنه لا يجوز الإشارة إلى الله سبحانه بالرءوس والأصابع إلى فوق فإن(2\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "150",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2182",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك يوجب التحديد وقد أجمع المسلمون أن الله سبحانه العلي الأعلى ونطق بذلك القرآن فزعم هؤلاء أن ذلك بمعنى علو الغلبة لا علو الذات وعند المسلمين أن لله عز وجل علو الغلبة. والعلو من سائر وجوه العلو ; لأن العلو صفة مدح فثبت أن لله تعالى علو الذات وعلو الصفات وعلو القهر والغلبة وفي منعهم الإشارة إلى الله سبحانه وتعالى من جهة الفوق خلاف منهم لسائر الملل ; لأن جماهير المسلمين وسائر الملل قد وقع منهم الإجماع على الإشارة إلى الله سبحانه وتعالى من جهة الفوق في الدعاء والسؤال واتفاقهم بأجمعهم على ذلك حجة ولم يستجز أحد الإشارة إليه من جهة الأسفل ولا من سائر الجهات سوى جهة الفوق وقال تعالى: يخافون ربهم من فوقهم [النحل: 50] وقال تعالى: إليه يصعد الكلم الطيب [فاطر: 10] . وقال تعالى: تعرج الملائكة والروح إليه [المعارج: 4] وأخبر تعالى عن فرعون أنه قال: ياهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب - أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى [غافر: 36 - 37] فكان فرعون قد فهم من موسى عليه الصلاة والسلام أنه يثبت إلها فوق السماء حتى رام بصرحه أن يطلع إليه واتهم موسى عليه الصلاة والسلام بالكذب في ذلك والجهمية لا تعلم أن الله فوقها بوجود ذاته فهم أعجز فهما من فرعون (بل وأضل)  وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سأل الجارية التي أراد مولاها عتقها أين الله قالت: في السماء وأشارت برأسها إلى السماء وقال: من أنا فقالت: أنت رسول الله فقال: أعتقها فإنها مؤمنة . فحكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإيمانها حين قالت: إن الله في السماء وحكم الجهمي بكفر من يقول ذلك. هذا كله كلام أبي القاسم التيمي رحمه الله تعالى.(2\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "151",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2183",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[قول الإمام أبي عمرو عثمان بن أبي الحسن بن الحسين الشهرزودي] (قول الإمام أبي عمرو عثمان بن أبي الحسن بن الحسين الشهرزودي الفقيه المحدث من أئمة أصحاب الشافعي من أقران البيهقي وأبي عثمان الصابوني وطبقتهما له كتاب في أصول الدين قال في أوله: الحمد لله الذي اصطفى الإسلام على الأديان وزين أهله بزينة الإيمان وجعل السنة عصمة أهل الهداية ومجانبتها أمارة أهل الغواية وأعز أهلها بالاستقامة ووصل عزهم بالقيامة وصلى الله على محمد وسلم وعلى آله أجمعين وبعد: فإن الله تعالى لما جعل الإسلام ركن الهدى والسنة سبب النجاة من الردى ولم يجعل من ابتغى غير الإسلام دينا هاديا ولا من انتحل غير السنة نحلة ناجيا جمعت أصول السنة الناجي أهلها التي لا يسع الجاهل نكرها ولا العالم جهلها ومن سلك غيرها من المسالك فهو في أودية البدع هالك إلى أن قال: ودعاني إلى جمع هذا المختصر في اعتقاد أهل السنة على مذهب الشافعي وأصحاب الحديث ; إذ هم أمراء العلم وأئمة الإسلام قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم تكون البدع في آخر الزمان (محنة) فإذا كان ذلك فمن كان عنده علم فليظهره فإن كاتم العلم يومئذ ككاتم ما أنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم . ثم ساق الكلام في الصفات إلى أن قال: (فصل) ومن صفاته تبارك وتعالى فوقيته واستواؤه على عرشه بذاته كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بلا كيف بدليل قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] وقوله تعالى: ثم استوى على العرش الرحمن [الفرقان: 59] وقوله تعالى(2\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "152",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2184",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في خمس مواضع: ثم استوى على العرش [الأعراف: 54] وقوله تعالى في قصة عيسى عليه السلام: ورافعك إلي [آل عمران: 55] وساق آيات العلو ثم قال: وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف لم يختلفوا في أن الله سبحانه مستو على عرشه وعرشه فوق سبع سماوات ثم ذكر كلام عبد الله بن المبارك: نعرف ربنا بأنه فوق سبع سماواته على عرشه بائن من خلقه وساق قول ابن خزيمة: ومن لم يقر بأن الله تعالى على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته فهو كافر بإسناده من كتاب معرفة علوم الحديث ومن كتاب تاريخ نيسابور للحاكم. ثم قال: وإمامنا في الأصول والفروع أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى ورضي عنه احتج في كتابه المبسوط على المخالف في مسألة إعتاق الرقبة المؤمنة في الكفارة وأن الرقبة الكافرة لا يصح التكفير بها بخبر معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه أنه أراد أن يعتق الجارية السوداء عن الكفارة وسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن إعتاقه إياها فامتحنها صلى الله عليه وسلم ليعرف أنها مؤمنة أم لا فقال لها: أين ربك فأشارت إلى السماء إذ كانت أعجمية فقال لها: من أنا فأشارت إليه وإلى السماء تعني: أنك رسول الله الذي في السماء فقال: أعتقها فإنها مؤمنة . فحكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإسلامها وإيمانها لما أقرت بأن ربها في السماء وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية هذا لفظه.(2\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "153",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2185",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[قول إمام الشافعية في وقته الإمام أبي بكر محمد بن محمود بن سورة التميمي] (قول إمام الشافعية في وقته) : الإمام أبي بكر (محمد) بن محمود بن سورة التميمي فقيه نيسابور رحمه الله تعالى قال الحافظ عبد القادر الرهاوي: أخبرنا أبو العلاء الحسن (بن الحسين) أحمد الحافظ الهمداني قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي الحافظ قال: سمعت الشيخ الفقيه أبا بكر محمد بن محمود بن سورة التميمي النيسابوري يقول: لا أصلي خلف من ينكر الصفات ولا خلف من يقول بقول أهل الفساد ولا خلف من لم يثبت القرآن في المصحف ولا يثبت النبوة قبل الماء والطين إلى يوم الدين ولا يقر بأن الله تعالى فوق عرشه بائن من خلقه قال أبو جعفر: وسمعته يقول للشيخ أبي المظفر السمعاني بنيسابور: إن أردت أن يكون لك درجة الإيمان في الدنيا والآخرة فعليك بمذهب السلف الصالح وإياك أن تداهن في ثلاث: مسألة القرآن ومسألة النبوة ومسألة استواء الرحمن على العرش باستدلال النص من القرآن والسنة المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم حكاه الحافظ أبو منصور عبد الله بن محمد بن الوليد في كتاب إثبات العلو له.  [قول شيخ الإسلام الأنصاري] (قول شيخ الإسلام الأنصاري) : قلت: ونظير هذه المسائل الثلاث ما حكاه أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي قال: سمعت أحمد بن أميرجة القلانسي خادم شيخ الإسلام(2\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "154",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2186",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأنصاري يقول: حضرت مع شيخ الإسلام عند الوزير أبي علي الحسن بن علي الطوسي - نظام الملك - وكان أصحابه كلفوه الخروج إليه وذلك بعد المحنة ورجوعه من بلخ فلما دخل عليه أكرمه وبجله وكان في العسكر أئمة (من) الفريقين فاتفقوا جميعا على أن يسألوه عن مسألة بين يدي الوزير يعنتونه بها فإن أجاب بما يجيب بهراة سقط من عين الوزير وإن لم يجب سقط من عيون أصحابه وأهل مذهبه فلما دخل واستقر به المجلس انتدب له رجل من الجماعة فقال: يأذن الشيخ الإمام في أن أسأل مسألة فقال: سل فقال: لم تلعن أبا الحسن الأشعري فسكت وأطرق الوزير لما علم من جوابه فلما كان بعد ساعة قال له الوزير: أجبه فقال: أنا لا ألعن الأشعري وإنما ألعن من لم يعتقد أن الله في السماء وأن القرآن في المصحف وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اليوم نبي ثم قام وانصرف فلم يكن أحد أن يتكلم بكلمة من هيبته وصولته وصلابته. فقال الوزير للسائل ومن معه: هذا أردتم كنا نسمع أنه يذكر هذا بهراة فاجتهدتم حتى سمعناه بآذاننا وما عسى أن أفعل به ثم بعث خلفه خلعا وصلة فلم يقبلها وخرج من فوره إلى هراة. وهذا القول في النبوة بناء على أصل الجهمية وأفراخهم: أن الروح عرض من أعراض البدن كالحياة وصفات الحي مشروطة بها فإذا زالت بالموت تبعتها صفاته فزالت بزوالها ولجأ متأخروهم من هذا الإلزام وفروا إلى القول بحياة الأنبياء عليهم السلام في قبورهم فجعلوا لهم معادا يختص بهم قبل المعاد الأكبر إذ لم(2\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "155",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2187",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يمكنهم التصريح بأنهم لم يذوقوا الموت. وقد أشبعنا الكلام على هذه المسألة واستيفاء الاحتجاج لهم وبيان ما في ذلك في كتاب الشافية والكافية في الانتصار للفرقة الناجية.  [قول أبي الحسين العمراني] (قول أبي الحسين) العمراني - صاحب البيان - فقيه الشافعية ببلاد اليمن رحمه الله تعالى له كتاب لطيف في السنة على مذهب أهل الحديث صرح فيه بمسألة الفوقية والعلو والاستواء حقيقة وتكلم الله عز وجل بهذا القرآن العربي المسموع بالآذان حقيقة وأن جبرائيل عليه الصلاة والسلام سمعه من الله سبحانه حقيقة وصرح فيه بإثبات الصفات الخبرية واحتج لذلك ونصره وصرح بمخالفة الجهمية والنفاة.  [ذكر أقوال جماعة من أتباع الأئمة الأربعة ممن يقتدى بأقوالهم سوى من تقدم] [قول أبي بكر محمد بن موهب المالكي] ذكر أقوال جماعة من أتباع الأئمة الأربعة ممن يقتدى بأقوالهم سوى من تقدم (قول أبي بكر محمد بن موهب المالكي) شارح رسالة ابن أبي زيد رحمة الله عليهما قد تقدم ذكره عند ذكر أصحاب مالك رحمه الله وحكينا بعض كلامه في شرحه ونحن نسوقه بعبارته قال: وأما قوله إنه فوق عرشه المجيد بذاته فإن معنى فوق وعلا عند جميع العرب(2\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "156",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2188",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحد وفي كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم تصديق ذلك ثم ساق الآيات في إثبات العلو وحديث الجارية إلى أن قال: وقد تأتي (في) في لغة العرب بمعنى فوق وعلى ذلك قوله تعالى: فامشوا في مناكبها [الملك: 15] يريد فوقها وعليها وكذلك قوله تعالى ولأصلبنكم في جذوع النخل [طه: 71] يريد عليها وقال تعالى: أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض [الملك: 16] الآيات قال (أهل) التأويل العالمون بلغة العرب يريد فوقها وهو قول مالك مما فهم عن جماعة ممن أدرك من التابعين مما فهموه عن الصحابة رضي الله عنهم مما فهموه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أن الله) في السماء بمعنى: فوقها وعليها فلذلك قال الشيخ أبو محمد إنه فوق عرشه المجيد بذاته ثم إنه بين أن علوه على عرشه إنما هو بذاته ; لأنه بائن عن جميع خلقه بلا كيف وهو في كل مكان من الأمكنة المخلوقة بعلمه لا بذاته ; إذ لا تحويه الأماكن ; لأنه أعظم منها وقد كان ولا مكان ولم يحل بصفاته عما كان ; إذ لا تجري عليه الأحوال لكن علوه في استوائه على عرشه هو عندنا بخلاف ما كان قبل أن يستوي على العرش ; لأنه قال: ثم استوى على العرش [الأعراف: 54] وثم أبدا لا تكون إلا لاستئناف فعل يكون بينه وبين ما قبله فسحة إلى أن قال: وقوله: على العرش استوى [طه: 5] فإنما معناه عند أهل السنة على غير الاستيلاء والقهر والغلبة والملك الذي ظنت المعتزلة ومن قال بقولهم إنه(2\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "157",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2189",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بمعنى الاستيلاء وبعضهم يقول: إنه على المجاز دون الحقيقة قال: ويبين سوء تأويلهم في استوائه على عرشه على غير ما تأولوه من الاستيلاء وغيره ما قد علمه أهل المعقول أنه لم يزل مستوليا على جميع مخلوقاته بعد اختراعه لها وكان العرش وغيره في ذلك سواء فلا معنى لتأويلهم بإفراد العرش بالاستواء الذي هو في تأويلهم الفاسد استيلاء وملك وقهر وغلبة قال: وكذلك بين أيضا أنه على الحقيقة بقوله عز وجل: ومن أصدق من الله قيلا [النساء: 122] فلما رأى المنصفون إفراد ذكره بالاستواء على عرشه بعد خلق سماواته وأرضه وتخصيصه بصفة الاستواء علموا أن الاستواء هنا غير الاستيلاء ونحوه فأقروا بصفة الاستواء على عرشه وأنه على الحقيقة لا على المجاز ; لأنه الصادق في قيله ووقفوا عن تكييف ذلك وتمثيله ; إذ ليس كمثله شيء من الأشياء وقد تقدم قول القاضي عبد الوهاب إمام المالكية بالعراق أن الاستواء استواء الذات على العرش وأنه قول أبي الطيب الأشعري حكاه عنه عبد الوهاب نصا وأنه قول أبي الحسن الأشعري نفسه صرح به في بعض كتبه وأنه قول الخطابي وغيره من(2\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "158",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2190",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفقهاء والمحدثين ذكر ذلك كله الإمام أبو بكر الحضرمي في رسالته التي سماها بالإيماء إلى مسألة الاستواء فمن أراد الوقوف عليها فليقرأها وقد تقدم قول أبي عمر بن عبد البر (وعلماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم [المجادلة: 7] : أنه على العرش وعلمه في كل مكان وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله)  وأهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة وأما أهل البدع من الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها مشبه وهم عند من أقر بها نافون للمعبود والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وهم أئمة الجماعة.  [قول شيخ الإسلام موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد المقدسي] الذي اتفقت الطوائف على قبوله وتعظيمه وإمامته خلا جهمي أو معطل قال في كتاب إثبات صفة العلو: أما بعد: فإن الله تعالى وصف نفسه بالعلو في السماء ووصفه بذلك رسوله خاتم(2\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "159",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2191",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأنبياء عليه الصلاة والسلام وأجمع على ذلك جميع العلماء من الصحابة الأتقياء والأئمة من الفقهاء وتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين وجمع الله عز وجل عليه قلوب المسلمين وجعله مغروزا في طبائع الخلق أجمعين فتراهم عند نزول الكرب بهم يلحظون إلى السماء بأعينهم ويرفعون نحوها للدعاء أيديهم وينتظرون مجيء الفرج من ربهم سبحانه وينطقون بذلك بألسنتهم لا ينكر ذلك إلا مبتدع غال في بدعته أو مفتون بتقليده واتباعه في ضلالته وقال في عقيدته: ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينزل ربنا إلى السماء الدنيا  وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لله أفرح بتوبة عبده  وقوله صلى الله عليه وآله وسلم ( يعجب ربك ) إلى أن قال فهذا وما أشبه مما صح سنده وعدلت روايته نؤمن به ولا نرده ولا نجحده ولا نعتقد فيه تشبيهه بصفات المخلوقين ولا سمات المحدثين (بل نؤمن بلفظه ونترك التعرض لمعناه قراءته تفسيره) ومن ذلك قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] وقوله تعالى: أأمنتم من في السماء [الملك: 16] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ربنا الله الذي في السماء وقوله للجارية: أين الله قالت: في السماء قال أعتقها إنها مؤمنة رواه مالك(2\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "160",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2192",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بن أنس وغيره من الأئمة وروى أبو داود في سننه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن ما بين سماء إلى سماء مسيرة كذا وكذا وذكر الحديث إلى أن قال: وفوق ذلك العرش والله تعالى فوق ذلك  نؤمن بذلك ونتلقاه بالقبول من غير رد ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تأويل ولا نتعرض له بكيف. ولما سئل مالك بن أنس رضي الله عنه فقيل له يا أبا عبد الله الرحمن على العرش استوى [طه: 5] كيف استوى فقال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ثم أمر بالرجل فأخرج.  [قول إمام الشافعية في وقته أبي حامد أحمد الإسفراييني] (قول إمام الشافعية في وقته) : - بل هو الشافعي الثاني - أبي حامد أحمد الإسفراييني رحمه الله تعالى كان من كبار أئمة السنة المثبتين للصفات قال: مذهبي ومذهب الشافعي رحمه الله تعالى وجميع علماء الأمصار أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر وأن جبرائيل عليه السلام سمعه من الله عز وجل (وحمله إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم) وسمعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جبرائيل عليه السلام وسمعه الصحابة رضي الله عنهم من محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأن كل حرف منه كالباء والتاء كلام الله عز وجل ليس بمخلوق ذكره في كتابه في أصول الفقه ذكره عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب في الأجوبة المصرية قال شيخنا رحمه الله: وكان الشيخ أبو حامد يصرح بمخالفة القاضي أبي بكر بن الطيب في مسألة القرآن.(2\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "161",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2193",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[قول إمام الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة] (قول إمام الأئمة: أبو بكر) محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام السنة قال شيخ الإسلام الأنصاري: سمعت يحيى بن عمار يقول: أنبأنا محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: حدثنا جدي إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة قال: نحن نؤمن بخبر الله سبحانه أن خالقنا مستو على عرشه لا نبدل كلام الله ولا نقول غير الذي قيل لنا كما قالت الجهمية المعطلة أنه استولى على عرشه لا استوى فبدلوا قولا غير الذي قيل لهم. وقال في كتاب التوحيد باب ذكر استواء خالقنا العلي الأعلى الفعال لما يشاء على عرشه وكان فوق كل شيء عاليا ثم ساق الأدلة على ذلك من القرآن والسنة ثم قال: باب الدليل على أن الإقرار بأن الله فوق السماء من الإيمان ثم ساق حديث الجارية ثم قال: باب ذكر أخبار ثابتة السند صحيحة القوام رواها علماء الحجاز والعراق عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نزول الرب سبحانه وتعالى إلى سماء الدنيا كل ليلة ثم قال: نشهد شهادة مقر بلسانه مصدق بقلبه بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب تبارك وتعالى من غير أن نصف الكيفية ثم ساق الأحاديث ثم قال: باب كلام الله تعالى لكليمه موسى عليه الصلاة والسلام ثم ساق الأدلة على ذلك ثم قال: باب صفة تكلم الله تعالى بالوحي وشدة خوف السماوات منه وذكر صعقة أهل السماوات وسجودهم ثم قال: باب بيان أن الله سبحانه يكلم عباده يوم القيامة من غير ترجمان يكون بين الله تعالى وبين عباده ثم ذكر الأحاديث في ذلك ثم قال: باب ذكر بيان الفرق بين كلام الله تعالى الذي به يكون خلقه وبين خلقه الذي يكون بكلامه ثم قال باب ذكر بيان أن الله تعالى ينظر إليه جميع المؤمنين يوم القيامة برهم وفاجرهم وإن رغمت أنوف الجهمية المعطلة(2\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "162",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2194",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المنكرة لصفات الله سبحانه وتعالى. وكتابه في السنة كتاب جليل قال أبو عبد الله الحاكم في علوم الحديث له وفي كتاب تاريخ نيسابور سمعت محمد بن صالح بن هانئ يقول: سمعت إمام الأئمة أبا بكر بن خزيمة يقول: من لم يقر بأن الله على عرشه استوى فوق سبع سماواته وأنه بائن من خلقه فهو كافر يستتاب. فإن تاب وإلا ضربت عنقه وألقي على مزبلة لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة وأهل الذمة توفي الإمام ابن خزيمة سنة اثنتي عشر وثلاثمائة ذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء أخذ الفقه عن المزني قال المزني: ابن خزيمة هو أعلم بالحديث مني ولم يكن في وقته مثله في العلم بالحديث والفقه جميعا. وقال - في كتابه - فمن ينكر رؤية الله تعالى في الآخرة فهو عند المؤمنين شر من اليهود والنصارى والمجوس وليسوا بمؤمنين عند جميع المؤمنين.  [قول الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري] (قول الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري) : الإمام في الفقه والتفسير والحديث والتاريخ واللغة والنحو والقرآن. قال في كتاب صريح السنة: وحسب امرئ أن يعلم أن ربه هو الذي على العرش استوى فمن تجاوز إلى غير ذلك فقد خاب وخسر وقال في تفسيره الكبير في قوله تعالى: ثم استوى على العرش [الأعراف: 54] قال: علا وارتفع وقال في قوله تعالى: ثم استوى إلى السماء [البقرة: 29] . عن الربيع بن أنس أنه يعني: ارتفع وقال في قوله تعالى: عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا [الإسراء: 79] قال يجلسه معه على العرش وقال في قوله عز وجل: وقال فرعون ياهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب - أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا [غافر: 36 - 37](2\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "163",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2195",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقول: وإني لأظن موسى كاذبا فيما يقول ويدعي أن له ربا في السماء أرسله إلينا. وقال في كتاب التبصير في معالم الدين: له القول فيما أدرك علمه من الصفات خبرا وذلك نحو إخباره أنه سميع بصير وأن له يدين بقوله: بل يداه مبسوطتان [المائدة: 64] وأن له وجها بقوله تعالى: ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام [الرحمن: 27] وأن له قدما بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: حتى يضع رب العزة فيها قدمه وأنه يضحك لقوله لقي الله وهو يضحك إليه. وأنه يهبط إلى سماء الدنيا لخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك. وأن له أصبعا بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن فإن هذه المعاني التي وصفت ونظائرها مما وصف الله بها نفسه ورسوله مما لا يثبت حقيقة علمه بالفكر والروية لا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهائها إليه ذكر هذا الكلام عنه أبو يعلى في كتاب إبطال التأويل قال الخطيب: كان ابن جرير(2\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "164",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2196",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحد العلماء يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره وكان عارفا بالقرآن بصيرا بالمعاني فقيها في أحكام القرآن عالما بالسنن وطرقها وصحيحها وسقيمها وناسخها ومنسوخها عارفا بأقوال الصحابة والتابعين في الأحكام ومسائل الحلال والحرام قال أبو حامد الإسفراييني: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل له كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن كثيرا وقال ابن خزيمة ما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير وقال الخطيب: سمعت علي بن عبد الله اللغوي يحكي أن محمد بن جرير مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة قلت: وكان له مذهب مستقل وله أصحاب عدة منهم: أبو الفرج المعافا بن زكريا. ومن أراد معرفة أقوال الصحابة والتابعين في هذا الباب فليطالع ما قاله عنهم في تفسير قوله تعالى: فلما تجلى ربه للجبل [الأعراف: 143] وقوله: تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن [الشورى: 5] وقوله: ثم استوى على العرش [الأعراف: 54] ليتبين له أي الفريقين أولى بالله ورسوله الجهمية المعطلة أو أهل السنة والإثبات والله المستعان.(2\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "165",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2197",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[قول إمام الشافعية في وقته سعد بن علي الزنجاني صرح بالفوقية بالذات] فقال: وهو فوق عرشه بوجود ذاته. هذا لفظه وهو إمام في السنة له قصيدة فيها معروفة أولها: تمسك بحبل الله واتبع الأثر ... ودع عنك رأيا لا يلائمه خبر وقال في شرح هذه القصيدة: والصواب عند أهل الحق أن الله تعالى خلق السماوات والأرض وكان عرشه على الماء مخلوقا قبل خلق السماوات والأرض ثم استوى على العرش بعد خلق السماوات والأرض على ما ورد به النص ونطق به القرآن وليس معنى استوائه أنه ملكه واستولى عليه لأنه كان مستوليا عليه قبل ذلك وهو أحدثه لأنه مالك جميع الخلائق ومستول عليها وليس معنى الاستواء أيضا أنه ماس العرش أو اعتمد عليه أو طابقه فإن كل ذلك ممتنع في وصفه جل ذكره ولكنه مستو بذاته على عرشه بلا كيف كما أخبر عن نفسه وقد أجمع المسلمون على أن الله هو العلي الأعلى ونطق بذلك القرآن بقوله تعالى: سبح اسم ربك الأعلى [الأعلى: 1] وأن لله علو الغلبة والعلو الأعلى من سائر وجوه العلو لأن العلو صفة مدح عند كل عاقل فثبت بذلك أن لله علو الذات وعلو الصفات وعلو القهر والغلبة. وجماهير المسلمين وسائر الملل قد وقع منهم الإجماع على الإشارة إلى الله جل ثناؤه من جهة الفوق في الدعاء والسؤال فاتفاقهم بأجمعهم على الإشارة إلى الله سبحانه من جهة الفوق حجة ولم يستجز أحد الإشارة إليه من جهة الأسفل ولا من سائر الجهات سوى جهة الفوق وقال تعالى: يخافون ربهم من فوقهم [النحل: 50]  وقال تعالى: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر: 10] وقال تعالى: تعرج الملائكة والروح إليه [المعارج: 4] وأخبر عن فرعون أنه قال:(2\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "166",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2198",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ياهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب - أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا [غافر: 36 - 37] وكان فرعون قد فهم عن موسى أنه يثبت إلها فوق السماء حتى رام بصرحه أن يطلع إليه واتهم موسى بالكذب في ذلك ومخالفنا ليس يعلم أن الله فوقه بوجود ذاته فهو أعجز فهما من فرعون. وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه سأل الجارية التي أراد مولاها عتقها أين الله قالت: في السماء وأشارت برأسها وقال من أنا قالت: أنت رسول الله فقال: أعتقها فإنها مؤمنة فحكم النبي صلى الله عليه وسلم بإيمانها حين قالت: إن الله في السماء وقال الله عز وجل: ثم استوى على العرش [الأعراف: 54] وقال تعالى يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه [السجدة: 5] وذكر النبي صلى الله عليه وسلم ما بين كل سماء إلى سماء وما بين السماء السابعة وبين العرش ثم قال الله فوق ذلك وله أجوبة سئل عنها في السنة فأجاب عنها بأجوبة أئمة السنة وصدرها بجواب إمام وقته أبي العباس بن سريج.  [قول الإمام أبي القاسم الطبري اللالكائي] (قول الإمام أبي القاسم الطبري اللالكائي) : أحد أئمة أصحاب الشافعي رحمه الله تعالى في كتاب السنة وهو من أجل الكتب. سياق ما جاء في قوله عز وجل: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] وأن الله عز وجل على عرشه في السماء ثم ذكر قول من هذا قوله من الصحابة(2\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "167",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2199",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتابعين والأئمة قال: وهو قول عمر وعبد الله ابن مسعود وأحمد بن حنبل وعد جماعة يطول ذكرهم ثم ساق الآثار في ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وعائشة وابن عباس وأبي هريرة وعبد الله بن عمر وغيرهم.  [قول الإمام محيي السنة الحسين بن مسعود البغوي قدس الله روحه] قال في تفسيره الذي هو شجى في حلوق الجهمية والمعطلة في سورة الأعراف في قوله تعالى: ثم استوى على العرش [الأعراف: 54] قال الكلبي ومقاتل: استقر وقال أبو عبيدة: صعد قال: وأولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء قال: وأما أهل السنة فيقولون: الاستواء على العرش صفة الله بلا كيف يجب على الرجل أن يؤمن بذلك ويكل العلم فيه إلى الله تعالى ثم حكى قول مالك: الاستواء غير مجهول. ومراد السلف بقولهم بلا كيف هو نفي التأويل فإنه التكييف الذي يزعمه أهل التأويل فإنهم هم الذين يثبتون كيفية تخالف الحقيقة فيقعون في ثلاثة محاذير: نفي الحقيقة وإثبات التكييف بالتأويل وتعطيل الرب تعالى عن صفته التي أثبتها لنفسه وأما أهل الإثبات فليس أحد منهم يكيف ما أثبته الله تعالى لنفسه ويقول: كيفية كذا وكذا حتى يكون قول السلف بلا كيف ردا عليه وإنما ردوا على أهل التأويل الذي يتضمن التحريف والتعطيل تحريف اللفظ وتعطيل معناه.(2\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "168",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2200",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في ذكر قول الإمام أحمد بن حنبل وأصحابه رحمه الله تعالى] قال الخلال في كتاب السنة: حدثنا يوسف بن موسى (قال) : أخبرنا عبد الله بن أحمد قال: قيل لأبي: ربنا تبارك وتعالى فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه وقدرته وعلمه بكل مكان قال: نعم لا يخلو شيء من علمه. قال الخلال: وأخبرني عبد الملك بن عبد الحميد الميموني قال: سألت أبا عبد الله أحمد عمن يقول: إن الله تعالى ليس على العرش فقال: كلامهم كله يدور على الكفر وروى أبو القاسم الطبري الشافعي في كتاب السنة له بإسناده عن حنبل قال: قيل لأبي عبد الله: ما معنى قوله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم [المجادلة: 7] وقوله تعالى: وهو معكم [الحديد: 4] قال: علمه محيط بالكل وربنا على العرش بلا حد ولا صفة وسع كرسيه السماوات والأرض وقال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عن رجل قال: إن الله معنا وتلا قوله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم [المجادلة: 7] قال: يأخذون بآخر الآية ويدعون أولها هلا قرأت عليه: ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات [المجادلة: 7] فعلمه(2\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "169",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2201",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معهم وقال في (ق) ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ق: 16] وقال المروزي: قلت لأبي عبد الله أن رجلا قال: أقول كما قال الله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم [المجادلة: 7] أقول: هذا ولا أجاوزه إلى غيره فقال أبو عبد الله هذا كلام الجهمية فقلت له: فكيف نقول ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم [المجادلة: 7] قال: علمه في كل مكان وعلمه معهم قال: أول الآية يدل على أنه علمه وقال في موضع آخر: وأن الله عز وجل على عرشه فوق السماء السابعة يعلم ما تحت الأرض السفلى وأنه غير مماس لشيء من خلقه هو تبارك وتعالى بائن من خلقه وخلقه بائنون منه. وقال في كتاب الرد على الجهمية الذي رواه عنه الخلال من طريق ابنه عبد الله قال: باب بيان ما نكرت الجهمية أن يكون الله تعالى على العرش قلنا لهم ما أنكرتم أن يكون الله تعالى على العرش وقد قال تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5]  فقالوا: هو تحت الأرض السابعة كما هو على العرش وفي السماوات والأرض وفي كل مكان وتلا: وهو الله في السماوات وفي الأرض [الأنعام: 3] قال أحمد: فقلنا قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظمة الرب شيء أجسامكم وأجوافكم والحشوش والأماكن القذرة ليست فيها من عظمة الرب تعالى شيء وقد أخبرنا الله عز وجل أنه في السماء فقال:(2\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "170",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2202",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء [الملك: 16] الآية. وقال: إليه يصعد الكلم الطيب [فاطر: 10] وقال: إني متوفيك ورافعك إلي [آل عمران: 55] بل رفعه الله إليه [النساء: 158]  يخافون ربهم من فوقهم [النحل: 50] . ذكر هذا الكتاب كله أبو بكر الخلال في كتاب السنة الذي جمع فيه نصوص أحمد وكلامه وعلى منواله جمع البيهقي في كتابه الذي سماه جامع النصوص من كلام الشافعي وهما كتابان جليلان لا يستغني عنهما عالم وخطبة كتاب أحمد بن حنبل: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل عليهم الصلاة والسلام بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله (الموتى) ويبصرون بنور الله تعالى أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من ضال تائه قد هدوه فما أحسن آثارهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تعالى تحريف الضالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب مجمعون على مخالفة الكتاب يقولون على الله تعالى وفي الله تعالى وفي كتاب الله تعالى بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون الجهال بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتن المضلين (ثم) قال: باب بيان ما ضلت فيه الجهمية الزنادقة من متشابه القرآن ثم تكلم على قوله تعالى: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها [النساء: 56] .(2\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "171",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2203",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: قالت الزنادقة: فما بال جلودهم التي قد عصت قد احترقت وأبدلهم الله جلودا غيرها فلا نرى إلا أن الله عز وجل يعذب جلودا بلا ذنب حين يقول: quot; جلودا غيرها [النساء: 56] quot; فشكوا في القرآن وزعموا أنه متناقض فقلنا: إن قول الله عز وجل بدلناهم جلودا غيرها [النساء: 56] ليس يعني جلودا أخرى غير جلودهم وإنما يعني بتبديلها تجديدها لأن جلودهم إذا نضجت جددها الله. ثم تكلم على آيات من مشكل القرآن ثم قال: وإن مما أنكرت الجهمية الضلال أن الله عز وجل على العرش استوى وقد قال تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] وقد قال تعالى: ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا [الفرقان: 59] ثم ساق أدلة القرآن ثم قال: ووجدنا كل شيء أسفل مذموما قال الله تعالى: إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار [النساء: 145] وقال تعالى: وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين [فصلت: 29] ثم قال: ومعنى قوله تعالى: وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون [الأنعام: 3] يقول: هو إله من في السماوات وإله من في الأرض وهو على العرش وقد أحاط علمه بما دون العرش لا يخلو من علمه مكان ولا يكون علم الله تعالى في مكان دون مكان وذلك من قوله: لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما [الطلاق: 12]  قال الإمام أحمد: ومن الاعتبار في ذلك لو أن رجلا كان في يده قدح من قوارير وفيه (شيء) كان نظر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح فالله سبحانه - وله المثل الأعلى - قد أحاط بجميع ما خلق وقد علم كيف هو وما هو من غير أن يكون في شيء مما خلق قال: وخصلة أخرى لو أن رجلا بنى دارا بجميع مرافقها ثم أغلق بابها كان لا يخفى عليه كم بيت في داره وكم سعة كل بيت من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار فالله سبحانه(2\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "172",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2204",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قد أحاط بجميع ما خلق وقد علم كيف هو وما هو وله المثل الأعلى وليس هو في شيء مما خلق. قال الإمام أحمد: ومما تأولت الجهمية من قول الله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم [المجادلة: 7] فقالوا: إن الله معنا وفينا فقلنا لهم: لم قطعتم الخبر من أوله إن الله تعالى يقول: ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا [المجادلة: 7] الآية يعني: علمه فيهم أينما كانوا: ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم [المجادلة: 7] ففتح الخبر بعلمه وختمه بعلمه قال الإمام أحمد: إن أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله سبحانه وتعالى حين زعم أنه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان فقل له: أليس كان الله ولا شيء فيقول: نعم فقل له: فحين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجا عن نفسه فإنه يصير إلى أحد ثلاثة أقاويل: إن زعم أن الله تعالى خلق الخلق في نفسه كفر حين زعم أن الجن والإنس والشياطين وإبليس في نفس الله (وإن قال: خلقهم خارجا من نفسه ثم دخل فيهم كفر أيضا حين زعم أنه دخل في كل مكان وحش وقذر)  وإن قال: خلقهم خارجا من نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله كله أجمع وهو قول أهل السنة قال أحمد: باب بيان ما ذكر في القرآن وهو معكم. وهذا على وجوه: قال الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام: إنني معكما أسمع وأرى [طه: 46] يقول: في الدفع عنكما وقال: ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا [التوبة: 40] يعني: في الدفع عنا وقال تعالى: والله مع الصابرين [البقرة: 249] يعني في النصرة لهم على عدوهم وقوله تعالى: وأنتم الأعلون والله معكم [محمد: 35] يعني: في النصرة لكم(2\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "173",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2205",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على عدوكم وقال تعالى: وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول [النساء: 108] (يعني) يقول: بعلمه فيهم وقوله تعالى: كلا إن معي ربي سيهدين [الشعراء: 62] يقول بالعون على فرعون فلما ظهرت الحجة على الجهمي بما ادعى على الله سبحانه أنه مع خلقه قال: هو في كل شيء غير مماس لشيء ولا مباينا له فقلنا له: فإذا كان غير مباين للبشر أهو مماس لهم قال: لا قلنا: فكيف يكون في كل شيء غير مماس لشيء ولا مباينا لشيء فلم يحسن الجواب. فقال: بلا كيف ليخدع الجهال بهذه الكلمة ويموه عليهم. ثم قلنا له: إذا كان يوم القيامة أليس إنما تكون الجنة والنار والعرش والهوى فقال: بلى فقلنا: أين يكون ربنا قال: يكون في كل شيء كما كان حيث كانت الدنيا. .)  قلنا: ففي مذهبكم أن (ما كان من الله تعالى في النار فهو في النار وما كان منه في الهوى فهو في الهوى فعند ذلك تبين للناس كذبهم على الله. قال الإمام أحمد: وقلنا للجهمية حين زعموا أن الله تعالى في كل مكان. . قلنا: أخبرونا عن قول الله تعالى: فلما تجلى ربه للجبل [الأعراف: 143]  أكان في الجبل بزعمكم فلو كان فيه كما تزعمون لم يكن تجلى لشيء هو فيه بل كان سبحانه على العرش فتجلى لشيء لم يكن فيه ورأى الجبل شيئا لم يكن رآه قط قبل ذلك. قال الإمام أحمد: وقلنا للجهمية: الله نور فقالوا: هو نور كله فقلنا لهم: قال الله عز وجل: وأشرقت الأرض بنور ربها فقد أخبر جل ثناؤه أن له نورا قلنا لهم: أخبرونا حين زعمتم أن الله سبحانه في كل مكان وهو نور فلم لا يضيء(2\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "174",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2206",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البيت المظلم بلا سراج وما بال السراج إذا دخل البيت المظلم يضيء فعند ذلك تبين للناس كذبهم على الله تعالى قال الإمام أحمد رحمه الله كان جهم وشيعته كذلك دعوا الناس إلى المتشابه من القرآن والحديث فضلوا وأضلوا بكلامهم بشرا كثيرا وكان فيما بلغنا أن الجهم عدو الله كان من أهل خراسان وكان صاحب خصومات وشر وكلام وكان أكثر كلامه في الله تعالى فلقي أناسا من الكفار يقال لهم: السمنية فعرفوا الجهم فقالوا له: نكلمك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك وكان فيما كلموا جهما قالوا: ألست تزعم أن لك إلها قال الجهم: نعم قالوا له: فهل رأت عينك إلهك قال: لا. قالوا: فهل سمعت كلامه قال: لا. قالوا: فهل شممت له رائحة قال: لا. قالوا: فهل وجدت له حسا قال: لا. قالوا: فهل وجدت له مجسا قال: لا. قالوا: فما يدريك أنه إله قال: فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يوما ثم أنه استدرك حجة من جنس حجج زنادقة النصارى (لعنهم الله) وذلك أن زنادقة النصارى لعنهم الله تعالى(2\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "175",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2207",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يزعمون أن الروح الذي في عيسى بن مريم روح الله من ذات الله فإذا أراد أن يحدث أمرا دخل في بعض خلقه فتكلم على لسانه فيأمر بما يشاء وينهى عما يشاء وهو روح غائب عن الأبصار فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة فقال للسمني: ألست تزعم أن فيك روحا قال: نعم. قال: فهل رأيت روحك قال: لا. قال فهل سمعت كلامه قال: لا. قال: فهل وجدت له مجسا أو حسا قال: لا. قال: فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت ولا يشم له رائحة وهو غائب عن الأبصار ولا يكون في مكان دون مكان ووجد ثلاث آيات في القرآن من المتشابه قوله تعالى: ليس كمثله شيء [الشورى: 11] وهو الله في السماوات وفي الأرض [الأنعام: 3] لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103] فبنى أصل كلامه على هؤلاء الآيات وتأول القرآن على غير تأويله وكذب أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم فزعم أن من وصف الله تعالى بشيء مما وصف به نفسه في كتاب أو حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان كافرا أو كان من المشبهة. فأضل بشرا كثيرا وتبعه على قوله رجال من أصحاب عمرو بن عبيد وأصحاب فلان ووضع دين الجهمية فإذا سألهم الناس عن قوله تعالى: ليس كمثله شيء [الشورى: 11] ما تفسيره يقولون: ليس كمثله شيء من الأشياء وهو تحت الأرض السابعة كما هو على العرش لا(2\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "176",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2208",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يخلو منه مكان ولا هو في مكان دون مكان ولا يتكلم ولا يكلم ولا ينظر إليه أحد لا في الدنيا ولا في الآخرة ولا يوصف ولا يعرف بصفة ولا يعقل ولا له غاية ولا منتهى ولا يدرك بعقل وهو وجه كله وهو علم كله وهو سمع كله وهو بصر كله وهو نور كله وهو قدرة كله لا يوصف بوصفين مختلفين وليس بمعلوم ولا معقول وكل ما يخطر بقلبك أنه شيء تعرفه فهو على خلافه فقلنا لهم فمن تعبدون قالوا: نعبد من يدبر أمر هذا الخلق. قلنا: فالذي يدبر أمر هذا الخلق مجهول لا يعرف بصفه قالوا: نعم. قلنا: قد عرف المسلمون أنكم لا تثبتون شيئا إنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون ثم قلنا لهم: هذا الذي يدبر هو الذي كلم موسى قالوا: لم يكلم ولا يتكلم لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة والجوارح منفية عن الله سبحانه وتعالى فإذا سمع الجاهل قولهم ظن أنهم من أشد الناس تعظيما لله سبحانه ولم يعلم أن كلامهم إنما يعود إلى ضلالة وكفر فلعنهم الله قال الخلال: كتبت هذا الكتاب من خط عبد الله وكتبه عبد الله من خط أبيه. واحتج القاضي أبو يعلى في كتابه (إبطال التأويل) بما نقله منه عن أحمد وذكر ابن عقيل في كتابه بعض ما فيه عن أحمد ونقل(2\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "177",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2209",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منه أصحابه قديما وحديثا ونقل منه البيهقي وعزاه إلى أحمد وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية عن أحمد ولم يسمع من أحد من متقدمي أصحابه ولا متأخريهم طعن فيه فإن قيل: هذا الكتاب يرويه أبو بكر عبد العزيز غلام الخلال عن الخلال عن الخضر بن المثنى عن عبد الله بن أحمد عن أبيه وهؤلاء كلهم أئمة معروفون إلا الخضر بن المثنى فإنه مجهول. فكيف تثبتون هذا الكتاب عن أحمد برواية مجهولة فالجواب من وجوه: أحدها: أن الخضر هذا قد عرفه الخلال وروى عنه كما روى كلام أبي عبد الله عن أصحابه وأصحاب أصحابه ولا يضر جهالة غيره له. الثاني: أن الخلال قد قال كتبته من خط عبد الله بن أحمد وكتبه عبد الله من خط أبيه والظاهر أن الخلال إنما رواه عن الخضر لأنه أحب أن يكون متصل السند على طريق أهل النقل وضم ذلك إلى الوجادة والخضر كان صغيرا حين سمعه من عبد الله ولم يكن من المعمرين المشهورين بالعلم ولا هو من الشيوخ وقد روى الخلال عنه غير هذا في جامعه فقال في كتاب الأدب من الجامع: دفع إلي الخضر بن المثنى بخط عبد الله بن أحمد أجاز لي أن أروي عنه قال الخضر: حدثنا مهنا قال: سألت أحمد بن حنبل عن الرجل يبزق عن يمينه في الصلاة (وفي غير الصلاة) فقال يكره أن يبزق الرجل عن يمينه (في الصلاة وفي غير الصلاة فقلت له: لم يكره أن يبزق الرجل عن يمينه) في غير الصلاة قال: أليس عن يمينه الملك فقلت: وعن(2\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "178",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2210",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يساره أيضا ملك فقال: الذي عن يمينه يكتب الحسنات والذي عن يساره يكتب السيئات. (قال الخلال) : وأخبرنا الخضر بن المثنى الكندي قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال: قال أبي لا بأس بأكل ذبيحة المرتد إذا كان ارتداده إلى يهودية أو نصرانية ولم يكن إلى مجوسية قلت: والمشهور في مذهبه خلاف هذه الرواية وأن ذبيحة المرتد حرام رواها عنه جمهور أصحابه ولم يذكر أكثر أصحابه غيرها. ومما يدل على صحة هذا الكتاب ما ذكره القاضي أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى فقال: قرأت في كتاب أبي جعفر محمد بن أحمد بن صالح بن أحمد بن حنبل قال: قرأت على أبي صالح بن أحمد هذا الكتاب وقال: هذا كتاب عمله أبي في(2\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "179",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2211",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مجلسه ردا على من احتج بظاهر القرآن وترك ما فسره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما يلزم اتباعه. (وقال الخلال) في كتاب السنة: أخبرني عبيد الله بن حنبل أخبرني أبي حنبل بن إسحاق قال: قال عمي: يعني: أحمد بن حنبل نحن نؤمن أن الله تعالى على العرش استوى كيف شاء وكما يشاء بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد فصفات الله له ومنه وهو كما وصف نفسه لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية وهو يدرك الأبصار وهو عالم الغيب والشهادة وعلام الغيوب. (قال الخلال) : وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلا حدثهم قال: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى أن الله سبحانه ينزل إلى سماء الدنيا وأن الله يرى وأن الله يضع قدمه وما أشبه هذه الأحاديث فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق بها. . . ولا نرد منها شيئا ونعلم أن ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حق إذا كانت بأسانيد صحاح ولا نرد على الله قوله ولا يوصف بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [الشورى: 11](2\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "180",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2212",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(وقال حنبل) في موضع آخر عن أحمد: ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف به نفسه قد أجمل الله تبارك وتعالى الصفة لنفسه فحد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء وصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف به نفسه. قال تعالى: وهو السميع البصير [الشورى: 11] فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير ولا يبلغ الواصفون صفته ولا نتعدى القرآن والحديث فنقول كما قال ونصفه بما وصف (به) نفسه ولا نتعدى ذلك ولا يبلغ صفته الواصفون. نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوة بعبده يوم القيامة ووضعه كنفه عليه فهذا كله يدل على أن الله سبحانه وتعالى يرى في الآخرة والتحديد في هذا كله بدعة والتسليم فيه لله بغير صفة ولا حد إلا ما وصف به نفسه سميع بصير لم يزل متكلما عالما غفورا عالم الغيب والشهادة علام الغيوب فهذه صفات وصف بها نفسه لا تدفع ولا ترد وهو على العرش بلا حد كما قال تعالى: ثم استوى على العرش [الأعراف: 54] كيف شاء المشيئة إليه والاستطاعة إليه ليس كمثله شيء وهو خالق كل شيء وهو كما (وصف نفسه) سميع بصير بلا حد ولا تقدير لا نتعدى القرآن والحديث. . . تعالى عما يقول الجهمية والمشبهة قلت (له) : والمشبه ما تقول قال: من قال: بصر كبصري ويد كيدي وقدم كقدمي فقد شبه الله سبحانه بخلقه. وكلام أحمد في(2\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "181",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2213",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا كثير فإنه امتحن بالجهمية وجميع المتقدمين من أصحابه على مثل منهاجه في ذلك وإن كان بعض المتأخرين منهم دخل في نوع من البدعة التي أنكرها الإمام أحمد ولكن الرعيل الأول من أصحابه كلهم وجميع أئمة الحديث قولهم قوله.  [أقوال أئمة أهل الحديث الذين رفع الله منازلهم في العالمين وجعل لهم لسان صدق في الآخرين] [ذكر قول إمامهم وشيخهم أبو هريرة رضي الله عنه] أقوال أئمة أهل الحديث الذين رفع الله منازلهم في العالمين وجعل لهم لسان صدق في الآخرين (ذكر قول إمامهم وشيخهم) : الذي روى له كل محدث: أبو هريرة رضي الله عنه روى الدارمي عنه في كتاب النقض بإسناد جيد قال: لما ألقي إبراهيم عليه الصلاة والسلام في النار قال: اللهم إنك في السماء واحد وأنا في الأرض واحد أعبدك.  [ذكر قول إمام الشام في وقته أبي عمر الأوزاعي رحمه الله تعالى] (ذكر قول إمام الشام في وقته) : أحد أئمة الدنيا الأربعة: أبي عمر الأوزاعي رحمه الله تعالى روى البيهقي عنه في الصفات أنه قال: كنا والتابعون متوافرين نقول: إن الله عز وجل فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته. وقد تقدم حكاية ذلك عنه.  [ذكر قول إمام أهل الدنيا في وقته عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى] (ذكر قول إمام (أهل) الدنيا في وقته) : عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى وقد صح عنه صحة(2\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "182",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2214",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قريبة من التواتر أنه قيل له بماذا نعرف ربنا قال: بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه ذكره البيهقي وقبله الحاكم وقبله عثمان الدارمي (وقد تقدم) .  [قول حماد بن زيد إمام وقته رحمه الله تعالى] (قول حماد بن زيد إمام وقته) : رحمه الله تعالى نقدم عنه قوله في الجهمية: إنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء شيء وكان من أشد الناس على الجهمية.  [قول يزيد بن هارون] (قول يزيد بن هارون) : رحمه الله تعالى قال عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب السنة: حدثنا عباس حدثنا شداد بن يحيى قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما تقرر في قلوب العامة فهو جهمي. قال شيخ الإسلام: والذي تقرر في قلوب العامة هو ما فطر الله تعالى عليه الخليقة من توجهها إلى ربها تعالى عند النوازل والشدائد والدعاء والرغبات إليه تعالى: نحو العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة من غير موقف وقفهم عليه (و) لكن quot; فطرة الله التي فطر الناس عليها [الروم: 30] quot; وما من مولود إلا وهو يولد على هذه الفطرة حتى يجهمه وينقله إلى التعطيل من يقيض له.  [قول عبد الرحمن بن مهدي] (قول عبد الرحمن بن مهدي) : رحمه الله روى عنه غير واحد بإسناد صحيح أنه قال: إن(2\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "183",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2215",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجهمية أرادوا أن ينفوا أن الله كلم موسى وأن يكون على العرش أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم قال علي بن المديني: لو حلفت لحلفت بين الركن والمقام أني ما رأيت أعلم من عبد الرحمن بن مهدي.  [قول سعيد بن عامر الضبعي] (قول سعيد بن عامر الضبعي) : إمام أهل البصرة على رأس المائتين رحمه الله تعالى روى ابن أبي حاتم عنه في كتاب السنة أنه ذكر عنده الجهمية فقال: هم شر قولا من اليهود والنصارى وقد أجمع أهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش وقالوا هم: ليس على العرش شيء.  [قول عباد بن العوام] (قول عباد بن العوام) : أحد أئمة الحديث بواسط رحمه الله تعالى قال: كلمت بشرا المريسي(2\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "184",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2216",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأصحابه فرأيت آخر كلامهم. . . يقولون: ليس في السماء شيء أرى والله أن لا يناكحوا ولا يوارثوا.  [قول عبد الله بن مسلمة القعنبي] (قول عبد الله بن مسلمة القعنبي) : شيخ البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى قال بيان بن أحمد: كنا عند القعنبي فسمع رجلا من الجهمية يقول: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] استولى. فقال القعنبي: من لا يوقن أن الرحمن على العرش استوى كما تقرر في قلوب العامة فهو جهمي قال البخاري: محمد بن إسماعيل رحمه الله تعالى في كتاب خلق أفعال العباد عن يزيد بن هارون مثله سواء وقد تقدم.  [قول علي بن عاصم شيخ الإمام أحمد رحمهما الله تعالى] (قول علي بن عاصم شيخ الإمام أحمد رحمهما الله تعالى) صح عنه أنه قال: ما الذين قالوا إن لله سبحانه ولدا أكفر من الذين قالوا إن الله سبحانه لم يتكلم وقال احذروا من المريسي وأصحابه فإن كلامهم الزندقة وأنا كلمت أستاذهم فلم يثبت أن في السماء إلها حكاه عنه غير واحد ممن صنف في السنة وقال يحيى بن علي بن عاصم كنت عند أبي فاستأذن(2\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "185",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2217",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه المريسي فقلت له: يا أبت مثل هذا يدخل عليك! فقال وماله: فقلت: إنه يقول: quot; إن القرآن مخلوق ويزعم أن الله معه في الأرض ذكرته فما رأيته اشتد عليه مثل ما اشتد عليه قوله: إن القرآن مخلوق وقوله: إن الله معه في الأرض ذكر هذين الأثرين عنه عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية.  [قول وهب بن جرير رحمه الله تعالى] (قول وهب بن جرير رحمه الله تعالى) : صح عنه أنه قال: إياكم ورأي جهم فإنهم يحاولون أن ليس في السماء شيء وما هو إلا من وحي إبليس وما هو إلا الكفر. حكاه محمد بن عثمان الحافظ في رسالته في السنة وقال البخاري رحمه الله تعالى في كتاب quot; خلق الأفعال quot; وقال وهب بن جرير الجهمية الزنادقة إنما يريدون أنه ليس على العرش استوى.  [قول عاصم بن علي أحد شيوخ النبيل] (قول عاصم بن علي أحد شيوخ النبيل) : شيخ البخاري وغيره أحد الأئمة الحفاظ الثقات حدث عن شعبة وابن أبي ذئب. والليث - رحمهم الله تعالى - قال الخطيب وجه(2\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "186",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2218",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعتصم من يحزر مجلسه في جامع الرصافة وكان عاصم يجلس على سطح الرحبة ويجلس الناس في الرحبة وما يليها فعظم الجمع مرة جدا حتى قال أربع عشرة مرة حدثنا الليث بن سعد والناس لا يسمعون لكثرتهم فحزر المجلس فكان عشرين ومائة ألف رجل قال يحيى بن معين فيه: هو سيد المسلمين قال عاصم: ناظرت جهميا فتبين من كلامه أنه لا يؤمن أن في السماء ربا قال شيخ الإسلام: كان الجهمية يدورون على ذلك ولم يكونوا يصرحون به لوفور السلف والأئمة وكثرة أهل السنة فلما بعد العهد وانقرض الأئمة صرح أتباعهم بما كان أولئك يشيرون إليه ويدورون حوله قال: وهكذا ظهرت البدع كلما طال الأمر وبعد العهد اشتد أمرها وتغلظت. قال: وأول بدعة ظهرت في الإسلام بدعة القدر والإرجاء ثم بدعة التشيع(2\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "187",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2219",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى أن انتهى الأمر إلى الاتحاد والحلول وأمثالهما.  [قول الإمام عبد العزيز بن يحيى الكناني] (قول الإمام عبد العزيز بن يحيى الكناني) : صاحب الشافعي رحمهما الله تعالى له كتاب في الرد على الجهمية قال فيه: باب قول الجهمي في قوله: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] زعمت الجهمية أن معنى استوى: استولى من قول العرب استوى فلان على مصر يريدون استولى عليها قال: فيقال له: هل يكون خلق من خلق الله أتت عليه مدة ليس بمستول عليه فإذا قال: لا. قيل له: فمن زعم ذلك فهو كافر. فيقال له: يلزمك أن تقول أن العرش أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه وذلك لأنه أخبر أنه سبحانه خلق العرش قبل السماوات والأرض(2\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "188",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2220",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم استوى عليه بعد خلقهن. . . فيلزمك أن تقول: المدة التي كان quot; على quot; العرش quot; فيها quot; قبل خلق السماوات والأرض ليس الله تعالى بمستول عليه فيها ثم ذكر كلاما طويلا في تقرير العلو والاحتجاج عليه.  [ذكر قول جرير بن عبد الحميد] (ذكر قول جرير بن عبد الحميد) شيخ إسحاق بن راهويه وغيره من الأئمة رحمهم الله تعالى قال: كلام الجهمية أوله عسل وآخره سم وإنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء إله رواه ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية.  [ذكر قول عبد الله بن الزبير الحميدي] (ذكر قول عبد الله بن الزبير الحميدي) : رحمه الله تعالى أحد شيوخ النبيل شيخ البخاري إمام أهل الحديث والفقه في وقته وهو أول رجل افتتح به البخاري صحيحه قال: وما نطق به القرآن والحديث مثل قوله تعالى: وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان [المائدة: 64] ومثل قوله تعالى: والسماوات مطويات بيمينه [الزمر: 67] وما أشبه هذا من القرآن والحديث لا نزيد فيه ولا نفسره ونقف على ما وقف عليه القرآن والسنة ونقول: الرحمن على العرش استوى [طه: 5]  ومن(2\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "189",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2221",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "زعم غير هذا فهو مبطل جهمي. وليس مقصود السلف بأن من أنكر لفظ القرآن يكون جهميا مبتدعا فإنه يكون كافرا زنديقا وإنما مقصودهم من أنكر معناه وحقيقته.  [قول نعيم بن حماد] (قول نعيم بن حماد) الخزاعي أحد شيوخ النبيل شيخ البخاري رحمهما الله تعالى قال في قوله: وهو معكم [الحديد: 4] معناه لا يخفى عليه خافية بعلمه ألا ترى إلى قوله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم [المجادلة: 7] أراد أن لا تخفى عليه خافية. قال البخاري: سمعته يقول: من شبه الله تعالى بخلقه فقد كفر ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس ما وصف الله تعالى به نفسه ولا رسوله صلى الله عليه وسلم تشبيها.  [قول عبد الله بن أبي جعفر الرازي] (قول عبد الله بن أبي جعفر الرازي) : رحمه الله تعالى قال صالح بن الضريس: جعل عبد الله بن أبي جعفر (الرزاي) يضرب قرابة له بالنعل على رأسه يرى رأي جهم ويقول: لا حتى تقول: الرحمن على العرش استوى بائن من خلقه ذكره عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية.(2\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "190",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2222",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[قول الحافظ أبي معمر القطيعي] (قول الحافظ أبي معمر القطيعي) : رحمه الله ذكر ابن أبي حاتم عنه أنه قال: آخر كلام الجهمي أنه ليس في السماء إله.  [قول بشر بن الوليد وأبي يوسف رحمهما الله تعالى] (قول بشر بن الوليد وأبي يوسف رحمهما الله تعالى) : روى ابن أبي حاتم قال: جاء بشر بن الوليد إلى أبي يوسف فقال له: تنهاني عن كلام وبشر المريسي وعلي الأحول وفلان يتكلمون فقال وما يقولون قال: يقولون إن الله في كل مكان. فبعث أبو يوسف وقال علي بهم فانتهوا إليهم وقد قام بشر فجيء بعلي الأحول والشيخ الآخر فنظر أبو يوسف إلى الشيخ وقال لو أن فيك موضع أدب لأوجعتك وأمر به إلى الحبس وضرب علي الأحول وطيف به وقد استتاب أبو يوسف بشرا المريسي لما أنكر أن الله فوق عرشه وهي قصة مشهورة ذكرها عبد الرحمن بن أبي حاتم وغيره وأصحاب أبي حنيفة المتقدمون على هذا قال محمد بن الحسن رحمه الله اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في صفات الرب عز وجل من(2\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "191",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2223",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه فمن فسر شيئا من ذلك فقد خرج عما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفارق الجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا ولكن آمنوا بما في الكتب والسنة ثم سكتوا فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة ; لأنه وصفه بصفة لا شيء. وقال محمد رحمه الله تعالى أيضا في الأحاديث التي جاءت أن الله تعالى يهبط إلى سماء الدنيا ونحو هذا هذه الأحاديث قد رواها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها ذكر ذلك (عنه) أبو القاسم اللالكائي وهذا تصريح منه بأن من قال بقول جهم فقد فارق جماعة المسلمين.  [قول الطحاوي رحمه الله] (قول الطحاوي رحمه الله) : (وقد) ذكر الطحاوي في اعتقاد أبي حنيفة وصاحبيه رحمهم الله تعالى ما يوافق هذا وأنهم أبرأ الناس من التعطيل والتجهم فقال في عقيدته المعروفة: وأنه تعالى محيط بكل شيء وفوقه وقد أعجز عن الإحاطة خلقه.  [قول سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى] (قول سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى) : ذكر الثعلبي عنه في تفسيره قال ابن عيينة:(2\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "192",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2224",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم استوى على العرش [الأعراف: 54] صعد.  [قول خالد بن سليمان أبي معاذ البلخي أحد الأئمة رحمه الله تعالى] (قول خالد بن سليمان أبي معاذ البلخي أحد الأئمة رحمه الله تعالى) : روى عبد الرحمن بن أبي حاتم عنه بإسناده قال: كان جهم على معبر ترمذ وكان فصيح اللسان لم يكن له علم ولا مجالسة أهل العلم فكلمه السمنية فقالوا: صف لنا ربك الذي تعبده فدخل البيت لا يخرج ثم خرج إليهم بعد أيام فقال: هو هذا الهوى مع كل شيء وفي كل شيء (و) لا يخلو منه شيء قال أبو معاذ كذب عدو الله إن الله في السماء على العرش كما وصف نفسه وهذا صحيح عنه وأول من عرف عنه في هذه الأمة إنكار أن يكون الله فوق سماواته على عرشه هو جهم بن صفوان وقبله الجعد بن درهم ولكن الجهم هو الذي دعا إلى هذه المقالة وقررها وعنه أخذت فروى ابن أبي حاتم وعبد الله بن أحمد في كتابيهما في السنة عن شجاع بن أبي نصر - أبي نعيم البلخي - وكان قد أدرك جهما قال: كان لجهم صاحب يكرمه ويقدمه(2\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "193",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2225",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على غيره فإذا هو قد وقع به فصيح به وبدر به وقيل له: لقد كان يكرمك فقال: إنه قد جاء منه ما لا يحتمل بينما هو يقرأ طه والمصحف في حجره فلما أتى على هذه الآية: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] قال: أما والله لو وجدت السبيل إلى أن أحكها من المصحف لفعلت فاحتملت هذه ثم أنه بينما هو يقرأ آية إذ قال: ما أظرف محمدا حين قالها ثم بينما هو يقرأ: (طسم) القصص والمصحف في حجره إذ مر بذكر موسى عليه الصلاة والسلام فدفع المصحف بيديه ورجليه وقال: أي شيء هذا ذكره هاهنا فلم يتم ذكره فهذا شيخ النافين لعلو الرب على عرشه ومباينته من خلقه. وذكر ابن أبي حاتم عنه بإسناده عن الأصمعي قال: قدمت امرأة جهم فقال رجل عندها: الله على عرشه. فقالت: محدود على محدود. قال الأصمعي: هي كافرة بهذه المقالة. فهذه المقالة إماماها هذا الرجل وامرأته وما أولاه بأن سيصلى نارا ذات لهب - وامرأته حمالة الحطب [المسد: 3 - 4] .(2\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "194",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2226",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[قول إسحاق بن راهويه إمام أهل المشرق نظير أحمد رحمهما الله تعالى] قال حرب بن إسماعيل الكرماني صاحب أحمد: قلت لإسحاق بن راهويه قول الله عز وجل: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم [المجادلة: 7] كيف تقول (فيه)  قال: حيث ما كنت فهو أقرب إليك من حبل الوريد وهو بائن من خلقه. . . ثم قال: وأعلى شيء في ذلك وأبينه قول الله عز وجل: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] . (وقال الخلال) في كتاب السنة: أخبرنا أبو بكر المروزي حدثنا محمد بن الصباح النيسابوري حدثنا سليمان بن داود الخفاف قال: قال إسحاق بن راهويه قال الله عز وجل: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى ويعلم كل شيء أسفل الأرض السابعة وفي قعور البحار. . . ورءوس الجبال وبطون الأودية وفي كل موضع كما يعلم ما في السماوات السبع وما دون العرش أحاط بكل شيء علما ولا تسقط من ورقة إلا(2\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "195",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2227",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعلمها ولا حبة في ظلمات البر والبحر إلا قد عرف ذلك كله وأحصاه لا يعجزه معرفة شيء عن معرفة غيره. وقال السراج: سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: دخلت يوما على طاهر بن عبد الله وعنده منصور بن طلحة فقال لي منصور: يا أبا يعقوب تقول: إن الله ينزل كل ليلة قلت له: ونؤمن به: إذ أنت لا تؤمن أن الله في السماء لا تحتاج أن تسألني فقال له طاهر ألم أنهك عن هذا الشيخ .  [ذكر قول حافظ الإسلام يحيى بن معين رحمه الله تعالى] روى ابن بطة عنه في الإبانة بإسناده قال: إذا قال لك الجهمي كيف ينزل فقل كيف(2\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "196",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2228",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يصعد .  [قول الإمام حافظ أهل المشرق وشيخ الأئمة عثمان بن سعيد الدارمي رحمه الله] قال فيه أبو الفضل بن الفرات quot; ما رأيت مثل عثمان بن سعيد ولا رأى عثمان مثل نفسه أخذ الأدب عن ابن الأعرابي والفقه عن البويطي والحديث عن يحيى بن معين وعلي بن المديني وأثنى عليه أهل العلم صاحب كتاب الرد على الجهمية والنقض على بشر المريسي قال في كتابه quot; النقض على بشر quot;: وقد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله تعالى فوق عرشه فوق سماواته وأنه لا ينزل قبل يوم القيامة إلى الأرض. . . ولم يشكوا أنه ينزل يوم القيامة ليفصل بين عباده ويحاسبهم ويثيبهم وتشقق السماوات يومئذ لنزوله وتنزل الملائكة تنزيلا ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية [الحاقة: 17] كما قال الله (به) سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم فلما لم يشك المسلمون أن الله لا ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة لشيء من أمور الدنيا علموا يقينا أن ما يأتي الناس من العقوبات إنما هو من أمره وعذابه فقوله: فأتى الله بنيانهم من القواعد [النحل: 26] إنما هو أمره وعذابه وقال في موضع آخر من هذا الكتاب وقد ذكر(2\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "197",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2229",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحلول: ويحك هذا المذهب أنزه لله تعالى من السوء أم مذهب من يقول هو بكماله وجماله وعظمته وبهائه فوق عرشه فوق سماواته وفوق جميع الخلائق في أعلى مكان وأظهر مكان حيث لا خلق هناك (من) إنس ولا جان. . . فأي الحزبين أعلم بالله وبمكانه وأشد تعظيما وإجلالا له. وقال في هذا الكتاب علمه بهم من فوق عرشه محيط وبصره فيهم نافذ وهو بكماله فوق عرشه والسماوات ومسافة ما بينهن وبينه وبين خلقه في الأرض فهو كذلك معهم رابعهم وخامسهم وسادسهم. . . وإنما يعرف فضل الربوبية وعظم القدرة بأن الله من فوق عرشه ومع بعد المسافة بينه وبين الأرض يعلم ما في الأرض وقال في موضع آخر من الكتاب: والقرآن كلام الله وصفة من صفاته خرج منه كما شاء أن يخرج والله بكلامه وعلمه وقدرته وسلطانه وجميع صفاته غير مخلوق وهو بكماله على عرشه وقال في موضع آخر وقد ذكر حديث البراء بن عازب رضي الله عنه الطويل في شأن الروح وقبضها ونعيمها وعذابها وفيه فيصعد بروحه حتى ينتهى بها إلى سماء الدنيا فيستفتح لها - إلى أن قال - حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين في السماء السابعة وأعيدوه إلى الأرض - وذكر الحديث - ثم قال: وفي قوله: لا تفتح لهم أبواب السماء [الأعراف: 40] دلالة ظاهرة أن الله تعالى فوق السماء لأنه لو لم يكن فوق السماء لما(2\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "198",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2230",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عرج بالأرواح والأعمال إلى السماء ولما غلقت أبواب السماء عن قوم وفتحت لآخرين. وقال في موضع آخر وقد بلغنا أن حملة العرش حين حملوا العرش وفوقه الجبار جل جلاله في عزته وبهائه ضعفوا عن حمله واستكانوا وجثوا على ركبهم حتى لقنوا لا حول ولا قوة إلا بالله فاستقلوا به بقدرة الله وإرادته ثم ساق بإسناده عن معاوية بن صالح: أول ما خلق الله حين كان عرشه على الماء حملة العرش فقالوا: ربنا لم خلقتنا فقال: خلقتكم لحمل عرشي فقالوا: ربنا ومن يقوى على حمل عرشك وعليه جلالك وعظمتك ووقارك فقال لهم: إني خلقتكم لذلك قال: فيقولون ذلك مرارا قال: فقال لهم: قولوا لا حول ولا قوة إلا بالله) . وقال في موضع آخر: ولكنا نقول رب عظيم وملك كبير نور السماوات والأرض وإله السماوات والأرض على عرش عظيم (مخلوق) فوق السماء السابعة دون ما سواها من الأماكن من لم يعرفه بذلك كان كافرا به وبعرشه. وقال في موضع آخر في حديث الحصين كم تعبد فلم ينكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الحصين إذ عرف أن إله العالمين في السماء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فحصين رضي الله عنه قبل إسلامه كان أعلم بالله الجليل من المريسي وأصحابه مع ما ينتحلون من الإسلام إذ ميز بين الإله الخالق الذي في السماء وبين الآلهة والأصنام المخلوقة التي في الأرض قال: وقد اتفقت الكلمة بين المسلمين والكافرين أن الله سبحانه في السماء وعرفوه بذلك إلا المريسي وأصحابه حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث. وقال في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للأمة أين الله تكذيب لمن يقول هو في كل مكان وأن الله لا يوصف بأين ; لأن شيئا لا(2\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "199",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2231",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يخلو منه مكان يستحيل أن يقال أين هو فالله فوق سماواته بائن من خلقه فمن لم يعرفه بذلك لم يعرف الإله الذي يعبده وكتاباه من أجل الكتب المصنفة في السنة وأنفعها وينبغي لكل طالب سنة مراده الوقوف على (ما كان) عليه الصحابة والتابعون والأئمة أن يقرأ كتابيه وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يوصي بهذين الكتابين أشد الوصية ويعظمهما جدا وفيهما من تقرير التوحيد والأسماء والصفات بالعقل والنقل ما ليس في غيرهما.  [قول قتيبة بن سعيد] (قول قتيبة بن سعيد) : الإمام الحافظ أحد أئمة الإسلام وحفاظ الحديث من شيوخ الأئمة الذين تجملوا بالحديث عنه قال أبو العباس السراج سمعت قتيبة بن سعيد يقول: هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة نعرف ربنا سبحانه بأنه في السماء السابعة على عرشه كما قال تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] وقال موسى بن هارون حدثنا قتيبة بن سعيد قال: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه كما قال تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] .(2\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "200",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2232",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[قول عبد الوهاب الوراق] (قول عبد الوهاب الوراق) أحد الأئمة الحفاظ أثنى عليه الأئمة وقيل للإمام أحمد رحمه الله من نسأل بعدك فقال: عبد الوهاب. وهو من شيوخ النبيل (قال عبد الوهاب) وقد روى حديث ابن عباس رضي الله عنهما ما بين السماء السابعة إلى كرسيه سبعة آلاف نور وهو فوق ذلك. ومن زعم أن الله هاهنا فهو جهمي خبيث إن الله فوق العرش وعلمه محيط بالدنيا والآخرة صح ذلك عنه حكاه عنه محمد بن أحمد بن عثمان في رسالته في الفوقية وقال: ثقة حافظ روى عنه أبو داود والترمذي والنسائي. مات سنة خمس ومائتين.  [قول خارجة بن مصعب رحمه الله تعالى] (قول خارجة بن مصعب رحمه الله تعالى) : قال عبد الله بن أحمد في كتاب السنة حدثني أحمد بن سعيد الدارمي - أبو جعفر - قال: سمعت أبي يقول: سمعت خارجة بن مصعب يقول: الجهمية كفار أبلغ نساءهم أنهن طوالق لا يحللن لهم لا تعودوا مرضاهم ولا(2\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "201",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2233",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تشهدوا جنائزهم ثم تلا: طه إلى قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] .  [قول إمامي أهل الحديث أبي زرعة وأبي حاتم رحمهما الله تعالى] (قول إمامي أهل الحديث) : أبي زرعة وأبي حاتم رحمهما الله تعالى قال عبد الرحمن بن أبي حاتم سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركا عليه أئمة العلم في ذلك. . . فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا ومصرا وشاما ويمنا فكان من مذهبهم الإيمان قول وعمل يزيد وينقص والقرآن كلام الله تعالى غير مخلوق بجميع جهاته والقدر خيره وشره من الله عز وجل وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم وأن الله عز وجل على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بلا كيف أحاط بكل شيء علما ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [الشورى: 11] وأنه سبحانه يرى في الآخرة ; يراه أهل الجنة بأبصارهم ويسمعون كلامه كيف شاء وكما شاء والجنة حق والنار حق وهما مخلوقتان لا يفنيان أبدا. . . ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفرا ينقل عن الملة ومن شك في كفره ممن يفهم ولا يجهله فهو كافر. . . ومن وقف في القرآن فهو جهمي. . . ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق. . . فهو جهمي أو قال القرآن بلفظي مخلوق فهو جهمي قال أبو حاتم: والقرآن كلام الله وعلمه وأسماؤه وصفاته وأمره ونهيه ليس(2\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "202",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2234",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بمخلوق بجهة من الجهات ونقول: إن الله على عرشه بائن من خلقه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [الشورى: 11]  ثم ذكر عن أبي زرعة رحمه الله تعالى أنه سئل عن تفسير قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] فغضب وقال تفسيرها كما تقرأ هو على العرش استوى وعلمه في كل مكان من قال غير ذلك فعليه لعنة الله. وهذان الإمامان إماما أهل الرأي وهما من نظراء الإمام أحمد والبخاري رحمهما الله تعالى.  [قول حرب الكرماني] (قول حرب الكرماني) : صاحب أحمد وإسحاق رحمهم الله تعالى وله مسائل جليلة عنهما قال يحيى بن عمار أخبرنا أبو عصمة (قال) : حدثنا إسماعيل بن الوليد حدثنا حرب بن إسماعيل قال: والماء فوق السماء السابعة والعرش على الماء والله على العرش قلت هذا لفظه في مسائله وحكاه إجماعا لأهل السنة من سائر أهل الأمصار.  [قول إمام أهل الحديث علي بن المديني] (قول إمام أهل الحديث علي بن المديني) : شيخ البخاري بل شيخ الإسلام رحمه الله قال البخاري: علي بن المديني سيد المسلمين قيل له: ما قول الجماعة في الاعتقاد قال يثبتون الكلام والرؤية ويقولون: إن الله تعالى. . . على العرش استوى فقيل له: ما تقول في قوله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم [المجادلة: 7]  فقال: اقرأ أول الآية يعني بالعلم لأن في أول الآية: ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات [المجادلة: 7] . . . قال البخاري في كتاب خلق الأفعال وقال(2\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "203",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2235",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن المديني: القرآن كلام الله غير مخلوق من قال إنه مخلوق فهو كافر لا يصلى خلفه قال البخاري: ما استصغرت نفسي بين يدي أحد إلا بين يدي علي بن المديني. وقال الحسن بن محمد بن الحارث: سمعت علي بن المديني يقول: أهل الجماعة يؤمنون بالرؤية وبالكلام وأن الله فوق السماوات على العرش استوى فسئل عن قوله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم [المجادلة: 7] الآية فقال: اقرأ ما قبله يعني علم الله تعالى.  [قول سنيد بن داود] (قول سنيد بن داود) : شيخ البخاري رحمهما الله تعالى قال أبو حاتم الرازي: حدثنا أبو عمران موسى الطرسوسي قال: قلت لسنيد بن داود هو على عرشه بائن من خلقه قال: نعم. ألم تسمع قوله تعالى: وترى الملائكة حافين من حول العرش [الزمر: 75] .  [قول إمام أهل الإسلام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله] (قول إمام أهل الإسلام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله) : قال في كتاب التوحيد من صحيحه باب قول الله عز وجل: وكان عرشه على الماء [هود: 7] وهو رب العرش العظيم [التوبة: 129](2\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "204",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2236",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أبو العالية استوى إلى السماء ارتفع فسواهن: خلقهن وقال مجاهد: استوى: علا على العرش ثم ساق البخاري حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها أنها كانت تفتخر على نساء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات وذكر تراجم أبواب هذا الكتاب الذي ترجمه بكتاب التوحيد والرد على الجهمية ردا على أقوال الجهمية التي خالفوا بها الأمة فمن تراجم أبواب هذا الكتاب باب قول الله تعالى: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى [الإسراء: 110] . ومن أبوابه أيضا باب قول الله عز وجل: إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين [الذاريات: 58] وذكر أحاديث ثم قال: باب قوله تعالى: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا [الجن: 26]  إن الله عنده علم الساعة [لقمان: 34]  و أنزله بعلمه [النساء: 166] وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه [فاطر: 11] ثم ساق أحاديث مستدلا (بها) على إثبات صفة العلم ثم قال: باب قول الله عز وجل: السلام المؤمن [الحشر: 23] ثم ساق حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن الله تعالى هو السلام ثم (ساق) حديث أبي هريرة رضي الله عنه: يقول الله: أنا الملك . ثم قال: باب قول الله: (وهو العزيز الحكيم)  سبحان ربك رب العزة عما يصفون [الصافات: 180](2\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "205",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2237",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولله العزة ولرسوله [المنافقون: 8] وذكر أحاديث (في ذلك)  ثم قال: باب قول الله: وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق [الأنعام: 73] ثم ذكر حديث ابن عباس رضي الله عنهما: اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض إلى آخره ثم قال: باب قول الله تعالى: وكان الله سميعا بصيرا [النساء: 134] ثم ساق أحاديث منها حديث أبي موسى رضي الله عنه: (. . . فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا - تدعون سميعا بصيرا قريبا . . .) ثم قال: باب قوله تعالى: قل هو القادر [الأنعام: 65] ثم ساق أحاديث في إثبات القدرة ثم قال: باب مقلب القلوب وقول الله عز وجل: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم [الأنعام: 110] وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حلفه لا ومقلب القلوب ثم قال: باب إن لله مائة اسم إلا واحدا  ثم قال: باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها ومقصوده بذلك أنها غير مخلوقة فإنه لا يستعاذ بمخلوق ولا يسأل به ثم قال: باب ما يذكر في الذات والنعوت وأسامي الله تعالى. ثم قال: باب قول الله عز وجل: ويحذركم الله نفسه [آل عمران: 28] ثم ساق أحاديث ثم قال: باب قول الله عز وجل: كل شيء هالك إلا وجهه [القصص: 88] ثم ذكر حديث جابر رضي الله عنه quot; أعوذ بوجهك quot; ثم قال: باب قول الله عز وجل: ولتصنع على عيني [طه: 39] وقوله: تجري بأعيننا [القمر: 14] ثم ذكر حديث الدجال: إن ربكم ليس بأعور  ثم قال: باب قول الله عز وجل: هو الله الخالق البارئ المصور [الحشر: 24] . ثم قال: باب قول الله تعالى: لما خلقت بيدي [ص: 75] ثم ذكر أحاديث في إثبات اليدين ثم قال: باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم(2\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "206",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2238",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا شخص أغير من الله. ثم قال: باب قول الله تعالى: قل أي شيء أكبر شهادة قل الله [الأنعام: 19] فسمى الله نفسه شيئا ثم قال: باب قول الله تعالى: وكان عرشه على الماء [هود: 7] ثم ذكر بعض أحاديث الفوقية ثم قررها بترجمة أخرى فقال: باب قول الله تعالى: إليه يصعد الكلم الطيب [فاطر: 10] وقوله تعالى: تعرج الملائكة والروح إليه [المعارج: 4] ثم ساق في ذلك أحاديث في إثبات صفة الفوقية ثم قال: باب قوله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة [القيامة: 22] ثم ذكر الأحاديث الدالة على إثبات الرؤية في الآخرة ثم قال: باب ما جاء في قوله: إن رحمة الله قريب من المحسنين [الأعراف: 56] ثم ذكر أحاديث في إثبات صفة الرحمة ثم قال: باب قول الله تعالى: إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا [فاطر: 41] ثم ساق في هذا الباب حديث الحبر الذي فيه: إن الله يمسك السماوات على إصبع - الحديث. ثم قال: باب ما جاء في تخليق السماوات والأرض وغيرهما من الخلائق وهو فعل الرب عز وجل وأمره فالرب بصفاته وفعله وأمره وكلامه هو الخالق المكون غير مخلوق وما كان يفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون. وهذه الترجمة من أدل شيء على دقة علمه ورسوخه في معرفة الله تعالى وأسمائه وصفاته وهذه الترجمة فصل في مسألة الفعل والمفعول وقيام أفعال الرب عز وجل به وأنها غير مخلوقة وأن المخلوق هو المنفصل عنه الكائن بفعله وأمره وتكوينه ففصل النزاع بهذه الترجمة أحسن فصل وأبينه وأوضحه إذ فرق بين الفعل والمفعول وما يقوم بالرب سبحانه وما(2\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "207",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2239",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يقوم به وبين أن أفعاله تعالى كصفاته داخلة في مسمى اسمه ليست منفصلة خارجة مكونة. بل بها يقع التكوين فجزاه الله سبحانه عن الإسلام والسنة بل جزاهما عنه أفضل الجزاء وهذا الذي ذكره في هذه الترجمة هو قول أهل السنة وهو المأثور عن سلف الأمة وصرح به في كتاب خلق أفعال العباد وجعله قول العلماء مطلقا ولم يذكر فيه نزاعا إلا عن الجهمية وذكره البغوي إجماعا من أهل السنة وصرح البخاري في هذه الترجمة بأن كلام الله تعالى غير مخلوق وأن أفعاله وصفاته غير مخلوقة ثم قال: باب قول الله عز وجل: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين [الصافات: 171] ثم ساق أحاديث في القدر وإثباته ثم قال: باب قوله تعالى: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [يس: 82] ثم ساق أحاديث في إثبات تكلم الرب جل جلاله ثم قال باب قول الله عز وجل: قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا [الكهف: 109] وقوله تعالى: ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله [لقمان: 27] وقوله تعالى: ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين [الأعراف: 54] ومقصوده إثبات صفة الكلام والفرق بينها وبين صفة الخلق ثم قال: باب في المشيئة والإرادة ثم ساق آيات وأحاديث في إثبات ذلك ثم قال باب قوله تعالى: ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم [سبأ: 23] قال البخاري رحمه الله: ولم يقولوا: ماذا خلق ربكم ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري رضي الله(2\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "208",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2240",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنه فينادي بصوت وحديث عبد الله بن أنيس وعلقمة: فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان . ومقصوده أن هذا النداء يستحيل أن يكون مخلوقا فإن المخلوق لا يقول: أنا الملك أنا الديان. فالمنادي بذلك هو الله عز وجل القائل أنا الملك أنا الديان. ثم قال: باب كلام الرب تعالى مع جبرائيل عليه الصلاة والسلام ونداء الله تعالى الملائكة. ثم ذكر حديث إذا أحب الله عبدا نادى جبرائيل  ثم قال: باب قوله عز وجل: أنزله بعلمه والملائكة يشهدون [النساء: 166] ثم ساق أحاديث في نزول القرآن من السماء مما يدل على أصلين فوقية الرب تعالى وتكلمه بالقرآن ثم قال: باب قول الله عز وجل: يريدون أن يبدلوا كلام الله [الفتح: 15] ثم ذكر أحاديث في تكلم الرب تعالى ثم قال: باب كلام الرب يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم ثم ساق حديث الشفاعة وحديث ما منكم quot; من quot; أحد إلا سيكلمه ربه  وحديث يدنو المؤمن من ربه  ثم قال: باب قوله تعالى وكلم الله موسى تكليما [النساء: 164] ثم ذكر أحاديث في تكليم الله لموسى ثم قال: باب كلام الرب تعالى مع أهل الجنة ثم ذكر حديثين في ذلك ثم قال: باب قول الله عز وجل: فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون [البقرة: 22] وذكر آيات في ذلك وذكر حديث ابن مسعود (في ذلك) أي الذنب أعظم قال: أن تجعل(2\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "209",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2241",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لله ندا وهو خلقك  وغرضه بهذا التبويب الرد على القدرية والجبرية فأضاف الجعل إليهم فهو كسبهم وفعلهم ولهذا قال في هذا الباب نفسه وما ذكر في خلق أفعال العباد (واكتسابهم لقوله: وخلق كل شيء فقدره تقديرا [الفرقان: 2] فأثبت خلق أفعال العباد) وأنها أفعالهم وأكسابهم فتضمنت ترجمته مخالفته للقدرية والجبرية ثم قال: باب قول الله عز وجل: وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون [فصلت: 22] وقصده بهذا أن يبين أن الصوت والحركة التي يؤدى بها الكلام كسب العبد وفعله وعمله ثم ذكر أبوابا في إثبات خلق أفعال العباد ثم ختم الكتاب بإثبات الميزان.  [قول مسلم بن الحجاج] (قول مسلم بن الحجاج) : يعرف قوله في السنة من سياق الأحاديث التي ذكرها ولم يتأولها ولم يذكر لها التراجم كما فعل البخاري ولكن سردها بلا أبواب ولكن تعرف التراجم من ذكره للشيء مع نظيره فذكر في كتاب الإيمان كثيرا من أحاديث الصفات كحديث الإتيان يوم القيامة وما فيه من التجلي وكلام الرب لعباده ورؤيتهم إياه وذكر حديث الجارية وأحاديث النزول وذكر حديث quot; إن الله يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع quot; وحديث يأخذ الجبار سماواته وأرضه بيديه وأحاديث الرؤية وحديث حتى يضع الجبار(2\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "210",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2242",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيها قدمه وحديث: المقسطون عند الله تعالى على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين وحديث: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء . وغيرها من أحاديث الصفات محتجا بها (و) غير مؤول لها ولو لم يكن معتقدا لمضمونها لفعل بها ما فعل المتأولون حين ذكروها.  [قول حماد بن هناد البوشنجي] (قول حماد بن هناد البوشنجي) : الحافظ أحد أئمة الحديث في وقته: ذكر شيخ الإسلام الأنصاري فقال: قرأت على أحمد بن محمد بن منصور أخبركم جدكم منصور بن الحسين حدثني أحمد بن الأشرف قال: حدثنا حماد بن هناد البوشنجي قال: هذا ما رأينا عليه أهل الأمصار وما دلت عليه مذاهبهم فيه وإيضاح منهاج العلماء وطرق الفقهاء وصفة السنة وأهلها أن الله فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه وعلمه وقدرته وسلطانه بكل مكان فقال: نعم.  [قول أبي عيسى الترمذي] (قول أبي عيسى الترمذي) - رحمه الله تعالى قال في جامعه لما ذكر حديث أبي هريرة: لو(2\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "211",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2243",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أدلى أحدكم بحبل لهبط على الله . قال: معناه لهبط على علم الله قال: وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان وهو على العرش كما وصف نفسه في كتابه وقال في حديث أبي هريرة: ( إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه . . .) قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما أشبهه من الصفات ونزول الرب تبارك وتعالى (كل ليلة) إلى السماء الدنيا قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا ويؤمن بها ولا يتوهم ولا يقال: كيف  هكذا روي (عن) مالك وابن عيينة وابن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف قال: وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا تشبيه. وقد ذكر الله تعالى في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر فتأولت الجهمية هذه الآيات وفسروها على غير ما فسر أهل العلم وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده وإنما معنى اليد هاهنا القوة وقال إسحاق بن راهويه: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيدي أو مثل يدي أو سمع كسمعي فهذا التشبيه وأما إذا قال كما قال الله يد وسمع وبصر ولا يقول: كيف ولا (يقول) : مثل سمع ولا كسمع. فهذا لا يكون تشبيها (عنده) (وهو كما) قال الله تعالى:(2\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "212",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2244",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [الشورى: 11] هذا كله كلامه وقد ذكره عنه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه الفاروق بإسناده وكذلك من تأمل تبويب ابن ماجه في السنة والرد على الجهمية في أول كتابه وتبويب أبي داود فيما ذكر في الجهمية والقدرية وسائر أئمة أهل الحديث علم مضمون قولهم وأنهم كلهم على طريقة واحدة وقول واحد ولكن بعضهم بوب وترجم ولم يزد على الحديث غير التراجم والأبواب وبعضهم زاد التقرير وإبطال قول المخالف وبعضهم سرد الأحاديث ولم يترجم لها وليس فيهم من أبطل حقائقها وحرفها عن مواضعها وسمى تحريفها تأويلا كما فعلته الجهمية بل الذي بين أهل الحديث والجهمية من الحرب أعظم مما بين عسكر الكفر وعسكر الإسلام وابن ماجه قال في أول سننه: باب ما أنكرت الجهمية ثم روى أحاديث الرؤية وحديث أين كان ربنا وحديث جابر: بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور من فوقهم فرفعوا رءوسهم فإذا الجبار جل جلاله قد أشرق عليهم من فوقهم . وحديث الأوعال الذي فيه: والعرش فوق ذلك والله فوق العرش . وحديث: إن الله ليضحك إلى ثلاثة . وغيرها من الأحاديث.  [قول الحافظ أبي بكر الآجري] (قول الحافظ) : أبي بكر الآجري إمام عصره في الحديث والفقه قال في كتاب الشريعة(2\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "213",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2245",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "باب التحذير من مذهب الحلولية: الذي يذهب إليه أهل العلم أن الله على عرشه فوق سماواته وعلمه محيط بكل شيء قد أحاط بجميع ما خلق في السماوات العلى وبجميع ما خلق في سبع أرضين ترفع إليه أعمال العباد فإن قال قائل: فما معنى قوله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم [المجادلة: 7]  قيل له: علمه معهم والله عز وجل على عرشه وعلمه محيط بهم. كذا فسره أهل العلم والآية يدل أولها وآخرها على أنه العلم وهو على عرشه هذا قول المسلمين.  [قول الحافظ أبي الشيخ عبيد الله بن محمد بن حيان الأصبهاني] (قول الحافظ أبي الشيخ عبيد الله بن محمد بن حيان الأصبهاني) : (قال) في كتاب العظمة: ذكر عرش الرب تبارك وتعالى وكرسيه وعظم خلقهما وعلو الرب جل جلاله فوق عرشه ثم ساق كثيرا من أحاديث هذا الباب بإسناده.  [قول الحافظ زكريا بن يحيى الساجي إمام أهل البصرة] (قول الحافظ زكريا بن يحيى الساجي إمام أهل البصرة) : قال أبو عبد الله بن بطة حدثنا أبو الحسن أحمد بن زكريا بن يحيى الساجي قال: قال أبي: القول في السنة التي رأيت عليها أصحابنا أهل الحديث الذين لقيناهم أن الله تعالى على عرشه في سمائه يقرب من خلقه(2\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "214",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2246",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كيف شاء ثم ذكر بقية الاعتقاد ذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء وقال: أخذ عن الربيع والمزني وله كتاب اختلاف الفقهاء وكتاب علل الحديث وهو شيخ أبي الحسن الأشعري في الفقه والحديث.  [ذكر ما حكاه أبو نصر السجزي عن أهل الحديث]  قال: وأئمتنا كالثوري ومالك وابن عيينة وحماد بن زيد والفضيل وأحمد وإسحاق متفقون على أن الله فوق العرش بذاته وأن علمه بكل مكان.(2\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "215",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2247",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[قول الإمام أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني] (قول الإمام أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني) : إمام أهل الحديث والفقه والتصوف في وقته قال في رسالته المشهورة في السنة: وأن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه ثم ساق بإسناده عن ابن المبارك أنه قال: نعرف ربنا تبارك وتعالى بأنه فوق سبع سماواته على عرشه بائن من خلقه ولا نقول كما قالت الجهمية: أنه هاهنا في الأرض ثم قال: حدثنا أبو عبد الله الحافظ عن محمد بن صالح عن ابن خزيمة قال: من لم يقر بأن الله على عرشه استوى فوق سبع سماواته فهو كافر بربه حلال الدم يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وألقي على بعض المزابل حتى لا يتأذى المسلمون ولا المعاهدون بنتن رائحة جيفته وكان ماله فيئا ولا يرثه أحد من المسلمين إذ المسلم لا يرث الكافر ولا الكافر يرث المسلم.  [قول أبي جعفر الطحاوي إمام الحنفية] (قول أبي جعفر الطحاوي إمام الحنفية) : في وقته في الحديث والفقه ومعرفة أقوال السلف قال في بعض العقيدة التي له وهي معروفة عند الحنفية: ذكر بيان (عقيدة أهل) السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة وأبي يوسف. . . ومحمد بن الحسن الشيباني. . . نقول في توحيد الله معتقدين. . . أن الله واحد لا شريك له ولا شيء مثله. . . ما زال بصفاته قديما قبل خلقه. . . وأن القرآن كلام الله منه بدأ بلا كيفية قولا وأنزل على نبيه وحيا(2\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "216",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2248",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصدقه المؤمنون على ذلك حقا وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق. . . فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر. . . والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية. . . وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو كما قال ومعناه على ما أراد لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا. . . ولا يثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام ومن رام ما حظر عنه علمه ولم يقنع بالتسليم فهمه حجبه مرامه عن خالص التوحيد. . . وصحيح الإيمان. . . ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه. . . إلى أن قال: والعرش والكرسي حق كما بين الله في كتابه وهو جل جلاله مستغن عن العرش وما دونه محيط بكل شيء وفوقه وذكر سائر الاعتقاد.(2\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "217",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2249",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[قول أئمة التفسير] [قول إمامهم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما] وهذا باب لا يمكن استيعابه لكثرة ما يوجد من كلام أهل السنة في التفسير وهو بحر لا ساحل له وإنما نذكر طرفا منه يسيرا يكون منبها على ما وراءه ومن أراد الوقوف عليه فهذه تفاسير السلف وأهل السنة موجودة فمن طلبها وجدها. (قول إمامهم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما) : ذكر البيهقي عنه في قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] قال: استقر وقد تقدم قوله في تفسير قوله تعالى عن إبليس: (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم [الأعراف: 17] قال: لم يستطع أن يقول من فوقهم ; علم أن الله من فوقهم. وتقدم حكاية قوله أن الله كان على عرشه. . . وكتب ما هو كائن. . . (وإنما) يجري الناس على أمر قد فرغ منه. رواه سفيان الثوري عن أبي هاشم عن مجاهد عنه وذكر البخاري عنه في صحيحه أن سائلا سأله فقال: إني أجد أشياء تختلف علي أسمع الله يقول. . .: أم السماء بناها [النازعات: 27] إلى قوله: والأرض بعد ذلك دحاها [النازعات: 30] فذكر. . . خلق السماء قبل خلق الأرض ثم قال في آية أخرى: قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين [فصلت: 9] إلى أن قال: ثم استوى إلى السماء [فصلت: 11] فذكر هنا خلق الأرض قبل السماء. . . فقال ابن عباس: أما قوله: أم السماء بناها [النازعات: 27](2\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "218",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2250",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنه خلق الأرض قبل السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ثم نزل إلى الأرض فدحاها. . . وهذه الزيادة وهي قوله: (ثم نزل إلى الأرض) ليست عند البخاري وهي صحيحة قال محمد بن (أحمد) بن عثمان في رسالته في العلو عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: قالت امرأة العزيز ليوسف إني كثيرة الدر والياقوت فأعطيك ذلك حتى تنفق في مرضاة سيدك الذي في السماء. . وعن ذكوان حاجب عائشة أن ابن عباس دخل على عائشة وهي تموت فقال لها: كنت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحب إلا طيبا وأنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات جاء بها جبرائيل فأصبح ليس مسجد من مساجد الله يذكر فيه الله إلا وهي تتلى آناء الليل وآناء النهار وأصل القصة في صحيح البخاري وقال ابن جرير في تفسيره: حدثني محمد بن سعيد حدثني عمي حدثني أبي عن ابن عباس في قوله تعالى: تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن [الشورى: 5] قال: يعني من ثقل الرحمن وعظمته جل جلاله وهذا التفسير تلقاه عن ابن عباس الضحاك والسدي(2\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "219",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2251",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقتادة فقال سعيد عن قتادة: يتفطرن من فوقهن (قال) : من عظمة الله وجلاله وقال السدي: تشقق بالله. وذكر شيخ الإسلام من رواية الضحاك بن مزاحم عنه قال: إن الله خلق العرش أول ما خلق فاستوى عليه قلت: وهذا في تفسير الضحاك وفي تفسير السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] قال: قعد.  [قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه] (قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه) : روى أبو الشيخ في كتاب العظمة عن ابن مسعود قال: قال رجل: يا رسول الله ما الحاقة قال: يوم ينزل الرب تبارك وتعالى على عرشه(2\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "220",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2252",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال البخاري في (كتاب) خلق أفعال العباد: قال ابن مسعود في قوله تعالى: ثم استوى إلى السماء [فصلت: 11] وقوله تعالى: ثم استوى على العرش [الأعراف: 54] قال: العرش على الماء والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه. وقال ابن مسعود: من قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر تلقاهن ملك فعرج بهن إلى الله فلا يمر بملأ من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يجيء بهن وجه الرحمن. أخرجه العسال في كتاب المعرفة بإسناد كلهم ثقات وقال الدارمي: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة عن الزبير بن عبد السلام عن أيوب بن عبد الله الفهري أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور السماوات والأرض من نور وجهه وإن مقدار كل يوم من أيامكم عنده اثنتا عشرة ساعة فتعرض عليه أعمالكم بالأمس أول النهار اليوم فينظر فيها ثلاث ساعات فيطلع فيها على ما يكره فيغضبه ذلك فأول من يعلم بغضبه الذين يحملون العرش يجدونه يثقل عليهم فيسبحه الذين يحملون العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة وهو في معجم الطبراني أطول من هذا. وصح عن السدي عن مرة عن ابن مسعود وعن أبي مالك وأبي صالح عن(2\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "221",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2253",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن عباس وعن مرة عن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: ثم استوى إلى السماء [فصلت: 11] وأن الله عز وجل كان على عرشه على الماء ولم يخلق شيئا قبل الماء. . . الحديث. وفيه فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش ولا يناقض هذا حديث quot; أول ما خلق الله القلم quot; لوجهين أحدهما: أن الأولية راجعة إلى كتابته لا إلى خلقه فإن الحديث: ( أول ما خلق الله القلم) قال له: اكتب. قال: ما أكتب قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة . والثاني: أن المراد أول ما خلقه الله من هذا العالم بعد خلق العرش فإن العرش مخلوق قبله في أصح قولي السلف حكاهما الحافظ عبد القادر الرهاوي ويدل على سبق خلق العرش قوله في الحديث الثابت: قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء . وقد أخبر أنه حين خلق القلم قدر به المقادير(2\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "222",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2254",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كما في اللفظ الآخر قال: اكتب. قال: ما أكتب قال: اكتب القدر . فهذا هو التقدير المؤقت قبل خلق العالم بخمسين ألف سنة فثبت أن العرش سابق على القلم والعرش كان على الماء قبل خلق السماوات والأرض فأقوال الصحابة لا تناقض ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم وروى أبو القاسم اللالكائي بإسناد صحيح عن خيثمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن العبد ليهم بالأمر من التجارة أو الإمارة حتى إذا تيسر له نظر الله إليه من فوق سبع سماوات فيقول للملائكة: اصرفوه عنه فإنه إن يسرته له أدخلته النار . وقد سبق نحوه عن ابن عباس مرفوعا وموقوفا. وذكر سنيد بن داود بإسناد صحيح عنه أنه قال:  (ما) بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وما بين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة عام وما بين السماء السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام والعرش على الماء والله تعالى على العرش ويعلم أعمالكم . وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء. وقال حماد بن سلمة عن عطاء بن(2\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "223",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2255",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السائب عن الشعبي عن ابن مسعود قال: إن الله ملأ العرش حتى إن له أطيطا كأطيط الرحل. . . رواه حرب عن إسحاق عن روح عن آدم بن أبي إياس عن حماد.  [قول مجاهد وأبي العالية] (قول مجاهد وأبي العالية) : روى البيهقي من طريق شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله عز وجل: وقربناه نجيا [مريم: 52] قال: بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف(2\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "224",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2256",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حجاب فما زال يقرب موسى حتى كان بينه وبينه حجاب واحد فلما رأى مكانه وسمع صريف القلم قال: رب أرني أنظر إليك. وقال البخاري في صحيحه قال أبو العالية: استوى إلى السماء ارتفع وقال مجاهد: استوى علا على العرش وقال مجاهد في قوله تعالى: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات [مريم: 59] قال: هم في هذه الأمة يتراكبون كما تتراكب الحمر والأنعام في الطرق ولا يستحيون الناس في الأرض ولا يخافون الله في السماء. رواه الهيثم بن خلف الدوري في كتاب تحريم اللواط.  [قول قتادة] (قول قتادة) : قد تقدم ما رواه عثمان الدارمي عنه في كتاب النقض قال: قالت بنو إسرائيل: يا رب أنت في السماء ونحن في الأرض فكيف لنا أن نعرف رضاك وغضبك قال: إذا رضيت عليكم استعملت عليكم خياركم وإذا غضبت عليكم استعملت عليكم شراركم. وفي تفسير ابن أبي حاتم عن قتادة قال: ثم استوى على العرش في يوم الجمعة.  [قول عكرمة] (قول عكرمة) : صح عن إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال: بينما رجل في الجنة فقال في نفسه: لو أن الله يأذن لي لزرعت فلا يعلم إلا والملائكة على أبواب جنته فيقولون:(2\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "225",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2257",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سلام عليك يقول لك ربك: تمنيت شيئا فقد علمته وقد بعث معنا البذر يقول (لك) : ابذر فيخرج أمثال الجبال فيقول له الرب من فوق عرشه: كل يا ابن آدم فإن ابن آدم لا يشبع. وله شاهد مرفوع في صحيح البخاري.  [قول سعيد بن جبير] (قول سعيد بن جبير) : روى عنه من طرق قال: قحط الناس في زمن ملك من ملوك بني إسرائيل فقال الملك ليرسلن الله علينا السماء أو لنؤذينه فقال جلساؤه: فكيف تقدر وهو في السماء فقال: أقتل أولياءه فأرسل الله عليهم السماء.  [قول الضحاك] (قول الضحاك) قد تقدم quot; عنه quot; في قوله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم [المجادلة: 7] قال: هو على عرشه وعلمه معهم ذكره ابن بطة وابن عبد البر والعسال في كتاب المعرفة ولفظه قال: هو فوق عرشه وعلمه معهم أينما كانوا ورواه أحمد عن نوح بن ميمون عن بكر بن معروف عن مقاتل عنه ولفظه: هو على العرش وعلمه معهم. ونقل ابن عبد البر إجماع الصحابة والتابعين على ذلك.(2\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "226",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2258",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[قول محمد بن كعب القرظي] (قول محمد بن كعب القرظي) : قال عثمان بن سعيد الدارمي: حدثنا عبد الله بن صالح حدثني حرملة بن عمران عن سليمان بن حميد قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يحدث عمر بن عبد العزيز قال: إذا فرغ الله من أهل الجنة والنار أقبل الله في ظلل من الغمام والملائكة فسلم على أهل الجنة في أول درجة فيردون عليه السلام قال القرظي: فهذا في القرآن: سلام قولا من رب رحيم [يس: 58] فيقول: سلوني يفعل ذلك بهم في درجهم حتى يستوي على عرشه ثم يأتيهم التحف من الله تحمله الملائكة إليهم.  [قول الحسن البصري] (قول الحسن البصري) : ذكر الشيخ موفق الدين بن قدامة المقدسي في كتابه quot; إثبات (صفة) العلو quot; عنه بإسناد صحيح قال: سمع يونس عليه السلام تسبيح الحصا والحيتان فجعل يسبح وكان يقول في دعائه: يا سيدي في السماء مسكنك وفي الأرض قدرتك وعجائبك إلهي في الظلمات الثلاث حبستني. . . فلما كان تمام الأربعين (يوما) وأصابه الغم فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين [الأنبياء: 87] وقال الحسن البصري: ليس شيء عند ربك أقرب إليه من إسرافيل وذكر ابن منده: أخبرنا أحمد بن محمد الوراق(2\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "227",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2259",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حدثنا إسماعيل بن أبي كثير حدثنا مكي بن إبراهيم حدثنا هشام عن الحسن قال: قال الله عز وجل: لما خلقت خلقي واستويت على عرشي كتبت: إن رحمتي سبقت غضبي ولولا ذلك لهلكوا.  [قول مسروق] (قول مسروق) : صح عنه أنه كان إذا حدث عن عائشة قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرأة من فوق سبع سماوات.  [قول مقاتل] (قول مقاتل) : قد تقدم قوله في تفسير قوله تعالى: وهو معكم [الحديد: 4] قال: هو على العرش وهو معهم بعلمه. ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره.  [قول عبيد بن عمير] (قول عبيد بن عمير) : ذكر عبد الله بن أحمد في كتاب السنة من رواية حجاج عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير قال: ينزل الرب عز وجل شطر الليل إلى السماء فيقول: من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له حتى إذا كان الفجر صعد الرب عز وجل.  [قول كعب الأحبار] (قول كعب الأحبار) : روى أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب العظمة عنه بإسناد صحيح أنه أتاه رجل فقال: يا أبا إسحاق حدثني عن الجبار جل جلاله. فأعظم القوم ذلك فقال كعب: دعوا الرجل فإنه إن كان جاهلا تعلم وإن كان عالما ازداد علما ثم قال كعب: أخبرك أن الله خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ثم جعل ما بين كل سماءين كما بين سماء الدنيا والأرض وجعل كثفها مثل ذلك ثم رفع العرش فاستوى عليه فما في السماوات سماء إلا لها أطيط(2\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "228",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2260",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كأطيط الرحل في أول ما يرتحل من ثقل الجبار فوقهن وروى أبو نعيم في كتابه (حلية الأولياء) بإسناد عن كعب قال: (للذكر حول العرش دوي كدوي النحل بذكر صاحبه) وذكر عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا أبو الربيع ثنا جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زيادة عن عبد الله بن الحارث عن كعب قال: (ما نظر الله إلى الجنة إلا قال طيبي لأهلك فزادت طيبا على ما كانت وما من يوم كان عيدا في الدنيا إلا يخرجون في مقداره إلى رياض الجنة تسفي عليهم الريح بالمسك فلا يسألون ربهم شيئا إلا أعطاهم فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا عما كانوا من الحسن والجمال سبعون ضعفا) . وروى أبو نعيم بإسناد صحيح عن كعب قال: قال الله تعالى: أنا الله فوق عبادي وعرشي فوق جميع خلقي وأنا على عرشي أدبر أمور عبادي لا يخفى علي شيء من أمر عبادي في سمائي ولا في أرضي وإن حجبوا عني فلا يغيب عنهم علمي وإلي مرجع كل خلقي فأثيبهم بما خفي عليهم من علمي أغفر لمن شئت منهم بمغفرتي وأعذب من شئت بعقابي.  [قول بشر بن عمر شيخ إسحاق] (قول بشر بن عمر شيخ إسحاق) عن جماعة ممن لقيهم من المفسرين قال إسحاق بن راهويه: أخبرنا بشر بن عمر قال: سمعت غير واحد من المفسرين يقول: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] ارتفع.(2\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "229",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2261",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[قول نوف البكالي] (قول نوف البكالي) : روى عنه عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: ذكر لنا أن الله قال للملائكة: ادعوا لي عبادي فقالوا: يا رب فكيف والسماوات السبع دونهم والعرش فوق ذلك قال: إنهم إذا قالوا: لا إله إلا الله فقد استجابوا لي رواه (الدارمي) عنه.  [قول يحيى بن رافع] (قول يحيى بن رافع) : قال أبو الشيخ في كتاب العظمة: حدثنا الوليد بن أبان حدثنا أبو حاتم حدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن المبارك حدثنا سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي عيسى: أن ملكا لما استوى الرب على عرشه سجد فلم يرفع رأسه ولا يرفعه حتى تقوم الساعة فإذا كان يوم القيامة رفع رأسه فقال: سبحانك ما عبدتك حق عبادتك) وهذا الإسناد كلهم أئمة ثقات. ورواه أبو أحمد العسال في كتاب المعرفة وأبو عيسى هو يحيى بن رافع من قدماء التابعين ذكرناه هنا وإن لم يكن مشهورا بالتفسير.  [قول عباس العمي] (قول عباس العمي) : وإن لم يكن من المشهورين بالتفسير روى ابن أبي شيبة في(2\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "230",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2262",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كتاب العرش بإسناد صحيح عنه قال: بلغني أن داود كان يقول في دعائه: quot; سبحانك quot; اللهم أنت ربي تعاليت فوق عرشك وجعلت خشيتك على من في السماوات والأرض.  [قول محمد بن إسحاق الإمام في الحديث والتفسير والمغازي] (قول محمد بن إسحاق الإمام في الحديث والتفسير والمغازي) قال: بعث الله ملكا من الملائكة إلى بختنصر قال: هل تعلم يا عدو الله كم بين السماء والأرض قال: لا. قال: بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة سنة وغلظها مثل ذلك وذكر الحديث إلى أن ذكر حملة العرش قال: وفوقهم العرش عليه ملك الملوك تبارك وتعالى أي عدو الله فأنت تطلع إلى ذلك ثم بعث الله عليه البعوضة فقتلته. . .) رواه أبو الشيخ في كتاب العظمة بإسناد جيد إلى ابن إسحاق.  [قول الإمام محمد بن جرير الطبري] (قول الإمام محمد بن جرير الطبري) قد تقدم من قوله ما فيه كفاية وقد قال في تفسيره في قوله عز وجل: ثم استوى على العرش الرحمن [الفرقان: 59] أي: علا وارتفع.  [قول الحسين بن مسعود البغوي] (قول الحسين بن مسعود البغوي) محيي السنة الذي اجتمعت الأمة على تلقي تفسيره بالقبول وقراءته على رءوس الأشهاد من غير نكير قد أسلفنا قوله عند ذكر أصحاب الشافعي وإنكاره على من يقول: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] بمعنى استولى وأن هذا مذهب الجهمية والمعتزلة.(2\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "231",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2263",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[قول أبي عبد الله القرطبي المالكي صاحب التفسير المشهور] (قول أبي عبد الله القرطبي المالكي صاحب التفسير المشهور) قال في قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) هذه مسألة الاستواء وللعلماء فيها كلام وذكر قول المتكلمين الذين يقولون: إذا وجب تنزيه الباري عن الحيز فمن ضرورة ذلك تنزيهه عن الجهة فليس بجهة فوق عندهم لما يلزم عن الحيز والمكان من الحركة والسكون والتغيير والحدوث قال: هذا قول المتكلمين ثم قال: وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله كما نطق كتابه وأخبرت به رسله ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته كما قال مالك: الاستواء معلوم يعني في اللغة والكيف مجهول والسؤال عن هذا بدعة. هذا لفظه في تفسيره وهو من فقهاء المالكية ومن علمائهم.(2\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "232",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2264",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[أقوال أئمة اللغة العربية الذين يحتج بقولهم] [ذكر قول أبي عبيدة معمر بن المثنى] ذكر قول أبي عبيدة معمر بن المثنى: ذكر البغوي عنه في معالم التنزيل في قوله تعالى: ثم استوى إلى السماء [فصلت: 11] قال أبو عبيدة: صعد. وحكاه عنه ابن جرير عند قوله تعالى: ثم استوى على العرش [الأعراف: 54] .  [قول يحيى بن زياد الفراء] (قول يحيى بن زياد الفراء) إمام أهل الكوفة قال في قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] أي صعد قاله ابن عباس قال: فهو كقول الرجل كان قاعدا فاستوى قائما وكان قائما فاستوى قاعدا ذكره البيهقي عنه في الأسماء والصفات. قلت: مراد الفراء اعتدال القائم والقاعد في صعوده على الأرض.  [قول أبي العباس ثعلب] (قول أبي العباس ثعلب) : روى الدارقطني عن إسحاق الكلابي قال: سمعت أبا العباس(2\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "233",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2265",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثعلبا يقول: استوى على العرش: علا. واستوى الوجه: اتصل واستوى القمر: امتلأ واستوى زيد وعمرو: تشابها واستوى إلى السماء: أقبل هذا الذي نعرف من كلام العرب.  [قول أبي عبد الله محمد بن الأعرابي] (قول أبي عبد الله محمد بن الأعرابي) قال ابن عرفة في كتاب الرد على الجهمية: حدثنا داود بن علي قال: كنا عند ابن الأعرابي فأتاه رجل فقال له: ما معنى قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] فقال: هو على عرشه كما أخبر. فقال يا أبا عبد الله إنما معناه استولى فقال: اسكت. لا يقال: استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاد فإذا غلب أحدهما قيل: استولى كما قال النابغة: إلا لمثلك أو من أنت سابقه ... سبق الجواد إذا استولى على الأمد وقال محمد بن النضر: سمعت ابن الأعرابي صاحب اللغة يقول: أرادني ابن أبي داود أن(2\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "234",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2266",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أطلب له في بعض لغات العرب ومعانيها: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] استوى بمعنى استولى فقلت له: والله ما يكون هذا ولا وجدته.  [قول الخليل بن أحمد شيخ سيبويه] (قول الخليل بن أحمد شيخ سيبويه) ذكر أبو عمر بن عبد البر عنه في التمهيد قال الخليل بن أحمد: استوى إلى السماء: ارتفع إلى السماء.  [قول إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي المعروف بنفطويه] (قول إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي المعروف بنفطويه) : له كتاب في الرد على الجهمية أنكر فيه أن يكون استوى بمعنى استولى وحكى فيه عن ابن الأعرابي ما قدمنا حكايته عنه ثم قال: وسمعت داود بن علي يقول: كان المريسي يقول: سبحان ربي الأسفل وهذا جهل من قائله ورد لنص كتاب الله ; إذ يقول الله تعالى: أأمنتم من في السماء [الملك: 16] ورحمه الله لقد لين القول في المريسي صاحب هذا التسبيح ولقد كان جديرا بما هو أليق به(2\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "235",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2267",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من الجهل.  [قول الأخفش] (قول الأخفش) : قال الأزهري في كتاب التهذيب له في قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] قال الأخفش: استوى أي علا. يقال: استويت فوق الدابة وعلى ظهر البيت أي علوته.(2\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "236",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2268",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[أقوال الزهاد والصوفية أهل الإتباع وسلفهم] [قول ثابت البناني شيخ الزهاد] (قول ثابت البناني شيخ الزهاد) قال محمد بن عثمان في رسالته: صح عنه أنه قال: كان داود عليه السلام يطيل الصلاة ثم يركع ثم يرفع رأسه إلى السماء ثم يقول: إليك رفعت رأسي نظر العبيد إلى أربابها يا ساكن السماء. ورواه اللالكائي بإسناد صحيح عنه ورواه الإمام أحمد أيضا في كتاب الزهد وهذا الرفع إن كان في الصلاة فهو منسوخ في شرعنا وإن كان بعد الصلاة فهو جائز كرفع اليدين في الدعاء إلى الله عز وجل.  [قول مالك بن دينار] (قول مالك بن دينار) : قد أسلفنا عنه أنه كان يقول: خذوا فيقرأ ثم يقول: اسمعوا إلى قول الصادق من فوق عرشه رواه أبو نعيم في الحلية بإسناد صحيح عنه وروى ابن أبي الدنيا عنه قال: قرأت في بعض الكتب أن الله تعالى يقول: يا ابن آدم خيري إليك ينزل وشرك يصعد إلي وأتحبب إليك بالنعم وتتبغض إلي بالمعاصي ولا يزال ملك كريم يعرج إلي منك بعمل قبيح.  [قول سليمان التيمي] (قول سليمان التيمي) : قال البخاري في كتاب خلق أفعال العباد قال: - ضمرة بن(2\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "237",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2269",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ربيعة عن صدقة عن سليمان سمعته يقول -: لو سئلت أين الله لقلت: في السماء ولو سئلت: أين كان العرش قبل أن يخلق السماء لقلت: على الماء ولو سئلت: أين كان عرشه قبل أن يخلق الماء لقلت: لا أدري.  [قول شريح بن عبيد] (قول شريح بن عبيد) : روى عنه أبو الشيخ بإسناد صحيح أنه كان يقول: ارتفع إليك ثناء التسبيح وصعد إليك وقار التقدس سبحانك ذا الجبروت بيدك الملك والملكوت والمفاتيح والمقادير.  [قول عبيد بن عمير] (قول عبيد بن عمير) : روى عبد الله بن أحمد في كتاب السنة له من حديث حجاج عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير أنه قال: ينزل الرب عز وجل شطر الليل إلى السماء الدنيا فيقول: من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له حتى إذا كان الفجر صعد الرب عز وجل.  [قول الفضيل بن عياض] (قول الفضيل بن عياض) : قال الأثرم في كتاب السنة: حدثنا إبراهيم بن الحارث يعني(2\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "238",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2270",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العبادي. حدثنا الليث بن يحيى قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث قال: أبو بكر صاحب الفضيل سمعت الفضيل بن عياض يقول: ليس لنا أن نتوهم في الله كيف وكيف لأن الله وصف نفسه فأبلغ فقال: قل هو الله أحد - الله الصمد - لم يلد ولم يولد - ولم يكن له كفوا أحد [الإخلاص: 1 - 4] فلا صفة أبلغ مما وصف الله به نفسه وكذا النزول والضحك والمباهات والاطلاع كما شاء أن ينزل وكما شاء أن يباهي (وكما شاء أن يطلع) وكما شاء أن يضحك فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف وإذا قال لك الجهمي: أنا كفرت برب يزول عن مكانه فقل أنت: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء. وقد ذكر هذا الكلام الأخير عن الفضيل البخاري في كتاب خلق الأفعال فقال: وقال الفضيل بن عياض إذا قال لك الجهمي. . . فذكره.  [قول يحيى بن معاذ الرازي] : قال: الله تعالى على العرش بائن من الخلق قد أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا ولا يشك في هذه المقالة إلا جهمي رديء ضليل وهالك مرتاب يقول: يمزج الله بخلقه ويخلط الذات بالأقذار والأنتان.  [قول عطاء السليمي] (قول عطاء السليمي) : ثبت أنه كان لا يرفع رأسه إلى السماء حياء من الله عز وجل ومن هذا نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم المصلي عن رفع بصره إلى السماء تأدبا مع الله عز(2\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "239",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2271",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجل وإطراقا بين يديه وإجلالا له كما يقف العبيد بين يدي الملوك ولا يرفعون رءوسهم إليهم إجلالا لهم فإذا ضم هذا إلى رفع الأيدي في الرغبات والرهبات وتوجه القلوب إلى العلو دون اليمنة واليسرة والخلف والأمام أفاد العلم بأن هذا فطرة الله التي فطر الناس عليها.  [قول أبي عبيدة الخواص] (قول أبي عبيدة الخواص) : ذكر أبو نعيم وابن الجوزي عنه أنه مكث كذا وكذا سنة لم يرفع رأسه إلى السماء حياء من الله.  [قول بشر الحافي] (قول بشر الحافي) : صح عنه أنه قال: إني لأرفع يدي إلى الله ثم أردهما وأقول: إنما يفعل هذا من له جاه (عند الله) .  [قول ذي النون المصري] (قول ذي النون المصري) : روى أبو الشيخ في كتاب العظمة بإسناده عنه قال: أشرقت لنوره السماوات وأنار بوجهه الظلمات وحجب جلاله عن العيون وناجاه على عرشه ألسنة الصدور. (فإن قيل) قد نقل القشيري عن ذي النون أنه سئل عن قوله تعالى:(2\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "240",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2272",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرحمن على العرش استوى [طه: 5] فقال: أثبت ذاته ونفى مكانه فهو موجود بذاته والأشياء موجودة بحكمته كما شاء قيل: القشيري لم يذكر لهذه الحكاية إسنادا وما ذكرناه مسند عنه وفي كتب التصوف من الحكايات المكذوبة ما الله به عليم. قال شيخ الإسلام: وهذا النقل باطل فإن هذا الكلام ليس فيه مناسبة للآية بل هو مناقض لها فإن هذه الآية لم تتضمن إثبات ذاته ونفي مكانه بوجه من الوجوه فكيف يفسر بذلك قال: وأما قوله هو موجود بذاته والأشياء موجودة بحكمه فحق ولكن ليس هو معنى الآية.  [قول الحارث بن أسد المحاسبي] (قول الحارث بن أسد المحاسبي) : قال: وأما قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] وهو القاهر فوق عباده [الأنعام: 18] أأمنتم من في السماء [الملك: 16] إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا [الإسراء: 42] فهذه وغيرها مثل قوله: تعرج الملائكة والروح إليه [المعارج: 4] إليه يصعد الكلم الطيب [فاطر: 10] هذا يوجب أنه فوق العرش فوق الأشياء كلها متنزه عن الدخول في خلقه لا يخفى عليه(2\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "241",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2273",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منهم خافية لأنه أبان في هذه الآيات أنه أراد أنه بنفسه فوق عباده ; لأنه قال: أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض [الملك: 16] يعني فوق العرش والعرش على السماء لأن من (قد) كان فوق كل شيء على السماء في السماء وقد قال: فسيحوا في الأرض أربعة أشهر [التوبة: 2] أي على الأرض لا يريد الدخول في جوفها وكذلك قوله: يتيهون في الأرض [المائدة: 26] يعني: على الأرض وكذلك قوله تعالى: ولأصلبنكم في جذوع النخل [طه: 71] يعني: فوقها عليها وقال في موضع آخر: quot; فبين quot; عروج الأمر وعروج الملائكة ثم وصف وقت عروجها بالارتفاع صاعدة إليه فقال: في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة [المعارج: 4] فذكر صعودها إليه ووصولها (بقوله) إليه كقول القائل: اصعد إلى فلان في ليلة أو يوم وذلك أنه في العلو وأن صعودك إليه في يوم فإذا صعدوا إلى العرش فقد صعدوا إلى الله عز وجل وإن كانوا لم يروه ولم يساووه في الارتفاع في علوه فإنهم صعدوا من الأرض وعرجوا بالأمر إلى العلو الذي الله تعالى فوقه وقال تعالى: بل رفعه الله إليه [النساء: 158] ولم يقل: عنده وقال فرعون: ياهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب - أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى [غافر: 36 - 37] ثم استأنف وقال: وإني لأظنه كاذبا [غافر: 37] يعني: فيما قال أن إلهه فوق السماوات فبين الله عز وجل أن فرعون ظن بموسى أنه كاذب فيما قال له وعمد إلى طلبه حيث قال له مع الظن بموسى أنه كاذب ولو أن موسى قال إنه في كل مكان بذاته لطلبه في بيته أو حشه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا quot; ولم(2\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "242",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2274",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يجهد نفسه ببناء الصرح quot;.  [قول إمام الصوفية في وقته الإمام العارف أبو عبد الله عمرو بن عثمان المكي] (قول إمام الصوفية في وقته) : الإمام العارف أبو عبد الله عمرو بن عثمان المكي قال في كتابه آداب المريدين والتعرف بأحوال العباد. . . في باب ما يجيء به الشيطان quot; للتائبين quot; من الوسوسة. وأما الوجه الثالث الذي يأتي به الناس إذا هم امتنعوا عليه واعتصموا بالله فإنه يوسوس لهم في أمر الخالق ليفسد عليهم أصول التوحيد وذكر كلاما طويلا إلى أن قال: فهذا من أعظم ما يوسوس به في التوحيد بالتشكيك وفي صفات الرب بالتشبيه والتمثيل أو بالجحد لها والتعطيل وأن يدخل عليهم مقاييس عظمة الرب بقدر عقولهم فيهلكوا (إن قبلوا) أو يضعضع أركانهم إلا أن يلجئوا في ذلك إلى العلم وتحقيق المعرفة بالله عز وجل من حيث أخبر عن نفسه ووصف به نفسه ووصفه به رسوله فهو تعالى القائل: أنا الله لا الشجرة الجائي هو لا أمره المستوي على عرشه بعظمة جلاله دون كل مكان الذي كلم موسى تكليما وأراه من آياته عظيما فسمع موسى كلام الله الوارث لخلقه السميع لأصواتهم الناظر بعينه إلى أجسامهم يداه مبسوطتان وهما غير نعمته وقدرته وخلق آدم بيده ثم ساق(2\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "243",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2275",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كلاما طويلا في السنة وهو رحمه الله من نظراء الجنيد وأعيان مشايخ القوم توفي سنة إحدى وتسعين ومائتين ببغداد.  [قول أبي جعفر الهمداني الصوفي] (قول أبي جعفر الهمداني الصوفي) ذكر محمد بن طاهر المقدسي محدث الصوفية في كتابه عنه أنه حضر مجلس أبي المعالي الجويني وهو يقول: كان الله ولا عرش وهو الآن على ما كان عليه. . . وكلاما من هذا المعنى. فقال: يا شيخ دعنا من ذكر العرش وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا فإنه ما قال عارف قط يا الله إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب العلو ولا يلتفت يمنة ولا يسرة فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا قال: فصرخ أبو المعالي ولطم على رأسه وقال: حيرني الهمداني حيرني الهمداني.(2\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "244",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2276",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[قول الإمام العارف معمر بن أحمد الأصبهاني] (قول الإمام العارف معمر بن أحمد الأصبهاني) شيخ الصوفية في أواخر المائة الرابعة قال في رسالة: أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة وموعظة من الحكمة وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين قال فيها: وإن الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل والاستواء معقول والكيف مجهول وأنه عز وجل بائن من خلقه والخلق بائنون منه بلا حلول ولا ممازجة ولا اختلاط ولا ملاصقة ; لأنه الفرد البائن من الخلق الواحد الغني عن الخلق وأن الله سميع بصير عليم خبير يتكلم ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكا وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء فيقول: هل من داع فأستجيب له هل من تائب فأتوب عليه حتى يطلع الفجر. ونزول الرب إلى السماء بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال.  [قول الشيخ الإمام العارف قدوة العارفين الشيخ عبد القادر الجيلاني] (قول الشيخ الإمام العارف قدوة العارفين الشيخ عبد القادر الجيلاني) قدس الله روحه قال في كتابه quot; تحفة المتقين وسبيل العارفين quot; في باب اختلاف المذاهب في صفات الله عز وجل وفي ذكر اختلاف الناس في الوقف عند قوله: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم [آل عمران: 7] إلى أن قال والله تعالى بذاته على العرش وعلمه محيط بكل مكان والوقف عند أهل الحق على قوله: إلا الله [آل عمران: 7] وقد روي ذلك عن فاطمة بنت رسول الله(2\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "245",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2277",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلى الله عليه وآله وسلم وهذا الوقف حسن لمن اعتقد أن الله بذاته فوق العرش ويعلم ما في السماوات والأرض إلى أن قال: ووقف جماعة من منكري استواء الرب عز وجل على قوله: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] وابتدءوا بقوله: استوى له ما في السماوات وما في الأرض [طه: 5] يريدون بذلك نفي الاستواء الذي وصف به نفسه وهذا خطأ منهم لأن الله تعالى استوى على العرش بذاته. وقال في كتابه quot; الغنية quot;: أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار فهو: أن تعرف وتتيقن أن الله واحد أحد إلى أن قال وهو بجهة العلو مستو على العرش محتو على الملك محيط علمه بالأشياء: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر: 10]  (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) . فلا يجوز وصفه بأنه في كل مكان بل يقال: إنه في السماء على العرش استوى كما قال الله تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] وساق آيات وأحاديث ثم قال: وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل وأنه استواء الذات على العرش ثم قال: وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف. هذا نص كلامه في الغنية.  [قول أبي عبد الله بن خفيف الشيرازي] (قول أبي عبد الله بن خفيف الشيرازي) إمام الصوفية في وقته قال في كتابه الذي سماه(2\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "246",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2278",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء والصفات قال في آخر خطبته: فاتفقت أقوال المهاجرين والأنصار في توحيد الله ومعرفة أسمائه وصفاته وقضائه وقدره قولا واحدا وشرطا ظاهرا وهم الذين نقلوه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك حين قال: ( عليكم بسنتي ) فكانت كلمة الصحابة على الاتفاق من غير اختلاف وهم الذين أمرنا بالأخذ عنهم إذ لم يختلفوا بحمد الله في أحكام التوحيد وأصول الدين من الأسماء والصفات كما اختلفوا في الفروع ولو كان منهم في ذلك اختلاف لنقل إلينا كما نقل إلينا سائر الاختلاف. ثم ذكر حديث يلقى في النار وتقول: هل من مزيد حتى يضع الجبار فيها رجله وحديث: الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر قدره إلا الله ثم ذكر حديث الصور إلى أن قال: ونعتقد أن الله قبض قبضتين فقال: هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار إلى أن قال: ومما نعتقد أن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الأخير فيبسط يديه ويقول: هل من سائل الحديث. وليلة النصف (من شعبان) وعشية عرفة وذكر الحديث في ذلك (ونعتقد أن الله يتولى حساب الخلق بنفسه) ونعتقد أن الله خص محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بالرؤية واتخذه خليلا.  [قول شيخ الإسلام أبي إسماعيل عبد الله الأنصاري] (قول شيخ الإسلام أبي إسماعيل عبد الله الأنصاري) صاحب كتاب منازل السائرين(2\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "247",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2279",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والفاروق وذم الكلام وغيره صرح في كتابه بلفظ الذات في العلو وأنه استوى بذاته على عرشه قال: ولم تزل أئمة السلف تصرح بذلك ومن أراد معرفة صلابته في السنة والإثبات فليطالع كتابيه الفاروق وذم الكلام.  [قول شيخ الصوفية والمحدثين أبي نعيم صاحب كتاب حلية الأولياء] (قول شيخ الصوفية والمحدثين أبي نعيم صاحب كتاب حلية الأولياء) قال في عقيدته: وأن الله سميع بصير عليم خبير يتكلم ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكا وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف يشاء فيقول: هل من داع فأستجيب له هل من مستغفر فأغفر له هل من تائب فأتوب عليه حتى يطلع الفجر ونزول الرب تعالى إلى سماء الدنيا بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال وسائر الصفوة العارفين على هذا. ثم قال: وأن الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل فالاستواء معقول والكيف مجهول وأنه سبحانه بائن من خلقه وخلقه بائنون منه بلا حلول ولا ممازجة ولا اختلاط ولا ملاصقة ; لأنه الفرد البائن من الخلق والواحد الغني عن الخلق. وقال أيضا: طريقنا طريق السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة وساق ذكر اعتقادهم ثم قال: وأن مما اعتقدوه أن الله في سمائه دون أرضه وساق بقيته.  [قول الإمام يحيى بن عمار السجزي] (قول الإمام يحيى بن عمار السجزي) : شيخ أبي إسماعيل الأنصاري إمام الصوفية في وقته قال في رسالته في السنة بعد كلام: بل نقول هو بذاته على العرش وعلمه محيط بكل شيء وسمعه وبصره وقدرته مدركة لكل شيء وهو معنى قول الله تعالى: وهو معكم [الحديد: 4] ورسالته(2\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "248",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2280",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "موجودة مشهورة.  [قول عتبة الغلام] : قال محمد بن فهد المديني كان عتبة يصلي هذا الليل الطويل فإذا فرغ رفع رأسه إلى السماء وقال: سيدي إن تعذبني فإني أحبك وإن تعف عني فإني أحبك.  [أقوال الشارحين لأسماء الله الحسنى] [قول القرطبي في شرحه] [أقوال الشارحين لأسماء الله الحسنى] (قول القرطبي في شرحه) قال: وقد كان الصدر الأول لا ينفون الجهة بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على العرش حقيقة وخص العرش بذلك دون غيره ; لأنه أعظم مخلوقاته وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته كما قال مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عن الكيف بدعة. وكذلك قالت أم سلمة ثم ذكر كلام أبي بكر الحضرمي في رسالته التي سماها بالإيماء إلى مسألة الاستواء وحكايته عن القاضي عبد الوهاب أنه استواء الذات على العرش وذكر أن ذلك قول القاضي أبي بكر بن الطيب الأشعري(2\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "249",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2281",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كبير الطائفة وأن القاضي عبد الوهاب نقله عنه نصا وأنه قول الأشعري وابن فورك في بعض كتبه وقول الخطابي وغيره من الفقهاء والمحدثين قال القرطبي: وهو قول أبي عمر بن عبد البر والطلمنكي وغيرهما من الأندلسيين ثم قال بعد أن حكى أربعة عشر قولا: وأظهر (هذه) الأقوال ما تظاهرت عليه الآي والأخبار (وقال (جميع) الفضلاء الأخيار) : إن الله على عرشه كما أخبر في كتابه وعلى لسان نبيه بلا كيف بائن من جميع خلقه هذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم الثقات.(2\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "250",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2282",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[أقوال أئمة الكلام من أهل الإثبات المخالفين للجهمية والمعتزلة والمعطلة] [قول الإمام أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب إمام الطائفة الكلابية] (قول الإمام أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب) إمام الطائفة الكلابية كان من أعظم أهل الإثبات للصفات والفوقية وعلو الله على عرشه منكرا لقول الجهمية وهو أول من عرف عنه إنكار قيام الأفعال الاختيارية بذات الرب تعالى وأن القرآن معنى قائم بالذات وهو أربع معان: ونصر طريقته أبو العباس القلانسي وأبو الحسن الأشعري. وخالفه في بعض الأشياء ولكنه على طريقته في إثبات الصفات والفوقية وعلو الله على عرشه كما سيأتي حكاية كلامه بألفاظه قال ابن كلاب في بعض كتبه: وأخرج من الأثر والنظر (قول) من قال: إن الله سبحانه لا داخل العالم ولا خارجه حكاه عنه شيخ الإسلام في عامة كتبه الكلامية وحكى عنه أبو الحسن الأشعري أنه كان يقول: إن الله مستو على عرشه - كما قال - وأنه فوق كل شيء هذا لفظ حكاية الأشعري عنه وحكى عنه أبو بكر بن فورك فيما جمعه من مقالاته في كتاب المجرد وأخرج من النظر والخبر قول من قال لا (هو) في العالم ولا خارج منه فنفاه نفيا مستويا ; لأنه لو قيل له صفه بالعدم ما قدر أن يقول أكثر من هذا ورد أخبار الله نصا وقال في ذلك ما لا يجوز في نص ولا معقول وزعم أن هذا هو التوحيد الخالص والنفي(2\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "251",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2283",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخالص عندهم هو الإثبات الخالص وهم عند أنفسهم قياسون قال: وإن قالوا هذا إفصاح منكم بخلو الأماكن منه وانفراد العرش به قيل: إن كنتم تعنون خلو الأماكن من تدبيره وأنه غير عالم بهما فلا وإن كنتم تريدون خلوها من استوائه عليها كما استوى على العرش فنحن لا نحتشم أن نقول: استوى الله على العرش ونحتشم أن نقول: استوى على الأرض واستوى على الجدار وفي صدر البيت. قال ابن كلاب: يقال لهم (أيضا) هو فوق ما خلق فإن قالوا: نعم قيل لهم: ما تعنون بقولكم: إنه فوق ما خلق فإن قالوا بالقدرة والعزة قيل (لهم) : ليس هذا سؤالنا وإن قالوا المسألة خطأ قيل لهم: فليس هو فوق فإن قالوا: نعم ليس هو فوق قيل لهم: وليس هو تحت فإن قالوا: (لا فوق) ولا تحت أعدموه ; لأن ما كان لا تحت ولا فوق عدم وإن قالوا: هو تحت وهو فوق قيل لهم: فيلزم أن يكون تحت وفوق ثم بسط الكلام في استحالة نفي المباينة والمماسة عنه بالعقل وأن ذلك يلحقه بالعدم المحض. ثم قال: ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - وهو صفوة الله من خلقه - وخيرته من بريته وأعلمهم (جميعا به يجيز السؤال) بالأين واستصوب قول القائل إنه في السماء وشهد له بالإيمان عند ذلك وجهم بن صفوان وأصحابه لا يجيزون الأين بزعمهم ويحيلون القول به قال: لو كان خطأ لكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحق بالإنكار له وكان(2\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "252",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2284",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ينبغي أن يقول لها لا تقولي ذلك فتوهمي أنه محدود وأنه في مكان دون مكان ولكن قولي: إنه في كل مكان ; لأنه هو الصواب دون ما قلت كلا فلقد أجازه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع علمه بما فيه وأنه من الإيمان بل الأمر الذي يجب به الإيمان لقائله ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قالته. وكيف يكون الحق في خلاف ذلك والكتاب ناطق بذلك وشاهد له (قال) ولو لم يشهد لصحة مذهب الجماعة في هذا خاصة إلا ما ذكرناه من هذه الأمور لكان فيه ما يكفي كيف (وقد) غرس في بنية الفطرة ومعارف الآدميين من ذلك ما لا شيء أبين منه ولا أوكد لأنك لا تسأل أحدا من الناس عنه عربيا ولا عجميا ولا مؤمنا ولا كافرا فتقول أين ربك إلا قال: في السماء (إن) أفصح أو أومأ بيده أو أشار بطرفه إن كان لا يفصح ولا يشير إلى غير ذلك من أرض ولا سهل ولا جبل ولا رأينا أحدا إذا عن له دعاء إلا رافعا يديه إلى السماء ولا وجدنا أحدا غير الجهمية يسأل عن ربه فيقول: في كل مكان كما يقولون وهم يدعون أنهم أفضل الناس كلهم فتاهت العقول وسقطت الأخبار واهتدى جهم وخمسون رجلا معهم نعوذ بالله من مضلات الفتن. هذا آخر كلامه.  [قول شيخ الإسلام ابن تيمية] (قول شيخ الإسلام ابن تيمية) قدس الله روحه ولما رجع الأشعري عن مذهب المعتزلة سلك طريق ابن كلاب ومال إلى أهل السنة والحديث وانتسب إلى الإمام أحمد كما قد ذكر ذلك في كتبه كلها كالإبانة والموجز والمقالات وغيرها وكان القدماء من أصحاب أحمد كأبي(2\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "253",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2285",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بكر بن عبد العزيز وأبي الحسين التميمي وأمثالهما يذكرونه في كتبهم على طريق الموافق للسنة في الجملة ويذكرون رده على المعتزلة وأبدى تناقضهم ثم ذكر ما بين الأشعري وقدماء أصحابه وبين الحنابلة من التآلف لاسيما بين القاضي أبي بكر بن الباقلاني وبين أبي الفضل بن التميمي حتى كان ابن الباقلاني يكتب في أجوبته في المسائل كتبه محمد بن الطيب الحنبلي ويكتب أيضا الأشعري قال: وعلى العقيدة التي صنفها أبو الفضل التميمي اعتمد البيهقي في الكتاب الذي صنفه في مناقب أحمد لما ذكر عقيدة أحمد قال: وأما ابن حامد وابن بطة وغيرهما فإنهم مخالفون لأصل قول ابن كلاب قال: والأشعري وأئمة(2\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "254",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2286",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصحابه كأبي الحسن الطبري وأبي عبد الله بن المجاهد والقاضي أبي بكر متفقون على إثبات الصفات الخبرية التي ذكرت في القرآن كالاستواء والوجه واليدين وإبطال تأويلها وليس للأشعري في ذلك قولان أصلا ولم يذكر أحد عن الأشعري في ذلك قولين ولكن لأتباعه قولان في ذلك ولأبي المعالي الجويني في تأويلها قولان: أولها في الإرشاد ورجع عن التأويل في الرسالة النظامية وحرمه ونقل إجماع السلف على تحريمه وأنه ليس بواجب ولا جائز.  [قول أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري] (قول أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري) إمام الطائفة الأشعرية نذكر كلامه فيما وقفنا عليه من كتبه كالموجز والإبانة والمقالات وما نقله عنه أعظم الناس انتصارا له الحافظ أبو القاسم بن عساكر في الكتاب الذي سماه تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعري. ذكر قوله في كتاب الإبانة في أصول الديانة قال أبو القاسم بن(2\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "255",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2287",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عساكر: إذا كان أبو الحسن مستصوب المذهب عند أهل العلم بالمعرفة والانتقاد يوافقه في أكثر ما يذهب إليه أكابر العباد ولا يقدح في معتقده غير أهل الجهل والعناد فلابد أن نحكي عنه معتقده على وجهه بالأمانة ونجتنب أن نزيد فيه أو ننقص منه تركا للخيانة ; لتعلم حقيقة حاله في صحة عقيدته في أصول الديانة فاسمع ما ذكره في (أول) كتابه الذي سماه (الإبانة) فإنه قال: الحمد لله الأحد الواحد العزيز الماجد المتفرد بالتوحيد المتمجد بالتمجيد الذي لا تبلغه صفات العبيد وليس له مثل ولا نديد وهو المبدئ المعيد جل عن اتخاذ الصاحبة والأبناء وتقدس عن ملامسة النساء فليس له عزة تنال ولا حد تضرب فيه الأمثال لم يزل بصفاته أولا قديرا ولا يزال عالما خبيرا سبق الأشياء علمه ونفذت فيها إرادته فلم تعزب عنه خفيات الأمور ولم يغيره سوالف صروف الدهور ولم يلحقه في خلق شيء مما خلق كلال ولا تعب ولا مسه لغوب ولا نصب خلق الأشياء بقدرته ودبرها بمشيئته وقهرها بجبروته وذللها بعزته فذل لعظمته المتكبرون واستكان لعظم ربوبيته المتعظمون وانقطع دون الرسوخ في علمه الممترون وذلت له الرقاب وحارت في ملكوته فطن ذوي الألباب وقامت بكلمته السماوات السبع واستقرت الأرض المهاد وثبتت الجبال الرواسي وجرت الرياح اللواقح وسار في جو السماء السحاب وقامت على حدودها البحار وهو إله قاهر يخضع له المعتزون ويخشع له المترفعون وتطيع طوعا وكرها له العالمون نحمده كما حمد نفسه وكما هو أهله ومستحقه ونستعينه استعانة من فوض إليه أمره وأقر أنه لا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه ونستغفره استغفار مقر بذنبه معترف بخطيئته ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا بوحدانيته وإخلاصا لربوبيته وأنه العالم بما تبطنه الضمائر وتنطوي عليه السرائر وما تخفيه النفوس وما تخزن البحار وما(2\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "256",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2288",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تواري الأسراب وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار وساق خطبة طويلة بين فيها مخالفة المعتزلة لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وإجماع الصحابة إلى أن قال فيها: ودافعوا أن يكون لله وجه مع قوله: ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام [الرحمن: 27] وأنكروا أن يكون لله يدان مع قوله: لما خلقت بيدي [ص: 75] وأنكروا أن يكون لله عينان مع قوله: تجري بأعيننا [القمر: 14] وكقوله: ولتصنع على عيني [طه: 39] ونفوا ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: إن الله ينزل quot; كل ليلة quot; إلى سماء الدنيا . . . إلخ وأنا ذاكر ذلك إن شاء الله تعالى بابا بابا وبه المعونة والتأييد ومنه التوفيق والتسديد. (فإن قال لنا قائل) قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم الذي به(2\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "257",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2289",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تقولون وديانتكم التي بها تدينون قيل له: قولنا الذي به نقول وديانتنا التي بها ندين التمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون ولمن خالفه مخالفون ; لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين فرحمة الله عليه من إمام مقدم وكبير مفهم وعلى جميع أئمة المسلمين. وجملة قولنا أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا نرد من ذلك شيئا وأن الله سبحانه وتعالى إله واحد. أحد فرد صمد لا إله غيره لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأن محمدا عبده ورسوله. . وأن الجنة حق والنار حق quot; وأن quot; الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأن الله تعالى استوى على عرشه كما قال تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] وأن له وجها كما قال تعالى: ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام [الرحمن: 27] وأن له يدين كما قال تعالى: بل يداه مبسوطتان [المائدة: 64] وكما قال تعالى: لما خلقت بيدي [ص: 75] وأن له عينين بلا كيف كما قال تعالى: تجري بأعيننا [القمر: 14] وأن من زعم أن اسم الله غيره كان ضالا وأن لله علما كما قال تعالى: أنزله بعلمه [النساء: 166] وكما قال تعالى: وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه [فاطر: 11] ونثبت لله قوة كما قال تعالى: أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة [فصلت: 15] ونثبت لله السمع والبصر ولا ننفي ذلك كما(2\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "258",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2290",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفته المعتزلة والجهمية والخوارج ونقول: إن (القرآن) كلام الله غير مخلوق وأنه لم يخلق شيئا إلا وقد قال له: كن فيكون كما قال تعالى: إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون [النحل: 40] وأنه لا يكون في الأرض شيء من خير وشر إلا ما شاء الله وأن الأشياء تكون بمشيئة الله وأن أحدا لا يستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله الله ولا يستغني عن الله ولا نقدر على الخروج من علم الله وأنه لا خالق إلا الله وأن أعمال العباد مخلوقة لله مقدورة (له) كما قال تعالى: والله خلقكم وما تعملون [الصافات: 96] وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئا وهم يخلقون كما قال تعالى: هل من خالق غير الله [فاطر: 3] وكما قال تعالى: لا يخلقون شيئا وهم يخلقون [النحل: 20] وكما قال تعالى: أفمن يخلق كمن لا يخلق [النحل: 17] الآية وكما قال تعالى: أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون - أم خلقوا السماوات والأرض [الطور: 35 - 36] وهذا في كتاب الله كثير وأن الله وفق المؤمنين لطاعته ولطف بهم ونظر إليهم وأصلحهم وهداهم وأضل الكافرين ولم يهدهم ولم يلطف بهم بالإيمان كما زعم أهل الزيغ والطغيان ولو لطف بهم وأصلح لكانوا صالحين ولو هداهم لكانوا مهتدين كما قال تعالى: من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون [الأعراف: 178] وأن الله يقدر أن يصلح الكافرين ويلطف بهم(2\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "259",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2291",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حتى يكونوا مؤمنين ولكنه أراد أن يكونوا كافرين كما علم وأنه خذلهم وطبع على قلوبهم وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره وأنا نؤمن بقضاء الله وقدره خيره وشره حلوه ومره ونعلم أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا وأنا لا نملك لأنفسنا نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله وإنا نلجئ أمورنا إلى الله ونثبت الحاجة والفقر في كل وقت إليه ونقول: إن القرآن كلام الله غير مخلوق وأن من قال بخلق القرآن كان كافرا وندين بأن الله يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر ويراه المؤمنون كما جاءت به الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونقول إن الكافرين إذا رآه المؤمنون عنه محجوبون كما قال تعالى: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [المطففين: 15] وأن موسى عليه السلام سأل الله عز وجل الرؤية في الدنيا وأن الله تجلى للجبل فجعله دكا وخر موسى صعقا [الأعراف: 143] وأعلم بذلك موسى أنه لا يراه في الدنيا ونرى أن لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه كالزنا والسرقة وشرب الخمر كما دانت بذلك الخوارج وزعموا أنهم بذلك كافرون ونقول: إن من عمل كبيرة من الكبائر quot; كالزنا والسرقة quot; وما أشبهها مستحلا لها كان كافرا إذا كان غير معتقد لتحريمها ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان وليس كل إسلام إيمانا وندين بأن الله تعالى يقلب القلوب وأن القلوب بين أصبعين من أصابعه وأنه يضع السماوات على أصبع والأرضين على أصبع كما جاءت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وندين بأن لا ننزل أحدا من(2\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "260",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2292",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الموحدين المتمسكين بالإيمان جنة ولا نارا إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة ونرجو الجنة للمذنبين ونخاف عليهم أن يكونوا من أهل النار معذبين ونقول: إن الله يخرج من النار قوما بعدما امتحشوا بشفاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونؤمن بعذاب القبر ونقول: إن الحوض والميزان حق والصراط حق والبعث بعد الموت حق وأن الله يوقف العباد بالموقف ويحاسب المؤمنين وأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ونسلم بالروايات الصحيحة وذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي رواها الثقات عدلا عن عدل حتى تنتهي الرواية إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وندين بحب السلف الذي اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ونثني عليهم بما أثنى الله (به) عليهم ونتولاهم (أجمعين) ونقول: إن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر وأن الله أعز به الدين وأظهره على المرتدين وقدمه المسلمون للإمامة كما قدمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للصلاة ثم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم عثمان بن عفان نضر الله وجهه قتله قاتلوه ظلما وعدوانا ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فهؤلاء الأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلافتهم خلافة النبوة ونشهد للعشرة بالجنة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بها ونتولى سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونكف عما شجر بينهم وندين لله بأن الأئمة الأربعة (خلفاء) راشدون مهديون فضلاء لا يوازيهم في الفضل غيرهم ونصدق جميع الروايات التي رواها أهل النقل من النزول إلى(2\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "261",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2293",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السماء الدنيا وأن الرب تعالى يقول: هل من سائل هل من مستغفر وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافا لما قاله أهل الزيغ والتعطيل ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإجماع المسلمين وما كان في معناه ولا نبتدع في دين الله بدعة لم يأذن الله بها ولا نقول على الله ما لا نعلم ونقول: إن الله يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: وجاء ربك والملك صفا صفا [الفجر: 22] وأن الله يقرب من عباده كيف شاء كما قال تعالى: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ق: 16] وكما قال تعالى: ثم دنا فتدلى - فكان قاب قوسين أو أدنى [النجم: 8 - 9] ومن ديننا أن نصلي الجمعة والأعياد وسائر الصلوات والجماعات خلف كل بر وفاجر كما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان يصلي خلف الحجاج وأن المسح على الخفين quot; سنة quot; في الحضر والسفر خلافا لمن أنكر ذلك و (نرى) الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم وتضليل من رأى الخروج عليهم quot; إذا ظهر منهم ترك الاستقامة وندين بترك الخروج عليهم بالسيف quot; وترك القتال في الفتنة ونقر بخروج الدجال كما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونؤمن بعذاب القبر ومنكر ونكير ومساءلتهما للمدفونين في قبورهم ونصدق بحديث المعراج ونصحح كثيرا من الرؤيا في المنام quot; ونقر quot; أن لذلك تأثيرا ونرى الصدقة عن موتى المسلمين المؤمنين والدعاء لهم ونؤمن أن الله ينفعهم(2\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "262",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2294",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بذلك ونصدق بأن في الدنيا سحرة (وسحرا) وأن السحر كائن موجود في الدنيا وندين بالصلاة على من مات من أهل القبلة مؤمنهم وفاجرهم ونوارثهم ونقر أن الجنة والنار مخلوقتان وأن من مات (أو قتل) فبأجله مات أو قتل. وأن الأرزاق من قبل الله عز وجل يرزقها (الله) عباده حلالا وحراما وأن الشيطان يوسوس للإنسان ويشككه ويتخبطه خلافا لقول المعتزلة والجهمية كما قال الله عز وجل: الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس [البقرة: 275] وكما قال تعالى: من شر الوسواس الخناس - الذي يوسوس في صدور الناس - من الجنة والناس [الناس: 4 - 6] ونقول: إن الصالحين يجوز أن يخصهم الله بآيات يظهرها عليهم وقولنا في أطفال المشركين أن الله يؤجج لهم نارا في الآخرة ثم يقول لهم: اقتحموها كما جاءت الرواية بذلك وندين بأن الله تعالى يعلم ما العباد عاملون وإلى ماهم صائرون وأن الله يعلم ما كان وما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون وبطاعة الأئمة ونصيحة المسلمين ونرى مفارقة كل داعية إلى بدعة ومجانبة أهل الأهواء وسنحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقي منه مما لم نذكره بابا بابا. قلت: ثم ذكر الأبواب إلى أن قال: باب quot; ذكر quot; الاستواء quot; على العرش quot; وإن قال قائل: ما تقولون في الاستواء قيل له: quot; نقول quot;: إن الله مستو على عرشه كما قال تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] وقال تعالى: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر: 10](2\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "263",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2295",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال تعالى: بل رفعه الله إليه [النساء: 158] وقال تعالى حكاية عن فرعون: ياهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب - أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا [غافر: 36 - 37] كذب quot; فرعون quot; موسى في قوله: إن الله فوق السماوات وقال الله عز وجل: أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض [الملك: 16] فالسماوات فوقها العرش فلما كان العرش فوق quot; السماوات قال: أأمنتم من في السماء [الملك: 16] ; لأنه مستو على العرش الذي فوق quot; السماوات وكان كل ما علا فهو سماء quot; فالعرش أعلى السماوات quot; وليس إذا قال: أأمنتم من في السماء [الملك: 16] يعني: جميع السماوات وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات ألا ترى أنه ذكر السماوات فقال: وجعل القمر فيهن نورا [نوح: 16] ولم يرد أنه يملأهن جميعا. . . ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء ; لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السماوات فلولا أن الله تعالى على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش. ثم قال: ومن دعاء أهل الإسلام إذا هم رغبوا إلى الله تعالى يقولون: يا ساكن العرش ومن حلفهم يقولون لا والذي احتجب بسبع وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية أن معنى استوى: استولى وملك وقهر وأن الله في كل مكان وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق: وذهبوا في الاستواء إلى القدرة فلو كان كما قالوا: كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة ; لأن الله قادر على كل شيء والأرض فالله قادر عليها وعلى الحشوش فلو كان مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء لجاز أن يقال: إن الله مستو على الأشياء كلها ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقال: إن الله مستو على الحشوش والأخلية فبطل أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء ثم بسط الأدلة على هذه المسألة من الكتاب والسنة والعقل ولولا خشية الإطالة لسقناها بألفاظها. وقال الأشعري في كتاب الأمالي quot; باب القول في الأماكن زعمت النجارية أن الله بكل مكان على معنى الصنع(2\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "264",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2296",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتدبير واختلف أصحاب الصفات في ذلك فقال أبو محمد عبد الله بن كلاب: إن الله لم يزل لا في مكان وهو اليوم لا في مكان وقال آخرون منهم: إنه مستو على عرشه بمعنى أنه عال عليه كما قال تعالى: وهو القاهر فوق عباده [الأنعام: 18] وقال تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] فامتدح نفسه بأنه على العرش استوى بمعنى أنه علا عليه وعلمنا أنه لم يزل عاليا رفيعا قبل خلق الأشياء وقبل خلق العرش الذي هو عال عليه سبحانه وبحمده. ذكر كلامه في كتابه الكبير في إثبات الصفات وقد ذكر ترجمة هذا الكتاب في كتابه الذي سماه العمدة في الرؤية فقال: وألفنا كتابا كبيرا في الصفات تكلمنا على أصناف المعتزلة والجهمية المخالفين لنا في نفيهم علم الله تعالى وقدرته وسائر صفاته وعلى أبي الهذيل ومعمر والنظام وفي فنون كثيرة من فنون الصفات في إثبات الوجه واليدين وفي إثبات استواء الرب سبحانه على العرش ثم ساق مضمونه ذكر كلامه في كتاب جمل المقالات قال: الحمد لله ذي العزة والإفضال والجود والنوال أحمده على ما خص وعم من نعمه وأستعينه على أداء فرائضه وأسأله الصلاة على خاتم رسله أما بعد فإنه لابد لمن أراد معرفة الديانات والتمييز بينها من معرفة المذاهب والمقالات ورأيت الناس في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات quot; ويصنفون quot; في النحل والديانات من بين مقصر فيما يحكيه وغالط فيما يذكره من(2\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "265",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2297",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قول مخالفه ومن بين متعمد الكذب في الحكاية إذا أراد التشنيع على من يخالفه ومن بين تارك التقصي في روايته لما يرويه من اختلاف المختلفين ومن بين من يضيف إلى قول مخالفيه ما يظن أن الحجة تلزمهم به وليس هذا سبيل الربانيين ولا سبيل الفطنة المميزين فحداني ما رأيت من ذلك على شرح ما التمس شرحه من أمر المقالات واختصار ذلك وترك الإطالة والإكثار وأنا مبتدئ بشرح ذلك بعون الله وقوته. وساق حكاية مذاهب الناس إلى أن قال: هذه حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة: جملة ما عليه أهل الحديث والسنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يردون من ذلك شيئا (وأن) الله إله واحد أحد فرد صمد لا إله غيره لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة حق والنار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأن الله على عرشه كما قال تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] وأن الله له يدين بلا كيف كما قال تعالى: لما خلقت بيدي [ص: 75] وقال تعالى: بل يداه مبسوطتان [المائدة: 64] وأن له عينين بلا كيف كما قال تعالى: تجري بأعيننا [القمر: 14] وأن له وجها كما قال تعالى: ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام [الرحمن: 27] إلى أن قال: (ويقولون) إن القرآن كلام الله غير مخلوق والكلام في الوقف واللفظ من قال باللفظ أو بالوقف فهو مبتدع عندهم لا يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق ولا يقال: غير مخلوق ويقولون: إن الله يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون ; لأنهم عن الله محجوبون. وأن موسى سأل الله الرؤية في الدنيا(2\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "266",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2298",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأن الله تجلى للجبل فجعله دكا فأعلمه بذلك أنه لا يرى في الدنيا ثم ساق بقية قولهم. وقال في هذا الكتاب: وقال أهل السنة أصحاب الحديث ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على العرش كما قال تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] ولا نتقدم بين يدي الله في القول بل نقول: استوى بلا كيف وأنه نور كما قال تعالى: الله نور السماوات والأرض [النور: 35] وأن له وجها كما قال تعالى: ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام [الرحمن: 27] وأن له يدين كما قال تعالى: لما خلقت بيدي [ص: 75] وأن له عينين كما قال تعالى: تجري بأعيننا [القمر: 14] وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال تعالى: وجاء ربك والملك صفا صفا [الفجر: 22] وأنه ينزل إلى سماء الدنيا كما جاء في الحديث ولم يقولوا شيئا إلا ما وجدوه في الكتاب أو جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقالت المعتزلة: إن الله استوى على عرشه بمعنى استولى هذا نص كلامه. وقال في هذا الكتاب أيضا: وقالت المعتزلة في قول الله عز وجل: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] يعني: استولى قال: وتأولت اليد بمعنى النعمة وقوله: تجري بأعيننا [القمر: 14] أي(2\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "267",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2299",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعلمنا قال وأما الوجه فإن المعتزلة قالت فيه قولين: قال بعضهم: - وهو أبو الهذيل - وجه الله هو الله. وقال غيره: معنى قوله: ويبقى وجه ربك [الرحمن: 27] أي: ويبقى ربك من غير أن يكون ثبت وجها يقال: إنه هو الله ولا يقال ذلك فيه والأشعري إنما حكى تأويل الاستواء بالاستيلاء عن المعتزلة والجهمية وصرح بخلافه وأنه خلاف قول أهل السنة وكذلك قال محيي السنة الحسين بن مسعود البغوي في تفسيره تابعا لأبي الحسن الأشعري رحمه الله تعالى.  [قول القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني الأشعري] (قول القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني الأشعري) قال في كتاب التمهيد في أصول الدين وهو من أشهر كتبه: فإن قال قائل: فهل تقولون إن الله في كل مكان قيل: معاذ الله بل هو مستو على العرش كما أخبر في كتابه فقال عز وجل: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] وقال تعالى: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر: 10] وقال: أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض [الملك: 16] ولو كان في كل مكان لكان في جوف الإنسان وفي فمه وفي الحشوش وفي المواضع التي يرغب عن ذكرها تعالى الله عن ذلك ولو كان في كل مكان لوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن خلقه وينقص بنقصانها إذا بطل (منها) ما كان quot; ولصح quot; أن يرغب إليه نحو الأرض وإلى وراء ظهورنا وعن أيماننا(2\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "268",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2300",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعن شمائلنا وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله. ثم قال في قوله تعالى: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله [الزخرف: 84] المراد: أنه إله عند أهل السماء وإله عند أهل الأرض كما تقول العرب: فلان نبيل مطاع في المصرين أي عند أهلهما وليس يعنون أن ذات المذكور بالحجاز والعراق موجودة وقوله تعالى: إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون [النحل: 128] يعني: بالحفظ والنصر والتأييد ولم يرد أن ذاته معهم تعالى وقوله تعالى: إنني معكما أسمع وأرى [طه: 46] محمول على هذا التأويل وقوله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم [المجادلة: 7] يعني: أنه عالم بهم وبما خفي من سرهم ونجواهم وهذا إنما يستعمل كما ورد به القرآن فلذلك لا يجوز أن يقال قياسا على هذا: إن الله بالبردين مدينة السلام ودمشق وأنه مع الثور والحمار وأنه مع الفساق والمجان ومع المصعدين إلى حلوان قياسا على قوله: إن الله مع الذين اتقوا [النحل: 128] فوجب أن يكون التأويل على ما وصفناه ولا يجوز أن يكون معنى استوائه على العرش هو استيلاؤه كما قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق لأن الاستيلاء هو القدرة والقهر والله تعالى لم يزل قادرا قاهرا عزيزا مقتدرا وقوله: (ثم استوى) يقتضي استفتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن فبطل ما قالوه ثم قال: باب فإن قال قائل: ففصلوا لي صفات ذاته من صفات أفعاله لأعرف ذلك قيل له: صفات ذاته هي التي لم يزل ولا يزال موصوفا بها وهي الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والبقاء والوجه واليدان والعينان والغضب(2\/300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "269",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2301",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والرضا ; وصفات فعله هي الخلق والرزق والعدل والإحسان والتفضل والإنعام والثواب والعقاب والحشر والنشر وكل صفة كان موجودا قبل فعله لها. ثم ساق الكلام في الصفات. وقال في جوابات للمسائل التي سأله عنها أهل بغداد في رسالته التي بين فيها اتفاق الحنابلة والأشاعرة قد عرفت انزعاجكم واستيجاشكم واهتمامكم بما أفشاه قوم من عامة المسجلين للسنة وأتباع السلف الصالح من الأئمة المطهرين المتخصصين بمذهب أبي عبد الله أحمد بن حنبل من ادعائهم مخالفة شيخنا أبي الحسن الأشعري لأهل السنة وأصحاب الحديث في القرآن وما يضيفونه إليه من أنه كان يقف في إكفار من يقول من المعتزلة والخوارج والبخارية والجهمية والمرجئة بخلق القرآن ولا نقطع بأنهم كفار. إلى أن قال: واعلموا أن مذهبنا ومذهب أبي الحسن الذي سطره في سائر كتبه الكبار والمختصرات هو مذهب الجماعة وسلف الأمة وما مضى عليه الصالحون من الأئمة من أن كلام الله صفة من صفات ذاته غير محدث ولا مخلوق وأنه لم يزل متكلما وذكر الحجة في ذلك: إلى أن قال: وكذلك قولنا في جميع المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفات الله تعالى إذا ثبتت بذلك الرواية من إثبات الوجه له واليدين والعينين اللتين نطق بهما الكتاب. قال الله تعالى: ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام [الرحمن: 27] . وقال: كل شيء هالك إلا وجهه [القصص: 88] . وقال لإبليس: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [ص: 75]  وقال تعالى: بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء [المائدة: 64]  وقال تعالى:(2\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "270",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2302",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولتصنع على عيني [طه: 39]  وقال تعالى: تجري بأعيننا [القمر: 14]  فأثبت لنفسه في نص كتابه: الوجه والعينين واليدين. وروي في الحديث من رواية ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الدجال وأنه أعور. وقال: quot; إن ربكم ليس بأعور quot; فأثبت له العينين وهذا حديث غير مختلف في صحته عند العلماء بالحديث. وهو في صحيح البخاري وقال: فيما روي عنه من الأخبار المشهورة: quot; وكلتا يديه يمين quot; ; يعني أنه سبحانه لا يتعذر عليه بإحداهما ما يأتي بالأخرى كالذي يتعذر على الأيسر ما يأتي بيمينه ونقول أنه يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام والملائكة كما نطق بذلك القرآن وأنه عز وجل ينزل إلى سماء الدنيا فيقول: هل من سائل فيعطى  أو مستغفر فيغفر له  الحديث. وأنه جل ثناؤه مستو على عرشه كما قال تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5]  وقال: ثم استوى على العرش [الأعراف: 54]  وقد بينا أن ديننا ودين الأئمة وأهل السنة أن هذه الصفات تمر كما جاءت من غير تكييف ولا تحديد ولا تجسيم ولا تصوير بل كما جاء بها الحديث وكما روي عن ابن شهاب الزهري وغيره من أئمة الحديث في وجوب إمرارها على ما جاء به الحديث من غير تكييف. وروى الثقات عن مالك أن سائلا سأله عن قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى فقال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.(2\/302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "271",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2303",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فمن تجاوز هذا المروي من الأخبار عن التابعين ومن بعدهم من السلف الصالح وأئمة الحديث والفقه وكيف شيئا من هذه الصفات المروية ومثلها بشيء من جوارحنا وآلاتنا فقد تعدى وأثم وضل وأبدع في الدين ما ليس منه. وقد روي عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي وهو من أئمة الحديث أن الأمير عبد الله بن طاهر سأله فقال: يا أبا يعقوب ما هذا الحديث الذي تروونه: quot; ينزل ربنا إلى سماء الدنيا quot; كيف ينزل فقال إسحاق: أيها الأمير لا يقال لأمر الرب كيف. ذكر قوله في كتاب الإبانة له: ذكر صفة الوجه واليدين والعينين وأثبتها كما ذكر في التمهيد ثم قال: فإن قال قائل: فهل تقولون إنه في كل مكان قيل له: معاذ الله بل هو مستو على عرشه كما أخبر في كتابه ثم ذكر الأدلة على ذلك نقلا وعقلا قريبا مما ذكر في التمهيد وقال في هذا الكتاب أيضا: وصفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفا بها هي الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والبقاء والوجه واليدان والعينان والغضب والرضى. ذكر قوله في رسالة الحيرة قال - في كلام ذكره في الصفات - وأن له وجها ويدين وأنه ينزل إلى سماء الدنيا ثم قال: وأنه مستو على عرشه فاستولى على خلقه ففرق بين الاستواء الخاص وبين الاستيلاء العام.  [قول الحسين بن أحمد الأشعري] (قول الحسين بن أحمد الأشعري) : المتكلم من متكلمي أهل الحديث صاحب جامع الكبير والصغير في أصول الدين قال في جامعه الصغير: فإن قيل: ما الدليل على أن الله تعالى(2\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "272",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2304",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على العرش بذاته قلنا: قوله تعالى: ثم استوى على العرش الرحمن [الفرقان: 59] فإن قالوا: فإن العرب يقولون: استوى فلان على بلد كذا وكذا إذا استولى عليه وقهر قلنا لأصحابنا عن هذا أجوبة: أحدها: أنه لو كان استوى بمعنى استولى لم يكن لتخصيصه العرش بالاستواء معنى لأنه مستول على كل شيء غيره فكان يجوز أن يقال: الرحمن على الجبل استوى وهذا باطل. الثاني: أن العرب لا تدخل ثم إلا لأمر مستقبل سيكون والله تعالى لم يزل قاهرا قادرا مستوليا على الأشياء فلم يكن بزعمهم لقوله: ثم استوى على العرش [الأعراف: 54] معنى. الثالث: أن الاستواء بمعنى الاستيلاء لا يكون عند العرب إلا بعد أن يكون ثم مغالب يغالبه فإذا غلبه وقهره قيل: قد استولى عليه فلما لم يكن مع الله مغالب لم يكن معنى استوائه على عرشه استيلائه عليه وغلبته وصح أن استواءه (عليه) هو علوه وارتفاعه عليه بلا حد ولا كيف ولا تشبيه. ثم ذكر قول الخليل بن أحمد وابن الأعرابي أن الاستواء في اللغة هو العلو والرفعة ; لأنهم يقولون: استوت الشمس إذا تعالت واستوى الرجل على ظهر دابته إذا علاها وقوله تعالى: واستوت على الجودي [هود: 44] أي: ارتفعت عليه وقوله تعالى: ولما بلغ أشده واستوى [القصص: 14] أي: ارتفع عن حال النقصان إلى حال الكمال وقوله: استوى أمر فلان أي ارتفع وعلا عن الحال التي كان عليها من الضعف وسوء الحال وساق الكلام.  [ذكر قول الإمام فخر الدين الرازي] (ذكر قول الإمام فخر الدين الرازي) في آخر كتبه وهو كتاب أقسام اللذات الذي(2\/304)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "273",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2305",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صنفه في آخر عمره وهو كتاب مفيد ذكر فيه أقسام اللذات وبين أنها ثلاثة: الحسية: كالأكل والشرب والنكاح واللباس. واللذة الخيالية الوهمية: كلذة الرياسة والأمر والنهي والترفع ونحوها. واللذة العقلية: كلذة العلوم والمعارف. وتكلم عن كل واحد من هذه الأقسام إلى أن قال: وأما اللذة العقلية: فلا سبيل إلى الوصول إليها والتعلق بها فلهذا السبب نقول: يا ليتنا بقينا على العدم الأول وليتنا ما شهدنا هذا العالم وليت النفس لم تتعلق بهذا البدن وفي هذا المعنى قلت: نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال  ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا وكم قد رأينا من رجال ودولة ... فبادوا جميعا مسرعين وزالوا وكم من جبال قد علت شرفاتها ... رجال فزالوا والجبال جبال واعلم أنه بعد التوغل في هذه المضائق والتعميق في الاستكشاف عن أسرار هذه الحقائق رأيت الأصوب الأصلح في هذا الباب طريقة القرآن العظيم والفرقان الكريم وهو ترك التعمق والاستدلال بأقسام أجسام السماوات والأرضين على وجود رب العالمين ثم المبالغة في التعظيم من غير خوض في التفاصيل فاقرأ في التنزيه قوله تعالى: والله الغني وأنتم الفقراء [محمد: 38] وقوله تعالى: ليس كمثله شيء [الشورى: 11] وقوله تعالى: قل هو الله أحد [الإخلاص: 1]  واقرأ في الإثبات قوله: الرحمن على العرش استوى [طه: 5]  وقوله تعالى: يخافون ربهم من فوقهم [النحل: 50] وقوله تعالى: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر: 10]  وقوله تعالى: قل كل من عند الله [النساء: 78]  وفي تنزيهه عما لا ينبغي قوله: ما أصابك من حسنة فمن الله [النساء: 79](2\/305)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "274",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2306",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الآية وعلى هذا القانون فقس وختم الكتاب.  [قول متكلم السنة إمام الصوفية في وقته أبي العباس أحمد بن محمد المظفري] (قول متكلم السنة إمام الصوفية في وقته أبي العباس أحمد بن محمد المظفري) : المختار الرازي صاحب كتاب فرع الصفات في تقريع نفاة الصفات وهو على صغر حجمه كتاب جليل غزير العلم قال فيه بعد حكاية مذاهب الناس: وقالت الحنابلة وأصحاب الظواهر والسلف من أهل الحديث: إن الله على العرش ثم قال: أما حجة المثبتين فمن حيث الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والمعقول ثم ذكر حجج القرآن والسنة ثم حكى كلام الصحابة إلى أن قال: ثم إن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في النبي صلى الله عليه وآله وسلم هل رأى ربه ليلة المعراج أم لا واختلافهم في الرؤية تلك الليلة اتفاق منهم على أن الله على العرش لأن المخالفين لا يفرقون بين الأرض والسماء بالنسبة إلى ذاته فهم فرقوا حيث اختلفوا في أحدهما دون الآخر. قلت: مراده (أنهم) إنما اختلفوا في رؤيته لربه ليلة أسرى به إلى عنده فجاوز السبع الطباق ولولا أنه على العرش لكان لا فرق في الرؤية نفيا ولا إثباتا في تلك الليلة وغيرها. ثم قال: وأما المعقول فمن وجوه خمسة: أحدها: إطباق الناس كافة وإجماع الخلق عامة من الماضين والغابرين والمؤمنين والكافرين على رفع الأيدي إلى السماء عند السؤال والدعاء بخلاف السجود فإنه تواضع متعارف وبخلاف التوجه إلى الكعبة فإنه تعبد غير معقول أما رفع الأيدي بالسؤال نحو المسئول فأمر معقول متعارف قال: ومن نظر في قصص الأنبياء وأخبار الأوائل(2\/306)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "275",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2307",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القدماء وأنباء الأمم الماضية والقرون الخالية اتضحت له هذه المعاني واستحكمت له هذه المباني ثم قرر العلو وساق شبه النفاة ونقضها نقض من يقلع غروسها كل القلع رحمه الله تعالى.  [قول شعراء الإسلام من الصحابة رضي الله تعالى عنهم] [قول حسان بن ثابت] [قول شعراء الإسلام من الصحابة رضي الله تعالى عنهم] (قول حسان بن ثابت) : شاعر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال محمد بن عثمان الحافظ: صح عن حبيب بن أبي ثابت عن حسان أنه أنشد النبي صلى الله عليه وآله وسلم شعرا: شهدت بإذن الله أن محمدا ... رسول الذي فوق السماوات من عل وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما ... له عمل من ربه متقبل وأن أخا الأحقاف إذ قام فيهم ... يقول بذات الله فيهم ويعدل فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: وأنا أشهد  وقال حسان أيضا في قصيدته الدالية في مدح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شعرا: ألم تر أن الله أرسل عبده ... ببرهانه والله أعلى وأمجد(2\/307)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "276",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2308",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد ... وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد ... أغر عليه للنبوة خاتم من الله ميمون يلوح ويشهد  [قول عبد الله بن رواحة] (قول عبد الله بن رواحة) : قال أبو عمر بن عبد البر: صح عن عبد الله بن رواحة أن امرأته رأته مع جاريته فذهبت لتأخذ سكينا فقال: ما فعلت فقالت: بلى قد رأيتك قال: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد نهى عن قراءة القرآن قالت: فاقرأ فقال شعرا:  شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا وتحمله ملائكة كرام ... ملائكة الإله مسومينا  فقالت: صدق الله وكذب بصري فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره فضحك حتى بدت نواجذه  قال محمد بن عثمان الحافظ: رويت هذه القصة من وجوه (صحاح) عن ابن رواحة.(2\/308)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "277",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2309",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[قول العباس بن مرداس السلمي] (قول العباس بن مرداس السلمي) : قال عوانة بن الحكم: لما استخلف عمر بن عبد العزيز وفد إليه الشعراء فأقالوا ببابه أياما لا يؤذن لهم فبينما هم كذلك مر بهم عدي بن أرطاة فدخل على عمر فقال: الشعراء ببابك يا أمير المؤمنين فقال: ويحك ما لي وللشعراء قال: فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد امتدح (فأعطى) فامتدحه العباس بن مرداس الأسلمي فأعطاه حلة. قال: أوتروي من شعره شيئا قال: نعم فأنشده عدي بن أرطاة قوله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: رأيتك يا خير البرية كلها ... نشرت كتابا جاء بالحق معلنا شرعت لنا دين الهدى بعد جورنا ... عن الحق لما أصبح الحق مظلما تعالى علوا فوق سبع إلهنا ... وكان مكان الله أعلى وأعظما   [قول لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك العامري الشاعر] (قول لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك العامري الشاعر) أحد شعراء الجاهلية والإسلام(2\/309)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "278",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2310",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أسلم وصحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن شعره: لله نافلة الأجل الأفضل ... وله العلى وأثيث كل مؤثل لا يستطيع الناس محو كتابه ... أنى وليس قضاؤه بمبدل سوى فأعلى دون غرة عرشه ... سبعا طباقا فوق فرع المعقل والأرض تحتهم مهادا راسيا ... ثبتت جوانبها بصم الجندل  [ذكر ما أنشد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من شعر أمية بن أبي الصلت]  الذي شهد لشعره بالإيمان ولقلبه بالكفر: مجدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبناء الأعلى الذي سبق الخلق ... وسوى فوق السماء سريرا شرجعا لا يناله بصر ... العين ترى دونه الملائك صورا معنى شرجعا: أي طويلا وصورا: جمع أصور وهو المائل العنق ومن شعره قوله في داليته(2\/310)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "279",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2311",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المشهورة ذكرها ابن عبد البر وغيره من شعره: لك الحمد والنعماء والملك ربنا ... فلا شيء أعلى منك جدا وأمجد مليك على عرش السماء مهيمن ... لعزته تعنو الوجوه وتسجد عليه حجاب النور والنور حوله ... وأنهار نور حوله تتوقد فلا بشر يسمو إليه بطرفه ... ودون حجاب النور خلق مؤيد وفيها وصف في الملائكة: وساجدهم لا يرفع الدهر ... رأسه يعظم ربا فوقه ويمجد  [ذكر القصيدة التي أنشدها إسماعيل بن فلان الترمذي للإمام أحمد في محبسه]  قال إبراهيم بن إسحاق البعلي: أخذت هذه القصيدة من أبي بكر المروذي وذكر أن إسماعيل بن فلان الترمذي قالها وأنشدها أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وهو في سجن المحنة: تبارك من لا يعلم الغيب غيره ... ومن لم يزل يثنى عليه ويذكر علا في السماوات العلى فوق عرشه ... إلى خلقه في البر والبحر ينظر(2\/311)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "280",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2312",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سميع بصير لا نشك مدبر ومن دونه عبد ذليل مدبر ... يدا ربنا مبسوطتان كلاهما تسحان والأيدي من الخلق تقتر وساق القصيدة وهي من أحسن القصائد لم ينكرها أحد من أهل الحديث بل أثنوا على ناظمها ومدحوه.  [قول حسان السنة في وقته يحيى بن يوسف بن يحيى بن منصور الصرصري الأنصاري] (قول حسان السنة في وقته) المتفق على قبوله الذي سار شعره مسيرة الشمس في الآفاق واتفق على قبوله الخاص والعام أي اتفاق ولم يزل ينشد في الجوامع العظام ولا ينكره أحد من أهل الإسلام يحيى بن يوسف بن يحيى بن منصور الصرصري الأنصاري الإمام في اللغة والفقه والسنة والزهد والتصوف قال في قصيدته العينية التي أولها شعرا: تواضع لرب العرش علك ترفع ... فقد فاز عبد للمهيمن يخضع  وداو بذكر الله قلبك إنه ... لأعلى دواء للقلوب وأنفع  وخذ من تقى الرحمن أمنا ... وعدة ليوم به غير التقي مروع إلى أن قال: سميع بصير ما له في صفاته ... شبيه يرى من فوق سبع ويسمع قضى خلقه ثم استوى فوق عرشه ... ومن علمه لم يخل في الأرض موضع(2\/312)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "281",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2313",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال في لاميته التي أولها: ألذ وأحلى من شمول وشمأل ... وأليق من ذكرى حبيب ومنزل ويوم ينادي العالمين فيسمع ... القصي كدان في المقال المطول أنا الملك الديان والنقل ثابت ... فهل هاهنا ينساغ تأويل جهل وينظره أهل البصائر في غد ... بأبصارهم لا ريب فيه لمجتلي كما ينظرون الشمس ما حال دونها ... سحاب ألا بعدا لأهل التعزل توحد فوق العرش والخلق دونه ... وأحكم ما سواه إحكام مكمل وقال في قصيدته تحفة المريدين التي أولها: أسير وقلبي في رباك أسير ... فهل لي من جور الفراق مجير وأستجلب السلوى وفي القلب حسرة ... فيرتد عنك الطرف وهو حسير وما ذاك إلا أن فيك لناظري بدا ... غصن غض النبات نضير إذا ما تجلى سافرا فجماله ... إلى القلب من جيش الغرام سفير إذا ما اجتمعنا والتفى الشمل فالتقى ... رقيب علينا والعفاف غيور(2\/313)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "282",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2314",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يؤكد عقد الود بيني وبينه اعتقاد عليه للهداية نور ... كلانا محب للإمام ابن حنبل لأسيافنا في شانئيه هبير إلى أن قال: نقر بأن الله جل جلاله ... سميع لأقوال العباد بصير ويطوي السماوات العلى بيمينه ... وذلك في وصف القوي يسير وخاطب موسى بالكلام مكلما ... فخر صريعا إذ تقطع طور وخط له التوراة فيها مواعظ ... فلاحت على الألواح منه دسور وأن قلوب الخلق بين أصابع ... الإله فمنها ثابت ونفور ونثبت في الأخرى لرؤية ربنا ... حديثا رواه في الصحيح جرير وأي نعيم في الجنان لأهلها ... وأنى لهم لو لم يروه سرور إلى أن قال: ونؤمن أن العرش من فوق سبعة ... تطوف به أملاكه وتدور قضى خلقه ثم استوى فوق عرشه ... تقدس كرسي له وسرير هو الله ربي في السماء محجب ... وليس كمخلوق حوته قصور إليه تعالى طيب القول صاعد ... وينزل منه بالقضاء أمور(2\/314)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "283",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2315",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لقد صح إسلام الجويرية التي ... بأصبعها نحو السماء تشير وقال رحمه الله في قصيدته المنامية التي يقول فيها: رأيت رسول الله في النوم مرة ... فقبلت فاه العذب تقبيل مشتاق ولو أنني أوتيت رشدي نائما ... لقبلت ممشاه الكريم بآماقي فبشرني منه بأزكى شهادة بها ... جبر كسري يوم فقري وإملاقي بموت سعيد في كتاب وسنة ... فلانت لبشراه شراسة أخلاقي وها أنا ذا والحمد لله وحده ... مقر لبشراه بأثبت مصداق بأني على حسن اعتقاد ابن حنبل ... مقيم وإن قام العدى لي على ساق أقر بأن الله من فوق عرشه ... يقدر آجالا ويقضي بأرزاق سميع بصير ليس شيء كمثله ... قديم الصفات الواحد الأحد الباقي أمر أحاديث الصفات كما أتت ... أتابع فيها كل أزهر سباق ولست إلى التشبيه يوما بجانح ... ولا قائل تأويل أشدق نهاق وقال رحمه الله في قصيدته اللامية التي نظم فيها اعتقاد الشافعي رضي الله عنه أولها: أيشعر حزب الجهم ذاك المضلل ... بأني حرب للعدى غير أنكل تشن عليهم غيرتي وحميتي ... لدين الهدى غارات أشوس مقبل لوقع قريضي في صميم قلوبهم ... أشد عليهم من سنان ومنصل(2\/315)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "284",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2316",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أفرق منه حين أنظر نحوهم ... مقاتل تصمي منهم كل مقتل هم انحرفوا عن منهج الحق سالكي ... مهالك من تحريفهم والتأول لقد برئ الحبر ابن إدريس منهم ... براءة موسى من يهود محول وتعقد عند الشافعي يمين من ... غدا حالفا بالمصحف المتقبل وهذا دليل منه إذ كان لا يرى ... انعقادا لمخلوق بخلق مؤتل ومذهبه في الاستواء كمالك ... وكالسلف الأبرار أهل التفضل وقل مستو بالذات من فوق عرشه ... ولا تقل استولى فمن قال يبطل فذاك الذي ضد يقابل قسوة ... لذي خطل راو لغث وأخطل وقد بان منه خلقه وهو بائن ... من الخلق محض للخفي وللجلي وأقرب من حبل الوريد مفسرا ... وما كان في معناه بالعلم فاعقل علا في السماء الله فوق عباده ... دليلك في القرآن غير مقلل وإثبات إيمان الجويرية اتخذ ... دليلا عليه مسند غير مرسل وقال رحمه الله في قصيدته اللامية يهجو ابن خنفر الجهمي الخبيث أولها: أطع الهدى لا ما يقول العذل ... فالحب ذو مر يجور ويعدل(2\/316)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "285",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2317",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واتبع لسلمى ما استطعت مسالما ... فالحسن ينصرها وصبرك يخذل بيضاء دون مرامها لمحبها ... بيض الصوارم والرماح الذبل تخفى فيعرفها الوشاة بعرفها ... وتضيء والظلماء ستر مسبل تضحى الدماء بحورها هدرا وهل ... يخشى قصاص القتل طرف أكحل كيف البقاء لعاشق أودى به ... سهم اللحاظ وقد أصيب المقتل نبذ الكتاب وراء ظهر واقتدى ... شيخ الضلالة للصفات يعطل الحق أثبتها تعالى جده ... والتيس ينكرها فجن يقبل وعقيدة الملعون أن المصحف ... المكتوب منبوذ تطوه الأرجل ما قالت الكفار مثل مقاله ... وكذا اليهود ولا النصارى الضلل آل الجحود به إلى واد لظى ... للغاية السفلى فبئس الموئل وزعمت أن الحنبلي مجسم ... حاشا لمثل الحنبلي يمثل بل يورد الأخبار إذ كانت تصححها ... الرواة عن الثقات وتنقل إن المهيمن ليس تمضي ليلة ... إلا وفي الأسحار فيها ينزل قد قالها خير الورى في سادة ... لم ينكروا هذا ولم يتأولوا وتقبلوها مع غزارة علمهم ... أفأنت أم تلك العصابة أعقل وقال رحمه الله في داليته التي أولها: واها لفرط حرارة لا تبرد ... ولواعج بين الحشا تتوقد(2\/317)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "286",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2318",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في كل يوم سنة مدروسة ... بين الأنام وبدعة تتجدد صدق النبي ولم يزل متسربلا ... بالصدق إذ يعد الجميل ويوعد إذ قال تفترق الضلال ثلاثة ... زيدت على السبعين قولا يسند وقضى بأسباب النجاة لفرقة ... تسعى بسنته إليه وتحفد فإن ابتغيت إلى النجاة وسيلة ... فاقبل مقالة ناصح يتقلد إياك والبدع المضلة إنها ... تهدي إلى نار الجحيم وتورد وعليك بالسنن المنيرة فاقفها ... فهي المحجة والطريق الأقصد فالأكثرون بمبدعات عقولهم نبذوا ... الهدى فتنصروا وتهودوا منهم أناس في الضلال تجمعوا ... وبسب أصحاب النبي تفردوا قد فارقوا جمع الهدى وجماعة ... الإسلام واجتنبوا التقى وتمردوا بالله يا أنصار دين محمد نوحوا ... على الدين الحنيف وعددوا لعبت بدينكم الروافض جهرة ... وتألفوا في دحضه وتحشدوا نصبوا حبائلهم بكل مكيدة ... وتغلغلوا في المعضلات وشددوا ورموا خيار الخلق بالكذب الذي ... هم أهله لا من رموه وأفسدوا نقضوا مراتب هن أشرف منصب ... في الفخر من أفق السماء وأمجد الرتبة الصديق جف لسانهم ... يبغون وهي من التناول أبعد أو ما هو السباق في عرف العلى ... ولقد زكى من قبل منه المحتد ولقد أشار بذكره رب العلى ... فثناؤه في المكرمات مشيد(2\/318)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "287",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2319",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نطق الكتاب بمجده الأعلى ففي ... آي الحديد مناقب لا تنقد لا يستوي منكم وفيها مقنع ... والليل يثبت فضله ويؤكد وبراءة تثني بصحبته وهل ... يوهي رفيع علاه إلا ملحد أو ما هو الأتقى الذي استولى على ... الإخلاص طارف ماله والمتلد لما مضى لسبيله خير الورى ... وحوى شمائله صفيح ملحد منع الأعاريب الزكاة لفقده ... وارتد منهم حائر متردد وتوقدت نار الضلال وخالطت ... إبليس أطماع كوامن رصد فرمى أبو بكر بصدق عزيمة ... وثبات إيمان ورأي يحمد فتمزقت عصب الضلال وأشرقت ... شمس الهدى وتقوم المتأود أم رتبة الفاروق في إظهاره ... للدين تلك فضيلة لا تجحد وهو الموفق للصواب كأنما ... ملك يصوب قوله ويسدد بوفاقه آي الكتاب تنزلت ... وبفضله نطق المشفع أحمد لو كان من بعدي نبيا كنته ... خبرا صحيحا في الرواية يسند وبعدله الأمثال تضرب في الورى ... وفتوحه في كل قطر توجد وتمام فضلهما جوار المصطفى ... في تربة فيها الملائك تحشد وتعمقوا في سب عثمان الذي ... ألفاه كفوا لابنتيه محمد ولبيعة الرضوان مد شماله ... عوض اليمين وهي منه أوكد وحباه في بدر بسهم مجاهد ... إذ فاته بالعذر ذاك المشهد من هذه من بعض غر صفاته ... ما ضره ما قال فيه الحسد(2\/319)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "288",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2320",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم ادعوا حب الإمام المرتضى ... هيهات مطلبه عليهم يبعد أنى وقد جحدوا الذين بفضلهم ... أثنى أبو الحسن الإمام السيد ما في علاه مقالة لمخالف ... فمسائل الإجماع فيه تعقد ولنحن أولى بالإمام وحبه ... عقد ندين به الإله مؤكد وولاؤه لا يستقيم ببغضهم ... واضرب لهم مثلا يغيظ ويكمد مثل الذي جحد ابن مريم وادعى ... حب الكليم وتلك دعوى تفسد وبقذف عائشة الطهور تجشموا ... أمرا تظل له الفرائص ترعد تنزيهها في سبع عشرة آية ... والرافضي بضد ذلك يشهد لو أن أمر المسلمين إليهم ... لم يبق في هذي البسيطة مسجد ولو استطاعوا لا سعت بمرامهم ... قدم ولا امتدت بكفهم يد لم يبق للإسلام ما بين الورى ... علم يسود ولا لواء يعقد علقوا بحبل الكفر واعتصموا به ... والعالقون بحبله لم يسعدوا وأشدهم كفرا جهول يدعي ... علم الأصول وفاسق متزهد فهما وإن وهنا أشد مضرة ... في الدين من فأر السفين وأفسد وإذا سألت فقيههم عن مذهب ... قال اعتزال في الشريعة يلحد كالخائض الرمضاء أقلقه اللظى ... منها ففر إلى جحيم توقد إن المقال بالاعتزال لخطة ... عمياء حل بها الغواة المرد هجموا على سبل الهدى بعقولهم ... ليلا فعاثوا في الديار وأفسدوا صم إذا ذكر الحديث لديهم ... نفروا كأن لم يسمعوه وعردوا واضرب لهم مثل الحمير إذا رأت ... أسد العرين فهن منهم شردوا(2\/320)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "289",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2321",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى أن قال: والجاحد الجهمي أسوأ منهما ... حالا وأخبث في القياس وأفسد أمسى لرب العرش قال منزها ... من أن يكون عليه رب يعبد ونفى القرآن برأيه والمصحف ... الأعلى المطهر عنده يتوسد وإذا ذكرت له على العرش استوى ... قال هو استولى يحيد ويخلد فإلى من الأيدي تمد تضرعا ... وبأي شيء في الدجى يتهجد ومن الذي هو للقضاء منزل ... وإليه أعمال البرية تصعد وبما ينزل جبرائيل مصدقا ... ولأي معجزة الخصوم تبلد ومن الذي استولى عليه بقهره ... إن كان فوق العرش ضد أيد جلت صفات الحق عن تأويلهم ... وتقدست عما يقول الملحد لما بغوا تنزيهه بقياسهم ... ضلوا وفاتهم الطريق الأرشد ويقول لا سمع ولا بصر ولا ... وجه لربك ذي الجلال ولا يد من كان هذا وصفه لإلهه ... فأراه للأصنام سرا يسجد الحق أثبتها بنص كتابه ... ورسوله وغدا المنافق يجحد فمن الذي أولى بأخذ كلامه ... جهم أم الرحمن قولوا وارشدوا والصحب لم يتأولوا لسماعها ... فهم إلى التأويل أم هو أرشد هو مشرك ويظن جهلا أنه ... في نفي أوصاف الإله موحد يدعو من اتبع الحديث مشبها ... هيهات ليس مشبها من يسند لكنه يروي الحديث كما أتى ... من غير تأويل ولا يتردد وإذا العقائد بالضلال تخالفت ... فعقيدة المهدي أحمد أحمد(2\/321)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "290",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2322",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هي حجة الله المنيرة فاعتصم ... بحبالها لا يلهينك مفسد إن ابن حنبل اهتدى لما اقتدى ... ومخالفوه لزيفهم لم يهتدوا ما زال أحمد يقتفي أثر الهدى ... ويروم أسباب النجاة ويجهد حتى ارتقى في الدين أشرف ذروة ... ما فوقها لأخي ارتقاء مصعد نصر الهدى إذ لم يقل ما لم يقل ... في فتنة نيرانها تتوقد ما صده ضرب السياط ولا ثنى ... عزماته ماضي الغرار مهند فهواه حبا ليس فيه تعصب ... لكن محبة مخلص يتودد وهذا باب واسع جدا لا يتسع لذكره مجلد كبير ويكفي أن شعراء الجاهلية مقرة به على فطرتهم الأولى كما قال عنترة في قصيدته: يا عبل أين من المنية مهربي ... إذ كان ربي في السماء قضاها  [ذكر أقوال الفلاسفة المتقدمين والحكماء الأولين] [ذكر أقوال الفلاسفة المتقدمين والحكماء الأولين] : فإنهم كانوا مثبتين لمسألة العلو والفوقية مخالفين لأرسطو وشيعته وقد نقل ذلك أعلم الناس بكلامهم وأشدهم اعتناء بمقالاتهم ابن(2\/322)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "291",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2323",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رشد الحفيد قال في كتابه quot; مناهج الأدلة quot;: القول في الجهة: وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة في أول الأمر يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلة ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله وظواهر الشرع كلها تقتضي إثباتها لله تعالى مثل قوله سبحانه: الرحمن على العرش استوى [طه: 5]  وقوله تعالى: وسع كرسيه السماوات والأرض [البقرة: 255] وقوله تعالى: ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية [الحاقة: 17]  وقوله تعالى: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه [السجدة: 5]  وقوله تعالى: تعرج الملائكة والروح إليه [المعارج: 4]  وقوله تعالى: أأمنتم من في السماء [الملك: 16] إلى غير ذلك من الآيات التي إن سلط التأويل عليها عاد الشرع كله متأولا وإن قيل فيها إنها من المتشابهات عاد الشرع كله متشابها لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء وأن منها تتنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين وأن من السماء نزلت الكتب وإليها كان الإسراء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى قرب من سدرة المنتهى. قال وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك والشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى نفيها هي أنهم اعتقدوا أن إثبات(2\/323)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "292",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2324",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجهة يوجب إثبات المكان وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية. قال: ونحن نقول: إن هذا كله غير لازم فإن الجهة غير المكان وذلك أن الجهة هي إما سطح نفس الجسم المحيط به وهي ستة وبهذا نقول أن للحيوان فوقا وسفلا ويمينا وشمالا وأماما وخلفا وإما سطوح جسم آخر محيط بالجسم من الجهات الست فأما الجهات التي هي سطوح الجسم نفسه فليست بمكان للجسم أصلا وأما سطوح الجسم المحيط به فهي له مكان مثل سطوح الهوى المحيط بالإنسان وسطوح الفلك المحيطة بسطوح الهوى هي أيضا مكان الهوى وهذه الأفلاك بعضها محيط ببعض ومكان له وأما سطح الفلك الخارج فقد برهن أنه ليس خارجه جسم لأنه لو كان ذلك كذلك لوجب أن يكون خارج فلك الجسم أيضا جسم آخر ويمر الأمر إلى غير نهاية فإذا سطح آخر أجسام العالم ليس مكانا أصلا إذ ليس يمكن أن يوجد فيه جسم فإذا قام البرهان على وجود موجود في هذه الجهة فواجب أن يكون غير جسم فالذي يمتنع وجوده هناك هو عكس ما ظنه القوم وهو موجود هو جسم لا موجود ليس بجسم وليس لهم أن يقولوا أن خارج العالم خلاء وذلك أن الخلاء قد تبين في العلوم النظرية امتناعه لأن ما يدل عليه اسم الخلاء ليس هو شيء أكثر من أبعاد ليس فيها جسم أعني طولا وعرضا وعمقا لأنه إن رفعت الأبعاد عنه عاد عدما وإن أنزل الخلاء موجود(2\/324)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "293",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2325",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لزم أن يكون أعراض موجودة في غير جسم وذلك أن الأبعاد هي أعراض من باب الكمية ولا بد ولكنه قد قيل في الآراء السالفة القديمة والشرائع الغابرة أن ذلك quot; الموضع quot; هو مسكن الروحانيين ويريدون الله والملائكة وذلك أن ذلك الموضع ليس بمكان ولا (يجوز) أن يحويه زمان وكذلك إن كان كل ما يحويه الزمان والمكان فاسدا فقد يلزم أن يكون ما هنالك غير فاسد ولا كائن. وقد تبين هذا المعنى فيما أقوله وذلك أنه إذا لم يكن هاهنا شيء يدرك إلا هذا الموجود المحسوس أو العدم وكان من المعروف بنفسه أن الموجود (بنفسه) إنما ينسب إلى الوجود أعني أنه تعالى موجود في الوجود إذ لا يمكن أن يقال له: موجود في العدم فإن كان هاهنا موجود فهو أشرف الموجودات فواجب إلى أن ينسب من الموجود المحسوس إلى الجزء الأشرف وهو السماوات ولشرف هذا الجزء قال الله تعالى: لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون [غافر: 57] وهذا كله يظهر على التمام للعلماء الراسخين في العلم قال: فقد ظهر لك من هذا أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل وأنه الذي جاء به الشرع وانبنى عليه وأن إبطال هذه القواعد إبطال للشرائع ثم ساق تقرير ذلك إلى آخره فهذا كلام فيلسوف الإسلام الذي هو أخبر بمقالات الفلاسفة(2\/325)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "294",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2326",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحكماء وأكثر اطلاعا عليها من ابن سينا ونقلا لمذاهب الحكماء وكان لا يرضى بنقل ابن سينا ويخالفه نقلا وبحثا.  [ذكر قول الجن المؤمنين المثبتين] [ذكر قول الجن المؤمنين المثبتين] قال الله تعالى: قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا [الجن: 1]  وقال في آية أخرى حكاية عنهم لما ولوا إلى قومهم منذرين: قالوا ياقومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم [الأحقاف: 30] . فأخبروا أنه يهدي إلى الرشد وإلى الحق وأعظم الرشد والحق الذي يهدي إليه معرفة الله سبحانه وإثبات صفاته وعلوه على خلقه ومباينته لهم إذ بذلك يتم الاعتراف به وإثباته ونفي ذلك نفي له ولصفاته وكذلك سمعه المؤمنون الصادقون منهم كما قال أبو بكر الخطيب في تاريخه: حدثني عبد الله بن علي بن محمد القرشي (حدثني عبد الله بن إبراهيم بن أيوب) حدثنا أبو محمد بن ماسي قال: حدثني أبو مسلم الكجي قال: خرجت يوما فإذا الحمام قد فتح سحرا فقلت للحمامي أدخل أحد الحمام قال: لا فدخلت quot; الحمام quot; فساعة فتحت الباب قال لي قائل: يا أبا مسلم أسلم تسلم ثم أنشأ يقول: لك الحمد إما على نعمة ... وإما على نقمة تدفع  تشاء وتفعل ما شئته ... وتسمع من حيث لا يسمع(2\/326)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "295",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2327",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot; قال quot; فبادرت فخرجت وأنا جزع فقلت للحمامي: أليس زعمت أنه ليس في الحمام أحد فقال لي: هل سمعت شيئا قال فأخبرته بما كان فقال quot; لي: إن quot; ذلك جني يتراءى في كل حين وينشدنا الشعر فقلت: هل عندك من شعره شيء قال: نعم وأنشدني: أيها المذنب المفرط مهلا ... كم تمادي وتكسب الذنب جهلا كم وكم تسخط الجليل بفعل ... سمج وهو يحسن الصنع فضلا كيف تهدا جفون من ليس يدري ... أرضي عنه من على العرش أم لا وروينا في الغيلانيات عن عبد الله بن الحسين المصيصي قال: دخلت طرسوس فقيل لي: هاهنا امرأة رأت الجن الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتيتها فإذا امرأة مستلقية على ظهرها فقلت: أرأيت أحدا من الجن الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: نعم حدثني عبد الله بن سمحج قال: قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق(2\/327)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "296",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2328",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السماوات والأرض قال: كان في نور .  [ذكر قول النمل] (ذكر قول النمل) : قال الله تعالى: وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس [النمل: 17] إلى قوله: فتبسم ضاحكا من قولها [النمل: 19] فأخبر الله سبحانه عن النمل أنه ركب فيه مثل هذا الشعور والنطق ولاسيما هذه النملة التي جمعت في هذا الخطاب بين النداء والتعيين والتنبيه والتخصيص والأمر وإضافة المساكن إلى أربابها والتجائهم إلى مساكنهم فلا يدخلون على غيرهم من الحيوانات مساكنهم والتحذير والاعتذار بأوجز خطاب وأعذب لفظ. ولذلك حمل سليمان عليه السلام التعجب من قولها على التبسم وأحرى بهذه النملة وأخواتها من النمل أن يكونوا أعرف بالله من الجهمية. وقد دل هذا على ما رواه الطبراني في معجمه قال: حدثنا الدبري عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أن سليمان عليه السلام خرج هو وأصحابه يستسقون فرأى نملة قائمة رافعة أحد قوائمها تستسقي فقال لأصحابه: ارجعوا لقد سقيتم إن هذه النملة استسقت فاستجيب لها قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع قال: حدثنا مسعر عن زيد العمي عن أبي الصديق الناجي قال: خرج سليمان بن داود عليهما السلام(2\/328)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "297",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2329",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يستسقي بالناس فمر على نملة مستلقية على قفاها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن رزقك فإما أن تسقينا أو تهلكنا قال سليمان عليه السلام للناس ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم ورواه الطحاوي والطبراني أيضا من حديث أبي الصديق الناجي قال: خرج سليمان عليه السلام يستسقي فمر بنملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن سقياك ورزقك اللهم فإما أن تسقينا وإما أن تهلكنا فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم هذا لفظ رواية الطبراني ولفظ الطحاوي فإذا هو بنملة قائمة على رجلها رافعة يديها تقول: اللهم إنا خلق من خلقك لا غنى بنا عن رزقك فلا تهلكنا بذنوب بني آدم فقال سليمان لأصحابه: ارجعوا فقد سقيتم (بدعوة غيركم)  ورواه الحافظ أبو الحسن الدارقطني في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج نبي من الأنبياء يستسقي فمر بنملة مستلقية على ظهرها رافعة يديها إلى السماء تستسقي فقال لأصحابه: ارجعوا فقد سقيتم. وفي هذا الباب قصة حمر الوحش المشهورة التي ذكرها غير واحد أنها انتهت إلى الماء لترده فوجدت الناس حوله فتأخرت عنه فلما جهدها العطش رفعت رأسها إلى السماء وجأرت إلى الله سبحانه بصوت واحد فأرسل الله سبحانه عليها السماء بالمطر حتى شربت وانصرفت. وذكر شيخ الإسلام الهروي بإسناده عن عبد الله بن وهب قال:(2\/329)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "298",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2330",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أكرموا البقر فإنها لم ترفع رأسها إلى السماء منذ عبد العجل حياء من الله عز وجل وقد روي مرفوعا عن ابن وهب عن يحيى بن أيوب عن أبي هند عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكرموا البقر فإنها سيدة البهائم ما رفعت طرفها إلى السماء حياء من الله عز وجل منذ عبد العجل  قلت: ولا يثبت رفعه فإن أبا هند مجهول. والمقصود أن هذه فطرة الله التي فطر الناس عليها الحيوان وغيره حتى أبلد الحيوانات الذي نضرب ببلادته المثل وهو البقر. فصل: ولعل قائلا يقول: كيف يحتج علينا في هذه المسألة بأقوال من حكيت قوله ممن ليس قوله حجة فأجلبت. . . بها ثم لم تقنع بذلك حتى ذكرت أقوال الشعراء ثم لم يكفك ذلك حتى جئت (بأقوال) الجن ثم لم تقتصر حتى استشهدت بالنمل وحمر الوحش فأين الحجة في ذلك كله وجواب هذا القائل أن نقول: قد علم أن كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وسائر أنبيائه عليهم السلام والصحابة والتابعين رضي الله عنهم ليس حجة عندكم في هذه المسألة إذ غاية أقوالهم عندهم أن تكون ظواهر سمعية وأدلة لفظية معزولة عن اليقين متواترها يدفع بالتأويل وآحادها يقابل بالتكذيب فنحن لم نحتج عليكم بما حكيناه وإنما كتبناه لأمور منها أن يعلم بعض ما في الوجود ويعلم الحال من هو بها جاهل(2\/330)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "299",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2331",
        "book_id": "qym_4008",
        "book_name": " اجتماع الجيوش الإسلامية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها أن نعلم أن أهل الإثبات أولى بالله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة والتابعين وأئمة الإسلام وطبقات أهل العلم والذين من الجهمية والمعطلة ومنها أن نعرف الجهمي النافي لمن خالف من طوائف المسلمين وعلى من شهد بالتشبيه والتمثيل وعلى من استحل بالتكفير وعرض من مزق من الأئمة. ومنها أن نعرف عساكر الإسلام والسنة وأمراءها وعساكر البدع والتجهم ليتحيز المقاتل إلى إحدى الفئتين على بصيرة من أمره ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم [الأنفال: 42] ومنها أن نعرف الجهمي النافي لمن قد بارز بالعداوة وبغى الغوائل وأسعر نار الحرب ونصب القتال أفيظن أفراخ المعتزلة ومخانيث الجهمية ومقلدو اليونان أن يضعوا لواء رفعه الله تعالى وينكسوا علما نصبه الله تعالى ويهدموا بناء شاده الله ورفعه ويقلقوا جبالا راسيات شادها وأرساها ويطمسوا كواكب نيرات أنارها وأعلاها هيهات هيهات بئسما سولت لهم أنفسهم لو كانوا يعلمون ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون [البقرة: 102] . يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون [الصف: 8]  هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون [التوبة: 33] ولو شئنا لأتينا على هذه المسألة بألف دليل ولكن هذه نبذة يسيرة وجزء قليل من كثير لا يقال له قليل: ومن يهد الله فهو المهتدي [الإسراء: 97] ومن يضلل الله فما له من سبيل [الشورى: 46] .(2\/331)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "300",
        "book_number": "5",
        "slug": " -qym_4008"
    },
    {
        "id": "2332",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كتاب قد حوى دررا ... بعين الحسن ملحوظة لهذا قلت تنبيها ... حقوق الطبع محفوظة (للناشر)  الطبعة: الأولى 1406 هـ - 1986 م مكتبة الصحابة بطنطا بجوار محطة القطار - خلف المعهد الأزهرى شارع الجنبية الغربي(1\/2)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2333",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة: إن الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. مؤلفنا هو الامام بن قيم الجوزى. ولد في عصر أزدهرت فيه العلوم ونشأ في بيت علم وفضل. وأخذ العلم عن كبار علماء عصره. فأخذ عن والده علم (الفرائض) وسمع (الحديث) من الشهاب عصره النابلسي والقاضى تقى الدين واسماعيل بن مكتوم وفاطمة بنت جوهر وأخذ (العربية) عن أبى الفتح البعلى ومجد الدين التونسى وتلقى الاصول والفقه على الشيخ صفى الدين الهندي وشيخ الاسلام بن تيمية ويعتبر بن تيمية هو الموجه الاول لابن القيم وقدوتة فقد تأثر به كثيرا واضطهد من أجله. والشيخ أسماعيل الحرانى. والامام بن القيم غنى عن التعريف وعلى من يريد أن يرجع ألى سيرته ومؤلفاته وما كتبه عنه علماؤنا فليرجع إلى هذه المراجع: 1 - البداية والنهاية للحافظ ابن كثير ح 13 \/ 216 ح 114 \/ 234 235. 2 - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ح 3 \/ 400 ج 4 \/ 21 23 لابن حجر العسقلاني ط حيدر اباد. 3 - ابن القيم في آثاره العلمية - أحمد ماهر البقرى. ط مؤسسة كتاب الجامعة الاسكندرية.(1\/3)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2334",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "4 - الوافى بالوفيات 2 270 \/ 272 الصفدى. 5 - ابن القيم وموقفه من التفكير الاسلامي عوفي حجازى الشركة المصرية للطباعة. 6 - الرد الوافر 68 69. 7 - النجوم الزاهرة 10 \/ 249 لابن تغرى بردى - القاهرة. 8 - البدر الطالع 2 \/ 143 146 - الشوكاني طبعة القاهرة. 9 - الدارس في تاريخ المدارس 2 \/ 90 النعيمي. تحقيق جعفر الحسينى - دمشق. 10 - الاعلان للزركلي 6 \/ 56 بيروت. 11 - ابن قيم الجوزى لمؤلفه محمد سالم الغنيمى طبعة المكتب الاسلامي. 12 - ابن قيم الجوزى عصره ومنهجه د. عبد العظيم عبد السلام الكليات الازهرية. 13 - هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين 6 \/ 108 إسماعيل باشا البغدادي اسطنبول. 14 - معجم البلدان ح 4 ح 2 \/ 38 الطبعة. 15 - دائرة المعارف اللاسلامية 1 \/ 268. 16 - شذرات الذهب في أخبار من ذهب 6 \/ 168 لابن العماد الحنبلى. 17 - طبقات الحنابلة ح 3 ح 2 \/ 593. وذيل طبقات الحنابلة 2 \/ 447 452. 18 - مختصر طبقات الحنابلة للشطي ص 61. 19 - جلاء العينين في مكاكمة الاحمدين للالوسي ص 20 30 32. 20 - منهج ابن قيم الجوزى في التفسير - طبة مجمع البحوث الاسلامية. 21 - بغية الوعاة 1 \/ 62 63. 22 - طبقات المفسرين 2 \/ 90 93 الداودى - تحقيق على محمد عمر القاهرة. 23 - وكذلك المقدمات التى قدمت بها كتبه بأقلام المحققين التى تصل إلى خمسة وستين كتابا وبحثا. كان عالما فاضلا غفر الله له ولكافة علمائه العاملين آمين.(1\/4)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2335",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": " مراجع الكتاب التى اعتمد عليها في الطبع  طبع الكتاب تحت اسم (أمثال القرآن) تحقيق الدكتور ناصر بن سعد الرشيدى طبعة دار مكة بالمملكة السعودية وقد بلغ الكتاب نحو اثنين وستين صفحة وقد قام فيه محققه بمجهود مشكور إذ خرجو معظم آثاره مع المقارنة الدقيق لكتاب الامثال مع مخطوطاتة المختلفة وقد أخذناه كأصل نعتمد عليه في الطبع بعد تصحيح ما به وتشكيل آياته بالاستعانة بتحقيق الاستاذ سعيد محمد نمر الخطيب فجزاهما الله خير الجزاء.  وطبع أيضا تحت اسم (الامثال في القران الكريم) تحقيق الاستاذ سعيد محمد نمر الخطيب طبعة دار المعرفة بيروت وقد بذل محققه مجهودا مشكورا وأخرج عدة أبحاث حول (الامثال) تعد موسوعة في ذاللك إذ بلغ الكتاب نحو مائتين وثمانية وثمانين صفحة.  وقد قام الدكتور ناصر بن سعد الرشيدى والاستاذ سعيد محمد نمر الخطيب بالرجوع الى المخطوطات الاتية: -  مخطوطة مكتبة الاوقاف ببغداد تحمل رقم 6685 ومصوره بالمركز العلمي وإحياء التراث تحت رقم (تفسير 29) .  مخطوطة بالجامع الكبير بعنيزه وقد رمزت لها بالرمز (ع) .  أعلام الموقعين لابن القيم وهى من صفحة (150: 190) وقد رمزت لها بالرمز (م)  مخطوطة مصورة في مكتبة والد الاستاذ محمد نمر الخطيب برقم 1457 \/ م.  مجلة رسالة الاسلام العدد 67 لسنة 1973 ومقال لعبد الرحمن التكريتي.  ومخطوطة مكتبة بالى كسير باغشلر في تركيا انظر مخطوطات تركيا 1 \/ 159.(1\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2336",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نموذج مصور للصفحة الاولى للمخطوطة (أ)(1\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2337",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نموذج مصور عن الصفحة الثانية للمخطوطة (أ)(1\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2338",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كتاب الأمثال للعلامة ابن القيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير البرية محمد وآله وصحبه أجمعين قال شيخنا رحمه الله وقع في القرآن أمثال وان أمثال (1) القرآن لا يعقلها إلا العالمون وأنها شبيه (2) شئ بشئ في حكمه وتقريب المعقول من المحسوس أو أحد المحسوسين من الأخر واعتبار أحدهما بالآخر كقوله تعالى في حق المنافقين: (ومثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت وسلم ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يصبرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم - إلى قوله - إن الله على كل شئ قدير) (3) فضرب للمنافقين بحسب حالهم مثلين مثلا ناريا (4) ومثلا مائيا لما في الماء والنار (5) من الإضاءة والإشراق والحياة فإن النار مادة النور والماء مادة الحياة وقد جعل الله سبحانه الوحي الذي أنزل من السماء متضمنا لحياة القلوب واستنارتها ولهذا سماه روحا ونورا (6) وجعل قابليه أحياء في النور ومن لم يرفع به رأسا أمواتا في الظلمات وأخبر عن حال المنافقين بالنسبة إلى حظهم من الوحي أنهم بمنزلة من استوقد نارا لتضئ له وينتفع بها وهذا لأنهم دخلوا في الإسلام فاستضاءوا به وانتفعوا به  (1) شيخنا هو الامام ابن القيم وهذه العبارة من كلام أحد تلامذة ابن القيم [والمثل بالكسر والتحرك ومنه (مثل الجنه التى ... ) ] انظر ترتيب القاموس المحيط ح 4 \/ 203. (2) في م ع (فأنا تشبيه) . (3) سورة البقرة: 17 - 20. (4) الزيادة من م ع. (5) إشارة إلى الايه (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ... ) الشورى 52 \/ 53. (6) المراد بالروح القرآن والنور هو الوحى القرآني انظر الشورى: 52. ()(1\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2339",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تشبيه الكفار بالمطر المصاحب للظلمة والرعد والبرق وآمنوا به وخالطوا المسلمين ولكن لما لم يكن لصحبتهم (7) مادة من قلوبهم من نور الإسلام طغى عنهم وذهب الله بنورهم. ولم يقل نارهم فإن النار فيها الإضاءة والإحراق فذهب الله بما فيها من الإضاءة وأبقى عليهم ما فيها من الإحراق وتركهم في ظلمات لا يبصرون فهذا حال من أبصر ثم عمي وعرف ثم أنكر ودخل في الإسلام ثم فارقه بقلبه لا يرجع إليه ولهذا قال (8) : (فهم لا يرجعون) . ثم ذكر حالهم بالنسبة إلى المثل المائي فشبههم بأصحاب صيب وهو المطر الذي يصوب أي ينزل من السماء (9) فيه ظلمات ورعد وبرق فلضعف بصائرهم وعقولهم اشتدت عليهم زواجر القرآن ووعيده وتهديده وأوامره ونواهيه وخطابه الذي يشبه الصواعق فحالهم كحال من أصابه مطر فيه ظلمة ورعد وبرق فلضعفه وخوفه (10) جعل أصبعيه في أذنيه خشية من صاعقة تصيبه وقد شاهدنا نحن وغيرنا كثيرا من مخانيث تلاميذ الجهمية (11) والمبتدعة إذا سمعوا شيئا من آيات الصفات وأحاديث الصفات المنافية لبدعتهم رأيتهم عنها معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة ويقول مخنثهم: سدوا عنا هذا الباب واقرأوا شيئا غير هذا وترى قلوبهم مولية وهم يجمحون لثقل معرفة الرب سبحانه تعالى وأسمائه وصفاته على عقولهم وقلوبهم وكذلك المشركون على اختلاف شركهم إذا جرد لهم التوحيد وتليت عليهم نصوصه (12) المبطلة  (7) في ع (ولكن ستصحبهم) . (8) في ع (قال فيههم) . (9) (أنا صببنا الماء صبا) انظر تفسير النسفى 1 \/ 26 ومفردات الراغب 228. (10) الضمير يعود للمنافقين (وخوره) من ع. (11) وابن القيم كتابه القيم الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة وانظر مقالات الاسلامين للاشعري ... (12) من م (النصوص) . ()(1\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2340",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "الماء الذي به الحياة",
        "content": "الماء الذي به الحياة لشركهم اشمأزت قلوبهم وثقل (13) عليهم لو وجدوا السبيل إلى سد آذانهم لفعلوا وكذلك (14) نجد أعداء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثقل ذلك عليهم جدا فأنكرته قلوبهم وهذا كله شبه ظاهر ومثل محقق من اخوانهم من المنافقين في المثل الذي ضربه الله لهم بالماء فإنهم لما تشابهت قلوبهم تشابهت أعمالهم (15) فصل: وقد ذكر سبحانه المثلين المائي والناري في سورة الرعد ولكن في حق المؤمنين فقال تعالى: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله ... ) (16) شبه الوحي الذي أنزله لحياة القلوب والأسماع والأبصار بالماء الذي أنزله لحياة الأرض بالنبات وشبه القلوب بالأودية (17) فقلب كبير يسع علما عظيما كواد كبير يسع ماء كثيرا وقلب صغير إنما يسع بحسبه كالوادي الصغير فسالت أودية بقدرها واحتملت قلوب من الهدى والعلم بقدرها كما أن السيل إذا خالط الأرض ومر عليها احتملت (18) غثاء وزبدا فكذلك الهدى والعلم إذا خالط القلوب أثار ما فيها من الشهوات والشبهات ليقلعها ويذهبها كما يثير الدواء وقت شربه من البدن أخلاطه فتكرب (19) عنه بها شاربه وهي من تمام نفع الدواء فانه أثارها ليذهب بها فإنه لا يجامعها ولا يساكنها وهكذا (يضرب الله الحق والباطل) ثم ذكر المثل  (13) من م (وثقلت) . (14) من م (ولذلك) . (15) يعنى بذلك الرافضة وهم غلاة الشيعة الذين يؤذون رسول الله بكراهية أصحابهه وسبهم. (16) الرعد: 17. (17) الامثال في الكتاب والسنة: 19. (18) من م (احتمل) . (19) من م (فيتكرر) وكربت الارض قلبهما للحدث مختار الصحاح ص 566. ()(1\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2341",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الناري فقال: (ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله) (20) وهو الخبث الذي يخرج عند سبك الذهب والفضة والنحاس والحديد (21) فتخرجه النار وتميزه وتفصله عن الجوهر الذي ينتفع به فيرمى ويطرح ويذهب جفاء فكذلك الشهوات والشبهات يرميها قلب المؤمن ويطرحها ويجفوها كما يطرح السيل والنار ذلك الزبد والغثاء والخبث ويستقر في قرار الوادي الماء الصافي الذي يسقي (22) منه الناس ويزرعون ويسقون أنعامهم كذلك يستقر في قرار القلب وجذره الإيمان الخالص الصافي الذي ينفع صاحبه وينتفع به غيره (23) (ومن لم يفقه هذين المثلين ولم يتدبرهما ويعرف ما يراد منهما فليس من أهلهما والله الموفق. فصل: ومنها قوله تعالى: (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون) (24) شبه سبحانه الحياة الدنيا في أنها تتزين في عين الناظر فتروقه بزينتها وتعجبه (25) فيميل إليها ويهواها اغترارا منه بها حتى إذا ظن أنه مالك لها قادر عليها سلبها بغتة (26) أحوج ما كان إليها وحيل بينه وبينها فشبهها  (20) الرعد: 17. (21) تفسير النسفى 2 \/ 247 الطبري: 14 \/ 136. (22) من م ع (يستقى) . (23) انظر تفسير الطبري 14 \/ 134 النسفى 2 \/ 247 وابن كثير 2 \/ 508 انظر مختار الصحاح ص 509. (24) يونس: 24. (25) في ع (فيروقه تزينها ويعجبه) . (26) إما بالموت وهذا ظاهر وإما بمرض ينزل بالمرء فلا يستفيد بها أو بآفة تجتاحها وتزيلها. ()(1\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2342",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالأرض الذي ينزل الغيث عليها فتعشب ويحسن نباتها ويروق منظرها للناظر فيغتر به ويظن أنه قادر عليها مالك لها فيأتيها أمر الله فتدرك نباتها الآفة بغتة فتصبح كأن لم تكن قبل فيخيب ظنه وتصبح يداه صفرا منهما فهكذا (27) حال الدنيا والواثق بها سواء وهذا من أبلغ التشبيه والقياس. فلما كانت الدنيا عرضة لهذه الآفات والجنة سليمة منها قال تعالى تعالى: (والله يدعوا إلى دار السلام) (28) فسماها هنا دار السلام لسلامتها من هذه الآفات التي ذكرها في الدنيا فعم بالدعوة إليها وخص بالهداية من شاء فذلك عدله وهذا فضله (29) . فصل: ومنها قوله تعالى: (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون) (30) فإنه سبحانه وتعالى ذكر الكفار ووصفهم بأنهم ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ثم ذكر المؤمنين ووصفهم بالإيمان والعمل الصالح والإخبات إلى ربهم فوصفهم بعبودية الظاهر وبالباطن جعل أحد الفريقين كالأعمى والأصم من حيث كان قلبه أعمى عن رؤية الحق أصم عن سماعه فشبهت (31) بمن بصره أعمى عن رؤية أحق الأشياء (32) وسمعه أصم عن سماع الأصوات والفريق الآخر بصير القلب سميعه كبصير العين وسميع الأذن فتضمنت الآية قياسين وتمثيلين للفريقين ثم نفى التسوية عن الفريقين بقوله (هل يستويان مثلا) (33) فصل: ومنها قوله تعالى: (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت) (34) فذكر سبحانه إنهم ضعفاء وأن الذين اتخذوهم أولياء  (27) في م (فكذا) . (28) يونس: 25 (29) معترك الاقران 1 \/ 467 وابن كثير 2 \/ 413 والنسفي 2 \/ 159 والطبري 11 \/ 102. (30) هود: 24. (31) في م (فشبهه) . (32) في م ع (رؤية الاشياء) . (33) هود: 24 انظر تفسير الطبري 12 \/ 25 وغرائب القرآن 11 \/ 17. (34) العنكبوت: 41. ()(1\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2343",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أضعف منهم فهم في ضعفهم وما قصدوه من اتخاذ الأولياء كالعنكبوت اتخذت بيتا وهو أوهن البيوت وأضعفها (35) وتحت هذا المثل أن هؤلاء المشركين أضعف ما كانوا حيث اتخذوا من دون الله أولياء فلم يستفيدوا بمن اتخذوهم أولياء إلا ضعفا كما قال تعالى: (واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا. كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا) (36)  وقال تعالى: (واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون. لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون) (37) وقال بعد أن ذكر هلاك الأمم المشركين: (وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شئ لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب)) (38)  فهذه أربعة مواضع في القرآن تدل على أن من اتخذ من دون الله وليا يتعزز به ويتكثر به ويستنصر به لم يحصل له به إلا ضد مقصوده وفي القرآن أكثر من ذلك وهذا من أحسن الأمثال وأدلها على بطلان الشرك وخسارة صاحبه وحصوله على ضد مقصوده. فإن قيل فهم (39) يعلمون أن أوهن البيوت بيت العنكبوت فكيف نفى عنهم علم ذلك بقوله: (لو كانوا يعلمون) . فالجواب أنه سبحانه لم ينف (40) عنهم علمهم بوهن بيت العنكبوت وإنما نفى علمهم بأن اتخاذهم أولياء من دونه كالعنكبوت اتخذت بيتا فلو علموا ذلك لما فعلوه ولكن ظنوا أن اتخاذهم الأولياء من دونه يفيدهم عزا وقوة فكان الأمر بخلاف ما ظنوا (41) .  (35) في ع (فانهم) . (36) مريم: 81: 82. (37) يس: 74 75. (38) هود: 101. (39) في ع (فانهم) . (40) في الاصل (ينفى) والواجب حذفها. (41) انظر الجمان 186 - الامثال 27 - 28 وتفسير ابن كثير 3 \/ 314 والطبري 20 \/ 152 153.(1\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2344",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: ومنها قوله تعالى: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) (42) ذكر سبحانه للكافرين مثلين مثلا بالسراب ومثلا بالظلمات المتراكمة وذلك لأن المعرضين عن الهدى والحق نوعان أحدهما من يظن أنه على شئ فيتبين له عند انكشاف الحقائق خلاف ما كان يظنه وهذه حال أهل الجهل وأهل البدع والأهواء الذين يظنون أنهم على هدى وعلم فإذا انكشفت الحقائق تبين لهم أنهم لم يكونوا على شئ وأن عقائدهم (43) وأعمالهم (44) التي ترتبت عليها كانت كسراب يرى في أعين (45) الناظرين ماء ولا حقيقة له وهكذا الأعمال (46) التي لغير الله عز وجل وعلى غير أمره يحسبها العامل نافعة له (47) وليست كذلك وهذه هي الأعمال التي قال الله عز وجل فيها: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا (48))  وتأمل جعل الله سبحانه السراب بالقيعة وهي الأرض الخالية القفر من البناء والشجر  (42) النور: 39 \/ 40. (43) يقصد الجهمية. (44) قوله (ترتبت عليها ... ) عليها الضمير يعود على أهل الجهل والبدع الذين يظنون أنهم على هدى ونور. (45) في م (كسراب بقيعة يرى في عين ... ) . () الاعمال التى ليست مطابقة لاوامر الله ويحسبها فاعلها أنها نافعة كاعمال أهل البدع والاهواء فلجهلهم يظنون أنها نافعة وفى الحقيقة أنها لا خير فيها. (7) الزيادة من م. (48) الفرقان: 24. ()(1\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2345",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنبات (49) والعالم فمحل السراب أرض قفر لا شئ (50) بها والسراب لا حقيقة له وذلك مطابق لأعمالهم وقلوبهم التي أقفرت من الإيمان والهدى وتأمل ما تحت قوله (يحسبه الظمآن ماء والظمآن) (51) الذي اشتد عطشه فرأى السراب فظنه ماء فتبعه فلم يجده شيئا بل خانه أحوج ما كان إليه فكذلك هؤلاء لما كانت أعمالهم على غير طاعة الرسل (52) عليهم الصلاة والسلام ولغير الله جعلت كالسراب فرفعت لهم أظمأ ما كانوا إليها (53) فلم يجدوا شيئا ووجدوا الله سبحانه (54) ثم فجازاهم بأعمالهم ووفاهم حسابهم وفي الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري (55) رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث التجلي يوم القيامة (ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها السراب فيقال لليهود وما كنتم تعبدون فيقولون كنا نعبد عزيرا ابن الله فيقال: كذبهم لم يكن لله صاحبة ولا ولد فما تريدون قالوا: نريد أن تسقينا فيقال اشربوا فيتساقطون في جهنم ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون فيقولون كنا نعبد المسيح ابن الله فيقال: كذبتم ما كان لله صاحبة ولا ولد فما تريدون فيقولون: أن تسقينا فيقال لهم: اشربوا فيتساقطون وذكر الحديث (56) وهذه حال كل صاحب باطل فإنه يخونه باطله أحوج ما كان إليه فإن الباطل لا حقيقة له وهو كإسمه باطل فإذا كان الاعتقاد غير مطابق ولا حق كان متعلقه باطلا وكذلك إذا كانت غاية العمل باطلة (57) كالعمل لغير الله عز وجل أو على غير أمره بطل  (49) العالم في هذه الجملة زائدة والصواب (والنبات فمحل السراب أرض القفر) . (50) في ع (فيها) . (51) النور: 39. (52) في م (الرسل) . (53) في م ع (أظمأ ما كانوا وأحوج ما كانوا إليها) . (54) مقتبسة من قولة تعالى (ووجد الله عنده فوفاه حسابه) النور: 39. (55) هو سعد بن مالك بن سنان الخدرى بايع تحت الشجرة. وشهد ما بعد أحد انظر الاصابة لابن حجر 3 \/ 414. (56) البخاري كتاب التوحيد 4 \/ 201 ومسند أحمد 3 \/ 16 \/ 17. (57) يعنى الاعمال. ()(1\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2346",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "العمل ببطلان غايته وتضرر عامله ببطلانه وبحصول ضد ما كان يؤمله فلم يذهب عليه عمله واعتقاده لا له ولا عليه بل صار معذبا بفوات نفعه وبحصول ضد النفع فلهذا قال تعالى (ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب) (58) فهذا مثل الضال الذي يحسب (59) أنه على هدى. فصل: النوع الثاني أصحاب مثل الظلمات المتراكمة وهم الذين عرفوا الحق والهدى وآثروا عليه ظلمات الباطل والضلال فتراكمت عليه ظلمة الطبع وظلمة النفوس وظلمة الجهل حيث لم يعلموا بعلمهم فصاروا جاهلين وظلمة اتباع الغي والهوى فحالهم كحال من كان في بحر لجي لا ساحل له وقد غشيه موج ومن فوق ذلك الموج (60) موج ومن فوقه سحاب مظلم فهو في ظلمة البحر وظلمة الموج وظلمة السحاب وهذا نظير ما هو فيه من الظلمات التي لم يخرجه الله منها إلى نور الإيمان وهذان المثلان بالسراب الذي ظنه مادة الحياة وهو الماء والظلمات المضادة للنور نظير المثلين اللذين ضربهما للمنافقين والمؤمنين وهما المثل المائي والمثل الناري (61) وجعل حظ المؤمنين منهما الحياة والإشراق وحظ المنافقين منهما الظلمة المضادة للنور والموت المضاد للحياة فكذلك الكفار في هذين المثلين حظهم من الماء السراب الذي يغرر الناظر فيه (62) ولا حقيقة له وحظهم الظلمات المتراكمة وهذا يجوز أن يكون المراد به حال كل طائفة من طوائف الكفار وأنهم عدموا مادة الحياة والإضاءة بإعراضهم عن الوحي فيكون المثلان صفتين لموصوف واحد ويجوز أن يكون المراد به تنويع (63) أحوال الكفار وأن أصحاب المثل الأول هم الذين عملوا  (58) النور: 39. (59) في ع (يحسب: يحسب عمله) . (60) كررنا (موج) لم تكون في الاصل. (61) تفسير ابن كثير 3 \/ 296. (62) في م ع (يغر الناظر) . (63) في ع (متنوع) . ()(1\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2347",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على غير علم ولا بصيرة بل على جهل وحسن ظن بالأسلاف فكانوا يحسبون أنهم يحسنون صنعا وأصحاب المثل الثاني هم الذين استحبوا الضلالة على الهدى وآثروا الباطل على الحق وعموا عنه بعد إذ أبصروه وجحدوه بعد أن عرفوه فهذا حال المغضوب عليهم والأول حال الضالين وحال الطائفتين مخالف لحال المنعم عليهم المذكورين في قوله تعالى: (الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة إلى قوله (ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب (64) فتضمنت الآيات أوصاف الفرق الثلاثة المنعم عليهم وهم أهل النور والضالين وهم أصحاب السراب والمغضوب عليهم وهم أهل الظلمات المتراكمة والله أعلم. فالمثل الأول من المثلين لأصحاب العمل الباطل الذي لا ينفع (65) فأولئك أصحاب العمل الباطل وهؤلاء أصحاب العمل الذي لا ينفع والاعتقادات الباطلة وكلاهما مضاد للهدى ودين الحق ولهذا مثل حال الفريق الثاني في تلاطم أمواج الشكوك والشبهات والعلوم الفاسدة في قلوبهم بتلاطم أمواج البحر فيه وأنها أمواج متراكمة من فوقها سحاب مظلم وهكذا أمواج الشكوك والشبه في قلوبهم المظلمة التي قد تراكمت عليها سحب الغي والهوى والباطل فليتدبر اللبيب أحوال الفريقين وليطابق بينهما وبين المثلين يعرف عظمة القرآن وجلاله وأنه تنزيل من حكيم حميد. وأخبر سبحانه أن الموجب لذلك أنه لم يجعل لهم نورا (66) بل تركهم على الظلمة التي خلقوا فيها فلم يخرجهم منها إلى النور فإنه سبحانه ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور وفي المسند من حديث عبد الله بن عمر (67) رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم  (64) النور: 38. انظر تفسير الكشاف ص 67. (65) سقط من الطبع (والمثل الثاني لاصحاب العلوم والنظرو الابحاث الذى (التى) لا تنفع) . (66) راجع تفسير الكشاف 3 \/ 67. (67) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوى أبو عبد الرحمن راجع تجريد أسماء الصحابة للذهبي ج 1 \/ 325.(1\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2348",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "قال: (إن الله خلق خلقه في ظلمة وألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل) (68) فلذلك أقول جف القلم على علم الله فالله سبحانه خلق الخلق في ظلمة فمن أراد هدايته جعل له نورا وجوديا يحيى به قلبه وروحه كما يحيى بدنه بالروح التي ينفخها فيه فهي (69) حياتان حياة البدن بالروح وحياة الروح والقلب بالنور ولهذا سمى الله الوحي روحا لتوقف الحياة الحقيقية عليه كما قال تعالى: ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده) (70) وقال: (يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده) (71) وقال: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الأيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا) (72) فجعل وحيه روحا ونورا فمن لم يحيه بهذا الروح فهو ميت ومن لم يجعل له نورا منه فهو في الظلمات ماله من نور) (73) فصل: ومنها قوله تعالى: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا) (74) فشبه أكثر الناس بالأنعام والجامع بين النوعين التساوي في عدم قبول الهدى والانقياد له وجعل الأكثرين أضل سبيلا من الأنعام لأن البهيمة يهديها سائقها فتهتدي وتتبع الطريق (75) فلا تحيد عنها يمينا ولا شمالا والأكثرون يدعونهم الرسل ويهدونهم السبيل فلا  (68) المسند 2 \/ 176 وسنن الترمذي 38 باب 18 ومستدرك الحاكم وضعفه السيوطي. (69) في م ع (فهما) . (70) النحل: 2. (71) غافر: 15. (72) الشورى: 52. (73) انظر الامثال 26: 27 الجمان 177 - 180 تفسير الطبري 18 \/ 148 وابن كثير 2 \/ 296. (74) الفرقان: 44. (75) راجع تفسير الكشاف ح 3 \/ 94.(1\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2349",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يستجيبون ولا يهتدون ولا يفرقون بين ما يضرهم وبين ما ينفعهم والأنعام تفرق بين ما يضرها من النبات والطريق فتجتنبه وما ينفعها فتؤثره والله تعالى لم يخلق للأنعام قلوبا تعقل بها ولا ألسنة تنطق بها (76) وأعطى ذلك لهؤلاء ثم لم ينتفعوا بما جعل لهم من العقول والقلوب والألسنة والأسماع والأبصار فهم أضل من البهائم فإن من لا يهتدي إلى الرشد وإلى الطريق مع الدليل له (77) أضل وأسوأ حالا ممن لا يهتدي حيث لا دليل معه. فصل: ومنها قوله تعالى: (ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون) (78) وهذا دليل قياسي احتج الله سبحانه به على المشركين حيث جعلوا له من عبيده وملكه شركاء فأقام عليهم حجة يعرفون صحتها (79) من نفوسهم ولا يحتاجون فيها إلى غيرهم ومن أبلغ الحجاج أن يأخذ الإنسان من نفسه ويحتج عليه بما هو في نفسه مقرر عندهم (80) معلوم لها فقال (هل لكم من ما ملكت أيمانكم من) (81) عبيدكم وإمائكم شركاء في المال والأهل أي هل يشارككم عبيدكم في أموالكم وأهليكم فأنتم وهم في ذلك سواء تخافون (82) أن يقاسموكم أموالكم ويشاطروكم إياها ويستأثرون ببعضها عليكم كما يخاف الشريك شريكه وقال ابن عباس (83) : (تخافون أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضا) والمعنى هل  (76) في ع (تتكلم بها) . (77) في ع م (إليه) . (78) الروم: 28. (79) راجع الكشاف 3 \/ 221. (80) في م (عندها) . (81) الروم: 28 وفى الاصل وردت محرفة (من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء) . (82) في م (تخافون) انظر الطبري 21 \/ 39 والبغوى 5 \/ 207. (83) انظر الطبري 21 \/ 39 والخازن والبغوى 5 \/ 207. ()(1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2350",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هل يرضى أحد منكم أن يكون عبده شريكه في ماله وأهله حتى يساويه في التصرف في ذلك فهو يخاف أن ينفرد في ماله بأمر يتصرف فيه كما يخاف غيره من الشركاء والأحرار فإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم فلم عدلتم بي من خلقي من هو مملوك لي فإن كان هذا الحكم باطلا في فطركم (84) وعقولكم مع أنه جائز عليكم ممكن في حقكم إذ ليس عبيدكم ملكا لكم حقيقة وإنما هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم وأنتم وهم عبادي (85) (فكيف) (86) تستجيزون مثل هذا الحكم في حقي مع أن من جعلتموهم لي شركاء عبيدي وملكي وخلقي فهكذا يكون تفصيل الآيات لأولي العقول (86) . فصل: ومنها قوله تعالى: (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون. وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شئ وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم) (88) . هذان مثلان متضمنان قياسين من قياس العكس وهو نفى الحكم لنفي علته وموجبه فإن القياس نوعان: قياس طرد يقتضي اثبات الحكم في الفرع لثبوت علة الأصل فيه وقياس عكس يقتضي نفي الحكم عن الفرع لنفي علة الحكم فيه فالمثل الأول ما ضربه الله سبحانه لنفسه وللأوثان فالله سبحانه هو المالك لكل شئ ينفق كيف يشاء على عبيده سرا وجهرا ليلا ونهارا يمينه ملأى لا تغضيها إلا نفقة سحاء الليل والنهار والأوثان مملوكة عاجزة لا تقدر على شئ فكيف تجعلونها شركاء لي وتعبدونها من دوني مع هذا التفاوت العظيم والفرق المبين هذا قول مجاهد وغيره (89)  وقال ابن  (84) خاطركم. (85) في م (عبيد لى) . (86) زيادة من م. (87) انظر تفسير ابن كثير 21 \/ 38 والطبري 38 والامثال: 28. (88) النحل: 75 76 انظر الزمخشري 2 \/ 420 - 421. (89) انظر تفسير الطبري 14 \/ 149 - 150 وابن كثير 2 \/ 578. ()(1\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2351",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عباس (90) وهو مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر ومثل المؤمن في الخير الذي عنده ثم رزقه منه رزقا حسنا فهو ينفق منه على نفسه وعلى غيره سرا وجهرا والكفار بمنزلة عبد مملوك (عاجز) (91) لا يقدر على شئ لأنه لا خير عنده فهل يستوي الرجلان عند أحد من العقلاء والقول الأول أشبه بالمراد فأنه أظهر في بطلان الشرك وأوضح عند المخاطب وأعظم في إقامة الحجة وأقرب نسبا (92) بقوله: (ويعبدون من دون الله مالا يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا ولا يستطيعون. فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون) (93) ثم قال: (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر) ومن لوازم هذا المثل وأحكامه أن يكون المؤمن الموحد كمن رزقه منه رزقا حسنا والكافر المشرك كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شئ فهذا مما نبه عليه المثل وأرشد إليه فذكره ابن عباس منبها على إرادته لأن (94) الآية اختصت به فتأمله فإنك تجده كثيرا في كلام ابن عباس (95) وغيره من السلف في فهم القرآن فيظن الظان أن ذلك معنى الآية التي لا معنى لها غيره فيحكيه قوله (96) . فصل: وأما المثل الثاني فهو مثل ضربه الله سبحانه لنفسه ولما يعبدون (97) من دونه أيضا فالصنم الذي يعبدون من دونه (98) بنزلة رجل أبكم لا يعقل ولا ينطق بل هو أبكم القلب واللسان قد عدم النطق القلبي  (90) انظر زاد المسير 4 \/ 474 وابن كثير 2 \/ 578 والطبري 14 \/ 149. (91) مزيدة من م ع. (92) من م (منها) . (93) النحل: 73 74. (94) في م ع (لا أن الاية) . (95) لقب بالحبر والبحر ابن عم رسول الله ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) ولقد كان ذلك. (96) الطبري 14 \/ 148 - 151. (97) في م (يعبد) . (98) في م (دون الله) وفى ع (من دون الله) . ()(1\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2352",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واللساني ومع هذا فهو عاجز لا يقدر على شئ البتة ومع هذا فأينما أرسلته لا يأتيك بخير ولا يقضي لك حاجة والله سبحانه حي قادر متكلم يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم وهذا وصف له بغاية الكمال والحمد فإن أمره با لعدل وهو الحق يتضمن أنه سبحانه عالم به معلم له راض به آمر لعباده به محب لأهله لا يأمر بسواه بل ينزه عن ضده الذي هو الجور والظلم والسفه والباطل بل أمره وشرعه عدل كله وأهل العدل هم أولياؤه وأحباؤه وهم المجاوروه (99) فيه عن يمينه على منابر من نور وأمره بالعدل يتناول الأمر الشرعي الديني والأمر القدري الكوني وكلاهما عدل لا جور فيه بوجه ما كما في الحديث الصحيح: (اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك) (100) فقضاؤه هو أمره الكوني فإنما أمره إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون فلا يأمر بحق وعدل (101)  وقضاؤه وقدره القائم به حق وعدل وإن كان في المقضي المقدر ما هو جور وظلم فإن القضاء (102) غير المقضي والقدر غير المقدر ثم أخبر سبحانه (أنه على صراط مستقيم) وهذا نظير قول شعيب (103) عليه الصلاة والسلام (إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم) (104) فقوله: (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها)) نظير قوله: (ناصيتي بيدك) وقوله: (إن ربي على صراط مستقيم) نظير قوله (عدل في قضاؤك) فالأول ملكه والثاني حمده وهو سبحانه له الملك وله الحمد وكونه سبحانه على صراط مستقيم يقتضي أنه لا يقول إلا الحق ولا يأمر إلا بالعدل ويفعل إلا ما هو مصلحة وحكمة وعدل  (99) في ع (الجاورة له) . (100) مسند أحمد 1 \/ 391 \/ 452 وانظر الكشاف 2 \/ 276 277. (101) في ع (بالحق والعدل) . (102) في م (فالقضاء) . (103) الصحيح إنه هود كما في م ع وليس شعيبا. (104) هود: 56. ()(1\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2353",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهو على حق في أقواله وأفعاله فلا يقضي على العبد ما يكون ظالما له به ولا يأخذه بغير ذنبه وينقصه من حسناته شيئا ولا يحمل عليه من سيئات غير التي لم يعملها ولم يتسبب إليها (105) شيئا ولا يؤاخذ أحدا بذنب غيره ولا يفعل قط مالا يحمد عليه ويثنى به عليه ويكون له فيه العواقب الحميدة والغايات المطلوبة فإن كونه على صراط مستقيم يأبى ذلك كله. قال محمد بن جرير الطبري (106) وقوله: (إن ربي على صراط مستقيم) يقول إن ربي على طريق الحق يجازي المحسن من خلقه بإحسانه والمسئ بإساءته لا يظلم أحدا منهم شيئا ولا يقبل منهم إلا الإسلام والإيمان (ثم حكى عن مجاهد (107) من طريق شبل عن ابن أبي نجيح عنه: (إن ربي على صراط مستقيم) قال: الحق وكذلك رواه ابن جريج عنه (108) وقالت فرقة: هي مثل قوله (إن ربك لبالمرصاد) (109) وهذا اختلاف عبارة فإن كونه بالمرصاد هو مجازاة المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته وقالت فرقة: في الكلام حذف تقديره: إن ربي يحثكم على صراط مستقيم ويحضكم عليه (110)  وهؤلاء إن أرادوا أن هذا معنى الآية التي أريد بها فليس كما زعموا ولا دليل على هذا المقدر. وقد فرق سبحانه بين كونه آمرا بالعدل وبين كونه على صراط مستقيم وإن أرادوا أن حثه على الصراط المستقيم من جملة على صراط مستقيم فقد أصابوا وقالت فرقة أخرى معنى كونه على صراط مستقيم أن مرد العباد والأمور كلها  (105) في ع (يتسبب بها) . (106) تفسير: 12 \/ 60 وهو الامام الجليل صاحب التصانيف الكثيرة توفى سنة 310 هـ. (107) من أبرز أئمة التابعين. (108) هو الامام عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح الدوسى الاموى صاحب التصانيف توفى سنة 150 هـ انظر زاد المسير 4 \/ 118. (109) هم الاشاعرة انظر غرائب القرآن 12 \/ 39 زاد المسير 4 \/ 401 والرازي 17 \/ 13. (110) الخازن والبغوى 3 \/ 238. ()(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2354",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى الله لا يفوته شئ (111) منها وهؤلاء أن أرادوا أن هذا معني الآية فليس كذلك وإن أرادوا ان هذا من لوازم كونه على صراط مستقيم ومن مقتضاه وموجبه فهو حق وقالت فرقة أخرى: معناه كل شئ تحت قدرته وقهره وفي ملكه وقبضته (112) وهذا وإن كان حقا فليس هو معنى الآية وقد فرق شعيب (113) عليه الصلاة والسلام بين قوله: (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها) وبين قوله: (إن ربي على صراط مستقيم) فهما معنيان مستقلان فالقول قول مجاهد (114) وهو قول أئمة التفسير ولا تحتمل العربية غيره إلا على استكراه قال جرير يمدح عمر بن عبد العزيز: (115) أمير المؤمنين على صراط  إذا اعوج الموارد مستقيم وقد قال تعالى: (من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم) (116) وإذا كان الله تعالى هو الذي جعل رسله عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم على الصراط المستقيم في أقوالهم وأفعالهم فهو سبحانه أحق أن يكون على صراط مستقيم في قوله وفعله وإن كان صراط الرسل وأتباعهم هو موافقة أمره فصراطه الذي هو سبحانه عليه هو ما يقتضيه حمده وكماله ومجده من قول الحق وفعله وبالله التوفيق. فصل: وفي الآية قول ثان مثل الآية الأولى سواء (117) أنه مثل ضربه الله للمؤمن والكافر وقد تقدم ما في معنى (118) هذا القول والله الموفق  (111) في الاصل (شيئا) . (112) ابن كثير 2 \/ 450. (113) هود وليس شعيبا كما في ع. (114) الطبري 12 \/ 61. (115) ديوان جرير 1 \/ 218 يمدح هشام بن عبد الملك. (116) الانعام: 39. (117) في ع (سوى) . (118) كلمة (معنى) ساقطة من م ع. ()(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2355",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: ومنها قوله تعالى في تشبيه من أعرض عن كلامه وتدبره: (فما لهم عن التذكرة معرضين. كأنهم حمر مستنفرة. فرت من قسورة) (119) شبههم في إعراضهم ونفورهم عن القرآن بحمر رأت الأسد والرماة ففرت منه وهذا من بديع التمثيل (120) فإن القوم من جهلهم بما بعث الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم كالحمر فهي لا تعقل شيئا فإذا سمعت صوت الأسد أو الرامي نفرت منه أشد النفور وهذا غاية الذم لهؤلاء فإنهم نفروا عن الهدى الذي فيه سعادتهم وحياتهم كنفور الحمر عما يهلكها ويعقرها. وتحت المستنفرة معنى أبلغ من النافرة فإنها لشدة نفورها قد استنفر بعضها بعضا وحضه على النفور فإن في الاستفعال (121) من الطلب قدرا زائدا على الفعل المجرد فكأنها تواصت بالنفور وتواطأت عليه ومن قرأها بفتح الفاء (122) فالمعنى: أن القسورة استنفرها وحملها على النفور ببأسه وشدته (123) . فصل: ومنها قوله تعالى: (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين) (124) فقاس سبحانه من حمله كتابه ليؤمن به ويتدبره ويعمل به ويدعو إليه ثم خالف ذلك ولم يحمله إلا على ظهر قلب فقرأه به (125) بغير تدبر ولا تفهم ولا اتباع له (ولا) (126) تحكيم له وعمل بموجبه كحمار على ظهره زاملة أسفار لا يدري ما فيها وحظه منها حملها على ظهره ليس إلا فحظه  (119) المدثر: 49 - 51. (120) في م (القياس والتمثيل) . (121) ع (الاستغفار) . (122) انظر معاني القرآن 3 \/ 206 وإملاء مامن به الرحمن 2 \/ 273 والكافي 186. (123) تفسير النسفى 4 \/ 312. (124) الجمعة: 5. (125) م ع (فقراءته) . (126) مذيدة من م. ()(1\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2356",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من كتاب الله كحظ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره فهذا المثل وإن كان قد ضرب لليهود فهو متناول من حيث المعنى لمن حمل القرآن فترك العمل به ولم يؤد حقه ولم يرعه حق رعايته (127) . فصل: ومنها قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون) (128) فشبه سبحانه من آتاه كتابه وعلمه العلم الذي منعه غيره فترك العمل به واتبع هواه وآثر سخط الله على رضاه ودنياه على آخرته والمخلوق على الخالق بالكلب الذي هو من أخبث الحيوانات وأوضعها قدرا وأخبثها (129) نفسا وهمته لا تتعدى بطنه وأشدها شرها وحرصا ومن حرصه أنه لا يمشي إلا وخطمه في الأرض يتشمم ويتروح حرصا وشرها ولا يزال يشم دبره دون سائر أجزائه وإذا رميت له بحجر رجع إليه ليعضه من فرط نهمته وهو من أمهن الحيوانات وأحملها للهوان وأرضاها بالدنايا والجيف المروحة أحب إليه من اللحم الطري والقذرة أحب إليه من الحلوى وإذا ظفر بميتة تكفي مائة كلب لم يدع كلبا (130) يتناول معه منه شئ إلا هر عليه وقهره (131) لحرصه وبخله وشره ومن عجيب أمره وحرصه أنه إذا رأى ذا هيئة رثة وثياب دنية وحال زرية نبحه وحمل عليه كأنه يتصور مشاركته له ومنازعته في قوته وإذا رأى ذا هيئة حسنة وثياب جميلة ورئاسة وضع له خطمه (132) بالأرض وخضع له ولم يرفع إليه رأسه وفي تشبيه من آثر الدنيا وعاجلها على  (127) الجمان 312 \/ 313. (128) الاعراف: 176. (129) في م ع (احنسها) . (130) في م (كلبا واحدا) . (131) في م (الا عن غلبة وقهر) . (132) خشمه. ()(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2357",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله والدار الآخرة مع وفور علمه بالكلب في لهثه (133) سر بديع وهو أن الذي حاله ما ذكره الله من انسلاخه من آياته واتباعه هواه إنما كان لشدة لهفه على الدنيا لانقطاع قلبه عن الله والدار الآخرة فهو شديد اللهف عليها ولهفه نظير لهف الكلب الدائم في حال ازعاجه وتركه واللهف واللهث شقيقان وأخوان في اللفظ والمعنى قال ابن جريج: (134) (الكلب منقطع الفؤاد لا فؤاد له أن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث فهو مثل الذي يترك الهدى لا فؤاد له إنما فؤاده ينقطع)  قلت: مراده بانقطاع فؤاده أنه ليس له فؤاد يحمله على الصبر وترك اللهث وهكذا الذي انسلخ من آيات الله لم يبق معه فؤاد يحمله على الصبر عن الدنيا وترك اللهف عليها فهذا يلهف على الدنيا من قلة صبره عليها وهذا يلهث من قلة صبره على الماء فالكلب من أقل الحيوانات صبرا عن الماء وإذا عطش أكل الثرى من العطش وإن كان صبر عن الجوع (135)  وعلى كل حال فهو من أشد الحيوانات لهثا يلهث قائما وقاعدا وماشيا وواقفا ذلك لشدة حرصه فحرارة الحرص في كبده توجب له دوام اللهث فهكذا مشبهه شدة (136) حرارة الشهوة في قلبه توجب له دوام اللهث (137) فإن حملت عليه بالموعظة والنصيحة فهو يلهث وإن تركته ولم تعظه فهو يلهف قال مجاهد (138) : وذلك مثال الذي أوتى الكتاب ولم يعمل به وقال ابن عباس (139) : إن تحمل عليه الكلمة لم يحملها وإن تركته لم يهتد إلى الخير  (133) في م (لهفه) . (134) في م (وإن كان فيه صبر على الجوع) سبق تعريفه انظر الطبري 9 \/ 129. (135) في م (وإن كان فيه على الجوع) . (136) في م (شدة الحرص وحرارة الشهوة) . (137) في م (اللهف) . (138) تفسير مجاهد 1 \/ 251 الطبري 9 \/ البغوي 2 \/ 315. (139) الطبري 9 \/ 129. ()(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2358",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كالكلب إن كان رابضا لهث وإن طرد لهث وقال الحسن: (140) (وهو المنافق لا يثبت على الحق دعي أو لم يدع وعظ أم لم يوعظ كالكلب يلهث طرد أو ترك وقال عطاء (141) : ينبح إن حملت عليه أو لم تحمل عليه وقال محمد بن قتيبة (142) : (كل شئ يلهث إنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال أو حال الراحة وحال الصحة وحال المرض والعطش فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته)  وقال ابن عطية (إن وعظته فهو ضال وإن تركته فهو ضال كالكلب إن طردته لهث وإن تركته على حاله لهث ونظيره قوله تعالى: (وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون) (14 3) . وتأمل ما في هذا المثل من الحكم والمعنى فمنها قوله: (وآتيناه آياتنا)) فأخبر سبحانه أنه هو الذي آتاه آياته فإنها نعمة والله هو الذي أنعم بها عليه فأضافها إلى نفسه ثم قال: (فانسلخ منها) أي خرج منها كما تنسلخ الحية من جلدها وفارقها فراق الجلد ينسلخ عن اللحم ولم يقل فسلخناه منها لأنه هو الذي تسبب إلى انسلاخه منها باتباع هواه ومنها قوله سبحانه: (فأتبعه الشيطان) أي لحقه وأدركه كما قال تعالى في قوم فرعون: (فأتبعوهم مشرقين (144)) فكان محفوظا محروسا بآيات الله محمي الجانب بها من الشيطان لا ينال منه شيئا إلا غلى غرة وخطفة فلما انسلخ من آيات الله ظفر به الشيطان ظفر الأسد بفريسته فكان من الغاوين العاملين بخلاف علمهم الذين يعرفون الحق ويعملون  (140) الطبري 9 \/ 129 وابن كثير 2 \/ 267. (141) الكشف والبيان: 131. (142) انظر تاريخ بغداد ح 2 توفى سنة 389 هـ انظر تأويل مشكل القرآن 365 والقرطبى \/ 322 البغوي 2 \/ 316. (143) تفسير البغوي 2 \/ 316. (144) الشعراء: 60. ()(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2359",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بخلافه كعلماء السوء ومنها أنه سبحانه قال: (ولو شئنا لرفعناه بها) (145) فأخبر سبحانه أن الرفعة عنده ليست بمجرد العلم (فإن هذا كان من العلماء) (146) وإنما هي باتباع الحق إيثاره وقصد مرضاة الله تعالى فان هذا كان من أعلم أهل زمانه ولم يرفعه الله بعلمه ولم ينفعه به فتعوذ بالله من علم لا ينفع وأخبر سبحانه أنه هو الذي يرفع عبده إذا شاء بما آتاه الله من العلم وإن لم يرفعه الله فهو موضوع لا يرفع أحد به رأسا فإن الخافض الرافع الله سبحانه خفضه ولم يرفعه والمعنى: ولو شئنا فضلناه وشرفناه ورفعنا قدره ومنزلته بالآيات التي آتيناه قال ابن عباس رضي الله عنهما (147) : (ولو شئنا لرفعناه بعلمه بها) وقالت طائفة (148) : الضمير في قوله (لرفعناه) عائد على الكفر والمعنى ولو شئنا لرفعناه عن الكفر بما معه من آياتنا قال مجاهد وعطاء (149) : (لرفعنا عنه الكفر بالإيمان وعصمناه) وهذا المعنى حق والأول مراد الآية وهذا من لوازم المراد وقد تقدم أن السلف كثيرا ما ينبهون على لازم معنى الآية فيظن الظان أن ذلك هو المراد منها وقوله: (ولكنه أخلد إلى الأرض)  قال سعيد بن جبير (150) : ركن إلى الأرض. وقال مجاهد (151) : سكن وقال مقاتل (152) رضي بالدنيا وقال  (145) الاعراف: 176 وانظر الكشاف 3 \/ 115. (146) زيادة في م ع. (147) انظر تفسير الطبري 9 \/ 127 والبغوى 2 \/ 315. (138) انظر زاد المسير 3 \/ 190 والفخر الرازي 15 \/ 55 وروح المعاني 3 \/ 163. (149) مجاهد بن جبير المكى 21 - 103 هـ من أبرز التابعين قال عنه الامام الثوري (إذا جاءك التفسير من مجاهد فحسبك) انظر البغوي والخازن 2 \/ 315 (قال مجاهد وعطاء) . (150) سعيد بن حبير بن هشام الاسدي الوالى توفى سنة 95 هـ انظر القرطبى 7 \/ 321 والطبري 9 \/ 127. (151) القرطبى 7 \/ 322 والطبري 9 \/ 127. (152) هو ابن سليمان البلخى انظر البرهان للزركشي 2 \/ 158 وغرائب القرآن 9 \/ 85. ()(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2360",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبو عبيدة (153) : (لزمها وأبطأ والمخلد من الرجال هو الذي تبطئ مشيته ومن الدواب الذي تبقى ثناياه إلى أن تخرج رباعيته) وقال الزجاج (154) : خلد وأخلد (واحد) (155) وأصله من الخلود وهو الدوام والبقاء يقال: فلان أخلد ولاذ بالمكان إذا أقام به) قال مالك بن نويره: بأبناء حي من قبائل مالك وعمرو بن يربوع أقاموا وأخلدوا. قلت: ومنه قوله تعالى: (يطوف عليهم ولدان مخلدون) (156) أي قد خلقوا للبقاء لذلك لا يتغيرون ولا يكبرون وهم على سن (157) واحد أبدا (158)  وقيل (159) المقرطون في آذانهم والمسورون في أيديهم (160) وأصحاب هذا القول فسروا اللفظ ببعض لوازمه وذلك إشارة (161) إلى التخليد على ذلك السن فلا ينافي القولين (162) . وقوله: (واتبع هواه) قال الكلبي (163) : (اتبع مسافل الأمور وترك معاليها) وقال أبو روق (164) (اختار الدنيا على الآخرة) وقال عطاء: (165)  (153) انظر الطبري 9 \/ 128 ومجاز القرآن 9 \/ 85. (154) النحوي وتفسيره معاني القرآن البغوي 2 \/ 315 والرازي 15 \/ 56 وزاد الميسر 3 \/ 290. (155) الزيادة من البغوي. (156) الواقعة: 17. (157) في م (على ذلك) . (158) زاد المسير 8 \/ 136. (159) في م (هم المقرطون) . (160) غريب القرآن 153 وزاد المسير 8 \/ 136. (161) في م ع (إمارة التخليك) . (162) في م ع (فلا تنافى بين القولين) . (163) الكلبى هو أبو النضر محمد بن السائب بن بشر الكلبى الكوفى انظر وميزان الاعتدال 3 \/ 61. والكشف والبيان 131. (164) الكشف والبيان 131 وهو عطية بن الحارث الكوفى ذكره سعد في الطقة الخامسة من الكوفيين انظر الطبقات 6 \/ 369. (165) البغوي 2 \/ 315. ()(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2361",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أراد الدنيا وأطاع..شيطانه)  وقال ابن زيد (166) : (كان هواه مع القوم) يعني الذين حاربوا موسى عليه الصلاة والسلام وقومه وقال يمان: (اتبع امرأته لأنها هي التي حملته على ما فعله (167)  فإن قيل الإستدراك بلكن يقتضي أن يثبت بعدها نفي (168) ما قبلها أو ينفي ما أثبت كما تقول: لو شئت لأعطيته لكني لم أعطه ولو شئت لما فعلت كذا لكني فعلته فالاستدراك يقتضي (ولو شئنا لرفعناه بها) ولكنا لم نشأ أو فلم نرفع ولكنه أخلد (169) فكيف استدرك بقوله: (ولكنه أخلد إلى الأرض) بعد قوله: (ولو شئنا لرفعناه (170) بها) قيل: هذا من الكلام الملحوظ فيه (171) المعنى المعدول فيه عن مراعاة الألفاظ إلى المعاني وذلك أن مضمون قوله: (ولو شئنا لرفعناه بها) أنه لم يتعاط الأسباب التي تقتضي رفعه بالآيات من ايثار الله ومرضاته على هواه ولكنه آثر الدنيا وأخلد إلى الأرض واتبع هواه وقال الزمخشري (172) (المعنى ولو لزم آياتنا لرفعناه بها فذكر المشيئة والمراد ما هي تابعة له ومسببة عنه قال: ألا ترى إلى قوله: (ولكنه أخلد) فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله فوجب أن تكون (ولو شئنا) في معنى ما هو فعله ولو كان الكلام على ظاهره لوجب أن يقال ولو شئنا لرفعناه ولكنا لم نشأ: فهذا (173) منه شنشنة نعرفها من قدري ناف للمشيئة العامة مبعد للنجعة في جعل كلام الله معتزليا  (166) انظر زاد المسير 3 \/ 290 والبغوى 2 \/ 315 والقرطبى 7 \/ 322. (167) الكشف والبيان 131 وزاد المسير 3 \/ 290 وفتح القدير 2 \/ 265. (168) في م ع (يثبت بعدها مانقى قبلها) . (169) ليست في م. (170) الاعراف: 176. (171) في م ع (جانب المعنى) . (172) هو أبو القاسم جار الله محمد الزمخشري المتوفى سنة 538 هـ وكان عالما وإماما باللغة والنحو والتفسير انظر تفسيره الكشاف 1 \/ 587 ويفضل قراءة النسخة الخاصة بالكشاف المحققة لبيان ما فيها من الاعتزال والتعليق عليها. (173) انظر الكشاف 2 \/ 131 بنفس النص. ()(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2362",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قدريا فأين قوله: (ولو شئنا) من قوله ولو لزمها ثم إذا كان اللزوم لها موقوفا على مشيئة الله. وهو الحق بطل أصله وقوله: (إن مشيئة الله تابعة للزومه لآياته تابعة لمشيئة الله عز وجل فمشيئة الله سبحانه متبوعة لاتابعة وقال وسبب لا مسبب وموجب مقتضي لا مقتضى (174) فما شاء الله وجب وجوده وما لم يشأ امتنع وجوده. فصل: ومنها قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم) (175)  وهذا من أحسن القياس التمثيلي فانه شبه تمزيق عرض (الأخ بتمزيق لحمه ولما كان المغتاب يمزق عرض) أخيه في غيبته كان بمنزلة من يقطع لحمه في حال غيبة روحه عنه بالموت لما كان المغتاب عاجزا عن دفعه بنفسه بكونه غائبا عن ذمه كان بمنزلة الميت الذي يقطع لحمه ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه ولما كان مقتضى الأخوة التراحم والتواصل والتناصر فعلق عليها المغتاب ضد مقتضاها من الذم والعيب والطعن كان ذلك نظير (176) تقطيعه لحم أخيه والأخوة تقتضي حفظه وصيانته والذب عنه ولما كان المغتاب متفكها (177) بغيبته وذمه متحليا بذلك شبه بأكل لحم أخيه بعد تقطيعه ولما كان المغتاب محبا لذلك معجبا به شبه بمن يحب أكل لحم أخيه ميتا ومحبته لذلك قدر زائد على مجرد أكله كما أن أكله قدر زائد على تمزيقه فتأمل هذا التشبيه والتمثيل وحسن موقعه ومطابقة المعقول فيه للمحسوس وتأمل أخباره عنهم بكراهة أكل لحم الأخ ميتا ووصفهم بذلك في آخر الآية والإنكار عليهم في أولها أن يجب  (174) في ع (يقتضى لا يقتضى) . (175) الحجرات: 12 انظر الكشاف 3 \/ 567. (176) في ع (بمنزلة) . (177) في م (متمتعا بعرض أخى متفكها) وفى ع (مستمتعا) . ()(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2363",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدهم ذلك فكما أن هذا مكروه في طباعهم فكيف يحبون ما هو مثله ونظيره فاحتج عليهم بما كرهوه على ما أحبوه وشبه لهم ما يحبونه بما هو أكره شئ إليهم وهم أشد شئ نفرة عنه فلهذا يوجب العقل والفطرة والحكمة أن يكونوا اشد شئ نفرة عما هو نظيره ومشبهه (178) وبالله التوفيق فصل: ومنها قوله تعالى: (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شئ ذلك هو الضلال البعيد) (179) فشبه تعالى أعمال الكفار في بطلانها وعدم الانتفاع بها برماد مرت عليه ريح شديدة في يوم عاصف فشبه سبحانه أعمالهم في حبوطها وذهابها باطلا كالهباء المنثور لكونها على غير أساس من الإيمان والإحسان وكونها لغير الله عز وجل وعلى غير أمره برماد طيرته الريح العاصف فلا يقدر صاحبه على شئ منه وقت شدة حاجته إليه فلذلك لا يقدرون مما كسبوا على شئ لا يقدرون يوم القيامة مما كسبوا من أعمالهم على شئ فلا يرون لها (180) أثرا من ثواب ولا فائدة نافعة فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه موافقا لشرعه والأعمال أربعة فواحد مقبول وثلاثة مردودة فالمقبول: الخالص الصواب فالخالص أن يكون لله لا لغير والصواب أن يكون مما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم والثلاثة المردودة: ما خالف ذلك. وفي تشبيهها بالرماد سر بديع وذلك للتشابه الذي بين أعمالهم وبين الرماد في إحراق النار وإذهابها لأصل هذا وهذا فكانت الأعمال التي لغير الله عز وجل وعلى غير مراده طعمة للنار وبها تسعر النار على أصحابها وينشئ الله لهم من أعمالهم الباطلة نارا وعذابا كما ينشئ لأهل الأعمال الموافقة لأمره (181)  (178) في ع (شبيهه) . (179) إبراهيم: 18 الزمخشري 2 \/ 372. (180) في م ع (له) . (181) في م (لأمره ونهيه) . ()(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2364",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التي هي خالصة لوجهه من أعمالهم نعيما وروحا فأثرت النار في أعمال أولئك حتى جعلتها رمادا فهم وما يعبدون من دون الله وقود النار (182) . فصل: ومنها قوله تعالى: (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون) (183) فشبه سبحانه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة لأن الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون: (الكلمة الطيبة هي شهادة أن لا إله إلا الله (184)) فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة فكل عمل صالح مرضي لله عز وجل ثمرة هذا الكلمة وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال (185) : أصلها ثابت قول (186) لا إله إلا الله في قلب المؤمن وفرعها في السماء يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء) وقال الربيع بن أنس (187) : [كلمة طيبة هذا مثل الإيمان والإيمان الشجرة الطيبة وأصلها الثابت الذي لا يزول الإخلاص فيه وفرعه في السماء خشية الله والتشبيه على هذا القول أصح وأظهر وأحسن] فإنه سبحانه شبه شجرة التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة الثابتة الأصل الباسقة الفرع في السماء علوا التي لا تزال تؤتي ثمرتها كل  (182) انظر الطبري 13 - 196 \/ 197 والدر المنثور 4 \/ 75 والبغوى 4 \/ 37. (183) إبراهيم: 24 والكشاف 2 \/ 376. (184) انظر الطبري 13 \/ 203 وابن كثير 2 \/ 530 والدر المنثور 4 \/ 75 البغوي. (185) انظر ابن كثير 2 \/ 530 والطبري 13 \/ 203. (186) في الطبري وابن كثير (يقول) . (187) ابن جرير 13 \/ 203 104. ()(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2365",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حين وإذا تأملت هذا التشبيه رأيته مطابقا لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في القلب التي فروعها من الأعمال الصالحة صاعدة إلى السماء ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل وقت بحسب ثباتها في القلب ومحبة القلب لها وإخلاصه فيها ومعرفته بحقيقتها وقيامه بحقها (188) ومراعاتها حق رعايتها فمن رسخت هذه الكلمة في قلبه بحقيقتها التي هي حقيقتها واتصف قلبه بها وانصبغ بها بصبغة الله التي لا أحسن صبغة منها فيعرف حقيقة الهيئة (189) التي يثبتها قلبه لله ويشهد بها لسانه وتصدقها جوارحه ونفى تلك الحقيقة ولوازمها عن كل ما سوى الله عز وجل وواطأ (190) قلبه لسانه في هذا النفي والإثبات وانقادت جوارحه لمن شهد له بالوحدانية طائعة سالكة سبل ربه ذللا غير ناكبة عنها ولا باغية سواها بدلا كما لا يبتغي القلب سوى معبوده الحق بدلا فلا ريب أن هذه الكلمة من هذا القلب على هذا اللسان لا تزال تؤتى ثمرتها من العمل الصالح الصاعد إلى الرب تعالى وهذه الكلمة الطيبة تثمر كثيرا طيبا كلما يقارنه (191) عمل صالح فيرفع العمل الصالح الكلم الطيب كما قال تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) (192) فأخبر سبحانه أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب وأخبر أن الكلمة (193) الطيبة تثمر لقائلها كل وقت عملا صالحا كل وقت. والمقصود أن كلمة التوحيد إذا شهد المؤمن بها عارفا بمعناها وحقيقتها نفيا وإثباتا متصفا بموجبها قائما قلبه ولسانه وجوارحه بشهادته فهذه الكلمة (194) من هذا الشاهد أصلها ثبات راسخ في قلبه وفروعها متصلة  (188) في م (بحقوقها) . (189) في م (الإلهية) . (190) في م ع (وافق) . (191) في م ع (تثمر كلما كثيرا طيبا) . (192) فاطر: 10. (193) في الاضل الكلم الطيبة فأثبتنا التاء في آخرها انظر الكشاف 2 \/ 302. (194) في م (فهذه الكلمة الطيبة هي التى رفعت هذا العمل من هذا الشاهد) . ()(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2366",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالسماء وهي مخرجة لثمرتها كل وقت ومن السلف من قال [إن الشجرة الطيبة هي النخلة] (195) ويدل عليه حديث ابن عمر الصحيح (196)  ومنهم من قال: هي المؤمن نفسه كما قال محمد بن سعد حدثني أبي حدثني عمي حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله: (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة) يعني بالشجرة الطيبة المؤمن ويعني بالأصل الثابت في الأرض والفرع في السماء يكون المؤمن يعمل في الأرض ويتكلم فيبلغ قوله وعمله السماء وهو في الأرض (197)  وقال عطية العوفي في (ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة) قال (198) : (ذلك مثل المؤمن لا يزال يخرج منه كلام طيب وعمل صالح يصعد إلى الله) . وقال الربيع بن أنس (199) : (أصلها ثابت وفرعها في السماء) قال: ذلك المؤمن ضرب مثله في الإخلاص لله وحده وعبادته وحده لا شريك له (قال: أصلها ثابت) قال: أصل عمله ثابت في الأرض (وفرعها في السماء) قال: ذكره في السماء. ولا اختلاف بين القولين فالمقصود بالمثل المؤمن والنخلة مشبهة به وهو مشبه بها وإذا كانت النخلة شجرة طيبة فالمؤمن المشبه بها أولى أن يكون كذلك ومن قال من السلف: إنها شجرة في الجنة (200) فالنخلة من أشرف أشجار الجنة.  (195) انظر الطبري 13 \/ 204 وابن كثير 2 \/ 530 والبغوى 4 \/ 40 وتفسير مجاهد 1 \/ 337. (196) صحيح البخاري 1 \/ 130 ومسلم 4 \/ 2165 ونصه (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المسلم فحدثوني ماهى ? فوقع الناس في شجر البوادى قال عبد الله. وقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت ثم قالوا: حدثنا ماهى يارسول فقال (هي النخلة) . (197) ابن جرير 13 \/ 204. (198) نفس المصدر السابق. (199) سبق تعريفه. (200) انظر الخزن والبغوى 4 \/ 40 وابن كثير 2 \/ 530 وزاد المسير 4 \/ 358. ()(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2367",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي هذا المثل من الأسرار والعلوم والمعارف ما يليق (201) ويقتضيه علم الذي تكلم به سبحانه وحكمته فمن ذلك أن الشجرة لا بد لها من عروق (وساق وفروع) (202) وورق وثمر فكذلك شجرة الإيمان والإسلام ليطابق المشبه المشبه به فعروقها العلم والمعرفة واليقين وساقها الإخلاص وفروعها الأعمال وثمرتها ما توجبه الأعمال الصالحة من الآثار الحميدة والصفات الممدوحة والأخلاق الزكية والسمت الصالح والهدى والدل (203) المرضى فيستدل على غرس هذه الشجرة في القلب وثبوتها فيه بهذه الأمور فإذا كان العلم صحيحا مطابقا لمعلومه الذي أنزل الله كتابه به والاعتقاد مطابقا لما أخبر به عن نفسه وأخبرت به عنه رسله صلوات الله وسلامه عليهم والإخلاص قائم في القلب والأعمال موافقة للأمر والهدى والدل والسمت مشابه لهذه الأصول مناسب لها علم أن شجرة الإيمان في القلب أصلها ثابت وفرعها في السماء وإذا كان الأمر بالعكس علم أن القائم بالقلب إنما هو الشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار ومنها: أن الشجرة لا تبقى حية إلا بمادة تسقيها وتنميها فإذا انقطع عنها السقي أوشك أن تيبس فهكذا شجرة الإسلام (204) في القلب إن لم يتعاهدها صاحبها بسقيها كل وقت بالعمل النافع والعمل الصالح والعود بالتذكر على التفكر والتفكر على التذكر وإلا أوشك أن تيبس وفي مسند الإمام أحمد (205) من حديث أبي هريرة (206) رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الإيمان يخلق في القلب كما يخلق الثوب  (201) في م ع (يليق به) . (202) زيادة ممن م ع. (203) زيادة من م ع. (204) في ع (شجرة الايمان) . (205) وهو الامام المحدث الفقيه. (206) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسى وكان من أكثر الصحابة حفظا للحديث ورواية له توفى سنة 95 هـ. ()(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2368",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فجددوا إيمانكم) (207) . وبالجملة فالغرس إن لم يتعاهده صاحبه أوشك أن يهلك ومن هنا يعلم شدة حاجة العباد إلى ما أمر الله به من العبادات على تعاقب الأوقات وعظيم رحمته وتمام نعمته وإحسانه إلى عباده بأن وضعها عليهم وجعلها مادة لسقي غراس التوحيد الذي غرسه في قلوبهم. ومنها: إن الغرس والزرع النافع قد أجرى الله سبحانه العادة (أنه) (208) لا بد أن يخالطه دغل ونبت غريب ليس من جنسه فإن تعاهده ربه ونقاه وقلمه كمل الغرس والزرع واستوى وتم نباته وكان أوفر لثمرته وأطيب وأزكى وإن تركه أوشك أن يغلب على الغرس والزرع ويكون الحكم له أو يضعف الأصل ويجعل الثمرة ذميمة ناقصة بحسب كثرته وقلته ومن لم يكن له فقه يقيس (209) في هذا ومعرفته به فإنه يفوته ربح (210) كثير وهو لا يشعر فالمؤمن دائم سعيه في شيئين (211) : سقي هذه الشجرة وتنقية ما حولها فبسقيها (212) تبقى وتدوم وبتنقية ما حولها تكمل وتتم والله المستعان وعليه التكلان. فهذا بعض ما تضمنه هذا المثل العظيم الجليل من الأسرار والحكم ولعلها قطرة من بحر بحسب أذهاننا الواقعة وقلوبنا المخبطة (213) وعلومنا القاصرة وأعمالنا التي توجب التوبة والاستغفار وإلا فلو طهرت منا القلوب وصفت الأذهان وزكت النفوس وخلصت الأعمال وتجردت الهمم للتقي عن الله تعالى  (207) أيضا في معجم الطبراني والمستدرك والملخص 1 \/ 4 عن عبد الله بن عمرو وهو حديث حسن. (208) زيادة في م. (209) في م (فقه نفيس) وفى ع (فقه في نفس هذه) . (210) زيادة في م وفى ع (فاته ربح كثير) . (211) في ع (شأن سقى) . (212) الفاء زائدة لم تكن في الاصل. (213) في م (المخطئة) وهى الاصح. ()(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2369",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورسوله صلى الله عليه وسلم لشاهدنا من معاني كلام الله عز وجل وأسراره وحكمه ما تضمحل عنده العلوم وتتلاشى عنده معارف الحق وبهذا يعرف قدر علوم الصحابة ومعارفهم رضي الله عنهم وإن التفاوت الذي بين علومهم وعلوم من بعدهم كالتفاوت الذي بينهم في الفضل والله أعلم حيث يجعل مواقع فضله ومن يختص برحمته فصل: ثم ذكر سبحانه مثل الكلمة الخبيثة فشبهها بالشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار (214) فلا عرق ثابت ولا فرع عال ولا ثمرة زاكية ولا ظل ولا جنى ولا ساق قائم ولا عرق في الأرض ثابت مغدق ولا أعلاها مونق ولا جنى لها ولا تعلو بلى تعلى. وإذا تأمل اللبيب أكثر كلام هذا الخلق في خطابهم وكتبهم (215) وجده كذلك فالخسران كل الخسران (216) الوقوف معه والاشتغال به عن أفضل الكلام وأنفعه قال الضحاك: (217) (ضرب الله مثلا للكافر بشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار) يقول: ليس لها أصل ولا فرع وليس لها ثمرة ولا فيها منفعة كذلك الكافر ليس يعمل خيرا ولا يقوله ولا يجعل الله فيه بركة ولا منفعة وقال ابن عباس (218) . (ومثل كلمة خبيثة وهي الشرك كشجرة خبيثة يعني الكافر اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار يقول: الشرك ليس له أصل يأخذ به الكافر ولا برهان ولا يقبل الله عمل المشرك ولا يصعد إلى الله فليس له أصل ثابت في الأرض ولا فرع في السماء يقول ليس له عمل صالح في السماء ولا في الآخرة وقال الربيع بن أنس (219) . (مثل الشجرة الخبيثة مثل  (214) زيادة في م. (115) في م (وكسبهم) . (216) (الخسران) الثانية ساقطة من م. (217) هو ابن مزاحم الهلالي مولاهم الخرساني روى عن بعض الصحابة وأخذ عنهم العلم توفى سنة 105 هـ انظر الطبري 13 \/ 213. (219) تفسير الطبري 13 \/ 213. ()(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2370",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكافر ليس لقوله ولا لعمله أصل ولا فرع ولا يستقر قوله ولا عمله على الأرض ولا يصعد إلى السماء) وقال سعيد عن قتادة في هذه الآية (إن رجلا لقي رجلا من أهل العلم فقال له: ما تقول في الكلمة الخبيثة قال لا اعلم لها في الأرض مستقرا ولا في السماء مصعدا إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافي بها يوم القيامة) (220) وقوله اجتثت أي استؤصلت من فوق الأرض ثم أخبر سبحانه عن فصله وعدله في الفريقين أصحاب الكلم الطيب والكلم الخبيث فأخبر أنه يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت أحوج ما يكونون إليه في الدنيا والآخرة وأنه يضل الظالمين وهم المشركون عن القول الثابت فأضل هؤلاء بعدله لظلمهم وثبت المؤمنين بفضله لإيمانهم. وتحت قوله: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) كنز عظيم من وقف عليه لظنته (221) وهو وأحسن استخراجه واقتناءه (222) وأنفق منه فقد غنم ومن حرمه فقد حرم وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت الله طرفة عين فإن لم يثبته وإلا زالت سماء إيمانه وأرضه عن مكانهما وقد قال تعالى لأكرم خلقه عليه عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم: (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا) (223)  وقال تعالى: (إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا) (224) وفي الصحيحين من حديث البجلي قال: (وهو يسألهم ويثبتهم) (225)  وقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك) (226) .  (220) الطبري 13 \/ 212. (221) في ع م من وفق لمظنته. (222) في ع (واقتتنه) . (223) الإسراء: 74. (224) الأنفال: 12 انظر الكشاف 2 \/ 460. (225) رواه الترمزى 4 \/ 689 - 690 ومسند أحمد 2 368 \/ 369 (وهو يأمرهم ويثبتهم) (226) هود: 120. ()(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2371",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالخلق كلهم قسمان: موفق بالتثبيت ومخذول بترك التثبيت ومادة التثبيت وأصله ومنشأه من القول الثابت وفعل ما أمر به العبد فيهما يثبت الله عبده فكل ما كان أثبت قولا وأحسن فعلا كان أعظم تثبتا قال تعالى: (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا) (227) فأثبت الناس قلبا أثبتهم قولا والقول الثابت هو القول الحق والصدق وهو ضد القول الباطل الكذب فالقول نوعان: ثابت له حقيقة وباطل لا حقيقة له وأثبت القول كلمة التوحيد ولوازمها فهي أعظم ما يثبت الله بها عباده في الدنيا والآخرة ولهذا ترى الصادق من أثبت الناس وأشجعهم قلبا والكاذب من أمهن الناس وأخبثهم وأكثرهم تلويا وأقلهم ثباتا (228)  وأهل الفراسة يعرفون صدق الصادق من ثبات قلبه وقت الاختبار وشجاعته ومهابته ويعرفون (229) كذب الكاذب بضد ذلك ولا يخفى ذلك إلا على ضعيف البصيرة وسئل بعضهم عن كلام سمعه من متكلم به فقال: والله ما فهمت منه شيئا الا أني سمعت لكلامه صولة ليست بصولة مبطل فما منح العبد منحة أفضل من منحة القول الثابت) ويجد أهل القول الثابت ثمرته أحوج ما يكونون إليه في قبورهم ويوم معادهم كما في صحيح مسلم (230) من حديث البراء (231) بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن هذه الآية نزلت في عذاب القبر (232)  وقد جاء (هذا) (233) مبينا في أحاديث صحاح فمنها ما في المسند من حديث داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة فقال: (يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا الإنسان دفن وتفرق عنه  (227) النساء: 66 انظر تفسير الكشاف 1 \/ 539. (228) في ع (وأجبنهم تلوما) وفى م (أجبنهم وأكثرهم تلونا) . (229) زيادة في م ع (230) هو الحافظ الحسين بن الحجاج بن مسلم القشيرى النيسابوري ولد سنه 304 هـ. (231) البراء بن عازم بن الحارث بن عدى الانصاري انظر تجريد الاسماء الذهبي 1 \/ 46. (232) مسلم 4 \/ 2201 2202 صحيح البخاري 3 104 \/ 105 والنسائي 4 \/ 84. (233) زيادة من م ع. ()(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2372",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصحابه جاءه ملك بيده مطراق فأقعده فقال: ما تقول في هذا الرجل فإن كان مؤمنا قال: أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فيقول له صدقت فيفتح له باب إلى النار فيقال له: هذا منزلك لو كفرت بربك فأما إذ آمنت فإن الله أبدلك به هذا ثم يفتح له باب إلى الجنة فيريد أن ينهض له: اسكن ثم يفسح له في قبره وأما الكافر والمنافق فيقال له: ما تقول في هذا الرجل فيقول: لا أدري فيقال: لا دريت ولا اهتديت ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقال له: هذا منزلك لو آمنت بربك فأما إذ كفرت فإن الله أبدلك به هذا ثم يفتح له باب إلى النار ثم يقمعه الملك بالمطراق قمعة يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين (234) قال بعض أصحابه: يا رسول الله: ما منا من أحد يقوم على رأسه ملك بيده مطراق إلا هيل عند ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء) (235) . وفي المسند (236) من حديث البراء بن عازب وروى المنهال عن عمرو وعن زاذان عن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر قبض روح المؤمن فقال يأتيه آت - يعني في قبره - فيقول: من ربك وما دينك ومن نبيك فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبي محمد صلى الله عليه وسلم قال: فيقول له: ما ربك وما دينك وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن فذلك حين يقول الله: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) فيقول: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم فيقال له: صدقت) (237) وهذا حديث صحيح.  (234) مسلم جنة 67 ومسند أحمد 3 \/ 423 الطبري 13 \/ 214. (235) ابراهيم: 27 وانظر تفسير الكشاف 2 \/ 377. (236) مسند أحمد 4 \/ 274. (237) سنن أبى داود والمسند 2 \/ 296. ونحن بصدد طبع كتاب (سكرات الموت) وفقنا الله لاتماته. ()(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2373",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال حماد بن سلمة عن محمد بن عمر وعن أبي سلمة عن أبي هريرة (238) قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) قال: إذا قيل له في القبر: من ربك وما دينك فيقول: ربي الله وديني الإسلام ونبي محمد جاء بالبينات من عند الله فآمنت وصدقت فيقال له: صدقت على هذا عشت وعليه مت وعليه تبعث) (239) وقال الأعمش (240) عن المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب قال: قال إ رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر قبض روح المؤمن قال: فترجع روحه في جسده ويبعث إليه ملكان شديدان فيجلسانه وينهرانه ويقولان من ربك فيقول: الله وما دينك فيقول: الإسلام فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول: محمد رسول الله. قال: فيقولان له: وما يدريك قال: يقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت وذلك قول الله تبارك وتعالى: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) رواه ابن حبان (241) في صحيحه وأحمد (242)  وفي صحيحه أيضا من حديث أبي هريرة يرفعه قال: (إن الميت ليسمع خفق نعالهم يولون عنه مدبرين فإذا كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه والزكاة عن يمينه وكان الصيام عن يساره وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه فيؤتى من عند رأسه فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل فيؤتى عن يمينه فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل فيؤتي عن يساره فيقول الصيام: ما قبلي مدخلى فيؤتى من عند  (238) ادظر الاصابة لابن حجر 4 \/ 202 - 212. (239) سنن النسائي - كتاب الجنائز 114 مسند أحمد 3 \/ 4 والطبري 13 \/ 215. (240) هو سليمان بن ممران الاسدي بالولاء أبو محمد الملقب بالاعمش التابعي انظر وفيات الاعيان 1 \/ 213. (241) هو ابن حاتم محمد بن حيان البستى المتوفى سنة 354 هـ انظر كشف الظنون لحاجى خليفة 2 \/ 1075. (242) الطبري 13 \/ 215 ترجمة أحمد انظر كشف الظنون 2 \/ 1680 هـ. ()(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2374",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجليه فتقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس ما قبلي مدخل فيقال له: اجلس فيجلس قد مثلت له الشمس قد قدمت للغروب فيقال له: أخبرنا عما نسألك عنه فيقول: وعم تسألوني فيقول: دعوني حتى أصلي فيقال: إنك ستفعل. فأخبرنا عما نسألك فيقول: وعم تسألون فيقال له: أرأيت هذا الرجل الذي بعث فيكم ماذا تقول فيه وماذا تشهد به عليه فيقول: محمد صلى الله عليه وسلم فيقولون: نعم فيقول: أشهد أنه رسول الله وأنه جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه فيقال له: على ذلك حييت وعلى ذلك مت وعلى ذلك تبعث إن شاء الله ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا وينور له فيه ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقال: انظر إلى ما أعد الله لك فيها فيزداد غبطة وسرورا ثم يجعل نسمته في النسم الطيبة وهي طير خضر تعلق بشجر الجنة فيعاد الجسد إلى ما بدا منه من التراب وذلك قول الله (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) (243) ولا تستطل هذا الفصل المعترض فالمفتي والشاهد والحاكم بل وكل مسلم أشد ضرورة إليه من الطعام والشراب والنفس وبالله التوفيق. فصل: ومنها قوله تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور. حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق) (244) فتأمل هذا المثل ومطابقته لحال من أشرك بالله وتعلق بغيره ويجوز لك في هذا التشبيه أمران: أحدهما أن تجعله تشبيها مركبا ويكون قد شبه من أشرك بالله وعبد معه غيره  (243) مسلم جنه 71 البخاري جنائز 67 وسنن أبى داود ومسند أحمد 3 \/ 233.  347 445 4 \/ 296 والترغيب والترهيب 4 125 \/ 126 والطبري 13 \/ 215 \/ 216. (244) الحج: 30 31 انظر تفسير الكشاف 3 \/ 12. ()(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2375",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "برجل قد تسبب إلى هلاك نفسه هلاكا لا يرجى معه نجاة فصور حاله بصورة من خر من السماء فاختطفه الطير في الهوى فتمزق مزعا (245) في حواصلها أو عصفت به الريح حتى هوت في بعض المطارح البعيدة وعلى هذا لا ينظر إلى كل فرد من أفراد الشبه ومقابلته من المشبه به. والثاني أن يكون من التشبيه المفرق فيقابل كل واحد من أجزاء الممثل بالممثل به وعلى هذا فيكون قد شبه الإيمان (246) والتوحيد في علوه وسعته وشرفه بالسماء التي هي مصعده ومهبطه فمنها يهبط إلى الأرض وإليها يصعد منها وشبه تارك الإيمان والتوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل سافلين من حيث التضييق الشديد والآلام المتراكمة والطير الذي يخطف (247) أعضاءه ويمزقه فقال كل ممزق بالشياطين التي يرسلها الله سبحانه وتعالى عليه تؤزه أي أزا وتزعجه وتقلقه إلى مظان هلاكه فكل شيطان له مزعة من دينه وقلبه كما أن لكل طير مزعة من لحمه وأعضائه والريح التي تهوي به في مكان سحيق (248) هو هواه الذي يحمله القاء نفسه في أسفل مكان وأبعده من السماء. فصل: ومنها قوله تعالى: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب. وما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز) (249) حقيق كل عبد أن يستمع (250) لهذا  (245) في ع (فتقذمزقا) في م (فتمزق مزقا) . (246) انظر معارج القبول للشيخ الحكمى والعقيدة الطحاوية للامام الطحاوي ودعوة التوحيد والادوار التى بها د. خليل هراس طبعتنا. (247) في ع (والطير التى تتخظف) . (248) سحيق (بعيد الاغوار) ترتيب قاموس المحيط 2 \/ 530. (249) الحج 73: 74 انظر تفسير الزمخشري 2 \/ 530. (250) في م ع (يستمع قلبه) . ()(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2376",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المثل ويتدبره حق تدبره فإنه يقطع موارد (251) الشرك من قلبه وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده وإعدام ما يضره والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله لن (252) تقدر على خلق ذباب (253) ولو اجتمعوا كلهم لخلقه فكيف ما هو أكبر منه ولا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئا مما عليهم من طيب ونحوه فيستنقذونه منه فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوان ولا على الانتصار منه واسترجاع ما سلبهم إياه فلا أعجز من هذه الآلهة ولا أضعف منها فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله تعالى وهذا المثل من أبلغ ما أنزل الله سبحانه في بطلان الشرك وتجهيل أهله وتقبيح عقولهم والشهادة على أن الشياطين قد تتلاعب (254) بهم أعظم من تلاعب الصبيان بالكرة حيث أعطوا الإلهية التي من بعض لوازمها القدرة على جميع المقدورات والإحاطة بجميع المعلومات والغنى عن جميع المخلوقات وأن يعمد (255) إلى الرب في جميع الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وإجابة الدعوات فأعطوها صورا وتماثيل تمتنع عليها القدرة على مخلوقات الآلهة (256) الحق وأذلها وأصغرها وأحقرها ولو اجتمعوا لذلك وتعاونوا عليه وأدل من ذلك على عجزهم وانتفاء آلهتهم أن هذا الخلق الأقل الأذل العاجز الضعيف لو اختطف منهم شيئا واستلبه فاجتمعوا على أن يستنقذوه منه لعجزوا عن ذلك ولم يقدروا عليه ثم سوى بين العابد والمعبود في الضعف والعجز بقوله: (ضعف الطالب  (251) في م ع (مواد) والشرك الضلال والغى والتمادى به ترتيب القاموس المحيط 2 \/ 704. (252) في ع (لا تقدر) . (253) في ع (الذباب) . (254) في ع م (أن الشيطان قد تلاعب بهم) والشيطان كل عات متمرد من أنس وجن أو دابه 2 \/ 304 تريب القاموس المحيط. (255) في م ع (وأن يصمد) . (256) في ع (يمتنع عليها القدرة على أقل مخلوقات الاله الحق) وفى م (أفل مخلوقات الاله) . ()(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2377",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمطلوب) قيل: الطالب العابد والمطلوب المعبود (257) فهو عاجز متعلق بعاجز وقيل: هو تسوية بين السالب والمسلوب وهو تسوية بين الإله والذباب في الضعف والعجز وعلى هذا (258) فالطالب الإله الباطل والمطلوب الذباب يطلب منه ما استنقذه (259) منه وقيل الطالب الذباب والمطلوب الآلهة (260) فالذباب يطلب منه ما يأخذه مما عليه والصحيح أن اللفظ يتناول الجميع فضعف العابد والمعبود والمستلب والمستلب (261) فمن جعل هذا الآلهة مع القوي العزيز فما قدره حق قدره ولا عرفه حق معرفته ولا عظمه حق عظمته (262) فصل: ومنها قوله تعالى: (ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون) (263) . فتضمن هذا المثل ناعقا أي مصوتا بالغنم وغيرها ومنعوقا ثنا به (264) وهو الدواب فقيل: الناعق العابد وهو الداعي للصنم والصنم هو المنعوق به المدعو وإن حال الكافر في دعائه كحال من ينعق بما لا يسمعه هذا قول طائفة منهم عبد الرحمن بن زيد وغيره (265) واستشكل صاحب الكشاف (266) وجماعة معه هذا القول وقالوا: (قوله إلا دعاء ونداء) لا يساعد عليه لأن الأصنام لا تسمع دعاء ولا نداء (267)  وقد أجيب عن هذا الاشكال (268) بثلاثة  (257) زاد المسير 5 \/ 452 والبغوى والخازن 5 \/ 38. (258) في م ع (فقيل الطالب) . (259) في م (ما استلبه منه) . (260) تفسير الطبري 17 \/ 203. (261) مذيره في م ع. (262) في ع م (تعظيمه) . (263) سوره البقرة: 171 انظر الزمخشري 3 \/ 328. (264) في ع (ومنعوقا) . (265) هو عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوى القرشى انظر تهذيب التهذيب 6 \/ 179. (266) راجع كشف الظنون 2 \/ 1475. (267) تفسير الكشاف 1 \/ 250. (268) في ع (الاستشكال) . ()(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2378",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أجوبة: أحدها أن زائدة والمعنى بما لا يسمع دعاء ونداء قالوا وقد ذكر الأصمعي في قول الشاعر: (269) (جراجيج به لا تنفعك إلا مناخة) . أي متنفك مناخة وهذا جواب فاسد فإن (إلا) لا تزاد في الكلام. الجواب الثاني: أن التشبيه وقع في مطلق الدعاء لا في خصوصات المدعو الجواب الثالث: أن المعنى أن مثل هؤلاء في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه دعاءهم هذا كمثل الناعق بغنمه فلا ينتفع بنعقته (270) ثم شيئا غير أنه في (271) دعآء ونداء وكذا (272) المشرك ليس له من دعائه وعبادته إلا العناء وقيل: المعنى ومثل الذين كفروا كالبهائم التي لا تفقه مما يقول الراعي أكثر من الصوت فالراعي هو داعي الكفار والكفار هم البهائم المنعوق بها (273) قال سيبويه (274) : المعنى. ومثلك يا محمد ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به) وعلى قوله فيكون المعنى ومثل الذين كفروا وداعيهم (275) كمثل الغنم والناعق بها ذلك أن تجعل هذا من التشبيه المركب وأن تجعله من التشبيه المفرق فإن جعلته من المركب كان تشبيها للكفار في عدم فقههم (276) وانتفاعهم بالغنم التي ينعق بها الراعي فلا تفقه من قوله شيئا غير الصوت المجرد الذي هو الدعاء والنداء وإن جعلته من التشبيه المفرق فالذين  (269) ديوان ذى الرمة 3 \/ 1419 وانظر الموشح: 182 وتمام البيت (على الخسف أو نرمى بها بلدا قفرا) . (270) في م (من نعيقه بشئ) وفى ع (من نعقه بغنمه) . (271) في م (انه هو في) . (272) في م (وكذلك) . (273) انظر امالي المرتصى: 1 \/ 215 - 218. (274) صاحب كتاب اللغه المشهور 1 \/ 108 109 (والنص أنما المعنى مثلكم) . (275) في ع (ودعائهم) . (276) في ع (تفقههم) . ()(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2379",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كفروا بمنزلة البهائم ودعاؤهم إلى الطريق (277) والهدى بمنزلة النعيق وإدراكهم مجرد الدعاء والنداء كإدراك البهائم مجرد صوت الناعق والله أعلم. فصل: ومنها قوله تعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم) (278) شبه سبحانه نفقة المنفق في سبيله سواء كان المراد به الجهاد أو جميع سبل الخير من كل بر بمن بذر بذرا فأنبتت كل حبة سبع سنابل اشتملت كل سنبلة على مائة حبة والله يضاعف (279) بحسب حال المنفق وإيمانه وإخلاصه واحسانه ونفع نفقته وقدرها ووقوعها موقعها فان ثواب الانفاق يتفاوت بحسب ما يقوم بالقلب من الايمان والاخلاص (والتثبت) (280) عند النفقة وهو اخراج المال بقلب ثابت قد انشرح صدره باخراجه وسمحت به نفسه وخرج من قلبه قبل خروجه من يده فهو ثابت القلب عند اخراجه غير جزع ولا هلع ولا متبعه نفسه ترجف يده وفؤاده ويتفاوت بحسب نفع الإنفاق ومصارفه بمواقعه وبحسب طيب المنفق وذكائه (281) وتحت هذا المثل من الفقه: أنه سبحانه شبه الانفاق بالبذر فالمنفق ماله الطيب لله لا لغيره باذر ماله في أرض زكية فمغلة بحسب بذرة وطيب أرضه وتعاهد البذر بالسقي ونفي الدغل (282) والنبات الغريب عنه فإذا اجتمعت هذه الأمور ولم تحرق الزرع نار ولا لحقته جائحة (283) جاء أمثال الجبال وكان مثله كمثل حبة بربوة وهي المكان فيه نصب (284)  (277) كلمة (الطريق) غير موجودة في م. (278) سورة البقرة: 261 وانظر تفسير الكشاف 1 \/ 393. (279) في م (يضاعف لمن يشاء فوق ذلك بحسب) وفى ع (لمن يشاء بحسب) . (280) زيادة من م ع. (281) في م (زكاته) وفى ع (وزكائه) . (282) الدغل: محركة: دخل في الامر مفسد والشجر الكثير الملتف النبت وكثرته 2 \/ 190 من ترتيب القاموس المحيط. (283) منه الجائحه للشده المحتاجة للحال ترتيب القاموس 1 \/ 552. (284) (يكون في نصب الشمس) وفى م (تكون الجنة نصب) . ()(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2380",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشمس والرياح فتربى (285) الأشجار هناك أتم تربية فنزل عليها من السماء مطر عظيم القطر متتابع فرواها ونماها فآتت أكلها ضعفي ما تؤتيه غيرها بسبب ذلك الوابل وإن لم يصبها وابل (286) فطل مطر صغير القطر (287) يكفيها لكرم منبتها تزكو على الطل وتنمي عليه مع أن في ذكر نوعي الوابل والطل إشارة إلى نوعي الإنفاق الكثير والقليل فمن الناس من يكون إنفاقه وابلا ومنهم من يكون إنفاقه طلا والله لا يضيع مثقال ذرة فإن عرض لهذا (288) العامل ما يفرق أعماله ويبطل (289) بها حسناته كان بمنزلة رجل له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار وله فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت فإذا كان يوم استيفاء الأعمال وإحراز الأجور وجد (290) العامل عمله قد أصابه ما أصاب صاحب هذه الجنة فحسرته حينئذ أشد من حسرة هذا على جنته فهذا مثل ضربه الله سبحانه في الحسرة لسلب النعمة عند شدة الحاجة إليها مع عظم قدرها ومنفعتها والذي ذهبت عنه قد أصابه الكبر والضعف فهو أحوج ما كان إلى نعمته ومع هذا فله ذرية ضعفآء لا يقدرون على نفعه والقيام بمصالحه بل هم في عياله فحاجته إلى نعمته حينئذ أشد ما كانت لضعفه وضعف ذريته فكيف يكون حال هذا إذا كان له بستان عظيم فيه من جميع الفواكه والثمر وسلطان ثمره أجل الفواكه وأنفعها وهو ثمر النخيل والأعناب فنخله (291) يقوم بكفايته وكفاية ذريته فأصبح يوما وقد وجده محترقا كله كالصريم فأي حسرة أعظم  (ههامش) 8 (285) في ع (فتتزين) . (286) الوابل (المطر الشديد القاس العاتى) . (287) في الاصل القدر. (288) في ع (هذا) . (289) في ع م (يبطل حسناته) . (290) في ع م (هذا) . (291) في ع م (فمغله) ()(1\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2381",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من حسرته قال ابن عباس: (292) هذا مثل الذي يختم له بالفساد في آخر عمره وقال مجاهد (293) : هذا مثل المفرط في طاعة الله حتى يموت)  وقال السري (294) : هذا مثل للمرائي في نفقته الذي ينفق لغير الله ينقطع عنه نفعها أحوج ما يكون إليها وسأل عمر بن الخطاب الصحابة رضي الله عنهم يوما عن هذه الآية فقالوا: الله أعلم فغضب عمر وقال: قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس: في نفسي منها شئ يا أمير المؤمنين قال: قل يا ابن أخي ولا تحصر نفسك قال: (ضرب مثل لعمل)  قال: لأي عمل قال (لرجل غنى يعمل بالحسنات ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله كلها (295)  وقال الحسن (296) : هذا مثل قل والله أعلم من يعقله من الناس شيخ ضعف جسمه وكثر صبيانه أفقر ما كان إلى جنته وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا) . فصل: فإن عرض لهذه الأعمال من الصدقات ما يبطلها من المن (297) والأذى والرياء فالرياء يمنع انعقادها سببا للثواب والمن والأذى يبطل الثواب الذي كان سببا له فمثل صاحبها وبطلان عمله كمثل (صفوان) وهو الحجر الأملس عليه تراب فأصابه وابل وهو المطر الشديد فتركه صلدا لا شئ عليه وتأمل جزاء هذا المثل البليغ وانطباقها على أجزاء الممثل به تعرف عظمة القرآن وجلالته فإن الحجر في مقابلة قلب هذا المرائي والمان والمؤذي فقلبه في  (292) انظر الدر المنثور 10 \/ 340 والطبري 3 \/ 76. (293) انظر الطبري 3 \/ 75 والدر المنثور 1 \/ 340 وزاد المسير 1 \/ 321. (294) قال السدى هو اسماعيل بن عبد الرحمن توفى سنة 128 هـ انظر النجوم الزاهرة 1 \/ 308 واللباب 1 \/ 537. (295) البخاري 3 \/ 78 والطبري 3 \/ 76. (296) انظر تفسير الطبري 3 \/ 77. (297) المن: من عليه منا: أي أنعم واصطنع عنده صنيعة ومنحة ومنحه المن. ()(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2382",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قسوته عن الإيمان والإخلاص (والإحسان) (298) بمنزلة الحجر والعمل الذي (299) لغير الله بمنزلة التراب الذي على ذلك الحجر فقوة ما تحته وصلابته تمنعه من الثبات والنبات (300) عند نزول الوابل فليس له مادة متصلة بالذي يقبل الماء وينبت الكلأ وكذلك قلب المرآئي ليس له ثبات عند وابل الأمر والنهي والقضاء والقدر فإذا نزل عليه وابل الوحي انكشف عنه ذلك التراب اليسير الذي كان عليه فبرز ما تحته حجرا صلدا لا نبات فيه وهذا مثل ضربه الله سبحانه لعمل المرآئي ونفقته لا يقدر يوم القيامة على ثواب شئ منه أحوج ما كان إليه وبالله التوفيق (301) . فصل: ومنها قوله تعالى: (إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته. وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون (302)) هذا مثل ضربه الله تعالى لمن أنفق ماله في غير طاعته ومرضاته فشبه سبحانه ما ينفقه هؤلاء من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر لا يبتغون (303) به وجه الله وما ينفقونه ليصدوا به عن سبيل الله واتباع رسله عليهم الصلاة والسلام بالزرع الذي زرعه صاحبه يرجو نفعه وخيره فأصابته ريح شديدة البرد جدا يحرق بردها ما يمر عليه من الزرع والثمار فأهلكت ذلك الزرع وأيبسته  (298) زيادة في م ع. (299) في م ع (الذى عمله لغير الله) . (300) في م ع (من النبات والثبات) . (301) يلاحظ ان الاية التالية أذا أضيفت الى الشرح السابق تمم المعنى والمراد. (302) سورة آل عمران: 116 117. (303) في م ع (يبتغون) . ()(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2383",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واختلف في الصر فقيل: البرد الشديد (304) وقيل: النار (305) قاله ابن عباس وقال الأنباري (306) : وإنما وصفت النار أنها صر لتصريتها عند الالتهاب وقيل: الصر (307) الصوت الذي يصحب الريح من شدة هبوبها (308)  والأقوال الثلاثة متلازمة فهو برد شديد محرق بيبسه للحرث كما تحرق النار وفيه صوت شديد وفي قوله: (أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم) تنبيه على أن سبب إصابتها لحرثهم هو ظلمهم فهو الذي سلط عليهم الريح المذكورة حتى أهلكت زرعهم وأيبسته فظلمهم هو الريح التي أهلكت أعمالهم ونفقاتهم وأتلفتها. فصل: ومنها قوله تعالى: (ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون) (309) هذا مثل ضربه الله سبحانه للمشرك والموحد فالمشرك بمنزلة عبد تملكه جماعة (310) مشتركين في خدمته لا يمكنه رضاهم أجمعين والموحد لما كان يعبد الله وحده فمثله كمثل عبد رجل واحد قد سلم له وعلم مقاصده (وعرف الطريق) (311) إلى رضاه فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه بل هو سالم لمالكه من غير منازع فيه مع رأفة مالكه به ورحمته له وشفقته عليه وإحسانه إليه وتوليته بمصالحه (312) فهل يستوي هذان العبدان وهذا  (304) مجاز القرآن 102 والطبري 4 \/ 59 والبغوى 1 \/ 408. (305) انظر لسان العرب مادة (صر) وابن كثير 1 \/ 397. (306) هو القاسم بن محمد بن بشار الانباري أبو محمد له اهتمام بالادب والاخبار راجع مفتاح السعادة 1 \/ 146 وزاد المسير 1 \/ 445. (307) انظر تفسير الكشاف 1 \/ 456 457. (308) انظر تفسير القرطبى 34 \/ 178 وفتح القدير 1 \/ 374. (309) سورة الزمر: 29 انظر ابن كثير 2 \/ 158 والكشاف 3 \/ 397. (310) في م (جماعة متنازعون مختلفون متشاحنون والرجال المتشاكس: الصنيق الخلق) . (311) زيادة من م ع. (312) في ع م (توليد مصالحه) . ()(1\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2384",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منه أبلغ الأمثال فإن الخالص لمالك واحد مستحق (313) من معونته وإحسانه والتفاته إليه وقيامه بمصالحه ما لا يستحقه صاحب الشركاء المتشاكسين (الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون) . فصل: ومنها قوله تعالى: (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين. وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين. ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين) (314) فاشتملت هذه الآيات على ثلاثة أمثال: مثل للكافر (315) ومثلين للمؤمنين: فتضمن مثل الكفار أن الكافر يعاتب على كفره وعداوته لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وأوليائه ولا ينفعه مع كفره ما كان بينه وبين المؤمنين من لحمة نسب أو وصلة صهر أو سبب من سبب الاتصال (316)  فان الأسباب (كلها) (317) تنقطع يوم القيامة إلا ما كان منها متصلا بالله وحده على أيدي (318) رسله عليهم الصلاة والسلام فلو نفعت وصلة القرابة والمصاهرة والنكاح مع عدم الايمان لنفعت الصلة (319) التي كانت بين نوح ولوط (320) عليهما الصلاة والسلام وامرأتيهما فلما لم يغنيا عنهما من الله شيئا  (313) في ع م (تستحق) . (314) سورة التحريم: 10 11 12 انظر تفسير ابن كثير 2 \/ 525 والكشاف 4 \/ 130 131 وكتاب في القرآن لمنير القاضى ص 27. (315) في م (الكفار) وفى ع (للكافرين) . (316) في م ع (أسباب) . (137) زيادة من م ع. (318) في ع (على يد رسول) . (139) الوصلة والصلة القرابة والتشابه ترتيب القاموس 2 \/ 210. (320) في م (لوط ونوح) والكامل في التاريخ 1 \/ 7. ()(1\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2385",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقيل لهما ادخلا النار مع الداخلين فقطعت الآية حينئذ طمع من ارتكب معصية الله تعالى وخالف أمره ورجا أن ينفعه صلاح غيره من قريب أو أجنبي ولو كان بينهما في الدنيا أشد الاتصال: فلا اتصال فوق اتصال النبوة والأبوة والزوجية ولم يغن نوح عليه الصلاة والسلام عن ابنه ولا إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن أبيه ولا نوح ولوط عليهما الصلاة والسلام عن امرأتيهما من الله شيئا قال الله تعالى: (لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم) (321) وقال تعالى: (يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله) (322)  وقال تعالى: (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا) (323) وقال تعالى: (واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا) (324) وهذا كله تكذيب لأطماع المشركين الباطلة أن من تعلقوا به من دون الله من قرابة أو صهر أو نكاح أو صحبة تنفعهم يوم القيامة أو تجيرهم ولا من عذاب الله تعالى أو تشفع لهم عند الله تعالى وهذا أصل ضلال بني آدم وشركهم وهو الشرك الذي لا يغفره الله وهو الذي بعث الله تعالى جميع رسله عليهم الصلاة والسلام وأنزل جميع كتبه بإبطاله ومحاربة أهله ومعاداتهم. فصل: وأما المثلان اللذان للمؤمنين فأحدهما امرأة فرعون (325)  ووجه المثل: أن اتصال المؤمن بالكافر لا يضره شيئا إذا فارقه في كفره وعمله فمعصية العاصي لا تضر المطيع شيئا في الآخرة وإن تضرر بها في الدنيا بسبب العقوبة التي تحل بأهل الأرض إذا أضاعوا أمر الله عز وجل فتأتي عامة فلم يضر  (321) سورة الممتحنة: 3. (322) سورة الانفطار: 19. (323) سورة البقرة: 123. (324) سورة لقمان: 33. (325) انظر تفسير ابن كثير 3 \/ 124 والكشاف 4 \/ 131 والأمثال لمنير ص 27. ()(1\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2386",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "امرأة فرعون اتصالها به وهو من أكفر الكافرين ولم ينفع امرأة نوح ولوط اتصالهما بهما وهما رسولا رب العالمين. المثل الثاني للمؤمنين: مريم التي لا زوج لها لا مؤمن ولا كافر فذكر ثلاثة أصناف النساء: المرأة الكافرة التي لها وصلة بالرجل الصالح والمرأة الصالحة التي لها وصلة بالرجل الكافر والمرأة العزبة التي لا وصلة بينها وبين أحد فالأولى لا تنفعها وصلتها وسببها والثانية لا تضرها وصلتها وسببها والثالثة لا يضرها عدم الصلة شيئا (326) ثم في هذه الأمثال من الأسرار البديعة ما يناسب سياق السورة فإنها سيقت في ذكر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم والتحذير من تظاهرهن عليه وأنهن إن لم يطعن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ويردن الدار الآخرة لم ينفعهن اتصالهن برسول الله صلى الله عليه وسلم كما لم ينفع امرأة نوح ولوط اتصالهما بهما ولهذا (327) ضرب لهما في هذه السورة مثل اتصال النكاح دون القرابة قال يحيى بن سلام (328) : (ضرب الله المثل الأول يحذر عائشة (329) وحفصة (330) ثم ضرب لهما المثل الثاني يحرضهما على التمسك بالطاعة وفي ضرب المثل للمؤمنين (بمريم) (331) أيضا اعتبار آخر وهو أنها لم يضرها عند الله شيئا قذف أعداء الله تعالى اليهود (لها) (332) ونسبتهم إياها وابنها إلى ما برأهما الله عنه مع كونها الصديقة الكبرى المصطفاة على نساء العالمين فلا يضر  (326) الخازن 7 \/ 123. (327) في م ع (ولهذا إنما ضرب في هذه الصورة) . (328) يحيى بن سلام بن أبى ثعلبة التميمي مفير فقيه عالم بالحديث واللغة - له التفسير ومصنفات أخرى توفى سنة 200 هـ وانظر زاد المسير 8 \/ 315. (329) انظر الإصابة في تمييز الصحابة 4 \/ 459. (330) انظر الإصابة في تمييز الصحابة 373 \/ 374. (331) زائدة من أعلام الموقعين ع. (332) زيادة من م ع. ()(1\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2387",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرجل الصالح قذف (333) الفجار والفساق فيه وفي هذا تسلية لعائشة (334) أم المؤمنين إن كانت السورة نزلت بعد قصة الإفك وتوطين نفسها على ما قال فيها الكاذبون إن كانت قبلها كما في التمثيل (335) بامرأة نوح ولوط تحذير لها ولحفصة مما اعتمدتاه في حق النبي صلى الله عليه وسلم فتضمنت هذه الأمثال التحذير لهن والتخويف والتحريض لهن على الطاعة والتوحيد والتسلية وتوطين النفس لمن أوذي منهن وكذب عليه وأسرار التنزيل فوق هذا وأجل منه ولا سيما أسرار الأمثال التي لا يعقلها إلا العالمون. تمت بحمد الله وحسن توفيقه وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما اللهم اغفر لكاتبها ولقارئها ومتدبرها لم حق تدبرها ولمصنفها وجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين إ والمؤمنات آمين والحمد لله رب العالمين. بقلم الفقير إلى ربه تعالى علي بن زيد آل (336) غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين. (والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات) وكان الفراغ من طبعه وتصحيحه في \/ \/     (333) في م ع (قدح) . (334) راجع تفسير أبن السعود على هامش الفخر الرازي 7 \/ 433. (335) في م (في ذكر التمثيل) وفى ع (في ذكر التمثيل) . (336) غير واضحة ولعلها بيس. ()(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2388",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المراجع التى رجع إليها د. ناصر بن سعد سعيد محمد نمر ورجعنا إلى بعضها أيضا 1 - أعلام الموقعين: ابن القيم الجوزية. تحقيق عبد الرحمن الوكيل. القاهرة. 2 - البيان في إعراب القرآن: ابن الإنباري. تحقيق د. طه عبد الحميد ومصطفى السقا القاهرة 1389 هـ. 2 - الترغيب والترهيب لإمام المنذرى طبعة الحلبي مصر. 3 - تفسير ابن كثير طبعة الحلبي مصر. 4 - تفسير الفخر الرازي طبعة طهران. 5 - الجمان في تشبيهات القرآن: ابن ناقياء البغدادي. تحقيق د. مصطفى الجوينى. 6 - الدر المنثور: للإمام السيوطي: طبعة دار المعرفة بيروت. 7 - زاد المسير: ابن الجوزى: طبعة المكتب الإسلامي. 8 - سنن النسائي صحيح الإمام البخاري طبعة الحلبي مصر. 9 - صحيح مسلم. تحقيق فوءاد عبد الباقي طبعة الحلبي مصر. 10 - الطبقات الكبرى لابن سعد دار صادر بيروت. 4 - تفسير الفخر الرازي طبعة طهران. 5 - الجمان في تشبيهات القرآن: ابن ناقياء البغدادي. تحقيق د. مصطفى الجوينى. 6 - الدر المنثور: للإمام السيوطي: طبعة دار المعرفة بيروت. 7 - زاد المسير: ابن الجوزى: طبعة المكتب الإسلامي. 8 - سنن النسائي صحيح الإمام البخاري طبعة الحلبي مصر. 9 - صحيح مسلم. تحقيق فوءاد عبد الباقي طبعة الحلبي مصر. 10 - الطبقات الكبرى لابن سعد دار صادر بيروت. 11 - غرائب القرآن: للقمى النيسابوري الحلبي. مصر. 12 - الكتاب سيبويه. بولاق. مصر. 13 - الكشاف: الزمخشري. طبعة الحلبي مصر. 14 - الكشف والبيان. الثعلبي مصور بمركز البحث العلمي واحياء التراث الإسلامي رقم 307.(1\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2389",
        "book_id": "qym_4127",
        "book_name": " الأمثال في القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "15 - كشف الظنون. حاجى خليفة: المثنى بغداد. 16 - لباب التأويل: الخازن. الحلبي. القاهرة. 17 - مسند أحمد. طبعة المكتب الاسلامي بيروت. 18 - معالم التنزيل البغوي على هامش الخازن حلبى القاهرة. 19 - مفتاح السعادة. طاش كبرى زادة القاهرة. 20 - النجوم الزاهرة. ابن تغرى بردى. القاهرة. 21 - إملاء مامن به الرحمن: العكبرى حلبى مصر. 22 - معاني القرآن الزجاج الهيئة مصر. (1\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "6",
        "slug": " -qym_4127"
    },
    {
        "id": "2390",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل في أقسام القرآن",
        "content": "التبيان في أقسام القرآن ابن القيم الجوزية بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وعلى آله وصحبه فصل في أقسام القرآن وهو سبحانه يقسم بأمور على أمور وإنما يقسم بنفسه الموصوفة بصفاته وآياته المستلزمة لذاته وصفاته وإقسامه ببعض المخلوقات دليل على أنه من عظيم آياته فالقسم إما على جملة خبرية وهو الغالب كقوله تعالى فورب السماء والأرض إنه لحق وإما على جملة طلبية كقوله تعالى فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون(1\/1)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2391",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مع أن هذا قد يراد به تحقيق المقسم عليه فيكون من باب الخبر وقد يراد به تحقيق القسم والمقسم عليه يراد بالقسم توكيده وتحقيقه فلا بد أن يكون مما يحسن فيه ذلك كالأمور الغائبة والخفية إذا أقسم على ثبوتها فأما الأمور الظاهرة المشهورة كالشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض فهذه يقسم بها ولا يقسم عليهاV وما أقسم عليه الرب فهو من آياته فيجوز أن يكون مقسما به ولا ينعكس وهو سبحانه يذكر جواب القسم تارة وهو الغالب وتارة يحذفه كما يحذف جواب لو كثيرا كقوله تعالى كلا لو تعلمون علم اليقين وقوله ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ولو ترى إذا فزعوا فلا فوت ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ومثل هذا حذفه من أحسن الكلام لأن المراد أنك لو رأيت ذلك لرأيت هولا عظيما فليس في ذكر الجواب زيادة على ما دل عليه الشرط وهذه عادة الناس في كلامهم إذا رأوا أمورا عجيبة وأرادوا أن يخبروا بها الغائب عنها يقول أحدهم لو رأيت ما جرى يوم كذا(1\/2)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2392",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "بموضع كذا ومنه قوله تعالى ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب فالمعنى في أظهر الوجهين لو يرى الذين ظلموا في الدنيا إذ يرون العذاب في الآخرة والجواب محذوف ثم قال أن القوة لله جميعا كما قال تعالى ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة أي لو ترى ذلك الوقت وما فيه وأما القسم فإن الحالف قد يحلف على الشيء ثم يكرر القسم فلا يعيد المقسم عليه لأنه قد عرف ما يحلف عليه فيقول والله إن لي عليه ألف درهم ثم يقول ورب السموات والأرض والذي نفسي بيده وحق القرآن العظيم ولا يعيد المقسم عليه لأنه قد عرف المراد والقسم لما كان يكثر في الكلام اختصر فصار فعل القسم يحذف ويكتفى بالباء ثم عوض من الباء الواو في الأسماء الظاهرة والتاء في أسماء الله كقوله وتالله لأكيدن أصنامكم وقد نقل ترب الكعبة وأما الواو فكثيرة فصل إذا عرف هذا فهو سبحانه يقسم على أصول الإيمان التي يجب(1\/3)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2393",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على الخلق معرفها تارة يقسم على التوحيد وتارة يقسم على أن القرآن حق وتارة على أن الرسول حق وتارة على الجزاء والوعد والوعيد وتارة على حال الإنسان فالأول كقوله والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا إن إلهكم لواحد والثاني كقوله فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم وقوله حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا إذا جعل ذلك جواب القسم كما هو الظاهر وإن قيل بل الجواب محذوف كان كقوله ص والقرآن ذي الذكر فإنه هنا حذف الجواب ومن قال إن الجواب هو قوله إن ذلك لحق تخاصم أهل النار فقد أبعد النجعة والقسم على الرسول كقوله يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم إذا قيل هو الجواب وإن قيل الجواب محذوف كان كما ذكر ومنه ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا(1\/4)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2394",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غير ممنون ومنه والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إلى آخر القصة ومنه قوله فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون وقوله فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين وأما القسم على الجزاء والوعد والوعيد ففي مثل قوله والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع ثم ذكر تفصيل الجزاء وذكر الجنة والنار وذكر أن في السماء رزقهم وما يوعدون ثم قال فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ومثل قوله والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا إنما إنما توعدون لواقع ومثل والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع(1\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2395",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد أمر نبيه أن يقسم على الجزاء والمعاد في ثلاث آيات فقال تعالى زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن وقال تعالى وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم وقال تعالى ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين وهذا لأن المعاد إنما يعلمه عامة الناس بأخبار الأنبياء وإن كان من الناس من قد يعلمه بالنظر وقد تنازع النظار في ذلك فقالت طائفة أنه لا يمكن علمه إلا بالسمع وهو الخبر وهو قول من لا يرى تعليل الأفعال ويقولون لا ندري ما يفعل الله إلا بعادة أو خبر كما يقوله جهم بن صفوان ومن اتبعه والأشعري وأتباعه وكثير من أهل الكلام في الفقه والحديث من أتباع الأئمة الأربعة بخلاف العلم بالصانع فإن الناس متفقون على أنه لا يعلم إلا بالعقل وإن كان ذلك مما نبهت الرسل عليه وصفاته قد تعلم بالعقل وتعلم بالسمع أيضا كما قد بسط في موضع آخر وأما القسم على أحوال الإنسان فكقوله والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى إن سعيكم لشتى الآية ولفظ السعي هو العمل لكن يراد به العمل الذي يهتم به(1\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2396",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صاحبه ويجتهد فيه بحسب الإمكان فإن كان يفتقر إلى عدو بدنه عدا وإن كان يفتقر إلى جمع أعوانه جمع وإن كان يفتقر إلى تفرغ له وترك غيره فعل ذلك فلفظ السعي في القرآن جاء بهذا الإعتبار ليس هو مرادفا للفظ العمل كما ظنه طائفة بل هو عمل مخصوص يهتم به صاحبه ويجتهد فيه ولهذا قال في الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وهذه أحسن من قراءة من قرأ quot;فامضوا إلى ذكر اللهquot; وقد ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال quot;إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وائتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتمواquot; فلم ينه عن السعي إلى الصلاة فإن الله أمر بالسعي إليها بل نهاهم أن يأتوا إليها يسعون فنهاهم عن الإتيان المتصف بسعي صاحبه والإتيان فعل البدن وسعيه عدو البدن وهو منهي عنه وأما السعي المأمور به في الآية فهو الذهاب إليها على وجه الإهتمام بها والتفرغ لها عن الأعمال الشاغلة من بيع وغيره والإقبال بالقلب على السعي إليها وكذلك قوله في قصة فرعون لما قال له موسى  هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى فأراه الآية الكبرى فكذب وعصى ثم أدبر يسعى فحشر فنادى فهذا اهتمام واجتهاد في حشر رعيته ومناداته فيهم وكذلك قوله(1\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2397",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها هو عمل بهمة واجتهاد ومنه سمى الساعى على الصدقة والساعي على الأرملة واليتيم ومنه قوله إن سعيكم لشتى وهو العمل الذي يقصده صاحبه ويعتني به ليترتب عليه ثواب أو عقاب بخلاف المباحات المعتادة فإنها لم تدخل في هذا السعي قال تعالى فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ومنه قوله تعالى ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن وقوله إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا . فصل وأقسم على صفة الإنسان بقوله والعاديات ضبحا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا فأثرن به نقعا فوسطن به جمعا إن الإنسان لربه لكنود وأقسم على عاقبته وهو قسم على الجزاء في قوله والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر وفي قوله والتين والزيتون(1\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2398",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وطور سينين وهذا البلد الأمين لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون وحذف جواب القسم لأنه قد علم بأنه يقسم على هذه الأمور وهي متلازمة فمتى ثبت أن الرسول حق ثبت القرآن والمعاد ومتى ثبت أن القرآن حق ثبت صدق الرسول الذي جاء به ومتى ثبت أن الوعد والوعيد حق ثبت صدق الرسول الذي جاء به ومتى ثبت أن الوعد والوعيد حق ثبت صدقه وصدق الكتاب الذي جاء به والجواب يحذف تارة ولا يراد ذكره بل يراد تعظيم المقسم به وأنه مما يحلف به كقول النبي من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ولكن هذا يذكر معه الفعل دون مجرد حرف القسم كقولك فلان يحلف بالله وحده وأنا أحلف بالخالق لا بالمخلوق ونحو ذلك والنصراني يحلف بالصليب والمسيح وفلان أكذب ما يكون إذا حلف بالله وقد يكون هذا النوع بحرف القسم مجردا كما في الحديث كانت أكثر يمين رسول الله:quot; لا ومقلب القلوبquot;(1\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2399",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان بعض السلف إذا اجتهد في يمينه قال والله الذي لا إله إلا هو وتارة يحذف الجواب وهو مراد إما لكونه قد ظهر وعرف إما بدلاله الحال كمن قيل له كل فقال لا والله الذي لا إله إلا هو أو بدلالة السياق وأكثر ما يكون هذا إذا كان في نفس المقسم به ما يدل على المقسم عليه وهي طريقة القرآن فإن المقصود يحصل بذكر المقسم به فيكون حذف المقسم عليه أبلغ وأوجز كمن أراد أن يقسم على أن الرسول حق فقال والذي أرسل محمدا بالهدى ودين الحق وأيده بالآيات البينات وأظهر دعوته وأعلى كلمته ونحو ذلك فلا يحتاج إلى ذكر الجواب استغناء عنه بما في القسم من الدلالة عليه كمن أراد أن يقسم على التوحيد وصفات الرب ونعوت جلاله فقال والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الأول الآخر الظاهر الباطن وكمن أراد أن يقسم على علوه فوق عرشه فقال والذي استوى على عرشه فوق سمواته يصعد إليه الكلم الطيب وترفع إليه الأيدي وتعرج الملائكة والروح إليه ونحو ذلك وكذلك من حلف لشخص أنه يحبه ويعظمه فقال والذي ملأ قلبي من محبتك وإجلالك ومهابتك ونظائر ذلك لم يحتج إلى جواب القسم وكان في المقسم به ما يدل على المقسم عليه فمن هذا قوله تعالى ص والقرآن ذي الذكر فإن في المقسم به من تعظيم القرآن ووصفه بأنه ذي الذكر المتضمن(1\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2400",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لتذكير العباد ما يحتاجون إليه وللشرف والقدر ما يدل على المقسم عليه وكونه حقا من عند الله غير مفترى كما يقوله الكافرون وهذا معنى قول كثير من المفسرين متقدميهم ومتأخريهم إن الجواب محذوف تقديره إن القرآن لحق وهذا مطرد في كل ما شأنه ذلك وأما قول بعضهم إن الجواب قوله تعالى كم أهلكنا من قبلهم من قرن فاعترض بين القسم وجوابه بقوله بل الذين كفروا في عزة وشقاق فبعيد لأن كم لا يتلقى بها القسم فلا تقول والله كم أنفقت مالا وبالله كم أعتقت عبدا وهؤلاء لما لم يخف عليهم ذلك احتاجوا أن يقدروا ما يتلقى بها الجواب أي لكم أهلكنا وأبعد من هذا قول من قال الجواب في قوله إن كل إلا كذب الرسل وأبعد منه قول من قال الجواب إن هذا لرزقنا ما له من نفاد وأبعد منه قول من قال الجواب قوله إن ذلك لحق تخاصم أهل النار وأقرب ما قيل في الجواب لفظا وإن كان بعيدا معنى عن قتاده وغيره إنه في قوله بل الذين كفروا كما قال ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم وشرح صاحب النظم هذا القول فقال معنى بل توكيد الخبر الذي بعده فصار كإن الشديدة في تثبيت ما بعدها وقيل ههنا بمنزلة إن لأنه(1\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2401",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يؤكد ما بعده من الخبر وإن كان له معنى سواه في نفي خبر متقدم فكأنه عز وجل قال ص والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا في عزة وشقاق كما تقول والله إن زيدا لقائم قال واحتج صاحب هذا القول بأن هذا النظم وإن لم يكن للعربية فيه أصل ولا لها رسم فيحتمل أن يكون نظما أحدثه الله عز وجل لما بينا من احتمال أن تكون بل بمعنى أن اهـ وقال أبو القاسم الزجاج قال النحويون إن بل تقع في جواب القسم كما تقع إن لأن المراد بها توكيد الخبر وهذا القول اختيار أبي حاتم وحكاه الأخفش عن الكوفيين وقرره بعضهم بأن قال أصل الكلام بل الذين كفروا في عزة وشقاق والقرآن ذي الذكر فلما قدم القسم ترك على حاله قال الأخفش وهذا يقوله الكوفيون وليس يجيد في العربية لو قلت والله قام وأنت تريد قام والله لم يحسن وقال النحاس هذا خطأ على مذهب النحويين لأنه إذا ابتدأ بالقسم وكان الكلام معتمدا عليه لم يكن بد من الجواب وأجمعوا أنه لا يجوز والله قام عمرو بمعنى قام عمرو والله لأن الكلام يعتمد على القسم وذكر الأخفش وجها آخر في جواب القسم فقال يجوز ن يكون لصاد معنى يقع عليه القسم لا ندري نحن ما هو كأنه يقول الحق والله(1\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2402",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أبو الحسن الواحدي وهذا الذي قاله الأخفش صحيح المعنى على قول من يقول ص الصادق الله أو صدق محمد وذكر الفراء هذا الوجه أيضا فقال ص جواب القسم وقال هو كقولك وجب والله وترك والله فهي جواب لقوله والقرآن وذكر النحاس وغيره وجها آخر في الجواب وهو أنه محذوف تقديره والقرآن ذي الذكر فالأمر كما يقوله هؤلاء الكفار ودل على المحذوف قوله تعالى بل الذين كفروا وهذا اختيار ابن جرير وهو مخرج من قول قتادة وشرحه الجرجاني فقال بل رافع لخبر قبله ومثبت لخبر بعده فقد ظهر ما قبله وما بعده دليل على ما قبله فالظاهر يدل على الباطن فإذا كان كذلك وجب أن يكون قوله بل الذين كفروا في عزة وشقاق مخالفا لهذا المضمر فكأنه قيل والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا يزعمون أنهم على الحق أو كل ما في هذا المعنى فهذه ستة أوجه سوى ما بدأنا به في جواب القسم والله أعلم ونظير هذا قوله تعالى ق والقرآن المجيد بل عجبوا قيل جواب القسم قد علمنا وقال الفراء محذوف دل عليه قوله أإذا متنا أي لتبعثن وقيل قوله بل عجبوا كما تقدم بيانه(1\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2403",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل ومن ذلك قوله لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة فقد تضمن الأقسام ثبوت الجزاء ومستحق الجزاء وذلك يتضمن إثبات الرسالة والقرآن والمعاد وهو سبحانه يقسم على هذه الأمور الثلاثة ويقررها أبلغ التقرير لحاجة النفوس إلى معرفتهما والإيمان بها وأمر رسوله أن يقسم عليها كما قال تعالى ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وقال تعالى وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم وقال تعالى زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير فهذه ثلاثة مواضع لا رابع لها يأمر نبيه أن يقسم على ما أقسم عليه هو سبحانه من النبوة والقرآن والمعاد فأقسم سبحانه لعباده وأمر أصدق خلقه أن يقسم لهم وأقام البراهين القطعية على ثبوت ما أقسم عليه فأبى الظالمون إلا جحودا وتكذيبا واختلف في النفس المقسم بها ههنا هل هي خاصة أو عامة على(1\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2404",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قولين بناء على الأقوال الثلاثة في اللوامة فقال ابن عباس كل نفس تلوم نفسها يوم القيامة يلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد إحسانا ويلوم المسيء نفسه أن لا يكون رجع عن إساءته واختاره الفراء قال ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها إن كانت عملت خيرا قالت هلا ازددت خيرا وإن كانت عملت سوءا قالت يا ليتني لم أفعل والقول الثاني أنها خاصة قال الحسن هي النفس المؤمنة وأن المؤمن والله لا تراه إلا يلوم نفسه على كل حالة لأنه يستقصرها في كل ما تفعل فيندم ويلوم نفسه وإن الفاجر يمضي قدما لا يعاتب نفسه والقول الثالث أنها النفس الكافرة وحدها قاله قتاده ومقاتل وهي النفس الكافرة تلوم نفسها في الآخرة على ما فرطت في أمر الله قال شيخا والأظهر أن المراد نفس الإنسان مطلقا فإن نفس كل إنسان لوامة كما أقسم بجنس النفس في قوله ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها فإنه لا بد لكل إنسان أن يلوم نفسه أو(1\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2405",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غيره على أمره ثم هذا اللوم قد يكون محمودا وقد يكون مذموما كما قال تعالى فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين وقال تعالى  يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم فهذا اللوم غير محمود وفي الصحيحين في قصة احتجاج آدم وموسى أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق فحج آدم موسى فهو سبحانه(1\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2406",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقسم على صفة النفس اللوامة كقوله إن الإنسان لربه لكنود وعلى جزائها كقوله فوربك لنسألنهم أجمعين وعلى تباين عملها كقوله إن سعيكم لشتى وكل نفس لوامة فالنفس السعيدة تلوم على فعل الشر وترك الخير فتبادر إلى التوبة والنفس الشقية بالضد من ذلك وجمع سبحانه في القسم بين محل الجزاء وهو يوم القيامة ومحل الكسب وهو النفس اللوامة ونبه سبحانه بكونها لوامة على شدة حاجتها وفاقتها وضرورتها إلى من يعرفها الخير والشر ويدلها عليه ورشدها إليه ويلهمها إياه فيجعلها مريدة للخير مرشدة له كارهة للشر مجانبة له لتخلص من اللوم ومن شر ما تلوم عليه ولأنها متلومة مترددة لا تثبت على حال واحدة فهي محتاجة إلى من يعرفها ما هو أنفع لها في معاشها ومعادها فتؤثرة وتلوم نفسها عليه إذا(1\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2407",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فاتها فتتوب منه إن كانت سعيدة ولتقوم عليها حجة عدله فيكون لومها في القيامة لنفسها عليه لوما بحق قد أعذر الله خالقها وفاطرها إليها فيه ففي صفة اللوم تنبيه على ضرورتها إلى التصديق بالرسالة والقرآن وأنها لا غنى لها عن ذلك ولا صلاح ولا فلاح بدونه البتة ولما كان يوم معادها هو محل ظهور هذا اللوم وترتب أثره عليه قرن بينهما في الذكر. فصل ومن ذلك قوله تعالى والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قال الزجاج وغيره جواب القسم قد أفلح من زكاها ولما طال الكلام حسن حذف اللام من الجواب وقد تضمن هذا القسم الأقسام بالخالق والمخلوق فأقسم بالسماء وبانيها والأرض وطاحيها والنفس ومسويها وقد قيل إن مصدرية فيكون الأقسام بنفس فعله تعالى فيكون قد أقسم بالمصنوع الدال عليه وبصنعته الدالة على كمال علمه وقدرته وحكمته وتوحيده ولما كانت حركة الشمس والقمر والليل(1\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2408",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنهار أمرا يشهد الناس حدوثه شيئا فشيئا ويعلمون أن الحادث لا بد له من محدث كان العلم بذلك منزلا منزلة ذكر المحدث له لفظا فلم يذكر الفاعل في الأقسام الأربعة ولهذا سلك طائفة من النظار طريق الإستدلال بالزمان على الصانع وهو استدلال صحيح قد نبه عليه القرآن في غير موضع كقوله إن في خلق السموات والأرض لآيات لأولي الألباب ولما كانت السماء والأرض ثابتتين حتى ظن من ظن أنهما قديمتان ذكر مع الأقسام بهما بانيهما ومبدعهما وكذلك النفس فإن حدوثها غير مشهود حتى ظن بعضهم قدمها فذكر مع الأقسام بها مسويها وفاطرها مع ما في ذكر بناء السماء وطحو الأرض وتسوية النفس من الدلالة على الرحمة والحكمة والعناية بالخلق فإن بناء السماء يدل على أنها كالقبة العالية على الأرض وجعلها سقفا لهذا العالم والطحو هو مد الأرض وبسطها وتوسيعها ليستقر عليها الأنام والحيوان ويمكن فيها البناء والغراس والزرع وهو متضمن لنضوب الماء عنها وهو مما حير عقول الطبائعيين حيث كان مقتضى الطبيعة أن يغمرها كثرة الماء فيروز جانب منها على الماء على خلاف مقتضى الطبيعة وكونه هذا الجانب المعين دون غيره مع استواء الجوانب في الشكل الكري يقتضي تخصيصا فلم يجدوا بدا أن يقولوا عناية الصانع اقتضت ذلك قلنا فنعم إذا ولكن عناية من لا مشيئة له ولا إرادة ولا اختيار ولا علم بمعين أصلا كما تقولونه فيه(1\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2409",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محال فعنايته تقتضي ثبوت صفات كماله ونعوت جلاله وأنه الفاعل يفعل باختياره ما يريد. وكذلك النفس أقسم بها وبمن سواها وألهمها فجورها وتقواها فإن من الناس من يقول قديمة لا مبدع لها ومنهم من يقول بل هي التي تبدع فجورها وتقواها فذكر سبحانه أنه هو الذي سواها وأبدعها وأنه هو الذي ألهمها الفجور والتقوى فأعلمنا أنه خالق نفوسا وأعمالها وذكر لفظ التسوية كما ذكره في قوله ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك وفي قوله فإذا سويته ونفخت فيه من روحي إيذانا بدخول البدن في لفظ النفس كقوله هو الذي خلقكم من نفس واحدة وقوله فسلموا على أنفسكم ولا تقتلوا أنفسكم لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ونظائره وباجتماع الروح مع البدن تصير النفس فاجرة أو تقية وإلا فالروح بدون البدن لا فجور لها وقوله قد أفلح من زكاها الضمير مرفوع في زكاها عائد على من وكذلك هو في دساها المعنى قد أفلح من زكى نفسه وقد خاب من دساها هذا القول هو الصحيح وهو نظير قوله قد أفلح من تزكى وهو سبحانه إذا ذكر الفلاح علقه(1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2410",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بفعل المفلح كقوله قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون إلى آخر الآيات وقوله الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون وقوله إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ونظائره قال الحسن قد أفلح من زكى نفسه وحملها على طاعة الله وقد خاب من أهلكها وحملها على معصية الله وقاله قتادة وقال ابن قتيبة يريد أفلح من زكى نفسه أي نماها وأعلاها بالطاعة والبر والصدقة واصطناع المعروف وقد خاب من دساها أي نقصها وأخفاها بترك عمل البر وركوب المعاصي والفاجر أبدا خفي المكان زمن المروءة غامض الشخص ناكس الرأس فكأن المتصف بارتكاب الفواحش دس نفسه وقمعها ومصطنع المعروف شهر نفسه ورفعها وكانت أجواد العرب تنزل الربى ويفاع الأرض لتشهر أنفسها للمنتفعين وتوقد النيران في الليل(1\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2411",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للطارقين وكانت اللئام تنزل الأولاج والأطراف والأهضام لتخفى أماكنها على الطالبين فأولئك أعلوا أنفسهم وزكوها وأولئك أخفوا أنفسهم ودسوها وأنشد: وبوأت بيتك في معلم ... رحيب المباحات والمسرح كفيت العفاة طلاب القرى ... ونبح الكلاب لمستنبح وقال أبو العباس سألت ابن الأعرابي عن قوله وقد خاب من دساها فقال دسى معناه دس نفسه مع الصالحين وليس منهم وعلى هذا فالمعنى أخفى نفسه في الصالحين يرى الناس أنه منهم وهو منطو على غير ما ينطوي عليه الصالحون وقال طائفة أخرى الضمير يرجع إلى الله سبحانه قال ابن عباس في رواية عطاء قد أفلحت نفس زكاها الله وأصلحها وهذا قول مجاهد وعكرمة والكلبي وسعيد ابن جبير ومقاتل قالوا سعدت نفس وأفلحت نفس أصلحها الله وطهرها ووفقها للطاعة حتى عملت بها وخابت وخسرت نفس أضلها الله وأغواها وأبطلها وأهلكها قال أرباب هذا القول قد أقسم الله بهذه الأشياء التي ذكرها لأنها تدل على وحدانيته وعلى فلاح من طهره وخسارة من خذله حتى لا يظن أحد أنه هو الذي يتولى تطهير نفسه وإهلاكها(1\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2412",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالمعصية من غير قدر سابق وقضاء متقدم قالوا وهذا أبلغ في التوحيد الذي سيقت له هذه السورة قالوا ويدل عليه قوله فألهمها فجورها وتقواها قالوا ويشهد له حديث نافع عن ابن عمر عن ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت إنتبهت نفسي ليلة فوجدت رسول الله وهو يقول رب أعطي نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها قالوا فهذا الدعاء هو تأويل الآية بدليل الحديث الآخر أن النبي كان إذا قرأ قد أفلح من زكاها وقف ثم قال اللهم آت نفسي تقواها أنت وليها ومولاها وزكها أنت خير من زكاها قالوا وفي هذا ما يبين أن الأمر كله له سبحانه فإنه هو خالق النفس وملهمها الفجور والتقوى وهو مزكيها ومدسيها فليس للعبد في الأمر شيء ولا هو مالك من أمر نفسه شيئا. قال أرباب القول الأول هذا القول وإن كان جائزا في العربية حاملا للضمير المنصوب على معنى من وإن كان لفظها مذكرا كما في قوله ومنهم من يستمعون إليك جمع الضمير وإن(1\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2413",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان لفظ من مفردا حملا على نظمها فهذا إنما يحسن حيث لا يقع لبس في مفسر الضمائر وههنا قد تقدم لفظ من والضمير المرفوع في زكاها يستحقه لفظا ومعنى فهو أولى به ثم يعود الضمير المنصوب على النفس التي هي أولى به لفظا ومعنى فهذا هو النظم الطبيعي الذي يقتضيه سياق الكلام ووضعه وأما عود الضمير الذي يلي من على الموصول السابق وهو قوله ونفس وما سواها وإخلاء جاره الملاصق له وهو من ثم عود الضمير المنصوب وهو مؤنث على من ولفظه مذكر دون النفس المؤنثة فهذا يجوز لو لم يكن للكلام محمل غيره أحسن منه فأما إذا كان سياق الكلام ونظمه يقتضي خلافه ولم تدع الضرورة إليه فالحمل عليه ممتنع قالوا والقول الذي ذكرناه أرجح من جهة المعنى لوجوه أحدها أن فيه إشارة إلى ما تقدم من تعليق الفلاح على فعل العبد واختياره كما هي طريقة القرآن الثاني أن فيه زيادة فائدة وهي إثبات فعل العبد وكسبه وما يثاب وما يعاقب عليه وفي قوله فألهمها فجورها وتقواها إثبات القضاء والقدر السابق فتضمنت الآيتان هذين الأصلين العظيمين وهما كثيرا ما يقترنان في القرآن كقوله إنه تذكرة فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله وقوله لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين فتضمنت الآيتان الرد على القدرية والجبرية(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2414",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "الثالث أن قولنا يستلزم قولكم دون العكس فان العبد إذا زكى نفسه ودساها فإنما يزكيها بعد تزكية الله لها بتوفيقه وإعانته وإنما يدسيها بعد تدسية الله لها بخذلانه والتخلية بينه وبين نفسه بخلاف ما إذا كان المعنى على القدر السابق المحض لم يبق للكسب وفعل العبد ههنا ذكر البتة فصل وذكر في هذه السورة ثمود دون غيرهم من الأمم المكذبة فقال شيخنا هذا والله أعلم من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى فإنه لم يكن في الأمم المكذبة أخف ذنبا وعذابا منهم إذ لم يذكر عنهم من الذنوب ما ذكر عن عاد ومدين وقوم لوط وغيرهم ولهذا لما ذكرهم وعادا قال فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى وكذلك إذا ذكرهم مع الأمم المكذبة لم يذكر عنهم ما ذكر عن أولئك من التجبر والتكبر والأعمال السيئة كاللواط وبخس المكيال والميزان والفساد في الأرض كما في سورة هود والشعراء وغيرهما فكان في قوم لوط مع الشرك إتيان الفاحشة التي لم(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2415",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يسبقوا إليها وفي قوم عاد مع الشرك التجبر والتكبر والتوسع في الدنيا وشدة البطش وقولهم من أشد منا قوة وفي أصحاب مدين مع الشرك الظلم في الأموال وفي قوم فرعون مع الشرك الفساد في الأرض والعلو وكان عذاب كل أمة بحسب ذنوبهم وجرائمهم فعذب قوم عاد بالريح الشديدة العاتية التي لا يقوم لها شيء وعذب قوم لوط بأنواع من العذاب لم يعذب بها أمة غيرهم فجمع لهم بين الهلاك والرجم بالحجارة من السماء وطمس الأبصار وقلب ديارهم عليهم بأن جعل عاليها سافلها والخسف بهم إلى أسفل سافلين وعذب قوم شعيب بالنار التي أحرقتهم وأحرقت تلك الأموال التي اكتسبوها بالظلم والعدوان وأما ثمود فأهلكوا بالصيحة فماتوا في الحال فإذا كان عذاب هؤلاء وذنبهم مع الشرك عقر الناقة التي جعلها الله آية لهم فمن انتهك محارم الله واستخف بأوامره ونواهيه وعقر عباده وسفك دماءهم كان أشد عذابا ومن اعتبر أحوال العالم قديما وحديثا وما يعاقب به من سعي في الأرض بالفساد وسفك الدماء بغير حق وأقام الفتن واستهان بحرمات الله علم أن النجاة في الدنيا والآخرة للذين آمنوا وكانوا يتقون قلت وقد يظهر في تخصيص ثمود ههنا بالذكر دون غيرهم معنى آخر وهو أنهم ردوا الهدى بعد ما تيقنوه وكانوا مستبصرين به قد(1\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2416",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "ثلجت له صدورهم واستيقظت له أنفسهم فاختاروا عليه العمى والضلالة كما قال تعالى في وصفهم وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى وقال  وآتينا ثمود الناقة مبصرة أي موجبة لهم التبصرة واليقين وإن كان جميع الأمم المهلكة هذا شأنهم فان الله لم يهلك أمة إلا بعد قيام الحجة عليها لكن خصت ثمود من ذلك الهدى والبصيرة بمزيد ولهذا لما قرنهم بقوم عاد قال فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة ثم قال وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ولهذا أمكن عادا المكابرة وأن يقولوا لنبيهم  ما جئتنا ببينة ولم يمكن ذلك ثمود وقد رأوا البينة عيانا وصارت لهم بمنزلة رؤية الشمس والقمر فردوا الهدى بعد تيقنه والبصيرة التامة فكان في تخصيصهم بالذكر تحذير لكل من عرف الحق ولم يتبعه وهذا داء أكثر الهالكين وهو أعم الأدواء وأغلبها على أهل الأرض والله أعلم فصل ومن ذلك قوله تعالى والفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر هل في ذلك قسم لذي حجر قيل جوابه(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2417",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن ربك لبالمرصاد وهذا ضعيف لوجهين أحدهما طول الكلام والفصل بين القسم وجوابه بجمل كثيرة والثاني قوله إن ربك لبالمرصاد ذكر لتقرير عقوبة الله الأمم المذكورة وهي عاد وثمود وفرعون فذكر عقوبتهم ثم قال مقررا ومحذرا إن ربك لبالمرصاد فلا ترى تعلقه بذلك دون القسم وأحسن من هذا أن يقال إن الفجر في الليالي العشر زمن يتضمن أفعالا معظمة من المناسك وأمكنة معظمة وهي محلها وذلك من شعائر الله المتضمنة خضوع العبد لربه فإن الحج والنسك عبودية محضة لله وذل وخضوع لعظمته وذلك ضد ما وصف به عادا وثمود وفرعون من العتو والتكبر والتجبر فإن النسك يتضمن غاية الخضوع لله وهؤلاء الأمم عتوا وتكبروا عن أمر ربهم وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبي قال ما من أيام للعمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر قيل يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله لم يرجع من ذلك بشيء فالزمان المتضمن لمثل هذه الأعمال أهل أن يقسم الرب عز وجل به والفجر إن أريد به جنس الفجر كما هو ظاهر اللفظ فإنه يتضمن وقت صلاة الصبح التي هي أول الصلوات فافتتح القسم(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2418",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بما يتضمن أول الصلوات وختمه بقوله والليل إذا يسر المتضمن لآخر الصلوات وإن أريد بالفجر فجر مخصوص فهو فجر يوم النحر وليلته التي هي ليلة عرفة فتلك الليلة من أفضل ليالي العام وما رؤى الشيطان في ليلة أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه فيها وذلك الفجر فجر يوم النحر الذي هو أفضل الأيام عند الله كما ثبت عن النبي أنه قال أفضل الأيام عند الله يوم النحر رواه أبو داود بإسناد صحيح وهو آخر أيام العشر وهو يوم الحج الأكبر كما ثبت في صحيح البخاري وغيره وهو اليوم الذي أذن فيه مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله بريء من المشركين ورسوله وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولا خلاف أن المؤذن أذن بذلك في يوم النحر لا يوم عرفة وذلك بأمر رسول الله امتثالا وتأويلا للقرآن وعلى هذا فقد تضمن القسم المناسك والصلوات وهما المختصان بعبادة الله والخضوع له والتواضع لعظمته ولهذا قال الخليل عليه السلام قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين وقيل لخاتم الرسل فصل لربك وانحر بخلاف حال المشركين المتكبرين الذين لا يعبدون الله وحده بل يشركون به ويستكبرون عن عبادته كحال من ذكر في هذه السورة من قوم عاد وثمود وفرعون(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2419",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر سبحانه من جملة هذه الأقسام والشفع والوتر إذ هذه الشعائر المعظمة منها شفع ومنها وتر في الأمكنة والأزمنة والأعمال فالصفا والمروة شفع والبيت وتر والجمرات وتر ومنى ومزدلفة شفع وعرفة وتر وأما الأعمال فالطواف وتر وركعتاه شفع والطواف بين الصفا والمروة وتر ورمي الجمار وتر كل ذلك سبع سبع وهو الأصل فإن الله وتر يحب الوتر والصلاة منها شفع ومنها وتر والوتر يوتر الشفع فتكون كلها وترا كما قال النبي صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة توتر لك ما قد صليت وأما الزمان فإن يوم عرفة وتر ويوم النحر شفع وهذا قول أكثر المفسرين وروى مجاهد عن إبن عباس الوتر آدم وشفع بزوجته حواء وقال في رواية أخرى الشفع آدم وحواء والوتر الله وحده وعنه رواية ثالثة الشفع يوم النحر والوتر اليوم الثالث وقال عمران ابن حصين وقتادة الشفع والوتر هي الصلاة وروى فيه حديثا مرفوعا وقال عطية العوفي الشفع الخلق قال الله تعالى وخلقناكم أزواجا والوتر هو الله وهذا قول الحكم قال كل شيء شفع والله وتر وقال أبو صالح خلق الله من كل شيء زوجين إثنين والله وتر واحد وهذا قول مجاهد ومسروق وقال الحسن الشفع والوتر العدد كله(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2420",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من شفع ووتر وقال ابن زيد الشفع والوتر الخلق كله من شفع ووتر وقال مقاتل الشفع الأيام والليالي والوتر اليوم الذي لا ليلة بعده وهو يوم القيامة وذكرت أقوال أخر هذه أصولها ومدارها كلها على قولين أحدهما أن الشفع والوتر نوعان للمخلوقات والمأمورات والثاني أن الوتر الخالق والشفع المخلوق وعلى هذا القول فيكون قد جمع في القسم بين الخالق والمخلوق فهو نظير ما تقدم في قوله والشمس وضحاها ونظير ما ذكر في قوله وشاهد ومشهود وما ذكر في قوله والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى وقال ههنا والليل إذا يسر وفي سورة المدثر أقسم بالليل إذا أدبر وفي سورة التكوير أقسم بالليل إذا عسعس وقد فسر بأقبل وفسر بأدبر فإن كان المراد إقباله فقد أقسم بأحوال الليل الثلاثة وهي حالة إقباله وحالة امتداده وسريانه وحالة إدباره وهي من آياته الدالة عليه سبحانه وعرف الفجر باللام إذ كل أحد يعرفه ونكر الليالي العشر لأنها إنما تعرف بالعلم وأيضا فإن التنكير تعظيم لها فإن التنكير يكون للتعظيم(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2421",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي تعريف الفجر ما يدل على شهرته وأنه الفجر الذي يعرفه كل أحد ولا يجهله. فلما تضمن هذا القسم ما جاء به إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم كان في ذلك ما دل على المقسم عليه ولهذا اعتبر القسم بقوله تعالى هل في ذلك قسم لذي حجر فإن عظمة هذا المقسم به يعرف بالنبوة وذلك يحتاج إلى حجر بحجر صاحبه عن الغفلة واتباع الهوى ويحمله على اتباع الرسل لئلا يصيبه ما أصاب من كذب الرسل كعاد وفرعون وثمود ولما تضمن ذلك مدح الخاضعين والمتواضعين ذكر حال المستكبرين المتجبرين الطاغين ثم أخبر أنه صب عليهم سوط عذاب ونكره إما للتعظيم وإما لأن يسيرا من عذابه استأصلهم وأهلكهم ولم يكن معه بقاء ولا ثبات ثم ذكر حال الموسع عليهم في الدنيا والمقتر عليهم وأخبر أن توسعته على من وسع عليه وإن كان إكراما له في الدنيا فليس ذلك إكراما على الحقيقة ولا يدل على أنه كريم عنده من أهل كرامته ومحبته وأن تقتيره على من قتر عليه لا يدل على إهانته له وسقوط منزلته عنده بل يوسع ابتلاء وامتحانا ويقتر ابتلاء وامتحانا فيبتلى بالنعم كما يبتلى بالمصائب وسبحانه هو يبتلى عبده(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2422",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "بنعمة تجلب له نقمة وبنعمة تجلب له نعمة أخرى وبنقمة تجلب له نقمة أخرى وبنقمة تجلب له نعمة فهذا شأن نعمه ونقمه سبحانه. وتضمنت هذه السورة ذم من اغتر بقوته وسلطانه وماله وهم هؤلاء الأمم الثلاثة قوم عاد اغتروا بقوتهم وثمود اغتروا بجنانهم وعيونهم وزروعهم وبساتينهم وقوم فرعون اغتروا بالمال والرياسة فصارت عاقبتهم إلى ما قص الله علينا وهذا شأنه دائما مع كل من اغتر بشيء من ذلك لا بد أن يفسده عليه ويسلبه إياه ثم ذكر سبحانه حال الإنسان في معاملته لمن هو أضعف منه كاليتيم والمسكين فلا يكرم هذا ولا يحض على طعام هذا ثم ذكر حرصه على جمع المال وأكله وحبه له وذلك هو الذي أوجب له عدم رحمته لليتيم والمسكين. ثم ختم السورة بمدح النفس المطمئنة وهي الخاشعة المتواضعة لربها وما تؤول إليه من كرامته ورحمته كما ذكر قبلها حال النفس الأمارة وما تؤول إليه من شدة عذابه ووثاقه فصل وأما سورة لا أقسم بهذا البلد فذكر فيها جواب القسم وهو قوله لقد خلقنا الإنسان في كبد وفسر الكبد بالاستواء وانتصاب القامة قال ابن عباس في رواية مقسم منتصبا على(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2423",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قدميه وهذا قول أبي صالح والضحاك وإبراهيم وعكرمة وعبد الله بن شداد قال المنذر سمعت أبا طالب يقول الكبد الاستواء والاستقامة وفسر بالنصب هذا قول مجاهد وسعيد بن جبير والحسن ورواية عن علي وعن ابن عباس قال الحسن لم يخلق الله خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم وقال سعيد بن أبي الحسن يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة وقال قتادة يكابد أمر الدنيا والآخرة فلا تلقاه إلا في مشقة وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال يعني حمله وولادته ورضاعه وفصاله ونبت أسنانه وحياته ومعاشه ومماته كل ذلك شدة قال مجاهد حملته أمه كرها ووضعته كرها ومعيشته في شدة فهو يكابد ذلك وعلى هذا فالكبد من مكابدة الأمر وهي معاناة شدته ومشقته والرجل يكابد الليل إذا قاسى هو له وصعوبته والكبد شدة الأمر ومنه تكبد اللبن إذا غلظ واشتد ومنه الكبد لأنها دم يغلظ ويشتد وانتصاب القامة والاستواء من ذلك لأنه إنما يكون عن قوة وشدة فإن الإنسان مخلوق في شدة بكونه في الرحم ثم في القماط والرباط ثم هو على خطر عظيم عند بلوغه(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2424",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حال التكليف ومكابدة المعيشة والأمر والنهي ثم مكابدة الموت وما بعده في البرزخ وموقف القيامة ثم مكابدة العذاب في النار ولا راحة له إلا في الجنة وفسر الكبد بشدة الخلق وإحكامه وقوته ومنه قول لبيد: يا عين هلا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام الخصوم في كبد أي في شدة وعناء وهذا يشبه قوله تعالى نحن خلقناهم وشددنا أسرهم قال ابن عباس أي خلقهم وقال أبو عبيدة الأسر شدة الخلق يقال فرس شديد الأسر قال وكل شيء شددته من قتب أو غير فهو مأسور وقال المبرد الأسر القوى كلها وقال الليث:quot; الأسر قوة المفاصل والأوصال وشد الله أسر فلان أي قوى خلقه وكل شيء جمع طرفاه فشد أحدهما بالآخر فقد أسرquot; وقال الحسن شددنا أوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والعصب وقال مجاهد هو الشرج يعني موضع البول والغائط إذا خرج الأذى تقبضا والمقصود أنه سبحانه أقسم في سورة البلد على حال الإنسان وأقسم سبحانه بالبلد الأمين وهو مكة أم القرى ثم أقسم بالوالد وما ولد وهو آدم وذريته في قول جمهور المفسرين وعلى هذا فقد تضمن القسم أصل المكان وأصل(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2425",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السكان فمرجع البلاد إلى مكة ومرجع العباد إلى آدم وقوله وأنت حل بهذا البلد فيه قولان أحدهما أنه من الاحلال وهو ضد الإحرام والثاني أنه من الحلول وهو ضد الظعن فإن أريد به المعنى الأول فهو حلال ساكن البلد بخلاف المحرم الذي يحج ويعتمر ويرجع ولأن أمنه إنما تظهر به النعمة عند الحل من الإحرام وإلا ففي حال الإحرام هو في أمان والحرمة هناك للفعل لا للمكان والمقصود هو ذكر حرمة المكان وهي إنما تظهر بحال الحلال الذي لم يتلبس بما يقتضي أمنه ولكن على هذا ففيه تنبيه فإنه إذا أقسم به وفيه الحلال فإذا كان فيه الحرام فهو أولى بالتعظيم والأمن وكذلك إذا أريد المعنى الثاني وهو الحلول فهو متضمن لهذا التعظيم مع تضمنه أمرا آخر وهو الاقسام ببلده المشتمل على رسوله وعبده فهو خير البقاع وقد اشتمل على خير العباد فجعل بيته هدى للناس ونبيه إماما وهاديا لهم وذلك من أعظم نعمه وإحسانه إلى خلقه كما هو من أعظم آياته ودلائل وحدانيته وربوبيته فمن اعتبر حال بيته وحال نبيه وجد ذلك من أظهر أدلة التوحيد والربوبية وفي الآية قول ثالث وهو أن المعنى وأنت مستحل قتلك وإخراجك من هذا البلد الأمين الذي يأمن فيه الطير والوحش والجاني وقد استحل قومك فيه حرمتك وهم لا يعضدون به(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2426",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شجرة ولا ينفرون به صيدا وهذا مروي عن شرحبيل بن سعد وعلى كل حال فهي جملة اعتراض في أثناء القسم موقعها من أحسن موقع وألطفه فهذا القسم متضمن لتعظيم بيته ورسوله ثم أنكر سبحانه على الإنسان ظنه وحسبانه أن لن يقدر عليه من خلقه في هذا الكبد والشدة والقوة التي يكابد بها الأمور فإن الذي خلقه كذلك أولى بالقدرة منه وأحق فكيف يقدر على غيره من لم يكن قادرا في نفسه فهذا برهان مستقل بنفسه مع أنه متضمن للجزاء الذي مناطه القدرة والعلم فنبه على ذلك بقوله أيحسب أن لن يقدر عليه أحد وبقوله أيحسب أن لم يره أحد فيحصى عليه ما عمل من خير وشر ولا يقدر عليه فيجازيه بما يستحقه ثم أنكر سبحانه على الإنسان قوله يقول أهلكت مالا لبدا وهو الكثير الذي يلبد بعضه فوق بعض فافتخر هذا الإنسان بإهلاكه وإنفاقه في غير وجهه إذ لو أنفقه في وجوهه التي أمر بإنفاقه فيها ووضعه مواضعه لم يكن ذلك إهلاكا له بل تقربا به إلى الله وتوصلا به إلى رضاه وثوابه وذلك ليس بإهلاك له فأنكر سبحانه افتخاره وتبجحه بإنفاق المال في شهواته وأغراضه التي إنفاقه فيها إهلاك له.(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2427",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم وبخه بقوله أيحسب أن لم يره أحد وأتى ههنا بلم الدالة على المضي في مقابلة قوله يقول أهلكت مالا لبدا فإن ذلك في الماضي أفيحسب أن لم يره أحد فيما أنفقه وفيما أهلكه ثم ذكر برهانا مقدرا أنه سبحانه أحق بالرؤية وأولى من هذا العبد الذي له عينان يبصر بهما فكيف يعطيه البصر من لم يره وكيف يعطيه آلة البيان من الشفتين واللسان فينطق ويبين عما في نفسه ويأمر وينهى من لا يتكلم ولا يكلم ولا يخاطب ولا يأمر ولا ينهى وهل كمال المخلوق مستفاد إلا من كمال خالقه ومن جعل غيره عالما بنجدى الخير والشر وهما طريقاهما أليس هو أولى وأحق بالعلم منه ومن هداه إلى هذين الطريقين كيف يليق به أن يتركه سدى لا يعرفه ما يضره وما ينفعه في معاشه ومعاده وهل النبوة والرسالة إلا لتكميل هداية النجدين فدل هذا كله على إثبات الخالق وصفات كماله وصدق رسله ووعده وهذه أصول الإيمان التي اتفقت عليها جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم إذا تأمل الإنسان حاله وخلقه وجده من أعظم الأدلة على صحتها وثبوتها فتكفي الإنسان فكرته في نفسه وخلقه والرسل بعثوا مذكرين بما في الفطر والعقول مكملين له لتقوم على العبد حجة الله بفطرته ورسالته ومع هذا فقامت عليه حجته ولم يقتحم العقبة التي بينه وبين ربه التي لا يصل إليها حتى يقتحمها بالإحسان(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2428",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى خلقه بفك رقبة وهو تخليصها من الرق ليخلصه الله من رق نفسه ورق عدوه وإطعام اليتيم والمسكين في يوم المجاعة وبالإخلاص له سبحانه بالإيمان الذي هو خالص حقه عليه وهو تصديق خبره وطاعة أمره وابتغاء وجهه وبنصيحة غيره أن يوصيه بالبر والرحمة ويقبل وصية من أوصاه بها فيكون صابرا رحيما في نفسه معينا لغيره على الصبر والرحمة فمن لم يقتحم هذه العقبة وهلك دونها هلك منقطعا عن ربه غير واصل إليه بل محجوبا عنه والناس قسمان ناج وهو من قطع العقبة وصار وراءها وهالك وهو من دون العقبة وهم أكثر الخلق ولا يقتحم هذه العقبة إلا المضمرون فإنها عقبة كؤود شاقة لا يقطعها إلا خفيف الظهر وهم أصحاب الميمنة والهالكون دون العقبة الذين لم يصدقوا الخبر ولم يطيعوا الأمر فهم أصحاب المشأمة عليهم نار مؤصدة قد أطبقت عليهم فلا يستطيعون الخروج منها كما أطبقت عليهم أعمال الغى والاعتقادات الباطلة المنافية لما أخبرت به رسله فلم تخرج قلوبهم منها كذلك أطبقت عليهم هذه النار فلم تستطع أجسامهم الخروج منها فتأمل هذه السورة على اختصارها وما اشتملت عليه من مطالب العلم والإيمان وبالله التوفيق وأيضا فإن طريقة القرآن بذكر العلم والقدرة تهديدا وتخويفا(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2429",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لترتب الجزاء عليهما كما قال تعالى قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم وقوله تعالى أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أرأيت إن كذب وتولى ألم يعلم بأن الله يرى وقوله تعالى وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وقال أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون وهذا كثير جدا في القرآن وليس المراد به مجرد الأخبار بالقدرة والعلم لكن الأخبار مع ذلك بما يترتب عليهما من الجزاء وبالعدل فانه إذا كان قادرا أمكن مجازاته وإذا كان عالما أمكن ذلك بالقسط والعدل ومن لم يكن قادرا لم يمكن مجازاته وإذا كان قادرا لكنه غير عالم بتفاصيل الأعمال ومقادير جزائها لم يجاز بالعدل والرب تعالى موصوف بكمال القدرة وكمال العلم فالجزاء منه موقوف على مجرد مشيئته وإرادته فحينئذ يجب على العاقل أن يطلب النجاة منه بالإخلاص والاحسان فهو اقتحام العقبة المتضمن للتوبة إلى الله تعالى والإحسان إلى خلقه وقال فلا اقتحم العقبة وهو فعل ماض ولم يكرر معه لا إما استعمالا لأداة لا كاستعمال ما وإما إجراء لهذا الفعل مجرى الدعاء نحو فلا سلم ولا عاش ونحو ذلك وإما لأن(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2430",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العقبة قد فسرت بمجموع أمور فاقتحامها فعل كل واحد منها فأغنى ذلك عن تكريرها فكأنه قال فلا فك رقبة ولا أطعم ولا كان من الذين آمنوا وقراءة من قرأ فك رقبة بالفعل كأنها أرجح من قراءة من قرأها بالمصدر لأن قوله وما أدراك ما العقبة على حد قوله وما أدراك ما الحاقة وما أدراك ما يوم الدين وما أدراك ما هيه نار حامية ونظائره تعظيما لشأن العقبة وتفخيما لأمرها وهي جملة اعتراض بين المفسر والمفسر فإن قوله فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا تفسير لاقتحام العقبة مكان شاق كؤود يقتحمه الناس حتى يصلوا إلى الجنة واقتحامه بفعل هذه الأمور فمن فعلها فقد اقتحم العقبة ويدل على ذلك قوله تعالى ثم كان من الذين آمنوا وهذا عطف على قوله فك رقبة والأحسن تناسب هذه الجمل المعطوفة التي هي تفسير لما ذكر أولا وأيضا فإن من قرأها بالمصدر المضاف فلا بد له من تقدير وهو ما أدراك ما اقتحام العقبة واقتحامها فك رقبة وأيضا فمن قرأها بالفعل فقد طابق بين المفسر وما فسره ومن قرأها بالمصدر فقد(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2431",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طابق بين المفسر وبعض ما فسره فإن التفسير ان كان لقوله اقتحم طابقه لقوله ثم كان من الذين آمنوا وما بعده دون فك رقبة وما يليه وإن كان لقوله العقبة طابقة فك رقبة أو إطعام دون قوله ثم كان من الذين آمنوا وما بعده وإن كانت المطابقة حاصلة معنى فحصولها لفظا ومعنى أتم وأحسن واختلف في هذه العقبة هل هي في الدنيا أو في الآخرة فقالت طائفة العقبة ههنا مثل ضربه الله تعالى لمجاهدة النفس والشيطان في أعمال البر وحكوا ذلك عن الحسن ومقاتل قال الحسن عقبة والله شديدة مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه والشيطان وقال مقاتل هذا مثل ضربه الله يريد أن المعتق رقبة والمطعم اليتيم والمسكين يقاحم نفسه وشيطانه مثل أن يتكلف صعود العقبة فشبه المعتق رقبة في شدته عليه بالمكلف صعود العقبة وهذا قول أبي عبيدة وقالت طائفة بل هي عقبة حقيقة يصعدها الناس قال عطاء هي عقبة جهنم وقال الكلبي هي عقبة بين الجنة والنار وهذا قول مقاتل إنها عقبة جهنم وقال مجاهد والضحاك هي الصراط يضرب على جهنم وهذا لعله قول الكلبي وقول هؤلاء أصح نظرا وأثرا ولغة قال قتادة فإنها عقبة شديدة فاقتحموها بطاعة الله وفي أثر معروف إن بين أيديكم عقبة كؤودا لا يقتحمها إلا المخفون أو نحو هذا وأن الله سمى الإيمان به وفعل ما أمر وترك ما نهى عقبة(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2432",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فكثيرا ما يقع في كلام السلف الوصية بالتضمر لاقتحام العقبة وقال بعض الصحابة وقد حضره الموت فجعل يبكي ويقول مالي لا أبكي وبين يدي عقبة كؤود أهبط منها إما إلى جنة وإما إلى نار فهذا القول أقرب إلى الحقيقة والآثار السلفية والمألوف من عادة القرآن في استعماله وما أدراك في الأمور الغائبة العظيمة كما تقدم والله أعلم فصل ومن ذلك أقسامه والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين فأقسم سبحانه بهذه الأمكنة الثلاثة العظيمة التي هي مظاهر أنبيائه ورسله أصحاب الشرائع العظام والأمم الكثيرة فالتين والزيتون المراد به نفس الشجرتين المعروفتين ومنبتهما وهو أرض بيته المقدس فإنها أكثر البقاع زيتونا وتينا وقد قال جماعة من المفسرين أنه سبحانه أقسم بهذين النوعين من الثمار لمكان العزة فيهما فإن التين فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص لا عجم له وهو على مقدار اللقمة وهو فاكهة وقوت وغذاء وأدم ويدخل في الأدوية ومزاجه من أعدل الأمزجة وطبعه طبع الحياة الحرارة والرطوبة وشكله من أحسن الأشكال(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2433",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويدخل أكله والنظر إليه في باب المفرحات وله لذة يمتاز بها عن سائر الفواكه ويزيد في القوة ويوافق الباءة وينفع من البواسير والنقرس ويؤكل رطبا ويابسا وأما الزيتون ففيه من الآيات ما هو ظاهر لمن اعتبر فإن عوده يخرج ثمرا يعصر منه هذا الدهن الذي هو مادة النور وصبغ للآكلين وطيب ودواء وفيه من مصالح الخلق مالا يخفى وشجره باق على ممر السنين المتطاولة وورقه لا يسقط وهذا الذي قالوه حق ولا ينافي أن يكون منبته مرادا فإن منبت هاتين الشجرتين حقيق بأن يكون من جملة البقاع الفاضلة الشريفة فيكون الأقسام قد تناول الشجرتين ومنبتهما وهو مظهر عبد الله ورسوله وكلمته وروحه عيسى بن مريم كما أن طور سينين مظهر عبده ورسوله وكليمه موسى فإنه الجبل الذي كلمه عليه وناجاه وأرسله إلى فرعون وقومه ثم أقسم بالبلد الأمين وهو مكة مظهر خاتم أنبيائه ورسله سيد ولد آدم وترقى في هذا القسم من الفاضل إلى الأفضل فبدأ بموضع مظهر المسيح ثم ثنى بموضع مظهر الكليم ثم ختمه بموضع مظهر عبده ورسوله وأكرم الخلق عليه ونظير هذا بعينه في التوراة التي أنزلها الله على كليمه موسى جاء الله من طور سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من فاران فمجيئه من طور سيناء بعثته لموسى بن عمران وبدأ به على حكم الترتيب الواقع ثم ثنى بنبوة المسيح ثم ختمه بنبوة محمد وجعل نبوة موسى بمنزلة مجيء(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2434",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصبح ونبوة المسيح بعده بمنزلة طلوع الشمس وإشراقها ونبوة محمد وعليهما بعدهما بمنزلة استعلائها وظهورها للعالم ولما كان الغالب على بني إسرائيل حكم الحس ذكر ذلك مطابقا للواقع ولما كان الغالب على الأمة الكاملة حكم العقل ذكرها على الترتيب العقلي وأقسم بها على بداية الإنسان ونهايته فقال لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم أي في أحسن صورة وشكل واعتدال معتدل القامة مستوى الخلقة كامل الصورة أحسن من كل حيوان سواه والتقويم تصيير الشيء على ما ينبغي أن يكون في التأليف والتعديل وذلك صنعته تبارك وتعالى في قبضة من تراب وخلقه بالمشاهدة من نطفة من ماء وذلك من أعظم الآيات الدالة على وجوده وقدرته وحكمته وعلمه وصفات كماله ولهذا يكررها كثيرا في القرآن لمكان العبرة بها والاستدلال بأقرب الطرق على وحدانيته وعلى المبدأ والمعاد وتضمن إقسامه بتلك الأمكنة الثلاثة الدالة عليه وعلى علمه وحكمته عنايته بخلقه بأن أرسل منها رسلا أنزل عليهم كتبه يعرفون العباد بربهم وحقوقه عليهم وينذرونهم بالله ونقمته ويدعونهم إلى كرامته وثوابه ثم لما كان الناس في إجابة هذه الدعوة فريقين منهم من أجاب ومنهم من أبى ذكر حال الفريقين فذكر حال الأكثرين وهم(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2435",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المردودون إلى أسفل سافلين والصحيح أنه النار قاله مجاهد والحسن وأبو العالية قال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه هي النار بعضها أسفل من بعض وقالت طائفة منهم قتادة وعكرمة وعطاء والكلبي وإبراهيم أنه أرذل العمر وهو مروى عن ابن عباس والصواب القول الأول لوجوه أحدها أن أرذل العمر لا يسمى أسفل سافلين لا في لغة ولا عرف وإنما أسفل سافلين هو سجين الذي هو مكان الفجار كما أن عليين مكان الأبرار الثاني أن المردودين إلى أسفل العمر بالنسبة إلى نوع الإنسان قليل جدا فأكثرهم يموت ولا يرد إلى أرذل العمر الثالث أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستوون هم وغيرهم في رد من طال عمره منهم إلى أرذل العمر فليس ذلك مختصا بالكفار حتى يستثنى منهم المؤمنين الرابع أن الله سبحانه لما أراد ذلك لم يخصه بالكفار بل جعله لجنس بني آدم فقال ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا فجعلهم قسمين قسما متوفى قبل الكبر وقسما مردودا إلى أرذل العمر ولم يسمه أسفل سافلين الخامس أنه لا تحسن المقابلة بين أرذل العمر وبين جزاء المؤمنين وهو سبحانه قابل بين جزاء هؤلاء وجزاء أهل الإيمان فجعل جزاء الكفار أسفل سافلين وجزاء المؤمنين أجرا غير ممنون السادس أن قول من فسره بأرذل العمر(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2436",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يستلزم خلو الآية عن جزاء الكفار وعاقبة أمرهم ويستلزم تفسيرها بأمر محسوس فيكون قد ترك الأخبار عن المقصود الأهم وأخبر عن امر يعرف بالحس والمشاهدة وفي ذلك هضم لمعنى الآية وتقصير بها عن المعنى اللائق بها السابع أنه سبحانه ذكر حال الإنسان في مبدأه ومعاده فمبدؤه خلقه في أحسن تقويم ومعاده رده إلى أسفل سافلين أو إلى أجر غير ممنون وهذا موافق لطريقة القرآن وعادته في ذكر مبدأ العبد ومعاده فما لأرذل العمر وهذا المعنى المطلوب المقصود إثباته والاستدلال عليه الثامن أن أرباب القول الأول مضطرون إلى مخالفة الحس وإخراج الكلام عن ظاهره والتكلف البعيد له فإنهم إن قالوا إن الذي يرد إلى أرذل العمر هم الكفار دون المؤمنين كابروا الحس وإن قالوا إن من النوعين من يرد إلى أرذل العمر احتاجوا إلى التكلف لصحة الاستثناء فمنهم من قدر ذلك بأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا تبطل اعمالهم إذا ردوا إلى أرذل العمر بل تجري عليهم أعمالهم التي كانوا يعملونها في الصحة فهذا وإن كان حقا فإن الاستثناء إنما وقع من الرد لا من الأجر والعمل ولما علم أرباب هذا القول ما فيه من التكلف خص بعضهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات بقراءة القرآن خاصة فقالوا من قرأ القرآن لا يرد إلى أرذل العمر وهذا ضعيف من وجهين أحدهما أن الاستثناء عام في المؤمنين قارئهم وأميهم وأنه لا دليل على(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2437",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما ادعوه وهذا لا يعلم بالحس ولا خبر يجب التسليم له يقتضيه والله أعلم التاسع أنه سبحانه ذكر نعمته على الإنسان بخلقه في أحسن تقويم وهذه النعمة توجب عليه أن يشكرها بالإيمان وعبادته وحده لا شريك له فينقله حينئذ من هذه الدار إلى أعلى عليين فإذا لم يؤمن به وأشرك به وعصى رسله نقله منها إلى أسفل سافلين وبدله بعد هذه الصورة التي هي في أحسن تقويم صورة من أقبح الصور في أسفل سافلين فتلك نعمته عليه وهذا عدله فيه وعقوبته على كفران نعمته العاشر أن نظير هذه الآية قوله تعالى فبشرهم بعذاب أليم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون فالعذاب الأليم هو أسفل سافلين والمستثنون هنا هم المستثنون هناك والأجر غير الممنون هناك هو المذكور هنا والله أعلم. وقوله غير ممنون أي غير مقطوع ولا منقوص ولا مكدر عليهم وهذا هو الصواب وقالت طائفة غير ممنون به عليهم بل هو جزاء أعمالهم ويذكر هذا عن عكرمة ومقاتل وهو قول كثير من القدرية قال هؤلاء إن المنة تكدر النعمة فتمام النعمة أن يكون غير ممنون بها على المنعم عليه وهذا القول خطأ قطعا أتى أربابه من تشبيه نعمة الله على عبده بإنعام المخلوق على المخلوق وهذا من أبطل الباطل فإن المنة التي تكدر النعمة هي منه(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2438",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المخلوق على المخلوق وأما منه الخالق على المخلوق فبها تمام النعمة ولذتها وطيبها فإنها منة حقيقة قال تعالى يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين وقال تعالى ولقد مننا على موسى وهارون ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم فتكون منة عليهما بنعمة الدنيا دون نعمة الآخرة وقال لموسى ولقد مننا عليك مرة أخرى وقال أهل الجنة فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم وقال تعالى لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم الآية وقال ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض الآية وفي الصحيح أن النبي قال للأنصار ألم اجدكم ضلالا فهداكم الله بي ألم أجدكم عالة فأغناكم الله بي فجعلوا يقولون له الله ورسوله أمن فهذا جواب العارفين بالله ورسوله وهل المنة كل المنة إلا لله المان بفضله الذي جميع الخلق في منته وإنما قبحت منه المخلوق لأنها منة بما ليس منه وهي منة يتأذى بها الممنون عليه وأما منة المنان بفضله التي ما طاب العيش إلا بمنته وكل نعمة منه في الدنيا والآخرة فهي منة يمن بها على من أنعم عليه فتلك لا يجوز نفيها وكيف يجوز أن يقال(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2439",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنه لا منة لله على الذين آمنوا وعملوا الصالحات في دخول الجنة وهل هذا إلا من أبطل الباطل فإن قيل هذا القدر لا يخفى على من قال هذا القول من العلماء وليس مرادهم ما ذكر وإنما مرادهم أنه لا يمن عليهم به وإن كانت لله فيه المنة عليهم فإنه لا يمن عليهم به بل يقال هذا جزاء أعمالكم التي عملتموها في الدنيا وهذا أجركم فأنتم تستوفون أجور أعمالكم لا نمن عليكم بما أعطيناكم قيل وهذا أيضا هو الباطل بعينه فإن ذلك الأجر ليست الأعمال ثمنا له ولا معاوضة عنه وقد قال أعلم الخلق بالله لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ح فأخبر أن دخول الجنة برحمة الله وفضله وذلك محض منته عليه وعلى سائر عباده وكما أنه سبحانه المان بإرسال رسله وبالتوفيق لطاعته وبالإعانة عليها فهو المان بإعطاء الجزاء وذلك كله محض منته وفضله وجوده لا حق لأحد عليه بحيث إذا وفاه إياه لم يكن له عليه منة فإن كان في الدنيا باطل فهذا ليس منه في شيء فإن قيل كيف تقولون هذا وقد أخبر رسوله عنه بأن حق العباد عليه إذا وحدوه أن لا يعذبهم وقد أخبر عن نفسه أن حقا عليه(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2440",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نصر المؤمنين قيل لعمر الله هذا من أعظم منته على عباده أن جعل على نفسه حقا بحكم وعده لصادق أن يثيبهم ولا يعذبهم إذا عبدوه ووحدوه فهذا من تمام منته فإنه لو عذب أهل سمواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولكن منته اقتضت أن أحق على نفسه ثواب عابديه وإجابة سائليه: ما للعباد عليه حق واجب ... كلا ولا سعى لديه ضائع إن عذبوا فبعد له أو نعموا ... فبفضله فهو الكريم الواسع وقوله سبحانه فما يكذبك بعد بالدين أصح القولين أن هذا خطاب للإنسان أي فما يكذبك بالجزاء والمعاد بعد هذا البيان وهذا البرهان فتقول إنك لا تبعث ولا تحاسب ولو تفكرت في مبدأ خلقك وصورتك لعلمت أن الذي خلقك أقدر على أن يعيدك بعد موتك وينشئك خلقا جديدا وأن ذلك لو أعجزه لأعجزه وأعياه خلقك الأول وأيضا فإن الذي كمل خلقك في أحسن تقويم بعد أن كنت نطفة من ماء مهين كيف يليق به أن يتركك سدى لا يكمل ذلك بالأمر والنهي وبيان ما ينفعك ويضرك ولا تنقل لدار هي أكمل من هذه ويجعل هذه الدار طريقا لك إليها فحكمة أحكم الحاكمين تأبى ذلك وتقضي خلافه قال منصور قلت لمجاهد فما يكذبك بعد بالدين عنى به محمدا فقال معاذ الله إثما عنى به الإنسان وقال قتادة الضمير للنبي(1\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2441",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلى الله عليه وسلم واختاره الفراء وهذا موضع يحتاج إلى شرح وبيان يقال كذب الرجل إذا قال الكذب وكذبته أنا إذا نسبته إلى الكذب ولو اعتقدت صدقه وكذبته إذا اعتقدت كذبه وإن كان صادقا قال تعالى فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك وقال فإنهم لا يكذبونك فالأول بمعنى وإن ينسبوك إلى الكذب والثاني بمعنى لا يعتقدون أنك كاذب ولكنهم يعاندون ويدفعون الحق بعد معرفته جحودا وعنادا هذا أصل هذه اللفظة ويتعدى الفعل إلى الخبر بنفسه وإلى خبره بالباء ونفي فيقال كذبته بكذا وكذبته فيه والأول أكثر استعمالا ومنه قوله بل كذبوا بالحق لما جاءهم وقوله وكذبوا بآياتنا إذا عرف هذا فقوله فما يكذبك بعد بالدين اختلف في ماء هل هي بمعنى أي شيء يكذبك أو بمعنى من الذي يكذبك فمن جعلها بمعنى أي شيء تعين على قوله أن يكون الخطاب للإنسان أي فأي شيء يجعلك بعد هذا البيان مكذبا بالدين وقد وضحت لك دلائل الصدق والتصديق ومن جعلها بمعنى فمن الذي يكذبك جعل الخطاب للنبي قال الفراء كأنه يقول من يقدر على تكذيبك بالثواب(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2442",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعقاب بعدما تبين له من خلق الإنسان ما وصفناه وقال قتادة فمن يكذبك أيها الرسول بعد هذا بالدين وعلى قول قتادة والفراء إشكال من وجهين أحدهما إقامة ما مقام من وأمره سهل والثاني أن الجار والمجرور يستدعى متعلقا وهو يكذبك أي فمن يكذبك بالدين فلا يخلوا إما أن يكون المعنى فمن يجعلك كاذبا بالدين أو مكذبا به ولا يصح واحدا منهما أما الثاني والثالث فظاهر فإن كذبته ليس معناه جعلته مكذبا أو مكذبا وإنما معناه نسبته إلى الكذب فالمعنى على هذا فمن يجعلك بعد كاذبا بالدين وهذا إنما يتعدى إليه بالباء الفعل المضاعف لا الثلاثي فلا يقال كذب كذا وإنما يقال كذب به وجواب هذا الإشكال أن قوله كذب بكذا معناه كذب المخبر به ثم حذف المفعول به لظهور العلم به حتى كأنه نسي وعدوا الفعل إلى المخبر به فإذا قيل من يكذبك بكذا فهو بمعنى كذبوك بكذا سواء أي نسبوك إلى الكذب في الأخبار به بل الأشكال في قول مجاهد والجمهور فإن الخطاب إذا كان للإنسان وهو المكذب أي فاعل التكذيب فكيف يقال له ما يكذبك أي يجعلك مكذبا والمعروف كذبه إذا جعله كاذبا لا مكذبا ومثل فسقه إذا جعله فاسقا لا مفسقا لغيره وجواب هذا الأشكال أن صدق وكذب بالتشديد(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2443",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يراد به معنيان أحدهما النسبة وهي إنما تكون للمفعول كما ذكرتم والثاني الداعي والحامل على ذلك وهو يكون للفاعل قال الكسائي يقال ما صدقك بكذا أو ما كذبك بكذا أي ما حملك على التصديق والتكذيب قلت وهو نظير ما أجرأك على هذا أي ما حملك على الاجتراء عليه وما قدمك وما أخرك أي ما دعاك وحملك على التقديم والتأخير وهذا استعمال سائغ موافق للعربية وبالله التوفيق ثم ختم السورة بقوله أليس الله بأحكم الحاكمين وهذا تقرير لمضمون السورة من إثبات النبوة والتوحيد والمعاد وحكمه بتضمن نصره لرسوله على من كذبه وجحد ما جاء به بالحجة والقدرة والظهور عليه وحكمه بين عباده في الدنيا بشرعه وأمره وحكمه بينهم في الآخرة بثوابه وعقابه وإن أحكم الحاكمين لا يليق به تعطيل هذه الأحكام بعد ما ظهرت حكمته في خلق الإنسان في أحسن تقويم ونقله في أطوار التخليق حالا بعد حال إلى أكمل الأحوال فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن لا يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته وهل ذلك إلا قدح في حكمه وحكمته فلله ما أخصر لفظ هذه السورة وأعظم شأنها وأتم معناها والله أعلم(1\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2444",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل ومن ذلك قسمه سبحانه وتعالى والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى وقد تقدم ذكر القسم عليه وأنه سعى الإنسان في الدنيا وجزاؤه في العقبى فهو سبحانه يقسم بالليل في جميع أحواله اذ هو من آياته الدالة عليه فأقسم به وقت غشيانه وأتى بصيغة المضارع لأنه يغشى شيئا بعد شيء وأما النهار فإنه إذا طلعت الشمس ظهر وتجلى وهلة واحدة ولهذا قال في سورة الشمس وضحاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها وأقسم به وقت سريانه كما تقدم وأقسم به وقت إدباره وأقسم به إذا عسعس فقيل معناه أدبر فيكون مطابقا لقوله والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر وقيل معناه أقبل فيكون كقوله والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى فيكون قد أقسم بإقبال الليل والنهار وعلى الأول يكون القسم واقعا على انصرام الليل ومجيء النهار عقيبه وكلاهما من آيات ربوبيته ثم أقسم بخلق الذكر والأنثى وذلك يتضمن الأقسام بالحيوان كله على اختلاف أصنافه ذكره وأنثاه وقابل بين الذكر والأنثى كما قابل بين الليل والنهار وكل ذلك من آيات ربوبيته فإن إخراج(1\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2445",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الليل والنهار بواسطة الأجرام العلوية كإخراج الذكر والأنثى بواسطة الأجرام السفلية فأخرج من الأرض ذكور الحيوان وإناثه على اختلاف أنواعها كما أخرج من السماء الليل والنهار بواسطة الشمس فيها وأقسم سبحانه بزمان السعي وهو الليل والنهار وبالساعي وهو الذكر والأنثى على اختلاف السعي كما اختلف الليل والنهار والذكر والأنثى وسعيه وزمانه مختلف وذلك دليل على اختلاف جزائه وثوابه وأنه سبحانه لا يسوي بين من اختلف سعيه في الجزاء كما لم يسو بين الليل والنهار والذكر والأنثى ثم أخبر عن تفريقه بين عاقبة سعي المحسن وعاقبة سعي المسيء فقال فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى فتضمنت الآيتان ذكر شرعه وذكر الأعمال وجزائها وحكمة القدر في تيسير هذا لليسرى وهذا للعسرى وأن العبد ميسر بأعماله لغاياتها ولا يظلم ربك أحدا وذكر للتيسير لليسرى ثلاثة أسباب أحدها إعطاء العبد وحذف مفعول الفعل إرادة للإطلاق والتعميم أي أعطى ما أمر به وسمحت به طبيعته وطاوعته نفسه وذلك يتناول إعطاءه من نفسه الإيمان والطاعة والإخلاص والتوبة والشكر وإعطاءه الإحسان والنفع بماله ولسانه وبدنه ونيته وقصده فتكون نفسه نفسا مطيعة باذلة لا لئيمة مانعة فالنفس المطيعة هي النافعة(1\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2446",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المحسنة التي طبعها الإحسان وإعطاء الخير اللازم والمتعدي فتعطي خيرها لنفسها ولغيرها فهي بمنزلة العين التي ينتفع الناس بشربهم منها وسقي دوابهم وأنعامهم وزرعهم فهم ينتفعون بها كيف شاءوا فهي ميسرة لذلك وهكذا الرجل المبارك ميسر للنفع حيث حل فجزاء هذا أن ييسره الله لليسرى كما كانت نفسه ميسرة للعطاء السبب الثاني التقوى وهي اجتناب ما نهى الله عنه وهذا من أعظم أسباب التيسير وضده من أسباب التعسير فالمتقي ميسرة عليه أمور دنياه وآخرته وتارك التقوى وإن يسرت عليه بعض أمور دنياه تعسر عليه من أمور آخرته بحسب ما تركه من التقوى وأما تيسير ما تيسر عليه من أمور الدنيا فلو اتقى الله لكان تيسيرها عليه أتم ولو قدر أنها لم تتيسر له فقد يسر الله له من الدنيا ما هو أنفع له مما ناله بغير التقى فإن طيب العيش ونعيم القلب ولذة الروح وفرحها وابتهاجها من أعظم نعيم الدنيا وهو أجل من نعيم أرباب الدنيا بالشهوات واللذات وقال تعالى ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا فأخبر أنه ييسر على المتقي مالا ييسر على غيره وقال تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب وهذا أيضا ييسر عليه بتقواه وقال تعالى ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا وهذا يتيسر عليه بإزالة ما يخشاه وإعطائه ما يحبه ويرضاه وقال يا أيها الذين آمنوا(1\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2447",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم وهذا يتيسر بالفرقان المتضمن النجاة والنصر والعلم والنور الفارق بين الحق والباطل وتكفير السيئات ومغفرة الذنوب وذلك غاية التيسير وقال تعالى واتقوا الله لعلكم تفلحون والفلاح غاية اليسر كما أن الشقاء غاية العسر وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم فضمن لهم سبحانه بالتقوى ثلاثة أمور أحدها أعطاهم نصيبين من رحمته نصيبا في الدنيا ونصيبا في الآخرة وقد يضاعف لهم نصيب الآخرة فيصير نصيبين الثاني أعطاهم نورا يمشون به في الظلمات الثالث مغفرة ذنوبهم وهذا غاية التيسير فقد جعل سبحانه التقوى سببا لكل يسر وترك التقوى سببا لكل عسر السبب الثالث التصديق بالحسنى وفسرت بلا إله إلا الله وفسرت بالجنة وفسرت بالخلف وهي أقوال السلف واليسرى صفة لموصوف محذوف أي الحالة والخلة اليسرى وهي فعلى من اليسرى والأقوال الثلاثة ترجع إلى أفضل الأعمال وأفضل الجزاء فمن فسرها بلا إله إلا الله فقد فسرها بمفرد يأتي بكل جمع فإن التصديق الحقيقي بلا إله إلا الله يستلزم التصديق بشعبها وفروعها كلها وجميع أصول الدين وفروعه من شعب هذه الكلمة فلا يكون العبد مصدقا بها حقيقة التصديق حتى يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه ولا يكون مؤمنا بالله إله العالمين حتى يؤمن(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2448",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بصفات جلاله ونعوت كماله ولا يكون مؤمنا بأن الله لا إله إلا هو حتى يسلب خصائص الإلهية عن كل موجود سواه ويسلبها عن اعتقاده وإرادته كما هي منفية في الحقيقة والخارج ولا يكون مصدقا بها من نفي الصفات العليا ولا من نفي كلامه وتكليمه ولا من نفى استوائه على عرشه وأنه يرفع إليه الكلم الطيب والعمل الصالح وأنه رفع المسيح إليه وأسرى برسوله إليه وأنه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه إلى سائر ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ولا يكون مؤمنا بهذه الكلمة مصدقا بها على الحقيقة من نفى عموم خلقه لكل شيء وقدرته على كل شيء وعلمه بكل شيء وبعثة الأجساد من القبور ليوم النشور ولا يكون مصدقا بها من زعم أنه يترك خلقه سدى لم يأمرهم ولم ينههم على ألسنة رسله وكذلك التصديق بها يقتضي الإذعان والإقرار بحقوقها وهي شرائع الإسلام التي هي تفصيل هذه الكلمة بالتصديق بجميع أخباره وامتثال أوامره واجتناب نواهيه هو تفصيل لا إله إلا الله فالمصدق بها على الحقيقة الذي يأتي بذلك كله وكذلك لم تحصل عصمة المال والدم على الإطلاق إلا بها وبالقيام بحقها وكذلك لا تحصل النجاة من العذاب على الإطلاق إلا بها وبحقها فالعقوبة في الدنيا والآخرة على تركها أو ترك حقها(1\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2449",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن فسر الحسنى بالجنة فسرها بأعلى أنواع الجزاء وكماله ومن فسرها بالخلف ذكر نوعا من الجزاء فهذا جزاء دنيوي والجنة الجزاء في الآخرة فرجع التصديق بالحسنى إلى التصديق بالإيمان وجزائه والتحقيق أنها تتناول الأمرين وتأمل ما اشتملت عليه هذه الكلمات الثلاث وهي الإعطاء والتقوى والتصديق بالحسنى من العلم والعمل وتضمنته من الهدى ودين الحق فإن النفس لها ثلاث قوى قوة البذل والإعطاء وقوة الكف والامتناع وقوة الإدراك والفهم ففيها قوة العلم والشعور ويتبعها قوة الحب والإرادة وقوة البغض والنفرة فهذه القوى الثلاث عليها مدار صلاحها وسعادتها وبفسادها يكون فسادها وشقاوتها ففساد قوة العلم والشعور يوجب له التكذيب بالحسنى وفساد قوة الحب والإرادة يوجب له ترك الإعطاء وفساد قوة البغض والنفرة يوجب له ترك الاتقاء فإذا كملت قوة حبه وإرادته بإعطائه ما أمر به وقوة بغضه ونفرته باتقائه ما نهى عنه وقوة علمه وشعوره بتصديقه بكلمة الإسلام وحقوقها وجزائها فقد زكى نفسه وأعدها لكل حالة يسرى فصارت النفس بذلك ميسرة لليسرى ولما كان الدين يدور على ثلاث قواعد فعل لمأمور وترك(1\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2450",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لمحظور وتصديق الخبر وإن شئت قلت الدين طلب وخبر والطلب نوعان طلب فعل وطلب ترك فقد تضمنت هذه الكلمات الثلاث مراتب الدين أجمعها فالاعطاء فعل المأمور والتقوى ترك المحظور والتصديق بالحسنى تصديق الخبر فانتظم ذلك الدين كله وأكمل الناس من كملت له هذه التقوى الثلاث ودخول النقص بحسب نقصانها أو بعضها فمن الناس من يكون قوة إعطائه وبذله أتم من قوة انكفافه وتركه فقوة الترك فيه أضعف من قوة الإعطاء ومن الناس من يكون قوة الترك والانكفاف فيه أتم من قوة الاعطاء والمنع ومن الناس من يكون فيه قوة التصديق أتم من قوة الاعطاء والمنع فقوته العلمية والشعورية أتم من قوته الإرادية وبالعكس فيدخل النقص بحسب ما نقص من قوة هذه القوى الثلاث ويفوته من التيسير لليسرى بحسب ما فاته منها ومن كملت له هذه القوى يسر لكل يسرى قال ابن عباس فسنيسره لليسرى أي نهيئه لعمل الخير تيسر عليه أعمال الخير وقال مقاتل والكلبي والفراء نيسره للعود إلى العمل الصالح وحقيقة اليسرى أنها الخلة والحالة السهلة النافعة الواقعة له وهي ضد العسرى وذلك يتضمن تيسيره للخير وأسبابه فيجري الخير وييسر على قلبه ويديه ولسانه وجوارحه فتصير خصال الخير ميسرة عليه مذللة له منقادة لا تستعصي عليه ولا(1\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2451",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تستصعب لأنه مهيأ لها ميسر لفعلها يسلك سبلها ذللا وتقاد له علما وعملا فإذا خاللته قلت هو الذي قيل فيه: مبارك الطلعة ميمونها ... يصلح للدنيا وللدين وأما من بخل واستغنى فعطل قوة الإرادة والاعطاء عن فعل ما امر به استغنى بترك التقوى عن ربه فعطل قوة الإنكفاف والترك عن فعل ما نهى عنه وكذب بالحسنى فعطل قوة العلم والشعور عن التصديق بالإيمان وجزائه فسنيسره للعسرى قال عطاء سوف أحول بين قلبه وبين الإيمان بي وبرسولي وقال مقاتل يعسر عليه أن يعطى خيرا وقال عكرمة عن ابن عباس نيسره للشر قال الواحدي وهذا هو القول لأن الشر يؤدي إلى العذاب فهو الخلة العسرى والخير يؤدي إلى اليسر والراحة في الجنة فهو الخلة اليسرى يقول سنهيؤه للشر بأن يجريه على يديه قال الفراء العرب تقول قد يسرت غنم فلان إذا تهيأت للولادة وكذلك إذا ولدت وغزرت ألبانها أي يسرت ذلك على أصحابها إنتهى والتيسير للعسرى يكون بأمرين أحدهما أن يحول بينه وبين أسباب الخير فيجري الشر على قلبه ونيته ولسانه وجوارحه والثاني أن يحول بينه وبين الجزاء الأيسر كما حال بينه وبين أسبابه(1\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2452",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل كيف قابل اتقى باستغنى وهل يمكن العبد أن يستغني عن ربه طرفة عين قيل هذا من أحسن المقابلة فإن المتقي لما استشعر فقره وفاقته وشدة حاجته إلى ربه اتقاه ولم يتعرض لسخطه وغضبه ومقته بارتكاب ما نهاه عنه فإن من كان شديد الحاجة والضرورة إلى شخص فإنه يتقي غضبه وسخطه عليه غاية الإتقاء ويجانب ما يكرهه غاية المجانبة ويعتمد فعل ما يحبه ويؤثره فقابل التقوى بالإستغناء تبشيعا لحال تارك التقوى ومبالغة في ذمه بأن فعل فعل المستغني عن ربه لا فعل الفقير المضطر إليه الذي لا ملجأ له إلا إليه ولا غنى له عن فضله وجوده وبره طرفة عين فلله ما أحلى هذه المقابلة وما أجمع هاتين الآيتين للخيرات كلها وأسبابها والشرور كلها وأسبابها فسبحان من تعرف إلى خصائص عباده بكلامه وتجلى لهم فيه فهم لا يطلبون أثرا بعد عين ولا يستبدلون الحق بالباطل والصدق بالمين وقد تضمنت هاتان الآيتان فصل الخطاب في مسألة القدر وإزالة كل لبس وإشكال فيها وذلك بين بحمد الله لمن وفق لفهمه ولهذا أجاب بها النبي من أورد عليه السؤال الذي لا يزال الناس يلهجون به في القدر فأجاب بفصل الخطاب وأزال الأشكال ففي الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي أنه قال quot; ما منكم من أحد إلا وقد علم(1\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2453",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مقعده من الجنة والنارquot; قيل يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب قال quot;اعملوا فكل ميسر لما خلق لهquot; ثم قرأ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى فقد تضمن هذا الحديث الرد على القدرية والجبرية وإثبات القدر والشرع وإثبات الكتاب الأول المتضمن لعلم الله سبحانه الأشياء قبل كونها وإثبات خلق الفعل الجزائي وهو يبطل أصول القدرية الذين يمنعون خلق الفعل مطلقا ومن أقر منهم بخلق فعل الجزاء دون الإبتداء هدم أصله ونقض قاعدته والنبي أخبر بمثل ما أخبر به الرب تعالى أن العبد ميسر لما خلق له لا مجبور فالجبر لفظ بدعى والتيسير لفظ القرآن والسنة وفي الحديث دلالة على أن الصحابة كانوا أعلم الناس بأصول الدين فإنهم تلقوها عن أعلم الخلق بالله على الإطلاق وكانوا إذا استشكلوا شيئا سألوه عنه وكان يجيبهم بما يزيل الأشكال ويبين الصواب فهم العارفون بأصول الدين حقا لا أهل البدع والأهواء من المتكلمين ومن سلك سبيلهم وفي الحديث استدلال النبي على مسائل أصول الدين بالقرآن وإرشاده الصحابة لاستنباطها منه خلافا لمن زعم أن كلام الله ورسوله لا يفيد العلم بشيء من أصول الدين ولا يجوز أن تستفاد معرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله منه وعبر عن ذلك بقوله الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2454",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الحديث بيان أن من الناس من خلق للسعادة ومنهم من خلق للشقاوة خلافا لمن زعم أنهم كلهم خلقوا للسعادة ولكن اختاروا الشقاوة ولم يخلقوا لها وفيه إثبات الأسباب وأن العبد ميسر للأسباب الموصلة له إلى ما خلق له وفيه دليل على اشتقاق السنة من الكتاب ومطابقتها له فتأمل قوله صلى الله عليه وسلم quot;إعملوا فكل ميسر لما خلق لهquot; ومطابقته لقوله تعالى فأما من أعطى واتقى إلى آخر الآيتين كيف انتظم الشرع والقدر والسبب والمسبب وهذا الذي أرشد إليه النبي هو الذي فطر الله عليه عباده بل الحيوان البهيم بل مصالح الدنيا وعمارتها بذلك فلو قال كل أحد إن قدر لي كذا وكذا فلا بد أن أناله وإن لم يقدر فلا سبيل إلى نيله فلا أسعى ولا أتحرك لعد من السفهاء الجهال ولم يمكنه طرد ذلك أبدا وإن أتى به في أمر معين فهل يمكنه أن يطرد ذلك في مصالحه جميعها من طعامه وشرابه ولباسه ومسكنه وهروبه مما يضاد بقاءه وينافي مصالحه أم يجد نفسه غير منفكة ألبتة عن قول النبي إعملوا فكل ميسر لما خلق له فإذا كان هذا في مصالح الدنيا وأسباب منافعها فما الموجب لتعطيله في مصالح الآخرة وأسباب السعادة والفلاح فيها ورب الدنيا والآخرة واحد فكيف يعطل ذلك في شرع الرب وأمره ونهيه ويستعمل في إرادة العبد وأغراضه(1\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2455",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وشهواته وهل هذا إلا محض الظلم والجهل والإنسان ظلوم جهول ظلوم لنفسه جهول بربه فهذا الذي أرشد إليه النبي وتلا عنده هاتين الآيتين موافقا لما جعله الله في عقول العقلاء وركب عليه فطر الخلائق حتى الحيوان البهيم وأرسل به جميع رسله وأنزل به جميع كتبه ولو اتكل العبد على القدر ولم يعمل لتعطلت الشرائع وتعطلت مصالح العالم وفسد أمر الدنيا والدين وإنما يستروح إلى ذلك معطلوا الشرائع ومن خلع ربقه الأوامر والنواهي من عنقه وذلك ميراث من إخوانهم المشركين الذين دفعوا أمر الله ونهيه وعارضوا شرعه بقضائه وقدره كما حكى الله سبحانه ذلك عنهم في غير موضع من كتابه كقوله تعالى سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون قل قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين وقال تعالى وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين وقال تعالى وقالوا لو شاء(1\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2456",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون وقال تعالى وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين فإن قيل فالإعطاء والتقوى والتصديق بالحسنى هي من اليسرى بل هي أصل اليسرى من يسرها للعبد أولا وكذلك أضدادها قيل الله سبحانه هو الذي يسر للعبد أسباب الخير والشر وخلق خلقه قسمين أهل سعادة فيسرهم لليسرى وأهل شقاوة فيسرهم للعسرى واستعمل هؤلاء في الأسباب التي خلقوا لغاياتها لا يصلحون لسواها وهؤلاء في الأسباب التي خلقوا لغاياتها لا يصلحون لسواها وحكمته الباهرة تأبى أن يضع عقوبته في موضع لا تصلح له كما يأبى أن يضع كرامته وثوابه في محل لا يصلح لهما ولا يليق بهما بل حكمة آحاد خلقه تأبى ذلك ومن جعل محل المسك والرجيع واحدا فهو من أسفه السفهاء فإن قيل فلم جعل هذا لا يليق به إلا الكرامة وهذا لا يليق به إلا الإهانة قيل هذا سؤال جاهل لا يستحق الجواب كأنه يقول لم خلق الله كذا وكذا فإن قيل وعلى هذا فهل لهذا الجاهل من جواب لعله يشفى من جهله قيل نعم شأن الربوبية خلق الأشياء وأضدادها(1\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2457",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وخلق الملزومات ولوازمها وذلك هو محض الكمال فالعلو لازم وملزوم للسفل والليل لازم وملزوم للنهار وكمال هذا الوجود بالحر والبرد والصحو والغيم ومن لوازم الطبيعة الحيوانية الصحة والمرض واختلاف الإرادات والمرادات ووجود اللازم بدون ملزومه ممتنع ولولا خلق المتضادات لما عرف كمال القدرة والمشيئة والحكمة ولما ظهرت أحكام الأسماء والصفات وظهور أحكامها وآثارها لا بد منه إذ هو مقتضى الكمال المقدس والملك التام وإذا أعطيت اسم الملك حقه ولن تستطيع علمت أن الخلق والأمر والثواب والعقاب والعطاء والحرمان أمر لازم لصفة الملك وأن صفة الملك تقتضي ذلك ولا بد وأن تعطيل هذه الصفة أمر ممتنع فالملك الحق يقتضي إرسال الرسل وإنزال الكتب وأمر العباد ونهيهم وثوابهم وعقابهم وإكرام من يستحق الإكرام وإهانة من يستحق الإهانة كما تستلزم حياة الملك وعلمه وإرادته وقدرته وسمعه وبصره وكلامه ورحمته ورضاه وغضبه واستواءه على سرير ملكه يدبر أمر عباده وهذه الإشارة تكفي اللبيب في مثل هذا الموضع ويطلع منها على أرض مونقة وكنوز من المعرفة وبالله التوفيق(1\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2458",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل ثم قال تعالى إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى قيل معناه إن علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال قال قتادة على الله البيان بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته إختاره أبو إسحاق وهو قول مقاتل وجماعة وهذا المعنى حق ولكن مراد الآية شيء آخر وقيل المعنى إن علينا للهدى والإضلال قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء يريد أرشد أوليائي إلى العمل بطاعتي وأحول بين أعدائي وبين أن يعملوا بطاعتي قال الفراء فترك ذكر الإضلال كما قال سرابيل تقيكم الحر أي والبرد وهذا أضعف من القول الأول وإن كان معناه صحيحا فليس هو معنى الآية وقيل المعنى من سلك الهدى فعلى الله سبيله كقوله وعلى الله قصد السبيل وهذا قول مجاهد وهو أصح الأقوال في الآية قال الواحدي علينا للهدى أي إن الهدى يوصل صاحبه إلى الله وإلى ثوابه وجنته وهذا المعنى في القرآن في ثلاث مواضع ههنا وفي النحل في قوله وعلى الله قصد السبيل وفي الحجر في قوله هذا صراط علي مستقيم وهو معنى شريف جليل يدل على أن سالك طريق(1\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2459",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الهدى يوصله طريقه إلى الله ولا بد والهدى هو الصراط المستقيم فمن سلكه أوصله إلى الله فذكر الطريق والغاية فالطريق الهدى والغاية الوصول إلى الله فهذه أشرف الوسائل وغايتها أعلى الغايات ولما كان مطلوب السالك إلى الله تحصيل مصالح دنياه وآخرته لم يتم له هذا المطلوب إلا بتوحيد طلبه والمطلوب منه فأعلمه سبحانه أن سواه لا يملك من الدنيا والآخرة شيئا وأن الدنيا والآخرة جميعا له وحده فإذا تيقن العبد ذلك اجتمع طلبه ومطلوبه على من يملك الدنيا والآخرة وحده فتضمنت الآيتان أربعة أمور هي المطالب العالية ذكر أعلى الغايات وهو الوصول إلى الله سبحانه وأقرب الطرق والوسائل إليه وهي طريقة الهدى وتوحيد الطريق فلا يعدل عنها إلى غيرها وتوحيد المطلوب وهو الحق فلا يعدل عنه إلى غيره فاقتبس هذه الأمور من مشكاة هذه الكلمات فإن هذه غاية العلم والفهم وبالله التوفيق والهدى التام يتضمن توحيد المطلوب وتوحيد الطلب وتوحيد الطريق الموصلة والانقطاع وتخلف الوصول يقع من الشركة في هذه الأمور أو في بعضها فالشركة في المطلوب تنافي التوحيد والإخلاص والشركة في الطلب تنافي الصدق والعزيمة والشركة في الطريق تنافي اتباع الأمر فالأول يوقع في الشرك والرياء والثاني يوقع في المعصية والبطالة والثالث يوقع في البدعة ومفارقة السنة فتأمله(1\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2460",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتوحيد المطلوب يعصم من الشرك وتوحيد الطلب يعصم من المعصية وتوحيد الطريق يعصم من البدعة والشيطان إنما ينصب فخه بهذه الطرق الثلاثة ولما أقام سبحانه الدليل وأنار السبيل وأوضح الحجة وبين المحجة أنذر عباده عذابه الذي أعده لمن كذب خبره وتولى عن طاعته وجعل هذا الصنف من الناس هم أشقاهم كما جعل أسعدهم أهل التقوى والإحسان والإخلاص فهذا الصنف هو الذي يجنب عذابه كما قال وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى فهذا المتقي المحسن لا يفعل ذلك إلا ابتغاء وجه ربه فهو مخلص في تقواه وإحسانه وفي الآية الإرشاد إلى أن صاحب التقوى لا ينبغي له أن يتحمل من الخلق ونعمهم وإن حمل منهم شيئا بادر إلى جزائهم عليه لئلا يتبقى لأحد من الخلق عليه نعمة تجزى فيكون بعد ذلك عمله كله لله وحده ليس للمخلوق جزاء على نعمته ونبه بقوله تجزى على أن نعمة الإسلام التي لرسول الله على هذا الأتقى لا تجزى فإن كل ذي نعمة يمكن جزاء نعمته إلا نعمة الإسلام فإنها لا يمكن المنعم بها عليه أن يجزى بها وهذا يدل على أن الصديق رضي الله عنه أول وأولى من ذكر في هذه الآية وأنه أحق الأمة بها فإن عليا رضي الله عنه تربى في بيت(1\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2461",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "النبي فلرسول الله عنده نعمة غير نعمة الإسلام يمكن أن تجزى ونبه سبحانه بقوله إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى على أن من ليس لمخلوق عليه نعمة تجزى لا يفعل ما يفعله إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى بخلاف من تطور نعم المخلوقين ومننهم فإنه مضطر إلى أن يفعل لأجلهم ويترك لأجلهم ولهذا كان من كمال الإخلاص أن لا يجعل العبد عليه منة لأحد من الناس لتكون معاملته كلها لله ابتغاء وجهه وطلب مرضاته فكما أن هذه الغاية أعلى الغايات وهذا المطلوب أشرف المطالب فهذا الطريق أقصد الطرق إليه وأقربها وأقومها وبالله التوفيق فصل ومن ذلك إقسامه سبحانه والضحى والليل إذا سجى على إنعامه على رسوله وإكرامه له وإعطائه ما يرضيه وذلك متضمن لتصديقه له فهو قسم على صحة نبوته وعلى جزائه في الآخرة فهو قسم على النبوة والمعاد وأقسم بآيتين عظيمتين من آياته دالتين على ربوبيته وحكمته ورحمته وهما الليل والنهار فتأمل مطابقة هذا القسم وهو نور الضحى الذي يوافى بعد ظلام الليل للمقسم عليه وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه حتى قال أعداؤه ودع محمدا ربه فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل(1\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2462",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه وأيضا فإن فالق ظلمة الليل عن ضوء النهاء هو الذي فلق ظلمة الجهل والشرك بنور الوحي والنبوة فهذان للحس وهذان للعقل وأيضا فإن الذي اقتضت رحمته أن لا يترك عباده في ظلمة الليل سرمدا بل هداهم بضوء النهاء إلى مصالحهم ومعايشهم لا يليق به أن يتركهم في ظلمة الجهل والغي بل يهديهم بنور الوحي والنبوة إلى مصالح دنياهم وآخرتهم فتأمل حسن ارتباط المقسم به بالمقسم عليه وتأمل هذه الجزالة والرونق الذي على هذه الألفاظ والجلالة التي على معانيها ونفى سبحانه أن يكون ودع نبيه أو قلاه فالتوديع الترك والقلى البغض فما تركه منذ اعتنى به وأكرمه ولا أبغضه منذ أحبه وأطلق سبحانه أن الآخرة خير له من الأولى وهذا يعم كل حالة يرقيه إليها هي خير له مما قبلها كما أن الدار الآخرة خير له مما قبلها ثم وعده بما تقر به عينه وتفرح به نفسه وينشرح به صدره وهو أن يعطيه فيرضى وهذا يعم ما يعطيه من القرآن والهدى والنصر وكثرة الاتباع ورفع ذكره وإعلاء كلمته وما يعطيه بعد مماته وما يعطيه في موقف القيامة وما يعطيه في الجنة وأما ما يغتر به الجهال من أنه لا يرضى وواحد من أمته في النار أو لا يرضى أن يدخل أحد من أمته النار فهذا من غرور الشيطان لهم ولعبة بهم فإنه صلوات الله وسلامة عليه يرضى بما يرضى به ربه تبارك وتعالى وهو سبحانه يدخل النار من يستحقها من الكفار والعصاة ثم يحد لرسوله(1\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "73",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2463",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حدا يشفع فيهم ورسوله أعرف به وبحقه من أن يقول لا أرضى أن يدخل أحدا من أمتي النار على أن يدعه فيها بل ربه تبارك وتعالى يأذن له فيشفع فيمن شاء الله أن يشفع فيه ولا يشفع في غير من أذن له فيه ورضيه ثم ذكر سبحانه نعمه عليه من إيوائه بعد يتمه وهدايته بعد الضلالة وإغنائه بعد الفقر فكان محتاجا إلى من يؤويه ويهديه ويغنيه فآواه ربه وهداه وأغناه فأمره سبحانه أن يقابل هذه النعم الثلاث بما يليق بها من الشكر فنهاه أن يقهر اليتيم وأن ينهر السائل وأن يكتم النعمة بل يحدث بها فأوصاه سبحانه باليتامى والفقراء والمتعلمين قال مجاهد ومقاتل لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيما وقال الفراء لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه وكذلك كانت العرب تفعل في أمر اليتامى تأخذ أموالهم وتظلمهم فغلظ الخطاب في أمر اليتيم وكذلك من لا ناصر له يغلظ في أمره وهو نهى لجميع المكلفين وأما السائل فلا تنهر قال أكثر المفسرين هو سائل المعروف والصدقة لا تنهره إذا سألك فقد كنت فقيرا فأما أن تطعمه وإما أن ترده ردا لينا قال الحسن أما إنه ليس بالسائل الذي يأتيك ولكن طالب العلم وهذا قول يحيى بن آدم قال إذا جاءك طالب العلم فلا تنهره والتحقيق أن الآية تتناول النوعين(1\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "74",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2464",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "وقوله وأما بنعمة ربك فحدث قال مجاهد بالقرآن وقال الكلبي بمعنى أظهرها والقرآن أعظم ما أنعم الله به عليه فأمره أن يقرئه ويعلمه وروى أبو بشر عن مجاهد حدث بالنبوة التي أعطاك الله وقال الزجاج بلغ ما أرسلت به وحدث بالنبوة التي آتاك وهي أجل النعم وقال مقاتل أشكر هذه النعمة التي ذكرت في هذه السورة والتحقيق أن النعم تعم هذا كله فأمر أن لا ينهر سائل المعروف والعلم وأن يحدث بنعم الله عليه في الدين والدنيا فصل ومن ذلك إقسامه سبحانه ب والعاديات ضبحا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في ذلك فقال علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما هي إبل الحاج تعدو من عرفة إلى مزدلفة ومن مزدلفة إلى منى وهذا اختيار محمد بن كعب وأبي صالح وجماعة من المفسرين وقال عبد الله بن عباس هي خيل الغزاة وهذا قول أصحاب ابن عباس والحسن وجماعة واختاره الفراء والزجاج قال أصحاب الإبل السورة مكية ولم يكن ثم جهاد ولا خيل تجاهد وإنما أقسم بما يعرفونه ويألفونه وهي إبل الحاج إذا عدت من(1\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "75",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2465",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عرفة إلى مزدلفة فهي عاديات والضبح والضبع مد الناقة ضبعها في السير يقال ضبحت وضبعت بمعنى واحد وأنشد أبو عبيدة وقد اختار هذا القول: فكان لكم أجري جميعا وأضبحت ... بي البازل الوجناء في الآل تضبح قالوا فهي تعدو ضبحا فتورى بأخفافها النار من حك الأحجار بعضها ببعض فتثير النقع وهو الغبار بعدوها فيتوسط جمعا وهي المزدلفة قال أصحاب الخيل المعروف في اللغة أن الضبح أصوات أنفاس الخيل إذا عدون والمعنى والعاديات ضابحة فيكون ضبحا مصدرا على الأول وحالا على الثاني قالوا والخيل هي التي تضبح في عدوها ضبحا وهو صوت يسمع من أجوافها ليس بالصهيل ولا الحمحمة ولكن صوت أنفاسها في أجوافها من شدة العدو وقال الجرجاني كلا القولين قد جاء في التفسير إلا أن السياق يدل على أنها الخيل وهو قوله تعالى فالموريات قدحا والايراء لا يكون إلا للحافر لصلابته وأما الخف ففيه لين واسترخاء إنتهى قالوا والضبح في الخيل أظهر منه في الإبل والايراء لسنابك الخيل أبين منه لاخفاف الإبل قالوا والنقع هو الغبار وإثارة الخيل بعدوها له أظهر من إثارة أخفاف الإبل والضمير في به عائد على المكان الذي تعدو فيه قالوا وأعظم ما يثير الغبار عند الإغارة(1\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "76",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2466",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا توسطت الخيل جمع العدو لكثرة حركتها واضطرابها في ذلك المكان وأما حمل الآية في إثارة الغبار في وادي محسر عند الإغارة فليس بالبين ولا يثور هناك غبار في الغالب لصلابة المكان قالوا وأما قولكم إنه لم يكن بمكة حين نزول الآية جهاد ولا خيل تجاهد فهذا لا يلزم لأنه سبحانه أقسم بما يعرفونه من شأن الخيل إذا كانت في غزو فأغارت فأثارت النقع وتوسطت جمع العدو وهذا أمر معروف وذكر خيل المجاهدين أحق ما دخل في هذا الوصف فذكره على وجه التمثيل لا الإختصاص فإن هذا شأن خيل المقاتلة وأشرف أنواع الخيل خيل المجاهدين والقسم إنما وقع بما تضمنه شأن هذه العاديات من الآيات البينات من خلق هذا الحيوان الذي هو من أكرم البهيم وأشرفه وهو الذي يحصل به العز والظفر والنصر على الأعداء فيعدوا طالبة للعدو وهاربة منه فيثير عدوها الغبار لشدته وتورى حوافرها وسنابكها النار من الأحجار لشدة عدوها فتدرك الغارة التي طلبتها حتى تتوسط جمع الأعداء فهذا من أعظم آيات الرب تعالى وأدلة قدرته وحكمته فذكرهم بنعمة عليهم في خلق هذا الحيوان الذي ينتصرون به على أعدائهم ويدركون به ثأرهم كما ذكرهم سبحانه بنعمه عليهم في خلق الإبل التي تحمل أثقالهم من بلد إلى بلد فالإبل أخص بحمل الأثقال والخيل أخص(1\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "77",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2467",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بنصرة الرجال فذكرهم بنعمه بهذا وهذا وخص الإغارة بالضبح لأن العدو لم ينتشروا إذ ذاك ولم يفارقوا محلهم وأصحاب الإغارة حامون مستريحون يبصرون مواقع الغارة والعدو لم يأخذوا أهبتهم بل هم في غرتهم وغفلتهم ولهذا كان النبي إذا أراد الغارة صبر حتى يطلع الفجر فإن سمع مؤذنا أمسك وإلا أغار ولما علم أصحاب الإبل أن أخفافها أبعد شيء من ورى النار تأولوا الآية على وجوه بعيدة فقال محمد بن كعب هم الحاج إذا أوقدوا نيرانهم ليلة المزدلفة وعلى هذا فيكون التقدير فالجماعات الموريات وهذا خلاف الظاهر وإنما الموريات هي العاديات وهي المغيرات روى سعيد بن جبير عن ابن عباس هم الذين يغيرون فيورون بالليل نيرانهم لطامعهم وحاجتهم كأنهم أخذوه من قوله تعالى أفرأيتم النار التي تورون وهذا إن أريد به التمثيل وأن الآية تدل عليه فصحيح وإن أريد به اختصاص الموريات فليس كذلك لأن الموريات هي العاديات بعينها ولهذا عطفها عليه بالفاء التي للتسبب فإنها عدت فأورت وقال قتادة الموريات هي الخيل تورى نار العداوة بين المقتتلين وهذا ليس بشيء وهو بعيد من معنى الآية وسياقها وأضعف منه قول عكرمة هي الألسنة تورى نار العداوة بعظيم ما نتكلم به وأضعف منه ما ذكر عنه مجاهد هي أفكار الرجال تورى نار المكر والخديعة في الحرب(1\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "78",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2468",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذه الأقوال إن أريد أن اللفظ دل عليها وأنها هي المراد فغلط وإن أريد أنها أخذت من طريق الإشارة والقياس فأمرها قريب وتفسير الناس يدور على ثلاثة أصول تفسير على اللفظ وهو الذي ينحو إليه المتأخرون وتفسير على المعنى وهو الذي يذكره السلف وتفسير على الإشارة والقياس وهو الذي ينحو إليه كثير من الصوفية وغيرهم وهذا لا بأس به بأربعة شرائط أن لا يناقض معنى الآية وأن يكون معنى صحيحا في نفسه وأن يكون في اللفظ إشعار به وأن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان استنباطا حسنا وأضعف من ذلك كله قول ابن جريج قدحا يعني فالمنجحات أمرا يريد البالغين بنجحهم فيما طلبوه وعطف قوله فأثرن فوسطن وهما فعلان على العاديات والموريات لما فيه من معنى الفعل وكان ذكر الفعل في أثرن ووسطن أحسن من ذكر الاسم لأنه سبحانه قسم أفعالنا إلى قسمين وسيلة وغاية فالوسيلة هي العدو وما يتبعه من الايراء والإغارة والغاية هي توسط الجمع وما يتبعه من إثارة النقع فهن عاديات موريات مغيرات حتى يتوسطن الجمع ويثرن النقع فالأول شأنهن الذي أعددن له والثاني فعلهن الذي انتهين إليه والله أعلم.(1\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "79",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2469",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل فهذا شأن القسم وأما شأن المقسم عليه فهو حال الإنسان وهو كون الإنسان كنودا بشهادته على نفسه أو شهادة ربه عليه وكونه بخيلا لحبه المال والكنود للنعمة وفعله كند يكند كنودا مثل كفر يكفر كفورا والأرض الكنود التي لا تنبت شيئا وامرأة كندى أي كفور للمعاشرة وأصل اللفظ منع الحق والخير ورجل كنود إذا كان مانعا لما عليه من الحق وعبارات المفسرين تدور على هذا المعنى قال ابن عباس رضي الله عنهما وأصحابه رحمهم الله تعالى هو الكفور وقيل هو البخيل الذي يمنع رفده وبجيع عبده ولا يعطى في النائبة وقال الحسن هو اللوام لربه يعد المصائب وينسى النعم وأما قوله وإنه على ذلك لشهيد فقال ابن عباس يريد أن ربه على ذلك لشهيد وقيل إن الإنسان لشهيد على ذلك إن أنكر بلسانه أشهد ربه عليه حاله ويؤيد هذا القول سياق الضمائر فإن قوله وإنه لحب الخير لشديد للإنسان فافتتح الخبر عن الإنسان بكونه كنودا ثم ثناه بكونه شهيدا على ذلك ثم ختمه بكونه بخيلا بماله لحبه إياه ويؤيد قول ابن عباس رضي الله عنهما أنه أتى بعلي فقال(1\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "80",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2470",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإنه على ذلك لشهيد أي مطلع عالم به كقوله ثم الله شهيد على ما يفعلون ولو أريد شهادة الإنسان لأتى بالباء فقيل وإنه بذلك لشهيد كما قال تعالى ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر فلو أراد شهادة الإنسان لقال وإنه على نفسه لشهيد فإن كنوده المشهود به ونفسه هي المشهود عليها ثم قال تعالى وإنه لحب الخير لشديد والخير هنا المال باتفاق المفسرين والشديد البخيل من أجل حب المال فحب المال هو الذي حمله على البخل هذا قول الأكثرين وقال ابن قتيبة بل المعنى إنه لشديد الحب للخير فتكون اللام في قوله لحب الخير متعلقة بقوله لشديد على حد تعلق قولك إنه لزيد لضارب ومنعت طائفة من النحاة أن يعمل ما بعد اللام فيما قبلها وهذه الآيات حجة على الجواز فإن قوله لربه معمول لكنود وقوله على ذلك معمول لشهيد ولا وجه للتكلف البارد في تقدير عامل مقدم محذوف يفسره هذا المذكور فالحق جواز إن لزيد لضارب فوصف سبحانه الإنسان بكفران نعم ربه وبخله بما آتاه من الخير فلا هو شكور للنعم ولا محسن إلى خلقه بل بخيل بشكره بخيل بماله وهذا ضد المؤمن الكريم فإنه مخلص لربه محسن إلى(1\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "81",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2471",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خلقه فالمؤمن له الإخلاص والإحسان والفاجر له الكفر والبخل وقد ذم الله سبحانه هذين الخلقين المهلكين في غير موضع من كتابه كقوله فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون فالرياء ضد الإخلاص ومنع الماعون ضد الإحسان وكذلك قوله تعالى إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله فاختياله وفخره من كفره وكنوده وهذا ضد قوله الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون وقوله واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا الآية وكذلك ذكر الخلقين الذميمين في قوله والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ونظيره وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله ونظيره ما تقدم في سورة الليل من ذم المستغني البخيل ومدح المعطى المصدق بالحسنى ونظيره قوله ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالا وعدده فإن الهمزة واللمزة من الفخر والكبر وجمع المال وتعديده من البخل وذلك مناف لسر الصلاة والزكاة ومقصودهما(1\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "82",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2472",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "ثم خوف سبحانه الإنسان الذي هذا وصفه حين يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور أي ميز وجمع وبين وأظهر ونحو ذلك وجمع سبحانه بين القبور والصدور كما جمع بينهما النبي في قوله ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا فإن الإنسان يواري صدره ما فيه من الخير والشر ويواري قبره جسمه فيخرج الرب جسمه من قبره وسره من صدره فيصير جسمه بارزا على الأرض وسره باديا على وجهه كما قال تعالى يعرف المجرمون بسيماهم وقال سنسمه على الخرطوم . فصل ومفعول العلم إن علمت فيه وكسرت لمكان اللام وقيد سبحانه كونه خبيرا بهم ذلك اليوم وهو خبير بهم في كل وقت إيذانا بالجزاء وأنه يجازيهم في ذلك اليوم بما يعلمه منهم فذكر العلم والمراد لازمه والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل ومن ذلك اقسامه بالعصر على حال الإنسان في الآخرة هذه السورة(1\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "83",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2473",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على غاية اختصارها لها شأن عظيم حتى قال الشافعي رحمه الله لو فكر الناس كلهم فيها لكفتهم والعصر المقسم به قيل هو أول الوقت الذي يلي المغرب من النهار وقيل هو آخر ساعة من ساعاته وقيل المراد صلاة العصر وأكثر المفسرين على أنه الدهر وهذا هو الراجح وتسمية الدهر عصرا أمر معروف في لغتهم قال: ولن يلبث العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما ويوم وليلة بدل من العصران فأقسم سبحانه بالعصر لمكان العبرة والآية فيه فإن مرور الليل والنهار على تقدير قدرة العزيز العليم منتظم لمصالح العالم على اكمل ترتيب ونظام وتعاقبهما واعتدالهما تارة وأخذ أحدهما من صاحبه تارة واختلافهما في الضوء والظلام والحر والبرد وانتشار الحيوان وسكونه وانقسام العصر إلى القرون والسنين والأشهر والأيام والساعات وما دونها آية من آيات الرب تعالى وبرهان من براهين قدرته وحكمته فأقسم بالعصر الذي هو زمان أفعال الانسان ومحلها على عاقبة تلك الأفعال وجزائها ونبه بالمبدأ وهو خلق الزمان والفاعلين وأفعالهم على المعاد وأن قدرته كما لم تقصر عن المبدأ لم تقصر عن المعاد وأن حكمته التي اقتضت خلق الزمان وخلق الفاعلين وأفعالهم وجعلها قسمين خيرا وشرا تأبى أن يسوى بينهم وأن لا يجازي المحسن(1\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "84",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2474",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بإحسانه والمسيء بإساءته وأن يجعل النوعين رابحين أو خاسرين بل الانسان من حيث هو إنسان خاسر إلا من رحمه الله فهداه ووفقه للإيمان والعمل الصالح في نفسه وأمر غيره به وهذا نظير رده الانسان إلى أسفل سافلين واستثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هؤلاء المردودين وتأمل حكمة القرآن لما قال إن الإنسان لفي خسر فإنه ضيق الاستثناء وخصصه فقال إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ولما قال ثم رددناه أسفل سافلين وسع الاستثناء وعممه فقال إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولم يقل وتواصوا فإن التواصي هو امر الغير بالإيمان والعمل الصالح وهو قدر زائد على مجرد فعله فمن لم يكن كذلك فقد خسر هذا الربح فصار في خسر ولا يلزم أن يكون في أسفل سافلين فإن الإنسان قد يقوم بما يجب عليه ولا يأمر غيره فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبة زائدة وقد تكون فرضا على الأعيان وقد تكون فرضا على الكفاية وقد تكون مستحبة والتواصي بالحق يدخل فيه الحق الذي يجب والحق الذي يستحب والصبر يدخل فيه الصبر الذي يجب والصبر الذي يستحب فهؤلاء إذا تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر حصل لهم من الربح ما خسره(1\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "85",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2475",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أولئك الذين قاموا بما يجب عليهم في أنفسهم ولم يأمروا غيرهم به وإن كان أولئك لم يكونوا من الذين خسروا أنفسهم وأهليهم فمطلق الخسار شيء والخسار المطلق شيء وهو سبحانه إنما قال إن الإنسان لفي خسر ومن ربح في سلعة وخسر في غيرها قد يطلق عليه أنه في خسر وأنه ذو خسر كما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لقد فرطنا في قراريط كثيرة فهذا نوع تفريط وهو نوع خسر بالنسبة إلى من حصل ربح ذلك ولما قال في سورة والتين ثم رددناه أسفل سافلين قال إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فقسم الناس إلى هذين القسمين فقط ولما كان الإنسان له قوتان قوة العلم وقوة العمل وله حالتان حالة يأتمر فيها بأمر غيره وحالة يأمر فيها غيره استثنى سبحانه من كمل قوته العلمية بالإيمان وقوته العملية بالعمل الصالح وإنقاد لأمر غيره له بذلك وأمر غيره به من الانسان الذي هو في خسر فإن العبد له حالتان حالة كمال في نفسه وحالة تكميل لغيره وكماله وتكميله موقوف على أمرين علم بالحق وصبر عليه فتضمنت الآية جميع مراتب الكمال الانساني من العلم النافع والعمل الصالح والاحسان إلى نفسه بذلك وإلى أخيه به وانقياده وقبوله لمن يأمره بذلك(1\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "86",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2476",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله تعالى وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر إرشاد إلى منصب الإمامة في قوة الدين كقوله تعالى وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين والصبر نوعان نوع على المقدور كالمصائب ونوع على المشروع وهذا النوع أيضا نوعان صبر على الأوامر وصبر عن النواهي فذاك صبر على الإرادة والفعل وهذا صبر عن الإرادة والفعل فأما النوع الأول من الصبر فمشترك بين المؤمن والكافر والبر والفاجر لا يثاب عليه لمجرده إن لم يقترن به إيمان واختيار قال النبي صلى الله عليه وسلم في حق ابنته quot;مرها فلتصبر ولتحتسبquot; وقال تعالى إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير وقال تعالى بلى إن تصبروا وتتقوا وقال وإن تصبروا وتتقوا فالصبر بدون الإيمان والتقوى بمنزلة قوة البدن الخالي عن الإيمان والتقوى وعلى حسب اليقين بالمشروع يكون الصبر على المقدور وقال تعالى فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون فأمره أن يصبر(1\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "87",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2477",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "ولا يتشبه بالذين لا يقين عندهم في عدم الصبر فإنهم لعدم يقينهم عدم صبرهم وخفوا واستخفوا قومهم ولو حصل لهم اليقين والحق لصبروا وما خفوا ولا استخفوا فمن قل يقينه قل صبره ومن قل صبره خف واستخف فالموقن الصابر رزين لأنه ذو لب وعقل ومن لا يقين له ولا صبر عنده خفيف طائش تلعب به الأهواء والشهوات كما تلعب الرياح بالشيء الخفيف والله المستعان فصل ومن ذلك أقسامه سبحانه والسماء ذات البروج التي تنزلها الشمس والقمر وفسرت بالنجوم أو نوع منها وفسرت بالقصور العظام وكل ذلك من آيات قدرته وشواهد وحدانيته فإن السماء كرة متشابهة الأجزاء والشكل الكرى لا يتميز منه جانب عن جانب بطول ولا قصر ولا وضع بل هو متساوي الجوانب فجعل هذه البروج في هذه الكرى على اختلاف صورها وأشكالها ومقاديرها يستحيل أن توجد بغير فاعل ويستحيل أن يكون فاعلها غير قادر ولا عالم ولا مريد ولا حي ولا حكيم ولا مباين للمفعول وهذا ونحوه مما هدم قواعد الطبائعية والملاحدة والفلاسفة الذين لا يثبتون للعالم ربا بائنا قادرا فاعلا بالاختيار عالما بتفاصيله حكيما مدبرا له فبروج السماء هي منازلها أو منازل السيارة التي فيها من أعظم(1\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "88",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2478",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "آياته سبحانه فلهذا أقسم بها مع السماء ثم أقسم باليوم الموعود وهو يوم القيامة وهو المقسم به وعليه كما أن القرآن يقسم به وعليه ودال على وقوع اليوم الموعود باتفاق جميع الرسل عليه وبما عرفه عباده من حكمته وعزته التي تأبى أن يتركهم سدى ويخلقهم عبثا وبغير ذلك من الآيات والبراهين التي يستدل بها سبحانه على إمكانة تارة وعلى وقوعه تارة وعلى تنزيهه عما يقول أعداؤه من أنه لا يأتي به تارة فالأقسام به عند من آمن بالله كالأقسام بالسماء وغيرها من الموجودات المشاهدة بالعيان ثم أقسم سبحانه بالشاهد والمشهود مطلقين غير معينين وأعم المعاني فيه أنه المدرك والمدرك والعالم والمعلوم والرائي والمرئي وهذا أليق المعاني به وما عداه من الأقوال ذكرت على وجه التمثيل لا على وجه التخصيص فإن قيل فما واجه الارتباط بين هذه الأمور الثلاثة المقسم بها قيل هي بحمد الله في غاية الارتباط والأقسام بها متناول لكل موجود في الدنيا والآخرة وكل منها آية مستقلة دالة على ربوبيته وإلهيته فأقسم بالعالم العلوي وهي السماء وما فيها من البروج التي هي أعظم الأمكنة وأوسعها ثم أقسم بأعظم الأيام وأجلها قدرا الذي هو مظهر ملكه وأمره ونهيه وثوابه وعقابه ومجمع أوليائه وأعدائه والحكم بينهم بعلمه وعدله ثم أقسم بما هو أعم(1\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "89",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2479",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من ذلك كله وهو الشاهد والمشهود وناسب هذا القسم ذكر أصحاب الأخدود الذين عذبوا أولياءه وهم شهود على ما يفعلون بهم والملائكة شهود عليهم بذلك والأنبياء وجوارحهم تشهد به عليهم وأيضا فالشاهد هو المطلع والرقيب والمخبر والمشهود وهو المطلع عليه المخبر به المشاهد فمن نوع الخليقة إلى شاهد ومشهود وهو أقدر القادرين كما نوعها إلى مرئي لنا وغير مرئي كما قال فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون كما نوعها إلى أرض وسماء وليل ونهار وذكر وأنثى وهذا التنويع والاختلاف من آياته سبحانه كذلك نوعها إلى شاهد ومشهود وفيه سر آخر وهو أن من المخلوقات ما هو مشهود عليه ولا يتم نظام العالم إلا بذلك فكيف يكون المخلوق شاهدا رقيبا حفيظا على غيره ولا يكون الخالق تبارك وتعالى شاهدا على عباده مطلعا عليهم رقيبا وأيضا فإن ذلك يتضمن القسم بملائكته وأنبيائه ورسله فإنهم شاهدون على العباد فيكون من باب اتحاد المقسم به والمقسم عليه كما أقسم باليوم الموعود وهو المقسم به وعليه وأيضا فيوم القيامة مشهود كما قال تعالى ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود يشهده الله وملائكته والانس والجن(1\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "90",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2480",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والوحش من آياته والمشهود من آياته وأيضا فكلامه مشهود كما قال تعالى وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار فالمشهود من أعظم آياته وكذلك الشاهد فكل ما وقع عليه اسم شاهد ومشهود فهو داخل في هذا القسم فلا وجه لتخصيصه ببعض الأنواع أو الأعيان إلا على سبيل التمثيل وأيضا فكتاب الأبرار في عليين يشهده المقربون فالكتاب مشهود والمقربون شاهدون والأحسن أن يكون هذا القسم مستغنيا عن الجواب لأن القصة التنبيه على المقسم به وأنه من آيات الرب العظيمة ويبعد أن يكون الجواب قتل أصحاب الأخدود الذين فتنوا أولياءه وعذبوهم بالنار ذات الوقود ثم وصف حالهم القبيحة بأنهم قعود على جانب الأخدود شاهدين ما يجري على عباد الله تعالى وأوليائه عيانا ولا تأخذهم بهم رأفة ولا رحمة ولا يعيبون عليهم دينا سوى إيمانهم بالله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والأرض وهذا الوصف يقتضي إكرامهم وتعظيمهم ومحبتهم فعاملوهم بضد ما يقتضي أن يعاملوا به وهذا شأن أعداء الله دائما ينقمون على أوليائه ما ينبغي أن يحبوا ويكرموا لأجله كما قال تعالى قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله(1\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "91",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2481",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون وكذلك اللوطية نقموا من عباد الله تنزيههم عن مثل فعلهم فقالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون وكذلك أهل الأشراك ينقمون من الموحدين تجريدهم التوحيد وإخلاص الدعوة والعبودية لله وحده وكذلك أهل البدع ينقمون من أهل السنة تجريد متابعتها وترك ما خالفها وكذلك المعطلة ينقمون من أهل الإثبات إثباتهم لله صفات كماله ونعوت جلاله وكذلك الرافضة ينقمون على أهل السنة محبتهم للصحابة جميعهم وترضيهم عنهم وولايتهم إياهم وتقديم من قدمه رسول الله منهم وتنزيلهم منازلهم التي أنزلهم الله ورسوله بها وكذلك أهل الرأي المحدث ينقمون على أهل الحديث وحزب الرسول أخذهم بحديثه وتركهم ما خالفه وكل هؤلاء لهم نصيب وفيهم شبه من أصحاب الأخدود وبينهم وبينهم نسب قريب أو بعيد ثم أخبر سبحانه أنه أعد لهم عذاب جهنم وعذاب الحريق حيث لم يتوبوا وأنهم لو تابوا بعد أن فتنوا أولياءه وعذبوهم بالنار لغفر لهم ولم يعذبهم وهذا غاية الكرم والجود قال الحسن أنظروا إلى هذا الكرم والجود يقتلون أولياءه ويفتنونهم وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة أنظروا إلى كرم الرب تعالى يدعوهم إلى التوبة وقد فتنوا أولياءه فحرقوهم بالنار فلا ييأس العبد من(1\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "92",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2482",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مغفرته وعفوه ولو كان منه ما كان فلا عداوة أعظم من هذه العداوة ولا اكفر ممن حرق بالنار من آمن بالله وحده وعبده وحده ومع هذا فلو تابوا لم يعذبهم وألحقهم بأوليائه ثم ذكر سبحانه جزاء أوليائه المؤمنين ثم ذكر شدة بطشه وأنه لا يعجزه شيء فإنه هو المبدىء المعيد ومن كان كذلك فلا أشد من بطشه وهو مع ذلك الغفور الودود يغفر لمن تاب إليه ويوده ويحبه فهو سبحانه الموصوف بشدة البطش ومع ذلك هو الغفور الودود المتودد إلى عباده بنعمه الذي يود من تاب إليه وأقبل عليه وهو الودود أيضا أي المحبوب قال البخاري في صحيحه الودود الحبيب والتحقيق أن اللفظ يدل على الأمرين على كونه وادا لأوليائه ومودودا لهم فأحدهما بالوضع والآخر باللزوم فهو الحبيب المحب لأوليائه يحبهم ويحبونه وقال شعيب عليه السلام إن ربي رحيم ودود وما ألطف اقتران اسم الودود بالرحيم وبالغفور فإن الرجل قد يغفر لمن أساء إليه ولا يحبه وكذلك قد يرحم من لا يحب والرب تعالى يغفر لعبده إذا تاب إليه ويرحمه ويحبه مع ذلك فإنه يحب التوابين وإذا تاب إليه عبده أحبه ولو كان منه ما كان ثم قال ذو العرش فأضاف العرش إلى نفسه كما تضاف إليه الأشياء العظيمة الشريفة وهذا يدل على عظمة العرش وقربه منه(1\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "93",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2483",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبحانه واختصاصه به بل يدل على غاية القرب والاختصاص كما يضيف إلى نفسه بذو صفاته القائمة به كقوله ذو القوة ذو الجلال والإكرام ويقال ذو العزة وذو الملك وذو الرحمة ونظائر ذلك فلو كان حظ العرش منه حظ الأرض السابعة لكان لا فرق أن يقال ذو العرش وذو الأرض ثم وصف نفسه بالمجيد وهو المتضمن لكثرة صفات كماله وسعتها وعدم إحصاء الخلق لها وسعة أفعاله وكثرة خيره ودوامه وأما من ليس له صفات كمال ولا أفعال حميدة فليس له من المجد شيء والمخلوق إنما يصير مجيدا بأوصافه وأفعاله فكيف يكون الرب تبارك وتعالى مجيدا وهو معطل عن الأوصاف والأفعال تعالى الله عما يقول المعطلون علوا كبيرا بل هو المجيد الفعال لما يريد والمجد في لغة العرب كثرة أوصاف الكمال وكثرة أفعال الخير وأحسن ما قرن اسم المجيد إلى الحميد كما قالت الملائكة لبيت الخليل عليه السلام رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد وكما شرع لنا في آخر الصلاة أن نثني على الرب تعالى بأنه حميد مجيد وشرع في آخر الركعة عند الاعتدال أن نقول ربنا ولك الحمد أهل الثناء والمجد فالحمد والمجد على الاطلاق لله الحميد المجيد فالحميد الحبيب المستحق لجميع صفات الكمال والمجيد العظيم الواسع القادر الغني ذو الجلال والإكرام(1\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "94",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2484",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن قرأ المجيد بالكسر فهو صفة لعرشه سبحانه وإذا كان عرشه مجيدا فهو سبحانه أحق بالمجد وقد استشكل هذه القراءة بعض الناس وقال لم يسمع في صفات الخلق مجيد ثم خرجها على أحد الوجهين إما على الجوار وإما أن يكون صفة لربك وهذا من قلة بضاعة هذا القائل فإن الله سبحانه وصف عرشه بالكرم وهو نظير المجد ووصفه بالعظمة فوصفه سبحانه بالمجد مطابق لوصفه بالعظمة والكرم بل هو أحق المخلوقات أن يوصف بذلك لسعته وحسنه وبهاء منظره فإنه أوسع كل شيء في المخلوقات وأجمله وأجمعه لصفات الحسن وبهاء المنظر وعلو القدر والرتبة والذات ولا يقدر قدر عظمته وحسنه وبهاء منظره إلا الله ومجده مستفاد من مجد خالقه ومبدعه والسماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي الذي بين يديه كحلقة ملقاة في أرض فلاة والكرسي فيه كتلك الحلقة في الفلاة قال ابن عباس السماوات السبع في العرش كسبعة دراهم جعلن في ترس فكيف لا يكون مجيدا وهذا شأنه فهو عظيم كريم مجيد وأما تكلف هذا المتكلف جره إلى الجوار أو أنه صفة لربك فتكلف شديد وخروج عن المألوف في اللغة من غير حاجة إلى ذلك وقوله فعال لما يريد دليل على أمور أحدها انه سبحانه يفعل بإرادته ومشيئته الثاني انه لم يزل كذلك لأنه لم يزل(1\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "95",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2485",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كذلك لأنه ساق ذلك في معرض المدح والثناء على نفسه وأن ذلك من كماله سبحانه فلا يجوز أن يكون عادما لهذا الكمال في وقت من الأوقات وقد قال تعالى: أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون وما كان من أوصاف كماله ونعوت جلاله لم يكن حادثا قعد أن لم يكن الثالث أنه إذا أراد شيئا فعله فإن ما موصولة عامة أي يفعل كل ما يريد أن يفعله وهذا في إرادته المتعلقة بفعله وأما إرادته المتعلقة بفعل العبد فتلك لها شأن آخر فإن أراد فعل العبد ولم يرد من نفسه أن يعينه ويجعله فاعلا لم يوجد الفعل وإن أراده حتى يريده من نفسه أن يجعله فاعلا وهذه هي النكتة التي خفيت على القدرية والجبرية وخبطوا في مسألة القدر لغفلتهم عنها فإن هنا إرادتين إرادة أن يفعل العبد وإرادة أن يجعله الرب فاعلا وليستا متلازمتين وإن لزم من الثانية الأولى من غير عكس فمتى أراد من نفسه أن يعين عبده وأن يخلق له أسباب الفعل فقد أراد فعله وقد يريه فعله ولا يريد من نفسه أن يخلق له أسباب الفعل فلا يوجد الفعل فإن اعتاص عليك فهم هذا الموضع وأشكل عليك فانظر إلى قول النبي حاكيا عن ربه قوله للعبد يوم القيامة قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب أبيك أن لا تشرك بي شيئا ولم يقع هذا المراد لأنه لم يرد من نفسه إعانته عليه وتوفيقه له(1\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "96",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2486",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرابع أن فعله سبحانه وإرادته متلازمان فما أراد أن يفعله فعله وما فعله فقد أراده بخلاف المخلوق فإنه يريد مالا يفعل وقد يفعل مالا يريد فما ثم فعال لما يريد إلا الله وحده الخامس إثبات إرادة متعددة بحسب الأفعال وأن كل فعل له إرادة تخصه وهذا هو المعقول في الفطر وهو الذي يعقله الناس من الإرادة فشأنه تعالى أنه يريد على الدوام ويفعل ما يريد السادس أن كل ما صلح أن تتعلق به إرادته جاز فعله فإذا أراد أن ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا وأن يجيء يوم القيامة لفصل القضاء وأن يرى نفسه لعباده وأن يتجلى لهم كيف شاء وأن يخاطبهم ويضحك إليهم وغير ذلك مما يريد سبحانه لم يمتنع عليه فعله فإنه فعال لما يريد وإنما تتوقف صحة ذلك على إخبار الصادق به فإذا أخبر به وجب التصديق به وكان رده ردا لكماله الذي اخبر به عن نفسه وهذا عين الباطل وكذلك إذا أمكن إرادته سبحانه محو ما شاء وإثبات ما شاء أمكن فعله وكانت الإرادة والفعل من مقتضيات كماله المقدس وقد اشتملت هذه السورة على اختصارها من التوحيد على وصفه سبحانه بالعزة المتضمنة للقدرة والقوة وعدم النظير والحمد المتضمن لصفات الكمال والتنزيه عن أضدادها مع محبته وإلهيته وملكه السماوات والأرض المتضمن لكمال غناه وسعة ملكه وشهادته على كل شيء المتضمن لعموم اطلاعه على ظواهر(1\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "97",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2487",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأمور وبواطنها وإحاطة بصره بمرئياتها وسمعه بمسموعاتها وعلمه بمعلوماتها ووصفه بشدة البطش المتضمن لكمال القوة والعزة والقدرة وتفرده بالإبداء والإعادة المتضمن لتوحيد ربوبيته وتصرفه في المخلوقات بالإبداء والإعادة وانقيادها لقدرته فلا يستعصى عليه منها شيء ووصفه بالمغفرة المتضمن لكمال جوده وإحسانه وغناه ورحمته ووصفه بالودود المتضمن لكونه حبيبا إلى عباده محبا لهم ووصفه بأنه ذو العرش الذي لا يقدر قدره سواه وأن عرشه المختص به لا يليق بغيره أن يستوى عليه ووصفه بالمجد المتضمن لسعة العلم والقدرة والملك والغنى والجود والإحسان والكرم وكونه فعالا لما يريد المتضمن لحياته وعلمه وقدرته ومشيئته وحكمته وغير ذلك من أوصاف كماله فهذه السورة كتاب مستقل في أصول الدين تكفي من فهمها فالحمد لله الذي انزل على عبده الكتاب وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ثم ختمها بذكر فعله وعقوبته بمن أشرك به وكذب رسله تحذيرا لعباده من سلوك سبيلهم وأن من فعل فعلهم فعل به كما فعل بهم ثم اخبر عن أعدائه بأنهم مكذبون بتوحيده ورسالاته مع كونهم في قبضته وهو محيط بهم ولا أسوأ حالا ممن عادى من هو في قبضته ومن هو قادر عليه من كل وجه وبكل اعتبار(1\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "98",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2488",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال بل الذين كفروا في تكذيب والله من ورائهم محيط فهذا أعجب عجب ممن كفر بمن هو محيط به وآخذ بناصيته قادر عليه ثم وصف كلامه بأنه مجيد وهو أحق بالمجد من كل كلام كما ان المتكلم به له المجد كله فهو المجيد وكلامه مجيد وعرشه مجيد قال ابن عباس رضي الله عنهما قرآن مجيد كريم لأن كلام الرب ليس كما يقول الكافرون شعر وكهانة وسحر وقد تقدم أن المجد السعة وكثرة الخير وكثرة خير القرآن لا يعلمها إلا من تكلم به وقوله في لوح محفوظ اكثر القراء على الجر صفة للوح وفيه إشارة إلى أن الشياطين لا يمكنهم التنزل به لأن محله محفوظ أن يصلوا إليه وهو في نفسه محفوظ أن يقدر الشيطان على الزيادة فيه والنقصان فوصفه سبحانه بأنه محفوظ في قوله إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ووصف محله بالحفظ في هذه السورة فالله سبحانه حفظ محله وحفظه من الزيادة والنقصان والتبديل وحفظ معانيه من التحريف كما حفظ ألفاظه من التبديل وأقام له من يحفظ حروفه من الزيادة والنقصان ومعانيه من التحريف والتغيير(1\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "99",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2489",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل ومن ذلك أقسامه سبحانه ب والسماء والطارق وقد فسره بأنه النجم الثاقب الذي يثقب ضوؤه والمراد به الجنس لا نجم معين ومن عينه بأنه الثريا أو زحل فإن أراد التمثيل فصحيح وإن أراد التخصيص فلا دليل عليه والمقصود أنه سبحانه أقسم بالسماء ونجومها المضيئة وكل منها آية من آياته الدالة على وحدانيته وسمى النجم طارقا لأنه يظهر بالليل بعد اختفائه بضوء الشمس فشبه بالطارق الذي يطرق الناس أو أهله ليلا قال الفراء ما أتاك ليلا فهو طارق وقال الزجاج والمبرد لا يكون الطارق نهارا ولهذا تستعمل العرب الطروق في صفة الخيال كثيرا كما قال ذو الرمة: ألا طرقت مي هيوما بذكرها ... وأيدي الثريا جنح بالمغارب وقال جرير: طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام ولهذا قيل أول من رد الطيف جرير فلم يزل الناس على قبوله وإكرامه كالضيف فالطيف والضيف كلاهما لا يرد وقال الآخر: ألا طرقت من آخر الليل زينب ... عليك سلام هل لما فات مطلب ...(1\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "100",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2490",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل والمقسم عليه ههنا حال النفس الإنسانية والاعتناء بها وإقامة الحفظة عليها وأنها لم تترك سدى بل قد أرصد عليها من يحفظ عليها أعمالها ويحصيها فأقسم سبحانه أنه ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة يحفظ عملها وقولها ويحصي ما تكتسب من خير أو شر واختلف القراء في لما فشددها بعضهم وخففها بعضهم فمن قرأها بالتشديد جعلها بمعنى إلا وهي تكون بمعنى إلا في موضعين أحدهما بعد إن المخففة مثل هذا الموضع أو المثقلة مثل قوله وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم والثاني في باب القسم نحو سألتك بالله لما فعلت قال أبو علي الفارسي من خفف كانت عنده هي المخففة من الثقيلة واللام في خبرها هي الفارقة بين إن النافية والخفيفة وما زائدة وإن هي التي يتلقى بها القسم كما يتلقى بالمثقلة ومن قرأها مشددة كانت إن عنده نافية بمعنى ما ولما في معنى إلا قال سيبويه عن الخليل في قولهم نشدتك بالله لما فعلت قال المعنى إلا فعلت ثم نبه سبحانه الانسان على دليل المعاد بما يشاهده من حال مبدئه على طريقة القرآن في الاستدلال على المعاد بالمبدأ فقال فلينظر الإنسان مم خلق أي فلينظر نظر الفكر والاستدلال ليعلم أن الذي ابتدأ أول خلقه من نطفة قادر على إعادته(1\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "101",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2491",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم أخبر سبحانه أنه خلقه من ماء دافق والدفق صب الماء يقال دفقت الماء فهو مدفوق ودافق ومندفق فالمدفوق الذي وقع عليه فعلك كالمكسور والمضروب والمتدفق المطلوع لفعل الفاعل تقول دفقته فاندفق كما تقول كسرته فانكسر والدافق قيل إنه فاعل بمعنى مفعول كقولهم سر كاتم وعيشة راضية وقيل هو على النسب لا على الفعل أي ذي دفق أو ذات ولم يرد الجريان على الفعل وقيل وهو الصواب إنه اسم فاعل على بابه ولا يلزم من ذلك أن يكون هو فاعل الدفق فإن اسم الفاعل هو من قام به الفعل سواء فعله هو أو غيره كما يقال ماء جار ورجل ميت وإن لم يفعل الموت بل لما قام به من الموت نسب إليه على جهة الفعل وهذا غير منكر في لغة أمة من الأمم فضلا عن أوسع اللغات وأفصحها وأما العيشة الراضية فالوصف بها أحسن من الوصف بالمرضية فإنها اللائقة بهم فشبه ذلك برضاها بهم كما رضوا بها كأنها رضيت بهم ورضوا بها وهذا أبلغ من مجرد كونها مرضية فقط فتأمله وإذا كانوا يقولون الوقت الحاضر والساعة الراهنة وإن لم يفعلا ذلك فكيف يمتنع أن يقولوا ماء دافق وعيشة راضية ونبه سبحانه بكونه دافقا على أنه ضعيف غير متماسك ثم ذكر محله الذي يخرج منه وهو بين الصلب والترائب قال ابن عباس(1\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "102",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2492",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلب الرجل وترائب المرأة وهو موضع القلادة من صدرها والولد يخلق من المائين جميعا وقيل صلب الرجل وترائبه وهي صدره فيخرج من صلبه وصدره وهذه الآية الدالة على قدرة الخالق سبحانه نظير إخراجه اللبن الخالص من بين الفرث والدم ثم ذكر الأمر المستدل عليه والمعاد بقوله إنه على رجعه لقادر أي على رجعه إليه يوم القيامة كما هو قادر على خلقه من ماء هذا شأنه هذا هو الصحيح في معنى الآية وفيها قولان ضعيفان أحدهما قول مجاهد على رد الماء في الاحليل لقادر والثاني قول عكرمة والضحاك على رد الماء في الصلب وفيه قول ثالث قال مقاتل إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب ومن الشباب إلى الصبا إلى النطفة والقول الصواب هو الأول لوجوه أحدهما أنه هو المعهود من طريقة القرآن من الاستدلال بالمبدأ على المعاد الثاني أن ذلك أدل على المطلوب من القدرة على رد الماء في الاحليل الثالث أنه لم يأت لهذا المعنى في القرآن نظير في موضع واحد ولا أنكره أحد حتى يقيم سبحانه الدليل عليه الرابع أنه قيد الفعل بالظرف وهو قوله يوم تبلى السرائر وهو يوم القيامة أي ان الله قادر على رجعه إليه حيا في ذلك اليوم الخامس أن الضمير في رجعه هو الضمير في قوله فما له من قوة ولا ناصر وهذا للانسان(1\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "103",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2493",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قطعا لا للماء السادس أنه لا ذكر للاحليل حتى يتعين كون المرجع إليه فلو قال قائل على رجعه إلى الفرج الذي صب فيه لم يكن فرق بينه وبين هذا القول ولم يكن أولى منه السابع أن رد الماء إلى الاحليل أو الصلب بعد خروجه منه غير معروف ولا هو أمر معتاد جرت به القدرة وإن كان مقدورا للرب تعالى ولكن هو لم يجره ولم تجر به العادة ولا هو مما تكلم الناس فيه نفيا أو إثباتا ومثل هذا لا يقرره الرب ولا يستدل عليه وينبه على منكريه وهو سبحانه إنما يستدل على أمر واقع ولا بد إما قد وقع ووجد أو سيقع فإن قيل فقد قال تعالى أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه أي نجعله كخف البعير قيل هذه أيضا فيها قولان أحدهما هذا والثاني وهو الأرجح أن تسوية بنانه إعادتها كما كانت بعد ما فرقها البلى في التراب الثامن أنه سبحانه دعا الانسان إلى النظر فيما خلق منه ليرده? عن تكذيبه بما أخبر به وهو لم يخبره بقدرة خالقه على رد الماء في إحليله? بعد مفارقته له حتى يدعوه إلى النظر فيما خلق منه ليستقبح منه صحة إمكان رد الماء التاسع أنه لا ارتباط بين النظر في مبدأ خلقه ورد الماء في الاحليل بعد خروجه ولا تلازم بينهما حتى يجعل أحدهما دليلا على إمكان الآخر بخلاف الارتباط الذي بين المبدأ والمعاد والخلق الأول والخلق الثاني والنشأة الأولى والنشأة(1\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "104",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2494",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثانية فإنه ارتباط من وجوه عديدة ويلزم من إمكان أحدهما إمكان الآخر ومن وقوعه صحة وقوع الآخر فحسن الاستدلال بأحدهما على الآخر العاشر أنه سبحانه نبه بقوله إن كل نفس لما عليها حافظ على أنه قد وكل عليه من يحفظ عليه عمله ويحصيه فلا يضيع منه شيء ثم نبه بقوله إنه على رجعه لقادر على بعثه لجزائه على العمل الذي حفظ وأحصى عليه فذكر شأن مبدأ عمله ونهايته فمبدؤه محفوظ عليه ونهايته الجزاء عليه ونبه على هذا بقوله يوم تبلى السرائر أي تختبر وقال مقاتل تظهر وتبدو وبلوت الشيء إذا اختبرته ليظهر لك باطنه وما خفى منه والسرائر جمع سريرة وهي سرائر الله التي بينه وبين عبده في ظاهره وباطنه لله فالايمان من السرائر وشرائعه من السرائر فتختبر ذلك اليوم حتى يظهر خيرها من شرها ومؤديها من مضيعها وما كان لله مما لم يكن له قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يبدي الله يوم القيامة كل سر فيكون زينا في الوجوه وشينا فيها والمعنى تختبر السرائر بإظهارها وإظهار مقتضياتها من الثواب والعقاب والحمد والذم وفي التعبير عن الأعمال بالسر لطيفة وهو أن الأعمال نتائج السرائر الباطنة فمن كانت سريرته صالحة كان عمله صالحا فتبدو سريرته على وجهه نورا وإشراقا وحياء ومن كانت سريرته فاسدة كان عمله تابعا لسريرته لا اعتبار بصورته فتبدو سريرته على وجهه(1\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "105",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2495",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سوادا وظلمة وشينا وإن كان الذي يبدو عليه في الدنيا إنما هو عمله لا سريرته فيوم القيامة تبدو عليه سريرته ويكون الحكم والظهور لها قال الشاعر: فان لها في مضمر القلب والحشا ... سريرة حب يوم تبلى السرائر ثم أخبر سبحانه عن حال الانسان في يوم القيامة أنه غير ممتنع من عذاب الله لا بقوة منه ولا بقوة من خارج وهو الناصر فإن العبد إذا وقع في شدة فإما أن يدفعها بقوته أو قوة من ينصره وكلاهما معدوم في حقه ونظيره قوله سبحان لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون ثم أقسم سبحانه ب والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع فأقسم بالسماء ورجعها بالمطر والأرض وصدعها بالنبات قال الفراء تبدى بالمطر ثم ترجع به في كل عام وقال أبو إسحاق الرجع المطر لأنه يجيء ويرجع ويتكرر وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما تبدى بالمطر ثم ترجع به في كل عام والتحقيق أن هذا على وجه التمثيل ورجع السماء هو إعطاء الخير الذي يكون من جهتها حالا بعد حال على مرور الأزمان ترجعه رجعا أي تعطيه مرة بعد مرة والخير كله من قبل السماء يجي لما كان أظهر الخير المشهود بالعيان المطر فسر الرجع به وحسن تفسيره به ومقابلته بصدع الأرض عن النبات وفسر الصدع بالنبات لأنه(1\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "106",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2496",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يصدع الأرض أي يشقها فأقسم سبحانه بالسماء ذات المطر والأرض ذات النبات وكل من ذلك آية من آيات الله تعالى الدالة على ربوبيته وأقسم على كون القرآن حقا وصدقا فقال إنه لقول فصل وما هو بالهزل كما أقسم في أول السورة على حال الانسان في مبدئه ومعاده والقول الفصل هو الذي يفصل بين الحق والباطل فيميز هذا من هذا ويفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه ومصيب الفصل الذي ينفصل عنده المراد ويتميز من غيره كما قال أصاب الفصل وأصاب المرء إذا أصاب بكلامه نفس المعنى المراد ومنه فصل الخطاب وأيضا فالقول الفصل ببيان المعنى ضد الاجمال فكون القرآن فصلا يتضمن هذه المعاني كلها ويتضمن كونه حقا ليس بالباطل وجدا ليس بالهزل ولما كان الهزل هو الذي لا حقيقة له وهو الباطل واللعب قابل بين الفصل والهزل وإنما يكيد المكذبون ويحيلون ويخادعون لرده ولا يردونه بحجة والله يكيدهم كما يكيدون دينه ورسوله وعباده وكيده سبحانه استدراجهم من حيث لا يعلمون والاملاء لهم حتى يأخذهم على غرة كما قال تعالى وأملي لهم إن كيدي متين فالانسان إذا أراد أن يكيد غيره يظهر له إكرامه وإحسانه إليه حتى يطمئن إليه فيأخذه كما يفعل الملوك فإذا فعل ذلك أعداء الله بأوليائه ودينه كان كيد(1\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "107",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2497",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "الله لهم حسنا لا قبح فيه فيعطيهم ويعافيهم وهو يستدرجهم حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة ثم قال فمهل الكافرين أمهلهم رويدا أي أنظرهم قليلا ولا تستعجل لهم والرب تعالى هو الذي يمهلهم وإنما خرج الخطاب للرسول على جهة التهديد والوعيد لهم أو على معنى انتظر بهم قليلا ورويدا في كلامهم يكون اسم فعل فينصب بها الاسم نحو رويدا زيدا أي خله وأمهله وارفق به الثاني أن يكون مصدرا مضافا إلى المفعول نحو رويد زيد أي إمهال زيد نحو ضرب الرقاب الثالث أن يكون نعتا منصوبا نحو قولك ساروا رويدا تقول العرب ضعه رويدا أي وضعا رويدا وفي حديث عائشة في خروج النبي بالليل من عندها إلى البقيع فخرج رويدا وأجاف الباب رويدا ويجوز في هذا الوجه وجهان أحدهما أن يكون حالا والثاني أن يكون نعتا لمصدر محذوف فإن اظهرت المنعوت تعين الوجه الثاني ورويدا في هذه الآية هو من هذا النوع الثالث والله أعلم فصل ومن ذلك أقسامه بـ: الشفق والليل وما وسق(1\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "108",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2498",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والقمر إذا اتسق فأقسم بثلاثة أشياء متعلقة بالليل أحدها الشفق وهو في اللغة الحمرة بعد غروب الشمس إلى وقت صلاة العشاء الآخرة وكذلك هو في الشرع قال الفراء والليث والزجاج وغيرهم الشفق الحمرة في السماء وأصل موضوع الحرف لرقة الشيء ومنه شيء شفق لا تماسك له لرقته ومنه الشفقة وهو الرقة وأشفق عليه إذا رق له وأهل اللغة يقولون الشفق بقية ضوء الشمس وحمرتها ولهذا كان الصحيح أن الشفق الذي يدخل وقت العشاء الآخرة بغيبوبته هو الحمرة فإن الحمرة لما كانت بقية ضوء الشمس جعل بقاؤها حدا لوقت المغرب فإذا ذهبت الحمرة بعدت الشمس عن الأفق فدخل وقت العشاء وأما البياض فإنه يمتد وقته بطول لبثه ويكون حاصلا مع بعد الشمس عن الأفق ولهذا صح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال الشفق الحمرة والعرب تقول ثوب مصبوغ كأنه الشفق إذا كان أحمر حكاه الفراء وكذلك قال الكلبي الشفق الحمرة التي تكون في المغرب وكذلك قال مقاتل هو الذي يكون بعد غروب الشمس في الأفق قبل الظلمة وقال عكرمة هو بقية النهار وهذا يحتمل أن يريد به أن تلك الحمرة بقية ضوء الشمس التي هي آية النهار وقال مجاهد هو النهار كله وهذا ضعيف جدا وكأنه لما رآه قابله بالليل وما وسق ظن أنه النهار وهذا ليس بلازم الثاني قسمه بالليل وما وسق أي وما ضم وحوى وجمع والليل(1\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "109",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2499",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما ضمه وحواه آية أخرى والقمر آية واتساقه آية أخرى والشفق يتضمن إدبار النهار وهو آية وإقبال الليل وهو آية أخرى فإن هذا إذا أدبر خلفه الآخر يتعاقبان لمصالح الخلق فإدبار النهار آية وإقبال الليل آية وتعقب أحدهما الآخر آية والشفق الذي هو متضمن الأمرين آية والليل آية وما حواه آية والهلال آية وتزايده كل ليلة آية واتساقه وهو امتلاؤه نورا آية ثم أخذه في النقص آية وهذه وأمثالها آيات دالة على ربوبيته مستلزمة للعلم بصفات كماله ولهذا شرع عند إقبال الليل وإدبار النهار ذكر الرب تعالى بصلاة المغرب وفي الحديث اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعائك وحضور صلواتك اغفر لي كما شرع ذكر الله بصلاة الفجر عند إدبار الليل وإقبال النهار ولهذا يقسم سبحانه بهذين الوقتين كقوله والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر وهو يقابل إقسامه بالشفق ونظيره إقسامه ب والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس ولما كان الرب تبارك وتعالى يحدث عن كل واحد من طرفي إقبال الليل والنهار وإدبارهما ما يحدثه ويبث من خلقه ما شاء فينشر الأرواح الشيطانية عند إقبال الليل وينشر الأرواح الإنسانية عند إقبال النهار(1\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "110",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2500",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فيحدث هذا الانتشار في العالم أثره شرع سبحانه في هذين الوقتين هاتين الصلاتين العظيمتين مع ما في ذلك من ذكره عند هاتين الآيتين المتعاقبتين وعند انصرام إحداهما واتصال الأخرى بها مع ما بينهما من التضاد والاختلاف وانتقال الحيوان عند ذلك من حال إلى حال ومن حكم إلى حكم وذلك مبدأ ومعاد يومي مشهود للخليقة كل يوم وليلة فالحيوان والنبات في مبدأ ومعاد وزمان العالم في مبدأ ومعاد أو لم يروا كيف يبدأ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير . فصل وقوله لتركبن طبقا عن طبق الظاهر أنه جواب القسم ويجوز أن يكون من القسم المحذوف جوابه ولتركبن وما بعده مستأنف وقرئ ولتركبن بضم الباء للجمع وبفتحها فمن فتحها فالخطاب عنده للإنسان أي لتركبن أيها الإنسان وقيل هو النبي خاصة وقيل ليست التاء للخطاب ولكنها للغيبة أي لتركبن السماء طبقا عن طبق ومن ضمها فالخطاب للجماعة ليس إلا فمن جعل الكناية للسماء قال المعنى لتركبن السماء حالا بعد حال من حالاتها التي وصفها الله تعالى من الانشقاق والانفطار والطي وكونها كالمهل مرة وكالدهان مرة ومورانها(1\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "111",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2501",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتفتحها وغير ذلك من حالاتها وهذا قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ودل على السماء ذكر الشفق والقمر وعلى هذا فيكون قسما على المعاد وتغيير العالم ومن قال الخطاب للنبي فله ثلاث معان لتركبن سماء بعد سماء حتى تنتهي إلى حيث يصعدك الله هذا قول ابن عباس في رواية مجاهد وقول مسروق والشعبي قالوا والسماء طبق ولهذا يقال للسموات السبع الطباق والمعنى الثاني لتصعدن درجة بعد درجة ومنزلة بعد منزلة ورتبة بعد رتبة حتى تنتهي إلى محل القرب والزلفى من الله والمعنى الثالث لتركبن حالا بعد حال من الأحوال المختلفة التي نقل الله فيها رسوله من الهجرة والجهاد ونصره على عدوه وإدالة العدو عليه تارة وغناه وفقره وغير ذلك من حالاته التي تنقل فيها إلى أن بلغ ما بلغه إياه. ومن قال الخطاب للإنسان أو لجملة الناس فالمعنى واحد وهو تنقل الإنسان حالا بعد حال من حين كونه نطفة إلى مستقره من الجنة أو النار فكم بين هذين من الأطباق والأحوال للإنسان. وأقوال المفسرين كلها تدور على هذا قال ابن عباس رضي الله عنهما لتصيرن الأمور حالا بعد حال وقيل لتركبن أيها الإنسان حالا بعد حال من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى كونه(1\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "112",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2502",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حيا إلى خروجه إلى هذه الدار ثم ركوبه طبق التمييز بين ما ينفعه ويضره ثم ركوبه بعد ذلك طبقا آخر وهو طبق البلوغ ثم ركوبه طبق الأشد ثم طبق الشيخوخة ثم طبق الهرم ثم ركوبه طبق ما بعد الموت في البرزخ وركوبه في أثناء هذه الأحوال أطباقا عديدة لا يزال ينتقل فيها حالا بعد حال إلى دار القرار فذلك آخر أطباقه التي يعلمها العباد ثم يفعل الله سبحانه بعد ذلك ما يشاء واختار أبو عبيدة قراءة الضم وقال المعنى بالناس أشبه منه بالنبي فإنه ذكر قبل الآية من يؤتى كتابه بيمينه ومن يؤتى كتابه بشماله ثم ذكر بعدها قوله فما لهم لا يؤمنون فذكر كونهم طبقا بعد طبق قال الواحدي وهذا قول أكثر المفسرين قالوا لتركبن حالا بعد حال ومنزلا بعد منزل وأمرا بعد أمر قال سعيد بن جبير وابن زيد لتكونن في الآخرة بعد الأولى ولتصيرن أغنياء بعد الفقر وفقراء بعد الغنى وقال عطاء شدة بعد شدة وقال أبو عبيدة لتركبن سنة من كان قبلكم في التكذيب والاختلاف على الرسل وأنت إذا تأملت هذا المقسم به والمقسم عليه وجدته من أعظم الآيات الدالة على الربوبية وتغيير الله سبحانه للعالم وتصريفه له كيف أراد ونقله إياه من حال إلى حال وهذا محال أن يكون بنفسه من غير فاعل مدبر له ومحال أن يكون(1\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "113",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2503",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "بنفسه من غير فاعل مدبر له ومحال أن يكون فاعله غير قادر ولا حي ولا مريد ولا حكيم ولا عليم وكلاهما في الامتناع سواء فالمقسم به وعليه من أعظم الأدلة على ربوبيته وتوحيده وصفات كماله وصدقه وصدق رسله وعلى المعاد ولهذا عقب ذلك بقوله فما لهم لا يؤمنون إنكارا على من لم يؤمن بعد ظهور هذه الآيات المستلزمة لمدلولها أتم استلزام وأنكر عليهم عدم خصوعهم وسجودهم للقرآن المشتمل على ذلك بأفصح عبارة وأبينها وأجزلها وأوجزها فالمعنى أشرف معنى والعبارة أشرف عبارة غاية الحق بغاية البيان والفصاحة بل الذين كفروا يكذبون ولا يصدقون بالحق جحودا وعنادا والله أعلم بما يوعون بما يضمرون في صدورهم ويكتمونه وما يسرونه من أعمالهم وما يجمعونه فيجازيهم عليه بعلمه وعدله إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون . فصل ومن ذلك قوله سبحانه فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس أقسم(1\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "114",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2504",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبحانه بالنجوم في أحوالها الثلاثة من طلوعها وجريانها وغروبها هذا قول علي وابن عباس وعامة المفسرين وهو الصواب والخنس جمع خانس والخنس الانقباض والاختفاء ومنه سمي الشيطان خناسا لانقباضه وانكماشه حين يذكر العبد ربه ومنه قول أبي هريرة فانخنست والكنس جمع كانس وهو الداخل في كناسه أي في بيته ومنه تكنست المرأة إذا دخلت في هودجها ومنه كنست الظباء إذا أوت إلى أكناسها والجواري أي جمع جارية كغاشية وغواش قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل وهذا قول مقاتل وعطاء وقتادة وغيرهم قالوا الكواكب تخنس بالنهار فتختفي ولا ترى وتكنس في وقت غروبها ومعنى تخنس على هذا القول تتأخر عن البصر وتتوارى عنه بإخفاء النهار لها وفيه قول آخر وهو أن خنوسها رجوعها وهي حركتها الشرقية فإن لها حركتين حركة بفعلها وحركة بنفسها فخنوسها حركتها بنفسها(1\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "115",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2505",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "راجعة وعلى هذا فهو قسم بنوع من الكواكب وهي السيارة وهذا قول الفراء وفيه قول ثالث وهو أن خنوسها وكنوسها اختفاؤها وقت مغيبها فتغيب في مواضعها التي تغيب فيها وهذا قول الزجاج ولما كان للنجوم حال ظهور وحال اختفاء وحال جريان وحال غروب أقسم سبحانه بها في أحوالها كلها ونبه بخنوسها على حال ظهورها لأن الخنوس هو الاختفاء بعد الظهور ولا يقال لما لا يزال مختفيا أنه قد خنس فذكر سبحانه جريانها وغروبها صريحا وخنوسها وظهورها واكتفى من ذكر طلوعها بجريانها الذي مبدؤه الطلوع فالطلوع أول جريانها فتضمن القسم طلوعها وغروبها وجريانها واختفاءها وذلك من آياته ودلائل ربوبيته وليس قول من فسرها بالظباء وبقر الوحش بالظاهر لوجوه أحدها أن هذه الأحوال في الكواكب السيارة أعظم آية وعبرة الثاني اشتراك أهل الأرض في معرفته بالمشاهدة والعيان الثالث أن البقر والظباء ليست لها حالة تختفي فيها عن العيان مطلقا بل لا تزال ظاهرة في الفلوات الرابع إن الذين فسروا الآية بذلك قالوا ليس خنوسها من الاختفاء قال الواحدي هو من الخنس في الأنف وهو تأخر الأرنبة وقصر القصبة والبقر والظباء أنوفهن خنس والبقرة خنساء والظبي أخنس ومنه سميت(1\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "116",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2506",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخنساء لخنس أنفها ومعلوم أن هذا امر خفي يحتاج إلى تامل وأكثر الناس لا يعرفونه وآيات الرب التي يقسم بها لا تكون إلا ظاهرة جلية يشترك في معرفتها الخلائق وليس الخنس في أنف البقرة والظباء بأعظم من الاستواء والاعتدال في أنف ابن آدم فالآية فيه أظهر الخامس أن كنوسها في أكنتها ليس بأعظم من دخول الطير وسائر الحيوانات في بيته الذي يأوى فيه ولا اظهر منه حتى يتعين للقسم السادس أنه لو كان جمعا للظبي لقال الخنس بالتسكين لأنه جمع أخنس فهو كأحمر وحمر ولو أريد به جمع بقرة خنساء لكان على وزن فعلاء أيضا كحمراء وحمر فلما جاء جمعه على فعل بالتشديد استحال أن يكون جمعا لواحد من الظباء والبقر وتعين أن يكون جمعا لخانس كشاهد وشهد وصائم وصوم وقائم وقوم ونظائرها السابع أنه ليس بالبين أقسام الرب تعالى بالبقر والغزلان وليس هذا عرف القرآن ولا عادته وإنما يقسم سبحانه من كل جنس بأعلاه كما أنه لما أقسم بالنفوس أقسم بأعلاها وهي النفس الإنسانية ولما أقسم بكلامه أقسم بأشرفه وأجله وهو القرآن ولما أقسم بالعلويات أقسم بأشرفها وهي السماء وشمسها وقمرها ونجومها ولما أقسم بالزمان أقسم بأشرفه وهو الليالي العشر وإذا أراد سبحانه أن يقسم بغير(1\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "117",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2507",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "ذلك أدرجه في العموم كقوله فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون وقوله الذكر والأنثى في قراءة رسول الله ونحو ذلك الثامن أن اقتران القسم بالليل والصبح يدل على أنها النجوم وإلا فليس باللائق اقتران البقر والغزلان والليل والصبح في قسم واحد وبهذا احتج أبو إسحاق على أنها النجوم فقال هذا أليق بذكر النجوم منه بذكر الوحش التاسع أنه لو أراد ذلك سبحانه لبينه وذكر ما يدل عليه كما أنه لما أراد بالجواري السفن قال ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام وهنا ليس في اللفظ ولا في السياق ما يدل على أنها البقر والظباء وفيه ما يدل على أنها النجوم من الوجوه التي ذكرناها وغيرها العاشر أن الارتباط الذي بين النجوم التي هي هداية للسالكين ورجوم للشياطين وبين المقسم عليه وهو القرآن الذي هو هدى للعالمين وزينة للقلوب وداحض لشبهات الشيطان أعظم من الارتباط الذي بين البقر والظباء والقرآن والله أعلم. فصل واختلف في عسعسة الليل هل هي إقباله أم إدباره فالأكثرون على أن عسعس بمعنى ولى وذهب وأدبر هذا قول علي وابن عباس(1\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "118",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2508",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأصحابه قال الحسن أقبل بظلامه وهو إحدى الروايتين عن مجاهد فمن رجح الإقبال قال أقسم الله سبحانه وتعالى بإقبال الليل وإقبال النهار فقوله والصبح إذا تنفس مقابل لليل إذا عسعس قالوا ولهذا أقسم الله ب والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وبالضحى قالوا فغشيان الليل نظير عسعسته وتجلى النهار نظير تنفس الصبح إذ هو مبدؤه وأوله ومن رجح أنه إدباره احتج بقوله تعالى كلا والقمر والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر فأقسم بإدبار الليل وإسفار الصبح وذلك نظير عسعسة الليل وتنفس الصبح قالوا والأحسن أن يكون القسم بانصرام الليل وإقبال النهار فإنه عقيبه من غير فصل فهذا أعظم في الدلالة والعبرة بخلاف إقبال الليل وإقبال النهار فإنه لم يعرف القسم في القرآن بهما ولأن بينهما زمنا طويلا فالآية في انصرام هذا ومجيء الآخر عقيبه بغير فصل أبلغ فذكر سبحانه حالة ضعف هذا وإدباره وحالة قوة هذا وتنفسه وإقباله يطرد ظلمة اليل بتنفسه فكلما تنفس هرب الليل وأدبر بين يديه وهذا هو القول والله أعلم(1\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "119",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2509",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل ثم ذكر سبحانه المقسم عليه وهو القرآن وأخبر أنه قول رسول كريم وهو ههنا جبريل قطعا لأنه ذكر صفته بعد ذلك بما يعينه به وأما الرسول الكريم في الحاقة فهو محمد لأنه نفى بعده أن يكون قول من زعم من أعدائه أنه قوله فقال وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون فأضافه إلى الرسول الملكي تارة وإلى البشرى تارة وإضافته إلى كل واحد من الرسولين إضافة تبليغ لا إضافة إنشاء من عنده وإلا تناقضت النسبتان ولفظ الرسول يدل على ذلك فإن الرسول هو الذي يبلغ كلام من أرسله وهذا صريح في أنه كلام من أرسل جبريل ومحمدا وأن كلا منهما بلغه عن الله فهو قوله مبلغا وقول الله الذي تكلم به حقا فلا راحة لمن أنكر أن يكون الله متكلما بالقرآن وهو كلامه حقا في هاتين الآيتين بل هما من أظهر الأدلة على كونه كلام الرب تعالى وأنه ليس للرسولين الكريمين منه إلا التبليغ فجبريل سمعه من الله ومحمد سمعه من جبريل ووصف رسوله الملكي في هذه السورة بأنه كريم قوي مكين عند الرب تعالى مطاع في السماوات أمين فهذه خمس صفات تتضمن(1\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "120",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2510",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تذكية سنة القرآن وأنه سماع محمد من جبريل وسماع جبريل من رب العالمين فناهيك بهذا السند علوا وجلالة قول الله سبحانه بنفسه تزكيته الصفة الأولى كون الرسول الذي جاء به إلى محمد كريما ليس كما يقول أعداؤه إن الذي جاء به شيطان فإن الشيطان خبيث مخبث لئيم قبيح المنظر عديم الخير باطنه أقبح من ظاهره وظاهره أشنع من باطنه وليس فيه ولا عنده خير فهو أبعد شيء عن الكرم والرسول الذي ألقى القرآن إلى محمد كريم جميل المنظر بهي الصورة كثير الخير طيب مطيب معلم الطيبين وكل خير في الأرض من هدى وعلم ومعرفة وإيمان وبر فهو مما أجراه ربه على يده وهذا غاية الكرم الصوري والمعنوي الوصف الثاني أنه ذو قوة كما قال في موضع آخر علمه شديد القوى وفي ذلك تنبيه على أمور أحدها أنه بقوته يمنع الشياطين أن تدنو منه وأن ينالوا منه شيئا وأن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه بل إذا رآه الشيطان هرب منه ولم يقربه الثاني أنه موال لهذا الرسول الذي كذبتموه ومعاضد له ومواد له وناصر كما قال تعالى وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير(1\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "121",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2511",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن كان هذا القوي وليه ومن أنصاره وأعوانه ومعلمه فهو المهدي المنصور والله هاديه وناصره الثالث أن من عادى هذا الرسول فقد عادى صاحبه ووليه جبريل ومن عادى ذا القوة والشدة فهو عرضة للهلاك الرابع أنه قادر على تنفيذ ما أمر به لقوته فلا يعجز عن ذلك مؤد له كما أمر به لأمانته فهو القوي الأمين وأحدكم إذا انتدب غيره في أمر من الأمور لرسالة أو ولاية أو وكالة أو غيرها فإنما ينتدب لها القوي عليه الأمين على فعله وإن كان ذلك الأمر من أهم الأمور عنده انتدب له قويا أمينا معظما ذا مكانة عنده مطاعا في الناس كما وصف الله عبده جبريل بهذه الصفات وهذا يدل على عظمة شان المرسل والرسول والرسالة والمرسل إليه حيث انتدب له الكريم القوي المكين عنده المطاع في الملأ الأعلى الأمين حق الأمين فإن الملوك لا ترسل في مهماتها إلا الأشراف ذوي الأقدار والرتب العالية وقوله ذي قوة عند ذي العرش مكين أي له مكانة ووجاهة عنده وهو أقرب الملائكة إليه وفي قوله عند ذي العرش إشارة إلى علو منزلة جبريل إذ كان قريبا من ذي العرش سبحانه وفي قوله مطاع ثم إشارة إلى أن جنوده وأعوانه(1\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "122",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2512",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يطيعونه إذا ندبهم لنصر صاحبه وخليله محمد وفيه إشارة أيضا إلى أن هذا الذي تكذبونه وتعادونه سيصير مطاعا في الأرض كما أن جبريل مطاع في السماء وأن كلا من الرسولين مطاع في محله وقومه وفيه تعظيم له بأنه بمنزلة الملوك المطاعين في قومهم فلم ينتدب لهذا الأمر العظيم إلا مثل هذا الملك المطاع وفي وصفه بالأمانة إشارة إلى حفظه ما حمله وأدائه له على وجهه ثم نزه رسوله البشرى وزكاه عما يقول فيه أعداؤه فقال وما صاحبكم بمجنون وهذا أمر يعلمونه ولا يشكون فيه وإن قالوا بألسنتهم خلافه فهم يعلمون أنهم كانوا كاذبين ثم أخبر عن رؤيته لجبريل وهذا يتضمن أنه ملك موجود في الخارج يرى بالعيان ويدركه البصر لا كما يقول المتفلسفة ومن قلدهم أنه العقل الفعال وأنه ليس مما يدرك بالبصر وحقيقته عندهم أنه خيال موجود في الأذهان لا في الأعيان وهذا مما خالفوا به جميع الرسل وأتباعهم وخرجوا به عن جميع الملل ولهذا كان تقرير رؤية النبي لجبريل أهم من تقرير رؤيته لربه تعالى فإن رؤيته لجبريل هي أصل الإيمان الذي لا يتم إلا باعتقادها ومن أنكرها كفر قطعا وأما رؤيته لربه تعالى فغايتها أن تكون مسألة نزاع لا يكفر جاحدها بالاتفاق وقد صرح جماعة من الصحابة بأنه لم يره وحكى عثمان بن سعيد(1\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "123",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2513",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدارمي اتفاق الصحابة على ذلك فنحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى وإن كانت رؤية الرب أعظم من رؤية جبريل ومن دونه فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها البتة ثم نزه رسوليه كليهما أحدهما بطريق النطق والثاني بطريق اللزوم عما يضاد مقصود الرسالة من الكتمان الذي هو الضنة والبخل والتبديل والتغيير الذي يوجب التهمة فقال وما هو على الغيب بضنين فإن الرسالة لا يتم مقصودها إلا بأمرين أدائها من غير كتمان وأدائها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان والقراءتان كالآيتين فتضمنت إحداهما وهي قراءة الضاد تنزيهه عن البخل فإن الضنين هو البخيل يقال ضننت به أضن بوزن بخلت به أبخل ومعناه ومنه قول جميل بن معمر: أجود بمضنون التلاد وإنني ... بسرك عمن سالني لضنين قال ابن عباس رضي الله عنهما ليس بخيلا بما أنزل الله وقال مجاهد لا يضن عليهم بما يعلم وأجمع المفسرون على أن الغيب ههنا القرآن والوحي وقال(1\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "124",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2514",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفراء يقول تعالى يأتيه غيب السماء وهو منفوس فيه فلا يضن به عليكم وهذا معنى حسن جدا فإن عادة النفوس الشح بالشيء النفيس ولا سيما عمن لا يعرف قدره ويذمه ويذم من هو عنده ومع هذا فهذا الرسول لا يبخل عليكم بالوحي الذي هو أنفس شيء وأجله وقال أبو علي الفارسي المعنى يأتيه الغيب فيبينه ويخبر به ويظهره ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده ويخفيه حتى يأخذ عليه حلوانا وفيه معنى آخر وهو أنه على ثقة من الغيب الذي يخبر به فلا يخاف أن ينتقض ويظهر الأمر بخلاف ما أخبر به كما يقع الكهان وغيرهم ممن يخبر بالغيب فإن كذبهم أضعاف صدقهم وإذا أخبر أحدهم بخبر لم يكن على ثقة منه بل هو خائف من ظهور كذبه فإقدام هذا الرسول على الأخبار بهذا الغيب العظيم الذي هو أعظم الغيب واثقا به مقيما عليه مبديا له في كل مجمع ومعيدا مناديا به على صدقه مجلبا به على أعدائه من أعظم الأدلة على صدقه وأما قراءة من قرأ بظنين بالظاء فمعناه المتهم يقال ظننت زيدا بمعنى اتهمته وليس من الظن الذي هو الشعور والإدراك فإن ذاك يتعدى إلى مفعولين ومنه ما أنشده أبو عبيدة: أما وكتاب الله لا عن شناءة ... هجرت ولكن المحب ظنين والمعنى وما هذا الرسول على القرآن بمتهم بل هو أمين لا يزيد(1\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "125",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2515",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيه ولا ينقص وهذا يدل على أن الضمير يرجع إلى محمد لأنه قد تقدم وصف الرسول الملكي بالأمانة ثم قال وما صاحبكم بمجنون ثم قال وما هو أي وما صاحبكم بمتهم ولا بخيل واختار أبو عبيدة قراءة الظاء لمعنيين أحدهما أن الكفار لم يبخلوه وإنما اتهموه فنفي التهمة أولى من نفي البخل الثاني أنه قال على الغيب ولو كان المراد البخل لقال بالغيب لأنه يقال فلان ضنين بكذا وقلما يقال على كذا قلت ويرجحه أنه وصفه بما وصف به رسوله الملكي من الأمانة فنفى عنه التهمة كما وصف جبريل بأنه أمين ويرجحه أيضا أنه سبحانه نفى أقسام الكذب كلها عما جاء به من الغيب فإن ذلك لو كان كذبا فإما أن يكون منه أو ممن علمه وإن كان منه فأما أن يكون تعمده أو لم يتعمده فإن كان من معلمه فليس هو بشيطان رجيم وإن كان منه مع التعمد فهو المتهم ضد الأمين وإن كان عن غير تعمد فهو المجنون فنفى سبحانه عن رسوله ذلك كله وزكى سند القرآن أعظم تزكية فلهذا قال سبحانه وما هو بقول شيطان رجيم ليس تعليم الشيطان ولا يقدر عليه ولا يحسن منه كما قال تعالى وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون فنفى فعله وابتغاءه منهم وقدرتهم عليه وكل من له أدنى خبرة بأحوال الشياطين والمجانين والمتهمين وأحوال الرسل يعلم علما(1\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "126",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2516",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يمارى فيه ولا يشك بل علما ضروريا كسائر الضروريات منافاة أحدهما للآخر ومضادته له كمنافاة أحد الضدين لصاحبه بل ظهور المنافاة بين الأمرين للعقل أبين من ظهور المنافاة بين النور والظلمة للبصر ولهذا وبخ سبحانه من كفر بعد ظهور هذا الفرق المبين بين دعوة الرسل ودعوة الشياطين فقال أين تذهبون قال أبو إسحاق فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم قلت: هذا من أحسن اللازم وأبينه أن تبين للسامع الحق ثم تقول له إيش تقول خلاف هذا وأين تذهب خلاف هذا قال تعالى فبأي حديث بعده يؤمنون وقال فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون فالأمر منحصر في الحق والباطل والهدى والضلال فإذا عدلتم عن الهدى والحق فأين العدول وأين المذهب ونظير هذا قوله فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أي إن أعرضتم عن الإيمان بالقرآن والرسول وطاعته فليس إلا الفساد في الأرض والشرك والمعاصي وقطيعة الرحم ونظيره قوله تعالى بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج لما تركوا الحق وعدلوا عنه مرج عليهم أمرهم والتبس فلا يدرون ما يقولون وما يفعلون بل لا يقولون شيئا(1\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "127",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2517",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "إلا كان باطلا ولا يفعلون شيئا إلا كان ضائعا غير نافع لهم وهذا شأن كل من خرج عن الطريق الموصل إلى المقصود ونظيره قوله تعالى فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم وقد كشف هذا المعنى كل الكشف بقوله عز وجل فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون فصل ثم أخبر تعالى عن القرآن بأنه ذكر للعالمين وفي موضع آخر تذكرة للمتقين وفي موضع آخر لرسوله ولقومه وفي موضع آخر ذكر مطلق وفي موضع آخر ذكر مبارك وفي موضع آخر وصفه بأنه ذو الذكر وبجمع هذه المواضع تبين المراد من كونه ذكرا عاما وخاصا وكونه ذا ذكر فإنه يذكر العباد بمصالحهم في معاشهم ومعادهم ويذكرهم بالمبدأ والمعاد ويذكرهم بالرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وحقوقه على عباده ويذكرهم بالخير ليقصدوه وبالشر ليجتنبوه ويذكرهم بنفوسهم وأحوالها وآفاتها وما تكمل به ويذكرهم بعدوهم وما يريد منهم وبماذا يحترزون من كيده ومن أي الأبواب والطرق يأتي إليهم ويذكرهم بفاقتهم وحاجتهم إليه وأنهم مضطرون إليه لا يستغنون عنه نفسا واحدا ويذكرهم(1\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "128",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2518",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بنعمه عليهم ويدعوهم بها إلى نعم أخرى أكبر منها ويذكرهم بأسه وشده بطشه وانتقامه ممن عصى أمره وكذب رسله ويذكرهم بثوابه وعقابه ولهذا يأمر سبحانه عباده أن يذكروا ما في كتابه كما قال وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون وإذا كان كذلك فأحق وأولى وأول من كان ذاكرا له من أنزل عليه ثم لقومه ثم لجميع العالمين وحيث خص به المتقين فلأنهم الذين انتفعوا بذكره وأما وصفه بأنه ذو الذكر فلانه مشتمل على الذكر فهو صاحب الذكر ومنه الذكر فهو ذكر وفيه الذكر كما أنه هدى وفيه الهدى وشفاء وفيه الشفاء ورحمه وفيه الرحمة وقوله سبحانه لمن شاء منكم أن يستقيم بدل من العالمين وهو بدل بعض من كل وهذا من أحسن ما يستدل به على أن البدل في قوة ذكر عاملين مقصودين فإن جهة كونه ذكرا للعالمين كلهم غير جهة كونه ذكرا لأهل الإستقامة فإنه ذكر للعموم بالصلاحية والقوة وذكر لأهل الاستقامة بالحصول والنفع فكما أن البدل أخص من المبدل منه فالعامل المقدر فيه أخص من العامل الملفوظ في المبدل منه ولا بد من هذا فتأمله وقوله لمن شاء منكم رد على الجبرية القائلين بأن العبد لا مشيئة له أو أن مشيئته مجرد علامة على حصول الفعل لا ارتباط(1\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "129",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2519",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بينها وبينه إلا مجرد اقتران عادي من غير أن يكون سببا فيه وقوله وما تشاءون إلا أن يشاء الله رد على القدرية القائلين بأن مشيئة العبد مستقلة بإيجاد الفعل من غير توقف على مشيئة الله بل متى شاء العبد الفعل وجد ويستحيل عندهم تعلق مشيئة الله بفعل العبد بل هو يفعله بدون مشيئة الله فالآيتان مبطلتان لقول الطائفتين فإن قال الجبري هو سبحانه لم يقل إن الفعل واقع بمشيئة العبد بل أخبر أن الاستقامة تحصل عند المشيئة ونحن قائلون بذلك وقال القدري قوله وما تشاءون إلا أن يشاء الله مختلفة فمشيئة العبد هي الموجبة للفعل التي بها يقع ومشيئة الله لفعله هو أمره بذلك ونحن لا ننكر ذلك. فالجواب أن هذا من تحريف الطائفتين أما الجبري فيقال له اقتران الفعل عندك بمشيئة العبد بمنزلة اقترانه بكونه وشكله وسائر أغراضه التي لا تأثير لها في الفعل فإن نسبة جميع أغراضه إلى الفعل في عدم التأثير نسبة إرادية عندك والاقتران حاصل بجميع أغراضه فما الذي أوجب تخصيص المشيئة سوى الله سبحانه في فطر الناس أو عقولهم أو شرائعهم بين نسبة المشيئة والإرادة إلى الفعل ونسبة سائر أغراض الحي إذا كان عندك ليس إلا مجرد الاقتران عادة والاقتران العادي حاصل مع الجميع وأما القدري فتحريفه أشد لأنه حمل المشيئة على الأمر وقال المعنى(1\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "130",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2520",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما تشاؤون إلا بأمر الله وهذا باطل قطعا فإن المشيئة في القرآن لم تستعمل في ذلك وإنما استعملت في مشيئة التكوين كقوله ولو شاء ربك ما فعلوه وقوله ولو شاء الله ما اقتتلوا وقوله ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها وقوله أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ونظائر ذلك مما لا يصح فيه حمل المشيئة على الأمر البتة والذي دلت عليه الآية مع سائر أدلة التوحيد وأدلة العقل الصريح أن مشيئة العباد من جملة الكائنات التي لا توجد إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى فما لم يشأ لم يكن البتة كما أن ما شاء كان ولا بد ولكن ههنا أمرا يجب التنبيه عليه وهو أن مشيئة الله سبحانه تارة تتعلق بفعله وتارة تتعلق بفعل العبد فتعلقها بفعله وهو أن يشاء من نفسه إعانة عبده وتوفيقه وتهيئته للفعل فهذه المشيئة تستلزم فعل العبد ومشيئته ولا يكفي في وقوع الفعل مشيئة الله لمشيئة عبده دون أن يشاء فعله فإنه سبحانه قد يشاء من عبده المشيئة وحدها فيشاء العبد الفعل ويريده ولا يفعله لأنه لم يشأ من نفسه إعانته عليه وتوفيقه له وقد دل على هذا قوله تعالى وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين وقوله وما يذكرون إلا أن يشاء الله(1\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "131",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2521",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "وهاتان الآيتان متضمنتان إثبات الشرع والقدر والأسباب والمسببات وفعل العبد واستناده إلى فعل الرب ولكل منهما عبودية مختص بها فعبودية الآية الأولى والاجتهاد واستفراغ الوسع والاختيار والسعي وعبودية الثانية الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجأ إليه واستنزال التوفيق والعون منه والعلم بأن العبد لا يمكنه أن يشاء ولا يفعل حتى يجعله الله كذلك وقوله رب العالمين ينتظم ذلك كله ويتضمنه فمن عطل أحد الأمرين فقد جحد كمال الربوبية وعطلها وبالله التوفيق فصل ومن ذلك قوله تعالى والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا فهذه خمسة أمور وهي صفات الملائكة فأقسم سبحانه بالملائكة الفاعلة لهذه الأفعال إذ ذلك من أعظم آياته وحذف مفعول النزع والنشط لأنه لو ذكر ما تنزع وتنشط لأوهم التقييد به وأن القسم على نفس الأفعال الصادرة من هؤلاء الفاعلين فلم يتعلق الغرض بذكر المفعول كقوله: فأما من أعطى واتقى ونظائره فكان نفس النزع هو المقصود لا عين المنزوع(1\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "132",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2522",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأكثر المفسرين على أنها الملائكة التي تنزع أرواح بني آدم من أجسامهم وهم جماعة كقوله 6: 61 توفته رسلنا وقوله: إن الذين توفاهم الملائكة وأما قوله: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم فأما أن يكون واحدا وله أعوان وإما أن يكون المراد الجنس لا الوحدة كقوله: وصدقت بكلمات ربها وكتبه وقوله: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها والنزع هو اجتذاب الشيء بقوة والإغراق في النزع هو أن يجتذبه إلى آخره ومنه إغراق النزع في جذب القوة بأن يبلغ بها غاية المد فيقال أغرق في النزع ثم صار مثلا لكل من بالغ في فعل حتى وصل إلى آخره والغرق اسم مصدر أقيم مقامه كالعطاء والكلام أقيم مقامه الاعطاء والتكلم واختلف الناس هل النازعات متعد أو لازم فعلى القول الذي حكيناه يكون متعديا وهذا قول علي ومسروق ومقاتل وأبي صالح وعطيه عن ابن عباس وقال ابن مسعود هي أنفس الكفار وهو قول قتادة والسدي وعطاء عن ابن عباس على(1\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "133",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2523",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا فهو فعل لازم وغرقا على هذا معناه نزعا شديدا أبلغ ما يكون وأشده وفي هذا القول ضعف من وجوه أحدها أن عطف ما بعده عليه يدل على أنها الملائكة فهي السابحات والمدبرات والنازعات الثاني أن الأقسام بنفوس الكفار خاصة ليس بالبين ولا في اللفظ ما يدل عليه الثالث أن النزع مشترك بين نفوس بني آدم والإغراق لا يختص بالكافر وقال الحسن النازعات هي النجوم تنزع من المشرق إلى المغرب وغرقا هو غروبها قال تنزع من ههنا وتغرق ههنا واختاره الأخفش وأبو عبيد وقال مجاهد هي شدائد الموت وأهواله التي تنزع الأرواح نزعا شديدا وقال عطاء وعكرمة هي القسى والنازعات على هذا القول بمعنى النسب أو ذوات النزع التي ينزع بها الرامي فهو النازع قلت النازعات اسم فاعل من نزع ويقال نزع كذا إذا اجتذبه بقوة ونزع عنه إذا خلاه وتركه بعد ملابسته له ونزع إليه إذا ذهب إليه وما إليه وهذا إنما توصف به النفوس التي لها حركة إرادية للميل إلى الشيء أو الميل عنه وأحق ما صدق عليه هذا الوصف الملائكة لأن هذه القوة فيها أكمل وموضع الآية فيها أعظم فهي التي تغرق في النزع إذا طلبت ما تنزعه أو تنزع إليه والنفس الإنسانية أيضا لها هذه القوة والنجوم أيضا تنزع(1\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "134",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2524",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أفق إلى أفق فالنزع حركة شديدة سواء كانت من ملك أو نفس إنسانية أو نجم والنفوس تنزع إلى أوطانها وإلى مألفها وعند الموت تنزع إلى ربها المنايا تنزع النفوس والقسى تنزع بالسهام والملائكة تنزع من مكان إلى مكان وتنزع ما وكلت بنزعه والخيل تنزع في أعنتها نزعا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها فالصفة واقعة على كل من له هذه الحركة التي هي آية من آيات الرب تعالى فإنه هو الذي خلقها وخلق محلها وخلق القوة والنفس التي بها تتحرك ومن ذكر صورة من هذه الصور فإنما أراد التمثيل وإن كانت الملائكة أحق من تناوله هذا الوصف فأقسم بطوائف الملائكة وأصنافهم فهم النازعات التي تنزع الأرواح من الأجساد والناشطات التي تنشطها أي تخرجها بسرعة وخفة من قولهم نشط الدلو من البئر إذا أخرجها وأنا أنشط بكذا أي أخف له وأسرع والسابحات التي تسبح في الهواء في طريق ممرها إلى ما أمرت به كما تسبح الطير في الهواء فالسابقات التي تسبق وتسرع إلى ما أمرت به لا تبطئ عنه ولا تتأخر فالمدبرات أمور العباد التي أمرها ربها بتدبيرها وهذا أولى الأقوال وقد روي عن ابن عباس أن النازعات الملائكة تنزع نفوس الكفار بشدة وعنف والناشطات الملائكة التي تنشط أرواح المؤمنين بيسر وسهولة واختار الفراء هذا القول فقال هي الملائكة تنشط نفس المؤمن فتقبضها وتنزع نفس الكافر قال(1\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "135",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2525",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الواحدي إنما اختار ذلك لما بين النشط والنزع من الفرق في الشدة واللين فالنزع الجذب بشدة والنشط الجذب برفق ولين والناشطات هي النفوس التي تنشط لما أمرت به والملائكة أحق الخلق بذلك ونفوس المؤمنين ناشطة لما أمرت به وقيل السابحات هي النجوم تسبح في الفلك كما قال تعالى كل في فلك يسبحون وقيل هي السفن تسبح في الماء وقيل هي نفوس المؤمنين تسبح بعد المفارقة صاعدة إلى ربها قلت والصحيح أنها الملائكة والسياق يدل عليه وأما السفن والنجوم فإنما تسمى جارية وجواري كما قال تعالى ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام وقال حملناكم في الجارية وقال الجوار الكنس ولم يسمها سابحات وإن أطلق عليها فعل السباحة كقوله كل في فلك يسبحو ويدل عليه ذكره السابقات بعدها والمدبرات بالفاء وذكره الثلاثة الأول بالواو لأن السبق والتدبير مسبب عن المذكور قبله فإنها نزعت ونشطت وسبحت فسبقت إلى ما أمرت به فدبرته ولو كانت السابحات هي السفن أو النجوم أو النفوس الآدمية لما عطف عليها فعل السبق والتدبير بالفاء فتأمله قال مسروق ومقاتل والكلبي فالسابقات سبقا هي الملائكة قال مجاهد وأبو روق سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح(1\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "136",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2526",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والإيمان والتصديق قال مقاتل تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة وقال الفراء والزجاج هي الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء إذا كانت الشياطين تسترق السمع وهذا القول خطأ لا يخفى فساده إذ يقتضي الاشتراك بين الملائكة والشياطين في إلقائهم الوحي وأن الملائكة تسبقهم به إلى الأنبياء وهذا ليس بصحيح فإن الوحي الذي تأتى به الملائكة إلى الأنبياء لا تسترقه الشياطين وهم معزولون عن سماعه وإن استرقوا بعض ما يسمعونه من ملائكة السماء الدنيا من أمور الحوادث فالله سبحانه صان وحيه إلى الأنبياء أن تسترق الشياطين شيئا منه وعزلهم عن سمعه ولو أن قائل هذا القول فسر السابقات بالملائكة التي تسبق الشياطين بالرجم بالشهب قبل إلقاء الكلمة التي استرقها لكان له وجه فإن الشيطان يبدر مسرعا بإلقائه إلى وليه فتسبقه الملائكة في نزوله بالشهب الثواقب فتهلكه وربما ألقى الكلمة قبل إدراك الشهب له وفسرت السابقات سبقا بالأنفس السابقات إلى طاعة الله ومرضاته وأما المدبرات أمرا فأجمعوا على أنها الملائكة قال مقاتل هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت يدبرون أمر الله تعالى في الأرض وهم المقسمات أمرا قال عبد الرحمن بن ساباط جبريل موكل بالرياح وبالجنود وميكائيل موكل بالقطر والنبات وملك الموت موكل بقبض الأنفس وإسرافيل ينزل بأمر الله عليهم وقال ابن عباس هم الملائكة وكلهم الله بأمور(1\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "137",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2527",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عرفهم العمل بها والوقوف عليها بعضهم لبني آدم يحفظون ويكتبون وبعضهم وكلوا بالأمطار والنبات والخسف والمسخ والرياح والسحاب إنتهى وقد أخبر أن الله وكل بالرجم ملكا وللرؤيا ملك موكل بها وللجنة ملائكة موكلون بعمارتها وعمل آلاتها وأوانيها وغراسها وفرشها ونمارقها وأرائكها وللنار ملائكة موكلة بعمل ما فيها وإيقادها وغير ذلك فالدنيا وما فيها والجنة والنار والموت وأحكام البرزخ قد وكل الله بذلك كله ملائكة يدبرون ما شاء الله من ذلك ولهذا كان الإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الذي لا يتم الإيمان إلا به وأما من قال أنها النجوم فليس هذا من قول أهل الإسلام ولم يجعل الله النجوم تدبر شيئا من الخلق بل هي مدبرة ومسخرة كما قال الله تعالى والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره فالله سبحانه هو المدبر بملائكته لأمر العالم العلوي والسفلي قال الجرجاني وذكر السابقات والمدبرات بالفاء وما قبلها بالواو لأن ما قبلها أقسام مستأنفة وهذان القسمان منشآن عن الذي قبلهما كأنه قال فاللاتي سبحن فسبقن كما تقول قام فذهب أوجب الفاء أن القيام كان سببا للذهاب ولو قلت قام وذهب لم تجعل القيام سببا للذهاب واعترض عليه الواحدي فقال هذا غير مطرد في هذه الآية(1\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "138",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2528",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأنه يبعد أن يجعل السبق سببا للتدبير مع أن السابقات ليست الملائكة في قول المفسرين قلت: الملائكة داخلون في السابقات قطعا وأما اختصاص السابقات بالملائكة فهذا محتمل وأما قوله يبعد أن يكون السبق سببا للتدبير فليس كما زعم بل السبق المبادرة إلى تنفيذ ما يؤمر به الملك فهو سبب الفعل الذي أمر به وهو التدبير مع أن الفاء دالة على التعقيب وأن التدبير يتعقب السبق بلا تراخ بخلاف الأقسام الثلاثة والله أعلم وجواب القسم محذوف يدل عليه السياق وهو البعث المستلزم لصدق الرسول وثبوت القرآن أو أنه من القسم الذي أريد به التنبيه على الدلالة والعبرة بالمقسم به دون أن يراد به مقسما عليه بعينه وهذا القسم يتضمن الجواب المقسم عليه وإن لم يذكر لفظا ولعل هذا مراد من قال أنه محذوف للعلم به لكن هذا الوجه ألطف مسلكا فإن المقسم به إذا كان دالا على المقسم عليه مستلزما استغنى عن ذكره بذكره وهذا غير كونه محذوفا لدلالة ما بعده عليه فتأمله ولعل هذا قول من قال أنه إنما أقسم برب هذه الأشياء وحذف المضاف فإن معناه صحيح لكن على غير الوجه الذي قدروه فإن إقسامه سبحانه بهذه الأشياء لظهور دلالتها على ربوبيته ووحدانيته وعلمه وقدرته وحكمته فالاقسام بها في الحقيقة إقسام بربوبيته وصفات كماله فتأمله(1\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "139",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2529",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم قرر سبحانه بعد هذا القسم أمر المعاد ونبوة موسى المستلزمة لنبوة محمد إذ من المحال أن يكون موسى نبيا ومحمد ليس نبيا مع أن ما يثبت نبوة موسى فلمحمد نظيره أو أعظم منه وقرر سبحانه تكليمه لموسى بندائه له بنفسه فقال إذ ناداه ربه فأثبت المستلزم للكلام والتكليم وفي موضع آخر أثبت النجاء والنداء والنجاء نوع من التكليم ومحال ثبوت النوع بدون الجنس ثم أمره أن يخاطبه بألين خطاب فيقول له فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى ففي هذا من لطف الخطاب ولينه وجوه أحدهما إخراج الكلام مخرج العرض ولم يخرجه مخرج الأمر والإلزام وهو ألطف ونظيره قول إبراهيم لضيفه المكرمين ألا تأكلون ولم يقل كلوا الثاني قوله إلى أن تزكى والتزكي النماء والطهارة والبركة والزيادة فعرض عليه أمرا يقبله كل عاقل ولا يرده إلا كل أحمق جاهل الثالث قوله تزكى ولم يقل أزكيك فأضاف التزكية إلى نفسه وعلى هذا يخاطب الملوك الرابع قوله وأهديك أي أكون دليلا لك وهاديا بين يديك فنسب الهداية إليه والتزكي إلى المخاطب أي أكون دليلا لك وهاديا فتزكى أنت كما تقول للرجل هل لك أن أدلك على كنز تأخذ منه ما شئت وهذا أحسن من قوله أعطيك الخامس قوله إلى ربك فإن في هذا ما يوجب قبول ما دل عليه وهو أنه يدعوه ويوصله إلى ربه فاطره(1\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "140",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2530",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وخالقه الذي أوجده ورباه بنعمه حنينا وصغيرا وكبيرا وآتاه الملك وهو نوع من خطاب الاستعطاف والإلزام كما تقول لمن خرج عن طاعة سيده ألا تطيع سيدك ومولاك ومالكك وتقول للوالد ألا تطيع أباك الذي رباك السادس قوله فتخشى أي إذا اهتديت إليه وعرفته خشيته لأن من عرف الله خافه ومن لم يعرفه لم يخفه فخشيته تعالى مقرونة بمعرفته وعلى قدر المعرفة تكون الخشية السابع أن في قوله هل لك فائدة لطيفة وهي أن المعنى هل لك في ذلك حاجة أو أرب ومعلوم أن كل عاقل يبادر إلى قبول ذلك لأن الداعي إنما يدعو إلى حاجته ومصلحته لا إلى حاجة الداعي فكأنه يقول الحاجة لك وأنت المتزكي وأنا الدليل لك والمرشد لك إلى أعظم مصالحك فقابل هذا بغاية الكفر والعناء وادعى أنه رب العالمين هذا وهو يعلم أنه ليس بالذي خلق فسوى ولا قدر فهدى فكذب الخبر وعصى الأمر ثم أدبر يسعى بالخديعة والمكر فحشر جنوده فأجابوه ثم نادى فيهم بأنه ربهم الأعلى واستخفهم فأطاعوه فبطش به جبار السماوات والأرض بطشة عزيز مقتدر وأخذه نكال الآخرة والأولى ليعتبر بذلك من يعتبر فاعتبر بذلك من خشى ربه من المؤمنين وحق القول على الكافرين ثم أقام سبحانه حجته على العالمين بخلق ما هو أشد منهم وأكبر وأعظم وأعلى وأرفع وهو خلق السماء وبناؤها ورفع سمكها وتسويتها(1\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "141",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2531",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "وإظلام ليلها وإخراج ضحاها وخلق الأرض ومدها وبسطها وتهيئتها لما يراد منها وأخرج منها شراب الحيوان وأقواتهم وأرسى الجبال فجعلها رواسي للأرض لئلا تميد بأهلها وأودعها من المنافع ما يتم به مصالح الحيوان الناطق والبهيم فمن قدر على ذلك كله كيف يعجز عن إعادتكم خلقا جديدا فتأمل دلالة المقسم به المذكور في أول السورة على المعاد والتوحيد وصدق الرسل كدلالة هذا الدليل المذكور وإذا كان هذا هو المقصود لم يكن محتاجا إلى جواب والله أعلم فصل ومن ذلك قوله تعالى والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا إنما توعدون لواقع فسرت المرسلات بالملائكة وهو قول أبي هريره وابن عباس في رواية مقاتل وجماعة وفسرت بالرياح وهو قول ابن مسعود وإحدى الروايتين عن ابن عباس وقول قتاده وفسرت بالسحاب وهو قول الحسن وفسرت بالأنبياء وهو رواية عطاء عن ابن عباس قلت الله سبحانه يرسل الملائكة ويرسل الأنبياء ويرسل الرياح ويرسل السحاب فيسوقه حيث يشاء ويرسل الصواعق(1\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "142",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2532",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيصيب بها من يشاء فإرساله واقع على ذلك كله وهو نوعان إرسال دين يحبه ويرضاه كإرسال رسله وأنبيائه وإرسال كون وهو نوعان نوع يحبه ويرضاه كإرسال ملائكته في تدبير أمر خلقه ونوع لا يحبه بل يسخطه ويبغضه كإرسال الشيطان على الكفار فالإرسال المقسم به هاهنا مقيد بالعرف فإما أن يكون ضد المنكر فهو إرسال رسله من الملائكة ولا يدخل في ذلك إرسال الرياح ولا الصواعق ولا الشياطين وأما إرسال الأنبياء فلو أريد لقال والمرسلين وليس بالفصيح تسمية الأنبياء مرسلات وتكلف الجماعات المرسلات خلاف المعهود من استعمال اللفظ فلم يطلق في القرآن جمع ذلك إلا جمع تذكير لا جمع تأنيث وأيضا فاقتران اللفظة بما بعدها من الأقسام لا يناسب تفسيرها بالأنبياء وأيضا فإن الرسل مقسم عليهم في القرآن لا مقسم بهم كقولهم تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك وقوله وإنك لمن المرسلين وقوله يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين وإن كان العرف من التابع كعرف الفرس وعرف الديك والناس إلى فلان عرف واحد أي سابقون في قصده والتوجه إليه جاز أن تكون المرسلات الرياح ويؤيده عطف العاصفات عليه والناشرات وجاز أن تكون الملائكة وجاز أن يعم النوعين لوقوع الإرسال عرفا عليهما ويؤيده أن الرياح موكل بها ملائكة تسوقها وتصرفها ويؤيد كونها الرياح(1\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "143",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2533",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عطف العاصفات عليها بفاء التعقيب والتسبب فكأنها أرسلت فعصفت ومن جعل المرسلات الملائكة قال هي تعصف في مضيها مسرعة كما تعصف الرياح والأكثرون على أنها الرياح وفيها قول ثالث أنها تعصف بروح الكافر يقال عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه قال الأعشى: تعصف بالدراع والحاسر ... حكاه أبو إسحاق وهو قول متكلف فإن المقسم به لا بد أن يكون آية ظاهره تدل على الربوبية وأما الأمور الغائبة التي يؤمن بها فإنما يقسم عليه وإنما يقسم سبحانه بملائكته وكتابه لظهور شأنهما ولقيام الأدلة والأعلام الظاهره الدالة على ثبوتهما وأما الناشرات نشرا فهو استئناف قسم آخر ولهذا أتى به بالواو وما قبله معطوف على القسم الأول بالفاء قال ابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة هي الرياح تأتي بالمطر ويدل على صحة قوله تعالى وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته يعني أنها تنشر السحاب نشرا وهو ضد الطي وقال مقاتل هي الملائكة تنشر كتب بني آدم وصحائف أعمالهم وقاله مسروق وعطاء عن ابن عباس وقالت طائفة هي الملائكة تنشر أجنحتها في الجو عند صعودها ونزولها وقيل تنشر أوامر الله في الأرض والسماء وقيل تنشر النفوس فتحييها بالإيمان وقال أبو صالح هي الأمطار تنشر الأرض أي تحييها(1\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "144",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2534",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت ويجوز أن تكون الناشرات لازما لا مفعول له ولا يكون المراد أنهن نشرن كذا فإنه يقال نشر الميت حي وأنشره الله إذا أحياه فيكون المراد بها الأنفس التي حييت بالعرف الذي أرسلت به المرسلات أو الأشباح والأرواح والبقاع التي حييت بالرياح المرسلات فإن الرياح سبب لنشور الأبدان والنبات والوحي سبب لنشور الأرواح وحياتها لكن هنا أمرا ينبغي التفطن له وهو أنه سبحانه جعل الأقسام في هذه السورة نوعين وفصل أحدهما من الآخر وجعل العاصفات معطوفا على المرسلات بفاء التعقيب فصارا كأنهما نوع واحد ثم جعل الناشرات كأنه قسم مبتدأ فأتى فيه بالواو ثم عطف عليه الفارقات والملقيات بالفاء فأوهم هذا أن الفارقات والملقيات مرتبط بالناشرات وأن العاصفات مرتبط بالمرسلات وقد اختلف في الفارقات والأكثرون على أنها الملائكة ويدل عليه عطف الملقيات ذكرا عليها بالفاء وهي الملائكة بالاتفاق وعلى هذا فيكون القسم بالملائكة التي تنشر أجنحتها عند النزول ففرقت بين الحق والباطل فألقت الذكر على الرسل إعذارا وإنذارا ومن جعل الناشرات الرياح جعل الفارقات صفة لها وقال هي تفرق السحاب ههنا وههنا ولكن يأبى ذلك عطف الملقيات بالفاء عليها ومن قال الفارقات أي القرآن يفرق بين الحق(1\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "145",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2535",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والباطل فقوله يلتئم مع كون الناشرات الملائكة أكثر من التئامه إذا قيل إنها الرياح ومن قال هي جماعات الرسل فإن أراد الرسل من الملائكة فظاهر وإن أراد الرسل من البشر فقد تقدم بيان ضعف هذا القول ويظهر والله أعلم بما أراد من كلامه أن القسم في هذه الآية وقع على النوعين الرياح والملائكة ووجه المناسبة أن حياة الأرض والنبات وأبدان الحيوان بالرياح فإنها من روح الله وقد جعلها الله تعالى نشورا وحياة القلوب والأرواح بالملائكة فبهذين النوعين يحصل نوعا الحياة ولهذا والله أعلم فصل أحد النوعين من الآخر بالواو وجعل ما هو تابع لكل نوع بعده بالفاء وتأمل كيف وقع القسم في هذه السورة على المعاد والحياة الدائمة الباقية وحال السعداء والأشقياء فيها وقررها بالحياة الأولى في قوله ألم نخلقكم من ماء مهين فذكر فيها المبدأ والمعاد وأخلص السورة لذلك فحسن الأقسام بما يحصل به نوعا الحياة المشاهدة وهو الرياح والملائكة فكان في القسم بذلك أبين دليل وأظهر آية على صحة ما أقسم عليه وتضمنته السورة ولهذا كان المكذب بعد ذلك في غاية الجحود والعناد والكفر فاستحق الويل بعد الويل فتضاعف عليه الويل كما تضاعف منه الكفر والتكذيب فلا أحسن من هذا التكرار في هذا الموضع ولا أعظم منه(1\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "146",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2536",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "منه موقعا فإنه تكرر عشر مرات ولم يذكر إلا في أثر دليل أو مدلول عليه عقيب ما يوجب التصديق وما يوجب التصديق به فتأمله فصل ومن ذلك قوله تعالى لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة وقد تقدم ذكر هذين القسمين ومناسبة الجمع بينهما في الذكر وكون الجواب غير مذكور وأنه يجوز أن يكون مما حذف لدلالة السياق عليه والعلم به ويجوز أن يكون من القسم المقصود به التنبيه على دلالة المقسم به وكونه آية ولم يقصد به مقسما عليه معينا فكأنه يقول اذكر يوم القيامة والنفس اللوامة مقسما بها لكونها من آياتنا وأدلة ربوبيتنا ثم أنكر على الإنسان بعد هذه الآية حسبانه وظنه أن الله لا يجمع عظامه بعد ما فرقها البلى ثم أخبر سبحانه عن قدرته على جمع غيرها من عظامه وعلى هذا فيكون سبحانه قد احتج على فعله لما أنكره أعداؤه بقدرته عليه وأخبر عن فعله بأنه لا يلزمهم من القدرة وقوع المقدور والمعنى بل نجمعها قادرين على تسوية بنانه ودل على هذا المعنى المحذوف قوله بلى فإنها حرف إيجاب لما تقدم من النفي فلهذا يستغنى عن ذكر الفعل بذكر الحرف الدال عليه فدلت الآية على الفعل وذكرت القدرة لإبطال قول المكذبين(1\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "147",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2537",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي ذكر البنان لطيفة أخرى وهي أنها أطرافه وآخر ما يتم به خلقه فمن قدر على جمع أطرافه وآخر ما يتم به خلقه مع دقتها وصغرها ولطافتها فهو على ما دون ذلك أقدر فالقوم لما استبعدوا جمع العظام بعد الفناء والارمام قيل إنا نجمع ونسوى أكثرها تفرقا وأدقها أجزاء وآخر أطراف البدن وهي عظام الأنامل ومفاصلها وقالت طائفة المعنى نحن قادرون على أن نسوى أصابع يديه ورجليه ونجعلها مستوية شيئا واحدا كخف البعير وحافر الحمار لا نفرق بينهما ولا يمكنه أن يعمل بها شيئا مما يعمل بأصابعه المفرقة ذات المفاصل والأنامل من فنون الأعمال والبسط والقبض والتأتي لما يريد من الحوائج وهذا قول ابن عباس وكثير من المفسرين والمعنى على هذا القول إنا في الدنيا قادرون على أن نجعل عظام بنانه مجموعة دون تفرق فكيف لا نقدر على جمعها بعد تفريقها فهذا وجه من الاستدلال غير الأول وهو الاستدلال بقدرته سبحانه على جمع العظام التي فرقها ولم يجمعها والأول استدلال بقدرته سبحانه على جمع عظامه بعد تفريقها وهما وجهان حسنان وكل منهما له ترجيح من وجه فيرجح الأول أنه هو المقصود وهو الذي انكره الكفار وهو إجراء على نسق الكلام واطراده ولأن الكلام لم يسق لجمع العظام وتفريقها في(1\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "148",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2538",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدنيا وإنما سبق لجمعها في الآخرة بعد تفرقها بالموت ويرجح القول الثاني ولعله قول جمهور المفسرين حتى أن فيهم من لم يذكر غيره وأنه استدلال بآية ظاهرة مشهورة وهي تفريق البنان مع انتظامها في كف واحد وارتباط بعضها ببعض فهي متفرقة في عضو واحد يقبض منها واحدة ويبسط أخرى ويحرك واحدة والأخرى ساكنة ويعمل بواحدة والأخرى معطلة وكلها في كف واحد قد جمعها ساعد واحد فلو شاء سبحانه لسواها فجعلها صفة واحدة كباطن الكف ففاته هذه المنافع والمصالح التي حصلت بتفريقها ففي هذا أعظم الأدلة على قدرته سبحانه على جمع عظامه بعد الموت ثم أخبر سبحانه عن سوء حال الإنسان وإصراره على المعصية والفجور وأنه لا يرعوي ولا يخاف يوما يجمع الله فيه عظامه ويبعثه حيا بل هو مريد للفجور ما عاش فيفجر في الحال ويريد الفجور في غد وما بعده وهذا ضد الذي يخاف الله والدار الآخرة فهذا لا يندم يندم على ما مضى منه ولا يقلع في الحال ولا يعزم في المستقبل على الترك بل هو عازم على الاستمرار وهذا ضد التائب المنيب ثم نبه سبحانه على الحامل له على ذلك وهو استبعاده ليوم القيامة وليس هذا استبعادا لزمنه مع إقراره بوقوعه بل هو استبعاد لوقوعه كما حكى عنه في موضع آخر قوله ذلك رجع بعيد(1\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "149",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2539",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أي بعيد وقوعه وليس المراد أنه واقع بعيد زمنه هذا قول جماعة من المفسرين منهم ابن عباس وأصحابه قال ابن عباس يقدم الذنب ويؤخر التوبة وقال قتادة وعكرمة قدما قدما في معاصي الله لا ينزع عن فجوره وفي الآية قول آخر وهو أن المعنى بل يريد الإنسان ليكذب بما أمامه من البعث ويوم القيامة وهذا قول ابن زيد واختيار ابن قتيبة وأبي إسحاق قال هؤلاء ودليل ذلك قوله يسأل أيان يوم القيامة ويرجع هذا القول لفظه بل فإنها تعطى أن الإنسان لم يؤمن بيوم القيامة مع هذا البيان والحجة بل هو مريد للتكذيب به ويرجحه أيضا أن السياق كله في ذم المكذب بيوم القيامة لا في ذم العاصي والفاجر وأيضا فإن ما قبل الآية وما بعدها يدل على المراد فإنه قال أيحسب الأنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه فأنكر سبحانه عليه حسبانه أن الله لا يجمع عظامه ثم قرر قدرته على ذلك ثم أنكر عليه إرادة التكذيب بيوم القيامة فالأول حسبان منه أن لا يحييه بعد موته والثاني تكذيب منه بيوم البعث وأنه يريد أن يكذب بما وضح وبان دليل وقوعه وثبوته فهو مريد للتكذيب به ثم أخبر عن تصريحه بالتكذيب فقال يسأل أيان يوم القيامة فالأول(1\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "150",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2540",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إرادة التكذيب والثاني نطق بالتكذيب وتكلم به وهذا قول قوي كما ترى لكن ينبغي إفراغ هذه الألفاظ في قوالب هذا المعنى فإن لفظة يفجر إنما تدل على عمل الفجور لا على التكذيب وحذف الموصول مع ما جره وإبقاء الصلة خلاف الأصل فإن أصاب هذا القول قالوا تقديره ليكفر بما أمامه وهذا المعنى صحيح لكن دلالة هذا اللفظ عليه ليست بالبينة فالجواب أن الأمر كذلك لكن الفعل إذا ضمن معنى فعل آخر لم يلزم إعطاءه حكمه من جميع الوجوه بل من جلالة هذه اللغة العظيمة الشأن وجزالتها أن يذكر المتكلم فعلا وما يضمنه معنى فعل آخر ويجري على المضمن أحكامه لفظا وأحكام الفعل الآخر معنى فيكون في قوة ذكر الفعلين مع غاية الاختصار ومن تدبر هذا وجده كثيرا في كلام الله تعالى فلفظ يفجر اقتضت أمامه بلا واسطة حرف ولا اسم موصول فأعطيت ما اقتضته لفظا واقتضى ما تضمنه الفعل من ذكر الحرف والموصول فأعطيته معنى فهذا وجه هذا القول لفظا ومعنى والله أعلم ثم أخبر سبحانه عن حال هذا الإنسان إذا شاهد اليوم الذي كذب به فقال فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر يقول الإنسان يومئذ أين المفر فبرق بصره أي يشخص(1\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "151",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2541",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يشاهده من العجائب التي كان يكذب بها وخسف القمر ذهب ضوؤه وانمحى وجمع الشمس والقمر ولم يجتمعا قبل ذلك بل يجمعهما الذي يجمع عظام الإنسان بعد ما فرقها البلى ومزقها ويجمع للإنسان يومئذ جميع عمله الذي قدمه وأخره من خير أو شر ويجمع ذلك من جمع القرآن في صدر رسوله ويجمع المؤمنين في دار الكرامة فيكرم وجوههم بالنظر إليه ويجمع المكذبين في دار الهوان وهو قادر على ذلك كله كما جمع خلق الإنسان من نطفة من منى يمنى ثم جعله علقة مجتمعة الأجزاء بعد ما كانت نطفة متفرقة في جميع بدن الإنسان وكما يجمع بين الإنسان وملك الموت ويجمع بين الساق والساق إما ساق الميت أو ساق من يجهز بدنه من البشر ومن يجهز روحه من الملائكة أو يجمع عليه شدائد الدنيا والآخرة فكيف أنكر هذا الإنسان أن يجمع بينه وبين عمله وجزائه وأن يجمع مع بني جنسه ليوم الجمع وأن يجمع عليه بين أمر الله ونهيه وعبوديته فلا يترك سدى مهملة معطلا لا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا يعاقب فلا يجمع عليه ذلك فما أجمع هذه السورة لمعان الجمع والضم وقد افتتحت بالقسم بيوم القيامة الذي يجمع الله فيه بين الأولين والآخرين وبالنفس اللوامة التي اجتمع فيها همومها وغمومها وإرادتها واعتقاداتها وتضمنت ذكر المبدأ والمعاد والقيامة الصغرى والكبرى وأحوال الناس في المعاد وانقسام وجوههم إلى ناظرة منعمة(1\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "152",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2542",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وباسرة معذبة وتضمنت وصف الروح بأنها جسم ينتقل من مكان إلى مكان فتجمع من تفاريق البدن حتى تبلغ التراق ويقول الحاضرون من راق أي من يرقى من هذه العلة التي أعيت على الحاضرين أي التمسوا له من يرقيه والرقية آخر الطب وقيل من يرقى بها ويصعد أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب فعلى الأول تكون من رقى يرقى كرمى يرمى وعلى الثاني من رقى يرقى كشقى يشقى ومصدره الرقاء ومصدر الأول الرقية والقول الأول أظهر لوجوه أحدها أنه ليس كل ميت يقول حاضروه من يرقى بروحه وهذا إنما يقوله من يؤمن برقي الملائكة بروح الميت وأنهم ملائكة رحمة وملائكة عذاب بخلاف التماس الرقية وهي الدعاء فإنه قل ما يخلو منه المحتضر الثاني أن الروح إنما يرقى بها الملك بعد مفارقتها وحينئذ يقال من يرقى بها وأما قبل المفارقة فطلب الرقية للمريض من الحاضرين أنسب من طلب علم من يرقى بها إلى الله الثالث أن فاعل الرقية يمكن العلم به فيحسن السؤال عنه ويفيد السامع وأما الراقي إلى الله فلا يمكن العلم بتعيينه حتى يسأل عنه ومن إنما يسأل بها عن تعيين ما يمكن السائل أن يصل إلى العلم بتعيينه الرابع أن مثل هذا السؤال إنما يراد به تحضيض وإثارة اهتمام إلى فعل يقع بعد من نحو قوله من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا أو يراد به إنكار فعل ما يذكر بعدها(1\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "153",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2543",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كقوله من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه وفعل الراقي إلى الله لا يحسن فيه واحد من الأمرين هنا بخلاف فاعل الرقية فإنه يحسن فيه الأول الخامس أن هذا خرج على عادة العرب وغيرهم في طلب الرقية لمن وصل إلى مثل تلك الحال فحكى الله سبحانه ما جرت عادتهم بقوله وحذف فاعل القول لأنه ليس الغرض متعلقا بالقائل بل بالقول ولم تجر عادة المخاطبين بأن يقولوا من يرقى بروحه فكان حمل الكلام على ما ألف وجرت العادة بقوله أولى إذ هو تذكير لهم بما يشاهدونه ويسمعونه السادس أنه لو أريد هذا المعنى لكان وجه الكلام أن يقال من هو الراقي ومن الراقي ولا وجه للكلام غير ذلك كما يقال من هو القائل منكما كذا وكذا وفي الحديث من القائل كلمة كذا السابع إن كلمة من إنما يسأل بها عن التعيين كما يقول من الذي فعل كذا ومن ذا الذي قاله فيعلم أن فاعلا وقائلا فعل وقال ولا(1\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "154",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2544",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعلم تعيينه فيسأل عن تعيينه بمن تارة وبأي تارة وهم لم يسألوا عن تعيين الملك الراقي بالروح إلى الله فإن قيل بل علموا أن ملك الرحمة والعذاب صاعد بروحه ولم يعلموا تعيينه فيسأل عن تعيين أحدهما قيل هم يعلمون أن تعيينه غير ممكن فكيف يسألون عن تعيين مالا سبيل للسامع إلى تعيينه ولا إلى العلم به الثامن أن الآية إنما سيقت لبيان يأسه من نفسه ويأس الحاضرين معه وتحقق أسباب الموت وأنه قد حضر ولم يبق شيء ينجع فيه ولا مخلص منه بل هو قد ظن أنه مفارق لا محالة فالحاضرون قد علموا أنه لم يبق لأسباب الحياة المعتادة تأثير في بقائه فطلبوا أسبابا خارجة عن المقدور تستجلب بالرقى والدعوات فقالوا من راق أي من يرقى هذا العليل من أسباب الهلاك والرقية عندهم كانت مستعملة حيث لا يجدي الدواء التاسع أن مثل هذا إنما يراد به النفي والاستبعاد وهو أحد التقديرين في الآية أي لا أحد يرقى من هذه العلة بعد ما وصل صاحبها إلى هذه الحال فهو استبعاد لنفي الرقية لا طلب لوجود الراقي كقوله قال من يحيي العظام وهي رميم أي لا أحد يحييها وقد صارت إلى هذه الحال فإن أريد بها هذا المعنى استحال أن يكون من الرقي وإن أريد بها الطلب استحال أيضا أن يكون منه وقد بينا أنها في مثل هذا إنما تستعمل للطلب أو للإنكار وحينئذ فتقول في الوجه العاشر إنها إما أن يراد(1\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "155",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2545",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "بها الطلب أو الاستبعاد والطلب إما أن يراد به طلب الفعل أو طلب التعيين ولا سبيل إلى حمل واحد من هذه المعاني على الرقي لما بيناه والله أعلم فصل ومن أسرار هذه السورة أنه سبحانه جمع فيها لأوليائه بين جمال الظاهر والباطن فزين وجوههم بالنضرة وبواطنهم بالنظر إليه فلا أجمل لبواطنهم ولا أنعم ولا أحلى من النظر إليه ولا أجمل لظواهرهم من نضرة الوجه وهي إشراقه وتحسينه وبهجته وهذا كما قال في موضع آخر ولقاهم نضرة وسرورا ونظيره قوله يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا فهذا جمال الظاهر وزينته ثم قال ولباس التقوى ذلك خير فهذا جمال الباطن ونظيره قوله إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب فهذا جمال ظاهرها ثم قال وحفظا من كل شيطان مارد فهذا جمال باطنها ونظيره قوله عن امرأة العزيز بعد أن قالت ليوسف اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه(1\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "156",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2546",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين فذكرها لهذا هو من تمام وصفها لمحاسنه وأنه في غاية المحاسن ظاهرا وباطنا وينظر إلى هذا المعنى ويناسبه قوله إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى فقابل بين الجوع والعرى لأن الجوع ذل الباطن والعرى ذل الظاهر وقابل بين الظمأ وهو حر الباطن والضحى وهو حر الظاهر بالبروز للشمس وقريب من هذا قوله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى في ذكر الزاد الظاهر الحسي والزاد الباطن المعنوي فهذا زاد سفر الدنيا وهذا زاد سفر الآخرة ويلم به قول هود ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم فالأول القوة الظاهرة المنفصلة عنهم والثاني الباطنة المتصلة بهم ويشبهه قوله فما له من قوة ولا ناصر فنفى عنهم الدافعين الدافع من أنفسهم والدافع من خارج وهو الناصر فصل ومن أسرارها أنها تضمنت إثبات قدرة الرب على ما علم أنه لا يكون ولا يفعله وهذا على أحد القولين في قوله بلى قادرين على أن نسوي بنانه فأخبر أنه قادر عليه ولم يفعله ولم يرده وأصرح(1\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "157",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2547",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من هذا قوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون وهذا أيضا على أحد القولين أي تغور العيون في الأرض فلا يقدر على الماء قال ابن عباس يريد أن سيغيض فيذهب فلا يكون من هذا الباب بل يكون من باب القدرة على ما سيفعله وأصرح من هذين الموضعين قوله تعالى قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم وقد ثبت عن النبي أنه قال عند نزول هذه الآية quot;أعوذ بوجهكquot; ولكن قد ثبت عنه أنه صلى الله عليه وسلم(1\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "158",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2548",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "لا بد أن يقع في أمته خسف ولكن لا يكون عاما وهذا عذاب من تحت الأرجل وروى أنه كان في الأمة قذف أيضا وهذا عذاب من فوق فيكون هذا من باب الإخبار بقدرته على ما سيفعله وإن أريد به القدرة على عذاب الاستئصال فهو من القدرة على ما لا يريده وقد صرح سبحانه بأنه لو شاء لفعل مالم يفعله في غير موضع من كتابه كقوله ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا وقوله ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ونظائره وهذا مما لا خفاء فيه بين أهل السنة وبه تبين فساد قول من قال إن القدرة لا تكون إلا مع الفعل لا قبله وأن الصواب التفصيل بين القدرة الموجبة والمصححة فنفي القدرة عن الفاعل قبل الملابسة مطلقا خطأ والله أعلم فصل ومن أسرارها أنها تضمنت التأني والتثبت في تلقي العلم وأن لا يحمل السامع شدة محبته وحرصه وطلبه على مبادرة المعلم بالأخذ قبل فراغه من كلامه بل من آداب الرب التي أدب بها نبيه أمره بترك الاستعجال على تلقي الوحي بل يصبر إلى أن يفرغ جبريل من قراءته ثم يقرأه بعد فراغه عليه فهكذا ينبغي لطالب العلم ولسامعه أن يصبر على معلمه حتى يقضي كلامه(1\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "159",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2549",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم يعيده عليه أو يسأل عما أشكل عليه منه ولا يبادره قبل فراغه وقد ذكر الله تعالى هذا المعنى في ثلاثة مواضع من كتابه هذا أحدها والثاني قوله وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما والثالث قوله سنقرئك فلا تنسى فضمن لرسوله أن لا ينسى ما أقرأه إياه وهذا يتناول القراءة وما بعدها وقد ذم الله سبحانه في هذه السورة من يؤثر العاجلة على الآجلة وهذا لاستعجاله بالتمتع بما يغني وإيثاره ما يبقى ورتب كل ذم ووعيد في هذه السورة على هذا الاستعجال ومحبة العاجلة فإرادته أن يفجر أمامه هو من استعجاله وحب العاجلة وتكذيبه بيوم القيامة من فرط حب العاجلة وإيثاره لها واستعجاله بنصيبه وتمتعه به قبل أوانه ولولا حب العاجلة وطلب الاستعجال لتمتع به في الآجلة أكمل ما يكون وكذلك تكذيبه وتوليه وترك الصلاة هو من استعجاله ومحبته العاجلة والرب سبحانه وصف نفسه بضد ذلك فلم يعجل على عبده بل أمهله إلى أن بلغت الروح التراقي وأيقن بالموت وهو إلى هذه الحال مستمر على التكذيب والتولي والرب تعالى لا يعاجله بل يمهله ويحدث له الذكر شيئا بعد شيء ويصرف له الآيات ويضرب(1\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "160",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2550",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "له الأمثال وينبهه على مبدئه من كونه نطفة من منى يمني ثم علقة ثم خلقا سويا فلم يعجل عليه بالخلق وهلة واحدة ولا بالعقوبة إذ كذب خبره وعصى أمره بل كان خلقه وأمره وجزاؤه بعد تمهيل وتدريج وأنا ولهذا ذم الإنسان بالعجلة بقوله وكان الإنسان عجولا وقال خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون فصل ومن أسرارها أن إثبات النبوة والمعاد يعلم بالعقل وهذا أحد القولين لأصحابنا وغيرهم وهو الصواب فإن الله سبحانه أنكر على من حسب أنه يترك سدى فلا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا يعاقب ولم ينف سبحانه ذلك بطريق الخبر المجرد بل نفاه نفي مالا يليق نسبته إليه ونفي منكر على من حكم به وظنه ثم استدل سبحانه على فساد ذلك وبين أن خلقه الإنسان في هذه الأطوار وتنقله فيها طورا بعد طور حتى بلغ نهايته يأبى أن يتركه سدى فإنه ينزه عن ذلك كما ينزه عن العبث والعيب والنقص وهذه طريقة القرآن في غير موضع كما قال تعالى أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم فجعل كمال ملكه وكونه(1\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "161",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2551",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبحانه الحق وكونه لا إله إلا هو وكونه رب العرش المستلزم لربوبيته لكل ما دونه مبطلا لذلك الظن الباطل والحكم الكاذب وإنكار هذا الحسبان عليهم مثل إنكاره عليهم حسبانهم أنه لا يسمع سرهم ونجواهم وحسبان أنه لا يراهم ولا يقدر عليهم وحسبان أنه يسوي بين أوليائه وبين أعدائه في محياهم ومماتهم وغير ذلك مما هو منزه عنه تنزيهه عن سائر العيوب والنقائص وأن نسبة ذلك كنسبة ما يتعالى عنه مما لا يليق من اتخاذ الولد والشريك ونحو ذلك مما ينكره سبحانه على من حسبه أشد الإنكار فدل على أن ذلك قبيح ممتنع نسبته إليه كما يمتنع أن ينسب إليه سائر ما ينافي كماله المقدس ولو كان نفي تركه سدى إنما يعلم بالسمع المجرد لم يقل بعد ذلك ألم يك نطفة إلى آخره ومما يدل أن تعطيل أسمائه وصفاته ممتنع وكذلك تعطيل موجبها ومقتضاها فإن ملكه الحق يستلزم أمره ونهيه وثوابه وعقابه وكذلك يستلزم إرسال رسله وإنزال كتبه وبعث المعاد ليوم يجزى فيه المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته فمن أنكر ذلك فقد أنكر حقيقة ملكه ولم يثبت له الملك الحق ولذلك كان منكر ذلك كافرا بربه وإن زعم أنه يقر بصانع العالم فلم يؤمن بالملك الحق الموصوف بصفات الجلال والمستحق لنعوت الكمال كما أن المعطل لكلامه وعلوه على خلقه لم يؤمن به سبحانه فإنه آمن برب لا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ولا يصعد إليه قول ولا(1\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "162",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2552",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "عمل ولا ينزل من عنده ملك ولا أمر ولا نهي ولا ترفع إليه الأيدي ومعلوم أن هذا الذي آمن به رب مقدر في ذهنه ليس هو رب العالمين وإله المرسلين وكذلك إذا اعتبرت اسمه الحي وجدته مقتضيا لصفات كماله من علمه وسمعه وبصره وقدرته وإرادته ورحمته وفعله ما يشاء واسمه القيوم مقتض لتدبير أمر العالم العلوي والسفلي وقيامه بمصالحه وحفظه له فمن أنكر صفات كماله لم يؤمن بأنه الحي القيوم وإن أقر بذلك ألحد في أسمائه وعطل حقائقها حيث لم يمكنه تعطيل ألفاظها وبالله التوفيق فصل ومن ذلك قوله تعالى كلا والقمر والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر إنها لإحدى الكبر نذيرا للبشر لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر أقسم سبحانه بالقمر الذي هو آية الليل وفيه من الآيات الباهرة الدالة على ربوبية خالقه وبارئه وحكمته وعلمه وعنايته بخلقه ما هو معلوم بالمشاهدة وهو سبحانه أقسم بالسماء وما فيها مما لا نراه من الملائكة وما فيها مما نراه من الشمس والقمر والنجوم وما يحدث بسبب حركات(1\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "163",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2553",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشمس والقمر من الليل والنهار وكل ذلك آية من آياته ودلالة من دلائل ربوبيته ومن تدبر أمر هذين النيرين العظيمين وجدهما من أعظم الآيات في خلقهما وجرمهما ونورهما وحركتهما على نهج واحد لا ينيان ولا يفتران دائبين ولا يقع في حركتهما اختلاف بالبطء والسرعة والرجوع والاستقامة والانخفاض والارتفاع ولا يجري أحدهما في فلك صاحبه ولا يدخل عليه في سلطانه ولا تدرك الشمس القمر ولا يجيء الليل قبل انقضاء النهار بل لكل حركة مقدرة ونهج معين لا يشركه فيه الآخر كما أن له تأثيرا ومنفعة لا يشركه فيها الآخر وذلك مما يدل من له أدنى عقل على أنه بتسخير مسخر وأمر آمر وتدبير مدبر بهرت حكمته العقول وأحاط علمه بكل دقيق وجليل وفرق ما علمه الناس من الحكم التي في خلقهما مالا تصل إليه عقولهم ولا تنتهي إلى مباديها أوهامهم فغايتنا الاعتراف بجلال خالقهما وكمال حكمته ولطف تدبيره وأن نقول ما قاله أولوا الألباب قبلنا ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب ولو أن العبد وصف له جرم أسود مستدير عظيم الخلق يبدو فيه النور كخيط متسخن ثم يتزايد كل ليلة حتى يتكامل نوره فيصير أضوأ شيء وأحسنه وأجمله ثم يأخذ في النقصان حتى يعود إلى حاله الأول فيحصل بسبب ذلك معرفة(1\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "164",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2554",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأشهر والسنين وحساب آجال العالم من مواقيت حجهم وصلاتهم ومواقيت أجائرهم ومدايناتهم ومعاملتهم التي لا تقوم مصالحهم إلا بها فمصالح الدنيا والدين متعلقة بالأهلة وقد ذكر سبحانه ذلك في ثلاث آيات من كتابه أحدها قوله يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج والثانية قوله هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون والثالثة قوله وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا فلولا ما يحدثه الله سبحانه في آيات الليل من زيادة ضوئها ونقصانه لم يعلم ميقات الحج والصوم والعدة ومدة الرضاع ومدة الحمل ومدة الإجارة ومدة آجال الحاملات فإن قيل كان يمكن هذا بحركة الشمس والأيام التي تحفظ بطلوع الشمس وغروبها كما يعرف أهل الكتابين مواقيت صيامهم وأعيادهم بحساب الشمس قيل هذا وإن كان ممكنا إلا أنه يعسر ضبطه ولا يقف عليه إلا الآحاد من الناس ولا ريب أن معرفة أوائل الشهور وأوساطها وأواخرها بالقمر أمر يشترك فيه الناس(1\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "165",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2555",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو أسهل من معرفة ذلك بحساب الشمس وأقل اضطرابا واختلافا ولا يحتاج إلى تكلف حساب وتقليد من لا يعرفه من الناس لمن يعرفه فالحكمة البالغة التي في تقدير السنين والشهور بسير القمر أظهر وأنفع وأصلح واقل اختلافا من تقديرها بسير الشمس فالرب جل جلاله دبر الأهلة بهذا التدبير العجيب لمنافع خلقه في مصالح دينهم ودنياهم مع ما يتصل به من الاستدلال به على وحدانية الرب وكمال حكمته وعلمه وتدبيره فشهادة الحق بتغير الأجرام الفلكية وقيام أدلة الحدوث والخلق عليها فهي آيات ناطقة بلسان الحال على تكذيب الدهرية وزنادقة الفلاسفة والملاحدة القائلين بأنها أزلية أبدية لا يتطرق إليها التغيير ولا يمكن عدمها فإذا تأمل البصير القمر مثلا وافتقاره إلى محل يقوم به وسيره دائبا لا يفتر مسير مسخر مدبر وهبوطه تارة وارتفاعه تارة وأفوله تارة وظهوره تارة وذهاب نوره شيئا فشيئا ثم عوده إليه كذلك وسبب ضوئه جملة واحدة حتى يعود قطعة مظلمة بالكسوف علم قطعا أنه مخلوق مربوب مسخر تحت أمر خالق قاهر مسخر له كما يشاء وعلم أن الرب سبحانه لم يخلق هذا باطلا وأن هذه الحركة فيه لا بد أن تنتهي إلى الانقطاع والسكون وأن هذا الضوء والنور لا بد أن ينتهي إلى ضده وأن هذا السلطان لا بد أن ينتهي إلى العزل(1\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "166",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2556",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسيجمع بينهما جامع المتفرقات بعد أن لم يكونا مجتمعين ويذهب بهما حيث شاء ويرى المشركين من عبدتهما حال آلهتهم التي عبدوها من دونه كما يرى عباد الكواكب انتثارها وعباد السماء انفطارها وعباد الشمس تكويرها وعباد لأصنام إهانتها وإلقاءها في النار أحقر شيء وأذله وأصغره كما أرى عباد العجل في الدنيا حاله ومبارد وعباده تسحقه وتمحقه والريح تمزقه وتذروه وتنسفه في اليم وكما أرى الأصنام في الدنيا صورها مكسرة مخردلة ملقاة بالأمكنة القذرة ومعاول الموحدين قد هشمت منها تلك الوجوه وكسرت تلك الرؤوس وقطعت تلك الأيدي والأرجل التي كانت لا يوصل إليها بغير التقبيل والاستلام وهذه سنة الله التي لا تبدل وعادته التي لا تحول أنه يرى عابد غيره حال معبوده في الدنيا والآخرة وإن كان المعبود غير راض بعبادة غيره ويريه تبريه منه ومعاداته له أحوج ما يكون إليه ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين . تأمل سطور الكائنات فإنها ... من الملك الأعلى إليك رسائل وقد خط فيها لو تأملت خطها ... ألا كل شيء ما خلا الله باطل ولو شاء تعالى لأبقى القمر على حالة واحدة لا يتغير وجعل التغيير في الشمس ولو شاء لغيرهما معا ولو شاء لأبقاهما على حالة واحدة ولكن يرى عباده آياته في أنواع تصاريفها ليدلهم على أنه(1\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "167",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2557",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "الله الذي لا إله إلا هو الملك الحق المبين الفعال لما يريد ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين وأما تأثير القمر في ترطيب أبدان الحيوان والنبات وفي المياه وجزر البحر ومده وبحرانات الأمراض وتنقلها من حال إلى حال وغير ذلك من المنافع فامر ظاهر فصل وما أقسامه سبحانه بـ: والليل إذ أدبر فلما في أدباره وإقبال النهار من أبين الدلالات الظاهرة على المبدأ والمعاد فإنه مبدأ ومعاد يومي مشهود بالعيان بينما الحيوان في سكون الليل قد هدأت حركاتهم وسكنت أصواتهم ونامت عيونهم وصاروا إخوان الأموات إذ أقبل من النهار داعيه وأسمع الخلائق مناديه فانتشرت منهم الحركات وارتفعت منهم الأصوات حتى كأنهم قاموا أحياء من القبور يقول قائلهم الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور فهو معاد جديد بدأه وأعاده الذي يبدىء ويعيد فمن ذهب بالليل وجاء بالنهار سوى الواحد القهار(1\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "168",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2558",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فمن تأمل حال الليل إذا عسعس وأدبر والصبح إذا تنفس وأسفر فهزم جيوش الظلام بنفسه وأضاء أفق العالم بقبسه وفل كتائب الكواكب بعساكره وأضحك نواحي الأرض بتباشيره وبشائره فيالهما آيتان شاهدتان بوحدانية منشئهما وكمال ربوبيته وعظم قدرته وحكمته فتبارك الذي جعل طلوع الشمس وغروبها مقيما لسلطان الليل والنهار فلولا طلوعها لبطل أمر العالم كله فكيف كان الناس يسعون في معاشهم ويتصرفون في أمورهم والدنيا مظلمة عليهم وكيف كانت تهنيهم الحياة مع فقد لذة النور وروحه وأي ثمار ونبات وحيوان كان يوجد وكيف كانت تتم مصالح أبدان الحيوان والنبات ولولا غروبها لم يكن للناس هدو ولا قرار مع علم حاجتهم إلى الهدو لراحة أبدانهم وجموم حواسهم فلولا جثوم هذا الليل عليهم بظلمته ما هدأوا ولا قروا ولا سكنوا بل جعله أحكم الحاكمين سكنا ولباسا كما جعل النهار ضياء ومعاشا ولولا الليل وبرده لاحترقت أبدان النبات والحيوان من دوام شروق الشمس عليها وكان يحرق ما عليها من نبات وحيوان فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن جعلها سراجا يطلع على العالم في وقت حاجتهم إليه ويغيب في وقت استغنائهم عنه فطلوعه لمصلحتهم وغيبته لمصلحتهم وصار النور والظلمة على تضادهما متعاونين متضافرين على مصلحة هذا العالم وقوامه فلو جعل الله سبحانه النهار سرمدا إلى يوم القيامة والليل سرمدا إلى(1\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "169",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2559",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يوم القيامة لفاتت مصالح العالم واشتدت الضرورة إلى تغيير ذلك وإزالته بضده وتأمل حكمته سبحانه في ارتفاع الشمس وانخفاضها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة وما في ذلك من مصالح الخلق ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد منها مواد الثمار ويكثف الهواء فينشأ منه السحاب وينعقد فيحدث المطر الذي به حياة الأرض ونماء أبدان الحيوان والنبات وحصول الأفعال والقوى وحركات الطبائع وفي الصيف يخرم الهواء فيضج الثمار وتشتد الحبوب ويجفف وجه الأرض فيتهيأ العمل وفي الخريف يصفو الهواء وتبرد الحرارة ويمتد الليل وتستريح الأرض والشجر للحمل والنبات مرة ثانية بمنزلة راحة الحامل بين الحملين ففي هذه الأزمنة مبدأ ومعاد مشهود وشاهد بالمبدأ والمعاد الغيبي والمقصود أن بحركة هذين النيرين تتم مصالح العالم وبذلك يظهر الزمان فإن الزمان مقدار الحركة فالسنة الشمسية مقدار سير الشمس من نقطة الحمل إلى مثلها والسنة القمرية مقدرة بسير القمر وهو أقرب إلى الضبط واشترك الناس في العلم به وقدر أحكم الحاكمين تنقلهما في منازلهما لما في ذلك من تمام الحكمة ولطف التدبير فإن الشمس لو كانت تطلع وتغرب في موضع واحد لا تتعداه لما وصل ضوءها وشعاعها إلى كثير من الجهات فكان نفعها يفقد هناك فجعل الله سبحانه طلوعها دوالا بين الأرض لينال نفعها وتأثيرها(1\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "170",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2560",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البقاع فلا يبقى موضع من المواضع التي يمكن أن تطلع عليها إلا أخذ بقسطه من نفعها واقتضى هذا التدبير المحكم أن وقع مقدار الليل والنهار على أربعة وعشرين ساعة ويأخذ كل منهما من صاحبه ومنتهى كل منها إذا امتد خمسة عشر ساعة فلو زاد مقدار النهار على ذلك إلى خمسين ساعة مثلا أو أكثر لاختل نظام العالم وفسد أكثر الحيوان والنبات ولو نقص مقداره عن ذلك لاختل النظام أيضا وتعطلت المصالح ولو استويا دائما لما اختلفت فصول السنة التي باختلافها مصالح العباد والحيوان فكان في هذا التقدير والتدبير المحكم من الآيات والمصالح والمنافع ما يشهد بأن ذلك تقدير العزيز العليم ولهذا يذكر سبحانه هذا التقدير ويضيفه إلى عزته وعلمه كما قال تعالى وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم وقال تعالى قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك(1\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "171",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2561",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "تقدير العزيز العليم وقال تعالى فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم فهذه ثلاثة مواضع يذكر فيها أن تقدير حركات الشمس والقمر والأجرام العلوية وما ينشأ عنها كان من مقتضى عزته وعلمه وأنه قدره بهاتين الصفتين وفي هذا تكذيب لأعداء الله الملاحدة الذين ينفون قدرته واختياره وعلمه بالمغيبات فصل وأقسم سبحانه بهذه الأشياء الثلاثة وهي القمر والليل إذا أدبر والصبح إذا أسفر على المعاد لما في القسم من الدلالة على ثبوت المقسم عليه فإنه يتضمن كمال قدرته وحكمته وعنايته بخلقه وإبداء الخلق وإعادته كما هو مشهود في إبداء النهار والليل وإعادتهما وفي إبداء النور وإعادته في القمر وفي إبداء الزمان وإعادته الذي هو حاصل بسير الشمس والقمر وإبداء الحيوان والنبات وإعادتهما وإبداء فصول السنة وإعادتها وإبداء ما يحدث في تلك الفصول وإعادته فكل ذلك دليل ظاهر على المبدأ والمعاد الذي أخبرت به الرسل كلهم عنه فصرف سبحانه الآيات الدالة على صدق رسله ونوعها وجعلها للفطر تارة والسمع تارة والمشاهدة تارة فجعلها آفاقية ونفسية ومنقولة ومعقولة ومشهودة بالعيان ومذكورة بالجنان فأبى الظالمون إلا كفورا واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم(1\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "172",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2562",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا ولما أقام الحجة وبين الحجة إرتهن كل نفس بكسبها وآخذها بذنبها واستثنى من أولئك من قبل هداه واتبع رضاه وهم أصحاب اليمين الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين وسلكوا غير سبيل المجرمين الذين ليسوا من المصلين ولا من مطعمي المسكين وهم من أهل الخوض مع الخائضين المكذبين بيوم الدين فهذه أربع صفات أخرجتهم من زمرة المفلحين وأدخلتهم في جملة الهالكين الأولى ترك الصلاة وهي عمود الإخلاص للمعبود الثانية ترك إطعام المسكين الذي هو من مراتب الإحسان للعبيد فلا إخلاص للخلق ولا إحسان للمخلوق كما قال تعالى الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون وقال ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون وهذا ضد ما وصف به أصحاب اليمين بقوله الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون وقال تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون وقرن سبحانه بين هذين الأصلين في غير موضع في كتابه فأمر بهما تارة وأثنى على فاعليهما تارة وتوعد بالويل والعقاب تاركهما تارة فإن مدار النجاة عليهما ولا فلاح لمن أخل بهما(1\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "173",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2563",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصفة الثالثة والرابعة الخوض بالباطل والتكذيب بالحق فاجتمع لهم عدم الإخلاص والإحسان والخوض بالباطل والتكذيب بالحق واجتمع لأصحاب اليمين الإخلاص والإحسان والتصديق بالحق والتكلم به فاستقام إخلاصهم وإحسانهم ويقينهم وكلامهم واستبدل أصحاب الشمال بالإخلاص شركا وبالإحسان اساءة وباليقين شكا وتكذيبا وبالكلام النافع خوضا في الباطل فلذلك لم تنفعهم شفاعة الشافعين أي لم يكن لهم من شفيع فيهم لأن الشفاعة تقع فيهم ولا تنفع وهذا لما أعرضوا عن التذكرة ولم يرفعوا بها رأسا وجفلوا عن سماعها كما تجفل حمر الوحش من الأسد أو من الرماة ثم ختم السورة بأنه جمع فيها بين شرعه وقدره وإقامة الحجة عليهم بإثبات المشيئة لهم وبيان مقتضى التوحيد والربوبية وأن ذلك إليه لا إليهم فالأول عدله والثاني فضله فالأول يوجب السعي والطلب والحرص على ما ينجيهم كما يفعلون ذلك في مصالح دنياهم بل أشد والثاني يوجب الإستعانة والتوكل والتفويض والرغبة إلى من ذلك بيده ليسهل لهم ويوفقهم والله المستعان وعليه التكلان(1\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "174",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2564",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل ومن ذلك قوله فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم إلى آخرها قال مقاتل بما تبصرون من الخلق ومالا تبصرون منه وقال قتادة أقسم بالأشياء كلها بما يبصر منها ومالا يبصر وقال الكلبي تبصرون من شيء ومالا تبصرون من شيء وهذا أعم قسم وقع في القرآن فإنه يعم العلويات والسفليات والدنيا والآخرة وما يرى وما لا يرى ويدخل في ذلك الملائكة كلهم والجن والأنس والعرش والكرسي وكل مخلوق وكل ذلك من آيات قدرته وربوبيته وهو سبحانه يصرف الأقسام كما يصرف الآيات ففي ضمن هذا القسم أن كل ما يرى ومالا يرى آية ودليل على صدق رسوله وأن ما جاء به هو من عند الله وهو كلامه لا كلام شاعر ولا مجنون ولا كاهن ومن تأمل المخلوقات ما يراه منها وما لا يراه واعتبر ما جاء به الرسول بها ونقل فكرته في مجاري الخلق والأمر ظهر له أن هذا القرآن من عند الله وأنه كلامه وهو أصدق الكلام وأنه حق ثابت كما أن سائر الموجودات ما يرى منها ومالا يرى حق كما قال تعالى فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون أي إن كان نطقكم حقيقة وهو أمر موجود لا تمارون فيه ولا تشكون(1\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "175",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2565",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهكذا ما أخبرتكم به من التوحيد والمعاد والنبوة حق كما في الحديث إنه لحق مثل ما أنك ههنا فكأنه سبحانه يقول إن القرآن حق كما أن ما شاهدوه من الخلق ومالا يشاهدونه حق موجود بل لو فكرتم فيما تبصرون وما لا تبصرون لدلكم ذلك على أن القرآن حق ويكفي الإنسان من جميع ما يبصره وما لا يبصره بعينه ومبدأ خلقه ونشأته وما يشاهده من أحواله ظاهرا وباطنا ففي ذلك أبين دلالة على وحدانية الرب وثبوت صفاته وصدق ما أخبر به رسوله وما لم يباشر قلبه ذلك حقيقة لم تخالط بشاشة الإيمان قلبه ثم ذكر سبحانه المقسم عليه فقال إنه لقول رسول كريم وهذا رسوله البشري محمد وفي إضافته إليه باسم الرسالة أبين دليل أنه كلام المرسل فمن أنكر أن يكون الله قد تكلم بالقرآن فقد أنكر حقيقة الرسالة ولو كانت إضافته إليه إضافة إنشاء وابتداء لم يكن رسولا ولناقض ذلك إضافته إلى رسوله الملكي في سورة التكوير ثم بين سبحانه كذب أعدائه وبهتهم في نسبة كلامه تعالى إلى غيره وأنه لم يتكلم به بل قاله من تلقاء نفسه كما بين كذب من قال إن هذا إلا قول البشر فمن زعم أنه قول البشر فقد كفر وسيصليه الله سقر ثم أخبر سبحانه أنه تنزيل من رب العالمين وذلك يتضمن أمورا:(1\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "176",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2566",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها أنه تعالى فوق خلقه كلهم وأن القرآن نزل من عنده والثاني أنه تكلم به حقيقة لقوله من رب العالمين ولو كان غيره هو المتكلم به لكان من ذلك الغير ونظير هذا قوله ولكن حق القول مني ونظيره قوله قل نزله روح القدس من ربك بالحق وقوله تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم وقوله تنزيل من حكيم حميد وما كان من الله فليس بمخلوق ولا ينتقض هذا بأن الرزق والمطر وما في السماوات والأرض جميعا منه وهو مخلوق لأن ذلك كله أعيان قائمة بنفسها وصفات وأفعال لتلك الأعيان فإضافتها إلى الله سبحانه وانها منه إضافة خلق كإضافة بيته وعبده وناقته وروحه وبابه إليه بخلاف كلامه فإنه لا بد أن يقوم بمتكلمه إذ كلام من غير متكلم كسمع من غير سامع وبصره من غير مبصر وذلك عين المحال فإذا أضيف إلى الرب كان بمنزلة إضافة سمعه وبصر وحياته وقدرته وعلمه ومشيئته إليه ومن زعم أن هذه إضافة مخلوق إلى خالق فقد زعم أن الله لا سمع له ولا بصر ولا حياة ولا قدرة ولا مشيئة تقوم به وهذا هو التعطيل الذي هو شر من الاشراك وإن زعم أن إضافة السمع والبصر والعلم والحياة والقدرة إضافة صفة إلى موصوف فإضافة الكلام إليه إضافة مخلوق إلى خالق فقد تناقض وخرج عن موجب العقل والفطرة(1\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "177",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2567",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والشرع ولغات الأمم وفرق بين متماثلين حقيقة وعقلا وشرعا وفطرة ولغة وتأمل كيف إضافه سبحانه إلى الرسول بلفظ القول وأضافه إلى نفسه بلفظ الكلام في قوله حتى يسمع كلام الله فإن الرسول يقول للمرسل إليه ما أمر بقوله فيقول قلت كذا وكذا وقلت له ما أمرتني أن أقوله كما قال المسيح ما قلت لهم إلا ما أمرتني به والمرسل يقول للرسول قل لهم كذا وكذا كما قال تعالى قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ونظائره فإذا بلغ الرسول ذلك صح أن يقال قال الرسول كذا وهذا قول الرسول أي قاله مبلغا وهذا قوله مبلغا عن مرسله ولا يجيء في شيء من ذلك تكلم لهم بكذا وكذا ولا تكلم الرسول بكذا وكذا ولا أنه بكلام رسول كريم ولا في موضع واحد بل قيل للصديق وقد تلى آية هذا كلامك وكلام صاحبك فقال ليس بكلامي ولا كلام صاحبي هذا كلام الله(1\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "178",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2568",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل الأمر الثالث ما تضمنه قوله تنزيل من رب العالمين إنه ربوبيته الكاملة لخلقة تأبى أن يتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يرشدهم إلى ما ينفعهم ويحذرهم ما يضرهم بل يتركهم هملا بمنزلة الأنعام السائمة فمن زعم ذلك لم يقدر رب العالمين قدره ونسبه إلا مالا يليق به تعالى فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم ثم أقام سبحانه البرهان القاطع على صدق رسوله وأنه لم يتقول عليه فيما قاله وأنه لو تقول عليه لما أقره ولعاجله بالإهلاك فإن كمال علمه وقدرته وحكمته تأبى أن يقر من تقول عليه وافترى عليه وأضل عباده واستباح دماء من كذبه وحريمهم وأموالهم وأظهر في الأرض الفساد والجور والكذب وخالف الخلق فكيف يليق بأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأقدر القادرين أن يقره على ذلك بل كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بأهل الحق يسفك دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم قائلا إن الله أمرني بذلك وأباحه لي بل كيف يليق به أن يصدقه بأنواع التصديق كلها فيصدقه بإقراره وبالآيات المستلزمة لصدقه التي دلالتها على التصديق(1\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "179",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2569",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كدلالة التصديق بالقول وأظهر ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها فكل آية على انفرادها مصدقة له ثم يحصل باجتماع تلك الآيات تصديق فوق تصديق كل آية بمفردها ثم يعجز الخلق عن معارضته ثم يصدقه بكلامه وقوله ثم يقيم الدلالة القاطعة على أن هذا قوله وكلامه فيشهد له بإقراره وفعله وقوله فمن أعظم المحال وأبطل الباطل وأبين البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين ورب العالمين أن يفعل ذلك بالكاذب المفترى عليه الذي هو شر الخلق على الإطلاق فمن جوز على الله أن يفعل هذا بشر خلقه وأكذبهم فما آمن بالله قطعا ولا عرف الله ولا هذا هو رب العالمين ولا يحسن نسبة ذلك إلى من له مسكة من عقل وحكمة وحجى ومن فعل ذلك فقد أزرى بنفسه ونادى على جهله وأذكر في هذا مناظرة جرت لي مع بعض اليهود قلت له بعد أن أقضى في نبوة النبي إلى أن قلت له إنكار نبوته يتضمن القدح في رب العالمين وتنقصه بأقبح التنقص فكان الكلام معكم في الرسول والكلام الآن في تنزيه الرب تعالى فقال كيف تقول مثل هذا الكلام فقلت له بيانه علي فاسمع الآن أنتم تزعمون أنه لم يكن رسولا وإنما كان ملكا قاهرا قهر الناس بسيفه حتى دانوا له ومكث ثلاثا وعشرين سنة يكذب على الله ويقول أوحى إلي ولم يوح إليه وأمرني ولم يأمره ونهاني ولم ينهه وقال الله كذا ولم يقل ذلك وأحل كذا(1\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "180",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2570",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحرم كذا وأوجب كذا وكره كذا ولم يحل ذلك ولا حرمه ولا أوجبه بل هو فعل ذلك من تلقاء نفسه كاذبا مفتريا على الله وعلى أنبيائه وعلى رسله وملائكته ثم مكث من ذلك ثلاث عشرة سنة يستعرض عباده يسفك دمائهم ويأخذ أموالهم ويسترق نساءهم وأبناءهم ولا ذنب لهم إلا الرد عليه ومخالفته وهو في ذلك كله يقول الله أمرني بذلك ولم يأمره ومع ذلك فهو ساع في تبديل أديان الرسل ونسخ شرائعهم وحل نواميسهم فهذه حاله عندكم فلا يخلو إما أن يكون الرب تعالى عالما بذلك مطلعا عليه من حاله يراه ويشاهده أم لا فإن قلتم إن ذلك جميعه غائب عن الله لم يعلم به قد حتم في الرب تعالى ونسيتموه إلى الجهل المفرط إذ لم يطلع على هذا الحادث العظيم ولا علمه ولا رآه وإن قلتم بل كان ذلك بعلمه وإطلاعه ومشاهدته قيل لكم فهل كان قادرا على أن يغير ذلك ويأخذ على يده ويحول بينه وبينه أم لا فإن قلتم ليس قادرا على ذلك نسبتموه إلى العجز المنافي للربوبية وكان هذا الإنسان هو وأتباعه أقدر منه على تنفيذ إرادتهم وإن قلتم بل كان قادرا ولكن مكنه ونصره وسلطه على الخلق ولم ينصر أولياءه وأتباع رسله نسبتموه إلى أعظم السفه والظلم والإخلال بالحكمة هذا لو كان مخلى بينه وبين ما فعله فكيف وهو في ذلك كله ناصره ومؤيده ومجيب دعواته(1\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "181",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2571",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومهلك من خالفه وكذبه ومصدقه بأنواع التصديق ومظهر الآيات على يديه التي لو اجتمع أهل الأرض كلهم على أن يأتوا بواحدة منها لما أمكنهم ولعجزوا عن ذلك وكل وقت من الأوقات يحدث له من أسباب النصر والتمكين والظهور والعلو وكثرة الأتباع أمرا خارجا عن العادة فظهر أن من أنكر كونه رسولا نبيا فقد سبب الله وقدح فيه ونسبه إلى الجهل والعجز والسفه قلت له ولا ينتقض هذا بالملوك الظلمة الذين مكنهم الله في الأرض وقتا ما ثم قطع دابرهم وأبطل سنتهم ومحا آثارهم وجورهم فإن أولئك لم يعيدوا شيئا من هذا ولا أيدوا ونصروا وظهرت على أيديهم الآيات ولا صدقهم الرب تعالى بإقراره ولا بفعله ولا بقوله بل أمرهم كان بالضد من أمر الرسول كفرعون ونمرود وأضرابهما ولا ينتقص هذا بمن ادعى النبوة من الكذابين فإن حالة كانت ضد حال الرسول من كل وجه بل حالهم من أظهر الأدلة على صدق الرسول ومن حكمة الله سبحانه أن أخرج مثل هؤلاء إلى الوجود ليعلم حال الكذابين وحال الصادقين وكان ظهورهم من أبين الأدلة على صدق الرسل والفرق بين هؤلاء وبينهم فبضدها تتبين الأشياء والضد يظهر حسنه الضد فمعرفة أدلة الباطل وشبهه من أنواع أدلة الحق وبراهينه فلما سمع ذلك قال معاذ الله لا نقول أنه ملك ظالم بل نبي كريم من اتبعه فهو من السعداء وكذلك من اتبع موسى فهو كمن اتبع محمدا(1\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "182",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2572",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت له بطل كل ما تموهون به بعد هذا فإنكم إذا أقررتم أنه نبي صادق فلا بد من تصديقه في جميع ما أخبر به وقد علم أتباعه وأعداؤه بالضرورة أنه دعا الناس كلهم إلى الإيمان وأخبر أن من لم يؤمن به فهو كافر مخلد في النار وقاتل من لم يؤمن به من أهل الكتاب وسجل عليهم بالكفر واستباح أموالهم ودماءهم ونساءهم وأبناءهم فإن كان ذلك عدوانا منه وجور ألم يكن نبيا وعاد الأمر إلى القدح في الرب تعالى وإن كان ذلك بأمر الله ووحيه لم يسع أحدا مخالفته وترك أتباعه ولزم تصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر وقد أرشد سبحانه إلى هذا الملك في غير موضع من كتابه فقال ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين يقول سبحانه لو تقول علينا قولا واحدا من تلقاء نفسه لم نقله ولم نوحه إليه لما أقررناه ولأخذنا بيمنه ثم أهلكناه هذا أحد القولين قال ابن قتيبة في هذا قولان أحدهما أن اليمين القوة والقدرة وأقام اليمين مقام القوة لأن قوة كل شيء في ميامنه قلت وعلى هذا تكون اليمين من صفة الأخذ وهذا قول ابن عباس في اليمين قال ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر وهذا أن الكلام ورد على ما اعتاده الناس من الأخذ بيد من يعاقب وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل خذ بيده وأكثر ما يقوله السلطان(1\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "183",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2573",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحاكم بعد وجوب الحكم خذ بيده واسفع بيده فكأن قال لو كذب علينا في شيء مما بلغ إليكم عنا لأخذنا بيمينه ثم عاقبناه بقطع الوتين وإلى هذا المعنى ذهب الحسن فقد أخبر سبحانه أنه لو تقول عليه شيئا من الأقاويل لما أقره ولعاجله بالعقوبة فإن كذبا على الله ليس ككذب على غيره ولا يليق به أن يقر الكاذب عليه فضلا عن أن ينصره ويؤيده ويصدقه وبقوله ثم لقطعنا منه الوتين والوتين نياط القلب وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب إذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه هذا قول جميع أهل اللغة قال ابن قتيبة ولم يرد أنا نقطع ذلك العرق بعينه ولكنه أراد لو كذب علينا لأمتناه أو قتلناه فكان كمن قطع وتينه قال ومثله قوله ما زالت أكلة خيبر تعاودني وهذا أوان قطعت أبهري(1\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "184",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2574",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والأبهر عرق يتصل بالقلب فإذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال فهذا أوان قتلني السم فكنت كمن انقطع أبهره ثم قال تعالى فما منكم من أحد عنه حاجزين أي لا يحجزه مني أحد ولا يمنعه مني الموضع الثاني قوله تعالى أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور وفي معنى الآية للناس قولان أحدهما قول مجاهد ومقاتل إن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك والثاني قول قتادة إن يشأ الله ينسك القرآن ويقطع عنك الوحي وهذا القول دون الأول لوجوه أحدها أن هذا خرج جوابا لهم وتكذيبا لقولهم أن محمدا كذب على الله وافترى عليه هذا القرآن فأجابهم بأحسن جواب وهو أن الله تعالى قادر لا يعجزه شيء فلو كان كما تقولون لختم على قلبه فلا يمكنه أن يأتي بشيء منه بل يصير القلب كالشيء المختوم عليه فلا يوصل إلى ما فيه فيعود المعنى إلى أنه لو افترى علي لم أمكنه ولم أقره ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر من قلب مختوم عليه فإن فيه من علوم الأولين والآخرين وعلم المبدأ والمعاد والدنيا والآخرة والعلم الذي لا يعلمه إلا الله والبيان التام والجزالة والفصاحة والجلالة والأخبار بالغيوب(1\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "185",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2575",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مالم يمكن من ختم على قلبه أن يأتي به ولا ببعضه فلولا أني أنزلته على قلبه ويسرته بلسانه لما أمكنه أن يأتيكم بشيء منه فأين هذا إلى المعنى الذي ذكره الآخرون وكيف يلتئم مع حكاية قولهم وكيف يتضمن الرد عليهم الوجه الثاني أن مجرد الربط على قلبه بالصبر على أذاهم يصدر من المحق والمبطل فلا يدل ذلك على التمييز بينهما ولا يكون فيه رد لقوهم فإن الصبر على أذى المكذب لا يدل بمجرده على صدق المخبر الثالث أن الرابط على قلب العبد لا يقال له ختم على قلبه ولا يعرف هذا في عرف المخاطب ولا لغة العرب ولا هو المعهود في القرآن بل المعهود استعمال الختم على القلب في شأن الكفار في جميع موارد اللفظ في القرآن كقوله ختم الله على قلوبهم وقوله أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة ونظائره وأما ربطه على قلب العبد بالصبر فكقوله وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض وقوله وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها والإنسان يسوغ له في الدعاء أن يقول اللهم إربط على قلبي ولا يحسن أن يقول اللهم اختم على قلبي الرابع أنه سبحانه حيث يحكى أقوالهم أنه افتراه لا يجيبهم(1\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "186",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2576",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه هذا الجواب بل يجيبهم بأنه لو افتراه لم يملكوا له من الله شيئا بل كان يأخذه ولا يقدرون على تخليصه كقوله أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا وتارة يجيبهم بالمطالبة بمعارضته بمثلة أو شيء منه وتارة بإقامة الأدلة القاطعة على أنه الحق وأنهم هم الكاذبون المفترون وهذا هو الذي يحسن في جواب هذا السؤال لا مجرد الصبر الخامس أن هذه الآية نظير ما نحن فيه وأنه لو شاء لما أقره ولا مكنه وتفسير القرآن بالقرآن من أبلغ التفاسير السادس أنه لا دلالة في سياق الآية على الصبر بوجه ما لا بالمطابقة ولا التضمن ولا اللزوم فمن أين يعلم أنه أراد ذلك ولم يستمر هذا المعنى في غير هذا المعنى فيحمل عليه بخلاف كونه يحول بينه وبينه ولا يمكنه من الإفتراء عليه فقد ذكره في مواضع السابع أنه سبحانه أخبر أنه لو شاء لما تلاه عليهم ولا أدراهم به وأن ذلك إنما هو بمشيئته وإذنه وعلمه كما قال تعالى قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به وهذا من أبلغ الحجج وأظهرها أي هذا الكلام ليس من قبلي ولا من عندي ولا أقدر أن أفتريه على الله ولو كان ذلك مقدورا لي لكان مقدورا لمن هو من أهل العلم والكتابة ومخالطة الناس والتعلم منهم ولكن الله بعثني به ولو شاء سبحانه لم ينزله ولم ييسره بلساني فلم يدعني أتلوه عليكم وإن أعلمكم به ألبتة(1\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "187",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2577",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا على لساني ولا على لسان غيري ولكنه أوحاه إلي وأذن لي في تلاوته عليكم وأدراكم به بعد أن لم تكونوا دارين به فلو كان كذبا وافتراء كما تقولون لأمكن غيري أن يتلوه عليكم وتدرون به من جهته لأن الكذب لا يعجز عنه البشر وأنتم لم تدروا بهذا ولم تسمعوه إلا مني ولم تسمعوه من بشر غيري ثم أجاب عن سؤال مقدر وهو أنه تعلمه من غيره أو افتراه من تلقاء نفسه فقال فقد لبثت فيكم عمرا من قبله تعلمون حالي ولا يخفى عليكم سيري ومدخلي ومخرجي وصدقي وأمانتي ومن هذا لم أتمكن من قول شيء منه ألبته ولا كان لي به علم ولا ببعضه ثم أتيتكم به وهلة من غير تعمل ولا تعلم ولا معاناة للأسباب التي أتمكن بها منه ولا من بعضه وهذا من أظهر الأدلة وأبين البراهين أنه من عند الله أوحاه إلي وأنزله علي ولو شاء ما فعل فلم يمكني من تلاوته ولا أمكنكم من العلم به بل مكنني من تلاوته ومكنكم من العلم به فلم تكونوا عالمين به ولا ببعضه ولم أكن قبل أن يوحى إلي تاليا له ولا لبعضه فتأمل صحة هذا الدليل وحسن تأليفه وظهور دلالته ومن هذا قوله سبحانه ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا وهذا هو المناسب لقوله أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على(1\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "188",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2578",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلبك ولقوله ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين وبرهان مستقل مذكور في القرآن على وجوه متعددة والله أعلم الثامن أن مثل هذا التركيب إنما جاء في القرآن للنفي لا للإثبات كقوله تعالى ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك وقوله إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وقوله إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره وقوله إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء ونظائره لم يأت إلا فيما كان ما بعد فعل المشيئة منفيا التاسع أن الختم على القلب لا يستلزم الصبر بل قد يختم على قلب العبد ويسلبه صبره بل إذا ختم على القلب زال الصبر وضعف بخلاف الربط على القلب فإنه يستلزم الصبر كما قال تعالى وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ومعنى الربط في اللغة الشد ولهذا يقال لكل من صبر على أمر ربط قلبه كأنه حبس قلبه عن الإضطراب ومنه يقال هو رابط الجأش وقد طن الواحدي أن على زائدة والمعنى يربط قلوبكم وليس كما ظن بل بين ربط الشيء والربط عليه فرق ظاهر فإنه يقال ربط الفرس والدابة ولا يقال ربط عليها فإذا أحاط الربط بالشيء وعمه قيل ربط(1\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "189",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2579",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه كأنه أحاط عليه بالربط فلهذا قيل ربط على قلبه وكان أحسن من أن يقال ربط قلبه والمقصود أن هذا الربط يكون معه الصبر أشد وأثبت بخلاف الختم العاشر أن الختم هو شد القلب حتى لا يشعر ولا يفهم فهو مانع يمنع العلم والتقصد والنبي كان يعلم قول أعدائه أنه افترى القرآن ويشعر به فلم يجعل الله على قلبه مانعا من شعوره بذلك وعلمه به فإذا قيل الأمر كذلك ولكن جعل الله على قلبه مانعا من الأذى بقولهم قيل هذا أولى أن يسمى ختما وقد كان يؤذيه قولهم ويحزنهم كما قال تعالى قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون وكان وصول هذا الأذى إليه من كرامة الله له فإنه لم يؤذ نبي ما أوذى فالقول في الآية هو قول قتادة والله أعلم ثم أخبر سبحانه أن القرآن تذكره للمتقين يتذكر به المتقى فيبصر ما ينفعه فيأتيه وما يضره فيجتنبه ويتذكر به أسماء الرب تعالى وصفاته وأفعاله فيؤمن ويتذكر به ثوابه وعقابه ووعيده وأمره ونهيه وآياته في أوليائه وأعدائه ونفسه وما يزكيها ويطهرها ويعليها وما يدسيها ويخفيها ويحقرها ويذكر به علم المبدأ والمعاد والجنة والنار وعلم الخير والشر فهو التذكرة على الحقيقة تذكرة حجة للعالمين ومنفعة وهداية للمتعلمين(1\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "190",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2580",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم قال سبحانه وإنا لنعلم أن منكم مكذبين أي لا يخفون علينا فسنجازيهم بتكذيبهم ثم أخبر سبحانه أن رسوله وكلامه حسرة على الكافرين إذا عاينوا حقيقة ما أخبر به كان تكذيبهم عليهم من أعظم الحسرات حين لا ينفعهم التحسر وهكذا كل من كذب بحق وصدق بباطل فإنه إذا انكشف له حقيقة ما كذب به وصدق به كان تكذيبه وتصديقه حسرة عليه كمن فرط فيما ينفعه وقت تحصيله حتى إذا اشتدت حاجته إليه وعاين فوز المحصلين صار تفريطه عليه حسرة ثم أخبر سبحانه أن القرآن والرسول حق اليقين فقيل هو من باب إضافة الموصوف إلى صفته أي الحق اليقين نحو مسجد الجامع وصلاة الأولى وهذا موضع يحتاج إلى تحقيق فنقول وبالله التوفيق ذكر الله سبحانه في كتابه مراتب اليقين وهي ثلاثة حق اليقين وعلم اليقين وعين اليقين كما قال تعالى كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين فهذه ثلاث مراتب لليقين أولها علمه وهو التصديق التام به بحيث لا يعرض له شك ولا شبهة تقدح في تصديقه كعلم اليقين بالجنة مثلا وتيقنهم أنها دار المتقين ومقر المؤمنين فهذه مرتبة العلم كيقينهم أن الرسل أخبروا بها عن الله وتيقنهم صدق المخبر(1\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "191",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2581",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المرتبة الثانية عين اليقين وهي مرتبة الرؤية والمشاهدة كما قال تعالى ثم لترونها عين اليقين وبين هذه المرتبة والتي قبلها فرق ما بين العلم والمشاهدة فاليقين للسمع وعين اليقين للبصر وفي المسند للإمام أحمد مرفوعا ليس الخبر كالمعاين وهذه المرتبة هي التي سألها إبراهيم الخليل ربه أن يريه كيف يحيي الموت ليحصل له مع علم اليقين عين اليقين فكان سؤاله زيادة لنفسه وطمأنينة لقلبه فيسكن القلب عند المعاينة ويطمئن لقطع المسافة التي بين الخبر والعيان وعلى هذه المسافة أطلق النبي لفظ الشك حيث قال نحن أحق بالشك من إبراهيم ومعاذ الله أن يكون هناك شك ولا من إبراهيم وإنما هو عين بعد علم وشهود بعد خبر معاينة بعد سماع المرتبة الثالثة مرتبة حق اليقين وهي مباشرة الشيء بالإحساس به كما إذا أدخلوا الجنة وتمتعوا بما فيها فهم في الدنيا في مرتبة علم اليقين وفي الموقف حين نزلف ونقرب منهم حتى يعاينوها في مرتبة عين اليقين وإذا دخلوها وباشروا نعيمها في مرتبة حق اليقين ومباشرة المعلوم تارة يكون بالحواس الظاهرة وتارة يكون بالقلب فلهذا قال وإنه لحق اليقين فإن القلب يباشر الإيمان به ويخالطه كما يباشر بالحواس ما يتعلق بها فحينئذ(1\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "192",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2582",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يخالط بشاشته القلوب ويبقى لها حق اليقين وهذه أعلى مراتب الإيمان وهي الصديقية التي تتفاوت فيها مراتب المؤمنين وقد ضرب بعض العلماء للمراتب الثلاثة مثالا فقال إذا قال لك من تجزم بصدقه عندي عسل أريد أن أطعمك منه فصدقته كان ذلك علم يقين فإذا أحضره بين يديك صار ذلك عين اليقين فإذا ذقته صار ذلك حق اليقين وعلى هذا فليست هذه الإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته بل من إضافة الجنس إلى نوعه إن العلم والعين والحق أعم من كونها يقينا فأضيف العام إلى الخاص مثل بعض المتاع وكل الدراهم ولما كان المضاف والمضاف إليه في هذا الباب يصدقان على ذات واحدة بخلاف قولك دار عمرو وثوب زيد ظن من ظن أنها من إضافة الموصوف إلى صفته وليس كذلك بل هي من باب إضافة الجنس إلى نوعه كثوب خز وخاتم فضة فالمضاف إليه قد يكون مغايرا للمضاف لا يصدقان على ذات واحدة وقد يجانسه فيصدقان على مسمى واحد والله أعلم ثم ختم السورة بقولة فسبح باسم ربك العظيم وهي جديرة بهذه الخاتمة لما تضمنته من الأخبار عن عظمة الرب تعالى وجلاله وذكر عظم ملكه وجريان حكمه بالعدل على عباده في الدنيا والآخرة وذكر عظمته تعالى في إرسال رسوله وإنزال كتابه وأنه تعالى أعظم وأجل وأكبر عند أهل سماواته والمؤمنين من(1\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "193",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2583",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "عباده من أن يقر كذبا متقولا عليه مفترى عليه يبدل دينه وينسخ شرائعه ويقتل عباده ويخبر عنه بما لا حقيقة له وهو سبحانه مع ذلك يؤيده وينصره ويجيب دعواته ويأخذ أعداءه ويرفع قدره ويعلي ذكره فهو سبحانه العظيم الذي تأبى عظمته أن يفعل ذلك بمن أتى بأقبح أنواع الكذب والظلم فسبحان ربنا العظيم وتعالى عما ينسبه إليه الجاهلون علوا كبيرا فصل ومن ذلك قوله عز وجل فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين أقسم سبحانه برب المشارق والمغارب وهي إما مشارق النجوم ومغاربها أو مشارق الشمس ومغاربها وأن كل موضع من الجهة مشرق ومغرب فكذلك جمع في موضع وأفرد في موضع وثنى في موضع آخر فقال رب المشرقين ورب المغربين فقيل هما مشرقا الصيف والشتاء وجاء في كل موضع ما يناسبه فجاء في سورة الرحمن رب المشرقين ورب المغربين لأنها سورة ذكرت فيها المزدوجات فذكر فيها الخلق والتعليم والشمس والقمر والنجوم والشجر والسماء والأرض والحب والثمر والجن والإنس ومادة أبي البشر وأبي الجن والبحرين(1\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "194",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2584",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والجنة والنار وقسم الجنة إلى جنتين عاليتين وجنتين دونهما وأخبر أن في كل جنة عينين فناسب كل المناسبة أن يذكر المشرقين والمغربين وأما سورة سأل سائل فإنه أقسم سبحانه على عموم قدرته وكمالها وصحة تعلقها بإعادتهم بعد العدم فذكر المشارق والمغارب بلفظ الجمع إذ هو أدل على المقسم عليه سواء أريد مشارق النجوم ومغاربها أو مشارق الشمس ومغاربها أو كل جزء من جهتي المشرق والمغرب فكل ذلك آية ودلالة على قدرته تعالى على أن يبدل أمثال هؤلاء المكذبين وينشئهم فيما لا يعلمون فيأتي بهم في نشأة أخرى كما يأتي بالشمس كل يوم من مطلع ويذهب بها في مغرب وأما في سورة المزمل فذكر المشرق والمغرب بلفظ الإفراد لما كان المقصود ذكر ربوبيته ووحدانيته وكما أنه تفرد بربوبية المشرق والمغرب وحده فكذلك يحب أن يتفرد بالربوبية والتوكل عليه وحده فليس للمشرق والمغرب رب سواه فكذلك ينبغي أن لا يتخذ إله ولا وكيل سواه وكذلك قال موسى لفرعون حين سأله وما رب العالمين فقال قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون وفي ربوبيته سبحانه للمشارق والمغارب تنبيه على ربوبيته السماوات وما حوته من الشمس(1\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "195",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2585",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "والقمر والنجوم وربوبيته ما بين الجهتين وربوبيته الليل والنهار وما تضمناه ثم قال إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين أي لقادرون على أن نذهب بهم ونأتي بأطوع لنا منهم وخيرا منهم كما قال تعالى إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا وقوله وما نحن بمسبوقين أي لا يفوتني ذلك إذا أردته ولا يمتنع مني وعبر عن هذا المعنى بقولة وما نحن بمسبوقين لأن المغلوب يسبقه الغالب إلى ما يريده فيفوت عليه ولهذا عدى بعلى دون إلى كما في قوله وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم فإنه لما ضمنه معنى مغلوبين ومقهورين عداه بعلى بخلاف سبقه إليه فإنه فرق بين سبقته إليه وسبقته عليه فالأول بمعنى غلبته وقهرته عليه والثاني بمعنى وصلت إليه قبله فصل وقد وقع الأخبار عن قدرته عليه سبحانه على تبديلهم بخير منهم وفي بعضها تبديل أمثالهم وفي بعضها استبداله قوما غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم فهذه ثلاثة أمور يجب معرفة ما بينها من الجمع والفرق فحيث وقع التبديل بخير منهم فهو إخبار عن قدرته على أن(1\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "196",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2586",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يذهب بهم ويأتي بأطوع واتقى له منهم في الدنيا وذلك قوله وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم يعني بل يكونوا خيرا منكم قال مجاهد يستبدل بهم من شاء من عباده فيجعلهم خيرا من هؤلاء فلم يتولوا بحمد الله فلم يستبدل بهم وأما ذكره تبديل أمثالهم ففي سورة الواقعة وسورة الإنسان فقال في الواقعة نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون وقال في سورة الإنسان نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا قال كثير من المفسرين المعنى أنا إذا أردنا أن نخلق خلقا غيركم لم يسبقنا سابق ولم يفتنا ذلك وفي قوله وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا إذا شئنا أهلكناهم وأتينا بأشباههم فجعلناهم بدلا منهم قال المهدوي قوما موافقين لهم في الخلق مخالفين لهم في العمل ولم يذكر الواحدي ولا ابن الجوزي غير هذا القول وعلى هذا فتكون هذه الآيات نظير قوله تعالى إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين فيكون استدلالا بقدرته على إذهابهم والإتيان بأمثالهم على إتيانه بهم أنفسهم إذا ماتوا ثم استدل سبحانه بالنشأة الأولى فذكرهم بها فقال ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون فنبههم بما علموه وعاينوه على(1\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "197",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2587",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صدق ما أخبرتهم به رسله من النشأة الثانية والذي عندي في معنى هاتين الآيتين وهما آية الواقعة والإنسان أن المراد بتبديل أمثالهم الخلق الجديد والنشأة الآخرة التي وعدوا بها وقد وفق الزمخشري لفهم هذا من سورة الإنسان فقال وبدلنا أمثالهم في شدة الأسر يعني النشأة الأخرى ثم قال وقيل وبدلنا غيرهم ممن يطيع وحقه أن يأتي بأن لا بإذا كقوله وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم قلت وإتيانه بإذا التي لا تكون إلا للمحق الوقوع يدل على تحقق وقوع هذا التبديل وأنه واقع لا محالة وذلك هو النشأة الأخرى التي استدل على إمكانها بقوله ولقد علمتم النشأة الأولى واستدل بالمثل على المثل وعلى ما أنكروه بما عاينوه وشاهدوه وكونهم أمثالهم هو إنشاؤهم خلقا جديدا بعينه فهم هم بأعيانهم وهم أمثالهم فهم أنفسهم يعادون فإذا قلت المعاد هذا هو الأول بعينه صدقت وإن قلت هو مثله صدقت فهو هو معاد أو هو مثل الأول وقد أوضح هذا سبحانه بقوله بل هم في لبس من خلق جديد فهذا الخلق الجديد هو المتضمن لكونهم أمثالهم وقد سماه الله سبحانه وتعالى إعادة والمعاد مثل المبدأ وسماه نشأة أخرى وهي مثل الأولى وسماه خلقا جديدا وهو مثل الخلق الأول كما قال أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد وسماه أمثالا وهم(1\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "198",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2588",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هم فتطابقت ألفاظ القرآن وصدق بعضها بعضا وبين بعضها بعضا ولهذا تزول إشكالات أوردها من لم يفهم المعاد الذي أخبرت به الرسل عن الله ولا يفهم من هذا القول ما قاله بعض المتأخرين أنهم غيرهم من كل وجه فهذا خطأ قطعا معاذ الله من اعتقاده بل هم أمثالهم وهم أعيانهم فإذا فهمت الحقائق فلا يناقش في العبارة إلا ضيق العطن صغير العقل ضعيف العلم وتأمل قوله تعالى في الواقعة أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون نحن قدرنا بينكم الموت كيف ذكر مبدأ النشأة وآخرها مستدلا بها على النشأة الثانية بقولة وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون فإنكم إنما علمتم النشأة الأولى في بطون أمهاتكم ومبدأها مما تمنون ولن نغلب على أن ننشئكم نشأة ثانية فيما لا تعلمون فإذا أنتم أمثال ما كنتم في الدنيا في صوركم وهيئاتكم وهذا من كمال قدرة الرب تعالى ومشيئته لو تذكرتم أحوال النشأة الأولى لدلكم ذلك على قدرة منشئها على النشأة التي كذبتم بها فأي استدلال وإرشاد أحسن من هذا وأقرب إلى العقل والفهم وأبعد من كل شبهة وشك وليس بعد هذا البيان والاستدلال إلا الكفر بالله وما جاءت به الرسل والإيمان وقال في سورة الإنسان نحن خلقناهم وشددنا أسرهم(1\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "199",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2589",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فهذه النشأة الأولى ثم قال وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا فهذه النشأة الأخرى ونظير هذا وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى وأن عليه النشأة الأخرى وهذا في القرآن كثيرا جدا يقرن بين النشأتين مذكرا للفطر والعقول بإحداهما على الأخرى وبالله التوفيق فصل فلما أقام عليهم الحجة وقطع المعذرة قال فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون وهذا تهديد شديد يتضمن ترك هؤلاء الذين قامت عليهم حجتي فلم يقبلوها ولم يخافوا بأسي ولا صدقوا رسالاتي في خوضهم بالباطل ولعبهم فالخوض في الباطل ضد التكلم بالحق واللعب ضد السعي الذي يعود نفعه على ساعيه فالأول ضد العلم النافع والثاني ضد العمل الصالح فلا تكلم بالحق ولا عمل بالصواب وهذا شأن كل من أعرض عما جاء به الرسول لا بد له من هذين الأمرين ثم ذكر سبحانه حالهم عند خروجهم من القبور فقال يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون أي يسرعون والنصب العلم والغاية التي تنصب فيؤمونها وهذا من ألطف التشبيه وأبينه وأحسنه فإن الناس يقومون من قبورهم(1\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "200",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2590",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مهطعين إلى الداعي يؤمون الصوت لا يعرجون عنه يمنة ولا يسرة كما قال يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له أي يقبلون من كل أوب إلى صوته وناحيته لا يعرجون عنه قال الفراء وهذا كما تقول دعوتك دعوة لا عوج لك عنها وقال الزجاج المعنى لا عوج لهم عن دعائه أي لا يقدرون إلا على اتباعه وقصده فإن قلت إذا كان المعنى لا عوج لهم عن دعوتي فكيف قال لا عوج له قيل قالت طائفة اللام بمعنى عن أي لا عوج عنه وقالت طائفة المعنى لا عوج لهم عن دعائي كما قال الزجاج وفي القولين تكلف ظاهر ولما كانت الدعوى تسمع الجميع لا تعوج عنهم وكلهم يؤم صوت الداعي ويتبعه لا يعوج عنه كان مجيء اللام منتظما للمعنيين ودالا عليهما والمعنى لا عوج لدعائه لا في إسماعهم إياه ولا في إجابتهم له ثم قال تعالى خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة فوصفهم بذل الظاهر وهو خشوع الأبصار وذل الباطن وهو ما يرهقهم من الذل خشعت عنه أبصارهم وقريب من هذا قوله ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة ونظيره قوله وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما وضد هذا قوله تعالى(1\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "201",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2591",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى فنفى عنه الجوع الذي هو ذل الباطن والعري الذي هو ذل الظاهر وضده أيضا قوله ولقاهم نضرة وسرورا فالنضرة عز الظاهر وجماله والسرور عز الباطن وجماله ومثله أيضا قوله عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهور فجمع لهم بين زينة الظاهر والباطن ومثله وقوله يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير فجمع لهم بين زينة الظاهر والباطن ومثله قوله إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد فزين ظاهرها بالنجوم وباطنها بالحفظ من كل شيطان رجيم ومثل قوله أيضا وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات وقريب منه قوله تعالى فإن خير الزاد التقوى ومنه قوله فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون فجمع لهؤلاء بين جمال الظاهر والباطن ولأولئك بين تسويد الظاهر والباطن ومنه قول امرأة العزيز فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم فوصفت ظاهره بالجمال(1\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "202",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2592",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "وباطنه بالعفة فوصفته بجمال الظاهر والباطن فكأنها قالت هذا ظاهره وباطنه أحسن من ظاهره وهذا كله يدلك على ارتباط الظاهر بالباطن قدرا وشرعا والله أعلم بالصواب فصل ومن ذلك قوله تعالى ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون الصحيح أن ن وق وص من حروف الهجاء التي يفتتح بها الرب سبحانه بعض السور وهي أحادية وثنائية وثلاثية ورباعية وخماسية ولم تجاوز الخمسة ولم تذكر قط في أول سورة إلا وعقبها بذكر القرآن إما مقسما به وإما مخبرا عنه ما خلا سورتين سورة كهيعص ون كقوله الم ذلك الكتاب الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب المص كتاب أنزل إليك آلمر تلك آيات الكتاب الحكيم وهكذا إلى آخره ففي هذا تنبيه على شرف هذه الحروف وعظم قدرها وجلالتها إذ هي مباني كلامه وكتبه التي تكلم سبحانه بها وأنزلها على رسله وهدى بها عباده وعرفهم بواسطتها نفسه وأسماءه وصفاته وأفعاله وأمره ونهيه ووعيده ووعده وعرفهم بها الخير والشر والحسن والقبيح وأقدرهم على التكلم بها بحيث(1\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "203",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2593",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يبلغون بها أقصى ما في أنفسهم بأسهل طريق وقلة كلفة ومشقة وأوصله إلى المقصود وأدله عليه وهذا من أعظم نعمه عليهم كما هو من أعظم آياته ولهذا عاب سبحانه على من عبد إلها لا يتكلم وامتن على عباده بأن أقدرهم على البيان بها بالتكلم فكان في ذكر هذه الحروف التنبيه على كمال ربوبيته وكمال إحسانه وإنعامه فهي أولى أن يقسم بها من الليل والنهار والشمس والقمر والسماء والنجوم وغيرها من المخلوقات فهي دالة أظهر دلالة على وحدانيته وقدرته وحكمته وكماله وكلامه وصدق رسله وقد جمع سبحانه بين الأمرين أعني القرآن ونطق اللسان وجعل تعليمها من تمام نعمته وامتنانه كما قال الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان فبهذه الحروف علم القرآن وبها علم البيان وبها فضل الإنسان على سائر أنواع الحيوان وبها أنزل كتبه وبها أرسل رسله وبها جمعت العلوم وحفظت وبها انتظمت مصالح العباد في المعاش والمعاد وبها يتميز الحق من الباطل والصحيح من الفاسد وبها جمعت أشتات العلوم وبها أمكن تنقلها في الأذهان وكم جلب بها من نعمة ودفع بها من نقمة وأقيلت بها من عثرة وأقيمت بها من حرمة وهدى بها من ضلالة وأقيم بها من حق وهدم بها من باطل فآياته سبحانه في تعليم البيان كآياته في خلق الإنسان ولولا عجائب صنع الله ما ثبتت تلك الفضائل في لحم ولا عصب فسبحان من هذا صنعه في هواء يخرج(1\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "204",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2594",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من قصبة الرئة فينضم في الحلقوم وينفرش في أقصى الحلق ووسطه وآخره وأعلاه وأسفله وعلى وسط اللسان وأطرافه وبين الثنايا وفي الشفتين والخيشوم فيسمع له عند كل مقطع من تلك المقاطع صوت غير صوت المقطع المجاور له فإذا هو حرف فألهم سبحانه الإنسان بضم بعضها إلى بعض فإذا هي كلمات قائمة بأنفسها ثم ألهمهم تأليف تلك الكلمات بعضها إلى بعض وإذا هي كلام دال على أنواع المعاني أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا ونفيا وإثباتا وإقرارا وإنكارا وتصديقا وتكذيبا وإيجابا واستحبابا وسؤالا وجوابا إلى غير ذلك من أنواع الخطاب نظمه ونثره ووجيزه ومطوله على اختلاف لغات الخلائق كل ذلك صنعه تبارك وتعالى في هواء مجرد خارج من باطن الإنسان إلى ظاهره في مجار قد هيئت وأعدت لتقطيعه وتفصيله ثم تأليفه وتوصيله فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين فهذا شأن الحرف المخلوق وأما الحرف الذي به تكون المخلوقات فشأنه أعلى وأجل وإذا كان هذا شأن الحروف فحقيق أن تفتتح بها السور كما افتتحت بالأقسام لما فيها من آيات الربوبية وأدلة الوحدانية فهي دالة على كمال قدرته سبحانه وكمال علمه وكمال حكمته وعنايته بخلقه ولطفه وإحسانه وإذا أعطيت الاستدلال بها حقه استدللت بها على المبدأ والمعاد والخلق والأمر والتوحيد(1\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "205",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2595",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "والرسالة فهي من أظهر أدلة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن القرآن كلام الله تكلم به حقا وأنزله على رسوله وحيا وبلغه كما أوحي إليه صدقا ولا تهمل الفكرة في كل سورة افتتحت بهذه الحروف واشتمالها على آيات هذه المطالب وتقريرها وبالله التوفيق فصل ثم أقسم سبحانه ب والقلم وما يسطرون فأقسم بالكتاب وآلته وهو القلم الذي هو إحدى آياته وأول مخلوقاته الذي جرى به قدره وشرعه وكتب به الوحي وقيد به الدين وأثبتت به الشريعة وحفظت به العلوم وقامت به مصالح العباد في المعاش والمعاد فوطدت به الممالك وأمنت به السبل والمسالك وأقام في الناس أبلغ خطيب وأفصحه وأنفعه لهم وأنصحه وواعظا تشفى مواعظه القلوب من السقم وطبيبا يبرئ بإذنه من أنواع الألم يكسر العساكر العظيمة على أنه الضعيف الوحيد ويخاف سطوته وبأسه ذو البأس الشديد بالأقلام تدبر الأقاليم وتساس الممالك والعلم لسان الضمير يناجيه بما استتر عن الأسماع فينسج حلل المعاني في الطرفين فتعود أحسن من الوشي المرقوم ويودعها حكمه فتصير بوادر الفهوم والأقلام نظام الأفهام وكما أن اللسان يريد القلب فالقلم يريد(1\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "206",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2596",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "اللسان ويولد الحروف المسموعة عن اللسان كتولد الحروف المكتوبة عن القلم والقلم يريد القلب ورسوله وترجمانه ولسانه الصامت فصل والأقلام متفاوتة في الرتب فأعلاها وأجلها قدرا قلم القدر السابق الذي كتب الله به مقادير الخلائق كما في سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول الله يقول quot; إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب قال يا رب وما أكتب قال أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة quot; واختلف العلماء هل القلم أو المخلوقات أو العرش على قولين ذكرهما الحافظ أبو يعلى الهمداني أصحهما أن العرش قبل القلم لما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن عمر قال قال رسول الله quot;قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام عرشه على الماءquot; فهذا صريح أن التقدير وقع قبل خلق العرش والتقدير وقع عند أول خلق القلم لحديث عبادة هذا ولا يخلو قوله إن أول ما خلق الله القلم إلى آخره إما أن يكون جملة أو جملتين فإن كان جملة وهو الصحيح كان(1\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "207",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2597",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "معناه أنه عند أول خلقه قال له أكتب كما في لفظ أول ما خلق الله القلم قال له أكتب بنصب أول والقلم فإن كانا جملتين وهو مروى برفع أول والقلم فيتعين حمله على أنه أول المخلوقات من هذا العالم ليتفق الحديثان إذ حديث عبد الله بن عمر صريح في أن العرش سابق على التقدير والتقدير مقارن لخلق القلم وفي اللفظ الآخر لما خلق الله القلم قال له اكتب فهذا القلم أول الأقلام وأفضلها وأجلها وقد قال غير واحد من أهل التفسير أنه القلم الذي أقسم الله به فصل القلم الثاني قلم الوحي وهو الذي يكتب به وحي الله إلى أنبيائه ورسله وأصحاب هذا القلم هم الحكام على العالم والعالم خدم لهم وإليهم الحل والعقد والأقلام كلها خدم لأقلامهم وقد رفع النبي ليلة الإسراء إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام فهذه الأقلام هي التي تكتب ما يوحيه الله تبارك وتعالى من الأمور التي يدبر بها أمر العالم العلوي والسفلي فصل والقلم الثالث قلم التوقيع عن الله ورسوله وهو قلم الفقهاء والمفتين وهذا القلم أيضا حاكم غير محكوم عليه فإليه التحاكم(1\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "208",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2598",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "في الدماء والأموال والفروج والحقوق وأصحابه مخبرون عن الله بحكمه الذي حكم به بين عباده وأصحابه حكام وملوك على أرباب الأقلام وأقلام العالم خدم لهذا القلم فصل القلم الرابع قلم طب الأبدان التي تحفظ بها صحتها الموجودة وترد إليها صحتها المفقودة وتدفع به عنها آفاتها وعوارضها المضادة لصحتها وهذا القلم أنفع الأقلام بعد قلم طب الأديان وحاجة الناس إلى أهله تلتحق بالضرورة فصل القلم الخامس التوقيع عن الملوك ونوابهم وسياس الملك ولهذا كان أصحابه أعز أصحاب الأقلام والمشاركون للملوك في تدبير الدول فإن صلحت أقلامهم صلحت المملكة وإن فسدت أقلامهم فسدت المملكة وهم وسائط بين الملوك ورعاياهم فصل القلم السادس قلم الحساب وهو القلم الذي تضبط به الأموال مستخرجها ومصروفها ومقاديرها وهو قلم الأرزاق وهو قلم الكم المتصل والمنفصل الذي تضبط به المقادير وما بينها من(1\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "209",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2599",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "التفاوت والتناسب ومبناه على الصدق والعدل فإذا كذب هذ القلم وظلم فسد أمر المملكة فصل القلم السابع قلم الحكم الذي تثبت به الحقوق وتنفذ به القضايا وتراق به الدماء وتؤخذ به الأموال والحقوق من اليد العادية فترد إلى اليد المحقة ويثبت به الإنسان وتنقطع به الخصومات وبين هذا القلم وقلم التوقيع عن الله عموم وخصوص فهذا له الفنوذ واللزوم وذاك له العموم والشمول وهو قلم قائم بالصدق فيما يثبته وبالعدل فيما يمضيه وينفذه فصل القلم الثامن قلم الشهادة وهو القلم الذي تحفظ به الحقوق وتصان به عن الإضاعة وتحول بين الفاجر وإنكاره ويصدق الصادق ويكذب الكاذب ويشهد للمحق بحقه وعلى المبطل بباطله وهو الأمين على الدماء والفروج والأموال والأنساب والحقوق ومتى خان هذا القلم فسد العالم أعظم فساد وباستقامته يستقيم أمر العالم ومبناه على العلم وعدم الكتمان فصل القلم التاسع قلم التعبير وهو كاتب وحي المنام وتفسيره(1\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "210",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2600",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "وتعبيره وما أريد منه وهو قلم شريف جليل مترجم للوحي المنامي كاشف له وهو من الأقلام التي تصلح للدنيا والدين وهو يعتمد طهارة صاحبه ونزاهته وأمانته وتحريه للصدق والطرائق الحميدة والمناهج السديدة مع علم راسخ وصفاء باطن وحس مؤيد بالنور الإلهي ومعرفة بأحوال الخلق وهيآتهم وسيرهم وهو من ألطف الأقلام وأعمها جولانا وأوسعها تصرفا وأشدها تشبثا بسائر الموجودات علويها وسفليها وبالماضي والحال والمستقبل فتصرف هذا القلم في المنام هو محل ولايته وكرسي مملكته وسلطانه فصل القلم العاشر قلم تواريخ العالم ووقائعه وهو القلم الذي تضبط به الحوادث وتنقل من أمة إلى أمة ومن قرن إلى قرن فيحصر ما مضى من العالم وحوادثه في الخيال وينقشه في النفس حتى كأن السامع يرى ذلك ويشهده فهو قلم المعاد الروحاني وهذا القلم قلم العجائب فإنه يعيد لك العالم في صورة الخيال فتراه بقلبك وتشاهده ببصيرتك فصل القلم الحادي عشر قلم اللغة وتفاصيلها من شرح معاني ألفاظها ونحوها وتصريفها وأسرار تراكيبها وما يتبع ذلك من أحوالها(1\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "211",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2601",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "ووجوهها وأنواع دلالتها على المعاني وكيفية الدلالة وهو قلم التعبير عن المعاني باختيار أحسن الألفاظ وأعذبها وأسهلها وأوضحها وهذا القلم واسع التصرف جدا بحسب سعة الألفاظ وكثرة مجاريها وتنوعها فصل القلم الثاني عشر القلم الجامع وهو قلم الرد على المبطلين ورفع سنة المحقين وكشف أباطيل المبطلين على اختلاف أنواعها وأجناسها وبيان تناقضهم وتهافتهم وخروجهم عن الحق ودخولهم في الباطل وهذا القلم في الأقلام نظير الملوك في الأنام وأصحابه أهل الحجة الناصرون لما جاءت به الرسل المحاربون لأعدائهم وهم الداعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة المجادلون لمن خرج عن سبيله بأنواع الجدال وأصحاب هذا القلم حرب لكل مبطل وعدو لكل مخالف للرسل فهم في شأن وغيرهم من أصحاب الأقلام في شأن فهذه الأقلام التي فيها انتظام مصالح العالم ويكفي في جلالة القلم أنه لم تكتب كتب الله إلا به وأن الله سبحانه أقسم به في كتابه وتعرف إلى غيره بأن علم بالقلم وإنما وصل إلينا ما بعث به نبينا بواسطة القلم ولقد أبدع أبو تمام إذ يقول في وصفه:(1\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "212",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2602",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "لك القلم الأعلى الذي بشباته ... يصاب من الأمر الكلى والمفاصل له ريقة طل ولكن وقعها ... بآثاره في الغرب والشرق وابل لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأرى الجنا اشتارته أيد عواسل له الخلوات اللاء لولا نجيها ... لما احتفلت للملك تلك المحافل فصيح إذا استنطقته وهو راكب ... وأعجم إن خاطبته وهو راجل إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغت ... عليه شعاب الفكر وهي حوافل أطاعته أطراف القنا وتقوضت ... لنجواه تقويض الخيام الجحافل إذا استغزر الذهن الذكي وأقبلت ... أعاليه في القرطاس وهي أسافل وقد رفدته الخنصران وسددت ... ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل رايت جليلا شأنه وهو مرهف ... ضنا وسمينا خطبه وهو ناحل فصل والمقسم عليه بالقلم والكتابة في هذه السورة تنزيه نبيه ورسوله عما يقول فيه أعداؤه وهو قوله تعالى ما أنت بنعمة ربك بمجنون وأنت إذا طابقت بين هذا القسم والمقسم به وجدته دالا عليه أظهر دلالة وأبينها فإن ما سطر الكاتب بالقلم من أنواع العلوم التي يتلقاها البشر بعضهم عن بعض لا تصدر من مجنون ولا تصدر إلا من عقل وافر فكيف يصدر ما جاء به الرسول من هذا الكتاب الذي هو في أعلى درجات العلوم بل العلوم التي تضمنها ليس في قوى البشر الإتيان بها ولا سيما من أمي لا يقرأ كتابا ولا يخط بيمينه مع(1\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "213",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2603",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كونه في أعلى أنواع الفصاحة سليما من الاختلاف بريا من التناقض يستحيل من العقلاء كلهم لو اجتمعوا في صعيد واحد أن يأتوا بمثله ولو كانوا في عقل رجل واحد منهم فكيف يتأتى ذلك من مجنون لا عقل له يميز به ما عسى كثير من الحيوان أن يميزه وهل هذا إلا من أقبح البهتان وأظهر الإفك. فتأمل شهادة هذا المقسم به للمقسم عليه ودلالته عليه أتم دلالة ولو أن رجلا أنشأ رسالة واحدة بديعة منتظمة الأول والآخر متساوية الأجزاء يصدق بعضها بعضا أو قال قصيدة كذلك أو صنف كتابا كذلك لشهد له العقلاء بالعقل ولما استجاز أحد رميه بالجنون مع إمكان بل وقوع معارضتها ومشاكلتها والإتيان بمثلها أو أحسن منها فكيف يرمى بالجنون من أتى بما عجزت العقلاء كلهم قاطبة عن معارضته ومماثلته وعرفهم من الحق مالا تهتدي عقولهم إليه بحيث أذعنت له عقول العقلاء وخضعت له ألباب الأولياء وتلاشت في جنب ما جاء به بحيث لم يسعها إلا التسليم له والانقياد والإذعان طائعة مختارة وهي ترى عقولها أشد فقرا وحاجة إلى ما جاء به ولا كمال لها إلا بما جاء به فهو الذي كمل عقولها كما يكمل الطفل برضاع الثدي ولهذا فإن أتباعه أعقل الخلق على الإطلاق وهذه مؤلفاتهم وكتبهم في الفنون إذا وازنت بينها وبين مؤلفات مخالفيه ظهر لك التفاوت بينها ويكفي في عقولهم أنهم عمروا الدنيا بالعلم والعدل والقلوب(1\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "214",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2604",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالإيمان والتقوى فكيف يكون متبوعهم مجنونا وهذا حال كتابه وهديه وسيرته وحال أتباعه وهذا إنما حصل له ولأتباعه بنعمة الله عليه وعليهم فنفى عنه الجنون بنعمته عليه وقد اختلف في تقدير الآية فقالت فرقة الباء في بنعمة ربك باء القسم فهو قسم آخر اعتراض بين المحكوم به والمحكوم عليه كما يقول ما أنت بالله بكاذب وهذا التقدير ضعيف جدا لأنه قد تقدم القسم الأول فكيف يقع القسم الثاني في جوابه ولا يحسن أن تقول والله ما أنت بالله بقائم وليس هذا من فصيح الكلام ولا عهد في كلامهم وقالت فرقة العامل في بنعمة ربك أداة معنى النفي أو معنى أنفى عنك الجنون بنعمة ربك ورد أبو عمر ابن الحاجب وغيره هذا القول بأن الحروف لا تعمل معانيها وإنما تعمل ألفاظها وقال الزمخشري يتعلق بنعمة ربك بمجنون منفيا كما يتعلق بعاقل مثبتا في قولك أنت بنعمة الله عاقل يستويان في ذلك الإثبات والنفي استواءهما في قولك ضرب زيد عمرا وما ضرب زيد عمرا يعمل الفعل مثبتا ومنفيا إعمالا واحدا ومحله النصب على الحال أي ما أنت بمجنون منعما عليك بذلك ولم تمنع الباء أن يعمل مجنون فيما قبله لأنها زائدة لتأكيد النفي واعترض عليه بأن العامل إذا تسلط على محكوم به وله معمول فإنه يجوز فيه وجهان أحدهما نفي ذلك المعمول فقط نحو قولك:(1\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "215",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2605",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما زيد بذاهب مسرعا فإنه ينتفى الإسراع دون القيام ولا يمتنع أن يثبت له ذهاب في غير إسراع والثاني ينفي المحكوم به فينتفي معموله بانتفائه فينتفي الذهاب في هذه الحال فينتفي الإسراع بانتفائه فإذا جعل بنعمة ربك معمولا لمجنون لزم أحد الأمرين وكلاهما منتف جزما وهذا الإعتراض هنا فاسد لأن المعنى إذا حصل ما أنت بمجنون منعما عليك لزم من صدق هذا الخبر نفيها قطعا ولا يصح نفي المعمول وثبوت العامل في هذا الكلام ولا يفهم منه من له آلة الفهم وإنما يفهم الآدمي من هذا الكلام أن الجنون انتفى عنك بنعمة الله عليك وانتفى عنا ما فهمه هذا المعترض بنعمة الله علينا ثم أخبر سبحانه عن كمال حالتي نبيه في دنياه وأخراه فقال وإن لك لأجرا غير ممنون أي غير مقطوع بل هو دائم مستمر ونكر الأجر تنكير تعظيم كما قال إن في ذلك لعبرة و إن في ذلك لآية و إن في ذلك لذكرى و إن للمتقين مفازا و وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب وهو كثير وإنما كان التنكير للتعظيم لأنه صور للسامع بمنزلة أمر عظيم لا يدركه الوصف ولا يناله التعبير ثم قال وإنك لعلى خلق عظيم وهذه من أعظم آيات نبوته ورسالته لمن منحه الله فهما ولقد سئلت أم المؤمنين عن(1\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "216",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2606",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خلقه صلى الله عليه وسلم فأجابت بما شفى وكفى فقالت كان خلقه القرآن فهم سائلها أن يقوم لا يسألها شيئا بعد ذلك ومن هذا قال ابن عباس وغيره أي على دين عظيم وسمى الدين خلقا لأن الخلق هيئة مركبة من علوم صادقة وإرادات زاكية وأعمال ظاهرة وباطنة موافقة للعدل والحكمة والمصلحة وأقوال مطابقة للحق تصدر تلك الأقوال والأعمال عن تلك العلوم والإرادات فتكتسب النفس بها أخلاقا هي أزكى الأخلاق وأشرفها وأفضلها فهذه كانت أخلاق رسول الله المقتبسة من مشكاة القرآن فكان كلامه مطابقا للقرآن تفصيلاله وتبيينا وعلومه علوم القرآن وإرادته وأعماله ما أوجبه وندب إليه القرآن وإعراضه وتركه لما منع منه القرآن ورغبته فيما رغب فيه وزهده فيما زهد فيه وكراهته لما كرهه ومحبته لما أحبه وسعيه في تنفيذ أوامره وتبليغه والجهاد في إقامته فترجمت أم المؤمنين لكمال معرفتها بالقرآن وبالرسول وحسن تعبيرها عن هذا كله بقولها كان خلقه القرآن وفهم هذا السائل لها عن هذا المعنى فاكتفى به واشتفى فإذا كانت أخلاق العباد وعلومهم وإراداتهم وأعمالهم مستفادة من القلم وما يسطرون وكان في خلق القلم والكتابة(1\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "217",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2607",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنعام عليهم وإحسان إليهم إذ وصلوا به إلى ذلك فكيف ينكرون إنعامه وإحسانه على عبده ورسوله الذي أعطاه أعلى الأخلاق وأفضل العلوم والأعمال والإرادات التي لا تهتدي العقول إلى تفاصيلها من غير قلم ولا كتابة فهل هذا إلا من أعظم آيات نبوته وشواهد صدق رسالاته وسيعلم أعداؤه المكذبون له أيهم المفتون هو أم هم وقد علموا هم والعقلاء ذلك في الدنيا ويزداد علمهم في البرزخ وينكشف ويظهر كل الظهور في الآخرة بحيث تتساوى أقدام الخلائق في العلم به وقد اختلف في تقدير قوله بأيكم المفتون فقال أبو عثمان المازني هو كلام مستأنف والمفتون عنده مصدر أي بأيكم الفتنة والاستفهام عن أمر دائر بين إثنين قد علم انتفاؤه عن أحدهما قطعا فتعين حصوله للآخر والجمهور على خلاف هذا التقدير وهو عندهم متصل بما قبله ثم لهم فيه أربعة أوجه أحدها أن الباء زائدة والمعنى أيكم المفتون وزيدت في المبتدأ كما زيدت في قولك بحسبك أن تفعل قاله أبو عبيد الثاني أن المفتون بمعنى الفتنة أي ستبصر ويبصرون بأيكم الفتنة والباء على هذا ليست بزائدة قاله الأخفش الثالث أن المفتون مفعول على بابه ولكن هنا مضاف محذوف تقديره بأيكم فتون المفتون وليست الباء زائدة قاله الأخفش أيضا(1\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "218",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2608",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "الرابع أن الباء بمعنى في والتقدير في أي فريق منكم النوع المفتون والباء على هذا ظرفية وهذه الأقوال كلها تكلف ظاهر لا حاجة إلى شيء منه وستبصر مضمن معنى تشعر وتعلم فعدى بالباء كما تقول ستشعر بكذا وتعلم به قال تعالى ألم يعلم بأن الله يرى وإذا دعاك اللفظ إلى المعنى من مكان قريب فلا تجب من دعاك إليه من مكان بعيد فصل ومن ذلك قوله تعالى فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين ذكر سبحانه هذا القسم عقيب ذكر القيامة الكبرى وأقسام الخلق فيها ثم ذكر الأدلة القاطعة على قدرته وعلى المعاد بالنشأة الأولى وإخراج النبات من الأرض وإنزال الماء من السماء وخلق النار ثم ذكر بعد ذلك أحوال الناس في القيامة الصغرى عند مفارقة الروح للبدن وأقسم بمواقع النجوم على ثبوت القرآن وأنه تنزيله وقد اختلف في النجوم التي أقسم بمواقعها فقيل هي آيات القرآن ومواقعها نزولها شيئا بعد شيء وهذا قول ابن عباس رضي(1\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "219",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2609",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله عنهما في رواية عطاء وقول سعيد بن جبير والكلبي ومقاتل وقتادة وقيل النجوم هي الكواكب ومواقعها مساقطها عند غروبها هذا قول أبي عبيدة وغيره وقيل مواقعها انتشارها وانكدارها يوم القيامة وهذا قول الحسن ومن حجة هذا القول أن لفظ مواقع تقتضيه فإنه مفاعل من الوقوع وهو السقوط فلكل نجم موقع وجمعها مواقع ومن حجة قول من قال هي مساقطها عند الغروب أن الرب تعالى يقسم بالنجوم وطلوعها وجريانها وغروبها إذ فيها وفي أحوالها الثلاث آية وعبرة ودلالة كما تقدم في قوله تعالى فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس وقال والنجم إذا هوى وقال فلا أقسم برب المشارق والمغارب ويرجح هذا القول أيضا أن النجوم حيث وقعت في القرآن فالمراد منها الكواكب كقوله تعالى وإدبار النجوم وقوله والشمس والقمر والنجوم وعلى هذا فتكون المناسبة بين ذكر النجوم في القسم وبين المقسم عليه وهو القرآن من وجوه أحدها أن النجوم جعلها الله يهتدى بها في ظلمات البر والبحر وآيات القرآن يهتدى بها في ظلمات الجهل والغي فتلك هداية في الظلمات الحسية وآيات القرآن في الظلمات المعنوية فجمع بين الهدايتين مع ما في النجوم من الرجوم للشياطين وفي آيات القرآن من رجوم شياطين الإنس(1\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "220",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2610",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "والجن والنجوم آياته المشهودة المعاينة والقرآن آياته المتلوة السمعية مع ما في مواقعها عند الغروب من العبرة والدلالة على آياته القرآنية ومواقعها عند النزول ومن قرأ بموقع النجوم على الأفراد فلدلالة الواحد المضاف إلى الجمع على التعدد والمواقع اسم جنس والمصادر إذا اختلفت جمعت وإذا كان النوع واحدا أفردت قال تعالى (19:31 إن أنكر الأصوات لصوت الحمير فجمع الأصوات لتعدد النوع وأفرد صوت الحمير لوحدته فإفراد موقع النجوم لوحدة المضاف إليه وتعدد المواقع لتعدده إذ لكل نجم موقع فصل والمقسم عليه ههنا قوله إنه لقرآن كريم ووقع الاعتراض بين القسم وجوابه بقوله وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ووقع الاعتراض بين الصفة والموصوف في جملة هذا الاعتراض بقوله تعالى لو تعلمون عظيم فجاء هذا الاعتراض في ضمن هذا الاعتراض ألطف شيء وأحسنه موقعا وأحسن ما يقع هذا الاعتراض إذا تضمن تأكيدا أو تنبيها أو احترازا كقوله تعالى والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون فاعترض بين المبتدأ والخبر بقوله:(1\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "221",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2611",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا نكلف نفسا إلا وسعها لما تضمنه ذلك من الاحتراز الدافع لتوهم متوهم أن الوعد إنما يستحقه من أتى بجميع الصالحات فرفع ذلك بقوله لا نكلف نفسا إلا وسعها وهذا أحسن من قول من قال أنه خبر عن الذين آمنوا ثم أخبر عنهم بخبر آخر فهما خبران عن مخبر واحد فإن عدم التكليف فوق الوسع لا يخص الذين آمنوا بل هو حكم شامل لجميع الخلق مع ما في هذا التقدير من إخلاء الخبر عن الرابط وتقدير صفة محذوفة أي نفسا منها وتعطيل هذه الفائدة الجليلة ومن ألطف الاعتراض وأحسنه قوله تعالى ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون فاعترض بقوله سبحانه بين الجعلين وفوائد الاعتراض تختلف بحسب قصد المتكلم وسياق الكلام من قصد الاعتناء والتقرير والتوكيد وتعظيم المقسم به والمخبر عنه ورفع توهم خلاف المراد والجواب عن سؤال مقدر وغير ذلك فمن الاعتراض الذي يقصد به التقرير والتوكيد قول الشاعر: لو أن الباخلين وأنت منهم ... رأوك تعلموا منك المطالا ومما يقصد به الجواب عن سؤال مقدر قول الآخر: فلا هجره يبدو وفي اليأس راحة ... ولا وصله يصفو لنا فنكارمه فقوله وفي اليأس راحة جواب لتقدير سؤال سائل وما يغني(1\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "222",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2612",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنك هجره فقال وفي اليأس راحة أي المطلوب أحد أمرين إما يأس مريح أو وصال صاف ومن اعتراض الاحتراز قول الجعدي: ألا زعمت بنو جعد بأني ... وقد كذبوا كبير السن فاني ومنه قول نصيب: فكدت ولم اخلق من الطير إن بدا ... سنا بارق نحو الحجاز أطير فقوله ولما أخلق من الطير لرفع استفهام يتوجه عليه على سبيل الإنكار لو قال فكدت أطير فيقال له وهل خلقت من الطير فاحترز بهذا الاعتراض وعندي أن هذا الاعتراض يفيد غير هذا وهو قوة شوقه ونزوعه إلى أرض الحجاز فأخبر انه كاد يطير على أنه أبعد شيء من الطيران فإنه لم يخلق من الطير ولا عجب طيران من خلق من الطير وإنما العجب طيران من لم يخلق من الطير لشدة نزوعه وشوقه إلى جهة محبوبة فتأمله ومن مواقع الاعتراض الاعتراض بالدعاء كقول الشاعر: قد كنت أبكي وأنت راضية ... حذار هذا الصدود والغضب إن تم ذا الهجر يا ظلوم ولا ... تم فما لي في العيش من أرب وقول الآخ إن سليمى والله يكلؤها ... ضنت بشيء ما كان يرزؤها(1\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "223",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2613",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقول الآخر: إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان ومنه الاعتراض بالقسم كقوله: ذاك الذي وأبيك يعرف مالكا ... والحق يدفع ترهات الباطل ومن اعتراض الاستعطاف قوله: فمن لي بعين التي كنت مرة ... إلي بها نفسي فداؤك تنظر فاعترض بقوله نفسي فداؤك استعطافا فتأمل حسن الاعتراض وجزالته في قول الرب تعالى وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر فقوله والله أعلم بما ينزل اعتراض بين الشرط وجوابه أفاد امورا منها الجواب عن سؤال سائل ما حكمة هذا التبديل وما فائدته ومنها أن الذي يدل وأتى بغيره منزل محكم نزوله قبل الإخبار بقولهم ومنها أن مصدر الأمرين عن علمه تبارك وتعالى وأن كلا منهما منزل فيجب التسليم والإيمان بالأول والثاني ومن الاعتراض الذي هو في أعلى درجات الحسن قوله تعالى ووصينا الأنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك فاعترض بذكر شأن حمله ووضعه بين الوصية والموصى به توكيدا لأمر الوصية بالوالدة التي هذا شأنها وتذكيرا لولدها بحقها وما قاسته من حمله ووضعه(1\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "224",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2614",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "مما لم يتكلفه الأب ومنه قوله تعالى وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون فقلنا اضربوه ببعضها فاعترض بقوله والله مخرج ما كنتم تكتمون بين الجمل المعطوف بعضها على بعض إعلاما بأن تدارؤهم وتدافعهم في شأن القتيل ليس نافعا لهم في كتمانه فالله يظهره ولا بد ولا تستطل هذا الفصل وأمثاله فإنه يعطيك ميزانا وينهج لك طريقا يعينك على فهم الكتاب والله المستعان فصل ثم قال إنه لقرآن كريم فوصفه بما يقتضي حسنه وكثرة خيره ومنافعه وجلالته فإن الكريم هو البهي الكثير الخير العظيم النفع وهو من كل شيء أحسنه وأفضله والله سبحانه وصف نفسه بالكرم ووصف به كلامه ووصف به عرشه ووصف به ما كثر خيره وحسن منظره من النبات وغيره ولذلك فسر السلف الكريم بالحسن قال الكلبي إنه لقرآن كريم أي حسن كريم على الله وقال مقاتل كرمه الله وأعزه لأنه كلامه وقال الأزهري الكريم اسم جامع لما يحمد والله كريم جميل الفعال وإنه لقرآن كريم يحمد لما فيه من الهدى والبيان والعلم والحكمة وبالجملة فالكريم الذي من شأنه أن يعطي الخير الكثير بسهولة ويسر وضده اللئيم الذي لا يخرج خيره النزر إلا بعسر وصعوبة وكذلك الكريم في الناس واللئيم(1\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "225",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2615",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل ثم قال تعالى في كتاب مكنون اختلف المفسرون في هذا فقيل هو اللوح المحفوظ والصحيح أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة وهو المذكور في قوله في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة ويدل على أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة قوله لا يمسه إلا المطهرون فهذا يدل على أنه بأيديهم يمسونه وهذا هو الصحيح في معنى الآية ومن المفسرين من قال إن المراد به أن المصحف لا يمسه إلا طاهر والأول أرجح لوجوه أحدها أن الآية سيقت تنزيها للقرآن أن تنزل به الشياطين وأن محله لا يصل إليه فيمسه إلا المطهرون فيستحيل على أخابث خلق الله وأنجسهم أن يصلوا إليه أو يمسوه كما قال تعالى وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون فنفي الفعل وتأتيه منهم وقدرتهم عليه فما فعلوا ذلك ولا يليق بهم ولا يقدرون عليه فإن الفعل قد ينتفى عمن يحسن منه وقد يليق بمن لا يقدر عليه فنفى عنهم الأمور الثلاثة وكذلك قوله في سورة عبس في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة فوصف محله بهذه الصفات بيانا أن الشيطان لا يمكنه أن يتنزل به وتقرير هذا المعنى(1\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "226",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2616",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أهم وأجمل وأنفع من بيان كون المصحف لا يمسه إلا طاهر الوجه الثاني أن السورة مكية والاعتناء في السور المكية إنما هو بأصول الدين من تقرير التوحيد والمعاد والنبوة وأما تقرير الأحكام والشرائع فمظنة السور المدنية الثالث إن القرآن لم يكن في مصحف عند نزول هذه الآية ولا في حياة رسول الله وإنما جمع في المصحف في خلافة أبي بكر وهذا وإن جاز أن يكون اعتبار ما يأتي فالظاهر أنه إخبار بالواقع حال الأخبار يوضحه الوجه الرابع وهو قوله في كتاب مكنون والمكنون المصون المستور عن الأعين الذي لا تناله أيدي البشر كما قال تعالى كأنهن بيض مكنون وهكذا قال السلف قال الكلبي مكنون من الشياطين وقال مقاتل مستور وقال مجاهد لا يصيبه تراب ولا غبار وقال أبو إسحاق مصون في السماء يوضحه الوجه الخامس أن وصفه بكونه مكنونا نظير وصفه بكونه محفوظا فقوله إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون كقوله بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ يوضحه الوجه السادس أن هذا أبلغ في الرد على المكذبين وابلغ في تعظيم القرآن من كون المصحف لا يمسه محدث الوجه السابع قوله لا يمسه إلا المطهرون بالرفع فهذا خبر لفظا ومعنى ولو كان نهيا لكان مفتوحا ومن حمل الآية على النهي احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النهي والأصل في(1\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "227",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2617",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخبر والنهي حمل كل منهما على حقيقته وليس ههنا موجب يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النهي الوجه الثامن أنه قال إلا المطهرون ولم يقل إلا المتطهرون ولو أراد به منع المحدث من مسه لقال إلا المتطهرون كما قال تعالى إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين وفي الحديث اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين فالمتطهر فاعل التطهير والمطهر الذي طهره غيره فالمتوضئ متطهر والملائكة مطهرون الوجه التاسع: أنه لو أريد به المصحف الذي بأيدينا لم يكن في الاخبار عن كونه مكنونا كبير فائدة إذ مجرد كون الكلام مكنونا في كتاب لا يستلزم ثبوته فكيف يمدح القرآن بكونه مكنونا في كتاب وهذا أمر مشترك والآية إنما سيقت لبيان مدحه وتشريفه وما اختص به من الخصائص التي تدل على أنه منزل من عند الله وأنه محفوظ مضمون لا يصل إليه شيطان(1\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "228",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2618",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بوجه ما ولا يمس محله إلا المطهرون وهم السفرة الكرام البررة الوجه العاشر ما رواه سعيد بن منصور في سننه حدثنا أبو الأحوص حدثنا عاصم الأحول عن أنس بن مالك في قوله لا يمسه إلا المطهرون قال المطهرون الملائكة وهذا عند طائفة من أهل الحديث في الحكم المرفوع وقال الحاكم تفسير الصحابة عندنا في حكم المرفوع ومن لم يجعله مرفوعا فلا ريب أنه عنده أصح من تفسير من بعد الصحابة والصحابة أعلم الأمة بتفسير القرآن ويجب الرجوع إلى تفسيرهم وقال حرب في مسائله سمعت اسحق في قوله لا يمسه إلا المطهرون قال النسخة التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون قال الملائكة وسمعت شيخ الإسلام يقرر الاستدلال بالآية على أن المصحف لا يمسه المحدث بوجه آخر فقال هذا من باب التنبيه والإشارة إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر والحديث مشتق من هذه الآية وقوله لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر رواه أهل السنن من حديث الزهري عن بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن في الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن في السنن والفرائض والديات quot;أن لا يمس القرآن إلا طاهرquot; قال أحمد أرجو أن يكون صحيحا وقال أيضا:(1\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "229",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2619",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "لا أشك أن رسول الله كتبه وقال أبو عمر بن عبد البر هو كتاب مشهور عند اهل السير معروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد لأنه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة ثم قال وهو كتاب معروف عند العلماء وما فيه فمتفق عليه إلا قليلا وقد رواه ابن حبان في صحيحه ومالك في موطئه وفي المسألة آثار أخر مذكورة في غير هذا الموضع فصل ودلت الآية بإشارتها وإيمائها على أنه لا يدرك معانيه ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة وحرام على القلب المتلوث بنجاسة البدع والمخالفات أن ينال معانيه وأن يفهمه كما ينبغي قال البخاري في صحيحه في هذه الآية لا يجد طعمه إلا من آمن به وهذا أيضا من إشارة الآية وتنبيهها وهو أنه لا يلتذ به وبقراءته وفهمه وتدبره إلا من شهد أنه كلام الله تكلم بها حقا وأنزله على رسوله وحيا ولا ينال معانيه إلا من لم يكن في قلبه حرج منه بوجه من الوجوه فمن لم يؤمن بأنه حق من عند الله ففي قلبه منه حرج ومن لم يؤمن بأن الله سبحانه تكلم به وحيا وليس مخلوقا من جملة مخلوقاته ففي قلبه منه حرج ومن قال إن له باطنا يخالف ظاهره وإن له تأويلا يخالف ما يفهم منه ففي قلبه منه حرج ومن قال إن له تأويلا لا نفهمه ولا نعلمه وإنما نتلوه متعبدين بألفاظه ففي قلبه منه حرج(1\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "230",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2620",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "ومن سلط عليه آل الآرائيين وهذيان المتكلمين وسفسطة المسفسطين وخيالات المتصوفين ففي قلبه منه حرج ومن جعله تابعا لنحلته ومذهبه وقول من قلده دينه ينزله على أقواله ويتكلف حمله عليها ففي قلبه منه حرج ومن لم يحكمه ظاهرا وباطنا في أصول الدين وفروعه ويسلم وينقاد لحكمه أين كان ففي قلبه منه حرج ومن لم يأتمر بأوامره وينزجر عن زواجره ويصدق جميع أخباره ويحكم أمره ونهيه وخبره ويرد له كل أمر ونهي وخبر خالفه ففي قلبه منه حرج وكل هؤلاء لم تمس قلوبهم معانيه ولا يفهمونه كما ينبغي أن يفهم ولا يجدون من لذة حلاوته وطعمه ما وجده الصحابة ومن تبعهم وأنت إذا تأملت قوله لا يمسه إلا المطهرون وأعطيت الآية حقها من دلالة اللفظ وإيمائه وإشارته وتنبيهه وقياس الشيء على نظيره واعتباره بمشاكله وتأملت المشابهة التي عقدها الله سبحانه وربطها بين الظاهر والباطن فهمت هذه المعاني كلها من الآية وبالله التوفيق فصل ثم أكد ذلك وقرره وأطده بقوله تنزيل من رب العالمين وكما أنه لازم لكونه قرآنا كريما في كتاب مكنون فهو ملزوم له فهو دليل عليه مدلول له وأفاد كونه تنزيلا من رب العالمين مطلوبين عظيمين من أجل(1\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "231",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2621",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مطالب الدين أحدهما أنه المتكلم وأنه منه نزل ومنه بدأ وهو الذي تكلم به ومن هنا قال السلف منه بدأ ونظيره ولكن حق القول مني وقوله قل نزله روح القدس من ربك والثاني علو الله سبحانه فوق خلقه فإن النزول والتنزيل الذي تعقله العقول وتعرفه الفطر هو وصول الشيء من أعلا إلى أسفل والرب تعالى إنما يخاطب عباده بما تعرفه فطرهم وتشهد به عقولهم وذكر التنزيل مضافا إلى ربوبيته للعالمين المستلزمة تملكه لهم وتصرفه فيهم وحكمه عليهم وإحسانه وإنعامه عليهم وأن من هذا شأنه مع الخلق كيف يليق به مع ربوبيته التامة أن يتركهم سدى ويدعهم هملا ويخلقهم عبثا لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يثيبهم ولا يعاقبهم فمن أقر بأنه رب العالمين أقر بأن القرآن تنزيله على رسوله واستدل بكونه رب العالمين على ثبوت رسالة رسوله وصحة ما جاء به وهذا الإستدلال اقوى وأشرف من الإستدلال بالمعجزات والخوارق وإن كانت دلالتها أقرب إلى أذهان عموم الناس وتلك إنما تكون لخواص العقلاء وقد أشار سبحانه إلى الطريقين في غير موضع من كتابه كقوله سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق فهذا استدلال بالآيات المعاينة المخلوقة ثم قال أولم(1\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "232",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2622",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكف بربك أنه على كل شيء شهيد فهذا استدلال بكمال ربوبيته وكمال أوصافه على صدق رسوله فيما جاء به وهذه الطريق أخص وأقوى وأكمل وأعلى والأول أعم واشمل وقد تقدم بيانها عند قوله تعالى ولو تقول علينا بعض الأقاويل وأين الإستدلال بأوصاف الرب تعالى وكماله المقدس على ثبوت النبي وبعثه من الإستدلال عليه ببعض مخلوقاته وتأمل فرق ما بين استدلال سيدة نساء العالمين خديجة رضي الله عنها بصفات الرب تعالى وصفات محمد واستنتاجها من بين هذين الأمرين صحة نبوته وأنه رسول الله حقا وأن من كانت هذه صفات ربه وخالقه تأبى أن يخزيه وأنه يؤيده ويعليه ويتم نعمته عليه وأنت إذا تأملت هذه الطريقة وهذا الإستدلال وجدت بينها وبين طريقة المتكلمين من الفرق مالا يخفى وإذا حصل للعبد الفقه في الأسماء والصفات إنتفع به في باب معرفة الحق والباطل من(1\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "233",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2623",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "الأقوال والطرائق والمذاهب والعقائد أعظم انتفاع وأتمه وقد بد بينا في كتابنا المعالم بطلان التحيل وغيره من الحيل الربوبية من أسماء الرب وصفاته وأنه يستحيل على الحكيم أن يحرم الشيء وبتوعد على فعله بأعظم أنواع العقوبات ثم يبيح التوصل إليه بنفسه بأنواع التحيلات فأين ذلك الوعد الشديد وجواز التوصل إليه بالطريق البعيد إذ ليست حكمة الرب تعالى وكمال علمه وأسمائه وصفاته تنتقض بإحالة ذلك وامتناعه عليه فهذا استدلال بالفقه الأكبر في الأسماء والصفات على الفقه العملي في باب الأمر والنهي وهذا باب حرام على الجهمي المعطل أن يلجه إلى الجنة حرام عليه ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسين ألف سنة والله العزيز الوهاب لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع وبه التوفيق فصل ثم وبخهم سبحانه على وضعهم الادهان في غير موضعه وأنهم يداهنون بما حقه أن يصدع به ويفرق به ويعض عليه بالنواجذ وتثنى عليه الخناصر وتعقد عليه القلوب والأفئدة ويحارب ويسالم لأجله ولا يلتوي عنه لا يمنة ولا يسرة ولا يكون للقلب التفات إلى غيره ولا محاكمة إلا إليه ولا مخاصمة إلا به ولا اهتداء(1\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "234",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2624",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في طرق المطالب العالية إلا بنوره ولا شفاء إلا به فهو روح الوجود وحياة العالم ومدار السعادة وقائد الفلاح وطريق النجاة وسبيل الرشاد ونور البصائر فكيف تطلب المداهنة بما هذا شأنه ولم ينزل للمداهنة وإنما أنزل بالحق وللحق والمداهنة إنما تكون في باطل قوي لا يمكن إزالته أو في حق ضعيف لا يمكن إقامته فيحتاج المداهن إلى أنه يترك بعض الحق ويلتزم بعض الباطل فأما الحق الذي قام به كل حق فكيف يدهن به ثم قال سبحانه وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون لما كان قوام كل واحد من البدن والقلب إنما هو بالرزق فرزق البدن الطعام والشراب ورزق القلب الإيمان والمعرفة بربه وفاطره ومحبته والشوق إليه والأنس بقربه والإبتهاج بذكره وكان لا حياة له إلا بذلك كما أن البدن لا حياة له إلا بالطعام والشراب أنعم سبحانه على عبادة بهذين النوعين من الرزق وجعل قيام أبدانهم وقلوبهم بهما ثم فاوت سبحانه بينهم في قسمة هذين الرزقين بحسب ما اقتضاه علمه وحكمته فمنهم من وفر حظه من الرزقين ووسع عليه فيهما ومنهم من قتر عليه في الرزقين ومنهم من وسع عليه رزق البدن وقتر عليه رزق القلب وبالعكس وهذا الرزق إنما يتم ويكمل بالشكر والشكر مادة زيادته وسبب حفظه وبقائه وترك الشكر سبب زواله وانقطاعه عن العبد فإن الله تعالى تأذن أنه لا بد أن يزيد الشكور من نعمه ولا بد أن يسلبها من لم يشكرها فلما وضعوا الكفر والتكذيب موضع(1\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "235",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2625",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "الشكر والإيمان جعلوا رزقهم نفسه تكذيبا فإن التصديق والشكر لما كانا سبب زيادة الرزق وهما رزق القلب حقيقة فهؤلاء جعلوا مكان هذا الرزق التكذيب والكفر فجعلوا رزقهم التكذيب وهذا المعنى هو الذي حام حوله من قال التقدير وتجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون وقال آخرون التقدير وتجعلون بدل شكر رزقكم أنكم تكذبون فحذف مضافين معا وهؤلاء أطالوا اللفظ وقصروا بالمعنى ومن بعض معنى الآية قوله مطرنا بنوء كذا وكذا فهذا لا يصح أن تدل عليه الآية ويراد بها وإلا فمعناها أوسع منه وأعم وأعلى والله أعلم فصل ثم ختم السورة بأحوالهم عند القيامة الصغرى كما ذكر في أولها أحوالهم في القيامة الكبرى وقسمهم إلى ثلاثة أقسام كما قسمهم هناك إلى ثلاثة وذكر بين يدي هذا التقسيم الاستدلال على صحته وثبوته بأنهم مربوبون مدبرون مملوكون فوقهم رب قاهر مالك يتصرف فيهم بحسب مشيئته وإرادته وقررهم على ذلك بما لا سبيل لهم إلى دفعه ولا إنكاره فقال فلولا إذا بلغت الحلقوم أي(1\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "236",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2626",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصلت الروح إلى هذا الموضع بحيث فارقت ولم تفارق فهي برزخ بين الموت والحياة كما أنها إذا فارقت صارت في برزخ بين الدنيا والآخرة ملائكة الرب تعالى أقرب إلى المحتضر من حاضريه من الأنس ولكنهم لا يبصرون بهم فلولا تردونها إلى مكانها من البدن أيها الحاضرون إن كان الأمر كما تزعمون أنكم غير مجزيين ولا مدينين ولا مستوعبين ليوم الحساب فإن قيل أي ارتباط بين هذين الأمرين حتى يلازم بينهما قيل هذا من أحسن الاستدلال وأبلغه فإنهم إما أن يقروا بأنهم مربوبون مملوكون عبيد لمالك قادر متصرف فيهم قاهر آمر ناه أو لا يقرون بذلك فإن أقروا به لزمهم القيام بحقه عليهم وشكره وتعظيمه وإجلاله وأن لا يجعلوا له ندا ولا شريكا وهذا هو الذي جاءهم به رسوله ونزل عليه به كتابه وإن أنكروا ذلك وقالوا إنهم ليسوا بعبيد ولا مملوكين ولا مربوبين وإن الأمر إليهم يردون الأرواح إلى مقارها إذا بلغت الحلقوم فإن المتصرف في نفسه الحاكم على روحه لا يمتنع منه ذلك بخلاف المحكوم عليه المتصرف فيه غير المدبر له سواء الذي هو عبد مملوك من جميع الجهات وهذا الاستدلال لا محيد عنه ولا مدفع له ومن أعطاه حقه من التقرير والبيان إنتفع به غاية النفع وانقاد لأجله للعبودية وأذعن ولم يسعه غير التسليم للربوبية والإلهية والإقرار بالعبودية ولله ما احسن جزالة هذه الألفاظ وفصاحتها وبلوغها أقصى مراتب(1\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "237",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2627",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البلاغة والفصاحة والاختصار التام وندائها إلى معناها من أقرب مكان واشتمالها على التوبيخ والتقرير والإلزام ودلائل الربوبية والتوحيد والبعث وفصل النزاع في معرفة الروح وأنها تصعد وتنزل وتنتقل من مكان إلى مكان وما أحسن إعادة لولا ثانيا قبل ذكر الفعل الذي يقتضيه الأول وجعل الحرفين يقتضيانه اقتضاء واحدا وذكر الشرطين مع الفصل بينهما بكلمة واحدة هي الرابط بين لولا الأولى والثانية والشرط الأول والثاني وهذا تركيب يستحد العقل والسمع لمعناه ولفظه فتضمنت الآيتان تقريرا وتوبيخا واستدلالا على أصول الإيمان من وجود الخالق سبحانه وكمال قدرته ونفوذ مشيئته وربوبيته وتصرفه في أرواح عباده حيث لا يقدرون على التصرف فيها بشيء وأن أرواحهم بيده يذهب بها إذا شاء ويردها إليهم إذا شاء ويخلي أبدانهم منها تارة ويجمع بينها وبينهما تارة وإثبات المعاد وصدق رسوله فيما اخبر به عنه وإثبات ملائكته وتقرير عبودية الخلق وأتى بهذا في صورة تحضيضين وتوبيخين وتقريرين وجوابين وشرطين وجزاءين منتظمة أحسن الإنتظام ومتداخلة أحسن التداخل متعلقا بعضها ببعض وهذا كلام لا يقدر(1\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "238",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2628",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البشر على مثل نظمه ومعناه قال الفراء وأجيبت فلولا إذا بلغت الحلقوم و فلولا إن كنتم غير مدينين بجواب واحد وهو ترجعونها إن كنتم صادقين قال ومثله قوله تعالى فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أجيبا بجواب واحد وهما شرطان قال الجرجاني قوله ترجعونها جواب قوله فلولا المتقدمة والمتأخرة على تأويل فلولا إذا بلغت النفس الحلقوم تردونها إلى موضعها إن كنتم غير محاسبين ولا مجزيين كما تزعمون يقول تعالى إن كان الأمر كما تزعمون أنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء ولا إله ولا رب يقوم بذلك فهلا تردون نفس من يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم فإذا لم يمكنكم في ذلك حيلة بوجه من الوجوه فهل دلكم ذلك على أن الأمر إلى مليك قادر قاهر متصرف فيكم وهو الله الذي لا إله إلا هو وقال أبو اسحق معناه فهلا ترجعون الروح إن كنتم غير مملوكين مدبرين فهلا إن كان الأمر كما تزعمون في كما يقول قائلكم لو أطاعونا ما قتلوا و لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا أي إن كنتم تقدرون أن تؤخروا أجلا فهلا ترجعون الروح إذا بلغت الحلقوم وهلا تردون عن أنفسكم الموت(1\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "239",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2629",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "قلت وكان هذا يلتفت إلى قوله تعالى قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم أي إن كنتم كما تزعمون لا تبعثون بعد الموت خلقا جديدا فكونوا خلقا لا يفنى ولا يبلى إما من حجارة أو من حديد أو أكبر من ذلك ووجه الملازمة ما تقدم ذكره وهو إما أن تقروا بأن لكم ربا متصرفا فيكم ومالكا لكم تنفذ فيكم مشيئته وقدرته يميتكم إذا شاء ويحييكم إذا شاء فكيف تنكرون قدرته على إعادتكم خلقا جديدا بعدما أماتكم وإما أن تنكروا أن يكون لكم رب قادر قاهر مالك نافذ المشيئة فيكم والقدرة فيكم فكونوا خلقا لا يقبل الفناء والموت فإذا لم تستطيعوا إن تكونوا كذلك فما تنكرون من قدرة من جعلكم خلقا يموت ويحيا أن يحييكم بعد ما أماتكم فهذا استدلال يعجزهم عن كونهم خلقا لا يموت والذي في الواقعة استدلال يعجزهم عن رد الروح إلى مكانها إذا قاربت الموت وليس بعد هذا الاستدلال إلا الإذعان والانقياد أو الكفر والعناد فصل فلما قام الدليل ووضح السبيل وتم البرهان على انهم مملوكون مربوبون مجزيون محاسبون ذكر طبقاتهم عند الحشر الأول والقيامة الصغرى وهي ثلاث طبقات طبقة المقربين وطبقة أصحاب اليمين وطبقة المكذبين فجعل تحية المقربين عند الوفاة الروح والريحان(1\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "240",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2630",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والجنة وهذه الكرامات الثلاثة التي يعطونها بعد الموت نظير الثلاث التي يعطونها يوم القيامة فالروح الفرح والسرور والإبتهاج ولذة الروح فهي كلمة جامعة لنعيم الروح ولذتها وذلك قوتها وغذاؤها والريحان الرزق وهو الأكل والشرب والجنة المسكن الجامع لذلك كله فيعطون هذه الثلاث في البرزخ وفي المعاد الثاني ثم ذكر الطبقة الثانية وهي طبقة أصحاب اليمين ولما كانوا دون المقربين في المرتبة جعل تحيتهم عند القدوم عليه السلامة من الآفات والشرور التي تحصل للمكذبين الضالين فقال وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين والسلام مصدر من سلم أي فلك السلامة والخطاب له نفسه أي يقال لك السلامة كما يقال للقادم لك الهناء ولك السلامة ولك البشرى ونحو ذلك من الألفاظ كما يقولون خير مقدم ونحو ذلك فهذه تحية عند اللقاء قال مقاتل يسلم الله لهم أمرهم ويتجاوز عن سيئاتهم ويتقبل حسناتهم وقال الكلبي يسلم عليه أهل الجنة ويقولون السلامة لك وعلى هذا فقوله من أصحاب اليمين أي هذه التحية حاصلة لك من إخوانك أصحاب اليمين فإنه إذا قدم عليهم حيوه بهذه التحية وقالوا السلامة لك وفي الآية أقوال أخر فيها تكلف وتعسف فلا حاجة إلى ذكرها ثم ذكر الطبقة الثالثة وهي طبقة الضال في نفسه المكذب(1\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "241",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2631",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "لأهل الحق وإن له عند الموافاة نزل الحميم وسكنى الجحيم ثم أكد هذا الجزاء بما جعله كأنه رأى العين لمن آمن بالله ورسوله فقال إن هذا لهو حق اليقين فرفع شأنه عن درجة الظن والعلم إلى اليقين وعن درجة اليقين إلى حقه ثم أمره أن ينزه اسمه تبارك وتعالى عما لا يليق به وتنزيه الاسم متضمن لتنزيه المسمى عما يقوله الكاذبون والجاحدون فصل ومن ذلك قوله تعالى والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى أقسم سبحانه بالنجم عند هويه على تنزيه رسوله وبراءته مما نسبه إليه أعداؤه من الضلال والغي واختلف الناس في المراد بالنجم فقال الكلبي عن ابن عباس أقسم بالقرآن إذا نزل نجما على رسوله أربع آيات وثلاثا والسورة وكان بين أوله وآخره عشرون سنة وكذلك روى عطاء عنه وهو قول مقاتل والضحاك ومجاهد واختاره الفراء وعلى هذا فسمي القرآن منجما لتفرقه في النزول والعرب تسمي التفرق تنجما والمفرق نجما ونجوم الكتاب أقساطها ويقول جعلت مالي على فلان نجوما منجمة كل نجم كذا وكذا(1\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "242",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2632",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأصل هذا أن العرب كانت تجعل مطالع القمر ومساقطها مواقيت لحلول ديونها وآجالها فيقولون إذا طلع النجم يريدون الثريا حل عليك الدين ومنه قول زهير في دية جعلت نجوما على العاقل: ينجمها قوم لقوم غرامة ... ولم يهرقوا ما بينهم ملء مجحم ثم جعل كل تنجم تفريقا وإن لم يكن موقتا بطلوع نجم وقوله هوى على هذا القول أي نزل من على إلى أسفل قال أبو زيد هوت العقاب تهوي هويا بفتح الهاء إذا انقضت على صيد أو غيره وكذلك قال ابن الأعرابي وفرق بين الهوى لقوله: والدلو في اصعادها عجل الهوى ... وقال الليث العامة تقول الهوى بالضم في مصد هوى يهوى وكذلك قال الأصمعي هوى يهوى هو بفتح الهاء إذا سقط إلى أسفل قال وكذلك الهوي في السير إذا مضى وههنا أمر يجب التنبيه عليه غلط فيه أبو محمد بن حزم أقبح غلط فذكر في السماء الرب تعالى الهوى بفتح الهاء واحتج بما في الصحيح من حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده quot;سبحان ربي الأعلىquot; الهوى فظن أبو محمد أن الهوى صفة للرب وهذا من غلطه رحمه الله وإنما الهوى على وزن فعيل اسم لقطعة من الليل يقال مضى هوى من الليل على وزن فعيل ومضى هزيع منه أي طرف وجانب وكان يقول quot;سبحان(1\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "243",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2633",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ربي الأعلىquot; في قطعة من الليل وجانب منه وقد صرحت بذلك في اللفظ الآخر فقالت كان يقول quot;سبحان ربي الأعلىquot; الهوى من الليل عدنا إلى قوله والنجم إذا هوى وقال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وعطية يعني الثريا إذا سقطت وغابت وهو الرواية الأخرى عن مجاهد والعرب إذا أطلقت النجم تعني به الثريا قال فباتت تعد النجم وقال أبو حمزة اليماني يعني النجوم إذا انتشرت يوم القيامة وقال ابن عباس في رواية عكرمة يعني النجوم التي ترمى بها الشياطين إذا سقطت في آثارها عند استراق السمع وهذا قول الحسن وهو أظهر الأقوال ويكون سبحانه قد أقسم بهذه الآية الظاهرة المشاهدة التي نصبها الله سبحانه آية وحفظا للوحي من استراق الشياطين له على أن ما أتى به رسوله حق وصدق لا سبيل للشيطان ولا طريق له إليه بل قد أحرس بالنجم إذا هوى رصدا بين يدي الوحي وحرسا له وعلى هذا فالارتباط بين المقسم به والمقسم عليه في غاية الظهور وفي المقسم به دليل على المقسم عليه وليس بالبين تسمية القرآن عند نزوله بالنجم إذا هوى ولا تسمية نزوله هويا ولا عهد في القرآن ذلك فيحمل هذا اللفظ عليه وليس بالبين تخصيص هذا القسم بالثريا وحدها إذا غابت وليس بالبين أيضا القسم بالنجوم عند انتشارها يوم القيامة بل هذا مما يقسم الرب عليه ويدل عليه بآياته فلا يجعله نفسه دليلا(1\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "244",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2634",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لعدم ظهوره للمخاطبين ولا سيما منكروا البعث فإنه سبحانه إنما استدل بما لا يمكن جحده ولا المكابرة فيه فأظهر الأقوال قول الحسن والله أعلم وبين المقسم به والمقسم عليه من التناسب مالا يخفى فإن النجوم التي ترمى الشياطين آيات من آيات الله يحفظ بها دينه ووحيه وآياته المنزلة على رسوله ظهر دينه وشرعه وأسماؤه وصفاته وجعلت هذه النجوم المشاهدة خدما وحرسا لهذه النجوم الهاوية ونفى سبحانه عن رسوله الضلال المنافي للهدى والغي المنافي للرشاد ففي ضمن النفي الشهادة له بأنه على الهدى والرشاد فالهدى في علمه والرشاد في علمه وهذان الأصلان هما غاية كمال العبد وبهما سعادته وفلاحه وبهما وصف النبي خلفاءه فقال عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي فالراشد ضد الغاوي والمهدي ضد الضال وهو الذي زكت نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح وهو صاحب الهدى ودين الحق ولا يشتبه الراشد المهدي بالضال الغاوي إلا على أجهل خلق الله وأعماهم قلبا وأبعدهم من حقيقة الإنسانية ولله در القائل: وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم(1\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "245",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2635",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فالناس أربعة أقسام ضال في علمه غاو في قصده وعلمه وهؤلاء شرار الخلق وهم مخالفوا الرسل الثاني مهتد في علمه غاو في قصده وعمله وهؤلاء هم الأمة الغضبية ومن تشبه بهم وهو حال كل من عرف الحق ولم يعمل به الثالث ضال في علمه ولكن قصده الخير وهو لا يشعر الرابع مهتد في علمه راشد في قصده وهؤلاء ورثة الأنبياء وهم وإن كانوا الأقلين عددا فهم الأكثرون عند الله قدرا وهم صفوة الله من عباده وحزبه من خلقه وتأمل كيف قال سبحانه ما ضل صاحبكم ولم يقل ما ضل محمد تأكيدا لإقامة الحجة عليهم بأنه صاحبهم وهم أعلم الخلق به وبحاله وأقواله وأعماله وأنهم لا يعرفونه بكذب ولا غي ولا ضلال ولا ينقمون عليه أمرا واحدا قط وقد نبه على هذا المعنى بقوله أم لم يعرفوا رسولهم وبقوله وما صاحبكم بمجنون فصل ثم قال سبحانه وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى(1\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "246",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2636",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ينزه نطق رسوله أن يصدر عن هوى وبهذه الكمال هداه ورشده وقال وما ينطق عن الهوى ولم يقل وما ينطق بالهوى لأن نطقه عن الهوى أبلغ فإنه يتضمن أن نطقه لا يصدر عن هوى وإذا لم يصدر عن هوى فكيف ينطق به فتضمن نفي الأمرين نفي الهوى عن مصدر النطق ونفيه عن نفسه فنطقه بالحق ومصدره الهدى والرشاد لا الغي والضلال ثم قال إن هو إلا وحي يوحى فأعاد الضمير على المصدر المفهوم من الفعل أي ما نطقه إلا وحي يوحى وهذا أحسن من قول من جعل الضمير عائدا إلى القرآن فإنه يعم نطقه بالقرآن والسنة وإن كليهما وحي يوحى وقد احتج الشافعي لذلك فقال لعل من حجة من قال بهذا قوله وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة قال ولعل من حجته أن يقول قال رسول الله لأبي الزاني بامرأة الرجل الذي صالحه على الغنم والخادم quot;والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله الغنم والخادم رد عليك الحديثquot;(1\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "247",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2637",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الصحيحين أن يعلى بن أمية كان يقول لعمر ليتني أرى رسول الله حين ينزل عليه الوحي فلما كان بالجعرانة سأله رجل فقال كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبته بعد ما تضمخ بالخلوق فنظر إليه النبي ساعة ثم سكت فجاء الوحي فأشار عمر بيده إلى يعلى فجاء فأدخل رأسه فإذا النبي صلى الله عليه وسلم محرم يغط ثم سرى عنه فقال quot;أين السائل آنفاquot; فجيء به فقال quot;انزع عنك الجبة واغسل أثر الطيب واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتكquot; وقال الشافعي أخبرنا مسلم عن ابن جريج عن أبي طاووس عن أبيه أن عنده كتابا نزل به الوحي وما فرض رسول الله من صدقة وعقول فإنما نزل به الوحي وذكر الأوزاعي عن حسان(1\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "248",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2638",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "ابن عطية قال كان جبريل ينزل على رسول الله بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن يعلمه إياه وذكر الأوزاعي أيضا عن أبي عبيد صاحب سليمان أخبرني القاسم بن مخيمرة حدثني ابن فضيلة قال قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم سعر لنا قال quot;لا تسألني عن سنة أحدثها فيكم لم يمرني بها ولكن سلوا الله من فضلهquot; وابن فضيلة هذا يسمى طلحة وقد صح عنه أنه قال quot;ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معهquot; وهذا هو السنة بلا شك وقد قال تعالى وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وهما القرآن والسنة وبالله التوفيق فصل ثم أخبر تعالى عن وصف من علمه الوحي والقرآن مما يعلم أنه مضاد لأوصاف الشيطان معلم الضلال والغواية فقال علمه شديد القوى وهذا نظير قوله ذي قوة عند ذي العرش مكين وذكرنا هناك السر في وصفه بالقوة وقوله ذو مرة أي جميل المنظر حسن الصورة ذو جلالة ليس شيطانا أقبح خلق الله وأشوههم صورة بل هو من أجمل الخلق وأقواهم وأعظمهم أمانة ومكانة عند الله وهذا تعديل لسند الوحي والنبوة وتزكية له كما تقدم نظيره في سورة التكوير فوصفه بالعلم والقوة وجمال المنظر وجلالته وهذه كانت أوصاف(1\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "249",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2639",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرسول البشري والملكي فكان رسول الله أشجع الناس وأعلمهم وأجملهم وأجلهم والشياطين وتلامذتهم بضد من ذلك فهم أقبح الخلق صورة ومعنى وأجهل الخلق وأضعفهم همما ونفوسا ثم ذكر استواء هذا المعلم بالأفق الأعلى ودنوه وتدليه وقربه من رسول الله وإيحاء الله ما أوحى فصور سبحانه لأهل الإيمان صورة الحال من نزول جبريل من عنده إلى أن استوى بالأفق ثم دنى وتدلى وقرب من رسوله فأوحى إليه ما أمره الله بإيحائه حتى كأنهم يشاهدون صورة الحال ويعاينونها هابطا من السماء إلى أن صار بالأفق الأعلى مستويا عليه ثم نزل وقرب من محمد وخاطبه بما أمره الله به قائلا ربك يقول لك كذا وكذا وأخبر سبحانه عن مسافة هذا القرب بأنه قدر قوسين أو أدنى من ذلك وليس هذا على وجه الشك بل تحقيق لقدر المسافة وأنها لا تزيد عن قوسين ألبتة كما قال تعالى وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون تحقيق لهذا العدد وأنهم لا ينقصون عن مائة ألف رجل واحدا ونظيره قوله ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة أي لا تنقص قسوتها عن قسوة الحجارة بل إن لم تزد على قسوة الحجارة لم تكن دونها وهذا(1\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "250",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2640",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "المعنى أحسن وألطف وأدق من قول من جعل أو في هذه المواضع بمعنى بل ومن قول من جعلها للشك بالنسبة إلى الرأي وقول من جعلها بمعنى الواو فتأمله انتهى فصل ثم أخبر تعالى عن تصديق فؤاده لما رأته عيناه وأن القلب صدق العين وليس كمن رأى شيئا على خلاف ما هو به فكذب فؤاده بصره بل ما رآه ببصره صدقه الفؤاد وعلم أنه كذلك وفيها قراءتان إحداهما بتخفيف كذب والثانية بتشديدها يقال كذبته عينه وكذبه قلبه وكذبه جسده إذا أخلف ما ظنه وحدسه قال الشاعر: كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالا أي أرتك مالا حقيقة له فنفى هذا عن رسوله وأخبره أن فؤاده لم يكذب ما رآه وما إما أن تكون مصدرية فيكون المعنى ما كذب فؤاده رؤيته وإما أن تكون موصولة فيكون المعنى ما كذب الفؤاد الذي رآه بعينه وعلى التقديرين فهو إخبار عن تطابق رؤية القلب لرؤية البصر وتوافقهما وتصديق كل منهما لصاحبه وهذا ظاهر جدا في قراءة التشديد وقد استشكلها طائفة منهم المبرد وقال في هذه القراءة بعد قال لأنه إذا رأى بقلبه فقد علمه أيضا بقلبه وإذا وقع العلم فلا كذب معه فإنه إذا(1\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "251",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2641",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان الشيء في القلب معلوما فكيف يكون معه تكذيب قلت وجواب هذا من وجهين أحدهما أن الرجل قد يتخيل الشيء على خلاف ما هو فيكذبه قلبه إذ يريه صورة المعلوم على خلاف ما هي عليه كما تكذبه عينه فيقال كذبه قلبه وكذبه ظنه وكذبته عينه فنفى سبحانه ذلك عن رسوله وأخبر أن ما رآه الفؤاد فهو كما رآه كمن رأى الشيء على حقيقة ما هو به فإنه يصح أن يقال لم تكذبه عينه الثاني أن يكون الضمير في رأى عائدة إلى الرأي لا إلى الفؤاد ويكون المعنى ما كذب الفؤاد ما رآه البصر وهذا بحمد الله لا إشكال فيه والمعنى ما كذب الفؤاد ما رآه البصر بل صدقه وعلى القراءتين فالمعنى ما أوهمه الفؤاد أنه رأى ولم ير ولا اتهم بصره ثم أنكر سبحانه عليه مكابرتهم وجحدهم له على ما رآه كما ينكر على الجاهل مكابرته للعالم ومماراته له على ما عمله وفيها قراءتان أفتمارونه وأفتمرونه وهذه المماراة أصلها من الجحد والدفع يقول مريت الرجل حقه إذا جحدته كما قال الشاعر: لئن هجرت أخا صدق ومكرمة ... لقد مريت أخا ما كان يمريكا ومنه المماراة وهي المجادلة والمكابرة ولهذا عدى هذا الفعل بعلى وهي على بابها وليست بمعنى عن كما قاله المبرد بل الفعل متضمن معنى المكابرة وهذا في قراءة الألف أظهر ورجح أبو عبيدة قراءة من قرأ أفتمرونه قال وذلك أن المشركين إنما شأنهم(1\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "252",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2642",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "الجحود لما كان يأتيهم من الوحي وهذا كان أكثر من المماراة منهم يعني أن من قرأ أفتمارونه فمعناه أفتجادلونه ومن قرأ أفتمرونه معناه أفتجحدونه وجحودهم لما جاء به كان هو شأنهم وكان أكثر من مجادلتهم له وخالفه أبو علي وغيره واختاروا قراءة أفتمارونه قال أبو علي من قرأ أفتمارونه فمعناه أفتجادلونه جدالا ترومون به دفعه عما علمه وشاهده ويقوي هذا الوجه قوله تعالى يجادلونك في الحق بعد ما تبين ومن قرأ أفتمرونه كان المعنى أفتجحدونه قال والمجادلة كأنها أشبه في هذا لأن الجحود كان منهم في هذا وغيره وقد جادله المشركون في الإسراء قلت القوم جمعوا بين الجدال والدفع والإنكار فكان جدالهم جدال جحود ودفع لا جدال استرشاد وتبين للحق وإثبات الألف يدل على المجادلة والإتيان بعلى يدل على المكابرة فكانت قراءة الألف منتظمة للمعنيين جميعا فهي أولى وبالله التوفيق فصل ثم أخبر سبحانه عن رؤيته لجبريل مرة أخرى عند سدرة المنتهى فالمرة الأولى كانت دون السماء بالأفق الأعلى والثانية كانت فوق السماء عند سدرة المنتهى وقد صح عنه صلى الله(1\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "253",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2643",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه وسلم أنه جبريل عليه الصلاة والسلام رآه على صورته التي خلق عليها مرتين كما في الصحيحين عن زر بن حبيش أنه سئل عن قوله تعالى فكان قاب قوسين أو أدنى قال أخبرني ابن مسعود أن النبي رأى جبريل له ستمائة جناح وفي الصحيحين أيضا عن عبد الله بن مسعود ما كذب الفؤاد ما رأى قال رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح وقال البخاري عنه رأى رفرفا أخضر يسد الأفق وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ولقد رآه نزلة أخرى قال رأى جبريل عليه السلام وفي صحيحه أيضا عن مسروق قال كنت متكئا عند عائشة فقالت ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية قلت ما هن قالت من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية قال وكنت متكئا فجلست فقلت يا أم المؤمنين(1\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "254",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2644",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنظريني ولا تعجليني ألم يقل الله عز وجل ولقد رآه بالأفق المبين ولقد رآه نزلة أخرى فقالت أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله لى الله عليه وسلم فقال quot;إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته متهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض فقالت أولم تسمع أن الله عز وجل يقول لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير أولم تسمع أن الله عز وجل يقول وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم quot; قالت ومن زعم أن محمدا كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية والله عز وجل يقول يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته قالت ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية والله عز وجل يقول قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ولو كان محمد كاتما شيئا مما أنزل عليه لكتم هذه الآية وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه وفي الصحيحين عن مسروق أيضا قال سألت عائشة(1\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "255",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2645",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رضي الله عنها هل رأى محمد ربه فقالت سبحان الله لقد وقف شعري مما قلت وفيهما أيضا قال قلت لعائشة فأين قوله عز وجل ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى قالت إنما ذاك جبريل كان يأتيه في صورة الرجال وإنه أتاه في هذه المرة في صورته التي هي صورته فسد الأفق وفي صحيح مسلم بأن أبا ذر سأله هل رأيت ربك فقال نور أنى أراه وفي صحيح مسلم أيضا من حديث أبي موسى الأشعري قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال quot;إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقهquot; وهذا الحديث ساقه مسلم بعد حديث أبي ذر المقدم وهو كالتفسير له ولا ينافي هذا قوله في حديث الصحيح حديث الرؤية يوم القيامة فيكشف الحجاب فينظرون إليه فإن النور الذي هو حجاب الرب تعالى يراد به الحجاب الأدنى إليه وهو لو كشف لم يقم له شيء كما قال ابن عباس في قوله عز وجل لا تدركه الأبصار قال ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى به لم يقم له شيء وهذا الذي ذكره ابن عباس يقتضي أن قوله لا تدركه الأبصار على عمومه وإطلاقه في الدنيا والآخرة ولا يلزم من ذلك أن لا يرى بل يرى في الآخرة بالأبصار من(1\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "256",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2646",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غير إدراك وإذا كانت أبصارنا لا تقوم لإدراك الشمس على ما هي عليه وإن رأتها مع القرب الذي بين المخلوق والمخلوق فالتفاوت الذي بين أبصار الخلائق وذات الرب جل جلاله أعظم وأعظم ولهذا لما حصل للجبل أدنى شيء من تجلي الرب تسافى الجبل واندك لسبحات ذلك القدر من التجلي وفي الحديث الصحيح المرفوع quot;جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا راد الكبرياء على وجهه في جنة عدنquot; فهذا يدل أن رداء الكبرياء على وجهه تبارك وتعالى هو المانع من رؤية الذات ولا يمنع من أصل الرؤية فإن الكبرياء والعظمة أمر لازم لذاته تعالى فإذا تجلى سبحانه لعباده يوم القيامة وكشف الحجاب بينهم وبينه فهو الحجاب المخلوق وأما أنوار الذات الذي يحجب عن إدراكها فذاك صفة للذات لا تفارق ذات الرب جل جلاله ولو كشف ذلك الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه وتكفي هذه الإشارة في هذا المقام للمصدق الموقن وأما المعطل الجهمي فكل هذا عنده باطل ومحال والمقصود أن المخبر عنه بالرؤية في سورة النجم هو جبريل وأما قول ابن عباس رأى محمد ربه بفؤاده مرتين فالظاهر أن مستنده هذه الآية وقد تبين أن المرئي فيها جبريل فلا دلالة فيها(1\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "257",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2647",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على ما قاله ابن عباس وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي الإجماع على ما قالته عائشة فقال في نقضه على بشر المريسي في الكلام على حديث ثوبان ومعاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال quot;رأيت ربي البارحة في أحسن صورةquot; فحكى تأويل المريسي الباطل ثم قال ويلك إن تأويل هذا الحديث على غير ما ذهبت إليه أما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث أبي ذر quot;إنه لم ير ربهquot; وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;لن تروا ربكم حتى تموتواquot; وقالت عائشة رضي الله عنها من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية وأجمع المسلمون على ذلك مع قول الله لا تدركه الأبصار يعنون أبصار أهل الدنيا وإنما هذه الرؤية كانت في المنام يمكن رؤية الله على كل حال كذلك وروى معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:quot;صليت ما شاء الله من الليل ثم وضعت جنبي فأتاني ربي في أحسن صورةquot; فهذا تأويل هذا الحديث عند أهل العلم وقد ظن القاضي أبو يعلى أن الرواية اختلفت عن الإمام أحمد هل رأى رسول الله ربه ليلة الإسراء أم لا على ثلاث روايات أحداها أنه رآه قال المروزي قلت لأبي عبد الله يقولون إن عائشة قالت من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية فبأي شيء يدفع قول عائشة فقال بقول النبي صلى الله(1\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "258",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2648",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه وسلم quot;رأيت ربيquot; قول النبي أكبر من قولها قال وذكر المروزي في موضع آخر أنه قال لأبي عبد الله ههنا رجل يقول إن الله يرى في الآخرة ولا أقول إن محمدا رأى ربه في الدنيا فغضب وقال هذا أهل أن يخفى يسلم الخبر كما جاء قال فظاهر هذا أنه أثبت رؤية عين ونقل حنبل قال قلت لأبي عبد الله النبي رأى ربه رؤيا حلم بقلبه قال فظاهر هذا نفي الرؤية وكذلك نقل الأثرم وقد سأله عن حديث عبد الرحمن بن عابس عن النبي صلى الله عليه وسلم quot;رأيت ربي في أحسن صورةquot; فقال معمر مضطرب لأن معمرا رواه عن أيوب عن معبد عن عبد الرحمن بن عابس عن النبي ورواه حماد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ورواه يوسف بن عطية عن قتادة عن أنس ورواه عبد الرحمن بن زيد عن جابر عن خالد بن اللجلاج عن عبد الرحمن ابن عابس عن رجل من أصحاب النبي ورواه يحيى بن أبي كثير فقال عن ابن عابس عن معاذ عن النبي وأصل الحديث واحد قال الأثرم فقلت لأبي عبد الله فإلى أي شيء تذهب فقال قال الأعمش عن زياد بن الحصين عن أبي العالية عن ابن عباس قال رأى محمد ربه بقلبه ونقل الأثرم أن رجلا قال لأحمد عن الحسين الأشيب أنه قال لم ير النبي صلى الله عليه(1\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "259",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2649",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسلم ربه تعالى فأنكره عليه إنسان وقال لم تقول رآه ولا تقول بعينه ولا بقلبه كما جاء الحديث فاستحسن ذلك الأشيب فقال أبو عبد الله حسن قال وظاهر هذا إثبات رؤية لا يعقل معناها هل كانت بعينه أم بقلبه فهذه نصوص أحمد وقد جعلها القاضي مختلفة وجعل المسألة على ثلاث روايات ثم احتج للرواية الأولى بحديث أم الطفيل وحديث عبد الرحمن بن عابس الحضرمي ولا دلالة فيهما لأنها رؤية منام فقط واحتج لها بما لا يرضي أحمد أن يحتج به وهو حديث لا يصح عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعا quot;لما كانت ليلة أسرى بي رأيت ربي في أحسن صورة فقال فيم يختصم الملأ الأعلىquot; وذكر الحديث وهذا غلط قطعا فإن القصة إنما كانت بالمدينة كما قال معاذ بن جبل احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس ثم خرج فصلى بنا ثم قال: quot;رأيت ربي البارحة في أحسن صورة فقال يا محمد فيم يخصتم الملأ الأعلىquot; وذكر الحديث فهذا كان بالمدينة والإسراء كان بمكة وليس عن الإمام أحمد ولا عن النبي صلى الله عليه وسلم نص أنه رآه بعينه يقظة وإنما حمل القاضي كلام أحمد مالا يحتمله واحتج لما فهم منه بما لا يدل عليه وكلام أحمد يصدق بعضه بعضا والمسألة رواية واحدة عنه فإنه لم يقل بعينه وإنما قال رآه واتبع في(1\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "260",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2650",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "ذلك قول ابن عباس رأى محمد ربه ولفظ الحديث رأيت ربي وهو مطلق وقد جاء بيانه في الحديث الآخر ولكن في رد أحمد قول عائشة ومعارضته بقول النبي صلى الله عليه وسلم إشعار بأنه أثبت الرؤية التي أنكرتها عائشة وهي لم تنكر رؤية المنام ولم تقل من زعم أن محمدا رأى ربه في المنام فقد أعظم على الله الفرية وهذا يدل على أحد أمرين إما أن يكون الإمام أحمد أنكر قول من أطلق نفي الرؤية إذ هو مخالفته للحديث وإما أن يكون رواية عنه بإثبات الرؤية وقد صرح بأنه رآه رؤيا حلم بقلبه وهذا تقييد منه للرؤية وأطلق أنه رآه وأنكر قول من نفى مطلق الرؤية واستحسن قول من قال رآه ولا يقول بعينه ولا بقلبه وهذه النصوص عنه متفقة لا مختلفة وكيف يقول أحمد رآه بعيني رأسه يقظة ولم يجىء ذلك في حديث قط فأحمد إنما اتبع ألفاظ الحديث كما جاءت وإنكاره قول من قال لم يره أصلا لا يدل على إثبات رؤية اليقظة بعينه والله أعلم فصل وقوله تعالى ما زاغ البصر وما طغى قال ابن عباس ما زاغ البصر يمينا ولا شمالا ولا جاوز ما أمر به وعلى هذا المفسرون فنفى عن نبيه ما يعرض للرائي الذي لا أدب له بين يدي الملوك والعظماء من التفاتة يمينا وشمالا ومجاوزة بصره لما بين يديه(1\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "261",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2651",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "وأخبر عنه بكمال الأدب في ذلك المقام وفي تلك الحضرة إذ لم يلتفت جانبا ولم يمد بصره إلى غير ما أرى من الآيات وما هناك من العجائب بل قام مقام العبد الذي أوجب أدبه وإطراقه وإقباله على ما أرى دون التفاته إلى غيره ودون تطلعه إلى ما لم يره مع ما في ذلك من ثبات الجأش وسكون القلب وطمأنينته وهذا غاية الكمال وزيغ البصر التفاته جانبا وطغيانه مده أمامه إلى حيث ينتهي فنزه في هذه السورة علمه عن الضلال وقصده وعمله عن الغي ونطقه عن الهوى وفؤاده عن تكذيب بصره وبصره عن الزيغ والطغيان وهكذا يكون المدح: تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا فصل ولما ذكر رؤيته لجبريل عند سدرة المنتهى استطرد منها وذكر أن جنة المأوى عندها وأنه يغشاها من أمره وخلقه ما يغشى وهذا من أحسن الاستطراد وهو أسلوب لطيف جدا في القرآن وهو نوعان أحدهما أن يستطرد من الشيء إلا لازمه مثل هذا ومثل قوله ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم ثم استطرد من جوابهم إلى قوله الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا(1\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "262",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2652",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لعلكم تهتدون والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره وهذا ليس من جوابهم ولكن تقرير له وإقامة الحجة عليهم ومثله قوله تعالى قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى قال فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى فهذا جواب موسى ثم استطرد سبحانه منه إلى قوله الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ثم عاد إلى الكلام الذي استطرد منه والنوع الثاني أن يستطرد من الشخص إلى النوع كقوله ولقد خلقنا الأنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين إلى آخره فالأول آدم والثاني بنوه ومثله قوله هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما(1\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "263",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2653",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون إلى آخر الآيات فاستطرد من ذكر الأبوين إلى ذكر المشركين من أولادهما والله أعلم فصل ومن ذلك قوله تعالى والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع تضمن هذا القسم خمسة أشياء وهي مظاهر آياته وقدرته وحكمته الدالة على ربوبيته ووحدانيته فالطور هو الجبل الذي كلم الله عليه نبيه وكليمه موسى بن عمران عند جمهور المفسرين من السلف والخلف وعرفه ههنا باللام وعرفه في موضع آخر بالإضافة فقال وطور سينين وهذا الجبل مظهر بركة الدنيا والآخرة وهو الجبل الذي اختاره الله لتكليم موسى عليه قال عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه حدثني محمد بن عبيد بن حبان قال حدثنا جعفر بن سليمان قال حدثنا أبو عمران الجوني عن نوف البكالى قال أوحى الله عز وجل إلى الجبال إني نازل على جبل منكم قال فشمخت الجبال كلها إلا جبل الطور فإنه تواضع وقال أرضي بما قسم الله لي فكان الأمر عليه وجبل هذا شأنه حقيق أن يقسم الله به وإنه لسيد الجبال(1\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "264",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2654",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني الكتاب المسطور في الرق المنشور واختلف في هذا الكتاب فقيل هو اللوح المحفوظ وهذا غلط فإنه ليس برق وقيل هو الكتاب الذي تضمن أعمال بني آدم وقال مقاتل تخرج إليهم أعمالهم يوم القيامة في رق منشور وهذا وإن كان أقوى وأصح من القول الأول واختاره جماعة من المفسرين ومنهم من لم يزك غيره فالظاهر أن المراد به الكتاب المنزل من عند الله وأقسم الله به لعظمته وجلالته وما تضمنه من آيات ربوبيته وأدلة توحيده وهداية خلقه ثم قيل هو التوراة التي أنزل الله على موسى وكأن صاحب هذا القول رأى اقتران الكتاب بالطور فقال هو التوراة ولكن التوراة إنما أنزلت في ألواح لا في رق إلا أن يقال هي في رق في السماء وأنزلت في ألواح وقيل هو القرآن ولعل هذا أرجح الأقوال لأنه سبحانه وصف القرآن بأنه في صحف مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة فالصحف هي الرق وكونه بأيدي سفرة هو كونه منشورا وعلى هذا فيكون قد أقسم بسيد الجبال وسيد الكتب ويكون ذلك متضمنا للنبوتين المعظمتين نبوة موسى ونبوة محمد وكثيرا ما يقرن بينهما وبين محلهما كما في سورة التين والزيتون ثم أقسم بسيد البيوت وهو البيت المعمور وفي وصفه الكتاب(1\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "265",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2655",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأنه مسطور تحقيق لكونه مكتوبا مفروغا منه وفي وصفه بأنه منشور إيذان بالإعتناء به وأنه بأيدي الملائكة منشور غير مهجور وأما البيت المعمور فالمشهور أنه الضراح الذي في السماء الذي رفع للنبي ليلة الإسراء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم وهو بحيال البيت المعمور في الأرض وقيل هو البيت الحرام ولا ريب أن كلا منهما معمور فهذا معمور بالملائكة وعبادتهم وهذا معمور بالطائفين والقائمين والركع والسجود وعلى كلا القولين فكل منهما سيد البيوت ثم أقسم سبحانه بمخلوقين عظيمين من بعض مخلوقاته وهما مظهر آياته وعجائب صنعته وهما السقف المرفوع وهو السماء فإنها من أعظم آياته قدرا وارتفاعا وسعة وسمكا ولونا وإشراقا وهي محل ملائكته وهي سقف العالم وبها انتظامه ومحل النيرين الذين بهما قوام الليل والنهار والسنين والشهور والأيام والصيف والشتاء والربيع والخريف ومنها تنزل البركات وإليها تصعد الأرواح وأعمالها وكلماتها الطيبة والثاني البحر المسجور وهو آية عظيمة من آياته وعجائبه لا يحصيها إلا الله واختلف في هذا البحر هل هو الذي فوق السماوات أو البحر الذي نشاهده على قولين فقالت طائفة هو(1\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "266",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2656",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البحر الذي عليه العرش وبين أعلاه وأسفله مسيرة خمسمائة عام كما في الحديث الذي رواه أبو داود من حديث سماك عن عبد الله بن مخيمرة عن الأحنف بن قيس قال كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرت بهم سحابة فنظر إليها فقال quot;ما تسمون هذهquot; قالوا السحاب قال quot;والمزنquot; قالوا والمزن قال quot;والعنانquot; قالوا والعنان قال quot;هل تدرون ما بين السماء والأرضquot; قالوا لا ندري قال quot;إن بعد ما بينهما إما واحدة أو إثنتان أو ثلاث وسبعون سنة ثم السماء فوقها كذلك حتى عد سبع سماوات ثم فوق السابعة بحرا بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم فوق ذلكquot; ثمانية أو عال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء ثم على ظهورهم العرش ما بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم الله فوق ذلك وهذا لا يناقض ما في جامع الترمذي إن بين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام إذ المسافات تختلف مقاديرها باختلاف المقدر به فالخمسمائة مقدرة بسير الإبل والسبعون بسير البريد وهو يقطع بقدر ما تقطعه الإبل سبعة أضعاف وهذا القول في البحر الذي تحت العرش محكي عن علي بن أبي طالب والثاني أنه بحر الأرض واختلف في المسجور فقيل المملوء هذا قول جميع أهل اللغة قال الفراء المسجور في كلام العرب المملوء يقال سجرت الاناء إذا ملأته قال لبيد:(1\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "267",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2657",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتوسطا عرض السرى وصدعا ... مسجورة متجاور أقلامها وقال المبرد المسجور المملوء عند العرب وأنشد للنمر بن تولب: إذا شاء طالع مسجورة ... يريد عينا مملوءة ماء وكذا قال ابن عباس المسجورة الممتلئ وقال مجاهد المسجور الموقد قال الليث السجر إيقادك في التنور تسجره سجرا والسجر اسم الحطب وهذا قول الضحاك وكعب وغيرهما قال البحر يسجر فيزداد في جهنم وحكى هذا القول عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال مسجور قال الفراء وهذا يرجع إلى القول الأول لأنك تقول سجرت التنور إذا ملأته حطبا وروى ذو الرمة الشاعر عن ابن عباس أن المسجور اليابس الذي قد نضب ماؤه وذهب وليس لذي الرمة رواية عن ابن عباس غير هذا الحرف وهذا القول اختيار أبي العالية قال أبو زيد المسجور المملوء والمسجور الذي ليس فيه شيء جعله من الأضداد وقد روى عن ابن عباس أن المسجور المحبوس ومنه ساجور الكلب وهو القلادة من عود أو حديد تمسكه والمعنى على هذا أنه محبوس بقدرة الله أن يفيض على الأرض فيغرقها فإن ذلك مقتضى الطبيعة أن يكون الماء غامرا للأرض فوقها كما أن الهواء فوق الماء ولكن أمسكه الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا وفي هذا حديث ذكره أحمد مرفوعا quot;ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه أن يغرق بني آدمquot;(1\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "268",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2658",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا الموضع مما هدم أصول الملاحدة والدهرية فإنه ليس في الطبيعة ما يقتضي حبس الماء عن بعض جوانب الأرض مع كون كرة الماء عالية على كرة الأرض بالذات ولو فرض أن في الطبيعة ما يقتضي بروز جوانبها لم يكن فيها ما يقتضي تخصيص هذا الجانب بالبروز دون غيره وما ذكره الطبائعيون والمتفلسفة أن العناية الإلهية اقتضت ذلك لمصلحة العالم فنعم هو كما ذكروا ولكن عناية من يفعل بقدرته ومشيئته وهو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وهو أحكم الحاكمين غير معقولة فإن العناية الإلهية تقضي حياته وقدرته ومشيئته وعلمه وحكمته ورحمته وإحسانه إلى خلقه وقيام الأفعال به فإثبات العناية الألهية مع نفي هذه الأمور ممتنع وبالله التوفيق وأقوى الأقوال في المسجور أنه الموقد وهذا هو المعروف في اللغة من المسجور ويدل عليه قوله تعالى وإذا البحار سجرت قال علي وابن عباس أوقدت فصارت نارا ومن قال يبست وذهب ماؤها فلا يناقض كونها نارا موقدة وكذا من قال ملئت فإنها تملأ نارا وإذا اعتبرت أسلوب القرآن ونظمه ومفرداته رأيت اللفظة تدل على ذلك كله فإن البحر محبوس بقدرة الله ومملوء ماء(1\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "269",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2659",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "ويذهب ماؤه يوم القيامة ويصير نارا فكل من المفسرين أخذ معنى من هذه المعاني والله أعلم فصل وأقسم سبحانه بهذه الأمور على المعاد والجزاء فقال إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع ولما كان الذي يقع قد يمكن دفعه أخبر سبحانه أنه لا دافع له وهذا يتناول أمرين أحدهما أنه لا دافع لوقوعه والثاني أنه لا دافع له إذا وقع ثم ذكر سبحانه وقت وقوعه فقال يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا والمور قد فسر بالحركة وفسر بالدوران وفسر بالتموج والاضطراب والتحقيق أنه حركة في تموج وتكفؤ وذهاب ومجيء ولهذا فرق بين حركة السماء وحركة الجبال فقال وتسير الجبال سيرا وقال وإذا الجبال سيرت من مكان إلى مكان وأما السماء فإنها تتكفأ وتموج وتذهب وتجيء قال الجوهري مار الشيء يمور مورا ترهيأ أي تحرك وجاء وذهب كما تكفأ النخلة العيدانة أي الطويلة ومنه قوله يوم تمور السماء مورا قال الضحاك تموج موجا وقال أبو عبيدة والأخفش تكفأ وأنشد للأعشى: كأن مشيتها من بيت جارتها ... مور السحابة لا ريث ولا عجل(1\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "270",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2660",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم ذكر وعيد المكذبين بالمعاد والنبوة وذكر أعمالهم وعلومهم التي كانوا عليها وهي الخوض الذي هو كلام باطل واللعب الذي هو سعى ضائع فلا علم نافع ولا عمل صالح بل علومهم خوض بالباطل وأعمالهم لعب ولما كانت هذه العلوم والأ00عمال مستلزمة لدفع الحق بعنف وقهر أدخلوا جهنم وهم يدعون إليها دعا أي يدفع في أقفيتهم وأكتافهم دفعا بعد دفع فإذا وقفوا عليها وعاينوها وقفوا وقيل لهم هذه النار التي كنتم بها تكذبون وتقولون لا حقيقة لها ولا من أخبر بها صادق ثم يقال أفسحر هذا الآن كما كنتم تقولون للحق لما جاءتكم به الرسل أنه سحر وأنهم سحرة فهذا الآن سحر لا حقيقة له كما قلتم أم على أبصاركم غشاوة فلا تبصرونها كما كان عليها غشاوة في الدنيا فلا تبصرون الحق أفعميت أبصاركم اليوم عن رؤية هذا الحق كما عميت في الدنيا فلا تبصرون الحق ثم سلب عنهم نفع البصر الذي كانوا في الدنيا إذا داهمتهم الشدائد وأحاطت بهم لجأوا إليه وتعللوا بانقضاء البلية لانقضاء أمدها فقيل لهم يومئذ فاصبروا أو لا تصبروا كلاهما سواء عليكم لا يجدي عنكم الصبر ولا الجزع فلا الصبر يخفف عنكم حمل هذا العذاب ولا الجزع يعطف عليكم قلوب الخزنة ولا يستنزل لكم الرحمة ثم أعلموا بأن الرب تعالى لم يظلمهم بذلك وإنما هو نفس أعمالهم صارت عذابا فلم يجدوا(1\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "271",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2661",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "من اقترانهم به بدا بل صارت عذابا لازما لهم كما كانت إرادتهم وعقائدهم الباطلة وأعمالهم القبيحة لازمة لهم ولزوم العذاب لأهله في النار بحسب لزوم تلك الإرادة الفاسدة والعقائد الباطلة وما يترتب عليها من الأعمال لهم في الدنيا فإذا زال ذلك اللزوم في وقت ما بضده وبالتوبة النصوح زوالا كليا لم يعذبوا عليه في الآخرة لأن أثره قد زال من قلوبهم وألسنتهم وجوارحهم ولم يبق له أثر يترتب عليه فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له والمادة الفاسدة إذا زالت من البدن بالكلية لم يبق هناك ألم ينشأ عنها وإن لم تزل تلك الإرادة والأعمال ولكن عارضها معارض أقوى منها كان التأثير للمعارض وغلب الأقوى الأضعف وإن تساوى الأمران تدافعا وقاوم كل منهما الآخر وكان محل صاحبه جبال الأعراف بين الجنة والنار فهذا حكم الله وحكمته في خلقه وأمره ونهيه وعقابه ولا يظلم ربك أحدا فصل ثم ذكر سبحانه أرباب العلوم النافعة والأعمال الصالحة والاعتقادات الصحيحة وهم المتقون فذكر مساكنهم وهم في الجنان وحالهم في المساكن وهو النعيم وذكر نعيم قلوبهم وراحتهم بكونهم فاكهين بما آتاهم ربهم والفاكه المعجب بالشيء المسرور(1\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "272",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2662",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المغتبط به وفعله فكه بالكسر يفكه فهو فكه وفاكه إذا كان طيب النفس والفاكه البال ومنه الفاكهة وهي المرح الذي ينشأ عن طيب النفس وتفكهت بالشيء إذا تمتعت به ومنه الفاكهة التي يتمتع بها ومنه قوله فظلتم تفكهون قيل معناه تندمون وهذا تفسير بلازم المعنى وإنما الحقيقة تزيلون عنكم التفكه وإذا زال التفكه خلقه ضده يقال تحنث إذا زال الحنث عنه وتحرج وتحوب وتأثم ومنه تفكه وهذا البناء يقال للداخل في الشيء كتعلم وتحلم وللخارج منه كتحرج وتأثم والمقصود أنه سبحانه جمع لهم بين النعيمين نعيم القلب بالتفكه ونعيم البدن بالأكل والشرب والنكاح ووقاهم عذاب الجحيم فوقاهم مما يكرهون وأعطاهم ما يحبون جزاء وفاقا لأنهم تركوا ما يكره وأتوا بما يحب فكان جزاؤهم مطابقا لأعمالهم ثم أخبر عن دوام ذلك لهم بما أفهمه قوله هنيئا فإنهم لو علموا زواله وانقطاعه لنغص عليهم ذلك نعيمهم ولم يكن هناء لهم ثم ذكر مجالسهم وهيئاتهم فيها فقال متكئين على سرر مصفوفة وفي ذكر اصطفافها تنبيه على كمال النعمة عليهم بقرب بعضهم من بعض ومقابلة بعضهم بعضا كما قال تعالى متكئين عليها متقابلين فإن من تمام اللذة والنعيم أن يكون مع الإنسان في بستانه ومنزله من يحب معاشرته ويؤثر قربه ولا يكون بعيدا منه قد(1\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "273",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2663",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حيل بينه وبينه بل سريره إلى جانب سرير من يحبه. وذكر أزواجهم وأنهم الحور العين وقد تكرر وصفهم في القرآن بهاتين الصفتين قال أبو عبيدة جعلناهم أزواجا كما يزوج البعل بالبعل جعلناهم اثنين اثنين وقال يونس قرناهم بهن وليس من عقد التزويج واحتج على هذا بأن العرب لا تقول تزوجت بها وإنما تقول تزوجتها قال تعالى فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها وفي الحديث زوجتكها بما معك من القرآن وقال غيره العرب تقول تزوجت بامرأة وقال الأزهري العرب تقول زوجته امرأة وتزوجت امرأة وليس في كلامهم تزوجت بامرأة ومنه قوله تعالى وزوجناهم بحور عين أي قرناهم وعلى هذا فزوجناهم عند هؤلاء من الاقتران والشفع أي شفعناهم وقرناهم بهن وقالت طائفة منهم مجاهد زوجناهم بهن أي أنكحناهم إياهن قلت وعلى هذا فتلويح فعل التزويج قد دل على النكاح وتعديته بالباء المتضمنة معنى الاقتران والضم فالقولان واحد والله أعلم وأما الحور العين فقال مجاهد التي يحار فيها الطرف باديا مخ سوقهن من وراء ثيابهن ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون وقال قتادة بحور أي بيض وكذا قال ابن عباس وقال مقاتل الحور البيض الوجوه العين الحسان الأعين وعين حوراء شديدة السواد نقية البياض(1\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "274",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2664",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طويلة الأهداب مع سوادها كاملة الحسن ولا تسمى المرأة حوراء حتى يكون مع حور عينها بياض لون الجسد فوصفهن بالبياض والحسن والملاحة كما قال فيهن خيرات حسان فالبياض في ألوانهن والحسن في وجوههن والملاحة في عيونهن وقد وصف الله سبحانه نساء أهل الجنة بأحسن الصفات ودل بما وصف بما سكت عنه فإن شئت التفصيل فالذي يحمد ويستحب من وجه المرأة وبدنها وأخلاقها البياض في أربعة أشياء اللون وبياض العين والفرق والثغر والسواد في أربعة سواد العين وسواد شعر الرأس والجفن وسواد الحاجبين والحمرة في أربعة اللسان والشفتين والوجنتين وحمرة تشوب البياض وفتحسنه وتزينه ومن التدوير أربعة أشياء الوجه والرأس والكعب والمقعد ومن الطول أربعة القامة والعنق والشعر والحاجب والسعة في أربعة الجبهة والعين والوجه والصدر ومن الصغر في أربعة الثدي والفم والكف والقدم ومن الطيب في أربعة الفم والأنف والفرق والفرج ومن الضيق في موضع واحد ومن الأخلاق كما قال تعالى عربا أترابا إذ العرب جمع عروب وهي المرأة المتحببة إلى زوجها بأخلاقها ولطافتها وشمائلها قال ابن الأعرابي العروب من النساء المطيعة لزوجها المتحببة(1\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "275",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2665",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "إليه وقال أبو عبيدة هي الحسنة التبعل قال المبرد هي العاشقة لزوجها وقال البخاري في صحيحه هي الغنجة ويقال الشكلة فهذا وصف أخلاقهن وذلك وصف خلقهن وأنت إذا تأملت الصفات التي وصفهن الله بها رأيتها مستلزمة لهذه الصفات ولما وراءها والله المستعان فصل ثم أخبر سبحانه عن تكميل نعيمهم بإلحاق ذرياتهم بهم في الدرجة وإن لم يعملوا أعمالهم لتقر أعينهم بهم ويتم سرورهم وفرحهم وأخبر سبحانه أنه لم ينقص الآباء من عملهم من شيء بهذا الإلحاق فينزلهم من الدرجة العليا إلى الدرجة السفلى بل ألحق الأبناء بالآباء ووفر على الآباء أجورهم ودرجاتهم ثم أخبر سبحانه أن هذا إنما هو فعله في أهل الفضل وأما أهل العدل فلا يفعل بهم ذلك بل كل امرئ بما كسب رهين ففي هذا دفع لتوهم التسوية بين الفريقين بهذا الإلحاق كما في قوله وما ألتناهم من عملهم من شيء دفع لتوهم حط الآباء إلى درجة الأبناء وقسمة أجور الآباء بينهم وبين الأبناء فينقص أجر أعمالهم فرفع هذا التوهم بقوله وما ألتناهم من عملهم من شيء أي ما نقصناهم ثم ذكر إمدادهم باللحم والفاكهة والشرب وأنهم(1\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "276",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2666",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يتعاطون كؤوس الشراب بينهم يشرب أحدهم ويناول صاحبه ليتم بذلك فرحهم وسرورهم ثم نزه ذلك الشراب عن الآفات من اللغو من أهله عليه ولحوق الإثم لهم فقال لا لغو فيها ولا تأثيم فنفى باللغو السباب والتخاصم والهجر والفحش في المقال والعربدة ونفى بالتأثيم جميع الصفات المذمومة التي أثمت شارب الخمر وقال سبحانه ولا تأثيم ولم يقل ولا إثم أي ليس فيها ما يحملهم على الإثم ولا يؤثم بعضهم بعضا بشربها ولا يؤثمهم الله بذلك ولا الملائكة فلا يلغون ولا يأثمون قال ابن قتيبة لا يذهب بعقولهم فيلغوا ولم يقع منهم ما يؤثمهم ثم وصف خدمهم الطائفين عليهم بأنهم كاللؤلؤ في بياضهم والملكنون المصون الذي لا تدنسه الأيدي فلم تذهب الخدمة تلك المحاسن وذلك اللون والصفاء والبهجة بل مع انتصابهم لخدمتهم كأنهم لؤلؤ مكنون ووصفهم في موضع آخر إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا ففي ذكره المنثور إشارة إلى تفرقهم في حوائج ساداتهم وخدمتهم وذهابهم ومجيئهم وسعة المكان بحيث لا يحتاجون أن ينضم بعضهم إلى بعض فيه لضيقه ثم ذكر سبحانه ما يتحدثون به هناك وأنهم يقولون إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين أي كنا خائفين في محل الأمن بين الأهل(1\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "277",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2667",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "والأقارب والعشائر فأوصلنا ذلك الخوف والإشفاق إلى أن من الله علينا فأمنا مما نخاف ووقانا عذاب السموم وهذا ضد حال الشقى الذي كان في أهله مسرورا فهذا كان مسرورا مع إساءته وهؤلاء كانوا مشفقين مع إحسانهم فبدل الله سبحانه إشفاقهم بأعظم الأمن وبدل أمن أولئك بأعظم المخاوف فبالله سبحانه المستعان ثم أخبر عن حالهم في الدنيا وأنهم كانوا يعبدون الله فيها فأصلتهم عبادته وحده إلى قربه وجواره ومحل كرامته والذي جمع لهم ذلك كله بره ورحمته فإنه هو البر الرحيم فهذا هو المقسم عليه بتلك الأقسام الخمسة في أول السورة والله أعلم فصل ومن ذلك قوله والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا أقسم بالذاريات وهي الرياح تذرو المطر وتذرو التراب وتذرو النبات إذا تهشم كما قال تعالى فأصبح هشيما تذروه الرياح أي تفرقه وتنشره ثم بما فوقها وهي السحاب الحاملات وقرا أي ثقلا من الماء وهي روايا الأرض يسوقها الله سبحانه على متون السحاب الرياح كما في جامع الترمذي من حديث الحسن عن أبي هريرة قال بينما نبي(1\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "278",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2668",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم quot;هل تدرون ما هذاquot; قالوا الله ورسوله أعلم قال quot;هذا العنان هذه روايا الأرض يسوقها الله تبارك وتعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونهquot; ثم أقسم سبحانه بما فوق ذلك وهي الجاريات يسرا وهي النجوم التي من فوق الغمام ويسرا أي مسخرة مذللة منقادة وقال جماعة من المفسرين أنها السفن تجري ميسرة في الماء جريا سهلا ومنهم من لم يذكر غيره واختار شيخنا رحمه الله القول الأول وقال هو أحسن في الترتيب والانتقال من السافل إلى العالي فإنه بدأ بالرياح وفوقها السحاب وفوقه النجوم وفوقها الملائكة المقسمات أمر الله الذي أمرت به بين خلقه والصحيح أن المقسمات أمرا لا تختص بأربعة وقيل هم جبريل يقسم الوحي والعذاب وأنواع العقوبة على من خالف الرسل وميكائيل على القطر والبرد والثلج والنبات يقسمها بأمر الله وملك الموت يقسم المنايا بين الخلق بأمر الله وإسرافيل يقسم الأرواح على أبدانها عند النفخ في الصور وهم المدبرات أمرا وليس في اللفظ ما يدل على الاختصاص بهم والله أعلم وأقسم سبحانه بهذه الأمور الأربعة لمكان العبرة والآية والدلالة الباهرة على ربوبيته ووحدانيته وعظم قدرته ففي الرياح من العبر هبوبها وسكونها ولينها وشدتها واختلاف طبائعها وصفاتها ومهابها(1\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "279",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2669",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتصريفها وتنوع منافعها وشدة الحاجة إليها فللمطر خمسة رياح ريح ينشر سحابه وريح يؤلف بينه وريح تلقحه وريح تسوقه حيث يريد الله وريح تذرو أمامه وتفرقه وللنبات ريح وللسفن ريح وللرحمة ريح وللعذاب ريح إلى غير ذلك من أنواع الرياح وذلك تقضى بوجود خالق مصرف لها مدبر لها يصرفها كيف يشاء ويجعلها رخاء تارة وعاصفة تارة ورحمة تارة وعذابا تارة فتارة يحيي بها الزرع والثمار وتارة يغطيها بها وتارة ينجي بها السفن وتارة يهلكها بها وتارة ترطب الأبدان وتارة تذيبها وتارة عقيما وتارة لاقحة وتارة جنوبا وتارة دبورا وتارة صبا وتارة شمالا وتارة حارة وتارة باردة وهي مع غاية قوتها ألطف شيء وأقبل المخلوقات لكل كيفية سريعة التأثر والتأثير لطيفة المسارق بين السماء والأرض إذا قطع عن الحيوان الذي على وجه الأرض هلك كبحر الماء الذي إذا فارقه حيوان الماء هلك يحبسها الله سبحانه إذا شاء ويرسلها إذا شاء تحمل الأصوات إلى الأذان والرائحة إلى الأنف والسحاب إلى الأرض الجزر وهي من روح الله تأتي بالرحمة ومن عقوبته تأتي بالعذاب وهي أقوى خلق الله كما رواه الترمذي في جامعه من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال quot;لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فقال بها عليها فاستقرت فعجبت الملائكة من شدة الجبال وقالوا يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال قال نعم(1\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "280",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2670",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "الحديد قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد قال نعم النار قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار قال نعم الماء قالوا يا رب فهل من خلقك أشد من الماء قال نعم الريح قالوا يا رب فهل من خلقك أشد من الريح قال نعم ابن آدم تصدق بصدقة بيمينه يخفيها عن شمالهquot; ورواه الإمام أحمد في مسنده وفي الترمذي في حديث قصة عاد أنه لم يرسل عليهم من الريح إلا قدر حلقة الخاتم فلم تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم وقد وصفها الله بأنها عاتية قال البخاري في صحيحه عتت على الخزنة فلم يستطيعوا أن يردوها والمقصود أن الرياح أعظم من آيات الرب الدالة على عظمته وربوبيته وقدرته فصل ثم أقسم بالسحاب وهو من أعظم آيات الله في الجو في غاية الخفة ثم يحمل الماء والبرد فيصير أثقل شيء فيأمر الرياح فتحمله على متونهما وتسير به حيث أمرت فهو مسخر بين السماء والأرض حامل لأرزاق العباد والحيوان فإذا أفرغه حيث أمر به اضمحل وتلاشى بقدرة الله فإنه لو بقي لأضر النبات والحيوان فأنشأه سبحانه في زمن يصلح إنشاؤه فيه وحمله من الماء ما يحمله وساقه إلى بلد شديد الحاجة إليه فسل السحاب من أنشأه بعد عدمه وحمله الماء والثلج والبرد ومن حمله على ظهور الرياح ومن أمسكه بين السماء والأرض بغير(1\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "281",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2671",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عماد ومن أغاث بقطره العباد وأحيا به البلاد وصرفه بين خلقه كما أراد وأخرج ذلك القطر بقدر معلوم وأنزله منه وأفناه بعد الاستغناء عنه ولو شاء لأدامه عليهم فلم يستطيعوا إلى دفعه سبيلا ولو شاء لأمسكه عنهم فلا يجدون إليه وصولا فإن لم يحبك جوابا حباك اعتبار مرسل الرياح من أنشأها بقدرته وصرفها بحكمته وسخرها بمشيئته وأرسلها بشرا بين يدي رحمته جعلها سببا لتمام نعمته وسلطانا على من شاء بعقوبته ومن جعلها رخاء وذارية ولاقحة ومثيرة ومؤلفة ومغذية لأبدان الحيوان والشجر والنبات وجعلها قاصفا وعاصفا ومهلكة وعاتية إلى غير ذلك من صفاتها فهل ذلك لها من نفسها وذاتها أم تدبير مدبر شهدت الموجودات بربوبيته وأقرت المصنوعات بوحدانيته بيده النفع والضر وله الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين وسل الجاريات يسرا من السفن من أمسكها على وجه الماء وسخر لها البحر ومن أرسل لها الرياح التي تسوقها على الماء سوق السحاب على متون الرياح ومن حفظها في مجراها ومرساها من طغيان الماء وطغيان الريح فمن الذي جعل الريح لها بقدر لو زاد عليها لأغرقها ولو نقص عنه لعاقها ومن الذي أجرى لها ريحا واحدة تسير بها ولم يسلط على تلك الريح ما يصادمها ويقاومها فتتموج في(1\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "282",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2672",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البحر يمينا وشمالا تتلاعب بها الريح ومن الذي علم الخلق الضعيف صنعة هذا البيت العظيم الذي يمشي على الماء فيقطع المسافة البعيدة ويعود إلى بلده يشق الماء ويمخره مقبلا ومدبرا بريح واحدة تجري في موج كالجبال ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام البحر إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير ومن الذي حمل في هذا البيت نبيه وأولياءه خاصة وأغرق جميع أهل الأرض سواهم وسل الجاريات يسرا من الكواكب والشمس والقمر من الذي خلقها وأحسن خلقها ورفع مكانها وزين بها قبة العالم وفاوت بين أشكالها ومقاديرها وألوانها وحركاتها وأماكنها من السماء فمنها الكبير ومنها الصغير والمتوسط والأبيض والأحمر والزجاجي اللون والدري اللون والمتوسط في قبة الفلك والمتطرف في جوانبها 2 وبين ذلك ومنها ما يقطع الفلك في شهر ومنها ما يقطعه في عام ومنها ما يقطعه في ثلاثين عاما ومنها ما يقطعه في أضعاف ذلك ومنها مالا يزال ظاهرا لا يغيب بحال فهو أبدي ومنها أبدى الخفاء ومنها ماله حالتان ظهور واختفاء ومنها ماله حركتان حركة عرضية من المشرق إلى المغرب وحركة ذاتية من المغرب إلى المشرق فحالما يأخذ الكوكب(1\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "283",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2673",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "في الغروب فإذا كوكب آخر في مقابلته وكوكب أخر قد طلع وهو آخذ في الارتفاع والتصاعد وكوكب آخر في الربع الشرقي وكوكب آخر في وسط السماء وكوكب آخر قد مال عن الوسط وآخر قد دنا من الغروب وكأنه رقيبه ينتظر بطلوعه غيبته وأنت إذا تأملت أحوال هذه الكواكب وجدتها تدل على المعاد كما تدل على المبدأ وتدل على وجود الخالق وصفات كماله وربوبيته وحكمته ووحدانيته أعظم دلالة وكل ما دل على صفات جلاله ونعوت كماله دل على صدق رسله فكما جعل الله النجوم هداية في طريق البر والبحر فهي هداية في طرق العلم بالخالق سبحانه وقدرته وعلمه وحكمته والمبدأ والمعاد والنبوة ودلالتها على هذه المطالب لا تقصر عن دلالتها على طرق البر والبحر بل دلالتها للعقول على ذلك أظهر من دلالتها على الطرق الحسية فهي هداية في هذا وهذا فصل وأما دلالة المقسمات أمرا وهم الملائكة فلأن ما يشاهد من تدبير العالم العلوي والسفلي وما لا يشاهد إنما هو على أيدي الملائكة فالرب تعالى يدبر بهم أمر العالم وقد وكل بكل عمل من الأعمال طائفة منهم فوكل بالشمس والقمر والنجوم والأفلاك طائفة منهم ووكل بالقطر والسحاب طائفة ووكل بالنبات(1\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "284",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2674",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طائفة ووكل بالأجنة والحيوان طائفة ووكل بالموت طائفة وبحفظ بني آدم طائفة وبإحصاء أعمالهم وكتابتها طائفة وبالوحي طائفة وبالجبال طائفة وبكل شأن من شئون العالم طائفة هذا مع ما في خلق الملائكة من البهاء والحسن وما فيهم من القوة والشدة ولطافة الجسم وحسن الخلقة وكمال الانقياد لأمره والقيام في خدمته وتنفيذ أوامره في أقطار العالم ثم أقسم سبحانه بهذه الأمور على صدق وعده ووقوع جزائه بالثواب والعقاب فقال إنما توعدون لصادق أي ما توعدون من أمر الساعة والثواب والعقاب لحق كائن وهو وعد صدق لا كذب وإن الدين لواقع أي إن الجزاء لكائن لا محالة ويجوز أن تكون ما موصولة والعائد محذوف والمعنى الذي توعدونه لصادق أي كائن وثابت وأن تكون مصدرية أي إن وعدكم لحق وصدق ووصف الوعد بكونه صادقا أبلغ من وصفه بكونه صدقا ولا حاجة إلى تكلف جعله بمعنى مصدوق فيه بل هو صادق نفسه كما يوصف المتكلم بأنه صادق في كلامه فوصف كلامه بأنه صادق وهذا مثل قولهم سر كاتم وليل قاتم ونهار صائم وماء دافق ومنه عيشة راضية وليس ذلك بمجاز ولا مخالف لمقتضى التركيب(1\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "285",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2675",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا تأملت هذا التناسب والارتباط بين المقسم به والمقسم عليه وجدته دالا عليه مرشدا إليه ثم أقسم سبحانه والسماء ذات الحبك أصل الحبك في اللغة إجادة النسج يقال حبك الثوب إذا أجاد نسجه وحبل محبوك إذا كان شديد الفتل وفرس محبوك الكفل أي مدمجه وقال شمر المحبوك في اللغة ما أجيد عمله ودابة محبوكة إذا كانت مدمجة الخلق وقال أبو عبيدة والمبرد الحبك الطريق واحدها حباك وحباك الحمام طرائق على جناحيه وحبك الماء طريقه وقال الفراء الحبك تكسير كل شيء كالرمل إذا مرت به الريح والماء الدائم إذا مرت به الريح وتجعد الشعر حبك أيضا واحدها حبيكة مثل طرق وطريقة وحباك مثل مثال ومثل والمقصود بهذا كله ما أفصح به ابن عباس فقال يريد الخلق الحسن وروى سعيد بن جبير عنه قال الحبك حسنها واستواؤها وقال قتادة ذات الخلق الشديد وقال مجاهد متقن البنيان وقال أيضا ذات الطرائق ولكنها بعيدة من العباد فلا يرونها كحبك الماء إذا ضربته الريح وكحبك الرمل وكحبك الشعر وقال عكرمة بنيانها كالبرد المسلسل قلت وفي الحديث في صفة الدجال ورأسه حبك أي جعد الشعر ومن أحسن ما قيل في تفسير الحبك ما ذكره الترمذي في تفسير(1\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "286",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2676",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجامع من حديث الحسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال quot;هل تدرون ما فوقكمquot; قالوا الله ورسوله أعلم قال quot;فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوفquot; وذكر الحديث(1\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "287",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2677",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل ثم ذكر المقسم عليه فقال إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك فالقول المختلف أقوالهم في القرآن وفي النبي وهو خرص كله فإنهم لما كذبوا بالحق اختلفت مذاهبهم وآراؤهم وطرائقهم وأقوالهم فإن الحق شيء واحد وطريق مستقيم فمن خالفه اختلفت به الطرق والمذاهب كما قال تعالى بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج أي مختلط ملتبس وفي ضمن هذا الجواب أنكم في أقوال باطلة متناقضة يكذب بعضها بعضا ثم أخبر سبحانه بسبب تكذيبهم بالحق أنه يصرف بسبب ذلك القول المختلف من(1\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "288",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2678",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صرف فعن ههنا فيها طرف من معنى التسبيب كقوله وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وقوله من أفك أي من سبق في علم الله أنه يضل ويؤفك كقوله فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم وقالت طائفة الضمير يرجع إلى القرآن وقيل إلى الإيمان وقيل إلى الرسول والمعنى يصرف عنه من صرف حتى يكذب به ولما كان هذا القول المختلف خرصا وباطلا قال قتل الخراصون أي المكذبون الذين هم في غمرة ساهون وجهالة قد عمرت قلوبهم أي غطتها وغشتها كغمرة الماء وغمرة الموت فالغمرات ما غطاها من جهل أو هوى أو سكر أو غفلة أو حب أو بغض أو خوف أو غم ونحو ذلك قال تعالى بل قلوبهم في غمرة من هذا أي غفلة وقيل جهالة ثم وصفهم بأنهم ساهون في غمرتهم والسهو الغفلة عن الشيء وذهاب القلب عنه والفرق بينه وبين النسيان أن النسيان الغفلة بعد الذكر والمعرفة والسهو لا يستلزم ذلك ثم قال يسألون أيان يوم الدين استبعادا للوقوع وجحدا(1\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "289",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2679",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأخبر تعالى أن ذلك يوم هم على النار يفتنون والمشهور في تفسير هذا الحرف أنه بمعنى يحرقون ولكن لفظة على تعطي معنى زائدا على ما ذكروه ولو كان المراد نفس الحرق لقيل يومهم في النار يفتنون ولهذا لما علم هؤلاء ذلك قال كثير منهم على بمعنى في كما تكون في بمعنى على والظاهر أن فتنتهم على النار قيل فتنتهم فيها لهم عند عرضهم عليها ووقوفهم عليها فتنة وعند دخولهم والتعذيب بها فتنة أشد منها ومن جعل الفتنة ههنا من الحريق أخذه من قوله تعالى إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا واستشهد على ذلك أيضا بهذه اللفظة التي في الذاريات وحقيقة الأمر أن الفتنة تطلق على العذاب وسببه ولهذا سمى الله الكفر فتنة فهم لما أتوا بالفتنة التي هي أسباب العذاب في الدنيا سمى جزاءهم فتنة ولهذا قال ذوقوا فتنتكم وكان وقوفهم على النار وعرضهم عليها من أعظم فتنتهم وآخر هذه الفتنة دخول النار والتعذيب بها ففتنوا أولا بأسباب الدنيا وزينتها ثم فتنوا بإرسال الرسل إليهم ثم فتنوا بمخالفتهم وتكذيبهم ثم فتنوا بعذاب الدنيا ثم فتنوا بعذاب الموت ثم يفتنون في موقف القيامة ثم إذا حشروا إلى النار وقفوا عليها وعرضوا عليها وذلك من أعظم فتنتهم ثم الفتنة الكبرى التي أنستهم جميع الفتن قبلها(1\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "290",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2680",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل ثم ذكر سبحانه جزاء من خلص من هذه الفتن بالتقوى وهو الجنات والعيون وأنهم آخذين ما آتاهم ربهم من الخير والكرامة وفي ذلك دليل على أمور منها قبولهم له ومنها رضاهم به ومنها وصولهم إليه بلا مانع ولا عائق ومنها أن جزاءهم من جنس أعمالهم فكما أخذوا ما أمرهم به في الدنيا وقابلوه بالرضا والتسليم وانشراح الصدر أخذوا ما آتاهم من الجزاء كذلك ثم ذكر السبب الذي أوصلهم إلى ذلك وهو إحسانهم المتضمن لعبادته وحده لا شريك له والقيام بحقوقه وحقوق عباده ثم ذكر ليلهم وأنهم قليل هجوعهم منه وقد قيل إن ما نافية والمعنى ما يهجعون قليلا من الليل فكيف بالكثير وهذا ضعيف لوجوه أحدها أن هذا ليس بلازم لوصف المتقين الذين يستحقون هذا الجزاء الثاني أن قيام من نام من الليل نصفه أحب إلى الله من قيام من قامه كله الثالث أنه لو كان المراد بذلك إحياء الليل جميعه لكان أولى الناس بهذا رسول الله وما قام ليلة حتى الصباح الرابع أن الله سبحانه إنما أمر رسوله أن يتهجد بالقرآن من الليل لا في الليل كله فقال ومن الليل فتهجد به الخامس أنه سبحانه(1\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "291",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2681",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لما أمره بقيام الليل في سورة المزمل إنما أمره بقيام النصف أو النقصان منه أو الزيادة عليه فذكر له هذه المراتب الثلاثة ولم يذكر قيامه كله السادس أنه صلى الله عليه وسلم لما بلغه عن عثمان بن مظعون أنه لا ينام من الليل بعث إليه فجاء فقال quot;يا عثمان أرغبت عن سنتيquot; قال لا والله يا رسول ولكن سنتك أطلب قال quot;فإني أنام وأصلي وأصوم وأفطر وأنكح النساء فاتق الله يا عثمان فإن لأهلك عليك حقا وإن لضيفك عليك حقا وإن لنفسك عليك حقا فصم وأفطر وصل ونمquot; ولما بلغه عن زينب بنت جحش أنها تصلي الليل كله حتى جعلت حبلا بين ساريتين إذا فترت تعلقت به أنكر ذلك وأمر بحله السابع أن الله أثنى عليهم بأنهم كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع وتقلق عنها حتى يقوموا إلى الصلاة ولهذا جازاهم عن هذا التجافي الذي سببه قلق القلب واضطرابه حتى يقوم إلى الصلاة بقرة الأعين الثامن أن الصحابة الذين هم أول وأولى من دخل في هذه الآية لم يفهموا منها عدم نومهم بالليل أصلا فروى بجير بن سعد عن سعيد عن قتادة عن أنس في قوله كانوا قليلا من الليل ما يهجعون قال كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء التاسع أن في هذا التقرير تفكيكا للكلام(1\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "292",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2682",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "وتقديما لمعمول العامل المنفى عليه لأنك تجعل قليلا مفعول يهجعون وهو منفي والبصريون لا يجيزون ذلك وإن أجازه الكوفيون وفصل بعضهم فأجازه في الظرف ولم يجزه في غيره فصل وقيل ما زائدة وخبر كان يهجعون وقليلا منصوب إما على المصدرية أي هجوعا قليلا وإما على الظرف أي زمنا قليلا واستشكل هذا بأن نوم نصف الليل وقيام ثلثه ثم نوم سدسه أحب القيام إلى الله فيكون وقت الهجوع أكثر من وقت القيام فكيف يثني عليهم بما الأفضل خلافه وأجيب عن ذلك بأن من قام هذا القيام فزمن هجوعه أقل من زمن يقظته قطعا فإنه مستيقظ من المغرب إلى العشاء ومن الفجر إلى طلوع الشمس فيبقى ما بين العشاء إلى طلوع الفجر فيقومون نصف ذلك الوقت فيكون زمن الهجوع أقل من زمن الاستيقاظ وقيل ما مصدرية وهي في موضع رفع بقليل أي كانوا قليلا هجوعهم وهو قول الحسن وقيل إنها موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف أي قليلا من الليل الوقت الذي يهجعون وفيه تكلف وقيل ما يهجعون بدل اشتمال من اسم كان والتقدير كان هجوعهم من الليل قليلا ويرد عليه أن من الليل متعلق بيهجعون ومعمول(1\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "293",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2683",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المصدر لا يتقدم عليه وأجيب عنه أنه منصوب على التفسير ومعناه أن يقدر له فعل محذوف ينصبه مفسره هذا المذكور وقليلا خبر كان وتم الكلام بذلك والمعنى كانوا صنفا أو جنسا قليلا ثم قال كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وأصحاب هذا القول يجعلون ما نافية فيعود الكلام إلى نفي هجوعهم شيئا من الليل وقد تقدم ما فيه ثم أخبر عنهم بأنهم مع صلاتهم بالليل كانوا يستغفرون الله عند السحر فختموا صلاتهم بالاستغفار والتوبة فباتوا لربهم سجدا وقياما ثم تابوا إليه واستغفروه عقيب ذلك وكان النبي إذا سلم من صلاته استغفر ثلاثا وأمره الله سبحانه أن يختم عمره بالاستغفار وأمر عباده أن يختموا إفاضتهم من عرفات بالاستغفار وشرع للمتوضئ أن يختم وضوءه بالتوبة فأحسن ما ختمت به الأعمال التوبة والاستغفار ثم أخبر سبحانه عن إحسانهم إلى الخلق مع إخلاصهم لربهم فجمع لهم بين الإخلاص والإحسان ضد الذين هم يراءون ويمنعون الماعون وأكد إخلاصهم في هذا الإحسان بأن مصرفه للسائل والمحروم الذي لا يقصد بإعطائه الجزاء منه ولا الشكور والمحروم المتعفف الذي لا يسأل وتأمل حكمة الرب تعالى في كونه حرمه بقضائه وشرع لأصحاب الجدة إعطاءه وهو أغنى الأغنياء وأجود الأجودين فلم يجمع(1\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "294",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2684",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "عليه بين الحرمان بالقدر وبالشرع شرع عطاءه بأمره وحرمه بقدره فلم يجمع عليه حرمانين فصل ثم ذكرهم سبحانه بآياته الأفقية والنفسية فقال وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون فآيات الأرض أنواع كثيرة منها خلقها وحدوثها بعد عدمها وشواهد الحدوث والافتقار إلى الصانع عليها لا تجحد فإنها شواهد قائمة بها ومنها بروز هذا الجانب فيها عن الماء مع كون مقتضى الطبيعة أن يكون مغمورا به ومنها سعتها وكبر خلقها ومنها تسطيحها كما قال تعالى وإلى الأرض كيف سطحت ولا ينافى ذلك كونها كرية فهي كرة في الحقيقة لها سطح يستقر عليه الحيوان ومنها أنه جعلها فراشا لتكون مقر الحيوان ومساكنه وجعلها قرارا وجعلها مهادا ذلولا توطأ بالأقدام وتضرب بالمعاول والفئوس وتحمل على ظهرها الأبنية الثقال فهي ذلول مسخرة لما يريد العبد منها وجعلها بساطا وجعلها كفاتا للأحياء تضمهم على ظهرها وللأموات تضمهم في بطنها وطحاها فمدها وبسطها ووسعها ودحاها فهيأها لما يراد منها بأن أخرج منها ماءها ومرعاها وشق فيها الأنهار وجعل فيها السبل(1\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "295",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2685",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والفجاج ونبه بجعلها مهادا وفراشا على حكمته في جعلها ساكنة وذلك آية أخرى إذ لا دعامة تحتها تمسكها ولا علاقة فوقها ولكنها لما كانت على وجه الماء كانت تكفأ فيه تكفأ السفينة فاقتضت العناية الأزلية والحكمة الإلهية أن وضع عليها رواسي يثبتها بها لئلا تميد وليستقر عليها الأنام وجعلها ذلولا على الحكمة في أن لم تكن في غاية الصلابة والشدة كالحديد فيمتنع حفرها وشقها والبناء فيها والغرسى والزرع وبعث النوم عليها والمشي فيها ونبه بكونها قرارا على الحكمة في أنها لم تخلق في غاية اللين والرخاوة والدماثة فلا تمسك بناء ولا يستقر عليها الحيوان ولا الأجسام الثقيلة بل جعلها بين الصلابة والدماثة وأشرف الجواهر عند الإنسان الذهب والفضة والياقوت والزمرد فلو كانت الأرض من هذه الجواهر لفاتت مصالح العباد والحيوان منها وتعطلت المنافع المقصودة منها وبهذا يعلم أن جواهر التراب أشرف من هذه الجواهر وأنفع وأبرك وإن كانت تلك أعلى وأعز فغلاؤها وعزتها لقاتها وإلا فالتراب أنفع منها وأبرك وأنفس وكذلك لم يجعلها شفافة فإن الجسم الشفاف لا يستقر عليه النور وما كان كذلك لم يقبل السخونة فيبقى في غاية البرد فلا يستقر عليه الحيوان ولا يتأتى فيه النبات وكذلك لم يجعلها صقيلة براقة لئلا يحترق ما عليها بسبب انعكاس أشعة الشمس كما يشاهد من احتراق القطن ونحوه عند انعكاس شعاع الجسم الصقيل الشفاف(1\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "296",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2686",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فاقتضت حكمته سبحانه أن جعلها كثيفة غبراء فصلحت أن تكون مستقرا للحيوان والأنام والنبات ولما كان الحيوان الهوائي لا يمكنه أن يعيش في الماء كالحيوان المائي أبرز له جانبها كما تقدم وجعله على أوفق الهيئات لمصالحه وأنشأ منها طعامه وقوته وكذلك خلق منها النوع الإنساني وأعاده إليها ويخرجه منها فصل ومن آياتها أن جعلها مختلفة الأجناس والصفات والمنافع مع أنها قطع متجاورات متلاصقة فهذه سهلة وهذه حزنة تجاورها وتلاصقها وهذه طيبة تنبت وتلاصقها أرض لا تنبت وهذه تربة وتلاصقها رمال وهذه صلبة ويلاصقها ويليها رخوة وهذه سوداء ويليها أرض بيضاء وهذه حصى كلها ويجاورها أرض لا يوجد فيها حجر وهذه تصلح لنبات كذا وكذا وهذه لا تصلح له بل تصلح لغيره وهذه سبخة مالحة وهذه بضدها وهذه ليس فيها جبل ولا معلم وهذه مسجرة بالجبال وهذه لا تصلح إلا على المطر وهذه لا ينفعها المطر بل لا تصلح إلا على سقي الأنهار فيمطر الله سبحانه الماء على الأرض البعيدة وهذه لا ينفعها المطر ويسوق الماء إليها على وجه الأرض فلو سألتها من نوعها هذه التنوع ومن فرق أجزاءها هذا(1\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "297",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2687",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التفريق ومن خصص كل قطعة منها بما خصها به ومن ألقى عليها رواسيها وفتح فيها السبل وأخرج منها الماء والمرعى ومن أمسكها عن الزوال ومن بارك فيها وقدر فيها أقواتها وأنشأ منها حيوانها ونباتها ومن وضع فيها معادنها وجواهرها ومنافعها ومن هيأها مسكنا ومستقرا للأنام ومن يبدأ الخلق منها ثم يعيده إليها ثم يخرجه منها ومن جعلها ذلولا غير مستصعبة ولا ممتنعة ومن وطأ مناكبها وذلل مسالكها ووسع مخارجها وشق أنهارها وأنبت أشجارها وأخرج ثمارها ومن صدعها عن النبات وأودع فيها جميع الأقوات ومن بسطها وفرشها ومهدها وذللها وطحاها ودحاها وجعل ما عليها زينة لها ومن الذي يمسكها أن تتحرك فتتزلزل فيسقط ما عليها من بناء ومعلم أو يخسفها بمن عليها فإذا هي تمور ومن الذي أنشأ منها النوع الإنساني الذي هو أبدع المخلوقات وأحسن المصنوعات بل أنشأ منها آدم ونوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا وعليهم أجمعين وأنشأ منها أولياءه وأحباءه وعباده الصالحين ومن جعلها حافظة لما استودع فيها من المياه والأرزاق والمعادن والحيوان ومن جعل بينها وبين الشمس والقمر هذا القدر من المسافة فلو زادت على ذلك لضعف تأثرها بحرارة الشمس ونور القمر فتعطلت المنفعة الواصلة إلى الحيوان(1\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "298",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2688",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنبات بسبب ذلك ولو زادت في القرب لاشتدت الحرارة والسخونة كما نشاهده في الصيف فاحترقت أبدان الحيوان والنبات وبالجملة فكانت تفوت هذه الحكمة التي بها انتظام العالم ومن الذي جعل فيها الجنات والحدائق والعيون ومن الذي جعل باطنها بيوتا للأموات وظاهرها بيوتا للأحياء ومن الذي يحييها بعد موتها فينزل عليها الماء من السماء ثم يرسل عليها الريح ويطلع عليها الشمس فتأخذ في الحبل فإذا كان وقت الولادة مخضت للوضع واهتزت وأنبتت من كل زوج بهيج فسبحان من جعل السماء كالأب والأرض كالأم والقطر كالماء الذي ينعقد منه الولد فإذا حصل الحب في الأرض ووقع عليه الماء أثرت نداوة الطين فيه وأعانتها السخونة المختفية في باطن الأرض فوصلت النداوة والحرارة إلى باطن الحبة فاتسعت الحبة وربت وانتفخت وانفلقت عن ساقين ساق من فوقها وهو الشجرة وساق من تحتها وهو العرق ثم عظم ذلك الولد حتى لم يبق لأبيه نسبة إليه ثم وضع من الأولاد بعد أبيه آلافا مؤلفة كل ذلك صنع الرب الحكيم في حبة واحدة لعلها تبلغ في الصغر إلى الغاية وذلك من البركة التي وضعها الله سبحانه في هذه الأم فيا لها من آية تكفي وحدها في الدلالة على وجود الخالق وصفات(1\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "299",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2689",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كماله وأفعاله وعلى صدق رسله فيما أخبروا به عنه بإخراج من في القبور ليوم البعث والنشور فتأمل اجتماع هذه العناصر الأربعة وتجاورها وامتزاجها وحاجة بعضها إلى بعض وانفصال بعضها عن بعض وتأثيره فيه وتأثره به بحيث لا يمكنه إلا الاتباع من التأثر والانفعال ولا يستقل الآخر بالتأثير ولا يستغني عن صاحبه وفي ذلك أظهر دلالة على أنها مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة حادثة بعد عدمها فقيرة إلى موجد غني عنها مؤثر غير متأثر قديم غير حادث تنقاد المخلوقات كلها لقدرته وتجيب داعي مشيئته وتلبي داعي وحدانيته وربوبيته وتشهد بعلمه وحكمته وتدعو عباده إلى ذكره وشكره وطاعته وعبوديته ومحبته وتحذرهم من بأسه ونقمته وتحثهم على المبادرة إلى رضوانه وجنته فانظر إلى الماء والأرض كيف لما أراد الرب تعالى امتزاجهما وازدواجهما أنشأ الرياح فحركت الماء وساقته إلى أن قذفته في عمق الأرض ثم أنشأ لها حرارة لطيفة سماوية وحصل بها الإنبات ثم أنشأ لها حرارة أخرى أقوى منها حصل بها الانفتاح وكانت حالته الأولى تضعف عن الحرارة الثانية فادخرت إلى وقت قوته وصلابته فحرارة الربيع للإخراج وحرارة الصيف للإنضاج هذا وإن الأم واحدة والأب واحد واللقاح واحد(1\/300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "300",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2690",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والأولاد في غاية التباين والتنوع كما قال تعالى وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون فهذا بعض آيات الأرض ومن الآيات التي فيها وقائعه سبحانه التي أوقعها بالأمم المكذبين لرسلهم المخالفين لأمره وأبقى آثارهم دالة عليهم كما قال تعالى وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وقال في قوم لوط: وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون وقال فأخذتهم الصيحة مشرقين فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل إن في ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم أي بطريق ثابت لا يزول عن حاله وقال وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين أي ديار هاتين الأمتين لبطريق واضح يمر به السالكون وقال تعالى وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وقال عن قوم عاد فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم وقال أولم يهد لهم كم أهلكنا(1\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "301",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2691",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم فأي دلالة أعظم من رجل يخرج وحده لا عدة له ولا عدد ولا مال فيدعوا الأمة العظيمة إلى توحيد الله والإيمان به وطاعته ويحذرهم من بأسه ونقمته فتتفق كلمتهم أو أكثرهم على تكذيبه ومعاداته فيذكرهم أنواع العقوبات الخارجة عن قدرة البشر فيغرق المكذبين كلهم تارة ويخسف بغيرهم الأرض تارة ويهلك آخرين بالريح وآخرين بالصيحة وآخرين بالمسخ وآخرين بالصواعق وآخرين بأنواع العقوبات وينجو داعيهم ومن معه والهالكون أضعاف أضعاف أضعافهم عددا وقوة ومنعة وأموالا: فيالك من آيات حق لو اهتدى ... بهن مريد الحق كن هواديا ولكن على تلك القلوب أكنة ... فليست وإن أصغت تجيب المناديا فهلا امتنعوا إن كانوا على الحق وهم أكثرهم عددا وأقوى شوكة بقوتهم وعددهم من بأسه وسلطانه وهلا اعتصموا من عقوبته كما اعتصم من هو أضعف منهم من أتباع الرسل ومن الآيات التي في الأرض مما يحدثه الله فيها كل وقت ما يصدق به رسله فيما أخبرت به فلا تزال آيات الرسل وأعلام صدقهم وأدلة نبوتهم يحدثها الله سبحانه وتعالى في الأرض إقامة للحجة على من لم يشاهد تلك الآيات التي قاربت عصر الرسل(1\/302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "302",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2692",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "حتى كأن أهل كل قرن يشاهدون ما يشاهده الأولون أو نظيره كما قال سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق وهذه الإرادة لا تختص بقرن دون قرن بل لا بد أن يري الله سبحانه أهل كل قرن من الآيات ما يبين لهم أنه الله الذي لا إله إلا هو وأن رسله صادقون وآيات الأرض أعظم مما ذكر وأكثر فنبه باليسير منها على الكثير فصل ثم قال وفي أنفسكم أفلا تبصرون لما كان أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه دعاه خالقه وبارئه ومصوره وفاطره من قطرة ماء إلى التبصر والتفكر في نفسه فإذا تفكر الانسان في نفسه استنارت له آيات الربوبية وسطعت له أنوار اليقين واضمحلت عنه غمرات الشك والريب وانقشعت عنه ظلمات الجهل فإنه إذا نظر في نفسه وجد آثار التدبير فيه قائمات وأدلة التوحيد على ربه ناطقات شاهدة لمدبره دالة عليه مرشدة إليه إذا يجده مكونا من قطره ماء لحوما منضدة وعظاما مركبة وأوصالا متعددة مأسورة مشددة بحبال العروق والأعصاب قد قمطت وشدت وجمعت بجلد متين مشتمل على ثلاثمائة وستين مفصلا ما بين كبير وصغير وثخين ودقيق ومستطيل ومستدير ومستقيم(1\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "303",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2693",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنحن وشدت هذه الأوصال بثلاثمائة وستين عرقا للاتصال والانفصال والقبض والبسط والمد والضم والصنائع والكتابة وجعل فيه تسعة أبواب فبابان للسمع وبابان للبصر وبابان للشم وبابان للكلام والطعام والشراب والتنفس وبابان لخروج الفضلات التي يؤذيه احتباسها وجعل داخل بابي السمع مرا قاتلا لئلا تلج فيها دابة تخلص إلى الدماغ فتؤذيه وجعل داخل بابي البصر مالحا لئلا تذيب الحرارة الدائمة ما هناك من الشحم وجعل داخل باب الطعام والشراب حلوا ليسيغ به ما يأكله ويشربه فلا يتنغص به لو كان مرا أو مالحا وجعل له مصباحين من نور كالسراج المضيء مركبين في أعلى مكان منه وفي أشرف عضو من أعضائه طليعة له وركب هذا النور في جزء صغير جدا يبصر به السماء والأرض وما بينهما وغشاه بسبع طبقات وثلاث رطوبات بعضها فوق بعض حماية له وصيانة وحراسة وجعل على محله غلقا بمصراعين أعلا وأسفل وركب في ذيل المصراعين أهدابا من الشعر وقاية للعين وزينة وجمالا وجعل فوق ذلك كله حاجبين من الشعر يحجبان العين من العرق النازل ويتلقيان عنها ما ينصب من هناك وجعل سبحانه لكل طبقة من طبقات العين شغلا مخصوصا ولكل واحد(1\/304)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "304",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2694",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "من الرطوبات مقدارا مخصوصا لو زاد على ذلك أو نقص منه لاختلت المنافع والمصالح المطلوبة وجعل هذا النور الباصر في قدر عدسة ثم أظهر في تلك العدسة صورة السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والعالم العلوي والسفلي مع اتساع أطرافه وتباعد أقطاره واقتضت حكمته سبحانه أن جعل فيها بياضا وسوادا وجعل القوة الباصرة في السواد وجعل البياض مستقرا لها ومسكنا وزين كلا منهما بالآخر وجعل الحدقة مصونة بالأجفان والحواجب كما تقدم والحواجب بالأهداب وجعلها سوداء إذ لو كانت بيضاء لتفرق النور الباصر فضعف الإدراك فإن السواد يجمع البصر ويمنع من تفرق النور الباصر وخلق سبحانه لتحريك الحدقة وتقليبها اربعا وعشرين عضلة لو نقصت عضلة واحدة لاختل أمر العين ولما كانت العين كالمرآة التي إنما تنطبع فيها الصور إذا كانت في غاية الصقالة والصفاء جعل سبحانه هذه الأجفان متحركة جدا بالطبع إلى الانطباق من غير تكلف لتبقى هذه المرآة نقية صافية من جميع الكدورات ولهذا لما لم يخلق لعين الذبابة أجفانا فإنها لا تزال تراها تنظف عينها بيدها من آثار الغبار والكدورات فصل وكما جعل سبحانه العينين مؤديتين للقلب ما يريانه فيوصلانه(1\/305)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "305",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2695",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "إليه كما ترياه جعلهما مرآتين للقلب يظهر فيهما ما هو مودع فيه من الحب والبغض الخير والشر والبلادة والفطنة الزيغ والاستقامة فيستدل بأحوال العين على أحوال القلب وهو أحد أنواع الفراسة الثلاثة وهي فراسة العين وفراسة الأذن وفراسة القلب فالعين مرآة للقلب وطليعة ورسول ومن عجيب أمرها أنها من ألطف الأعضاء وأبعدها تأثرا بالحر والبرد على أن الأذن على صلابتها وغلظها لتتأثر بهما أكثر من تأثر العين على لطافتها وليس ذلك بسبب الغطاء الذي عليها من الأجفان فإنها لو كانت منفتحة لم تتأثر بذلك تأثر الأعضاء اللطيفة فصل ومن ذلك الأذنان شقهما تبارك وتعالى في جانبي الوجه وأودعهما من الرطوبة ما يكون معينا على إدراك السمع وأودعهما القوة السمعية وجعل سبحانه في هذه الصدقة? انحرافات واعوجاجات لتطول المسافة قليلا فلا يصل الهواء إلا بعد انكسار حدته فلا يصدمها وهلة واحدة فيؤذيها وأيضا لئلا يفجأها الداخل إليها من الدبيب والحشرات بل إذا دخل إلى عوجة من تلك الإنعطافات وقف هناك فسهل إخراجه وكانت العينان في وسط الوجه والأذنان في جانبيه لأن العينين محل الملاحة والزينة والجمال وهما بمنزلة النور الذي يمشي بين(1\/306)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "306",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2696",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "يدي الإنسان وأما الأذنان فكان جعلهما في الجانبين لكون إدراكهما لما خلف الإنسان وأمامه وعن يمينه وعن شماله سواء فتأتي المسموعات إليهما على نسبة واحدة وخلقت العينان بغطاء والأذنان بغير غطاء وهذا في غاية الحكمة إذ لو كان للأذنين غطاء لمنع الغطاء إدراك الصوت فلا يحصل إلا بعد ارتفاع الغطاء والصوت عرض لا ثبات له فكان يزول قبل كشف الغطاء بخلاف ما ترا العين فإنه أجسام وأعراض لا تزول فيما بين كشف الغطاء وفتح العين وجعل سبحانه الأذن عضوا غضروفيا ليس بلحم مسترخ ولا عظم صلب بل هي بين الصلابة واللين فتقبل بلينها وتحفظ بصلابتها ولا تنصدع انصداع العظام ولا تتأثر بالحر والبرد والشمس والسموم تأثر اللحم إذ المصلحة في بروزها لتتلقى ما يرد عليها من الأصوات والأخبار فصل ومن ذلك الأنف نصبه سبحانه في وسط الوجه قائما معتدلا في أحسن شكل وأوفقه للمنفعة وأودعه حاسة الشم التي يدرك بها الروائح وأنواعها وكيفياتها ومنافعها ومضارها ويستدل بها على مضار الأغذية والأدوية ومنافعها وأيضا فإنه يستنشق بالتخزين الهواء البارد الرطب فيؤديه إلى القلب فيتروح به فيستغني بذلك عن فتح الفم أبدا وجعل تجويفه بقدر الحاجة فلم يوسعه عن(1\/307)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "307",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2697",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك فيدخله هواء كثير ولم يضيقه فلا يدخله من الهواء ما يكفيه وجعل ذلك التجويف مستطيلا لينحصر فيه الهواء وينكسر برده وحدته قبل أن يصل إلى الدماغ فلولا ذلك لصدمه بحدته وقوته والهواء الذي يستنشقه الأنف ينقسم شطرين شطرا يصعد إلى الدماغ وشطرا ينزل إلى الرئة وهو من آلات النطق فإن له إعانة على تقطيع الحروف وكما أن تجويفه جعل لاستنشاق الهواء فإنه جعل مصبا لفضلات الدماغ تنحدر منه في تلك القصبة فيخرج فيستريح الدماغ ولذلك جعل عليها سترا ولم يجعلها بارزة فتستقبحها العيون وجعل فيها تجويفا فإنه قد ينسد أحدهما أو يعرض له آفة تمنعه من الإدراك والاستنشاق فيبقى التجويف الثاني نائبا عنه يعمل عمله كما اقتضت الحكمة مثل ذلك في العينين ثم تأمل الهواء الذي يستنشقه الأنف كيف يدخله أولا من المنخرين وينكسر برده هناك ثم يصل إلى الحلق فيعتدل مزاجه هناك ثم يصل إلى الرئة ألطف ما يكون ثم تبعثه الرئة إلى القلب فيروح عن الحرارة الغريزية التي فيه ثم ينفذ من القلب إلى العروق المتحركة ويبلغ إلى أقاصي أطراف البدن ثم إذا سخن في الباطن وخرج عن حد الانتفاع خرج عن تلك الأقاصي إلى البدن ثم إلى الرئة ثم إلى الحلقوم ثم إلى المنخرين خارجا فيخرج منهما ويعود عوضه هواء بارد نافع والنفس الواحد من أنفاس العبد إنما يتم بمجموع هذه الأمور والقوى والأفعال وهو له في اليوم والليلة(1\/308)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "308",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2698",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "أربعة وعشرون ألف نفس لله في كل نفس عدة نعم قد وقفت على القليل منها فما ظنك بما وراء التنفس من الأعضاء والقوى ومنافعها وتمام النعمة بها فصل وأما الفم فمحل العجائب وباب الطعام والشراب والنفس والكلام ومسكن اللسان الناطق الذي هو آلة العلوم وترجمان القلب ورسوله المؤدي عنه ولما كان القلب ملك البدن ومعدنا للحرارة الغريزية فإذا دخل الهواء البارد وصل إليه فاعتدلت حرارته وبقي هنالك ساعة فسخن واحترق فاحتاج القلب إلى دفعه وإخراجه فجعل أحكم الحاكمين إخراجه سببا لحدوث الصوت في الحنجرة والحنك واللسان والشفتين والأسنان مقاطع ومخارج مختلفة وبسبب اختلافها تميزت الحروف بعضها عن بعض ثم ألهم العبد تركيب تلك الحروف ليؤدي بها عن القلب ما يأمر به فتأمل الحكمة الباهرة حيث لم يضع سبحانه ذلك النفس المستغنى عنه المحتاج إلى دفعه وإخراجه بل جعل فيه إذا استغنى عنه منفعة ومصلحة هي من أكمل المنافع والمصالح فإن المقصود الأصلي من النفس هو اتصال الريح البارد إلى القلب فأما إخراج النفس فهو جار مجرى دفع الفضلة الفاسدة فصرف ذلك سبحانه إلى رعاية مصلحة ومنفعة أخرى وجعله سببا للأصوات والحروف والكلام(1\/309)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "309",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2699",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "ثم أنه سبحانه جعل الحناجر مختلفة الأشكال في الضيق والسعة والخشونة والملاسة لتختلف الأصوات باختلافها فلا يتشابه صوتان كما لا تتشابه صورتان وهذا من أظهر الأدلة فإن هذا الاختلاف الذي بين الصور والأصوات على كثرتها وتعددها فقلما يشتبه صوتان أو صورتان ليس في الطبيعة ما يقتضيه وإنما هو صنع الله الذي أتقن كل شيء وأحسن كل شيء خلقه فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين فميز سبحانه بين الأشخاص بما يدركه السمع والبصر فصل وأودع اللسان من المنافع منفعة الكلام وهي أعظمها ومنفعة الذوق والإدراك وجعله دليلا على اعتدال مزاج القلب وانحرافه كما جعله دليلا على استقامته واعوجاجه فترى الطبيب يستدل بما يبدو البصر على اللسان من الخشونة والملاسة والبياض والحمرة والتشقق وغيره على حال القلب والمزاج وهو دليل قوي على أحوال المعدة والأمعاء كما يستدل السامع بما يبدو عليه من الكلام على ما في القلب فيبدو عليه صحة القلب وفساده معنى وصورة(1\/310)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "310",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2700",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل وجعل سبحانه اللسان عضوا لحميا لا عظم فيه ولا عصب لتسهل حركته ولهذا لا تجد في الأعضاء من لا يكترث بكثرة الحركة سواه فإن أي عضو من الأعضاء إذا حركته كما تحرك اللسان لم يطق ذلك ولم يلبث أن يكل ويخلد إلى السكون إلا اللسان وأيضا فإنه من أعدل الأعضاء وألطفها وهو في الأعضاء بمنزلة رسول الملك ونائبه فمزاجه من أعدل أمزجة البدن ويحتاج إلى قبض وبسط وحركة في أقاصي الفم وجوانبه فلو كان فيه عظام لم يتهيأ منه ذلك ولم يتهيأ منه الكلام التام ولا الذوق التام فكونه الله كما اقتضاه السبب الفاعلي والغائي والله أعلم فصل وجعل سبحانه على اللسان غلقين أحدهما الأسنان والثاني الفم وجعل حركته اختياريه وجعل على العين غطاء واحدا ولم يجعل على الأذن غطاء وذلك لخطر اللسان وشرفه وخطر حركاته وكونه في الفم بمنزلة القلب في الصدر وذلك من اللطائف فإن آفة الكلام اكثر من آفة النظر وآفة النظر أكثر من آفة السمع فجعل للأكثر آفات طبقين والمتوسط طبقا جعل الأقل آفة بلا طبق(1\/311)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "311",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2701",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل وجعل سبحانه الفم اكثر الأعضاء رطوبة والريق يتحلل إليه دائما لا يفارقه وجعله حلوا لا مالحا كماء العين ولا مرا كالذي في الأذن ولا عفنا كالذي في الأنف بل هو أعذب مياه البدن وأحلاها حكمة بالغة فإن الطعام والشراب يخالطه بل هو الذي يحيل الطعام ويمتزج به امتزاج العجين بالماء فلولا أنه حلو لما التذ الإنسان بل ولا الحيوان بطعام ولا شراب ولا ساغه إلا على كره وتنغيص ولما كان كثير من الطعام لا يمكن تحوله إلا بعد طبخه جعل الرب تعالى له آلة للتقطيع والتفصيل وآلة للطحن فجعل آلة القطع وهي الثنايا وما يليها حادة الرؤس ليسهل بها القطع وجعل النواجذ وما يليها من الأضراس مسطحة الرؤس عريضة ليتأتى بها الطحن ونظمها احسن نظام كاللؤلؤ المنظم في سلك وجعلها من الجانب الأعلى والأسفل ليتأتى بها القطع والطحن وجعلها من الجانب الأيمن والأيسر إذ ربما كلت إحدى الآلتين أو تعطلت أو عرض لها عارض فينتقل إلى الآلة الأخرى وأيضا لو كان العمل على جانب واحد دائما أو شك أن يتعطل ويضعف وتأمل كيف أنبتها سبحانه من نفس اللحم وتخرج من خلاله نابتة كما ينبت الزرع في الأرض ولم يكسها سبحانه لحما(1\/312)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "312",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2702",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كسائر العظام سواها إذ لو كساها اللحم لتعطلت المنفعة المقصودة ولما كانت العظام محتاجة إلى لحم يكسوها ويحفظها ويتلقى عنها الحرارة والبرد ويحفظ عليها رطوبتها لم تكمل مصلحة الحيوان إلا بهذه الكسوة ولما كانت عظام الإنسان محتاجة إلى ذلك من وجه مستغنية عنه من وجه جعلت كسوتها منفصلة عنها وجعلت هي المكتسبة العارية لتمام المنفعة بذلك ولما كانت آلة القطع والكسر والطحن لم تنشأ مع الطفل من أول نشأته كسائر عظامه لعدم الحاجة إليها عطل عنها وقت استغنائه عنها بالرضاع وأعطيها وقت حاجته إليها وفيه حكمة أخرى وهي أنه لو نشأت معه من حين يولد لأضرت بحلمة الثدي إذ لا عقل له يحرزه عن عضها فكانت الأم تمتنع من إرضاعه ومن عجيب أمرها الإتفاق والموالاة التي بينهما وبين المعدة فإنه يسلم إليها إليها الشيء اليابس والصلب فتطحنه ثم تسلمه إلى اللسان فيعجبنه? ثم اللسان يسلمه إلى الحلق فيوصله إلى المعدة فتنضجه وتطبخه ثم يرسل إليها منه معلومها المقدر لها فإذا عجزت عن قطع شيء وطحنه عجزت المعدة عن إنضاجه وطبخه وإذا كلت الأسنان كلت المعدة وإذا ضعفت ضعفت وهي تصحب الإنسان وتخدمه ما لم يرها فإذا وقعت عينه(1\/313)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "313",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2703",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "عليها فارقته الأبد وهي سلاح ومنشار وسكين وروح وزينة وفيها منافع ومصالح غير هذه فصل ثم تأمل حال الشعر ومنبته وسببه فإن البدن لما كان حارا رطبا والحرارة إذا عملت في الرطوبة فلا بد أن تثير بخارا وتلك الأبخرة تتصاعد من عمق البدن إلى سطحه وتريد الانفصال من هناك فلا بد أن تحدث مساما ومنافذ في ظاهر الجلد وتلك الأبخرة إما أن تكون رطبة لطيفة فحينئذ تنفصل من المسام ولا تحدث شيئا وإما أن تكون دخانية يابسة غليظة فالجلد حينئذ إما أن يكون في نهاية النعومة والنضارة كجلد الصبيان أو في غاية اليبس والقشف أو يكون معتدلا فإذ ذاك لا يتولد فيه الشعر لأن البخار إذا شق سطح الجلد وانفصل عاد الجلد في الحال إلى اتصاله الأول بسبب كثرة رطوبته ونعومته مثاله السمك إذا رفع رأسه من الماء إنشق له الماء فإذا عاد إلى الماء عاد الماء إلى اتصاله الأول وكذلك نشاهد الأشياء الرطبة كالنشاء مثلا إذا أغلي فخرج البخار من موضع الغليان عادت الرطوبة إلى الموضع الذي خرج منه ذلك البخار فسدته فإن كان(1\/314)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "314",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2704",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجلد في غاية اليبس لم يتولد الشعر لأن الجلد اليابس إذا انثقب بقيت تلك الثقب مفتوحة ليبس الجلد فيفرق أجزاءه البخار ولا يجتمع بعضه إلى بعض فإن الجلد متوسط بين النعومة والكثافة فإنه ينفتح فيه المسام بسبب تلك الأبخرة ولا يعود ينسد بعد خروج البخار ولكن لا تبقى المسام شديدة الانفتاح وحينئذ يبقى ذلك البخار الدخاني في تلك الثقبة لا يزال يمده بخار آخر يدفعه أولا فأولا إلى خارج من غير أن ينقطع أصله فيبقى بعضه مركوزا في الجلد منزلته منزلة أصل النبات وبعضه يطلع إلى خارج منزلته منزلة ساق النبات وكذلك الشعر فمادة الشعر هي البخار الدخاني اليابس وسببه هو الحرارة الطبيعية المحرقة لذلك البخار والآلة التي بها يتم أمره هي المسام التي ارتكن فيها البخار فتلبد هناك فصار شعرا بإذن الله تعالى والغاية التي من أجلها وجد شيئان أحدهما عام وهو تنقية البدن من الفضول الدخانية الغليظة والآخر خاص وهو إما للزينة وإما للوقاية وإذا بان أن الشعر إنما يتولد مع الحرارة واليبس المعتدل بقيت ثلاثة أقسام أحدها حرارة غالبة على اليبس كالصبيان الثاني عكسه وهو يبس غالب على الحرارة كالمشائخ الثالث حرارة ضعيفة ويبس ضعيف كأبدان النساء ففي هذه الأقسام(1\/315)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "315",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2705",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "يقل الشعر وأما الشباب فإن حرارة أبدانهم ويبسهم معتدل فيقوى تولد الشعر فيهم وفي شعر الرأس منافع ومصالح منها وقايته عن الحر والبرد والمرض ومنها الزينة والحسن والسبب الذي صار به شعر الرأس أكثر من شعر البدن هو أن البخار شأنه أن يصعد من جميع البدن إلى الدماغ ومن الدماغ إلى فوق وكان هذا الشعر ناميا على الدوام لأن البخار يتصاعد إلى الرأس أبدا وهو مادة الشعر فبنماء الشعر ينمو البخار وكان فيه تخليص للبدن من تلك المواد وتكثير لوقايته وغطائه فصل وأما شعر الحاجبين ففيه مع الحسن والزينة والجمال وقاية العين مما ينحدر من الرأس وجعل على هذا المقدار لأنه لو نقص عنه لزالت منفعة الجمال والوقاية ولو زاد عليه لغطى العين وأضر بها وحال بينها وبين ما تدركه وقد ذكرنا منفعة شعر الهدب ولما كان الأنفع والأصلح أن يكون شعر الهدب قاتما منتصبا وأن يكون باقيا على حال واحد في مقدار واحد جعل منبت هذا الشعر في جرم صلب شبيه بالغضروف يمتد في طول الجفن لئلا يطول وينمو وهذا كما نشاهد النبات الذي ينبت في الأرض الرخوة اللينة فإنه يطول ويزداد والذي ينبت في الأرض(1\/316)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "316",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2706",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "الصخرية الصلبة لا ينمو إلا نموا يسيرا فكذلك الشعر النابت في الأعضاء اللينة الرطبة فإنه سريع النمو كشعر الرأس والعانة فصل وأما شعر اللحية ففيه منافع منها الزينة والوقار والهيبة ولهذا لا يرى على الصبيان والنساء من الهيبة والوقار ما يرى على ذوي اللحى ومنها التمييز بين الرجال والنساء فإن قيل لو كان شعر اللحية زينة لكان النساء أولى به من الرجال لحاجتهن إلى الزينة وكان التمييز يحصل بخلو الرجال منه ولكان أهل الجنة أولى به وقد ثبت أنهم جرد مرد قيل الجواب أن النساء لما كن محل الاستمتاع والتقبيل كان الأحسن والأولى خلوهن عن اللحى فإن محل الاستمتاع إذا خلا عن الشعر كان أتم ولهذا المعنى والله أعلم كان أهل الجنة مردا ليكمل استمتاع نسائهم بهم كما يكمل استمتاعهم بهن وأيضا فإنه أكشف لمحاسن الوجوه فإن الشعر يستر ما تحته من البشرة أن يمس بشرة المرأة والله أعلم بحكمته في خلقه فصل وأما شعر العانة والأبط والأنف فمنفعته تنقية البدن من الفضلة ولهذا إذا أزيل من هذا الموضع وجد البدن خفة ونشاطا وإذا(1\/317)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "317",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2707",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "وفر وجد ثقلا وكسلا وغما ولهذا جاءت الشريعة بحلق العانة ونتف الإبط وكان حلق العانة أولى من نتفها لصلابة الشعر وتأذي صاحبها بنتفه وكان نتف الإبط أولى من حلقه لضعف الشعر هناك وشدته وتعجل نباته بالحلق فجاءت الشريعة بالأنفع في هذا وهذا فصل وتأمل حكمة الرب تعالى في كونه أخلى الكفين والجبهة والأخمصين من الشعر فإن الكفين خلقا حاكمين على الملموسات فلو حصل الشعر فيها لأخل بذلك وخلقا للقبض وإلصاق اللحم على المقبوض أعون على جودته من التصاف الشعر به وأيضا فإنهما آلة الأخذ والعطاء والأكل ووجود الشعر فيهما يخل بتمام هذه المنفعة وأما الأخمصان فلو نبت الشعر فيهما لأضر بالماشي وأعاقه في المشي كثيرا مما يعلق بشعره مما على الأرض ويتعلق شعره بما عليها أيضا هذا مع أن أكثر الأوتار والأغشية في الكفين مانع من نفوذ الأبخرة فيها وأما الأخمصين فإن الأبخرة تتصاعد إلى علو وكلما تصاعد كان الشعر أكثر وأيضا فإن كثرة وطء الأرض بالأخمصين يصلبهما ويجعل سطحهما أملس لا ينبت شيئا كما أن الأرض التي توطأ كثيرا لا تنبت شيئا(1\/318)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "318",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2708",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الجبهة فلو بنت الشعر عليها لستر محاسنها وأظلم الوجه وتدلى على العين وكان يحتاج إلى حلقه دائما ومنع العينين من كمال الإدراك والسبب المؤدي لذلك أن الذي تحت عظم الجبهة هو مقدم الدماغ وهو بارد رطب والبخار لا يتحرك منحرفا إلى الجبهة بل صاعدا إلى فوق فإن قيل لم نبت شعر الصبي على رأسه وحاجبيه وأجفانه معه من الصغر دون سائر الشعور قيل لشدة الحاجة إلى هذه الشعور الثلاثة أوجدها الله سبحانه معه وهو جنين في بطن أمه فإن شعر الرأس كالغطاء الواقي له من الآفات والأهداب والأجفان وقاية للعين فإن قيل فلم لم تنبت له اللحية إلا بعد بلوغه قيل لأنه عند البلوغ تجتمع الحرارة في بدنه وتكون أقوى ما هي ولهذا يعرض له في مثل هذا الطور البثرات والدمامل وكثرة الإحتلام وإذا كثرت الحرارة كثرة الأبخرة بسبب التحلل وزادت على القدر المحتاج إليه في شعر الرأس فصرفها أحكم الحاكمين إلى نبات اللحية والعانة وأيضا فإن بين أوعية المنى وبين اللحية ارتباط إذ العروق والمجاري متصلة بينهما فإذا تعطلت أوعية المنى ويبست تعطل شعر اللحية وإذا قلت الرطوبة والحرارة هناك قل شعر اللحية ولهذا فإن الخصيان لا ينبت لهم لحى(1\/319)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "319",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2709",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل فما العلة في الكوسج قيل برد مزاجه ونقصان حرارته فإن قيل فما السبب في الصلع قيل عدم احتباس الأبخرة في موضع الصلع فإن قيل فلم كان في مقدم الرأس دون جوانبه ومؤخره قيل لأن الجزء المقدم من الرأس بسبب رطوبة الدماغ يكون أكثر لينا وتحللا فتتحلل الفضلات التي يكون منها الشعر فلا يبقى للشعر مادة هناك فإن قيل فلم لم يحدث في الأصداغ قيل إن الرطوبة في الأسافل اكثر منها في الأعالي وشاهده الأرض العالية والمنخفضة فإن قيل فلم لم تصلع المرأة إلا نادرا وكان الصلع في الرجال أكثر قيل لأن الأصل أنه يحدث من يبس في الجلد بمنزلة احتراقه ذلك لقوة الحرارة وأما النساء فالرطوبة والبرودة أغلب عليهن ولهذا فإن جلودهن أرطب من جلود الرجال فلا تجف جلود رؤوسهن فلا يعرض لهن الصلح ولهذا لا يعرض للصبيان وإن عرض للمرأة صلع فذلك في سن يبسها وبلوغها من الكبر عتيا فإن قيل فما السبب في شدة سواد الشعر قيل شدة البخارات الخارجة من البدن واعتدالها وصحة مادتها كخضرة الزرع فإن قيل ما سبب الصهوبة قيل برد المزاج فتضعف الحرارة عن صبغ الشعر وتسويده(1\/320)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "320",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2710",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل فما سبب الشقرة والحمرة قيل زيادة الحرارة فتصبغ الشعر ولهذا تجد الشقر أشد حرارة واكثر حركة وهمة فإن قيل فما سبب البياض قيل البياض نوعان أحدهما طبيعي وهو الشيب والثاني خارج عن الطبيعة وهو ما يوجد في أواخر الأمراض المجففة بسبب تحلل الرطوبات كما يعرض للنبات عند الجفاف فإن قيل فما سبب الطبيعي قيل اختلف في ذلك فقالت طائفة سببه الاستحالة إلى لون البلغم بسبب ضعف الحرارة في أبدان الشيوخ وقالت طائفة سببه أن الغذاء الصائر إلى الشعر يصير باردا بسبب نقصان الحرارة ويكون بطيء الحركة مدة نفوذه إلى المسام وجمعت طائفة بين القولين وقالوا العلة في الأمرين واحدة وسببها نقصان الحرارة فإن قيل فلم اختص الشيب بالإنسان من بين سائر الحيوان قيل لأن لحم الإنسان وجلده رخوين وجلود الحيوانات ولحومها أقوى واصلب فلما غلظت مادة الشعر فيها لم يعرض له ما يعرض لشعر الإنسان ولهذا يكون شعرها كلها معها من حين ولادتها بخلاف الإنسان وأيضا فإن لإنسان? المركبة المتنوعة وكذا المشارب ويتناول أكثر من حاجته فتجتمع فيه فضلات كثيرة فتدفعها الطبيعة إلى ظاهر البدن فما دامت الحرارة قوية فإنه تقوى على إحراق تلك الفضلات فيتولد من إحراقها(1\/321)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "321",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2711",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشعر الأسود فإذا بلغ الشيخوخة ضعفت الحرارة وعجزت عن إحراق تلك الفضلات فتعمل فيها عملا ضعيفا وأما سائر الحيوانات فلا تتناول الأغذية المركبة وتتناول منها على قدر الحاجة فلا يشيب شعرها كما يشيب شعر الإنسان وأيضا فإن في زمن الشيخوخة يكون أقل حرارة وأكثر رطوبة فيتولد البلغم وأما الحيوانات فاليبس غالب عليها فإن قيل فلم كان شيب الأصداغ في الأكثر مقدما على غيره قيل لقرب هذا الموضع من مقدم الدماغ والرطوبة في مقدم الدماغ كثيرة لأن الموضع مفصل والمفصل تجتمع فيه الفضلة الكثيرة فيكثر البرد هناك فيسرع الشيب فإن قيل فلم أسرع الشيب في شعور في شعور الخصيان والنساء قيل أما النساء فلبرد مزاجهن في الأصل ولاجتماع الفضلات الكثيرة فيهن وأما الخصيان فلتوافر المنى على أبدانهم يصير دمهم غليظا بلغميا ولهذا لا يحدث الصلع فإن قيل فلم كان شعر الإبط لا يبيض قيل لقوة حرارة هذا الموضع بسبب قربه من القلب ومسامه كثيرة بلغمية لأنها تتحلل بالعرق الدائم فإن قيل فلم أبطأ بياض شعر العانة قيل لأن حركة الجماع تحلل البلغم الذي في مسامه فإن قيل فلم كانت الحيوانات تتبدل شعورها كل سنة بخلاف(1\/322)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "322",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2712",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإنسان قيل لضعف شعورها عن الدوام والبقاء بخلاف شعر الآدمي فإن قيل فما سبب الجعودة والسبوطة قيل أما الجعودة فمن شدة الحرارة أو من التواء المسام فالذي من شدة الحرارة فإنه تعرض منه الجعودة كما تعرض الشعر عند عرضه على النار وأما الذي لالتواء المسام فلأن البخار لضعفه لا يقدر أن ينفذ على الاستقامة فيلتوي في المنافذ فتحدث الجعودة فإن قيل فما السبب في طول شعر الميت وأظفاره بعد موته إذا بقي مدة قيل عنه جوابان أحدهما أنها لا تطول ولكن لما ينقص ما حولها يظن أنها زادت الثاني وهو أصوب أن ذلك الطول من الفضلات البخارية التي تتحلل وهلة من الميت فيمتد معها الشعر والظفر فإن قيل فلم كان المريض وخاصة المحموم ينقص لحمه ويزيد شعره قيل إن في المرض تكثر الفضلات فتطول الشعور والأظفار بها ويثقل الغذاء فيذوب اللجم وأما في الصحة فتقل الفضلات فلا تحتاج الطبيعة إلى الغذاء وهضمها له وإذا قلت الفضلات نفدت مادة الشعر فيبطئ فإن قيل فما العلة في انتصاب شعر الخائف والمقرور حتى يبقى كشعر القنفذ قيل العلة فيه أن الجلد ينقبض وتجتمع المسام على الشعر وتتضايق عليه فينتصب(1\/323)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "323",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2713",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل فلم انتصب شعر البدن واللحية واللحيين فإن قيل فلم كانت كثرة الجماع تزيد في شعر اللحية والجسد وتنقص من شعر الرأس والأجفان قيل لأن الشعر فيه ما يكون طبيعيا من أول الخلقة كاللحية وسائر شعر البدن والأول يكون من قوة الحرارة الأصلية والثاني من قوة الحرارة الخارجية فلا جرم نقصت بسببه الشعور الأصلية وتوفرت العرضية فإن قيل فلم كان الشعر في الإنسان في الجزء المقدم أكثر منه في المؤخر وباقي الحيوانات بالعكس قيل لأن الشعر إنما يكون حيث تكون الحرارة قوية ويكون تحلل الجلد أكثر وهذا في الإنسان في ناحية الصدر والبطن وأما جلدة الظهر فمتكاثفة وأما ذوات الأربع ففي الخلف شعورها أكثر لأن البخار فيها يرقى إلى الخلف وان تلك المواضع هي التي تتلقى الحر والبرز فتحتاج إلى وقاء أكثر فإن قيل فلم كان الرأس بالشعر أحق الأعضاء ونباته أكثر قيل لأن البخار يتصاعد ويطلب جهة الفوق وهو الرأس ولا تستطل هذا الفصل فإن أمر الشعر من السمات والفضلات وهذا شأنه فما الظن بغيره من الأجزاء الأصلية فإذا كانت هذه قليلة من كثير من حكمة الرب تعالى في الشعور ومواضعها ومنافعها(1\/324)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "324",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2714",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فكيف بحكمته في الرأس والقلب والكبد والصدر وغيرها ولا تضجر من ذلك فإن الخلق فيه من الفقه والحكم نظير ما في الأمر فالرب تعالى حكيم في خلقه وأمره ويحب من يفقه عنه ذلك ويستدل على كمال حكمته وعلمه ولطفه وتدبيره فإذا كان الله لم يضع هذه الفضلات في الإنسان سدى فما الظن بغيرها فصل ونحن نذكر فصلا مختصرا في حال الإنسان من مبدئه إلى نهايته لنجعله مرآة له ينظر فيها قول خالقه وبارئه وفي أنفسكم أفلا تبصرون لما اقتضى كمال الرب تعالى جل جلاله وقدرته التامة وعلمه المحيط ومشيئته النافذة وحكمته البالغة تنويع خلقه من المواد المتباينة وأنشأهم من الصور المختلفة والتباين العظيم بينهم في المواد والصور والصفات والهيئات والأشكال والطبائع والقوى اقتضت حكمته أن اخذ من الأرض قبضة من التراب ثم ألقى عليها الماء فصارت مثل الحمأ المسنون ثم أرسل عليها الريح فجففها حتى صارت صلصالا كالفخار ثم قدر لها الأعضاء والمنافذ والأوصال والرطوبات وصورها فأبدع في تصويرها وأظهرها في أحسن الأشكال وفصلها أحسن تفصيل مع اتصال(1\/325)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "325",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2715",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أجزائها وهيأ كل جزء منها لما يراد منه وقدره لما خلق له عن أبلغ الوجوه ففصلها في توصيلها وأبدع في تصويرها وتشكيلها والملائكة تراها ولا تعرف ما يراد منها وإبليس يطيف بها ويقول لأمر ما خلقت فلما تكامل تصويرها وتشكيلها وتقدير أعضائها وأوصالها وصارت جسدا مصورا مشكلا كأنه ينطق إلا أنه لا روح فيه ولا حياة أرسل إليه روحه فنفخ فيه نفخة وانقلب ذلك الطين لحما ودما وعظاما وعروقا وسمعا وبصرا وشما ولمسا وحركة وكلاما فأولى شيء بدأ به أن قال الحمد لله رب العالمين فقال له خالقه وبارئه ومصوره يرحمك الله يا آدم فاستوى جالسا أجمل شيء وأحسنه منظرا وأتمه خلقا وأبدعه صورة فقال الرب تعالى لجميع ملائكته اسجدوا لآدم فبادروا بالسجود تعظيما وطاعة لأمر الواحد المعبود ثم قال لهم لنا في هذه القبضة من التراب شرع أبدع مما ترون وجمال باطن أحسن مما تبصرون فلتزيين باطنه أحسنه من زينة ظاهره ولنجعلنه من أعظم آياتنا نعلمه أسماء كل شيء مما لا تحسنه الملائكة فكان التعليم زينة الباطن وجماله وذلك التصوير زينة الظاهر في أكمل شيء وأجمله صورة ومعنى كل ذلك صنعته تبارك وتعالى في قبضة من تراب ثم اشتق منه صورة هي مثله في الحسن والجمال ليسكن إليها وتقر نفسه وليخرج من بينهما من لا يحصى عدده من الرجال والنساء سواه(1\/326)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "326",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2716",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل ثم لما أراد الله سبحانه أن يذر نسلهما في الأرض ويكثره وضع فيهما حرارة الشهوة ونار الشوق والطلب وألهم كلا منهما اجتماعه بصاحبه فاجتمعا على أمر قد قدر فاسمع الآن عجائب ما هناك لما شاء الرب تعالى أن يخرج نسخة هذا الإنسان منه أودع جسده حرارة وسلط عليه هيجانها فصارت شهوة غالبة فإذا هاجت حرارة الجسد تحللت الرطوبات من جميع أجزاء الجسد وابتدأت نازلة من خلف الدماغ من عروق خلف الأذنين إلى قفا الظهر ثم تخرج إلى الكليتين ثم تجتمع في أوعية المنى بعد أن طبختها نار الشهوة وعقدتها حتى صار لها قوام وغلظ وقصرتها حتى ابيضت وقدر لها مجاري وطرق تنفذ فيها ثم اقتضت حكمته سبحانه أن قدر لخروجها أقوى الأسباب المستفرغة لها من خارج ومن داخل فقيض لها صورة حسنها في عين الناظر وشوقه إليها وساق أحدهما إلى الآخر بسلسلة الشهوة والمحبة فحن كل منهما إلى امتزاجه بصاحبه واختلاطه به ليقضى الله أمرا كان مفعولا وجعل هذا محل الحرث وهذا محل البذر ليلتقي الماءان على أمر قد قدر وقدر بينهما تلك الحركات لتعمل الحرارة في تلك الرطوبة والفضلة عملها واستخرجها من تحت الشعر والبشر والظفر لتوافق نسخة الأصل ويكون(1\/327)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "327",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2717",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الداعي إلى التناسل في غاية القوة فلا ينقطع النسل ولهذا لا تجد في منى الاحتلام من القوة ما في منى الجماع وإنما هو من فضلة حرارة تذيب الرطوبة فتنفذ فيها الطبيعة إلى خارج من نوع تصور خيال بواسطة الشيطان كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال quot;الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطانquot; فإن قيل فهذا اختيار منكم لقول من قال إن المنى يخرج من جميع أجزاء البدن وهذا وإن كان قد قاله كثير من الناس فقد خالفهم آخرون وزعموا انه فضلة تتولد من الطعام وهي من أعدل الفضلات ولهذا صلحت أن تكون مبدأ الإنسان وهو جسم متشابه الأجزاء في نفسه قيل القول الأول هو الصواب ويدل عليه وجوه منها عموم اللذة بجميع أجزاء البدن ومنها مشاكلة أعضاء المولود لأعضاء الوالدين ومنها أن المشابهة الكلية تدل على أن البدن كله أرسل المنى ولولا ذلك لكانت المشابهة بحسب محل واحد فدل على أن كل عضو أرسل قسطه ونصيبه فلما انعقد وصلب ظهرت محاكاته ومشابهته له ومنها أن الأمر لو كان كما زعمه أصحاب المقالة الثانية من أن المنى جسم واحد متشابه في نفسه لم تتولد منه الأعضاء المختلفة المتشكلة بالأشكال المختلفة لأن القوة الواحدة لا تفعل في المادة الواحدة إلا فعلا واحدا فدل على أن المادة في نفسها ليست متشابهة الأجزاء ومنها أن المني فضلة الهضم الآخر وذلك إنما يكون عند نضج الدم في العروق(1\/328)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "328",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2718",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكونه مستعدا استعدادا تاما لأن يصير من جوهر الأعضاء وكذلك عقيب استفراغه من الضعف أكثر مما يحصل من استفراغ أمثاله من الدم ولذلك يورث الضعف في جوهر الأعضاء الأصلية فدل على انه مركب من أجزاء كل منهما قريب الاستعداد لأن يصير جزءا من عضو ولذلك سماه الله سلالة والسلالة فعالة من السل وهو ما يسل من البدن كالبخار كما سمى اصله سلالة من الطين لأنه استلها من جميع الأرض كما في جامع الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم quot;إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرضquot; قال أصحاب القول الآخر وهم جمهور الأطباء وغيرهم لو كان الأمر كما زعمتم وأن المني يستل من جميع الأعضاء لكان إذا حصل مني الذكر ومني الأنثى في الرحم تشكل المولود بشكلهما معا ولكان الرجل لا يلد إلا ذكرا دائما لأن المني قد استل عندكم من جميع أجزائه فإذا انعقد وجب أن يكون مثله وأيضا فإن المرأة تضع من وطء الرجل في البطن الواحد ذكرا وأنثى ولا يمكن أن يقال أن ذلك بسبب اختلاف أجزاء المنى قالوا ولا نسلم عموم اللذة لأنها إنما حصلت حال الإندفاق بسبب سيلان تلك المادة الحارة جارية على تلك المجاري اللحمية التي لحمتها رخوة شبيهة باللحم القريب العهد بالاندمال إذا سال عليه شيء وهو معتدل السخونة ولو كانت اللذة إنما حصلت بسبب سيلان تلك(1\/329)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "329",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2719",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المادة لحصلت قبل الإندفاق قالوا وأما احتجاجكم بالتشابه المذكور بين الوالد والمولود فالمشابهة قد تقع في الظفر والشعر وليس يخرج منهما شيء وأيضا فالمولود قد يشبه جدا بعيدا من أجداده كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا سأله فقال إن امرأتي ولدت غلاما أسود قال quot;هل لك من إبلquot; قال نعم قال quot;فما ألوانها quot; قال سود قال quot;هل فيها من أورقquot; قال نعم قال quot;فأنى له ذلكquot; قال عسى أن يكون نزعه عرق قال quot;وهذا عسى أن يكون نزعه عرقquot; قالوا ولو كان في المنى من كل عضو أجزاء فلا تخلو تلك الأجزاء إما أن تكون موضوعة في المنى وضعها الواجب أو لا تكون كذلك فإن كانت موضوعة وضعها الواجب كان المنى حيوانا صغيرا وإن لم تكن كذلك استحالت المشابهة قالوا وأيضا فإن المنى إما أن يكون مركبا على تركيب هذه الأعضاء وترتيبها أو لا يكون كذلك فالأول باطل قطعا لأن المني رطوبة سيالة فلا تحفظ الوضع والترتيب وإن كانت ثقيلة فتعين الثاني ولا بد قطعا أن يحال ذلك الترتيب والتصوير والتشكيل على سبب آخر سوى القوة التي في المادة فإنها قوة لا شعور لها ولا إدراك ولا تهتدي لهذه التفاصيل التي في الصورة الإنسانية بل هذا التصوير والتشكيل مستند إلى خالق عليم حكيم قد بهرت حكمته العقول ودلت آثار صنعته على كمال أسمائه وصفاته(1\/330)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "330",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2720",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتوحيده وقد اعترف بذلك فاضلا الأطباء وهما بقراط وأفلاطون وأقرا بأن ذلك مستند إلى حكمة الصانع وعنايته وأنه لم يصدر إلا عن حكيم عليم قدير ذكره جالينوس عنهما في كتاب رأي بقراط وأفلاطون فأبى جهلة الأطباء وزنادقة المتفلسفة والطبائعيين إلا كفورا وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث حذيفة بن أسيد quot;إن الله وكل بالرحم ملكا يقول يا رب نطفة يا رب علقة يا رب مضغة فما الرزق فما الأجل فما العمل فيقضى الله ما يشاء ويكتب الملكquot; وفي لفظ quot;يقول الملك الذي يخلقهاquot; أي يصورها بإذن الله أي يصور خلقه في الأرحام كيف شاء الله لا إله إلا هو العزيز الحكيم فقال أصحاب القول الأول نحن أحق بالتنزيه والتوحيد ومعرفة حكمة الخالق العليم وقدرته وعلمه وأسعد به منكم ومن أحال من سفهائنا وزنادقتنا هذا التخليق على القوة المصورة والأسباب الطبيعية ولم يسندها إلى فاعل مختار عالم بكل شيء قادر على كل شيء(1\/331)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "331",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2721",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يكون شيء إلا بإذنه ومشيئته والقوة والطبيعة خلق مسخر من خلقه وعبد من جملة عبيده ليس لها تصرف ولا حركة ولا فعل إلا بإذن بارئها وخالقها فذلك الذي جهل نفسه وربه وعادة الطبيعة والشريعة والرب تعالى يخلق ما يشاء ويختار ويصور خلقه في الأرحام كيف يشاء بأسباب قدرها وحكم دبرها وإذا شاء أن يسلب تلك الأسباب قواها سلبها وإذا شاء أن يقطع مسبباتها عنها قطعها وإذا شاء أن يهيء لها أسبابا أخرى تقاومها وتعارضها فعل فإنه الفعال لما يريد وليس في كون المنى مستلا من جميع أجزاء البدن ما يخرج الحوالة على قدرته ومشيئته وحكمته بل ذلك أبلغ في الحكمة والقدرة وأما قولكم لو كان المنى مستلا من جميع الأعضاء لكان الولد يتشكل بشكلهما معا فقد أجاب النبي عمن سأله عن ذلك بما شفى وكفى ففي صحيح البخاري من حديث انس رضي الله عنه قال بلغ عبد الله بن سلام مقدم رسول الله المدينة وهو في أرضه يحترف فأتاه وقال إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط الساعة وما أول طعام يأكله أهل الجنة ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه ومن أي شيء ينزع إلى أخواله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;أخبرني بهن آنفا جبريلquot; فقال عبد الله ذاك عدو اليهود من الملائكة quot;أما أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب وأما(1\/332)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "332",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2722",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشى المرآة فسبق ماؤه كان الشبه لهاquot; فقال أشهد أنك رسول الله فهذا جواب جبريل آمين رب العالمين لا جبريل الطبيب وفي صحيح مسلم من حديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم quot;إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكر بإذن الله وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل آنث بإذن اللهquot; وقد يتفق الماآن في الإنزال والقدر وذلك من أندر الأشياء فيخلق للولد ذكر كذكر الرجل وفرج كفرج المرأة فإذا شاء الله أن يغلب سلالة ماء الرجل على ماء المرأة أو سلالتها أمر ملك الأرحام بتصويره كذلك فإن ذلك لا يخل بحكمته ولا يخرق عادته ولو خرقها لم يخل بحكمة أحكم الحاكمين وأما منعكم عموم اللذة فشبيه بالمكابرة والمجامع يجد عند الإنزال شيئا قد استل من جميع بدنه وسمعه وبصره وقواه في قالب الرحم فيحس كأنه خلع قميصا كان مشتملا به ولهذا اقتضت حكمة الرب تعالى في شرعه وقدره أن أمره بالاغتسال عقيب ذلك ليخلف عليه الماء ما تحلل من بدنه من ماء وإذا اغتسل وجد نشاطا وقوة وكأنه لم ينقص منه شيء فإن رطوبة الماء تخلف على البدن ما حللته تلك الحركة عن رطوباته وتعمل فيها الحرارة الأصلية عملها فتمد بها القوى التي ضعفت بالإنزال وأما التشابه الواقع بين الظفر والشعر في الوالد والمولود ولم ينفصل بينهما شيء فما أبردها من شبهة فإن الظفر والشعر تابعان(1\/333)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "333",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2723",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "للأعضاء والمزاج الذي وقع فيه التشابه فاستتبع تشابه الأصل تشابه التبيع وأما شبه المولود بالجد البعيد من أجداده فهو من أقوى الأدلة لنا في المسالة لأن ذلك الشبه البعيد لم يزل ينتقل في الأصلاب حتى استقر في صورة الولد وبها حصل الشبه وأما قولكم إن تلك الأجزاء لا تخلو إما أن تكون موضوعة في المنى وضعها الواجب أولا إلى آخره فجوابكم إنكم إن عنيتم أنها موضوعة بالفعل فليس كذلك وإن أردتم أنها موضوعة بالقوة فنعم وما المانع منه ويكون المنى حيوانا صغيرا بل كبيرا بالقوة وبهذا ظهر الجواب عن قولكم إن المنى رطوبة سيالة لا تحفظ الوضع والترتيب وغاية ما يقدر أن ذلك جزء من أجزاء السبب الذي يخلق الله به الولد وجزء السبب لا يستقل بالحكم فالمستقل بالإيجاد مشيئة الله وحده والأسباب محال الظهور فصل فإن قيل فهذا تصريح منكم بأن المرأة لها منى وأن منها أحد الجزئين اللذين يخلق الله منهما الولد وقد ظن طائفة من الأطباء أن المرأة لا مني لها قيل هذا هو السؤال الذي أوردته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأم سلمة رضي الله عنها على النبي صلى الله عليه وسلم(1\/334)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "334",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2724",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأجابهما عنه بإثبات منى المرأة ففي الصحيح أن أم سليم رضي الله عنها قالت يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت قال quot;نعم إذا رأت الماءquot; فقالت أم سلمة أوتحتلم المرأة فقال quot;تربت يداك فبم يشبهها ولدهاquot; وفيهما عن عائشة رضي الله عنها أن أم سليم رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة التي ترى في منامها ما يرى الرجل هل عليها من غسل قال quot;نعم إذا رأت الماءquot; قالت فقلت له أفترى المرأة ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;وهل يكون الشبه إلا من ذلك إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامهquot; هذا لفظ مسلم وقد ذكر جالينوس التشنيع على ارسطاليس حيث قال إن المرأة لا منى لها فلنحرر هذه المسألة طبعا كما حررت شرعا فنقول: منى الذكر من جملة الرطوبات والفضلات التي في البدن وهذا أمر يشترك بين الذكر والأنثى منه رأسا يتخلق الولد وبواسطته يكون الشبه ولو لم يكن للمرأة منى لما أشبهها ولدها ولا يقال إن الشبه سببه دم الطمث فإنه لا ينعقد مع منى الرجل ولا يتحد به وقد أجرى الله العادة بأن التوالد لا يكون إلا بين أصلين يتولد من بينهما ثالث ومني الرجل وحده لايتولد منه الولد مالم يمازجه(1\/335)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "335",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2725",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مادة أخرى من الأنثى وقد اعترف أرباب القول الآخر بذلك وقالوا لا بد من وجود مادة بيضاء لزجة للمرأة تصير مادة لبدن الجنين ولكن نازعوا هل فيها قوة عاقدة كما في منى الرجل أم لا وقد أدخل النبي في هذه المسألة في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث ثوبان مولاه حيث سأله اليهود عن الولد فقال quot;ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا منى الرجل منى المرأة أذكر بإذن الله وإذا علا منى المرأة منى الرجل آنث بإذن اللهquot; نعم لمنى الرجل خاصة الغلظ والبياض والخروج بدفق ودفع فإن أراد من نفى منى المرأة انتفاء ذلك عنها أصاب ومنى المرأة خاصته الرقة والصفرة والسيلان بغير دفع فإن نفى ذلك عنها أخطأ وفي كل من الماءين قوة فإذا انضم أحدهما إلى الآخر اكتسبا قوة ثالثة وهي من أسباب تكوين الجنين واقتضت حكمة الخلاق العليم سبحانه أن جعل داخل الرحم خشنا كالسفنج وجعل فيه طلبا للمنى وقبولا له كطلب الأرض الشديدة العطش للماء وقبولها له فجعله طالبا حافظا مشتاقا إليه بالعطش فلذلك إذا ظفر به ضمه ولم يضيعه بل يشتمل عليه أتم الاشتمال وينضم أعظم انضمام لئلا يفسده الهواء فيتولى القوة والحرارة التي هناك بإذن الله ملك الرحم فإذا اشتمل علىالمني ولم يقذف به إلى خارج استدار على نفسه وصار(1\/336)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "336",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2726",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كالكرة وأخذ في الشدة إلى تمام ستة أيام فإذا اشتد نقط فيه نقطة في الوسط وهو موضع القلب ونقطة في أعلاه وهي نقطة الدماغ وفي اليمين وهي نقطة الكبد ثم تتباعد تلك النقط ويظهر بينها خطوط حمر إلى تمام ثلاثة أيام أخر ثم تنفذ الدموية في الجميع بعد ستة أيام أخر فيصير ذلك خمسة عشر يوما ويصير المجموع سبعة وعشرين يوما ثم ينفصل الرأس عن المنكبين والأطراف عن الضلوع والبطن عن الجبين وذلك في تسعة أيام فتصير ستة وثلاثين يوما ثم يتم هذا التمييز بحيث يظهر للحس ظهورا بينا في تمام أربعة أيام فيصير المجموع أربعين يوما تجمع خلقة وهذا مطابق لقول النبي في الحديث المتفق على صحته quot;إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماquot; واكتفى النبي بهذا الإجمال عن التفصيل وهذا يقتضي أن الله قد جمع فيها خلقها جمعا خفيا وذلك الخلق في ظهور خفي على التدريج ثم يكون مضغة أربعين يوما أخرى وذلك التخليق يتزايد شيئا فشيئا إلى أن يظهر للحس ظهورا لإخفاء به كله والروح لم تتعلق به بعد فإنها إنما تتعلق به في الأربعين الرابعة بعد مائة وعشرين يوما كما أخبر به الصادق وذلك مما لا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي إذا ليس في الطبيعة ما يقتضيه فلذلك حار فضلاء الأطباء وأذكياء الفلاسفة في ذلك وقالوا إن هذا مما لا سبيل إلى معرفته إلا بحسب الظن البعيد(1\/337)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "337",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2727",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "قال من وقف على نهايات كلامهم في ذلك دأب فيه حتى كل وهو صاحب الطب الكبير فذكر مناسبات خيالية ثم قال وحقيقة العلم فيه عند الله تعالى لا مطمع لأحد من الخلق في الوقوف عليه قلت قد أوقفنا عليه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى بما ثبت في الصحيحين quot;إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيدquot; فصل ورأيت لبعض الأطباء كلا ما ذكر فيه سبب تفاوت زمن الولادة فأذكره وأذكر ما فيه قال إذا تم خلق الجنين في مدة معينة فإنها إذا زاد عليها مثلها تحرك الجنين فإذا انضاف إلى المجموع مثلاه انفصل الجنين قال فإذا تم خلقه في ثلاثين يوما فإذا صار له ستون يوما تحرك فإذا انضاف إلى الستين مثلاها صارت مائة وثمانين يوما وهي ستة أشهر وهي مدة ينفصل لها الحمل وإذا تم خلقه في خمسة وثلاثين يوما تحرك لسبعين وانفصل لسبعة أشهر وإذا تم خلقه لأربعين تحرك لثمانين وانفصل لثمانية أشهر وإذا تم لخمسة وأربعين تحرك لتسعين وانفصل لتسعة أشهر وعلى هذا الحساب أبدا(1\/338)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "338",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2728",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "وهذا الذي ذكره هذا القائل يقتضي حركة الجنين قبل الأربعين وهذا خطأ قطعا فإن الروح إنما تتعلق به بعد الأربعين الثالثة وحينئذ يتحرك فلا تثبت له حركة قبل مائة وعشرين يوما وما يقدر من حركة قبل ذلك فليست حركة ذاتية اختيارية بل لعلها حركة عارضة بسبب الأغشية والرطوبات وما ذكره من الحساب لا يقوم عليه دليل ولا تجربة مطردة فربما زاد على ذلك أو نقص منه ولكن الذي نقطع به أن الروح لا تتعلق به إلا بعد الأربعين الثالثة وما يقدر من حركة قبل ذلك إن صحت لم تكن بسبب الروح والله أعلم فصل وأما أقل مدة الحمل فقد تظاهرت الشريعة والطبيعة على أنها ستة أشهر قال تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وقال تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وقال جالينوس كنت شديد الفحص عن مقادير أزمنة الحمل فرأيت امرأة واحدة ولدت في مائة وأربع وثمانين ليلة وزعم صاحب الشفاء أنه شاهد ذلك وأما أكثره فقال في الشفاء بلغني من حيث وثقت أن امرأة وضعت بعد الرابع من رأس الحمل ولدا قد نبتت أسنانه وعاش.(1\/339)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "339",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2729",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل فإن قيل فما سبب الإذكار والإيناث قيل الذي نختاره أن سببه مشيئة رب الفاعل باختياره وليس بسبب طبيعي وكل ما ذكر أصحاب الطبائع من الأنجاب فمنتقض مثل حرارة الرجل ورطوبته قالوا وفساد المزاج أيضا يوجب إيلاد الإناث واستقامته توجب الإذكار وهذا تخليط وهذيان فليس للاذكار والإيناث إلا قول الله لملك الأرحام وقد استأذن يا رب ذكر يا رب أنثى يا رب شقي ام سعيد فما الرزق فما الأجل والأذكار والإيناث قرين السعادة والشقاوة والرزق والأجل فإن قيل فتلك أيضا بأسباب قلنا نعم ولكن بأسباب بعد الولادة ولا سبب للاذكار والايناث قبل الولادة فإن قيل فما تصنعون بحديث ثوبان الذي رواه مسلم في صحيحه أن يهوديا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الولد فقال quot;ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا منى الرجل منى المرأة أذكر بإذن الله وإذا علا منى المرأة منى الرجل آنث بإذن اللهquot; فقال اليهودي صدقت وإنك لنبي قيل هذا الحديث تفرد به مسلم في صحيحه وقد تكلم فيه بعضهم وقال الظاهر أن الحديث وهم فيه بعض الرواة وإنما كان السؤال عن الشبه وهو الذي سأل عنه عبد الله بن سلام في الحديث المتفق على صحته(1\/340)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "340",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2730",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأجابه بسبق الماء فإن الشبه يكون للسابق فلعل بعض الرواة انقلب عليه شبه الولد بالمرأة بكونه أنثى وشبه بالوالد بكونه ذكرا لا سيما والشبه التام إنما هو بذلك وقالت طائفة الحديث صحيح لا مطعن في سنده ولا منافاة بينه وبين حديث عبد الله بن سلام وليست الواقعة واحدة بل هما قضيتان ورواية كل منهما غير رواية الأخرى وفي حديث ثوبان قضية ضبطت وحفظت قال ثوبان كنت قائما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء حبر من أحبار اليهود فقال السلام عليك يا محمد فدفعته دفعة كاد يصرع منها فقال لي لم تدفعني فقلت ألا تقول يا رسول الله فقال اليهودي إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;إن اسمي محمدا الذي سماني به أهليquot; فقال اليهودي جئت أسألك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;أينفعك شيء إن حدثتكquot; قال أسمع بأذني فنكت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود معه فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  هم في الظلمة دون الجسرquot; قال فمن أول الناس إجازة قال quot;فقراء المهاجرينquot; قال اليهودي فما تحفتهم حتى يدخلوا الجنة قال quot;زيادة كبد الحوتquot; قال فما غذاءهم على أثرها قال quot;ينحر لهم ثور الجنة الذي يأكل من أطرافهاquot; قال فما شرابهم عليه قال quot;من عين فيها تسمى سلسبيلاquot; قال صدقت قال وجئت أسألك عن(1\/341)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "341",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2731",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شيء لا يعلمه أحد إلا نبي أو رجل أو رجلان قال quot;أينفعك إن حدثتكquot; قال أسمع بأذني قال جئت أسألك عن الولد قال:quot;ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلى منى الرجل منى المرأة أذكر بإذن الله وإذا علا منى المرأة منى الرجل آنث بإذن اللهquot; قال اليهودي لقد صدقت وإنك لنبي ثم انصرف فذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;لقد سألني هذا الذي سألني عنه ومالي علم به حتى أتاني به اللهquot; وأما حديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه ففي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال بلغ عبد الله بن سلام مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط الساعة وما أول طعام يأكله أهل الجنة ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه ومن أي شيء ينزع إلى أخواله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;أخبرني آنفا جبريلquot; فقال عبد الله ذاك عدو اليهود من الملائكة فقال:quot; أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشى المرآة فسبقها ماؤه كان الشبه له وإذا سبقت كالشبه لهاquot; قال أشهد أنك رسول الله وذكر الحديث فتضمن الحديثان أمرين ترتب عليهما الأثران معا وأيهما(1\/342)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "342",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2732",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "انفرد ترتب عليه أثره فإذا سبق ماء الرجل وعلا أذكر وكان الشبه له وإن سبق ماء المرأة وعلا آنث وكان الشبه لها وإن سبق ماء المرأة وعلا ماء الرجل أذكر وكان الشبه لها ومع هذا كله فهذا جزء سبب ليس بموجب والسبب الموجب مشيئة الله فقد يسبب بضد السبب وقد يرتب عليه ضد مقتضاه ولا يكون في ذلك مخالفة لحكمته كما لا يكون تعجيزا لقدرته وقد أشار في الحديث إلى هذا بقوله quot;أذكر وآنث بإذن اللهquot; وقد قال تعالى لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير فأخبر سبحانه أن ذلك عائد إلى مشيئته وانه قد يهب الذكور فقط والإناث فقط وقد يجمع للوالدين بين النوعين معا وقد يخليهما عنهما معا وأن ذلك كما هو راجع إلى مشيئته فهو متعلق بعلمه وقدرته وقد وهب الله آدم الذكور والإناث وإسرائيل الذكور دون الإناث ومحمدا الإناث دون الذكور سوى ولده إبراهيم وقال سليمان عليه السلام لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تأتي كل امرأة منهن بغلام يقاتل(1\/343)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "343",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2733",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في سبيل الله فطاف عليهن فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق ولد قال النبي صلى الله عليه وسلم quot;والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعونquot; فدل على أن مجرد الوطء ليس بسبب تام وإن كان له مدخل في السببية وأن السبب التام مشيئة الله وحده فهو رب الأسباب المتصرف فيها كيف شاء بإعطائها السببية إذا شاء ومنعها إياها إذا شاء وترتيب ضد مقتضاها عليها إذا شاء والأسباب هي مجاري الشرع والقدر فعليها يجري أمر الله الكوني والديني فإن قيل فقد ظهر أن الولد مخلوق من الماءين جميعا فهل يخلق منهما على حد سواء أم يكون الولد من ماء الأب وبعضه من ماء الأم قيل قد بين النبي هذه المسألة بأوضح بيان فقال الإمام أحمد في مسنده حدثنا حسين بن الحسين حدثنا أبو كريب عن عطاء بن السائب عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال مر يهودي برسول الله وهو يحدث أصحابه فقالت قريش يا يهودي إن هذا يزعم انه نبي فقال لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي فجاء حتى جلس ثم قال يا محمد مم يخلق الإنسان فقال quot;من كل يخلق من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة فأما نطفة الرجل فنطفة غليظة منها العظم والعصب وأما نطفة المرأة فنطفة(1\/344)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "344",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2734",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "رقيقة منها اللحم والدمquot; فقام اليهودي فقال هكذا يقول من قبلك فصل فإن قيل قد ذكرتم أن تعلق الروح بالجنين إنما يكون بعد الأربعين الثالثة وإن خلق الجنين يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك وبينتم أن كلام الأطباء لا يناقض ما اخبر به الوحي من ذلك فما تصنعون بحديث حذيفة بن أسيد الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي قال quot;يدخل الملك في النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة فيقول أي رب أشقي أم سعيد فيكتبان فيقول أي رب ذكر أو أنثى فيكتبان ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم يطوي الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ينقصquot; قيل نتلقاه بالقبول والتصديق وترك التحريف ولا ينافي ما ذكرناه إذ غاية ما فيه أن التقدير وقع بعد الأربعين الأولى وحديث ابن مسعود يدل على أنه وقع بعد الأربعين الثالثة وكلاهما حق قاله الصادق وهذا تقدير بعد تقدير فالأول تقدير عند انتقال النطفة إلى أول أطوار التخليق التي هي أول مراتب الإنسان وأما قبل ذلك فلم يتعلق بها التخليق والتقدير الثاني عند كمال خلقه ونفخ الروح فذلك تقدير عند أول خلقه وتصويره وهذا تقدير عقد تمام خلقه وتصويره وهذا أحسن من(1\/345)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "345",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2735",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جواب من قال أن المراد بهذه الأربعين التي في حديث حذيفة الأربعين الثالثة وهذا بعيد جدا من لفظ الحديث ولفظه يأباه كل الأباء فتأمله فإن قيل فما تصنعون بحديثه الآخر الذي في صحيح مسلم عن عامر بن واثلة أنه سمع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره فأتى رجلا من أصحاب النبي يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري فحدثه بذلك من قول ابن مسعود وقال له وكيف يشقى رجل بغير عمل فقال له الرجل أتعجب من ذلك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول quot;إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال يا رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على أمره ولا ينقصquot; وفي لفظ آخر في الصحيح أيضا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذنى هاتين يقول quot;إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الملك الذي يخلقها فيقول يا رب اذكر أم أنثى أسوي أم غير سوي فيجعله الله سويا أو غير سوي ثم يقول يا رب ما رزقه وما أجله وما خلقه ثم يجعله الله عز وجل شقيا أو سعيداquot; وفي لفظ آخر في الصحيح أيضا quot;أن ملكا موكلا بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئا بإذن الله لبضع وأربعين ليلةquot; ثم ذكر نحوه(1\/346)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "346",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2736",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل نتلقاه أيضا بالتصديق والقبول وترك التحريف وهذا يوافق ما أجمع عليه الأطباء أن مبدأ التخليق والتصوير بعد الأربعين فإن قيل فكيف التوفيق بين هذا وبين حديث ابن مسعود وهو صريح في أن النطفة أربعين يوما نطفة ثم أربعين علقة ثم أربعين مضغة ومعلوم أن العلقة والمضغة لا صورة فيهما ولا جلد ولا لحم ولا عظم وليس بنا حاجة إلى التوفيق بين حديثه هذا وبين قول الأطباء فإن قول النبي معصوم وقولهم عرضة للخطأ ولكن الحاجة إلى التوفيق بين حديثه وحديث حذيفة المتقدم قيل لا تنافى بين الحديثين بحمد الله وكلاهما خارج من مشكاة صادقة معصومة وقد ظن طائفة أن التصوير في حديث حذيفة إنما هو بعد الأربعين الثالثة قالوا وأكثر ما فيه التعقيب بالفاء وتعقيب كل شيء بحسبه وقد قال تعالى ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة بل قد قال تعالى ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما وهذا تعقيب بحسب ما يصلح له المحل ولا يلزم أن يكون الثاني عقيب الأول تعقيب اتصال وظنت طائفة أخرى أن التصوير والتخليق في حديث حذيفة في التقدير والعلم والذي في حديث ابن مسعود في الوجود(1\/347)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "347",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2737",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخارجي والصواب يدل على أن الحد ما دل عليه الحديث من أن ذلك في الأربعين الثانية ولكن هنا تصويران أحدهما تصوير خفي لا يظهر وهو تصوير تقديري كما تصور حين تفصل الثوب أو تنجر الباب مواضع القطع والتفصيل فيعلم عليها ويضع مواضع الفصل والوصل وكذلك كل من يضع صورة في مادة لا سيما مثل هذه الصورة ينشىء فيها التصوير والتخليق على التدريج شيئا بعد شيء لا وهلة واحدة كما يشاهد بالعيان في التخليق الظاهر في البيضة فههنا أربع مراتب أحدها تصوير وتخليق علمي لم يخرج إلى الخارج الثانية مبدأ تصوير خفي يعجز الحس عن إدراكه الثالثة تصوير يناله الحس ولكنه لم يتم بعد الرابعة تمام التصوير الذي ليس بعد إلا نفخ الروح فالمرتبة الأولى علمية والثلاث الأخر خارجية عينية وهذا التصوير بعد التصوير نظير التقدير بعد التقدير فالرب تعالى قدر مقادير الخلائق تقديرا عاما قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وهنا كتب السعادة والشقاوة والأعمال والأرزاق والآجال الثاني تقدير بعد هذا وهو أخص منه وهو التقدير الواقع عند القبضتين حين قبض تبارك وتعالى أهل السعادة بيمينه وقال هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون وقبض أهل الشقاوة باليد الأخرى وقال هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون(1\/348)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "348",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2738",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "الثالث تقدير بعد هذا وهو أخص منه عند ما يمنى به كما في حديث حذيفة بن أسيد المذكور الرابع تقدير آخر بعد هذا وهو عند ما يتم خلقه وينفخ فيه الروح كما صرح به الحديث الذي قبله وهذا يدل على سعة علم الرب تبارك وتعالى وإحاطته بالكليات والجزئيات وكذلك التصوير الثاني مطابق للتصوير العلمي والثالث مطابق للثاني والرابع مطابق للثالث وهذا مما يدل على كمال قدرة الرب تعالى ومطابقة المقدور للمعلوم فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين ونظير هذا التقدير الكتابة العامة قبل المخلوقات ثم كتابة ما يكون من العام إلى العام في ليلة القدر وكل مرتبة من هذه المراتب تفصيل لما قبلها وتنوع وكلام رسول الله يصدق بعضه بعضا ويفسر بعضه بعضا ويطابق الواقع في الوجود ولا يخالفه وإنما يخبر بما لا يستقل الحس والعقل بإدراكه لا بما يخالف الحس والعقل وإنما يعرفه الناس ويستقلون بإدراكه على أمر عيني يتعلق به الإيمان أو على حكم شرعي يتعلق به التكليف والله أعلم فصل فإن قيل أي عضو يتخلق أولا قبل سائر الأعضاء قيل اختلف في ذلك على أربعة أقوال أحدها أنه القلب وهو قول الأكثرين والثاني أنه الدماغ والعينان وهو قول بقراط(1\/349)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "349",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2739",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثالث الكبد وهو قول محمد بن زكريا والرابع أنه السرة وهو قول جماعة من الأطباء قال أصحاب القلب لا شك أن في المنى قوة روحية بسبب تلك القوة سعد أن يكون إنسانا وحاجته إلى الروح الذي هو مادة القوى أشد فلا بد أن يكون لذلك الروح مجمع خاص منه تنبعث إلى سائر الأعضاء فالجوهر الروحي أول شيء ينبعث من المنى ويجتمع في موضع واحد ويحيط به ما يتصل إليه ذلك الجوهر الروحي من جميع الجوانب فيجب أن يكون مجمعها هو الوسط وسائر الأجزاء يحيط به وذلك الوسط هو القلب قالوا ولأن تمام البدن موقوف على الحرارة الغريزية التي بها البدن ولا بد أن يتقدم على ذلك العضو الذي منه القوة الغريزية التي بها ينمو وهو القلب قالوا ولأن أفعال القوى إنما تتم بالروح وهي لا بد لها من متعلق تتعلق به ولا بد أن يتقدم متعلقها عليها وهو القلب قالوا وهذا هو الأليق والأنسب بحكمة الرب تعالى فإن القلب ملك والأعضاء جنود له وخدم فإذا صلح القلب صلحت جنوده وإذا فسد فسدت وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح إلى ما يرشد إلى ذلك فقال quot;إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي والقلبquot; فما أولى هذه المضغة بأن تكون متقدمة في وجودها على سائر(1\/350)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "350",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2740",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "تبع لها في الوجود كما هي تبع لها في الصلاح والفساد قالوا وقد شاهد أصحاب التشريح في المنى عند انعقاده نطفة في وسطه قال أصحاب الدماغ شاهدنا الفراخ في البيض أول ما يتكون منها رأسها وسنة الله في بروز الجنين أول ما يبدو منه إلى الوجود رأسه قال أصحاب الكبد لما كان المنى محتاجا إلى قوة مغذية تزيد في جوهره حتى يصير بحيث يمكن أن تكون الأعضاء فيه كان أول الأعضاء وأسبقها إليه وهو محل القوة المغذية وهو الكبد قال أصحاب السرة حاجة الجنين إلى جذب الغذاء أشد من حاجته إلى الأقوات وإدراكه ومن السرة يجذب الغذاء وأولى هذه الأقوال القول الأول فإن القلب ومنزلته وشرفه ومحله الذي وضعه الله به يقتضي أنه المبدوء به قبل سائر الأعضاء المتقدم عليها بالوجود والله أعلم فصل فإن قيل الجنين قبل نفخ الروح فيه هل كان فيه حركة وإحساس أم لا قيل كان فيه حركة النمو والاغتذاء كالنبات ولم تكن حركة نموه وإغتذائه بالإرادة فلما نفخت فيه الروح انضمت حركة حسيته وإرادته إلى حركة نموه واغتذائه(1\/351)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "351",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2741",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل قد ثبت أن الولد يتخلق من ماء الأبوين فهل يتمازجان ويختلطان حتى يصيرا ماء واحدا أو يكون أحدهما هو المادة والآخر بمنزلة الانفحة التي تعقده قيل هو موضع اختلف فيه أرباب الطبيعة فقالت طائفة منهم منى الأب لا يكون جزءا من الجنين وإنما هو مادة الروح الساري في الأعضاء وأجزاء البدن كلها من منى الأم ومنهم من قال بل هو ينعقد من منى الأنثى ثم يتحلل ويفسد قالوا ولهذا كان الولد جزءا من أمه ولهذا جاءت الشريعة بتبعيته لها في الحرية والرق قالوا ولهذا لو نرى فحل رجل على جارية آخر فأولدها فالولد لمالك الأم دون مالك الفحل لأنه تكون من أجزائها وأحشائها ولحمها ودمها وماء الأب بمنزلة الماء الذي يسقي الأرض قالوا والحس يشهد أن الأجزاء التي في المولود من أمه أضعاف أضعاف الأجزاء التي فيه من أبيه فثبت أن تكوينه من منى الأم ودم الطمث ومنى الأب عاقد له كالأنفحة ونازعهم الجمهور وقالوا إنه يتكون من مني الرجل والأنثى ثم لهم قولان أحدهما أن يكون من منى الذكر أعضاؤه وأجزاؤه ومن منى الأنثى صورته والثاني أن الأعضاء والأجزاء والصورة تكونت من مجموع الماءين وأنهما امتزجا واختلطا وصارا ماء واحدا وهذا هو الصواب لأننا نجد الصورة والتشكيل تارة إلى الأب وتارة إلى الأم والله أعلم(1\/352)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "352",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2742",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "وقد دل على هذا قوله تعالى يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى والأصل هو الذكر فمنه البدر ومنه السقي والأنثى وعاء ومستودع لولده تربيه في بطنها كما تربيه في حجرها ولهذا كان الولد للأب حكما ونسبا وأما تبعيته للأم في الحرية والرق فلأنه إنما تكون وصار ولدا في بطنها وغذته بلبائها مع الجزء الذي فيه منها وكان الأب أحق بنسبه وتعصيبه لأنه أصله ومادته ونسخته وكان أشرفهما دينا أولى به تغليبا لدين الله وشرعه فإن قيل فهلا طردتم هذا وقلتم لو سقط بذر رجل في أرض آخر يكون الزرع لصاحب الأرض دون مالك البذر قيل الفرق بينهما أن البذر مال متقوم في أرض آخر فهو لمالكه وعليه أجرة الأرض أو هو بينهما بخلاف المنى فإنه ليس بمال ولهذا نهى الشارع فيه عن المعاوضة واتفق الفقهاء على أن الفحل لو نزا على رمكة كان الولد لصاحب الرمكة فصل فإن قيل فهل يتكون الجنين من ماءين وواطئين قيل هذه مسألة شرعية كونية والشرع فيها تابع للتكوين وقد اختلف فيها شرعا وقدرا فمنعت ذلك طائفة وأبته كل الاباء وقالت الماء إذا استقر في الرحم اشتمل عليه وانضم غاية الانضمام بحيث لا يبقى فيه مقدار رسم رأس إبراة إلا انسد فلا يمكن انفتاحه بعد ذلك لماء ثان لا من الواطئ ولا من غيره(1\/353)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "353",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2743",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا وبهذا أجرى الله العادة أن الولد لا يكون إلا لأب واحد كما لا تكون الأم إلا واحدة وهذا هو مذهب الشافعي وقالت طائفة بل يتخلق من ماءين فأكثر قالوا وانضمام الرحم واشتماله على الماء لا يمنع قبوله الماء الثاني فإن الرحم أشوق شيء وأقبله للمنى قالوا ومثال ذلك كمثال المعدة فإن الطعام إذا استقر فيها انضمت عليه غاية الانضمام فإذا ورد عليها طعام فوقه انفتحت له لشوقها إليه قالوا وقد شهد بهذا القائف بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ولد ادعاه اثنان فنظر إليهما وإليه وقال ما أراهما إلا اشتركا فيه فوافقه عمر وألحقه بهما فوافقه على ذلك الإمام أحمد ومالك رضي الله عنهما قالوا والحس يشهد بذلك كما ترى في جراء الكلبة والسنور تأتي بها مختلفة الألوان لتعدد آبائها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم quot;من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقى ماءه زرع غيرهquot; يريد وطء الحامل من غير الواطئ قال الإمام أحمد الوطء يزيد في سمع الولد وبصره هذا بعد انقعاده وعلى هذا مسألة فقهية وهي لو أحبل جارية غيره بنكاح أو زنى(1\/354)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "354",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2744",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم ملكها هل تصير أم ولد فيها أربعة أقوال وهي روايات عن الإمام أحمد أحدها لا تصير أم ولد لأنها لم تعلق بالولد في ملكه والثاني تصير أم ولد لأنها وضعت في ملكه والثالث إن وضعت في ملكه صارت أم ولد وإن وضعت قبل أن يملكها لم تصر لأن الوضع ولاحبال كان في غير ملكه والرابع إن وطئها بعد أن ملكها صارت أم ولد وإلا فلا لأن الوطء يزيد في خلقه الولد كما قال الامام أحمد الوطء يزيد في سمع الولد وبصره وهذا أرجح الأقوال وقد ثبت عن النبي أنه مر على امرأة مجح على باب فسطاط فقال لعل سيدها يريد أن يلم بها لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره كيف يورثه وهو لا يحل له والمجح الحامل المقرب وقوله كيف يورثه أي يجعله له تركة موروثة عنه كأنه عبده ولا يحل له ذلك لأنه قد صار فيه جزء من أجزائه بوطئه وكيف يجعله عبده ولا يحل له ذلك فهذا دليل على أن وطء الحامل إذا وطئت كثيرا جاء الولد عبلا ممتلئا وإذا هجر وطؤها جاء الولد هزيلا ضعيفا فهذه أسرار شرعية موافقة للأسرار الطبيعية مبنية عليها والله أعلم. فإن قيل فهل يمكن أن يخلق من الماء والدان في بطن واحد قيل:(1\/355)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "355",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2745",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذه مسألة التوأم وهو ممكن بل وقع وله أسباب أحدها كثرة المنى فيفيض إلى بطن الرحم دفعات والرحم يعرض له عند الحركة الجارية للمنى حركات اختلاجية مختلفة فربما اتفق أن كان الجاذب للدفعة الأولى من المنى أحد جانبيه وللثانية الجانب الآخر ومنها أن بيت الأولاد في الرحم فيه تجاويف فيكون المنى كثيرا فيغفل أحدها عن فضلة يشتمل عليها التجويف الثاني وهكذا الثالث قال أرسطو وقد يعيش للمرأة خمسة أولاد في بطن واحد وحكى عن امرأة أنها وضعت في أربع بطون عشرين ولدا قال صاحب القانون سمعت بجرجان أن امرأة أسقطت كيسا فيه سبعون صورة صغيرا جدا قال أرسطو وإذا توأمت بذكر وأنثى فقلما تسلم الوالدة والمولود وإذا توأمت بذكرين أو انثيين فتسلم كثيرا قال والمرأة قد تحبل على الحبل ولكن يهلك الأول في الأكثر فقد أسقطت امرأة واحدة اثنى عشر جنينا حملا على حمل وأما إذا كان الحمل واحدا أو بعد وضع الأول فقد يعيشان والله أعلم فإن قيل فما السبب المانع للحامل من الحيض غالبا قال الإمام أحمد وأبو حنيفة إن ما تراه من الدم يكون دم فساد لا حيض والشافعي وإن قال إنه دم حيض وهو إحدى الروايتين عن عائشة فلا ريب أنه نادر بالإضافة إلى الأغلب قيل دم الطمث ينقسم ثلاثة أقسام قسم ينصرف إلى غذاء الجنين وقسم يصعد إلى البدن وقسم يحبس إلى وقت الوضع فيخرج مع الولد. وهو(1\/356)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "356",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2746",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دم النفاس وربما كانت مادة الدم قوية وهو كثير فيخرج بعضه لقوته وكثرته والراجح من الدليل أنه حيض حكمه حكمه إذ ليس هناك دليل عقلي ولا شرعي يمنع كونه حيضا واستيفاء الأدلة من الجانبين قد ذكرناه في مواضع آخر والله أعلم فإن قيل فما السبب في أن النساء الحبالى يشتقن في الشهر الثاني والثالث إلى تناول الأشياء الغريبة التي لا يعتد بها طبا قيل إن دم الطمث لما احتبس فيهن بحكمة قدرها الله وهي أن صرفه غذاء للولد ومقدار ما يحتاج إليه يسير فتدفعه الطبيعة الصحيحة إلى فم المعدة فيحدث لهن شهوة تلك الأشياء الغريبة فإن قيل فكيف وضع الجنين في بطن أمه قائما أو قاعدا أو مضطجعا قيل هو معتمد بوجهه على رجليه وبراحتيه على ركبتيه ورجلاه مضمومتان إلى قدميه ووجهه إلى ظهر أمه وهذا من العناية الألهية أن أجلسه هذه الجلسة في المكان الضيق في الرحم على هذا الشكل وأيضا فلو كان رأسه إلى أسفل لوقع ثقل الأعضاء الخسيسة على الأعضاء الشريفة وأدى ذلك إلى تلفه ولأنه عند محاولة الخروج إذا انقلب أعانته على الخروج فإنه إذا خرج أول ما يخرج منه رأسه لأن الرأس إذا خرج أولا كان خروج سائر الأعضاء بعده سهلا ولو خرج على غير هذا الوجه لكان فيه تعويق وعسر فإن الرجلين لو خرجتا أولا انعاق خروج الباقي وإن خرجت الرجل الواحدة أولا انعاق عند الثانية وإن خرجتا معا انعاق عند(1\/357)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "357",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2747",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اليدين وإن خرجت الرجلان واليدان انعاق عند الرأس فكان يلتوي إلى خلف وتلتوي السرة إلى العنق فيألم الرحم ويصعب الخروج ويؤدي إلى مرضه أو تلفه فإن قيل فما سبب الاجهاض الذي يسمونه الطرح قبل كمال الولد قيل الجنين في البطن بمنزلة الثمرة في الشجرة وكل منهما له اتصاله قوى بالأم ولهذا يصعب قطع الثمرة قبل كمالها من الشجرة وتحتاج إلى قوة فإذا بلغت الثمرة نهايتا سهل قطعها وربما سقطت بنفسها وذلك لأن تلك الرباطات والعروق التي تمدها من الشجرة كانت في غاية القوة والغذاء فلما رجع ذلك الغذاء إلى تلك الشجرة ضعفت تلك الرطوبات والمجاري وساعدها ثقل الثمرة فسهل أخذها وكذلك الأمر في الجنين فإنه ما دام في البطن قبل كماله واستحكامه فإن رطوباته وأغشيته تكون مانعة له من السقوط فإذا تم وكمل ضعفت تلك الرطوبات وانتهكت الأغشية واجتمعت تلك الرطوبات المزلقة فسقط الجنين هذا هو الأمر الطبيعي الجاري على استقامة الطبيعة وسلامتها وأما السقوط قبل ذلك فلفساد في الجنين ولفساد في طبيعة الأم أو ضعفت الطبيعة كما تسقط الثمرة قبل إدراكها لفساد يعرض أو لضعف الأصل أو لفساد يعرض من خارج فإسقاط الجنين لسبب من هذه الأسباب الثلاثة فالآفات التي تصيب الأجنة بمنزلة الآفات التي تصيب الثمار(1\/358)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "358",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2748",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل فكيف يخرج من الرحم مع ضيقه ما هو أكبر منه بأضعاف مضاعفة قيل هذا من أعظم الأدلة على عناية الرب تعالى وقدرته ومشيئته فإن الرحم لا بد أن ينفتح الانفتاح العظيم جدا قال غير واحد من العقلاء ولا بد من انفصال يعرض للمفاصل العظيمة ثم تلتئم بسرعة أسرع من لمح البصر وقد اعترف فضلاء الأطباء وحذاقهم بذلك وقالوا لا يكون ذلك إلا بعناية إلهية وتدبير تعجز العقول عن إدراكه وتقر للخلاق العظيم بكمال الربوبية والقدرة فإن قيل فما السبب في بكاء الصبي حالة خروجه إلى هذه الدار قيل ههنا سببان سبب باطن أخبر به الصادق المصدوق لا يعرفه الأطباء وسبب ظاهر فأما السبب الباطن فإن الله سبحانه اقتضت حكمته أن وكل بكل واحد من ولد آدم شيطانا فشيطان المولود قد خنس ينتظر خروجه ليقارنه ويتوكل به فإذا انفصل استقبله الشيطان وطعنه في خاصرته تحرقا عليه وتغيظا واستقبالا له بالعداوة التي كانت بين الأبوين قديما فيبكي المولود من تلك الطعنة ولو آمن زنادقة الأطباء والطبائعيين بالله ورسوله لم يجدوا عندهم ما يبطل ذلك ولا يرده وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;صياح المولود حين يقع نزغة من الشيطانquot; وفي الصحيحين من حديثه أيضا(1\/359)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "359",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2749",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسه إلا ابن مريم وأمهquot; وفي لفظ آخر quot;يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إياهquot; وفي لفظ quot; آخر كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولادته إلا مريم وابنهاquot; وفي لفظ للبخاري quot;كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه بأصبعه حين يولد غير عيسى ابن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجابquot; والسبب الظاهر الذي لا نخبر الرسل بأمثاله لرخصه عند الناس ومعرفتهم له من غيرهم هو مفارقته المألوف والعادة التي كان فيها إلى أمر غريب فإنه ينتقل من جسم حار إلى هواء بارد ومكان لم يألفه فيستوحش من مفارقته وطنه ومألفه وعند أرباب الإشارات أن بكاءه إرهاص بين يدي ما يلاقيه من الشدائد والآلام والمخاوف وأنشد في ذلك: ويبكي بها المولود حتى كأنه ... بكل الذي يلقاه فيها يهدد وإلا فما يبكيه فيها وإنها ... لأوسع مما كان فيه وأرغد ولهم نظير هذه الإشارة في قبض كفه عند خروجه إلى الدنيا وفي فتحها عند خروجه منها وهو الإشارة إلى أنه خرج إليها مركبا على الحرص والطمع وفارقها صفر اليدين منها وأنشد في ذلك: وفي قبض كف المرء عند ولادة ... دليل على الحرص الذي هو مالكه وفي فتحها عند الممات إشارة ... إلى فرقة المال الذي هو تاركه ولهم نظير هذه الإشارة في بكاء الطفل وضحك من حوله: أن(1\/360)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "360",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2750",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأمر سيبدل ويصير إلى ما يبكي من حوله عند موته كما ضحكوا عند ولادته وأنشد في ذلك: ولدتك إذ ولدتك أمك باكيا ... والناس حولك يضحكون سرورا فاعمل لعلك أن تكون إذا بكوا ... في يوم موتك ضاحكا مسرورا ونظير هذه الإشارة أيضا قولهم إن المولود حين ينفصل يمد يده إلى فيه إشارة إلى تعجيل نزوله عند القدوم عليه بأنه ضيف من تمام إكرامه وتعجيل قراه فأشار بلسان الحال إلى ترك التأخير وربما مص أصبعه إشارة إلى نهاية فقره وأنه بلغ منه إلى مص الأصابع ومنه قول الناس لمن بلغ به الفقر غايته فهو يمص أصابعه وأنشد في ذلك: ويهوى إلى فيه يمص بنانه ... يطالب بالتعجيل خوف التشاغل ويعلمهم أني فقير وليس لي ... من القوت شيء غير مص الأنامل ونظير هذه الإشارة أنه يحدث بالعجب ممن يظهر من الحدث: ويحدث بين الحاضرين إشارة ... إلى أنه من حادث ليس يعصم يقول وعندي بعدها أخواتها ... وما منكم إلا وذو العرش أرحم ونظير هذه الإشارة أنه يضحك بعد الأربعين وذلك عندما يتعقل نفسه الناطقة ويدركها وفي ذلك قصاص من البكاء الذي أصابه عند ولادته وتأخر بعده لكي يتأسى العبد إذا أصابته شدة فالفرج كمأتم يطلبها في أثرها: ويضحك بعد الأربعين إشارة ... إلى فرج وافاه بعد الشدائد(1\/361)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "361",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2751",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "يقول هي الدنيا فتبكيك مرة ... وتضحك أخرى فاصطبر للعوائد قالوا ويرى الأماني بعد ستين يوما من ولادته ولكنه ينساها لضعف القوة الحافظة وكثرة الرطوبات وفي ذلك لطف به أيضا لضعف قلبه عن التفكر فيما يراه: ويرى بعين القلب إذ يأتي له ... ستون يوما رؤية الأحلام لكنه ينساه بعد لضعفه ... عن ضبطه في يقظة ومنام فصل ولما تكامل للنطفة أربعون يوما فاستحكم نضجها وعقدتها حرارة الرحم استعدت لحالة هي أكمل من الأولى وهي الدم الجامد الذي يشبه العلقة ويقبل الصورة ويحفظها بانعقادها وتماسك أجزائها فإذا تم لها أربعون استعدت لحاقا هي أكمل من الحالتين قبلها وهي صيرورتها لحما أصلب من العلقة وأقوى وأحفظ للمخ المودع فيها واللحم هو كسوتها والرباطات تمسك أجزاءها وتشد بعضها بعضا والكبد الذي يأخذ صفو الغذاء فيرسله إلى سائر الأعضاء وإلى الشعر والظفر والأمعاء التي هي مجاري وصول الطعام والشراب إلى المعدة والعروق التي هي مجاري منفذه وإيصاله إلى سائر أجزاء البدن والمعدة التي هي خزانة الطعام والشراب وحافظته لمستحقيه والقلب الذي هو منبع الحرارة ومعدن الحياة والمستولي على مملكة البدن والرئة التي تروح عن البدن وتفيده(1\/362)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "362",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2752",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "الهواء البارد الذي به حياته واللسان الذي هو بريد القلب وترجمانه ورسوله والسمع الذي هو صاحب أخباره والبصر الذي هو طليعته ورائده والكاشف له عما يريد كشفه والأعضاء التي هي خدمه وخوله والرجلان تسعى في مصالحه واليد تبطش في حوائجه والأسنان تفصل قوته وتقطعه والعروق توصله إلى أربابه والذكر آلة نسله وأنثياه خزانة مادة النسل والكبد للغذاء وقسمته وهي في الحيوان بمنزلة شرش الشجر والنبات تجدب الغذاء وترسله إلى جميع الأجزاء وآلات الغذاء خدم له والقلب للأرواح الذي به حياة الحيوان وآلات النفس خدم له والدماغ معدن الحس والتصور والحواس خدم له والأنثيان معدن التناسل والذكر خدم لهما وهذه الأعضاء هي رأس أعضاء البدن فصل وأما آلات الغذاء فثلاثة أقسام آلة تقبل الغذاء وتصلحه وتفرقه وترسله إلى جميع البدن وآله تقبل فضلاته وآلة تعين في إخراج ثفله وما لا منفعة في بقائه فالآلات القابلة هي الفم والمريء والبطن والكبد والعروق الموصلة إلى الكبد والعروق الموصلة منها إلى البدن(1\/363)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "363",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2753",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل وأما الآلات القابلة للفضلات فالمرارة تقبل ما لطف منها والطحال يقبل كثيفها والكلى والمثانة يقبلان المتوسط والكبد موضوعة في الجانب الأيمن وتأخذ يسيرا للجانب الأيسر وهذا لحكمة بديعة وهي أن القلب في الجانب الأيسر أقرب وهو معدن الحار الغريزي فتجنب عند الكبد قليلا لئلا يتأذى بحرارتها وجعل في أوعية الغذاء قوى خادمة له فالفم مع كونه يقطع الغذاء ويطحنه يحيله ويغيره والمرىء مع كونه منفذا إلى المعدة يغيره تغييرا ثانيا والمعدة مع كونها خزانة حافظة له تنضجه وتطبخه وتغيره تغييرا ثالثا وتهضمه وتنفي منه مالا يصلح وتخرجه وتدفعه إلى مخرج الثفل فإن الطعام إذا استقر في المعدة اشتملت عليه وانضمت غاية الانضمام ثم أنضجته بحرارتها ثم تتولاه الكبد وتشتمل عليه وتقلبه دما خالصا ثم تقسمه على جميع الأعضاء قسمة عدل لا جور فيها ولا حيف ولما كانت المعدة حوض البدن الذي يرده أجزاء البدن من كل ناحية اقتضت الحكمة الإلهية جعلها في وسطه وخالص الغذاء يتأدى إلى الكبد من شعب كثيرة ويجتمع في موضع واحد واسع يسمى باب الكبد وجميع العروق التي تتصل بالمعدة والأمعاء والطحال تجتمع وترتقي إلى باب الكبد والمعدة تجذب الموافق ويبقى(1\/364)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "364",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2754",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المخالف المنافي الذي عجزت قوتها عنه ثم إن الكبد تصفيه وتنقيه بعد إجتذابه مرة أخرى وتنفى عنه غير الموافق وقد أعد الصانع الحكيم سبحانه لتنقية الدم من الكبد ثلاثة خدام فارهين قائمين بالمرصاد بلا كسل ولا فتور وقد وضع كلا منها في المكان اللائق به ونصبه نصبة بها يكون أمكن من عمله ولما استقر الغذاء في المعدة وطبخته وأنضجته صارت فضلاته ثلاثة فضلة كالدردى الراسب وفضلة كالرغوة والزبد الطافي وفضلة مائية فجعل كل خادم من هذه الخدام الثلاثة على فضلة لا يتعداها إلى الأخرى ليجذبها من مجرى خادم الفضلة الخفيفة الطافية وهي للصفرة المرارة نصبها الرب تعالى فوق الكبد لأن المجتذب هو الفضلة الطافية ومكانها فوق مكان الدردى الراسب وخادم الفضلة التي هي كالدردى الراسب الطحال ونصبه الخلاق العظيم أسفل من باب الكبد حيث كان ما يجتذبه من أسفل ولم يكن في الجانب الأيمن لأن المعدة قد شغلت ذلك الجانب وكان الجانب الأيسر خاليا فلم تعده فإذا نقى الدم من هاتين الفضلتين خدمه الخادم الثالث وهو الكبد وقد بقي أحمر نقي اللون مشرقا نورانيا ويصل إليها من عرق عظيم يسمى الأجوف ثم يوزع من هناك على جهات البدن العليا والسفلى في رواضع كثيرة العدد ما بين كبير وصغير ومتوسط كلها تتصل(1\/365)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "365",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2755",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "بالعرق الأجوف وتمتاز منه وما دام الدم في هذا العرق ففيه مائية غير محتاج إليها لأنها كانت بتركب الغذاء فلما وصل إلى مستقره استغنى عنها فاحتاج ولا بد إلى إخراجها ودفعها ولو لم يبادر إلى ذلك أضرت به فخلق الله سبحانه الكليتين يمتصان هذه الفضلة بعنقين طويلين كالأنبوبتين ويفرغانها في المثانة بعرقين آخرين وضعهما سبحانه أسفل من الكبد قليلا حيث يكون أمكن لتخليص المائية كما تروق العصارات وأما المرارة فوضعها الله سبحانه فوق الكبد لأنها بمنزلة السفنجة أو القطنة التي يقطف بها الدهن عن وجه الرطوبات وأما الطحال فوضعه أميل إلى أسفل لأنه بمنزلة ما يجتذب الأشياء المصونة إذا رسبت فصل إذا تنقى الدم من هذه الفضلات كلها وعملت فيه هذه الخدم بقواها التي أودعها الله فيها هذا العمل وأصلحته هذا الاصلاح عمل ملك الأعضاء والجوارح وهو القلب فيه عملا آخر فقصده بحرارة أخرى وهي أقوى من حرارة الكبد فصل وجعل سبحانه في المعدة أربع قوى قوة جاذبة للملائم وقوة منضجة له وقوة ممسكة له وقوة دافعة للفضلة المستغنى(1\/366)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "366",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2756",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنها منه ورئيس هذه القوى هي القوة المنضجة وسائرها خدم لها وخصت المعدة عن سائر الأعضاء بأن أودع فيها قوة تحس بالعوز والنقصان وخاصتها تنبيه الحيوان لتناول الغذاء عند الحاجة وأما سائر الأعضاء فإنها تتغذى بالنبات باجتذاب الملائم إليها ولما احتاجت المعدة إلى قوة وحس بالعوز ولم يكن ذلك إلا من معدن الحواس وهو الدماغ أتاها روح لعصب عظيم فأنبت أكثرها في فمها وما يليه وباقيه مستقيا حتى بلغ قعرها فإن قيل فما الحكمة في أن باعد الله سبحانه بين المعدة والفم وجعل بينهما مجرى طويلا وهو المرىء وهلا اتصلت المعدة بالفم واستغنت عن المرىء قيل هذا من تمام حكمة الخالق وفيه منافع كثيرة منها أن يحصل للغذاء تغير ما في طريق المجرى فيلطف قبل وصوله إليها ومنها بعده عن آلة التنفس لئلا تعوقه وتعوق الصوت والكلام وأن لا تنقلب المعدة إلى خارج عند شدة الجوع كما يعرض ذلك للحيوان الشره إذا كان قصير العنق فإن قيل فلم كانت إلى الجانب الأيسر أميل منها إلى الجانب الأيمن قيل ليتسع المكان على الكبد ولا ينحصر فإن قيل فهلا كانت مستقيمة في وضعها بل مال أسفلها إلى الجانب الأيمن قيل ليتسع المكان على الطحال حيث كان أخفض موضعا من الكبد فإن قيل فلم جعلت مستطيلة مدورة وجعلت مما يلي الصلب(1\/367)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "367",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2757",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "مسطحة قيل لما وضعها الله بين الكبد والطحال جعلها مستطيلة وكانت مستديرة لتتسع للطعام والشراب وكان أسفلها أوسع من أعلاها لذلك وجعل لها مدخلا وهو المريء ومخرجها يسمى البواب وجعل البواب أضيق من المرىء لأن ما تبتلعه يكون أصلب وأخشن مما تخرجه فجعل مدخل الداخل أوسع من مخرج الخارج لإنضاجه في المعدة ولينه ولحكم آخر منها أن لا ينزل منه الطعام والشراب قبل نضجه ولتقوى المعدة على حبسه وليخرج أولا فأولا لا دفعة واحدة والمرىء يتسع بالتدريج حتى يبلغ المعدة ولذلك يظن أنه جزء منها وأما البواب فإن الجزء الضيق منه يتصل بأسفلها الذي هو أوسعها ثم يتسع على التدريج ليسهل خروج الفضلة فصل والكبد منطبقة على المعدة محتوية عليها بزوائدها لتسخنها والطحال يسخنها من الباب الأيسر والصلب يسخنها من خلف والترائب من قدامها والترائب مؤلفة من طبقتين رقيقتين تنطبق إحداهما على الأخرى بشحم كثير وهو غشاء الأمعاء كلها ولباسها ثم غشى البطن كله بغشاء واحد يقي الأحشاء ويمنع من انفتاح المعدة والأمعاء بالرياح ويربط جملة آلات الغذاء ولم يجعل في الكبد تجويف كتجويف القلب لتحتوي على الدم احتواء ممكنا(1\/368)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "368",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2758",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "وتحيله حال بليغة وللكبد ثلاث شباك من العروق شبكة بينها وبين المعدة والأمعاء وشبكة في مفرعها وشبكة في مجذبها فالشبكة الأولى تجذب الغذاء وتحيله بعد أن أحاله وفي الشبكة الثانية يصير دما وفي الشبكة الثالثة يزداد صفاء وترويقا وللكبد بالقلب والدماء اتصال بشظلة من العصب خفية كنسج العنكبوت ولما كانت النفس المعدية بمنزلة حيوان عاد وحشي وكل جسم يموت فلا بد أن تتصل به هذه النفس وتغذوه بخلاف النفس المفكرة التي محلها الدماغ وبخلاف النفس الغضبية التي محلها القلب فالنفس المفكرة تستعين بالنفس الغضبية على تلك النفس الحيوانية العادية الوحشية فاقتضت حكمة الخالق سبحانه أن وصل بين محل هذه الأنفس الثلاثة ليذعن بعضها لبعض ولا تنكر تسمية هذه القوى نفوسا فليس الشأن في التسمية فأنت تجد فيك نفسا حيوانية تطلب الطعام والشراب ونفسا مفكرة سلطانها على التصور والعلم والشعور ونفسا غضبية سلطانها على الغضب والإرادة وتضرب كل واحدة منها فيما جعلت إليه وبعضها عون لبعض فمحل النفس الحيوانية الكبد ومحل المفكرة الدماغ ومحل الغضبية القلب فصل وتأمل الحكمة في أن جعلت صفاقات عروق الكبد أرق من(1\/369)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "369",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2759",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صفاقات سائر عروق البدن لينفذ إلى الكبد جوهر الدم بسرعة وهي مع ذلك غير محتاجة إلى الوقاية لأن الكبد تحوزها بلحمها وإنما وضعت مجاري المرة الصفراء بعد العروق التي تصعد الغذاء من المعدة وقبل العروق التي تأخذ الدم منها لأن هذا الموضع هو بين موضع كمال الطبخ وبين موضع انتقاله إلى العرق الأجوف وحينئذ يمكن انفصال المرة عن الدم وجمعت العروق كلها إلى عرق واحد هو الباب ثم عادت فتقسمت في مقعر الكبد ثم عادت فجمعت في مجدها إلى عرق واحد هو الباب ثم عادت فتقسمت في مقعر الكبد ثم عادت فجمعت في مجدها إلى عرق واحد وهو الأجوف لتجيد بقسميها إنضاج ما تحتوي عليه ولئلا ينفذ بسرعة وكذلك كل موضع احتيج فيه إلى طول مكث المادة هيء بقاؤها فيه بطول مسلكها وكثرة تعاريجه كما فعل في مجاري المنى وشبكة الدماغ وهذا شأن العروق الجواذب وأما العروق الضوارب فبالعكس من ذلك فإنها جمعت في مقعر الكبد دون مجده بها لأنه موضع الدم وحاجته إلى التغذية بالحرارة ماسة قال جالينوس ولا تقع العروق الضوارب في مجذب يعلم الخالق سبحانه أن جذبه الكبد لأنها تتحرك دائما بمجاورة الحجاب فيقوم لها ذلك مقام حركة العروق الضوارب وجعلت هذه العروق الضوارب رقاقا لأنها إنما وضعت لترويح الكبد لا لتغذيتها ولا لاتصال روح إليها إذ ليس بالكبد حاجة إلى قبول روح حيواني كثير ولا يحتاج لحمها إلا إلى غذاء لطيف بخاري(1\/370)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "370",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2760",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل وأحرز الصانع سبحانه موضع الكبد ووضعها بأن ربطها بالمعدة والأمعاء كلها بالعروق وبالغشاء الممدود على البطن الذي يشد جميعها ووصل بها رباطات من جميع النواحي وغشاؤها الرابط يتصل بالحجاب برباط قوي ورباط الكبد بالحجاب صلب وثيق لأن الكبد معلقة به وهو أصلب من غشاء الكبد لشدة الحاجة إلى صلابته لأنه يحرز الكبد والعرق الأجوف متى ناله آفة مات الحيوان كما تهلك أغصان الشجرة إذا أصاب ساقها آفة وجعل أرق هذه الرباطات من خلف لشدة بالعظام وأغلظه من قدام حيث لا عظام هناك تقيه وهذا من شدة الأسر الذي قال الله تعالى فيها نحن خلقناهم وشددنا أسرهم شد أوصالهم بالرباطات المحكمة وجعل خلقهم بعضه موصولا ببعض ولما كان الحجاب آلة شريفة للنفس بوعد من العضوين المجاورين له وهما المعدة والكبد بمقدار حاجته لئلا يزحماه ويعوقاه عن فعله فبوعدت المعدة عنه بطول مجراها فصل وأما الطحال فبعضهم يقول إنه لا نفع فيه وإنما شغل المكان(1\/371)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "371",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2761",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به لئلا يبقى فارغا فيميل أحد شقي البدن بثقل الكبد فجعل موازنا للكبد قلت وهذا غلط من وجه وصواب من وجه أما الصواب فمن الحكم العجيبة جعل الطحال في الجانب الأيسر على موازنة الكبد لئلا يميل الشق الأيمن بها ولا يمكن أن تقوم المعدة بموازنة الكبد لأنها دائما تمتلئ وتخلو فتارة تكون أخف من الكبد وتارة أرجح منها فيصير البدن مترجحا أو يميل إلى شق الكبد وقتا وإلى شق المعدة وقتا آخر فجعل الخالق سبحانه الطحال يوازن الكبد وجعل المعدة بينهما في الوسط لئلا يثقل جانب ويخف جانب آخر عند امتلائها وخلوها فلما جعلت وسطا لم يختلف وضع البدن باختلافها وأما الغلط فقوله إنه لا منفعة فيه وإنما يشغل المكان لئلا يبقى فارغا فإنه وإن لم يعلم فيه منفعة لم يكن له أن ينفيها فإن عدم العلم بالمنفعة لا يكون علما بعدمها ولا شيء في البدن خال عن المنفعة البتة وفي الطحال من المنافع أنه يجذب الفضلة الغليظة العكرة السوداء من الكبد نوعا من جنس العروق كالعنق له فإذا حصلت تلك الفضلة عنده أنضجها وأحالها وهو ينضج غليظ الدم وعكره كما ينضج قولون غليظ الغذاء ويابسه ويستعمل في فعله العروق والضوارب الكثيرة المبثوثة فيه كلها فما نضج واستحال إلى طبيعته صار غذاء له ومالم يمكن أن ينقلب إلى الدم الموافق له قذفه إلى(1\/372)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "372",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2762",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعدة بعنق آخر من جنس العروق وإنما أمكنه جذب الفضل الأسود بقوة لحميته لأنه رخو متحلحل خفيف كالاسفنج ولما اتصلت به العروق الضوارب الكثيرة استغنى بها عن إنضاج الفضول السوداء ليبقى لحمه خفيفا متحلحلا لأن دم الشرايين رقيق لطيف قريب طبيعته البخار فما اغتذى به كان نحيفا كالرئة ولكن الرئة تغتذي بما صفا ورق وأشرق وكان أحمر ناريا وكذلك الرئة كانت أخف وزنا منه وأسخف جرما ومائلة إلى البياض وأما الطحال فيغتذي بماء لطيف من الخلط الأسود المنطبخ في الشرايين فيستريح منه البدن ويغتذي به الطحال فالطحال يغتذي بغذاء لطيف من غذاء الكبد لأنه يرشح إليه من الشرايين التي صفا فأيهما يحبه جدا ولأجل سواد تلك الفضلة وكونها عكرة في الأصل لم يكن لون الطحال أحمر ولا مشرقا فاما الكبد فتتغذى بدم غليظ فاضل يرشح إليها من العروق غير الضوارب فلجودة غذائها كان لونها أحمر ولفضلته كانت كثيفة فالكبد تغتذي بدم أحمر غليظ والطحال بدم أسود لطيف والرئة بدم صاف مشرق في غاية النضج قريب من طبيعة الروح فجوهر كل عضو على ما هو عليه غذاؤه ملائما له فالغاذي شبيه بالمغتذي في طبعه وفعله وهذا كما أن حكمة الله سبحانه في خلقه فيه جرت حكمته في شرعه وأمره حيث حرم الأغذية الخبيثة على عباده لأنهم إذا(1\/373)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "373",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2763",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اغتذوا بها صارت جزءا منهم فصارت أجزاؤهم مشابهة لأغذيتهم إذ الغاذي شبيه بالمغتذي بل يستحيل إلى جوهره فلهذا كان نوع الإنسان أعدل أنواع الحيوان مزاجا لاعتدال غذائه وكان الإغتذاء بالدم ولحوم السباع يورث المغتذي بها قوة شيطانية سبعية عادية على الناس فمن محاسن الشريعة تحريم هذه الأغذية وأشباهها إلا إذا عارضها مصلحة أرجح منا كحال الضرورة ولهذا لما أكلت النصارى لحوم الخنازير أورثها نوعا من الغلظة والقسوة وكذلك من أكل لحوم السباع والكلاب صار فيه قوتها ولما كانت القوة الشيطانية عارضة ثابتة لازمة لذوات الأنياب من السباع حرمها الشارع ولما كانت القوة الشيطانية عارضة في الإبل أمر بكسرها بالوضوء لمن أكل منها ولما كانت الطبيعة الحمارية لازمة للحمار حرم رسول الله لحوم الحمر الأهلية ولما كان الدم مركب الشيطان ومجراه حرمه الله تعالى تحريما لازما فمن تأمل حكمة الله سبحانه في خلقه وأمره وطبق بين هذا وهذا فتحا له بابا عظيما من معرفة الله تعالى وأسمائه وصفاته وهذا هو الذي حركنا لبسط القول في هذا المقام الذي لا يكاد يرى فيه إلا أحد الطريقين طريق طبيب معترض للوحي مقلد لبقراط وطائفته قد عبرت عينه على الرسل وما جاءوا به وهو ممن قال تعالى فيه فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون وطريق من يجحد ذلك كله(1\/374)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "374",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2764",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويكذب قائله ويظن منافاته للشريعة فيجحد حكمة الله تعالى في خلقه وإبداعه في صنعه وكلا الطريقين مذموم وسالكه من الوصول إلى الغاية محروم فلا نكذب بشرع الله ولا نجحد حكمة الله وأكثر ما أفسد الناس أنهم لم يروا إلا طبائعيا زنديقا منحلا عن الشرائع أو متساهلا قادحا فيما جرت به حكمة الله ومشيئته في خلقه منكرا للقوى والطبائع والأسباب والحكم والتعليل فإذا أراد الأول أن يدخل في الإسلام صده جهل هؤلاء ومكابرتهم للقول والحس وإذا أراد الآخر أن يدخل في معرفة الحكم والغايات وما أودع الله في مخلوقاته من المنافع والقوى والأسباب صده زنادقة هؤلاء وكفرهم وإعراضهم عما جاءت به الرسل وقدحهم فيما عندهم من العلم فيختار دينه على عقله ويختار ذلك عقله وما استقر عنده مما لا يكابر فيه حسه ولا عقله على الدين وهذا قد بلى خلق الأطباء والطبائعيين فهو عنده أحد أنواع أدلة التوحيد والمعاد وصفات الخالق وما أخبرت به الرسل هو من أظهر أدلته ولا يزداد الباطن فيه إلا إيمانا وما أخبرت به الرسل لا يناقض ما جرت به عادة الله وحكمته في خلقه من نصب الأسباب وترتيب مسبباتها عليها بعلمه وحكمته فمصدر خلقه وأمره علمه تعالى وحكمته وآلاء الرب تعالى لا تتعارض ولا تتناقض ولا يبطل بعضها بعضا والله أعلم(1\/375)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "375",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2765",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل والكبد والطحال متقابلان والمعدة بينهما والعروق الضوارب تتصل بها المعدة والقلب بمنزلة التنور أو بمنزلة أتون الحمام يسخن ماءه وله إلى كل بيت منفذ ينفذ منه وهج النار إليه وكذلك الحار الغريزي الذي منبعه من القلب ينفذ في مسالك ومنافذ إلى جميع الأعضاء فيسخنها فصل وجعلت الأعضاء مسلكا مؤديا والمعدة هي الآلة لهضم الغذاء واستمرائه والأمعاء تؤدي ذلك إلى الكبد ولما كانت الأمعاء آلة الأداء والإتصال كثرت لفائفها وطولها وكانت العروق التي تأتيها من الكبد لا تحصى كثرة لينفذ فيها الغذاء أولا فأولا وتفيضه يسيرا يسيرا فلولا تطويل لفائف الأمعاء لكان يخرج قبل أخذ خاصيته وكان يعرض إليهم بشهوة الأكل دائما وكان الإنسان يعدم التفرغ لمصالحة وسائر أعماله وكان دائما مكبا على الغذاء ولهذا صار الحيوان الذي ليس لامعائه استدارات بل له معي واحد مستقيم مكبا على الغذاء دائما عديم الصبر عنه كالفيل وأما مالأمعائه استدارات فإنه إذا فارقه الغذاء أو بعضه في الإستدارة الأولى صادفه في الثانية فإن هو فاته في الثانية صادفه في الثالثة والرابعة والخامسة كذلك فيمكن صبره على الغذاء حكمة بالغة(1\/376)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "376",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2766",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما ينفذ إلى الأمعاء يبعث من العروق الضاربة ويأخذ من الغذاء جزءا يسيرا لطيفا وأما العروق غير الضاربة فهي مجاري الغذاء بالحقيقة فأخذت أكثره وأما العروق الضاربة فجعلت مسلكا للأرواح المنبعثة من القلب فاستغنت بقليل الغذاء وجعل للقلب وصلة بالأمعاء ليحسنها أولا ويمدها بقوة الحار بإذن خالقه ثم يأخذ منها الجزء الملائم من الغذاء المستغنى عن فعل الكبد للطاقة جوهره فإن هذا الجزء لو حصل في الكبد لم يؤمن إحراقه وفساده فلا ينتفع به القلب ثم يأخذ منها عند شدة الحاجة وصدق المجاعة فيتعجل ذلك من أدنى المواضع ولذلك يشاهد من أكل مسنبة شديدة يحس بزيادة ونماء في كل أعضائه حتى يمر الطعام بالمعدة قبل استقراره فيها فسبحان من أتقن ما صنع ولما كانت المعدة آلة هضم الغذاء والأمعاء آلة دفعه جعل للأمعاء طبقتان ليقوى دفعها بهما جميعا وليكون حرزا لها وحفظا ولذلك من تعرض له قرحة الأمعاء بانجراد أحد الصفاقين يبقى الآخر سليما وجعلت الأمعاء الغلاظ لقذف الثفل والرقاق لتأذية الغذاء والسبب في أن صار الإنسان لا يحتاج إلى تناول الغذاء دائما كثرة لفائف أمعائه والسبب المانع من قذف الفضول دائما سعة الأمعاء الغلاظ التي تقوم لها مقام وعاء آخر شبيه بالمعدة في السعة كما أن المثانة وعاء للبول كذلك(1\/377)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "377",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2767",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل ونحن نذكر فصلا مختصرا في هذا الباب يجمع شتات ذلك بإيضاح وإيجاز إن شاء الله تعالى وبه الحول والقوة فنقول المرىء موضوع خلف الحلقوم ومما يلي فقار الظهر وينتهي في ذهابه إلى الحجاب وهو مشدود برباطات فإذا أبعد مال إلى الجانب الأيسر واتسع وذلك المتسع هو المعدة وأسفلها يعود مائلا إلى اليمين والمعدة مقر طبخه وفمها هو المسدف منها ويسمونه الفؤاد وهذا من غلطهم إلا أن يكون ذلك اصطلاحا خاصا منهم والفؤاد عند أهل اللغة هو القلب قال الجوهري الفؤاد القلب وقال الأصمعي وفي الجوف الفؤاد وهو القلب وقد فرق بعض أهل اللغة بين القلب والفؤاد فقال الليث القلب مضغة من الفؤاد معلقة بالنياط وقالت طائفة مسدف القلب وقال النبي صلى الله عليه وسلم quot;جاءكم أهل اليمن أرق قلوبا وألين أفئدةquot; ففرق بينهما ووصف القلب بالرقة والأفئدة باللين وأما كون فم المعدة هو الفؤاد فهذا لا نعلم أحدا من أهل اللغة قاله وتأمل وصف النبي(1\/378)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "378",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2768",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلى الله عليه وسلم القلب بالرقة التي هي ضد القساوة والغلظة والفؤاد باللين الذي هو ضد اليبس والقسوة فإذا اجتمع لين الفؤاد إلى رقة القلب حصل من ذلك الرحمة والشفقة والإحسان ومعرفة الحق وقبوله فإن اللين موجب القبول والفهم والرقة تقتضي الرحمة والشفقة وهذا هو العلم والرحمة وبهما كمال الإنسان وربنا وسع كل شيء رحمة وعلما فلنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول المعدة مع المرىء ذات طبقتين لطيفتين واللحم في الطبقة الداخلة أقل ولهذا يغلب عليها البياض وهي عصبية حساسة وهي في الطبقة الخارجة أكثر ولهذا يغلب عليها الحمرة وهي مربوطة مع الفقار برباطات وثيقة وتنتهي من جهة قعرها إلى منفذ هو باب المعدة وبوابها يغلق عند اشتماله على الغذاء مدة هضمه ويقال لباطن جرم المعدة خمل المعدة والأمعاء المصارين وهو جمع مصران بضم الميم وهو جمع مصير وسمي مصيرا لمصير الغذاء إليه والسفلى يقال لها الاقتاب ومنه قوله صلى الله عليه وسلم quot;فتندلق أقتاب بطنهquot; والعليا(1\/379)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "379",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2769",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أرق من السفلى لما تقدم من الحكمة فأعلى الرقاق يسمى الاثني عشر لأن مساحته اثنا عشر إصبعا ويليه المسمى بالصائم لقلة لبث الغذاء فيه لا لأنه يوجد أبدا خاليا كما ظنه بعضهم فإن هذا باطل حسا وشرعا كما سنذكره والثالث المسمى بالرقيق واللفائف وهو أطول الأمعاء وأكثرها تلافيف ولبث الغذاء فيه أطول والعروق التي تأتيه من الكبد أقل وأما اللذان قبله فمنتصبان في طول البدن قصيران ويقل لبث الغذاء فيهما وهو في الصائم أقل لبثا وهذه الثلاثة تسمى الأمعاء العليا والأمعاء الرقاق وهي كلها في سعة البواب وأما الدامع وهو الأول من الثلاثة السفلى فيسمى الأعور لأنه لا منفذ له بل هو كالكيس يخرج منه ما دخل من حيث دخل وحكمته سبحانه أنه يتم فيه ما يعسر هضمه من الأشياء الصلبة كما يتم ذلك في قوانص الطيور ووضعه في الجانب الأيمن والخامس المسمى يقولون يبتدئ من الجانب الأيمن ويأخذ عرضا إلى الأيسر ويحتبس فيه الثفل وربما يستقضي ما فيه والسادس هو الآخر وهو المعي المستقيم لأنه مستقيم الوضع في طول البدن وهو واسع جدا يجتمع فيه الثفل كما يجتمع البول في المثانة وعليه الفضلة المانعة لخروج الثفل بدون الإرادة وقد صح عن(1\/380)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "380",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2770",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال quot;المؤمن يأكل في معنى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاءquot; فأطلق على المعدة اسم المعى تغليبا ولمشابهتها بالأمعاء لكون كل واحد من الأمعاء والمعدة محلا للغذاء وهذا لغة العرب كما يقولون القمران والعمران والركنان اليمانيان والشاميان والعراقيان ونظائر ذلك ولا سيما فإن تركيب الأمعاء كتركيب المعدة إذ هي مركبة من طبقتين لحمية خارجة وعصبية داخلة والطبقة الداخلة فيها لزوجات متصلة بها لتقيها من حر ألم البراز ورداءته كثيفة فلا تمسكه ولا يتعلق بها شيء منه ولما كان الكافر ليس في قلبه شيء من الإيمان والخير يغتذي به انصرفت قواه ونهمته كلها إلى الغذاء الحيواني البهيمي لما فقد الغذاء الروحي القلبي فتوفرت أمعاؤه وقواه على هذا الغذاء واستفرغت أمعاؤه هذا الغذاء وامتلأت به بحسب استعدادها وقبولها كما امتلأت به العروق والمعدة وأما المؤمن فإنه إنما(1\/381)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "381",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2771",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يأكل العلفة ليتقوى بها على ما أمر به فهمته وقواه مصروفة إلى أمور وراء الأكل فغذا أكل ما يغذيه ويقيم صلبه إستغنى قلبه ونفسه وروحه بالغذاء الإيماني عن الإستكثار من الغذاء الحيواني فاشتغل معاه الواحد وهو قولان بالغذاء فأمسكه حتى أخذت منه الأعضاء والقوى مقدار الحاجة فلم يحتج إلى أن يملأ أمعاءه كلها من الطعام وهذا أمر معلوم بالتجربة وإذا قويت مواد الإيمان ومعرفة الله وأسمائه وصفاته ومحبته والشوق إلى لقائه في القلب استغنى بها العبد عن كثير من الغذاء ووجد لها قوة تزيد على قوة الغذاء الحيواني فإن كثف طباعك عن هذا وكنت عنه بمعزل فتأمل حال الفرح والسرور بتجدد نعمة عظيمة واستغناؤك مدة عن الطعام والشراب مع وفور قوتك وظهور الدموية على بشرتك وتغذية بالسرور والفرح ولا نسبة لذلك إلى فرح القلب ونعيمه وابتهاج الروح بقربه تعالى ومحبته ومعرفته كما قيل: لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الطعام وتلهيها عن الزاد وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته quot;إني أظل عند ربي يطعمني ويسقينيquot; وصدق الصادق المصدوق(1\/382)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "382",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2772",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "صلوات الله وسلامه عليه فإن المقصود من الطعام والشراب التغذية الممسكة فإذا حصل له أعلى الغذاءين وأشرفهما وأنفعهما فكيف لا يغنيه عن الغذاء المشترك وإذا كنا نشاهد أن الغذاء الحيواني يغلب على الغذاء القلبي الروحي حتى يصير الحكم له ويضمحل هذا الغذاء بالكلية فكيف لا يضمحل غذاء البدن عند استيلاء غذاء القلب والروح ويصير الحكم له وقد كان يمكث الأيام لا يطعم شيئا وله قوة ثلاثين رجلا ويطوف مع ذلك على نسائه كلهن في ليلة واحدة وهن تسع نسوة وهذا المسيح بن مريم حي لم يمت وغذاؤه من جنس غذاء الملائكة وأنت تشاهد المريض يمكث الأيام العديدة لا يأكل ولا يشرب لاشتغال نفسه بمحاربة المرض ومدافعته واكتفاء الطبيعة ببقية الغذاء الذي في الأمعاء والمعدة مدة الحرب فإذا وضعت الحرب أوزارها رأيت شدة طلبه للغذاء فالخائف والمحب والفرح والحزين والمستولي عليه الفكر لا تطالبه نفسه بشيء من الغذاء كالخالي من ذلك فصل والكبد عضو لحمي تتخلله عروق رقاق وغلاظ وعلى الكبد غشاء عصبي حساس يحيط بها وينثني إلى غلافه والكبد هي الأصل في الغذاء وآلات الغذاء خدم لها معينات فإن الإنسان لما كان(1\/383)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "383",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2773",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كالشجرة المستقلة جعل له ما يقوم مقام النهر الجاري في أصول الشجرة يسقيها وهو الأمعاء والمعدة بمنزلة العين وتجري منها العروق مجرى السواقي وعروق الكبد المتصلة بالأمعاء بمنزلة عروق الشجرة المتصلة بأرض الساقية تمتص الماء منها وتؤديه إلى الشجرة وأغصانها وورقها وثمارها وهذه العروق تمص الماء من الطين والثرى وكذلك عروق الكبد تمتص صفو الماء وخالصه من كلوليته وتحيله إلى طبيعة الأعضاء كما تفعل عروق الشجرة وشكل الكبد شكل هلالي محدب من ظاهره مقعر من باطنه وهي تحت الأضلاع الخمس ولها خمس شعب يقال لها الزوائد تحتوي على المعدة كما تحتوي الكف بأصابعها على الشيء المقبوض ويقال للشعبة الصغيرة منها خاصة زائدة الكبد وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم quot;إن سبعين ألفا من أهل الجنة يأكلون من زيادة كبد الحوت الذي هو طعامهمquot; وهذا يدل على عظم قدر هذه الزائدة فما الظن بالكبد التي هي زائدته فكيف بالحوت الذي حواها ومقعرها يسمى المورد لأنه يورد الغذاء من المعدة والأمعاء ويسمى باب الكبد ثم تتشعب هذه العروق من جانبيه بشعب تتصل بالأمعاء وتسمى الجداول لشبهها بالسواقي الصغار وتؤدي إلى نقرة عظيمة ولهذه الجداول أغشية من فوقها ومن تحتها(1\/384)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "384",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2774",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فتستدير مع الأمعاء العروق المتصله بها وتسمى هذه الأغشية وما تحتويه المرابط فصل والعرق الثاني ينقسم في مجذبها إلى عروق صغار وأصغر منها حتى تبلغ غاية الرقة ثم تعود وتجتمع أول فأول على قياس ما تفرق وأخذ من كثرة إلى وحدة ومن رقة إلى غلظ حتى يجتمع منها العرق الخارج من الكبد المسمى بالأجوف ومنها يتأدى الدم إلى البدن كله وحين يخرج ينقسم إلى قسمين فيأخذ أحدهما نافذا في الحجاب نحو القلب ويسمى الوتين قال أهل اللغة الوتين عرق يسقي القلب قال في الصحاح الوتين عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه وأصيب وتينه فهو موتون وقال الواحدي الوتين نياط القلب وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب إذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه وهذا قول جميع أهل اللغة وأنشدوا للشماخ: إذا بلغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين وقال ابن عباس وجمهور المفسرين هو حبل القلب ونياطه وأما الأبهر الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: quot;هذا أوان(1\/385)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "385",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2775",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "انقطاع أبهريquot; فقال الجوهري الأبهر عرق إذا انقطع مات صاحبه وهما أبهران يخرجان من القلب ثم تتشعب منهما سائر الشرايين وأنشدوا للأصمعي: وللفؤاد وجيب عند أبهره ... لدم الغلام وراء الغيب بالحجر فصل والمرارة موضوعة على الكبد ولها مجريان أحدهما متصل بتقعير الكبد يجتذب المرة الصفراء والآخر متصل بالأمعاء العليا يصب في المرة ليغسلها ويجليها ويتصل منه السر بأسفل المعدة ليمتزج بالغذاء فيكون فيه معونة على هضمه فصل والقوة التي وكلها الله سبحانه وتعالى بتدبير البدن من أعظم آياته الدالة عليه فإنها تفعل في الطعام والشراب الواردين عليه أفعالا متنوعة من تقطيع وتفصيل وتمريخ وتحليل وتركب فمبدأ ذلك في الفم وهو تقطيعه بالأسنان ومضغه واختلاطه بالرطوبات التي فيه وانهضامه فيه انهضاما تاما ثم بعد ذلك عند وروده إلى(1\/386)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "386",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2776",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعدة تهضمه هضما آخر ويسمى الهضم الأول ويعيبها على هضمه ما يجاورها من الأعضاء فالكبد عن يمينها والطحال عن يسارها والقلب من فوقها والمرىء أمامها والأمعاء السبل الموصلة إليها والعروق الطرق المؤدية منها والحرارة النار الطابخة للطعام فيها والقوة الهاضمة والجاذبة والغاذية والدافعة خدم لها فإذا انهضم الطعام فيها صار كيلوسا شبيها بماء الكشك الثخين ثم نهتز? صوبه ولطيفه فتقذفه العروق الرقاق الشعرية التي هي برقة الشعر وينجذب إلى الكبد فإذا ورد هذا اللطيف إلى الكبد اشتملت عليه بجملته فطبخته وهضمته وأحالته إلى جوهرها وصيرته دما ويسمى هذا الهضم الثاني ولما كان هذا الإنضاج والطبخ يشبه طبخ القدر علاه شيء كالرغوة والزبد وهو الصفراء ورسب منه شيء مثل العكر وهو السوداء وتخلف عن تمام النضج شيء بقي على فجوجته وهو البلغم والشيء الذي يصفى ويبقى من ذلك كله هو الدم فاندفع من الكبد في العرق الأعظم المعروف بالأجوف بعد أن تصفت عنه المائية إلى آلة البول فيسلك هذا الدم في الأوردة المتشعبة من الجوف ثم في جداول متثقبة من الأوردة ثم في سواقي متثقبة من الجدوال ثم في رواضع مشتقة من السواقي ثم في عروق رقاق شعرية ثم يرشح من أفواهها في الأعضاء لتغتذي به فتحله الأعضاء وتصيره لجوهرها فيصير في اللحم لحما وفي العظم عظما وفي العصب عصبا وفي الظفر ظفرا وفي الشعر شعرا(1\/387)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "387",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2777",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "وفي السمع والبصر وآلة الحس كذلك فتبارك من هذا صنعه في قطرة من ماء مهين فصل والدم هو الخليط الأصلي والغذاء الحقيقي للبدن والمخلف عليه بدل ما ينقص ويتحلل منه والأخلاط الآخر كالأبازير والتوابل وهي صنفان صنف لطيف وهو دم القلب وغليظ وهو دم الكبد ومثله مثل السلطان إذا كان وقورا حليما ساكنا عاشت به رعيته وإذا غضب واحتد قتل فصل وأما البلغم فخليط فج مستعد لين يستكمل نضجه عند عوز الغذاء إذ تولته الحرارة الغريزية فهضمته وصيرته دما فيكون في المعدة والأمعاء وفي الكبد عند قصور الهضم وفيه من المنفعة أنه يرطب البدن ويبل المفاصل لسلس حركاتها ويخالط الدم في تغذية الأعضاء البلغمية المزاج كالدماغ ولما كانت الأعضاء محتاجة أن يكون قريبا منها لترطبها لم يجعل له عضو يختص به لا سيما والأعضاء تغتذي به إذا أعوزها الغذاء(1\/388)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "388",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2778",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل وأما الصفراء فخليط لطيف حار وحاجة البدن إليها في أن تخالط الدم وترقه بلطفها وتنفذه في المسالك الضيقة ولتعينه في تغذية الأعضاء الحارة اليابسة وما ينفصل عنها مما يستغني عنه يتصفى إلى المرارة لتأخذ نصيبها منه وما تستغني عنه المرارة تصبه إلى الأمعاء ليغسلها عن لطخة الأثفال ولزوجتها ولتدع عضل المقعدة فيحس بالحاجة إلى التبرز فصل وأما المرارة السوداء فخليط بارد يابس وفيه من المنافع أنه ينفذ مع الدم في العروق ليشده ويقويه ويكفيه ويمسكه ويمنعه من سهولة الحرمة عند الحاجة إلى ذلك ويعينه على تغذية الأعضاء المحتاجة أن يكون في غذائها شيء من السوداء كالعظام وما اتصل منه وما استغنى عنه يصفى إلى الطحال فيصفيه الطحال جدا ويتغذى به ثم يجلب ما يستغني عنه الطحال إلى فم المعدة فيدغدغه بالحموضة التي فيه فتتحرك الشهوة ويحس بالجوع فتطلب الأعضاء القصوى معلومها وراتبها من الأعضاء التي تليها وتطلبه الأعضاء التي تليها من التي تجاورها وهكذا حتى ينتهي الطلب إلى المعدة فالجوع طلب الأعضاء القصوى معلومها الأعضاء الدنيا(1\/389)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "389",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2779",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل ولما اقتضت حكمة الرب جل جلاله وتقدست أسماؤه ولا إله غيره حيث كان بدن الإنسان مشبها في أحواله بالمدينة أن يوجد فيه أعضاء رئيسية تقوم بمصالحها كما تقوم رؤساء المدينة بمصالحها وتكون لها بمنزلة الولاة والأمراء وأعضاء تكون خادمة لهذه الأعضاء الرئيسية فإن الرئيس لا يكون رئيسا إلا بمرءوس وهي بمنزلة الشرط والجلاوزة والنقباء وأن يوجد فيها أعضاء كالرعية وهي قسمان ماله اتصال بالرؤساء وإن لم يكن له اتصال خدمة وما لا اتصال له بهم بل هو مستقل بنفسه فالأعضاء إذا بهذا التقسيم أربعة أحدها الأعضاء الرئيسية المخدومة الثاني الأعضاء المرءوسة الخادمة الثالث الأعضاء المرؤوسة بلا خدمة الرابع الأعضاء التي ليست رئيسة ولا مرءوسة فصل والأعضاء الرئيسية إنما استحقت الرياسة لشرفها إذ كانت هي الأصول والمعادن والمبادئ للقوى الأولية في البدن المضطر إليها في بقاء الشخص والنوع وهي بحسب بقاء الشخص ثلاثة القلب والكبد والدماغ وبحسب بقاء النوع أربعة الثلاثة المذكورة والأنثيان(1\/390)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "390",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2780",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "وأما القلب فهو الذي جعله الخلاق العليم قائما بأمر البدن كقيام الملك بالرعية وهو أول عضو يتحرك في البدن وآخر عضو يسكن منه وهو مبدأ جميع الخلق وما يلحلقه من صلاح أو فساد يتأذى منه إلى غيره من الأعضاء وأما الكبد فهي العضو التي تقوم لحفظ الحياة إذ كانت هي التي تملأ الأعضاء بالغذاء ليبقى البدن محفوظا ما أمكن بقاؤه وأما الدماغ فهو العضو القائم بأمر الحس والإدراك وتكميل الحياة إذ فيه آلات الإحساس التي بها يعرف النافع من الضار الملائم من المنافر وبه صارت الحياة نافعة صالحة متجاوزة لزينة حياة النبات وأما الانثيان فهما اللذان يقومان لحفظ بقاء النوع فصل وأما الأعضاء الخادمة كالرئة والشرايين الحاملة المؤدية من القلب الحرارة الغريزية والقوى والأرواح الحيوانية التي بها قوام البدن فهذان خادما القلب والمعدة والأوردة خادمان للكبد والأوردة تنفذ الدم الغاذي والقوى إلى جميع البدن والكبد خادمة الدماغ وكذلك الأعصاب التي بها يحصل الحس والحركة(1\/391)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "391",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2781",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "والانثيان يخدمهما الأعضاء المؤدية للمنى والمجاري المؤدية عنهما إلى مواضع التوالد فصل وأما الأعضاء المرءوسة بلا خدمة فهي أعضاء مختصة بقوى لها طبيعة بها يتم تدبيرها ويستقيم أمرها ولا يدفع ذلك أنه يقبض عليها من الأعضاء الرئيسية قوى تمدها بإذن الله تعالى كالأذن والعين والأنف فإن كل واحد منها يقوم بأمر نفسه بما فيه من القوة الطبيعية التي أعطاها إياها الخالق سبحانه ولا يتم ذلك إلا بأن تأتيها قوة حساسة تنزل عليها من الدماغ بإذن الله تعالى فصل وأما الأعضاء التي ليست برئيسة ولا مرءوسة فهي التي اختصت بقوى غريزية فيها من أصل الخلقة في أول التكوين ليتم بها قوام أمرها وتدبيرها في جلب المنافع ودفع المضار كالعظام والغضاريف وسائر الأعضاء المتشابهة الأجزاء مثل الرباطات والأعصاب والأوتار والشرايين والأوردة والأغشية واللحم والعظام كالأساس والأسطوانات لبناء هيكل البدن فإن قيل هل في العظام قوة الإحساس وحياته أم لا قيل هذا موضع اختلف فيه أرباب الشريعة فيما بينهم وأرباب الطبيعة(1\/392)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "392",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2782",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيما بينهم فقالت طائفة لا حياة في العظام وإن كان فيها قوة النمو والاغتذاء قالوا إن الحياة إنما هي الروح الحيواني ولا حظ للعظام فيه قالوا ولأن مركب الحياة إنما هو الدم المنبث في العروق والأعصاب واللحم ولهذا لم يكن للشعر ولا للظفر نصيب من ذلك ولهذا لم يألم الإنسان يأخذه قالوا فحياة العظام والشعر حياة نمو واغتذاء وحياة أعضاء البدن حياة نمو وإحساس قالوا ولهذا قلنا إن العظام لا تنجس بالموت لأنها لم يكن فيها حياة تزول بالموت قالوا وزوال النمو لا يوجب نجاسة ما فارقه بدليل يبس الزرع والشجر قال آخرون الدليل على أن العظام تحلها الحياة قوله تعالى من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة والحس يدل على ذلك أيضا فإن العظم يألم ويضرب ويسكن وذلك نفس إحساسه قالوا ولا يمكن إنكار كون العظام فيها قوة حساسة تحس بالبارد والحار قال الآخرون الإحساس والألم ليس للعظم في نفسه وإنما هو لما جاوره من اللحم(1\/393)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "393",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2783",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "قال المنازعون لهم هذا مكابرة ظاهرة فإن العظم نفسه يألم ولا سيما إذا تصدع ثم إن الأسنان والأضراس تحس بالألم الحار والبارد بأنفسها لا بمجاورها من اللحم ولهذا توسطت طائفة ثالثة وقالت عظام الأسنان خاصة لها الإحساس بخلاف سائر العظام وهؤلاء قد سلموا المسألة من مكان قريب فإن الذي دل على إحساس الأسنان وحياتها هو الدال على حياة سائر العظام والشبهة التي ذكروها لو صحت لمنعت من إحساس الأسنان وأما حديث الطهارة والنجاسة فذاك لأمر آخر وراء الحياة من نجسها بالموت سوى بينها وبين اللحم ومن لم ينجسها وهو الراجح في الدليل فذاك لعدم علة التنجيس فيها وإن الموت ليس بعلة النجاسة وإنما هو دليل العلة وسببها والعلة هي احتقان الفضلات في اللحم والعظم بريء من ذلك والدليل على هذا أن الشارع لم يحكم بنجاسة الحيوان النامي الذي لا نفس له سائلة لعدم احتقان الفضلات فيه فلان لا يحكم بنجاسة العظم أولى وأحرى فإن الرطوبات التي في الذباب والعقرب والخنفساء أكثر من الرطوبات التي في العظم فصل والذي أحصاه المشرحون من العظام في البدن مائتان وثمانية(1\/394)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "394",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2784",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأربعون عظما سوى الصغار السمسميات التي أحكم بها مفاصل الأصابع والتي في الحنجرة وقد أخبر النبي أن الإنسان خلق من ثلاثمائة وستين مفصلا فإن كانت المفاصل هي العظام فقد اعترف جالينوس وغيره بأن في البدن عظاما صغارا لم تدخل تحت ضبطهم وإحصائهم وإن كان المراد بالمفاصل المواضع التي تنفصل بها الأعضاء بعضها عن بعض كما قال الجوهري وغيره المفصل واحد مفاصل الأعضاء فتلك أعم من العظام فتأمله وإن السلاميات المذكورة في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقه فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة الحديث فالسلامي العظم وجمعه سلاميات فهنا ثلاثة أمور أعضاء وعظام ومفاصل وجعل الله سبحانه العظام أصلب شيء في البدن لتكون أسا وعمدة في البدن إذ كانت الأعضاء كلها موضوعة على العظام حتى القلب كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى وهي حاملة للأعضاء والحامل أقوى من المحمول.(1\/395)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "395",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2785",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولتكون وقاية وجنة أيضا كالقحف فإنه وقاية الدماغ وعظام الصدر وقاية له وجعلت العظام كثيرة الفوائد ومنافع عديدة منها الحركة فإن الإنسان قد يحتاج إلى حركة بعض أجزائه دون بعض وقد يحتاج إلى حركة جزء من عضو ومنها أنه لو كان على عظم واحد لكان إذا أراد أن يتحرك تحرك بجملته ومنها أنه كان يتعذر عليه الصنائع والحل والربط ومنها أنه إذا أصابه آفة عمت جميع البدن فجعلت العظام كثيرة ليكون متى نال بعضها آفة لم تسر إلى غيره وقام غيره من العظام مقامه في تحصيل تلك المنفعة ومنها تعذر المنافع التي حصلت بسبب تعدد العظام ولولا كثرتها وتعددها لفاتت تلك المنافع ومنها أن من العظام مايحتاج البدن إلى كبيره ومنها ما يحتاج إلى صغيره ومنها ما يحتاج إلى مستطيلة ومنها ما يحتاج إلى مجوفه ومنها ما يحتاج إلى محنيه ومنها ما يحتاج إلى مستقيمه ولا يحصل ذلك إلا بتعدد العظام ومنها بديع الصنع وحسن التأليف والتركيب وغير ذلك من الفوائد ثم شد الخالق بعضها إلى بعض بالرباطات والأسر المحكم ثم كساها لحما حفظا لها ووقاية ثم كسى اللحم جلدا صونا له ولما كانت الفضلات تنقسم إلى لطيفة وغليظة جعل الله سبحانه(1\/396)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "396",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2786",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للغليظة منها مجارى تنجذب فيها إلى أسفل ويخرج منها خروجا ظاهرا للحس واما اللطيفة فهي الفضلات البخارية ولما كان من شأنها أن تصعد إلى فوق وتخرج عن البدن بالتحليل جعل في العظام العليا منها منافذ يتحلل منها البخار المتصاعد فلم تكن تلك المنافذ محسوسة لئلا يضعف صوان الدماغ وهو القحف بوصول الأجسام المؤذية إليه فجعل الدماغ مركبة من عظام كثيرة ووصل بعضها ببعض بوصل يقال لها الشئون ومنه قولهم فلان لم تجمع شئون رأسه ويشتمل الرأس بجملة أجزائه على تسعة وخمسين عظما وجعل القحف مستديرا تاما في مقدمه ومؤخره وجانبيه بمنزلة غطاء القدر وعظامه ستة وهي عظم اليافوخ وعظم الجبهة وعظم مؤخر الرأس والعظمان اللذان فيهما ثقبا السمع وفي كل واحد من الصدغين عظمان مصمتان وعظام اللحى الأعلى أربعة عشر عظما ستة منها في محاجز العينين وإثنان للأنف وإثنان تحت الأنف وهما المثقوبان إلى الفم وإثنان في الوجنتين وإثنان تحت الشفة العليا وأما العظم الشبيه بالوتد فهو واحد وهو كالقاعدة للرأس وعظام اللحى الأسفل إثنان وهما متصلان في وسط الذقن(1\/397)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "397",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2787",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "وبينهما بنيان ويتصلان من فوق باللحى الأعلى اتصالا مفصليا والأسنان إثنان وثلاثون في كل لحى ستة عشر أربع ثنيات وتليها الرباعيات وتليها النابان ويليهما الأضراس خمسة من هنا وخمسة من هنا والنواجذ أول الأضراس وهما ناجذان في كل ناحية ناجذ وربما نقصت النواجذ في بعض الأفراد وكان في كل جانب أربعة أضراس وقد سلم الله غذاء الإنسان إلى يده فتأخذه فتسلمه إلى شفتيه فتسلمه الشفتان إلى الأنياب والثنايا فتفصله ثم تسلمه إلى الأضراس فتسلمه وتطحنه ثم تسلمه إلى اللسان والفم فيعجنه ثم يسلمه إلى الحلقوم والمريء فيسلمه ويوصله إلى المعدة فتطبخه وتنضجه وتصلحه كما ينبغي ثم تسلمه إلى الكبد فيتسه منها ثم يرسل منه إلى كل عضو راتبه ومعلومه ثم تصب قربة الصفراء في المرارة السوداء في الطحال والثفل يخرجه عنها كما تقدم بيانه فصل والرأس يقال بالعموم على ما يقله العنق بجملته ويقال بالخصوص على الفروة وهي جلدة الرأس حيث منبت الشعر والجمجمة العظم الذي يحوي الدماغ وهي مؤلفة من سبع قطع متقابلة تسمى القبائل وتسمى مواضع التآليف شئونا ووسط الجمجمة(1\/398)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "398",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2788",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يسمى الهامة وحد الهامة من الجانبين قرن الرأس وحد الهامة من المقدم اليافوخ ومن المؤخر القمحدوة وهي ما يصيب الأرض من رأس المستلقي على ظهره ولها ثلاث حدود نقرة القفا والقذالان فنقرة القفا حدها من آخر الوسط والقذالان جانبا النقرة وقد تقدم تفصيل القبائل السبع وسنظهر الجمجمة عما يحيط بها السمحاق وسطها غشاوتان إحداهما تلي الجمجمة وهو أثخنهما وأصلبهما والآخر يكتنف الدماغ ويحيط به ويخالطه ويقال لكل منهما أم الدماغ ويسميان الأمان ومنة الآمة والمأمومة التي فيها ثلث الدية وهي الجراحة التي تبلغ أم الدماغ ويقال لها تجويف الدماغ وبطن وهي ثلاث بطون وبين بطني الدماغ اللذين في مؤخره ووسطه مجرى فيه قطعة من الدماغ مستطيلة شبيهة بالدودة ينسد ذلك المجرى وينفتح بها وتحت الدماغ سبلة مبسوطة مؤلفة من عروق ضوارب يتولد منها روح نفساني ينفذ إلى البطنين اللذين في مقدم الدماغ وفي الدماغ البركة والحوض والقمع والدودة والبطون والأغشية ومبادئ الأعصاب ويحتوي الدماغ على ثلاث خزائن نافذ بعضها إلى بعض وتسمى بطونا فالأولى في مقدمة تنقسم إلى قسمين والثانية في وسطه والثالثة في مؤخره وجوهر(1\/399)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "399",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2789",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدماغ مخي متزرد الشكل كأنه زرد مجموع والروح النفساني مثبت في خلل الزرد والدماغ مقسوم في طوله لنصفين متضامين والتنصيف في مقدم الدماغ أظهر والغشاءان يدخلان في فصول الدماغ وتزريده والصلب منهما يدخل بطونا بين جزءي البطن المقدم فيحجز بينهما وتحته مصفى كالبركة تسمى المعصرة تصب في العروق الدم المنضج وتنبعث في جداول تسقي البطن المقدم وتجتمع إلى عرقين كبيرين يحملان الدم إلى البطن الأوسط والمؤخر والبطن الأوسط كدهليز ومنفذ بين المقدم والمؤخر وسقفه معقود كالأزج والدماغ موضوع طولا على زائدتين متقاربتين فيتماسان ويتباعدان إلى الإنفراج فيفتح الدهليز ويتراءى البطنان المقدم والمؤخر والجزء المؤخر أخفى تدويرا من المقدم وأصغر زردا وهو كرى الإستطالة ويستدق على التدريج حتى يسيل منه النخاع كالجدول من العين وفي الدماغ مجريان أحدهما في آخر المقدم والمؤخر في الأوسط لدفع فضوله ويجتمعان عند منفذ واحد عميق أولهما في الغشاء الرقيق والآخر في الغشاء الصلب يأخذ إلى ضيق كالقمع ولما كان الدماغ مبدأ حركات البدن إلى إرادته ولم يكن به حاجة إلى الحركة القوية فحوط عليه بسور من عظام بخلاف المعدة والكبد والرحم وسائر آلات الغذاء فإنها لما احتاجت إلى أن تتسع وتمتلئ بالغذاء فتحمل مرة بعد أخرى وأن تعصر الفضول فتخرجها(1\/400)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "400",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2790",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "والعظم يمنع من ذلك ويكتفي فيه الفصل وحده فأحيط عليه بسور من عظم وأما الصدر فإنه لما احتاج إلى الوثاقة بالعظام وإلى الحركة بالفصل ألف الصدر منهما وكان البطن أوسع من الصدر لما يحل بها من آلات الغذاء والتنفس والطحال والمريء وغيرها فصل فاستقبل الآن النظر في نفسك وانظر إلى المبدأ الأول وهو النطفة التي هي قطرة مهينة ضعيفة لو تركت ساعة لبطلت وفسدت كيف أخرجها رب الأرباب من بين الصلب والترائب وكيف أوقع المحبة والألفة بين الذكور والإناث ثم قادهما بسلسلة المحبة والشهوة إلى الإجتماع ثم استخرج النطفة من الذكر بحركة الوقاع من أعماق العروق وجمعها في الرحم في قرارمكين لا تناله يد ولا تطلع عليه شمس ولا يصيبه هواء ثم صرف تلك النطفة طورا بعد طور وطبقا بعد طبق وغذاها بماء الحيض وكيف جعل سبحانه النطفة وهي بيضاء مشرقة علقة حمراء ثم جعلها مضغة ثم قسم أجزاء المضغة إلى العظام والأعصاب والعروق والأوتار واللحم في داخل الرحم في الظلمات الثلاث ولو كشف لك الغطاء لرأيت التخطيط والتصوير يظهر في تلك النطفة(1\/401)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "401",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2791",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شيئا بعد شيء من غير أن ترى المصور ولا آلته ولا قلمه فهل رأيت مصورا لا تحس آلته ولا تلاقيها ثم تأمل هذه القبة العظيمة التي قد ركبت على المنكبين وما أودع فيها من العجائب وما ركب فيها من الخزائن وما أودع في تلك الخزائن من المنافع وما اشتملت علي هذه القبة من العظام المختلفة الأشكال والصفات والمنافع ومن الرطوبات والأعصاب والطرق والمجاري والدماغ والمنافذ والقوى الباطنة من الذكر والفكر والتخيل وقوة الحفظ ففيه القوة المفكرة والذاكرة والمخيلة والحافظة وهذه القوى مودعة في خزانتها مسخرة لمصالحها يستعملها ويستخدمها كيف أراد فتأمل كيف دور سبحانه الرأس وشق سمعه وبصره وأنفه وفمه وكيف ركب كرته في بطن الأم من ثلاثة وعشرين عظما وخلق تلك العظام على كيفيات مختلفة وتأمل كيف انقلبت تلك النطفة اللينة الضعيفة إلى العظام الصلبة الشديدة ثم تأمل كيف قدر سبحانه كل واحد من تلك العظام بشكل مخصوص بحيث حصل من مجموعها ما لو كان على خلافه لبطلت المنفعة وفات الغرض ثم ركب بعضها مع بعض بحيث حصل من مجموعها كرة الرأس على هذه الخلقة المخصوصة ولما كان الرأس أشرف الأعضاء الإنسانية وأجمعها للقوى(1\/402)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "402",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2792",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمنافع والآلات والخزائن اقتضت العناية الإلهية بأن صين بأنواع من الصيانات وذلك أن الدماغ يحيطه غشاء رقيق وفوق ذلك الغشاء غشاء آخر يقال له السمحاق ثم فوق ذلك الغشاء طبقة لحمية وفوق تلك الطبقة اللحمية الجلد ثم فوق الجلد الشعر فخلق سبحانه فوق دماغك سبع طبقات كما خلق فوق الأرض سبع سموات طباقا والمقصود من تخليقها الإحتياط في صون الدماغ من الآفات والدماغ من الرأس بمنزلة القلب من البدن وهو سبحانه قسمه في طوله ثلاثة أقسام وجعل القسم المقدم محل الحفظ التخيل والبطن الأوسط محل التأمل والتفكر والبطن الأخير محل التذكر الاسترجاع لما كان قد نسيه ولكل واحدة من هذه الأمور الثلاثة أمر مهم للإنسان لا بد له منه وأنه محتاج إلى التفهم والتفهيم ولو لم يكن حافظا لمعاني التصورات وصورها بعد غيبتها لكان إذا سمع كلمة وفهمها شذت عنه عند مجيء الأخرى فلم يحصل المقصود من الفهم والإفهام فجعل له ربه وفاطره خزانة تحفظ له صور المعلومات حتى تجتمع له وتسمى القوة التي فيها القوة الحافظة ولا تتم مصلحة الإنسان إلا بها فإنه إذا رأى شيئا ثم غاب عنه ثم رآه مرة أخرى عرف أن هذا الذي رآه الآن هو الذي رآه قبل ذلك لأنه في المرة الأولى ثبتت صورته في الحافظة ثم تتوارى عنه بالحجاب فلما رآه مرة ثانية صارت هذه الصورة المحسوسة مطابقة للصورة المعنوية التي في الذهن فحصل الجزم(1\/403)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "403",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2793",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأن هذا ذاك ولولا القوة الحافظة لما حصل ذلك ولما عرف أحدا أحدا بعد غيبته عنه ولذلك إذا طالت الغيبة جدا وانمحت تلك الصورة الأولى من الذهن بالكلية لم يحصل له العلم بأن هذا هو الذي رآه أولا إلا بعد تفكر وتأمل وقد قال قوم إن محل هذه الصور النفس وقال قوم محلها القلب وقال قوم محلها العقل ولكل فريق منهم حجج وأدلة وكل منهم أدرك شيئا وغاب عنه شيء إذ الإدراك المذكور مفتقر إلى مجموع ذلك لا يتم إلا به والتحقيق أن منشأ ذلك ومبدأه من القلب ونهايته ومستقره في الرأس وهي المسألة التي اختلف فيها الفقهاء هل العقل في القلب أو في الدماغ على قولين حكيا روايتين عن الإمام أحمد والتحقيق أن أصله ومادته من القلب وينتهي إلى الدماغ قال تعالى أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فجعل العقل في القلب كما جعل السمع بالأذن والبصر بالعين وقال تعالى إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب قال غير واحد من السلف لمن كان له عقل واحتج آخرون بأن الرجل يضرب في رأسه فيزول عقله ولولا أن العقل في الرأس لما زال فإن السمع والبصر لا يزولان بضرب اليد أو الرجل ولا غيرهما من الأعضاء لعدم تعلقهما بهما(1\/404)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "404",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2794",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأجاب أرباب القلب عن هذا بأنه لا يمتنع زواله بفساد الدماغ وإن كان في القلب لما بين القلب والرأس من الارتباط وهذا كما لا يمتنع نبات شعر اللحية بقطع الأنثيين وفساد القوة بفساد العضو قد يكون لأنه محلها وارتباطه بها والله أعلم وعلى كل تقدير فذلك من أعظم آيات الله وأدلته وقدرته وحكمته كيف ترتسم صورة السموات والأرض والبحار والشمس والقمر والأقاليم والممالك والأمم في هذا المحل الصغير والإنسان يحفظ كتبا كثيرة جدا وعلوما شتى متعددة وصنائع مختلفة فترتسم كلها في هذا الجزء الصغير من غير أن يختلط بعض هذه الصور ببعض بل كل صورة منهن بنفسها محصلة في هذا المحل وأنت لو ذهبت تنقش صورا وأشكالا كثيرة في محل صغير لاختلط بعضها ببعض وطمس بعضها بعضا وهذا الجزء الصغير تنقش فيه الصور الكثيرة المختلفة والمتضادة ولا يبطل منها صورة صورة ومن أعجب الأشياء أن هذه القوة العاقلة تقبل ما تؤديه إليها الحواس فتجتمع فيها ثم تعيد كل حاسة منها فائدة الحاسة الأخرى مثاله أنك ترى الشخص فتعلم أنه فلان وتسمع صوته فتعلم أنه هو وتلمس الشيء فتعرفه وتشمه فتعرف أنه هو ثم تستدل بما تسمعه من صوته على أنه هو الذي رأيته فيغنيك سماع صوته عن رؤيته ويقوم لك مقام مشاهدته ولهذا جوز أكثر الفقهاء شهادة الأعمى وبيعه وشراءه وأجمعوا على جواز وطئه امرأته وهو(1\/405)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "405",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2795",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يرها قط اعتمادا منه على الصوت بل لو كانت خرساء أيضا وهو أطرش جاز له الوطء وقد جعل الله سبحانه بين السمع والبصر والفؤاد علاقة وارتباطا ونفوذا يقوم به بعضها مقام بعض ولهذا يقرن سبحانه بينهما كثيرا في كتابه كقوله إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا وقوله تعالى وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة وقوله لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها وهذا من عناية الخالق سبحانه بكمال هذه الصورة البشرية لتقوم كل حاسة منها مقام الحاسة الأخرى وتفيد فائدتها في الجملة لا في كل شيء ثم أودع سبحانه قوة التفكر وأمره باستعمالها فيما يجدي عليه النفع في الدنيا والآخرة فركب القوة المفكرة من شيئين من الأشياء الحاضرة عند القوة الحافظة تركيبا خاصا فيتولد من بين هذين الشيئين شيء ثالث جديد لم يكن للعقل شعور به كانت مواده عنده لكن بسبب التركيب حصل له الأمر الثالث ومن ههنا حصل استخراج الصنائع والحرف والعلوم وبناء المدن والمساكن وامور الزراعة والفلاحة وغير ذلك فلما استخرجت القوة المفكرة ذلك واستحسنته سلمته إلى القوة الإرادية العلمية فنقلته من ديوان الأذهان إلى ديوان الأعيان فكان أمرا ذهنيا ثم صار وجوديا خارجيا ولولا الفكرة لما اهتدى الإنسان إلى تحصيل المصالح ودفع المفاسد وذلك من(1\/406)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "406",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2796",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "أعظم النعم وتمام العناية الإلهية ولهذا لما فقد البهائم والمجانين ونحوهم هذه القوة لم يتمكنوا مما تمكن منه أرباب الفكر ولما كان استخراج المطلوب بهذه الطريق يتضمن فكرا وتقديرا فيفكر في استخراج المادة أولا ثم يقدرها ويفصلها ثانيا كما يصنع الخياط يحصل الثوب ثم يقدره ويفصله ثانيا قال تعالى عن التوحيد ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا سأرهقه صعودا إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر فكرر سبحانه التقدير دون التفكير وذمه عليه دونه وهذا منزل على مقتضى حال سواء فانه بالفكر طالب لاستخراج المجهول وذلك غير مذموم فلما استخراجه قدر له تقديرين تقديرا كليا وتقديرا جزئيا فالتقدير الكلي أن الساحر هو الذي يفرق بين المرء وزوجه والتقدير الجزئي أن الذي يفرق بين المرء وزوجه مذموم فههنا تقدير بعد تقدير فلهذا كرره سبحانه وذمه عليه وأما التفكير فإن الفكر طالب لمعرفة الشيء فلا يذم بخلاف من قدر بعد تفكيره ما يوصله إلى تحقيق الباطل وإبطال الحق فتأمله فصل ثم انزل إلى العين وتأمل عجائبها وشكلها وخلقها وإيداع النور الباصر فيها وتركيبها من عشر طبقات وثلاث رطوبات. ولكل واحد(1\/407)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "407",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2797",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من هذه الطبقات والرطوبات شكل مخصوص ومقدار مخصوص لو لم يكن عليه لاختلت المصلحة المقصودة وجعل سبحانه موضع الأبصار في قدر العدسة ثم اظهر في تلك العدسة قدر السماء والأرض والجبال والبحار والشمس والقمر فانظر كيف اتسعت تلك العدسة أن يرتسم فيها مالا نسبة لها إليه ألبتة وجعل تلك القوة الباصرة في جزء أسود فتأمل كيف قام الباصر بهذا الجزء الأسود وجعل سبحانه الحدقة مصونة بالأجفان لتسترها وتحفظها وتصقلها وتدفع الأقذاء عنها وجعل شعر الأجفان أسود ليكون سواده سببا لاجتماع النور الذي به الأبصار ويكون مانعا من تفرقه ويكون أبلغ في الحسن والجمال وخلق سبحانه لتحرك الحدقة أربعة وعشرين عضلة لو نقصت واحدة منهن لاختل أمر العين ولما كانت العين شبيهة بالمرآة التي إنما ينتفع بها إذا كانت في غاية الصقالة والصفاء جعل سبحانه الأجفان متحركة إلى الانفتاح والأطباق أبدا باختيار الانسان وغير اختياره لتبقى الحدقة نقية صافية عن جميع الكدورات وجعل العينين بمنزلة المرآتين الصقيلتين اللتين تنطبع فيهما صور الأشياء الخارجة فيتأثر القلب ثم يظهر ما فيه عليهما فيتأثران به فهما مرآة لما في القلب يظهر فيهما ومرآة لما في الخارج تنطبع صورته فيهما فالعينان على القلب كالزجاجتين الموضوعتين في المرآة ولذلك يستدل بأحوال العين على أحوال القلب(1\/408)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "408",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2798",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "من رضاه وغضبه وحبه وبغضه ونفرته ومن أعجب الأشياء أن العين من ألطف أعضاء البدن وبغضه ونفرته ومن أعجب الأشياء أن العين من ألطف أعضاء البدن وهي لا تتأثر بالحر والبرد تأثر غيرها من الأعضاء الكثيفة ولو كان الأمر عائدا إلى مجرد الطبيعة لكان ينبغي أن يكون الأمر بالعكس لأن الألطف أسرع تاثرا فعلم أن حصول هذه المصالح ليس هو بمجرد الطبع فصل ثم اعدل إلى الأذنين وتأمل شقهما وخلقهما وإيداع الرطوبة فيهما ليكونا عونا على إدراك السمع وجعلهما مرة لتمتنع الهوام عن الدخول في الأذن وحوطهما سبحانه بصدفتين يجمعان الصوت ويؤديانه إلى الصماخ وجعل في الصدفتين تعريجات لتطول المسافة فتنكسر حدة الصوت ولا تلج الهوام دفعة بل تكثر حركاتها فينتبه لها فيخرجها وجعل العينين مقدمتين والأذنين مؤخرتين لأن العينين بمنزلة الطليعة والكاشف والرائد الذي يتقدم القوم ليكشف لهم وبمنزلة السراج الذي يضيء للسالك ما أمامه وأما الأذنان فيدركان المعاني الغائبة التي ترد على العبد من أمامه ومن خلقه وعن جانبيه فكان جعلهما في الجانبين أعدل الأمور فسبحان من بهرت حكمته العقول وجعل للعينين غطاء لأن مدرك الأذن الأصوات ولا بقاء لها فلو جعل عليهما غطاء لزال الصوت قبل ارتفاع الغطاء فزالت المنفعة(1\/409)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "409",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2799",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "المقصودة وأما مدرك العين فأمر ثابت والعين محتاجة إلى غطاء يقيها وحصول الغطاء لا يؤثر في الإدراك وقال بعض أهل العلم عينا الانسان هاديان وأذناه رسولان إلى قلبه ولسانه ترجمان ويداه جناحان ورجلاه بريدان والقلب ملك فإذا طاب الملك طابت جنوده وإذا خبث خبثت جنوده فصل ثم انزل إلى الأنف وتأمل شكله وخلقته وكيف رفعه سبحانه في وسط الوجنة بأحسن شكل وفتح فيه بابين وأودع فيهما حاسة الشم وجعله آلة لاستنشاق الهواء وإدراك الروائح على اختلافها فيستنشق بهما الهواء البارد والطيب فيستغنى بالمنخرين عن فتح الفم أبدا ولولاهما لاحتاج إلى فتح فيه دائما وجعل سبحانه تجويفه واسعا لينحصر فيه الهواء وينكسر برده قبل الوصول إلى الدماغ فإن الهواء المستنشق ينقسم قسمين شطرا منه وهو أكثره ينفذ إلى الرئة وشطرا ينفذ إلى الدماغ ولذلك يضر المزكوم استنشاق الهواء البارد وجعل في الأنف أيضا إعانة على تقطيع الحروف وجعل بين المنخرين حاجزا وذلك أبلغ في حصول المنفعة المقصودة حتى كأنهما أنفان بمنزلة العينين والأذنين واليدين والرجلين وقد يصيب أحد المنخرين آفة فيبقى الآخر سالما وجعل تجويفه نازلا إلى أسفل ليكون مصبا للفضلات النازلة(1\/410)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "410",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2800",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "من الدماغ وستره بساتر أبدي لئلا تبدو تلك الفضلات في عين الرائي تأمل منفعة النفس الذي لو قطع عن الانسان لهلك وهو أربعة وعشرون ألف نفس في اليوم والليلة قسط كل ساعة ألف نفس وتأمل كيف يدخل الهواء في المنخرين فينكسر برده هناك ثم يصل إلى الحلقوم فيعتدل مزاجه ثم يصل إلى الرئة فيصفي فيها من الغلظ والكدرة ثم يصل إلى القلب أصفى ما كان وأعدله فيروح عنه ثم ينفذ منه إلى العروق المتحركة ويتقدم إلى أقاصي أطراف البدن ثم إلى الرئة ثم إذا سخن جدا وخرج عن حد الانتفاع به عاد عن تلك الأقاصي إلى البدن ثم إلى الرئة ثم إلى الحلقوم ثم إلى المنخرين ثم يخرج ويعود مثله وهكذا أبدا فمجموع ذلك هو النفس الواحد وقد أحصى الرب عدد هذه الأنفس وجعل مقابل كل نفس منها ما شاء الله من الأحقاب في الجحيم أو في النعيم فما أسفه من أضاع ما هذا قيمته في غير شيء فصل وهو سبحانه جعل القلب أمير البدن ومعدنا للحرارة الغريزية فإذا استنشق الهواء البارد وصل إلى القلب واعتدلت حرارته فيبقى هناك مدة فلما سخن واحتراق واحتاج إلى إخراجه ودفعه منه لم يضيع أحكم الحاكمين ذلك النفس ويخرجه بغير فائدة بل جعل(1\/411)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "411",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2801",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "إخراجه سببا لحدوث الصوت ثم جعل سبحانه في الحنجرة واللسان والحنك باختلافهما الصوت فيحدث الحرف ثم ألهم الإنسان أن يركب ذلك الحرف إلى مثله ونظيره فيحدث الكلمة ثم ألهمه تركيب تلك الكلمة إلى مثلها فيحدث الكلام فتأمل هذه الحكمة الباهرة في إيصال النفس إلى القلب لحفظ حياته ثم عند الحاجة إلى إخراجه والاستغناء عنه جعله سببا لهذه المنفعة العظيمة فتبارك الله أحسن الخالقين وخلق سبحانه هذه المقاطع والحناجر مختلفة الأشكال فكما أنه لا تتشابه صورتان كذلك لا يتشابه صوتان من كل وجه بل كما يحصل الامتياز بين الأشخاص بالقوة الباصرة فكذلك يحصل بالقوة السامعة فيحصل الامتياز للأعمى والبصير فصل ثم انزل إلى الصدر تر معدن العلم والحلم والوقار والسكينة والبر وأضدادها فتجد صدور العلية تعلو بالبر والخير والعلم والاحسان وصدور السفلة تغلي بالفجور والشرور والإساءة والحسد والمكر ثم انفذ من ساحة الصدر إلى مشاهدة القلب تجد ملكا عظيما جالسا على سرير مملكته يأمر وينهى ويولى ويعزل وقد حف به الأمراء والوزراء والجند كلهم في خدمته إن استقام استقاموا(1\/412)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "412",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2802",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن زاغ زاغوا وإن صح صحوا وإن فسد فسدوا فعليه المعول وهو محل نظر الرب تعالى ومحل معرفته ومحبته وخشيته والتوكل عليه والإنابة إليه والرضى به وعنه والعبودية عليه أولا وعلى رعيته وجنده تبعا فأشرف ما في الإنسان قلبه فهو العالم بالله الساعي إليه المحب له وهو محل الإيمان والعرفان وهو المخاطب المبعوث إليه الرسل المخصوص بأشرف العطايا من الإيمان والعقل وإنما الجوارح أتباع للقلب يستخدمها استخدام الملوك للعبيد والراعي للرعية والذي يسري إلى الجوارح من الطاعات والمعاصي إنما هي آثاره فإن أظلم أظلمت الجوارح وإن استنار استنارت ومع هذا فهو بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل فسبحان مقلب القلوب ومودعها ما يشاء من أسرار الغيوب الذي يحول بين المرء وقلبه ويعلم ما ينطوي عليه من طاعته ودينه مصرف القلوب كيف أراد وحيث اراد أوحى إلى قلوب الأولياء أن أقبلي إلي فبادرت وقامت بين يدي رب العالمين وكره عز وجل انبعاث آخرين فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين كانت اكثر يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;لا ومقلب القلوبquot; وكان من دعائه quot;اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتكquot; قال بعض السلف القلب أشد تقلبا من القدر إذا استجمعت(1\/413)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "413",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2803",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غليانها وقال آخر القلب أشد تقلبا من الريشة بأرض فلاة في يوم ريح عاصف ويطلق القلب على معنيين أحدهما أمر حسي وهو العضو اللحمي الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر وفي باطنه تجويف وفي التجويف دم أسود وهو منبع الروح والثاني أمر معنوي وهو لطيفة ربانية رحمانية روحانية لها بهذا العضو تعلق واختصاص وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسانية وللقلب جندان جند يرى بالأبصار وجند يرى بالبصائر فأما جنده المشاهد فالأعضاء الظاهرة والباطنة وقد خلقت خادمة له لا تستطيع له خلافا فإذا امر العين بالانفتاح انفتحت وإذا أمر اللسان بالكلام تكلم وإذا امر اليد بالبطش بطشت وإذا أمر الرجل بالسعي سعت وكذا جميع الأعضاء ذلك له تذليلا ولما خلق القلب للسفر إلى الله والدار الآخرة وحصل في هذا العالم ليتزود منه افتقر إلى المركب والزاد لسفره الذي خلق لأجله فأعين بالأعضاء والقوى وسخرت له وأقيمت له في خدمته لتجلب له ما يوافقه من الغذاء والمنافع ويدفع عنه ما يضره ويهلكه فافتقر إلى جندين باطن وهو الإرادة والشهوة والقوى وظاهر وهو الأعضاء فخلق في القلب من الإرادات والشهوات ما احتاج إليه وخلقت له الأعضاء التي هي آلة الإرادة واحتاج في دفع المضار إلى جندين باطن وهو الغضب الذي يدفع المهلكات(1\/414)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "414",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2804",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وينتقم به من الأعداء وظاهر وهو الأعضاء التي ينفذ بها غضبه كالأسلحة للقتال ولا يتم ذلك إلا بمعرفته ما يجلب وما يدفع فأعين الجند من العلم بما يكشف له حقائق ما ينفعه وما يضره ولما سلطت عليه الشهوة والغضب والشيطان أعين بجند من الملائكة وجعل له محل من الحلال ينفذ فيه شهواته وجعل بإزائه أعداء له ينفذ فيهن غضبه فما ابتلى بصفة من الصفات إلا وجعل لها مصرفا ومحلا ينفذها فيه فجعل لقوة الحسد فيه مصرفا وهو المنافسة في فعل الخير والغبطة عليه والمسابقة إليه ولقوة الكبر مصرفا وهو التكبر على أعداء الله تعالى وإهانتهم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن رآه يختال بين الصفين في الحرب quot;إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطنquot; وقد أمر الله سبحانه بالغلظة على اعدائه وجعل لقوة الحرص مصرفا وهو الحرص على ما ينفع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم quot;احرص على ما ينفعكquot; ولقوة الشهوة مصرفا وهو التزوج بأربع والتسري بما شاء ولقوة حب المال مصرفا وهو إنفاقه في مرضاته تعالى والتزود منه لمعاده فمحبة المال على هذا الوجه لا تذم ولمحبة الجاه مصرفا وهو استعماله في تنفيذ أوامره وإقامة دينه ونصر المظلوم وإغاثة الملهوف وإعانة الضعيف وقمع أعداء الله فمحبة الرياسة والجاه على هذا الوجه عبادة وجعل لقوة اللعب واللهو مصرفا وهو لهوه مع امرأته أو بقوسه(1\/415)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "415",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2805",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "وسهمه أو تأديبه فرسه وكل ما أعان على الحق وجعل القوة التحيل والمكر فيه مصرفا وهو التحيل على عدوه وعدو الله تعالى بأنواع التحيل حتى يراغمه ويرده خاسئا ويستعمل معه من أنواع المكر ما يستعمله عدوه معه وهكذا جميع القوى التي ركبت فيه جعل لها مصرفا وقد ركبها الله فيه لمصالح اقتضتها حكمته ولا يطلب تعطيلها وإنما تصرف مجاريها من محل إلى محل ومن موضع إلى موضع ومن تأمل هذا الموضع وتفقه فيه علم شدة الحاجة إليه وعظم الانتفاع به فصل وجماع الطرق والأبواب التي يصان منها القلب وجنوده أربعة فمن ضبطها وعدلها وأصلح مجاربها وصرفها في محالها اللائقة بها استفاد منها قلبه وجوارحه ولم يشمت به عدوه وهي الحرص والشهوة والغضب والحسد فهذه الأربعة هي أصول مجامع طرق الشر والخير وكما هي طرق إلى العذاب السرمدي فهي طرق إلى النعيم الأبدي فآدم أبو البشر أخرج من الجنة بالحرص ثم أدخل إليها بالحرص ولكن فرق بين حرصه الأول وحرصه الثاني وأبو الجن أخرج منها بالحسد ثم لو يوفق لمنافسة وحسد يعيده إليها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;لا حسد(1\/416)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "416",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2806",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا وسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهارquot; وأما الغضب فهو غول العقل يغتاله كما يغتال الذئب الشاة وأعظم ما يفترسه الشيطان عند غضبه وشهوته وإذا كان حرصه إنما هو على ما ينفعه وحسده منافسة في الخير وغضبه لله على أعدائه وشهوته مستعملة فيما أبيح له وعونا له على ما أمر به لم تضره هذه الأربعة بل انتفع بها أعظم الانتفاع فصل وإذا تأملت حال القلب مع الملك والشيطان رأيت أعجب العجائب فهذا يلم به مرة وهذا يلم به مرة فإذا ألم به الملك حدث من لمته الانفساح والانشراح والنور والرحمة والاخلاص والانابة ومحبة الله وإيثاره على ما سواه وقصر الأمل والتجافي عن دار البلاء والامتحان والغرور فلو دامت له تلك الحالة لكان في أهنأ عيش وألذه وأطيبه ولكن تأتيه لمة الشيطان فتحدث له من الضيق والظلمة والهم والغم والخوف والسخط على المقدور والشك في الحق والحرص على الدنيا(1\/417)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "417",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2807",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "وعاجلها والغفلة عن الله ما هو من أعظم عذاب القلب ثم للناس في هذه المحنة مراتب لا يحصيها إلا الله فمنهم من تكون لمة الملك أغلب من لمة الشيطان وأقوى فإذا ألم به الشيطان وجد من الألم والضيق والحصر وسوء الحال بحسب ما عنده من حياة القلب فيبادر إلى طرد تلك الملة ولا يدعها تستحكم فيصعب تداركها فهو دائما في حرب بين اللمتين يدال له مرة ويدال عليه مرة أخرى والعاقبة للتقوى ومنهم من تكون لمة الشيطان أغلب عليه وأقوى فلا تزال تغلب لمة الملك حتى تستحكم ويصير الحكم لها فيموت القلب ولا يحس ما ناله الشيطان به مع أنه في غاية العذاب والضيق والحصر ولكن سكر الشهوة والغفلة حجب عنه الإحساس بذلك الألم فإذا كشف أمكنه تداركه بالدواء وحسمه وإن عاد الغطاء عاد الأمر كما كان حتى ينكشف عنه وقت المفارقة للدنيا فتظهر حينئذ تلك الآلام والهموم والغموم والأحزان وهي لم تتجدد له وإنما كانت كامنة تواريها الشواغل فلما زالت الشواغل ظهر ما كان كامنا وتجدد له أضعافه فصل والشيطان يلم بالقلب لما كان هناك من جواذب تجذبه وهي نوعان صفات وإرادات فإذا كانت الجواذب صفات قوى(1\/418)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "418",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2808",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سلطانه هناك واستفحل أمره ووجد موطئا ومقرا فتأتي الأذكار والدعوات والتعوذات كحديث النفس لا تدفع سلطان الشيطان لأن مركبه صفة لازمة فإذا قلع العبد تلك الصفات وعمل على التطهر منها والاغتسال بقي الشيطان بالقلب خطرات ووساوس ولمات من غير استقرار وذلك يضعفه ويقوي لمة الملك فتأتي الاذكار والدعوات والتعوذات فتدفعه بأسهل شيء وإذا أردت لذلك مثالا مطابقا فمثله مثل كلب جائع شديد الجوع وبينك وبينه لحم أو خبز وهو يتأملك ويراك لا تقاومه وهو أقرب منك فأنت تزجره وتصيح عليه وهو يأبى إلا التحوم عليك والغارة على ما بين يديك فالأذكار بمنزلة الصياح عليه والزجر له ولكن معلومه ومراده عندك وقد قربته عليك فإذا لم يكن بين يديك شيء يصلح له وقد تأملك فرآك أقوى منه فإنك تزجره وتصيح عليه فيذهب وكذلك القلب الخالي عن قوة الشيطان ينزجر بمجرد الذكر وأما القلب الذي فيه تلك الصفات التي هي مركبه وموطنه فيقع الذكر في حواشيه وجوانبه ولا يقوى على إخراج العدو منه ومصداق ذلك تجده في الصلاة فتأمل في الحال وانظر هل تخرج الصلاة بأذكارها وقراءتها الشيطان من قلبك وتفرغه كله لله تعالى بكليته وتقيمه بين يدي ربه مقبلا بكليته عليه يصلي لله تعالى كأنه(1\/419)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "419",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2809",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "يراه قد اجتمع همه كله على الله وصار ذكره ومراقبته ومحبته والأنس به في محل الخواطر والوساوس أم لا والله المستعان وههنا نكتة ينبغي التفطن لها وهي أن القلوب الممتلئة بالأخلاط الرديئة فالعبادات والأذكار والتعوذات أدوية لتلك الأخلاط كما يثير الدواء أخلاط البدن فإن لم يكن قبل الدواء وبعده حمية لم يزد الدواء على إثارته وإن أزال منه شيئا ما فمدار الأمر على على شيئين الحمية واستعمال الأدوية فصل وأول ما يطرق القلب الخطرة فإن دفعها استراح مما بعدها وإن لم يدفعها قويت فصارت وسوسة فكان دفعها أصعب فإن بادر ودفعها وإلا قويت وصارت شهوة فإن عالجها وإلا صارت إرادة فإن عالجها وإلا صارت عزيمة ومتى وصلت إلى هذه الحال لم يمكن دفعها واقترن بها الفعل ولا بد وما يقدر عليه مرة بدون مقدماته وحينئذ ينتقل العلاج إلى أقوى الأدوية وهو الاستفراغ التام بالتوبة النصوح ولا ريب أن دفع مبادئ هذا الداء من أوله أيسر وأهون من استفراغه بعد حصوله إن ساعد القدر وأعان التوفيق وإن الدفع أولى به وإن تألمت النفس بمفارقة المحبوب فليوازن بين فوات هذا المحبوب الأخس المنقطع النكد المشوب بالآلام والهموم وبين فوات المحبوب الأعظم الدائم الذي لا نسبة(1\/420)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "420",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2810",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "لهذا المحبوب إليه ألبتة لا في قدره ولا في بقائه وليوازن بين ألم فوته وبين ألم فوت المحبوب الأخس وليوازن بين لذة الانابة والاقبال على الله تعالى والتنعم بحبه وذكره وطاعته ولذة الاقبال على الرذائل والاتيان بالقبائح وليوازن بين لذة الظفر بالذنب ولذة الظفر بالعدو وبين لذة الذنب ولذة العفة ولذة الذنب ولذة القوة وقهر العدو وبين لذة الذنب ولذة إرغام عدوه ورده خاسئا ذليلا وبين لذة الذنب ولذة الطاعة التي تحول بينه وبين مراده وبين فوت مراده وفوت ثناء الله تعالى وملائكته عليه وفوت حسن جزائه وجزيل ثوابه وبين فرحة إدراكه وفرحة تركه لله تعالى عاجلا وفرحة ما يثنيه عليه في دنياه وآخرته والله المستعان وهذا فصل جره الكلام في قوله تعالى وفي أنفسكم أفلا تبصرون أشرنا إليه إشارة ولو استقصيناه لاستدعى عدة أسفار ولكن فيما ذكرناه تنبيه على ما تركناه وبالله التوفيق فصل ولنرجع إلى المقصود ثم قال الله تعالى وفي السماء رزقكم وما توعدون أما الرزق ففسر بالمطر وفسر بالجنة وفسر برزق الدنيا والآخرة ولا ريب أن المطر من الرحمة وأن الجنة مستقر الرحمة فرزق الدارين في السماء التي هي في العلو وقوله تعالى:(1\/421)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "421",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2811",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "وما توعدون قال عطاء رضي الله عنه من الثواب والعقاب وقال الكلبي من الخير والشر وقال مجاهد من الجنة والنار وقال ابن سيرين من أمر الساعة قلت كون الجنة والخير في السماء فلا إشكال فيه وكون النار في السماء وما يوعد به اهلها يحتاج إلى تبيين فإذا نظرت إلى أسباب الخير والشر وأسباب دخول الجنة والنار وافتراق الناس وانقسامهم إلى شقي وسعيد وجدت ذلك كله بقضاء الله وقدره النازل من السماء وذلك كله مثبت في السماء في صحف الملائكة وفي اللوح المحفوظ قبل العمل وبعده فالأمر كله من السماء وقول من قال من أمر الساعة يكشف عن هذا المعنى فإن أمر الساعة يأتي من السماء وهو الموعود بها فالجنة والنار الغاية التي لأجلها قامت الساعة فصح كل ما قال السلف في ذلك والله أعلم فصل ثم أقسم سبحانه أعظم قسم بأعظم مقسم به على أجل مقسم عليه وأكد الأخبار بهذا القسم ثم أكد بتشبيهه بالأمر المحقق الذي لا يشك فيه ذو حاسة سليمة فقال فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون قال ابن عباس رضي الله عنهما يريد إنه لحق واقع كما أنكم تنطقون وقال الفراء إنه لحق كما ان(1\/422)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "422",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2812",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الآدمي ناطق وقال الزجاج هذا كما تقول في الكلام إن هذا لحق كما انك ههنا قلت وفي الحديث إنه لحق كما أنك ههنا فشبه سبحانه تحقيق ما أخبر به بتحقيق نطق الآدمي ووجوده والواحد منا يعرف أنه ناطق ضرورة ولا يحتاج نطقه إلى الاستدلال على وجوده ولا يخالجه شك في أنه ناطق فكذلك ما أخبر الله عنه من أمر التوحيد والنبوة والمعاد وأسمائه وصفاته حق ثابت في نفس الأمر يشبه بثبوت نطقكم ووجوده وهذا باب يعرفه الناس في كلامهم يقول أحدهم هذا حق مثل الشمس وأفصح الشاعر عن هذا بقوله: وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل وههنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن الرب تعالى شهد بصحة ما أخبر به وهو أصدق الصادقين وأقسم عليه وهو أبر المقسمين وأكده بتشبيهه بالواقع الذي لا يقبل الشك بوجه وأقام عليه من الأدلة العيانية والبرهانية ما جعله معاينا مشاهدا بالبصائر وإن لم يعاين بالأبصار ومع ذلك فأكثر النفوس في غفلة عنه لا تستعد له ولا تأخذ له أهبة والمستعد له الآخذ له أهبة لا يعطيه حقه منهم إلا الفرد بعد الفرد فأكثر الخلق لا ينظرون في المراد من إيجادهم وإخراجهم إلى هذه الدار ولا يتفكرون في قلة مقامهم(1\/423)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "423",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2813",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في دار الغرور ولا في رحيلهم وانتقالهم عنها ولا إلى أين يرحلون وأين يستقرون قد ملكهم الحس وقل نصيبهم من العقل وشملتهم الغفلة وغرتهم الأماني التي هي كالسراب وخدعهم طول الأمل وكأن المقيم لا يرحل وكأن أحدهم لا يبعث ولا يسأل وكأن مع كل مقيم توقيع من الله لفلان بن فلان بالأمان من عذابه والفوز بجزيل ثوابه فأما اللذات الحسية والشهوات النفسية كيفما حصلت فإنهم حصلوها ومن أي وجه لاحت أخذوها غافلين عن المطالبة آمنين من العاقبة يسعون لما يدركون ويتركون ماهم به مطالبون ويعمرون ما هم عنه منتقلون ويخربون ما هم إليه صائرون وهم عن الآخرة هم غافلون ألهتهم شهوات نفوسهم فلا ينظرون في مصالحها ولا يأخذون في جمع زادها في سفرها نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون والعجب كل العجب من غفلة من تعد علمه لحظاته وتحصى عليه أنفاسه ومطايا الليل والنهار تسرع به ولا يتفكر إلى أين يحمل ولا إلى أي منزل ينقل: وكيف تنام العين وهي قريرة ... ولم تدر في أي المحلين تنزل وإذا نزل بأحدهم الموت قلق لخراب ذاته وذهاب لذاته لا لما سبق من جناياته ولا لسوء منقلبه بعد مماته فإن خطرت على أحدهم خطرة من ذلك اعتمد العفو أو الرحمة وكان يتيقن أن ذلك نصيبه ولا بد فلو أن العاقل أحضر ذهنه ما استحضر عقله وسار(1\/424)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "424",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2814",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "بفكره وأمعن النظر وتأمل الآيات لفهم المراد من إيجاده ولنظرت عين الراحل إلى الطريق ولأخذ المسافر في التزود والمريض في التداوي والحازم ما يجوز أن يأتي فما الظن بأمر متيقن كما أنه لصدق إيمانه وقوة إيقانهم وكأنهم يعاينون الأمر فأضحت ربوع الايمان من أهلها خالية ومعالمه على عروشها خاوية قال ابن وهب أخبرني مسلم بن علي عن الأوزاعي قال كان السلف إذا طلع الفجر أو قبله كأنما على رؤسهم الطير مقبلين على أنفسهم حتى لو أن حبيبا لأحدهما غاب عنه حينا ثم قدم لما التفت إليه فلا يزالون كذلك إلى طلوع الشمس ثم يقوم بعضهم إلى بعض فيتخلفون بأول ما يقتضون فيه أمر معادهم وما هم صائرون إليه ثم يأخذون في الفقه فصل ومن ذلك قوله تعالى ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب الصحيح أن ق ون وص بمنزلة حم وألم وطس تلك حروف مفرد وهذه متعددة وقد تقدمت الإشارة إلى بعض ما فيها قبل وههنا قد اتحد المقسم به والمقسم عليه وهو القرآن فأقسم بالقرآن على ثبوته وصدقه وأنه حق من عنده ولذلك حذف الجواب ولم يصرح به لما في القسم من الدلالة عليه أو لأن المقصود نفس المقسم به(1\/425)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "425",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2815",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "كما تقدم بيانه ثم أخذ سبحانه في بيان عجب الكفار من غير عجيب بل بما لا ينبغي أن يقع سواه كما قال سبحانه الر تلك آيات الكتاب الحكيم أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم فأي عجب من هذا حتى يقول الكافرون إن هذا لسحر مبين وكيف يتعجب من رحمة الخالق عباده وهدايته وإنعامه عليهم بتعريفهم على لسان رسوله بطريق الخير والشر وما هم صائرون إليه بعد الموت وأمرهم ونهيهم حتى يقابل ذلك بالتعجب ونسبة ما جاء به إلى السحر لولا غاية الجهل والظلم وإن العجب كل العجب قولهم وتكذيبهم كما قال تعالى وإن تعجب فعجب قولهم فصل ومن ذلك حم والكتاب المبين وقوله ص والقرآن ذي الذكر وقوله يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين والصحيح أن يس بمنزلة حم والم ليست أسماء من أسماء النبي وأقسم سبحانه بكتابه على صدق رسوله وصحة نبوته ورسالته فتأمل قدر المقسم به والمقسم عليه وقوله تعالى على صراط مستقيم(1\/426)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "426",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2816",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "وجوز فيه ثلاثة أن يكون خبرا بعد خبر فأخبر عنه بأنه رسوله وأنه على صراط مستقيم وأن يكون متعلقا بالخبر نفسه تعلق المعمول بعامله أي أرسلتك على صراط وهذا يحتاج إلى بيان تقدير المجعولين على صراط مستقيم وكونه من المرسلين مستلزم لذلك فاستغنى عن ذكره. فصل ومن ذلك قوله تعالى والصافات صفا أقسم سبحانه بملائكته الصافات للعبودية بين يديه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه quot;ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهاquot; تتمون الصفوف الأول وتراصون في الصف وكما قالوا عن أنفسهم وإنا لنحن الصافون والملائكة الصافات أجنحتها في الهواء والزاجرات الملائكة التي تزجر السحاب وغيره بأمر الله فالتاليات التي تتلو لكلام الله وقيل الصافات الطير كما قال تعالى أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن وقال تعالى والطير صافات والزاجرات الآيات والكلمات الزاجرات عن معاصي الله والتاليات الجامعات لكتاب الله تعالى وقيل الصافات القتال في سبيله فالزاجرات الخيل للحمل على أعدائه فالتاليات الذاكرين له عند ملاقاة عدوهم وقيل الجامعات الصافات أبدانها في الصلاة الزاجرات أنفسها عن معاصي الله فالتاليات(1\/427)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "427",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2817",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "آياته واللفظ يحتمل ذلك كله وإن كان أحق من دخل فيه وأولى الملائكة فإن الأقسام كالدليل والآية على صحة ما أقسم عليه من التوحيد وما ذكر من غير الملائكة فهو من آثار الملائكة وبواسطتها كان وأقسم سبحانه بذلك على توحيد ربوبيته وإلهيته وقرر توحيد ربوبيته فقال إن إلهكم لواحد رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق من أعظم الأدلة على أنه إله واحد ولو كان معه إله آخر لكان الإله مشاركا له في ربوبيته كما شاركه في إلهيته تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وهذه قاعدة القرآن يقرر توحيد الإلهية بتوحيد الربوبية فيقرر كونه معبودا وحده بكونه خالقا رازقا وحده وخص المشارق ههنا بالذكر إما لدلالتها على المغارب إذ الأمر أن المتضايفان كل منهما يستلزم الآخر وإما لكون المشارق مطلع الكواكب ومظاهر الأنوار وإما توطئة لما ذكر بعدها من تزيين السماء بزينة الكواكب وجعلها حفظا من كل شيطان فذكر المشارق أنسب بهذا المعنى وأليق والله تعالى أعلم فصل ومن ذلك قوله في قصة لوط عليه السلام ومراجعته قومه له قالوا أولم ننهك عن العالمين قال هؤلاء بناتي إن(1\/428)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "428",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2818",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كنتم فاعلين لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون أكثر المفسرين من السلف والخلف بل لا يعرف عن السلف فيه إلا نزاعا أن هذا قسم من الله بحياة رسوله وهذا من أعظم فضائله أن يقسم الرب عز وجل بحياته وهذه مزية لا تعرف لغيره ولم يوافق الزمخشري على ذلك فصرف القسم إلى أنه بحياة لوط وأنه من قول الملائكة فقال هو على إرادة القول أي قالت الملائكة للوط عليه الصلاة والسلام لعمرك أنهم في سكرتهم يعمهون وليس في اللفظ ما يدل على واحد من الأمرين بل ظاهر اللفظ وسياقه إنما يدل على ما فهمه السلف لا أهل التعطيل والاعتزال قال ابن عباس رضي الله عنهما لعمرك أي وحياتك قال وما أقسم الله تعالى بحياة نبي غيره والعمر والعمر واحد إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح لإثبات الأخف لكثرة دوران الحلف على ألسنتهم وأيضا فإن العمر حياة مخصوصة فهو عمر شريف عظيم أهل أن يقسم لمزيته على كل عمر من أعمار بني آدم ولا ريب أن عمره وحياته من أعظم النعم والآيات فهو أهل أن يقسم به والقسم به أولى من القسم بغيره من المخلوقات(1\/429)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "429",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2819",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "فصل",
        "content": "وقوله تعالى يعمهون أي يتحيرون وإنما وصف الله سبحانه اللوطية بالسكرة لأن سكرة العشق مثل سكرة الخمرة كما قال القائل: سكران بكسر هوى وسكر مدامة ... ومتى إفاقة من به سكران فصل ومن ذلك قوله تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسما مؤكدا بالنفي قبله على عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفى عنهم الحرج وهو ضيق الصدر وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح وتنفسح له كل الانفساح وتقبله كل القبول ولم يثبت لهم الإيمان(1\/430)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "430",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2820",
        "book_id": "qym_4105",
        "book_name": " التبيان في أقسام القرآن",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بذلك أيضا حتى ينضاف إليه مقابلة حكمة بالرضى والتسليم وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض فهنا قد يحكم الرجل غيره وعنده حرج من حكمه ولا يلزم من انتفاء الحرج والرضا والتسليم والانقياد إذ قد يحكمه وينتفى الحرج عنه في تحكيمه ولكن لا ينقاد قلبه ولا يرضى كل الرضى بحكمه والتسليم أخص من انتفاء الحرج فالحرج مانع والتسليم أمر وجودى ولا يلزم من انتفاء حصوله بمجرد انتفائه إذ قد ينتفي الحرج ويبقى القلب فارغا من ومن الرضى به والتسليم له فتأمله وعند هذا يعلم أن الرب تبارك وتعالى أقسم على انتفاء إيمان أكثر الخلق وعند الامتحان تعلم هل هذه الأمور الثلاثة موجودة في قلب اكثر من يدعى الإسلام أم لا والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين(1\/431)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "431",
        "book_number": "7",
        "slug": " -qym_4105"
    },
    {
        "id": "2821",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[لكل داء دواء] بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين - في رجل ابتلي ببلية وعلم أنها إن استمرت به أفسدت دنياه وآخرته وقد اجتهد في دفعها عن نفسه بكل طريق فما يزداد إلا توقدا وشدة فما الحيلة في دفعها وما الطريق إلى كشفها فرحم الله من أعان مبتلى والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه أفتونا مأجورين رحمكم الله تعالى. فأجاب الشيخ الإمام العالم شيخ الإسلام مفتي المسلمين شمس الدين أبو عبد الله بن أبي بكر أيوب إمام المدرسة الجوزية رحمه الله تعالى. لكل داء دواء الحمد لله أما بعد: فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء . وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله: لكل داء دواء فإذا أصاب دواء الداء برأ بإذن الله . وفي مسند الإمام أحمد من حديث أسامة بن شريك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله  وفي لفظ: إن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء إلا داء واحدا قالوا: يا رسول الله ما هو قال: الهرم قال الترمذي: هذا حديث صحيح. دواء العي السؤال(1\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2822",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا يعم أدواء القلب والروح والبدن وأدويتها وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الجهل داء وجعل دواءه سؤال العلماء. فروى أبو داود في سننه من حديث جابر بن عبد الله قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات فلما قدمنا على رسول الله أخبر بذلك فقال: قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر - أو يعصب - على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده. فأخبر أن الجهل داء وأن شفاءه السؤال.  [القرآن شفاء] وقد أخبر سبحانه عن القرآن أنه شفاء فقال الله تعالى: ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء [سورة فصلت: 44] وقال وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين [سورة الإسراء: 82] . و quot; من quot; هنا لبيان الجنس لا للتبعيض فإن القرآن كله شفاء كما قال في الآية المتقدمة فهو شفاء للقلوب من داء الجهل والشك والريب فلم ينزل الله سبحانه من السماء شفاء قط أعم ولا أنفع ولا أعظم ولا أشجع في إزالة الداء من القرآن. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد قال: انطلق نفر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عند بعضهم شيء فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه شيء فهل عند أحد منكم من شيء فقال بعضهم: والله إني لأرقي ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براق حتى تجعلوا لي جعلا فصالحوهم على قطيع من الغنم فانطلق يتفل عليه ويقرأ الحمد لله رب العالمين فكأنما نشط من عقال فانطلق يمشي وما به قلبة فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه فقال بعضهم: اقتسموا فقال الذي رقي: لا نفعل حتى نأتي النبي - صلى الله عليه وسلم -(1\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2823",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "دعاء الغافل",
        "content": "فنذكر له الذي كان فننظر ما يأمرنا فقدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكروا له ذلك فقال: وما يدريك أنها رقية ثم قال: قد أصبتم اقتسموا واضربوا لي معكم سهما. فقد أثر (هذا) الدواء في هذا الداء وأزاله حتى كأن لم يكن وهو أسهل دواء وأيسره ولو أحسن العبد التداوي بالفاتحة لرأى لها تأثيرا عجيبا في الشفاء. ومكثت بمكة مدة يعتريني أدواء ولا أجد طبيبا ولا دواء فكنت أعالج نفسي بالفاتحة فأرى لها تأثيرا عجيبا فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألما وكان كثير منهم يبرأ سريعا. ولكن هاهنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن الأذكار والآيات والأدعية التي يستشفى بها ويرقى بها هي في نفسها نافعة شافية ولكن تستدعي قبول المحل وقوة همة الفاعل وتأثيره فمتى تخلف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل أو لعدم قبول المنفعل أو لمانع قوي فيه يمنع أن ينجع فيه الدواء كما يكون ذلك في الأدوية والأدواء الحسية فإن عدم تأثيرها قد يكون لعدم قبول الطبيعة لذلك الدواء وقد يكون لمانع قوي يمنع من اقتضائه أثره فإن الطبيعة إذا أخذت الدواء بقبول تام كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول فكذلك القلب إذا أخذ الرقى والتعاويذ بقبول تام وكان للراقي نفس فعالة وهمة مؤثرة في إزالة الداء.  [الدعاء يدفع المكروه] وكذلك الدعاء فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب ولكن قد يتخلف أثره عنه إما لضعفه في نفسه - بأن يكون دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان - وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء فيكون بمنزلة القوس الرخو جدا فإن السهم يخرج منه خروجا ضعيفا وإما لحصول المانع من الإجابة: من أكل الحرام والظلم ورين الذنوب على القلوب واستيلاء الغفلة والشهوة واللهو وغلبتها عليها. كما في مستدرك الحاكم من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة .  [دعاء الغافل] واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه فهذا دواء نافع مزيل للداء ولكن غفلة القلب عن الله تبطل قوته وكذلك أكل الحرام يبطل قوته ويضعفها. كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا أيها الناس(1\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2824",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ياأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم [المؤمنون: 51] وقال: ياأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم [البقرة: 172] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك . وذكر عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه: أصاب بني إسرائيل بلاء فخرجوا مخرجا فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن أخبرهم: إنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة وترفعون إلي أكفا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بها بيوتكم من الحرام الآن حين اشتد غضبي عليكم ولن تزدادوا مني إلا بعدا. وقال أبو ذر: يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام من الملح.  [فصل الدعاء من أنفع الأدوية] فصل الدعاء من أنفع الأدوية والدعاء من أنفع الأدوية وهو عدو البلاء يدفعه ويعالجه ويمنع نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل وهو سلاح المؤمن. كما روى الحاكم في صحيحه من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السماوات والأرض . للدعاء مع البلاء مقامات. وله مع البلاء ثلاث مقامات: أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه. الثاني: أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفا. الثالث: أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه. وقد روى الحاكم في صحيحه من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول(1\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2825",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله - صلى الله عليه وسلم: لا يغني حذر من قدر والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة . وفيه أيضا من حديث ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء . وفيه أيضا من حديث ثوبان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه .  [فصل الإلحاح في الدعاء] فصل الإلحاح في الدعاء ومن أنفع الأدوية: الإلحاح في الدعاء. وقد روى ابن ماجه في سننه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: من لم يسأل الله يغضب عليه . وفي صحيح الحاكم من حديث أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم: لا تعجزوا في الدعاء فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد . وذكر الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب الملحين في الدعاء . وفي كتاب الزهد للإمام أحمد عن قتادة قال: قال مورق: ما وجدت للمؤمن مثلا إلا رجل في البحر على خشبة فهو يدعو: يا رب يا رب لعل الله عز وجل أن ينجيه.  [فصل من آفات الدعاء] ومن الآفات التي تمنع ترتب أثر الدعاء عليه: أن يستعجل العبد ويستبطئ الإجابة فيستحسر ويدع الدعاء وهو بمنزلة من بذر بذرا أو غرس غرسا فجعل يتعاهده ويسقيه فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله. وفي البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: دعوت فلم يستجب لي . وفي صحيح مسلم عنه: لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل قيل: يا رسول الله ما الاستعجال قال يقول: قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجاب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء .(1\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2826",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي مسند أحمد من حديث أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل قالوا: يا رسول الله كيف يستعجل قال: يقول قد دعوت ربي فلم يستجب لي .  [فصل أوقات الإجابة] فصل أوقات الإجابة وإذا جمع مع الدعاء حضور القلب وجمعيته بكليته على المطلوب وصادف وقتا من أوقات الإجابة الستة وهي: الثلث الأخير من الليل وعند الأذان وبين الأذان والإقامة وأدبار الصلوات المكتوبات وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى الصلاة من ذلك اليوم وآخر ساعة بعد العصر. وصادف خشوعا في القلب وانكسارا بين يدي الرب وذلا له وتضرعا ورقة. واستقبل الداعي القبلة. وكان على طهارة. ورفع يديه إلى الله. وبدأ بحمد الله والثناء عليه. ثم ثنى بالصلاة على محمد عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم -. ثم قدم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار. ثم دخل على الله وألح عليه في المسألة وتملقه ودعاه رغبة ورهبة. وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده. وقدم بين يدي دعائه صدقة فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدا ولا سيما إن صادف الأدعية التي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها مظنة الإجابة أو أنها متضمنة للاسم الأعظم. أدعية مأثورة فمنها ما في السنن (وفي) صحيح ابن حبان من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال: لقد سأل الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب وفي لفظ: لقد سألت الله باسمه الأعظم.(1\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2827",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي السنن وصحيح ابن حبان أيضا من حديث أنس بن مالك أنه كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسا ورجل يصلي ثم دعا فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى. أخرج الحديثين أحمد في مسنده. وفي جامع الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم [سورة البقرة: 163] . وفاتحة آل عمران الم - الله لا إله إلا هو الحي القيوم  قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي مسند أحمد وصحيح الحاكم من حديث أبي هريرة وأنس بن مالك وربيعة بن عامر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام - يعني: تعلقوا بها والزموا وداوموا عليها. وفي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أهمه الأمر رفع رأسه إلى السماء وإذا اجتهد في الدعاء قال: يا حي يا قيوم . وفيه أيضا من حديث أنس بن مالك قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا حزبه أمر قال: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث. وفي صحيح الحاكم من حديث أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: اسم الله الأعظم في ثلاث سور من القرآن: البقرة وآل عمران وطه قال القاسم: فالتمستها فإذا هي آية الحي القيوم)   . وفي جامع الترمذي وصحيح الحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت quot; لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين [سورة الأنبياء: 87] إنه لم يدع بها مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له. قال الترمذي: حديث صحيح.(1\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2828",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي مستدرك الحاكم أيضا من حديث سعد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ألا أخبركم بشيء إذا نزل برجل منكم أمر مهم فدعا به يفرج الله عنه دعاء ذي النون . وفي صحيحه أيضا عنه أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: هل أدلكم على اسم الله الأعظم دعاء يونس فقال رجل: يا رسول الله هل كان ليونس خاصة فقال ألا تسمع قوله: فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين [سورة الأنبياء: 88] فأيما مسلم دعا بها في مرضه أربعين مرة فمات في مرضه ذلك أعطي أجر شهيد وإن برئ برئ مغفورا له . وفي الصحيحين من حديث ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرض ورب العرش الكريم.  وفي مسند الإمام أحمد من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل بي كرب أن أقول: لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله وتبارك الله رب العرش العظيم والحمد لله رب العالمين . وفي مسنده أيضا من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك أو أنزلته في كتابك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحا فقيل: يا رسول الله ألا نتعلمها قال: بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها . وقال ابن مسعود: ما كرب نبي من الأنبياء إلا استغاث بالتسبيح. وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب المجابين وفي الدعاء عن الحسن قال: كان رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأنصار يكنى أبا معلق وكان تاجرا يتجر بمال له ولغيره يضرب به في الآفاق وكان ناسكا ورعا فخرج مرة فلقيه لص مقنع في السلاح فقال له: ضع ما معك فإني قاتلك قال: فما تريده من دمي شأنك بالمال قال: أما المال فلي ولست أريد إلا دمك قال: أما إذا أبيت فذرني أصلي أربع ركعات قال صل ما بدا لك فتوضأ ثم صلى أربع ركعات فكان من دعائه في آخر سجوده أن قال: يا ودود يا ودود يا ذا العرش(1\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2829",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المجيد يا فعالا لما تريد أسألك بعزك الذي لا يرام وبملكك الذي لا يضام وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شر هذا اللص يا مغيث أغثني ثلاث مرات فإذا هو بفارس قد أقبل بيده حربة قد وضعها بين أذني فرسه فلما بصر به اللص أقبل نحوه فطعنه فقتله ثم أقبل إليه فقال: قم فقال: من أنت بأبي أنت وأمي فقد أغاثني الله بك اليوم فقال: أنا ملك من أهل السماء الرابعة دعوت بدعائك الأول فسمعت لأبواب السماء قعقعة ثم دعوت بدعائك الثاني فسمعت لأهل السماء ضجة ثم دعوت بدعائك الثالث فقيل لي: دعاء مكروب فسألت الله أن يوليني قتله قال الحسن: فمن توضأ وصلى أربع ركعات ودعا بهذا الدعاء استجيب له مكروبا كان أو غير مكروب.  [فصل ظروف الدعاء] فصل ظروف الدعاء وكثيرا ما تجد أدعية دعا بها قوم فاستجيب لهم فيكون قد اقترن بالدعاء ضرورة صاحبه وإقباله على الله أو حسنة تقدمت منه جعل الله سبحانه إجابة دعوته شكرا لحسنته أو صادف وقت إجابة ونحو ذلك فأجيبت دعوته فيظن الظان أن السر في لفظ ذلك الدعاء فيأخذه مجردا عن تلك الأمور التي قارنته من ذلك الداعي وهذا كما إذا استعمل رجل دواء نافعا في الوقت الذي ينبغي استعماله على الوجه الذي ينبغي فانتفع به فظن غيره أن استعمال هذا الدواء بمجرده كاف في حصول المطلوب كان غالطا وهذا موضع يغلط فيه كثير من الناس. ومن هذا قد يتفق دعاؤه باضطرار عند قبر فيجاب فيظن الجاهل أن السر للقبر ولم يعلم أن السر للاضطرار وصدق اللجأ إلى الله فإذا حصل ذلك في بيت من بيوت الله كان أفضل وأحب إلى الله.  [فصل شروط الدعاء المستجاب] فصل شروط الدعاء المستجاب والأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح والسلاح بضاربه لا بحده فقط فمتى كان السلاح سلاحا تاما لا آفة به والساعد ساعد قوي والمانع مفقود حصلت به النكاية في العدو ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير فإن كان الدعاء في نفسه غير صالح أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء أو كان ثم مانع من الإجابة لم يحصل الأثر.  [فصل الدعاء والقدر] فصل الدعاء والقدر(1\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2830",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهاهنا سؤال مشهور وهو: أن المدعو به إن كان قد قدر لم يكن بد من وقوعه دعا به العبد أو لم يدع وإن لم يكن قد قدر لم يقع سواء سأله العبد أو لم يسأله. فظنت طائفة صحة هذا السؤال فتركت الدعاء وقالت: لا فائدة فيه وهؤلاء مع فرط جهلهم وضلالهم متناقضون فإن طرد مذهبهم يوجب تعطيل جميع الأسباب فيقال لأحدهم: إن كان الشبع والري قد قدرا لك فلابد من وقوعهما أكلت أو لم تأكل وإن لم يقدرا لم يقعا أكلت أو لم تأكل. وإن كان الولد قدر لك فلابد منه وطئت الزوجة أو الأمة أو لم تطأ وإن لم يقدر لم يكن فلا حاجة إلى التزويج والتسري وهلم جرا. فهل يقول هذا عاقل أو آدمي بل الحيوان البهيم مفطور على مباشرة الأسباب التي بها قوامه وحياته فالحيوانات أعقل وأفهم من هؤلاء الذين هم كالأنعام بل هم أضل سبيلا. وتكايس بعضهم وقال: الاشتغال بالدعاء من باب التعبد المحض يثيب الله عليه الداعي من غير أن يكون له تأثير في المطلوب بوجه ما ولا فرق عند هذا المتكيس بين الدعاء والإمساك عنه بالقلب واللسان في التأثير في حصول المطلوب وارتباط الدعاء عندهم به كارتباط السكوت ولا فرق. وقالت طائفة أخرى أكيس من هؤلاء: بل الدعاء علامة مجردة نصبها الله سبحانه أمارة على قضاء الحاجة فمتى وفق العبد للدعاء كان ذلك علامة له وأمارة على أن حاجته قد انقضت وهذا كما إذا رأيت غيما أسود باردا في زمن الشتاء فإن ذلك دليل وعلامة على أنه يمطر. قالوا: وهكذا حكم الطاعات مع الثواب والكفر والمعاصي مع العقاب هي أمارات محضة لوقوع الثواب والعقاب لا أنها أسباب له. وهكذا عندهم الكسر مع الانكسار والحرق مع الإحراق والإزهاق مع القتل ليس(1\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2831",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شيء من ذلك سببا البتة ولا ارتباط بينه وبين ما يترتب عليه إلا مجرد الاقتران العادي لا التأثير السببي وخالفوا بذلك الحس والعقل والشرع والفطرة وسائر طوائف العقلاء بل أضحكوا عليهم العقلاء. وللصواب أن هاهنا قسما ثالثا غير ما ذكره السائل وهو أن هذا المقدور قدر بأسباب ومن أسبابه الدعاء فلم يقدر مجردا عن سببه ولكن قدر بسببه فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور وهذا كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب وقدر الولد بالوطء وقدر حصول الزرع بالبذر وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه وكذلك قدر دخول الجنة بالأعمال ودخول النار بالأعمال وهذا القسم هو الحق وهذا الذي حرمه السائل ولم يوفق له. الدعاء من أقوى الأسباب وحينئذ فالدعاء من أقوى الأسباب فإذا قدر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح أن يقال: لا فائدة في الدعاء كما لا يقال: لا فائدة في الأكل والشرب وجميع الحركات والأعمال وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء ولا أبلغ في حصول المطلوب. عمر يستنصر بالدعاء ولما كان الصحابة - رضي الله عنهم - أعلم الأمة بالله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وأفقههم في دينه كانوا أقوم بهذا السبب وشروطه وآدابه من غيرهم. وكان عمر - رضي الله عنه - يستنصر به على عدوه وكان أعظم جنديه وكان يقول لأصحابه: لستم تنصرون بكثرة وإنما تنصرون من السماء وكان يقول: إني لا أحمل هم الإجابة ولكن هم الدعاء فإذا ألهمتم الدعاء فإن الإجابة معه وأخذ الشاعر هذا المعنى فنظمه فقال: لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه ... من جود كفيك ما علمتني الطلبا فمن ألهم الدعاء فقد أريد به الإجابة فإن الله سبحانه يقول: ادعوني أستجب لكم [سورة غافر: 60] وقال: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان(1\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2832",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: من لم يسأل الله يغضب عليه . وهذا يدل على أن رضاءه في سؤاله وطاعته وإذا رضي الرب تبارك وتعالى فكل خير في رضاه كما أن كل بلاء ومصيبة في غضبه. وقد ذكر الإمام أحمد في كتاب الزهد أثرا [ أنا الله لا إله إلا أنا إذا رضيت باركت وليس لبركتي منتهى وإذا غضبت لعنت ولعنتي تبلغ السابع من الولد ] . وقد دل العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم - على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها - على أن التقرب إلى رب العالمين وطلب مرضاته والبر والإحسان إلى خلقه من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير وأضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكل شر فما استجلبت نعم الله واستدفعت نقمته بمثل طاعته والتقرب إليه والإحسان إلى خلقه. ارتباط الخير والشر بالعمل وقد رتب الله سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والآخرة وحصول السرور في الدنيا والآخرة في كتابه على الأعمال ترتب الجزاء على الشرط والمعلول على العلة والمسبب على السبب وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع. فتارة يرتب الحكم الخبري الكوني والأمر الشرعي على الوصف المناسب له كقوله تعالى: عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين [سورة الأعراف: 166] . وقوله: فلما آسفونا انتقمنا منهم [سورة الزخرف: 55] . وقوله: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا [المائدة: 83] . وقوله: إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما [الأحزاب: 35] . وهذا كثير جدا.(1\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2833",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتارة يرتبه عليه بصيغة الشرط والجزاء كقوله تعالى: إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم [سورة الأنفال: 29] . وقوله: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين [التوبة: 11] . وقوله: وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا [سورة الجن: 16] . ونظائره. وتارة يأتي بلام التعليل كقوله: ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب [سورة ص: 29] . وقوله: لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا [سورة البقرة: 143] . وتارة يأتي بأداة كي التي للتعليل كقوله: كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم [سورة الحشر: 77] . وتارة يأتي بباء السببية كقوله تعالى: ذلك بما قدمت أيديكم [سورة آل عمران: 182] . وقوله: بما كنتم تعملون [سورة المائدة: 105] . وقوله: بما كنتم تكسبون  وقوله: ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله [سورة آل عمران: 112] . وتارة يأتي بالمفعول لأجله ظاهرا أو محذوفا كقوله: فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى [سورة البقرة: 282] . وكقوله تعالى: أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين [سورة الأعراف: 172](1\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2834",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله: أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا [سورة الأنعام: 156]  أي: كراهة أن تقولوا. وتارة يأتي بفاء السببية كقوله: فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها [سورة الشمس: 14] . وقوله: فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية [سورة الحاقة: 10] . وقوله: فكذبوهما فكانوا من المهلكين المؤمنون: 48] . وتارة يأتي بأداة [لما] الدالة على الجزاء كقوله: فلما آسفونا انتقمنا منهم [سورة الزخرف: 55] . ونظائره. وتارة يأتي بإن وما عملت فيه كقوله: إنهم كانوا يسارعون في الخيرات [سورة الأنبياء: 90] . وقوله في ضوء هؤلاء: إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين [الأنبياء: 77] . وتارة يأتي بأداة quot; لولا quot; الدالة على ارتباط ما قبلها بما بعدها كقوله: فلولا أنه كان من المسبحين - للبث في بطنه إلى يوم يبعثون [سورة الصافات: 143 - 144] . وتارة يأتي quot; بلو quot; الدالة على الشرط كقوله: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم [سورة النساء: 66] . وبالجملة فالقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب بل ترتيب أحكام الدنيا والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال. ومن تفقه في هذه المسألة وتأملها حق التأمل انتفع بها غاية النفع ولم يتكل على(1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2835",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القدر جهلا منه وعجزا وتفريطا وإضاعة فيكون توكله عجزا وعجزه توكلا بل الفقيه كل الفقه الذي يرد القدر بالقدر ويدفع القدر بالقدر ويعارض القدر بالقدر بل لا يمكن لإنسان أن يعيش إلا بذلك فإن الجوع والعطش والبرد وأنواع المخاوف والمحاذير هي من القدر. والخلق كلهم ساهون في دفع هذا القدر بالقدر وهكذا من وفقه الله وألهمه رشده يدفع قدر العقوبة الأخروية بقدر التوبة والإيمان والأعمال الصالحة فهذا وزان القدر المخوف في الدنيا وما يضاده سواء فرب الدارين واحد وحكمته واحدة لا يناقض بعضها بعضا ولا يبطل بعضها بعضا فهذه المسألة من أشرف المسائل لمن عرف قدرها ورعاها حق رعايتها والله المستعان. لكن يبقى عليه أمران بهما تتم سعادته وفلاحه. أحدهما: أن يعرف تفاصيل أسباب الشر والخير ويكون له بصيرة في ذلك بما يشاهده في العالم وما جربه في نفسه وغيره وما سمعه من أخبار الأمم قديما وحديثا. التاريخ تفصيل لما جاء عن الله ومن أنفع ما في ذلك تدبر القرآن فإنه كفيل بذلك على أكمل الوجوه وفيه أسباب الخير والشر جميعا مفصلة مبينة ثم السنة فإنها شقيقة القرآن وهي الوحي الثاني ومن صرف إليهما عنايته اكتفى بهما من غيرهما وهما يريانك الخير والشر وأسبابهما حتى كأنك تعاين ذلك عيانا وبعد ذلك إذا تأملت أخبار الأمم وأيام الله في أهل طاعته وأهل معصيته طابق ذلك ما علمته من القرآن والسنة ورأيته بتفاصيل ما أخبر الله به ووعد به وعلمت من آياته في الآفاق ما يدلك على أن القرآن حق وأن الرسول حق وأن الله ينجز وعده لا محالة فالتاريخ تفصيل لجزئيات ما عرفنا الله ورسوله من الأسباب الكلية للخير والشر.  [فصل مغالطة النفس حول الأسباب] فصل مغالطة النفس حول الأسباب الأمر الثاني أن يحذر مغالطة نفسه على هذه الأسباب وهذا من أهم الأمور فإن العبد يعرف أن المعصية والغفلة من الأسباب المضرة له في دنياه وآخرته ولا بد ولكن تغالطه نفسه بالاتكال على عفو الله ومغفرته تارة وبالتسويف بالتوبة والاستغفار باللسان(1\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2836",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تارة وبفعل المندوبات تارة وبالعلم تارة وبالاحتجاج بالقدر تارة وبالاحتجاج بالأشباه والنظراء تارة وبالاقتداء بالأكابر تارة أخرى. خطأ في فهم الاستغفار وكثير من الناس يظن أنه لو فعل ما فعل ثم قال: أستغفر الله زال أثر الذنب وراح هذا بهذا وقال لي رجل من المنتسبين إلى الفقه: أنا أفعل ما أفعل ثم أقول: سبحان الله وبحمده مائة مرة وقد غفر ذلك أجمعه كما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من قال في يوم سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر  وقال لي آخر من أهل مكة: نحن إذا فعل أحدنا ما فعل اغتسل وطاف بالبيت أسبوعا وقد محي عنه ذلك وقال لي آخر: قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: أذنب عبد ذنبا فقال: أي رب أصبت ذنبا فاغفر لي فغفر الله ذنبه ثم مكث ما شاء الله ثم أذنب ذنبا آخر فقال: أي رب أصبت ذنبا فاغفر لي فقال الله عز وجل: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي فليصنع ما شاء. وقال: أنا لا أشك أن لي ربا يغفر الذنب ويأخذ به وهذا الضرب من الناس قد تعلق بنصوص من الرجاء واتكل عليها وتعلق بها بكلتا يديه وإذا عوتب على الخطايا والانهماك فيها سرد لك ما يحفظه من سعة رحمة الله ومغفرته ونصوص الرجاء وللجهال من هذا الضرب من الناس في هذا الباب غرائب وعجائب كقول بعضهم: وكثر ما استطعت من الخطايا ... إذا كان القدوم على كريم وقول الآخر: التنزه من الذنوب جهل بسعة عفو الله. وقال الآخر: ترك الذنوب جراءة على مغفرة الله واستصغار. وقال محمد بن حزم: رأيت بعض هؤلاء يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من العصمة. التعلق بالجبر ومن هؤلاء المغرورين من يتعلق بمسألة الجبر وأن العبد لا فعل له البتة ولا اختيار وإنما هو مجبور على فعل المعاصي. التعلق بالإرجاء ومن هؤلاء من يغتر بمسألة الإرجاء وأن الإيمان هو مجرد التصديق والأعمال ليست من الإيمان وأن إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل.(1\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2837",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخطأ في الحب ومن هؤلاء من يغتر بمحبة الفقراء والمشايخ والصالحين وكثرة التردد إلى قبورهم والتضرع إليهم والاستشفاع بهم والتوسل إلى الله بهم وسؤاله بحقهم عليه وحرمتهم عنده. ومنهم من يغتر بآبائه وأسلافه وأن لهم عند الله مكانة وصلاحا فلا يدعوه أن يخلصوه كما يشاهد في حضرة الملوك فإن الملوك تهب لخواصهم ذنوب أبنائهم وأقاربهم وإذا وقع أحد منهم في أمر مفظع خلصه أبوه وجده بجاهه ومنزلته. الاغترار بالله ومنهم من يغتر بأن الله عز وجل غني عن عذابه وعذابه لا يزيد في ملكه شيئا ورحمته له لا تنقص من ملكه شيئا فيقول: أنا مضطر إلى رحمته وهو أغنى الأغنياء ولو أن فقيرا مسكينا مضطرا إلى شربة ماء عند من في داره شط يجري لما منعه منها فالله أكرم وأوسع فالمغفرة لا تنقصه شيئا والعقوبة لا تزيد في ملكه شيئا. الاغترار بالفهم الفاسد والقرآن والسنة ومنهم من يغتر بفهم فاسد فهمه هو وأضرابه من نصوص القرآن والسنة فاتكلوا عليه كاتكال بعضهم على قوله تعالى: ولسوف يعطيك ربك فترضى [سورة الضحى: 55] . قال وهو لا يرضى أن يكون في النار أحد من أمته وهذا من أقبح الجهل وأبين الكذب عليه فإنه يرضى بما يرضى به ربه عز وجل والله تعالى يرضيه تعذيب الظلمة والفسقة والخونة والمصرين على الكبائر فحاشا رسوله أن يرضى بما لا يرضى به ربه تبارك وتعالى. وكاتكال بعضهم على قوله تعالى: إن الله يغفر الذنوب جميعا [سورة الزمر: 53] وهذا أيضا من أقبح الجهل فإن الشرك داخل في هذه الآية فإنه رأس الذنوب وأساسها ولا خلاف أن هذه الآية في حق التائبين فإنه يغفر ذنب كل تائب من أي ذنب كان ولو كانت الآية في حق غير التائبين لبطلت نصوص الوعيد كلها. وأحاديث إخراج قوم من الموحدين من النار بالشفاعة. وهذا إنما أتى صاحبه من قلة علمه وفهمه فإنه سبحانه هاهنا عمم وأطلق فعلم أنه(1\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2838",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أراد التائبين وفي سورة النساء خصص وقيد فقال: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [سورة النساء: 48]  فأخبر الله سبحانه أنه لا يغفر الشرك وأخبر أنه يغفر ما دونه ولو كان هذا في حق التائب لم يفرق بين الشرك وغيره وكاغترار بعض الجهال بقوله تعالى: ياأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم [سورة الانفطار: 66] فيقول: كرمه وقد يقول بعضهم: إنه لقن المغتر حجته وهذا جهل قبيح وإنما غره بربه الغرور وهو الشيطان ونفسه الأمارة بالسوء وجهله وهواه وأتى سبحانه بلفظ الكريم وهو السيد العظيم المطاع الذي لا ينبغي الاغترار به ولا إهمال حقه فوضع هذا المغتر الغرور في غير موضعه واغتر بمن لا ينبغي الاغترار به. وكاغترار بعضهم بقوله تعالى في النار: لا يصلاها إلا الأشقى - الذي كذب وتولى [سورة الليل: 15 - 16]  وقوله: أعدت للكافرين [سورة البقرة: 24] . ولم يدر هذا المغتر أن قوله: فأنذرتكم نارا تلظى هي نار مخصوصة من جملة دركات جهنم ولو كانت جميع جهنم فهو سبحانه لم يقل لا يدخلها بل قال لا يصلاها إلا الأشقى ولا يلزم من عدم صليها عدم دخولها فإن الصلي أخص من الدخول ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم. ثم هذا المغتر لو تأمل الآية التي بعدها لعلم أنه غير داخل فيها فلا يكون مضمونا له أن يجنبها. وأما قوله في النار أعدت للكافرين  فقد قال في الجنة: أعدت للمتقين [سورة آل عمران: 133] ولا ينافي إعداد النار للكافرين أن يدخلها الفساق والظلمة ولا ينافي إعداد الجنة للمتقين أن يدخلها من في قلبه أدنى مثقال ذرة من الإيمان ولم يعمل خيرا قط.(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2839",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكاغترار بعضهم على صوم يوم عاشوراء أو يوم عرفة حتى يقول بعضهم: يوم عاشوراء يكفر ذنوب العام كلها ويبقى صوم عرفة زيادة في الأجر ولم يدر هذا المغتر أن صوم رمضان والصلوات الخمس أعظم وأجل من صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء وهي إنما تكفر ما بينهما إذا اجتنبت الكبائر. فرمضان إلى رمضان والجمعة إلى الجمعة لا يقويا على تكفير الصغائر إلا مع انضمام ترك الكبائر إليها فيقوى مجموع الأمرين على تكفير الصغائر. فكيف يكفر صوم يوم تطوع كل كبيرة عملها العبد وهو مصر عليها غير تائب منها هذا محال على أنه لا يمتنع أن يكون صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء مكفرا لجميع ذنوب العام على عمومه ويكون من نصوص الوعد التي لها شروط وموانع ويكون إصراره على الكبائر مانعا من التكفير فإذا لم يصر على الكبائر لتساعد الصوم وعدم الإصرار وتعاونهما على عموم التكفير كما كان رمضان والصلوات الخمس مع اجتناب الكبائر متساعدين متعاونين على تكفير الصغائر مع أنه سبحانه قد قال: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم [سورة النساء: 31] فعلم أن جعل الشيء سببا للتكفير لا يمنع أن يتساعد هو وسبب آخر على التكفير ويكون التكفير مع اجتماع السببين أقوى وأتم منه مع انفراد أحدهما وكلما قويت أسباب التكفير كان أقوى وأتم وأشمل. حسن الظن بالله وكاتكال بعضهم على قوله - صلى الله عليه وسلم - حاكيا عن ربه quot; أنا عند حسن ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء يعني ما كان في ظنه فإني فاعله به ولا ريب أن حسن الظن إنما يكون مع الإحسان فإن المحسن حسن الظن بربه أن يجازيه على إحسانه ولا يخلف وعده ويقبل توبته. وأما المسيء المصر على الكبائر والظلم والمخالفات فإن وحشة المعاصي والظلم والحرام تمنعه من حسن الظن بربه وهذا موجود في الشاهد فإن العبد الآبق الخارج عن طاعة سيده لا يحسن الظن به ولا يجامع وحشة الإساءة إحسان الظن أبدا فإن المسيء مستوحش بقدر إساءته وأحسن الناس ظنا بربه أطوعهم له. كما قال الحسن البصري: إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل وإن الفاجر أساء الظن بربه فأساء العمل. وكيف يكون محسن الظن بربه من هو شارد عنه حال مرتحل في مساخطه وما يغضبه(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2840",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "متعرض للعنته قد هان حقه وأمره عليه فأضاعه وهان نهيه عليه فارتكبه وأصر عليه وكيف يحسن الظن بربه من بارزه بالمحاربة وعادى أولياءه ووالى أعداءه وجحد صفات كماله وأساء الظن بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم - وظن بجهله أن ظاهر ذلك ضلال وكفر وكيف يحسن الظن بربه من يظن أنه لا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ولا يرضى ولا يغضب . وقد قال الله في حق من شك في تعلق سمعه ببعض الجزئيات وهو السر من القول: وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين [سورة فصلت: 23] . فهؤلاء لما ظنوا أن الله سبحانه لا يعلم كثيرا مما يعملون كان هذا إساءة لظنهم بربهم فأرداهم ذلك الظن وهذا شأن كل من جحد صفات كماله ونعوت جلاله ووصفه بما لا يليق به فإذا ظن هذا أنه يدخله الجنة كان هذا غرورا وخداعا من نفسه وتسويلا من الشيطان لا إحسان ظن بربه. فتأمل هذا الموضع وتأمل شدة الحاجة إليه وكيف يجتمع في قلب العبد تيقنه بأنه ملاق الله وأن الله يسمع ويرى مكانه ويعلم سره وعلانيته ولا يخفى عليه خافية من أمره وأنه موقوف بين يديه ومسئول عن كل ما عمل وهو مقيم على مساخطه مضيع لأوامره معطل لحقوقه وهو مع هذا يحسن الظن به وهل هذا إلا من خدع النفوس وغرور الأماني وقد قال أبو أمامة بن سهل بن حنيف: دخلت أنا وعروة بن الزبير على عائشة - رضي الله عنها - فقالت لو رأيتما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرض له وكانت عندي ستة دنانير أو سبعة فأمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أفرقها قالت: فشغلني وجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى عافاه الله ثم سألني عنها فقال: ما فعلت أكنت فرقت الستة الدنانير فقلت: لا والله لقد شغلني وجعك قالت فدعا بها فوضعها في كفه فقال: ما ظن نبي الله لو لقي الله وهذه عنده وفي لفظ: ما ظن محمد بربه لو لقي الله وهذه عنده. فيا لله ما ظن أصحاب الكبائر والظلمة بالله إذا لقوه ومظالم العباد عندهم فإن كان ينفعهم قولهم: حسنا ظنوننا بك إنك لن تعذب ظالما ولا فاسقا فليصنع العبد ما شاء وليرتكب كل ما نهاه الله عنه وليحسن ظنه بالله فإن النار لا تمسه فسبحان الله! ما يبلغ الغرور بالعبد وقد قال إبراهيم لقومه: أئفكا آلهة دون الله تريدون - فما ظنكم برب العالمين [سورة الصافات: 86 - 87] .(1\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2841",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أي ما ظنكم أن يفعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره. ومن تأمل هذا الموضع حق التأمل علم أن حسن الظن بالله هو حسن العمل نفسه فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل ظنه بربه أن يجازيه على أعماله ويثيبه عليها ويتقبلها منه فالذي حمله على العمل حسن الظن فكلما حسن ظنه حسن عمله وإلا فحسن الظن مع اتباع الهوى عجز كما في حديث الترمذي والمسند من حديث شداد بن أوس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله . وبالجملة فحسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة وأما مع انعقاد أسباب الهلاك فلا يتأتى إحسان الظن. الفرق بين حسن الظن والغرور فإن قيل: بل يتأتى ذلك ويكون مستند حسن الظن سعة مغفرة الله ورحمته وعفوه وجوده وأن رحمته سبقت غضبه وأنه لا تنفعه العقوبة ولا يضره العفو. قيل: الأمر هكذا والله فوق ذلك وأجل وأكرم وأجود وأرحم ولكن إنما يضع ذلك في محله اللائق به فإنه سبحانه موصوف بالحكمة والعزة والانتقام وشدة البطش وعقوبة من يستحق العقوبة فلو كان معول حسن الظن على مجرد صفاته وأسمائه لاشترك في ذلك البر والفاجر والمؤمن والكافر ووليه وعدوه فما ينفع المجرم أسماؤه وصفاته وقد باء بسخطه وغضبه وتعرض للعنته ووقع في محارمه وانتهك حرماته بل حسن الظن ينفع من تاب وندم وأقلع وبدل السيئة بالحسنة واستقبل بقية عمره بالخير والطاعة ثم أحسن الظن فهذا هو حسن ظن والأول غرور والله المستعان. ولا تستطل هذا الفصل فإن الحاجة إليه شديدة لكل أحد يفرق بين حسن الظن بالله وبين الغرور به قال الله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم [البقرة: 218] فجعل هؤلاء أهل الرجاء لا البطالين والفاسقين.(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2842",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال تعالى: ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم [سورة النحل: 110] فأخبر سبحانه أنه بعد هذه الأشياء غفور رحيم لمن فعلها فالعالم يضع الرجاء مواضعه والجاهل المغتر يضعه في غير مواضعه.  [فصل الذين اعتمدوا على عفو الله فضيعوا أمره ونهيه] فصل الذين اعتمدوا على عفو الله فضيعوا أمره ونهيه وكثير من الجهال اعتمدوا على رحمة الله وعفوه وكرمه وضيعوا أمره ونهيه ونسوا أنه شديد العقاب وأنه لا يرد بأسه عن القوم المجرمين ومن اعتمد على العفو مع الإصرار على الذنب فهو كالمعاند. قال معروف: رجاؤك لرحمة من لا تطيعه من الخذلان والحمق. وقال بعض العلماء: من قطع عضوا منك في الدنيا بسرقة ثلاثة دراهم لا تأمن أن تكون عقوبته في الآخرة على نحو هذا. وقيل للحسن: نراك طويل البكاء فقال: أخاف أن يطرحني في النار ولا يبالي. وكان يقول: إن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا بغير توبة يقول أحدهم: لأني أحسن الظن بربي وكذب لو أحسن الظن لأحسن العمل. وسأل رجل الحسن فقال: يا أبا سعيد كيف نصنع بمجالسة أقوام يخوفونا حتى تكاد قلوبنا تطير فقال: والله لأن تصحب أقواما يخوفونك حتى تدرك أمنا خير لك من أن تصحب أقواما يؤمنونك حتى تلحقك المخاوف. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور في النار كما يدور الحمار برحاه فيطوف به أهل النار فيقولون: يا فلان: ما أصابك ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر فيقول كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه . وذكر الإمام أحمد من حديث أبي رافع قال: مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبقيع فقال: أف لك فظننت أنه يريدني قال: لا ولكن هذا قبر فلان بعثته ساعيا إلى آل فلان فغل نمرة فدرع الآن مثلها من نار .(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2843",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي مسنده أيضا من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت: من هؤلاء قالوا: خطباء من أمتك من أهل الدنيا كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم . وفيه أيضا من حديثه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم . وفيه أيضا عنه قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك فقلنا: يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا قال: نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف شاء . وفيه أيضا عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لجبريل: ما لي لم أر ميكائيل ضاحكا قط قال: ما ضحك منذ خلقت النار . وفي صحيح مسلم عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في النار صبغة ثم يقال له: يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط هل مر بك نعيم قط فيقول: لا والله يا رب ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ في الجنة صبغة فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط هل مر بك شدة قط فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط . وفي المسند من حديث البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجلسنا حوله كأن على رءوسنا الطير وفي يده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر - مرتين أو ثلاثا - ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان أهل الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: اخرجي أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة فيقولون: روح فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا فيستفتحون له فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2844",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السماء التي تليها حتى ينتهى به إلى السماء السابعة فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فقال: فتعاد روحه إلى الأرض فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك فيقول: ربي الله عز وجل فيقولان له: ما دينك فيقول: ديني الإسلام فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول: هو محمد رسول الله فيقولان له: وما علمك فيقول: قرأت كتاب الله عز وجل فآمنت به وصدقت فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فافرشوا له من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة قال: فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره قال: ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول له: من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير فيقول: أنا عملك الصالح فيقول: رب أقم الساعة رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب قال: فتغرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبتل فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلونها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة. فيقولون: روح فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا فيستفتح فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط [الأعراف: 40] فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى فتطرح روحه طرحا ثم قرأ: ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق [سورة الحج: 31] فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك فيقول: هاه هاه لا أدري فيقولان له: ما دينك فيقول: هاه هاه لا أدري فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول: هاه هاه لا أدري فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي فافرشوا له من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2845",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول: ومن أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر فيقول: أنا عملك الخبيث فيقول: رب لا تقم الساعة. وفي لفظ لأحمد أيضا ثم يقيض له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة لو ضرب بها جبلا كان ترابا ثم يعيده الله عز وجل كما كان فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين قال البراء: ثم يفتح له باب إلى النار ويمد له من فراش النار . وفي المسند أيضا عنه قال: بينما نحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ بصر بجماعة فقال: علام اجتمع هؤلاء قيل: على قبر يحفرونه ففزع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبدر بين يدي أصحابه مسرعا حتى انتهى إلى القبر فجثا على ركبتيه فاستقبلته بين يديه لأنظر ما يصنع فبكى حتى بل الثرى من دموعه ثم أقبل علينا فقال: أي إخواني لمثل هذا اليوم فأعدوا . وفي المسند من حديث بريدة قال: خرج إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما فنادى ثلاث مرات: يا أيها الناس أتدرون ما مثلي ومثلكم قالوا: الله ورسوله أعلم فقال إنما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوا يأتيهم فبعثوا رجلا يتراءى لهم فأبصر العدو فأقبل لينذرهم وخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه فأهوى بثوبه: أيها الناس أتيتم أيها الناس أتيتم ثلاث مرات . وفي صحيح مسلم من حديث جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: كل مسكر حرام وإن على الله عز وجل عهدا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال قيل: وما طينة الخبال قال عرق أهل النار أو عصارة أهل النار . وفي المسند أيضا من حديث أبي ذر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وعليه ملك ساجد لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله عز وجل قال أبو ذر: والله لوددت أني شجرة تعضد. وفي المسند أيضا من حديث حذيفة قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنازة فلما انتهينا إلى القبر قعد على ساقيه فجعل يردد بصره فيه ثم قال: يضغط المؤمن فيه ضغطة تزول منها حمائله ويملأ على الكافر نارا والحمائل عروق الأنثيين.(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2846",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي المسند أيضا من حديث جابر قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى سعد بن معاذ حين توفي فلما صلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووضع في قبره وسوي عليه سبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسبحنا طويلا ثم كبر فكبرنا فقيل: يا رسول الله لم سبحت ثم كبرت فقال: لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرج الله عنه . وفي صحيح البخاري من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها الإنسان لصعق . وفي مسند أحمد من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: تدنو الشمس يوم القيامة على قدر ميل ويزاد في حرها كذا وكذا تغلي منها الرءوس كما تغلي القدور يعرقون فيها على قدر خطاياهم منهم من يبلغ إلى كعبه ومنهم من يبلغ إلى ساقيه ومنهم من يبلغ إلى وسطه ومنهم من يلجمه العرق . وفيه عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته يسمع متى يؤمر فينفخ فقال أصحابه: كيف نقول قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا . وفي المسند أيضا عن ابن عمر يرفعه: من تعظم في نفسه أو اختال في مشيته لقي الله وهو عليه غضبان . وفي الصحيحين عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إن المصورين يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم . وفيهما أيضا عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم: إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله عز وجل يوم القيامة . وفيهما أيضا عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار جيء بالموت حتى يوقف بين الجنة والنار ثم يذبح ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم . وفي المسند عنه قال: من اشترى ثوبا بعشرة دراهم فيها درهم حرام لم يقبل الله له(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2847",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلاة مادام عليه ثم أدخل إصبعيه في أذنيه ثم قال صمتا إن لم أكن سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوله. وفيه عن عبد الله بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من ترك الصلاة سكرا مرة واحدة فكأنما كانت له الدنيا وما عليها فسلبها ومن ترك الصلاة سكرا أربع مرات كان حقا على الله أن يسقيه طينة الخبال قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله قال: عصارة أهل جهنم . وفيه أيضا عنه مرفوعا من شرب الخمر مرة لم تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة قال: فإن عاد كان حقا على الله أن يسقيه من ردغة الخبال يوم القيامة. . وفي المسند أيضا من حديث أبي موسى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: من مات مدمنا للخمر سقاه الله من نهر الغوطة قيل: وما نهر الغوطة قال نهر يجري من فروج المومسات يؤذي أهل النار ريح فروجهن . وفيه أيضا عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فأما عرضتان فجدال ومعاذير وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه أو آخذ بشماله . وفي المسند أيضا من حديث ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إياكم ومحقرات الذنوب: فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه وضرب لهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثلا كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود والرجل يجيء بالعود حتى جمعوا سوادا وأججوا نارا وأنضجوا ما قذفوا فيها . وفي الصحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: يضرب الجسر على جهنم فأكون أول من يجوز ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم وعلى حافتيه كلاليب مثل شوك السعدان تخطف الناس بأعمالهم فمنهم الموثق بعمله ومنهم المجردل ثم ينجو حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يرحم ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله أمر الملائكة أن يخرجوهم فيعرفونهم بعلامة آثار السجود وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود فيخرجونهم قد امتحشوا فيصب عليهم من ماء يقال له ماء الحياة فينبتون نبات الحبة في حميل السيل . وفي صحيح مسلم عنه قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن أول الناس يقضى فيه(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2848",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يوم القيامة ثلاثة: رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها فقال: ما عملت فيها قال: قاتلت فيك حتى قتلت قال: كذبت ولكن قاتلت ليقال: هو جرئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها فقال: ما عملت فيها قال تعلمت فيك العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن فقال: كذبت ولكنك تعلمت ليقال هو عالم فقد قيل وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار وفي لفظ فهؤلاء أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة . وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: كما أن خير الناس الأنبياء فشر الناس من تشبه بهم يوهم أنه منهم وليس منهم فخير الناس بعدهم العلماء والشهداء والصديقون والمخلصون وشر الناس من تشبه بهم يوهم أنه منهم وليس منهم. وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم: من كانت عنده لأخيه مظلمة في مال أو عرض فليأته فليستحلها منه قبل أن يؤخذ وليس عنده دينار ولا درهم فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته فأعطيها هذا وإلا أخذ من سيئات هذا فطرحت عليه ثم طرح في النار . وفي الصحيح من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين . وفي الصحيحين عنه قال: قال رسول الله: ناركم هذه التي يوقد بنو آدم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم قالوا: والله إن كانت لكافية قال: فإنها قد فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها . وفي المسند عن معاذ قال: أوصاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: لا تشرك بالله شيئا وإن قتلت أو حرقت ولا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمدا فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله ولا تشربن خمرا فإنه رأس كل فاحشة وإياك والمعصية فإن المعصية تحل سخط الله . والأحاديث في هذا الباب أضعاف أضعاف ما ذكرنا فلا ينبغي لمن نصح نفسه أن يتعامى عنها ويرسل نفسه في المعاصي ويتعلق بحسن الرجاء وحسن الظن. قال أبو الوفاء بن عقيل: احذره ولا تغتر به فإنه قطع اليد في ثلاثة دراهم وجلد الحد في مثل رأس الإبرة من الخمر وقد دخلت المرأة النار في هرة واشتعلت الشملة نارا على من غلها وقد قتل شهيدا.(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2849",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية حدثنا الأعمش عن سليمان بن ميسرة عن طارق بن شهاب يرفعه قال: دخل رجل الجنة في ذباب ودخل رجل النار في ذباب قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله قال مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا فقالوا لأحدهما: قرب فقال ليس عندي شيء قالوا قرب ولو ذبابا فخلوا سبيله فدخل النار وقالوا للآخر: قرب فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا من دون الله عز وجل فضربوا عنقه فدخل الجنة وهذه الكلمة الواحدة يتكلم بها العبد يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب.  وربما اتكل بعض المغترين على ما يرى من نعم الله عليه في الدنيا وأنه لا يغير ما به ويظن أن ذلك من محبة الله له وأنه يعطيه في الآخرة أفضل من ذلك فهذا من الغرور. قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان حدثنا رشدين بن سعد عن حرملة بن عمران التجيبي عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا رأيت الله عز وجل يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج ثم تلا قوله عز وجل: فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون [سورة الأنعام: 44] . وقال بعض السلف: إذا رأيت الله يتابع عليك نعمه وأنت مقيم على معاصيه فاحذره فإنما هو استدراج منه يستدرجك به وقد قال تعالى: ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون - ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون - وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين [سورة الزخرف: 33 - 35] . وقد رد سبحانه على من يظن هذا الظن بقوله: فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمني - وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانني - كلا [سورة الفجر: 15 - 17] أي ليس كل من نعمته ووسعت عليه رزقه أكون قد أكرمته وليس كل من ابتليته وضيقت عليه رزقه أكون قد أهنته بل أبتلي هذا بالنعم وأكرم هذا بالابتلاء. وفي جامع الترمذي عنه - صلى الله عليه وسلم: إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الإيمان إلا من يحب(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2850",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال بعض السلف: رب مستدرج بنعم الله عليه وهو لا يعلم ورب مغرور بستر الله عليه وهو لا يعلم ورب مفتون بثناء الناس عليه وهو لا يعلم.  [فصل الاغترار بالدنيا] فصل الاغترار بالدنيا وأعظم الخلق غرورا من اغتر بالدنيا وعاجلها فآثرها على الآخرة ورضي بها من الآخرة حتى يقول بعض هؤلاء: الدنيا نقد والآخرة نسيئة والنقد أحسن من النسيئة. ويقول بعضهم: ذرة منقودة ولا درة موعودة. ويقول آخر منهم: لذات الدنيا متيقنة ولذات الآخرة مشكوك فيها ولا أدع اليقين بالشك. وهذا من أعظم تلبيس الشيطان وتسويله والبهائم العجم أعقل من هؤلاء فإن البهيمة إذا خافت مضرة شيء لم تقدم عليه ولو ضربت وهؤلاء يقدم أحدهم على ما فيه عطبه وهو بين مصدق ومكذب. فهذا الضرب إن آمن أحدهم بالله ورسوله ولقائه والجزاء فهو من أعظم الناس حسرة لأنه أقدم على علم وإن لم يؤمن بالله ورسوله فأبعد له. وقول هذا القائل: النقد خير من النسيئة. جوابه أنه إذا تساوى النقد والنسيئة فالنقد خير وإن تفاوتا وكانت النسيئة أكبر وأفضل فهي خير فكيف والدنيا كلها من أولها إلى آخرها كنفس واحد من أنفاس الآخرة كما في مسند أحمد والترمذي من حديث المستورد بن شداد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع فإيثار هذا النقد على هذه النسيئة من أعظم الغبن وأقبح الجهل وإذا كان هذا نسبة الدنيا بمجموعها إلى الآخرة فما مقدار عمر الإنسان بالنسبة إلى الآخرة فأيما أولى بالعاقل إيثار العاجل في هذه المدة اليسيرة وحرمان الخير الدائم في الآخرة أم ترك شيء حقير صغير منقطع عن قرب ليأخذ ما لا قيمة له ولا خطر له ولا نهاية لعدده ولا غاية لأمده وأما قول الآخر: لا أترك متيقنا لمشكوك فيه فيقال له: إما أن تكون على شك من وعد الله ووعيده وصدق رسله أو تكون على(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2851",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقين من ذلك فإن كنت على اليقين فما تركت إلا ذرة عاجلة منقطعة فانية عن قرب لأنه متيقن لا شك فيه ولا انقطاع له. وإن كنت على شك فراجع آيات الرب تعالى الدالة على وجوده وقدرته ومشيئته ووحدانيته وصدق رسله فيما أخبروا به عن الله وتجرد وقم لله ناظرا أو مناظرا حتى يتبين لك أن ما جاءت به الرسل عن الله فهو الحق الذي لا شك فيه وأن خالق هذا العالم ورب السماوات والأرض يتعالى ويتقدس ويتنزه عن خلاف ما أخبرت به رسله عنه ومن نسبه إلى غير ذلك فقد شتمه وكذبه وأنكر ربوبيته وملكه إذ من المحال الممتنع عند كل ذي فطرة سليمة أن يكون الملك الحق عاجزا أو جاهلا لا يعلم شيئا ولا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ولا يثيب ولا يعاقب ولا يعز من يشاء ولا يذل من يشاء ولا يرسل رسله إلى أطراف مملكته ونواحيها ولا يعتني بأحوال رعيته بل يتركهم سدى ويخليهم هملا وهذا يقدح في ملك آحاد ملوك البشر ولا يليق به فكيف يجوز نسبة الملك الحق المبين إليه وإذا تأمل الإنسان حاله من مبدأ كونه نطفة إلى حين كماله واستوائه تبين له أن من عني به هذه العناية ونقله إلى هذه الأحوال وصرفه في هذه الأطوار لا يليق به أن يهمله ويتركه سدى لا يأمره ولا ينهاه ولا يعرفه بحقوقه عليه ولا يثيبه ولا يعاقبه ولو تأمل العبد حق التأمل لكان كل ما يبصره وما لا يبصره دليلا له على التوحيد والنبوة والمعاد وأن القرآن كلامه وقد ذكرنا وجه الاستدلال بذلك في كتاب إيمان القرآن عند قوله: فلا أقسم بما تبصرون - وما لا تبصرون - إنه لقول رسول كريم [سورة الحاقة: 38 - 40] . وذكرنا طرفا من ذلك عند قوله: وفي أنفسكم أفلا تبصرون [سورة الذاريات: 21] . وأن الإنسان دليل نفسه على وجود خالقه وتوحيده وصدق رسله وإثبات صفات كماله. فقد بان أن المضيع مغرور على التقديرين: تقدير تصديقه ويقينه وتقدير تكذيبه وشكه. كيف يجتمع اليقين بالمعاد والتخلف عن العمل فإن قلت: كيف يجتمع التصديق الجازم الذي لا شك فيه بالمعاد والجنة والنار ويتخلف العمل وهل في الطباع البشرية أن يعلم العبد أنه مطلوب غدا إلى بين يدي بعض الملوك(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2852",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليعاقبه أشد عقوبة أو يكرمه أتم كرامة ويبيت ساهيا غافلا لا يتذكر موقفه بين يدي الملك ولا يستعد له ولا يأخذ له أهبته. قيل: هذا لعمر الله سؤال صحيح وارد على أكثر هذا الخلق فاجتماع هذين الأمرين من أعجب الأشياء وهذا التخلف له عدة أسباب: أحدها: ضعف العلم ونقصان اليقين ومن ظن أن العلم لا يتفاوت فقوله من أفسد الأقوال وأبطلها. وقد سأل إبراهيم الخليل ربه أن يريه إحياء الموتى عيانا بعد علمه بقدرة الرب على ذلك ليزداد طمأنينة ويصير المعلوم غيبا شهادة. وقد روى أحمد في مسنده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ليس الخبر كالمعاينة . فإذا اجتمع إلى ضعف العلم عدم استحضاره أو غيبته عن القلب في كثير من أوقاته أو أكثرها لاشتغاله بما يضاده وانضم إلى ذلك تقاضي الطبع وغلبات الهوى واستيلاء الشهوة وتسويل النفس وغرور الشيطان واستبطاء الوعد وطول الأمل ورقدة الغفلة وحب العاجلة ورخص التأويل وإلف العوائد فهناك لا يمسك الإيمان إلا الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا وبهذا السبب يتفاوت الناس في الإيمان والأعمال حتى ينتهي إلى أدنى مثقال ذرة في القلب. وجماع هذه الأسباب يرجع إلى ضعف البصيرة والصبر ولهذا مدح الله سبحانه أهل الصبر واليقين وجعلهم أئمة في الدين فقال تعالى: منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون [السجدة: 24]  [فصل الفرق بين حسن الظن والغرور] فصل الفرق بين حسن الظن والغرور وقد تبين الفرق بين حسن الظن والغرور وأن حسن الظن إن حمل على العمل وحث عليه وساق إليه فهو صحيح وإن دعا إلى البطالة والانهماك في المعاصي فهو غرور وحسن الظن هو الرجاء فمن كان رجاؤه هاديا له إلى الطاعة زاجرا له عن المعصية فهو رجاء صحيح ومن كانت بطالته رجاء ورجاؤه بطالة وتفريطا فهو المغرور. ولو أن رجلا كانت له أرض يؤمل أن يعود عليه من مغلها ما ينفعه فأهملها ولم يبذرها(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2853",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولم يحرثها وحسن ظنه بأنه يأتي من مغلها ما يأتي من حرث وبذر وسقى وتعاهد الأرض لعده الناس من أسفه السفهاء. وكذلك لو حسن ظنه وقوي رجاؤه بأن يجيئه ولد من غير جماع أو يصير أعلم أهل زمانه من غير طلب العلم وحرص تام عليه وأمثال ذلك. فكذلك من حسن ظنه وقوي رجاؤه في الفوز بالدرجات العلا والنعيم المقيم من غير طاعة ولا تقرب إلى الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وبالله التوفيق. وقد قال الله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله [سورة البقرة: 218] . فتأمل كيف جعل رجاءهم إتيانهم بهذه الطاعات وقال المغترون: إن المفرطين المضيعين لحقوق الله المعطلين لأوامره الباغين على عباده المتجرئين على محارمه أولئك يرجون رحمة الله. وسر المسألة: أن الرجاء وحسن الظن إنما يكون مع الإتيان بالأسباب التي اقتضتها حكمة الله في شرعه وقدره وثوابه وكرامته فيأتي العبد بها ثم يحسن ظنه بربه ويرجوه أن لا يكله إليها وأن يجعلها موصلة إلى ما ينفعه ويصرف ما يعارضها ويبطل أثرها.  [فصل الرجاء والأماني] فصل الرجاء والأماني ومما ينبغي أن من رجا شيئا استلزم رجاؤه ثلاثة أمور: أحدها: محبة ما يرجوه. الثاني: خوفه من فواته. الثالث: سعيه في تحصيله بحسب الإمكان. وأما رجاء لا يقارنه شيء من ذلك فهو من باب الأماني والرجاء شيء والأماني شيء آخر فكل راج خائف والسائر على الطريق إذا خاف أسرع السير مخافة الفوات. وفي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة .(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2854",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو سبحانه كما جعل الرجاء لأهل الأعمال الصالحة فكذلك جعل الخوف لأهل الأعمال الصالحة فعلم أن الرجاء والخوف النافع ما اقترن به العمل. قال الله تعالى: إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون - والذين هم بآيات ربهم يؤمنون - والذين هم بربهم لا يشركون - والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون - أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون [سورة المؤمنون: 57 - 61] . وقد روى الترمذي في جامعه عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية فقلت: أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون فقال: لا يا ابنة الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون أن لا يتقبل منهم أولئك يسارعون في الخيرات. وقد روي من حديث أبي هريرة أيضا. والله سبحانه وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف ووصف الأشقياء بالإساءة مع الأمن. خوف الصحابة من الله من تأمل أحوال الصحابة - رضي الله عنهم - وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف ونحن جميعا بين التقصير بل التفريط والأمن فهذا الصديق - رضي الله عنه - يقول: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن ذكره أحمد عنه. وذكر عنه أيضا أنه كان يمسك بلسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد وكان يبكي كثيرا ويقول: ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا. وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله عز وجل. وأتى بطائر فقلبه ثم قال: ما صيد من صيد ولا قطعت شجرة من شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح فلما احتضر قال لعائشة: يا بنية إني أصبت من مال المسلمين هذه العباءة وهذه الحلاب وهذا العبد فأسرعي به إلى ابن الخطاب وقال: والله لوددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتعضد. وقال قتادة: بلغني أن أبا بكر قال: ليتني خضرة تأكلني الدواب. وهذا عمر بن الخطاب قرأ سورة الطور إلى أن بلغ: إن عذاب ربك لواقع [سورة الطور: 77] فبكى واشتد بكاؤه حتى مرض وعادوه.(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2855",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال لابنه وهو في الموت: ويحك ضع خدي على الأرض عساه أن يرحمني ثم قال: ويل أمي إن لم يغفر لي (ثلاثا)  ثم قضي. وكان يمر بالآية في ورده بالليل فتخيفه فيبقى في البيت أياما يعاد يحسبونه مريضا وكان في وجهه - رضي الله عنه - خطان أسودان من البكاء. وقال له ابن عباس مصر الله بك الأمصار وفتح بك الفتوح وفعل فقال: وددت أني أنجو لا أجر ولا وزر. وهذا عثمان بن عفان - رضي الله عنه - كان إذا وقف على القبر يبكي حتى تبل لحيته وقال: لو أنني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيتهما يؤمر بي لاخترت أن أكون رمادا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير. وهذا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وبكاؤه وخوفه وكان يشتد خوفه من اثنتين: طول الأمل واتباع الهوى قال: فأما طول الأمل فينسي الآخرة وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق ألا وإن الدنيا قد ولت مدبرة والآخرة مقبلة ولكل واحدة بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل. وهذا أبو الدرداء كان يقول: إن أشد ما أخاف على نفسي يوم القيامة أن يقال لي: يا أبا الدرداء قد علمت فكيف عملت فيما علمت وكان يقول: لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت لما أكلتم طعاما على شهوة ولا شربتم شرابا على شهوة ولا دخلتم بيتا تستظلون فيه ولخرجتم إلى الصعدات تضربون صدوركم وتبكون على أنفسكم ولوددت أني شجرة تعضد ثم تؤكل. وكان عبد الله بن عباس أسفل عينيه مثل الشراك البالي من الدموع. وكان أبو ذر يقول: يا ليتني كنت شجرة تعضد ووددت أني لم أخلق وعرضت عليه النفقة فقال: ما عندنا عنز نحلبها وحمر ننقل عليها ومحرر يخدمنا وفضل عباءة وإني أخاف الحساب فيها. وقرأ تميم الداري ليلة سورة الجاثية فلما أتى على هذه الآية أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات [سورة الجاثية: 21] جعل يرددها ويبكي حتى أصبح.(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2856",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو عبيدة عامر بن الجراح: وددت أني كبش فذبحني أهلي وأكلوا لحمي وحسوا مرقي. وهذا باب يطول تتبعه. قال البخاري في صحيحه: باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر. وقال إبراهيم التيمي: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا. وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل. ويذكر عن الحسن: ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق. وكان عمر بن الخطاب يقول لحذيفة: أنشدك الله هل سماني لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني في المنافقين فيقول: لا ولا أزكي بعدك أحدا. فسمعت شيخنا - رضي الله عنه - يقول: ليس مراده لا أبرئ غيرك من النفاق بل المراد لا أفتح على نفسي هذا الباب فكل من سألني هل سماني لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأزكيه. قلت: وقريب من هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي سأله أن يدعو له أن يكون من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب: سبقك بها عكاشة . ولم يرد أن عكاشة وحده أحق بذلك ممن عداه من الصحابة ولكن لو دعا لقام آخر وآخر وانفتح الباب وربما قام من لم يستحق أن يكون منهم فكان الإمساك أولى والله أعلم.  [فصل ضرر الذنوب في القلب كضرر السموم في الأبدان] فصل ضرر الذنوب في القلب كضرر السموم في الأبدان فلنرجع إلى ما كنا فيه من ذكر دواء الداء الذي إن استمر أفسد دنيا العبد وآخرته. فما ينبغي أن يعلم أن الذنوب والمعاصي تضر ولا بد أن ضررها في القلب كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها في الضرر وهل في الدنيا والآخرة شر وداء إلا سببه الذنوب والمعاصي فما الذي أخرج الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه ومسخ ظاهره وباطنه فجعل صورته أقبح صورة وأشنعها وباطنه أقبح من صورته وأشنع وبدل بالقرب بعدا وبالرحمة لعنة وبالجمال قبحا وبالجنة نارا تلظى وبالإيمان كفرا وبموالاة الولي الحميد(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2857",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أعظم عداوة ومشاقة وبزجل التسبيح والتقديس والتهليل زجل الكفر والشرك والكذب والزور والفحش وبلباس الإيمان لباس الكفر والفسوق والعصيان فهان على الله غاية الهوان وسقط من عينه غاية السقوط وحل عليه غضب الرب تعالى فأهواه ومقته أكبر المقت فأرداه فصار قوادا لكل فاسق ومجرم رضي لنفسه بالقيادة بعد تلك العبادة والسيادة فعياذا بك اللهم من مخالفة أمرك وارتكاب نهيك. وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رأس الجبال وما الذي سلط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية ودمرت ما مر عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابهم حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها فأهلكهم جميعا ثم أتبعهم حجارة من السماء أمطرها عليهم فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه على أمة غيرهم ولإخوانهم أمثالها وما هي من الظالمين ببعيد وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل فلما صار فوق رءوسهم أمطر عليهم نارا تلظى وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم فالأجساد للغرق والأرواح للحرق وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات ودمرها تدميرا وما الذي أهلك قوم صاحب يس بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم وما الذي بعث على بني إسرائيل قوما أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وقتلوا الرجال وسبوا الذرية والنساء وأحرقوا الديار ونهبوا الأموال ثم بعثهم عليهم مرة ثانية فأهلكوا ما قدروا عليه وتبروا ما علوا تتبيرا وما الذي سلط عليهم أنواع العقوبات مرة بالقتل والسبي وخراب البلاد ومرة بجور(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2858",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الملوك ومرة بمسخهم قردة وخنازير وآخر ذلك أقسم الرب تبارك وتعالى: ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب [سورة الأعراف: 167] . قال الإمام أحمد حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا صفوان بن عمر وحدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: لما فتحت قبرص فرق بين أهلها فبكى بعضهم إلى بعض فرأيت أبا الدرداء جالسا وحده يبكي فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله فقال: ويحك يا جبير ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى. وقال علي بن الجعد: أنبأنا شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا البختري يقول: أخبرني من سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم . وفي مسند أحمد من حديث أم سلمة قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده فقلت: يا رسول الله أما فيهم يومئذ أناس صالحون قال: بلى قلت: كيف يصنع بأولئك قال: يصيبهم ما أصاب الناس ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان . وفي مراسيل الحسن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تزال هذه الأمة تحت يد الله وفي كنفه ما لم يمالئ قراؤها أمراءها وما لم يزك صلحاؤها فجارها وما لم يهن خيارها أشرارها فإذا هم فعلوا ذلك رفع الله يده عنهم ثم سلط عليهم جبابرتهم فساموهم سوء العذاب ثم ضربهم الله بالفاقة والفقر . وفي المسند من حديث ثوبان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه . وفيه أيضا عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: يوشك أن تتداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تتداعى الأكلة على قصعتها قلنا: يا رسول الله أمن قلة بنا يومئذ قال: أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل تنزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن قالوا وما الوهن قال: حب الحياة وكراهة الموت . وفي المسند من حديث أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم.(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2859",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: يخرج في آخر الزمان قوم يختلون الدنيا بالدين ويلبسون للناس مسوك الضأن من اللين ألسنتهم أحلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب يقول الله عز وجل: أبي يغترون وعلي يجترئون فبي حلفت لأبعثن أولئك فتنة تدع الحليم فيها حيران . وذكر ابن أبي الدنيا من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال علي: يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه مساجدهم يومئذ عامرة وهي خراب من الهدى علماؤهم شر من تحت أديم السماء منهم خرجت الفتنة وفيهم تعود. وذكر من حديث سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن الله عز وجل بهلاكها. وفي مراسيل الحسن: إذا أظهر الناس العلم وضيعوا العمل وتحابوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب وتقاطعوا بالأرحام لعنهم الله عز وجل عند ذلك فأصمهم وأعمى أبصارهم. وفي سنن ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأقبل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوجهه فقال: يا معشر المهاجرين خمس خصال أعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا ابتلوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء فلولا البهائم لم يمطروا ولا خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم . وفي المسند والسنن من حديث عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إن من كان قبلكم كان إذا عمل العامل فيهم بالخطيئة جاءه الناهي تعذيرا فإذا كان من الغد جالسه وواكله وشاربه كأنه لم يره على خطيئة بالأمس فلما رأى الله عز وجل ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض ثم لعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون والذي نفس(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2860",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم . وذكر ابن أبي الدنيا عن إبراهيم بن عمرو الصنعاني قال: أوحى الله إلى يوشع بن نون: إني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم وستين ألفا من شرارهم قال: يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار قال: لم يغضبوا لغضبي وكانوا يؤاكلونهم ويشاربونهم. وذكر أبو عمر بن عبد البر عن أبي عمران قال: بعث الله عز وجل ملكين إلى قرية أن دمراها بمن فيها فوجدا رجلا قائما يصلي في مسجد فقالا: يا رب إن فيها عبدك فلانا يصلي فقال الله عز وجل: دمراها ودمراه معهم فإنه ما تمعر وجهه في قط. وذكر الحميدي عن سفيان بن عيينة: قال: حدثني سفيان بن سعيد عن مسعر: أن ملكا أمر أن يخسف بقرية فقال: يا رب إن فيها فلانا العابد فأوحى الله إليه: أن به فابدأ فإنه لم يتمعر وجهه في ساعة قط. وذكر ابن أبي الدنيا عن وهب بن منبه قال: لما أصاب داود الخطيئة قال: يا رب اغفر لي: قال قد غفرت لك وألزمت عارها بني إسرائيل قال يا رب كيف وأنت الحكم العدل لا يظلم أحدا أنا أعمل الخطيئة وتلزم عارها غيري فأوحى الله إليه إنك لما عملت الخطيئة لم يعجلوا عليك بالإنكار. وذكر ابن أبي الدنيا عن أنس بن مالك: أنه دخل على عائشة هو ورجل آخر فقال لها الرجل: يا أم المؤمنين حدثينا عن الزلزلة فقالت: إذا استباحوا الزنا وشربوا الخمر وضربوا بالمعازف غار الله عز وجل في سمائه فقال للأرض تزلزلي بهم فإن تابوا ونزعوا وإلا هدمها عليهم قال: يا أم المؤمنين أعذابا لهم قالت: بلى موعظة ورحمة للمؤمنين ونكالا وعذابا وسخطا على الكافرين فقال أنس: ما سمعت حديثا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا أشد فرحا به مني بهذا الحديث. وذكر ابن أبي الدنيا حديثا مرسلا: إن الأرض تزلزلت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوضع يده عليها ثم قال: اسكني فإنه لم يأن لك بعد ثم التفت إلى أصحابه فقال: إن ربكم ليستعتبكم فأعتبوه ثم تزلزلت بالناس على عهد عمر بن الخطاب فقال يا أيها الناس ما كانت هذه الزلزلة إلا عن شيء أحدثتموه والذي نفسي بيده لئن عادت لا أساكنكم فيها أبدا . وفي مناقب عمر لابن أبي الدنيا أن الأرض تزلزلت على عهد عمر فضرب يده(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2861",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليها وقال: ما لك ما لك أما إنها لو كانت القيامة حدثت أخبارها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إذا كان يوم القيامة فليس فيها ذراع ولا شبر إلا وهو ينطق . وذكر الإمام أحمد عن صفية قالت: زلزلت المدينة على عهد عمر فقال: يا أيها الناس ما هذا وما أسرع ما أحدثتم لئن عادت لا أساكنكم فيها. وقال كعب: إنما زلزلت الأرض إذا عمل فيها بالمعاصي فترعد فرقا من الرب جل جلاله أن يطلع عليها. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار: أما بعد فإن هذا الرجف شيء يعاتب الله عز وجل به العباد وقد كتبت إلى الأمصار أن يخرجوا في يوم كذا وكذا في شهر كذا وكذا فمن كان عنده شيء فليتصدق به فإن الله عز وجل يقول: قد أفلح من تزكى - وذكر اسم ربه فصلى [سورة الأعلى: 14 - 15] . وقولوا كما قال آدم: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [سورة الأعراف: 23] . وقولوا كما قال نوح: وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين [سورة هود: 47] . وقولوا كما قال يونس: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين [سورة الأنبياء: 87] . وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر حدثنا أبو بكر عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة وتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء لا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم رواه أبو داود بإسناد حسن. وذكر ابن أبي الدنيا من حديث ابن عمر قال: لقد رأينا وما أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم. ولقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة وتركوا الجهاد في سبيل الله وأخذوا أذناب البقر أنزل الله عليهم من السماء بلاء فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم .(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2862",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الحسن: إن الفتنة والله ما هي إلا عقوبة من الله عز وجل على الناس. ونظر بعض أنبياء بني إسرائيل إلى ما يصنع بهم بختنصر فقال: بما كسبت أيدينا سلطت علينا من لا يعرفك ولا يرحمنا. وقال بختنصر لدانيال: ما الذي سلطني على قومك قال: عظم خطيئتك وظلم قومي أنفسهم. وذكر ابن أبي الدنيا من حديث عمار بن ياسر وحذيفة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله عز وجل إذا أراد بالعباد نقمة أمات الأطفال وأعقم أرحام النساء فتنزل النقمة وليس فيهم مرحوم . وذكر عن مالك بن دينار قال: قرأت في الحكمة: يقول الله عز وجل: أنا الله مالك الملوك قلوب الملوك بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم. وفي مراسيل الحسن: إذا أراد الله بقوم خيرا جعل أمرهم إلى حلمائهم وفيأهم عند سمحائهم وإذا أراد الله بقوم شرا جعل أمرهم إلى سفهائهم وفيأهم عند بخلائهم. وذكر الإمام أحمد وغيره عن قتادة قال: قال موسى: يا رب أنت في السماء ونحن في الأرض فما علامة غضبك من رضاك قال: إذا استعملت عليكم خياركم فهو من علامة رضائي عنكم وإذا استعملت عليكم شراركم فهو من علامة سخطي عليكم. وذكر ابن أبي الدنيا عن الفضيل بن عياض قال: أوحى الله إلى بعض الأنبياء: إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني. وذكر أيضا من حديث ابن عمر برفعه: والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يبعث الله أمراء كذبة ووزراء فجرة وأعوانا خونة وعرفاء ظلمة وقراء فسقة سيماهم سيماء الرهبان وقلوبهم أنتن من الجيف أهواؤهم مختلفة فيفتح الله لهم فتنة غبراء مظلمة فيتهالكون فيها والذي نفس محمد بيده لينقضن الإسلام عروة عروة حتى لا يقال: الله الله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم أشراركم فيسومونكم سوء العذاب ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليبعثن الله عليكم من لا يرحم صغيركم ولا يوقر كبيركم . وفي معجم الطبراني وغيره من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ما طفف قوم كيلا ولا بخسوا ميزانا إلا منعهم الله عز وجل القطر وما ظهر(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2863",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في قوم الزنا إلا ظهر فيهم الموت وما ظهر في قوم الربا إلا سلط الله عليهم الجنون ولا ظهر في قوم القتل - يقتل بعضهم بعضا - إلا سلط الله عليهم عدوهم ولا ظهر في قوم عمل قوم لوط إلا ظهر فيهم الخسف وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لم ترفع أعمالهم ولم يسمع دعاؤهم ورواه ابن أبي الدنيا من حديث إبراهيم بن الأشعث عن عبد الرحمن بن زيد عن أبيه عن سعيد به. وفي المسند وغيره من حديث عروة عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد حفزه النفس فعرفت في وجهه أن قد حفزه شيء فما تكلم حتى توضأ وخرج فلصقت بالحجرة فصعد المنبر: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس إن الله عز وجل يقول لكم: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أجيبكم وتستنصروني فلا أنصركم وتسألوني فلا أعطيكم . وقال العمري الزاهد: إن من غفلتك عن نفسك وإعراضك عن الله أن ترى ما يسخط الله فتتجاوزه ولا تأمر فيه ولا تنهى عنه خوفا ممن لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا. وقال: من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مخافة من المخلوقين نزعت منه الطاعة ولو أمر ولده أو بعض مواليه لاستخف بحقه. وذكر الإمام أحمد في مسنده من حديث قيس بن أبي حازم قال: قال أبو بكر الصديق: يا أيها الناس إنكم تتلون هذه الآية وإنكم تضعونها على غير موضعها ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم [سورة المائدة: 105] . وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه - وفي لفظ: إذا رأوا المنكر فلم يغيروه - أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده . وذكر الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إذا خفيت الخطيئة لم تضر إلا صاحبها وإذا ظهرت فلم تغير ضرت العامة . وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب: توشك القرى أن تخرب وهي عامرة قيل وكيف تخرب وهي عامرة قال: إذا علا فجارها أبرارها وساد القبيلة منافقوها. وذكر الأوزاعي عن حسان بن عطية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: سيظهر شرار أمتي على خيارها حتى يستخفي المؤمن فيهم كما يستخفي المنافق فينا اليوم . وذكر ابن أبي الدنيا من حديث ابن عباس يرفعه قال: يأتي زمان يذوب فيه قلب(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2864",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المؤمن كما يذوب الملح في الماء قيل: مم ذاك يا رسول الله قال: مما يرى من المنكر لا يستطيع تغييره . وذكر الإمام أحمد من حديث جرير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي وهم أعز وأكثر ممن يعمله فلم يغيروه إلا عمهم الله بعقاب . وفي صحيح البخاري عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع عليه أهل النار فيقولون: أي فلان ما شأنك ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر قال: بلى كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه . وذكر الإمام أحمد عن مالك بن دينار قال: كان حبر من أحبار بني إسرائيل يغشى منزله الرجال والنساء فيعظهم ويذكرهم بأيام الله فرأى بعض بنيه يوما يغمز النساء فقال: مهلا يا بني مهلا يا بني فسقط من سريره فانقطع نخاعه وأسقطت امرأته وقتل بنوه فأوحى الله إلى نبيهم: أن أخبر فلانا الخبر: أني لا أخرج من صلبك صديقا أبدا ما كان غضبك لي إلا أن قلت مهلا يا بني. وذكر الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضرب لهن مثلا كمثل القوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود والرجل يجيء بالعود حتى جمعوا سوادا وأججوا نارا وأنضجوا ما قذفوا فيها . وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك قال: إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر وإن كنا لنعدها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الموبقات. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت النار لا هي أطعمتها ولا سقتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض . وفي الحلية لأبي نعيم عن حذيفة أنه قيل له: في يوم واحد تركت بنو إسرائيل دينهم قال: لا ولكنهم كانوا إذا أمروا بشيء تركوه وإذا نهوا عن شيء ركبوه حتى انسلخوا من دينهم كما ينسلخ الرجل من قميصه. ومن هاهنا قال بعض السلف: المعاصي بريد الكفر كما أن القبلة بريد الجماع والغناء بريد الزنا والنظر بريد العشق والمرض بريد الموت. وفي الحلية أيضا عن ابن عباس أنه قال: يا صاحب الذنب لا تأمن سوء عاقبته ولما(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2865",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يتبع الذنب أعظم من الذنب إذا عملته قلة حيائك ممن على اليمين وعلى الشمال - وأنت على الذنب - أعظم من الذنب وضحكك وأنت لا تدري ما الله صانع بك أعظم من الذنب وفرحك بالذنب إذا ظفرت به أعظم من الذنب وحزنك على الذنب إذا فاتك أعظم من الذنب وخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على الذنب ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب ويحك هل تدري ما كان ذنب أيوب فابتلاه بالبلاء في جسده وذهاب ماله استغاث به مسكين على ظالم يدرؤه عنه فلم يعنه ولم ينه الظالم عن ظلمه فابتلاه الله. قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد قال: سمعت الأوزاعي يقول: سمعت بلال بن سعد يقول: لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى من عصيت. وقال الفضيل بن عياض: بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله. وقيل: أوحى الله تعالى إلى موسى يا موسى إن أول من مات من خلقي إبليس وذلك أنه أول من عصاني وإنما أعد من عصاني من الأموات. وفي المسند وجامع الترمذي من حديث أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إن المؤمن إذا أذنب ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء فإذا تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي ذكره الله عز وجل: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون [سورة المطففين: 14] . وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال حذيفة: إذا أذنب العبد ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء حتى يصير قلبه كالشاة الريداء. وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: أما بعد يا معشر قريش فإنكم أهل لهذا الأمر ما لم تعصوا الله فإذا عصيتموه بعث عليكم من يلحاكم كما يلحى هذا القضيب بقضيب في يده ثم لحا قضيبه فإذا هو أبيض يصلد . وذكر الإمام أحمد: عن وهب قال الرب عز وجل: قال في بعض ما يقول لبني إسرائيل: إني إذا أطعت رضيت وإذا رضيت باركت وليس لبركتي نهاية وإذا عصيت غضبت وإذا غضبت لعنت ولعنتي تبلغ السابع من الولد quot;.  [فصل من آثار المعاصي](1\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2866",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله. فمنها: حرمان العلم فإن العلم نور يقذفه الله في القلب والمعصية تطفئ ذلك النور. ولما جلس الإمام الشافعي بين يدي مالك وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور فطنته وتوقد ذكائه وكمال فهمه فقال: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بظلمة المعصية. وقال الشافعي رحمه الله: شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال اعلم بأن العلم فضل ... وفضل الله لا يؤتاه عاصي ومنها: حرمان الرزق وفي المسند: إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه وقد تقدم وكما أن تقوى الله مجلبة للرزق فترك التقوى مجلبة للفقر فما استجلب رزق الله بمثل ترك المعاصي. ومنها: وحشة يجدها العاصي في قلبه بينه وبين الله لا توازنها ولا تقارنها لذة أصلا ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تف بتلك الوحشة وهذا أمر لا يحس به إلا من في قلبه حياة وما لجرح بميت إيلام فلو لم تترك الذنوب إلا حذرا من وقوع تلك الوحشة لكان العاقل حريا بتركها. وشكا رجل إلى بعض العارفين وحشة يجدها في نفسه فقال له: إذا كنت قد أوحشتك الذنوب ... فدعها إذا شئت واستأنس وليس على القلب أمر من وحشة الذنب على الذنب فالله المستعان. ومنها: الوحشة التي تحصل له بينه وبين الناس ولاسيما أهل الخير منهم فإنه يجد وحشة بينه وبينهم وكلما قويت تلك الوحشة بعد منهم ومن مجالستهم وحرم بركة الانتفاع بهم وقرب من حزب الشيطان بقدر ما بعد من حزب الرحمن وتقوى هذه الوحشة حتى تستحكم فتقع بينه وبين امرأته وولده وأقاربه وبينه وبين نفسه فتراه مستوحشا من نفسه.(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2867",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر أيضا عن وكيع حدثنا زكريا عن عامر قال: كتبت عائشة إلى معاوية: أما بعد: فإن العبد إذا عمل بمعصية الله عد حامده من الناس ذاما. ذكر أبو نعيم عن سالم بن أبي الجعد عن أبي الدرداء قال: ليحذر امرؤ أن تلعنه قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر ثم قال: أتدري مم هذا قلت: لا قال: إن العبد يخلو بمعاصي الله فيلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر. وذكر عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه عن محمد بن سيرين: أنه لما ركبه الدين اغتم لذلك فقال: إني لأعرف هذا الغم بذنب أصبته منذ أربعين سنة. قد لا يؤثر الذنب في الحال وهاهنا نكتة دقيقة يغلط فيها الناس في أمر الذنب وهي أنهم لا يرون تأثيره في الحال وقد يتأخر تأثيره فينسى ويظن العبد أنه لا يغبر بعد ذلك وأن الأمر كما قال القائل: إذا لم يغبر حائط في وقوعه ... فليس له بعد الوقوع غبار وسبحان الله! ماذا أهلكت هذه النكتة من الخلق وكم أزالت غبار نعمة وكم جلبت من نقمة وما أكثر المغترين بها العلماء والفضلاء فضلا عن الجهال ولم يعلم المغتر أن الذنب ينقض ولو بعد حين كما ينقض السم وكما ينقض الجرح المندمل على الغش والدغل. وقد ذكر الإمام أحمد عن أبي الدرداء: اعبدوا الله كأنكم ترونه وعدوا أنفسكم من الموتى واعلموا أن قليلا يغنيكم خير من كثير يلهيكم واعلموا أن البر لا يبلى وأن الإثم لا ينسى. ونظر بعض العباد إلى صبي فتأمل محاسنه فأتي في منامه وقيل له: لتجدن غبها بعد أربعين سنة. هذا مع أن للذنب نقدا معجلا لا يتأخر عنه قال سليمان التيمي: إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته. وقال يحيى بن معاذ الرازي عجبت من ذي عقل يقول في دعائه: اللهم لا تشمت بي الأعداء ثم هو يشمت بنفسه كل عدو له قيل: وكيف ذلك قال يعصي الله ويشمت به في القيامة كل عدو. وقال ذو النون: من خان الله في السر هتك الله ستره في العلانية.(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2868",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال بعض السلف: إني لأعصي الله فأرى ذلك في خلق دابتي وامرأتي. ومنها: تعسير أموره عليه فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقا دونه أو متعسرا عليه وهذا كما أن من تلقى الله جعل له من أمره يسرا فمن عطل التقوى جعل له من أمره عسرا ويا لله العجب! كيف يجد العبد أبواب الخير والمصالح مسدودة عنه وطرقها معسرة عليه وهو لا يعلم من أين أتي ومنها: ظلمة يجدها في قلبه حقيقة يحس بها كما يحس بظلمة الليل البهيم إذا ادلهم فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسية لبصره فإن الطاعة نور والمعصية ظلمة وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته حتى يقع في البدع والضلالات والأمور المهلكة وهو لا يشعر كأعمى أخرج في ظلمة الليل يمشي وحده وتقوى هذه الظلمة حتى تظهر في العين ثم تقوى حتى تعلو الوجه وتصير سوادا في الوجه حتى يراه كل أحد. قال عبد الله بن عباس: إن للحسنة ضياء في الوجه ونورا في القلب وسعة في الرزق وقوة في البدن ومحبة في قلوب الخلق وإن للسيئة سوادا في الوجه وظلمة في القبر والقلب ووهنا في البدن ونقصا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق. ومنها أن المعاصي توهن القلب والبدن أما وهنها للقلب فأمر ظاهر بل لا تزال توهنه حتى تزيل حياته بالكلية. وأما وهنها للبدن فإن المؤمن قوته من قلبه وكلما قوي قلبه قوي بدنه وأما الفاجر فإنه - وإن كان قوي البدن - فهو أضعف شيء عند الحاجة فتخونه قوته عند أحوج ما يكون إلى نفسه فتأمل قوة أبدان فارس والروم كيف خانتهم أحوج ما كانوا إليها وقهرهم أهل الإيمان بقوة أبدانهم وقلوبهم ومنها: حرمان الطاعة فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا أن يصد عن طاعة تكون بدله ويقطع طريق طاعة أخرى فينقطع عليه بالذنب طريق ثالثة ثم رابعة وهلم جرا فينقطع عليه بالذنب طاعات كثيرة كل واحدة منها خير له من الدنيا وما عليها وهذا كرجل أكل أكلة أوجبت له مرضة طويلة منعته من عدة أكلات أطيب منها والله المستعان. طول العمر وقصره ومنها: أن المعاصي تقصر العمر وتمحق بركته ولا بد فإن البر كما يزيد في العمر فالفجور يقصر العمر. وقد اختلف الناس في هذا الموضع.(1\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2869",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقالت طائفة: نقصان عمر العاصي هو ذهاب بركة عمره ومحقها عليه وهذا حق وهو بعض تأثير المعاصي. وقالت طائفة: بل تنقصه حقيقة كما تنقص الرزق فجعل الله سبحانه للبركة في الرزق أسبابا كثيرة تكثره وتزيده وللبركة في العمر أسبابا تكثره وتزيده. قالوا ولا تمنع زيادة العمر بأسباب كما ينقص بأسباب فالأرزاق والآجال والسعادة والشقاوة والصحة والمرض والغنى والفقر وإن كانت بقضاء الرب عز وجل فهو يقضي ما يشاء بأسباب جعلها موجبة لمسبباتها مقتضية لها. وقالت طائفة أخرى: تأثير المعاصي في محق العمر إنما هو بأن حقيقة الحياة هي حياة القلب ولهذا جعل الله سبحانه الكافر ميتا غير حي كما قال تعالى أموات غير أحياء [سورة النحل: 21] . فالحياة في الحقيقة حياة القلب وعمر الإنسان مدة حياته فليس عمره إلا أوقات حياته بالله فتلك ساعات عمره فالبر والتقوى والطاعة تزيد في هذه الأوقات التي هي حقيقة عمره ولا عمر له سواها. وبالجملة فالعبد إذا أعرض عن الله واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه أيام حياته الحقيقية التي يجد غب إضاعتها يوم يقول: ياليتني قدمت لحياتي [سورة الفجر: 24] . فلا يخلو إما أن يكون له مع ذلك تطلع إلى مصالحه الدنيوية والأخروية أو لا فإن لم يكن له تطلع إلى ذلك فقد ضاع عليه عمره كله وذهبت حياته باطلا وإن كان له تطلع إلى ذلك طالت عليه الطريق بسبب العوائق وتعسرت عليه أسباب الخير بحسب اشتغاله بأضدادها وذلك نقصان حقيقي من عمره. وسر المسألة أن عمر الإنسان مدة حياته ولا حياة له إلا بإقباله على ربه والتنعم بحبه وذكره وإيثار مرضاته.  [فصل توالد المعاصي] فصل توالد المعاصي ومنها أن المعاصي تزرع أمثالها وتولد بعضها بعضا حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها كما قال بعض السلف: إن من عقوبة السيئة السيئة بعدها وإن من ثواب(1\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2870",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحسنة الحسنة بعدها فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جنبها: اعملني أيضا فإذا عملها قالت الثالثة كذلك وهلم جرا فتضاعف الربح وتزايدت الحسنات. وكذلك كانت السيئات أيضا حتى تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة وصفات لازمة وملكات ثابتة فلو عطل المحسن الطاعة لضاقت عليه نفسه وضاقت عليه الأرض بما رحبت وأحس من نفسه بأنه كالحوت إذا فارق الماء حتى يعاودها فتسكن نفسه وتقر عينه. ولو عطل المجرم المعصية وأقبل على الطاعة لضاقت عليه نفسه وضاق صدره وأعيت عليه مذاهبه حتى يعاودها حتى إن كثيرا من الفساق ليواقع المعصية من غير لذة يجدها ولا داعية إليها إلا بما يجد من الألم بمفارقتها. كما صرح بذلك شيخ القوم الحسن بن هانئ حيث يقول: وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها وقال الآخر: فكانت دوائي وهي دائي بعينه ... كما يتداوى شارب الخمر بالخمر ولا يزال العبد يعاني الطاعة ويألفها ويحبها ويؤثرها حتى يرسل الله سبحانه وتعالى برحمته عليه الملائكة تؤزه إليها أزا وتحرضه عليها وتزعجه عن فراشه ومجلسه إليها. ولا يزال يألف المعاصي ويحبها ويؤثرها حتى يرسل الله إليه الشياطين فتؤزه إليها أزا. فالأول قوي جند الطاعة بالمدد فكانوا من أكبر أعوانه وهذا قوي جند المعصية بالمدد فكانوا أعوانا عليه.  [فصل المعصية تضعف إرادة الخير] فصل المعصية تضعف إرادة الخير ومنها: - وهو من أخوفها على العبد - أنها تضعف القلب عن إرادته فتقوي إرادة المعصية وتضعف إرادة التوبة شيئا فشيئا إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية فلو مات نصفه لما تاب إلى الله فيأتي بالاستغفار وتوبة الكذابين باللسان بشيء كثير وقلبه معقود بالمعصية مصر عليها عازم على مواقعتها متى أمكنه وهذا من أعظم الأمراض وأقربها إلى الهلاك  [فصل إلف المعصية] فصل إلف المعصية(1\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2871",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: أنه ينسلخ من القلب استقباحها فتصير له عادة فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له ولا كلامهم فيه. وهذا عند أرباب الفسوق هو غاية التهتك وتمام اللذة حتى يفتخر أحدهم بالمعصية ويحدث بها من لم يعلم أنه عملها فيقول: يا فلان عملت كذا وكذا. وهذا الضرب من الناس لا يعافون وتسد عليهم طريق التوبة وتغلق عنهم أبوابها في الغالب كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: كل أمتي معافى إلا المجاهرون وإن من الإجهار أن يستر الله على العبد ثم يصبح يفضح نفسه ويقول: يا فلان عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا فهتك نفسه وقد بات يستره ربه . المعاصي مواريث ومنها أن كل معصية من المعاصي فهي ميراث عن أمة من الأمم التي أهلكها الله عز وجل. فاللوطية: ميراث عن قوم لوط. وأخذ الحق بالزائد ودفعه بالناقص ميراث عن قوم شعيب. والعلو في الأرض بالفساد ميراث عن قوم فرعون. والتكبر والتجبر ميراث عن قوم هود. فالعاصي لابس ثياب بعض هذه الأمم وهم أعداء الله. وقد روى عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه عن مالك بن دينار قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك: لا يدخلوا مداخل أعدائي ولا يلبسوا ملابس أعدائي ولا يركبوا مراكب أعدائي ولا يطعموا مطاعم أعدائي فيكونوا أعدائي كما هم أعدائي. وفي مسند أحمد من حديث عبد الله بن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم .  [فصل هوان العاصي على ربه] فصل هوان العاصي على ربه(1\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2872",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه. قال الحسن البصري: هانوا عليه فعصوه ولو عزوا عليه لعصمهم وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد كما قال الله تعالى: ومن يهن الله فما له من مكرم [سورة الحج: 18] وإن عظمهم الناس في الظاهر لحاجتهم إليهم أو خوفا من شرهم فهم في قلوبهم أحقر شيء وأهونه. هوان المعاصي على المصرين ومنها: أن العبد لا يزال يرتكب الذنب حتى يهون عليه ويصغر في قلبه وذلك علامة الهلاك فإن الذنب كلما صغر في عين العبد عظم عند الله. وقد ذكر البخاري في صحيحه عن ابن مسعود قال: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار.  [فصل شؤم الذنوب] فصل شؤم الذنوب ومنها: أن غيره من الناس والدواب يعود عليه شؤم ذنبه فيحترق هو وغيره بشؤم الذنوب والظلم. قال أبو هريرة: إن الحبارى لتموت في وكرها من ظلم الظالم. وقال مجاهد: إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السنة وأمسك المطر وتقول: هذا بشؤم معصية ابن آدم. وقال عكرمة: دواب الأرض وهوامها حتى الخنافس والعقارب يقولون: منعنا القطر بذنوب بني آدم. فلا يكفيه عقاب ذنبه حتى يلعنه من لا ذنب له.  [فصل المعصية تورث الذل] فصل المعصية تورث الذل(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2873",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: أن المعصية تورث الذل ولا بد فإن العز كل العز في طاعة الله تعالى قال تعالى: من كان يريد العزة فلله العزة جميعا [سورة فاطر: 10] أي فليطلبها بطاعة الله فإنه لا يجدها إلا في طاعة الله. وكان من دعاء بعض السلف: اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك. قال الحسن البصري: إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين إن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم أبى الله إلا أن يذل من عصاه. وقال عبد الله بن المبارك: رأيت الذنوب تميت القلوب ... وقد يورث الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها  [فصل المعاصي تفسد العقل] فصل المعاصي تفسد العقل ومنها: أن المعاصي تفسد العقل فإن للعقل نورا والمعصية تطفئ نور العقل ولا بد وإذا طفئ نوره ضعف ونقص. وقال بعض السلف: ما عصى الله أحد حتى يغيب عقله وهذا ظاهر فإنه لو حضر عقله لحجزه عن المعصية وهو في قبضة الرب تعالى أو تحت قهره وهو مطلع عليه وفي داره على بساطه وملائكته شهود عليه ناظرون إليه وواعظ القرآن ينهاه وواعظ الموت ينهاه وواعظ النار ينهاه والذي يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة أضعاف ما يحصل له من السرور واللذة بها فهل يقدم على الاستهانة بذلك كله والاستخفاف به ذو عقل سليم  [فصل الذنوب تطبع على القلوب] فصل الذنوب تطبع على القلوب(1\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2874",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: أن الذنوب إذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها فكان من الغافلين. كما قال بعض السلف في قوله تعالى: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون [سورة المطففين: 14]  قال: هو الذنب بعد الذنب. وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يعمي القلب. وقال غيره: لما كثرت ذنوبهم ومعاصيهم أحاطت بقلوبهم. وأصل هذا أن القلب يصدأ من المعصية فإذا زادت غلب الصدأ حتى يصير رانا ثم يغلب حتى يصير طبعا وقفلا وختما فيصير القلب في غشاوة وغلاف فإذا حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة انعكس فصار أعلاه أسفله فحينئذ يتولاه عدوه ويسوقه حيث أراد.  [فصل الذنوب تدخل العبد تحت لعنة رسول الله صلى الله عليه وسلم] فصل الذنوب تدخل العبد تحت لعنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومنها: أن الذنوب تدخل العبد تحت لعنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه لعن على معاصي والتي غيرها أكبر منها فهي أولى بدخول فاعلها تحت اللعنة. فلعن الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمصة والواشرة والمستوشرة. ولعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهده. ولعن المحلل والمحلل له. ولعن السارق. ولعن شارب الخمر وساقيها وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومشتريها وآكل ثمنها وحاملها والمحمولة إليه. ولعن من غير منار الأرض وهي أعلامها وحدودها. ولعن من لعن والديه. ولعن من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا يرميه بسهم. ولعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء.(1\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2875",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولعن من ذبح لغير الله. ولعن من أحدث حدثا أو آوى محدثا. ولعن المصورين. ولعن من عمل عمل قوم لوط. ولعن من سب أباه وأمه. ولعن من كمه أعمى عن الطريق. ولعن من أتى بهيمة. ولعن من وسم دابة في وجهها. ولعن من ضار مسلما أو مكر به. ولعن زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج. ولعن من أفسد امرأة على زوجها أو مملوكا على سيده. ولعن من أتى امرأة في دبرها. وأخبر أن من باتت مهاجرة لفراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح. ولعن من انتسب إلى غير أبيه. وأخبر أن من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه. ولعن من سب الصحابة. من لعنه الله وقد لعن الله من أفسد في الأرض وقطع رحمه وآذاه وآذى رسوله - صلى الله عليه وسلم -. ولعن من كتم ما أنزل الله سبحانه من البينات والهدى. ولعن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات بالفاحشة. ولعن من جعل سبيل الكافر أهدى من سبيل المسلم. ولعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل. ولعن الراشي والمرتشي والرائش وهو: الواسطة في الرشوة. ولعن على أشياء أخرى غير هذه. فلو لم يكن في فعل ذلك إلا رضاء فاعله بأن يكون ممن يلعنه الله ورسوله وملائكته لكان في ذلك ما يدعو إلى تركه.  [فصل حرمان دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم] فصل حرمان دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم.(1\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2876",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: حرمان دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعوة الملائكة فإن الله سبحانه أمر نبيه أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات وقال تعالى: الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم - ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم - وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم [سورة غافر: 7 - 9] . فهذا دعاء الملائكة للمؤمنين التائبين المتبعين لكتابه وسنة رسوله الذين لا سبيل لهم غيرهما فلا يطمع غير هؤلاء بإجابة هذه الدعوة إذ لم يتصف بصفات المدعو له بها والله المستعان.  [فصل ما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم من عقوبات العصاة] فصل ما رآه الرسول - صلى الله عليه وسلم - من عقوبات العصاة ومن عقوبات المعاصي ما رواه البخاري في صحيحه من حديث سمرة بن جندب قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مما يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا فيقص عليه من شاء الله أن يقص وأنه قال لنا ذات غداة: إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما انبعثا لي وإنهما قالا لي: انطلق وإني انطلقت معهما وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيتدهده الحجر هاهنا فيقع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصبح رأسه كما كان ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل في المرة الأولى قال: قلت لهما: سبحان الله ما هذان قالا لي: انطلق انطلق. فانطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه ويشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصبح ذلك الجانب كما كان ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل في المرة الأولى قال: قلت: سبحان الله! ما هذان فقالا لي: انطلق انطلق.(1\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2877",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فانطلقنا فأتينا على مثل التنور وإذا فيه لغط وأصوات قال: فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا فقال: قلت: من هؤلاء قال: فقالا لي: انطلق انطلق. فانطلقنا فأتينا على نهر أحمر مثل الدم فإذا في النهر رجل سابح يسبح وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة وإذا ذلك السابح يسبح ما شاء الله أن يسبح ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه فيلقمه حجرا فينطلق فيسبح ثم يرجع إليه كلما رجع إليه فيفغر له فاه فيلقمه حجرا قلت لهما: ما هذان قالا لي: انطلق انطلق. فانطلقنا فأتينا على رجل كريه المرآة أو كأكره ما أنت راء رجلا مرأى وإذا هو عنده نار يحثها ويسعى حولها قال: قلت لهما: ما هذا قال: قالا لي: انطلق انطلق. فانطلقنا على روضة معتمة فيها من كل نور الربيع وإذا بين ظهراني الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولا في السماء وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط قال: قلت: ما هذا وما هؤلاء قال: قالا لي: انطلق انطلق. فانطلقنا فأتينا إلى دوحة عظيمة لم أر دوحة قط أعظم منها ولا أحسن قال: قالا لي: ارق فيها فارتقينا فيها إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة قال: فأتينا باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا فدخلناها فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر منهم كأقبح ما أنت راء قال: قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر قال: وإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض في البياض فذهبوا فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم قال: قالا لي: هذه جنة عدن وها ذاك منزلك. قال: فسما بصري صعدا فإذا قصر مثل الربابة البيضاء قال: قالا لي: هذا منزلك قلت لهما: بارك الله فيكما فذراني فأدخله قالا: أما الآن فلا وأنت داخله. قلت لهما: فإني رأيت منذ الليلة عجبا فما هذا الذي رأيت قال: قالا لي: أما إنا سنخبرك. أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة. وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو إلى بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق.(1\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2878",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور فإنهم الزناة والزواني. وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجارة فإنه آكل الربا. وأما الرجل الكريه المنظر الذي عند النار يحثها ويسعى حولها فإنه مالك خازن جهنم. وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم. وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة - وفي رواية البرقاني: ولد على الفطرة - فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: وأولاد المشركين. وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا تجاوز الله عنهم.  [فصل الذنوب تحدث الفساد في الأرض] فصل الذنوب تحدث الفساد في الأرض ومن آثار الذنوب والمعاصي: أنها تحدث في الأرض أنواعا من الفساد في المياه والهواء والزرع والثمار والمساكن قال تعالى: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون [سورة الروم: 41] . قال مجاهد: إذا ولي الظالم سعى بالظلم والفساد فيحبس الله بذلك القطر فيهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ثم قرأ: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون [سورة الروم: 41] . ثم قال: أما والله ما هو بحركم هذا ولكن كل قرية على ماء جار فهو بحر وقال عكرمة: ظهر الفساد في البر والبحر أما إني لا أقول لكم: بحركم هذا ولكن كل قرية على ماء. وقال قتادة: أما البر فأهل العمود وأما البحر فأهل القرى والريف قلت: وقد سمى الله تعالى الماء العذب بحرا فقال: وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج [سورة فاطر: 12] .(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2879",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وليس في العالم بحر حلو واقف وإنما هي الأنهار الجارية والبحر المالح هو الساكن فسمى القرى التي عليها المياه الجارية باسم تلك المياه. وقال ابن زيد ظهر الفساد في البر والبحر قال: الذنوب. قلت: أراد أن الذنوب سبب الفساد الذي ظهر وإن أراد أن الفساد الذي ظهر هو الذنوب نفسها فتكون اللام في قوله: ليذيقهم بعض الذي عملوا لام العاقبة والتعليل وعلى الأول فالمراد بالفساد: النقص والشر والآلام التي يحدثها الله في الأرض عند معاصي العباد فكلما أحدثوا ذنبا أحدث الله لهم عقوبة كما قال بعض السلف: كلما أحدثتم ذنبا أحدث الله لكم من سلطانه عقوبة. والظاهر - والله أعلم - أن الفساد المراد به الذنوب وموجباتها ويدل عليه قوله تعالى: ليذيقهم بعض الذي عملوا فهذا حالنا وإنما أذاقنا الشيء اليسير من أعمالنا ولو أذاقنا كل أعمالنا لما ترك على ظهرها من دابة. المعاصي سبب الخسف والزلازل ومن تأثير معاصي الله في الأرض ما يحل بها من الخسف والزلازل ويمحق بركتها وقد مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ديار ثمود فمنعهم من دخول ديارهم إلا وهم باكون ومن شرب مياههم ومن الاستسقاء من آبارهم حتى أمر أن لا يعلف العجين الذي عجن بمياههم للنواضح لتأثير شؤم المعصية في الماء وكذلك شؤم تأثير الذنوب في نقص الثمار وما ترى به من الآفات. وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده في ضمن حديث قال: وجدت في خزائن بعض بني أمية حنطة الحبة بقدر نواة التمرة وهي في صرة مكتوب عليها: كان هذا ينبت في زمن من العدل وكثير من هذه الآفات أحدثها الله سبحانه وتعالى بما أحدث العباد من الذنوب. وأخبرني جماعة من شيوخ الصحراء أنهم كانوا يعهدون الثمار أكبر مما هي الآن وكثير من هذه الآفات التي تصيبها لم يكونوا يعرفونها وإنما حدثت من قرب. تأثير الذنوب في الصور وأما تأثير الذنوب في الصور والخلق فقد روى الترمذي في جامعه عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: خلق الله آدم وطوله في السماء ستون ذراعا ولم يزل الخلق ينقص حتى الآن . فإذا أراد الله أن يطهر الأرض من الظلمة والخونة والفجرة يخرج عبدا من عباده من أهل بيت نبيه - صلى الله عليه وسلم - فيملأ الأرض قسطا كما ملئت جورا ويقتل المسيح اليهود والنصارى(1\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2880",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويقيم الدين الذي بعث الله به رسوله وتخرج الأرض بركاتها وتعود كما كانت حتى إن العصابة من الناس ليأكلون الرمانة ويستظلون بقحفها ويكون العنقود من العنب وقر بعير ولبن اللقحة الواحدة لتكفي الفئام من الناس وهذه لأن الأرض لما طهرت من المعاصي ظهرت فيها آثار البركة من الله تعالى التي محقتها الذنوب والكفر ولا ريب أن العقوبات التي أنزلها الله في الأرض بقيت آثارها سارية في الأرض تطلب ما يشاكلها من الذنوب التي هي آثار تلك الجرائم التي عذبت بها الأمم فهذه الآثار في الأرض من آثار تلك العقوبات كما أن هذه المعاصي من آثار تلك الجرائم فتناسبت كلمة الله وحكمه الكوني أولا وآخرا وكان العظيم من العقوبة للعظيم من الجناية والأخف للأخف وهكذا يحكم سبحانه بين خلقه في دار البرزخ ودار الجزاء. وتأمل مقارنة الشيطان ومحله وداره فإنه لما قارن العبد واستولى عليه نزعت البركة من عمره وعمله وقوله ورزقه ولما أثرت طاعته في الأرض ما أثرت ونزعت البركة من كل محل ظهرت فيه طاعته وكذلك مسكنه لما كان الجحيم لم يكن هناك شيء من الروح والرحمة والبركة.  [فصل الذنوب تطفئ الغيرة] فصل الذنوب تطفئ الغيرة ومن عقوبات الذنوب: أنها تطفئ من القلب نار الغيرة التي هي لحياته وصلاحه كالحرارة الغريزية لحياة جميع البدن فالغيرة حرارته وناره التي تخرج ما فيه من الخبث والصفات المذمومة كما يخرج الكير خبث الذهب والفضة والحديد وأشرف الناس وأعلاهم همة أشدهم غيرة على نفسه وخاصته وعموم الناس ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أغير الخلق على الأمة والله سبحانه أشد غيرة منه كما ثبت في الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير مني . وفي الصحيح أيضا عنه أنه قال في خطبة الكسوف: يا أمة محمد ما أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته . وفي الصحيح أيضا عنه أنه قال: لا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين ولا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك أثنى على نفسه .(1\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2881",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فجمع في هذا الحديث بين الغيرة التي أصلها كراهة القبائح وبغضها وبين محبة العذر الذي يوجب كمال العدل والرحمة والإحسان والله سبحانه - مع شدة غيرته - يحب أن يعتذر إليه عبده ويقبل عذر من اعتذر إليه وأنه لا يؤاخذ عبيده بارتكاب ما يغار من ارتكابه حتى يعذر إليهم ولأجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه إعذارا وإنذارا وهذا غاية المجد والإحسان ونهاية الكمال. فإن كثيرا ممن تشتد غيرته من المخلوقين تحمله شدة الغيرة على سرعة الإيقاع والعقوبة من غير إعذار منه ومن غير قبول لعذر من اعتذر إليه بل يكون له في نفس الأمر عذر ولا تدعه شدة الغيرة أن يقبل عذره وكثير ممن يقبل المعاذير يحمله على قبولها قلة الغيرة حتى يتوسع في طرق المعاذير ويرى عذرا ما ليس بعذر حتى يعتذر كثير منهم بالقدر وكل منهما غير ممدوح على الإطلاق. وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إن من الغيرة ما يحبها الله ومنها ما يبغضها الله فالتي يبغضها الله الغيرة من غير ريبة وذكر الحديث. وإنما الممدوح اقتران الغيرة بالعذر فيغار في محل الغيرة ويعذر في موضع العذر ومن كان هكذا فهو الممدوح حقا. ولما جمع سبحانه صفات الكمال كلها كان أحق بالمدح من كل أحد ولا يبلغ أحد أن يمدحه كما ينبغي له بل هو كما مدح نفسه وأثنى على نفسه فالغيور قد وافق ربه سبحانه في صفة من صفاته ومن وافق الله في صفة من صفاته قادته تلك الصفة إليه بزمامه وأدخلته على ربه وأدنته منه وقربته من رحمته وصيرته محبوبا فإنه سبحانه رحيم يحب الرحماء كريم يحب الكرماء عليم يحب العلماء قوي يحب المؤمن القوي وهو أحب إليه من المؤمن الضعيف حتى يحب أهل الحياء جميل يحب أهل الجمال وتر يحب أهل الوتر. ولو لم يكن في الذنوب والمعاصي إلا أنها توجب لصاحبها ضد هذه الصفات وتمنعه من الاتصاف بها لكفى بها عقوبة فإن الخطرة تنقلب وسوسة والوسوسة تصير إرادة والإرادة تقوى فتصير عزيمة ثم تصير فعلا ثم تصير صفة لازمة وهيئة ثابتة راسخة وحينئذ يتعذر الخروج منهما كما يتعذر الخروج من صفاته القائمة به. والمقصود أنه كلما اشتدت ملابسته للذنوب أخرجت من قلبه الغيرة على نفسه وأهله وعموم الناس وقد تضعف في القلب جدا حتى لا يستقبح بعد ذلك القبيح لا من نفسه ولا من غيره وإذا وصل إلى هذا الحد فقد دخل في باب الهلاك.(1\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2882",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكثير من هؤلاء لا يقتصر على عدم الاستقباح بل يحسن الفواحش والظلم لغيره ويزينه له ويدعوه إليه ويحثه عليه ويسعى له في تحصيله ولهذا كان الديوث أخبث خلق الله والجنة حرام عليه وكذلك محلل الظلم والبغي لغيره ومزينه له فانظر ما الذي حملت عليه قلة الغيرة. وهذا يدلك على أن أصل الدين الغيرة ومن لا غيرة له لا دين له فالغيرة تحمي القلب فتحمي له الجوارح فتدفع السوء والفواحش وعدم الغيرة تميت القلب فتموت له الجوارح فلا يبقى عندها دفع البتة. ومثل الغيرة في القلب مثل القوة التي تدفع المرض وتقاومه فإذا ذهبت القوة وجد الداء المحل قابلا ولم يجد دافعا فتمكن فكان الهلاك ومثلها مثل صياصي الجاموس التي تدفع بها عن نفسه وولده فإذا تكسرت طمع فيها عدوه.  [فصل المعاصي تذهب الحياء] فصل المعاصي تذهب الحياء ومن عقوباتها: ذهاب الحياء الذي هو مادة حياة القلب وهو أصل كل خير وذهابه ذهاب الخير أجمعه. وفي الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: الحياء خير كله . وقال: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت وفيه تفسيران: أحدهما: أنه على التهديد والوعيد والمعنى من لم يستح فإنه يصنع ما شاء من القبائح إذ الحامل على تركها الحياء فإذا لم يكن هناك حياء يردعه عن القبائح فإنه يواقعها وهذا تفسير أبي عبيدة. والثاني: أن الفعل إذا لم تستح منه من الله فافعله وإنما الذي ينبغي تركه هو ما يستحى منه من الله وهذا تفسير الإمام أحمد في رواية ابن هانئ. فعلى الأول: يكون تهديدا كقوله: اعملوا ما شئتم [سورة فصلت: 40] . وعلى الثاني: يكون إذنا وإباحة. فإن قيل: فهل من سبيل إلى حمله على المعنيين(1\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2883",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت: لا ولا على قول من يحمل المشترك على جميع معانيه لما بين الإباحة والتهديد من المنافاة ولكن اعتبار أحد المعنيين يوجب اعتبار الآخر. والمقصود أن الذنوب تضعف الحياء من العبد حتى ربما انسلخ منه بالكلية حتى إنه ربما لا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله ولا باطلاعهم عليه بل كثير منهم يخبر عن حاله وقبح ما يفعل والحامل له على ذلك انسلاخه من الحياء وإذا وصل العبد إلى هذه الحالة لم يبق في صلاحه مطمع وإذا رأى إبليس طلعة وجهه ... حيا وقال: فديت من لا يفلح والحياء مشتق من الحياة والغيث يسمى حيا - بالقصر - لأن به حياة الأرض والنبات والدواب وكذلك سميت بالحياء حياة الدنيا والآخرة فمن لا حياء فيه فهو ميت في الدنيا شقي في الآخرة وبين الذنوب وبين قلة الحياء وعدم الغيرة تلازم من الطرفين وكل منهما يستدعي الآخر ويطلبه حثيثا ومن استحى من الله عند معصيته استحى الله من عقوبته يوم يلقاه ومن لم يستح من معصيته لم يستح الله من عقوبته.  [فصل المعاصي تضعف في القلب تعظيم الرب] فصل المعاصي تضعف في القلب تعظيم الرب ومن عقوبات الذنوب: أنها تضعف في القلب تعظيم الرب جل جلاله وتضعف وقاره في قلب العبد ولا بد شاء أم أبى ولو تمكن وقار الله وعظمته في قلب العبد لما تجرأ على معاصيه وربما اغتر المغتر وقال: إنما يحملني على المعاصي حسن الرجاء وطمعي في عفوه لا ضعف عظمته في قلبي وهذا من مغالطة النفس فإن عظمة الله تعالى وجلاله في قلب العبد تقتضي تعظيم حرماته وتعظيم حرماته يحول بينه وبين الذنوب والمتجرئون على معاصيه ما قدروا الله حق قدره وكيف يقدره حق قدره أو يعظمه ويكبره ويرجو وقاره ويجله من يهون عليه أمره ونهيه هذا من أمحل المحال وأبين الباطل وكفى بالعاصي عقوبة أن يضمحل من قلبه تعظيم الله جل جلاله وتعظيم حرماته ويهون عليه حقه. ومن بعض عقوبة هذا: أن يرفع الله عز وجل مهابته من قلوب الخلق ويهون عليهم ويستخفون به كما هان عليه أمره واستخف به فعلى قدر محبة العبد لله يحبه الناس وعلى قدر خوفه من الله يخافه الخلق وعلى قدر تعظيمه لله وحرماته يعظمه الناس وكيف ينتهك عبد حرمات الله ويطمع أن لا ينتهك الناس حرماته أم كيف يهون عليه حق الله ولا يهونه الله على الناس أم كيف يستخف بمعاصي الله ولا يستخف به الخلق(1\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2884",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد أشار سبحانه إلى هذا في كتابه عند ذكر عقوبات الذنوب وأنه أركس أربابها بما كسبوا وغطى على قلوبهم وطبع عليها بذنوبهم وأنه نسيهم كما نسوه وأهانهم كما أهانوا دينه وضيعهم كما ضيعوا أمره ولهذا قال تعالى في آية سجود المخلوقات له: ومن يهن الله فما له من مكرم [سورة الحج: 18] فإنهم لما هان عليهم السجود له واستخفوا به ولم يفعلوه أهانهم الله فلم يكن لهم من مكرم بعد أن أهانهم الله ومن ذا يكرم من أهانه الله أو يهن من أكرمه الله  [فصل المعاصي تنسي الله] فصل المعاصي تنسي الله ومن عقوباتها: أنها تستدعي نسيان الله لعبده وتركه وتخليته بينه وبين نفسه وشيطانه وهنالك الهلاك الذي لا يرجى معه نجاة قال الله: ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون - ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون [سورة الحشر: 18 - 19] . فأمر بتقواه ونهى أن يتشبه عباده المؤمنون بمن نسيه بترك تقواه وأخبر أنه عاقب من ترك التقوى بأن أنساه نفسه أي أنساه مصالحها وما ينجيها من عذابه وما يوجب له الحياة الأبدية وكمال لذتها وسرورها ونعيمها فأنساه الله ذلك كله جزاء لما نسيه من عظمته وخوفه والقيام بأمره فترى العاصي مهملا لمصالح نفسه مضيعا لها قد أغفل الله قلبه عن ذكره واتبع هواه وكان أمره فرطا قد انفرطت عليه مصالح دنياه وآخرته وقد فرط في سعادته الأبدية واستبدل بها أدنى ما يكون من لذة إنما هي سحابة صيف أو خيال طيف كما قيل: أحلام نوم أو كظل زائل ... إن اللبيب بمثلها لا يخدع وأعظم العقوبات نسيان العبد لنفسه وإهماله لها وإضاعته حظها ونصيبها من الله وبيعها ذلك بالغبن والهوان وأبخس الثمن فضيع من لا غنى له عنه ولا عوض له منه واستبدل به من عنه كل الغنى أو منه كل العوض: من كل شيء إذا ضيعته عوض ... وما من الله إن ضيعت من عوض(1\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2885",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالله سبحانه يعوض عن كل شيء ما سواه ولا يعوض منه شيء ويغني عن كل شيء ولا يغني عنه شيء ويجير من كل شيء ولا يجير منه شيء ويمنع من كل شيء ولا يمنع منه شيء كيف يستغني العبد عن طاعة من هذا شأنه طرفة عين وكيف ينسى ذكره ويضيع أمره حتى ينسيه نفسه فيخسرها ويظلمها أعظم الظلم فما ظلم العبد ربه ولكن ظلم نفسه وما ظلمه ربه ولكن هو الذي ظلم نفسه.  [فصل المعاصي تخرج العبد من دائرة الإحسان] فصل المعاصي تخرج العبد من دائرة الإحسان  ومن عقوباتها: أنها تخرج العبد من دائرة الإحسان وتمنعه من ثواب المحسنين فإن الإحسان إذا باشر القلب منعه عن المعاصي فإن من عبد الله كأنه يراه لم يكن كذلك إلا لاستيلاء ذكره ومحبته وخوفه ورجائه على قلبه بحيث يصير كأنه يشاهده وذلك سيحول بينه وبين إرادة المعصية فضلا عن مواقعتها فإذا خرج من دائرة الإحسان فاته صحبة رفقته الخاصة وعيشهم الهنيء ونعيمهم التام فإن أراد الله به خيرا أقره في دائرة عموم المؤمنين فإن عصاه بالمعاصي التي تخرجه من دائرة الإيمان كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع إليه فيها الناس أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن فإياكم إياكم والتوبة معروضة بعد.  [فصل العاصي يفوته ثواب المؤمنين] فصل العاصي يفوته ثواب المؤمنين ومن فاته رفقة المؤمنين وحسن دفاع الله عنهم فإن الله يدافع عن الذين آمنوا وفاته كل خير رتبه الله في كتابه على الإيمان وهو نحو مائة خصلة كل خصلة منها خير من الدنيا وما فيها. فمنها: الأجر العظيم: وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما [سورة النساء: 146] . ومنها: الدفع عنهم شرور الدنيا والآخرة: إن الله يدافع عن الذين آمنوا [سورة الحج: 38] .(1\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2886",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: استغفار حملة العرش لهم: الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا [سورة غافر: 7] . ومنها: موالاة الله لهم ولا يذل من والاه الله قال الله تعالى: الله ولي الذين آمنوا [سورة البقرة: 257] . ومنها: أمره ملائكته بتثبيتهم: إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا [سورة الأنفال: 12] . ومنها: أن لهم الدرجات عند ربهم والمغفرة والرزق الكريم. ومنها: العزة: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون [سورة المنافقون: 8] . ومنها: معية الله لأهل الإيمان: وأن الله مع المؤمنين [سورة الأنفال: 19] . ومنها: الرفعة في الدنيا والآخرة: يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات [سورة المجادلة: 11] . ومنها: إعطاؤهم كفلين من رحمته وإعطاؤهم نورا يمشون به ومغفرة ذنوبهم. ومنها: الود الذي يجعله سبحانه لهم وهو أنه يحبهم ويحببهم إلى ملائكته وأنبيائه وعباده الصالحين. ومنها: أمانهم من الخوف يوم يشتد الخوف: فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون [سورة الأنعام: 48] . ومنها: أنهم المنعم عليهم الذين أمرنا أن نسأله أن يهدينا إلى صراطهم في كل يوم وليلة سبع عشرة مرة. ومنها: أن القرآن إنما هو هدى لهم وشفاء:(1\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2887",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد [سورة فصلت: 44] . والمقصود أن الإيمان سبب جالب لكل خير وكل خير في الدنيا والآخرة فسببه الإيمان وكل شر في الدنيا والآخرة فسببه عدم الإيمان فكيف يهون على العبد أن يرتكب شيئا يخرجه من دائرة الإيمان ويحول بينه وبينه ولكن لا يخرج من دائرة عموم المسلمين فإن استمر على الذنوب وأصر عليها خيف عليه أن يرين على قلبه فيخرجه عن الإسلام بالكلية ومن هاهنا اشتد خوف السلف كما قال بعضهم: أنتم تخافون الذنوب وأنا أخاف الكفر.  [فصل المعاصي تضعف القلب] فصل المعاصي تضعف القلب ومن عقوبتها: أنها تضعف سير القلب إلى الله والدار الآخرة أو تعوقه أو توقفه وتقطعه عن السير فلا تدعه يخطو إلى الله خطوة هذا إن لم ترده عن وجهته إلى ورائه فالذنب يحجب الواصل ويقطع السائر وينكس الطالب والقلب إنما يسير إلى الله بقوته فإذا مرض بالذنوب ضعفت تلك القوة التي تسيره فإن زالت بالكلية انقطع عن الله انقطاعا يبعد تداركه والله المستعان. فالذنب إما يميت القلب أو يمرضه مرضا مخوفا أو يضعف قوته ولا بد حتى ينتهي ضعفه إلى الأشياء الثمانية التي استعاذ منها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي:  [الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال]  وكل اثنين منها قرينان. فالهم والحزن قرينان: فإن المكروه الوارد على القلب إن كان من أمر مستقبل يتوقعه أحدث الهم وإن كان من أمر ماض قد وقع أحدث الحزن. والعجز والكسل قرينان: فإن تخلف العبد عن أسباب الخير والفلاح إن كان لعدم قدرته فهو العجز وإن كان لعدم إرادته فهو الكسل. والجبن والبخل قرينان: فإن عدم النفع منه إن كان ببدنه فهو الجبن وإن كان بماله فهو البخل. وضلع الدين وقهر الرجال قرينان: فإن استعلاء الغير عليه إن كان بحق فهو من ضلع الدين وإن كان بباطل فهو من قهر الرجال.(1\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2888",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمقصود أن الذنوب من أقوى الأسباب الجالبة لهذه الثمانية كما أنها من أقوى الأسباب الجالبة لجهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء ومن أقوى الأسباب الجالبة لزوال نعم الله وتحول عافيته إلى نقمته وتجلب جميع سخطه.  [فصل المعاصي تزيل النعم] فصل المعاصي تزيل النعم ومن عقوبات الذنوب: أنها تزيل النعم وتحل النقم فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب ولا حلت به نقمة إلا بذنب كما قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة. وقد قال تعالى: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير [سورة الشورى: 30] . وقال تعالى: ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم [سورة الأنفال: 53] . فأخبر الله تعالى أنه لا يغير نعمه التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه فيغير طاعة الله بمعصيته وشكره بكفره وأسباب رضاه بأسباب سخطه فإذا غير غير عليه جزاء وفاقا وما ربك بظلام للعبيد. فإن غير المعصية بالطاعة غير الله عليه العقوبة بالعافية والذل بالعز. وقال تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال [سورة الرعد: 11] . وفي بعض الآثار الإلهية عن الرب تبارك وتعالى أنه قال: وعزتي وجلالي لا يكون عبد من عبيدي على ما أحب ثم ينتقل عنه إلى ما أكره إلا انتقلت له مما يحب إلى ما يكره ولا يكون عبد من عبيدي على ما أكره فينتقل عنه إلى ما أحب إلا انتقلت له مما يكره إلى ما يحب . وقد أحسن القائل: إذا كنت في نعمة فارعها ... فإن الذنوب تزيل النعم(1\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2889",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحطها بطاعة رب العبا ... د فرب العباد سريع النقم وإياك والظلم مهما استطع ... ت فظلم العباد شديد الوخم وسافر بقلبك بين الورى ... لتبصر آثار من قد ظلم فتلك مساكنهم بعدهم ... شهود عليهم ولا تتهم وما كان شيء عليهم أض ... ر من الظلم وهو الذي قد قصم فكم تركوا من جنان ومن ... قصور وأخرى عليهم أطم صلوا بالجحيم وفات النعي ... م وكان الذي نالهم كالحلم  [فصل المعاصي تلقي الرعب والخوف في القلوب] فصل المعاصي تلقي الرعب والخوف في القلوب ومن عقوباتها ما يلقيه الله سبحانه وتعالى من الرعب والخوف في قلب العاصي فلا تراه إلا خائفا مرعوبا. فإن الطاعة حصن الله الأعظم من دخله كان من الآمنين من عقوبات الدنيا والآخرة ومن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب فمن أطاع الله انقلبت المخاوف في حقه أمانا ومن عصاه انقلبت مآمنه مخاوف فلا تجد العاصي إلا وقلبه كأنه بين جناحي طائر إن حركت الريح الباب قال: جاء الطلب وإن سمع وقع قدم خاف أن يكون نذيرا بالعطب يحسب أن كل صيحة عليه وكل مكروه قاصد إليه فمن خاف الله آمنه من كل شيء ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء: بذا قضى الله بين الخلق مذ خلقوا ... أن المخاوف والأجرام في قرن المعاصي توقع في الوحشة ومن عقوباتها أنها توقع الوحشة العظيمة في القلب فيجد المذنب نفسه مستوحشا قد وقعت الوحشة بينه وبين ربه وبين الخلق وبين نفسه وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة وأمر العيش عيش المستوحشين الخائفين وأطيب العيش عيش المستأنسين فلو نظر العاقل ووازن لذة المعصية وما توقعه من الخوف والوحشة لعلم سوء حاله وعظيم غبنه إذ باع أنس الطاعة وأمنها وحلاوتها بوحشة المعصية وما توجبه من الخوف والضرر الداعي له. كما قيل: فإن كنت قد أوحشتك الذنوب ... فدعها إذا شئت واستأنس(1\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2890",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسر المسألة: أن الطاعة توجب القرب من الرب سبحانه فكلما اشتد القرب قوي الأنس والمعصية توجب البعد من الرب وكلما زاد البعد قويت الوحشة. ولهذا يجد العبد وحشة بينه وبين عدوه للبعد الذي بينهما وإن كان ملابسا له قريبا منه ويجد أنسا قويا بينه وبين من يحب وإن كان بعيدا عنه. والوحشة سببها الحجاب وكلما غلظ الحجاب زادت الوحشة فالغفلة توجب الوحشة وأشد منها وحشة المعصية وأشد منها وحشة الشرك والكفر ولا تجد أحدا ملابسا شيئا من ذلك إلا ويعلوه من الوحشة بحسب ما لابسه منه فتعلو الوحشة وجهه وقلبه فيستوحش ويستوحش منه.  [فصل المعاصي تمرض القلوب] فصل المعاصي تمرض القلوب ومن عقوباتها: أنها تصرف القلب عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه فلا يزال مريضا معلولا لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه فإن تأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان بل الذنوب أمراض القلوب وداؤها ولا دواء لها إلا تركها. وقد أجمع السائرون إلى الله أن القلوب لا تعطى مناها حتى تصل إلى مولاها ولا تصل إلى مولاها حتى تكون صحيحة سليمة ولا تكون صحيحة سليمة حتى ينقلب داؤها فيصير نفس دوائها ولا يصح لها ذلك إلا بمخالفة هواها فهواها مرضها وشفاؤها مخالفته فإن استحكم المرض قتل أو كاد. وكما أن من نهى نفسه عن الهوى كانت الجنة مأواه فكذا يكون قلبه في هذه الدار في جنة عاجلة لا يشبه نعيم أهلها نعيما البتة بل التفاوت الذي بين النعيمين كالتفاوت الذي بين نعيم الدنيا والآخرة وهذا أمر لا يصدق به إلا من باشر قلبه هذا وهذا. ولا تحسب أن قوله تعالى: إن الأبرار لفي نعيم - وإن الفجار لفي جحيم [سورة الانفطار: 13 - 14] مقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط بل في دورهم الثلاثة كذلك - أعني دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار - فهؤلاء في نعيم وهؤلاء في جحيم وهل النعيم إلا نعيم القلب وهل العذاب إلا عذاب القلب وأي عذاب أشد من الخوف والهم والحزن وضيق الصدر وإعراضه عن الله والدار الآخرة وتعلقه بغير الله وانقطاعه عن الله بكل واد منه شعبة وكل شيء تعلق به وأحبه من دون الله فإنه يسومه سوء العذاب.(1\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2891",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكل من أحب شيئا غير الله عذب به ثلاث مرات في هذه الدار فهو يعذب به قبل حصوله حتى يحصل فإذا حصل عذب به حال حصوله بالخوف من سلبه وفواته والتنغيص والتنكيد عليه وأنواع من العذاب في هذه المعارضات فإذا سلبه اشتد عليه عذابه فهذه ثلاثة أنواع من العذاب في هذه الدار. وأما في البرزخ: فعذاب يقارنه ألم الفراق الذي لا يرجو عودة وألم فوات ما فاته من النعيم العظيم باشتغاله بضده وألم الحجاب عن الله وألم الحسرة التي تقطع الأكباد فالهم والغم والحزن تعمل في نفوسهم نظير ما يعمل الهوام والديدان في أبدانهم بل عملها في النفوس دائم مستمر حتى يردها الله إلى أجسادها فحينئذ ينتقل العذاب إلى نوع هو أدهى وأمر فأين هذا من نعيم من يرقص قلبه طربا وفرحا وأنسا بربه واشتياقا إليه وارتياحا بحبه وطمأنينة بذكره حتى يقول بعضهم في حال نزعه: واطرباه. ويقول الآخر: مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا لذيذ العيش فيها وما ذاقوا أطيب ما فيها. ويقول الآخر: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف. ويقول الآخر: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. فيا من باع حظه الغالي بأبخس الثمن وغبن كل الغبن في هذا العقد وهو يرى أنه قد غبن إذا لم يكن لك خبرة بقيمة السلعة فسل المقومين فيا عجبا من بضاعة معك الله مشتريها وثمنها جنة المأوى والسفير الذي جرى على يده عقد التبايع وضمن الثمن عن المشتري هو الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد بعتها بغاية الهوان كما قال القائل: إذا كان هذا فعل عبد بنفسه ... فمن ذا له من بعد ذلك يكرم ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء [سورة الحج: 18] .  [فصل المعاصي تعمي البصيرة] فصل المعاصي تعمي البصيرة ومن عقوباتها: أنها تعمي بصيرة القلب وتطمس نوره وتسد طرق العلم وتحجب مواد الهداية.(1\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2892",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد قال مالك للشافعي لما اجتمع به ورأى تلك المخايل: إني أرى الله تعالى قد ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بظلمة المعصية. ولا يزال هذا النور يضعف ويضمحل وظلام المعصية يقوى حتى يصير القلب في مثل الليل البهيم فكم من مهلك يسقط فيه ولا يبصر كأعمى خرج بالليل في طريق ذات مهالك ومعاطب فيا عزة السلامة ويا سرعة العطب ثم تقوى تلك الظلمات وتفيض من القلب إلى الجوارح فيغشى الوجه منها سواد بحسب قوتها وتزايدها فإذا كان عند الموت ظهرت في البرزخ فامتلأ القبر ظلمة كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: إن هذه القبور ممتلئة على أهلها ظلمة وإن الله ينورها بصلاتي عليهم . فإذا كان يوم المعاد وحشر العباد علت الظلمة الوجوه علوا ظاهرا يراه كل أحد حتى يصير الوجه أسود مثل الحممة فيالها من عقوبة لا توازن لذات الدنيا بأجمعها من أولها إلى آخرها فكيف بقسط العبد المنغص المنكد المتعب في زمن إنما هو ساعة من حلم والله المستعان.  [فصل المعاصي تصغر النفس] فصل المعاصي تصغر النفس ومن عقوباتها: أنها تصغر النفس وتقمعها وتدسيها وتحقرها حتى تكون أصغر كل شيء وأحقره كما أن الطاعة تنميها وتزكيها وتكبرها قال تعالى: قد أفلح من زكاها - وقد خاب من دساها [سورة الشمس: 9 - 10]  والمعنى قد أفلح من كبرها وأعلاها بطاعة الله وأظهرها وقد خسر من أخفاها وحقرها وصغرها بمعصية الله. وأصل التدسية: الإخفاء ومنه قوله تعالى: أم يدسه في التراب [سورة النحل: 59] . فالعاصي يدس نفسه في المعصية ويخفي مكانها يتوارى من الخلق من سوء ما يأتي به وقد انقمع عند نفسه وانقمع عند الله وانقمع عند الخلق فالطاعة والبر تكبر النفس وتعزها وتعليها حتى تصير أشرف شيء وأكبره وأزكاه وأعلاه ومع ذلك فهي أذل شيء وأحقره وأصغره لله تعالى وبهذا الذل حصل لها هذا العز والشرف والنمو فما أصغر النفوس مثل معصية الله وما كبرها وشرفها ورفعها مثل طاعة الله.(1\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2893",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل المعاصي في سجن الشيطان] فصل المعاصي في سجن الشيطان ومن عقوباتها: أن العاصي دائما في أسر شيطانه وسجن شهواته وقيود هواه فهو أسير مسجون مقيد ولا أسير أسوأ حالا من أسير أسره أعدى عدو له ولا سجن أضيق من سجن الهوى ولا قيد أصعب من قيد الشهوة فكيف يسير إلى الله والدار الآخرة قلب مأسور مسجون مقيد وكيف يخطو خطوة واحدة وإذا قيد القلب طرقته الآفات من كل جانب بحسب قيوده ومثل القلب مثل الطائر كلما علا بعد عن الآفات وكلما نزل استوحشته الآفات. وفي الحديث: الشيطان ذئب الإنسان . وكما أن الشاة التي لا حافظ لها وهي بين الذئاب سريعة العطب فكذا العبد إذا لم يكن عليه حافظ من الله فذئبه مفترسه ولا بد وإنما يكون عليه حافظ من الله بالتقوى فهي وقاية وجنة حصينة بينه وبين ذئبه كما هي وقاية بينه وبين عقوبة الدنيا والآخرة وكلما كانت الشاة أقرب من الراعي كانت أسلم من الذئب وكلما بعدت عن الراعي كانت أقرب إلى الهلاك فأسلم ما تكون الشاة إذا قربت من الراعي وإنما يأخذ الذئب القاصية من الغنم وهي أبعد من الراعي. وأصل هذا كله: أن القلب كلما كان أبعد من الله كانت الآفات إليه أسرع وكلما قرب من الله بعدت عنه الآفات. والبعد من الله مراتب بعضها أشد من بعض فالغفلة تبعد القلب عن الله وبعد المعصية أعظم من بعد الغفلة وبعد البدعة أعظم من بعد المعصية وبعد النفاق والشرك أعظم من ذلك كله.  [فصل المعاصي تسقط الكرامة] فصل المعاصي تسقط الكرامة ومن عقوباتها: سقوط الجاه والمنزلة والكرامة عند الله وعند خلقه فإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم وأقربهم منه منزلة أطوعهم له وعلى قدر طاعة العبد تكون له منزلته عنده فإذا عصاه وخالف أمره سقط من عينه فأسقطه من قلوب عباده وإذا لم يبق له جاه عند الخلق وهان عليهم عاملوه على حسب ذلك فعاش بينهم أسوأ عيش خامل الذكر(1\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "73",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2894",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ساقط القدر زري الحال لا حرمة له ولا فرح له ولا سرور فإن خمول الذكر وسقوط القدر والجاه معه كل غم وهم وحزن ولا سرور معه ولا فرح وأين هذا الألم من لذة المعصية لولا سكر الشهوة ومن أعظم نعم الله على العبد: أن يرفع له بين العالمين ذكره ويعلي قدره ولهذا خص أنبياءه ورسله من ذلك بما ليس لغيرهم كما قال تعالى: واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار - إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار [سورة ص 45: - 46] . أي: خصصناهم بخصيصة وهو الذكر الجميل الذي يذكرون به في هذه الدار وهو لسان الصدق الذي سأله إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام حيث قال: واجعل لي لسان صدق في الآخرين [سورة الشعراء: 84] . وقال سبحانه وتعالى عنه وعن بنيه: ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا [سورة مريم: 50] . وقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم: ورفعنا لك ذكرك [سورة الشرح: 4] . فأتباع الرسل لهم نصيب من ذلك بحسب ميراثهم من طاعتهم ومتابعتهم وكل من خالفهم فإنه بعيد من ذلك بحسب مخالفتهم ومعصيتهم.  [فصل المعصية مجلبة للذم] فصل المعصية مجلبة للذم ومن عقوباتها: أنها تسلب صاحبها أسماء المدح والشرف وتكسوه أسماء الذم والصغار فتسلبه اسم المؤمن والبر والمحسن والمتقي والمطيع والمنيب والولي والورع والصالح والعابد والخائف والأواب والطيب والمرضي ونحوها. وتكسوه اسم الفاجر والعاصي والمخالف والمسيء والمفسد والخبيث والمسخوط والزاني والسارق والقاتل والكاذب والخائن واللوطي وقاطع الرحم والغادر وأمثالها.(1\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "74",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2895",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذه أسماء الفسوق و بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان [سورة الحجرات: 11] الذي يوجب غضب الديان ودخول النيران وعيش الخزي والهوان. وتلك أسماء توجب رضاء الرحمن ودخول الجنان وتوجب شرف المسمى بها على سائر أنواع الإنسان فلو لم يكن في عقوبة المعصية إلا استحقاق تلك الأسماء وموجباتها لكان في العقل ناه عنها ولو لم يكن في ثواب الطاعة إلا الفوز بتلك الأسماء وموجباتها لكان في العقل آمر بها ولكن لا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع ولا مقرب لما باعد ولا مبعد لمن قرب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء [سورة الحج: 18]  [فصل المعصية تؤثر في العقل] فصل المعصية تؤثر في العقل ومن عقوباتها: أنها تؤثر بالخاصة في نقصان العقل فلا تجد عاقلين أحدهما مطيع لله والآخر عاص إلا وعقل المطيع منهما أوفر وأكمل وفكره أصح ورأيه أسد والصواب قرينه. ولهذا تجد خطاب القرآن إنما هو مع أولي العقول والألباب كقوله: واتقون ياأولي الألباب [سورة البقرة: 197]  وقوله: فاتقوا الله ياأولي الألباب لعلكم تفلحون [سورة المائدة: 100]  وقوله: وما يذكر إلا أولو الألباب [سورة البقرة: 269]  ونظائر ذلك كثيرة. وكيف يكون عاقلا وافر العقل من يعصي من هو في قبضته وفي داره وهو يعلم أنه يراه ويشاهده فيعصيه وهو بعينه غير متوار عنه ويستعين بنعمه على مساخطه ويستدعي كل وقت غضبه عليه ولعنته له وإبعاده من قربه وطرده عن بابه وإعراضه عنه وخذلانه له والتخلية بينه وبين نفسه وعدوه وسقوطه من عينه وحرمانه روح رضاه(1\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "75",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2896",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحبه وقرة العين بقربه والفوز بجواره والنظر إلى وجهه في زمرة أوليائه إلى أضعاف أضعاف ذلك من كرامته أهل الطاعة وأضعاف أضعاف ذلك من عقوبة أهل المعصية. فأي عقل لمن آثر لذة ساعة أو يوم أو دهر ثم تنقضي كأنها حلم لم يكن على هذا النعيم المقيم والفوز العظيم بل هو سعادة الدنيا والآخرة ولولا العقل الذي تقوم به عليه الحجة لكان بمنزلة المجانين بل قد يكون المجانين أحسن حالا منه وأسلم عاقبة فهذا من هذا الوجه. وأما تأثيرها في نقصان العقل المعيش فلولا الاشتراك في هذا النقصان لظهر لمطيعنا نقصان عقل عاصينا ولكن الجائحة عامة والجنون فنون. ويا عجبا لو صحت العقول لعلمت أن طريق تحصيل اللذة والفرحة والسرور وطيب العيش إنما هو في رضاء من النعيم كله في رضاه والألم والعذاب كله في سخطه وغضبه ففي رضاه قرة العيون وسرور النفوس وحياة القلوب ولذة الأرواح وطيب الحياة ولذة العيش وأطيب النعيم ومما لو وزن منه مثقال ذرة بنعيم الدنيا لم يف به بل إذا حصل للقلب من ذلك أيسر نصيب لم يرض بالدنيا وما فيها عوضا منه ومع هذا فهو يتنعم بنصيبه من الدنيا أعظم من تنعم المترفين فيها ولا يشوب تنعمه بذلك الحظ اليسير ما يشوب تنعم المترفين من الهموم والغموم والأحزان المعارضات بل قد حصل له على النعيمين وهو ينتظر نعيمين آخرين أعظم منهما وما يحصل له في خلال ذلك من الآلام فالأمر كما قال تعالى: إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون [سورة النساء: 104] . فلا إله إلا الله ما أنقص عقل من باع الدر بالبعر والمسك بالرجيع ومرافقة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بمرافقة الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا.  [فصل المعاصي توجب القطيعة بين العبد والرب] فصل المعاصي توجب القطيعة بين العبد والرب ومن أعظم عقوباتها: أنها توجب القطيعة بين العبد وبين ربه تبارك وتعالى وإذا وقعت القطيعة انقطعت عنه أسباب الخير واتصلت به أسباب الشر فأي فلاح وأي رجاء وأي عيش لمن انقطعت عنه أسباب الخير وقطع ما بينه وبين وليه ومولاه الذي لا غنى عنه طرفة عين ولا بدل له منه ولا عوض له عنه واتصلت به أسباب الشر ووصل ما بينه(1\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "76",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2897",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبين أعدى عدو له: فتولاه عدوه وتخلى عنه وليه فلا تعلم نفس ما في هذا الانقطاع والاتصال من أنواع الآلام وأنواع العذاب. قال بعض السلف: رأيت العبد ملقى بين الله سبحانه وبين الشيطان فإن أعرض الله عنه تولاه الشيطان وإن تولاه الله لم يقدر عليه الشيطان وقد قال تعالى: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا [سورة الكهف: 50] . يقول سبحانه لعباده: أنا أكرمت أباكم ورفعت قدره وفضلته على غيره فأمرت ملائكتي كلهم أن يسجدوا له تكريما له وتشريفا فأطاعوني وأبى عدوي وعدوه فعصى أمري وخرج عن طاعتي فكيف يحسن بكم بعد هذا أن تتخذوه وذريته أولياء من دوني فتطيعونه في معصيتي وتوالونه في خلاف مرضاتي وهم أعدى عدو لكم فواليتم عدوي وقد أمرتكم بمعاداته ومن والى أعداء الملك كان هو وأعداؤه عنده سواء فإن المحبة والطاعة لا تتم إلا بمعاداة أعداء المطاع وموالاة أوليائه وأما أن توالي أعداء الملك ثم تدعي أنك موال له فهذا محال. هذا لو لم يكن عدو الملك عدوا لكم فكيف إذا كان عدوكم على الحقيقة والعداوة التي بينكم وبينه أعظم من العداوة التي بين الشاة وبين الذئب فكيف يليق بالعاقل أن يوالي عدوه عدو وليه ومولاه الذي لا مولى له سواه ونبه سبحانه على قبح هذه الموالاة بقوله: وهم لكم عدو [سورة الكهف: 50]  كما نبه على قبحها بقوله تعالى: ففسق عن أمر ربه [سورة الكهف: 50]  فتبين أن عداوته لربه وعداوته لنا كل منهما سبب يدعو إلى معاداته فما هذه الموالاة وما هذا الاستبدال بئس للظالمين بدلا. ويشبه أن يكون تحت هذا الخطاب نوع من العتاب لطيف عجيب وهو أني عاديت إبليس إذ لم يسجد لأبيكم آدم مع ملائكتي فكانت معاداته لأجلكم ثم كان عاقبة هذه المعاداة أن عقدتم بينكم وبينه عقد المصالحة(1\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "77",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2898",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل المعاصي تمحق البركة] فصل المعاصي تمحق البركة ومن عقوباتها: أنها تمحق بركة العمر وبركة الرزق وبركة العلم وبركة العمل وبركة الطاعة. وبالجملة أنها تمحق بركة الدين والدنيا فلا تجد أقل بركة في عمره ودينه ودنياه ممن عصى الله وما محقت البركة من الأرض إلا بمعاصي الخلق قال الله تعالى: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض [الأعراف: 96] . وقال تعالى: وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا - لنفتنهم فيه [الجن: 16 - 17] . وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه. وفي الحديث: إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب فإنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته وإن الله جعل الروح والفرح في الرضى واليقين وجعل الهم والحزن في الشك والسخط . وقد تقدم الأثر الذي ذكره أحمد في كتاب الزهد: أنا الله إذا رضيت باركت وليس لبركتي منتهى وإذا غضبت لعنت ولعنتي تدرك السابع من الولد . وليست سعة الرزق والعمل بكثرته ولا طول العمر بكثرة الشهور والأعوام ولكن سعة الرزق وطول العمر بالبركة فيه. وقد تقدم أن عمر العبد هو مدة حياته ولا حياة لمن أعرض عن الله واشتغل بغيره بل حياة البهائم خير من حياته فإن حياة الإنسان بحياة قلبه وروحه ولا حياة لقلبه إلا بمعرفة فاطره ومحبته وعبادته وحده والإنابة إليه والطمأنينة بذكره والأنس بقربه ومن فقد هذه الحياة فقد الخير كله ولو تعرض عنها بما تعوض مما في الدنيا بل ليست الدنيا بأجمعها عوضا عن هذه الحياة فمن كل شيء يفوت العبد عوض وإذا فاته الله لم يعوض عنه شيء البتة. وكيف يعوض الفقير بالذات عن الغني بالذات والعاجز بالذات عن القادر بالذات والميت عن الحي الذي لا يموت والمخلوق عن الخالق ومن لا وجود له ولا شيء له من(1\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "78",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2899",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذاته البتة عمن غناه وحياته وكماله ووجوده ورحمته من لوازم ذاته وكيف يعوض من لا يملك مثقال ذرة عمن له ملك السماوات والأرض. وإنما كانت معصية الله سببا لمحق بركة الرزق والأجل لأن الشيطان موكل بها وبأصحابها فسلطانه عليهم وحوالته على هذا الديوان وأهله وأصحابه وكل شيء يتصل به الشيطان ويقارنه فبركته ممحوقة ولهذا شرع ذكر اسم الله تعالى عند الأكل والشرب واللبس والركوب والجماع لما في مقارنة اسم الله من البركة وذكر اسمه يطرد الشيطان فتحصل البركة ولا معارض له وكل شيء لا يكون لله فبركته منزوعة فإن الرب هو الذي يبارك وحده والبركة كلها منه وكل ما نسب إليه مبارك فكلامه مبارك ورسوله مبارك وعبده المؤمن النافع لخلقه مبارك وبيته الحرام مبارك وكنانته من أرضه وهي الشام أرض البركة وصفها بالبركة في ست آيات من كتابه فلا مبارك إلا هو وحده ولا مبارك إلا ما نسب إليه أعني إلى ألوهيته ومحبته ورضاه وإلا فالكون كله منسوب إلى ربوبيته وخلقه وكل ما باعده من نفسه من الأعيان والأقوال والأعمال فلا بركة فيه ولا خير فيه وكل ما كان منه قريبا من ذلك ففيه من البركة على حسب قربه منه. وضد البركة اللعنة فأرض لعنها الله أو شخص لعنه الله أو عمل لعنه الله أبعد شيء من الخير والبركة وكلما اتصل بذلك وارتبط به وكان منه بسبيل فلا بركة فيه البتة. وقد لعن عدوه إبليس وجعله أبعد خلقه منه فكل ما كان جهته فله من لعنة الله بقدر قربه واتصاله به فمن هاهنا كان للمعاصي أعظم تأثير في محق بركة العمر والرزق والعلم والعمل وكل وقت عصيت الله فيه أو مال عصي الله به أو بدن أو جاه أو علم أو عمل فهو على صاحبه ليس له فليس له من عمره وماله وقوته وجاهه وعلمه وعمله إلا ما أطاع الله به. ولهذا من الناس من يعيش في هذه الدار مائة سنة أو نحوها ويكون عمره لا يبلغ عشرين سنة أو نحوها كما أن منهم من يملك القناطير المقنطرة من الذهب والفضة ويكون ماله في الحقيقة لا يبلغ ألف درهم أو نحوها وهكذا الجاه والعلم. وفي الترمذي عنه - صلى الله عليه وسلم - الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه أو عالم أو متعلم . وفي أثر آخر: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله فهذا هو الذي فيه البركة خاصة والله المستعان.(1\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "79",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2900",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل المعصية تجعل صاحبها من السفلة] فصل المعصية تجعل صاحبها من السفلة ومن عقوباتها: أنها تجعل صاحبها من السفلة بعد أن كان مهيئا لأن يكون من العلية فإن الله خلق خلقه قسمين: علية وسفلة وجعل عليين مستقر العلية وأسفل سافلين مستقر السفلة وجعل أهل طاعته الأعلين في الدنيا والآخرة وأهل معصيته الأسفلين في الدنيا والآخرة كما جعل أهل طاعته أكرم خلقه عليه وأهل معصيته أهون خلقه عليه وجعل العزة لهؤلاء والذلة والصغار لهؤلاء كما في مسند أحمد من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: بعثت بالسيف بين يدي الساعة وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالف أمري فكلما عمل العبد معصية نزل إلى أسفل درجة ولا يزال في نزول حتى يكون من الأسفلين وكلما عمل طاعة ارتفع بها درجة ولا يزال في ارتفاع حتى يكون من الأعلين. وقد يجتمع للعبد في أيام حياته الصعود من وجه والنزول من وجه وأيهما كان أغلب عليه كان من أهله فليس من صعد مائة درجة ونزل درجة واحدة كمن كان بالعكس. ولكن يعرض هاهنا للنفوس غلط عظيم وهو أن العبد قد ينزل نزولا بعيدا أبعد مما بين المشرق والمغرب ومما بين السماء والأرض فلا يفي صعوده ألف درجة بهذا النزول الواحد كما في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إن العبد ليتكلم بالكلمة الواحدة لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب . فأي صعود يوازن هذه النزلة والنزول أمر لازم للإنسان ولكن من الناس من يكون نزوله إلى غفلة فهذا متى استيقظ من غفلته عاد إلى درجته أو إلى أرفع منها بحسب يقظته. ومنهم من يكون نزوله إلى مباح لا ينوي به الاستعانة على الطاعة فهذا متى رجع إلى الطاعة فقد يعود إلى درجته وقد لا يصل إليها وقد يرتفع عنها فإنه قد يعود أعلى همة مما كان وقد يكون أضعف همة وقد تعود همته كما كانت. ومنهم من يكون نزوله إلى معصية إما صغيرة أو كبيرة فهذا يحتاج في عوده إلى درجته إلى توبة نصوح وإنابة صادقة. واختلف الناس هل يعود بعد التوبة إلى درجته التي كان فيها بناء على أن التوبة(1\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "80",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2901",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تمحو أثر الذنب وتجعل وجوده كعدمه فكأنه لم يكن أو لا يعود بناء على أن التوبة تأثيرها في إسقاط العقوبة وأما الدرجة التي فاتته فإنه لا يصل إليها. قالوا: وتقرير ذلك: أنه كان مستعدا باشتغاله بالطاعة في الزمن الذي عصى فيه لصعود آخر وارتقاء تحمله أعماله السالفة بمنزلة كسب الرجل كل يوم بجملة ماله الذي يملكه وكلما تضاعف المال تضاعف الربح فقد راح عليه في زمن المعصية ارتفاع وربح تحمله أعماله فإذا استأنف العمل استأنف صعودا من نزول وكان قبل ذلك صاعدا من أسفل إلى أعلى وبينهما بون عظيم. قالوا: ومثل ذلك رجلان يرتقيان في سلمين لا نهاية لهما وهما سواء فنزل أحدهما إلى أسفل ولو درجة واحدة ثم استأنف الصعود فإن الذي لم ينزل يعلو عليه ولا بد. وحكم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بين الطائفتين حكما مقبولا فقال: التحقيق أن من التائبين من يعود إلى أرفع من درجته ومنهم من يعود إلى مثل درجته ومنهم من لا يصل إلى درجته. قلت: وهذا بحسب قوة التوبة وكمالها وما أحدثته المعصية للعبد من الذل والخضوع والإنابة والحذر والخوف من الله والبكاء من خشية الله فقد تقوى هذه الأمور حتى يعود التائب إلى أرفع من درجته ويصير بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة فهذا قد تكون الخطيئة في حقه رحمة فإنها نفت عنه داء العجب وخلصته من ثقته بنفسه وإدلاله بأعماله ووضعت خد ضراعته وذله وانكساره على عتبة باب سيده ومولاه وعرفته قدره وأشهدته فقره وضرورته إلى حفظ مولاه له وإلى عفوه عنه ومغفرته له وأخرجت من قلبه صولة الطاعة وكسرت أنفه من أن يشمخ بها أو يتكبر بها أو يرى نفسه بها خيرا من غيره وأوقفته بين يدي ربه موقف الخطائين المذنبين ناكس الرأس بين يدي ربه مستحيا خائفا منه وجلا محتقرا لطاعته مستعظما لمعصيته عرف نفسه بالنقص والذم. وربه متفرد بالكمال والحمد والوفاء كما قيل: استأثر الله بالوفاء وبالحم ... د وولى الملامة الرجلا فأي نعمة وصلت من الله إليه استكثرها على نفسه ورأى نفسه دونها ولم يرها أهلا وأي نقمة أو بلية وصلت إليه رأى نفسه أهلا لما هو أكبر منها ورأى مولاه قد أحسن إليه إذ لم يعاقبه على قدر جرمه ولا شطره ولا أدنى جزء منه.(1\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "81",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2902",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن ما يستحقه من العقوبة لا تحمله الجبال الراسيات فضلا عن هذا العبد الضعيف العاجز فإن الذنب وإن صغر فإن مقابلة العظيم الذي لا شيء أعظم منه الكبير الذي لا شيء أكبر منه الجليل الذي لا أجل منه ولا أجمل المنعم بجميع أصناف النعم دقيقها وجلها - من أقبح الأمور وأفظعها وأشنعها فإن مقابلة العظماء والأجلاء وسادات الناس بمثل ذلك يستقبحه كل أحد مؤمن وكافر. وأرذل الناس وأسقطهم مروءة من قابلهم بالرذائل فكيف بعظيم السماوات والأرض وملك السماوات والأرض وإله أهل السماوات والأرض ولولا أن رحمته سبقت غضبه ومغفرته سبقت عقوبته وإلا لتدكدكت الأرض بمن قابله بما لا يليق مقابلته به ولولا حلمه ومغفرته لزلزلت السماوات والأرض من معاصي العباد قال تعالى: إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا [سورة فاطر: 41] . فتأمل ختم هذه الآية باسمين من أسمائه وهما: quot; الحليم والغفور quot; كيف تجد تحت ذلك أنه لولا حلمه عن الجناة ومغفرته للعصاة لما استقرت السماوات والأرض وقد أخبر سبحانه عن كفر بعض عباده أنه: تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا [سورة مريم: 90] . وقد أخرج الله سبحانه الأبوين من الجنة بذنب واحد ارتكباه وخالفا فيه نهيه ولعن إبليس وطرده وأخرجه من ملكوت السماوات والأرض بذنب واحد ارتكبه وخالف فيه أمره ونحن معاشر الحمقى كما قيل: نصل الذنوب إلى الذنوب ونرتجي ... درج الجنان لذي النعيم الخالد ولقد علمنا أخرج الأبوين من ... ملكوته الأعلى بذنب واحد والمقصود أن العبد قد يكون بعد التوبة خيرا مما كان قبل الخطيئة وأرفع درجة وقد تضعف الخطيئة همته وتوهن عزمه وتمرض قلبه فلا يقوى دواء التوبة على إعادته إلى الصحة الأولى فلا يعود إلى درجته وقد يزول المرض بحيث تعود الصحة كما كانت ويعود إلى مثل عمله فيعود إلى درجته. هذا كله إذا كان نزوله إلى معصية فإن كان نزوله إلى أمر يقدح في أصل إيمانه مثل الشكوك والريب والنفاق فذاك نزول لا يرجى لصاحبه صعود إلا بتجديد إسلامه.  [فصل المعاصي تجرئ على الإنسان أعداءه] فصل المعاصي تجرئ على الإنسان أعداءه(1\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "82",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2903",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن عقوباتها: أنها تجرئ على العبد ما لم يكن يجترئ عليه من أصناف المخلوقات فتجترئ عليه الشياطين بالأذى والإغواء والوسوسة والتخويف والتحزين وإنسائه ما به مصلحته في ذكره ومضرته في نسيانه فتجترئ عليه الشياطين حتى تؤزه في معصية الله أزا. وتجترئ عليه شياطين الإنس بما تقدر عليه من الأذى في غيبته وحضوره ويجترئ عليه أهله وخدمه وأولاده وجيرانه حتى الحيوان البهيم. قال بعض السلف: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق امرأتي ودابتي. وكذلك يجترئ عليه أولياء الأمر بالعقوبة التي إن عدلوا فيها أقاموا عليه حدود الله وتجترئ عليه نفسه فتتأسد عليه وتصعب عليه فلو أرادها لخير لم تطاوعه ولم تنقد له وتسوقه إلى ما فيه هلاكه شاء أم أبي. وذلك لأن الطاعة حصن الرب تبارك وتعالى الذي من دخله كان من الآمنين فإذا فارق الحصن اجترأ عليه قطاع الطريق وغيرهم وعلى حسب اجترائه على معاصي الله يكون اجتراء هذه الآفات والنفوس عليه وليس له شيء يرد عنه. فإن ذكر الله وطاعته والصدقة وإرشاد الجاهل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - وقاية ترد عن العبد بمنزلة القوة التي ترد المرض وتقاومه فإذا سقطت القوة غلب وارد المرض فكان الهلاك فلابد للعبد من شيء يرد عنه فإن موجب السيئات والحسنات تتدافع ويكون الحكم للغالب كما تقدم وكلما قوي جانب الحسنات كان الرد أقوى كما تقدم فإن الله يدافع عن الذين آمنوا والإيمان قول وعمل فبحسب قوة الإيمان يكون الدفع والله المستعان.  [فصل المعاصي تضعف العبد أمام نفسه] فصل المعاصي تضعف العبد أمام نفسه ومن عقوباتها: أنها تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه فإن كل أحد يحتاج إلى معرفة ما ينفعه وما يضره في معاشه ومعاده وأعلم الناس أعرفهم بذلك على التفصيل وأقواهم وأكيسهم من قوي على نفسه وإرادته فاستعملها فيما ينفعه وكفها عما يضره(1\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "83",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2904",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي ذلك تتفاوت معارف الناس وهممهم ومنازلهم فأعرفهم من كان عارفا بأسباب السعادة والشقاوة وأرشدهم من آثر هذه على هذه كما أن أسفههم من عكس الأمر. والمعاصي تخون العبد أحوج ما كان إلى نفسه في تحصيل هذا العلم وإيثار الحظ الأشرف العالي الدائم على الحظ الخسيس الأدنى المنقطع فتحجبه الذنوب عن كمال هذا العلم وعن الاشتغال بما هو أولى به وأنفع له في الدارين. فإذا وقع مكروه واحتاج إلى التخلص منه خانه قلبه ونفسه وجوارحه وكان بمنزلة رجل معه سيف قد غشيه الصدأ ولزم قرابه بحيث لا ينجذب مع صاحبه إذا جذبه فعرض له عدو يريد قتله فوضع يده على قائم سيفه واجتهد ليخرجه فلم يخرج معه فدهمه العدو وظفر به. كذلك القلب يصدأ بالذنوب ويصير مثخنا بالمرض فإذا احتاج إلى محاربة العدو لم يجد معه منه شيئا والعبد إنما يحارب ويصاول ويقدم بقلبه والجوارح تبع للقلب فإذا لم يكن عند ملكها قوة يدفع بها فما الظن بها وكذلك النفس فإنها تخبث بالشهوات والمعاصي وتضعف أعني النفس المطمئنة وإن كانت الأمارة تقوى وتتأسد وكلما قويت هذه ضعفت تلك فيبقى الحكم والتصرف للأمارة. وربما ماتت نفسه المطمئنة موتا لا يرتجى معه حياة ينتفع بها بل حياته حياة يدرك بها الألم فقط. والمقصود أن العبد إذا وقع في شدة أو كربة أو بلية خانه قلبه ولسانه وجوارحه عما هو أنفع شيء له فلا ينجذب قلبه للتوكل على الله تعالى والإنابة إليه والجمعية عليه والتضرع والتذلل والانكسار بين يديه ولا يطاوعه لسانه لذكره وإن ذكره بلسانه لم يجمع بين قلبه ولسانه فينحبس القلب على اللسان بحيث يؤثر الذكر ولا ينحبس القلب واللسان على الذكر بل إن ذكر أو دعا ذكر بقلب لاه ساه غافل ولو أراد من جوارحه أن تعينه بطاعة تدفع عنه لم تنقد له ولم تطاوعه. وهذا كله أثر الذنوب والمعاصي كمن له جند يدفع عنه الأعداء فأهمل جنده وضيعهم وأضعفهم وقطع أخبارهم ثم أراد منهم عند هجوم العدو عليه أن يستفرغوا وسعهم في الدفع عنه بغير قوة. هذا وثم أمر أخوف من ذلك وأدهى منه وأمر وهو أن يخونه قلبه ولسانه عند(1\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "84",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2905",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاحتضار والانتقال إلى الله تعالى فربما تعذر عليه النطق بالشهادة كما شاهد الناس كثيرا من المحتضرين أصابهم ذلك حتى قيل لبعضهم: قل لا إله إلا الله فقال: آه آه لا أستطيع أن أقولها. وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله فقال: شاه رخ غلبتك. ثم قضى. وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله فقال: يا رب قائلة يوما وقد تعبت ... أين الطريق إلى حمام منجاب ثم قضى. وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله فجعل يهذي بالغناء ويقول: تاتنا تننتا. حتى قضى وقيل لآخر ذلك فقال: وما ينفعني ما تقول ولم أدع معصية إلا ركبتها ثم قضى ولم يقلها. وقيل لآخر ذلك فقال: وما يغني عني وما أعرف أني صليت لله صلاة ثم قضى ولم يقلها. وقيل لآخر ذلك فقال: هو كافر بما تقول. وقضى. وقيل لآخر ذلك فقال: كلما أردت أن أقولها لساني يمسك عنها. وأخبرني من حضر بعض الشحاذين عند موته فجعل يقول: لله فلس لله. حتى قضى. وأخبرني بعض التجار عن قرابة له أنه احتضر وهو عنده وجعلوا يلقنونه: لا إله إلا الله وهو يقول: هذه القطعة رخيصة هذا مشتر جيد هذه كذا. حتى قضى. وسبحان الله! كم شاهد الناس من هذا عبرا والذي يخفى عليهم من أحوال المحتضرين أعظم وأعظم. فإذا كان العبد في حال حضور ذهنه وقوته وكمال إدراكه قد تمكن منه الشيطان واستعمله فيما يريده من معاصي الله وقد أغفل قلبه عن ذكر الله تعالى وعطل لسانه عن ذكره وجوارحه عن طاعته فكيف الظن به عند سقوط قواه واشتغال قلبه ونفسه بما هو فيه من ألم النزع وجمع الشيطان له كل قوته وهمته وحشد عليه بجميع ما يقدر عليه لينال منه فرصته فإن ذلك آخر العمل فأقوى ما يكون عليه شيطانه ذلك الوقت وأضعف ما يكون هو في تلك(1\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "85",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2906",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحال فمن ترى يسلم على ذلك فهناك يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء [سورة إبراهيم: 27] . فكيف يوفق بحسن الخاتمة من أغفل الله سبحانه قلبه عن ذكره واتبع هواه وكان أمره فرطا. فبعيد من قلبه بعيد من الله تعالى غافل عنه متعبد لهواه أسير لشهواته ولسانه يابس من ذكره وجوارحه معطلة من طاعته مشتغلة بمعصيته - أن يوفق للخاتمة بالحسنى. ولقد قطع خوف الخاتمة ظهور المتقين وكأن المسيئين الظالمين قد أخذوا توقيعا بالأمان أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون - سلهم أيهم بذلك زعيم [سورة القلم: 39 - 40] كما قيل: يا آمنا من قبيح الفعل منه أهل ... أتاك توقيع أمن أنت تملكه جمعت شيئين أمنا واتباع هوى ... هذا وإحداهما في المرء تهلكه والمحسنون على درب المخاوف قد ... ساروا وذلك درب لست تسلكه فرطت في الزرع وقت البذر من سفه ... فكيف عند حصاد الناس تدركه هذا وأعجب شيء منك زهدك في ... دار البقاء بعيش سوف تتركه من السفيه إذا بالله أنت أم ال ... مغبون في البيع غبنا سوف يدركه  [فصل المعاصي تعمي القلب] فصل المعاصي تعمي القلب ومن عقوباتها أنها تعمي القلب فإن لم تعمه أضعفت بصيرته ولابد وقد تقدم بيان أنها تضعفه ولابد فإذا عمي القلب وضعف فاته من معرفة الهدى وقوته على تنفيذه في نفسه وفي غيره بحسب ضعف بصيرته وقوته. فإن الكمال الإنساني مداره على أصلين: معرفة الحق من الباطل وإيثاره عليه. وما تفاوتت منازل الخلق عند الله تعالى في الدنيا والآخرة إلا بقدر تفاوت منازلهم في هذين(1\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "86",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2907",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأمرين وهما اللذان أثنى الله بهما سبحانه على أنبيائه بهما في قوله تعالى: واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار [سورة ص: 45] . فالأيدي: القوة في تنفيذ الحق والأبصار: البصائر في الدين فوصفهم بكمال إدراك الحق وكمال تنفيذه وانقسم الناس في هذا المقام أربعة أقسام فهؤلاء أشرف الأقسام من الخلق وأكرمهم على الله تعالى. القسم الثاني: عكس هؤلاء من لا بصيرة له في الدين ولا قوة على تنفيذ الحق وهم أكثر هذا الخلق وهم الذين رؤيتهم قذى العيون وحمى الأرواح وسقم القلوب يضيقون الديار ويغلون الأسعار ولا يستفاد من صحبتهم إلا العار والشنار. القسم الثالث: من له بصيرة بالحق ومعرفة به لكنه ضعيف لا قوة له على تنفيذه ولا الدعوة إليه وهذا حال المؤمن الضعيف والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله منه. القسم الرابع: من له قوة وهمة وعزيمة لكنه ضعيف البصيرة في الدين لا يكاد يميز بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان بل يحسب كل سوداء تمرة وكل بيضاء شحمة يحسب الورم شحما والدواء النافع سما. وليس في هؤلاء من يصلح للإمامة في الدين ولا هو موضع لها سوى القسم الأول قال الله تعالى: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون [سورة السجدة: 24] . فأخبر سبحانه أن بالصبر واليقين نالوا الإمامة في الدين وهؤلاء هم الذين استثناهم الله سبحانه من جملة الخاسرين وأقسم بالعصر - الذي هو زمن سعي الخاسرين والرابحين - على أن من عداهم فهو من الخاسرين فقال تعالى والعصر - إن الإنسان لفي خسر - إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر [العصر: 1 - 3] . ولم يكتف منهم بمعرفة الحق والصبر عليه حتى يوصي بعضهم بعضا به ويرشده إليه ويحضه عليه. وإذا كان من عدا هؤلاء فهو خاسر فمعلوم أن المعاصي والذنوب تعمي بصيرة القلب فلا يدرك الحق كما ينبغي وتضعف قوته وعزيمته فلا يصبر عليه بل قد يتوارد على القلب حتى(1\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "87",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2908",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ينعكس إدراكه كما ينعكس سيره فيدرك الباطل حقا والحق باطلا والمعروف منكرا والمنكر معروفا فينتكس في سيره ويرجع عن سفره إلى الله والدار الآخرة إلى سفره إلى مستقر النفوس المبطلة التي رضيت بالحياة الدنيا واطمأنت بها وغفلت عن الله وآياته وتركت الاستعداد للقائه ولو لم يكن في عقوبة الذنوب إلا هذه وحدها لكانت داعية إلى تركها والبعد منها والله المستعان. وهذا كما أن الطاعة تنور القلب وتجلوه وتصقله وتقويه وتثبته حتى يصير كالمرآة المجلوة في جلائها وصفائها فيمتلئ نورا فإذا دنا الشيطان منه أصابه من نوره ما يصيب مسترق السمع من الشهب الثواقب فالشيطان يفرق من هذا القلب أشد من فرق الذئب من الأسد حتى إن صاحبه ليصرع الشيطان فيخر صريعا فيجتمع عليه الشياطين فيقول بعضهم لبعض: ما شأنه فيقال: أصابه إنسي وبه نظرة من الإنس: فيا نظرة من قلب حر منور ... يكاد لها الشيطان بالنور يحرق أفيستوي هذا القلب وقلب مظلم أرجاؤه مختلفة أهواؤه قد اتخذه الشيطان وطنه وأعده مسكنه إذا تصبح بطلعته حياه وقال: فديت من لا يفلح في دنياه ولا في أخراه قرينك في الدنيا وفي الحشر بعدها ... فأنت قرين لي بكل مكان فإن كنت في دار الشقاء فإنني ... وأنت جميعا في شقا وهوان قال الله تعالى: ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين - وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون - حتى إذا جاءنا قال ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين - ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون [سورة الزخرف: 36 - 39] . فأخبر سبحانه أن من عشي عن ذكره وهو كتابه الذي أنزل على رسوله فأعرض عنه وعمي عنه وعشت بصيرته عن فهمه وتدبره ومعرفة مراد الله منه - قيض الله له شيطانا عقوبة له بإعراضه عن كتابه فهو قرينه الذي لا يفارقه في الإقامة ولا في المسير ومولاه وعشيره الذي هو بئس المولى وبئس العشير. رضيعا لبان ثدي أم تقاسما ... بأسحم داج عوض لا نتفرق ثم أخبر سبحانه أن الشيطان يصد قرينه ووليه عن سبيله الموصل إليه وإلى جنته ويحسب هذا الضال المصدود أنه على طريق هدى حتى إذا جاء القرينان يوم القيامة يقول أحدهما للآخر: ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين كنت لي في الدنيا أضللتني(1\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "88",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2909",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن الهدى بعد إذ جاءني وصددتني عن الحق وأغويتني حتى هلكت وبئس القرين أنت لي اليوم. ولما كان المصاب إذا شاركه غيره في مصيبة حصل له بالتأسي نوع تخفيف وتسلية أخبر الله سبحانه أن هذا غير موجود وغير حاصل في حق المشتركين في العذاب وأن القرين لا يجد راحة ولا أدنى فرح بعذاب قرينه معه وإن كانت المصائب في الدنيا إذا عمت صارت مسلاة كما قالت الخنساء في أخيها صخر: ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي فمنع الله سبحانه هذا القدر من الراحة على أهل النار فقال: ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون [سورة الزخرف: 39]  [فصل المعاصي عدو لدود] فصل المعاصي عدو لدود ومن عقوباتها: أنها مدد من الإنسان يمد به عدوه عليه وجيش يقويه به على حربه وذلك أن الله سبحانه ابتلى هذا الإنسان بعدو لا يفارقه طرفة عين ولا ينام منه ولا يغفل عنه يراه هو وقبيله من حيث لا يراه يبذل جهده في معاداته في كل حال ولا يدع أمرا يكيده به يقدر على إيصاله إليه إلا أوصله إليه ويستعين عليه ببني جنسه من شياطين الجن وغيرهم من شياطين الإنس فقد نصب له الحبائل وبغى له الغوائل ومد حوله الأشراك ونصب له الفخاخ والشباك وقال لأعوانه: دونكم عدوكم وعدو أبيكم لا يفوتكم ولا يكون حظه الجنة وحظكم النار ونصيبه الرحمة ونصيبكم اللعنة وقد علمتم أن ما جرى علي وعليكم من الخزي والإبعاد من رحمة الله بسببه ومن أجله فابذلوا جهدكم أن يكونوا شركاءنا في هذه البلية إذ قد فاتنا شركة صالحيهم في الجنة. وقد أعلمنا الله سبحانه بذلك كله من عدونا وأمرنا أن نأخذ له أهبته ونعد له عدته. ولما علم سبحانه أن آدم وبنيه قد بلوا بهذا العدو وأنه قد سلط عليهم أمدهم بعساكر وجند يلقونهم بها وأمد عدوهم أيضا بجند وعساكر يلقاهم بها وأقام سوق الجهاد في هذه الدار في مدة العمر التي هي بالإضافة إلى الآخرة كنفس واحد من أنفاسها واشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وأخبر أن(1\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "89",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2910",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك وعد مؤكد عليه في أشرف كتبه وهي التوراة والإنجيل والقرآن وأخبر أنه لا أوفى بعهده منه سبحانه ثم أمرهم أن يستبشروا بهذه الصفقة التي من أراد أن يعرف قدرها فلينظر إلى المشتري من هو وإلى الثمن المبذول في هذه السلعة وإلى من جرى على يديه هذا العقد فأي فوز أعظم من هذا وأي تجارة أربح منه ثم أكد سبحانه معهم هذا الأمر بقوله: ياأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم - تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون - يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم - وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين [سورة الصف: 10 - 13] . ولم يسلط سبحانه هذا العدو على عبده المؤمن الذي هو أحب المخلوقات إليه إلا لأن الجهاد أحب شيء إليه وأهله أرفع الخلق عنده درجات وأقربهم إليه وسيلة فعقد سبحانه لواء هذه الحرب لخلاصة مخلوقاته وهو القلب الذي محل معرفته ومحبته وعبوديته والإخلاص له والتوكل عليه والإنابة إليه فولاه أمر هذه الحرب وأيده بجند من الملائكة لا يفارقونه له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله [سورة الرعد: 11] . يعقب بعضهم بعضا كلما ذهب بدل جاء بدل آخر يثبتونه ويأمرونه بالخير ويحضونه عليه ويعدونه بكرامة الله ويصبرونه ويقولون: إنما هو صبر ساعة وقد استرحت راحة الأبد. ثم أمده سبحانه بجند آخر من وحيه وكلامه فأرسل إليه رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأنزل إليه كتابه فازداد قوة إلى قوته ومددا إلى مدده وعدة إلى عدته وأمده مع ذلك بالعقل وزيرا له ومدبرا وبالمعرفة مشيرة عليه ناصحة له وبالإيمان مثبتا له ومؤيدا وناصرا وباليقين كاشفا له عن حقيقة الأمر حتى كأنه يعاين ما وعد الله تعالى أولياءه وحزبه على جهاد أعدائه فالعقل يدبر أمر جيشه والمعرفة تصنع له أمور الحرب وأسبابها ومواضعها اللائقة بها والإيمان يثبته ويقويه ويصبره واليقين يقدم به ويحمل به الحملات الصادقة. ثم أمد سبحانه القائم بهذه الحرب بالقوى الظاهرة والباطنة فجعل العين طليعته والأذن صاحب خبره واللسان ترجمانه واليدين والرجلين أعوانه وأقام ملائكته وحملة عرشه يستغفرون له ويسألون له أن يقيه السيئات ويدخله الجنات وتولى سبحانه الدفع(1\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "90",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2911",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والدفاع عنه بنفسه وقال: هؤلاء حزبي وحزب الله هم المفلحون قال الله تعالى: أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون [المجادلة: 22] . وهؤلاء جندي وإن جندنا لهم الغالبون [سورة الصافات: 173] . وعلم عباده كيفية هذه الحرب والجهاد فجمعها لهم في أربع كلمات فقال: ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون [سورة آل عمران: 200] . ولا يتم أمر هذا الجهاد إلا بهذه الأمور الأربعة فلا يتم الصبر إلا بمصابرة العدو وهو مقاومته ومنازلته فإذا صابر عدوه احتاج إلى أمر آخر وهي المرابطة وهي لزوم ثغر القلب وحراسته لئلا يدخل منه العدو ولزوم ثغر العين والأذن واللسان والبطن واليد والرجل فهذه الثغور يدخل منها العدو فيجوس خلال الديار ويفسد ما قدر عليه فالمرابطة لزوم هذه الثغور ولا يخلي مكانها فيصادف العدو الثغر خاليا فيدخل منه. فهؤلاء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير الخلق بعد النبيين والمرسلين وأعظمهم حماية وحراسة من الشيطان وقد أخلوا المكان الذي أمروا بلزومه يوم أحد فدخل منه العدو فكان ما كان. وجماع هذه الثلاثة وعمودها الذي تقوم به هو تقوى الله تعالى فلا ينفع الصبر ولا المصابرة ولا المرابطة إلا بالتقوى ولا تقوم التقوى إلا على ساق الصبر. التقاء الجيشين فانظر الآن فيك إلى التقاء الجيشين واصطدام العسكرين وكيف تدال مرة ويدال عليك أخرى أقبل ملك الكفرة بجنوده وعساكره فوجد القلب في حصنه جالسا على كرسي مملكته أمره نافذ في أعوانه وجنده قد حفوا به يقاتلون عنه ويدافعون عن حوزته فلم يمكنهم الهجوم عليه إلا بمخامرة بعض أمرائه وجنده عليه فسأل عن أخص الجند به وأقربهم منه منزلة فقيل له: هي النفس فقال لأعوانه: ادخلوا عليها من مرادها وانظروا مواقع محبتها وما هو محبوبها فعدوها به ومنوها إياه وانقشوا صورة المحبوب فيها في يقظتها ومنامها فإذا اطمأنت إليه وسكنت عنده فاطرحوا عليها كلاليب الشهوة وخطاطيفها ثم جروها بها إليكم فإذا خامرت على القلب وصارت معكم عليه ملكتم ثغر العين والأذن(1\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "91",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2912",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واللسان والفم واليد والرجل فرابطوا على هذا الثغور كل المرابطة فمتى دخلتم منها إلى القلب فهو قتيل أو أسير أو جريح مثخن بالجراحات ولا تخلوا هذه الثغور ولا تمكنوا سرية تدخل فيها إلى القلب فتخرجكم منها وإن غلبتم فاجتهدوا في إضعاف السرية ووهنها حتى لا تصل إلى القلب فإن وصلت إليه وصلت ضعيفة لا تغني عنه شيئا. ثغر العين فإذا استوليتم على هذه الثغور فامنعوا ثغر العين أن يكون نظره اعتبارا بل اجعلوا نظره تفرجا واستحسانا وتلهيا فإن استرق نظره عبرة فأفسدوها عليه بنظر الغفلة والاستحسان والشهوة فإنه أقرب إليه وأعلق بنفسه وأخف عليه ودونكم ثغر العين فإن منه تنالون بغيتكم فإني ما أفسدت بني آدم بشيء مثل النظر فإني أبذر به في القلب بذر الشهوة ثم أسقيه بماء الأمنية ثم لا أزال أعده وأمنيه حتى أقوي عزيمته وأقوده بزمام الشهوة إلى الانخلاع من العصمة فلا تهملوا أمر هذا الثغر وأفسدوه بحسب استطاعتكم وهونوا عليه أمره وقولوا له: مقدار نظرة تدعوك إلى تسبيح الخالق والتأمل لبديع صنيعه وحسن هذه الصورة التي إنما خلقت ليستدل بها الناظر عليه وما خلق الله لك العينين سدى وما خلق الله هذه الصورة ليحجبها عن النظر وإن ظفرتم به قليل العلم فاسد العقل فقولوا له: هذه الصورة مظهر من مظاهر الحق ومجلى من مجاليه فادعوه إلى القول بالاتحاد فإن لم يقبل فالقول بالحلول العام أو الخاص ولا تقنعوا منه بدون ذلك فإنه يصير به من إخوان النصارى فمروه حينئذ بالعفة والصيانة والعبادة والزهد في الدنيا واصطادوا عليه وبه الجهال فهذا من أقرب خلفائي وأكبر جندي بل أنا من جنده وأعوانه.  [فصل ثغر الأذن] فصل ثغر الأذن ثم امنعوا ثغر الأذن أن يدخل عليه ما يفسد عليكم الأمر فاجتهدوا أن لا تدخلوا منه إلا الباطل فإنه خفيف على النفس تستحليه وتستحسنه تخيروا له أعذب الألفاظ وأسحرها للألباب وامزجوه بما تهوى النفس مزجا. وألقوا الكلمة فإن رأيتم منه إصغاء إليها فزجوه بأخواتها وكلما صادفتم منه استحسان شيء فالهجوا له بذكره وإياكم أن يدخل من هذا الثغر شيء من كلام الله أو كلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو كلام النصحاء فإن غلبتم على ذلك ودخل من ذلك شيء فحولوا بينه وبين فهمه وتدبره والتفكر فيه والعظة به إما بإدخال ضده عليه وإما بتهويل ذلك(1\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "92",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2913",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتعظيمه وأن هذا أمر قد حيل بين النفوس وبينه فلا سبيل لها إليه وهو حمل يثقل عليها لا تستقل به ونحو ذلك وإما بإرخاصه على النفوس وأن الاشتغال ينبغي أن يكون بما هو أعلى عند الناس وأعز عليهم وأغرب عندهم وزبونه القابلون له أكثر وأما الحق فهو مهجور وقائله معرض نفسه للعداوة والرابح بين الناس أولى بالإيثار ونحو ذلك فتدخلون الباطل عليه في كل قالب يقبله ويخف عليه وتخرجون له الحق في كل قالب يكرهه ويثقل عليه. وإذا شئت أن تعرف ذلك فانظر إلى إخوانهم من شياطين الإنس كيف يخرجون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قالب كثرة الفضول وتتبع عثرات الناس والتعرض من البلاء لما لا يطيق وإلقاء الفتن بين الناس ونحو ذلك ويخرجون اتباع السنة ووصف الرب تعالى بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم - في قالب التجسيم والتشبيه والتكييف ويسمون علو الله على خلقه واستواءه على عرشه ومباينته لمخلوقاته تحيزا ويسمون نزوله إلى سماء الدنيا وقوله: من يسألني فأعطيه تحركا وانتقالا ويسمون ما وصف به نفسه من اليد والوجه أعضاء وجوارح ويسمون ما يقوم به من أفعاله حوادث وما يقوم من صفاته أعراضا ثم يتوصلون إلى نفي ما وصف به نفسه بهذه الأمور ويوهمون الأغمار وضعفاء البصائر أن إثبات الصفات التي نطق بها كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - تستلزم هذه الأمور ويخرجون هذا التعطيل في قالب التنزيه والتعظيم وأكثر الناس ضعفاء العقول يقبلون الشيء بلفظ ويردونه بعينه بلفظ آخر قال الله تعالى: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا [سورة الأنعام: 112] فسماه زخرفا وهو باطل لأن صاحبه يزخرفه ويزينه ما استطاع ويلقيه إلى سمع المغرور فيغتر به. والمقصود: أن الشيطان قد لزم ثغر الأذن أن يدخل فيها ما يضر العبد ولا ينفعه ويمنع أن يدخل إليها ما ينفعه وإن دخل بغير اختياره أفسده عليه.  [فصل ثغر اللسان] فصل ثغر اللسان ثم يقول: قوموا على ثغر اللسان فإنه الثغر الأعظم وهو قبالة الملك فأجروا عليه من الكلام ما يضره ولا ينفعه وامنعوه أن يجري عليه شيء مما ينفعه: من ذكر الله(1\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "93",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2914",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى واستغفاره وتلاوة كتابه ونصيحة عباده والتكلم بالعلم النافع ويكون لكم في هذا الثغر أمران عظيمان لا تبالون بأيهما ظفرتم: أحدهما: التكلم بالباطل فإنما المتكلم بالباطل أخ من إخوانكم ومن أكبر جندكم وأعوانكم. الثاني: السكوت عن الحق فإن الساكت عن الحق أخ لكم أخرس كما أن الأول أخ ناطق وربما كان الأخ الثاني أنفع أخويكم لكم أما سمعتم قول الناصح: المتكلم بالباطل شيطان ناطق والساكت عن الحق شيطان أخرس فالرباط الرباط على هذا الثغر أن يتكلم بحق أو يمسك عن باطل وزينوا له التكلم بالباطل بكل طريق وخوفوه من التكلم بالحق بكل طريق. واعلموا يا بني أن ثغر اللسان هو الذي أهلك منه بني آدم وأكبهم منه على مناخرهم في النار فكم لي من قتيل وأسير وجريح أخذته من هذا الثغر وأوصيكم بوصية فاحفظوها: لينطق أحدكم على لسان أخيه من الإنس بالكلمة ويكون الآخر على لسان السامع فينطق باستحسانها وتعظيمها والتعجب منها ويطلب من أخيه إعادتها وكونوا أعوانا على الإنس بكل طريق وادخلوا عليهم من كل باب واقعدوا لهم كل مرصد أما سمعتم قسمي الذي أقسمت به لربهم حيث قلت: فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم - ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين [سورة الأعراف 16 - 17] . أوما تروني قد قعدت لابن آدم بطرقه كلها فلا يفوتني من طريق إلا قعدت له بطريق غيره حتى أصيب منه حاجتي أو بعضها وقد حذرهم ذلك رسولهم - صلى الله عليه وسلم - وقال لهم: إن الشيطان قد قعد لابن آدم بطرقه كلها وقعد له بطريق الإسلام فقال له: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك فخالفه وأسلم فقعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك فخالفه وهاجر فقعد له بطريق الجهاد فقال: أتجاهد فتقتل فيقسم المال وتنكح الزوجة فكهذا فاقعدوا لهم بكل طرق الخير فإذا أراد أحدهم أن يتصدق فاقعدوا له على طريق الصدقة وقولوا له في نفسه: أتخرج المال فتبقى مثل هذا السائل وتصير بمنزلته أنت وهو سواء أوما سمعتم ما ألقيت على لسان رجل سأله آخر أن يتصدق عليه قال: هي أموالنا إذا أعطيناكموها صرنا مثلكم.(1\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "94",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2915",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واقعدوا له بطريق الحج فقولوا: طريقه مخوفة مشقة يتعرض سالكها لتلف النفس والمال وهكذا فاقعدوا له على سائر طرق الخير بالتنفير عنها وذكر صعوبتها وآفاتها ثم اقعدوا لهم على طرق المعاصي فحسنوها في أعين بني آدم وزينوها في قلوبهم واجعلوا أكثر أعوانكم على ذلك النساء فمن أبوابهن فادخلوا عليهم فنعم العون هن لكم. ثم الزموا ثغر اليدين والرجلين فامنعوها أن تبطش بما يضركم وتمشي فيه. النفس الأمارة واعلموا أن أكبر أعوانكم على لزوم هذه الثغور مصالحة النفس الأمارة فأعيوها واستعينوا بها وأمدوها واستمدوا منها وكونوا معها على حرب النفس المطمئنة فاجتهدوا في كسرها وإبطال قواها ولا سبيل إلى ذلك إلا بقطع موادها عنها فإذا انقطعت موادها وقويت مواد النفس الأمارة وانطاعت لكم أعوانها فاستنزلوا القلب من حصنه واعزلوه عن مملكته وولوا مكانه النفس الأمارة فإنها لا تأمر إلا بما تهوونه وتحبونه ولا تجيئكم بما تكرهونه ألبتة مع أنها لا تخالفكم في شيء تشيرون به عليها بل إذا أشرتم عليها بشيء بادرت إلى فعله فإن أحسستم من القلب منازعة إلى مملكته وأردتم الأمن من ذلك فاعقدوا بينه وبين النفس عقد النكاح فزينوها وجملوها وأروها إياه في أحسن صورة عروس توجد وقولوا له ذق طعم هذا الوصال والتمتع بهذه العروس كما ذقت طعم الحرب وباشرت مرارة الطعن والضرب ثم وازن بين لذة هذه المسألة ومرارة تلك المحاربة فدع الحرب تضع أوزارها فليست بيوم وتنقضي وإنما هو حرب متصل بالموت وقواك تضعف عن حرب دائم. واستعينوا يا بني بجندين عظيمين لن تغلبوا معهما: أحدهما: جند الغفلة فأغفلوا قلوب بني آدم عن الله تعالى والدار الآخرة بكل طريق فليس لكم شيء أبلغ في تحصيل غرضكم من ذلك فإن القلب إذا غفل عن الله تعالى تمكنتم منه ومن إغوائه. الثاني: جند الشهوات فزينوها في قلوبهم وحسنوها في أعينهم وصولوا عليهم بهذين العسكرين فليس لكم في بني آدم أبلغ منهما واستعينوا على الغفلة بالشهوات وعلى الشهوات بالغفلة واقرنوا بين الغافلين ثم استعينوا بهما على الذاكر ولا يغلب واحد خمسة فإن مع الغافلين شيطانين صاروا أربعة وشيطان الذاكر معهم وإذا رأيتم جماعة مجتمعين على ما يضركم - من ذكر الله ومذاكرة أمره ونهيه ودينه ولم تقدروا على تفريقهم - فاستعينوا عليهم ببني جنسهم من الإنس البطالين فقربوهم منهم وشوشوا عليهم بهم(1\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "95",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2916",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبالجملة فأعدوا للأمور أقرانها وادخلوا على كل واحد من بني آدم من باب إرادته وشهوته فساعدوه عليها وكونوا له أعوانا على تحصيلها وإذا كان الله قد أمرهم أن يصبروا لكم ويصابروكم ويرابطوا عليكم الثغور فاصبروا أنتم وصابروا ورابطوا عليهم بالثغور وانتهزوا فرصكم فيهم عند الشهوة والغضب فلا تصطادوا بني آدم في أعظم من هذين الموطنين. واعلموا أن منهم من يكون سلطان الشهوة عليه أغلب وسلطان غضبه ضعيف مقهور فخذوا عليه طريق الشهوة ودعوا طريق الغضب ومنهم من يكون سلطان الغضب عليه أغلب فلا تخلوا طريق الشهوة قلبه ولا تعطلوا ثغرها فإن لم يملك نفسه عند الغضب فإنه الحري أن لا يملك نفسه عند الشهوة فزوجوا بين غضبه وشهوته وامزجوا أحدهما بالآخر وادعوه إلى الشهوة من باب الغضب وإلى الغضب من طريق الشهوة. واعلموا أنه ليس لكم في بني آدم سلاح أبلغ من هذين السلاحين وإنما أخرجت أبويهم من الجنة بالشهوة وإنما ألقيت العداوة بين أولادهم بالغضب فبه قطعت أرحامهم وسفكت دماءهم وبه قتل أحد ابني آدم أخاه. واعلموا أن الغضب جمرة في قلب ابن آدم والشهوة تثور من قلبه وإنما تطفأ النار بالماء والصلاة والذكر والتكبير فإياكم أن تمكنوا ابن آدم عند غضبه وشهوته من قربان الوضوء والصلاة فإن ذلك يطفئ عنهم نار الغضب والشهوة وقد أمرهم نبيهم بذلك فقال: إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أما رأيتم من احمرار عينيه وانتفاخ أوداجه فمن أحس بذلك فليتوضأ . وقال لهم: إنما تطفأ النار بالماء  وقد أوصاهم الله أن يستعينوا عليكم بالصبر والصلاة فحولوا بينهم وبين ذلك وأنسوهم إياه واستعينوا عليهم بالشهوة والغضب وأبلغ أسلحتكم فيهم وأنكاها: الغفلة واتباع الهوى. وأعظم أسلحتهم فيكم وأمنع حصونهم ذكر الله ومخالفة الهوى فإذا رأيتم الرجل مخالفا لهواه فاهربوا من ظله ولا تدنوا منه. والمقصود أن الذنوب والمعاصي سلاح ومدد يمد بها العبد أعداءه ويعينهم بها على نفسه فيقاتلون بسلاحه ويكون معهم على نفسه وهذا غاية الجهل. ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه ومن العجائب أن العبد يسعى بجهده في هوان نفسه وهو يزعم أنه لها مكرم(1\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "96",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2917",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويجتهد في حرمانها أعلى حظوظها وأشرفها وهو يزعم أنه يسعى في حظها ويبذل جهده في تحقيرها وتصغيرها وتدنيسها وهو يزعم أنه يعليها ويرفعها ويكبرها. وكان بعض السلف يقول في خطبته: ألا رب مهين لنفسه وهو يزعم أنه لها مكرم ومذل لنفسه وهو يزعم أنه لها معز ومصغر لنفسه وهو يزعم أنه لها مكبر ومضيع لنفسه وهو يزعم أنه مراع لحفظها وكفى بالمرء جهلا أن يكون مع عدوه على نفسه يبلغ منها بفعله ما لا يبلغه عدوه والله المستعان.  [فصل المعصية تنسي العبد نفسه] فصل المعصية تنسي العبد نفسه ومن عقوباتها: أنها تنسي العبد نفسه وإذا نسي نفسه أهملها وأفسدها وأهلكها فإن قيل: كيف ينسى العبد نفسه وإذا نسي نفسه فأي شيء يذكر وما معنى نسيانه نفسه قيل: نعم ينسى نفسه أعظم نسيان قال تعالى: ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون [سورة الحشر: 19] . فلما نسوا ربهم سبحانه نسيهم وأنساهم أنفسهم كما قال تعالى: نسوا الله فنسيهم [سورة التوبة: 67] . فعاقب سبحانه من نسيه عقوبتين: إحداهما: أنه سبحانه نسيه. والثانية: أنه أنساه نفسه. ونسيانه سبحانه للعبد: إهماله وتركه وتخليه عنه وإضاعته فالهلاك أدنى إليه من اليد للفم وأما إنساؤه نفسه فهو: إنساؤه لحظوظها العالية وأسباب سعادتها وفلاحها وإصلاحها وما تكمل به بنسيه ذلك كله جميعه فلا يخطر بباله ولا يجعله على ذكره ولا يصرف إليه همته فيرغب فيه فإنه لا يمر بباله حتى يقصده ويؤثره. وأيضا فينسيه عيوب نفسه ونقصها وآفاتها فلا يخطر بباله إزالتها. وأيضا فينسيه أمراض نفسه وقلبه وآلامها فلا يخطر بقلبه مداواتها ولا السعي في إزالة عللها وأمراضها التي تئول بها إلى الفساد والهلاك فهو مريض مثخن بالمرض ومرضه(1\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "97",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2918",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مترام به إلى التلف ولا يشعر بمرضه ولا يخطر بباله مداواته وهذا من أعظم العقوبة العامة والخاصة. فأي عقوبة أعظم من عقوبة من أهمل نفسه وضيعها ونسي مصالحها وداءها ودواءها وأسباب سعادتها وفلاحها وصلاحها وحياتها الأبدية في النعيم المقيم ومن تأمل هذا الموضع تبين له أن أكثر هذا الخلق قد نسوا حقيقة أنفسهم وضيعوها وأضاعوا حظها من الله وباعوها رخيصة بثمن بخس بيع الغبن وإنما يظهر لهم هذا عند الموت ويظهر هذا كل الظهور يوم التغابن يوم يظهر للعبد أنه غبن في العقد الذي عقده لنفسه في هذه الدار والتجارة التي اتجر فيها لمعاده فإن كل أحد يتجر في هذه الدنيا لآخرته. فالخاسرون الذين يعتقدون أنهم أهل الربح والكسب اشتروا الحياة الدنيا وحظهم فيها ولذاتهم بالآخرة وحظهم فيها فأذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا واستمتعوا بها ورضوا بها واطمأنوا إليها وكان سعيهم لتحصيلها فباعوا واشتروا واتجروا وباعوا آجلا بعاجل ونسيئة بنقد وغائبا بناجز وقالوا: هذا هو الحزم ويقول أحدهم: خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به فكيف أبيع حاضرا نقدا مشاهدا في هذه الدار بغائب نسيئة في دار أخرى غير هذه وينضم إلى ذلك ضعف الإيمان وقوة داعي الشهوة ومحبة العاجلة والتشبه ببني الجنس فأكثر الخلق في هذه التجارة الخاسرة التي قال الله في أهلها: أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون [سورة البقرة: 86]  وقال فيهم: فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين [سورة البقرة: 16]  فإذا كان يوم التغابن ظهر لهم الغبن في هذه التجارة فتتقطع عليهم النفوس حسرات. وأما الرابحون فإنهم باعوا فانيا بباق وخسيسا بنفيس وحقيرا بعظيم وقالوا: ما مقدار هذه الدنيا من أولها إلى آخرها حتى نبيع حظنا من الله تعالى والدار الآخرة بها فكيف ينال العبد منها في هذا الزمن القصير الذي هو في الحقيقة كغفوة حلم لا نسبة له إلى(1\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "98",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2919",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دار القرار ألبتة: قال تعالى: ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم [سورة يونس: 45] . وقال تعالى: يسألونك عن الساعة أيان مرساها - فيم أنت من ذكراها - إلى ربك منتهاها - إنما أنت منذر من يخشاها - كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها [سورة النازعات: 42 - 46] . وقال تعالى: كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ [سورة الأحقاف: 35] . وقال تعالى: كم لبثتم في الأرض عدد سنين - قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين - قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون [سورة المؤمنين: 112 - 114] . وقال تعالى: يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا - يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا - نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما [سورة طه: 102 - 104] . فهذه حقيقة الدنيا عند موافاة يوم القيامة فلما علموا قلة لبثهم فيها وأن لهم دارا غير هذه الدار هي دار الحيوان ودار البقاء - رأوا من أعظم الغبن بيع دار البقاء بدار الفناء فاتجروا تجارة الأكياس ولم يغتروا بتجارة السفهاء من الناس فظهر لهم يوم التغابن ربح تجارتهم ومقدار ما اشتروه وكل أحد في هذه الدنيا بائع مشتر متجر وكل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها. إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم [سورة التوبة: 111] . فهذا أول نقد من ثمن هذه التجارة فتاجروا أيها المفلسون ويا من لا يقدر على هذا الثمن هنا ثمن آخر فإن كنت من أهل هذه التجارة فأعط هذا الثمن:(1\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "99",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2920",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين [سورة التوبة: 112] . ياأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم - تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون [سورة الصف: 10 - 11] . والمقصود أن الذنوب تنسي العبد حظه من هذه التجارة الرابحة وتشغله بالتجارة الخاسرة وكفى بذلك عقوبة والله المستعان.  [فصل المعاصي تزيل النعم] فصل المعاصي تزيل النعم ومن عقوباتها أنها تزيل النعم الحاضرة وتقطع النعم الواصلة فتزيل الحاصل وتمنع الواصل فإن نعم الله ما حفظ موجودها بمثل طاعته ولا استجلب مفقودها بمثل طاعته فإن ما عنده لا ينال إلا بطاعته وقد جعل الله سبحانه لكل شيء سببا وآفة سببا يجلبه وآفة تبطله فجعل أسباب نعمه الجالبة لها طاعته وآفاتها المانعة منها معصيته فإذا أراد حفظ نعمته على عبده ألهمه رعايتها بطاعته فيها وإذا أراد زوالها عنه خذله حتى عصاه بها. ومن العجب علم العبد بذلك مشاهدة في نفسه وغيره وسماعا لما غاب عنه من أخبار من أزيلت نعم الله عنهم بمعاصيه وهو مقيم على معصية الله كأنه مستثنى من هذه الجملة أو مخصوص من هذا العموم وكأن هذا أمر جار على الناس لا عليه وواصل إلى الخلق لا إليه فأي جهل أبلغ من هذا وأي ظلم للنفس فوق هذا فالحكم لله العلي الكبير.  [فصل المعصية تباعد بين العبد والملك] فصل المعصية تباعد بين العبد والملك ومن عقوباتها: أنها تباعد عن العبد وليه وأنفع الخلق له وأنصحهم له ومن سعادته في قربه منه وهو الملك الموكل به وتدني منه عدوه وأغش الخلق له وأعظمهم(1\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "100",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2921",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ضررا له وهو الشيطان فإن العبد إذا عصى الله تباعد منه الملك بقدر تلك المعصية حتى إنه يتباعد منه بالكذبة الواحدة مسافة بعيدة. وفي بعض الآثار: إذا كذب العبد تباعد منه الملك ميلا من نتن ريحه فإذا كان هذا تباعد الملك منه من كذبة واحدة فماذا يكون مقدار بعده منه مما هو أكبر من ذلك وأفحش منه وقال بعض السلف: إذا ركب الذكر عجت الأرض إلى الله وهربت الملائكة إلى ربها وشكت إليه عظيم ما رأت. وقال بعض السلف: إذا أصبح ابن آدم ابتدره الملك والشيطان فإن ذكر الله وكبره وحمده وهلله طرد الشيطان وتولاه الملك وإن افتتح بغير ذلك ذهب الملك عنه وتولاه الشيطان. ولا يزال الملك يقرب من العبد حتى يصير الحكم والطاعة والغلبة له فتتولاه الملائكة في حياته وعند موته وعند بعثه كما قال الله تعالى: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون - نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة [سورة فصلت: 30 - 31] . وإذا تولاه الملك تولاه أنصح الخلق وأنفعهم وأبرهم فثبته وعلمه وقوى جنانه وأيده الله تعالى: إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا [سورة الأنفال: 12] . فيقول الملك عند الموت: لا تخف ولا تحزن وأبشر بالذي يسرك ويثبته بالقول الثابت أحوج ما يكون إليه في الحياة الدنيا وعند الموت وفي القبر عند المسألة. فليس أحد أنفع للعبد من صحبة الملك له وهو وليه في يقظته ومنامه وحياته وعند موته وفي قبره ومؤنسه في وحشته وصاحبه في خلوته ومحدثه في سره ويحارب عنه عدوه ويدافع عنه ويعينه عليه ويعده بالخير ويبشره به ويحثه على التصديق بالحق كما جاء في الأثر الذي يروى مرفوعا وموقوفا: إن للملك بقلب ابن آدم لمة وللشيطان لمة فلمة الملك: إيعاد بالخير وتصديق بالوعد ولمة الشيطان: إيعاد بالشر وتكذيب بالحق . وإذا اشتد قرب الملك من العبد تكلم على لسانه وألقى على لسانه القول السديد وإذا بعد منه وقرب الشيطان تكلم على لسانه وألقى عليه قول الزور والفحش حتى يرى الرجل يتكلم على لسانه الملك والرجل يتكلم على لسانه الشيطان(1\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "101",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2922",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الحديث: إن السكينة تنطق على لسان عمر - رضي الله عنه - وكان أحدهم يسمع الكلمة الصالحة من الرجل الصالح فيقول: ما ألقاه على لسانك إلا الملك ويسمع ضدها فيقول: ما ألقاها على لسانك إلا الشيطان فالملك يلقي بالقلب الحق ويلقيه على اللسان والشيطان يلقي الباطل في القلب ويجريه على اللسان. فمن عقوبة المعاصي أنها تبعد من العبد وليه الذي سعادته في قربه ومجاورته وموالاته وتدني منه عدوه الذي شقاؤه وهلاكه وفساده في قربه وموالاته حتى إن الملك لينافح عن العبد ويرد عنه إذا سفه عليه السفيه وسبه كما اختصم بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلان فجعل أحدهما يسب الآخر وهو ساكت فتكلم بكلمة يرد بها على صاحبه فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله لما رددت عليه بعض قوله قمت فقال: كان الملك ينافح عنك فلما رددت عليه جاء الشيطان فلم أكن لأجلس . وإذا دعا العبد المسلم لأخيه بظهر الغيب أمن الملك على دعائه وقال: ولك بمثل . وإذا فرغ من قراءة الفاتحة أمنت الملائكة على دعائه. وإذا أذنب العبد الموحد المتبع لسبيله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - استغفر له حملة العرش ومن حوله. وإذا نام العبد على وضوء بات في شعار ملك. فملك المؤمن يرد عنه ويحارب ويدافع عنه ويعلمه ويثبته ويشجعه فلا يليق به أن يسيء جواره ويبالغ في أذاه وطرده عنه وإبعاده فإنه ضيفه وجاره. وإذا كان إكرام الضيف من الآدميين والإحسان إلى الجار من لوازم الإيمان وموجباته فما الظن بإكرام أكرم الأضياف وخير الجيران وأبرهم وإذا آذى العبد الملك بأنواع المعاصي والظلم والفواحش دعا عليه ربه وقال: لا جزاك الله خيرا كما يدعو له إذا أكرمه بالطاعة والإحسان. قال بعض الصحابة - رضي الله عنهم -: إن معكم من لا يفارقكم فاستحيوا منهم وأكرموهم. ولا ألأم ممن لا يستحي من الكريم العظيم القدر ولا يجله ولا يوقره وقد نبه سبحانه على هذا المعنى بقوله: وإن عليكم لحافظين - كراما كاتبين - يعلمون ما تفعلون [سورة الانفطار: 10 - 12] أي استحيوا من هؤلاء الحافظين الكرام وأكرموهم وأجلوهم أن يروا منكم ما(1\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "102",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2923",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تستحيون أن يراكم عليه من هو مثلكم والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم وإذا كان ابن آدم يتأذى ممن يفجر ويعصي بين يديه وإن كان يعمل مثل عمله فما الظن بأذى الملائكة الكرام الكاتبين والله المستعان.  [فصل المعاصي مجلبة الهلاك] فصل المعاصي مجلبة الهلاك ومن عقوباتها: أنها تستجلب مواد هلاك العبد من دنياه وآخرته فإن الذنوب هي أمراض متى استحكمت قتلت ولابد وكما أن البدن لا يكون صحيحا إلا بغذاء يحفظ قوته واستفراغ يستفرغ المواد الفاسدة والأخلاط الردية التي متى غلبت أفسدته وحمية يمتنع بها مما يؤذيه ويخشى ضرره فكذلك القلب لا تتم حياته إلا بغذاء من الإيمان والأعمال الصالحة تحفظ قوته واستفراغ بالتوبة النصوح تستفرغ المواد الفاسدة والأخلاط الردية منه وحمية توجب له حفظ الصحة وتجنب ما يضادها وهي عبارة عن استعمال ما يضاد الصحة. والتقوى: اسم متناول لهذه الأمور الثلاثة فما فات منها فات من التقوى بقدره. وإذا تبين هذا فالذنوب مضادة لهذه الأمور الثلاثة فإنها تستجلب المواد المؤذية وتوجب التخطيط المضاد للحمية وتمنع الاستفراغ بالتوبة النصوح. فانظر إلى بدن عليل قد تراكمت عليه الأخلاط ومواد المرض وهو لا يستفرغها ولا يحتمي لها كيف تكون صحته وبقاؤه ولقد أحسن القائل: جسمك بالحمية حصنته ... مخافة من ألم طاري وكان أولى بك أن تخشى ... من المعاصي خشية الباري فمن حفظ القوة بامتثال الأوامر واستعمل الحمية باجتناب النواهي واستفرغ التخطيط بالتوبة النصوح لم يدع للخير مطلبا ولا من الشر مهربا والله المستعان.  [فصل العقوبات الشرعية على المعاصي] فصل العقوبات الشرعية على المعاصي فإن لم تردعك هذه العقوبات ولم تجد لها تأثيرا في قلبك فأحضره العقوبات الشرعية التي شرعها الله ورسوله على الجرائم كما قطع اليد في سرقة ثلاثة دراهم وقطع اليد والرجل في قطع الطريق على معصوم المال والنفس وشق الجلد بالسوط على كلمة قذف بها(1\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "103",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2924",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المحصن أو قطرة خمر يدخلها جوفه وقتل بالحجارة أشنع قتلة في إيلاج الحشفة في فرج حرام وخفف هذه العقوبة عمن لم تتم عليه نعمة الإحصان بمائة جلدة وينفى سنة عن وطنه وبلده إلى بلد الغربة وفرق بين رأس العبد وبدنه إذا وقع على ذات رحم منه أو ترك الصلاة المفروضة أو تكلم بكلمة كفر وأمر بقتل من وطئ ذكرا مثله وقتل المفعول به وأمر بقتل من أتى بهيمة وقتل البهيمة معه وعزم على تحريق بيوت المتخلفين عن الصلاة في الجماعة وغير ذلك من العقوبات التي رتبها الله على الجرائم وجعلها بحكمته على حسب الدواعي إلى تلك الجرائم وحسب الوازع عنها. فما كان الوازع عنه طبيعيا وما ليس في الطباع داع إليه اكتفي بالتحريم مع التعزير ولم يرتب عليه حدا كأكل الرجيع وشرب الدم وأكل الميتة. وما كان في الطباع داع إليه رتب عليه من العقوبة بقدر مفسدته وبقدر داعي الطبع إليه. ولهذا لما كان داعي الطباع إلى الزنا من أقوى الدواعي كانت عقوبته العظمى من أشنع القتلات وأعظمها وعقوبته السهلة أعلى أنواع الجلد مع زيادة التغريب. ولما كانت جريمة اللواط فيها الأمران كان حده القتل بكل حال ولما كان داعي السرقة قويا ومفسدتها كذلك قطع فيها اليد. وتأمل حكمته في إفساد العضو الذي باشر به الجناية كما أفسد على قاطع الطريق يده ورجله اللتين هما آلة قطعه ولم يفسد على القاذف لسانه الذي جنى به إذ مفسدته تزيد على مفسدة الجناية ولا يبلغها فاكتفى من ذلك بإيلام جميع بدنه بالجلد. فإن قيل: فهلا أفسد على الزاني فرجه الذي باشر به المعصية. قيل: لوجوه: أحدها: أن مفسدة ذلك تزيد على مفسدة الجناية إذ فيه قطع النسل وتعريضه للهلاك. الثاني: أن الفرج عضو مستور لا يحصل بقطعه مقصود الحد من الردع والزجر لأمثاله من الجناة بخلاف قطع اليد. الثالث: أنه إذا قطع يده أبقى له يدا أخرى تعوض عنها بخلاف الفرج. الرابع: أن لذة الزنا عمت جميع البدن فكان الأحسن أن تعم العقوبة جميع البدن وذلك أولى من تخصيصها ببضعة منه.(1\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "104",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2925",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعقوبات الشارع جاءت على أتم الوجوه وأوفقها للعقل وأقومها بالمصلحة. والمقصود أن الذنوب إنما تترتب عليها العقوبات الشرعية أو القدرية أو يجمعها الله للعبد وقد يرفعها عمن تاب وأحسن.  [فصل عقوبات الذنوب شرعية وقدرية] فصل عقوبات الذنوب شرعية وقدرية وعقوبات الذنوب نوعان: شرعية وقدرية فإذا أقيمت الشرعية رفعت العقوبة القدرية وخففتها ولا يكاد الرب تعالى يجمع على العبد بين العقوبتين إلا إذا لم يف أحدهما برفع موجب الذنب ولم يكف في زوال دائه وإذا عطلت العقوبات الشرعية استحالت قدرية وربما كانت أشد من الشرعية وربما كانت دونها ولكنها تعم والشرعية تخص فإن الرب تبارك وتعالى لا يعاقب شرعا إلا من باشر الجناية أو تسبب إليها. وأما العقوبة القدرية فإنها تقع عامة وخاصة فإن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها وإذا أعلنت ضرت الخاصة والعامة وإذا رأى الناس المنكر فتركوا إنكاره أوشك أن يعمهم الله بعقابه. وقد تقدم أن العقوبة الشرعية شرعها الله سبحانه على قدر مفسدة الذنب وتقاضي الطبع لها وجعلها سبحانه ثلاثة أنواع: القتل والقطع والجلد وجعل القتل بإزاء الكفر وما يليه ويقرب منه وهو الزنا واللواط فإن هذا يفسد الأديان وهذا يفسد الأنساب ونوع الإنسان. قال الإمام أحمد: لا أعلم بعد القتل ذنبا أعظم من الزنا واحتج بحديث عبد الله بن مسعود أنه قال: يا رسول الله: أي الذنب أعظم قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك قال: قلت: ثم أي قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قال: قلت: ثم أي قال أن تزاني بحليلة جارك فأنزل الله تصديقها والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون [سورة الفرقان 68] . والنبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر من كل نوع أعلاه ليطابق جوابه سؤال السائل فإنه سأله عن أعظم الذنب فأجابه بما تضمن ذكر أعظم أنواعها وما هو أعظم كل نوع. فأعظم أنواع الشرك أن يجعل العبد لله ندا.(1\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "105",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2926",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأعظم أنواع القتل: أن يقتل ولده خشية أن يشاركه في طعامه وشرابه. وأعظم أنواع الزنا: أن يزني بحليلة جاره فإن مفسدة الزنا تتضاعف بتضاعف ما انتهكه من الحق. فالزنا بالمرأة التي لها زوج أعظم إثما وعقوبة من التي لا زوج لها إذ فيه انتهاك حرمة الزوج وإفساد فراشه وتعليق نسب عليه لم يكن منه وغير ذلك من أنواع أذاه فهو أعظم إثما وجرما من الزنا بغير ذات البعل. فالزنا بمائة امرأة لا زوج لها أيسر عند الله من الزنا بامرأة الجار فإن كان زوجها جارا له انضاف إلى ذلك سوء الجوار وأذى جاره بأعلى أنواع الأذى وذلك من أعظم البوائق. وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ولا بائقة أعظم من الزنا بامرأة الجار. فإن كان الجار أخا له أو قريبا من أقاربه انضم إلى ذلك قطيعة الرحم فيتضاعف الإثم له فإن كان الجار غائبا في طاعة الله كالصلاة وطلب العلم والجهاد تضاعف له الإثم حتى إن الزاني بامرأة الغازي في سبيل الله يوقف له يوم القيامة ويقال خذ من حسناته ما شئت. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: فما ظنكم أي ما ظنكم أنه يترك له حسنات قد حكم في أن يأخذ منها ما شاء على شدة الحاجة إلى حسنة واحدة حيث لا يترك الأب لابنه ولا الصديق لصديقه حقا يجب عليه فإن اتفق أن تكون المرأة رحما منه انضاف إلى ذلك قطيعة رحمها فإن اتفق أن يكون الزاني محصنا كان الإثم أعظم فإن كان شيخا كان أعظم إثما وهو أحد الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم فإن اقترن بذلك أن يكون في شهر حرام أو بلد حرام أو وقت معظم عند الله كأوقات الصلاة وأوقات الإجابة تضاعف الإثم. وعلى هذا فاعتبر مفاسد الذنوب وتضاعف درجاتها في الإثم والعقوبة والله المستعان.  [فصل القطع لإفساد الأموال] فصل القطع لإفساد الأموال وجعل سبحانه القطع بإزاء فساد الأموال الذي لا يمكن الاحتراز منه لأنه يأخذ الأموال في الاختفاء وينقب الدور ويتسور من غير الأبواب فهو كالسنور والحية التي تدخل عليك من حيث لا تعلم فلم ترتفع مفسدة سرقته إلى القتل ولا تندفع بالجلد فأحسن ما(1\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "106",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2927",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دفعت به مفسدته إبانة العضو الذي يتسلط به على الجناية وجعل الجلد بإزاء إفساد العقول وتمزيق الأعراض بالقذف. فدارت عقوباته سبحانه الشرعية على هذه الأنواع الثلاثة كما دارت الكفارات على ثلاثة أنواع: العتق وهو أعلاها والإطعام والصيام. أقسام الذنوب ثم إنه سبحانه جعل الذنوب ثلاثة أقسام: قسما فيه الحد فهذا لم يشرع فيه كفارة اكتفاء بالحد. وقسما لم يرتب عليه حدا فشرع فيه الكفارة كالوطء في نهار رمضان والوطء في الإحرام والظهار وقتل الخطأ والحنث في اليمين وغير ذلك. وقسما لم يرتب عليه حدا ولا كفارة وهو نوعان: أحدهما: ما كان الوازع عنه طبيعيا كأكل العذرة وشرب البول والدم. والثاني: ما كانت مفسدته أدنى من مفسدة ما رتب عليه الحد كالنظر والقبلة واللمس والمحادثة وسرقة فلس ونحو ذلك. الكفارات في ثلاثة أنواع وشرع الكفارات في ثلاثة أنواع: أحدها: ما كان مباح الأصل ثم عرض تحريمه فباشره في الحالة التي عرض فيها التحريم كالوطء في الإحرام والصيام وطرده: الوطء في الحيض والنفاس بخلاف الوطء في الدبر ولهذا كان إلحاق بعض الفقهاء له بالوطء في الحيض لا يصح فإنه لا يباح في وقت دون وقت فهو بمنزلة التلوط وشرب المسكر. النوع الثاني: ما عقد لله من نذر أو بالله من يمين أو حرمه الله ثم أراد حله فشرع الله سبحانه حله بالكفارة وسماها نحلة وليست هذه الكفارة ماحية لهتك حرمة الاسم بالحنث كما ظنه بعض الفقهاء فإن الحنث قد يكون واجبا وقد يكون مستحبا وقد يكون مباحا وإنما الكفارة حل لما عقده. النوع الثالث: ما تكون فيه جابرة لما فات ككفارة قتل الخطأ وإن لم يكن هناك إثم وكفارة قتل الصيد خطأ فإن ذلك من باب الجوابر والنوع الأول من باب الزواجر والنوع الوسط من باب التحلة لما منه العقد.(1\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "107",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2928",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يجتمع الحد والتعزير لا يجتمع الحد والتعزير في معصية بل إن كان فيها حد اكتفي به وإلا اكتفي بالتعزير ولا يجتمع الحد والكفارة في معصية بل كل معصية فيها حد فلا كفارة فيها وما فيه كفارة فلا حد فيه وهل يجتمع التعزير والكفارة في المعصية التي لا حد فيها فيه وجهان: وهذا كالوطء في الإحرام والصيام ووطء الحائض وإذا أوجبنا فيه الكفارة فقيل: يجب فيه التعزير لما انتهك من الحرمة بركوب الجناية وقيل: لا تعزير في ذلك اكتفاء بالكفارة لأنها جابرة وماحية.  [فصل العقوبات القدرية] [العقوبات القدرية على القلوب] فصل العقوبات القدرية وأما العقوبات القدرية فهي نوعان: نوع على القلوب والنفوس ونوع على الأبدان والأموال. والتي على القلوب نوعان: أحدهما: آلام وجودية يضرب بها القلب. والثاني: قطع المواد التي بها حياته وصلاحه عنه. وإذا قطعت عنه حصل له أضدادها وعقوبة القلوب أشد العقوبتين وهي أصل عقوبة الأبدان. وهذه العقوبة تقوى وتتزايد حتى تسري من القلب إلى البدن كما يسري ألم البدن إلى القلب فإذا فارقت النفس البدن صار الحكم متعلقا بها فظهرت عقوبة القلب حينئذ وصارت علانية ظاهرة وهي المسماة بعذاب القبر ونسبته إلى البرزخ كنسبة عذاب الأبدان إلى هذه الدار.  [فصل العقوبات القدرية على الأبدان] فصل العقوبات القدرية على الأبدان والتي على الأبدان أيضا نوعان: نوع في الدنيا. ونوع في الآخرة.(1\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "108",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2929",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وشدتها ودوامها بحسب مفاسد ما رتبت عليه في الشدة والخلقة فليس في الدنيا والآخرة شر أصلا إلا الذنوب وعقوباتها فالشر اسم لذلك كله وأصله من شر النفس وسيئات الأعمال وهما الأصلان اللذان كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعيذ منهما في خطبته بقوله: ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا . وسيئات الأعمال من شرور النفس فعاد الشر كله إلى شر النفس فإن سيئات الأعمال من فروعه وثمراته. وقد اختلف في معنى قوله: ومن سيئات أعمالنا هل معناه: السيئ من أعمالنا فيكون من باب إضافة النوع إلى جنسه أو تكون quot; من quot; بيانية وقيل: معناه: من عقوباتها التي تسوء فيكون التقدير: ومن عقوبات أعمالنا التي تسوءنا ويرجح هذا القول: أن الاستعاذة تكون قد تضمنت جميع الشر فإن شرور الأنفس تستلزم الأعمال السيئة وهي تستلزم العقوبات السيئة فنبه بشرور الأنفس على ما تقتضيه من قبح الأعمال واكتفى بذكرها منه أو هي أصله ثم ذكر غاية الشر ومنتهاه فهو السيئات التي تسوء العبد من عمله من العقوبات والآلام فتضمنت هذه الاستعاذة أصل الشر وفروعه وغايته ومقتضاه. ومن دعاء الملائكة للمؤمنين قولهم: وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته [سورة غافر: 9] . فهذا يتضمن طلب وقايتهم من سيئات الأعمال وعقوباتها التي تسوء صاحبها فإنه سبحانه متى وقاهم عمل السيئ وقاهم جزاء السيئ وإن كان قوله: ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته أظهر في عقوبات الأعمال المطلوب وقايتها يومئذ. فإن قيل: فقد سألوه سبحانه أن يقيهم عذاب الجحيم وهذا هو وقاية العقوبات السيئة فدل على أن المراد بالسيئة التي سألوا وقايتها الأعمال السيئة يكون الذي سأله الملائكة نظير ما استعاذ منه النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولا يرد على هذا قوله: quot; يومئذ quot; فإن المطلوب وقاية شرور سيئات الأعمال ذلك اليوم وهي سيئات في أنفسها. قيل: وقاية السيئات نوعان. أحدهما: وقاية فعلها بالتوفيق فلا تصدر منه. والثاني: وقاية جزائها بالمغفرة فلا يعاقب عليها فتضمنت الآية سؤال الأمرين والظرف تقييد للجملة الشرطية لا للجملة الطلبية.(1\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "109",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2930",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتأمل ما تضمنه هذا الخبر عن الملائكة من مدحهم بالإيمان والعمل الصالح والإحسان إلى المؤمنين بالاستغفار لهم وقدموا بين يدي استغفارهم توسلهم إلى الله تعالى بسعة علمه وسعة رحمته فسعة علمه يتضمن علمه بذنوبهم وأسبابها وضعفهم عن العصمة واستيلاء عدوهم وأنفسهم وهواهم وطباعهم وما زين لهم من الدنيا وزينتها وعلمه بهم إذ أنشأهم من الأرض وإذ هم أجنة في بطون أمهاتهم وعلمه السابق بأنهم لا بد أن يعصوه وأنه يحب العفو والمغفرة وغير ذلك من سعة علمه الذي لا يحيط به أحد سواه. وسعة رحمته تتضمن أنه لا يهلك عليه أحد من المؤمنين به أهل توحيده ومحبته فإنه واسع الرحمة لا يخرج عن دائرة رحمته إلا الأشقياء ولا أشقى ممن لم تسعه رحمته التي وسعت كل شيء ثم سألوه أن يغفر للتائبين الذين اتبعوا سبيله وهو صراطه الموصل إليه الذي هو معرفته ومحبته وطاعته فتابوا مما يكره واتبعوا السبيل التي يحبها ثم سألوه أن يقيهم عذاب الجحيم وأن يدخلهم والمؤمنين من أصولهم وفروعهم وأزواجهم جنات عدن التي وعدهم بها وهو سبحانه وإن كان لا يخلف الميعاد فإنه وعدهم بها بأسباب ومن جملتها: دعاء ملائكته لهم أن يدخلهم إياها برحمته التي منها أن وفقهم لأعمالهم وأقام ملائكته يدعون لهم بها. ثم أخبر سبحانه عن ملائكته أنهم قالوا عقيب هذه الدعوة: إنك أنت العزيز الحكيم [سورة غافر: 8] . أي مصدر ذلك وسببه وغايته صادر عن كمال قدرتك وكمال علمك فإن العزة كمال القدرة والحكمة كمال العلم وبهاتين الصفتين يقضي سبحانه وتعالى ما شاء ويأمر وينهى ويثيب ويعاقب فهاتان الصفتان مصدر الخلق والأمر. والمقصود أن عقوبات السيئات تتنوع إلى عقوبات شرعية وعقوبات قدرية وهي إما في القلب وإما في البدن وإما فيهما وعقوبات في دار البرزخ بعد الموت وعقوبات يوم عود الأجساد فالذنب لا يخلو من عقوبة ألبتة ولكن لجهل العبد لا يشعر بما فيه من العقوبة لأنه بمنزلة السكران والمخدر والنائم الذي لا يشعر بالألم فترتب العقوبات على الذنوب كترتب الإحراق على النار والكسر على الانكسار والغرق على الماء وفساد البدن على السموم والأمراض على الأسباب الجالبة لها وقد تقارن المضرة الذنب وقد تتأخر عنه إما يسيرا وإما مدة كما يتأخر المرض عن سببه أن يقارنه وكثيرا ما يقع الغلط للعبد في هذا المقام ويذنب الذنب فلا يرى أثره عقبه ولا يدري أنه يعمل عمله على التدريج شيئا فشيئا كما تعمل السموم والأشياء(1\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "110",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2931",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الضارة حذو القذة بالقذة فإن تدارك العبد نفسه بالأدوية والاستفراغ والحمية وإلا فهو صائر إلى الهلاك هذا إذا كان ذنبا واحدا لم يتداركه بما يزيل أثره فكيف بالذنب على الذنب كل يوم وكل ساعة والله المستعان.  [فصل بعض عقوبات المعاصي] فصل بعض عقوبات المعاصي فاستحضر بعض العقوبات التي رتبها الله سبحانه وتعالى على الذنوب وجوز وصول بعضها إليك واجعل ذلك داعيا للنفس إلى هجرانها وأنا أسوق إليك منها طرفا يكفي العاقل مع التصديق ببعضه. الختم على القلب فمنها: الختم على القلوب والأسماع والغشاوة على الأبصار والأقفال على القلوب وجعل الأكنة عليها والرين عليها والطبع وتقليب الأفئدة والأبصار والحيلولة بين المرء وقلبه وإغفال القلب عن ذكر الرب وإنساء الإنسان نفسه وترك إرادة الله تطهير القلب وجعل الصدر ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء وصرف القلوب عن الحق وزيادتها مرضا على مرضها وإركاسها وإنكاسها بحيث تبقى منكوسة كما ذكر الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - أنه قال: القلوب أربعة: فقلب أجرد فيه سراج يزهر: فذلك قلب المؤمن وقلب أغلف: فذلك قلب الكافر وقلب منكوس: فذلك قلب المنافق وقلب تمده مادتان: مادة إيمان ومادة نفاق وهو لما غلب عليه منهما. ومنها: التثبيط عن الطاعة والإقعاد عنها. ومنها: جعل القلب أصم لا يسمع الحق أبكم لا ينطق به أعمى لا يراه فتصير النسبة بين القلب وبين الحق الذي لا ينفعه غيره كالنسبة بين أذن الأصم والأصوات وعين الأعمى والألوان ولسان الأخرس والكلام وبهذا يعلم أن العمى والصمم والبكم للقلب بالذات: الحقيقة وللجوارح بالعرض والتبعية فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور [سورة الحج: 46] .(1\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "111",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2932",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وليس المراد نفي العمى الحسي عن البصر كيف وقد قال تعالى: ليس على الأعمى حرج [سورة النور: 61] . وقال: عبس وتولى - أن جاءه الأعمى [سورة عبس: 1 - 2] . وإنما المراد العمى التام في الحقيقة: عمى القلب حتى إن عمى البصر بالنسبة إليه كلا عمى حتى إنه يصح نفيه بالنسبة إلى كماله وقوته كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ليس الشديد بالصرعة ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس ولا يفطن له فيتصدق عليه ونظائره كثيرة. والمقصود أن من عقوبات المعاصي جعل القلب أعمى أصم أبكم. خسف القلب ومنها: الخسف بالقلب كما يخسف بالمكان وما فيه فيخسف به إلى أسفل السافلين وصاحبه لا يشعر وعلامة الخسف به أنه لا يزال جوالا حول السفليات والقاذورات والرذائل كما أن القلب الذي رفعه الله وقربه إليه لا يزال جوالا حول العرش. ومنها: البعد عن البر والخير ومعالي الأمور والأعمال والأقوال والأخلاق. قال بعض السلف: إن هذه القلوب جوالة فمنها ما يجول حول العرش ومنها ما يجول حول الحش. مسخ القلب ومنها: مسخ القلب فيمسخ كما تمسخ الصورة فيصير القلب على قلب الحيوان الذي شابهه في أخلاقه وأعماله وطبيعته فمن القلوب ما يمسخ على قلب خنزير لشدة شبه صاحبه به ومنها ما يمسخ على قلب كلب أو حمار أو حية أو عقرب وغير ذلك وهذا تأويل سفيان بن عيينة في قوله تعالى: وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم [سورة الأنعام: 38] . قال: منهم من يكون على أخلاق السباع العادية ومنهم من يكون على أخلاق(1\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "112",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2933",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكلاب وأخلاق الخنازير وأخلاق الحمير ومنهم من يتطوس في ثيابه كما يتطوس الطاووس في ريشه ومنهم من يكون بليدا كالحمار ومنهم من يؤثر على نفسه كالديك ومنهم من يألف ويؤلف كالحمام ومنهم الحقود كالجمل ومنهم الذي هو خير كله كالغنم ومنهم أشباه الثعالب التي تروغ كروغانها وقد شبه الله تعالى أهل الجحيم والغي بالحمر تارة وبالكلب تارة وبالأنعام تارة وتقوى هذه المشابهة باطنا حتى تظهر في الصورة الظاهرة ظهورا خفيا يراه المتفرسون وتظهر في الأعمال ظهورا يراه كل أحد ولا يزال يقوى حتى تستشنع الصورة فتنقلب له الصورة بإذن الله وهو المسخ التام فيقلب الله سبحانه وتعالى الصورة الظاهرة على صورة ذلك الحيوان كما فعل باليهود وأشباههم ويفعل بقوم من هذه الأمة يمسخهم قردة وخنازير. فسبحان الله! كم من قلب منكوس وصاحبه لا يشعر وقلب ممسوخ وقلب مخسوف به وكم من مفتون بثناء الناس عليه ومغرور بستر الله عليه ومستدرج بنعم الله عليه وكل هذه عقوبات وإهانات ويظن الجاهل أنها كرامة. ومنها: مكر الله بالماكر ومخادعته للمخادع واستهزاؤه بالمستهزئ وإزاغته للقلب الزائغ عن الحق. نكس القلب ومنها: نكس القلب حتى يرى الباطل حقا والحق باطلا والمعروف منكرا والمنكر معروفا ويفسد ويرى أنه يصلح ويصد عن سبيل الله وهو يرى أنه يدعو إليها ويشتري الضلالة بالهدى وهو يرى أنه على الهدى ويتبع هواه وهو يزعم أنه مطيع لمولاه وكل هذا من عقوبات الذنوب الجارية على القلب. حجب القلب عن الرب ومنها: حجاب القلب عن الرب في الدنيا والحجاب الأكبر يوم القيامة كما قال تعالى: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [سورة المطففين: 14 - 15] . فمنعتهم الذنوب أن يقطعوا المسافة بينهم وبين قلوبهم فيصلوا إليها فيروا ما يصلحها ويزكيها وما يفسدها ويشقيها وأن يقطعوا المسافة بين قلوبهم وبين ربهم فتصل القلوب إليه فتفوز بقربه وكرامته وتقر به عينا وتطيب به نفسا بل كانت الذنوب حجابا بينهم وبين ربهم وخالقهم.(1\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "113",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2934",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: المعيشة الضنك في الدنيا وفي البرزخ والعذاب في الآخرة قال تعالى: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى [سورة طه: 124] . وفسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر ولا ريب أنه من المعيشة الضنك والآية تتناول ما هو أعم منه وإن كانت نكرة في سياق الإثبات فإن عمومها من حيث المعنى فإنه سبحانه رتب المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة بحسب إعراضه وإن تنعم في الدنيا بأصناف النعم ففي قلبه من الوحشة والذل والحسرات التي تقطع القلوب والأماني الباطلة والعذاب الحاضر ما فيه وإنما يواريه عنه سكرات الشهوات والعشق وحب الدنيا والرياسة وإن لم ينضم إلى ذلك سكر الخمر فسكر هذه الأمور أعظم من سكر الخمر فإنه يفيق صاحبه ويصحو وسكر الهوى وحب الدنيا لا يصحو صاحبه إلا إذا كان صاحبه في عسكر الأموات فالمعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - في دنياه وفي البرزخ ويوم معاده ولا تقر العين ولا يهدأ القلب ولا تطمئن النفس إلا بإلهها ومعبودها الذي هو حق وكل معبود سواه باطل فمن قرت عينه بالله قرت به كل عين ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات والله تعالى إنما جعل الحياة الطيبة لمن آمن به وعمل صالحا كما قال تعالى: من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [سورة النحل: 97] . فضمن لأهل الإيمان والعمل الصالح الجزاء في الدنيا بالحياة الطيبة والحسنى يوم القيامة فلهم أطيب الحياتين فهم أحياء في الدارين. ونظير هذا قوله تعالى: للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين [سورة النحل: 30] . ونظيرها قوله تعالى: وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله [سورة هود: 3] .(1\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "114",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2935",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ففاز المتقون المحسنون بنعيم الدنيا والآخرة وحصلوا على الحياة الطيبة في الدارين فإن طيب النفس وسرور القلب وفرحه ولذته وابتهاجه وطمأنينته وانشراحه ونوره وسعته وعافيته من ترك الشهوات المحرمة والشبهات الباطلة - هو النعيم على الحقيقة ولا نسبة لنعيم البدن إليه. فقد كان يقول بعض من ذاق هذه اللذة: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف. وقال آخر: إنه ليمر بالقلب أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب. وقال آخر: إن في الدنيا جنة هي في الدنيا كالجنة في الآخرة فمن دخلها دخل تلك الجنة ومن لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة وقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هذه الجنة بقوله: إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا: وما رياض الجنة قال: حلق الذكر وقال: ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة . نعيم الأبرار وجحيم الفجار ولا تظن أن قوله تعالى: إن الأبرار لفي نعيم - وإن الفجار لفي جحيم [سورة الانفطار: 13 - 14] مختص بيوم المعاد فقط بل هؤلاء في نعيم في دورهم الثلاثة وهؤلاء في جحيم في دورهم الثلاثة وأي لذة ونعيم في الدنيا أطيب من بر القلب وسلامة الصدر ومعرفة الرب تبارك وتعالى ومحبته والعمل على موافقته وهل العيش في الحقيقة إلا عيش القلب السليم وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على خليله عليه السلام بسلامة قلبه فقال: وإن من شيعته لإبراهيم - إذ جاء ربه بقلب سليم [سورة الصافات: 83 - 84] . وقال حاكيا عنه أنه قال: يوم لا ينفع مال ولا بنون - إلا من أتى الله بقلب سليم [سورة الشعراء: 88 - 89] . والقلب السليم هو الذي سلم من الشرك والغل والحقد والحسد والشح والكبر وحب الدنيا والرياسة فسلم من كل آفة تبعده عن الله وسلم من كل شبهة تعارض خبره ومن(1\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "115",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2936",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كل شهوة تعارض أمره وسلم من كل إرادة تزاحم مراده وسلم من كل قاطع يقطع عن الله فهذا القلب السليم في جنة معجلة في الدنيا وفي جنة في البرزخ وفي جنة يوم المعاد. سلامة القلب ولا تتم له سلامته مطلقا حتى يسلم من خمسة أشياء: من شرك يناقض التوحيد وبدعة تخالف السنة وشهوة تخالف الأمر وغفلة تناقض الذكر وهوى يناقض التجريد والإخلاص. وهذه الخمسة حجب عن الله وتحت كل واحد منها أنواع كثيرة تتضمن أفرادا لا تنحصر. الصراط المستقيم ولذلك اشتدت حاجة العبد بل ضرورته إلى أن يسأل الله أن يهديه الصراط المستقيم فليس شيء أحوج منه إلى هذه الدعوة وليس شيء أنفع له منها. فإن الصراط المستقيم يتضمن: علوما وإرادة وأعمالا وتروكا ظاهرة وباطنة تجري عليه كل وقت فتفاصيل الصراط المستقيم قد يعلمها العبد وقد لا يعلمها وقد يكون ما لا يعلمه أكثر مما يعلمه وما يعلمه قد يقدر عليه وقد لا يقدر عليه وهو الصراط المستقيم وإن عجز عنه وما يقدر عليه قد تريده نفسه وقد لا تريده كسلا وتهاونا أو لقيام مانع وغير ذلك وما تريده قد يفعله وقد لا يفعله وما يفعله قد يقوم فيه بشروط الإخلاص وقد لا يقوم وما يقوم فيه بشروط الإخلاص قد يقوم فيه بكمال المتابعة وقد لا يقوم وما يقوم فيه بالمتابعة قد يثبت عليه وقد يصرف قلبه عنه وهذا كله واقع سار في الخلق فمستقل ومستكثر. وليس في طباع العبد الهداية إلى ذلك بل متى وكل إلى طباعه حيل بينه وبين ذلك كله وهذا هو الإركاس الذي أركس الله به المنافقين بذنوبهم فأعادهم إلى طباعهم وما خلقت عليه نفوسهم من الجهل والظلم والرب تبارك وتعالى على صراط مستقيم في قضائه وقدره ونهيه وأمره فيهدي من يشاء إلى صراط مستقيم بفضله ورحمته وجعله الهداية حيث تصلح ويصرف من يشاء عن صراطه المستقيم بعدله وحكمته لعدم صلاحية المحل وذلك موجب صراطه المستقيم الذي هو عليه فإذا كان يوم القيامة نصب لخلقه صراطا مستقيما يوصلهم إليه فهو على صراط مستقيم. ونصب لعباده من أمره صراطا مستقيما دعاهم جميعا إليه حجة منه وعدلا وهدى(1\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "116",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2937",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من يشاء منهم إلى سلوكه نعمة منه وفضلا ولم يخرج بهذا العدل وهذا الفضل عن صراطه المستقيم الذي هو عليه فإذا كان يوم لقائه نصب لخلقه صراطا مستقيما يوصلهم إلى جنته ثم صرف عنه من صرف عنه في الدنيا وأقام عليه من أقامه عليه في الدنيا نورا ظاهرا يسعى بين أيديهم وبأيمانهم في ظلمة الحشر وحفظ عليهم نورهم حتى قطعوه كما حفظ عليهم الإيمان حتى لقوه وأطفأ نور المنافقين أحوج ما كانوا إليه كما أطفأه من قلوبهم في الدنيا. وأقام أعمال العصاة بجنبتي الصراط كلاليب وحسكا تخطفهم كما خطفتهم في الدنيا عن الاستقامة عليه وجعل قوة سيرهم وسرعتهم على قدر قوة سيرهم وسرعتهم في الدنيا ونصب للمؤمنين حوضا يشربون منه بإزاء شربهم من شرعه في الدنيا وحرم من الشرب منه هناك من حرم الشرب من شرعه ودينه هاهنا. فانظر إلى الآخرة كأنها رأي عين وتأمل حكمة الله سبحانه في الدارين تعلم حينئذ علما يقينا لا شك فيه: أن الدنيا مزرعة الآخرة وعنوانها وأنموذجها وأن منازل الناس فيها من السعادة والشقاوة على حسب منازلهم في هذه الدار في الإيمان والعمل الصالح وضدهما وبالله التوفيق. فمن أعظم عقوبات الذنوب - الخروج عن الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة.  [فصل أصل الذنوب] فصل أصل الذنوب ولما كانت الذنوب متفاوتة في درجاتها ومفاسدها تفاوتت عقوباتها في الدنيا والآخرة بحسب تفاوتها. ونحن نذكر فيها بعون الله وحسن توفيقه فصلا وجيزا جامعا فنقول: أصلها نوعان: ترك مأمور وفعل محظور وهما الذنبان اللذان ابتلى الله سبحانه بهما أبوي الجن والإنس. وكلاهما ينقسم باعتبار محله إلى ظاهر على الجوارح وباطن في القلوب. وباعتبار متعلقه إلى حق الله وحق خلقه. وإن كان كل حق لخلقه فهو متضمن لحقه لكن سمي حقا للخلق لأنه يجب بمطالبتهم ويسقط بإسقاطهم.(1\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "117",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2938",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم هذه الذنوب تنقسم إلى أربعة أقسام: ملكية وشيطانية وسبعية وبهيمية ولا تخرج عن ذلك. فالذنوب الملكية أن يتعاطى ما لا يصح له من صفات الربوبية كالعظمة والكبرياء والجبروت والقهر والعلو واستعباد الخلق ونحو ذلك. ويدخل في هذا شرك بالله تعالى وهو نوعان: شرك به في أسمائه وصفاته وجعل آلهة أخرى معه وشرك به في معاملته وهذا الثاني قد لا يوجب دخول النار وإن أحبط العمل الذي أشرك فيه مع الله غيره. وهذا القسم أعظم أنواع الذنوب ويدخل فيه القول على الله بلا علم في خلقه وأمره فمن كان من أهل هذه الذنوب فقد نازع الله سبحانه في ربوبيته وملكه وجعل له ندا وهذا أعظم الذنوب عند الله ولا ينفع معه عمل. فصل الذنوب الشيطانية وأما الشيطانية: فالتشبه بالشيطان في الحسد والبغي والغش والغل والخداع والمكر والأمر بمعاصي الله وتحسينها والنهي عن طاعته وتهجينها والابتداع في دينه والدعوة إلى البدع والضلال. وهذا النوع يلي النوع الأول في المفسدة وإن كانت مفسدته دونه. فصل الذنوب السبعية وأما السبعية: فذنوب العدوان والغضب وسفك الدماء والتوثب على الضعفاء والعاجزين ويتولد منها أنواع أذى النوع الإنساني والجرأة على الظلم والعدوان. الذنوب البهيمية وأما الذنوب البهيمية: فمثل الشره والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج ومنها يتولد الزنا والسرقة وأكل أموال اليتامى والبخل والشح والجبن والهلع وغير ذلك.(1\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "118",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2939",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا القسم أكثر ذنوب الخلق لعجزهم عن الذنوب السبعية والملكية ومنه يدخلون إلى سائر الأقسام فهو يجرهم إليها بالزمام فيدخلون منه إلى الذنوب السبعية ثم إلى الشيطانية ثم منازعة الربوبية والشرك في الوحدانية ومن تأمل هذا حق التأمل تبين له أن الذنوب دهليز الشرك والكفر ومنازعة الله ربوبيته.  [فصل الذنوب كبائر وصغائر] فصل الذنوب كبائر وصغائر وقد دل القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين بعدهم والأئمة على أن من الذنوب كبائر وصغائر قال الله تعالى: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما [سورة النساء: 31] . وقال تعالى: الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم [سورة النجم: 32] . وفي الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر . وهذه الأعمال المكفرة لها ثلاث درجات: إحداها: أن تقصر عن تكفير الصغائر لضعفها وضعف الإخلاص فيها والقيام بحقوقها بمنزلة الدواء الضعيف الذي ينقص عن مقاومة الداء كمية وكيفية. الثانية: أن تقاوم الصغائر ولا ترتقي إلى تكفير شيء من الكبائر. الثالثة: أن تقوى على تكفير الصغائر وتبقى فيها قوة تكفر بها بعض الكبائر. فتأمل هذا فإنه يزيل عنك إشكالات كثيرة. وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: اجتنبوا السبع الموبقات قيل: وما هن يا رسول الله قال: الإشراك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات . وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل: أي الذنب أكبر عند الله قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك قيل: ثم أي قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قيل: ثم أي قال: أن تزني بحليلة جارك فأنزل الله تعالى تصديقها:(1\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "119",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2940",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون [سورة الفرقان: 68] . عدد الكبائر واختلف الناس في الكبائر: هل لها عدد يحصرها على قولين. ثم الذين قالوا بحصرها اختلفوا في عددها فقال عبد الله بن مسعود: هي أربع وقال عبد الله بن عمر: هي سبع وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: هي تسعة وقال غيره: هي إحدى عشرة وقال آخر: هي سبعون. وقال أبو طالب المكي: جمعتها من أقوال الصحابة فوجدتها: أربعة في القلب وهى: الشرك بالله والإصرار على المعصية والقنوط من رحمة الله والأمن من مكر الله. وأربعة في اللسان وهى: شهادة الزور وقذف المحصنات واليمين الغموس والسحر. وثلاث في البطن: شرب الخمر وأكل مال اليتيم وأكل الربا. واثنتان في الفرج وهما: الزنا واللواط. واثنتان في اليدين وهما: القتل والسرقة. وواحدة في الرجلين وهى: الفرار من الزحف. وواحد يتعلق بجميع الجسد وهو: عقوق الوالدين. والذين لم يحصروها بعدد منهم من قال: كل ما نهى الله عنه في القرآن فهو كبيرة وما نهى عنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو صغيرة. وقالت طائفة: ما اقترن بالنهي عنه وعيد من لعن أو غضب أو عقوبة فهو كبيرة وما لم يقترن به شيء من ذلك فهو صغيرة. وقيل: كل ما ترتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة فهو كبيرة وما لم يرتب عليه لا هذا ولا هذا فهو صغيرة. وقيل: كل ما اتفقت الشرائع على تحريمه فهو من الكبائر وما كان تحريمه في شريعة دون شريعة فهو صغيرة. وقيل: كل ما لعن الله أو رسوله فاعله فهو كبيرة. وقيل: كل ما ذكر من أول سورة النساء إلى قوله: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم [سورة النساء: 31] .(1\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "120",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2941",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذين لم يقسموها إلى كبائر والذين لم يقسموها إلى كبائر وصغائر قالوا: الذنوب كلها بالنسبة إلى الجراءة على الله سبحانه ومعصيته ومخالفة أمره كبائر فالنظر إلى من عصى أمره وانتهك محارمه يوجب أن تكون الذنوب كلها كبائر وهي مستوية في هذه المفسدة. قالوا: ويوضح هذا أن الله سبحانه لا تضره الذنوب ولا يتأثر بها فلا يكون بعضها بالنسبة إليه أكبر من بعض فلم يبق إلا مجرد معصيته ومخالفته ولا فرق في ذلك بين ذنب وذنب. قالوا: ويدل عليه أن مفسدة الذنوب إنما هي تابعة للجراءة والتوثب على حق الرب تبارك وتعالى ولهذا لو شرب رجل خمرا أو وطئ فرجا حراما وهو لا يعتقد تحريمه لكان قد جمع بين الجهل وبين مفسدة ارتكاب الحرام ولو فعل ذلك من يعتقد تحريمه لكان آتيا بإحدى المفسدتين وهو الذي يستحق العقوبة دون الأول فدل على أن مفسدة الذنب تابعة للجراءة والتوثب. قالوا: ويدل على هذا أن المعصية تتضمن الاستهانة بأمر المطاع ونهيه وانتهاك حرمته وهذا لا فرق فيه بين ذنب وذنب. قالوا: فلا ينظر العبد إلى كبر الذنب وصغره في نفسه ولكن ينظر إلى قدر من عصاه وعظمته وانتهاك حرمته بالمعصية وهذا لا يفترق فيه الحال بين معصية ومعصية فإن ملكا مطاعا عظيما لو أمر أحد مملوكيه أن يذهب في مهم له إلى بلد بعيد وأمر آخر أن يذهب في شغل له إلى جانب الدار فعصياه وخالفا أمره لكانا في مقته والسقوط من عينه سواء. قالوا: ولهذا كانت معصية من ترك الحج من مكة وترك الجمعة وهو جار المسجد أقبح عند الله من معصية من ترك من المكان البعيد والواجب على هذا أكثر من الواجب على هذا ولو كان مع رجل مائتا درهم ومنع زكاتها ومع آخر مائتا ألف درهم فمنع من زكاتها لاستويا في منع ما وجب على كل واحد منهما ولا يبعد استواؤهما في العقوبة إذا كان كل منهما مصرا على منع زكاة ماله قليلا كان المال أو كثيرا.  [فصل الحق في المسألة الحق في المسألة] فصل وكشف الغطاء عن هذه المسألة أن يقال: إن الله عز وجل أرسل رسله وأنزل كتبه وخلق السماوات والأرض ليعرف ويعبد(1\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "121",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2942",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويوحد ويكون الدين كله لله والطاعة كلها له والدعوة له كما قال تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [سورة الذاريات: 56] . وقال تعالى: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق [سورة الحجر: 85] . وقال تعالى: الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما [الطلاق: 12] . وقال تعالى: جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم [سورة المائدة: 97] . فأخبر سبحانه أن القصد بالخلق والأمر: أن يعرف بأسمائه وصفاته ويعبد وحده لا يشرك به وأن يقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض كما قال تعالى: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط [الحديد: 25] . فأخبر سبحانه أنه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل ومن أعظم القسط التوحيد وهو رأس العدل وقوامه وإن الشرك لظلم عظيم فالشرك أظلم الظلم والتوحيد أعدل العدل فما كان أشد منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر وتفاوتها في درجاتها بحسب منافاتها له وما كان أشد موافقة لهذا المقصود فهو أوجب الواجبات وأفرض الطاعات. فتأمل هذا الأصل حق التأمل واعتبر تفاصيله تعرف به حكمة أحكم الحاكمين وأعلم العالمين فيما فرضه على عباده وحرمه عليهم وتفاوت مراتب الطاعات والمعاصي. فلما كان الشرك بالله منافيا بالذات لهذا المقصود كان أكبر الكبائر على الإطلاق وحرم الله الجنة على كل مشرك وأباح دمه وماله وأهله لأهل التوحيد وأن يتخذوهم عبيدا لهم لما تركوا القيام بعبوديته وأبى الله سبحانه أن يقبل من مشرك عملا أو يقبل فيه(1\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "122",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2943",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شفاعة أو يستجيب له في الآخرة دعوة أو يقيل له عثرة فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله حيث جعل له من خلقه ندا وذلك غاية الجهل به كما أنه غاية الظلم منه وإن كان المشرك لم يظلم ربه وإنما ظلم نفسه.  [فصل شرك الوساطة] فصل شرك الوساطة ووقعت مسألة وهي: أن المشرك إنما قصده تعظيم جناب الرب تبارك وتعالى وأنه لعظمته لا ينبغي الدخول عليه إلا بالوسائط والشفعاء كحال الملوك فالمشرك لم يقصد الاستهانة بجناب الربوبية وإنما قصد تعظيمه وقال: إنما أعبد هذه الوسائط لتقربني إليه وتدلني وتدخلني عليه فهو المقصود وهذه وسائل وشفعاء فلم كان هذا القدر موجبا لسخطه وغضبه تبارك وتعالى ومخلدا في النار وموجبا لسفك دماء أصحابه واستباحة حريمهم وأموالهم وترتب على هذا سؤال آخر وهو أنه هل يجوز أن يشرع الله سبحانه لعباده التقرب إليه بالشفعاء والوسائط فيكون تحريم هذا إنما استفيد من الشرع أم ذلك قبيح في الفطر والعقول يمتنع أن تأتي به شريعة بل جاءت الشرائع بتقرير ما في الفطر والعقول من قبحه الذي هو أقبح من كل قبيح وما السبب في كونه لا يغفره من دون سائر الذنوب كما قال تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [سورة النساء: 48] فتأمل هذا السؤال واجمع قلبك وذهنك على جوابه ولا تستهونه فإن به يحصل الفرق بين المشركين والموحدين والعالمين بالله والجاهلين به وأهل الجنة وأهل النار. نوعا الشرك فنقول وبالله التوفيق والتأييد ومنه نستمد المعونة والتسديد فإنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع. الشرك شركان: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله. وشرك في عبادته ومعاملته وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.(1\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "123",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2944",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والشرك الأول نوعان: أحدهما: شرك التعطيل: وهو أقبح أنواع الشرك كشرك فرعون إذ قال: وما رب العالمين [سورة الشعراء: 23] . وقال تعالى مخبرا عنه أنه قال لهامان: وقال فرعون ياهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب - أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا [سورة غافر: 36 - 37] فالشرك والتعطيل متلازمان: فكل مشرك معطل وكل معطل مشرك لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل بل يكون المشرك مقرا بالخالق سبحانه وصفاته ولكنه معطل حق التوحيد. التعطيل وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو التعطيل وهو ثلاثة أقسام: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه. وتعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله. وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما ثم خالق ومخلوق ولا هاهنا شيئان بل الحق المنزه هو عين الخلق المشبه. ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته وأنه لم يكن معدوما أصلا بل لم يزل ولا يزال والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها ويسمونها بالعقول والنفوس. ومن هذا شرك من عطل أسماء الرب تعالى وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة فلم يثبتوا له اسما ولا صفة بل جعلوا المخلوق أكمل منه إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها.  [فصل شرك من جعل مع الله إلها آخر] فصل شرك من جعل مع الله إلها آخر النوع الثاني: شرك من جعل معه إلها آخر ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته كشرك النصارى الذين جعلوه ثلاثة فجعلوا المسيح إلها وأمه إلها. ومن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة.(1\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "124",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2945",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن هذا شرك القدرية القائلين بأن الحيوان هو الذي يخلق أفعال نفسه وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته وإرادته ولهذا كانوا من أشباه المجوس. ومن هذا شرك - الذي حاج إبراهيم في ربه إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت [سورة البقرة: 258] . فهذا جعل نفسه ندا لله يحيي ويميت بزعمه كما يحيي الله ويميت فألزمه إبراهيم أن طرد قولك أن تقدر على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي بها الله منها وليس هذا انتقالا كما زعم بعض أهل الجدل بل إلزاما على طرد الدليل إن كان حقا. ومن هذا شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات ويجعلها أربابا مدبرة لأمر هذا العالم كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم. ومن هذا شرك عباد الشمس وعباد النار وغيرهم. ومن هؤلاء من يزعم أن معبوده هو الإله على الحقيقة ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة وأنه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتنى به ومنهم من يزعم أن معبوده الأدنى يقربه إلى المعبود الذي هو فوقه والفوقاني يقربه إلى من هو فوقه حتى تقربه تلك الآلهة إلى الله سبحانه وتعالى فتارة تكثر الوسائط وتارة تقل.  [فصل الشرك في العبادة] فصل الشرك في العبادة وأما الشرك في العبادة فهو أسهل من هذا الشرك وأخف أمرا فإنه يصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلا الله وأنه لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع إلا الله وأنه لا إله غيره ولا رب سواه ولكن لا يخص الله في معاملته وعبوديته بل يعمل لحظ نفسه تارة ولطلب الدنيا تارة ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة فلله من عمله وسعيه نصيب ولنفسه وحظه وهواه نصيب وللشيطان نصيب وللخلق نصيب وهذا حال أكثر الناس وهو الشرك الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه ابن حبان في صحيحه: الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل قالوا: كيف ننجو منه يا رسول الله قال: قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم .(1\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "125",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2946",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالرياء كله شرك قال تعالى: قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا [سورة الكهف: 110] . أي: كما أنه إله واحد ولا إله سواه فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده فكما تفرد بالإلهية يجب أن يفرد بالعبودية فالعمل الصالح هو الخالي من الرياء المقيد بالسنة. وكان من دعاء عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا. وهذا الشرك في العبادة يبطل ثواب العمل وقد يعاقب عليه إذا كان العمل واجبا فإنه ينزله منزلة من لم يعمله فيعاقب على ترك الأمر فإن الله سبحانه إنما أمر بعبادته عبادة خالصة قال تعالى: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء [البينة: 5] . فمن لم يخلص لله في عبادته لم يفعل ما أمر به بل الذي أتى به شيء غير المأمور به فلا يصح ولا يقبل منه ويقول الله: quot; أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك معي فيه غيري فهو للذي أشرك به وأنا منه بريء quot;. أقسام الشرك وهذا الشرك ينقسم إلى مغفور وغير مغفور وأكبر وأصغر والنوع الأول ينقسم إلى كبير وأكبر وليس شيء منه مغفور فمنه الشرك بالله في المحبة والتعظيم: أن يحب مخلوقا كما يحب الله فهذا من الشرك الذي لا يغفره الله وهو الشرك الذي قال سبحانه فيه: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله [سورة البقرة: 165] وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم وقد جمعهم الجحيم: تالله إن كنا لفي ضلال مبين - إذ نسويكم برب العالمين [سورة الشعراء: 97 - 98] . ومعلوم أنهم ما سووهم به سبحانه في الخلق والرزق والإماتة والإحياء والملك والقدرة وإنما سووهم به في الحب والتأله والخضوع لهم والتذلل وهذا غاية الجهل والظلم فكيف يسوى التراب برب الأرباب وكيف يسوى العبيد بمالك الرقاب وكيف(1\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "126",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2947",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يسوى الفقير بالذات الضعيف بالذات العاجز بالذات المحتاج بالذات الذي ليس له من ذاته إلا العدم بالغني بالذات القادر بالذات الذي غناه وقدرته وملكه وجوده وإحسانه وعلمه ورحمته وكماله المطلق التام من لوازم ذاته فأي ظلم أقبح من هذا وأي حكم أشد جورا منه حيث عدل من لا عدل له بخلقه كما قال تعالى: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور - ثم الذين كفروا بربهم يعدلون [سورة الأنعام: 1] . فعدل المشرك من خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور بمن لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض فيا لك من عدل تضمن أكبر الظلم وأقبحه.  [فصل الشرك في الأفعال والأقوال والإرادات والنيات] فصل الشرك في الأفعال والأقوال والإرادات والنيات ويتبع هذا الشرك الشرك به سبحانه في الأفعال والأقوال والإرادات والنيات فالشرك في الأفعال كالسجود لغيره والطواف بغير بيته وحلق الرأس عبودية وخضوعا لغيره وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود الذي هو يمين الله في الأرض وتقبيل القبور واستلامها والسجود لها وقد لعن النبي - صلى الله عليه وسلم - من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يصلي لله فيها فكيف بمن اتخذ القبور أوثانا يعبدها من دون الله ففي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . وفي الصحيح عنه: إن شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد . وفي الصحيح أيضا عنه: إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك . وفي مسند الإمام أحمد - رضي الله عنه - وصحيح ابن حبان عنه - صلى الله عليه وسلم -: لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج . وقال: اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد .(1\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "127",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2948",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: إن من كان قبلكم كان إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة . فهذا حال من سجد لله في مسجد على قبر فكيف حال من سجد للقبر نفسه وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد  وقد حمى النبي - صلى الله عليه وسلم - جانب التوحيد أعظم حماية حتى نهى عن صلاة التطوع لله سبحانه عند طلوع الشمس وعند غروبها لئلا يكون ذريعة إلى التشبه بعباد الشمس الذين يسجدون لها في هاتين الحالتين. وسد الذريعة بأن منع الصلاة بعد العصر والصبح لاتصال هذين الوقتين بالوقتين اللذين يسجد المشركون فيهما للشمس. وأما السجود لغير الله فقال: لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلا لله . و quot; لا ينبغي quot; في كلام الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - للذي هو في غاية الامتناع شرعا كقوله تعالى: وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا [سورة مريم: 92] . وقوله: وما ينبغي له [سورة يس: 69] . وقوله: وما تنزلت به الشياطين - وما ينبغي لهم [سورة الشعراء: 210 - 211] . وقوله: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء [سورة الفرقان: 18]  [فصل الشرك في اللفظ] فصل الشرك في اللفظ ومن الشرك به سبحانه الشرك به في اللفظ كالحلف بغيره كما رواه أحمد وأبو داود عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من حلف بغير الله فقد أشرك صححه الحاكم وابن حبان. ومن ذلك قول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت كما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال له رجل: ما شاء الله وشئت فقال: أجعلتني لله ندا قل ما شاء الله وحده.(1\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "128",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2949",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة كقوله: لمن شاء منكم أن يستقيم [سورة التكوير: 28] . فكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك وأنا في حسب الله وحسبك وما لي إلا الله وأنت وهذا من الله ومنك وهذا من بركات الله وبركاتك والله لي في السماء وأنت في الأرض. أو يقول: والله وحياة فلان أو يقول نذرا لله ولفلان وأنا تائب لله ولفلان أو أرجو الله وفلانا ونحو ذلك. فوازن بين هذه الألفاظ وبين قول القائل: ما شاء الله وشئت. ثم انظر أيهما أفحش يتبين لك أن قائلها أولى بجواب النبي - صلى الله عليه وسلم - لقائل تلك الكلمة وأنه إذا كان قد جعله ندا لله بها فهذا قد جعل من لا يداني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شيء من الأشياء - بل لعله أن يكون من أعدائه - ندا لرب العالمين فالسجود والعبادة والتوكل والإنابة والتقوى والخشية والحسب والتوبة والنذر والحلف والتسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والاستغفار وحلق الرأس خضوعا وتعبدا والطواف بالبيت والدعاء كل ذلك محض حق الله لا يصلح ولا ينبغي لسواه: من ملك مقرب ولا نبي مرسل. وفي مسند الإمام أحمد أن رجلا أتي به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أذنب ذنبا فلما وقف بين يديه قال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد فقال: عرف الحق لأهله .  [فصل الشرك في الإرادات والنيات] فصل الشرك في الإرادات والنيات وأما الشرك في الإرادات والنيات فذلك البحر الذي لا ساحل له وقل من ينجو منه من أراد بعمله غير وجه الله ونوى شيئا غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه فقد أشرك في نيته وإرادته. والإخلاص: أن يخلص لله في أفعاله وأقواله وإرادته ونيته وهذه هي الحنيفية ملة إبراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم ولا يقبل من أحد غيرها وهي حقيقة الإسلام. ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين [سورة آل عمران: 85] . وهي ملة إبراهيم التي من رغب عنها فهو من أسفه السفهاء.  [فصل حقيقة الشرك] فصل حقيقة الشرك(1\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "129",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2950",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا عرفت هذه المقدمة انفتح لك باب الجواب عن السؤال المذكور فنقول ومن الله وحده نستمد الصواب: حقيقة الشرك: هو التشبه بالخالق وتشبيه المخلوق به هذا هو التشبيه في الحقيقة لا إثبات صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم. فعكس الأمر من نكس الله قلبه وأعمى بصيرته وأركسه بكسبه وجعل التوحيد تشبيها والتشبيه تعظيما وطاعة فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية. فإن من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع وذلك يوجب تعليق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل به وحده فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق وجعل من لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فضلا عن غيره - شبيها بمن له الأمر كله فأزمة الأمور كلها بيديه ومرجعها إليه فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع بل إذا فتح لعبده باب رحمته لم يمسكها أحد وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد. فمن أقبح التشبيه: تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات. ومن خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوبة والتوكل والاستعانة وغاية الذل مع غاية الحب - كل ذلك يجب عقلا وشرعا وفطرة أن يكون له وحده ويمتنع عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لغيره فمن جعل شيئا من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا مثيل ولا ند له وذلك أقبح التشبيه وأبطله ولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره مع أنه كتب على نفسه الرحمة. ومن خصائص الإلهية: العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: غاية الحب مع غاية الذل. هذا تمام العبودية وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين. فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه به في خالص حقه وهذا من المحال أن تجيء به شريعة من الشرائع وقبحه مستقر في كل فطرة وعقل ولكن غيرت(1\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "130",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2951",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشياطين فطر الخلق وعقولهم وأفسدتها عليهم واجتالتهم عنها ومضى على الفطرة الأولى من سبقت له من الله الحسنى فأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه بما يوافق فطرهم وعقولهم فازدادوا بذلك نورا على نور يهدي الله لنوره من يشاء [النور: 35] . إذا عرف هذا فمن خصائص الإلهية السجود فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به. ومنها: التوكل فمن توكل على غيره فقد شبهه به. ومنها: التوبة فمن تاب لغيره فقد شبهه به. ومنها: الحلف باسمه تعظيما وإجلالا له فمن حلف بغيره فقد شبهه به هذا في جانب التشبيه. وأما في جانب التشبه به: فمن تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم والخضوع والرجاء وتعليق القلب به خوفا ورجاء والتجاء واستعانة فقد تشبه بالله ونازعه في ربوبيته وإلهيته وهو حقيق بأن يهينه غاية الهوان ويذله غاية الذل ويجعله تحت أقدام خلقه. وفي الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: يقول الله عز وجل: quot; العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدا منهما عذبته quot;. وإذا كان المصور الذي يصنع الصورة بيده من أشد الناس عذابا يوم القيامة لتشبهه بالله في مجرد الصورة فما الظن بالتشبه بالله في الربوبية والإلهية كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون يقال لهم أحيوا ما خلقتم . وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: قال الله عز وجل: [ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي فليخلقوا ذرة فليخلقوا شعيرة]   فنبه بالذرة والشعيرة على ما هو أعظم منها وأكبر. والمقصود: أن هذا حال من تشبه به في صنعة صورة فكيف حال من تشبه به في خواص ربوبيته وإلهيته وكذلك من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا لله وحده كملك الملوك وحاكم الحكام ونحوه. وقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إن أخنع الأسماء عند الله رجل يسمى(1\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "131",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2952",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بشاهان شاه - أي ملك الملوك - لا ملك إلا الله وفي لفظ: أغيظ رجل على الله رجل يسمى بملك الأملاك . فهذا مقت الله وغضبه على من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا له فهو سبحانه ملك الملوك وحده وهو حاكم الحكام وحده فهو الذي يحكم على الحكام كلهم ويقضي عليهم كلهم لا غيره.  [فصل سوء الظن بالله] فصل سوء الظن بالله إذا تبين هذا فهاهنا أصل عظيم يكشف سر المسألة وهو أن أعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به فإن المسيء به الظن قد ظن به خلاف كماله المقدس وظن به ما يناقض أسماءه وصفاته ولهذا توعد الله سبحانه الظانين به ظن السوء بما لم يتوعد به غيرهم كما قال تعالى: عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا [سورة الفتح: 6] . وقال تعالى لمن أنكر صفة من صفاته: وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين [سورة فصلت: 23] . قال تعالى عن خليله إبراهيم أنه قال لقومه: ماذا تعبدون - أئفكا آلهة دون الله تريدون - فما ظنكم برب العالمين [الصافات: 85 - 87] . أي فما ظنكم أن يجازيكم به إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره وما ظننتم به حين عبدتم معه غيره وما ظننتم بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص حتى أحوجكم ذلك إلى عبودية غيره فلو ظننتم به ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم وهو على كل شيء قدير وأنه غني عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه وأنه قائم بالقسط على خلقه وأنه المنفرد بتدبير خلقه لا يشركه فيه غيره والعالم بتفاصيل الأمور فلا يخفى عليه خافية من خلقه والكافي لهم وحده فلا يحتاج إلى معين والرحمن بذاته فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء فإنهم يحتاجون إلى من يعرفهم أحوال الرعية(1\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "132",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2953",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحوائجهم ويعينهم إلى قضاء حوائجهم وإلى من يسترحمهم ويستعطفهم بالشفاعة فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة لحاجتهم وضعفهم وعجزهم وقصور علمهم. فأما القادر على كل شيء الغني عن كل شيء الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه نقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده وظن به ظن السوء وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده ويمتنع في العقول والفطر جوازه وقبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبيح. يوضح هذا: أن العابد معظم لمعبوده متأله خاضع ذليل له والرب تعالى وحده هو الذي يستحق كمال التعظيم والجلال والتأله والخضوع والذل وهذا خالص حقه فمن أقبح الظلم أن يعطي حقه لغيره أو يشرك بينه وبينه فيه ولا سيما إذا كان الذي جعل شريكه في حقه هو عبده ومملوكه كما قال تعالى: ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون [سورة الروم: 28] . أي: إذا كان أحدكم يأنف أن يكون مملوكه شريكه في رزقه فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء فيما أنا به منفرد وهو الإلهية التي لا تنبغي لغيري ولا تصح لسواي. فمن زعم ذلك فما قدرني حق قدري ولا عظمني حق تعظيمي ولا أفردني بما أنا مفرد به وحدي دون خلقي فما قدر الله حق قدره من عبد معه غيره كما قال تعالى: ياأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب - ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز [سورة الحج: 73 - 74] . فما قدر الله حق قدره من عبد معه غيره ممن لا يقدر على خلق أضعف حيوان وأصغره وإن سلبهم الذباب شيئا مما عليه لم يقدر على استنقاذه منه وقال تعالى: وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون [سورة الزمر: 67] فما قدر من هذا شأنه وعظمته حق قدره من أشرك معه في عبادته من ليس له شيء من(1\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "133",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2954",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك ألبتة بل هو أعجز شيء وأضعفه فما قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك معه الضعيف الذليل. وكذلك ما قدره حق قدره من قال: إنه لم يرسل إلى خلقه رسولا ولا أنزل كتابا بل نسبه إلى ما لا يليق به ولا يحسن منه من إهمال خلقه وتضييعهم وتركهم سدى وخلقهم باطلا وعبثا ولا قدره حق قدره من نفى حقائق أسمائه الحسنى وصفاته العلا فنفى سمعه وبصره وإرادته واختياره وعلوه فوق خلقه وكلامه وتكليمه لمن شاء من خلقه بما يريده أو نفى عموم قدرته وتعلقها بأفعال عباده من طاعتهم ومعاصيهم فأخرجها عن قدرته ومشيئته وخلقه وجعلهم يخلقون لأنفسهم ما يشاءون بدون مشيئة الرب فيكون في ملكه ما لا يشاء ويشاء ما لا يكون. تعالى عن قول أشباه المجوس علوا كبيرا. وكذلك ما قدره حق قدره من قال: إنه يعاقب عبده على ما لا يفعله العبد ولا له عليه قدرة ولا تأثير له فيه ألبتة بل هو نفس فعل الرب جل جلاله فيعاقب عبده على فعله هو سبحانه الذي جبر العبد عليه. وجبره على الفعل أعظم من إكراه المخلوق للمخلوق وإذا كان من المستقر في الفطر والعقول أن السيد لو أكره عبده على فعل أو ألجأه إليه ثم عاقبه عليه لكان قبيحا فأعدل العادلين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين كيف يجبر العبد على فعل لا يكون للعبد فيه صنع ولا تأثير ولا هو واقع بإرادته بل ولا هو فعله ألبتة ثم يعاقب عليه عقوبة الأبد تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وقول هؤلاء شر من أقوال المجوس. والطائفتان ما قدروا الله حق قدره. وكذلك ما قدره حق قدره من لم يصنه عن نتن ولا حش ولا مكان يرغب عن ذكره بل جعله في كل مكان صانه عن عرشه أن يكون مستويا عليه: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [سورة فاطر: 10] . وتعرج الملائكة والروح إليه وتنزل من عنده: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه [سورة السجدة: 5] . فصانه عن استوائه على سرير الملك ثم جعله في كل مكان يأنف الإنسان بل غيره من الحيوان أن يكون فيه. وما قدر الله حق قدره من نفى حقيقة محبته ورحمته ورأفته ورضاه وغضبه ومقته ولا من نفى حقيقة حكمته التي هي الغايات المحمودة المقصودة بفعله ولا من نفى حقيقة(1\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "134",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2955",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعله ولم يجعل له فعلا اختياريا يقوم به بل أفعاله مفعولات منفصلة عنه فنفى حقيقة مجيئه وإتيانه واستوائه على عرشه وتكليمه موسى من جانب الطور ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده بنفسه إلى غير ذلك من أفعاله وأوصاف كماله التي نفوها وزعموا أنهم بنفيها قدروه حق قدره. وكذلك لم يقدره حق قدره من جعل له صاحبة وولدا أو جعله سبحانه يحل في جميع مخلوقاته أو جعله عين هذا الوجود. وكذلك لم يقدره حق قدره من قال: إنه رفع أعداء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته وأعلى ذكرهم وجعل فيهم الملك والخلافة والعز ووضع أولياء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته وأهانهم وأذلهم وضرب عليهم الذل أينما ثقفوا وهذا يتضمن غاية القدح في جناب الرب. تعالى عن قول الرافضة علوا كبيرا. وهذا القول مشتق من قول اليهود والنصارى في رب العالمين أنه أرسل ملكا ظالما فادعى النبوة لنفسه وكذب على الله ومكث زمانا طويلا يكذب على الله كل وقت ويقول: قال الله كذا وأمر بكذا ونهى عن كذا ينسخ شرائع أنبيائه ورسله ويستبيح دماء أتباعهم وأموالهم وحريمهم ويقول: الله أباح لي ذلك والرب تعالى يظهره ويؤيده ويعليه ويعزه ويجيب دعواته ويمكنه ممن خالفه ويقيم الأدلة على صدقه ولا يعاديه أحد إلا ظفر به فيصدقه بقوله وفعله وتقريره ويحدث أدلة تصديقه شيئا بعد شيء. ومعلوم أن هذا يتضمن أعظم القدح والطعن في الرب سبحانه وتعالى وعلمه وحكمته ورحمته وربوبيته. تعالى عن قول الجاحدين علوا كبيرا. فوازن بين قول هؤلاء وقول إخوانهم من الرافضة تجد القولين كما قال الشاعر: رضيعي لبان ثدي أم تقاسما ... بأسحم داج عوض لا تتفرق وكذلك لم يقدره حق قدره من قال أنه يجوز أن يعذب أولياءه ومن لم يعصه طرفة عين ويدخلهم دار الجحيم وينعم أعداءه ومن لم يؤمن به طرفة عين ويدخلهم دار النعيم وأن كلا الأمرين بالنسبة إليه سواء وإنما الخبر المحض جاء عنه بخلاف ذلك فمعناه للخبر لا لمخالفة حكمته وعدله. وقد أنكر سبحانه في كتابه على من جوز عليه ذلك غاية الإنكار وجعل الحكم به من أسوأ الأحكام. قال تعالى:(1\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "135",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2956",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار - أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار [سورة ص: 27 - 28] . وقال: أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون - وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون [سورة الجاثية: 21 - 22] . وقال: أفنجعل المسلمين كالمجرمين - ما لكم كيف تحكمون [سورة القلم: 35 - 36] وكذلك لم يقدره حق قدره من زعم أنه لا يحيي الموتى ولا يبعث من في القبور ولا يجمع خلقه ليوم يجازي فيه المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ويأخذ للمظلوم حقه من ظالمه ويكرم المتحملين المشاق في هذه الدار من أجله وفي مرضاته بأفضل كرامته ويبين لخلقه الذي يختلفون فيه ويعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين. وكذلك لم يقدره حق قدره من هان عليه أمره فعصاه ونهيه فارتكبه وحقه فضيعه وذكره فأهمله وغفل قلبه عنه وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه وطاعة المخلوق أهم من طاعته فلله الفضلة من قلبه وقوله وعمله هواه المقدم في ذلك لأنه المهم عنده يستخف بنظر الله إليه واطلاعه عليه بكل قلبه وجوارحه ويستحي من الناس ولا يستحي من الله ويخشى الناس ولا يخشى الله ويعامل الخلق بأفضل ما يقدر عليه وإن عامل الله عامله بأهون ما عنده وأحقره وإن قام في خدمة من يحبه من البشر قام بالجد والاجتهاد وبذل النصيحة وقد أفرغ له قلبه وجوارحه وقدمه على الكثير من مصالحه حتى إذا قام في حق ربه - إن ساعد القدر - قام قياما لا يرضاه مخلوق من مخلوق مثله وبذل له من ماله ما يستحي أن يواجه به مخلوقا مثله فهل قدر الله حق قدره من هذا وصفه وهل قدره حق قدره من شارك بينه وبين عدوه في محض حقه من الإجلال والتعظيم والطاعة والذل والخضوع والخوف والرجاء فلو جعل له من أقرب الخلق إليه شريكا في ذلك لكان ذلك جراءة وتوثبا على محض حقه واستهانة به وتشريكا بينه وبين غيره ولا ينبغي ولا يصلح إلا له سبحانه فكيف وإنما شرك بينه وبين غيره أبغض الخلق إليه وأهونهم عليه وأمقتهم عنده وهو عدوه على الحقيقة فإنه ما عبد من دون الله إلا الشيطان كما قال تعالى:(1\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "136",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2957",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ألم أعهد إليكم يابني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين - وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم [سورة يس: 60 - 61] . ولما عبد المشركون الملائكة بزعمهم وقعت عبادتهم في نفس الأمر للشياطين وهم يظنون أنهم يعبدون الملائكة. كما قال تعالى: ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون - قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون [سورة سبأ: 40 - 41] . فالشيطان يدعو المشرك إلى عبادته ويوهمهم أنه ملك وكذلك عباد الشمس والقمر والكواكب وهي التي تخاطبهم وتقضي لهم الحوائج ولهذا إذا طلعت الشمس قارنها الشيطان فيسجد لها الكفار فيقع سجودهم له وكذلك عند غروبها وكذلك من عبد المسيح وأمه لم يعبدهما وإنما عبد الشيطان. فإنه يزعم أنه يعبد من أمره بعبادته وعبادة أمه ورضيها لهم وأمرهم بها وهذا هو الشيطان الرجيم لا عبد الله ورسوله فنزل هذا كله على قوله تعالى: ألم أعهد إليكم يابني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين - وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم . فما عبد أحد من بني آدم غير الله كائنا من كان إلا وقعت عبادته للشيطان فيستمتع العابد بالمعبود في حصول غرضه ويستمتع المعبود بالعابد في تعظيمه له وإشراكه مع الله الذي هو غاية رضا الشيطان ولهذا قال تعالى: ويوم يحشرهم جميعا يامعشر الجن قد استكثرتم من الإنس أي: من إغوائهم وإضلالهم وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم [سورة الأنعام: 128] . فهذه إشارة لطيفة إلى السر الذي لأجله كان الشرك أكبر الكبائر عند الله وأنه لا يغفره بغير التوبة منه وأنه يوجب الخلود في العذاب وأنه ليس تحريمه وقبحه بمجرد النهي عنه بل يستحيل على الله سبحانه أن يشرع لعباده عبادة إله غيره كما يستحيل عليه ما يناقض أوصاف كماله ونعوت جلاله وكيف يظن بالمنفرد بالربوبية والإلهية والعظمة والإجلال أن يأذن في مشاركته في ذلك أو يرضى به تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.(1\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "137",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2958",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الشرك والكبر] فصل الشرك والكبر فلما كان الشرك أكبر شيء منافاة للأمر الذي خلق الله له الخلق وأمر لأجله بالأمر كان من أكبر الكبائر عند الله. وكذلك الكبر وتوابعه كما تقدم فإن الله سبحانه خلق الخلق وأنزل الكتاب لتكون الطاعة له وحده والشرك والكبر ينافيان ذلك. ولذلك حرم الله الجنة على أهل الشرك والكبر فلا يدخلها من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر.  [فصل القول على الله بغير علم] فصل القول على الله بغير علم ويلي ذلك في كبر المفسدة: القول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله ووصفه بضد ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم. فهذا أشد شيء مناقضة ومنافاة لكمال من له الخلق والأمر وقدح في نفس الربوبية وخصائص الرب فإن صدر ذلك عن علم فهو عناد أقبح من الشرك وأعظم إثما عند الله. فإن المشرك المقر بصفات الرب خير من المعطل الجاحد لصفات كماله كما أن من أقر لملك بالملك ولم يجحد ملكه ولا الصفات التي استحق بها الملك لكن جعل معه شريكا في بعض الأمور يقربه إليه خير ممن جحد صفات الملك وما يكون به ملكا وهذا أمر مستقر في سائر الفطر والعقول. فأين القدح في صفات الكمال والجحد لها من عبادة واسطة بين المعبود الحق وبين العابد يتقرب إليه بعبادة تلك الواسطة إعظاما له وإجلالا فداء التعطيل هذا الداء العضال الذي لا دواء له ولهذا حكى الله عن إمام المعطلة فرعون أنه أنكر على موسى ما أخبر به من أن ربه فوق السماوات فقال: ياهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب - أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا [سورة غافر: 36 - 37] . واحتج الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتبه على المعطلة بهذه الآية.(1\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "138",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2959",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولقد ذكرنا لفظه في غير هذا الكتاب. والقول على الله بلا علم والشرك متلازمان. ولما كانت هذه البدع المضلة جهلا بصفات الله وتكذيبا بما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عنادا وجهلا - كانت من أكبر الكبائر وإن قصرت عن الكفر وكانت أحب إلى إبليس من كبار الذنوب. كما قال بعض السلف: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية: لأن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها. وقال إبليس: أهلكت بني آدم بالذنوب وأهلكوني بالاستغفار وبلا إله إلا الله فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يتوبون لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. ومعلوم أن المذنب إنما ضرره على نفسه وأما المبتدع فضرره على النوع وفتنة المبتدع في أصل الدين وفتنة المذنب في الشهوة والمبتدع قد قعد للناس على صراط الله المستقيم يصدهم عنه والمذنب ليس كذلك والمبتدع قادح في أوصاف الرب وكماله والمذنب ليس كذلك. والمبتدع يقطع على الناس طريق الآخرة والعاصي بطيء السير بسبب ذنوبه.  [فصل الظلم والعدوان] فصل الظلم والعدوان ثم لما كان الظلم والعدوان منافيين للعدل الذي قامت به السماوات والأرض وأرسل له سبحانه رسله عليهم الصلاة والسلام وأنزل كتبه ليقوم الناس به - كان من أكبر الكبائر عند الله وكانت درجته في العظمة بحسب مفسدته في نفسه وكان قتل الإنسان ولده الطفل الصغير الذي لا ذنب له وقد جبل الله سبحانه القلوب على محبته ورحمته وعطفها عليهم وخص الوالدين من ذلك بمزية ظاهرة فقتله خشية أن يشاركه في مطعمه ومشربه وماله من أقبح الظلم وأشده وكذلك قتله أبويه اللذين كانا سبب وجوده وكذلك قتله ذا رحمه. وتتفاوت درجات القتل بحسب قبحه واستحقاق من قتله للسعي في إبقائه ونصيحته. ولهذا كان أشد الناس عذابا يوم القيامة من قتل نبيا أو قتله نبي. ويليه من قتل إماما عادلا يأمر الناس بالقسط ويدعوهم إلى الله سبحانه وينصحهم(1\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "139",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2960",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في دينهم وقد جعل الله سبحانه جزاء قتل النفس المؤمنة عمدا الخلود في النار وغضب الجبار ولعنته وإعداد العذاب العظيم له هذا موجب قتل المؤمن عمدا ما لم يمنع منه مانع. ولا خلاف أن الإسلام الواقع بعد القتل طوعا واختيارا مانع من نفوذ ذلك الجزاء وهل تمنع توبة المسلم منه بعد وقوعه فيه قولان للسلف والخلف وهما روايتان عن الإمام أحمد. توبة القاتل والذين قالوا: لا تمنع التوبة من نفوذه. رأوا أنه حق لآدمي لم يستوفه في دار الدنيا وخرج منه بظلامته فلا بد أن يستوفى في دار العدل. قالوا: وما استوفاه الوارث إنما استوفى محض حقه الذي خيره الله بين استيفائه والعفو عنه وما ينفع المقتول من استيفاء وارثه وأي استدراك لظلامته حصل باستيفاء وارثه وهذا أصح القولين في المسألة: أن حق المقتول لا يسقط باستيفاء الوارث وهما وجهان لأصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما. ورأت طائفة أنه يسقط بالتوبة واستيفاء الوارث فإن التوبة تهدم ما قبلها والذنب الذي جناه قد أقيم عليه حده. قالوا: وإذا كانت التوبة تمحو أثر الكفر والسحر وهما أعظم إثما من القتل فكيف تقصر عن محو أثر القتل وقد قبل الله توبة الكفار الذين قتلوا أولياءه وجعلهم من خيار عباده ودعا الذين أحرقوا أولياءه وفتنوهم عن دينهم إلى التوبة وقال تعالى: قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا [سورة الزمر: 53] فهذا في حق التائب وهي تتناول الكفر وما دونه. قالوا: وكيف يتوب العبد من الذنب ويعاقب عليه بعد التوبة هذا معلوم انتفاؤه في شرع الله وجزائه. قالوا: وتوبة هذا المذنب تسليم نفسه ولا يمكن تسليمها إلى المقتول فأقام الشارع وليه مقامه وجعل تسليم النفس إليه كتسليمها إلى المقتول بمنزلة تسليم المال الذي عليه لوارثه فإنه يقوم مقام تسليمه للمورث. والتحقيق في المسألة أن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق: حق لله وحق للمقتول(1\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "140",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2961",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحق للولي فإذا سلم القاتل نفسه طوعا واختيارا إلى الولي ندما على ما فعل وخوفا من الله وتوبة نصوحا سقط حق الله بالتوبة وحق الولي بالاستيفاء أو الصلح أو العفو وبقي حق المقتول يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن ويصلح بينه وبينه فلا يبطل حق هذا ولا تبطل توبة هذا. التوبة من الحقوق المالية وأما مسألة المال: فقد اختلف فيها فقالت طائفة: إذا أدى ما عليه من المال إلى الوارث برئ من عهدته في الآخرة كما برئ منها في الدنيا. وقالت طائفة: بل المطالبة لمن ظلمه بأخذه باقية عليه يوم القيامة وهو لم يستدرك ظلامته بأخذ وارثه له فإنه منعه من انتفاعه به في طول حياته ومات ولم ينتفع به وهذا ظلم لم يستدركه وإنما ينتفع به غيره باستدراكه وبنوا على هذا أنه لو انتقل من واحد إلى واحد وتعدد الورثة كانت المطالبة للجميع لأنه حق كان يجب عليه دفعه إلى كل واحد منهم عند كونه هو الوارث وهذا قول طائفة من أصحاب مالك وأحمد. وفصل شيخنا - رحمه الله - بين الطائفتين فقال: إن تمكن الموروث من أخذ ماله والمطالبة به فلم يأخذه حتى مات صارت المطالبة به للوارث في الآخرة كما هي كذلك في الدنيا وإن لم يتمكن من طلبه وأخذه بل حال بينه وبينه ظلما وعدوانا فالطلب له في الآخرة. وهذا التفصيل من أحسن ما يقال فإن المال إذا استهلكه الظالم على الموروث وتعذر أخذه منه صار بمنزلة عبده الذي قتله قاتل وداره التي أحرقها غيره وطعامه وشرابه الذي أكله وشربه غيره ومثل هذا إنما تلف على الموروث لا على الوارث فحق المطالبة لمن تلف على ملكه. ويبقى أن يقال: فإذا كان المال عقارا أو أرضا أو أعيانا قائمة باقية بعد الموت فهي ملك الوارث يجب على الغاصب دفعها إليه كل وقت فإذا لم يدفع إليه أعيان ماله استحق المطالبة بها عند الله تعالى كما يستحق المطالبة بها في الدنيا. وهذا سؤال قوي لا مخلص منه إلا بأن يقال: المطالبة لهما جميعا كما لو غصب مالا مشتركا بين جماعة استحق كل منهم المطالبة لحقه منه كما لو استولى على وقف مرتب على بطون فأبطل حق البطون كلهم منه كانت المطالبة يوم القيامة لجميعهم ولم يكن بعضهم أولى بها من بعض والله أعلم.(1\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "141",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2962",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل جريمة القتل] فصل جريمة القتل ولما كانت مفسدة القتل هذه المفسدة قال الله تعالى: من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا [سورة المائدة: 32] . وقد أشكل فهم هذا على كثير من الناس وقال: معلوم أن إثم قاتل مائة أعظم عند الله من إثم قاتل نفس واحدة وإنما أتوه من ظنهم أن التشبيه في مقدار الإثم والعقوبة واللفظ لم يدل على هذا ولا يلزم من تشبيه الشيء بالشيء أخذه بجميع أحكامه. وقد قال تعالى: كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها [سورة النازعات: 46] . وقال تعالى: كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار [سورة الأحقاف: 35] . وذلك لا يوجب أن لبثهم في الدنيا إنما كان هذا المقدار. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله  أي: مع العشاء كما جاء في لفظ آخر وأصرح من هذا قوله: من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر  وقوله - صلى الله عليه وسلم -: من قرأ quot; قل هو الله أحد quot; فكأنما قرأ ثلث القرآن  ومعلوم أن ثواب فاعل هذه الأشياء لم يبلغ ثواب المشبه به فيكون قدرهما سواء ولو كان قدر الثواب سواء لم يكن لمصلي العشاء والفجر جماعة في قيام الليل منفعة غير التعب والنصب وما أوتي أحد - بعد الإيمان - أفضل من الفهم عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فإن قيل: ففي أي شيء وقع التشبيه بين قاتل نفس واحدة وقاتل الناس جميعا قيل: في وجوه متعددة: أحدها: أن كلا منهما عاص لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - مخالف لأمره متعرض لعقوبته وكل منهما قد باء بغضب من الله ولعنته واستحقاق الخلود في نار جهنم وإعداده عذابا عظيما وإنما التفاوت في درجات العذاب فليس إثم من قتل نبيا أو إماما عادلا أو عالما يأمر الناس بالقسط كإثم من قتل من لا مزية له من آحاد الناس.(1\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "142",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2963",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني: أنهما سواء في استحقاق إزهاق النفس. الثالث: أنهما سواء في الجراءة على سفك الدم الحرام فإن من قتل نفسا بغير استحقاق بل لمجرد الفساد في الأرض أو لأخذ ماله: فإنه يجترئ على قتل كل من ظفر به وأمكنه قتله فهو معاد للنوع الإنساني. ومنها: أنه يسمى قاتلا أو فاسقا أو ظالما أو عاصيا بقتله واحدا كما يسمى كذلك بقتله الناس جميعا. ومنها: أن الله سبحانه جعل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر فإذا أتلف القاتل من هذا الجسد عضوا فكأنما أتلف سائر الجسد وآلم جميع أعضائه فمن آذى مؤمنا واحدا فكأنما آذى جميع المؤمنين وفي أذى جميع المؤمنين أذى جميع الناس فإن الله إنما يدافع عن الناس بالمؤمنين الذين بينهم فإيذاء الخفير إيذاء المخفور وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا تقتل نفس ظلما بغير حق إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها لأنه أول من سن القتل . ولم يجئ هذا الوعيد في أول زان ولا أول سارق ولا أول شارب مسكر وإن كان أول المشركين قد يكون أولى بذلك من أول قاتل لأنه أول من سن الشرك ولهذا رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن لحي الخزاعي يعذب أعظم العذاب في النار لأنه أول من غير دين إبراهيم عليه السلام. وقد قال تعالى: ولا تكونوا أول كافر به [سورة البقرة: 41] . أي فيقتدي بكم من بعدكم فيكون إثم كفره عليكم وكذلك حكم من سن سنة سيئة فاتبع عليها. وفي جامع الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يجيء المقتول يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دما يقول: يا رب سل هذا فيم قتلني فذكروا لابن عباس التوبة فتلا هذه الآية: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها [سورة النساء: 93] . ثم قال: ما نسخت هذه الآية ولا بدلت وأنى له التوبة قال الترمذي: هذا حديث حسن.(1\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "143",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2964",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيه أيضا عن نافع قال: نظر عبد الله بن عمر يوما إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن عند الله أعظم حرمة منك قال الترمذي: هذا حديث حسن. وفي صحيح البخاري عن سمرة بن جندب قال: أول ما ينتن من الإنسان بطنه فمن استطاع منكم أن لا يأكل إلا طيبا فليفعل ومن استطاع أن لا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دم أهراقه فليفعل. وفي صحيحه أيضا عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما . وذكر البخاري أيضا عن ابن عمر قال: من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها: سفك الدم الحرام بغير حله. وفي الصحيحين عن أبي هريرة يرفعه: سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر . وفيهما أيضا عنه - صلى الله عليه وسلم - لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض . وفي صحيح البخاري عنه - صلى الله عليه وسلم -: من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما . هذه عقوبة قاتل عدو الله إذا كان في عهده وأمانه فكيف عقوبة قاتل عبده المؤمن وإذا كانت امرأة قد دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعا وعطشا فرآها النبي - صلى الله عليه وسلم - في النار والهرة تخدشها في وجهها وصدرها فكيف عقوبة من حبس مؤمنا حتى مات بغير جرم وفي بعض السنن عنه - صلى الله عليه وسلم -: لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق .  [فصل جريمة الزنى] فصل جريمة الزنى ولما كانت مفسدة الزنى من أعظم المفاسد وهي منافية لمصلحة نظام العالم في حفظ الأنساب وحماية الفروج وصيانة الحرمات وتوقي ما يوقع أعظم العداوة والبغضاء بين الناس من إفساد كل منهم امرأة صاحبه وبنته وأخته وأمه وفي ذلك خراب العالم كانت تلي مفسدة القتل في الكبر ولهذا قرنها الله سبحانه بها في كتابه ورسوله - صلى الله عليه وسلم - في سنته كما تقدم. قال الإمام أحمد: ولا أعلم بعد قتل النفس شيئا أعظم من الزنى. وقد أكد سبحانه حرمته بقوله:(1\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "144",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2965",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما - يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا - إلا من تاب [سورة الفرقان: 68 - 70] . فقرن الزنى بالشرك وقتل النفس وجعل جزاء ذلك الخلود في العذاب المضاعف ما لم يرفع العبد موجب ذلك بالتوبة والإيمان والعمل الصالح وقد قال تعالى: ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا [سورة الإسراء: 32] . فأخبر عن فحشه في نفسه وهو القبيح الذي قد تناهى قبحه حتى استقر فحشه في العقول حتى عند كثير من الحيوان كما ذكر البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون الأودي قال: رأيت في الجاهلية قردا زنى بقردة فاجتمع القرود عليهما فرجموهما حتى ماتا] . ثم أخبر عن غايته بأنه quot; ساء سبيلا quot; فإنه سبيل هلكة وبوار وافتقار في الدنيا وعذاب وخزي ونكال في الآخرة. ولما كان نكاح أزواج الآباء من أقبحه خصه بمزيد ذم فقال: إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا [سورة النساء: 22] . وعلق سبحانه فلاح العبد على حفظ فرجه منه فلا سبيل إلى الفلاح بدونه فقال: قد أفلح المؤمنون - الذين هم في صلاتهم خاشعون - والذين هم عن اللغو معرضون - والذين هم للزكاة فاعلون - والذين هم لفروجهم حافظون - إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين إلى قوله: فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون [سورة المؤمنون: 1 - 7] . وهذا يتضمن ثلاثة أمور: أن من لم يحفظ فرجه لم يكن من المفلحين وأنه من الملومين ومن العادين ففاته الفلاح واستحق اسم العدوان ووقع في اللوم فمقاساة ألم الشهوة ومعاناتها أيسر من بعض ذلك. ونظير هذا أنه ذم الإنسان وأنه خلق هلوعا لا يصبر على سراء ولا ضراء(1\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "145",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2966",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بل إذا مسه الخير منع وبخل وإذا مسه الشر جزع إلا من استثناه بعد ذلك من الناجين من خلقه فذكر منهم: والذين هم لفروجهم حافظون - إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين - فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون [سورة المعارج: 29 - 31] . فأمر الله تعالى نبيه أن يأمر المؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم وأن يعلمهم أنه مشاهد لأعمالهم مطلع عليها يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور [سورة غافر: 19] . ولما كان مبدأ ذلك من قبل البصر جعل الأمر بغضه مقدما على حفظ الفرج فإن الحوادث مبدؤها من البصر كما أن معظم النار من مستصغر الشرر فتكون نظرة ثم تكون خطرة ثم خطوة ثم خطيئة. ولهذا قيل: من حفظ هذه الأربعة أحرز دينه: اللحظات والخطرات واللفظات والخطوات. فينبغي للعبد أن يكون بواب نفسه على هذه الأبواب الأربعة ويلازم الرباط على ثغورها فمنها يدخل عليه العدو فيجوس خلال الديار ويتبر ما علا تتبيرا.  [فصل مدخل المعاصي النظرة] فصل مدخل المعاصي وأكثر ما تدخل المعاصي على العبد من هذه الأبواب الأربعة فنذكر في كل باب منها فصلا يليق به. النظرة فأما اللحظات: فهي رائد الشهوة ورسولها وحفظها أصل حفظ الفرج فمن أطلق بصره أورد نفسه موارد المهلكات. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الأخرى . وفي المسند عنه - صلى الله عليه وسلم -: النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فمن غض بصره عن محاسن امرأة لله أورث الله قلبه حلاوة إلى يوم يلقاه هذا معنى الحديث.(1\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "146",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2967",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: غضوا أبصاركم واحفظوا فروجكم  وقال: إياكم والجلوس على الطرقات قالوا: يا رسول الله مجالسنا ما لنا بد منها قال: فإن كنتم لا بد فاعلين فأعطوا الطريق حقه قالوا: وما حقه قال: غض البصر وكف الأذى ورد السلام . والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان فالنظرة تولد خطرة ثم تولد الخطرة فكرة ثم تولد الفكرة شهوة ثم تولد الشهوة إرادة ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة فيقع الفعل ولا بد ما لم يمنع منه مانع وفي هذا قيل: الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده. قال الشاعر: كل الحوادث مبداها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة بلغت في قلب صاحبها ... كمبلغ السهم بين القوس والوتر والعبد ما دام ذا طرف يقلبه ... في أعين العين موقوف على الخطر يسر مقلته ما ضر مهجته ... لا مرحبا بسرور عاد بالضرر ومن آفات النظر: أنه يورث الحسرات والزفرات والحرقات فيرى العبد ما ليس قادرا عليه ولا صابرا عنه وهذا من أعظم العذاب أن ترى ما لا صبر لك عن بعضه ولا قدرة على بعضه. قال الشاعر: وكنت متى أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر وهذا البيت يحتاج إلى شرح ومراده: أنك ترى ما لا تصبر عن شيء منه ولا تقدر عليه فإن قوله: quot; لا كله أنت قادر عليه quot; نفي لقدرته على الكل الذي لا ينتفي إلا بنفي القدرة عن كل واحد واحد. وكم من أرسل لحظاته فما قلعت إلا وهو يتشحط بينهن قتيلا كما قيل: يا ناظرا ما أقلعت لحظاته ... حتى تشحط بينهن قتيلا ولي من أبيات: مل السلامة فاغتدت لحظاته ... وقفا على طلل يظن جميلا ما زال يتبع إثره لحظاته ... حتى تشحط بينهن قتيلا(1\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "147",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2968",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن العجب: أن لحظة الناظر سهم لا يصل إلى المنظور إليه حتى يتبوأ مكانا من قلب الناظر ولي من قصيدة: يا راميا بسهام اللحظ مجتهدا ... أنت القتيل بما ترمي فلا تصب يا باعث الطرف يرتاد الشفاء له ... احبس رسولك لا يأتيك بالعطب وأعجب من ذلك: أن النظرة تجرح القلب جرحا فيتبعها جرح على جرح ثم لا يمنعه ألم الجراحة من استدعاء تكرارها ولي أيضا في هذا المعنى: ما زلت تتبع نظرة في نظرة ... في إثر كل مليحة ومليح وتظن ذاك دواء جرحك وهو في ال ... تحقيق تجريح على تجريح فذبحت طرفك باللحاظ وبالبكا ... فالقلب منك ذبيح أي ذبيح وقد قيل: إن حبس اللحظات أيسر من دوام الحسرات.  [فصل الخطرة] وأما الخطرات: فشأنها أصعب فإنها مبدأ الخير والشر ومنها تتولد الإرادات والهمم والعزائم فمن راعى خطراته ملك زمام نفسه وقهر هواه ومن غلبته خطراته فهواه ونفسه له أغلب ومن استهان بالخطرات قادته قهرا إلى الهلكات ولا تزال الخطرات تتردد على القلب حتى تصير منى باطلة. كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب [سورة النور: 39] . وأخس الناس همة وأوضعهم نفسا من رضي من الحقائق بالأماني الكاذبة واستجلبها لنفسه وتجلى بها وهي لعمر الله رءوس أموال المفلسين ومتاجر البطالين وهي قوت النفس الفارغة التي قد قنعت من الوصل بزورة الخيال ومن الحقائق بكواذب الآمال كما قال الشاعر: أماني من سعدى رواء على الظما ... سقتنا بها سعدى على ظمأ بردا منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا وهي أضر شيء على الإنسان ويتولد منها العجز والكسل وتولد التفريط والحسرة(1\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "148",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2969",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والندم والمتمني لما فاتته مباشرة الحقيقة بجسمه حول صورتها في قلبه وعانقها وضمها إليه فقنع بوصال صورة وهمية خيالية صورها فكره. وذلك لا يجدي عليه شيئا وإنما مثله مثل الجائع والظمآن يصور في وهمه صورة الطعام والشراب وهو لا يأكل ولا ويشرب. والسكون إلى ذلك واستجلابه يدل على خسارة النفس ووضاعتها وإنما شرف النفس وزكاؤها وطهارتها وعلوها بأن ينفي عنها كل خطرة لا حقيقة لها ولا يرضى أن يخطرها بباله ويأنف لنفسه منها. ثم الخطرات بعد أقسام تدور على أربعة أصول: خطرات يستجلب بها العبد منافع دنياه. وخطرات يستدفع بها مضار دنياه. وخطرات يستجلب بها مصالح آخرته. وخطرات يستدفع بها مضار آخرته. فليحصر العبد خطراته وأفكاره وهمومه في هذه الأقسام الأربعة فإذا انحصرت له فيها أمكن اجتماعه منها ولم يتركه لغيره وإذا تزاحمت عليه الخطرات لتزاحم متعلقاتها قدم الأهم فالأهم الذي يخشى فوته وأخر الذي ليس بأهم ولا يخاف فوته. بقي قسمان آخران: أحدهما: مهم لا يفوت. والثاني: غير مهم ولكنه يفوت. ففي كل منهما ما يدعو إلى تقديمه فهنا يقع التردد والحيرة فإن قدم المهم خشي فوات ما دونه وإن قدم ما دونه فاته الاشتغال به عن المهم وكذلك يعرض له أمران لا يمكن الجمع بينهما ولا يحصل أحدهما إلا بتفويت الآخر. فهو موضع استعمال العقل والفقه والمعرفة ومن هاهنا ارتفع من ارتفع وأنجح من أنجح وخاب من خاب فأكثر من ترى ممن يعظم عقله ومعرفته يؤثر غير المهم الذي لا يفوت على المهم الذي يفوت ولا تجد أحدا يسلم من ذلك ولكن مستقل ومستكثر. والتحكيم في هذا الباب للقاعدة الكبرى التي عليها مدار الشرع والقدر وإليها مرجع الخلق والأمر وهي إيثار أكبر المصلحتين وأعلاهما وإن فاتت المصلحة التي هي دونها والدخول في أدنى المفسدتين لدفع ما هو أكبر منها.(1\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "149",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2970",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيفوت مصلحة لتحصيل ما هو أكبر منها ويرتكب مفسدة لدفع ما هو أعظم منها. خطرات العاقل فخطرات العاقل وفكره لا يجاوز ذلك وبذلك جاءت الشرائع ومصالح الدنيا والآخرة لا تقوم إلا على ذلك وأعلى الفكر وأجلها وأنفعها: ما كان لله والدار الآخرة فما كان لله فهو أنواع: أحدها: الفكرة في آياته المنزلة وتعقلها وفهمها وفهم مراده منها ولذلك أنزلها الله تعالى لا لمجرد تلاوتها بل التلاوة وسيلة. قال بعض السلف: أنزل القرآن ليعمل به فاتخذوا تلاوته عملا. الثاني: الفكرة في آياته المشهودة والاعتبار بها والاستدلال بها على أسمائه وصفاته وحكمته وإحسانه وبره وجوده وقد حض الله سبحانه عباده على التفكر في آياته وتدبرها وتعقلها وذم الغافل عن ذلك. الثالث: الفكرة في آلائه وإحسانه وإنعامه على خلقه بأصناف النعم وسعة رحمته ومغفرته وحلمه. وهذه الأنواع الثلاثة تستخرج من القلب معرفة الله ومحبته وخوفه ورجاءه. ودوام الفكرة في ذلك مع الذكر يصبغ القلب في المعرفة والمحبة صبغة تامة. الرابع: الفكرة في عيوب النفس وآفاتها وفي عيوب العمل وهذه الفكرة عظيمة النفع وهذا باب لكل خير وتأثيرها في كسر النفس الأمارة بالسوء ومتى كسرت عاشت النفس المطمئنة وانبعثت وصار الحكم لها فحيي القلب ودارت كلمته في مملكته وبث أمراءه وجنوده في مصالحه. الخامس: الفكرة في واجب الوقت ووظيفته وجمع الهم كله عليه فالعارف ابن وقته فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه كلها فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت وإن ضيعه لم يستدركه أبدا. قال الشافعي - رضي الله عنه -: quot; صحبت الصوفية فلم أستفد منهم سوى حرفين: أحدهما قولهم: الوقت سيف فإن قطعته وإلا قطعك quot;. وذكر الكلمة الأخرى: quot; ونفسك إن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك بالباطل quot;. فوقت الإنسان هو عمره في الحقيقة وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم ومادة المعيشة الضنك في العذاب الأليم وهو يمر أسرع من السحاب فما كان من وقته لله وبالله(1\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "150",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2971",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهو حياته وعمره وغير ذلك ليس محسوبا من حياته وإن عاش فيه عاش عيش البهائم فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأماني الباطلة وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة فموت هذا خير له من حياته. وإذا كان العبد - وهو في الصلاة - ليس له من صلاته إلا ما عقل منها فليس له من عمره إلا ما كان فيه بالله ولله. وما عدا هذه الأقسام من الخطرات والفكر فإما وساوس شيطانية وإما أماني باطلة وخدع كاذبة بمنزلة خواطر المصابين في عقولهم من السكارى والمحشوشين والموسوسين ولسان حال هؤلاء يقول عند انكشاف الحقائق: إن كان منزلتي في الحشر عندكم ... ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي أمنية ظفرت نفسي بها زمنا ... واليوم أحسبها أضغاث أحلام واعلم أن ورود الخاطر لا يضر وإنما يضر استدعاؤه ومحادثته فالخاطر كالمار على الطريق فإن تركته مر وانصرف عنك وإن استدعيته سحرك بحديثه وغروره وهو أخف شيء على النفس الفارغة الباطلة وأثقل شيء على القلب والنفس الشريفة السماوية المطمئنة. وقد ركب الله سبحانه في الإنسان نفسين: نفسا أمارة ونفسا مطمئنة وهما متعاديتان فكل ما خف على هذه ثقل على هذه وكل ما التذت به هذه تألمت به الأخرى فليس على النفس الأمارة أشق من العمل لله وإيثار رضاه على هواها وليس لها أنفع منه وليس على النفس المطمئنة أشق من العمل لغير الله وما جاء به داعي الهوى. وليس عليها شيء أضر منه والملك مع هذه عن يمنة القلب والشيطان مع تلك عن يسرة القلب والحروب مستمرة لا تضع أوزارها إلا أن يستوفى أجلها من الدنيا والباطل كله يتحيز مع الشيطان والأمارة والحق كله يتحيز مع الملك والمطمئنة والحرب دول وسجال والنصر مع الصبر ومن صبر وصابر ورابط واتقى الله فله العاقبة في الدنيا والآخرة وقد حكم الله تعالى حكما لا يبدل أبدا: أن العاقبة للتقوى والعاقبة للمتقين فالقلب لوح فارغ والخواطر نقوش تنقش فيه فكيف يليق بالعاقل أن يكون نقوش لوحه ما بين كذب وغرور وخدع وأماني باطلة وسراب لا حقيقة له فأي حكمة وعلم وهدى ينتقش مع هذه النقوش وإذا أراد أن ينتقش ذلك في لوح قلبه كان بمنزلة كتابة العلم النافع في محل مشغول بكتابة ما لا منفعة فيه فإن لم يفرغ القلب من الخواطر الردية لم تستقر فيه الخواطر النافعة فإنها لا تستقر إلا في محل فارغ كما قيل:(1\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "151",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2972",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا فارغا فتمكنا وهذا كثير من أرباب السلوك بنوا سلوكهم على حفظ الخواطر وأن لا يمكنوا خاطرا يدخل قلوبهم حتى تصير القلوب فارغة قابلة للكشف وظهور حقائق العلويات فيها وهؤلاء حفظوا شيئا وغابت عنهم أشياء فإنهم أخلوا القلوب من أن يطرقها خاطر فبقيت فارغة لا شيء فيها فصادفها الشيطان خالية فبذر فيها الباطل في قوالب أوهمهم أنها أعلى الأشياء وأشرفها وعوضهم بها عن الخواطر التي هي مادة العلم والهدى وإذا خلا القلب عن هذه الخواطر جاء الشيطان فوجد المحل خاليا فيشغله بما يناسب حال صاحبه حيث لم يستطع أن يشغله بالخواطر السفلية فشغله بإرادة التجريد والفراغ من الإرادة التي لا صلاح للعبد ولا فلاح إلا أن تكون هي المستولية على قلبه وهي إرادة مراد الله الديني الأمري الذي يحبه ويرضاه وشغل القلب واهتمامه بمعرفته على التفصيل به والقيام به وتنفيذه في الخلق والتطرق إلى ذلك والتوسل إليه بالدخول في الخلق لتنفيذه فيضلهم الشيطان عن ذلك بأن دعاهم إلى تركه وتعطيله من باب الزهد في خواطر الدنيا وأسبابها. وأوهمهم أن كمالهم في ذلك التجريد والفراغ وهيهات هيهات إنما الكمال في امتلاء القلب من الخواطر والإرادات والفكر في تحصيل مراضي الرب تعالى من العبد ومن الناس والفكر في طرق ذلك والتوصل إليه فأكمل الناس أكثرهم خواطر وفكرا وإرادات لذلك كما أن أنقص الناس أكثرهم خواطر وفكرا وإرادات لحظوظه وهواه أين كانت والله المستعان. وهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كانت تتزاحم عليه الخواطر في مراضي الرب تعالى فربما استعملها في صلاته فكان يجهز جيشه وهو في الصلاة فيكون قد جمع بين الجهاد والصلاة وهذا من باب تداخل العبادات في العبادة الواحدة وهو من باب عزيز شريف لا يدخل منه إلا صادق حاذق الطلب متضلع من العلم عالي الهمة بحيث يدخل في عبادة يظفر فيها بعبادات شتى وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.  [فصل اللفظة] وأما اللفظات: فحفظها بأن لا يخرج لفظة ضائعة بل لا يتكلم إلا فيما يرجو فيه الربح والزيادة في دينه فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة نظر: هل فيها ربح وفائدة أم لا فإن لم يكن فيها ربح أمسك عنها وإن كان فيها ربح نظر: هل تفوته بها كلمة أربح منها فلا يضيعها بهذه وإذا أردت أن تستدل على ما في القلب فاستدل عليه بحركة اللسان فإنه يطلعك على ما في القلب شاء صاحبه أم أبى.(1\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "152",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2973",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال يحيى بن معاذ: القلوب كالقدور تغلي بما فيها وألسنتها مغارفها فانظر إلى الرجل حين يتكلم فإن لسانه يغترف لك بما في قلبه حلو وحامض وعذب وأجاج وغير ذلك ويبين لك طعم قلبه اغتراف لسانه أي كما تطعم بلسانك طعم ما في القدور من الطعام فتدرك العلم بحقيقته كذلك تطعم ما في قلب الرجل من لسانه فتذوق ما في قلبه من لسانه كما تذوق ما في القدر بلسانك. وفي حديث أنس المرفوع: لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه . وسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: الفم والفرج قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقد سأل معاذ النبي - صلى الله عليه وسلم - عن العمل الذي يدخله الجنة ويباعده من النار فأخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - برأسه وعموده وذروة سنامه ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله قال: بلى يا رسول الله فأخذ بلسان نفسه ثم قال: كف عليك هذا فقال: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به فقال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس على وجوههم - أو على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنى والسرقة وشرب الخمر ومن النظر المحرم وغير ذلك ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه حتى ترى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقي لها بالا ينزل بالكلمة الواحدة منها أبعد مما بين المشرق والمغرب وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات ولا يبالي ما يقول. وإذا أردت أن تعرف ذلك فانظر فيما رواه مسلم في صحيحه من حديث جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألى علي أني لا أغفر لفلان قد غفرت له وأحبطت عملك فهذا العابد الذي قد عبد الله ما شاء أن يعبده أحبطت هذه الكلمة الواحدة عمله كله. وفي حديث أبي هريرة نحو ذلك ثم قال أبو هريرة: تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله(1\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "153",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2974",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يلقي لها بالا يهوي بها في نار جهنم  وعند مسلم: إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب . وعند الترمذي من حديث بلال بن الحارث المزني عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه  وكان علقمة يقول: كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث. وفي جامع الترمذي أيضا من حديث أنس قال: توفي رجل من الصحابة فقال رجل: أبشر بالجنة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وما يدريك لعله تكلم فيما لا يعنيه أو بخل بما لا ينقصه قال: حديث حسن. وفي لفظ: أن غلاما استشهد يوم أحد فوجد على بطنه صخرة مربوطة من الجوع فمسحت أمه التراب عن وجهه وقالت: هنيئا لك يا بني الجنة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: وما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويمنع ما لا يضره . وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة يرفعه: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت . وفي لفظ لمسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإذا شهد أمرا فليتكلم بخير أو ليسكت . وذكر الترمذي بإسناد صحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه . وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك قال: قل آمنت بالله ثم استقم قلت: يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي فأخذ بلسان نفسه ثم قال: هذا  والحديث صحيح. وعن أم حبيبة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو ذكر الله عز وجل  قال الترمذي: حديث حسن. وفي حديث آخر: إذا أصبح العبد فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان تقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك فإذا استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا . وقد كان بعض السلف يحاسب أحدهم نفسه في قوله: يوم حار ويوم بارد. ولقد رئي بعض(1\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "154",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2975",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأكابر من أهل العلم في النوم فسئل عن حاله فقال: أنا موقوف على كلمة قلتها قلت: ما أحوج الناس إلى غيث فقيل لي: وما يدريك أنا أعلم بمصلحة عبادي. وقال بعض الصحابة لجاريته يوما: هاتي السفرة نعبث بها ثم قال: أستغفر الله ما أتكلم بكلمة إلا وأنا أخطمها وأزمها إلا هذه الكلمة خرجت مني بغير خطام ولا زمام أو كما قال. وأيسر حركات الجوارح حركة اللسان وهي أضرها على العبد. واختلف السلف والخلف هل يكتب جميع ما يلفظ به أو الخير والشر فقط على قولين أظهرهما الأول. وقال بعض السلف: كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا ما كان من الله وما والاه وكان الصديق - رضي الله عنه - يمسك على لسانه ويقول: هذا أوردني الموارد والكلام أسيرك فإذا خرج من فيك صرت أنت أسيره والله عند لسان كل قائل: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد . وفي اللسان آفتان عظيمتان إن خلص العبد من إحداهما لم يخلص من الأخرى: آفة الكلام وآفة السكوت وقد يكون كل منهما أعظم إثما من الأخرى في وقتها فالساكت عن الحق شيطان أخرس عاص لله مراء مداهن إذا لم يخف على نفسه والمتكلم بالباطل شيطان ناطق عاص لله وأكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته فهم بين هذين النوعين وأهل الوسط - وهم أهل الصراط المستقيم - كفوا ألسنتهم عن الباطل وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة فلا ترى أحدهم يتكلم بكلمة تذهب عليه ضائعة بلا منفعة فضلا أن تضره في آخرته وإن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها ويأتي بسيئات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله وما اتصل به.  [فصل الخطوة] الخطوة وأما الخطوات: فحفظها بأن لا ينقل قدمه إلا فيما يرجو ثوابه فإن لم يكن في خطاه مزيد ثواب فالقعود عنها خير له ويمكنه أن يستخرج من كل مباح يخطو إليه قربة ينويها لله فتقع خطاه قربة.(1\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "155",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2976",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولما كانت العثرة عثرتين: عثرة الرجل وعثرة اللسان جاءت إحداهما قرينة الأخرى في قوله تعالى: وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما [سورة الفرقان: 63] . فوصفهم بالاستقامة في لفظاتهم وخطواتهم كما جمع بين اللحظات والخطرات في قوله تعالى: يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور [سورة غافر: 19] . فصل وهذا كله ذكرناه مقدمة بين يدي تحريم الفواحش ووجوب حفظ الفرج وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: أكثر ما يدخل الناس النار: الفم والفرج . وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم -: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة  وهذا الحديث في اقتران الزنى بالكفر وقتل النفس نظير الآية التي في الفرقان ونظير حديث ابن مسعود. وبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأكثر وقوعا والذي يليه فالزنى أكثر وقوعا من قتل النفس وقتل النفس أكثر وقوعا من الردة وأيضا فإنه تنقل من الأكبر إلى ما هو أكبر منه ومفسدة الزنى مناقضة لصلاح العالم: فإن المرأة إذا زنت أدخلت العار على أهلها وزوجها وأقاربها ونكست رءوسهم بين الناس وإن حملت من الزنى فإن قتلت ولدها جمعت بين الزنى والقتل وإن حملته على الزوج أدخلت على أهله وأهلها أجنبيا ليس منهم فورثهم وليس منهم ورآهم وخلا بهم وانتسب إليهم وليس منهم إلى غير ذلك من مفاسد زناها. وأما زنى الرجل فإنه يوجب اختلاط الأنساب أيضا وإفساد المرأة المصونة وتعريضها للتلف والفساد وفي هذه الكبيرة خراب الدنيا والدين وإن عمرت القبور في البرزخ والنار في الآخرة فكم في الزنى من استحلال لحرمات وفوات حقوق ووقوع مظالم ومن خاصيته: أنه يوجب الفقر ويقصر العمر ويكسو صاحبه سواد الوجه وثوب المقت بين الناس. ومن خاصيته أيضا: أنه يشتت القلب ويمرضه إن لم يمته ويجلب الهم والحزن والخوف ويباعد صاحبه من الملك ويقربه من الشيطان فليس بعد مفسدة القتل أعظم من(1\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "156",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2977",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مفسدته ولهذا شرع فيه القتل على أشنع الوجوه وأفحشها وأصعبها ولو بلغ العبد أن امرأته أو حرمته قتلت كان أسهل عليه من أن يبلغه أنها زنت. وقال سعد بن عبادة - رضي الله عنه -: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: تعجبون من غيرة سعد والله لأنا أغير منه والله أغير مني ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن . متفق عليه. وفي الصحيحين أيضا عنه - صلى الله عليه وسلم -: إن الله يغار وإن المؤمن يغار وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم عليه . وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم -: لا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين ولا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك أثنى على نفسه . وفي الصحيحين في خطبته - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الكسوف أنه قال: يا أمة محمد والله إنه لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ثم رفع يديه وقال: اللهم هل بلغت . وفي ذكر هذه الكبيرة بخصوصها عقب صلاة الكسوف سر بديع لمن تأمله وظهور الزنى من أمارات خراب العالم وهو من أشراط الساعة كما في الصحيحين عن أنس بن مالك أنه قال: لأحدثنكم حديثا لا يحدثكموه أحد بعدي سمعته من النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنى ويقل الرجال وتكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد.  وقد جرت سنة الله سبحانه في خلقه أنه عند ظهور الزنى يغضب الله سبحانه وتعالى ويشتد غضبه فلا بد أن يؤثر غضبه في الأرض عقوبة. قال عبد الله بن مسعود: ما ظهر الربا والزنى في قرية إلا أذن الله بإهلاكها. ورأى بعض أحبار بني إسرائيل ابنه يغمز امرأة فقال: مهلا يا بني فصرع الأب عن سريره فانقطع نخاعه وأسقطت امرأته وقيل له: هكذا غضبك لي لا يكون في جنسك خير أبدا. وخص سبحانه حد الزنى من بين الحدود بثلاث خصائص: أحدها: القتل فيه بأشنع القتلات وحيث خففه جمع فيه بين العقوبة على البدن بالجلد وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة.(1\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "157",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2978",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني: أنه نهى عباده أن تأخذهم بالزناة رأفة في دينه بحيث تمنعهم من إقامة الحد عليهم فإنه سبحانه من رأفته بهم ورحمته بهم شرع هذه العقوبة فهو أرحم بكم ولم تمنعه رحمته من أمره بهذه العقوبة فلا يمنعكم أنتم ما يقوم بقلوبكم من الرأفة من إقامة أمره. وهذا - وإن كان عاما في سائر الحدود - ولكن ذكر في حد الزنى خاصة لشدة الحاجة إلى ذكره فإن الناس لا يجدون في قلوبهم من الغلظة والقسوة على الزاني ما يجدونه على السارق والقاذف وشارب الخمر فقلوبهم ترحم الزاني أكثر مما ترحم غيره من أرباب الجرائم والواقع شاهد بذلك فنهوا أن تأخذهم هذه الرأفة وتحملهم على تعطيل حد الله. وسبب هذه الرحمة: أن هذا ذنب يقع من الأشراف والأوساط والأراذل وفي النفوس أقوى الدواعي إليه والمشارك فيه كثير وأكثر أسبابه العشق والقلوب مجبولة إلى رحمة العاشق وكثير من الناس يعد مساعدته طاعة وقربة وإن كانت الصورة المعشوقة محرمة عليه ولا يستنكر هذا الأمر فهو مستقر عند ما شاء الله من أشباه الأنعام ولقد حكى لنا من ذلك شيئا كثيرا نقاص العقول كالخدام والنساء. وأيضا فإن هذا ذنب غالبا ما يقع مع التراضي من الجانبين ولا يقع فيه من العدوان والظلم والاغتصاب ما تنفر النفوس منه. وفي النفوس شهوة غالبة له فيصور ذلك لها فتقوم بها رحمة تمنع إقامة الحد وهذا كله من ضعف الإيمان. وكمال الإيمان أن تقوم به قوة يقيم بها أمر الله ورحمة يرحم بها المحدود فيكون موافقا لربه تعالى في أمره ورحمته. الثالث: أنه سبحانه أمر أن يكون حدهما بمشهد من المؤمنين فلا يكون في خلوة بحيث لا يراهما أحد وذلك أبلغ في مصلحة الحد والحكمة الزجر وحد الزاني المحصن مشتق من عقوبة الله تعالى لقوم لوط بالقذف بالحجارة وذلك لاشتراك الزنا واللواط في الفحش وفي كل منهما فساد يناقض حكمة الله في خلقه وأمره فإن في اللواط من المفاسد ما يفوت الحصر والتعداد ولأن يقتل المفعول به خير له من أن يؤتى فإنه يفسد فسادا لا يرجى له بعده صلاح أبدا ويذهب خيره كله وتمص الأرض ماء الحياء من وجهه فلا يستحي بعد ذلك من الله ولا من خلقه وتعمل في قلبه وروحه نطفة الفاعل ما يعمل السم في البدن. وقد اختلف الناس هل يدخل الجنة مفعول به على قولين سمعت شيخ الإسلام يحكيهما. والذين قالوا: لا يدخل الجنة احتجوا بأمور: منها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا يدخل الجنة ولد زنية فإذا كان هذا حال ولد الزنى مع(1\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "158",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2979",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنه لا ذنب له في ذلك ولكنه مظنة كل شر وخبث وهو جدير أن لا يجيء منه خير أبدا لأنه مخلوق من نطفة خبيثة وإذا كان الجسد الذي تربى على الحرام النار أولى به فكيف بالجسد المخلوق من النطفة الحرام قالوا: والمفعول به شر من ولد الزنى وأخزى وأخبث وأوقح وهو جدير أن لا يوفق لخير وأن يحال بينه وبينه وكلما عمل خيرا قيض الله له ما يفسده عقوبة له وقل أن ترى من كان كذلك في صغره إلا وهو في كبره شر مما كان ولا يوفق لعلم نافع ولا عمل صالح ولا توبة نصوح. والتحقيق في المسألة أن يقال: إن تاب المبتلى بهذا البلاء وأناب ورزق توبة نصوحا وعملا صالحا وكان في كبره خيرا منه في صغره وبدل سيئاته بحسنات وغسل عار ذلك عنه بأنواع الطاعات والقربات وغض بصره وحفظ فرجه عن المحرمات وصدق الله في معاملته فهذا مغفور له وهو من أهل الجنة فإن الله يغفر الذنوب جميعا وإذا كانت التوبة تمحو كل ذنب حتى الشرك بالله وقتل أنبيائه وأوليائه والسحر والكفر وغير ذلك فلا تقصر عن محو هذا الذنب وقد استقرت حكمة الله تعالى به عدلا وفضلا أن: التائب من الذنب كمن لا ذنب له  وقد ضمن الله سبحانه لمن تاب من الشرك وقتل النفس والزنى أنه يبدل سيئاته حسنات وهذا حكم عام لكل تائب من ذنب. وقد قال تعالى: قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم [سورة الزمر: 53] . فلا يخرج من هذا العموم ذنب واحد ولكن هذا في حق التائبين خاصة. وأما المفعول به إن كان في كبره شرا مما كان في صغره لم يوفق لتوبة نصوح ولا لعمل صالح ولا استدراك ما فات ولا أبدل السيئات بالحسنات فهذا بعيد أن يوفق عند الممات لخاتمة يدخل بها الجنة عقوبة له على عمله فإن الله سبحانه وتعالى يعاقب على السيئة بسيئة أخرى وتتضاعف عقوبة السيئات بعضها ببعض كما يثيب على الحسنة بحسنة أخرى. إذا نظرت إلى حال كثير من المحتضرين وجدتهم يحال بينهم وبين حسن الخاتمة عقوبة لهم على أعمالهم السيئة. قال الحافظ أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الإشبيلي رحمه الله: واعلم أن لسوء الخاتمة - أعاذنا الله منها - أسبابا ولها طرق وأبواب أعظمها(1\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "159",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2980",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الانكباب على الدنيا والإعراض عن الأخرى والإقدام والجرأة على معاصي الله عز وجل وربما غلب على الإنسان ضرب من الخطيئة ونوع من المعصية وجانب من الإعراض ونصيب من الجرأة والإقدام فملك قلبه وسبى عقله وأطفأ نوره وأرسل عليه حجبه فلم تنفع فيه تذكرة ولا نجحت فيه موعظة فربما جاءه الموت على ذلك فسمع النداء من مكان بعيد فلم يتبين له المراد ولا علم ما أراد وإن كرر عليه الداعي وأعاد. قال: ويروى أن بعض رجال الناصر نزل الموت به فجعل ابنه يقول: قل لا إله إلا الله فقال: الناصر مولاي فأعاد عليه القول فأعاد مثل ذلك ثم أصابته غشية فلما أفاق قال: الناصر مولاي وكان هذا دأبه كلما قيل له قل: لا إله إلا الله قال: الناصر مولاي ثم قال لابنه: يا فلان الناصر إنما يعرفك بسيفك والقتل القتل ثم مات. قال عبد الحق: وقيل لآخر - ممن أعرفه - قل لا إله إلا الله. فجعل يقول: الدار الفلانية أصلحوا فيها كذا والبستان الفلاني افعلوا فيه كذا. وقال: وفيما أذن أبو طاهر السلفي أن أحدث به عنه: أن رجلا نزل به الموت فقيل له: قل لا إله إلا الله فجعل يقول بالفارسية: ده يازده ده وازده تفسيره: عشر بأحد عشر. وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله فجعل يقول: أين الطريق إلى حمام منجاب قال: وهذا الكلام له قصة وذلك أن رجلا كان واقفا بإزاء داره وكان بابها يشبه باب هذا الحمام فمرت به جارية لها منظر فقالت: أين الطريق إلى حمام منجاب فقال: هذا حمام منجاب فدخلت الدار ودخل وراءها فلما رأت نفسها في داره وعلمت أنه قد خدعها أظهرت له البشرى والفرح باجتماعها معه وقالت له: يصلح أن يكون معنا ما يطيب به عيشنا وتقر به عيوننا فقال لها: الساعة آتيك بكل ما تريدين وتشتهين وخرج وتركها في الدار ولم يغلقها فأخذ ما يصلح ورجع فوجدها قد خرجت وذهبت ولم تخنه في شيء فهام الرجل وأكثر الذكر لها وجعل يمشي في الطرق والأزقة ويقول: يا رب قائلة يوما وقد تعبت ... كيف الطريق إلى حمام منجاب فبينما هو يوما يقول ذلك إذا بجاريته أجابته من طاق: هلا جعلت سريعا إذ ظفرت بها ... حرزا على الدار أو قفلا على الباب فازداد هيمانه واشتد ولم يزل على ذلك حتى كان هذا البيت آخر كلامه من الدنيا.(1\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "160",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2981",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولقد بكى سفيان الثوري ليلة إلى الصباح فلما أصبح قيل له: كل هذا خوفا من الذنوب فأخذ تبنة من الأرض وقال: الذنوب أهون من هذا وإنما أبكي من خوف سوء الخاتمة. وهذا من أعظم الفقه: أن يخاف الرجل أن تخذله ذنوبه عند الموت فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنى. وقد ذكر الإمام أحمد عن أبي الدرداء أنه لما احتضر جعل يغمى عليه ثم يفيق ويقرأ: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون [سورة الأنعام: 110] . فمن هذا خاف السلف من الذنوب أن تكون حجابا بينهم وبين الخاتمة الحسنى. قال: واعلم أن سوء الخاتمة - أعاذنا الله تعالى منها - لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه ما سمع بهذا ولا علم به ولله الحمد وإنما تكون لمن له فساد في العقد أو إصرار على الكبائر وإقدام على العظائم فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة فيأخذه قبل إصلاح الطوية ويصطلمه قبل الإنابة فيظفر به الشيطان عند تلك الصدمة ويختطفه عند تلك الدهشة والعياذ بالله. قال: ويروى أنه كان بمصر رجل يلزم مسجدا للأذان والصلاة وعليه بهاء الطاعة وأنوار العبادة فرقي يوما المنارة على عادته للأذان وكان تحت المنارة دار لنصراني فاطلع فيها فرأى ابنة صاحب الدار فافتتن بها فترك الأذان ونزل إليها ودخل الدار عليها فقالت له: ما شأنك وما تريد قال: أريدك فقالت: لماذا قال: قد سبيت لبي وأخذت بمجامع قلبي قالت: لا أجيبك إلى ريبة أبدا وقال: أتزوجك قالت: أنت مسلم وأنا نصرانية وأبي لا يزوجني منك قال: أتنصر قالت: إن فعلت أفعل فتنصر الرجل ليتزوجها وأقام معهم في الدار فلما كان في أثناء ذلك اليوم رقي إلى سطح كان في الدار فسقط منه فمات فلم يظفر بها وفاته دينه. قال: ويروى أن رجلا عشق شخصا فاشتد كلفه به وتمكن حبه من قلبه حتى وقع ألم به ولزم الفراش بسببه وتمنع ذلك الشخص عليه واشتد نفاره عنه فلم تزل الوسائط يمشون بينهما حتى وعده بأن يعوده فأخبره بذلك الناس ففرح واشتد سروره وانجلى غمه وجعل ينتظر الميعاد الذي ضرب له فبينا هو كذلك إذ جاءه الساعي بينهما فقال: إنه وصل معي إلى بعض الطريق ورجع ورغبت إليه وكلمته فقال: إنه ذكرني وصرح بي ولا أدخل مداخل الريبة ولا أعرض نفسي لمواقع التهم فعاودته فأبى وانصرف فلما سمع(1\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "161",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2982",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البائس أسقط في يده وعاد إلى أشد مما كان به وبدت عليه علائم فجعل يقول في تلك الحال: يا سلم يا راحة العليل ... ويا شفا المدنف النحيل رضاك أشهى إلى فؤادي ... من رحمة الخالق الجليل فقلت له: يا فلان اتق الله قال: قد كان فقمت عنه فما جاوزت باب داره حتى سمعت صيحة الموت فعياذا بالله من سوء العاقبة وشؤم الخاتمة.  [فصل عقوبة اللواط] فصل عقوبة اللواط ولما كانت مفسدة اللواط من أعظم المفاسد كانت عقوبته في الدنيا والآخرة من أعظم العقوبات. وقد اختلف الناس: هل هو أغلظ عقوبة من الزنى أو الزنى أغلظ عقوبة منه أو عقوبتهما سواء على ثلاثة أقوال: فذهب أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وخالد بن الوليد وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس وخالد بن زيد وعبد الله بن معمر والزهري وربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك وإسحاق بن راهويه والإمام أحمد - في أصح الروايتين عنه - والشافعي - في أحد قوليه - إلى أن عقوبته أغلظ من عقوبة الزنى وعقوبته القتل على كل حال محصنا كان أو غير محصن. وذهب عطاء بن أبي رباح والحسن البصري وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وقتادة والأوزاعي والشافعي - في ظاهر مذهبه - والإمام أحمد - في الرواية الثانية عنه - وأبو يوسف ومحمد: إلى أن عقوبته وعقوبة الزاني سواء. وذهب الحاكم وأبو حنيفة إلى أن عقوبته دون عقوبة الزاني وهي التعزير. قالوا: لأنه معصية من المعاصي لم يقدر الله ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم - فيه حدا مقدرا فكان فيه التعزير كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير. قالوا: ولأنه وطء في محل لا تشتهيه الطباع بل ركبها الله تعالى على النفرة منه حتى الحيوان البهيم فلم يكن فيه حد كوطء الأتان وغيرها. قالوا: ولأنه لا يسمى زانيا لغة ولا شرعا ولا عرفا فلا يدخل في النصوص الدالة على حد الزانين.(1\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "162",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2983",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: وقد رأينا قواعد الشريعة أن المعصية إذا كان الوازع عنها طبيعيا اكتفي بذلك الوازع من الحد وإذا كان في الطباع تقاضيها جعل في الحد بحسب اقتضاء الطباع لها ولهذا جعل الحد في الزنى والسرقة وشرب المسكر دون أكل الميتة والدم ولحم الخنزير. قالوا: وطرد هذا أنه لا حد في وطء البهيمة ولا الميتة وقد جبل الله سبحانه الطباع على النفرة من وطء الرجل رجلا مثله أشد نفرة كما جبلها على النفرة من استدعاء الرجل من يطؤه بخلاف الزنى فإن الداعي فيه من الجانبين. قالوا: ولأن أحد النوعين إذا استمتع بشكله لم يجب عليه الحد كما تساحقت المرأتان واستمتعت كل واحدة منهما بالأخرى. قال أصحاب القول الأول: وهو جمهور الأمة وحكاه غير واحد إجماعا للصحابة ليس في المعاصي أعظم مفسدة من هذه المفسدة وهي تلي مفسدة الكفر وربما كانت أعظم من مفسدة القتل كما سنبينه إن شاء الله تعالى. قالوا: ولم يبتل الله تعالى بهذه الكبيرة قبل قوم لوط أحدا من العالمين وعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أحدا غيرهم وجمع عليهم من أنواع العقوبات بين الإهلاك وقلب ديارهم عليهم والخسف بهم ورجمهم بالحجارة من السماء فنكل بهم نكالا لم ينكله أمة سواهم وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة التي تكاد الأرض تميد من جوانبها إذا عملت عليها وتهرب الملائكة إلى أقطار السماوات والأرض إذا شاهدوها خشية نزول العذاب على أهلها فيصيبهم معهم وتعج الأرض إلى ربها تبارك وتعالى وتكاد الجبال تزول عن أماكنها وقتل المفعول به خير له من وطئه فإنه إذا وطئه قتله قتلا لا ترجى الحياة معه بخلاف قتله فإنه مظلوم شهيد وربما ينتفع به في آخرته. قالوا: والدليل على هذا: أن الله سبحانه جعل حد القاتل إلى خيرة الولي إن شاء قتل وإن شاء عفا وحتم قتل اللوطي حدا كما أجمع عليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودلت عليه سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصريحة التي لا معارض لها بل عليها عمل أصحابه وخلفائه الراشدين - رضي الله عنهم أجمعين -. وقد ثبت عن خالد بن الوليد: أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة فكتب إلى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فاستشار أبو بكر الصديق الصحابة - رضي الله عنهم - فكان علي بن أبي طالب أشدهم قولا فيه فقال: ما فعل هذا إلا أمة من الأمم واحدة وقد علمتم ما فعل الله بها أرى أن يحرق بالنار فكتب أبو بكر إلى خالد فحرقه.(1\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "163",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2984",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال عبد الله بن عباس: ينظر أعلى بناء في القرية فيرمى اللوطي منها منكبا ثم يتبع بالحجارة. وأخذ عبد الله بن عباس هذا الحد من عقوبة الله قوم لوط وابن عباس هو الذي روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به . رواه أهل السنن وصححه ابن حبان وغيره واحتج الإمام أحمد بهذا الحديث وإسناده على شرط البخاري. قالوا: وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لعن الله من عمل عمل قوم لوط لعن الله من عمل عمل قوم لوط لعن الله من عمل عمل قوم لوط ولم يجئ عنه لعنة الزاني ثلاث مرات في حديث واحد وقد لعن جماعة من أهل الكبائر فلم يتجاوز بهم في اللعن مرة واحدة وكرر لعن اللوطية وأكده ثلاث مرات وأطبق أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قتله لم يختلف منهم فيه رجلان وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله فظن الناس أن ذلك اختلافا منهم في قتله فحكاها مسألة نزاع بين الصحابة وهي بينهم مسألة إجماع لا مسألة نزاع. قالوا: ومن تأمل قوله سبحانه: ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا [سورة الإسراء: 32] . وقوله في اللواط: أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين [سورة الأعراف: 80] . تبين له تفاوت ما بينهما وأنه سبحانه نكر الفاحشة في الزنى أي هو فاحشة من الفواحش وعرفها في اللواط وذلك يفيد أنه جامع لمعاني اسم الفاحشة كما تقول: زيد الرجل ونعم الرجل زيد أي أتأتون الخصلة التي استقر فحشها عند كل أحد فهي لظهور فحشها وكماله غنية عن ذكرها بحيث لا ينصرف الاسم إلى غيرها وهذا نظير قول فرعون لموسى: وفعلت فعلتك التي فعلت [سورة الشعراء: 19] . أي الفعلة الشنعاء الظاهرة المعلومة لكل أحد. ثم أكد سبحانه شأن فحشها بأنها لم يعملها أحد من العالمين قبلهم فقال: ما سبقكم بها من أحد من العالمين  ثم زاد في التأكيد بأن صرح بما تشمئز منه القلوب وتنبو(1\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "164",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2985",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنه الأسماع وتنفر منه الطباع أشد نفرة وهو إتيان الرجل رجلا مثله ينكحه كما ينكح الأنثى فقال: إنكم لتأتون الرجال [سورة الأعراف: 81] . ثم نبه على استغنائهم عن ذلك وأن الحامل لهم عليه ليس إلا مجرد الشهوة لا الحاجة التي لأجلها مال الذكر إلى الأنثى ومن قضاء الوطر ولذة الاستمتاع وحصول المودة والرحمة التي تنسى المرأة لها أبويها وتذكر بعلها وحصول النسل الذي هو حفظ هذا النوع الذي هو أشرف المخلوقات وتحصين المرأة وقضاء وطرها وحصول علاقة المصاهرة التي هي أخت النسب وقيام الرجال على النساء وخروج أحب الخلق إلى الله من جماعهن كالأنبياء والأولياء والمؤمنين ومكاثرة النبي - صلى الله عليه وسلم - الأنبياء بأمته إلى غير ذلك من مصالح النكاح والمفسدة التي في اللواط تقاوم ذلك كله وتربي عليه بما لا يمكن حصر فساده ولا يعلم تفصيله إلا الله. ثم أكد قبح ذلك بأن اللوطية عكسوا فطرة الله التي فطر الله عليها الرجال وقلبوا الطبيعة التي ركبها الله في الذكور وهي شهوة النساء دون الذكور فقلبوا الأمر وعكسوا الفطرة والطبيعة فأتوا الرجال شهوة من دون النساء ولهذا قلب الله سبحانه عليهم ديارهم فجعل عاليها سافلها وكذلك قلبوا هم ونكسوا في العذاب على رؤوسهم. ثم أكد سبحانه قبح ذلك بأن حكم عليهم بالإسراف وهو مجاوزة الحد فقال: بل أنتم قوم مسرفون [سورة الأعراف: 81] . فتأمل هل جاء مثل ذلك أو قريب منه في الزنى وأكد سبحانه ذلك عليهم بقوله: ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث [سورة الأنبياء: 74] . ثم أكد سبحانه عليهم الذم بوصفين في غاية القبح فقال: إنهم كانوا قوم سوء فاسقين [سورة الأنبياء: 74] . وسماهم مفسدين في قول نبيهم: رب انصرني على القوم المفسدين [سورة العنكبوت: 30] .(1\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "165",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2986",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسماهم ظالمين في قول الملائكة لإبراهيم: إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين [سورة العنكبوت: 31] . فتأمل من عوقب بمثل هذه العقوبات ومن ذمه الله بمثل هذه المذمات ولما جادل فيهم خليله إبراهيم الملائكة وقد أخبروه بإهلاكهم قيل له: ياإبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود [سورة هود: 76] . وتأمل خبث اللوطية وفرط تمردهم على الله حيث جاءوا نبيهم لوطا لما سمعوا بأنه قد طرقه أضياف هم من أحسن البشر صورا فأقبل اللوطية إليهم يهرولون فلما رآهم قال لهم: ياقوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم [سورة هود: 78] . ففدى أضيافه ببناته يزوجهم بهم خوفا على نفسه وأضيافه من العار الشديد فقال: ياقوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي أليس منكم رجل رشيد  فردوا عليه ولكن رد جبار عنيد: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد [سورة هود: 79] . فنفث نبي الله منه نفثة مصدور خرجت من قلب مكروب فقال: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد فنفس له رسل الله عن حقيقة الحال وأعلموه أنهم ممن ليسوا يوصل إليهم ولا إليه بسببهم فلا تخف منهم ولا تعبأ بهم وهون عليك فقالوا: يالوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك وبشروه بما جاءوا به من الوعد له ولقومه من الوعيد المصيب فقالوا: فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب [سورة هود: 81] . فاستبطأ نبي الله موعد هلاكهم وقال: أريد أعجل من هذا فقالت الملائكة: أليس الصبح بقريب فوالله ما كان بين إهلاك أعداء الله ونجاة نبيه وأوليائه إلا ما بين السحر(1\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "166",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2987",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وطلوع الفجر وإذا بديارهم قد اقتلعت من أصلها ورفعت نحو السماء حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب ونهيق الحمير فبرز المرسوم الذي لا يرد من عند الرب الجليل إلى عبده ورسوله جبرائيل بأن قلبها عليهم كما أخبر به في محكم التنزيل فقال عز من قائل: فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل [سورة هود: 82] فجعلهم آية للعالمين وموعظة للمتقين ونكالا وسلفا لمن شاركهم في أعمالهم من المجرمين وجعل ديارهم بطريق السالكين إن في ذلك لآيات للمتوسمين - وإنها لبسبيل مقيم - إن في ذلك لآية للمؤمنين [سورة الحجر: 75 - 77] . أخذهم على غرة وهم نائمون وجاءهم بأسه وهم في سكرتهم يعمهون فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فقلبت تلك اللذة آلاما فأصبحوا بها يعذبون. مآرب كانت في الحياة لأهلها ... عذابا فصارت في الممات عذابا ذهبت اللذات وأعقبت الحسرات وانقضت الشهوات وأورثت الشقوات وتمتعوا قليلا وعذبوا طويلا رتعوا مرتعا وخيما فأعقبهم عذابا أليما أسكرتهم خمرة تلك الشهوات فما استفاقوا منها إلا في ديار المعذبين وأرقدتهم تلك الغفلة فما استيقظوا منها إلا وهم في منازل الهالكين فندموا والله أشد الندامة حين لا ينفع الندم وبكوا على ما أسلفوه بدل الدموع بالدم فلو رأيت الأعلى والأسفل من هذه الطائفة والنار تخرج من منافذ وجوههم وأبدانهم وهم بين أطباق الجحيم وهم يشربون بدل لذيذ الشراب كئوس الحميم ويقال لهم وهم على وجوههم يسحبون: ذوقوا ما كنتم تكسبون - اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون [سورة الطور: 16] . وقد قرب الله سبحانه مسافة العذاب بين هذه الأمة وبين إخوانهم في العمل فقال مخوفا لهم أن يقع الوعيد: وما هي من الظالمين ببعيد [سورة هود: 83] . فيا ناكحي الذكران يهنيكم البشرى ... فيوم معاد الناس إن لكم أجرا كلوا واشربوا وازنوا ولوطوا وأبشروا ... فإن لكم زفرا إلى الجنة الحمرا فإخوانكم قد مهدوا الدار قبلكم ... وقالوا إلينا عجلوا لكم البشرى(1\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "167",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2988",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وها نحن أسلاف لكم في انتظاركم سيجمعنا الجبار في ناره الكبرى ... ولا تحسبوا أن الذين نكحتمو يغيبون عنكم بل ترونهم جهرا ... ويلعن كلا منكما بخليله ويشقى به المحزون في الكرة الأخرى ... يعذب كلا منهما بشريكه كما اشتركا في لذة توجب الوزرا  [فصل عقوبة اللواط وعقوبة الزنى] فصل عقوبة اللواط وعقوبة الزنى في الأجوبة عما احتج به من جعل عقوبة هذه الفاحشة دون عقوبة الزنى. أما قولهم: إنها معصية لم يجعل الله فيه حدا معينا فجوابه من وجوه: أحدها: أن المبلغ عن الله جعل حد صاحبها القتل حتما وما شرعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنما شرعه عن الله فإن أردتم أن حدها غير معلوم بالشرع فهو باطل وإن أردتم أنه غير ثابت بنص الكتاب لم يلزم من ذلك انتفاء حكمه لثبوته بالسنة. الثاني: أن هذا ينتقض عليكم بالرجم فإنه إنما ثبت بالسنة. فإن قلتم: بل ثبت بقرآن نسخ لفظه وبقي حكمه. قلنا: فينقض عليكم بحد شارب الخمر. الثالث: أن نفي دليل معين لا يستلزم نفي مطلق الدليل ولا نفي المدلول فكيف وقد قدمنا أن الدليل الذي نفيتموه غير منتف وأما قولكم: إنه وطء لا تشتهيه الطباع بل ركب الله الطباع على النفرة منه فهو كوطء الميتة والبهيمة فجوابه من وجوه: أحدها: أنه قياس فاسد الاعتبار مردود بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإجماع الصحابة كما تقدم بيانه. الثاني: أن قياس وطء الأمرد الجميل الذي فتنته تربو على كل فتنة على وطء أتان أو امرأة ميتة من أفسد القياس وهل يعدل ذلك أحد قط بأتان أو بقرة أو ميتة أو سبى ذلك عقل عاشق أو أسر قلبه أو استولى على فكره ونفسه فليس في القياس أفسد من هذا. الثالث: أن هذا منتقض بوطء الأم والبنت والأخت فإن النفرة الطبيعية عنه حاصلة مع أن الحد فيه من أغلظ الحدود - في أحد القولين - وهو القتل بكل حال محصنا كان أو غير(1\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "168",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2989",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محصن وهذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وهو قول إسحاق بن راهويه وجماعة من أهل الحديث. وقد روى أبو داود والترمذي من حديث البراء بن عازب قال لقيت عمي ومعه الراية فقلت: إلى أين تريد قال بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى رجل نكح امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه وآخذ ماله.  قال الترمذي: هذا حديث صحيح قال الجوزجاني: عم البراء اسمه الحارث بن عمرو. في سنن أبي داود وابن ماجه من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من وقع على ذات محرم فاقتلوه . ورفع إلى الحجاج رجل اغتصب أخته على نفسها فقال: احبسوه وسلوا من هاهنا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألوا عبد الله بن مطرف فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: من تخطى حرم المؤمنين فخطوا وسطه بالسيف . وفيه دليل على القتل بالتوسيط وهذا دليل مستقل في المسألة وأن من لا يباح وطؤه بحال فحد وطئه القتل دليله: من وقع على أمه أو ابنته وكذلك يقال في وطء ذوات المحارم ووطء من لا يباح وطؤه بحال فكان حده القتل كاللوطي. والتحقيق: أن يستدل على المسألتين بالنص والقياس يشهد لصحة كل منهما وقد اتفق المسلمون على أن من زنى بذات محرمه فعليه الحد وإنما اختلفوا في صفة الحد هل هو القتل بكل حال أو حده حد الزاني على قولين: فذهب الشافعي ومالك وأحمد - في إحدى روايتيه -: أن حده حد الزاني. وذهب أحمد وإسحاق وجماعة من أهل الحديث إلى: أن حده القتل بكل حال. وكذلك اتفقوا كلهم على أنه لو أصابها باسم النكاح عالما بالتحريم أنه يحد إلا أبا حنيفة وحده فإنه رأى ذلك شبهة مسقطة للحد. ومنازعوه يقولون: إذا أصابها باسم النكاح فقد زاد الجريمة غلظا وشدة فإنه ارتكب محذورين عظيمين: محذور العقد ومحذور الوطء فكيف تخفف عنه العقوبة بضم محذور الزنى وأما وطء الميتة ففيه قولان للفقهاء وهما في مذهب أحمد وغيره.(1\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "169",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2990",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدهما: أنه يجب به الحد وهو قول الأوزاعي فإن فعله أعظم جرما وأكبر ذنبا انضم إلى فاحشته هتك حرمة الميتة.  [فصل واطئ البهيمة] فصل واطئ البهيمة وأما واطئ البهيمة فللفقهاء فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يؤدب ولا حد عليه وهذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه وهو قول إسحاق. والقول الثاني: أن حكمه حكم الزاني يجلد إن كان بكرا ويرجم إن كان محصنا وهذا قول الحسن. والقول الثالث: أن حكمه حكم اللوطي نص عليه أحمد فيخرج على الروايتين في حده هل هو القتل حتما أو هو كالزاني والذين قالوا: quot; حده القتل quot; احتجوا بما رواه أبو داود من حديث ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه . قالوا: ولأنه وطء لا يباح بحال فكان فيه القتل كحد اللوطي. ومن لم ير حدا قالوا: لم يصح فيه الحديث ولو صح لقلنا به ولم يحل لنا مخالفته. قال إسماعيل بن سعيد الشالنجي: سألت أحمد عن الذي يأتي البهيمة فوقف عندها ولم يثبت حديث عمرو بن أبي عمرو في ذلك. وقال الطحاوي: الحديث ضعيف وأيضا فراويه ابن عباس وقد أفتى بأنه لا حد عليه قال أبو داود: وهذا يضعف الحديث. ولا ريب أن الزاجر الطبعي عن إتيان البهيمة أقوى من الزاجر الطبعي عن التلوط وليس الأمر أنهما في طباع الناس سواء فإلحاق أحدهما بالآخر من أفسد القياس كما تقدم.  [فصل اللواط والسحاق] فصل اللواط والسحاق وأما قياسكم وطء الرجال لمثله على تدالك المرأتين فمن أفسد القياس إذ لا إيلاج هناك وإنما نظيره مباشرة الرجل الرجل من غير إيلاج على أنه قد جاء في بعض(1\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "170",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2991",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الآثار المرفوعة: quot; إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان quot; ولكن لا يجب الحد بذلك لعدم الإيلاج وإن أطلق عليهما اسم الزنى العام كزنى العين واليد والرجل والفم. وإذا ثبت هذا: فأجمع المسلمون على أن حكم التلوط مع المملوك كحكمه مع غيره ومن ظن أن تلوط الإنسان بمملوكه جائز واحتج على ذلك بقوله تعالى: إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين [سورة المعارج: 30] . وقاس ذلك على أمته المملوكة فهو كافر يستتاب كما يستتاب المرتد فإن تاب وإلا ضربت عنقه وتلوط الإنسان بمملوكه كتلوطه بمملوك غيره في الإثم والحكم.  [فصل دواء اللواط] فصل دواء اللواط فإن قيل: فهل مع هذا كله دواء لهذا الداء العضال ورقية لهذا السحر القتال وما الاحتيال لدفع هذا الخبال وهل من طريق قاصد إلى التوفيق وهل يمكن السكران بخمر الهوى أن يفيق وهل يملك العاشق قلبه والعشق قد وصل إلى سويدائه وهل للطبيب بعد ذلك حيلة في برئه من سويدائه وإن لامه لائم التذ بملامه ذكرا لمحبوبه وإن عذله عاذل أغراه عذله وسار به في طريق مطلوبه ينادي عليه شاهد حاله بلسان مقاله: وقف الهوى بي حيث أنت فليس ... لي متأخر عنه ولا متقدم وأهنتني فأهنت نفسي جاهدا ... ما من يهون عليك ممن يكرم أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كان حظي منك حظي منهم أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم ولعل هذا هو المقصود بالسؤال الأول الذي وقع عليه الاستفتاء والداء الذي طلب له الدواء. قيل: نعم الجواب من رأس: quot; ما أنزل الله سبحانه من داء إلا جعل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله quot;. والكلام في دواء داء تعلق القلب بالمحبة الهوائية من طريقين: أحدهما: حسم مادته قبل حصولها.(1\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "171",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2992",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثاني: قلعها بعد نزوله وكلاهما يسير على من يسره الله عليه ومتعذر على من لم يعنه الله فإن أزمة الأمور بيديه. فأما الطريق المانع من حصول هذا الداء فأمران: منافع غض البصر غض البصر كما تقدم فإن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس ومن أطلق لحظاته دامت حسراته وفي غض البصر عدة منافع: أحدها: أنه امتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده فليس للعبد في دنياه وآخرته أنفع من امتثال أوامره وما شقي من شقي في الدنيا والآخرة إلا بتضييع أوامره. الثانية: أنه يمنع من وصول أثر السهم المسموم - الذي لعل فيه هلاكه - إلى قلبه. الثالثة: أنه يورث القلب أنسا بالله وجمعية عليه فإن إطلاق البصر يفرق القلب ويشتته ويبعده عن الله وليس على القلب شيء أضر من إطلاق البصر فإنه يورث الوحشة بين العبد وربه. الرابعة: أنه يقوي القلب ويفرحه كما أن إطلاق البصر يضعفه ويحزنه. الخامسة: أنه يكسب القلب نورا كما أن إطلاقه يلبسه ظلمة ولهذا ذكر الله سبحانه آية النور عقيب الأمر بغض البصر فقال: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم [سورة النور: 30] . ثم قال إثر ذلك: الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح [سورة النور: 35] . أي مثل نوره في قلب عبده المؤمن الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه وإذا استنار القلب أقبلت وفود الخيرات إليه من كل ناحية كما أنه إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشر عليه من كل مكان فما شئت من بدع وضلالة واتباع هوى واجتناب هدى وإعراض عن أسباب السعادة واشتغال بأسباب الشقاوة فإن ذلك إنما يكشفه له النور الذي في القلب فإذا نفذ ذلك النور بقي صاحبه كالأعمى الذي يجوس في حنادس الظلام. السادسة: أنه يورث فراسة صادقة يميز بها بين الحق والباطل والصادق والكاذب(1\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "172",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2993",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان شجاع الكرماني يقول: من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة وغض بصره عن المحارم وكف نفسه عن الشبهات واغتذى بالحلال لم تخطئ له فراسة وكان شجاعا لا تخطئ له فراسة. والله سبحانه يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله ومن ترك لله شيئا عوضه الله خيرا منه فإذا غض بصره عن محارم الله عوضه الله بأن يطلق نور بصيرته عوضا عن حبس بصره لله ويفتح عليه باب العلم والإيمان والمعرفة والفراسة الصادقة المصيبة التي إنما تنال ببصيرة فقال تعالى: لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون [سورة الحجر: 27] . فوصفهم بالسكرة التي هي فساد العقل والعمه الذي هو فساد البصيرة فالتعلق بالصور يوجب فساد العقل وعمه البصيرة وسكر القلب كما قال القائل: سكران سكر هوى وسكر مدامة ... ومتى إفاقة من به سكران وقال الآخر: قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم ... العشق أعظم مما بالمجانين العشق لا يستفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين السابعة: أنه يورث القلب ثباتا وشجاعة وقوة فجمع الله له بين سلطان النصرة والحجة وسلطان القدرة والقوة كما في الأثر: quot; الذي يخالف هواه يفر الشيطان من ظله quot;. وضد هذا تجد في المتبع لهواه - من ذل النفس ووضاعتها ومهانتها وخستها وحقارتها - ما جعله الله سبحانه فيمن حصاه. كما قال الحسن: quot; إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين إن ذل المعصية في رقابهم أبى الله إلا أن يذل من عصاه quot;. وقد جعل الله سبحانه العز قرين طاعته والذل قرين معصيته فقال تعالى: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين [سورة المنافقون: 8] . وقال تعالى: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين [سورة آل عمران: 139] .(1\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "173",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2994",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والإيمان قول وعمل ظاهر وباطن وقال تعالى: من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [سورة فاطر: 10] . أي من كان يريد العزة فليطلبها بطاعة الله وذكره من الكلم الطيب والعمل الصالح. وفي دعاء القنوت: quot; إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت quot; ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه وله من العز بحسب طاعته ومن عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه وله من الذل بحسب معصيته. الثامن: أنه يسدل على الشيطان مدخله من القلب فإنه يدخل مع النظرة وينفذ معها إلى القلب أسرع من نفوذ الهواء في المكان الخالي فيمثل له صورة المنظور إليه ويزينها ويجعلها صنما يعكف عليه القلب ثم يعده ويمنيه ويوقد على القلب نار الشهوة ويلقي عليها حطب المعاصي التي لم يكن يتوصل إليها بدون تلك الصورة فيصير القلب في اللهب. فمن ذلك اللهب تلك الأنفاس التي يجد فيها وهج النار وتلك الزفرات والحرقات فإن القلب قد أحاطت به النيران بكل جانب فهو في وسطها كالشاة في وسط التنور ولهذا كانت عقوبة أصحاب الشهوات للصور المحرمة: أن جعل لهم في البرزخ تنور من النار وأودعت أرواحهم فيه إلى يوم حشر أجسادهم كما أراها الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - في المنام في الحديث المتفق على صحته. التاسعة: أنه يفرغ القلب للفكرة في مصالحه والاشتغال بها وإطلاق البصر ينسيه ذلك ويحول بينه وبينه فينفرط عليه أمره ويقع في اتباع هواه وفي الغفلة عن ذكر ربه قال تعالى: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا [سورة الكهف: 28] . وإطلاق النظر يوجب هذه الأمور الثلاثة بحسبه. العاشرة: أن بين العين والقلب منفذا وطريقا يوجب انتقال أحدهما عن الآخر وأن يصلح بصلاحه ويفسد بفساده فإذا فسد القلب فسد النظر وإذا فسد النظر فسد القلب وكذلك في جانب الصلاح فإذا خربت العين وفسدت خرب القلب وفسد وصار كالمزبلة التي هي محل النجاسات والقاذورات والأوساخ فلا يصلح لسكنى معرفة الله ومحبته والإنابة إليه والأنس به والسرور بقربه فيه وإنما يسكن فيه أضداد ذلك. فهذه إشارة إلى بعض فوائد غض البصر نطلعك على ما وراءها:(1\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "174",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2995",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منع تعلق القلوب الطريق الثاني المانع من حصول تعلق القلب: اشتغال القلب بما يصده عن ذلك ويحول بينه وبين الوقوع فيه وهو إما خوف مقلق أو حب مزعج فمتى خلا القلب من خوف ما فواته أضر عليه من حصول هذا المحبوب أو خوف ما حصوله أضر عليه من فوات هذا المحبوب أو محبته ما هو أنفع له وخير له من هذا المحبوب وفواته أضر عليه من فوات هذا المحبوب لم يجد بدا من عشق الصور. وشرح هذا: أن النفس لا تترك محبوبا إلا لمحبوب أعلى منه أو خشية مكروه حصوله أضر عليه من فوات هذا المحبوب وهذا يحتاج صاحبه إلى أمرين إن فقدهما أو أحدهما لم ينتفع بنفسه. أحدهما: بصيرة صحيحة يفرق بها بين درجات المحبوب والمكروه فيؤثر أعلى المحبوبين على أدناهما ويحتمل أدنى المكروهين ليخلص من أعلاهما وهذا خاصة العقل ولا يعد عاقلا من كان بضد ذلك بل قد تكون البهائم أحسن حالا منه. الثاني: قوة عزم وصبر يتمكن به من هذا الفعل والترك فكثيرا ما يعرف الرجل قدر التفاوت ولكن يأبى له ضعف نفسه وهمته وعزيمته على أشياء لا تنفع من خسته وحرصه ووضاعة نفسه وخسة همته ومثل هذا لا ينتفع بنفسه ولا ينتفع به غيره وقد منع الله سبحانه إمامة الدين إلا من أهل الصبر واليقين فقال تعالى وبقوله يهتدي المهتدون منهم: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون [سورة السجدة: 24] . وهذا هو الذي ينتفع بعلمه وينتفع به الناس وضده لا ينتفع به غيره ومن الناس من ينتفع بعلمه في نفسه ولا ينتفع به غيره فالأول يمشي في نوره ويمشي الناس في نوره والثاني قد طفئ نوره فهو يمشي في الظلمات ومن تبعه في ظلمته والثالث يمشي في نوره وحده.  [فصل توحيد المحبوب] فصل توحيد المحبوب إذا عرفت هذه المقدمة فلا يمكن أن يجتمع في القلب حب المحبوب الأعلى وعشق الصور أبدا بل هما ضدان لا يتلاقيان بل لا بد أن يخرج أحدهما صاحبه فمن كانت قوة حبه كلها للمحبوب الأعلى الذي محبة ما سواه باطلة وعذاب على صاحبها صرفه ذلك عن(1\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "175",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2996",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محبة ما سواه وإن أحبه لم يحبه إلا لأجله أو لكونه وسيلة إلى محبته أو قاطعا له عما يضاد محبته وينقصها والمحبة الصادقة تقتضي توحيد المحبوب وأن لا يشرك بينه وبين غيره في محبته وإذا كان المحبوب من الخلق يأنف ويغار أن يشرك معه محبة غيره في محبته ويمقته لذلك ويبعده لا يحظيه بقربه ويعده كاذبا في دعوى محبته مع أنه ليس أهلا لصرف كل قوة المحبة إليه فكيف بالحبيب الأعلى الذي لا تنبغي المحبة إلا له وحده وكل محبة لغيره فهي عذاب على صاحبها ووبال ولهذا لا يغفر الله سبحانه أن يشرك به في هذه المحبة ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. فمحبة الصور تفوت محبة ما هو أنفع للعبد بل تفوت محبة ما ليس له صلاح ولا نعيم ولا حياة نافعة إلا بمحبته وحده فليختر إحدى المحبتين فإنهما لا يجتمعان في القلب ولا يرتفعان منه بل من أعرض عن محبة الله وذكره والشوق إلى لقائه ابتلاه بمحبة غيره فيعذبه بها في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة فإما أن يعذبه بمحبة الأوثان أو بمحبة الصلبان أو بمحبة المردان أو بمحبة النسوان أو بمحبة العشراء والإخوان أو بمحبة ما دون ذلك مما هو في غاية الحقارة والهوان فالإنسان عبد محبوبه كائنا من كان كما قيل: أنت القتيل بكل من أحببته ... فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي فمن لم يكن إلهه مالكه ومولاه كان إلهه هواه قال تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون [سورة الجاثية: 23] .  [فصل خاصية التعبد] فصل خاصية التعبد وخاصية التعبد: الحب مع الخضوع والذل للمحبوب فمن أحب محبوبا وخضع له فقد تعبد قلبه له بل التعبد آخر مراتب الحب ويقال له التتيم أيضا فإن أول مراتبه العلاقة وسميت علاقة لتعلق المحب بالمحبوب. قال الشاعر: وعلقت ليلى وهي ذات تمائم ... ولم يبد للأتراب من ثديها حجم وقال الآخر: أعلاقة أم الوليد بعيد ما ... أفنان رأسك كالثغام المخلس(1\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "176",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2997",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم بعدها الصبابة وسميت بذلك لانصباب القلب إلى المحبوب قال الشاعر: تشكى المحبون الصبابة ليتني ... تحملت ما يلقون من بينهم وحدي فكانت لقلبي لذة الحب كلها ... فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي ثم الغرام وهو لزوم الحب للقلب لزوما لا ينفك عنه ومنه سمي الغريم غريما لملازمته صاحبه ومنه قوله تعالى: إن عذابها كان غراما [سورة الفرقان: 65] . وقد أولع المتأخرون باستعمال هذا اللفظ في الحب وقل أن تجده في أشعار العرب. ثم العشق وهو إفراط المحبة ولهذا لا يوصف به الرب تبارك وتعالى ولا يطلق في حقه. ثم الشوق وهو سفر القلب إلى المحبوب أحث السفر وقد جاء إطلاقه في حق الرب تعالى كما في مسند الإمام أحمد عن عمار بن ياسر: أنه صلى صلاة فأوجز فيها فقيل له في ذلك فقال أما إني دعوت فيها بدعوات كان النبي - عليه الصلاة والسلام - يدعو بهن: اللهم إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسألك نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لا تنقطع وأسألك برد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين. وفي أثر آخر: quot; طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إلى لقائهم أشد شوقا quot;. وهذا هو المعنى الذي عبر عنه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه . وقال بعض أهل البصائر في قوله تعالى: من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت [سورة العنكبوت: 5] . لما علم سبحانه شدة شوق أوليائه إلى لقائه وأن قلوبهم لا تهتدي دون لقائه ضرب لهم أجلا وموعدا للقائه وتسكن نفوسهم به وأطيب العيش وألذه على الإطلاق عيش المحبين المشتاقين المستأنسين فحياتهم هي الحياة الطيبة الحقيقية ولا حياة للقلب(1\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "177",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2998",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أطيب ولا أنعم ولا أهنأ منها وهي الحياة الطيبة في قوله تعالى: من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة [سورة النحل: 97] . ليس المراد منها الحياة المشتركة بين المؤمنين والكفار والأبرار والفجار ومن طيب المأكل والملبس والمشرب والمنكح بل ربما زاد أعداء الله على أوليائه في ذلك أضعافا مضاعفة وقد ضمن الله سبحانه لكل من عمل صالحا أن يحييه حياة طيبة فهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده وأي حياة أطيب من حياة من اجتمعت همومه كلها وصارت هما واحدا في مرضاة الله ولم يتشعب قلبه بل أقبل على الله واجتمعت إرادته وأفكاره التي كانت متقسمة بكل واد منها شعبة على الله فصار ذكره بمحبوبه الأعلى وحبه والشوق إلى لقائه والأنس بقربه هو المستولي عليه وعليه تدور همومه وإرادته وقصوده بكل خطرات قلبه فإن سكت سكت بالله وإن نطق نطق بالله وإن سمع فبه يسمع وإن أبصر فبه يبصر وبه يبطش وبه يمشي وبه يسكن وبه يحيا وبه يموت وبه يبعث كما في صحيح البخاري عنه - صلى الله عليه وسلم - فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: quot; ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه quot;. فتضمن هذا الحديث الشريف الإلهي - الذي حرام على غليظ الطبع كسيف القلب فهم معناه والمراد به - حصر أسباب محبته في أمرين: أداء فرائضه والتقرب إليه بالنوافل. وأخبر سبحانه أن أداء فرائضه أحب ما يتقرب به إليه المتقربون ثم بعدها النوافل وأن المحب لا يزال يكثر من النوافل حتى يصير محبوبا لله فإذا صار محبوبا لله أوجبت محبته لله له محبة أخرى منه فوق المحبة الأولى فشغلت هذه المحبة قلبه عن الفكرة والاهتمام بغير محبوبه وملكت عليه روحه ولم يبق فيه سعة لغير محبوبه ألبتة فصار ذكر محبوبه وحبه ومثله الأعلى ومالكا لزمام قلبه مستوليا على روحه استيلاء المحبوب على محبة الصادق في محبته التي قد اجتمعت قوى محبة حبه كلها له. ولا ريب أن هذا المحب إن سمع سمع بمحبوبه وإن أبصر أبصر به وإن بطش بطش به وإن مشى مشى به فهو في قلبه ومعه وأنيسه وصاحبه فالباء هاهنا للمصاحبة وهي مصاحبة لا نظير لها ولا تدرك بمجرد الإخبار عنها والعلم بها فالمسألة حالية لا علمية محضة.(1\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "178",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "2999",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا كان المخلوق يجد هذا في محبة المخلوق التي لم يخلق لها ولم يفطر عليها كما قال بعض المحبين: خيالك في عيني وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيب وقال الآخر: ومن عجب أني أحن إليهم ... فأسأل عنهم من لقيت وهم معي وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي وهذا ألطف من قول الآخر: إن قلت غبت فقلبي لا يصدقني ... إذ أنت فيه مكان السر لم تغب أو قلت ما غبت قال الطرف ذا كذب ... فقد تحيرت بين الصدق والكذب فليس شيء أدنى إلى المحب من محبوبه وربما تمكنت منه المحبة حتى يصير أدنى إليه من نفسه بحيث ينسى نفسه ولا ينساه كما قال: أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل وقال الآخر: يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل وخص في الحديث السمع والبصر واليد والرجل بالذكر فإن هذه الآلات آلات الإدراك وآلات الفعل والسمع والبصر يوردان على القلب الإرادة والكراهة ويجلبان إليه الحب والبغض فيستعمل اليد والرجل فإذا كان سمع العبد بالله وبصره بالله كان محفوظا في آلات إدراكه وكان محفوظا في حبه وبغضه فحفظ في بطشه ومشيه. وتأمل كيف اكتفى بذكر السمع والبصر واليد والرجل عن اللسان فإنه إذا كان إدراك السمع الذي يحصل باختياره تارة وبغير اختياره تارة وكذلك البصر قد يقع بغير الاختيار فجأة وكذلك حركة اليد والرجل التي لا بد للعبد منهما فكيف بحركة اللسان التي لا تقع إلا بقصد واختيار وقد يستغني العبد عنها إلا حيث أمر بها. وأيضا فانفعال اللسان عن القلب أتم من انفعال سائر الجوارح فإنه ترجمانه ورسوله. وتأمل كيف حقق تعالى كون العبد به سمعه وبصره وبطشه ومشيه بقوله: quot; كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها quot; تحقيقا لكونه مع عبده وكون عبده في إدراكاته بسمعه وبصره وحركاته بيديه ورجله.(1\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "179",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3000",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتأمل كيف قال: quot; فبي يسمع وبي يبصر quot; ولم يقل: فلي يسمع ولي يبصر وربما يظن الظنان أن اللام أولى بهذا الموضع إذ هي أدل على الغاية ووقوع هذه الأمور لله وذلك أخص من وقوعها به وهذا من الوهم والغلط إذ ليست الباء هاهنا بمجرد الاستعانة فإن حركات الأبرار والفجار وإدراكاتهم إنما هي بمعونة الله لهم وإن الباء هاهنا للمصاحبة أي: إنما يسمع ويبصر ويبطش ويمشي وأنا صاحبه معه كقوله في الحديث الآخر: quot; أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه quot; وهذه هي المعية الخاصة المذكورة في قوله تعالى: لا تحزن إن الله معنا [سورة التوبة: 40] . وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما ظنك باثنين الله ثالثهما  وقوله تعالى: وإن الله لمع المحسنين [سورة العنكبوت: 69] . وقوله: إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون [سورة النحل: 128] . وقوله: واصبروا إن الله مع الصابرين [سورة الأنفال: 46] . وقوله: كلا إن معي ربي سيهدين [سورة الشعراء: 62] . وقوله تعالى لموسى وهارون: إنني معكما أسمع وأرى [سورة طه: 46] . فهذه الباء مفيدة لمعنى هذه المعية دون اللام ولا يتأتى للعبد الإخلاص والصبر والتوكل ونزوله في منازل العبودية إلا بهذه الباء وهذه المعية. فمتى كان العبد بالله هانت عليه المشاق وانقلبت المخاوف في حقه فبالله يهون كل صعب ويسهل كل عسير ويقرب كل بعيد وبالله تزول الهموم والغموم والأحزان فلا هم مع الله ولا غم ولا حزن إلا حيث يفوته العبد معنى هذه الباء فيصير قلبه حينئذ كالحوت إذا فارق الماء يثب وينقلب حتى يعود إليه. ولما حصلت هذه الموافقة من العبد لربه في محابه حصلت موافقة الرب لعبده في حوائجه ومطالبه فقال: ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه quot;. أي: كما وافقني في مرادي بامتثال أوامري والتقرب بمحابي فأنا أوافقه في رغبته ورهبته فيما يسألني أن أفعله به ويستعيذني أن يناله وقوي أمر هذه الموافقة من الجانبين حتى اقتضى تردد الرب سبحانه(1\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "180",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3001",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في إماتة عبده لأنه يكره الموت والرب تعالى يكره ما يكرهه عبده ويكره مساءته فمن هذه الجهة يقتضي أن لا يميته ولكن مصلحته في إماتته فإنه ما أماته إلا ليحييه ولا أمرضه إلا ليصحه ولا أفقره إلا ليغنيه ولا منعه إلا ليعطيه ولم يخرج من الجنة في صلب أبيه إلا ليعيده إليها على أحسن أحواله ولم يقل لأبيه اخرج منها إلا وهو يريد أن يعيده إليها فهذا هو الحبيب على الحقيقة لا سواه بل لو كان في كل منبت شعرة من العبد محبة تامة لله لكان بعض ما يستحقه على عبده. نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل  [فصل: آخر مراتب الحب] فصل آخر مراتب الحب ثم التتيم وهو آخر مراتب الحب وهو تعبد المحب لمحبوبه يقال تيمه الحب إذا عبده ومنه: تيم الله أي عبد الله وحقيقة التعبد: الذل والخضوع للمحبوب ومنه قولهم: طريق معبد أي مذلل قد ذللته الأقدام فالعبد هو الذي ذلله الحب والخضوع لمحبوبه ولهذا كانت أشرف أحوال العبد ومقاماته في العبودية فلا منزل له أشرف منها. وقد ذكر الله سبحانه أكرم الخلق عليه وأحبهم إليه وهو رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - بالعبودية في أشرف مقاماته وهي مقام الدعوة إليه ومقام التحدي بالنبوة ومقام الإسراء فقال سبحانه: وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا [سورة الجن: 19] . وقال: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله [سورة البقرة: 23] . وقال سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى [سورة الإسراء: 1] . حديث الشفاعة: اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر  فنال مقام الشفاعة بكمال عبوديته وكمال مغفرة الله له والله سبحانه خلق الخلق لعبادته وحده لا شريك له التي هي أكمل أنواع المحبة مع أكمل أنواع الخضوع وهذا هو حقيقة الإسلام وملة إبراهيم التي من رغب عنها فقد سفه نفسه قال تعالى:(1\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "181",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3002",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين - إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين - ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون - أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون [سورة البقرة: 130 - 133] . ولهذا كان أعظم الذنوب عند الله الشرك.  [الشرك في المحبة] وأصل الشرك بالله والإشراك في المحبة كما قال تعالى: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله [سورة البقرة: 165] . فأخبر سبحانه أن من الناس من يشرك به ندا يحبه كما يحب الله وأخبر أن الذين آمنوا أشد حبا لله من أصحاب الأنداد لأندادهم. وقيل: بل المعنى أنهم أشد حبا لله فإنهم وإن أحبوا الله لكن لما شركوا بينه وبين أندادهم في المحبة ضعفت محبتهم لله والموحدون لله لما خلصت محبتهم له كانت أشد من محبة أولئك والعدل برب العالمين والتسوية بينه وبين الأنداد هو في هذه المحبة كما تقدم. ولما كان مراد الله من خلقه خلوص هذه المحبة له أنكر على من اتخذ من دونه وليا أو شفيعا غاية الإنكار وجمع ذلك تارة وإفراد أحدهما عن الآخر فقال تعالى: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون [سورة يونس: 3] . وقال تعالى: الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون [سورة السجدة: 4] . وقال في الإفراد: أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون - قل لله الشفاعة جميعا [سورة الزمر: 43 - 44] .(1\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "182",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3003",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال تعالى: وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون [سورة الأنعام: 51] . وقال تعالى: من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم [سورة الجاثية: 10] . فإذا والى العبد ربه وحده أقام له الشفعاء وعقد الموالاة بينه وبين عباده المؤمنين فصاروا أولياءه في الله بخلاف من اتخذ مخلوقا وليا من دون الله. فهذا لون وذاك لون كما أن الشفاعة الشركية الباطلة لون والشفاعة الحق الثابتة التي إنما تنال بالتوحيد لون وهذا موضع فرقان بين أهل التوحيد وأهل الإشراك والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. والمقصود: أن حقيقة العبودية لا تحصل مع الإشراك بالله في المحبة بخلاف المحبة لله فإنها من لوازم العبودية وموجباتها فإن محبة الرسول - بل تقديمه في الحب على الأنفس والآباء والأبناء - لا يتم الإيمان إلا بها إذ محبته من محبة الله وكذلك كل حب في الله ولله كما في الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان . وفي لفظ في الصحيحين: لا يجد حلاوة الإيمان إلا من كان فيه ثلاث خصال: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار . وفي الحديث الذي في السنن: من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان . وفي حديث آخر: ما تحاب رجلان في الله إلا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه . فإن هذه المحبة من لوازم محبة الله تعالى وموجباتها وكلما كانت أقوى كان أصلها كذلك.  [فصل أنواع المحبة] فصل أنواع المحبة وهاهنا أربعة أنواع من المحبة يجب التفريق بينها وإنما ضل من ضل بعدم التمييز بينها.(1\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "183",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3004",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها: محبة الله ولا تكفي وحدها في النجاة من عذاب الله والفوز بثوابه فإن المشركين وعباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله. الثاني: محبة ما يحب الله وهذه هي التي تدخله في الإسلام وتخرجه من الكفر وأحب الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة وأشدهم فيها. الثالث: الحب لله وفيه وهي من لوازم محبة ما يحب ولا تستقيم محبة ما يحب إلا فيه وله. الرابع: المحبة مع الله وهي المحبة الشركية وكل من أحب شيئا مع الله لا لله ولا من أجله ولا فيه فقد اتخذه ندا من دون الله وهذه محبة المشركين. وبقي قسم خامس ليس مما نحن فيه: وهي المحبة الطبيعية وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه كمحبة العطشان للماء والجائع للطعام ومحبة النوم والزوجة والولد فتلك لا تذم إلا إذا ألهت عن ذكر الله وشغلت عن محبته كما قال تعالى: ياأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله [سورة المنافقون: 9] . وقال تعالى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله [سورة النور: 37] .  [فصل كمال المحبة] فصل كمال المحبة ثم الخلة وهي تتضمن كمال المحبة ونهايتها بحيث لا يبقى في القلب سعة لغير محبوبه وهي منصب لا يقبل المشاركة بوجه ما وهذا المنصب خاص للخليلين - صلوات الله وسلامه عليهما -: إبراهيم ومحمد كما قال - صلى الله عليه وسلم -: إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا . وفي الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله . وفي حديث آخر: إني أبرأ إلى كل خليل من خلته ولما سأل إبراهيم عليه السلام الولد فأعطيه وتعلق حبه بقلبه فأخذ منه شعبة غار الحبيب على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره فأمره بذبحه وكان الأمر في المنام ليكون(1\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "184",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3005",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تنفيذ المأمور به أعظم ابتلاء وامتحانا ولم يكن المقصود ذبح الولد ولكن المقصود ذبحه من قلبه ليخلص القلب للرب فلما بادر الخليل عليه الصلاة والسلام إلى الامتثال وقدم محبة الله على محبة ولده حصل المقصود فرفع الذبح وفدي بذبح عظيم فإن الرب تعالى ما أمر بشيء ثم أبطله رأسا بل لا بد أن يبقي بعضه أو بدله كما أبقى شريعة الفداء وكما أبقى استحباب الصدقة بين يدي المناجاة وكما أبقى الخمس الصلوات بعد رفع الخمسين وأبقى ثوابها وقال: ولا يبدل القول لدي هي خمس في الفعل وهي خمسون في الأجر quot;.  [فصل المحبة والخلة] فصل المحبة والخلة وأما ما يظنه بعض الغالطين - أن المحبة أكمل من الخلة وأن إبراهيم خليل الله ومحمدا حبيب الله - فمن جهله فإن المحبة عامة والخلة خاصة والخلة نهاية المحبة وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله اتخذه خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ونفى أن يكون له خليل غير ربه مع إخباره بحبه لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب وغيرهم. وأيضا فإن الله سبحانه: يحب التوابين ويحب المتطهرين [سورة البقرة: 222] . و يحب الصابرين [سورة آل عمران: 146] . و يحب المحسنين [سورة آل عمران: 148] . و يحب المقسطين [سورة المائدة: 42] . والشاب التائب حبيب الله وخلته خاصة بالخليلين وإنما هذا من قلة العلم والفهم عن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.  [فصل إيثار الأعلى] فصل إيثار الأعلى وقد تقدم أن العبد لا يترك ما يحبه ويهواه ولكن يترك أضعفهما محبة لأقواهما محبة(1\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "185",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3006",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كما أنه يفعل ما يكرهه لحصول ما محبته أقوى عنده من كراهة ما يفعله أو لخلاصه من مكروه. وتقدم أن خاصية العقل إيثار أعلى المحبوبين على أدناهما وأيسر المكروهين على أقواهما وتقدم أن هذا من كمال قوة الحب والبغض. ولا يتم له هذا إلا بأمرين: قوة الإدراك وشجاعة القلب فإن التخلف عن ذلك والعمل بخلافه يكون إما لضعف الإدراك بحيث إنه لم يدرك مراتب المحبوب والمكروه على ما هي عليه إما لضعف في النفس وعجز في القلب بحيث لا يطاوعه على إيثار الأصلح لرفع علمه بأنه الأصلح فإذا صح إدراكه وقويت نفسه وتشجع قلبه على إيثار المحبوب الأعلى والمكروه الأدنى فقد وفق لأسباب السعادة. فمن الناس من يكون سلطان شهوته أقوى من سلطان عقله وإيمانه فيقهر الغالب الضعيف ومنهم من يكون سلطان إيمانه وعقله أقوى من سلطان شهوته وإذا كان كثير من المرضى يحميه الطبيب عما يضره فتأبى عليه نفسه وشهوته إلا تناوله ويقدم شهوته على عقله وتسميه الأطباء: عديم المروءة فهكذا أكثر مرضى القلوب يؤثرون ما يزيد مرضهم لقوة شهوتهم له. فأصل الشر من ضعف الإدراك وضعف النفس ودناءتها وأصل الخير من كمال الإدراك وقوة النفس وشرفها وشجاعتها. فالحب والإرادة أصل كل فعل ومبدؤه والبغض والكراهة أصل كل ترك ومبدؤه وهاتان القوتان في القلب أصل سعادة العبد وشقاوته. ووجود الفعل الاختياري لا يكون إلا بوجود سببه من الحب والإرادة. وأما عدم الفعل: فتارة يكون لعدم مقتضيه وسببه وتارة يكون لوجود البغض والكراهة المانعة منه وهذا متعلق الأمر والنهي وهو الذي يسمى الكف وهو متعلق الثواب والعقاب وبهذا يزول الاشتباه في مسألة الترك وهل هو أمر وجودي أو عدمي والتحقيق أنه قسمان: فالترك المضاف إلى عدم السبب المقتضي عدمي والمضاف إلى السبب المانع من الفعل وجودي.  [فصل إيثار الأنفع] فصل إيثار الأنفع وكل واحد من الفعل والترك الاختياريين إنما يؤثره الحي لما فيه من حصول المنفعة(1\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "186",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3007",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التي يلتذ بحصولها أو زوال الألم الذي يحصل له الشفاء بزواله ولهذا يقال: شفى صدره وشفى قلبه وقال: هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها ... وليس منها شفاء الداء مبذول وهذا مطلوب يؤثره العاقل بل الحيوان البهيم ولكن يغلط فيه أكثر الناس غلطا قبيحا فيقصد حصول اللذة بما يعقب عليه أعظم الألم فيؤلم نفسه من حيث يظن أنه يحصل لذتها ويشفي قلبه بما يعقب عليه غاية المرض وهذا شأن من قصر نظره على العاجل ولم يلاحظ العواقب وخاصة العقل الناظر في العواقب فأعقل الناس من آثر لذته وراحته في الآجلة الدائمة على العاجلة المنقضية الزائلة وأسفه الخلق من باع نعيم الأبد وطيب الحياة الدائمة واللذة العظمى التي لا تنغيص فيها ولا نقص بوجه ما بلذة منقضية مشوبة بالآلام والمخاوف وهي سريعة الزوال وشيكة الانقضاء. قال بعض العلماء: quot; فكرت فيما يسعى فيه العقلاء فرأيت سعيهم كلهم في مطلوب واحد وإن اختلفت طرقهم في تحصيله رأيتهم جميعهم إنما يسعون في دفع الهم والغم عن نفوسهم فهذا بالأكل والشرب وهذا بالتجارة والكسب وهذا بالنكاح وهذا بسماع الغناء والأصوات المطربة وهذا باللهو واللعب فقلت: هذا المطلوب مطلوب العقلاء ولكن الطرق كلها غير موصلة إليه بل لعل أكثرها إنما يوصل إلى ضده ولم أر في جميع هذه الطرق طريقا موصلة إليه إلا الإقبال على الله وحده ومعاملته وحده وإيثار مرضاته على كل شيء quot;. فإن سالك هذا الطريق إن فاته حظه من الدنيا فقد ظفر بالحظ العالي الذي لا فوت معه وإن حصل للعبد حصل له كل شيء وإن فاته فاته كل شيء وإن ظفر بحظه من الدنيا ناله على أهنأ الوجوه فليس للعبد أنفع من هذه الطرق ولا أوصل منها إلى لذته وبهجته وسعادته وبالله التوفيق.  [فصل أقسام المحبوب] فصل أقسام المحبوب والمحبوب قسمان: محبوب لنفسه ومحبوب لغيره والمحبوب لغيره لا بد أن ينتهي إلى المحبوب لنفسه دفعا للتسلسل المحال وكل ما سوى المحبوب الحق فهو محبوب لغيره وليس شيء يحب لذاته إلا الله وحده وكل ما سواه مما يحب فإنما محبته تبع لمحبة الرب تبارك وتعالى كمحبة ملائكته وأنبيائه وأوليائه فإنها تبع لمحبته سبحانه وهي من لوازم محبته(1\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "187",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3008",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن محبة المحبوب توجب محبة ما يحبه وهذا موضع يجب الاعتناء به فإنه محل فرقان بين المحبة النافعة لغيره والتي لا تنفع بل قد تضر. فاعلم أنه لا يحب لذاته إلا من كان كماله من لوازم ذاته وإلهيته وربوبيته وغناه من لوازم ذاته وما سواه فإنما يبغض ويكره لمنافاته محابه ومضادته لها وبغضه وكراهته بحسب قوة هذه المنافاة وضعفها فما كان أشد منافاة لمحابه كان أشد كراهة من الأعيان والأوصاف والأفعال والإرادات وغيرها فهذا ميزان عادل توزن به موافقة الرب ومخالفته وموالاته ومعاداته فإذا رأينا شخصا يحب ما يكرهه الرب تعالى ويكره ما يحبه علمنا أن فيه من معاداته بحسب ذلك وإذا رأينا الشخص يحب ما يحبه الرب ويكره ما يكرهه وكلما كان الشيء أحب إلى الرب كان أحب إليه وآثره عنده وكلما كان أبغض إليه كان أبغض إليه وأبعد منه علمنا أن فيه من موالاة الرب بحسب ذلك. فتمسك بهذا الأصل في نفسك وفي غيرك فالولاية عبارة عن موافقة الولي الحميد في محابه ومساخطه وليست بكثرة صوم ولا صلاة ولا تمزق ولا رياضة. والمحبوب لغيره قسمان أيضا: أحدهما: ما يلتذ المحب بإدراكه وحصوله. والثاني: ما يتألم به ولكن يحتمله لإفضائه إلى المحبوب كشرب الدواء الكريه قال تعالى: كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون [سورة البقرة: 216] . فأخبر سبحانه أن القتال مكروه لهم مع أنه خير لهم لإفضائه إلى أعظم محبوب وأنفعه والنفوس تحت الراحة والدعة والرفاهية ذلك شر لها لإفضائه إلى فوات المحبوب فالعاقل لا ينظر إلى لذة المحبوب العاجل فيؤثرها وألم المكروه العاجل فيرغب عنه فإن ذلك قد يكون شرا له بل قد يجلب عليه غاية الألم ويفوته أعظم اللذة بل عقلاء الدنيا يتحملون المشاق المكروهة لما يعقبهم من اللذة بعدها وإن كانت منقطعة. فالأمور أربعة: مكروه يوصل إلى مكروه ومكروه يوصل إلى محبوب ومحبوب يوصل إلى محبوب ومحبوب يوصل إلى مكروه فالمحبوب الموصل إلى المحبوب قد اجتمع فيه داعي الفعل من وجهين والمكروه الموصل إلى مكروه قد اجتمع فيه داعي الترك من وجهين. بقي القسمان الآخران يتجاذبهما الداعيان - وهما معترك الابتلاء والامتحان - فالنفس تؤثر أقربهما جوارا منها وهو العاجل والعقل والإيمان يؤثر أنفعهما وأبقاهما والقلب بين الداعيين وهو إلى هذا مرة وإلى هذا مرة وهاهنا محل الابتلاء شرعا وقدرا فداعي العقل(1\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "188",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3009",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والإيمان ينادي كل وقت: حي على الفلاح عند الصباح يحمد القوم السرى وفي الممات يحمد العبد التقى فإن اشتد ظلام ليل المحبة وتحكم سلطان الشهوة والإرادة يقول: يا نفس اصبري فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ويذهب هذا كله ويزول.  [فصل الحب أصل كل عمل] فصل الحب أصل كل عمل وإذا كان الحب أصل كل عمل من حق وباطل فأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله كما أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله وكل إرادة تمنع كمال الحب لله ورسوله وتزاحم هذه المحبة أو شبهة تمنع كمال التصديق فهي معارضة لأصل الإيمان أو مضعفة له فإن قويت حتى عارضت أصل الحب والتصديق كانت كفرا أو شركا أكبر وإن لم تعارضه قدحت في كماله وأثرت فيه ضعفا وفتورا في العزيمة والطلب وهي تحجب الواصل وتقطع الطالب وتنكس الراغب فلا تصح الموالاة إلا بالمعاداة كما قال تعالى عن إمام الحنفاء المحبين أنه قال لقومه: أفرأيتم ما كنتم تعبدون - أنتم وآباؤكم الأقدمون - فإنهم عدو لي إلا رب العالمين [سورة الشعراء: 75 - 77] . فلم يصح لخليل الله هذه الموالاة والخلة إلا بتحقيق هذه المعاداة فإنه لا ولاء إلا بالبراءة من كل معبود سواه قال تعالى: قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده [سورة الممتحنة: 4] . وقال تعالى: وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين - وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون [سورة الزخرف: 26 - 28] . أي جعل هذه الموالاة لله والبراءة من كل معبود سواه كلمة باقية في عقبه يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض وهي كلمة: لا إله إلا الله وهي التي ورثها إمام الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة. كلمة التوحيد(1\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "189",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3010",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهي الكلمة التي قامت بها الأرض والسماوات وفطر الله عليها جميع المخلوقات وعليها أسست الملة ونصبت القبلة وجردت سيوف الجهاد وهي محض حق الله على جميع العباد وهي الكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار والمنجية من عذاب القبر وعذاب النار وهي المنشور الذي لا يدخل الجنة إلا به والحبل الذي لا يصل إلى الله من لم يتعلق بسببه وهي كلمة الإسلام ومفتاح دار السلام وبها انقسم الناس إلى شقي وسعيد ومقبول وطريد وبها انفصلت دار الكفر من دار الإيمان وتميزت دار النعيم من دار الشقاء والهوان وهي العمود الحامل للفرض والسنة و من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة . روح كلمة التوحيد وروح هذه الكلمة وسرها: إفراد الرب - جل ثناؤه وتقدست أسماؤه وتبارك اسمه وتعالى جده ولا إله غيره - بالمحبة والإجلال والتعظيم والخوف والرجاء وتوابع ذلك: من التوكل والإنابة والرغبة والرهبة فلا يحب سواه وكل ما كان يحب غيره فإنما يحب تبعا لمحبته وكونه وسيلة إلى زيادة محبته ولا يخاف سواه ولا يرجى سواه ولا يتوكل إلا عليه ولا يرغب إلا إليه ولا يرهب إلا منه ولا يحلف إلا باسمه ولا ينظر إلا له ولا يتاب إلا إليه ولا يطاع إلا أمره ولا يتحسب إلا به ولا يستغاث في الشدائد إلا به ولا يلتجأ إلا إليه ولا يسجد إلا له ولا يذبح إلا له وباسمه ويجتمع ذلك في حرف واحد وهو: أن لا يعبد إلا إياه بجميع أنواع العبادة فهذا هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله ولهذا حرم الله على النار من شهد أن لا إله إلا الله حقيقة الشهادة ومحال أن يدخل النار من تحقق بحقيقة هذه الشهادة وقام بها كما قال تعالى: والذين هم بشهاداتهم قائمون [سورة المعارج: 33] . فيكون قائما بشهادته في ظاهره وباطنه في قلبه وقالبه فإن من الناس من تكون شهادته ميتة ومنهم من تكون نائمة إذا نبهت انتبهت ومنهم من تكون مضطجعة ومنهم من تكون إلى القيام أقرب وهي في القلب بمنزلة الروح في البدن فروح ميتة وروح مريضة إلى الموت أقرب وروح إلى الحياة أقرب وروح صحيحة قائمة بمصالح البدن. وفي الحديث الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم -: إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند الموت إلا وجدت روحه لها روحا فحياة هذه الروح بحياة هذه الكلمة فيها فكما أن حياة البدن بوجود الروح فيه(1\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "190",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3011",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكما أن من مات على هذه الكلمة فهو في الجنة يتقلب فيها فمن عاش على تحقيقها والقيام بها فروحه تتقلب في جنة المأوى وعيشه وأطيب عيش قال: وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى - فإن الجنة هي المأوى [سورة النازعات: 40 - 41] . فالجنة مأواه يوم اللقاء. وجنة المعرفة والمحبة والأنس بالله والشوق إلى لقائه والفرح به والرضا به وعنه مأوى روحه في هذه الدار فمن كانت هذه الجنة مأواه هاهنا كانت جنة الخلد مأواه يوم الميعاد ومن حرم هذه الجنة فهو لتلك الجنة أشد حرمانا والأبرار في النعيم وإن اشتد بهم العيش وضاقت عليهم الدنيا والفجار في جحيم وإن اتسعت عليهم الدنيا قال تعالى: من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة [سورة النحل: 97] وطيب الحياة جنة الدنيا قال تعالى: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا [سورة الأنعام: 125] . فأي نعيم أطيب من شرح الصدر وأي عذاب أمر من ضيق الصدر وقال تعالى: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون - الذين آمنوا وكانوا يتقون - لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم [سورة يونس: 62 - 64] فالمؤمن المخلص لله من أطيب الناس عيشا وأنعمهم بالا وأشرحهم صدرا وأسرهم قلبا وهذه جنة عاجلة قبل الجنة الآجلة. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا: وما رياض الجنة قال: حلق الذكر . ومن هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة . ومن هذا قوله وقد سألوه عن وصاله في الصوم: إني لست كهيئتكم إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني . فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن ما يحصل له من الغذاء عند ربه يقوم مقام الطعام(1\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "191",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3012",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والشراب الحسنى وأن ما يحصل له من ذلك أمر يختص به ولا يشاركه فيه غيره فإذا أمسك عن الطعام والشراب فله عنه عوض يقوم مقامه وينوب منابه ويغني عنه كما قيل: لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد لها بوجهك نور تستضيء به ... ومن حديثك في أعقابها حادي إذا اشتكت من كلال السير أوعدها ... روح اللقاء فتحيا عند ميعاد وكلما كان وجود الشيء أنفع للعبد وهو إليه أحوج كان تألمه بفقده أشد وكلما كان عدمه أنفع له كان تألمه بوجوده أشد ولا شيء على الإطلاق أنفع للعبد من إقباله على الله واشتغاله بذكره وتنعمه بحبه وإيثاره لمرضاته بل لا حياة له ولا نعيم ولا سرور ولا بهجة إلا بذلك فعدمه آلم شيء له وأشده عليه وإنما تغيب الروح عن شهود هذا العذاب والألم لاشتغالها بغيره واستغراقها في ذلك الغير تتغيب به عن شهود ما هي فيه من ألم الفوات بفراق أحب شيء إليها وأنفعه لها وهذه منزلة السكران المستغرق في سكره الذي احترقت داره وأمواله وأهله وأولاده وهو لاستغراقه في السكر لا يشعر بألم ذلك الفوات وحسرته حتى إذا صحا وكشف عنه غطاء السكر وانتبه من رقدة الخمر فهو أعلم بحاله حينئذ. وهكذا الحال سواء عند كشف الغطاء ومعاينة طلائع الآخرة والإشراف على مفارقة الدنيا والانتقال منها إلى الله بل الألم والحسرة والعذاب هنا أشد بأضعاف مضاعفة فإن المصاب في الدنيا يرجو جبر مصيبته بالعوض ويعلم أنه قد أصيب بشيء زائل لا بقاء له فكيف بمن مصيبته بما لا عوض عنه ولا بدل منه ولا نسبة بينه وبين الدنيا جميعها فلو قضى الله سبحانه عليه بالموت من هذه الحسرة والألم لكان العبد جديرا به فإن الموت ليعود أعظم أمنيته وأكبر حسراته هذا لو كان الألم على مجرد الفوات فكيف وهناك من العذاب على الروح والبدن بأمور أخرى وجودية ما لا يقدره قدره فتبارك من حمل هذا الخلق الضعيف هذين الألمين العظيمين اللذين لا تحملهما الجبال الرواسي. فاعرض على نفسك الآن أعظم محبوب لك في الدنيا بحيث لا تطيب لك الحياة إلا معه فأصبحت وقد أخذ منك وحيل بينك وبينه أحوج ما كنت إليه كيف يكون حالك هذا ومنه كل عوض فكيف بمن لا عوض عنه كما قيل: من كل شيء إذا ضيعته عوض ... وما من الله إن ضيعته عوض وفي أثر إلهي: quot; ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب وتكفلت برزقك فلا تتعب ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء quot;.  [فصل المحبة المحمودة والمحبة المذمومة] فصل المحبة المحمودة والمحبة المذمومة(1\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "192",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3013",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولما كانت المحبة جنسا تحته أنواع متفاوتة في القدر والوصف كان أغلب ما يذكر فيها في حق الله تعالى ما يختص به ويليق به من أنواعها وما لا تصلح إلا له وحده مثل العبادة والإنابة ونحوها فإن العبادة لا تصلح إلا له وحده وكذا الإنابة وقد ذكر المحبة باسمها المطلق كقوله تعالى: فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه [سورة المائدة: 54] . وقوله تعالى: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله [سورة البقرة: 165] . وأعظم أنواع المحبة المذمومة: المحبة مع الله التي يسوي المحب فيها بين محبته لله ومحبته للند الذي اتخذه من دونه. وأعظم أنواعها المحمودة: محبة الله وحده وهذه المحبة هي أصل السعادة ورأسها التي لا ينجو أحد من العذاب إلا بها والمحبة المذمومة الشركية هي أصل الشقاوة ورأسها التي لا يبقى في العذاب إلا أهلها فأهل المحبة الذين أحبوا الله وعبدوه وحده لا شريك له لا يدخلون النار ومن دخلها منهم بذنوبه فإنه لا يبقى فيها منهم أحد. ومدار القرآن على الأمر بتلك المحبة ولوازمها والنهي عن المحبة الأخرى ولوازمها وضرب الأمثال والمقاييس للنوعين وذكر قصص النوعين وتفصيل أعمال النوعين وأوليائهم ومعبود كل منهما وإخباره عن فعله بالنوعين وعن حال النوعين في الدور الثلاثة: دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار والقرآن جاء في شأن النوعين. وأصل دعوة جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم إنما هي عبادة الله وحده لا شريك له المتضمنة لكمال حبه وكمال الخضوع والذل له والإجلال والتعظيم ولوازم ذلك من الطاعة والتقوى. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين . وفي صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: يا رسول الله والله(1\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "193",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3014",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال: لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك قال: والذي بعثك بالحق لأنت أحب إلي من نفسي قال: الآن يا عمر.  فإذا كان هذا شأن محبة عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ووجوب تقديمها على محبة نفس الإنسان وولده ووالده والناس أجمعين فما الظن بمحبة مرسله سبحانه وتعالى ووجوب تقديمها على محبة ما سواه . ومحبة الرب سبحانه تختص عن محبة غيره في قدرها وصفتها وإفراده سبحانه بها: فإن الواجب له من ذلك كله أن يكون أحب إلى العبد من ولده ووالده بل من سمعه وبصره ونفسه التي بين جنبيه فيكون إلهه الحق ومعبوده أحب إليه من ذلك كله والشيء قد يحب من وجه دون وجه وقد يحب بغيره وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله وحده ولا تصلح الألوهية إلا له و لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [سورة الأنبياء: 22] . والتأله: هو المحبة والطاعة والخضوع.  [فصل الحب أصل الحركة] فصل الحب أصل الحركة وكل حركة في العالم العلوي والسفلي فأصلها المحبة فهي عليها الفاعلية والغائية وذلك لأن الحركات ثلاثة أنواع: حركة اختيارية إرادية وحركة طبيعية وحركة قسرية. والحركة الطبيعية أصلها السكون وإنما يتحرك الجسم إذا خرج عن مستقره ومركزه الطبيعي فهو يتحرك للعود إليه وخروجه عن مركزه ومستقره إنما هو بتحريك القاصر المحرك له فله حركة قسرية تتحرك بتحريك محركه وقاسره وحركة طبيعية بذاتها يطلب بها العود إلى مركزه وكلا حركتيه تابعة للقاسر المحرك فهو أصل الحركتين. والحركة الاختيارية الإرادية هي أصل الحركتين الأخريين وهي تابعة للإرادة والمحبة. والدليل على انحصار الحركات في هذه الثلاث: أن المتحرك إن كان له شعور بالحركة فهي الإرادية وإن لم يكن له شعور بها فإما أن تكون على وفق طبعه أو لا فالأولى هي الطبيعية والثانية القسرية إذا ثبت هذا فما في السماوات والأرض وما بينهما من حركات الأفلاك والشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والمطر والنبات وحركات الأجنة في(1\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "194",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3015",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بطون أمهاتها فإنما هي بواسطة الملائكة والمدبرات أمرا والمقسمات أمرا كما دل على ذلك في نصوص من القرآن والسنة في غير موضع والإيمان بذلك من تمام الإيمان بالملائكة فإن الله وكل بالرحم ملائكة وبالقطر ملائكة وبالنبات ملائكة وبالرياح ملائكة وبالأفلاك والشمس والقمر والنجوم ووكل بكل عبد أربعة من الملائكة كاتبين عن يمينه وشماله وحافظين من بين يديه ومن خلفه ووكل ملائكة بقبض روحه وتجهيزها إلى مستقرها في الجنة والنار وملائكة بمساءلته وامتحانه في قبره وملائكة بتعذيبه في النار أو نعيمه في الجنة ووكل بالجبال ملائكة وبالسحاب ملائكة تسوقه حيث أمرت به وبالقطر ملائكة تنزل بأمر الله بقدر معلوم كما شاء الله ووكل ملائكة بغرس الجنة وعمل آلتها وفرشها والقيام عليها وملائكة بالنار كذلك. فأعظم جند الله الملائكة ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ غيره وليس لهم من الأمر شيء بل الأمر كله لله وهم يدبرون الأمر ويقسمونه بأمر الله وإذنه قال تعالى إخبارا عنهم: وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا [سورة مريم: 64] . وقال تعالى: وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى [سورة النجم: 26] . وأقسم سبحانه بطوائف من الملائكة المنفذين لأمره في الخليفة كما قال تعالى: والصافات صفا - فالزاجرات زجرا - فالتاليات ذكرا [سورة الصافات: 1 - 3] . وقال: والمرسلات عرفا - فالعاصفات عصفا - والناشرات نشرا - فالفارقات فرقا - فالملقيات ذكرا - عذرا أو نذرا [سورة المرسلات: 1 - 6] . وقال تعالى: والنازعات غرقا - والناشطات نشطا - والسابحات سبحا - فالسابقات سبقا - فالمدبرات أمرا [سورة النازعات: 1 - 5] . وقد ذكرنا معنى ذلك وسر الإقسام به في كتاب (التبيان في أقسام القرآن) .(1\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "195",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3016",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا عرفت ذلك فجميع تلك المحبات والمحركات والإرادات والأفعال: هي عبادة منهم لرب الأرض والسماوات وجميع الحركات الطبيعية والقسرية تابعة لها فلولا الحب ما دارت الأفلاك ولا تحركت الكواكب النيرات ولا هبت الرياح المسخرات ولا مرت السحب الحاملات ولا تحركت الأجنة في بطون الأمهات ولا انصدع عن الحب أنواع النبات ولا اضطربت أمواج الزاخرات ولا تحركت المدبرات والمقسمات ولا سبحت بحمد فاطرها الأرضون والسماوات وما فيها من أنواع المخلوقات فسبحان من: تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا [سورة الإسراء: 44] .  [فصل الحب لله وحده] فصل الحب لله وحده فإذا عرف ذلك فكل حي له إرادة ومحبة وعمل بحسبه وكل متحرك فأصل حركته المحبة والإرادة ولا صلاح للموجودات إلا بأن تكون حركاتها ومحبتها لفاطرها وبارئها وحده كما لا وجود لها إلا بإبداعه وحده. ولهذا قال تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [سورة الأنبياء: 22] . ولم يقل سبحانه: لما وجدتا ولكانتا معدومتين ولا قال: لعدمتا إذ هو سبحانه قادر على أن يبقيهما على وجه الفساد لكن لا يمكن أن يكونا على وجه الصلاح والاستقامة إلا بأن يكون الله وحده هو معبودهما ومعبود ما حوتاه وسكن فيهما فلو كان في العالم إلهان لفسد نظامه غاية الفساد فإن كل إله كان يطلب مغالبة الآخر والعلو عليه وتفرده دونه بإلهيته إذ الشركة نقص في كمال الإلهية والإله لا يرضى لنفسه أن يكون إلها ناقصا فإن قهر أحدهما الآخر كان هو الإله وحده والمقهور ليس بإله وإن لم يقهر أحدهما الآخر لزم عجز كل منهما ولم يكن تام الإلهية فيجب أن يكون فوقهما إله قاهر لهما حاكم عليهما وإلا ذهب كل منهما بما خلق وطلب كل منهما العلو على الآخر وفي ذلك فساد أمر السماوات والأرض ومن فيها كما هو المعهود من فساد البلد إذا كان فيها ملكان متكافئان وفساد الزوجة إذا كان لها بعلان والشول: إذا كان فيه فحلان. وأصل فساد العالم إنما هو من اختلاف الملوك والخلفاء ولهذا لم يطمع أعداء الإسلام(1\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "196",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3017",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيه في زمن من الأزمنة إلا في زمن تعدد الملوك من المسلمين واختلافهم وانفراد كل منهم ببلاد وطلب بعضهم العلو على بعض. فصلاح السماوات والأرض واستقامتها وانتظام أمر المخلوقات على أتم نظام من أظهر الأدلة على أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير وأن كل معبود من لدن عرشه إلى قرار أرضه باطل إلا وجهه الأعلى قال الله تعالى: ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون - عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون [سورة المؤمنون: 91 - 93] . وقال تعالى: أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون - لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون - لا يسأل عما يفعل وهم يسألون [سورة الأنبياء: 21 - 23] . وقال تعالى: قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا [سورة الإسراء: 42] . فقيل: لابتغوا السبيل إليه بالمغالبة والقهر كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض ويدل عليه قوله في الآية الأخرى: ولعلا بعضهم على بعض . قال شيخنا - رضي الله عنه -: والصحيح أن المعنى: لابتغوا إليه سبيلا بالتقرب إليه وطاعته فكيف تعبدونهم من دونه وهم لو كانوا آلهة كما يقولون لكانوا عبيدا له قال: ويدل على هذا وجوه: منها: قوله تعالى: أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه [سورة الإسراء: 57] . أي هؤلاء الذين تعبدونهم من دوني هم عبادي كما أنتم عبادي ويرجون رحمتي ويخافون عذابي فلماذا تعبدونهم من دوني الثاني: أنه سبحانه لم يقل لابتغوا عليه سبيلا بل قال: لابتغوا إليه سبيلا وهذا اللفظ إنما يستعمل في التقرب كقوله تعالى: اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة [سورة المائدة: 35] .(1\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "197",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3018",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما في المغالبة فإنما يستعمل بعلى كقوله: فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا [سورة النساء: 34] . والثالث: أنهم لم يقولوا إن آلهتهم تغالبه وتطلب العلو عليه وهو سبحانه قد قال: قل لو كان معه آلهة كما يقولون وهم إنما كانوا يقولون: إن آلهتهم تبتغي التقرب إليه وتقربهم زلفى إليه فقالوا: لو كان الأمر كما تقولون لكانت تلك الآلهة عبيدا له فلماذا تعبدون عبيده من دونه  [فصل آثار المحبة] فصل آثار المحبة والمحبة لها آثار وتوابع ولوازم وأحكام سواء كانت محمودة أو مذمومة نافعة أو ضارة من الوجد والذوق والحلاوة والشوق والأنس والاتصال بالمحبوب والقرب منه والانفصال عنه والبعد عنه والصد والهجران والفرح والسرور والبكاء والحزن وغير ذلك من أحكامها ولوازمها. والمحبة المحمودة: هي المحبة النافعة التي تجلب لصاحبها ما ينفعه في دنياه وآخرته وهذه المحبة هي عنوان السعادة والضارة: هي التي تجلب لصاحبها ما يضره في دنياه وآخرته وهي عنوان الشقاوة. ومعلوم أن الحي العاقل لا يختار محبة ما يضره ويشقيه وإنما يصدر ذلك عن جهل وظلم فإن النفس قد تهوى ما يضرها ولا ينفعها وذلك من ظلم الإنسان لنفسه إما بأن تكون جاهلة بحال محبوبها بأن تهوى الشيء وتحبه غير عالمة بما في محبته من المضرة وهذا حال من اتبع هواه بغير علم وإما عالمة بما في محبته من الضرر لكن تؤثر هواها على علمها وقد تتركب محبتها على أمرين: اعتقاد فاسد وهو مذموم وهذا حال من اتبع الظن وما تهوى الأنفس فلا تقع المحبة الفاسدة إلا من جهل أو اعتقاد فاسد أو هوى غالب أو ما تركب من ذلك فأعان بعضه بعضا فتنفق شبهة وشهوة شبهة يشتبه بها الحق بالباطل وتزين له أمر المحبوب وشهوة تدعوه إلى حصوله فيتساعد جيش الشبهة والشهوة على جيش العقل والإيمان والغلبة لأقواهما. وإذا عرف هذا فتوابع كل نوع من أنواع المحبة له حكم متبوعه فالمحبة النافعة المحمودة التي هي عنوان سعادة العبد وتوابعها كلها نافعة له فحكمها حكم متبوعها فإن(1\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "198",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3019",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بكى نفعه وإن حزن نفعه وإن فرح نفعه وإن انقبض نفعه وإن انبسط نفعه فهو يتقلب في منازل المحبة وأحكامها في مزيد وربح وقوة. والمحبة الضارة المذمومة توابعها وآثارها كلها ضارة لصاحبها مبعدة له من ربه كيفما تقلب في آثارها ونزل في منازلها في خسارة وبعد. وهذا شأن كل فعل تولد عن طاعة ومعصية فكل ما تولد من الطاعة فهو زيادة لصاحبها وقربة وكل ما تولد عن المعصية فهو خسران لصاحبه وبعد قال تعالى: ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين - ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون [سورة التوبة: 120 - 121] . فأخبر الله سبحانه في الآية الأولى: أن المتولد عن طاعتهم وأفعالهم يكتب به عمل صالح وأخبر في الثانية: أن أعمالهم الصالحة التي باشروها تكتب لهم أنفسها والفرق بينهما: أن الأول ليس من فعلهم وإنما تولد عنه فكتب لهم به عمل صالح والثاني نفس أعمالهم فكتب لهم. فليتأمل قتيل المحبة هذا الفصل حق التأمل ليعلم ما له وما عليه. سيعلم يوم العرض أي بضاعة ... أضاع وعند الوزن ما كان حصلا  [فصل المحبة أصل كل دين] فصل المحبة أصل كل دين وكما أن المحبة والإرادة أصل كل فعل كما تقدم فهي أصل كل دين سواء أكان حقا أو باطلا فإن الدين هو من الأعمال الباطنة والظاهرة والمحبة والإرادة أصل ذلك كله والدين هو الطاعة والعبادة والخلق فهو الطاعة اللازمة الدائمة التي صارت خلقا وعادة ولهذا فسر الخلق بالدين في قوله تعالى: وإنك لعلى خلق عظيم [سورة القلم: 4] . وقال الإمام أحمد عن ابن عيينة قال ابن عباس: لعلى دين عظيم. وسئلت عائشة عن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: quot; كان خلقه القرآن quot;.(1\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "199",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3020",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والدين فيه معنى الإذلال والقهر وفيه معنى الذل والخضوع والطاعة فلذلك يكون من الأعلى إلى الأسفل كما يقال: دنته فدان أي قهرته فذل. قال الشاعر: هو دان الرباب إذ كرهوا الد ... ين فأضحوا بعزة وصيال ويكون من الأدنى إلى الأعلى كما يقال: دنت الله ودنت لله وفلان لا يدين الله دينا ولا يدين الله بدين فدان الله: أي أطاع الله وأحبه وخافه ودان الله: تخشع له وخضع وذل وانقاد. والدين الباطن لا بد فيه من الحب والخضوع كالعبادة سواء بخلاف الدين الظاهر فإنه لا يستلزم الحب وإن كان فيه انقياد وذل في الظاهر. وسمى الله سبحانه يوم القيامة [يوم الدين] فإنه اليوم الذي يدين فيه الناس فيه بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر وذلك يتضمن جزاءهم وحسابهم فلذلك فسروه بيوم الجزاء ويوم الحساب. وقال تعالى: فلولا إن كنتم غير مدينين - ترجعونها إن كنتم صادقين [سورة الواقعة: 86 - 87] . أي هلا تردون الروح إلى مكانها إن كنتم غير مربوبين مقهورين ولا مجزيين وهذه الآية تحتاج إلى تفسير فإنها سيقت للاحتجاج عليهم في إنكارهم البعث والحساب ولا بد أن يكون الدليل مستلزما لمدلوله بحيث ينتقل الذهن منه إلى المدلول لما بينهما من التلازم فيكون الملزوم دليلا على لازمه ولا يجب العكس. ووجه الاستدلال: أنهم إذا أنكروا البعث والجزاء فقد كفروا بربهم وأنكروا قدرته وربوبيته وحكمته فإما أن يقروا بأن لهم ربا قاهرا متصرفا فيهم كما سيميتهم إذا شاء ويحييهم إذا شاء ويأمرهم وينهاهم ويثيب محسنهم ويعاقب مسيئهم وإما أن لا يقروا برب هذا شأنه فإن أقروا به آمنوا بالبعث والنشور والدين الأمري والجزائي وإن أنكروه كفروا به فقد زعموا أنهم غير مربوبين ولا محكوم عليهم ولا لهم رب يتصرف فيهم كما أراد فهلا يقدرون على دفع الموت عنهم إذا جاءهم وعلى رد الروح إلى مستقرها إذا بلغت الحلقوم وهذا خطاب للحاضرين وهم عند المحتضر وهم يعاينون موته أي: فهلا تردون الروح إلى مكانها إن كان لكم قدرة وتصرف ولستم بمربوبين ولا بمقهورين لقاهر قادر تمضي عليكم أحكامه وتنفذ أوامره وهذه غاية التعجيز لهم إذ بين عجزهم عن رد نفس واحدة إلى(1\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "200",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3021",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مكانها ولو اجتمع على ذلك الثقلان فيا لها من آية دالة على وحدانيته وربوبيته سبحانه وتصرفه في عباده ونفوذ أحكامه فيهم وجريانها عليهم. الدين دينان والدين دينان: دين شرعي أمري ودين حسابي جزائي وكلاهما لله وحده فالدين كله لله أمرا أو جزاء والمحبة أصل كل واحد من الدينين فإن ما شرعه سبحانه وتعالى وأمر به يحبه ويرضاه وما نهى عنه فإنه يكرهه ويبغضه لمنافاته لما يحبه ويرضاه فهو يحب ضده فعاد دينه الأمري كله إلى محبته ورضاه. ودين العبد لله به إنما يقبل إذا كان عن محبته ورضاه كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - رسولا  فهذا مدين قائم بالمحبة وبسببها شرع ولأجلها شرع وعليها أسس وكذلك دينه الجزائي فإنه يتضمن مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته وكل من الأمرين محبوب للرب فإنهما عدله وفضله وكلاهما من صفات كماله وهو سبحانه يحب صفاته وأسماءه ويحب من يحبها وكل واحد من الدينين فهو صراطه المستقيم الذي هو عليه سبحانه فهو على صراط مستقيم في أمره ونهيه وثوابه وعقابه كما قال تعالى إخبارا عن نبيه هود عليه الصلاة والسلام إذ قال لقومه: إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون - من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون - إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم [سورة هود: 54 - 56] . ولما علم نبي الله هود عليه السلام أن ربه على صراط مستقيم في خلقه وأمره ونهيه وثوابه وعقابه وقضائه وقدره ومنعه وعطائه وعافيته وبلائه وتوفيقه وخذلانه لا يخرج في ذلك عن موجب كماله المقدس الذي يقتضيه أسماؤه وصفاته من العدل والحكمة والرحمة والإحسان والفضل ووضع الثواب مواضعه والعقوبة في موضعها اللائق بها ووضع التوفيق والخذلان والعطاء والمنع والهداية والإضلال كل ذلك في أماكنه ومحاله اللائقة به بحيث يستحق على ذلك كمال الحمد والثناء أوجب له ذلك العلم والعرفان إذ نادى على رؤوس الملأ من قومه بجنان ثابت وقلب غير خائف بل متجرد لله إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون - من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون - إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم . ثم أخبر عن عموم قدرته وقهره لكل ما سواه وذل كل شيء لعظمته فقال:(1\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "201",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3022",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم  فكيف أخاف من ناصيته بيد غيره وهو في قهره وقبضته وتحت قهره وسلطانه دونه وهل هذا إلا من أجهل الجهل وأقبح الظلم ثم أخبر أنه سبحانه على صراط مستقيم فكل ما يقضيه ويقدره فلا يخاف العبد جوره ولا ظلمه فلا أخاف ما دونه فإن ناصيته بيده ولا أخاف جوره وظلمه فإنه على صراط مستقيم فهو سبحانه ماض في عبده حكمه عدل فيه قضاؤه له الملك وله الحمد ولا يخرج في تصرفه في عباده عن العدل والفضل إن أعطى وأكرم وهدى ووفق فبفضله ورحمته وإن منع وأهان وأضل وخذل وأشقى فبعدله وحكمته وهو على صراط مستقيم في هذا وهذا. وفي الحديث الصحيح: ما أصاب عبدا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرجا قالوا: يا رسول الله ألا نتعلمهن قال: بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن . وهذا يتناول حكم الرب الكوني والأمري وقضاءه الذي يكون باختيار العبد وغير اختياره وكلا الحكمين ماض في عبده وكلا القضائين عدل فيه فهذا الحديث مشتق من هذه الآية بينهما أقرب نسب.  [فصل عشق الصور] فصل عشق الصور ونختم الجواب بفصل متعلق بعشق الصور وما فيه من المفاسد العاجلة والآجلة وإن كانت أضعاف ما ذكره ذاكر فإنه يفسد القلب بالذات وإذا فسد القلب فسدت الإرادات والأقوال والأعمال وفسد ثغر التوحيد كما تقدم وكما سنقرره أيضا إن شاء الله تعالى. والله سبحانه وتعالى إنما حكى هذا المرض عن طائفتين من الناس وهم اللوطية والنساء فأخبر عن عشق امرأة العزيز ليوسف وما راودته وكادته به وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف بصبره وعفته وتقواه مع أن الذي ابتلي به أمر لا يصبر عليه إلا من صبره(1\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "202",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3023",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله فإن مواقعة الفعل بحسب قوة الداعي وزوال المانع وكان الداعي هاهنا في غاية القوة وذلك من وجوه: أحدها: ما ركبه الله سبحانه في طبع الرجل من ميله إلى المرأة كما يميل العطشان إلى الماء والجائع إلى الطعام حتى إن كثيرا من الناس يصبر عن الطعام والشراب ولا يصبر عن النساء وهذا لا يذم إذا صادف حلالا بل يحمد كما في كتاب الزهد للإمام أحمد من حديث يوسف بن عطية الصفار عن ثابت البناني عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: حبب إلي من دنياكم النساء والطيب أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن . الثاني: أن يوسف عليه السلام كان شابا وشهوة الشباب وحدته أقوى. الثالث: أنه كان عزبا ليس له زوجة ولا سرية تكسر شدة الشهوة. الرابع: أنه كان في بلاد غربة يتأتى للغريب فيها من قضاء الوطر ما لا يتأتى له في وطنه وبين أهله ومعارفه. الخامس: أن المرأة كانت ذات منصب وجمال بحيث إن كل واحد من هذين الأمرين يدعو إلى مواقعتها. السادس: أنها غير ممتنعة ولا آبية فإن كثيرا من الناس يزيل رغبته في المرأة إباؤها وامتناعها لما يجد في نفسه من ذل الخضوع والسؤال لها وكثير من الناس يزيده الإباء والامتناع إرادة وحبا كما قال الشاعر: وزادني كلفا في الحب أن منعت ... أحب شيء إلى الإنسان ما منعا فطباع الناس مختلفة فمنهم من يتضاعف حبه عند بذل المرأة ورغبتها ويضمحل عند إبائها وامتناعها وأخبرني بعض القضاة أن إرادته وشهوته تضمحل عند امتناع امرأته أو سريته وإبائها بحيث لا يعاودها ومنهم من يتضاعف حبه وإرادته بالمنع فيشتد شوقه كلما منع ويحصل له من اللذة بالظفر بالضد بعد امتناعه ونفاره واللذة بإدراك المسألة بعد استصعابها وشدة الحرص على إدراكها. السابع: أنها طلبت وأرادت وبذلت الجهد فكفته مؤنة الطلب وذل الرغبة إليها بل كانت هي الراغبة الذليلة وهو العزيز المرغوب إليه. الثامن: أنه في دارها وتحت سلطانها وقهرها بحيث يخشى إن لم يطاوعها من أذاها له فاجتمع داعي الرغبة والرهبة.(1\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "203",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3024",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التاسع: أنه لا يخشى أن تنم عليه هي ولا أحد من جهتها فإنها هي الطالبة الراغبة وقد غلقت الأبواب وغيبت الرقباء. العاشر: أنه كان في الظاهر مملوكا لها في الدار بحيث يدخل ويخرج ويحضر معها ولا ينكر عليه وكان الأنس سابقا على الطلب وهو من أقوى الدواعي كما قيل لامرأة شريفة من أشراف العرب: ما حملك على الزنى قالت: قرب الوساد وطول السواد تعني قرب وساد الرجل من وسادتي وطول السواد بيننا. الحادي عشر: أنها استعانت عليه بأئمة المكر والاحتيال فأرته إياهن وشكت حالها إليهن لتستعين بهن عليه واستعان هو بالله عليهن فقال: وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين [سورة يوسف: 33] . الثاني عشر: أنها توعدته بالسجن والصغار وهذا نوع إكراه إذ هو تهديد من يغلب على الظن وقوع ما هدد به فيجتمع داعي الشهوة وداعي السلامة من ضيق السجن والصغار. الثالث عشر: أن الزوج لم يظهر منه الغيرة والنخوة ما يفرق به بينهما ويبعد كلا منهما عن صاحبه بل كان غاية ما قابلها به أن قال ليوسف: أعرض عن هذا وللمرأة: واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين وشدة الغيرة للرجل من أقوى الموانع وهنا لم يظهر منه غيرة. ومع هذه الدواعي كلها فآثر مرضاة الله وخوفه وحمله حبه لله على أن اختار السجن على الزنى: قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه [سورة يوسف: 33] . وعلم أنه لا يطيق صرف ذلك عن نفسه وأن ربه تعالى إن لم يعصمه ويصرف عنه كيدهن صبا إليهن بطبعه وكان من الجاهلين وهذا من كمال معرفته بربه وبنفسه. وفي هذه القصة من العبر والفوائد والحكم ما يزيد على الألف فائدة لعلنا إن وفق الله أن نفردها في مصنف مستقل.(1\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "204",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3025",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل عشق اللوطية] فصل عشق اللوطية والطائفة الثانية الذين حكى الله عنهم العشق: هم اللوطية كما قال تعالى: وجاء أهل المدينة يستبشرون - قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون - واتقوا الله ولا تخزون - قالوا أولم ننهك عن العالمين - قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين - لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون [سورة الحجر: 67 - 72] . فهذه الأمة عشقت فحكاه سبحانه عن طائفتين عشق كل منهما ما حرم عليه من الصور ولم يبال بما في عشقه من الضرر. وهذا داء أعيا الأطباء دواؤه وعز عليهم شفاؤه وهو والله الداء العضال والسم القتال الذي ما علق بقلب إلا وعز على الورى خلاصه من إساره ولا اشتعلت ناره في مهجة إلا وصعب على الخلق تخليصها من ناره. وهو أقسام: تارة يكون كفرا: لمن اتخذ معشوقه ندا يحبه كما يحب الله فكيف إذا كانت محبته أعظم من محبة الله في قلبه فهذا عشق لا يغفر لصاحبه فإنه من أعظم الشرك والله لا يغفر أن يشرك به وإنما يغفر بالتوبة الماحية ما دون ذلك. وعلامة العشق الشركي الكفري: أن يقدم العاشق رضاء معشوقه على ربه وإذا تعارض عنده حق معشوقه وحظه وحق ربه وطاعته قدم حق معشوقه على حق ربه وآثر رضاه على رضاه وبذل له أنفس ما يقدر عليه وبذل لربه - إن بذل - أردأ ما عنده واستفرغ وسعه في مرضاة معشوقه وطاعته والتقرب إليه وجعل لربه - إن أطاعه - الفضلة التي تفضل معشوقه من ساعاته. فتأمل حال أكثر عشاق الصور تجدها مطابقة لذلك ثم ضع حالهم في كفة وتوحيدهم وإيمانهم في كفة ثم زن وزنا يرضى الله به ورسوله ويطابق العدل وربما صرح العاشق منهم بأن وصل معشوقه أحب إليه من توحيد ربه كما قال العاشق الخبيث: يترشفن من فمي رشفات ... هن أحلى فيه من التوحيد وكما صرح الخبيث الآخر أن وصل معشوقه أشهى إليه من رحمة ربه وقد مر.(1\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "205",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3026",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بلا ريب إن هذا العشق من أعظم الشرك وكثير منهم يصرح بأنه لم يبق في قلبه موضع لغير معشوقه ألبتة بل قد ملك عليه قلبه كله فصار عبدا محضا من كل وجه لمعشوقه فقد رضي هذا من عبودية الخالق جل جلاله بعبودية مخلوق مثله: فإن العبودية هي كمال الحب والخضوع وهذا قد استفرغ قوة حبه وخضوعه وذله لمعشوقه فقد أعطاه حقيقة العبودية. ولا نسبة بين مفسدة هذا الأمر العظيم ومفسدة الفاحشة فإن تلك ذنب كبير لفاعله حكم أمثاله ومفسدة هذا العشق مفسدة الشرك وكان بعض الشيوخ من العارفين يقول: لأن أبتلى بالفاحشة مع تلك الصورة أحب إلي من أن أبتلى فيها بعشق يتعبد لها قلبي ويشغله عن الله.  [فصل دواء العشق] فصل دواء العشق ودواء هذا الداء القتال: أن يعرف أن ما ابتلي به من هذا الداء المضاد للتوحيد إنما هو من جهله وغفلة قلبه عن الله تعالى فعليه أن يعرف توحيد ربه وسنته أولا ثم يأتي من العبادات الظاهرة والباطنة بما يشغل قلبه عن دوام الفكرة فيه ويكثر اللجأ والتضرع إلى الله سبحانه في صرف ذلك عنه وأن يراجع بقلبه إليه وليس له دواء أنفع من الإخلاص لله وهو الدواء الذي ذكره الله في كتابه حيث قال: كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين [سورة يوسف: 24] . وأخبر سبحانه أنه صرف عنه السوء من العشق والفحشاء من الفعل بإخلاصه فإن القلب إذا أخلص وأخلص عمله لله لم يتمكن منه عشق الصور فإنه إنما يتمكن من قلب فارغ كما قال: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا وليعلم العاقل أن العقل والشرع يوجبان تحصيل المصالح وتكميلها وإعدام المفاسد وتقليلها فإذا عرض للعاقل أمر يرى فيه مصلحة ومفسدة وجب عليه أمران: أمر علمي وأمر عملي فالعلمي: معرفة الراجح من طرفي المصلحة والمفسدة فإذا تبين له الرجحان وجب عليه إيثار الأصلح له.(1\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "206",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3027",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أضرار العشق ومن المعلوم أنه ليس في عشق الصور مصلحة دينية ولا دنيوية بل مفسدته الدينية والدنيوية أضعاف أضعاف ما يقدر فيه من المصلحة وذلك من وجوه: أحدها: الاشتغال بحب المخلوق وذكره عن حب الرب تعالى وذكره فلا يجتمع في القلب هذا وهذا إلا ويقهر أحدهما الآخر ويكون السلطان والغلبة له. الثاني: عذاب قلبه به فإن من أحب شيئا غير الله عذب به ولا بد كما قيل: فما في الأرض أشقى من محب ... وإن وجد الهوى حلو المذاق تراه باكيا في كل حين ... مخافة فرقة أو لاشتياق فيبكي إن نأوا شوقا إليهم ... ويبكي إن دنوا خوف الفراق فتسخن عينه عند الفراق ... وتسخن عينه عند التلاقي والعشق وإن استلذ به صاحبه فهو أعظم من عذاب القلب. الثالث: أن قلبه أسير قبضة غيره يسومه الهوان ولكن لسكرته لا يشعر بمصابه فقلبه كعصفورة في كف طفل يسومها حياض الردى والطفل يلهو ويلعب كما قال بعض هؤلاء: ملكت فؤادي بالقطيعة والجفا ... وأنت خلي البال تلهو وتلعب فعيش العاشق عيش الأسير الموثق وعيش الخلي عيش المسيب المطلق. طليق برأي العين وهو أسير ... عليل على قطب الهلاك يدور وميت يرى في صورة الحي غاديا ... وليس له حتى النشور نشور أخو غمرات ضاع فيهن قلبه ... فليس له حتى الممات حضور الرابع: أنه يشتغل به عن مصالح دينه ودنياه فليس شيء أضيع لمصالح الدين والدنيا من عشق الصور أما مصالح الدين فإنها منوطة بلم شعث القلب وإقباله على الله وعشق الصور أعظم شيء تشعيثا وتشتيتا له. وأما مصالح الدنيا فهي تابعة في الحقيقة لمصالح الدين فمن انفرطت عليه مصالح دينه وضاعت عليه فمصالح دنياه أضيع وأضيع. الخامس: أن آفات الدنيا والآخرة أسرع إلى عشاق الصور من النار في يابس الحطب وسبب ذلك: أن القلب كلما قرب من العشق وقوي اتصاله به بعد من الله فأبعد(1\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "207",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3028",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القلوب من الله قلوب عشاق الصور وإذا بعد القلب من الله طرقته الآفات وتولاه الشيطان من كل ناحية واستولى عليه لم يدع أذى يمكنه إيصاله إليه إلا أوصله فما الظن بقلب تمكن منه عدوه وأحرص الخلق على غيه وفساده وبعد منه وليه ومن لا سعادة له ولا فرح ولا سرور إلا بقربه وولايته السادس: أنه إذا تمكن من القلب واستحكم وقوي سلطانه أفسد الذهن وأحدث الوسواس وربما ألحق صاحبه بالمجانين الذين فسدت عقولهم فلا ينتفعون بها. وأخبار العشاق في ذلك موجودة في مواضعها بل بعضها مشاهد بالعيان وأشرف ما في الإنسان عقله وبه يتميز عن سائر الحيوانات فإذا عدم عقله التحق بالحيوان البهيم بل ربما كان حال الحيوان أصلح من حاله وهل أذهب عقل مجنون ليلى وأضرابه إلا ذلك وربما زاد جنونه على جنون غيره كما قيل: قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم ... العشق أعظم مما بالمجانين العشق لا يستفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين السابع: أنه ربما أفسد الحواس أو بعضها إما إفسادا معنويا أو صوريا أما الفساد المعنوي فهو تابع لفساد القلب فإن القلب إذا فسد فسدت العين والأذن واللسان فيرى القبيح حسنا منه ومن معشوقه كما في المسند مرفوعا: حبك الشيء يعمي ويصم فهو يعمي عين القلب عن رؤية مساوئ المحبوب وعيوبه فلا ترى العين ذلك ويصم أذنه عن الإصغاء إلى العدل فيه فلا تسمع الأذن ذلك والرغبات تستر العيوب فالراغب في الشيء لا يرى عيوبه حتى إذ زالت رغبته فيه أبصر عيوبه فشدة الرغبة غشاوة على العين تمنع من رؤية الشيء على ما هو به كما قيل: هويتك إذ عيني عليها غشاوة ... فلما انجلت قطعت نفسي ألومها والداخل في الشيء لا يرى عيوبه والخارج منه الذي لم يدخل فيه لا يرى عيوبه ولا يرى عيوبه إلا من دخل فيه ثم خرج منه ولهذا كان الصحابة الذين دخلوا في الإسلام بعد الكفر خيرا من الذين ولدوا في الإسلام. قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إنما تنتقض عرى الإسلام عروة عروة إذا ولد في الإسلام من لا يعرف الجاهلية. وأما فساد الحواس ظاهرا فإنه يمرض البدن وينهكه وربما أدى إلى تلفه كما هو المعروف في أخبار من قتلهم العشق.(1\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "208",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3029",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد رفع إلى ابن عباس وهو بعرفة شاب قد انتحل حتى عاد جلدا على عظم فقال: ما شأن هذا قالوا: به العشق فجعل ابن عباس يستعيذ بالله من العشق عامة يومه. الثامن: أن العشق كما تقدم هو الإفراط في المحبة بحيث يستولي المعشوق على قلب العاشق حتى لا يخلو من تخيله وذكره والفكر فيه بحيث لا يغيب عن خاطره وذهنه فعند ذلك تشتغل النفس عن استخدام القوة الحيوانية والنفسانية فتتعطل تلك القوة فيحدث بتعطيلها من الآفات على البدن والروح ما يعز دواؤه ويتعذر فتتغير أفعاله وصفاته ومقاصده ويختل جميع ذلك فتعجز البشر عن صلاحه كما قيل: الحب أول ما يكون لجاجة ... يأتي بها وتسوقه الأقدار حتى إذا خاض الفتى لجج الهوى ... جاءت أمور لا تطاق كبار والعشق مباديه سهلة حلوة وأوسطه هم وشغل قلب وسقم وآخره عطب وقتل إن لم تتداركه عناية من الله تعالى كما قيل: وعش خاليا فالحب أوله عنا ... وأوسطه سقم وآخره قتل وقال آخر: تولع بالعشق حتى عشق ... فلما استقل به لم يطق رأى لجة ظنها موجة ... فلما تمكن منها غرق والذنب له فهو الجاني على نفسه وقد قعد تحت المثل السائر: quot; يداك أوكتا وفوك نفخ quot;.  [فصل مقامات العاشق] فصل مقامات العاشق والعاشق له ثلاث مقامات: مقام ابتداء ومقام توسط ومقام انتهاء. فأما مقام ابتدائه: قالوا: يجب عليه مدافعته بكل ما يقدر عليه إذا كان الوصول إلى معشوقه متعذرا قدرا وشرعا فإن عجز عن ذلك وأبى قلبه إلا السفر إلى محبوبه - وهذا مقام التوسط والانتهاء - فعليه كتمانه ذلك وأن لا يفشيه إلى الخلق ولا يشمت بمحبوبه ويهتكه بين الناس فيجمع بين الشرك والظلم فإن الظلم في هذا الباب من أعظم أنواع(1\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "209",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3030",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الظلم وربما كان أعظم ضررا على المعشوق وأهله من ظلمه في ماله فإنه يعرض المعشوق بهتكه في عشقه إلى وقوع الناس فيه وانقسامهم إلى مصدق ومكذب وأكثر الناس يصدق في هذا الباب بأدنى شبهة وإذا قيل فلان فعل بفلان أو بفلانة كذبه واحد وصدقه تسعمائة وتسعة وتسعون. وخبر العاشق المتهتك عند الناس في هذا الباب يفيد القطع اليقيني بل إذا أخبرهم المفعول به عن نفسه كذبا وافتراء على غيره جزموا بصدقه جزما لا يحتمل النقيض بل لو جمعهما مكان واحد اتفاقا لجزموا أن ذلك عن وعد واتفاق بينهما وجزمهم في هذا الباب على الظنون والتخيل والشبه والأوهام والأخبار الكاذبة كجزمهم بالحسيات المشاهدة وبذلك وقع أهل الإفك في الطيبة المطيبة حبيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المبرأة من فوق سبع سماوات بشبهة مجيء صفوان بن المعطل بها وحده خلف العسكر حتى هلك من هلك ولولا أن تولى الله سبحانه براءتها والذب عنها وتكذيب قاذفها لكان أمرا آخر. والمقصود: أن في إظهار المبتلى عشق من لا يحل له الاتصال به من ظلمه وأذاه ما هو عدوان عليه وعلى أهله وتعرض لتصديق كثير من الناس ظنونهم فيه فإن استعان عليه بمن يستميله إليه إما برغبة أو رهبة تعدى الظلم وانتشر وصار ذلك الواسطة ديوثا ظالما وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد لعن الرائش - وهو الواسطة بين الراشي والمرتشي في إيصال الرشوة - فما ظنك بالديوث الواسطة بين العاشق والمعشوق في الوصل فيتساعد العاشق والديوث على ظلم المعشوق وظلم غيره ممن يتوقف حصول غرضه على ظلمه في نفس أو مال أو عرض فإن كثيرا ما يتوقف المطلوب فيه على قتل نفس يكون حياتها مانعة من غرضه وكم قتيل طل دمه بهذا السبب من زوج وسيد وقريب وكم خببت امرأة على بعلها وجارية وعبد على سيدهما وقد لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فعل ذلك وتبرأ منه وهو من أكبر الكبائر. وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه وأن يستام على سوم أخيه فكيف بمن يسعى في التفريق بين رجل وبين امرأته وأمته حتى يتصل بهما وعشاق الصور ومساعدوهم من الديايثة لا يرون ذلك ذنبا فإن طلب العاشق وصل معشوقه ومشاركة الزوج والسيد ففي ذلك من إثم ظلم الغير ما لعله لا يقصر عن إثم الفاحشة وإن لم يرب عليها ولا يسقط حق الغير بالتوبة من الفاحشة فإن التوبة وإن أسقطت حق الله فحق العبد باق له المطالبة به يوم القيامة فإن من ظلم الوالد إفساد ولده وفلذة كبده ومن هو أعز عليه من نفسه فظلم الزوج بإفساد حبيبته والجناية على فراشه - أعظم من ظلمه بأخذ ماله كله ولهذا يؤذيه ذلك أعظم مما يؤذيه أخذ ماله ولا يعدل ذلك عنده إلا سفك دمه فيا له من ظلم أعظم إثما من فعل الفاحشة فإن كان ذلك حقا لغاز(1\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "210",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3031",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في سبيل الله وقف له الجاني الفاعل يوم القيامة وقيل له: خذ من حسناته ما شئت كما أخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -. ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: فما ظنكم أي: فما تظنون يبقى له من حسناته فإن انضاف إلى ذلك أن يكون المظلوم جارا أو ذا رحم محرم تعدد الظلم فصار ظلما مؤكدا لقطيعة الرحم وإيذاء الجار ولا يدخل الجنة قاطع رحم ولا من لا يأمن جاره بوائقه. فإن استعان العاشق على وصال معشوقه بشياطين الجن - إما بسحر أو استخدام أو نحو ذلك - ضم إلى الشرك والظلم كفر السحر فإن لم يفعله هو ورضي به كان راضيا بالكفر غير كاره لحصول مقصده وهذا ليس ببعيد من الكفر. والمقصود أن التعاون في هذا الباب تعاون على الإثم والعدوان. وأما ما يقترن بحصول غرض العاشق من الظلم المنتشر المتعدي ضرره فأمر لا يخفى فإنه إذا حصل له مقصوده من المعشوق فللمعشوق أغراض أخر يريد من العاشق إعانته عليها فلا يجد من إعانته بدا فيبقى كل منهما يعين الآخر على الظلم والعدوان فالمعشوق يعين العاشق على ظلم من يتصل به من أهله وأقاربه وسيده وزوجه والعاشق يعين المعشوق على ظلم من يكون غرض المعشوق متوقفا على ظلمه فكل منهما يعين الآخر على أغراضه التي فيها ظلم الناس فيحصل العدوان والظلم بسبب اشتراكهما في القبح لتعاونهما بذلك على الظلم كما جرت به العادة بين العشاق والمعشوقين من إعانة العاشق لمعشوقه على ما فيه ظلم وعدوان وبغي حتى ربما يسعى له في منصب لا يليق به ولا يصلح لمثله وفي تحصيل مال من غير حله وفي استطالته على غيره فإذا اختصم معشوقه وغيره أو تشاكيا لم يكن إلا في جانب المعشوق ظالما كان أو مظلوما هذا إلى ما ينضم إلى ذاك من ظلم العاشق للناس بالتحيل على أخذ أموالهم والتوصل بها إلى معشوقه بسرقة أو غصب أو خيانة أو يمين كاذبة أو قطع طريق ونحو ذلك وربما أدى ذلك إلى قتل النفس التي حرم الله ليأخذ ماله ليتوصل به إلى معشوقه. فكل هذه الآفات وأضعافها وأضعاف أضعافها تنشأ من عشق الصور وربما حمل على الكفر الصريح وقد تنصر جماعة ممن نشئوا في الإسلام بسبب العشق كما جرى لبعض المؤذنين حين أبصر امرأة جميلة على سطح ففتن بها ونزل ودخل عليها وسألها نفسها فقالت: هي نصرانية فإن دخلت في ديني تزوجت بك ففعل فرقي في ذلك اليوم على درجة عندهم فسقط منها فمات ذكر هذا عبد الحق في كتاب العاقبة له. وإذا أراد النصارى أن ينصروا الأسير أروه امرأة جميلة وأمروها أن تطمعه في نفسها(1\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "211",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3032",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حتى إذا تمكن حبها من قلبه بذلت له نفسها إن دخل في دينها فهنالك: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء [سورة إبراهيم: 27] . وفي العشق من ظلم كل واحد من العاشق والمعشوق لصاحبه بمعاونته له على الفاحشة وظلمه لنفسه ما فيه فكل منهما ظالم لنفسه وصاحبه وظلمهما متعد إلى الغير كما تقدم وأعظم من ذلك ظلمهما بالشرك فقد تضمن العشق أنواع الظلم كلها. والمعشوق إذا لم يتق الله فإنه يعرض العاشق للتلف وذلك ظلم منه بأن يطمعه في نفسه ويتزين له ويستميله بكل طريق حتى يستخرج منه ماله ونفعه ولا يمكنه من نفسه لئلا يزول غرضه بقضاء وطره منه فهو يسومه سوء العذاب والعاشق ربما قتل معشوقه ليشفي نفسه منه ولا سيما إذا جاد بالوصال لغيره فكم للعشق من قتيل من الجانبين وكم أزال من نعمة وأفقر من غنى وأسقط من مرتبة وشتت من شمل وكم أفسد من أهل للرجل وولده فإن المرأة إذا رأت بعلها عاشقا لغيرها اتخذت هي معشوقا لنفسها فيصير الرجل مترددا بين خراب بيته بالطلاق وبين القيادة فمن الناس من يؤثر هذا ومنهم من يؤثر هذا. فعلى العاقل أن لا يحكم على نفسه عشق الصور لئلا يؤديه ذلك إلى هذه المفاسد أو أكثرها أو بعضها فمن فعل ذلك فهو المفرط بنفسه المغرر بها فإذا هلكت فهو الذي أهلكها فلولا تكراره النظر إلى وجه معشوقه وطمعه في وصاله لم يتمكن عشقه من قلبه فإن أول أسباب العشق الاستحسان سواء تولد عن نظر أو سماع فإن لم يقارنه طمع في الوصال وقارنه الإياس من ذلك لم يحدث له العشق فإن اقترن به الطمع فصرفه عن فكره ولم يشغل قلبه به لم يحدث له ذلك فإن أطال مع ذلك الفكر في محاسن المعشوق وقارنه خوف ما هو أكبر عنده من لذة وصاله إما خوف ديني كدخول النار وغضب الجبار واحتقاب الأوزار وغلب هذا الخوف على ذلك الطمع والفكر لم يحدث له ذلك العشق فإن فاته هذا الخوف فقارنه خوف دنيوي كخوف إتلاف نفسه أو ماله أو ذهاب جاهه وسقوط مرتبته عند الناس وسقوطه من عين من يعز عليه وغلب هذا الخوف لداعي العشق دفعه وكذلك إذا خاف من فوات محبوب هو أحب إليه وأنفع له من ذلك المعشوق وقدم محبته على محبة ذلك المعشوق اندفع عنه العشق فإن انتفى ذلك كله وغلبت محبة المعشوق لذلك انجذب إليه القلب بالكلية ومالت إليه النفس كل الميل. فإن قيل: قد ذكرتم آفات العشق ومضاره ومفاسده فهلا ذكرتم منافعه وفوائده التي من جملتها: رقة الطبع وترويح النفس وخفتها وزوال ثقلها ورياضتها وحملها على مكارم الأخلاق من الشجاعة والكرم والمروءة ورقة الحاشية ولطف الجانب.(1\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "212",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3033",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد قيل ليحيى بن معاذ الرازي: إن ابنك قد عشق فلانة فقال: الحمد لله الذي صيره إلى طبع الآدمي. وقال بعضهم: العشق دواء أفئدة الكرام. وقال غيره: العشق لا يصلح إلا لذي مروءة ظاهرة وخليقة طاهرة أو لذي لسان فاضل وإحسان كامل أو لذي أدب بارع وحسب ناصع. وقال آخر: العشق يشجع جنان الجبان ويصفي ذهن الغبي ويسخي كف البخيل ويذل عزة الملوك ويسكن نوافر الأخلاق وهو أنيس من لا أنيس له وجليس من لا جليس له. وقال آخر: العشق يزيل الأثقال ويلطف الروح ويصفي كدر القلب ويوجب الارتياح لأفعال الكرام كما قال الشاعر: سيهلك في الدنيا شفيق عليكم ... إذا غاله من حادث الحب غائله كريم يميت السر حتى كأنه ... إذا استفهموه عن حديثك جاهله يود بأن يمسي سقيما لعلها ... إذا سمعت عنه بشكوى تراسله ويهتز للمعروف في طلب العلا ... لتحمد يوما عند ليلى شمائله فالعشق يحمل على مكارم الأخلاق. وقال بعض الحكماء: العشق يروض النفس ويهذب الأخلاق وإظهاره طبيعي وإضماره تكليفي. وقال الآخر: من لم يهيج نفسه بالصوت الشجي والوجه البهي فهو فاسد المزاج يحتاج إلى علاج وأنشدوا في ذلك: إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فما لك في طيب الحياة نصيب وقال آخر: إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فأنت وعير في الفلاة سواء وقال آخر: إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فقم فاعتلف تبنا فأنت حمار(1\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "213",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3034",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال بعض العشاق أولو العفة والصيانة: عفوا تشرفوا واعشقوا تظفروا. وقيل لبعض العشاق: ما كنت تصنع لو ظفرت بمن تهوى فقال: كنت أمتع طرفي بوجهه وأروح قلبي بذكره وحديثه وأستر منه ما لا يحب كشفه ولا أصير بقبيح الفعل إلى ما ينقض عهده ثم أنشد: أخلو به فأعف عنه تكرما ... خوف الديانة لست من عشاقه كالماء في يد صائم يلتذه ... ظمأ فيصبر عن لذيذ مذاقه وقال أبو إسحاق بن إبراهيم: أرواح العشاق عطرة لطيفة وأبدانهم رقيقة خفيفة نزهتهم المؤانسة وكلامهم يحيي موات القلوب ويزيد في العقول ولولا العشق والهوى لبطل نعيم الدنيا. وقال آخر: العشق للأرواح بمنزلة الغذاء للأبدان إن تركته ضرك وإن أكثرت منه قتلك وفي ذلك قيل: خليلي إن الحب فيه لذاذة ... وفيه شقاء دائم وكروب على ذاك ما عيش يطيب بغيره ... ولا عيش إلا بالحبيب يطيب ولا خير في الدنيا بغير صبابة ... ولا في نعيم ليس فيه حبيب وذكر الخرائطي عن أبي غسان قال: مر أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - بجارية وهي تقول: وهويته من قبل قطع تمائمي ... متمايلا مثل القضيب الناعم سألها: أحرة أنت أم مملوكة قالت: بل مملوكة فقال: من هواك فتلكأت فأقسم عليها فقالت: وأنا التي لعب الهوى بفؤادها ... قتلت بحب محمد بن القاسم فاشتراها من مولاها وبعث بها إلى محمد بن القاسم بن جعفر بن أبي طالب فقال: هؤلاء والله فتن الرجال وكم والله مات بهن كريم وعطب بهن سليم. وجاءت جارية إلى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - تستعدي على رجل من الأنصار فقال لها عثمان: ما قصتك فقالت: كلفت يا أمير المؤمنين بابن أخيه فما أنفك أراعيه فقال عثمان: إما أن تهبها إلى ابن أخيك أو أعطيك ثمنها من مالي فقال: أشهدك يا أمير المؤمنين أنها له. ونحن لا ننكر فساد العشق الذي متعلقه فعل الفاحشة بالمعشوق وإنما الكلام في(1\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "214",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3035",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العشق العفيف من الرجل الظريف الذي يأبى له دينه وعفته ومروءته أن يفسد ما بينه وبين الله وما بينه وبين معشوقه بالحرام وهذا عشق السلف الكرام والأئمة الأعلام فهذا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة عشق حتى اشتهر أمره ولم ينكر عليه وعد ظالما من لامه ومن شعره: كتمت الهوى حتى أضر بك الكتم ... ولامك أقوام ولومهم ظلم فنم عليك الكاشحون وقبلهم ... عليك الهوى قد نم لو ينفع الكتم فأصبحت كالهندي إذ مات حسرة ... على إثر هند أو كمن شفه سقم تجنبت إتيان الحبيب تأثما ... ألا إن هجران الحبيب هو الإثم فذق هجرها قد كنت تزعم أنه ... رشاد ألا يا ربما كذب الزعم وهذا عمر بن عبد العزيز وعشقه مشهور لجارية فاطمة بنت عبد الملك وكانت جارية بارعة الجمال وكان معجبا بها وكان يطلبها من امرأته ويحرص على أن تهبها له فتأبى ولم تزل الجارية في نفس عمر فلما استخلف أمرت فاطمة بالجارية فأصلحت وكانت مثلا في حسنها وجمالها ثم دخلت على عمر وقالت: يا أمير المؤمنين إنك كنت معجبا بجاريتي فلانة وسألتها فأبيت عليك والآن قد طابت نفسي لك بها فلما قالت له ذلك استبان الفرح في وجهه وقال عجلي علي بها فلما دخلت بها عليه ازداد بها عجبا وقال لها: ألقي ثيابك ففعلت ثم قال لها: على رسلك أخبريني لمن كنت ومن أين صرت لفاطمة فقالت: أغرم الحجاج عاملا له بالكوفة مالا وكنت في رقيق ذلك العامل قالت: فأخذني وبعث بي إلى عبد الملك فوهبني لفاطمة قال: وما فعل ذلك العامل قالت: هلك قال: وهل ترك ولدا قالت: نعم قال: فما حالهم قالت: سيئة فقال: شدي عليك ثيابك واذهبي إلى مكانك ثم كتب إلى عامله على العراق: أن ابعث إلي فلان بن فلان على البريد فلما قدم قال له: ارفع إلي جميع ما أغرمه الحجاج لأبيك فلم يرفع إليه شيئا إلا دفعه إليه ثم أمر بالجارية فدفعت إليه ثم قال له: إياك وإياها فلعل أباك قد ألم بها فقال الغلام: هي لك يا أمير المؤمنين قال: لا حاجة لي بها قال: فابتعها مني قال: لست إذا ممن نهى النفس عن الهوى فلما عزم الفتى على الانصراف بها قالت: أين وجدك بي يا أمير المؤمنين قال: على حاله ولقد زاد ولم تزل الجارية في نفس عمر حتى مات رحمه الله. وهذا أبو بكر بن محمد بن داود الظاهري العالم المشهور في فنون العلم: من الفقه والحديث والتفسير والأدب وله قوله في الفقه وهو من أكابر العلماء وعشقه مشهور. قال نفطويه: دخلت عليه في مرضه الذي مات فيه فقلت: كيف تجدك فقال: حب من تعلم أورثني ما ترى فقلت: وما يمنعك من الاستمتاع به مع القدرة عليه فقال:(1\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "215",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3036",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاستمتاع على وجهين: أحدهما: النظر المباح والآخر: اللذة المحظورة فأما النظر المباح فهو الذي أورثني ما ترى وأما اللذة المحظورة فيمنعني منها ما حدثني أبي حدثنا سويد بن سعيد حدثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى القتاب عن مجاهد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - يرفعه: من عشق وكتم وعف وصبر غفر الله له وأدخله الجنة quot;. ثم أنشد: انظر إلى السحر يجري من لواحظه ... وانظر إلى دعج في طرفه الساجي وانظر إلى شعرات فوق عارضه ... كأنهن نمال دب في عاج ثم أنشد: ما لهم أنكروا سوادا بخديه ... ولا ينكرون ورد الغصون إن يكن عيب خده برد الشعر ... فعيب العيون شعر الجفون فقلت له: نفيت القياس في الفقه وأثبته في الشر فقال: غلبة الوجد وملكة النفس دعت إليه ثم مات من ليلته وبسبب معشوقه صنف كتاب الزهرة. ومن كلامه فيه: quot; من يئس ممن يهواه ولم يمت من وقته سلاه وذلك أول روعات اليأس تأتي القلب وهو غير مستعد لها فأما الثانية فتأتي القلب وقد وطأته لها الروعة الأولى quot;. والتقى هو وأبو العباس بن سريج في مجلس أبي الحسن علي بن عيسى الوزير فتناظرا في مسألة من الإيلاء فقال له ابن سريج: أنت بأن تقول: من دامت لحظاته كثرت حسراته أحذق منك بالكلام على الفقه فقال: لئن كان ذلك فإني أقول: أنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه ... يصب على الصخر الأصم تهدما وينطق طرفي عن مترجم خاطري ... فلولا اختلاسي وده لتكلما رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم ... فلست أرى ودا صحيحا مسلما فقال له أبو العباس بن سريج: بم تفخر علي ولو شئت لقلت: ومطاعمه كالشهد في نغماته ... قد بت أمنعه لذيذ سناته بصبابة وبحسنه وحديثه ... وأنزه اللحظات عن وجناته حتى إذا ما الصبح راح عموده ... ولى بخاتم ربه وبراته فقال أبو بكر: يحفظ عليه الوزير ما أقر به حتى يقيم شاهدا على أنه ولى بخاتم ربه وبراءته فقال ابن سريج: يلزمني في هذا ما يلزمك في قولك:(1\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "216",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3037",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما فضحك الوزير وقال: لقد جمعتما لطفا وظرفا ذكر ذلك أبو بكر الخطيب في تاريخه. وجاءته يوما فتيا مضمونها: يا ابن داود يا فقيه العراق ... أفتنا في قواتل الأحداق هل عليها بما أتت من جناح ... أم حلال لها دم العشاق فكتب بخطه تحت البيتين: عندي جواب مسائل العشاق ... فاسمعه من قرح الحشا مشتاق لما سألت عن الهوى هيجتني ... وأرقت دمعا لم يكن بمراق إن كان معشوقا يعذب عاشقا ... كان المعذب أنعم العشاق قال صاحب كتاب quot; منازل الأحباب quot; شهاب الدين محمد بن سليمان بن فهد صاحب كتاب الإنشاء: وقلت في جواب البيتين على قافيتهما مجيبا للسائل: قل لمن جاء سائلا عن لحاظ ... هن يلعبن في دم العشاق ما على السيف في الورى من جناح ... إن ثنى الحد عن دم مهراق وسيوف اللحاظ أولى بأن تص ... فح عما جنت على العشاق إنما كل من قتلن شهيد ... ولهذا يفنى ضنى وهو باق ونظير ذلك فتوى وردت على الشيخ أبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكوذاني شيخ الحنابلة في وقته رحمه الله: قل للإمام أبي الخطاب: مسألة ... جاءت إليك وما خلق سواك لها ماذا على رجل رام الصلاة فمذ ... لاحت لخاطره ذات الجمال لها فأجابه تحت السؤال: قل للأديب الذي وافى بمسألة ... سرت فؤادي لما أن أصخت لها إن التي فتنته عن عبادته ... خريدة ذات حسن فانثنى ولها إن تاب ثم قضى عنه عبادته ... فرحمة الله تغشى من عصى ولها وقال عبد الله بن معمر القيسي: حججت سنة ثم دخلت ذات ليلة مسجد المدينة لزيارة قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبينما أنا جالس بين القبر والمنبر إذ سمعت أنينا فأصغيت إليه فإذا هو يقول: أشجاك نوح حمائم السدر ... فأهجن منك بلابل الصدر(1\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "217",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3038",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أم عز نومك ذكر غانية ... أهدت إليك وساوس الفكر يا ليلة طالت على دنف ... يشكو السهاد وقلة الصبر أسلمت من تهوى لحر جوى ... متوقد كتوقد الجمر فالبدر يشهد أنني كلف ... مغرى بحب شبيهة البدر ما كنت أحسبني أهيم بحبها ... حتى بليت وكنت لا أدري ثم انقطع الصوت فلم أدر من أين جاء وإذا به قد عاد البكاء والأنين ثم أنشد: أشجاك من ريا خيال زائر ... والليل مسود الذوائب عاكر واغتال مهجتك الهوى برسيسة ... واهتاج مقلتك الخيال الزائر ناديت ريا والظلام كأنه ... يم تلاطم فيه موج زاخر والبدر يسري في السماء كأنه ... ملك ترجل والنجوم عساكر وترى به الجوزاء ترقص في الدجى ... رقص الحبيب علاه سكر ظاهر يا ليل طلت على محب ما له ... إلا الصباح مساعد ومؤازر فأجابني مت حتف أنفك واعلمن ... أن الهوى لهو الهوان الحاضر قال: وكنت ذهبت عند ابتدائه بالأبيات فلم يتنبه إلا وأنا عنده فرأيت شابا مقتبلا شبابه قد خرق الدمع في خده خرقين فسلمت عليه فقال: اجلس من أنت فقلت عبد الله بن معمر القيسي قال: ألك حاجة قلت: نعم كنت جالسا في الروضة فما راعني إلا صوتك فبنفسي أفديك فما الذي تجده فقال أنا عتبة بن الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري غدوت يوما إلى مسجد الأحزاب فصليت فيه ثم اعتزلت غير بعيد فإذا بنسوة قد أقبلن يتهادين مثل القطا وإذا في وسطهن جارية بديعة الجمال كاملة الملاحة فوقفت علي فقالت: يا عتبة ما تقول في وصل من يطلب وصلك ثم تركتني وذهبت فلم أسمع لها خبرا ولا قفوت لها أثرا وأنا حيران أنتقل من مكان إلى آخر ثم صرخ وأكب مغشيا عليه ثم أفاق كأنما صبغت وجنتاه بورس ثم أنشد: أراكم بقلبي من بلاد بعيدة ... فيا هل تروني بالفؤاد على بعدي فؤادي وطرفي يأسفان عليكم ... وعندكم روحي وذكركم عندي ولست ألذ العيش حتى أراكم ... ولو كنت في الفردوس في جنة الخلد فقلت: يا ابن أخي تب إلى ربك واستغفره من ذنبك فبين يديك هول المطلع فقال: ما أنا بسال حتى يئوب القارظان ولم أزل معه إلى أن طلع الصبح فقلت: قم بنا(1\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "218",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3039",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى مسجد الأحزاب فلعل الله أن يكشف كربتك فقال: أرجو ذلك إن شاء الله ببركة طاعتك فذهبنا حتى أتينا مسجد الأحزاب فسمعته يقول: يا للرجال ليوم الأربعاء أما ... ينفك يحدث لي بعد النهى طربا ما إن يزال غزال منه يقتلني ... يأتي إلى مسجد الأحزاب منتقبا يخبر الناس أن الأجر همته ... وما أتى طالبا للأجر محتسبا لو كان يبغي ثوابا ما أتى صلفا ... مضمخا بفتيت المسك مختضبا ثم جلسنا حتى صلينا الظهر فإذا بالنسوة قد أقبلن وليست الجارية فيهن فوقفن عليه وقلن له: يا عتبة ما ظنك بطالبة وصلك وكاسفة بالك قال: وما بالها قلن: أخذها أبوها وارتحل بها إلى أرض السماوة فسألتهن عن الجارية فقلن: هي ريا بنت الغطريف السلمي فرفع عتبة رأسه إليهن وقال: خليلي ريا قد أجد بكورها ... وسارت إلى أرض السماوة غيرها خليلي إني قد عشيت من البكا ... فهل عند غيري مقلة أستعيرها فقلت له: إني قد وردت بمال جزيل أريد به أهل الستر ووالله لأبذلنه أمامك حتى تبلغ رضاك وفوق الرضا فقم بنا إلى مسجد الأنصار فقمنا وسرنا حتى أشرفنا على ملأ منهم فسلمت فأحسنوا الرد فقلت: أيها الملأ ما تقولون في عتبة وأبيه قالوا: من سادات العرب قلت: فإنه قد رمي بداهية من الهوى وما أريد منكم إلا المساعدة إلى السماوة فقالوا: سمعا وطاعة فركبنا وركب القوم معنا حتى أشرفنا على منازل بني سليم فأعلم الغطريف بنا فخرج مبادرا فاستقبلنا وقال: حييتم يا كرام فقلنا: وأنت فحياك إنا لك أضياف فقال: نزلتم أكرم منزل ثم نادى: يا معشر العبيد أنزلوا القوم ففرشت الأنطاع والنمارق وذبحت الذبائح فقلنا: لسنا بذائقي طعامك حتى تقضي حاجتنا فقال: وما حاجتكم قلنا: نخطب عقيلتك الكريمة لعتبة بن الحباب بن المنذر فقال: إن التي تخطبونها أمرها إلى نفسها وأنا أدخل أخبرها ثم دخل مغضبا على ابنته فقالت: يا أبت ما لي أرى الغضب في وجهك  فقال: قد ورد الأنصار يخطبونك مني فقالت: سادات كرام استغفر لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فلمن الخطبة منهم فقال: لعتبة بن الحباب قالت: والله لقد سمعت عن عتبة هذا: إنه يفي بما وعد ويدرك إذا قصد فقال: أقسمت لا أزوجنك به أبدا ولقد نمى إلي بعض حديثك معه فقالت: ما كان ذلك ولكن إذ أقسمت فإن الأنصار لا يردون ردا قبيحا حسن لهم الرد فقال: بأي شيء قالت: أغلظ عليهم المهر فإنهم يرجعون ولا يجيبون فقال: ما أحسن ما قلت فخرج مبادرا عليهم فقال: إن فتاة الحي قد أجابت ولكني أريد لها مهر مثلها فمن القائم به فقال عبد الله بن معمر: أنا(1\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "219",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3040",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقل ما شئت فقال: ألف مثقال من الذهب ومائة ثوب من الأبراد وخمسة أكرشة من عنبر فقال عبد الله: لك ذلك كله فهل أجبت قال: نعم قال عبد الله: فأنفذت نفرا من الأنصار إلى المدينة فأتوا بجميع ما طلب ثم صنعت الوليمة وأقمنا على ذلك أياما ثم قال: خذوا فتاتكم وانصرفوا مصاحبين ثم حملها في هودج وجهزها بثلاثين راحلة من المتاع والتحف فودعناه وسرنا حتى إذا بقي بيننا وبين المدينة مرحلة واحدة خرجت علينا خيل تريد الغارة أحسبها من سليم فحمل عليها عتبة بن الحباب فقتل منهم رجالا وجرح آخرين ثم رجع وبه طعنة تفور دما فسقط إلى الأرض وانثنى بخده فطردت عنا الخيل وقد قضى عتبة نحبه فقلنا: واعتبتاه فسمعتنا الجارية فألقت نفسها من البعير وجعلت تصيح بحرقة وأنشدت: تصبرت لا أني صبرت وإنما ... أعلل نفسي أنها بك لاحقه فلو أنصفت روحي لكانت إلى الردى ... أمامك من دون البرية سابقه فما أحد بعدي وبعدك منصف ... خليلا ولا نفس لنفس موافقه ثم شهقت وقضت نحبها فاحتفرنا لهما قبرا واحدا ودفناهما فيه ثم رجعت إلى المدينة فأقمت سبع سنين ثم ذهبت إلى الحجاز ووردت المدينة فقلت: والله لآتين قبر عتبة أزوره فأتيت القبر فإذا عليه شجرة عليها عصائب حمر وصفر فقلت: لأرباب المنزل ما يقال لهذه الشجرة قالوا: شجرة العروسين. ولو لم يكن في العشق من الرخصة المخالفة للتشديد إلا الحديث الوارد بالحسن من الأسانيد وهو حديث سويد بن سعيد بن علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس يرفعه: من عشق وعف وكتم فمات فهو شهيد ورواه سويد أيضا عن ابن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا ورواه الخطيب عن الأزهري عن المعافى بن زكريا عن قطبة عن ابن الفضل عن أحمد بن مسروق عنه ورواه الزبير بن بكار عن عبد العزيز الماجشون عن عبد العزيز بن أبي حازم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس. وهذا سيد الأولين والآخرين ورسول رب العالمين - صلى الله عليه وسلم - نظر إلى زينب بنت جحش - رضي الله عنها - فقالت: سبحان مقلب القلوب وكانت تحت زيد بن حارثة مولاه فلما هم بطلاقها قال له: اتق الله وأمسك عليك زوجك فلما طلقها زوجها الله سبحانه من رسوله - صلى الله عليه وسلم - من فوق سبع سماوات فكان هو وليها وولي تزويجها من رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعقد نكاحها من فوق عرشه وأنزل على رسوله - صلى الله عليه وسلم -:(1\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "220",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3041",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه [سورة الأحزاب: 37] . وهذا داود نبي الله عليه السلام لما كان تحته تسع وتسعون امرأة ثم أحب تلك المرأة فتزوجها وكمل بها المائة. قال الزهري: أول حب كان في الإسلام حب النبي - صلى الله عليه وسلم - عائشة - رضي الله عنها - وكان مسروق يسميها حبيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال أبو قيس مولى عبد الله بن عمرو: أرسلني عبد الله بن عمرو إلى أم سلمة أسألها: أكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبل أهله وهو صائم فقالت: لا فقال: إن عائشة - رضي الله عنها - قالت: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقبلها وهو صائم فقالت أم سلمة - رضي الله عنها -: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رأى عائشة لا يتمالك عنها . وذكر سعيد بن إبراهيم عن عامر بن سعيد عن أبيه قال: كان إبراهيم الخليل عليه السلام يزور هاجر في كل يوم من الشام على البراق من شغفه بها وقلة صبره عنها. وذكر الخرائطي أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - اشترى جارية رومية فكان يحبها حبا شديدا فوقعت ذات يوم عن بغلة له فجعل يمسح التراب عن وجهها ويقبلها وكانت تكثر من أن تقول: يا بطرون أنت قالون تعني: يا مولاي أنت جيد ثم إنها هربت منه فوجد عليها وجدا شديدا وقال: قد كنت أحسبني قالون فانصرفت ... فاليوم أعلم أني غير قالون قال أبو محمد بن حزم: وقد أحب من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين كثير وقال رجل لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: يا أمير المؤمنين رأيت امرأة فعشقتها فقال: ذلك ما لا تملك. فالجواب وبالله التوفيق: أن الكلام في هذا الباب لا بد فيه من التمييز بين الواقع والجائز والنافع والضار ولا يحكم عليه بالذم والإنكار ولا بالمدح والقبول من حيث الجملة وإنما يبين حكمه وينكشف أمره بذكر متعلقه وإلا فالعشق من حيث هو لا يحمد ولا يذم ونحن نذكر النافع من الحب والضار والجائز والحرام.  [المحبة النافعة](1\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "221",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3042",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اعلم أن أنفع المحبة على الإطلاق وأوجبها وأعلاها وأجلها محبة من جبلت القلوب على محبته وفطرت الخليقة على تأليهه وبها قامت الأرض والسماوات وعليها فطرت المخلوقات وهي سر شهادة أن لا إله إلا الله فإن الإله هو الذي تأله القلوب بالمحبة والإجلال والتعظيم والذل له والخضوع والتعبد والعبادة لا تصلح إلا له وحده والعبادة هي: كمال الحب مع كمال الخضوع والذل والشرك في هذه العبودية من أظلم الظلم الذي لا يغفره الله والله تعالى يحب لذاته من جميع الوجوه وما سواه فإنما يحب تبعا لمحبته. وقد دل على وجوب محبته سبحانه جميع كتبه المنزلة ودعوة جميع رسله وفطرته التي فطر عباده عليها وما ركب فيهم من العقوق وما أسبغ عليهم من النعم فإن القلوب مفطورة مجبولة على محبة من أنعم عليها وأحسن إليها فكيف بمن كان الإحسان منه وما بخلقه جميعهم من نعمة فمنه وحده لا شريك له كما قال تعالى: وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون [سورة النحل: 53] . وما تعرف به إلى عباده من أسمائه الحسنى وصفاته العلا وما دلت عليه آثار مصنوعاته من كماله ونهاية جلاله وعظمته. والمحبة لها داعيان: الجمال والجلال والرب تعالى له الكمال المطلق من ذلك فإنه جميل يحب الجمال بل الجمال كله له والإجلال كله منه فلا يستحق أن يحب لذاته من كل وجه سواه قال الله تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله [سورة آل عمران: 31] . وقال تعالى: ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم - إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون - ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون [سورة المائدة: 54 - 56] .(1\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "222",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3043",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالولاية أصلها الحب فلا موالاة إلا بحب كما أن العداوة أصلها البغض والله ولي الذين آمنوا وهم أولياؤه فهم يوالونه بمحبتهم له وهو يواليهم بمحبته لهم فالله يوالي عبده المؤمن بحسب محبته له. ولهذا أنكر سبحانه على من اتخذ من دونه أولياء بخلاف من والى أولياءه فإنه لم يتخذهم من دونه بل موالاته لهم من تمام موالاته. وقد أنكر على من سوى بينه وبين غيره في المحبة وأخبر أن من فعل ذلك فقد اتخذ من دونه أندادا يحبهم كحب الله قال تعالى: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله [سورة البقرة: 165] . وأخبر عمن سوى بينه وبين الأنداد في الحب أنهم يقولون في النار لمعبوديهم: تالله إن كنا لفي ضلال مبين - إذ نسويكم برب العالمين [سورة الشعراء: 97 - 98] . وبهذا التوحيد في الحب أرسل الله سبحانه جميع رسله وأنزل جميع كتبه وأطبقت عليه دعوة جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم ولأجله خلقت السماوات والأرض والجنة والنار فجعل الجنة لأهله والنار للمشركين به فيه. وقد أقسم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه: لا يؤمن عبد حتى يكون هو أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين  فكيف بمحبة الرب جل جلاله وقال لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: لا حتى أكون أحب إليك من نفسك أي لا تؤمن حتى تصل محبتك إلى هذه الغاية. وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى بنا من أنفسنا في المحبة ولوازمها أفليس الرب جل جلاله وتقدست أسماؤه أولى بمحبته وعبادته من أنفسهم وكل ما منه إلى عبده المؤمن يدعو إلى محبته مما يحب العبد ويكره - فعطاؤه ومنعه ومعافاته وابتلاؤه وقبضه وبسطه وعدله وفضله وإماتته وإحياؤه ولطفه وبره ورحمته وإحسانه وستره وعفوه وحلمه وصبره على عبده وإجابته لدعائه وكشف كربه وإغاثة لهفته وتفريج كربته من غير حاجة منه إليه بل مع غناه التام عنه من جميع الوجوه كل ذلك داع للقلوب إلى تأليهه ومحبته بل تمكينه عبده من معصيته وإعانته عليها وستره حتى يقضي وطره منها وكلاءته وحراسته له ويقضي وطره من معصيته يعينه ويستعين عليها بنعمه - من أقوى الدواعي إلى محبته فلو أن مخلوقا فعل بمخلوق أدنى شيء من ذلك لم تملك قلبه عن محبته فكيف لا يحب العبد بكل قلبه وجوارحه(1\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "223",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3044",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من يحسن إليه على الدوام بعدد الأنفاس مع إساءته فخيره إليه نازل وشره إليه صاعد يتحبب إليه بنعمه وهو غني عنه والعبد يتبغض إليه بالمعاصي وهو فقير إليه فلا إحسانه وبره وإنعامه إليه يصده عن معصيته ولا معصية العبد ولؤمه يقطع إحسان ربه عنه. فألأم اللؤم تخلف القلوب عن محبة من هذا شأنه وتعلقها بمحبة سواه. وأيضا فكل من تحبه من الخلق أو يحبك إنما يريدك لنفسه وغرضه منك والله سبحانه وتعالى يريدك لك كما في الأثر الإلهي: [ عبدي كل يريدك لنفسه وأنا أريدك لك ]  فكيف لا يستحي العبد أن يكون ربه له بهذه المنزلة وهو معرض عنه مشغول بحب غيره قد استغرق قلبه بمحبة سواه وأيضا فكل من تعامله من الخلق إن لم يربح عليك لم يعاملك ولا بد له من نوع من أنواع الربح والرب تعالى إنما يعاملك لتربح أنت عليه أعظم الربح وأعلاه فالدرهم بعشرة أمثاله إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة والسيئة بواحدة وهي أسرع شيء محوا. وأيضا هو سبحانه خلقك لنفسه وخلق كل شيء لك في الدنيا والآخرة فمن أولى منه باستفراغ الوسع في محبته وبذل الجهد في مرضاته وأيضا فمطالبك - بل مطالب الخلق كلهم جميعا - لديه وهو أجود الأجودين وأكرم الأكرمين أعطى عبده قبل أن يسأله فوق ما يؤمله يشكر القليل من العمل وينميه ويغفر الكثير من الزلل ويمحوه يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن  لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه كثرة المسائل ولا يتبرم بإلحاح الملحين بل يحب الملحين في الدعاء ويحب أن يسأل ويغضب إذا لم يسأل يستحي من عبده حيث لا يستحي العبد منه ويستره حيث لا يستر نفسه ويرحمه حيث لا يرحم نفسه دعاه بنعمه وإحسانه وأياديه إلى كرامته ورضوانه فأبى فأرسل رسله في طلبه وبعث إليه معهم عهده ثم نزل إليه سبحانه نفسه وقال: من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له كما قيل: quot; أدعوك وللوصل تأبى أبعث رسولي في الطلب أنزل إليك بنفسي ألقاك في النوم quot;. وكيف لا تحب القلوب من لا يأتي بالحسنات إلا هو ولا يذهب بالسيئات إلا هو ولا يجيب الدعوات ويقيل العثرات ويغفر الخطيئات ويستر العورات ويكشف الكربات ويغيث اللهفات وينيل الطلبات سواه . فهو أحق من ذكر وأحق من شكر وأحق من عبد وأحق من حمد وأنصر من ابتغي وأرأف من ملك وأجود من سئل وأوسع من أعطى وأرحم من استرحم وأكرم من قصد وأعز من التجئ إليه وأكفى من توكل عليه أرحم بعبده من الوالدة(1\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "224",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3045",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بولدها وأشد فرحا بتوبة التائب من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة إذا يئس من الحياة ثم وجدها. وهو الملك لا شريك له والفرد فلا ند له كل شيء هالك إلا وجهه لن يطاع إلا بإذنه ولن يعصى إلا بعلمه يطاع فيشكر وبتوفيقه ونعمته أطيع ويعصى فيغفر ويعفو وحقه أضيع فهو أقرب شهيد وأجل حفيظ وأوفى بالعهد وأعدل قائم بالقسط حال دون النفوس وأخذ بالنواصي وكتب الآثار ونسخ الآجال فالقلوب له مفضية والسر عنده علانية والغيب لديه مكشوف وكل أحد إليه ملهوف وعنت الوجوه لنور وجهه وعجزت القلوب عن إدراك كنهه ودلت الفطر والأدلة كلها على امتناع مثله وشبهه أشرقت لنور وجهه الظلمات واستنارت له الأرض والسماوات وصلحت عليه جميع المخلوقات لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور ولو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه: ما اعتاض باذل حبه لسواه من ... عوض ولو ملك الوجود بأسره  [فصل كمال اللذة في كمال المحبوب وكمال المحبة] فصل كمال اللذة في كمال المحبوب وكمال المحبة وهذا أمر عظيم يجب على اللبيب الاعتناء به وهو أن كمال اللذة والفرح والسرور ونعيم القلب وابتهاج الروح تابع لأمرين: أحدهما: كمال المحبوب في نفسه وجماله وأنه أولى بإيثار المحبة من كل ما سواه. والأمر الثاني: كمال محبته واستفراغ الوسع في حبه وإيثار قربه والوصول إليه على كل شيء. وكل عاقل يعلم أن اللذة بحصول المحبوب بحسب قوة محبته فكلما كانت المحبة أقوى كانت لذة المحب أكمل فلذة العبد من اشتد ظمؤه بإدراك الماء الزلال ومن اشتد جوعه بأكل الطعام الشهي ونظائر ذلك على حسب شوقه وشدة إرادته ومحبته. وإذا عرفت هذا فاللذة والسرور والفرح أمر مطلوب في نفسه بل هو مقصود كل حي وعاقل إذا كانت اللذة مطلوبة لنفسها فهي تذم إذا أعقبت ألما أعظم منها أو منعت لذة خيرا منها وأجل فكيف إذا أعقبت أعظم الحسرات وفوتت أعظم اللذات(1\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "225",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3046",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمسرات وتحمد إذا أعانت على لذة عظيمة دائمة مستقرة لا تنغيص فيها ولا نكد بوجه ما وهي لذة الآخرة ونعيمها وطيب العيش فيها قال تعالى: بل تؤثرون الحياة الدنيا - والآخرة خير وأبقى [سورة الأعلى: 16 - 17] . وقال السحرة لفرعون لما آمنوا: فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا - إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى [سورة طه: 72 - 73] . والله سبحانه وتعالى خلق الخلق لينيلهم هذه اللذة الدائمة في دار الخلد وأما الدنيا فمنقطعة ولذاتها لا تصفو أبدا ولا تدوم بخلاف الآخرة فإن لذاتها دائمة ونعيمها خالص من كل كدر وألم وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين مع الخلود أبدا ولا تعلم نفس ما أخفى الله لعباده فيها من قرة أعين بل فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وهذا المعنى الذي قصده الناصح لقومه: ياقوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد - ياقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار [سورة غافر: 38 - 39] . فأخبرهم أن الدنيا يستمتع بها إلى غيرها وأن الآخرة هي المستقر. وإذا عرفت أن لذات الدنيا ونعيمها متاع ووسيلة إلى لذات الآخرة ولذلك خلقت الدنيا ولذاتها فكل لذة أعانت على لذة الآخرة وأوصلت إليها لم يذم تناولها بل يحمد بحسب إيصالها إلى لذة الآخرة. رؤية الله إذا عرف هذا فأعظم نعيم الآخرة ولذاتها: هو النظر إلى وجه الرب جل جلاله وسماع كلامه منه والقرب منه كما ثبت في الصحيح في حديث الرؤية: فوالله ما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه  وفي حديث آخر: إنه إذا تجلى لهم ورأوه نسوا ما هم فيه من النعيم .(1\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "226",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3047",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي النسائي ومسند الإمام أحمد عن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعائه: وأسألك اللهم لذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك وفي كتاب السنة لعبد الله ابن الإمام أحمد مرفوعا: كأن الناس يوم القيامة لم يسمعوا القرآن إذا سمعوه من الرحمن فكأنهم لم يسمعوا قبل ذلك . وإذا عرف هذا فأعظم الأسباب التي تحصل هذه اللذة هو أعظم لذات الدنيا على الإطلاق وهي لذة معرفته سبحانه ولذة محبته فإن ذلك هو جنة الدنيا ونعيمها العالي ونسبة لذاتها الفانية إليه كتفلة في بحر فإن الروح والقلب والبدن إنما خلق لذلك فأطيب ما في الدنيا معرفته ومحبته وألذ ما في الجنة رؤيته ومشاهدته فمحبته ومعرفته قرة العيون ولذة الأرواح وبهجة القلوب ونعيم الدنيا وسرورها بل لذات الدنيا القاطعة عن ذلك تتقلب آلاما وعذابا ويبقى صاحبها في المعيشة الضنك فليست الحياة الطيبة إلا بالله. وكان بعض المحبين تمر به أوقات فيقول: إن كان أهل الجنة في نعيم مثل هذا إنهم لفي عيش طيب وقد تقدم ذلك وكان غيره يقول: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف. وإذا كان صاحب المحبة الباطلة التي هي عذاب على قلب المحب يقول في حاله: وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوى ... فلا خير فيمن لا يحب ويعشق ويقول غيره: أف للدنيا إذا ما لم يكن ... صاحب الدنيا محبا أو حبيبا ويقول آخر: ولا خير في الدنيا ولا في نعيمها ... وأنت وحيد مفرد غير عاشق ويقول الآخر: اسكن إلى سكن تلذ بحبه ... ذهب الزمان وأنت منفرد ويقول الآخر: تشكى المحبون الصبابة ليتني ... تحملت ما يلقون من بينهم وحدي فكانت لقلبي لذة الحب كلها ... فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي فكيف بالمحبة التي هي حياة القلوب وغذاء الأرواح وليس للقلب لذة ولا نعيم ولا فلاح ولا حياة إلا بها وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظم من ألم العين إذا فقدت نورها والأذن إذا فقدت سمعها والأنف إذا فقد شمه واللسان إذا فقد نطقه بل فساد القلب إذا خلا من محبة فاطره(1\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "227",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3048",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبارئه وإلهه الحق أعظم من فساد البدن إذا خلا منه الروح وهذا الأمر لا يصدق به إلا من فيه حياة وما لجرح ميت إيلام. والمقصود: أن أعظم لذات الدنيا هو السبب الموصل إلى أعظم لذة في الآخرة ولذات الدنيا ثلاثة أنواع: فأعظمها وأكملها: ما أوصل لذة الآخرة ويثاب الإنسان على هذه اللذة أتم ثواب ولهذا كان المؤمن يثاب على ما يقصد به وجه الله من أكله وشربه ولباسه ونكاحه وشفاء غيظه بقهر عدو الله وعدوه فكيف بلذة إيمانه ومعرفته بالله ومحبته له وشوقه إلى لقائه وطمعه في رؤية وجهه الكريم في جنات النعيم النوع الثاني: لذة تمنع لذة الآخرة وتعقب آلاما أعظم منها كلذة الذين اتخذوا من دون الله أوثانا مودة بينهم في الحياة الدنيا يحبونهم كحب الله ويستمتعون بعضهم ببعض كما يقولون في الآخرة إذا لقوا ربهم: ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم - وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون [سورة الأنعام: 128 - 129] . ولذة أصحاب الفواحش والظلم والبغي في الأرض والعلو بغير الحق. وهذه اللذات في الحقيقة إنما هي استدراج من الله لهم ليذيقهم بها أعظم الآلام ويحرمهم بها أكمل اللذات بمنزلة من قدم لغيره طعاما لذيذا مسموما يستدرجه به إلى هلاكه قال تعالى: سنستدرجهم من حيث لا يعلمون - وأملي لهم إن كيدي متين [سورة الأعراف: 182 - 183] . قال بعض السلف في تفسيرها: كلما أحدثوا ذنبا أحدثنا لهم نعمة: حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون - فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين [سورة الأنعام: 44 - 45] . وقال تعالى لأصحاب هذه اللذة: أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين - نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون [سورة المؤمنون: 55 - 56] .(1\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "228",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3049",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال في حقهم: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون [سورة التوبة: 55] . وهذه اللذة تنقلب آخرا آلاما من أعظم الآلام كما قيل: مآرب كانت في الحياة لأهلها ... عذابا فصارت في المعاد عذابا النوع الثالث: لذة لا تعقب لذة في دار القرار ولا ألما ولا تمنع أصل لذة دار القرار وإن منعت كمالها وهذه اللذة المباحة التي لا يستعان بها على لذة الآخرة فهذه زمانها يسير ليس لتمتع النفس بها قدر ولا بد أن تشتغل عما هو خير وأنفع منها. وهذا القسم هو الذي عناه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فإنهن من الحق . فما أعان على اللذة المطلوبة لذاتها فهو حق وما لم يعن عليها فهو باطل.  [فصل الحب الذي لا ينكر ولا يذم] فصل الحب الذي لا ينكر ولا يذم فهذا الحب لا ينكر ولا يذم بل هو أحد أنواع الحب وكذلك حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما نعني المحبة الخاصة التي تشغل قلب المحب وفكره وذكره بمحبوبه وإلا فكل مسلم في قلبه محبة الله ورسوله لا يدخل الإسلام إلا بها والناس متفاوتون في درجات هذه المحبة تفاوتا لا يحصيه إلا الله فبين محبة الخليلين ومحبة غيرهما ما بينهما فهذه المحبة هي التي تلطف وتخفف أثقال التكاليف وتسخي البخيل وتشجع الجبان وتصفي الذهن وتروض النفس وتطيب الحياة على الحقيقة لا محبة الصور المحرمة وإذا بليت السرائر يوم اللقاء وكانت سريرة صاحبها من خير سرائر العباد كما قيل: سيبقى لكم في مضمر القلب والحشا ... سريرة حب يوم تبلى السرائر وهذه المحبة هي التي تنور الوجه وتشرح الصدر وتحيي القلب وكذلك محبة كلام الله فإنه من علامة حب الله وإذا أردت أن تعلم ما عندك وعند غيرك من محبة الله فانظر محبة القرآن من قلبك والتذاذك بسماعه أعظم من التذاذ أصحاب الملاهي والغناء المطرب بسماعهم فإن من المعلوم أن من أحب محبوبا كان كلامه وحديثه أحب شيء إليه كما قيل:(1\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "229",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3050",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن كنت تزعم حبي فلم هجرت كتابي ... أما تأملت ما فيه من لذيذ خطابي وقال عثمان بن عفان - رضي الله عنه -: لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله وكيف يشبع المحب من كلام محبوبه وهو غاية مطلوبه وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوما لعبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: اقرأ علي فقال: أقرأ عليك وعليك أنزل فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري فاستفتح سورة النساء حتى إذا بلغ قوله: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا [سورة النساء: 41]  قال: حسبك الآن فرفع رأسه فإذا عينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تذرفان من البكاء . وكان الصحابة إذا اجتمعوا وفيهم أبو موسى يقولون: يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون فلمحبي القرآن - من الوجد والذوق واللذة والحلاوة والسرور - أضعاف ما لمحبي السماع الشيطاني فإذا رأيت الرجل ذوقه ووجده وطربه وتشوقه إلى سماع الأبيات دون سماع الآيات وسماع الألحان دون سماع القرآن كما قيل: تقرأ عليك الختمة وأنت جامد كالحجر وبيت من الشعر ينشد تميل كالسكران. فهذا من أقوى الأدلة على فراغ قلبه من محبة الله وكلامه وتعلقه بمحبة سماع الشيطان والمغرور يعتقد أنه على شيء. ففي محبة الله وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - أضعاف أضعاف ما ذكر السائل من فوائد العشق ومنافعه بل لا حب على الحقيقة أنفع منه وكل حب سوى ذلك باطل إن لم يعن عليه ويسق المحب إليه.  [فصل محبة الزوجات] فصل محبة الزوجات وأما محبة الزوجات: فلا لوم على المحب فيها بل هي من كماله وقد امتن الله سبحانه بها على عباده فقال:(1\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "230",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3051",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون [سورة الروم: 21] . فجعل المرأة سكنا للرجل يسكن قلبه إليها وجعل بينهما خالص الحب وهو المودة المقترنة بالرحمة وقد قال تعالى عقيب ذكره ما أحل لنا من النساء وما حرم منهن: يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم - والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما - يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا [سورة النساء: 26 - 28] . ذكر سفيان الثوري في تفسيره عن ابن طاوس عن أبيه: كان إذا نظر إلى النساء لم يصبر. وفي الصحيح من حديث جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رأى امرأة فأتى زينب فقضى حاجته منها وقال: إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله فإن ذلك يرد ما في نفسه  ففي هذا الحديث عدة فوائد: منها: الإرشاد إلى التسلي عن المطلوب بجنسه كما يقوم الطعام مكان الطعام والثوب مقام الثوب. ومنها: الأمر بمداواة الإعجاب بالمرأة المورث لشهوتها بأنفع الأدوية وهو قضاء وطره من أهله وذلك ينقض شهوته لها وهذا كما أرشد المتحابين إلى النكاح كما في سنن ابن ماجه مرفوعا: لم ير للمتحابين مثل النكاح . فنكاح المعشوقة هو دواء العشق الذي جعله الله دواء شرعا وقد تداوى به داود عليه السلام ولم يرتكب نبي الله محرما وإنما تزوج المرأة وضمها إلى نسائه لمحبته لها وكانت توبته بحسب منزلته عند الله وعلو مرتبته ولا يليق بنا المزيد على هذا. وأما قصة زينب بنت جحش: فزيد كان قد عزم على طلاقها ولم توافقه وكان يستشير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فراقها وهو يأمره بإمساكها فعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه مفارقها لا بد فأخفى في نفسه أنه يتزوجها إذا فارقها زيد وخشي مقالة الناس: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوج زوجة ابنه فإنه كان قد تبنى زيدا قبل النبوة والرب تعالى يريد أن يشرع شرعا عاما فيه مصالح عباده فلما طلقها زيد وانقضت عدتها منه أرسله إليها يخطبها لنفسه فجاء زيد واستدبر(1\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "231",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3052",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب بظهره وعظمت في صدره لما ذكرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فناداها من وراء الباب: يا زينب إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطبك فقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي وقامت إلى محرابها فصلت فتولى الله عز وجل نكاحها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه وعقد النكاح له فوق عرشه وجاء الوحي بذلك: فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها [سورة الأحزاب: 37] . فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لوقته فدخل عليها فكانت تفخر على نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك وتقول: أنتن زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات فهذه قصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع زينب. ولا ريب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد حبب إليه النساء كما في الصحيح عن أنس عنه - صلى الله عليه وسلم -: حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة هذا لفظ الحديث لا ما يرويه بعضهم: حبب إلي من دنياكم ثلاث زاد الإمام أحمد في كتاب الزهد في هذا الحديث: أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن  وقد حسده أعداء الله اليهود على ذلك فقالوا: ما همه إلا النكاح فرد الله سبحانه عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - ونافح عنه فقال: أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما [سورة النساء: 54] . وهذا خليل الله إبراهيم كان عنده سارة أجمل نساء العالمين وأحب هاجر وتسرى بها. وهذا داود عليه السلام كان عنده تسعة وتسعون امرأة فأحب تلك المرأة وتزوجها فكمل المائة وهذا سليمان ابنه عليه السلام كان يطوف في الليلة على تسعين امرأة. وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أحب الناس إليه فقال: عائشة - رضي الله عنها - وقال عن خديجة: إني رزقت حبها . فمحبة النساء من كمال الإنسان قال ابن عباس: خير هذه الأمة أكثرها نساء وقد ذكر الإمام أحمد أن عبد الله بن عمر وقع في سهمه يوم جلولاء جارية كأن عنقها إبريق من فضة قال عبد الله: فما صبرت عنها أن قبلتها والناس ينظرون وبهذا احتج الإمام أحمد على جواز الاستمتاع من المسبية قبل الاستبراء بغير الوطء بخلاف الأمة المشتراة. والفرق بينهما أن انفساخ الملك لا يتوهم في المسبية بخلاف المشتراة فقد ينفسخ فيها الملك فيكون مستمتعا بأمة غيره.(1\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "232",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3053",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد شفع النبي - صلى الله عليه وسلم - لعاشق أن تواصله معشوقته بأن تتزوج به فأبت وذلك في قصة مغيث وبريرة لما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - يمشي خلفها ودموعه تجري على خديه فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو راجعتيه فقالت: أتأمرني يا رسول الله قال: لا إنما أشفع فقالت: لا حاجة لي به فقال لعمه: يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغضها له ولم ينكر عليه حبها وإن كانت قد بانت منه . وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يساوي بين نسائه في القسم ويقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك يعني في الحب وقد قال تعالى: ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم [سورة النساء: 129]  يعني في الحب والجماع. ولم يزل الخلفاء الراشدون والرحماء من الناس يشفعون للعشاق إلى معشوقهم الجائز وصلهن كما تقدم من فعل أبي بكر وعثمان وكذلك علي - رضي الله عنه - أتي بغلام من العرب وجد في دار قوم بالليل فقال له: ما قصتك قال: لست بسارق ولكني أصدقك: تعلقت في دار الرياحي خودة ... يذل لها من حسن منظرها البدر لها في بنات الروم حسن ومنظر ... إذا افتخرت بالحسن خافتها الفخر فلما طرقت الدار من حر مهجتي ... أبيت وفيها من توقدها الجمر تبادر أهل الدار بي ثم صيحوا ... هو اللص محتوما له القتل والأسر فلما سمع علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - شعره رق له وقال للمهلب بن رباح: اسمح له بها فقال: يا أمير المؤمنين سله من هو فقال: النهاس بن عيينة فقال: خذها فهي لك. واشترى معاوية جارية فأعجب بها إعجابا شديدا فسمعها يوما تنشد أبياتا منها: وفارقته كالغصن يهتز في الثرى ... طريرا وسيما بعد ما طر شاربه فسألها فأخبرته أنها تحب سيدها فردها إليه وفي قلبه منها. وذكر الزمخشري في ربيعة أن زبيدة قرأت في طريق مكة على حائط: أما في عباد الله أو في إمائه ... كريم يجلي الهم عن ذاهب العقل له مقلة أما الأماقي قريحة ... وأما الحشا فالنار منه على رجل فنذرت أن تحتال لقائلها إن عرفته حتى تجمع بينه وبين من يحبه فبينا هي بالمزدلفة(1\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "233",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3054",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذ سمعت من ينشدهما فطلبته فزعم أنه قالهما في ابنة عم له نذر أهلها أن لا يزوجوها منه فوجهت إلى الحي وما زالت تبذل لهم المال حتى زوجوها منه وإذا المرأة أعشق له منه لها فكانت تعده من أعظم حسناتها وتقول: ما أنا بشيء أسر مني من جمعي بين ذلك الفتى والفتاة. وقال الخرائطي: وكان لسليمان بن عبد الملك غلام وجارية يتحابان فكتب الغلام إليها يوما: ولقد رأيتك في المنام كأنما ... عاطيتني من ريق فيك البارد وكأن كفك في يدي وكأننا ... بتنا جميعا في فراش واحد فطفقت يومي كله متراقدا ... لأراك في نومي ولست براقد فأجابته الجارية: خيرا رأيت وكل ما أبصرته ... ستناله مني برغم الحاسد إني لأرجو أن تكون معانقي ... فتبيت مني فوق ثدي ناهد وأراك بين خلاخلي ودمالجي ... وأراك فوق ترائبي ومجاسدي فبلغ سليمان ذلك فأنكحها الغلام وأحسن حالهما على فرط غيرته. وقال جامع بن برخية: سألت سعيد بن المسيب مفتي المدينة: هل في حب دهمنا من وزر فقال سعيد: إنما تلام على ما تستطيع من الأمر فقال سعيد: والله ما سألني أحد عن هذا ولو سألني ما كنت أجيب إلا به. أقسام عشق النساء فعشق النساء ثلاثة أقسام: قسم هو قربة وطاعة وهو عشق امرأته وجاريته وهذا العشق نافع فإنه أدعى إلى المقاصد التي شرع الله لها النكاح وأكف للبصر والقلب عن التطلع إلى غير أهله ولهذا يحمد هذا العاشق عند الله وعند الناس. وعشق: هو مقت عند الله وبعد من رحمته وهو أضر شيء على العبد في دينه ودنياه وهو عشق المردان فما ابتلي به إلا من سقط من عين الله وطرد عن بابه وأبعد قلبه عنه وهو من أعظم الحجب القاطعة عن الله كما قال بعض السلف: إذا سقط العبد من عين(1\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "234",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3055",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله ابتلاه بمحبة المردان وهذه المحبة هي التي جلبت على قوم لوط ما جلبت فما أتوا إلا من هذا العشق قال الله تعالى: لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون [سورة الحجر: 72] . ودواء هذا الداء: الاستعانة بمقلب القلوب وصدق اللجأ إليه والاشتغال بذكره والتعويض بحبه وقربه والتفكر في الألم الذي يعقبه هذا العشق واللذة التي تفوته به فيترتب عليه فوات أعظم محبوب وحصول أعظم مكروه فإذا أقدمت نفسه على هذا وآثرته فليكبر على نفسه تكبير الجنازة وليعلم أن البلاء قد أحاط به. والقسم الثالث: العشق المباح وهو الواقع من غير قصد كعشق من وصفت له امرأة جميلة أو رآها فجأة من غير قصد فتعلق قلبه بها ولم يحدث له ذلك العشق معصية فهذا لا يملك ولا يعاقب والأنفع له مدافعته والاشتغال بما هو أنفع له منه ويجب الكتم والعفة والصبر فيه على البلوى فيثبته الله على ذلك ويعوضه على صبره لله وعفته وتركه طاعة هواه وإيثار مرضاة الله وما عنده.  [فصل أقسام الناس في العشق] فصل أقسام الناس في العشق والناس في العشق ثلاثة أقسام: منهم: من يعشق الجمال المطلق وقلبه يهيم في كل واد له في كل صورة جميلة مراد. ومنهم: من يعشق الجمال المقيد سواء طمع في وصاله أو لا. ومنهم: من لا يعشق إلا من يطمع في وصاله. وبين هذه الأنواع الثلاثة تفاوت في القوة والضعف. فعاشق الجمال المطلق يهيم قلبه في كل واد وله في كل صورة جميلة مراد: فيوما بحزوى ويوما بالعقيق وبال عذيب يوما ويوما بالخليصاء ... وتارة ينتحي نجدا وآونة شعب العقيق وطورا قصر تيماء فهذا عشقه أوسع ولكنه غير ثابت كثير التنقل: يهيم بهذا ثم يعشق غيره ... ويسلاهم من وقته حين يصبح وعاشق الجمال المقيد أثبت على معشوقه وأدوم محبة له ومحبته أقوى من محبة الأول لاجتماعهما في واحد ولكن يضعفهما عدم الطمع في الوصال وعاشق الجمال الذي يطمع في وصاله أعقل العشاق وأعرفهم وحبه أقوى لأن الطمع يمده ويقويه.(1\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "235",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3056",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل حديث من عشق فعف] فصل حديث quot; من عشق فعف quot; وأما حديث: quot; من عشق فعف quot; فهذا يرويه سويد بن سعيد وقد أنكره حفاظ الإسلام عليه. قال ابن عدي في كامله: هذا الحديث أحد ما أنكر على سويد وكذلك ذكره البيهقي وابن طاهر في الذخيرة والتذكرة وأبو الفرج ابن الجوزي وعده من الموضوعات وأنكره أبو عبد الله الحاكم على تساهله وقال أنا أتعجب منه. قلت: والصواب في الحديث أنه من كلام ابن عباس - رضي الله عنهما - موقوفا عليه فغلط سويد في رفعه. قال أبو محمد بن خلف بن المرزبان: حدثنا أبو بكر بن الأزرق عن سويد به فعاتبته على ذلك فأسقط ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان بعد ذلك يسأل عنه فلا يرفعه ولا يشبه هذا كلام النبوة. وأما ما رواه الخطيب له عن الزهري: حدثنا المعافى بن زكريا حدثنا قطبة بن الفضل حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق حدثنا سويد بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا فمن أبين الخطأ ولا يحمل هشام عن أبيه عن عائشة مثل هذا عند من شم أدنى رائحة من الحديث ونحن نشهد بالله أن عائشة ما حدثت بهذا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قط ولا حدث به عروة عنها ولا حدث به هشام قط. وأما حديث ابن الماجشون عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا فكذب على ابن الماجشون فإنه لم يحدث بهذا ولا حدث به عنه الزبير بن بكار وإنما هذا من تركيب بعض الوضاعين ويا سبحان الله! كيف يحتمل هذا الإسناد مثل هذا المتن فقبح الله الوضاعين. وقد ذكره أبو الفرج ابن الجوزي من حديث محمد بن جعفر بن سهل: حدثنا يعقوب بن عيسى عن ولد عبد الرحمن بن عوف عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مرفوعا وهذا غلط قبيح فإن محمد بن جعفر هذا هو الخرائطي ووفاته سنة سبع وعشرين وثلاثمائة فمحال أن يدرك شيخه يعقوب ابن أبي نجيح لا سيما وقد رواه في كتاب الاعتدال عن(1\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "236",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3057",
        "book_id": "qym_3991",
        "book_name": " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعقوب هذا عن الزبير عن عبد الملك عن عبد العزيز عن ابن أبي نجيح والخرائطي هذا مشهور بالضعف في الرواية ذكره أبو الفرج في كتاب الضعفاء. وكلام حفاظ الإسلام في إنكار هذا الحديث هو الميزان وإليهم يرجع في هذا الشأن ولا صححه ولا حسنه أحد يعول في علم الحديث عليه ويرجع في التصحيح إليه ولا من عادته التسامح والتساهل فإنه لم يصف نفسه له ويكفي أن ابن طاهر الذي يتساهل في أحاديث التصوف ويروي منها الغث والسمين قد أنكره وشهد ببطلانه. نعم ابن عباس لا ينكر ذلك عنه. وقد ذكر أبو محمد بن حزم عنه: أنه سئل عن الميت عشقا فقال: قتيل الهوى لا عقل له ولا قود. ورفع إليه بعرفات شاب قد صار كالفرخ فقال: ما شأنه قالوا: العشق فجعل عامة يومه يستعيذ من العشق وقد تقدم. فهذا نفس ما روي عنه ذلك. ومما يوضح ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عد الشهداء في الصحيح فذكر المقتول في الجهاد والمبطون والحرق والنفساء يقتلها ولدها والغرق وصاحب ذات الجنب ولم يذكر منهم من يقتله العشق. وحسب قتيل العشق أن يصح له هذا الأثر عن ابن عباس - رضي الله عنهما - على أنه لا يدخل الجنة حتى يصبر لله ويعف لله ويكتم لله لكن العاشق إذا صبر وعف وكتم مع قدرته على معشوقه وآثر محبة الله وخوفه ورضاه هذا أحق من دخل تحت قوله تعالى: وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى [سورة النازعات: 40 - 41] . وتحت قوله تعالى: ولمن خاف مقام ربه جنتان [سورة الرحمن: 46] . فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا ممن آثر حبه على هواه وابتغى بذلك قربه ورضاه.(1\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "237",
        "book_number": "8",
        "slug": " -qym_3991"
    },
    {
        "id": "3058",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "مقدمة",
        "content": "مقدمة ... الرسالة التبوكية للإمام الحافظ شمس الدين ابن قيم الجوزية 691 751 هـ قال الشيخ الإمام العالم العلامة محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية رضي الله عنه وأرضاه في كتابه الذي سيره من تبوك ثامن المحرم سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة بعد كلام له سبق: أحمد الله بمحامده التي هو لها أهل والصلاة والسلام على خاتم رسله وأنبيائه: محمد صلى الله عليه وسلم وبعد: فان الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الأثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب . وقد اشتملت هده الآية على جميع مصالح العباد في معاشهم ومعادهم فيما بينهم بعضهم بعضا وفيما بينهم وبين ربهم فان كل عبد لاينفك عن هاتين الحالتين وهذين الواجبين: واجب بينه وبين الله وواجب بينه وبين الخلق(1\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3059",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأما ما بينه وبين الخلق: من المعاشرة والمعاونة والصحبة فالواجب عليه فيها أن يكون اجتماعه بهم وصحبته لهم تعاونا على مرضاة الله وطاعته التي هي غاية سعادة العبد وفلاحه ولا سعادة له إلا بها وهي البر والتقوى اللذان هما جماع الدين كله وإذا افرد كل واحد من الاسمين دخل في مسمى الآخر إما تضمنا وإما لزوما ودخوله فيه تضمنا اظهر لان البر جزء مسمى التقوى وكذلك التقوى فانه جزء مسمى البر وكون أحدهما لايدخل في الآخر عند الاقتران لا يدل على أنه لا يدخل فيه عند انفراد الآخر. ونظير هذا لفظ الإيمان والإسلام والإيمان والعمل الصالح والفقير والمسكين والفسوق والعصيان والمنكر والفاحشة ونظائره كثيرة. وهذه قاعدة جليلة من أحاط بها زالت عنه إشكالات كثيرة أشكلت على كثير من الناس. البر والتقوى: ولنذكر من هذا مثالا واحدا يستدل به على غيره وهو البر والتقوى. فان حقيقة البر هو الكمال المطلوب من الشيء والمنافع التي فيه والخير كما يدل عليه اشتقاق هذه اللفظة وتصاريفها في الكلام ومنه البر بالضم لمنافعه وخيره بالإضافة إلى سائر الحبوب(1\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3060",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولهذا كثيرا ما يقرن بين هذين الأصلين في مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: quot; من صام رمضان إيمانا واحتسابا quot; و quot; ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا quot; ونظائره. فقوله: quot; على نور من الله quot; إشارة إلى الأصل الأول وهو الإيمان الذي هو مصدر العمل والسبب الباعث عليه. وقوله: quot; ترجو ثواب الله quot; إشارة أن الأصل الثاني وهو الاحتساب وهو الغاية التي لأجلها يوقع العمل ولها يقصد به. ولا ريب أن هذا اسم لجميع أصول الإيمان وفروعه وأن البر داخل في هذا المسمى. وأما عند اقتران أحدهما بالآخر كقوله تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى فالفرق بينهما فرق بين السبب المقصود لغيره والغاية المقصودة لنفسها فان البر مطلوب لذاته إذ هو كمال العبد وصلاحه الذي لا صلاح له بدونه كما تقدم. وأما التقوى فهي الطريق الموصل إلى البر والوسيلة إليه ولفظها يدل على هذا فإنها فعلى من وقى تقي وكان أصلها وقوى فقلبوا الواو تاء كما قالوا تراث من الوراثة وتجاه من الوجه وتخمة من الوخمة ونظائرها. فلفظها دال على أنها من الوقاية فان المتقي قد جعل بينه وبين النار وقاية والوقاية من باب دفع الضر فالتقوى والبر كالعافية والصحة.(1\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3061",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا باب شريف ينتفع به انتفاعا عظيما في فهم ألفاظ القرآن ودلالته ومعرفة حدود ما أنزل الله على رسوله فانه هو العلم النافع وقد ذم الله تعالى في كتابه من ليس له علم بحدود ما أنزل الله على رسوله. فإن عدم العلم بذلك مستلزم مفسدتين عظيمتين: إحداهما أن يدخل في مسمى اللفظ ما ليس منه فيحكم له بحكم المراد من اللفظ فيساوي بين ما فرق الله بينهما. والثانية أن يخرج من مسمى اللفظ بعض أفراده الداخلة تحته فيسلب عنه حكمه فيفرق بين ما جمع الله بينهما. والذكي الفطن يتفطن لأفراد هذه القاعدة وأمثالها فيرى أن كثيرا من الاختلاف أو أكثره إنما ينشأ من هذا الوضع وتفصيل هذا لا يفي به كتاب ضخم. ومن هذا لفظ: الخمر فإنه اسم شامل لكل مسكر فلا يجوز إخراج بعض المسكرات منه وينفى عنها حكمه. وكذلك لفظ: الميسر وإخراج بعض أنواع القمار منه. وكذلك لفظ: النكاح وإدخال ما ليس بنكاح في مسماه(1\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3062",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك لفظ: الربا وإخراج بعض أنواعه منه وإدخال ما ليس بربا فيه. وكذلك لفظ: الظلم والعدل والمعروف والمنكر ونظائره اكثر من أن تحصى  والمقصود من اجتماع الناس وتعاشرهم التعاون على البر والتقوى فيعين كل واحد صاحبه على ذلك علما وعملا. فان العبد وحده لا يستقل بعلم ذلك ولا بالقدرة عليه فاقتضت حكمة الرب سبحانه أن جعل النوع الإنساني قائما بعضه ببعضه معينا بعضه لبعضه. معنى الإثم والعدوان ثم قال تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى . والإثم والعدوان في جانب النهي نظير: البر والتقوى في جانب الأمر. والفرق بين الإثم والعدوان كالفرق ما بين محرم الجنس ومحرم القدر. فالإثم ما كان حراما لجنسه والعدوان ما حرم لزيادة في قدر وتعدي ما أباح الله منه فالزنا والخمر والسرقة ونحوها: إثم. ونكاح الخامسة واستيفاء المجني عليه اكثر من حقه ونحوه وعدوان.(1\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3063",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنه رجل بار وبر وكرام برره والأبرار. فالبر: كلمة جامعة لجميع أنواع الخير والكمال والمطلوب من العبد. وفي مقابلته الإثم وفي حديث النواس بن سمعان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: quot; جئت تسال عن البر والإثم quot;. فالاثم كلمة جامعة للشرور والعيوب التي يذم العبد عليها. فيدخل في مسمى البر: الإيمان وأجزاؤه الظاهرة والباطنة ولا ريب ان التقوى جزء هذا المعنى. وأكثر ما يعبر عن بر القلب وهو وجود طعم الإيمان فيه وحلاوته وما يلزم ذلك من طمأنينته وسلامته وانشراحه(1\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3064",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوته وفرحه بالإيمان. فإن للإيمان فرحة وحلاوة ولذة في القلب فمن لم يجدها فهو فاقد الإيمان أو ناقصه وهو من القسم الذين قال الله عز وجل فيهم: قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الأيمان في قلوبكم . فهؤلاء - على أصح القولين - مسلمون غير منافقين وليسوا بمؤمنين إذ لم يدخل الإيمان في قلوبهم فيباشرها حقيقة. معنى البر والتقوى وقد جمع الله خصال البر في قوله تعالى: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون . فأخبر سبحانه أن البر هو الإيمان بالله وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وهذه هي أصول الإيمان الخمس التي لا قوام للإيمان إلا بها وأنها الشرائع الظاهرة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنفقات الواجبة(1\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3065",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأنها الأعمال القلبية التي هي حقائقه من الصبر والوفاء بالعهد فتناولت هده الخصال جميع أقسام الدين حقائقه وشرائعه والأعمال المتعلقة بالجوارح والقلب وأصول الإيمان الخمس. ثم أخبر سبحانه عن هذا أنها هي خصال التقوى بعينها فقال: أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون . التقوى: وأما التقوى فحقيقتها العمل بطاعة الله إيمانا واحتسابا أمرا ونهيا فيفعل ما أمر الله به إيمانا بالأمر وتصديقا بوعده ويترك ما نهى الله عنه إيمانا بالنهي وخوفا من وعيده كما قال طلق بن حبيب: quot; إذا وقعت الفتنة فاطفئوها بالتقوى quot; قالوا: وما التقوى قال: quot; أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجوا ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله quot;. وهذا أحسن ما قيل في حد التقوى. فان كل عمل لابد له من مبدأ وغاية فلا يكون العمل طاعة وقربة حتى يكون مصدره عن الإيمان فيكون الباعث عليه هو الإيمان المحض لا العادة ولا الهوى ولا طلب المحمدة والجاه وغير ذلك بل لابد أن يكون مبدؤه محض الإيمان وغايته ثواب الله وابتغاء مرضاته وهو الاحتساب.(1\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3066",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالعدوان: هو تعدي حدود الله التي قال فيها: تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون . وقال في موضع آخر: تلك حدود الله فلا تقربوها فنهى عن تعديها في آية وعن قربانها في آية وهذا لأن حدوده سبحانه هي النهايات الفاصلة بين الحلال والحرام ونهاية الشيء تارة تدخل فيه فتكون منه وتارة لا تكون داخلة فيه فتكون لها حكم المقابلة فالاعتبار الأول نهى عن تعديها وبالاعتبار الثاني نهى عن قربانها.(1\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3067",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: [ما بين العبد وربه] فهذا حكم العبد فيما بينه وبين الناس وهو أن تكون مخالطته لهم تعاونا على البر والتقوى علما وعملا. وأما حاله فيما بينه وبين الله تعالى فهو إيثار طاعته وتجنب معصيته وهو قوله تعالى: واتقوا الله فأرشدت الآية إلى ذكر واجب العبد بينه وبين الخلق وواجبه بينه وبين الحق. ولا يتم له أداء الواجب الأول إلا بعزل نفسه من الوسط والقيام بذلك لمحض النصيحة والإحسان ورعاية الأمر ولا يتم له أداء الواجب الثاني إلا بعزل الخلق من البين والقيام له بالله إخلاصا ومحبة وعبودية. فينبغي التفطن لهذه الدقيقة التي كل خلل يدخل على العبد في أداء هذين الأمرين الواجبين إنما هو عدم مراعاتها علما وعملا وهذا معنى قول الشيخ عبد القادر - قدس الله روحه -: quot; كن مع الحق بلا خلق ومع الخلق بلا نفس ومن لم يكن كذلك لم يزل في تخبيط ولم يزل أمره فرطا quot;. والمقصود بهذه المقدمة ما بعدها.(1\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3068",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: [في الهجرة إلى الله ورسوله] لما فصل عير السفر واستوطن المسافر دار الغربة وحيل بينه وبين مألوفاته وعوائده المتعلقة بالوطن ولوازمه أحدث له ذلك نظرا فأجال فكره في أهم ما يقطع به منازل السفر إلى الله وينفق فيه بقية عمره فأرشده من بيده الرشد إلى أن أهم شئ يقصده إنما هو الهجرة إلى الله ورسوله فإنها فرض عين على كل أحد في كل وقت وأنه لا انفكاك لأحد عن وجوبها وهي مطلوب الله ومراده من العباد. نوعا الهجرة إذ الهجرة هجرتان: الهجرة الأولى: هجرة بالجسم من بلد إلى بلد وهذه أحكامها معلومة وليس المراد الكلام فيها. والهجرة الثانية: الهجرة بالقلب إلى الله ورسوله وهذه هي المقصودة هنا. وهذه الهجرة هي الهجرة الحقيقية وهي الأصل وهجرة الجسد تابعة لها.(1\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3069",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مبدأ الهجرة ومنتهاها وهي هجرة تتضمن (من) و (إلى) فيهاجر بقلبه من محبة غير الله إلى محبته ومن عبودية غيره إلى عبوديته ومن خوف غيره ورجائه والتوكل عليه إلى خوف الله ورجائه والتوكل عليه ومن دعاء غيره وسؤاله والخضوع له والذل والاستكانة له إلى دعائه وسؤاله والخضوع له والذل له والاستكانة له وهذا بعينه معنى الفرار إليه قال تعالى: ففروا إلى الله  والتوحيد المطلوب من العبد هو الفرار من الله إليه. الفرار الى الله وتحت (من) و (إلى) في هذا سر عظيم من أسرار التوحيد فإن الفرار إليه سبحانه يتضمن إفراده بالطلب والعبودية ولوازمها فهو متضمن لتوحيد الإلهية التي اتفقت عليها دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.(1\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3070",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفرار من الله ما الفرار منه إليه فهو متضمن لتوحيد الربوبية وإثبات القدر وأن كل ما في الكون من المكروه والمحذور الذي يفر منه العبد فإنما أوجبته مشيئة الله وحده فانه ما شاء كان ووجب وجوده بمشيئته وما لم يشأ لم يكن وامتنع وجوده لعدم مشيئته. فادا فر العبد إلى الله فإنما يفر من شئ إلى شئ وجد بمشيئة الله وقدره فهو في الحقيقة فار من الله إليه. ومن تصور هذا حق تصوره فهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم: quot; وأعوذ بك منك quot; وقوله: quot; لا ملجأ ولا منجى منك ألا إليك quot; فانه ليس في الوجود شئ يفر منه ويستعاذ منه ويلتجأ منه إلا هو من الله خلقا وإبداعا. فالفار والمستعيذ: فار مما أوجده قدر الله ومشيئته وخلقه إلى ما تقتضيه رحمته وبره ولطفه وإحسانه ففي الحقيقة هو هارب من الله إليه ومستعيذ بالله منه.(1\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3071",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتصور هذين الأمرين يوجب للعبد انقطاع تعلق قلبه عن غيره بالكلية خوفا ورجاء ومحبة فإنه إذا علم أن الذي يفر منه ويستعيذ منه إنما هو بمشيئة الله وقدرته وخلقه لم يبق في قلبه خوف من غير خالقه وموجده فتضمن ذلك إفراد الله وحده بالخوف والحب والرجاء ولو كان فراره مما لم يكن بمشيئة الله وقدرته لكان ذلك موجبا لخوفه منه مثل من يفر من مخلوق آخر أقدر منه فانه في حال فراره من الأول خائف منه حذرا أن لا يكون الثاني يفيده منه بخلاف ما إذا كان الذي يفر إليه هو الذي قضي وقدر وشاء ما يفر منه فانه لا يبقى في القلب التفات إلى غيره. فتفطن إلى هذا السر العجيب في قوله: quot; أعوذ بك منك quot; و quot; لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك quot; فإن الناس قد ذكروا في هذا أقوالا وقل من تعرض منهم لهذه النكته التي هي لب الكلام ومقصوده وبالله التوفيق فتأمل كيف عاد الأمر كله إلى الفرار من الله إليه وهو معنى الهجرة إلى الله تعالى ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; المهاجر من هجر ما نهى الله عنه quot;. ولهذا يقرن الله سبحانه بين الإيمان والهجرة في غير موضع لتلازمهما واقتضاء أحدهما للآخر. والمقصود أن الهجرة إلى الله تتضمن: هجران ما يكرهه وإتيان ما يحبه ويرضاه وأصلها الحب والبغض فان المهاجر من شئ إلى شئ لابد أن(1\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3072",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكون ما هاجر إليه أحب مما هاجر منه فيؤثر احب الأمرين إليه على الآخر. وإذا كان نفس العبد وهواه وشيطانه إنما يدعوانه إلى خلاف ما يحبه ويرضاه وقد بلي بهؤلاء الثلاث فلا يزالون يدعونه إلى غير مرضاة ربه وداعي الإيمان يدعوه إلى مرضاة ربه فعليه في كل وقت أن يهاجر إلى الله ولا ينفك في هجرته إلى الممات.(1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3073",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: [الهجرة بين القوة والضعف] وهذه الهجرة تقوى وتضعف بحسب داعي المحبة في قلب العبد فإن كان الداعي أقوى كانت هذه الهجرة أقوى وأتم وأكمل. وإذا ضعف الداعي ضعفت الهجرة حتى لا يكاد يشعر بها علما ولا يتحرك لها إرادة. الهجرة العارضة: والذي يقضي منه العجب: أن المرء يوسع الكلام ويفرغ المسائل في الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام وفي الهجرة التي انقطعت بالفتح وهذه هجرة عارضة ربما لا تتعلق به في العمر أصلا. الهجرة الدائمة: وأما هذه الهجرة التي هي واجبة على مدى الأنفاس فإنه لا يحصل فيها علما ولا إرادة وما ذاك إلا للإعراض عما خلق له والاشتغال بما لا ينجيه وحده عما لا ينجيه غيره. وهذا حال من عشت بصيرته وضعفت معرفته بمراتب العلوم والأعمال. والله المستعان وبالله التوفيق لا اله غيره ولا رب سواه.(1\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3074",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: في الهجرة الى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأما الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلم لم يبق منه سوى اسمه ومنهج لم تترك بنيات الطريق سوى رسمه ومحجة سفت عليها السوافي فطمست رسومها وغارت عليها الأعادي فغورت مناهلها وعيونها فسالكها غريب بين العباد فريد بين كل حي وناد بعيد على قرب المكان وحيد على كثرة الجيران مستوحش مما به يستأنسون مستأنس مما به يستوحشون مقيم إذا ظعنوا ظاعن إذا قطنوا منفرد في طريق طلبة لا يقر قراره حتى يظفر بأربه فهو الكائن معهم بجسده البائن منهم بمقصده نامت في طلب الهدى أعينهم وما ليل مطيته بنائم وقعدوا عن الهجرة النبوية وهو في طلبها مشمر قائم يعيبونه بمخالفة آرائهم ويزرون عليه ازراءه على جهالاتهم وأهوائهم قد رجموا فيه الظنون وأحدقوا فيه العيون وتربصوا به ريب المنون فتربصوا إنا معكم متربصون  قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون . نحن وإياكم نموت فما ... افلح عند الحساب من ندما(1\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3075",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمقصود: أن هذه الهجرة النبوية شانها شديد. وطريقها على غير المشتاق بعيد. بعيد على كسلان أو ذي ملالة ... أما على المشتاق فهو قريب ولعمر الله ما هي إلا نور يتلألأ ولكن أنت ظلامه وبدر أضاء مشارق الأرض ومغاربها ولكن أنت غيمه وقتامه ومنهل عذب صاف وأنت كدره ومبتدأ لخير عظيم ولكن ليس عندك خبره. فاسمع الآن شأن هذه الهجرة والدلالة عليها وحاسب ما بينك وبين الله هل أنت من الهاجرين لها أو المهاجرين إليها تعريف الهجرة الى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم: فجد هذه الهجرة: سفر النفس في كل مسالة من مسائل إلايمان ومنزل من منازل القلوب وحادثة من حوادث إلاحكام إلى معدن الهدى ومنبع النور الملتقى من فم الصادق المصدوق الذي وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى فكل مسألة طلعت عليها شمس رسالته وإلا فاقذف بها في بحر الظلمات وكل شاهد عدله هذا المزكى وإلا فعده من أهل الريب والتهمات. فهذا حد هذه الهجرة. فما للمقيم في مدينة طبعه وعوائده القاطن في دار مرباه ومولده القائل:(1\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3076",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنا على طريقة آبائنا سالكون وإنا بحبلهم متمسكون وأنا على آثارهم مقتدون وما لهذه الهجرة التي كلت عليهم واستند في طريقة نجاحه وفلاحه إليهم معتذرا بأن رأيهم خير من رأيه لنفسه وأن ظنونهم وآراءهم أوثق من ظنه وحدسه ولو فتشت عن مصدر مقصود هذه الكلمة لوجدتها صادرة عن الإخلاد إلى ارض البطالة متولدة بين الكسل وزوجه الملالة. هجرتان والمقصود: أن هذه الهجرة فرض على كل مسلم وهي مقتضى quot; شهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم quot; كما أن الهجرة الأولى مقتضى quot; شهادة أن لا إله إلا الله quot; وعن هاتين الهجرتين يسأل كل عبد يوم القيامة وفي البرزخ ويطالب بها في الدنيا ودار البرزخ ودار القرار. قال قتادة: quot; كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون ومإذا اجبتم المرسلين quot;. وهاتان الكلمتان هما مضمون الشهادتين وقد قال تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3077",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قضيت ويسلموا تسليما فأقسم سبحانه بأجل مقسم به - وهو نفسه عز وجل - على أنه لا يثبت لهم الإيمان ولا يكونون من أهله حتى يحكموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع موارد النزاع في جميع ابواب الدين. فإن لفظة quot; ما quot; من صيغ العموم فإنها موصلة تقتضي نفي الإيمان أو يوجد تحكيمه في جميع ما شجر بينهم. ولم يقتصر على هذا حتى ضم إليه انشراح صدورهم بحكمه حيث لا يجدون في أنفسهم حرجا - وهو الضيق والحصر - من حكمه بل يقبلوا حكمه بالإنشراح ويقابلوه بالتسليم لا أنهم يأخدونه على إغماض ويشربونه على قذى فإن هذا مناف للإيمان بل لابد أن يكون أخذه بقبول ورضا وانشراح صدر. ومتى أراد العبد أن يعلم هذا فلينظر في حاله ويطالع قلبه عند ورود حكمه على خلاف هواه وغرضه أو على خلاف ما قلد فيه أسلافه من المسائل الكبار وما دونها بل الأنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره . فسبحان الله! كم من حزازة في نفوس كثير من الناس من كثير من النصوص وبودهم أن لو لم ترد وكم من حرارة في أكبادهم منها وكم من شجى في حلوقهم منها ومن موردها ستبدو لهم تلك السرائر بالذي يسوء ويخزي يوم تبلى السرائر.(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3078",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم لم يقتصر سبحانه على ذلك حتى ضم إليه قوله تعالى ويسلموا تسليما فذكر الفعل مؤكدا بمصدره القائم مقام ذكره مرتين. وهو التسليم والخضوع له والإنقياد لما حكم به طوعا ورضا وتسليما لا قهرا ومصابرة كما يسلم المقهور لمن قهره كرها بل تسليم عبد مطيع لمولاه وسيده الذي هو أحب شئ إليه يعلم أن سعادته وفلاحه في تسليمه إليه ويعلم بإنه أولى به من نفسه وابر به منها واقدر على تخليصها. فمتى علم العبد هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم واستسلم له وسلم إليه انقادت له كل علة في قلبه ورأى أن لا سعادة له إلا بهذا التسليم والإنقياد. وليس هذا مما يحصل معناه بالعبارة بل هو أمر انشق القلب واستقر في سويدائه لا تفي العبارة بمعناه ولا مطمع في حصوله بالدعوى والأماني. وكل يدعى وصلا لليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاك الحب بين العلم والحال وفرق بين علم الحب وحال الحب. فكثيرا ما بشتبه على العبد علم الشيء بحاله ووجوده وفرق بين المريض العارف بالصحة والاعتدال وهو مثخن بالمرض وبين الصحيح السليم وإن لم يحسن وصف الصحة والعبارة عنها. وكذلك فرق بين وصف الخوف والعلم به وبين حاله ووجوده.(1\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3079",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما في الآية من تأكيد اتباع الرسول وتأمل تأكيده سبحانه لهذا المعنى المذكور في الآية بوجوه عديدة من التأكيد: أولها: تصديرها بتضمن المقسم عليه للنفي وهو قوله: لا يؤمنون وهذا منهج معروف في كلام العرب إذا أقسموا على شئ منفى صدروا جملة القسم بأداة نفي مثل هذه الآية. ومثل ما في قول الصديق رضي الله عنه: quot; لاها الله لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه quot; وقول الشاعر: فلا وأبيك ابنه العامري ... لايدعى القوم إني افر وقال الآخر: فلا والله لا يلقى لما بي ... ولا لما بهم أبدا دواء هذا في كلامهم اكثر من أن يذكر. وتأمل جمل القسم التي في القرآن المصدرة بحرف النفي كيف تجد المقسم عليه منفيا ومتضمنا للنفي ولا يحزم هذا قوله تعالى فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم .(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3080",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنه لما كان المقصود بهذا القسم نفي ما قاله الكفار في القرآن: من أنه شعر أو كهانه أو أساطير الأولين صدر القول بأداة النفي ثم اثبت له ما قالوه. فتضمنت الآية أن ليس الأمر كما يزعمون ولكنه قرآن كريم. ولهذا صرح بالأمرين: النفي والإثبات مثل قوله تعالى: فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين وما هو بقول شيطان رجيم  وكذلك قوله: لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة أيحسب الأنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه . والمقصود: أن افتتاح هذا القسم بأداة النفي يقتضي تقوية المقسم عليه وتأكيده وشدة انتفائه. وثانيها: تأكيده بنفس القسم. وثالثها: تأكيده بالمقسم به وهو إقسامه بنفسه لا بشيء من مخلوقاته وهو سبحانه يقسم بنفسه تارة وبمخلوقاته تارة. ورابعها: تأكيده بانتفاء الحرج وهو وجود التسليم.(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3081",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وخامسها: تأكيد الفعل بالمصدر وما هذا التأكيد إلا لشدة الحاجة إلى هذا الأمر العظيم وإنه مما يعتني به ويقرر في نفوس العباد بما هو من ابلغ أنواع التقرير. حب الرسول وقال تعالى: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو دليل على أن من لم يكن الرسول أولى به من نفسه فليس من المؤمنين وهذه الأولوية تتضمن أمورا: منها: أن يكون احب إلى العبد من نفسه لان الأولوية أصلها الحب ونفس العبد أحب له من غيره ومع هذا يجب أن يكون الرسول أولى به منها وأحب إليه منها فبذلك يحصل له اسم الإيمان. ويلزم من هذه الأولوية والمحبة كمال الانقياد والطاعة والرضا والتسليم وسائر لوازم المحبة من الرضا بحكمه والتسليم لأمره وإيثاره على ما سواه ومنها: أن لا يكون للعبد حكم على نفسه أصلا بل الحكم على نفسه للرسول صلى الله عليه وسلم يحكم عليها أعظم من حكم السيد على عبده أو الوالد على ولده فليس له في نفسه تصرف قط إلا ما تصرف فيه الرسول الذي هو أولى به منها. فيا عجبا كيف تحصل هذه الأولوية لعبد قد عزل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن منصب التحكيم ورضي بحكم غيره واطمأن إليه أعظم(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3082",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من اطمئنانه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وزعم أن الهدى لا يلتقي من مشكاته وإنما يتلقى من دلالة العقول وأن الذي جاء به لا يفيد اليقين إلى غير ذلك من الأقوال التي تتضمن الإعراض عنه وعما جاء به والحوالة في العلم النافع إلى غيره ذلك هو الضلال البعيد ولا سبيل إلى ثبوت هده الأولوية إلا بعزل كل ما سواه وتوليته في كل شئ وعرض ما قاله كل أحد سواه على ما جاء به فان شهد له بالصحة قبله وإن شهد له بالبطلان رده. وان لم تتبين شهادته له لا بصحة ولا ببطلان جعله بمنزلة أحاديث أهل الكتاب ووقفه حتى يتبين أي الأمرين أولى به. فمن سلك هذه الطريقة استقام له سفر الهجرة واستقام له علمه وعمله وأقبلت وجوه الحق إليه من كل جهة. ادعياء المحبة ومن العجب أن يدعي حصول هذه الأولوية والمحبة التامة من كان سعيه واجتهاده ونصبه في الاشتغال بأقوال غيره وتقريرها والغضب والمحبة لها والرضا بها والتحاكم إليها. وعرض ما قاله الرسول عليها فان وافقها قبله وإن خالفها التمس وجوه الحيل وبالغ في رده ليا وإعراضا(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3083",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإعراض عن الرسول كما قال تعالى: وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا  وقد اشتملت هده الآية على أسرار عظيمة يجب التنبيه على بعضها لشدة الحاجة إليها. قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا فأمر سبحانه بالقيام بالقسط وهو العدل في هذه الآية وهذا أمر بالقيام به في حق كل أحد عدوا كان أو وليا وأحق ما قام له العبد بقصد الأقوال والآراء والمذاهب إذ هي متعلقة بأمر الله وخبره. فالقيام فيها بالهوى والمعصية مضاد لأمر الله مناف لما بعث به رسوله. والقيام فيها بالقسط وظيفة خلفاء الرسول في أمته وأمنائه بين اتباعه. ولا يستحق اسم الأمانة إلا من قام فيها بالعدل المحض نصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولعباده(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3084",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأولئك هم الوارثون حقا لا من يجعل أصحابه ونحلته ومذهبه معيارا على الحق وميزانا له يعادي من خالفه ويوالي من وافقه بمجرد موافقته ومخالفته فأين هذا من القيام بالقسط الذي فرضه الله على كل أحد! وهو في هدا الباب اعظم فرضا واكبر وجوبا. شهداء الله ثم قال: شهداء لله الشاهد هو المخبر فان أخبر بحق فهو شاهد عدل مقبول وإن أخبر بباطل فهو شاهد زور وأمر تعالى أن يكون شهيدا له مع القيام بالقسط وهذا يتضمن أن تكون الشهادة بالقسط وان تكون لله لا لغيره وقال في الآية الأخرى: كونوا قوامين لله شهداء بالقسط فتضمنت الآيتان أمورا أربعة. أحدهما: القيام بالقسط. الثاني: أن يكون لله. الثالث: الشهادة بالقسط. الرابع: أن تكون لله.(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3085",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحتضنت آية النساء بالقسط والشهادة لله وآية المائدة بالقيام لله والشهادة بالقسط لسر عجيب من أسرار القرآن ليس هذا موضع ذكره. ثم قال تعالى: الأقربين ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين فأمر سبحانه أن يقام بالقسط ويشهد على كل أحد ولو كان أحب الناس إلى العبد فيقوم بالقسط على نفسه ووالديه الذين هما اصله وأقاربه الذين هم أخص به والصديق من سائر الناس فإن كان ما في العبد من محبة لنفسه ولوالديه وأقربيه يمنعه من القيام عليهم بالحق ولاسيما إذا كان الحق لمن يبغضه ويعاديه قبلهم فإنه لا يقوم به في هذا الحال إلا من كان الله ورسوله أحب إليه من كل ما سواهما وهذا يمتحن به العبد إيمانه فيعرف منزلة الإيمان من قلبه ومحله منه وعكس هذا عدل العبد في أعدائه ومن يجفوه فإنه لا ينبغي أن يحمله بغضه لهم أن يحيف عليهم كما لا ينبغي أن يحمله حبه لنفسه ووالديه وأقاربه على أن يترك القيام عليهم بالقسط فلا يدخله ذلك البغض في باطل ولا يقصر به هذا الحب عن الحق. كما قال السلف: quot; العادل هو الذي إذا غضب لم يدخله غضبه في باطل وإذا رضي لم يخرجه رضاه عن الحق quot;. اشتملت الآيتان على هذين الحكمين: وهما القيام بالقسط والشهادة به على الأولياء والأعداء. ثم قال تعالى إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما منكم(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3086",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو ربهما ومولاهما وهما عبيده كما أنكم عبيده فلا تحابوا غنيا لغناه ولا فقيرا لفقره فإن الله أولى بهما منكم. وقد يقال: فيه معنى آخر أحسن من هذا وهو أنهم ربما خافوا من القيام بالقسط وأداء الشهادة على الغني والفقير. أما الغني فخوفا على ماله وأما الفقير فلإعدامه وأنه لا شيء له فتتساهل النفوس في القيام عليه بالحق فقيل لهم: والله أولى بالغني والفقير منكم أعلم بهذا وأرحم بهذا فلا تتركوا أداء الحق والشهادة على غني ولا فقير. ثم قال تعالى: لا تتبعوا الهوى أن تعدلوا نهاهم عن اتباع الهوى الحامل على ترك العدل. وقوله تعالى أن تعدلوا منصوب الموضع لأنه مفعول لأجله وتقديره عند البصريين: كراهية أن تعدلوا أو حذر أن تعدلوا فيكون اتباعكم للهوى كراهية العدل أو فرارا منه وعلى قول الكوفيين التقدير. أن لا تعدلوا وقول البصريين أحسن واظهر. اللي والإعراض: ثم قال تعالى: وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ذكر سبحانه السببين الموجبين لكتمان الحق محذرا منهما ومتوعدا عليهما:(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3087",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدهما: اللي والآخر: الإعراض فإن الحق إذا ظهرت حجته ولم يجد من يروم دفعها طريقا إلى دفعها أعرض عنها وأمسك عن ذكرها فكان شيطانا أخرس وتارة يلويها ويحرفها اللي مثال الفتل وهو التحريف وهو نوعان: لي في اللفظ ولي في المعنى فاللي في اللفظ أن يلفظ بها على وجه لا يستلزم الحق إما بزيادة لفظة أو نقصانها أو إبدالها بغيرها ولي في كيفية أدائها وإيهام السامع لفظا وإرادة غيره كما كان اليهود يلوون ألسنتهم بالسلام على النبي صلى الله عليه وسلم وغيره فهذا أحد نوعي اللي. والنوع الثاني منه: لي المعنى وهو تحريفه وتأويل اللفظ على خلاف مراد المتكلم وبجهالة ما لم يرده أو يسقط منه لبعض المراد به ونحو هذا من لي المعاني فقال تعالى: وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا . ولما كان الشاهد مطالبا بأداء الشهادة على وجهها فلا يكتمها ولا يغيرها كان الإعراض نظير الكتمان.(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3088",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واللي نظير تغييرها وتبديلها فتأمل ما تحت هذه الآية من كنوز العلم. والمقصود: أن الواجب الذي لا يتم الإيمان بل لا يحصل مسمى الإيمان إلا به مقابلة النصوص بالتلقي والقبول والإظهار لها ودعوة الخلق إليها ولا تقابل بالاعتراض تارة وباللي أخرى. الخيرة لله وقال تعالى: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم فدل هذا على انه إذا ثبت لله ورسوله في كل مسالة من المسائل حكم طلبي أو خبري فإنه ليس لأحد أن يتخير لنفسه غير ذلك الحكم فيذهب إليه وأن ذلك ليس لمؤمن ولا مؤمنة أصلا فدل على أن ذلك مناف للإيمان.(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3089",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "موقف الأئمة من السنة وقد حكى الشافعي رضي الله تعالى عنه إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد ولم يسنرب أحد من أئمة الإسلام في صحة ما قاله الشافعي رضي الله تعالى عنه فإن الحجة الواجب إتباعها على الخلق كافة إنما هو قول المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى وأما أقوال غيره فغايتها أن تكون سائغة الاتباع فضلا عن أن يعارض بها النصوص وتقدم عليها عياذا بالله من الخذلان. وقال تعالى: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين  فأخبر سبحانه أن الهداية في طاعة الرسول لا في غيرها فإنه معلق بالشرط فينتفي بانتفائه وليس هذا من باب دلالة المفهوم كما يغلط فيه كثير من الناس ويظن أنه محتاج في تقريره الدلالة منه لا تقرير كون المفهوم حجة بل هذا من الأحكام التي ترتبت على شروط وعلقت فلا وجود لها بدون شروطها إذا ما علق على الشرط فهو عدم عند عدمه وإلا لم يكن شرطا له.(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3090",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا ثبت هذا: فالآية نص على انتفاء الهداية عند عدم طاعته وفي إعادة الفعل في قوله تعالى: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول دون الاكتفاء بالفعل الأول سر لطيف وفائدة جليلة سنذكرها عن قريب إن شاء الله تعالى. وقوله تعالى: فإن تولوا فإنما عليه ما حمل الفعل للمخاطبين وأصله فان تتولوا فحذفت إحدى التاءين تخفيفا. والمعنى أنه قد حمل أداء الرسالة وتبليغها وحملتم طاعته والانقياد له والتسليم. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; من الله البيان وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم quot;. فإن تركتم أنتم ما حملتموه من الإيمان والطاعة فعليكم لا عليه فإنه لم يحمل إيمانكم وإنما حمل تبليغكم وإنما حمل أداء الرسالة إليكم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين ليس عليه هداهم وتوفيقهم. وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3091",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا . النداء بالإيمان فأمر سبحانه بطاعته وطاعة رسوله وافتتح الآية بالنداء باسم الإيمان المشعر بأن المطلوب منهم من موجبات الاسم الذي نودوا به وخوطبوا به كما يقال: يا من أنعم الله عليه وأغناه من فضله أحسن كما احسن الله إليك: ويا أيها العالم علم الناس ما ينفعهم ويا أيها الحاكم احكم بالحق ونظائره. ولهذا كثيرا ما يقع الخطاب في القرآن بالشرائع كقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام  يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة  يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود . ففي هذا إشارة إلى أنكم إن كنتم مؤمنين فالإيمان يقتضي منكم كذا وكذا فإنه من موجبات الإيمان وتمامه.(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3092",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فقرن بين طاعة الله والرسول وطاعة أولي الأمر وسلط عليهما عاملا واحدا. وقد كان ربما يسبق إلى الوهم أن الأمر يقتضي عكس هذا فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله ولكن الواقع هنا في الآية المناسب. وتحته سر لطيف وهو دلالته على أن ما يأمر به رسوله يجب طاعته فيه وإن لم يكن مأمورا به بعينه في القرآن طاعة الرسول مفردة ومقرونة. فلا يتوهم متوهم أن ما يأمر به الرسول إن لم يكن في القرآن وإلا فلا تجب طاعته فيه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله تعالى ما وجدنا فيه من شئ اتبعناه. ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معهquot;. طاعة أولي الأمر أما أولو الأمر فلا تجب طاعة أحدهم إلا إذا اندرجت تحت طاعة الرسول لا طاعة مفردة مستقلة كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot; على المرء السمع والطاعة فيما احب وكره ما لم يؤمر بمعصية الله تعالى فإذا أمر بمعصية الله تعالى فلا سمع ولا طاعة quot;.(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3093",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتأمل كيف اقتضت إعادة هذا المعنى قوله تعالى: فردوه إلى الله والرسول ولم يقل: وإلى الرسول. فإن الرد إلى القرآن رد إلى الله والرسول فما حكم به الله تعالى هو بعينه حكم رسوله وما يحكم به الرسول صلى الله عليه وسلم هو بعينه حكم الله. فادا رددتم إلى الله ما تنازعتم فيه يعني كتابة فقد رددتموه إلى رسوله. وكذلك إذا رددتموه إلى رسوله فقد رددتموه إلى الله وهذا من أسرار القرآن. من هم أولي الأمر وقد اختلفت الرواية عن الإمام احمد رحمه الله تعالى في أولي الأمر وعنه فيهم رحمه الله تعالى روايتان: إحداهما: انهم العلماء والثانية: انهم الأمراء. والقولان ثابتان عن الصحابة في تفسير الآية والصحيح أنها متناولة للصنفين جميعا فإن العلماء والأمراء ولاة الأمر الذي بعث الله به رسوله فان العلماء ولاته حفظا وبيانا وذبا عنه وردا على من الحد فيه وزاغ عنه وقد وكلهم الله بذلك فقال تعالى: فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين فيالها من وكالة أوجبت طاعتهم والانتهاء إلى أمرهم وكون الناس تبعا لهم(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3094",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والأمراء ولاته قياما وعناية وجهادا وإلزاما للناس به وأخذهم على يد من خرج عنه. وهذان الصنفان هما الناس وسائر النوع الإنساني تبع لها ورعية. ثم قال تعالى: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وهذا دليل قاطع على أنه يجب رد موارد النزاع في كل ما تنازع فيه الناس من الدين كله إلى الله ورسوله لا إلى أحد غير الله ورسوله فمن أحال الرد على غيرهما فقد ضاد أمر الله ومن دعا عند النزاع إلى حكم غير الله ورسوله فقد دعا بدعوى الجاهلية فلا يدخل العبد في الإيمان حتى يرد كل ما تنازع فيه المتنازعون إلى الله ورسوله ولهذا قال الله تعالى إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وهذا مما ذكرنا آنفا أنه شرط ينتفي المشروط بانتفائه فدل على أن من حكم غير الله ورسوله في موارد مقتضى النزاع كان خارجا من مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر وحسبك بهذه الآية العاصمة القاصمة بيانا وشفاء فإنها قاصمة لظهور المخالفين لها عاصمة للمتمسكين بها الممتثلين ما أمرت به. قال الله تعالى ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم [الأنفال: 42] .(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3095",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد اتفق السلف والخلف على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته والرد إلى سنته بعد وفاته. سعادة الدارين ثم قال تعالى: ذلك خير وأحسن تأويلا أي هذا الذي أمرتكم به من طاعتي وطاعة رسولي وأولياء الأمر ورد ما تنازعتم فيه إلى وإلى رسولي خير لكم في معاشكم ومعادكم وهو سعادتكم في الدارين فهو خير لكم واحسن عاقبة. فدل هذا على أن طاعة الله ورسوله وتحكيم الله ورسوله هو سبب السعادة عاجلا وآجلا. ومن تدبر العالم والشرور الواقعة فيه علم أن كل شر في العالم سببه مخالفة الرسول والخروج عن طاعته وكل خير في العالم فانه بسبب طاعة الرسول. وكذلك شرور الآخرة وآلامها وعذابها إنما هو من موجبات مخالفة الرسول ومقتضياتها فعاد شر الدنيا والآخرة إلى مخالفة الرسول وما يترتب عليه فلو أن الناس أطاعوا الرسول حق طاعته لم يكن في الأرض شر قط وهذا كما أنه معلوم في الشرور العامة والمصائب الواقعة في الأرض فكذلك هو في الشر والألم والغم الذي يصيب العبد في نفسه فإنما هو بسبب مخالفة الرسول ولأن طاعته هي الحصن الذي من دخله كان من الآمنين والكهف الذي من لجأ إليه كان من الناجين.(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3096",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعلم أن شرور الدنيا والآخرة إنما هو الجهل بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والخروج عنه وهذا برهان قاطع على أنه لا نجاة للعبد ولا سعادة إلا بالاجتهاد في معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم علما والقيام به عملا. كمال السعادة وكمال هذه السعادة بأمرين آخرين: أحدهما: دعوة الخلق إليه. والثاني: صبره واجتهاده على تلك الدعوة. الكمال الإنساني فانحصر الكمال الإنساني على هذه المراتب الأربعة. أحدهما: العلم بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. والثانية: العمل به. والثالثة: نشره في الناس ودعوتهم إليه. والرابعة: صبره وجهاده في أدائه وتنفيذه. ومن تطلعت همته إلى معرفة ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم وأراد اتباعهم فهذه طريقهم حقا: فإن شئت وصل القوم فاسلك سبيلهم ... فقد وضحت للسالكين عيانا(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3097",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب فهذا نص صريح في أن هدي الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يحصل بالوحي فيا عجبا! كيف يحصل الهدى لغيره من الآراء والعقول المختلفة والأقوال المضطربة! ولكن من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا  فأي ضلال اعظم من ضلال من زعم أن الهداية لا تحصل بالوحي ثم يحيل فيها على عقل فلان ورأي فلتان وقول زيد وعمرو ولقد عظمت نعمة الله على عبد عافاه من هذه البلية العظمى والمصيبة الكبرى والحمد لله رب العالمين. وقال تعالى: كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون فأمر سبحانه باتباع ما أنزل على رسوله ونهي عن اتباع غيره فما هو إلا اتباع المنزل. واتباع أولياء من دونه. فانه لم يجعل بينهما واسطة فكل من لا يتبع الوحي فإنما يتبع الباطل واتبع أولياء من دون الله وهذا بحمد الله ظاهر لا خفاء به. وقال تعالى: ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ياويلتى ليتني لم أتخد فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3098",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا فكل من اتخذ غير الرسول يترك لأقواله وآرائه ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فانه قائل هذه المقالة لا محالة. ولهذا هذا الخليل كنى عنه باسم فلان إذ لكل متبع أولياء من دون الله فلان وفلان. فهذا حال الخليلين المتخالين على خلاف طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ومآل تلك الخلة إلى العداوة واللعنة كما قال الله تعالى: الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين وقد ذكر حال هؤلاء الأتباع وحال من تبعوهم في غير موضع من كتابه كقوله تعالى: يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا تمنى القوم طاعة الله ورسوله حين لا ينفعهم ذلك واعتذروا بأنهم أطاعوا كبراءهم ورؤساءهم واعترفوا بأنهم لا عذر لهم في ذلك وانهم أطاعوا السادات والكبراء وعصوا الرسول وآلت تلك الطاعة والموالاة إلى قولهم: ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا وفي بعض هذا عبرة للعاقل وموعظة شافية وبالله التوفيق. وقال تعالى: فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3099",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين. قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والأنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون فليتدبر العاقل هذه الآيات وما اشتملت عليه من العبر. الصنفان المبطلان وقوله تعالى: فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ذكر الصنفين المبطلين. أحدهما: منشئ الباطل والفرية وواضعها وداعي الناس إليها. والثاني: مكذب بالحق. فالأول: كفره بالافتراء وإنشاء الباطل والثاني: كفره بجحود الحق. وهذان النوعان يعرضان لكل مبطل. فان انضاف إلى ذلك دعوته إلى باطلة وصد الناس عن الحق استحق تضعيف العذاب لكفره وشره. ولهذا قال تعالى: الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3100",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فوق العذاب بما كانوا يفسدون فلما كفروا وصدوا عباده عن سبيله عذبهم عذابين: عذابا بكفرهم وعذابا بصدهم عن سبيله وحيث يذكر الكفر المجرد لا يعدد العذاب كقوله تعالى: والكافرين لهم عذاب أليم وقوله تعالى: أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب يعني ينالهم ما كتب لهم في الدنيا من الحياة والرزق وغير ذلك تى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا زالوا وفارقوا وبطلت تلك الدعوة وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والأنس في النار ادخلوا في جملة هذه الأمم كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم كل أمة متأخرة لأسلافها بنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار ضاعفه عليهم بما أضلونا وصدونا عن طاعة رسلك قال الله تعالى: قال لكل ضعف من الأتباع والمتبوعين بحسب ضلالة وكفره ولكن لا تعلمون لا تعلم كل طائفة بما فيه أختها من العذاب المضاعف وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فإنكم جئتم بعدنا فأرسلت فيكم الرسل وبينوا لكم الحق وحذروكم من ضلالنا(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3101",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونهوكم عن اتباعنا وتقليدنا فأبيتم إلا اتباعنا وتقليدنا وترك الحق الذي أتتكم به الرسل. فأي فضل كان لكم علينا وقد ضللتم كما ضللنا وتركتم الحق كما تركنا فضللتم انتم بنا كما ضللنا نحن بقوم آخرين. فأي فضل كان لكم علينا فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون فلله ما أشفاها من موعظة وما أبلغها من نصيحة لو صادفت من القلوب حياة فان هذه الآية وأمثالها مما يذكر قلوب السائرين إلى الله وأما أهل البطالة فليس عندهم من ذلك خبر.(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3102",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: [معركة الأتباع والمتبوعين] فهذا حكم الإتباع والمتبوعين المشركين في الضلالة. وأما الأتباع المخالفون لمتبوعيهم العادلون عن طريقتهم الذين يزعمون أنهم لهم تبع وليسوا متبعين لطريقتهم فهم المذكورون في قوله تعالى: إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار  فهؤلاء المتبوعون كانوا على هدى وأتباعهم ادعوا أنهم كانوا على طريقتهم ومنهاجهم وهم مخالفون لهم سالكون غير طريقتهم يزعمون أنهم يحبونهم وأن محبتهم لهم تنفعهم مع مخالفتهم فيتبرءون منهم يوم القيامة فإنهم اتخدوهم أولياء من دون الله وظنوا أن هذا الاتخاذ ينفعهم. وهذه حال كل من اتخد من دون الله ورسوله وليجة وأولياء يوالي لهم ويعادي لهم ويرضى لهم ويغضب لهم فان أعماله كلها باطلة يراها يوم القيامة حسرات عليه مع كثرتها وشدة تعبه فيها ونصبه إذ لم يجرد موالاته ومعاداته ومحبته وبغضه وانتصاره وإيثاره لله ورسوله فأبطل الله عز وجل ذلك العمل كله وقطع تلك الأسباب فينقطع يوم القيامة كل وصلة ووسيلة ومودة وموالاة كانت لغير الله تعالى ولا يبقى إلا السبب(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3103",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الواصل بين العبد وربه وهو حظه من الهجرة إليه وإلى رسوله وتجريد عبادته له وحده ولوازمها من الحب والبغض والعطاء والمنع والموالاة والمعاداة والتقريب والإبعاد وتجريده متابعة رسوله وترك أقوال غيره وترك ما خالف ما جاء به والإعراض عنه وعدم الاعتناء به وتجريد متابعته تجريدا محضا بريئا من شوائب الالتفات إلى غيره فضلا عن الشركة بينه وبين غيره فضلا عن تقديم قول غيره عليه. فهذا هو السبب الذي لا ينقطع بصاحبه وهذه هي النسبة التي بين العبد وبين ربه وهي نسبة العبودية المحضة وهي آخيته التي يحول ما يحول ثم إليها مرجعة: نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل وهذه هي النسبة التي تنفع العبد فلا ينفعه غيرها في الدور الثلاثة: أعني دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار فلا قوام له ولا عيش ولا نعيم ولا فلاح إلا بهذه النسبة. وهي السبب الواصل بين العبد وبين الله ولقد أحسن القائل:(1\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3104",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا تقطع حبل الوصل بينهم ... فللمحبين حبل غير منقطع وان تصدع شمل القوم بينهم ... فللمحبين شمل غير متصدع والمقصود أن الله سبحانه يقطع يوم القيامة الأسباب والعلق والوصلات التي كانت بين الخلق في الدنيا كلها ولا يبقى إلا السبب والوصلة التي بين العبد وبين الله فقط وهو سبب العبودية المحضة التي لا وجود لها ولا تحقيق إلا بتجريد متابعة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم إذ هذه العبودية إنما جاءت على ألسنتهم وما عرفت إلا بهم ولا سبيل إليها إلا بمتابعتهم وقد قال تعالى: وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا  فهذه هي أعماله التي كانت في الدنيا على غير سنة رسله وطريقتهم ولغير وجهه يجعلها الله هباءا منثورا. ولا ينتفع منها صاحبها بشيء أصلا وهذا من أعظم الحسرات على العبد يوم القيامة: أن يرى سعيه كله ضائعا لم ينتفع منه بشيء وهو أحوج ما كان العامل إلى عمله وقد سعد أهل السعي النافع بسعيهم.(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3105",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: [الأتباع السعداء] فهدا حكم اتباع الأشقياء. فأما اتباع السعداء فنوعان: اتباع لهم حكم الاستقلال وهم الذين قال الله عز وجل فيهم: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه . فهؤلاء هم السعداء الذين ثبت لهم رضا الله عنهم وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل من تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة. ولا يختص ذلك بالقرن الذين رأوهم فقط وإنما خص التابعين بمن رأوا الصحابة تخصيصا عرفيا ليتميزوا به عمن بعدهم فقيل: التابعون مطلقا لذلك القرن فقط وإلا فكل من سلك سبيلهم فهو من التابعين لهم بإحسان وهو ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه. الاحسان في التبعية وقيد سبحانه هذه التبعية بأنها تبعية بإحسان ليست مطلقة فتحصل بمجرد النية والإتباع في شيء والمخالفة في غيره ولكن تبعية مصاحبة الإحسان وأن الباء ها هنا للمصاحبة.(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3106",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والإحسان والمتابعة شرط في حصول رضاء الله عنهم وجناته وقد قال تعالى: هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم . فالأولون: هم الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبوه. والآخرون: هم الذين لم يلحقوهم وهم كل من بعدهم على منهاجهم إلى يوم القيامة فيكون التأخر وعدم اللحاق في الفضل والرتبة بل هم دونهم فيكون عدم اللحاق في الرتبة والقولان كالمتلازمين فإن من بعدهم لا يلحقون بهم لا في الفضل ولا في الزمان فهؤلاء الصنفان هم السعداء. وأما من لم يقبل هدى الله الذي بعث به رسوله ولم يرفع به رأسا فهو من الصنف الثالث وهم: مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا . وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أقسام الخلائق بالنسبة إلى دعوته وما بعث به من الهدى في قوله صلى الله عليه وسلم: quot; مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فانبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت(1\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3107",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كلأ فذلك مثل من فقه في الدين فنفعه ما بعثني الله به ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به. quot; الغيث والعلم فشبه صلى الله عليه وسلم العلم الذي جاء به بالغيث لأن كلا منهما سبب الحياة فالغيث سبب حياة الأبدان والعلم سبب حياة القلوب وشبه القلوب بالأودية كما في قوله تعالى: أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها الأرض والغيث وكما أن الأرضين ثلاثة بالنسبة إلى قبول الغيث. إحداها: أرض زكية قابلة للشراب والنبات فإذا أصابها الغيث ارتوت ومنه يثمر النبت من كل زوج بهيج فذلك مثل القلب الزكي الذكي فهو يقبل العلم بذكائه فيثمر فيه وجوه الحكم ودين الحق بزكائه فهو قابل للعلم مثمر لموجبه وفقهه وأسرار معادنه. والثانية: أرض صلبة قابلة لثبوت ما فيها وحفظه فهذه تنفع الناس لورودها والسقي منها والازدراع وهو مثل القلب الحافظ للعلم الذي يحفظه كما سمعه فلا تصرف فيه ولا استنبط بل للحفظ المجرد فهو يؤدي كما سمع وهو من القسم الذي قال(1\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3108",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النبي صلى الله عليه وسلم: quot; فرب حامل فقه إلى من هو افقه ورب حامل فقه غير فقيه quot;. فالأول: كمثل الغني التاجر الخبير بوجوه المكاسب والتجارات فهو يكسب بماله ما شاء. والثاني: مثل الغني الذي لا خبرة له بوجوه الربح والمكسب ولكنه حافظ لما لا يحسن التصرف والتقلب فيه. والأرض الثالثة: أرض قاع وهو المستوى الذي لا يقبل النبات ولا يمسك ماء فلو أصابها من المطر ما أصابها لم تنتفع منه بشيء فهذا مثل القلب الذي لا يقبل العلم والفقه والدراية وإنما هو بمنزلة الأرض البوار التي لا تنبت ولا تحفظ وهو مثل الفقير الذي لا مال له ولا يحسن يمسك مالا. فالأول: عالم معلم وداع إلى الله على بصيرة فهذا من ورثة الرسل. والثاني: حافظ مؤد لما سمعه فهذا يحمل لغيره ما يتجر به المحمول إليه ويستثمر. والثالث: لا هذا ولا هذا فهو الذي لم يقبل هدى الله ولم يرفع به رأسا. فاستوعب هذا الحديث أقسام الخلق في الدعوة النبوية ومنازلهم منها قسمان قسم سعيد وقسم شقي.(1\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3109",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: [أطفال المؤمنين] وأما النوع الثاني من الإتباع: فهم اتباع المؤمنين من ذريتهم الذين لم يثبت لهم حكم التكليف في دار الدنيا وإنما هم مع آبائهم تبع لهم وقال الله تعالى فيهم: والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء . أخبر سبحانه انه الحق الذرية بآبائهم في الجنة كما اتبعهم إياهم في الإيمان ولما كان الذرية لا عمل لهم يستحقون به تلك الدرجات قال تعالى: وما ألتناهم من عملهم من شيء والضمير عائد إلى الذين آمنوا أي وما نقصناهم من عملهم بل رفعنا ذريتهم إلى درجتهم مع توفيتهم أجور أعمالهم فليست منزلتهم منزلة من لم يكن له عمل بل وفيناهم أجورهم فألحقنا بهم ذريتهم فوق ما يستحقون من أعمالهم. ثم لما كان هذا الإلحاق في الثواب والدرجات فضلا من الله فربما(1\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3110",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقع في الوهم أن إلحاق الذرية أيضا حاصل لهم في حكم العدل فلما اكتسبوا سيئات أوجبت عقوبة كان كل عامل رهينا بكسبه لا يتعلق بغيره شيء فالإلحاق المذكور إنما هو في الفضل والثواب لا في العدل والعقاب وهذا نوع من أسرار القرآن وكنوزه التي يختص الله بفهمها من شاء. فقد تضمنت هذه الآية أقسام الخلائق كلهم: أشقيائهم وسعدائهم السعداء المتبوعين والأتباع والأشقياء المتبوعين والإتباع. فعلى العاقل الناصح لنفسه أن ينظر في أي الأقسام هو ولا يغتر بالعادة ويخلد إلى البطالة فإن كان من قسم سعيد انتقل إلى ما هو فوقه وبذل جهده والله ولي التوفيق والنجاح. وإن كان من قسم شقي انتقل منه إلى القسم السعيد في زمن الإمكان قبل أن يقول يا ليتني اتخدت مع الرسول سبيلا.(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3111",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: [سفر الهجرة] والمقصود بهذا أن من أعظم التعاون على البر والتقوى والتعاون على سفر الهجرة إلى الله والرسول باليد واللسان والقلب والمساعدة والنصيحة تعليما وإرشادا ومودة ومن كان هكذا مع عباد الله فكل خير إليه أسرع واقبل الله إليه بقلوب عباده وفتح على قلبه أبواب العلم ويسره لليسرى ومن كان بالضد فبالضد. زاد المسافر فإن قلت: قد أشرت إلى سفر عظيم وأمر جسيم فما زاد هذا السفر وما طريقه وما مركبه قلت: زاده العلم الموروث من خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم ولا زاد له سواه فمن لم يحصل هذا الزاد فلا يخرج من بيته وليقعد مع الخالفين. فرفقاء المتخلف البطالون أكثر من أن يحصوا فله أسوة بهم ولن ينفعه هذا التأسي يوم الحسرة شيئا كما قال تعالى: ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون فقطع الله سبحانه انتفاعهم بتأسي بعضهم(1\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3112",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ببعض في العذاب فإن مصائب الدنيا إذا عمت صارت مسلاة وتأسى بعض المصابين ببعض كما قالت الخنساء: ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن ... أسلي النفس عنه بالتأسي فهذا الروح الحاصل من التأسي معدوم بين المشتركين في العذاب يوم القيامة. طريق السفر وأما طريقه: فهو بذل الجهد واستفراغ الوسع فلا ينال بالمني ولن يدرك بالهوينا وإنما هو كما قيل: فخض غمرات الموت واسم إلى العلا ... لكي تدرك العز الرفيع الدائم فلا خير في نفس تخاف من الردى ... ولا همة تصبو إلى لوم لائم ولا سبيل إلى ركوب هذا الظهر إلا بأمرين: أحدهما: أن لا يصبو في الحق إلى لوم لائم فان اللوم يصيب الفارس فيصرعه عن فرسه ويجعله صريعا في الأرض. والثاني: أن تهون عليه نفسه في الله فيقدم حينئذ ولا يخاف الأهوال فمتى خافت النفس تأخرت وأحجمت وأخلدت إلى الأرض ولا يتم له هذان(1\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3113",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأمران إلا بالصبر فمن صبر قليلا صارت تلك الأهوال ريحا رخاء في حقه تحمله بنفسها إلى مطلوبه فبينما هو يخاف منها إذ صارت اعظم أعوانه وخدمه وهذا أمر لا يعرفه إلا من دخل فيه. مركب السفر وأما مركبه فصدق اللجأ إلى الله وانقطاع إليه بكليته وتحقيق الافتقار إليه بكل وجه والضراعة إليه وصدق التوكل والإستعانة به والانطراح بين يديه انطراح المسلوم المكسور الفارغ الذي لاشيء عنده فهو يتطلع إلى قيمه ووليه أن يجده ويلم شعثه ويمده من فضله ويستره فهذا الذي يرجى له أن يتولى الله هدايته وأن يكشف له ما خفي على غيره من طريق هذه الهجرة ومنازلها.(1\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3114",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: [التدبر والتفكير في آلاء الله] ورأس الأمر وعموده في ذلك إنما هو دوام التفكر وتدبر آيات الله حيث تستولي على الفكر وتشغل القلب فإذا صارت معاني القرآن مكان الخواطر من قلبه وجلس على كرسيه وصار له التصرف وصار هو الأمير المطاع أمره فحينئذ يستقيم له سيره ويتضح له الطريق وتراه ساكنا وهو يباري الريح وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون .(1\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3115",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: [أفلا يتدبرون القرآن] فان قلت: إنك قد أشرت إلى مقام عظيم فافتح لي بابه واكشف لي حجابه وكيف تدبر القرآن وتفهمه والإشراف على عجائبه وكنوزه وهذه تفاسير الأئمة بأيدينا فهل في البيان غير ما ذكروه قلت: سأضرب لك أمثالا تحتذي عليها وتجعلها إماما لك في هذا المقصد قال الله تعالى: هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم . فعهدى بك إذا قرأت هذه الآية وتطلعت إلى معناها وتدبرتها فإنما تطلع منها على أن الملائكة أتوا إبراهيم في صورة الأضياف يأكلون ويشربون وبشروه بغلام عليم وإنما امرأته عجبت من ذلك فأخبرتها الملائكة أن الله قال ذلك. ولم يتجاوز تدبرك غير ذلك.(1\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3116",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاسمع الآن بعض ما في هذه الآيات من أنواع الأسرار. وكم قد تضمنت من الثناء على إبراهيم وكيف جمعت الضيافة وحقوقها وما تضمنت من الرد على أهل الباطل من الفلاسفة والمعطلة وكيف تضمنت علما عظيما من أعلام النبوة وكيف تضمنت جميع صفات الكمال التي ردها إلى العلم والحكمة وكيف تضمنت الأخبار عن عدل الرب وانتقامه من الأمم المكذبة وتضمنت ذكر الإسلام والإيمان والفرق بينهما وتضمنت بقاء آيات الرب الدالة على توحيده وصدق رسله وعلى اليوم الآخر وتضمنت انه لا ينتفع بهذا كله إلا من في قلبه خوف من عذاب الآخرة وهم المؤمنون بها وأما من لا يخاف الآخرة ولا يؤمن بها فلا ينتفع بتلك الآيات فاسمع الآن بعض تفاصيل هذه الجملة: قال الله تعالى: هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين افتتح سبحانه القصة بصيغة موضوعة للاستفهام وليس المراد بها حقيقة(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3117",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاستفهام ولهذا قال بعض الناس: إن (هل) في مثل هذا الموضع بمعنى (قد) التي تقتضي التحقيق. ولكن في ورود الكلام في مثل هذا بصيغة الاستفهام سر لطيف ومعنى بديع فإن المتكلم إذا أراد أن يخبر المخاطب بأمر عجيب ينبغي الاعتناء به وإحضار الذهن له صدر له الكلام بأداة الاستفهام لتنبيه سمعه وذهنه للمخبر به فتارة يصدره بألا وتارة يصدره بهل فقول: هل علمت ما كان من كيت وكيت إما مذكرا به وإما واعظا له مخوفا وإما منبها على عظمه ما يخبر به وإما مقررا له فقوله تعالى: هل أتاك حديث موسى و وهل أتاك نبأ الخصم و هل أتاك حديث الغاشية و هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين متضمن لتعظيم هذه القصص والتنبيه على تدبرها ومعرفتها ما تضمنته. ففيه أمر آخر. وهو التنبيه على أن إتيان هذا إليك علم من أعلام النبوة فانه من الغيب الذي لا تعمله أنت ولا قومك فهل أتاك من غير أعلامنا وإرسالنا وتعريفنا أم لم يأتك إلا من قبلنا فانظر ظهور هذا الكلام بصيغة الاستفهام وتأمل عظم موقعه من(1\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3118",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جميع موارده يشهد أنه من الفصاحة في ذروتها العليا. وقوله ضيف إبراهيم المكرمين متضمن لثنائه على خليله إبراهيم فإن في المكرمين قولين. أحدهما: إكرام إبراهيم لهم ففيه مدح إبراهيم بإكرام الضيف. والثاني: انهم مكرمون عند الله كقوله تعالى: بل عباد مكرمون وهو متضمن أيضا لتعظيم خليله ومدحه إذ جعل ملائكته المكرمين أضيافا له فعلى كلا التقديرين فيه مدح لإبراهيم. وقوله: فقالوا سلاما قال سلام متضمن بمدح آخر لإبراهيم حيث رد عليهم السلام أحسن مما حيوه به فإن تحيتهم باسم منصوب متضمن لجملة فعلية تقديره: سلمنا عليك سلاما. وتحية إبراهيم لهم باسم مرفوع متضمن لجملة اسمية تقديره سلام دائم أو ثابت أو مستقر عليكم ولا ريب أن الجملة الاسمية تقتضي الثبوت واللزوم والفعلية تقتضي التجدد والحدوث فكانت تحية إبراهيم أكمل واحسن. ثم قال قوم منكرون وفي هذا من حسن مخاطبة الضيف والتذمم منه وجهان في المدح. إحداهما: أنه حذف المبتدأ والتقدير: انتم قوم منكرون فتذمم منهم ولم يواجههم بهذا الخطاب لما فيه من الاستيحاش.(1\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3119",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يواجه أحدا بما يكرهه بل يقول: quot; وما بال أقوام يقولون كذا ويفعلون كذا quot;. الثاني: قوله قوم منكرون فحذف فاعل الإنكار وهو الذي كان أنكرهم كما قال في موضع آخر (نكرهم) ولا ريب أن قوله (منكرون) ألطف من أن يقول أنكرتكم. وقوله فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون متضمن وجوها من المدح وآداب الضيافة وإكرام الضيف. منها قوله: فراغ إلى أهله والروغان الذهاب بسرعة واختفاء وهو يتضمن المبادرة إلى إكرام الضيف والاختفاء يتضمن ترك تخجيله وألا يعرض للحياء وهذا بخلاف من يتثاقل ويتبارد على ضيفه ثم يبرز بمرأى منه ويحل صرة النفقة ويزن ما يأخذ ويتناول الإناء بمرأى منه ونحو ذلك مما يتضمن تخجيل الضيف وحياءه فلفظة (راغ) تنفي هذين الأمرين. وفي قوله تعالى: إلى أهله مدح آخر لما فيه من الإشعار أن كرامة الضيف معدة حاصلة عند أهله وأنه لا يحتاج أن يستقرض من جيرانه ولا يذهب إلى غير أهله إذ قرى الضيف حاصل عندهم. وقوله: فجاء بعجل سمين يتضمن ثلاثة أنواع من المدح: أحدها: خدمة ضيفه بنفسه فإنه لم يرسل به وإنما جاء به بنفسه. الثاني: انه جاءهم بحيوان تام لم ياتهم ببعضه. ليتخيروا من أطيب لحمه ما شاءوا.(1\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3120",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالث: انه سمين ليس بهمزول وهذا من نفائس الأموال ولد البقر السمين فإنهم يعجبون به فمن كرمه هان عليه ذبحه وإحضاره. وقوله إليهم متضمن المدح وآدابا أخرى وهو إحضار الطعام إلى بين يدي الضيف بخلاف من يهيئ الطعام في موضع ثم يقيم ضيفه فيورده عليه. وقوله ألا تأكلون فيه مدح وآداب أخر فإنه عرض عليهم الأكل بقوله: ألا تأكلون وهذه صيغة عرض مؤذنة بالتلطف بخلاف من يقول:: ضعوا أيديكم في الطعام كلوا تقدموا ونحو هذا. وقوله: فأوجس منهم خيفة لأنه لما رآهم لا يأكلون من طعامه أضمر منهم خوفا أن يكون معهم شر فإن الضيف إذا أكل من طعام رب المنزل اطمأن إليه وأنس به فلما علموا منه ذلك قالوا: لا تخف وبشروه بغلام عليم وهذا الغلام اسحق لا إسماعيل لأن امرأته عجبت من ذلك فقالت: عجوز عقيم لا يولد لمثلي فأنى لي بالولد وأما إسماعيل فإنه من سريته هاجر وكان بكره وأول ولده. وقد بين سبحانه هذا في سورة هود في قوله تعالى: فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب وهذه هي القصة نفسها. وقوله تعالى: فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم فيه بيان ضعف عقل المرأة وعدم ثباتها إذ بادرت إلى الندبة فصكت الوجه عند هذا الإخبار.(1\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3121",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله: عجوز عقيم فيه حسن أدب المرأة عند خطاب الرجال واقتصارها من الكلام على ما يتأدى به الحاجة فإنها حذفت المبتدأ ولم تقل أنا عجوز عقيم واقتصرت على ذكر السبب الدال على عدم الولادة لم تذكر غيره وأما في سورة هود فذكرت السبب المانع منها ومن إبراهيم وصرحت بالعجب. وقوله تعالى قالوا كذلك قال ربك متضمن لاثبات صفة القول له. وقوله إنه هو الحكيم العليم متضمن لإثبات صفة الحكمة والعلم اللذين هما مصدر الخلق والأمر فجميع ما خلقه سبحانه صادر عن علمه وحكمته وكذلك أمره وشرعه مصدره عن علمه وحكمته. والعلم والحكمة متضمنان لجميع صفات الكمال فالعلم يتضمن الحياة ولوازم كمالها من القيومية والقدرة والبقاء والسمع والبصر وسائر الصفات التي يستلزمها العلم التام والحكمة تتضمن كمال الإرادة والعدل والرحمة والإحسان والجود والبر ووضع الأشياء في مواضعها على أحسن وجوهها ويتضمن إرسال وإثبات الثواب والعقاب. كل هذا العلم من اسمه الحكيم كما هي طريقة القرآن في الاستدلال على هذه المطالب العظيمة بصفة الحكمة والإنكار على من يزعم أنه خلق الخلق عبثا وسدى وباطلا فحينئذ صفة حكمته تتضمن الشرع والقدر والثواب(1\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3122",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعقاب ولهذا كان اصح القولين أن المعاد يعلم بالعقل وأن السمع ورد بتفصيل ما يدل العقل على إثباته. ومن تأمل طريقة القرآن وجدها دالة على ذلك. وانه سبحانه يضرب لهم الأمثال المعقولة التي تدل على إمكان المعاد تارة ووقوعه أخرى فيذكر أدلة القدرة الدالة على إمكان المعاد وأدلة الحكمة المستلزمة لوقوعه. ومن تأمل أدلة المعاد في القرآن وجدها كذلك مغنية بحمد الله عن غيرها كافية شافية موصلة إلى المطلوب بسرعة متضمنة للجواب عن الشبه العارضة لكثير من الناس. وإن ساعد التوفيق كتبت في ذلك سفرا كبيرا لما رأيت في الأدلة التي أرشد إليها القرآن من الشقاء والهدى وسرعة الإنصاف وحسن البيان والتنبيه على مواضع الشبه والجواب عنها بما ينثلج له الصدر ويكثر معه اليقين بخلاف غيره من الأدلة فإنها على العكس من ذلك وليس هذا موضع التفصيل. والمقصود: أن صدور الخلق والأمر عن علم الرب وحكمته. واختصت هذه القصة بذكر هذين الإسمين لاقتضائهما لتعجب النفوس من تولد مولود بين أبوين لا يولد لمثلهما عادة وخفاء العلم بسبب هذا الإيلاد وكون الحكمة اقتضت جريان هذه الولادة على غير العادة المعروفة فذكر في الآية اسم العلم والحكمة المتضمن لعلمه سبحانه بسبب هذا الخلق وغايته وحكمته في وضعه موضعه من غير إخلال بموجب الحكمة.(1\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3123",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم ذكر سبحانه وتعالى قصة الملائكة في إرسالهم لهلاك قوم لوط وإرسال الحجارة المسومة عليهم. وفي هذا ما يتضمن تصديق رسله وإهلاك المكذبين لهم والدلالة على المعاد والثواب والعقاب لوقوعه عيانا في هذا العالم وهذا من اعظم الأدلة الدالة على صدق رسله لصحة ما أخبروا به عن ربهم. ثم قال تعالى: فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ففرق بين الإسلام والإيمان هنا لسر اقتضاه الكلام فإن الإخراج هنا عبارة عن النجاة فهو إخراج نجاة من العذاب ولا ريب إن هذا مختص بالمؤمنين المتبعين للرسل ظاهرا وباطنا. وقوله تعالى: فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين لما كان الموجودون من المخرجين أوقع اسم الإسلام عليهم لأن امرأة لوط كانت من أهل هذا البيت وهي مسلمة في الظاهر فكانت في البيت الموجودين لا في القوم الناجيين وقد اخبر سبحانه عن خيانة امرأة لوط وخيانتها أنها كانت تدل قومها على أضيافه وقلبها معهم وليست خيانة فاحشة فكانت من أهل البيت المسلمين ظاهرا وليست من المؤمنين الناجيين. ومن وضع دلالة القرآن وألفاظه مواضعها تبين له من أسراره وحكمة ما يبهر العقول ويعلم أنه تنزيل من حكيم حميد. وبهذا خرج الجواب عن السؤال المشهور وهو: أن الإسلام أعم من(1\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3124",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإيمان فكيف استثناء الأعم من الأخص وقاعدة الاستثناء تقتضي العكس وتبين أن المسلمين المستثنين مما وقع عليه فعل الوجود والمؤمنين غير مستثنين منه بل هم المخرجون الناجون. وقوله تعالى: وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم فيه دليل على أن آيات الله سبحانه وعجائبه التي فعلها في هذا العالم وأبقى آثارها دالة عليه وعلى صدق رسله إنما ينتفع بها من يؤمن بالمعاد ويخشى عذاب الله تعالى كما قال الله تعالى في موضع آخر إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة  وقال تعالى: سيذكر من يخشى فان من لا يؤمن بالآخرة غايته أن يقول: هؤلاء قوم أصابهم الدهر كما أصاب غيرهم ولا زال الدهر فيه الشقاوة والسعادة. وأما من آمن بالآخرة وأشفق منها فهو الذي ينتفع بالآيات والمواعظ. والمقصود بهذا إنما هو التنبيه والتمثيل على تفاوت الأفهام في معرفة القرآن واستنباط أسراره وآثار كنوزه ويعتبر بهذا غيره والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.(1\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3125",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: [الرفيق والطريق] والمقصود أن القلب لما تحول لهذا السفر طلب رفيقا يأنس به في السفر فلا يجد إلا معارضا مناقضا أو لائما بالتأنيب مصرحا أو فارغا من هذه الحركة معرضا وليت كل ما ترى هكذا فلقد أحسن إليك من خلال وطريقك ولم يطرح شره عليك كما قال القائل: أنا لفي زمن ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسان وإجمال فإذا كان هذا المعروف من الناس فالمطلوب في هذا الزمان المعاونة على هذا السفر بالإعراض وترك اللائمة والإعتراض إلا ما عسى أن يقع نادرا فيكون غنيمة باردة لا قيمة لها. ولا ينبغي أن لا يتوقف العبد في سيره على هذه الغنيمة بل يسير ولو وحيدا غريبا فانفراد العبد في طريق طلبة دليل على صدق المحبة. ومن نظر في هذه الكلمات التي تضمنتها هذه الورقات علم أنها من أهم ما يحصل به التعاون على البر والتقوى وسفر الهجرة إلى الله ورسوله وهو الذي قصد سطرها بكتابتها وجعلها هديته المعجلة السابقة إلى أصحابه ورفقائه في طلب العلم. وشهد الله وكفى بالله شهيدا ولو توافي أحدا منهم لقابلها بالقبول ولبادر(1\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3126",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى تفهمها وعدها من أفضل ما أهدى صاحب إلى صاحبه فإن غير هذا من جريانات الركب الخيرية وان تطلعت النفوس إليها ففائدتها قليلة وهي في غاية الرخص لكثرة جالبها وإنما الهدية النافعة كلمة يهديها الرجل إلى أخيه المسلم. الموتى الأحياء والأحياء الموتى ومن أراد هذا السفر فعليه بمرافقة الأموات الذين هم في العالم أحياء فإنه يبلغ بمرافقتهم إلى مقصده وليحذر من مرافقة الأحياء الذين هم في الناس أموات فإنهم يقطعون عليه طريقه فليس لهذا السالك أنفع من تلك المرافقة وأوفق له من هذه المفارقة فقد قال بعض السلف: شتان بين أقوام موتى تحيا القلوب بذكرهم وبين أقوام أحياء تموت القلوب بمخالطتهم. فما على العبد أضر من عشائره وأبناء جنسه فنظره قاصر وهمته واقفة عند التشبه بهم ومباهاتهم والسلوك أين سلكوا حتى لو دخلوا جحر ضب لأحب أن يدخله معهم. فمتى صرف همته عن صحبتهم إلى صحبة من أشباحهم مفقودة ومحاسنهم وآثارهم الجميلة في العالم موجودة استحدث بذلك همة أخرى وعملا آخر وصار بين الناس غريبا وإن كان فيهم مشهورا ونسيبا ولكنه(1\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3127",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غريب محبوب يرى ما الناس فيه ولا يرون ما هو فيه يقيم لهم المعاذير ما استطاع ويحضهم بجهده وطاقته سائرا فيهم بعينين: عين ناظرة إلى الأمر والنهى بها يأمرهم وينهاهم ويواليهم ويعاديهم ويؤدي لهم الحقوق ويستوفيها عليهم. وعين ناظرة إلى القضاء والقدر بها يرحمهم ويدعو لهم ويستغفر لهم ويلتمس وجوه المعاذير فيما لا يخل بأمر ولا يعود بنقض شرع وقد وسعهم بسطته ورحمته ولينه ومعذرته وقفا عند قوله تعالى: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين متدبرا لما تضمنته هذه الآية من حسن المعاشرة مع الخلق وأداء حق الله فيهم والسلامة من شرهم. فلو أخذ الناس كلهم بهذه الآية لكفتهم وشفتهم فان العفو ما عفى من أخلاقهم وسمحت به طبائعهم ووسعهم بذله من أموالهم وأخلاقهم. فهذا ما منهم إليه وأما ما يكون منه إليهم فأمرهم بالمعروف وهو ما تشهد به العقول وتعرف حسنه وهو ما أمر الله به. وأما ما يلتقي به أذى جاهلهم فالإعراض عنه وترك الإنتقام لنفسه والانتصار لها. فأي كمال للعبد وراء هذا وأي معاشرة وسياسة لهذا العالم أحسن من هذه المعاشرة والسياسة فلو فكر الرجل في كل شر يلحقه من العالم - أعني الشر الحقيقي الذي لا يوجب له الرفعة والزلفى من الله - وجد سببه الإخلال بهذه الثلاث أو بعضها وإلا فمع القيام بها فكل ما يحصل له من الناس(1\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3128",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهو خير له وإن شرا في الظاهر فإنه يتولد من الأمر بالمعروف ولا يتولد منه إلا خيرا وان ورد في حالة شر وأذى كما قال الله تعالى: إن الذين جاءوا بالأفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم  وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: اعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله وقد تضمنت هذه الكلمات مراعاة حق الله وحق الخلق فإنهم إما يسيئوا في حق الله وفي حق رسوله فإن أساءوا في حقك فقابل ذلك بعفوك عنهم وإن أساءوا في حقي فاسألني أغفر لهم واستجلب قلوبهم وأستخرج ما عندهم من الرأي بمشاورتهم فإن ذلك أحرى في استجلاب طاعتهم وبذل النصيحة فإذا عزمت فلا استشارة بعد ذلك بل توكل وامض لما عزمت عليه من أمرك فإن الله يحب المتوكلين. فهذا وأمثاله من الأخلاق التي أدب الله بها رسوله وقال تعالى فيه وإنك لعلى خلق عظيم قالت عائشة رضي الله: quot; عنها كان خلقه القرآن quot; وهذا لا يتم إلا بثلاثة أشياء: أحدها: أن يكون العود طيبا فأما أن كانت الطبيعة جافية غليظة(1\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3129",
        "book_id": "qym_4107",
        "book_name": " الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يابسة عسر عليها مزاولة ذلك علما وإرادة وعملا بخلاف الطبيعة المنقادة اللينة السلسة القياد فإنها مستعدة إنما تريد الحرث والبذر. الثاني: أن تكون النفس قوية غالبة قاهرة لدواعي البطالة والغي والهوى فان هذه الأمور تنافي الكمال فإن لم تقو النفس على قهرها وإلا لم تزل مغلوبة مقهورة. الثالث: علم شاف بحقائق الأشياء وتنزيلها منازلها يميز بين الشحم والورم والزجاجة والجوهرة. فإذا اجتمعت فيه هذه الخصال الثلاث وساعد التوفيق فهو القسم الذي سبقت لهم من ربهم الحسنى وتمت لهم العناية. والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أبدا إلى يوم الدين. والحمد لله رب العالمين(1\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "9",
        "slug": " -qym_4107"
    },
    {
        "id": "3130",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "عشرة مسائل تتعلق بالصلاة الأولى ذنب ترك الصلاة أعظم من القتل والزنا",
        "content": "عشرة مسائل تتعلق بالصلاة الأولى ذنب ترك الصلاة أعظم من القتل والزنا ... بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ما يقول السادة العلماء الذين وفقهم الله وأرشدهم وهداهم وسددهم في تارك الصلاة عامدا هل يجب قتله أم لا وإذا قتل فهل يقتل كما يقتل المرتد والكافر فلا يغسل ولا يصلي عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين أم يقتل حدا مع الحكم بإسلامه وهل تحبط الأعمال وتبطل بترك الصلام أم لا وهل تقبل صلاة النهار الليل وصلاة الليل بالنهار أم لا وهل تصح صلاة من صلى وحده وهو يقدر على الصلاة جماعة أم لا وإذا صحت هل يأثم بترك الجماعة أم لا وهل يشترط حضور المسجد أم يجوز فعلها في البيت وما حكم من نقر الصلاة ولم يتم ركوعها وسجودها وما كان مقدار صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما حقيقة التخفيف الذي نبه عليه بقوله صلى الله عليه وسلم: quot;صل بهم صلاة أخفهمquot; وما معنى قوله لمعاذ: quot;أفتان أنتquot;. والمسؤول سياق صلاته صلى الله عليه وسلم من حين كان يكبر إلى ان يفرغ منها سياقا مختصرا كأن السائل يشهده فأرشد الله من دل على سواء السبيل وجمع بين بيان الحكم والدليل وما أخذ الله الميثاق على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ الميثاق على أهل العلم أن يعلموا ويبينوا. أجاب الشيخ الإمام العلامة بقية السلف ناصر السنة وقامع البدعة الشيخ شمس الدين محمد بن أبي بكر الحنبلي المعروف بابن قيم الجوزية رضي الله عنه وأرضاه وجعل جنة الخلد متقلبه ومثواه. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له واشهد أن لا إله إلا الله واشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وسلم تسليما كثيرا.(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3131",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمدا من اعظم الذنوب وأكبر الكبائر وأن اثمه ثم الله أعظم من إثم قتل النفس وأخذ الأموال ومن إثم الزنا والسرقة وشرب الخمر وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه وخزيه في الدنيا والآخرة ثم اختلفوا في قتله وفي كيفية قتله وفي كفره. فأفتى سفيان بن سعيد الثوري وأبو عمرو الأوزاعي وعبد الله بن المبارك وحماد بن زيد ووكيع بن الجراح ومالك بن أنس ومحمد بن إدريس الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه واصحابهم بأنه يقتل ثم اختلفوا في كيفية قتله فقال جمهورهم يقتل بالسيف ضربا في عنقه وقال بعض الشافعية يضرب بالخشب إلى ان يصلي أو يموت وقال ابن سريج ينخس بالسيف حتى يموت لأنه ابلغ في زجره وأرجى لرجوعه. والجمهور يحتجون بقوله صلى الله عليه وسلم: quot;إن الله كتب الإحسان في كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلةquot; وضرب العنق بالسيف أحسن القتلات وأسرعها إزهاقا للنفس وقد سن الله سبحانه في قتل الكفار المرتدين ضرب الأعناق دون النخس بالسيف وإنما شرع في حق الزاني المحصن القتل بالحجارة ليصل الألم إلى جميع بدنه حيث وصلت إليه اللذة بالحرام ولأن تلك القتلة أشنع القتلات والداعي إلى الزنا داع قوي في الطباع فجعلت غلظة في مقابلة قوة الداعي ولأن في تذكيرا لعقوبة الله لقوم الفاء بالرجم بالحجارة على ارتكاب الفاحشة. quot;فصلquot; وقال ابن شهاب الزهري وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وابو حنيفة وداود بن علي والمزاني يحبس حتى يموت أو يتوب ولا يقتل واحتج لهذا المذهب بما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot; امرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقهاquot; رواه البخاري. وعن ابن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;لا يحل دم امرىء(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3132",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مسلم يشهد أن لا إله الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعةquot;. أخرجاه في الصحيحين. قالوا ولأنها من الشرائع العملية فلا يقتل بتركها كالصيام والزكاة والحج قال الموجبون لقتله قال الله تعالى: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم فأمر بقتلهم حتى يتوبوا من شركهم ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ومن قال لا يقتل تارك الصلاة يقول متى تاب من شركه سقط عنه القتل وإن لم يقم الصلاة ولا آتى الزكاة وهذا خلاف ظاهر القرآن. وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري قال بعث علي ابن أبي طالب رضي الله عنه وهو ظاهرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة فقسمها بين أربعة فقال رجل يا رسول الله اتق الله فقال: quot;ويلك ألست أحق أهل الأرض أن يتقي اللهquot; ثم ولى الرجل فقال خالد ابن الوليد يا رسول الله ألا أضرب عنقه فقال: quot;لا لعله أن يكون يصليquot; فقال خالد فكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;إني لم أؤمر ان أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهمquot; فجعل النبي صلى الله عليه وسلم المانع من قتله كونه يصلي فدل على أن من لم يصل يقتل ولهذا قال في الحديث الآخر نهيت عن قتل المصلين أبو داود رقم والطبراني في الكبير مجمع الزوائد وهو يدل على المصلين لم ينهه الله عن قتلهم. وروى الإمام أحمد والشافعي في مسنديهما مسند الإمام أحمد ومسند الإمام الشافعي رقم من حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلا من الأنصار حدثه أنه اتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مجلس فساره يستأذنه في قتل رجل من المنافقين فجهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: quot;أليس يشهد أن لا إله إلا اللهquot; فقال الأنصاري: بلى يا رسول الله ولا شهادة له قال: quot;أليس يشهد أن محمدا رسول اللهquot; قال: بلى ولا شهادة له قال: quot;أليس يصلي الصلاةquot; قال: بلى ولا صلاة له قال: quot;أولئك الذين نهاني الله عن قتلهمquot; فدل على أنه لم ينهه عن قتل من لم يصل. وفي صحيح مسلم رقم عن ام سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;إنه يستعمل عليكم أمراء(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3133",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتعرفون وتنكرون فمن انكر فقد بريء ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابعquot; فقالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم فقال: quot;لا ما صلواquot;. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot; أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على اللهquot;. فوجه الاستدلال به من وجهين أحدهما أنه أمر بقتالهم إلى أن يقيموا الصلاة الثاني قوله: quot;إلا بحقهاquot; والصلاة من أعظم حقها. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ثم قد حرمت علي دماؤهم وأموالهم وحسابهم على اللهquot;. رواه الإمام أحمد المسند وابن خزيمة في صحيحه رقم فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه امر بقتالهم إلى أن يقيموا الصلاة وأن دماءهم وأموالهم إنما تحرم بعد الشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فدماؤهم وأموالهم قبل بل هي مباحة. وعن أنس بن مالك قال لما توفي رسول الله ارتد العرب فقال عمر يا أبا بكر كيف تقاتل العرب فقال أبو بكر إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاةquot;. رواه النسائي وهو حديث صحيح. وتقييد هذه الأحاديث يبين مقتضى الحديث المطلق الذي احتجوا به على ترك القتل مع أنه حجة عليهم فإنه لم يثبت العصمة للدم والمال إلا بحق الإسلام والصلاة آكد حقوقه على الاطلاق. وأما حديث ابن مسعود وهو لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث البخاري رقم مسلم رقم فهو حجة لنا في المسألة فإنه جعل منهم quot;التارك لدينهquot; والصلاة ركن الدين الأعظم ولا سيما إن قلنا بأنه كافر فقد ترك الدين بالكلية وإن لم يكفر فقد ترك عمود الدين. قال الإمام أحمد وقد جاء في الحديث لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3134",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "راجع طبقات الحنابلة وقد كان عمر بن الخطاب يكتب إلى الآفاق إن أهم أموركم عندي الصلاة فمن حفظها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع ولاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. قال فكل مستخف بالصلاة مستهين بها فهو مستخف بالإسلام مستهين به وإنما حظهم من الإسلام على قدر حظهم من الصلاة ورغبتهم في الإسلام على القادر رغبتهم في الصلاة فاعرف نفسك يا عبد الله واحذر أن تلقي الله ولا قدر للإسلام عندك فإن قدر الإسلام في قلبك كقدر الصلاة في قلبك. وقد جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;الصلاة عمود الدينquot; المقاصد الحسنة رقم ألست تعلم أن الفسطاط إذا سقط عموده سقط الفسطاط ولم ينتفع بالطنب ولا بالأوتاد وإذا قام عمود الفسطاط انتفعت بالطنب والأوتاد وكذلك الصلاة من الإسلام. وجاء في الحديث quot;إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن تقبلت منه صلاته تقبل منه سائر عمله وإن ردت عليه صلاته رد عليه سائر عملهquot; مجمع الزوائد فصلاتنا آخر ديننا وهي أول ما نسأل عنه غدا من اعمالنا يوم القيامة فليس بعد ذهاب الصلاة إسلام ولا دين إذا صارت الصلاة آخر ما يذهب من الإسلام هذا كله كلام أحمد. والصلاة أول فروض الإسلام وهي آخر ما يفقد من الدين فهي أول الإسلام وآخره فإذا ذهب أوله وآخره فقد ذهب جميعه وكل شيء ذهب أوله وآخره فقد ذهب جميعه. قال الإمام أحمد كل شيء يذهب آخره فقد ذهب جميعه فإذا ذهبت صلاة المرء ذهب دينه والمقصود أن حديث عبد الله بن مسعود: quot; لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينهquot;. من أقوى الحجج في قتل تارك الصلاة. quot;فصلquot; في اختلاف القائلين بقتل تارك الصلاة واختلف القائلون بقتله في مسائل إحداها: أنه هل يستتاب أم لا فالمشهور أنه يستتاب فإن تاب ترك وإلا قتل هذا قول الشافعي وأحمد(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3135",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأحد القولين في مذهب مالك وقال أبو بكر الطرطوشي في تعليقه مذهب مالك أنه يقال له صل ما دام الوقت باقيا فإن فعل ترك وإن امتنع حتى خرج الوقت قتل وهل يستتاب أم لا قال بعض اصحابنا يستتاب فإن تاب وإلا قتل وقال بعضهم لا يستتاب لأن هذا حد من الحدود يقام عليه فلا تسقطه التوبة كالزاني والسارق وهذا القول يلزم من قال يقتل حدا فإنه إذا كان حده على ترك الصلاة القتل كان كمن حده القتل على الزنا والمحاربة والحدود تجب ولا تسقطها التوبة بعد الرفع إلى الإمام. وأما من قال يقتل لكفره فلا يلزمه هذا لأنه جعله كالمرتد وإذا أسلم سقط عنه القتل قال الطرطوشي وهكذا حكم الطهارة والغسل من الجنابة والصيام عندنا فإذا قال لا أتوضأ ولا أغتسل من الجنابة ولا أصوم قتل ولم يستتب سواء قال هي فرض علي أو جحد فرضها. قلت: هذا الذي حكاه الطرطوشي عن بعض اصحابه أنه يقتل استتابة هو رواية عن مالك. وفي استتابه المرتد روايتان عن أحمد وقولان للشافعي ومن فرق بين المرتد وبين تارك الصلاة في الاستتابة فاستتاب المرتد دون تارك الصلاة كإحدى الروايتين عن مالك يقول الظاهر أن المسلم لا يترك دينه إلا لشبهة عرضت له تمنعه البقاء عليه فيستتاب رجاء زوالها والتارك للصلاة مع إقراره بوجوبها عليه لا مانع له فلا يمهل. قال المستتيبون له: هذا قتل لترك واجب شرعت له الاستتابة فكانت واجبة كقتل الردة قالوا بل الاستتابة هاهنا أول ى لان احتمال رجوعه اقرب لأن التزامه للإسلام يحمله على التوبة مما يخلصه في الدنيا والآخرة وهذا القول هو الصحيح لأن اسوأ أحواله أن يكون كالمرتد وقد اتفق الصحابة على قبول توبة المرتدين ومانعي الزكاة. وقد قال الله تعالى: قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وهذا يعم المرتد وغيره والفرق بين قتل هذا حدا وقتل الزاني والمحارب أن قتل تارك(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3136",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصلاة إنما هو على إصراره على الترك في المستقبل وعلى الترك في الماضي بخلاف المقتول في الحد فإن سبب قتله على الحد لأنه لم يبق له سبيل إلى تداركها وهذا له سبيل الاستدراك بفعلها بعد خروج وقتها ثم الأئمة الأربعة وغيرهم ومن يقول من أصحاب أحمد لا سبيل له إلى الاستدراك كما هو قول طائفة من السلف يقول القتل ها هنا على ترك فيزول الترك بالفعل فأما الزنا والمحاربة فالقتل فيهما على فعل والفعل الذي مضى لا يزول بالترك.(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3137",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "المسألة الثانية: أنه لا يقتل حتى يدعى إلى فعلها فيمتنع",
        "content": "quot;فصلquot; المسألة الثانية: أنه لا يقتل حتى يدعى إلى فعلها فيمتنع فالدعاء إليها لا يستمر ولذلك أذن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة نافلة خلف الأمراء الذين يؤخرون الصلاة حتى يخرج الوقت ولم يأمر بقتالهم ولم يأذن في قتلهم لأنهم لم يصروا على الترك فإذا دعي فامتنع لا من عذر حتى يخرج الوقت تحقق تركه وإصراره.(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3138",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "المسألة الثالثة: بماذا يقتل هل بترك صلاة أو صلاتين أو ثلاث صلوات",
        "content": "quot;فصلquot; المسألة الثالثة: بماذا يقتل هل بترك صلاة أو صلاتين أو ثلاث صلوات هذا فيه خلاف بين الناس فقال سفيان الثوري ومالك وأحمد في إحدى الروايات يقتل بترك صلاة واحدة وهو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد وحجة هذا القول ما تقدم من الاحاديث الدالة على قتل تارك الصلاة. وقد روى معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot;من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة اللهquot;. رواه الإمام أحمد في مسنده. وعن أبي الدرداء قال أوصاني أبو القاسم أن لا أترك الصلاة متعمدا فمن تركها متعمدا فقد برئت منه الذمة رواه عبد الرحمن ابن أبي حاتم في سننه مجمع الزوائد ووباله ولأنه إذا دعي إلى فعلها في وقتها فقال لا أصلي ولا عذر له فقد ظهر إصراره فتعين إيجاب قتله وإهدار دمه واعتبار التكرار ثلاثا ليس عليه دليل من نص ولا إجماع ولا قول صاحب وليس أولى من اثنتين. وقال إسحاق بن منصور المعروف بالكوسج من أصحاب أحمد إن كانت الصلاة المتروكة تجمع إلى ما بعدها كالظهر والعصر والمغرب والعشاء لم يقتل حتى يخرج وقت الثانية لأن وقتها وقت(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3139",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأولى في حال الجمع فأورث شبهة هاهنا وإن كانت لا تجمع إلى ما بعدها كالفجر والعصر وعشاء الآخرة قتل بتركها وحدها إذ لا شبهة ها هنا في التأخير وهذا القول حكاه إسحاق عن عبد الله بن المبارك أو عن وكيع بن الجراح الشك من اسحاق في تعيينه. قال أبو البركات بن تيمية: والتسوية أصح وإلحاق التارك ها هنا بأهل الأعذار في الوقت لا يصح كما لم يصح إلحاقه بهم في أصل الترك. قلت: وقول إسحاق اقوى وافقه لأنه قد ثبت أن هذا الوقت للصلاتين في الجملة فأورث ذلك شبهة في إسقاط القتل ولأن النبي صلى الله عليه وسلم منع من قتل الأمراء المؤخرين الصلاة عن وقتها وإنما كانوا يؤخرون الظهر إلى وقت العصر وقد يؤخرون العصر إلى آخر وقتها ولما قيل له ألا نقاتلهم قال: quot;لا ما صلواquot; فدل على أن ما فعلوه صلاة يعصمون بها دماءهم. quot;فصلquot; وعلى هذا فمتى دعي إلى الصلاة في وقتها فقال لا أصلي وامتنع حتى فاتت وجب قتله وإن لم يتضيق وقت الثانية نص عليه الإمام أحمد. وقال القاضي محمد بن الحسين أبو يعلى وأصحابه كأبي الخطاب محفوظ بن محمد الكلواذاني وابن عقيل لا يقتل حتى يتضايق وقت التي بعدها قال الشيخ أبو البركات ابن تيمية من دعي إلى صلاة في وقتها فقال لا أصلي وامتنع حتى فاتت وجب قتله وإن لم يتضيق وقت الثانية نص عليه. قال وإنما اعتبرنا تضايق وقت الثانية في المثال الذي ذكره يعني أبا الخطاب لأن القتل بتركها دون الأولى لأنه لما دعي إليها كانت فائتة والفوائت لا يقتل تاركها ولفظ أبي الخطاب الذي أشار إليه فإن أخر الصلاة حتى خرج وقتها جاحدا لوجوبها كفر ووجب قتله فإن أخرها تهاونا لا جحودا لوجوبها دعي إلى فعلها فإن لم يفعلها حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتله فالتي أخرها تهاونا هي التي أخرها حتى خرج وقتها فدعي إليها بعد خروج وقتها فإذا امتنع من فعلها حتى تضايق وقت الآخرة التي بعدها كان قتله بتأخير الصلاة التي دعي إليها حتى تضايق وقتها.(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3140",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا تقرير ما ذكره الشيخ قال وقال بعض أصحابنا يقتل لترك الأول ي ولترك قضاء كل فائتة إذا أمكنه عذر لأن القضاء عندنا على الفور فعلى هذا لا يعتبر تضايق وقت الثانية قال والأول أصح لأن قضاء الفوائت موسع على التراخي ثم الشافعي وجماعة من العلماء والقتل لا يجب في مختلف في إباحته وحظره. وعن أحمد رواية أخرى أنه إنما يجب قتله إذا ترك ثلاث صلوات وتضايق وقت الرابعة وهذا اختيار الإصطخري من الشافعية ووجه هذا القول أن الموجب للقتل هو الإصرار على ترك الصلاة والإنسان قد يترك الوقوف لكسل أو ضجر أو شغل يزول قريبا ولا يدوم فلا يسمى بذلك تاركا للصلاة فإذا كرر الترك مع الدعاء إلى الفعل علم أنه إصرار. وعن أحمد رواية ثالثة أنه يجب قتله بترك صلاتين ولهذه الرواية مأخذان: quot;أحدهماquot; أن الترك الموجب للقتل هو الترك المتكرر لا مطلق الترك حتى يطلق عليه أنه تارك الصلاة وأقل ما يثبت به الترك المتكرر مرتين. quot;المأخذ الثانيquot; أن الصلاة ما تجمع إحداهن إلى الأخرى فلا يتحقق تركها إلا بخروج وقت الثانية فجعل ترك الوقوف موجبا للقتل. وأبو إسحاق وافق هذه الرواية في المجموعتين. quot;فصلquot; وحكم ترك الوضوء والغسل من الجنابة واستقبال القبلة وستر العورة حكم تارك الصلاة وكذلك حكم ترك القيام للقادر عليه هو كترك الصلاة وكذلك ترك الركوع والسجود وإن ترك ركنا أو شرطا مختلفا فيه وهو يعتقد وجوبه فقال ابن عقيل حكمه حكم تارك الصلاة ولا بأس أن نقول بوجوب قتله وقال الشيخ أبو البركات ابن تيمية عليه الإعادة ولا يقتل من أجل ذلك بحال فوجه قول ابن عقيل أنه تارك للصلاة ثم نفسه وفي عقيدته فصار كتارك الزكاة طاعة المجمع عليه ووجه قول أبي البركات ابن تيمية أنه لا يباح الدم بترك المختلف في وجوبه وهذا أقرب إلى مأخذ الفقه وقول ابن عقيل أقرب إلى الأصول(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3141",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن تارك ذلك عازم وجازم على باطلة فهو كما لو ترك مجمعا عليه وللمسألة غور بعيد يتعلق بأصول الإيمان وأنه من أعمال القلوب واعتقادها. quot;فصلquot; في حكم تارك الجمعة روى مسلم في صحيحه رقم من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لقوم يتخلفون عن الجمعة quot;لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهمquot;. وعن أبي هريرة وابن عمر أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: على أعواد منبره quot; لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلينquot;. رواه مسلم في صحيحه. وفي السنن كلها أبو داود من حديث أبي الجعد الضمري وله البغوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبهquot;. رواه الإمام أحمد من حديث جابر. وأخطأ على الشافعي من نسب إليه القول بأن صلاة الجمعة فرض على الكفاية إذا قام بها قوم سقطت عن الباقين فلم يقل الشافعي هذا قط فإنما غلط عليه من نسب ذلك إليه بسبب قوله في صلاة العيد إنها تجب على من تجب عليه صلاة الجمعة بل هذا نص من الشافعي أن صلاة العيد واجبة على الأعيان. وهذا هو الصحيح في الدليل فإن صلاة العيد من اعاظم شعائر الإسلام الظاهرة ولم يكن يتخلف عنها أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة واحدة ولو كانت سنة لتركها ولو مرة واحدة كما ترك قيام رمضان بيانا لعدم وجوبه وترك الوضوء لكل صلاة بيانا لعدم وجوبه وغير ذلك. وأيضا فإنه سبحانه وتعالى أمر بالعيد كما أمر بالجمعة فقال: فصل لربك وانحر سورة الكوثر الآية فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يغدوا إلى مصلاهم لصلاة العيد معه إن فات وقتها وثبت الشهر بعد الزوال أبو داود رقم وأمر النبي صلى الله عليه وسلم العواتق1 وذوات الخدور وذوات الحيض أن يخرجن إلى العبد وتعتزل الحيض المصلي البخاري رقم مسلم رقم ولم يأمر بذلك في الجمعة قال شيخنا ابن تيمية فهذا يدل على ان العيد آكد من الجمعة  1 جمع عائق وهي البكر التي بلغت سن الزواج ولم تتزوج.(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3142",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله صلى الله عليه وسلم: quot;خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلةquot;. لا ينفي صلاة العيد فإن الصلوات الخمس وظيفة اليوم والليلة وأما العيد فوظيفة العام ولذلك لم يمنع ذلك من وجوب ركعتي الطواف ثم كثير من الفقهاء لأنها ليست من وظائف اليوم والليلة المتكررة ولم يمنع وجوب صلاة الجنازة ولم يمنع من وجوب سجود التلاوة ثم من أوجبه وجعله صلاة ولم يمنع من وجوب صلاة الكسوف ثم من أوجبها من السلف وهو قول قوي جدا. والمقصود أن الشافعي رحمه الله نص على أن من وجبت عليه الجمعة وجب عليه العيد ولكن قد يقال إن هذا لا يستفاد منه وجوبه على الأعيان فإن فرض الكفاية يجب على الجميع لبعض بفعل البعض وفائدة ذلك تظهر في مسألتين إحداهما أنه لو اشترك الجميع في فعله أثيبوا ثواب من أدى الواجب لتعلق الوجوب الثانية لو اشتركوا في تركه استحق الجميع الذم والعقاب فلا يلزم من قوله تجب صلاة العيد على من تجب عليه صلاة الجمعة أن تكون واجبة على الأعيان كالجمعة فهذا يمكن أن يقال ولكن ظاهر تشيبه العيد بالجمعة والتسوية بين من تجب عليه الجمعة ومن يجب عليه العيد يدل على استوائهما في الوجوب ولا يختلف قوم أن الجمعة واجبة على الأعيان فكذا العيد. والمقصود بيان حكم تارك الجمعة قال أبو عبد الله ابن حامد ومن جحد وجوب الجمعة كفر فإن صلاها أربعا مع اعتقاد وجوبها قال فإن قلنا هي ظهر مقصورة لم يكفر وإلا كفر حكم تارك الصوم والحج والزكاة وهل يلحق تارك الصوم والحج والزكاه بتارك الصلاة في وجوب قتله فيه ثلاث روايات عن الإمام أحمد: إحداها: يقتل بترك ذلك كله كما يقتل بترك الصلاة وحجة هذه الرواية أن الزكاة والصيام والحج من مباني الإسلام فيقتل بتركها جميعا كالصلاة ولهذا قاتل الصديق مانعي الزكاة وقال: quot;والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة إنها لقرينتها في كتاب اللهquot;. وأيضا فإن هذه المباني من حقوق الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر برفع القتال إلا عمن التزم كلمة الشهادة وحقها وأخبر أن عصمة الدم لا تثبت إلا بحق(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3143",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإسلام فهذا قتال للفئة الممتنعة والقتل للواحد المقدوم عيله إنما هو لتركه حقوق الكلمة وشرائع الإسلام وهذا أصح الأقوال. والرواية الثانية: لا يقتل الصلاة بترك غير الصلاة لأن الصلاة عبادة بدنية لا تدخلها النيابة بحال والحج والصوم والزكاة تدخلها النيابة. ولقول عبد الله بن شقيق كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة الترمذي رقم ولأن الصلاة قد اختصت من سائر الأعمال بخصائص ليست لغيرها فهي أول ما فرض الله من الإسلام ولهذا امر النبي صلى الله عليه وسلم نوابه ورسله ان يبدؤوا بالدعوة إليها بعد الشهادتين. فقال لمعاذ: quot;ستأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلةquot;. ولأنها أول ما يحاسب عليها العبد من عمله ولأن الله فرضها في السماء ليلة المعراج ولأنها أكثر الفروض ذكرا في القرآن ولأن أهل النار لما يسألون ما سلككم في سقر سورة المدثر الآية لم يبدؤوا ترك الصلاة ولأن فرضها لا يسقط عن العبد بحال دون حال ما دام عقله معه بخلاف سائر الفروض فإنها تجب في حال دون حال ولأنها عمود فسطاط الإسلام وإذا سقط الفسطاط وقع الفسطاط ولأنها آخر ما يفقد من الدين ولأنها فرض على الحر والعبد والذكر والأنثى والحاضر والمسافر والصحيح والمريض والغني والفقير ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل من إجابة إلى الإسلام إلا بالتزام الصلاة كما قال قتادة عن يروي لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل من اجابه إلى الإسلام إلا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولأن قبول سائر الأعمال موقوف على فعلها فلا يقبل الله من تاركها صوما ولا حجا ولا صدقة ولا جهادا ولا شيئا من الأعمال كما قال عون بن عبد الله إن العبد إذا دخل قبره سئل عن صلاته أول شيء يسأل عنه فإن جازت له نظر فيما سوى ذلك من عمله وإن لم تجز له لم ينظر في شيء من عمله بعد ويدل على هذا الحديث الذي في المسند والسنن من رواية أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;أول ما يحاسب به العبد من عمله يحاسب بصلاته فإن صلحت فقد(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3144",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أفلح وأنجح وأن فسدت فقط فقد خاب وخسرquot;. ولو قبل منه شيء من أعمال البر لم يكن من الخائبين الخاسرين. الرواية الثالثة: يقتل بترك الزكاة والصيام ولا يقتل بترك الحج لأنه مختلف فيه هل هو على الفور أو على التراخي فمن قال هو على التراخي قال كيف يقتل بأمر موسع له في تأخيره. وهذا المأخذ ضعيف جدا لأن من يقتله بتركه لا يقتله بمجرد التأخير وإنما صورة المسألة أن يعزم على ترك الحج ويقول هو واجب علي ولا أحج أبدا فهذا موضوع النزاع والصواب القول بقتله لأن الحج من حقوق الإسلام والعصمة تثبت لمن تكلم بالإسلام إلا بحقه والحج أعظم حقوقه. quot;فصلquot; وأما المسألة الثالثة: وهو انه هل يقتل حدا كما يقتل المحارب والزاني أم يقتل كما يقتل المرتد والزنديق هذا فيه قولان للعلماء وهما روايتان عن الإمام أحمد. إحداهما: يقتل كما يقتل المرتد وهذا قول سعيد بن جبير وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي وأبي عمرو الأوزاعي وأيوب السختياني وعبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه وعبد الملك بن حبيب من المالكية وأحد الوجهين في مذهب الشافعي وحكاه الطحاوي عن الشافعي نفسه وحكاه أبو محمد ابن حزم عن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة. والثانية: يقتل حدا لا كفرا وهو قول مالك والشافعي واختار أبو عبد الله ابن بطة هذه الرواية ونحن نذكر حجج صليت أدلة الذين لا يكفرون تارك الصلاة قال الذين لا يكفرونه بتركها قد ثبت له حكم الإسلام بالدخول فيه فلا نخرجه عنه إلا بيقين. قالوا وقد روى عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;من شهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العملquot;. أخرجاه في الصحيحين.(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3145",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ومعاذ رديفة على الرحل: quot;يا معاذquot; قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثا قال: quot;ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا حرمه الله على النارquot; قال: يا رسول الله أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا قال: quot;إذا يتكلواquot; فأخبر بها معاذ ثم موته تأثما متفق على صحته. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;أسعد الناس بشفاعتي من قال لاإله إلا الله خالصا من قلبهquot;. رواه البخاري. وعن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بآية من القرآن يرددها حتى صلاة الغداة وقال: quot;دعوت لامتي وأجبت بالذي لو يتحقق عليه كثير منهم تركوا الصلاةquot; فقال أبو ذر أفلا أبشر الناس قال: quot;بلىquot; فانطلق فقال عمر: إنك إن تبعث إلى الناس بهذا ينكلوا1 عن العبادة فناداه أن ارجع فرجع والآية: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم رواه الإمام أحمد في مسنده. وفي المسند أيضا من حديث عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;الدواوين عند الله ثلاثة ديوان لا يعبأ الله به شيئا وديوان لا يترك الله منه شيئا وديوان لا يغفره الله فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله قال الله عز وجل: إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم تركه أو صلاة تركها فإن الله عز وجل: يغفر ذلك ويتجاوز عنه إن شاء وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا فظلم العباد بعضهم بعضا القصاص لا محالةquot;. وفي المسند أيضا وعن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن كان له ثم الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له ثم الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر لهquot;. وفي المسند أيضا من حديث أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة فإن أتمها وإلا قيل انظروا هل له من تطوع فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلكquot;. رواه أهل السنن.  1 بضم الكاف: الامتناع.(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3146",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الترمذي هذا حديث حسن قالوا وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنةquot;. وفي لفظ آخر: quot;من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنةquot;. وفي صحيح قصة عتبان بن مالك وفيها: quot;إن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه اللهquot;. وفي حديث الشفاعة يقول الله عز وجل: quot;وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا اللهquot;. وفيه مجمع الزوائد: quot;فيخرج من النار من لم يعمل خيرا قطquot; وفي السنن والمسانيد قصة صاحب البطاقة الذي ينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر ثم تخرج له بطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله فترجح سيئاته ولم يذكر في الشهادة ولو كان فيها غيرها لقال ثم تخرج له صحائف حسناته فترجح سيئاته ويكفينا في هذا قوله فيخرج من النار من لم يعمل خيرا قط ولو كان كافرا لكان مخلدا في النار غير خارج منها. فهذه الأحاديث وغيرها تمنع من التكفير والتخليد وتوجب من الرجاء له ما يرجى لسائر أهل الكبائر قالوا ولأن الكفر جحود التوحيد وإنكار الرسالة والمعاد وجحد ما جاء به الرسول وهذا يقر بالوحدانية شاهدا أن محمدا رسول الله مؤمنا بأن الله يبعث من في القبور فكيف يحكم بكفره والإيمان هو التصديق وضده التكذيب لا ترك العمل فكيف يحكم للمصدق بحكم المكذب الجاحد. قال المكفرون: الذين رويت عنهم هذه الأحاديث التي استدللتم بها على عدم تكفير تارك الصلاة هم الذين حفظ عنهم الصحابة تكفير تارك الصلاة بأعيانهم قال أبو محمد ابن حزم: وقد جاء عن عمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد قالوا ولا نعلم لهؤلاء مخالفا من الصحابة وقد دل على كفر تارك الصلاة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة فصل في الاستدلال بالكتاب أما الكتاب فالدليل الأول قال الله تعالى: أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون أم لكم كتاب فيه تدرسون(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3147",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن لكم فيه لما تخيرون أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إلى قوله: يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون فوجه الدلالة من الآية أنه سبحانه أخبر أنه لا يجعل المسلمين كالمجرمين وأن هذا الأمر لا يليق بحكمته ولا بحكمه ثم ذكر أحوال المجرمين الذين هم ضد المسلمين فقال: يوم يكشف عن ساق وأنهم يدعون إلى السجود لربهم تبارك وتعالى فيحال بينهم وبينه فلا يستطيعون السجود مع المسلمين عقوبة لهم على ترك السجود له مع المصلين في دار الدنيا وهذا يدل على أنهم مع الكفار والمنافقين الذين تبقى ظهورهم إذا سجد المسلمون كصياصي quot;أي قرونquot; البقر ولو كانوا من المسلمين لأذن لهم بالسجود كما أذن للمسلمين. الدليل الثاني: قوله تعالى: كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين فلا يخلو إما أن يكون كل واحد من هذه الخصال هو الذي سلكهم في سقر وجعلهم من المجرمين أو مجموعها فإن كان كل واحد منها مستقلا بذلك فالدلالة ظاهرة وإن كان مجموع الأمور الأربعة فهذا إنما هو لتغليظ كفرهم وعقوبتهم وإلا فكل واحد منها مقتض للعقوبة إذ لا يجوز أن يضم ما لا تأثير له إلى ما هو مستقل بها. ومن المعلوم أن ترك الصلاة وما ذكر معه ليس شرطا على التكذيب بيوم الدين بل هو وحده كاف فدل على أن كل وصف ذكر معه كذلك إذ لا يمكن لقائل أن يقول لا يعذب إلا من جمع هذه الأوصاف الأربعة فإذا كان كل واحد منها موجبا للإجرام وقد جعل الله سبحانه المجرمين ضد المسلمين كان تارك الصلاة من المجرمين السالكين في سقر وقد قال: إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر وقال تعالى: إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون فجعل المجرمين ضد المؤمنين المسلمين.(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3148",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدليل الثالث: قوله تعالى: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون فوجه الدلالة أنه سبحانه علق حصول الرحمة لهم بفعل هذه الأمور فلو كان ترك الصلاة لا يوجب تكفيرهم وخلودهم في النار لكانوا مرحومين بدون فعل الصلاة والرب تعالى إنما جعلهم على رجاء الرحمة إذا فعلوها. الدليل الرابع قوله تعالى: فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون وقد اختلف السلف في معنى السهو عنها فقال سعد بن أبي وقاص ومسروق ابن الأجدع وغيرهما هو تركها حتى يخرج وقتها روى في ذلك حديث مرفوع قال محمد بن نصر المروذي حدثنا سفيان بن أبي شيبة حدثنا عكرمة بن إبراهيم حدثنا عبد الملك بن عمير بم مصعب بن سعد عن أبيه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الذين هم عن الصلاة ساهون قال: quot;هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتهاquot;. وقال حماد بن زيد حدثنا عاصم عن مصعب بن سعد قال قلت: لأبي يا ابتا أرأيت قول الله: الذين هم عن صلاتهم ساهون أينا لا يسهو أينا لا يحدث نفسه قال إنه ليس ذاك ولكنه إضاعة الوقت سنن البيهقي وقال حيوة بن شريح أخبرني أبو صخر أنه سأل محمد بن كعب القرظي عن قوله: الذين هم عن صلاتهم ساهون قال هو تاركها ثم سأله عن الماعون قال: منع المال عن حقه. إذا عرف هذا فالوعيد بالويل اطرد في القرآن للكفار كقوله: وويل للمشركين: الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون وقوله: ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين وقوله: وويل للكافرين من عذاب شديد إلا في موضعين وهما ويل للمطففين و ويل لكل همزة لمزة فعلق الويل بالتطفيف وبالهمز واللمز وهذا لا يكفر به بمجرده فويل تارك الصلاة إما ان يكون ملحقا بويل الكفار أو بويل الفساق فإلحاقه بويل الكفار أولى لوجهين: أحدهما: أنه قد صح عن سعد ابن أبي وقاص في هذه الآية أنه قال لو تركوها لكانوا كفارا ولكن ضيعوا وقتها. الثاني: ما سنذكر من الأدلة على كفره يوضحه:(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3149",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدليل الخامس: وهو قوله سبحانه: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا . قال شعبة بن الحجاج حدثنا أبو إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله هو ابن مسعود في هذه الآية قال هو نهر في جهنم خبيث الطعم بعيد القعر قال محمد بن نصر حدثنا عبد الله بن سعد بن إبراهيم حدثنا محمد بن زياد بن زبار حدثني شرقي بن القطامي قال حدثني لقمان بن عامر الخزاعي قال جئت أبا أمامه الباهلي فقلت: حدثني حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;لو أن صخرة قذف بها من شفير 1 جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفا ثم تنتهي إلى غي وأثامquot; قلت: وما غي وأثام قال: quot;بئران في أسفل جهنم يسيل فيهما صديد أهل جهنم فهذا الذي ذكره الله في كتابهquot; فسوف يلقون غيا وأثاما قال محمد بن نصر حدثنا الحسن بن عيسى حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا هشيم بن بشير قال أخبرني زكريا ابن أبي مريم الخزاعي قال سمعت أبا أمامة الباهلي يقول إن ما بين شفير جهنم إلى قعرها مسيرة خمسين خريفا من حجر يهوي أو قال صخرة تهوي عظمها كعشر عشراوات عظام سمان2 فقال له مولى لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد هل تحت ذلك من شيء يا أبا أمامة قال نعم غي وأثام وقال أيوب بن بشير عن شفي بن ماتع قال إن في جهنم واديا يسمى غيا يسيل دما وقيحا فهو لمن خلق له قال تعالى: فسوف يلقون غيا . فوجه الدلالة من الآية أن الله سبحانه جعل هذا المكان من النار لمن أضاع الصلاة واتبع الشهوات ولو كان مع عصاة المسلمين لكانوا في الطبقة العليا من طبقات النار ولم يكونوا في هذا المكان الذي هو أسفلها فإن هذا ليس من أمكنة أهل الإسلام بل من أمكنه الكفار ومن الآية دليل آخر وهو قوله تعالى: فسوف يلقون غيا إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فلو كان مضيع الصلاة مؤمنا لم يشترط في توبته الإيمان وأنه يكون تحصيلا للحاصل.  1 حرفها. 2 أي حجم الصخرة كحجم عشرة نوق حوامل سمان.(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3150",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدليل السادس: قوله تعالى: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين الروضات الزكواة فإخوانكم في الدين سورة التوبة الآية فعلق إخوتهم للمؤمنين بفعل الصلاة فإذا لم يفعلوا لم يكونوا إخوة المؤمنين فلا يكونوا مؤمنين لقوله تعالى: إنما المؤمنون إخوة . الدليل السابع: قوله تعالى: فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى فلما كان الإسلام تصديق الخبر والانقياد للأمر جعل سبحانه له ضدين عدم التصديق وعدم الصلاة وقابل التصديق بالتكذيب والصلاة بالتولي فقال: ولكن كذب وتولى فكما أن المكذب كافر فالمتولي عن الصلاة يزول الإسلام بالتكذيب يزول بالتولي عن الصلاة. قال سعيد عن قتادة فلا صدق ولا صلى لا صدق بكتاب الله ولا صلى لله ولكن كذب بآيات الله وتولى عن طاعته أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى . الدليل الثامن: قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون . قال ابن جريج: سمعت عطاء ابن أبي رباح يقول هي الصلاة المكتوبة الدر المنثور ووجه الاستدلال بالآية إن الله حكم بالخسران المطلق لمن الهاه ماله وولده عن الصلاة والخسران المطلق لا يحصل إلا للكفار فإن المسلم ولو خسر بذنوبه ومعاصيه فآخر أمره إلى الربح يوضحه أنه سبحانه وتعالى اكد خسران تارك الصلاة في هذه الآية بأنواع من التأكيد: أحدهما: إتيانه بلفظ الاسم الدال على ثبوت الخسران ولزومه دون الفعل الدال على التجدد والحدوث. الثاني: تصدير الاسم بالألف واللام المؤدية لحصول كمال المسمى لهم فإنك إذا قلت: زيد العالم الصالح أفاد ذلك إثبات كمال ذلك له بخلاف قولك عالم صالح. الثالث: إتيانه سبحانه بالمبتدأ والخبر معرفتين وذلك من علامات انحصار الخبر في المبتدأ كما في قوله تعالى: وأولئك هم المفلحون وقوله تعالى: والكافرون هم الظالمون أولئك هم المؤمنون حقا ونظائره. الرابع: إدخال ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر وهو يفيد مع الفصل فائدتين اخريين قوة الاسناد واختصاص المسند إليه بالمسند كقوله: وإن الله لهو(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3151",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الغني الحميد سورة الحج الآية وقوله: والله هو السميع العليم  وقوله: إنه هو الغفور الرحيم ونظائر ذلك الدليل. التاسع: قوله سبحانه: إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون ووجه الاستدلال بالآية أنه سبحانه نفى الإيمان عمن إذا ذكروا بآيات الله لم يخروا سجدا مسبحين بحمد ربهم ومن أعظم التذكير بآيات الله التذكير بآيات الصلاة فمن ذكر بها ولم يتذكر ولم يصل ولم يؤمن بها لأنه سبحانه خص المؤمنين بها بأنهم أهل السجود وهذا من أحسن الاستدلال واقربه فلم يؤمن بقوله تعالى: وأقيموا الصلاة إلا من التزم إقامتها. الدليل العاشر: قوله تعالى: وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ويل يومئذ للمكذبين ذكر هذا بعد قوله: كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون ثم توعدهم على ترك الركوع وهو الصلاة إذا دعوا إليها ولا يقال إنما توعدهم على التكذيب فإنه سبحانه وتعالى إنما أخبر عن تركهم لها وعليه وقع الوعيد. على أنا نقول لا يصر على ترك الصلاة إصرارا مستمرا من يصدق بأن الله أمر بها اصلا فإنه يستحيل في العادة والطبيعة أن يكون الرجل مصدقا تصديقا جازما أن الله فرض عليه كل يوم وليلية خمس صلوات وأنه يعاقبه على تركها أشد العقاب وهو مع ذلك مصر على تركها هذا من المستحيل قطعا فلا يحافظ على تركها مصدق بفرضها أبدا فإن الايمان يأمر صاحبه بها فحيث لم يكن في قلبه ما يأمر بها فليس في قلبه شيء من الإيمان. ولا تصغى إلى كلام من ليس له خبره ولا علم بأحكام القلوب وأعمالها وتأمل في الطبيعة بأن يقوم بقلب العبد إيمان بالوعد والوعيد والجنة والنار وأن الله فرض عليه الصلاة وأن الله يعاقبه معاقبة على تركها وهو محافظ على الترك في صحته وعافيته وعدم الموانع المانعة له من الفعل. وهذا القدر هو الذي خفي على من جعل الإيمان مجرد التصديق وإن لم يقارنه فعل واجب ولا ترك محرم وهذا من لأوامره المحال ان يقوم بقلب العبد إيمان جازم(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3152",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يتقاضاه فعل طاعة ولا ترك معصية ونحن نقول الإيمان هو التصديق ولكن ليس التصديق مجردا اعتقادا صدق المخبر دون الانقياد له ولو كان مجرد اعتقاد التصديق إيمانا لكان إبليس وفرعون وقومه وقوم صالح واليهود الذين عرفوا أن محمدا رسول الله كما يعرفون أبناءهم مؤمنين مصدقين. وقد قال تعالى: فإنهم لا يكذبونك أي يعتقدون أنك صادق ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون والجحود لا يكون إلا بعد معرفة الحق قال تعالى: وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا وقال موسى لفرعون: لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وقال تعالى عن اليهود: يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون . وأبلغ من هذا قول النفرين اليهوديين لما جاءا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسألاه عما دلهما على نبوته فقالا نشهد أنك نبي فقال: quot;ما يمنعكما من اتباعيquot; قالا إن داود دعا أن لا يزال في ذريته نبي وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا اليهود. فهؤلاء قد اقروا بألسنتهم إقرارا مطابقا لمعتقدهم أنه نبي ولم يدخلوا بهذا التصديق والإقرار في الإيمان لأنهم لم يلتزموا طاعته والانقياد لأمره. ومن هذا كفر أبي طالب فإنه عرف حقيقة المعرفة أنه صادق وأقر بذلك بلسانه وصرح به في شعره ولم يدخل بذلك في الإسلام فالتصديق إنما يتم بأمرين: أحدهما: اعتقاد الصدق والثاني: محبة القلب وانقياده ولهذا قال تعالى لإبراهيم: أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا وإبراهيم كان معتقدا لصدق رؤياه من حين رآها فإن رؤيا الأنبياء وحي وإنما جعله مصدقا لها بعد أن فعل ما أمر به. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: quot;والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبهquot;. فجعل التصديق عمل الفرج لا ما يتمنى القلب والتكذيب تركه لذلك وهذا صريح في ان التصديق لا يصح إلا بالفعل. وقال الحسن: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل. وقد روي هذا مرفوعا الكامل لابن عدي والمقصود أنه يمتنع مع التصديق الجازم بوجوب الصلاة والوعد على فعلها والوعيد على تركها وبالله التوفيق.(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3153",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;فصلquot; وأما الاستدلال بالسنة على ذلك فمن وجوه: الدليل الأول: ما رواه مسلم في صحيحه رقم عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاةquot; رواه أهل السنن وصححه الترمذي. الدليل الثاني: ما رواه بريدة بن الحصيب الأسلمي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفرquot; رواه الإمام أحمد وأهل السنن وقال الترمذي حديث صحيح إسناده على شرط مسلم. الدليل الثالث: ما رواه ثوبان مولى1 رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;بين العبد وبين الكفر والإيمان الصلاة فإذا تركها فقد أشركquot;. رواه هبة الله الطبري وقال إسناده صحيح على شرط مسلم. الدليل الرابع: ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الصلاة يوما فقال: quot;من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلفquot;. رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو حاتم ابن حبان في صحيحه وإنما خص هؤلاء الاربعة بالذكر لأنهم من رؤس الكفرة. وفيه نكتة بديعة وهو أن تارك المحافظة على الصلاة إما أن يشغله ماله أو ملكه أو رياسته أو تجارته فمن شغله عنها ماله فهو مع قارون ومن شغله عنها ملكه فهو مع فرعون ومن شغله عنها رياسة ووزارة فهو مع هامان ومن شغله عنها تجارته فهو مع أبي بن خلف. الدليل الخامس: ما رواه عبادة بن الصامت قال فيزورون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: quot;لا تشركوا بالله شيئا وإن قطعتم أو حرقتم أو صلبتم ولا تتركوا الصلاة عمدا فمن تركها عمدا متعمدا فقد خرج من الملةquot;. رواه عبد الرحمن ابن أبي حاتم في سننه. الدليل السادس: ما رواه معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  1 خادم.(1\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3154",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة اللهquot;. رواه الإمام أحمد ولو كان باقيا على إسلامه لكانت له ذمة الإسلام. الدليل السابع: ما رواه أبو الدرداء قال أوصاني أبو القاسم صلى الله عليه وسلم أن لا أترك الصلاة متعمدا فمن تركها متعمدا فقد برئت منه الذمة. رواه عبد الرحمن ابن أبي حاتم في سننه. الدليل الثامن: ما رواه معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاةquot; وهو حديث صحيح مختصر ووجه الاستدلال به أنه أخبر أن الصلاة من الإسلام بمنزلة العمود الذي تقوم عليه تسقط الخيمة بسقوط عمودها فهكذا يذهب الإسلام بذهاب الصلاة وقد احتج أحمد بهذا بعينه. الدليل التاسع: في الصحيحين والسنن والمسانيد من حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضانquot;. رواه الإمام أحمد وفي بعض ألفاظه الإسلام خمس فذكره. ووجه الاستدلا به من وجوه: أحدها: أنه جعل الإسلام كالقبة المبنية على خمسة أركان فإذا وقع ركنها الأعظم وقعت قبة الإسلام. الثاني: أنه جعل هذه الاركان في كونها أركانا لقبة الإسلام قرينة الشهادتين فهما ركن والصلاة ركن والزكاة ركن فما بال قبة الإسلام تبقى بعد سقوط أحد أركانها دون بقية أركانها. الثالث: أنه جعل هذه الأركان نفس الإسلام وداخلة في مسمى اسمه وما كان أعطى لمجموع أمور إذا ذهب بعضها ذهب ذلك المسمى ولا سيما إذا كان من أركانه لا من اجزائه التي ليست بركن له كالحائظ للبيت فإنه إذا سقط البيت بخلاف العود والخشبة واللبنة ونحوها. الدليل العاشر: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ما لنا وعليه ما عليناquot; ووجه الدلالة فيه من وجهين: أحدهما: أنه إنما جعله مسلما بهذه الثلاثة فلا يكون مسلما بدونها.(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3155",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني: أنه إذا صلى إلى الشرق لم يكن مسلما حتى يصلي إلى قبلة المسلمين فكيف إذا ترك الصلاة بالكلية. الدليل الحادي عشر: وما رواه الدارمي عبد الله عبد الله بن عبد الرحمن تعظيم قدرالصلاة رقم قال حدثنا يحيى بن حسان حدثنا سليمان بن قرم عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;مفتاح الجنة الصلاةquot;. وهذا يدل على أن من لم يكن من أهل الصلاة لم تفتح له الجنة وهي تفتح لكل مسلم فليس تاركها مسلم ولا تناقض بين هذا وبين الحديث الآخر وهو قوله: quot;مفتاح الجنة شهادة أن لا إله إلا اللهquot;. فإن الشهادة أصل المفتاح والصلاة وبقية الأركان أسنانه التي لا يحصل الفتح إلا بها إذ دخول الجنة موقوف على المفتاح وأسنانه. وقال البخاري: وقيل لوهب بن منبه أليس مفتاح الجنة لاإله إلا الله قال: بلى ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك. الدليل الثاني عشر: ما رواه محجن بن الأدرع الأسلمي أنه كان في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فأذن بالصلاة فقام النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع ومحجن في مجلسه فقال له: quot;ما منعك أن تصلي ألست برجل مسلمquot; . قال: بلى ولكني صليت في أهلي فقال له: quot;إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليتquot;. رواه الإمام أحمد المسند والنسائي. فجعل الفارق بين المسلم والكافر الصلاة وأنت تجد تحت الفاظ الحديث أنك لو كنت مسلما لصليت وهذا كما تقول: مالك لا تتكلم ألست بناطق وما لك لا تتحرك ألست بحي ولو كان الإسلام يثبت مع عدم الصلاة لما قال لمن رآه لا يصلي ألست برجل مسلم. فصل: وأما إجماع الصحابة فقال ابن زنجويه حدثنا عمر بن الربيع حدثنا يحيى بن أيوب عن يونس عن ابن شهاب قال حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عبد الله بن عباس أخبره أنه جاء عمر بن الخطاب حين طعن في المسجد. قال: فاحتملته أنا ورهط كانوا معي في المسجد حتى أدخلناه بيته. قال: فأمر عبد الرحمن بن عوف أن يصلي بالناس. قال: فلما دخلنا على عمر بيته غشي عليه من الموت فلم يزل في غشيته حتى أسفر(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3156",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم أفاق فقال: هل صلى الناس. قال: فقلنا نعم. فقال: لا إسلام لمن ترك الصلاة. وفي سياق آخر: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة, ثم دعا بوضوء فتوضأ وصلى, quot;وذكر القصةquot;. فقال هذا بمحضر من الصحابة ولم ينكروه عليه وقد تقدم مثل ذلك عن معاذ بن جبل وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة ولا يعلم عن صحابي خلافهم, وقال الحافظ عبد الحق الاشبيلي رحمه الله في كتابه في الصلاة: ذهب جملة من الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم إلى تكفير تارك الصلاة متعمدا لتركها حتى يخرج جميع وقتها, منهم عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وابن عباس وجابر وأبو الدرداء, وكذلك روي عن علي بن أبي طالب هؤلاء من الصحابة. ومن غيرهم: أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وعبد الله بن المبارك وإبراهيم النخعي والحكم بن عيينة وأيوب السختياني وأبو داود الطيالسي وأبو بكر ابن أبي شيبة وأبو خيثمة زهير بن حرب. قال: المانعون من التكفير يجب حمل هذه الأحاديث وما شاكلها على كفر النعمة دون كفر الجحود كقوله صلى الله عليه وسلم: quot;من تعلم الرمي ثم تركه فهي نعمة كفرهاquot;. وقوله: quot;لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكمquot;. وقوله: quot;تبرؤه من نسب وإن دق كفر بعد إيمانquot;. وقوله: quot;سباب المسلم فسوق وقتاله كفرquot;. وقوله: quot;من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمدquot;. وقوله: quot;من حلف بغير الله فقد كفرquot;. رواه الحاكم في صحيحه بهذا اللفظ وقوله: quot;اثنتان في أمتي هما بهم كفر الطعن في الأنساب والنياحة على الميتquot;. ونظائر ذلك كثيرة. قالوا: وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر والمنتهب ولم يوجب زوال هذا الاسم عنهم كفر الجحود والخلود في النار فكذلك كفر تارك الصلاة ليس بكفر جحود ولا يوجب التخليد في الجحيم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;لا إيمان لمن لا أمانة لهquot;. فنفى عنه الإيمان ولا يوجب ترك أداء الأمانة أن يكون كافرا كفرا ينقل عن الملة. وقد قال ابن عباس في قوله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون : ليس بالكفر الذي يذهبون إليه. وقد قال طاووس: سئل ابن عباس عن هذه الآية فقال: هو(1\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3157",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به كفر, وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله. وقال أيضا: كفر لا ينقل عن الملة. وقال سفيان عن ابن جريح عن عطاء: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق. فصل: في الحكم بين الفريقين وفصل الخطاب بين الطائفين. معرفة الصواب في هذه المسألة مبني على معرفة حقيقة الإيمان والكفر ثم يصح النفي والإثبات بعد ذلك. فالكفر والإيمان متقابلان إذا زال أحدهما خلفه الآخر, ولما كان الإيمان أصلا له شعب متعددة وكل شعبة منها تسمى إيمانا فالصلاة من الإيمان وكذلك الزكاة والحج والصيام والأعمال الباطنة كالحياء والتوكل والخشية من الله والإنابة إليه حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة1 الأذى عن الطريق فإنه شعبة من شعب الإيمان, وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها كشعبة الشهادة, ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق, وبينهما شعب متفاوتة تفاوتا عظيما منها ما يلحق بشعبة الشهادة ويكون إليها أقرب, ومنها ما يلحق بشعبة إماطة الأذى ويكون إليها أقرب. وكذلك الكفر ذو أصل وشعب. فكما أن شعب الإيمان إيمان فشعب الكفر كفر, والحياء شعبة من الإيمان, وقلة الحياء شعبة من شعب الكفر, والصدق شعبة من شعب الإيمان والكذب شعبة من شعب الكفر, والصلاة والزكاة والحج والصيام من شعب الإيمان, وتركها من شعب الكفر, والحكم بما أنزل الله من شعب الإيمان والحكم بغير ما أنزل الله من شعب الكفر, والمعاصي كلها من شعب الكفر كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان. وشعب الإيمان قسمان: قولية وفعلية. وكذلك شعب الكفر نوعان: قولية وفعلية. ومن شعب الإيمان القولية شعبة يوجب زوالها زوال الإيمان, فكذلك من شعبه الفعلية ما يوجب زوالها زوال الإيمان وكذلك شعب الكفر القولية والفعلية. فكما يكفر بالإتيان بكلمة الكفر اختيارا وهي شعبة من شعب الكفر  1 تنحيته.(1\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3158",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف فهذا أصل, وها هنا أصل آخر: وهو أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل. والقول قسمان: قول القلب وهو الاعتقاد وقول اللسان وهوالتكلم بكلمة الإسلام, والعمل قسمان: عمل القلب وهو نيته وإخلاصه, وعمل الجوارح, فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله وإذا زال تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة, وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة. فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب, وهومحبته وانقياده كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول صلى الله عليه وسلم بل ويقرون به سرا وجهرا ويقولون ليس بكاذب ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به. فإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب فغير مستنكر أن يزول بزوال أعظم أعمال الجوارح ولا سيما إذا كان ملزوما لعدم محبة القلب وانقياده الذي هو ملزوم لعدم التصديق الجازم كما تقدم تقريره فإنه يلزمه من عدم طاعة القلب عدم طاعة الجوارح إذ لو أطاع القلب وانقاد أطاعت الجوارح وانقادت, ويلزم من عدم طاعته وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة وهو حقيقة الإيمان, فإن الإيمان ليس مجرد التصديق كما تقدم بيانه وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد وهكذا الهدى ليس هو مجرد معرفة الحق وتبينه بل هو معرفته المستلزمة لاتباعه والعمل بموجبه وإن سمي الأول هدى فليس هو الهدى التام المستلزم للاهتداء كما أن اعتقاد التصديق وإن سمي تصديقا فليس هو التصديق المستلزم للإيمان فعليك بمراجعة هذا الأصل ومراعاته. quot;فصلquot;: وها هنا أصل آخر وهو أن الكفر نوعان: كفر عمل وكفر جحود وعناد, فكفر الجحود أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحودا وعنادا من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه, وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه.(1\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3159",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما كفر العمل فينقسم إلى ما يضاد الإيمان وإلى ما لا يضاده. فالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان, وأما الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة فهو من الكفر العملي قطعا ولا يمكن أن ينفي عنه اسم الكفر بعد أن اطلقه الله ورسوله عليه فالحاكم بغير ما أنزل الله كافر وتارك الصلاة كافر بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولكن هو كفر عمل لا كفر اعتقاد, ومن الممتنع أن يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافرا ويسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم تارك الصلاة كافرا ولا يطلق عليهما اسم كافر. وقد نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر وعمن لا يأمن جاره بوائقه, وإذا نفي عنه اسم الإيمان فهو كافر من جهة العمل وانتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد وكذلك قوله: quot;لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعضquot;. فهذا كفر عمل. وكذلك قوله: quot;من أتى كاهنا فصدقه أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمدquot;. وقوله: quot; إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهماquot;. وقد سمى الله سبحانه وتعالى من عمل ببعض كتابه وترك العمل ببعضه مؤمنا بما عمل به وكافرا بما ترك العمل بت, فقال تعالى: وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون م أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالأثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون . فأخبر سبحانه أنهم أقروا بميثاقه الذي أمرهم به والتزموه. وهذا يدل على تصديقهم به أنهم لا يقتل بعضهم بعضا ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم ثم أخبر أنهم عصوا أمره وقتل فريق منهم فريقا وأخرجوهم من ديارهم فهذا كفرهم بما أخذ عليهم في الكتاب ثم أخبر أنهم يفدون من أسر من ذلك الفريق وهذا إيمان منهم بما أخذ عليهم في الكتاب فكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق(1\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3160",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كافرين بما تركوه منه, فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي. وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم بما قلناه في قوله في الحديث الصحيح: quot;سباب المسلم فسوق وقتاله كفرquot;. ففرق بين قتاله وسبابه وجعل أحدهما فسوقا لا يكفر به والآخر كفر, ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العلمي لا الاعتقادي, وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان, وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمهما فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم فإن المتأخرين لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين فريقا أخرجوا من الملة بالكبائر, وقضوا على أصحابها بالخلود في النار, وفريقا جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان فهؤلاء غلوا وهؤلاء جفوا وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى والقول الوسط الذي هو في إذنه كالإسلام في الملل فها هنا كفر دون كفر ونفاق دون نفاق وشرك دون شرك وفسوق دون فسوق وظلم دون ظلم. قال سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس في قوله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون . ليس هو بالكفر الذي يذهبون إليه. وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قال: هو بهم كفر وليس كمن كفر بالله وملائكته كتبه ورسله, وقال في رواية أخرى عنه: كفر لا ينقل عن الملة. وقال طاووس: ليس بكفر ينقل عن الملة. وقال وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق. وهذا الذي قاله عطاء بين في القرآن لمن فهمه فإن الله سبحانه سمى الحاكم بغير ما أنزله كافرا ويسمى جاحد ما أنزله على رسوله كافرا. وليس الكافران على حد سواء, وسمى الكافر ظالما كما في قوله تعالى: والكافرون هم الظالمون .(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3161",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسمى متعدي حدوده في النكاح والطلاق والرجعة والخلع ظالما فقال: ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه . وقال يونس نبيه: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين . وقال صفيه آدم: ربنا ظلمنا أنفسنا . وقال كليمه موسى: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي . وليس هذا الظلم مثل ذلك الظلم, ويسمى الكافر فاسقا كما في قوله: وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه . وقوله: وقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون . وهذا كثير في القرآن ويسمى المؤمن العاصي فاسقا كما في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين . نزلت في الحكم ابن أبي العاص وليس الفاسق كالفاسق, وقال تعالى: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون . وقال عن ابليس: ففسق عن أمر ربه . وقال: فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق . وليس الفسوق كالفسوق. والكفر كفران, والظلم ظلمان, والفسق فسقان, وكذا الجهل جهلان: جهل كفر كما في قوله تعالى: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين . وجهل غير كفر كقوله تعالى: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب . كذلك الشرك شركان: شرك ينقل عن الملة وهو الشرك الأكبر وشرك لا ينقل عن الملة وهو الشرك الأصغر: وهو شرك العمل: كالرياء. وقال تعالى في الشرك الأكبر: إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار . وقال: ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق . وفي شرك الرياء: فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا . ومن هذا الشرك الأصغر قوله صلى الله عليه وسلم: quot;من حلف بغير الله فقد أشركquot;. رواه أبو داود وغيره, ومعلوم أن حلفه بغير الله لا يخرجه(1\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3162",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن الملة ولا يوجب له حكم الكفار. ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: quot;الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النملquot;. فانظر كيف انقسم الشرك والكفر والفسوق والظلم والجهل إلى ما هو كفر ينقل عن الملة وإلى ما لا ينقل عنها وكذا النفاق نفاقان: نفاق اعتقاد ونفاق عمل, فنفاق الاعتقاد هو الذي أنكره الله على المنافقين في القرآن وأوجب لهم الدرك الأسفل من النار, ونفاق العمل كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: quot;آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خانquot;. وفي الصحيح أيضا: quot;أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر وإذا ائتمن خانquot;. فهذا نفاق عمل قد يجتمع مع أصل الإيمان ولكن إذا استحكم وكمل فقد ينسلخ صاحبه عن الإسلام بالكلية وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم, فإن الإيمان ينهى المؤمن عن هذه الخلال فإذا كملت في العبد ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها فهذا لايكون إلا منافقا خالصا, وكلام الإمام أحمد يدل على هذا فإن إسماعيل بن سعيد الشالنجي قال: سألت أحمد بن حنبل عن المصر على الكبائر يطلبها بجهده إلا أنه لم يترك الصلاة والزكاة والصوم, وهل يكون مصرا من كانت هذه حاله. قال: هو مصر, مثل قوله: quot;لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمنquot;. يخرج من الإيمان ويقع في الإسلام, ونحو قوله: quot;لا يشرب الخمر حين بشربها وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمنquot;. ونحو قول ابن عباس في قوله تعالى: quot;ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرونquot;. قال إسماعيل: فقلت: له ما هذا الكفر قال: كفر لا ينقل عن الملة مثل الإيمان بعضه دون بعض, فكذلك الكفر حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه. فصل وههنا أصل آخر وهو أن الرجل قد يجتمع فيه كفر وإيمان وشرك وتوحيد وتقوى وفجور ونفاق وإيمان, هذا من أعظم أصول أهل السنة, وخالفهم فيه غيرهم من أهل البدع كالخوارج والمعتزلة والقدرية.(1\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3163",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومسألة خروج أهل الكبائر من النار وتخليدهم فيها مبنية على هذا الأصل, وقد دل عليه القرآن والسنة والفطرة وإجماع الصحابة. قال تعالى: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون . فأثبت لهم إيمانا به سبحانه مع الشرك. وقال تعالى: قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الأيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم 1 من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم . فأثبت لهم إسلاما وطاعة لله ورسوله مع نفي الإيمان عنهم وهو الإيمان المطلق الذي يستحق اسمه بمطلقه. الذين ءامنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله, وهؤلاء ليسوا منافقين في أصح القولين بل هم مسلمون بما معهم من طاعة الله ورسوله وليسوا مؤمنين وإن كان معهم جزء من الإيمان أخرجهم من الكفر. قال الإمام أحمد: من أتى هذه الأربعة أو مثلهن أو فوقهن يريد: الزنا والسرقة وشرب الخمر والانتهاب فهو مسلم ولا أسمية مؤمنا, ومن أتى دون ذلك يريد دون الكبائر: سميته مؤمنا ناقص الإيمان. فقد دل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: quot;فمن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاقquot;. فدل على أنه يجتمع في الرجل نفاق وإسلام. وكذلك الرياء شرك فإذا راءى الرجل في شيء من عمله اجتمع فيه الشرك والإسلام, وإذا حكم بغير ما أنزل الله أو فعل ما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم كفرا وهو ملتزم للإسلام وشرائعه فقد قام به كفر وإسلام, وقد بينا أن المعاصي كلها شعب من شعب الكفر كما أن الطاعات كلها شعب من شعب الإيمان, فالعبد تقوم به شعبة أو أكثر من شعب الإيمان, وقد يسمى بتلك الشعبة مؤمنا وقد لا يسمى, كما أنه قد يسمى بشعبة من شعب الكفر كافرا وقد لا يطلق عليه هذا الاسم فها هنا أمران أمر اسمي لفظي وأمر معنوي حكمي, فالمعنوي هل هذه الخصلة كفر أم لا , واللفظي هل يسمى من قامت به كافرا أم لا فالأمر الأول شرعي محض, والثاني لغوي وشرعي.  1 لا ينقصكم.(1\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3164",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وها هنا أصل آخر وهو أنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمى مؤمنا وإن كان ما قام به إيمانا ولا من قيام شعبة من شعب الكفر به أن يسمى كافرا وإن كان ما قام به كفرا, كما أنه لا يلزم من قيام جزء من أجزاء العلم به أن يسمى عالما ولا من معرفة بعض مسائل الفقه والطب أن يسمى فقهيا ولا طبيبا, ولا يمنع ذلك أن تسمى شعبة الايمان إيمانا وشعبة النفاق نفاقا وشعبة الكفر كفرا. وقد يطلق عليه الفعل كقوله: quot;فمن تركها فقد كفرquot;. quot;ومن حلف بغير الله فقد كفرquot; , وقوله: quot;من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر ومن حلف بغير الله فقد كفرquot;. رواه الحاكم في صحيحه بهذااللفظ. فمن صدر منه خلة من خلال الكفر فلا يستحق اسم كافر على الإطلاق, وكذا يقال لمن ارتكب محرما إنه فعل فسوقا وإنه فسق بذلك المحرم ولا يلزمه اسم فاسق إلا بغلبة ذلك عليه. وهكذا الزاني والسارق والشارب والمنتهب لا يسمى مؤمنا وإن كان معه إيمان كما أنه لا يسمى كافرا وإن كان ما أتى به من خصال الكفر وشعبه إذ المعاصي كلها من شعب الكفر كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان والمقصود أن سلب الإيمان من تارك الصلاة أولى من سلبه عن مرتكب الكبائر. وسلب اسم الإسلام عنه أولى من سلبه عمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده فلا يسمى تارك الصلاة مسلما ولا مؤمنا وإن كان شعبة من شعب الإسلام والإيمان. نعم يبقى أن يقال: فهل ينفعه ما معه من الإيمان في عدم الخلود في النار فيقال: ينفعه إن لم يكن المتروك شرطا في صحة الباقي واعتباره, وإن كان المتروك شرطا في اعتبار الباقي لم ينفعه ولهذا لم ينفع الإيمان بالله ووحدانيته وأنه لا إله إلا هو من أنكر رسالة محمد صلى الله عليه وسلم, ولا تنفع الصلاة من صلاها عمدا بغير وضوء, فشعب الإيمان قد يتعلق(1\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3165",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعضها ببعض تعلق المشروط بشرطه وقد لايكون كذلك فيبقى النظر في الصلاة: هل هي شرط لصحة الإيمان هذا سر المسألة, والأدلة التي ذكرناها وغيرها تدل على أنه لا يقبل من العبد شيء من أعماله إلا بفعل الصلاة فهي مفتاح ديوانه ورأس مال ربحه ومحال بقاء الربح بلا رأس مال فإذا خسرها خسر أعماله كلها وإن أتى بها صورة, وقد أشار إلى هذا في قوله: quot;فإن ضيعها فهو لما سواها أضيعquot;. وفي قوله: quot;أول ما ينظر من أعماله الصلاة, فإن جازت له نظر في سائر أعماله وإن لم تجز له لم ينظر في شيء من أعماله بعدquot;. وومن العجب أن يقع الشك في كفر من أصر على تركها, ودعى إلى فعلها على رؤوس الملأ وهو يرى بارقة السيف على رأسه ويشد للقتل وعصبت عيناه وقيل له تصلي وإلا قتلناك فيقول اقتلوني ولا أصلي أبدا! ومن لا يكفر تارك الصلاة يقول هذا مؤمن مسلم يغسل يصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين, وبعضهم يقول إنه مؤمن كامل الإيمان إيمانه كإيمانه جبريل وميكائيل فلا يستحي من هذا قوله من إنكاره تكفير من شهد بكفره الكتاب والسنة واتفاق الصحابة والله الموفق. فصل في سياق أقوال العلماء من التابعين ومن بعدهم في كفر تارك الصلاة ومن حكى الإجماع على ذلك, وقال محمد بن نصر: حدثنا محمد بن يحيى حدثنا أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد عن أيوب قال: ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه, وحكى محمد بن نصر عن ابن المبارك قال: من أخر صلاة حتى يفوت وقتها متعمدا من غير عذر فقد كفر, وقال علي بن الحسن بن شقيق: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: من قال إني لا أصلي المكتوبة اليوم فهو أكفر من حمار. وقال يحيى بن معين: قيل لعبد الله بن المبارك إن هؤلاء يقولون من لم يصم ولم يصل بعد أن يقر به فهو مؤمن مستكمل الإيمان, فقال عبد الله: لا نقول نحن ما يقول هؤلاء من ترك الصلاة متعمدا من غير علة حتى أدخل وقتا في وقت فهو كافر. وقال ابن أبي شيبة قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; من ترك الصلاة فقد كفرquot; , فيقال له ارجع عن الكفر فإن فعل وإلا قتل بعد أن يؤجله الوالي ثلاثة أيام.(1\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3166",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أحمد بن يسار: سمعت صدقة بن الفضل وسئل عن تارك الصلاة فقال كافر. فقال له السائل: أتبين منه امرأته فقال صدقة: وأين الكفر من الطلاق. لو أن رجلا كفرلم تطلق منه امرأته. قال محمد بن نصر: سمعت إسحاق يقول صح عن النبي صلى الله عليه وسلم quot;أن تارك الصلاةquot; كافر وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا أن تارك الصلاة عمدا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر.(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3167",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "المسألة الرابعة وهي قوله: هل تحبط الأعمال بترك الصلاة أم لا؟",
        "content": "فصل وأما المسألة الرابعة وهي قوله: هل تحبط الأعمال بترك الصلاة أم لا فقد عرف جوابها مما تقدم, وإنا نفرد هذه المسألة بالكلام عليها بخصوصيتها فنقول أما تركها بالكلية فإنه لا يقبل معه عمل كما لا يقبل مع الشرك عمل فإن الصلاة عمود الإسلام كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الشرائع كالأطناب والأوتاد ونحوها, وإذا لم يكن للفسطاط عمود لم ينتفع بشيء من أجزائه فقبول سائر الاعمال موقوف على قبول الصلاة, فإذا ردت ردت عليه سائر الأعمال, وقد تقدم الدليل على ذلك. وأما تركها أحيانا فقد روي البخاري في صحيحه من حديث بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;بكروا بصلاة العصر فإن من ترك صلاة العصر فقد حبط عملهquot;. وقد تكلم قوم في معنى هذا الحديث فأتوا بما لا حاصل له. قال المهلب معناه: من تركها مضيعا لها متهاونا بفضل وقتها مع قدرته على أدائها حبط عمله في الصلاة خاصة أي لا يحصل له أجر المصلي في وقتها, ولا يكون له عمل ترفعه الملائكة. وحاصل هذا القول: إن من تركها فاته أجرها. ولفظ الحديث ومعناه يأبى ذلك ولا يفيد حبوط عمل قد ثبت وفعل, وهذا حقيقة الحبوط في اللغة والشرع ولا يقال لمن فاته ثواب عمل من الأعمال إنه قد حبط عمله وإنما يقال فاته أجر ذلك العمل. وقالت طائفة: يحبط عمل ذلك اليوم لا جميع عمله فكأنهم استصعبوا(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3168",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حبوط الأعمال الماضية كلها بترك صلاة واحدة وتركها عنده ليس بردة تحبط الأعمال فهذا الذي استشكله هؤلاء هو وارد عليهم بعينه في حبوط عمل ذلك اليوم والذي يظهر في الحديث. والله أعلم بمراد رسوله أن الترك نوعان: ترك كلي لا يصليها أبدا فهذا يحبط العمل جميعه وترك معين في يوم معين فهذا يحبط عمل ذلك اليوم فالحبوط العام في مقابلة الترك العام, والحبوط المعين في مقابلة الترك المعين, فإن قيل: كيف تحبط الأعمال بغير الردة قيل: نعم, قد دل القرآن والسنة والمنقول عن الصحابة أن السيئات تحبط الحسنات, كما أن الحسنات يذهبن السيئات. قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى . يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون . وقالت عائشة لأم زيد بن أرقم: أخبري زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب لما باع بالعينة1. وقد نص الإمام أحمد على هذا فقال: ينبغي للعبد في هذا الزمان أن يستدين ويتزوج لئلا ينظر ما لا يحل فيحبط عمله, وآيات الموازنة في القرآن تدل على أن السيئة تذهب بحسنة أكبر منها, فالحسنة يحبط أجرها بسيئة أكبر منها. فإن قيل: فأي فائدة في تخصيص صلاة العصر بكونها محبطة دون غيرها من الصلوات. قيل: الحديث لم ينف الحبوط بغير العصر إلا بمفهوم لقب وهو مفهوم ضعيف جدا وتخصيص العصر بالذكر لشرفها من بين الصلوات ولهذا كانت هي الصلاة الوسطى بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيح الصريح. ولهذا خصها بالذكر في الحديث الآخر وهو قوله: quot; الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله ومالهquot;. أي فكأنما(1\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3169",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سلب أهله وماله فأصبح بلا أهل ولا مال, وهذا تمثيل لحبوط عمله بتركها, كأنه شبه أعماله الصالحة بانتفاعه وتمتعه بها بمنزلة أهله وماله فإذا ترك صلاة العصر فهو كمن له أهل ومال فخرج من بيته لحاجة وفيه أهله وماله فرجع وقد احتيج الأهل والمال فبقي وترا دونهم وموتورا بفقدهم عليه أعماله الصالحة لم يكن التمثيل مطابقا. فصل والحبوط نوعان: عام وخاص, فالعام حبوط الحسنات كلها بالردة والسيئات كلها بالتوبة, والخاص حبوط السيئات والحسنات بضعها ببعض وهذا حبوط مقيد جزئي وقد تقدم دلالة القرآن والسنة والآثار وأقوال الأئمة عليه, ولما كان الكفر والإيمان كل منهما يبطل الآخر ويذهبه كانت شعبة كل واحد منهما لها تأثير في إذهاب بعض شعب الآخر فإن عظمت الشعبة ذهب في مقابلتها شعب كثيرة وتأمل قول أم المؤمنين في مستحل العينة إنه قد أبطل جهاده مع رسول الله كيف قويت هذه الشعبة التي أذن الله فاعلها بحربه وحرب رسوله على إبطال محاربة الكفار فأبطل الحراب المكروه الحراب المحبوب كما تبطل محاربة أعدائه التي يحبها محاربته التي يبغضها والله المستعان.(1\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3170",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "المسألة الخامسة التي هى قوله هل تقبل صلاة الليل بالنهار وصلاة النهار باليل أم لا؟",
        "content": "فصل وأما المسألة الخامسة التي هى قوله هل تقبل صلاة الليل بالنهار وصلاة النهار باليل أم لا فهذه المسألة لها صورتان: إحداهما يقبل فيها بالنص والإجماع وهي ما إذا فاتته صلاة النهار بنوم أو نسيان فصلاها بالليل وعكسه كما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرهاquot; واللفظ لمسلم. وروى مسلم عنه أيضا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله يقول: وأقم الصلاة لذكري quot;. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قفل من غزوة خيبر سار ليلة حتى إذا أدركه الكرى عرس, وقال لبلال: quot;أكلأ لنا الليلquot; فصلى بلال ما قدر له, ونام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلما تقارب الفجر استند بلال إلى(1\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3171",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "راحلته مواجه الفجر, فغلبت بلالا عيناه وهو مستند إلى راحلته فلم يستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بلال ولاأحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولهم استيقاظا, ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: quot;أي بلالquot; فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال قتادة: فاقتادوا رواحلهم شيئا ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بلالا فأقام الصلاة فصلى بهم الصبح فلما قضى الصلاة قال: quot;من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله تعالى قال: وأقم الصلاة لذكري quot;. وفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين نحو هذه القصة. وفي صحيح مسلم عن أبي قتادة قال: ذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم نومهم عن الصلاة قال: quot;إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرىquot;. وفي مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود قال: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية ليلا فنزلنا منزلا دهاسا من الأرض فقال: quot;من يكلؤناquot; فقال بلال: أنا. قال: quot;إذا تنامquot;. قال: لا. فنام حتى طلعت الشمس فاستيقظ فلان وفلان فيهم عمر فقال: اهبطوا فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: quot;افعلوا كما كنتم تفعلونquot; فلما فعلوا, قال: quot;هكذا فافعلوا لمن نام منكم أو نسيquot;. فهذا متفق عليه بين الأئمة, واختلفوا في مسألتين: لفظية وحكمية. فاللفظية هل تسمى هذه الصلاة أداء أو قضاء فيه نزاع لفظي محض فهي قضاء لما فرض الله عليهم, وأداء باعتبار الوقت في حق النائم والناسي فإن الوقت في حقهما وقت الذكر والانتباه, فلم يصلها إلا في وقتها الذي أمرنا بإيقاعها فيه وأما ما يذكره الفقهاء في كتبهم من قوله: quot;فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتهاquot; فهذه الزيادة لم أجدها في شيء من كتب الأحاديث, ولا أعلم لها إسنادا, ولكن قد روى البيهقي السنن والدارقطني من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرهاquot;. فصل وأما المسألة الحكمية: فهل تجب المبادرة إلى فعلها على الفور حين يستيقظ ويذكر أم يجوز له التأخير فيه قولان: أصحهما وجوبها على الفور, وهذا قول جمهور الفقهاء منهم إبراهيم النخعي ومحمد بن شهاب الزهري وربيعة(1\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3172",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن أبي عبد الرحمن ويحيى بن سعيد الأنصاري وأبوحنيفة ومالك والإمام أحمد وأصحابهم, وأكثر العلماء, وظاهر مذهب الشافعي أنه على التراخي, واحتج من نص على هذا القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلها في المكان الذي ناموا به بل أمرهم فاقتادوا رواحلهم إلى مكان آخر فصلى فيه وفي حديث أبي قتادة فلما استيقظوا قال اركبوا فركبنا فسرنا حتى ارتفعت الشمس نزل ثم دعا بميضأة فيها ماء فتوضأ ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعيتن ثم صلى الغداة قالوا: ولو وجب القضاء على الفور لم يفارق منزله حتى يفعلها, قالوا: ولا يصح الاعتذار عن هذا بأن ذلك المكان كان فيه شيطان فلم يصلوا فيه فإن حضور الشيطان في المكان لا يكون عذرا في تأخير الواجب. قال الشافعي: ولو كان وقت الفائتة يضيق لما أخره لأجل الشيطان فقد صلى صلى الله عليه وسلم وهو يخنق الشيطان. قال الشافعي: فخنقه للشيطان في الصلاة أبلغ من واد فيه شيطان. قالوا: ولأنها عبادة مؤقتة فإذا فاتت لم يجب قضاؤها على الفور كصوم رمضان بل أولى لأن الأداء متوسع في الصلاة دون الصوم فكانت التوسعة في القضاء أولى. وقال أبو اسحاق إبراهيم بن أحمد المروزي الشافعي إن أخرها لعذر قضاها على التراخي للحديث وإن أخرها لغير عذر قضاها على الفور لئلا يثبت بتفريطه ومعصيته رخصة لم تكن. واحتج الجمهور بما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي قتادة أنهم ذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم نومهم عن الصلاة فقال: quot;ليس في النوم تفريط فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلكquot;. وفي صحيحه أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال وأقم الصلاة لذكري quot;. وعند الدارقطني في هذا الحديث: quot;من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرهاquot; , وهذه الألفاظ صريحة في الوجوب على الفور, قالوا: وما استدللتم به على جواز التأخير فإنما يدل على التأخير اليسير الذي لا يصير صاحبه مهملا معرضا عن القضاء بل يفعله لتكميل الصلاة من اختيار بقعة على بقعة وانتظار رفقة أو جماعة لتكثير أجر الصلاة ونحو ذلك(1\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3173",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من تأخير يسير لمصلحتها وتكميلها, فكيف يؤخذ من هذا التأخير اليسير لمصلحتها جواز تأخير سنين عددا. وقد نص الإمام أحمد على أن المسافر إذا نام في منزله عن الصلاة حتى فاتت أنه يستحب له أن ينتقل عنه إلى غيره فيقضيها فيه للخبر مع أن مذهبه وجوب فعلها على الفور, وإذا كانت أوامر الله ورسوله المطلقة على الفور فكيف المقيدة ولهذا أوجب الفورية في المقيدة أكثر من نفاها في المطلقة. وأما ما تمسكوا به من القياس على قضاء رمضان فجوابه من وجهين: أحدهما أن السنة فرقت بين الموضعين فجوزت تأخير قضاء رمضان وأوجبت فعل المنسية ثم ذكرها, فليس لنا أن نجمع ما فرقت السنة بينهما. الثاني: أن هذا القياس حجة عليهم فإن تأخير رمضان إنما يجوز إذا لم يأتي رمضان وهم يجوزون تأخير الفائتة وإن أتى عليها أوقات صلوات كثيرة فأين القياس وأما قولهم لو وجب الفور لما جاز التأخير لأجل الشيطان فقد تقدم جوابه وهو أن الموجبين للفور يجوزون التأخير اليسير لمصلحة التكميل, وأما نقضهم بخنق النبي صلى الله عليه وسلم للشيطان في صلاته فمن أعجب النقض, فإن التأخير اليسير للعدول عن مكان الشيطان لا تترك به الصلاة ولا يذهب به وقتها ولا يقطعها المصلي بخلاف من عرض له الشيطان في صلاته فإنه لو تركها لأجله لكان قد أبطل صلاته وقطعها بعد دخوله فيها, ولعله إن تعرض له في الصلاة الثانية فيقطعها فيترك الصلاة بالكلية فأين إحدى المسألتين من الأخرى والله أعلم بالصواب. فصل وأما الصورة الثانية: وهي ما إذا ترك الصلاة عمدا حتى خرج وقتها فهي مسألة عظيمة تنازع فيها الناس هل ينفعه القضاء ويقبل منه أم لا ينفعه ولا سبيل له إلى استدراكها أبدا. فقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد ومالك يجب عليه قضاؤها ولا يذهب القضاء عنه إثم التفويت بل هو مستحق للعقوبة إلى أن يعفو الله عنه, وقالت طائفة من السلف والخلف من تعمد تأخير الصلاة عن وقتها من غير عذر يجوز(1\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3174",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له التأخير, فهذا لا سبيل له إلى استدراكها. ولايقدر على قضائها أبدا ولا يقبل منه, ولا نزاع بينهم أن التوبة النصوح تنفعه. ولكن هل من تمام توبته قضاء تلك الفوائت التي تعمد تركها فلا تصح التوبة بدون قضائها أم لا تتوقف التوبة على القضاء فيحافظ عليها في المستقبل ويستكثر من النوافل, وقد تعذر عليه استدراك ما مضى هذا محل الخلاف. ونحن نذكر حجج الفريقين:- قال الموجبون للقضاء: لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم النائم والناسي بالقضاء وهما معذورين غير مفرطين فإيجاب القضاء على المفرط العاصي أولى وأحرى, فلو كانت الصلاة لا تصح إلا في وقتها لم ينفع قضاؤها بعد الوقت في حق النائم والناسي. قالوا: وقد صلى صلى الله عليه وسلم العصر بعد المغرب يوم الخندق, ومعلوم قطعا أنهم لم يكونوا نائمين ولا ساهين عنها, ولو اتفق النسيان لبعضهم لم يتفق للجميع, قالوا: وكيف يكون المفرط بالتأخر أحسن حالا من المعذور فيخفف عن المفرط ويشدد على المعذور. قالوا: وإنما أنام الله سبحانه وتعالى رسوله والصحابة ليبين للأمة حكم من فاتته الصلاة وأنها لا تسقط عنه بالتفويت بل يتداركها فيما بعد. قالوا: وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من أفطر بالجماع في رمضان أن يقضي يوما مكانه, قالوا: والقياس يقتضي وجوب القضاء فإن الأمر متوجه على المكلف بفعل العبادة في وقتها, فإذا فرط في الوقت وتركه لم يكن ذلك مسقطا لفعل العبادة عنه. قال الآخرون: أوامر الرب تبارك وتعالى نوعان: نوع مطلق غير مؤقت فهذا يفعل في كل وقت, ونوع مؤقت بوقت محدود وهو نوعان: أحدهما ما وقته بقدر فعله كالصيام. والثاني: ما وقته أوسع من فعله كالصلاة, وهذا القسم فعله في وقته شرط في كونه عبادة مأمورا بها فإنه إنما أمر به على هذه الصفة فلا تكون عبادة على غيرها, قالوا: فما أمر الله به في الوقت فتركه المأمور حتى فات وقته لم يمكن فعله بعد الوقت شرعا وإن أمكن حسا بل لا يمكن حسا أيضا فإن إيتانه بعد الوقت أمر غير المشروع.(1\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3175",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا ولهذا لا يمكن فعل الجمعة بعد خروج وقتها, ولا الوقوف بعرفة بعد وقته. قالوا: ولا مشروع إلا ما شرعه الله ورسوله, وهو سبحانه ما شرع فعل الصلاة والصيام والحج إلا في أوقات مختصة بت, فإذا فاتت تلك الأوقات لم تكن مشروعة, ولم يشرع الله سبحانه فعل الجمعة يوم السبت ولاالوقوف بعرفة في اليوم العاشر, ولا الحج في غير أشهره. وأما الصلوات الخمس فقد ثبت بالنص والإجماع أن المعذور بالنوم والنسيان وغلبة العقل يصليها إذا زال عذره, وكذلك صوم رمضان شرع الله سبحانه قضاءه بعذر المرض والسفر والحيض, وكذلك شرع رسوله الجمع بين الصلاتين المشتركتين في الوقت للمعذور بسفر أو مرض أو شغل يبيح الجمع فهذه يجوز تأخيرها عن وقتها المختص إلى وقت الأخرى للمعذور, ولا يجوز لغيره بالاتفاق بل هو من الكبائر العظام, كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجمع بين الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر, ولكن يجب عليه فعلها وإن أخرها إلى وقت الثانية في هذه الصورة لأنها تفعل في هذا الوقت في الجملة. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة خلف الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها, وقيل له صلى الله عليه وسلم ألا نقاتلهم قال: quot;لا ما صلواquot; , وهم كانوا يؤخرون الظهر خاصة إلى وقت العصر فأمر بالصلاة خلفهم وتكون نافلة للمصلي وأمره أن يصلي الصلاة في وقتها ونهى عن قتالهم. قالوا: وأما من أخر صلاة النهار فصلاها بالليل أوصلاة الليل فصلاها بالنهار فهذا الذي فعله غير الذي أمر به وغير ما شرعه الله ورسوله. فلا يكون صحيحا ولامقبولا. قالوا: وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;من ترك صلاة العصر حبط عملهquot;. وقال: quot;الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله ومالهquot;. فلو كان يمكنه استدراكها بالليل لم يحبط عمله ولم يكن موتورا من أعماله بمنزلة الموتور من أهله وماله. وقالوا: وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصرquot;. فكذا من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح. ولو كان فعلها بعد المغرب(1\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3176",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وطلوع الشمس صحيحا مطلقا لكان مدركا سواء أدرك ركعة أو اقل من ركعة أو لم يدرك منها شيئا فإنه صلى الله عليه وسلم لم يرد أدرك ركعة صحت صلاته بلا إثم إذ لاخلاف بين الأمة أنه لا يحل له تأخيرها إلى أن يضيق وقتها عن كمال فعلها, وإنما أراد بالإدراك الصحة والإجزاء. وعندكم تصح وتجزيء ولو أدرك منها قدر تكبيرة أو لم يدرك منها شيئا. فلا معنى للحديث عندكم البتة. قالوا: والله سبحانه قد جعل لكل صلاة وقتا محدودا الأول والآخر. ولم يأذن في فعلها قبل دخول وقتها ولا بعد خروج وقتها. والمفعول قبل الوقت وبعده أمر غير مشروع. فلو كان الوقت ليس شرطا في صحتها لكان لا فرق في الصحة بين فعلها قبل الوقت وبعده لأن كلا الصلاتين صلاها في غير وقتها فكيف قبلت من هذا المفرط بالتفويت ولم تقبل من المفرط بالتعجيل. قالوا: والصلاة في الوقت واجبة على كل حال. حتى أنه يترك جميع الواجبات والشروط لأجل الوقت. فإذا عجز عن الوضوء أو الاستقبال أو طهارة الثوب والبدن وستر العورة أو قراءة الفاتحة أو القيام في الوقت وأمكنه أن يصلي بعد الوقت بهذه الأمور فصلاته في الوقت بدونها هي التي شرعها الله فعلم أن الوقت مقدم عند الله ورسوله على جميع الواجبات. فإذا لم يكن إلا أحد الأمرين وجب أن يصلي في الوقت بدون هذه الشروط والواجبات. ولوكان له سبيل إلى استدراك الصلاة بعد خروج وقتها لكان صلاته بعد الوقت مع كمال الشروط والواجبات خيرا من صلاته في الوقت بدونها وأحب إلى الله. وهذا باطل بالنص والاجماع. وقالوا أيضا: فقد توعد الله سبحانه من فوت الصلاة عن وقتها بوعيد التارك لها. قال تعالى: فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون , وقد فسر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم السهو عنها بأنه تأخيرها عن وقتها كما ثبت ذلك عن سعد بن أبي وقاص. وفيه حديث مرفوع. وقال تعالى فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا وقد فسر الصحابة والتابعون إضاعتها بتفويت وقتها والتحقيق أن إضاعتها تتناول تركها(1\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3177",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وترك وقتها وترك واجباتها وأركانها, وأيضا إن مؤخرها عن وقتها عمدا متعد لحدود الله كمقدمها عن وقتها فما بالها تقبل مع تعدي هذا الحد ولا تقبل مع تعدي الحد الآخر. قالوا: وأيضا فنقول لمن قال إنه يستدركها بالقضاء: أخبرنا عن هذه الصلاة التي تأمر بفعلها هي التي أمر الله بها أم هي غيرها فإن قال هي بعينها قيل له فالعامد بتركها حينئذ ليس عاصيا لأنه قد فعل ما أمر الله به بعينه فلا يلحقه الإثم والملامة وهذا باطل قطعا وإن قال ليست هي التي أمر الله بها قيل له فهذا من أعظم حججنا عليك إذا ساعدك أن هذه غير مأمور بها. ثم نقول أيضا ما تقولون في من تعمد تفويتها حتى خرج وقتها ثم صلاها: أطاعه صلاته تلك أم معصية فإن قالوا: صلاته طاعة وهو مطيع بها خالفوا الإجماع والقرآن والسنن الثابتة, وإن قالوا: هي معصية قيل فكيف يتقرب إلى الله بالمعصية وكيف تنوب المعصية عن الطاعة فإن قلتم: هو مطيع بفعلها عاص بتأخيرها وهو أنه إذا تقرب بالفعل الذي هو طاعة لا بالتفويت الذي هو معصية قيل لكم الطاعة هي موافقة الأمر وامتثاله على الوجه الذي أمر به فأين الله ورسوله ممن تعمد تفويت الصلاة بفعلها بعد خروج وقتها حتى يكون مطيعا له بذلك, فلو ثبت ذلك لكان فاصلا للنزاع في المسألة. قالوا: وأيضا فغير أوقات العبادة لا تقبل تلك العبادة بوجه كما أن الليل لا يقبل الصيام وغير أشهر الحج لا يقبل الحج وغير وقت الجمعة لا تقبل الجمعة فأي فرق بين من قال أنا أفطر النهار وأصوم الليل أو قال أنا أفطر رمضان في هذا الحر الشديد وأصوم مكانه شهرا في الربيع أو قال أنا أؤخر الحج من شهره إلى المحرم أو قال أنا أصلي الجمعة بعد العشاء الآخرة أو أصلي العيدين في وسط الشهر وبين من قال أنا أؤخر صلاة النهار إلى الليل وصلاة الليل إلى النهار فهل يمكن أحدا قط أن يفرق بين ذلك. قالوا: وقد جعل الله سبحانه للعبادات أمكنه وأزمنة وصفات فلا ينوب مكان عن المكان الذي جعله الله مكانا ميقاتا لها كعرفة ومزدلفة ومنى ومواضع الجمار(1\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3178",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمبيت والصفا والمروة, ولا تنوب صفة من صفاتها التي أوجبها الله عليها عن صفة فكيف ينوب زمان عن زمانها الذي أوجبها الله فيه عنه. قالوا: وقد دل النص والإجماع على أن من أخر الصلاة عن وقتها عمدا أنها قد فاتته, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهلهquot;. وما فات فلا سبيل إلى إدراكه البتة ولو أمكن أن يدرك لما سمي فائتا وهذا مما لا شك فيه لغة وعرفا, وكذلك هو في الشرع, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من يوم عرفةquot;. أفلا تراه جعله فائتا بفوات وقته لما لم يمكن أن يدرك في يوم بعد ذلك اليوم, وهذا بخلاف المنسية والتي نام عنها فإنها لا تسمى فائتة, ولهذا لم تدخل في قوله: quot;الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله ومالهquot;. قالوا: والأمة مجمعة على أن من ترك الصلاة عمدا حتى يخرج وقتها فقد فاتته ولو قبلت منه وصحت بعد الوقت لكان تسميتها فائتة لغوا وباطلا وكيف يفوت ما يدرك. قالوا: وكما أنه لا سبيل إلى استدراك الوقت الفائت أبدا فلا سبيل إلى استدراك فرضه ووصفه. قالوا: وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد المسند وغيره: quot;من أفطر يوما من رمضان عذر لم يقضه عنه صيام الدهرquot;. فأين هذا من قولكم يقضيه عنه صيام يوم من أي شهر أراد. قالوا: وقد أمر الله سبحانه المسلمين حال مواجهة عدوهم أن يصلوا صلاة الخوف فيقصروا من أركانها ويفعلوا فيها الأفعال الكثيرة ويستدبروها فيها القبلة ويسلمون قبل الإمام بل يصلون رجالا وركبانا حتى لو لم يمكنهم إلا الإيماء توا بها على دوابهم إلى غير القبلة في وقتها, ولو قبلت منهم في غير وقتها وصحت لجاز لهم تأخيرها إلى وقت الأمن وإمكان الإتيان بها, وهذا يدل على أنها بعد خروج وقتها لا تكون جائزة ولا مقبولة منهم مع العذر الذي أصابهم في سبيله وجهاد أعدائه, فكيف تقبل وتصح من صحيح مقيم لا عذر له البتة, وهو يسمع داعي الله جهرة فيدعها حتى يخرج وقتها ثم يصليها في غير الوقت.(1\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3179",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك لم يفسح في تأخيرها عن وقتها للمريض, بل أمره أن يصلي على جنبه بغير قيام ولا ركوع ولا سجود إذا عجز عن ذلك, ولو كانت تقبل منه وتصح في غير وقتها لجاز تأخيرها إلى زمن الصحة, فأخبرونا أي كتاب أو سنة أو أثر عن صاحب نطق بأن من أخر الصلاة وفوتها عن وقتها الذي أمر الله بإيقاعها فيه عمدا يقبلها الله منه بعد خروج وقتها, وتصح منه وتبرأ ذمته منها ويثاب عليها ثواب من أدى فريضته. هذا والله ما لا سبيل لكم إليه البتة حتى تقوم الساعة, ونحن نوجد لكم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال مثل ما قلناه وخلاف قولكم. فصل في قول أبي بكر الصديق الذي لم يعلم أن أحدا من الصحابة أنكره عليه, قال عبد الله بن المبارك: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن زيد أن أبا بكر قال لعمر بن الخطاب: إني موصيك بوصية إن حفظتها إن لله حقا بالنهار لا يقبله بالليل وحقا بالليل لا يقبله بالنهار وإنها لا تقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة وإنما ثقلت: موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم في الدنيا الحق وثقله عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا, وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل وخفته عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف, وإن الله عز وجل ذكر أهل الجنة وصالح ما عملوا وتجاوز عن سيئاتهم, فإذا ذكرتهم خفت ألا أكون منهم وذكر أهل النار وأعمالهم فإذا ذكرتهم قلت: أخشى أن أكون منهم وذكر آية الرحمة وآية العذاب ليكون المؤمن راغبا راهبا فلا يتمنى على الحق ولا يلقى بيده إلى التهلكة فإن حفظت قولي فلا يكونن غائب أحب إليك من الموت ولا بد لك منه, وإن ضيعت وصيتي فلا يكونن غائب أحب إليك من الموت ولن تعجزه. وقال هناد بن السري: حدثنا عبده عن إسماعيل بن أبي خالد عن زبيد اليامي, قال: لما حضرت أبا بكر الوفاة فذكره. قالوا: فهذا أبو بكر قال: إن الله لا يقبل عمل النهار بالليل ولا عمل الليل بالنهار ومن يخالفنا بهذه المسألة يقولون بخلاف(1\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3180",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا صريحا, وأنه يقبل صلاة العشاء الآخرة وقت الهاجرة, ويقبل صلاة العصر نصف النهار. قالوا: فهذا قول أبي بكر وعمر وابنه عبد الله وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود والقاسم بن محمد ابن أبي بكر, وهذيل القيلي ومحمد بن سيرين ومطرف بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم وغيرهم. قال شعبة عن يعلى بن عطاء عن عبد الله بن خراش قال: رأى ابن عمر رجلا يقرأ في صحيفة قال له يا هذا القاريء إنه لا صلاة لمن لم يصل الصلاة لوقتها فصل ثم أقرأ ما بدا لك. قال: ولا يصح تأويلكم ذلك على أنه لا صلاة كاملة لوجوه: أحدها: أن النفي يقتضي نفي حقيقة المسمى والمسمى هنا هو التوقيت وحقيقته منتفية. هذه حقيقة اللفظ فما الموجب للخروج عنها. الثاني: إنكم إذا أردتم بنفي الكمال: الكمال المستحب فهذا باطل, فإن الحقيقة الشرعية لا تنتفي لنفي مستحب فيها وإنما تنتفي لنفي ركن من أركانها وجزء من أجزائها وهكذا كل نفي ورد على حقيقة شرعية كقوله: quot;لا إيمان لمن لا أمانة له, ولا صلاة لمن لا وضوء له, ولا عمل لمن لا نية له, ولا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل, ولا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتابquot;. ولو انتفت لانتفاء بعض مستحباتها, فما من عبادة إلا وفوقها من جنسها ما هوه أحب إلى الله منها, وقد ساعدتمونا على أن الوقت من واجباتها فإن انتفت بنفي واجب فيها لم تكن صحيحة ولا مقبولة. الثالث: إنه إذا لم يكن نفي حقيقة المسمى, فنفي صحته والاعتداد به أقرب إلى نفيه من كماله المستحب. وقال محمد بن المثنى حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: ذكر لنا أن عبد الله بن مسعود كان يقول: إن للصلاة وقتا كوقت الحج, فصلوا الصلاة لميقاتها. فهذا عبد الله قد صرح بأن وقت الصلاة كوقت الحج فإذا كان الحج لا ييقبل في غير وقته فما بال الصلاة تجزيء في غيرة وقتها. وقال عبد الرزاق عن معمر عن بديل العقيلي قال: بلغني أن العبد إذا صلى(1\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3181",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصلاة لوقتها صعدت ولها نور ساطع في السماء, وقالت حفظتني حفظك الله وإذا صلاها لغير وقتها طويت كما يطوى الثوب الخلق فيضرب بها وجهه. فصل: قال الذين يعتدون بها بعد الوقت ويبرئون بها الذمة. واللفظ لأبي عمر بن عبد البر1 فإنه انتصر لهذه المسألة أتم انتصار. ونحن نذكر كلامه بعينه. قال في الاستذكار في باب quot;النوم عن الصلاةquot;: قرأت على عبد الوارث أن قاسما حدثهم حدثنا أحمد بن زهير حدثنا ابن الاصبهاني حدثنا عبيدة بن حميد عن يزيد بن أبي زياد عن تميم بن سلمة عن مسروق عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فعرسوا من آخر الليل فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس فأمر بلالا فأذن ثم صلى ركعتين, قال ابن عباس فما يسرني بها الدنيا وما فيها يعني الرخصة: قال أبو عمر: ذلك عندي والله أعلم لأنه كان سببا إلى أن أعلم أصحابه المبلغين عنه إلى سائر أمته بأن مراد الله عن عباده في الصلاة وإن كانت مؤقتة أن من لم يصلها في وقتها يقضيها أبدا متى ذكرها ناسيا كان لها أو نائما عنها أو متعمدا لتركها. ألا ترى إلى حديث مالك في هذا الباب عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot;من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرهاquot;. والنسيان في لسان العرب يكون للترك عمدا أو يكون ضد الذكر. قال الله تعالى: نسوا الله فنسيهم . أي تركوا طاعة الله والإيمان بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فتركهم الله من رحمته, وهذا لا خلاف فيه ولا يجهله من له أقل علم بتأويل القرآن. فإن قيل فلم خص النائم والناسي بالذكر في قوله في غير هذا الحديث: quot;من نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرهاquot;. قيل: خص النائم والناسي ليرتفع التوهم والظن فيهما لرفع القلم في سقوط التأثيم عنهما بالنوم والنسيان فأبان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سقوط الاثم مسقط لما لزمهما من فرض الصلاة وأنها واجبة عليهما عند الذكر لها يقضيها  1 هو العلامة ابن عبد البر من كبار فقهاء المالكية توفي 436 هـ.(1\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3182",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كل واحد منهما بعد خروج وقتها إذا ذكرها, ولم يحتج إلى ذكر العامد معهما لأن العلة المتوهمة في الناسي والنائم ليست فيه ولا عذر له في ترك فرض قد وجب عليه من صلاته إذا كان ذاكرا له, وسوى الله سبحانه وتعالى في حكمها على لسان رسوله بين حكم الصلاة المؤقتة والصيام الؤقت في شهر رمضان بل كل واحد منهما يقضى بعد خروج وقته, فنص على النائم والناسي في الصلاة كما وصفنا ونص على المريض والمسافر في الصوم, وأجمعت الأمة ونقلت: الكافة فيمن لم يصم شهر رمضان عامدا وهو مؤمن بفرضه وإنما تركه أشرا وبطرا ثم تاب منه بعد ذلك أن عليه قضاءه, وكذلك من ترك الصلاة عامدا فالعامد والناسي في القضاء للصلاة والصيام سواء, وإن اختلفا في الاثم كالجاني على الأموال المتلف لها عامدا وناسيا سواء, إلا في الاثم وكان الحكم في هذا النوع بخلاف رمي الجمار في الحج الذي لا يقضى وقته لعامد ولا ناس لوجوب الدم فيما ينوب عنها, وبخلاف الضحايا أيضا لأن الضحايا ليست بواجبة فرضا, والصلاة والصيام كلاهما فرض واجب ودين ثابت يؤدى أبدا إن خرج الوقت المؤجل لهما, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;دين الله أحق أن يقضىquot; , وإذا كان النائم والناسي للصلاة وهما معذوران يقضيانها بعد خروج وقتها, كان المتعمد لتركها الآثم في فعله ذلك لا يسقط عنه فرض الصلاة, وأن يحكم عليه بالإتيان بها لأن التوبة من عصيانه في عمد تركها هي أداؤها وإقامتها مع الندم على ما سلف من تركه لها في وقتها. وقد شذ بعض أهل الظاهر وأقدم على خلاف جمهور علماء المسلمين وسبيل المؤمنين فقال: ليس على المتعمد لترك الصلاة في وقتها أن يأتي بها في غير وقتها لأنه غير نائم ولا ناس. وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;من نام عن صلاته أو نسيها فليصلها إذا ذكرهاquot;. قال: والمتعمد غير الناسي والنائم. قال: وقياسه عليهما غير جائز عندنا. كما أن من قتل الصيد لا يجزيه عندنا. فخالف في المسألتين جمهور العلماء. وظن أنه يستتر في ذلك برواية شاذة جاءت عن بعض التابعين شذ فيها عن جماعة من علماء(1\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3183",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المسلمين وهو محجوج بهم مأمور باتباعهم. فخالف هذا الظاهري طريق النظر والاعتبار وشذ عن جماعة علماء الأمصار. ولم يأت فيما ذهب إليه من ذلك بدليل يصح في العقول. ومن الدليل على أن الصلاة تصلى وتقضى بعد خروج وقتها كالصيام سواء وإن كان إجماع الأمة الذين أمر من شذ عنهم بالرجوع إليهم وترك الخروج عن سبيلهم يغني عن الدليل في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبحquot;. ولم يستثن متعمدا من ناس, ونقلت الكافة عنه صلى الله عليه وسلم أن من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل الغروب صلى تمام صلاة العصر بعد الغروب وذلك بعد خروج الوقت عند الجميع. ولا فرق بين عمل صلاة العصر كلها لمن تعمد أو نسي أو فرط وبين عمل بعضها في نظر ولا اعتبار ودليل آخر وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم يصل هو ولا أصحابه يوم الخندق صلاة الظهر والعصر حتى غربت الشمس لشغله بما نصبه المشركون من الحرب ولم يكن يومئذ نائما ولا ناسيا ولا كانت بين المسلمين والكافرين يومئذ حرب قائمة ملتحمة وصلى الظهر والعصر بالليل, ودليل آخر أيضا وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بالمدينة لأصحابه يوم انصرافه من الخندق: quot;لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظةquot;. فخرجوا مبادرين وصلى بعضهم العصردون بني قريظة خوفا من خروج وقتها المعهود ولم يصلها بعضهم إلا في بني قريظة بعد غروب الشمس لقوله صلى الله عليه وسلم: quot;لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظةquot; فلم يعنف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا من الطائفتين ناس ولا نائم وقد أخر بعضهم الصلاة حتى خرج وقتها ثم صلاها وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فلم يقل لهم إن الصلاة لم تصل في وقتها ولا تقضى بعد خروج وقتها. ودليل آخر وهو قوله صلى الله عليه وسلم: quot;سيكون بعدي أمراء يؤخرون الصوات عن ميقاتها(1\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3184",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: أنفصليها معهم قال: نعم. حدثنا عبد الوراث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود حدثنا سفيان الثوري عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي المثنى الحمصي قال أتى إلي عن امرأة عبادة بن الصامت عن عبادة بن الصامت قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: quot;إنه سيجيء بعدي أمراء تشغلهم أشياء حتى لا يصلوا الصلاة لميقاتهاquot;. قالوا: نصليها معهم يا رسول الله قال: quot;نعمquot;. قال أبو عمر: أبو مثنى الحمصي هو الأملوكي: ثقة. وفي هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباح الصلاة بعد خروج ميقاتها, ولم يقل إن الصلاة لا تصلى إلا في وقتها والأحاديث في تأخير الأمراء الصلاة حتى يخرج وقتها كثيرة جدا, وقد كان الأمراء من بني أمية وأكثر هم يصلون الجمعة عند الغروب. وقد قال صلى الله عليه وسلم: quot;إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يدخل وقت الأخرىquot;. وقد أعلمهم أن وقت الظهر في الحضر ما لم يدخل وقت العصر. وروي ذلك عنه من وجوه صحاح قد ذكرت بعضها في صدر الكتاب يعني الإستذكار في المواقيت, وحدثنا عبد الله بن محمد بن راشد حدثنا حمزة بن محمد بن علي حدثنا أحمد بن شعيب النسوي حدثنا سويد بن نضر حدثنا عبد الله يعني ابن المبارك عن سليمان بن مغيرة عن ثابت بن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot;ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يدخل وقت الأخرىquot;. فقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعل هذا مفرطا, والمفرط ليس بمعذور وليس كالنائم والناسي, ثم الجميع من جهة العذر وقد أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته على ما كان عليه من تفريطه, وقد روي في حديث أبي قتادة هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot;وإذا كان الغد فليصلها لميقاتهاquot;. وهذا أبعد وأوضح في أداء المفرط للصلاة عند الذكر وبعد الذكر, وحديث أبي قتادة هذا صحيح الإسناد إلا أن هذا المعنى قد عارضه حديث عمران بن الحصين في نوم رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح بسفره,(1\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3185",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيه قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نصليها لميقاتها من الغد. قال: quot;لا إن الله لا ينهاكم عن الربا ثم يقبله منكمquot;. وروى من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله, وقد ذكرنا الأسانيد بذلك كله في التمهيد, وقد روى عبد الرحمن بن علقمة الثقفي وهو مذكور في الصحابة قال قدم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلوا يسألونه فلم يصل يومئذ الظهر إلا مع العصر وأقل ما في هذا أنه أخرها عن وقتها الذي كان يصليها فيه لشغل اشتغل بت, وعبد الرحمن بن علقمة من ثقات التابعين وكبارهم. وقد أجمع العلماء على أن من ترك الصلاة عامدا حتى يخرج وقتها عاص لله وذكر بعضهم أنها كبيرة من الكبائر, وأجمعوا على أن على العاصي أن يتوب من ذنبه بالندم عليه واعتقاد ترك العود إليه قال الله تعالى: وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون , ومن لزمه حق الله أو لعباده لزمه الخروج منه وقد شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حق الله عز وجل بحقوق الآدميين وقال: quot;دين الله أحق أن يقضيquot;. والعجب من هذا الظاهري في نقضه أصله بجهله وحبه لشذوذه وأصل أصحابه فيما وجب من الفرائض بإجماع أنه لا يسقط إلا بإجماع مثله أو سنة ثابتة لا ينازع في قبولها, والصلوات المكتوبات واجبات بإجماع ثم جاء من الاختلاف شذوذ خارج عن اقوال علماء الأمصار فاتبعه دون سنة رويت في ذلك, وأسقط به الفريضة المجمع على وجوبها ونقض أصله ونسي نفسه. ثم ذكر أن مذهب داود وأصحابه1 وجوب قضاء الصلاة إذا فوتها عمدا, ثم قال: فهذا قول داود وهو وجه أهل الظاهر, وما أرى هذا الظاهري إلا وقد خرج عن جماعة العلماء من السلف والخلف عدا جميع فرق الفقهاء وشذ عنهم ولا يكون إماما في العلم من أخذ بالشاذ من العلم وقد أوهم في كتابه أن له سلفا من الصحابة والتابعين تجاهلا منه, فذكر عن ابن مسعود ومسروق وعمر بن عبد العزيز في قوله: أضاعوا الصلاة . أن ذلك عن مواقيتها ولو تركوها لكانوا بتركها كفارا, وهو لا يقول بتكفير تارك الصلاة عمدا إذا إذا أبى إقامتها ولا بقتله  1 هم الظاهرية.(1\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3186",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا كان مقرا بها فقد خالفهم فكيف يحتج بهم على أنه معلوم أن من قضى الصلاة فقد تاب من تضييعها. قال تعالى: وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى . ولا تصح لمضيع الصلاة توبة إلا بأدائها كما لا تصح التوبة من دين الآدمي إلا بأدائه, ومن قضى صلاة فرط فيها فقد تاب وعمل صالحا والله لا يضيع أجر من أحسن عملا, وذكر عن سلمان أنه قال: الصلاة مكيال فمن وفاه وفي له ومن طففه فقد علمتم ما قاله الله في المطففين, وهذا لا حجة فيه لأن الظاهر من معناه أن المطفف قد يكون من لم يكمل صلاته بركوعها وسجودها وحدودها, وإن صلاها في وقتها وذكر عن ابن عمر أنه قال: لا صلاة لمن لم يصل الصلاة لوقتها, وكذا نقول: لا صلاة له كاملة الأجزاء كما جاء: quot;لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد, ولا إيمان لمن لا أمانة لهquot; , ومن قضى الصلاة فقد صلاها وتاب من نسي عمله بتركها وكل ما ذكر في هذا المعنى فغير صحيح ولا له في شيء منه حجة, لأن ظاهره خلاف ما تأوله. فصل قال المانعون من صحتها بعد الوقت وقبولها1: لقد أرعدتم وأبرقتم ولم تنصفونا في حكاية قولنا على وجهه ولافي نقلنا مذاهب السلف ولا في حججنا فإنا لم نقل قط ولا أحد من أهل الإسلام إنها سقطت من ذمته بخروج وقتها وإنها لم تبق واجبة عليه حتى تجلبوا علينا بما أجلبتم وتشنعوا علينا بما شنعتم بل قولنا وقول من حكينا قوله من الصحابة والتابعين أشد على مؤخر الصلاة ومفوتها من قولكم: فإنه قد تحتمت عقوبته وباء بإثم لا سبيل له إلى استدراكه إلا بتوبة يحدثها وعمل يستأنفه, وقد ذكر من الأدلة ما لاسبيل لكم إلى رده فإن وجدتم السبيل إلى الرد فأهلا بالعلم أين كان ومع من كان, فليس القصد إلا طاعة الله وطاعة رسوله ومعرفة ما جاء به ونحن نبين ما في كلامكم من مقبول ومردود فأما: قولكم إن سرور ابن عباس بتلك الصلاة التي صلاها بعد طلوع الشمس لأنه كان سببا إلى أن أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه المبلغين عنه إلى سائر أمته  1 والكلام هنا للإمام ابن القيم وهو الإمام الحجة.(1\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3187",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأن مراد الله من عباده في الصلاة وإن كانت مؤقتة أن من لم يصلها في وقتها يقضيها أبدا ناسيا كان لها أو نائما أو متعمدا لتركها فهذا ظن محض منكم أن ابن عباس أراده, ومعلوم أن كلامه لا يدل على ذلك بوجه من وجوه الدلالة ولا هو يشعر به. ولعل ابن عباس إنما سر بها ذلك السرور العظيم لكونه صلاها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وفعل مثل ما فعلوا, وحصل له سهمان من الأجر كما حصل للصحابة وخص تلك الصلاة بذلك تنبيها للسامع أنها مع كونها ضحى قد فعلت بعد طلوع الشمس فلا يظن أنها ناقصة وأنها لا أجر فيها فما يسرني بها الدنيا وما فيها, وليس ما فهمتموه عن ابن عباس أولى من هذا الفهم, ولعله أراد أن ذلك من رحمة الله بالأمة ليقتدي به من نام عن الصلاة ولم يفرط بتأخيرها, فمن أين يدل كلامه هذا على أن سروره بتلك الصلاة لأنها تدل على أن من لم يصل وأخر صلاة الليل إلى النهار عمدا, وصلاة النهار إلى الليل أنها تصح منه وتقبل وتبرأ بها ذمته وأن فهم هذا من كلام ابن عباس لمن أعجب العجب فأخبرونا كيف وقع لكم هذا الفهم من كلامه وبأي طريق فهمتموه. فصل وأما قولكم إن النسيان في لغة العرب هو الترك كقوله: نسوا الله فنسيهم إلخ. فنعم لعمر الله إن النسيان في القرآن على وجهين: نسيان ترك ونسيان نسيان سهو. ولكن حمل الحديث على نسيان الترك عمدا باطل لأربعة أوجه: أحدها: أنه قال: quot;فليصلها إذا ذكرهاquot; وهذا صريح في أن النسيان في الحديث نسيان سهو لا نسيان عمد, وإلا كان قوله: quot;إذا ذكرهاquot; كلاما لا فائدة فيه, فالنسيان إذا قوبل بالذكر لم يكن إلا نسيان سهو كقوله: واذكر ربك إذا نسيت , وقوله صلى الله عليه وسلم: quot;إذا نسيت فذكرونيquot;. الثاني: أنه قال: quot;فكفارتها أن يصليها إذا ذكرهاquot; ومعلوم أن من تركها عمدا لا يكفر عنه فعلها بعد الوقت إثم التفويت: هذا مما لاخلاف فيه بين(1\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3188",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأمة, ولا يجوز نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, إذ يبقى معنى الحديث: من ترك الصلاة عمدا حتى خرج وقتها فكفارة إثمه صلاتها بعد الوقت, وشناعة هذا القول أعظم من شناعتكم علينا القول بأنها لا تنفعه ولا تقبل منه, فأين هذا من قولكم الثالث: أنه قابل الناسي في الحديث بالنائم, وهذه المقابلة تقتضي أنه الساهي كما يقول جملة أهل الشرع: النائم والناسي غير مؤاخذين. الرابع: أن الناسي في كلام الشارع إذا علق به الأحكام لم يكن مراده إلا الساهي وهذا مطرد في جميع كلامه كقوله صلى الله عليه وسلم: quot;من أكل أو شرب ناسيا فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاهquot;. فصل وأما قولكم: فسوى الله سبحانه في حكمهما أي حكم العامد والناسي على لسان رسوله بين حكم الصلاة المؤقتة والصيام المؤقت في شهر رمضان بأن كل واحد منهما يقضى بعد خروج وقته فنص على النائم والساهي في الصلاة كما وصفنا, ونص على المريض والمسافر في الصوم, واجتمعت الأمة ونقلت: الكافة فيمن لم يصم شهر رمضان عامدا وهو مؤمن بفرضه وإثم تركه أشرا وبطرا ثم تاب منه أن عليه قضاءه إلى آخره, فجوابه من وجوه: أحدها قولكم إن الله سبحانه وتعالى سوى بينهما أي بين العامد والناسي فكلام باطل على إطلاقه فما سوى الله سبحانه بين عامد وناس أصلا, وكلامنا في هذا العامد العاصي الآثم المفرط غاية التفريط فأين سوى الله سبحانه بين حكمهما في صلاة أو صيام, وقولكم فنص على النائم والناسي في الصلاة كما وصفنا قد تقدم أن النسيان المذكور في الصلاة لا يصح حمله على العمد بوجه, وأن الذي نص عليه في الحديث هو نسيان السهو الذي هو نظير النوم فلا تعرض فيه للعامد, وأما نصه على المريض والمسافر في الصوم فهما وإن أفطرا عامدين فلا يمكن أخذ حكم تارك الصلاة عمدا من حمكها وما سوى الله ولا رسوله بين تارك الصلاة عمدا أو أشرا حتى يخرج وقتها وبين تارك الصوم لمرض(1\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3189",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو سفر حتى يؤخذ حكم أحدهما من الآخر, فمؤخر الصوم في المرض والسفر كمؤخر الصلاة لنوم أو نسيان وهذان هما اللذان سوى الله ورسوله بين حكمهما فنص الله على حكم المريض والمسافر في الصوم المعذورين ونص رسول الله صلى الله عليه وسلم على حكم النائم والناسي في الصلاة المعذورين فقد استوى حكمهما في الصوم والصلاة, ولكن أين استوى حكم العامد المفرط الآثم والمريض والمسافر والنائم والناسي المعذورين. يوضحه أن الفطر بالمرض قد يكون واجبا بحيث يحرم عليه الصوم, والفطر في السفر إما واجب عند طائفة من السلف والخلف, أو أنه أفضل من الصوم عند غيرهم أو هما سواء. أو الصوم أفضل منه لمن لا يشق عليه ثم آخرين, وعلى كل تقدير فإلحاق تارك الصلاة والصوم عمدا وعدوانا به من أفسد الإلحاق وأبطل القياس, وهذا مما لا خفاء به عند كل عالم. وقولكم إن الأمة اجتمعت والكافة نقلت: أن من لم يصم شهر رمضان عامدا أشرا أو بطرا ثم تاب منه فعليه قضاؤه, فيقال لكم أوجدونا عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فن دونهم صرح بذلك, ولن تجدوا إليه سبيلا, وقد أنكر الأئمة كالإمام أحمد والشافعي وغيرهما دعوى هذه الإجماعات التي حاصلها عدم العلم بالخلاف لا العلم بعدم الخلاف, فإن هذا مما لا سبيل إليه إلا فيما علم بالضرورة أن الرسول جاء بت, وأما ما قامت الأدلة الشرعية عليه فلا يجوز لأحد أن ينفي حكمه لعدم علمه بمن قال به فإن الدليل يجب اتباع مدلوله وعدم العلم بمن قال به لا يصح أن يكون معارضا بوجه ما, فهذا طريق جميع الأئمة المقتدى بهم. قال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله من ادعى الإجماع فهو كاذب لعل الناس اختلفوا. هذه دعوى بشر المريسي والأصم ولكن يقول لا نعلم للناس اختلافا إذا لم يبلغه, وقال في رواية المروزي كيف يجوز للرجل أن يقول أجمعوا إذا سمعتهم يقولون أجمعوا فاتهمهم لو قال إني لا أعلم مخالفا كان أسلم. وقال في رواية أبي طالب هذا كذب ما أعلمه أن الناس مجمعون ولكن يقول ما أعلم فيه اختلافا فهو أحسن من قوله أجمع الناس. وقال في رواية أبي الحارث(1\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3190",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا ينبغي لأحد أن يدعي الإجماع. لعل الناس اختلفوا. وقال الشافعي في أثناء مناظرته لمحمد بن الحسن: لا يكون لأحد أن يقول أجمعوا حتى يعلم إجماعهم في البلدان ولا يقبل على أقاويل من نأت داره منهم ولا قربت إلا خبر الجماعة عن الجماعة. فقال لي تضيق هذا جدا قلت: له وهو مع موجود وقال في موضع آخر وقد بين ضعف دعوى الإجماع وطالب من يناظره بمطالبات عجز عنها فقال له المناظر فهل من إجماع قلت: نعم. الحمد لله كثيرا في كل الفرائض التي لا يسع جهلها وذلك الإجماع هو الذي إذا قلت: أجمع الناس لم تجد أحدا يقول لك ليس هذا بإجماع فهذه الطريق التي يصدق بها من أدعى الإجماع فيها, وقال بعد حكاه في مناظرته أو ما كفاك عيب الإجماع أنه لم يرو عن أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوى الإجماع إلا فيما لم يختلف فيه أحد إلى أن كان أهل زمانك هذا. قال له المناظر: فقد ادعاه بعضكم. قلت: أفحمدت ما ادعى منه قال: لا. قلت: فكيف صرت إلى أن تدخل فيما زعمت في أكثر ما عبت الاستدلال من طريقك عن الإجماع وهو ترك ادعاء الإجماع فلا تحسن النظر لنفسك إذا قلت: هذا إجماع فتجد حولك من يقول لك معاذ الله أن يكون هذا إجماعا. وقال الشافعي في رسالته: ما لا يعلم فيه خلاف فليس إجماعا فهذا كلام أئمة أهل العلم في دعوى الإجماع كما ترى. فلنرجع إلى المقصود فنقول: من قال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من ترك الصلاة عمدا لغير عذر حتى خرج وقتها أنها تنفعه بعد الوقت وتقبل وتبرأ ذمته فالله يعلم أنا لم نظفر على صاحب واحد منهم قال ذلك. وقد نقلنا عن الصحابة والتابعين ما تقدم حكايته, وقد صرح الحسن بما قلناه, فقال محمد بن نصر المروزي في كتابه في الصلاة: حدثنا إسحاق حدثنا النضر عن الاشعت عن الحسن قال: إذا ترك الرجل صلاة واحدة متعمدا فإنه لا يقضيها. قال محمد وقول الحسن هذا يحتمل معنيين: أحدهما أنه كان يكفره بترك الصلاة متعمدا فلذلك لم ير عليه القضاء لأن الكافر لا يؤمر بقضاء ما ترك من الفرائض في كفره.(1\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3191",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثاني: أنه لم يكفره بتركها, وأنه ذهب إلى أن الله عز وجل إنما فرض أن يأتي بالصلاة في وقت معلوم, فإذا تركها حتى ذهب وقتها فقد لزمته المعصية لتركه الفرض في الوقت المأمور بإتيانه فيه, فإذا أتى به بعد ذلك فإنما أتى به في وقت لم يؤمر بإتيانه فيه فلا ينفعه أن يأتي بغير المأمور به عن المأمور به, وهذا مستنكر في النظر لولا أن العلماء قد أجمعت على خلافه. قال: ومن ذهب إلى هذا قال في الناسي للصلاة حتى يذهب وقتها وفي النائم أيضا لو لم يأت الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا استيقظquot;. وذكر أنه نام عن صلاة الغداة فقضاها بعد ذهاب الوقت لما وجب عليه في النظر قضاؤها أيضا فلما جاء الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وجب عليه قضاؤها وبطل حظ النظر, فقد نقل محمد الخلاف صريحا وظن أن الأمة أجمعت على خلافه, وهذا يحتمل معنيين: أحدهما: أنه يرى أن الإجماع ينعقد بعد الخلاف. والثاني: أنه لايرى خلاف الواحد قادحا في الإجماع, وفي المسألتين نزاع معروف. وأما قوله إن القياس يقتضي أن لا يقتضي النائم والناسي لولا الخبر فليس كما زعمتم لأن وقت النائم والناسي هو وقت ذكره وانتباهه لا وقت له غير ذلك كما تقدم والله أعلم. وأما قولكم إن الكافة نقلت: والأمة اجمعت أن من لم يصم شهر رمضان أشرا وبطرا أن عليه قضاءه, فأين النقل بذلك إذا جاء عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روى عنه أهل السنن والإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة: quot;من أفطر يوما من رمضان من غير عذر لم يقضه عنه صيام الدهر وإن صامهquot;. فهذه الرواية المعروفة فأين الرواية عنه أو عن أصحابه: من أفطر رمضان أو بعضه أجزأ عنه أن يصوم مثله, وأما قولكم: إن الصلاة والصيام دين ثابت يؤدى أبدا وإن خرج الوقت المؤجل لهما لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;دين الله أحق أن يقضيquot;. فنقول: هذا الدليل مبني على مقدمتين:(1\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3192",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إحداهما: إن الصلاة والصيام دين ثابت في ذمة من تركهما عمدا, والمقدمة الثانية: أن هذا الدين قابل للأداء فيجب أداؤه فأما المقدمة الأولى فلا نزاع فيها ولانعلم أن أحدا من أهل العلم قال بسقوطها من ذمته بالتأخير ولعلكم توهمتم علينا أنا نقول بذلك وأخذتم في الشناعة علينا وفي التشغيب ونحن لم نقل ذلك ولا أحد من أهل الإسلام, وأما المقدمة الثانية ففيها وقع النزاع وأنتم لم تقيموا عليها دليلا فادعاؤكم لها هو دعوى محل النزاع بعينه جعلتموه مقدمة من مقدمات الدليل وأثبتم الحكم بنفسه فمنازعوكم يقولون لم يبق للمكلف طريق إلى استدراك هذا الفائت وإن الله تعالى لا يقبل أداء هذا الحق إلافي وقته وعلى صفته التي شرعه عليها, وقد أقاموا على ذلك من الأدلة ما قد سمعتم فما الدليل على أن هذا الحق قابل للأداء في غير وقته المحدود له شرعا, وأنه يكون عبادة بعد خروج وقته. وأما قوله: quot;اقضوا الله فالله أحق بالقضاءquot; وقوله: quot;دين الله أحق أن يقضىquot;. فهذا إنما قاله في حق المعذور لا المفرط, ونحن نقول في مثل هذا الدين يقبل القضاء, وأيضا فهذا إنما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في النذر المطلق الذي ليس له وقت محدود الطرفين, ففي الصحيحين من حديث ابن عباس أن امرأة قالت يا رسول الله: إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها قال: quot;أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدي ذلك عنهاquot; قالت: نعم. قال: quot;فصومي عن أمكquot;. وفي رواية أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن نجاها الله أن تصوم شهرا فأنجاها الله سبحانه وتعالى فلم تصم حتى ماتت فجاءت قرابة لها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك فقال: quot;صومي عنهاquot;. رواه أهل السنن وكذلك جاء منه الأمر بقضاء هذا الدين في الحج الذي لا يفوت وقته إلا بنفاد العمر. ففي المسند والسنن من حديث عبد الله بن الزبير قال: جاء رجل من خثعم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي أدركه الإسلام وهو شيخ(1\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3193",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يستطيع ركوب رحل والحج مكتوب عليه أفأحج عنه قال: quot;أنت أكبر ولدهquot;. قال: نعم. قال: quot;أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكان ذلك يجزيء عنهquot; قال: نعم. قال: quot;فحج عنهquot;. وعن ابن عباس أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: quot;إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنهاquot; قال: quot;نعم حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته اقضوا الله فالله أحق بالوفاءquot;. متفق على صحته. وعن ابن عباس أيضا قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: إن أبي مات وعليه حجة الإسلام أفأحج عنه قال: quot;أرأيت لو أن أباك ترك دينا عليه فقضيته أكان يجزيء عنهquot; قال: نعم. قال: quot;فحج عن أبيكquot;. رواه الدارقطني. ونحن نقول في مثل هذا الدين القابل للأداء: دين الله أحق أن يقضى. فالقضاء المذكور في هذه الأحاديث ليس بقضاء عبادة مؤقتة محدودة الطرفين وقد جاهر بمعصيته الله سبحانه وتعالى بتفويتها بطرا وعدوانا فهذا الدين مستحقه لا يعتد به ولا يقبله إلا على صفته التي شرعه عليها, ولهذا لو قضاه على غير تلك الصفة لم تنفعه. فصل قولكم وإذا كان النائم والناسي للصلاة وهما معذوران يقضيانها بعد خروج وقتها كان المتعمد لتركها أولى. فجوابه من وجوه: أحدها المعارضة بما هو أصح منه أو مثله وهو أن يقال: لا يلزم من صحة القضاء بعد الوقت من المعذور المطيع لله ورسوله الذي لم يكن منه تفريط في فعل ما أمر به وقبوله منه صحته وقبوله منه متعد لحدود الله مضيع لأمره تارك لحقه عمدا وعدوانا فقياس هذا على هذا في صحة العبادة وقبولها منه وبراء الذمة بها من أفسد القياس. الوجه الثاني: أن المعذور بنوم أو نسيان لم يصل الصلاة في غير وقتها بل في نفس وقتها الذي وقته الله له, فإن الوقت في حق هذا حين يستيقظ ويذكر كما قال صلى الله عليه وسلم: quot;من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرهاquot;. رواه البيهقي والدارقطني وقد تقدم.(1\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3194",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالوقت وقتان: وقت اختيار ووقت عذر, فوقت المعذور بنوم أو سهو هو وقت ذكره واستيقاظه فهذا لم يصل الصلاة إلا في وقتها فكيف يقاس عليه من صلاها في غير وقتها عمدا وعدوانا. الثالث: أن الشريعة قد فرقت في مواردها ومصادرها بين العامد والناسي ويبن المعذور وغيره, وهذا مما لا خلاف فيه, فإلحاق أحد النوعين بالآخر غير جائز. الرابع: إنا لم نسقطها عن العامد المفرط ونأمر بها المعذور حتى يكون ما ذكرتم حجة علينا بل ألزمنا بها المفرط المتعدي على وجه لا سبيل له إلى استدراكها تغليظا عليه, وجوزنا قضاءها للمعذور غير المفرط. فصل وأما استدلالكم بقوله صلى الله عليه وسلم: quot;من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصرquot;. فما أصحه من حديث على مقتضى قولكم فإنكم تقولون هو مدرك العصر ولو لم يدرك من وقتها شيئا البتة بمعنى أنه مدرك لفعلها صحيحة منه مبرئة لذمته, فلو كانت تصح بعد خروج وقتها وتقبل منه لم يتعلق إدراكها بركعة, ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد أن من أدرك ركعة من العصر صحت صلاته بلا إثم, بل هو آثم يتعمد ذلك اتفاقا, فإنه أمر أن يوقع جميعها في وقتها, فعلم أن هذا الإدراك لا يرفع الإثم بل هو مدرك آثم, فلو كانت تصح بعد الغروب لم يكن فرق بين أن يدرك ركعة من الوقت أولا يدرك منه شيئا, فإن قلتم: إذا أخرها إلى بعد الغروب كان أعظم أثرا. قيل لكم: النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين إدراك الركعة وعدمها في كثرة الإثم وخفته وإنما فرق بينهما في الإدراك وعدمه, ولا ريب أن المفوت لمجموعها في وقت أعظم من المفوت لأكثر ها والمفوت لأكثر ها فيه أعظم من المفوت لركعة منها. فنحن نسألكم ونقول: ما هذا الإدراك الحاصل بركعة أهذا إدراك يرفع الإثم فهذا لا يقوله أحد, أو إدراك يقتضي الصحة فلا فرق فيه بين أن يفوتها بالكلية أو يفوتها إلا ركعة منها.(1\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3195",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وأما احتجاجكم بتأخير النبي صلى الله عليه وسلم لها يوم الخندق نوم ولا نسيان ثم قضاها. فيقال: يالله العجب! لو أتينا نحن بمثل هذا لقامت قيامتكم وأقمتم قيامتنا بالتشنيع علينا فكيف تحتجون على تفويت صاحبه عاص لله آثم متعد لحدود مستوجب لعقابه بتفويت صدر من أطوع الخلق لله وأرضاهم له وأتبعهم لأمره, وهو مطيع لله في ذلك التأخير متبع مرضاته فيه وذلك التأخير منه صلوات الله وسلام عليه إما أن يكون نسيانا منه أو يكون أخرها عمدا, وعلى التقديرين فلا حجة لكم فيه بوجه فإنه إن كان نسيانا فنحن وسائر الأمة نقول بموجبه وأن الناسي يصليها متى ذكرها, وإن كان عامدا فهو تأخير لها من وقت إلى وقت أذن فيه كتأخير المسافر والمعذور الظهر إلى وقت العصر والمغرب إلى وقت العشاء. وقد أختلف الناس فيمن أدركته الصلاة وهو مشغول بقتال العدو على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يصلي حال القتال على حسب حاله ولا يؤخر الصلاة. قالوا: والتأخير يوم الخندق منسوخ, وهذا هو مذهب الإمام الشافعي والإمام مالك والإمام أحمد في المشهور عنه من مذهبه. الثاني: أنها تؤخر كما أخر النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق. وهذا مذهب أبي حنيفة. والأولون يجيبون على هذا بأنه كان قبل أن تشرع صلاة الخوف فلما شرعت صلاة الخوف لم يؤخرها بعد ذلك في غزاة واحدة. والحنيفة تجيب عن ذلك بأن صلاة الخوف إنما شرعت على تلك الوجوه ما لم يلتحم القتال, فإنهم يمكنهم أن يصلوا صلاة الخوف كما أمر الله سبحانه بأن يقوموا صفين صفا يصلون وصفا يحرسون, وأما حال الالتحام فلا يمكن ذلك فالتأخير وقع حال الاشتغال بالقتال وصلاة الخوف شرعت حال المواجهة قبل الاشتغال بالقتال وهذا له موضع, وهذا في القول كما ترى. وقالت طائفة ثالثة: يخير بين تقديمها والصلاة على حسب حاله وبين تأخيرها حتى يتمكن من فعلها, وهذا مذهب جماعة من الشاميين وهو إحدى الروايتين(1\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3196",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن الإمام أحمد, لأن الصحابة فعلوا هذا وهذا في قصة بني قريظة, كما سنذكرها بعد هذا إن شاء الله تعالى, وعلى الأقوال الثلاثة فلا حجة للعاصي المفرط المعتدي الذي قد باء بعقوبة الله وإثم التفويت في ذلك بوجه من الوجوه, وبالله التوفيق. فصل وبهذا خرج الجواب عن استدلالكم بتأخير الصحابة العصر إلى بعد غروب الشمس عمدا حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظةquot;. فأدركت طائفة الصلاة في الطريق فقالوا: لم يرد منا تأخيرها فصلوها في الطريق, وأبت طائفة أخرى أن تصليها إلا في بني قريظة فصلوها بعد العشاء, فما عنف رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة من الطائفتين, فإن الذين أخروها كانوا مطيعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم معتقدين وجوب ذلك التأخير, وأن وقتها الذي أمروا به حيث أدركهم في بني قريظة فكيف يقاس العاصي المتعدي لحدود الله على المطيع له الممتثل لأمره فهذا من أبطل قياس في العالم وأفسده وبالله التوفيق. وقد فضلت طائفة من العلماء الذين أخروها إلى بني قريظة على الذين صلوها في الطريق. قالوا: لأنهم امتثلوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحقيقة, والآخرون تأولوا فصلوها في الطريق. فصل وأما استدلاكم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تصلى نافلة مع الأمراء الذين كانوا يضيعون الصلاة عن وقتها ويصلونها في غير الوقت, فلا حجة فيه لأنهم لم يكونوا يؤخرون صلاة النهار إلى الليل ولا صلاة الليل إلى النهار بل كانوا يؤخرون صلاة الظهر إلى وقت العصر, وربما كانوا يؤخرون العصر إلى وقت الأصفرار ونحن نقول إنه متى أخر إحدى صلاتي الجمع إلى وقت الأخرى صلاها في وقت الثانية وإن كان غير معذور. وكذلك إذا أخر العصر إلى الاصفرار. بل إلى أن يبقى منها قدر ركعة فإنه يصليها بالنص. وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة من غير خوف ولامطر1 أراد أن لا يحرج أمته. فهذا التأخير لا يمنع صحة الصلاة.  1 رواه مسلم.(1\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3197",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما قولكم قد أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة من أخر الظهر إلى وقت العصر مع تفريطه في خروج وقت الظهر, فجوابه إن الوقت مشترك بين الصلاتين في الجملة, وقد جمع رسول الله بالمدينة خوف ولا مرض وهذا لا ينازع فيه, ولكن هل أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح في وقت الضحى من غير نوم لا نسيان. وأما قولكم وقد روي من حديث أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فيمن نام عن صلاة الصبح: quot;وإذا كان الغد فليصلها لميقاتهاquot;. أن هذا أوضح في أداء المفرط للصلاة عند الذكر وبعد الذكر, وهو حديث صحيح الإسناد. فيا لله العجب! أين في هذا الحديث ما يدل بوجه من وجوه الدلالة نصها أو ظاهرها أو إيمائها على أن العاصي المتعدي لحدود الله بتفويت الصلاة عن وقتها تصح منه بعد الوقت وتبرأ ذمته منها, وهو أهل أن تقبل منه, وكأنكم فهمتم من قوله: quot;فإذا كان الغد فليصلها لميقاتهاquot; أمره بتأخيرها إلى الغد. وهذا باطل قطعا لم يرده رسول الله صلى الله عليه وسلم, والحديث صريح في إبطاله فإنه أمره أن يصليها إذا استيقظ أو ذكرها, ثم روى في تمام الحديث هذه الزيادة وهي قوله: quot;فإذا كان من الغد فليصلها لميقاتهاquot;. وقد اختلف الناس في صحة هذه الزيادة ومعناها, فقال بعض الحفاظ هذه الزيادة وهم من عبد الله بن رباح الذي روى الحديث عن أبي قتادة أو من أحد الرواة, وقد روي عن البخاري أنه قال: لا يتابع في قوله: quot;فليصل إذا ذكرها لوقتها من الغدquot;. وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن عمران بن حصين قال سرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان من آخر الليل عرسنا فلم نستيقظ حتى الحفتنا الشمس, فجعل الرجل يقوم دهشا إلى طهوره. فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يسكنوا, ثم ارتحل فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس توضأ ثم أمر بلالا فأذن ثم صلى الركعتين قبل الفجر ثم أقام فصلينا فقالوا: يا رسول الله ألا نعيدها في وقتها من الغد قال: quot;أينهاكم ربكم تبارك وتعالى عن الربا ويقبله منكمquot;. قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي: وفي هذا دليل(1\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3198",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على ما قال البخاري لأن عمران بن الحصين كان حاضرا ولم يذكر ما قال عبد الله بن رباح عن أبي قتادة. وعندي أنه لا تعارض بين الحديثين ولم يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإعادتها من الغد وإنما الذي أمر به فعل الثانية في وقتها, وأن الوقت لم يسقط بالنوم والنسيان بل عاد إلى ما كان عليه, والله أعلم. قوله: وقد روى عبد الرحمن بن علقمة الثقفي قال: قدم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلوا يسألونه فلم يصل يومئذ الظهر إلا مع العصر إلى آخره, وقد تقدم جواب هذا وأمثاله مرارا وأن هذا التأخير كان طاعة لله تعالى وقربة وغايته أنه جمع بين الصلاتين لشغل مهم من أمور المسلمين, فكيف يصح إلحاق تأخير المتعدي لحدود الله بت ولقد ضعفت مسألة نصر بمثل هذا قوله: وليس ترك الصلاة حتى يخرج وقتها عمدا مذكورا عند الجمهور في الكبائر. فيقال يا لله العجب! وهل تقبل هذه المسألة نزاعا. وهل ذلك إلا من أعظم الكبائر وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم تفويت صلاة العصر محبطا للعمل فأي كبيرة تقوى على إحباط العمل سوى تفويت الصلاة. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الجمع بين الصلايتن من غير عذر من الكبائر. ولم يخالفه صحابي واحد في ذلك. بل الآثار الثابتة الصحابة كلها توافق ذلك. هذا والجامع بين الصلاتين قد صلاهما في وقت إحداهما للعذر. فماذا نقول فيمن صلى الصبح في وقت الضحى عمدا وعدوانا والعصر نصف الليل من غير عذر. وقد صرح الصديق أن الله لا يقبل هذه الصلاة ولم يخالف الصديق صحابي واحد وقد توعد الله سبحانه بالويل والغي لمن سها عن صلاته وأضاعها, وقد قال الصحابة وهم أعلم الأمة بتفسير الآية إن ذلك تأخيرها عن وقتها كما تقدم حكايته. ويا لله العجب أي كبيرة أكبر من كبيرة تحبط العمل وتجعل الرجل بمنزلة من قد وتر أهله وماله, وإذا لم يكن تأخير صلاة النهار إلى الليل وتأخير صلاة الليل إلى النهار من غير عذر من الكبائر لم يكن فطر شهر رمضان من غير عذر وصوم شوال بدله من الكبائر, ونحن نقول بل ذلك أكبر من كل(1\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3199",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كبيرة بعد الشرك بالله. ولأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك به خير له من أن يؤخر صلاة النهار إلى الليل وصلاة الليل إلى النهار عدوانا عمدا بلاعذر, وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن سليمان بن يسار عن المسور بن مخرمة أنه دخل مع ابن عباس على عمر حين طعن فقال ابن عباس يا أمير المؤمنين الصلاة فقال: أجل أصلي: إنه لا حظ في الإسلام لمن أضاع الصلاة. وقال إسماعيل بن علية عن أيوب عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن أبا بكر وعمر كانا يعلمان الناس الإسلام: تعبد الله ولاتشرك به شيئا وتقيم الصلاة التي افترض الله بمواقيتها فإن في تفريطها الهلكة. وقال محمد بن نصر المروزي وسمعت إسحاق يقول: صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;أن تارك الصلاة كافرquot; , وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا أن تارك الصلاة عمدا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر, وذهاب الوقت أن يؤخر الظهر إلى غروب الشمس والمغرب إلى طلوع الفجر, وإنما جعل أوقات الصلاة بما ذكرنا لأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين بعرفة والمزدلفة في السفر فصلى إحداهما في وقت الأخرى, فلما جعل النبي صلى الله عليه وسلم الأولى منهما وقتا للأخرى في حال والأخرى وقتا للأولى في حال صار وقتاهما وقتا واحدا في حال العذر, كما أمرت الحائض إذا طهرت قبل غروب الشمس أن تصلي الظهر والعصر وإذا طهرت آخر الليل أن تصلي المغرب والعشاء, وإذا كان صلاة الذي يؤخر العصر حتى تصير الشمس بين قرني الشيطان صلاة المنافق بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم فما يقول بأبي هو وأمي صلوات الله عليه وسلامه لمن يصليها بعد العشاء, وقد قال تعالى: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم . فإذا اجتنب الرجل كبائر المنهيات واستمر على صلاة الصبح في وقت الضحى والعصر بعد العشاء كان على قولكم مغفورا له غير آثم البتة, وهذا لا يقول أحد. قوله: والعجب من هذا الظاهري كيف نقض أصله فإنه يقول ما وجب بإجماع فإنه لا يسقط إلا بالإجماع, فيقال: غاية هذا أن منازعكم تناقض فلا يكون تناقضه مصححا لقولكم, وإن أردتم بذلك الاستدلال بالاستصحاب وأن الصلاة(1\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3200",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كانت في ذمته بإجماع فلا تسقط إلا بإجماع وهو مفقود, قيل لكم: ومن ذا الذي قال بسقوطها من ذمته بالتأخير, وأن ذمته قد برئت منها, فمن قال بهذا فقوله أظهر بطلانا من أن نحتاج إلى دليل عليه. والذي يقول منازعوكم إنها قد استقرت في ذمته على وجه لا سبيل له إلى أدائها واستدراكها إلا بعود ذلك الوقت بعينة, وهذا محال, ثم نعارض هذا الإجماع بإجماع مثله أو أقوى منه, فنقول: أجمع المسلمون على أنه عاص متعد مفرط بإضاعة الوقت فلا يرتفع هذا الاجماع إلا بإجماع مثله, ولم يجمعوا أنه يرتفع عنه الإثم والعدوان بالفعل بعد الوقت, بل لعل هذا لم يقله أحد. فهذا ما يتعلق بالحجاج من الجانبين, وليس لنا غرض فيما وراء ذلك, وقد بان من هو أسعد بالكتاب والسنة وأقوال السلف في هذه المسالة والله المستعان. فصل فإن قيل فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المفطر متعمدا في نهار رمضان بالقضاء في موضعين أحدهما المجامع. والثاني: المستقيء. ففي السنن من حديث أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد جامع أهله في رمضان فذكر الحديث وقال فيه: quot;فأتى بعذق فيه تمر قدر خمسة عشر صاعاquot; وفيه قال: quot;كله أنت وأهل بيتك وصم يوما واستغفر الله عز وجلquot;. وعند ابن ماجة: quot;وصم يوما مكانهquot;. وفي السنن والمسند من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء ومن استقاء فليقضquot;. قيل: الحديثان معلولان لا يثبتان. أما قصة المجامع في رمضان فقد رواها أصحاب الصحيح ولم يذكر أحد منهم هذه الزيادة, والذي ذكرها لا تقوم به الحجة فإنها من رواية عبد الجبار بن عمر الأيلي وقد ضعفه الأئمة. قال يحيى بن معين: quot;ليس بشيء ولا يكتب حديثهquot; وقال مرة: quot;ضعيفquot; وكذلك قال أبو زرعة والسعدي أي ابن سعد والنسائي, وقال البخاري: quot;ليس بالقوي عنده مناكيرquot; وقال ابن عدي: quot;عامة ما يرويه يخالف فيه والضعف بين على رواياتهquot; ورواه أئمة أصحاب ابن شهاب عنه كمالك وغيره فلم يذكروا قوله: quot;صم يوما مكانهquot;. ورواه أبو مروان العثماني عن إبراهيم بن سعد عن الليث عن ابن شهاب عن حميد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;له في هذه القصة اقض(1\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3201",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يوما مكانهquot;. وكذا روي عن الدراوردي عن إبراهيم بن سعد عن الليث قال البيهقي وإبراهيم عنده الحديث عن الزهري بلا هذه الكلمة, وقد رواه حجاج بن أرطاة عن إبراهيم بن علي كذا مر عن ابن المسيب وعن الزهري عن حميد عن أبي هريرة ورواه حجاج عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده وقال فيه عمرو وأمره أن يقضي يوما مكانه, وقد رواه هشام بن سعد عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وقال فيه: quot;وصم يوما مكانه واستغفر اللهquot;. فخالف هشام الناس في روايته عن أبي سلمة والحديث لحميد عن أبي هريرة. ورواه ابن أبي اويس قال حدثني أبي أن ابن شهاب أخبره عن حميد أن أبا هريرة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمر الذي يفطر في رمضان أن يصوم يوما مكانه, ولكن هذا يخالف رواية أصحاب ابن شهاب فإنهم لم يذكروا هذه الزيادة, وقال الشافعي أخبرنا مالك عن عطاء الخراساني عن ابن المسيب قال أتى أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث, وقال في آخره: quot;فصم يوما مكان ما أصبتquot;. وهذا مرسل ولكنه من مراسيل ابن المسيب, ورواه داود بن أبي هند عن عطاء فلم يذكر قوله: quot;وصم يوما مكانهquot; وعطاء كذبه ابن المسيب. وقال ابن حبان: quot;كان رديء الحفظ يخطيء ولا يعلم فبطل الاحتجاج بتquot;. وأما حديث المستقيء عمدا فهو حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ومن استقاء فعليه القضاءquot;. فقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال: قال محمد يعني البخاري لا أراه محفوظا, وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: quot;ليس من ذا شيءquot;. وقال الترمذي في كتاب العلل: حدثنا علي بن حجر حدثنا عيسى بن يونس عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء عمدا فليقضquot;. قال الترمذي: سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فلم يعرفه إلا من حديث عيسى بن يونس عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: ما أراه محفوظا قال: وقد روى يحيى ابن أبي كثير(1\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3202",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن عمر بن الحكم أن أبا هريرة كان لا يرى القيء بفطر الصائم. وبتقدير صحة الحديث فلا حجة فيه, إذ المراد به المعذور الذي اعتقد أنه يجوز له الاستقياء أو المريض الذي احتاج أن يستقيء فاستقاء فإن الاستقياء في العادة لا يكون وإلا فلا يقصد العاقل أن يستقيء حاجة فيكون المستقيء متداويا بالاستقياء كما لو تداوى بشرب دواء, وهذا يقبل منه القضاء أو يؤمر به اتفاقا, وقد اختلف الفقهاء في المجامع في نهار رمضان إذا كفر هل يجب أن يقضي يوما مكان الذي أفطره على ثلاثة أقوال: وهي الشافعي أحدها يجب. والثاني: لا يجب. والثالث: إن كفر بالعتق أو الإطعام وجب عليه الصيام وإن كفر بالصوم لم يجب عليه قضاء ذلك اليوم1.  1 وهناك دليل يقطع النزاع الذي طال وهو الإجماع على أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ولا أدري كيف فات الجميع هذه الحجة.(1\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "73",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3203",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "المسألة السادسة: وهي هل تصح صلاة من صلى وحده وهو يقدر على الصلاة جماعة أم لا؟",
        "content": "فصل وأما المسألة السادسة: وهي هل تصح صلاة من صلى وحده وهو يقدر على الصلاة جماعة أم لا فهذه المسألة مبينة على أصلين: أحدهما أن صلاة الجماعة فرض أم سنة وإذا قلنا هي فرض فهل هي شرط لصحة الصلاة أم تصح بدونها مع عصيان تاركها فهاتان مسألتان: أما المسألة الأولى: فاختلف الفقهاء فيها فقال بوجوبها عطاء بن أبي رباح والحسن البصري وأبو عمر الأوزاعي وأبو ثور والإمام أحمد في ظاهر مذهبه ونص عليه الشافعي في مختصر المزني, فقال: وأما الجماعة فلا أرخص في تركها إلا من عذر, وقال ابن المنذر في كتاب الأوسط: ذكر حضور الجماعة على العميان, وإن بعدت منازلهم عن المسجد. ويدل على ذلك أن شهود الجماعة فرض لا ندب, ثم ذكر حديث ابن أم مكتوم أنه قال: يا رسول الله إن بيني وبين المسجد نخلا وشجرا فهل يسعني أن أصلي في بيتي قال: quot;تسمع الإقامةquot;. قال: نعم. قال: quot;فأتهاquot;. قال ابن المنذر: ذكر تخويف النفاق على تارك شهود العشاء والصبح في جماعة, ثم قال في أثناء الباب: فدلت الأخبار التي ذكرت على وجوب فرض(1\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "74",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3204",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجماعة على من لا عذر له, فمما دل عليه قوله لابن أم مكتوم وهو ضرير: quot;لا أجد لك رخصةquot;. فإذا كان الأعمى لا رخصة له فالبصير أولى أن لا تكون له رخصة. قال: وفي اهتمامه صلى الله عليه وسلم بأن يحرق على قوم تخلفوا عن الصلاة بيوتهم أبين البيان على وجوب فرض الجماعة, إذ غير جائز أن يتهدد رسول الله صلى الله عليه وسلم من تخلف عن ندب وعما ليس بفرض. قال: ويؤيده حديث أبي هريرة أن رجلا خرج من المسجد بعدما أذن المؤذن فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم, ولو كان المرء مخيرا في ترك الجماعة وإتيانها لم يجز أن يعصي من تخلف عما لا يجب عليه أن يحضره, وإنما لما أمر الله جل ذكره بالجماعة في حال الخوف دل على أن ذلك في حال الأمن أوجب, والأخبار المذكورة في أبواب الرخصة في التخلف عن الجماعة لأصحاب الأعذار تدل على فرض الجماعة على من لا عذر له, ولو كان حال العذر وغير حال العذر سواء لم يكن للترخيص في التخلف عنها في أبواب العذر معنى, ودل على تأكيد فرض الجماعة قوله صلى الله عليه وسلم: quot;من يسمع النداء فلم يجب فلا صلاة لهquot;. ثم ساق الحديث في ذلك ثم قال: وقال الشافعي ذكر الله الأذان بالصلاة, فقال: وإذا ناديتم إلى الصلاة . وقال تعالى: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله . وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان للصلوات المكتوبات فأشبه ما وصفت أن لا يحل أن تصلي كل مكتوبة إلا في جماعة حتى لا يخلو جماعة مقيمون أو مسافرون من أن يصلي بهم صلاة جماعة فلا أرخص لمن قدر على صلاة الجماعة في ترك إتيانها إلا من عذر وإن تخلف أحد فصلاها منفردا لم تكن عليه إعادتها صلاها قبل الإمام أو بعده إلا صلاة الجمعة فإن من صلاها ظهرا قبل صلاة الإمام كان عليه إعادتها لأن إتيانها فرض هذا كله لفظ ابن المنذر, وقالت الحنفية والمالكية: هي سنة مؤكدة ولكنهم يؤثمون تارك السنن المؤكدة ويصححون الصلاة بدونه, والخلاف بينهم وبين من قال أنها واجبة لفظي. وكذلك صرح بعضهم بالوجوب, قال الموجبون: قال الله تعالى: وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم(1\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "75",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3205",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك . ووجه الاستدلال بالآية من وجوه: أحدها أمره سبحانه لهم بالصلاة في الجماعة, ثم أعاد هذا الأمر سبحانه مرة ثانية في حق الطائفة الثانية بقوله: ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك . وفي هذا دليل على أن الجماعة فرض على الأعيان إذ لم يسقطها سبحانه عن الطائفة الثانية بفعل الأولى, ولو كانت الجماعة سنة لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف ولو كانت فرض كفاية لسقطت بفعل الطائفة الأولى ففي, الآية دليل على وجوبها على الأعيان, فهذه على ثلاثة أوجه أمره بها أولا ثم أمره بها ثانيا وأنه لم يرخص لهم في تركها حال الخوف. الدليل الثاني: قوله تعالى: يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون . ووجه الاستدلال بها أنه سبحانه عاقبهم يوم القيامة بأن حال بينهم وبين السجود لما دعاهم إلى السجود في الدنيا فأبوا أن يجيبوا الداعي. إذا ثبت هذا فإجابة الداعي هي إتيان المسجد بحضور الجماعة لا فعلها في بيته وحده, فهكذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإجابة. فروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد, فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فرخص له فلما ولى دعاه فقال: quot;هل تسمع النداءquot;. قال: نعم. قال: quot;فأجبquot;. فلم يجعل مجيبا له بصلاته في بيته إذا سمع النداء فدل على أن الإجابة المأمور بها هي إتيان المسجد للجماعة, ويدل عليه حديث ابن أم مكتوم قال: يا رسول الله إن المدينة كثيرة الهوام والسباع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;تسمع حي على الصلاة حي على الفلاحquot;. قال: نعم. قال: quot;فحي هلاquot;. رواه أبو داود والإمام أحمد, quot;وحي هلا: اسم فعل أمر معناه أقبل وأجب, وهو صريح في أن إجابة هذا الأمر بحضور الجماعة, وأن المتخلف عنها لم يجبه. وقد قال غير واحد من السلف في قوله تعالى: وقد كانوا يدعون إلى السجود(1\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "76",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3206",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهم سالمون , قال: هو قول المؤذن حي على الصلاة حي على الفلاح, فهذا الدليل مبني على مقدمتين إحداهما: أن هذه الإجابة واجبة, والثانية: لا تحصل إلا بحضور الصلاة في الجماعة, وهذا هو الذي فهمه أعلم الأمة وأفقههم من الإجابة وهم الصحابة رضي الله عنهم, فقال ابن المنذر في كتاب الأوسط: روينا عن ابن مسعود وأبي موسى أنهما قالا: من سمع النداء ثم لم يجب فإنه لا تجاوز صلاته رأسه إلا من عذر, قال: وروي عن عائشة أنها قالت: من سمع النداء فلم يجب لم يرد خيرا ولم يرد بت, وعن أبي هريرة أنه قال: إن تمتليء أذنا ابن آدم رصاصا مذابا خير له من أن يسمع المنادي ثم لا يجيبه, فهذا وغيره يدل أن الإجابة عند الصحابة هي حضور الجماعة, وأن المتخلف غير مجيب فيكون عاصيا. الدليل الثالث: قوله تعالى: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين , ووجه الاستدلال بالآية أنه سبحانه أمرهم بالركوع وهو الصلاة وعبر عنها بالركوع لأنه من أركانها والصلاة يعبر عنها بأركانها وواجباتها كما سماها الله سجودا وقرآنا وتسبيحا فلا بد لقوله: مع الراكعين من فائدة أخرى وليست إلا فعلها مع جماعة المصلين, والمعية تفيد ذلك. إذا ثبت هذا الأمر المقيد بصفة أو حال لا يكون المأمور ممتثلا إلا بالإتيان به على تلك الصفة والحال, فإن قيل: فهذا ينتقض بقوله تعالى: يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين , والمرأة لا يجب عليها حضور الجماعة, قيل: الآية لم تدل على تناول الأمر بذلك لكل امرأة بل مريم بخصوصها أمرت بذلك, بخلاف قوله: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين , ومريم كانت لها خاصة لم تكن لغيرها من النساء فإن أمها نذرتها أن تكون محررة لله ولعبادته ولزوم المسجد, وكانت لا تفارقه, فأمرت أن تركع مع أهله, ولما اصطفاها الله وطهرها على نساء العالمين أمرها من طاعته بأمر اختصها به على سائر النساء, قال تعالى: وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على(1\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "77",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3207",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نساء العالمين يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين , فإن قيل كونهم مأمورين أن يركعوا مع الراكعين لا يدل على وجوب الركوع معهم حال ركوعهم بل يدل على الإتيان بمثل ما فعلوا, كقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين , فالمعية تقضي المشاركة في الفعل ولاتستلزم المقارنة فيه. قيل: حقيقة المعية مصاحبة ما بعدها لما قبلها وهذه المصاحبة تفيد زائدا على المشاركة ولا سيما في الصلاة فإنه إذا قيل صل مع الجماعة أو صليت مع الجماعة لا يفهم منه إلا اجتماعهم على الصلاة. الدليل الرابع: ما ثبت في الصحيحين, وهذا لفظ البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot;والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم, والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا أو مرماتين 1 حسنتين لشهد العشاءquot;. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot;إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا يصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنارquot;. متفق على صحته واللفظ لمسلم. وللإمام أحمد عنه صلى الله عليه وسلم: quot;لولا ما في البيوت من النساء والذرية أقمت صلاة العشاء وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنارquot;. قال المسقطون لوجوبها: هذا ما لا يدل على وجوب صلاة الجماعة لوجوه: أحدها: أن هذا الوعيد إنما جاء في المتخلفين عن الجمعة, بدليل ما راه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لقوم يتخلفون عن الجمعة: quot;لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهمquot;.  1 المرماة ما بين ظلف الشاة من اللحم والظلف هو كل حافر منشق.(1\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "78",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3208",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني: أن هذا كان جائزا لما كانت العقوبات المالية جائزة, ثم نسخ بما نسخ العقوبات المالية. الثالث: أنه هم ولم يفعل, ولو كان التحريق جائزا لكان واجبا لا تكون مستوية الطرفين, بل إما واجبة أو محرمة, فلما لم يفعل ذلك دل على عدم الجواز. قالوا: والحديث يدل على سقوط فرض الجماعة لأنه هم بالتخلف عنها وهو لا يهم بترك واجب. قالوا: وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما هم بإحراق بيوتهم عليهم لنفاقهم لا لتخلفهم عن حضور الجماعة. قال الموجبون: ليس فيما ذكرتم ما يسقط دلالة الحديث, أما قولكم: إن الوعيد إنما هو في حق تارك الجمعة فنعم هو في حق تارك الجمعة وتارك الجماعة, فحديث أبي هريرة صريح في أنه في حق تارك الجماعة وذلك بين في أول الحديث وآخره, وحديث ابن مسعود في أن ذلك لتارك الجمعة أيضا فلا تنافي بين الحديثين, وأما قولكم إنه منسوخ فما أصعب هذه الدعوى وأصعب إثباتها فأين شروط النسخ من وجود معارض مقاوم متأخر ولن تجدوا أنتم ولا أحد من أهل الأرض سبيلا إلى إثبات ذلك بمجرد الدعوى, وقد اتخذ كثيرا من الناس دعوى النسخ والإجماع سلما إلى إبطال كثير من السنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا ليس بهين ولا تترك لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنة صحيحة أبدا بدعوى الإجماع ولا دعوى النسخ إلى أن يوجد ناسخ صحيح صريح متأخر نقلته الأئمة وحفظته: إذ محال على الأمة أن تضيع الناسخ الذي يلزمها حفظه وتحفظ المنسوخ الذي قد بطل العمل به ولم يبق من الدين. وكثير من المولدة المتعصبين إذا رأوا حديثا يخالف مذهبهم يتلقونه بالتأويل وحمله على خلاف ظاهره ما وجدوا إليه سبيلا فإذا جاءهم من ذلك ما يغلبهم فزعوا إلى دعوى الإجماع على خلافه فإن رأوا من الخلاف مالا يمكنهم من دعوى الإجماع فزعوا إلى القول بأنه منسوخ وليست هذه طريق أئمة الإسلام بل أئمة الإسلام كلهم على خلاف هذا الطريق وأنهم إذا وجدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنة صحيحة صريحة لم يبطلوها بتأويل ولا دعوى إجماع ولا(1\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "79",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3209",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نسخ. والشافعي وأحمد من أعظم الناس إنكارا لذلك, وبالله التوفيق. وإنما لم يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ما هم به للمانع الذي أخبر أنه منعه منه وهو اشتمال البيوت على من لا تجب عليه الجماعة من النساء والذرية فلو أحرقها عليهم إلى من لا يجب عليه وهذا لا يجوز كما إذا وجب الحد على حامل فإنه لا يقام عليها حتى تضع لئلا تسري العقوبة إلى الحمل, ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يهم بما لا يجوز فعله أبدا, وقد أجاب عنه بعض أهل العلم بجواب آخر: وهو أن القوم كانوا أخوف لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمعوه يقول هذه المقالة ثم يصرون على التخلف عن الجماعة. وأما قولكم إن الحديث يدل على عدم وجوب الجماعة لكونه هم بتركها فمما لا يلتفت إليه ولا يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يهم بعقوبة طائفة من المسلمين بالنار وإحراق بيوتهم لتركهم سنة لم يوجبها الله عليهم ولا رسوله وهو صلى الله عليه وسلم لم يخبر أنه كان يصلي وحده بل كان يصلي جماعة هو وأعوانه الذين ذهبوا معه إلى تلك البيوت, وأيضا فلو صلاها وحده لكان هناك واجبان واجب الجماعة وواجب عقوبة العصاة وجهادهم, فترك أدنى الواجبين لأعلاهما كالحال في صلاة الخوف. وأما قولكم إنما هم بعقوبتهم على نفاقهم لا على تخلفهم عن الجماعة فهذا يستلزم محظورين: أحدهما إلغاء ما اعتبره رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلق الحكم به من التخلف عن الجماعة. والثاني: اعتبار ما ألغاه فإنه لم يكن يعاقب المنافقين على نفاقهم بل كان يقبل منهم علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله. الدليل الخامس: ما رواه مسلم في صحيحه أن رجلا أعمى قال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المجسد فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فرخص له, فلما ولى دعاه فقال: quot;هل تسمع النداءquot;. قال: نعم. قال: quot;فأجبquot; , وهذا الرجل هو ابن أم مكتوم, واختلف في اسمه فقيل عبد الله وقيل عمرو. وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود عن عمرو بن أم مكتوم قال: قلت: يا رسول الله أنا ضرير شاسع الدار ولي قائد لا يلائمني, فهل لي رخصة أن(1\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "80",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3210",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصلي في بيتي قال: quot;تسمع النداءquot;. قال: نعم. قال: quot;ما أجد لك رخصةquot;. قا المسقطون لوجوبها: هذا أمر استحباب لا أمر إيجاب, وقوله: لا أجد لك رخصة أي إن أردت فضيلة الجماعة. قالوا: وهذا منسوخ. قال الموجبون: الأمر مطلق للوجوب فكيف إذا صرح صاحب الشرع بأنه لا رخصة للعبد في التخلف عنه لضرير شاسع الدار لا يلائمه قائده, فلو كان العبد مخيرا بين أن يصلي وحده أو جماعة لكان أولى الناس بهذا التخيير مثل الأعمى. قال أبو بكر بن المنذر: ذكر حضور الجماعة على العميان وإن بعدت منازلهم عن المسجد, ويدل ذلك على أن شهود الجماعة فرض لاندب, وإذا قال لابن أم مكتوم وهو ضرير لا أجد لك رخصة فالبصير أولى أن لا تكون له رخصة. الدليل السادس: ما رواه أبو داود وأبو حاتم وابن حبان في صحيحه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذرquot; -قالوا: وما العذر قال: quot;خوف أو مرض- لم تقبل منه الصلاة التي صلاهاquot;. قال المسقطون للوجوب: هذا حديث فيه علتان إحدهما أنه من رواية مغراء العبدي وهو ضعيف عندهم. الثانية: إنما يعرف عن ابن عباس موقوفا عليه. قال الموجبون: قد قال قاسم بن أصبغ في كتابه: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن حبيب بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذرquot;. وحسبك بهذا الإسناد صحة. ورواه ابن المنذر: حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا عمرو بن عوف حدثنا هشيم شعبة عن عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا قالوا: ومعارك العبدي قد روى عنه أبو اسحاق السبيعي على جلالته ولو قدر أنه لم يصح رفعه فقد صح عن ابن عباس بلا شك, وهو قول صاحب لم يخالفه صاحب. الدليل السابع: ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال: من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادي بهن فإنهن من سنن الهدى وإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنكم لو صليتم في بيوتكم(1\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "81",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3211",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو أنكم تركتم سنة نبيكم لضللتم وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف. وفي لفظ: وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا سنن الهدى وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه. فوجه الدلالة أنه جعل التخلف عن الجماعة من علامات المنافقين المعلوم نفاقهم وعلامات النفاق لا تكون بترك مستحب ولا بفعل مكروه ومن استقرأ علامات النفاق في السنة وجدها إما ترك فريضة أو فعل محرم, وقد أكد هذا المعنى بقوله: من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن. وسمى تاركها المصلي في بيته متخلفا تاركا للسنة التي هي طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كان عليها وشريعته التي شرعها لأمته, وليس المراد بها السنة التي من شاء فعلها ومن شاء تركها, فإن تركها لا يكون ضلالا ولا من علامات النفاق كترك الضحى وقيام الليل وصوم الإثنين والخميس. الدليل الثامن: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالإمام ة أقرؤهمquot;. ووجه الاستدلال به أنه أمر بالجماعة وأمره على الوجوب. الدليل التاسع: أنه صلى الله عليه وسلم أمر من صلى وحده خلف الصف أن يعيد الصلاة, فروى وابصة بن معبد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة, رواه الإمام أحمد مسند وأهل السنن وأبو حاتم ابن حبان في صحيحه وحسنه الترمذي. وعن علي بن شيبان قال: خرجنا حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه وصلينا خلفه ثم صلينا وراءه صلاة أخرى فقضى الصلاة, فرأى رجلا فردا خلف(1\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "82",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3212",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصف, فوقف عليه حتى انصرف, وقال: quot;استقبل صلاتك لا صلاة للذي خلف الصفquot;. رواه الإمام أحمد وابن حبان. وفي رواية الإمام أحمد صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فرأى رجلا يصلي فردا خلف الصف فوقف نبي الله صلى الله عليه وسلم الرجل حتى انصرف فقال له استقبل صلاتك فلا صلاة لمنفرد خلف الصف. قال ابن المنذر: وثبت هذا الحديث أحمد وإسحاق, فوجه الدلالة أنه أبطل صلاة المنفرد عن الصف وهو في جماعة, وأمره بإعادة صلاته مع أنه لم ينفرد إلا في المكان خاصة فصلاة المنفرد عن الجماعة والمكان أولى بالبطلان, يوضحه أن غاية هذا الفذ أن يكون منفردا, ولو صحت صلاة المنفرد لما حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفيها, فأمر من صلى كذلك أن يعيد صلاته. قال المسقطون للوجوب: لايمكنكم الاستدلال بهذا الحديث إلا بعد إثبات بطلان صلاة الفذ خلف الصف. وهذا قول شاذ مخالف لجمهور أهل العلم وقد دل على صحتها إجماع الناس على صحة صلاة المرأة وحدها خلف الصف, وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف جبريل, فروى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل يعلمه مواقيت الصلاة فتقدم جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر حين زالت الشمس وأتاه حين كان الظل مثل شخصه فصنع كما صنع فتقدم جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه النسائي. فقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف جبريل مقتديا به. قالوا: وقد أحرم أبو بكرة فذا خلف الصف ثم مشى حتى دخل الصف ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة. قالوا: وقد أحرم ابن عباس عن يساره صلى الله عليه وسلم فأخذ بيده فأداره عن يمينه ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم باستقبال الصلاة بل صحح إحرامه فذا, فهذا في النفل وحديث جابر في الفرض أنه قام عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيده فأقامه عن يمينه. قال الموجبون: العجب من معارضة الأحاديث الصحيحة الصريحة بمثل ذلك(1\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "83",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3213",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنه لا تعارض بين الأحاديث بوجه من الوجوه, وأما قولكم إن هذا قول شاذ فلعمر الله ليس شاذا ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته الصحيحة والصريحة, ولو تركها من تركها فلا يكون ترك السنن لخفائها على من تركها أو لنوع تأيل مسوغا لتركها لغيره, وكيف يقدم ترك التارك لهذه السنة عليها. هذا وقد قال بهذه السنة جماعة من أكابر التابعين منهم سعيد بن جبير وطاوس وإبراهيم النخعي ومن دونهم كالحكم وحماد وابن أبي ليلى والحسن بن صالح ووكيع. وقال بها الأوزاعي, حكاه الطحاوي عنه وإسحاق بن راهويه والإمام أحمد وأبو بكر بن المنذر ومحمد بن اسحاق بن خزيمة فأين الشذوذ, وهؤلاء القائلون وهذه السنة. وأما معارضتكم بموقف المرأة فمن أفسد المعارضات لأن ذلك هو موقف المرأة المشروع لها حتى لو وقفت في صف الرجال أفسدت صلاة من يليها عند أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب أحمد, فإن قيل لو وقفت فذة خلف صف النساء صحت صلاتها قيل ليس كذلك بل إذا انفردت المرأة عن صف النساء لم تصح صلاتها كالرجل الفذ خلف الرجال ذكر ذلك القاضي أبو يعلى في تعليقه لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: quot;لا صلاة لفرد خلف الصفquot;. خرج من هذا ما إذا كانت وحدها خلف الرجال للحديث الصحيح بقي فيما عداه على هذا العموم وأما قصة صلاته صلوات الله وسلامه عليه خلف جبريل وحده والصحابة خلفه فقد أجيب عنها بأنها كانت في أول الأمر حين علمه مواقيت الصلاة وقصة أمره صلى الله عليه وسلم الذي صلى خلف الصف فذا بالإعادة متأخرة بعد ذلك وهذا جواب صحيح. وعندي فيه جواب آخر وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان هو إمام المسلمين فكان بين أيديهم وكان هو المؤتم بجبريل وحده وكان تقدم جبريل عليه السلام أبلغ في حصول التعليم من أن يكون إلى حانبه كما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم على المنبر ليأتموا وليتعلموا صلاته وكان ذلك لأجل التعليم لم يدخل في نهيه صلى الله عليه وسلم الإمام إذا أم الناس أن يقوم في مقام أرفع منهم(1\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "84",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3214",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما قصة أبي بكرة فليس فيها أنه رفع رأسه من الركوع قبل دخوله في الصف وإنما يمكن التمسك بها لو ثبت ذلك ولا سبيل إليه وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد فيمن ركع دون الصف ثم مشى راكعا حتى دخل فيه بعد أن رفع الإمام رأسه من الركوع, وعنه في ذلك ثلاث روايات: إحداها تصح مطلقا, وحجة هذه الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أبا بكرة بالإعادة ولا استفصله هل أدركه قبل رفع رأسه من الركوع أم لا ولو اختلف الحال لاستفصله. وروى سعيد بن منصور في سننه عن زيد بن ثابت أنه كان يركع قبل أن يدخل في الصف ثم يمشي راكعا ويعتد بها. وصل الصف أم لم يصل. والرواية الثانية: أنها لا تصح. نص عليها في رواية إبراهيم بن الحارث ومحمد بن الحكم. وفرق بينه وبين من أدرك الركوع في الصف لأنه لم يدرك في الصف ما يدرك به الركعة فأشبه ما لو أدركه وقد سجد, وهذه الرواية أصح عند أكثر أصحابه. والرواية الثالثة: إن كان عالما بالنهي لم تصح صلاته وإلا صحت لقصة أبي بكرة وقول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;لا تعدquot;. والنهي يقتضي الفساد, ولكن ترك في الجاهل به حيث لم يأمره بالإعادة, وكانت هذه حال أبي بكرة. وأما قصة ابن عباس وجابر في ترك أمرهها بابتداء الصلاة وقد أحرما فذين فهذه أولا ليس فيها أنهما قد دخلا في الصلاة. وإنما فيه أنهما وقفا عن يساره فأدارهما عند أول وقوفهما, ولو قدر أنهما أحرما كذك فمن أحرم فذا صح إحرامه بالصلاة ودخوله فيها, وإنما الاعتبار بالركوع وحده وإلا فمن وقف معه آخر قبل الركوع صحت صلاته, ولو أعتبرنا إحرام المأمومين جميعا لم ينعقد تحريم أحد حتى يتفق هو ومن إلى جانبه في ابتداء التكبير وانتهائه, وهذا من أعظم الحرج والمشقة ولهذا لم يعتبره أحد أصلا والله أعلم. الدليل العاشر: ما رواه أبو داود في سننه والإمام أحمد في مسنده من حديث أبي الدرداء. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;ما ثلاثة في قرية لا يؤذن فيهم ولا(1\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "85",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3215",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان, فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصيةquot;. فوجه الاستدلال منه أنه أخبر باستحواذ الشيطان عليهم بترك الجماعة التي شعارها الأذان وإقامة الصلاة, ولو كانت الجماعة ندبا يخير الرجل بين فعلها وتركها لما استحوذ الشيطان على تاركها وتارك شعارها. الدليل الحادي عشر: ما رواه في صحيحة رقم من حديث أبي الشعثاء المحاربي قال: كنا قعودا في المسجد فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصرة حتى خرج من المسجد فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. وفي رواية سمعت أبا هريرة وقد رأى رجلا يجتاز في المسجد خارجا بعد الأذان فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم, ووجه الاستدلال به أنه جعله عاصيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بخروجه بعد الأذان لتركه الصلاة جماعة, ومن يقول الجماعة ندب يقول لا يعصي الله ولا رسوله من خرج بعد الأذان وصلى وحده, وقد احتج ابن المنذر في كتابه على وجوب الجماعة بهذا الحديث, وقال لو كان المرء مخيرا في ترك الجماعة وإتيانها لم يجز أن يعصي من تخلف عما لا يجب عليه أن يحضره, والذي يقول صلاة الجماعة ندب إن شاء فعلها وإن شاء تركها يجوز للرجل أن يخرج من المسجد وقد أخذ المؤذن في إقامة الصلاة بل يجوز له أن يجلس فلا يصلي مع الإمام والجماعة, فإذا صلوا قام فصلى وحده ولو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من يفعل هذا لأنكروا عليه غاية الإنكار بل قد أنكر ما هو دون هذا وهو على من لا يصلي مع الجماعة اكتفاء بصلاته في رحله. وقال: quot;ما لك لا تصلي معنا ألست برجل مسلمquot;. وأمر بالصلاة في الجماعة لمن صلى ثم أتى مسجد الجماعة فقال: quot;إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلةquot;. الدليل الثاني عشر: إجماع الصحابة رضي الله عنهم, ونحن نذكر نصوصهم وقد تقدم قول ابن مسعود: ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع حدثنا سليمان بن المغيرة عن أبي موسى الهلالي عن ابن مسعود قال: من سمع المنادي فلم يجب عذر فلا صلاة له.(1\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "86",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3216",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أحمد أيضا: حدثنا وكيع حدثنا مسعر عن أبي الحصين عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري قال: من سمع المنادي فلم يجب بغير عذر فلا صلاة له, وقال أحمد: حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي حيان التيمي عن أبيه عن علي رضي الله عنه قال: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد. قيل: ومن جار المسجد قال: من سمع المنادي. وقال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم أخبرنا منصور عن الحسن بن علي قال: من سمع النداء فلم يأته لم تجاوز صلاته رأسه إلا من عذر. وقال عبد الرزاق عن يروي عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال: من سمع النداء من جيران المسجد وهو صحيح من غير عذر فلا صلاة له. وقال وكيع عن عبد الرحمن بن حصين عن أبي نجيح المكي عن أبي هريرة قال: لأن تمتليء أذنا ابن آدم رصاصا مذابا خير له من أن يسمع المنادي ثم لا يجيبه. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن عدي بن ثابت عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: من سمع المنادي فلم يجب من غير عذر فلم يرد خيرا أولم يرد به. قال وكيع حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عابس قال: من سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له. وقال عبد الرزاق عن ليث عن مجاهد قال: سأل رجل ابن عباس فقال: رجل يصوم النهار ويقوم الليل لا يشهد جمعة ولا جماعة. فقال ابن عباس: هو في النار, ثم جاء الغد فسأله عن ذلك فقال: هو في النار. قال: واختلف إليه قريبا من شهر يسأله عن ذلك, ويقول ابن عباس: هو في النار. فهذه نصوص الصحابة كما تراها صحة وشهرة وانتشارا, ولم يجيء عن صحابي واحد خلاف ذلك وكل من هذه الآثار دليل مستقل في المسألة لو كان وحده, فكيف إذا تعاضدت وتضافرت وبالله التوفيق.(1\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "87",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3217",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "المسالة السابعة وهي: هل الجماعة شرط في صحة الصلاة أم لا؟",
        "content": "فصل وأما المسالة السابعة وهي: هل الجماعة شرط في صحة الصلاة أم لا فاختلف الموجبون لها في ذلك على قولين:(1\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "88",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3218",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدهما: أنها فرض يأثم تاركها وتبرأ ذمته بصلاته وحده, وهذا قول أكثر المتأخرين من أصحاب أحمد ونص عليه أحمد في رواية حنبل فقال إجابة الداعي إلى الصلاة فرض, ولو أن رجلا قال: هي عندي سنة أصليها في بيتي مثل الوتر وغيره لكان خلاف الحديث وصلاته جائزة, وعنه رواية ثانية ذكرها أبو الحسن الزعفراني في كتاب الإقناع أنها شرط للصحة فلا تصح صلاة من صلى وحده, وحكاه القاضي عن بعض الأصحاب واختاره أبو الوفاء ابن عقيل وأبو الحسن التميمي وهو قول داود وأصحابه. قال ابن حزم: وهو قول جميع أصحابنا ونحن نذكر حجج الفريقين: قال المشترطون: كل دليل ذكرناه في الوجوب يدل على أنها شرط فإنها إذا كانت واجبة فتركها المكلف لم يفعل ما أمر به فبقي في عهدة الأمر. قالوا: ولو صحت الصلاة بدونها لما قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه لا صلاة له, ولو صحت لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;من سمع المنادي ثم لم يجبه لم تقبل منه الصلاة التي صلىquot;. فلما وقف القبول عليها دل على اشتراطها, كما أنه لما وقف القبول على الوضوء من الحدث دل على اشتراطه. قالوا: ونفي القبول إما أن يكون لفوات ركن أو شرط ولا ينتقض هذا بنفي القبول عن صلاة العبد الآبق وشارب الخمر أربعين يوما لأن امتناع القبول هناك لارتكاب أمر محرم قارن الصلاة فأبطل أجرها. قالوا: ولو صحت صلاة المنفرد لما قال ابن عباس إنه في النار, قالوا: لو صحت صلاته أيضا لما كانت واجبة, وأنه إنما يصح عبادة من أدى ما أمر به, وقد ذكرنا من أدلة الوجوب ما فيه كفاية. قال المصححون لها وهم ثلاثة أقسام قسم يجعلها سنة إذا شاء فعلها وإن شاء تركها, وقسم يجعلها فرض كفاية إذا قام بها طائفة سقطت عمن عداهم, وقسم يقول: هي فرض على الأعيان وتصح بدونها. وقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجةquot;. وفيهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وسوقه خمسة وعشرين ضعفا, وذلك أنه إذا توضأ(1\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "89",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3219",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحطت عنه بها خطيئة فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه ما لم يحدث تقول: اللهم صل عليه اللهم ارحمه, ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاةquot;. قالوا فلو كانت صلاة المنفرد باطلة لم يفاضل بينها وبين صلاة الجماعة إذ لا مفاضلة بين الصحيح والباطل. قالوا: وفي صحيح مسلم من حديث عثمان بن عفان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كلهquot;. قالوا: فشبه فعلها في جماعة بما ليس بواجب, والحكم في المشبه كهو في المشبه به أو دونه في التأكيد. قالوا: وقد روى يزيد بن الأسود قال: شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم حجته فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف فلما قضى صلاته انحرف فإذا هو برجلين في آخر القوم لم يصليا قال: quot;علي بهماquot; -فجيء بهما ترعد فرائصهما- قال: quot;ما منعكما أن تصليا معناquot; , فقالا: يا رسول الله قد صلينا في رحالنا. قال: quot;فلا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلةquot;. رواه أهل السنن. وعند أبي داود: quot;إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك مع الإمام فليصلها معه فإنها له نافلةquot;. قالوا: ولولا صحة الأولى لم تكن الثانية نافلة. وعن محجن بن الأذرع قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فحضرت الصلاة فصلى يعني ولم أصل فقال لي: quot;ألا صليتquot; قلت: يا رسول الله قد صليت في الرحل ثم أتيتك. قال: quot;فإذا جئت فصل معهم واجعلها نافلةquot;. رواه الإمام أحمد وفي الباب عن أبي هريرة وعن أبي ذر وعبادة وعبد الله بن عمر ولفظ حديث ابن عمر عن سليمان مولى ميمونة قال: أتيت على ابن عمر وهو بالبلاط والقوم يصلون في المسجد فقلت: ما يمنعك أن تصلي مع الناس قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;لا تصلوا صلاة في يوم مرتينquot;. رواه أبو داود والنسائي. فصل قال الموجبون: التفضيل لا يستلزم براءة الذمة من كل وجه سواء كان مطلقا أو مقيدا فإن التفضيل يحصل مع مناقضة المفضل للمفضل عليه من كل وجه(1\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "90",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3220",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كقوله تعالى: أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا , وقوله تعالى: قل أذلك خير أم جنة الخلد , وهو كثير فكون صلاة الفذ جزءا واحدا من سبعة وعشرين جزءا من صلاة الجميع لا يستلزم إسقاط فرض الجماعة, ولزوم كونها ابنة بوجه من الوجوه, وغايتها أن يتأدى الواجب بها, وبينهما من الفضل ما بينهما فإن الرجلين يكون مقامهما في الصف واحدا وبين صلاتهما في الفضل كما بين السماء والأرض. وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم: quot;إن العبد ليصلي الصلاة ولم يكتب له من الأجر إلا نصفها ثلثها ربعها خمسهاquot; حتى بلغ عشرها فإذا عقل اثنان يصليان فرضهما صلاة أحدهما أفضل من صلاة الآخر بعشرة أجزاء وهما فرضان فهكذا يعقل مثله في صلاة الفذ وصلاة الجماعة. وأبلغ من هذا قوله صلى الله عليه وسلم: quot;ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منهاquot;. فإذا لم يعقل في صلاته إلا في جزء واحد كان له من الأجر بقدر ذلك الجزء, وإن برأت ذمته من الصلاة, فهكذا المصلي وحده له جزء واحد من الأجر وإن برئت الذمة, ومثل هذه الصلاة لا يسميها الشارع صحيحة وإن اصطلح الفقهاء على تسميتها صلاة فإن الصحيح المطلق ما تربت عليه أثره وحصل به مقصودة وهذه قد فات معظم أثرها ولم يحصل منها جل مقصودها فهي أبعد شيء من الصحة, وأحسن أحوالها أن ترفع عنه العقاب وإن حصلت شيئا من الثواب فهو جزء وما هذا إلا على قول من لا يجعلها شرطا للصحة. وأما من جعلها شرطا لا تصح بدونه فجوابه إن التفضيل إنما هو بين صلاتين صحيحتين وصلاة الرجل وحده إنما تكون صحيحة للعذر, وأما بدون العذر فلا صلاة له كما قال الصحابة رضي الله عنهم, وهؤلاء لو أجابوا بهذا لرد عليهم منازعوهم إن المعذور يكمل له أجره, فأجابوا على ذلك بأنه لا يستحق بالفعل إلا جزءا واحدا, وأما التكميل فليس من جهة الفعل بل بالنية إذا كان من عادته أن يصلي جماعة فمرض أو حبس أو سافر وتعذرت عليه الجماعة والله يعلم أن من نيته أن لو قدر على الجماعة لما تركها فهذا يكمل له أجره مع أن صلاة الجماعة أفضل من صلاته من حيث العملين. قالوا: ويتعين هذا ولا بد. فإن النصوص قد صرحت بأنه لا صلاة لمن سمع النداء ثم(1\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "91",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3221",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلى وحده, فدل على أن من له جزء من سبعة وعشرين جزءا هو المعذور الذي له صلاة, قالوا: والله تعالى يفضل القادر على العاجز وإن لم يؤاخذه فذلك فضله يؤتيه من يشاء. وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين وكان مبسورا قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الرجل وهو قاعد فقال: quot;من صلى قائما فهو أفضل ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعدquot;. فهذا إنما هو في المعذور وإلا فغير المعذور ليس له من الأجر شيء إذا كانت الصلاة فرضا, وإن كانت نفلا لم يجز له التطوع على جنب فإنه لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما من الدهر ولا أحد من الصحابة البتة مع شدة حرصهم على أنواع العبادة وفعل كل خير, ولهذا جمهور الأمة يمنع منه ولا تجوز الصلاة على جنب إلا لمن لم يستطع القعود كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران: quot;صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنبquot;. وعمران بن حصين هو راوي الحديثين وهو الذي سأل عنهما النبي صلى الله عليه وسلم. فصل وأما استدلالكم بحديث عثمان بن عفان: quot;من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليلquot;. فمن أفسد الاستدلال وأظهر ما في نقضه عليكم قوله صلى الله عليه وسلم: quot;من صام رمضان واتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهرquot;. وصيام الدهر غير واجب وقد شبه به الواجب. بل الصحيح أن صيام الدهر كله مكروه فقد شبه به الصوم الواجب فغير ممتنع تشبيه الواجب بالمستحب في مضاعفة الأجر على الواجب القليل حتى يبلغ ثوابه ثواب المستحب الكثير. فصل وأما استدلالكم بحديث يزيد بن الأسود ومحجن بن الأدرع وأبي ذر وعبادة فليس في حديث واحد منهم أن الرجل كان قد صلى وحده منفردا مع قدرته على الجماعة البتة ولو أخبر النبي صلى الله عليه وسلم لما أقره على ذلك وأنكرعليه. وكذلك ابن عمر لم يقل صليت وحدي وأنا أقدر على الجماعة. ونحن نقول: إنه لم يصل من ترك الجماعة وهو يقدر عليها. ونقول كما قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه لا صلاة له, فحيث يثبت لهؤلاء صلاة فلا بد من أحد الأمرين: أن(1\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "92",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3222",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكونوا صلوا جماعة مع غير هذه الجماع, ة أويكونوا معذورين وقت الصلاة, ومن صلى وحده لعذر ثم زال عذره في الوقت لم يجب عليه إعادة الصلاة, كما لو صلى بالتيمم ثم وجد الماء في الوقت أو صلى قاعدا لمرض ثم بريء في الوقت أو صلى عريانا ثم وجد السترة في الوقت. قالوا: وقد دلت أحكام الشريعة على أن صلاة الجماعة فرض على كل واحد وذلك من وجوه أحدها أن الجمع لأجل المطر جائز وليس جوازه إلا محافظة على الجماعة, وإلا فمن الممكن أن يصلي كل واحد في بيته منفردا, ولو كانت الجماعة ندبا لما جاز ترك الواجب, وتقديم الصلاةعن وقتها ندب محض. الثاني: أن المريض إذا لم يستطع القيام في الجماعة وأطاق القيام إذا صلى وحده صلى جماعة وترك القيام ومحال أن يترك ركنا من أركان الصلاة لمندوب محض. الثالث: أن الجماعة حال الخوف يفارقون الإمام ويعملون العمل الكثير في الصلاة ويجعلون الإمام منفردا في وسط الصلاة كل ذلك لأجل تحصيل الجماعة, وكان من الممكن أن يصلوا وحدانا بدون هذه الأمور ومحال أن يرتكب ذلك وغيره لأجل أمر مندوب إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله, وبالله التوفيق.(1\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "93",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3223",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "المسألة الثامنة وهي هل له فعلها في بتيه أم يتعين المسجد؟",
        "content": "فصل وأما المسألة الثامنة وهي هل له فعلها في بتيه أم يتعين المسجد فهذه المسألة فيها قولان للعلماء وهما روايتان عن الإمام أحمد: أحدهما له فعلها في بيته وبذلك قالت الحنفية والمالكية وهو أحد الوجهين للشافعية. والثاني: ليس له فعلها في البيت إلا من عذر, وفي المسألة قول ثالث: فعلها في المسجد فرض كفاية وهو الوجه الثاني لأصحاب الشافعي, وجه القول الأول حديث الرجلين اللذين صليا في رحالهما فإن النبي صلى الله عليه وسلم ندبهما إلى فعلها في المسجد ولم ينكر عليهما فعلها في رحالهما, وكذلك حديث محجن بن الأدرع وحديث عبد الله بن عمر وقد تقدمت هذه الأحاديث, وفي الصحيحن عن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا(1\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "94",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3224",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فربما عملا الصلاة وهو في بيتنا فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس وينضح ثم يقوم صلى الله عليه وسلم ونقوم خلفه فيصلي بنا. وفي الصحيحين أيضا قال: سقط النبي صلى الله عليه وسلم عن فرس فجحش1 شقة الأيمن, فدخلنا عليه نعوده فحضرت الصلاة فصلى قاعدا, وفي الصحيحن أيضا عن أبي ذر قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي مسجد وضع في الأرض أول قال: quot;المسجد الحرام ثم المسجد الأقصى ثم حيثما أدركتك الصلاة فصل فإنه مسجدquot;. وصح عنه صلى الله عليه وسلم: quot;جعلت لي كل أرض طيبة مسجدا وطهوراquot;. ووجه الرواية الثانية ما تقدم من الأحاديث الدالة على وجوب الجماعة فإنها صريحة في إتيان المساجد. وفي مسند الإمام أحمد عن ابن أم مكتوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى المسجد فرأى في القوم رقة فقال: quot;إني لأهم أن أجعل للناس إماما ثم أخرج فلا أقدر على إنسان يتخلف عن الصلاة في بيته إلا أحرقته عليهquot;. وفي لفظ لأبي داود: quot;ثم آتى قوما يصلون في بيوتهم ليست بهم علة فأحرق عليهم بيوتهمquot;. وقال له ابن أم مكتوم وهورجل أعمى: هل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي قال: quot;لا أجد لك رخصةquot;. وقال ابن مسعود: لو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم. وعن جابر بن عبد الله قال: فقد النبي صلى الله عليه وسلم قوما في صلاة فقال: quot;ما خالفكم عن الصلاةquot; . فقالوا: الماء كان بيننا, فقال: quot;لا صلاة لجار المسجد إلا في السمجدquot;. رواه الدارقطني. وقد تقدم هذا المعنى عن علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة, فإن خالف وصلى في بيته جماعة عذر ففي صحة صلاته قولان: قال أبو البركات ابن تيمية في شرحه فإن خالف وصلاها في بيته جماعة لا تصح من غير عذر بناء على ما اختاره ابن عقيل في تركه الجماعة حيث ارتكب النهي, ويعضده قوله لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد. قال: والمذهب الصحة لقوله صلى الله عليه وسلم: quot;صلاة الرجل في جماعة تضاعف على صلاته  1 جحش هو شيء أكبر من الخدش.(1\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "95",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3225",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في بيته أو في سوقه خمسا وعشرين ضعفاquot;. ويحمل قوله: quot;لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجدquot;. على نفي الكمال جمعا بينهما. قال والرواية الأولى اختيار أصحابنا وأن حضور المسجد لا يجب وهي عندي بعيدة جدا إن حملت على ظاهرها فإن الصلاة في المسجد من أكبر شعائر الدين وعلاماته وفي تركها بالكلية أو في المفاسد ومحو آثار الصلاة بحيث تفضي إلى فتور همم أكثر الخلق عن أصل فعلها, ولهذا قال عبد الله بن مسعود: لو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم. قال: وإنما معنى هذه الرواية -والله اعلم- أن فعلها في البيت جائز لآحاد الناس إذا كانت تقام في المساجد فيكون فعلها في المسجد فرض كفاية على هذه الرواية, وعلى الأخرى فرض عين. قال: ويدل على ذلك جواز الجمع بين الصلاتين للأمطار, ولوكان الواجب فعل الجماعة فقط دون الفعل في المسجد لما جاز الجمع لذلك لأن أكثر الناس قادرون على الجماعة في البيوت فإن الإنسان غالبا لا يخلو أن تكون عنده زوجة أو ولد أو غلام أو صديق أو نحوهم فيمكنه الصلاة جماعة فلا يجوز ترك الشرط وهو الوقت من أجل السنة, فلما جاز الجمع علم أن الجماعة في المساجد فرض إما على الكفاية وإما على الأعيان هذا كلامه. ومن تأمل السنة حق التأمل تبين له أن فعلها في المساجد فرض على الأعيان إلا لعارض يجوز معه ترك الجمعة والجماعة, فترك حضور المسجد لغير عذر كترك أصل الجماعة لغير عذر, وبهذا تتفق جميع الأحاديث والآثار, ولما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ أهل مكة موته خطبهم سهيل بن عمرو وكان عتاب بن أسيد عامله على مكة قد توارى خوفا من أهل مكة فأخرجه سهيل وثبت أهل مكة على الإسلام فخطبهم بعد ذلك عتاب وقال: يا أهل مكة والله لا يبلغني أن أحدا منكم تخلف عن الصلاة في المسجد في الجماعة إلا ضربت عنقه. وشكر له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الصنيع وزاده رفعة في أعينهم, فالذي ندين الله به أنه لا يجوز لأحد التخلف عن الجماعة في المسجد إلا من عذر. والله أعلم بالصواب.(1\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "96",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3226",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "المسألة التاسعة وهي: حكم من نقر الصلاة ولم يتم ركوعها ولا سجودها",
        "content": "فصل وأما المسألة التاسعة وهي: حكم من نقر الصلاة ولم يتم ركوعها ولا سجودها فهذه المسألة قد شفى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفى, وكذلك أصحابه من بعده فلا معدل لناصح نفسه عما جاءت به السنة في ذلك ونحن نسوق مذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في ذلك بألفاظه. فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه السلام فقال: quot;ارجع فصل فإنك لم تصل ثلاثاquot;. فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني. قال: quot;إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم افعل ذلك في صلاتك كلهاquot;. متفق على صحته وهذا لفظ البخاري. وفيه دليل على تعين التكبير للدخول في الصلاة وأن غيره لا يقوم مقامه كما يتعين الوضوء واستقبال القبلة وعلى وجوب القراءة وتقييد بما تيسر لا ينفي تعين الفاتحة بدليل آخر. فإن الذي قال هذا الذي قال: quot;كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداجquot;. وهو الذي قال: quot;لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتابquot; , ولا تضرب سننه بعضها ببعض. وفيه دليل على وجوب الطمأنينة وأن من تركها لم يفعل ما أمر به فيبقى مطالبا بالأمر, وتأمل أمره بالطمأنينة في الركوع والاعتدال في الرفع منه فإنه لا يكفي مجرد الطمأنينة في ركن الرفع حتى تعتدل قائما قلنا فيجمع بين الطمأنينة والاعتدال خلافا لمن قال إذا ركع ثم سجد من ركوعه ولم يرفع رأسه صحت صلاته, فلم يكتف من شرع الصلاة بمجرد الرفع حتى يأتي به كاملا بحيث يكون معتدلا فيه ولا ينفي هذا وجوب التسبيح في الركوع والسجود والتسميع والتحميد في الرفع بدليل آخر فإن الذي قال هذا وأمر به هو الذي أمر بالتسبيح في الركوع فقال: لما نزلت: فسبح باسم ربك العظيم . قال: quot;اجعلوها في ركوعهمquot; , وأمر بالتحميد في الرفع فقال: quot;إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمدquot;. فهو الذي أمرنا(1\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "97",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3227",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالركوع وبالطمأنينة فيه وبالتسبيح والتحميد, وقال في الرفع من السجود: quot;ثم ارفع حتى تطمئن جالساquot;. وفي لفظ: quot;حتى تعتدل جالساquot;. فلم يكتف بمجرد الرفع كحد السيف حتى تحصل الطمأنينة والاعتدال ففيه أمر بالرفع والطمأنينة فيه والاعتدال ولا يمكن التمسك بما لم يذكر في هذا الحديث على اسقاط وجوبه عند أحد من الأئمة فإن الشافعي يوجب الفاتحة والتشهد الأخير والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر فيه, وأبو حنيفة يوجب الجلوس مقدار التشهد والخروج من الصلاة بالمنافي ولم يذكر ذلك فيه, ومالك يوجب التشهد والسلام ولم يذكر ذلك فيه, وأحمد يوجب التسبيح في الركوع والسجود والتسميع والتحميد وقول رب اغفر لي ولم يذكر في الحديث, فلا يمكن لأحد أن يسقط كل ما لم يذكر فيه, فإن قيل فرسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقره على تلك الصلاة مرتين ولو كانت باطلة لم يقره عليها فإنه لا يقر على باطل قيل: كيف يكون قد أقره وهو صلى الله عليه وسلم يقول له ارجع فصل فإنك لم تصل فأمره ونفى عنه مسمى الصلاة التي شرعها, وأي إنكار أبلغ من هذا فإن قيل فهو لم ينكر عليه في نفس الصلاة قيل: نعم لما في ذلك من التنفير له وعدم تمكنه من التعليم كما ينبغي كما أقر الذي بال في المسجد على إكمال بوله حتى قضاها ثم علمه, وهذا من رفقة وكمال تعليمه ولطفه صلوات الله وسلامه عليه, فإن قيل: فهلا قال له في نفس الصلاة اقطعها قيل لم يقل للبائل اقطع بولك وهذا أولى, نعم: لو أقره على تلك الصلاة ولم يأمره بإعادتها ولم ينف عنه الصلاة الشرعية كان فيه متمسك لكم فإن قيل قوله: لم تصل أي لم تصل صلاة كاملة وإنما الممتنع أن تكون له صلاة صحيحة قد أخل ببعض مستحباتها ثم يقول له ارجع فصل فإنك لم تصل, هذا في غاية البطلان. وعن رفاعة بن رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد يوما ونحن معه إذ جاء رجل كالبدوي فصلى فأخف صلاته ثم انصرف فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: quot;وعليك فارجع فصل فإنك لم تصلquot;. ففعل ذلك مرتين أو ثلاثا(1\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "98",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3228",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كل ذلك يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;وعليك فارجع فصل فإنك لم تصلquot; , فخاف الناس وكبر عليهم أن يكون من أخف صلاته لم يصل فقال الرجل في آخر ذلك فأرني وعلمني فإنما أنا بشر أصيب وأخطيء, فقال أجل: quot;إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمر الله ثم تشهد وأقم فإن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فأحمد الله وكبره وهلله ثم اركع فاطمئن راكعا ثم اعتدل قائما ثم اسجد فاعتدل ساجدا ثم اجلس فاطمئن جالسا ثم قم فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك وإن انتقصت منه شيئا انتقصت من صلاتكquot;. قال: فكان هذا أهون عليهم من الأول أنه من انتقص من هذا شيئا انتقص من صلاته ولم تنقص كلها. رواه الإمام أحمد وأهل السنن. وفي رواية أبي داود: quot;وتقرأ بما شئت من القرآن ثم تقول الله أكبر, وعنده فإن كان معك قرآن فاقرأ بهquot;. وفي رواية لأحمد: quot;إذا أردت أن تصلي فتوضأ فأحسن وضوءك ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ بأم القرآن ثم اقرأ بما شئت فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك وامدد ظهرك ومكن لركوعك فإذا رفعت رأسك فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصليها فإذا سجدت فمكن لسوجودك فإذا رفعت فاعتمد على فخذك اليسرى ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدةquot;. فإذا ضممت قوله في هذا الحديث: quot;توضأ كما أمر اللهquot; , إلى قوله في الصفا والمروة: quot;ابدؤوا بما بدأ الله بهquot;: أفاد وجوب الوضوء على الترتيب الذي ذكره الله سبحانه. وقوله في الحديث: quot;اقرأ بأم القرآن ثم اقرأ بما شئتquot; , تقييد لمطلق قوله: quot;اقرأ بما تيسر معك من القرآنquot; , وهذا معنى قوله في الحديث: quot;وتقرأ بما شئت من القرآنquot; , وقال: quot;فإن كان معك قرآن وإلا فأحمد الله وكبره وهللهquot; , فألفاظ الحديث يبين بعضها بعضا وهي تبين مراده صلى الله عليه وسلم فلا يجوز أن يتعلق بلفظ منها ويترك بقيتها. وقوله: quot;ثم تقول الله أكبرquot;: فيه تعيين هذا اللفظ دون غيره وهو التكبير المعهود في قوله: quot;تحريمها التكبيرquot; وقوله: quot;فإذا رفعت رأسك فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلهاquot; , صريح في وجوب الرفع والاعتدال منه والطمأنينة فيه(1\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "99",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3229",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعن أبي مسعود البدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;لا تجزيء صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجودquot; , رواه الإمام أحمد المسند وأهل السنن, وقال الترمذي: حديث حسن صحيح, وهذا نص صريح في أن الرفع من الركوع وبين السجود الاعتدال فيه والطمأنينة فيه ركن لا تصح الصلاة إلا به. وعن علي بن شيبان قال خرجنا حتى قدمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه وصلينا خلفه فلمح بمؤخر عينيه رجلا لا يقيم صلاته  يعني صلبه في الركوع والسجود- فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;يا معشر المسلمين لا صلاة لمن لم يقم صلبه في الركوع والسجودquot;. رواه الإمام أحمد وابن ماجه. وقوله: quot;لا صلاةquot;  يعني تجزيه بدليل قوله: quot;لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجودquot; , ولفظ أحمد في هذا الحديث: quot;لا ينظر الله إلى رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجودهquot;. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot;لا ينظر الله إلى صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجودهquot; , رواه الإمام أحمد المسند. وفي سنن البيهقي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;لا تجزيء صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبة في الركوع والسجودquot; , وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن نقر المصلي صلاته وأخبر أنها صلاة المنافقين. وفي المسند والسنن من حديث عبد الرحمن بن شبل قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقرة الغراب وافتراش السبع وعن توطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير, فتضمن الحديث النهي في الصلاة عن التشبه بالحيوانات: بالغراب في النقرة وبالسبع بافتراشه ذراعية في السجود وبالبعير في لزومه مكانا معينا من المسجد يتوطنه كما يتوطن البعير. وفي حديث آخر نهى عن عن التفات كالتفات الثعلب وإقعاء كإقعاء الكلب, ورفع الأيدي كأذناب الخيل. فهذه ست حيوانات نهى عن التشبه بها. وأما ما وصفه من صلاة النقار بأنها صلاة المنافقين, ففي صحيح مسلم عن علاء بن عبد الرحمن أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر قال: فلما دخلنا عليه قال: أصليتما العصر فقلنا إنما انصرفنا الساعة من الظهر(1\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "100",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3230",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: تقدموا فصلوا العصر فقمنا فصلينا فلما انصرفنا, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;تلك صلاة المنافقين يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلاquot; , وقد تقدم قول ابن مسعود: ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها -يريد الجماعة- إلا منافق معلوم النفاق. وقد قال تعالى:  إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا . فهذه ست صفات في الصلاة من علامات النفاق: الكسل عند القيام إليها, ومراءاة الناس في فعلها, وتأخيرها, ونقرها, وقلة ذكر الله فيها, والتخلف عن جماعتها. وعن أبي عبد الله الأشعري قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه ثم جلس في طائفة منهم فدخل رجل منهم فقام يصلي وينقر في سجوده ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه فقال: quot;ترون هذا لو مات ما مات على ملة محمد ينقر صلاقته كما ينقر الغراب الدم إنما مثل الذي يصلي وينقر في سجوده كالجائع لا يأكل إلا تمرة أو تمرتين فما يغنيان عنه فأسبغوا الوضوء وويل للأعقاب من النار فأتموا الركوع والسجودquot;. وقال أبو صالح: فقلت: لأبي عبد الله الأشعري من حدثك بهذا الحديث قال: أمراء الأجناد: خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة ويزيد ابن أبي سفيان كل هؤلاء سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو بكر ابن خزيمة في صحيحه فأخبر أن نقار الصلاة لو مات مات على غير الإسلام. وفي صحيح البخاري عن زيد بن وهب قال: رأى حذيفة رجلا لا يتم الركوع ولا السجود قال: ما صليت لو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا صلى الله عليه وسلم, ولو أخبر أن صلاة النقار صحت لما أخرجه عن فطرة الإسلام بالنقر. وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لص الصلاة وسارقها شرا من لص الأموال وسارقها. ففي المسند من حديث أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاتهquot; , قالوا: يا رسول الله كيف يسرق صلاته قال: quot;لا يتم ركوعها ولا سجودهاquot; , أو قال: quot;لا يقيم صلبه في الركوع والسجودquot;. فصرح(1\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "101",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3231",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأنه أسوأ حالا من سارق الأموال, ولا ريب أن لص الدين شر من لص الدنيا. وفي المسند من حديث سالم بن أبي الجعد عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;الصلاة مكيال فمن وفى وفي له ومن طفف فقد علمتم ما قاله الله في المطففينquot;. قال مالك: وكان يقال في كل شيء وفاء وتطفيف فإذا توعد الله سبحانه بالويل للمطففين في الأموال فما الظن بالمطففين في الصلاة. وقد ذكر أبو جعفر العقيلي عن الأحوص بن حكيم عن خالد بن معدان عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;إذا توضأ العبد فأحسن الوضوء ثم قام إلى الصلاة فأتم ركوعها وسجودها والقراءة فيها قالت له الصلاة حفظك الله كما حفظتني ثم يصعد بها إلى السماء ولها ضوء ونور وفتحت لها أبواب السماء حتى تنتهي إلى الله تبارك وتعالى فتشفع لصاحبها, وإذا ضيع وضوءها وركوعها وسجودها والقراءة فيها قالت له الصلاة ضيعك الله كما ضيعتني ثم يصعد بها إلى السماء فتغلقت دونها أبواب السماء ثم تلف كما يلف الثوب الخلق ثم يضرب بها وجه صاحبهاquot;. وقال الإمام أحمد في رواية مهنا بن يحيى الشامي جاء الحديث: quot;إذا توضأ فأحسن الصلاة ثم ذكره تعليقاquot;.(1\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "102",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3232",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وأما المسألة العاشرة وهي: مقدار صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي: من أجل المسائل وأهمها وحاجة الناس إلى معرفتها أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب, وقد ضيعها الناس من عهد أنس بن مالك رضي الله عنه, ففي صحيح البخاري من حديث الزهري قال: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت: له ما يبكيك فقال: لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة, وهذه الصلاة قد ضيعت. وقال موسى بن إسماعيل: حدثنا مهدي عن غيلان عن أنس قال: ما أعرف شيئا مما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل: فالصلاة قال: أليس قد ضيعتم ما ضيعتم فيها أخرجه البخاري عن موسى. وأنس رضي الله عنه تأخر حتى شاهد من إضاعة أركان الصلاة وأوقاتها وتسبيحها في الركوع والسجود وإتمام تكبيرات الانتقال فيها ما أنكره وأخبر أن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بخلافه كما ستقف عليه مفصلا إن شاء الله.(1\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "103",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3233",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ففي الصحيحن من حديث قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجز الصلاة ويكملها وفي الصحيحين أيضا قال: ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم زاد البخاري: وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتن أمه, فوصف صلاته صلى الله عليه وسلم بالإيجاز والتمام. والإيجاز هو الذي كان يفعله, لا الإيجاز الذي كان يظنه من لم يقف على مقدار صلاته فإن الإيجاز أمر نسبي إضافي راجع إلى السنة لا إلى شهوة الإمام ومن خلفه, فلما كان يقرأ في الفجر بالستين إلى المئة كان هذا الإيجاز بالنسبة إلى ست مئة إلى ألف, ولما قرأ في المغرب بالأعراف كان هذا الإيجاز بالنسبة إلى البقرة. ويدل على هذا أن أنسا نفسه قال في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن إبراهيم بن كيسان حدثني أبي عن وهب بن مانوس سمعت سعيد بن جبير يقول: سمعت أنس بن مالك يقول: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى يعني عمر بن عبد العزيز. فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات وفي سجوده عشر تسبيحات. وأنس أيضا هو القائل في الحديث المتفق عليه: إني لا ألو أن أصلى بكم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا. قال ثابت: كان أنسا يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما حتى يقول القائل قد نسي وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول القائل قد نسي. وأنس هو القائل هذا. وهو القائل: ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وحديثه لا يكذب بعضه بعضا. ومما يبين ما ذكرناه ما رواه أبو داود في سننه من حديث حماد بن سلمة أخبرنا ثابت وحميد عن أنس بن مالك قال: ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: سمع الله لمن حمده قام حتى نقول قد أوهم ثم يكبر ثم يسجد وكان يباعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم. هذا سياق حديثه. فجمع أنس رضي الله عنه في هذا الحديث الصحيح بين الإخبار بإيجازه صلى الله عليه وسلم الصلاة وإتمامها وبين(1\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "104",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3234",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيه أن من إتمامها الذي أخبر به إطاعة الاعتدالين حتى يظن الظان أنه قد أوهم أو نسي من شدة الطول فجمع بين الأمرين في الحديث. وهو القائل: ما رأيت أوجز من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أتم, فيشبه أن يكون الإيجاز عاد إلى القيام والإتمام إلى الركوع والسجود والاعتدالين بينهما لأن القيام لا يكاد يفعل إلا تاما فلا يحتاج إلى الوصف بالإتمام بخلاف الركوع والسجود والاعتدالين, وسر ذلك أنه بإيحاز القيام وإطالة الركوع والسجود والإعتدالين تصير الصلاة تامة لاعتدالها وتقاربها فيصدق قوله: ما رأيت أوجز ولا أتم من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا هو الذي كان يعتمده صلوات الله عليه وسلامه في صلاته فإنه كان يعدلها حيث يعتدل قيامها وركوعها وسجودها واعتدالها. ففي الصحيحين عن البراء بن عازب قال: رمقت الصلاة مع محمد صلى الله عليه وسلم فوجدت قيامه فركعته فاعتداله بعد ركوعه فسجدته فجلسته بين السجدتين فسجدته فجلسته بين التسليم والانصراف قريبا من السواء. وفي لفظ لهما: كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قيامه وركوعه وإذا رفع رأسه من الركوع وسجوده وما بين السجدتين قريبا من السواء, ولا يناقض هذا ما رواه البخاري في هذا الحديث, كان ركوع النبي صلى الله عليه وسلم وسجوده وما بين السجدتين وإذا رفع رأسه ما خلا القيام والقعود قريبا من السواء, فإن البراء هو القائل هذا وهذا, فإنه في السياق الأول أدخل في ذلك قيام القراءة وجلوس التشهد, وليس مراده أنهما بقدر ركوعه وسجوده وإلا ناقض السياق الأول: الثاني, وإنما المراد أن طولهما كان مناسبا لطول الركوع والسجود والاعتدالين بحيث لا يظهر التفاوت الشديد في طول هذا وقصر هذا كما يفعله كثير ممن لا علم عنده بالسنة, يطيل القيام جدا ويخفف الركوع والسجود. وكثيرا ما يفعلون هذا في التراويح وهذا هو الذي أنكره أنس بقوله: ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإن كثيرا من الأمراء في زمانه كان يطيل القيام جدا فيثقل على المأمومين ويخفف(1\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "105",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3235",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الركوع والسجود والاعتدالين فلا يكمل الصلاة, فالأمران اللذان وصف بهما يروي رسول الله صلى الله عليه وسلم هما اللذان كان الأمراء يخالفونهما وصار ذلك أعني تقصير الاعتدالين شعارا حتى استحبه بعض الفقهاء وكره إطالتهما, ولهذا قال ثابت: وكان يروي يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما حتى يقول القائل: قد نسي. فهذا الذي فعله أنس هو الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله, وإن كرهه من كرهه فسنة رسول الله أولى وأحق بالاتباع. وقول البراء في السياق الآخر: ما خلا القيام والقعود: بيان أن ركن القراءة والتشهد أطول من غيرهما, وقد ظن طائفة أن مراده بذلك قيام الاعتدال من الركوع وقعود الفصل بين السجدتين وجعلوا الاستثناء عائدا إلى تقصيرهما وبنوا على ذلك أن السنة تقصيرهما وأبطل من غلا منهم الصلاة بتطويلهما, وهذا غلط فإن لفظ الحديث وسياقه يبطل هؤلاء فإن لفظ البراء: كان ركوعه وسجوده وما بين السجدتين وإذا رفع رأسه وما خلا القيام والقعود قريبا من السواء. فكيف يقول: وإذا رفع رأسه من الركوع ما خلا رفع رأسه من الركوع: هذا باطل قطعا. وأما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فقد تقدم حديث أنس أنه صلى بهم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقوم بعد الركوع حتى يقول القائل: قد نسي, وكان يقول بعد رفع رأسه من الركوع: سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد, اللهم لا مانع لما أعطيت ولامعطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجدquot;. رواه مسلم من حديث أبي سعيد. ورواه من حديث ابن أبي أوفى وزادفيه بعد قوله: من شيء بعد: quot;اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد, اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنسquot; , وكذلك كان هديه في صلاة الليل يركع قريبا من قيامه ويرفع رأسه بقدر ركوعه ويسجد بقدر ذلك, ويمكث بين السجدتين بقدر ذلك, وكذلك فعل في صلاة الكسوف أطال ركن الاعتدال قريبا من القراءة فهذا هديه الذي(1\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "106",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3236",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كأنك تشاهده وهو يفعله, وهكذا فعل الخلفاء الراشدون من بعده. وقال زيد بن أسلم: كان عمر يخفف القيام والقعود ويتم الركوع والسجود, فأحاديث أنس رضي الله عنه كلها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل الركوع والسجود والاعتدالين زيادة على ما يفعله أكثر الائمة بل كلهم إلاالنادر فأنس أنكر تطويل القيام على ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله. وقال: كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم متقاربة يقرب بعضها من بعض وهذا موافق لرواية البراء بن عازب أنها كانت قريبا من السواء فأحاديث الصحابة في هذا الباب يصدق بعضها بعضا. فصل وأما قدر قيامه للقراءة فقال أبو برزة الأسلمي: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الصبح فينصرف الرجل فيعرف جليسه وكان يقرأ في الركعتين أو إحداهما ما بين الستين إلى المئة متفق على صحته. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن السائب قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح بمكة فاستفتح سورة المؤمنين حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى أخذت النبي صلى الله عليه وسلم سعلة فركع1. وفي صحيح مسلم عن قطبة بن مالك: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر: والنخل باسقات لها طلع نضيد . وربما قال: quot;قquot;. وفي صحيح مسلم أيضا عن جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بـ ق والقرآن المجيد 2. وكانت صلاته بعد تخفيفا, فقوله: وكانت صلاته بعد تخفيفا أي بعد صلاة الصبح أخف من قراءتها, ولم يرد أنه كان بعد ذلك يخفف قراءة الفجر عن ق , يدل عليه ما رواه مسلم في صحيحه من حديث شعبة عن سماك عن جابر بن سمرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر بـ والليل إذا يغشى , وفي العصر بنحو ذلك, وفي الصبح أطول من ذلك.  1 الآية التي فيها ذكر موسى وهارون هي رقم 45 والآية التي فيها ذكر عيسى هي رقم 50 ولولا السلعة لزاد. 2 عدد آياتها 45.(1\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "107",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3237",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي صحيح مسلم عن زهير عن سماك بن حرب قال: سألت جابر بن سمرة عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كان يخفف الصلاة ولا يصلي صلاة هؤلاء. قال: وأنبأني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بـ ق والقرآن المجيد ونحوها فأخبر أن هذا كان تخفيفه, وهذا مما يبين أن قوله: وكانت صلاته بعد تخفيفا أي بعد الفجر, فإنه جمع بين وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتخفيف وبين قراءته فيها بـ quot;سورة قquot; ونحوها. وقد ثبت في الصحيح عن أم سلمة أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر بـ quot;سورة الطورquot; قريبأ من سورة quot;قquot;. وفي الصحيح عن ابن عباس أنه قال: إن أم الفضل سمعته وهو يقرأ سورة والمرسلات عرفا فقالت: يابني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة فإنها لآخر ما سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في المغرب1, فقد أخبرت أم الفضل أن ذلك آخر ما سمعته يقرأ بها في المغرب وأم الفضل لم تكن من المهاجرين بل هي من المستضعفين, كما قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين الذين عذر الله. وفهذا السماع كان متأخرا بعد فتح مكة قطعا. وفي صحيح البخاري أن مروان بن الحكم قال لزيد بن ثابت: مالك تقرأ في المغرب بقصار المفصل وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ فيها بطولي الطوليين, وسأل ابن مليكة أحد رواته ما طولي الطوليين فقال: من قبل نفسه المائدة والأعراف. ويدل على صحة تفسيره حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن رسول الله قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف فرقها في الركعتين. رواه النسائي. وروى النسائي أيضا من حديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قرأ في المغرب بالدخان, وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بـ سورة quot;الطورquot; في المغرب. فأما العشاء فقال البراء بن عازب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العشاء والتين والزيتون وما سمعت أحدا أحسن صوتا منه. متفق عليه. . 9- صلاة.  1 عدد آيات والمرسلات 50 آية(1\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "108",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3238",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الصحيحن أيضا عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ سورة إذا السماء انشقت فسجد فقلت له فقال سجدت بها خلف أبي القاسم فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه. وفي المسند والترمذي من حديث بريدة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العشاء الآخرة بـ والشمس وضحاها ونحوها من السور. قال الترمذي: حديث حسن. وقال لمعاذ في صلاة العشاء الآخرة: اقرأ بـ سورة والشمس وضحاها وسورة سبح اسم ربك الأعلى وسورة اقرأ باسم ربك الذي خلق وسورة والليل إذا يغشى متفق عليه. وأما الظهر والعصر ففي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري قال: كانت صلاة الظهر تقام فينطلق أحدنا إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ثم يرجع إلى المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى. وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين ويسمعنا الآية أحيانا, وكان يطول الركعة الأولى من الظهر ويقصر الثانية, ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب. متفق عليه. ولفظه لمسلم. وفي رواية البخاري: وكان يطلول الأولى من صلاة الصبح ويقصر في الثانية, وفي رواية لأبي داود قال: فظننا أنه يريد أن يدرك الناس الركعة الأولى. وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله ابن أبي أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم. قال سعد ابن أبي وقاص لعمر أما أنا فأمد في الأوليين وأخفف في الأخريين وما آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال له عمر: ذلك ظني بك. رواه البخاري ومسلم. وقال أبو سعيد الخدري: كنا نحزر قيام رسول الله في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر سورة quot;الم تنزيل السجدةquot; وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك, وحرزنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على النصف من ذلك. وفي رواية بدل قومه تنزيل السجدة: قدر ثلاثين آية, وفي الأخريين قدر(1\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "109",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3239",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خمس عشرة آية, وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر خمس عشرة وفي الأخريين قدر نصف ذلك. هذه الالفاظ كلها في صحيح مسلم. وقد احتج به من استحب قراءة السورة بعد الفاتحة في الأخريين وهو ظاهر الدلالة لو لم يجيء حديث أبي قتادة المتفق على صحته أنه كان يقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين وفي الأخريين بفاتحة الكتاب فذكر السورتين في الركعتين الأوليين واقتصاره على الفاتحة في الأخريين يدل على اختصاص كل ركعتين بما ذكر من قراءتهما وحديث سعد يحتمل لما قال أبو قتادة ولما قال أبو سعيد, وحديث أبي سعيد ليس صريحا في قراءة السوره في الأخريين فإنما هو حزر وتخمين. وقال أبو جابر بن سمرة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر سورة والليل إذا يغشى وفي العصر نحو ذلك, وفي الصبح أطول من ذلك رواه مسلم. وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر سبح اسم ربك الأعلى وفي الصبح بأطول من ذلك رواه مسلم أيضا. وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر والعصر والسماء ذات البروج , والسماء والطارق ونحوهما من السور. رواه أحمد وأهل السنن. وفي سنن النسائي عن البراء قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا الظهر فنسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذاريات. وفي السنن من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد في صلاة الظهر ثم قام فركع فرأينا أنه قرأ سورة تنزيل السجدة وفيه دليل على أنه لا يكره قراءة السجدة في صلاة السر وأن الإمام إذا قرأها سجد ولا يخير المأمومون بين اتباعه وتركه بل يجب عليهم متابعته. وقال أنس: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر فقرأ لنا بهاتين السورتين في الركعتين: سبح اسم ربك الأعلى و هل أتاك حديث الغاشية . رواه النسائي, والصحابة رضي الله عنهم أنكروا على من كان يبالغ في تطويل القيام وعلى من كان يخفف الأركان ولا سيما ركني الاعتدال, وعلى من كان لا يتم التكبير وعلى من كان يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها وعلى من كان يتخلف عن جماعتها. وأخبروا عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ما زال يصليها حتى مات, ولم يذكر(1\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "110",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3240",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحد منهم أصلا أنه نقص من صلاته في آخر حياته صلى الله عليه وسلم, ولا أن تلك الصلاة التي كان يصليها منسوخة, بل استمر خلفاؤه الراشدون على منهاجه في الصلاة كما استمروا على منهاجه في غيرها فصلى الصديق صلاة الصبح فقرأ فيها بالبقرة كلها فلما انصرف منها قالوا: يا خليفة رسول الله كادت الشمس تطلع, قال: لو طلعت لم تجدنا غافلين, وكان عمر يصلي الصبح بالنحل ويونس وهود ويوسف ونحوها من السور. قال المخففون: إنكم وإن تمسكتم بالسنة في التطويل فنحن أسعد بها منكم في الإيجاز والتخفيف لكثرة الأحاديث بذلك وصحتها وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإيجاز والتخفيف وشدة غضبه على المطولين وموعظته لهم وتسميتهم منفرين فعن أبي مسعود أن رجلا قال: والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضع أشد غضبا منه يومئذ, ثم قال: quot;أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجةquot;. رواه البخاري ومسلم. وفي رواية للبخاري: quot;فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجةquot;. وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;إذا أم أحدكم فليخفف فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف والمريض, وإذا صلى وحده فليصل كيف شاءquot;. راواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم. وعن عثمان بن أبي العاص الثقفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: له quot;أم قومكمquot;. قال: قلت: يا رسول الله إني أجد في نفسي شيئا, قال: quot;ادنهquot; فأجلسني بين يديه ثم وضع كفه في صدري بين ثديي ثم قال تحول فوضعها في ظهري بين كتفي ثم قال: quot;أم قومك فمن أم قوما فليخفف فإن فيهم الكبير وإن فيهم المريض وإن فيهم الضعيف وإن فيهم ذا الحاجة فإذا صلى أحدكم وحده فليصل كيف شاءquot;. رواه مسلم. وفي رواية: quot;إذا أممت قوما فأخف بهم الصلاةquot; , وقال أنس بن مالك: كان النبي صلى الله عليه وسلم يوجز الصلاة ويكلمها, وفي لفظ: يوجز ويتم. متفق عليه. وقال أنس أيضا: quot;ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من صلاة(1\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "111",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3241",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتن أمه. متفق عليه. وسياقه البخاري. وعن عثمان بن أبي العاص أنه قال: يا رسول الله اجعلني إمام قومي قال: quot;أنت إمامهم فاقتد بأضعفهم واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجراquot;. رواه الإمام أحمد. وأهل السنن ورواه أبو داود في سننه من حديث الجريري عن السعدي عن أبيه أو عمه قال: رمقت النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته فكان يتمكن في ركوعه وسجوده قدر ما يقول: سبحان الله وبحمده ثلاثا. ورواه أحمد أيضا في مسنده. وروى أبو داود في سننه من حديث ابن وهب: أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء أن سهل بن أبي أمامة حدثه أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: quot;لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم فإن قوما شددوا على أنفسهم فتلك بقاياهم في الصوامع والدريات, ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم quot; , هذا الذي في رواية اللؤلؤي عن أبي داود وفي رواية ابن داسة عنه أنه دخل وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة في زمن عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة فإذا هو يصلي صلاة خفيفة كأنها صلاة مسافر أو قريبا منها فلما سلم قال: يرحمك الله أرأيت هذه الصلاة هي المكتوبة أو شيء تنفلت بت. قال: إنها المكتوبة وإنها لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: quot;لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديار, ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم quot;. ثم غدا من الغد فقال: ألا تركب لننظر ونعتبر قال: نعم, فركبوا جميعا فإذا بديار باد أهلها وانقضوا وفنوا خاوية على عروشها, قال: أتعرف هذه الديار قال: ما أعرفني بها وبأهلها, هؤلاء أهل ديار أهلكم البغي والحسد, إن الحسد يطفيء نور الحسنات والبغي يصدق ذلك أو يكذبه والعين تزني الكف القدم واللسان والفرج يصدق ذلك أو يكذبه. فأما سهل ابن أبي أمامة فقد وثقه يحيى بن معين وغيره وروى له مسلم. وأما ابن أبي العمياء من أهل بيت المقدس, وهو إن جهلت حاله فقد رواه(1\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "112",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3242",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبو داود وسكت عنه, وهذا يدل على أنه حسن عنده. قالوا: وهذا يدل على أن الذي أنكره أنس من تغيير الصلاة هو شدة تطويل الأئمة لها, وإلا تناقضت أحاديث أنس, ولهذا جمع بين الإيجاز والإتمام. وقوله: ما صليت وراء إمام أخف صلاة ولا أتم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهر في إنكاره التطويل, وقد جاء هذا مفسرا عن أنس نفسه, فروى النسائي من حديث العطاف بن خالد عن زيد بن أسلم قال: دخلنا على أنس بن مالك فقال: أصليتم فقلنا: نعم. قال: يا جارية هلمي لي وضوءا ما صليت وراء إمام قط أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من إمامكم هذا. قال زيد: وكان عمر بن عبد العزيز يتم الركوع والسجود ويخفف القيام. وهو حديث صحيح, وقد صرح به عمران بن الحصين لما صلى خلف علي بالبصرة قال عمران لقد ذكرني هذا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم معتدلة, كان يخفف القيام والقعود, ويطيل الركوع والسجود, وهو حديث صحيح. وفي الصحيحين عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لمعاذ لما طول بقومه في العشاء الآخرة: quot;أفتان أنتquot; أو قال: quot; أفاتن أنتquot; ثلاث مرات, فلولا صليت بـ سبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها . والليل إذا يغشى  فإنه يصلي وراءك الكبير والصغير والضعيف وذو الحاجةquot;. وعن معاذ بن عبد الله الجهني أن رجلا من جهينة أخبره أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح: إذا زلزلت الأرض في الركعتين كلتيهما, فلا أدري سها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم قرأ ذلك عمدا, رواه أبو داود. وفي صحيح مسلم عن عمرو بن حريث أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر والليل إذا يغشى , وعن عقبة بن عامر قال: كنت أقود برسول الله صلى الله عليه وسلم ناقته فقال لي: quot;ألا أعلمك سورتين لم يقرأ بمثلهماquot; قلت: بلى, فلعمني: قل أعوذ برب الناس . و قل أعوذ برب الفلق . فلم يرني أعجب بهما. فلما نزل للصبح قرأ بهما ثم قال: quot;كيف رأيت يا عقبةquot; .(1\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "113",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3243",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي رواية: quot;ألا أعلمك خير سورتين قرأناquot; قلت: بلى. قال: قل أعوذ برب الفلق . قل أعوذ برب الناس quot;, فلما نزل صلى بهما الغداة قال كيف ترى يا عقبة رواه أحمد وأبو داود. وفي مسند الإمام أحمد وسنن النسائي من حديث عمار بن ياسر أنه صلى صلاة فأوجز فيها فأنكروا عليه فقال: ألم أتم الركوع والسجود قالوا: بلى. قال: أما إني دعوت فيها بدعاء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بت: quot;اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة وكلمة الحق في الغضب والرضا والقصد في الفقر والغنى ولذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك, وأعوذ بك من ضراء مضرة ومن فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدينquot;. قالوا: فأين هذه الأحاديث من أحاديث التطويل صحة وكثرة وصراحة. وحينئذ فيتعين حملها على أنها في أول الإسلام لما كان في المصلين قله, فلما كثروا واتسعت رقعة الإسلام شرع التخفيف وأمر به لأنه أدعى إلى القبول ومحبة العبادة فيدخل فيها برغبة ويخرج منها باشتياق ويندر بها الوسواس فإنها متى طالت استولى الوسواس فيها على المصلي فلا يفي ثواب إطالته بنقصان أجره. قالوا: وكيف يقاس على رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره من الائمة من محبة الصحابة له والقيام خلفه لسماع صوته بالقرآن غضا كما أنزل وشدة رغبة القوم في الدين وإقبال قلوبهم على الله وتفريغها له في العبادة ولهذا قال: quot;إن منكم منفرينquot; , ولم يكونوا ينفرون من طول صلاته صلى الله عليه وسلم فالذي كان يحصل للصحابة خلفه في الصلاة كان يحملهم على أن يروا صلاته وإن طالت خفيفة على قلوبهم وأبدانهمم فإن الإمام محمل المأمومين بقلبه وخشوعه وصوته وحاله فإذا عرى من ذلك كله كان كلا على المأمومين وثقلا عليهم فليخفف من ثقله عليهم ما أمكنه لئلا يبغضهم الصلاة. قالوا: وقد ذم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخوارج لشدة تنطعهم في الدين وتشددهم في العبادة بقوله: quot;يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهمquot;. ومدح الرفق وأهله وأخبر عن محبة الله له وأنه يعطي عليه ما لا يعطي على العنف, وقال:(1\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "114",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3244",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;لن يشاد الدين أحدا إلا غلبهquot;. وقال: quot;إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفقquot;. فالدين كله في الاقتصاد في السبيل والسنة. والله تعالى يحب ما دوام عليه العبد من الأعمال, والصلاة القصد هي التي يمكن المداومة عليها دون المتجاوزة في الطول. فصل قال المكملون للصلاة أهلا وسهلا بكل ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعينين وهل ندندن إلا حول الاقتداء به ومتابعة هديه وسنته ولا نضرب سنته بعضها ببعض ولا نأخذ منها ما سهل ونترك منها ما شق علينا لكسل وضعف عزيمة واشتغال بدنيا قد ملأت القلوب وملكت الجوارح وقرت بها العيون, بدل قرتها بالصلاة فصارت أحاديث الرخصة في حقها شبهة صادفت شهوة وفتورا في العزم وقلة رغبة في بذل الجهد في النصحية في الخدمة واستسهلت حق الله تعالى وجعلت كرمه وغناه من أعظم شبهاتها في التفريط فيه وإضاعته وفعله بالهوينا تحلة القسم. ولهجت بقولها: ما استقصى كريم حقه قط. وبقولها: حق الله مبني على المسامحة والمساهلة والعفو, وحق العباد مبني على الشح والضيق والاستقصاء فقامت في رحمة المخلوقين كأنها على الفرش الوثيرة والمراكب الهينة وقامت في حق رحمة ربها وفاطرها كأنها على الجمر المحرق تعطيه الفضلة من قواها وزمانها وتستوفي لأنفسها كمال الحظ ولم تحفظ من السنة إلا: quot;أفتان أنت يا معاذquot; , quot;أيها الناس إن منكم منفرينquot;. ووضع الحديث موضعه ولم تتأمل ما قبله وما بعده ومن لم تكن قرة عينه في الصلاة ونعيمه وسروره ولذته فيها وحياة قلبه وانشراح صدره فإنه لا يناسبه إلا هذا الحديث وأمثاله بل لا يناسبه إلا صلاة السراق والنقارين, فنقرة الغراب أولى به من استفراغ وسعه في رحمة رب الأرباب, وحديث quot;أفتان أنت يامعاذquot; , الذي لم يفهمه أولى به من حديث: quot;كانت صلاة الظهر تقام فينطلق أحدنا إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ثم يدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولىquot; وحديث صلاته صلى الله عليه وسلم الصبح بالمعوذتين وكان هذا في السفر أولى به من حديث صلاته في الحضر بمئة آية إلى مئتين, وحديث صلاته صلى الله عليه وسلم(1\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "115",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3245",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المغرب بـ قل هو الله أحد و قل يا أيها الكافرون الذي انفرد ابن ماجة بروايتة أولى به من الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ فيها بطولي الطوليين وهي الأعراف, فهو يميل من السنة إلى ما يناسبه ويأخذ منها بما يوافقه ويتلطف لمن خشن في تأويل ما يخالفه ودفعه بالتي هي أحسن, ونحن نبرأ إلى الله من سلوك هذه الطريقة ونسأله أن يعافينا مما ابتلى به أربابها بل ندين الله بكل ما صح عن رسوله ولا نجعل بعضه لنا وبعضه علينا فنقر ما لنا على ظاهره, ونتأول ما علينا على خلاف ظاهره, بل الكل لنا لا نفرق بين شيء من سننه بل نتلقاها كلها بالقبول ونقابله بالسمع والطاعة ونتبعها أين توجهت ركائبها وننزل معها أين نزلت مضاربها فليس الشأن في الأخذ ببعض سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك بعضها بل الشأن في الأخذ بجملتها وتنزيل كل شيء منها منزلته ووضعه بموضعه فنقول: وبالله التوفيق الإيجاز والتخفيف المأمور به والتطويل المنهي عنه لا يمكن أن يرجع فيه إلى عادة طائفة وأهل بلد وأهل مذهب ولا إلى شهوة المأمومين ورضاهم ولا إلى اجتهاد الأئمة الذين يصلون بالناس ورأيهم في ذلك فإن ذلك لا ينضنبط وتضطرب فيه الآراء والإرادات أعظم اضطراب ويفسد وضع الصلاة الرجعة مقدارها تبعا لشهوة الناس, ومثل هذا لا تأتي به شريعة بل المرجع في ذلك والتحاكم إلى ما كان يفعله من شرع الصلاة للأمة وجاءهم بها من عند الله وعلمهم حقوقها وحدودها وهيآتها وأركانها, وكان يصلي وراءه الضعيف والكبير والصغير وذو الحاجة ولم يكن بالمدينة صلوات الله وسلامه عليه فالذي كان يفعله صلوات الله عليه وسلامه وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه , وقد سئل بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما لك في ذلك من خير فأعادها عليه فقال: كانت صلاة الظهر تقام فينطلق أحدنا إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ثم يرجع إلى المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى مما يطولها. رواه مسلم في الصحيح. وهذا يدل على أن الذي أنكره أبو سعيد وأنس وعمران بن الحصين والبراء(1\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "116",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3246",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن عازب إنما هو حذف الصلاة والاختصار فيها والاقتصار على بعض ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله, ولهذا لما صلى بهم أنس قال: إني لا آلو أن أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثابت فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه: كان إذا انتصب قائما يقوم يقول القائل قد أوهم وإذا جلس بين السجدتين مكث حتى يقول القائل قد أوهم, فهذا مما أنكره أنس على الائمة حيث كانوا يقصرون هذين الركنين كما أنكر عليهم تقصير الركوع والسجود وأخبر أن أشبههم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن عبد العزيز فحزروا تسبيحه في الركوع والسجود عشرا عشرا ومن المعلوم أنه لم يكن يسبحها هذا, مسرعا من غير تدبر فحالهم أجل من ذلك. وقد بلى أنس بمن وهمه في ذلك كما بلى بمن وهمه في روايته ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. وقالوا: كان صغيرا يصلي وراء الصفوف فلم يكن يسمع جهره بها وكما بلى بمن وهمه في إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج والعمرة معا, وقالوا: كان بعيدا منه لا يسمع إحرامه حتى قال لهم: ما تعدونني إلا صبيا كنت تحت بطن ناقة رسول الله فسمعته يهل بهما جميعا, وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولأنس عشر سنين فخدمه واختص به وكان يعد من أهل بيته, وكان غلاما كيسا فطنا وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رجل كامل له عشرون سنة, ومع هذا كله فيغلط على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته وقدر صلاه وكيفية إحرامه ويستمر غلطه على خلفائه الراشدين من بعده ويستمر على صلاته في مؤخر المسجد حيث لا يسمع قراءة أحد منهم. وقد اتفق الصحابة على أن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت معتدلة فكان ركوعه ورفعه منه وسجوده ورفعه منه مناسبا لقيامه, فإذا كان يقرأ في الفجر بمئة آية إلى ستين آية فلا بد أن يكون ركوعه وسجوده مناسبا لذلك, ولهذا قال البراء ابن عازب: إن ذلك كله كان قريبا من السواء, وقال عمران بن حصين كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم معتدلة وكذلك كان(1\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "117",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3247",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيامه بالليل وصلاة الكسوف, وقال عبد الله بن عمر: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأمرنا بالتخفيف وإن كان ليؤمنا بالصافاتquot;. رواه الإمام أحمد والنسائي. فهذا أمره وهذا فعله المفسر له لا ما يظن الغالط المخطيء أنه كان يأمرهم بالتخفيف ويفعل هو خلاف ما أمر بت, وقد أمر صلاة الله وسلامه عليه الائمة أن يصلوا بالناس كما كان يصلي بهم. ففي الصحيحين عن مالك بن الحويرث قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين ليلة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيما رفيقا فظن أنا قد اشتقنا أهلنا فسألنا عمن تركنا من أهلنا فأخبرناه فقال: quot;ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم فليصلوا صلاة كذا في حين كذا, وصلاة كذا في حين كذا, وإذاحضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم وصلوا كما رأيتموني أصليquot;. والسياق للبخاري. فهذا خطاب للأئمة قطعا وإن لم يختص بهم فإذا أمرهم أن يصلوا بصلاته وأمرهم بالتخفيف علم بالضرورة أن الذي كان يفعله هو الذي أمر به. يوضح ذلك أنه ما من فعل في الغالب إلا وقد يسمى خفيفا بالنسبة إلى ما هو أطول منه ويسمى طويلا بالنسبة إلى ماهو أخف منه. فلا حد له في اللغة يرجع فيه إليه وليس من الأفعال العرفية التي يرجع فيها إلى العرف كالحرز والقبض وإحياء الموات والعبادات يرجع إلى الشارع في مقاديرها وصفاتها وهيآتها كما يرجع إليه في أصلها فلو جاز الرجوع في ذلك إلى عرف الناس وعوائدهم في مسمى التخفيف والإيجاز لاختلفت أوضاع الصلاة ومقاديرها اختلافا متباينا لا ينضبط, ولهذا لما فهم بعض من نكس الله قلبه أن التخفيف المأمور به هو ما يمكن من التخفيف اعتقد أن الصلاة كلما خفت وأوجزت كانت أفضل فصاركثير منهم يمر فيها مر السهم ولا يزيد على الله أكبر في الركوع والسجود بسرعة ويكاد سجوده يسبق ركوعه وركوعه يكاد يسبق قراءته وربما ظن الاقتصار على تسبيحة واحدة أفضل من ثلاث. ويحكى عن بعض هؤلاء أنه رأى غلاما له يطمئن في صلاته فضربه وقال:(1\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "118",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3248",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لو بعثك السلطان في شغل أكنت تبطئ في شغله مثل هذا الإبطاء وهذا كله تلاعب بالصلاة وتعطيل لها وخداع من الشيطان وخلاف لأمر الله ورسوله حيث قال تعالى: وأقيموا الصلاة . فأمرنا بإقامتها وهو الإتيان بها قائمة تامة القيام والركوع والسجود والأذكار وقد علق الله سبحانه الفلاح بخشوع المصلى في صلاته فمن فاته خشوع الصلاة لم يكن من أهل الفلاح, ويستحيل حصول الخشوع مع العجلة والنقر قطعا. بل لا يحصل الخشوع قط إلا مع الطمأنينة وكلما زاد طمأنينة ازداد خشوعا, وكلما قل خشوعة اشتدت عجلته حتى تصير حركة يديه بمنزلة العبث الذي لا يصحبه خشوع ولا اقبال على العبودية, ولا معرفة حقيقة العبودية والله سبحانه قد قال: وأقيموا الصلاة , وقال: الذين يقيمون الصلاة . وقال: وأقم الصلاة . وقال: فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة وقال: والمقيمي الصلاة وقال إبراهيم عليه السلام: رب اجعلني مقيم الصلاة , وقال لموسى فاعبدني وأقم الصلاة لذكري فلن تكاد تجد ذكر الصلاة في موضع من التنزيل إلا مقرونا بإقامتها فالمصلون في الناس قليل ومقيم الصلاة منهم أقل القليل. كما قال عمر رضي الله عنه: quot;الحاج قليل والركب كثيرquot;, فالعاملون يعملون الأعمال المأمور بها على الترويج تحلة القسم, ويقولون يكفينا أدنى ما يقع عليه الاسم وليتنا نأتي به ولو علم هؤلاء أن الملائكة تصعد بصلاتهم فتعرضها على الله جل جلاله بمنزلة الهدايا التي يتقرب بها الناس إلى ملوكهم وكبرائهم فليس من عمد إلى أفضل ما يقدر عليه فيزينه ويحسنه ما استطاع ثم يتقرب به إلى من يرجوه ويخافه كمن يعمد إلى أسقط ما عنده وأهونه عليه فيستريح منه ويبعثه إلى من لا يقع عنده بموقع وليس من كانت الصلاة ربيعا لقلبه وحياة له وراحة وقرة لعينه وجلاء لحزنه وذهابا لهمه وغمه ومفزعا له إليه في نوائبه ونوازله كمن هي سحت لجوارحه, وتكليف له وثقل عليه فهي كبيرة على هذا وقرة عين وراحة لذلك. وقال تعالى: واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون فإنما كبرت على غير هؤلاء لخلو(1\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "119",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3249",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلوبهم من محبة الله تعالى وتكبيره وتعظيمه والخشوع له وقلة رغبتهم فيه فإن حضور العبد في الصلاة وخشوعه فيها وتكميله لها واستفراغه وسعة في إقامتها وإتمامها على قدر رغبته في الله تعالى. قال الإمام أحمد في رواية مهنا بن يحيى: إنما حظهم من الإسلام على قدر حظهم من الصلاة ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة فاعرف نفسك يا عبد الله واحذر أن تلقى الله عز وجل ولا قدر للإسلام عندك. فإن قدر الإسلام في قلبك كقدر الصلاة في قلبك. وليس حظ القلب العامر بمحبة الله وخشيته والرغبة فيه وإجلاله وتعظيمه من الصلاة كحظ القلب الخالي الخراب من ذلك فإذا وقف الاثنان بين يدي الله في الصلاة وقف هذا بقلب مخبت خاشع له قريب منه سليم من معارضات السوء قد امتلأت أرجاؤه بالهيبة وسطع فيه نور الإيمان وكشف عنه حجاب النفس ودخان الشهوات فيرتع في رياض معاني القرآن, وخالط قلبه بشاشة الإيمان بحقائق الأسماء والصفات وعلوها وجمالها وكمالها الأعظم وتفرد الرب سبحانه بنعوت جلاله وصفات كماله فاجتمع همه على الله وقرت عينه به وأحسن بقربه من الله قربا لا نظير له ففرغ قلبه له وأقبل عليه بكليته, وهذا الإقبال منه بين اقبالين من ربه فإنه سبحانه أقبل عليه أولا, فانجذب قلبه إليه بإقباله فلما أقبل على ربه حظي منه بإقبال آخر أتم من الأول. وها هنا عجيبة من عجائب الأسماء والصفات تحصل لمن تفقه قلبه في معاني القرآن وخالط بشاشة الإيمان بها قلبه بحيث يرى لكل اسم وصفة موضعا من صلاته ومحلا منها فإنه إذا انتصب قائما بين يدي الرب تبارك وتعالى شاهد بقلبه قيوميته, وإذا قال الله أكبر شاهد كبرياءه وإذا قال: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك شاهد بقلبه ربا منزها عن كل عيب سالما من كل نقص محمودا بكل حمد فحمده يتضمن وصفه بكل كمال وذلك يستلزم براءته من كل نقص تبارك اسمه, فلا يذكر على قليل إلا كثرة ولا على خير إلا أنماه وبارك فيه ولا على آفة إلا أذهبها ولا على شيطان إلا رده خاسئا داحرا وكمال(1\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "120",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3250",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاسم من كمال مسماه, فإذا كان شأن اسمه الذي لا يضر معه شيء في الأرض ولا في السماء فشأن المسمى أعلى وأجل, وتعالى جده أي ارتفعت عظمته وجلت فوق كل عظمة, وعلا شأنه على كل شأن وقهر سلطانه على كل سلطان فتعالى جده أن يكون معه شريك في ملكه وربوبيته أو في الهيته أو في أفعاله أو في صفاته كما قال مؤمن الجن: وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا , فكم في هذه الكلمات من تجل لحقائق الأسماء والصفات على قلب العارف بها غير المعطل لحقائقها, وإذا قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقد آوى إلى ركنه الشديد واعتصم بحوله وقوته من عدوه الذي يريد أن يقطعه عن ربه ويبعده عن قربه ليكون أسوأ حالا. quot;فإذا قال: الحمد لله رب العالمين وقف هنيهة يسيرة ينتظر جواب ربه له بقوله: quot;حمدني عبديquot;. فإذا قال: الرحمن الرحيم , انتظر الجواب بقوله: quot;اثنى علي عبديquot;, فإذا قال: مالك يوم الدين انتظر جوابه: quot;يمجدني عبديquot;, فيا لذة قلبه وقرة عينه وسرور نفسه بقول ربه: عبدي ثلاث مرات فوالله لولا ما على القلوب من دخان الشهوات وغيم النفوس لاستطيرت فرحا وسرورا بقول ربها وفاطرها ومعبودها: quot;حمدني عبدني وأثنى علي عبدي ومجدني عبديquot; , ثم يكون لقلبه مجال من شهود هذه الأسماء الثلاثة التي هي أصول الأسماء الحسنى وهي: الله والرب الرحمن, فشاهد قلبه من ذكر اسم الله تبارك وتعالى إلها معبودا موجودا مخوفا لا يستحق العبادة غيره ولا تنبغي إلا له, قد عنت له الوجوه وخضعت له الموجودات وخشعت له الأصوات تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده , وله من في السماوات والأرض كل له قانتون . وكذلك خلق السموات والأرض وما بينهما وخلق الجن والإنس والطير والوحش والجنة والنار, وكذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب وشرع الشرائع وألزم العباد الأمر والنهي وشاهد من ذكر اسمه رب العالمين قيوما. قام بنفسه وقام به كل شيء فهو قائم على كل نفس بخيرها وشرها. قد استوى على عرشه وتفرد بتدبير ملكه. فالتدبير كله بيديه ومصير الامور كلها إليه, فمراسيم التدبيرات نازلة من(1\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "121",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3251",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنده على أيدي ملائكته بالعطاء والمنع والخفض والرفع والإحياء والإماتة والتوبة والعزل والقبض والبسط وكشف الكروب وإغاثة الملهوفين وإجابة المضطرين يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن , لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولا معقب لحكمه ولا راد لأمره ولا مبدل لكلماته تعرج الملائكة والروح إليه وتعرض الأعمال أول النهار وآخره عليه فيقدر المقادير ويوقت المواقيت ثم يسوق المقادير إلى مواقيتها قائما بتدبير ذلك كله وحفظه ومصالحه. ثم يشهد عند ذكر اسم الرحمن جل جلاله ربا محسنا إلى خلقه بأنواع الإحسان متحببا إليهم بصنوف النعم, وسع كل شيء رحمة وعلما, وأوسع كل مخلوق نعمة وفضلا فوسعت رحمته كل شيء ووسعت نعمته كل حي فبلغت رحمته حيث بلغ علمه, فاستوى على عرشه برحمته وخلق خلقه برحمته وأنزل كتبه برحمته وأرسل رسله برحمته وشرع شرائعه برحمته وخلق الجنة برحمته والنار أيضا برحمته فإنها سوطه الذي يسوق به عباده المؤمنين إلى جنته ويطهر بها أدران الموحدين من أهل معصيته, وسجنه الذي يسجن فيه من خليقته. فتأمل ما في أمره ونهيه ووصاياه ومواعيظه من الرحمة البالغة والنعمة السابغة وما في حشوها من الرحمة والنعمة فالرحمة هي السبب المتصل منه بعباده كما أن العبودية هي السبب المتصل منهم به فمنهم إليه العبودية ومنه إليهم الرحمة, ومن أخص مشاهد هذا الاسم شهود المصلي نصيبه من الرحمة الذي أقامه بها بين يدي ربه, وأهله لعبوديته ومناجاته وأعطاه ومنع غيره وأقبل بقلبه وأعرض بقلب غيره وذلك من رحمته به. فإذا قال: مالك يوم الدين , فهنا شهد المجد الذي لا يليق بسوى الملك الحق المبين فيشهد ملكا قاهرا قد دانت له الخليفة وعنت له الوجوه وذلت لعظمته الجبابرة وخضع لعزته كل عزيز فيشهد بقلبه ملكا على عرش السماء مهيمنا لعزته تعنو الوجوه وتسجد, وإذا لم تعطل حقيقة صفة الملك أطلعته على شهود حقائق الأسماء والصفات التي تعطيلها تعطيل لملكه وجحد له فإن الملك الحق التام الملك لا يكون إلا حيا قيوما سميعا بصيرا مدبرا قادرا متكلما آمرا ناهيا مستويا على سرير(1\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "122",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3252",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مملكته, يرسل رسله إلى أقاصي مملكته بأوامره, فيرضى على من يستحق الرضا, ويثيبه ويكرمه ويدنيه, ويغضب على من يستحق الغضب ويعاقبه ويهينه ويقصيه, فيعذب من يشاء ويرحم من يشاء ويعطى من يشاء ويقرب من يشاء ويقصى من يشاء, له دار عذاب وهي النار, وله دار سعادة عظيمة وهي الجنة. فمن أبطل شيئا من ذلك أو جحده وأنكر حقيقته فقد قدح في ملكه سبحانه وتعالى ونفى عنه كماله وتمامه. وكذلك من أنكر عموم قضائه وقدره فقد أنكر عموم ملكه وكماله فيشهد المصلي مجد الرب تعالى في قوله: مالك يوم الدين فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين ففيها سر الخلق والأمر والدنيا والآخرة وهي متضمنة لأجل الغايات وأفضل الوسائل, فأجل الغايات عبوديته وأفضل الوسائل إعانته فلا معبود يستحق العبادة إلا هو ولا معين على عبادته غيره, فعبادته أعلى الغايات وإعانته أجل الوسائل, وقد أنزل الله سبحانه وتعالى مئة كتاب وأربعة كتب جمع معانيها في أربعة: وهي التوراة والإنجيل والقرآن والزبور, وجمع معانيها في القرآن وجمع معانيه في المفصل وجمع معانيه في الفاتحة وجمع معانيها في: إياك نعبد وإياك نستعين . وقد اشتملت هذه الكلمة على نوعي التوحيد: وهما توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية, وتضمنت التعبد باسم الرب واسم الله فهو يعبد بألوهيته ويستعان بربوبيته ويهدي إلى الصراط المستقيم برحمته فكان أول السورة ذكر اسمه: الله والرب والرحمن تطابقا لأجل الطالب من عبادته وإعانته وهدايته. وهو المنفرد بإعطاء ذلك كله. لا يعين على عبادته سواه ولا يهدي سواه. ثم يشهد الداعي بقوله: اهدنا الصراط المستقيم شدة فاقته وضرورته إلى هذه المسألة التي ليس هو إلى شيء أشد فاقة وحاجة منه إليها البتة فإنه محتاج إليه في كل نفس وطرفة عين. وهذا المطلوب من هذا الدعاء لا يتم إلا بالهداية إلى الطريق الموصل إليه سبحانه, والهداية فيه وهي هداية التفصيل وخلق القدرة على الفعل وإرادته وتكوينه وتوفيقه لإيقاعه له على الوجه المرضي المحبوب للرب سبحانه وتعالى. وحفظه عليه من مفسداته حال فعله وبعد فعله, ولما كان العبد مفتقرا في كل حال إلى هذه الهداية في جميع ما يأتيه ويذره من(1\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "123",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3253",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أمور قد أتاها على غير الهداية, فهو يحتاج إلى التوبة منها, وأمور هدى إلى أصلها دون تفصيلها أو هدى إليها من وجه دون وجه, فهو يحتاج إلى إتمام الهداية فيها ليزداد هدى, وأمور هو يحتاج إلى أن يحصل له من الهداية فيها بالمستقبل مثل ما حصل له في الماضي, وأمور هو خال عن اعتقاد فيها فهو يحتاج إلى الهداية فيها, وأمور لم يفعلها فهو يحتاج إلى فعلها على وجه الهداية, وأمور قد هدي إلى الاعتقاد الحق والعمل الصواب فيها فهو محتاج إلى الثبات عليها. إلى غير ذلك من أنواع الهدايات- فرض الله سبحانه عليه أن يسأله هذه الهداية في أفضل أحواله مرات متعددة في اليوم والليلة, ثم بين أن أهل هذه الهداية هم المختصون بنعمتة دون المغضوب عليهم وهم الذين عرفوا الحق ولم يتبعوه, ودون الضالين وهم الذين عبدوا الله بغير علم. فالطائفتان اشتركتا في القول في خلقه وأمره وأسمائه وصفاته بغير علم. فسبيل المنعم عليه مغايرة لسبيل أهل الباطل كلها علما وعملا. فلما فرغ من هذا الثناء والدعاء والتوحيد شرع له أن يطبع على ذلك بطابع من التأمين يكون كالخاتم له وافق فيه ملائكة السماء وهذا التأمين من زينة الصلاة كرفع اليدين الذي هو زينة الصلاة واتباع للسنة وتعظيم أمر الله وعبودية اليدين وشعار الانتقال من ركن إلى ركن. ثم يأخذ في مناجاة ربه بكلامه واستماعه من الإمام بالانصات وحضور القلب وشهوده. وأفضل أذكار الصلاة ذكر القيام وأحسن هيئة المصلي هيئة القيام, فخصت بالحمد والثناء والمجد وتلاوة كلام الرب جل جلاله, ولهذا نهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود لأنهما حالتا ذل وخضوع وتضامن وانخفاض, ولهذا شرع فيهما من الذكر ما يناسب هيئتهما فشرع للراكع أن يذكر عظمة ربه في حال انخفاضه هو وتطامنه وخضوعه, وأنه سبحانه يوصف بوصف عظمته عما يضاد كبرياءه وجلاله وعظمته فأفضل ما يقول الراكع على الاطلاق: سبحان ربي العظيم, فإن الله سبحانه أمر العباد بذلك وعين المبلغ عنه السفير بينه وبين عباده هذا المحل(1\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "124",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3254",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لهذا الذكر لما نزلت: فسبح باسم ربك العظيم , قال: quot;اجعلوها في ركوعكمquot;. وأبطل كثير من أهل العلم صلاة من تركها عمدا, وأوجب سجود السهو على من سها عنها, وهذا مذهب الإمام أحمد ومن وافقه من أئمة الحديث والسنة, والأمر بذلك لا يقصر عن الأمر بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير ووجوبه لا يقصر عن وجوب مباشرة المصلي بالجبهة واليدين الركوع تعظيم الرب جل جلاله بالقلب والقالب والقول, ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;أما الركوع فعظموا فيه الربquot;. فصل ثم يرفع رأسه عائدا إلى أكمل حديثه, وجعل شعار هذا الركن حمد الله والثناء عليه وتحميده, فافتتح هذا الشعار بقول المصلي: quot;سمع الله لمن حمدهquot; أي: سمع سمع قبول وإجابة, ثم شفع بقوله: quot;ربنا ولك الحمد ملء السموات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيءquot; ولا يهمل أمر هذه الواو في قوله: quot;ربنا ولك الحمدquot; فإنه قد ندب الأمر بها في الصحيحين, وهي تجعل الكلام في تقدير جملتين قائمتين بأنفسهما, فإن قوله: quot;ربناquot; متضمن في المعنى أنت الرب والملك القيوم الذي بيديه أزمة الأمور وإليه مرجعها فعطف على هذا المعنى المفهوم من قوله: quot;ربناquot;. قوله: quot;ولك الحمدquot; فتضمن ذلك معنى قول الموحد: له الملك وله الحمد. ثم أخبر عن شأن هذا الحمد وعظمته قدرا وصفة فقال: quot;ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيءquot; أي: قدر ملء العالم العلوي والسفلي والفضاء الذي بينهما, فهذا الحمد قد ملأ الخلق الموجود وهو يملأ ما يخلقه الرب تبارك وتعالى بعد ذلك ما يشاؤه فحمده قد ملأ كل موجود وملأ ما سيوجد فهذا أحسن التقديرين. وقيل: ما شئت من شيء وراء العالم فيكون قوله بعد: للزمان على الأول, والمكان: على الثاني. ثم أتبع ذلك بقوله: quot;أهل الثناء والمجدquot; فعاد الأمر بعد الركعة إلى ما افتتح به الصلاة قبل الركعة: من الحمد والثناء والمجد, ثم أتبع ذلك بقوله: quot;أحق ما قال العبدquot; تقريرا لحمده وتمجيده والثناء عليه, وأن ذلك أحق ما نطق به العبد, ثم أتبع(1\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "125",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3255",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك بالاعتراف بالعبودية وأن ذلك حكم عام لجميع العبيد ثم عقب ذلك بقوله: quot;لا مانع لما أعطيت ولامعطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجدquot; , وكان يقول ذلك بعد انقضاء الصلاة أيضا, فيقوله في هذين الموضعين إعترافا بتوحيده ون النعم كلها منه, وهذا يتضمن أمورا أحدها أنه المنفرد بالعطاء والمنع. الثاني: أنه إذا أعطى لم يطق أحد منع من أعطاه وإذا منع لم يطق أحد إعطاء من منعه. الثالث: أنه لاينفع عنده ولا يخلص من عذابه ولا يدني من كرامته جدود بني آدم وحظوظهم من الملك والرئاسة والغنى وطيب العيش وغير ذلك, إنما ينفعهم عنده التقرب إليه بطاعته وإيثار مرضاتهز ثم ختم ذلك بقوله: quot;اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبردquot; , كما افتتح به الركعة في أول الاستفتاح كما كان يختم الصلاة بالاستغفار وكان الاستغفار في أول الصلاة ووسطها وآخرها, فاشتمل هذا الركن على أفضل الأذكار وأنفع الدعاء من حمده وتمجيده والثناء عليه والاعتراف له بالعبودية والتوحيد والتنصل إليه من الذنوب والخطايا فهو ذكر مقصود في ركن مقصود ليس بدون الركوع والسجود. فصل ثم يكبر ويخر لله غير رافع يديه لأن اليدين تنحطان للسجود كما ينحط الوجه فهما ينحطان لعبوديتهما فأغنى ذلك عن رفعهما, ولذلك لم يشرع رفعهما ثم رفع الرأس من السجود لأنهما يرفعان معه كما يوضعان معه, وشرع السجود على أكمل الهيئة ومنعتها في العبودية وأعمها لسائر الأعضاء بحيث يأخذ كل جزء من البدن بحظه من العبودية, والسجود سر الصلاة وركنها الأعظم وخاتمة الركعة وما قبله من الأركان كالمقدمات له فهو شبه طواف الزيارة في الحج فإنه مقصود الحج ومحل الدخول على الله وزيارته وما قبله كالمقدمات له, ولهذا أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد, وأفضل الأحوال له حال يكون فيها أقرب إلى الله, ولهذا كان الدعاء في هذا المحل أقرب إلى الإجابة. ولما خلق الله سبحانه العبد من الأرض, كان جديرا بأن لا يخرج عن أصله(1\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "126",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3256",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بل يرجع إليه إذا تقاضاه الطبع والنفس بالخروج عنه, فإن العبد لو ترك لطبعه ودواعي نفسه لتكبر وأشر وخرج عن أصله الذي خلق منه ولوثب على حق ربه من الكبرياء والعظمة فنازعه إياهما, وأمر بالسجود خضوعا لعظمة ربه وخشوعا له وتذللا بين يديه وانكسارا له فيكون هذا الخشوع والخضوع والتذلل ردا له إلى حكم العبودية ويتدارك ما حصل له من الهفوة والغفلة والإعراض الذي خرج به عن أصله فتمثل له حقيقة التراب الذي خلق منه وهو يضع أشرف شيء منه وأعلاه وهو الوجه, وقد صار أعلاه أسفله خضوعا بين يدي ربه الأعلى وخشوعا له وتذللا لعظمته واستكانة لعزته وهذا غاية خشوع الظاهر فإن الله سبحانه خلقه من الأرض التي هي مذللة للوطء بالأقدم واستعمله فيها ورده إليها ووعده بالإخراج منها فهي أمه وأبوه وأصله وفصله, فضمته حيا على ظهرها وميتا وجعلت له طهرا ومسجدا فأمر بالسجود إذ هو غاية خشوع الظاهر وأجمع العبودية لسائر الأعضاء فيعفر وجهه في التراب استكانة وتواضعا وخضوعا وإلقاء باليدين. وقال مسروق لسعيد بن جبير ما بقي شيء يرغب فيه إلا أن نعفر وجوهنا في التراب له, وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يتقي الأرض بوجهه قصدا بل إذا اتفق له ذلك فعله. ولذلك سجد في الماء والطين, ولهذا كان من كمال السجود الواجب أنه يسجد على الأعضاء السبعة الوجه واليدين والركبتين وأطراف القدمين. فهذا فرض أمر الله به رسول وبلغه الرسول لأمته. ومن كماله الواجب أو المستحب مباشرة مصلاه بأديم وجهه واعتماده على الأرض بحيث ينالها ثقل رأسه وارتفاع أسافله على أعاليه, فهذا من تمام السجود ومن كماله أن يكون على هيئة يأخذ فيها كل عضو من البدن بحظه من الخضوع فيقل بطنه عن فخذيه وفخذيه عن ساقيه, ويجافي عضديه عن جنبيه ولا يفرشهما على الأرض ليستقل كل عضو منه بالعبودية. ولذلك إذا رأى الشيطان ابن آدم ساجدا لله اعتزل ناحية يبكي ويقول: يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار. ولذلك(1\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "127",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3257",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اثنى الله سبحانه على الذين يخرون ثم سماع كلامه, وذم من لا يقع ساجدا عنده ولذلك كان قول من أوجبه قويا في الدليل, ولما علمت السحرة صدق موسى وكذب فرعون خروا سجدا لربهم فكانت تلك السجدة أول سعادتهم وغفران ما أفنوا فيه أعمارهم من السحر. ولذلك أخبر سبحانه عن سجود جميع المخلوقات له فقال تعالى: ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون , فأخبر عن إيمانهم بعلوه وفرقيته وخضوعهم له بالسجود تعظيما وإجلالا, وقال تعالى: ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء . فالذي حق عليه العذاب هو الذي لا يسجد له سبحانه وهو الذي أهانه بترك السجود له, وأخبر أنه لا مكرم له, وقد هان على ربه حيث لم يسجد له, وقال تعالى: ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال . ولما كانت العبودية غاية كمال الإنسان وقربه من الله بحسب نصيبه من عبوديته وكانت الصلاة جامعة لمتفرق العبودية متضمنة لاقسامها كانت أفضل أعمال العبد ومنزلتها من الإسلام بمنزلة عمود الفسطاط منه. وكان السجود أفضل أركانها الفعلية وسرها الذي شرعت لأجله وكان تكرره في الصلاة أكثر من تكرر سائر الأركان وجعله خاتمة الركعة وغايتها وشرع فعله بعد الركوع, فإن الركوع توطئة له ومقدمة بين يديه, وشرع فيه من الثناء على الله ما يناسبه وهو قول: quot;العبد سبحان ربي الأعلىquot;. فهذا أفضل ما يقال فيه, ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أمره في السجود بغيره حيث قال: quot;اجعلوها في سجودكمquot; , ومن تركه عمدا فصلاته باطلة عند كثير من العلماء منهم الإمام أحمد وغيره لأنه لم يفعل ما أمر به وكان وصف الرب بالعلو في هذه الحال في غاية المناسبة لحال الساجد الذي قد انحط إلى السفل على وجهه فذكر علو ربه في حال سقوطه وهو كما ذكر عظمته في حال خضوعه في ركوعه ونزه ربه عما لايليق به مما يضاد عظمته وعلوه. ثم(1\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "128",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3258",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لما شرع السجود بوصف التكرار لم يكن بد من الفصل بين السجدتين ففصل بينهما بركن مقصود شرع فيه من الدعاء ما يليق به ويناسبه وهو سؤال العبد المغفرة والرحمة والهداية والعافية والرزق, فإن هذه تتضمن جلب خير الدنيا والآخرة ودفع شر الدنيا والآخرة. فالرحمة تحصل الخير, والمغفرة تقي الشر, والهداية توصل إلى هذا وهذا, والرزق إعطاء ما به قوام البدن من الطعام والشراب وما به قوام الروح والقلب من العلم والإيمان, وجعل جلوس الفصل محلا لهذا الدعاء لما تقدمه من رحمة الله والثناء عليه والخضوع له فكان هذا وسيلة للداعي ومقدمة بين يدي حاجته فهذا الركن مقصود الدعاء فيه فهو ركن وضع للرغبة وطلب العفو والمغفرة والرحمة فإن العبد لما أتى بالقيام والحمد والثناء والمجد ثم أتى بالخضوع وتنزيه الرب وتعظيمه ثم عاد إلى الحمد والثناء ثم كمل ذلك بغاية التذلل والخضوع والاستكانة بقي سؤال حاجته واعتذاره وتنصله فشرع له أن يتمثل في الخدمة فيقعد فعل العبد الذليل جاثيا على ركبتيه كهيئة الملقي نفسه بين يدي سيده راغبا راهبا معتذرا إليه مستعديا إليه على نفسه الأمارة بالسوء. ثم شرع له تكرير هذه العبودية مرة بعد مرة إلى إتمام الأربع, كما شرع له تكرير الذكر مرة بعد مرة لأنه أبلغ في حصول المقصود وأدعى إلى الاستكانة والخضوع, فلما أكمل ركوع الصلاة وسجودها وقراءتها وتسبيحها فالتابعون شرع له أن يجلس في آخر صلاته جلسة المتخشع المتذلل المستكين جاثيا على ركبتيه ويأتي في هذه الجلسة بأكمل التحيات وأفضلها عوضا عن تحية المخلوق للمخلوق إذا واجهه أو دخل عليه فإن الناس يحيون ملوكهم وأكابرهم بأنواع التحيات التي يحيون بها قلوبهم, فبعضهم يقول: أنعم صباحا, وبعضهم يقول: لك البقاء والنعمة, وبعضهم يقول: أطال الله بقاءك. وبعضهم يقول: تعيش ألف عام, وبعضهم يسجد للملوك وبعضهم يسلم, فتحياتهم بينهم تتضمن ما بحبه المحيى من الأقوال والأفعال والمشركون يحيون أصنامهم. قال الحسن: كان أهل الجاهلية يتمسحون بأصنامهم ويقولون: لك الحياة الدائمة, فلما جاء الإسلام أمروا أن يجعلوا أطيب تلك التحيات وأزكاها وأفضلها لله(1\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "129",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3259",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالتحية هي تحية من العبد للحي الذي لا يموت وهوسبحانه أولى بتلك التحيات من كل ما سواه فإنها تتضمن الحياة والبقاء والدوام ولا يستحق أحد هذه التحيات إلا الحي الباقي الذي لا يموت ولا يزول ملكه, وكذلك قوله والصلوات فإنه لا يستحق أحد الصلاة إلا الله عز وجل, والصلاة لغيره من أعظم الكفر والشرك بت, وكذلك قوله والطيبات هي صفة الموصوف المحذوف أي الطيبات من الكلمات والأفعال والصفات والأسماء لله وحده فهو طيب وأفعاله طيبة وصفاته أطيب شيء وأسماؤه أطيب الأسماء واسمه الطيب ولا يصدر عنه إلا طيب ولا يصعد إليه إلا طيب ولا يقرب منه إلا طيب وإليه يصعد الكلم الطيب, وفعله طيب والعمل الطيب يعرج إليه فالطيبات كلها له ومضافة إليه وصادرة عنه ومنتهية إليه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;إن الله طيب لا يقبل إلا طيباquot; , وفي حديث رقية المريض الذي رواه أبو داود رقم وغيره: quot;أنت رب الطيبين ولا يجاوره من عباده إلا الطيبونquot; , كما يقال: لأهل الجنة: سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين . وقد حكم سبحانه في شرعه وقدره أن: الطيبات للطيبين, فإذا كان هو سبحانه الطيب على الاطلاق فالكلمات الطيبات والأفعال الطيبات والصفات الطيبات والأسماء الطيبات كلها له سبحانه لا يستحقها أحد سواه, بل ما طاب شيء قط إلا بطيبته سبحانه, فطيب كل ما سواه من آثار طيبته, ولا تصلح هذه التحية الطيبة إلا له, ولما كان السلام من أنواع التحية وكان المسلم داعيا لمن يحييه وكان الله سبحانه هو الذي يطلب منه السلام لعباده الذين اختصهم بعبوديته وارتضاهم لنفسه وشرع أن يبدأ بأكرمهم عليه وأحبهم إليه وأقربهم منه منزلة في هذه التحية بالشهادتين اللتين هما مفتاح الإسلام فشرع أن يكون خاتمة الصلاة فدخل فيها بالتكبير والحمد والثناء والتمجيد وتوحيد الربوبية والإلهية وختمها بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. وشرعت هذه التحية في وسط الصلاة, إذا زادت على ركعتين تشبيها لها بجلسة الفصل بين السجدتين وفيها مع الفصل راحة للمصلي لاستقباله الركعتين الآخرتين(1\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "130",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3260",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بنشاط وقوة, بخلاف ما إذا والى بين الركعات, ولهذا كان الأفضل في النفل مثنى مثنى وإن تطوع بأربع جلس في وسطهن. فصل وجعلت كلمات التحيات في آخر الصلاة بمنزلة خطبة الحاجة أمامها فإن المصلي إذا فرغ من صلاته جلس جلسة الراغب الراهب يستعطى من ربه ما لا غنى به عنه, فشرع له أمام استعطائه كلمات التحيات مقدمة بين يدي سؤاله, ثم يتبعها بالصلاة على من نالت أمته هذه النعمة على يده وسعادته, فكأن المصلي توسل إلى الله سبحانه بعبودتيه, ثم بالثناء عليه والشهادة له بالوحدانية ولرسوله بالرسالة ثم الصلاة على رسوله ثم قيل له تخير من الدعاء أحبه إليك فذاك الحق الذي عليك وهذا الحق الذي لك, وشرعت الصلاة على آله مع الصلاة عليه تكميلا لقرة عينه بإكرام آله والصلاة عليهم, وأن يصلي عليه وعلى آله كما صلى على أبيه إبراهيم وآله والأنبياء كلهم بعد إبراهيم من آله, ولذلك كان المطلوب لرسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة مثل الصلاة على إبراهيم وعلى جميع الأنبياء بعده وآله المؤمنين, فلهذا كانت هذه الصلاة أكمل ما يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بها وأفضل , فإذا أتى بها المصلي أمر أن يستعيذ بالله من مجامع الشر كله فإن الشر إما عذاب الآخرة وإما سببه فليس الشر إلا العذاب وأسبابه, والعذاب نوعان: عذاب في البرزخ وعذاب في الآخرة, وأسبابه الفتنة وهي نوعان: كبرى وصغرى, فالكبرى فتنة الدجال وفتنة الممات, والصغرى فتنة الحياة التي يمكن تداركها بالتوبة بخلاف فتنة الممات وفتنة الدجال, فإن المفتون فيهما لا يتداركها. ثم شرع له من الدعاء ما يختاره من مصالح دنياه وآخرته والدعاء في هذا المحل قبل السلام أفضل من الدعاء بعد السلام وأنفع للداعي, وهكذا كانت عامة أدعية النبي صلى الله عليه وسلم كلها كانت في الصلاة من أولها إلى آخرها, فكان يدعو في الاستفتاح أنواعا من الدعاء وبعد الركوع وبعد رفع رأسه منه وفي السجود وبين(1\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "131",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3261",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السجدتين وفي التشهد قبل التسليم, وعلم الصديق دعاء يدعوا به في صلاته, وعلم الحسن بن علي دعاء يدعو به في قنوت الوتر. وكان إذا دعا لقوم أو على قوم جعله في الصلاة بعد الركوع ومن ذلك أن المصلي قبل سلامه في محل المناجاة والقربة بين يدي ربه, فسؤاله في هذا الحال أقرب إلى الإجابة من سؤاله بعد انصرافه من بين يديه وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الدعاء أسمع فقال: quot;جوف الليل وأدبار الصلوات المكتوبةquot;. ودبر الصلاة جزؤها الأخير كدبر الحيوان ودبر الحائط وقد يراد بدبرها ما بعد انقضائها بقرينة تدل عليه كقوله: quot;تسبحون الله وتحمدونه وتكبرونه دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثينquot; , فهنا دبرها الفراغ منها, وهذا نظير انقضاء الأجل, فإنه يراد له آخرالمدة ولما يفرغ ويراد به فراغها وانتهاؤها. فصل ثم ختمت بالتسليم وجعل تحليلا لها يخرج به المصلي منها كما يخرج بتحليل الحج منه, وجعل هذا التحليل دعاء الإمام لمن وراءه بالسلامة التي هي أصل الخير وأساسه فشرع لمن وراءه أن يتحلل بمثل ما تحلل به الإمام وفي ذلك دعاء له وللمصلين معه بالسلام, ثم شرع ذلك لكل مصل وإن كان منفردا فلا أحسن من هذا التحليل للصلاة, وكما أنه لا أحسن من كون التكبير تحريما لها فتحريمها تكبير الرب تعالى, والجامع لإثبات كل كمال له وتنزيه عن كل نقص وعيب وإفراده وتخصيصه بذلك وتعظيمه وإجلاله, فالتكبير يتضمن تفاصيل أفعال الصلاة وأقوالها وهيآتها, فالصلاة من أولها إلى آخرها تفصيل لمضمون الله أكبر وأي تحريم أحسن من هذا التحريم المتضمن للإخلاص والتوحيد, وهذا التحليل المتضمن الإحسان إلى إخوانه المؤمنين فافتتحت بالاخلاص وختمت بالإحسان. فصل قال المكملون للصلاة: فالصلاة وضعت على هذا النحو وهذا الترتيب لا يمكن أن يحصل ما ذكرناه من مقاصدها التي هي جزء يسير من قدرها وحقيقتها إلا مع الإكمال والإتمام والتمهل الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله, ومحال حصول(1\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "132",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3262",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما ذكرناه مع النقر والتخفيف الذي يرجع إلى شهوة الإمام والمأمومين, ومن أراد أن يصلي هذه الصلاة الخاصة فلا بد له من مزيد تطويل. وأما الصلاة الحرجية فلا تتوقف على ذلك. وأما استدلالكم بأحاديث الأمر بالإيجاز فقد بينا أن الإيجاز هو الذي كان يفعله وعليه داوم حتى قبضة الله إليه, فلا يجوز عير هذا البتة. وأما قراءته في الفجر بالمعوذتين فهذا إنما كان في السفر كما هو مصرح به في الحديث, والمسافر قد أبيح له أو أوجب عليه قصر الصلاة لمشقة السفر, فأبيح له تخفيف أركانها, فهلا عملتم بقراءته في الحضر بمائة آية في الفجر, وأما قراءته صلاة الله عليه وسلامه بسورة التكوير في الفجر فإن كان في السفر فلا حجة لكم فيه, وإن كان في الحضر فالذي يحكى عنه ذلك روى عنه أنه كان يقرأ فيها بالستين إلى المائة وبـ quot;قquot; ونحوها فإنه صلى الله عليه وسلم كان يدخل في الصلاة وهو يريد إطالتها فيخففها لعارض من بكاء صبي وغيره. وأما حديث تسبيحه في الركوع والسجود ثلاثا فلا يثبت, والأحاديث الصحيحة بخلافه, وهذا السعدي مجهول لا تعرف عينه ولا حاله. وقد قال أنس أن عمر بن عبد العزيز كان أشبه الناس صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مقدار ركوعه وسجوده عشر تسبيحات, وأنس أعلم بذلك من السعدي عن أبيه أو عمه لو ثبت. فأين علم من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين كوامل إلى علم من لم يصل معه إلا بتلك الصلاة الواحدة أو صلوات يسيرة. فإن عم هذا السعدي أو أباه ليس من مشاهير الصحابة المداومين الملازمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما لازمه أنس والبراء بن عازب وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وغيرهم ممن ذكر صفة صلاته وقدرها. وكيف يقوم صلى الله عليه وسلم بعد الركوع حتى يقولوا قد نسي ويسبح فيه ثلاث تسبيحات فيجعل القيام منه بقدره أضعافا مضاعفة. وكذلك جلوسه بين السجدتين حتى يقولوا قد أوهم, ولا ريب أن ركوعه وسجوده كان نحوا من قيامه بعد الركوع وجلوسه بين السجدتين حتى تكرهوا إطالتها ويغلو من يغلو منكم فيبطل الصلاة بإطالتهما. وقد شهد البراء بن عازب أن ركوعه وسجوده كان نحوا من قيامه. ومحال أن يكون مقدار ذلك ثلاث(1\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "133",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3263",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تسبيحات, ولعله خفف مرة لعارض فشهده عم السعدي أو أبوه فأخبر به, وقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم أن طول صلاة الرجل من فقهه, وهذا الحكم أولى من الحكم له بقلة الفقه, فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحكم الحق وما خالفه فهو الحكم الباطل الجائر. فروى مسلم في صحيحه من حديث عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة عن فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبةquot;. والمئنة: العلامة, وعند سراق الصلاة أن العجلة فيها من علامات الفقه فكلما سرق ركوعها وسجودها وأركانها كان ذلك علامة فضيلته وفقهه, وفي صحيح بن حبان وسنن النسائي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر ويقل اللغو ويطيل الصلاة ويقصر الخطبة ولا يأنف المشي مع الأرملة والمسكين فيقضى له الحاجة, فهذا فعله وذاك قوله في مثل صلاة الجمعة التي يجتمع لها الناس, وكان يقرأ فيها سورة الجمعة والمنافقين كاملتين. ولم يقتصر على الثلاث الآيات من آخرهما في جمعة واحدة أصلا, فعطل كثيرا من الناس سنته فاقتصر على آخرهما, ولم يقرأ بهما كاملتين أصلا. وكذلك كان يقرأ في فجر يوم الجمعة سورة quot;تنزيل السجدةquot;. و هل أتى على الأنسان كاملتين في الركعتين مع قراءته المترسلة على مهله وتأن, فعطل كثير من الائمة ذلك واقتصروا على هذه وهذه. وعلى إحدى السورتين في الركعتين ومن يقرأ بهما كاملتين, فكثير منهم يقرأ بهما بسرعة. وهذا مكروه للإمام, وكل هذا فرار من هديه صلى الله عليه وسلم. فإن جاءهم حديث صحيح خالف ما ألفوه واعتادوه, قالوا: هذا منسوخ أو خلاف الإجماع, والعيار على ذلك عندهم مخالفة أقوالهم, ولو كانت أحاديث التطويل منسوخة لكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بذلك, ولما احتجوا بها على من لم يعمل بها ولاعمل بها أعلم الأمة به وهم الخلفاء الراشدون, فهذا صديق الأمة وشيخ الإسلام صلى الصبح فقرأ البقرة من أولها إلى آخرها وخلفه والصغير الكبير وذو الحاجة, فقالوا له: يا خليفة رسول الله كادت الشمس تطلع, فقال لو طلعت الشمس لم تجدنا غافلين.(1\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "134",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3264",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومضى على منهاجه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب, وكان يقرأ في الفجر: quot;بالنحل ويوسف وبهود ويونس وبني إسرائيل ونحوها من السور. وقد تقدم حديث عبد الله بن عمر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالتخفيف ويؤمنا بالصافات. فالذي فعله هو الذي أمر به وقد تقدم حكاية الذكر والدعاء الذي كان يقوله في ركن الإعتدال من الركوع وأنه كان يطيله حتى يقول من خلفه قد أوهم, وتقدم حديث أبي سعيد في دخوله صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ويأتي أهله فيتوضأ ثم يأتي المسجد فيدركه في الركعة الأولى, فيالله العجب للذي حرم الإقتداء به في ذلك أو جعله مكروها, ونحن نقول كلا والذي بعثه بالحق إن الاقتداء به في ذلك مرضاة الله ورسوله وإن تركها من تركها. وأما حديث سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء ودخول سهيل بن أبي أمامة على أنس بن مالك فإذا هو يصلي صلاة خفيفة كأنها صلاة مسافر, فقال: إنها لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا مما تفرد به ابن أبي العمياء وهو شبه المجهول, والأحاديث الصحيحة عن أنس كلها تخالفه. كيف يقول أنس هذا وهو القائل: إن أشبه من رأى صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن عبد العزيز وكان يسبح عشرا عشرا, وهو الذي كان يرفع رأسه من الركوع حتى يقال قد نسي, وكذلك ما بين السجدتين. ويقول: ما آلو أن أصلي لكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو الذي يبكي على إضاعتهم الصلاة. ويكفي في رد حديث ابن أبي العمياء ما تقدم من الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا مطعن في سندها ولا شبهة في دلالتها, فلو صح حديث ابن أبي العمياء وهو بعيد عن الصحة لوجب حمله على أن تلك صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم للسنة الراتبة كسنة الفجر والمغرب والعشاء وتحية المسجد ونحوها, لا أن تلك صلاته التي كان يصليها بأصحابه دائما وهذا مما يقطع ببطلانه وترده سائر الأحاديث الصحيحة الصريحة. ولا ريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخفف بعض الصلاة.  كما كان يخف(1\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "135",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3265",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سنة الفجر حتى تقول عائشة أم المؤمنين: هل قرأ فيها بأم القرآن. وكان يخفف الصلاة في السفر حتى كان ربما قرأ في الفجر بالمعوذتين, وكان يخفف إذا سمع بكاء الصبي, فالسنة التخفيف حيث خفف, والتطويل حيث أطال, والتوسط غالبا, فالذي أنكره أنس هو التشديد الذي لا يخفف صاحبه على نفسه مع حاجته إلى التخفيف, ولا ريب أن هذا خلاف سنته وهديه. وأما حديث معاذ وقوله: quot;أفتان أنت يا معاذquot; , فلم يتعلق السراق منه إلا بهذه الكلمة ولم يتأملوا أول الحديث وآخره, فاسمع قصة معاذ: فعن جابر بن عبد الله قال: أقبل رجل بناضحين وقد جنح الليل, فوافق معاذ يصلي فترك ناضحيه وأقبل إلى معاذ, فقرأ سورة البقرة أو النساء فانطلق الرجل وبلغه أن معاذا نال منه, فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكوا إليه معاذا, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;أفتان أنتquot; أو قال: quot;أفاتن أنت ثلاث مراتquot; ثلاث مرات. quot; فلولا صليت: بـ سبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها والليل إذا يغشى فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجةquot;. رواه البخاري ومسلم ولفظه للبخاري. وفي مسند الإمام أحمد من حديث أنس بن مالك قال: كان معاذ بن جبل يؤم قومه فدخل حرام وهو يريد أن يسقي نخلة فدخل المسجد مع القوم فلما رأى معاذا طول تجوز في صلاته ولحق بنخله يسقيه, فلما قضى معاذ الصلاة قيل له ذلك فقال: إنه لمنافق أيعجل عن الصلاة من أجل سقي نخلة قال فجاء حرام: النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ عنده فقال: يا بنى الله إني أردت أن أسقي نخلا لي فدخلت المسجد لأصلي مع القوم فلما طول تجوزت في صلاتي ولحقت بنخلي أسقيه, فزعم أني منافق, فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على معاذ فقال: quot;أفتان أنت لا تطول بهم اقرأ سبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها ونحوهاquot;. وعن معاذ بن رفاعة الأنصاري عن سليم من بني سلمة أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن معاذ بن جبل يأتينا بعدما ننام ونكون في أعمالنا بالنهار فينادي بالصلاة فنخرج إليه فيطول علينا, فقال رسول الله: quot;يا معاذ بن جبل لا تكن فتانا, إما أن تصلي معي وإما أن تخفف على قومكquot;.(1\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "136",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3266",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم قال: quot;يا سليم ما معك من القرآنquot; قال: إني أسأل الله الجنة أو قال: أسأل الجنة وأعوذ به من النار, والله ما أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;وهل تصير دندنتي ودندنة معاذ إلا أن نسأل الله الجنة ونعوذ به من النارquot;. قال سليم: سترون غدا إذا التقى القوم إن شاء الله وقال والناس يتجهزون إلى أحد فخرج فكان في الشهداء رحمه الله, رواه الإمام أحمد. فإن قيل فقد روى الإمام أحمد المسند من حديث بريدة أن معاذ بن جبل صلى بأصحابه صلاة العشاء فقرأ فيها: اقتربت الساعة فقام رجل قبل أن يفرغ فصلى وذهب فقال له معاذ قولا شديدا, فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فاعتذر إليه فقال: إني كنت أعمل في نخلي وخفت على الماء, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;صل بـ والشمس وضحاها ونحوها من السورquot;. فقد أجيب عن هذا بأن قصة معاذ تكررت وهذا جواب في غاية البعد عن الصواب فإن معاذا كان أفقه في دين الله من أن ينهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يعود له, وأجود من هذا الجواب أن يكون قرأ في الركعة الأولى بالبقرة وفي الركعة الثانية بـ: اقتربت الساعة . فسمعه من صلى معه من الركعة الأولى فقال: صلى بالبقرة, وبعضهم سمع قراءته في الثانية فقال: صلى بـ اقتربت الساعة . والذي في الصحيحن أنه قرأ سورة البقرة وشك بعض الرواة فقال: البقرة والنساء, وقصة قراءته بـ اقتربت لم تذكر في الصحيح والذي في الصحيح أولى بالصحة منها, وقد حفظ الحديث جابر, فقال: كان معاذ يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ثم أتى قومه فأمهم فافتتح سورة البقرة وذكر القصة, فهذا جابر أخبر أنه فعل ذلك مرة وأنه قرأ بالبقرة ولم يشك, وهذا الحديث متفق على صحته أخرجاه. فصل وقد ظهر بهذا أن التعمق والتنطع والتشديد الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخالف لهديه وهدي أصحابه وما كانوا عليه وأن موافقته فيما فعله هو وخلفاؤه من بعده هو محض المتابعة وإن أباها وجهلها من جهلها, فالتعمق والتنطع مخالفة ما جاء به وتجاوزه والغلو فيه ومقابلة إضاعته والتفريط فيه والتقصير عنه وهما خطأ وضلالة وانحراف عن الصراط المستقيم والمنهج القويم, ودين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي عنه.(1\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "137",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3267",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: خير الناس النمط الأوسط الذي يرجع إليهم الغالي ويلحق بهم التالي. ذكره ابن المبارك عن محمد بن طلحة عن علي. وقال ابن عائشة: ما أمر الله عباده بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان, فإما إلى غلو وإما إلى تقصير. وقال بعض السلف: دين الله بين الغالي فيه والجافي عنه, وقد مدح تعالى أهل التوسط بين الطرفين المنحرفين في غير موضع من كتابه, فقال تعالى: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما , وقال تعالى: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا وقال: وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا . فمنع ذي القربى والمسكين وابن السبيل حقهم انحراف في جانب الإمساك, والتبذير انحراف في جانب البذل, ورضاء الله فيما بينهما, ولهذا كانت هذه الأمة أوسط الأمم وقبلتها أوسط القبل بين القبلتين المنحرفتين, والوسط دائما محمي الأطراف, أما الأطراف فالخلل إليها أسرع كما قال الشاعر: كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت ... بها الحوادث حتى أصبحت طرفا فقد اتفق شرع الرب تعالى وقدره على أن خيار الأمور أوساطها. وأما قولهم: إن محبة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولصوته وقراءته يحملهم على احتمال إطالته فلا يجدون بها مشقة فلعمر الله إن الأمر كما ذكروا. بل حبهم له يحملهم على بذل نفوسهم وأموالهم بين يديه, وعلى وقاية نفسه الكريمة بنفوسهم فكانوا يتقدمون إلى الموت بين يديه تقدم المحب إلى رضاء محبوب. ولعمر الله هذا شأن أتباعه من بعده إلى يوم القيامة لا تأخذهم في متابعة سنته لومة لائم ولا يثنيهم عنها عذل عاذل فهم يحتملون في متابعته والإهتداء بهديه لوم اللائمين وطعن الطاعنين ومعاداة الجاهلين الذين رضوا من سنته بآراء الرجال بدلا وتمسكوا بها فلا يبغون عنها حولا, وعرضوا عليها نصوص السنة والقرآن عرض الجيوش على السلطان فما وافقها قبلوه وما خالفها تلطفوا في رده بأنواع التأويل, فمرة يقولون: هذا متروك الظاهر, ومرة يقولون: لا يعلم له قائل, ومرة يقولون:(1\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "138",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3268",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو منسوخ, ومرة يقولون: متبوعنا أعلم به منا, وما خالفه إلا وقد صح عنده ما يقتضي مخالفته, فأتباعه في مجاهده هذه الفرق دائبون, وعلى متابعة سنته دائرون. فإن كان قد غاب عن أعينهم شخصه الكريم فقد شاهدوا ببصائرهم ما كان عليه من الهدي المستقيم. فصل فهاك سياق صلاته من حين استقباله القبلة وقوله: الله أكبر, إلى حين سلامه كأنك تشاهده عيانا, ثم اختر لنفسك بعد ما شئت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة واستقبل القبلة ووقف في مصلاه رفع يديه إلى فروع أذنيه واستقبل بأصابعه القبلة ونشرها وقال: quot; الله أكبرquot; , ولم يكن يقول قبل ذلك نويت أن أصلي كذا وكذا مستقبل القبلة أربع ركعات فريضة الوقت أداء الله تعالى إماما. ولا كلمة واحدة من ذلك في مجموع صلاته من أولها إلى آخرها فقد نقل عنه أصحابه حركاته وسكناته وهيئاته حتى اضطراب لحيته في الصلاة حتى إنه حمل بنت ابنته مرة في الصلاة فنقلوه ولم يهملوه, فكيف ينعق ملؤهم من أولهم إلى آخرهم على ترك نقل هذا المهم الذي هو شعار الدخول في الصلاة ولعمر الله لو ثبت عنه من هذا كلمة واحدة لكنا أول من اقتدى به فيها وبادر إليها, ثم كان يمسك شماله بيمينه فيضعها عليها فوق المفصل ثم يضعها على صدره ثم يقول: quot;سبحانك اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم أغسل خطاياي بالماء والثلج والبردquot;. وكان يقول أحيانا: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين 1. اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت وأنا عبدك ظلمت نفسي وأعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني  1 أول المسلمين في عصره كما تقول: فلان أول مدرسته أي في هذا العام أو فلان أول الثانوية العامة أي في هذا العام.(1\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "139",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3269",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك, أنا بك وإليك تباركت وتعاليت استغفرك وأتوب إليكquot;. ولكن هذا إنما حفظ عنه في صلاة الليل, وربما كان يقول: quot; الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا, والحمد لله كثيرا والحمد لله كثيرا, وسبحان الله بكرة وأصيلاquot;. وربما كان يقول: quot;الله أكبر الله أكبر لا إله الا أنت لا إله إلا أنت. سبحان الله وبحمده سبحان الله وبحمدهquot;. ثم يقول: quot;أعوذ بالله من الشيطان الرجيمquot;. وربما قال: quot;أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخة ونفثه وهمزهquot;. وربما قال: quot;اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم وهمزه ونفخه ونفثهquot; ثم يقرأ فاتحة الكتاب. فإن كانت الصلاة جهرية أسمعهم القراءة ولم يسمعهم بسم الله الرحمن الرحيم فربه أعلم هل كان يقرؤها أم لا. وكان يقطع قراءته آية آية: ثم يقف على رب العالمين ثم يبتديء الرحمن الرحيم ويقف ثم يبتديء: مالك يوم الدين على ترسل وتمهل وترتيل يمد quot;الرحمنquot; ويمد quot;الرحيمquot; وكان يقرأ: مالك يوم الدين بالألف يعني: لا يقرأ quot;ملكquot; وهي قراءة, وإذا ختم السورة قال: quot;آمينquot;. يجهر بها ويمد بها صوته. ويجهر بها من خلفه حتى يرتج المسجد. واختلفت الرواية عنه هل كان يسكت بين الفاتحة وقراءة السورة أم كانت سكتة بعد القراءة كلها فقال يونس عن الحسن عن سمرة: حفظت سكتتين سكتة إذا كبر الإمام حتى يقرأ, وسكتة إذا فرغ من فاتحة الكتاب, وسكتة عند الركوع. وصدقه أبي بن كعب على ذلك. ووافق يونس أشعث الحمراني عن الحسن فقال: سكتة إذا استفتح وسكتة إذا فرغ من القراءة كلها. وخالفهما قتادة فقال عن الحسن أن سمرة بن جندب وعمران بن الحصين تذاكرا فحدث سمرة أنه حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سكتتين سكتة إذا كبر وسكتة إذا فرغ من قراءة: المغضوب عليهم ولا الضالين فقط فحفظ ذلك سمرة وأنكر عليه عمران بن حصين فكتبا في ذلك إلى أبي كعب فكان في كتابه أن سمرة قد حفظ. وقال قتادة أيضا عن الحسن عن سمرة: سكتتان حفظتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم(1\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "140",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3270",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا دخل في الصلاة وإذا فرغ من القراءة, ثم قال بعد: وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقد اتفقت الأحاديث أنهما سكتتان فقط, إحداهما: سكتة الافتتاح, والثانية: مختلف فيها, فالذي قال: إنها بعد قراءة الفاتحة هو قتادة. وقد أختلف عليه سمرة فمرة قال ذلك ومرة قال من القراءة, ولم يختلف على يونس وأشعث أنها بعد فراغه من القراءة كلها, وهذا أرجح الروايتين, والله اعلم. وبالجملة فلم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه كان يسكت بعد قراءة الفاتحة حتى يقرأها من خلفه, وليس في سكوته في هذا المحل إلا هذا الحديث المختلف فيه كما رأيت, ولو كان يسكت هنا سكتة طويلة يدرك فيها قراءة الفاتحة لما اختفى ذلك على الصحابة ولكان معرفتهم به ونقلهم أهم من سكتة الافتتاح ثم يقرأ بعد ذلك سورة طويلة تارة وقصيرة تارة ومتوسطة تارة كما تقدم ذكر الأحاديث به, ولم يكن يبتديء من وسط السورة ولا من آخرها وإنما كان يقرأ من أولها فتارة يكملها وهو أغلب أحواله وتارة يقتصر على بعضها ويكملها في الركعة الثانية, ولم ينقل أحد عنه أنه قرأ بآية من سورة أو بآخرها إلا في سنة الفجر فإنه كان يقرأ فيها بهاتين الآيتين: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا الآية قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم الآية. وكان يقرأ بالسورة في الركعة وتارة يعيدها في الركعة الثانية وتارة يقرأ سورتين في الركعة, أما الأول فكقول عائشة: إنه قرأ في المغرب بالأعراف فرقها في الركعتين. وأما الثاني: فقراءته في الصبح إذا زلزلت في الركعتين كلتيهما: والحديثان في السنن. وأما الثالث فكقول ابن مسعود: ولقد عرفت النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بينهما فذكر عشرين سورة من المفصل: سورتين في ركعة, وهذا في الصحيحين, وكان يمد قراءة الفجر ويطيلها أكثر من سائر الصلوات -وأقصر ما حفظ عنه أنه كان يقرأ بها فيها فى الحضر quot;قquot; ونحوها, وكان يجهر بالقراءة في الفجر, والأوليين من المغرب والعشاء, ويسر فيما سوى ذلك, وربما كان يسمعهم الآية في قراءة السر أحيانا.(1\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "141",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3271",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان يقرأ في فجر يوم الجمعة سورة الم تنزيل quot;السجدةquot; و هل أتى كاملتين ولم يقتصر على إحداهما ولا على بعض هذه وبعض هذه فقط, وكان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة quot;الجمعةquot; والمنافقونquot; كاملتين ولم يقتصر على أواخرهما, وربما كان يقرأ بسورة quot;الأعلىquot; و quot;الغاشيةquot; وكان يقرأ في العيدين بسورة quot;قquot; و quot;اقتربت الساعةquot; كاملتين ولم يقتصر على أواخرهما, وكان يقرأ في صلاة السر سورة فيها السجدة أحيانا فيسجد للسجدة ويسجد معه من خلفه, وكان يقرأ في الظهر قدر: الم تنزيل quot;السجدةquot; أونحو ثلاثين آية, ومرة كان يقرأ فيها بـ سبح اسم ربك الأعلى والليل إذا يغشى والسماء ذات البروج والسماء والطارق ونحوها من السور. ومرة بـ quot;لقمانquot; quot;والذارياتquot;. وكان يقوم في الركعة الأولى منها حتى لا يسمع وقع قدم. وكذلك كان يطيل الركعة الأولى من كل صلاة على الثانية, وكانت قراءتة في العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر خمس عشرة آية, وكان يقرأ في المغرب بالأعراف تارة وبالطور تارة والمرسلات تارة وبالدخان تارة. وروي عنه أنه قرأ فيها بـ قل يا أيها الكافرون و قل هو الله أحد تفرد به ابن ماجه, ولعل أحد رواته وهم من قراءته بهما في سنة المغرب, فكان يقرأ بهما في سنة المغرب فقال: كان يقرأ بهما في المغرب أو سقطت quot;سنةquot; من النسخة والله أعلم. وكان يقرأ في عشاء الآخرة بـ والتين والزيتون وسورة إذا السماء انشقت ويسجد فيها جميع من خلفه وبـ والشمس وضحاها ونحو ذلك من السور, وكان إذا فرغ من القراءة سكت هنيهة ليرجع إليه نفسه. فصل ثم كان يرفع يديه إلى أن يحاذي بهما فروع أذنيه كما رفعهما في الاستفتاح, صح عنه ذلك كما صح التكبير للركوع, بل الذين رووا عنه رفع اليدين ههنا أكثر من الذين رووا عنه التكبير, ثم يقول الله أكبر ويخر راكعا ويضع يديه على ركبتيه فيمكنهما من ركبتيه وفرج بين أصابعه وجافى مرفقيه عن جنبيه ثم اعتدل وجعل رأسه حيال ظهره فلم يرفع رأسه ولم يصوبه, وهصر ظهره- أي مده- ولم يجمعه, ثم قال: quot;سبحان ربي العظيمquot;.(1\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "142",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3272",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروى عنه أنه كان يقول: quot;سبحان ربي العظيم وبحمدهquot;. قال أبو داو: وأخاف أن لا تكون هذه الزيادة محفوظة, وربما مكث قدر ما يقول القائل عشر مرات وربما مكث فوق ذلك ودونه, وربما قال: quot;سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر ليquot; , وربما قال: quot;سبوح قدوس رب الملائكة والروحquot; , وربما قال: quot;اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت وعليك توكلت أنت ربي خشع قلبي وسمعي وبصري ودمي ولحمي وعظمي وعصبي لله رب العالمينquot; , وربما كان يقول: quot;سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمةquot; , وكان ركوعه مناسبا لقيامه في التطويل والتخفيف وهذا بين في سائر الأحاديث. فصل ثم كان يرفع رأسه قائلا: quot;سمع الله لمن حمدهquot; , ويرفع يديه كما يرفعهما عند الركوع فإذا اعتدل قائما قال: quot;ربنا لك الحمدquot; وربما قال: quot;اللهم ربنا ولك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت منم شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد, اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجدquot;. وربما زاد على ذلك: quot;اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد, اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخquot; , وكان يطيل هذا الركن حتى يقول القائل: قد نسي. وكان يقول في صلاة الليل فيه: quot;لربي الحمد لربي الحمدquot;. فصل ثم يكبر ويخر ساجدا ولا يرفع يديه وكان يضع ركبتيه قبل يديه هكذا قال عنه وائل بن حجر وأنس بن مالك, وقال عنه ابن عمر: إنه كان يضع يديه قبل ركبتيه, واختلف على أبي هريرة, ففي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot; إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيهquot;. وروى عنه المقبري عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديهquot;. فأبو هريرة قد تعارضت الرواية عنه, وحديث وائل وابن عمر قد تعارضا فرجحت طائفة حديث ابن عمر ورجحت طائفة حديث وائل بن حجر, وسلكت طائفة مسلك النسخ, وقالت: كان الأمر الأول وضع اليدين قبل الركبتين, ثم(1\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "143",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3273",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نسخ بوضع الركبتين أولا. وهذه طريقة ابن خزيمة في ذكر الدلائل على الأمر بوضع اليدين عند السجود منسوخ, فإن وضع الركبتين قبل اليدين ناسخ. ثم روى من طريق إسماعيل بن إبراهيم عن يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه عن سلمة عن مصعب بن سعد قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بوضع الركبتين قبل اليدين وهذا لو ثبت لكان فيه الشفاء لكن يحيى بن سلمة بن كهيل قال البخاري: quot;عنده مناكيرquot;, وقال ابن معين: quot;ليس بشيء لا يكتب حديثهquot; وقال النسائي: quot;متروك الحديثquot;. وهذه القصة مما وهم فيها يحيى أو غيره وإنما المعروف عن مصعب بن سعد عن أبيه نسخ التطبيق في الركوع بوضع اليدين على الركبتين, فلم يحفظ هذا الراوي وقال المنسوخ وضع اليدين قبل الركبتين, قال السابقون باليدين قد صح حديث ابن عمر فإنه من رواية عبيد الله عن نافع عنه, قال ابن أبي داود وهو قول أهل الحديث قالوا وهم أعلم بهذا من غيرهم فإنه نقل محض قالوا: وهذه سنة رواها أهل المدينة وهم أعلم بها من غيرهم. قال ابن أبي داود: ولهم فيها إسنادان أحدهما: محمد بن عبد الله بن حسن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. والثاني: الدراوردي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر وقالوا: وحديث وائل بن حجر له طريقان وهما معلومان في أحدهما شريك تفرد بت قال الدارقطني: quot;وليس بالقوي فيما يتفرد بهquot; والطريق الثاني: من رواية عبد الجبار بن وائل عن أبيه ولم يسمع من أبيه. قال السابقون بالركبتين: حديث وائل بن حجر أثبت من حديث أبي هريرة وابن عمر, قال البخاري: حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة لا يتابع عليه فيه محمد بن عبد الله بن الحسن قال: ولا أدري سمع من أبي الزناد أم لا, وقال الخطابي: حديث وائل بن حجر أثبت منه, قال: وزعم بعض العلماء أنه منسوخ ولهذالم يحسنه الترمذي وحكم بغرابته وحسن حديث وائل. قالوا: وقد قال في حديث أبي هريرة: quot;لا يبرك كما يبرك البعيرquot;:, والبعير إذا برك بدأ بيديه قبل ركبتيه, وهذا النهي لا يمانع قوله: quot;وليضع يديه قبل ركبتيهquot; بل ينافيه ويدل(1\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "144",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3274",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على أن هذه الزيادة غير محفوظة, ولعل لفظها انقلب على بعض الرواة, قالوا: ويدل على ترجيح هذا امران آخران: أحدهما: ما رواه أبو داود من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يعتمد الرجل على يديه في الصلاة, وفي لفظ: quot;نهى أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاةquot;, ولا ريب أنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه اعتمد عليهما فيكون قد أوقع جزءا من الصلاة معتمدا على يديه بالأرض, وأيضا فهذا الاعتماد بالسجود نظير الاعتماد في الرفع منه سواء, فإذا نهى عن ذلك كان نظيره كذلك. الثاني: أن المصلي في انحطاطه ينحط منه إلى الأرض الأقرب إليها أولا ثم الذي من فوقه ثم الذي من فوقه حتى ينتهي إلى أعلى ما فيه وهو وجهه, فإذا رفع رأسه من السجود ارتفع أعلى ما فيه أولا ثم الذي دونه حتى يكون آخر ما يرتفع منه ركبتاه, والله أعلم. فصل ثم كان يسجد على جبهته وأنفه ويديه وركبتيه وأطراف قدميه, ويستقبل بأصابع يديه ورجليه القبلة, وكان يعتمد على إليتي كفيه ويرفع مرفقيه ويجافي عضديه عن جنبيه حتى يبدو بياض إبطيه ويرفع بطنه عن فخذيه وفخذيه عن ساقيه, ويعتدل في سجوده ويمكن وجهه من الأرض مباشرا به للمصلى ساجدا على كور العمامة. قال أبو حميد الساعدي وعشرة من الصحابة يسمعون كلامه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائما ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه, فإذا أراد أن أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه, ثم قال: quot;الله أكبرquot; فرفع ثم اعتدل فلم يصوب رأسه ولم يقنعه ووضع يديه على ركبتيه وقال: quot;سمع الله لمن حمدهquot; ثم رفع واعتدل حتى رجع كل عضو في موضعه معتدلا, ثم هوى ساجدا وقال: quot;الله أكبرquot; ثم جافى وفتح عضديه عن بطنه وفتح أصابع رجليه ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها واعتدل حتى يرجع كل عظم موضعه معتدلا, ثم هوى ساجدا وقال: quot;الله أكبرquot; ثم ثنى رجله وقعد عليها حتى يرجع كل عضو إلى موضعه ثم نهض فصنع في الركعة الثانية مثل ذلك حتى إذا قام من السجدتين كبر ورفع(1\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "145",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3275",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما صنع حين افتتح الصلاة ثم صنع كذلك حتى إذا كانت الركعة التي تنقضي فيها الصلاة أخر رجله اليسرى وقعد على شقه متوركا ثم سلم. وكان يقول في سجوده: quot;سبحان ربي الأعلىquot;. وروي أنه كان يزيد عليها: quot;وبحمدهquot; , وربما قال: quot;اللهم إني لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه وصورة وشق سمعه وبصوره, تبارك الله أحسن الخالقينquot;. وكان يقول أيضا: quot;سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر ليquot; , وكان يقول: quot;سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنتquot; , وكان يقول: quot;سبوح قدوس رب الملائكة والروحquot; , وكان يقول: quot;اللهم اغفر لي ذنبي كله دقة وجله وأوله وآخره وعلانيته وسرهquot; , وكان يقول: quot;اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسكquot;. وكان يجعل سجوده مناسبا لقيامه ثم يرفع رأسه قائلا: quot;الله أكبرquot; غير رافع يديه ثم يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها وينصب اليمنى ويضع يديه على فخذيه ثم يقول: quot;اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقنيquot; وفي لفظ: quot;وعافنيquot; بدل quot;واجبرنيquot; هذا حديث ابن عباس. وقال حذيفة كان يقول بين السجدتين: quot;رب اغفر ليquot; , والحديثان في السنن وكان يطيل هذه الجلسة حتى يقول القائل قد أوهم أو قد نسي. فصل ثم يكبر غير رافع يديه ويصنع في الثانية مثل ما صنع في الأولى, ثم يرفع رأسه مكبرا وينهض على صدور قدميه معتمدا على ركبتيه وفخذيه. وقال مالك بن الحويرث: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا, فهذه تسمى جلسة الاستراحة لا ريب أنه صلى الله عليه وسلم فعلها, ولكن هل فعلها على أنها من سنن الصلاة وهيئاتها كالتجافي وغيره أو لحاجته إليه لما أسن وأخذه اللحم وهذا الثاني أظهر لوجهين: أحدهما أن فيه جمعا بينه ويبن حديث وائل بن حجر وأبي هريرة أنه كان ينهض على صدور قدميه. الثاني: أن الصحابة الذين كانوا أحرص الناس على مشاهدة أفعاله وهيئات صلاته كانوا ينهضون على صدور أقدامهم فكان عبد الله بن مسعود(1\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "146",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3276",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقوم على صدور قدميه في الصلاة ولايجلس رواه البيهقي عنه. ورواه عن ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وأبي سعيد الخدري من رواية عطية العوفي عنهم وهو صحيح عن ابن مسعود ولم يكن يرفع يديه في هذا القيام, وكان إذا استتم قائما أخذ القراءة ولم يسكت وافتتح قراءته بـ الحمد لله رب العالمين فإذا جلس في التشهد الأول مفترشا كما يجلس بين السجدتين ويضع يده اليسرى على ركبته اليسرى واليمنى على فخذه اليمنى وأشار بأصبعه السبابة ووضع إبهامه على أصبعه الوسطى كهيئة الحلقة وجعل بصرة إلى موضع إشارته وكان يرفع أصبعه السبابة ويحنيها قليلا يوحد بها ربه عز وجل. وذكر أبو داود من حديث ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;هكذا الاخلاصquot; يشير بأصبعه التي تلي الإبهام, وهكذا الدعاء فرفع يديه مدا حذو منكبيه -وهكذا الابتهال- فرفع يديه مدا وقد روي موقوفا, ثم كان يقول: quot;التحيات لله والصلوات الطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته, السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسولهquot; , وكان يعلمه أصحابه كما يعلمهم القرآن. وكان أيضا يقول: quot;التحيات المباركات الصلوات الطيبات للهquot; , هذا تشهد ابن عباس والأول تشهد ابن مسعود وهو أكمل لأن تشهد ابن مسعود يتضمن جملا متغايرة وتشهد ابن عباس جملة واحدة, وأيضا فإنه في الصحيحين وفيه زيادة الواو, وكان يعلمهم إياه كما يعلمهم القرآن. وروى ابن عمر عنه: quot;التحيات لله الصلوات الطيباتquot; , وفيه أنواع أخركلها جائزة, وكان يخفف هذه الجلسة حتى كأنه جالس على الرضف, وهي الحجارة المحماة, ثم يكبر وينهض فيصلي الثالثة والرابعة ويخففهما عن الأوليين وكان يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب وربما زاد عليها أحيانا. فصل وكان إذا قنت لقوم أو على قوم يجعل قنوته في الركعة الأخيرة بعد رفع رأسه من الركوع, وكان أكثر ما يفعل ذلك في صلاة الصبح. وقال حميد عن أنس: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا بعد الركوع في صلاته يدعو(1\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "147",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3277",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على رعل وذكوان, وقال ابن سيرين قلت: لأنس قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح قال: نعم بعد الركوع يسيرا, وقال ابن سيرين عن أنس: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا بعد الركوع في صلاة الفجر يدعو على عصية متفق على هذه الأحاديث, فهؤلاء أعلم الناس بأنس قد حكوا عنه أن قنوته كان بعد الركوع وحميد هو الذي روى عن أنس أنه سئل عن القنوت فقال: quot;كنا نقنت قبل الركوع وبعدهquot; , والمراد بهذا القنوت طول القيام, وقد أخبر أبو هريرة مثل ما أخبر به أنس سواء أنه صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع لما قال: quot;سمع الله لمن حمدهquot; قال قبل أن يسجد: quot;اللهم نج عياش ابن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وسلمة بن هشام والمستضعفين من المؤمنينquot; -متفق عليه. وقال ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر يقول: quot;اللهم العن فلانا وفلانا -بعد ما يقول- سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمدquot;. فقد اتفقت الأحاديث أنه قنت بعد الركوع وأنه قنت لعارض ثم تركه ثم قال أنس: القنوت في المغرب والفجر رواه البخاري. وقال البراء: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في صلاة الفجر والمغرب, رواه مسلم. وقنت أبو هريرة في الركعة الأخيرة من الظهر والعشاء الآخرة وصلاة الصبح بعدما يقول: quot;سمع الله لمن حمدهquot; يدعو للمؤمنين ويلعن الكفار, وقال: لأقربن بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكره البخاري. وقال أحمد وصلاة العصر مكان صلاة العشاء, وقال ابن عباس: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا متتابعا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة إذا قال سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة يدعو على حي من بني سليم ويؤمن من خلفه, ذكره أبو داود وقد اتفقت الأحاديث كما ترى على أنه في الركعة الأخيرة بعد الركوع وأنه عارض لا راتب. وفي صحيح مسلم عن أنس قنت يدعو على أحياء من أحياء العرب ثم تركه. وعند الإمام أحمد قنت شهرا ثم تركه, وقال أبو مالك الأشجعي قلت: لأبي يا أبت إنك قد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر عمر وعثمان وعلي بالكوفة ههنا قريبا خمس سنين أكانوا يقنتون قال أي بني إنه محدث!(1\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "148",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3278",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الترمذي: هذا صحيح ورواه النسائي, ولفظه: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقنت, وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت وصليت خلف عمر فلم يقنت وصليت خلف عثمان فلم يقنت وصليت خلف علي فلم يقنت, ثم قال يا بني بدعة! فمن كره القنوت في الفجر احتج بهذه الأحاديث وبقول أنس ثم تركه, قالوا: فهو منسوخ, ومن استحبه قبل الركوع فحجته الآثار عن الصحابة والتابعين بذلك. قال أبو داود الطيالسي: حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن أبي رجاء عن أبي مغفل أنه قنت في الفجر قبل الركوع وقال: مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يقنت في الفجر قبل الركوع. وقال مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يقنت قبل الركوع. قال أصبع بن الفرج والحارث بن مسكين وابن أبي العمر حدثنا عبد الرحمن بن القاسم قال: سئل مالك عن القنوت في الصبح أي ذلك أعجب إليك قال: الذي أدركت الناس عليه, وهو أمر الناس القديم القنوت قبل الركوع, قلت: أي ذلك تأخذ في خاصة نفسك قال: القنوت قبل الركوع, قلت: فالقنوت في الوتر, قال: ليس فيه قنوت. فصل ومن استحبه بعد الركوع فذهب إلى الأحاديث التي صرحت بأنه بعد الركوع وهي صحاح كلها, قال الأثرم قلت: لأبي عبد الله يقول أحد في حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت قبل عاصم الأحول قال: ما عملت أحدا يقوله غيره خالف عاصما. قلت: هشام عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم: قنت بعد الركوع والتميمي عن أبي مجلز عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع, وأيوب عن محمد قال: سألت أنسا وحنظلة السدوسي عن أنس أربعة وجوه, قيل لأبي عبد الله وسائر الأحاديث أليس إنما هي بعد الركوع قال: بلى كلها خفاف أين كانت وأبو هريرة, قلت: لأبي عبد الله فلم ترخص إذا في القنوت قبل الركوع وإنما صحت الأحاديث بعد الركوع فقال: القنوت في الفجر بعد الركوع, وفي الوتر نختاره بعد الركوع ومن قنت قبل الركوع فلا بأس(1\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "149",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3279",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لفعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلافهم فيه, فأما في الفجر فبعد الركوع والذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القنوت في النوازل ثم تركه ففعله سنة وتركه سنة. وعلى هذا دلت جميع الأحاديث وبه تتفق السنة. قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن القنوت في أي صلاة قال: في الوتر بعد الركوع, فإن قنت رجل في الفجر اتباع ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت دعاء للمستضعفين فلا بأس, فإن قنت رجل بالناس يدعو لهم ويستنصر الله تعالى فلا بأس. وقال إسحاق الحربي: سمعت أبا ثور يقول لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: ما تقول في القنوت في الفجر فقال أبو عبد الله: إنما يكون القنوت في النوازل. فقال له أبو ثور: أي نوازل أكثر من هذه النوازل التي نحن فيها قال: فإذا كان كذلك فالقنوت. وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن القنوت في الفجر فقال: نعم في الأمر يحدث, كما قنت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو على قوم, قلت: له ويرفع صوته قال: نعم ويؤمن من خلفه كذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: القنوت في الفجر بعد الركوع. وسمعته قال لما سئل عن القنوت في الفجر فقال: إذا نزل بالمسلمين أمر قنت الإمام وأمن من خلفه. ثم قال: مثل ما نزل بالناس من هذا الكافر. يعني بابك. وقال عبد القدوس بن مالك العطار: سألت أبا عبد اله أحمد بن حنبل فقلت: إني رجل غريب من أهل البصرة وإن قوما قد اختلفوا عندنا في أشياء وأحب أن أعلم رأيك فيما اختلفوا فيه, قال سل عما أحببت, قلت: فإن بالبصرة قوما يقنتون كيف ترى في الصلاة خلف من يقنت فقال: قد كان المسلمون يصلون خلف من يقنت وخلف من لا يقنت, فإن زاد في القنوت حرفا أو دعا بمثل quot;إنا نستعينكquot; أو quot;عذابك الجدquot; أو quot;نحفدquot;, فإن كنت في الصلاة فاقطعها. فصل وشرع لأمته أن يصلوا عليه في التشهد الأخير فيقولوا: quot;اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيدquot; وأمرهم أن يتعوذوا بالله من عذاب النار وعذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال, وعلم الصديق أن(1\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "150",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3280",
        "book_id": "qym_4109",
        "book_name": " الصلاة وأحكام تاركها",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يدعو في صلاته: quot;اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيمquot; وكان من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: quot;اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت القمدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنتquot;. ثم كان يسلم عن يمينه: quot;السلام عليكم ورحمة اللهquot; وعن يساره: quot;السلام عليكم ورحمة اللهquot; وروى ذلك خمسة عشر صحابيا, وكان إذ اسلم قال: quot;استغفر الله ثلاثا اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام لا إله الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير, اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرونquot;. وشرع لأمته التسبيح والتحميد عقيب كل صلاة وروى عنه النسائي من حديث أبي أمامة أنه قال: quot;من قرأ آية الكرسي عقيب كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموتquot;. فصل وكان يصلي قبل الظهر أربعا وبعدها ركعتين دائما, ولما شغل عنهما يوما صلاهما بعد العصر, وندب إلى أربع بعدها فقال: quot;من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع ركعات بعدها حرمه الله على النارquot; , قال الترمذي: حديث صحيح, ولم ينقل عنه أنه كان يصلي قبل العصر. حديث صحيح. وفي السنن عنه أنه قال: quot;رحم الله امرا صلى قبل العصر أربعاquot; , وكان يصلي بعد المغرب ركعتين وبعد العشاء ركعتين وقبل الصبح ركعتين, فهذه اثنتا عشرة ركعة سننا راتبة, والفرائض سبع عشرة ركعة. وكان يصلي من الليل عشر ركعات, وربما صلى اثنتي عشرة ركعة ويوتر بواحدة, فهذه أربعون ركعة ورده دائما: الفرائض وسننها وقيام الليل والوتر, ولم يكن من سننه الدعاء بعد الصبح والعصر, وإنما كان من هديه الدعاء في الصلاة وقبل السلام منها كما تقدم, والله أعلم.(1\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "151",
        "book_number": "10",
        "slug": " -qym_4109"
    },
    {
        "id": "3281",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "المجلد الأول",
        "content": "المجلد الأول مقدمة ... الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة ابن قيم الجوزية بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين رب يسر بفضلك يا كريم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له الموصوف بصفات الجلال المنعوت بنعوت الكمال المنزه عما يضاد كماله من سلب حقائق أسمائه وصفاته المستلزم لوصفه بالنقائص وشبه المخلوقين فنفي حقائق أسمائه متضمن للتعطيل والتشبيه وإثبات حقائقها على وجه الكمال الذي لا يستحقه سواه هو حقيقة التوحيد والتنزيه فالمعطل جاحد لكمال المعبود والممثل.(1\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3282",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مشبه له بالعبيد والموحد مبين لحقائق أسمائه وكمال أوصافه وذلك قطب رحى التوحيد فالمعطل يعبد عدما والممثل يعبد صنما والموحد يعبد ربا ليس كمثله شيء له الأسماء الحسنى والصفات العلى وسع كل شيء رحمة وعلما وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأمينه على وحيه وخيرته من خلقه وحجته على عباده فهو رحمته المهداة إلى العالمين ونعمته التي أتمها على أتباعه من المؤمنين أرسله على حين فترة من الرسل ودروس من الكتب وطموس من السبل وقد استوجب أهل الأرض أن ينزل بساحتهم العذاب وقد نظر الجبار جل جلاله إليهم فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب وكانت الأمم إذ ذاك ما بين مشرك بالرحمن عابد للأوثان.(1\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3283",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعابد للنيران وعابد للصلبان أو عابد للشمس والقمر والنجوم كافر بالله الحي القيوم أو تائه في بيداء ضلالته حيران قد استهواه الشيطان وسد عليه طريق الهدى والإيمان فالمعروف عنده ما وافق إرادته ورضاه والمنكر ما خالف هواه قد تخلى عنه الرحمن وقارنه الخذلان يسمع ويبصر بهواه لا بمولاه ويبطش ويمشي بنفسه وشيطانه لا بالله فباب الهدى دونه مسدود وهو عن الوصول إلى معرفة ربه واتباع مرضاته مصدود فأهل الأرض بين تائه حيران وعبد للدنيا فهو عليها لهفان ومنقاد للشيطان جاهل أو جاحد أو مشرك بالرحمن فالأرض قد غشيتها ظلمة الكفر والشرك والجهل والعناد وقد استولى عليها أئمة الكفر وعساكر الفساد وقد استند كل قوم إلى ظلمات آرائهم وحكموا على الله بين عباده بمقالاتهم الباطلة وأهوائهم فسوق الباطل نافقة لها القيام وسوق الحق كاسدة لا تقام فالأرض قد صالت جيوش الباطل في أقطارها(1\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3284",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونواحيها وظنت أن تلك الدولة تدوم لها وأنه لا مطمع بجند الله وحزبه فيها فبعث الله رسوله وأهل الأرض أحوج إلى رسالته من غيث السماء ومن نور الشمس الذي يذهب عنهم حنادس الظلمات فحاجتهم إلى رسالته فوق جميع الحاجات وضرورتهم إليها مقدمة على جميع الضرورات فإنه لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا لذة ولا سرور ولا أمان ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأفعاله ويكون أحب إليها مما سواه ويكون سعيها في ما يقربها إليه ويدنيها من مرضاته ومن المحال أن تستقل العقول البشرية بمعرفة ذلك وإدراكه على التفصيل فاقتضت رحمة العزيز الرحيم أن بعث الرسل به معرفين وإليه داعين ولمن أجابهم مبشرين ومن خالفهم منذرين وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله إذ على هذه المعرفة تنبني مطالب الرسالة جميعها وإن الخوف والرجاء والمحبة والطاعة والعبودية تابعة لمعرفة المرجو المخوف المحبوب المطاع المعبود.(1\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3285",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولما كان مفتاح الدعوة الإلهية معرفة الرب تعالى قال أفضل الداعين إليه سبحانه لمعاذ بن جبل وقد أرسله إلى اليمن إنك ستأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة وذكر باقي الحديث وهو في الصحيحين وهذا اللفظ لمسلم فأساس دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله ثم يتبع ذلك أصلان عظيمان أحدهما: تعريف الطريق الموصلة إليه وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه الثاني: تعريف السالكين ما لهم بعد الوصول إليه من النعيم الذي لا ينفد وقرة العين التي لا تنقطع وهذان الأصلان تابعان للأصل الأول ومبنيان عليه فأعرف الناس بالله أتبعبهم للطريق الموصل إليه وأعرفهم(1\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3286",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بحال السالكين عند القدوم عليه ولهذا سمى الله سبحانه ما أنزل على رسوله روحا لتوقف الحياة الحقيقية عليه ونورا لتوقف الهداية عليه قال الله تبارك وتعالى: يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده [غافر15] في موضعين من كتابه وقال عز وجل وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الأيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا [الشورى52] فلا روح إلا فيما جاء به ولا نور إلا في الاستضاءة به فهو الحياة والنور والعصمة والشفاء والنجاة والأمن والله سبحانه وتعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق فلا هدى إلا فيما جاء به ولا يقبل الله من أحد دينا يدينه به إلا أن يكون موافقا لدينه وقد نزه سبحانه وتعالى نفسه عما يصفه به العباد إلا ما وصفه به المرسلون فقال:(1\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3287",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبحان ربك رب العزة عما يصفون [الصافات 160] قال غير واحد من السلف هم الرسل وقال الله سبحانه وتعالى: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين فنزه نفسه عما يصفه به الخلق ثم سلم على المرسلين لسلامة ما وصفوه به من النقائص والعيوب ثم حمد نفسه على تفرده بالأوصاف التي يستحق عليها كمال الحمد ومن ها هنا أخذ إمام أهل السنة محمد بن إدريس الشافعي قدس الله روحه ونور ضريحه خطبة كتابه حيث قال: الحمد لله الذي هو كما وصف نفسه وفوق ما يصفه به خلقه فأثبت في هذه الكلمة أن صفاته إنما تتلقى بالسمع لا بآراء الخلق وأن أوصافه فوق ما يصفه به الخلق فتضمنت هذه الكلمة إثبات صفات الكمال الذي أثبته لنفسه وتنزيهه عن العيوب والنقائص والتمثيل وأن ما وصف به نفسه فهو الذي يوصف به(1\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3288",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا ما وصفه به الخلق ثم قال: والحمد لله الذي لا يؤدى شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة منه توجب على مؤدى شكر ماضي نعمه بأدائها نعمة حادثة يجب عليه شكره بها فأثبت في هذا القدر أن فعل الشكر إنما هو بنعمته على الشاكر وهذا يدل على أنه رحمه الله مثبت للصفات والقدر وعلى ذلك درج بزل الإسلام والرعيل الأول ثم فرق على أثرهم التابعون وتبعهم على منهاجهم اللاحقون يوصي بها الأول الآخر ويقتدي فيه اللاحق بالسابق وهم في ذلك بنبيهم مقتدون وعلى منهاجه سالكون(1\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3289",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الله تعالى قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني [يوسف108] فمن اتبعني إن كان عطفا على الضمير في أدعو إلى الله فهو دليل أن أتباعه هم الدعاة إلى الله وإن كان عطفا على الضمير المنفصل فهو صريح أن أتباعه هم أهل البصيرة فيما جاء به دون من عداهم. والتحقيق أن العطف يتضمن المعنيين فأتباعه هم أهل البصيرة الذين يدعون إلى الله وقد شهد سبحانه لمن يرى أن ما جاء به من عند الله هو الحق لا آراء الرجال بالعلم فقال تعالى ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد [سبأ6] وقال تعالى أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى [الرعد19] فمن تعارض عنده حقائق ما جاء به وآراء الرجال فقدمها عليه أو توقف فيه أو قدحت في كمال معرفته(1\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3290",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإيمانه به لم يكن من الذين شهد الله لهم بالعلم ولا يجوز أن يسمى بأنه من أهل العلم فكيف يكون الداعي إلى الله على بصيرة الذي وصفه الله بأنه سراج منير وبأنه هاد إلى صراط مستقيم وبأن من اتبع النور الذي أنزل معه فهو المفلح لا غيره وأن من لم يحكمه في كل ما ينازع فيه المتنازعون وينقاد لحكمه ولا يكون عنده حرج منه فليس بمؤمن لأن الرسول عنده قد أخبر الأمة عن الله وأسمائه وصفاته بما الحق في خلاف ظاهره والهدى في إخراجه عن حقائقه وحمله على وحشي اللغات ومستكرهات التأويل وأن حقائقه ضلال وتشبيه وإلحاد والهدى والعلم في مجازه وإخراجه عن حقائقه وإحالة الأمه فيه على آراء المتحيرين وعقول المتهوكين فيقول إذا أخبرتكم عن الله وصفاته العلى بشيء فلا تعتقدوا حقيقته وخذوا معرفة مرادي به من آراء الرجال ومعقولها فإن الهدى والعلم فيه والدين إذا أحيل على تأويلات المتأولين انتقضت(1\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3291",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عراه كلها ولا تشاء طائفة من طوائف أهل الضلال أن تتأول النصوص على مذهبها إلا وجدت السبيل إليه وقالت لمن فتح لها باب التأويل إنا تأولنا كما تأولتم والنصوص أخبرت بما تأولناه كما أخبرت بما تأولتموه فما الذي جعلكم في تأويلكم مأجورين وجعلنا عليه مأزورين والذي قادكم إلى التأويل ما تقولون إنه معقول فمعنا نظيره أو أقوى منه أو دونه وسيأتي تمام هذا في بيان عجز المتأولين عن الفرق بين ما يسوغ تأويله وما لا يسوغ والمقصود أن الله سبحانه قد أخبر أنه أكمل له ولأمته به دينهم وأتم عليهم به نعمته ومحال مع هذا أن يدع أهم ما خلق له الخلق وأرسلت به الرسل وأنزلت به الكتب ونصبت عليه القبلة وأسست عليه الملة وهو باب الإيمان به ومعرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله ملتبسا مشتبها حقه بباطله لم يتكلم فيه بما هو الحق بل تكلم بما ظاهره الباطل والحق في إخراجه عن ظاهره وكيف يكون أفضل الرسل وأجل الكتب غير واف بتعريف ذلك على أتم الوجود مبين له بأكمل البيان موضح له غاية الإيضاح مع شدة حاجة النفوس إلى معرفته ومع(1\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3292",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كونه أفضل ما اكتسبته النفوس وأجل ما حصلته القلوب ومن أبين المحال أن يكون أفضل الرسل قد علم أمته آداب البول قبله وبعده ومعه وآداب الوطء وآداب الطعام والشراب ويترك أن يعلمهم ما يقولونه بألسنتهم وتعتقده قلوبهم في ربهم ومعبودهم الذي معرفته غاية المعارف والوصول إليه أجل المطالب وعبادته وحده لا شريك له أقرب الوسائل ويخبرهم فيه بما ظاهره باطل وإلحاد ويحيلهم في فهم ما أخبرهم به على مستكرهات التأويلات ومستنكرات المجازات ثم يحيلهم في معرفة الحق على ما تحكم به عقولهم وتوجبه أراؤهم هذا وهو القائل: quot;تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالكquot; وهو القائل quot;ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل على أمته على(1\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3293",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهمquot; وقال أبو ذر لقد توفي رسول الله وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علما وقال عمر بن الخطاب قام فينا رسول الله مقاما فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه ذكره البخاري وصلى بهم رسول الله صلاة الظهر ثم خطبهم حتى حضرت العصر فصلى العصر ثم خطب بهم حتى غربت الشمس فلم يدع شيئا كان ولا يكون(1\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3294",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من خلق آدم إلى قيام الساعة حتى أخبرهم به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه. فكيف يتوهم من لله ولرسوله ودينه في قلبه وقار أن يكون رسول الله قد أمسك عن بيان هذا الأمر العظيم ولم يتكلم فيه بالصواب بل تكلم بما ظاهره خلاف الصواب بل لا يتم الإيمان إلا باعتقاد أن بيان ذلك قد وقع من الرسول على أتم الوجوه وأوضحه غاية الإيضاح ولم يدع بعده لقائل مقالا ولا لمتأول تأويلا ثم من المحال أن يكون خير الأمة وأفضلها وأعلمها وأسبقها إلى كل فضل وهدى ومعرفة قصروا في هذا الباب فجفوا عنه أو تجاوزوا فغلوا فيه وإنما ابتلي من خرج عن منهاجهم بهذين الداءين وهدوا لأحد الإنحرافين وبزل الإسلام وعصابة الإيمان وحماة الدين هم الذين كانوا في هذا الباب قائلين بالحق معتقدين له داعين إليه(1\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3295",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل القوم كانوا عن هذا الباب معرضين وبالزهد والعبادة والجهاد مشتغلين لم يكن هذا الباب من همتهم ولا عنايتهم به قيل هذا من أبين المحال وأبطل الباطل بل كانت عنايتهم بهذا الباب فوق كل عناية واهتمامهم به فوق كل اهتمام وذلك بحسب حياة قلوبهم ومحبتهم لمعبودهم ومنافستهم في القرب منه فمن في قلبه أدنى حياة أو محبة لربه وإرادة لوجهه وشوق إلى لقائه فطلبه لهذا الباب وحرصه على معرفته وازدياده من التبصر فيه وسؤاله واستكشافه عنه هو أكبر مقاصده وأعظم مطالبه وأجل غاياته وليست القلوب الصحيحة والنفوس المطمئنة إلى شيء من الأشياء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر ولا فرحها بشيء أعظم من فرحها بالظفر بمعرفة الحق فيه فكيف يمكن مع قيام هذا المقتضى الذي هو من أقوى المقتضيات أن يتخلف عنه أثره في خيار الأمة وسادات أهل العلم والإيمان الذين هممهم أشرف الهمم ومطالبهم أجل المطالب ونفوسهم أزكى النفوس فكيف يظن بهم الإعراض عن مثل هذا الأمر العظيم أو الغفلة عنه أو التكلم بخلاف الصواب فيه واعتقاد الباطل ومن المحال أن يكون تلاميذ المعتزلة وورثة(1\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3296",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصابئين وأفراخ اليونان الذين شهدوا على أنفسهم بالحيرة والشك وعدم العلم الذي يطمئن إليه القلب وأشهدوا الله وملائكته عليهم به وشهد به عليهم الأشهاد من أتباع الرسل أعلم بالله وأسمائه وصفاته وأعرف به ممن شهد الله ورسوله لهم بالعلم والإيمان وفضلهم على من سبقهم ومن يجيء بعدهم إلى يوم القيامة ما خلا النبيين والمرسلين وهل يقول هذا إلا غبي جاهل لم يقدر قدر السلف ولا عرف الله ورسوله وما جاء به. قال شيخنا وإنما أتى هؤلاء المبتدعة الذين(1\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3297",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فضلوا طريقة الخلف على طريقة السلف من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه ولا فهم لمراد الله ورسوله منها واعتقدوا أنهم بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني [البقرة78] وأن طريقة المتأخرين هي استخراج معاني النصوص وصرفها عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات ومستنكر التأويلات فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وراء ظهورهم فجمعوا(1\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3298",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بين الجهل بطريقة السلف والكذب عليهم وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص فلما اعتقدوا التعطيل وانتفاء الصفات في نفس الأمر ورأوا أنه لا بد للنصوص من معنى بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى وهذا الذي هو طريقة السلف عندهم وبين صرف اللفظ عن حقيقته وما وضع له إلى ما لم يوضع له ولا دل عليه بأنواع من المجازات والتكلفات التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالبيان والهدى كما سيأتي بيانه مفصلا إن شاء الله وصار هذا الباطل مركبا من فساد العقل والجهل بالسمع فلا سمع ولا عقل فإن النفي(1\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3299",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتعطيل إنما اعتمدوا فيه على شبهات فاسدة ظنوها معقولات صحيحة فحرفوا لها النصوص السمعية عن مواضعها فلما ابتنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكاذبتين كانت النتيجة استجهال السابقين الذين هم أعلم الأمة بالله وصفاته واعتقاد أنهم كانوا أميين بمنزلة الصالحين البله الذين لم يتبحروا في حقائق العلم بالله ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي وأن الخلف هم الفضلاء العلماء الذين حازوا قصب السبق واستولوا على الغاية وظفروا من الغنيمة بما فات السابقين الأولين فكيف يتوهم من له أدنى مسكة من عقل وإيمان أن(1\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3300",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هؤلاء المتحيرين الذين كثر في باب العلم بالله اضطرابهم وغلظ عن معرفة الله حجابهم وأخبر الواقف على نهايات إقدامهم بما انتهى إليه من مرامهم وأنه الشك والحيرة حيث يقول لعمري. لقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم(1\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3301",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويقول الآخر نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وغاية دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا وقال الآخر لقد خضت البحر الخضم وتركت أهل الإسلام وعلومهم وخضت في الذي نهوني عنه والآن إن(1\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3302",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يتداركني ربي برحمته فالويل لي وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي وقال آخر أكثر الناس شكا عند الموت أصحاب الكلام. وقال آخر منهم عند موته أشهدوا علي أني أموت وما عرفت شيئا إلا أن الممكن يفتقر إلى واجب ثم قال والافتقار أمر عدمي فلم أعرف شيئا وقال آخر وقد نزلت به نازلة من سلطانه فاستغاث برب الفلاسفة فلم يغث قال ثم استغثت برب الجهمية فلم يغثني ثم استغثت برب القدرية فلم يغثني ثم استغثت برب المعتزلة فلم يغثني قال فاستغثت برب العامة فأغاثني.(1\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3303",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال شيخنا وكيف يكون هؤلاء المحجوبون المنقوصون الحيارى المتهوكون أعلم بالله وصفاته وأسمائه وآياته من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل ومصابيح الدجى وأعلام الهدى الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء وأحاطوا من حقائق المعارف بما لو جمعت حكمة من عداهم وعلومهم إليه(1\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3304",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لاستحى من يطلب المقابلة ثم كيف يكون أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند واليونان وورثة المجوس والمشركين وضلال الصابئين وأشباههم وأشكالهم أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان اه. فصل فهذه مقدمة بين يدي جواب السؤال المذكور وإنما تتبين حقيقة الجواب بفصول الفصل الأول: في معرفة حقيقة التأويل ومسماه لغة واصطلاحا الفصل الثاني: في انقسام التأويل إلى صحيح وباطل الفصل الثالث: أن التأويل إخبار عن مراد المتكلم لا إنشاء.(1\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3305",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل الرابع في الفرق بين تأويل الخبر وتأويل الطلب الفصل الخامس: في الفرق بين تأويل التحريف وتأويل التفسير وأن الأول يمتنع وقوعه في الخبر والطلب والثاني يقع فيهما. الفصل السادس: في تعجيز المتأولين عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويله من آيات الصفات وأحاديثها وما لا يسوغ. الفصل السابع: في إلزامهم في المعنى الذي جعلوه تأويلا نظير ما فروا منه الفصل الثامن: في بيان خطئهم في فهمهم من النصوص المعاني الباطلة التي تأولوها لأجلها فجمعوا بين التشبيه والتعطيل. الفصل التاسع: في الوظائف الواجبة على المتأول التي لا يقبل منه تأويله إلا بها. الفصل العاشر: في أن التأويل شر من التعطيل فإنه يتضمن التشبيه والتعطيل والتلاعب بالنصوص. الفصل الحادي عشر: في أن قصد المتكلم من المخاطب حمل كلامه على خلاف ظاهره وحقيقته ينافي قصد البيان والإرشاد.(1\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3306",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل الثاني عشر: في بيان أنه مع كمال علم المتكلم وفصاحته وبيانه ونصحه يمتنع عليه أن يريد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته وعدم البيان في أهم الأمور وما تشتد الحاجة إلى بيانه. الفصل الثالث عشر: في بيان أن تيسير القرآن للذكر ينافي حمله على التأويل المخالف لحقيقته وظاهره. الفصل الرابع عشر: في أن التأويل يعود على المقصود من وضع اللغات بالإبطال الفصل الخامس عشر: في جنايات التأويل على أديان الرسل وأن خراب العالم وفساد الدنيا والدين بسبب فتح باب التأويل. الفصل السادس عشر: في بيان ما يقبل التأويل من الكلام وما لا يقبله. الفصل السابع عشر: في أن التأويل يفسد العلوم كلها إن سلط عليها ويرفع الثقة بالكلام إن سلط عليه ولا يمكن أمة من الأمم أن تعيش عليه. الفصل الثامن عشر: في انقسام الناس في نصوص الوحي إلى أصحاب تأويل وأصحاب تخييل وأصحاب تمثيل وأصحاب تجهيل وأصحاب سواء السبيل.(1\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3307",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل التاسع عشر: في الأسباب التي تسهل على النفوس الجاهلة قبول التأويل مع مخالفته للبيان الذي علمه الله الإنسان وفطره على قبوله. الفصل العشرون: في بيان أن أهل التأويل لا يمكنهم إقامة الدليل السمعي على مبطل أبدا. الفصل الحادي والعشرون: في الأسباب الجالبة للتأويل. الفصل الثاني والعشرون: في أنواع الاختلاف الناشئة عن التأويل وانقسام الاختلاف إلى محمود ومذموم. الفصل الثالث والعشرون: في أسباب الخلاف الواقع بين الأئمة بعد اتفاقهم على أصل واحد وتحاكمهم إليه وهو كتاب الله وسنة رسوله. الفصل الرابع والعشرون: في ذكر الطواغيت الأربع التي هدم بها أصحاب التأويل الباطل معاقل الدين وانتهكوا بها حرمة القرآن ومحوا بها رسوم الإيمان وهي قولهم إن كلام الله وكلام رسوله أدلة لفظية لا تفيد علما ولا يحصل منها يقين. وقولهم إن آيات الصفات وأحاديث الصفات مجازات لا حقيقة لها.(1\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3308",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقولهم إن أخبار رسول الله الصحيحة لا تفيد العلم وغايتها أن تفيد الظن. وقولهم إذا تعارض العقل ونصوص الوحي أخذنا بالعقل ولم نلتفت إلى الوحي. والله المسؤول أن يرينا الحق حقا ويوفقنا لاتباعه ويرينا الباطل باطلا ويعيننا على اجتنابه وأن لا يجعلنا ممن يتقدم بين يديه ويدي رسوله ولا ممن يقدم آراء الرجال وما نحتته أفكارها على نصوص الوحي وهو المسؤول أن يوفقنا لما طلبناه وأن يجعله خالصا لوجهه مدنيا من رضاه إنه خير مسؤول وأكرم مأمول وبه المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله.(1\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3309",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الفصل الأول: في معرفة حقيقة التأويل ومسماه لغة واصطلاحا",
        "content": "الفصل الأول: في معرفة حقيقة التأويل ومسماه لغة واصطلاحا التأويل تفعيل من آل يؤول إلى كذا إذا صار إليه فالتأويل التصيير وأولته تأويلا إذا صيرته إليه فآل وتأول وهو مطاوع أولته. وقال الجوهري التأويل تفسير ما يؤول إليه الشيء وقد أولته وتأولته تأولا بمعنى قال الأعشى على أنها كانت تأول حبها ... تأول ربعي السقاب فأصحبا(1\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3310",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أبو عبيدة يعني تفسير حبها ومرجعه أي أنه كان صغيرا في قلبه فلم يزل ينبت حتى صار قديما كهذا السقب الصغير لم يزل يشب حتى صار كبيرا مثل أمه وصار له ابن يصحبه انتهى كلامه ثم تسمى العاقبة تأويلا لأن الأمر يصير إليها ومنه قوله تعالى فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا [النساء59] وتسمى حقيقة الشيء المخبر به تأويلا لأن الأمر ينتهي إليها ومنه قوله تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق [الأعراف53] فمجيء تأويله مجيء نفس ما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر والمعاد وتفاصيله والجنة والنار ويسمى تعبير الرؤيا تأويلا بالاعتبارين فإنه تفسير لها وهو عاقبتها وما تؤول إليه وقال يوسف لأبيه يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل [يوسف100](1\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3311",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أي حقيقتها ومصيرها إلى ها هنا انتهت وتسمى العلة الغائية والحكمة المطلوبة بالفعل تأويلا لأنها بيان لمقصود الفاعل وغرضه من الفعل الذي لم يعرف الرائي له غرضه به ومنه قول الخضر لموسى عليهما السلام بعد أن ذكر له الحكمة المقصودة بما فعله من تخريق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار بلا عوض سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا [الكهف78] فلما أخبره بالعلة الغائية التي انتهى إليها فعله قال ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا [الكهف82] فالتأويل في كتاب الله سبحانه وتعالى المراد به حقيقة المعنى الذي يؤول اللفظ إليه وهي الحقيقة الموجودة في الخارج فإن الكلام نوعان خبر وطلب فتأويل الخبر هو الحقيقة وتأويل الوعد والوعيد هو نفس الموعود والمتوعد به وتأويل ما أخبر الله به من صفاته وأفعاله نفس ما هو عليه سبحانه وما هو موصوف به من الصفات العلى وتأويل الأمر هو نفس الأفعال المأمور بها قالت عائشة كان رسول الله يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك يتأول القرآن(1\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3312",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا التأويل هو نفس فعل المأمور به فهذا التأويل في كلام الله ورسوله وأما التأويل في اصطلاح أهل التفسير والسلف من أهل الفقه والحديث فمرادهم به معنى التفسير والبيان ومنه قول ابن جرير وغيره القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا يريد تفسيره ومنه قول الإمام أحمد في كتابه في الرد على الجهمية فيما تأولته من القرآن على غير تأويله فأبطل تلك التأويلات التي ذكروها وهي تفسيرها المراد بها وهو تأويلها عنده فهذا التأويل يرجع إلى فهم المعنى وتحصيله في الذهن والأول يعود إلى وقوع حقيقته في الخارج. وأما المعتزلة والجهمية وغيرهم من فرق المتكلمين فمرادهم بالتأويل صرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته إلى مجازه وما يخالف ظاهره وهذا هو الشائع في عرف المتأخرين من أهل الأصول والفقه ولهذا يقولون التأويل على خلاف الأصل والتأويل يحتاج إلى دليل. وهذا التأويل هو الذي صنف في تسويغه وإبطاله من(1\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3313",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجانبين فصنف جماعة في تأويل آيات الصفات وأخبارها كأبي بكر بن فورك وابن مهدي الطبري وغيرهما وعارضهم آخرون فصنفوا في إبطال تلك التأويلات كالقاضي أبي يعلى والشيخ موفق الدين بن(1\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3314",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قدامة وهو الذي حكى عن غير واحد إجماع السلف على عدم القول به كما ستأتي حكاية ألفاظهم إن شاء الله. فصل وعلى هذا ينبني الكلام في.(1\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3315",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الفصل الثاني: انقسام التأويل إلى صحيح وباطل",
        "content": "الفصل الثاني: انقسام التأويل إلى صحيح وباطل ... الفصل الثاني وهو انقسام التأويل إلى صحيح وباطل فالتأويل الصحيح هو القسمان الأولان وهما حقيقة المعنى وما يؤول إليه في الخارج أو تفسيره وبيان معناه وهذا التأويل يعم المحكم والمتشابه والأمر والخبر. قال جابر بن عبد الله في حديث حجة الوداع ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا ينزل عليه القرآن وهو يعلم تأويله فما عمل به من شيء عملنا به فعلمه بتأويله هو علمه بتفسيره وما يدل عليه وعمله به هو تأويل ما أمر به ونهى عنه.(1\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3316",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة آخذ بخطام ناقته وهو يقول خلوا بني الكفار عن سبيله ... خلوا فكل الخير في رسوله يا رب إني مؤمن بقيله ... أعرف حق الله في قبوله نحن قتلناكم على تأويله ... كما قتلناكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله قال ابن هشام نحن قتلناكم على تأويله إلى آخر(1\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3317",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأبيات لعمار بن ياسر في غير هذا اليوم والدليل على ذلك أن ابن رواحة إنما أراد المشركين والمشركون لم يقروا بالتنزيل وإنما يقاتل على التأويل من أقر بالتنزيل. وهذا لا يلزم إن صح الشعر عن ابن رواحة لأن المراد بقتالهم على التأويل هو تأويل قوله تعالى لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين [الفتح27] وكان دخولهم المسجد الحرام عام القضية آمنين هو تأويل هذه الرؤيا التي رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزلها الله في كتابه ويدل عليه أن الشعر إنما يناسب خطاب الكفار بقي أن يقال فلم يكن هناك(1\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3318",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قتال حتى يقول نحن قتلناكم فيقال هذا تخويف وتهديد أي إن قاتلتمونا قاتلناكم وقتلناكم على التأويل والتنزيل وعلى التقديرين فليس المراد بالتأويل صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه. ومن هذا قول الزهري وقعت الفتنة وأصحاب محمد متوافرون فأجمعوا أن كل مال أو دم أصيب بتأويل القرآن فهو هدر أنزلوهم منزلة أهل الجاهلية أي إن القبيلتين في الفتنة إنما اقتتلوا على تأويل القرآن وهو تفسيره وما ظهر لكل طائفة منه حتى دعاهم إلى القتال فأهل الجمل وصفين إنما اقتتلوا على تأويل القرآن وهؤلاء يحتجون به وهؤلاء يحتجون به نعم التأويل الباطل تأويل أهل الشام قوله لعمار quot;تقتلك(1\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3319",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفئة الباغيةquot; فقالوا نحن لم نقتله إنما قتله من جاء به حتى أوقعه بين رماحنا فهذا هو التأويل الباطل المخالف لحقيقة اللفظ وظاهره فإن الذي قتله هو الذي باشر قتله لا من استنصر به ولهذا رد عليهم من هو أولى بالحق والحقيقة منهم فقالوا فيكون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه هم الذين قتلوا حمزة والشهداء معه لأنهم أتوا بهم حتى أوقعوهم تحت سيوف المشركين. ومن هذا قول عروة بن الزبير لما روى حديث عائشة فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر فقيل له فما بال عائشة أتمت في السفر قال تأولت كما تأول عثمان وليس مراده(1\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3320",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن عائشة وعثمان تأولا آية القصر على خلاف ظاهرها وإنما مراده أنهما تأولا دليلا قام عندهما اقتضى جواز الإتمام فعملا به فكان عملهما به هو تأويله فإن العمل بدليل الأمر هو تأويله كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأول قوله تعالى فسبح بحمد ربك واستغفره [النصر3] بامتثاله بقوله سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي فكأن عائشة وعثمان تأولا قوله فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة [النساء103] وإن إتمامها من إقامتها. وقيل تأولت عائشة أنها أم المؤمنين وأن أمهم حيث كانت فكأنها مقيمة بينهم وأن عثمان كان إمام المسلمين فحيث كان فهو منزله أو أنه كان قد عزم على الاستيطان بمنى أو أنه كان قد تأهل بها ومن تأهل بلد لم يثبت له حكم المسافر أو أن الأعراب كانوا قد كثروا في ذلك الموسم فأحب أن يعلمهم فرض الصلاة وأنه أربع أو غير ذلك من التأويلات التي ظناها أدلة مقيدة لمطلق القصر(1\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3321",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو مخصصة لعمومه وإن كانت كلها ضعيفة والصواب هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان إمام المسلمين وعائشة أم المؤمنين في حياته وبعد وفاته وقد قصرت معه ولم يكن عثمان ليقيم بمكة وقد بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما رخص بها للمهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا والمسافر إذا تزوج في طريقه لم يثبت له حكم الإقامة بمجرد التزوج مالم يزمع الإقامة وقطع السفر. وبالجملة فالتأويل الذي يوافق ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة ويطابقها هو التأويل الصحيح والتأويل الذي يخالف ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة هو التأويل الفاسد ولا فرق بين باب الخبر والأمر في ذلك وكل تأويل وافق ما جاء به الرسول فهو المقبول وما خالفه فهو المردود فالتأويل الباطل أنواع أحدها: مالم يحتمله اللفظ بوضعه كتأويل قولهquot; حتى يضع رب العزة عليها رجلهquot; بأن(1\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3322",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرجل جماعة من الناس فإن هذا لا يعرف في شيء من لغة العرب البتة. الثاني: مالم يحتلمه اللفظ ببنيته الخاصة من تثنية أو جمع وإن احتمله مفردا كتأويل قوله لما خلقت بيدي [ص75] بالقدرة. الثالث: مالم يحتمله سياقه وتركيبه وإن احتمله في غير ذلك السياق كتأويل قوله هل ينظرون إلان تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك [الأنعام158](1\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3323",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأن إتيان الرب إتيان بعض آياته التي هي أمره وهذا يأباه السياق كل الإباء فإنه يمتنع حمله على ذلك مع التقسيم والترديد والتنويع. وكتأويل قوله quot;إنكم ترون ربكم عيانا كما ترون القمر ليلة البدر صحوا ليس دونه سحاب وكما ترون الشمس في الظهيرة صحوا ليس دونها سحابquot; فتأويل الرؤية في هذا السياق بما يخالف حقيقتها وظاهرها في غاية الامتناع وهو رد وتكذيب تستر صاحبه بالتأويل. الرابع: ما لم يؤلف استعماله في ذلك المعنى في لغة المخاطب وإن ألف في الاصطلاح الحادث وهذا موضع زلت فيه أقدام كثير من الناس وضلت فيه أفهامهم حيث تأولوا كثيرا من ألفاظ النصوص بما لم يؤلف استعمال اللفظ له في لغة العرب البتة وإن كان معهودا في اصطلاح المتأخرين وهذا مما ينبغي التنبه له فإنه حصل بسببه من الكذب على الله ورسوله ما حصل.(1\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3324",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كما تأولت طائفة قوله تعالى فلما أفل [الأنعام77 , 76] بالحركة وقالوا استدل بحركته على بطلان ربوبيته ولا يعرف في اللغة التي نزل بها القرآن أن الأفول هو الحركة البتة في موضع واحد. وكذلك تأويل الأحد بأنه الذي لا يتميز منه شيء عن شيء البتة ثم قالوا لو كان فوق العرش لم يكن أحدا فإن تأويل الأحد بهذا المعنى لا يعرفه أحد من العرب ولا أهل اللغة ولا يعرف استعماله في لغة القوم في هذا المعنى في موضع واحد أصلا وإنما هو اصطلاح(1\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3325",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجهمية والفلاسفة والمعتزلة ومن وافقهم. وكتأويل قوله ثم استوى على العرش [الأعراف54] بأن المعنى أقبل على خلق العرش فإن هذا لا يعرف في لغة العرب بل ولا غيرها من الأمم أن من أقبل على الشيء يقال قد استوى عليه ولا يقال لمن أقبل على الرحل قد استوى عليه ولا لمن أقبل على عمل من الأعمال من قراءة أو كتابة أو صناعة قد استوى عليها ولا لمن أقبل على الأكل قد استوى على الطعام فهذه لغة القوم وأشعارهم وألفاظهم موجودة ليس في شيء منها ذلك البتة. وهذا التأويل يبطل من وجوه كثيرة سنذكرها في موضعها لو لم يكن منها إلا تكذيب رسول الله صلى الله(1\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3326",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه وسلم لصاحب هذا التأويل لكفاه فإنه قد ثبت في الصحيحquot; أن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماءquot; فكان العرش موجودا قبل خلق السموات والأرض بأكثر من خمسين ألف سنة فكيف يقال إنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم أقبل على خلق العرش. والتأويل إذا تضمن تكذيب الرسول فحسبه ذلك بطلانا وأكثر تأويلات القوم من هذا الطراز وسيمر بك منها ما هو قرة عين لكل موحد وسخنة عين لكل ملحد. الخامس: ما ألف استعماله في ذلك المعنى لكن في غير التركيب الذي ورد به النص فيحمله المتأول في هذا التركيب الذي لا يحتمله على مجيئه في تركيب آخر يحتمله وهذا من أقبح الغلط والتلبيس كتأويل اليدين في قوله تعالى(1\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3327",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [ص75] بالنعمة ولا ريب أن العرب تقول لفلان عندي يد وقال عروة بن مسعود للصديق لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك ولكن وقوع اليد في هذا التركيب الذي أضاف سبحانه فيه الفعل إلى نفسه ثم تعدى الفعل إلى اليد بالباء التي هي نظير كتبت بالقلم وهي اليد وجعل ذلك خاصة خص بها صفيه آدم دون البشر كما خص المسيح بأنه نفخ فيه من روحه وخص موسى بأنه كلمه بلا واسطة فهذا مما يحيل تأويل اليد في النص بالنعمة وإن كانت في تركيب آخر تصلح لذلك فلا يلزم من صلاحية اللفظ لمعنى ما في تركيب صلاحيته له في كل تركيب. وكذلك قوله وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة [القيامة23 , 22](1\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3328",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يستحيل فيها تأويل النظر بانتظار الثواب فإنه أضاف النظر إلى الوجوه التي هي محله وعداه بحرف إلى التي إذا اتصل بها فعل النظر كان من نظر العين ليس إلا ووصف الوجوه بالنضرة التي لا تحصل إلا مع حضور ما يتنعم به لا مع التنغيص بانتظاره ويستحيل مع هذا التركيب تأويل النظر بغير الرؤية وإن كان النظر بمعنى الانتظار قد استعمل في قوله انظرونا نقتبس من نوركم [الحديد13] وقوله تعالى فناظرة بم يرجع المرسلون [النمل35] ومثل هذا قول الجهمي الملبس إذا قال لك المشبه الرحمن على العرش استوى [طه5] فقل له العرش له عندنا سبعة معان والاستواء له خمسة معان فأي ذلك المراد فإن المشبه يتحير ولا يدري ما يقول ويكفيك مؤونته. فيقال لهذا الجاهل الظالم الفاتن المفتون ويلك(1\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3329",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما ذنب الموحد الذي سميته أنت وأصحابك مشبها وقد قال لك نفس ما قال الله فوالله لو كان مشبها كما تزعم لكان أولى بالله ورسوله منك لأنه لم يتعد النص. وأما قولك للعرش سبعة معان أو نحوها وللاستواء خمسة معان فتلبيس منك وتمويه على الجهال وكذب ظاهر فإنه ليس لعرش الرحمن الذي استوى عليه إلا معنى واحد وإن كان للعرش من حيث الجملة عدة معان فاللام للعهد وقد صار بها العرش معينا وهو عرش الرب جل جلاله الذي هو سرير ملكه الذي اتفقت عليه الرسل وأقرت به الأمم إلا من نابذ الرسل. وقولك الاستواء له عدة معان تلبيس آخر فإن الاستواء المعدى بأداة على ليس له إلا معنى واحد وأما الاستواء المطلق فله عدة معان فإن العرب تقول استوى كذا إذا انتهى وكمل ومنه قوله تعالى ولما بلغ أشده واستوى [القصص14] وتقول استوى وكذا إذا ساواه نحو قولهم استوى الماء والخشبة واستوى الليل والنهار وتقول استوى إلى كذا(1\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3330",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا قصد إليه علوا وارتفاعا نحو استوى إلى السطح والجبل واستوى على كذا أي إذا ارتفع عليه وعلا عليه لا تعرف العرب غير هذا فالاستواء في هذا التركيب نص لا يحتمل غير معناه كما هو نص في قوله ولما بلغ أشده واستوى [القصص14] لا يحتمل غير معناه ونص في قولهم استوى الليل والنهار في معناه لا يحتمل غيره فدعوا التلبيس فإنه لا يجدي عليكم إلا مقتا عند الله وعند الذين آمنوا. السادس: اللفظ الذي اطرد استعماله في معنى هو ظاهر فيه ولم يعهد استعماله في المعنى المؤول أو عهد استعماله فيه نادرا فتأويله حيث ورد وحمله على خلاف المعهود من استعماله باطل فإنه يكون تلبيسا وتدليسا يناقض البيان والهداية بل إذا أرادوا استعمال مثل هذا في غير معناه المعهود حفوا به من القرائن ما يبين للسامع مرادهم به لئلا يسبق فهمه إلى معناه المألوف ومن تأمل لغة القوم وكمال هذه اللغة وحكمة واضعها تبين له صحة ذلك. وأما أنهم يأتون إلى لفظ له معنى قد ألف استعماله فيه فيخرجونه عن معناه ويطردون استعماله في غيره مع تأكيده(1\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3331",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بقرائن تدل على أنهم أرادوا معناه الأصلي فهذا من أمحل المحال مثاله قوله تعالى وكلم الله موسى تكليما [النساء164] وقوله ما منكم إلا من سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان يترجم له ولا حاجب يحجبه وقوله إنكم ترون ربكم عيانا وهذا شأن أكثر نصوص الصفات إذا تأملها من شرح الله صدره لقبولها وفرح بما أنزل على الرسول منها يراها قد حفت من القرائن والمؤكدات بما ينفي عنها تأويل المتأول. السابع: كل تأويل يعود على أصل النص بالإبطال(1\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3332",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهو باطل كتأويل قوله أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل بحمله على الأمة فإن هذا التأويل مع شدة مخالفته لظاهر اللفظ يرجع على أصل النص بالإبطال وهو قوله فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها ومهر الأمة إنما هو للسيد فقالوا نحمله على المكاتبة وهذا يرجع على أصل النص بالإبطال من وجه آخر فإنه أتى فيه ب أي الشرطية التي هي من أدوات العموم وأكدها ب ما المقتضية تأكيد العموم وأتى بالنكرة في سياق الشرط وهي تقتضي العموم وعلق بطلان النكاح بالوصف المناسب له المقتضي لوجود الحكم بوجوده وهو نكاحها نفسها ونبه على العلة المقتضية للبطلان(1\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3333",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهي افتياتها على وليها وأكد الحكم بالبطلان مرة بعد مرة ثلاث مرات فحمله على صورة لا تقع في العالم إلا نادرا يرجع على مقصود النص بالإبطال وأنت إذا تأملت عامة تأويلات الجهمية رأيتها من هذا الجنس بل أشنع. الثامن: تأويل اللفظ الذي له معنى ظاهر لا يفهم منه عند إطلاقه سواه بالمعنى الخفي الذي لا يطلع عليه إلا أفراد من أهل النظر والكلام كتأويل لفظ الأحد الذي يفهمه الخاصة والعامة بالذات المجردة عن الصفات التي لا يكون فيها معنيان بوجه ما فإن هذا لو أمكن ثبوته في الخارج لم يعرف إلا بعد مقدمات طويلة صعبة جدا فكيف وهو محال في الخارج وإنما يفرضه الذهن فرضا ثم يستدل على وجوده الخارجي فيستحيل وضع اللفظ المشهور عند كل أحد لهذا المعنى الذي هو في غاية الخفاء وستمر بك نظائره إن شاء الله تعالى. التاسع: التأويل الذي يوجب تعطيل المعنى الذي هو في(1\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3334",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غاية العلو والشرف ويحطه إلى معنى دونه بمراتب كثيرة وهو شبيه بعزل سلطان عن ملكه وتوليته مرتبة دون الملك بكثير مثاله تأويل الجهمية قوله وهو القاهر فوق عباده [الأنعام18] وقوله يخافون ربهم من فوقهم [النحل50] ونظائره بأنها فوقية الشرف كقولهم الدرهم فوق الفلس والدينار فوق الدرهم. فتأمل تعطيل المتأولين حقيقة الفوقية المطلقة التي هي من خصائص الربوبية وهي المستلزمة لعظمة الرب جل جلاله وحطها إلى كون قدره فوق قدر بني آدم وأنه أشرف منهم. وكذلك تأويلهم علوه بهذا المعنى وأنه كعلو الذهب على الفضة وكذلك تأويلهم استواءه على عرشه بقدرته عليه وأنه غالب له فيالله العجب هل ضلت العقول وتاهت الحلام وشكت العقلاء في كونه سبحانه غالبا لعرشه قادرا عليه حتى يخبر به سبحانه في سبعة مواضع من كتابه مطردة بلفظ واحد ليس فيها موضع واحد يراد به المعنى الذي أبداه المتأولون وهذا التمدح والتعظيم كله لأجل أن(1\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3335",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعرفنا أنه قد غلب عرشه وقدر عليه وكان ذلك بعد خلق السموات والأرض أفترى لم يكن سبحانه غالبا للعرش قادرا عليه في مدة تزيد على خمسين ألف سنة ثم تجدد له ذلك بعد خلق هذا العالم. العاشر: تأويل اللفظ بمعنى لم يدل عليه دليل من السياق ولا معه قرينة تقتضيه فإن هذا لا يقصده المبين الهادي بكلامه إذ لو قصده لحف بالكلام قرائن تدل على المعنى المخالف لظاهره حتى لا يوقع السامع في اللبس والخطأ فإن الله سبحانه أنزل كلامه بيانا وهدى فإذا أراد به خلاف ظاهره ولم تحف به قرائن تدل على المعنى الذي يتبادر غيره إلى فهم كل أحد لم يكن بيانا ولا هدى. فهذه بعض الوجوه التي يفرق بيها بين التأويل الصحيح والباطل وبالله المستعان(1\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3336",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الفصل الثالث: في أن التأويل إخبار عن مراد المتكلم لا إنشاء",
        "content": "الفصل الثالث: في أن التأويل إخبار عن مراد المتكلم لا إنشاء فهذا الموضع مما يغلط فيه كثير من الناس غلطا قبيحا فإن المقصود فهم مراد المتكلم بكلامه فإذا قيل معنى اللفظ كذا وكذا كان إخبارا بالذي عناه المتكلم فإن لم يكن هذا الخبر مطابقا كان كذبا على المتكلم ويعرف مراد المتكلم بطرق متعددة. منها أن يصرح بإرادة ذلك المعنى. ومنها أن يستعمل اللفظ الذي له معنى ظاهر بالوضع ولا تبين بقرينة تصحب الكلام أنه لم يرد ذلك المعنى فكيف إذا حف بكلامه ما يدل على أنه إنما أراد حقيقته وما وضع له. كقوله وكلم الله موسى تكليما [النساء164](1\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3337",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;وإنكم ترون ربكم عيانا كماترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب quot; و quot;الله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم أضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها طعامه وشرابه فأيس منها فنام ثم استيقظ فإذا راحلته عند رأسه فالله أشد فرحا بتوبة عبده من هذا براحلتهquot; فهذا مما يقطع السامع فيه بمراد المتكلم فإذا أخبر عن مراده بما دل عليه حقيقة لفظه الذي وضع له مع القرائن المؤكدة له كان صادقا في إخباره وأما إذا تأول كلامه بما لم يدل عليه لفظه ولا اقترن به ما يدل عليه فإخباره بأن هذا مراده كذب عليه.(1\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3338",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقول القائل يحمل اللفظ على كذا وكذا يقال له ما تعني بالحمل أتعني به أن اللفظ موضوع لهذا المعنى فهذا نقل مجرد موضعه كتب اللغة فلا اثر لحملك أم تعني به اعتقاد أن المتكلم أراد ذلك المعنى الذي حملته عليه فهذا قول عليه بلا علم وهو كذب مفترى إن لم تأت بدليل يدل على أن المتكلم أراده أم تعني به أنك أنشأت له معنى فإذا سمعته اعتقدت أن ذلك معناه وهذا حقيقة قولك وإن لم ترده فالحمل إما أخبار عن المتكلم بأنه أراد ذلك المعنى فهذا الخبر إما صادق إن كان ذلك المعنى هو المفهوم من لفظ المتكلم وإما كاذب إن كان لفظه لم يدل عليه وإما إنشاء لاستعمال ذلك اللفظ في هذا المعنى وهذا إنما يكون في كلام تنشئه أنت لا في كلام الغير. وحقيقة الأمر أن قول القائل نحمله على كذا أو نتأوله بكذا إنما هو من باب دفع دلالة اللفظ على ما وضع له فإن منازعه لما احتج عليه به ولم يمكنه دفع وروده دفع معناه وقال أحمله على خلاف ظاهره. فإن قيل بل للحمل معنى آخر لم تذكروه وهو أن اللفظ لما استحال أن يراد به حقيقته وظاهره ولا يمكن تعطيله(1\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3339",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "استدللنا بوروده وعدم إرادة ظاهره على أن مجازه هو المراد فحملناه عليه دلالة لا ابتداء وإنشاء. قيل فهذا المعنى هو الإخبار عن المتكلم أنه أراده وهو إما صدق أو كذب كماتقدم ومن الممتنع أن يريد خلاف حقيقته وظاهره ولا يبين للسامع المعنى الذي أراده بل يقترن بكلامه ما يؤكد إرادة الحقيقة ونحن لا نمنع أن المتكلم قد يريد بكلامه خلاف ظاهره إذا قصد التعمية على السامع حيث يسوغ ذلك كما في المعاريض التي يجب أو يسوغ تعاطيها ولكن المنكر غاية الإنكار أن يريد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته إذا قصد البيان والإيضاح وإفهام مراده فالخطاب نوعان نوع يقصد به التعمية على السامع ونوع يقصد به البيان والهداية والإرشاد فإطلاق اللفظ وإرادة خلاف حقيقته وظاهره من غير قرائن تحتف به تبين المعنى المراد محله النوع الأول لا الثاني والله أعلم.(1\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3340",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الفصل الرابع: في الفرق بين تأويل الخبر وتأويل الطلب",
        "content": "الفصل الرابع: في الفرق بين تأويل الخبر وتأويل الطلب لما كان الكلام نوعين خبر وطلب وكان المقصود من الخبر تصديقه ومن الطلب امتثاله كان المقصود من تأويل الخبر هو تصديق مخبره ومن تأويل الطلب هو امتثاله وكان كل تأويل يعود على المخبر بالتعطيل وعلى الطلب بالمخالفة تأويلا باطلا. والمقصود الفرق بين تأويل الأمر والنهي وتأويل الخبر فالأول معرفته فرض على كل مكلف لأنه لا يمكنه الامتثال إلا بعد معرفة تأويله. قال سفيان بن عيينة: quot; السنة هي تأويل الأمر(1\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3341",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنهي ولا خلاف بين الأمة أن الراسخين في العلم يعلمون هذا التأويل وأرسخهم في العلم أعلمهم به ولو كان معرفة هذا التأويل ممتنعا على البشر لا يعلمه إلا الله لكان العمل بنصوصه ممتنعا كيف والعمل بها واجب فلا بد أن يكون في الأمة من يعرف تأويلها وإلا كانت الأمة كلها مضيعة لما أمرت به. وقد يكون معنى النص بينا جليا فلا تختلف الأمة في تأويله وإن وقع الخلاف في حكمه لخفائه على من لم يبلغه أو لقيام معارض عنده أو لنسيانه فهذا يعذر فيه المخالف إذا كان قصده اتباع الحق ويثيبه الله على قصده وأما من بلغه النص وذكره ولم يقم عنده ما يعارضه فإنه لا يسعه مخالفته ولا يعذر عند الله بتركه لقول أحد كائنا من كان. وقد تكون دلالة اللفظ غير جلية فيشتبه المراد به بغيره فهنا معترك النزاع بين أهل الاجتهاد في تأويله ولأجل التشابه وقع النزاع فيفهم هذا منها معنى فيؤولها به ويفهم منها غيره معنى آخر فيؤولها به وقد يكون كلا الفهمين صحيحا والآية دلت على هذا وهذا ويكون الراسخ في العلم هو الذي أولها بهذا وهذا ومن أثبت أحد المعنيين ونفى الآخر أقل رسوخا وقد يكون أحد المعنيين هو المراد(1\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3342",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا سيما إذا كانا متضادين والراسخ في العلم هو الذي أصابه فالتأويل في هذا القسم مأمور به مأجور عليه صاحبه إما أجرا واحدا وإما أجرين. وقد تنازع الصحابة في تأويل قوله تعالى أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح [البقرة237] هل هو الأب أو الزوج. وتنازعوا في تأويل قوله أو لامستم النساء [النساء43] هل هو الجماع أو اللمس باليد والقبلة ونحوها. وتنازعوا في تأويل قوله ولا جنبا إلا عابري سبيل [النساء43] هل هو المسافر يصلي بالتيمم مع الجنابة أو المجتاز بمواضع الصلاة كالمساجد وهو جنب. وتنازعوا في تأويل ذوي القربى المستحقين من الخمس هل هم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قرابة الإمام.(1\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3343",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتنازعوا في تأويل قوله تعالى وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا [الأعراف204] هل يدخل فيه قراءة الصلاة الواجبة أم لا. وتنازعوا في تأويل قوله والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [البقرة234] هل يتناول اللفظ الحامل أم هو للحائل فقط. وتنازعوا في قوله حرمت عليكم الميتة [المائدة3] هل يدخل فيه ما مات في البحر أم لا. وتنازعوا في تأويل الكلالة. وفي تأويل قوله تعالى فإن كان له إخوة فلأمه السدس [النساء11](1\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3344",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأمثال ذلك ولم يتنازعوا في تأويل آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد بل اتفقت كلمتهم وكلمة التابعين بعدهم على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها وهذا يدل على أنها أعظم النوعين بيانا وأن العناية ببيانها أهم لأنها من تمام تحقيق الشهادتين وإثباتها من لوازم التوحيد فبيها الله ورسوله بيانا شافيا لا يقع فيه لبس ولا إشكال يوقع الراسخين في العلم في منازعة ولا اشتباه ومن شرح الله لها صدره ونور لها قلبه يعلم أن دلالتها على معانيها أظهر من دلالة كثير من آيات الأحكام على معانيها ولهذا آيات الأحكام لا يكاد يفهم معانيها إلا الخاصة من الناس وأما آيات الأسماء والصفات فيشترك في فهمها الخاص والعام أعني فهم أصل المعنى لا فهم الكنه والكيفية ولهذا أشكل على بعض الصحابة قوله يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود حتى بين لهم بقوله من الفجر [البقرة187](1\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3345",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولم يشكل عليه ولا على غيره قوله وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان [البقرة186] وأمثالها من آيات الصفات وأشكل على عمر بن الخطاب آية الكلالة ولم يشكل عليه أول الحديد وآخر الحشر وأول سورة طه ونحوها من آيات الصفات وأيضا فإن بعض آيات الأحكام مجملة عرف بيانها بالسنة كقوله تعالى ففدية من صيام أو صدقة أو نسك [البقرة196] فهذا مجمل في قدر الصيام والإطعام فبينته السنة بأنه(1\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3346",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صيام ثلاثة ايام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة وكذلك قوله وليطوفوا بالبيت العتيق مجمل في مقدار الطواف فبينته السنة بأنه سبع ونظائره كثيرة كآية السرقة وآية الزكاة وآية الحج وليس في آيات الصفات وأحاديثها مجمل يحتاج إلى بيان من خارج بل بيانها فيها وإن جاءت السنة بزيادة في البيان والتفصيل فلم تكن آيات الصفات مجملة محتملة لا يفهم المراد منها إلا بالسنة بخلاف آيات الأحكام. فإن قيل هذا يرده ما قد عرف أن آيات الأمر والنهي والحلال والحرام محكمة وآيات الصفات متشابهة فكيف يكون المتشابه أوضح من المحكم. قيل التشابه والإحكام نوعان تشابه وإحكام يعم الكتاب كله وتشابه وإحكام يخص بعضه دون بعض فالأول كقوله تعال الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها [الزمر23] وقوله كتاب أحكمت آياته [هود1] وقوله(1\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3347",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله: يس والقرآن الحكيم [يس2 , 1] والثاني كقوله هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات [آل عمران7] فإن اردتم بتشابه آيات الصفات النوع الأول فنعم هي متشابهة غير متناقضة يشبه بعضها بعضا وكذلك آيات الأحكام وإن أردتم أنه يشتبه المراد بها بغير المراد فهذا وإن كان يعرض لبعض الناس فهو أمر نسبي إضافي فيكون متشابها بالنسبة إليه دون غيره ولا فرق في هذا بين آيات الأحكام وآيات الصفات فإن المراد قد يشتبه فيهما بغيره على بعض الناس دون بعض. وقد تنازع الناس في المحكم والمتشابه تنازعا كثيرا ولم يعرف عن أحد من الصحابة قط أن المتشابهات آيات الصفات بل المنقول عنهم يدل على خلاف ذلك فكيف تكون آيات الصفات متشابهة عندهم وهم لا يتنازعون في شيء منها وآيات الأحكام هي المحكمة وقد وقع بينهم(1\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3348",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النزاع في بعضها وإنما هذا قول بعض المتأخرين وسيأتي إشباع الكلام في هذا في الفصل المعقود له إن شاء الله تعالى.(1\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3349",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الفصل الخامس: في الفرق بين تأويل التحريف وتأويل التفسير وأن الأول ممتنع وقوعه في الخبر والطلب والثاني يقع فيهما",
        "content": "الفصل الخامس: في الفرق بين تأويل التحريف وتأويل التفسير وأن الأول ممتنع وقوعه في الخبر والطلب والثاني يقع فيهما ذكر الله سبحانه التحريف وذمه حيث ذكره وذكر التفسير وذكر التأويل فالتفسير هو إبانة المعنى وإيضاحه قال الله تعالى ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا [الفرقان33] وهذا غاية الكمال أن يكون المعنى في نفسه حقا والتعبير عنه أفصح تعبير وأحسنه وهذا شأن القرآن وكلام الرسول والتحريف العدول بالكلام عن وجهه وصوابه إلى غيره وهو نوعان تحريف لفظه وتحريف معناه والنوعان مأخوذان من الأصل عن اليهود فهم الراسخون فيهما وهم(1\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3350",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شيوخ المحرفين وسلفهم فإنهم حرفوا كثيرا من ألفاظ التوراة وما غلبوا عن تحريف لفظه حرفوا معناه ولهذا وصفوا بالتحريف في القرآن دون غيرهم من الأمم ودرج على آثارهم الرافضة فهم أشبه بهم من القذة بالقذة والجهمية فإنهم سلكوا في تحريف النصوص الواردة في الصفات مسالك إخوانهم من اليهود ولما لم يتمكنوا من تحريف نصوص القرآن حرفوا معانيه وسطوا عليها وفتحوا باب التأويل لكل ملحد يكيد الدين فإنه جاء فوجد بابا مفتوحا وطريقا مسلوكة ولم يمكنهم أن يخرجوه من باب أو يردوه من طريق قد شاركوه فيها وإن كان الملحد قد وسع بابا هم فتحوه وطريقا هم اشتقوه فهما بمنزلة رجلين ائتمنا على مال فتأول أحدهما وأكل منه دينارا فتأول الآخر وأكل منه عشرة فإذا أنكر عليه صاحبه قال إن حل(1\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3351",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أكل الدينار بالتأويل حل أكل العشرة به ولا سيما إذا زعم آكل الدينار أن الذي ائتمنه إنما أراد منه التأويل وأن المتأول أعلم بمراده من المالك فيقول له صاحبه أنا أسعد منك وأولى بأكل هذا المال. والمقصود أن التأويل يتجاذبه أصلان التفسير والتحريف فتأويل التفسير هو الحق وتأويل التحريف هو الباطل فتأويل التحريف من جنس الإلحاد فإنه هو الميل بالنصوص عن ما هي عليه إما بالطعن فيها أو بإخراجها عن حقائقها مع الإقرار بلفظها وكذلك الإلحاد في أسماء الله تارة يكون بجحد معانيها حقائقها وتارة يكون بإنكار المسمى بها وتارة يكون بالتشريك بينه وبين غيره فيها فالتأويل الباطل هو إلحاد وتحريف وإن سماه أصحابه تحقيقا وعرفانا وتأويلا. فمن تأويل التحريف والإلحاد تأويل الجهمية قوله تعالى وكلم الله موسى تكليما [النساء164] أي جرح قلبه بالحاكم والمعارف تجريحا ومن تحريف اللفظ تحريف إعراب قوله وكلم الله في الرفع إلى النصب وقال وكلم الله أي موسى كلم الله ولم يكلمه(1\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3352",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله وهذا من جنس تحريف اليهود بل أقبح منه واليهود في هذا الموضع أولى بالحق منهم ولما حرفها بعض الجهمية هذا التحريف قال له بعض أهل التوحيد فكيف تصنع بقوله ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه [الأعراف43] فبهت المحرف. ومن هذا أن بعض الفرعونية سأل بعض أئمة العربية هل يمكن أن يقرأ العرش بالرفع في قوله 2 الرحمن على العرش استوى [طه5] وقصد الفرعوني بهذا التحريف أن يكون الاستواء صفة للمخلوق لا للخالق ولو تيسر لهذا الفرعوني هذا التحريف في هذا الموضع لم يتيسر له في سائر الآيات. ومن تأويل التحريف تأويل قوله إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات كجر السلسلة على الصفوان فيصعفون فيكون أول من يفيق جبريل.(1\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3353",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا تأويله إذا تكلم ملك الله بالوحي لا أن الله يتكلم فجعلوا صعق الملائكة وخرورهم سجدا لكلام جبريل الذي قد صعق معهم من كلام نفسه. ومن تأويل التحريف تأويل القدرية المجوسية نصوص القدر بما أخرجها عن حقائقها ومعانيها وتأويل الجهمية نصوص الصفات بما أخرجها عن حقائقها وأوجب تعطيل الرب جل جلاله عن صفات كماله كما عطلته القدرية عن كمال قدرته ومشيئته فنحن لا ننكر التأويل بل حقيقة العلم هو التأويل والراسخون في العلم هم أهل التأويل ولكن أي التأويلين فنحن أسعد بتأويل التفسير من غيرنا وغيرنا أشقى بتأويل التحريف منا والله الموفق للصواب.(1\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "73",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3354",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل السادس في تعجيز المتأولين عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويله من آيات الصفات وأحاديثها وما لا يسوغ لا ريب أن الله سبحانه وصف نفسه بصفات وسمى نفسه بأسماء وأخبر عن نفسه بأفعال فسمى نفسه بالرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر إلى سائر ما ذكر من أسمائه الحسينى ووصف نفسه بما ذكره من الصفات كسورة الإخلاص وأول الحديد وأول طه وغير ذلك ووصف نفسه بأنه يحب ويكره ويمقت ويرضى ويغضب ويأسف ويسخط ويجيء ويأتي وينزل إلى سماء الدنيا وأنه استوى على عرشه وأن له علما وحياة وقدرة وإرادة وسمعا وبصرا ووجها وأن له يدين(1\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "74",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3355",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأنه فوق عباده وأن الملائكة تعرج إليه وتنزل بالأمر من عنده وأنه قريب وأنه مع المحسنين ومع الصابرين ومع المتقين وأن السموات مطويات بيمينه. ووصفه رسوله بأنه يفرح ويضحك وأن قلوب العباد بين أصابعه وغير ذلك مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله فيقال للمتأول هل تتأول هذا كله على خلاف ظاهره وتمنع حمله على حقيقته أم تقر الجميع على ظاهره وحقيقته أم تفرق بين بعض ذلك وبعضه فإن تأولت الجميع وحملته على خلاف حقيقته كان ذلك عنادا ظاهرا وكفرا صراحا وجحدا للربوبية وحينئذ فلا تستقر لك قدم على إثبات ذات الرب تعالى ولا صفة من صفاته ولا فعل من أفعاله فإن أعطيت هذا من نفسك ولم تستهجنه التحقت بإخوانك الدهرية الملاحدة الذين لا يثبتون للعالم خالقا ولا ربا. فإن قلت بل أثبت أن للعالم صانعا وخالقا ولكن لا أصفه بصفة تقع على خلقه وحيث وصف بما يقع على المخلوق أتأوله.(1\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "75",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3356",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل لك فهذه الأسماء الحسنى والصفات التي وصف بها نفسه هل تدل على معان ثابتة هي حق في نفسها أم لا تدل فإن نفيت دلالتها على معنى ثابت كان ذلك غاية التعطيل وإن أثبت دلالتها على معان هي حق ثابت قيل لك فما الذي سوغ لك تأويل بعضها دون بعض وما الفرق بين ما أثبته ونفيته وسكت عن إثباته ونفيه من جهة السمع أو العقل. ودلالة النصوص على أن له سمعا وبصرا وعلما وقدرة وإرادة وحياة وكلاما كدلالتها على أن له رحمة ومحبة وغضبا ورضى وفرحا وضحكا ووجها ويدين فدلالة النصوص على ذلك سواء فلم نفيت حقيقة رحمته ومحبته ورضاه وغضبه وفرحه وضحكه وأولتها بنفس الإرادة فإن قلت لأن إثبات الإرادة والمشيئة لا يستتلزم تشبيها وتجسيما وإثبات حقائق هذه الصفات يستلزم التشبيه والتجسيم فإنها لا تعقل إلا في الأجسام فإن الرحمة رقة تعتري طبيعة الحيوان والمحبة ميل(1\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "76",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3357",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النفس لجلب ما ينفعها والغضب غليان دم القلب طلبا للانتقام والفرح انبساط دم القلب لورود ما يسره عليه قيل لك وكذلك الإرادة هي ميل النفس إلى جلب ما ينفعها ودفع ما يضرها وكذلك جميع ما أثبته من الصفات إنما هي أعراض قائمة بالأجسام في الشاهد فإن العلم انطباع صورة المعلوم في نفس العالم أو صفة عرضية قائمة به وكذلك السمع والبصر والحياة أعراض قائمة بالموصوف فكيف لزم التشبيه والتجسيم من إثبات تلك الصفات ولم يلزم من إثبات هذه فإن قلت لأني أثبتها على وجه لا يماثل صفاتنا ولا يشابهها قيل لك فهلا أثبت الجميع على وجه لا يماثل صفات المخلوقين ولا يشابهها ولم فهمت من إطلاق هذا التشبيه والتجسيم وفهمت من إطلاق ذلك التنزيه والتوحيد وهلا قلت أثبت له وجها ومحبة وغضبا ورضى وضحكا ليس من جنس صفات المخلوقين فإن قلت هذا لا يعقل قيل لك فكيف عقلت سمعا وبصرا وحياة وإرادة ومشيئة ليست من جنس صفات المخلوقين فإن قلت أنا أفرق بين ما يتأول وبين ما لا يتأول بأن ما دل(1\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "77",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3358",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العقل على ثبوته يمتنع تأويله كالعلم والحياة والقدرة والسمع والبصر وما لا يدل عليه العقل يجب أو يسوغ تأويله كالوجه واليد والضحك والفرح والغضب والرضى فإن الفعل المحكم دل على قدرة الفاعل وإحكامه دل على علمه والتخصيص دل على الإرادة فيمتنع مخالفة ما دل عليه صريح العقل. قيل لك أولا وكذلك الإنعام والإحسان وكشف الضر وتفريج الكربات دل على الرحمة كدلالة التخصيص على الإرادة سواء والتخصيص بالكرامة والاصطفاء والاجتباء دال على المحبة كدلالة ما ذكرت على الإرادة والإهانة والطرد والإبعاد والحرمان دال على المقت والبغض كدلالة ضده على الحب والرضى. والعقوبة والبطش والانتقام دال على الغضب كدلالة ضده على الرضى. ويقال ثانيا هب أن العقل لا يدل على إثبات هذه الصفات التي نفيتها فإنه لا ينفيها والسمع دليل مستقل بنفسه بل الطمأنينة إليه في هذا الباب أعظم من الطمأنينة إلى مجرد العقل فما الذي يسوغ لك نفي مدلوله. ويقال لك ثالثا إن كان ظاهر النصوص يقتضي تشبيها(1\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "78",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3359",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو تجسيما فهو يقتضيه في الجميع فأول الجميع وإن كان لا يقتضي ذلك لم يجز تأويل شيء منه وإن زعمت أن بعضها يقتضيه وبعضها لا يقتضيه طولبت بالفرق بين الأمرين وعادت المطالبة جذعا. ولما تفطن بعضهم لتعذر الفرق قال ما دل عليه الإجماع كالصفات السبع لا يتأول وما لم يدل عليه إجماع فإنه يتأول وهذا كما تراه من أفسد الفروق فإن مضمونه أن الإجماع اثبت ما يدل على التجسيم والتشبيه ولولا ذلك لتأولناه فقد اعترفوا بانعقاد الإجماع على التشبيه والتجسيم. وهذا قدح في الإجماع فإنه لا ينعقد على باطل. ثم يقال إن كان الإجماع قد انعقد على إثبات هذه الصفات وظاهرها يقتضي التجسيم والتشبيه بطل نفيكم لذلك وإن لم ينعقد عليها بطل التفريق به. ثم يقال خصومكم من المعتزلة لم يجمعوا معكم على إثبات هذه الصفات فإن قلتم انعقد الإجماع قبلهم قيل صدقتم والله والذين أجمعوا قبلهم على هذه الصفات(1\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "79",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3360",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أجمعوا على إثبات سائر الصفات ولم يخصوها بسبع بل تخصيصها بسبع خلاف قول السلف وقول الجهمية والمعتزلة فالناس كانوا طائفتين سلفية وجهمية فحدثت الطائفة السبعية واشتقت قولا بين القولين فلا للسلف اتبعوا ولا مع الجهمية بقوا. وقالت طائفة أخرى ما لم يكن ظاهره جوارح وأبعاض كالعلم والحياة والقدرة والإرادة والكلام لا يتأول وما كان ظاهره جوارح وأبعاض كالوجه واليدين والقدم والساق والإصبع فإنه يتعين تأويله لاستلزام إثباته التركيب والتجسيم. قال المثبتون جوابنا لكم بعين الجواب الذي تجيبون به خصومكم من الجهمية والمعتزلة نفاة الصفات فإنهم قالوا لكم لو قام به سبحانه صفة وجودية كالسمع والبصر والعلم والقدرة والحياة لكان محلا للأعراض ولزم التركيب والتجسيم والانقسام كما قلتم لو كان له وجه ويد وإصبع لزم(1\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "80",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3361",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التركيب والانقسام فحينئذ فما هو جوابكم لهؤلاء نجيبكم به. فإن قلتم نحن نثبت هذه الصفات على وجه لا تكون أعراضا ولا نسميها أعراضا فلا يستلزم تركيبا ولا تجسيما. قيل لكم ونحن نثبت الصفات التي أثبتها الله لنفسه إذ نفيتموها أنتم عنه على وجه لا يستلزم الأبعاض والجوارح ولا يسمى المتصف بها مركبا ولا جسما ولا منقسما. فإن قلتم هذه لا يعقل منها إلا الأجزاء والأبعاض. قلنا لكم وتلك لا يعقل منها إلا الأعراض. فإن قلتم العرض لا يبقى زمانين وصفات الرب باقية قديمة أبدية فليست أعراضا. قلنا وكذلك الأبعاض هي ما جاز مفارقتها وانفصالها وانفكاكها وذلك في حق الرب تعالى محال فليست أبعاضا ولا جوارح فمفارقة الصفات الإلهية للموصوف بها مستحيل مطلقا في النوعين والمخلوق يجوز أن تفارقه أعراضه وأبعاضه. فإن قلتم إن كان الوجه عين اليد وعين الساق والإصبع فهو محال وإن كان غيره لزم التمييز ويلزم التركيب. قلنا لكم وإن كان السمع هو عين البصر وهما نفس العلم وهي نفس الحياة والقدرة فهو محال وإن تميزت لزم التركيب(1\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "81",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3362",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فما هو جواب لكم فالجواب مشترك فإن قلتم نحن نعقل صفات ليست أعراضا تقوم بغير جسم متحيز وإن لم يكن لها نظير في الشاهد. قلنا لكم فاعقلوا صفات ليست بأبعاض تقوم بغير جسم وإن لم يكن له في الشاهد نظير ونحن لا ننكر الفرق بين النوعين في الجملة ولكن فرق غير نافع لكم في التفريق بين النوعين وأن أحدهما يستلزم التجسيم والتركيب والآخر لا يستلزمه ولما أخذ هذا الإلزام بحلوق الجهمية قالوا الباب كله عندنا واحد ونحن ننفي الجميع. فتبين أنه لا بد لكم من واحد من أمور ثلاثة إما هذا النفي العام والتعطيل المحض وإما أن تصفوا الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ولا تتجاوزوا القرآن والحديث وتتبعوا في ذلك سبيل السلف الماضين(1\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "82",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3363",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذين هم أعلم الأمة بهذا الشأن نفيا وإثباتا وأشد تعظيما لله وتنزيها له عما لا يليق بجلاله فإن المعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات فيكون ردها من باب تحريف الكلم عن مواضعه ولا يترك تدبرها ومعرفتها فيكون ذلك مشابهة للذين إذا ذكروا بآيات ربهم خروا عليها صما وعميانا ولا يقال هي ألفاظ لا تعقل معانيها ولا يعرف المراد منها فيكون ذلك مشابهة للذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني بل هي آيات بينات دالة على أشرف المعاني وأجلها قائمة حقائقها في صدور الذين أوتوا العلم والإيمان إثباتا بلا تشبيه وتنزيها بلا تعطيل كما قامت حقائق سائر صفات الكمال في قلوبهم كذلك فكان الباب عندهم بابا واحدا قد اطمأنت به قلوبهم وسكنت إليه نفوسهم فأنسوا من صفات كماله ونعوت جلاله بما استوحش منه الجاهلون المعطلون وسكنت قلوبهم إلى ما نفر منه الجاحدون وعلموا أن الصفات حكمها حكم الذات فكما أن ذاته سبحانه لا تشبه الذوات فصفاته لا تشبه الصفات فما جاءهم من الصفات عن المعصوم تلقوه بالقبول وقابلوه بالمعرفة والإيمان والإقرار لعلمهم بأنه صفة من لا شبيه لذاته ولا لصفاته.(1\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "83",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3364",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الإمام أحمد إنما التشبيه أني قول يد كيد أو وجه كوجه فأما إثبات يد ليست كالأيدي ووجه ليس كالوجوه فهو كإثبات ذات ليست كالذوات وحياة ليست كغيرها من الحياة وسمع وبصر ليس كالأسماع والأبصار وليس إلا هذا المسلك أو مسلك التعطيل المحض أو التناقض الذي لا يثبت لصاحبه قدم في النفي ولا في الإثبات وبالله التوفيق. وحقيقة الأمر أن كل طائفة تتأول ما يخالف نحلتها ومذهبها فالعيار على ما يتأول وما لا يتأول هو المذهب الذي ذهبت إليه والقواعد التي أصلتها فما وافقها أقروه ولم يتأولوه وما خالفها فإن أمكنهم دفعه وإلا تأولوه ولهذا لما أصلت الرافضة عداوة الصحابة ردوا كل ما جاء في فضائلهم والثناء عليهم أو تأولوه ولما أصلت الجهمية أن الله لا يتكلم ولا يكلم أحدا ولا يرى(1\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "84",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3365",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالأبصار ولا هو فوق عرشه مبائن لخلقه ولا له صفة تقوم به أولوا كل ما خالف ما أصلوه. ولما اصلت القدرية أن الله سبحانه لم يخلق أفعال عباده ولم يقدرها عليهم أولوا كل ما خالف أصولهم ولما أصلت المعتزلة القول بنفوذ الوعيد وأن من دخل النار لم يخرج منها أبدا أولوا كل ما خالف أصولهم. ولما أصلت المرجئة أن الإيمان هو المعرفة وأنها لا تزيد ولا تنقص أولوا ما خالف أصولهم. وما أصلت الكلابية أن الله سبحانه لا يقوم به(1\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "85",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3366",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما يتعلق بقدرته ومشيئته وسموا ذلك حلول الحوادث أولوا كل ما خالف هذا الأصل. ولما أصلت الجبرية أن قدرة العبد لا تأثير لها في الفعل بوجه من الوجوه وأن حركات العباد بمنزلة هبوب الرياح وحركات الأشجار أولوا كل ما جاء بخلاف ذلك. فهذا في الحقيقة هو عيار التأويل عند الفرق كلها حتى المقلدين في الفروع أتباع الأئمة الذين اعتقدوا المذهب ثم طلبوا الدليل عليه ضابط ما يتأول عندهم وما لا يتأول ما خالف المذهب أو وافقه ومن تأمل مقالات الفرق ومذاهبها رأى ذلك عيانا وبالله التوفيق. وكل من هؤلاء يتأول دليلا سمعيا ويقر على ظاهره نظيره أو ما هو أشد قبولا للتأويل منه لأنه ليس عندهم في نفس الأمر ضابط كلي مطرد منعكس يفرق ما يتأول(1\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "86",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3367",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما لا يتأول إن هو إلا المذهب وقواعده وما قاله الشيوخ وهؤلاء لا يمكن أحدا منهم أن يحتج على مبطل بحجة سمعية لأنه يسلك في تأويلها نظير ما سلكه هو في تأويل ما خالف مذهبه كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله.(1\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "87",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3368",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الفصل السابع: في إلزامهم في المعنى الذي جعلوه تأويلا نظير ما فروا منه",
        "content": "الفصل السابع: في إلزامهم في المعنى الذي جعلوه تأويلا نظير ما فروا منه هذا فصل بديع لمن تأمله يعلم به أن المتأولين لم يستفيدوا بتأويلهم إلا تعطيل حقائق النصوص والتلاعب بها وانتهاك حرمتها وأنهم لم يتخلصوا مما ظنوه محذورا بل هو لازم لهم فيما فروا إليه كلزومه فيما فروا منه بل قد يقعون فيما هو أعظم محذورا كحال الذين تأولوا نصوص العلو والفوقية والاستواء فرارا من التحيز والحصر ثم قالوا هو في كل مكان بذاته فنزهوه عن استوائه على عرشه ومباينته لخلقه وجعلوه في أجواف البيوت والآبار والأواني والأمكنة التي يرغب عن ذكرها فهؤلاء قدماء الجهمية فلما علم متأخروهم فساد(1\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "88",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3369",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك قالوا ليس وراء العالم ولا فوق العرش إلا العدم المحض وليس هناك رب يعبد ولا إله يصلى له ويسجد ولا هو أيضا في العالم فجعلوا نسبته إلى العرش كنسبته إلى أخس مكان تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. وكذلك فعل الذين نفوا القدر السابق تنزيها لله عن مشيئة القبائح وخلقها ونسبوه إلى أن يكون في ملكه ما لا يشاء ويشاء ما لا يكون ولا يقدر على أن يهدي ضالا ولا يضل مهتديا ولا يقلب قلب العاصي إلى الطاعة ولا المطيع إلى المعصية. وكذلك الذين نزهوه عن أفعاله وقيامها به وجعلوه كالجماد الذي لا يقوم به فعل وكذلك الذين نزهوه عن الكلام القائم به بقدرته ومشيئته وجعلوه كالأبكم الذي لا يقدر أن يتكلم وكذلك الذين نزهوه عن صفات كماله وشبهوه بالناقص الفاقد لها أو بالمعدوم وهذه حال كل مبطل معطل لما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله. والمقصود أن المتأول يفر من أمر فيقع في نظيره. مثاله إذا تأول المحبة والرحمة والرضى والغضب والمقت بالإرادة قيل له يلزمك في الإرادة ما لزمك في هذه الصفات كما تقدم تقريره.(1\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "89",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3370",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا تأمل الوجه بالذات قيل له فيلزمك في الذات ما لزمك في الوجه فإن لفظ الذات يقع على القديم والمحدث كما يقع لفظ الوجه على القديم والمحدث وإذا تأول لفظ اليد بالقدرة فالقدرة يوصف بها الخالق والمخلوق فإن فررت من اليد لأنها تكون للمخلوق ففر من القدرة لأنه يوصف بها وإذا تأول السمع والبصر بالعلم فرارا من التشبيه لزمه ما فر منه في العلم وإذا تأول الفوقية بفوقية القهر لزمه فيها ما فر منه من فوقية الذات فإن القاهر من اتصف بالقوة والغلبة ولا يعقل هذا إلا جسما فإن أثبته العقل غير جسم لم يعجز عن إثبات فوقية الذات لغير جسم. وكذلك من تأول الإصبع بالقدرة فإن القدرة أيضا صفة قائمة بالموصوف وعرض من أعراضه ففر من صفة إلى صفة وكذلك من تأول الضحك بالرضى والرضى بالإرادة إنما فر من صفة إلى صفة فهلا أقر النصوص على ما هي عليه ولم ينتهك حرمتها إذ كان التأويل لا يخرجه مما فر منه فإن المتأول إما أن يذكر معنى ثبوتيا أو يتأول اللفظ بما هو عدم محض فإن تأوله بمعنى ثبوتي كائنا ما كان لزمه فيه نظير ما فر منه فإن قال أنا أثبت ذلك المعنى على وجه لا يستلزم تشبيها.(1\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "90",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3371",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل له فهلا أثبت المعنى الذي تأولته على وجه لا يستلزم تشبيها. فإن قال ذلك أمر لا يعقل. قيل له فكيف عقلته في المعنى الذي أثبته وأنت وسائر أهل الأرض إنما تفهم المعاني الغائبة بما تفهمها به في الشاهد ولولا ذلك لما عقلت أنت ولا أحد شيئا غائبا البتة فما أبديته في التأويل إن كان له نظير في الشاهد لزمك التشبيه وإن لم يكن له نظير لم يمكنك تعقله البتة وإن أولت النص بالعدم عطلته فأنت في تأويلك بين التعطيل والتشبيه مع جنايتك على النص وانتهاكك حرمته فهلا عظمت قدره وحفظت حرمته وأقررته وأمررته مع نفي التشبيه والتخلص من التعطيل وبالله التوفيق.(1\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "91",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3372",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الفصل الثامن: في بيان خطئهم في فهمهم من النصوص المعاني الباطلة التي تأولوها لأجلها فجمعوا بين التشبيه والتعطيل",
        "content": "الفصل الثامن: في بيان خطئهم في فهمهم من النصوص المعاني الباطلة التي تأولوها لأجلها فجمعوا بين التشبيه والتعطيل هذا الفصل من عجيب أمر المتأولين فإنهم فهموا من النصوص الباطل الذي لا يجوز إرادته ثم أخرجوها عن معناها الحق المراد منها فأساءوا الظن بها وبالمتكلم بها وعطلوها عن حقائقها التي هي عين كمال الموصوف بها ونقتصر من ذلك على مثال ذكره بعض الجهمية ونذكر ما عليه فيه. قال الجهمي: ورد في القرآن ذكر الوجه وذكر الأعين وذكر العين الواحدة وذكر الجنب الواحد وذكر الساق الواحد وذكر الأيدي وذكر اليدين وذكر اليد(1\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "92",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3373",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الواحدة فلو أخذنا بالظاهر لزمنا إثبات شخص له وجه وعلى ذلك الوجه أعين كثيرة وله جنب واحد عليه أيد كثيرة وله ساق واحد ولا يرى في الدنيا شخص أقبح صورة من هذه الصورة المتخيلة ولا يظن أن عاقلا يرى أن يصف ربه بهذه الصفة. قال السني المعظم لحرمات كلام الله قد ادعيت أيها الجهمي أن ظاهر القرآن الذي هو حجة الله على عباده والذي هو خير الكلام وأصدقه وأحسنه وأفصحه وهو الذي هدى الله به عباده وجعله شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ولم ينزل كتاب من السماء أهدى منه ولا أحسن ولا أكمل فانتهكت حرمته وعضهته ونسبته إلى أقبح النقص والعيب فادعيت أن ظاهره ومدلوله إثبات شخص له وجه وفيه أعين كثيرة وله جنب واحد وعليه أيد كثيرة وله ساق واحد فادعيت أن ظاهر ما وصفه الله بن نفسه في كتابه يدل على(1\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "93",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3374",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذه الصفة الشنعية المستقبحة فيكون سبحانه قد وصف نفسه بأشنع الصفات في ظاهر كلامه فأي طعن في القرآن أعظم من طعن من يجعل هذا ظاهره ومدلوله وهل هذا إلا من جنس قول الذين جعلوا القرآن عضين فعضهوه بالباطل وقالوا هو سحر أو شعر أو كذب مفترى بل هذا أقبح من قولهم من وجه فإن أولئك أقروا بعظمة الكلام وشرف قدره وعلوه وجلالته حتى قال فيه رأس الكفر والله إن لكلامه لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لجنى وإنه ليعلو وما يعلى وما يشبه كلام البشر. ولم يدع أعداء الرسول الذين جاهروه بالمحاربة والعداوة أن ظاهر كلامه أبطل الباطل وأبين المحال وهو وصف الخالق سبحانه بأقبح الهيئات والصور(1\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "94",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3375",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولو كان ذلك ظاهر القرآن لكان ذلك من أقرب الطرق لهم إلى الطعن فيه وقالوا كيف يدعونا إلى عبادة رب له وجه عليه عيون كثيرة وجنب واحد وساق واحد وأيد كثيرة فكيف كانوا يسكتون له على ذلك وهم يوردون عليه ما هو أقل من هذا بكثير كما أوردوا عليه المسيح لما قال إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون [الأنبياء98] فتعلقوا بظاهر ما لم يدل على ما أوردوه وهو دخول المسيح فيما عبد من دون الله إما بعموم لفظ ما وإما بعموم المعنى فأوردوا على هذا الظاهر هذا الإيراد.(1\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "95",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3376",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأورد أهل الكتاب على قوله يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء [مريم28] إن بين هارون عيسى ما بينهما وليس ظاهر القرآن أنه هارون بن عمران بوجه وكانوا يتفننون فيما يوردونه على القرآن هذا ودونه فكيف يجدون ما ظاهره إثبات رب شأنه وهيئته ما ذكره هذا الجهمي ولا يصيحون به على رؤوس الأشهاد ويشنعون عليه بإثباته في كل حاضر وباد فالقوم على شركهم وشدة عدواتهم لله ورسوله كانوا أصح أفهاما من الجهمية الذين نسبوا ظاهر القرآن إلى هذه الصفة القبيحة ولكن الأذهان الغلف والقلوب العمي والبصائر الخفاشية لا يكثر عليها أن تفهم هذا من ظاهر القرآن.(1\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "96",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3377",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أنصار الله ونحن نبين أن هذه الصورة الشنيعة ليست تفهم من ظاهر القرآن من وجوه أحدها: أن الله سبحانه إنما قال: تجري بأعيننا [القمر14] وقال: أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما [يس71] فدعوى الجهمي أن ظاهر هذا إثبات أعين كثيرة وأيد كثيرة فرية ظاهرة فإنه إن دل ظاهره على إثبات أعين كثيرة وأيد كثيرة دل على خالقين كثيرين فإن لفظ الأيدي مضاف إلى ضمير الجمع فأدع أيها الجهمي أن ظاهره إثبات أيد كثيرة لآلهة متعددة وإلا فدعواك أن ظاهره أيد كثيرة لذات واحدة خلاف الظاهر وكذلك قوله: تجري بأعيننا [القمر14] إنما ظاهره بزعمك أعين كثيرة على ذوات متعددة لا على ذات واحدة.(1\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "97",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3378",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني: أن يقال لك دعواك أن ظاهر القرآن إثبات أيد كثيرة في جنب واحد كذب آخر فأين في ظاهر القرآن أن الأيدي في الجنب وكأنك إنما أخذت هذا من القياس على بني آدم فشبهت أولا وعطلت ثانيا وكذلك جعلك الأعين الكثيرة في الوجه الواحد ليس في ظاهر القرآن ما يدل على هذا وإنما أخذته من التشبيه بالآدمي والحيوان ولهذا قال بعض أهل العلم إن كل معطل مشبه ولا يستقيم له التعطيل إلا بعد التشبيه. الثالث: أن يقال أين في ظاهر القرآن إثبات ساق واحد لله وجنب واحد فإنه سبحانه قال يوم يكشف عن ساق [القلم42] وقال أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله [الزمر56] فعلى تقدير أن يكون الساق والجنب من الصفات فليس من ظاهر القرآن ما يوجب أنه لا يكون له إلا ساق واحد وجنب واحد فلو دل على ما ذكرت لم يدل على نفي ما زاد على ذلك لا بمنطوقه ولا بمفهومه حتى إن القائلين بمفهوم(1\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "98",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3379",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اللقب لا يدل ذلك عندهم على نفي ما عدا المذكور لأنه متى كان للتخصيص بالذكر سبب غير الاختصاص بالحكم لم يكن المفهوم مرادا بالاتفاق وليس المراد بالآيتين إثبات الصفة حتى يكون تخصيص أحد الأمرين بالذكر مرادا بل المقصود حكم آخر وهو بيان تفريط العبد في حق الله وبيان سجود الخلائق إذا كشف عن ساق وهذا حكم قد يختص بالمذكور دون غيره فلا يكون له مفهوم. الرابع: هب أنه سبحانه أخبر أنه يكشف عن ساق واحدة هي صفة فمن أين في ظاهر الآية أنه ليس له إلا تلك الصفة الواحدة وأنت لو سمعت قائلا يقول كشفت عن عيني وأبديت عن ركبتي وعن ساقي أو قدمي أو يدي هل يفهم منه أنه ليس له إلا ذلك الواحد فقط(1\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "99",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3380",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكم هذا التلبيس والتدليس فلو قال واحد من الناس هذا لم يكن ظاهر كلامه ذلك فكيف يكون ظاهر أفصح الكلام وأبينه ذلك. الخامس: أن المفرد المضاف يراد به ما هو أكثر من واحد كقوله وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها [النحل18] وقوله وصدقت بكلمات ربها وكتبه [التحريم12] وقوله أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم [البقرة187] فلو كان الجنب والساق صفة لكان بمنزلة قوله بيده الملك [الملك1](1\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "100",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3381",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "و بيدك الخير [آل عمران26] و ولتصنع على عيني [طه39] السادس أن يقال من أين في ظاهر القرآن إثبات جنب واحد هو صفة الله ومن المعلوم أن هذا لا يثبته أحد من بني آدم وأعظم الناس إثباتا للصفات هم أهل السنة والحديث الذي يثبتون لله الصفات الخبرية ولا يقولون إن لله جنبا واحدا ولا ساقا واحدة قال عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على المريسي وادعى المعارض زورا على قوم أنهم يقولون في تفسير قول الله يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله [الزمر56] إنهم يعنون بذلك الجنب الذي هو العضو وليس ذلك على ما يتوهمونه.(1\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "101",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3382",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الدارمي فيقال لهذا المعارض ما أرخص الكذب عندك وأخفه على لسانك فإن كنت صادقا في دعواك فأشربها إلى أحد من بني آدم قاله وإلا فلم تشنع بالكذب على قوم هم أعلم بهذا التفسير منك وأبصر بتأويل كتاب الله منك ومن إمامك إنما تفسيرها عندهم تحسر الكفار على ما فرطوا في الإيمان والفضائل التي تدعو إلى ذات الله واختاروا عليها الكفر والسخرية بأولياء الله فسماهم الساخرين فهذا تفسير الجنب عندهم فمن أنبأك أنهم قالوا جنب من الجنوب فإنه لا يجهل هذا المعنى كثير من عوام المسلمين فضلا عن علمائهم. وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه الكذب مجانب للإيمان وقال ابن مسعود لا يجوز من الكذب(1\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "102",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3383",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جد ولا هزل وقال الشعبي من كان كذابا فهو منافق اه وتوجيه ذلك أن الله قال أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين [الزمر59-56](1\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "103",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3384",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا إخبار عما تقوله هذه النفس الموصوفة بما وصفت به وعامة هذه النفوس لا تعلم أن لله جنبا ولا تقر بذلك كما هو الموجود منها في الدنيا فكيف يكون ظاهر القرآن أن الله أخبر عنهم بذلك وقد قال عنهم يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله [الزمر56] والتفريط فعل أو ترك فعل وهذا لا يكون قائما بذات الله لا في جنب ولا في غيره بل يكون منفصلا عن الله وهذا معلوم بالحس والمشاهدة وظاهر القرآن يدل على أن قول القائل يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ليس أنه جعل فعله أو تركه في جنب يكون من صفات الله وأبعاضه فأين في ظاهر القرآن ما يدل على أنه ليس لله إلا جنب واحد يعني به الشق. السابع أن يقال هب أن القرآن دل ظاهره على إثبات جنب هو صفة فمن أين يدل ظاهره أو باطنه على أنه جنب واحد وشق واحد ومعلوم أن إطلاق مثل هذا لا يدل على أنه شق واحد كما قال النبي لعمران بن حصين صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن(1\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "104",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3385",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم تستطع فعلى جنب وهذا لا يدل على أنه ليس لعمران بن حصين إلا جنب واحد فإن قيل المراد على جنب من جنبيك قلنا فقد علم أن ذكر الجنب مفردا لا ينفي أن يكون معه غيره ولا يدل ظاهر اللفظ على ذلك بوجه. ونظير هذا اللفظ القدم إذا ذكر مفردا لم يدل على أنه ليس لمن نسب إليه إلا قدم واحد كما في الحديث الصحيح quot;حتى يضع عليها رب العزة قدمهquot; وفي الحديث quot;أنا العاقب الذي يحشر الناس على قدمي quot;.(1\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "105",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3386",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثامن: أن نقول من أين في ظاهر القرآن أن لله ساقا وليس معك إلا قوله تعالى يوم يكشف عن ساق [القلم42] والصحابة متنازعون في تفسير الآية هل المراد الكشف عن الشدة أو المراد بها أن الرب تعالى يكشف عن ساقه ولا يحفظ عن الصحابة والتابعين نزاع فيما يذكر أنه من الصفات أم لا في غير هذا الموضع وليس في ظاهر القرآن ما يدل على أن ذلك صفة لله لأنه سبحانه لم يضف الساق إليه وإنما ذكره مجردا عن الإضافة منكرا والذين أثبتوا ذلك صفة كاليدين والإصبع لم يأخذوا ذلك من ظاهر القرآن وإنما أثبتوه بحديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته وهو حديث الشفاعة الطويل وفيه quot; فيكشف الرب عن ساقه فيخرون له سجداquot; ومن حمل الآية على ذلك قال قوله تعالى يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود [القلم42](1\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "106",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3387",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مطابق لقوله فيكشف عن ساقه فيخرون له سجدا وتنكيره للتعظيم والتفخيم كأنه قال يكشف عن ساق عظيمة جلت عظمتها وتعالى شأنها أن يكون لها نظير أو مثيل أو شبيه قالوا وحمل الآية على الشدة لا يصح بوجه فإن لغة القوم في مثل ذلك أن يقال كشفت الشدة عن القوم لا كشف عنها كما قال الله تعالى فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون [الزخرف50] وقال ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر [المؤمنون75] فالعذاب والشدة هو المكشوف لا المكشوف عنه وأيضا فهناك تحدث الشدة وتشتد ولا تزال إلا بدخول الجنة وهناك لا يدعون إلى السجود وإنما يدعون إليه أشد ما كانت الشدة.(1\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "107",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3388",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التاسع: أن دعوى الجهمي أن ظهر القرآن يدل على أن لله سبحانه أيديا كثيرة على جنب واحد وأعينا كثيرة على وجه واحد عضه للقرآن وتنقص له وذم ولا يدل ظاهر القرآن ولا باطنه على ذلك بوجه ما ولا فهمه من له عقل ولو كان ذلك ظاهر القرآن لكان المخبر به منفرا للمدعوين عن الإيمان بالله ورسوله ومطرقا لهم إلى الطعن عليه والله سبحانه قال تجري بأعيننا [القمر14] وقال واصنع الفلك بأعيننا [هود37] وقال واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا [الطور48] وقال أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما [يس71](1\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "108",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3389",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال في قصة موسى ولتصنع على عيني [طه39] فذكر العين المفردة مضافة إلى الضمير المفرد والأعين مجموعة مضافة إلى ضمير الجمع وذكر العين مفردة لا يدل على أنها عين واحدة ليس إلا كما يقول القائل أفعل هذا على عيني وأجيئك على عيني وأحمله على عيني ولا يريد به أن له عينا واحدة فلو فهم أحد هذا من ظاهر كلام المخلوق لعد أخرق وأما إذا أضيفت العين إلى اسم الجمع ظاهرا أو مضمرا فالأحسن جمعها مشاكلة للفظ كقوله تجري بأعيننا [القمر14] وقوله واصنع الفلك بأعيننا [هود37] وهذا نظير المشاكلة في لفظ اليد المضافة إلى المفرد كقوله بيده الملك [الملك1] و بيدك الخير [آل عمران26](1\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "109",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3390",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن أضيفت إلى ضمير جمع جمعت كقوله أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما [يس71] وكذلك إضافة اليد والعين إلى اسم الجمع الظاهر كقوله بما كسبت أيدي الناس [الروم41] وقوله قالوا فأتوا به على أعين الناس [الأنبياء61] وقد نطق القرآن والسنة بذكر اليد مضافة إليه سبحانه مفردة ومثناة ومجموعة. وبلفظ العين مضافة إليه مفردة ومجموعة ونطقت السنة بإضافتها إليه مثناة كما قال عطاء عن أبي هريرة عن النبي إن العبد إذا قام في الصلاة قام بين عيني الرحمن فإذا التفت قال له ربه إلى من تلتفت إلى خير لك مني وقول النبي صلى الله عليه(1\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "110",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3391",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسلم: quot;إن ربكم ليس بأعورquot; صريح في أنه ليس المراد(1\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "111",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3392",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إثبات عين واحدة ليس إلا فإن ذلك عور ظاهر تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وهل يفهم من قول الداعي quot;اللهم احرسنا بعينك التي لا تنامquot; أنها عين واحدة ليس إلا إلا ذهن أقلف وقلب أغلف. قال خلف بن تميم حدثنا عبد الجبار بن كثير قال قيل لإبراهيم بن أدهم هذا السبع فنادى يا قسورة إن كنت أمرت فينا بشيء وإلا يعني فاذهب فضرب بذنبه وولى مدبرا فنظر إبراهيم إلى أصحابه وقال قولوا اللهم(1\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "112",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3393",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "احرسنا بعينك التي لا تنام وأكنفنا بكنفك الذي لا يرام وارحمنا بقدرتك علينا ولا نهلك وأنت الرجاء. قال عثمان الدارمي الأعور ضد البصير بالعينين وقد قال النبي في الدجال quot;إنه أعور وإن ربكم ليس بأعورquot; وقد احتج السلف على إثبات العينين له سبحانه بقوله تجري بأعيننا [القمر14] وممن صرح بذلك إثباتا واستدلالا أبو الحسن الأشعري في كتبه كلها فقال في المقالات والموجز والإبانة وهذا لفظه فيها وجملة قولنا أن نقر بالله وملائكته(1\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "113",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3394",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكتبه ورسله إلى أن قال وإن الله مستوي على عرشه كما قال الرحمن على العرش استوى [طه5] وأن له وجها كما قال ويبقى وجه ربك ذو الجلال والأكرام [الرحمن27] وأن له يدين كما قال بل يداه مبسوطتان [المائدة64] وقال لما خلقت بيدي [ص75] وأن له عينين بلا كيف كما قال:(1\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "114",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3395",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تجري بأعيننا [القمر14] فهذا الأشعري والناس قبله وبعده ومعه لم يفهموا من الأعين أعينا كثيرة على وجه ولم يفهموا من الأيدي أيديا كثيرة على شق واحد حتى جاء هذا الجهمي فعضه القرآن وادعى أن هذا ظاهره وإنما قصد هذا وأمثاله التشنيع على من بدعه وضلله من أهل السنة والحديث وهذا شأن الجهمية في القديم والحديث وهم بهذا الصنيع على الله ورسوله وكتابه يشنعون وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون [التوبة105] فما ذنب أهل السنة والحديث إذا نطقوا بما نطقت به النصوص وأمسكوا عما أمسكت عنه ووصفوا الله بما وصف به نفسه ووصفه رسوله وردوا تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين الذين عقدوا ألوية الفتنة وأطلقوا أعنة المحنة وقالوا على الله وفي الله بغير علم فردوا باطلهم وبينوا زيفهم وكشفوا إفكهم ونافحوا عن الله ورسوله(1\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "115",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3396",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلم يقدروا على أخذ الثأر منهم إلا بأن سموهم مشبهة ممثلة مجسمة حشوية ولو كان لهؤلاء عقول لعلموا أن التلقيب بهذه الألقاب ليس لهم وإنما هو لمن جاء بهذه النصوص وتكلم بها ودعى الأمة إلى الإيمان بها ومعرفتها ونهاهم عن تحريفها وتبديلها فدعوا التشنيع بما تعلمون أنتم وكل عاقل منصف أنه كذب ظاهر وإفك مفترى لا يعلم به قائل يناظر عن مقالته فهل تدفعون عن أنفسكم التعطيل ونفي حقائق صفات الكمال عن رب العالمين وأنها مجاز لا حقيقة لها وأن ظاهرها كفر وتشبيه وإلحاد فلو كان خصومكم كما زعمتم وحاشاهم مشبهة ممثلة مجسمة لكانوا أقل تنقصا لرب العالمين وكتابه وأسمائه وصفاته منكم بكثير كثير لو كان قولهم يقتضي التنقص فكيف وهو لا يقتضيه ولو صرحوا به فإنهم يقولون نحن أثبتنا لله غاية الكمال ونعوت الجلال ووصفناه بكل صفة كمال فإن لزم من هذا تجسيم أو تشبيه لم يكن هذا نقصا ولا عيبا ولا ذما بوجه من الوجوه فإن لازم الحق حق وما لزم من إثبات كمال الرب ليس بنقص وأما أنتم فنفيتم عنه صفات الكمال ولا ريب أن لازم هذا النفي وصفه بأضدادها من العيوب والنقائص فما سوى الله ولا رسوله ولا عقلاء عباده بين من(1\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "116",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3397",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفى كماله المقدس حذرا من التجسيم وبين من أثبت كماله الأعظم وصفاته العلى بلوازم ذلك كائنة ما كانت. فلو فرضنا في الأمة من يقول له سمع كسمع المخلوق وبصر كبصره لكان أدنى إلى الحق ممن يقول لا سمع له ولا بصر. ولو فرضنا في الأمة من يقول إنه متحيز على عرشه تحيط به الحدود والجهات لكان أقرب إلى الصواب من قول من يقول ليس فوق العرش إله يعبد ولا رب يصلى له ويسجد ولا ترفع إليه الأيدي ولا ينزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء ولا هو فوق خلقه ولا محايثهم ولا مباينهم. ولو فرضنا في الأمة من يقول إنه يتكلم كما يتكلم الآدمي وأن كلامه بآلات وأدوات تشبه آلات الآدميين وأدواتهم لكان خيرا ممن يقول إنه ما تكلم ولا يتكلم ولا قال ولا يقول ولا يقوم به كلام البتة فإن هذا القائل يشبهه بالأحجار والجمادات التي لا تعقل وذلك المشبه وصفه بصفات الأحياء الناطقين. وكذلك لو فرضنا في الأمة من يقول له يدان كأيدينا لكان خيرا ممن يقول ليس له يدان فإن هذا معطل مكذب لله(1\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "117",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3398",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "راد على الله ورسوله وذلك المشبه غالط مخطىء في فهمه فالمشبه على زعمكم الكاذب لم يشبهه تنقيضا له وجحدا لك8ماله بل ظنا إن إثبات الكمال لا يمكن إلا بذلك فقابلتموه بتعطيل كماله وذلك غاية التنقص. العاشر: أنك أيها الجهمي في فهمك عن الله أن ظاهر كلامه إثبات أيد متعددة على جنب واحد وعيون متعددة في وجه واحد قد ضاهيت النصارى الذين احتجوا على تثليثهم وإثبات آلهة متعددة بظاهر قوله إنا نحن نحيي ونميت وإلينا [ق43] وأمثاله. وفي هؤلاء أنزل الله تعالى فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله [آل عمران7] وفي الصحيح عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot;يا عائشة إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه(1\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "118",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3399",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأولئك الذين سمى الله فاحذروهمquot; وهذا الفهم الفاسد إنما أتى من قبل عجم القلوب والألسن فهم الذين أفسدوا الدين وشوشوا على الناس وإلا فلغة العرب متنوعة في إفراد المضاف وتثنيته وجمعه بحسب أحوال المضاف إليه فإن أضافوا الواحد المتصل إلى مفرد أفردوه وإن أضافوه إلى اسم جمع ظاهر أو مضمر جمعوه وإن أضافوه إلى اسم مثنى فالأفصح من لغتهم جمعه لقوله تعالى فقد صغت قلوبكما [التحريم4] وإنما هما قلبان لا غير وقوله والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما [المائدة38] وتقول العرب إضرب أعناقهما واقطع ألسنتهما وهذا أفصح استعمالهم وتارة يفردون المضاف فيقولون(1\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "119",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3400",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لسانهما وقلبهما وظهرهما وتارة يثنونه كقوله ظهراهما مثل ظهور الترسين والقرآن إنما نزل بلغة العرب لا بلغة العجم والطماطم والأنباط الذين أفسدوا الدين وتلاعبوا بالنصوص وانتهكوا حرماتها وجعلوها عرضة لتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين وإذا كان من لغتهم وضع الجمع موضع التثنية لئلا يجمعوا في لفظ واحد بين(1\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "120",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3401",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تثنيتين ولا لبس هناك فلأن يوضع الجمع موضع التثنية فيما إذا كان المضاف إليه مجموعا أولى بالجواز يدل عليه أنك لا تكاد تجد في كلامهم عينينا ويدينا ونحو ذلك ولا يلبس على السامع قول المتكلم نراك بأعيننا ونأخذك بأيدينا ونحو ذلك ولا يفهم منه بشر على وجه الأرض عيونا كثيرة على وجه واحد وأيديا متعددة على بدن واحد فهل قدر القرآن حق قدره من زعم أن هذا ظاهره. الوجه الحادي: عشر لفظ اليد جاء في القرآن على ثلاثة أنواع مفردا ومثنى ومجموعا فالمفرد كقوله بيده الملك [الملك1] والمثنى كقوله خلقت بيدي [ص75] والمجموع كقوله عملت أيدينا [يس71] فحيث ذكر اليد مثناة أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد وعدى الفعل بالباء إليهما فقال خلقت بيدي [ص75](1\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "121",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3402",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحيث ذكرها مجموعة أضاف العمل إليها ولم يعد الفعل بالباء فهذه ثلاثة فروق فلا يحتمل خلقت بيدي [ص75] من المجاز ما يحتمله عملت أيدينا فإن كل أحد يفهم من قوله عملت أيدينا ما يفهمه من قوله عملنا وخلقنا كما يفهم ذلك من قوله فبما كسبت أيديكم [الشورى30] وأما قوله خلقت بيدي [ص75] فلو كان المراد منه مجرد الفعل لم يكن لذكر اليد بعد نسبة الفعل إلى الفاعل معنى فكيف وقد دخلت عليها الباء فكيف إذا ثنيت. وسر الفرق أن الفعل قد يضاف إلى يد ذي اليد والمراد الإضافة إليه كقوله(1\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "122",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3403",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بما قدمت يداك [الحج10] فبما كسبت أيديكم [الشورى30] وأما إذا أضيف إليه الفعل ثم عدي بالباء إلى يده مفردة أو مثناة فهو ما باشرته يده ولهذا قال عبد الله بن عمرو إن الله لم يخلق بيده إلا ثلاثا خلق آدم بيده وغرس جنة الفردوس بيده وذكر الثالثة فلو كانت اليد هي القدرة لم يكن لها اختصاص بذلك ولا كانت لآدم فضيلة بذلك على شيء مما خلق بالقدرة وقد أخبر النبي أن أهل الموقف يأتونه يوم القيامة فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء فاشفع لنا إلى ربك فذكروا أربعة أشياء كلها خصائص وكذلك قال(1\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "123",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3404",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "آدم لموسى في محاجته له اصطفاك الله بكلامه وخط لك الألواح بيده وفي لفظ آخر كتب لك التوراة بيده وهو من أصح الأحاديث وكذلك الحديث الآخر المشهور quot;أن الملائكة قالوا يا رب خلقت بني آدم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة فقال الله تعالى لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكانquot; وهذا التخصيص إنما فهم من قوله خلقت بيدي [ص75] فلو كانت مثل قوله مما عملت أيدينا لكان هو والأنعام في ذلك سواء فلما فهم المسلمون أن قوله ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي موجبا له تخصيصا(1\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "124",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3405",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتفضيلا بكونه مخلوقا باليدين على من أمر أن يسجد له وفهم ذلك أهل الموقف حين جعلوه من خصائصه كانت التسوية بينه وبين قوله أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما [يس71] خطأ محضا. وكذلك قول النبي في الحديث الصحيح quot;يقبض الله سماواته بيده والأرض باليد الأخرىquot; وقوله quot;يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء(1\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "125",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3406",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق فإنه لم يغض ما في يمينه وبيده الأخرى القسط يخفض ويرفعquot; وقال تعالى وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان [المائدة64] وفي الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه في أعلى أهل الجنة منزلة: quot; أولئك الذين غرست كرامتهم بيدي وختمت(1\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "126",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3407",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليها quot; وقال أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده فقال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنونquot; وقال عبد الله بن الحارث قال النبي: quot;إن الله خلق ثلاثة أشياء بيده خلق آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس الفردوس بيده ثم قال وعزتي لا يسكنها مدمن خمر ولا ديوث quot; وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: quot; تكون الأرض يوم القيامة خبزة(1\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "127",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3408",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يكفؤ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنةquot; وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في استفتاح الصلاة: quot;لبيك وسعديك والخير كله في يديكquot; وفي الصحيح أيضا عنه صلى الله عليه وسلم: quot;إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربهاquot;. وقال عبد الله بن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;الأيدي ثلاثة فيد الله العليا ويد المعطي التي تليها(1\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "128",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3409",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويد السائل السفلىquot; وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: quot;المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولواquot; وفي المسند وغيره من(1\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "129",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3410",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حديث أبي هريرة عن النبي صلى اللع عليه وسلم: quot;لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال الحمد لله فحمد الله بإذن الله فقال له ربه رحمك ربك يا آدم وقال له إذهب إلى أولئك الملائكة إلى ملأ منهم جلوس فقل السلام عليكم فذهب فقالوا وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ثم رجع إلى ربه فقال هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم فقال الله تعالى ويداه مقبوضتان إختر أيهما شئت فقال اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريتهquot; وذكر الحديث. وقال عمر بن الخطاب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;خلق الله آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون.(1\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "130",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3411",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال هشام بن حكيم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;إن الله أخذ ذرية بني آدم من ظهورهم وأشهدهم على أنفسهم ثم أفاض بهم في كفيه فقال هؤلاء للجنة وهؤلاء للنارquot;.(1\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "131",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3412",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال عبد الله بن عمرو ولما خلق الله آدم نفضه نفض المزود فخرج منه مثل الذر فقبض قبضتين فقال لما في اليمين في الجنة ولما في الأخرى في النار. وقال أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فمنهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والطيب والخبيثquot;.(1\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "132",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3413",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال سلمان الفارسي إن الله تعالى خمر طينة آدم أربعين ليلة أو أربعين يوما ثم ضرب بيده فيها فخرج كل طيب بيمينه وكل خبيث بيده الأخرى ثم خلط بينهما. وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;ما تصدق أحد بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة فتربوا في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل متفق على صحته quot;. وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;إن(1\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "133",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3414",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف فقال أبو بكر زدنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهكذا وجمع يديه قال زدنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهكذا قال زدنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر حسبك فقال أبو بكر دعني يا عمر وما عليك أن يدخلنا الله الجنة كلنا قال عمر إن شاء الله أدخل خلقه الجنة بكف واحدة فقال النبي صدق عمرquot;. وقال نافع بن عمر سألت ابن أبي مليكة عن يد(1\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "134",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3415",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله أواحدة أم اثنتان فقال لا بل اثنتان. وقال ابن عباس ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهما في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم. وقال ابن عمر وابن عباس أول شيء خلقه الله القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين فكتب الدنيا وما فيها من عمل معمول في بر وبحر ورطب ويابس فأحصاه عنده. وقال ابن عباس في قوله تعالى والسماوات مطويات بيمينه يقبض الله عليها فيرى طرفاها في يده.(1\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "135",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3416",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ابن عمر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر فقال: quot;إن الله تعالى إذا كان يوم القيامة جمع السموات والأرض في قبضته ثم قال هكذا ومد يده وبسطها ثم يقول أنا الله أنا الرحمنquot; وذكر الحديث. وقال ابن وهب عن أسامة عن نافع عن(1\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "136",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3417",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن عمر أن النبي قرأ على المنبر والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه [الزمر67] قال: quot;مطوية في كفه يرمي بها كما يرمي الغلام بالكرةquot;. وقال عبيد الله بن مقسم نظرت إلى عبد الله بن عمر كيف صنع حيث يحكي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot; يأخذ الله سماواته وأرضه بيده فيقول أنا الله ويقبض أصابعه ويبسطها ويقول أنا الرحمن الرحيم أنا الملكquot; حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه(1\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "137",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3418",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حتى إني أقول أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال زيد بن أسلم لما كتب الله التوراة بيده قال بسم الله هذا كتاب من الله بيده لعبده موسى يسبحني ويقدسني ولا يحلف بإسمي آثما فإني لا أزكي من حلف باسمي آثما.(1\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "138",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3419",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإنما ذكرنا هذه النصوص التي هي غيض من فيض ليعلم الواقف عليها أنه لا يفهم أحد من عقلاء بني آدم منها شخصا له شق واحد وعليه أيد كثيرة وله ساق واحد وله وجه واحد وفيه عيون كثيرة فهذه نصوص القرآن والسنة كما ترى هل يفهم منها مسلم ما ذكره هذا الجهمي أو أحد ممن له أدنى فهم ومن هذا قدر النصوص عنده فهو حقيق بأن لا يقبل منها شيئا ولا ينال منها هدى ولا يظفر منها بعلم وهي في حقه كما قال الله تعالى وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا [الإسراء82] وقوله تعالى وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم [التوبة125 , 124](1\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "139",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3420",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد [فصلت44] وقوله يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين [البقرة26] والله يعلم أن هذا من أعظم العضه لها والتنقص بها والطعن على من تكلم بها وجاء بها أو يقال له هذا ظاهر كلامك وحقيقته فانظر إلى أقبح التشبيه والتمثيل الذي ادعوا أنه ظاهر النصوص وإلى التعطيل الذي سطوا به عليها وسموه تأويلا فصح أنهم جمعوا بين فهم التشبيه منها واعتقاد التعطيل ونسبة قائلها إلى قصد ما يضاد البيان والإرشاد والله المستعان.(1\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "140",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3421",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الفصل التاسع: في الوظائف الواجبة على المتأول الذي لا يقبل منه تأويله إلا بها",
        "content": "الفصل التاسع: في الوظائف الواجبة على المتأول الذي لا يقبل منه تأويله إلا بها لما كان الأصل في الكلام هو الحقيقة والظاهر كان العدول به عن حقيقته وظاهره مخرجا له عن الأصل فاحتاج مدعي ذلك إلى دليل يسوغ له إخراجه عن أصله فعليه أربعة أمور لا تتم له دعواه إلا بها.(1\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "141",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3422",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأمر الأول بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي تأوله في ذلك التركيب الذي وقع فيه وإلا كان كاذبا على اللغة منشئا وضعا من عنده فإن اللفظ قد لا يحتمل ذلك المعنى لغة. وإن احتمله فقد لا يحتمله في ذلك التركيب الخاص وكثير من المتأولين لا يبالي إذا تهيأ له حمل اللفظ على ذلك المعنى بأي طريق أمكنه أن يدعي حمله عليه إذ مقصوده دفع الصائل فبأي طريق اندفع عنه دفعه والنصوص قد صالت على قواعده الباطلة فبأي طريق تهيأ له دفعها دفعها ليس مقصوده أخذ الهدى والعلم والإرشاد منها فإنه قد أصل أنها أدلة لفظية لا يستفاد منها يقين ولا علم ولا معرفة بالحق وإنما المعول على آراء الرجال وما تقتضيه عقولها وأنت إذا تأملت تأويلاتهم رأيت كثيرا منها لا يحتمله اللفظ في اللغة التي وقع بها التخاطب وإن احتمله لم يحتمله في ذلك التركيب الذي تأوله وليس لأحد أن يحمل كلام الله ورسوله على كل ما ساغ في اللغة أو الاصطلاح لبعض الشعراء أو الخطباء أو الكتاب أو العامة إلا إذا كان ذلك غير مخالف لما علم من وصف الرب تعالى وشأنه وما تضافرت به صفاته لنفسه وصفات(1\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "142",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3423",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسوله له وكانت إرادة ذلك المعنى بذلك اللفظ مما يجوز ويصلح نسبتها إلى الله ورسوله لا سيما والمتأول يخبر عن مراد الله ورسوله فإن تأويل كلام المتكلم بما يوافق ظاهره أو يخالفه إنما هو بيان لمراده فإذا علم أن المتكلم لم يرد هذا المعنى وأنه يمتنع أن يريده وأن في صفات كماله ونعوت جلاله ما يمنع من إرادته وأنه يستحيل عليه من وجوه كثيرة أن يريده استحال الحكم عليه بإرادته فهذا أصل عظيم يجب معرفته ومن أحاط به معرفة تبين له أن كثيرا مما يدعيه المحرفون من التأويلات مما يعلم قطعا أن المتكلم لا يصح أن يريده بذلك الكلام وإن كان ذلك مما يسوغ لبعض الشعراء وكتاب الإنشاء واللغة من القاصدين التعمية لغرض من الأغراض فلا بد أن يكون المعنى الذي تأوله المتأول مما يسوغ استعمال اللفظ فيه في تلك اللغة التي وقع بها التخاطب. وأن يكون ذلم المعنى مما تجوز نسبته إلى الله وأن(1\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "143",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3424",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يعود على شيء من صفات كماله بالإبطال والتعطيل وأن يكون معه قرائن تحتف به تبين أنه مراد باللفظ وإلا كانت دعوى إرادته كذبا على المتكلم ونحن نذكر لذلك أمثلة: المثال الأول: تأويل قوله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش [الأعراف54] بأنه أقبل على خلقه فهذا إنشاء منهم لوضع لفظ استوى على أقبل على خلقه وهذا لم يقله أحد من أهل اللغة فإنهم ذكروا معاني استوى ولم يذكر أحد منهم أصلا في معانيه الإقبال على الخلق فهذه كتب اللغة طبق الأرض هل تجدون أحدا منهم يحكي ذلك على اللغة وأيضا فإن استواء الشيء والاستواء إليه وعليه يستلزم وجوده ووجود ما نسبت إليه الاستواء بإلى أو بعلى فلا يقال استوى إلى أمر معدوم ولا استوى عليه فهذا التأويل إنشاء محض لا إخبار صادق عن استعمال أهل اللغة.(1\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "144",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3425",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك تأويلهم الاستواء بالاستيلاء فإن هذا لا تعرفه العرب من لغاتها ولم يقله أحد من أئمة اللغة وقد صرح أئمة اللغة كابن الأعرابي وغيره بأنه لا يعرف في اللغة ولو احتمل ذلك لم يحتمله هذا التركيب فإن استيلاءه سبحانه وغلبته للعرش لم يتأخر عن خلق السموات والأرض والعرش مخلوق قبل خلقها بأكثر من خمسين ألف سنة كما أخبر بذلك الصادق المصدوق فيما صح عنه وبطلان هذا التأويل من أربعين وجها سنذكرها في موضعها في هذا الكتاب إن شاء الله. والمقصود ذكر الوظائف التي على المتأول فعليه أن يبين احتمال اللفظ للمعنى الذي ذكره أولا. ويبين تعيين ذلك المعنى ثانيا فإنه إذا أخرج عن حقيقته قد يكون له معان فتعيين ذلك المعنى يحتاج إلى دليل. الثالث: إقامة الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره فإن دليل المدعي للحقيقة والظاهر قائم فلا يجوز العدول عنه إلا بدليل صارف يكون أقوى منه.(1\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "145",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3426",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرابع: الجواب عن المعارض فإن مدعي الحقيقة قد أقام الدليل العقلي والسمعي على إرادة الحقيقة. أما السمعي فلا يمكنك المكابرة أنه معه. وأما العقلي فمن وجهين عام وخاص فالعام الدليل الدال على كمال علم المتكلم وكمال بيانه وكمال نصحه والدليل العقلي على ذلك أقوى من الشبه الخيالية التي يستدل بها النفاة بكثير فإن جاز مخالفة هذا الدليل القاطع فمخالفة تلك الشبه الخيالية أولى بالجواز وإن لم تجز مخالفة تلك الشبه فامتناع مخالفة الدليل القاطع أولى. وأما الخاص فإن كل صفة وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله فهي صفة كمال قطعا فلا يجوز تعطيل صفات كماله وتأويلها بما يبطل حقائقها فالدليل العقلي الذي دل على ثبوت الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر دل نظيره على ثبوت الحكمة والرحمة والرضا والغضب والفرح والضحك والذي دل على أنه فاعل بمشيئته واختياره دل على قيام أفعاله به وذلك عين الكمال المقدس وكل صفة دل عليها القرآن والسنة فهي صفة كمال والعقل جازم بإثبات صفات الكمال للرب سبحانه ويمتنع أن يصف نفسه أو يصفه رسوله بصفة توهم نقصا وهذا الدليل أيضا أقوى من كل شبهة للنفاة يوضحه أن أدلة مباينة الرب لخلقه وعلوه على جميع مخلوقاته أدلة عقلية(1\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "146",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3427",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فطرية توجب العلم الضروري بمدلولها وأما السمعية فتقارب الف دليل فعلى المتأول أن يجيب عن ذلك كله وهيهات له بجواب صحيح عن بعض ذلك فنحن نطالبه بجواب صحيح عن دليل واحد وهو أن الرب تعالى إما أن يكون له وجود خارجي عن الذهن ثابت في الأعيان أولا فإن لم يكن له وجود خارجي كان خيالا قائما بالذهن لا حقيقة له وهذا حقيقة قول المعطلة وإن تستروا بزخرف من القول وإن كان وجوده خارج الذهن فهو مباين له إذ هو منفصل عنه إذ لو كان قائما به لكان عرضا من أعراضه وحينئذ فإما أن يكون هو هذا العالم أو غيره فإن كان هذا العالم فهو تصريح بقول أصحاب وحدة الوجود وأنه ليس لهذا العالم رب مباين له منفصل عنه وهذا أكفر أقوال أهل الأرض وإن كان غيره فإما أن يكون قائما بنفسه أو قائما بالعالم فإن كان قائما بالعالم فهو جزء من أجزائه أو صفة من صفاته وليس هذا بقيوم السموات والأرض وإن كان قائما بنفسه وقد علم أن العالم قائم بنفسه فذاتان قائمتان بأنفسهما ليست إحداهما داخلة في الأخرى ولا خارجة عنها ولا متصلة بها ولا منفصلة عنها ولا محايثة ولا مباينة ولا فوقها ولا تحتها ولا خلفها ولا أمامها ولا عن يمينها ولا عن شمالها كلام له خبىء لا يخفى على عاقل منصف والبديهة الضرورية حاكمة بامتناع هذا واستحالة تصوره فضلا عن التصديق به قالوا فنحن نطالبكم بجواب صحيح عن هذا الدليل الواحد(1\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "147",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3428",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من جملة ألف دليل ونعلم قبل المطالبة أنه لو اجتمع كل جهمي على وجه الأرض لما أجابوا عنه بغير المكابرة والتشنيع على أهل الإثبات بالتجسيم والتنفير والسب وهذه وظيفة كل مبطل قامت عليه حجة الله فدعوا الشناعة بالفرية والكذب والاختلاق هل يمكنكم الخروج من دائرة المعطلين الذين قالوا لو كان للعالم صانع قائم بنفسه لكان إما داخلا فيه أو خارجا عنه وإما متصلا أو منفصلا عنه وإما محايثا له أو مباينا له وإما فوقه أو تحته أو عن يمينه أو عن شماله أو خلفه أو أمامه فحيث لم يثبت له شيء من ذلك استحال أن يكون مغايرا للعالم قائما بنفسه قالوا وهذه العقول والفطر حاضرة إذا عرض عليها ذلك وجدته من باب الجمع بين النقيضين فدعونا من إخراج نصوص الوحي عن حقائقها ودعوى أنها مجازات لا حقائق لها لا تفيد يقينا ولا يستفاد منها علم بما يجب لله ويمتنع عليه البتة إذ هي أدلة لفظية وظواهر غير مفيدة لليقين وأجيبوا هؤلاء المعطلة وأولئك المجسمة بزعمكم وإلا فليستحي من مراجمة الناس بالأحجار من سقف بيته من الزجاج(1\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "148",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3429",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الفصل العاشر: في أن التأويل شر من التعطيل فإنه يتضمن التشبيه والتعطيل والتلاعب بالنصوص وإساءة الظن بها",
        "content": "الفصل العاشر: في أن التأويل شر من التعطيل فإنه يتضمن التشبيه والتعطيل والتلاعب بالنصوص وإساءة الظن بها فإن المعطل والمؤول قد اشتركا في نفي حقائق الأسماء والصفات. وامتاز المؤول بتلاعبه بالنصوص وانتهاكه لحرمتها وإساءة الظن بها ونسبة قائلها إلى التكلم بما ظاهره الضلال والإضلال فجمعوا بين أربعة محاذير: اعتقادهم أن ظاهر كلام الله ورسوله المحال الباطل ففهموا التشبيه أولا ثم انتقلوا عنه إلى المحذور الثاني: وهو التعطيل فعطلوا حقائقها بناء منهم على ذلك الفهم الذي يليق بهم ولا يليق بالرب جل جلاله. المحذور الثالث: نسبة المتكلم الكامل العلم الكامل البيان التام النصح إلى ضد البيان والهدى والإرشاد وإن(1\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "149",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3430",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المتحيرين المتهوكين أجادوا العبادة في هذا الباب وعبروا بعبارة لا توهم من الباطل ما أوهمته عبارة المتكلم بتلك النصوص ولا ريب عند كل عاقل أن ذلك يتضمن أنهم كانوا أعلم منه أو أفصح أو أنصح للناس. المحذور الرابع تلاعبهم بالنصوص وانتهاك حرماتها فلو رأيتها وهم يلوكونها بأفواههم وقد حلت بها المثلات وتلاعبت بها أمواج التأويلات وتقاذفت بها رياح الآراء واحتوشتها رماح الأهواء ونادى عليها أهل التأويل في سوق من يزيد فبذل كل واحد في ثمنها من التأويلات ما يريد فلو شاهدتها بينهم وقد تخطفتها أيدي الاحتمالات ثم قيدت بعدما كانت مطلقة بأنواع الإشكالات وعزلت عن سلطنة اليقين وجعلت تحت حكم تأويل الجاهلين هذا وطالما نصبت لها حبائل الإلحاد وبقيت عرضة للمطاعن والإفساد وقعد النفاة على صراطها المستقيم بالدفع في صدورها والأعجاز وقالوا لا طريق لك علينا وإن كان لا بد فعلى سبيل المجاز فنحن(1\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "150",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3431",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أهل المعقولات وأصحاب البراهين وأنت أدلة لفظية وظواهر سمعية لا تفيد العلم ولا اليقين فسندك آحاد وهو عرضة للطعن في الناقلين وإن صح وتواتر ففهم مراد المتكلم منه موقوف على انتفاء عشرة أشياء لا سبيل إلى العلم بانتفائها عند الناظرين والباحثين فلا إله إلا الله والله أكبر كم هدمت بهذه المعاول من معاقل الإيمان وثلمت بها حصون حقائق السنة والقرآن وكم أطلقت في نصوص الوحي من لسان كل جاهل أخرق ومنافق أرعن وطرقت لأعداء الدين الطريق وفتحت الباب لكل مبتدع وزنديق ومن نظر في التأويلات المخالفة لحقائق النصوص رأى من ذلك ما يضحك عجبا ويبكي حزنا ويثير حمية للنصوص وغضبا(1\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "151",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3432",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قد أعاد عذب النصوص ملحا أجاجا وخرجت الناس من الهدى والعلم أفواجا فتحيزت كل طائفة إلى طاغوتها وتصادمت تصادم النصارى في شأن ناسوتها ولاهوتها ثم تمالأ الكل على غزو جند الرحمن ومعاداة حزب السنة والقرآن فتداعوا إلى حربهم تداعي الأكلة إلى قصعتها وقالوا نحن وإن كنا مختلفين فإنا على محاربة هذا الجند متفقون فميلوا بنا عليهم ميلة واحدة حتى تعود دعوتهم باطلة وكلمتهم خامدة وغر المخدوعين كثرتهم التي ما زادتهم عند الله ورسوله وحزبه إلا قلة وقواعدهم التي ما زادتهم إلا ضلالا وبعدا عن الملة وظنوا أنهم بجموعهم المعلولة يملأون قلوب أهل السنة إرهابا منهم وتعظيما. ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما [الأحزاب22] وأنت إذا تأملت تأويلات القرامطة(1\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "152",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3433",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والملاحدة والفلاسفة والرافضة والقدرية والجهمية ومن سلك سبيل هؤلاء من المقلدين لهم في الحكم والدليل ترى الإخبار بمضمونها عن الله ورسوله لا يقصر عن الإخبار عنه بالأحاديث الموضوعة المصنوعة التي هي مما عملته أيدي الوضاعين وصاغته ألسنة الكذابين فهؤلاء اختلقوا عليه ألفاظا وضعوها وهؤلاء اختلقوا في كلامه معاني ابتدعوها فيا محنة الكتاب والسنة بين الفريقين وما نازلة نزلت بالإسلام إلا من الطائفتين فهما عدوان للإسلام كائدان وعن الصراط المستقيم ناكبان وعن قصد السبيل جائران فلو رأيت ما يصرف إليه المحرفون أحسن الكلام وأبينه وأفصحه وأحقه بكل هدى وبيان وعلم من المعاني الباطلة والتأويلات الفاسدة لكدت تقضي من ذلك عجبا وتتخذ في بطن الأرض سربا فتارة تعجب(1\/300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "153",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3434",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتارة تغضب وتارة تبكي وتارة تضحك وتارة تتوجع لما نزل بالإسلام وحل بساحة الوحي ممن هم أضل من الأنعام. فكشف عورات هؤلاء وبيان فضائحهم وفساد قواعدهم من أفضل الجهاد في سبيل الله وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: quot;إن روح القدس معك ما دمت تنافح عن رسولهquot; وقال: quot;أهجهم أو هاجهم وجبريل معكquot; وقال: quot;اللهم أيده بروح القدس ما دام ينافح عن رسولك quot; وقال عن هجائه(1\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "154",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3435",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لهم: quot;والذي نفسي بيده لهو أشد فيهم من النبلquot; وكيف لا يكون بيان ذلك من الجهاد في سبيل الله وأكثر هذه التأويلات المخالفة للسلف الصالح من الصحابة والتابعين وأهل الحديث قاطبة وأئمه الإسلام الذين لهم في الأمة لسان صدق يتضمن من عبث المتكلم بالنصوص وسوء الظن بها من جنس ما تضمنه طعن الذين يلمزون الرسول ودينه وأهل النفاق والإلحاد لما فيه من دعوى أن ظاهر كلامه إفك ومحال وكفر وضلال وتشبيه وتمثيل أو تخييل ثم صرفها إلى معان يعلم أن إرادتها بتلك الألفاظ من نوع الأحاجي والألغاز لا يصدر ممن قصده نصح وبيان فالمدافعة عن كلام الله ورسوله والذب عنه من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله وأنفعها للعبد ومن رزقه الله بصيرة نافذة علم سخافة عقول هؤلاء المحرفين وأنهم من أهل الضلال المبين وأنهم إخوان الذين ذمهم الله بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه الذين لا يفقهون ولا يتدبرون القول وشبههم بالحمر المستنفرة تارة وبالحمار الذي يحمل أسفارا تارة ومن قبل التأويلات المفتراة على الله(1\/302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "155",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3436",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورسوله التي هي تحريف لكلام الله ورسوله عن مواضعه فهو من جنس الذين قبلوا قرآن مسيلمة المختلق المفترى وقد زعم أنه شريك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رئيسا كبيرا مطاعا بجعله شريكا له في التصديق والطاعة والقبول إن لم يقدمه عليه لا سيما الغالية من الجهمية والباطنية والرافضة والاتحادية فإن عندهم(1\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "156",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3437",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من كلام ساداتهم وكبرائهم ما يضاهون به كلام الله ورسوله وكثيرا ما يقدمونه عليه علما وعملا ويدعون فيه من التحقيق والتدقيق والعلم والعرفان ما لا يثبتون مثله للسنة والقرآن ومن تلبس منهم بالإسلام يقول كلامنا يوصل إلى الله والقرآن وكلام الرسول يوصل إلى الجنة وكلامنا للخواص والقرآن للعوام وكثير منهم يقول كلامنا برهان وطريق القرآن خطابة ومنهم من يقول القرآن والسنة طريق السلامة وكلامنا طريق العلم والتحقيق وكثير منهم يقول لم يكن الصحابة معنيين بهذا الشأن بل كانوا قوما أميين فتحوا البلاد وأقاموا الدين بالسيف وسلموا إلينا النصوص نتصرف فيها ونستنبط منها فلهم علينا مزية الجهاد والزهد والورع ولنا عليهم مزية العلم بالحقائق والتأويل وإن لم يعلموا هذا من قلوبهم والله يشهد به عليهم ويعلمه كامنا في صدورهم يبدو على فلتات لسان من لم يصرح به منهم ومن محققي هؤلاء من يدعي أن الرسل يستفيدون العلم بالله من طريقهم ويتلقونه من مشكاتهم ولكن يخاطبون الناس على قدر عقولهم فلم يصرحوا لهم بالحق ولم ينصحوا لهم به وكل من هؤلاء قد نصب دون الله ورسوله طاغوتا يعول عليه ويدعو عند(1\/304)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "157",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3438",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التحاكم إليه فكلامه عنده محكم لا يسوغ تأويله ولا يخالف ظاهره وكلام الله ورسوله إذا لم يوافقه فهو مجمل متشابه يجب تأويله أو يسوغ فضابط التأويل عندهم ما خالف تلك الطواغيت ومن تدبر هذا الموضع انتفع به غاية النفع وتخلص به من أشراك الضلال فإن الذين يقرون برسالة النبي وفيهم نوع إيمان به منهم من يجعل له شريكا في الطاعة كما كان المنافقون يطيعون عبد الله بن أبي رأس المنافقين وكبيرهم وكان كثير ممن في قلبه نوع مرض وإن لم يكن منافقا خالصا يطيعه في كثير من الأمور ويقبل منه كما قال تعالى وفيكم سماعون لهم [التوبة47] والمعنى على أصح القولين وفيكم مستجيبون لهم قابلون منهم كما قال الله تعالى سماعون للكذب [المائدة42] أي قابلون له ومن حمل الآية على العيون والجواسيس فقوله ضعيف لوجوه كثيرة ليس هذا(1\/305)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "158",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3439",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "موضعها وكما كان أصحاب مسيلمة يقولون إنه شريكه في الطاعة وإنه يقبل منه كما يقبل عن النبي وكان عبد الله بن أبي يقدم سياسته ورأيه على ما جاء به أحيانا ويغضب إذا لم يسمع منه ويغضب له قومه وكذلك رئيس الخوارج السجاد العباد الذي بين عينيه أثر السجود قدم عقله ورأيه على ما جاء به في قسمة المال وزعم أنه لم يعدل فيها وكذلك غلاة الرافضة قدموا عقولهم وآرائهم على ما جاء به وزعموا أنه لم يعدل حيث أمر أبا بكر أن يصلي بالناس وابن عمه حاضر ولم يعدل(1\/306)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "159",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3440",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حيث أثنى على أبي بكر وعمر وعظمهما فأوجب أن الأمة بعده ولوهما دون ابن عمه وكذلك الجهمية قدموا عقولهم وآراءهم على ما جاء به وزعموا أنه لم يعدل في العبارة حيث عدل عن العبارة التي عبروا هم بها عن الله سبحانه وعبر بما أوقع الأمة في اعتقاد التشبيه والتجسيم وحملهم كلفة التأويل وجشمهم مشقته وأوقع الخلاف بين الأمة بتلك العبارات التي عباراتهم بزعمهم أعظم تنزيها لله وأقل إيهاما للمحال منها فهؤلاء وأمثالهم هم السلف لكل خلف يدعي أن لغير الله ورسوله معه حكما في مضمون الرسالة إما في العلميات وإما في العمليات وإما في الإرادات والأحوال وإما في السياسات وأحكام الأموال فيطاع هذا الغير كما يطاع الرسول بل الله يعلم أن كثيرا منهم أو أكثرهم قد قدموا طاعته على طاعة الرسول وكل هؤلاء فيهم شبه من أتباع مسيلمة وابن أبي وذي الخويصرة فلكل(1\/307)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "160",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3441",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خلف سلف ولكل تابع متبوع ولكل مرؤوس رئيس فمن قرن بالرسالة رئاسة مطاعة أو سياسة حاكمة بحيث يجعل طاعتها كطاعة الرسالة ففيهم شبه من اتباع عبد الله بن أبي ومن اعترض على الكتاب والسنة بنوع تأويل من قياس أو ذوق أو عقل أو حال ففيه شبه من الخوارج أتباع ذي الخويصرة ومن نصب طاغوتا دون الله ورسوله يدعو ويحاكم إليه ففيه شبه من أتباع مسيلمة وقد يكون في هؤلاء من هو شر من أولئك كما كان فيهم من هو خير منهم أو مثلهم وهؤلاء كلهم قد أعقبهم هذا الصنيع نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقون ربهم وإنما تبين لهم حقيقته إذا بليت السرائر ومدت الضمائر وبعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور ولا يستقر للعبد قدم في الإسلام حتى يعقد قلبه وسره على أن الدين كله لله لا رب سواه ولا متبوع غيره(1\/308)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "161",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3442",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأن كلام غيره يعرض على كلامه فإن وافقه قبلناه لا لأنه قاله بل لأنه أخبر به عن الله ورسوله وإن خالفه رددناه واطرحناه ولا يعرض كلامه على آراء القياسيين ولا عقول الفلاسفة والمتكلمين ولا على سياسة الولاة الحاكمين والسلاطين ولا أذواق المتزهدين والمتعبدين بل تعرض هذه كلها على ما جاء به عرض الدراهم المجهول حاملها على أخبر الناقدين فما حكم بصحته منها فهو المقبول وما حكم برده فهو المردود والله الموفق للصواب(1\/309)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "162",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3443",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الفصل الحادي عشر: في أن قصد المتكلم من المخاطب حمل كلامه على خلاف ظاهره وحقيقته ينافي قصد البيان والإرشاد والهدى وأن القصدين متنافيان وأن تركه بدون ذلك الخطاب خير له وأقرب إلى الهدى",
        "content": "الفصل الحادي عشر: في أن قصد المتكلم من المخاطب حمل كلامه على خلاف ظاهره وحقيقته ينافي قصد البيان والإرشاد والهدى وأن القصدين متنافيان وأن تركه بدون ذلك الخطاب خير له وأقرب إلى الهدى لما كان المقصود بالخطاب دلالة السامع وإفهامه مراد المتكلم بكلامه وتبيينه له ما في نفسه من المعاني ودلالته عليها بأقرب الطرق كان ذلك موقوفا على أمرين: الأول: بيان المتكلم الثاني: ولكن السامع من الفهم فإن لم يحصل البيان من المتكلم أو حصل له ولم يتمكن السامع من الفهم لم يحصل مراد المتكلم فإذا بين المتكلم مراده بالألفاظ الدالة على مراده ولم يعلم السامع معنى تلك الألفاظ لم يحصل له البيان فلا بد من تمكن السامع من الفهم وحصول الإفهام من المتكلم فحينئذ لو أراد الله ورسوله من كلامه خلاف حقيقته وظاهره الذي(1\/310)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "163",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3444",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يفهمه المخاطب لكان قد كلفه أن يفهم مراده بما لا يدل عليه بل بما يدل على نقيض مراده وأراد منه فهم النفي بما يدل على غاية الإثبات وفهم الشيء بما يدل على ضده وأراد منه أن يفهم أنه ليس فوق العرش إله يعبد ولا إله يصلى له ويسجد وأنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا خلفه ولا أمامه بقوله قل هو الله أحد [الإخلاص1] قوله ليس كمثله شيء [الشورى11] وأراد النبي إفهام أمته هذا المعنى بقوله: quot;لا تفضلوني على يونس بن متىquot; وأراد إفهام كونه خلق آدم بقدرته ومشيئته بقوله ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [ص75](1\/311)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "164",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3445",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأراد إفهام تخريب السموات والأرض وإعادتها إلى العدم بقوله: quot;يقبض الله سماواته بيده اليمنى والأرض باليد الأخرى ثم يهزهن ثم يقول أنا الملكquot; وأراد إفهام معنى من ربك ومن تعبد بقوله أين الله واشار بإصبعه إلى السماء مستشهدا بربه وليس هناك رب ولا إله وإنما أراد إفهام السامعين أن الله قد سمع قوله وقولهم وأراد(1\/312)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "165",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3446",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالإشارة بإصبعه بيان كونه قد سمع قولهم وأمثال ذلك من التأويلات الباطلة. كقول بعضهم في معنى قوله عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على شطر ما يخرج منها من ثمر وزرع إن معناه ضرب عليهم الجزية وهذا كذب على اللفظ وكذب على الرسول فإنه ليس ذلك معنى اللفظ وأهل خيبر لم يضرب عليهم الجزية لأنه صالحهم وفتحها قبل نزول فرض الجزية. وكتأويل بعضهم قوله: quot;لا تحرم المصة والمصتانquot; أن المراد به التقام الثدي من غير ارتضاع اللبن ودخوله إلى جوفه إلى أضعاف أضعاف ذلك من التأويلات الباطلة التي يعلم السامع قطعا أنها لم ترد(1\/313)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "166",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3447",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالخطاب بقصد المتكلم لها بتلك الألفاظ الدالة على نقيضها من كل وجه فلا يجامع قصد البيان والدلالة. قال شيخ الإسلام إن كان الحق فيما يقوله هؤلاء النفاة الذين لا يوجد ما يقولونه في الكتاب والسنة وكلام القرون الثلاثة المعظمة على سائر القرون ولا في كلام أحد من أئمة الإسلام المقتدى بهم بل ما في الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة يوجد دالا على خلاف الحق عندهم إما نصا وإما ظاهرا بل دالا عندهم على الكفر والضلال لزم من ذلك لوازم باطلة منها الأول: أن يكون الله سبحانه قد أنزل في كتابه وسنة نبيه من هذه الألفاظ ما يضلهم ظاهره ويوقعهم في التسبيه والتمثيل. الثاني: ومنها أن يكون قد نزل بيان الحق والصواب لهم ولم يفصح به بل رمز إليه رمزا وألغزه إلغازا لا يفهم منه ذلك إلا بعد الجهد الجهيد. الثالث: ومنها أن يكون قد كلف عباده أن لا يفهموا من تلك الألفاظ حقائقها وظواهرها وكلفهم أن يفهموا منها ما لا تدل عليه ولم يجعل معها قرينة تفهم ذلك.(1\/314)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "167",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3448",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرابع: ومنها أن يكون دائما متكلما في هذا الباب بما ظاهره خلاف الحق بأنواع متنوعة من الخطاب تارة بأنه استوى على عرشه وتارة بأنه فوق عباده وتارة بأنه العلي الأعلى وتارة بأن الملائكة تعرج إليه وتارة بأن الأعمال الصالحة ترفع إليه وتارة بأن الملائكة في نزولها من العلو إلى أسفل تنزل من عنده وتارة بأنه رفيع الدرجات وتارة بأنه في السماء وتارة بأنه الظاهر الذي ليس فوقه شيء وتارة بأنه فوق سمواته على عرشه وتارة بأن الكتاب نزل من عنده وتارة بأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا وتارة بأنه يرى بالأبصار عيانا يراه المؤمنون فوق رؤوسهم إلى غير ذلك من تنوع الدلالات على ذلك ولا يتكلم فيه بكلمة واحدة يوافق ما يقوله النفاة ولا يقول في مقام واحد فقط ما هو الصواب فيه لا نصا ولا ظاهرا ولا يبينه. الخامس: ومنها أن يكون أفضل الأمة وخير القرون قد أمسكوا من أولهم إلى آخرهم عن قول الحق في هذا الشأن العظيم الذي هو من أهم أصول الإيمان وذلك إما جهل ينافي العلم وإما كتمان ينافي البيان ولقد أساء الظن بخيار الأمة من نسبهم إلى ذلك ومعلوم أنه إذا ازدوج التكلم بالباطل والسكوت عن بيان الحق تولد من بينهما جهل الحق وإضلال الخلق ولهذا لما اعتقد النفاة التعطيل(1\/315)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "168",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3449",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صاروا يأتون من العبارات بما يدل على التعطيل والنفي نصا وظاهرا ولا يتكلمون بما يدل على حقيقة الإثبات لا نصا ولا ظاهرا وإذا ورد عليهم من النصوص ما هو صريح أو ظاهر في الإثبات حرفوه أنواع التحريفات وطلبوا له مستكره التأويلات. السادس: ومنها أنهم التزموا لذلك تجهيل السلف وأنهم كانوا أميين مقبلين على الزهد والعبادة والورع والتسبيح وقيام الليل ولم تكن الحقائق من شأنهم. السابع: ومنها أن ترك الناس من إنزال هذه النصوص كان أنفع لهم وأقرب إلى الصواب فإنهم ما استفادوا بنزولها غير التعرض للضلال ولم يستفيدوا منها يقينا ولا علما بما يجب لله ويمتنع عليه إذ ذاك وإنما يستفاد من عقول الرجال وآرائها. فإن قيل: استفدنا منها الثواب على تلاوتها وانعقاد الصلاة بها قيل هذا تابع للمقصود بها بالقصد الأول وهو الهدى والإرشاد والدلالة على إثبات حقائقها ومعانيها والإيمان بها فإن القرآن لم ينزل لمجرد التلاوة وانعقاد الصلاة عليه بل أنزل ليتدبر ويعقل ويهدى به علما وعملا ويبصر من العمى ويرشد من الغي ويعلم من الجهل ويشفي من الغي ويهدي إلى صراط مستقيم وهذا القصد ينافي قصد تحريفه وتأويله بالتأويلات الباطلة المستكرهة التي هي من جنس الألغاز والأحاجي فلا يجتمع قصد الهدى والبيان وقصد ما يضاده أبدا وبالله التوفيق.(1\/316)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "169",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3450",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومما يبين ذلك أن الله تعالى وصف كتابه بأوضح البيان وأحسن التفسير فقال تعالى ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء [النحل89] وقال وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون [النحل64] فأين بيان المختلف فيه والهدى والرحمة في ألفاظ ظاهرها باطل والمراد منها يطلب بأنواع التأويلات المستنكرة المستكرهة لها التي يفهم منها ضدها وقال تعالى وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل44] فأين يبين الرسول ما يقوله النفاة والمتأولون وقد قال تعالى والله يقول الحق وهو يهدي السبيل [الأحزاب4](1\/317)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "170",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3451",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأخبر أنه يقول الحق ويهدي السبيل بقوله وعند النفاة إذا حصلت الهداية بأبكار أفكارهم ونتائج آرائهم وعقولهم وقال تعالى فبأي حديث بعده يؤمنون [الأعراف185] وقال فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون [الجاثية6] وعند النفاة المخرجين لنصوص الوحي عن إفادة اليقين إنما حصل له الإيمان بالحديث الذي أسسه الفلاسفة والجهمية والمعتزلة ونحوهم فبه آمنوا وبه اهتدوا وبه عرفوا الحق من الباطل وبه صحت عقولهم ومعارفهم وقال تعالى أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [النساء82] وأنت لا تجد الاختلاف في شيء أكثر منه في آراء(1\/318)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "171",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3452",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المتأولين وسوانح أفكارهم وزبالة أذهانهم التي يسمونها قواطع عقلية وبراهين يقينية وهي عند التحقيق خيالات وهمية وقوادح فكرية نبذوا بها القرآن والسنة وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين [الأنعام117-112](1\/319)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "172",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3453",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الفصل الثاني عشر: في بيان أنه مع كمال علم المتكلم وفصاحته وبيانه ونصحه يمتنع عليه أن يريد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته وعدم البيان في أهم الأمور وما تشتد الحاجة إلى بيانه",
        "content": "الفصل الثاني عشر: في بيان أنه مع كمال علم المتكلم وفصاحته وبيانه ونصحه يمتنع عليه أن يريد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته وعدم البيان في أهم الأمور وما تشتد الحاجة إلى بيانه نكتفي من هذا الفصل بذكر مناظرة جرت بين جهمي معطل وسني مثبت حدثني بمضمونها شيخنا عبد الله بن تيمية رحمه الله أنه جمعه وبعض الجهمية مجلس فقال الشيخ قد تطابقت نصوص الكتاب(1\/320)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "173",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3454",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والسنة والآثار على إثبات الصفات لله وتنوعت دلالتها عليها أنواعا توجب العلم الضروري بثبوتها وإرادة المتكلم اعتقاد ما دلت عليه والقرآن مملوء من ذكر الصفات والسنة ناطقة بمثل مانطق به القرآن مقررة له مصدقة له مشتملة على زيادة في الإثبات فتارة بذكر الاسم المشتمل على الصفة كالسميع البصير العليم القدير العزيز الحكيم وتارة بذكر المصدر وهو الوصف الذي اشتقت منه تلك الصفة كقوله أنزله بعلمه [النساء166] وقوله إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين [الذاريات58] وقوله إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي [الأعراف144] وقوله قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين [ص82](1\/321)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "174",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3455",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: quot;حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقهquot; وقوله في دعاء الاستخارة: quot;اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وقوله أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلقquot; وقول عائشة(1\/322)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "175",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3456",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات ونحوه وتارة يكون بذكر حكم تلك الصفة كقوله قد سمع الله [المجادلة1] و إنني معكما أسمع وأرى [طه46] وقوله فقدرنا فنعم القادرون [المرسلات23] وقوله علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم [البقرة187] ونظائر ذلك(1\/323)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "176",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3457",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويصرح في الفوقية بلفظها الخاص وبلفظ العلو والاستواء وأنه في السماء وأنه ذو المعارج وأنه رفيع الدرجات وأنه تعرج إليه الملائكه وتنزل من عنده وأنه ينزل إلى سماء الدنيا وأن المؤمنين يرونه بأبصارهم عيانا من فوقهم إلى أضعاف أضعاف ذلك مما لو جمعت النصوص والآثار فيه لم تنقص عن نصوص الأحكام وآثارها. ومن أبين المحال وأوضح الضلال حمل ذلك كله على خلاف حقيقته وظاهره ودعوى المجاز فيه والاستعارة وأن الحق في أقوال النفاة المعطلين وأن تأويلاتهم هي المرادة من هذه النصوص إذ يلزم من ذلك أحد محاذير ثلاثة لا بد منها أو من بعضها وهي القدح في علم المتكلم بها. أو في بيانه. أو في نصحه. وتقرير ذلك أن يقال إما أن يكون المتكلم بهذه النصوص عالما أن الحق في تأويلات النفاة المعطلين أو لا يعلم ذلك. فإن لم يعلم ذلك والحق فيها كان ذلك قدحا في(1\/324)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "177",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3458",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "علمه وإن كان عالما أن الحق فيها فلا يخلو إما أن يكون قادرا على التعبير بعباراتهم التي هي تنزيه لله بزعمهم عن التشبيه والتمثيل والتجسيم وأنه لا يعرف الله من لم ينزهه بها أو لا يكون قادرا على تلك العبارات فإن لم يكن قادرا على التعبير بذلك لزم القدح في فصاحته وكان ورثة الصابئة وأفراخ الفلاسفة وأوقاح المعتزلة والجهمية وتلامذة الملاحدة أفصح منه وأحسن بيانا وتعبيرا عن الحق وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة أولياؤه وأعداؤه موافقوه ومخالفوه فإن مخالفيه لم يشكوا في أنه أفصح الخلق وأقدرهم على حسن التعبير بما يطابق المعنى ويخلصه من اللبس والإشكال. وإن كان قادرا على ذلك ولم يتكلم به وتكلم دائما بخلافه وما يناقضه كان ذلك قدحا في نصحه وقد وصف الله رسله بكمال النصح والبيان فقال تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم [إبراهيم4](1\/325)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "178",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3459",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأخبر عن رسله بأنهم أنصح الناس لأممهم فمع النصح والبيان والمعرفة التامة كيف يكون مذهب النفاة المعطلة أصحاب التحريف هو الصواب وقول أهل الإثبات أتباع القرآن والسنة باطلا هذا مضمون المناظرة فقال له الجهمي انزل بنا إلى الوطاة. قلت له ما أراد بذلك قال أراد أنك خاطبتني من فوق وتجوهت علي بجاه لا يمكنني مقاومته فانزل بنا إلى مباحث الفضلاء وقواعد النظار أو نحو هذا من الكلام فليتدبر الناصح لنفسه الموقن بأن الله لا بد سائله عما أجاب به رسوله في هذا المقام وليتحيز بعد إلى أين شاء فلم يكن الله ليجمع بين النفاة المعطلين المحرفين وبين أنصاره وأنصار رسوله وكتابه إلا جمع امتحان وابتلاء كما جمع بين الرسل وأعدائهم في هذه الدار.(1\/326)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "179",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3460",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت وقريب من هذه المناظرة ما جرى لي مع بعض علماء أهل الكتاب فإنه جمعني وإياه مجلس خلوة أفضى بيننا الكلام إلى أن جرى ذكر مسبة النصارى لرب العالمين مسبة ما سبه إياها أحد من البشر فقلت له وأنتم بإنكاركم نبوة محمد قد سببتم الرب تعالى أعظم مسبة قال وكيف ذلك قلت لأنكم تزعمون أن محمدا ملك ظالم ليس برسول صادق وأنه خرج يستعرض الناس بسيفه فيستبيح أموالهم ونساءهم وذراريهم ولا يقتصر على ذلك حتى يكذب على الله ويقول الله أمرني بهذا وأباحه لي ولم يأمره الله ولا أباح له ذلك ويقول أوحى إلي ولم يوح إليه شيء وينسخ شرائع الأنبياء من عنده ويبطل منها ما يشاء ويبقي منها ما يشاء وينسب ذلك كله إلى الله ويقتل أولياءه وأتباع رسله ويسترق نساءهم وذرياتهم فإما أن يكون الله سبحانه رائيا لذلك كله عالما به مطلعا عليه أو لا. فإن قلتم إن ذلك بغير علمه واطلاعه نسبتموه إلى الجهل والغباوة وذلك من أقبح السب وإن كان عالما به(1\/327)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "180",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3461",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رائيا له مشاهدا لما يفعله فإما أن يقدر على الأخذ على يديه ومنعه من ذلك أو لا. فإن قلتم إنه غير قادر على منعه والأخذ على يده نسبتموه إلى العجز والضعف وإن قلتم بل هو قادر على منعه ولم يفعل نسبتموه إلى السفه والظلم والجور هذا وهو من حين ظهر إلى أن توفاه ربه يجيب دعواته ويقضي حاجاته ولا يسأله حاجة إلا قضاها له ولا يدعوه بدعوة إلا أجابها له ولا يقوم له عدو إلا ظفر به ولا تقوم له راية إلا نصرها ولا لواء إلا رفعه ولا من يناوئه ويعاديه إلا بتره ووضعه فكان أمره من حين ظهر إلى أن توفي يزداد على الأيام والليالي ظهورا وعلوا ورفعة وأمر مخالفيه لا يزداد إلا سفولا واضمحلالا. ومحبته في قلوب الخلق تزيد على ممر الأوقات وربه تعالى يؤيده بأنواع التأييد ويرفع ذكره غاية الرفع هذا وهو عندكم من أعظم أعدائه وأشدهم ضررا على الناس فأي قدح في رب العالمين وأي مسبة له وأي طعن فيه أعظم من ذلك. فأخذ الكلام منه مأخذا ظهر عليه وقال حاش لله(1\/328)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "181",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3462",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن نقول فيه هذه المقالة بل هو نبي صادق كل من اتبعه فهو سعيد وكل منصف منا يقر بذلك ويقول أتباعه سعداء في الدارين قلت له فما يمنعك من الظفر بهذه السعادة فقال وأتباع كل نبي من الأنبياء كذلك فأتباع موسى أيضا سعداء. قلت له فإذا أقررت أنه نبي صادق فقد كفر من لم يتبعه واستباح دمه وماله وحكم له بالنار فإن صدقته في هذا وجب عليك اتباعه وإن كذبته فيه لم يكن نبيا فكيف يكون أتباعه سعداء فلم يحر جوابا وقال حدثنا في غير هذا فانظر هذه الموازنة والمشابهة بين مالزم الجهمية النفاة من القدح والطعن في المتكلم بنصوص الصفات وما لزم منكري نبوة محمد من الطعن والقدح في الرب تعالى. إذا ضممت هذا إلى ما يلزمهم من الطعن في كلامه وأمره واشتماله على ما ظاهره كفر وضلال وباطل ومحال علمت حقيقة الحال وتبين لك الهدى من الضلال والله المستعان.(1\/329)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "182",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3463",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الفصل الثالث عشر: في بيان أن تيسير القرآن للذكر ينافي حمله على التأويل المخالف لحقيقته وظاهره",
        "content": "الفصل الثالث عشر: في بيان أن تيسير القرآن للذكر ينافي حمله على التأويل المخالف لحقيقته وظاهره أنزل الله سبحانه الكتاب شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ولذلك كانت معانيه أشرف المعاني وألفاظه أفصح الألفاظ وأبينها وأعظمها مطابقة لمعانيها المرادة منها كما وصف سبحانه به كتابه في قوله ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا [الفرقان33] فالحق هو المعنى والمدلول الذي تضمنه الكتاب والتفسير الأحسن هو الألفاظ الدالة على ذلك الحق فهي تفسيره وبيانه. والتفسير أصله في الظهور والبيان وباقيه في(1\/330)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "183",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3464",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاشتقاق الأكبر الإسفار ومنه أسفر الفجر إذا أضاء ووضح ومنه السفر لبروز المسافر من البيوت وظهوره ومنه السفر الذي يتضمن إظهار ما فيه من العلم وبيانه فلا بد من أن يكون التفسير مطابقا للمفسر مفهما له وكلما كان فهم المعنى منه أوضح وأبين كان التفسير أكمل وأحسن ولهذا لا تجد كلاما أحسن تفسيرا ولا أتم بيانا من كلام الله سبحانه ولهذا سماه سبحانه بيانا وأخبر أنه يسره للذكر وتيسيره للذكر يتضمن أنواعا من التيسير: إحداها: تيسير ألفاظه للحفظ. الثاني: تيسير معانيه للفهم. الثالث: تيسير أوامره ونواهيه للإمتثال.(1\/331)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "184",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3465",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومعلوم أنه لو كان بألفاظ لا يفهمها المخاطب لم يكن ميسرا له بل كان معسرا عليه فهكذا إذا أريد من المخاطب أن يفهم من ألفاظه ما لا يدل عليه من المعاني أو يدل على خلافه فهذا من أشد التعسير وهو مناف للتيسير فإنه لا شيء أعسر على الأمة من أن يراد منهم أن يفهموا كونه سبحانه لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولا مباينا له ولا محايثا ولا يرى بالأبصار عيانا ولا له وجه ولا يد من قوله قل هو الله أحد [الإخلاص1] ومن قول رسوله: quot;لا تفضلوني على يونس بن متىquot; ومن قوله الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به [غافر7] وأن يجهدوا أنفسهم ويكابدوا أعظم المشقة في طلب أنواع الاستعارات وضروب المجازات ووحشي اللغات ليحملوا عليه آيات الصفات وأخبارها فيصرفوا قلوبهم وأفهامهم عما تدل عليه ويفهموا منها ما لا تدل عليه بل تدل على خلافه ويقول اعلموا يا عبادي أني(1\/332)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "185",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3466",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أردت منكم أن تعلموا أني لست فوق العالم ولا تحته ولا فوق عرشي ولا ترفع الأيدي إلي ولا يعرج إلي شيء ولا ينزل من عندي شيء من قولي الرحمن على العرش استوى [طه5] ومن قولي يخافون ربهم من فوقهم [النحل50] ومن قولي تعرج الملائكة والروح إليه [المعارج4] ومن قولي بل رفعه الله إليه [النساء158] ومن قولي رفيع الدرجات ذو العرش [غافر15] ومن قولي وهو العلي العظيم [البقرة255] ومن قولي سبح اسم ربك الأعلى [الأعلى1](1\/333)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "186",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3467",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن قولي وجوه يومئذ ناضرة ربها ناظرة [القيامة23-22] ومن قولي أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض [الملك16] ومن قولي تنزيل من حكيم حميد [فصلت42] ومن قولي قل نزله روح القدس من ربك بالحق [النحل102] وأن تفهموا أنه ليس لي يدان. من قولي لما خلقت بيدي [ص75] ومن قولي بل يداه مبسوطتان [المائدة64] ولا عين من قولي ولتصنع على عيني [طه39] فإنكم إذا فهمتم من هذه الألفاظ حقائقها وظواهرها فهمتم خلاف مرادي منها بل مرادي منكم أن تفهموا منها(1\/334)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "187",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3468",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما يدل على خلاف حقائقها وظواهرها فأي تيسير يكون هناك وأي تعقيد وتعسير لم يحصل بذلك ومعلوم أن خطاب الرجل بما لا يفهمه إلا بترجمة أيسر عليه من خطابه بما كلف أن يفهم منه خلاف موضوعه وحقيقته بكثير فإن تيسير القرآن مناف لطريقة النفاة المحرفين أعظم منافاة ولهذا لما عسر عليهم أن يفهموا منه النفي وعز عليهم ذلك عولوا فيه على الشبه الخيالية التي سموها قواطع عقلية وقواعد يقينية وإذا تأملها من نور الله قلبه وكحل عين بصيرته بمرود الإيمان رآها لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل وهي من(1\/335)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "188",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3469",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جنس خيالات الممرورين وأصحاب الهوس وقد سودوا بها القلوب والأوراق فطريقتهم ضد طريقة القرآن من كل وجه إذ طريقة القرآن حق بأحسن تفسير وأبين عبارة وطريقتهم معان باطلة بأعقد عبارة وأطولها وأبعدها من الفهم فيجهد الرجل الظمآن نفسه وراءهم حتى تنفذ قواه فإذا هو قد اطلع على سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور [النور40-39] والله يعلم أنا لم نقل ذلك تقليدا لغيرنا بل إخبارا عما شاهدناه ورأيناه وإذا أحببت أن تعلم ذلك حقيقة فتأمل عامة مطالبهم وأدلتهم عليها وكيف تجدها مطالب بعد التعب الشديد والجهد الجهيد لا تحصل منها على مطلب صحيح فإنهم بعد الكد والجهد لم يثبتوا للعالم ربا مباينا عنه منفصلا منه بل بعد الجهد الشديد في إثبات(1\/336)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "189",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3470",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "موجود لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه هم شاكون في وجوده هل هو نفس ذاته أو زائد عليها فمن ذاهب إلى أنه زائد ومن ذاهب إلى أنه ليس بزائد ومن متوقف في وجوده شاك فيه هل هو نفس ذاته أوزائد عليها ثم هم شاكون في أن صفاته هل هي وجوديةأو عدمية أو لا وجودية ولا عدمية وهل هي زائدة على الموصوف أو ليست زائدة فكيف تثبت له على وجه لا يوجب تكثرا في الذات ولا مغايرة بينها فبعضهم يجعلها أمورا عدمية وبعضهم أحوالا نسبية وبعضهم يتوقف فيها ومنهم من يجعل علمه نفس ذاته فيجعل ذاته علما ومنهم من يجعل علمه نفس معلومه ومنهم من يجعل علمه واحدا لا يتعدد ولا ينقسم فيجعل علمه بوجود الشيء هو عين علمه بعدمه وعلمه بكونه يطاع هو نفس علمه بكونه يعصى هذا إذا أثبت علمه بالمعينات والجزئيات ومن لم يثبته منهم قال لا يعلم من الموجودات المعينة شيئا البتة. وكذلك اضطربوا في كلامه فمنهم من لم يثبت له كلاما(1\/337)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "190",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3471",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البتة فلا قال عنده ولا يقول ولا أمر ولا نهي ولا كلم ولا يتكلم ومن يقرب منهم إلى الإسلام قال كل ذلك مخلوق خلقه في الهواء أو في اللوح المحفوظ ومنهم من قال كلامه معنى واحد فالمعنى ليس له بعض ولا كل وليس بحروف ولا أصوات وذلك المعنى الواحد الذي لا ينقسم هو معاني كتبه كلها فالقرآن هو نفس التوراة وهما نفس الإنجيل والزبور اختلفت أسماؤها باختلاف التعبير عن ذلك المعنى الواحد ثم ذلك المعنى ليس من جنس العلوم ولا الإرادات بل حقيقته مغايرة لحقيقتها ثم ذلك المعنى المشار إليه يجوز تعلق الحواس الخمس به فيسمع ويرى ويلمس ويشم ويذاق وكذلك سائر الأعراض يجوز تعلق الإدراكات كلها بها فيجوز أن تشم الأصوات وترى وتذاق وتلمس ويجوز أن تسمع الروائح وتلمس قالوا وهذا حكم سائر الصفات فجعلوا الإرادة واحدة بالعين وإرادة إيجاد الشيء هي عين إرادة إعدامه وإرادة تحريكه هي عين إرادة تسكينه وإرادة إبقائه هي عين إرادة إفنائه(1\/338)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "191",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3472",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإنما المختلف تعلقاتها فقط وكذلك قالوا في القدرة وأما إذا حضروا على مطلب الجوهر الفرد ومطلب العرض هل يبقى زمانين أم لا ومطلب الأجسام هل هي متماثلة أو متباينة ومطلب الأحوال هل هي ثابتة أم لا وهل هي وجودية أو عدمية أو لا ذا ولا ذا ومطلب الزمان والمكان ما حقيقتهما وهل هما وجوديان أو عدميان ومطلب الكسب هل له حقيقة أم لا وما حقيقته(1\/339)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "192",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3473",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومطلب الفعل هل هو قائم بالفاعل أم لا فإن قام به فهل هو مقارن له أم لا فإن تأخر عنه فما الموجب لتأخره وإن قارنه فهل كان قديما بقدمه وإن لم يقم به فكيف يكون فاعلا بلا فعل يقوم به كما لا يكون سميعا بصيرا مريدا قادرا بلا سمع ولا بصر ولا إرادة تقوم به إلى غاية مطالبهم التي إذا انتهى جمعهم وصلوا إلى ما يحيله العقل والسمع فترى أحدهم يبني حتى إذا ظن أنه قد ارتفع بناؤه جاء الآخر بمعاول من التشبيه والتشكيك فهدم عليه جميع ما بناه وبنى مكانه بناء آخر(1\/340)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "193",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3474",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حتى إذا ظن أن بناءه قد كمل عاد الباني الأول بنظير تلك المعاول فهدم بناءه فلا يزالون كذلك كما قال شاعرهم ونظيري في العلم مثلي أعمى ... فترانا في حندس نتصادم فهذه القواعد الفاسدة هي التي حملتهم على تلك التأويلات الباطلة لأنهم رأوها لا تلائم نصوص الوحي بل بينها وبينها الحرب العوان فأجهدوا أنفسهم وكدوا خواطرهم في الصلح وزعموا أن ذلك إحسان وتوفيق وكأن الله سبحانه أنزل هذه الآيات في شأنهم ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا [النساء63-60](1\/341)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "194",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3475",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل الرابع عشر في أن التأويل يعود على المقصود من وضع اللغات بالإبطال لما جعل الله سبحانه نوع الإنسان يحتاج بعضه إلى بعض فلا يمكن لإنسان أن يعيش وحده بل لا بد له من مشارك ومعاون من بني جنسه كما قيل الإنسان مدني بالطبع وكان لا يعرف كل منهم ما يريد صاحبه من الأفعال والتروك إلا بعلامة تدل على ذلك وتلك العلامة إما تحريك جسم من الأجسام المنفصلة عنه أو تحريك بعض أعضائه فيجعل لكل معنى حركة خاصة ومعلوم أن في الأول من العسر والمشقة وعدم الإحاطة بالتعريف ما يمنع وضعه فكان تحريك الأعضاء أسهل وأدل وأعم وكانت حركة الأعضاء نوعين نوع للبصر ونوع للأذن والذي(1\/342)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "195",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3476",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للأذن أعم والإنسان إليه أحوج وكان أولى هذه الأعضاء بأن يجعل حركاتها دالة معرفة هو اللسان لأن حركته أخف وأسهل وتنوعها أعظم وأكثر من تنوع حركة غيره وترجمته عما في القلب أظهر من ترجمة غيره ويتمكن المعرف بحركاته من حركات مفردة ومؤلفة يحصل بها من الفرق والتمييز ما لا يحصل بغيره كان أقرب الطرق إلى هذا المقصد هو الكلام الذي جعله الله سبحانه في اللسان وجعله دليلا على ما في الجنان وجعل ذلك من دلائل ربوبيته ووحدانيته وكمال علمه وحكمته. قال الله تعالى الرحمن علم القرآن خلق الأنسان علمه البيان [الرحمن4-1] وقال تعالى ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين [البلد10-8](1\/343)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "196",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3477",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الشاعر إن البيان من الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا(1\/344)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "197",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3478",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هكذا قال الشاعر هذا البيت وهكذا هو في ديوانه. قال أبو البيان أنا رأيته في ديوانه كذلك فحرفه عليه بعض النفاة وقالوا: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الكلام دليلا والمقصود أن العبد لا يعلم ما في ضمير صاحبه إلا بالألفاظ الدالة على ذلك فإذا حمل السامع كلام المتكلم على خلاف ماوضع له وخلاف ما يفهم منه عند التخاطب عاد على مقصود اللغات بالإبطال ولم يحصل مقصود المتكلم ولا مصلحة المخاطب وكان ذلك أقبح من تعطيل اللسان عن كلامه.(1\/345)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "198",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3479",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن غاية ذلك أن تفوت مصلحة البيان وإذا حمل على ضد مقصوده فوت مصلحة البيان وأوقع في ضد المقصود ولهذا قال بعض العقلاء اللسان الكذوب شر من لسان الأخرس لأن لسان الأخرس قد تعطلت منفعته ولم يحدث منه فساد ولسان الكذوب قد تعطلت منفعته وزاد بمفسدة الكذب فالمتكلم بما ظاهره وحقيقته ووضعه باطل وضلال وهو يريد به أن يفهم منه خلاف وضعه وحقيقته أضر على المخاطب ولسان الأخرس أقل مفسدة منه فترك وضع اللغات أنفع للناس من تعريضها للتأويل المخالف لمفهومها وحقائقها وهكذا كل عضو خلق لمنفعة إذا لم يحصل منه إلا ضد تلك المنفعة كان عدمه خيرا من وجوده. يوضح ذلك أن المتكلم بكلام له حقيقة وظاهر لا يفهم منه غيره مريد بكلامه خلاف حقيقته وما يدل عليه ويفهم منه فإذا ادعى أني أردت بكلامي خلاف ظاهره وما يفهم منه كان كاذبا إما في دعوى إرادة ذلك أو في دعوى إرادة البيان والإفهام فحمل كلامه على التأويل الباطل تكذيب له في أحد الأمرين ولا بد.(1\/346)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "199",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3480",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولهذا كان التأويل الباطل فتحا لباب الزندقة والإلحاد وتطريقا لأعداء الدين على نقضه وبيانه بذكر.(1\/347)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "200",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3481",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الفصل الخامس عشر: في جنايات التأويل على أديان الرسل وأن خراب العالم وفساد الدنيا والدين بسبب فتح باب التأويل",
        "content": "الفصل الخامس عشر: في جنايات التأويل على أديان الرسل وأن خراب العالم وفساد الدنيا والدين بسبب فتح باب التأويل إذا تأمل المتأمل فساد العالم وما وقع فيه من التفرق والاختلاف وما دفع إليه أهل الإسلام وجده ناشئا من جهة التأويلات المختلفة المستعملة في آيات القرآن وأخبار الرسول التي تعلق بها المختلفون على اختلاف أصنافهم في أصول الدين وفروعه فإنها أوجبت ما أوجبت من التباين والتحارب وتفرق الكلمة وتشتت الأهواء وتصدع الشمل وانقطاع الحبل وفساد ذات البين حتى صار يكفر ويلعن بعضهم بعضا وترى طوائف منهم تسفك دماء الآخرين وتستحل منهم أنفسهم وحرمهم وأموالهم ما هو أعظم مما يرصدهم به(1\/348)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "201",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3482",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أهل دار الحرب من المنابذين لهم فالآفات التي جنتها ويجنيها كل وقت أصحابها على الملة والأمة من التأويلات الفاسدة أكثر من أن تحصى أو يبلغها وصف واصف أو يحيط بها ذكر ذاكر ولكنها في جملة القول أصل كل فساد وفتنة وأساس كل ضلال وبدعة والمولدة لكل اختلاف وفرقة والناتجة أسباب كل تباين وعداوة وبغضة ومن عظيم آفاتها ومصيبة الأمة بها أن الأهواء المضلة والآراء المهلكة التي تتولد من قبلها لا تزال تنمو وتتزايد على ممر الأيام وتعاقب الأزمنة وليست الحال في الضلالات التي حدثت من قبل أصول الأديان الفاسدة كذلك فإن فساد تلك معلوم عند الأمة وأصحابها لا يطمعون في إدخالها في دين الإسلام فلا تطمع أهل الملة اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية ولا الثانوية ونحوهم أن يدخلوا(1\/349)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "202",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3483",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصول مللهم في الإسلام ولا يدعوا مسلما إليه ولا يدخلوه إليهم من بابه أبدا بخلاف فرقة التأويل فإنهم يدعون المسلم من باب القرآن والسنة وتعظيمهما وأن لنصوصهما تأويلا لا يوجد إلا عند خواص أهل العلم والتحقيق وأن العامة في عمى عنه فضرر هذه الفرقة على الإسلام وأهله أعظم من ضرر أعدائه المنابذين له ومثلهم ومثل أولئك كمثل قوم في حصن حاربهم عدو لهم فلم يطمع في فتح حصنهم والدخول عليهم فعمد جماعة من أهل الحصن ففتحوه له وسلطوه على الدخول إليه فكان مصاب أهل الحصن من قبلهم وبالجملة فالأهواء المتولدة من قبل التأويلات الباطلة غير محصورة ولا متناهية بل هي متزايدة نامية بحسب سوانح المتأولين وخواطرهم وما تخرجه إليه ظنونهم وأوهامهم ولذلك لا يزال المستقصي عناء نفسه في البحث عن المقالات(1\/350)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "203",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3484",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتتبعها يهجم على أقوال من مذاهب أهل التأويل لم تكن تخطر له على بال ولا تدور له في خيال ويرى أمواجا من زبد الصدور تتلاطم ليس لها ضابط إلا سوانح وخواطر وهوس تقذف به النفوس التي لم يؤيدها الله بروح الحق ولا أشرقت عليها شمس الهداية ولا باشرت حقيقة الإيمان فخواطرها وهوسها لا غاية له يقف عندها فإن أردت الإشراف على ذلكف تأمل كتب المقالات والآراء والديانات تجد كل مايخطر ببالك قد ذهب إليه ذاهبون وصار إليه صائرون ووراء ذلك ما لم يخطر لك على بال وكل هذه الفرق تتأول نصوص الوحي على قولها وتحمله على تأويلها ومع ذلك فتجد أولي العقول الضعيفة إلى الاستجابة لهم مسارعين وفي القبول منهم راغبين فهم يبادرون إلى ألآخذ ما يوردونه عليهم وقبولهم إياه عنهم وعلى الدعوة إليه هم أشد حرصا منهم على الدعوة إلى الحق الذي جاءت به الرسل ولم يوجد الأمر في قبول دعوة الرسل كذلك بل قد علم ما لقي المرسلون في الدعوة إلى الله من الجهد والمشقة والمكابدة ولقوا أشد(1\/351)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "204",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3485",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العناء والمكروه وقاسوا أبلغ الأذى حتى استجاب لهم من استجاب إلى الحق الذي هو موجب الفطر وشقيق الأرواح وحياة القلوب وقرة العيون ونجاة النفوس حتى إذا أطلع شيطان التأويل رأسه وأبدى لهم عن ناجذيه ورفع لهم علما من التأويل طاروا إليه زرافات ووحدانا فهم إخوان السفلة الطعام أشباه الأنعام بل أضل من الأنعام طبل يجمعهم وعصا تفرقهم فانظر ما لقيه نوح وإبراهيم وصالح وهود وشعيب وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم في الدعوة إلى الله من الرد عليهم والتكذيب لهم وقصدهم بأنواع الأذى حتى ظهرت دعوة من ظهرت دعوته منهم وأقاموا دين الله. وانظر سرعة المستجيبين لدعاة الرافضة والقرامطة الباطنية والجهمية والمعتزلة وإكرامهم لدعاتهم وبذل أموالهم وطاعتهم لهم من غير برهان أتوهم به أو آية(1\/352)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "205",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3486",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أروهم إياها غير أنهم دعوهم إلى تأويل تستغربه النفوس وتستطرفه العقول وأوهموهم أنه من وظيفة الخاصة الذين ارتفعوا به عن طبقة العامة فالصائر إليه معدود في الخواص مفارق للعوام فلم تر شيئا من المذاهب الباطلة والآراء الفاسدة المستخرجة بالتأويل قوبل الداعي إليه الآتي به أولا بالتكذيب له والرد عليه بل ترى المخدوعين المغرورين يجفلون إليه إجفالا ويأتون إليه أرسالا تؤزهم إليه شياطينهم ونفوسهم أزا وتزعجهم إليه إزعاجا فيدخلون فيه أفواجا يتهافتون فيه تهافت الفراش في النار ويثوبون إليه مثابة الطير إلى الأوكار ثم من عظيم آفاته سهولة الأمر على المتأولين في نقل المدعوين عن مذاهبهم وقبيح اعتقادهم إليهم ونسخ الهدى من صدورهم فإنهم ربما اختاروا للدعوة إليه رجلا مشهورا بالديانة والصيانة معروفا بالأمانة(1\/353)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "206",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3487",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حسن الأخلاق جميل الهيئة فصيح اللسان صبورا على التقشف والتزهد مرتاضا لمخاطبة الناس على اختلاف طبقاتهم ويتهيأ لهم مع ذلك من عيب أهل الحق والطعن عليهم والإزراء بهم ما يظفر به المفتش عن العيوب فيقولون للمغرور المخدوع وازن بين هؤلاء وهؤلاء وحكم عقلك وانظر إلى نتيجة الحق والباطل فيتهيأ لهم بهذا الخداع مالا يتهيأ بالجيوش وما لا يطمع في الوصول إليه بدون تلك الجهة. ثم من أعظم جنايات التأويل على الدين وأهله وأبلغها نكاية فيه أن المتأول يجد بابا مفتوحا لما يقصده من تشتيت كلمة أهل الدين وتبديد نظامهم وسبيلا سهلة إلى ذلك فإنه يحتجز من المسلمين بإقراره معهم بأصل التنزيل ويدخل نفسه في زمرة أهل التأويل ثم بعد ذلك يقول ما شاء ويدعي ما أحب ولا يقدر على منعه من(1\/354)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "207",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3488",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك لادعائه أن أصل التنزيل مشترك بينك وبينه وأن عامة الطوائف المقرة به قد تأولت كل طائفة لنفسها تأويلا ذهبت إليه فهو يبدي نظير تأويلاتهم ويقول ليس لك أن تبدي في التأويل مذهبا إلا ومثله سائغ لي فما الذي أباحه لك وحظره علي وأنا وأنت قد أقررنا بأصل التنزيل واتفقنا على تسويغ التأويل فلم كان تأويلك مع مخالفته لظاهر التنزيل سائغا وتأويلي أنا محرما فتعلقه بهذا أبلغ مكيدة يستعملها وأنكى سلاح يحارب به فهذه الآفات وأضعافها إنما لقيها أهل الأديان من التأويل فالتأويل هو الذي فرق اليهود إحدى وسبعين فرقة والنصارى ثنتين وسبعين فرقة وهذه الأمة ثلاثا وسبعين فرقة. فأما اليهود فإنهم بسبب التأويلات التي(1\/355)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "208",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3489",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "استخرجوها بآرائهم من كتبهم صاروا فرقا مختلفة بعد اتفاقهم على أصل الدين والإيمان بما في التوراة والزبور وكتب أنبيائهم التي يدرسونها ويؤمنون بها وبسبب التأويلات الباطلة مسخوا قردة وخنازير وجرى عليهم من الفتن والمحن ما قصه الله وبالتأويل الباطل عبدوا العجل حتى آل أمرهم إلى ما آل وبالتأويل الباطل فارقوا حكم التوراة واستحلوا المحارم وارتكبوا المآثم فهم أئمة التأويل والتحريف والتبديل والناس لهم فيه تبع فلا تبلغ فرقة مبلغهم فيه وبالتأويل استحلوا محارم الله بأقل الحيل وبالتأويل قتلوا الأنبياء فإنهم قتلوهم وهم مصدقون بالتوراة وبموسى وبالتأويل والتحريف حلت بهم المثلات وتتابعت عليهم العقوبات وقطعوا في الأرض أمما وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءو(1\/356)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "209",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3490",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بغضب من الله وبالتأويل دفعوا نبوة عيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما وقد استهلت التوراة وكتب الأنبياء بالبشارة بهما وظهورهما ولا سيما البشارات بمحمد فإنها متظاهرة في كتبهم بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومخرجه ومبعثه ودعوته وكتابه وصفة أمته وسيرتهم وأحوالهم بحيث كان علماؤهم لما رأوه وشاهدوه عرفوه معرفتهم أبناءهم ومع هذا فجحدوا أمره ودفعوه على قومه وظهوره بالتأويلات التي استخرجوها من تلك الألفاظ التي تضمنتها البشارات حتى التبس الأمر بذلك على أتباعهم ومن لا يعلم الكتاب إلا أماني وخيل إليهم بتلك التأويلات التي هي من جنس تأويلات الجهمية والرافضة والقرامطة أنه ليس هو فسطوا على تلك البشارات بكتمان ما وجدوا السبيل(1\/357)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "210",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3491",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى كتمانه وما غلبوا عن كتمانه حرفوا لفظه عن ما هو عليه وما عجزوا عن تحريف لفظه حرفوا معناه بالتأويل وورثهم أشباههم من المنتسبين إلى الملة في هذه الأمور الثلاثة وكان عصبة الوارثين لهم في ذلك ثلاث طوائف الرافضة والجهمية والقرامطة فإنهم اعتمدوا في النصوص المخالفة لضلالهم هذه الأمور الثلاثة والله سبحانه ذمهم على التحريف والكتمان والتحريف نوعان تحريف اللفظ وهو تبديله وتحريف المعنى وهو صرف اللفظ عنه إلى غيره مع بقاء صورة اللفظ. وأما فساد دين النصارى من جهة التأويل فأول ذلك ما عرض في التوحيد الذي هو عمود الدين فإن سلف المثلثة قالوا في الربوبية بالتثليث وحديث الأقانيم والأب والابن وروح القدس ثم اختلف من بعدهم في تأويل كلامهم اختلافا تباينوا به غاية التباين وإنما عرض لهم هذا الاختلاف من جهة التأويلات الباطلة وكانت حالهم فيما جنت عليهم التأويلات الباطلة أفسد حالا من اليهود فإنهم لم يصلوا بتأويلهم إلى ما وصل إليه عباد الصليب من نسبة الرب تعالى إلى ما لا يليق به ثم دفعوا(1\/358)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "211",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3492",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالتأويلات إلى إبطال شرائع التوراة فأبطلوا الختان واستحلوا السبت واستباحوا الخنزير وعطلوا الغسل من الجنابة وكان الذي فتح عليهم أبواب هذه التأويلات بولس فاستخف جماعة من ضعفاء العقول فقبلوا منه تلك التأويلات ثم أورثت الخلاف بينهم حتى آل أمرهم إلى ما آل إليه من انسلاخهم عن شريعة المسيح في التوحيد والعمليات ثم تأولت اليعقوبية أتباع يعقوب(1\/359)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "212",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3493",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البراذعي تأويلا فتأولت النسطورية أتباع نسطور بن عبرة فتأولت الملكية وهم الذين على دين الملك عبرة فاضمحل الدين وخرجوا منه خروج الشعرة من(1\/360)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "213",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3494",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العجين فلو تأملت تأويلاتهم لرأيتها والله من جنس تأويلات الجهمية والرافضة والمعتزلة ورأيت الجميع من مشكاة واحدة ولولا خوف التطويل لذكرنا لك تلك التأويلات ليعلم أنها وتأويلات المحرفين من هذه الأمة رضيعا لبان ثدي أم تقاسما ... بأسحم داج عوض لا نتفرق ولو رأيت تأويلاتهم لنصوص التوراة في الإخبار والأمر والنهي لقلت إن أهل التأويل الباطل من هذه الأمة إنما تلقوا تأويلاتهم عنهم وعجبت من تشابه قلوبهم وقوع الحافر على الحافر والخاطر على الخاطر ولم يزل أمر بني إسرائيل مستقيما حتى فشا فيهم المولدون أبناء سبايا(1\/361)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "214",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3495",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأمم فاشتقوا لهم الرأي وسلطوا التأويل على نصوص التوراة فضلوا وأضلوا وهؤلاء النصارى لم يزل أمرهم بعد المسيح على منهاج الاستقامة حتى ظهر فيهم المتأولون فأخذت عرى دينهم تنتقض والمتأولون يجتمعون مجمعا بعد مجمع وفي كل مجمع يخرج لهم تأويلات تناقض الدين الصحيح فيلقاهم أصحاب المجمع الآخر ولا يوافقوا لهم عليها حتى جمعهم الملك(1\/362)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "215",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3496",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قسطنطين من أقطار الأرض فبلغوا ثلاثمائة وثمانية عشر بتركا وأسقفا(1\/363)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "216",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3497",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتأولوا لهم هذه الأمانة التي بأيديهم اليوم وأبطلوا من دين المسيح ما شاءوا وزادوا فيه ونقصوا ووضعوا من الشرائع ما شاءوا كل ذلك بالتأويل وقد ذكروا الظواهر التي تأولوها وبالتأويل جعلوا الله ثالث ثلاثة وجعلوا المسيح ابنه وجعلوه هو الله فقالوا هذا وهذا وهذا تعالى الله عن قولهم وبالتأويل تركوا الختان وأباحوا الخنزير وهم يعلمون أن المسيح اختتن وحرم الخنزير وبالتأويل نقلوا الصوم من محله إلى الفصل الربيعي وزادوه حتى صار خمسين يوما وبالتأويل عبدوا الصليب والصور وبالتأويل فارقوا حكم التوراة والإنجيل.(1\/364)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "217",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3498",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومن أعظم آفات التأويل وجناياته أنه إذا سلط على أصول الإيمان والإسلام اجتثها وقلعها فإن أصول الإيمان خمسة وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأصول الإسلام خمسة وهي كلمة الشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت فعمد أرباب التأويل إلى أصول الإيمان والإسلام فهدموها بالتأويل وذلك أن معقد هذه الأصول العشرة تصديق الرسول فيما أخبر وطاعته فيما أمر فعمدوا إلى أجل الأخبار وهو ما أخبر به عن الله من أسمائه وصفاته ونعوت كماله فأخرجوه عن حقيقته وما وضع له وهذا القسم من الأخبار أشرف أنواع الخبر والإيمان به أصل الإيمان بما عداه واشتمال القرآن بل والكتب الإلهية عليه أكثر من اشتمالها على ما عداه وتنوع الدلالة بها على ثبوت مخبره أعظم من تنوعها في غيره وذلك لشرف متعلقة وعظمته وشدة الحاجة إلى معرفته وكانت الطرق إلى تحصيل معرفته أكثر وأسهل وأبين من غيره وهذا من كمال حكمة الرب تبارك وتعالى وتمام نعمته وإحسانه(1\/365)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "218",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3499",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنه كل ما كانت حاجة العباد إلى الشيء أقوى وأتم كان بذله لهم أكثر وطرق وصولهم إليه أكثر وأسهل وهذا في الخلق والأمر فإن حاجتهم لما كانت إلى الهواء أكثر من الماء والقوت كان موجودا معهم في كل مكان وزمان وهو أكثر من غيره وكذلك لما كانت حاجتهم بعده إلى الماء شديدة إذ هو مادة أقواتهم ولباسهم وفواكههم وشرابهم كان مبذولا لهم أكثر من غيره وكذلك حاجتهم إلى القوت لما كانت أشد من حاجتهم إلى الإيواء كان وجود القوت أكثر وهكذا الأمر في مراتب الحاجات ومعلوم أن حاجتهم إلى معرفة ربهم وفاطرهم ومعبودهم جل جلاله فوق مراتب هذه الحاجات كلها فإنه لا سعادة لهم ولا فلاح ولا صلاح ولا نعيم إلا بأن يعرفوه ويعبدوه ويكون هو وحده غاية مطلوبهم ونهاية مرادهم وذكره والتقرب إليه قرة عيونهم وحياة قلوبهم فمتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالا من الأنعام بكثير وكانت الأنعام أطيب عيشا منهم في العاجل وأسلم عاقبة في الآجل وإذا علم أن ضرورة العبد إلى معرفة ربه ومحبته وعبادته والتقرب إليه فوق كل ضرورة كانت الطرق المعرفة لهم ذلك أيسر طرق العلم على(1\/366)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "219",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3500",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإطلاق وأسهلها وأهداها وأقربها وبيان الرب تعالى لها فوق كل بيان فإذا سلط التأويل على النصوص المشتملة عليها فتسليطه على النصوص التي ذكرت فيها الملائكة أقرب بكثير يوضحه أن الرب تعالى لم يذكر للعباد من صفات ملائكته وشأنهم وأفعالهم وأسمائهم عشر معشار ما ذكر لهم من نعوت جلاله وصفات كماله وأسمائه وأفعاله فإذا كانت هذه قابلة للتأويل فالآيات التي ذكرت فيها الملائكة أولى بقبوله ولذلك تأولها الملاحدة كما تأولوا نصوص المعاد واليوم الآخر وأبدوا له تأويلات ليست بدون تأويلات الجهمية لنصوص الصفات وأولت هذه الطائفة عامة نصوص الأخبار الماضية والآتية وقالوا للمتأولين من الجهمية بيننا وبينكم حاكم العقل فإن القرآن بل الكتب المنزلة مملوءة بذكر الفوقية وعلو الله على عرشه وأنه تكلم ويتكلم وأنه موصوف(1\/367)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "220",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3501",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالصفات وأن له أفعالا تقوم به هو بها فاعل وأنه يرى بالأبصار إلى غير ذلك من نصوص الصفات التي إذا قيس إليها نصوص حشر هذه الأجساد وخراب هذا العالم وإعدامه وإنشاء عالم آخر وجدت نصوص الصفات أضعاف أضعافها فهذه الآيات والأخبار الدالة على علو الرب تعالى على خلقه وفوقيته واستوائه على عرشه قد قيل إنها تقارب الألف وقد أجمعت عليها الرسل من أولهم إلى آخرهم فما الذي سوغ لكم تأويلها وحرم علينا تأويل نصوص حشر الأجساد وخراب العالم. فإن قلتم: الرسل أجمعوا على المجيء به فلا يمكن تأويله. قيل: وقد أجمعوا على أن الله فوق عرشه وأنه متكلم مكلم فاعل حقيقة موصوف بالصفات فإن منع إجماعهم هناك من التأويل وجب أن يمنع هاهنا. فإن قلتم: العقل أوجب تأويل نصوص الصفات ولم يوجب تأويل نصوص المعاد. قلنا: هاتوا أدلة العقول التي تأولتم بها الصفات(1\/368)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "221",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3502",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونحضر نحن أدلة العقول التي تأولنا بها المعاد وحشر الأجساد ونوازن بينها ليتبين أيها أقوى. فإن قلتم: إنكار المعاد تكذيب لما علم من دين الرسل بالضرورة. قلنا: وإنكار صفات الرب وأنه متكلم آمر ناه فوق سمواته وأن الأمر ينزل من عنده ويصعد إليه تكذيب لما علم أنهم جاءوا به ضرورة. فإن قلتم: تأويلنا للنصوص التي جاءوا بها لا يستلزم تكذيبهم ورد أخبارهم. قلنا: فمن أين صار تأويلنا للنصوص التي جاءوا بها في المعاد يستلزم تكذيبهم ورد أخبارهم دون تأويلكم إلا لمجرد التحكم والتشهي. فصاحت القرامطة والملاحدة والباطنية وقالت ما الذي سوغ لكم تأويل الأخبار وحرم علينا(1\/369)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "222",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3503",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تأويل الأمر والنهي والتحريم والإيجاب ومورد الجميع من مشكاة واحدة فنحن سلكنا في تأويل الشرائع العملية نظير ما سلكتم في تأويل النصوص الخبرية?. قالوا: وأين تقع نصوص الأمر والنهي من نصوص الخبر. قالوا: وكثير منكم قد فتحوا لنا باب التأويل في الأمر فأولوا أوامر ونواهي كثيرة صريحة الدلالة أو ظاهرة الدلالة في معناها بما يخرجها عن حقائقها وظواهرها فهلم نضعها في كفة ونضع تأويلاتنا في كفة ونوازن بينهما ونحن لا ننكر أنا أكثر تأويلا منهم وأوسع لكنا وجدنا بابا مفتوحا فدخلناه وطريقا مسلوكا فسلكناه فإن كان التأويل حقا فنحن أسعد الناس به وإن كان باطلا فنحن وأنتم مشتركون فيه ومستقل ومستكثر. فهذا من شؤم جناية التأويل على أصول الإيمان والإسلام. وقد قيل: إن طرد إبليس ولعنه إنما كان بسبب التأويل فإنه عارض النص بالقياس وقدمه عليه وتأول(1\/370)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "223",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3504",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لنفسه أن هذا القياس العقلي مقدم على نص الأمر بالسجود فإنه قال أنا خير منه [الأعراف12] وهذا دليل قد حذفت إحدى مقدمتيه وهي أن الفاضل لا يخضع للمفضول وطوى ذكر هذه المقدمة كأنها مقررة لكونها معلومة وقرر المقدمة الأولى بقوله خلقتني من نار وخلقته من طين [الأعراف12] فكان نتيجة المقدمتين امتناعه من السجود وظن أن هذه الشبهة العقلية تنفعه في تأويله فجرى عليه ما جرى وصار إماما لكل من عارض نصوص الوحي بتأويله الباطل إلى يوم القيامة ولا إله إلا الله كم لهذا الإمام اللعين من أتباع من العالمين وأنت إذا تأملت عامة شبه المتأولين التي تأولوا لأجلها النصوص وعطلوها رأيتها من جنس شبهته والقائل إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل من هاهنا اشتق هذه القاعدة وجعلها أصلا لرد(1\/371)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "224",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3505",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نصوص الوحي التي يزعم أن العقل يخالفها كما زعم إمامه أن دليل العقل يخالف نص الأمر بالسجود حين قدمه عليه وعرضت لعدو الله هذه الشبهة من ناحية كبره الذي منعه من الانقياد المحض لنص الوحي وهكذا تجد كل مجادل في نصوص الوحي بالباطل إنما يحمله على ذلك كبر في صدره ما هو ببالغه قال تعالى إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير [غافر56] . وكذلك خروج آدم من الجنة إنما كان بسبب التأويل وإلا فهو لم يقصد بالأكل معصية الرب والتجرؤ على مخالفة نهيه وأن يكون ظالما مستحقا للشقاء بخروجه من الجنة هذا لم يقصده أبو البشر قطعا ثم اختلف الناس في وجه تأويله فقالت طائفة تأول بحمله النهي المطلق على الشجرة المعينة وغره عدو الله بأن جنس تلك الشجرة هي شجرة الخلد وأطمعه في أنه إن أكل منها لم يخرج من الجنة وفي هذا الذي قالوه نظر طاهر فإن الله سبحانه أخبر أن إبليس قال له(1\/372)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "225",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3506",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين [الأعراف 20] فذكر لهما عدو الله الشجرة التي نهيا عنها إما بعينها أو بجنسها وصرح لهما بأنها هي المنهي عنها ولو كان عند آدم أن المنهي عنه تلك الشجرة المعينة دون سائر النوع لم يكن عاصيا بأكله من غيرها ولا أخرجه الله من الجنة ونزع عنه لباسه وقالت فرقة أخرى تأول آدم أن النهي نهي تنزيه لا نهي تحريم فأقدم على الأكل لذلك وهذا باطل قطعا من وجوه كثيرة يكفي منها قوله تعالى فتكونا من الظالمين [البقرة35] وأيضا فحيث نهى الله عن فعل الشيء بقربانه لم يكن إلا للتحريم كقوله تعالى ولا تقربوهن حتى يطهرن [البقرة222] ولا تقربوا الزنى [الإسراء32] ولا تقربوا مال اليتيم [الأنعام152](1\/373)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "226",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3507",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأيضا لو كان للتنزيه لما أخرجه الله من الجنة وأخبر أنه عصى ربه وقالت طائفة: بل كان تأويله أن النهي إنما كان عن قربانهما وأكلهما معا لا عن أكل كل منهما على انفراده لأن قوله ولا تقربا [البقرة35] نهى لهما على الجمع ولا يلزم من حصول النهي حال الاجتماع حصوله حال الانفراد وهذا التأويل ذكره ابن الخطيب في تفسيره وهو كما ترى في البطلان والفساد ونحن نقطع أن هذا التأويل لم يخطر بقلب آدم وحواء البته وهما كانا أعلم بالله من ذلك وأصح إفهاما أفترى فهم أحد عن الله من قوله ولا تقربوا مال اليتيم [الأنعام152] ولا تقربوا الزنى [الإسراء32] ونظائره أي إنما نهيتكم عن اجتماعكم على ذلك دون انفراد كل واحد منكم به فيا للعجب من أوراق وقلوب تسود على هذه الهذيانات وتجد لها حاملا وقابلا يستحسنها ويصغي بقلبه وسمعه إليها(1\/374)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "227",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3508",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والصواب في ذلك أن يقال إن آدم صلوات الله وسلامه عليه لما قاسمه عدو الله أنه ناصح وأخرج الكلام على أنواع متعتددة من التأكيد أحدها: القسم الثاني: تصديرها بالجملة اسمية لا فعلية الثالث: تصديرها بأداة التأكيد الرابع: الإتيان بلام التأكيد في الخبر الخامس: الإتيان به اسم فاعل لا فعلا دالا على الحدث السادس: تقديم المعمول على العامل فيه ولم يكن آدم يظن أن أحدا يقسم بالله كاذبا يمين غموس يتجرأ فيها على الله هذه الجرأة فغره عدو الله بهذا التأكيد والمبالغة فظن آدم صدقه وأنه إن أكل منها لم يخرج من الجنة ورأى أن الأكل وإن كان فيه مفسدة فمصلحة الخلود أرجح ولعله يتأتى له استدراك مفسدة النهي أثناء ذلك إما باعتذار وإما بتوبة وإما بغير ذلك كما تجد هذا التأويل قائما في نفس كل من يؤمن بالله واليوم الآخر إيمانا لا شك فيه إذا اقدم على المعصية فوازن بين هذا التأويل وبين تأويلات المحرفين يظهر لك الصواب من الخطأ والله الموفق للصواب(1\/375)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "228",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3509",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومن جنايات التأويل ما وقع في الإسلام من الحوادث بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا بل في حياته صلوات الله وسلامه عليه فإن خالد بن الوليد قتل بني جذيمة بالتأويل ولهذا نبرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم من صنعه وقال: quot;اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالدquot; ومنع الزكاة من منعها من العرب بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتأويل وقالوا إنما قال الله لرسوله(1\/376)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "229",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3510",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم [التوبة103] وهذا لا يكون لغيره فجرى بسبب هذا التأويل الباطل على الإسلام وأهله ما جرى ثم جرت الفتنة التي جرت قتل عثمان بالتأويل ولم يزل التأويل يأخذ مأخذه حتى قتل به عثمان فأخذ بالزيادة والتولد حتى قتل به بين علي ومعاوية بصفين سبعين ألفا أو أكثر من المسلمين وقتل أهل الحرة بالتأويل وقتل يوم الجمل بالتأويل من قتل ثم كان قتل ابن الزبير ونصب المنجنيق على البيت بالتأويل ثم كانت فتنة ابن الأشعث وقتل من(1\/377)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "230",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3511",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قتل من المسلمين بدير الجماجم بالتأويل ثم كانت فتنة الخوارج وما لقي المسلمون من حروبهم وأذاهم بالتأويل ثم خروج أبي مسلم وقتله بني أمية وتلك الحروب العظام بالتأويل ثم خروج العلويين وقتلهم وحبسهم ونفيهم بالتأويل إلى(1\/378)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "231",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3512",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أضعاف أضعاف ما ذكرنا من حوادث الإسلام التي جرها التأويل وما ضرب مالك بالسياط وطيف به إلا بالتأويل ولا ضرب الإمام أحمد بالسياط وطلب قتله إلا بالتأويل ولا قتل أحمد بن نصر الخزاعي إلا بالتأويل ولا جرى على نعيم بن حماد الخزاعي ما جرى وتوجع أهل الإسلام(1\/379)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "232",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3513",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لمصابه إلا بالتأويل ولا جرى على محمد بن إسماعيل البخاري ما جرى ونفى وأخرج من بلده إلا بالتأويل ولا قتل من قتل خلفاء الإسلام وملوكه إلا بالتأويل ولا جرى على شيخ الإسلام عبد الله أبي إسماعيل الأنصاري ما جرى وطلب قتله بضعة وعشرين مرة إلا بالتأويل ولا جرى على أئمة السنة والحديث ما جرى حين حبسوا(1\/380)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "233",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3514",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وشردوا وأخرجوا من ديارهم إلا بالتأويل ولا جرى على شيخ الإسلام ابن تيمية ما جرى من خصومه بالسجن وطلب قتله أكثر من عشرين مرة إلا بالتأويل فقاتل الله التأويل الباطل وأهله وأخذ حق دينه وكتابه ورسوله وأنصاره منهم فماذا هدموا من معاقل الإسلام وهدوا من أركانه وقلعوا من قواعده ولقد تركوه أرق من الثوب الخلق البالي الذي تطاولت عليه السنون وتوالت عليه الأهوية والرياح ولو بسطنا هذا الفصل وحده ما جناه التأويل على الأديان والشرائع وخراب العالم لقام منه عدة أسفار وإنما نبهنا تنبيها يعلم به العاقل ما وراءه وبالله التوفيق(1\/381)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "234",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3515",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الفصل السادس عشر: في بيان ما يقبل التأويل من الكلام وما لا يقبله",
        "content": "الفصل السادس عشر: في بيان ما يقبل التأويل من الكلام وما لا يقبله لما كان وضع الكلام للدلالة على مراد المتكلم وكان مراده لا يعلم إلا بكلامه انقسم كلامه ثلاثة أقسام أحدها ما هو نص في مراده لا يحتمل غيره الثاني ما هو ظاهر في مراده وإن احتمل أن يريد غيره الثالث ما ليس بنص ولا ظاهر في المراد بل هو مجمل يحتاج إلى البيان فالأول يستحيل دخول التأويل فيه وتحميله التأويل كذب ظاهر على المتكلم وهذا شأن عامة نصوص القرآن الصريحة في معناها كنصوص آيات الصفات(1\/382)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "235",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3516",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتوحيد وأن الله سبحانه مكلم متكلم آمر ناه قائل مخبر موحي حاكم واعد موعد منبىء هاد داع إلى دار السلام فوق عباده علي على كل شيء مستو على عرشه ينزل الأمر من عنده ويعرج إليه وأنه فعال حقيقة وأنه كل يوم في شأن فعال لما يريد وأنه ليس للخلق من دونه ولي ولا شفيع ولا ظهير وأنه المنفرد بالربوبية والإلهية والتدبير والقيومية وأنه يعلم السر وأخفى وما تسقط من ورقة إلا يعلمها وأنه يسمع الكلام الخفي كما يسمع الجهر ويرى ما في السماوات والأرض ولا يخفى عليه منها ذرة واحدة وأنه على كل شيء قدير فلا يخرج مقدور واحد عن قدرته البتة كما لا يخرج عن علمه وتكوينه وأن له ملائكة مدبرات بأمره للعالم تصعد وتنزل وتتحرك وتنتقل من مكان إلى مكان وأنه يذهب بالدنيا ويخرب هذا العالم ويأتي بالآخرة ويبعث من في القبور جل جلاله إلى أمثال ذلك من النصوص التي هي في الدلالة على مرادها كدلالة لفظ العشرة والثلاثة على مدلوله وكدلالة لفظ الشمس والقمر والليل والنهار والبر والبحر والخيل والبغال والإبل والبقر والغنم والذكر والأنثى على مدلولها لا فرق بين ذلك البتة(1\/383)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "236",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3517",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولهذا لما سلطت الجهمية التأويل على نصوص الصفات سلطت الباطنية التأويل على هذه الأمور وجعلوها أمثالا مضروبة اريد بها خلاف حقائقها وظواهرها وجعلوا القرآن والشرع كله مؤولا ولهم في التأويل كتب مستقلة نظير كتب الجهمية في تأويل آيات الصفات وأحاديثها فهذا القسم إن سلط التأويل عليه عاد الشرع كله متأولا لأنه أظهر أقسام القرآن ثبوتا وأكثرها ورودا ودلالة القرآن عليه متنوعة غاية التنوع فقبول ما سواه للتأويل أقرب من قبوله بكثير فصل: القسم الثاني ما هو ظاهر في مراد المتكلم ولكنه يقبل التأويل فهذا ينظر في وروده فإن أطرد استعماله على وجه واحد استحال تأويله بم يخالف ظاهره لأن التأويل إنما يكون لموضع جاء نادرا خارجا عن نظائره منفردا(1\/384)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "237",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3518",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنها فيؤول حتى يرد إلى نظائره وتأويل هذا غير ممتنع لأنه إذا عرف من عادة المتكلم بإطراد كلامه في توارد استعماله معنى ألفه المخاطب فإذا جاء موضع يخالفه رده السامع بما عهد من عرف المخاطب إلى عادته المطردة هذا هو المعقول في الأذهان والفطر وعند كافة العقلاء وقد صرح أئمة العربية بأن الشيء إنما يجوز حذفه إذا كان الموضع الذي ادعى فيه حذفه قد استعمل فيه ثبوته أكثر من حذفه فلا بد أن يكون موضع ادعاء الحذف عندهم صالحا للثبوت ويكون الثبوت مع ذلك أكثر من الحذف حتى إذا جاء ذلك محذوفا في موضع علم بكثرة ذكره في نظائره أنه قد أزيل من هذا الموضع فحمل عليه فهذا شان من يقصد البيان والدلالة وأما من يقصد التلبيس والتعمية فله شأن آخر والقصد أن الظاهر في معناه إذا أطرد استعماله في موارده مستويا امتنع تأويله وإن جاز تأويل ظاهر(1\/385)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "238",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3519",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مالم يطرد في موارد استعماله ومثال ذلك إطراد قوله الرحمن على العرش استوى [طه54] ثم استوى على العرش [الأعراف54] في جميع موارده من أولها إلى آخرها على هذا اللفظ فتأويله باستولى باطل وإنما كان يصح أن لو كان أكثر مجيئه بلفظ استولى ثم يخرج موضع عن نظائره ويرد بلفظ استوى فهذا كان يصح تأويله باستولى فتفطن لهذا الموضع واجعله قاعدة فيما يمتنع تأويله من كلام المتكلم وما يجوز تأويله ونظير هذا إطراد النصوص بالنظر إلى الله هكذا ترون ربكم تنظرون إلى ربكم إلى ربها ناظرة [القيامة 23] ولم يجىء في موضع واحد ترون ثواب ربكم فيحمل عليه ما خرج عن نظائره(1\/386)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "239",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3520",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونظير ذلك إطراد قوله وناديناه [مريم52] ويوم يناديهم [القصص62] وناداهما ربهما [الأعراف22] وما كنت بجانب الطور إذ نادينا [القصص46] إذ ناداه ربه بالواد المقدس [النازعات16 ونظائرها ولم يجىء في موضع واحد أمرنا من يناديه ولا ناداه ملكنا فتأويله بذلك عين المحال والباطل ونظير ذلك إطراد قوله: quot;ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول....quot; في نحو ثلاثين حديثا كلها مصرحة(1\/387)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "240",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3521",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بإضافة النزول إلى الرب ولم يجىء موضع واحد بقوله ينزل ملك ربنا حتى يحمل ما خرج عن نظائره عليه وإذا تأملت نصوص الصفات التي لا تسمح الجهمية بأن يسموها نصوصا فإذا احترموها قالوا ظواهر سمعية وقد عارضتها القواطع العقلية وجدتها كلها من هذا الباب ومما يقضي منه العجب أن كلام شيوخهم ومصنفيهم عندهم نص في مراده لا يحتمل التأويل وكلام الموافقين عندهم نص لا يجوز تأويله حتى إذا جاءوا إلى كلام الله ورسوله وقفوه على التأويل ووقفوا التأويل عليه فقل ما شئت وحرف ما شئت أفترى بيان هؤلاء لمرادهم أتم من بيان الله ورسوله أم كانوا مستولين على بيان الحقائق التي سكت الله ورسوله عن بيانها بل أولئك هم الجاهلون المنهوكون.(1\/388)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "241",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3522",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: القسم الثالث: الخطاب المجمل الذي أحيل بيانه على خطاب آخر فهذا أيضا لا يجوز تأويله إلا بالخطاب الذي بينه وقد يكون بيانه معه وقد يكون منفصلا عنه والمقصود أن الكلام الذي هو عرضة التأويل قد يكون له عدة معان وليس معه ما يبين مراد المتكلم فهذا للتأويل فيه مجال واسع وليس في كلام الله ورسوله من هذا النوع شيء من الجمل المركبة وإن وقع في الحروف المفتتح بها السور بل إذا تأمل من بصره الله طريقة القرآن والسنة وجدها متضمنة لرفع ما يوهمه الكلام من خلاف ظاهره وهذا موضع لطيف جدا في فهم القرآن نشير إلى بعضه فمن ذلك قوله تعالى وكلم الله موسى تكليما [النساء164] رفع سبحانه توهم المجاز في تكليمه لكليمة بالمصدر المؤكد الذي لا يشك عربي القلب واللسان أن المراد به إثبات تلك الحقيقة كما تقول العرب مات موتا ونزل نزولا ونظيره التأكيد بالنفس والعين وكل وأجمع والتأكيد بقوله حقا ونظائره(1\/389)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "242",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3523",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن ذلك قوله تعالى قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير [المجادلة1] فلا يشك صحيح الفهم البتة في هذا الخطاب أنه نص صريح لا يحتمل التأويل بوجه في إثبات صفة السمع للرب تعالى حقيقة وأنه بنفسه سمع ومن ذلك قوله والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون [الأعراف42] فرفع توهم السامع أن المكلفين عملوا جميع الصالحات المقدور والمعجوز عنها كما يجوزه أصحاب تكليف ما لا يطاق رفع هذا التوهم بجملة اعترض بها بين المبتدأ وخبره يزيل الإشكال ونظيره قوله تعالى وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها [الأنعام152] ومن ذلك قوله تعالى فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين [النساء84](1\/390)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "243",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3524",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلما أمره بالقتال أخبره أنه لا يكلف بغيره بل إنما كلف نفسه ثم أتبع ذلك بقوله وحرض المؤمنين لئلا يتوهم سامع أنه وإن لم يكلف بهم فإنه يهملهم ويتركهم ومن ذلك قوله تعالى والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين [الطور21] فتأمل كم في هذا الكلام من رفع إيهام وإزالة ما عسى أن يعرض للمخاطب من لبس فمنها(1\/391)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "244",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3525",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله واتبعتهم ذريتهم بإيمان لئلا يتوهم أن الاتباع في نسب أو تربية أو حرية أو رق وغير ذلك ومنها قوله وما ألتناهم من عملهم [الطور21] رفعا لوهم متوهم أنه يحط الآباء إلى درجة الأبناء ليحصل الإلحاق والتبعية فأزال هذا الوهم بقوله وما ألتناهم من عملهم أي ما نقصنا الآباء بهذا الاتباع شيئا من عملهم بل رفعنا الذرية إليهم قرة لعيونهم وإن لم يكن لهم أعمال يستحقون بها تلك الدرجة ومنها قوله كل امرئ بما كسب رهين [الطور21] فلا يتوهم أن هذا الاتباع حاصل في أهل الجنة وأهل النار بل هو للمؤمنين دون الكفار فإن الله سبحانه(1\/392)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "245",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3526",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يعذب أحدا إلا بكسبه وقد يثيبه من غير كسب منه ومنها قوله تعالى يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا [الأحزاب32] فلما أمرهن بالتقوى التي من شأنها التواضع ولين الكلام نهاهن عن الخضوع بالقول لئلا يطمع فيهن ذو المرض ثم أمرهن بعد ذلك بالقول المعروف رفعا لتوهم الإذن في الكلام المنكر لما نهين عن الخضوع بالقول ومن ذلك قوله حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر [البقرة187] فرفع توهم فهم الخيطين من الخيوط بقوله من الفجر ومن ذلك قوله تعالى لمن شاء منكم أن يستقيم [التكوير28](1\/393)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "246",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3527",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأثبت لهم مشيئة فلعل متوهما يتوهم استقلاله بها وأنه إن شاء أتى بها وإن شاء لم يأت بها فأزال سبحانه ذلك بقوله وما تشاءون إلا أن يشاء الله [التكوير29 الإنسان30] ثم لعل متوهما يتوهم أنه يشاء الشيء بلا حكمة ولا علم بمواقع مشيئته وحيث تصلح فأزال ذلك بقوله وما تشاءون إلا أن يشاء الله [الإنسان30] ونظير ذلك قوله تعالى كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة [المدثر54 - 56](1\/394)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "247",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3528",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن ذلك قوله وعدا عليه حقا في التوراة والأنجيل والقرآن [التوبة111] فلعل متوهما بتوهم أن الله سبحانه يجوز عليه ترك الوفاء بما وعد به فأزال ذلك بقوله ومن أوفى بعهده من الله [التوبه111] ومن ذلك قوله تعالى هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك [الأنعام158] فلما ذكر إتيانه سبحانه ربما توهم متوهم أن المراد إتيان بعض آياته أزال هذا الوهم ورفع الإشكال بقوله أو يأتي بعض آيات ربك فصار الكلام مع هذا التقسيم والتنويع نصا صريحا في معناه لا يحتمل غيره وإذا تأملت أحاديث الصفات رأيت هذا لائحا على صفحاتها باديا على ألفاظها كقوله صلى الله عليه وسلم: quot;إنكم ترون ربكم عيانا كما ترى الشمس في الظهيرة(1\/395)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "248",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3529",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صحوا ليس دونها سحاب وكما يرى القمر ليلة البدر ليس دونه سحابquot; وقوله: quot;ما منكم إلا من سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان يترجم له ولا حاجب يحجبهquot; فلما كان تكليم الملوك قد يقع بواسطة الترجمان ومن وراء الحجاب أزال هذا الوهم من الأفهام وكذلك الحديث الآخر أنه قرأ وكان الله سميعا بصيرا وضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه رفعا(1\/396)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "249",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3530",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لتوهم أن المراد بالسمع والبصر غير الصفتين المعلومتين وأمثال هذا كثير في القرآن والسنة كما في الحديث الصحيح أنه قال: quot;يقبض الله سماواته بيده والأرض باليد الأخرىquot; ثم جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض يده ويبسطها تحقيقا لإثبات اليد وإثبات صفة القبض ومن هذا إشارته بأصبعه إلى السماء حين استشهد ربه تبارك وتعالى على الصحابة أنه قد بلغهم تحقيقا لإثبات صفة العلو وأن الرب الذي استشهده فوق العالم مستو على عرشه فهذه أمثلة يسيرة ذكرناها ليعرف الفهم المنصف القاصد للهدى والنجاة منها ما يقبل التأويل وما لا يقبله ولا عبرة بغيرة والله المستعان(1\/397)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "250",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3531",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "المجلد الثاني",
        "content": "المجلد الثاني الفصل السابع عشر: في أن التأويل يفسد العلوم كلها إن سلط عليها ويرفع الثقة بالكلام ولا يمكن أمة من الأمم أن تعيش عليه ... الفصل السابع عشر: في أن التأويل يفسد العلوم كلها إن سلط عليها ويرفع الثقة بالكلام ولا يمكن أمة من الأمم أن تعيش عليه معلوم أن العلوم إنما قصد بها مصنفوها بيانها وإيضاحها للمتعلمين وتفهيمهم إياها بأقرب ما يقدرون عليه من الطرق فإن سلط التأويل على ألفاظهم وحملها على غير ظواهرها لم ينتفع بها وفسدت وعاد ذلك إلى موضوعها ومقصودها بالإبطال فإذا حمل كلام الأطباء على غير عرفهم المعروف من خطابهم وتأول المخاطب كلامهم على غير ظاهره لم يصل إلى فهم مرادهم البتة بل أفسد عليهم علمهم وصناعتهم وهكذا أصحاب علم الحساب والنحو وجميع أرباب العلوم إذا سلط التأويل على كلامهم لم يوصل إلى شيء من تلك العلوم مع أنه يجوز عليهم الخطأ والتناقض والتلبيس في بعض المواضع والتعمية ومع(2\/399)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "251",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3532",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قصورهم في البيان ووجوه التعبير ومع نقصان إدراكهم للحقائق وعلومهم ومعارفهم فكيف يسلط التأويل على كلام من لا يجوز عليه الخطأ والغلط والتناقض وضد البيان والإرشاد هذا مع كمال علمه وكمال قدرته على أعلى أنواع البيان وكمال نصحه وهداه وإحسانه وقصده الإفهام والبيان لا التعمية والإلغاز. ولهذا لما سلط المحرفون التأويلات الباطلة على نصوص الشرع فسد الدين فسادا لولا أن الله سبحانه تكفل بحفظه وأقام له حرسا وكلهم بحمايته من تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين لجرى عليه ما جرى على الأديان السالفة ولكن الله برحمته وعنايته بهذه الأمة يبعث لها عند دروس السنة وظهور البدعة من يجدد لها دينها ولا يزال يغرس في دينه غرسا يستعملهم فيه علما وعملا. وكما أن التأويل إن سلط على علوم الخلائق أفسدها فكذلك إذا استعمل في مخاطباتهم أفسد الأفهام والفهم ولم يمكن لأمة أن تعيش عليه أبدا فإنه ضد البيان الذي علمه الله الإنسان لقيام مصالحه في معاشه ومعاده وقد تقدم تقرير ذلك بما فيه الكفاية وبالله التوفيق(2\/400)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "252",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3533",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: في بيان أنه إن سلط على آيات التوحيد القولي العلمي وأخباره لزم تسليطه على آيات التوحيد العملي وأخباره وفسد التوحيد معرفة وقصدا. هذا فصل عظيم النفع جليل القدر إنما ينتفع به من عرف نوعي التوحيد القولي العلمي الخبري والتوحيد القصدي الإرادي العملي كما دل على الأول سورة: قل هو الله أحد [الإخلاص1] وعلى الثاني سورة: قل يا أيها الكافرون [الكافرون1] وكذلك دل على الأول قوله تعالى: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا الآية [البقرة136] وعلى الثاني قوله تعالى قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم الآية [آل عمران64] ولهذا كان النبي يقرأ بهاتين(2\/401)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "253",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3534",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السورتين في سنة الفجر وسنة المغرب ويقرأ بهما في ركعتي الطواف ويقرأبالآيتين في سنة الفجر لتضمنهما التوحيد العلمي والعملي والتوحيد العلمي أساسه إثبات صفات الكمال للرب تعالى ومباينته لخلقه وتنزيهه عن(2\/402)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "254",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3535",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العيوب والنقائص والتمثيل والتوحيد العملي أساسه تجريد القصد بالحب والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والاستعانة والاستغاثة والعبودية بالقلب واللسان والجوارح لله وحده فمدار ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه على هذين التوحيدين وأقرب الخلق إلى الله أقومهم بهما علما وعملا ولهذا كانت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أقرب الخلق إلى الله وأقربهم إليه وسيلة أولو العزم وأقربهم الخليلان وخاتمهم سيد ولد آدم وأكرمهم على الله لكمال توحيده وعبوديته لله فهذان الأصلان هما قطب رحى القرآن وعليهما مداره وبيانهما من أهم الأمور والله سبحانه بينهما غاية البيان بالطرق الفطرية والعقلية والنظرية والأمثال المضروبة ونوع سبحانه الطرق في إثباتهما أكمل التنويع بحيث صارت معرفة القلوب الصحيحة والفطر السليمة لها بمنزلة رؤية الأعين المبصرة التي لا آفة بها للشمس والقمر والنجوم والأرض والسماء فذاك للبصيرة بمنزلة هذا للبصر فإن سلط التأويل على التوحيد الخبري العلمي كان تسليطه على التوحيد العملي القصدي أسهل وانمحت رسوم التوحيد وقامت معالم التعطيل والشرك ولهذا كان الشرك والتعطيل متلازمين لا ينفك أحدهما عن صاحبه وإمام المعطلين المشركين فرعون فهو إمام كل معطل ومشرك إلى يوم القيامة كما أن إمام الموحدين إبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما إلى يوم القيامة قال الله تعالى لإمام المعطلين وأتباعه:(2\/403)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "255",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3536",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار [القصص41] وقال وقام لإمام الحنفاء إني جاعلك للناس إماما [البقرة124] وقال لأتباعه وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون [السجدة24] فلا يأتي المعطل للتوحيد الخبري بتأويل إلا أمكن المشرك المعطل للتوحيد العملي أن يأتي بتأويل من جنسه وقد اعترف بذلك حذاق الفلاسفة وفضلاؤهم فقال أبو الوليد بن رشد في كتاب الكشف عن مناهج الأدلة القول في الجهة وأما هذه الصفة فلم يزل(2\/404)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "256",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3537",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أهل الشريعة يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلة ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله وظواهر الشرع كلها تقتضي إثبات الجهة مثل قوله الرحمن على العرش استوى [طه5](2\/405)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "257",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3538",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومثل قوله وسع كرسيه السماوات والأرض [البقرة255] ومثل قوله ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية [الحاقة17] ومثل قوله يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون [السجدة5] ومثل قوله تعرج الملائكة والروح إليه [المعارج4] ومثل قوله أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض [الملك16] إلى غير ذلك من الآيات التي إن سلط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولا وإن قيل فيها إنها من المتشابهات عاد الشرع كله متشابها لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء وأن منه تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين وأن(2\/406)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "258",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3539",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من السماء نزلت الكتب وإليها كان الإسراء بالنبي حتى قرب من سدرة المنتهى وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك. والشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى نفيها هي أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية ونحن نقول إن إثبات هذا كله غير لازم فإن الجهة غير المكان وذلك أن الجهة هي إما سطوح الجسم نفسه المحيطة به وهي ستة وبهذا نقول إن للحيوان فوقا وأسفل ويمينا وشمالا وأماما وخلفا وإما سطوح جسم آخر يحيط بالجسم ذي الجهات الست فأما الجهات التي هي سطوح الجسم نفسه فليست بمكان للجسم نفسه أصلا وأما سطوح الأجسام المحيطة به فهي له مكان مثل سطوح الهواء المحيط بالإنسان وسطوح الفلك المحيط بسطوح الهواء هي أيضا مكان للهواء وهكذا الأفلاك بعضها محيطة ببعض ومكان له وأما سطح الفلك الخارجي فقد برهن أنه ليس خارجه جسم لأنه(2\/407)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "259",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3540",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لو كان كذلك لوجب أن يكون خارج ذلك الجسم جسم آخر ويمر الأمر إلى غير نهاية فإذا سطح آخر أجسام العالم ليس مكانا أصلا إذ ليس يمكن أن يوجد فيه جسم لأن كل ما هو مكان يمكن أن يوجد فيه جسم فإذا إن قام البرهان على وجود موجود في هذه الجهة فواجب أن يكون غير جسم والذي يمنع وجوده هناك هو عكس ما ظنه القوم وهو موجود هو جسم لا موجود ليس بجسم وليس لهم أن يقولوا إن خارج العالم خلاء وذلك أن الخلاء قد تبين في العلوم النظرية امتناعه لأن ما يدل عليه اسم الخلاء ليس هو شيئا أكثر من أبعاد ليس فيها جسم أعني طولا وعرضا وعمقا لأنه إن رفعت الأبعاد عنه عاد عدما وإن أنزل الخلاء موجودا لزم أن تكون أعراضا موجودة في غير جسم وذلك أن الأبعاد هي أعراض من باب الكمية ولا بد ولكنه قيل في الآراء السالفة القديمة والشرائع الغابرة إن ذلك الموضع هو مسكن الروحانيين يريدون الله والملائكة وذلك أن ذلك الموضع ليس هو مكان(2\/408)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "260",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3541",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يحويه زمان وكذلك إن كان كل ما يحويه الزمان والمكان فاسدا فقد يلزم أن يكون ما هنالك غير فاسد ولا كائن وقد تبين هذا المعنى مما أقوله وذلك أنه لما لم يكن ها هنا شيء إلا هذا الموجود المحسوس أو العدم وكان من المعروف بنفسه أن الموجود إنما ينسب إلى الوجود أعني أنه يقال إنه موجود أي في الوجود إذ لا يمكن أن يقال إنه موجود في العدم فإن كان ها هنا موجودا هو أشرف الموجودات فواجب أن ينسب من الموجود المحسوس إلى الجزء الأشرف وهي السموات ولشرف هذا الجزء قال تعالى: لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون [غافر57] وهذا كله يظهر على التمام للعلماء الراسخين في العلم فقد ظهر لك من هذا أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل وأنه الذي جاء به الشرع وانبنى عليه وإن إبطال(2\/409)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "261",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3542",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذه القاعدة إبطال للشرائع وإن وجه العسر في تفهيم هذا المعنى مع نفي الجسمية هو أنه ليس في الشاهد مثال له فهو بعينه السبب في أنه لم يصرح الشرع بنفي الجسم عن الخالق سبحانه لأن الجمهور إنما يقع لهم التصديق بحكم الغائب متى كان ذلك معلوم الوجود في الشاهد مثل العلم بالصانع فإنه لما كان في الشاهد شرطا في وجوده كان شرطا في وجود الصانع الغائب وأما متى كان الحكم الذي في الغائب غير معلوم الوجود في الشاهد عند الأكثر ولا يعلمه إلا العلماء الراسخون فإن الشرع يزجر عن طلب معرفته إن لم يكن بالجمهور حاجة إلى معرفته مثل العلم بالنفس أو يضرب له مثالا من الشاهد إن كان بالجمهور حاجة إلى معرفته في سعادتهم والشبهة الواقعة في نفي الجهة عند(2\/410)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "262",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3543",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذين نفوها ليس يتفطن الجمهور إليها لا سيما إذا لم يصرح لهم بأنه ليس بجسم فيجب أن يمتثل في هذا كله فعل الشرع وأن لا يتأول ما لم يصرح الشرع بتأويله. والناس في هذه الأشياء في الشرع على ثلاث مراتب: صنف لا يشعرون بالشكوك العارضة في هذا المعنى وخاصة متى تركت هذه الأشياء على ظاهرها في الشرع وهؤلاء هم الأكثر وهم الجمهور. وصنف عرفوا حقيقة هذه الأشياء وهم العلماء الراسخون في العلم وهؤلاء هم ألأقل من الناس. وصنف عرضت لهم في هذه الأشياء شكوك ولم يقدروا على حلها وهؤلاء هم فوق العامة ودون العلماء وهذا الصنف هم الذين يوجد في حقهم التشابه في الشرع وهم الذين ذمهم الله.(2\/411)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "263",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3544",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما عند العلماء والجمهور فليس في الشرع تشابه فعلى هذا المعنى ينبغي أن يفهم التشابه ومثال ما عرض لهذا الصنف مع الشرع مثال ما يعرض في خبز البر مثلا الذي هو الغذاء النافع لأكثر الأبدان أن يكون لأقل الأبدان ضارا وهو نافع للأكثر وكذلك التعليم الشرعي هو نافع للأكثر وربما ضر الأقل ولهذا الإشارة بقوله تعالى: وما يضل به إلا الفاسقين [البقرة26] ولكن هذا إنما يعرض في آيات الكتاب العزيز في الأقل منها والأقل من الناس وأكثر ذلك هي الآيات التي تتضمن الإعلام عن أشياء في الغائب ليس لها مثال في الشاهد فيعبر عنها بالشاهد الذي هو أقرب الموجودات إليها وأكثرها شبها بها فيعرض لبعض الناس أن يأخذ(2\/412)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "264",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3545",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الممثل به هو المثال نفسه فيلزمه الحيرة والشك وهو الذي يسمى متشابها في الشرع وهذا ليس يعرض للعلماء ولا الجمهور وهم صنفا الناس في الحقيقة لأن هؤلاء هم الأصحاء والغذاء الملائم إنما يوافق أبدان الأصحاء وأما أولئك فمرضى والمرضى هم الأقل ولذلك قال الله تعالى: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه [آل عمران7] وهؤلاء أهل الجدل والكلام وأشد ما عرض على الشريعة من هذا الصنف أنهم تأولوا كثيرا مما ظنوه ليس على ظاهره وقالوا إن هذا التأويل هو المقصود به وإنما أتى الله به في صورة المتشابه ابتلاء لعباده واختبارا لهم ونعوذ بالله من هذا الظن بالله بل نقول إن كتاب الله العزيز إنما جاء معجزا من جهة الوضوح والبيان فإذا ما أبعد من مقصد الشرع من قال فيما ليس بمتشابه إنه متشابه ثم أول ذلك(2\/413)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "265",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3546",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المتشابه بزعمه وقال لجميع الناس إن فرضكم هو اعتقاد هذا التأويل مثل ما قالوه في آيات الاستواء على العرش وغير ذلك مما قالوا إن ظاهره متشابه. وبالجملة فأكثر التأويلات التي زعم القائلون بها أنها المقصود من الشرع إذ تؤولت وجدت ليس يقوم عليها برهان ولا تفعل فعل الظاهر في قبول الجمهور لها وعملهم بها فإن المقصود الأول بالعلم في حق الجمهور إنما هو العمل فما كان أنفع في العمل فهو أجدر وأما المقصود بالعلم في حق العلماء فهو الأمران جميعا أعني العلم والعمل. ومثال من أول شيئا من الشرع وزعم أن ما أوله هو الذي قصده الشرع وصرح بذلك التأويل للجمهور مثال من أتى إلى دواء قد ركبه طبيب ماهر ليحفظ صحة جميع الناس أو الأكثر فجاء رجل فلم يلائمه ذلك الدواء المركب الأعظم لرداءة مزاج كان به ليس يعرض إلا للأقل من الناس فزعم أن بعض الأدوية التي صرح باسمه الطبيب الأول في ذلك الدواء العام المنفعة المركب لم يرد به ذلك الدواء التي جرت العادة في اللسان أن يدل بذلك(2\/414)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "266",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3547",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاسم عليه وإنما أراد به دواء آخر مما يمكن أن يدل عليه بذلك باستعارة بعيدة فأزال ذلك الدواء الأول من ذلك المركب الأعظم وجعل فيه بدله الدواء الذي ظن أنه الذي قصده الطبيب وقال للناس هذا هو الذي قصده الطبيب الأول فاستعمل الناس ذلك الدواء المركب على الوجه الذي تأوله عليه ذلك المتأول ففسدت به أمزجة كثير من الناس فجاء آخرون فشعروا بفساد أمزجة الناس عن ذلك الدواء المركب فراموا إصلاحه بأن أبدلوا بعض أدويته بدواء آخر غير الدواء الأول فعرض من ذلك للناس نوع من المرض غير النوع الأول فجاء ثالث فتأول في أدوية ذلك المركب غيرالتأويل الأول والثاني فعرض من ذلك للناس نوع ثالث من المرض غير النوعين المتقدمين فجاء متأول رابع فتأول دواء آخر غير الأدوية المتقدمة فعرض منه للناس نوع رابع من المرض غير الأمراض المتقدمة فلما طال الزمن بهذا الدواء المركب الأعظم وسلط الناس التأويل على أدويته وغيروها وبدلوها عرض منه للناس أمراض شتى حتى فسدت المنفعة المقصودة بذلك الدواء المركب في حق أكثر الناس وهذه هي حال هذه الفرق(2\/415)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "267",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3548",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحادثة في الشريعة مع الشريعة وذلك أن كل فرقة منهم تأولت في الشريعة تأويلا غير التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى وزعمت أنه الذي قصده صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم حتى تمزق الشرع كل ممزق وبعد جدا عن موضوعه الأول ولما علم صاحب الشرع أن مثل هذا يعرض ولا بد في شريعته قال: quot;ستفترق أمتي على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدةquot; يعني بالواحدة التي سلكت ظاهر الشرع ولم تؤوله.(2\/416)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "268",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3549",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأنت إذا تأملت ما عرض في هذه الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض فيها من قبل التأويل تبينت أن هذا المثال صحيح وأول من غير هذا الدواء الأعظم هم الخوارج ثم المعتزلة بعدهم ثم الأشعرية ثم الصوفية ثم جاء أبو حامد فطم الوادي على القرى اه وذكر كلاما بعد ذلك يتعلق بكتب أبي حامد ليس لنا غرض في حكايته.(2\/417)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "269",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3550",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الفصل الثامن عشر: في انقسام الناس في نصوص الوحي إلى أصحاب تأويل وأصحاب تخييل وأصحاب تجهيل وأصحاب تمثيل وأصحاب سواء السبيل",
        "content": "الفصل الثامن عشر: في انقسام الناس في نصوص الوحي إلى أصحاب تأويل وأصحاب تخييل وأصحاب تجهيل وأصحاب تمثيل وأصحاب سواء السبيل هذه خمسة أصناف انقسم الناس إليها في هذا الباب بحسب اعتقادهم ما أريد بالنصوص: الصنف الأول: أصحاب التأويل وهم أشد الأصناف اضطرابا إذ لم يثبت لهم قدم في الفرق بين ما يتأول وما لا يتأول ولا ضابط مطرد منعكس تجب مراعاته وتمنع مخالفته بخلاف سائر الفرق فإنهم جروا على ضابط واحد وإن كان فيهم من هو أشد خطأ من أصحاب التأويل كما سنذكره. الصنف الثاني: أصحاب التخييل وهم الذين(2\/418)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "270",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3551",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اعتقدوا أن الرسل لم تفصح للخلق بالحقائق إذ ليس في قواهم إدراكها وإنما خيلت لهم وأبرزت المعقول في صورة المحسوس قالوا ولو دعت الرسل أممهم إلى الإقرار برب لا داخل العالم ولا خارجه ولا محايثا له ولا مباينا له ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولا فوقه ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن يساره لنفرت عقولهم من ذلك ولم تصدق بإمكان وجود هذا الموجود فضلا عن وجوب وجوده وكذلك لو أخبروهم بحقيقة كلامه وأنه فيض فاض من المبدأ الأول على العقل الفعال ثم فاض من ذلك العقل على النفس الناطقة الزكية المستعدة لم يفهموا ذلك ولو أخبروهم عن المعاد الروحاني بما هو عليه لم يفهموه فقربوا لهم الحقائق المعقولة في إبرازها في الصور المحسوسة وضربوا لهم الأمثال بقيام الأجساد من القبور في يوم العرض والنشور ومصيرها إلى جنة فيها أكل وشرب ولحم وخمر وجوار حسان أو نار فيها أنواع العذاب تفهيما للذة الروحانية بهذه الصورة والألم الروحاني(2\/419)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "271",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3552",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بهذه الصورة وهكذا فعلوا في وجود الرب وصفاته وأفعاله ضربوا لهم الأمثال بموجود عظيم جدا أكبر من كل موجود وله سرير عظيم وهو مستو فوق سريره يسمع ويبصر ويتكلم ويأمر وينهى ويرضى ويغضب ويأتي ويجيء وينزل وله يدان ووجه ويفعل بمشيئته وإرادته وإذا تكلم العباد سمع كلامهم وإذا تحركوا رأى حركاتهم وإذا هجس في قلب أحد منهم هاجس علمه وأنه ينزل كل ليلة إليهم إلى سمائهم هذه فيقول: quot;من يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر لهquot; إلى غير ذلك مما نطقت به الكتب الإلهية قالوا ولا يحل لأحد أن يتأول ذلك على خلاف ظاهره للجمهور لأنه يفسد ما وضعت له الشرائع والكتب الإلهية. وأما الخاصة فهم يعلمون أن هذه أمثال مضروبة لأمور عقلية تعجز عن إدراكها عقول الجمهور فتأويلها جناية على الشريعة والحكمة وإقرارها إقرار للشريعة(2\/420)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "272",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3553",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحكمة قالوا وعقول الجمهور بالنسبة إلى هذه الحقائق أضعف من عقول الصبيان بالنسبة إلى ما يدركه عقلاء الرجال وأهل الحكمة منهم والحكيم إذا أراد أن يخوف الصغير أو يبسط أمله خوفه ورجاه بما يناسب فهمه وطبعه. وحقيقة الأمر عند هذه الطائفة: أن الذي أخبرت به الرسل عن الله وصفاته وأفعاله وعن اليوم الآخر لا حقيقة له يطابق ما أخبروا به ولكنه أمثال وتخييل وتفهيم بضرب الأمثال وقد ساعدهم أرباب التأويل على هذا المقصد في باب معرفة الله وأسمائه وصفاته وصرحوا في ذلك بمعنى ما صرح به هؤلاء في باب المعاد وحشر الأجساد بل نقلوا كلماتهم بعينها إلى نصوص الاستواء والفوقية ونصوص الصفات الخبرية لكن هؤلاء أوجبوا أو سوغوا تأويلها بما يخرجها عن حقائقها وظواهرها وظنوا أن الرسل قصدت ذلك من المخاطبين تعريضا لهم إلى الثواب الجزيل ببذل الجهد في تأويلها أو استخراج معان تليق بها وحملها عليها وأولئك حرموا التأويل ورأوه عائدا على ما قصدته(2\/421)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "273",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3554",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأنبياء بالإبطال والطائفتان متفقتان على انتفاء حقائقها المفهومة منها في نفس الأمر. والصنف الثالث: أصحاب التجهيل الذين قالوا نصوص الصفات ألفاظ لا تعقل معانيها ولا ندري ما أراد الله ورسوله منها ولكن نقرأها ألفاظا لا معاني لها ونعلم أن لها تأويلا لا يعلمه إلا الله وهي عندنا بمنزلة: كهيعص [مريم1] و حم عسق [الشورى2 , 1] و المص [الأعراف1] فلو ورد علينا منها ما ورد لم نعتقد فيه تمثيلا ولا تشبيها ولم نعرف معناه وننكر على من تأوله ونكل علمه إلى الله وظن هؤلاء أن هذه طريقة السلف وأنهم لم يكونوا يعرفون حقائق الأسماء والصفات ولا يفهمون معنى قوله: لما خلقت بيدي [ص75] وقوله والأرض جميعا قبضته يوم القيامة [الزمر67](2\/422)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "274",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3555",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله الرحمن على العرش استوى [طه5] وأمثال ذلك من نصوص الصفات. وبنوا هذا المذهب على أصلين: أحدهما أن هذه النصوص من المتشابه. والثاني: أن للمتشابه تأويلا لا يعلمه إلا الله فنتج من هذين الأصلين استجهال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وسائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأنهم كانوا يقرأون: الرحمن على العرش استوى [طه5] و بل يداه مبسوطتان [المائدة64] ويروون quot;ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنياquot; ولا يعرفون معنى ذلك ولا ما أريد به ولازم قولهم إن الرسول كان يتكلم بذلك ولا يعلم معناه ثم تناقضوا أقبح تناقض فقالوا تجري على ظواهرها وتأويلها مما يخالف الظواهر باطل ومع ذلك فلها تأويل لا يعمله إلا الله فكيف(2\/423)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "275",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3556",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يثبتون لها تأويلا ويقولون تجر على ظواهرها ويقولون الظاهر منها غير مراد والرب منفرد بعلم تأويلها وهل في التناقض أقبح من هذا. وهؤلاء غلطوا في المتشابه وفي جعل هذه النصوص من المتشابه وفي كون المتشابه لا يعلم معناه إلا الله فأخطأوا في المقدمات الثلاث واضطرهم إلى هذا التخلص من تأويلات المبطلين وتحريفات المعطلين وسدوا على نفوسهم الباب وقالوا لا نرضى بالخطأ ولا وصول لنا إلى الصواب فهؤلاء تركوا التدبر المأمور به والتذكر والعقل لمعاني النصوص الذي هو أساس الإيمان وعمود اليقين وأعرضوا عنه بقلوبهم وتعبدوا بالألفاظ المجردة التي أنزلت في ذلك وظنوا أنها أنزلت للتلاوة والتعبد بها دون تعقل معانيها وتدبرها والتفكر فيها. فأولئك جعلوها عرضة للتأويل والتحريف كما جعلها أصحاب التخييل أمثالا لا حقيقة لها وقابلهم:(2\/424)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "276",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3557",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصنف الرابع: وهم أصحاب التشبيه والتمثيل ففهموا منها مثل ما للمخلوقين وظنوا أن لا حقيقة لها سوى ذلك وقالوا محال أن يخاطبنا الله سبحانه بما لا نعقله ثم يقول: لعلكم تعقلون [البقرة73] لعلكم تتفكرون [البقرة219] ليدبروا آياته [ص29] ونظائر ذلك وهؤلاء هم المشبهة. فهذه الفرق لا تزال تبدع بعضهم بعضا وتضلله وتجهله وقد تصادمت كما ترى فهم كزمرة من العميان تلاقوا فتصادموا كما قال أعمى البصر والبصيرة منهم: ونظيري في العلم مثلي أعمى ... فترانا في حندس نتصادم وهدى الله أصحاب سواء السبيل للطريقة المثلى(2\/425)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "277",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3558",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلم يتلوثوا بشيء من أوضار هذه الفرق وأدناسها وأثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات ونفوا عنه مماثلة المخلوقات فكان مذهبهم مذهبا بين مذهبين وهدى بين ضلالتين خرج من بين مذاهب المعطلين والمخيلين والمجهلين والمشبهين كما خرج اللبن من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين وقالوا نصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تشبيه ولا تمثيل بل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات ونفي مشابهة المخلوقات فلا نعطل ولا نؤول ولا نمثل ولا نجهل ولا نقول ليس لله يدان ولا وجه ولا سمع ولا بصر ولا حياة ولا قدرة ولا استوى على عرشه ولا نقول له يدان كأيدي المخلوق ووجه كوجوههم وسمع وبصر وحياة وقدرة واستوى كأسماعهم وأبصارهم وقدرتهم واستوائهم بل نقول له ذات حقيقة ليست كالذوات وله صفات حقيقة لا مجازا ليست كصفات المخلوقين وكذلك قولنا في وجهه تبارك وتعالى ويديه وسمعه وبصره وكلامه واستوائه ولا يمنعنا ذلك أن نفهم(2\/426)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "278",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3559",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المراد من تلك الصفات وحقائقها كما لم يمنع ذلك من أثبت لله شيئا من صفات الكمال من فهم معنى الصفة وتحقيقها فإن من أثبت له سبحانه السمع والبصر أثبتهما حقيقة وفهم معناهما فهكذا سائر صفاته المقدسة يجب أن تجري هذا المجرى وإن كان لا سبيل لنا إلى معرفة كنهها وكيفيتها فإن الله سبحانه لم يكلف عباده بذلك ولا أراده منهم ولم يجعل لهم إليه سبيلا بل كثير من مخلوقاته أو أكثرها لم يجعل لهم سبيلا إلى معرفة كنهه وكيفيته وهذه أرواحهم التي هي أدنى إليهم من كل دان قد حجب عنهم معرفة كنهها وكيفيتها وجعل لهم السبيل إلى معرفتها والتمييز بينها وبين أرواح البهائم وقد أخبرنا سبحانه عن تفاصيل يوم القيامة وما في الجنة والنار فقامت حقائق ذلك في قلوب أهل الإيمان وشاهدته عقولهم ولم يعرفوا كيفيته وكنهه فلا يشك المسلمون أن في الجنة أنهارا من خمر وأنهارا من عسل وأنهارا من لبن ولكن لا يعرفون كنه ذلك ومادته وكيفيته إذ كانوا لا يعرفون في الدنيا الخمر إلا ما اعتصر من الأعناب والعسل إلا ما قذفت به النحل في بيوتها واللبن إلا ما خرج من الضروع والحرير إلا ما خرج من فم دود القز وقد(2\/427)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "279",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3560",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهموا معاني ذلك في الجنة من غير أن يكون مماثلا لما في الدنيا كما قال ابن عباس ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء ولم يمنعهم عدم النظير في الدنيا من فهم ما أخبروا به من ذلك فهكذا الأسماء والصفات لم يمنعهم انتفاء نظيرها في الدنيا ومثالها من فهم حقائقها ومعانيها بل قام بقلوبهم معرفة حقائقها وانتفاء التمثيل والتشبيه عنها وهذا هو المثل الأعلى الذي أثبته سبحانه لنفسه في ثلاثة مواضع من القرآن: أحدها قوله للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم [النحل60](2\/428)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "280",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3561",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني: قوله وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم [الروم27] الثالث: قوله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [الشورى11] فنفى سبحانه المماثلة عن هذا المثل الأعلى وهو ما في قلوب أهل سمواته وأرضه من معرفته والإقرار بربوبيته وأسمائه وصفاته وذاته فهذا المثل الأعلى هو الذي آمن به المؤمنون وأنس بها لعارفون وقامت شواهده في قلوبهم بالتعريفات الفطرية المكملة بالكتب الإلهية المقبولة بالبراهين العقلية فاتفق على الشهادة بثبوته العقل والسمع والفطرة فإذا قال المثبت يا الله قام بقلبه ربا قيوما قائما بنفسه مستويا على عرشه مكلما متكلما سامعا رآئيا قديرا مريدا فعالا لما يشاء يسمع دعاء الداعين ويقضي حوائج السائلين ويفرج عن(2\/429)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "281",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3562",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المكروبين ترضيه الطاعات وتغضبه المعاصي تعرج الملائكة بالأمر إليه وتنزل بالأمر من عنده وإذا شئت زيادة تعريف بهذا المثل الأعلى فقدر قوى جميع المخلوقات اجتمعت لواحد منهم ثم كان جميعهم على قوة ذلك الواحد فإذا نسبت قوته إلى قوة الرب تبارك وتعالى لم تجد لها نسبة وإياها ألبتة كما لا تجد نسبة بين قوة البعوضة وقوة الأسد فإذا قدرت علوم الخلائق اجتمعت لرجل واحد ثم قدرت جميعهم بهذه المثابة كانت علومهم بالنسبة إلى علمه تعالى كنقرة عصفور من بحر وإذا قدرت حكمة جميع المخلوقين على هذا التقدير لم يكن لها نسبة إلى حكمته وكذلك إذا قدرت كل جمال في الوجود اجتمع لشخص واحد ثم كان الخلق كلهم بذلك الجمال كان نسبته إلى جمال الرب تعالى وجلاله دون نسبة السراج الضعيف إلى جرم الشمس. وقد نبهنا الله سبحانه على هذا المعنى بقوله:(2\/430)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "282",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3563",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم [لقمان27] فقدر البحر المحيط بالعالم مدادا ووراءه سبعة أبحر تحيط به كلها مداد تكتب به كلمات الله نفدت البحار وفنيت الأقلام التي لو قدرت جميع أشجار الأرض من حين خلقت إلى آخر الدنيا ولم تنفد كلمات الله. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: quot;إن السموات السبع في الكرسي كحلقة ملقاة بأرض فلاة والكرسي في العرش كحلقة ملقاة في أرض فلاة والعرش لا يقدر قدره إلا الله وهو سبحانه فوق عرشه يرى ما عباده عليهquot; فهذا هو الذي قام بقلوب المؤمنين المصدقين العارفين به(2\/431)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "283",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3564",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبحانه من المثل الأعلى فعرفوه به وعبدوه به وسألوه به فأحبوه وخافوه ورجوه وتوكلوا عليه وأنابوا إليه واطمأنوا بذكره وأنسوا بحبه بواسطة هذا التعريف فلم يصعب عليهم بعد ذلك فهم استوائه على عرشه وسائر ما وصف به نفسه من صفات كماله إذ قد أحاط عليهم بأنه لا نظير لذلك ولا مثل له ولم يخطر بقلوبهم مماثلته لشيء من المخلوقات وقد أعلمهم سبحانه على لسان رسوله quot;أنه يقبض سماواته بيده والأرض باليد الأخرى ثم يهزهنquot; quot;وأن السماوات السبع والأرضين السبع في كفه تعالى كخردلة في كف أحدكمquot; quot;وأنه يضع السماوات على أصبع والأرضين على أصبع والجبال على أصبع والشجر على أصبع وسائر الخلق على أصبعquot; فأي أيدي(2\/432)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "284",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3565",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للخلق وأي أصبع تشبه هذه اليد وهذه الأصبع حتى يكون إثباتها تشبيها وتمثيلا فقاتل الله أصحاب التحريف والتأويل وأصحاب التخييل وأصحاب التجهيل وأصحاب التشبيه والتمثيل ماذا حرفوه من الحقائق الإيمانية والمعارف الإلهية وماذا تعوضوابه من زبالة الأذهان ونخالة الأفكار فما أشبههم بمن كان غذاؤهم المن والسلوى بلا تعب ولا كلفة فآثروا عليه الفوم والعدس والبصل وقد جرت عادة الله سبحانه أن يذل من آثر الأدنى على الأعلى ويجعله عبرة للعقلاء. فأول هذا الصنف إبليس ترك السجود لآدم كبرا فابتلاه الله بالقيادة لفساق ذريته وعباد الأصنام لم يقروا بنبي من البشر ورضوا بإله من الحجر والجهمية نزهوا الله عن(2\/433)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "285",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3566",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عرشه لئلا يحويه مكان ثم جعلوه في الآبار والأنجاس وفي كل مكان وهكذا طوائف الباطل لم يرضوا بنصوص الوحي فابتلوا بزبالة أذهان المتحيرين وورثة الصابئين وأفراخ الفلاسفة الملحدين و: من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا [الكهف17](2\/434)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "286",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3567",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الفصل التاسع عشر: في الأسباب التي تسهل على النفوس الجاهلة قبول التأويل مع مخالفته للبيان الذي علمه الله الإنسان وفطره على قبوله",
        "content": "الفصل التاسع عشر: في الأسباب التي تسهل على النفوس الجاهلة قبول التأويل مع مخالفته للبيان الذي علمه الله الإنسان وفطره على قبوله التأويل يجري مجرى مخالفة الطبيعة الإنسانية والفطرة التي فطر عليها العبد فإنه رد الفهم من جريانه مع الأمر المعتاد المألوف إلى الأمر الذي لم يعهد ولم يؤلف وما كان هذا سبيله فإن الطباع السليمة لا تتقاضاه بل تنفر منه(2\/435)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "287",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3568",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتأباه فلذلك وضع له أربابه أصولا ومهدوا له أسبابا تدعو إلى قبوله وهي أنواع: السبب الأول: أن يأتي به صاحبه مموها مزخرف الألفاظ ملفق المعاني مكسوا حلة الفصاحة والعبارة الرشيقة فتسرع العقول الضعيفة إلى قبوله واستحسانه وتبادر إلى اعتقاده وتقليده ويكون حاله في ذلك حال من يعرض سلعة مموهة مغشوشة على من لا بصيرة له بباطنها وحقيقتها فيحسنها في عينه ويحببها إلى نفسه وهذا الذي يعتمده كل من أراد ترويج باطل فإنه لا يتم له ذلك إلا بتمويهه وزخرفته وإلقائه إلى جاهل بحقيقته. قال الله تعالى: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الأنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون [الأنعام112](2\/436)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "288",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3569",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فذكر سبحانه أنهم يستعينون على مخالفة أمر الأنبياء بما يزخرفه بعضهم لبعض من القول فيغتر به الأغمار وضعفاء العقول فذكر السبب الفاعل والقابل ثم ذكر سبحانه انفعال هذه النفوس الجاهلة به بصغوها وميلها إليه ورضاها به لما كسي من الزخرف الذي يغر السامع فلما أصغت إليه ورضيته اقترفت ما تدعو إليه من الباطل قولا وعملا فتأمل هذه الآيات وما تحتها من هذا المعنى العظيم القدر الذي فيه بيان أصول الباطل والتنبيه على مواقع الحذر منها وعدم الاغترار بها وإذا تأملت مقالات أهل الباطل رأيتهم قد كسوها من العبارات وتخيروا لها من الألفاظ الرائقة ما يسرع إلى قبوله كل من ليس له بصيرة نافذة وأكثر الخلق كذلك حتى إن الفجار ليسمون أعظم أنواع الفجور بأسماء لا ينبو عنها(2\/437)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "289",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3570",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السمع ويميل إليها الطبع فيسمون أم الخبائث أم الأفراح ويسمون اللقمة الملعونة لقيمة الذكر والفكر التي تثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن ويسمون مجالس الفجور والفسوق مجالس الطيبة حتى إن بعضهم لما عذل عن شيء من ذلك قال لعاذله ترك المعاصي والتخوف منها إساءة ظن برحمة الله وجرأة على سعة عفوه ومغفرته فانظر ماذا تفعل هذه الكلمة في قلب ممتلئ بالشهوات ضعيف العلم والبصيرة. فصل السبب الثاني: أن يخرج المعنى الذي يريد إبطاله بالتأويل في صورة مستهجنة تنفر عنها القلوب وتنبو عنها الأسماع فيتخير له من الألفاظ أكرهها وأبعدها وصولا إلى القلوب وأشدها نفرة عنها فيتوهم السامع أن معناها هو الذي دلت عليه تلك الألفاظ فيسمى التدين ثقالة(2\/438)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "290",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3571",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعدم الانبساط إلى السفهاء والفساق والبطالين سوء خلق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والغضب لله والحمية لدينه فتنة وشرا وفضولا فكذلك أهل البدع والضلال من جميع الطوائف هذا معظم ما ينفرون به عن الحق ويدعون به إلى الباطل فيسمون إثبات صفات الكمال لله تجسيما وتشبيها وتمثيلا ويسمون إثبات الوجه واليدين له تركيبا ويسمون إثبات استوائه على عرشه وعلوه على خلقه فوق سمواته تحيزا وتجسيما ويسمون العرش حيزا وجهة ويسمون الصفات أعراضا والأفعال حوادث والوجه واليدين أبعاضا والحكم والغايات التي يفعل لأجلها أغراضا فلما وضعوا لهذه المعاني الصحيحة الثابتة تلك الألفاظ المستنكرة الشنيعة تم لهم من نفيها وتعطيلها ما أرادوه فقالوا للأغمار والأغفال اعلموا أن ربكم منزه عن الأعراض والأغراض والأبعاض والجهات والتركيب والتجسيم والتشبيه فلم يشك أحد لله في قلبه وقار وعظمة في تنزيه الرب تعالى عن ذلك وقد اصطلحوا على تسمية سمعه وبصره وعلمه وقدرته وإرادته وحياته أعراضا وعلى تسمية وجهه الكريم ويديه المبسوطتين أبعاضا وعلى تسمية استوائه على عرشه وعلوه على خلقه وأنه فوق عباده تحيزا وعلى تسمية نزوله إلى سماء الدنيا(2\/439)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "291",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3572",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتكلمه بقدرته ومشيئته إذا شاء وغضبه بعد رضاه ورضاه بعد غضبه حوادث وعلى تسمية الغاية التي يفعل ويتكلم لأجلها غرضا واستقر ذلك في قلوب المتلقين عنهم فلما صرحوا لهم بنفي ذلك بقي السامع متحيرا أعظم حيرة بين نفي هذه الحقائق التي أثبتها الله لنفسه وأثبتها له جميع رسله وسلف الأمة بعدهم وبين إثباتها وقد قام معه شاهد نفيها بما تلقاه عنهم فمن الناس من فر إلى التخييل ومنهم من فر إلى التعطيل ومنهم من فر إلى التجهيل ومنهم من فر إلى التمثيل ومنهم من فر إلى الله ورسوله وكشف زيف هذه الألفاظ وبين زخرفها وزغلها وأنها ألفاظ مموهة بمنزلة طعام طيب الرائحة في إناء حسن اللون والشكل ولكن الطعام مسموم فقالوا ما قاله إمام أهل السنة باتفاق أهل السنة أحمد بن حنبل لا نزيل عن الله صفة من صفاته لأجل شناعة المشنعين. ولما أراد المتأولون المعطلون تمام هذا الغرض اخترعوا(2\/440)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "292",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3573",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأهل السنة الألقاب القبيحة فسموهم حشوية ونوابت ونواصب ومجبرة ومجسمة ومشبهة ونحو ذلك فتولد من تسميتهم لصفات الرب تعالى وأفعاله ووجهه ويديه وحكمته بتلك الأسماء وتلقيب من أثبتها له بهذه الألقاب لعنة أهل الإثبات والسنة وتبديعهم وتضليلهم وتكفيرهم وعقوبتهم ولقوا منهم ما لقي الأنبياء وأتباعهم من أعدائهم وهذا الأمر لا يزال في الأرض إلى أن يرثها الله ومن عليها. فصل السبب الثالث: أن يعزو المتأول تأويله وبدعته إلى جليل القدر نبيه الذكر من العقلاء أو من آل البيت النبوي أو من حل له في الأمة ثناء جميل ولسان صدق ليحليه بذلك في قلوب الأغمار والجهال فإن من شأن الناس تعظيم كلام من يعظم قدره في نفوسهم وأن يتلقوه بالقبول والميل إليه وكلما كان ذلك القائل أعظم في نفوسهم كان قبولهم لكلامه أتم حتى إنهم ليقدمونه على كلام الله ورسوله ويقولون هو أعلم بالله ورسوله منا وبهذه الطريق(2\/441)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "293",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3574",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "توصل الرافضة والباطنية والإسماعيلية والنصيرية إلى تنفيق باطلهم وتأويلاتهم حتى أضافوها إلى أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لما علموا أن المسلمين متفقون على محبتهم وتعظيمهم(2\/442)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "294",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3575",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وموالاتهم وإجلالهم فانتموا إليهم وأظهروا من محبتهم وموالاتهم واللهج بذكرهم وذكر مناقبهم ما خيل إلى السامع أنهم أولياؤهم وأولى الناس بهم ثم نفقوا باطلهم وإفكهم بنسبته إليهم فلا إله إلا الله كم من زندقة وإلحاد وبدعة وضلالة قد نفقت في الوجود بنسبتها إليهم وهم براء منها براءة الأنبياء من التجهم والتعطيل وبراءة المسيح من عبادة الصليب والتثليث وبراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم من البدع والضلالات. وإذا تأملت هذا السبب رأيته هو الغالب على أكثر النفوس وليس معهم سوى إحسان الظن بالقائل بلا برهان من الله ولا حجة قادتهم إلى ذلك وهذا ميراث بالتعصيب من الذين عارضوا دين الرسل بما كان عليه الآباء والأسلاف فإنهم لحسن ظنهم بهم وتعظيمهم لهم آثروا ما كانوا عليه على ما جاءتهم به الرسل وكانوا أعظم في صدورهم من أن يخالفوهم ويشهدوا عليهم بالكفر والضلال وإنهم كانوا على الباطل وهذا شأن كل مقلد لمن يعظمه فيما خالف فيه الحق إلى يوم القيامة.(2\/443)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "295",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3576",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل السبب الرابع: أن يكون ذلك التأويل قد قبله ورضيه مبرز في صناعة من الصناعات أو علم من العلوم الدقيقة أو الجليلة فيعلو له بما برز به ذكر في الناس ويشتهر له به صيت فإذا سمع الغمر الجاهل بقبوله لذلك التأويل وتلك البدعة واختياره له أحسن الظن به وارتضاه مذهبا لنفسه ورضي من قبله إماما له وقال إنه لم يكن ليختار مع جودة قريحته وذكائه وصحة ذهنه ومهارته بصناعته وتبريزه فيها على بني جنسه إلا الأصوب والأفضل من الاعتقادات والأرشد والأمثل من التأويلات وأين يقع اختياري من اختياره فرضيت لنفسي مارضيه لنفسه فإن عقله وذهنه وقريحته إنما تدله على الصواب كما دلته على ما خفي عن غيره من صناعته وعلمه. وهذه الآفة قد هلك بها أمم لا يحصيهم إلا الله رأواالفلاسفة قد برزوا في العلوم الرياضية والطبية واستنبطوا(2\/444)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "296",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3577",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعقولهم وجودة قرائحهم وصحة أفكارهم ما عجز أكثر الناس عن تعلمه فضلا عن استنباطه فقالوا للعلوم الإلهية والمعارف الربانية أسوة بذلك فحالهم فيها مع الناس كحالهم في هذه العلوم سواء فلا إله إلا الله كم أهلكت هذه البلية من أمة وكم ضربت من دار وكم أزالت من نعمة وجلبت من نقمة وجرأت كثيرا من النفوس على تكذيب الرسل واستجهالهم وما عرف أصحاب هذه الشبهة أن الله سبحانه قد يعطي أجهل الناس به وبأسمائه وصفاته وشرعه من الحذق في العلوم الرياضية والصنايع العجيبة ما تعجز عنه عقول أعلم الناس به ومعارفهم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;أنتم أعلم بدنياكمquot;(2\/445)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "297",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3578",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصدق صلوات الله وسلامه عليه فإن العلوم الرياضية والهندسية وعلم الأرتماطيقي والموسيقى والجغرافيا وإيرن وهو علم جر الأثقال ووزن المياه وحفر الأنهار وعمارة الحصون وعلم الفلاحة وعلم الحميات وأجناسها ومعرفة الأبوال وألوانها وصفائها وكدرها وما يدل عليه وعلم الشعر وبحوره وعلله(2\/446)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "298",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3579",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وزحافه وعلم الفنيطة ونحو ذلك من العلوم هم أعلم بها وأحذق فيها. وأما العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتفاصيل ذلك فإلى الرسل قال الله تعالى: وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون [الروم7 , 6] قال بعض السلف: يبلغ من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقر الدرهم بظفره فيعلم وزنه ولا علم له بشيء من دينه وقال تعالى في علوم هؤلاء واغترارهم بها: فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون [غافر83] وقد فاوت الله سبحانه بين عباده فيما تناله عقولهم وأذهانهم أعظم تفاوت والعقل يعطي صاحبه فائدته في النوع الذي يلزمه به ويشغله به ويقصره عليه مالا يعطيه في(2\/447)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "299",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3580",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غيره وإن كان غيره أسهل منه بكثير كما يعطيه همته وقريحته في الصناعة التي هو معني بها ومقصور العناية عليها مالا يعطيه في صناعة غيرها وكثيرا ما تجد الرجل قد برز في اللطيف من أبواب العلم والنظر وتخلف في الجليل منهما وأصاب الأغمض الأدق منها وأخطأ الأجل الأوضح هذا أمر واقع تحت العيان فكيف وعلوم الأنبياء ومعارفهم من وراء طور العقل والعقل وإن لم يستقل بإدراكها فإنه لا يحيلها بل إذا أوردت عليه أقر بصحتها وبادر إلى قبولها وأذعن بالانقياد إليها وعلم أن نسبة العلوم التي نالها الناس بأفكارهم إليها دون نسبة علوم الصبيان ومعارفهم إلى علوم هؤلاء بما لا يدرك. فصل السبب الخامس: الإغراب على النفوس بما لم تكن عارفة به من المعاني الغريبة التي إذا ظفر الذهن بإدراكها(2\/448)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "300",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3581",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ناله لذة من جنس لذة الظفر بالصيد الوحشي الذي لم يكن يطمع فيه وهذا شأن النفوس فإنها موكلة بكل غريب تستحسنه وتؤثره وتنافس فيه حتى إذا كثر ورخص وناله المثري والمقل زهدت فيه مع كونه أنفع لها وخيرا لها ولكن لرخصه وكثرة الشركاء فيه وتطلب ما تتميز به عن غيرها للذة التفرد والاختصاص ثم اختاروا لتلك المعاني الغريبة ألفاظا أغرب منها وألقوها في مسامع الناس وقالوا إن المعارف العقلية والعلوم اليقينية تحتها فتحركت النفوس لطلب فهم تلك الألفاظ الغريبة وإدراك تلك المعاني واتفق أن صادفت قلوبا خالية من حقائق الإيمان وما بعث الله به رسوله فتمكنت منها فعز على أطباء الأديان استنقاذها منها وقد تحكمت فيها كما قيل: تالله ما أسر الهوى من وامق ... إلا وعز على الورى استنقاذه ولمكان الاستغراب وقبول النفس لكل غريب لهج الناس بالأخبار الغريبة وعجائب المخلوقات(2\/449)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "301",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3582",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والألغاز والأحاجي والصور الغريبة وإن كانت المألوفة أعجب منها وأحسن وأتم خلقة. فصل السبب السادس: تقديم مقدمات قبل التأويل تكون كالأطناب والأوتاد لفسطاطه فمنها ذم أصحاب الظواهر وعيبهم والإزراء بهم وأنهم قوم جهال لا عقول لهم وإنما هم أصحاب ظواهر سمعية وينقلون من مثالبهم وبلههم ما بعضه صدق وأكثره كذب كما يحكى أن بعضهم سئل عن قوله: الرحمن على العرش استوى [طه5] هل هو حقيقة أو مجاز قال لا حقيقة ولا مجاز فقال له جزاك الله عن ظاهريتك خيرا وأمثال هذا ويحكون عنهم إنكار أدلة العقول والبحث والنظر وجدال أهل الباطل والنفوس طالبة للنظر والبحث والتعقل. ومنها قولهم إن الخطاب بالمجاز والاستعارة أعذب(2\/450)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "302",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3583",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأوفق وألطف وقد قال بعض أئمة النحاة أكثر اللغة مجاز فإذا كان أكثر اللغة مجازا سهل على النفوس أنواع التأويلات فقل ما شئت وأول ما شئت وأنزل عن الحقيقة ولا يضرك أي مجاز ركبته. ومنها قولهم إن أدلة القرآن والسنة أدلة لفظية وهي لا تفيد علما ولا يقينا والعلم إنما يستفاد من أدلة المعقول وقواعد المنطق. ومنها قولهم إذا تعارض العقل والنقل قدم العقل على النقل فهذه المقدمات ونحوها هي أساس التأويل فإذا انضمت هذه الأسباب بعضها إلى بعض وتقاربت فيا محنة القرآن والسنة وقد سلكا في قلوب قد تمكنت منها هذه الأسباب فهنالك التأويل والتحريف والتبديل والإضمار والإجمال.(2\/451)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "303",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3584",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الفصل العشرون: في بيان أن أهل التأويل لا يمكنهم إقامة الدليل السمعي على مبطل أبدا",
        "content": "الفصل العشرون: في بيان أن أهل التأويل لا يمكنهم إقامة الدليل السمعي على مبطل أبدا هذا من أعظم آفات التأويل وجنايته على الإسلام أنه يبطل حجج الله على المبطلين على ألسنة المتأولين وإلا فلا تبطل حجج الله وبيناته أبدا. من المعلوم أن كل مبطل أنكر على خصمه شيئا من الباطل قد شاركه في بعضه أو في نظيره فإنه لا يتمكن من دحض حجته وكسر باطله لأن خصمه تسلط عليه بمثل ما سلط هو به عليه وهذا شأن أهل الأهواء مع بعضهم بعضا ولهذا كان عامة ما يأتون به أبدا يناقض(2\/452)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "304",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3585",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعضهم بعضا ويكسر أقوال بعضهم ببعض وفي هذا منفعة جليلة لطالب الحق فإنه يكتفي بإبطال كل فرقة لقول الفرقة الأخرى فيقول إذا احتج المؤول بحجة سمعية على مبطل أمكن خصمه أن يقول له أنا أتأول هذه الحجة كما تأولت أنت كيت وكيت. مثاله أن يحتج من يتأول الصفات الخبرية وآيات الفوقية والعلو على من ينكر ثبوت صفة السمع والبصر والعلم بالآيات والأحاديث الدالة على ثبوتها فيقول له خصمه هذه عندي مؤولة كما أولت أنت نصوص الاستواء والفوقية والوجه واليدين والنزول والضحك والفرح والغضب والرضا ونحوها فما الذي جعلك أولى بالصواب في تأويلك مني فلا يذكر سببا حمله على التأويل إلا أتاه خصمه بسبب من جنسه أو أقوى منه أو دونه يحمله على التأويل. وإذا استدل المتأول على منكري المعاد وحشر الأجساد(2\/453)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "305",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3586",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بنصوص الوحي أبدوا لها تأويلات تخالف ظاهرها وحقائقها وقالوا لمن استدل بها عليهم تأويلنا لهذه الظواهر كتأويلك لنصوص الصفات ولا سيما أنها أكثر وأصرح فإذا تطرق التأويل إليها فهو إلى ما دونها أقرب تطرقا. وإذا استدل على الرافضة بالنصوص الدالة على فضل الشيخين وسائر الصحابة تأولوها بما هو من جنس تأويل الجهمي لآيات الصفات وقد تكون تأويلاتهم في كثير من المواضع أقوى من تأويلات الجهمي كما تكون مثلها ودونها. وإذا احتج الجهمي على الخارجي بالنصوص الدالة على إيمان مرتكب الكبائر وأنه لا يكفر ولا يخلد في النار واحتج بها على الوعيدية القائلين بنفوذ الوعيد والتخليد قالوا هذه متأولة.(2\/454)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "306",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3587",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتأويله أقرب من تأويل نصوص الصفات. وإذا احتج على المرجئة بالنصوص الدالة على أن الإيمان قول وعمل ونية يزيد وينقص قالوا هذه النصوص قابلة للتأويل كما قبلته نصوص الاستواء والفوقية والصفات الخبرية فنعمل فيها ما عملتم أنتم في تلك النصوص والقواعد التي حملتكم على تأويلها عندنا قواعد حملتنا على تأويل هذه الظواهر. وإذا احتج أهل الجبر على أهل القدر بالنصوص الدالة على أن أفعال العباد مخلوقة لله واقعة بقدرته ومشيئته تأولوها بنظير ما تأول به خصومهم النصوص الدالة على أنها أفعال للعباد حقيقة وأنها واقعة بقدرتهم ومشيئتهم وكذلك خصومهم معهم بهذه المثابة.(2\/455)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "307",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3588",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا احتج من أثبت الرؤية في الآخرة من أهل التأويل على من نفاها قال له أتأول هذه الظواهر بما تأولت به أنت آيات الصفات الخبرية وأحاديثها. وإذا احتج من أثبت العلم بجميع المعلومات جزئياتها وكلياتها لله من أهل التأويلات بالنصوص الدالة على ذلك قال له المنكر ليست هذه النصوص بأكثر من نصوص الفوقية والعلو واستواء الرب على عرشه ونزول الأمر من عنده وعروج الملائكة إليه فإذا كانت تلك مؤولة عندك على كثرتها وتضافرها فهذه أولى بقبول التأويل. فقد بان أنه لا يمكن أهل التأويل أن يقيموا على مبطل حجة من كتاب ولا سنة فحينئذ فيترك الاستدلال بالكتاب والسنة على كل مبطل ولم يبق إلا تصادم الآراء ونتائج الأفكار لا سيما وقد أعطى الجهمي من نفسه أن أكثر اللغة مجاز وأن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين وأن العقل إذا عارض السمع وجب تقديم العقل والإعراض عن السمع وإهداره ثم إما أن يشتغل بتأويله(2\/456)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "308",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3589",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهي طريقة الخلف العالمين أو يفوضه ولا يحتج به وهي طريقة السلف السالمين فكيف يقوم بعد هذا حجة من كتاب أو سنة على مبطل من العالمين. ولهذا كان فتح باب التأويل على النصوص يتضمن عيبها والطعن فيها وعزلها عن سلطانها وولاية الآراء الباطلة والشبه الفاسدة. بل نقول إنه لا يمكن أرباب التأويل أن يقيموا على مبطل حجة عقلية أبدا وهذا أعجب من الأول وبيانه: أن الحجج السمعية مطابقة للمعقول والسمع الصحيح لا ينفك عن العقل الصريح بل هما أخوان نصيران وصل الله بينهما وقرن أحدهما بصاحبه فقال تعالى: ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون [الأحقاف26] . فذكر ما ينال به العلوم وهي السمع والبصر والفؤاد الذي هو محل العقل وقال تعالى:(2\/457)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "309",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3590",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير [الملك10] فأخبروا أنهم خرجوا عن موجب السمع والعقل. وقال تعالى إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون [يونس67] إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون [الرعد4] وقال أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها [محمد24] فدعاهم إلى استماعه بأسماعهم وتدبره بعقولهم ومثله قوله أفلم يدبروا القول [المؤمنون68] وقال تعالى إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد [ق37] . فجمع سبحانه بين السمع والعقل وأقام بهما حجته على عباده فلا ينفك أحدهما عن صاحبه أصلا فالكتاب المنزل والعقل المدرك حجة الله على خلقه وكتابه هو الحجة العظمى فهو الذي عرفنا ما لم يكن لعقولنا سبيل إلى(2\/458)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "310",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3591",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "استقلالها بإدراكه أبدا فليس لأحد عنه مذهب ولا إلى غيره مفزع في مجهول يعلمه ومشكل يستبينه وملتبس يوضحه فمن ذهب عنه فإليه يرجع ومن دفع حكمه فبه يحاج خصيمه إذ كان بالحقيقة هو المرشد إلى الطرق العقلية والمعارف اليقينية التي بالعباد إليها أعظم حاجة فمن رد من مدعي البحث والنظر حكومته ودفع قضيته فقد كابر وعاند ولم يكن لأحد سبيل إلى إفهامه ولا محاجته ولا تقرير الصواب عنده وليس لأحد أن يقول إني غير راض بحكمه بل بحكم العقل فإنه متى رد حكمه فقد رد حكم العقل الصريح وعاند الكتاب والعقل. والذين زعموا من قاصري العقل والسمع أن العقل يجب تقديمه على السمع عند تعارضهما إنما أتوا من جهلهم بحكم العقل ومقتضى السمع فظنوا ما ليس بمعقول معقولا وهو في الحقيقة شبهات توهم أنه عقل صريح وليست كذلك أو من جهلهم بالسمع إما لنسبتهم إلى الرسول ما لم يرده بقوله وإما لعدم تفريقهم بين ما لا يدرك بالعقول وبين ما تدرك استحالته بالعقول فهذه أربعة أمور أوجبت لهم ظن التعارض بين السمع والعقل. أحدها: كون القضية ليست من قضايا العقول. الثاني: كون ذلك السمع ليس من السمع الصحيح المقبول. الثالث: عدم فهم مراد المتكلم به. الرابع: عدم التمييز بين ما يحيله العقل ومالا يدركه.(2\/459)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "311",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3592",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والله سبحانه حاج عباده على ألسن رسله وأنبيائه فيما أراد تقريرهم به وإلزامهم إياه بأقرب الطرق إلى العقل وأسهلها تناولا وأقلها تكلفا وأعظمها غناء ونفعا وأجلها ثمرة وفائدة فحججه سبحانه العقلية التي بينها في كتابه جمعت بين كونها عقلية سمعية ظاهرة واضحة قليلة المقدمات سهلة الفهم قريبة التناول قاطعة للشكوك والشبه ملزمة للمعاند والجاحد ولهذا كانت المعارف التي استنبطت منها في القلوب أرسخ ولعموم الخلق أنفع. وإذا تتبع المتتبع ما في كتاب الله مما حاج به عباده في إقامة التوحيد وإثبات الصفات وإثبات الرسالة والنبوة وإثبات المعاد وحشر الأجساد وطرق إثبات علمه بكل خفي وظاهر وعموم قدرته ومشيئته وتفرده بالملك والتدبير وأنه لا يستحق العبادة سواه وجد الأمر في ذلك على ما ذكرناه من تصرف المخاطبة منه سبحانه في ذلك على أجل وجوه الحجاج وأسبقها إلى القلوب وأعظمها ملاءمة للعقول وأبعدها من الشكوك والشبه في أوجز لفظ وأبينه وأعذبه وأحسنه وأرشقه وأدله على المراد وذلك مثل قوله تعالى فيما حاج به عباده من إقامة التوحيد وبطلان الشرك وقطع أسبابه وحسم مواده كلها:(2\/460)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "312",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3593",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له [سبأ23 , 22] فتأمل كيف أخذت هذه الآية على المشركين بمجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك وسدتها عليهم أحكم سد وأبلغه فإن العابد إنما يتعلق بالمعبود لما يرجو من نفعه وإلا فلو لم يرج منه منفعة لم يتعلق قلبه به وحينئذ فلا بد أن يكون المعبود مالكا للأسباب التي ينفع بها عابده أو شريكا لمالكها أو ظهيرا أو وزيرا ومعاونا له أو وجيها ذا حرمة وقدر يشفع عنده فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه وبطلت انتفت أسباب الشرك وانقطعت مواده فنفى سبحانه عن آلهتهم أن تملك مثقال ذرة في السموات والأرض فقد يقول المشرك هي شريكة لمالك الحق فنفى شركتها له فيقول المشرك قد تكون ظهيرا ووزيرا ومعاونا فقال وما له منهم من ظهير(2\/461)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "313",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3594",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلم يبق إلا الشفاعة فنفاها عن آلهتهم وأخبر أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه فهو الذي يأذن للشافع فإن لم يأذن له لم يتقدم بالشفاعة بين يديه كما يكون في حق المخلوقين فإن المشفوع عنده يحتاج إلى الشافع ومعاونته له فيقبل شفاعته وإن لم يأذن له فيها. وأما من كل ما سواه فقير إليه بذاته وهو الغني بذاته عن كل ما سواه فكيف يشفع عنده أحد بدون إذنه. وكذلك قوله سبحانه مقررا لبرهان التوحيد أحسن تقرير وأوجزه وأبلغه: قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا [الإسراء42] فإن الآلهة التي كانوا يثبتونها معه سبحانه كانوا يعترفون بأنها عبيده ومماليكه ومحتاجة إليه فلو كانوا آلهة كما يقولون لعبدوه وتقربوا إليه وحده دون غيره فكيف يعبدونهم من دونه وقد أفصح سبحانه بهذا يعينه في قوله: أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه [الإسراء57] .(2\/462)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "314",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3595",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أي هؤلاء الذين يعبدونهم من دوني هم عبيدي كما أنتم عبيدي يرجون رحمتي ويخافون عذابي كما ترجون أنتم رحمتي وتخافوني عذابي فلماذا تعبدونهم من دوني. وقال تعالى ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون [المؤمنون91] فتأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز البين فإن الإله الحق لا بد أن يكون خالقا فاعلا يوصل إلى عابده النفع ويدفع عنه الضر فلو كان معه سبحانه إله لكان له خلق وفعل وحينئذ فلا يرضى بشركة الإله الآخر معه بل إن قدر على قهره وتفرده بالإلهية دونه فعل وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه وذهب به كما ينفرد ملوك الدنيا عن بعضهم بعضا بممالكهم. إذا لم يقدر المنفرد على قهر الآخر والعلو عليه فلا بد من أحد أمور ثلاثة:(2\/463)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "315",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3596",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه. وإما أن يعلو بعضهم على بعض. وإما أن يكون كلهم تحت قهر إله واحد وملك واحد يتصرف فيهم ولا يتصرفون فيه ويمتنع من حكمهم عليه ولا يمتنعون من حكمه عليهم فيكون وحده هو الإله الحق وهم العبيد المربوبون المقهورون. وانتظام أمر العالم العلوي والسفلي وارتباط بعضه ببعض وجريانه على نظام محكم لا يختلف ولا يفسد من أدل دليل على أن مدبره واحد لا إله غيره كما دل دليل التمانع على أن خالقه واحد لا رب له غيره فذاك تمانع في الفعل والإيجاد وهذا تمانع في العبادة والإلهية فكما يستحيل أن يكون للعالم ربان خالقان متكافئان يستحيل أن يكون له إلهان معبودان.(2\/464)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "316",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3597",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن ذلك قوله تعالى هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه [لقمان11] فلله ما أحلى هذا اللفظ وأوجزه وأدله على بطلان الشرك فإنهم إن زعموا أن آلهتهم خلقت شيئا مع الله طولبوا بأن يروه إياه وإن اعترفوا بأنها أعجز وأضعف واقل من ذلك كانت آلهيتها باطلا ومحالا. ومن ذلك قوله تعالى قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين [الأحقاف4] فطالبهم بالدليل العقلي والسمعي. وقال تعالى قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار [الرعد16] .(2\/465)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "317",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3598",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاحتج على تفرده بالإلهية بتفرده بالخلق وعلى بطلان إلهية ما سواه بعجزهم عن الخلق وعلى أنه واحد بأنه قهار والقهر التام يستلزم الوحدة فإن الشركة تنافي تمام القهر. وقال تعالى يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز [الحج74 , 73] فتأمل هذا المثل الذي أمر الناس كلهم باستماعه فمن لم يستمعه فقد عصى أمره كيف تضمن إبطال الشرك وأسبابه بأصح برهان في أوجز عبارة وأحسنها وأحلاها وأسجل على جميع آلهة المشركين أنهم(2\/466)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "318",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3599",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لو اجتمعوا كلهم في صعيد واحد وساعد بعضهم بعضا وعاونه بأبلغ المعاونة لعجزوا عن خلق ذباب واحد ثم بين ضعفهم وعجزهم عن استنقاذ ما يسلبهم الذباب إياه حين يسقط عليهم فأي إله أضعف من هذا الإله المطلوب ومن عابده الطالب نفعه وخيره فهل قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك معه آلهة هذا شأنها. فأقام سبحانه حجة التوحيد وبين إفك أهل الشرك والإلحاد بأعذب ألفاظ وأحسنها لم يستكرهها غموض ولم يشنها تطويل ولم يعبها تقصير ولم تزر بها زيادة ولا نقص بل بلغت في الحسن والفصاحة والبيان والإيجاز مالا يتوهم متوهم ولا يظن ظان أن يكون أبلغ في معناها منها وتحتها من المعنى الجليل القدر العظيم الشرف البالغ في النفع ما هو أجل من الألفاظ. ومن ذلك احتجاجه سبحانه على نبوة رسوله وصحة ما جاء به من الكتاب وأنه من عنده وكلامه الذي يتكلم به وأنه ليس من صنعة البشر ولا من كلامهم بقوله: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين [البقرة23] .(2\/467)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "319",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3600",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأمر من ارتاب في هذا القرآن الذي نزله على عبده وأنه كلامه أن يأتي بسورة واحدة مثله وهذا يتناول أقصر سورة من سوره ثم فسح له إن عجز عن ذلك أن يستعين بمن أمكنه الاستعانة به من المخلوقين. وقال تعالى أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين [يونس38] وقال أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين [هود13] وقال أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين [الطور34-33] ثم أسجل سبحانه عليهم إسجالا عاما في(2\/468)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "320",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3601",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كل زمان ومكان بعجزهم عن ذلك ولو تظاهر عليه الثقلان فقال قل لئن اجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا [الإسراء88] فانظر أي موقع يقع من الأسماع والقلوب هذا الحجاج القاطع الجليل الواضح الذي لا يجد طالب الحق ومؤثره ومريده عنه محيدا ولا فوقه مزيدا ولا وراءه غاية ولا أظهر منه آية ولا أصح منه برهانا ولا أبلغ منه بيانا. وقال في إثبات نبوة رسوله باعتبار التأمل لأحواله وتأمل دعوته وما جاء به أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون [المؤمنون70-68] فدعاهم سبحانه إلى تدبر القول وتأمل حال القائل فإن كون القول للشيء كذبا وزورا يعلم من نفس القول تارة وتناقضه واضطرابه وظهور شواهد الكذب عليه(2\/469)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "321",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3602",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالكذب باد على صفحاته وباد على ظاهره وباطنه ويعرف من حال القائل تارة فإن المعروف بالكذب والفجور والمكر والخداع لا تكون أقواله إلا مناسبة لأفعاله ولا يتأتى منه من القول والفعل ما يتأتى من البار الصادق المبرأ من كل فاحشة وغدر وكذب وفجور بل قلب هذا وقصده وقوله وعمله يشبه بعضه بعضا وقلب ذلك وقوله وعمله وقصده يشبه بعضه بعضا فدعاهم سبحانه إلى تدبر القول وتأمل سيرة القائل وأحواله وحينئذ تتبين لهم حقيقة الأمر وأن ما جاء به في أعلى مراتب الصدق. وقال تعالى قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون [يونس16] فتأمل هاتين الحجتين القاطعتين تحت هذا اللفظ الوجيز إحداهما أن هذا من الله لا من قبلي ولا هو مقدور لي ولا من جنس مقدور البشر وأن الله سبحانه وتعالى(2\/470)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "322",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3603",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لو شاء لأمسك عنه قلبي ولساني وأسماعكم وأفهامكم فلم أتمكن من تلاوته عليكم ولم تتمكنوا من درايته وفهمه. الحجة الثانية: أني قد لبثت فيكم عمري إلى حين أتيتكم به وأنتم تشاهدوني وتعرفون حالي وتصحبوني حضرا وسفرا وتعرفون دقيق أمري وجليله وتتحققون سيرتي هل كانت سيرة من هو من أكذب الخلق وأفجرهم وأظلمهم فإنه لا أكذب ولا أظلم ولا أقبح سيرة ممن جاهر ربه وخالفه بالكذب والفرية عليه وطلب إفساد العالم وظلم النفوس والبغي في الأرض بغير الحق. هذا وأنتم تعلمون أني لم أكن أقرأ كتابا ولا أخطه بيميني ولا صاحبت من أتعلم منه بل صحبتكم أنتم في أسفاركم لمن تتعلمون منه وتسألونه عن أخبار الأمم والملوك وغيرها ما لم أشارككم فيه بوجه ثم جئتكم بهذا النبأ العظيم الذي فيه علم الأولين والآخرين وعلم ما كان وما سيكون على التفصيل.(2\/471)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "323",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3604",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأي برهان أوضح من هذا وأي عبارة أفصح وأوجز من هذه العبارة المتضمنة له. وقال تعالى إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد [سبأ46] ولما كان للإنسان الذي يطلب معرفة الحق والصواب حالتان: أحدهما: أن يكون ناظرا مع نفسه. والثانية: أن يكون مناظرا لغيره. أمرهم بخصلة واحدة وهي أن يقوموا لله إثنين إثنين فيتناظران ويتساءلان بينهما وواحدا واحدا يقوم كل واحد مع نفسه فيتفكر في أمر هذا الداعي وما يدعو إليه ويستدعي أدلة الصدق والكذب ويعرض ما جاء به عليها ليتبين له حقيقة الحال. فهذا هو الحجاج الجليل والإنصاف البين والنصح التام.(2\/472)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "324",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3605",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال سبحانه في تثبيت أمر البعث وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم [يس79 , 78] إلى آخر السورة. فلو رام أعلم البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان أن يأتي بأحسن من هذه الحجة أو بمثلها في ألفاظ تشابه هذه الألفاظ في الإيجاز والاختصار ووضوح الدلالة وصحة البرهان لألفى نفسه ظاهر العجز منقطع الطمع يستحي الناس من ذلك. فإنه سبحانه افتتح هذه الحجة بسؤال أورده الملحد اقتضى جوابا فكان في قوله سبحانه ونسي خلقه ما وفى بالجواب وأقام الحجة وأزال الشبهة لولا ما أراد سبحانه من تأكيد حجته وزيادة تقريرها وذلك أنه سبحانه أخبر أن هذا الملحد السائل عن هذه المسألة لو لم ينس خلق نفسه وبدأ كونه وذكر خلقه لكانت فكرته فيه كافية في جوابه مسكتة له عن هذا السؤال ثم أوضح سبحانه ما تضمنه قوله ونسي خلقه وصرح به جوابا له عن مسألته فقال: قل يحييها الذي أنشأها أول مرة [يس79] .(2\/473)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "325",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3606",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاحتج بالإبداء على الإعادة وبالنشأة الأولى على النشأة الأخرى إذ كل عاقل يعلم علما ضروريا أن من قدر على هذه قدر على هذه وأنه لو كان عاجزا عن الثانية لكان عن الأولى أعجز وأعجز. ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على مخلوقه وعلمه بتفاصيل خلقه اتبع ذلك بقوله وهو بكل خلق عليم [يس79] فهو عليم بالخلق الأول وتفاصيله وجزئياته ومواده وصورته وعلله الأربع. وكذلك هو عليم بالخلق الثاني وتفاصيله ومواده وكيفية إنشائه فإن كان تام العلم كامل القدرة كيف يتعذر عليه أن يحيي العظام وهي رميم ثم أكد الأمر بحجة قاهرة وبرهان(2\/474)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "326",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3607",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ظاهر يتضمن جوابا عن سؤال ملحد آخر يقول العظام إذا صارت رميما عادت طبيعتها باردة يابسة والحياة لا بد أن تكون مادتها وحاملها طبيعته حارة رطبة لتقبل صورة الحياة فتولى سبحانه جواب هذا السؤال بما يدل على أمر البعث ففيه الدليل والجواب معا فقال: الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون [يس80] فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة فالذي يخرج الشيء من ضده وتنقاد له مواد المخلوقات وعناصرها ولا تستعصي عليه هو الذي يفعل ما أنكره الملحد ودفعه من إحياء العظام وهي رميم. ثم أكد هذا بأخذ الدلالة من الشيء الأجل الأعظم على الأيسر الأصغر وأن كل عاقل يعلم أن من قدر على العظيم الجليل فهو على ما دونه بكثير أقدر وأقدر.(2\/475)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "327",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3608",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فمن قدر على حمل قنطار فهو على حمل أوقية أشد اقتدارا فقال أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم [يس81] فأخبر سبحانه أن الذي أبدع السموات والأرض على جلالتهما وعظم شأنهماوكبر أجسامهما وسعتهما وعجيب خلقتهما أقدر على أن يحيي عظاما قد صارت رميما فيردها إلى حالتها الأولى كما قال في موضع آخر: لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون [غافر57] وقال أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير [الأحقاف33] . ثم أخذ سبحانه ذلك وبينه بيانا آخر يتضمن مع إقامة الحجة دفع شبهة كل ملحد وجاحد وهو أنه ليس في فعله بمنزلة غيره الذي يفعل بالآلات والكلفة والتعب والمشقة ولا يمكنه الاستقلال بالفعل بل لا بد معه من آلة(2\/476)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "328",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3609",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومشارك ومعين بل يكفي في خلقه لما يريد أن يخلقه ويكونه نفس إرادته وقوله للمكون كن فإذا هو كائن كما شاءه وأراده. فأخبر عن نفاذ مشيئته وإرادته وسرعة تكوينه وانقياد المكون له وعدم استعصائه عليه. ثم ختم هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده فيتصرف فيه بفعله وهوقوله: وإليه ترجعون [يس83] فتبارك الذي تكلم بهذا الكلام الذي جمع في نفسه بوجازته وبيانه وفصاحته وصحة برهانه كل ما تلزم الحاجة إليه من تقرير الدليل وجواب الشبهة ودحض حجة الملحد وإسكات المعاند بألفاظ لا أعذب منها عند السمع ولا أحلى منها ومن معانيها للقلب ولا أنفع من ثمرتها للعبد. ومن هذا قوله سبحانه:(2\/477)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "329",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3610",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا [الإسراء52-49] فتأمل ما أجيبوا به عن كل سؤال على التفصيل فإنهم قالوا أولا إذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا فقيل لهم في جواب هذا السؤال إن كنتم تزعمون أنه لا خالق لكم ولا رب فهلا كنتم خلقا جديدا لا يفنيه الموت كالحجارة والحديد أو ما هو أكبر في صدوركم من ذلك فإن قلتم لنا رب خالق خلقنا على هذه الصفة وأنشأنا هذه النشأة التي لا تقبل البقاء ولم يجعلنا حجارة ولا حديدا فقد قامت عليكم الحجة بإقراركم فما الذي يحول بين خالقكم ومنشئكم وبين إعادتكم خلقا جديدا.(2\/478)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "330",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3611",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وللحجة تقرير آخر وهو أنكم لو كنتم من حجارة أو حديد أو خلق أكبر منهما لكان قادرا على أن يفنيكم ويحيل ذواتكم وينقلها من حال إلى حال. ومن قدر على التصرف في هذه الأجسام مع شدتها وصلابتها بالإفناء والإحالة ونقلها من حال إلى حال فما يعجزه عن التصرف فيما هو دونها بإفنائه وإحالته ونقله من حال إلى حال. فأخبر سبحانه أنهم يسألون سؤالا آخر بقولهم من يعيدنا إذا استحالت أجسامنا وفنيت فأجابهم بقوله قل الذي فطركم أول مرة [الإسراء51] وهذا الجواب نظير جواب قول السائل من يحيي العظام وهي رميم [يس78] فلما أخذتهم الحجة ولزمهم حكمها ولم يجدوا عنها معدلا انتقلوا إلى سؤال آخر يتعللون به كما يتعلل المقطوع بالحجاج بمثل ذلك وهو قولهم متى هو فأجيبوا بقوله:(2\/479)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "331",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3612",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عسى أن يكون قريبا يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا [الإسراء52 , 51] ومن هذا قوله سبحانه أيحسب الأنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى [القيامة40-36] فاحتج سبحانه على أنه لا يترك الإنسان مهملا معطلا عن الأمر والنهي والثواب والعقاب وأن حكمته وقدرته تأبى ذلك فإن من نقله من نطفة مني إلى العلقة ثم إلى المضغة ثم خلقه وشق سمعه وبصره وركب فيه الحواس والقوى والعظام والمنافع والأعصاب والرباطات التي هي أسره وأتقن خلقه وأحكمه غاية الإحكام وأخرجه على هذا الشكل والصورة التي هي أتم الصور وأحسن الأشكال كيف يعجز عن إعادته وإنشائه مرة ثانية أم كيف تقتضي حكمته وعنايته به أن يتركه سدى فلا يليق ذلك بحكمته ولا تعجز عنه قدرته.(2\/480)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "332",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3613",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فانظر إلى هذاالحجاج العجيب بالقول الوجيز الذي لا يكون أوجز منه والبيان الجليل الذي لا يتوهم أوضح منه ومأخذه القريب الذي لا تقع الظنون على أقرب منه. وكذلك ما احتج به سبحانه على النصارى مبطلا لدعوى إلهية المسيح كقوله لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين [الأنبياء17] فأخبر أن هذا الذي أضافه من نسبة الولد إلى الله من مشركي العرب والنصارى غير سائغ في العقول إذا تأمله المتأمل ولو أراد الله أن يفعل هذا لكان يصطفي لنفسه ويجعل هذا الولد المتخذ من الجوهر الأعلى السماوي الموصوف بالخلوص والنقاء من عوارض البشر المجبول على الثبات والبقاء لا من جوهر هذا العالم الفاني الدائر الكثير الأوساخ والأدناس والأقذار ولما كان هذا الحجاج كما ترى في هذه القوة والجلالة أتبعه بقول بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق [الأنبياء18](2\/481)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "333",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3614",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونظير هذا قوله لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء [الزمر4] وقال سبحانه ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون [المائدة75] وقد تضمنت هذه الحجة دليلين ببطلان إلهية المسيح وأمه أحدهما: حاجتهما إلى الطعام والشراب وضعف بنيتهما عن القيام بنفسهما بل هي محتاجة فيما يقيمها إلى الغذاء والشراب والمحتاج إلى غيره لا يكون إلها إذ من لوازم الإله أن يكون غنيا. الثاني: أن الذي يأكل الطعام يكون منه ما يكون من الإنسان من الفضلات القذرة التي يستحي الإنسان من نفسه وغيره حال انفصالها عنه بل يستحي من التصريح بذكرها.(2\/482)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "334",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3615",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولهذا والله أعلم كنى سبحانه عنها بلازمها من أكل الطعام الذي ينتقل الذهن منه إلى ما يلزمه من هذه الفضلة فكيف يليق بالرب سبحانه أن يتخذ صاحبة وولدا من هذا الجنس. ولو كان يليق به ذلك أو يمكن لكان الأولى به أن يكون من جنس لا يأكل ولا يشرب ولا يكون منه الفضلات المستقذرة التي يستحي منها ويرغب عن ذكرها. فانظر ما تضمنه هذا الكلام الوجيز البليغ المشتمل على هذا المعنى العظيم الجليل الذي لا يجد سامعه مغمزا له ولا مطعنا فيه ولا تشكيكا ولا سؤالا يورده عليه بل يأخذ بقلبه وسمعه. ومن ذلك قوله تعالى وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين [الزخرف18 , 17] احتج سبحانه على هؤلاء الذين جعلوا له البنات بأن أحدهم لا يرضى بالبنات وإذا بشر بالأنثى حصل له من الحزن والكآبة ما ظهر منه السواد على وجهه فإذا كان أحدكم(2\/483)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "335",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3616",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يرضى بالإناث بناتا فكيف تجعلونها لي كما قال تعالى ويجعلون لله ما يكرهون [النحل62] ثم ذكر سبحانه ضعف هذا الجنس الذي جعلوه له وأنه أنقص الجنسين ولهذا يحتاج في كماله إلى الحلية وأضعفهما بيانا فقال تعالى أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين [الزخرف18] فأشار بنشأتهن في الحلية إلى أنهن ناقصات فيحتجن إلى حلية يكملن بها وأنهن عييات فلا يبن عن حجتهن وقت الخصومة. مع أن في قوله أومن ينشأ في الحلية تعريضا بما وضعت له الحلية من التزين لمن يفترشهن ويطأهن وتعريضا بأنهم لا ينشأن في الحرب والطعان والشجاعة(2\/484)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "336",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3617",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فذكر الحلية التي هي علامة الضعف والعجز والوهن. ومن هذا ما حكاه سبحانه في محاجة إبراهيم قومه بقوله: وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله مالم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون [الأنعام82 , 81 , 80] فهذا الكلام لم يخرج في ظاهره مخرج كلام البشر الذي يتكلفه أهل النظر والجدال والمقايسة والمعارضة بل خرج في صورة كلام خبري يشتمل على مبادئ الحجاج ومقاطعه مشيرا إلى مقدمات الدليل ونتائجه بأوضح عبارة وأفصحها وأقربها تناولا.(2\/485)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "337",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3618",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والغرض منه أن إبراهيم قال لقومه متعجبا مما دعوه إليه من الشرك أتحاجوني في الله وتطمعون أن تستنزلوني عن توحيده بعد أن هداني وتأكدت بصيرتي واستحكمت معرفتي بتوحيده بالهداية التي رزقنيها وقد علمتم أن من كانت هذه حاله في اعتقاده أمرا من الأمور عن بصيرة لا يعارضه فيها ريب ولا يتخالجه فيها شك فلا سبيل إلى استنزاله عنها. وأيضا فإن المحاجة والمجادلة بعد وضوح الشيء وظهوره نوع من العبث بمنزلة المحاجة في طلوع الشمس وقد رآها من يحاجونه بأعينهم فكيف يؤثر حجاجكم له أنها لم تطلع بعد. ثم قال ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وكأنه صلوات الله وسلامه عليه يذكر أنهم(2\/486)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "338",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3619",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خوفوه آلهتهم أن يناله منها معرة كما قاله قوم هود له إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء [هود54] فقال إبراهيم إن أصابني مكروه فليس ذلك من قبل هذه الأصنام التي عبدتموها من دون الله وهي أقل من ذلك فإنها ليست مما يرجى ويخاف بل يكون ذلك الذي أصابني من قبل الحي الفعال الذي يفعل ما يشاء الذي بيده الضر والنفع يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ثم ذكر سعة علمه سبحانه في هذا المقام منبها على موقع احتراز لطيف وهو أن لله سبحانه علما في وفيكم وفي هذه الآلهة لا يصل إليه علمي فإذا شاء أمرا من الأمور فهو أعلم بما يشاء فإنه وسع كل شيء علما فإذا أراد أن يصيبني بمكروه لا علم لي من أي جهة أتاني فعلمه محيط بما لم أعلمه وهذا غاية التفويض والتبري من الحول والقوة وأسباب النجاة وأنها بيد الله لا بيدي وهكذا قال شعيب لقومه:(2\/487)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "339",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3620",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا [الأعراف89] فردت الرسل العلم بما يفعله الله إليه وأنه إذا شاء شيئا فهو أعلم بما يشاؤه ولا علم لنا بامتناعه وعدم كونه. ثم رجع الخليل إليهم مقررا للحجة فقال وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون [الأنعام81] يقول لقومه كيف يسوغ في عقل أو عند ذي لب أن أخاف ما جعلتموه لله شريكا في الإلهية وهي ليست بموضع نفع ولا ضر وأنتم لا تخافون أنكم أشركتم بالله في إلهيته أشياء لم ينزل بها حجة عليكم ولا شرعها لكم فالذي أشرك بخالقه وفاطره وباريه الذي يقر بأنه خالق السماوات والأرض ورب كل شيء ومليكه ومالك الضر والنفع آلهة لا تخلق شيئا وهي مخلوقة ولا تملك لأنفسها ولا لعابديها ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وجعلها ندا(2\/488)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "340",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3621",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له ومثلا في الإلهية تعبد ويسجد لها ويخضع لها ويتقرب إليها أحق بالخوف ممن لم يجعل مع الله إلها آخر بل وحده وأفرده بالإلهية والربوبية والعظمة والسلطان والحب والخوف والرجاء فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون فحكم الله سبحانه بينهما بأحسن حكم خضعت له القلوب وأقرت به الفطر وانقادت له العقول فقال الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون [الأنعام82] فتأمل هذا الكلام وعجيب موقعه في قطع الخصوم وإحاطته بكل ما وجب في العقل أن يرد به ما دعوه إليه وأرادوا حمله عليه وأخذه بمجامع الحجة التي لم تبق لطاعن مطعنا ولا سؤالا ولما كانت بهذه المثابة أشار سبحانه بذكرها وعظمها بالإشارة إليها وأضافها إلى نفسه تعظيما لشأنها فقال: وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء [الأنعام83] .(2\/489)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "341",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3622",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعلم السامع بإضافته إياها إلى نفسه أنه هو الذي فهمها خليله ولقنها إياه وعنه سبحانه أخذها الخليل وكفى بحجة يكون الله عز وجل ملقنها لخليله وحبيبه أن تكون قاطعة لمواد العناد قامعة لأهل الشرك والإلحاد. وشبيه بهذا الاحتجاج القصة الثانية لإبراهيم في محاجة المشرك الذي أخبر الله سبحانه عما جرى بينه وبينه في قوله ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين [البقرة258] فإن من تأمل موقع الحجاج وقطع المجادل فيما تضمنته هذه الآية وقف على أعظم برهان بأوجز عبارة فإن إبراهيم لما أجاب المحاج له في الله بأنه الذي يحيي ويميت أخذ عدو الله معارضته بضرب من المغالطة وهو أنه يقتل من يريد ويستبقي من يريد فقد أحيا هذا وأمات هذا فألزمه إبراهيم(2\/490)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "342",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3623",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على طرد هذه المعارضة أن يتصرف في حركة الشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها منها إذا كان بزعمه قد ساوى الله في الإحياء والإماتة. فإن كان صادقا فليتصرف في الشمس تصرفا تصح به دعواه وليس هذا انتقالا من حجة إلى حجة أوضح منها كما زعم بعض النظار وإنما هو إلزام للمدعي بطرد حجته إن كانت صحيحة. ومن ذلك احتجاجه سبحانه على إثبات علمه بالجزئيات كلها بأحسن دليل وأوضحه وأصحه حيث يقول وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور [الملك13] ثم قرر علمه بذلك بقوله ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير [الملك14] وهذا من أبلغ التقرير فإن الخالق لا بد أن يعلم مخلوقه والصانع يعلم مصنوعه وإذا كنتم مقرين بأنه خالقكم وخالق صدوركم وما تضمنته فكيف تخفى عليه وهي خلقه وهذا(2\/491)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "343",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3624",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التقرير مما يصعب على القدرية فهمه فإنه لم يخلق عندهم ما في الصدور فلم يكن في الآية على أصولهم دليل على علمه بها ولهذا طرد غلاة القوم ذلك ونفوا علمه فأكفرهم السلف قاطبة. وهذا التقرير من الآية صحيح على التقديرين أعني تقدير أن تكون من في محل رفع على الفاعلية وفي محل نصب على المفعولية فعلى التقدير الأول ألا يعلم الخالق الذي شأنه الخلق وعلى التقدير الثاني ألا يعلم الرب مخلوقه ومصنوعه. ثم ختم الحجة باسمين مقتضيين لثبوتها وهما اللطيف الذي لطف صنعه وحكمته ودق حتى عجزت عنه الأفهام والخبير الذي انتهى علمه إلى الإحاطة ببواطن الأشياء وخفاياها كما أحاط بظواهرها فكيف يخفى على اللطيف الخبير ماتحويه الضمائر وتخفيه الصدور. ومن هذا احتجاجه سبحانه على المشركين بالدليل(2\/492)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "344",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3625",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المقسم الحاصر الذي لا يجد سامعه إلى رده ولا معارضته سبيلا حديث يقول تبارك وتعالى أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون [الطور36 , 35] فتأمل هذا الترديد والحصر المتضمن لإقامة الحجة بأقرب طريق وأفصح عبارة يقول تعالى هؤلاء مخلوقون بعد أن لم يكونوا فهل خلقوا من غير خالق خلقهم فهذا من المحال الممتنع عند كل من له فهم وعقل أن يكون مصنوع من غير صانع ومخلوق من غير خالق. ولو مر رجل بأرض قفر لا بناء فيها ثم مر بها فرأى فيها بنيانا وقصورا وعمارات محكمة لم يتخالجه شك ولا ريب أن صانعا صنعها وبانيا بناها. ثم قال أم هم الخالقون وهذا أيضا من المستحيل أن يكون العبد موجدا خالقا لنفسه فإن من لا يقدر أن يزيد في حياته بعد وجوده وتعاطيه أسباب الحياة ساعة واحدة ولا أصبعا ولا ظفرا ولا شعرة كيف يكون خالقا لنفسه في حال عدمه.(2\/493)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "345",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3626",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا بطل القسمان تعين أن لهم خالقا خلقهم وفاطرا فطرهم فهو الإله الحق الذي يستحق عليهم العبادة والشكر فكيف يشركون به إلها غيره وهو وحده الخالق لهم. فإن قيل فما موقع قوله أم خلقوا السماوات والأرض [الطور36] من هذه الحجة قيل أحسن موقع فإنه بين بالقسمين الأولين أن لهم خالقا وفاطرا وأنهم مخلوقون وبين بالقسم الثالث أنهم بعد أن وجدوا وخلقوا فهم عاجزون غير خالقين فإنهم لم يخلقوا نفوسهم ولم يخلقوا السموات والأرض وأن الواحد القهار الذي لا إله غيره ولا رب سواه هو الذي خلقهم وخلق السموات والأرض فهو المتفرد بخلق المسكن والساكن بخلق العالم العلوي والسفلي وما فيه. ومن هذا ما حكاه الله سبحانه عن محاجة صاحب يس لقومه بقوله يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون [يس21 , 20] فنبه على موجب الاتباع وهو كون المتبوع رسولا لمن لا ينبغي أن يخالف ولا يعصى وأنه على هداية ونبه على(2\/494)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "346",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3627",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "انتفاء المانع وهو عدم سؤال الأجر فلا يريد منكم دنيا ولا رياسة فموجب الاتباع كونه مهتديا والمانع منه منتف وهو طلب العلو في الأرض والفساد وطلب الأجر. ثم قال: وما لي لا أعبد الذي فطرني [يس22] أخرج الحجة عليهم في معرض المخاطبة لنفسه تأليفا لهم ونبه على أن عبادة العبد لمن فطره أمر واجب في العقول مستهجن تركها قبيح الإخلال بها فإن خلقه لعبده أصل إنعامه عليه ونعمة كلها بعد تابعة لإيجاده وخلقه وقد جبل الله العقول والفطر على شكر المنعم ومحبة المحسن ولا يلتفت إلى ما يقوله نفاة التحسين والتقبيح(2\/495)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "347",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3628",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في ذلك فإنه من أفسد الأقوال وأبطلها في العقول والفطر والشرائع ثم أقبل عليهم مخوفا لهم تخويف الناصح فقال: وإليه ترجعون [يس22] ثم أخبر عن الآلهة التي تعبد من دونه أنها باطلة وأن عبادتها باطلة فقال: أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون [يس23] .(2\/496)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "348",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3629",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن العابد يريد من معبوده أن ينفعه وقت حاجته إليه وإنما إذا أرادني الرحمن الذي فطرني بضر لم يكن لهذه الآلهة من القدرة ما ينقذوني بها من ذلك الضر ولا من الجاه والمكانة عنده ما يشفع لي إليه لأتخلص من ذلك الضر فبأي وجه يستحق العبادة و: ني إذا لفي ضلال مبين [يس24] إن عبدت من دون الله مما هذا شأنه. وهذا الذي ذكرناه من حجاج القرآن يسير من كثير وإنما نبهنا على ما لم يذكر منه. والمقصود أنه يتضمن الأدلة العقلية والبراهين القطعية التي لا مطمع في التشكيك والأسئلة عليها إلا لمعاند مكابر. والمتأول لا يمكنه أن يقيم على مبطل حجة نقلية ولا عقلية:(2\/497)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "349",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3630",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أما النقل فلأنه عنده قابل للتأويل وهو لا يفيد اليقين. وأما العقل فلأنه قد خرج عن صريحه وموجبه بالقواعد التي قادته إلى تأويل النصوص وإخراجها من ظواهرها وحقائقها فصارت تلك القواعد الباطلة حجابا بينه وبين العقل والسمع. فإذا احتج على خصمه بحجة عقلية نازعه خصمه في مقدماتها بما سلم له من القواعد التي يخالفها. فإن المعقول الصريح هو ما دلت عليه النصوص فإذا أبطله بالتأويل لم يبق معه معقول صريح يحتج به على خصمه كما لم يبق معه منقول صحيح. فإنه قد عرض المنقول للتأويل والمعقول الصريح خرج عنه بالذي ظن أنه معقول ومثال هذا أن العقل الصريح الذي لا يكذب ولا يغلط قد حكم حكما لا يقبل الغلط أن كل ذاتين قائمتين بأنفسهما إما أن تكون كل منهما مباينة للأخرى أو محايثة لها(2\/498)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "350",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3631",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأنه يمتنع أن تكون هذه الذات قائمة بنفسها وهذه قائمة بنفسها وإحداهما ليست فوق الأخرى ولا تحتها ولا عن يمينها ولا عن يسارها ولا خلفها ولا أمامها ولا متصلة بها ولا منفصلة عنها ولا مجاورة لها ولا محايثة ولا داخلة فيها ولا خارجة عنها. فإذا خولف مقتضى هذا المعقول الصريح ودفع موجبه فأي دليل عقلي احتج به المخالف بعد هذاعلى مبطل أمكنه دفعه بما دفع هو به حكم هذاالعقل. فإذا قال الجهمي: هذا من حكم الوهم لا من حكم العقل. قال له خصمه: فيما احتج به عليه من قضايا العقل هذا أيضا من حكم الوهم. فإنك لو قلت إن في النفس حاكمين الوهم والعقل. فإذا ادعيت فيما تشهد به العقول والفطر أنه من حكم الوهم كان ادعاء ذلك فيما هو دون هذه القضية بكثير أقرب وأقرب وأمثلة ذلك لا يتسع لها هذا الموضع. وإذا تأملت القواعد الحاملة لأرباب التأويل عليه وجدتها مخالفة لصريح العقل ومن خالف صريح العقل لم تقم له حجة عقلية ولا سمعية وبالله التوفيق.(2\/499)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "351",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3632",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الفصل الحادي والعشرون: في الأسباب الجالبة للتأويل",
        "content": "الفصل الحادي والعشرون: في الأسباب الجالبة للتأويل وهي أربعة أسباب: اثنان من المتكلم واثنان من السامع فالسببان اللذان من المتكلم: إما نقصان بيانه وإما سوء قصده واللذان من السامع: إما سوء فهمه وإما سوء قصده فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة انتفى التأويل الباطل وإذا وجدت أو بعضها وقع التأويل فنقول وبالله التوفيق. لما كان المقصود من التخاطب التقاء قصد المتكلم وفهم(2\/500)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "352",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3633",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المخاطب على محز واحد كان أصح الإفهام وأسعد الناس بالخطاب ما التقى فيه فهم السامع ومراد المتكلم وهذا هو حقيقة الفقه الذي أثنى الله ورسوله به على أهله وذم من فقده فقال تعالى: ولكن المنافقين لا يفقهون [المنافقون7] وقال: فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا [النساء78] وقال في الثناء على أهله: قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون [الأنعام98] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين quot;.(2\/501)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "353",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3634",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال لزياد بن لبيد: quot;إن كنت لأعدك من فقهاء المدينة quot; فالفقه فهم مقصود المتكلم من كلامه وهذا الأمر زائد على مجرد الفهم. فإذا كان المتكلم قد وفى البيان حقه وقصد إفهام المخاطب وإيضاح المعنى له وإحضاره في ذهنه فوافق من(2\/502)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "354",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3635",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المخاطب معرفة بلغة المتكلم وعرفه المطرد في خطابه وعلم من كمال نصحه أنه لا يقصد بخطابه التعمية والإلغاز لم يخف عليه معنى كلامه ولم يقع في قلبه شك في معرفة مراده. وإن كان المتكلم قد قصر في بيانه وخاطب السامع بألفاظ مجملة تحتمل عدة معان ولم يتبين له ما أراده منها فإن كان عاجزا أتى السامع من عجزه لا من قصده وإن كان قادرا عليه ولم يفعله حيث ينبغي فعله أتى السامع من سوء قصده. وقد يحسن ذلك من المتكلم إذا كان في التعمية على المخاطب مصلحة راجحة فيتكلم بالمجمل ليجعل لنفسه سبيلا إلى تفسيره بما يتخلص به أو ليوهم السامع أنه أراد ما يخاف إفهامه إياه أو لغير ذلك من الأسباب التي يحسن معها التعريض والكناية والخطاب بضد البيان وهذا من خاصة العقل وقد قال تعالى: ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء [البقرة235] .(2\/503)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "355",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3636",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الحديث quot;إن في المعاريض لمندوحة عن الكذبquot; وقد عرض إبراهيم الخليل للجبار بقوله عن امرأته هذه أختي وعرض النبي للرجل الذي سأله في طريقه ممن أنتم فقال: quot;نحن من ماءquot; وعرض الصديق لمن جعل يسأله في طريق الهجرة من هذا معك فقال هاد يهديني السبيل.(2\/504)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "356",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3637",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذه المواضع ونحوها يحسن فيها ترك البيان إما بكناية عن المقصود أو تعريض عنه والفرق بينهما أنه في الكناية قاصد لإفهام المخاطب مراده بلفظ أخفى لا يفهمه كل أحد فيكنى عن المعنى الذي يريده بلفظ أخفى من لفظه الصريح كما كنى الله سبحانه عن الجماع بالدخول وبالمس واللمس والإفضاء وكما يكنى عن الفرج بالهن ونحو ذلك. وأما التعريض فإفهام السامع معنى ويراد خلافه كالتعريض بالقذف مثلا فإذا قال ما أنا بزان أفهم السامع نفي الزنا عن نفسه ومراده إثباته للسامع كما قال الحماسي: ليسوا من الشر في شيء وإن هانا ... لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد(2\/505)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "357",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3638",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كأن ربك لم يخلق لخشيته ... سواهم من جميع الناس إنسانا فإنه أوهم السامع تنزيههم عن الشرور ووصفهم بخشية الله ومراده وصفهم بالعجز والجبن. ومثله قول الآخر: قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل ولا يردون الماء إلا عشية ... إذا صدر الوراد عن كل منهل(2\/506)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "358",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3639",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وأما السببان اللذان من السامع: فأحدهما سوء الفهم فإن درجات الفهم متفاوتة في الناس أعظم تفاوت فإن قوى الأذهان كقوى الأبدان والناس متفاوتون في هذا وهذا تفاوتا لا ينضبط وقد سئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء دون الناس فقال quot;لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه وما في هذه الصحيفة وكان فيها العقل أي الديات وفكاك الأسيرquot;. وكان أبو بكر الصديق أفهم الأمة لكلام الله ورسوله ولهذا لما أشكل على عمر مع قوة فهمه قوله تعالى: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين [الفتح27] .(2\/507)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "359",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3640",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقول النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة: quot;إنكم تأتونه وتطوفون بهquot; فأورده عليه عام الحديبية فقال له الصديق أقال لك إنك تأتيه العام قال لا قال فإنك آتيه ومطوف به فأجابه بجواب النبي وأشكل عليه قتال الصديق لمانعي الزكاة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهمquot; فقال ألم يقل quot;إلا بحقهاquot; فإيتاء الزكاة من حقها. ولما أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم: quot;إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند اللهquot; بكى(2\/508)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "360",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3641",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبو بكر وقال نفديك بأبنائنا وأمهاتنا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو بكر أعلم الأمة به. وكذلك فهم عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس من سورة: إذا جاء نصر الله والفتح [النصر1] أنها إعلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم بحضور أجله ولذلك كان الصحابة أعلم الأمة على الإطلاق وبينهم وبين من بعدهم في العلم واليقين كما بينهم وبينهم في الفضل والدين. ولهذا كان ما فهمه الصحابة من القرآن أولى أن يصار إليه مما فهمه من بعدهم فانضاف حسن قصدهم إلى حسن فهمهم فلم يختلفوا في التأويل في باب معرفة الله(2\/509)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "361",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3642",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصفاته وأسمائه وأفعاله واليوم الاخر ولا يحفظ عنهم في ذلك خلاف لا مشهور ولا شاذ فلما حدث بعد انقضاء عصرهم من ساء فهمه وساء قصده وقعوا في أنواع من التأويل بحسب سوء الفهم وفساد القصد وقد يجتمعان وقد ينفردان وإذا اجتمعا تولد من بينهما جهل بالحق ومعاداة لأهله واستحلال ماحرم الله منهم. وإذا تأملت أصول المذاهب الفاسدة رأيت أربابها قد اشتقوها من بين هذين الأصلين وحملهم عليها منافسة في رياسة أو مال أو توصل إلى عرض من أعراض الدنيا تخطبه الآمال وتتبعه الهمم وتشرئب إليه النفوس فيتفق للعبد شبهة وشهوة وهما أصل كل فساد ومنشأ كل تأويل باطل وقد ذم الله سبحانه من اتبع الظن وما تهوى الأنفس فالظن الشبهات وما تهوى الأنفس الشهوات وهما اللذان ذكرهما في سورة براءة في قوله تعالى:(2\/510)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "362",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3643",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا [التوبة69] . فذكر الاستمتاع بالخلاق وهو التمتع بالشهوات وهو نصيبهم الذي آثروه في الدنيا على حظهم من الآخرة. فالخوض الذي اتبعوا فيه الشبهات فاستمتعوا بالشهوات وخاضوا بالشبهات فنشأ عنهما التفرق المذموم الذي ذم الله أهله في كتابه ونهى عباده المؤمنين عن التشبه بهم فقال: ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه [آل عمران106 , 105] قال ابن عباس تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف وتسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف.(2\/511)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "363",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3644",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأخبر سبحانه أن الحامل لهم على التفرق بعد البيان إنما هو البغي فقال تعالى كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم [البقرة213] فأخبر سبحانه أن الذين آمنوا هدوا لما اختلف فيه أهل التأويل الباطل الذي أوقعهم في الاختلاف والتفرق. وقال تعالى وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب [الشورى14] وقال تعالى ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون [الجاثية17 , 16] .(2\/512)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "364",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3645",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأخبر سبحانه أن المختلفين بالتأويل لم يختلفوا لخفاء العلم الذي جاءت به الرسل عليهم وإنما اختلفوا بعد مجيء العلم وهذا كثير في القرآن كقوله ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون [يونس93] وقال تعالى وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة [البينة4] فهؤلاء المختلفون بالتأويل بعد مجيء الكتاب كلهم مذمومون والحامل لهم على التفرق والاختلاف البغي وسوء القصد.(2\/513)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "365",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3646",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الفصل الثاني والعشرون: في أنواع الاختلاف الناشئة عن التأويل وانقسام الاختلاف إلى محمود ومذموم",
        "content": "الفصل الثاني والعشرون: في أنواع الاختلاف الناشئة عن التأويل وانقسام الاختلاف إلى محمود ومذموم الاختلاف في كتاب الله نوعان: أحدهما: أن يكون المختلفون كلهم مذمومين وهم الذين اختلفوا بالتأويل وهم الذين نهانا الله سبحانه عن التشبه بهم في قوله ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا [آل عمران105] وهم الذين تسود وجوههم يوم القيامة وهم الذين قال الله تعالى فيهم ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد [البقرة176] فجعل المختلفين كلهم في شقاق بعيد. وهذا النوع هو الذي وصف الله أهله بالبغي وهو الذي يوجب الفرقة والاختلاف وفساد ذات البين ويوقع التحزب والتباين.(2\/514)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "366",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3647",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنوع الثاني: اختلاف ينقسم إهله إلى محمود ومذموم فمن أصاب الحق فهو محمود ومن أخطأه مع اجتهاده في الوصول إليه فاسم الذم موضوع عنه وهو محمود في اجتهاده معفو عن خطئه وإن أخطأه مع تفريطه وعدوانه فهو مذموم. ومن هذا النوع المنقسم قوله تعالى ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر [البقرة253] وقال تعالى ما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله [الشورى10] والاختلاف المذموم: كثيرا ما يكون مع كل فرقة من أهله بعض الحق فلا يقر له خصمه به بل يجحده إياه بغيا ومنافسة فيحمله ذلك على تسليط التأويل الباطل على النصوص التي مع خصمه وهذا شأن جميع المختلفين بخلاف أهل الحق فإنهم يعلمون الحق من كل من جاء به فيأخذون حق جميع الطوائف ويردون باطلهم فهؤلاء الذين قال الله فيهم:(2\/515)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "367",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3648",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم [البقرة213] فأخبر سبحانه أنه هدى عباده لما اختلف فيه المختلفون. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: quot;اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيمquot;. فمن هداه الله سبحانه إلى الأخذ بالحق حيث كان ومع من كان ولو كان مع من يبغضه ويعاديه ورد الباطل مع من كان ولو كان مع من يحبه ويواليه فهو ممن هدى لما اختلف فيه من الحق. فهذا أعلم الناس وأهداهم سبيلا وأقومهم قيلا وأهل هذا المسلك إذا اختلفوا فاختلافهم اختلاف رحمة(2\/516)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "368",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3649",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهدى يقر بعضهم بعضا عليه ويواليه ويناصره وهو داخل في باب التعاون والتناظر الذي لا يستغني عنه الناس في أمور دينهم ودنياهم بالتناظر والتشاور وإعمالهم الرأي وإجالتهم الفكر في الأسباب الموصلة إلى درك الصواب فيأتي كل منهم بما قدحه زناد فكره وأدركه قوة بصيرته فإذا قوبل بين الآراء المختلفة والأقاويل المتباينة وعرضت على الحاكم الذي لا يجور وهو كتاب الله وسنة رسوله وتجرد الناظر عن التعصب والحمية واستفرغ وسعه وقصد طاعة الله ورسوله فقل أن يخفى عليه الصواب من تلك الأقوال وما هو أقرب إليه والخطأ وما هو أقرب إليه فإن الأقوال المختلفة لا تخرج عن الصواب وما هو أقرب إليه والخطأ وما هو أقرب إليه ومراتب القرب والبعد متفاوتة. وهذا النوع من الاختلاف لا يوجب معاداة ولا افتراقا في الكلمة ولا تبديدا للشمل فإن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في مسائل كثيرة من مسائل الفروع كالجد مع الإخوة وعتق أم الولد بموت سيدها ووقوع الطلاق الثلاث بكلمة(2\/517)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "369",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3650",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحدة وفي الخلية والبرية والبتة وفي بعض مسائل الربا وفي بعض نواقص الوضوء وموجبات الغسل وبعض مسائل الفرائض وغيرها فلم ينصب بعضهم لبعض عداوة ولا قطع بينه وبينه عصمة بل كانوا كل منهم يجتهد في نصر قوله بأقصى ما يقدر عليه ثم يرجعون بعد المناظرة إلى الألفة والمحبة والمصافاة والموالاة من غير أن يضمر بعضهم لبعض ضغنا ولا ينطوي له على معتبة ولا ذم بل يدل المستفتي عليه مع مخالفته له ويشهد له بأنه خير منه وأعلم منه. فهذا الاختلاف أصحابه بين الأجرين والأجر وكل منهم مطيع لله بحسب نيته واجتهاده وتحريه الحق. وهنا نوع آخر من الاختلاف وهو وفاق في الحقيقة وهو اختلاف في الاختيار والأولى بعد الاتفاق على جواز(2\/518)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "370",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3651",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجميع كالاختلاف في أنواع الأذان والإقامة وصفات التشهد والاستفتاح وأنواع النسك الذي يحرم به قاصد الحج والعمرة وأنواع صلاة الخوف والأفضل من القنوت أو تركه ومن الجهر بالبسملة أو إخفائها ونحو ذلك فهذا وإن كان صورته صورة اختلاف فهو اتفاق في الحقيقة. فصل ووقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه لتفاوت إرادتهم وأفهامهم وقوى إدراكهم ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانه وإلا فإذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب وكل من المختلفين قصده طاعة الله ورسوله لم يضر ذلك الاختلاف فإنه أمر لا بد منه في النشأة الإنسانية ولكن إذا كان الأصل واحدا والغاية المطلوبة واحدة والطريق المسلوكة واحدة لم يكد يقع اختلاف وإن وقع كان اختلافا لا يضر كما تقدم من اختلاف الصحابة فإن الأصل الذي بنوا عليه واحد وهو كتاب الله وسنة رسوله والقصد واحد وهو طاعة الله ورسوله والطريق واحد وهو النظر في أدلة القرآن والسنة وتقديمها على كل قول ورأي وقياس وذوق وسياسة.(2\/519)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "371",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3652",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الفصل الثالث والعشرون: في أسباب الخلاف الواقع بين الأئمة بعد اتفاقهم على أصل واحد وتحاكمهم إليه وهو كتاب الله وسنة رسوله",
        "content": "الفصل الثالث والعشرون: في أسباب الخلاف الواقع بين الأئمة بعد اتفاقهم على أصل واحد وتحاكمهم إليه وهو كتاب الله وسنة رسوله ذكر الحميدي في هذا فصلا من كلام أبي محمد بن حزم وهو من أحسن كلامه فرأينا سياقه بلفظه قال الحميدي قال لنا الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد اليزيدي الفارسي في بيان أصل الاختلاف الشرعي وأسبابه تطلعت النفس بعد تيقنها أن الأصل المتفق عليه المرجوع إليه أصل واحد لا يختلف وهو ما جاء عن(2\/520)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "372",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3653",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صاحب الشرع إما في القرآن وإما من فعله أو قوله الذي لا ينطق عن الهوى فيه. لما رأيت وشاهدت من اختلاف علماء الأمة فيما سبيله واحد وأصله غير مختلف فبحثت عن السبب الموجب للاختلاف ولترك من ترك كثيرا مما صح من السنن فوضح لها بعد التفتيش والبحث أن كل واحد من العلماء بشر ينسى كما ينسى البشر وقد يحفظ الرجل الحديث ولا يحضره ذكره فيفتي بخلافه وقد يعرض هذا في آي القرآن ألا ترى أن عمر رضي الله عنه أمر على المنبر ألا يزاد مهور النساء على عدد ذكره ميلا إلى أن النبي لم يزد على(2\/521)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "373",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3654",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك العدد في مهور نسائه حتى ذكرته امرأة من جانب المسجد بقوله تعالى وآتيتم إحداهن قنطارا [النساء20] فترك قوله وقال: quot;كل أحد أعلم منك حتى النساءquot; وفي رواية أخرى quot;امرأة أصابت ورجل أخطأquot; علما(2\/522)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "374",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3655",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منه رضي الله عنه بأن النبي وإن كان لم يزد في مهور النساء على عدد ما فإنه لم يمنع مما سواه والآية أعم. وكذلك أمر رضي الله عنه برجم امرأة ولدت لستة أشهر فذكره علي رضي الله عنه بقوله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا [الأحقاف15] مع قوله والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين [البقرة233] فرجع عن الأمر برجمها.(2\/523)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "375",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3656",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهم أن يسطو بعيينة بن حصن إذ جفا عليه حتى ذكره الحر بن قيس بقول الله عز وجل وأعرض عن الجاهلين [الأعراف199] .(2\/524)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "376",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3657",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأمسك عمر. وقال رضي الله عنه يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يموت حتى يكون آخرنا حتى قرئ عليه إنك ميت وإنهم ميتون [الزمر30] فرجع عن ذلكquot; وقد كان علم الآية ولكنه نسيها لعظم الخطب الوارد عليه. وقد يذكر العالم الآية والسنة ولكن يتأول(2\/525)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "377",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3658",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيهما تأويلا من خصوص أو نسخ أو معنى ما وإن كان كل ذلك يحتاج إلى دليل ولا شك أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا بالمدينة حوله مجتمعين وكانوا ذوي معايش يطلبونها وفي ضنك من القوت فمن محترف في الأسواق ومن قائم على نخله ويحضره في كل وقت منهم طائفة إذا وجدوا أدنى فراغ مما هم بسبيله. وقد نص على ذلك أبو هريرة فقال إن إخواني من(2\/526)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "378",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3659",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم القيام على نخلهم وكنت امرءا مسكينا أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني. وقد قال عمر رضي الله عنه ألهاني الصفق بالأسواق في حديث استئذان أبي موسى وكان(2\/527)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "379",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3660",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلى الله عليه وسلم يسأل عن المسألة ويحكم بالحكم ويأمر بالشيء ويفعل الشيء فيحضره من حضره ويغيب عنه من غاب عنه فلما مات ولي أبو بكر كان إذا جاءته القضية ليس عنده فيها نص سأل من بحضرته من الصحابة عنها فإن وجد عندهم نصا رجع إليه وإلا اجتهد في الحكم فيها وكان اجتهاده واجتهاد غيره منهم رضي الله عنهم رجوعهم إلى نص عام أو إلى أصل إباحة متقدمة أو إلى نوع من هذا يرجع إلى أصل ولا يجوز أن يظن أحد أن اجتهاد احد منهم هو أن يشرع شريعة باجتهاد ما أو يخترع حكما لا أصل له حاشاهم من ذلك. فلما ولي عمر رضي الله عنه فتحت الأمصار وتفرقت(2\/528)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "380",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3661",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصحابة في الأقطار فكانت الحكومة تنزل بالمدينة أو بغيرها من البلاد فإن كان عند الصحابة الحاضرين لها نص حكم به وإلا اجتهدوا في ذلك وقد يكون في تلك القضية نص موجود عند صاحب آخر في بلد آخر. وقد حضر المدني مالم يحضر المصري وحضر المصري مالم يحضر الشامي وحضر الشامي مالم يحضر البصري والبصري مالم يحضر الكوفي والكوفي مالم يحضر البصري والمدني مالم يحضر الكوفي والبصري كل هذا موجود في الآثار وتقتضيه الحالة التي ذكرنا من(2\/529)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "381",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3662",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مغيب بعضهم عن مجلسه في بعض الأوقات وحضور غيره يم مغيب الذي حضر وحضور الذي غاب فيدري كل واحد منهم ما حضره ويفوته ما غاب عنه هذا أمر مشاهد. وقد كان علم التيمم عند عمار وغيره وغاب عن عمر وابن مسعود حتى قالا لا يتيمم الجنب ولو لم يجد الماء شهرين. وكان حكم المسح على الخفين عند علي وحذيفة ولم تعلمه عائشة ولا ابن عمر ولا أبو هريرة على أنهم(2\/530)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "382",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3663",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مدنيون. وكان توريث بنت الابن مع البنت عند ابن مسعود وغاب ذلك عن أبي موسى وكان حكم الاستئذان عند أبي موسى وأبي سعيد الخدري وأبي وغاب عن عمر.(2\/531)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "383",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3664",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان حكم الإذن للحائض في أن تنفر قبل أن تطوف عند ابن عباس وأم سليم ولم يعلمه ابن عمر وزيد بن ثابت. وكان حكم المتعة والحمر الأهلية عند علي وغيره ولم يعلمه ابن عباس وكان حكم الصرف عند عمر وأبي سعيد وغيرهما وغاب ذلك عن طلحة وابن عباس وابن عمر.(2\/532)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "384",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3665",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك حكم إجلاء أهل الذمة من بلاد العرب كان عند ابن عباس وعمر فنسيه عمر سنتين فتركهم حتى ذكر بذلك فذكره فأجلاهم ومثل هذا كثير فمضى الصحابة على هذا ثم خلف بعدهم(2\/533)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "385",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3666",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التابعون الآخذون عنهم وكل طبقة من التابعين في البلاد التي ذكرنا فإنما تفقهوا بمن كان عندهم من الصحابة وكانوا لا يتعدون فتاويهم لا تقليدا لهم ولكن لأنهم أخذوا ورووا عنهم إلا اليسير مما بلغهم عن غير من كان في بلادهم من الصحابة رضي الله عنهم كإتباع أهل المدينة في الأكثر فتاوي ابن عمر وإتباع أهل مكة في الأكثر فتاوي ابن عباس وإتباع أهل الكوفة في الأكثر فتاوي ابن مسعود. ثم أتى من بعد التابعين فقهاء الأمصار كأبي حنيفة وسفيان وابن أبي ليلى بالكوفة وابن(2\/534)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "386",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3667",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جريج بمكة ومالك وابن الماجشون بالمدينة وعثمان البتي(2\/535)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "387",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3668",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسوار بالبصرة والأوزاعي بالشام والليث بمصر فجروا على تلك الطريقة من أخذ كل واحد منهم عن التابعين من أهل بلده وتابعوهم عن(2\/536)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "388",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3669",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصحابة فيما كان عندهم وفي اجتهادهم فيما ليس عندهم وهو موجود عند غيرهم ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها وكل من ذكرنا مأجور على ما أصاب فيه أجرين ومأجور فيما خفي عنه ولم يبلغه أجرا واحدا قال تعالى لأنذركم به ومن بلغ [الأنعام19] وقد يبلغ الرجل ممن ذكرنا نصان ظاهرهما التعارض فيميل إلى أحدهما بضرب من الترجيحات ويميل غيره إلى النص الآخر الذي تركه بضرب آخر من الترجيحات كما روى(2\/537)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "389",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3670",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عثمان بن عفان في الجمع بين الأختين أحلتهما آية وحرمتهما آية وكما مال ابن عمر إلى تحريم نساء أهل الكتاب جملة بقوله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن [البقرة221] وقال لا أعلم شركا أعظم من قول المرأة إن عيسى ربها وغلب ذلك على الإباحة المنصوصة في الآية الأخرى ومثل هذا كثير. فعلى هذه الوجوه ترك بعض العلماء ما تركوا من الحديث ومن الآيات وعلى هذه الوجوه خالفهم(2\/538)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "390",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3671",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نظراؤهم فأخذ هؤلاء ما ترك أولئك وأخذ أولئك ما ترك هؤلاء لا قصدا إلى خلاف النصوص ولا تركا لطاعتها ولكن لأحد الأعذار التي ذكرنا إما من نسيان وإما أنها لم تبلغهم وإما لتأويل ما وإما لأخذ بخبر ضعيف لم يعلم الآخذ به ضعف رواته وعلمه غيره فيأخذ بخبر آخر أصح منه أو بظاهر آية وقد يتنبه بعضهم في النصوص الواردة إلى معنى ويلوح منه حكم بدليل ما ويغيب عن غيره وقد كثرت الرحل إلى الآفاق وتداخل الناس وانتدب أقوام لجمع حديث النبي وضمه وتقييده ووصل من البلاد(2\/539)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "391",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3672",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البعيدة إلى من لم يكن عنده وقامت الحجة على من بلغه شيء منه وجمعت الأحاديث المبينة لصحة أحد التأويلات المتأولة في الحديث وعرف الصحيح من السقيم وزيف الاجتهاد المؤدي إلى خلاف كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى ترك عمله وسقط العذر عمن خالف ما بلغه من السنن ببلوغها إليه وقيام الحجة بها عليه ولم يبق إلا العناد والتقليد. وعلى هذه الطريقة كان الصحابة رضي الله عنهم وكثير من التابعين يرحلون في طلب الحديث الأيام الكثيرة طلبا للسنن والتزاما لها. وقد رحل أبو أيوب من المدينة إلى مصر في حديث واحد إلى عقبة بن عامر ورحل علقمة والأسود إلى(2\/540)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "392",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3673",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عائشة وابن عمر ورحل علقمة إلى أبي الدرداء بالشام وكتب معاوية إلى المغيرة اكتب إلي بما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومثل هذا كثير انتهى كلامه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية جماع الأعذار في(2\/541)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "393",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3674",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ترك من ترك من الأئمة حديثا ثلاثة أصناف: أحدها: عدم اعتقاده أن النبي قاله الثاني: عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول الثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة السبب الأول: أن لا يكون الحديث قد بلغه ومن لم يبلغه الحديث لم يكلف أن يكون عالما بموجبه فإذا لم يبلغه وقد قال في تلك النازلة بموجب ظاهر آية أو حديث آخر أو بموجب قياس أو استصحاب فقد يوافق الحديث المتروك تارة ويخالفه أخرى وهذا السبب هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفا لبعض الأحاديث فإن الإحاطة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن لأحد من الأئمة واعتبر ذلك(2\/542)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "394",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3675",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالخلفاء الراشدين الذين هم أعلم الأمة بأمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأحواله وخصوصا الصديق الذي لم يكن يفارقه لا سفرا ولا حضرا وكان عنده غالب الأوقات حتى كان يسمر عنده بالليل وكان كثيرا ما يقول: quot;دخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمرquot;(2\/543)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "395",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3676",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;وذهبت أنا وأبو بكر وعمرquot; ثم مع ذلك الاختصاص خفي على أبي بكر ميراث الجدة وكان علمه عند المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة وعمران بن الحصين وليس هؤلاء الثلاثة مثل أبي بكر ولا قريبا منه في العلم وخفي على عمر سنة الاستئذان وتوريث المرأة من دية زوجها حتى أخبره الضحاك بن سفيان الكلابي وهو أمير رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعض البوادي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها فترك رأيه لذلك وقال(2\/544)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "396",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3677",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لو لم نسمع هذا لقضينا بخلافه وخفي عليه حكم المجوس حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سنوا بهم سنة أهل الكتاب وخفي عليه حكم الطاعون حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot;إذا وقع(2\/545)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "397",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3678",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليهquot;. وتذاكر هو وابن عباس أمر الذي شك في صلاته فلم يكن قد بلغته السنة في ذلك حتى حدثه عبد الرحمن بن عوف عن النبي أنه يطرح الشك ويبني على ما استيقن.(2\/546)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "398",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3679",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان مرة في السفر فهاجت ريح فجعل يقول من يحدثنا عن الريح قال أبو هريرة فبلغني ذلك وأنا في أخريات الناس فحثثت راحلتي حتى أدركته فحدثته بما أمر به النبي عند هبوب الريح. فهذه مواضع لم يكن يعلمها حتى بلغه إياها من عمر أعلم منه بكثير. ومواضع أخرى لم يبلغه ما فيها من السنة فقضى وأفتى بغيرها كما قضى في دية الأصابع أنها مختلفة بحسب منافعها وقد كان عند أبي موسى(2\/547)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "399",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3680",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وابن عباس وهما دونه في العلم أن النبي قال: quot;هذه وهذه سواءquot; فبلغت هذه السنة معاوية في إمارته فقضى بها ولم يجد المسلمون بدا من اتباع ذلك. وكان عمر ينهى المحرم عن التطيب قبل الإحرام وقبل الإفاضة إلى مكة بعد رمي الجمرة هو وابنه عبد الله وغيرهما من أهل العلم ولم يبلغهم حديث عائشة رضي الله عنها طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت(2\/548)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "400",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3681",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان أمر لابس الخف أن يمسح عليه إلى أن يخلعه من غير توقيت واتبعه على ذلك طائفة من السلف ولم تبلغهم أحاديث التوقيت التي صحت عند من عمر أعلم منه. وكذلك عثمان لم يكن عنده علم بأن المتوفى عنها زوجها تعتد في منزل الموت حتى حدثته الفريعة بنت مالك(2\/549)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "401",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3682",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أخت أبي سعيد الخدري بقصتها لما توفي زوجها وأن النبي قال لها امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله فأخذ به عثمان وترك فتواه. وأهدي له مرة صيد كان قد صيد لأجله وهو محرم فهم بأكله حتى أخبره علي رضي الله عنهما بأن النبي رد لحما أهدي له وهو محرم.(2\/550)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "402",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3683",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأفتى علي وابن عباس وغيرهما أن المتوفى عنها إذا كانت حاملا تعتد أقصى الأجلين ولم تكن قد بلغتهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيعة الأسلمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفتاها حين وضعت حملها بأنها قد حلت للأزواج.(2\/551)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "403",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3684",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأفتى هو وزيد بن ثابت وابن عمر وغيرهم بأن المفوضة إذا مات عنها زوجها فلا مهر لها ولم تكن بلغتهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق وهذا باب واسع. وأما المنقول فيه عن من بعد الصحابة والتابعين(2\/552)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "404",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3685",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأكثر من أن يحصى فإذا خفي على أعلم الأمة وأفقهها بعض السنة فما الظن بمن بعدهم فمن اعتقد أن كل حديث صحيح قد بلغ كل فرد من الأئمة أو إماما معينا فقد أخطأ خطأ فاحشا. قال أبو عمر وليس أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وقد خفيت عليه بعض سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة فمن بعدهم. وصدق أبو عمر رضي الله عنه فإن مجموع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقواله وأفعاله وإقراره لا يوجد عند رجل واحد أبدا ولو كان أعلم أهل الأرض فإن قيل فالسنة قد دونت وجمعت وضبطت وصار ما تفرق منها عند الفئة الكثيرة مجموعا عند واحد.(2\/553)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "405",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3686",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل هذه الدواوين المشهورة في السنن إنما جمعت بعد انقراض عصر الأئمة المتبوعين. ومع هذا فلا يجوز أن يدعى انحصار سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في دواوين معينة ثم لو فرض انحصار السنة في هذه الدواوين فليس كل ما فيها يعلمه العالم ولا يكاد يحصل ذلك لأحد أبدا بل قد يكون عند الرجل الدواوين الكثيرة وهو لا يحيط علما بما فيها بل الذين كانوا قبل جمع هذه الدواوين كانوا أعلم بالسنة من المتأخرين بكثير لأن كثيرا مما بلغهم وصح عندهم قد لا يبلغنا إلا عن مجهول أو بإسناد منقطع أو لا يبلغنا بالكلية وكانت دواوينهم صدورهم التي تحوي أضعاف ما في الدواوين.(2\/554)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "406",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3687",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل السبب الثاني: أن يكون الحديث قد بلغه لكنه لم يثبت عنده إما لأن محدثه أو من فوقه مجهول عنده أو سيء الحفظ أو متهم أو لم يبلغه مسندا بل منقطعا أو لم يضبط له لفظ الحديث ويكون ذلك الحديث بعينه قد رواه الثقات لغيره بإسناد صحيح متصل بأن يعلم غيره عدالة ذلك المجهول أو يرويه له ثقة غيره ويتصل له من غير تلك الجهة المنقطعة ويضبطه له من لم يضبطه للآخر أو يقع له من الشواهد والمتابعات مالم يقع لغيره فيكون الحديث حجة على من بلغه من هذا الوجه وليس بحجة على من بلغه من الوجه الأول ولهذا علق كثير من الأئمة القول بموجب الحديث على صحته فيقول قولي فيها كيت وكيت وقد روي فيها حديث بخلافه فإن صح فهو قولي وأمثلة هذا كثيرة جدا.(2\/555)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "407",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3688",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل السبب الثالث: اعتقاد ضعف الحديث باجتهاد قد خالفه فيه غيره فقد يعتقد أحد المجتهدين ضعف رجل ويعتقد الآخر ثقته وقوته وقد يكون الصواب مع المضعف لاطلاعه على سبب خفي على الموثق وقد يكون الصواب مع الآخر لعلمه بأن ذلك السبب غير قادح في روايته وعدالته إما لأن جنسه غير قادح وإما لأن له فيه عذرا أو تأويلا يمنع الجرح. وقد لا يعتقد الذي بلغه الحديث أن راويه سمعه من غيره لأسباب معروفة عنده خفيت على غيره. وقد يكون للمحدث حالان: حال استقامة وحال اضطراب فلا يدري الرجل أن حديثه المعين حدث به في حال الاستقامة أو في حال الاضطراب فيتوقف فيه ويعلم غيره أنه حدث به في حال الاستقامة فيقبله.(2\/556)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "408",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3689",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد يكون المحدث قد نسي الحديث الذي قد حدث به فينكره فيبلغ المجتهد إنكاره له ولا يعمل به ويرى غيره أن نسيانه له لا يقدح في صحة الحديث ووجوب العمل به. وأيضا فكثير من الحجازيين لا يحتج بحديث عراقي ولا شامي إن لم يكن له أصل بالحجاز حتى قال بعض من يذهب هذا المذهب نزلوا أحاديث أهل العراق منزلة أحاديث أهل الكتاب لا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقيل لبعض من كان يذهب إلى هذا المذهب سفيان عن منصور(2\/557)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "409",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3690",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله حجة قال إن لم يكن له أصل بالحجاز فلا. وكان الشافعي يرى هذا المذهب أولا ثم رجع عنه وقال للإمام أحمد يا أبا عبد الله إذا صح الحديث فأعلمني حتى أذهب إليه شاميا كان أو عراقيا(2\/558)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "410",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3691",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولم يقل أو حجازيا لأنه لم يكن يشك هو ولا غيره في أحاديث أهل الحجاز. وأكثر أهل العلم على خلاف هذا المذهب وأن الحديث إذا صح وجب العمل به من أي مصر من الأمصار كان مخرجه وعلى هذا إجماع أهل الحديث قاطبة. فصل السبب الرابع: اشتراط بعضهم في خبر الواحد العدل شروطا يخالفه فيها غيره كاشتراط بعضهم أن يكون الراوي فقيها إذا خالف ما رواه القياس واشتراط بعضهم انتشار الحديث وظهوره إذا كان مما تعم به البلوى واشتراط بعضهم أن لا يكون الحديث قد تضمن زيادة على نص القرآن لئلا يلزم منه نسخ القرآن به وهذه مسائل معروفة.(2\/559)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "411",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3692",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل السبب الخامس: أن ينسى الحديث أو الآية كما نسي عمر قوله تعالى إنك ميت وإنهم ميتون [الزمر30] ونسي قوله وآتيتم إحداهن قنطارا [النساء20] ونسي فتوى النبي له ولعمار بالتيمم للجنابة في السفر وكذلك ما روي أن عليا ذكر الزبير يوم الجمل شيئا عهده إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره فانصرف عن القتال قلت فيكون الناسي معذورا بفتواه بخلاف النص فما عذر الذاكر(2\/560)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "412",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3693",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للنص إذا قلد الناس وخالف الذاكر والذكر. فصل السبب السادس: عدم معرفته بدلالة الحديث إما لكون لفظ الحديث غريبا عنده مثل لفظ المزابنة والمحاقلة(2\/561)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "413",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3694",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمخابرة والملامسة والمنابذة والحصاة والغرر(2\/562)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "414",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3695",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونحوها من الكلمات الغريبة التي يختلف العلماء في تأويلها ومثل قوله لا طلاق ولا عتاق في إغلاق. فإنهم فسروا الإغلاق بالإكراه قلت هذا تفسير كثير من الحجازيين. ومنهم من فسره بالغضب وهو تفسير العراقيين ونص عليه أحمد وأبو عبيد وأبو داود. ومنهم من فسره بجمع الثلاث في كلمة واحدة فإنه مأخوذ من غلق الباب أي أغلق عليه باب الطلاق جملة وصحح بعضهم هذاالتفسير وجعله أولى التفاسير(2\/563)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "415",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3696",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وممن حكى الأقوال الثلاثة صاحب مطالع الأنوار وصاحب مشارق الأنوار وهذا الباب يعرض منه اختلاف كثير سببه أن يكون لذلك اللفظ في لغته وعرفه معنى غير معناه في لغة الرسول أو أعم منه أو أخص فتفطن لهذا الموضع فإنه منشأ لغلط كثير على صاحب الشرع والصواب في لفظ الإغلاق أنه الذي يغلق على صاحبه باب تصوره أو قصده كالجنون والسكر(2\/564)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "416",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3697",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والإكراه والغضب كأنه لم ينفتح قلبه لقصده ولا وطر له فيه ومن هذا لفظ الخمر فإنه في لغة الشارع اسم لكل مسكر لا يختص بنوع من أنواعه وهذا المعنى مطابق لاشتقاقه فتخصيصه ببعض الأنواع المسكرة دون بعض اصطلاح حادث حصل بحمل كلام الشارع عليه تخصيص لما قصد الشارع تعميمه ولهذا لم يختلف المخاطبون بالقرآن أولا وهم الصحابة في تحريم ذلك كله. فصل ومن هذا الخلاف العارض من جهة كون اللفظ مشتركا أو مجملا أو مترددا بين حمله على معناه عند الإطلاق وهو المسمى بالحقيقة أو على معناه عند التقييد وهو المسمى بالمجاز كاختلافهم في المراد من القرء هل هو الحيض أو الأطهار ففهمت طائفة منه الحيض(2\/565)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "417",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3698",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأخرى الطهر وكما فهمت طائفة من الخيط الأبيض والأسود الخيطين المعروفين وفهم غيرهم بياض النهار وسواد الليل وكما فهمت طائفة من قوله في التيمم فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه [المائدة6] المسح إلى الآباط ففعلوه وفهم آخرون المسح إلى المرافق ففعلوه وأسعد الناس بفهم الآية من فهم منها المسح إلى الكوع وهذا هو الذي فهمه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآية وهو نظير فهمه(2\/566)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "418",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3699",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القطع من الكوع من آية السرقة. وكما فهمت طائفة من قوله: وامسحوا برؤوسكم البعض مقدرا أو غير مقدر وفهم آخرون مسح الجميع وفهمهم مؤيد بفعل الرسول. وكما فهم بعضهم من قوله تعالى: فإن كان له إخوة فلأمه السدس [النساء11](2\/567)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "419",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3700",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثلاثة فصاعدا اعتمادا على الحقيقة وفهم الآخرون الإثنين فصاعدا اعتمادا على فهم الجنس الزائد على الواحد وهؤلاء أسعد بفهم الآية. وكما فهم الصديق ومن معه من الكلالة التي يرث معها الإخوة والأخوات للأب أنها عدم الولد وإن سفل والأب وإن علا وفهم آخرون منها عدم الأب دون من فوقه والصديق أسعد بفهم الآية كما اتفق المسلمون على أن الكلالة في قوله:(2\/568)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "420",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3701",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس [النساء12] أنها عدم الولد وإن سفل والأب وإن علا وكما فهم من فهم من السلف والخلف من قوله تعالى الطلاق مرتان [البقرة229] أنه مرة بعد مرة مثل قوله سنعذبهم مرتين [التوبة101] وقوله فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله [النور6] وقوله في الحديث quot; فلما أقر أربع مرات رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم quot; وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات [النور58] .(2\/569)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "421",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3702",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجميع ما ذكر فيه تعدد المرة فهذا سبيله فالثلاث المجموعة بكلمة واحدة مرة واحدة وفهم آخرون منها الجمع والإفراد ولا يخفى أي الفهمين أولى. وكما فهم من أباح نكاح التحليل ذلك من قوله حتى تنكح زوجا غيره [البقرة230] وفهم المحرمون المبطلون له بطلانه من نفس الآية من عدة أوجه منها قوله حتى تنكح زوجا غيره [البقرة230] ونكاح التحليل لا يدخل في النكاح المطلق كما لم يدخل فيه نكاح الشغار والمتعة ونكاح المعتدة ونكاح المحرمة فإن الذي أخرج هذه الأنواع من النكاح المطلق المأذون فيه هو الذي أخرج نكاح التحليل منه بنصوص أكثر وأصرح من تلك النصوص. ومنها تسميته سبحانه لهذا الثاني زوجا وأحكام الزوج عرفا وشرعا منتفية عن المحلل وانتفاء الأحكام(2\/570)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "422",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3703",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مستلزم لانتفاء الاسم شرعا وعرفا وكذلك هو فإن أهل العرف لا يسمونه زوجا والشارع إنما سماه تيسا مستعارا فلا يجوز تسميته زوجا إلا على وجه التقييد بأن يقال زوج ملعون أو زوج في نكاح تحليل أو في نكاح باطل. ومنها أنه جعل الزوج الثاني وطلاقه بمنزلة الزوج الأول وطلاقه فالمفهوم منها واحد وغير ذلك من الوجوه التي أفهمت منها الآية بطلان نكاح المحلل وهي عشرة قد ذكرناها في موضع آخر ولا ريب أن فهم هؤلاء أولى بالصواب.(2\/571)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "423",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3704",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن هذا فهم بعضهم إباحة العينة من قوله تعالى إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم [البقرة282] وفهم آخرون منها تحريمها وبطلانها فإن لفظ التجارة البيع المقصود الذي يقصد به كل واحد من المتعاقدين الربح والانتفاع ولا يعرف أهل اللغة والعرف من لفظ التجارة إلا ذلك ولا يعد أحد منهم قط الحيلة على الربا تجارة وإن كان المرابي يعد ذلك تجارة كما يعد بيع الدرهم بالدرهمين فالعينة لا تعد تجارة لغة ولا شرعا ولا عرفا. وكما فهم من فهم من قوله تعالى الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة [النور3] أنه العقد وفهم آخرون أنه نفس الوطء وفهم الأولين أصوب لخلو الآية عن الفائدة إذا حمل على الوطء. وكما فهم أهل الحجاز من قوله تعالى أو ينفوا من الأرض [المائدة33] .(2\/572)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "424",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3705",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طرده من الأرض من موضع إلى موضع وفهم أهل العراق منه الحبس. وبالجملة فهذا الفصل معترك النزاع. فصل السبب السابع: أن يكون عارفا بدلالة اللفظ وموضوعه ولكن لا يتفطن لدخول هذا الفرد المعين تحت اللفظ إما لعدم إحاطته بحقيقة ذلك الفرد وأنه مماثل لغيره من الأفراد الداخلة تحته وإما لعدم حضور ذلك الفرد بباله وإما لاعتقاده اختصاصه بخصيصة يخرجه من اللفظ العام وإما لاعتقاده العموم فيما ليس بعام أو الإطلاق فيما هو مقيد فيذهل عن المقيد كما يذهل عن المخصص.(2\/573)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "425",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3706",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل السبب الثامن: اعتقاده أن لا دلالة في ذلك اللفظ على الحكم المتنازع فيه فهاهنا أربعة أمور أحدها أن لا يعرف مدلول اللفظ في عرف الشارع فيحمله على خلاف مدلوله. الثاني أن يكون له في عرف الشارع معنيان فيحمله على أحدهما ويحمله غيره على المعنى الآخر. الثالث أن يفهم من العام خاصا أو من الخاص عاما أو من المطلق مقيدا أو من المقيد مطلقا. الرابع أن ينفي دلالة اللفظ وتارة يكون مصيبا في نفس الدلالة وتارة يكون مخطئا فمن نفى دلالة قوله وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض [البقرة187] على حل أكل ذي الناب والمخلب أصاب ومن نفى دلالة قوله وأنكحوا الأيامى منكم [النور32] .(2\/574)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "426",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3707",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على جواز نكاح الزانية أصاب ومن نفى دلالة قوله قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه [الأنعام145] على الإذن في أكل ما عدا المذكور في الآية أصاب ومن نفى دلالة العام على ما عدا محل التخصيص غلط ومن نفى دلالته على ما عدا محل السبب غلط ومن نفى دلالة الأمر على الوجوب والنهي على التحريم غلط ومن هذا ما يعرض من الاختلاف في الأفعال المنفية بعد وجود صورتها كقوله quot;لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب quot; quot;ولا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليلquot;(2\/575)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "427",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3708",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا صلاة لفذ خلف الصف ونحو ذلك. وطائفة لم تفهم المراد منه فجعلته مجملا يتوقف العمل به على البيان. وطائفة فهمت منه نفي الكمال المستحب وهذا ضعيف جدا فإن النفي المطلق بعيد منه. وطائفة فهمت نفي الأجزاء والصحة وفهم هؤلاء أقرب إلى اللغة والعرف والشرع. وطائفة فهمت نفي المسمى الشرعي وهؤلاء أسعد الناس بفهم المراد. فصل هذا كله قبل الوصول إلى السبب التاسع: وهو اعتقاده أن تلك الدلالة قد عارضها ما هو مساو لها(2\/576)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "428",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3709",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيجب التوقف أو ما هو أقوى منها فيجب تقديمه وهذه المعارضة نوعان معارضة في الدليل ومعارضة في مقدمة من مقدماته. فالمعارضة في الدليل أن يعتقد أنه قد عارضه ما هو أرجح منه فيجب عليه العمل بالراجح وقد يكون مصيبا في ذلك وقد لا يكون مصيبا فالمصيب من اعتقد المعارضة بناسخ يصح فيه دلالته ومقاومته وتأخره فإن انتفى بعضها كان واهما في اعتقاد المعارضة وإبطال النص بها. وأما المعارضة في المقدمة فأن يقوم عنده معارض كجزء الدليل مثاله أن يعتقد تحريم الميسر بالنص الدال على تحريمه ويدل عنده دليل على دخول الشطرنج فيه ثم يقوم عنده دليل معارض لهذا الدليل يدل على أن الشطرنج ليس من الميسر فها هنا أربعة أمور(2\/577)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "429",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3710",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها: أن لا يعتقد دلالة اللفظ على المعنى. الثاني: أن يعتقد دلالته ولكن يقوم عنده معارض للدليل. الثالث: أن يقوم عنده معارض لمقدمة من مقدماته. الرابع: أن يتعارض عنده الدلالتان والتعارض قد يقع في الدليلين وقد يقع في الدلالتين والفرق بينهما أن تعارض الدليلين يكون مع اعتقاد دلالة كل واحد منهما على مطلوبه. وتعارض الدلالتين يقع في الدليل الواحد فيكون له وجهان ثم قد يتبين رجحان المعارض فيصير إلى الراجح وقد لا يتبين له الرجحان فيتوقف وقد يترك الحديث لظنه انعقاد الإجماع على خلافه إذ لم يبلغه الخلاف ويكون إنما معه عدم العلم بالمخالف لا العلم بوجود المخالف وهذا العذر لم يكن أحد من الأئمة(2\/578)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "430",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3711",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والسلف يصير إليه وإنما لهج به المتأخرون وقد أنكره أشد الإنكار الشافعي والإمام أحمد وقال الشافعي مالا يعلم فيه خلاف لا يقال له إجماع هذا لفظه وأما الإمام أحمد فقال من ادعى الإجماع فقد كذب وما يدريه لعل الناس اختلفوا وقد كتبت نصوصه ونصوص الشافعي في غير هذا الموضع ولا خلاف بين الأئمة أنه إذا صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن عدم العلم بالقائل به مسوغا لمخالفته فإنه دليل موجب للاتباع وعدم العلم بالمخالف لا يصلح أن يكون معارضا فلا يجوز ترك الدليل له وإذا تأملت هذا الموضع وجدت كثيرا من أعيان العلماء قد صاروا إلى أقوال متمسكهم فيها عدم العلم بالمخالف مع قيام الأدلة الظاهرة على(2\/579)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "431",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3712",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خلاف تلك الأقوال وعذرهم رضي الله عنهم أنهم لم يكن لأحد منهم أن يبتدئ قولا لم يعلم به قائلا مع علمه بأن الناس قد قالوا خلافه فيتركب من هذا العلم وعدم ذلك العلم الإمساك عن اتباع ذلك الدليل. وها هنا انقسم العلماء ثلاثة أقسام: فقسم أخذوا بما بلغهم من أقوال أهل العلم وقالوا لا يجوز لنا أن نخالفهم ونقول قولا لم نسبق إليه وهؤلاء معذورون قبل وصول الخلاف إليهم فأما من وصل إليه الخلاف وعلم بذلك القول قائلا فما أدري ما عذره عند الله في مخالفته صريح الدليل. وقسم توقفوا وعلقوا القول فقالوا إن كان في المسألة إجماع فهو أحق ما اتبع وإلا فالقول فيها كيت وكيت وهو موجب الدليل ولو علم هؤلاء قائلا به لصرحوا بموافقته فإذا علم به قائل فالذي ينبغي ولا يجوز غيره أن يضاف ذلك القول إليهم لأنهم إنما تركوه لظنهم أنه لا قائل(2\/580)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "432",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3713",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به وأنه لو كان به قائل لصاروا إليه فإذا ظهر به قائل لم يجز أن يضاف إليهم غيره إلا على الوجه المذكور وهذه الطريقة أسلم. وقسم ثالث: اتبعوا موجب الدليل وصاروا إليه ولم يقدموا عليه قول من ليس قوله حجة ثم انقسم هؤلاء قسمين. فطائفة علمت أنه يستحيل أن تجمع الأمة على خلاف هذا الدليل وعلمت أنه لا بد أن يكون في الأمة من قال بموجبه وإن لم يبلغهم قوله فما كل ما قاله كل واحد من أهل العلم وصل إلى كل واحد من المجتهدين وهذا لا يدعيه عاقل ولا يدعي في أحد وقد نص الشافعي على مثل ذلك فذكر البيهقي عنه في المدخل أنه قال له(2\/581)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "433",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3714",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعض من ناظره فهل تجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ثابتة متصلة خالفها الكل قلت لا لم أجدها قط كما وجدت المرسل. وطائفة قالت: يجوز أن لا يتقدم به قائل ولكن لا يلزم انعقاد الإجماع على خلافه إذ لعل تلك النازلة تكون قد نزلت فأفتى فيها بعض العلماء أو كثير منهم أو أكثرهم بذلك القول ولم يستفت فيها الباقون ولم تبلغهم فحفظ فيها قول طائفة من أهل العلم ولم يحفظ لغيرهم فيها قول والذين حفظ قولهم فيها ليسوا كل الأمة فيحرم مخالفتهم. قالوا فنحن في مخالفتنا لمن ليس قوله حجة أعذر منكم في مخالفتكم لمن قوله حجة فإن كنتم معذورين في مخالفة الدليل لقول من بلغتكم أقوالهم مع أنهم ليسوا كل الأمة فنحن في مخالفتهم لقيام الدليل أعذر عند الله ورسوله منكم وهذا كما تراه لا يمكن دفعه إلا بمكابرة أو إجماع متيقن معلوم لا شك فيه وبالله التوفيق.(2\/582)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "434",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3715",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومما يوضح هذا أن كل من ترك موجب الدليل لظن الإجماع فإنه قد تبين لغيره أنه لا إجماع في تلك المسألة والخلاف فيها قائم ونحن نذكر من ذلك طرفا يسيرا يستدل به العالم على ما وراءه. فمن ذلك قول مالك لا أعلم أحدا أجاز شهادة العبد وصدق رضي الله عنه فلم يعلم أحدا أجازها وعلمه غيره فأجازها علي بن أبي طالب وأنس بن مالك وشريح القاضي حكاه الإمام أحمد وغيره وروى أحمد عن أنس قال لا أعلم أحدا رد شهادة العبد وقال لا أعلم أحدا أوجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم(2\/583)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "435",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3716",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في الصلاة ووجوبها محفوظ عن أبي جعفر الباقر وقال الشافعي أجمعوا على أن المعتق بعضه لا يرث وقد صح توريثه عن علي وابن مسعود وقال الشافعي وقد قيل له فهل من مرسل ما قال به أحد قال نعم أخبرنا ابن عيينة عن محمد بن المنكدر أن رجلا جاء إلى النبي فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لي مالا وعيالا وإن لأبي مالا وعيالا يريد أن يأخذ مالي(2\/584)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "436",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3717",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيطعمه عياله فقال: quot;أنت ومالك لأبيكquot; قال الشافعي فقال محمد بن الحسن أما نحن فلا نأخذ بها ولكن هل من أصحابك من يأخذ به قلت لا لأن من أخذ بهذا جعل للأب الموسر أن يأخذ من مال ابنه قال أجل ما يقول بهذا أحد قال فلم يخالفه الناس قلت لأنه لم يثبت فإن الله لما فرض للأب ميراثه من ابنه فجعله كوارث غيره وقد يكون أنقص حظا من كثير من(2\/585)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "437",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3718",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الورثة دل ذلك على أن ابنه مالك للمال دونه وقد قال بهذا الحديث جماعة من السلف منهم شيخ الشافعي سفيان بن عيينة وصاحبه الإمام أحمد وغيرهما ولم يعلم به الشافعي قائلا واعتذر عن مخالفته بأنه مرسل لم يثبت ولم يعتذر عن مخالفته بالإجماع وقد صح اتصاله. وقال الثوري فيما إذا طلق المدخول بها ثم راجعها ثم طلقها قبل دخول ثان بعد الرجعة فإن أكثر العلماء على أنها تستأنف العدة قال سفيان أجمع الفقهاء على هذا وسفيان من كبار أئمة الإسلام وقد حكى الإجماع على هذا والنزاع في ذلك موجود قبله وبعده(2\/586)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "438",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3719",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن مذهب عطاء أنها تبنى على ما مضى كما لو طلقها قبل الرجعة وهو أحد قولي الشافعي وأحد الروايتين عن أحمد وحكى عن مالك قول ثالث أنه إن قصد الإضرار بها بنت وإلا استأنفت وحكي عن داود قول رابع أنه لا عدة عليها بحال جعلها مطلقة قبل الدخول فلا عدة عليها بالطلاق الثاني والأول انقطعت عدته بالرجعة والأكثرون يقولون هي زوجة مدخول بها. ومن ذلك أن الليث بن سعد حكى الإجماع على أن المسافر لا يقصر الصلاة في اقل من يومين هذا مع سعة علمه وفقهه وجلالة قدره والنزاع في مسافة القصر عن الصحابة والتابعين أشهر من أن يذكر. ومن ذلك ما ذكره مالك في موطأه فقال فمن الحجة على من قال ذلك القول أي أنه لا يقضى بشاهد(2\/587)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "439",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3720",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويمين لأنه ليس في القرآن فيقال أرأيت لو أن واحدا ادعى على رجل مالا أليس يحلف المطلوب ما ذلك الحق عليه وإن حلف بطل ذلك الحق عنه وإن نكل عن اليمين حلف صاحب الحق إن حقه لحق وثبت حقه على صاحبه قال فهذا مما لا خلاف فيه عند أحد من الناس ولا ببلد من البلاد اه والحلف بالقضاء بالنكول وحده دون اشتراط رد اليمين أشهر من أن يذكر. وإبراهيم النخعي لا يقول بالرد بحال ومذهب أبي حنيفة وأصحابه لا يرون لزوم تحليف المدعي بحال بل يقضون بالنكول وأبو ثور ذكر في المسألة قولا ثالثا أنه إذا امتنع أن يحلف وسأل حبس المدين حبسه له. وأحمد وإن كان يحلف المدعي في بعض الصور(2\/588)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "440",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3721",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كالقسامة والقضاء بشاهد ويمين فإن المشهور عنه أنه يقضي بالنكول دون الرد. وفي مذهب أحمد قول آخر أنه يقضي بالرد وهو اختيار أبي الخطاب وأبي محمد المقدسي في العمدة. وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه من قضى بالنكول نقض حكمه. ومع هذا فأبو عبيد يحكي الإجماع على خلاف هذا(2\/589)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "441",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3722",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنه قال في كتاب القضاء لما ذكر أحاديث القضاء إن اليمين على المدعى عليه قال وفي ذلك سنة يستدل عليها بالتأويل وذلك أنه لما قضى أنه لا براءة للمطلوب إلا باليمين إلى الطالب كان فيه دليل على أن ترك أدائها إيجاب للدعوى عليه وتصديق لما يدعي. قال وقد زعم بعض من يدعي النظر في الفقه أن إباء اليمين لا يوجب عليه حقا ولكنه زعم يحبس حتى يقر أو يحلف وهذا خلاف التأويل والأخبار وإجماع العلماء. ومن ذلك ما قاله مالك في موطئه الأمر المجمع عليه عندنا والذي سمعت ممن أرضى به في القسامة والذي اجتمعت عليه الأئمة في القديم والحديث أن يبدأ بيمين المدعين في القسامة وأن القسامة لا تجب إلا بأحد أمرين إما أن يقول المقتول دمي عند(2\/590)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "442",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3723",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلان أو يأتي ولاة الدم بلوث فهذا يوجب القسامة للمدعين للدم على من ادعوه عليه. قال مالك ولا تجب القسامة إلا بأحد هذين الوجهين قال مالك وتلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا والذي لم يزل عليه الناس أن المبدئين بالقسامة أهل الدم الذي يدعونه في العمد والخطأ. قال ابن عبد البر وقد أنكر العلماء على مالك قوله إن القسامة لا تجب إلا بقول المقتول دمي عند فلان أو يأتي بلوث يشهدون به لأن المقتول بخيبر لم يدع على أحد ولا قال دمي عند أحد ولا قال النبي للأنصار تأتون بلوث قالوا وقد جعل مالك سنة ما ليس له مدخل في السنة. وكذلك أنكروا عليه أيضا في هذا الباب قوله الأمر(2\/591)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "443",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3724",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المجمع عليه أن يبدأ المدعون بالإيمان في القسامة قالوا فكيف اجتمعت الأئمة في الفقه والحديث وابن شهاب يروي عن سليمان بن يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن رجل من الأنصار أن النبي بدأ اليهود في الإيمان قال وهذا الحديث وإن لم يكن من روايته عن ابن شهاب فمن روايته عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار وعراك بن مالك أن عمر بن الخطاب قال للجهني الذي ادعى دية وليه على رجل من بني سعد بن ليث وكان أجرى فرسه فوطئ على إصبع الجهني فنزى منها الدم فمات فقال عمر للذي ادعى عليهم:(2\/592)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "444",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3725",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أتحلفون بالله خمسين يمينا ما مات منها فأبوا وتحرجوا وقال للمدعين احلفوا فأبوا فقضى بشطر الدية على السعديين قالوا فأي أمة اجتمعت على هذا. ومن ذلك قال الشافعي في مختصر المزني في مسألة اليمين الغموس ودل إجماعهم على أن من حلق في الإحرام عمدا أو خطأ أو قتل صيدا عمدا أو خطأ في الكفارة سواء وعلى أن الحالف بالله وقاتل المؤمن عمدا أو خطأ في الكفارة سواء فقد ذكر الإجماع على التسوية بين العامد والمخطئ في قتل الصيد وحلق الشعر ومعلوم ثبوت النزاع في ذلك قديما وحديثا فمذهب جماعة من السلف أن قاتل الصيد خطأ لا جزاء عليه ويروى ذلك عن ابن عباس وطاوس(2\/593)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "445",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3726",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسعيد بن جبير ويروى ذلك عن القاسم وسالم وعطاء ومجاهد وهو قول ابن المنذر(2\/594)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "446",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3727",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وداود وأصحابه وقول إسحاق في الشعر وهو رواية عن أحمد في الصيد وخرج أصحابه في مذهبه في الحلق والتقليم قولا مثله وكذلك ذكره ابن أبي هريرة قولا للشافعي في(2\/595)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "447",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3728",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصيد وذكر أبو إسحاق وغيره أن له قولا مخرجا في الحلق والتقليم في الخطأ أنه لا كفارة فيه كالطيب واللباس فصار في المسألة ثلاثة أقوال الكفارة فيهما وعدم الكفارة فيهما والكفارة في الصيد دون الحلق والتقليم. ومن ذلك ما حكاه ابن المنذر قال أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا قال لامرأته أنت طالق ثلاثا إن دخلت الدار فطلقها ثلاثا ثم تزوجت بعد ما انقضت عدتها ثم نكحها الحالف الأول ثم دخلت الدار أنه لا يقع عليها الطلاق لأن طلاق الملك قد انقضى والنزاع في هذه المسألة معروف فإن هذه المسألة لها صورتان:(2\/596)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "448",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3729",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إحداهما: أن لا توجد الصفة فإن الصفة تعود في المشهور في مذهب أحمد حتى إن من أصحابه من يقول تعود الصفة هنا رواية واحدة وهذا أحد أقوال الشافعي بل هو الصحيح عند العراقيين من أصحابه كما ذكره أبو إسحاق وغيره وهو قول حماد بن أبي سليمان وزفر وكذلك ذكره الطحاوي عن الأوزاعي وعثمان البتي وابن الماجشون(2\/597)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "449",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3730",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا طلق ثم تزوج تعود اليمين قال الطحاوي ولم يذكروا بعد الثلاث. والقول الثاني: لا تعود الصفة بحال وهو قول أبي ثور والمزني وقد حكى ابن حامد رواية فيمن قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر ثم باعه قبل الدخول ثم اشتراه لم يعتق عليه بحال فذكر عنه في العتق أن الصفة لا تعود وفي الطلاق أولى كما صرح أصحابه بمثل ذلك القول. الثالث: أنه إن أبانها بالثلاث لم ترجع(2\/598)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "450",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3731",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصفة وبدونها ترجع وهو مذهب أبي حنيفة وقول الشافعي ومن ذلك ما حكاه ابن المنذر أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا قال لامرأته أنت طالق إن شئت فقالت قد شئت إن شاء فلان أنها قد ردت الأمر ولا يلزمه الطلاق إن شاء فلان كذلك قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الشافعي. ولأصحاب الشافعي في هذه المسألة وجهان حكاهما الماوردي وغيره ومن ذلك قال ابن المنذر أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا قال لامرأته أنت طالق ثلاثا إلا إثنتين أنها تطلق واحدة وإن قال أنت طالق ثلاثا إلا واحدة أنها تطلق ثنتين فإن قال: أنت طالق(2\/599)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "451",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3732",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثلاثا إلا ثلاثا طلقت ثلاثا وممن حفظ هذا عنه الثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي والخلاف في المسألة مشهور فمذهب أحمد المنصوص عنه إذا قال أنت طالق ثلاثا إلا ثنتين وقعت الثلاث لأن استثناء الأكثر عنده باطل وإذا قال ثلاثا إلا واحدة صح الاستثناء في المشهور من مذهبه. وقال أبو بكر عبد العزيز لا يصح الاستثناء في الطلاق وهو نظير أشهر الروايتين عند شريح فيما إذا قال أنت طالق إن دخلت الدار أنها تطلق ولا يتعلق بالشرط المؤخر وهي رواية ثابتة عن أحمد وأكثر أجوبته كقول الجمهور. ومن ذلك ما حكاه أن ابن عبد البر نقل(2\/600)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "452",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3733",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإجماع على أن الاعتكاف يلزم بالشروع فقال وقال مالك يلزمه بالنية مع الدخول وإن قطعه لزمه قضاؤه. قال ابن عبد البر لا يختلف في ذلك الفقهاء ويلزمه القضاء عند جمهور العلماء والخلاف في ذلك أشهر شيء فمذهب الشافعي وأحمد في مشهور قوله إنه لا يلزم وقال الشافعي كل عمل لك أن لا تدخل فيه فإذا دخلت فيه فليس عليك أن تقضي إلا الحج والعمرة. ومن ذلك ما حكاه صالح بن أحمد عن أبيه أنه قال لا اختلاف أنه لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم والخلاف في ذلك مشهور عن الصحابة والتابعين. ومن ذلك ما ذكره أبو عمر بن عبد البر في الاستذكار قال وأما القراءة في الركوع والسجود(2\/601)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "453",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3734",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فجميع العلماء على أن ذلك لا يجوز اه وليس ذلك بإجماع فقد سئل عطاء عن ذلك فقال رأيت عبيد بن عمير يقرأوهو راكع وحكي عن سلمان بن ربيعة أنه كان يقرأوهو ساجد وقال مغيرة عن إبراهيم في الرجل يقرأ فيترك الآية فيذكرها وهو راكع قال يقرأها وهو راكع وقال مغيرة كانوا يقرأون في الركوع الآية والآيتين إذا بقي على الرجل من قراءته.(2\/602)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "454",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3735",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن ذلك ما حكاه إبراهيم بن مسلم الخوارزمي في كتاب الطهور وقد ذكر من كان يتوضأ من مس الذكر ثم قال وهو منسوخ لأن أهل العلم اجتمعوا على خلاف هذا. ومن ذلك ما ذكره أبو عمر بن عبد البر فقال وأما الشهادة على رؤية الهلال فأجمع الفقهاء على أنه لا يقبل في شهادة شوال في الفطر إلا شهادة رجلين عدلين والخلاف في ذلك مشهور وقد حكى ابن المنذر عن أبي ثور وطائفة من أهل الحديث القول بقول الواحد في الصوم والفطر. ومن ذلك ما قاله أبو ثور لا يختلفون أن أقل الطهر خمسة عشر يوما والخلاف في ذلك مشهور وقد قال إسحاق توقيت هؤلاء بخمسة عشر باطل وقال أحمد في إحدى الروايتين عنه أقله ثلاثة عشر يوما.(2\/603)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "455",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3736",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن ذلك ما حكاه غير واحد من العلماء أن الحالف بالطلاق والعتاق إذا حنث في يمينه أنه تطلق عليه زوجته ويعتق عليه عبده أو جاريته حكى ذلك بضعة عشر من أهل العلم وعذرهم أنهم قالوا بموجب علمهم وإلا فالخلاف في ذلك ثابت عن السلف والخلف من وجوه: الوجه الأول: ما رواه الأنصاري حدثنا أشعث ثنا بكر عن أبي(2\/604)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "456",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3737",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رافع أن مولاته أرادت أن تفرق بينه وبين امرأته فقالت هي يوما يهودية ويوما نصرانية وكل مملوك لها حر وكل مال لها في سبيل الله وعليها المشي إلى بيت الله إن لم تفرق بينهما فسألت عائشة وابن عمر وابن عباس وحفصة وأم سلمة فكلهم قال لها أتريدين أن تكوني مثل هاروت وماروت وأمروها أن تكفر يمينها وتخلي بينهما. وقال يحيى بن سعيد القطان عن سليمان(2\/605)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "457",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3738",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التيمي حدثنا بكر بن عبد الله عن أبي رافع فذكره عن زينب ورواه الأوزاعي حدثني حسن بن الحسن حدثني بكر بن عبد الله المزني حدثني(2\/606)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "458",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3739",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رافع فذكره وذكر فيه العتق فهذه ثلاث طرق فقد برىء سليمان التيمي من عهدة التفرد بذكر العتق بمتابعة أشعث وحسن بن الحسن له حتى ولو تفرد بها التيمي فهو أجل من أن يرد ما تفرد به وهو أجل من الذين لم يذكروا الزيادة فصح ذكر العتق في هذا الأثر وزال الارتياب فهؤلاء ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم لهم مخالف أفتوا من قالت كل مملوك لها حر إن لم تفرق بين مملوكها وبين امرأته أن تكفر يمينها وتخلي بين الرجل وامرأته وهم ابن عباس في سعة علمه وابن عمر في شدة ورعه وتحريه وأبو هريرة مع كثرة حفظه وعائشة وحفصة وأم سلمة وهؤلاء من أفقه نساء الصحابة أو أفقههن على الإطلاق. فإن كان التقليد فمن جعل هؤلاء بينه وبين الله أعذر عند الله ممن جعل بينه وبينه من لا يدانيهم وأن(2\/607)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "459",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3740",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان الدليل والحجة فهاتوا دليلا واحدا لا يطعن فيه من كتاب الله أو سنة رسوله أو قياس يستوي فيه حكم الأصل والفرع على وقوع الطلاق المحلوف به وأكثركم لم يعول في ذلك إلا على ما ظنه من الإجماع وهو معذور قبل الاطلاع على النزاع فما عذره بعد الاطلاع على أن المسألة مسألة خلاف بين الأئمة إذا استحل عقوبة من يفتي بها وجاهر بالكذب والبهت أنه خالف إجماع الأمة أفترى هؤلاء الذين هم من سادات الأمة وعلمائها يفتون بالكفارة في العتق وبلزوم الطلاق وهل يمكن بشر على وجه الأرض أن يفرق بين قول الحالف إن فعلت كذا فعبدي حر وبين قوله إن فعلت كذا وكذا فإمرأتي طالق بفرق تلوح منه رائحة الفقه. الوجه الثاني: من الوجوه المثبتة أن المسألة مسألة(2\/608)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "460",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3741",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نزاع لا مسألة إجماع ما رواه عبد الرزاق في جامعه حدثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه أنه كان لا يرى الحلف بالطلاق شيئا قلت أكان يراه يمينا قال لا أدري. الوجه الثالث: ما رواه سنيد بن داود في تفسيره حدثنا عباد بن عباد المهلبي عن عاصم الأحول عن عكرمة في رجل قال لغلامه إن لم أجلدك مائة سوط فامرأتي طالق.(2\/609)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "461",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3742",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال لا يجلد غلامه ولا تطلق امرأته هذا من خطوات الشيطان. الوجه الرابع: أن في الطلاق المعلق بالشرط قولين للعلماء أحدهما يقع عند وقوع شرطه والثاني لا يقع بحال ولا يتعلق الطلاق بالشرط كما لا يتعلق النكاح به وهذا اختيار أجل أصحاب الشافعي الذي أخذ عنه وكان يلازمه أبو عبد الرحمن ولا ينزل اختياره عن درجة من له وجه من المتأخرين بل هو أجل من أصحاب الوجوه وهو مذهب داود بن علي الأصبهاني وابن حزم وأصحابهما. قال أبو محمد بن حزم واليمين بالطلاق لا يلزم(2\/610)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "462",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3743",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سواء بر أو حنث لا يقع به طلاق ولا طلاق إلا كما أمر الله عز وجل ولا يمين إلا كما أمر الله على لسان رسوله والطلاق بالصفة عندنا كما هو الطلاق باليمين لا يجوز وكل ذلك لا يلزم ولا يكون طلاق إلا كما أمر الله عز وجل به وعلمه وهو القصد إلى الطلاق وأما ما عدا ذلك فباطل وممن قال بقولنا في أن اليمين بالطلاق ليس شيئا ولا يقضى به على من حلف به علي بن أبي طالب وشريح وطاوس ولا يعرف لعلي مخالف من الصحابة. الوجه الخامس: أن أبا الحسين القدوري ذكر في(2\/611)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "463",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3744",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شرحه أنه إذا قال طلاقك علي واجب أو لازم أو فرض أو ثابت أو إن فعلت كذا فطلاقك علي واجب أو لازم أو ثابت ففعلت قال فعلى قول أبي حنيفة لا يقع الطلاق في الكل وعند أبي يوسف إن نوى الطلاق يقع في الكل وعن محمد يقع في قوله لازم ولا يقع في قوله واجب قال صاحب الذخيرة: وكان الشيخ ظهير الدين المرغيناني يفتي بعدم الوقوع في الكل الوجه السادس: إن القفال أفتى في قوله الطلاق(2\/612)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "464",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3745",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يلزمني أنه لا يقع به الطلاق نواه أو لم ينوه قال قال أبو القاسم عبد الرحمن بن يونس في شرح التنبيه في قول المصنف وإن قال الطلاق والعتاق لازم لي ونواه لزمه لأنهما يقعان بالكناية مع النية وهذا اللفظ يحتمل فجعل كناية فقال الروياني الطلاق لازم صريح وعد ذلك في صرايح الطلاق ولعل وجهه عنده استعماله لإرادة الطلاق وقال القفال في فتاويه ليس بصريح ولا كناية حتى لا يقع به الطلاق وإن نواه.(2\/613)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "465",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3746",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه السابع: إن أشهب بن عبد العزيز وهو من أجل أصحاب مالك أفتى فيمن قال لإمرأته إن فعلت كذا وكذا فأنت طالق ففعلته تقصد وقوع الطلاق به أنها لا تطلق مقابلة لها بنقيض قصدها كما لو قتل الوارث مورثه أو المدبر سيده أو الموصي له ونظائر ذلك مما يقابل به الرجل بنقيض قصده ذكر ذلك عنه ابن رشد في مقدماته وهذا محض الفقه لو كان الحلف يقع به الطلاق.(2\/614)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "466",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3747",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثامن: أن أصحاب مالك من أشد الناس في هذا الباب فلا يعذرون الحالف بجهل ولا نسيان ويوقعون الطلاق على من حلف على مالا يعلم فبان كما حلف عليه ومع هذا فقد حكوا عدم الوقوع بالحلف بالطلاق عن علي بن أبي طالب وشريح وطاوس ونحن نذكر ألفاظهم قال أبو القاسم عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن بزيزة في كتاب مصالح الأفهام في شرح كتاب الأحكام الباب الثالث في حكم اليمين بالطلاق فقد قدمنا في كتاب الإيمان اختلاف العلماء في اليمين بالطلاق والعتق والمشي(2\/615)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "467",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3748",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وغير ذلك هل يلزم أم لا فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وشريح وطاوس لا يلزم عن ذلك شيء ولا يقضى بالطلاق على من حلف به فحنث ولا يعرف لعلي في ذلك مخالف من الصحابة هذا لفظه مع اعتقاده وقوع الطلاق على من حلف به فحنث ولم يطعن في هذا النقل ولم يعترضه باعتراض. الوجه التاسع: إن فقهاء الإمامية من أولهم إلى آخرهم ينقلون عن أهل البيت أنه لا يقع الطلاق المحلوف به وهذا متواتر عندهم عن جعفر بن محمد وغيره من أهل البيت. وهب أن مكابرا كذبهم كلهم وقال قد تواطئوا(2\/616)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "468",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3749",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على الكذب عن أهل البيت ففي القوم فقهاء وأصحاب علم ونظر في اجتهاد وإن كانوا مخطئين مبتدعين في أمر الصحابة فلا يوجب ذلك الحكم عليهم كلهم بالكذب والجهل وقد روى أصحاب الصحيح عن جماعة من الشيعة وحملوا حديثهم واحتج به المسلمون ولم يزل الفقهاء ينقلون خلافهم ويبحثون معهم والقوم وإن أخطأوا في بعض المواضع لم يلزم من ذلك أن يكون جميع ما قالوه خطأ حتى يرد عليهم هذا لو انفردوا بذلك عن الأمة فكيف وقد وافقوا في قولهم من قد حكينا قولهم وغيره ممن لم تقف على قوله. الوجه العاشر: إنه لم يزل أئمة الإسلام يفتون بما يظهر لهم من الدليل وإن لم يتقدمهم إليه أحد وإذا شئت أن تقف على ذلك فانظر إلى كثير من فتاوي الأئمة التي لا تحفظ عن أحد من أهل العلم قبلهم. وقال إسحاق بن منصور الكوسج سألت إسحاق عن مسألة فذكر قوله فيها فقلت إن أخاك(2\/617)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "469",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3750",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحمد بن حنبل أجاب فيها بمثل جوابك فقال ما ظننت أن أحدا يوافقني عليها. وقال ابن المنذر وهو من أعلم الناس بالإجماع والاختلاف لم يسبق الشافعي إلى نجاسة الأبوال أحد يريد بول ما يؤكل لحمه وقال شيخنا لم يسبق أحمد بن حنبل إلى الحكم بإسلام أولاد أهل الذمة الصغار بموت آبائهم أحد ولم يسبقه إلى إقعاد المرأة أول ما ترى الدم يوما وليلة ثم تصلي وهي ترى الدم أحد. وأما غيره فمن له أدنى اطلاع على أقوال السلف والخلف لا يخفى عليه ذلك ولكثرته تركنا ذكره. الوجه الحادي عشر: أنا لو لم نعلم النزاع في هذه المسألة لم يكن لنا علم بالإجماع المعلوم الذي تكون مخالفته(2\/618)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "470",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3751",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كفرا أو فسقا عليها بل ولا ظن به فإنا قد رأينا أكثر هؤلاء الذين يحكون الإجماع إنما يحكونه على حسب اطلاعهم ومعناه عدم العلم بالمخالف وقد رأيت من نقض إجماعاتهم التي حكوها ما هو قليل من كثير. فغاية هذه الإجماعات أن تفيدنا عدم علم ناقلها بالخلاف وهذا بمجرده لا يكون عذرا للمجتهد في ترك موجب الدليل والله أعلم. فصل ومن ذلك نقل من نقل الإجماع على أن المتكلم بالطلاق الثلاث في مرة واحدة يقع به الثلاث وقال بموجب علمه وما بلغه وإلا فالخلاف في هذه المسألة ثابت من وجوه: الوجه الأول: إنه على عهد الصديق إنما كان يفتي بأنها واحدة كما روى مسلم في صحيحه أن أبا الصهباء قال(2\/619)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "471",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3752",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لعبد الله بن عباس ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر من طلق ثلاثا جعلت واحدة قال نعم وذكر الحديث ومن تتبع ألفاظه وطرقه جزم ببطلان تلك التأويلات التي غايتها أن يتطرق إلى بعض ألفاظه وسياق طرقه وألفاظه صريحة في المراد فلو قال القائل إن هذا مذهب أبي بكر الصديق وجميع الصحابة في عهده أصاب وصدق حاش من لم يصرح منهم بأنها ثلاث وهم جمع من الصحابة صح ذلك عنهم بلا ريب فأقل أحوال المسألة أن تكون مسألة نزاع بين الصحابة.(2\/620)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "472",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3753",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثاني: إنه صح عن ابن عباس بإسناد صحيح أنه أفتى بأنها واحدة ذكر ذلك أبو داود وغيره الوجه الثالث: إن هذا مذهب الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف حكاه عنهما ابن وضاح وابن مغيث في وثائقه وغيرهما الوجه الرابع: إنه إحدى الروايتين عن علي وابن مسعود وابن عباس الوجه الخامس: إنه مذهب طاوس وخلاس بن عمرو(2\/621)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "473",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3754",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومحمد بن إسحاق وداود وجمهور أصحابه الوجه السادس: أنه مذهب إسحاق بن راهويه في غير المدخول بها صرح به في كتاب اختلاف العلماء له وهو مذهب بعض فقهاء التابعين الوجه السابع: أنه أحد القولين في مذهب مالك حكاه التلمساني في شرح التفريع قال ابن الجلاب ومن(2\/622)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "474",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3755",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طلق امرأته ثلاثا في كلمة واحدة حرمت عليه قال الشارح إذا كان ذلك في كلمات فلا خلاف في حرمتها لقوله تعالى الطلاق مرتان [البقرة229] إلى قوله فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره [البقرة230] وإن كان في كلمة ففيه خلاف هل يرجع إلى الواحدة والمشهور من المذهب أنها ثلاث ثم قال الشارع في موضع آخر في قوله من طلق امرأته ثلاثا في كلمة قال هذا تنبيه على الخلاف وهو أن الثلاث في كلمة ترجع إلى الواحدة وهو قول شاذ في المذهب ووجهه ما روي أن الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت واحدة. الوجه الثامن: أنه أحد القولين في مذهب أبي حنيفة اختاره محمد بن مقاتل الرازي حكاه عنه الطحاوي.(2\/623)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "475",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3756",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه التاسع: أنه أحد القولين في مذهب أحمد حكاه شيخنا واختاره وأفتى به وأقل درجات اختياراته أن يكون وجها في المذهب ومن الممتنع أن يكون اختيار ابن عقيل وأبي الخطاب والشيخ أبي محمد وجوها يفتى بها واختيارات شيخ الإسلام لا تصل إلى هذه المرتبة فالذي يجزم به أن دخول الكفارة في الحلف بالطلاق وكون الثلاث في كلمة واحدة واحدة أحد الوجهين في مذهب أحمد وهو مخرج على أصوله أصح تخريج والغرض نقض قول من ادعى الإجماع في ذلك ولتقرير هذه المسألة موضع آخر.(2\/624)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "476",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3757",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه العاشر: أنه من المحال أن تجمع الأمة على لزوم الثلاث وفيها حديثان صحيحان صريحان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا معارض لهما ولا ناسخ وحديث آخر ظاهر في عدم الوقوع. الحديث الأول: حديث أبي الصهباء عن ابن عباس وقد رواه مسلم في صحيحه الحديث الثاني قال الإمام أحمد في مسنده حدثنا سعد بن إبراهيم حدثنا أبي حدثنا محمد بن إسحاق حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال طلق ركانة بن عبد يزيد أخو المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;كيف طلقها قال طلقتها ثلاثا قال في مجلس واحد قال نعم قال فإنما تلك واحدة فأرجعها إن شئت قال فرجعهاquot;.(2\/625)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "477",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3758",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال وكان ابن عباس يرى أن الطلاق عند كل طهر ورواه محمد بن عبد الواحد المقدسي في مختارته التي هي أصح من صحيح الحاكم فهذا من رواية عكرمة عن ابن عباس والأول من رواية طاوس وكان طاوس وعكرمة يقولان هي واحدة. قال إسماعيل بن إبراهيم ثنا أيوب عن عكرمة(2\/626)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "478",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3759",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذ قال أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة قال أبو داود وروى حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس إذا قال أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة فهؤلاء رواة الحديث عن ابن عباس قد أفتوا به ومنهم محمد بن إسحاق كان يفتي بأن من قال أنت طالق ثلاثا فهي واحدة. وكان يقول من جهل السنة فيرد إليها وهذا عين الفقه فإن العامي الجاهل إذا جهل سنة الطلاق وطلق رد طلاقه إلى السنة لقوله كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد. وأما الحديث الظاهر في عدم لزوم الثلاث فهو حديث محمود بن لبيد قال أخبر النبي عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقام غضبان(2\/627)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "479",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3760",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم قال: quot; أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركمquot; حتى قام رجل فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أقتله رواه النسائي ولم يقل إنه أجازه عليه بل الظاهر برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقرب من القطع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجيز حكما تلاعب موقعه بكتاب الله بل هو أشد ردا له وإبطالا والله المستعان. فصل ومن ذلك حكاية من حكى الإجماع على وقوع الطلاق في الحيض بحسب ما بلغه والمسألة مسألة نزاع لا مسألة إجماع فصح عن ابن عمر أنه قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض لا تعتد بذلك وصح عن طاوس أنه كان لا يرى طلاقا ما خالف وجه الطلاق ووجه العدة وكان يقول وجه الطلاق أن يطلقها(2\/628)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "480",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3761",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طاهرا من غير جماع أو إذا استبان حملها وصح عن خلاس بن عمرو أنه قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض قال لا يعتد بها قال أبو محمد بن حزم ويكفي من هذا كله المسند البين الثابت الذي خرجه أبو داود السجستاني قال حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الرزاق حدثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عزة يسأل ابن عمر قال أبو الزبير وأنا أسمع كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضا فقال ابن عمر طلق ابن عمر امرأته وهي(2\/629)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "481",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3762",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عمر عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض قال عبد الله فردها علي ولم يرها شيئا وقال: quot;إذا طهرت فليطلق أو ليمسكquot; وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن [الطلاق1] قال وهذا إسناد في غاية الصحة لا يحتمل التوجيهات والكلام على هذا الحديث وعلى الحديث(2\/630)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "482",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3763",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الآخر أرأيت إن عجز واستحمق وبيان عدم التعارض بينهما له موضع آخر والمقصد أن المسألة من مسائل النزاع لا من مسائل الإجماع فأحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد أنه لا يقع الطلاق في زمن الحيض اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وبالله التوفيق فلنرجع إلى ما كنا فيه وهو المقصود بذكر هذا الفصل وهو الوهم الواقع بظن الإجماع فيما فيه النزاع حتى يقدم على مقتضى الحديث أو مقتضى الدليل ثم يسلك من ظن الإجماع في تلك الأدلة مسلك التأويل فيكون الحامل له على التأويل ما ظنه من الإجماع فإذا تبين الخلاف الثابت في المسألة لم يبق للتأويل بما يخالف الظاهر مساغ وبالله التوفيق.(2\/631)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "483",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3764",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "مدخل",
        "content": "الفصل الرابع والعشرون: في ذكر الطواغيت الأربع التي هدم بها أصحاب التأويل الباطل معاقل الدين وانتهكوا بها حرمة القرآن ومحوا بها رسوم الإيمان مدخل ... الفصل الرابع والعشرون: في ذكر الطواغيت الأربع التي هدم بها أصحاب التأويل الباطل معاقل الدين وانتهكوا بها حرمة القرآن ومحوا بها رسوم الإيمان وهي قولهم: إن كلام الله وكلام رسوله أدلة لفظية لا تفيد علما ولا يحصل منها يقين وقولهم: إن آيات الصفات وأحاديث الصفات مجازات لا حقيقة لها وقولهم: إن أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة التي رواها العدول وتلقتها الأمة بالقبول لا تفيد العلم وغايتها أن تفيد الظن وقولهم: إذا تعارض العقل ونصوص الوحي أخذنا بالعقل ولم نلتفت إلى الوحي فهذه الطواغيت الأربع هي التي فعلت بالإسلام ما فعلت وهي التي محت رسومه وأزالت معالمه وهدمت قواعده وأسقطت حرمة النصوص من القلوب ونهجت طريق الطعن فيها لكل زنديق وملحد فلا يحتج عليه(2\/632)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "484",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3765",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المحتج بحجة من كتاب الله أو سنة رسوله إلا لجأ إلى طاغوت من هذه الطواغيت واعتصم به واتخذه جنة يصد به عن سبيل الله والله تعالى بحوله وقوته ومنه وفضله قد كسر هذه الطواغيت طاغوتا طاغوتا على ألسنة خلفاء رسله وورثة أنبيائه فلم يزل أنصار الله ورسوله يصيحون بأهلها من أقطار الأرض ويرجمونهم بشهب الوحي وأدلة المعقول ونحن نفرد الكلام عليها طاغوتا طاغوتا(2\/633)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "485",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3766",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الطاغوت الأول: قولهم نصوص الوحي أدلة لفظية وهي لا تفيد اليقين",
        "content": "الطاغوت الأول: قولهم نصوص الوحي أدلة لفظية وهي لا تفيد اليقين قال متكلمهم مسألة الدليل اللفظي لا يفيد اليقين إلا عند تيقن أمور عشرة عصمة رواة تلك الألفاظ وإعرابها وتصريفها وعدم الاشتراك والمجاز والنقل والتخصيص بالأشخاص والأزمنة وعدم الإضمار والتقديم والتأخير والنسخ وعدم المعارض العقلي الذي لو كان لرجح عليه إذ ترجيح النقل على العقل يقتضي القدح(2\/633)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "486",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3767",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في العقل المستلزم للقدح في النقل لافتقاره إليه فإذا كان المنتج ظنيا فما ظنك بالنتيجة قال شيخ الإسلام والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أنا لا نسلم أنه موقوف على هذه المقدمات العشر بل نقول ليس موقوفا على ما به يعرف مراد المتكلم فإن مراد القائل بقوله الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين أنه لا يعلم بها مراد المتكلم فأما كون مراده مطابقا للحق فذاك مبني على ثبوت صدقه وعلمه وليس مرادهم هذا وإن أرادوا ذلك دون الأول فهو موقوف على ثبوت عصمة المتكلم ومعرفة صدقه فقط فمن عرف أن الرسول أراد هذا المعنى وعرف أنه صادق حصل له العلم اليقيني والمقدمة الثانية: إيمانية فإن كل من شهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم علم أنه خبر مطابق لمخبره فلا يجوز عليه الإخبار بما لا يطابق مخبره وأما المقدمة الأولى فتعرفها علماء أمته وورثته وخلفاؤه قلت هاهنا أمران أحدهما اليقين بمراد المتكلم والثاني اليقين بأن ما أراده هو الحق فقول القائل كلام(2\/634)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "487",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3768",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله ورسوله لا يفيد اليقين يحتمل أن يريد به مجموع الأمرين أي لا يفيد علما بمراده ولو أفاد علما بالمراد لم يفد علما بكون ذلك المراد مطابقا للحق في نفس الأمر ويحتمل أن يريد به المعنى الأول فقط وأنه لو حصل لنا اليقين بمراده لحصل لنا اليقين بكونه حقا في نفس الأمر ويحتمل أن يريد به المعنى الثاني فقط وهو أنه لو حصل اليقين بمراده لم يحصل اليقين بكونه مطابقا للحق فإن ذلك لا يعلم إلا بأدلة والمعقول لا يعلم بمجرد الخبر فهذه ثلاثة احتمالات فإن أراد المعنى الأول أو الثالث كان ذلك قدحا في الإيمان به وتجويز الكذب عليه وأمثال ذلك مناف للجزم بتصديقه وإن أراد المعنى الثاني وحده وهو أنها لا يحصل منها اليقين بمراده ولو حصل ذلك منها لحصل اليقين بكونه حقا فهذا وإن لم يقدح في تصديقه فهو قادح في تحكيمه والتحاكم إليه والاهتداء بكلامه موجب لعزله عن ذلك والإعراض عنه لأن التحاكم إلى من لا يفيدك كلامه علما ولا يقينا لا يحصل به المقصود. فإذا انضم إلى هذه المقدمة أن النقل إذا عارض العقل وجب تقديم العقل كمل عزل الوحي واستحكم الإعراض عنه في باب معرفة الله عز وجل واسمائه وصفاته وأفعاله فنقول معرفة مراد المتكلم تحصل بالنقل المتواتر كما حصل العلم بأنه قال ذلك اللفظ بالنقل المتواتر فإنا نعلم أن قوله لله على الناس حج البيت [آل عمران97](2\/635)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "488",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3769",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "متواتر نقل لفظه ونقل معناه عن الرسول ونعلم أن المراد بالله رب العالمين وبالناس بنو آدم وبالبيت الكعبة التي يحجها الناس بمكة كما علمنا بالمتواتر أن الرسول بلغ هذا الكلام عن الله وكذلك نعلم بالتواتر أن قوله تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن [البقرة185] المراد به هذا الشهر الذي بين شعبان وشوال وأن القرآن هذا الكتاب الذي بين دفتي المصحف وكذلك عامة ألفاظ القرآن نعلم قطعا مراد الله ورسوله منها كما نعلم قطعا أن الرسول بلغها عن الله فغالب معاني القرآن معلوم أنها مراد الله خبرا كانت أو طلبا بل العلم بمراد الله من كلامه أوضح وأظهر من العلم بمراد كل متكلم من كلامه لكمال علم المتكلم وكمال بيانه وكمال هداه وإرشاده وكمال تيسيره للقرآن حفظا وفهما عملا وتلاوة فكما بلغ الرسول ألفاظ القرآن للأمة بلغهم معانيه بل كانت عنايته بتبليغ معانيه أعظم من مجرد تبليغ ألفاظه ولهذا وصل العلم بمعانيه إلى من لم يصل إليه حفظ ألفاظه والنقل لتلك المعاني أشد تواترا وأقوى اضطرارا فإن حفظ المعنى أيسر من حفظ اللفظ وكثير من الناس يعرف صورة المعنى ويحفظها ولا يحفظ اللفظ والذين نقلوا الدين عنه علموا مراده قطعا لما تلا عليهم من تلك الألفاظ. ومعلوم أن المقتضى التام لفهم الكلام الذي بلغهم إياه(2\/636)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "489",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3770",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قائم وهم قادرون على فهمه وهو قادر على إفهامهم وإذا حصل المقتضى التام لزم وجود مقتضاه وبالجملة فالأدلة السمعية اللفظية قد تكون مبنية على مقدمتين يقينتين إحداهما: أن الناقلين إلينا فهموا مراد المتكلم والثانية: أنهم نقلوا إلينا ذلك المراد كما نقلوا اللفظ الدال عليه وكلا المقدمتين معلومة بالاضطرار فإن الذين خاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم باسم الصلاة والزكاة والصوم والحج والوضوء والغسل وغيرها من ألفاظ القرآن في سائر الأنواع من الأعمال والأعيان والأزمنة والأمكنة وغيرها يعلم بالاضطرار أنهم فهموا مراده من تلك الألفاظ التي خاطبهم بها أعظم من حفظهم لها وهذا مما جرت به العادة في كل من خاطب قوما بخطبة أو دارسهم علما أو بلغهم رسالة وإن حرصه وحرصهم على معرفة مراده أعظم من حرصهم على مجرد حفظ ألفاظه ولهذا يضبط الناس من معاني المتكلم أكثر مما يضبطونه من لفظه فإن المقتضى لضبط المعنى أقوى من المقتضى لحفظ اللفظ لأنه هو المقصود واللفظ وسيلة إليه وإن كانا مقصودين فالمعنى أعظم المقصودين والقدرة عليه أقوى فاجتمع عليه قوة الداعي وقوة القدرة وشدة الحاجة فإذا كانوا قد نقلوا الألفاظ التي قالها الرسول مبلغا لها عن الله(2\/637)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "490",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3771",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وألفاظه التي تكلم بها يقينا فكذلك نقلهم لمعانيها فهم سمعوها يقينا وفهموها يقينا ووصل إلينا لفظها يقينا ومعانيها يقينا وهذه الطريقة إذا تدبرها العاقل علم أنها قاطعة وأن الطاعن في حصول العلم بمعاني القرآن شر من الطاعن في حصول العلم بألفاظه ولهذا كان الطعن في نقل بعض ألفاظه من فعل الرافضة وأما الطعن في حصول العلم بمعانيه فإنه من فعل الباطنية الملاحدة فإنهم سلموا بأن الصحابة نقلوا الألفاظ التي قالها الرسول وأن القرآن منقول عنه لكن ادعوا أن لها معاني تخالف المعاني التي يعلمها المسلمون وتلك هي باطن القرآن وتأويله. وقول القائل الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين دهليز(2\/638)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "491",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3772",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى مذهب هؤلاء ومرقاة إليه لكن الفرق بينهما أنه يقول لا أعلم مراد المتكلم بها وهم يقولون مراده هذه التأويلات الباطنة. وما جاء به الرسول نوعان طلب وخبر فالطلب يقولون المراد به تحصيل الأخلاق التي تستعد بها النفس لنيل العلوم العقلية فإذا حصلت لها تلك المعارف لم يكن لاشتغالها بتلك الأسباب التي أمرت بها فائدة فسقط عنها ما يجب على غيرها من النفوس الجاهلة ويباح لها ما يحرم على غيرها وعند هؤلاء مقصود الشرائع تعديل النفوس بالأخلاق التي تعدها لإدراك العلوم. وأما الأخبار فعقلاؤهم ورؤوسهم يعلمون قطعا أن الرسل إنما أرادت إفهام الخلق ظواهرها وما دلت عليه لكن لا حقيقة لها في نفس الأمر والرسل كانت تعلم ذلك لكن خيلوا إلى الناس ما ينتفعون به ويكونون به أدعى إلى الانقياد ولم يكن ذلك إلا بإظهار ما لا حقيقة له وذلك سائغ للمصلحة إذ كان فهم الجمهور عندهم للحقائق في نفس الأمر يوجب انحلالهم وانهماكهم في الشهوات. وطائفة منهم تزعم أن الرسل إنما قصدت إفهام تلك التأويلات لكن أهل الظاهر غلظ حجابهم وكثفت أفهامهم عن إدراكها فوقعوا بسبب قصور أفهامهم في العناء والمشقة وتحمل أعباء التكاليف وهؤلاء وضعوا لهم قانونا في تأويل الأمر والنهي والخبر كما وضعت الجهمية(2\/639)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "492",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3773",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والقدرية لهم قانونا في تأويل آيات الصفات وأخبارها واتفقت الطائفتان على تقديم ما ظنوه من العقليات على نصوص الوحي وأنها لا يستفاد منها علم أصلا ولا يعرف أحد من فرق الإسلام قبل ابن الخطيب وضع هذا الطاغوت وقرره وشيد بنيانه وأحكمه مثله بل المعتزلة والأشعرية والشيعة والخوارج وغيرهم يقولون بفساد هذا القانون وإن اليقين يستفاد من كلام الله ورسوله وإن كان بعض هذه الطوائف يوافقون صاحب هذا القانون في بعض المواضع فلم يقل أحد منهم قط إنه لا يحصل اليقين من كلام الله ورسوله البتة.(2\/640)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "493",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3774",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل الطريق الثاني: في إبطال هذا الأصل أن يقال من المعلوم أن دلالة الأدلة اللفظية لا تختص بالقرآن والسنة بل جميع بني آدم يدل بعضهم بعضا بالأدلة اللفظية والإنسان حيوان ناطق فالنطق ذاتي له وهو مدني بالطبع لا يمكن أن يعيش وحده كما يعيش الوحش بل لا يمكنه أن يعيش إلا مع بني جنسه فلا بد أن يعرف بعضهم مراد بعض ليحصل التعاون فعلمهم الحكيم العليم تعريف بعضهم بعضا مراده بالألفاظ كما قال تعالى الرحمن علم القرآن خلق الأنسان علمه البيان [الرحمن4 , 1] وقال تعالى وعلم آدم الأسماء كلها [البقرة31] وقال علم الأنسان ما لم يعلم [العلق5] فكانت حكمة ذلك التعليم تعريف مراد المتكلم فلو لم يحصل له المعرفة كان في ذلك إبطال لحكمة الله وإفساد لمصالح بني آدم وسلب الإنسان خاصيته التي ميزه بها على سائر الحيوان وهذه الطريق يستدل بها من وجوه(2\/641)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "494",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3775",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها: أن هذا المقصود ضروري في حياة بني آدم فلا بد من وجوده فلو لم تفد الأدلة اللفظية العلم بمراد المتكلم لم يعش بنو آدم واللازم منتف فالملزوم مثله الثاني: أنا نعلم قطعا أن جميع الأمم يعرف بعضهم مراد بعض بلفظه ويقطع به ويتيقنه فقول القائل الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين قدح في العلوم الضرورية التي اشترك الناس في العلم بها. الثالث: أن معرفة الناس بمراد المتكلم منهم بكلامه أعظم من معرفتهم عامة العلوم العقلية فمعرفتهم مراد المتكلم لهم بكلامه أتم وأقوى من معرفتهم بتلك القوانين التي وضعها أربابها للقدح في إفادة الخطاب لليقين. الرابع: أن الطفل أول ما يميز يعرف مراد من يربيه بلفظه قبل أن يعرفه شيئا من العلوم الضرورية فلا أقدم عنده ولا اسبق من تيقنه لمراد من يخاطبه بلفظه فالعلم بذلك مقدم على سائر العلوم الضرورية فمن جعل العقليات تفيد اليقين والسمعيات لا تفيد معرفة مراد المتكلم فقد قلب الحقائق وناقض الفطرة وعكس الواقع.(2\/642)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "495",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3776",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخامس: أن كل إنسان يدل غيره بالأدلة اللفظية على ما يعرفه ويعرف مراد غيره بالأدلة اللفظية وأما الاستدلال بالعقليات الكلية فلا يعرفه إلا بعض الناس وما يعرفه كل أحد ويتيقنه فهو أظهر مما لا يعرفه إلا بعض الناس. السادس: أن التعريف بالأدلة اللفظية أصل للتعريف بالأدلة العقلية فمن لم يكن له سبيل إلى العلم بمدلول هذه لم يكن له سبيل إلى العلم بمدلول تلك بل العلم بمدلول الأدلة اللفظية أسبق فإنه يوجد في أول تمييز الإنسان وحينئذ فالقدح في حصول العلم بمدلول الأدلة اللفظية قدح في حصول العلم بمدلول الأدلة العقلية بل هي أصل العلم بها فإذا بطل الأصل بطل فرعه يوضحه: الوجه السابع: وهو أن الإنسان في فهمه وإفهامه للدليل العقلي محتاج إلى معرفة مراد المخبر به الذاكر له لمن يخاطبه فإذا لم يحصل له علم بمراده من الدليل فكيف يحصل له علم بالمدلول. الوجه الثامن: أن تعليم الأدلة اللفظية يحسنه كل أحد فما من أحد إلا ويمكنه أن يعرف غيره لغته ويعرفه ما يعرفه بالأدلة اللفظية وأما تعليم الدلالة العقلية فلا يحسنه كل أحد.(2\/643)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "496",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3777",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه التاسع: أن الله سبحانه هدى البهائم والطير أن يعرف بعضها بعضا مرادها بأصواتها كما يشاهد في أجناس الحيوان والطيور فالديك يصوت فيعرف الدجاج مراده والفرس يصهل فيعرف الخيل مراده والكلب ينبح فتعرف الكلاب مراده والهر تنوء فتعرف أولادها مرادها والدجاجة تعرف أفراخها مرادها بصوتها وهذا من تمام عناية الخالق سبحانه بخلقه وهدايته العامة كما قال موسى: قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى [طه50] وقال تعالى سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى [الأعلى3-1] فكيف لا يعلم الآدميون مراد بعضهم من بعض وخطابهم بألفاظهم ولا يجزمون به. الوجه العاشر: أن أبلد الناس وأبعدهم فهما يعلم مراد أكثر من يخاطبه بالكلام الركيك العادم للبلاغة والفصاحة فكيف لا يعلم أذكى الناس وأصحهم أذهانا وأفهاما مراد المتكلم بأفصح(2\/644)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "497",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3778",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكلام وأبينه وأدله على المراد ويحصل لهم اليقين بالعلم بمراده وهل ذلك إلا من أمحل المحال. الوجه الحادي عشر: أن هذا يستلزم الطعن والقدح في بيان المتكلم وفصاحته أو في فهم السامع وذهنه أو فيهما معا فإن عدم العلم بمراده إن كان لتقصير في بيانه كان ذلك قدحا فيه وإن كان لقصور فهم السامع كان كذلك فإذا كان المتكلم تام البيان والمخاطب تام الفهم فكيف يتخلف العلم عنه بمراده. الوجه الثاني عشر: أنه إذا كان التفاهم والعلم بمراد الحيوان من غيره حاصلا للحيوانات فما الظن بأشرف أنواعها وهو الإنسان فما الظن بأشرف هذا النوع وهم العقلاء المعتنون بالبيان والإيضاح فما الظن بالأنبياء المخصوصين من العلم والبيان والأفهام بما ليس مثله لسواهم فما الظن بأفضل الأنبياء وأعلمهم وأكملهم بيانا وأتمهم فصاحة وأقدرهم على التعبير عن المعنى باللفظ الذي لا يزيد عليه ولا ينقص عنه ولا يوهم غيره وأحرصهم على تعليم الأمة وتفهيمهم وأصحابه أكمل الأمم عقلا وفهما وفصاحة وحرصا على فهم مراده فكيف لا يكونون قد تيقنوا مراده بألفاظه وكيف لا يكون التابعون لهم بإحسان قد تيقنوا مرادهم مما بلغوهم إياه عن نبيهم ونقلوه إليهم.(2\/645)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "498",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3779",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثالث عشر: أنا نعلم بالضرورة أن شيوخنا الذين كانوا يخاطبوننا كانوا يعرفونا مرادهم بألفاظهم وقد عرفنا مرادهم يقينا وهكذا نحن فيمن نعلمه ونخاطبه وهم كانوا أفضل منا وأكمل علما وتعليما ومن قبلهم كانوا أفضل منهم وأكمل علما وتعليما ومن قبلهم كذلك وهلم جرا إلى أوائل هذه الأمة فكيف يكون هؤلاء كلهم لم يعلموا مراد الله ورسوله من كلامه ولا حصل لهم يقين بمعرفة مراده من ألفاظه ومن تدبر هذا أو تصوره تبين له أن قول القائل الأدلة اللفظية التي جاء بها الرسول لا تفيدنا علما ولا يقينا من أعظم أنواع السفسطة وأكثر أسباب الزندقة وأن هؤلاء(2\/646)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "499",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3780",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شر من اللاأدرية وشر من الباطنية الوجه الرابع عشر: أن دلالة الأدلة اللفظية على مراد المتكلم أقوى من دلالة الأدلة العقلية على الحقائق الثابتة كما تقدم تقريره فكيف بدلالة المقدمات المشتبهة التي غايتها أن يكون فيها حق وباطل وليس مع أصحابها إلا إحسان الظن بمن قالها فإذا طولبوا بالبرهان على صحتها قالوا هكذا قال العقلاء وهذا أمر قد صقلته أذهانهم وقبلته عقولهم فبين دلالة الأدلة اللفظية على مراد المتكلم ودلالة هذه المقدمات على الحقائق تفاوت عظيم فكيف تفيد هذه اليقين دون تلك وهل هذا إلا قلب للفطر وتعكيس للأذهان. الوجه الخامس عشر: أن دلالة قول الرسول على مراده أكمل من دلالة شبهات هؤلاء العقلية على معارضته بما لا نسبة بينهما فكيف تكون شبهاتهم تفيد اليقين وكلام الله ورسوله لا يفيد اليقين(2\/647)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "500",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3781",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه السادس عشر: أنك إذا تأملت العقليات التي زعموا أنها تفيد اليقين وقدموها على كلام الله ورسوله وجدتها مخالفة لصريح المعقول وقد اعترفوا أنها مخالفة لظاهر المنقول وهذا لا يعرف إلا بالامتحان كحكم عقولهم بأن العرض لا يبقى زمانين وأن الأجسام كلها متماثلة فجسم النار مساو لجسم الماء في الحقيقة وإنما اختلفا بالأعراض وجسم البول مساو لجسم المسك بالحقيقة وإنما اختلفا في أعراضهما وحكم عقولهم بأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وأن ذلك المصدر لا يسمى باسم ولا يوصف بصفة ولا له ماهية غير الوجود المطلق ثم الذي صدر عنه إن وجب أن يكون كذلك كان مصدره أيضا كذلك ولم يكن بالعالم تكثر وإن كان فيه نوع تكثر فقد صدر عنه أكثر من واحد ومثل حكمهم بأن العاقل والمعقول والعقل شيء واحد فالمبدأ الأول عاقل ومعقول وعقل ومثل حكمهم بأن في الخارج كليات لا تتقيد بقيد ولا تتشخص بتشخيص ولا تتعين بتعيين وليست داخلة العالم ولا خارجة وأنها جزء من هذه المعينات ومثل حكمهم بأن ذات الرب تعالى مع كونها خارجة الذهن فليست خارجة العالم ولا داخلة فيه ولا متصلة به ولا منفصلة عنه ولا حالة فيه ولا مباينة له ومثل حكمهم(2\/648)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "501",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3782",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأن الرب تعالى لم يزل قادرا على الفعل في الأزل وحصول المقدور فيه محال ثم انتقل الفعل من الإحالة الذاتية إلى الإمكان الذاتي فلا يحدد بسبب أصلا وحدث من غير تجدد أمر يقتضي حدوثه بل حال الفاعل قبله ومعه وبعده واحدة ومثل حكمهم بأن كلامه معنى واحد لا ينقسم ولا يتجزأ ولا له بعض ولا كل وأن الأمر هو عين النهي وهما عين الخبر والاستخبار فالكل حقيقة واحدة وأن الحواس والإدراكات يصح تعلقها بكل موجود فتؤكل الأصوات وتشم وتذاق وتسمع الروائح والطعوم إلى أضعاف أضعاف ذلك من خواص علومهم التي جعلوها قواطع عقلية تفيد اليقين وكلام الله ورسوله أدلة لفظية لا تفيد اليقين فقد تبين أن ما نفى عنه هؤلاء اليقين من أعظم ما يفيد اليقين وما أثبتوا له اليقين أبعد شيء عن اليقين. الوجه السابع عشر: أن هذا من أنواع السفسطة بل هو شر أنواعها فإن أنواعها ثلاثة أحدها: التجاهل وهو لا أدري وأصحابه يسمون اللاأدرية الثاني: النفي والجحود الثالث قلب الحقائق وهو جعل الموجود معدوما(2\/649)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "502",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3783",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمعدوم موجودا إما في نفس الأمر وإما بحسب الاعتقاد والذي يدعي قلب الحقائق في نفس الأمر أشد سفسطة ممن يدعي أنها تبع لاعتقاد الإنسان فيها فإذا جعلت الأدلة العقلية التي هي من جنس ما تقدم وغيره تفيد اليقين بمدلولاتها الخارجية والأدلة اللفظية التي أعلاها كلام الله ورسوله لا تفيد اليقين كان ذلك من أعظم أنواع السفسطة وأكثر أسباب الزندقة فإن قلت فهم لم يجعلوا كل دليل عقلي يفيد اليقين بل ما كانت مقدماته يقينية وتأليفه صحيحا يوضحه. الوجه الثامن عشر: إن قول القائل الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين إما أن يريد به نفي العموم أو عموم النفي فإن أراد نفي العموم لم يفده شيئا فإن عاقلا لا يدعي أن كل دليل لفظي يفيد اليقين حتى ينصب معه الخلاف ويحتج عليه وإن أراد به عموم النفي كان هذا مكابرة للعيان وبهتا ومجاهرة بالكذب والباطل.(2\/650)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "503",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3784",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه التاسع عشر: أنا نعلم بالاضطرار أن مصنفي العلوم على اختلاف أنواعها علم الناس مرادهم من ألفاظهم علما يقينيا وإنما يقع الشك في قليل من كلامهم ويقل ذلك ويكثر بحسب القابل وقوة إدراكه وجودة تصوره وإلفه لكلامهم وغرائبه منه ومعلوم قطعا أن علم الرسول بما يقوله وحرصه على إفهامه وتعليمه وشدة بيانه له وحرص أمته على فهمه أعظم من حرص هؤلاء المصنفين ومن يتعلم منهم فإذا حصل لأولئك اليقين بمعرفة مراد أرباب التصانيف فحصول اليقين لأهل العلم بكتاب الله وسنة رسوله أولى وأحرى. وليس الكلام في هذا المقام في تثبيت نبوته بل الكلام مع من يقر بنبوته ويشك في معرفة مراده بألفاظه فيقال لا ريب عند كل مؤمن بالله ورسوله أنه كان أعلم الخلق بما يخبر به وما يأمر به فهو أعلم الخلق بما أخبر به عن الله واليوم الآخر وأعلمهم بدينه وشرعه الذي شرعه لعباده وأنه كان أفصح الأمة وأقدرهم على البيان وكشف المعاني فإنه عربي والعرب أفصح الأمم وقرشي وقريش أفصح العرب وهو في نفسه كان أفصح قريش على الإطلاق وقد أقر له أعداؤه بذلك ولهذا قال أنا أفصح العرب بيد أني من قريش واسترضعت في بني سعد بن بكر وقد تكلم(2\/651)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "504",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3785",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الناس في فصاحة الحاضرة والبادية وفي شعر الحاضرة والبادية ورجح هؤلاء من وجه وهؤلاء من وجه ورسول الله صلى الله عليه وسلم جمع الله له كمال فصاحة البادية والحاضرة ومن تدبر كلامه الذي تكلم به والقرآن الذي بلغه عن الله وأخبر أن الله تكلم به وجد التفاضل بين كلامه هو عليه السلام وكلام غيره من البشر ثم من المعلوم بالاضطرار من حاله أنه كان أحرص الناس على هدى أمته وتعليمهم والبيان لهم فاجتمع في حقه كمال القدرة وكمال الداعي وكمال العلم فهو أعلم الناس بما يدعو إليه وأقدرهم على أسباب الدعوة وأعظمهم رغبة وأتمهم نصيحة فإذا كان من هو دونه بمراتب لا تحصى في كل صفة من هذه الصفات قد بين مراده بلفظه كان هو أحق وأولى من كل وجه أن يكون قد استولى على الأمد الأقصى من البيان. فمن قال إن اليقين لا يحصل بألفاظه ولا يستفاد العلم من كلماته كان قدحه في بيانه أعظم من قدحه في مراد سائر العلماء المصنفين ومن قدحه في حصول العلم واليقين بمرادها وإلا كان قدحه في مراد عامة الآدميين أقرب وقدحه(2\/652)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "505",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3786",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في معرفته مراد البهائم بلغاتها أقرب ومن كان قوله مستلزما لهذه اللوازم كان قوله من أفسد أقوال بني آدم وكان قوله قدحا في العقليات والشرعيات والضروريات. الوجه العشرون: إنه من المعلوم أن الصحابة سمعوا القرآن والسنة من النبي وقرأوه وأقرأوه من بعدهم وتكلم العلماء في معانيه وتفسيره ومعاني الحديث وتفسيره وما يتعلق بالأحكام ومالا يتعلق بها وهم مجمعون على غالب معاني القرآن والحديث ولم يتنازعوا إلا في قليل من كثير لا سيما القرون الأولى فإن النزاع بينهم كان قليلا جدا بالنسبة إلى ما اتفقوا عليه وكان النزاع في التابعين أكثر وكلما تأخر الزمان كثر النزاع وحدث من الاختلاف بين المتأخرين ما لم يكن في الذين قبلهم فإن القرآن تضمن الأمر بأوامر ظاهرة وباطنة والنهي عن مناه ظاهرة وباطنة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين مقادير الصلوات ومواقيتها وصفاتها والزكوات ونصبها ومقاديرها وكذلك سائر العبادات وعامة هذه الأمور نقلتها الأمة نقلا عاما متواترا خلفا عن سلف وحصل العلم الضروري للخلق بذلك كما حصل لهم العلم الضروري بأنه بلغهم ألفاظها وأنه قاتل المشركين وأهل الكتاب وأنه بعث بمكة(2\/653)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "506",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3787",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهاجر إلى المدينة وأنه دعا الأمة إلى أن شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرهم أن هذا القرآن كلام الله الذي تكلم به لا كلامه ولا كلام مخلوق وأنه ليس قول البشر وأنه علمهم أن ربه فوق سمواته على عرشه وإن الملك نزل من عنده إليه ثم يعرج إلى ربه وأن ربه يسمع ويرى ويتكلم وينادي ويحب ويبغض ويرضى ويغضب وأن له يدين ووجها وأنه يعلم السر وأخفى فلا يخفى عليه خافية في السماء ولا في الأرض وأنه يقيمهم من قبورهم أحياء بعدما مزقهم البلى إلى دار النعيم أو إلى الجحيم فالعلم الضروري بأنه جاء بذلك وأراده كالعلم الضروري بوجوده ومبعثه ومخرجه وقتاله لمن خالفه فالقدح فيما أخبر به من ذلك وأنه لا يفيد اليقين كالقدح في مخبر الأخبار المتواترة وأنه لا يفيد اليقين. الوجه الحادي والعشرون: إن كل صنف من أصناف العلماء تكفلوا بعلم من العلوم المنقولة عن الرسول متفقون على أكثر علمهم مسائله ودلائله. فالفقهاء متفقون على غالب الشريعة عامها وخاصها وهم متفقون على أكثر خاصها الذي لا يعرفه العامة وإذا كانوا قد عرفوا مراده بهذا فكيف لا يعرفون مراده بالذي هو أظهر وأشهر وأكثر نصوصا وأعظم بيانا.(2\/654)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "507",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3788",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمفسرون فسروا القرآن واتفقوا على المراد منه في غالب القرآن ونزاعهم في القليل من ذلك وأكثره عند التحقيق ليس نزاعا في نفس الأمر بل هو اختلاف في التعبير واختلاف تمثيل وتنويع لا اختلاف تناقض ولا تضاد. وأهل الحديث متفقون على أحاديث الصحيحين وإن تنازعوا في أحاديث يسيرة منها جدا وهم متفقون على لفظها ومعناها كما اتفق المسلمون على لفظ القرآن ومعناه وهذا مما ينفرد بعلمه الخاصة وهم القليل من الناس وهم مع ذلك يعلمون بالاضطرار بطلان تأويل القرآن والحديث بما يتأوله به الفلاسفة والقرامطة والجهمية ويعلمون أنه خلاف مراد الرسول بالضرورة فكيف بما اشتركت الأمة عامتها وخاصتها في نقله قرنا بعد قرن فكيف لا يعرفون مراد الرسول منه يقينا فإن الأمة كلها تنقل عن من قبلها ومن قبلها عمن قبلها حتى ينتهي الأمر إلى الرسول أن الله يرى ويسمع ويتكلم ويعلم وأنه فوق السموات السبع على العرش وأنه يرى يوم القيامة جهرة وعلم الأمة بمراد الرسول من ذلك فوق علمهم بمراده من أحاديث الشفعة والربا والحيض والفرائض ونحوها فكيف يقال حصل لهم اليقين بمراده من ذلك دون هذا وهل هذا إلا من أقبح المكابرة.(2\/655)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "508",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3789",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثاني والعشرون: أن يقال من المعلوم بالضرورة أن المخاطبين أولا بالقرآن والسنة لم يتوقف حصول اليقين لهم بمراده على تلك المقدمات العشر التي ذكروها ولا على شيء منها أما عصمة رواة اللغة فإنهم خوطبوا شفاها فلم يحتاجوا إلى واسطة في نقل الكلام فضلا عن واسطة في نقل اللغة ولا إلى قاعدة ينفون بها نفي احتمال اللفظ لغير المعنى الذي قصده المتكلم فإنهم علموا مراده بالضرورة وإذا كانوا عالمين بمراده بالضرورة مع علمهم بصدقه امتنع عندهم أن يكون في نفس الأمر معارض ينافي مراده. وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي من كبار التابعين حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهم أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم قالوا فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا وكان يمكث أحدهم في السورة مدة حتى يتعلمها وقد أقام ابن عمر على تعلم سورة البقرة ثماني(2\/656)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "509",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3790",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سنين وقال أنس كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جل في أعيننا ولم يتوقف معرفة مراد الله ورسوله من كلامه عندهم على شيء من تلك الأمور العشرة ولا تابعي التابعين ولا أئمة الفقه المتبوعين ولا أئمة الحديث ولا أئمة التفسير حتى نبغت قلف الأذهان عجم القلوب فزعموا أنهم لا يحصل لهم اليقين بمراده إلا بعد هذه الأمور ثم قالوا ولا سبيل إلى العلم بانتفائه إذ غاية ما يقدر بعد البحث والطلب التام عدم العلم بها ولا يلزم من عدم العلم عدم المعلوم فلا سبيل لنا إلى العلم بمراد الرسول البتة وطلبت نفوسهم ما يحصل لها به العلم فعادوا إلى العقول فوجدوها قد تصادمت فيما تقضي به من جائز على الله وواجب ومستحيل أعظم تصادم فخرجوا عن السمع الصحيح ولم يظفروا بدلالة العقل الصريح ففاتهم العقل والسمع جميعا. الوجه الثالث والعشرون: إن جميع ما ذكروه من الوجوه العشرة يرجع إلى حرف واحد وهو احتمال اللفظ لمعنى آخر غير ما يظهر من الكلام فإنه لا ينازع عاقل أن غالب ألفاظ النصوص لها ظواهر هي موضوعة لها ومفهومة عند الإطلاق منها لكن النزاع أن(2\/657)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "510",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3791",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اعتقاد ذلك المعنى يقيني لا يحتمل غيره أو ظني يحتمل غيره فالمدار كله على احتمال إرادته معنى آخر غير الظاهر وعدم ذلك الاحتمال ومعلوم أن الطرق التي يعلم بها انتفاء إرادته معنى يناقض ذلك المعنى طرق كثيرة لا يحتاج شيء منها إلى ما ذكروه بل قد يعلم السامع انتفاء معنى يناقض المعنى الذي ذكره المتكلم ضرورة وتارة يغلب على ظنه قرينة من الضرورة وتارة يحصل له ذلك ظنا وتارة لا يفهم مراده وتارة يشتبه عليه المراد بغيره وهذا القطع والظن والشك له أسباب غير الأمور التي ذكروها فقد يكون سبب الاحتمال كون السامع لم يألف ذلك اللفظ في لغة قومه أو أن له في لغتهم معنى غير معناه في لغة المتكلم أو أن اللفظ قد اقترنت به قرينة يقطع السامع معها بالمراد فخفيت عليه أو ذهل عنها ولو نبه عليها لتنبه كما اقترن بلفظ المفاداة في أنه الخلع تقدم طلقتين وتأخر طلقة ثالثة ووقع بين الطلقتين والطلقة الثالثة ففهم جمهور(2\/658)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "511",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3792",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصحابة منه أنه غير محسوب من الثلاث واحتج بذلك ابن عباس وغيره وقد تكون القرينة منفصلة في كلام آخر بحيث يجزم السامع بالمراد من مجموع الكلام فيخفى أحدهما على السامع أو لا يتفطن له فلا يعرف المراد فهذا قد يقع لأعلم الناس بخطابه وهو من لوازم الطبيعة الإنسانية ولكنه قليل جدا بالإضافة إلى ما يتقنونه من مراده لا نسبة له إليه فلا يجوز أن يدعي لأجله أن كلام الله ورسوله لا يفيد اليقين بمراد ولا سبيل لنا إلى اقتباس العلم واليقين منه. الوجه الرابع والعشرون: إن قول القائل الدليل اللفظي لا يفيد اليقين إلا عند أمور عشرة نفي عام وقضية سالبة كلية فإن أراد قائلها أن أحدا من الناس لا يعلم مراد متكلم ما يقينا إلا عند هذه الأمور العشرة فكذب ظاهر وإن أراد به أنه لا يعلم أحد المراد بألفاظ القرآن والسنة إلا عند هذه الأمور ففرية ظاهرة أيضا فإن الصحابة كلهم من أولهم إلى آخرهم والتابعين كلهم وأئمة الفقه كلهم وأئمة التفسير كلهم لم يتوقف علمهم بمراد الرسول على هذه الأمور بل لم يخطر ببالهم ولم يذكرها أحد منهم في كلامه. وإن أراد أن من بعد الصحابة لا يعرف مراد الرسول(2\/659)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "512",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3793",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلا بهذه الأمور العشرة فكذب أيضا فإن التابعين ومن بعدهم جازمون متيقنون لمراده أعظم تيقن بل نحن ونسبتنا إليهم أقل نسبة متيقنون لمراد الله ورسوله من كلامه يقينالا ريب فيه وجازمون به جزما لا شك فيه ومن قبلنا كان أعلم منا وأعظم جزما ومن قبلهم كان كذلك فكيف يستحل الرجل أن يحكم حكما عاما كليا أن أحدا لم يحصل له اليقين من كلام الله ورسوله وإن أراد به أنها لا تفيد اليقين في شيء وتفيده في شيءآخر قيل له هذا لا يفيدك شيئا حتى تبين أن محل النزاع بينك وبين أهل السنة وأنصار الله ورسوله من النوع الذي لا يفيد اليقين فهم يزعمون أن استفادتهم اليقين منه أعظم من استفادتهم اليقين من كلام كل متكلم وليس لك أن تحكم عليهم بأنهم لم يستفيدوا منه اليقين فإن غاية ما عندك أنك أنت فاقد اليقين لم تظفر ببرده ولم تفز به فكيف ساغ لك أن تحكم على غيرك بهذا. فإن أردت بذلك أني أنا لا أستفيد اليقين من هذه الأدلة إلا بعد هذه الأمور العشرة فعلمت أن غيري كذلك قيل له هذا من أبطل الباطل عند كل عاقل فإنه من المعلوم بالضرورة أن الشيء الواحد يكون مجهولا عند رجل أو طائفة ومعلوما عند آخر وضروريا عند شخص ونظريا عند آخر والاشتراك في المعلومات الضروريات غير واجب ولا واقع والواقع خلافه فالصحابة كانوا يعلمون من أحوال النبي بالاضطرار(2\/660)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "513",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3794",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما لم يعلمه غيرهم وكان أبو بكر يعلم من حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلامه يقينا مالا يعلمه غيره ولا يفهمه كما قال أبو سعيد الخدري وكان أبو بكر أعلمنا به وكان التابعون يعلمون من أحوال الصحابة بالاضطرار مالا يعلمه غيرهم والفقهاء وأهل الحديث يعلمون بالاضطرار أن النبي سجد سجدتي السهو في الصلاة وقضى بالشفعة وجعل الدية على العاقلة وأخبر أن الله ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة وأنه يرى بالأبصار جهرة يوم القيامة وأنه يدخل النار قوما من أهل التوحيد ثم يخرجهم بالشفاعة وأنه أخبر بخروج الدجال ونزول المسيح من السماء وطلوع الشمس من مغربها وغير ذلك مما يجهله كثير من الناس ومن أقر به فهو عنده ظني وأهل الحديث جازمون به متيقنون له كتيقنهم أنه بعث من مكة وهاجر إلى المدينة ومات بها وأهل المغازي والسير والحديث يعلمون بالاضطرار أن غزوة بدر كانت قبل أحد وأن أحدا قبل الخندق والخندق قبل الحديبية والحديبية قبل خيبر وخيبر قبل فتح مكة وفتح مكة قبل حنين وحنين قبل الطائف والطائف قبل تبوك وتبوك آخر الغزوات ولم يكن فيها قتال وكان الغزو(2\/661)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "514",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3795",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيها للنصارى أهل الكتاب وفي خيبر لليهود وفي بدر وأحد للمشركين وأنه أوقع باليهود أربع مرات ببني قينقاع وكانت بعد بدر وبالنضير وكانت بعد أحد وبقريظة وكانت بعد الخندق وبأهل خيبر وكانت بعد الحديبية وأكثر الناس بل كثير من العلماء والفقهاء لا يعلمون هذا التفصيل وكذلك العلماء بالتفسير والحديث يعلمون بالاضطرار أن سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنفال وبراءة مدنيات نزلن بعد الهجرة وسورة الأنعام والأعراف ويونس وهود ويوسف والكهف والنحل مكيات نزلن قبل الهجرة وأكثر الناس لا يعلمون ذلك ضرورة ولا نظرا فليس المعلوم من أقوال الرسول وسيرته ومراده بكلامه أمرا مشتركا بين جميع الناس ولا بين المسلمين ولا بين العلماء وإذا لم يكن هذا أمرا مضبوطا لا من العالم ولا في العلوم أمكن في كثير من مراد الرسول بالاضطرار أن تكون مكتسبة عند قوم ضرورية عند آخرين وغير معلومة البتة عند آخرين وإن قال أردت أن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين عند من لا يعرف مدلولها إلا بهذه المقدمات قيل له فهذا لا فائدة فيه فكأنك قلت من لم يعرف مراد المتكلم إلا بمقدمة ظنية كان استدلاله بكلامه ظنيا وذلك من باب تحصيل الحاصل وكذلك من لم يعرف(2\/662)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "515",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3796",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدليل العقلي إلا بمقدمة ظنية كان استدلاله به ظنيا وأيضا فإنه إذا كان هذا مرادك فكيف تحكم حكما عاما كليا أن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين فبطل حكم هذه القضية الكاذبة أن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين على كل تقدير ولله الحمد يوضحه. الوجه الخامس والعشرون: إن الذين لم يحصل لهم اليقين بالأدلة العقلية أضعاف أضعاف الذين حصل لهم اليقين بالأدلة السمعية والشكوك القادحة في العقليات أكثر بكثير من الشكوك القادحة في السمعيات فأهل العلم والكتاب والسنة متيقنون لمراد الله ورسوله جازمون به معتقدون لموجبه اعتقادا لا يتطرق إليه شك ولا شبهة أما المتكلمون الذين عدلوا عن الاستدلال بالأدلة السمعية إلى الأدلة العقلية في المسائل الكبار كمسألة حدوث العالم ومسألة ما هي الحوادث ومسألة تماثل الأجسام وبقاء الأعراض ومسألة وجود الشيء هل هو زائد على ماهيته أو هو نفس ماهيته ومسألة المعدوم هل هو شيء أم لا ومسألة المصحح للتأثير هل هو الحدوث أو الإمكان وهل يمكن أن يكون الممكن قديما أم لا ومسألة الجوهر الفرد وهل الأجسام مركبةمنه أم لا ومسالةالكلام وحقيقته واضعاف ذلك من المسائل التي عولوا فيها على مجرد عقل أفضلهم وأشدهم حيرة وتناقضا واضطرابا فيها(2\/663)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "516",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3797",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يثبت له فيها قول بل تارة يقول بالقول ويجزم به وتارة يقول بضده ويجزم به وتارة يحار ويقف وتتعارض عنده الأدلة العقلية وأهل الكلام والفلسفة أشد اختلافا وتنازعا بينهم فيها من جميع أرباب العلوم على الإطلاق ولهذا كلما كان الرجل منهم أفضل كان إقراره بالجهل والحيرة على نفسه أعظم كما قال بعض العارفين أكثر الناس شكا عند الموت أهل الكلام وقال أفضل المتأخرين من هؤلاء لتلاميذه عند الموت أشهدكم أني أموت وما عرفت مسألة واحدة إلا مسألة افتقار الممكن إلى واجب ثم قال والافتقار أمر عدمي فهاأنذا أموت وما عرفت شيئا وقال ابن الجويني عند موته لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم وما أدري على ماذا أموت أشهدكم أني أموت على عقيدة أمي وقال آخر في خطبة كتابه في الكلام لعمري: لقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم(2\/664)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "517",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3798",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الرازي في كتابه أقسام اللذات وقد ذكر أنواعها وأن أشرفها لذةالعلم والمعرفة وأشرف العلم العلم الإلهي لشرف معلومه وشدة الحاجة إليه وأنه على ثلاثة أقسام العلم بالذات وعليه عقدة وهي أن الوجود هل هو الماهية أو زائد عليها والعلم بالصفات وعليه عقدة وهي أن الصفات هل هي أمور وجودية زائدة على ذات الموصوف أم ليست بزائدة على الذات والعلم بالأفعال وعليه عقدة وهي هل الفعل مقارن للفاعل أو متراخ عنه ثم قال ومن الذي وصل إلى هذا الباب أو ذاق من هذا الشراب ثم أنشد: نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا وكم من جبال قد علت شرفاتها ... رجال فماتوا والجبال جبال لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن أقرأ في الإثبات:(2\/665)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "518",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3799",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرحمن على العرش استوى [طه5] إليه يصعد الكلم الطيب [فاطر10] واقرأ في النفي ليس كمثله شيء [الشورى11] ولا يحيطون به علما [طه110] ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي فليتأمل اللبيب ما في كلام هذا الفاضل من العبر فإنه لم يأت في المتأخرين من حصل من العلوم العقلية ما حصله ووقف على نهايات أقدام العقلاء وغايات مباحث الفضلاء وضرب بعضها ببعض ومخضها أشد المخض فما رآها تشفي علة داء الجهالة ولا تروي غلة ظمأ الشوق والطلب وأنها لم تحل عنه عقدة واحدة من هذه العقد الثلاث التي عقدها أرباب المعقولات على قافية القلب فلم يستيقظ لمعرفة ذات الله ولا صفاته ولا أفعاله وصدق والله فإنه شاك في ذات رب العالمين هل له ماهية غير الوجود المطلق يختص بها أم ماهيته نفس وجوده الواجب ومات ولم تنحل له عقدتها وشاك في صفاته هل هي أمور وجودية أم نسب إضافية عدمية ومات ولم تنحل له عقدتها وشاك في أفعاله هل هي مقارنة له أزلا وأبدا لم تزل معه أم الفعل متأخر عنه تأخرا لا نهاية لأمده فصار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا ومات لم تنحل له عقدتها فننظر في كتبه الكلامية قول المتكلمين وفي كتبه(2\/666)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "519",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3800",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفلسفية قول الفلاسفة وفي كتبه التي خلط فيها بين الطريقتين يضرب أقوال هؤلاء بهؤلاء وهؤلاء بهؤلاء ويجلس بينهما حائرا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء وكذلك أفضل أهل زمانه ابن أبي الحديد فإنه مع بحثه ونظره وتصديه للرد على الرازي حتى يقول في قصيدة له: وحقك لو أدخلتني النار قلت لل ... ذين بها قد كنت ممن أحبه وأفنيت عمري في فنون دقيقة ... وما بغيتي إلا رضاه وقربه أما قلتم من كان فينا مجاهدا ... سيكرم مثواه ويعذب شربه أما رد شك ابن الخطيب وزيفه ... وتمويهه في الدين إذ حل خطبه(2\/667)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "520",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3801",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعترف بأن المعقولات لم تعطه إلا حيرة وأنه لم يصل منها إلى يقين ولا علم حيث يقول: فيك يا أغلوطة الفكر ... ضاع دهري وانقضى عمري سافرت فيك العقول فما ... ربحت إلا أذى السفر قاتل الله الأولى زعموا ... أنك المعروف بالنظر كذبوا إن الذي ذكروا ... خارج عن قوة البشر وقال بعض الطالبين من المتأخرين وقد سافر في طلب ربه على هذه الطريق فلم يزدد إلا حيرة وبعدا من مطلبه حتى قيض الله له من أخذ بيده وسلك به على الطريق التي سلك عليها الرسل وأتباعهم فجعل يهتف بصوته لأصحابه هلموا فهذه والله الطريق وهذه أعلام مكة والمدينة وهذه آثار القوم لم تنسخها الرياح ولم تزلها الأهوية ثم قال: وكنت وصحبي في ظلام من الدجى ... نسير على غير الطريق ولا ندري(2\/668)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "521",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3802",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكنا حيارى في القفار ولم يكن ... دليل لنا نرجوا الخلاص من القفر ظماء إلى ورد يبل غليلنا ... وقد قطع الأعناق منا لظى الحر فما هو إلا أن تبدى لناظري ... سنا بارق يبدو كخيط من الفجر فقلت لصحبي هل ترون الذي أرى ... فقالوا اتئد ذاك السراب الذي يجري فخلفتهم خلفي وأقبلت نحوه ... فأوردني عين الحياة لدى البحر فناديت أصحابي فما سمعوا الندا ... ولو سمعوه ما استجابوا إلى الحشر فهذا اعتراف هؤلاء الفضلاء في آخر سيرهم بما أفادتهم الأدلة العقلية من ضد اليقين ومن الحيرة والشك فمن الذي شكا من القرآن والسنة والأدلة اللفظية هذه الشكاية ومن الذي ذكر أنها حيرته ولم تهده أو ليس بها هدى الله أنبياءه ورسله وخير خلقه قال تعالى لأكمل خلقه وأوفرهم عقلا: قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي [سبأ50](2\/669)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "522",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3803",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا أكمل الخلق عقلا يخبر أن اهتداءه بالأدلة اللفظية التي أوحاها الله إليه وهؤلاء المتهوكون المتحيرون يقولون أنها لا تفيد يقينا ولا علما ولا هدى وهذا موضع المثل المشهور رمتني بدائها وانسلت. الوجه السادس والعشرون: أن ألفاظ القرآن والسنة ثلاثة أقسام نصوص لا تحتمل إلا معنى واحدا وظواهر تحتمل غير معناها احتمالا بعيدا مرجوحا وألفاظ تحتاج إلى بيان فهي بدون البيان عرضة الاحتمال. فأما القسم الأول فهو يفيد اليقين بمدلوله قطعا كقوله تعالى فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما [العنكبوت14] فلفظ الألف لا يحتمل غير مسماه وكذلك لفظ الخمسين وكذلك لفظ نوح ولفظ قومه وكقوله وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة [الأعراف142] .(2\/670)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "523",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3804",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين [المجادلة4] وقوله فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة [البقرة196] وقوله يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [البقرة234] وعامة ألفاظ القرآن من هذا الضرب هذا شأن مفرداته وأما تركيبه فجاء على أصح وجوه التركيب وأبعدها من اللبس وأشدها مطابقة للمعنى فمفرداته نصوص أو كالنصوص في مسماها وتراكيبه صريحة في المعنى الذي قصد بها والمخاطبون به تلك اللغة سجيتهم وطبيعتهم غير متكلفة لهم فهم يعلمون بالاضطرار مراده منها. والقسم الثاني: ظواهر قد تحتمل غير معانيها الظاهرة منها ولكن قد اطردت في موارد استعمالها على معنى واحد فجرت مجرى النصوص التي لا تحتمل غير مسماها والقسمان يفيدان اليقين والقطع بمراد المتكلم. وأما القسم الثالث: إذا أحسن رده إلى القسمين قبله(2\/671)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "524",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3805",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عرف مراد المتكلم منه فالأول يفيد اليقين بنفسه والثاني يفيده باطراده في موارد استعماله والثالث يفيده إحسان رده إلى القسمين قبله وهذا ظاهر جدا لمن له عناية بالقرآن وألفاظه ومعانيه واقتباس المعارف واليقين منه فاستفادته اليقين من أدلته أعظم من استفادة كل طالب علم اليقين من مواد علمه وبراهينه. الوجه السابع والعشرون: إن الذي حال بين هؤلاء وبين استفادتهم اليقين من كلام الله ورسوله أن كثيرا من ألفاظ القرآن والسنة قد صار لها معان اصطلح عليها النظار والمتكلمون وغيرهم وألف ذلك الاصطلاح وجرى عليه النشء وصار هو المقصود بالتخاطب وإليه التحاكم فصار كثير من الناس لا يعرف سواه فلما أرادوا أن يطابقوا بين معاني ألفاظ القرآن وبين تلك المعاني التي اصطلحوا عليها أعجزهم ذلك فمرة قالوا ألفاظ القرآن مجاز ومرة طلبوا لها وجوه التأويل ومرة قالوا لا تفيد اليقين ومرة جعلوها وقفا تتلى في الصلاة ويتبرك بقراءتها ولا يتحاكم إليها مثال ذلك لفظ الجسم في القرآن هو البدن كما قال تعالى: وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم [المنافقون4] وهم اصطلحوا على تسمية كل قائم بنفسه جسما مرئيا(2\/672)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "525",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3806",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان أو غير مرئي وسموا الموصوف بالصفات جسما وسموا من له وجه ويدان جسما ثم نفوا الجسم عن الصانع وأوهموا أنهم ينفون معناه لغة وقصدهم نفي معناه اصطلاحا فسموه بخلاف اسمه في اللغة ونفوا به ما أثبته الرب لنفسه من صفات الكمال وكذلك سموا صفاته أعراضا ثم نفوا عنه الأعراض بالمعنى الذي اصطلحوا عليه لا بالمعنى الذي وضعت له ألفاظ الأعراض في اللغة وكذلك سموا أفعاله حوادث ثم نفوها عنه بالمعنى الذي اصطلحوا عليه لا بمعناه في اللغة فإن النبي قال لعن الله من أحدث حدثا أو آوى محدثا وقال إياكم والحدث في الإسلام وقال:(2\/673)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "526",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3807",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأفإذا قالوا لا تحله الحوادث أوهموا الناس هذه الحوادث ومرادهم أنه لا يتكلم ولا يكلم ولا يرى ولا يسمع ولا استوى على عرشه بعد أن لم يكن مستويا ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا ينادي عباده يوم القيامة ولا يشاء مشيئة إلى أمثال ذلك. وكذلك لفظ الاستواء حقيقة في العلو ثم حدث له معنى الاستيلاء في قول الشاعر إن كان قاله: قد استوى بشر على العراق(2\/674)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "527",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3808",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا شعر مولد حدث بعد كتاب الله ولم يكن معروفا قبل نزول القرآن ولا في عصر من أنزل عليه القرآن فحملوا لفظ القرآن على الشعر المولد الحادث بعد نزوله ولم يكن من لغة من نزل القرآن عليه. وكذلك لفظ المحلل والمحلل له فإنه في لغة من تكلم به ولغة أصحابه هو محلل النكاح الذي يريد أن يتزوج المرأة ليحلها لمطلقها وفي اصطلاح بعض الفقهاء هو الذي يحلل موليته لغيره بلا مهر والذي يشترط التحليل لفظا في صلب العقد. وكذلك لفظ الخمر في لغة من تكلم به وصرح بتحريمه كل مسكر فاصطلح بعض الفقهاء على تخصيص بعض أنواع الأشربة المسكرة باسم الخمر ثم حملوا النصوص على تلك المعاني التي اصطلحوا عليها. وكذلك لفظ الجار في لغته هو الجار المعروف فإذا اصطلح على تسمية الشريك جارا قياسا على تسمية الزوجة جارا في قول الشاعر:(2\/675)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "528",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3809",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أجارتنا بيني فإنك طالقة ثم حمل لفظ الشارع على المعنى الاصطلاحي لم يجز ذلك ومن هذا لفظ التركيب فإنه في لغة القرآن تركيب الشيء في غيره كقوله في أي صورة ما شاء ركبك [الانفطار8] ثم اصطلح عليه بعض الناس وجعل كل ما تميز منه شيء عن شيء مركبا وإن كان حقيقته واحدة فالعرب إنما تطلق لفظ التركيب والمركب في نحو تركيب الدواء وتركيب الخشبة على الجدار وتركيب المادة في صورة من الصور ولا يسمى الهواء مركبا ولا النار ولا الماء ولا التراب وإنما المركب عندهم ما ركب فيه شيء على شيء. خالف المتأخرون الاصطلاح الحادث ثم نفوا(2\/676)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "529",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3810",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مسماه الاصطلاحي عن الرب سبحانه ورأوا الأدلة اللفظية من القرآن والسنة لا تساعدهم على ذلك فقالوا لا تفيد اليقين. الوجه الثامن والعشرون: إن هؤلاء القائلين إن كلام الله ورسوله لا يستفاد منه علم ولا يقين إما أن يريد به نفي اليقين في باب الأسماء والصفات فقط دون باب المعاد والأمر والنهي أو في باب الصفات وباب المعاد فقط دون الأمر أوفي الجميع فإن أراد الأول وهو مراد الجهمية قيل له فما جوابك للفلاسفة المنكرين لمعاد الأبدان حيث احتججت عليهم بأنا نعلم بالضرورة أن الرسل جاءوا به فرده عليهم تكذيب لهم فقالوا الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين فإن قلت الفرق بيننا وبينهم أن آيات الصفات وأخبارها قد عارضتها قواطع عقلية تنفيها بخلاف نصوص المعاد قيل أما أهل القرآن والسنة فيجيبونك بأن تلك المعارضات هذيانات لا حقيقة لها وشبهات خيالية: كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب [النور39] وأما أشباهك من الفلاسفة فيقولون ونصوص(2\/677)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "530",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3811",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعاد قد عارضها قواطع عقلية تنفيها فإن قلت بل هذه شبهات باطلة ومقدمات كاذبة قيل صدقت والشبهات التي تعارض نصوص الصفات أبطل والمقدمات التي تخالفها أكذب بكثير فإن الشبهات العقلية المعارضة لنصوص الأنبياء ليس لها حد تقف عليه بل قد عارض أرباب المعقول الفاسد جميع ما جاءوا به من أوله إلى آخره بعقولهم ومعارضة المشركين لما دعت إليه الرسل من التوحيد بشبهاتهم من جنس معارضة الدهرية لما أخبروا به من المعاد بشبهاتهم فهلموا نضع الشبهات جميعها في الميزان ونحكها على المحك يتبين أنها زغل وزيف كلها وإن زعمت أنها لا تفيد اليقين لا في باب الخبر عن الله وصفاته ولا في باب المعاد واليوم الآخر ولا في باب الأمر والنهي فقد انسلخت من العقل والإيمان انسلاخ الحية من قشرها وجاهرت بالقدح في النبوات والشرائع وكنت في العقل الصحيح أشد قدحا فإنه ليس في المعقول شيء أصح مما جاءت به الرسل عن الله وقد تقدم تقرير هذا والمؤمنون يعرفونه جملة والراسخون في العلم يعرفونه تفصيلا.(2\/678)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "531",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3812",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه التاسع والعشرون: إن دعوى المدعي أن كلام الله ورسوله لا يستفاد منه يقين ولا علم إما أن يدعيه حيث لا يعارض العقل السمع بل يوافقه أو حيث يعارضه في زعمه أو حيث لا يعارضه ولا يوافقه فإن ما جاء به الشرع عند هؤلاء ثلاثة أقسام: أحدها ما يخالف ظاهره صريح العقل والثاني ما يوافق العقل والثالث مالا يحيله العقل ولا يقتضيه فقول القائل إن كلام الله ورسوله لا يفيد اليقين يقال له لا يفيد في شيء من هذه الأقسام الثلاثة عندك أو في الأول منها خاصة أو فيه وفي الثالث فإن كان مراده النفي في جميع الأقسام كان ذلك عنادا ظاهرا وإلحادا في كلام الله ورسوله وإن كان مراده أنه لا يفيده فيما يخالف صريح العقل وهو الذي يريده هؤلاء قيل له هذا الفرض وإن اعتقدته واقعا فهو محال فلا يعارض السمع الصحيح الصريح إلا معقول فاسد تنتهي مقدماته إلى المكابرة أو التقليد أو التلبيس والإجمال وقد تدبر أنصار الله ورسوله وسنته هذا فما وجدوا بحمد الله العقل الصريح يفارق النقل الصحيح أصلا بل هو خادمه وصاحبه والشاهد له وما وجدوا العقل المعارض له إلا من أفسد العقول وأسخفها وأشدها منافاة لصريح العقل وصحيحه ولولاالإطالة لذكرنا ذلك(2\/679)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "532",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3813",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على التفصيل وقد تقدمت الإشارة إلى اليسير منه ويجب على المسلم الذي لله ولكتابه وقار وعظمة في قلبه ان يعتقد هذا وإن لم يظهر له تفصيله فإذا ظهر له تفصيله كان نورا على نور فإن الله سبحانه أقام الحجة على الخلق بكتابه ورسوله فلا يمكن أن يكون فيهما ما يظهر منه خلاف الحق ولا ما يخالف العقل ولا يمكن أن يحيل الرسول الناس في الهدى والعلم وصفاته وأفعاله على ما يناقض كلامه من عقلياتهم وهذا واضح ولله الحمد الوجه الثلاثون: إن قول القائل الأدلة اللفظية موقوفة على هذه المقدمات أتريد به أن كل دليل منها يقف على مجموع الأمور العشرة أم تريد به أن جنسها يقف على جنس هذه العشرة فإن أردت الأول فهو مكابرة ظاهرة يردها الواقع فإن جمهور الناس يعلم مدلول الكلام من غير أن تخطر هذه العشرة أو شيء منها بباله وإن أردت الثاني فالأدلة العقلية تتوقف على ما به مقدمة أو أكثر بهذا الاعتبار فإنه ما من مسألة عقلية إلا وهي متوقفة على مقدمات غير المقدمات التي يتوقف عليها مسألة أخرى فما يتوقف عليه دلالة الدليل لا ضابط له وإنما هو أمر نسبي إضافي. الوجه الحادي والثلاثون: إن حكمك بتوقف دلالة الدليل على معرفة الإعراب والتصريف خطأ ظاهر فإن من عرف أن لله الأسماء الحسنى(2\/680)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "533",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3814",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كالرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن وأن الاسم يدل على المسمى في لغة العرب لم يتوقف في العلم بدلالة هذه الأسماء على الرب سبحانه على معرفته بأن الاسم مشتق من السمو أو من السمة والاختلاف بين البصريين والكوفيين في ذلك ومعرفةأرجح القولين فإن جماهير أهل الأرض يعرفون أن الله اسم لذات الخالق فاطر السموات والأرض ولا يعرفون تصريف الاسم واشتقاقه وأما الإعراب فهؤلاء العامة يجزمون ويتيقنون مراد مكلمهم بكلامه ولا يتوقف ذلك على معرفتهم بوجوه الإعراب. فإن قلت إنما كلامنا في كلام العرب الفصحاء الذين يتوقف فهم معاني كلامهم على الإعراب قيل ما يتوقف عليه فهم كلامهم من الإعراب سجية وطبيعة لهم وأما من بعدهم فقد نقل إلينا ذلك نقلا متواترا عنهم كما نقل إلينا معاني مفردات ألفاظهم. الوجه الثاني والثلاثون: قولك إن ذلك يتوقف على نفي التخصيص والإضمار فهذا لا يحتاج إليه في فهم معاني الألفاظ المفردة فإنها تدل على مسماها دلالة سائر الألفاظ على معانيها كدلالة الأعلام ولفظ العدد وأسماء الأزمنة والأمكنة والأجناس على موضوعاتها. واحتمال كون اللفظ العام خاصا كاحتمال كون اللفظ الذي له حقيقة مستعملا في غير حقيقته وهذا منفي بالأصل ولا يحتاج في فهم ما هو جار على أصله إلى أن يعلم(2\/681)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "534",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3815",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "انتفاء الدليل الذي يخرجه عن أصله وإلا لم يفهم مدلول لفظ أبدا لجواز أن يكون خرج عن أصل موضوعه بنقل أو مجاز أو غير ذلك ولو ساغ ذلك لم يكن أحد يحتج بدليل شرعي لجواز أن يكون منسوخا وهو لا يعلم ناسخه ولم يشهد أحد لأحد بملك لجواز أن يكون خرج عن ملكه ببيع أو تبرع ولم يشهد أحد لأحد بزوجية امرأة ولا رق عبد لجواز أن يكون طلق وأعتق وفتح باب التجويزات لا آخر له ولا ثقة معه البتة. وهذا الباب قد دخل منه على الإسلام مدخل عظيم وخطب جسيم وأهل الباطل على اختلاف أصنافهم لا يزالون يتعلقون به ولا تزال تعمد كل طائفة منهم إلى آية من كتاب الله فيقودها إلى مذهبه الذي يدعو إليه ويدعي أن لها دلالة خاصة عليه وكذلك يفعل في كثير من الأخبار التي يجرها إلى معتقده. وليست المحنة التي عرضت في هذا الباب مقصورة على أهل الإسلام فقط بل هي مشتركة بين جميع أهل الأديان والملل ومن أعطى التأمل حقه وجد أكثر ما ادعاه أهل التأويلات المستشنعة وأهل الباطل من جهة إخراج الألفاظ عن حقائقها وفتح أبواب الاحتمالات والتجويزات عليها وتغليب الخصوص على العموم وادعائهم أن الأغلب في ألفاظ العموم إنما هو الخصوص دون العموم ذهابا منهم في ذلك إلى أن البيان الشافي إنما هو في المعنى الخاص دون(2\/682)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "535",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3816",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العام وأنه المتيقن من اللفظ فإن طفر به وإلا قال المراد خاص مجمل فتعطل دلالة اللفظ العام الكلي بهذه الطريق كما تعطل دلالة اللفظ على حقيقته باحتمال إرادة المجاز والاستعارة ودلالة أوامر الله ورسوله على وجوب الإمتثال باحتمال إرادة الاستحباب ومطلق الرجحان ودلالة نواهيه على التحريم باحتمال دلالتها على مجرد الكراهة وترك الأولى ودلالة النص الصريح الذي لا يحتمل غير معناه باحتمال كونه منسوخا فقد أعد لكل دليل قانونا يدفع به دلالته فإن كان خبر واحد قال يحتمل أن يكون راويه كذب أو أخطأ فإن أعجزه القدح في راويه لشهرته بالصدق والعدالة قال لعله رواه بالمعنى الذي فهمه وهو غير فقيه فإذا عارضه القياس كان المصير إليه أولى كما قال هؤلاء إذا عارض النص العقل كان المصير إليه أولى فإن غلب وأمكنه ادعاء انعقاد الإجماع على خلافه عارضه بالإجماع فإن غلب عن ذلك عارضه باحتمال النسخ فإن غلب عارض دلالته بالاحتمالات وأنواع التأويلات فلله ما لقيت النصوص من هذه الفرق وأرباب التأويلات والمتعصبين لمذاهبهم وإلى منزلها الشكاية وبه المستعان وعليه التكلان. الوجه الثالث والثلاثون: إن القدح في دلالة العام باحتمال الخصوص وفي الحقيقة باحتمال المجاز والنقل والاشتراك وسائر ما ذكر يبطل حجج الله على خلقه بآياته ويبطل أوامره ونواهيه وفائدة أخباره ونحن نبين ذلك بحمد الله بيانا شافيا ونقدم(2\/683)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "536",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3817",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قبل بيانه مقدمة بين يديه وهي ذكر الوجوه التي تنقسم إليها معاني ألفاظ القرآن وهي عشرة أقسام القسم الأول: تعريفه سبحانه نفسه لعباده بأسمائه وصفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله وأنه واحد لا شريك له وما يتبع ذلك. القسم الثاني: ما استشهد به على ذلك من آيات قدرته وآثار حكمته فيما خلق وذرأ في العالم الأعلى والأسفل من أنواع بريته وأصناف خليقته محتجا به على من ألحد في أسمائه وتوحيده وعطله عن صفات كماله وعن أفعاله وكذلك البراهين العقلية التي أقامها على ذلك والأمثال المضروبة والأقيسة العقلية التي تقدمت الإشارة إلى الشيء اليسير منها. القسم الثالث: ما اشتمل عليه بدء الخلق وإنشاؤه ومادته وابتداعه له وسبق بعضه على بعض وعدد أيام التخليق وخلق آدم وإسجاد الملائكة وشأن إبليس وتمرده وعصيانه وما يتبع ذلك القسم الرابع: ذكر المعاد والنشأة الأخرى وكيفيته وصورته وإحالة الخلق فيه من حال إلى حال وإعادتهم خلقا جديدا. القسم الخامس: ذكر أحوالهم في معادهم وانقسامهم(2\/684)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "537",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3818",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى شقي وسعيد ومسرور بمنقلبه ومثبور به وما يتبع ذلك. القسم السادس ذكر القرون الماضية والأمم الخالية وما جرى عليهم وذكر أحوالهم مع أنبيائهم وما نزل بأهل العناد والتكذيب منهم من المثلات وما حل بهم من العقوبات ليكون ما جرت عليه أحوال الماضين عبرة للمعاندين فيحذروا سلوك سبيلهم في التكذيب والعصيان. القسم السابع: الأمثال التي ضربها لهم والمواعظ التي وعظهم بها ينبههم بها على قدر الدنيا وقصر مدتها وآفاقها ليزهدوا فيها ويتركوا الإخلاد إليها ويرغبوا فيما أعد لهم في الآخرة من نعيمها المقيم وخيرها الدائم. القسم الثامن: ما تضمنه من الأمر والنهي والتحليل والتحريم وبيان ما فيه طاعته ومعصيته وما يحبه من الأعمال والأقوال والأخلاق وما يكرهه ويبغضه منها وما يقرب إليه ويدني من ثوابه وما يبعد منه ويدني من عقابه وقسم هذا القسم إلى فروض فرضها وحدود حدها وزواجر زجر عنها وأخلاق وشيم رغب فيها. القسم التاسع: ما عرفهم إياه من شأن عدوهم ومداخله عليهم ومكايده لهم وما يريده بهم وعرفهم إياه من طريق التحصن منه والاحتراز من بلوغ كيده منهم وما يتداركون به ما أصيبوا به في معركة الحرب بينهم وبينه وما يتبع ذلك.(2\/685)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "538",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3819",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القسم العاشر: ما يختص بالسفير بينه وبين عباده عن أوامره ونواهيه وما اختصه به من الإباحة والتحريم وذكر حقوقه على أمته وما يتعلق بذلك فهذه عشرة أقسام عليها مدار القرآن وإذا تأملت الألفاظ المتضمنة لها وجدتها ثلاثة أنواع. أحدها: ألفاظ في غاية العموم فدعوى التخصيص فيها يبطل مقصودها وفائدة الخطاب بها. الثاني: ألفاظ في غاية الخصوص فدعوى العموم فيها لا سبيل إليه. الثالث: ألفاظ متوسطة بين العموم والخصوص فالنوع الأول كقوله والله بكل شيء عليم [البقرة282] و على كل شيء قدير [البقرة109] و خالق كل شيء [الأنعام102] وقوله يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله [فاطر15 و يا أيها الناس اعبدوا ربكم [البقرة21] و يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة [النساء1] وأمثال ذلك والنوع الثاني كقوله(2\/686)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "539",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3820",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك [المائدة67] وقوله قضى زيد منها وطرا زوجناكها [الأحزاب37] وقوله وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين [الأحزاب50] والنوع الثالث كقوله أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا [الحج39] وقوله يا أيها الذين آمنوا [البقرة104] و قل يا أهل الكتاب [آل عمران64] و يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم [الزمر53] ونحو ذلك مما يخص طائفة من الناس دون طائفة وهذا النوع وإن كان متوسطا بين الأول والثاني فهو عام فيما قصد به ودل عليه. وغالب هذا النوع أو جميعه قد علقت الأحكام فيه بالصفات المقتضية لتلك الأحكام فصار عمومه لما تحته من جهتين من جهة اللفظ والمعنى فتخصيصه ببعض نوعه إبطال لما قصد به وإبطال دلالته إذ الوقف فيها لاحتمال(2\/687)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "540",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3821",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إرادة الخصوص به أشد إبطالها وعودا على مقصود المتكلم به بالإبطال فادعى قوم من أهل التأويل في كثير من عمومات هذا النوع التخصيص وذلك في باب الوعد والوعيد وفي باب القضاء والقدر أما باب الوعيد فإنه لما احتج عليهم الوعيديه بقوله ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم [النساء93] وبقوله إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا [النساء10] وأمثال ذلك لجأوا إلى دعوى الخصوص وقالوا هذا في طائفة معينة ولجأوا إلى هذا القانون وقالوا الدليل اللفظي العام مبني على مقدمات منها عدم التخصيص وانتفاؤه غير معلوم وأما باب القدر فإن أهل الإثبات لما احتجوا على القدرية بقوله الله خالق كل شيء [الرعد16] وقوله وهو على كل شيء قدير [المائدة120] ونحوه ادعوا تخصيصه وأكثر طوائف أهل الباطل ادعاء لتخصيص العمومات هم الرافضة فقل أن تجد في(2\/688)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "541",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3822",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القرآن والسنة لفظا عاما في الثناء على الصحابة إلا قالوا هذا في علي وأهل البيت وهكذا تجد كل أصحاب مذهب من المذاهب إذا ورد عليهم عام يخالف مذهبهم ادعوا تخصيصه وقالوا أكثر عمومات القرآن مخصوصة وليس ذلك بصحيح بل أكثرها محفوظة باقية على عمومها. فعليك بحفظ العموم فإنه يخلصك من أقوال كثيرة باطلة وقد وقع فيها مدعو الخصوص بغير برهان من الله وأخطأوا من جهة اللفظ والمعنى أما من جهة اللفظ فلأنك تجد النصوص التي اشتملت على لا وعيد أهل الكبائر مثلا في جيمع آيات القرآن خارجة بألفاظها مخرج العموم المؤكد المقصود عمومه كقوله ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا [الفرقان19] وقوله ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال [الأنفال16] وقوله ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم [النساء93] و فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره [الزلزلة8 , 7](2\/689)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "542",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3823",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد سمى النبي هذه الآية جامعة فاذة أي عامة فذة في بابها وقوله إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى فأولئك لهم الدرجات العلى [طه74 , 75] وقوله إن الذين يأكلون أموال اليتامى وقوله والذين لا يدعون مع الله إلها آخر [الفرقان68] وأضعاف أضعاف ذلك من عمومات القرآن المقصود عمومها التي إذا أبطل عمومها بطل مقصود عامة القرآن ولهذا قال شمس الأئمة السرخسي إنكار العموم بدعة حدثت في الإسلام بعد القرون الثلاثة. وأما خطؤهم من جهة المعنى فلأن الله سبحانه إنما(2\/690)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "543",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3824",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "علق الثواب والعقاب على الأفعال المقتضية له اقتضاء السبب لمسببه وجعلها عللا لأحكامها والاشتراك في الموجب يقتضي الاشتراك في موجبه والعلة إذا تخلف عنها معلولها من غير انتفاء شرط أو وجود مانع فسدت بل يستحيل تخلف المعلول عن علته التامة وإلا لم تكن تامة ولكن غلط ها هنا طائفتان من أهل التأويل الوعيدية حيث حجرت على الرب تعالى بعقولها الفاسدة أن يترك حقه ويعفو عن من يشاء من أهل التوحيد وأوجبوا عليه أن يعذب العصاة ولا بد وقالوا إن العفو عنهم وترك تعذيبهم إخلال بحكمته وطعن في خبره وقابلتهم الطائفة الآخرى فقالوا لا نجزم بثبوت الوعيد لأحد فيجوز أن يعذب الله الجميع وأن يعفو عن الجميع وأن ينفذ الوعيد في شخص واحد يكون هو المراد من ذلك اللفظ ولا نعلم هل هذه الألفاظ للعموم أو للخصوص وهذا غلو في التعطيل والأول غلو في التقييد والصواب غير المذهبين وأن هذه الأفعال سبب لما علق عليها من الوعيد والسبب قد يتخلف عن مسببه لفوات شرط أو وجود مانع والموانع متعددة منها ما هو متفق عليه بين الأمة كالتوبة النصوح ومنها الحسنات الماحية والمصائب المكفرة وما يلحق العبد بعد موته من ثواب تسبب إلى تحصيله أو دعاء أو استغفار له أو صدقة عنه ومنها شفاعة بإذن الله فيها لمن أراد أن يشفع فيه ومنها رحمة تدركه من أرحم الراحمين يترك بها حقه قبله ويعفو عنه وهذا لا يخرج العموم عن مقتضاه وعمومه ولا يحجر على الرب تعالى حجر الوعيدية والقدرية وللرد على الطائفتين(2\/691)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "544",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3825",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "موضع غير هذا والمقصود أن الأقسام الثلاثة التي تضمنها القرآن وهي الأعم والعام والأخص كل منها يفيد العلم بمدلوله ولا يتوقف فهم المراد منه على العلم بانتفاء المخصص والإضمار والحذف والمجاز فإن ذلك يبطل أحكام تلك الأقسام العشرة التي اشتمل عليها القرآن وتحول بين الإنسان وبين فائدتها مع كونها أهم الأمور والعناية الإلهية بها أشد وبيانها واقع موقع الضرورة فلو صح قول القائل إن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين لم يحصل لنا اليقين من القرآن في شيء من تلك الأقسام العشرة البتة وهذا من أبطل الباطل وأبين الكذب.(2\/692)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "545",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3826",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الرابع والثلاثون: إنك تجد عند كثير من المعروفين بالتفسير من رد كثير من ألفاظ القرآن عن العموم إلى الخصوص نظير ما تجده من ذلك عند أرباب التأويلات المستنكرة ومتى تأملت الحال فيما سوغوه من ذلك وجدتها عائدة من الضرر على الدين بأعظم مما عاد من ضرر كثير من التأويلات وذلك لأنهم بالقصد إلى ذلك فتحوا لأرباب التأويلات الباطلة السبيل إلى التهافت فيها فعظمت بذلك الجناية من هؤلاء وهؤلاء على الدين وأهله. وتجد الأسباب الداعية للطائفتين قصد الإغراب على الناس في وجوه التفسير والتأويل وادعاؤهم أن عندهم منها نوادر لا توجد عند عامة الناس لعلمهم أن الأمر الظاهر المعلوم يشترك الناس في معرفته فلا مزية فيه والشيء النادر المستظرف يحل محل الإعجاب وتتحرك الهمم لسماعه واستفادته لما جبل الناس عليه من إيثار المستظرفات والغرائب وهذا من أكثر أسباب الأكاذيب في المنقولات والتحريف لمعانيها ونحلتها معاني غريبة غير مألوفة وإلا فلو اقتصروا على ما يعرف من الآثار وعلى ما يفهمه(2\/693)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "546",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3827",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العامة من معانيها لسلم علم القرآن والسنة من التأويلات الباطلة والتحريفات وهذا أمر موجود في غيرهم كما تجد المتعنتين بوجه القرآن يأتون من القراءات البديعة المستشنعة في ألفاظها ومعانيها الخارجة عن قراءة العامة وما ألفوه ما يغربون به على العامة وأنهم قد أوتوا من علم القرآن ما لم يؤته سواهم وكذلك أصحاب الإعراب يذكرون من الوجوه المستكرهة البعيدة المتعقدة ما يغربون به على الناس وكذلك كثير من المفسرين يأتون بالعجائب التي تنفر عنها النفوس ويأباها القرآن أشد الإباء كقول بعضهم طه لفظة نبطية معناها يا رجل ويا إنسان وقال بعضهم هي من أسماء النبي مع يس وعدوا في أسمائه طه ويس وقال بعضهم في نون والقلم إنها الدواة كأنه لما رأى هذا الحرف قد اقترن بالقلم جعله الدواة وقال بعضهم في صاد إنها فعل ماض مثل رام وقاض وكما قال بعضهم في قوله إن تتبعون إلا رجلا مسحورا [الفرقان8] هو الذي له سحر أي رئة افترى أراد بقوله لموسى إني لأظنك يا موسى مسحورا [الإسراء101] هذا المعنى وأراد الكفار بقولهم(2\/694)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "547",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3828",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون [الحجر15] هذا المعنى وكما قال آخرون في قوله: من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة [الحج15] أن المعنى يرزقه واستشهدوا بقولهم أرض منصورة أي ممطورة ولو تأمل هذا القائل سياق الآية وآخرها لعلم أن تفسير النصر بالرزق يزيل معنى الآيات عن وجهه الذي قصد به وقال آخرون في قوله: فاليوم ننجيك ببدنك [يونس92] أي بدرعك وننجيك نلقيك على نجوة من الأرض وقال آخرون في قوله: فصل لربك وانحر [الكوثر2] إن المراد به ضع يدك على نحرك وتكايس غيره وقال المعنى استقبل القبلة بنحرك فهضموا معنى هذه الآية التي جمعت بين العبادتين العظيمتين الصلاةوالنسك وقال آخرون في قوله: أعجب الكفار نباته [الحديد20] إنهم الزراع وهل أطلق سبحانه الكفار في موضع واحد على غير الكافرين به وكما قيل في قوله: نوره كمشكاة فيها مصباح [النور35](2\/695)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "548",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3829",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن المشكاة هذا الموضع الذي يشكو المتعبد فيه إلى الله وأضعاف أضعاف ذلك من التفاسير المستنكرة المستكرهة التي قصد بها الإغراب والإتيان بخلاف ما يتعارفه الناس كحقائق السلمي وغيره مما لو تتبع وبين بطلانه لجاء عدة أسفار كبار ولولا قصد الإغراب والإتيان بما لم يسبق إليه غيره لما أقدم على ذلك كما قال بعض الرافضة في قوله مرج البحرين يلتقيان [الرحمن19] هما علي وفاطمة. بينهما برزخ لا يبغيان [الرحمن 20] هو النبي صلى الله عليه وسلم. يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان [الرحمن 22] هما الحسن والحسين. وجناية هؤلاء على القرآن جناية عظيمة. وبسبب(2\/696)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "549",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3830",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما اعتمدوه قال القائل كلام الله لا يستفاد منه يقين لاحتمال اللفظة منه عدة وجوه وقد فسرت بذلك كله ولو شرح كتاب من كتب العلوم هذا الشرح لأفسده الشارح على صاحبه ومسخ مقاصده وأزالها عن مواضعها والمقصود أن حمل عمومات القرآن على الخصوص تعطيل لدلالتها وإخراج لها عما قصد بها وهضم لمعناها وإزالة لفائدتها كقول بعضهم في قوله تعالى: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون [المائدة55] إن المراد به علي بن أبي طالب وهذا كذب قطعا على الله أنه أراد عليا وحده بهذا اللفظ العام الشامل لكل من اتصف بهذه الصفة وقول هذا القائل أو غيره في قوله تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين [الزمر33 , 34 إنه علي بن أبي طالب. وفي قوله فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون [الأعراف157] إنه علي بن أبي طالب.(2\/697)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "550",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3831",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقول الآخر في قوله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين معه أشداء على الكفار عمر بن الخطاب رحماء بينهم أبو بكر تراهم ركعا سجدا عثمان يبتغون فضلا من الله ورضوانا [الفتح 29] علي. وقول الآخر في قوله وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن [فاطر34] هم الخبز وفي قوله ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون [الأنبياء 105] إنهاأرض فلسطين والأردن وفي قوله وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب [ص20] هو أما بعد فهضموا هذا المعنى العظيم لإعطائه الحق في أتم بيان. وفي قوله خذوا زينتكم عند كل مسجد [الأعراف31] المراد به المشط ومن هذا يضع الرافضة المشط بين أيديهم في الصلاة.(2\/698)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "551",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3832",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وقد يقع في كلام السلف تفسير اللفظ العام بصورة خاصة على وجه التمثيل لا على تفسير معنى اللفظة في اللغة بذلك فيغير به المعنى فيجعله معنى اللفظة في اللغة كما قال بعضهم في قوله ثم لتسألن يومئذ عن النعيم [التكاثر8] إنه الماء البارد في الصيف فلم يرد به أن النعيم المسؤول عنه هو هذا وحده. وكما قيل في قوله ويمنعون الماعون [الماعون7] إنه القدر والفأس والقصعة فالماعون اسم جامع لجميع ما ينتفع به فذكر بعض السلف هذا للسائل تمثيلا وتنبيها بالأدنى على الأعلى فإذا كان الويل لمن منع هذا فكيف بمن منع ما الحاجة إليه أعظم وإذا كان العبد يسأل عن شكر الماء البارد فكيف بما هو أعظم نعيما منه. وفي قوله الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن [فاطر34] هم الغداء والعشاء وفي قله ربنا آتنا في الدنيا حسنة [البقرة201](2\/699)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "552",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3833",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنها المرأة الموافقة فهذا كله من التمثيل للمعنى العام ببعض أنواعه فإن أراد القائل أن الأدلة اللفظية موقوفة على عدم التخصيص أنها موقوفة على عدم قصرها على هذا وأشباهه فنعم هي غير مقصورة عليه ولا مختصة به ولا يقال لفهم هذه الأنواع منها تخصيصا. ونظير هذا ما يذكره كثير من المفسرين في آيات عامة أنها في قوم مخصوصين من المؤمنين والكفار والمنافقين وهذا تقصير ظاهر منهم وهضم لتلك العمومات المقصود عمومها وكأن الغلط في ذلك إنما عرض من جهة أن أقواما في عصر الرسول صلوات الله وسلامه عليه قالوا أقوالا وفعلوا أفعالا في الخير والشر فنزلت بسبب الفريقين آيات حمد الله فيها المحسنين وأثنى عليهم ووعدهم جزيل ثوابه وذم المسيئين ووعدهم وبيل عقابه فعمد كثير من المفسرين إلى تلك العمومات فنسبوها إلى أولئك الأشخاص وقالوا إنهم المعنيون بها. وكذالك الحال في أحكام وقعت في القرآن كان بدو افتراضها أفعال ظهرت من أقوام فأنزل الله بسببها أحكاما صارت شرائع عامة إلى يوم القيامة فلم يكن من الصواب أضافتها إليهم وأنهم هم المرادون بها إلا على وجه ذكر سبب النزول فقط وأن تناولها لهم ولغيرهم تناول واحد فمن التقصير القبيح أن يقال في قوله تعالى أيها الناس اعبدوا ربكم [البقرة 21](2\/700)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "553",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3834",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن المراد بالناس أهل مكة فيأتي إلى لفظ من أشمل ألفاظ العموم أريد به الناس كلهم عربهم وعجمهم قرنا بعد قرن إلى أن يطوي الله الدنيا فيقول المراد به أهل مكة نعم هم أسبق وأول من أريد به إذ كانوا هم المواجهين بالخطاب أولا وهذا كثير في كلامهم كقولهم المراد بقوله كذا وكذا أبو جهل أو أبي بن خلف أو الوليد بن المغيرة أو عبد الله بن أبي(2\/701)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "554",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3835",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو عبد الله بن سلام من سادة المؤمنين كما يقولون في كل موضع ذكر فيه ومن عنده علم الكتاب [الرعد43] إنه عبد الله بن سلام وهذا باطل قطعا فإن هذا مذكور في سورة مكية كسورة الرعد حيث لم يكن عبد الله بن سلام قد أسلم ولا كان هناك. وكذلك يقولون في قوله وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة [المنافقون] إن المراد به عبد الله بن أبي وكان من أحسن الناس جسما والصواب أن اللفظ عام في من اتصف بهذه الصفات وهي صحة الجسم وتمامه وحسن الكلام وخلوه من روح الإيمان ومحبة الهدى وإيثاره كخلو الخشب المقطوعة التي قد تساند بعضها إلى بعض من روح الحياة التي يعطيها النمو أو الزيادة والثمرة واتصافهم بالجبن والخور الذي يحسب صاحبه أن كل صيحة عليه فمن(2\/702)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "555",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3836",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التقصير الزائد أن يقال إن المراد بهذا اللفظ هو عبد الله بن أبي ومن هذا قولهم في قوله تعالى إن شجرت الزقوم طعام الأثيم [الدخان43 , 44] إنه أبو جهل ابن هشام وكذلك في قوله فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى [القيامة31 , 32] إنه أبو جهل ابن هشام وكذلك قوله إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون إلى آخرها [المطففين29] وكذلك قوله ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم إلى آخرها [القلم10 , 11 إنه الوليد بن المغيرة وكذلك قوله ومن الناس من يشتري لهو الحديث [لقمان6](2\/703)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "556",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3837",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنه النضر بن الحارث وفي قوله ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين [البقرة8] إنها في أناس معينين وأضعاف ذلك مما إذا طرق سمع كثير من الناس ظن أن هذا شيء أريد به هؤلاء ومضى حكمه وبقي لفظه وتلاوته حتى قال بعض من قدم العقل على النقل وقد احتج عليه بشيء من القرآن دعني من كلام قيل في أناس مضوا وانقرضوا. ومن تأمل خطاب القرآن وألفاظه وجلالة المتكلم به وعظمة ملكه وما أراد به من الهداية العامة لجيمع الأمم قرنا بعد قرن إلى آخر الدهر وأنه جعله إنذارا لكل من بلغه من الكلفين لم يخف عليه أن خطابه العام إنما جعل بإزاء أفعال حسنة محمودة وأخرى قبيحة مذمومة وأنه ليس منها فعل إلا والشركة فيه موجودة أو ممكنة وإذا كانت الأفعال مشتركة كان الوعد والوعيد المعلق بها مشتركا ألا ترى أن الأفعال التي حكيت عن أبي جهل بن هشام والوليد بن(2\/704)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "557",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3838",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المغيرة والعاص بن وائل وأضرابهم وعن عبد الله بن أبي وأضرابه كان لهم فيها شركاء كثيرون حكمهم فيها حكمهم. ولهذا عدل الله سبحانه عن ذكرهم بأسمائهم وأعيانهم إلى ذكر أوصافهم وأفعالهم وأقوالبهم لئلا يتوهم متوهم اختصاص الوعيد بهم وقصره عليهم وأنه لا يجاوزهم فعلق سبحانه الوعيد وقصره عليهم وأنه لا يجاوزهم فعلق سبحانه الوعيد على الموصوفين بتلك الصفات دون أسماء من قامت به إرادة لتعميم الحكم وتناوله لهم ولأمثالهم ممن هو على مثل حالهم. وهكذا الحكم فيمن أثنى عليه ومدحه بما صدر منه من قول أو فعل عدل سبحانه عن ذكره باسمه وعينه إلى ذكره بوصفه وفعله ليتناول المدح لمن شركه في ذلك من سائر الناس فإذا حمل السامع قوله والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون [الزمر33](2\/705)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "558",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3839",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون [الحديد19] ونظائرها على أبي بكر الصديق أو علي بن أبي طالب فقد ظلم اللفظ والمعنى وقصر به غاية التقصير وإن كان الصديق أول وأولى من دخل في هذا اللفظ العام وأريد به ونظير ذلك ما ذكره بعضهم في قوله إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا إلى قوله يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا [الإنسان 5 - 8] إن المراد بذلك علي بن أبي طالب فجمع إلى حمل هذا اللفظ العام المجاهرة بالكذب والبهت في دعواه نزولها في علي فإن السورة مكية وعلي كان بمكة فقيرا قد رباه النبي في حجره فإن أبا طالب لما مات اقتسم بنو عبد المطلب أولاده لأنه لم يكن له مال فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا ورباه عنده وضمه إلى عياله فكان فيهم. ومن تأمل هذه السورةعلم يقينا أنه لا يجوز أن يكون المراد بألفاظها العامة إنسانا واحدا فإنها سورة عجيبة التبيان افتتحت بذكر خلق الإنسان ومبدئه وجميع أحواله من بدايته إلى نهايته وذكره أقسام الخلق في أعمالهم واعتقاداتهم ومنازلهم من السعادة والشقاوة فتخصيص العام فيها(2\/706)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "559",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3840",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بشخص واحد ظلم وهضم ظاهر للفظها ومعناها وشبيه بهذا ما ذكره بعضهم في قوله تعالى ووصينا الأنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها [الأحقاف15] إنها نزلت في أبي بكر الصديق وابنه عبد الرحمن ونظيره ما تقدم من تفسير قوله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم [الفتح29] إلى آخر الآية وقسمة جملها بين العشرة من الصحابة ومن تأمل ذلك علم أن هذا تفسير مختل مخل بمقصود الآية معدول به عن سنن الصواب وهذا باب يطول تتبعه جدا ولو أن الذين ارتكبوا ما ذكرنا من التفاسير المستكرهة المستغربة وحملوا العموم على الخصوص وأزالوا لفظ الآية عن موضوعه علموا ما في ذلك من تصغير شأن القرآن وهضم معانيه من النفوس وتعريضه لجهل كثير من الناس بما عظم الله قدره وأعلى خطره لأقلوا مما استكثروا منه ولزهدوا فيما أظهروا الرغبة فيه وكان ذلك من فعلهم أحسن وأجمل وأولى بأن يوفى معه القرآن بعض حقه من الإجلال والتعظيم والتفخيم ولو لم يكن في حمل تفسير القرآن على الخصوص دون العمومم إلا ما يتصوره التالي له في نفسه من أن تلك الآيات إنما قصد بها أقوام من الماضين(2\/707)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "560",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3841",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دون الغابرين فيكون نفعه وعائدته على البعض دون البعض لكان في ذلك ما يوجب النفرة عن ذلك والرغبة عنه وبحكمة بالغة عدل الرب تعالى عن تسمية من ذكر هؤلاء أنه مراد باللفظ إلى ذكر الأوصاف والأفعال التي يأخذ كل أحد منها حظه ولو سمى سبحانه أصحابها بأسمائهم لقال القائل لست منهم يوضح ذلك. الوجه الخامس والثلاثون إن ألفاظ القرآن التي وقعت في باب الحمد والذم وقعت بما فيها من الفخامة والجلالة عامة وكان عمومها من تفخيمها وجلالة قدرها وعظمة شأنها وذلك أن من شأن من يقصد تفخيم كلامه من عظماء الناس أن يستعمل فيه أمرين أحدهما العدول بكلامه عن الخصوص إلى العموم إلى حيث تدعو الحاجة إلى ذكر الخصوص لأمر لا بد منه ليكون خطابه كليا شاملا يدخل تحته الخلق الكثير وكلما كان الداخلون تحت خطابه أعم واكثر كان ذلك أفخم لكلامه وأعظم لشأنه فأين العظمة والجلالة في قوله يا أيها الناس اعبدوا ربكم [البقرة 21](2\/708)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "561",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3842",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى العظمة في قوله يا أهل مكة اعبدوا ربكم فمن فخامة الكلام وجلالة المتكلم به أن يدخل في اللفظة الواحدة جميع ما يصلح له فيدل باللفظ القصير على المعاني الكثيرة العظيمة فتجمع العموم والإيجاز والاختصار والبيان وحسن الدلالة فتأتي بالمعنى طبق اللفظ لا يقصر عنه ولا يوهم غيره ومن علم هذا وتدبر القرآن وصرف إليه فكره علم أنه لم يقرع الأسماع قط كلام أوجز ولا أفصح ولا أشد مطابقة بين معانيه وألفاظه منه وليس يوجد في الكتب المنزلة من عند الله كتاب جمعت ألفاظه من الإيجاز والاختصار والإحاطة بالمعاني الجليلة والجزالة والعذوبة وحسن الموقع من الأسماع والقلوب ما تضمنته ألفاظ القرآن وقد شهد له بذلك أعداؤه وسمع بعض الأعراب قارئا يقرأ فاصدع بما تؤمر [الحجر94] فسجد فقيل له ليست بآية سجود فقال سجدت لفصاحة هذا الكلام. فإذا تأملت طريقته وجدتها طريقة مخاطبة ملك الناس كلهم لعبيده ومماليكه وهذا أحد الدلائل الدالة على أنه كلامه الذي تكلم به حقيقة لا كلام غيره من المخلوقين وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلام وبين كلامه وكلام الله مالا يحصره نسبة فكيف(2\/709)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "562",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3843",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يجوز في الأوهام والعقول أن تحمل جوامع كلمات الرب تعالى على ما يناقض عمومها ويحطها من مرتبة عظمة العموم ومحاسنه وجلالة شأنه إلى حضيض الخصوص بل الواجب أن يقال إن خطاب الله عز وجل في كل ما أمر به ونهى عنه وحمد أو ذم عليه ووعد عليه بثوابه وعقابه خرج في ذلك كله مخرجا عاما كليا بحسب ما تقتضيه جلالة الربوبية ومرتبة الملك والسلطان العام لجميع الخلق. ولو ترك المتأولون ألفاظه تجري على دلائلها الكلية وأحكامها العامة وظواهرها المفهومة منها وحقائقها الموضوعة لها لأفادتهم اليقين وجزموا بمراد المتكلم بها ولانحسمت بذلك مواد أكثر التأويلات الباطلة والتحريفات التي تأباها العقول السليمة ولما تهيأ لكل مبطل أن يعمد إلى آيات من القرآن فينزلها على مذهبه الباطل ويتأولها عليه ويجعلها شاهدة له وهي في التحقيق شاهدة عليه ولسلم القرآن والحديث من الآفات التي جناها عليهما المتأولون وألصقها بهما المحرفون والله المستعان فهذا ما يتعلق بقوله إن الأدلة النقلية موقوفة على العلم بعدم التخصيص بالأزمنة والأمكنة والأشخاص. الوجه السادس والثلاثون قوله وعدم الإضمار يقال الإضمار على ثلاثة أنواع نوع يعلم انتفاؤه قطعا وأن إرادته باطلة وهو الحال(2\/710)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "563",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3844",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو حال أكثر الكلام فإنه لو سلط عليه الإضمار فسد التخاطب وبطلت العقود والأقارير والطلاق والعتاق والوصايا والوقوف والشهادات ولم يفهم أحد مراد أحد إذ يمكنه أن يضمر كلمة تغير المعنى ولا يدل المخاطب عليها. وباب الإضمار لا ضابط له فكل من أراد إبطال كلام متكلم ادعى فيه إضمارا يخرجه عن ظاهره فيدعي ملحد الإضمار في قوله وكلم الله موسى تكليما [النساء164] أي وكلم ملك الله موسى ويدعي في قوله الرحمن على العرش استوى [طه5] إضمار ملك الرحمن كما ادعى بعضهم الإضمار في قوله ينزل ربنا أي ملك ربنا وفي قوله وجاء ربك [الفجر22] أي ملك ربك ولو علم هذا القائل أنه قد نهج الطريق وفتح الباب لكل ملحد على وجه الأرض وزنديق وصاحب بدعة يدعي فيما يحتج به لمذهبه عليه إضمار كلمة أو كلمتين نظير ما ادعاه لاختار أن يخرس لسانه(2\/711)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "564",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3845",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يفتح هذا الباب على نصوص الوحي فإنه مدخل لكل ملحد ومبتدع ومبطل لحجج الله من كتابه ومن رأى ما أضمره المتأولون من الرافضة والجهمية والقدرية والمعتزلة مما حرفوا به الكلم عن مواضعه وأزالوه به عن ما قصد له من البيان والدلالة. علم أن لهم أوفر نصيب من مشابهة أهل الكتاب الذين ذمهم الله بالتحريف واللي والكتمان أفترى يعجز الجهمي عن الإضمار في قوله إنكم ترون ربكم عيانا فيضمر ملك ربكم ونعيمه وثوابه ونحو ذلك ويعجز الملحد عن الإضمار في قوله وأن الله يبعث من في القبور [الحج7] أي أرواح من في القبور وإذا انفتح سد يأجوج ومأجوج أقبلوا من كل حدب ينسلون.(2\/712)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "565",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3846",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النوع الثاني ما يشهد السياق والكلام به فكأنه مذكور في اللفظ وإن حذف اختصارا كقوله تعالى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق [الشعراء63] فكل واحد يعلم أن المعنى فضربه فانفلق فذكره نوع من بيان الواضحات فكان حذفه أحسن فإن الوهم لا يذهب إلى خلافه. وكذلك قوله تعالى: وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون فلما رجعوا إلى أبيهم [يوسف 62 , 63] فكل أحد يفهم من هذا السياق أنهم جعلوها في رحالهم وأنهم وصلوا بها إلى أبيهم ومثل هذا في القرآن كثير جدا وفهم الكلام لا يتوقف على أن يضمر فيه ذلك مع أنه مراد ولا بد فكيف يتوقف فهم الكلام الذي لا دليل فيه على الإضمار بوجه وهو كلام مفيد قائم بنفسه معط لمعناه على دليل منفصل يدل على أن المتكلم لم يضمر فيه خلاف ما أظهره وهل يتوقف أحد من العقلاء في فهم خطاب غيره له على هذا الدليل أو يخطر بباله. والنوع الثالث كلام يحتمل الإضمار ويحتمل عدمه فهذا إذا قام الدليل على أن المتكلم به عالم ناصح مرشد قصده البيان والهدى والدلالة والإيضاح بكل طريق وحسم مواد اللبس ومواقع الخطأ وأن هذا هو المعروف المألوف من(2\/713)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "566",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3847",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خطابه وأنه اللائق بحكمته لم يشك السامع في أن مراده ما دل عليه ظاهر كلامه دون ما يحتمله باطنه من إضمار مالم يجعل للسامع عليه دليلا ولا له إلى معرفته سبيلا إلا أن يجوز عليه أنه أراد منه ذلك وكلفه ما لا يطيقه وعرضه للعناء والمشقة والعزلة ولم يقصد البيان ولا نكير على من ظن ذلك في المتكلم أن يظن بكلامه ما هو مناسب لظنه به يوضحه الوجه السابع والثلاثون إن الإضمار هو الإخفاء وهو أن يخفي المتكلم في نفسه معنى ويريد من المخاطب أن يفهمه فهذا إما أن يجعل له عليه دليلا من الخطاب أو لا فإن جعل له عليه دليلا من السياق لم يكن ذلك إضمارا محضا بل يكون قد أظهره له بما دله عليه من السياق ودلالة اللفظ قد تحصل من صريحه تارة ومن سياقه ومن قرائنه المتصلة به فهذا لا محذور فيه إذا كان المخاطب قد دل السامع على مقصوده ومراده وإن لم يجعل له عليه دليلا فإنه لم يقصد بيانه له بل عدل عن بيانه إلى بيان المذكور فلا يقال إن كلامه دل عليه بالإضمار فإن هذا كذب صريح عليه فتأمله فإنه واضح. الوجه الثامن والثلاثون قوله وعدم التقديم والتأخير فهذا أيضا من نمط ما قبله فإنه نظم الكلام الطبيعي المعتاد الذي علمه الله للإنسان نعمة منه عليه أن يكون جاريا على المألوف المعتاد(2\/714)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "567",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3848",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منه فالمقدم مقدم والمؤخر مؤخر فلا يفهم أحد قط من المضاف والمضاف إليه في لغة العرب إلا تقديم هذا وتأخير هذا وحيث قدموا المؤخر من المفعول ونحوه وأخروا المقدم من الفاعل ونحوه فلا بد أن يجعلوا في الكلام دليلا على ذلك لئلا يلتبس الخطاب فإذا قالوا ضرب زيدا عمرو لم يكن في هذا التقديم والتأخير إلباس فإذا قالوا ضرب موسى عيسى لم يكن عندهم المقدم إلا الفاعل فإذا أرادوا بيان أنه المفعول أتوا بما يدل السامع على ذلك من تابع منصوب يدل على أنه مفعول فلا يأتون بالتقديم والتأخير إلا حيث لا يلتبس على السامع ولا يقدح في بيان مراد المتكلم كقوله تعالى وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات [البقرة124] وقوله لن ينال الله لحومها ولا دماؤها [الحج37] وقوله وكان حقا علينا نصر المؤمنين [الروم47] وقوله إن في ذلك لآية [الشعراء8] وقوله وما كان جواب قومه إلا أن قالوا [الأعراف82](2\/715)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "568",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3849",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونحوه فهذا من التقديم الذي لا يقدح في المعنى ولا في الفهم وله أسباب تحسنه وتقتضيه مذكورة في علم المعاني والبيان. وأما ما يدعى من التقديم والتأخير في غير ذلك كما يدعي من التقديم في قوله: ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان [يوسف 24] وإن هذا قد تقدم فيه جواب لولا عليها فهذا أولا لا يجيزه النحاة ولا دليل على دعواه ولا يقدح في العلم بالمراد وكذلك ما يدعون من التقديم والتأخير في قوله اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون [النمل28] قالوا تقديره فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم فكأنهم لما فهموا من قوله تول عنهم مجيئه إليه ذاهبا عنهم احتاجوا إلى أن يتكلفوا ذلك وهذا لا حاجة إليه وإنما أمره بما جرت به عادة المرسل كتابه إلى غيره ليعلم ما يصنع به أن يعطيه الكتاب ثم ينعزل عنه حتى ينظر ماذا يقابله به وليس مراده بقوله تول عنهم أي أقبل إلي ولو أراد ذلك لقال فألقه إليهم وأقبل وقد علم من كونه رسولا له أنه لا بد أن يرجع إليه فليس في ذلك كبير فائدة بخلاف أمره بتأمله أحوال القوم عند قراءة كتابه وقد انعزل عنهم ناحية.(2\/716)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "569",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3850",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتقديم والتأخير نوعان: نوع يخل تقديم المؤخر وتأخير المقدم فيه بفهم أصل المعنى فهذا لا يقع في كلام من يقصد البيان والتفهيم وإنما يقع في الألغاز والأحاجي وما يقصد المتكلم تعمية المعنى فيه وقد يقع بسبب شدة الاختصار وضيق القافية عن الترتيب المفهم كقول الفرزدق وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه فهذه شبيه باللغز ومعناه وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملك أبو أمه أبوه وهذا النوع لا يقع في كلام الله ولا رسوله. النوع الثاني التقديم والتأخير الذي لا يخل بأصل المعنى وإن أخل بالغرض المقصود فيكون مراعاته من باب إخراج الكلام على مقتضى الحال وهذا هو الذي يتكلم(2\/717)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "570",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3851",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه علماء المعاني والبيان قال سيبويه وهو يذكر الفاعل والمفعول كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم لهم وهم بشأنه أعنى وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم انتهى كلامه. وهذا يقع في باب الاستفهام والنفي والمبتدأ والخبر والفاعل والمفعول فمن ذلك أنك إذا قلت أفعلت كذا وبدأت بالفعل كان الشك في الفعل نفسه وكان الغرض بالاستفهام علمك بوجوده وإذا قلت أنت فعلت كذا فبدأت بالاسم كان الشك في الفاعل من هو وكان التردد فيه ففرق بين قولك أكتبت الكتاب وبين قولك أأنت كتبته وهذا كما أنه قائم في الاستفهام فكذلك هو في التقرير فإذا قلت أنت فعل هذا? كان المقصود تقريره بأنه هو الفاعل كما قال قوم إبراهيم له أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم [الأنبياء62] فلم يكن مرادهم السؤال عن الفعل هل وجد أم لا ولو أرادوا ذلك لقالوا أكسرت أصنامنا? وإنما مرادهم السؤال عن الفاعل ولهذا كان الجواب قوله:(2\/718)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "571",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3852",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال بل فعله كبيرهم هذا [الأنبياء63] قالقائل أفعلت? سائل عن الفعل من غير تردد بين الفاعل وغيره وإذا قال أأنت فعلت? كان قد ردد الفعل بينه وبين غيره ولم يكن منه تردد في نفس الفعل ومن هذا استفهام الإنكار كقوله تعالى أفأصفاكم ربكم بالبنين [الإسراء40] وقوله: (أصطفى البنات على البنين [الصافات153] وقوله: أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون [الزخرف45] فهذا إذا قدم الاسم فيه استحال الكلام من إنكار الفعل إلى الإنكار في الفاعل مثل قوله: أأنت قلت للناس [المائدة116] آلله أذن لكم [يونس59] وقول أهل النار أنحن صددناكم عن الهدى [سبأ32] فهذا سؤال عن فعل وقع فتوجه الإنكار إلى نسبته إلى الفاعل الذي نسب إليه وهذا كما إذا بلغك قول عن من لم تكن تظنه به قلت أفلان قال ذلك ? وأما قوله تعالى: آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين [الأنعام143](2\/719)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "572",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3853",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن الإنكار وإن توجه إلى نفس التحريم والمراد إنكاره من أصله فإنه خطاب لمن قد أثبت تحريما في أشياء وحلا في نظائرها فسئل عن عين المحرم أهو هذا فيشمل التحريم نظيره مما حلله أو الآخر فيشمل نظيره أيضا فكأنهم قيل لهم أخبرونا عن هذا التحريم الذي زعمتم فيم هو أفي هذا أم في ذاك أم في الثالث?ليتبين بطلان قولهم وتظهر فريتهم على الله وهذا كما تقول لمن يدعي أمرا وأنت تنكره متى كان هذا أفي ليل أم نهار? وكذلك تقول من أمرك بهذا? أو من إذن لك فيه? وأنت لا تريد أن آمر أمرعه به وأذن له فيه ولكن أخرجت الكلام مخرج من كان قد يتنزل مع مخاطبه إلى أن ذلك قد كان ثم طالبه ببيان عينه ووقته ومكانه والآمر به لكي يضيق عليه الجواب ويظهر كذبه حيث لا يمكنه أن يحيل على شيء مما سئل عنه فيفتضح وكذلك إذا قلت أتفعل كذا? كنت مستفهما له عن نفس الفعل وإذا قلت أأنت تفعل كذا? كنت مستفهما له عن كونه هو الفاعل فقوله تعالى أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين [يونس99] فخرجه غير مخرج قوله أتقولون على الله ما لا تعلمون [الأعراف28] وقوله أيحسب الأنسان ألن نجمع عظامه [القيامة3](2\/720)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "573",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3854",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله نلزمكموها وأنتم لها كارهون [هود28] فأنت تجد تحت قولك أأنت الذي تقهرني? أن القاهر لي غيرك لا أنت وكذلك قوله أفأنت تكره الناس [يونس99] أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي [الزخرف40] وكذلك الشأن في تقديم المفعول وتأخيره كقوله تعالى قل أغير الله أتخذ وليا [الأنعام14] أفغير الله أبتغي حكما [الأنعام114] وقوله قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون [الأنعام40 , 41] فلو أخر لكان الاستفهام عن مجرد الفعل فلما قدم كان الاستفهام عن الفعل وكون المفعول المقدم مختصا به وكذلك قوله أبشرا منا واحدا نتبعه [القمر24] لما كان الإنكار متوجها إلى كون المتبوع بشرا وأنه(2\/721)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "574",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3855",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منهم وأنه واحد وردوه ولم يقع إنكارهم على مجرد الاتباع في قوة كلامهم أنه لو كان ملكا أو من غيرنا لا تلحقنا غضاضة برئاسته علينا أو عصبة كثيرة لا يمتنع من متابعتهم لاتبعناهم وكذلك التقديم بدل التأخير في النفي فإذا قلت ما فعلت كنت قد نفيت عنك الفعل ولم تتعرض لكونه فعل أو لم يفعل وإذا قلت ما أنا فعلت كنت قد نفيته عن نفسك مدعيا بأن غيرك فعله ومن ها هنا كان ذلك تعريضا بالقذف يوجب الحد في أصح القولين وبه عمل الصحابة في قول القائل أنا زنيت كما رفع إلى عمر بن الخطاب رجل لاحى آخر فقال ما أنا بزان ولا أمي بزانية فضربه الحد وهذا مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه وكذلك إذا قلت ما ضربت زيدا كنت قد نفيت الضرب لزيد عنك ولم تتعرض لضرب وقع منك على غيره نفيا وإثباتا وإذا قلت ما زيدا ضربت كنت مفهما أن الضرب قد وقع منك على إنسان غير زيد.(2\/722)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "575",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3856",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك الأمر في المبتدأ والخبر فهذا التقديم والتأخير يرجع إلى إيراد الكلام على مقتضى الحال التي يقصدها المتكلم ومن عرف أسلوب كلام العرب وطريقتهم في كلامهم فهم أحكام التقديم والتأخير وهذا غير مخرج لاستفادة السامع اليقين من كلام المتكلم ولا موقف لفهمه على دليل يدل على أنه أراد تأخير ما قدمه وتقديم ما أخره ليفهم خلاف المعنى الظاهر من كلامه. الوجه التاسع والثلاثون: قوله وموقوف على نفي المعارض العقلي لئلا يفضي إلى القدح في العقل الذي يفتقر إليه النقل جوابه أنا لا نسلم أن القدح فيما عارض النقل من المعقول قدح فيما يحتاج إليه النقل فإن صحة النقل. لا شيء عنده بإثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا فوقه ولا تحته. وتأمل دلائلهم على ذلك يتبين أن العقل الصريح مع رسل الله كما معهم الوحي الصحيح. وتأمل أقوالهم على تناقضها واختلافها في كلامه كيف? تجدها مخالفة لصريح العقل مخالفة بينة ودلائلهم على تلك(2\/723)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "576",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3857",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأقوال المختلفة أبطل منها وكيف يجد العقل الصريح أنا نشهد بما جاءت به الرسل أن الله سبحانه تكلم بكلام سمعه منه جبريل وبلغه إلى من أمر بتبليغه وكلم نبيه موسى وكلم ملائكته بكلام حقيقي سمعوه منه وأنه يتكلم بمشيئته وإرادته وكل قول خالف هذا فهو خلاف العقل الصريح وإن زخرفت له الألفاظ ونسجت له الشبه وتأمل ما جاءت به النصوص إن كلماته لا نهاية لها وهل يقتضي العقل الصريح غير ذلك? وتأمل ما جاءت به النصوص من شمول قدرته ومشيئته لجميع الكائنات أعيانها وصفاتها وأفعالها وما خالف ذلك فهو مخالف لصريح العقل. كما أن النصوص جاءت بأن أفعال العباد أعمال لهم واقعة باختيارهم وإرادتهم ليست أفعالا لله وإن كانت مفعولة له تجد ما خالف ذلك مخالفا لصريح العقل. وتأمل ما جاءت به النصوص أنه سبحانه لم يزل ملكا ربا غفورا رحيما محسنا قادرا لا يعجزه الفعل ولا يمتنع عليه وكيف لا تجد ما خالف ذلك مخالفا لصريح العقل كقول الفلاسفة أنه لا يفعل باختياره ومشيئته وقول المتكلمين أنه كان من الأزل إلى حيث خلق هذا العالم(2\/724)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "577",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3858",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معطلاعن الفعل غير متمكن منه والفعل مستحيل ثم انقلب من اإلإحالة الذاتية إلى الإمكان الذاتي بأن تجدد سبب اقتضى ذلك فانظر أي هذه المذاهب مخالف لصريح العقل كما هو مخالف لصحيح النقل وتأمل قولهم في الإرادة والقدرة والعلم كيف أثبتوا إرادة لا تفعل وقدرة لا تفعل وعلما لا يعقل فقابلهم طائفة من الفلاسفة كيحيى بن عدي النصراني قولها في الكلمة إنها الله كقول المتكلمين في السمع والبصر والعلم والقدرة والحياة أنها نفس الذات فانظر مخالفة هذه الطوائف لصريح العقل وتأمل قولهم إن السمع هو عين البصر والبصر هو عين السمع والبصر هو عين العلم والكل صفة واحدة فهل في مخالفة العقل الصريح أشد من ذلك وتأمل قولهم إن الرب تعالى علة ثابتة في الأزل لجميع المعلولات.(2\/725)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "578",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3859",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ووجودها في آن واحد مستحيل فجلعوه علة ثابتة لنا هو ممتنع الوجود في غير وقته وهذا قول الفلاسفة فقابلهم المتكلمون في ذلك ولم يجعلوا الفعل ممكنا له في الأزل بحال ولم يفرقوا بين نوع الفعل وعينه وخالف الفريقان صريح العقل. فتأمل قول الفريقين في الموجب بالذات والفاعل بالاختيار كيف تجدهم قد خرجوا فيه عن صريح العقل وقالوا ما يشهد العقل ببطلانه. وتأمل قولهم في أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد كيف خرجوا عن صريح العقل في المصدر والصادر عنه. وتأمل قولهم في إنكار قيام الأفعال الاختيارية به سبحانه التي ترجموها بمسألة حلول الحوادث كيف خرجوا فيها عن المعقول الصريح وكابروه أبين مكابرة والتزموا لأجله تعطيل الحي الفعال عن كل فعل والتزموا لأجله حصول مفعول بلا فعل ومخلوق بلا خلق فإن الفعل عندهم عين المفعول والخلق نفس المخلوق وهذا مكابرة لصريح العقل.(2\/726)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "579",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3860",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتأمل خروجهم عن العقل الصريح في إنكار الحكم والغايات التي يفعل الرب تعالى لأجلها وإنه لا يرى عيانا لا فوق الذاتي ولا تحته ولا خلفه ولا أمامه ولا عن يمينه ولا عن يساره ثم زادوا جواز تعلق الرؤية بكل موجود من الأصوات والروائح والمعاني وتعلق الإدراكات الخمس بذلك فجوزوا سماع الرائحة وشم الأصوات وسماع الطعوم فخرجوا عن صريح المعقول كما خرجوا عن صحيح المنقول أن المسلمين يرون ربهم من فوقهم. وتأمل خروجهم عن صريح العقل في مسألة الطفرة والأحوال والكسب ومسألة النبوات وأن النبوة(2\/727)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "580",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3861",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا ترجع إلى صفة وجودية وإنما هي تعلق الخطاب القديم بالشيء والتعلق أمر عدمي. وتأمل خروجهم عن صريح العقل بتجويزهم رؤية الشيء في غير جهة من الذاتي وقولهم بأن المتولدات لا فاعل لها وقولهم بأن الله مريد بإرادة يخلقها لا في محل فخالفوا صريح العقل من وجهين من إثبات كونه مريدا من غير قيام صفة الإرادة به ومن جعلهم صفة الإرادة قائمة بغير محل ومن ذلك خروجهم عن صريح العقل في قولهم إن الرب تعالى عالم بلا علم سميع بلا سمع بصير بلا بصر قادر بلا قدرة حي بلا حياة فأنكر ذلك عليهم طوائف العقلاء ففر بعضهم إلى أن قال علمه وسمعه وبصره وقدرته وحياته هي ذاته وقال أعقلهم عند نفسه وعند أتباعه إنه سبحانه علم كله وقدرة كله وحياة كله وسمع كله وبصر كله إلى إضعاف أضاف ما ذكرنا من(2\/728)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "581",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3862",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أقوالهم التي خرجوا فيها عن صريح العقل فهل تجد في نصوص الوحي التي عارضوا فيها بين العقل والنقل مثل ذلك أو قريبا منه فتأملها وتأمل أقوالهم تعلم أي النوعين معه العقل ومن الذي خرج عن صريحه وبالله التوفيق. الوجه الأربعون: إن الأدلة القاطعة قد قامت على صدق الرسول في كل ما يخبر به ودلالتها على صدقه أبين وأظهر من دلالة تلك الشبه العقلية على نقيض ما أخبر به عند كافة العقلاء ولا يستريب في ذلك إلا موؤف في عقله مصاب في قلبه وفطرته فأين الشبه النافية لعلو الله على خلقه وتكلمه بمشيئته وتكليمه لخلقه ولصفات كماله ولرؤيته بالأبصار في الدار الآخرة ولقيام أفعاله به إلى براهين نبوته وصدقه التي زادت على الألف وتنوعت كل تنوع فكيف يقدح في البراهين العقلية الضرورية بالشبه الخيالية المتناقضة إلا من هو من أفسد(2\/729)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "582",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3863",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الناس عقلا ونظرا وهل ذلك إلا من جنس الشبه التي أوردوها في التشكيك في الحسيات والبديهيات فإنها وإن عجز كثير من الناس عن حلها فهم يعلمون أنها قدح فيما علموه بالحس والإضطرار فمن قدر على حلها وإلا لم يتوقف جزمه بما علمه بحسه واضطراره على حلها وكذلك الحال في الشبه التي عارضت ما أخبر به الرسول سواء فإن المصدق به وبما جاء به يعلم أنها لا تقدح في صدقه ولا في الإيمان به وإن عجز عن حلها فإن تصديقه بما جاء به الرسول ضروري وهذه الشبه عنده لا تزيل ما علمه بالضرورة فكيف إذا تبين بطلانها على التفصيل يوضحه: الوجه الحادي والأربعون: وهو أن الرسول بين مراده وقد بين لنا أكثر مما تبين لنا كثيرا من دقائق المعقولات الصحيحة فمعرفتنا بمراد الرسول من كلامه فوق معرفتنا بتلك الدقائق إذا كانت صحيحة المقدمات في نفسها صادقة النتيجة غير كاذبة فكيف إذا كان الأمر فيها بخلاف ذلك فتلك التي تسمى معقولات قد تكون خطأ(2\/730)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "583",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3864",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولكن لم يتفطن لخطئها وأما كلام المعصوم فقد قام البرهان القاطع على صدقه وأنه حق ولكن قد يحصل الغلط في فهمه فيفهم منه ما يخالف صريح العقل فيقع التعارض بين ما فهم من النقل وبين ما اقتضاه صريح العقل فهذا لا يدفع ولكن إذا تأمله من وهبه الله حسن القصد وصحة التصور تبين له أن المعارضة واقعة بين ما فهمه النفاة من النصوص وبين العقل الصريح وأنها غير واقعة بين ما دل عليه النقل وبين العقل. ومن أراد معرفة هذا فليوازن بين مدلول النصوص وبين العقل الصريح ليبين له مطابقة أحدهما للآخر ثم يوازن بين أقوال النفاة وبين العقل الصريح فإنه يعلم حينئذ أن النفاة أخطأوا خطأين خطأ بينا على السمع بأن فهموا منه خلاف مراد المتكلم وخطأ على العقل بخروجهم عن حكمه فخرجوا عن العقل والسمع جميعا. الوجه الثاني والأربعون: إن المعارضين بين العقل والنقل وبين ما أخبر به الرسول قد اعترفوا بأن العلم بانتفاء المعارض مطلقا لا سبيل إليه إذ ما من معارض بنفسه إلا ويحتمل أن يكون له معارض آخر وهذا مما اعتمد عليه صاحب نهاية(2\/731)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "584",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3865",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العقول وجعل السمعيات لا يحتج بها على العلم بحال وحاصل هذا أنا لا نعلم ثبوت ما أخبر به الرسول حتى نعلم انتفاء ما يعارضه ولا سبيل إلى العلم بانتفاء المعارض مطلقا لما تقدم وأيضا فلا يلزم من انتفاء العلم بالمعارض العلم بانتفاء المعارض ولا ريب أن هذا القول من أفسد أقوال العالم وهو من أعظم أصول أهل الإلحاد والزندقة وليس في عزل الوحي عن مرتبته أبلغ من هذا. الوجه الثالث والأربعون: أن الله سبحانه قد أخبر في كتابه أن على الرسول البلاغ المبين فقال تعالى وما على الرسول إلا البلاغ المبين [النور54] , [العنكبوت18] وقال تعالى يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك [المائدة67](2\/732)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "585",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3866",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون [النحل44] وقد شهد الله له وكفى به شهيدا بالبلاغ الذي أمر به فقال فتول عنهم فما أنت بملوم [الذاريات54] وشهد له أعقل الخلق وأفضلهم وأعلمهم بأنه قد بلغ فأشهد الله عليهم بذلك في أعظم مجمع وأفضله فقال في خطبته بعرفات في حجة الوداع إنكم مسؤولون عني فماذا أنتم قائلون قالوا نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت فرفع إصبعه إلى السماء مستشهدا بربه الذي فوق سمواته وقال اللهم اشهد فلو لم يكن قد عرف المسلمون وتيقنوا ما أرسل به وحصل لهم منه العلم اليقين لم يكن قد حصل منه البلاغ المبين ولما رفع الله عنه اللوم ولما شهد له أعقل الأمة بأنه قد بلغ وبين وغاية ما عند النفاة أنه بلغهم ألفاظا لا تفيدهم علما ولا يقينا وأحالهم في(2\/733)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "586",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3867",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طلب العلم واليقين على عقولهم ونظرهم وأبحاثهم لا على ما أوحي إليه وهذا معلوم البطلان بالضرورة. الوجه الرابع والأربعون: إن عقل رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل عقول أهل الأرض على الإطلاق فلو وزن عقله بعقولهم لرجح بها كلها وقد أخبر سبحانه أنه قبل الوحي لم يكن يدري الإيمان كما لم يكن يدري الكتاب. فقال تعالى وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الأيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا [الشورى52] وقال تعالى ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى [الضحى7 , 6] وتفسير هذه الآية بالآية التي في آخر الشورى فإذا كان أعقل خلق الله على الإطلاق إنما حصل له الهدى بالوحي كما قال تعالى قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي [سبأ50] .(2\/734)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "587",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3868",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكيف يحصل لسفهاء العقول وأخفاء الأحلام وفراش الألباب الاهتداء إلى حقائق الإيمان بمجرد عقولهم دون نصوص الأنبياء: لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا [مريم90 , 89] الوجه الخامس والأربعون: إن الله سبحانه قد أقام الحجة على خلقه بكتابه ورسله فقال تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا [الفرقان1] وقال وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ [الأنعام19] فكل من بلغه هذا القرآن فقد أنذر به وقامت عليه حجة الله به وقال تعالى:(2\/735)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "588",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3869",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [النساء165] وقال تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [الإسراء15] وقال تعالى كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير [الملك9 , 8] وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير [الملك11 , 10] وقال تعالى وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين [الزمر71] وقال يا معشر الجن والأنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا [الأنعام130](2\/736)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "589",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3870",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلو كان كلام الله ورسوله لا يفيد اليقين والعلم والعقل معارض للنقل فأي حجة تكون قد قامت على المكلفين بالكتاب والرسول وهل هذا القول إلا مناقض لإقامة حجة الله على خلقه بكتابه من كل وجه وهذا ظاهر لكل من فهمه ولله الحمد. الوجه السادس والأربعون: إن الله سبحانه وصف نفسه بأنه بين لعباده غاية البيان وأمر رسوله بالبيان وأخبر أنه أنزل عليه كتابه ليبين للناس ولهذا قال الزهري من الله البيان وعلى رسوله البلاغ وعلينا التسليم فهذا البيان الذي تكفل به سبحانه وأمر به رسوله إما أن يكون المراد به بيان اللفظ وحده أو المعنى وحده أو اللفظ والمعنى جميعا ولا يجوز أن يكون المراد به بيان اللفظ دون المعنى فإن هذا لا فائدة فيه ولا يحصل به مقصود الرسالة وبيان المعنى وحده بدون دليله وهو اللفظ الدال عليه ممتنع فعلم قطعا أن المراد بيان اللفظ والمعنى. والله تعالى أنزل كتابه ألفاظه ومعانيه وأرسل رسوله ليبين اللفظ والمعنى فكما أنا نقطع ونتيقن أنه بين اللفظ(2\/737)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "590",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3871",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكذلك نقطع ونتيقن أنه بين المعنى بل كانت عنايته ببيان المعنى أشد من عنايته ببيان اللفظ وهذا هو الذي ينبغي فإن المعنى هو المقصود وأما اللفظ فوسيلة إليه ودليل عليه فكيف تكون عنايته بالوسيلة أهم من عنايته بالمقصود وكيف نتيقن بيانه للوسيلة ولا نتيقن بيانه للمقصود وهل هذا إلا من أبين المحال فإن جاز عليه أن لا يبين المراد من ألفاظ القرآن جاز عليه أن لا يبين بعض ألفاظه فلو كان المراد منها خلاف حقائقها وظواهرها ومدلولاتها وقد كتمه عن الأمة ولم يبينه لها كان ذلك قدحا في رسالته وعصمته وفتحا للزنادقة والملاحدة من الرافضة وإخوانهم باب كتمان بعض ما أنزل عليه وهذا مناف للإيمان به وبرسالته يوضحه:(2\/738)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "591",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3872",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه السابع والأربعون: إن القائل بأن الدلالة اللفظية لا تفيد اليقين إما أن يقول إنها تفيد ظنا أو لا تفيد علما ولا ظنا فإن قال لا تفيد علما ولا ظنا فهو مع مكابرته للعقل والسمع والفطرة الإنسانية من أعظم الناس كفرا وإلحادا وإن قال بل تفيد ظنا غالبا وإن لم تفد يقينا قيل له فالله سبحانه قد ذم الظن المجرد وأهله فقال تعالى: إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا [النجم28] فأخبر أنه ظن لا يوافق الحق ولا يطابقه وقال تعالى: إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى [النجم23] وقال أهل النار إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين [الجاثية32] ولكان قوله تعالى عنهم وبالآخرة هم يوقنون [البقرة4] خبرا غير مطابق فإن علمهم بالآخرة إنما استفادوه من(2\/739)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "592",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3873",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأدلة اللفظية لا سيما وجمهور المتكلمين يصرحون بأن المعاد إنما علم بالنقل فإذا كان النقل لا يفيد يقينا لم يكن في الأمة من يوقن بالآخرة إذ الأدلة العقلية لا مدخل لها فيها وكفى بهذا بطلانا وفسادا فإنه سبحانه لم يكتف من عباده بالظن بل أمرهم بالعلم كقوله: فاعلم أنه لا إله إلا الله [محمد19] وقوله اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم [المائدة98] وقوله واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه [البقرة223] ونظائر ذلك وإنما يجوز اتباع الظن في بعض المواضع للحاجة كحادثة يخفى على المجتهد حكمها أو في الأمور الجزئية كتقويم السلع ونحوه. وأما ما بينه الله في كتابه وعلى لسان رسوله فمن لم يتيقن بل ظنه ظنا فهو من أهل الوعيد ليس من أهل الإيمان فلو كانت الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين لكان ما بينه الله ورسوله بالكتاب والسنة لم يتيقنه أحد من الأمة.(2\/740)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "593",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3874",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثامن والأربعون: إن الله سبحانه أخبر أن قلوب المؤمنين مطمئنة بذكره وهو كتابه الذي هدى به عباده فقال تعالى: ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب [الرعد28 , 27] أجابهم سبحانه عن سؤالهم ترك إنزال آيات الاقتراح بجوابين: أحدهما أنها لا توجب إيمانا بل الله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء لا الآيات التي اقترحتموها الثاني أنه نبههم على أعظم الآيات وأشدها اقتضاء للإيمان وأنها في اقتضائها للإيمان أبلغ من الآيات التي تقترحونها وهي كتابه الذي هو ذكره وما تضمنه من الحق الذي تطمئن إليه القلوب وتسكن إليه النفوس ولو كان باطلا لم يزد القلوب إلا شكا وريبا فإن الكذب ريبة والصدق طمأنينة فلو كانت كلماته وألفاظه لا تفيد اليقين بمدلولها لم تطمئن به القلوب فإن الطمأنينة هي سكون القلب إلى الشيء ووثوقه به وهذا لا يكون إلا مع اليقين بل هو اليقين بعينه. ولهذا تجد قلوب أصحاب الأدلة السمعية مطمئنة بالإيمان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته واليوم(2\/741)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "594",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3875",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الآخر لا يضطربون في ذلك ولا يتنازعون فيه ولا يعرض لهم الشك عند الموت ولا يشهدون على أنفسهم ويشهدون على غيرهم بالحيرة والوقوف والشك فيكفي في صحة مدلول الأدلة اللفظية وبطلان مدلول الشبه العقلية التي تخالفها هذا القدر وحده. فمتى رأيت أصحاب الأدلة السمعية يقول أحدهم عند الموت نهاية إقدام العقول عقال أو يقول لعمري لقد طفت المعاهد كلها أو يقول فيك يا أغلوطة الفكر أو يقول والله ما أدري على أي عقيدة أموت إلى أضعاف ذلك من أحوال أصحاب الشبه العقلية وبالله التوفيق. الوجه التاسع والأربعون: قوله إن العلم بمدلول الأدلة اللفظية موقوف على نقل اللغة كلام ظاهر البطلان فإن دلالة القرآن والسنة على معانيها من جنس دلالة لغة كل قوم على ما يعرفونه ويعتادونه من تلك اللغة وهذا لا يخص العرب بل هو أمر(2\/742)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "595",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3876",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ضروري لجميع بني آدم يتوقف العلم بمدلول ألفاظهم على كونهم من أهل تلك اللغة التي وقع بينهم بها التخاطب ولهذا لم يرسل الله رسولا إلا بلسان قومه ليبين لهم فتقوم عليهم الحجة بما فهموه من خطابه لهم. فدلالة اللفظ هي العلم بقصد المتكلم به ويراد بالدلالة أمران نقل الدال وكون اللفظ بحيث يفهم معنى ولهذا يقال دله بكلامه دلالة ودل الكلام على هذا دلالة فالمتكلم دال بكلامه وكلامه دال بنظامه وذلك يعرف من عادة المتكلم في ألفاظه فإذا كانت عادته أنه قصد بهذا اللفظ هذا المعنى علمنا متى خاطبنا به أنه أراده من وجهين: أحدهما: أن دلالة اللفظ مبناها على عادة المتكلم التي يقصدها بألفاظه ولهذا استدل على مراده بلغته التي عادته أن يتكلم بها فإذا عرف السامع ذلك المعنى وعرف أن عادة المتكلم إذا تكلم بذلك اللفظ أن يقصده علم أنه مراده قطعا وإلا لم يعلم مراد المتكلم أبدا وهو محال. الثاني: إن المتكلم إذا كان قصده إفهام المخاطبين كلامه وعلم السامع من طريقته وصفته أن ذلك قصده لا أن قصده التلبيس والإلغاز أفاده مجموع العلمين اليقين بمراده ولم يشك فيه ولو تخلف عنه العلم لكان ذلك قادحا في أحد العلمين إما قادحا في علمه بموضوع ذلك(2\/743)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "596",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3877",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اللفظ وإما في علمه بعبارة المتكلم به وصفاته وقصده فمتى عرف موضوعه وعرف عادة المتكلم أفاده ذلك القطع يوضحه: الوجه الخمسون: إن السامع متى سمع المتكلم يقول لبست ثوبا وركبت فرسا وأكلت لحما وهو عالم بمدلول هذه الألفاظ من عرف المتكلم وعالم أن المتكلم لا يقصد بقوله لبست ثوبا معنى ذبحت شاة ولا من قوله ركبت فرسا معنى لبست ثوبا علم مراده قطعا. فإن من قصد خلاف ذلك عد ملبسا مدلسا لا مبينا مفهما وهذا مستحيل على الله ورسوله أعظم استحالة وإن جاز على أهل التخاطب فيما بينهم فاءذا إفادة كلام الله ورسوله لليقين فوق استفادة ذلك من كلام كل متكلم وهو أدل على كلام الله ورسوله من دلالة كلام غيره على مراده. وكلما كان السامع أعرف بالمتكلم وصفاته وقصده وبيانه وعادته كان استفادته للعلم بمراده أكمل وأتم. الوجه الحادي والخمسون: إن معرفة مراد المتكلم تعرف بإطراد استعماله ذلك اللفظ في ذلك المعنى في مجاري كلامه ومخاطباته فإذا ألف منه إطلاق ذلك اللفظ أو اضطراده في استعماله في معنى ألف منه أنه متى أطلقه أراد ذلك المعنى وألف منه تجريده في(2\/744)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "597",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3878",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "موارد استعماله من اقتران ما يدل على خلاف موضوعه أفاد ذلك علما يقينا لا ريب فيه لمراده. الوجه الثاني والخمسون: إن من تأمل عامة ألفاظ القرآن وجدها نصوصا صريحة دالة على معناها دلالة لا تحتمل غيرها بوجه من الوجوه وهذا كأسماء الأنبياء وأسماء الأجناس وكأسماء الأعلام وكأسمائه سبحانه التي أطلقها على نفسه فإنها لا تصلح أن يكون المراد بها غيره البتة ظاهرة كانت أم مضمرة وكأسماء يوم القيامة والجنة والنار والسماء والأعداد وذكر الثقلين وخطابهم وعامة ألفاظ القرآن فهل يفهم أحد قط من قوله قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس [الناس3 , 1] غير الله سبحانه ومن الوسواس الخناس [الناس4] غير الشيطان ومن صدور الناس [الناس5] .(2\/745)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "598",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3879",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غير بني آدم وهل يفهم من قوله قل هو الله أحد [الصمد1] غير ذات رب العالمين وأنه واحد لا شريك له وأنه لم يولد من غيره ولم يلد منه غيره وليس له من يماثله ويكائفه وهل يفهم من تبت يدا أبي لهب وتب إلى آخرها [المسد5 , 1] غير ما دلت عليه وهكذا جميع سور القرآن وآياته مفيدة لليقين بالمراد منها وإن أشكل على كثير من الناس كثير من ألفاظه فإن هذا لا يخرجه عن إفادته اليقين ولا يسلب الأدلة اللفظية عن إفادتها اليقين بل كل علم من علوم بني آدم اليقينية القطعية تشتمل على مسائل يتيقنها أصحاب ذلك العلم وهي مسلمة عندهم ومجهولة عند كثير منهم ولا يخرج ذلك العلم عن كونه يقينيا قطعيا فعزل الأدلة اللفظية جملة عن اليقين لألفاظ يسيرة مشتبهة على بعض الناس كعزل العلوم اليقينية القطعية عن موضوعها لمسائل يسيرة فيها غير يقينية ولا قطعية. الوجه الثالث والخمسون: إن قوله إن فهم الأدلة اللفظية موقوف على نقل النحو والتصريف جوابه إن القرآن نقل إعرابه كما نقلت ألفاظه(2\/746)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "599",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3880",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومعانيه لا فرق في ذلك كله فألفاظه متواترة وإعرابه متواتر ونقل معانيه أظهر من نقل ألفاظه وإعرابه كما تقدم بيانه فإن القرآن لغته ونحوه وتصريفه ومعانيه كلها منقولة بالتواتر لا يحتاج في ذلك إلى نقل غيره بل نقل ذلك كله بالتواتر أصح من نقل كل لغة نقلها ناقل على وجه الأرض وقواعد الإعراب والتصريف الصحيحة مستفادة منه مأخوذة من إعرابه وتصريفه وهو الشاهد على صحة غيرها مما يحتج له بها فهو الحجة لها والشاهد وشواهد الإعراب والمعاني منه أقوى وأصح من الشواهد من غيره حتى إن فيه من قواعد الإعراب وقواعد علم المعاني والبيان مالم تشتمل عليه ضوابط النحاة وأهل علم المعاني إلى الآن كما أن فيه من قواعد البراهين العقلية والأدلة القطعية ووجوهها مالم تشتمل عليه قواعد الأصوليين والجدليين إلى الآن وفيه من علم الأحكام وفقه القلوب وأعمال الجوارح وطرق الحكم بين العباد مالم تتضمنه قواعد الفقهاء إلى الآن وهذا أمر يتسارع الجهال والمقلدون إلى إنكاره والذين أوتوا العلم يعرفونه حقا فبطل قولا هؤلاء إن الأدلة اللفظية تتوقف دلالتها على عصمة رواة مفردات تلك الألفاظ ورواة إعرابها وتصريفها وظهر تدليسهم وتلبيسهم في هذا القول وبالله التوفيق.(2\/747)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "600",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3881",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الرابع والخمسون: أن يقال هب أنه يحتاج إلى نقل ذلك لكن عامة ألفاظ القرآن منقول معناها وإعرابها بالتواتر لا يحتاج الناس فيه إلى النقل عن عدول أهل العربية كالخليل وسيبويه والأصمعي وأبي عبيدة والكسائي(2\/748)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "601",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3882",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والفراء حتى الألفاظ الغريبة في القرآن مثل أبسلوا و قسمة ضيزى و عسعس ونحوها معانيها منقولة في اللغة بالتواتر لا يختص بنقلها الواحد والاثنان فلم تتوقف دلالتها على عصمة رواة معانيها فكيف في الألفاظ الشهيرة كالشمس والقمر والليل والنهار والبر والبحر والجبال والشجر والدواب فهذه الدعوى باطلة في الألفاظ الغريبة والألفاظ الشهيرة. الوجه الخامس والخمسون: إن أصحاب هذا القانون الذي عزلوا به نصوص الوحي عن إفادتها للعلم واليقين قالوا إن أظهر الألفاظ لفظ الله وقد اختلف الناس فيه أعظم اختلاف هل(2\/749)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "602",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3883",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو مشتق أم لا وهل هو مشتق من التأله أو من الوله أو من لاه إذا احتجب وكذلك اسم الصلاة وفيه من الاختلاف ما فيه وهل هو مشتق من الدعاء أو من الاتباع أو من تحريك الصلوين فإذا كان هذا في أظهر الأسماء فما الظن بغيره فتأمل هذا الوهم والإيهام واللبس والتلبيس فإن جميع أهل الأرض علمائهم وجهالهم ومن يعرف الاشتقاق ومن لا يعرفه وعربهم وعجمهم يعلمون أن الله اسم لرب العالمين خالق السموات والأرض الذي يحيي ويميت وهو رب كل شيء ومليكه فهم لا يختلفون في أن هذا الاسم يراد به هذا المسمى وهو أظهر عندهم وأعرف وأشهر من كل اسم وضع لكل مسمى وإن كان الناس متنازعين في اشتقاقه فليس ذلك بنزاع منهم في معناه وكذلك الصلاة لم يتنازعوا في معناها الذي أراده الله ورسوله وإن اختلفوا في اشتقاقها وكذلك قوله: يا أيها النبي [الأنفال64] لم يتنازعوا في المراد به وأنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وإن اختلفوا في اشتقاقه هل هو من النبأ أو من النبوة فليس ذلك نزاعا منهم في مسماه وكذلك مواضع كثيرة تتنازع النحاة في وجه دلالتها مع اتفاقهم على المعنى كقوله:(2\/750)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "603",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3884",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن كنت من قبله لمن الغافلين [يوسف3] فالبصريون يجعلونها مخففة من الثقيلة واللام فارقة بين المخففة والنافية والكوفيون يجعلونها نافية واللام بمعنى إلا. وليس هذا نزاعا في المعنى وإن كان نزاعا في وجه الدلالة عليه وكذلك قوله: يبين الله لكم أن تضلوا [النساء176] يقدره البصريون كراهة أن تضلوا والكوفيون لئلا تضلوا وكذلك اختلافهم في التنازع وأمثال ذلك إنما هو نزاع في وجه دلالة اللفظ على ذلك المعنى مع اتفاقهم على أن المعنى واحد وهذا القدر لا يخرج اللفظ عن إفادته للسامع اليقين بمسماه. الوجه السادس والخمسون أن يقال هذه الوجوه العشرة مدارها على حرف واحد وهو أن الدليل اللفظي يحتمل أزيد من معنى واحد فلا نقطع بإرادة المعنى الواحد فهذه الوجوه العشرة مضمونها كلها احتمال اللفظ لمعنيين فصاعدا حتى لا يعرف(2\/751)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "604",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3885",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عين مراد المتكلم فنقول من المعلوم أن أهل اللغة لم يسوغوا للمتكلم أن يتكلم بما يريد به خلاف ظاهره إلا مع قرينة تبين المراد والمجاز إنما يدل مع القرينة بخلاف الحقيقة فإنها تدل على التجرد وكذلك الحذف والإضمار لا يجوز إلا إذا كان في الكلام ما يدل عليه وكذلك التخصيص ليس لأحد أن يدعيه إلا مع قرينة تدل عليه فلا يسوغ العقلاء لأحد أن يقول جاءني زيد وهو يريد ابن زيد إلا مع قرينة كما في قوله: واسأل القرية [يوسف82] واسأل العير عند من يقول إنه من هذا الباب فإنه يقول القرية والعير لا يسألون فعلم أنه أراد أهلها ومن جعل القرية اسما للسكان والمسكن والعير اسما للركبان والمركوب لم يحتج إلى هذا التقدير وإذا كانت هذه الأنواع لا تجوز مع تجرد الكلام عن القرائن المبينة للمراد فحيث تجردت علمنا قطعا أنه لم يرد بها ذلك وليس لقائل أن يقول قد تكون القرائن موجودة ولا نعلم بها لأن من القرائن ما يجب أن يكون لفظيا كمخصصات الأعداد وغيرها ومنها ما يكون معنويا كالقرائن الحالية(2\/752)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "605",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3886",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمقالية والنوعان لا بد أن يكونا ظاهرين للمخاطب ليفهم من تلك القرائن مراد المتكلم فإذا تجرد الكلام عن القرائن فهم معناه المراد عند التجرد وإذا اقترن بتلك القرائن فهم معناه المراد عند الاقتران فلم يقع لبس في الكلام المجرد ولا في الكلام المقيد إذ كل من النوعين مفهم لمعناه المختص به. وقد اتفقت اللغة والشرع على أن اللفظ المجرد إنما يراد به ما ظهر منه وما يقدر من احتمال مجاز أو اشتراك أو حذف أو إضمار ونحوه إنما يقع مع القرينة أما مع عدمها فلا والمراد معلوم على التقديرين يوضحه: الوجه السابع والخمسون: إن غاية ما يقال إن في القرآن ألفاظا استعملت في معان لم تكن تعرفها العرب وهي الأسماء الشرعية كالصلاة والزكاة والصيام والاعتكاف ونحوها والأسماء الدينية كالإسلام والإيمان والكفر والنفاق ونحوها وأسماء(2\/753)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "606",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3887",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مجملة لم يرد ظاهرها كالسارق والسارقة والزاني والزانية ونحوه وأسماء مشتركة كالقرء وعسعس ونحوهما فهذه الأسماء لا تفيد اليقين بالمراد منها فيقال هذه الأسماء جارية في القرآن ثلاثة أنواع نوع بيانه معه فهو مع بيانه يفيد اليقين بالمراد منه ونوع بيانه في آية أخرى فيستفاد اليقين بالمراد من مجموع الإثنين ونوع بيانه موكول إلى الرسول فيستفاد اليقين من المراد منه ببيان الرسول ولم نقل نحن ولا أحد من العقلاء إن كل لفظ فهو مفيد لليقين بالمراد منه بمجرده من غير احتياج إلى لفظ آخر متصل به أو منفصل عنه بل نقول إن مراد المتكلم يعلم من لفظه المجرد تارة والمقرون تارة ومنه ومن لفظ آخر يفيدان اليقين بمراده تارة ومنه ومن بيان آخر بالفعل أو القول يحيل المتكلم عليه تارة وليس في القرآن خطاب أريد منه العلم بمدلوله إلا وهو داخل في هذه الأقسام.(2\/754)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "607",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3888",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالبيان المقترن كقوله حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر [البقرة187] وكقوله لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله [النساء95] وقوله فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما [العنكبوت14] ونظائر ذلك والبيان المنفصل كقوله والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين [البقرة233] وقوله وفصاله في عامين [لقمان14] مع قوله وحمله وفصاله ثلاثون شهرا [الأحقاف15] فأفاد مجموع اللفظين بأن مدة الحمل ستة أشهر وكذلك قوله:(2\/755)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "608",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3889",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس [النساء12] مع قوله يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة الآية [النساء176] أفاد مجموع النصين العلم بالمراد من الكلالة وأنه من لا ولد له وإن سفل ولا والد له وإن علا وكذلك قوله: أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم [الطلاق6] مع قوله فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف [الطلاق2] أفاد مجموع الخطابين في الرجعيات دون البوائن ومنه قوله والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس [التكوير17\/18] مع قوله كلا والقمر والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر [المدثر34-32] فإن مجموع الخطابين يفيدان العلم بأن الرب سبحانه أقسم بإدبار هذا وإقبال هذا أو بإقبال كل منهما على من(2\/756)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "609",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3890",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فسر أدبر بأنه دبر النهار أي جاء في دبره وعسعس بأقبل فعلى هذا القول يكون الإقسام بإقبال الليل وإقبال النهار وعلى القول الأول يكون قد وقع الإقسام بإدبار الليل وإقبال النهار وقد يقال وقع الإقسام في الاثنين بالنوعين. وأما البيان الذي يحيل المتكلم عليه فكما أحال الله سبحانه وتعالى على رسوله في بيان ما أمر به عباده من الصلاة والزكاة والحج وفرائض الإسلام التي إنما علم مقاديرها وصفاتها وهيئاتها من بيان الرسول فلا يخرج خطاب القرآن عن هذه الوجوه ولم يخاطب الله عباده بلفظ إلا وقد بين لهم مراده به بأحد هذه الوجوه الأربعة فصار الخطاب مع بيانه مفيدا لليقين بالمراد منه وإن لم يكن بيانه متصلا به وذلك لا يعزل كلام الله ورسوله عن إفاة العلم واليقين. الوجه الثامن والخمسون: إن حصول اليقين بمدلول الأدلة السمعية والعلم بمراد المتكلم بها أيسر وأظهر من حصوله بمدلول الأدلة العقلية.(2\/757)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "610",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3891",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن الأدلة السمعية تدل بقصد الدال وإرادته وعلم المخاطب بذلك أيسر عليه من علمه باقتضاء الدليل العقلي مدلوله ولهذا كان أول ما يفعله الطفل معرفة مراد أبويه بخطابهما له قبل علمه بالأدلة العقلية وأيضا فمن قصد تعليم غيره مقتضى الدليل العقلي لم يمكنه ذلك حتى يعرفه مدلول الألفاظ التي صاغ بها الدليل العقلي فعلمه بمدلول الدليل السمعي الدال على مقتضى الدليل العقلي أسبق إليه وأيسر عليه وهذا هو الترتيب الطبيعي الموجود في الناس كما يخاطب المعلم المتعلم بالألفاظ الدالة على الدليل العقلي فلا بد أن يعرف مدلول تلك الألفاظ أولا ثم يرتب مدلولها في ذهنه ترتيبا ينتج له العلم بالنتيجة وليس أحد من البشر يستغني عن التعلم السمعي كيف وآدم أبوهم أول من علمه الله أصول الأدلة السمعية وهي الأسماء كلها وكلمه قبيلا ونبأه وعلمه بخطاب الوحي مالم يعلمه بمجرد العقل وهكذا جميع الأنبياء من ذريته علمهم بالأدلة السمعية وهي الوحي مالم يعلموه بمجرد عقولهم وحصل لهم من اليقين(2\/758)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "611",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3892",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعلم بالأدلة السمعية التي هي خطاب الله لهم مالم يحصل لهم بمجرد العقل وأحيلوا هم وأممهم على الأدلة السمعية ولم يحالوا على العقل وهداهم الله بالأدلة السمعية لا بمجرد العقل وأقام حجته على أممهم بالأدلة السمعية لا بالعقل يوضحه: الوجه التاسع والخمسون: وهو ما اتفقت عليه أهل الملل أن النبوة خطاب سمعي بوحي يوحيه الملك إلى النبي عن الرب تعالى ليست مجرد معرفة الحقائق بقوة قدسية في البشر تميز بها عن غيره وقوة تخيل وتخييل يتمكن بها من التصور وحسن البصيرة وقوة تأثير يتمكن بها من التصرف في عناصر العالم كما يقول المتفلسفة ويقولون إن ما يحصل للنبي من المعارف إنما هو بواسطة القياس العقلي كغيره من البشر لكن هو أسرع وأكمل إدراكا للحد الأوسط من غيره ويزعمون أن علم الرب كذلك والقائلون بأن اليقين والعلم إنما يحصل من الأدلة العقلية لا من الأدلة السمعية هم هؤلاء وعنهم تلقى هذا الأصل ومنه أخذ فهو أحد أصول الفلسفة(2\/759)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "612",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3893",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والإلحاد والزندقة الذي يتضمن عزل النبوات وما جاءت به الرسل عن الله من الأدلة السمعية وتولية القواعد المنطقية والآراء الفلسفية فأخذه منهم متأخرو الجهمية فصالوا به على أهل الكتاب والسنة ولقد كان قدماؤهم لا يصرحون بذلك ولا يتجاسرون عليه فكشف المتأخرون القناع وألقوا جلباب الدين وصرحوا بعزل الوحي عن درجه والمسلمون بل وأهل الملل قاطبة يعلمون بالضرورة أن أكمل التعليم تعليم الله لصفيه آدم الأسماء كلها وأكمل التكليم تكليمه سبحانه لكليمه موسى وأعلى أنواع العلوم وأعظمها إفادة لليقين العلوم التي ألقاها الله سبحانه إلى أنبيائه بواسطة السمع وأن نسبة العلوم العقلية المشتركة بين الناس إليها أقل وأصغر من نسبة علوم العجائز والأطفال إلى تلك العلوم فبين العلوم الحاصلة من الأدلة السمعية للرسل وأتباعهم وبين العلوم الصحيحة الحاصلة بأفكار العقلاء من التفاوت أضعاف ما بين الخردلة إلى الجبل(2\/760)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "613",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3894",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العظيم فكيف النسبة بين العلوم السمعية اليقينية للرسل وأتباعهم وبين الشبه الخيالية التي هي من جنس شبه السوفسطائية في التحقيق فدعوى هؤلاء المخدوعين المخادعين أن ما جاءت به الأنبياء لا يفيد اليقين وأن تلك الهذيانات التي بنوا عليها واستدلوا بها هي المفيدة لليقين من جنس دعوى فرعون وقوله: ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد [غافر29] وقال عن موسى وما جاء به إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد [غافر26] فدعوى هؤلاء من جنس دعواه سواء وبالله التوفيق. الوجه الستون: إن دلالة الأدلة السمعية على مدلولها من جنس دلالة الآيات المعينة على مدلولها وهذان النوعان هما أكمل الأدلة وهما المستلزمان للعلم بالرب تعالى وأسمائه وصفاته والمعاد وإثبات صدق الرسل بخلاف الأدلة العقلية الكلية التي(2\/761)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "614",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3895",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طريقها صناعة المنطق فإنها إذا صحت مقدماتها وكانت يقينية وكانت منتجة فإنما تنتج مطلوبا كليا لا يحصل به إثبات رب معين ولا رسول معين ولا إثبات شيء من أصول الإيمان التي لا سعادة للعبد بدونها فإن غاية ما عند هؤلاء أن الممكن يفتقر إلى واجب فبعد تقرير إمكان العالم والتخلص من الشبه الواردة على الإمكان إنما استفادوا إثبات وجود واجب ومعلوم أن فرعون وهامان ونمرود بن كنعان والمجوس والصابئة لا يشكون في إثبات وجود واجب بل عباد الأصنام أهدى من هؤلاء حيث اعترفوا برب قيوم خالق قادر يفعل بمشيئته وقدرته وأصحاب هذه الأدلة العقلية التي تفيد اليقين لم يصلوا فيما استفادوه بها إلى هذا ولا قريب منه بل أثبتوا وجودا واجبا وهل هو هذا الفلك أو فلك وراءه أو وجود مطلق أو علة أولى أو الوجود الكلي العام الساري في الموجودات كما قال بكل من ذلك طائفة وأما كونه الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم القاهر فوق عباده الذي استوى على عرشه يعلم ما تخفيه الضمائر ويرى ويسمع(2\/762)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "615",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3896",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويتكلم ويكلم ويرضى ويغضب ويخلق ما يشاء فهذا لا تدل عليه مقدماتهم المنطقية وأدلتهم الكلية فلا تفيد شيئا من مطالب الإيمان المشتركة بين أهل الملل البتة وأما أدلة الرب سبحانه بآياته السمعية والخلقية فهي التي دلت عباده على توحديه وصفات كماله ونعوت جلاله وصدق رسله وصحة معاد الأبدان وقيام الناس من قبورهم إلى دار شقاوة وسعادة فلولا هذه الآيات السمعية لم يعرفوا شيئا من ذلك وقد أخبر سبحانه عن هذه الآيات السمعية والخلقية بقوله: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد [فصلت53] فبين سبحانه أنه يري عباده من الآيات المشهودة العيانية في الآفاق وفي أنفسهم ما يبين لهم به أن آياته السمعية القرآنية حق وصدق فآيات الرب تعالى العيانية الأفقية والنفسية مستلزمة لإثبات الأدلة السمعية ثم دلالة آياته السمعية التي لا تفيد اليقين عند هؤلاء أكمل دلالة على المطالب الإيمانية من الأدلة الكلية المؤلفة من القياسات المنطقية بل دلالتها على تلك المطالب كدلالة الشمس على(2\/763)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "616",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3897",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النهار ودلالة ضوء الصبح علىالصباح ودلالة الدخان على النار والمصنوع على الصانع ودلالة النجوم على الطرق ونحو ذلك وهذا يبين أن أضعف أنواع الأدلة هي الأدلة القياسية العقلية التي هي عند كثير من الفلاسفة والمتكلمين أكمل الأدلة ثم الدليل القياسي التمثيلي أقوى وأظهر دلالة من الدليل القياسي الشمولي خلاف ما يدعيه المنطقيون ومن اتبعهم فأدلة هؤلاء هي آخر المراتب وأضعفها وأدلة القرآن في أعلى مراتب الأدلة وأشدها ارتباطا بمدلولها واستلزاما له خلاف لمن عكس ذلك كابن سينا وابن الخطيب والآمدي وأشباههم. فدلالة المقال أكمل من دلالة الحال ودلالة الحال المعينة(2\/764)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "617",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3898",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أكمل من الدلالة الكلية المنطقية ودلالة كلام الله أكمل من دلالة كل كلام وإفادته اليقين فوق إفادة كل دليل اليقين بمدلوله ودلالة آياته العيانية على مدلولها فوق إفادة كل دليل عقلي لمدلوله فقول من قال إنها لا تفيد اليقين بمكدلولها لأنها أدلة لفظية والأدلة العقلية لا تفيد لكونها أمثالا جزئية لا أقيسة كلية فيسمون آياته السمعية أدلة لفظية وآياته العيانية تمثيلات جزئية ويقولون هذا تمثيل لا دليل وفي الأول هذا دليل لفظي لا عقلي فقول هؤلاء قلب للحقائق وعكس لما فطر الله عليه عباده وقدح في المعلوم قطعا ويقينا بالشبه الخيالية والأقيسة المنطقية وقد أفسدوا من الفطر وغيروها عما فطرت عليه خلائق لا يحصيهم إلا الله وهؤلاء للملل بمنزل السوس في الخشب والثياب وغيرهما ولهذا سماهم أنصار الله ورسوله سوس الملل وإذا شئت أن تعرف حقيقة الأمر فانظر إلى أهل الأدلة السمعية وأهل الأدلة المنطقية العقلية ووازن بين معارف هؤلاء وعلومهم وإيمانهم وهدايتهم ونفع الخلق بهم وسيرتهم وبين علوم أولئك ومعارفهم وسيرتهم وضرر الخلق بهم وإخراجهم لمن أنشبوا مخالبهم فيه من العقل والدين خروج الشعرة من العجين.(2\/765)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "618",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3899",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الحادي والستون إنه من أعظم المحال أن يكون المصنفون في جميع العلوم قد بينوا مرادهم وعلم الناس مرادهم منها يقينا سواء كان ذلك المعلوم مطابقا للحق أو غير مطابق له ويكون الله ورسوله لم يبين مراده بكلامه ولا تيقنت الأمة إلى الآن ما أراد بكلامه فهذا لا يقوله إلا من هو من أجهل الناس بالله ورسوله وكلامه ونحن لا ننكر أن في أرباب المعقولات من هو في غاية البعد عن معرفة الله ورسوله وما جاء به وأنه لم يحصل له اليقين من كلام الله ورسوله وذلك لبعده منه وعدم الثقة به وسوء ظنه به واعتقاده أن كلامه خطابة لا برهان وإنه تخييل خيل به إلى النفوس وشبه لها الأمور العقلية وأخرجها في الصور المحسوسة وأن القرآن إنما هو خطاب للعرب الجهال الذين هم من أجهل الأمم بالعلوم والحقائق وأنهم لم تمكن دعوتهم إلا بالطريق الخطابية التخييلية لا بالطريق البرهانية العقلية الحكمية وأن طريق الحكمة والبرهان هي طرق الفلاسفة والمنطقيين والصابئة وأتباعهم فلا ريب أن القرآن في حق مثل هذا لا يفيده اليقين بل هو عمى عليه وضلال في حقه كما قال تعالى:(2\/766)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "619",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3900",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد [فصلت44] قال مجاهد بعيد من قلوبهم فهم ما يتلى عليهم وقال الفراء تقول للرجل الذي لا يفهم كلامك أنت تنادي من مكان بعيد وقال صاحب النظم أي أنهم لا يسمعون ولا يفهمون كما أن من دعي من مكان بعيد لم يسمع ولم يفهم وهذا حال هؤلاء الذين لا يستفيدون من كلام الله ورسوله يقينا ولا علما وهذه أيضا حال الجهال ومن نشأ بالبوادي ومن لا فهم له من أهل البله والبلادة وأمثال هؤلاء فإن هؤلاء لا يستفيدون من كلام الله ورسوله علما ولا يقينا فقول القائل الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين لم يذكر المفعول بل حذفه فإن أراد أنها لا تفيد اليقين لهاتين الطائفتين فصدق وإن أراد أنها لا تفيده للراسخين في العلم وأهل الذكاء الذين هم أحسن الناس قصودا وأصحهم أذهانا فقد كذب عليهم وبهتهم فإنهم قد استفادوا(2\/767)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "620",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3901",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منها من اليقين مالم يستفده أهل منطق اليونان وأتباع الفلاسفة وأفراخ الصابئة وورثة الملاحدة وأوقاح الجهمية من قواعدهم الباطلة فدعواهم أنهم لم يستفيدوا منها يقينا مكابرة لهم في الأمور الوجدانية الحاصلة لهم. وإن قالوا نحن لم نستفد منها يقينا قيل لهم لا يلزم من ذلك أن لا تفيد اليقين لأهل العلم والإيمان وقد قال من لم يستفد العلم واليقين من القرآن للنبي ما حكاه الله عنهم بقوله: وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب [فصلت5] ولم يمنع هذا ارتفاع هذه الموانع واستفادة الهدى واليقين في حق المؤمنين المصدقين بل كان في حقهم هدى وشفاء. وإن قال هي لا تفيد اليقين في نفسها وليست موضعا لذلك فهذا غاية البهت والإلحاد يوضحه: الوجه الثاني والستون أن يقال لهم ما تريدون بهذا النفي أتريدون بالأدلة اللفظية جنس كلام بني آدم الدال على مرادهم في الخطاب والتصنيف وغيره أو كلام الله ورسوله وهل مرادكم بهذا(2\/768)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "621",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3902",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السلب أن شيئا منها لا يفيد اليقين أو أن مجموعها لا يفيده وإن أفاده بعضها. وهل المراد أنه لا يستفيد أحد منها اليقين البتة أو أن الناس كلهم لا يستفيدون منها اليقين بل يستفيده بعضهم دون البعض. وهل المراد بها لا تفيد اليقين بمراد المتكلم بها أو لا تفيد اليقين بثبوت ما أخبر بثبوته ونفي ما أخبر بنفيه وإن تيقنا مراده فهما مقامان والفرق بينهما معلوم فهذه ثمانية تقادير فبينوا مرادكم منها فإن أحدا من العقلاء لا يمكنه أن ينفي حصول اليقين منها على هذه التقادير كلها. وإذا كان المراد نفي اليقين على بعض التقادير المذكورة فبينوه بالدعوى ليتوارد النفي والإثبات على محل واحد والظاهر والله أعلم أنكم تريدون أن كلام الله ورسوله لا يستفاد منه علم ولا يقين في باب معرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله وإثبات ملائكته وصفاتهم وأنواعهم وإذا لم يفد اليقين في ذلك وهو أعظم أقسام القرآن وأظهرها وأكثرها ورودا فيه فكيف يفيد في باب المعاد والأحكام كما تقدم تقريره الوجه الثالث والستون: إن هذا القانون مضمونه جحد الرسالة في الحقيقة وإن أقر بها صاحبه بلسانه بل مضمونه إن ترك الناس بلا رسول(2\/769)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "622",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3903",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يرسل إليهم خير من أن يرسل إليهم رسول وإن الرسل لم يهتد بهم أحد في أصول الدين بل ضل بهم الناس وذلك أن القرآن على ما اعتقده أرباب هذا القانون لا يستفاد منه علم ولا حجة بل إذا علمنا بعقولنا سببا اعتقدناه ثم نظرنا في القرآن فإن كان موافقا لذلك أقررناه على ظاهره لكونه معلوما بذلك الدليل العقلي الذي استفدناه به لا بكون الرسول أخبر به وإن كان ظاهره مخالفا لما عرفناه واستنبطناه بعقولنا اتبعنا العقل وسلكنا في السمع طريقة التأويل أو الإعراض والتفويض فأي فائدة حصلت إذا بإخبار الرسول بل مضمون ذلك أنا حصلنا على العناء الطويل لاستخراج وجوه التأويلات المستلزمة أو التعرض لاعتقاد الباطل والضلال بحمل الكلام على ظاهره فكانت الأدلة اللفظية مقتضية لضلال هؤلاء ولعناء أولئك فأين الهدى والشفاء الذي حصل بها لهؤلاء وهؤلاء ومن العجب اعتراف أرباب هذا القانون بهذا وجوابهم عنه بجواب أهل الإلحاد وهو أن المخاطبين لم يكونوا يفهمون الحقائق فضربت لهم الأمثال من غير أن يكون المخبر ثابتا في نفس الأمر فراجع كتب القوم تجد ذلك فيها.(2\/770)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "623",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3904",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الرابع والستون: إن أصحاب هذا القانون في قول مختلف يؤفك عنه من أفك فتارة يقولون نحن نعلم انتفاء الظاهر قطعا وأنه غير المراد وإن كنا لا نعلم عين المراد وتارة يقولون بل الرسول خاطب الخلق خطابا جمهوريا يوافق ما عندهم وما ألفوه ولو خاطبهم بإثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه ولا يتكلم ولا يكلم ولا يرى عيانا ولا يشار إليه لقالوا هذه صفات معدوم لا موجود فوقعوا في التعطيل فكان الأصلح أن يأتي بألفاظ دالة على ما يناسب ما نحلوه وألفوه فيخلصهم من التعطيل. فكيف يجمع هذا القول وقولهم إن الظاهر غير مراد فإن كان قد أراد منهم الظاهر بطل قولهم إن الظاهر غير مراد وإن أراد منهم التأويل يبطل قولهم إنه قصد خطابهم بما يخيل إليهم ويتمكنون معه من إثبات الصانع ويتخلصون من التعطيل فأي تناقض أشد من هذا فإن اراد الظاهر فقد أراد عندكم إفهام الباطل الذي دل عليه لفظه وإن لم يرد الظاهر بل أراد منهم التأويل لم يحصل الغرض الذي ذكرتموه ولم يخلصوا من التعطيل وهذا لا حيلة لكم في دفعه. فهما طريقتان باطلتان مضادتان لقصد الرسالة هؤلاء(2\/771)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "624",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3905",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقولون أراد منهم أن يتخيلوا ما ينفعهم وإن لم يكن حقا في نفس الأمر وأصحاب التأويل يقولون أراد منهم ضد ذلك المعنى الذي دل عليه كلامه ونصه وتارة يقولون أراد منهم تأويل النصوص وتارة يقولون أراد منهم تفويضها وقد نزه الله رسوله عن أن يريد المعاني الباطلة أو يقصر في بيان ما أراده فإن الأول كذب وتدليس وتلبيس والثاني تقصير في البيان وإذا كان الرسول منزها عن هذا وهذا فالرب تعالى أولى بتنزيهه عن الأمرين. وقد قام الدليل القطعي على تنزيه الله ورسوله عن ذلك فلا يقدح فيه بالشبه الخيالية الفاسدة. الوجه الخامس والستون: إن الله سبحانه قسم الأدلة السمعية إلى قسمين محكم ومتشابه وجعل المحكم أصلا للمتشابه وأما له يرد إليه فما خالف ظاهر المحكم فهو متشابه يرد إلى المحكم وقد اتفق المسلمون على هذا وأن المحكم هو الأصل والمتشابه مردود إليه وأصحاب هذا القانون جعلوا الأصل المحكم ما يدعونه من العقليات وجعلوا القرآن كله مردودا إليه فما خالفه فهو متشابه وما وافقه فهو المحكم ولم يبق(2\/772)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "625",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3906",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عند أهل القانون في القرآن محكم يرد إليه المتشابه ولا هو أم الكتاب وأصله. الوجه السادس والستون إنه على قول أرباب القانون لا سبيل لأحد أن يعرف أن شيئا من القرآن محكم فإن ذلك إنما يعرف إذا حصل اليقين بانتفاء المعارض العقلي وهذا النفي غير معلوم إذ غاية ما يمكن انتفاء العلم بالمعارض لا العلم بانتفائه. فإن قلتم نحن نقول إن صرف اللفظ عن ظاهره وإخراجه عن كونه محكما لا يجوز إلا عند قيام الدليل العقلي القطعي على أن ظاهره محال ممتنع قيل وأنتم تقولون مع ذلك إن حمله على ظاهره لا يجب إلا إذا قام الدليل العقلي على أن ظاهره حق فما لم يعضده دليل عقلي لم يجزم بثبوته فالمعتمد إذا عندكم في النفي والإثبات على الدليل العقلي والقرآن عديم التأثير لا يجزم بنفي ما نفاه ولا بإثبات ما أثبته وهذا قول من لم يؤمن بما أنزل الله من الكتاب ولا بما أرسل به الرسول. الوجه السابع والستون: إن أصحاب القانون لا يمكنهم إنكار أن الأدلة اللفظية تفيد ظنا غالبا وإن لم تفدهم يقينا وما عندهم مما يسمونه أدلة عقلية على نفي ما دل عليه القرآن والسنة من الصفات(2\/773)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "626",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3907",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنما هي أقوال باطلة لا تفيد عند التحقيق لا علما ولا ظنا بل جهلا مركبا يظن صاحبها أن معه علما وإنما معه الجهل المركب فهي في العلوم كأعمال من خالف الرسل في الأعمال: كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب [النور39] فهذا مثل أعمال هؤلاء وعلوم أولئك ولا ريب أن الظن المستفاد من الأدلة السمعية خير من هذا الجهل المركب إلا أن يقول أرباب القانون إن الأدلة اللفظية لا يستفاد منها علم ولا ظن البتة ولا يبتعد هذا من قولهم. وهم يقولون إن ظاهرها باطل وتشبيه وتجسيم وإذا انتهى الأمر إلى هنا انتقلنا إلى إثبات أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن زاعم ذلك غير مقر برسالته في نفس الأمر كما تقدم والله أعلم. الوجه الثامن والستون: إن هذا يتضمن القدح في أعظم آيات الرب الدالة على ربوبيته وحكمته وجحد ما هو من أعظم نعمه على عباده.(2\/774)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "627",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3908",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أما الأول فلأن الله سبحانه جعل من آيات ربوبيته الهداية العامة لخلقه كما قال: سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى [الأعلى3-1] وقال فرعون لموسى قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى [طه50 , 49] فهدى كل نفس لجلب ما يصلحها وينفعها ودفع ما يضرها ويفسدها وخص النوع الإنساني بأنواع أخر من الهداية التي يعرفها ويتمكن من النطق بها لهداية غيره ومن أعلى أنواع هذا الهدى هدى البيان والدلالة وتعريف الإنسان ومعرفته مراده ومراد غيره وذلك إنما هو بصفة النطق التي هي أظهر ما في الإنسان ولذلك شبه الله سبحانه بها ما أخبر به من الغيب فقال: فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون [الذاريات23] .(2\/775)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "628",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3909",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما أن ذلك من أعظم نعم الله على عباده فلأن الإنسان إنما يميز عن سائر الحيوان بكمال هذه القوة وتمامها فيه واقتداره منها على مالم تقتدر عليه الحيوانات العجم. ولذلك عدد ذلك من نعمه على عباده في جملة ما أنعم به عليهم فقال: الرحمن علم القرآن خلق الأنسان علمه البيان [الرحمن4-1] وقال اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الأنسان ما لم يعلم [اقرأ5-3] وقال: ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين [البلد10-8] فإنكار حصول العلم واليقين من كلام المتكلم قدح في أعظم آيات الله وجحد لما هو من أعظم نعمه. وكنا نظن أن قائل ذلك أراد أن بعض الأدلة اللفظية لا تفيد العلم واليقين حتى رأيناه قد صرح بأن شيئا منها لا يفيد اليقين البتة ولا قدح في آياته ولا جحد لنعمه أبلغ من ذلك.(2\/776)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "629",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3910",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه التاسع والستون: إن هذا القول الذي قاله أصحاب القانون لم يعرف عن طائفة من طوائف بني آدم لا طوائف المسلمين ولا اليهود ولا النصارى ولا أحد من أهل الملل ولا طوائف الأطباء ولا النحاة ولا أهل اللغة ولا أهل المعاني والبيان ولا غيرهم قبل هؤلاء وذلك لظهور العلم بفساده فإنه يقدح فيما هو أظهر العلوم الضرورية لجميع الخلق فإن بني آدم يتخاطبون ويكلم بعضهم بعضا مخاطبة ومكاتبة وقد أنطق الله سبحانه بعض الجمادات وبعض أنواع الحيوانات بمثل نطق بني آدم فلم يسترب سامع ذلك النطق في حصول العلم واليقين به بل كان ذلك عنده من أعظم العلوم الضرورية. فقالت النملة لأمة النمل يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون [النمل18] فلم يشك النمل ولا سليمان في مرادها وفهموه يقينا ولما علم سليمان مرادها يقينا تبسم ضاحكا منه وخاطب الهدهد وخاطبه الهدهد فحصل للهدهد العلم اليقيني بمراد سليمان من كلامه وحصل لسليمان ذلك من كلام(2\/777)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "630",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3911",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الهدهد وذهب الهدهد بكتاب سليمان لما حصل له اليقين من كلامه وأرسل سليمان الهدهد والكتاب وفعل ما حكى الله لما حصل له اليقين بمراد الهدهد من كلامه. وأنطق سبحانه الجبال بالتسبيح مع داود وعلم سليمان منطق الطير وسمع الصحابة تسبيح الطعام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع رسوله تسليم الحجر عليه أفيقول مؤمن أو عاقل إن اليقين لم يكن(2\/778)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "631",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3912",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يحصل للسامع بشيء من مدلول هذا الكلام فعلم أن هذا القول في غاية السفسطة ومجد الحقائق وقلبها وإفساد العقول والفطر. الوجه السبعون: إن حاصل كلام أرباب القانون يدور على ثلاث مقدمات الأولى: إن العلم بمراد المتكلم موقوف على حصول العلم بما يدل على مراده الثانية: إنه لا سبيل إلى العلم بمراده إلا بانتفاء هذه الأمور العشرة الثالثة: إنه لا سبيل إلى العلم بانتفائها فهذه ثلاث مقدمات الأولى منها صادقة والأخريان كاذبتان أما المقدمة الأولى فصحيحة والعلم بمراد المتكلم كثيرا ما يكون علما اضطراريا كالعلم بمخبر الأخبار المتواترة فإن الإنسان إذا سمع مخبرا يخبر بأمر حصل عنده ظن ثم يقوى بالمخبر الآخر حتى يصير علما ضروريا فكذلك إذا سمع كلام المتكلم فقد يعلم مراده ابتداء بالضرورة وقد يظنه ثم يتكرر كلام المتكلم(2\/779)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "632",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3913",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو يتكرر سماعه له ولما يدل على مراده فيصير علمه بمراده ضروريا. وقد يكون الكلام بالمراد استدلالا نظريا وحينئذ فقد يتوقف على مقدمة واحدة وقد يتوقف على مقدمتين أو أكثر بحسب حاجة السامع وما عنده من القوة القريبة والبعيدة وسرعة إدراكه وبطئه وقلة تحصيله وكثرته وحضور ذهنه وغيبته وكمال بيان المتكلم وضعفه فدعوى المدعي أن كل استدلال بدليل لفظي فإنه يتوقف على عشر مقدمات فهذا باطل قطعا. وأبطل منه دعواه أن كل مقدمة فهي ظنية فإن عامة المقدمات التي يتوقف عليها فهم مراد المتكلم قطعية في الغالب. وأبطل من ذلك دعواه أنه لا يعلم المراد إلا بعد العلم بانتفاء الدليل الدال على نقيضه فإن هذا باطل قطعا إذ من المعلوم أن العلم بثبوت أحد الضدين ينفي العلم بثبوت الضد الآخر فنفس العلم بالمراد ينفي كل احتمال يناقضه. وهكذا الكلام في نفي المعارض العقلي والسمعي فإنه(2\/780)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "633",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3914",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا علم المراد علم قطعا أنه لا ينفيه دليل آخر لا عقلي ولا سمعي لأن ذلك نقيض له. وإذا علم ثبوت الشيء علم انتفاء نقيضه وحينئذ فينقلب هذا القانون عليهم بأن نقول العلم بمدلول كلام الله ورسوله علم يقيني قطعي لا يحتمل النقيض فنحن نستدل على بطلان كل ما يخالفه ويناقضه بثبوت العلم به. فإن ثبوت أحد الضدين يستلزم نفي الضد الاخر وحينئذ فيقطع ببطلان كل شبهة عقلية تناقض مدلول كلام الله ورسوله وإن لم ينظر فيها على التفصيل. وهذا الأصل العظيم أصح من قانونهم وأقرب إلى العقل والإيمان وتصديق الرسل وإقرار كلام الله ورسوله على حقيقته وما يظهر منه يوضحه. الوجه الحادي والسبعون: وهو أن أرباب هذا القانون الذي منعهم استفادة اليقين من كلام الله ورسوله مضطربون في العقل الذي يعارض النقل أشد اضطراب فالفلاسفة مع شدة اعتنائهم بالمعقولات أشد الناس اضطرابا في هذا الباب من طوائف أهل الملل ومن أراد معرفة ذلك فليقف على مقالاتهم في(2\/781)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "634",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3915",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كتب أهل المقالات كالمقالات الكبير للأشعري والآراء والديانات للنوبختي وغير ذلك وأما المتكلمون فاضطرابهم في هذا الباب من أشد اضطراب في العالم فتأمل اختلاف فرق الشيعة والخوارج والمعتزلة وطوائف أهل الكلام ومقالاتهم المذكورة في كتب المقالات. وقد ذكرها أبو الحسن الأشعري في كتاب مقالات(2\/782)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "635",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3916",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المصلين وغيره ممن صنف في المقالات وكل منهم يدعي أن صريح العقل معه وأن مخالفه قد خرج عن صريح العقل فنحن نصدق جميعهم ونبطل عقل كل فرقة بعقل الفرقة الأخرى ثم نقول للجميع بعقل من منكم يوزن كلام الله ورسوله وأي عقولكم تجعل معيارا له فما وافقه قبل وأقر على ظاهره وما خالفه رد أو أول أو فوض. وأي عقولكم هو إحدى المقدمات العشر التي تتوقف إفادة كلام الله ورسوله لليقين على العلم بعدم معارضته له أعقل أرسطو وشيعته(2\/783)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "636",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3917",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أم عقل أفلاطون وشيعته أم فيثاغورس أم أنبادقليس....................(2\/784)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "637",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3918",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أم سقراط أم تامسطيوس أم الإسكندر بن فيلبس أم عقل الفارابي أم عقل جهم بن(2\/785)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "638",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3919",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صفوان أم عقل النظام أم عقل العلاف أم عقل الجبائي أم عقل بشر المريسي أم عقل(2\/786)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "639",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3920",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإسكافي أم عقل حسين النجار أم أبي يعقوب الشحام أم أبي الحسين الخياط أم أبي القاسم(2\/787)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "640",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3921",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البلخي أم ثمامة بن أشرس أم جعفر بن مبشر أم جعفر بن حرب أم أبي الحسين الصالحي(2\/788)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "641",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3922",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أم أبي الحسين البصري أم أبي معاذ التومني أم معمر بن عباد أم هشام الفوطي أم عباد بن سليمان(2\/789)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "642",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3923",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أم ترضون بعقول المتأخرين الذين هذبوا العقليات ومحضوا زبدتها واختاروا لنفوسهم ولم يرضوا بعقول سائر من تقدمهم فهذا أفضلهم عندكم محمد بن عمر الرازي فبأي معقولاته تزنون نصوص الوحي وأنتم ترون اضطرابه فيها في كتبه أشد الاضطراب فلا يثبت على قول فعينوا لنا عقلا واحدا من معقولاته ثبت عليه ثم اجعلوه ميزانا. أم ترضون بعقل نصير الشرك والكفر والإلحاد الطوسي فإن له عقلا آخر خالف فيه سلفه من الملحدين ولم يوافق فيه أتباع الرسل. أم ترضون عقول القرامطة والباطنية والإسماعيلية(2\/790)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "643",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3924",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أم عقول الاتحادية القائلين بوحدة الوجود فكل هؤلاء وأضعافهم وأضعاف أضعافهم يدعي أن المعقول الصريح معه وأن مخالفيه خرجوا عن صريح المعقول وهذه عقولهم تنادي عليهم في كتبهم وكتب الناقلين عنهم ولولا الإطالة لعرضناها على السامع عقلا عقلا وقد عرضها المعتنون بذكر المقالات فاجمعوها إن استطعتم أو خذوا منها عقلا واجعلوه ميزانا لنصوص الوحي وما جاءت به الرسل وعيارا على ذلك ثم اعذروا بعد من قدم كتاب الله وسنة رسوله الذي يسمونه الأدلة اللفظية على هذه العقول المضطربة المتناقضة بشهادة أهلها وشهادة أنصار الله ورسوله عليها وقال إن كتاب الله وسنة رسوله يفيد العلم واليقين وهذه العقول المضطربة المتناقضة إنما تفيد الشكوك والحيرة والريب والجهل المركب فإذا تعارض النقل وهذه العقول أخذ بالنقل الصريح ورمي بهذه العقول تحت الأقدام وحطت حيث حطها الله وحط أصحابها. الوجه الثاني والسبعون: إن الله سبحانه دعى إلى تدبر كتابه وتعقله وتفهمه وذم الذين لا يفهمونه ولا يعقلونه وأسجل عليهم بالكفر والنفاق فقال عن المنافقين: ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم [محمد16] .(2\/791)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "644",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3925",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه [الأنعام25] وقال ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون [يونس42] وقال ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون [البقرة78] فالقائل إن كتاب الله وسنة رسوله لا يستفاد منهما يقين من جنس هؤلاء لا فرق بينهم وبينه وأما من يستفيد منهما العلم واليقين فهم الذين قال الله فيهم ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق [سبأ6] وهؤلاء يرونه غير مفيد وقد كشف سبحانه حال الفريقين بقوله أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب [الرعد19] .(2\/792)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "645",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3926",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون [هود24] الوجه الثالث والسبعون: إن أدلة القرآن والسنة التي يسميها هؤلاء الأدلة اللفظية نوعان أحدهما يدل بمجرد الخبر والثاني يدل بطريق التنبيه والإرشاد على الدليل العقلي والقرآن مملوء من ذكر الأدلة العقلية التي هي آيات الله الدالة عليه وعلى ربوبيته ووحدانيته وعلمه وقدرته وحكمته ورحمته فآياته العيانية المشهودة في خلقه تدل على صدق النوع الأول وهو مجرد الخبر فلم يتجرد إخباره سبحانه عن آيات تدل على صدقها بل قد بين لعباده في كتابه من البراهين الدالة على صدقه وصدق رسوله ما فيه شفاء وهدى وكفاية فقول القائل إن تلك الأدلة لا تفيد اليقين إن أراد به النوع المتضمن لذكر الأدلة العقلية العيانية فهذا من أعظم البهت والوقاحة والمكابرة فإن آيات الله التي جعلها أدلة(2\/793)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "646",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3927",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحججا على وجوده ووحدانيته وصفات كماله إن لم تفد يقينا لم يفد دليل بمدلول أبدا. وإن أراد به النوع الأول الدال بمجرد الخبر فقد أقام سبحانه الأدلة القطعية والبراهين اليقينية على ثبوته فلم يحل عباده فيه على خبر مجرد لا يستفيدون ثبوته إلا من الخبر نفسه دون الدليل الدال على صدق الخبر. وهذا غير الدليل العام الدال على صدقه فيما أخبر به بل هو الأدلة المتعددة الدالة على التوحيد وإثبات الصفات والنبوات والمعاد وأصول الإيمان فلا تجد كتابا قد تضمن من البراهين والأدلة العقلية على هذه المطالب ما تضمنه القرآن فأدلته لفظية عقلية فإن لم يفد اليقين: فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون [الجاثية6] انتهى الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث وأوله فصل فهذا الطاغوت الأول(2\/794)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "647",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3928",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "المجلد الثالث",
        "content": "المجلد الثالث الفصل الرابع والعشرون في ذكر الطواغيت الأربع التي هدم بها أصحاب التأويل الباطل معاقل الدين وانتهكوا بها حرمة القرآن ومحوا بها رسوم الإيمان (تابع) الطاغوت الثاني: إذا تعارض العقل ونصوص الوحي أخذنا بالعقل ولم نلتفت إلى الوحي ... فصل فهذا الطاغوت الأول وهو قولهم إن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين فإن قيل فقد دل القرآن على أن فيه محكما ومتشابها ومعلوم أن المتشابه هو الذي يشبه المراد به بغيره وهو آيات الصفات فلو أفادت اليقين لم تكن متشابهة. قيل هذا السؤال مبني على ثلاث مقدمات أحدها: أن القرآن متضمن للمتشابه الثانية: أن المتشابه هو آيات الصفات الثالثة: أن المتشابه لا يمكن حصول العلم واليقين بمعناه. وسنفرد الكلام على هذا بفصل مستقل بعد كسر الطواغيت الأربعة التي نصبوها لهدم معاقل الدين ونبين معنى المحكم بمعناه ونبين أن آيات الصفات محكمة فإنها من أبين الكتاب إحكاما وإن ما تضمنته من الإحكام أعظم مما تضمنه ما عداها بعون الله وتوفيقه.(3\/795)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "648",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3929",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل في الطاغوت الثاني: وهو قولهم إن تعارض العقل والنقل وجب تقديم العقل لأنه لا يمكن الجمع بينهما ولا إبطالهما ولا تقديم النقل لأن العقل أصل النقل فلو قدمنا عليه النقل لبطل العقل وهو أصل النقل فلزم بطلان النقل فيلزم من تقديم النقل بطلان العقل والنقل فتعين القسم الرابع وهو تقديم العقل فهذا الطاغوت آخو ذلك القانون فهو مبني على ثلاث مقدمات الأولى: ثبوت التعارض بين العقل والنقل الثانية: انحصار التقسيم في الأقسام الأربعة التي ذكرت فيه. الثالثة: بطلان الأقسام الثلاثة ليتعين ثبوت الرابع. وقد أشفى شيخ الإسلام في هذا الباب بما لا مزيد عليه وبين بطلان هذه الشبهة وكسر هذا الطاغوت في(3\/796)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "649",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3930",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كتابه الكبير ونحن نشير إلى كلمات يسيرة هي قطرة من بحره يتضمن كسره ودحضه وذلك يظهر من وجوه الوجه الأول: إن هذا التقسيم باطل من أصله والتقسيم الصحيح أن يقال إذا تعارض دليلان سمعيان أو عقليان أو سمعي وعقلي فإما أن يكونا قطعيين وإما أن يكونا ظنيين وإما أن يكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا. فأما القطعيان فلا يمكن تعارضهما في الأقسام الثلاثة لأن الدليل القطعي هو الذي يستلزم مدلوله قطعا فلو تعارضا لزم الجمع بين النقيضين وهذا لا يشك فيه أحد من العقلاء. وإن كان أحدهما قطعيا والآخر ظنيا تعين تقديم القطعي سواء كان جمعيا ظنين صرنا إلى الترجيح ووجب تقديم الراجح منهما سمعيا كان أو عقليا. فهذا تقسيم واضح متفق على مضمونه بين العقلاء.(3\/797)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "650",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3931",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأما إثبات التعارض بين الدليل العقلي والسمعي والجزم بتقديم العقلي مطلقا فخطأ واضح معلوم الفساد عند العقلاء. الوجه الثاني: إن قوله إذا تعارض العقل والنقل فإما أن يريد به القطعيين فلا نسلم إمكان التعارض وإما أن يريد به الظنيين فالتقديم للراجح مطلقا وإما أن يريد ما يكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا فالقطعي هو المقدم مطلقا فإذا قدر أن العقلي هو القطعي كان تقديمه لأنه قطعي لا لأنه عقلي فعلم أن تقديم العقلي مطلقا خطأ وأن جعل جهة الترجيح كونه عقليا خطأ وأن جعل سبب التأخير والاطراح كونه نقليا خطأ. الوجه الثالث: إنا لا نسلم انحصار القسمة فيما ذكره من الأقسام الأربعة إذ من الممكن أن يقال تقدم العقلي تارة والسمعي تارة فأيهما كان قطعيا قدم فدعواه أنه لا بد من تقديم العقل مطلقا أو السمع مطلقا أو اعتبار الدليلين معا أو إلغائهما معا دعوى كاذبة بل ههنا قسم غير هذه الأقسام وهو الحق وهو ما ذكرناه.(3\/798)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "651",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3932",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الرابع: قوله: إن قدمنا النقل لزم الطعن فحاصله ممنوع فإن قوله العقل أصل النقل إما أن يريد به أنه أصل في ثبوته في نفس الأمر أو أصل في علمنا بصحته فالأول لا يقوله عاقل فإن ما هو ثابت في نفس الأمر ليس موقوفا على علمنا به فعدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في نفس الأمر. فما أخبر به الصادق المصدوق هو ثابت في نفسه سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه وسواء صدقه الناس أو لم يصدقوه كما أن رسول الله حق وإن كذبه من كذبه كما أن وجود الرب تعالى وثبوت أسمائه وصفاته حق سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه. فلا يتوقف ذلك على وجودنا فضلا عن علومنا وعقولنا فالشرع المنزل من عند الله مستغن في نفسه عن علمنا وعقلنا ولكن نحن محتاجون إليه وإلى أن نعلمه بعقولنا فإذا علم العقل ذلك حصل له كمال لم يكن قبل ذلك وإذا فقده كان ناقصا جاهلا. وأما إن أراد أن العقل أصل في معرفتنا بالسمع ودليل على صحته وهذا هو مراده.(3\/799)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "652",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3933",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيقال له أتعني بالعقل هنا القوة والغريزة التي فينا أم العلوم المستفادة بتلك الغريزة فالأول: لم ترده وتمتنع إرادته بأن تلك الغريزة ليست علما يمكن معارضته للنقل وإن كانت شرطا في كل علم عقلي أو سمعي وما كان شرطا في الشيء امتنع أن يكون منافيا له. وإن أردت العلم والمعرفة الحاصل بالعقل. قيل لك ليس كل ما يعرف بالعقل يكون أصلا للسمع ودليلا على صحته فإن المعارف العقلية أكثر من أن تحصر والعلم بصحة السمع غايته أن يتوقف على ما به يعلم صدق الرسول من العقليات وليس كل العلوم العقلية يعلم بها صدق الرسول بل ذلك يعلم بالآيات والبراهين الدالة على صدقه. فعلم أن جميع المعقولات ليس أصلا للنقل لا بمعنى توقف العلم بالسمع عليها ولا بمعنى توقف ثبوته في نفس الأمر عليها لا سيما وأكثر متكلمي أهل الإثبات كالأشعري في أحد قوليه وأكثر أصحابه يقولون إن(3\/800)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "653",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3934",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العلم بصدق الرسول عند ظهور المعجزات الحادثة التي تجري مجرى تصديق الرسول بالقول علم ضروري فحينئذ فما يتوقف عليه العلم بصدق الرسول من العلم العقلي سهل يسير مع أن العلم بصدقه له طرق كثيرة متنوعة. وحينئذ فإذا كان المعارض للسمع من المعقولات مالا يتوقف العلم بصحة السمع عليه لم يكن القدح فيه قدحا في أصل السمع وهذا بحمد الله بين واضح وليس القدح في بعض العقليات قدحا في جميعها كما أنه ليس القدح في بعض السمعيات قدحا في جميعها فلا يلزم من صحة المعقولات التي يبنى عليها معرفتنا بالسمع صحة غيرها من المعقولات ولا من فساد هذه فساد تلك فلا يلزم من تقديم السمع على ما يقال إنه معقول في الجملة القدح في أصله(3\/801)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "654",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3935",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الخامس: أن يقال العقل إما أن يكون عالما يصدق الرسول وثبوت ما أخبر به في نفس الأمر وإما أن لا يكون عالما بذلك وإن لم يكن عالما امتنع التعارض عنه لأن المعقول إن كان معلوما له لم يتعارض معلوم ومجهول وإن لم يكن معلوما لم يتعارض مجهولان وإن كان عالما بصدق الرسول امتنع أن لا يعلم ثبوت ما أخبر به في نفس الأمر إذا علم أنه أخبر به وهو عالم بصدقه لزم ضرورة أن يكون عالما بثبوت مخبره وإن كان كذلك استحال أن يقع عنده دليل يعارض ما أخبر به ويكون ذلك المعارض واجب التقديم. إذ مضمون ذلك أن يقال لا تعتقد ثبوت ما علمت أنه أخبر به لأن هذا الاعتقاد ينافي ما علمت به أن المخبر صادق وحقيقة ذلك لا تصدقه في هذا الخبر لأن تصديقه يستلزم عدم تصديقه فيقول وعدم تصديقي له فيه هو عين اللازم المحذور. فإذا قيل لي لا تصدقه لئلا يلزم عدم تصديقه كان كما لو قيل كذبه لئلا يلزم تكذيبه فهكذا حال من أمر الناس أن لا يصدقوا الرسول فيما علموا أنه أخبر به بعد علمهم أنه رسول لئلا يفضي تصديقهم إلى عدم تصديقه يوضحه(3\/802)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "655",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3936",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه السادس: وهو أن المنهي عنه من قبول هذا الخبر وتصديقه فيه هو عين المحذور فيكون واقعا في المنهي عنه سواء أطاع أو عصى ويكون تاركا للمأمور به سواء أطاع أو عصى ويكون وقوعه في المخوف المحذور على تقدير الطاعة أعجل وأسبق منه على تقدير المعصية والمنهي عنه على هذا التقدير هو التصديق والمأمور به هو التكذيب وحينئذ فلا يجوز النهي عنه سواء كان محذورا أو لم يكن فإن لم يكن محذورا لم يجز أن ينهى عنه وإن كان محذورا فلا بد منه على التقديرين فلا فائدة في النهي عنه. الوجه السابع: إنه إذا قيل له لا تصدقه في هذا كان أمرا له بما يناقض ما علم به صدقه وكان أمرا له بما يوجب ألا يثق بشيء من خبره فإنه متى جوز كذبه أو غلطه في خبر جوز ذلك في غيره ولهذا آل الأمر بمن سلك هذه الطريق إلى أنهم لا يستفيدون من جهة الرسول شيئا من الأمور الخبرية المتعلقة بصفات الله سبحانه وأفعاله بل وباليوم الآخر عند بعضهم لاعتقادهم أن هذه الأخبار على ثلاثة أنواع: نوع يجب رده وتكذيبه ونوع يجب تأويله وإخراجه عن حقيقته ونوع يقر.(3\/803)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "656",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3937",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وليس لهم في ذلك أصل يرجعون إليه بل هذا يقول ما أثبته عقلك فأثبته وما نفاه عقلك فانفه وهذا يقول ما أثبته كشفك فأثبته وما لا فلا. ووجود الرسول عندهم كعدمه في المطالب الإلهية ومعرفة الربوبية بل على قولهم وأصولهم وجوده أضر من عدمه لأنهم لم يستفيدوا من جهته علما بهذا الشأن واحتاجوا إلى دفع ما جاء به إما بتكذيب وإما بتأويل وإما بإعراض وتفويض. فإن قيل لا يمكن أن يعلم أنه أخبر بما ينافي العقل فإنه منزه عن ذلك وهو ممتنع عليه. قيل هذا إقرار باستحالة معارضة العقل للسمع واستحالة المسألة وعلم أن جميع أخباره لا يناقض العقل فيها شيء. فغدا النقل سالما من مناف ... واسترحنا من الصداع جميعا فإن قيل بل المعارضة ثابتة بين العقل وبين ما يفهم بظاهر اللفظ وليست ثابتة بين العقل وبين نفس ما أخبر به الرسول فالمعارضة ثابتة بين العقل وبين ما يظهر أنه دليل(3\/804)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "657",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3938",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وليس بدليل وأن يكون دليلا ظنيا لتطرق الظن إلى بعض مقدماته إسنادا أو متنا. قيل وهذا يرفع صورة المسألة ويحيلها بالكلية وتصير صورتها هكذا إذا تعارض الدليل العقلي وما ليس بدليل صحيح وجب تقديم العقلي. وهذا كلام لا فائدة فيه ولا حاصل له وكل عاقل يعلم أن الدليل لا يترك لما ليس بدليل ثم يقال إذا فسرتم الدليل السمعي بما ليس بدليل في نفس الأمر بل اعتقاد دلالته جهل أو بما يظن أنه دليل وليس بدليل فإن كان السمعي في نفس الأمر كذلك لكونه خبرا مكذوبا أو صحيحا وليس فيه ما يدل على معارضة القول بوجه وأثبتم التعارض والتقديم بين هذين النوعين فساعدناكم عليه وكنا بذلك منكم فإنا أشد نفيا للأحاديث المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشد إبطالا لما تحمله من المعاني الباطلة وأولى بذلك منكم. وإن كان الدليل السمعي صحيحا في نفسه ظاهر الدلالة بنفسه على المراد لم يكن ما عارضه من العقليات إلا خيالات فاسدة ومقدمات كاذبة إذا تأملها العاقل حق التأمل ومشى إلى آخرها وجدها مخالفة لصريح المعقول وهذا ثابت في كل دليل عقلي خالف دليلا سمعيا صحيح(3\/805)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "658",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3939",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدلالة وحينئذ فإذا عارض هذا المسمى دليلا عقليا السمع وجب إطراحه لفساده وبطلانه. ولبيان العلم ببطلانه طريقان كلي وجزئي. أما الكلي فنقطع بأن كل دليل عقلي خالف السمعي الصريح الصحيح فهو باطل في نفسه مخالف للعقل قبل أن ينظر في مقدماته. أما الجزئي فإنك إذا تأملت جميع ما يدعوك به معارض السمع وجدته ينتهي إلى مقدمات باطلة بصريح العقل لكن تلقاها معود عن معود فظنوها عقليات وهي في التحقيق جهل مركب وحينئذ فالواجب تقديم الدليل السمعي للعلم بصحته وما عارضه فإما معلوم البطلان وإما غير معلوم الصحة وذلك أحسن أحواله. الوجه الثامن: إنه إذا اعتقد في الدليل السمعي أنه ليس بدليل في نفس الأمر بل اعتقاد دلالته على مخالف ما زعمتوه من العقل جهل أمكن اتباع الرسل المصدقين بما جاءوا به أن يعتقدوا في أدلتكم العقلية أنها ليست بأدلة في نفس الأمر وأن اعتقاد دلالتها جهل ويرمون أدلتكم بما رميتم به(3\/806)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "659",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3940",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأدلة السمعية ثم الترجيح من جانبهم من وجوه متعددة وكانوا في هذا الرمي أحسن حالا منكم وأعذر. فإن معهم من البراهين الدالة على صحة ما أخبر به السمع إجمالا وتفصيلا من المعقول أصح مما معكم ولا تذكرون معقولا يعارض ما ورد به الوحي إلا ومعهم معقول أصح منه يصدقه ويؤيده الوجه التاسع: أن يقال لو قدر تعارض الشرع والعقل لوجب تقديم الشرع لأن العقل قد صدق الشرع ومن ضرورة تصديقه له قبول خبره والشرع لم يصدق العقل في كل ما أخبر به ولا العلم بصدق الشرع موقوف على كل ما يخبر به العقل ومعلوم أن هذا المسلك إذا سلك أصح من مسلكهم كما قال بعض أهل الإيمان يكفيك من العقل أن يعرفك صدق الرسول ومعاني كلامه ثم يخلي بينك وبينه. وقال آخر العقل سلطان ولى الرسول ثم عزل نفسه ولأن العقل دل على أن الرسول يجب تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر ولأن العقل يدل على صدق الرسول دلالة عامة مطلقة ولا يدل على صدق قضايا نفسه دلالة عامة ولأن العقل يغلط كما يغلط الحس وأكثر من غلطه بكثير فإذا كان حكم الحس من أقوى الأحكام ويعرض فيه من الغلط ما يعرض فما الظن بالعقل(3\/807)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "660",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3941",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه العاشر: إن العقل مع الوحي كالعامي المقلد مع المفتي العالم بل ودون ذلك بمراتب كثيرة لا تحصى فإن المقلد يمكنه أن يصير عالما ولا يمكن للعالم أن يصير نبيا رسولا فإذا عرف المقلد عالما فدل عليه مقلدا آخر ثم اختلف المفتي والدال فإن المستفتي يجب عليه قبول قول المفتي دون المقلد الذي دله وعرفه بالمفتي. فلوا قال له الدال الصواب معي دون المفتي لأني أنا الأصل في علمك بأنه مفت فإذا قدمت قوله على قولي قدحت في الأصل الذي به عرفت أنه مفت فلزم القدح في فرعه فيقول له المستفتي أنت لما شهدت بأنه مفت ودللت على ذلك شهدت بوجوب تقليده دون تقليدك كما شهد به دليلك وموافقتي لك في هذا العلم المعين لا تستلزم موافقتك في كل مسألة وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي الذي هو أعلم منك لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفت وأنت إذا علمت أنه مفت باجتهاد واستدلال ثم خالفته باجتهاد واستدلال كنت مخطئا الاجتهاد(3\/808)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "661",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3942",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والاستدلال الذي خالفت به من يجب عليك تقليده واتباع قوله وإن أصبت في الاجتهاد والاستدلال الذي به علمت أنه مفت مجتهد يجب عليك تقليده هذا مع علمه بأن المفتي يجوز عليه الخطأ والعقل يعلم أن الرسول معصوم في خبره عن الله ولا يجوز عليه الخطأ. الوجه الحادي عشر: إن الدليل الدال على صحة الشيء أو ثبوته أو عدالته أو قبول قوله لا يجب أن يكون أصلا له بحيث إذا قدم قول المشهود له والمدلول عليه على قوله يلزم إبطاله وهذا لا يقوله من يدري ما يقول غاية ما يقال إن العلم بالدليل أصل للعلم بالمدلول فإذا حصل العلم بالمدلول لم يلزم من ذلك تقديم الدليل عليه في كل شيء فإذا شهد الناس لرجل بأنه خبير بالطب أو التقويم أو العيافة دونهم ثم تنازع الشهود والمشهود له في ذلك وجب تقديم قول المشهود له فلو قال نحن شهدنا لكم وزكيناكم وبشهادتنا ثبتت أهليتكم فتقديم قولكم علينا والرجوع إليكم دوننا يقدح في الأصل الذي ثبت به قولكم. قالوا لهم أنتم شهدتم بما علمتم أنا أهل لذلك دونكم وأن أقوالنا فيه مقبولة دون أقوالكم فلو قدمنا(3\/809)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "662",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3943",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قولكم على أقوالنا فيما اختلفنا فيه لكان ذلك قدحا في شهادتكم وعلمكم بأنا أعلم منكم وحينئذ فهذا وجه ثاني عشر: مستقل بكسر هذا الطاغوت وهو أن تقديم العقل على الشرع يتضمن القدح في العقل والشرع لأن العقل قد شهد للوحي بأنه أعلم منه وأنه لا نسبة له إليه وأن نسبة علومه ومعارفه إلى الوحي أقل من خردلة بالإضافة إلى جبل أو تلك التي تعلق بالأصبع بالنسبة إلى البحر فلو قدم حكم العقل عليه لكان ذلك قدحا في شهادته وإذا بطلت شهادته بطل قبول قوله فتقديم العقل على الوحي يتضمن القدح فيه وفي الشرع وهذا ظاهر لا خفاء به يوضحه الوجه الثالث عشر: وهو أن الشرع مأخوذ عن الله بواسطة الرسولين الملكي والبشري بينه وبين عباده مؤيدا بشهادة الآيات وظهور البراهين على ما يوجبه العقل ويقتضيه تارة ويستحسنه تارة ويجوزه تارة ويكع عن دركه تارة ولا سبيل له إلى(3\/810)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "663",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3944",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإحاطة به ولا بد له من التسليم والانقياد لحكمه والإذعان والقبول وهناك يسقط لم ويبطل كيف ويزول هلا ويذهب لو وليت في الريح لأن هذه المواد عن الوحي محبوسة واعتراض المعترض عليه مردود واقتراح المقترح ما يظن أنه أولى منه سفه وجهل فالشريعة مشتملة على أعلى أنواع الحكمة علما وعملا التي لو جمعت حكم جميع الأمم ونسبت إليها لم يكنى لها إليها نسبة وهي متضمنة لأعلى المطالب بأقرب الطرق وأتم البيان فهي متكفلة بتعريف الخليقة ربها وفاطرها المحسن إليها بأنواع الإحسان بأسمائه وصفاته وأفعاله وتعريف الطريق الموصل إلى رضاه وكرامته والداعي لديه وتعريف حال السالكين بعد الوصول إليه ويقابل هذه الثلاثة تعريفهم حال الداعي إلى الباطل والطرق الموصلة إليه وحال السالكين تلك الطرق وإلى أين تنتهي بهم ولهذا تقبلها العقول الكاملة أحسن تقبل وقابلتها بالتسليم والإذعان واستدارت حولها بحماية حوزتها والذب عن سلطانها. فبين ناصر باللغة السائغة وحام بالعقل الصريح(3\/811)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "664",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3945",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذاب عنه بالبراهين ومجاهد بالسيف والرمح والسنان ومتفقه في الحلال والحرام ومعني بتفسير القرآن وحافظ لمتون السنة وأسانيدها ومفتش عن أحوال رواتها وناقد لصحتها من سقيمها ومعلولها من سليمها فهي الشريعة ابتداؤها من الله وانتهاؤها إليه فمنه بدأت وإليه تعود ليس فيها حديث المنجم في تأثيرات الكواكب وحركات الأفلاك وهيآتها ومقادير الأجرام ولا حديث التربيع والتثليث والتسديس والمقارنة ولا حديث صاحب الطبيعة الناظر في آثارها واشتباك الاستقصات وامتزاجها وقواها وما يتعلق بالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة(3\/812)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "665",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3946",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما الفاعل منها وما المنفعل وكم درجاتها وإلى أين تسري قواها ولا فيها حديث المهندس الباحث عن مقادير الأشياء ونقطها وخطوطها وسطوحها وأجسامها وأضلاعها وزواياها ومعاطفها وما الكرة وما الدائرة وما الخط المستقيم والمنحني ولا فيها هذيان المنطقيين وتحذلقهم في النوع والجنس والفصل والخاصة والعرض العام(3\/813)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "666",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3947",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمقولات العشر(3\/814)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "667",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3948",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمختلطات والموجهات الصادرة عن رجل مشرك من يونان كان يعبد الأوثان ولا يعرف الرحمن ولا يصدق بمعاد الأبدان ولا أن الله يرسل رسولا بكلامه إلى نوع الإنسان فجعل هؤلاء المعارضين بين العقل والنقل عقل هذا الرجل عيارا على كتب الله المنزلة وما أرسل به رسله فما زكاه منطقه وآلته وقانونه الذي وضعه بعقله قبلوه وما لم يزكه تركوه ولو كانت هذه الأدلة التي أفسدت عقول هؤلاء وأتباعهم صحيحة لكان صاحب(3\/815)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "668",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3949",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشريعة يقوم شريعته بها ويكملها باستعمالها وكان الله سبحانه يثيبه عليها ويحض على التمسك بها ويتقدم إلى عباده بالتمسك بها وبعلمها وتعليمها ويفرض عليهم القيام بها. فيا للعقول التي لم يخسف بها أين الدين من الفلسفة? وأين كلام رب العالمين إلى آراء اليونان والمجوس وعباد الأصنام والصابئين وأين المعقولات المؤيدة بنور النبوة إلى المعقولات المتلقاة عن أرسطو وأفلاطون والفارابي وابن سينا وأتباع هؤلاء ممن لا يؤمن بالله ولا صفاته ولا أفعاله ولا ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر? وأين العلم المأخوذ عن الوحي النازل من عند رب العالمين من الشبه المأخوذة عن آراء المتهوكين والمتحيرين? فإن أدلوا بالعقل فلا عقل أكمل من عقول ورثة الأنبياء وإن أدلوا برؤسائهم وأئمتهم كفرعون ونمرود(3\/816)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "669",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3950",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبطليموس وأرسطاطاليس ومقلدتهم وأتباعهم فلم يزل أعداء الرسل يعارضونهم فهؤلاء وأمثالهم يقدمون عقولهم على ما جاءوا به ويالله العجب كيف يعرض قول الرسول بقول الفيلسوف وعلى الفيلسوف أن يتبع الرسل وليس على الرسل أن تتبع الفيلسوف فالرسول مبعوث والفيلسوف مبعوث إليه والوحي حاكم والعقل محكوم عليه ولو كان العقل يكتفي به لم يكن للوحي فائدة ولا غنى على أن منازل الخلق متفاوتة في العقل أعظم تفاوت وأبصارهم مختلفة وليس العقل بأسره في واحد من الناس أو طائفة معينة حتى يكون تقديم عقولهم على ما جاءت به الرسل بل لكل طائفة معقول مخالف معقول الأخرى فمن أظلم وأشد عداوة للرسل ممن جوز لكل طائفة من طوائف العقلاء أن يقدم عقولها على ما جاءت به الرسل فإن قالوا(3\/817)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "670",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3951",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنما نقدم العقل الصريح الذي لم يختلف فيه اثنان على نصوص الأنبياء فقد رموا الأنبياء بما هم أبعد الخلق منه وهو أنهم جاءوا بما يخالف العقل الصريح الذي لا يختلف فيه اثنان وهذا وقد شهد الله وكفى به شهيدا وشهد بشهادته الملائكة وأولو العلم أن طريقة الرسل هي الطريقة البرهانية المتضمنة للحكمة كما قال تعالى يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم [النساء174] وقال وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة [113] قالطريقة البرهانية هي الواردة بالوحي الناطقة بالرشد الداعية إلى الخير الواعدة بحسن المآب المبينة لحقائق الأنبياء المعرفة بصفات رب الأرض والسماء وأن التقليدية التخمينية الخرصية هي المأخوذة من المقدمتين والنتيجة والدعوى التي ليس مع أصحابها إلا الرجوع إلى رجل من يونان كان يعبد الأوثان ويجحد الرحمن(3\/818)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "671",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3952",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فوضع بعقله قانونا يصحح به بزعمه علوم الخلائق وعقولهم فلم يستفد به عاقل تصحيح مسألة واحدة في شيء من علوم بني آدم بل ما وزن به علم إلا أفسده وما برع فيه أحد إلا انسلخ من حقائق الإيمان كانسلاخ القميص عن الإنسان فما استفيد بهذا العقل العائل إلا تعطيل الصانع عن صفات كماله ونعوت جلاله وعن أفعاله والكفر بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ومن العجب أن هؤلاء الأوقاح جعلوا نصوص الأنبياء من باب الظنون وهي من الوحي وجعلوا كلمات المنطقيين وقواعد الفلاسفة والجهمية من باب اليقين ثم عارضوا بينهما وقدموا هذا على نصوص الأنبياء فالشريعة ظهرت من الله على لسان أكمل الخلق عقلا وأعظمهم معرفة وأتمهم يقينا وعقلياتكم ظهرت من جهة رجال فكروا وقدروا وظنوا وخرصوا وتعبوا وما أغنوا ونصبوا وما أخذوا وحاموا وما وردوا ونسجوا فهلهلوا ومشطوا ففلفلوا. سافروا في درك المطالب العالية على غير الطريق فما(3\/819)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "672",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3953",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ربحوا إلا أذى السفر وبعثوا في البلاد بغير دليل فلم يقفوا للمطلوب على عين ولا أثر. رضوا بالدعاوى وابتلوا بخيالهم ... وخاضوا بحار الفكر والقوم ما ابتلوا فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم ... وما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا لهم كل وقت حيرة بعد حيرة ... وجهل على جهل فلا بورك الجهل الوجه الرابع عشر: إن الأمة اختلفت ضروبا من الاختلاف في الأصول والفروع وتنازعوا فنونا من التنازع في المشكل من الأحكام والحلال والحرام والتفسير والتأويل والأخبار وتفرقت في آرائها ومذاهبها ومقالاتها فصارت أصنافا وفرقا كالخوارج والشيعة والمرجئة والمعتزلة فما فزعت طائفة من طوائف الأمة في اختلافها إلى منطق ولا فيلسوف ولا إلى عقل يخالف صريح النقل ولا قالت طائفة من هذه الطوائف عقولنا مقدمة على ما جاء به الرسول وإن أشقوا مذاهبهم بالتأويل بما جاء به فلم تقدم طائفة منهم على ما أقدمت عليه هذه الفرقة وقالوا العقل أولى بالاتباع مما جاء به(3\/820)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "673",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3954",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرسول ولا قالت فرقة من هذه الفرق لأصحاب هذه المعقولات أعينونا بما عندكم وأشهدوا لنا وعلينا بما قبلكم ولا حققت مقالتها بشهادتهم ولا استعانت بطريقتهم ولا وجدت عندها علما ومعرفة لم تجده في كتاب ربها وسنة نبيها وكما لم تجد أحدا من فرق هذه الأمة يفزع إلى أرباب هذه العقول في شيء من دينها فلذلك كانت أمة موسى وعيسى لم تعول على هؤلاء في شيء من أمر دينها بل ما زال أهل الملل يحذرون من هؤلاء أشد التحذير وينفرون منهم أشد التنفير علما بأنهم سوس الملل وأعداء الرسل وأنت إذا تأملت أصول الفرق الإسلامية كلها وجدتها متفقة على تقديم الوحي على العقل ولم يؤسسوا مقالاتهم على ما أسسها عليه هؤلاء من تقديم آرائهم وعقولهم على نصوص الوحي فإن هذا أساس طريقة أعداء الرسل فهم متفقون على هذا الأصل ومنهم أخذ وعنهم تلقي كما حكى الله سبحانه عنهم في كتابه أنهم عارضوا شرعه ودينه بآرائهم وعقولهم ولكن الفرق بينهم وبين هؤلاء أن أولئك جاهروا بتكذيب الرسل ومعاداتهم وهؤلاء أقروا برسالاتهم وانتسبوا في الظاهر إليهم ثم نقضوا ما أقروا به وقالوا يجب تقديم عقولنا وآرائنا على ما جاءوا به فهم أعظم ضررا على الإسلام وأهله من أولئك لأنهم انتسبوا إليه وأخذوا في هدم قواعده وقلع أساسه وهم يتوهمون ويوهمون أنهم ينصرونه.(3\/821)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "674",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3955",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الخامس عشر: إن التفاوت الذي بين الرسل وبين أرباب هذه المعقولات أعظم بكثير من التفاوت الذي بين هؤلاء وبين أجهل الناس على إلإطلاق فإن هذا الجاهل يمكنه مع الطلب والتعليم أن يصير عالما بما عند هؤلاء ولا يمكن أشد هؤلاء حرصا وذكاء وقوة وفراغا أن يصير نبيا فإن النبوة خاصة من الله يختص بها من يشاء من عباده لا تنال بكسب ولا باجتهاد فإذا علم الإنسان بعقله أن هذا الرسول وعلم أنه أخبر بشيء ووجد في عقله ما ينافي خبره كان الواجب عليه أن يسلم لما أخبر به الصادق الذي هو أعلم منه وينقاد له ويتهم عقله ويعلم أن عقله بالنسبة إليه أقل من عقل أجهل الخلق بالنسبة إليه هو وأن التفاوت الذي بينهما في العلم والمعرفة بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله ودينه أعظم بكثير كثير من التفاوت الذي بين من لا خبرة له بصناعة الطب ومن هو أعلم أهل زمانه بها فيا لله العجب إذا كان عقله يوجب عليه أن ينقاد لطبيب يهودي فيما يخبر به من قوى الأدوية والأغذية والأشربة والأضمدة والمسهلات وصفاتها وكمياتها ودرجاتها مع ما عليه في ذلك من الكلفة والألم ومقاساة المكروهات لظنه أن هذا اليهودي أعلم بهذا الشأن منه وأنه إذا صدقه كان في تصديقه حصول الشفاء والعافية(3\/822)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "675",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3956",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مع علمه بأنه يخطىء كثيرا وأن كثيرا من الناس لا يشفى بما يصفه الطبيب بل يكون استعماله لما يصفه سببا من أسباب هلاكه وأن أسباب الموت أغلاط الأطباء فكم لهم من قتيل أسكنوه المقابر بغلطهم وخطئهم وإن كان خطأ الطبيب إصابة المقادير وكيف لا يسلك هذا المسلك مع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وهم الصادقون المصدقون ولا يجوز أن يكون خبرهم على خلاف ما أخبروا به والذين عارضوا أقوالهم بعقولهم عندهم من الجهل والضلال المركب والبسيط ما لا يحصيه إلإ من هو بكل شيء محيط. الوجه السادس عشر: أن يقال تقديم العقول على الأدلة الشرعية ممتنع متناقض وأما تقديم الأدلة الشرعية فهو ممكن مؤتلف فوجب الثاني وامتنع الأول بيانه أن يكون الشيء معلوما بالعقل أو غير معلوم بالعقل ليس هو صفة لازمة لشيء من الأشياء بل هو من الأمور النسبية الإضافية فإن زيدا قد يعلم بعقله مالا يعلمه بكر بعقله وقد يعلم الأنسان في حال تعقله ما يجهله في وقت آخر والمسائل التي يقال قد تعارض فيها العقل والشرع جميعا قد اضطرب فيها أرباب العقل ولم يتفقوا فيها على أمر واحد بل كل منهم يقول إن العقل أثبت أو أوجب أو سوغ ما يقول الآخر أن العقل نفاه(3\/823)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "676",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3957",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو أحاله أو منع منه بل قد آل الأمر بينهم إلى التنازع فيما يقولون إنه من العلوم الضرورية فيقول هذا نحن نعلم بالضرورة العقلية ما يقول الآخر إنه غير معلوم بالضرورة العقلية وأبلغ من هذا أن يدعي بعضهم أن هذا محال بضرورة العقل فيدعي الآخر أنه ممكن بضرورة العقل فأكثر العقلاء يقولون نحن نعلم بضرورة العقل امتناع رؤيا مرئي من غير معاينة ومقابلة ويقول آخرون من المنتسبين إلى المعقولات بل ذلك ممكن لا يحيله العقل. ويقول أكثر العقلاء نحن نعلم أن حدوث حادث بلا سبب حادث ممتنع ويقول آخرون بل ذلك ممكن. ويقول أكثر العقلاء إن كون العالم عالما بلا علم وحيا بلا حياة ومريدا بلا إرادة وسميعا بصيرا بلا سمع ولا بصر محال بضرورة العقل وآخرون يقولون بل هو ممكن غير مستحيل بل هو الواجب في حق الله عز وجل. ويقول جمهور العقلاء أن يكون المعنى الواحد أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا ممتنع في ضرورة العقل. وآخرون يقولون هو ممكن واقع. وجمهور العقلاء يقولون إن إثبات موجودين قائمين بأنفسهما ليس أحدهما مباينا للآخر ولا محايثا له ولا داخلا(3\/824)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "677",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3958",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيه ولا خارجا عنه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه مكابرة لصريح العقل وآخرون يقولون بل هو ممكن واجب في العقل. وجمهور العقلاء يقولون إن إثبات كون المريد مريدا بإرادة لا في محل ممتنع في ضرورة العقل وآخرون ينازعونهم في ذلك وجمهور العقلاء يقولون إن الحروف والأصوات من المتكلم الواحد مقترنة بعضها ببعض في آن واحد محال بضرورة العقل. وآخرون يقولون بل هو ممكن بل واجب في حق القديم إلى أضعاف أضعاف ما ذكرنا فلو قيل بتقديم العقل على نصوص الوحي وهذا شأن العقل لزم المحال واجتماع النقيضين أو أحيل الناس على شيء لا سبيل لهم إلى ثبوته ومعرفته. وأما الوحي فهو قول الصادق وهو صفة لازمة لا تختلف باختلاف أحوال الناس والعلم بذلك ممكن ورد الناس إليه ممكن ولهذا جاء الوحي من الله سبحانه برد الناس عند التنازع إلى كتابه وسنة رسوله كما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا [النساء59](3\/825)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "678",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3959",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأمر المؤمنين عند التنازع بالرد إلى كتابه وسنة رسوله وهذا نص في تقديم السمع. قال هؤلاء بل الواجب الرد إلى العقل ورد السمع إن عارضه ولو رد الناس الأمر عند النزاع إلى عقول الرجال وآرائهم ومقاييسهم لم يزدهم هذا الرد إلا اختلافا واضطرابا وشكا وارتيابا فلا يمكن الحكم بين الناس في موارد النزاع والاختلاف على الإطلاق إلا بكتاب منزل من السماء يرجع الجميع إلى حكمه وإلا فكل واحد من أرباب المعقولات يقول عقلي أولى بالثقة به من عقل منازعي وهذا يدلي بمعقول وهذا يدلي بمعقول. الوجه السابع عشر: إن الله سبحانه قد تمم الدين بنبيه وأكمله به ولم يحوجه ولا أمته بعده إلى عقل ولا نقل سواه ولا رأي ولا منام ولا كشوف قال تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الأسلام دينا [المائدة3] وأنكر على من لم يكتف بالوحي عن غيره فقال أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون [العنكبوت51](3\/826)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "679",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3960",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذكر هذا جوابا لطلبهم آية تدل على صدقه فأخبر أنه يكفيهم من كل آية فلو كان ما تضمنه من الإخبار عنه وعن صفاته وأفعاله واليوم الآخر يناقض العقل لم يكن دليلا على صدقه فضلا عن أن يكون كافيا وسيأتي في الوجه الذي بعد هذا بيان أن تقديم العقل على النقل يبطل كون القرآن آية وبرهانا على صحة النبوة والمقصود ان الله سبحانه تمم الدين وأكمله بنبيه وما بعثه به فلم يحوج أمته إلى سواه فلو عارضه العقل وكان أولى بالتقديم منه لم يكن كافيا للأمة ولا كان تاما في نفسه في مراسيل أبي داود أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى بيد عمر بن الخطاب ورقة فيها شيء من التوراة فقال: quot;كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتابا غير كتابهم أنزل على نبي غير نبيهمquot; فأنزل الله عز وجل أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون [العنكبوت51](3\/827)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "680",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3961",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال سبحانه فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (النساء65] فأقسم سبحانه بنفسه أنا لا نؤمن حتى نحكم رسوله في جميع ما شجر بيننا وتتسع صدورنا بحكمه فلا يبقى منها حرج ونسلم لحكمه تسليما فلا نعارضه بعقل ولا رأي ولا هوى ولا غيره فقد أقسم الرب سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن هؤلاء الذين يقدمون العقل على ما جاء به الرسول وقد شهدوا هم على أنفسهم بأنهم غير مؤمنين بمعناه وإن آمنوا بلفظه وقال تعالى وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله [الشورى10] وهذا نص صريح في أن حكم جميع ما تنازعنا فيه مردود إلى الله وحده وهو الحاكم فيه على لسان رسوله فلو قدم حكم العقل على حكمه لم يكن هو الحاكم بوحيه وكتابه وقال تعالى اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء [الأعراف3](3\/828)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "681",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3962",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأمر باتباع الوحي المنزل وحده ونهى عن اتباع ما خالفه وأخبر سبحانه أن كتابه بينة وشفاء وهدى ورحمة ونور وفضل وبرهان وحجة وبيان فلو كان في العقل ما يعارضه ويجب تقديمه على القرآن لم يكن فيه شيء من ذلك بل كانت هذه الصفات للعقل دونه وكان عنها بمعزل فكيف يشفي ويهدي ويبين ويفصل ما يعارضه صريح العقل. الوجه الثامن عشر: إن ما علم بصريح العقل الذي لا يختلف فيه العقلاء لايتصور أن يعارضه الشرع البتة ولا يأتي بخلافه ومن تأمل ذلك في ما ينازع العقلاء فيه من المسائل الكبار وجد ما خالفت النصوص الصحيحة الصريحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل بطلانها بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للنقل فتأمل ذلك في مسائل التوحيد والصفات ومسائل القدر والنبوات والمعاد تجد ما يدل عليه صريح العقل لم يخالفه سمع قط بل السمع الذي يخالفه إما أن يكون حديثا موضوعا أو لا تكون دلالته مخالفة لما دل عليه العقل. ونحن نعلم قطعا أن الرسل لا يخبرون بمحال العقول(3\/829)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "682",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3963",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن أخبروا بمحارات العقول فلا يخبرون بما يحيله العقل وإن أخبروا بما يحار فيه العقل ولا يستقل بمعرفته ومن تأمل أدلة نفاة الصفات والأفعال والقدر والحكمة والمعاد وأعطاها حقها من النظر العقلي علم بالعقل فسادها وثبوت نقيضها ولله الحمد. الوجه التاسع عشر: إن المسائل التي يقال إنه قد تعارض فيها العقل والسمع من المسائل المعلومة بصريح العقل كمسائل الحساب والهندسة والطبيعيات اليقينية. فلم يجىء في القرآن ولا في السنة حرف واحد يخالف العقل في هذا الباب وما جاء من ذلك فهو مكذوب ومفترى كحديث إن الله لما أراد أن يخلق نفسه خلق خيلا فأجراها فعرقت فخلق نفسه من ذلك العرق وحديث نزوله(3\/830)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "683",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3964",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عشية عرفة على جمل أورق يصافح الركبان ويعانق المشاة. وكقول اليهود إنه سبحانه بكى على الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة وإنه ندم على ذلك حتى عض أصابعه وإنه تبدى لإسرائيل وصارعه. وكقول النصارى إنه اتخذ مريم زوجة وأولدها عيسى فهي صاحبته وعيسى ابنه تعالى الله عما يقول أعداؤه فيه علوا كبيرا وكقولهم إنه نزل عن كرسي عظمته ودخل في فرج مريم والتحم بناسوت المسيح. وقول مشركي العرب إنه صاهر الجن فولدت له الملائكة وأمثال ذلك من الأقوال المخالفة لصريح(3\/831)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "684",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3965",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العقل فكيف يجعل ما أثبته الله لنفسه في كتابه من صفاته وأفعاله وما صح عن رسوله أنه أثبته له من علوه فوق سماواته على عرشه واستوائه عليه وتكلمه وتكليمه وثبوت علمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره ووجهه الأعلى ورحمته وغضبه ورضاه وفرحه وضحكه ويديه التي يمسك بإحداهما السماوات السبع وبالأخرى الأرضين السبع ثم يهزهن ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا ونحو ذلك من صفات كماله ونعوت جلاله كيف يجعل هذا بمنزلة ذاك في مخالفة كل منهما لصريح العقل ويجعل إثبات هذا كإثبات ذلك ووصفه بهذا كوصفه بذاك كما صرح به النفاة وقالوا إن هذا تشبيه وتجسيم فلا فرق بينه وبين ذاك التشبيه والتجسيم فليبك على عقله وما أصيب به من سوى بين الأمرين أحسن الله عزاءه في عقله ولا بورك له في علم هذه غايته التي لا يرضاها أعظم الناس انغماسا في جهله.(3\/832)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "685",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3966",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه العشرون: إنه لا يعلم آية من كتاب الله ولا نص صحيح عن رسول الله في باب أصول الدين اجتمعت الأمة على خلافه وغاية ما يقدر اختلاف الأمة في القول بموجبه ومن له خبرة بمذاهب الناس وأقوال السلف يعلم قطعا أن الأمة اجتمعت على القول به قبل ظهور المخالف كما اجتمعت بأن الله مستو على عرشه فوق سماواته وأن المؤمنين يرونه عيانا بالأبصار من فوقهم في الجنة وأنه سبحانه كلم نبيه موسى منه إليه بلا واسطة تكليما سمع به كلامه ولم يشك أنه هو الذي كان يكلمه. وأنه كتب مقادير الخلائق وقدرها قبل أن يخلقهم وأنه علم ما هم عاملوه قبل أن يعملوه وأنه يحب ويبغض ويرضى ويغضب ويضحك ويفرح وأن له وجها ويدين. فهذا إجماع معلوم متيقن عند جميع أهل السنة والحديث فالعقل الذي يعارض هذا لم تجمع عليه الأمة ولم يعرف عن رجل واحد من السلف والأئمة أنه قاله وغايته أ , يكون عقل فرقة من الفرق اشتقت لأنفسها مذهبا وادعت له معقولا فلما صالت عليها نصوص الوحي التجأت إلى العقل وادعت أنه يخالفها وصدقت وكذبت.(3\/833)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "686",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3967",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أما صدقها فإن نصوص الوحي تخالف معقولها هي وذلك من أدل دليل على فساده في نفسه إذ شهدت له نصوص الوحي بالبطلان. وأما كذبها فزعمها أن نصوص الوحي تخالف العقل المتفق عليه بين العقلاء فهذا لم يقع ولا يقع ما دامت السماء سماء والأرض أرضا بل تزول السماء والأرض وهذا لا يكون فأي ذنب للنصوص إذا خالفت عقول بعض الناس فقد وافقت عقول أصح الناس عقلا فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [الأنعام89] الوجه الحادي العشرون: إن الأدلة السمعية هي الكتاب والسنة والإجماع وهو إنما يصار إليه عند تعذر الوصول إليهما فهو في المرتبة الأخيرة ولهذا أخره عمر في كتابه إلى أبي موسى حيث كتب إليه اقض بما في كتاب الله فإن لم يكن في كتاب الله فبما في سنة رسول الله فإن لم يكن في السنة فبما قضى به الصالحون قبلك وهذا السلوك(3\/834)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "687",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3968",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو كان سلوك الصحابة والتابعين ومن درج على آثارهم من الأئمة أول ما يطلبون النازلة من القرآن فإن أصابوا حكمها فيه لم يعدوه إلى غيره وإن لم يصيبوها فيه طلبوها من سنة رسول الله فإن أصابوها لم يعدوها إلى غيرها وإن لم يصيبوها طلبوها من اتفاق العلماء وقد صان الله الأمة أن تجمع على خطأ أو على ما يعلم بطلانه بصريح العقل فإذا كان الإجماع معصوما أن ينعقد على ما يخالف العقل الصريح بل إذا وجدنا معقولا يخالفه الإجماع علمنا قطعا أنه معقول فاسد فلأن يصان كتاب الله وسنة رسوله عن مخالفة العقل الصريح أولى وأحرى. الوجه الثاني والعشرون: إنه إذا قدر تعارض العقل والكتاب فرد العقل الذي لم تضمن لنا عصمته إلى الكتاب المعلوم العصمة هو الواجب. الوجه الثالث والعشرون: إن هؤلاء الخائضين في صفات الرب وأفعاله وما يجوز عليه ومالا يجوز بآرائهم وعقولهم تراهم مختلفين متنازعين حيارى متهوكين وحاصل ما مع أكثرهم حسن(3\/835)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "688",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3969",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الظن بإمامه الذي سلك طريقته وتقليده في أصوله وهو يرى بعقله خلافها ويستشكلها ويقر بأنها مشكلة جدا ثم ينكس على رأسه ويقول هو أعلم بالمعقول مني. فنجد أتباع أرسطو الملحد المشرك عابد الأوثان يتبعونه فيما وضعه لهم من قواعد المنطق الطبيعي والإلهي. وكثير منهم يرى بعقله نقيض ما قاله ولكن لحسن ظنه به يتوقف في مخالفته وينسب التقصير إلى فهمه والنقص إلى عقله لعظمة أرسطو في نفسه ولعلمه بأنه أعقل منه وهكذا شأن جميع أرباب المقالات والمذاهب يرى أحدهم في كلام متبوعه ومن يقلده ما هو باطل وهو يتوقف في رد ذلك لاعتقاده أن إمامه وشيخه أكمل منه علما وأوفر عقلا هذا مع علمه وعلم العقلاء أن متبوعه وشيخه ليس بمعصوم من الخطأ فهلا سلكوا هذا المسلك مع نبيهم ورسولهم المضمون له العصمة المعلوم صدقه في كل ما يخبر به وهلا قالوا عقله أوفر من عقولنا وعلمه أصح من علومنا فنحن ننكر كل معقول يخالفه ونرده ولا نقبله كما فعلوه مع شيوخهم ومتبوعيهم ولكن(3\/836)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "689",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3970",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم [المائدة41] الوجه الرابع والعشرون: إن كل من أعرض عن السمع لظنه أن العقل يخالفه إذ لكون أدلته لا تفيد اليقين أو لأنه خاطب الخلق خطابا جمهوريا تخييليا لا خطابا برهانيا تجد بينهم من النزاع والتفرق والشهادة من بعضهم على بعض بالضلالة بحسب إعراضهم عن السمع وكل من كان عنه أبعد كان قوله أفسد واختلاف طائفته أشد. فالمعتزلة أكثر اختلافا من متكلمة أهل الإثبات وبين البصريين والبغداديين منهم من النزاع ما يطول ذكره والبصريون أقرب إلى الإثبات والسنة من البغداديين فالبصريون يثبتون كونه سبحانه سميعا بصيرا حيا عالما قديرا ويثبتون له الإرادة ولا يوجبون عليه الأصلح في الدنيا ويثبتون خبر الواحد والقياس ولا يؤثمون المجتهدين ثم بين المشايخية والحسينية من النزاع ما هو معروف.(3\/837)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "690",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3971",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الشيعة فأعظم تفرقا واختلافا من المعتزلة حتى قيل إنهم يبلغون ثنتين وسبعين فرقة وذلك لأنهم أبعد طوائف الملة عن السنة. وأما الفلاسفة فلا يجمعهم جامع فتلاعب بالنبوات ولا تقف مع حدودها وقل بعقلك ما شئت وقد صرت فيلسوفا حكيما وهم أعظم اختلافا من جميع طوائف المسلمين واليهود والنصارى والفلسفة التي ذهب إليها الفارابي وابن سينا هي فلسفة المشائين أتباع أرسطو صاحب المنطق وبينه وبين سلفه من النزاع ما يطول ذكره ثم بين أتباعه من الخلاف ما يطول وصفه. وأما سائر طوائف الفلاسفة فلو حكى لك اختلافهم في علم الهيئة وحده لرأيت العجب العجاب هذا(3\/838)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "691",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3972",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والهيئة علم رياضي حسابي هو من أصح علومهم فكيف باختلافهم في الطبيعيات فكيف بالإلهيات. واعتبر هذا بما ذكره أرباب المقالات عنهم في العلوم الرياضية والطبيعية كما نقله الأشعري في كتاب مقالات غير الإسلاميين وابن الباقلاني في كتاب الدقائق وفي هذين الكتابين من الاختلاف بينهم أضعاف ما ذكره الشهرستاني وابن الخطيب والكتاب الذي اتفق عليه جمهورهم وهو المجسطي لبطليموس فيه قضايا كثيرة لا يقوم عليها دليل صحيح وقضايا ينازعه فيها غيره وقضايا مبنية على أرصاد منقولة عن غيره تقبل الغلط والكذب وفيه قضايا برهانية صادقة وهذا من أجود علومهم وأصحها.(3\/839)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "692",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3973",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الطبيعيات ففيها من الاضطراب والاختلاف ما ما لا يكاد يحصى وهو أكثر من أن يذكر هذا وهو أقرب إلى الحس من العلم الإلهي. وأما الإلهيات فإذا شئت مثالا يقرب إليك حالهم فمثلهم كمثل قوم نزلوا بفلاة من الأرض في ليلة ظلماء فهجم عليهم العدو فقاموا في الظلمة هاربين على وجوههم في كل ناحية ولا إله إلا الله كم لهم فيه من خبط وخرص وتخمين وليسوا متفقين فيه على شيء أصلا وأساطينهم قد صرحوا بأنهم لا يصلون فيه إلى اليقين وإنما يتكلمون فيه بالأولى والأخلق ولهذا ظهر في السالكين خلفهم من الحيرة والتوقف والاعتراف بأنهم لم يصلوا إلى شيء ما فيه عبرة لأهل الوحي اتباع الرسل المقدمين لما نزل به الوحي على عقول هؤلاء وأشباههم وقد تقدم إقرار الشهرستاني وابن الخطيب وابن أبي الحديد والخونجي والجويني وغيرهم على أنفسهم بذلك وقد(3\/840)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "693",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3974",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ابن رشد وهو من أعلم الناس بمذاهب الفلاسفة ومقالاتهم في كتابه تهافت التهافت ومن الذي قال في الإلهيات شيئا يعتد به وهذا أفضل المتأخرين في زمانه أبو الحسن الآمدي واقف في المسائل الكبار يذكر حجج الطوائف ويبقى واقفا حائرا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا [النساء88] وهذا صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها من(3\/841)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "694",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3975",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فرط ذكائه ومعرفته بالفلسفة والكلام ينتهي وقت الموت في هذه المسائل إلى الوقف والحيرة ثم أعرض عن تلك الطرق واقبل على طريقة أهل الحديث وأقبل على صحيح البخاري فمات وهو على صدره وحدثني شيخ الإسلام قال حكى لي بعض الأذكياء وكان قد قرأ على أفضل أهل زمانه في الكلام والفلسفة وهو ابن واصل الحموي أنه قال له الشيخ أضطجع على فراشي وأضع الملحفة على وجهي وأقابل بين أدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء حتى يطلع الفجر ولم يترجح عندي شيء ولهذا ذهب طائفة من أهل الكلام إلى القول بتكافؤ الأدلة ومعناه أنها قد تكافأت وتعارضت فلم يعرف الحق من الباطل وصدقوا وكذبوا. أما صدقهم فإن أدلتهم وطرقهم قد تكافأت وتصادمت حتى قال شاعرهم:(3\/842)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "695",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3976",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونظيري في العلم مثلي أعمى ... فترانا في حندس نتصادم ولقد صدق هذا الأعمى البصر والبصيرة ووصف حال القوم فأحسن والله الفقه وعبر عن حالهم بأشد عبارة مطابقة بزمرة عميان قاموا في ليلة مظلمة يتهاوشون ويتصادمون. وأما كذبهم فإن أدلة الحق وشبه الباطل لا تتكافأ حتى يتكافأ الضوء والظلام والبياض والسواد والمسك وأنتن الجيف فسبحان من أعمى عن الحق بصائر من شاء من خلقه كما أعمى عن الشمس أبصار من شاء منهم فالذنب لكلل البصائر لا للحق كما أن الحجاب في تلك العيون لا في الشمس ولقد أحسن القائل في وصف هؤلاء وبصائرهم أنها بمنزلة أبصار الخفاش تعجز عن ضوء النهار ولا تفتح أعينها فيه ويلائمها ظلام الليل فتذهب فيه وتجيء ولهذا تجد أكثر هؤلاء لما لم يتبين له الهدى في شيء من تلك الطرق نكص على عقبيه وخلع العذار(3\/843)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "696",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3977",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونزع قيد الشريعة من قلبه وأقبل على شهوات الغي في بطنه وفرجه أو رياسته وماله فأقبل على اللذات وسماع المطربات ومعاشرة الصور المستحسنات وذلك لخلو قلبه عن حقائق العلم والإيمان الذي بعث الله به رسوله فلم يصل إليه ولا وصل من طرق أصحابه إلا إلى الشك والحيرة فهؤلاء هم الذين عناهم الله سبحانه بقوله: ن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس [النجم23] فعلومهم ظنون وإن الظن لا يغني من الحق شيئا [النجم28] وإرادتهم هوى نفوسهم وعلومهم تدعو إلى إرادتهم وإرادتهم تدعو إلى علومهم فإن اتباع الهوى يصد عن الحق ويضل عن سبيل الله فتولوا عن القرآن وآثروا عاجل الدنيا وهؤلاء الذين أمر الله رسوله بالإعراض عنهم بعد إقامة الحجة عليهم فقال تعالى: فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم [النجم29] .(3\/844)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "697",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3978",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الخامس والعشرون: إن الله سبحانه لما أهبط الأبوين من الجنة عهد إليهما عهدا تناولهما وتناول ذريتهما إلى يوم القيامة وضمن لمن تمسك بعهده أنه لا يضل ولا يشقى ولمن أعرض عنه الضلال والشقاء فقال تعالى: قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى [طه126 , 123] قال ابن عباس تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ هذه الآية وقوله: ومن أعرض عن ذكري [طه124] .(3\/845)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "698",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3979",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يتناول الذكر الذي أنزله وهو الهدى الذي جاءت به الرسل ويدل عليه سياق الكلام وهو قوله كذلك أتتك آياتنا فنسيتها [طه126] فهذا هو الإعراض عن ذكره فإذا كان هذا حال المعرض عنه فكيف حال المعارض له بعقله أو عقل من قلده وأحسن الظن به فكما أنه لا يكون مؤمنا إلا من قبله وانقاد له فمن أعرض عنه وعارضه من أبعد الناس عن الإيمان به. الوجه السادس والعشرون: إن طالب الهدى في غير القرآن والسنة قد شهد الله ورسوله له بالضلال فكيف يكون عقل الذي قد أضله الله مقدما على كتاب الله وسنة رسوله قال تعالى في أرباب العقول التي عارضوا بها وحيه: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون [الجاثية23] وقال وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله [الأنعام153] .(3\/846)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "699",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3980",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال فيمن قدم عقله على ما جاء به إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى [النجم23] والقرآن مملوء بوصف من قدم عقله على ما جاء به بالضلال وروى الترمذي وغيره من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول إنها ستكون فتنة قلت فما المخرج منها يا رسول الله قال كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم(3\/847)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "700",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3981",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه ولا يشبع منه العلماء وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد [الجن2 , 1] من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعى إليه هدي إلى صراط مستقيم الوجه السابع والعشرون: إن ما عارض به هؤلاء نصوص الأنبياء من المعقولات قد شهدوا على أنفسهم بالحيرة والشك فيها وأنهم لم يجزموا فيها بشيء ولم يظفروا منها بعلم ولا يقين كما تقدم ذكر(3\/848)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "701",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3982",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اليسير منه عن أفاضلهم وشهد به عليهم تناقضهم واضطرابهم واختلافهم فإن ما كان من عند غير الله لا بد أن يقع فيه الاختلاف الكثير وشهد عليهم بذلك أتباع الرسول وشهد به عليهم من هو على كل شيء شهيد وسيشهد به عليهم يوم القيامة من أنزل عليه: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا [النساء41] وشهد به عليهم نصوص الكتاب والسنة وشهد به عليهم أدلة العقول الصريحة الموافقة للنصوص فهل عندهم مثل هؤلاء الشهود على صحة العقل الذي عارضوا به نصوص الأنبياء نعم شهودهم أرسطو وأفلاطون وفيثاغورس وابن سينا والفارابي وجهم بن صفوان وأبو الهذيل العلاف والنظام وأوقاح الجهمية والمعتزلة(3\/849)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "702",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3983",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأفراخ الصابئين والمجوس ومن تعارضت عنده هذه البينات فلا ننكر أن يتعارض عنده العقل والنقل وأن يقدم العقل على النقل. الوجه الثامن والعشرون: إن أصحاب القرآن والإيمان قد شهد الله لهم وكفى به شهيدا بالعلم واليقين والهدى وأنهم على بصيرة وبينة من ربهم وأنهم هم أولو العقل والألباب والبصائر وأن لهم نورا على نور وأنهم المهتدون المفلحون. قال تعالى في حق الذين يؤمنون بالغيب ولا يعارضونه بعقولهم وآرائهم الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون [البقرة5 , 1] وقال ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد [سبأ6] .(3\/850)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "703",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3984",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا دليل ظاهر أن الذي نراه معارضا للنقل ويقدم العقل عليه ليس من الذين أوتوا العلم في قبيل ولا دبير ولا قليل ولا كثير. وقال أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى [الرعد19] وهذه شهادة من الله على عمى هؤلاء وهي موافقة لشهادتهم على أنفسهم بالحيرة والشك وشهادة المؤمنين عليهم. وقال الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم [النور35] . فأخبر سبحانه عن مثل نور الإيمان به وبأسمائه وصفاته وأفعاله وصدق رسله في قلوب عباده وموافقة(3\/851)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "704",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3985",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك لنور عقولهم وفطرهم التي أبصروا بها نور الإيمان بهذا المثل المتضمن لأعلى أنواع النور المشهود وأنه نور على نور. نور الوحي ونور العقل نور الشرعة ونور الفطرة نور الأدلة السمعية ونور الأدلة العقلية. وقال تعالى وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الأيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم [الشورى52] وقال تعالى أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون [الأنعام122] . وقال تعالى فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون [الأعراف157] وقال تعالى:(3\/852)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "705",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3986",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [البقرة257] ثم أخبر سبحانه عن حال المعرضين عن هذا النور المعارضين للوحي بالعقل بمثلين يتضمن أحدهما وصفهم بالجهل المركب والآخر بالجهل البسيط لأنهم بين ناظر وباحث ومقدر ومفكر وبين مقلد يحسن الظن بهم فقال في الطائفتين: بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور [النور40 , 39] الوجه التاسع والعشرون: أن يقال إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين(3\/853)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "706",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3987",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإبطالهما معا إبطال للنقيضين وتقديم العقل ممتنع لأن العقل قد دل على صحة السمع ووجوب قبول ما أخبر به الرسول فلو أبطلنا النقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل وإذا بطلت دلالته لم يصلح أن يكون معارضا للنقل لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة الدليل فكان تقديم العقل موجبا لعدم تقديمه فلا يجوز تقديمه وهذا بين جدا فإن العقل هو الذي دل على صدق السمع وصحته وأن خبره مطابق لمخبره فإما أن تكون هذه الدلالة صحيحة أو باطلة فإن كانت صحيحة امتنع أن يكون في العقل ما يبطلها وإن كانت باطلة لزم أن لا يكون العقل دليلا صحيحا وإذا لم يكن دليلا صحيحا لم يتبع بحال فضلا عن أن يقدم على الدليل السمعي الصحيح فصار تقديم العقل على النقل قدحا في العقل بانتفاء لوازمه ومدلوله وإذا كان تقديمه على النقل يستلزم القدح فيه والقدح فيه يمنع دلالته وذلك يمنع معارضته استحال تقديمه عند المعارضة لأن تقديمه عند المعارضة يبطل المعارضة وذلك يحيل المسألة من أصلها يوضحه:(3\/854)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "707",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3988",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثلاثون: وهو أن يقال معارضة العقل لما دل العقل على أنه حق دليل على تناقض دلالته وذلك يوجب فسادها وأما السمع فلم يعلم فساد دلالته ولا تعارضها وتناقضها في نفسها وإن قدر أنه لم يعلم صحتها. وإذا تعارض دليلان أحدهما علمنا فساده والآخر لم نعلم فساده كان تقديم مالم يعلم فساده أقرب إلى الصواب من تقديم ما يعلم فساده وهذا كالشاهد إذا علم كذبه وفسقه لم يجز تقديم شهادته على شاهد مجهول لم يعلم كذبه فكيف إذا كان الشاهد الكاذب هو الذي شهد بأنه قد كذب في بعض شهاداته والعقل إذا صدق السمع في كل ما يخبر به ثم قال إنه أخبر بخلاف الحق قد شهد للسمع بأنه يجب قبول قوله وشهد له بأنه لا يجوز قبول قوله وشهد بأن ما أخبر به ليس بحق وشهد له بأن ما أخبر به حق وهذا قدح في شهادته مطلقا وفي تزكيته ولا تقبل شهادته الأولى ولا الثانية يوضحه: الوجه الحادي والثلاثون: إن الآيات والبراهين اليقينية والأدلة القطعية قد دلت على صدق الرسل وأنهم لا يخبرون عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه إلا بالحق المحض فهم صادقون فيما يبلغونه عن الله في الطلب والخبر وهذا أول درجات(3\/855)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "708",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3989",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإيمان فمتى علم المؤمن بالرسول أنه أخبر بشيء من ذلك جزم جزما لا يحتمل النقيضين أنه حق وأنه لا يجوز أن يكون في الباطن بخلاف ما أخبر به وأنه يمتنع أن يعارضه دليل قطعي لا عقلي ولا سمعي فإن كل ما يظن أنه يعارضه من ذلك فهي حجج داحضة وشبه فاسدة من جنس شبه السفسطة والقرمطة وإذا كان العقل العالم بصدق الرسول قد شهد له بذلك وأنه ممتنع أن يعارض خبره دليلا صحيحا كان هذا العقل شاهدا بأن كل ما عارض ما أخبر به الرسول فهو باطل فيكون هذا العقل الصحيح والسمع قد شهدا ببطلان العقل المخالف للسمع. الوجه الثاني والثلاثون: إن الشبهات القادحة في نبوات الأنبياء ووجود الرب ومعاد الأبدان التي يسميها أصحابها حججا عقلية هي كلها معارضة للنقل وهي أقوى من الشبه التي يدعي النفاة للصفات أنها معقولات خالفت النقل أو من جنسها أو قريبة منها كما قيل:(3\/856)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "709",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3990",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دع الخمر يشربها الغواة فإنني ... رأيت أخاها مغنيا بمكانها فإن لا يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها فقد أورد على القدح في النبوات ثمانون شبهة أو أكثر وهي كلها عقلية وأورد على إثبات الصانع سبحانه نحو أربعين شبهة كلها عقلية وأورد على المعاد نحو ذلك والله يعلم أن هذه الشبه من شبه جنس نفاة الصفات وعلو الله على خلقه وتكلمه وتكليمه ورؤيته بالأبصار عيانا في الآخرة لكن نفقت هذه الشبهة بجاه نسبة أربابها إلى الرسول والإسلام وأنهم يذبون عن دينه وينزهون الرب عما لا يليق به وإلا فعند التحقيق يسفر القاع عن فخ(3\/857)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "710",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3991",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كله ولا فرق بين الشبه المعارضة لأصل نبوة الرسول والشبه المعارضة لما أخبر به الرسول. ومن تأمل هذا وهذا تبين له حقيقة الحال وربما وجد الشبه القادحة في أصل النبوة أكثر من الشبه القادحة فيما أخبرت به الرسل فيقال لمن قدم المعقول المعارض لما أخبر به الرسول هل تقدم المعقول المعارض لأصل الرسالة والنبوة وأنت قد أوردته وأجبت عنه بما يعلم أن صدرك لم يثلج له فإن تلك الأجوبة مبنية على قواعد قد اضطرب فيها قولك فمرة تثبتها ومرة تنفيها ومرة تقف فيها أم تطرح تلك المعقولات وتهدرها وتشهد بفسادها فحينئذ فهلا سلكت في المعقولات المعارضة لخبر الرسول ما سلكت في تلك وكانت السبيل واحدة. والطريق في ردها واضحة وأنت من أنصار الله ورسوله محام عن أصل الرسالة وعما جاء به الرسول جازم له بعقلك لا تعارض خبره بعقلك وهذا في غاية الظهور بحمد الله ولولا خشية الإطالة لذكرنا ما ذكره من الشبه العقلية القادحة في إثبات الصانع ورسالة رسله وفي اليوم الآخر وفي الشبه القادحة في علوه على خلقه وصفاته(3\/858)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "711",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3992",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكلامه ورؤيته وعرضنا عليك الجميع ثم إليك الوزن يوضحه: الوجه الثالث والثلاثون: وهو أن أرباب تلك الشبه إنما استطالوا على النفاة والجهمية بما ساعدوهم عليه من تلك الشبه وقالوا كيف يكون رسولا صادقا من يخبر بما يخالف صريح العقل وأنتم قد سلمتم لنا ذلك وساعدتمونا على أن خالق العالم لا يختص بمكان ولا يتكملم ولا يرى ولا يشار إليه ولا ينتقل من مكان إلى مكان ولا تحله الحوادث ولا له وجه ولا يد ولا إصبع ولا سمع ولا بصر ولا علم ولا حياة ولا قدرة زائدة على مجرد ذاته ومن أصولنا وأصولكم أنه لم يقم بذاته فعل ولا وصف ولا حركة ولا استواء ولا نزول ولا غضب في الحقيقة ولا رضا فضلا عن الفرح والضحك. ونحن وأنتم متفقون في نفس الأمر على أنه لم يتكلم بهذا القرآن ولا بالتوراة ولا بالإنجيل وإنما ذلك كلام الشيء عنه بإذنه عندكم وبواسطة العقل الفعال عندنا ونحن وأنت متفقون على أنه لم يتكلم به ولم يسمع منه ونحن وأنتم متفقون على أنه لم يره ولا يراه ولم يسمع كلامه(3\/859)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "712",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3993",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يسمعه أحد وأن هذا محال فهو عندنا وعندكم بمنزلة كونه يأكل ويشرب وينام. فعند التحقيق نحن وأنتم متفقون على الأصول والقواعد التي نفت هذه الأمور وهي بعينها تنفي صحة نبوة من أخبر بها فكيف يمكن أن يصدق من جاء بها وقد اعترفتم معنا بأن العقل يدفع خبره ويرده فما للحرب بيننا وبينكم وجه وكما تساعدنا نحن وأنتم على إبطال هذه الأخبار التي عارضت صريح العقل فساعدونا على إبطال الأصل بنفس ما اتفقنا عليه جميعا في إبطال الأدلة النقلية. فانظر هذا الإخاء ما ألصقه والنسب ما أقربه وإذا أردت أن تعرف حقيقة الحال فانظر حالهم مع هؤلاء الزنادقة في ردهم عليهم وبحوثهم معهم وخضوعهم لهم فيها ومقاومة أعداء الرسل لهم واستطالتهم عليهم ومقاتلتهم لهم بأسلحتهم التي استعاروها منهم. فإن قلت كيف أصيب القوم مع عقولهم وبحثهم ونظرهم واجتهادهم قلت أصاب عقولهم ما أصاب عقول كفار قريش وغيرهم من الأمم الذين كذبوا الرسل مع تلك الأحلام(3\/860)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "713",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3994",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعقول ولكن كادها باريها عبرة لكل ذي عقل صحيح إلى يوم القيامة وهذا جزاء من لم يرض بوحي الله وما وهب لأنبيائه من العقول التي نسبتها إلى عقول العالمين كنسبتهم إليهم يوضحه: الوجه الرابع والثلاثون: وهو أن الله سبحانه اقتضت حكمته وعدله أن يفسد على العبد عقله الذي خالف به رسله ولم يجعله منقادا لهم مسلما لما جاءوا به مذعنا له بحيث يكون مع الرسول كمملوكه المنقاد من جميع الوجوه للمالك المتصرف فيه ليس له معه تصرف بوجه من الوجوه فأول ما أفسد سبحانه عقل شيخهم القديم إبليس حيث لم ينقد به لأمره وعارض النص بالعقل وذكر وجه المعارضة فأفسد عليه عقله غاية الإفساد حتى آل الأمر إلى أن صار إمام المبطلين وقدوة الملحدين وشيخ الكفار والمنافقين ثم تأمل كيف أفسد عقول من أعرض عن رسله وعارض ما أرسلوا به فآل بهم فساد تلك العقول إلى ما قصه الله عنهم في كتابه ومن فساد تلك العقول أنهم لم يرضوا بنبي من النبيين ورضوا بإله من الحجر ومن فساد تلك العقول أنهم استحبوا(3\/861)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "714",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3995",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العمى على الهدى وآثروا عقوبة الدنيا والآخرة على سعادتهما وبدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار. وأفسد عقول أهل الكتابين بكفرهم بالرسول حتى آل أمرهم إلى مقالات الفلاسفة التي قدموها على ما جاءت به الرسل حتى قالوا ما أضحكوا به كافة العقلاء وإن كانوا أصحاب صنائع وأفكار واستنبطوها بعقولهم لعجز غيرهم عنها لكن أفسد عليهم العقل الذي ينال به سعادة الأبد حتى قالوا في فرية سلسلة الموجودات عن واجب الوجود ما هو بسلسلة المجانين أشبه منه بكلام عقلاء الآدميين. وجعلوا العالم الذي شهدت عليه شواهد الصنعة والاحتياج والافتقار من كون غالبه مسخرا مدبرا مقهورا على حركة لا يمكنه الخروج منها وعلى مكان لا يمكنه مفارقته وعلى وضع لا يمكنه أن يزول عنه وعلى ترتيب شهد العقل والفطرة أن غيره رتبه هذا الترتيب ووضعه في هذا الموضع وقهره على هذه الحركة. وكون سافله منفعلا غير فاعل متأثرا غير مؤثر كل وقت في مبدأ ومعاد وشواهد الفقر والحاجة والحدوث(3\/862)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "715",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3996",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ظاهرة على أجزائه وأنواعه فجعلوه قديما غير مخلوق ولا مصنوع فعطلوه عن صانعه وخالقه ثم عطلوا الرب الذي فطر السماوات والأرض عن صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله فلم يثبتوا له ذاتا ولا صفة ولا فعلا ولا تصرفا باختياره في ملكه ولا عالما بشيء مما في العالم العلوي والسفلي وعاجزا من أنشأ النشأة الأولى أن يعيدها مرة ثانية. وفي الحقيقة لم يثبتوا ربا أنشأ شيئا ولا ينشئه ولا أثبتوا لله ملائكة ولا رسلا ولا كلاما ولا إلهية ولا ربوبية. وأما الاتحادية فأفسد عقولهم فلم يثبتوا ربا وظنوا أن في الخارج إنسانا كليا وحيوانا كليا وجعلوا وجود الرب وجودا مطلقا مجردا عن الماهيات وقالوا لا وجود للمطلق في الخارج. وبالجملة فلم يصيبوا في الإلهيات في مسألة واحدة بل قالوا في جميعها ما أضحكوا عليهم العقلاء.(3\/863)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "716",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3997",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما متكلموا الجهمية والمعتزلة فأفسد عقولهم عليهم حتى قالوا ما يسخر العقلاء من قائله كما تقدم التنبيه على اليسير منه وقالوا يتكلم الرب بغير كلام يقوم به وخالق بلا خلق يقوم به وسميع بلا سمع وبصير بلا بصر وحي بلا حياة وقدير بلا قدرة ومريد بلا إرادة وفعال لما يريد ولا فعل له ولا إرادة وقالوا الرب موجود قائم بنفسه ليس في العالم ولا خارجه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولا فوقه ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن يساره وقالوا إنه لم يزل معطلا عن الفعل والفعل ممتنع ثم انقلب من الامتناع إلى الإمكان بغير تجدد سبب أصلا وقالوا إن الأعراض لا تبقى زمانين وأنكروا القوى والطبائع والغرائز والأسباب والحكم وجعلوا الأجسام كلها متماثلة وأثبتوا أحوالا لا موجودة ولا معدومة وأثبتوا مصنوعا بلا صانع ومخلوقا بلا خالق إلى أضعاف ذلك مما يسخر منه العقلاء. وكلما كان الرجل عن الرسول أبعد كان عقله أقل وأفسد فأكمل الناس عقولا أتباع الرسل وأفسدهم عقولا المعرض عنهم وعما جاءوا به ولهذا كان أهل السنة والحديث أعقل الأمة وهم في الطوائف كالصحابة في الناس(3\/864)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "717",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3998",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذه القاعدة مطردة في كل شيء عصي الرب سبحانه به فإنه يفسده على صاحبه فمن عصاه بماله أفسده عليه ومن عصاه بجاهه أفسده عليه ومن عصاه بلسانه أو قلبه أو عضو من أعضائه أفسده عليه وإن لم يشعر بفساده فأي فساد أعظم من فساد قلب خرب من محبة الله وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه والطمأنينة بذكره والأنس به والفرح بالإقبال عليه وهل هذا القلب إلا قلب قد استحكم فساده والمصاب لا يشعر وأي فساد أعظم من فساد لسان تعطل عن ذكره وما جاء به وتلاوة كلامه ونصيحة عباده وإرشادهم ودعوتهم إلى الله وأي فساد أعظم من فساد جوارح عطلت عن عبودية فاطرها وخالقها وخدمته والمبادرة إلى مرضاته. وبالجملة فما عصي الله بشيء إلا أفسده على صاحبه ومن أعظم معصية العقل إعراضه عن كتابه ووحيه الذي هدى به رسوله وأتباعه والمعارضة بينه وبين كلام غيره فأي فساد أعظم من فساد هذا العقل وقد أرى الله سبحانه أتباع رسوله من فساد عقل هؤلاء ما هو من أقوى أسباب زيادة إيمانهم بالرسول وبما جاء به وموجبا لشدة تمسكهم به ولقد أحسن القائل: وإذا نظرت إلى أميري زادني ... نظري له حبا إلى الأمراء(3\/865)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "718",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "3999",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الخامس والثلاثون: هذه القاعدة التي أسسها من عارض بين العقل والنقل تقتضي أن لا ينتفع بخبر الأنبياء في باب الصفات والأفعال أحد من الخاصة والعامة. أما الخاصة فهم مصرحون بأن علم ذلك ومعرفته موكول إلى العقول فما دلت عليه وشهدت به قبل وما خالفها من السمع وجب رده فلم يستفيدوا من جهة الخبر شيئا وإنما استفادوا الحق من جهة العقل المعارض لما أخبرت به الرسل. وأما العامة فإنهم اعتقدوا ما دل عليه الخبر وهو باطل في نفس الأمر فلم يستفيدوا منه معرفة الحق بل إنما حصلوا على اعتقاد الباطل فأي معاداة لما جاء به الرسول أعظم من هذه الوجه السادس والثلاثون: إن الرجل إما أن يكون مقرا بالرسل أو جاحدا لرسالتهم فإن كان منكرا فالكلام معه في تثبيت النبوة فلا وجه للكلام معه في تعارض العقل والنقل فإن تعارضهما فرع الإقرار بصحة كل واحد منهما لو تجرد عن(3\/866)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "719",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4000",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعارض فمن لم يقر بالدليل العقلي لم يخاطب في تعارض الدليل العقلي والشرعي. وكذلك من لم يقر بالدليل الشرعي لم يخاطب في هذا التعارض فمن لم يقر بالأنبياء لم يستفد من خبرهم دليلا شرعيا فهذا يتكلم معه في إثبات النبوات أولا وإن كان مقرا بالرسالة فالكلام معه في مقامات: أحدها: صدق الرسول فيما أخبر به فإن أنكر ذلك أنكر الرسالة والنبوة وإن زعم أنه مقر بهما وأن الرسل خاطبوا الجمهور بخلاف الحق تقريبا إلى أفهامهم ومضمون هذا أنهم كذبوا للمصلحة وهذا حقيقة قول هؤلاء وهو عندهم كذب حسن وإن أقر بأنه صادق فيما أخبر به فالكلام معه في: المقام الثاني: وهو هل يقر بأنه أخبر بهذا أو لا يقر به فإن لم يقر به جهلا عرف ذلك بما يعرف به أنه ظهر ودعا إلى الله وحارب أعداءه فإن أصر على إنكاره ذلك فقد خرج من جملة العقلاء وأنكر الأمور الضرورية كوجود بغداد ومكة والهند وغيرها وإن أقر بأنه أخبر بذلك فالكلام معه في: المقام الثالث: وهو أنه هل أراد ما دل عليه كلامه(3\/867)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "720",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4001",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولفظه أو أراد خلافه فإن ادعى أنه أراده فالكلام معه في: المقام الرابع: وهو أن هذا المراد حق في نفسه أم باطل فإن كان حقا لم يتصور أن يعارضه دليل عقلي البتة وإن كان باطلا انتقلنا معه إلى: مقام خامس: وهو أنه هل كان يعلم الحق في نفس الأمر أو لا يعلمه فإن قال لم يكن عالما به فقد نسبه إلى الجهل وإن قال كان عالما به انتقلنا معه إلى: مقام سادس: وهو أنه هل كان يمكنه التعبير والإفصاح عن الحق كما فعلتم أنتم بزعمكم أو لم يكن ذلك ممكنا له فإن لم يكن ذلك ممكنا له كان تعجيزا له ولمرسله عن أمر قدر عليه أفراخ الفلاسفة وتلامذة اليهود وأوقاح المعتزلة والجهمية وإن كان ممكنا له ولم يفعله كان ذلك غشا للأمة وتوريطا لها في الجهل بالله وأسمائه وصفاته واعتقاد مالا يليق بعظمته فيه وأن الجهمية والمعتزلة وأفراخ اليونان وورثة الصابئين والمجوس هم الذين نزهوا الله سبحانه عما لا يليق به ووصفوه بما يليق به وتكلموا بالحلق الذي كتمه الرسول(3\/868)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "721",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4002",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا أمر لا محيد لكم عنه فاختاروا أي قسم شئتم من هذه الأقسام. والظاهر أنكم متنازعون في الاختيار وأن عقلاءكم مختارون أن الرسول كان يدري الحق في خلاف ما أخبر به وإن كان قادرا على التعبير عنه ولكن ترك ذلك خشية التنفير فخاطب الناس خطابا جمهوريا يناسب عقولهم بما الأمر بخلافه وهذا أحسن أقوالكم إذا آمنتم بالرسول وأقررتم بما جاء به. الوجه السابع والثلاثون: إنه إذا جوز أن يكون في العقل ما يعارض ما أخبر به الرسول كان الإيمان الجازم موقوفا على العلم بانتفاء ذلك المعارض ومشروطا به والمشروط بالشيء يعدم عند عدمه ومعلوم أن ما يستخرجه الناس بعقولهم أمر لا غاية له سواء كان حقا أو باطلا فإذا جوز المجوز أن يكون في المعقولات ما يناقض خبر الرسول لم يمكنه أن يثق بشيء من أخبار الرسول لجواز أن يكون في المعقولات(3\/869)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "722",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4003",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التي لم تظهر له بعد ما يناقض خبره فإن قال أنا أقر من السمعيات بما لم ينفه العقل وأثبت من الصفات مالم يخالفه العقل لم يكن لقوله ضابط فإنه وقف التصديق بالسمع على أمر لا ضابط له وما كان مشروطا بعدم أمر لا ينضبط لم ينضبط فلا يبقى مع هذا الأصل إيمان جازم البتة. ولهذا تجد من تعود معارضة الشرع بالرأي لا يستقر في قلبه إيمان أبدا ولا يكون الرجل مؤمنا حتى يؤمن بالرسول إيمانا جازما ليس مشروطا بعدم معارض فإذا قال أنا أؤمن بخبره مالم يظهر له معارض يدفعه لم يكن مؤمنا به كما لو قال أنا أشهد أن لا إله إلا الله إلا أن يكون في العقل دليل يدل على إثبات إله آخر أو يقول أنا أؤمن بالمعاد إلا أن يكون في العقل دليل ينفيه أو يقول أنا أؤمن بالرسول إلا أن يكون في العقل ما يبطل رسالته فهذا وأمثاله ليس بمؤمن جازم بإيمانه وأحسن أحواله أن يكون شاكا. الوجه الثامن والثلاثون: إن طرق العلم الحس والعقل والمركب منهما فالمعلومات ثلاثة أقسام: أحدهما: ما يعلم بالعقل والثاني: ما يعلم بالسمع والثالث: ما يعلم بالعقل والسمع وكل منهما ينقسم إلى ضروري ونظري وإلى معلوم ومظنون وموهوم فليس كل ما يحكم به العقل علما بل قد يكون ظنا وقد يكون وهما كاذبا كما أن ما يدركه السمع والبصر كذلك.(3\/870)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "723",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4004",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلا بد من حكم يفصل بين هذه الأنواع ويميز بين معلومها ومظنونها وموهومها فإذا اتفق العقل والسمع والعقل والحس على قضية كانت معلومة يقينية وإن انفرد بها الحس عن العقل كانت وهمية كما ذكر من أغلاط الحس في رؤية المتحرك أشد الحركة وأسرعها ساكنا والساكن متحركا والواحد اثنين والإثنين واحدا والعظيم الجرم صغيرا والصغير كبيرا والنقطة دائرة وأمثال ذلك. فهذه الأمور يجزم بغلطها تفرد الحس بها عن العقل وكذلك حكم السمع قد يكون كاذبا وقد يكون صادقا ضرورة ونظرا وقد يكون ظنيا فإذا قارنه العقل كان حكمه علما ضروريا أو نظريا كالعلم بمجرد الأخبار المتواترة فإنه حصل بواسطة السمع والعقل فإن السمع أدى إلى العقل ما سمعه من ذلك والعقل حكم بأن المخبرين لا يمكن تواطؤهم على الكذب فأفاده علما ضروريا أو نظريا على الاختلاف في ذلك بوجود المخبر به والنزاع في كونه ضروريا أو نظريا لفظي لا فائدة فيه. وكذلك الوهم يدرك أمورا لا يدري صحيحة هي(3\/871)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "724",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4005",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إم باطلة فيردها إلى العقل الصريح فما صححه منها قبله وما حكم ببطلانه رده فهذا أصل يجب الاعتناء به ومراعاته وبه يعلم الصحيح من الباطل فإذا عرف هذا فمعلوم أن السمع الذي دل العقل على صحته أصح من السمع الذي لم يشهد له عقل ولهذا كان الخبر المتواتر أعرف عند العقل من الآحاد وما ذاك إلا لأن دلالة العقل قد قامت على أن المخبرين لا يتواطؤن على الكذب وإن كان الذي أخبروا به مخالفا لما اعتاده المخبر وألفه وعرفه فلا تجد محيدا عن تصديقهم فالأدلة العقلية البرهانية على صدق الرسل وتثبيت نبوتهم أضعاف الأدلة الدالة على صدق المخبرين خبر التواتر فإن أولئك لم يقم على صدق كل واحد منهم دليل وإنما أفاد اجتماعهم على الخبر دليلا على صدقهم والرسل صلاة الله وسلامه عليهم قد قامت البراهين اليقينية على صدق كل فرد منهم وقد اتفقت كلمتهم وتواطأ خبرهم على إثبات العلو والفوقية لله وأنه على عرشه فوق سمواته بائن من خلقه وأنه مكلم متكلم آمر ناه يرضى ويغضب ويثيب ويعاقب ويحب ويبغض. فإفادة خبرهم العلم لمخبره أعظم من إفادة الأخبار المتواترة لمخبرها فإن الأخبار المتواترة مستندة إلى حس قد(3\/872)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "725",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4006",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يغلط وأخبار الأنبياء مستندة إلى وحي لا يغلط فالقدح فيها بالعقل من جنس شبه السوفسطائية القادحة في الحس والعقل ولو التفتنا إلى كل شبهة يعارض بها الدليل القطعي لم يبق لنا وثوق بشيء نعلمه بحس أو عقل أو بهما يوضحه الوجه التاسع والثلاثون: إن المعلومات الغائبة التي لا تدرك إلا بالخبر أضعاف أضعاف المعلومات التي تدرك بالحس والعقل بل لا نسبة بينهما بوجه من الوجوه ولهذا كان إدراك السمع أعم وأشمل من إدراك البصر فإنه يدرك الأمور المعدومة والموجودة والحاضرة والغائبة والعلوم التي لا تدرك بالحس وهذه حجة من فضل السمع على البصر من النظار وغيرهم وخالفهم آخرون فرجحوا البصر على السمع لقوة إدراكه وجزمه بما يدركه وبعده من الغلط وبين الفريقين مباحثات يطول ذكرها قد ذكرها ابن قتيبة وأبو المعالي الجويني وغيرهما.(3\/873)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "726",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4007",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفصل النزاع بينهما أن ما يدرك بالسمع أعم وأشمل وما يدرك بالبصر أتم وأكمل فهذا له القوة والتمام وذاك له العموم والإحاطة والمقصود أن الأمور الغائبة عن الحس نسبه المحسوس إليها كقطر في بحر ولا سبيل إلى العلم بها إلا بخبر الصادق وقد اصطفى الله من خلقه أنبياء نبأهم من هذا الغيب بما يشاء وأطلعهم منه على ما لم يطلع عليه غيرهم كما قال تعالى ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء [آل عمران179] وقال تعالى عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا [الجن26 , 27] وقال تعالى الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير [الحج75] فهو سبحانه يصطفي من يطلعه من أنباء الغيب على ما لم يطلع عليه غيره ولذلك سمي نبيا من الإنباء(3\/874)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "727",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4008",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو الإخبار لأنه مخبر من جهة الله ومخبر عنه فهو منبأ ومنبىء وليس كل ما أخبر به الأنبياء يمكن معرفته بدون خبرهم بل ولا أكثره ولهذا كان أكمل الأمم علما أتباع الرسل وإن كان غيرهم أحذق منهم في علم الرمل والنجوم والهندسة والسفسطة وعلم الكم المتصل والمنفصل وعلم النبض والقارورة والأبوال ومعرفة قوامها وطعومها ورائحتها ونحوها من العلوم التي لما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بها وآثروها على علوم الرسل وما جاءوا به وهي كما قال الواقف على نهاياتها الواصل إلى غاياتها وهي بين ظنون كاذبة وإن بعض الظن إثم وبين علوم غير نافعة نعوذ بالله من علم(3\/875)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "728",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4009",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا ينفع وإن نفعت فنفعها بالنسبة إلى علوم الأنبياء كنفع العيش العاجل بالنسبة إلى الآخرة ودوامها. فليس العلم في الحقيقة إلا ما أخبرت به الرسل عن الله عز وجل طلبا وخبرا فهو العلم المزكي للنفوس المكمل للفطر المصحح للعقول الذي خصه الله باسم العلم وسمى ما عارض ظنا لا يغني من الحق شيئا وخرصا وكذبا فقال تعالى فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم [آل عمران61] وشهد لأهله أنهم أولو العلم فقال تعالى وقال الذين أوتوا العلم والأيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث [الروم56] وقال شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم [آل عمران18] والمراد أولو العلم بما أنزله على رسله ليس إلا وليس المراد أولو العلم بالمنطق والفلسفة وفروعهما.(3\/876)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "729",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4010",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال تعالى ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما [طه114] فالعلم الذي أمره باستزادته هو علم الوحي لا علم الكلام والفلسفة والمنطق. وقال تعالى لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه [النساء166] أي أنزله وفيه علم لا يعلمه البشر. فالباء للمصاحبة مثل قوله فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله [هود14] أي أنزل وفيه علم الله وذلك من أعظم البراهين على صحة نبوة من جاء به. ولم يصنع شيئا من قال إن المعنى أنزله وهو يعلمه وهذا وأن كان حقا فإن الله يعلم كل شيء فليس في ذلك دليل وبرهان على صحة الدعوى فإن البله يعلم الحق والباطل بخلاف ما إذا كان المعنى أنزله متضمنا لعلمه الذي لا يعلمه غيره إلا من أطلعه عليه وأعلمه به(3\/877)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "730",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4011",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن هذا من أعظم أعلام النبوة والرسالة وقال فيما عارضه من الشبه الفاسدة التي يسميها أربابها قواطع عقلية إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا [النجم28] وقال إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون [148] وقال لمن أنكر المعاد بعقله وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون [الجاثية24] والظن الذي أثبته سبحانه للمعارضين نصوص الوحي بعقولهم ليس هو الاعتقاد الراجح بل هو أكذب الحديث. وقال قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون [الذاريات10 , 11] وأنت إذا تأملت ما عند هؤلاء المعارضين لنصوص الأنبياء بعقولهم رأيته كله خرصا وعلمت أنهم هم الخراصون.(3\/878)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "731",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4012",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن العلم في الحقيقة ما نزل به الوحي على الأنبياء والمرسلين وهو الذي أقام الله به حجته وهدى به أنبياءه ورسله وأتباعهم به وأمتن عليه فقال كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون [151البقرة , 152] وقال وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما [النساء113] وقال لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [آل عمران164] وقال هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [الجمعة2](3\/879)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "732",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4013",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذه النعمة والمنة والتزكية إنما هي لمن عرف أن ما جاء به الرسول وأخبر به عن الله وصفاته وأفعاله هو الحق كما أخبر به لا كمن زعم أن ذلك مخالف لصريح العقل وأن العقول مقدمة عليه والله المستعان. الوجه الأربعون: إن علم الأنبياء وما جاءوا به عن الله لا يمكن أن يدرك بالعقل ولا يكتسب وإنما هو وحي أوحاه الله إليهم بواسطة الملك أو كلام يكلم به رسوله منه إليه بغير واسطة كما كلم موسى وهذا متفق عليه بين جميع أهل الملل المقرين بالنبوة والمصدقين بالرسل وإنما خالفهم في ذلك جهلة الفلاسفة وسفلتهم الذين يقولون إن الأنبياء يعلمون ما يعلمونه بقوة عقلية وهم أكمل من غيرهم في قوة الحدس ويسمونها القوة القدسية قالوا ويتميز النبي عن غيره بقون التخيل والتخييل فيتخيل الأمور للعقول في الصور المحسوسة ويخيلها إلى الناس في قوالب تلك الصور ويتميز أيضا بقوة النفس فيتصرف بقوتها في مواد العلم وعناصره بقلب بعضها إلى بعض فهذه عندهم خواص النبوة فالأنبياء عندهم من جنس غيرهم من البشر(3\/880)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "733",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4014",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونبواتهم من جنس صنائع الناس وسياساتهم ورياضاتهم حتى قال أقرب هؤلاء إلى الإسلام اعلم أن أصول الصناعات أربعة صنعة التجارة والحدادة والنساجة والسياسة وأصعبها صنعة السياسة وأصعب هذه الصناعة صناعة النبوة هذا كلامه بعينه في كتابه. فلما كانت النبوة عندهم في هذه المرتبة كانت علومها وأعمالها من جنس علوم البشر وأعمالهم فالعقل مشترك بينهم وبين كافة العقلاء فلما جاءت الرسل بما لا تدركه عقولهم وليس في قواعدهم ونظرهم ومنطقهم ما يدل عليه قابلوه بالإنكار وقالوا قد تعارض العقل وما جئتم به وإذا تعارض العقل وخبركم فلا سبيل إلى تقديم أخباركم على العقل لأن ذلك يتضمن القدح فيه فهؤلاء هم الذين عارضوا أولا بين العقل والوحي وهم الذين أسسوا هذه القاعدة ووضعوا هذا البناء إذ كانت علوم الأنبياء وعقولهم عندهم من جنس علومهم وعقولهم وربما رجحوا علم الفيلسوف وعقله وبعضهم يرجح النبي من وجه والفيلسوف من وجه فهؤلاء إذا عارضوا بين العقل والنقل ثم قدموا العقل على النقل عملوا بمقتضى أصولهم وقواعدهم أما من عرف الرسل وأمرهم وعلم أن الله أرسلهم وأوحى إليهم من غيبه ما لم يطلع عليه سواهم وأن(3\/881)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "734",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4015",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نسبة عقول العالمين وعلومهم إليهم أقل بكثير من نسبة عقول صبيان المكاتب إلى عقول العقلاء وأن بين ما جاءوا به من عند الله وبين ما عند هؤلاء كما يدخل الرجل أصبعه في اليم والأمر فوق ذلك يوضحه الوجه الحادي والأربعون: وهو أن يقال لهؤلاء المعارضين بين العقل ونصوص الوحي أخبرونا عن خلق هذا النوع الإنساني من قبضة تراب وعن رجل دعا على قومه أن لا يدع الله منهم على الأرض ديارا فأرسل السماء عليهم وأنبع الماء من تحتهم حتى علا الماء فوق رؤوس شواهق الجبال علوا عظيما ثم ابتلعته الأرض شيئا فشيئا حتى عادت يبسا. وعن رجل دعا على قومه وهم أعظم الناس أجساما وأشدهم قوة فأرسلت عليهم بدعوته ريح عاصف جعلت تحملهم بين السماء والأرض ثم تدق أعناقهم. وعن أمة كذبت نبيها وسألوه آية فانفلقت صخرة بمحضر لهم وتمخضت عن ناقة من أعظم النوق قائمة وشكلا وهيئة فلما تمادوا على تكذيبه سمعوا صيحة من(3\/882)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "735",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4016",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السماء قطعت أكبادهم وقلوبهم في أجوافهم فماتوا موتة رجل واحد. وعن نار عظيمة أوقدت برهة من الدهر حتى كان الطير يمر عليها من عال فيقع مشويا ألقي فيها رجل مكتوفا فصارت عليه بردا وسلاما وعادت روضة خضرا وماء جاريا وعن رجل ألقى عصا في يده فعادت ثعبانا عظيما ابتلع ما بحضرته من حبال وعصي لا يحصيها إلا الله ثم عادت عصا كما كانت وعن يد أدخلها صاحب هذه العصا إلى جيبه ثم أخرجها فإذا لها شعاع كشعاع الشمس وعن ماء انقلب دما في آنيته ومواضعه وعن كثيب عظيم ضربه بعصاه فاستحال قملا كله سلط على أهل بلد عظيم وعن بحر ضربه بعصاه فانفلق إثني عشر طريقا ثم أرسلت عليه الريح والشمس فأيبسته في ساعة وقام الماء بين تلك الطرق كالحياض فلما جاوزه وسلكه آخرون ضربه بعصاه فالتأم عليهم فلم يفلت منهم إنسان وعن جبل قلع من مكانه على قدر عسكر عظيم(3\/883)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "736",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4017",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حتى رفع فوق رؤوسهم وقيل لهم إن تقبلوا ما أمرتم به وإلا أطبق عليكم ثم رد إلى مكانه وعن قوم أمسوا وهم في صور بني آدم فأصبحوا وهم في صور القردة والخنازير. وعن مدن قلعت من أصولها ثم رفعت في الهواء ثم أفلت بأهلها وجعل عاليها سافلها وأتبعت بمطر من الحجارة وعن رجل ولد من غير أب وامرأة خرجت من غير أم ورجل يمسح على عين الذي ولد أكمه ويدعو الله فإذا به يبصر بعينين كالصحيح ويمسح الأبرص ليبرأ كأن لم يكن به بأس وينفخ في كبة من الطير فينقلب طائرا له لحم ودم وريش وجماعة ينامون في غار ثلثمائة وتسع سنين لم تأكل الأرض لحومهم ثم ينتبهون من نومهم قياما ينظرون وعن رجل أدركه الموت هو وحماره فمكثا مائة عام ثم قام الرجل حيا وشاهد عظام حماره وهي تكسى اللحم ويتصل بعضها ببعض حتى قام الحمار حيا وشاهد طعامه لم يتغير بل هو على حاله وعن قتيل قتل بين ظهراني قوم فأمرهم نبيهم أن يذبحوا البقرة ويضربوه ببعضها ففعلوا فقام القتيل حيا ناطقا وقال فلان قتلني.(3\/884)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "737",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4018",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعن رسول سأله قومه آية فأومأ إلى القمر فانشق فلقتين وهم يشاهدونهما ثم عاد فالتأم وقدم السفر فأخبروا برؤية ذلك عيانا. وأنه قبض قبضة من تراب ثم رمى بها في وجوه عسكر لا يلتقي طرفاه فلم يبق منهم أحد إلا ملأت عينه وأنه وضع يده في ماء لا يواريها فعاد الماء حتى ملأوا منه كل قربة وكل وعاء في العسكر الجرار وأن جماعة كثيرة(3\/885)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "738",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4019",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شبعت من برمة بقدر جسم القطا وأن جذعا حن حنين الناقة العشار إلى ولدها إليه وأن الحصى كان يسبح في كفه وكف بعض أصحابه تسبيحا يسمعه الحاضرون وأن الحجر كان يسلم عليه سلاما يسمعه بأذنه وأن بطنه شق من ثغرة نحره إلى أسفله ثم استخرج قلبه فغسل ثم أعيد وهو حي ينظر وأن(3\/886)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "739",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4020",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شجرتين دعا بهما فأقبلتا تجران الأرض حتى قامتا بين يديه فالتزقتا ثم رجعت كل واحدة منها إلى مكانها وأن ذيبا تكلم وأن بقرة(3\/887)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "740",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4021",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تكلمت وأن نبيا كان يأمر بعسكره فيقعد على بساط فرسخ في فرسخ فيأمر الريح فترتفع به بين السماء والأرض فتحمل العسكر على متنها مسيرة شهر مقبلة ومسيرة شهر مدبرة في كل يوم واحد وأنه أمر بسرير عظيم لملكة فشق الأرض وصار بين يديه في اسرع من رد الطرف إلى أضعاف أضعاف ما ذكرنا مما يشاهده الناس بأبصارهم عيانا. فهل مخالفة الأدلة القطعية لما أخبرت به الأنبياء عن الله أعظم من مخالفتها لهذه الأمور والشبه العقلية التي تذكر على استحالة هذه الأمور أكثر واقوى من الشبه التي يذكرونها في معارضة نصوص الوحي بل لا نسبة بينهما فإذا تعارضت أدلة العقول بزعمكم وهذه الأمور ماذا تصنعون(3\/888)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "741",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4022",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أتقدمونها على أدلة العقول فتدخلون في المؤمنين بالله ورسله أم تكذبون بذلك وتقولون العقل يناقض ذلك ويبطله ومعارضة العقل عندكم لهذه الآيات من جنس معارضته لخبر الأنبياء لا فرق بينهما البتة بل الشبه التي يقيمها أعداء الرسل من العقل على بطلان هذه الآيات أقوى من الشبه التي ذكرها الجهمية والنفاة على بطلان ما أخبرت به الرسل من صفات الله وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه وكلامه وتكليمه وقيام أفعاله به. فعلم أن من قدم ما يظنه من العقل على نصوص الوحي لم يبق معه من الإيمان بالرسل عين ولا أثر ولا حس ولا خبر. وإذا كان هذا حالهم في الأمور التي قد وقعت وشاهدها الناس بأبصارهم فكيف حالهم في الإيمان ببشر ينزل من السماء بين ملكين واضعا يديه على مناكبهما والناس يرونه عيانا وكيف حالهم في الإيمان بأن الشمس تطلع من(3\/889)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "742",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4023",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مغربها والناس يرونها عيانا وكيف بحالهم إلى غير ذلك مما أخبر به الصادق كدابة تنشق عنها الأرض فتخرج تكلم الناس وتخاطبهم إلى غير ذلك مما يقيمون بعقولهم شبها يسمونها أدلة عقلية تحيل ذلك فمن قدم العقل على الوحي لم يمكنه أن يجزم بصدق شيء من ذلك والله المستعان. الوجه الثاني والأربعون: إن هؤلاء عكسوا شرعة الله وحكمته وضادوه في أمره فإن الله سبحانه جعل الوحي إماما والعقل مؤتما به وجعله حاكما والعقل محكوما عليه ورسولا والعقل مرسلا إليه وميزانا والعقل موزونا به وقائدا والعقل منقادا له فصاحب الوحي مبعوث وصاحب العقل مبعوث إليه(3\/890)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "743",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4024",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والآتي بالشرع مخصوص بوحي من الله وصاحب العقل مخصوص ببحث عن رأي وفكرة وصاحب الوحي ملقى وصاحب العقل كادح طالب هذا يقول أمرت ونهيت وأوحى إلي وقيل لي وما أقول شيئا من تلقاء نفسي ولا من قبل عقلي ولا من جهة فكري ونظري وذاك المتخلف يقول نظرت ورأيت وفكرت وقدرت واستحسنت واستنتجت والمتخلف يقول معي آلة المنطق والكليات الخمس والمقولات العشر والمختلطات والموجهات أهتدي بها والرسول يقول معي كتاب الله وكلامه ووحيه والمتخلف يقول معي العقل والرسول يقول معي نور خالق العقل به أهدي وأهتدي والرسول يقول قال الله كذا قال جبريل عن الله كذا والمتخلف يقول قال أفلاطون قال بقراط قال أرسطو(3\/891)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "744",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4025",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كذا قال ابن سينا قال الفارابي. فيسمع من الرسول ظاهر التنزيل وصحيح التأويل وشرع سنة وأمر بمعروف ونهي عن منكر وخبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله وخبر عن السماء والملائكة واليوم الاخر ويسمع من الآخر الهيولى والصورة والطبيعة والاستقص والذاتي والعرض والجنس والنوع والفصل والخاصة والأيس والليس وعكس النقيض(3\/892)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "745",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4026",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعكس المستوي وما شاكل هذا مما لا يسمع من مسلم ولا يهودي ولا نصراني ولا مجوسي إلا من رضي لنفسه بما يرضى به هؤلاء المتخلفون لأنفسهم ورغب فيما رغبوا فيه وبالجملة فهما طريقان متباينان فمن أراد أن يتمعقل بعقول هؤلاء فليعزل نظره عن الوحي ويخلي بينه وبين أهله ومن أحب أن يكون من أهل العقل والوحي فليعتصم بالوحي ويستمسك بغرز من جاء به ويسلم إليه أعظم من تسليم الصبي لأستاذه ومعلمه بكثير فإن(3\/893)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "746",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4027",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التباين الذي بين النبي وبين صاحب المعقول أضعاف أضعاف التباين الذي بين الصبي والأستاذ. ومن العجب أن هؤلاء المقدمين عقولهم على الوحي خاضعون لأئمتهم وسلفهم مستسلمون لهم في أمور كثيرة يقولون هم أعلم بها منا وعقولهم أكمل من عقولنا فليس لنا أن نعترض عليهم فكيف يعترض على الوحي بعقله من نسبته إليه أدق وأقل من نسبة عقل الطفل إلى عقله وجماع الأمر أن قضايا المعقول مشتملة على العلم والظن والوهم وقضايا الوحي كلها حق فأين قضايا مأخوذة عن عقل قاصر عاجز عرضة للخطأ من قضايا مأخوذة عن خالق العقول وواهبها هي كلامه وصفاته الوجه الثالث والأربعون: إن العقل تحت حجر الشرع فيما يطلبه ويأمر به وفيما يحكم به ويخبر عنه فهو محجور عليه في الطلب والخبر وكما أن من عارض أمر الرسل بعقله لم يؤمن بهم وبما جاءوا به فكذلك من عارض خبرهم بعقله ولا فرق بين الأمرين أصلا يوضحه أن الله سبحانه وتعالى حكى عن الكفار معارضة أمره بعقولهم كما حكى عنهم معارضة خبره بعقولهم.(3\/894)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "747",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4028",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أما الأول: ففي قوله تعالى الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا [البقرة275] فعارضوا تحريمه للربا بعقولهم التي سوت بين الربا والبيع فهذا معارضة النص بالرأي ونظير ذلك مما عارضوا به تحريم الميتة بقياسها على المذكي وقالوا تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون مما قتل الله وفي ذلك أنزل الله: وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون [الأنعام121] .(3\/895)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "748",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4029",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعارضوا أمره بتحويل القبلة بعقولهم وقالوا إن كانت القبلة الأولى حقا فقد تركت الحق وإن كانت باطلا فقد كنت على باطل وإمام هؤلاء شيخ الطريقة إبليس عدو الله فإنه أول من عارض أمر الله بعقله وزعم أن العقل يقتضي خلافه. وأما الثاني وهو معارضة خبره بالعقل فكما حكى سبحانه عن منكري المعاد أنهم عارضوا ما أخبر به عنه بعقولهم فقال تعالى: وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم [يس78] وأخبر سبحانه أنهم عارضوا ما أخبر به من التوحيد بعقولهم وعارضوا أخباره عن النبوات بعقولهم وعارضوا بعض الأمثال التي ضربها بعقولهم وعارضوا أدلة نبوة رسوله بمعارضة عقلية وهي قولهم:(3\/896)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "749",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4030",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم [الزخرف31] . وأنت إذا صغت هذه المعارضة صوغا مزخرفا وجدتها من جنس معارضة المعقول بالمنقول وعارضوا آيات نبوته بمعارضة عقلية أخرى وهي قولهم: وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها [الفرقان8 , 7] أي لو كان رسولا لخالق السموات والأرض لما أحوجه أن يمشي بيننا في الأسواق في طلب المعيشة ولأغناه عن أكل الطعام ولأرسل معه ملكا من الملائكة ولألقى إليه كنزا يغنيه عن طلب الكسب وعارضوا شرعه سبحانه ودينه الذي شرعه لهم على لسان رسوله وتوحيده بمعارضة عقلية استندوا فيها على القدر فقال تعالى: سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين [الأنعام149 , 148] .(3\/897)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "750",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4031",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحكى مثل هذه المعارضة عنهم في سورة النحل وفي الزخرف وإذا تأملتها حق التأمل رأيتها أقوى بكثير من معارضه النفاة آيات الصفات وأخبارهم بعقولهم فإن إخوانهم عارضوا بمشيئة الله الكائنات والمشيئة ثابتة في نفس الأمر والنفاة عارضوا بأصول فاسدة وهم وضعوها من تلقاء أنفسهم أو تلقوها عن أعداء الرسل من الصابئة والمجوس والفلاسفة وهي خيالات فاسدة ووهميات ظنوها قضايا عقلية وبالجملة فمعارضة أمر الرسل وخبرهم بالمعقولات إنما هي طريقة الكفار فهم سلف للخلف بعدهم فبئس السلف وبئس الخلف ومن تأمل معارضة المشركين والكفار للرسل بالعقول وجدها أقوى من معارضة الجهمية والنفاة لخبرهم عن الله وصفاته وعلوه على خلقه وتكليمه لملائكته ورسله بعقولهم فإن كانت تلك المعارضة باطلة فهذه أبطل وإن صحت هذه المعارضة فتلك أولى بالصحة منها وهذا لا محيد لهم عنه يوضحه الوجه الرابع والأربعون: إن القرآن مملوء من ذكر الصفات والعلو على الخلق والاستواء على العرش وتكلم الله وتكليمه للرسل وإثبات الوجه واليدين والسمع والبصر والحياة والمحبة والغضب(3\/898)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "751",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4032",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والرضى للرب سبحانه وهذا عند النفاة بمنزلة وصفه بالأكل والشرب والجوع والعطش والنوم والموت كل ذلك مستحيل عليه ومعلوم أن أخبار الرسول عنه سبحانه بما هو مستحيل عليه من أعظم المنفرات عنه ومعارضته فيه أسهل من معارضته فيما عداه ولم يعارضه أعداؤه في حرف واحد من هذا الباب ولا أنكروا عليه كلمة واحدة منه مع حرصهم على معارضته بكل ما يقدرون عليه فهلا عارضوه بما عارضته به الجهمية والنفاة وقالوا قد أخبرتنا بما يخالف العقل الصريح فكيف يمكننا تصديقك بل كان القوم على شركهم وضلالهم أعرف بالله وصفاته من النفاة الجهمية وأقرب إلى إثبات الأسماء والصفات والقدر والمشيئة والفعل من شيوخ هؤلاء الفلاسفة وأتباعهم من السيناوية والفارابية والطوسية الذين ليس للعالم عندهم رب يعبد ولا رسول يطاع ولا معاد للخليقة ولا يزيل الله هذا العالم ويأتي بعالم آخر فهذه الأصول قد اشتركت فيها أعداء الرسل وامتازت كفار قريش بإثباتهم الربوبية والصفات والملائكة وخلق العالم وكون الرب فاعلا(3\/899)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "752",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4033",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بمشيئته وقدرته ولهذا لم يعارضوا الرسول في شيء من ذلك. الوجه الخامس والأربعون: أنه لو جاز أن يكون في العقول ما يناقض خبر الرسول لم يتصور الإيمان به البتة لوجهين: أحدهما: أنه لا سبيل إلى العلم بانتفاء جميع المعارض وما علق على الممتنع فهو ممتنع. الثاني: أن تصديقهم والإيمان بهم يكون موقوفا على الشرط والإيمان لا يصح تعليقه بالشرط فلو قال آمنت بالرسول إن أذن لي أبي أو إن أعطيتموني كذا أو إن جعل لي الأمر من بعده ونحو ذلك لم يكن مؤمنا بالاتفاق كما قال مسيلمة إن جعل محمد الأمر لي من بعده آمنت به فلم يصر مؤمنا بذلك وكان من أكفر الكفار فهكذا إذا قال آمنت بما أخبر به إلا ان يعارضه دليل عقلي وهذا حقيقة قول هؤلاء فإن هذا لم يؤمن به باتفاق الأمة وهذا كما أنه كفر في الشرع فهو فاسد في العقل فالواجب على الخلق الإيمان بالرسول إيمانا مطلقا جازما غير معلق على شرط ومن قال أصدق بما صدق عقلي به وأرد ما رده عقلي أو عقل من هو أعقل مني أو مثلي فهو كافر باتفاق الأمة فاسد العقل وهو نظير طائفة من اليهود يقولون نصدق أنه رسول الله حقا ولكن لم يبعث إلينا وإنما بعث إلى العرب فهذا في إنكار عموم رسالته في المرسل إليهم نظير إنكار(3\/900)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "753",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4034",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عموم رسالته في المرسل به فتأمله وهؤلاء شر من الذين قال الله فيهم وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله [الأنعام124] فأولئك وقفوا الإيمان على أن يؤتوا نظير ما جاءت به الرسل وهؤلاء وقفوه على ما يناقض ما جاءت به الرسل. الوجه السادس والأربعون: إن هذه المعارضة ميراث بالتعصيب من الذين ذمهم الله في كتابه بجدالهم في آياته بغير سلطان وبغير علم وأخبر أن مصدر تلك المجادلة كبر واستكبار عن قبول الحق ممن يرون أنهم أعلم منهم كما قال تعالى: فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم [غافر83] وهذا شأن النفوس الجاهلة الظالمة إذا كان عندها شيء من علم قد تميزت به عمن هو أجهل منها وحصل لها به نوع رياسة ومال فإذا جاءها من(3\/901)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "754",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4035",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو أعلم منها بحيث تمحى رسوم علومها ومعارفها في علمه ومعرفته عارضته بما عندها من العلم وطعنت فيما عنده بأنواع المطاعن قال تعالى كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار [غافر35 , 34] وقال تعالى إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه [غافر56] والسلطان هو الكتاب المنزل من السماء وقال تعالى وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق [غافر5] وقال تعالى وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا [الكهف56] وهذا كثير في القرآن يذم به سبحانه الذين عارضوا كتبه(3\/902)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "755",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4036",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورسله بما عندهم من الرأي والمعقول والبدع والكلام الباطل مشتق من الكفر فمن عارض الوحي بآراء الرجال كان قوله مشتقا من أقوال هؤلاء الضلال قال مالك أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى النبي لجدله ومن وقف على أصول هؤلاء المعارضين ومصدرها تبين له أنها نشأت من أصلين: من كبر عن اتباع الحق وهوى معمي للبصيرة وصادمته شبهات كالليل المظلم فكيف لا يعارض من هذا وصفه خبر الأنبياء بعقله وعقل من يحسن به الظن ثم دخلت تلك الشبهات في قلوب قوم لهم دين وعندهم إيمان وخير فعجزوا عن دفعها فاتخذوها دينا وظنوها تحقيقا لما بعث الله به رسوله فحاربوا عليها واستحلوا ممن خالفهم فيها ما حرمه الله ورسوله وهم بين جاهل مقلد ومجتهد مخطىء حسن القصد وظالم معتد متعصب والقيامة موعد الجميع والأمر يومئذ لله.(3\/903)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "756",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4037",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه السابع والأربعون: إن دلالة السمع على مدلوله متفق عليها بين العقلاء وإن اختلفوا في جهتها هل هي قطعية أو ظنية وهل أرادت الرسل إفهام مدلولها واعتقاد ثبوته أم أرادت إفهام غيره وتأويل تلك الأدلة وصرفها عن ظاهرها فلا نزاع بين العقلاء في دلالتها على مدلولها ثم قال أتباع الرسل مدلولها ثابت في نفس الأمر وفي الإرادة وقالت النفاة أصحاب التأويل مدلولها منتف في نفس الأمر وفي الإرادة وقال أصحاب التخييل مدلولها ثابت في الإرادة منتف في نفس الأمر وأما دلالة ما عارضها من العقليات على مدلوله فلم يتفق أربابها على دليل واحد منها بل كل طائفة منهم تقول في أدلة خصومها إن العقل يدل على فسادها لا على صحتها وأهل السمع مع كل طائفة تخالفه في دلالة العقل على فساد قول تلك الطائفة المخالفة للسمع فكل طائفة تدعي فساد قول خصومها بالعقل يصدقهم أهل السمع على ذلك ولكن يكذبونهم في دعواهم صحة قولهم بالعقل فقد تضمنت دعوى الطوائف فسادها بفهم من العقل بشهادة بعضهم على بعض وشهادة أهل الوحي والسمع معهم ولا يقال هذا ينقلب عليكم باتفاق شهادة(3\/904)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "757",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4038",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفرق كلها على بطلان ما دل عليه السمع وإن اختلفوا في أنفسهم لأن المطلوب أنهم كلهم متفقون على أن السمع دل على الإثبات ولم يتفقوا على أن العقل دل على نقيضه فيمتنع تقديم الدلالة التي لم يتفق عليها على الدلالة المتفق عليها وهو المطلوب. الوجه الخمسون1: أن يقال كل ما عارض السمع من العقليات ففساده معلوم بالعقل وإن لم يعارض السمع فلسنا متوقفين في إبطاله والعلم بفساده على كونه عارض السمع بل هو باطل في نفسه وفي معارضة السمع له دليل سمعي على بطلانه فقد اتفق على فساده وبطلانه دليل العقل والسمع وما كان هكذا لم يصلح أن يعارض به عقل ولا سمع وتفصيل هذه الجملة ببيان شبهة المخالفين للسمع وبيان فسادها ومخالفتها لصريح العقل وهذا الأمر بحمد الله لم يزل أنصار الرسول يقومون به ويتكفلون ببيانه وهم فيه درجات عند الله على منازلهم من العلم والإيمان والبيان.  1 كذا في ظ م وكتب في هامشهما هكذا في الأصل فقد ذكر الوجه السابع والأربعين وأتبعه بالوجه الخمسين ولم يذذكر الوجه الثامن والأربعين أو التاسع والأربعين فلعله سقط أو خطأ من الناسخ.(3\/905)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "758",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4039",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا ترى مسألة واحدة عورض بها الرسول إلا وقد ردها أنصاره وحزبه وبينوا فسادها وسخافة عقل أربابها المعارضين بها في كل نوع من أنواع العلم وقد أجرى الله سنته وعادته أن يكشف عن عورة المعارض ويفضحه ويخذله في عقله حتى يقول ما يضحك منه الإنسان كما خذل المعارض بكلامه حتى أضحك عليه الناس فيما عارضه به وهذا من إتمام أدلة النبوة وبراهين صحة الوحي أن تجد المعارض له يأتي بما يضحك منه العقلاء فلعل قائلا يقول ما جاءت به الرسل قد يكون له معارض صحيح فإذا وقف على المعارض وسخفه وتحقق بطلانه زاده قوة في إيمانه ويقينه وصار ذلك بمثابة رجل ادعى أن معه طيبا ليس مع أحد مثله ولا مثل ريحه فعارضه آخر بأن معه مثله أو أفضل منه فلما أخرجه إذ هو أنتن شيء وأخبثه ريحا ولكن هناك عقول جعلية نشأت في النتن والحشوش فلا تألف غير ما نشأت فيه. الوجه الحادي والخمسون: إن الأمور السمعية التي يقال إن العقل عارضها كإثبات علو الله على خلقه واستوائه على عرشه وتكلمه ورؤية العباد له في الآخرة وإثبات الصفات له هي ما علم بالاضطرار أن الرسول جاء بها وعلم بالاضطرار صحة نبوته(3\/906)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "759",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4040",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورسالته وما علم بالاضطرار امتنع أن يقوم على بطلانه دليل وامتنع أن يكون له معارض صحيح إذ لو جاز أن يكون له معارض صحيح لم يبق لنا وثوق بمعلوم أصلا لا حسي ولا عقلي وهذا يبطل حقيقة الإنسانية بل حقيقة الحيوانية المشتركة بين الحيوانات فإن لها تميزا وإدراكا للحقائق بحسبها وهذا الوجه في غاية الظهور غني بنفسه عن التأمل وهو مبني على مقدمتين قطعيتين إحداهما أن الرسول أخبر عن الله بذلك والثانية أنه صادق ففي أي المقدمتين يقدح المعارض بين العقل والنقل. الوجه الثاني والخمسون: إن دليل العقل هو إخباره عن الذي خلقه وفطره أنه وضع فيه ذلك وعلمه إياه وأرشده إليه. ودليل السمع هو الخبر عن الله أنه قال ذلك وتكلم به وأوحاه وعرف به الرسول وأمره أن يعرف الأمة ويخبرهم به ولا يكون أحدهما صحيحا حتى يكون الآخر مطابقا لمخبره وأن الأمر كما أخبر به وحينئذ فقد شهد العقل لخبر الرسول بأنه صدق وحق فعلمنا مطابقته لمخبره بمجموع الأمرين بخبر الرسول به وشهادة العقل الصريح بأنه لا يكذب في خبره وأما خبر العقل عن الله بما يضاد ذلك بأن الله وضع فيه ذلك وعلمه إياه فلم يشهد(3\/907)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "760",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4041",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له الرسول بصحة هذا الخبر بل شهد ببطلانه فليس معه إلا شهادته لنفسه بأنه صادق فيما أخبر به فكيف يقبل شهادته لنفسه مع عدم شهادة الرسول له فكيف مع تكذيبه إياه فكيف مع تكذيب العقل الصريح المؤيد بنور الوحي له فكيف مع تهاتر أصحابه وتكاذبهم وتناقضهم يزيده إيضاحا: الوجه الثالث والخمسون: وهو أن الأدلة السمعية نوعان نوع دل بطريق التنبيه والإرشاد على الدليل العقلي فهو عقلي سمعي ومن هذا غالب أدلة النبوة والمعاد والصفات والتوحيد ما تقدم التنبيه على اليسير جدا منه وإذا تدبرت القرآن رأيت هذا أغلب النوعين عليه وهذا النوع يمتنع أن يقوم دليل صحيح على معارضته لاستلزامه مدلوله وانتقال الذهن فيه من الدليل إلى المدلول ضروري وهو أصل للنوع الثاني الدال بمجرد الخبر فالقدح في النوعين بالعقل ممتنع بالضرورة أما الأول فلما تقدم وأما الثاني فلإستلزام القدح فيه القدح في العقل الذي أثبته(3\/908)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "761",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4042",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا بطل العقل الذي أثبت السمع بطل ما عارضه من العقليات كما تقدم تقريره يوضحه: الوجه الرابع والخمسون: إنه ليس في القرآن صفة إلا وقد دل العقل الصريح على إثباتها لله فقد تواطأ عليها دليل العقل ودليل السمع فلا يمكن أن يعارض بثبوتها دليل صحيح البتة لا عقلي ولا سمعي بل إن كان المعارض سمعيا كان كذبا مفترى أو مما أخطأ المعارض في فهمه وإن كان عقليا فهو شبه خيالية وهمية لا دليل عقلي برهاني وأعلم أن هذه دعوى عظيمة ينكرها كل جهمي وناف وفيلسوف وقرمطي وباطني ويعرفها من نور الله قلبه بنور الإيمان وباشر قلبه معرفة الذي دعت إليه الرسل وأقرت به الفطر وشهدت به العقول الصحيحة المستقيمة لا المنكوسة الموكوسة التي نكست قلوب أصحابها فرأت الحق باطلا والباطل حقا والهدى ضلالة والضلالة هدى وقد نبه الله سبحانه في كتابه على ذلك وأرشد إليه ودل عليه في غير موضع منه وبين أن ما وصف به نفسه هو الكمال الذي لا يستحقه سواه فجاحده جاحد لكمال الرب فإنه يمدح بكل صفة وصف بها نفسه وأثنى بها على نفسه ومجد بها نفسه وحمد بها نفسه فذكرها سبحانه على وجه المدحة له والتعظيم(3\/909)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "762",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4043",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتمجيد وتعرف بها إلى عباده ليعرفوا كماله وعظمته ومجده وجلاله وكثيرا ما يذكرها عند ذكر آلهتهم التي عبدوها من دونه وجعلوها شركاء له فيذكر سبحانه من صفات كماله وعلوه على عرشه وتكلمه وتكليمه وإحاطة علمه ونفوذ مشيئته ما هو منتف عن آلهتهم فيكون ذلك من أدل الدليل على بطلان آلهيتها وفساد عبادتها من دونه ويذكر ذلك عند دعوته عباده إلى ذكره وشكره وعبادته. فيذكر لهم من أوصاف كماله ونعوت جلاله ما يجذب قلوبهم إلى المبادرة إلى دعوته والمسارعة إلى طاعته والتنافس في القرب منه ويذكر صفاته أيضا عند ترغيبه لهم وترهيبه وتخويفه ليعرف القلوب من تخافه وترجوه وترغب إليه وترهب منه ويذكر صفاته أيضا عند أحكامه وأوامره ونواهيه فقل أن تجد آية حكم من أحكام المكلفين إلا وهي مختتمة بصفة من صفاته أو صفتين وقد يذكر الصفة في أول الآية ووسطها وآخرها كقوله: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير [المجادلة1] فيذكر صفاته عند سؤال عباده لرسوله عنه ويذكرها(3\/910)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "763",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4044",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عند سؤالهم له عن أحكامه حتى إن الصلاة لا تنعقد إلا بذكر أسمائه وصفاته فذكر أسمائه وصفاته روحها وسرها يصحبها من أولها إلى آخرها وإنما أمر بإقامتها ليذكر بأسمائه وصفاته وأمر عباده أن يسألوه بأسمائه وصفاته ففتح لهم باب الدعاء رغبا ورهبا ليذكره الداعي بأسمائه وصفاته فيتوسل إليه بها ولهذا كان أفضل الدعاء وأجوبه ما توسل فيه الداعي إليه بأسمائه وصفاته قال الله تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها [الأعراف180] وكان اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين آية الكرسي وفاتحة آل عمران لاشتمالهما على صفة الحياة(3\/911)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "764",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4045",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المصححة لجميع الصفات وصفة القيومية المتضمنة لجميع الأفعال ولهذا كانت سيدة آي القرآن وأفضلها ولهذا كانت سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن لأنها أخلصت للخبر عن الرب تعالى وصفاته دون خلقه وأحكامه وثوابه وعقابه وسمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو quot;اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض ياذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم quot; وسمع آخر يدعو quot;اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي(3\/912)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "765",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4046",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحدquot; فقال لأحدهما quot;لقد سألت الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى quot; وقال للآخر quot;سل تعطهquot; وذلك لما تضمنه هذا الدعاء من أسماء الرب وصفاته وأحب ما دعاه الداعي به أسماؤه وصفاته وفي الحديث الصحيح عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم: quot; ما أصاب عبدا قط هم ولا حزن فقال اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحاquot; قالوا أفلا نتعلمهن يا رسول الله قال quot;بلى ينبغي لمن(3\/913)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "766",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4047",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يسمعهن أن يتعلمهنquot;. وقد نبه سبحانه على إثبات صفاته وأفعاله بطريق المعقول فاستيقظت لتنبيهه العقول الحية واستمرت على رقدتها العقول الميتة فقال الله تعالى في صفة العلم ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير [الملك14] فتأمل صحة هذا الدليل مع غاية إيجاز لفظه واختصاره وقال سبحانه أفمن يخلق كمن لا يخلق [النحل17] فما أصح هذا الدليل وما أوجزه وقال تعالى في صفة الكلام واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا [الأعراف148] نبه بهذا الدليل على أن من لا يكلم ولا يهدي لا يصلح أن يكون آلها وكذلك قوله في الآية الأخرى عن العجل:(3\/914)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "767",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4048",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا [طه89] فجعل امتناع صفة الكلام والتكليم وعدم ملك الضر والنفع دليلا على عدم الإلهية وهذا دليل عقلي سمعي على أن الإله لا بد أن يكلم ويتكلم ويملك لعابده الضر والنفع وإلا لم يكن إلها وقال: ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين [البلد10 , 8] نبهك بهذا الدليل العقلي القاطع أن الذي جعلك تبصر وتتكلم وتعلم أولى أن يكون بصيرا متكلما عالما فأي دليل عقلي قطعي أقوى من هذا وأبين وأقرب إلى المعقول وقال تعالى في آلهة المشركين المعطلين: ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها [الأعراف195] فجعل سبحانه عدم البطش والمشي والسمع والبصر دليلا على عدم إلهية من عدمت فيه هذه الصفات فالبطش والمشي من أنواع الأفعال والسمع والبصر من أنواع الصفات.(3\/915)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "768",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4049",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد وصف نفسه سبحانه بضد صفة أربابهم وبضد ما وصفه به المعطلة والجهمية فوصف نفسه بالسمع والبصر والفعل باليدين والمجيء والإتيان وذلك ضد صفات الأصنام التي جعل امتناع هذه الصفات عليها منافيا لإلهيتها فتأمل آيات التوحيد والصفات في القرآن على كثرتها وتفننها واتساعها وتنوعها كيف تجدها كلها قد أثبتت الكمال للموصوف بها وأنه المتفرد بذلك الكمال فليس له فيه شبه ولا مثال وأي دليل في العقل أوضح من إثبات الكمال المطلق لخالق هذا العالم ومدبره وملك السموات والأرض وقيومها فإذا لم يكن في العقل إثبات جميع أنواع الكمال له فأي قضية تصح في العقل بعد هذا ومن شك في أن صفة السمع والبصر والكلام والحياة والإرادة والقدرة والغضب والرضا والفرح والرحمة والرأفة كمال فهو ممن سلب خاصة الإنسانية وانسلخ من العقل بل من شك أن إثبات الوجه واليدين وما أثبته لنفسه معهما كمال فهو مؤوف مصاب في عقله ومن شك أن كونه يفعل باختياره ما يشاء ويتكلم إذا شاء وينزل إلى حيث شاء ويجيء إلى حيث شاء كمال فهو جاهل بالكمال والجامد عنده أكمل من الحي الذي تقوم به الأفعال الاختيارية كما أن عند شقيقه الجهمي(3\/916)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "769",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4050",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن الفاقد لصفات الكمال أكمل من الموصوف بها كما أن عند أستاذهما وشيخهما الفيلسوف أن من لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا له حياة ولا قدرة ولا إرادة ولا فعل ولا كلام ولا يرسل رسولا ولا ينزل كتابا ولا يتصرف في هذا العالم بتحويل وتغيير وإزالة ونقل وإماتة وإحياء أكمل ممن يتصف بذلك فهؤلاء كلهم قد خالفوا صريح المعقول وسلبوا الكمال عمن هو أحق بالكمال من كل ما سواه ولم يكفهم ذلك حتى جعلوا الكمال نقصا وعدمه كمالا فعكسوا الأمر وقلبوا الفطر وأفسدوا العقول فتأمل شبههم الباطلة وخيالاتهم الفاسدة التي عارضوا بها الوحي هل تقاوم هذا الدليل الدال على إثبات الصفات والأفعال للرب سبحانه ثم اختر لنفسك بعد ما شئت. وهذا قطرة من بحر نبهنا به تنبيها يعلم به اللبيب ما وراءه وإلا فلو أعطينا هذا الموضع حقه وهيهات أن يصل إلى ذلك علمنا أو قدرتنا لكتبنا فيه عدة أسفار وكذا كل وجه من هذه الوجوه فإنه لو بسط وفصل لاحتمل سفرا أو أكثر والله المستعان وبه التوفيق. الوجه الخامس والخمسون: إن غاية ما ينتهي إليه من ادعى معارضة العقل للوحي أحد أمور أربعة لا بد له منها إما تكذيبها وجحدها وإما اعتقاد أن الرسل خاطبوا الخلق بها خطابا جمهوريا(3\/917)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "770",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4051",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا حقيقة له وإنما أرادوا منهم التخييل وضرب الأمثال وإما اعتقاد أن المراد تأويلها وصرفها عن حقائقها وما تدل عليه إلى المجازات والاستعارات وإما الإعراض عنها وعن فهمها وتدبرها واعتقاد أنه لا يعلم ما أريد بها إلا الله فهذه أربع مقامات وقد ذهب إلى كل مقام منها طوائف من بني آدم. المقام الأول: مقام التكذيب والجحد وهؤلاء استراحوا من كلفة النصوص والوقوع في التجسيم والتشبيه وخلعوا ربقة الإيمان من أعناقهم وقالوا لسائر الطوائف منكم إلى هذه النصوص وأما نحن فلسنا منها في شيء لأن عقولنا لما عارضتها دفعناها في صدر من جاء بها وقابلناه بالتكذيب. المقام الثاني: مقام أهل التخييل قالوا إن الرسل لم يمكنهم مخاطبة الخلق بالحق في نفس الأمر فخاطبوهم بما يخيل إليهم وضربوا لهم الأمثال وعبروا عن المعاني المعقولة بالأمور القريبة من الحس وسلكوا ذلك في باب الإخبار عن الله وأسمائه وصفاته واليوم الاخر وأقروا باب الطلب على حقيقته ومنهم من سلك هذا المسلك في الطلب أيضا وجعل الأمر والنهي أمثالا وإشارات ورموزا فهم ثلاث فرق هذه إحداها.(3\/918)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "771",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4052",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثانية: سلكت ذلك في الخبر دون الأمر والثالثة: سلكت ذلك في الخبر عن الله وصفاته دون المعاد والجنة والنار وذلك كله إلحاد في أسماء الرب وصفاته ودينه واليوم الاخر والملحد لا يتمكن من الرد على الملحد وقد وافقه في الأصل وإن خالفه في فروعه فلهذا استطال على هؤلاء الملاحدة كابن سينا وأتباعه غاية الاستطالة وقالوا القول في نصوص المعاد كالقول في نصوص الصفات. قالوا بل الأمر فيها أسهل من نصوص الصفات لكثرتها وتنوعها وتعدد طرقها وإثباتها على وجه يتعذر معه التأويل فإذا كان الخطاب بها خطابا جمهوريا فنصوص المعاد أولى قال فإن قلتم نصوص الصفات قد عارضها ما يدل على انتفائها من العقل قلنا ونصوص المعاد قد عارضها من العقل ما يدل على انتفائها ثم ذكر العقليات المعارضة للمعاد بما يعلم به العاقل أن العقليات المعارضة للصفات من جنسها أو أضعف منها. المقام الثالث: مقام أهل التأويل قالوا لم يرد منا اعتقاد حقائقها وإنما أريد منا تأويلها بما يخرجها عن ظاهرها وحقيقتها فتكلفوا لها وجوه التأويلات المستكرهة والمجازات(3\/919)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "772",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4053",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المستنكرة التي يعلم العقلاء أنها أبعد شيء عن احتمال ألفاظ النصوص لها وأنها بالتحريف أشبه منها بالتفسير. والطائفتان اتفقتا على أن الرسول لم يبين الحق للأمة في خطابه لهم ولا أوضحه بل خاطبهم بما ظاهره باطل ومحال ثم اختلفوا فقال أصحاب التخييل أراد منهم اعتقاد خلاف الحق والصواب وإن كان في ذلك مفسدة فالمصلحة المترتبة عليه أعظم من المفسدة التي فيه وقال أصحاب التأويل بل أراد منا أن نعتقد خلاف ظاهره وحقيقته ولم يبين لنا المراد تعريضا لنا إلى حصول الثواب بالاجتهاد والبحث والنظر وإعمال الفكر في معرفة الحق بعقولنا وصرف تلك الألفاظ عن حقائقها وظواهرها لننال ثواب الاجتهاد والسعي في ذلك فالطائفتان متفقتان على أن ظاهر خطاب الرسول ضلال وكفر وباطل وأنه لم يبين الحق ولا هدى إليه الخلق. المقام الرابع: مقام اللاأدرية الذين يقولون لا ندري معاني هذه الألفاظ ولا ما أريد منها ولا ما دلت عليه وهؤلاء ينسبون طريقتهم إلى السلف وهي التي يقول المتأولون إنها أسلم ويحتجون عليها بقوله تعالى:(3\/920)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "773",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4054",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما يعلم تأويله إلا الله [آل عمران7] ويقولون هذا هو الوقف التام عند جمهور السلف وهو قول أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعائشة وعروة بن الزبير وغيرهم من السلف والخلف وعلى قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص ولا الصحابة والتابعون لهم بإحسان بل يقرأون كلاما لا يعقلون معناه ثم هم متناقضون أفحش تناقض فإنهم يقولون تجري على ظاهرها وتأويلها باطل ثم يقولون لها تأويل لا يعلمه إلا الله وقول هؤلاء أيضا باطل فإن الله سبحانه أمر بتدبر كتابه وتفهمه وتعقله وأخبر أنه بيان وهدى وشفاء لما في الصدور وحاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ومن أعظم الاختلاف اختلافهم في باب الصفات والقدر والأفعال واللفظ الذي لا يعلم ما أراد به المتكلم لا يحصل به حكم ولا هدى ولا شفاء ولا بيان وهؤلاء طرقوا لأهل الإلحاد والزندقة والبدع أن يستنبطوا الحق من عقولهم وآرائهم فإن النفوس طالبة لمعرفة هذا الأمر أعظم طلب والمقتضى التام لذلك فيها موجود فإذا قيل لها إن ألفاظ القرآن والسنة في ذلك لها تأويل لا يعلمه إلا الله(3\/921)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "774",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4055",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يعلم أحد معناها وما أريد بها وما دلت عليه فروا إلى عقولهم ونظرهم وآرائهم فسد هؤلاء باب الهدى والرشاد وفتح أولئك باب الزندقة والبدعة والإلحاد وقالوا قد أقررتم بأن ما جاءت به الرسل في هذا الباب لا يحصل منه علم بالحق ولا يهدي إليه فهو في طريقتنا لا في طريقة الأنبياء فإنا نحن نعلم ما نقوله ونثبته بالأدلة العقلية والأنبياء لم يعلموا تأويل ما قالوه ولا بينوا مراد المتكلم به وأصاب هؤلاء من الغلط على السمع ما أصاب أولئك من الخطأ في العقل وهؤلاء لم يفهموا مراد السلف بقولهم لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله فإن التأويل في عرف السلف المراد به التأويل في مثل قوله تعالى: هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق [الأعراف53] وقوله تعالى لك خير وأحسن تأويلا [النساء59] وقول يوسف يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا [يوسف100] وقول يعقوب ويعلمك من تأويل الأحاديث [يوسف6] وكذلك(3\/922)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "775",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4056",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله [يوسف45] وقال يوسف قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما [يوسف37] فتأويل الكلام الطلبي هو نفس فعل المأمور به والمنهي عنه كما قال ابن عيينة السنة تأويل الأمر والنهي وقالت عائشة كان رسول الله يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك يتأول القرآن وأما تأويل ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فهو نفس الحقيقة التي أخبر الله عنها وذلك في حق الله هو كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره ولهذا قال مالك وربيعة الاستواء معلوم والكيف مجهول(3\/923)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "776",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4057",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك قال ابن الماجشون والإمام أحمد وغيرهما من السلف إنا لا نعلم كيفية ما أخبر الله به عن نفسه وإن كنا نعلم تفسيره ومعناه وقد فسر الإمام أحمد الآيات التي احتج بها الجهمية من المتشابه وقال إنهم تأولوها على غير تأويلها وبين معناها وكذلك الصحابة والتابعون فسروا القرآن وعلموا المراد بآيات الصفات كما علموا المراد من آيات الأمر والنهي وإن لم يعلموا الكيفية كما علموا معاني ما أخبر الله به في الجنة والنار وإن لم يعلموا حقيقة كنهه وكيفيته فمن قال من السلف إن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله بهذا المعنى فهو حق وأما من قال إن التأويل الذي هو تفسيره وبيان المراد منه لا يعلمه إلا الله فهذا غلط والصحابة والتابعون وجمهور الأمة على خلافه قال مجاهد عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله عنها وقال عبد الله بن مسعود ما في كتاب الله آية إلا وأنا أعلم فيما أنزلت وقال الحسن البصري ما أنزل الله آية إلا(3\/924)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "777",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4058",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو يحب أن يعلم ما أراد بها وقال مسروق ما نسأل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمه في القرآن ولكن علمنا قصر عنه وقال الشعبي ما ابتدع قوم بدعة إلا وفي كتاب الله بيانها والمقصود أن من ادعى معارضة العقل للسمع لا بد له أن يسلك أحد هذه المسالك الأربعة الباطلة وأسلمها هذا المسلك الرابع وقد علمت بطلانه وإنما كان أقل بطلانا لأنه لا يتضمن الخبر الكاذب على الله ورسوله فإن صاحبه يقول لا أفهم من هذه النصوص شيئا ولا أعرف المراد بها وأصحاب تلك المسالك تتضمن أقوالهم تكذيب الله ورسوله أو الإخبار عن النصوص بالتكذيب وبالله التوفيق. الوجه السادس والخمسون: إن هؤلاء المعارضين للكتاب والسنة بعقلياتهم التي هي في الحقيقة جهليات إنما يبنون أمرهم في ذلك على أقوال مشتبهة محتملة تحتمل معاني متعددة ويكون ما فيها من الاشتباه في المعنى والإجمال في اللفظ يوجب تناولها(3\/925)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "778",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4059",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بحق وباطل فبما فيها من الحق يقبل من لم يحط بها علما ما فيها من الباطل لأجل الاشتباه والالتباس ثم يعارضون بما فيها من الباطل نصوص الأنبياء وهذا منشأ ضلال من ضل من الأمم قبلنا وهو منشأ البدع كلها فإن البدعة لو كانت باطلا محضا لما قبلت ولبادر كل أحد إلى ردها وإنكارها ولو كانت حقا محضا لم تكن بدعة وكانت موافقة للسنة ولكنها تشتمل على حق وباطل ويلتبس فيها الحق بالباطل كما قال تعالى: ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون [البقرة42] فنهى عن لبس الحق بالباطل وكتمانه ولبسه به خلطه به حتى يلتبس أحدهما بالآخر ومنه التلبيس وهو التدليس والغش الذي يكون باطنه خلاف ظاهره فكذلك الحق إذا لبس بالباطل يكون فاعله قد أظهر الباطل في صورة الحق وتكلم بلفظ له معنيان معنى صحيح ومعنى باطل فيتوهم السامع أنه أراد المعنى الصحيح ومراده الباطل فهذا من الإجمال في اللفظ. وأما الاشتباه في المعنى فيكون له وجهان هو حق من أحدهما وباطل من الآخر فيوهم إرادة الوجه(3\/926)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "779",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4060",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصحيح ويكون مراده الباطل فأصل ضلال بني آدم من الألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة ولا سيما إذا صادفت أذهانا مخبطة فكيف إذا انضاف إلى ذلك هوى وتعصب فسل مثبت القلوب أن يثبت قلبك على دينه وأن لا يوقعك في هذه الظلمات قال الإمام أحمد في خطبة كتابه في الرد على الجهمية الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بكتاب الله أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من تائه ضال قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة فهم مختلفون في الكتاب مخالفون(3\/927)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "780",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4061",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتن المضلين وهذه الخطبة تلقاها الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب أو وافقه فيها فقد ذكرها محمد بن وضاح في أول كتابه في الحوادث والبدع فقال حدثنا أسد ثنا رجل يقال له يوسف ثقة عن أبي عبد الله الواسطي رفعه إلى عمر بن الخطاب أنه قال الحمد لله الذي امتن على العباد بأن جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله أهل العمى كم من قتيل لإبليس قد أحيوه وضال تائه قد هدوه بذلوا دماءهم وأموالهم دون هلكة العباد فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم وما نسيهم ربك وما كان ربك نسيا جعل قصصهم هدى(3\/928)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "781",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4062",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأخبر عن حسن مقالاتهم فلا تقصر عنهم فإنهم في منزلة رفيعة وإن أصابتهم الوضيعة اه. فقوله يتكلمون بالمتشابه من الكلام هو الذي له وجهان يخدعون به جهال الناس كما ينفق أهل الزغل النقد المغشوش الذي له وجهان يخدعون به من لم يعرفه من الناس فلا إله إلا الله كم قد ضل بذلك طوائف من بني آدم لا يحصيهم إلا الله واعتبر ذلك بأظهر الألفاظ والمعاني في القرآن والسنة وهو التوحيد الذي حقيقته إثبات صفات الكمال لله وتنزيهه عن أضدادها وعبادته وحده لا شريك له فاصطلح أهل الباطل على وضعه للتعطيل المحض ثم دعوا الناس إلى التوحيد فخدعوا به من لم يعرف معناه في اصطلاحهم وظن أن ذلك التوحيد هو الذي دعت إليه الرسل والتوحيد اسم لستة معان توحيد الفلاسفة وتوحيد الجهمية وتوحيد القدرية الجبرية وتوحيد الاتحادية فهذه الأربعة أنواع من التوحيد جاءت الرسل بإبطالها ودل على بطلانها العقل والنقل فأما توحيد الفلاسفة فهو إنكار ماهية الرب(3\/929)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "782",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4063",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الزائدة على وجوده وإنكار صفات كماله وأنه لا سمع له ولا بصر ولا قدرة ولا حياة ولا إرادة ولا كلام ولا وجه ولا يدين وليس فيه معنيان متميز أحدهما عن الآخر البتة قالوا لأنه لو كان كذلك لكان مركبا وكان جسما مؤلفا ولم يكن واحدا من كل وجه فجعلوه من جنس الجوهر الفرد الذي لا يحس ولا يرى ولا يتميز منه جانب عن جانب بل الجوهر الفرد يمكن وجوده. وهذا الواحد الذي جعلوه حقيقة رب العالمين يستحيل وجوده فلما اصطلحوا على هذا المعنى في التوحيد وسمعوا قوله وإلهكم إله واحد [البقرة163] وقوله وما من إله إلا إله واحد [المائدة73] نزلوا لفظ القرآن على هذا المعنى الاصطلاحي وقالوا لو كان له صفة أو كلام أو مشيئة أو علم أو حياة أو قدرة أو سمع أو بصر لم يكن واحدا وكان مركبا مؤلفا فسموا أعظم التعطيل بأحسن الأسماء وهو التوحيد وكسوه ثوبه وسموا أصح الأشياء وأحقها بالثبوت وهو صفات الرب ونعوت كماله بأقبح الأسماء وهو التركيب والتأليف فتولد من بين هذه التسمية(3\/930)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "783",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4064",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المنكرة للمعنى الصحيح وتلك التسمية الصحيحة للمعنى الباطل جحد حقائق أسماء الرب وصفاته بل وجحد ماهيته وذاته وتكذيب رسله ونشأ من نشأ على اصطلاحهم من إعراضه عن استفادة الهدى والحق من الوحي فلم يعرف سوى الباطل الذي اصطلحوا عليه فجعله أصلا لدينه فلما رأى ما جاءت به الرسل يعارضه قال إذا تعارض العقل والنقل قدم العقل. التوحيد الثاني: توحيد الجهمية وهو مشتق من توحيد الفلاسفة وهو نفي صفات الرب كعلمه وكلامه وسمعه وبصره وحياته وعلوه على عرشه ونفي وجهه ويديه وقطب رحى هذا التوحيد جحد حقائق أسمائه وصفاته. التوحيد الثالث: توحيد القدرية الجبرية وهو إخراج أفعال العباد أن تكون فعلا لهم وأن تكون واقعة بكسبهم أو إرادتهم بل هي نفس فعل الله فهو الفاعل لها دونهم فنسبتها إليهم وأنهم فعلوها مناف للتوحيد عندهم. التوحيد الرابع: توحيد القائلين بوحدة الوجود وأن الوجود عندهم واحد ليس عندهم وجودان قديم وحادث وخالق ومخلوق وواجب وممكن بل الوجود(3\/931)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "784",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4065",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عندهم واحد بالعين والذي يقال له الخلق المشبه هو الحق المنزه والكل من عين واحدة بل هو العين الواحدة. فهذه الأنواع الأربعة سماها أهل الباطل توحيدا فاعتصموا بالاسم من إنكار المسلمين عليهم وقالوا نحن الموحدون ودعوا الناس إلى الباطل باسم التوحيد فجعلوه جنة وترسا ووقاية وسموا التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنبياءه تركيبا وتجسيما وتشبيها وجعلوا هذه الألقاب له سهاما وسلاحا يقاتلون بها أهله فتترسوا بما عند أهل الحق من الأسماء الصحيحة وقاتلوهم بالأسماء الباطلة التي سموا بها ما بعث الله به رسوله فقاتلوهم باسم التركيب والتجسيم والتشبيه وتترسوا منهم باسم التوحيد والتنزيه وقد قال جابر في الحديث الصحيح في حجة الوداع فأهل رسول الله بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك فهذا توحيد الرسول المتضمن لإثبات صفات الكمال التي يستحق عليها الحمد ولإثبات الأفعال التي استحق بها أن يكون منعما ولإثبات القدرة والمشيئة والإرادة والتصرف والغضب والرضا والغنى والجود الذي هو حقيقة ملكه وعند(3\/932)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "785",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4066",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفلاسفة والجهمية والمعطلة لا حمد له في الحقيقة ولا نعمة ولا ملك والله يعلم أنا لم نجازف في نسبة ذلك إليهم بل هو حقيقة قولهم فأي حمد لمن لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا يتكلم ولا يفعل ولا هو في هذا العالم ولا خارج عنه ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا فوقه ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن يسرته وأي نعمة لمن لا يقوم به فعل البتة وأي ملك لمن لا وصف له ولا فعل فانظر إلى توحيد الرسل وتوحيد من خالفهم ومن العجب أنهم سموا توحيد الرسل شركا وتجسيما وتشبيها مع أنه غاية الكمال وسموا تعطيلهم واتحادهم ونفيهم توحيدا وهو غاية النقص ثم نسبوا اتباع الرسل إلى نقص الرب وقد سلبوه كل كمال وزعموا أنهم أثبتوا له الكمال وقد نزهوه عنه فهذا توحيد الملاحدة والجهمية والمعطلة. وأما توحيد الرسل: فهو إثبات صفات الكمال له سبحانه وإثبات كونه فاعلا بمشيئته وقدرته واختياره وأن له فعلا حقيقة وأنه وحده الذي يستحق أن يعبد ويخاف ويرجى ويتوكل عليه فهو المستحق لغاية الحب بغاية الذل وليس لخلقه من دونه وكيل ولا ولي ولا شفيع ولا واسطة بينه وبينهم في رفع حوائجهم إليه وفي تفريج كرباتهم وإغاثة لهفاتهم وإجابة دعواتهم وبينه(3\/933)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "786",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4067",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبينهم واسطة في تبليغ أمره ونهيه وخبره إليهم فلا يعرفون ما يحبه ويرضاه ويبغضه ويسخطه ولا حقائق أسمائه وتفصيل ما يجب له ويمتنع عليه ويوصف به إلا من جهة هذه الواسطة فجاء هؤلاء الملاحدة فعكسوا الأمر وقلبوا الحقائق فنفوا كون الرسل وسائط في ذلك وقالوا تلقى بواسطة العقل ونفوا حقائق أسمائه وصفاته وقالوا هذا التوحيد. فهذا توحيدهم وهذا إيمانهم بالرسل ويقولون نحن ننزهه عن الأعراض والأغراض والأبعاض والحدود والجهات وحلول الحوادث فيسمع الغر المخدوع هذه الألفاظ فيتوهم منها أنهم ينزهون الله عما يفهم من معانيها عند الإطلاق من العيوب والنقائص والحاجة فلا يشك أنهم يمجدونه ويعظمونه ويكشف الناقد البصير ما تحت هذه الألفاظ فيرى تحتها الإلحاد وتكذيب الرسل وتعطيل الرب تعالى عما يستحقه من كماله فتنزيهه عن الأعراض هو جحد صفاته كسمعه وبصره وحياته وعلمه وكلامه وإرادته فإن هذه أعراض لا تقوم إلا بجسم فلو كان متصفا بها لكان جسما وكانت أعراضا له وهو منزه عن الأعراض وأما الأغراض فهي الغاية والحكمة التي لأجلها يفعل ويخلق ويأمر وينهى(3\/934)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "787",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4068",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويثيب ويعاقب وهي الغايات المحمودة المطلوبة له من أمره ونهيه وفعله فيسمونها عللا وأغراضا ثم ينزهونه عنها. وأما الأبعاض: فمرادهم بتنزيهه عنها أنه ليس له وجه ولا يدان ولا يمسك السموات على أصبع والأرض على أصبع والشجر على أصبع والماء على أصبع فإن ذلك كله أبعاض والله منزه عن الأبعاض وأما الحدود والجهات فمرادهم بتنزيهه عنها أنه ليس فوق السماوات رب ولا على العرش إله ولا يشار إليه بالأصابع إلى فوق كما أشار إليه أعلم الخلق به ولا ينزل منه شيء ولا يصعد إليه شيء ولا تعرج الملائكة والروح إليه ولا رفع المسيح إليه ولا عرج برسوله محمد إليه إذ لو كان ذلك للزم إثبات الحدود والجهات له وهو منزه عن ذلك وأما حلول الحوادث فيريدون به أنه لا يتكلم بقدرته وميشئته ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا يأتي يوم القيامة ولا يجيء ولا يغضب بعد أن كان راضيا ولا يرضى بعد أن كان غضبان ولا يقوم به فعل البتة ولا أمر مجدد بعد أن لم يكن ولا يريد شيئا بعد أن لم يكن مريدا له ولا يقول له كن حقيقة ولا استوى على(3\/935)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "788",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4069",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عرشه بعد أن لم يكن مستويا عليه ولا يغضب يوم القيامة غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولا ينادي عباده يوم القيامة بعد أن لم يكن مناديا لهم ولا يقول للمصلي إذا قال: الحمد لله رب العالمين [الفاتحة2] حمدني عبدي فإذا قال الرحمن الرحيم [الفاتحة3] قال أثنى علي عبدي وإذا قال مالك يوم الدين [الفاتحة4] قال مجدني عبدي فإن هذه كلها حوادث وهو منزه عن حلول الحوادث وبعضهم يختصر العبارة ويقول أنا أنزهه عن التعدد والتحدد والتجدد فيتوهم السامع الجاهل بمراده أنه ينزهه عن تعدد الآلهة وعن تحدد محيط به حدود وجودية تحصره وتحويه كتحدد البيت ونحوه وعن تجدد إلهيته وربوبيته ومراده بالتعدد الذي ينزه عنه تعدد أسمائه وصفاته وأنه لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئا ولا يتكلم ومراده بالتحدد أنه ليس فوق(3\/936)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "789",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4070",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خلقه ولا هو مستو على عرشه ولا فوق العرش إله يعبد وليس فوق العرش إلا العدم. ومراده بالتجدد أنه لا يقوم به فعل ولا إرادة ولا كلام بمشيئته وقدرته وبعضهم يقتصر على حرفين فيقول نحن ننزهه عن التكثر والتغير فيتوهم السامع تكثر الآلهة وتغيره سبحانه واستحالته من حال إلى حال وحقيقة هذا التنزيه أنه لا صفة له ولا فعل. وكذلك قول الجهمية: نحن نثبت قديما واحدا ومثبتو الصفات يثبتون عدة قدماء قال والنصارى أثبتوا ثلاثة قدماء مع الله بفكرهم فكيف من أثبت سبعة قدماء أو أكثر فانظر إلى هذا التلبيس والتدليس الذي يوهم السامع أنهم أثبتوا قدماء مع الله وإنما أثبتوا قديما واحدا بصفاته وصفاته داخلة في مسمى اسمه. إنما أثبتوا إلها واحدا ولم يجعلوا كل صفة من صفاته إلها بل هو الإله الواحد بجميع أسمائه وصفاته وهذا بعينه متلقى عن عباد الأصنام المشركين بالله المكذبين لرسوله حيث قالوا يدعو محمد إلى إله واحد ثم يقول يا الله يا رحمن يا سميع يا بصير فيدعو آلهة متعددة فأنزل الله عز وجل:(3\/937)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "790",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4071",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى [الإسراء110] أي إنكم إنما تدعون إلها واحدا له الأسماء الحسنى فأي اسم دعوتموه فإنما دعوتم المسمى بذلك الاسم فأخبر سبحانه أنه إله واحد وإن تعددت أسماؤه الحسنى المشتقة من صفاته ولهذا كانت حسنى وإلا فلو كانت كما يقول الجاحدون لكماله أسماء محضة فارغة من المعاني ليس لها حقائق لم تكن حسنى ولكانت أسماء الموصوفين بالصفات والأفعال أحسن منها فنزلت الآية على توحيد الذات وكثرة النعوت والصفات ومن ذلك قول هؤلاء المعطلة أخص صفات الإله القديم فإذا أثبتم معه صفات قديمة لزم أن تكون آلهة فلا يكون الإله واحدا بل يكون لكم آلهة متعددة فيقال لهؤلاء المدلسين الملبسين على أمثالهم من أشباه الأنعام المحذور الذي نفاه العقل والشرع والفطرة وأجمعت الأنبياء من أولهم إلى آخرهم على بطلانه أن يكون مع الله آلهة أخرى لا أن يكون إله العالمين الواحد القهار حيا قيوما سميعا بصيرا متكلما آمرا ناهيا فوق عرشه له الأسماء الحسنى والصفات العلى فلم ينف العقل والشرع والفطرة أن يكون للإله الواحد صفات كمال ونعوت جلال يختص بها لذاته فلبستم على المخدوعين(3\/938)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "791",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4072",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المغرورين وأوهمتموهم أنه لو كان فوق عرشه موصوفا بصفات الكمال يرى بالأبصار عيانا يوم القيامة لم يكن إلها واحدا وكان هناك آلهة متعددة وقدماء متغايرة وأعراض وأبعاض وحدود وجهات وتكثر وتغير وتحدد وتجرد وتجسم وتشبيه وتركيب وأكثر الناس إذا سمعوا هذه الألفاظ نفرت عقولهم من مسماها ونبت أسماعهم عنها وقد علم المؤمنون المصدقون للرسول العارفون بالله وصفاته وأسمائه أنكم توسلتم بها إلى نفي صفاته وأفعاله وحقائق أسمائه فلم ترفعوا بها رأسا ولم تروا لها حرمة ولم ترقبوا فيها ذمة وغرت ضعاف العقول الجاهلين بحقائق الإيمان فضلوا بها وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل. فلفط الجسم لم ينطق به الوحي إثباتا فتكون له حرمة الإثبات ولا نفيا فيكون له إلغاء النفي فمن أطلقه نفيا أو إثباتا سئل عما أراد به فإن قال أردت الجسم معناه في لغة العرب وهو البدن الكثيف الذي لا يسمى في اللغة جسم سواه ولا يقال للهواء جسم لغة ولا للنار ولا للماء فهذه اللغة وكتبها بين أظهرنا فهذا المعنى منفي عن الله عقلا وسمعا وإن أردتم به المركب من المادة والصورة أو المركب من الجواهر الفردة فهذا منفي عن الله قطعا(3\/939)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "792",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4073",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والصواب نفيه عن الممكنات أيضا فليس الجسم المخلوق مركبا من هذا ولا من هذا. وإن أردتم بالجسم ما يوصف بالصفات ويرى بالأبصار ويتكلم ويكلم ويسمع ويبصر ويرضى ويغضب فهذه المعاني ثابتة للرب تعالى وهو موصوف بها فلا ننفيها عنه بتسميتكم للموصوف بها جسما كما أنا لا نسب الصحابة لأجل تسمية الروافض لمن يحبهم ويواليهم نواصب ولا ننفي قدر الرب ونكذب به لأجل تسمية القدرية لمن أثبته جبريا ولا نرد ما أخبر به الصادق عن الله وأسمائه وصفاته وأفاله لتسمية أعداء الحديث لنا حشوية. ولا نجحد صفات خالقنا وعلوه على خلقه واستواءه على عرشه لتسمية الفرعونية المعطلة لمن أثبت ذلك مجسما مشبها. فإن كان تجسيما ثبوت استوائه ... على عرشه إني إذا لمجسم وإن كان تشبيها ثبوت صفاته ... فمن ذلك التشبيه لا أتكتم وإن كان تنزيها جحود استوائه ... وأوصافه أو كونه يتكلم فعن ذلك التنزيه نزهت ربنا ... بتوفيقه والله أعلى وأعلم(3\/940)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "793",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4074",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورضي الله عن الشافعي حيث فتح للناس هذا الباب في قوله يا راكبا قف بالمحصب من منى ... واهتف بقاعد خيفها والناهض إن كان رفضا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافض ورضي الله عن شيخنا إذ يقول فإن كان نصبا ولاء الصحاب ... فإني كما زعموا ناصبي وإن كان رفضا ولاء آله ... فلا برح الرفض من جانبي هذا كله كأنه مأخوذ من قول الأول وعيرني الواشون أني أحبها ... وذلك ذنب لست منه أتوب وقول الآخر فإن كان ذنبي حبكم وولاءكم ... فإني مصر ما بقيت على الذنب وإن أردتم بالجسم ما يشار إليه إشارة حسية فقد أشار إليه أعرف الخلق به بأصبعه رافعا لها إلى السماء يشهد(3\/941)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "794",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4075",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجمع الأعظم مشيرا له أو أردتم بالجسم ما يقال أين هو فقد سأل أعلم الخلق به عنه بأين منبها على علوه على عرشه وسمع السؤال بأين وأجاب عنه ولم يقل هذا السؤال إنما يكون عن المجسم. وإن أردتم بالجسم ما يلحقه من وإلى فقد نزل جبريل من عنده ونزل كلامه من عنده وعرج برسوله إليه وإليه يصعد الكلم الطيب وعنده المسيح رفع إليه. وإن أردتم بالجسم ما يتميز منه أمر عن أمر فهو سبحانه موصوف بصفات الكمال جميعها من السمع والبصر والعلم والقدرة والحياة وهذه صفات متميزة متغايرة ومن قال إنها صفة واحدة فهو بالمجانين أشبه منه بالعقلاء وقد قال أعلم الخلق به أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منك والمستعاذ به غير المستعاذ منه وأما استعاذته به منه فباعتبارين مختلفين فإن الصفة المستعاذ بها والصفة المستعاذ منها صفتان لموصوف واحد ورب واحد فالمستعيذ(3\/942)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "795",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4076",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بإحدى الصفتين من الأخرى مستعيذ بالموصوف بهما منه. وإن أردتم بالجسم ما له وجه ويدان وسمع وبصر فنحن نؤمن بوجه ربنا الأعلى وبيديه وبسمعه وبصره وغير ذلك من صفاته التي أطلقها على نفسه. وإن أردتم بالجسم ما يكون فوق غيره ومستويا على غيره فهو سبحانه فوق عباده مستو على عرشه وكذلك إن أردتم بالتشبيه والتركيب هذه المعاني التي دل عليها الوحي والعقل فنفيكم لها بهذه الألقاب المنكرة خطأ في اللفظ والمعنى وجناية على ألفاظ الوحي والعقل وحقائق صفات الرب أما الخطأ اللفظي فتسميتكم الموصوف بذلك جسما مركبا مؤلفا مشبها لغيره وتسميتكم هذه الصفات تجسيما وتركيبا وتشبيها فكذبتم على القرآن وعلى الرسول وعلى اللغة ووضعتم لصفاته ألفاظا منكم بدأت وإليكم تعود وأما خطأكم في المعنى فنفيكم وتعطيلكم لصفات كماله بواسطة هذه التسمية والألقاب فنفيتم المعنى الحق وسميتموه بالاسم المنكر وكنتم في ذلك بمنزلة من سمع أن في العسل شفاء ولم يره فسأل عنه فقيل له مائع رقيق أصفر يشبه العذرة تتقيأه الزنابير ومن لم يعرف العسل ينفر عنه بهذا التعريف ومن عرفه وذاقه لم يزده هذا التعريف عنده إلا محبة له ورغبة فيه وما أحسن ما قال القائل:(3\/943)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "796",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4077",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تقول هذا جني النحل تمدحه ... وإن تشاء قلت ذا قيء الزنابير مدحا وذما وما جاوزت وصفهما ... والحق قد يعتريه سوء تعبير وأشد ما حاول أعداء الرسول من التنفير عنه سوء التعبير عما جاء به وضرب الأمثال القبيحة له والتعبير عن تلك المعاني التي لا أحسن منها بألفاظ منكرة ألقوها في مسامع المغترين المخدوعين فوصلت إلى قلوبهم فنفرت منه وهذا شأن كل مبطل وكل من يكيد الحق وأهله هذه طريقه ومسلكه وأكثر العقول كما عهدت تقبل القول بعبارة وترده بعينه بعبارة أخرى وكذلك إذا قال الفرعوني لو كان فوق السموات رب أو على العرش إله لكان مركبا قيل له لفظ المركب في اللغة هو الذي ركبه غيره في محله كقوله تعالى: في أي صورة ما شاء ركبك [الانفطار8] وقولهم ركبت الخشبة والباب أو ما تركب من أخلاط وأجزاء بحيث كانت أجزاؤه متفرقة فاجتمعت وركبت حتى صار شيئا واحدا كقولهم:(3\/944)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "797",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4078",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ركبت الدواء وركبت الطعام من كذا وكذا فإن أردتم بقولكم لو كان فوق العرش كان مركبا هذا التركيب المعهود أو أنه كان متفرقا فاجتمع فهو كذب وفرية وبهت على الله وعلى الشرع وعلى العقل. وإن أردتم أنه لو كان فوق عرشه لكان عاليا على خلقه بائنا منهم مستويا على عرشه ليس فوقه شيء فهذا المعنى حق وكأنك قلت لو كان فوق العرش لكان فوق العرش فنفيت الشيء بتغيير العبارة عنه وقلبها إلى عبارة أخرى وهذا شأنكم في أكثر مطالبكم. وإن أردت بقولك كان مركبا أنه يتميز منه شيء عن شيء فقد وصفته أنت بصفات يتميز بعضها عن بعض فهل كان هذا عندك تركيبا فإن قلت هذا لا يقال لي وإنما يقال لمن أثبت شيئا من الصفات وأما أنا فلا أثبت له صفة واحدة فرارا من التركيب قيل لك العقل لم يدل على نفي المعنى الذي سميته أنت تركيبا وهبك سميته تركيبا وقد دل العقل والوحي والفطر على ثبوته أفتنفيه لمجرد تسميتك الباطلة فإن التركيب يطلق ويراد به خمس معاني: تركيب الذات من الوجود والماهية عند من يجعل وجودها زائدا على ماهيتها فإذا نفيت هذا التركيب جعلته(3\/945)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "798",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4079",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجودا مطلقا إنما هو في الأذهان لا وجود له في الأعيان. الثاني: تركيب الماهية من الذات والصفات فإذا نفيت هذا التركيب جعلته ذاتا مجردة عن كل وصف لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا يقدر ولا يريد ولا له حياة ولا مشيئة ولا صفة أصلا فكل ذات في المخلوقات أكمل من هذه الذات فاستفدت بنفيك هذا التركيب كفرك بالله وجحدك لذاته وصفاته وأفعاله فكان اسم التركيب ملقيا لك في أعظم الكفر وموجبا لك أشد التعذيب. الثالث: تركيب الماهية الجسمية من الهيولى والصورة كما يقوله الفلاسفة الرابع: تركيبها من الجواهر الفردة كما يقوله كثير من أهل الكلام الخامس: تركيب الماهية من أجزاء كانت متفرقة فاجتمعت وتركبت فإن أردت بقولك لو كان فوق العرش لكان مركبا ما تدعيه الفلاسفة والمتكلمون قيل لك جمهور العقلاء عندهم أن الأجسام المحدثة المخلوقة ليست مركبة لا من هذا(3\/946)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "799",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4080",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا من هذا فلو كان فوق العرش جسم مخلوق محدث لم يلزم أن يكون مركبا بهذا الاعتبار فكيف يلزم ذلك في حق خالق المفرد والمركب الذي يجمع المتفرق ويفرق المجتمع ويؤلف بين الأجزاء فيركبها كما يشاء والعقل إنما دل على إثبات إله واحد ورب واحد لا شريك له ولا شبيه له ولم يدل على أن ذلك الرب الواحد لا اسم له ولا صفة له ولا وجه ولا يدين ولا هو فوق خلقه ولا يصعد إليه شيء ولا ينزل منه شيء فدعوى ذلك على العقل كذب صريح عليه كما هي كذب صريح على الوحي وكذلك قولهم ننزهه عن الجهة إن أردتم أنه منزه عن جهة وجودية تحيط به وتحويه وتحصره إحاطة الظرف للمظروف وحصره له فنعم هو أعظم من ذلك وأكبر وأعلى ولكن لا يلزم من كونه فوق عرشه هذا المعنى. وإن أردتم بالجهة أمرا يوجب مباينة الخالق للمخلوق وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه فنفيكم لهذا المعنى باطل وتسميتكم له جهة اصطلاح منكم توسلتم به إلى نفي ما دل عليه العقل والنقل والفطرة فسميتم ما فوق العالم جهة وقلتم منزه عن الجهات وسميتم العرش حيزا وقلتم الرب ليس بمتحيز وسميتم الصفات(3\/947)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "800",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4081",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أعراضا وقلتم الرب منزه عن قيام الأعراض به وسميتم حكمته غرضا وقلتم إنه منزه عن الأغراض وسميتم كلامه بمشيئته ونزوله إلى سماء الدنيا ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء وإرادته ومشيئته المقارنة لمراده وإدراكه المقارن لوجود المدرك وغضبه إذا عصى ورضاه إذا أطيع وفرحه إذا تاب إليه العباد ونداءه لموسى حين أتى إلى الشجرة ونداءه للأبوين حين أكلا من الشجرة في الجنة ونداءه لعباده يوم القيامة ومحبته لمن كان يبغضه في حال كفره ثم صار يحبه بعد إيمانه وسميتم شؤون ربوبيته التي هو كل يوم في شأن منها حوادث وقلتم الرب منزه عن حلول الحوادث وحقيقة هذا التنزيه أنه منزه عن الوجود وعن الإلهية وعن الربوبية وعن الملك وعن كونه فعالا لما يريد بل عن الحياة والقيومية ولا يتقرر كونه ربا للعالمين وإلها للعباد إلا بالتنزيه عن هذا التنزيه والإجلال عن هذا الإجلال فانظر ماذا تحت تنزيه المعطلة النفاة بقولهم ليس بجسم ولا جوهر ولا مركب ولا تقوم به الأعراض ولا يوصف بالأبعاض ولا يفعل الأغراض ولا تحله الحوادث ولا تحيط به الجهات ولا يقال في حقه أين. وليس بمتحيز كيف كسوا حقائق أسمائه وصفاته وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه وتكليمه لعباده ورؤيتهم له بالأبصار في دار كرامته هذه الألفاظ ثم توصلوا إلى نفيها(3\/948)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "801",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4082",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بواسطتها وكفروا وضللوا من أثبتها واستحلوا منه مالم يستحلوه من أعداء الله من اليهود والنصارى فالله الموعد وإليه التحاكم وبين يديه التخاصم. ونحن وإياهم نموت ... ولا أفلح عند الحساب من ندما فصل ومن ذلك لفظ العدل جعلته القدرية اسما لإنكار قدرة الرب على أفعال عباده وخلقه لها ومشيئته فجعلوا إخراجها عن قدرته ومشيئته وخلقه هو العدل وجعل سلفهم إخراجها عن تقدم علمه وكتابته من العدل وسموا أنفسهم بالعدلية وعمدوا إلى إثبات عموم قدرته على كل شيء من الأعيان والأفعال وخلقه لكل شيء وشمول مشيئته له فسموه حيزا ثم نفوا هذا المعنى الصحيح وعبروا عنه بهذا الاسم المنكر واثبتوا ذلك المعنى الباطل وعبروا عنه بالاسم المعروف ثم سموا أنفسهم أهل العدل والتوحيد وسموا من أثبت صفات الرب وأثبت قدره وقضاءه أهل التشبيه والجبر. وكذلك فعل الرافضة سواء سموا موالاة(3\/949)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "802",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4083",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصحابة نصبا ومعاداتهم موالاة لأهل بيت رسول الله وكذلك المرجئة سموا من قال في الإيمان بقول الصحابة والتابعين واستثنى فيه فقال أنا مؤمن إن شاء الله شكاكا. وهكذا شأن كل مبتدع وملحد وهذا ميراث من تسمية كفار قريش لرسول الله وأصحابه الصبأة وصار هذا ميراثا منهم لكل مبطل وملحد ومبتدع يلقب الحق وأهله بالألقاب الشنيعة المنفرة فإذا أطلقوا لفظ الجسم صوروا في ذهن السامع جثة من الجثث الكثيفة أو بدنا له حامل يحمله وإذا قالوا مركبا صوروا في ذهنه أجزاء كانت متفرقة فركبها مركب وهذا حقيقة المركب لغة وعرفا فإذا قالوا يلزم أن تحله الحوادث صوروا في ذهنه ذاتا تعتور عليها الآفات وحوادث الزمان وإذا قالوا لا تقوم به الأعراض صوروا في الذهن ذاتا تنزل بها الأعراض النازلة بالمخلوقين كما مثل النبي ابن آدم وأمله(3\/950)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "803",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4084",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأجله والأعراض إلى جانبه إن أخطأه هذا أصابه هذا. وإذا قالوا يقولون بالحيز والجهة صوروا في الذهن موجودا محصورا بالأحياز وإذا قالوا لزم الجبر صوروا في الذهن قادرا ظالما يجبر الخلق على ما لا يريدون ويعاقبهم على ما لا يفعلون وإذا قالوا أنتم نواصب صوروا في الذهن قوما نصبوا العداوة لآل رسول الله وأهل بيته واستحلوا حرماتهم وإذا قالوا لمن قال أنا مؤمن إن شاء الله شكاكا صوروا في الذهن قوما يشكون في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه لا يجزمون بذلك وإذا قالوا لمن أثبت الصفات إنه مشبه صوروا في الذهن قوما يقولون إن الله مثلهم وله وجه كوجوههم وسمع كأسماعهم وبصر كأبصارهم ويدان كأيديهم ونزول كنزولهم واستواء كاستوائهم وفرح كفرحهم. وإذا قالوا حشوية صوروا في ذهن السامع قوما قد حشوا في الدين ما ليس منه وأدخلوه فيه وهو حشو(3\/951)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "804",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4085",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا أصل له فتنفر القلوب من هذه الألقاب وأهلها ولو ذكروا حقيقة قولهم لما قبلت العقول السليمة والفطر المستقيمة سواه والله يعلم وملائكته ورسله وهم أيضا أنهم براء من هذه المعاني الباطلة وأنهم أبعد الخلق منها وأن خصومهم جمعوا بين أذى الله ورسوله بتعطيل صفاته وبين أذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقعدوا تحت قوله إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا [الأحزاب57 , 58] أفيظن الجاهلون أنا نجحد صفات ربنا وعلوه على خلقه واستواءه على عرشه وتكلمه بالقرآن العربي وتكليمه لموسى حقيقة كلاما أسمعه إياه بغير واسطة وننكر سمعه وبصره وعلمه وقدرته وحياته وإرادته ووجهه الكريم ويديه كلتا يديه يمين اللتين يقبض سماواته بإحداهما والأرض بالأخرى ورؤية وجهه(3\/952)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "805",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4086",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكريم في جنات عدن ومحبته ورضاه وفرحه بتوبة التائبين ونزوله إلى سماء الدنيا حين يمضي شطر الليل ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين الخلائق لأسماء سموها هم وسلفهم ما أنزل الله بها من سلطان وألقاب وضعوها من تلقاء أنفسهم لم يأت بها سنة ولا قرآن وشبهات قذفت بها قلوب ما استنارت بنور الوحي ولا خالطتها بشاشة الإيمان وخيالات هي بتخييلات الممرورين وأصحاب الهوس أشبه منها بقضايا العقل والبرهان ووهميات نسبتها إلى العقل الصحيح كنسبة السراب إلى الإبصار في القيعان وألفاظ مجملة ومعان مشتبهة قد لبس فيها الحق بالباطل فصار داحضا وكتمان فدعونا من هذه الدعاوي الباطلة التي لا تفيد إلا إتعاب الإنسان وكثرة الهذيان وحاكمونا إلى الوحي والميزان لا إلى منطق يونان ولا إلى قول فلان ورأي فلان فهذا كتاب الله ليس فوق بيانه مرتبة في البيان وهذه سنة رسوله مطابقة له أعظم من مطابقة البنان للبنان وهذه أقوال أعقل الأمم بعده والتابعين لهم بإحسان لا يختلف منهم في هذا الباب إثنان ولا يوجد عنهم فيه قولان(3\/953)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "806",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4087",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "متنافيان بل قد تتابعوا كلهم على إثبات الصفات وعلو الله على خلقه واستوائه على عرشه وإثبات تكلمه وتكليمه وسائر ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله كتابع الأسنان وقالوا للأمة هذا عهد نبينا إلينا وهو عهدنا إليكم وإلى من بعدكم إلى آخر الزمان وهذا هو الذي نادى به المنادي وأذن به على رؤوس الملأ في السر والإعلان فحي على الصلاة وراء هذا الإمام يا أهل الإيمان وحي على الفلاح بمتابعته يا أهل القرآن والصلاة خير من النوم في ظلمة ليلة الشكوك والإفك والكفران فلا تصح القدوة بمن أقر على نفسه وصدقه المؤمنون بأنه تائه في بيداء الآراء والمذاهب حيران وأنه لم يصل إلى اليقين بشيء منها لا هو ولا من قبله من أمثاله على تطاول الأزمان وأن غاية ما وصلوا إليه الشك والتشكيك والحيرة ولقلقة اللسان فالحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وخصهم بكمال العقول وصحة الفطر ونور البرهان وجعلهم هداة مهتدين مستبصرين مبصرين أئمة للمتقين يهدون بأمره ويبصرون بنوره ويدعون إلى داره ويحاربون كل مفتن فتان فحي على خير العمل بمتابعةالمبعوث بالفرقان وتحكيمه وتلقي حكمه(3\/954)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "807",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4088",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالتسليم والقبول والإذعان ومقابلة ما خالف حكمه بالإنكار والرد والهوان ومطاعنة المعارضين له بعقولهم بالسيف والسنان وإلا فبالقلم واللسان فالعقول السليمة والفطر المستقيمة لنصوص الوحي يسجدان ويصدقان بما شهدت به ولا يكذبان ويقران أن لها عليهما أعظم السلطان وأنهما إن خرجا عنها غلبا ولا ينتصران وإن لم يخرجا عنها ظفرا بالهدى والعلم. الوجه السابع والخمسون: إن المعارضة بين العقل ونصوص الوحي لا تتأتى على قواعد المسلمين المؤمنين بالنبوة حقا ولا على أصول أحد من أهل الملل المصدقين بحقيقة النبوة وليست هذه المعارضه من الإيمان بالنبوة في شيء وإنما تتأتى هذه المعارضة ممن يقر بالنبوة على قواعد الفلسفة ويجربها على أوضاعهم وأن الإيمان بالنبوة عندهم هو الاعتراف بموجود حكيم له طالع مخصوص يقتضي طالعه أن يكون متبوعا فإذا أخبرهم بما لا تدركه عقولهم عارضوا خبره بعقولهم وقدموها على خبره فهؤلاء هم الذين عارضوا بين العقل ونصوص الأنبياء فعارضوا نصوص الأنبياء في باب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر في هذه الأصول الخمس بعقولهم فلم يصدقوا بشيء منها على(3\/955)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "808",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4089",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طريقة الرسل ثم سرت معارضتهم في المنتسبين إلى الرسل فتقاسموها تقاسم الوارث لتركة مورثهم فكل طائفة كان الوحي على خلاف مذهبهم وقول من قلدوه لجأوا إلى هذه المعارضة واعتصموا بها دون نصوص الوحي ومعلوم أن هذا يناقض الإيمان بالنبوة وإن تناقض القائل به فغايته أن يثبت كون النبي رسولا للعمليات دون العلميات أو في بعض العلميات التي أخبر بها دون البعض وهذا أسوأ حالا ممن جعله رسولا إلى بعض الناس دون بعض فإن القائل بهذا يجعله رسولا في العلميات والعمليات ولا يعارض بين خبره وبين العقل وإن تناقض في جحده عموم رسالته بالنسبة إلى كل مكلف فهذا جحد عموم رسالته إلى المدعوين وذاك جحد عموم رسالته في المدعو إليه المخبر به ولم يؤمن في الحقيقة برسالته لا هذا ولا هذا فإنه يقال لهذا إن كان رسول الله إلى هؤلاءحقا فهو رسوله إلى الآخرين قطعا لأنه أخبر بذلك ومن ضرورة تصديقه الإيمان بعموم رسالته ويقال للآخر إن كان رسول الله في العمليات وإنها حق من عند الله فهو رسوله في العلميات فإنه أخبر عنه بهذا وهذا.(3\/956)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "809",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4090",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثامن والخمسون: إن أمر النبوة وما يخبر به الرسول عن الله به طور آخر وراء مدارك الحس والعقل والخيال والوهم والمنام والكشف والعقل معزول عما يدرك بنور النبوة وطرق الوحي كعزل السمع عن إدراك الأكوان والبصر عن إدراك الأصوات وسائر الحواس عن إدراك المعقولات فكما أن العقل طور من أطوار الآدمي يحصل فيه عين يبصر بها أنواعا من المعقولات والحواس معزولة عنها فالنبوة طور آخر يحصل فيه عين لها نور يظهر في نورها أمور لا يدركها العقل بل هو معزول عنها كعزل الحواس عن مدارك العقول فتكذيب ما يدرك بنور النبوة يعجز العقل عن إدراكه وكونه معزولا عنه كتكذيب ما يدركه العقل لعجز الحواس عن إدراكه وكونها معزولة عنه فإن الإنسان كما قال الله عز وجل والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا [النحل78] فهو في أصل الخلقة خلق خاليا ساذجا لا علم له بشيء من المعقولات ولا المحسوسات البتة فأول ما يخلق فيه حاسة اللمس فيدرك بها أجناسا من الموجودات كالحرارة والرطوبة واليبوسة واللين والخشونة وغيرها فاللمس قاصر عن الألوان والأصوات بل هي كالمعدومة بالنسبة إليه ثم يخلق له البصر فيدرك به الألوان والأشكال والقرب والبعد والصغر والكبر والطول والقصر والحركة والسكون وغير ذلك(3\/957)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "810",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4091",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم ينفتح له السمع فيسمع الأصوات الساذجة والنغمات ثم يترقى في مدارك هذه الحاسة على التدريج حتى يسمع من البعد مالم يكن يسمعه قبل ذلك ويتفاوت الناس في قوة هذين الإدراكين وضعفهما تفاوتا بينا حتى يدرك الواحد ما يجزم الآخر بكذبه فيه والمدرك مشاهد له لا يمكنه تكذيب نفسه فيه وذنبه عند المكذب له أنه اختص بإدراكه دونه ثم يخلق له الذوق فيدرك به تفاضل الطعوم من الحلاوة والحموضة والمرارة وما بين ذلك مالم يكن له به شعور قبل ذلك وكذلك الشم هو أكمله وليس عنده من المعقولات عين ولا أثر ولا حس ولا خبر ثم يخلق فيه التمييز وهو طور آخر من أطوار وجوده فيدرك في هذا الطور أمورا أخر زائدة على المحسوسات لم يكن يدركها قبل ذلك ثم يترقى إلى طور آخر يدرك به الواجب والجائز والمستحيل وأن حكم الشيء حكم مثله والضد لا يجتمع مع ضده والنقيضان إذا صدق أحدهما كذب الآخر ونحو ذلك من أوائل العلوم الضرورية ثم يترقى إلى طور آخر يستنتج فيه العلوم النظرية من تلك الضروريات التي تقدم علمه بها ثم يترقى في هذا الطور من أمر إلى أمر فوقه وأغمض منه نسبة ما قبله إليه كنسبة الحس إلى العقل ثم وراء ذلك كله طور آخر نسبة ما قبله إليه كنسبة أطوار(3\/958)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "811",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4092",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإنسان إلى طور العقل أو دون هذه النسبة ينفتح فيه عين يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل وأمور العقل معزول عنها كعزل الحس عن مدركات العقل وهذا هو طور النبوة الذي نسبة نور العقل المجرد إليه دون نسبة ضوء السراج إلى الشمس فإنكار العقل لما يخبر به النبي عين الجهل ولا مستند له في إنكاره إلا أنه لم يبلغه ولم يصل إليه فيظن أنه غير ثابت في نفسه يوضحه: الوجه التاسع والخمسون: وهو أنك إذا جعلت العقل ميزانا ووضعت في أحد كفتيه كثيرا من الأمور المشاهدة المحسوسة التي ينالها العيان ووضعت في الكفة الأخرى الأمور التي أخبرت بها الرسل عن الله وأسمائه وصفاته وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجدت ترجيحه لهذه الكفة وتصديقه بها فوق ترجيحه للتي قبلها وتصديقه بها أقوى ولولا الحس والمشاهدة تمنعه من إنكار ذلك لأنكره وهذه دعوى نعلم أنك تتعجب ممن يدعيها وتنسبه إلى المجازفة وقلة التحصيل والخطابة التي تليق بالعامة ولعمر الله إن مدعيها ليعجب من إنكارك لها وتوقفك فيها بعد البيان فنقول وبالله التوفيق انسب إلى(3\/959)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "812",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4093",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العقل حيوانا يرى ويسمع ويحس ويتكلم ويعمل فغشيه أمر ألقي له كأنه خشبة لا روح فيها وزال إحساسه وإدراكه وتوارى عنه سمعه وبصره وعقله بحيث لا يعلم شيئا فأدرك في هذه الحال من العلوم العجيبة والأمور الغائبة مالم يدركه حال حضور ذهنه واجتماع حواسه ووفور عقله وعلم من أمور الغيب المستقبلة مالم يكن له دليل ولا طريق إلى العلم به وأنسب إليه أيضا حيوانا خرج من إحليله مجة ماء مستحيلة عن حصول الطعام والشراب كالمخطة فامتزجت بمثلها في مكان ضيق فأقامت هناك برهة من الدهر فانقلبت دما قد تغير لونها وشلكها وصفاتها فأقامت كذلك مدة ثم انقلبت قطعة لحم فأقامت كذلك مدة ثم انقلبت عظاما وأعصابا وعروقا وأظفارا مختلفة الأشكال والأوضاع وهي جماد لا إحساس لها ثم عادت حيوانا يتحرك ويتغذى وينقلب ثم أقام ذلك الحيوان مدة طويلة في مكان لا يجد فيه متنفسا وهو داخل أوعية بعضها فوق بعض ثم انفتح له باب ضيق عن مسلك الذكر فلا يسلكه إلا بضغطه وعصره فوسع له ذلك الباب حتى خرج منه وانسب إليه أيضا شيئا بقدر الحبة ترسله في مدينة عظيمة من أعظم المدن فيأكل المدينة وكل من فيها ثم يقبل على نفسه فيأكلها(3\/960)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "813",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4094",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو النار وأنسب إليه أيضا شيئا بقدر بزر الخشخاش يحمله الإنسان بين ثيابه مدة فينقلب حيوانا يتغذى بورق الشجر برهة ثم إنه يبني على نفسه قبابا مختلفة الألوان من أبيض وأصفر وأحمر بناء محكما متقنا فيقيم في ذلك البناء مدة من الزمان لا يتغذى بشيء البتة فينقلب في القبة طائرا له أجنحة يطير بها بعد أن كان دودا يمشي على بطنه فيفتح على نفسه باب القبة ويطير وذلك دود القز إلى أضعاف أضعاف ما ذكرنا مما يشاهد بالعيان مما لو جلي لمن لم يره لعجب من عقل من حكاه له وقال وهل يصدق بهذا عاقل وضرورة العقل تدفع هذا وأقام الأدلة العقلية على استحالته فقام في النائم مثلا القوى الحساسة أسباب لإدراك الأمور الوجودية وآلة لها فمن لا يدرك الشيء مع وجودها واستجماعها ووفورها فأن يتعذر عليه إدراكه مع وجودها وبطلان أفعالها أولى وأحرى وهذا قياس أنت تجده أقوى من الأقيسة التي يعارض بها خبر الأنبياء والحس والعيان يدفعه ومن له خبرة بمواد الأدلة وترتيب مقدماتها وله أدنى بيان يمكن أن ينظم أدلة عقلية على استحالة كثير من الأمور المشاهدة المحسوسة وتكون مقدمات تلك الأدلة من جنس مقدمات الأدلة التي تعارض بها النصوص أو اصح منها وأنسب إلى العقل وجود ما أخبرت به الرسل عن الله(3\/961)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "814",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4095",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصفاته وأفعاله وملائكته وعن اليوم الآخر وثبوت هذه الأمور التي ذكرنا اليسير منها ومالم نذكره ولم يخطر لنا ببال أعجب من ذلك بكثير نجد تصديق العقل بما أخبرت به الرسل أقرب إليه من تصديقه بهذه الأمور ولولا المشاهدة لكذب بها فيالله العجب كيف يستجيز العقل إنكار ما أخبرت به الرسل بعد أن رأى وعاين وسمع ما لولا الحس لأنكره غاية الإنكار ومن هاهنا قال من صح عقله وإيمانه إن نسبة العقل إلى الوحي أدق وأقل بكثير من نسبة منادى سن التمييز إلى العقل. الوجه الستون: إن هؤلاء المعارضين بين العقل والوحي لا يمكنهم إثبات الصانع بل نفيه بالكلية لازم قولهم لزوما بينا ولا أن العالم مخلوق له ولا يمكنهم إقامة الدليل على استحالة إلهين ولا يمكنهم إقامة دليل واحد على استحالة كون الصانع جسما ولا يمكنهم إثبات كونه عالما ولا قادرا ولا ربا فهم عاجزون عن إثبات وجود الصانع فضلا عن تنزيهه ونقتصر من هذه الجملة على بيان عجزهم عن إثبات وجوده سبحانه فضلا عن تنزيهه عن صفات كماله فنقول المعارضون بين الوحي والعقل في الأصل هم الزنادقة المنكرون للنبوات وحدوث العالم والمعاد ووافقهم في هذا الأصل الجهمية والمعطلة لصفات الرب وأفعاله(3\/962)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "815",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4096",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والطائفتان لم تثبت للعالم صانعا البتة فإن الصانع الذي أثبتوه وجوده مستحيل فضلا عن كونه واجب الوجود قديما. أما زنادقة الفلاسفة فإنهم أثبتوا للعالم صانعا لفظا لا معنى ثم لبسوا على الناس وقالوا إن العالم صنعه وفعله وخلقه وهو في الحقيقة عندهم غير مصنوع ولا مخلوق ولا مفعول ولا يمكن على أصلهم أن يكون العالم مخلوقا ولا مفعولا قال أبو حامد وذلك لثلاثة أوجه: وجه في الفاعل ووجه في الفعل ووجه في نسبة مشتركة بين الفعل والفاعل أما الذي في الفاعل فهو أنه لا بد أن يكون مريدا مختارا عالما بما يريده حتى يكون فاعلا لما يريده والله تعالى عندهم ليس مريدا بل لا صنعة له أصلا وما يصدر عنه فيلزم لزوما ضروريا. والثاني: أن العالم قديم عندهم والفعل هو الحادث والثالث: أن الله تعالى عندهم واحد من كل وجه(3\/963)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "816",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4097",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والواحد لا يصدر عنه عندهم إلا واحد والعالم مركب من مختلفات فكيف يصدر عنه قال ولنحقق وجه كل واحد من هذه الوجوه الثلاثة مع جدالهم في دفعه فنقول الفاعل عبارة عمن يصدر عنه الفعل مع الإرادة للفعل على سبيل الاختيار ومع العلم بالمراد وعندهم أن العالم مع الله كالمعلول مع العلة يلزم لزوما ضروريا لا يتصور من الله دفعه كلزوم الظل للشخص والنور للشمس وليس هذا من الفعل في شيء بل من قال إن السراج يفعل الضوء والشخص يفعل الظل فقد تجوز وتوسع في التجوز توسعا خارجا عن الحد واستعار اللفظ اكتفاء بوقوع المشاركة بين المستعار له والمستعار منه في وصف واحد وهو أن الفاعل سبب على الجملة والسراج سبب للضوء والشمس سبب(3\/964)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "817",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4098",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للنور والفاعل لم يسم فاعلا صانعا بمجرد كونه سببا بل بكونه سببا على وجه الإرادة والاختيار حتى لو قال قائل الجدار ليس بفاعل والحجر ليس بفاعل والجماد ليس بفاعل وإنما الفعل للحيوان لم ينكر ذلك ولم يكن قوله كذبا وللحجر فعل عندهم وهو الهوي إلى السفل والميل إلى المركز كما أن للنار فعلا وهو التسخين وللحائط فعلا وهو الميل إلى المركز ووقوع الظل لأن ذلك صادر عنه وهذا محال. قال فإن قيل كل موجود ليس بواجب الوجود لذاته بل هو موجود بغيره فإنا نسمي ذلك الشيء(3\/965)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "818",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4099",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مفعولا ونسمي سببه فاعلا ولا نبالي كان المسبب فاعلا بالطبع أو بالإرادة كما أنكم لا تبالون أنه كان فاعلا بآلة أو بغير آلة بل الفعل جنس ينقسم إلى ما يقع بآلة وإلى ما يقع بغير آلة فكذلك هو جنس ينقسم إلى ما يقع بالطبع وإلى ما يقع بالاختيار بدليل أنا إذا قلنا فعل بالطبع لم يكن قولنا بالطبع ضدا لقولنا فعل ولا دفعا ولا نقضا له بل كان بيانا لنوع الفعل كما أنا إذا قلنا فعل مباشرة بغير آله لم يكن نقضا بل كان تنويعا وبيانا وإذا قلنا فعل بالاختيار لم يكن تكرارا بل كان بيانا لنوع الفعل كقولنا فعل بآلة ولو كان قولنا فعل يتضمن الإرادة وكانت الإرادة ذاتية للفعل من حيث إنه فعل لكان قولنا فعل بالطبع متناقضا كقولنا فعل وما فعل. قلنا هذه التسمية فاسدة لا يجوز أن يسمى كل سبب(3\/966)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "819",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4100",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأي وجه كان فاعلا ولا كل سبب مفعولا ولو كان ذلك ما صح أن يقال الجماد لا فعل له وإنما الفعل للحيوان وهذه من الكليات المشهورة الصادقة فإن سمي الجماد فاعلا فبالإستعارة كما يسمى طالبا مريدا على سبيل المجاز إذ يقال الحجر يهوي لأنه يريد المركز ويطلبه والطلب والأمر حقيقة لا يتصور إلا مع العلم بالمراد المطلوب فلا يتصور إلا مع الحيوان. وأما قولكم إن قولنا فعل عام وينقسم إلى ما هو بالطبع وإلى ما هو بالإرادة غير مسلم وهو كقول القائل قولنا أراد عام وينقسم إلى من يريد مع العلم بالمراد وإلى من يريد ولا يعلم ما يريد وهو فاسد إذ الإرادة تتضمن العلم بالضرورة وكذلك الفعل يتضمن الإرادة بالضرورة. وأما قولكم إن قولنا فعل بالطبع ليس بنقض(3\/967)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "820",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4101",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للأول فليس كذلك فإنه نقض له من حيث الحقيقة ولكنه لا يسبق إلى الفهم التناقض ولا يشتد نفور الطبع عنه فإنه لما أن كان سببا بوجه ما والفاعل أيضا سبب سمي فعلا مجازا. وإذا قال فعل بالاختيار فهو تكرير على التحقيق كقوله أراد وهو عالم بما أراد إلا أنه لما تصور أن يقال فعل وهو مجاز ويقال فعل وهو حقيقة لم تنفر النفس عن قوله فعل بالاختيار وكان معناه فعل فعلا حقيقيا لا مجازيا كقول القائل تكلم بلسانه ونظر بعينه فإنه لما جاز أن يستعمل النظر في القلب مجازا أو الكلام في تحريك الرأس واليد مجازا لم يستقبح أن يقال قال بلسانه ونظر بعينه ويكون معناه نفي احتمال المجاز فهذه مزلة القدم.(3\/968)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "821",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4102",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل تسمية الفاعل إنما تعرف من اللغة وإلا فقد ظهر في العقل أن ما يكون سببا للشيء ينقسم إلى ما يكون مريدا وإلى مالا يكون فوقع النزاع في أن اسم الفاعل على كلا القسمين حقيقة أم لا. إذ العرب تقول النار تحرق والثلج يبرد والسيف يقطع والخبز يشبع والماء يروي فقولنا يقطع معناه يفعل القطع وقولنا تحرق معناه تفعل الإحراق فإن قلتم إن ذلك مجاز فأنتم متحكمون من غير مستند قال والجواب أن ذلك بطريق المجاز وإنما الفعل الحقيقي ما يكون بالإرادة والدليل عليه أنا لو فرضنا حادثا توقف حصوله على أمرين أحدهما إرادي والآخر غير إرادي أضاف العقل الفعل إلى الإرادي فكذا اللغة فإن من ألقى إنسانا في نار فمات فيقال هو القاتل دون النار حتى إذا قيل ما قتله إلا فلان كان صادقا فإن كان اسم(3\/969)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "822",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4103",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفاعل على المريد وعلى غير المريد على وجه واحد لا بطريق كون أحدهما أصلا والأخر مستعارا فلم يضاف القتل إلى المريد لغة وعرفا وعقلا مع أن النار هي العلة القريبة في القتل وكأن الملقي لم يتعاط إلا الجمع بينه وبين النار ولكن لما كان الجمع بالإرادة وتأثير النار بغير إرادة سمي قاتلا ولم تسم النار قاتلة إلا بمعنى استعارة فعلم أن الفاعل من يصدر الفعل عن إرادته وإذا لم يكن الله مريدا عندهم ولا مختارا لفعل العالم لم يكن صانعا ولا فاعلا إلا مجازا فإن قيل نحن نعني بكون الله فاعلا أنه سبب لوجود كل موجود سواه وأن العالم قوامه به ولولا وجود الباري لما تصور وجود العالم ولو قدر عدم الباري لانعدم العالم كما لو قدر عدم الشمس لانعدم الضوء فهذا ما نعنيه بكونه فاعلا فإن كان الخصم يأبى أن يسمي هذا المعنى فعلا فلا مشاحة في الأسامي(3\/970)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "823",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4104",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعد ظهور المعنى قلنا غرضنا أن نبين أن هذا المعنى لا يسمى فعلا وصنعا وإنما يسمى بالفعل والصنع ما يصدر عن الإرادة حقيقة وقد نفيتم حقيقة معنى الفعل ونطقتم بلفظه تجملا بالإسلاميين ولا يتم الدين بإطلاق الألفاظ الفارغة عن المعاني فصرحوا بأن الله لا فعل له حتى يتضح أن معتقدكم مخالف لدين المسلمين ولا تلبسوا بقولكم إن الله صانع العالم وإن العالم صنعه فإن هذه لفظة أطلقتموها ونفيتم حقيقتها ومقصود هذه المسألة الكشف عن هذا التلبيس فقط ثم ساق الكلام إلى آخر المسألة قلت ولا ريب أن أصولهم التي عارضوا بها الوحي تنفي وجود الصانع فضلا عن كونه صانعا للعالم بل تجعله ممتنع الوجود فضلا عن كونه واجب الوجود لأن الصفات التي وصفوه بها صفات معدوم ممتنع في العقل والخارج فلا العقل يتصور إلا على سبيل الفرض الممتنع كما يفرض المستحيلات ولا يمكن في الخارج وجوده فإن ذاتا هي وجود مطلق لا ماهية لها سوى الوجود المطلق المجرد على(3\/971)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "824",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4105",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كل ماهية ولا صفة لها البتة ولا فيها معنيان متغايران في المفهوم ولا هي هذا العالم ولا صفة من صفاته ولا داخلة فيه ولا خارجة عنه ولا متصلة به ولا منفصلة عنه ولا مجانبة له ولا مباينة ولا فوقه ولا تحته ولا يمينه ولا يسرته ولا ترى ولا يمكن أن ترى ولا تدرك شيئا ولا تدرك هي بشيء من الحواس ولا هي متحركة ولا ساكنة ولا توصف بغير السلوب والإضافات العدمية ولا نعتت بشيء من الأمور الثبوتية هي بامتناع الوجود أحق منها بإمكان الوجود فضلا عن وجوبه وتكليف العقل بالإعتراق بوجود هذه الذات ووجوبها كتكليفه الجمع بين النقيضين ومعلوم أن مثل هذه الذات لا تصلح لفعل ولا ربوبية ولا إلهية وأي ذات فرضت في الوجود فهي أكمل منها فالذي جعلوه واجب الوجود هو أعظم استحالة من كل ما يقدر مستحيلا فلا يكثر عليهم بعد هذا إنكارهم لصفاته كعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره ولا إنكارهم لكلامه وتكليمه فضلا عن استوائه على عرشه ونزوله إلى سماء الدنيا ومجيئه وإتيانه وفرحه وحبه وغضبه ورضاه فمن هدم قواعد البيت من أصلها هان عليه هدم السقف والجدران ولهذا كان(3\/972)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "825",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4106",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حقيقة قول هؤلاء القول بالدهر وإنكار الخالق بالكلية وقولهم وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر [الجاثية24] وإنما صانعوا المسلمين بألفاظ لا حقيقة لها واشتق إخوانهم الجهمية النفي والتعطيل من أصولهم فسدوا على أنفسهم طريق العلم بإثبات الخالق وتوحيده بمشاركتهم لهم في الأصل المذكور وإن باينوهم في بعض لوازمهم كإثباتهم كون الرب تعالى قادرا مريدا فاعلا بالاختيار وإثباتهم معاد الأبدان والنبوة ولكن لم يثبتوا ذلك على الوجه الذي جاءت به الرسل ولا نفوه نفي إخوانهم الملاحدة بل اشتقوا مذهبا بين المذهبين وسلكوا طريقا بين الطريقين لا للملاحدة فيه وافقوا ولا للرسل اتبعوا ولهذا عظمت بهم البلية على الإسلام وأهله بانتسابهم إليه وظهورهم في مظهر ينصرون به الإسلام ويردون به على الملاحدة فلا للإسلام نصروا ولا لأعدائه كسروا بل أتباع الرسل كفروهم وضللوهم وصاحوا بهم من أقطار الأرض امتازوا من المسلمين أيها المعطلون وانحازوا إلى إخوانكم من الملاحدة الذين هم بربهم يعدلون وخلوا عن نصوص الوحي فكم بها تتلاعبون فمرة تقولون هي أدلة لفظية معزولة عن إفادة العلم واليقين ومرة تقولون هي مجازات واستعارات لا حقيقة لها عند العارفين ومرة تقولون:(3\/973)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "826",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4107",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا سبيل إلى تحكيمها والالتفات إليها وقد عارضها المعقول وقواطع البراهين ومرة تقولون أخبار أحاد فلا يحتج بها في المسائل القطعية التي يطلب منها اليقين فأرضيتم بذلك إخوانكم من الملاحدة أعداء الدين وكنتم بذلك لهم موافقين فصالوا عليكم به فيما أثبتموه وكنتم به من الإسلام وأهله متقربين وصال عليكم المسلمون بما وافقتم فيه إخوانكم من الضلال المبين فتدافعكم الفريقان تدافع الكرة بين الضاربين فدعونا من التلبيس والمصانعة بالله هل أثبتم للعالم ربا بائنا عنه وهل عندكم فوق العرش إله يعبد ويصلى له ويسجد أم ليس فوق العرش إلا العدم الذي لا شيء هو وهل أثبتم لصانع العالم سبحانه صفة ثبوتية تقوم به فهل أثبتم له علما حقيقة وسمعا وبصرا وحياة ومشيئة وإرادة حقيقية وهل تعتقدون أنه تكلم أو كلم أحدا حقيقة أو أمر أو نهي أو قال أو يقول أو نادى أو ينادي أو أخبر أو نبأ أو أنبأ أو عهد أو وصى أو خاطب أو ناجى أو أثنى على نفسه أو على أحد من خلقه أو قال قط إنني أنا الله لا إله إلا أنا [طه14] أو نزل من عنده شيء أو صعد إليه شيء أو قام به(3\/974)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "827",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4108",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعل البتة يجب أن يكون به فاعلا أو قام به حب أو بغض أو رضى أو سخط أو له وجه أعلى أو خلق آدم بيديه أو غرس جنة عدن بيده أو كتب التوراة بيده أو يقبض سمواته السبع بيده والأرضين السبع بيده أو كتب بيده كتابا فهو عنده موضوع على العرش إن رحمته سبقت غضبه أو يراه أنبياؤه ورسله والمؤمنون في دار الجزاء فضلا عن أن يتجلى لهم من فوقهم يضحك إليهم ويسلم عليهم فبالله هل لهذا كله عندكم حقيقة أم إذا تجملتم وأجملتم قلتم كل ذلك مجازات واستعارت ليس له حقيقة فاسألوا بالله إذن إخوانكم من أرباب المعقولات هل يصدق أحد منكم أن إنسانا خلق من تراب وأنه يعود حيا بعدما صار إلى التراب وأن عصا انقلبت فصارت حية عظيمة أكلت ما مرت عليه(3\/975)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "828",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4109",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم انقلبت فصارت عصا كما كانت وأن يدا خرجت بيضاء لها ضوء مثل ضوء الشمس وأن بحرا من بحار العالم انفلق بعسكر عظيم اثني عشر طريقا وصار الماء بين الطرق كالحيطان وأن جبلا قلع من موضعه على قدر عسكر عظيم ووقف على رؤوسهم بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه عيانا ثم عاد إلى مكانه وأن حجرا مربعا يحمل مع قوم يضرب بعصا فينفجر منه اثنا عشر نهرا كل نهر لطائفة عظيمة يختصون بمشربه لا يشركهم فيه الآخرون وأن قتيلا ضرب بعضو من بقرة مذبوحة فقام القتيل حيا وأن إنسانا رمي به في نار تأجج فلم تحرق منه شيئا وعادت خضراء وروضة وأن مدائن قلعت من أصولها كما يقلع الشجر ثم رفعت في الهواء ثم قلبت بمن فيها فماتوا موتة رجل واحد وأن صخرة تمخضت وتحركت ثم انفلقت عن ناقة كأحسن النوق وأن قمرا انشق في السماء شقتين ثم عاد فالتأم كما كان وأن يدا وضعت في ماء لا يغمرها فتفجر(3\/976)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "829",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4110",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الماء من بين أصابعها وثار كأمثال العيون حتى روي منه عسكر عظيم جرار وملئوا منه كل قربة وكل إناء معهم وأن رجلا ولد من غير أب وأن امرأة ولدت من غير أم وأن رجلا حمل من مكة إلى بيت المقدس ثم رفع حتى جاوز السموات السبع ثم عاد إلى فراشه في ليلته وأن عسكرا عظيما قاموا بدوابهم وخدمهم وعددهم على بساط واحد بين السماء والأرض عل متن الريح مسيرة شهر في مقدار غدوة من النهار ثم يرجعون في مقدار ذلك ولا تمس ركابهم الأرض فبالله يا أرباب المعقولات ويا أهل الذاتي والعرضي وأهل المقولات العشر والكليات الخمس ويا أهل المختلطات والموجهات والقضايا المسورات والمهملات ويا أهل الشكل الأول والثاني والثالث(3\/977)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "830",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4111",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والرابع وأصحاب القياس الحملي والشرطي وأهل العقول المقدمة بزعم أربابها على الوحي هل تصدقون بشيء من هذا وهل يصدق أفراخكم وتلامذتكم بشيء مما ذكرنا من شأن الربوبية أم التكذيب بها وهذا ثمرة عقولكم وحاصل معقولكم. فعلى عقولكم العفاء فإنكم ... عاديتم المعقول والمنقولا وطلبتم أمرا محالا وهو إدراك ... الهدى لا تبتغون رسولا وزعمتم أن العقول كفيلة ... بالحق أين العقل كان كفيلا وهو الذي يقضي فينقض حكمه ... عقل ترون كليهما معقولا(3\/978)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "831",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4112",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتراه يجزم بالقضاء وبعد ذا ... يلفى لديه باطلا معلولا لا يستقل العقل دون هداية ... بالوحي تأصيلا ولا تفصيلا كالطرف دون النور ليس بمدرك ... حتى يراه بكرة وأصيلا وإذا الظلام تلاطمت أمواجه ... وطمعت بالإبصار كنت محيلا فإذا النبوة لم ينلك ضياؤها ... فالعقل لا يهديك قط سبيلا نور النبوة مثل نور الشمس ... للعين البصيرة فاتخذه دليلا طرق الهدى مسدودة إلا على ... من أم هذا الوحي والتنزيلا فإذا عدلت عن الطريق تعمدا ... فاعلم بأنك ما أردت وصولا يا طالبا درك الهدى بالعقل ... دون النقل لن تلق لذاك دليلا كم رام قبلك ذاك من متلذذ ... حيران عاش مدى الزمان جهولا(3\/979)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "832",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4113",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما زالت الشبهات تغزو قلبه ... حتى تشحط بينهن قتيلا فتراه بالكلي والجزئي والذاتي ... والعرضي طول زمانه مشغولا فإذا أتاه الوحي لم يأذن له ... ويقوم بين عداه مثيلا ويقول تلك أدلة لفظية ... معزولة عن أن تكون دليلا وإذا تمر عليه قال لها إذهبي ... نحو المجسم أو خذي التأويلا وإذا أبت إلا النزول عليه كان ... لها القرى التحريف والتبديلا فيحل بالأعداء ما تلقاه من ... كيد يكون لحقها تعطيلا(3\/980)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "833",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4114",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واضرب لهم مثلا بعميان خلوا ... في ظلمة لا يهتدون سبيلا فتصادموا بأكفهم وعصيهم ... ضربا يدير رحا القتال طويلا حتى إذا ملوا القتال رأيتهم ... مشجوجا أو مفجوجا أو مقتولا وتسامع العميان حتى أقبلوا ... للصلح فازداد الصياح عويلا الوجه الحادي والستون: وهو أن الطرق التي سلكها هؤلاء المعارضون بين الوحي والعقل في إثبات الصانع هي بعينها تنفي وجوده فإنها متضمنة لنفي صفاته وأفعاله صريحا وهي تنفي وجوده لزوما فإن هؤلاء المعارضين صنفان الفلاسفة والجهمية: أما الفلاسفة فأثبتوا وجود الصانع بطريق التركيب وهو أن الأجسام مركبة والمركب يفتقر إلى أجزائه وكل مفتقر ممكن والممكن لا بد له من وجود واجب وتستحيل الكثرة في ذات الواجب بوجه من الوجوه إذ يلزم(3\/981)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "834",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4115",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تركيبه وافتقاره وذلك ينافي وجوبه وهذا هو غاية توحيدهم وبه أثبتوا الخالق على زعمهم ومعلوم أن هذا من أعظم الأدلة على نفي الخالق فإنه ينفي قدرته ومشيئته وعلمه وحياته إذ لو ثبتت له هذه الصفات بزعمهم لكان مركبا والمركب مفتقر إلى غيره فلا يكون واجبا بنفسه وفي هذه الشبهة من التلبيس والتدليس والألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة ما يطول وصفه وقد انتدب لإفسادها جنود الإسلام على اختلاف مذاهبهم فإن المركب لفظ مجمل يراد به ما ركبه غيره وما كان متفرقا فاجتمعت أجزاؤه وما يمكن تفريق بعضه عن بعض والله سبحانه منزه عن هذه التراكيب ويراد به في اصطلاح هؤلاء ماله ماهية خاصة يتميز بها عن سائر الماهيات وما له ذات وصفات بحيث يتميز بعض صفاته عن بعض وهذا ثابت له سبحانه وإن سماه هؤلاء تركيبا كما تقدم وكذلك لفظ الافتقار لفظ مجمل يراد به فقر الماهية إلى موجد غيرها بتحقيق وجودها به والله سبحانه غني عن هذا الافتقار ويراد به أن الماهية مفتقرة في ذاتها إلى ذاتها ولا قوام لذاتها إلا بذاتها وأن الصفة لا تقوم بنفسها وإنما تقوم بالموصوف وهذا المعنى حق وإن سماه هؤلاء الملبسون فقرا وكذلك لفظ الغير فيه إجمال يراد بالغيرين ما مفارقة أحدهما للآخر ذاتا أو مكانا أو زمانا فصفات القديم(3\/982)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "835",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4116",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبحانه ليست غيرا له بهذا الاعتبار ويراد بالغيرين ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر وهذا المعنى حق في ذاته وصفاته سبحانه وإن سماها هؤلاء أغيارا. فإن المخلوق يعلم من الخالق صفة بعد صفة وقد قال أعلم الخلق به: quot;لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسكquot; وهذا لكثرة أسمائه وصفات كماله ونعوت جلاله وقال: quot;أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتكquot; والمستعاذ به غير المستعاذ منه والمقصود أن تسمية هذا تركيبا وافتقارا وغيرا وضع وضعه هؤلاء وليس الشأن في الألفاظ إنما الشأن في المعاني وقولهم إنه مفتقر إلى جزئية تلبيس فإن القديم الموصوف بالصفات اللازمة له تمتنع أن تفارقه صفاته وليست له حقيقة غير الذات الموصوفة حتى يقال إن تلك الحقيقة مفتقرة إلى غيرها وإن سميت تلك الصفة غيرا فالذات والصفات متلازمان لا يوجد أحدهما إلا مع(3\/983)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "836",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4117",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الآخر وهذا التلازم لا يقتضي حاجة الذات والصفات إلى موجد أوجدها وفاعل فعلها والواجب بنفسه يمتنع أن يكون مفتقرا إلى ما هو خارج عن نفسه فإما أن لا يكون له صفة ولا ذات ولا يتميز منه أمر عن أمر فلا يلزم ذلك من وجوبه وكونه غنيا بنفسه عن كل ما سواه فقول الملبس إنه مفتقر إلى ذلك كقوله لو كان له ماهية لكان مفتقرا إلى ماهيته والله سبحانه اسم للذات المتصفة بكمال العلم والقدرة والحياة والمشيئة وسائر صفات الكمال ليس اسما لذات مجردة عن الأوصاف والنعوت فكل ذات أكمل من هذه الذات تعالى الله عن قول الملحدين في أسمائه وصفاته علوا كبيرا والمقصود أن هذه الطريق التي سلكها هؤلاء في إثبات الصانع هي أعظم الطرق في نفيه وإنكار وجوده وكذلك كان سالكوها لا يؤمنون بالله ولا بملائكته وكتبه ولا رسله ولا باليوم الآخر وإن صانع من صانع منهم لأهل الملل بألفاظ لا حاصل لها. فصل وأما المتكلمون فلما رأوا بطلان هذه الطريق عدلوا عنها إلى طريق الحركة والسكون والاجتماع(3\/984)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "837",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4118",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والافتراق وتماثل الأجسام وتركبها من الجواهر المفردة وأنها قابلة للحوادث وما يقبل الحوادث فهو حادث فالأجسام كلها حادثة فإذا يجب أن يكون لها محدث ليس بجسم فنفوا العلم بإثبات الصانع على حدوث الأجسام واستدلوا على حدوثها بأنها مستلزمة للحركة والسكون والاجتماع والافتراق ثم قالوا إن تلك أعراض والأعراض حادثة ومالا يخلو عن الحوادث فهو حادث فاحتاجوا في هذه الطريق إلى إثبات الأعراض أولا ثم إثبات لزومها للجسم ثانيا ثم إبطال حوادث لا أول لها ثالثا ثم التزام بطلان حوادث لا نهاية لها رابعا عند فريق منكم وإلزام الفرق عند فريق آخر ثم إثبات الجوهر الفرد خامسا ثم إلزام كون العرض لا يبقى زمانين سادسا فيلزم حدوثه والجسم لا يخلو منه ومالا يخلو عن الحوادث فهو حادث ثم إثبات تماثل الأجسام سابعا فيصح على بعضها ما يصح على جميعها فعلمهم بإثبات الخالق سبحانه مبني على هذه الأمور الشنيعة فلزمهم من سلوك هذه الطريق إنكار كون الرب تعالى فاعلا في الحقيقة وإن سموه فاعلا بألسنتهم فإنه لا يقوم به عندهم فعل وفاعل بلا فعل كقائم بلا قيام وضارب بلا ضرب وعالم بلا علم وضم الجهمية إلى ذلك أنه لو قام به صفة لكان جسما ولو كان جسما لكان حادثا(3\/985)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "838",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4119",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيلزم من إثبات صفاته إنكار ذاته فعطلوا صفاته وأفعاله بالطريق الذي أثبتوا بها وجوده فكانت أبلغ الطرق في تعطيل صفاته وأفعاله وعن هذه الطريق أنكروا علوه على عرشه وتكلمه بالقرآن وتكليمه لموسى ورؤيته بالأبصار في الآخرة ونزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة ومجيئه لفصل القضاء بين الخلائق وغضبه ذلك اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وجميع ما وصف به نفسه من وصف ذاتي أو معنوي أو فعلي فأنكروا وجهه الأعلى وأنكروا أن له يدين وأن له سمعا وبصرا وحياة وأنه يفعل ما شاء حقيقة وإن سمي فاعلا فلم يستحق ذلك الفعل الذي قام به بل فعله هو عين مفعوله.(3\/986)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "839",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4120",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك الطريق التي سلكوها في إثبات النبوة لم يثبتوا بها نبوة في الحقيقة فإنهم بنوها على مجرد خرق العادة وهو مشترك بين النبي وغيره وحاروا في الفرق فلم يأتوا فيه بما يثلج له الصدر ولا يحصل به برد اليقين مع أن النبوة التي أثبتوها لا ترجع إلى وصف وجودي بل هي تعلق الخطاب الأزلي بالنبي والتعلق عندهم أمر عدمي فعادت النبوة عندهم إلى أمر عدمي وقد صرحوا بأنها لا ترجع إلى صفة ثبوتية قائمة بالنبي وأيضا فحقيقة النبوة والرسالة إنباء الله سبحانه وتعالى لرسوله وأمره بتبليغ كلامه إلى عباده وعندهم أن الله لا يتكلم ولا يقوم به كلام. وأما اليوم الآخر فإن جمهورهم بنوه على إثبات الجوهر الفرد وقالوا لا يتأتى التصديق بالمعاد إلا بإثباته وهو في الحقيقة باطل لا أصل له والمثبتون له يعترفون بأن القول به في غاية الإشكال وأدلته متعارضة وكثير منهم له قولان في إثباته ونفيه وسلكوا في تقرير المعاد ما خالفوا فيه جمهور العقلاء ولم يوافقوا ما جاءت به الأنبياء فقالوا إن الله سبحانه يعدم أجزاء العالم كلها حتى تصير عدما محضا ثم يعيد المعدوم ويقلبه وجودا حتى إن يعيد زمنه(3\/987)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "840",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4121",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعينه وينشئوه لا من مادة كما قالوا في المبدأ فجنوا على العقل والشرع وأغروا أعداء الشرع به وحالوا بينهم وبين تصديق الرسل. وأما المبدأ فإنهم قالوا كان الله سبحانه معطلا في الأزل والفعل غير ممكن مع قولهم كان قادرا عليه ثم صار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا من غير تجدد أمر أصلا وانقلب الفعل من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي وذات الفاعل قبل الفعل ومع الفعل وبعد الفعل واحدة فهذا غاية عقولهم التي عارضوا بها بين الوحي والعقل وهذه طرقهم العقلية التي لم يثبتوا بها ربا ولا رسالة ولا مبدأ ولا معادا ونحن إنما أشرنا إلى ذلك أدنى إشارة وإلا فبسط ذلك في غير هذا الموضع وقد بسطه شيخنا في عامة كتبه المطولات والمبسوطات وبينه بيانا شافيا فمن أحب الوقوف عليه وجده في مظانه وبالله التوفيق. الوجه الثاني والستون: إن هؤلاء المعارضين للوحي بعقولهم ارتكبوا أربع عظائم إحداها ردهم لنصوص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم الثانية إساءة الظن به وجعله منافيا للعقل مناقضا له الثالثة جنايتهم على العقل بردهم(3\/988)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "841",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4122",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما يوافق النصوص من المعقول فإن موافقة العقل للنصوص التي زعموا أن العقل يردها أظهر للعقل من معارضته لها الرابعة تكفيرهم أو تبديعهم وتضليلهم لمن خالفهم في أصولهم التي اخترعوها وأقوالهم التي ابتدعوها مع أنها مخالفة للعقل والنقل فصوبوا رأي من تمسك بالقول المخالف للعقل والنقل وخطأوا من تمسك بما يوافقهما وراج ذلك على من لم يجعل الله له نورا ولم يشرق على قلبه نور النبوة. الوجه الثالث والستون: أن من عارض بين الوحي والعقل فقد قال بتكافؤ الأدلة لأن العقل الصحيح لا يكذب والوحي أصدق منه وهما دليلان صادقان فإذا تعارضا تكافآ فإن لم يقدم أحدهما بقي في الحيرة والشك وإن قدم أحدهما على الآخر أبطل موجب الدليل الصحيح وأخرجه عن كونه دليلا فيبقى حائرا بين أمرين لا بد له من أحدهما إما أن يسيء الظن بالوحي أو بالعقل والعقل عنده أصل الوحي فلا يمكنه أن يسيء الظن به فيسطو على الوحي تارة بالتحريف والتأويل وتارة بالتخييل وتارة بالدفع والتكذيب إن أمكن وذلك في نصوص السنة(3\/989)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "842",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4123",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتارة يدعي ذلك في نصوص القرآن كما يدعيه غلاة الرافضة وكثير من القرامطة وأشباههم وهذا كله إنما نشأ من ظنونهم الفاسدة أن العقل الصحيح يعارض الوحي الصريح وأما أهل العلم والإيمان أهل السمع والنقل فعندهم أن فرض هذه المسألة محال وأن فرضها كفرض مسألة إذا تعارض العقل وأدلة ثبوت النبوة والرسالة وإذا تعارض العقل وأدلة ثبوت الخالق وتوحيده والمعارضة بين العقل والوحي كالمعارضة بين العقل وإثبات الصانع وتوحيده ورسالة رسله ولهذا طردوا منع هذه القاعدة في ذلك الأصل وقالوا الباب كله واحد. الوجه الرابع والستون: إن هؤلاء المعارضين للوحي بالعقل بنوا أمرهم على أصل فاسد وهو أنهم جعلوا أقوالهم التي ابتدعوها وجعلوها أصول دينهم ومعتقدهم في رب العالمين هي المحكمة وجعلوا قول الله ورسوله هو المتشابه الذي لا يستفاد منه علم ولا يقين فجعلوا المتشابه من كلامهم هو المحكم والمحكم من كلام الله ورسوله هو المتشابه ثم ردوا تشابه الوحي إلى محكم كلامهم وقواعدهم وهذا كما جعلوا ما أحدثوه من الأصول التي نفوا بها صفات الرب(3\/990)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "843",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4124",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جل جلاله ونعوت كماله ونفوا بها كلامه وتكليمه وعلوه على عرشه ورؤيته في الدار الآخرة محكما وجعلوا النصوص الدالة على خلاف تلك القواعد والأصول متشابهة يقضي بتلك القواعد عليها وترد النصوص إليها فتارة يحرفون النصوص عن مواضعها ويسمون ذلك التحريف تأويلا في اللفظ وتنزيها في المعنى وتارة يقول من تجمل منهم فأحسن أراد الله ورسوله من هذه النصوص أمورا لا نعرفها ولا ندري ما أراد وتارة يقولون قصد خطاب الجمهور فأفهمهم الأمر على خلاف حقيقته لأن مصلحتهم في ذلك وتارة يفسرون صفة بصفة كما يفسرون الحب والبغض والغضب والرضا والرحمة بالإرادة والسمع والبصر والكلام بالعلم ثم يجعلون ذلك نفس الذات ومنهم من يجعل العلم نفس المعلوم كما قاله أفضل متأخريهم عندهم وأجهلهم بالله وأكفرهم نصير الكفر والشرك الطوسي فأما أهل العلم والإيمان فطريقهم عكس هذه الطريقة من كل وجه يجعلون كلام الله ورسوله هو الأصل الذي يعتمد عليه ويرد ما يتنازع الناس فيه إليه فما وافقه كان حقا وما خالفه كان باطلا وإذا ورد عليهم لفظ مشتبه ليس في القرآن ولا في السنة لم يتلقوه بالقبول ولم يردوه بالإنكار حتى يستفصلوا قائله عن مراده فإن كان حقا موافقا للعقل(3\/991)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "844",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4125",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنقل قبلوه وإن كان باطلا مخالفا للعقل والنقل ردوه ونصوص الوحي عندهم أعظم وأكبر في صدورهم من أن يقدموا عليها ألفاظا مجملة لها معان مشتبهة وبنوا أصولهم على أربع قواعد أحدها: بيان أن ما جاء به الوحي هو الهدى والحق واليقين الثانية: بيان أن ما يقدر من الاحتمالات المعارضة لظاهره وحقيقته باطل لغة الثالثة: بيان أن ما يدعى أنه معارض لذلك من العقل فهو باطل الرابعة: بيان أن العقل موافق له معاضد لا معارض مناقض فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الوجه الخامس والستون: إن هؤلاء المعارضين بين العقل والنقل قد فارقوا العقل والنقل فلا عقل ولا نقل وهم الذين يقولون وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير [الملك10] أما النقل فإنهم قد سمحوا بمفارقته وهان عليهم أمره وأما العقل فلو تدبروا أقوالهم ومعقولهم الذي عارضوا به النقل لاستحيوا من أهل العقل الذين هم أهله فإن هؤلاء يجعلون الاثنين واحدا والواحد اثنين(3\/992)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "845",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4126",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمستحيل واجبا والواجب ممتنعا والكلي جزءا من المعين الجزئي والمعدوم موجودا والموجود معدوما والثابت منتفيا والمنتفي ثابتا ويفرقون بين الشيء ونظيره في الحكم ويحملون على الشيء بحكم ضده ونقيضه وينفون النقيضين تارة ويثبتونهما تارة ويثبتون الشيء وينفون لازمه البين للزوم اللازم ويثبتون ملزومه فيجعلون الصفة هي عين الصفة الأخرى ثم يجعلونها هي نفس الموصوف كما يقولون العلم هو القدرة والقدرة هي الإرادة والسمع هو البصر ثم يقولون إن ذلك هو نفس العالم القادر المريد ويجعلون تارة العلم هو المعلوم وتار يجعلون الفعل هو عين المفعول ويجعلون الصفة التي لا تقوم إلا بمحل قائمة بنفسها كما يقولون الرب تعالى مريد بإرادة قديمة لا في محل ويجعلون الأمر هو عين النهي وهما عين الخبر وهو عين الاستفهام ويجعلون وجود الرب تعالى وجودا مطلقا بشرط الإطلاق أو بلا شرط ثم يصرحون بأن المطلق لا وجود له في الخارج ويجعلون الشيء المعين لهذا الإنسان مثلا عدة جواهر حيوانا(3\/993)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "846",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4127",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وناطقا وحساسا ويجعلون كلا من هذه الجواهر عين الآخر ومعلوم أنه جوهر واحد له صفات متعددة ويفرقون بين المادة والصورة ويجعلونها جوهرين عقليين قائمين بأنفسهما والمعقول قيام الصفات بالموصوفات والأعراض بالجواهر ويجعلون الصور الذهنية ثابتة في الخارج كقولهم في المجردات المفارقات المادة وليس معهم ما يثبت أنه مفارق إلا النفس الناطقة إذا فارقت البدن بالموت والمجردات هي الكليات التي تجردها النفس من الأعيان المشخصة فيرجع الأمر إلى النفس وما يقوم بها ويجعلون المعدوم الممتنع الذي لا يتصور وجوده هو الواجب الذي يمتنع عدمه كما أثبتوا لصانع العالم وجودا مطلقا مقيدا بسلب الأمور الثبوتية ليس له ماهية غير ذلك الوجود ويثبتون كونه حيا بلا حياة وعالما بلا علم وقادرا بلا قدرة إلى أضعاف أضعاف ذلك من ضلالهم في عقلياتهم التي جعلوها معارضة للوحي وقدموها عليه وكلما تدبر العاقل الذكي المنصف أحوال هؤلاء ومن وافقهم على بعضها تبين له أن القوم لا عقل ولا نقل وتفصيل هذا يستدعي بسطا طويلا والله المستعان.(3\/994)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "847",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4128",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه السادس والستون: إن هؤلاء في معارضتهم للوحي سلكوا طريقا سحروا بها عقول ضعفاء الناس وبصائرهم فشبهت عليهم وخيل إليهم أنها حق فأصابهم في ذلك مثل ما أصاب السحرة حين عارضوا عصى موسى بما خيل إلى أبصار الناظرين أنه حق فإن هؤلاء عمدوا إلى ألفاظ مجملة تحتها معاني مشتبهة تحتمل في لغات الأمم معاني متعددة وأدخلوا فيها من المعاني غير المفهوم منها في لغات الأمم ثم ركبوها وألفوها تأليفا طويلا بنوا بعضه على بعض ففكروا فيه وقدروا وأطالوا التفكير والتقدير ثم عظموا قولهم وهولوه في نفوس من لم يفهمه ولا ريب أن فيه دقة وغموضا لما فيه من الألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة فإذا دخل معهم الطالب وسمع منهم ما تنفر عنه فطرته فأخذ يعترض عليهم قالوا له أنت لا تفهم هذا وهذا لا يصلح لك وهذا أمر قد صقلته الأذهان على تطاول الأزمان وتلقته العقول بالقبول والتسليم وفزعت إليه عند التخاصم والتحاكم فيبقى ما في النفوس من الحمية والإلفة يحملها على تسليم تلك الأمور قبل تحقيقها وعلى ترك الاعتراض عليها خشية أن ينسبوه إلى نقص العلم والعقل فيأخذها مسلمة فإذا جاءت لوازمها لم يجد بدا من التزامها ويرى أن التزام(3\/995)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "848",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4129",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تلك اللوازم أهون عليه من القدح في تلك القواعد وإبطالها فهذا أصل ضلال من ضل من أهل النظر والبحث في المعقولات وأما الأعمى المقلد فليس معه أكثر من هكذا قال العقلاء وهذا القدر الذي وقع من ضلال هؤلاء لم يقصده عقلاؤهم ابتداء بل كان قصدهم تحصيل العلوم والمعارف ولكن أخطأوا بطلبها من غير طريقها فضلوا وأضلوا وقد سئل شيخنا رضي الله عنه عن بعض رؤساء هؤلاء ممن له علم وعقل وسلوك وقصد ثم أخطأ الصواب فقال طلب الأمور العلية من غير الطرق النبوية فقادته قسرا إلى المناهج الفلسفية وما أحسن ما قال فإن من طلب أمرا عاليا من غير طريقه لم يحصل إلا على ضده فالواجب على من يريد كشف ضلال هؤلاء وامثالهم أن لا يوافقهم على لفظ مجمل حتى يتبين معناه ويعرف مقصوده فيكون الكلام في معنى معقول يتوارد النفي والإثبات فيه على محل واحد لا في لفظ مجمل مشتبه المعنى وهذا نافع في الشرع والعقل والدين والدنيا وبالله التوفيق. السابع والستون: إن الله سبحانه نهى المؤمنين أن يتقدموا بين يدي رسوله وأن يرفعوا أصواتهم فوق صوته وأن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض وحذرهم من حبوط أعمالهم بذلك فقال: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي [الحجرات21] .(3\/996)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "849",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4130",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا كان سبحانه قد نهى عن التقديم بين يديه فأي تقدم أبلغ من تقديم عقله على ما جاء به قال غير واحد من السلف ولا تقولوا حتى يقول ولا تفعلوا حتى يأمر ومعلوم قطعا أن من قدم عقله أو عقل غيره على ما جاء به فهو أعصى الناس لهذا النبي وأشدهم تقدما بين يديه وإذا كان سبحانه قد نهاهم أن يرفعوا أصواتهم فوق صوته فكيف برفع معقولاتهم فوق كلامه وما جاء به ومن المعلوم قطعا أنه لم يكن يفعل هذا في عهده إلا الكفار والمنافقون فهم الذين حكى الله سبحانه عنهم معارضة ما جاء به بعقولهم وآرائهم وصارت تلك المعارضة ميراثا في أشباههم كما حكى الله عن المشركين معارضة شرعه وأمره بقضائه وقدره وورثهم في هذه المعارضة طائفتان إحداهما إخوانهم المباحية الذين خلعوا ربقة الشريعة من أعناقهم ودانوا بالقدر. والثانية: الذين عارضوا قضاءه وقدره بأمره وقالوا(3\/997)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "850",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4131",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يمكن الجمع بينهما فأبطلوا القدر بالأمر وأولئك أقعد بالميراث من هؤلاء وقد ذكر سبحانه الأمثال العقلية التي عارض المشركون بها الوحي لتكون عبرة للمؤمنين ومثلا للمعارضين: ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم [الأنفال42] الوجه الثامن والستون: إن معارضة الوحي بالعقل ميراث عن الشيخ أبي مرة فهو أول من عارض السمع بالعقل وقدمه عليه فإن الله سبحانه لما أمره بالسجود لآدم عارض أمره بقياس عقلي مركب من مقدمتين حمليتين: إحداهما: قوله أنا خير منه فهذه هي(3\/998)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "851",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4132",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصغرى والكبرى محذوفة تقديرها والفاضل لا يسجد للمفضول وذكر مستند المقدمة الأولى وهو أيضا قياس حملي حذف إحدى مقدمتيه فقال خلقتني من نار وخلقته من طين . والمقدمة الثانية: كأنها معلومة أي ومن خلق من نار أفضل ممن خلق من طين فهما قياسان متداخلان وهذه يسميها المنطقيون الأقيسة المتداخلة فالقياس الأول هكذا أنا خير منه وخير المخلوقين لا يسجد لمن هو دونه وهذا من الشكل الأول والقياس الثاني هكذا خلقتني من نار وخلقته من طين والمخلوق من النار خير من المخلوق من الطين فنتيجة هذا القياس العقلي أنا خير منه ونتيجة الأول ولا ينبغي لي أن أسجد له. وأنت إذا تأملت مادة هذا القياس وصورته رأيته أقوى من كثير من قياساتهم التي عارضوا بها الوحي وقدموها عليه والكل باطل وقد اعتذر أتباع الشيخ له بأعذار: ومنها أنه لما تعارض عنده العقل والنقل قدم العقل ومنها أن الخطاب بصيغة الضمير في قوله اسجدوا لا عموم له فإن الضمائر ليست من صيغ العموم ومنها أنه وإن كان اللفظ عاما فإنه خصه بالقياس(3\/999)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "852",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4133",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المذكور ومنها أنه لم يعتقد أن الأمر للوجوب بل حمله على الاستحباب لأنه المتيقن أو على الرجحان دفعا للاشتراك والمجاز. ومنها أنه حمله على التراخي ولم يحمله على الفور ومنها أنه صان جناب الرب أن يسجد لغيره ورأى أنه لا يليق به السجود لسواه فبالله تأمل هذه التأويلات وقابل بينها وبين كثير من التأويلات التي يذكرها كثير من الناس والمعارضات التي عارض بها النصوص وفي بني آدم من يصوب رأي إبليس وقياسه ويقول الصواب معه ولهم في ذلك تصانيف وكان بشار بن برد الأعمى الشاعر على هذا المذهب يقول في قصيدته الرائية: الأرض مظلمة سوداء مقتمة ... والنار معبودة مذ كانت النار(3\/1000)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "853",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4134",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولما علم الشيخ أنه قد أصيب من معارضة الوحي بالعقل وعلم أنه لا شيء أبلغ في مناقضة الوحي والشرع وإبطاله من معارضته بالعقول أوحى إلى تلامذته وإخوانه من الشبهات الخيالية ما يعارض به الوحي وأوهم أصحابه وتلاميذه أنها قواطع عقلية وقال إن قدمتم الوحي عليها فسدت عقولكم قال تعالى: وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون [الأنعام121] ومن المعلوم أن وحيهم إنما هو شبه عقلية وقال تعالى وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الأنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب(3\/1001)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "854",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4135",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين [الأنعام117 , 112] . الوجه التاسع والستون: في بيان فساد معقول الشيخ الذي عارض به الوحي وذلك من وجوه: أحدها إنه قياس في مقابلة النص والقياس إذا صادم النص وقابله كان قياسا باطلا ويسمى قياسا إبليسيا فإنه يتضمن معارضة الحق بالباطل وتقديمه عليه ولهذا كانت عقوبته أن أفسد عليه عقله ودنياه وآخرته وقد بينا فيما تقدم أنه ما عارض أحد الوحي بعقله إلا أفسد الله عليه عقله حتى يقول ما يضحك منه العقلاء. الثاني: إن قوله أنا خير منه كذب ومستنده في ذلك باطل فإنه لا يلزم من تفضيل مادة على مادة تفضيل المخلوق منها على المخلوق من الأخرى فإن الله سبحانه يخلق من المادة المفضولة ما هو أفضل من المخلوق من غيرها وهذا من كمال قدرته سبحانه ولهذا كان محمد وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح والرسل أفضل من الملائكة ومذهب أهل السنة أن صالحي البشر أفضل من الملائكة وإن كانت(3\/1002)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "855",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4136",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مادتهم نورا ومادة البشر ترابا فالتفضيل ليس بالمواد والأصول ولهذا كان العبيد والموالي الذين آمنوا بالله ورسوله خيرا وأفضل عند الله ممن ليس مثلهم من قريش وبني هاشم وهذه المعارضة الإبليسية صارت ميراثا في أتباعه في التقديم بالأصول والأنساب على الإيمان والتقوى وهي التي أبطلها الله عز وجل بقوله: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير [الحجرات13] . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;إن الله وضع عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء الناس مؤمن تقي وفاجر شقيquot; وقال صلى الله عليه وسلم: quot;لا فضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي ولا لأبيض على أسود(3\/1003)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "856",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4137",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم من ترابquot; فانظر إلى سريان هذه النكتة الإبليسية في نفوس أكثر الناس من تفضيلهم بمجرد الأصول والأنساب. الثالث: إن ظنه أن النار خير من التراب باطل مستنده ما فيها من الإضاءة والخفة وما في التراب من الثقل والظلمة ونسي الشيخ ما في النار من الطيش والخفة وطلب العلو والإفساد بالطبع حتى لو وقع منها شواظ بقدر الحبة في مدينة عظيمة لأفسدها كلها ومن فيها بل التراب خير من النار وأفضل من وجوه متعددة. منها أن طبعه السكون والرزانة والنار بخلافه ومنها أنه مادة الحيوان والنبات والأقوات والنار بخلافه ومنها أنه لا يمكن أحدا العيش بدونه ودون ما خلق منه البتة ويمكنه أن يعيش برهة بلا نار قالت عائشة يمر بنا الشهر والشهران ما نوقد في بيوتنا نارا أو ما نرى نارا قال لها عروة فما كان قوتكم قالت الأسودان التمر والماء. ومنها أن الأرض تؤدي إليك بما فيها من البركة(3\/1004)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "857",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4138",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أضعاف أضعاف ما تودعه من الحب والنوى وتربيه لك وتغذيه وتنميه والنار تفسده عليك وتمحق بركته ومنها أن الأرض مهبط وحي الله ومسكن رسله وأنبيائه وأوليائه وكفاتهم أحياء وأمواتا والنار مسكن أعدائه ومأواهم ومنها أن في الأرض بيته الذي جعله إماما للناس وقياما لهم وجعل حجه محطا لأوزارهم ومكفرا لسيئاتهم وجالبا لهم مصالح معاشهم ومعادهم. ومنها أن النار طبعها العلو والفساد وأن الله لا يحب المستكبرين ولا يحب المفسدين والأرض طبعها الخشوع والإخبات والله يحب المخبتين الخاشعين وقد ظهر هذا بخلق إبراهيم ومحمد وموسى وعيسى والرسل من المادة الأرضية وخلق إبليس وجنوده من المادة النارية نعم وخلق من المادة الأرضية الكفار والمشركين ومن المادة النارية صالحي الجن ولكن ليس في هؤلاء مثل إبليس وليس(3\/1005)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "858",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4139",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في أولئك مثل الرسل والأنبياء فمعلم الخير من المادة الأرضية ومعلم الشر من المادة النارية. ومنها أن النار لا تقوم بنفسها بل لا بد لها من محل تقوم به لا تستغني عنه وهي محتاجة إلى المادة الترابية في قوامها وتأثيرها والأرض قائمة بنفسها لا تحتاج إلى محل تقوم به ولا يفتقر قوامها ونفعها إلى النار. ومنها أن التراب يفسد صورة النار ويبطلها ويقهرها وإن علت عليه ومنها أن الرحمة تنزل على الأرض فتقبلها وتحي بها وتخرج زينتها وأقواتها وتشكر ربها وتنزل على النار فتأباها وتطفيها وتمحوها وتذهب بها فبينها وبين الرحمة معاداة وبين الأرض وبين الرحمة موالاة وإخاء. ومنها أن النار تطفأ عند التكبير فتضمحل عند ذكر كبرياء الرب ولهذا يهرب المخلوق منها عند الأذان حتى لا يسمعه والأرض تبتهج بذلك وتفرح(3\/1006)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "859",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4140",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به وتشهد به لصاحبه يوم القيامة ويكفي في فضل المخلوق من الأرض على المخلوق من النار أن الله سبحانه خلقه بيديه ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء فهل حصل للمخلوق من النار واحدة من هذه فقد تبين لك حال هذه المعارضة العقلية للسمع وفسادها من هذه الوجوه وأكثر منها وهي من شيخ القوم ورئيسهم ومعلمهم الأول فما الظن بمعارضة التلامذة ونحن نقول قولا نقدم بين يديه مشيئة الله وحوله والاعتراف بمنته علينا وفضله لدينا وأنه محض منته وجوده وفضله فهو المحمود أولا وآخرا على توفيقنا له وتعليمنا إياه إن كل شبهة من شبه أرباب المعقولات عارضوا بها الوحي فعندنا ما يبطلها بأكثر من(3\/1007)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "860",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4141",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجوه التي أبطلنا بها معارضة شيخ القوم وإن مد الله في الأجل أفردنا في ذلك كتابا كبيرا ولو نعلم أن في الأرض من يقول ذلك ويقوم به تبلغ إليه أكباد الإبل لاقتدينا بالمسير إليه بموسى في سفره إلى الخضر وبجابر بن عبد الله في سفره إلى عبد الله بن أنيس لسماع حديث واحد ولكن أزهد الناس في العالم قومه وقد قام قبلنا بهذا الأمر من برز به على أهل الأرض في عصره وفي الأعصار قبله فأدرك من قبله وحيدا وسبق من بعده سبقا بعيدا واستنقذ النصوص من أيدي الملحدين ونفى عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وجعل ملوك أرباب المعقولات المعارضين لها أسرى في أيدي المسلمين وأخذ عليهم بمجامع الطرق حتى لم يبق لهم مدد ولا كمين فجرى عليه من تلامذة هذا الشيخ وأتباعه من الجاهلين والمعاندين والمعطلين ما جرى على من قام مقامه على مر السنين. مضوا ومضى ثم التقوا عند ربهم ... فأخرهم للحكم يوم التخاصم(3\/1008)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "861",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4142",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه السبعون: إن العقل الذي عارض به هؤلاء السمع هو النفي والذي دل عليه السمع هو الإثبات فإن السمع دل على إثبات الصفات والكلام والتكليم وعلو الرب على خلقه واستوائه على عرشه ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا ومجيئه وإتيانه وإثبات وجهه الأعلى ويديه اللتين كلتاهما يمين وغير ذلك والعقل عندهم دل على نفي ذلك كله فالمعارضة التي ادعوها هي معارضة بين النفي والإثبات فالرسل جاءوا بالإثبات المفصل للأسماء والصفات والأفعال فجاء أرباب هذا العقل بالنفي المفصل لها وادعوا التعارض بين دليل هذا الإثبات ودليل النفي ثم قدموا دليل النفي فيقال الكلام معكم في مقامين: أحدهما: أن العقل لم يدل على ثبوتها والثاني: أنه دل على انتفائها فإن أردتم بدلالة العقل المقام الأول فنفيها خطأ فإنه لونفى كل مالم يدل عليه عقل أو حس نفيت أكثر الموجودات التي لا ندركها بعقولنا ولا حواسنا وهذا هو حاصل ما عند القوم عند التحقيق ومن تدبر أدلتهم حق التدبر علم أنه ليس فيها دليل واحد يدل على النفي ومعلوم أن الشيء لا ينعنى لانتفاء دليل يدل عليه وإن انتفى العلم به فنفي العلم لا يستلزم نفي المعلوم فكيف والعقل الصريح قد دل على ثبوتها كما نبهنا(3\/1009)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "862",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4143",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه وسنذكره وإن أردتم الثاني وهو أن العقل دل على انتفائها فيقال العقل إنما يدل على نفي الشيء إذا علم ثبوت نقيضه فيعلم حينئذ أن النقيض الآخر منتف فأين في العقل المقطوع بحكمه أو المظنون ما يدل على نقيض ما أخبرت به الرسل بوجه من وجوه الأدلة الصحيحة فالمسلمون يقولون قد دل العقل والوحي معا على إثبات علم الرب تعالى آمرا ناهيا وعلى كونه فوق العالم كله وعلى كونه يفعل بقدرته ومشيئته وعلى أنه يرضى ويغضب ويثيب ويعاقب ويحب ويبغض فقد شهد بذلك العقل والنقل أما النقل فلا يمكنكم المكابرة فيه وأما العقل فلأن ذات الرب أكمل من كل ذات على الإطلاق بل ليس الكمال المطلق التام من كل وجه إلا له وحده فيستحيل وصفه بما يضاد كماله وكل ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله فهو صفة كمال ثبوتها له أكمل من نفيها عنه وقد اتفقت الأمم على أن الله سبحانه موصوف بالكمال منزه عن أضداده وإن تنازعوا في كون الصفة المعينة والفعل المعين كمالا أو ليس بكمال والذين نفوه تخيلوا أن إثباته يستلزم النقص والحدوث وأن الكمال في نفيه وإن كان كثير من طوائف بني آدم يستجيزون وصفه بالنقائص والعيوب مع علمهم بأنها عيوب ونقائص كما(3\/1010)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "863",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4144",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صرحت به اليهود من قولهم وإنه فقير وإنه تعب لما خلق العالم وأنه بكى على الطوفان حتى رمدت عيناه وعادته الملائكة وإنه ندم على خلق آدم وذريته ندما عظيما حتى عض أنامله ويقولون في صلاتهم يا إلهنا انتبه من رقدتك كم تنام ونحو ذلك والنصارى لا يخفى على أحد منهم أن نزوله عن عرشه ودخوله في رحم امرأة وإقامته هناك تسعة أشهر بين الحيض والبول ثم خروجه طفلا صغيرا يرضع ويبكي ويأكل ويشرب ويبول وينام ويألم ثم تمكن أعدائه منه وصفعه وتسمير يديه ورجليه وصلبه بين نصبين وعلى رأسه تاج من الشوك أن هذا غاية التنقص المنافي لكماله والاتحادية مصرحون بأنه موصوف بكل صفة مذمومة عقلا وعرفا وشرعا ومعلوم أن هذه النقائص هي التي دل العقل الصريح واتفاق المرسلين من أولهم إلى آخرهم على نفيها عن الله وتنزيهه عنها فمن جعل دلالته على نفي علمه وسمعه وبصره وقوته وقدرته وحياته وإرادته وكماله وتكليمه وعلوه على عرشه ووجهه الأعلى ويديه وغضبه ورضاه كدلالته على نفي تلك العيوب والنقائص(3\/1011)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "864",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4145",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإثباتها له كإثبات تلك العيوب والنقائص وإن العقل يوجب نفي هذا وهذا فهو من أسخف الناس عقلا وأعظمهم جهلا وأفسدهم فطرة وكان الذين وصفوه سبحانه بتلك العيوب والنقائص أقرب إلى العقل منه فإنهم وصفوه بالكمال والنقص وهؤلاء نزهوه عن الكمال وهو يستلزم وصفه بالنقص فقط ومعلوم أن ذاتا موصوفة بالكمال والنقائص أكمل من ذات لا توصف بشيء من الكمالات البتة وتوصف بأضدادها وأيضا فإن تلك الذات يمكن وجودها وهذه الذات يمتنع وجودها والمقصود أنه قد دل العقل مع السمع على إثبات ما يقول هؤلاء إن العقل عارضه وغاية ما معهم أن عقولهم لم تدل على إثباته وقد بينا أنه يستحيل دلالة العقل على نفيه فإن العقل إنما يدل على نفي ما علم ثبوت نقيضه بالعقل والعقل لم يعلم به ثبوت نقيض الصفات العلى والأسماء الحسنى واستواء الرب على عرشه وتكلمه ورؤية أوليائه له في الآخرة عيانا بالأبصار فوق رؤوسهم حتى يكون نفي ذلك معلوما بالعقل فإن قيل نحن ما نفينا ذلك إلا لدلالة العقل على نفيه فإنه لو كان فوق العرش أو كان يرى بالأبصار أو كان مكلما متكلما أو كان له وجه ويد وسمع وبصر لزم أن يكون جسما ويلزم من كونه جسما أن يكون مركبا من الجواهر المفردة أو من المادة(3\/1012)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "865",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4146",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والصورة وإن قلنا بتماثل الأجسام لزم أن يكون مماثلا لكل جسم ويلزم من كونه مركبا أن يكون مفتقرا إلى أجزائه وأجزاء المركب غيره ويلزم من افتقاره إلى غيره أن يكون مخلوقا مصنوعا فهذا الدليل العقلي الذي أوجب لنا أن ننفي ما نفيناه لنثبت آلهيته وربوبيته وقدمه وأما أنتم فلما أثبتم له هذه الصفات لزمكم نفي قدمه ونفي ربوبيته قيل هذا الدليل هو الذي خرب دياركم وقلع الإيمان بشروشه من قلوبكم وسهل عليكم الإلحاد في أسماء الرب وصفاته وتعطيله عن كل كمال وسلبه عنه وهو في الحقيقة مستلزم لجحد وجود الخالق سبحانه وإنكار أن يكون للعالم صانع على الحقيقة ففررتم من إثبات الكمالات له سبحانه لظنكم أنها تستلزم افتقاره وحدوثه فوقعتم في شر من ذلك وهو تعطيل العالم عن رب يدبره فعطلتم الصانع عن كماله وعطلتم العالم عن صانعه ولقد أقامت الدهرية والمعطلة أربعين شبهة التي ذكرتموها واحدة من تلك الأربعين فقالوا لو كان للعالم(3\/1013)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "866",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4147",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رب أو صانع أو خالق لكان إما جسما وإما عرضا ودليل هذا الحصر أنه إما أن يكون قائما بنفسه وهو الذي يعني بالجسم وأما أن يكون قائما بغيره وهو الذي يعني بالعرض فلا يجوز أن يكون عرضا لأنه لا يقوم بنفسه فهو مفتقر إلى محل يقوم به ولا يجوز أن يكون جسما لما ذكرتم من الدليل المتقدم بعينه وكل ما تجيبون به إخوانكم في الأصل عن هذه الشبهة فهو جواب أهل السمع والعقل لكم بعينه فإن قلتم بل هو قائم بنفسه وليس بجسم قال لكم أهل السمع والعقل فقولوا هو فوق عرشه موصوف بصفات كماله ونعوت جلاله وحقائق أسمائه وليس بجسم فإن قلتم هذا لا يعقل قيل لكم فكيف عقلتم ذاتا قائمة بنفسها فاعلة بغيرها ليست بجسم فإن قلتم دل الدليل على انتهاء الممكنات والمصنوعات إلى ذات هذا شأنها فأثبتناها بالدليل قيل لكم ودل الدليل على انتهاء المخلوقات والمصنوعات إلى ذات موصوفة بالصفات التي يؤثر بها في المخلوقات ومقاديرها وصفاتها وأشكالها وهيآتها وإعدامها بعد إيجادها وإيجادها وإيجاد بدل منها ودلالته على ذات هذا شأنها أعظم من دلالته على ذات مجردة لا فعل لها ولا صفة ولا قدرة ولا مشيئة ولا إرادة فإن قلتم يلزم من ثبوت صفاتها حدوثها ولا يلزم من تجردها عنها حدوثها قيل(3\/1014)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "867",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4148",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لكم بل يلزم من تجردها عنها عدمها وامتناع وجودها فلو لزم من ثبوت صفاتها ما لزم كان خيرا من جحدها ونفيها بالكلية كيف وتلك اللوازم التي ركبتم بعضها على بعض فيها من التلبيس والتدليس والإجمال اللفظي والاشتباه المعنوي ما إذا كشف أمره تبين أنها زغل ومحال وأشد شيء منافاة للعقل والسمع وكل مقدماتها دعاو كاذبة باطلة بصريح العقل والسمع فلا يلزم من كونه فوق سمواته على عرشه يسمع ويرى ويأمر وينهى ويتكلم ويكلم أن يكون مركبا من جواهر فردة ولا من مادة وصورة ولا ان يكون مماثلا لخلقه فدعوى هذا اللزوم عين البهت والكذب الصراح بل العرش خلق من خلقه ولا يلزم من كونه فوق السموات كلها أن يكون مركبا من الجواهر الفردة ولا من المادة والصورة ولا مماثلا لغيره من الأجسام وكذلك جبريل مخلوق من مخلوقاته وهو ذو قوة وحياة وسمع وبصر وأجنحة ويصعد وينزل ويرى بالأبصار ولا يلزم من وصفه بذلك أن يكون مركبا من الجواهر الفردة ولا من المادة والصورة ولا أن يكون جسمه مماثلا لأجسام الشياطين فدعونا من هذا الفشر والهذيان والدعاوي الكاذبة والتفاوت الذي بين الله وخلقه أعظم من التفاوت الذي بين جسم العرش وجسم الثرى والهواء(3\/1015)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "868",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4149",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والماء وأعظم من التفاوت الذي بين أجسام الملائكة وأجسام الشياطين والعاقل إذا أطلق على جسم صفة من صفاته وعنده من كل وجه موصوف بتلك الصفة لم يلزم من ذلك تماثلها أطلق على الرجيع الذي قد بلغ غاية الخبث أنه جسم قائم بنفسه ذو رائحة ولون وأطلق ذلك على المسك لم يقل ذو حس سليم ولا عقل مستقيم إنهما متماثلان وأين التفاوت الذي بينهما من التفاوت الذي بين الله وخلقه فكم تلبسون وكم تدلسون وتموهون فاشتراك الذاتين في معنى من المعاني لا يستلزم تماثلهما عند أحد من العقلاء وإن المختلفات والمتضادات تشترك في أشياء متعددة فمشاركة الماء للنار في مسمى بالجسمية والحركة وإدراك الحس لهما لا يوجب تماثلهما وليس معكم دليل واحد صحيح يدل على تركب الأجسام كما ذكرتم فكيف ولو أقمتم الدليل على ذلك لم يلزم منه تركب خالق الأجسام وجواهرها وأعراضها مما تركبت منه الأجسام بوجه من الوجوه سوى الدعوى الكاذبة وهو أنه لو كان فوق عرشه أو موصوفا بالصفات أو يرى بالأبصار لزم أن يكون مركبا وليس العجب من عقول رضيت لنفسها بمثل هذا الهذيان حتى اعتقدته غاية الغايات العقلية ونهايات المعارف الإلهية والمباحث الحكمية ثم قدمته على نصوص الوحي فإن هذا في الأصل وضع من قصد معارضة الأنبياء ورد ما جاءوا به بل العجب من قوم صدقوا الأنبياء وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات وعلموا أنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى:(3\/1016)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "869",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4150",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن هو إلا وحي يوحى [النجم4] ثم ولج هذا الهذيان في آذانهم فسمعوه ودخل إلى قلوبهم فقبلوه وعظموا أصحابه وسموهم المحققين وقدموا أقوالهم على نصوص الوحي المبين فضلا عن تقديمه على كلام الصحابة والتابعين ولقد أحسن القائل فيهم وإن قصد سواهم: خفافيش أعشاها الظلام بضوئه ... ولاءمها قطع من الليل مظلم وهذه الحجة الداحضة باطلة من أكثر من سبعين وجها تذكر في غير هذا الموضع فلا يلزم من استوائه على عرشه وثبوت صفات كماله وتكلمه وتكليمه ورؤيته بالأبصار أن يكون جسما بالمعنى الذي اصطلحوا عليه ولو لزم أن يكون جسما لم يلزم أن يكون مركبا بالاعتبار الذي ذكروه ولو لزم أن يكون مركبا لم يلزم أن يكون مفتقرا إلى مركب ركبه ولا محتاجا إلى غيره بوجه من الوجوه ولو لزم أن يكون جسما مركبا لم يلزم أن يكون مماثلا للأجسام بوجه من الوجوه فشيء من ذلك غير لازم لعلوه على عرشه وثبوت صفاته لا عقلا ولا سمعا إلا بالدعاوي الكاذبة حتى لو قدر لزوم ذلك كله لكان التزامه أسهل من تعطيل علوه على عرشه وتعطيل كلامه وإبطال أمره ونهيه وتعطيل صفاته وأفعاله وجعله بمنزلة المعدوم الممتنع الذي لا هو داخل العالم ولا خارجه ولا له(3\/1017)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "870",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4151",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعل يقوم به ولا صفة كمال يتصف بها فلا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا يقدر ولا يريد ولا يفعل شيئا فأي ذات من الذوات المخلوقة المتصفة بذلك فرضت فهي أكمل من هذه الذات وقد تقدم أن الدليل العقلي الصحيح إنما دل على انتهاء المخلوقات إلى خالق واحد قديم غير مخلوق ولا مصنوع ولا محتاج إلى سواه بوجه من الوجوه وكل ما عداه محتاج إليه من جميع الوجوه ولم يدل على أن هذا الواحد سبحانه معطل عن الأفعال والصفات وحقائق الأسماء الحسنى وأن الدليل العقلي إنما دل على خلاف ذلك وأنه أحق بكل صفة كمال من غيره وأن كل كمال ثبت للمخلوق لا نقص فيه فلا يستلزم نقصا فمعطيه وموجده أحق به وأولى فكيف يكون المخلوق يتكلم وخالقه لا يتكلم وكيف يكون سميعا بصيرا وخالقه لا يسمع ولا يبصر وكيف يكون حيا عليما قديرا حكيما وخالقه ليس كذلك وكيف يكون ملكا آمرا ناهيا مرسلا مثيبا معاقبا وخالقه ليس كذلك وكيف يكون فاعلا باختياره ومشيئته وخالقه ليس كذلك وكيف يكون قويا وخالقه ليس له قوة وكيف يكون رحيما وخالقه لم تقم به صفة رحمة ولا رأفة وكيف يكون كريما حليما جوادا ماجدا وخالقه ليس كذلك هذا ومن المعلوم بالضرورة أن ما يرى أكمل ممن لا يمكن أن يرى فإنه إما معدوم وإما عرض والمرئي أكمل منهما وما يتكلم أكمل من لا يتكلم فإنه(3\/1018)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "871",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4152",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إما جماد وإما عرض وإما معدوم والمتكلم أكمل من ذلك وما له سمع وبصر ووجه ويدان أكمل من الفاقد لذلك بالضرورة وهكذا سائر الصفات فلا أحسن الله في تلك العقول عن أصحابها إذا أحسن عن الصابئين ولا حياها بما حيا به عباده المرسلين ولا زكاها بما زكى به أتباعهم من المؤمنين ونسأله أن لا يبتلينا بما ابتلاهم به من مفارقة المنقول والمعقول وتلقي العلم واليقين من غير مشكاة الرسول وأن لا يجعلنا من أتباع قوم ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل. الوجه الحادي والسبعون: أنه سبحانه وصف نفسه بأنه ليس كمثله شيء وأنه لا سمي له ولا كفؤ له وهذا يستلزم وصفه بصفات الكمال التي فات بها شبه المخلوقين واستحق بقيامها به أن يكون ليس كمثله شيء وهكذا كونه ليس له سمي أي مثيل يساميه في صفاته وأفعاله ولا من يكافيه فيها ولو كان مسلوب الصفات والأفعال والكلام والاستواء والوجه واليدين ومنفيا عنه مباينة العالم ومحايثته واتصاله به وانفصاله عنه وعلوه عليه وكونه(3\/1019)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "872",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4153",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يمنته أو يسرته وأمامه أو وراءه لكان كل عدم مثلا له في ذلك فيكون قد نفى عن نفسه مشابهة الموجودات وأثبت لها مماثلة المعدومات فهذا النفي واقع على أكمل الموجودات وعلى العدم المحض فإن العدم المحض لا مثل له ولا كفؤ ولا سمي فلو كان المراد بهذا نفي صفاته وأفعاله واستوائه على عرشه وتكلمه بالوحي وتكليمه لمن يشاء من خلقه لكان ذلك وصفا له بغاية العدم فهذا النفي واقع على العدم المحض وعلى من كثرت أوصاف كماله ونعوت جلاله وأسماؤه الحسنى حتى تفرد بذلك الكمال فلم يكن له شبه في كماله ولا سمي ولا كفوء فإذا أبطلتم هذا المعنى الصحيح تعين ذلك المعنى الباطل قطعا وصار المعنى أنه لا يوصف بصفة أصلا ولا يفعل فعلا ولا له وجه ولا يد ولا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا يقدر تحقيقا لمعنى ليس كمثله شيء وقال إخوانكم من الملاحدة ليس له ذات أصلا تحقيقا لهذا النفي وقال غلاتهم ولا وجود له تحقيقا لهذا النفي وأما الرسل وأتباعهم فقالوا إنه حي وله حياة وليس كمثله شيء في حياته وهو قوي وله القوة وليس مثله شيء في قوته وهو سميع بصير له السمع والبصر يسمع ويبصر وليس كمثله شيء في سمعه وبصره ومتكلم ومكلم وليس كمثله شيء في كلامه وتكليمه وله وجه ويدان وليس كمثله شيء وهو مستو على عرشه وليس كمثله شيء وهذا النفي لا يتحقق إلا بإثبات صفات الكمال فإنه مدح له وثناء(3\/1020)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "873",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4154",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أثنى به على نفسه والعدم المحض لا يمدح به أحد ولا يثني به عليه ولا يكون كمالا له بل هو أنقص النقص وإنما يكون كمالا إذا تضمن الإثبات كقوله تعالى لا تأخذه سنة ولا نوم [البقرة255] . لكمال حياته وقيوميته وقوله من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه [البقرة255] لكما غناه وملكه وربوبيته وقوله وما ربك بظلام للعبيد [فصلت46] ولا يظلم ربك أحدا [الكهف49] وما الله يريد ظلما للعباد [غافر31] لكمال عدله وغناه ورحمته وقوله وما مسنا من لغوب [ق38] لكمال قدرته وقوله وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء [يونس61] وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء [إبراهيم38] ونظائر ذلك لكمال علمه وقوله(3\/1021)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "874",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4155",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا تدركه الأبصار [الأنعام103] لعظمته وإحاطته بما سواه وأنه أكبر من كل شيء وأنه واسع فيرى ولكن لا يحاط به إدراكا كما يعلم ولا يحاط به علما فيرى ولا يحاط به رؤية فهكذا ليس كمثله شيء هو متضمن لإثبات جميع صفات الكمال على وجه الإجمال وهذا هو المعقول في نظر الناس وعقولهم وإذا قالوا فلان عديم المثل أو قد أصبح ولا مثل له في الناس أو ما له شبيه ولا له من يكافيه إنما يريدون بذلك أنه تفرد من الصفات والأفعال والمجد بما لم يلحقه فيه غيره فصار واحدا من الجنس لا مثيل له ولو أطلقوا ذلك عليه باعتبار نفي صفاته وأفعاله ومجده لكان ذلك عندهم غاية الذم والتنقص له فإذا أطلق ذلك في سياق المدح والثناء لم يشك عاقل في أنه إنما أراد كثرة أوصافه وأفعاله وأسمائه التي لها حقائق تحمل عليها فهل يقول عاقل لمن لا علم له ولا قدرة ولا سمع ولا بصر ولا يتصرف بنفسه ولا يفعل شيئا ولا يتكلم ولا له وجه ولا يد ولا قوة ولا فضيلة من الفضائل إنه لا شبيه له ولا مثل له وإنه وحيد دهره وفريد عصره ونسيج وحده وهل فطر الله(3\/1022)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "875",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4156",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأمم وأطلق ألسنتهم ولغاتهم إلا على ضد ذلك وهل كان رب العالمين أهل الثناء والمجد إلا بأوصاف كماله ونعوت جلاله وأفعاله وأسمائه الحسنى وإلا فبماذا يثني عليه المثنون وبماذا يثني على نفسه أعظم مما يثني به عليه جميع خلقه ولأي شيء يقول أعرف خلقه به quot;لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسكquot; ومعلوم أن هذا الثناء الذي أخبر أنه لا يحصيه لو كان بالنفي لكان هؤلاء أعلم به منه وأشد إحصاء له فإنهم نفوا عنه حقائق الأسماء والصفات نفيا مفصلا وذلك مما يحصيه المحصي بلا كلفة ولا تعب وقد فصله النفاة وأحصوه وحصروه. الوجه الثاني والسبعون: أن الله سبحانه إنما نفى عن نفسه ما يناقض الإثبات ويضاد ثبوت الصفات والأفعال فلم ينف إلا أمرا عدميا أو ما يستلزم العدم فنفى السنة والنوم المستلزم لعدم كمال الحياة والقيومية ونفى العزوب والخفاء المستلزم لنفي كمال العلم ونفي اللغوب المستلزم نفي كمال القدرة ونفي الظلم المستلزم لنفي كمال الغنى والعدل ونفي العبث المستلزم لنفي كمال الحكمة والعلم ونفي(3\/1023)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "876",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4157",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصاحبة والولد المستلزمين لعدم كمال الغنى وكذلك نفي الشريك والظهير والشفيع المقدم بالشفاعة المستلزم لعدم كمال الغنى والقهر والملك ونفي الشبيه والمثيل والكفؤ المستلزم لعدم التفرد بالكمال المطلق ونفي إدراك الأبصار له وإحاطة العلم به المستلزمين لعدم كمال عظمته وكبريائه وسعته وإحاطته وكذلك نفي الحاجة والأكل والشرب عنه سبحانه لاستلزام ذلك عدم غناه الكامل وإذا كان إنما نفى عن نفسه العدم أو ما يستلزم العدم علم أنه أحق بكل وجود وثبوت وكل أمر وجودي لا يستلزم عدما ولا نقصا ولا عيبا وهذا هو الذي دل عليه صريح العقل فإنه سبحانه له الوجود الدائم القديم الواجب لنفسه الذي لم يستفده من غيره ووجود كل موجود مفتقر إليه ومتوقف في تحقيقه عليه والكمال وجود كله والعدم نقص كله فإن العدم كاسمه لا شيء فعاد النفي الصحيح إلى نفي النقائص والعيوب ونفي المماثلة في الكمال وعاد الأمران إلى نفي النقص وحقيقة ذلك نفي العدم وما يستلزم العدم فتأمل هل نفى القرآن والسنة عنه سبحانه سوى ذلك وتأمل هل ينفي العقل الصحيح الذي لم يفسد بشبه هؤلاء الضلال الحيارى غير ذلك فالرسل جاءوا بإثبات ما يضاده وهو سبحانه أخبر أنه لم يكن له كفوا أحد بعد وصفه نفسه بأنه الصمد والصمد السيد الذي(3\/1024)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "877",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4158",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كمل في سؤدده ولهذا كانت العرب تسمي أشرافها بهذا الاسم لكثرة الصفات المحمودة في المسمى به قال شاعرهم: ألا بكر الناعي بخير بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد فإن الصمد من تصمد نحوه القلوب بالرغبة والرهبة وذلك لكثرة خصال الخير فيه وكثرة الأوصاف الحميدة له ولهذا قال جمهور السلف منهم عبد الله بن عباس الصمد السيد الذي كمل سؤدده فهو العالم الذي كمل علمه القادر الذي كملت قدرته الحكيم الذي كمل حكمه الرحيم الذي كملت رحمته الجواد الذي كمل جوده ومن قال إنه الذي لا جوف له فقوله لا يناقض(3\/1025)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "878",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4159",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا التفسير فإن اللفظ من الاجتماع فهو الذي(3\/1026)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "879",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4160",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اجتمعت فيه صفات الكمال ولا جوف له فإنما لم يكن أحد كفوا له لما كان صمدا كاملا في صمديته فلو لم تكن صفات كمال ونعوت جلال ولم يكن له علم ولا قدرة ولا حياة ولا إرادة ولا كلام ولا وجه ولا يد ولا سمع ولا بصر ولا فعل يقوم به ولا يفعل شيئا البتة ولا هو داخل العالم ولا خارجه ولا فوق عرشه ولا يرضى ولا يغضب ولا يحب ولا يبغض ولا هو فعال لما يريد ولا يرى ولا يمكن أن يرى ولا يشار إليه ولا يمكن أن يشار إليه لكان العدم المحض كفوا فإن هذه الصفات منطبقة على المعدوم فلو كان ما يقوله المعطلون هو الحق لم يكن صمدا وكان العدم كفوا له وكذلك قوله: رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا [مريم65] .(3\/1027)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "880",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4161",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأخبر أنه لا سمي له عقيب قول العارفين به وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا [مريم65 , 64] . فهذا الرب الذي له هذا الجند العظيم ولا ينزلون إلا بأمره وهو المالك ما بين أيديهم وما خلفهم وما بين ذلك فهو الذي قد كملت قدرته وسلطانه وملكه وكمل علمه فلا ينسى شيئا أبدا وهو القائم بتدبير أمر السموات والأرض وما بينهما كما هو الخالق لذلك كله وهو ربه ومليكه فهذا الرب هو الذي لا سمي له لتفرده بكمال هذه الصفات والأفعال فأما من لا صفة له ولا فعل ولا حقائق لأسمائه إن هي إلا ألفاظ فارغة من المعاني فالعدم سمي له وكذلك قوله تعالى: ليس كمثله شيء [الشورى11] فإنه سبحانه ذكر ذلك بعد ذكر نعوت كماله وأوصافه فقال حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم(3\/1028)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "881",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4162",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل [الشورى6-1] إلى قوله فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرأكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [الشورى11] . فهذا الموصوف بهذه الصفات والنعوت والأفعال والعلو والعظمة والحفظ والعزة والحكمة والملك والحمد والمغفرة والرحمة والكلام والمشيئة والولاية وإحياء الموتى والقدرة التامة الشاملة والحكم بين عباده وكونه فاطر السموات والأرض وهو السميع البصير فهذا هو الذي ليس كمثله شيء لكثرة نعوته وأوصافه وأسمائه وأفعاله وثبوتها له على وجه الكمال الذي لا يماثله فيه شيء فالمثبت للصفات والعلو والكلام والأفعال وحقائق الأسماء هو الذي يصفه سبحانه بأنه ليس كمثله شيء. وأما المعطل النافي لصفاته وحقائق أسمائه فإن وصفه له بأنه ليس كمثله شيء مجاز لا حقيقة كما يقول في سائر أوصافه وأسمائه ولهذا قال من قال من السلف إن النفاة(3\/1029)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "882",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4163",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جمعوا بين التشبيه والتعطيل فسموا تعطيلهم تنزيها وسموا ما وصف به نفسه تشبيها وجعلوا ما يدل على ثبوت صفات الكمال وكثرتها دليلا على نفيها وتعطيلها وراج ذلك على من لم يجعل الله له نورا واغتر به من شاء الله وهدى الله من اعتصم بالوحي والعقل والفطرة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. الوجه التاسع والسبعون: أنه سبحانه وصف نفسه بأن له المثل الأعلى فقال تعالى للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم [النحل60] وقال تعالى وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم [الروم27] فجعل مثل السوء المتضمن للعيوب والنقائص وسلب الكمال للمشركين وأربابهم وأخبر أن المثل الأعلى المتضمن لإثبات الكمالات كلها له وحده ولهذا كان المثل الأعلى وهو أفعل تفضيل أي أعلى من غيره(3\/1030)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "883",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4164",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكيف يكون أعلى وهو عدم محض ونفي صرف وأي مثل أدنى من هذا تعالى الله عن قول المعطلين علوا كبيرا. فمثل السوء لعادم صفات الكمال ولهذا جعله مثل الجاحدين لتوحيده وكلامه وحكمته لأنهم فقدوا الصفات التي من اتصف بها كان كاملا وهي الإيمان والعلم والمعرفة واليقين والعبادة لله والتوكل عليه والإنابة إليه والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والصبر والرضا والشكر وغير ذلك من الصفات التي اتصف بها من آمن بالآخرة فلما سلبت تلك الصفات عنهم وهي صفات كمال صار لهم مثل السوء فمن سلب صفات الكمال عن الله وعلوه على خلقه وكلامه وعلمه وقدرته ومشيئته وحياته وسائر ما وصف به نفسه فقد جعل له مثل السوء ونزهه عن المثل الأعلى فإن مثل السوء هو العدم وما يستلزمه وضده المثل الأعلى وهو الكمال المطلق المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية التي كلما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان أعلى من غيره ولما كان الرب تعالى هو الأعلى ووجهه الأعلى وكلامه الأعلى وسمعه الأعلى وبصره وسائر صفاته عليا كان له المثل الأعلى وكان أحق به من كل ما سواه بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى اثنان لأنهما(3\/1031)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "884",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4165",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن تكافآ لم يكن أحدهما أعلى من الآخر وإن لم يتكافآفالموصوف بالمثل الأعلى أحدهما وحده يستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير وهذا برهان قاطع من إثبات صفات الكمال على استحالة التمثيل والتشبيه فتأمله فإنه في غاية الظهور والقوة ونظير هذا القهر المطلق مع الوحدة فإنهما متلازمان فلا يكون القهار إلا واحدا إذ لو كان معه كفؤ له فإن لم يقهره لم يكن قهارا على الإطلاق وإن قهره لم يكن كفؤا وكان القهار واحدا فتأمل كيف كان قوله: ليس كمثله شيء [الشورى11] وقوله وله المثل الأعلى [الروم27] من أعظم الأدلة على ثبوت صفات كماله سبحانه فإن قلت قد فهمت هذا وعرفته فما حقيقة المثل الأعلى قلت قد أشكل هذا على جماعة من المفسرين واستشكلوا قول السلف فيه فإن ابن عباس وغيره قالوا مثل السوء العذاب والنار ولله المثل الأعلى شهادة أن لا إله إلا الله وقال قتادة هو الإخلاص والتوحيد(3\/1032)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "885",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4166",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الواحدي هذا قول المفسرين في هذه الآية ولا أدري لم قيل للعذاب مثل السوء وللإخلاص المثل الأعلى قال وقال قوم المثل السوء الصفة السوء من احتياجهم إلى الولد وكراهتهم للإناث خوف العيلة والعار ولله المثل الأعلى الصفة العليا من تنزهه وبراءته عن الولد قال وهذا قول صحيح فالمثل كثيرا ما يرد بمعنى الصفة قاله جماعة من المتقدمين وقال ابن كيسان مثل السوء ما ضرب الله للأصنام وعبدتها من الأمثال والمثل الأعلى نحو قوله الله نور السماوات والأرض مثل نوره [النور35] وقال ابن جرير وله المثل الأعلى نحو قوله هو الأطيب والأفضل والأحسن والأجمل وذلك التوحيد والإذعان له بأنه لا إله غيره.(3\/1033)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "886",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4167",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت المثل الأعلى يتضمن الصفة العليا وعلم العالمين بها ووجودها العلمي والخبر عنها وذكرها وعبادة الرب سبحانه بواسطة العلم والمعرفة القائمة بقلوب عابديه وذاكريه فهاهنا أربعة أمور ثبوت الصفات العليا لله سبحانه في نفس الأمر علمها العباد أو جهلوها وهذا معنى قول من فسره بالصفة. الثاني: وجودها في العلم والتصور وهذا معنى قول من قال من السلف والخلف إنه ما في قلوب عابديه وذاكريه من معرفته وذكره ومحبته وإجلاله وتعظيمه وهذا الذي في قلوبهم من المثل الأعلى لا يشترك فيه غيره معه بل يختص به في قلوبهم كما اختص في ذاته وهذا معنى قول من قال من المفسرين أهل السماء يعظمونه ويحبونه ويعبدونه وأهل الأرض يعظمونه ويجلونه وإن أشرك به من أشرك وعصاه من عصاه وجحد صفاته من جحدها فكل أهل الأرض معظمون له مجلون له خاضعون لعظمته مستكينون لعزته وجبروته قال تعالى: بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون [البقرة116] فلست تجد أحدا من أوليائه وأعدائه إلا والله أكبر في صدره وأكمل وأعظم من كل سواه.(3\/1034)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "887",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4168",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالث: ذكر صفاته والخبر عنها وتنزيهها عن النقائص والعيوب والتمثيل الرابع: محبة الموصوف بها وتوحيده والإخلاص له والتوكل عليه والإنابة إليه وكلما كان الإيمان بالصفات أكمل كان هذا الحب والإخلاص أقوى فعبارات السلف تدور حول هذه المعاني الأربعة لا تتجاوزها وقد ضرب الله سبحانه مثل السوء للأصنام بأنها لا تخلق شيئا وهي مخلوقة ولا تملك لأنفسها ولا لعابديها ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وقال تعالى: ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون [النحل75] . وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم [النحل76] . فهذان مثلان ضربهما لنفسه وللأصنام فللأصنام مثل السوء وله المثل الأعلى وقال تعالى يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين(3\/1035)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "888",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4169",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز [الحج74 , 73] . فهذا المثل الأعلى الذي له سبحانه. والأول مثل السوء للصنم وعابديه وقد ضرب سبحانه للمعارضين بين الوحي وعقولهم مثل السوء بالكلب تارة وبالحمر تارة وبالأنعام تارة وبأهل القبور تارة وبالعمي الصم تارة وغير ذلك من الأمثال السوء التي ضربها لهم ولأوثانهم وأخبر عن مثله الأعلى بما ذكره من أسمائه وصفاته وأفعاله وضرب لأوليائه وعابديه أحسن الأمثال ومن تدبر القرآن فهم المراد بالمثل الأعلى ومثل السوء وبالله التوفيق. الوجه الثمانون: إن كل من عارض بين الوحي والعقل ورد نصوص الكتاب والسنة بالرأي الذي يسميه عقلا لا بد أن ينقض تلك النصوص المخالفة لعقله ويعاديها ويود أنها لم تكن جاءت وإذا سمعها وجد لها على قلبه من الثقل والكراهة(3\/1036)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "889",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4170",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بحسب حاله واشمأز لها قلبه والله يعلم ذلك من قلوبهم وهم يعلمونه أيضا حتى حمل جهما الإنكار والبغض لقوله: الرحمن على العرش استوى [طه5] على أن قال لو أمكنني كشطها من المصحف كشطتها وحمل آخربغض قوله: وكلم الله موسى تكليما [النساء164] على أن حرفها وقرأها بالنصب وكلم الله موسى تكليما أي أن موسى هو الذي كلم الله وخاطبه والله لم يكلمه فقال له أبو عمرو ابن العلاء فكيف تصنع بقوله: ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه [الأعراف143] فبهت المعطل وجرى بيني وبين بعض رؤساء هؤلاء مناظرة في مسألة الكلام فقال نحن وسائر الأمة نقول القرآن كلام الله لا ينازع في هذه الإضافة أحد ولكن(3\/1037)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "890",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4171",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يلزم منها أن يكون الله بنفسه متكلما ولا أنه يتكلم فمن أين لكم ذلك فقال له بعض من كان معي من أصحابنا قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;إذا تكلم الله بالوحيquot; وقالت عائشة ولشأني كان أحقر من أن يتكلم الله في بوحي يتلى فرأيت الجهمي قد عبس وبسر وكلح وزوى وجهه عنه كالذي شم رائحة كريهة أعرض عنها بوجهه أو ذاق طعاما كريها مرا مذاقه وهذا أمر لم يزل عليه كل مبطل إذا واجهته بالحق المخالف له وصدمته به وقل من يتبصر منهم عند الصدمة الأولى ولهذا قال بعض السلف ما ابتدع أحد بدعة إلا خرجت حلاوة الحديث من قلبه وقال بعض رؤساء الجهمية إما بشر المريسي أو غيره ليس شيء أبغض لقولنا من القرآن فأقروا به ثم أولوه وقال بشر أيضا إذا احتجوا عليكم بالقرآن فغالطوهم بالتأويل وإذا احتجوا بالأخبار فادفعوها(3\/1038)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "891",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4172",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالتكذيب وقال الإمام أحمد قل من نظر في الكلام إلا وفي قلبه غل على الإسلام. وجاء أفضل متأخريهم فنصب على حصون الوحي أربعة مجانيق. الأول: أنها أدلة لفظية لا تفيد اليقين الثاني: أنها مجازات واستعارات لا حقيقة لها الثالث: أن العقل عارضها فيجب تقديمه عليها الرابع: أنها أخبار آحاد وهذه المسائل علمية فلا يجوز أن يحتج فيها بالأخبار ولهذا تجد كثيرا من هؤلاء لا يحب تبليغ النصوص النبوية أو إظهارها وإشاعتها وقد يشترطون في أماكن يقفونها أن لا يقرأ فيها أحاديث الصفات وكان بعض متأخريهم وهو أفضلهم عندهم كلف بإعدام(3\/1039)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "892",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4173",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كتب السنة المصنفة في الصفات وكتمانها وإخفائها وبلغني عن كثير منهم أنه كان يهم بالقيام والانصراف عند ختم صحيح البخاري وما فيه من التوحيد والرد على الجهمية وسمع منه الطعن في محمد بن إسماعيل وما ذنب البخاري وقد بلغ ما قاله رسول الله وقال آخر من هؤلاء لقد شان البخاري صحيحه بهذا الذي أتى به في آخره ومعلوم أن هذه مضادة صريحة لما يحبه الله ورسوله من التبليغ عنه حيث يقول: quot; ليبلغ الشاهد الغائبquot;. وقال: quot;بلغوا عني ولو آيةquot; وقال: quot;نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه إلى من لم يسمعه فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منهquot; وقد ذم الله في(3\/1040)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "893",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4174",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كتابه الذين يكتمون ما أنزله من البينات والهدى وهؤلاء يختارون كتمان ما أنزل الله لأنه يخالف ما يقولونه ويعارض ما حكمت به عقولهم وآراؤهم وهؤلاء الذين قال فيهم عمر إنهم أعداء السنن يوضحه. الوجه الحادي والثمانون: أن كل من أبغض شيئا من نصوص الوحي ففيه من عداوة الله ورسوله بحسب ذلك ومن أحب نصوص الوحي ففيه من ولاية الله ورسوله بحسب ذلك وأصل العداوة والبغض كما أن أصل الولاية الحب قال عبد الله بن مسعود لا يسأل أحدكم عن نفسه غير القرآن فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله ومن تأمل قوله تعالى: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الأنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا [الأنعام112] .(3\/1041)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "894",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4175",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجده منطبقا على هؤلاء أتم انطباق فإنهم يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا والزخرف هو الكلام المزين كما يزين الشيء بالزخرف وهو الذهب وهو الغرور لأنه يغر المستمع والشبهات المعارضة للوحي هي كلام زخرف يغر المستمع: ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون [الأنعام113] . فانظر إلى إصغاء المستجيبين لهؤلاء ورضاهم بذلك واقترافهم المترتب عليه فتأمل الوجه الثاني والثمانون: وهو قوله تعالى أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا [الأنعام114] وهذا يبين أن الحكم بين الناس هو الله عز وجل وحده بما أنزله من الكتاب المفصل كما قال في الآية الأخرى وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله [الشورى10] وقال تعالى(3\/1042)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "895",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4176",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه [البقرة213] وقال تعالى إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله [النساء105] وقال فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [النساء65] فقوله أفغير الله أبتغي حكما [الأنعام114] استفهام إنكار يقول كيف أطلب حكما غير الله وقد أنزل كتابا مفصلا فإن قوله وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا جملة في موضع الحال وقوله مفصلا يبين أن الكتاب الحاكم مفصل بين ضد ما يصفه به من يزعم أن عقول الرجال وآراءهم تعارض بعض نصوصه وإن نصوصه خيلت وأفهمت خلاف الحق لمصلحة المخاطب وإن لها معان لا تفهم ولا يعلم المراد منها أو أن لها تأويلات باطلة خلاف ما دلت عليه ظواهرها(3\/1043)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "896",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4177",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهؤلاء كلهم ليس الكتاب عندهم مفصلا بل مجمل ما دل أو لا يعلم المراد منه خلاف ظاهره أو إفهام خلاف الحق ثم قال والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين [الأنعام114] وذلك أن الكتاب الأول مصدق للقرآن فمن نظر فيه علم علما يقينا أن هذا وهذا من مشكاة واحدة لا سيما في باب التوحيد والأسماء والصفات فإن التوراة مطابقة للقرآن في ذلك موافقة له وهذا يدل على أن ما في التوراة من ذلك ليس هو من المبدل المحرف الذي أنكره الله عليهم بل هو من الحق الذي شهد للقرآن وصدقه ولهذا لم ينكر النبي عليهم ما في التوراة من الصفات ولا عابهم به ولا جعله تشبيها وتجسيما وتمثيلا كما فعل كثير من النفاة وقالوا اليهود أمة التشبيه والتجسيم ولا ذنب لهم في ذلك فإنهم فسروا ما في التوراة فالذي عابهم الله به من تأويل التحريف والتبديل لم يعبهم به المعطلة النفاة بل شاركوهم فيه والذي استشهد الله سبحانه على نبوة رسوله به من موافقة(3\/1044)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "897",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4178",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما عندهم من التوحيد والصفات عابوهم به ونسبوهم فيه إلى التجسيم والتشبيه وهذا ضد ما كان عليه الرسول وأصحابه فإنهم كانوا إذا ذكروا له شيئا من هذا الذي تسميه المعطلة تجسيما وتشبيها صدقهم عليه أو أقرهم ولم ينكره كما صدقهم في خبر الحبر المتفق على صحته من حديث عبد الله بن مسعود وضحك تعجبا وتصديقا له وفي غير ذلك ثم قال: وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته [الأنعام115] فقرر أن ما أخبر به فهو صدق وما أمر به فهو عدل وهذا يبين أن ما في النصوص من الخبر فهو صدق علينا أن نصدق به لا نعرض عنه ولا نعارضه ومن دفعه أو عارضه بعقله لم يصدق به ولو صدقه تصديقا(3\/1045)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "898",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4179",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مجملا ولم يصدقه تصديقا مفصلا في أعيان ما أخبر به لم يكن مؤمنا ولو أقر بلفظه مع جحد معناه أو حرفه إلى معان أخر غير ما أريد به لم يكن مصدقا بل هو إلى التكذيب أقرب. الوجه الثالث والثمانون: أنه سبحانه أخبر أن كل حكم خالف حكمه الذي أنزله على رسوله فهو من أحكام الهوى لا من أحكام العقل وهو من أحكام الجاهلية لا من حكم العلم والهدى فقال تعالى: وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون [المائدة50 , 49] فأخبر سبحانه وتعالى أنه ليس وراء ما أنزله إلا اتباع الهوى الذي يضل عن سبيله وليس وراء حكمه إلا حكم الجاهلية وكل هذه الآراء والمعقولات المخالفة لما جاء به الرسول هي من قضايا الهوى وأحكام الجاهلية وإن سماها أربابها بالقواطع العقلية والبراهين اليقينية كتسمية المشركين أوثانهم وأصنامهم آلهة وتسمية المنافقين السعي في الأرض بالفساد وصد القلوب عن الإيمان إصلاحا وإحسانا وتوفيقا وقال تعالى:(3\/1046)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "899",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4180",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين [القصص50] . وقال ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير [البقرة120] وقال ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين [البقرة145] وقال فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم [الشورى15] وقال ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون [الأنعام150] وهؤلاء وإن أقروا بألفاظ الوحي فقد كذبوا بمعاني آياته وجحدوا حقائقها ولهذا اتفق السلف على تسميتهم(3\/1047)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "900",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4181",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أهل الأهواء وأخبروا أن سبب ظهورهم خفاء السنن كما قال عبد الله بن المبارك إذا خفيت السنة ظهرت الأهواء وإذا قل العلم ظهر الجفاء بل أهل الأهواء أحسن حالا من المعارضين للوحي بعقولهم فإنهم عند السلف إنما سموا أهل الأهواء لأنهم تأولوا النصوص على تأويلات نزلوها على أهوائهم وهؤلاء عارضوا بينها وبين معقولاتهم. الوجه الرابع والثمانون: أن من عارض نصوص الوحي بالعقل لزمه لازم من خمسة لا محيد له البتة إما تكذيبها أو كتمانها وإما تحريفها وإما تخييلها وإما تجهيلها وهو نسبة المصدقين لها إلى الجهل إما البسيط وإما المركب وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم. وبيان الملازمة أنه إذا اعتقد أن العقل يخالف ظاهرها فقد اعتقد أن ظاهرها باطل ومحال فإما أن يقر بلفظها وأن الرسول جاء به أو لا فإن لم يقر بذلك فهو مكذب وإن أقر بألفاظها فإما أن يقر بأنه أراد معانيها وحقائقها أم لا فإن أقر بذلك لزمه اعتقاد التخييل فيها والخطاب الجمهوري وإن لم يقر بأنه أراد حقائقها وما دلت عليه فإما أن يقول إنه أراد خلاف ظواهرها وحقائقها أو لا فإن قال أراد خلاف حقائقها وظواهرها لزمه التحريف والتأويل(3\/1048)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "901",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4182",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباطل وإن قال لم يرد ذلك فإما أن يقول لم يرد بها معنى أصلا بل هي بمنزلة الألفاظ المهملة التي لا معنى لها أو يقول أراد بها معنى لا يفهمه ولا يعرفه وهذا هو التجيهل وقد ذهب إلى كل تقدير من هذه التقادير طائفة من الناس وقد ذم الله سبحانه الجميع قال تعالى: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون [البقرة79-75] . فذم سبحانه وتعالى المحرفين لكتابه والأميين الذين لا يعلمون منه إلا مجرد التلاوة وهي الأماني والذين يكتبون فيكتبون الباطل ويقولون هذا حق وهو من عند الله وذم في عدة مواضع الذين يكتمون ما أنزله من الكتاب والبينات والهدى وهذه الأنواع الأربعة المذمومة موجودة في هؤلاء المعرضين عن نصوص الوحي المعارضين لها بآرائهم(3\/1049)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "902",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4183",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعقولهم وأهوائهم فإنهم تارة يكتمون الأحاديث والآيات المخالفة لأقوالهم ومنهم طوائف تضع أحاديث على وفق مذاهبهم وأهوائهم في الأصول والفروع ويقولون هذا من عند الله وتارة يضعون كتبا بآرائهم وعقولهم وأذواقهم وخيالاتهم ويدعون أنها الدين الذي يجب اتباعه ويقدمونها على نصوص الوحي. وأما تحريفهم للنصوص بأنواع التأويلات الفاسدة التي يحرفون بها الكلم عن مواضعه فأكثر وأشهر من أن تذكر كتأويلات القرامطة والباطنية والفلاسفة والرافضة والجهمية والقدرية. وأما التخييل فكثير منهم يصرحون بأن الرسل قصدت من النصوص إفهام خلاف الحق للمصلحة الجمهورية. وأما التجهيل فكثير منهم يصرحون بأن هذه النصوص لا معنى لها وإنما هي ألفاظ مجردة ومن أحسن منهم وأجمل يقول لها معان استأثر الله بعلمها ولم يجعل لنا سبيلا إلى العلم بها وأكثر هذه الطوائف لا يعرف الحديث(3\/1050)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "903",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4184",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يسمعه وكثير منهم لا يصدق به إذا سمعه ثم إذا صدقوا به فإن تحريفهم له وإعراضهم عن معانيه أعظم من تحريف القرآن والإعراض عنه ولهذا يقر بعض هؤلاء بما في القرآن من الصفات دون ما في الحديث وحده. الوجه الخامس والثمانون: إن المعارضين للوحي ب آرائهم خمس طوائف: طائفة عارضته بعقولهم في الخبريات وقدمت عليه العقل فقالوا لأصحاب الوحي لنا العقل ولكم النقل. وطائفة عارضته بآرائهم وقياساتهم فقالوا لأهل الحديث لكم الحديث ولنا الرأي والقياس. وطائفة عارضته بحقائقهم وأذواقهم وقالوا لكم الشريعة ولنا الحقيقة. وطائفة عارضته بسياساتهم وتدبيرهم فقالوا أنتم أصحاب الشريعة ونحن أصحاب السياسة. وطائفة عارضته بالتأويل الباطن فقالوا أنتم أصحاب الظاهر ونحن أصحاب الباطن. ثم إن كل طائفة من هذه الطوائف لا ضابط لما تأتي به من ذلك بل ما تأتي به تبع لأهوائها كما قال تعالى:(3\/1051)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "904",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4185",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم [القصص50] وقال وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم [المائدة49] فما هو إلا الهوى أو الوحي كما قال تعالى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى [النجم4 , 3] فجعل النطق نوعين نطقا عن الوحي ونطقا عن الهوى ثم إذا رد على كل من هؤلاء باطله رجع إلى طاغوته وقال في العقل مالا يقتضيه النقل وقال الآخر في الرأي والقياس مالا يجيزه الحديث وقال الآخر في الذوق والحقيقة مالا تسوغه الشريعة وقال الآخر في السياسة ما تمنع منه الشريعة وقال الآخر في الباطن ما يكذبه الظاهر فباطل هؤلاء كلهم لا ضابط له بخلاف الوحي فإنه أمر مضبوط مطابق لما عليه الأمر في نفسه تلقاه الصادق المصدوق من لدن حكيم عليم. الوجه السادس والثمانون: أن الصحابة كانوا يستشكلون بعض النصوص فيه فيوردون إشكالاتهم على النبي فيجيبهم عنها وكانوا يسألونه عن الجمع بين النصوص التي(3\/1052)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "905",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4186",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يوهم ظاهرها التعارض ولم يكن أحد منهم يورد عليه معقولا يعارض النص البتة ولا عرف فيهم أحد وهم أكمل الأمم عقولا عارض نصا بعقله يوما من الدهر وإنما حكى الله سبحانه ذلك عن الكفار كما تقدم وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;من نوقش الحساب عذبquot; فقالت عائشة يا رسول الله أليس الله يقول: فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا [الانشقاق8 , 7] فقال: quot;بلى ولكن ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذبquot; فأشكل عليها الجمع بين النصين حتى بين لها أنه لا تعارض بينهما وأن الحساب اليسير هو العرض الذي لا بد أن يبين الله فيه لكل عامل عمله كما قال تعالى: يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية [الحاقة18] حتى إذا ظن أنه لن ينجو نجاه الله تعالى بعفوه ومغفرته ورحمته فإذا ناقشه الحساب عذبه ولا بد ولما قال لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة قالت له حفصة أليس الله يقول:(3\/1053)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "906",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4187",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن منكم إلا واردها [مريم71] قال ألم تسمعي قوله تعالى ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا [مريم72] فأشكل عليها الجمع بين النصين وظنت الورود دخولها كما يقال ورد المدينة إذا دخلها فأجاب النبي بأن ورود المتقين غير ورود الظالمين فإن(3\/1054)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "907",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4188",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المتقين يردونها ورودا ينجون به من عذابها والظالمين يردونها ورودا يصيرون جثيا فيها به فليس الورود كالورود وقال عمر يوم الحديبية ألم تكن تحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف به فقال: quot;هل قلت لك إنك تدخله العامquot; قال لا قال: quot; فإنك آتيه ومطوف به quot; فأشكل على عمر رجوعهم عام الحديبية ولم يدخلوا المسجد الحرام ولا طافوا بالبيت وظن أن الدخول والطواف الذي بشرهم به ووعدهم النبي بذلك العام فبين له أن اللفظ مطلق لا دليل فيه على ذلك العام بعينه فتنزيله على ذلك العام غلط فرجع عمر وعلم أنه غلط في فهمه ولما أنزل الله عز وجل: ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به [النساء123] قال أبو بكر الصديق يا رسول الله جاءت قاصمة الظهر وأينا لم يعمل سوءا فقال: quot;يا أبا بكر ألست(3\/1055)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "908",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4189",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تنصب ألست تحزن أليست تصيبك اللأواء قال بلى قال فذلك مما تجزون بهquot; فأشكل على الصديق أمر النجاة مع هذه الآية وظن أن الجزاء في الآخرة ولا بد فأخبره النبي أن جزاءه وجزاء المؤمنين بما يعملونه من السوء في الدنيا بما يصيبهم من النصب والحزن والمشقة واللأواء فيكون ذلك كفارة لسيئاتهم ولا يعاقبون عليها في الآخرة وهذا مثل قوله: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم [الشورى30] ومثل قوله ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك [النساء79](3\/1056)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "909",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4190",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم [آل عمران165] وإن كان قوله من يعمل سوءا يجز به [النساء123] أعم لأنه يتناول الجزاء في الدنيا والآخرة ولما نزل قوله تعالى الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون [الأنعام82] قال الصحابة وأينا يا رسول الله لم يلبس إيمانه بظلم قال ذلك الشرك ألم تسمعوا قول العبد الصالح إن الشرك لظلم عظيم [لقمان13] فلما أشكل عليهم المراد بالظلم وظنوا أن ظلم النفس داخل فيه وأن من ظلم نفسه أي ظلم كان لا يكون آمنا أجابهم بأن الظلم الرافع للأمن والهداية على الإطلاق هو الشرك وهذا والله الجواب الذي يشفي العليل ويروي الغليل فإن الظلم المطلق التام هو الشرك الذي هو وضع العبادة في غير موضعها(3\/1057)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "910",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4191",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والأمن والهدى المطلق هو الأمن في الدنيا والآخرة والهدى إلى الصراط المستقيم فالظلم المطلق التام مانع من الأمن والهدى المطلق ولا يمنع ذلك أن يكون مطلق الظلم مانعا من مطلق الأمن ومطلق الهدى فتأمله. فالمطلق للمطلق والحصة للحصة ولما أنزل الله سبحانه قوله لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء [البقرة284] أشكل ذلك على بعض الصحابة وظنوا أن ذلك من تكليفهم مالا يطيقونه فأمرهم النبي أن يقابلوا النص بالقبول لا بالعصيان فبين الله سبحانه وتعالى بعد ذلك أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها وأنه لا يؤاخذهم بما نسوه وأخطأوا فيه وأنه لا يحمل عليهم إصرا كما حمله على الذين من قبلهم وأنه لا يحملهم مالا طاقة لهم به وأنهم إن قصروا في بعض ما أمروا به أو نهوا عنه ثم استعفوه واستغفروه عفى عنهم وغفر لهم ورحمهم فانظر ماذا أعطاهم الله لما قابلوا خبره بالرضا(3\/1058)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "911",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4192",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتسليم والقبول والانقياد دون المعارضة والرد ومن ذلك أن عائشة لما سمعت قوله إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه عارضته بقوله تعالى: ولا تزر وازرة وزر أخرى [الأنعام164] ولم تعارضه بالعقل بل غلطت الراوي والصواب عدم المعارضة وتصويب الرواة فإنهم ممن لا يتهم وهم عمر وابنه والمغيرة بن شعبة وغيرهم والعذاب الحاصل للميت ببكاء أهله عليه وهو تألمه وتأذيه ببكائهم عليه والوزر المنفي حمل غير صاحبه له هو عقوبة البريء وأخذه بجريمة غيره وهذا لا ينفي تأذي البريء السليم بمصيبة غيره فالقوم لم يكونوا يعارضون النصوص بعقولهم وآرائهم وإن كانوا يطلبون الجمع بين نصين يوهم ظاهرهما التعارض ولهذا لما عارض بلال بن عبد الله قوله صلى(3\/1059)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "912",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4193",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله عليه وسلم: quot;لا تمنعوا إماء الله مساجد الله quot; برأيه وعقله وقال والله لنمنعهن أقبل عليه أبوه عبد الله فسبه سبا ما سبه مثله وقال أحدثك عن رسول الله وتقول والله لنمنعهن ولما حدث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: quot;إن الحياء خير كلهquot; فعارضه معارض بقوله إن منه وقارا ومنه ضعفا فاشتد غضب عمران بن حصين وقال أحدثك عن رسول الله وتقول منه كذا ومنه كذا وظن أن المعارض زنديق(3\/1060)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "913",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4194",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقيل له يا عبد الله لا بأس به ولما حدث عبادة بن الصامت بقول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;الفضة بالفضة ربا إلا هاء وهاءquot; الحديث قال معاوية ما أرى بهذا بأسا يعني بيع آنية الفضة بالفضة متفاضلا غضب عبادة وقال تراني أقول قال رسول الله وتقول ما أرى بهذا بأسا لا أساكنك بأرض أنت بها أبدا ومعاوية لم يعارض النص بالرأي وكان أتقى لله من ذلك وإنما خصص عمومه وقيد مطلقه بهذه الصورة وما شابهها ورأى أن التفاضل في مقابل أثر الصنعة لم يدخل في الحديث وهذا مما يسوغ فيه الاجتهاد وإنما أنكر عليه عبادة مقابلته لما رواه بهذا الرأي ولو قال له نعم حديث رسول الله على الرأس والعين ولا يجوز مخالفته بوجه ولكن هذه الصورة لا تدخل في لفظه فإنه إنما قال: quot;الفضة بالفضة مثلا بمثل وزنا بوزنquot; وهذه الزيادة ليست في مقابلة الفضة وإنما هي في مقابلة الصنعة ولا تذهب الصنعة هدرا لما أنكر عليه عبادة فإن هذا من تمام فهم النصوص وبيان ما أريد بها كما أنه هو(3\/1061)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "914",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4195",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومعاذ بن جبل وغيرهما من الصحابة لما ورثوا المسلم من الكافر ولم يورثوا الكافر من المسلم لم يعارضوا قوله: quot;لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلمquot; بآرائهم وعقولهم بل قيدوا مطلق هذا اللفظ أو خصوا عمومه وظنوا أن المراد به الحربي كا فعل ذلك بعض الفقهاء بقوله لا يقتل مسلم بكافر حيث حملوه على الحربي دون الذمي والمعاهد والصحابة في ذلك التقييد والتخصيص أعذر من هؤلاء من وجوه كثيرة ليس هذا موضعها وقد كان السلف يشتد عليهم معارضة النصوص بآراء الرجال ولا يقرون المعارض على ذلك وكان(3\/1062)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "915",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4196",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبد الله بن عباس يحتج في مسألة متعة الحج بسنة رسول الله وأمره لأصحابه بها فيقولون له إن أبا بكر وعمر أفردا الحج ولم يتمتعا فلما أكثروا عليه قال يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول لكم قال رسول الله وتقولون قال أبو بكر وعمر فرحم الله ابن عباس كيف لو رأى أقواما يعارضون قول الله ورسوله بقول أرسطو وأفلاطون وابن سينا والفارابي وجهم بن صفوان وبشر المريسي وأبي الهذيل العلاف وأضرابهم. ولقد سئل عبد الله بن عمر عن متعة الحج فأمر بها فقيل له إن أباك نهى عنها فقال إن أبي لم يرد ما تقولون فلما أكثروا عليه قال أفرسول الله أحق أن تتبعوا أم عمر ولما حدث حماد عن ثابت عن أنس(3\/1063)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "916",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4197",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن النبي في تفسير قوله فلما تجلى ربه للجبل [الأعراف143] قال وضع إصبعه على طرف خنصره فساخ الجبل أنكر عليه بعض الحاضرين وقال أتحدث بهذا فضرب حماد في صدره وقال أحدثك عن ثابت عن أنس عن النبي وتقول أتحدث بهذا وهذا(3\/1064)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "917",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4198",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كثير جدا لا يتسع له هذا الموضع فكانت نصوص رسول الله أجل في صدورهم وأعظم في قلوبهم من أن يعارضوها بقول أحد من الناس كائنا من كان ولا يثبت قدم الإيمان إلا على ذلك وفتح باب هذه المعارضة الباطلة سد لباب الإيمان والله المستعان. الوجه السابع والثمانون: إن حقيقة قول المعارضين بين النصوص الإلهية النبوية وآراء الرجال وتقديم الآراء عليها أن لا يحتج بالقرآن والسنة على شيء من المسائل العلمية بل ولا يستفاد التصديق الجازم بشيء من أخبار الله ورسوله البتة فإذا جاز أن يكون فيما أخبر الله به ورسوله في الكتاب والسنة أخبار يعارضها صريح العقل ويجب تقديم العقل عليها من غير بيان من الله ورسوله للحق الذي يطابق مدلول العقل ولا لمعاني تلك الأخبار المناقضة لصريح العقل فالإنسان لا يخلو من حالين:(3\/1065)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "918",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4199",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنه إذا سمع النصوص التي أخبر الله ورسوله فيها عما لا يدركه عقله فإما أن يقدر أن له رأيا مخالفا للنص أو ليس له رأي يخالفه فإن كان عنده معقول بزعمه يناقض خبر الله ورسوله قدم معقوله وألقى خبر الله ورسوله وحينئذ فكل من اقتضى عقله مناقضة خبر من أخبار الله ورسوله قدم عقله ولم يستفد بخبر الرسول العلم بثبوت مخبره ولم يستفد منه فائدة علمية بل غايته أن يستفيد إتعاب قلبه وإعمال فكره فيما يحتمله ذلك اللفظ من المعاني التي لا يدل عليها الخطاب ليصرف دلالة الخطاب إليها ومعلوم أن المقصود من الخطاب الإفهام وهذا لم يستفد من الخطاب الإفهام ولا الصواب فإن الحق إنما استفاده من عقله والمعنى الذي دل عليه الخطاب الدلالة المألوفة لم يقصد بالخطاب إفهامه والمعنى البعيد الذي صرف اللفظ إليه وحمله عليه وهو عالم بثبوته بدون الخطاب فلم يكن في خطاب الله ورسوله عند هؤلاء فائدة علمية البتة ولقد صرحوا بهذا وقالوا المقصود تعريض متأوليه للثواب ومضمون هذا أن نصوص الوحي إنما أفادت تضليل الإنسان وإتعاب الأذهان والتفريق بين أهل الإيمان وإلقاء العداوة بينهم والشنآن وتمكين أهل الإلحاد من الطعن في القرآن والإيمان(3\/1066)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "919",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4200",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا إن كان في عقله معارض لخبر الله ورسوله وإن لم يكن عنده معقول يعارض النصوص لم يجزم بأنه ليس في عقول جميع الناس ما يعارض ذلك الخبر وعدم العلم بالمعارض لا يستلزم العلم بعدمه فهو يجوز أن يكون ثم معارض ولا علم له به وهذا يمنع الجزم بالتصديق قطعا كما تقدم التنبيه عليه فظهر أن هذه الطريقة تمنع التصديق الجازم فيما أخبر به الرسول من الغيب وتحول بين القلب وبين الإيمان. وسر المسألة أنه متى جوز أن يكون في العقل ما يناقض خبر الله ورسوله امتنع منه الإيمان الجازم. والإيمان اليقيني الجازم وهذا التجويز لا يجتمعان أبدا يوضحه. الوجه الثامن والثمانون: أن المعقولات ليس لها ضابط يضبطها ولا هي منحصرة في نوع معين فإنه ما من أمة من الأمم إلا ولهم عقليات يختصون بها فللفرس عقليات وللهند عقليات ولليونان عقليات وللمجوس عقليات وللصابئة عقليات بل كل طائفة من هذه الطوائف ليسوا متفقين على العقليات بل بينهم فيها من الاختلاف والتباين ما هو معروف عند المعتنين به ونحن نعفيكم من المعقولات(3\/1067)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "920",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4201",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واضطرابها ونحاكمكم إلى المعقولات التي في هذه الأمة فإنه ما من مدة من المدد وإلا وقد ابتدعت فيها بدع يزعم أربابها أن العقل دل عليها ونحن نسوق لك الأمر من أوله إلى أن يصل إليك بعون الله وحسن توفيقه فنقول لما أظلمت الأرض وبعد عهد أهلها بنور الوحي وتفرقوا في الباطل فرقا وأحزابا لا يجمعهم جامع ولا يحصيهم إلا الذي خلقهم فإنهم فقدوا نور النبوة ورجعوا إلى مجرد العقول فكانوا كما قال النبي فيما يروي عن ربه أنه قال إني خلقت عبادي حنفاء وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب فكان أهل العقول كلهم في مقته إلا بقايا متمسكين بالوحي فلم يستفيدوا بعقولهم حين فقدوا نور الوحي إلا عبادة الأوثان أو الصلبان أو النيران أو الكواكب والشمس والقمر أو الحيرة والشك أو السحر أو تعطيل الصانع والكفر به فاستفادوا بها مقت الرب سبحانه لهم وإعراضه عنهم فأطلع الله شمس الرسالة في تلك الظلم سراجا منيرا وأنعم بها على أهل الأرض في عقولهم وقلوبهم(3\/1068)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "921",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4202",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومعاشهم ومعادهم نعمة لا يستطيعون لها شكورا فأبصروا بنور الوحي مالم يكونوا بعقولهم يبصرونه ورأوا في ضوء الرسالة لما لم يكونوا بآرائهم يرونه فكانوا كما قال الله تعالى: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة257] وقال الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد [إبراهيم1] وقال وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الأيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا [الشورى52] وقال أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها [الأنعام122] فمضى الرعيل الأول في ضوء ذلك النور لم تطفئه عواصف الأهواء ولم تلتبس به ظلم الآراء وأوصوا من بعدهم أن لا يفارقوا النور الذي اقتبسوه منهم وأن لا يخرجوا عن طريقهم فلما كان في أواخر عصرهم حدثت(3\/1069)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "922",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4203",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشيعة والخوارج والقدرية والمرجئة فبعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل الأمة ومع هذا فلم يفارقوه بالكلية بل كانوا للنصوص معظمين وبها مستدلين ولها على العقول والآراء مقدمين ولم يدع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص وإنما أتوا من سوء الفهم فيها والاستبداد بما ظهر لهم منها دون من قبلهم ورأوا أنهم إن اقتفوا أثرهم كانوا مقلدين لهم فصاح بهم من أدركهم من الصحابة وكبار التابعين من كل قطر ورموهم بالعظائم وتبرأوا منهم وحذروا من سبيلهم أشد التحذير ولا يرون السلام عليهم ولا مجالستهم وكلامهم فيهم معروف في كتب السنة وهو أكثر من أن يذكر هاهنا فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي ومع هذا كانوا قليلين أولا مقموعين مذمومين عند الأئمة وأولهم(3\/1070)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "923",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4204",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شيخهم الجعد بن درهم وإنما نفق عند الناس بعض الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه ولهذا كان يسمى مروان الجعدي وعلى رأسه سلب الله بني أمية الملك والخلافة وشتتهم في البلاد ومزقهم كل ممزق ببركة شيخ المعطلة النفاة فلما اشتهر أمره في المسلمين طلبه خالد بن عبد الله القسري وكان أميرا على العراق حتى ظفر به فخطب الناس في يوم الأضحى وكان آخر ما قال في خطبته أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليما ولم يتخذ إبراهيم خليلا تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه في أصل المنبر فكان ضحية(3\/1071)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "924",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4205",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم طفئت تلك البدعة فكانت كأنها حصاة رمي بها والناس إذ ذاك عنق واحد أن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه موصوف بصفات الكمال ونعوت الجلال وأنه كلم عبده ورسوله موسى تكليما وتجلى للجبل فجعله دكا هشيما إلى أن جاء أول المائة الثالثة وولي على الناس عبد الله المأمون وكان يحب أنواع العلوم وكان مجلسه عامرا بأنواع المتكلمين في العلوم فغلب عليه حب المعقولات فأمر بتعريب كتب يونان وأقدم لها المترجمين من البلاد فعربت له واشتغل بها الناس والملك سوق ما سوق فيه جلب إليه فغلب على مجلسه جماعة ممن الجهمية مما كان أبوه الرشيد قد أقصاهم وتبعهم بالحبس والقتل فحشوا بدعة التجهم في أذنه وقلبه فقبلها واستحسنها ودعا الناس إليها وعاقبهم عليها فلم تطل مدته فصار الأمر بعده إلى المعتصم وهو الذي ضرب الإمام أحمد بن حنبل فقام بالدعوة بعده والجهمية تصوب فعله وتدعوه إليه وتخبره أن ذلك هو تنزيه الرب عن التشبيه والتمثيل والتجسيم وهم الذين قد غلبوا على قربه ومجلسه والقضاة والولاة منهم فإنهم تبع لملوكهم ومع هذا فلم يكونوا يتجاسرون(3\/1072)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "925",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4206",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على إلغاء النصوص وتقديم الآراء والعقول عليها فإن الإسلام كان في ظهور وقوة وسوق الحديث نافقة ورؤوس السنة على ظهر الأرض ولكن كانوا على ذلك يحومون وحوله يدندنون وأخذوا الناس بالرغبة والرهبة فمن بين أعمى مستجيب ومن بين مكره مقيد نفسه منهم بإعطاء ما سألوه وقلبه مطمئن بالإيمان وثبت الله أقواما جعل قلوبهم في نصر دينه أقوى من الصخر وأشد من الحديد وأقامهم لنصر دينه وجعلهم أئمة يقتدي بهم المؤمنون لما صبروا وكانوا بآياته يوقنون فإنه بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين قال الله تعالى: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون [السجدة24] . فصبروا من الجهمية على الأذى الشديد ولم يتركوا سنة رسول الله لما أرغبوهم به من الوعد وما تهددوهم به من الوعيد ثم أطفأ الله برحمته تلك الفتنة وأخمد تلك الكلمة ونصر السنة نصرا عزيزا وفتح لأهلها فتحا مبينا حتى خرج بها على رؤوس المنابر ودعي إليها في كل باد وحاضر وصنف ذلك الزمان في(3\/1073)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "926",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4207",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السنة مالا يحصيه إلا الله ثم انقضى ذلك العصر وأهله وقام بعدهم ذريتهم يدعون إلى كتاب الله وسنة رسوله على بصيرة إلى أن جاء ما لا قبل لأحد به وهم جنود إبليس حقا المعارضون لما جاءت به الرسل بعقولهم وآرائهم من القرامطة والباطنية والملاحدة ودعوتهم إلى العقل المجرد وأن أمور الرسل تعارض المعقول فهم القائمون بهذه الطريقة حق القيام بالقول والفعل فجرى على الإسلام وأهله منهم ما جرى وكسروا عسكر الخليفة مرارا عديدة وقتلوا الحاج قتلا ذريعا وانتهوا إلى مكة فقتلوا بها من وصل من الحاج إليها وقلعوا الحجر الأسود من مكانه وقويت شوكتهم واستفحل أمرهم وعظمت بهم الرزية واشتدت بهم البلية وأصل طريقهم أن الذي أخبرت به الرسل قد عارضه العقل وإذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل قالوا فنحن أنصار العقل الداعون إليه المخاصمون به المحاكمون إليه وفي زمانهم استولى الكفار على كثير من بلاد الإسلام في الشرق والغرب وكاد الإسلام أن ينهد ركنه لولا دفاع الذي ضمن حفظه إلى أن يرث الأرض ومن عليها ثم خمدت دعوة هؤلاء في(3\/1074)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "927",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4208",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المشرق وظهرت من المغرب قليلا قليلا حتى استفحلت وتمكنت واستولى أهلها على كثير من بلاد المغرب ثم أخذوا يطوون البلاد حتى وصلوا إلى بلاد مصر فملكوها وبنوا بها القاهرة وأقاموا على هذه الدعوة مصرحين بها غير متحاشين منها هم وولاتهم وقضاتهم وأتباعهم وفي زمانهم صنفت رسائل إخوان الصفا والإشارات والشفا وكتب ابن سينا فإنه قال كان أبي من أهل الدعوة الحاكمية وعطلت في زمانهم السنة وكتبها والآثار جملة إلا في الخفية بحيث يكون قارؤها وذاكرها وكاتبها على أعظم خطر وشعار هذه الدعوة تقديم العقل على الوحي واستولوا على بلاد المغرب ومصر والشام والحجاز واستولوا على العراق سنة وأهل السنة فيهم كأهل الذمة بين المسلمين بل كان لأهل الذمة من الأمان والجاه والعز عندهم مالا يصل إليه أحد من أهل السنة ولا يطمع فيه فكم أغمدت سيوفهم في أعناق العلماء وكم مات في(3\/1075)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "928",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4209",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سجونهم من ورثة الأنبياء وكم ماتت بهم سنة وقامت بهم بدعة وضلالة حتى استنقذ الله الأمة والملة من أيديهم في أيام نور الدين وابن أخيه صلاح الدين فأبل الإسلام من علته بعدما وطن المسلمون أنفسهم على العراء وانتعش بعد طول الخمول حتى استبشر أهل الأرض والسماء وأبدر هلاله بعد أن دخل في المحاق وثابت إليه روحه بعدما بلغت التراقي وقيل من راق واستنقذ الله سبحانه بعبده وجنوده بيت المقدس من أيدي عبدة الصليب وأخذ كل من أنصار الله ورسوله من نصرة دينه بنصيب وعلت كلمة الإسلام والسنة وأذن بها على رؤوس(3\/1076)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "929",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4210",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأشهاد ونادى المنادي يا أنصار الله لا تنكلوا عن الجهاد فإنه أبلغ الزاد ليوم المعاد فعاش الناس في ذلك النور مدة حتى استولت الظلمة على بلاد الشرق وطغى نور النبوة والوحي وقدموا العقول والآراء والسياسة والأذواق والرأي على الوحي فظهرت فيهم الفلسفة والمنطق وتوابعها فبعث الله عليهم عبادا له أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وعاثوا في القرى والأمصار وكاد الإسلام أن يذهب اسمه وينمحي رسمه وكان مشار هذه الفرقة وعالمها الذي يرجعون إليه زعيمها الذي يعولون عليه شيخ شيوخ المعارضين بين الوحي والعقل وإمامهم في وقته نصير الكفر والشرك الطوسي فلم يعلم في عصره أحد عارض بين العقل والنقل معارضته فرام إبطال السمع بالكلية وإقامة الدعوة الفلسفية وجعل الإشارات بدلا عن السور والآيات وقال هذه عقليات قطعية برهانية قد عارضت تلك النقليات الخطابية واستعرض علماء الإسلام وأهل القرآن والسنة على السيف فلم يبق منهم إلا من أعجزه قصدا لإبطال الدعوة الإسلامية وجعل مدارس المسلمين وأوقافهم للنجسة السحرة والمنجمين والفلاسفة(3\/1077)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "930",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4211",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والملاحدة والمنطقيين ورام إبطال الآذان وتحويل الصلاة إلى القطب الشمالي فحال بينه وبين ذلك من تكفل بحفظ الإسلام ونصره وهذا كله من ثمرة المعارضين بين الوحي والعقل وتقديم العقل على السمع ولتكن قصة شيخ هؤلاء القديم منك على ذكر كل وقت فإنه أول من عارض بين العقل والنقل وقدم العقل فكان من أمره ما قص الله عليك وورث هذا الشيخ تلامذته هذه المعارضة فلم يزل يجري على الأنبياء وأتباعهم منها كل محنة وبلية وأصل كل بلية في العالم كما قال محمد الشهرستاني من معارضة النص بالرأي وتقديم الهوى على الشرع والناس إلى اليوم في شرور هذه المعارضة وشؤم عاقبتها فإلى الله المشتكى وبه المستعان ثم إنه خرج مع هذا الشيخ المتأخر المعارض بين العقل والنقل أشياء لم تكن تعرف قبله جست العميدي وحقائق ابن(3\/1078)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "931",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4212",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عربي وتشكيكات الرازي وقام سوق الفلسفة والمنطق وعلوم أعداءالرسل التي فرحوا بها لما جاءتهم رسلهم بالبينات وصارت الدولة والدعوة لأرباب هذه العلوم ثم نظر الله إلى عباده وانتصر لكتابه ودينه وأقام جندا تغزوا ملوك هؤلاء بالسيف والسنان وجندا تغزوا علماءهم بالحجة والبرهان ثم نابغة طائفة منهم في رأس القرن الثامن فأقام الله لدينه شيخ الإسلام أبا العباس ابن تيمية قدس الله روحه فأقام على غزوهم مدة حياته باليد والقلب واللسان وكشف للناس باطلهم وبين تلبيسهم وتدليسهم وقابلهم بصريح المعقول وصحيح المنقول وشفى واشتفى وبين مناقضتهم ومفارقتهم لحكم العقل الذي به يدلون وإليه يدعون وإنهم أترك الناس لأحكامه وقضاياه فلا وحي(3\/1079)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "932",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4213",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا عقل فأرداهم في حفرهم ورشقهم بسهامهم وبين أن صحيح معقولاتهم خدم لنصوص الأنبياء شاهدة لها بالصحة وتفصيل هذه الجملة موجودة في كتبه فمن نصح نفسه ورغب عن قوله: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون [الزخرف23] يتبين له حقيقة الأمر ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور [النور40] والمقصود أن كل بلية طرقت العالم عامة أو خاصة فأصلها من معارضة الوحي بالعقل وتقديم الهوى على الأمر والمعصوم من عصمه الله. الوجه التاسع والثمانون: إنه قد ثبت بالعقل الصريح والنقل الصحيح ثبوت صفات الكمال للرب سبحانه وأنه أحق بالكمال من كل ما سواه وأنه يجب أن تكون القوة كلها له والعزة كلها له والعلم كله له والقدرة كلها له والجمال كله له وكذلك سائر صفات الكمال وقام البرهان السمعي والعقلي على أنه يمتنع أن يشترك في الكمال التام اثنان وأن الكمال التام لا يكون إلا لواحد وهاتان مقدمتان يقينتان معلومتان بصريح العقل وجاءت نصوص الأنبياء مفصلة لما في صريح(3\/1080)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "933",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4214",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العقل إدراكه قطعا فاتفق على ذلك العقل والنقل قال تعالى: ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا [البقرة165] وقد اختلف في تعلق قوله أن القوة لله جميعا بماذا فقالت طائفة هو مفعول يرى أي ولو يرون أن القوة لله جميعا لما عصوه ولما كذبوا رسله وقدموا عقولهم على وحيه وقالت طائفة بل المعنى لأن القوة لله جميعا وجواب لو محذوف على التقديرين أي لو يرى هؤلاء حالهم وما أعد الله لهم إذ يرون العذاب لرأوا أمرا عظيما ثم قال أن القوة لله جميعا وهو متضمن للتهديد الشديد والوعيد وقال تعالى: بل لله الأمر جميعا [الرعد31] وقال إن الأمر كله لله [آل عمران154] وقال النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستفتاح: quot;لبيك وسعديك والخير كله بيديكquot; وفي الأثر الآخر quot;اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله(3\/1081)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "934",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4215",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإليك يرجع الأمر كلهquot; فلله سبحانه كل صفة كمال وهو موصوف بتلك الصفات كلها ونذكر من ذلك صفة واحدة تعتبر بها سائر الصفات وهو أنك لو فرضت جمال الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم اجتمع لشخص واحد منهم ثم كان الخلق كلهم على جمال ذلك الشخص لكان نسبته إلى جمال الرب تبارك وتعالى دون نسبة سراج ضعيف إلى جرم الشمس وكذلك قوته سبحانه وعلمه وسمعه وبصره وكلامه وقدرته ورحمته وحكمته وجوده وسائر صفاته وهذا مما دلت عليه آياته الكونية السمعية وأخبرت به رسله عنه كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: quot;إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقهquot; فإذا كانت سبحات وجهه الأعلى لا يقوم لها شيء من خلقه ولو كشف حجاب النور عن تلك السبحات(3\/1082)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "935",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4216",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لاحترق العالم العلوي والسفلي فما الظن بجلال ذلك الوجه الكريم وعظمته وكبريائه وكماله وجلاله وإذا كانت السموات مع عظمتها وسعتها يجعلها على أصبع من أصابعه والأرض على أصبع والجبال على أصبع والبحار على أصبع فما الظن باليد الكريمة التي هي صفة من صفات ذاته وإذا كان يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات في أقطار الأرض والسموات فلا يشتبه عليه ولا يختلط ولا يلتبس ولا يغلطه سمع ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء تحت أطابق الأرض في الليلة الظلماء ويعلم ما تسره القلوب وأخفى منه وهو مالم يخطر لها أنه سبحانه سيخطر لها ولو كان البحر المحيط بالعالم مدادا ويحيط به من بعده سبعة أبحر كلها مداد وجميع أشجار الأرض وهو كل نبت قام على ساق مما يحصد ومما لا يحصد أقلام يكتب بها نفدت البحار والأقلام ولم ينفد كلامه وهذا وغيره بعض ما تعرف به إلى عباده من كلامه وإلا فلا يمكن أحدا قط أن يحصي ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه فكل الثناء وكل الحمد وكل المجد وكل الكمال له سبحانه هذا الذي وصلت إليه عقول أهل الإثبات وتلقوه عن الرسول ولا يحتاجون في ثبوت علمهم وجزمهم بذلك إلى الجواب عن الشبه القادحة في ذلك وإذا وردت عليهم لم تقدح(3\/1083)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "936",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4217",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيما علموه وعوفوه ضرورة من كون ربهم تبارك وتعالى كذلك وفوق ذلك فلو قال لهم قائل هذا الذي علمتموه لا يثبت إلا بجواب عما عارضه من العقليات قالوا لقائل هذه المقالة هذا كذب وبهت فإن الأمور الحسية والعقلية واليقينية قد وقع فيها شبهات كثيرة تعارض ما علم بالحس والعقل فلو توقف علمنا بذلك على الجواب عنها وحلها لم يثبت لها ولا لأحد علم بشيء من الأشياء ولا نهاية لما تقذف به النفوس من الشبه وهي من جنس الوساوس والخطرات والخيالات التي لا تزال تحدث في النفوس شيئا فشيئا بل إذا جزمنا بثبوت الشيء جزمنا ببطلان ما يناقض ثبوته ولم يكن ما يقدر من الشبه الخيالية على نقيضه مانعا من جزمنا به ولو كانت الشبه ما كانت فما من موجود يدركه الحس إلا ويمكن كثيرا من الناس أن يقيم على عدمه شبها كثيرة يعجز السامع عن حلها ولو شئنا لذكرنا لك طرفا منها تعلم أنه أقوى من شبه الجهمية النفاة لعلو الرب على خلقه وكلامه وصفاته وقد رأيت أو سمعت ما أقامه كثير من المتكلمين من الشبه على أن الإنسان تبدل نفسه الناطقة في الساعة الواحدة أكثر من ألف وكل لحظة تذهب روحه وتفارق وتحدث له روح أخرى غيرها وهكذا أبدا وما أقاموه من الشبه على أن السموات والأرض والجبال والبحار تتبدل كل لحظة ويخلفها غيرها وما أقاموه من الشبه على أن روح(3\/1084)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "937",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4218",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإنسان ليست فيه ولا خارجة عنه وزعموا أن هذا أصح المذاهب في الروح وما أقاموه من الشبه على أن الإنسان إذا انتقل من مكان إلى مكان لم يمر على تلك الأجزاء التي بين مبدأحركته ونهايتها ولا قطعها ولا حاذاها وهي مسألة طفرة النظام وأضعاف أضعاف ذلك وهؤلاء طائفة الملاحدة من الاتحادية كلهم يقول إن ذات الخالق هي عين ذات المخلوق لا فرق بينهما البتة وأن الاثنين واحد وإنما الحس والوهم يغلط في التعدد ويقيمون على ذلك شبها كثيرة وقد نظمها ابن الفارض في قصيدته(3\/1085)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "938",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4219",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكرها صاحب الفتوحات في فصوصه وغيرهما وهذه الشبهة كلها من واد واحد ومشكاة واحدة وخزانة واحدة وهي مشكاة الوساوس وخزانة الخيال فلو لم يجزم بما علمناه إلا بعد التعرض لتلك الشبهة على التفصيل وحلها والجواب عنها لم يثبت لنا علم بشيء أبدا فالعاقل إذا علم أن هذا الخبر صادق علم أن كل ما عارضه فهو كذب ولم يحتج أن يعرف أعيان الأخبار المعارضة له ولا وجوهها وبالله المستعان. الوجه التسعون: إن هؤلاء المعارضين لنصوص الوحي بعقولهم ليس عندهم علم ولا هدى ولا كتاب مبين فمعارضتهم باطلة وهم فيها أتباع كل شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير [الحج4 , 3] فهذه حال كل من عارض آيات الله بمعقوله ليس عنده إلا الجهل والضلال ورتب سبحانه هذه الأمور الثلاثة أحسن ترتيب فبدأبالأعم وهو العلم وأخبر أنه لا علم عند المعارض لآياته بعقله ثم انتقل منه إلى(3\/1086)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "939",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4220",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما هو أخص وهو الهدى ثم انتقل إلى ما هو أخص وهو الكتاب المبين فإن العلم أعم مما يدرك بالعقل والسمع والفطرة وأخص منه الهدى الذي لا يدرك إلا من جهة الرسل وأخص منه الكتاب الذي أنزله الله على رسوله فإن الهدى قد يكون كتابا وقد يكون سنة وهذه الثلاثة منتفية عن هؤلاء قطعا أما الكتاب والهدى المأخوذ عن الرسل فقد قالوا إنه لايفيد علما ولا يقينا والمعقول يعارضه فقد أقروا أنهم ليس معهم كتاب ولا سنة وبقي العلم فهم يدعونه والله تعالى قد نفاه عنهم وقد قام البرهان والدليل العقلي المستلزم لمدلوله على صدق الرب في خبره فعلم قطعا أن هذا الذي عارضوا به الوحي ليس بعلم إذ لو كان علما لبطل دليل العقل الدال على صدق الرب تعالى في خبره فهذا يكفي في العلم بفساد كون ما عارضوا به علما فكيف وقد قام الدليل العقلي الصحيح المقدمات على فساد تلك المعارضة وأنها تخص الجهل المركب فكيف وقد اتفق على فساد تلك المعارضة العقل والنقل ونحن نطالب هؤلاء المعارضين بواحدة من ثلاث إما كتاب منزل أو أثارة من علم يؤثر عن نبي من الأنبياء أو معقول صحيح المقدمات وقد اتفق العقلاء على صحة مقدماته. وهم يعلمون والله شهيد عليهم بأنهم عاجزون عن(3\/1087)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "940",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4221",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا وهذا فترك ما علمناه من كتاب ربنا وسنة نبينا وما نزل به جبريل من رب العالمين على قلب رسوله الأمين بلسان عربي مبين لوحي الشياطين وشبه الملحدين وتأويلات المعطلين. فإن قيل فما الفرق بين الصنف الأول الذي يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد والصنف الثاني الذي يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير كما ذكرهم سبحانه صنفين قيل قد ذكر سبحانه ثلاثة أصناف صنفا يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد مكتوبا عليه إضلال من تولاه وهذه حال المتبع لأهل الضلال وصنفا يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثاني عطفه ليضل عن سبيله وهذه حال المتبوع المستكبر الصاد عن سبيل الله فالأول حال الأتباع والثاني حال المتبوعين ثم ذكر حال من يعبد الله على حرف وهذه حال المتبع لهواه الذي إن حصل له ما يهواه من الدنيا عبد الله وإن أصابه ما يمتحن به في دنياه ارتد عن دينه وهذه حال من كان مريضا في إرادته وقصدة وهي حال أهل الشهوات والأهواء ولهذا ذكر ذلك في العبادة فأصلها القصد والإرادة وأما الأولان(3\/1088)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "941",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4222",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فحال الضال والمضل وذلك مرض في العلم والمعرفة وهي حال أهل الشبهات والنظر الفاسد والجدال بالباطل والله سبحانه يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات ولا صلاح للعبد إلا بمعرفة الحق وقصده كما قال تعالى: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين [الفاتحة7 , 6] فمن لم يعرف الحق كان ضالا ومن عرفه ولم يتبعه كان مغضوبا عليه ومن عرفه واتبعه فقد هدي إلى الصراط المستقيم وأول الشر الضلال ومنتهاه الغضب كما أن أول الخير الهدى ومنتهاه الرحمة والرضوان فذكر سبحانه في آيات الحج ما يعرض في العلم من الضلال والإضلال وما يعرض في الإرادة والعمل من اتباع الأهواء كما جمع بينهما في قوله: إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى [النجم23] فقال أولا ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد [الحج3] .(3\/1089)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "942",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4223",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا يتضمن الجدال فيه بغير هدى ولا كتاب منير فإن من جادل بغير ذلك فقد جادل بغير علم فنفي العلم يقتضي نفي كل ما يكون علما بأي طريقة حصل وذلك ينفي أن يكون مجادلا بهدى أو كتاب منير هذه حال الضال المتبع لمن يضله فلم يحتج إلى تفصيل فبين أنه يجادل بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب على ذلك الشيطان أن من اتبعه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير وهذه حال مقلدة أئمة الضلال من الكفار وأهل الأهواء والبدع. ثم ذكر حال المتبوع الذي يثني عطفه تكبرا كما قال: وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها [لقمان7] وذكر التفصيل في مجادلة المتبوع الداعي وأنها في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير واكتفى في ذكر التابع بنفي العلم المستلزم لنفي هذه الثلاثة فإن مجادلة المتبوع أصل وهو أقعد بها من مجادلة التابع ومصدرها كبر ومصدر مجادلة التابع ضلال وتقليد فذكر حال المتبوع على(3\/1090)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "943",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4224",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التفصيل ولهذا ذكر فساد قصده وعلمه وذكر من عقوبته أشد مما ذكر من عقوبة التابع وهذا وأمثاله من أسرار القرآن التي حرمها الله على من عارض بينه وبين العقل وقدم العقل عليه. الوجه الحادي والتسعون: إن العقل ملزوم لعلمنا بالشرع ولازم له ومعلوم أنه إذا كان اللزوم من أحد الطرفين لزم من وجود الملزوم وجود اللازم ومن نفي اللازم نفي الملزوم فكيف إذا كان التلازم من الجانبين فإن هذا التلازم يستلزم أربع نتائج إذ يلزم من ثبوت هذا الملزوم ثبوت لازمه ومن ثبوت لازمه المساوي ثبوته ومن نفي اللازم نفي ملزومه ومن نفي ملزومه المساوي نفيه وهذا شأن كل شيئين بينهما تلازم من الطرفين وبيان ذلك هاهنا أنه إذا كان العقل هو الأصل الذي به عرف صحة السمع كما تقدم وقد بينا أن العقل ليس أصلا للسمع في ثبوته في نفس الأمر بل هو أصل في ثبوت علمنا أي دليل لنا على صحته وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن الدليل يجب طرده وهو ملزوم للمدلول عليه فيلزم من ثبوت الدليل ثبوت المدلول عليه(3\/1091)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "944",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4225",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يجب عكسه فلا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول فإن المخلوقات آيات ودلائل على الخالق سبحانه يلزم من ثبوتها ثبوته ولا يلزم من عدمها عدمه ولا من وجوده وجودها. وكذلك الآيات الدالة على نبوة رسله هذا إذا لم يكن الدليل لازما للمدلول عليه فإن كان لازما أمكن أن يكون مدلولا له إذ المتلازمان يمكن أن يستدل لكل منهما على الاخر مثل الحكم الشرعي الذي لا يثبت إلا بدليل شرعي فإنه يلزم من عدم دليله عدمه وكذلك ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله إذا لم ينقل فإنه يلزم من عدم نقله عدمه وإذا كان من المعقول ما هو دليل على صحة الشرع لزم من ثبوت ذلك المعقول ثبوت الشرع ولم يلزم من ثبوت الشرع ثبوته في نفس الأمر. لكن نحن إذا لم يكن لنا طريق إلى العلم بصحة الشرع إلا ذلك العقل لزم من علمنا بالشرع علمنا بدليله العقلي الدال عليه ولزم من علمنا بذلك الدليل العقلي علمنا به فإن العلم بالدليل يستلزم العلم بالمدلول عليه فإذا كان صحة الشرع لا تعلم إلا بدليل عقلي فإنه يلزم من علمنا بصحة الشرع علمنا بالدليل العقلي الدال عليه ويلزم من علمنا بذلك الدليل العقلي علمنا بصحة الشرع ويلزم أيضا من ثبوت ذلك الدليل المعقول في نفس الأمر ثبوت الشرع ولا يلزم من ثبوت الشرع ثبوت ذلك الدليل وإذا كان العلم بصحة الشرع لازما للعلم بالمعقول الدال عليه(3\/1092)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "945",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4226",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وملزوما له فمن الممتنع تناقض اللازم والملزوم فضلا عن تعارض المتلازمين. فإن المتعارضين هما المتنافيان اللذان يلزم من ثبوت أحدهما انتفاء الآخر كالضدين والنقيضين. والمتلازمين يلزم من ثبوت كل منهما ثبوت الآخر ومن انتفائه انتفاؤه فكيف يكون المتلازمان متعارضين متنافيين متناقضين أو متضادين فهؤلاء عمدوا إلى المتلازمين المتصادقين فأبطلوا أحدهما بالآخر ولزم من بطلانه بطلانهما جميعا كما تقدم بيانه وقد تبين أن الدليل العقلي الذي به يعلم صحة الشرع مستلزم للعلم بصحة الشرع ومستلزم لثبوت الشرع في نفس الأمر وعلمنا بالشرع يستلزم العلم بالدليل العقلي الذي قيل إنه أصل الشرع والعلم بصحة الشرع موقوف عليه وليس ثبوت الشرع في نفسه مستلزما لثبوت ذلك الدليل العقلي فعلم أن ثبوت الشرع في نفس الأمر أقوى من ثبوت دليله العقلي في نفس الأمر فإن ثبوت الشرع في علمنا أقوى من ثبوت دليله العقلي إن قيل إنه يمكن أن يعلم صحته بغير ذلك الدليل وإلا كان العلم بهذا والعلم بهذا متلازمين وإذا كان كذلك كان القدح في الشرع قدحا في دليله العقلي الدال على صحته بخلاف العكس وكان القدح في الشرع قدحا في هذا العقلي. وليس القدح في الشرع قدحا في هذا العقلي وليس(3\/1093)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "946",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4227",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القدح في هذا العقلي مستلزما للقدح في الشرع مطلقا وأما ما سوى المعقول الدال على صحة الشرع فذلك لا يلزم من بطلانه بطلان الشرع كما لا يلزم من صحته صحة الشرع. الوجه الثاني والتسعون: إن هؤلاء المعارضين بين العقل والوحي هم في الأصل فرقتان الفلاسفة وجهمية المتكلمين وهؤلاء لهم طريق قد سلكوها وأولئك لهم طريقة أخرى وكل من الفريقين ينقض حجج الفريق الآخر ويبين فساد طريقته ثم كل فرقة منهما تنقض بعضهم حجج بعض واعتبر هذا بالرازي والآمدي فإنهما جمعا خلاصة ما ذكره النفاة من أهل الفلسفة والكلام ثم إنهما أفسدا عامة تلك الطرق التي سلكوها فكل طائفة تبطل الطريقة العقلية التي اعتمدت عليها الأخرى بما يظهر به بطلانها بالعقل الصريح وليسوا متفقين على طريقة واحدة وهذا يبين خطأهم كلهم من وجهين. من جهة العقل الصريح الذي يبين به كل قوم فساد ما قاله الآخرون ومن جهة أنه ليس معهم معقول اشتركوا فيه فضلا عن أن يكون من صريح المعقول بل المقدمة التي تدعي طائفة من النظار صحتها تقول الأخرى هي باطلة وهذا بخلاف مقدمات أهل الإثبات الموافقة لما جاء به الرسول فإنها من(3\/1094)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "947",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4228",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العقليات التي تقبلها فطر العقلاء السليمة بل الفطر التي لم تفسد متفقة عليها ولا ينازع فيها إلا من تلقى تعلما من غيره لا من موجب فطرته فإنما يقدح فيها مقدمة تقليدية وهو يدعي أنها عقلية فطرية ومن تدبر ما عند المعارضين ولم يقلدهم فيه تبين له أن جميع المقدمات التي ترجع إليها أدلة المعارضين إنما ترجع إلى تقليد منهم لأسلافهم لا إلى ما يعلم بضرورة العقل ولا نظره فهم يعارضون ما قامت الأدلة العقلية على ثبوت تصديقه وسلامته من الخطأ بما قامت الأدلة العقلية على أنه لا يجب تصديقه بل قد علم جواز الخطأعليه وعلم وقوع الخطأ فيه فيما هو دون الإلهيات فضلا عن الإلهيات التي تيقن خطأ من خالف الرسل فيها بالأدلة المجملة والمفصلة بل يعارضون ما يجب تصديقه بما يعلم بصريح العقل أنه خطأ بل يعارضون السمعيات التي يعلم أن العقل الصريح موافق لها بما يعلم العقل الصريح أنه باطل والمقصود أن الطرق التي سلكها الفلاسفة في إبطال الصفات والأفعال قد أفسدها عليهم المتكلمون وبينوا خطأهم فيها بصريح العقل كما هو موجود في كتب هؤلاء وهؤلاء فانظر ما فعل أبو علي وأبو هاشم والقاضي عبد الجبار والأشعري(3\/1095)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "948",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4229",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأبو بكر ابن الباقلاني وأبو الحسين البصري والجويني والغزالي وأمثالهم بطريقة الفلاسفة. وانظر ما فعل ابن سينا وابن رشد والطوسي وأمثالهم بطرق المتكلمين فإنك تجد ذلك من أعظم النصرة للنصوص النبوية والمثال المنطبق عليهم بعسكر الإسلام خرج عليه عسكر كثيف يغزونهم فخرج على ذلك العدد من ورائهم فأقبلوا إليهم واشتغلوا بهم فيصادم بعضهم بعضا ويكسر بعضهم سلاح بعض وعسكر الإسلام في حصن من الطائفتين ولكن إذا اصطلح العسكران فإنهما يصطلحون على المسلمين ومن علم ما في الوجود تبين له مطابقة هذا المثال وبالله التوفيق. الوجه الثالث والتسعون: إن الطريقة التي سلكها نفاة الصفات والعلو والتكليم من معارضة النصوص الإلهية بآرائهم وما يسمونه معقولا هي بعينها الطريقة التي سلكها إخوانهم من الملاحدة في معارضة نصوص المعاد بآرائهم وعقولهم ومقدماتهم ثم نقلوها بعينها إلى ما أمروا به من الأعمال كالصلوات الخمس والزكاة والحج والصيام فجعلوها للعامة دون الخاصة فآل بهم الأمر إلى أن ألحدوا في الأصول الثلاثة التي اتفق عليها جميع الملل وجاءت بها جميع الرسل وهي الإيمان بالله واليوم الآخر والأعمال الصالحة قال الله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون [البقرة62] .(3\/1096)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "949",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4230",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهؤلاء الملاحدة يحتجون على نفاة الصفات بما وافقوهم عليه من الإعراض عن نصوص الوحي ونفي الصفات كما ذكر ابن سينا في الرسالة الأضحوية فإنه قال فيها لما ذكر حجة من أثبت معاد البدن وأن الداعي لهم إلى ذلك ما ورد به الشرع من بعث الأموات فقال وأما أمر الشرع فينبغي أن يعلم فيه قانون واحد وهو أن الشرع والملة الآتية على لسان نبي من الأنبياء يرام بها خطاب الجمهور كافة. ثم من المعلوم الواضح أن التحقيق الذي ينبغي أن يرجع إليه في صحة التوحيد من الإقرار بالصانع موحدا مقدسا عن الكم والكيف والأين والمتى والوضع والتغير حتى يصير الاعتقاد به أنه ذات واحدة لا يمكن أن يكون لها شريك في النوع أو يكون لها جزء وجودي كمي أو معنوي ولا يمكن أن تكون خارجة عن العالم ولا داخلة فيه ولا حيث تصح الإشارة إليه بأنه هنا أو هناك ممتنع إلقاؤه إلى الجمهور ولو ألقى هذا على هذه الصورة إلى العرب العاربة أو العبرانيين الأجلاف(3\/1097)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "950",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4231",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لسارعوا إلى العناد واتفقوا على أن الإيمان المدعو إليه إيمان بمعدوم لا وجود له أصلا ولهذا ورد ما في التوراة تشبيها كله ثم أنه لم يرد في الفرقان من الإشارة إلى هذا الأمر الأهم شيء ولا أتى بصريح ما يحتاج إليه في التوحيد بيان مفصل بل أتى بعضه على سبيل التشبيه في الظاهر وبعضه جاء تنزيها مطلقا عاما جدا لا تخصيص ولا تفسير له. وأما الأخبار التشبيهية فأكثر من أن تحصى ولكن لقوم أن لا يقبلوه فإذا كان الأمر في التوحيد هكذا فكيف بما هو بعده من الأمور الاعتقادية ولبعض الناس أن يقولوا(3\/1098)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "951",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4232",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن للعرب توسعا في الكلام ومجازا وإن الألفاظ التشبيهية مثل الوجه واليد والإتيان في ظلل من الغمام والمجيء والذهاب والضحك والحياء والغضب صحيحة ولكن هي مستعملة استعارة ومجازا قال ويدل على استعمالها غير مجازية ولا مستعارة بل محققةأن المواضع التي يوردونها حجة في أن العرب تستعمل هذه المعاني بالاستعارات والمجاز على غير معانيها الظاهرة مواضع في مثلها يصلح أن تستعمل على غير هذا الوجه ولا يقع فيها تلبيس ولا تدليس. وأما قوله الله في ظلل من الغمام وقوله: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك [الأنعام 158] على القسمة المذكورة وما جرى مجراه فليس تذهب الأوهام فيه البتة إلى أن العبارة مستعارة أو مجازية(3\/1099)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "952",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4233",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن كان أريد فيها ذلك إضمارا فقد رضي بوقوع الغلط والتشبيه والاعتقاد المعوج بالإيمان بظاهرها تصريحا. وأما قوله يد الله فوق أيديهم [الفتح10] وقوله ما فرطت في جنب الله [الزمر56] فهو موضع الاستعارة والمجاز والتوسع في الكلام ولا يشك في ذلك إثنان من فصحاء العرب ولا يلتبس على ذي معرفة في لغتهم كما يلتبس في تلك الأمثلة فإن هذه الأمثلة لا تقع شبهة في أنها استعارة مجازية كذلك في تلك لا تقع شبهة في أنها ليست استعارية ولا مرادا فيها شيء غير الظاهر. ثم هب أن هذه كلها موجودة على الاستعارة فأين التوحيد(3\/1100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "953",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4234",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعبارة المشيرة بالتصريح إلى التوحيد المحض الذي تدعو إليه حقيقة هذا الدين المعترف بجلالته على لسان حكماء العالم قاطبة ثم قال في ضمن كلامه إن الشريعة الجائية على لسان نبينا جاءتأفضل ما يمكن ان تجيء عليه الشرائع وأكمله. ولهذا صلحت أن تكون خاتمة للشرائع وآخر الملل قال وأين الإشارة إلى الدقيق من المعاني المشيرة إلى علم التوحيد مثل إنه عالم بالذات أو عالم بعلم قادر بالذات أو قادر بقدرة واحد بالذات على كثرة الأوصاف أو قابل للكثرة تعالى عنها بوجه من الوجوه متحيز بالذات أو منزه عن الجهات فإنه لا يخلو إما أن تكون هذه المعاني واجبا تحققها وإتقان المذهب الحق فيها أو يسع(3\/1101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "954",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4235",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصدوف عنها وإغفال البحث والرؤية فيها فإن كان البحث عنها معفوا عنه وغلط الاعتقاد الواقع فيها غير مؤاخذ به فجل مذهب هؤلاء القوم المخاطبين بهذه الجملة تكلف وعنه غنية وإن كان فرضا محكما فواجب أن يكون مما صرح به في الشريعة وليس التصريح المعمى أو الملتبس أو المقتصر فيه بالإشارة والإيماء بل التصريح المستقصى فيه والمنبه عليه والموفى حق البيان والإيضاح والتعريف لمعانيه فإن المبرزين المنفقين أيامهم ولياليهم وساعات عمرهم على تمرين أذهانهم وتزكية أفهامهم وترسيخ نفوسهم لسرعة الوقوف على المعاني الغامضة يحتاجون في فهم هذه المعاني إلى فضل بيان وشرح عبارة فكيف غتم العبرانيين وأهل الوبر من العرب.(3\/1102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "955",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4236",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لعمري لو كلف الله رسولا من الرسل أن يلقي حقائق هذه الأمور إلى الجمهور من العامة الغليظة طباعهم المتعلقة بالمحسوسات الصرفة أوهامهم ثم سامه أن يتنجز منهم الإيمان والإجابة غير متمهل فيه وسامه أن يتولى رياضة نفوس الناس قاطبة حتى يستعد الوقوف عليها لكلفه شططا وأن يفعل ما ليس في قوة البشر. اللهم إلا أن تدركه خاصة إلهية وقوة علوية وإلهام سماوي فتكون حينئذ وساطة الرسول مستغنى عنها وتبليغه غير محتاج إليه. ثم هب أن الكتاب العربي جاء على لغة العرب وعبارة لسانهم في الاستعارة والمجاز فما قولهم في الكتاب العبراني وكله من أوله إلى آخره تشبيه صرف وليس(3\/1103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "956",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4237",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لقائل أن يقول إن ذلك الكتاب محرف كله وأنى يحرف كلية كتاب منتشر في أمم لا يطاق تعديدهم وبلادهم متباينة وأوهامهم متباينة منهم يهودي ونصراني وهم أمتان متعاديتان فظاهر من هذا كله أن الشرائع واردة بخطاب الجمهور بما يفهمون مقربا مالا يفهمون إلى أفهامهم بالتمثيل والتشبيه ولو كان غير ذلك لما أغنت الشرائع البتة قال فكيف يكون ظاهر الشرائع حجة في هذا الباب يعني أمر المعاد ولو فرضنا الأمور الأخروية روحانية غير مجسمة بعيدة عن إدراك بدائة الأذهان تحقيقها لم يكن سبيل الشرائع إلى الدعوة إليها أو التحذير عنها إلا بالتعبير عنها بوجوه من التمثيلات المقربة إلى الأفهام فكيف يكون وجود شيء حجة على وجود شيء آخر لو لم يكن الشيء الآخر على الحالة المفروضة لكان الشيء الأول على حالته فهذا كله هو الكلام على تعريف من طلب أن يكون خاصا من الناس لا عاما(3\/1104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "957",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4238",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن ظاهر الشرائع غير محتج به في مثل هذه الأبواب فتأمل كلام هذا الملحد بل رأس ملاحدة الملة ودخوله إلى الإلحاد من باب نفي الصفات وتسلطه في إلحاده على المعطلة النفاة بما وافقوه عليه من النفي وإلزامه لهم أن يكون الخطاب بالمعاد جمهوريا أو مجازا أو استعارة كما قالوا في نصوص الصفات التي اشترك هو وهم في تسميتها تشبيها وتجسيما مع أنها أكثر تنوعا وأظهر معنى وأبين دلالة من نصوص المعاد فإذا ساغ لكم أن تصرفوها عن ظاهرها بما لا تحتمله اللغة فصرف هذه عن ظواهرها أسهل ثم زاد هذا الملحد عليهم باعترافه أن نصوص الصفات لا يمكن حملها كلها على المجاز والاستعارة وأن يقال إن المراد غير ظاهرها وإن لذلك الاستعمال مواضع تليق به بحيث تكون دعوى ذلك في غيرها غلطا محضا كما في مثل قوله: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك [الأنعام158] فمع هذا التقسيم والتنويع يمتنع المجاز والاستعارة فإنما أريد ما دل اللفظ عليه ظاهرا ومع هذا فقد ساعدهم على(3\/1105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "958",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4239",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "امتناعه لقيام الدليل العقلي عليه فهكذا نفعل نحن في نصوص المعاد سواء فهذا حاصل كلامه وإلزامه ودخوله إلى الإلحاد من باب نفي الصفات والتجهم وطريق الرد المستقيم بإبطال قوله وقول المعطلة جميعا والمقصود أن هؤلاء الجهمية والمعتزلة لما وافقوا هذا الملحد على نفي الصفات وأن هذا النفي هو التوحويد الحق احتج عليهم بهذه الموافقة على أن الرسل لم يثبتوا ما هو الحق في نفسه في معرفة توحيد الله ومعرفة اليوم الآخر ولم يذكروا ما هو الذي يصلح لخاصة بني آدم وأولى العقول بينهم أن يفهموه ويعقلوه من هذا الباب وأن نصوص الوحي من كتب الله المنزلة وكلام رسله لا يحتج بها في باب الإيمان بالله ولا في اليوم الآخر لا في الخلق ولا في البعث لا المبدأ ولا المعاد وأن الكتب الإلهية إنما أفادت تخييلا ينتفع به العامة لا تحقيقا يفيد العلم والمعرفة وأن أعظم العلوم وأجلها وأشرفها هو العلم بالله لم تثبته الرسل ولم تنطق به ولم يهد إليه الخلق فلم يتبين معرفة الله ولا معرفة المبدأ ولا المعاد بل نطقت فيه بخلاف الصواب فاشتركت المعطلة الجهمية والملاحدة في نسبة الرسول إلى ذلك في باب الصفات وامتازت عليها الملاحدة بأن الرسول أراد إفهام ظاهرها وقالت المعطلة أراد إتعاب الأذهان في إفهام خلاف ظاهرها وعرض الأمة إلى الباطل في اعتقاده ظاهرها.(3\/1106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "959",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4240",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الرابع والتسعون: أن يقال لا يخلو إما أن يكون الرسول يعرف ما دل عليه العقل بزعمكم من إنكار علو الله على خلقه واستوائه على عرشه وتكليمه لرسله وملائكته أو لم يكن يعرف ذلك فإن قلتم لم يكن يعرفه كانت الجهمية والمعطلة والملاحدة والمعتزلة والقرامطة الباطنية والنصيرية والإسماعيلية وأمثالهم وأفراخهم وتلامذتهم أعلم بالله وأسمائه وصفاته وما يجب له ويمتنع عليه من رسله وأتباعه. وإن كان يعرفه امتنع أن لا يتكلم به يوما من الدهر مع أحد من خاصته والمطلعين على سره ومن المعلوم قطعا أن الرسول لم يتكلم مع أحد بما يناقض ما أظهره للناس ولا كان خواص أصحابه يعتقدون فيه نقيض ما أظهره للناس بل كل من كان به أخص وبحاله أعرف كان أعظم موافقة له وتصديقا له على ما أظهره وبينه وأخبر به فلو كان الحق في الباطن خلاف ما أظهره لزم أحد الأمرين إما أن يكون جاهلا به أو كاتما له عن الخاصة والعامة ومظهرا خلافه للخاصة والعامة وهذا من أعظم الأمور امتناعا ومدعيه في غاية الوقاحة والبهت ولهذا لما علم هؤلاء أنه يستحيل كتمان ذلك عن خواصه وضعوا أحاديث بينوا فيها أنه كان له خطاب مع خاصته غير الخطاب العامي مثل الحديث المختلق المفترى(3\/1107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "960",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4241",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن عمر أنه قال كان رسول الله يتحدث مع أبي بكر وكنت كالزنجي بينهما ومثل ما تدعيه الرافضة أنه كان عند علي علم خاص باطن يخالف هذا الظاهر ولما علم أنه سبحانه أن ذلك يدعى في علي وفق من سأله هل عندكم من رسول الله شيء خصكم به دون الناس فقال لا والذي خلق الحبة وبرأ النسمة ما أسر إلينا رسول الله شيئا كتمه عن غيرنا إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه وما في هذه الصحيفة وكان فيها العقول الديات وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر وهذا الحديث متفق على صحته وفي لفظ في الصحيح عهد إليك رسول الله شيئا لم يعهده إلى الناس فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة. الوجه الخامس والتسعون: إن الله سبحانه أنزل كتبه حاكمة بين الناس فيما اختلفوا فيه قال الله تعالى:(3\/1108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "961",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4242",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه [البقرة213] وقال تعالى إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله [النساء105] وقال تعالى فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول [النساء59] فكيف يحكم بين الناس في مواطن الخلاف والنزاع كلام وخطاب ليس فيه علم ولا هدى ينتفع به أولوا الألباب كما زعم هؤلاء أن الكتب الإلهية لا يحتج بها في مثل هذه الأبواب فكيف تكون حاكمة بين الناس فيما اختلفوا فيه وأي اختلاف أعظم من الاختلاف في أجل الأمور وهو معرفة الله تعالى واليوم الآخر والخلاف الحقيقي إنما يكون في الأمور العلمية والقضايا الخبرية التي لا تقبل النسخ والتغيير فأما العمليات التي تقبل النسخ فتلك تنوع في الشريعة الواحدة فكيف بالشرائع المتنوعة وما جاز تنوعه لم يكن الخلاف فيه حقيقيا فإنهما إن كانا مشروعين في وقتين أو برسولين فكلاهما حق وإن كان الخلاف في المشروع منهما أيهما هو فهذا يعلم بالخبر المنقول عن الصادق وحينئذ فنقول في.(3\/1109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "962",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4243",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه السادس والتسعين: ما ذكره ابن سينا وأمثاله في أنه لم يرد في القرآن من الإشارة إلى توحيدهم شيئ فكلام صحيح وهذا دليل على أنه باطل لا حقيقة له وأن من وافقهم عليه فهو جاهل ضال وكذلك ما ذكره أن من المواضع التي ذكرت فيها الصفات مالا يحتمل اللفظ فيها إلا معنى واحدا لا يحتمل ما يدعيه أهل التأويل من الاستعارة والمجاز كما ذكره في قوله: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة [البقرة210] وقوله هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك [الأنعام158] وهذا حجة على من نفى حقيقة ذلك ومدلوله من المعطلة نفاة الصفات وهو حجة عليه وعليهم جميعا وموافقتهم له على التعطيل لا ينفعه فإن ذلك حجة جدلية لا علمية إذ تسليمهم له ذلك لا يوجب على غيرهم أن يسلم ذلك له فإذا تبين بالعقل الصريح ما يوافق النقل الصحيح دل ذلك على فساد قوله وقولهم جميعا وكذلك قوله هب إن هذه كلها موجودة على الاستعارة فأين التوحيد والدلالة بالتصريح على التوحيد المحض الذي يدعو(3\/1110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "963",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4244",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليه حقيقة هذا الدين القيم المعترف بجلالته على لسان حكماء العالم قاطبة كلام صحيح لو كان ما قاله النفاة حقا فإنه على قولهم لا يكون هذا الدين القيم قد بين التوحيد الحق أصلا وحينئذ فنقول في. الوجه السابع والتسعين: إن التوحيد الذي دعى إليه هؤلاء الملاحدة وذكروا أنه التوحيد الحق هو من أعظم الإلحاد في أسماء الرب وصفاته وأفعاله وهو حقيقة الكفر به وتعطيل العالم عن صانعه وتعطيل الصانع الذي أثبتوه عن صفات كماله فشرك عباد الأصنام والأوثان والكواكب والشمس والقمر خير من توحيد هؤلاء بكثير فإنه شرك في الإلهية مع إثبات صانع العالم وصفاته وأفعاله وقدرته ومشيئته وعلمه بالكليات والجزئيات وتوحيد هؤلاء تعطيل الربوبية والإلهية وسائر صفاته وهذا التوحيد ملازم لأعظم أنواع الشرك ولهذا كلما كان الرجل أعظم تعطيلا كان أعظم شركا ولا تجد معطلا نافيا إلا وفيه من الشرك بقدر ما فيه من التعطيل وتوحيد الجهمية والفلاسفة مناقض لتوحيد الرسل من كل وجه فإن مضمون توحيد الجهمية إنكار حياة الرب وعلمه وقدرته وسمعه وبصره وكلامه واستوائه على عرشه ورؤية المؤمنين له(3\/1111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "964",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4245",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأبصارهم عيانا من فوقهم يوم القيامة وإنكار وجهه الأعلى ويديه ومجيئه وإتيانه ومحبته ورضاه وغضبه وضحكه وسائر ما أخبر به الرسول عنه ومعلوم أن هذا التوحيد هو نفس تكذيب الرسول فيما أخبر به عن الله وجحده فاستعار له أصحابه اسم التوحيد وقالوا نحن الموحدون كما استعار المنكرون للقدر اسم العدل بجحده ودفعه وقالوا نحن أهل التوحيد والعدل فهذا توحيدهم وهذا عدلهم والعدل والتوحيد الذي جاء به الرسول خلاف هذا وهذا قال الله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الأسلام [آل عمران19 , 18] الوجه الثامن والتسعون: أنه لو كان الحق فيما يقوله هؤلاء النفاة المعطلون وإخوانهم من الملاحدة لكان قبول الفطر له أعظم من قبولها للإثبات الذي هو ضلال وباطل عندهم فإن الله سبحانه نصب على الحق الأدلة والأعلام الفارقة بين الحق والباطل والنور والظلام وجعل فطر عباده مستعدة لإدراك الحقائق ومعرفتها ولولا ما في القلوب من الاستعداد لمعرفة(3\/1112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "965",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4246",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحقائق لم يمكن النظر والاستدلال والخطاب والكلام والفهم والإفهام وكما أنه سبحانه جعل الأبدان مستعدة للاغتذاء بالطعام والشراب ولولا ذاك لما أمكن تغذيتها وتربيتها وكما أن في الأبدان قوة تفرق بين الغذاء الملائم والمنافي ففي القلوب قوة تفرق بين الحق والباطل أعظم من ذلك فخاصة العقل التفريق بين الحق والباطل وتمييز هذا من هذا كما أن خاصة السمع التمييز بين الأصوات حسنها وقبيحها وخاصة الشم التمييز بين أنواع الروائح طيبها وخبيثها وكذلك خاصة الذوق في الطعوم فإذا ادعيتم على العقول أنها لا تقبل الحق وأنها لو صرح لها به لأنكرته ولم تذعن إلى الإيمان فقد سلبتم العقول خاصتها وقلبتم الحقيقة التي خلقها الله وفطرها عليه وكان نفس ما ذكرتم أن الرسل لو خاطبت به الناس لنفروا عن الإيمان من أعظم الحجج عليكم وأنه مخالف للعقل والفطرة كما هو مخالف للسمع والوحي فتأمل هذا الوجه فإنه كاف في إبطال قولهم ولهذا لو أراد أهله أن يدعوا الناس إليه ويقبلوه منهم وطأوا له توطئات وقدموا له مقدمات بنوها في القلب(3\/1113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "966",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4247",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "درجة بعد درجة ولا يصرحون به أولا حتى إذا أحكموا ذلك البناء استعاروا له ألفاظا مزخرفة واستعاروا لما خالفه ألفاظا شنيعة فتجتمع تلك المقدمات التي قدموها وتلك الألفاظ التي زخرفوها وتلك الشناعات التي على من خالفهم شنعوها فهناك إن لم يمسك الإيمان من يمسك السموات والأرض أن تزولا وإلا ترحل عن القلب ترحل الغيث استدبرته الريح يوضحه. الوجه التاسع والتسعون: إنا نعرض على الفطر السليمة والعقول التي لم تفسد بتلقي المقالات الفاسدة وتلقيها عن المعلمين خصمين اختصموا في ربهم فقال أحدهما هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه حي له الحياة قدير له صفة القدرة مريد له صفة الإرادة كلم موسى تكليما وتجلى للجبل فجعله دكا هشيما فوق سماواته مستو على عرشه بائن من خلقه يرى من فوق سبع سماوات ويسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في غياهب(3\/1114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "967",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4248",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الظلمات لا تتحرك ذرة إلا بإذنه ولا تسقط ورقة إلا بعلمه ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض والسموات ترفع إليه الحاجات وتصعد إليه الكلمات الطيبات وينزل من عنده الأمر بتدبير المخلوقات له القوة كلها والعز كله والجمال كله والعلم كله والكمال كله وهو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم موصوف بكل جمال منزه عن كل نقص وعيب لا تضرب له الأمثال ولا يشبه بالمخلوقات فعال لما يريد لوجهه سبحات الجلال وهو الجميل الذي له كل الجمال إحدى يديه للجود والفضل والأخرى للقسط والعدل يقبض سماواته السبع بإحدى يديه والأرضين السبع باليد الأخرى ثم يهزهن ثم يقول أنا الملك لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه قريب مجيد رحيم ودود لطيف خبير. فصل وقال الآخر بل هو موصوف بالسلوب والإضافات فلا سمع له ولا بصر ولا حياة ولا إرادة ولا يتكلم ولا يكلم أحدا من خلقه ولا هو داخل العالم ولا خارجه(3\/1115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "968",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4249",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا فوق العرش ولا تحته ولا يمينه ولا يساره ولا خلفه ولا أمامه ولا له وجه ولا يد ولا يرضى ولا يغضب ولا يسخط ولا يضحك ولا يفرح بتوبة تائب ولا استوى على عرشه ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا يأتي يوم القيامة ولا يجيء لفصل القضاء ولا يراه المؤمنون بأبصارهم ولا يستمعون كلامه ولا يقوم به فعل البتة ولا وصف ولا له حقيقة وماهية غير وجود مطلق وهو وجه كله وسمع كله وبصر كله ويد كله علمه ذاته وسمعه وبصره علمه ليس له يد غير القدرة خلق بها آدم وكتب بها التوراة وغرس بها جنة عدن يقبض بها السموات وليس له وجه يراه المؤمنون بأبصارهم ليس بجوهر ولا جسم ولا متحيز ولا متحرك ولا ساكن ولا ينزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء ولا يقرب منه شيء ولا يحبه أحد ولا يحب أحدا إلى أمثال ذلك من النفي فاعرض أقوال هذين الخصمين على الفطرة الصحيحة والعقل واجلس مجلس الحكومة بينهما ثم تحيز إلى أي الفئتين شئت فما ثم إلا الإثبات من كل وجه لما أثبته الله لنفسه وأثبته رسوله أو التعطيل الصرف والنفي المحض فاختر لنفسك إحدى الخطتين واجعلها مع إحدى الفئتين فالمرء مع من أحب وحينئذ فنقول في:(3\/1116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "969",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4250",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه المائة: إن الأعمال الصالحة والفاسدة نتائج الاعتقادات الصحيحة والباطلة فانظر رؤوس المثبتة والنفاة وملوكهم وأتباعهم يبين لك حقيقةالأمر فرؤوس المثبتة آدم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب وإبراهيم الخليل وسائر الأنبياء من ذريته وموسى الكليم وعيسى وجاء خاتمهم وآخرهم وأعلمهم بالله سيد ولد آدم محمد بن عبد الله عبد الله ورسوله فجاء بالإثبات المفصل الذي لم يأت رسول بمثله فصرح من إثبات الصفات والأفعال بما لم يصرح به نبي قبله وذلك لكمال عقول أمته وكمال تصديقهم وصحة أذهانهم فرسول الله حامل لواء الإثبات وتحت ذلك اللواء آدم وجميع الأنبياء وأتباعهم ثم المهاجرون والأنصار وأهل بدر وأهل بيعة الرضوان وسائر الصحابة ثم التابعون لهم بإحسان ممن لا يحصيهم إلا الله ثم أتباع التابعين ثم أئمة الفقه في الأعصار والأمصار منهم الأئمة الأربعة ثم أهل الحديث قاطبة وأئمة التفسير والتصوف والزهد والعبادة المقبولون عند الأمة ممن لا يحصي عددهم إلا الله فهل سمع في الأولين والآخرين بمثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والعشرة المشهود لهم بالجنة وسائر المهاجرين والأنصار وهل سمع بقوم أتم عقولا وأصح أذهانا وأكمل علما ومعرفة وأزكى(3\/1117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "970",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4251",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلوبا من هؤلاء الذين قال الله فيهم قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قال غير واحد من السلف هم أصحاب محمد قال فيهم عبد الله بن مسعود من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدي المستقيم فهؤلاء أمراء هذا الشأن وأما الجند والعساكر فالتابعون كلهم ثم الذين يلونهم مثل مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وعبد الله بن المبارك والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه والإمام أحمد والشافعي(3\/1118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "971",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4252",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعلي بن المديني ويحيى بن معين والبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي ومحمد بن أسلم الطوسي وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين وأمثالهم.(3\/1119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "972",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4253",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما عامتهم فأهل الدين والصدق والورع والزهد والعبادة والإخلاص واجتناب المحارم وتوقي المآثم. وأما رؤوس النفاة والمعطلين ففرعون إذ يقول يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا [غافر37 , 36] وجنوده كلهم ونمرود بن كنعان هذا خصم إبراهيم الخليل وذاك خصم موسى الكليم وأرسطاطاليس وبقراطيس وأضرابهما وطمطم وتنكلوسا وابن وخشيه وأضرابهم وابن سينا والفارابي وكل فيلسوف لا يؤمن بالله ولا ملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا لقائه. وأما عوامهم فاعتبر عوام النصيرية والإسماعيلية(3\/1120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "973",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4254",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والدرزية والحاكمية والطرقية والعرباء وعبادهم البخشية والطوسية وعلماؤهم السحرة وعساكرهم المشركون والقرامطة الذين هم أعظم الأمم إفسادا للدنيا والدين فليعتبر العاقل خواص هؤلاء وهؤلاء وعوام هؤلاء وهؤلاء وليقابل بين الطائفتين وحينئذ يتبين له أنه ما كان ولا يكون ولي لله إلا من أهل الإثبات وما كان ولا يكون ولي للشيطان إلا من أهل النفي والتعطيل إما تعطيل الصانع عن صفات كماله ونعوت جلاله وإما تعطيل القلب عن توحيده وعبوديته وإخلاص الدين له واعتبر ذلك بإمام النفاة في زمانه وما جرى على أهل السنة منه ابن أبي دؤاد وأصحابه الذين سعوا في ضرب الإمام(3\/1121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "974",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4255",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحمد وقتل كثير من أهل السنة وحبسهم وتشتيتهم في البلاد وقطع أرزاقهم ثم إمامهم في زمانه نصير الكفر والشرك الطوسي وما جرى على المسلمين منه من قتل خليفتهم وعلمائهم وعبادهم وإذا اعتبرت أحوال القوم رأيت عوام اليهود والنصارى أقل فسادا في الدين والدنيا من أئمة هؤلاء المعارضين لنصوص الأنبياء بعقولهم وغاية الواحد من هؤلاء إذا أراد الجاه أن يتقرب إلى الملوك الجهلة الظلمة بما يناسبهم من السحر فيصنف لهم فيه ويتقرب به إليهم فهؤلاء علماؤهم وملوكهم وعوامهم فكيف يكون هؤلاء أحظى بالعقل وأسعد به من الرسل وأتباعهم. وسيرة هؤلاء وهؤلاء معلومة في العالم وأعمالهم وعلومهم ومعارفهم وآثارهم دالة لمن له أدنى عقل على حقيقة الحال والله أعلم. الوجه الحادي والمائة: إن تجويز معارضة العقل للوحي يوجب وصف الوحي بضد ما وصفه الله به فإن الله سبحانه وصفه بكونه هدى في غير موضع وأخبر أنه يهدي للتي هي أقوم الطرق وهي أقربها إلى الحق فإن الطريق المستقيم هو أقرب خط موصل بين(3\/1122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "975",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4256",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نقطتين وكلما تعوج بعد وأخبر سبحانه أنه شفاء لما في الصدور وهذا يتضمن أنه يشفي ما فيها من الجهل والشك والحيرة والريب كما أن الهدى يتضمن أنه موصل إلى المقصود فالهدى يوصلها إلى الحق المقصود من أقرب الطرق والشفاء يزيل عنها أمراضها المانعة لها من معرفة الحق وطلبه فهذا الجهل المقتضي وهذا يزيل المانع ومن المحال أن تكون هذه صفة كلام مخالف للعقل ومعارض له وكذلك أخبر أنه نور كما قال تعالى: فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون [الأعراف157] وقال وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الأيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا [الشورى52] فهو نور البصائر من العمى كما هو شفاء الصدور من الجهل والشك ومحال أن تتنور البصائر بما يخالف صريح العقل فإنما يخالف العقل موجب الظلمة وأخبر سبحانه أنه برهان فقال:(3\/1123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "976",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4257",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا [النساء174] ومحال أن يكون ما يخالف صريح العقل برهانا وأخبر سبحانه أنه علم كما قال فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم [آل عمران61] وما يخالف العقل الصريح لا يكون علما وأخبر أنه حق والعقل الصريح لا يخالف الحق فقال تعالى الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق [آل عمران3-1] وقال إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق [النساء105] وقال لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين [يونس94] وقال إن هذا لهو القصص الحق [آل عمران62] وحينئذ فكونه حقا يدل على أن ما خالفه مما يسمى(3\/1124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "977",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4258",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معقولا باطل فإن كان ما خالفه حقا لزم أن يكون باطلا وإن كان هو الحق فما خالفه باطل قطعا وأخبر أنه آيات بينات وما يخالف صريح العقل لا يكون كذلك وأخبر أنه أحسن القصص وأحسن الحديث ولو خالف صريح العقل لكان موصوفا بضد ذلك وأخبر أنه أصدق الكلام فقال: من أصدق من الله قيلا [النساء122] ومن أصدق من الله حديثا [النساء87] ولو خالف العقل لم يكن كذلك وكان كلام هؤلاء الضالين المضلين أصدق منه وأخبر أن القلوب تطمئن به أي تسكن إليه من قلق الجهل والريب والشك كما يطمئن القلب إلى الصدق ويرتاب بالكذب فقال تعالى: الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب [الرعد28] وجعل هذا من أعظم الآيات على صدقه وأنه حق من عنده ولهذا ذكره جوابا لقول الكفار لولا أنزل عليه آية من ربه فقال قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله أي بكتابه الذي أنزله وهو ذكره وكلامه ولو كان في العقل الصريح ما يخالفه لم تطمئن به قلوب العقلاء والعاقل اللبيب إذا تدبر القرآن وتدبر كلام هؤلاء المعارضين له تبين أن الريبة كلها في كلامهم والطمأنينة في كلام الله ورسوله وأخبر سبحانه أن(3\/1125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "978",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4259",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التوراة التي هو أكمل وأجل منها إمام للناس فقال تعالى: ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة [الأحقاف12] والإمام هو القدوة الذي يؤتم به وكيف يقتدي بكلام يخالف صريح العقل وسماه سبحانه فرقانا لأنه فرق بين الحق والباطل فلو خالف صريح العقل لم يكن فرقانا ولكان الفرقان كلام هؤلاء الضالين المضلين وأخبر أنه كتاب مبارك والمبارك الكثير البركة والخير والهدى والرحمة وهذا لا يكون فيما يرده العقل ويقضي بخلافه وأخبر أن الباطل لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه ولو كان العقل يخالفه لأتاه الباطل من كل جهة وأخبر أنه كتاب أحكمت آياته وأنه حكيم وأنه فصل وما يخالفه العقل لا يوصف بشيء من ذلك وأخبر أنه مهيمن على كل كتاب أي أمين عليه وحاكم وشاهد وقيم ولو خالفه العقل لكان مهيمنا عليه وكانت معقولات هؤلاء الضالين المضلين هي المهيمنة عليه ولم يكن هو المهيمن عليها وأخبر أنه لا عوج فيه وأنه قيم فقال: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما [الكهف2 , 1] .(3\/1126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "979",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4260",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأي عوج أعظم من مخالفة صريح العقل له وقال تعالى: ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج [الزمر28] . ومن تدبره وتدبر ما خالفه عرف أن القدح كله فيما خالفه. وعلمه بتعوج ما خالفه يعرف من طريقتين من جهة الكلام في نفسه وأنه باطل ومن جهة مخالفته للقرآن وجعله سبحانه حجة على خلقه كما قال تعالى: وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون [الأنعام157-155] . وقال تعالى رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [النساء165] وكيف تقوم الحجة بكلام يخالف صريح العقل وحينئذ فنقول في:(3\/1127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "980",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4261",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثاني والمائة: إن الله سبحانه ضمن الهدى والفلاح لمن اتبع القرآن والضلال والشقي لن أعرض عنه فكيف بمن عارضه بمعقول أو رأي أو حقيقة باطلة أو سياسة ظالمة أو قياس إبليسي أو خيال فلسفي ونحو ذلك قال تعالى فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى [طه126 , 123] فضمن سبحانه لمن اتبع هداه وهو كلامه الهدى في الدنيا والآخرة والسعادة في الدنيا والآخرة فهاهنا أمران: طريقة وغاية فالطريقة الهدى والغاية السعادة والفلاح فمن لم يسلك هذه الطريقة لم يصل إلى هذه الغاية والله سبحانه قد أخبر أن كتابه الذي أنزله هو الهدى والطريق فلو كان العقل الصريح يخالفه لما كان طريقا إلى الفلاح والرشد وقد أخبر سبحانه أن الذين اتبعوا النور الذي أنزل مع رسوله هم المفلحون لا غيرهم وقال تعالى:(3\/1128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "981",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4262",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون [البقرة5-1] . وكما جعل سبحانه الهدى والفلاح لمن اتبع كتابه وآمن به وقدمه على غيره جعل الضلال والشقاء لمن أعرض عنه واتبع غيره وعارضه برأيه ومعقوله وقياسه قال تعالى: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [البقرة257] وقال إن المجرمين في ضلال وسعر [القمر47] وقال ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى [طه124] فوصفه بالعمى الذي هو ضد الهدى وبالمعيشة الضنك التي هي ضد السعادة فكتاب الله أوله هداية وآخره سعادة وكلام المعارضين له بمعقولهم أوله ضلال وآخره شقاوة.(3\/1129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "982",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4263",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثالث بعد المائة: أن الله سبحانه ذم المجادلين في آياته بالباطل في غير آية من كتابه فقال تعالى: الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار [غافر35] . وقال إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه [غافر56] . وقال ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون لذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم إلى قوله فبئس مثوى المتكبرين [غافر76-69] . وأنت إذا تأملت أقوال هؤلاء وسيرتهم رأيت هذه الآيات منطبقة عليهم وهم المرادون بها ومن أعظم الجدال في آيات الله جدال من يعارض النقل بالعقل ثم يقدمه عليه فإن جداله يتضمن أربع مقامات أحدها أنه تبين أن الأدلة النقلية من الكتاب والسنة لا تفيد علما ولا يقينا.(3\/1130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "983",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4264",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني: أن ظاهرها يدل على الباطل والتشبيه والتمثيل الثالث أن صريح العقل يخالفها الرابع: أنه يتعين تقديمه عليها ولا يصل إلى هذه المقامات إلا بأعظم الجدال. فهو مراد بهذه الآيات قطعا وأعمالهم شاهدة عليهم لمن لم يطلع على حقيقة أقوالهم وهي التكبر والتجبر والفرح في الأرض بغير الحق والمرح وطلب العلو في الأرض والفساد ولا تجد من يعارض الوحي بالعقل ويقدمه عليه إلا بهذه المنزلة فهذه علومهم وعقائدهم وهذه إرادتهم وأعمالهم. الوجه الرابع والمائة: إن الله سبحانه وصف المعرضين عن الوحي المعارضين له بعقولهم وآرائهم بالجهل والضلال والحيرة والشك والعمى والريب فلا يجوز وصفهم بالعلم والعقل والهدى ومنشأ ضلال هؤلاء من شيئين: أحدهما: الإعراض عما جاء به الرسول والثاني: معارضته بما يناقضه فمن ذلك نشأت الاعتقادات المخالفة للكتاب والسنة فكل من أخبر بخلاف ما أخبر به الرسول عن شيء من أمر الإيمان بالله وأسمائه(3\/1131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "984",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4265",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصفاته وأفعاله واليوم الآخر أو غير ذلك فقد ناقضه وعارضه سواء اعتقد ذلك بجنانه أو قاله بلسانه أو كتبه ببنانه وهذا حال أهل الجهل المركب ومن أعرض عما جاء به الرسول ولم يعرفه ولم يتبينه ولا عارضه بمعقول أو رأي فهو من أهل الجهل البسيط وهو أصل المركب فإن القلب إذا كان خاليا من معرفة الحق واعتقاده والتصديق به ومحبته كان معرضا لاعتقاد نقيضه والتصديق به لا سيما في الأمور الإلهية التي هي غاية مطالب البرية وهي أفضل العلوم وأعلاها وأشرفها وأسماها وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون وتنافس فيها المتنافسون وجرى إليها المتسابقون فإلى نحوها تمتد الأعناق وإليها تتجه القلوب الصحيحة بالأشواق فالصادقون فيها أهل الإثبات أئمة الهدى كإبراهيم خليل الرحمن وأهل بيته والكاذبون فيها أهل النفي والتعطيل كفرعون وقومه وقال تعالى في أئمة الهدى: وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين [الأنبياء73] .(3\/1132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "985",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4266",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال في أئمة الضلال وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون [القصص41] . فمن لم يكن فيها على طريق أئمة الهدى كان على طريق أئمة الضلال إذ كان ثغر قلبه مفسوحا لهم يلقون فيه أنواع الضلال ويصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون ومصداق هذا أن ما وقع في هذه الأمة من البدع والضلال كان من أسبابه التقصير في إظهار السنة والهدى فإن الجهل المركب الذي وقع فيه أهل التعطيل والنفي في توحيد الله وأسمائه وصفاته كان من أعظم أسبابه التقصير في إثبات ما جاء به الرسول عن الله وفي معرفة معاني أسمائه وآياته حتى إن كثيرا من المنتسبين إلى السنة يعتقدون أن طريقة السلف هي الإيمان بألفاظ النصوص والإعراض عن تدبر معانيها وتفقهها وتعقلها فلما أفهموا النفاة والمعطلة أن هذه طريقة السلف قال من قال منهم طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم لأنه اعتقد أن طريقة الخلف متضمنة لطلب معاني نصوص الإثبات ولنفي حقائقها وظواهرها الذي هو باطل عنده فكانت متضمنة للعلم والتنزيه وكان فيها علم بمعقول وتأويل لمنقول ومذهب السلف عنده عدم النظر في النصوص وفهم المراد منها دون النظر إلى التعارض والاحتمالات وهذا(3\/1133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "986",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4267",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنده أسلم لأنه إذا كان اللفظ يحتمل عدة معاني فحمله على بعضها دون بعض مخاطرة وفي الإعراض عن ذلك سلامة من هذه المخاطرة فلو تبين لهذا البائس وأمثاله أن طريقة السلف إنما هي إثبات ما دلت عليه النصوص من الصفات وفهمها وتدبرها وتعقل معانيها وتنزيه الرب عن تشبيهه فيها بخلقه كما ينزهونه عن العيوب والنقائص وإبطال طريقة النفاة المعطلة وبيان مخالفتها لصريح المعقول كما هي مخالفة لصحيح المنقول علم أن طريقة السلف أعلم وأحكم وأسلم وأهدى إلى الطريق الأقوم وأنها تتضمن تصديق الرسول فيما أخبر وفهم ذلك ومعرفته ولا يناقض ذلك إلا ما هو باطل وكذب وخيال ومن جعل طريقة السلف عدم العلم بمعاني الكتاب والسنة وعدم إثبات ما تضمناه من الصفات فقد أخطأ خطأ فاحشا على السلف كما أن من قال على الرسول أنه لم يبعث بالإثبات وإنما بعث بالنفي كان من أعظم الناس افتراء عليه فهؤلاء المعطلة مفترون على الله ورسوله وعلى سلف الأمة وعلى العقول والفطر وما نصبه الله من الأدلة العقلية والبراهين اليقينية والكذب قرين الشرك كما قرن الله بينهما في غير موضع كقوله تعالى: واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به [الحج31 , 30] .(3\/1134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "987",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4268",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وبذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين [الأعراف152] . وقال ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون [القصص75-74] . وقوله قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والأثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون [الأعراف33] . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; عدلت شهادة الزور الإشراك بالله مرتين أو ثلاثاquot;.(3\/1135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "988",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4269",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الخامس والمائة: أن هؤلاء المعارضين للوحي بآرائهم ومعقولاتهم لا يمكنهم أن يقولوا كل واحد من الدليلين المتعارضين يقيني وأنهما قد تعارضا على وجه لا يمكن الجمع بينهما فإن هذا لا يقوله من يفهم ما يقول ولكن نهاية ما يقولون إن الأدلة الشرعية لا تفيد اليقين وأن ما ناقضها من الأدلة البدعية التي يسمونها هم العقليات تفيد اليقين فينفون إفادة اليقين عن كلام الله ورسوله ويثبتونه لما ناقضه من أدلتهم المبتدعة التي يدعون أنها براهين قطعية ولهذا كان لازم قولهم لا محالة الإلحاد والنفاق والإعراض عما جاء به الرسول وهذه حال الذين ذكرهم الله في قوله وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب [غافر5] . وقوله وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الأنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون [الأنعام112] .(3\/1136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "989",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4270",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فجنس هؤلاء هم المكذبون للرسل ولا يحتج عليهم بما هم مكذبون به ولا بما يزعمون أن العقل الصريح عارضه ولكن المقصود تعريف حال هؤلاء وأن طريقتهم مشتقة من طريقة المكذبين للرسل وأما طريق الرد عليهم فلأتباع الرسول وأنصاره فيه مسالك: الأول: بيان فساد ما ادعوه معارضا للنصوص من عقلياتهم الثاني: بيان أن ما جاء به الرسول من الإثبات معلوم بالضرورة من دينه كما هو معلوم بالأدلة اليقينية فلا يمكن مع تصديق الرسول مخالفة ذلك الثالث: بيان أن المعقول الصريح يوافق ما جاء به الرسول لا يعارضه وبيان أن ذلك معلوم بضرورة العقل تارة وبنظره تارة وهذا أقطع لحجة المعارضين للوحي فإنهم يدلون بالعقل والعقل الصحيح من أقوى الأدلة على بطلان قولهم. الوجه السادس والمائة: أن هذه المعقولات التي عارضوا بها الوحي لها معقولات تعارضها هي أقوى منها ومقدماتها أصح من مقدماتها فيجب تقديمها عليها لو قدر تعارضهما ولا يمكن هؤلاء أن يدفعوا كون النصوص من جانب هذه(3\/1137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "990",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4271",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعقولات وحينئذ فمعقول تشهد له النصوص أولى بالصحة والقبول من معقول تدفعه النصوص فنحن ندفع معقولاتهم بهذه المعقولات تارة وبالنصوص تارة وبهما تارة ولا يمكنهم القدح في هذه المعقولات إلا بمقدمات يردها النص وهذا العقل فكيف ترد هذه المعقولات والنصوص بتلك وهذا قاطع لمن تدبره واعتبر ذلك بالمعقولات التي أقامها المعطلة على نفي علو الله على خلقه ومباينته للعالم والمعقولات التي أقامها أهل الإثبات على ضد قولهم يتبين لك ما بينهما من التفاوت وتسلم نصوص الوحي عن المعارض ونحن نعلم أن المعطلة تقدح في مقدمات هذه المعقولات الدالة على الإثبات ولكن القدح فيها من جنس القدح في الضروريات والبديهيات ولا ينفعهم كون طائفة من العقلاء منكرين لها والضروريات لا ينكرها أحد فإن هذا ينتقض عليهم فكل طائفة من طوائف بني آدم قالوا ما يخالف ضرورة العقل مع كونهم أكثر من هؤلاء النفاة وكل طائفة تشهد على الأخرى أنها خالفت ضرورة العقل فيشهد أصحاب العقل والسمع على النفاة أنهم كما خالفوا صحيح النقل خالفوا صريح العقل وسيشهدون على ذلك:(3\/1138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "991",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4272",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور [العاديات10 , 9] . وقال المعارضون للوحي وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير [الملك10] . الوجه السابع المائة: أن كل عاقل يعلم بالضرورة أن من خاطب الناس في علم من أنواع العلوم من الطب أو الحساب أو النحو أو الهيئة أو غير ذلك بكلام ذكر أنه بين لهم فيه حقيقة ذلك العلم وأوضح مشكلاته وبين غوامضه ولم يحوجهم بعده إلى كتاب سواه ولم يكن في ذلك الكتاب بيان ذلك العلم ولا معرفة ذلك المطلوب بل كانت دلالة الكتاب على نقيض ذلك العلم أكمل وعلى خلافه أدل أو كان العقل الصريح يدل على خلاف ما دل عليه ذلك الكتاب كان هذا المصنف مفرطا في الجهل والضلال أو في المكر والاحتيال أو في الكذب والمحال فكيف بكتاب لم ينزل من السماء كتاب أهدى منه خضعت له الرقاب وسجدت له عقول ذوي الألباب وشهدت العقول والفطر بأن مثله ليس من كلام البشر وأن فضله على كل كلام كفضل المتكلم به على الأنام وأنه نور البصائر من عماها وجلاء القلوب من صداها وشفاء الصدور من أدوائها وجواها فهو حياها الذي(3\/1139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "992",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4273",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به حباها ونورها الذي انقشعت به عنها ظلماؤها وغذاؤها الذي به قوام قوتها ودواؤها الذي به حفظ صحتها وهو البرهان الذي زاد على برهان الشمس ضياء ونورا فلو:  ... اجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا [الإسراء88] . فيه نبأ ما كان قبلنا وخبر ما يكون بعدنا وحكم ما بيننا وهو الجد ليس باللعب والفصل ليس بالهزل وهو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم والصراط المستقيم والنبأ العظيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا يعوج فيقوم ولا يزيغ فيتشعب ولا تخلق بهجته على كثرة الترداد بل لا يزداد على تتابع التلاوة إلا بهجة وطلاوة وحلاوة من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله ومن أعرض عنه أو عارضه بعقله أو رأيه أو سياسته أو خياله فالضلال منتهاه والنار منقلبه ومثواه والخذلان قرينه(3\/1140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "993",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4274",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والشقاء صاحبه وخدينه من قال به صدق ومن حكم به عدل ومن حاكم به أفلح ومن خاصم به استظهر بأقوى الحجج ومن استنصر به فهو مؤيد ومنصور ومن عدل عنه فهو مخذول ومثبور فبغاه هؤلاء النفاة المعطلة عوجا وجعلوا دون الاهتداء به بابا مرتجا وعزلوه عن إفادة العلم واليقين وقالوا قد عارض ما أثبتته العقول والبراهين وقالوا لم يدل على الحق في الأمور الإلهية ولا أفاد علما ولا يقينا في هذه المطالب العلية بل دلالته ظاهرة في نقيض الصواب مفهمة لنقيض ما يقوله أولو العقول والألباب فالواجب أن نحترمه بالإمساك والتفويض أو نسلط عليه التأويل إن أفهم الخلاف والضد والنقيض فإن عجزنا عن ذلك أتينا بالقانون المشهور بيننا والمقبول أنه إذا تعارض العقل والنقل قدمنا المعقول(3\/1141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "994",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4275",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على المنقول فهذا حقيقة قول هؤلاء النفاة المعطلين في كلام رب العالمين وكلام رسوله الأمين. الوجه الثامن والمائة: أن هذا يتضمن الصد عن آيات الله وبغيها عوجا وقد ذم الله سبحانه من فعل ذلك وتوعده بأليم العقاب فقال الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد [إبراهيم3-1] . وقال ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون [هود19 , 18] . وهؤلاء المعارضون للوحي بعقولهم جمعوا بين الأمور الثلاثة الكذب على الله والصد عن سبيل الله وبغيها عوجا أما الكذب على الله فإنهم نفوا عنه ما أثبته لنفسه من صفات الكمال ووصفوه بما لم يصف به نفسه وأما صدهم عن سبيله وبغيها عوجا فإنهم أفهموا الناس بل(3\/1142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "995",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4276",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صرحوا لهم بأن كلام الله ورسوله ظواهر لفظية لا تفيد علما ولا يقينا وأن العقول عارضتها فيجب تقديم العقول عليها وأي عوج أعظم من عوج مخالفة العقل الصريح وقد وصف الله كتابه بأنه غير ذي عوج ولا ريب أن الله هو الصادق في ذلك وأنهم هم الكاذبون. فإن قلت يبغونها متعدي إلى مفعول واحد فما وجه انتصاب عوجا قيل فيه وجوه أحدها: أنه نصب على الحال أي يطلبونها ذات عوج لا يطلبونها مستقيمة والمعنى يطلبون لها العوج. الثاني: أن عوجا مفعول يبغونها على تقدير حذف اللام أي يطلبون لها عوجا يرمونها به ويصفونها به وأحسن منهما أن تضمن يبغونها إما معنى يعوجونها فيكون عوجا منصوبا على المصدر ودل فعل البغي على طلب ذلك وابتغائه. وأما معنى يسومونها ويؤولونها وعلى كل تقدير فسبيل الله هداه وكتابه الهادي للطريق الأقوم والسبيل الأقصد فمن زعم أن في العقل ما يعارضه فقد بغاه عوجا ودعا إلى الصد عنه ومن له خبرة بالمعقول الصحيح يعلم أن العوج في كلام هؤلاء المعوجين الذين هم عن الصراط ناكبون وعن سبيل الرشد حائدون وعن آيات الله بعيدون وبالباطل(3\/1143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "996",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4277",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والقضايا الكاذبة يصدقون وفي ضلالهم يعمهون وفي ريبهم يترددون وهم للعقل الصريح والسمع الصحيح مخالفون: وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون [البقرة15-11] . الوجه التاسع والمائة: أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم لم يسكتوا عن الكلام في هذا الباب بل تكلموا فيه بغاية الإثبات المناقض لما عليه الجهمية المعطلة وعند الجهمية أن الساكت عنه خير من المتكلم فيه بالإثبات المناقض لتعطيلهم والمتكلم فيه بالنفي والتعطيل الذي يسمونه تنزيها خير من الساكت عنه فجعلوا المتكلم فيه بالإثبات آخر المراتب وهو أحسنها ولا ريب أن هذا يستلزم غاية القدح في الرسل والتنقص لهم ونسبتهم إلى القبيح ووصفهم بخلاف ما وصفهم الله به ومضمون هذا أنهم لم يهدوا الخلق ولم يعلموهم الحق بل لبسوا عليهم ودلسوا وأضلوهم وعرضوهم للجهل المركب ولو تركوهم في جهلهم البسيط لكان خيرا(3\/1144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "997",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4278",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لهم بل تركوهم في حيرة مذبذبين لا يعرفون الحق من الباطل ولا الهدى من الضلال فعند هؤلاء الضالين كلام الأنبياء لا يشفي عليلا ولا يروي غليلا ولا يبين الحق من الباطل ولا الهدى من الضلال بل يكون كلام من تسفسط في العقليات وتقرمط في السمعيات وهو كخيط السحار والمشعوذ يخرجه تارة أحمر وتارة أبيض وتارة أسود أهدى سبيلا من نصوص الوحي فإن نصوص الوحي عند هؤلاء أضلت الخلق وأفسدت عقولهم وعرضتهم لاعتقاد الباطل ومن راعى حرمة النصوص منهم قال فائدة إنزالها اجتهاد أهل العلم في صرفها عن مقتضاها وحقائقها بالأدلة المعارضة لها حتى تنال النفوس كل الاجتهاد وتنهض إلى التفكر والاستدلال بالأدلة العقلية المعارضة لها الموصلة إلى الحق فحقيقة الأمر عند المعطلة أن الرسل خاطبوا الخلق بما لا يبين الحق ولا ينال منه الهدى بل ظاهره يدل على الباطل ويفهم منه الضلال ليكون انتفاع الخلق بخطاب الرسول اجتهادهم في رد(3\/1145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "998",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4279",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما أظهرته الرسل وأفهمته الخلق ليصلوا برده إلى معرفة الحق الذي استنبطوه بعقولهم ولم يحتاجوا فيه إلى الرسل بل احتاجوا فيه إلى رد ما جاءوا به بالقانون العقلي أو رد معناه بالتأويل اللفظي وحينئذ فنقول في الوجه العاشر بعد المائة: إن مثل ما جاءت به الرسل عند النفاة والمعطلة مثل من ارسل مع الحاج أدلاء يدلونهم في طريق مكة وأوصى الأدلاء بأن يخاطبوهم بخطاب يدلهم على غير الطريق ليكون ذلك الخطاب سببا لنظرهم واستدلالهم حتى يعرفوا الطريق بنظرهم واستدلالهم لا بأولئك الأدلة وحينئذ يردون ما فهموا من كلام الأدلة وخطابهم ويجتهدون في نفي دلالته وإبطال مفهومه ومقتضاه ومن المعلوم أن خلقا كثيرا لا يتبعون إلا الأدلاء الذين يدعون أنهم أخبر بالطريق منهم وأن ولاة الأمور قلدوهم دلالة الحاج وتعريفهم الطريق وإن درك ذلك عليهم والطائفة التي ظنت أن الأدلاء لم يريدوا بكلامهم الدلالة والإرشاد إلى(3\/1146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "999",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4280",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبيل الرشاد صار كل منهم يستدل بنظره واجتهاده فاختلفوا في الطرق وتشتتوا فمنهم من سلك طرقا أخرى غير طرق مكة فأفضت بهم إلى مفاوز معطشه وأودية مهلكة وأرض مسبعبه فأهلكتهم وطائفة أخرى شكوا وحاروا فلا مع الأدلاء سلكوا فأدركوا المقصود ولا لطرق المخالفين للأدلاء اتبعوا بل وقفوا مواقف التائهين الحائرين حتى هلكوا في أمكنتهم أيضا جوعا وعطشا كما هلك أرباب تلك الطرق فلم ينجوا من المكروه ولم يظفروا بالمطلوب وآخرون اختصموا فيما بينهم فصاروا حزبين حزبا يقولون الصواب مع الأدلاء فإنهم أهل هذا الشأن الذي نصبوا له دون غيرهم وحزبا يقولون بل الصواب مع هؤلاء الذين يقولون إنهم أخبر وأصدق وكلامهم في الأدلة أبين وأصدق فاقتتل الفريقان وطال بينهم الخصام والجدال وانتشر القيل والقال وشهد آخرون الوقعة فوقفوا بين هؤلاء وهؤلاء وخذلوا الفريقين ولم يتحيزوا إلى واحدة من الطائفتين فهلك الحجيج وكثر الضجيج وعظم البكاء والنشيج واضطربت الآراء وعصفت الأهواء وصار حالهم كحال قوم سفر نزلوا في ليلة ظلماء فهجم عليهم عدو وهم نيام فقاموا في ظلمة(3\/1147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1000",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4281",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الليل على وجوههم هاربين لا يهتدون سبيلا ولا يتبعون دليلا وهذا كله إنما نشأ من قول السلطان للأدلاء خاطبوا الناس بما يدلهم على غير الطريق ليجتهدوا بعقولهم ونظرهم في معرفة الطريق فهل يكون من فعل هذا بالحجيج قد هداهم السبيل أو أرشدهم إلى اتباع الدليل أو أراد بهم ما يريده الراعي المشفق على رعيته الناصح لهم وهل هذا مطابق لقول الدليل يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم [الأعراف93] وقوله ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون [الأعراف62] وقوله ربي وأنا لكم ناصح أمين [الأعراف68] فأين النصح والأمانة على قول المعطلين النفاة فإذا قال هذا الدليل إنما قصدت بذلك أن يجتهد الحاج في معرفة الطريق بعقولهم وبحثهم ونظرهم ولا يستدلوا بكلامي فهل يكون هذا دليلا أم قاطع طريق فهذا مثال ما يقوله هؤلاء(3\/1148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1001",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4282",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعطلة النفاة في رسل الله الذين أرسلهم الله سبحانه إلى الخلق ليعلموهم ويهدوهم ويدعوهم إلى الله وإلى السبيل الموصلة إليه فجعل هؤلاء المعطلة الجهاد في إفساد سبيل الله جهادا في سبيله والاجتهاد في رد ما جاءت به رسله اجتهادا في الإيمان به والسعي في إطفاء نور الله سعيا في إظهار نوره والحرص على أن لا يصدق كلامه ولا تقبل شهادته ولا تتبع دلالته حرصا على أن تكون كلمة الحق هي العليا والمبالغة في طريق أهل الإشراك والتعطيل مبالغة في طريق التوحيد الموصلة إلى سواء السبيل فقلبوا الحقائق وأفسدوا الطرائق وأضلوا الخلائق وعطلوا الخالق وإنما يعرف حقيقة هذا المثل ومطابقته للواقع من ضرب في الكتاب والسنة بسهم وحصل منها على نصيب وافر واطلع على حقيقة أقوال المعطلين النفاة في دلائلهم ومسائلهم ونظر إلى غايتها من خلال كلماتهم ومن البلية العظمى أن كثيرا ممن لهم علم وفقه وعبادة وزهد ولسان صدق في العامة وقد ضرب في العلم والدين بسهم قد التبس عليه كثير من كلامهم فقبله معتقدا أنه حق وأن أصحابه محققون فسمع كلام الله وكلام رسوله وكلام أهل العلم والإيمان وكلام هؤلاء وغيرهم من أهل الإلحاد فيؤمن بهذا وهذا إيمانا مجملا ويصدق الطائفتين ولا يدخل في تحقيق طريق هؤلاء ولا هؤلاء فإذا سمع القرآن والحديث قال هذا كلام الله(3\/1149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1002",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4283",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكلام رسوله وإذا سمع كلام الملاحدة والمعطلة الذين حسن ظنه بهم قال هذا كلام العارفين المحققين والنظار أصحاب العقول والبراهين وإذا سمع كلام الاتحادية الملاحدة الذين هم أكفر طوائف بني آدم قال هذا كلام أولياء الله أو كلام خاتم الأولياء ومرتبتنا تقصر عن فهمه فضلا عن الاعتراض عليه وبالجملة فلرسول الله أتباع خاصة وعامة ولمسيلمة الكذاب أتباع خاصة وعامة والله تعالى جعل للهدى أئمة وأتباعا إلى آخر الدهر وللضلال أئمة وأتباعا إلى آخر الدهر. الوجه الحادي عشر بعد المائة: إن لوازم هذا القول معلومة البطلان بالضرورة من دين الإسلام وهي من أعظم الكفر والإلحاد وبطلان اللازم يستلزم بطلان ملزومه فإن من لوازمه أن لا يستفاد من خبر الرسول عن الله في هذا الباب علم ولا هدى ولا بيان للحق في نفسه. ومن لوازمه أن يكون كلامه مضمونا لضد ذلك ظاهره وحقيقته. ومن لوازمه القدح في علمه ومعرفته أو في فصاحته وبيانه أو في نصحه وإرادته كما تقدم تقريره مرارا. ومن لوازمه أن يكون المعطلة النفاة أعلم بالله منه أو أفصح أو انصح. ومن لوازمه أن يكون أشرف الكتب وأشرف الرسل قد(3\/1150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1003",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4284",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قصر في هذا الباب غاية التقصير بل أفرط في التجسيم والتشبيه غاية الإفراط وتنوع فيه غاية التنوع فمرة يقول أين ومرة يقر عليها لمن سأله ولا ينكرها ومرة يشير بإصبعه ومرة يضع يده على عينه وأذنه حين يخبر عن سمع الرب وبصره ومرة يصفه بالنزول والمجيء والإتيان والانطلاق والمشي والهرولة ومرة يثبت له الوجه والعين واليد والإصبع والقدم والرجل والضحك والفرح والرضى والغضب والكلام والتكليم والنداء بالصوت والمناجاة ورؤية أهل الجنة له مواجهة عيانا بالأبصار من فوقهم ومحاضرته لهم محاضرة ورفع الحجب بينه وبينهم وتجليه لهم واستدعائهم لزيارته وسلامه عليهم سلاما حقيقيا قولا من رب رحيم واستماعه وأذنه لحسن الصوت إذا تلا كلامه وخلقه ما شاء بيده وكتابة كلامه بيده ويصفه بالإرادة والمشيئة والقوة والقدرة(3\/1151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1004",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4285",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحياة والحياء وقبض السماوات وطيها بيده والأرض بيده الأخرى ووضعه السماوات على إصبع والأرض على إصبع والجبال على إصبع والشجر على إصبع وأضعاف ذلك مما إذا سمعه المعطلة سبحوا الله ونزهوه جحودا وإنكارا لا إيمانا وتصديقا فما ضحك منه رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا وتصديقا لقائله يعبس منه هؤلاء إنكارا وتكذيبا وما شهد لقائله ببالإيمان شهد هؤلاء له بالكفر والضلال وما أوحى بتبليغه إلى الأمة وإظهاره يوصي هؤلاء بكتمانه وإخفائه وما أطلقه على ربه لئلا يطلق عليه ضده ونقيضه يطلق هؤلاء عليه ضده ونقيضه لئلا يطلق هو عليه وما نزه ربه عنه من العيوب النقائض يمسكون عن تنزيهه عنه وإن اعتقدوا أنه منزه عنه ويبالغون في تنزيهه عن ما وصف به نفسه فتراهم يبالغون أعظم المبالغة في تنزيهه عن علوه على خلقه واستوائه على عرشه وتكلمه بالقرآن حقيقة وإثبات الوجه واليد والعين له مالا يبالغون مثله ولا قريبا منه في تنزيهه عن الظلم والعيب والفعل لا لحكمة والتكلم بما ظاهره ضلال ومحال وتراهم إذا أثبتوا أثبتوا مجملا لا تعرفه القلوب ولا تميز بينه وبين العدم وإذا نفوا نفوا مفصلا نفيا يتضمن تعطيل ما أثبته الرسول حقيقة فهذا وأضعافه وأضعاف أضعافه من لوازم قول المعطلة ومن لوازمه أن القلوب لا تحبه ولا تريده ولا تبتهج به(3\/1152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1005",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4286",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا تشتاق إليه ولا تلتذ بالنظر إلى وجهه الكريم في دار النعيم كما صرحوا بذلك وقالوا هذا كله إنما يصح تعلقه بالمحدث لا بالقديم قالوا وإرادته ومحبته محال لأن الإرادة إنما تتعلق بالمعدوم لا بالموجود والمحبة إنما تكون لمناسبة بين المحب والمحبوب ولا مناسبة بين القديم والمحدث. ومن لوازمه أعظم العقوق لأبيهم آدم فإن من خصائصه أن الله خلقه بيده فقالوا إنما خلقه بقدرته فلم يجعلوا له مزية على إبليس في خلقه. ومن لوازمه بل صرحوا به جحدهم حقيقة خلة إبراهيم وقالوا هي حاجته وفاقته وفقره إلى الله فلم يثبتوا له بذلك مزية على أحد من الخلق إذ كل أحد فقير إليه في كل نفس وطرفة عين. ومن لوازمه بل صرحوا به أن الله لم يكلم موسى تكليما وإنما خلق كلاما في الهواء أسمعه إياه فكلمه في الريح لا أنه أسمعه كلامه الذي هو صفة من صفاته قائم بذاته لا يصدق الجهمي بهذا أبدا. ومن لوازمه بل صرحوا به أن الرسول لم يعرج به إلى الله حقيقة ولم يدن من ربه حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى ولم يرفع من عند موسى إلى عند ربه مرارا يسأل التخفيف لأمته فإن من وإلى عندهم في حق الله محال فإنها تستلزم المكان ابتداء وانتهاء. ومن لوازمه أن الله سبحانه لم يفعل شيئا ولا يفعل شيئا(3\/1153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1006",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4287",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البتة فإن الفعل عندهم عين المفعول وهو غير قائم بالرب تعالى فلم يقم به عندهم فعل أصلا وسموه فاعلا من غير فعل يقوم به كما سموه مريدا من غير إرادة تقوم به وسموه متكلما من غير كلام يقوم به وسماه زعيمهم المستأخر عند الله وعند عباده عالما من غير علم يقوم به حيث قال العلم هو المعلوم كما قالوا الفعل هو المفعول. ومن لوازمه أنه لا يسمع ولا يبصر ولا يرضى ولا يغضب ولا يحب ولا يبغض فإن ذلك من مقولة أن ينفعل وهذه المقولة لا تتعلق به وهي في حقه محال كما نفوا علوه على خلقه واستواءه على عرشه لكون ذلك من مقولة الأين وهي عليه محال ونفوا كلامه وحياته وقدرته ومشيئته وإرادته وسائر صفاته لأنها من مقولة العرض وهي ممتنعة عليه كما نفوا استوائه على عرشه لأنه من مقولة الوضع المستحيل ثبوتها له ولوازم قولهم أضعاف أضعاف ما ذكرناه وإنما أشرنا إلى بعضها إشارة يتفطن بها اللبيب لما وراءها وبالله التوفيق. الوجه الثاني عشر بعد المائة: أن الرسول إذا لم يبين للناس أصول إيمانهم ولا عرفهم علما يهتدون به في أعظم أمور الدين وأصل مقاصد الدعوة النبوية وأجل ما خلق الخلق له وأفضل ما أدركوه(3\/1154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1007",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4288",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحصلوه وظفروا به وهو معرفة الله ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله وما يجب له ويمتنع عليه بل إنما يبين لهم الأمور العملية كانت رسالته مقصورة على أدنى المقصودين فإن الرسالة لها مقصودان عظيمان أحدهما: تعريف العباد ربهم ومعبودهم بما هو عليه من الأسماء والصفات. والثاني: محبته وطاعته والتقرب إليه فإذا لم يكن الرسول قد بين للأمة أجل المقصودين وأفضلهما كانت رسالته قاصرة جدا فكيف إذا أخبرهم فيه بما تحيله عقولهم وأذهانهم وإذا كان النفاة المعطلة قد بينوا ذلك بيانا مفصلا يجب على كل أحد اعتقاده فحينئذ ما أتوا به أفضل مما جاء به الرسول في القسمين فإن النفي عندهم هو الحق والإثبات باطل فما جاؤوا به من ذلك خير عندهم مما جاء به الرسول من هذا الوجه ومن جهة أن العلم أشرف من العمل ومن المعلوم أن النفاة المعطلة ليس فيهم أحد من أئمة الإسلام ومن لهم في الأمة لسان صدق وإنما أئمتهم الكبار القرامطة والباطنية والإسماعيلية والنصيرية وأمثالهم من ملاحدة الفلاسفة كابن سينا والفارابي وأمثالهما وملاحدة المتصوفة القائلين بوحدة الوجود(3\/1155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1008",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4289",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كابن سبعين وصاحب الفصوص وصاحب نظم السلوك وأمثالهم ثم من أئمتهم من هو أمثل من هؤلاء كأئمة الجهمية كالجهم ابن صفوان والجعد بن درهم وأبي الهذيل العلاف وإبراهيم النظام وبشر المريسي وثمامة بن أشرس وأمثال هؤلاء ممن هم من أجهل الخلق بما بعث الله به رسوله فيا للعقول ويا للعجب أيكون ما أتى به هؤلاء من التعطيل والنفي أكمل مما أتى به موسى بن عمران ومحمد بن عبد الله خاتم الرسل وإخوانهما من المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم فإن الرسل عند النفاة لم يبينوا أفضل العلم والمعرفة وإنما هم الذين بينوا ذلك ودلائله تأصيلا وتفصيلا وقد صرح ملاحدة هؤلاء بأن الرسل راموا إفادة(3\/1156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1009",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4290",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما بينوا هؤلاء الملاحدة كما قال ابن سبعين في خطبة كتابه أما بعد فإني قد عزمت على إفشاء السر الذي رمز إليه هرامسة الدهور الأولية ورامت إفادته الهداية النبوية ويقول صاحب الفصوص أن الرسل يستفيدون معرفة ذلك من مشكاة خاتم الأولياء وأن هذا الخاتم يأخذ العلم من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول فهو أعلى إسنادا من الرسول وأقرب تلقيا على قوله وطائفة من الفلاسفة تقول إن الفيلسوف أفضل من النبي وأكمل منه بناء على هذا الأصل الملعون ومن لم يصل إلى هذا الذي هو غاية تحقيقهم من أهل التعطيل والتجهيم ومبتدعة المتصوفين فقد شاركهم في الأصل وقاسمهم في الربح والثمرة والله الموفق.(3\/1157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1010",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4291",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثالث عشر بعد المائة: إن أقوال هؤلاء النفاة المعطلة متناقضة مختلفة وذلك يدل على بطلانها وأنها ليست من عند الله وما جاء به الرسول متسق متفق يصدق بعضه بعضا ويوافق بعضه بعضا وهذا يدل على أنه حق في نفسه قال تعالى أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [النساء 82] . وأنت إذا تأملت مقالات القوم ومعقولاتهم وجدتها أعظم شيء تناقضا ولا تجد أحدا من فضلائهم ورؤسائهم أصلا إلا وهو يقول الشيء ويقول ما يخالفه ويناقضه تارة في المسألة الواحدة وتارة يقول القول ثم ينقضه في مسألة أخرى من ذلك الكتاب بعينه. وأما قوله الشيء وقول نقيضه في الكتاب الآخر فمن له فهم واطلاع على كتب القوم يعلم ذلك وأما الجاهل المقلد فلا تعبأ به ولا يسوءك سبه وتكفيره وتضليله فإنه كنباح الكلب فلا تجعل للكلب عندك قدرا أن ترد عليه كلما نبح عليك ودعه يفرح بنابحه وأفرح أنت بما فضلت به عليه من العلم والإيمان والهدى واجعل الإعراض عنه من بعض شكر نعمة الله التي ساقها إليك وأنعم بها عليك. ولولا خشية الإطالة لذكرنا في هذا الموضع من تناقضهم في مسائلهم ودلائلهم في كل مسألة ما يتعجب منه العاقل(3\/1158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1011",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4292",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويتنبه به الغافل وأما مناقضة بعضهم بعضا ومعارضة بعضهم بعضا في الأدلة والأحكام فأمر لا خفاء به فالواحد منهم متناقض مع نفسه وأصحابه متناقضون فيما بينهم وهم وخصومهم في هذا الباب أشد تناقضا ومناقضتهم لنصوص الوحي معلومة وهم متناقضون لما تعلم صحته بصريح العقل فهم في أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها [النور40] ولكن لا يرى هذه الظلمات إلا من هو في نور السمع والعقل ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور [النور40] الوجه الرابع عشر بعد المائة: أن هؤلاء المعارضين بين الوحي والعقل يستلزم قولهم ثلاث مقدمات تناقض دعواهم غاية المناقضة المقدمة الأولى: ثبوت الرسالة في نفس الأمر على قاعدة أهل الملل وأن الرسول جاء من عند الله برسالة ليس(3\/1159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1012",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4293",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مقدورا لبشر نيلها باكتساب ولا رياضة ولا صناعة من الصنائع. الثانية: أنه جاء بهذا الكلام الذي ادعوا أن العقل عارضه. الثالثة: أنه أراد به حقيقته وظاهره فلا تتم دعوى المعارضة إلا بهذه الأمور وحينئذ فإما أن يقر المعارض بها أو ينكرها فإن أقر بها ثم ادعى المعارضة كان قوله في غاية وحالة القدح في المرسل والرسول وإن أنكرها كان الكلام معه في أصل ثبوت الرسالة واحتج عليه بما يحتج على منكري النبوات وإن أقر بالنبوة على طريقة ملاحدة الفلاسفة ومن سلك سبيلهم أنها مكتسبة وأن خاصة النبي قوة ينال بها العلم وقوة يتصرف فيها في المعقولات فيشكلها في نفسه خيالات ترى وتسمع وهي المسماة بالملائكة كما يقوله شيوخ هؤلاء كابن سينا وأتباعه ولم يمكنه أن يجزم بأن النبي عالم بما يقول معصوم عن الخطأ فيه فكيف وهو يقول إن النبي قد يقول ما يعلم خلافه فهو لا يستفيد بخبر النبي حقا البتة فكيف يتكلم في المعارضة التي هي فرع الاعتراف بصحة الدليل ولكن قد(3\/1160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1013",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4294",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عارضه غيره فيكون مقام هذا مقام منع لا مقام معارضة فإما أن يمنع كون النبي عالما بما يقول أو كونه جازما معصوما فيه أو كونه جاء بذلك أو كونه أراد به خلاف ما دل العقل بزعمه عليه وإلا فمع إقراره بذلك تستحيل المعارضة أن ترجع حقيقتها إلى أن ما جاء به حق وأنه باطل وهذا جمع بين النقيضين فثبت أن هذه الطريقة طريقة ممانعة لا طريقة معارضة وأن دعوى المعارض تستلزم الجمع بين النقيضين فمن لم يعلم أن الرسول معصوم صادق فيما يخبر به كيف تمكنه المعارضة ومن لم يعلم أنه جاء بكذا لم تمكنه المعارضة ومن لم يعلم أنه أراده بكلامه لم تمكنه المعارضة ومن علم هذه الأمور الثلاثة وأقر بها لم يمكنه المعارضة فبطلت دعوى المعارضة على التقريرين وبالله التوفيق يوضحه الوجه الخامس عشر بعد المائة: إن من عرف بطلان هذه المعقولات التي يعارض هؤلاء بها السمع امتنع عنده أن يحصل بها المعارضة لامتناع ثبوت المعارضة بين الحق والباطل ومن اعتقد صحتها فاعتقاد صحتها عنده ملزوم لبطلان السمع فيلزم من صحتها بطلانه وتمتنع المعارضة أيضا فالمعارضة ممتنعة على تقدير صحتها وفسادها.(3\/1161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1014",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4295",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه السادس عشر بعد المائة: إن تجويز التعارض بين السمع والعقل والإيمان بالله ورسوله لا يمكن اجتماعها البتة فإن صحت المعارضة امتنع الإيمان وإن صح الإيمان امتنعت المعارضة فإن الإيمان مبناه على أن الرسول صادق فيما يخبر به عن الله معصوم في خبره وعلى أنه جاء بهذا الكتاب وعلى أنه أراد من الأمة أن يثبتوا حقائقه ويفهموه ويتدبروه ولا ينفوا حقائق ما أخبر به ويقروا بلفظه فلا يمكن وجود الأيمان بالرسول إلا بهذه الأصول الثلاثة فإذا جوزنا معارضة العقل الصريح لما جاء له لزم القدح والطعن فيها أو في بعضها والطعن في الأمرين الأولين مناقض للإيمان بالذات والطعن في الثالث يستلزم الطعن فيهما إذ غايته الاعتراف بأنه جاء بهذه الألفاظ ولم يجيء بحقائقها ومعانيها وهذا جحد لما أرسل به حقيقة فثبت أن الإيمان وهذه المعارضة لا يجتمعان أبدا يوضحه الوجه السابع عشر بعد المائة: وهو أن يقال لهؤلاء المعارضين للوحي بآرائهم إما أن تردوا هذه النصوص وتكذبوها وإما أن تصدقوها وتقبلوها والأول إلحاد وكفر ظاهر وإن قبلتموها فإما أن تعتقدوا أن الرسول أراد حقائقها ومعانيها المفهومة منها أولا فإن اعتقدتم أنه اراد حقائقها فإما أن تعتقدوا ثبوت تلك(3\/1162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1015",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4296",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحقائق في نفس الأمر وانتفائها أو تشكون في الأمر ولا ريب أنه مع اعتقاد ثبوت تلك الحقائق تمتنع المعارضة وأنه مع الشك تمتنع المعارضة فلا تمكن المعارضة إلا على تقدير العلم بانتفاء تلك الحقائق في نفس الأمر وحينئذ فإذا أراد إفهامها فقد أراد إفهام خلاف الحق فإما أن توافقوه في مراده وتمنعوا تأويلها بما يخالف حقائقها لأنه مناقضة لمراده وإما أن توجبوا تأويلها بما يخرجها عن حقائقها ومعانيها المفهومة منها والأول يستلزم الإقرار على الباطل وإفهام أقبح الكذب وهو الكذب على الله واسمائه وصفاته وهذا يرجع على أصل الرسالة ومقصودها بالإبطال فلم يبق إلا التأويل ولا يمكنكم سلوك طريقه لأنكم تناقضون فيه أقبح التناقض. فإنكم إما تتأولوا الجميع وليس في المنتسبين إلى القبلة من يجوز ذلك ولا يمكنه وإما تتأولوا البعض دون البعض فيقال لكم ما الفرق بين ما جوزتم تأويله فصرفتموه عن حقيقته ومعناه الظاهر منه وبين ما أقررتموه على حقيقته? فإن قلتم ما يقوله جمهوركم أن ما عارضه عقلي قاطع تأولناه وما لم يعارضه عقلي قاطع أقررناه. قيل لكم فحينئذ لا يمكنكم نفي التأويل عن شيء فإنكم لا يمكنكم نفي جميع المعارضات العقلية(3\/1163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1016",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4297",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كما تقدم إذ غاية ما معكم نفي العلم بها وعدم العلم لا يستلزم عدم المعلوم وأيضا فمعقولات الناس ليست على حد واحد فهب أن معقولاتكم ليست تعارض ما أقررتموه فقد ادعى غيركم أن مقدماتكم التي عارضتم بها ما تأولتموه ومثلها وأيضا فعدم العلم بالمعارض العقلي القطعي لا يوجب الجزم بمدلول الدليل السمعي فإنكم إذا جوزتم على الرسول أن يقول قولا له معنى وهو لا يريده لأن في العقليات الدقيقة التي لا تخطر ببال أكثر الناس أو لا تخطر ببال الخلق في قرون كثيرة ما يخالف ذلك جاز أن يريد بما أقررتموه ما يخالف مقتضاه وعدم العلم بما يعارضه من العقليات لا يستلزم عدم المعارض في نفس الأمر وهذا مما لا جواب لكم عنه. فإن قلتم نتأول ما لا يعلم بالاضطرار أنه جاء به وأراده وما علم بالاضطرار أنه جاء به وأراد معناه أقررناه. قيل لكم فخصومكم من أهل الباطل يقولون لكم فيما أقررتموه نحن لم نعلم أنه جاء بهذا ولا أراد معناه كما قلتم أنتم فيما تأولتموه سواء فدعواكم من جنس دعواهم لا فرق بينهما فما الذي جعل قولكم أولى بالصواب من قولهم واتباع الرسول وحزبه العالمون بما جاء به الذين هم خاصته يعلمون بالاضطرار من دينه أنه جاء بما يخالف تأويلاتكم وتأويلات إخوانكم وتعلمون بالضرورة أنها مناقضة لما جاء به مناقضة ظاهرة ولا يدعون عليكم أنكم(3\/1164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1017",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4298",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعلمون ذلك فإنكم لا علم لكم بما جاء به وأنتم من أبعد الناس عنه فإذا قلتم لا نعلم أنه جاء به صدقوكم في ذلك ولكن جهلكم بما جاء به وإعراضكم عنه لا يوجب مشاركتهم لكم في هذا الجهل فالمثبتون لعلو الله على خلقه واستوائه على عرشه وتكلمه بالقرآن حقيقة وتكليمه لعبده موسى حقيقة منه إليه بلا واسطة كلاما أسمعه إياه وتكليم عباده في الآخرة وتكليمه ملائكته وإثبات صفاته ورؤية المؤمنين له في الجنة من فوقهم عيانا جهرة بأبصارهم يعلمون أن نبيهم جاء بذلك ضرورة كما أنه جاء بالوضوء والغسل من الجنابة والصلاة وصوم رمضان والحج والزكاة وتحريم الظلم والفواحش فكيف تنكرون ذلك لعدم علمكم ولما علم أئمة هؤلاء وفضلاؤهم أن هذا لازم لا محالة صرحوا بأنه لا يستفاد من السمعيات علم ولا يقين إذ هي موقوفة على أمور عشرة ومنها نفي المعارض العقلي ولا سبيل إلى العلم بانتفائه وهذا أتم ما يكون من عزل الرسول عن موجب رسالته وبالله التوفيق. الوجه الثامن عشر بعد المائة: أن هؤلاء المعرضين عن الأدلة السمعية المعارضين لها إذا فعلوا ذلك لم يبق لهم إلا طريقان إما طريق النظار وهي الأدلة القياسية العقلية وإما طريق الكشف وما بدرك بالرياضة وصفاء الباطن وكل من هاتين(3\/1165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1018",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4299",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطريقتين باطلة أضعاف حقه وفيها من التناقض والاضطراب والفساد مالا يحصيه إلا رب العباد ولهذا تجد غاية من سلك الطريق الأولى الحيرة والشك وغاية من سلك الطريق الثانية الشطح فغاية أولئك عدم التصديق بالحق وغاية هؤلاء التصديق بالباطل وحال أولئك تشبه حال المغضوب عليهم وحال هؤلاء تشبه حال الضالين ونهاية أولئك التعطيل والنفي ونهاية هؤلاء الإلحاد والقول بالوحدة والاتحاد ولهذا لما وصل حذاقهم في طريقة النظر إلى آخرها ورأوا غوائلها وآفاتها ورأوها لا توصل إلى المطلوب الصحيح رجعوا إلى طريقة الوحي والآثار النبوية كما صرح به الرازي وابن أبي الحديد وأبو حامد وأبو المعالي وغيرهم واعترفوا في آخر الأمر أن الطرق كلها مسدودة إلا طريق الوحي والأثر. الوجه التاسع عشر بعد المائة: أن يقال لمن جوز مجيء الرسول بما يخالف صريح العقل ما تقول إذا سمعت كلامه قبل أن تعلم هل في العقل ما يخالفه أم لا? هل تبادر إلى رده وإنكاره? أم إلى قبوله واعتقاده? أم تتوقف فيه ولا تصدقه ولا تكذبه ولا تقبله ولا ترده? أم تعلق تصديقه والإقرار به على الشرط وتقول أنا أعتقد موجبه إن لم يكن في العقل ما يرده? فلا بد لك من واحد من هذه الأمور الأربعة فالأول والثالث والرابع مناقض للإيمان بالرسول مناقضة صريحة والثاني(3\/1166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1019",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4300",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا سبيل لك إليه لأنك قد جوزت أن يكون في صريح العقل ما يناقض ما أخبر به فكيف تجزم مع ذلك بصحته فالقسم الإيماني قد سددت طريقه على نفسك والأقسام الثلاثة مستلزمة لعدم الإيمان وهذا إنما نشأ من تجويز أن يكون في العقل الصريح ما يناقض ما أخبر به يوضحه الوجه العشرون بعد المائة: أن كل من لم يقر بما جاء به الرسول إلا بعد أن يقوم على صحته عنده دليل منفصل من عقل أو كشف أو منام أو إلهام لم يكن مؤمنا به قطعا وكان من جنس الذين قال الله فيهم وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله [الأنعام124] بل قد يكون هؤلاء خيرا منهم من وجه فإنهم علقوا الإيمان بأن يؤتوا سمعا مثل ما أوتيه الرسل وهؤلاء علقوا الإيمان على قيام دليل عقلي على صحة ما أخبروا به وإذا كان من فعل هذا ليس بمؤمن بالرسل فكيف من عارض ما جاءوا به بمعقوله ثم قدمه عليه الوجه الحادي والعشرون بعد المائة: إن حال هؤلاء المعارضين بين الوحي والعقل ضد حال أهل الإيمان من كل وجه فإن الله سبحانه أخبر عن أهل(3\/1167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1020",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4301",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإيمان بأنهم كلما سمعوا نصوص الوحي زادتهم إيمانا وفرحا واستبشارا وأن الذين في قلوبهم مرض وريب يزيدهم رجسا إلى رجسهم ويودون أنها لم تنزل قال الله تعالى: وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون [التوبة125 , 124] . وإذا أردت أن تعرف حقيقة الحال فانظر إلى وجوه القوم وشمائلهم عند استماع آيات الصفات وأخبارها كيف تجدهم ورثة الذين قال الله فيهم: وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون [التوبة127] . وقال تعالى والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك [الرعد36] . وهؤلاء يسوءهم ما يخالف قواعدهم الباطلة مما أنزل إليه.(3\/1168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1021",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4302",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا [الحجرات15] . وهؤلاء في أعظم الريب في أشرف ما جاء به الرسول ومن جوز أن يكون فيما أخبر به ما يعارضه صريح المعقول لم يزل في ريب من ثبوت ما أخبر به ولا يزال بنيانهم لتلك القواعد التي بنوها مما يعارض ما جاء به الرسول ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم وقال تعالى: أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب [الرعد19] . وهؤلاء يرون أن أشرف ما أنزل إليه يخالفه صريح العقل وقال تعالى ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد [سبأ6] . وهؤلاء يرون أن أشرف ما أنزل إليه وأجله يخالف المعقول ويهدي إلى التشبيه والتجسيم والضلال.(3\/1169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1022",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4303",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثاني والعشرون بعد المائة: إن هؤلاء المعارضين للوحي بآرائهم جعلوا كلام الله ورسوله من الطرق الضعيفة المزيفة التي لا يتمسك فيها في العلم واليقين ولعلك تقول إنا حكينا ذلك عنهم بلازم قولهم فاسمع حكاية ألفاظهم قال الرازي في نهايته: فصل في تزييف الطرق الضعيفة وهي أربع فذكر نفي الشيء لانتفاء دليله وذكر القياس وذكر الإلزامات ثم قال والرابع هو التمسك بالسمعيات. وهذا تصريح بأن التمسك بكلام الله ورسوله من الطرق الضعيفة المزيفة وأخذ في تقرير ذلك فقال المطالب على أقسام ثلاثة: منها ما يستحيل حصول العلم بها بواسطة السمع ومنها ما يستحيل حصول العلم بها إلا من السمع(3\/1170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1023",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4304",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها ما يصح حصول العلم بها من السمع تارة ومن العقل أخرى قال أما القسم الأول فكل ما يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بصحته استحال تصحيحه بالسمع مثل العلم بوجود الصانع وكونه مختارا وعالما بكل المعلومات وصدق الرسول. قال وإما القسم الثاني فهو ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر إذا لم يجده الإنسان من نفسه ولم يدركه بشيء من حواسه فإن جلوس غراب على قلة جبل قاف إذا كان جائز الوجود والعدم مطلقا وليس هناك ما يقتضي وجوب أحد طرفيه أصلا وهو غائب عن الحس والنفس استحال العلم بوجوده إلا من قول الصادق.(3\/1171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1024",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4305",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما القسم الثالث وهو معرفة وجوب الواجبات أو إمكان الممكنات أو اسحتالة المستحيلات التي لا يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بوجوبها وإمكانها واستحالتها مثل مسألة الرؤية والصفات والوحدانية وغيرها ثم عدد أمثلة. ثم قال إذا عرفت ذلك فنقول إما أن الأدلة السمعية لا يجوز استعمالها في الأصول في القسم الأول فهو ظاهر وإلا وقع الدور وإما أنه يجب استعمالها في القسم الثاني فهو ظاهر كما سلف. وأما القسم الثالث ففي جواز استعمال الأدلة السمعية فيه إشكال وذلك لأنا لو قدرنا قيام الدليل القاطع العقلي على خلاف ما أشعر به ظاهر الدليل السمعي فلا خلاف بين أهل التحقيق بأنه يجب تأويل الدليل السمعي لأنه إذا لم يمكن الجمع بين ظاهر النقل وبين مقتضى الدليل العقلي فإما أن نكذب بالعقل وإما أن(3\/1172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1025",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4306",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يأول النقل فإن كذبنا العقل مع أن النقل لا يمكن إثباته إلا بالعقل فإن الطريق إلى إثبات الصانع ومعرفة النبوة ليس إلا بالعقل فحينئذ تكون صحة النقل متفرعة على ما يجوز فساده وبطلانه فإذا لا يكون العقل مقطوع الصحة فإذا تصحيح النقل برد العقل يتضمن القدح في النقل وما أدى ثبوته إلى انتفائه كان باطلا وتعين تأويل النقل. فإذا الدليل السمعي لا يفيد اليقين بوجود مدلوله إلا بشرط أن لا يوجد دليل عقلي على خلاف ظاهره فحينئذ لا يكون الدليل النقلي مفيدا للمطلوب إلا إذا أثبتنا أنه ليس في العقل ما يقتضي خلاف ظاهره ولا طريق لنا إلى إثبات ذلك إلا من وجهين إما أن نقيم دلالة عقلية على صحة ما أشعر به ظاهر الدليل النقلي وحينئذ يصير الاستدلال بالنقل فضلا غير محتاج إليه. وإما بأن نزيف أدلة المنكرين لما دل عليه ظاهر النقل(3\/1173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1026",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4307",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذلك ضعيف لما بينا من أنه لا يلزم من فساد ما ذكروه أن لا يكون هناك معارض أصلا إلا أن نقول إنه لا دليل على هذه المعارضات فوجب نفيه ولو كنا زيفنا هذه الطريقة يعني انتفاء الشيء لانتفاء دليله أو نقيم دلالة قاطعة على أن المقدمة الفلانية غير معارضة لهذا النص ولا المقدمة الأخرى وحينئذ نحتاج إلى إقامة الدليل على أن كل واحدة من هذه المقدمات التي لا نهاية لها غير معارضة لهذا الظاهر. فثبت أنه لا يمكن حصول اليقين لعدم ما يقتضي خلاف الدليل النقلي وثبت أن الدليل النقلي تتوقف إفادته لليقين على ذلك فإذا الدليل النقلي تتوقف إفادته اليقين على مقدمة غير يقينية وهي عدم دليل عقلي وكل ما يبتنى صحته على مالا يكون يقينا لا يكون هو أيضا يقينا(3\/1174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1027",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4308",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فثبت أن ذلك الدليل النقلي من هذا القسم لا يكون مفيدا لليقين. قال وهذا بخلاف الأدلة العقلية فإنها مركبة من مقدمات لا يكتفي فيها بأن لا يعلم فسادها بل لا بد وأن يعلم بالبديهة صحتها أو يعلم بالبديهة لزومها مما علم صحته بالبديهة ومتى كان كذلك استحال أن يوجد ما يعارضه لاستحالة التعارض في العلوم البديهية. ثم قال فإن قيل إن الله سبحانه لما أسمع المكلف الكلام الذي يشعر ظاهره بشيء كان في العقل ما يدل على بطلان ذلك الشيء وجب عليه سبحانه أن يخطر ببال المكلف ذلك الدليل وإلا كان ذلك تلبيسا من الله تعالى وإنه غير جائز. قلنا هذا بناء على قاعدة الحسن والقبح وأنه يجب على الله سبحانه شيء ونحن لا نقول بذلك ثم إن(3\/1175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1028",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4309",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سلمنا ذلك فلم قلتم إنه يجب على الله أن يخطر ببال المكلف ذلك الدليل العقلي وبيانه أن الله تعالى إنما يكون ملبسا على المكلف لو أسمعه كلاما يمتنع عقلا أن يريد به إلا ما أشعر به ظاهره وليس الأمر كذلك لأن المكلف إذا سمع ذلك الظاهر فبتقدير أن يكون الأمر كذلك لم يكن مراد الله من ذلك الكلام ما أشعر به الظاهر فعلى هذا إذا أسمع الله تعالى المكلف ذلك الكلام فلو قطع المكلف بحمله على ظاهره مع قيام الاحتمال الذي ذكرنا كان ذلك التقدير تقصيرا واقعا من المكلف لا من قبل الله تعالى حيث قطع لا في موضع القطع فثبت أنه لا يلزم من عدم إخطار الله تعالى ببال المكلف ذلك الدليل العقلي المعارض للدليل السمعي أن يكون ملبسا. قال فخرج ما ذكرنا أن الأدلة النقلية لا يجوز التمسك بها في باب المسائل العقلية نعم يجوز التمسك(3\/1176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1029",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4310",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بها في المسائل النقلية تارة لإفادة اليقين كما في مسألة الإجماع وخبر الواحد وتارة لإفادة الظن كما في الأحكام الشرعية انتهى. فليتدبر المؤمن هذا الكلام وليرد أوله على آخره وآخره على أوله ليتبين له ما ذكرنا عنهم من العزل التام للقرآن والسنة عن أن يستفاد منهما علم أو يقين في باب معرفة الله وما يجب له وما يمتنع عليه وأنه لا يجوز أن يحتج بكلام الله ورسوله في شيء من هذه المسائل وأن الله تعالى يجوز عليه التلبيس والتدليس على الخلق وتوريطهم في طرق الضلال وتعريضهم لاعتقاد الباطل والمحال وأن العباد مقصرون غاية التقصير إذا حملوا كلام الله ورسوله على حقيقته وقطعوا بمضمون ما أخبر به حيث لم يشكوا في ذلك إذ قد يكون في العقل ما يعارضه ويناقضه فإن غاية ما يمكن أن يحتج بكلام الله ورسوله عليه من الجزئيات ما كان مثل الإخبار بأن على قلة جبل قاف غرابا صنعته كيت وكيت أو على مسألة الإجماع وخبر الواحد وأن مقدمات أدلة القرآن والسنة غير معلومة ولا متيقنة الصحة ومقدمات أدلة أرسطو صاحب المنطق والفارابي وابن سينا وإخوانهم قطعية معلومة الصحة وأنه لا طريق لنا إلى العلم بصحة الأدلة السمعية في باب الإيمان بالله وأسمائه وصفاته(3\/1177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1030",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4311",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البتة لتوقفها على انتفاء مالا طريق لنا إلى العلم بانتفائه وأن الاستدلال بكلام الله ورسوله في ذلك فضلة لا يحتاج إليها بل هو مستغن عنه إذا كان موافقا للعقل. فتأمل هذا البنيان الذي بنوه والأصل الذي أصلوه هل في قواعد الإلحاد أعظم هدما منه لقواعد الدين وأشد مناقضة منه لوحي رب العالمين وبطلان هذا الأصل معلوم بالاضطرار من دين جميع الرسل وعند جميع أهل الملل. وهذه الوجوه المتقدمة التي ذكرناها هي قليل من كثير مما يدل على بطلانه ومقصودنا من ذكره اعترافهم به بألسنتهم لا بإلزامنا لهم به وتمام إبطاله أن نبين فساد كل مقدمة من مقدمات الدليل الذي عارضوا به النقل وأنها مخالفة للعقل كما هي مناقضة للوحي والله يعلم أنا عازمون على ذلك وبيانه على التفصيل في جميع أدلتهم إن ساعد التوفيق ويجب على كل مؤمن بالله ورسوله أن يعتقد ذلك جملة وإن لم يحط به تفصيلا ولا يضع قدمه في أول درجة من درجات الإيمان إلا بذلك والمقصود أن مناقضة هذا الأصل الإيمان بالله ورسوله كمناقضة أحد الضدين للآخر وبالله التوفيق.(3\/1178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1031",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4312",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثالث والعشرون بعد المائة: أن يقال كل ما أخبر به الرسول عن الله سبحانه إثباتا ونفيا فهو واجب عليه وممتنع عليه أو ما أثبته له فهو كمال والكمال كله واجب له وما نفاه عنه فهو نقص والنقائص كلها ممتنعة عليه وقد صرح هؤلاء بأن ما يجب لله ويمتنع عليه لا تمكن استفادته من الرسول لأنه إن أخبر بما يخالفه العقل من ذلك لم يجز إثباته ولم يلتفت إلى خبره فيه وإن أخبر بما يدل عليه العقل كان الاستدلال بخبره فضلة غير محتاج إليها لا سيما وقد صرحوا بأنه ليس في حق الرب ما يمكن أن يوصف به ومالا يمكن بل إما واجب وإما محال والعلم بوجوب الواجبات واستحالة المحالات لا يتوقف على السمع ولا يحتاج إليه فيه وهذا تصريح بأنه لا يحتج بكلام الله ورسوله على شيء من هذه المسائل. ولا يصدق بشيء من خبر الرسول في ذلك لكونه أخبر به بل لكون العقل دل عليه وذلك يستلزم الكفر والإلحاد والزندقة وهذا لازم لكل من سلك هذه الطريق لأنه إذا جوز المجوز أن يكون في الأدلة العقلية التي يجب اتباعها ما يناقض ما أخبر الله به ورسوله من ذكر صفاته سبحانه وصفات ملائكته وعرشه والجنة والنار والمعاد والعقوبات التي أخبر بها عن الأمم والمعجزات التي أيد بها أنبياءه ورسله لم يمكنه أن يعرف ثبوت شيء كما أخبر(3\/1179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1032",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4313",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به الرسول إذا لم يعلم انتفاء المعارض ولا طريق له إلى ذلك إلا أن يحيط علما بكل ما يخطر ببال بني آدم في كل وقت مما يظن أنه دليل عقلي وهذا أمر لا ينضبط وليس له حد فلا تزال الشبه العقلية تتولد في نفوسهم تولد الوساوس والخطرات وحديث النفس وقد اعترف هؤلاء بأنه لا سبيل إلى العلم بانتفاء المعارض على التفصيل وحينئذ فلا يمكن الجزم بانتفاء المعارض أبدا فلا يمكن الجزم بشيء مما أخبر به الرسول أبدا إن لم يكن في العقل الصريح ما يقتضي ثبوته وحقيقة هذا سلب الإيمان برسالة الرسول وعدم تصديقه. فهذا الأصل الباطل الجائر الظالم مستلزم للزندقة والإلحاد فمن طرده أداه إلى الكفر والنفاق والزندقة ومن لم يطرده تناقض وفارق المعقول الصريح ومن هذا دخلت الملاحدة والقرامطة والباطنية على كل فرقة من الطوائف الذين وافقوهم على هذا الأصل أو على بعض شعبه حتى إن من استجاب لهم إلى بعضه دعوه إلى طرده إن أمكنهم وإلا رضوا منه بما وافقهم فيه. الوجه الرابع والعشرون بعد المائة: أن هؤلاء يعيبون أهل السنة والحديث المتمسكين بها التاركين لما خالفها بالتقليد وإنما يأخذون ما يعتقدونه(3\/1180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1033",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4314",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مسلما من غير قيام برهان عقلي على اعتقاده فإن كان تمسكهم بكلام المعصوم تقليدا واقتداؤهم بآثار أصحابه تقليدا فهم لا ينكرون هذا التقليد ولا ينفرون عن عيبهم به ولكن العيب كل العيب تقليد المشركين وعباد الأصنام والمجوس والهند والصابئين عبدة الكواكب والملاحدة الذين لا يؤمنون بالله ولا رسله ولا كتبه ولا ملائكته ولا باليوم الآخر فإن مقدمات هذه الأدلة العقلية التي عارضوا بها النصوص وقدموها عليها متلقاة عن هؤلاء فخلفهم مقلدون لسلفهم إذا حاققتهم عليها وطلبت منهم البرهان على صحتها قال هكذا قال العقلاء أرباب المعقولات وسلفهم ليسوا فيها على بصيرة بل على خرص وحدس وتخمين فالسلف خراصون والخلف عمي مقلدون وإذا تأملها اللبيب العاقل الفطن وجدها مبنية على ألفاظ مجملة ومعاني مشتبهة حتى إذا استفسرتهم عن معانيها وفصلت مجملها تجدها دعاوى كاذبة تتضمن الجمع بين المختلفات والتفريق بين المتماثلات فيجمعون بين الشيئين اللذين هما في غاية التباين لاشتراكهما في بعض الصفات ويفرقون بين المثلين من كل وجه بالدعاوى الكاذبات ويثبتون الشيء وينفون لازمه وينفون الشيء ويثبتون ملزومه ويقدحون في الضروريات بالقضايا(3\/1181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1034",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4315",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوهميات ويجعلون الذهني خارجا ويصفون الوجود الخارجي بما ينافي وجوده وواجب الوجود بما يجعله ممتنع الوجود ويجردون الماهية عن صفاتها التي لا تحقق إلا بها ثم يجعلون الصفة هي الذات ويجعلون العاقل والمعقول والعقل شيئا واحدا ويجعلون العلم هو نفس المعلوم والفعل هو عين المفعول وواجب الوجود الذي يمتنع عدمه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق أو بغير شرط الذي يمتنع وجوده إلى أضعاف أضعاف ذلك من مقالاتهم التي هي عند من فهمها وعرف مضمونها ضحكة للعاقل تارة وأعجوبة له تارة ومغضبة له تارة. ومثل هذه المعقولات لو تصرف بها الرجل في تجارة أو صناعة من الصناعات لأفسدت التجارة والصناعة فكيف يتصرف بها في الأمور الإلهية وفي صفات رب البرية ثم يعارض بها كلام الله الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه وإنما عظمت الشبهة بذلك بأن أقواما لهم نوع ذكاء يميزون به في أنواع من العلوم ولم تكن لهم خبرة بالأمور الإلهية كخبرتهم بتلك العلوم فخاضوا فيها بعقولهم وظنوا أنهم يبرزون فيها كما برزوا في تلك العلوم وظن المقلدون لهم ذلك أيضا فركب من ظنهم وظن مقلدهم اعتقادها والدعوة إليها وإساءة الظن بما خالفها ثم إنهم رأوا النصوص واقفة في طريقها فقاموا لها وقعدوا وجدوا في(3\/1182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1035",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4316",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دفعها واجتهدوا فتارة سطوا عليها بالتأويل وتارة نسبوا من تكلم بها إلى قصد التخييل ووقفوا بجهدهم في الصدور منها والأعجاز وقالوا لا مقام لك عندنا ولا عبور لك علينا وإن كان لا بد فعلى سبيل المجاز وتارة قالوا هذه أخبار آحاد والمسألة من المسائل العلمية. وإن كان قرآنا أو خبرا متواترا قالوا تلك أدلة لفظية معزولة عن إفادة العلم واليقين وغايتها إفادة الظن والتخمين وإن أعجزهم ذلك أو طال عليهم طريقه لجأوا إلى القانون المجتث لقواعد الإيمان الكفيل بالإلحاد والكذب والبهتان الذي جعلوه أصلا لتقديم آرائهم الباطلة على السنة والقرآن وقالوا قد تعارض العقل والنقل ولا سبيل إلى الجمع وتقديم النقل قدح في العقل فتعين تقديم العقل بهذا البرهان والمقصود أنك إذا حققت الأمر على هؤلاء المعارضين لم يكن عندهم إلا رجوع إلى تقليد أسلافهم الماضين. وقولهم هذه أمور عقلية قد صقلتها الأذهان منذ دهر وزمان وإذا دعوتهم إلى كتاب الله وسنة رسوله دعوك إلى قول أرسطو عابد الأوثان وإلى ما أصله من منطق اليونان وإن أحسنوا دعوك إلى أصول جهم بن صفوان وقول الجعد بن درهم معلم مروان الذي ضحى به خالد بن عبد الله(3\/1183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1036",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4317",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القسري يوم ذبائح القربان وإن زادوا في الإحسان دعوك إلى قول أبي الهذيل العلاف ويعقوب الشحام وإبراهيم النظام وأبي علي وأبي هاشم الجبائيين فإنهم تلقوا كلمات هؤلاء يدرسونها لا كدرس القرآن ويحاربون بها أهل العلم والإيمان ويحرفون بها التنزيل عن مواضعه إذا عجزوا عن اللي والكتمان وآخر أمرهم أن يصلوا إلى هكذا قال فلان وهكذا قال فلان فإذا ذكرت لهم الحجة الصحيحة التي يقبلها العقل وفطرة الإنسان قالوا كيف يظن بأرسطو وابن سينا وأبي الهذيل وأبي علي وابنه وأمثالهم أن يخفى عليهم مثل هذا وهم أهل العقل والحجة والبرهان هذا وهم يرون تعصبا وجهلا تقليد من وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ومن قام الدليل على عصمته وعلمه ومعرفته وصدق اللهجة منه(3\/1184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1037",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4318",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واللسان فما أشبههم بإبليس أبي الجان حين استكبر عن السجود لآدم ورضي أن يكون قوادا لأهل الفسوق والعصيان وما أشبههم بأعداء الرسول إذ أنفوا أن ينقادوا لرسول من نوع الإنسان ثم رضوا بعبادة الشيطان والأوثان والصلبان والنيران وسلكوا سبيل هؤلاء في تنزيه الرب تعالى عن صفات كماله خشية التجسيم والتشبيه المستلزم عندهم للنقصان ثم شبهوه بالناقصات بل بالمعدومات بل بالممتنعات التي لا تدخل تحت قضايا الإمكان فنزهوه خشية الحصر عن استوائه على عرشه الذي هو فوق جميع الأكوان ثم قالوا هو في كل مكان فيا للعقول أي الأمكنة أشرف وأجل أعرش الوحي أم الآبار والأنجاس والمواطن التي يرغب عن ذكرها كل إنسان فاسأل مقلب القلوب أن يثبت قلبك على دينه الذي أرسل به رسوله وأنزل به الفرقان وأن لا يزيغه بعد أن هداه عن سبيل الهدى والإيمان وقل اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان. الوجه الخامس والعشرون بعد المائة: أن الدين تصديق الرسول فيما أخبر وطاعته فيما أمر وكل منهما نوعان مطلق ومقيد.(3\/1185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1038",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4319",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالمقيد مثل أن يقول لا أصدقه إلا فيما علمت صحته بعقلي أو فيما يخالف عقلي أو وافقه فيه شيخي وإمامي وأصحاب مذهبي والمقيد من طاعة الأمر أن يطيعه فيما وافق حظه وهواه فإن جاء أمره بخلاف ذلك قدم حظه وهواه عليه فهذا غير مطيع للرسول في الحقيقة بل هو متبع لهواه كما أن ذاك غير مصدق له في الحقيقة بل إن وافق قوله عقله أو قول شيخه وإمامه ومتبوعه قبله لا لكونه قاله كما أن مطيعه فيما وافق هواه إنما هو متبع لما يحبه ويهواه فإن جاء الأمر بما يهواه فعله وإلا لم يفعله وهذا حال أكثر الناس وأحسن أحوال هؤلاء أن يكونوا من الذين قال الله فيهم: قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم [الحجرات14] . ثم ذكر وصف أهل الإيمان فقال: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون [الحجرات15] . فالتصديق والطاعة لا يكون إيمانا حتى يكون مطلقا فإذا تقيد فأعلى أحواله إن سلم من الشك أن يكون إسلاما ويكون صاحبه من عوام المسلمين لا من خواص المؤمنين.(3\/1186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1039",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4320",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه السادس والعشرون بعد المائة: أن السمع حجة الله على خلقه وكذلك العقل فهو سبحانه أقام عليهم حجته بما ركب فيهم من العقل وبما أنزل إليهم من السمع والعقل الصريح لا يتناقض في نفسه كما أن السمع الصحيح لا يتناقض في نفسه وكذلك العقل مع السمع فحجج الله وبيناته لا تتناقض ولا تتعارض ولكن تتوافق وتتعاضد وأنت لا تجد سمعا صحيحا عارضه معقول مقبول عند كافة العقلاء أو أكثرهم ولا تجده ما دام الحق حقا والباطل باطلا بل العقل الصريح يدفع المعقول المعارض للسمع الصحيح ويشهد ببطلانه وهذا يظهر بالامتحان في كل مسألة عورض فيها السمع بالمعقول ونحن نذكر من ذلك مثالا واحدا يعلم به ما عداه. فنقول قالت الفرقة الجامعة بين التجهم ونفي القدر معطلة الصفات المكذبة بالقدر صدق الرسول موقوف على قيام المعجزة الدالة على صدقه وقيام المعجزة موقوف على العلم بأن الله لا يؤيد الكذاب بالمعجزة والعلم بذلك موقوف على الصحة بقبحه وعلى أن الله لا يفعل القبيح وتنزيهه عن فعل القبيح موقوف على العلم بأنه غني عنه عالم بقبحه والغني عن القبيح العالم بقبحه لا يفعله وغناه عنه موقوف على أنه ليس بجسم وكونه ليس بجسم موقوف على عدم قيام الأعراض والحوادث به وهي الصفات والأفعال ونفي ذلك موقوف على ما دل على حدوث(3\/1187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1040",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4321",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأجسام والذي دلنا على حدوث الأجسام أنها لا تخلو عن الحوادث ومالا يخلو عن الحوادث لا يسبقها ومالا يسبق الحوادث فهو حادث وأيضا فإنها لا تخلو عن الأعراض والأعراض لا تبقى زمانين فهي حادثة فإذا لم تخل الأجسام عنها لزم حدوثها وأيضا فإن الأجسام مركبة من الجواهر الفردة والمركب مفتقر إلى جزئه وجزؤه غيره وما افتقر إلى غيره لم يكن إلا حادثا مخلوقا. وأيضا فالأجسام متماثلة كل ما صح على بعضها صح على جميعها وقد صح على بعضها التحليل والتركيب والاجتماع والافتراق فيجب أن يصح على جميعها قالوا وبهذا الطريق أثبتنا حدوث العالم ونفي كون الصانع جسما وإمكان المعاد فلو بطل الدليل على حدوث الجسم بطل الدليل الدال على إثبات الصانع وصدق الرسول فصار العلم بإثبات الصانع وصدق الرسول وحدوث العالم وإمكان المعاد موقوف على نفي الصفات والأفعال فإذا جاء في السمع ما يدل على إثبات الصفات والأفعال لم يمكن القول بموجبه ويعلم أن الرسول لم يرد إثبات ذلك لأن إرادته لإثباته تنافي تصديقه ثم إما أن يكذب الناقل وإما أن يتأول المنقول وإما أن يعرض عن ذلك جملة كافة ويقول لا نعلم المراد. فهذا أصل ما بنى عليه القوم دينهم وإيمانهم ولم يقيض(3\/1188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1041",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4322",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لهم من يبين لهم فساد هذا الأصل وبطلانه ومخالفته لصريح العقل بل قيض لهم من المنتسبين إلى السنة من وافقهم عليه ثم أخذ يشنع عليهم القول بنفي الصفات والأفعال وتكليم الرب لخلقه ورؤيته في الدار الآخرة وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه ونزوله إلى سماء الدنيا فأضحكهم عليه وأغراهم به ونسبوه إلى ضعف العقل والحشو والبله والمصيبة مركبة من عدوان هؤلاء وبغيهم وظلمهم وتقصير أولئك وموافقتهم لهم في الأصل ثم تكفيرهم وتبديعهم في القول بفروعه ولوازمه. وهذه الطريق من الناس من يظنها من لوازم الإيمان وأن الإيمان لا يتم إلا بها ومن لم يعرف ربه بهذه الطريق لم يكن مؤمنا به ولا بما جاء به رسوله وهذا يقوله الجهمية والمعتزلة ومتأخرو الأشعرية بل أكثرهم وكثير من المنتسبين إلى الأئمة الأربعة وكثير من أهل الحديث والصوفية ومن(3\/1189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1042",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4323",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الناس من يقول ليس الإيمان موقوفا عليها ولا هي من لوازمه وليست طريقة الرسل ويحرم سلوكها لما فيها من الخطر والتطويل وإن لم يعتقد بطلانها وهذا قول أبي الحسن الأشعري نفسه فإنه صرح بذلك في رسالته إلى أهل الثغر وبين أنها طريقة خطرة مذمومة محرمة وإن كانت غير باطلة. ووافقه على هذا جماعة من أصحابه من أتباع الأئمة وقالت طائفة أخرى بل هي طريق في نفسها متناقضة مستلزمة لتكذيب الرسول لا يتم سلوكها إلا بنفي ما أثبته وهي مستلزمة لنفي الصانع بالكلية كما هي مستلزمة لنفي صفاته ونفي أفعاله وهي مستلزمة لنفي المبدأ والمعاد فإن هذه الطريقة لا تتم إلا بنفي سمع الرب وبصره وقدرته وحياته وإرادته وكلامه فضلا عن نفي علوه على خلقه ونفي الصفات الخبرية من أولها إلى آخرها ولا تتم إلا بنفي أفعاله جملة وأنه لا يفعل شيئا البتة(3\/1190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1043",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4324",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذ لم يقم به فعل وفاعل بلا فعل محال في بدائه العقول فلو صحت هذه الطريق نفت الصانع وصفاته وأفعاله وكلامه وخلقه للعالم وتدبيره له وما يثبته أصحاب هذه الطريقة من ذلك لا حقيقة له بل هو لفظ لا معنى له فأنتم تثبتون ذلك وتصرحون بنفي لوازمه البينة التي لا ريب في لزومها فتثبتون مالا حقيقة له بل ما يخالف العقل الصريح كما تنفون ما دل العقل الصريح على إثباته فهي مستلزمة لإنكار جميع الصفات والأفعال والعلو والكلام وذلك يستلزم نفي الرسالة فحقيقتها جحد الرسالة والمرسل ولوازمها الباطلة اكثر من مائة لازم لا تحصى إلا بكلفة فأول لوازمها نفي الصفات ونفي الأفعال ونفي العلو ونفي الكلام ونفي الرؤية. ومن لوازمها القول بخلق القرآن وبهذه الطريق استجيز ضرب الإمام أحمد لما قال بما يخالفها من إثبات الصفات وتكلم الله بالقرآن ورؤيته في الدار الآخرة وكان أرباب هذه الطريقة هم المستولين على الخليفة فقالوا له اضرب عنقه فإنه كافر مشبه مجسم فقيل له إنك إن قتلته ثارت عليك العامة ولم تأمن معرتهم فأمسكوا عن قتله لذلك بعد الضرب الشديد.(3\/1191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1044",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4325",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن لوازمه أن الرب تعالى كان معطلا عن الفعل من الأزل والفعل ممتنع عليه ثم انتقل من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي بغير موجب في ذلك الوقت دون ما قبله وهذا مما اعترى الفلاسفة بالقول بقدم العالم ورأوا أنه خير من القول بذلك بل حقيقة هذا القول أن الفعل لم يزل ممتنعا منه أزلا وأبدا إذ يستيحل قيامه به وعن هذه الطريق قال جهم ومن وافقه بفناء الجنة وفناء أهلها وعدمهم عدما محضا وعنها قال أبو الهذيل العلاف بفناء حركاتهم دون ذواتهم فإذا رفع أحدهم اللقمة إلى فيه وفنيت الحركات بقيت يده ممدودة لا تتحرك وتبقى كذلك أبد الآبدين وإذا جامع الحوراء وفنيت الحركات يبقيان كذلك في تلك الحال أبد الآبدين فيبقون في سكون الأحجار وعن هذه الطريق قالت الجهمية إن الله في كل مكان بذاته وقال إخوانهم ليس في العالم ولا خارج العالم ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولا مباينا له ولا محادثا له ولا فوقه ولا خلفه(3\/1192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1045",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4326",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا أمامه ولا وراءه وعنها قال من قال إن ما شاهده من الأعراض الثابتة كالأكوان والمقادير والأشكال تتبدل في كل نفس ولحظة ويخلفها غيرها حتى قال من قال إن الروح عرض وإن الإنسان يستحدث في كل ساعة عدة أرواح تذهب له روح وتجيء غيرها. وعنها قال من قال إن جسم أنتن الرجيع وأخبثه مماثل لجسم أطيب الطيب في الحد والحقيقة لا فرق بينهما إلا بأمر عرض وإن جسم النار مساو لجسم الماء في الحد والحقيقة. وعنها قالوا إن الروائح والأصوات والمعارف والعلوم تؤكل وتشرب وترى وتسمع وتلمس وإن الحواس الخمس تتعلق بكل موجود وعنها قالوا إن الله سبحانه لم يكلم موسى تكليما ولا اتخذ إبراهيم خليلا ولا تجلى للجبل ولا يتجلى لعباده يوم القيامة وقالوا ليس له وجه يراه المؤمنون ولا يد خلق بها آدم وكتب بها التوراة وغرس بها جنة عدن ويقبض بها السماوات والأرض بيد أخرى ليس بشيء من ذلك حقيقة إن هو إلا مجازات واستعارات وتخيلات وعنها قالوا إن الله لا يحب ولا يحب ولا يغضب ولا يرضى ولا يضحك(3\/1193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1046",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4327",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يفرح ولا له رحمة ولا رأفة في الحقيقة بل ذلك كله إرادة محضة أو ثواب منفصل مخلوق سمي بهذه الأسماء وعنها قالوا إن الكلام معنى واحد باعلين لا ينقسم ولا يتبعض ولا له جزء ولا كل وهو الأمر بكل مأمور والنهي عن كل منهي والخبر عن كل مخبر عنه والاستخبار عن كل مستخبر عنه كل ذلك حقيقة واحدة بالعين وكذلك قالوا في العلم إنه أمر واحد فالعلم بوجود الشيء هو عين العلم بعدمه لا فرق بينهما البتة وإنما يتعدد التعلق وكذلك قالوا إن إرادة إيجاد الشيء هو نفس إرادة إعدامه ليس هنا إرادات وكذلك رؤية زيد هي نفس رؤية عمرو ومعلوم أن هذا لا يعقل بل هو مخالف لصريح العقل وهذا كله وأمثاله نشأ عن هذه الطريق واعتقاد صحتها. ومن العجب أنهم لم يثبتوا بها في الحقيقة صانعا ولا صفة من صفاته ولا فعلا من أفعاله ولا نبوة ولا مبدأ ولا معادا ولا حكمة بل هي مستلزمة لنفي ذلك كله صريحا أو لزوما بينا أو متوسطا فالطريق التي جعلوها أصلا للدين هي أصل المناقضة للدين وتكذيب الرسول. وجاء آخرون فراموا إثبات الصفات والأفعال(3\/1194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1047",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4328",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وموافقتهم في هذه الطريق فتجشموا أمرا ممتنعا واشتقوا طريقة لم يمكنهم الوفاء بها فجاءوا بطريقة بين النفي والإثبات لم يوافقوا فيها المعطلة النفاة ولم يسلكوا فيها مسلك أهل الإثبات فجاءت طريقا بين الطريقتين ومقالة بين المقالتين لم يكونوا فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء وظنوا أنهم بذلك يجمعون بين المعقول والمنقول ويصلون في هذه الطريق إلى تصديق الرسول وصار كثير من الناس يحب النظر والبحث والمعقول وهو مع ذلك يريد أن يخرج عما جاء به الرسول ويرى أن هذا المسلك أصح من مسلك أولئك النفاة وأنه لا طريق غير الطريقين وتلك لا سبيل إلى المصير إليها فتعين المصير إلى هذه الطريق ولما أصل هؤلاء هذا الأصل وجاءوا إلى تفصيله ظهر سر تاصيلهم في تفصيلهم ودل بطلان تفصيلهم على فساد تأصيلهم فإنهم أصلوا تأصيلا مستلزما لبطلان التفصيل ثم فصلوا تفصيلا دل على بطلان الأصل وفساده فصاروا حائرين بين التأصيل والتفصيل وصار من طرد منهم هذا الأصل خرج عن العقل والسمع بالكلية وبالغ في التعطيل والإلحاد ومن لم يطرده تناقض واضطربت أقواله وقد سلك الناس في إثبات الصانع وحدوث العالم طرقا متعددة سهلة قريبة موصلة إلى المقصود لم يتعرضوا فيها لطريقة هؤلاء بوجه وذموا هذه(3\/1195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1048",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4329",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطريقة قال الخطابي وإنما سلك المتكلمون في الاستدلال بالأعراض مذهب الفلاسفة وأخذوه عنهم وفي الأعراض اختلاف كثير منهم من ينكرها ولا يثبتها رأسا ومنهم من لا يفرق بينها وبين الجواهر في أنها قائمة بأنفسها كالجواهر قلت ومنهم من يقول بكمونها وظهورها ومنهم من يقول بعدم بقائها ثم سلك طرقا في إثبات الصانع منها الاستدلال بأحوال الإنسان من مبدئه إلى غايته والاستدلال بأحوال الحيوان والنبات والأجرام العلوية وغير ذلك ثم قال والاستدلال بطريق الأعراض لا يصح إلا بعد استبراء هذه الشبه وطريقنا الذي سلكناه بريء من هذه الآفات سليم من هذه الريب قال وقد سلك بعض مشايخنا في هذا طريق الاستدلال بمقدمات النبوة ومعجزات الرسالة التي دلائلها مأخوذة من طرق الحس لمن شاهدها(3\/1196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1049",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4330",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن طريق استفاضة الخبر لمن غاب عنها فلما ثبتت النبوة صارت أصلا في وجوب قبول ما دعى إليه النبي قال وهذا النوع مقنع في الاستدلال لمن لم يتسع فهمه لإدراك وجوه الأدلة ولم يتبين معاني تعلق الأدلة بمدلولاتها ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها قلت وهذه الطريق من أقوى الطرق وأصحها وأدلها على الصانع وصفاته وأفعاله وارتباط أدلة هذه الطريق بمدلولاتها أقوى من ارتباط الأدلة العقلية الصريحة بمدلولاتها فإنها جمعت بين دلالة الحس والعقل ودلالتها ضرورية بنفسها ولهذا يسميها الله سبحانه آيات بينات وليس في طرق الأدلة أوثق ولا أقوى منها فإن انقلاب عصا تقلها اليد ثعبانا عظيما يبتلع ما يمر به ثم يعود عصا كما كانت من أدل الدليل على وجود الصانع وحياته وقدرته وإرادته وعلمه بالكليات والجزئيات وعلى رسالة الرسول وعلى المبدأ والمعاد فكل قواعد الدين في هذه العصا وكذلك اليد وفلق البحر طرقا والماء قائم بينهما كالحيطان ونتق الجبل من موضعه ورفعه على قدر العسكر العظيم(3\/1197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1050",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4331",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فوق رؤوسهم وضرب حجر مربع بعصا فتسيل منه إثنتا عشرة عينا تكفي أمة عظيمة وكذلك سائر آيات الأنبياء فإخراج ناقة عظيمة من صخرة تمخضت بها ثم انصدعت عنها والناس حولها ينظرون وكذلك تصوير طائر من طين ثم ينفخ فيه النبي فينقلب طائرا ذا لحم ودم وريش وأجنحة يطير بمشهد من الناس وكذلك إيماء الرسول إلى القمر فينشق نصفين بحيث يراه الحاضر والغائب فيخبر به كما رآه الحاضرون وأمثال ذلك مما هو من أعظم الأدلة على الصانع وصفاته وأفعاله وصدق رسله واليوم الآخر وهذه من طرق القرآن التي أرشد إليها عباده ودلهم بها كما دلهم بما يشاهدونه من أحوال الحيوان والنبات والمطر والسحاب والحوادث التي في الجو وفي الأرض وأحوال المعلومات من السماء والشمس والقمر والنجوم وأحوال النطفة وتقلبها طبقا بعد طبق حتى صارت إنسانا سميعا بصيرا حيا متكلما عالما قادرا يفعل الأفعال العجيبة ويعلم العلوم العظيمة فكل طريق من هذه الطرق أصح وأقرب وأسهل وأوصل من طرق المتكلمين التي لو صحت لكان فيها من التطويل والتعقيد والتعسير ما يمنع الحكمة الإلهية والرحمة الربانية أن يدل بها عباده عليه وعلى صدق رسله وعلى اليوم الآخر(3\/1198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1051",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4332",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأين هذه الطريق الطويلة العسرة الباطلة المستلزمة لتعطيل الرب عن صفاته وأفعاله وكلامه وعلوه على خلقه وإنكار وجهه الأعلى ويديه الكريمتين ورؤيته في الدار الآخرة وسائر ما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله إلى طرق القرآن التي هي ضد هذه الطريق من كل وجه وكل طريق منها كافية شافية هادية وإن صرفها الله لعباده ونوعها: ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم [الأنفال42] . هذا وإن القرآن وحده لمن جعل الله له نورا أعظم آية ودليل وبرهان على هذه المطالب وليس في الأدلة أقوى ولا أظهر ولا أصح دلالة منه من وجوه متعددة جدا كيف وقد أرشد ذوي العقول والألباب فيه إلى أدلة هي للعقل مثل ضوء الشمس للبصر لا يلحقها إشكال ولا يغير في وجه دلالتها إجمال ولا يعارضها تجويز واحتمال تلج الأسماع بلا استئذان وتحل من العقول محل الماء الزلال من الصادي الظمآن فضلها على أدلة أهل العقول والكلام كفضل الله على الأنام لا يمكن أحدا أن يقدح فيها قدحا يوقع في اللبس إلا إن أمكنه أن يقدح بالظهيرة صحوا في طلوع الشمس ومن عجيب شأنها أنها تستلزم المدلول استلزاما(3\/1199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1052",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4333",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بينا وتنبه على جواب المعترض تنبيها لطيفا ففيها إقامة الدلالة والجواب عن المعارضة والشبهة وهذا الأمر إنما هو لمن نور الله بصيرته وفتح عين قلبه لأدلة القرآن وآتاه فهما في كتابه فلا يعجب من منكر أو معترض أو معارض. وقل للعيون العمي للشمس أعين ... سواك تراها في مغيب ومطلع وسامح نفوسا أطفأ الله نورها ... بأهوائها لا تستفيق ولا تعي فأي دليل على الله سبحانه أصح من الأدلة التي تضمنها كتابه كقوله: أفي الله شك فاطر السموات والأرض [إبراهيم10] وقوله: كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون [البقرة28] . وقوله: يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم [البقرة22 , 21] .(3\/1200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1053",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4334",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون [البقرة164] . وقوله قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون [يونس32 , 31] . وقوله الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون [الرعد2] . وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون [الرعد4 , 3] .(3\/1201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1054",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4335",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون [الجاثية 3-6] . وقوله ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون [الروم20 -25] . وقوله ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون والذي خلق الأزواج(3\/1202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1055",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4336",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون [الزخرف9-14] . وقوله قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين [النمل59 , 64] . وقوله إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر(3\/1203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1056",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4337",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين [الأعراف54] . وقوله وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون [الأعراف57] . وقوله وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين [يس33 -44] .(3\/1204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1057",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4338",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله فلينظر الأنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب [الطارق7-5] . وقوله فلينظر الأنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا [عبس31-24] . وقوله ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا وخلقناكم أزواجا وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا وبنينا فوقكم سبعا شدادا جعلنا سراجا وهاجا وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا [النبأ16-6] إلى أضعاف أضعاف ذلك كما ذكر في سورة ق والذاريات والطور والرحمن والمرسلات وسورة إبراهيم والحجر والنحل فتأمل أدلة سورة النحل من أولها إلى قوله: فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون [النحل83] . وما ذكر في سورة لقمان والسجدة و هل أتى على(3\/1205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1058",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4339",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأنسان وآخر الغاشية وسورة البلد والشمس وضحاها وما ذكر في سورة الأنعام وسورة الصافات وطه والأنبياء والحج والمؤمنون والفرقان من الأدلة التي هي للبصائر كالشمس للأبصار فأبى المتكلمون إلا دليل الجواهر والأعراض والحركة والسكون والاجتماع والافتراق ولعمر الله لم يزل إيمان الخلق صحيحا حتى حدثت هذه الأدلة المبتدعة الباطلة فأوقعت الأمة في العناء الطويل وفرقت الكلمة وعارضت بين العقل والوحي وألقت بينهم العداوة والتباغض والتلاعن حتى استحل بعضهم من بعض ما لم يستحل مثلها المحاربون للإسلام وأهله وحتى فتح على النصوص باب التحريف والتأويل ورميت بأنها أدلة لفظية لا تفيد اليقين وساءت ظنون أتباع هؤلاء بوحي رب العالمين وهذا كله ببركة هذه الطريق المخالفة للسمع والعقل فالله سبحانه نهج لعباده الطريق الموصلة إلى معرفته والإقرار بأسمائه وصفاته وأفعاله فأعرض عنها هؤلاء واشتقوا طريقا موصلة إلى تعطيل الخالق ونفي أسمائه وصفاته وأفعاله وقالوا للناس لا يتم إيمانكم ومعرفتكم بالصانع إلا بهذه الطريق فلما سلكها من سلكها أدت به إلى ما أسره الحيرة والشك والتأويل والتجهيل والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع وأوله الوجه السابع والعشرون بعد المائة(3\/1206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1059",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4340",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "المجلد الرابع",
        "content": "المجلد الرابع الفصل الرابع والعشرون في ذكر الطواغيت الأربع التي هدم بها أصحاب التأويل الباطل معاقل الدين وانتهكوا بها حرمة القرآن ومحوا بها رسوم الإيمان (تابع) الطاغوت الثاني: إذا تعارض العقل ونصوص الوحي أخذنا بالعقل ولم نلتفت إلى الوحي (تابع) ... الوجه السابع والعشرون بعد المائة: إن هذه المعارضة بين الوحي والعقل نتيجة جهلين عظيمين جهل بالوحي وجهل بالعقل. أما الجهل بالوحي فإن المعارض لم يفهم مضمونه وما دل عليه بل فهم منه خلاف الحق الذي دل عليه وأريد به ثم عارض ما دل عليه بالرأي والمعقول ونحن ننزل معه درجة ونبين أن المعقول الذي ذكره لا يصلح لمعارضة المعنى الباطل الذي فهمه من الوحي فضلا عن المعنى الصحيح الذي دل عليه الوحي فإنه يستحيل أن يعارض معارضة صحيحة البتة بل هو الحق الذي ليس بعده إلا الضلال والله تعالى هو الحق وكلامه حق ورسوله حق ودينه حق ووحيه حق وما خالف ذلك فهو الباطل المحض الذي لا يقوم على صحته دليل بل الأدلة الصحيحة التي تنتهي مقدماتها إلى الضروريات تدل على بطلانه. وأما الجهل بالعقل فإنه لا يتصور أن يعارض العقل الصحيح الوحي أبدا ولكن الجاهل يظن أن تلك الشبهة عقلية وهي جهلية خيالية من جنس شبه السوفسطائية فالحاصل أنه إن عارض ما فهمه من النص بما هو الباطل كان جاهلا بالوحي ومدلوله وإن عارض مدلوله وحقيقته(4\/1207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1060",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4341",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التي دل عليها فهو جاهل بالعقل فلا يتصور أن يجتمع لهذا المعارض علم بالوحي والعقل أصلا بل إما أن يكون جاهلا بهما وهو الأغلب على هؤلاء أو بأحدهما ولسنا ندفع معرفتهم ببعض العقليات المشتركة بين المسلمين واليهود والنصارى والمجوس وعباد الأصنام بل ولا ندفع تبريزهم فيها وحذقهم بها وإنما نبين بالبراهين الواضحة أنهم من أجهل الناس بالعقليات المتعلقة بأسماء الرب وصفاته وأفعاله كما هم جهال بوحيه وبما جاءت به رسله وقد نفى الله سبحانه السمع والعقل عمن أعرض عن رسله فكيف بمن عارض ما جاءوا به وأخبر سبحانه أنه لا بد أن يظهر لهم في معادهم أنهم لم يكونوا من أهل السمع ولا من أهل العقل. الوجه الثامن والعشرون بعد المائة: أن هؤلاء المعارضين كما تقدم هم صنفان ملاحدة دهرية ومعطلة جهمية والملاحدة الدهرية أصل معارضتهم تكذيب الرسل والطعن فميا جاءوا به فهم خصوم الرسل في الأصل وهؤلاء الجهمية المعطلة قولهم مأخوذ من قول أولئك بعينه وطريقتهم مشتقة من طريقتهم بل كلماتهم واحدة ولكن أولئك سلكوا المعارضة بين العقل ونفس الرسالة وهؤلاء سلكوا المعارضة بين العقل وبين أشرف ما جاءت به الرسل وأفضله وأجله فتأمل موافقة الجهمية لفرعون خصم موسى وعدوه فإنه(4\/1208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1061",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4342",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنكر الصانع وهؤلاء وافقوه على إنكار صفاته وأقروا بصانع لا صفة له ولا فعل ولهذا قال بعض الأئمة كان فرعون أعقل من هؤلاء فإنهم اشتركوا في مخالفة صريح العقل وتناقضت الجهمية فقالوا هو صانع للعالم من غير صنع يقوم به ولا وصف ولا مباينة للعالم ولا دخول فيه وجحد فرعون أن يكون الله فوق سماواته على عرشه وكذب موسى في ذلك ووافقته الجهمية على هذا النفي وبهذا احتج عليهم الأشعري في كتبه كلها والقاضي أبو بكر وأبو عمر بن عبد البر وجمهور أئمة السنة وأنكر فرعون أن يكون الله كلم موسى ووافقه الجهمية على ذلك وأنكر أعداء الرسل من المشركين عباد الأصنام والكواكب والفلاسفة وغيرهم معاد الأبدان وخراب العالم وحقيقة الجنة والنار ووافقهم ابن سينا وأتباعه على ذلك وأخذ الجهمية بعض هذا الإنكار فقالوا تفنى الجنة والنار وهذا قول شيخهم جهم وكلهم أنكروا أشرف ما في الجنة وأجل نعيمها وأفضله على الإطلاق الذي ما طابت الجنة إلا به وهو النظر إلى وجه الرب تبارك وتعالى من فوقهم وسماع كلامه وتسليمه عليهم وخطابه لهم بل هذا حقيقة الجنة ورأس نعيمها فنفوه وكذبوا به وأثبتوا أكلا وشربا وجماعا ثم قالوا بنفاده وانقطاعه وهذا باب إذا(4\/1209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1062",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4343",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تتبعه من يعلم ما عند القوم وما جاءت به الرسل ويعتبر هذا بهذا يجد أقوالهم مشتقة من أقوال أعداء الرسل. فإن لا يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها الوجه التاسع والعشرون بعد المائة: أن الكلام في الدين نوعان أمر وخبر فما عارض الأمر كان من باب الهوى الذي يأمر به الشيطان والنفس وما عارض الخبر كان من باب الظن والخرص الذي هو أكذب الحديث وهؤلاء لا تجدهم إلا وقد جمعوا بين الأمرين فهم في الإرادات تابعون لأهوائهم وفي الاعتقادات تابعون لظنونهم قال الله: إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى [النجم23] . وقال تعالى كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضو [التوبة69] .(4\/1210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1063",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4344",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالاستمتاع بالخلاق اتباع الهوى والشهوات والخوض اتباع الباطل والشبهات وقد نزه سبحانه رسوله عن طريقة هؤلاء فقال تعالى: والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى [النجم2 , 1] . فنزهه عن الضلال الذي هو نقيض الهدى وعن الغي الذي هو نقيض الرسد وقال النبي صلى الله عليه وسلم في خلفائه: quot;عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعديquot; والمقصود أن ما ناقض خبر الرسل كان كذبا وضلالا وقولا على الله غير الحق وقد نهى الله سبحانه(4\/1211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1064",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4345",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن يقال عليه غير الحق وأخذ الميثاق على اتباع الرسل بذلك فقال: ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق [الأعراف169] وقال يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق [النساء171] وأخبر سبحانه أنه لا بد أن ينال المفترين غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وأعظم الافتراء الفرية عليه سبحانه في أسمائه وصفاته وأفعاله وقد ضمن سبحانه أنه لا بد أن يخيب أهل الافتراء ولا يهديهم وأنه يستحتهم بعذابه أي يستأصلهم قال تعالى إخبارا عن كليمه موسى أنه قال لرؤوس المعطله وأئمتهم: ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى [طه62] وهذه الأصول التي عارضوا بها الكتاب والسنة تشتمل على الكذب والفرية في مسائلها ودلائلها كأصول الملاحدة من الفلاسفة والدهرية النافين لما أخبر الله به من(4\/1212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1065",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4346",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصول الإيمان الخمسة وأصول الجهمية المناقضة لما أخبر به من اسمائه وصفاته وأفعاله وأصول القدرية المعارضة لما أخبر به من عموم قدرته ومشيئته وأصول الملاحدة الاتحادية التي رفعت العقل والنقل والحس وأبطلت الخلق والأمر والنبوة والرسالة الثواب والعقاب وأصول هؤلاء كلهم أصول الزندقة والاتحاد المناقضة للعقل والدين. الوجه الثلاثون بعد المائة: إن هؤلاء المعارضين لا يتم لهم ما ادعوه من المعارضة إلا بأربعة أمور يستلزمها قولهم لبس الحق بالباطل فهذه أربعة مقامات تتضمنها أصولهم بل هذه الأربعة هي قواعدهم التي يبنون عليها أما لبس الحق بالباطل فأنتم تسمون ما أثبته الله لنفسه من الصفات والكلام والعلو والاستواء تركيبا وتجسيما وتشبيها وتسمون عرشه حيزا واستواءه عليه تحيزا وتسمون صفاته أعراضا وتنزهونه عنها وأفعاله حوادث وتنفونها عنه وحكمته أغراضا وتبطلونها ووجهه الكريم ويديه حوارح وينكرونها ويسمون نفيهم وتعطيلهم تنزيها وتقديسا وتوحيدا فيلتبس الحق بالباطل على من لم يعرف مرادهم من هذا التنزيه والتوحيد(4\/1213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1066",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4347",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتقديس ولا من ذلك التجسيم والتشبيه والتمثيل فإذا وقعوا في هذا اللبس والتلبيس ترتب عليه ضرورة كتمان الحق والتكذيب به والتصديق بالباطل ولهذا جعل سبحانه كل اثنين من هذه الأربعة فريقين أما لأولان فقال تعالى: ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون [البقرة42] وقد اختلف في قوله وتكتموا هل هو منصوب أو مجزوم على قولين مبنيين على الواو هل هي واو عطف أو واو صرف فمن جعلها واو عطف قال النهي تعلق بكل واحد من الأمرين على انفراده ولو كانت واو صرف لكان المنهي عنه جمعهما لا أفرادهما ومن جعلها واو صرف قال لبس الحق بالباطل مستلزم لكتمانه كما يكتم الحق من لبسه بما يستره ويغشيه فهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر فالنهي عن أحدهما نهي عن الآخر بطريق اللزوم ففي كون الواو واو جمع إفادة هذا المعنى وإن كتمان الحق ملازم للبسه بالباطل لا ينفك عنه ولا يمكن إيقاع أحدهما إلا بالآخر وهذا شأن كل متلازمين وهذا القول أميز من الأول وأعرب وأما القرينان الآخران فقال تعالى: والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون [العنكبوت52] .(4\/1214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1067",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4348",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال تعالى ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين [العنكبوت68] . وقال فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين [الزمر32] . وهذان أيضا متلازمان فكل من صدق بالباطل كذب بضده وهو الحق وإذا عرف هذا فما أثبته الله لنفسه من صفاته وكلامه وتكليمه واستوائه على عرشه وعلوه على خلقه هو الحق عقلا وسمعا وما خالفه هو الباطل والله سبحانه قد فصل لنا هذا من هذا ولم يدعه ملتبسا. ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة [الأنفال42] . فلبس النفاة المعطلة هذا بهذا فاضطرهم اللبس إلى كتمان الحق والتكذيب به والتصديق بضده وإذا أردت معرفة هذا فامتحنه في مسائلهم ودلائلهم وكلماتهم المجملة الألفاظ المشتبهة المعاني وبالله التوفيق يوضحه:(4\/1215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1068",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4349",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الحادي والثلاثون بعد المائة: أنه ما من حق وباطل إلا وبينهما اشتراك من بعض الوجوه ولو في أصل الوجود أو في أصل الإخبار أو في مجرد المعلومية بأن يكون هذا معلوما مذكورا وهذا معلوما مذكورا ولكل واحد منهما خصائص يتميز بها عن الآخر فأحظى الناس بالحق وأسعدهم به الذي يقع على الخصائص المميزة الفارقة ويلغي القدر المشترك فيحكم بالقدر الفارق على القدر المشترك ويفصله به وأبعدهم عن الحق والهدى من عكس هذا السير وسلك ضد هذه الطريق فألغى الخصائص الفارقة وأخذ القدر المشترك وحكم به على القدر الفارق وأضل منه من أخذ خصائص كل من النوعين فأعطاها للنوع الآخر فهذان طريقا أهل الضلالة اللتان يرجع إليهما جميع شعب ضلالهم وباطلهم مثال ذلك أن أعداء الرسل المكذبين لهم الجاحدين لما جاءوا به من الحق لما أرادوا تلبيس الحق الذي جاءوا به بالباطل أخذوا بينه وبين الباطل قدرا مشتركا ثم ألغوا القدر الفارق وما اختص به أحد النوعين فقالوا هذا الرسول شاعر وكاهن ومجنون وطالب ملك ورياسة وصيت في العالم فأخذوا قدرا مشتركا بين الشعر وبين كلامه الذي جاء به من الترغيب والترهيب وحسن التعبير عن المعاني باللفظ الذي يروق المسامع ويهز القلوب ويحرك النفوس فقالوا هو شاعر وهذا شعر وضربوا عن الخصائص الفارقة صفحا وقالوا هو كاهن لأن الكاهن كان عندهم معروفا بالإخبار عن الأمور الغائبة التي لا يخبر بها غيره وكذلك(4\/1216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1069",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4350",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا المدعي لذلك مثله وقالوا مجنون لأن المجنون يقول ويفعل خلاف ما اعتاده الناس وقالوا ساحر لأن الساحر يأخذ بالقلوب والعيون ويحبب تارة وينفر أخرى ولهذا قال لهم الوليد بن المغيرة وقد سألوه ماذا يقولون للناس في أمر محمد ففكر وقدر ورأى أن أقرب ما يقولون هو ساحر لأنه يفرق بين المرء وزوجه ومحمد يفعل ذلك فإن المرأة إذا أسلمت دون زوجها أو اسلم زوجها دونها وقعت الفرقة بينهما والعداوة. وكذلك قولهم عن القرآن أساطير الأولين أخذوا قدرا مشتركا بينهما وهو جنس الإخبار عما أخبر عنه الأولون وهكذا قولهم هو طالب ملك ورياسة وصيت والمقصود أن كل مبطل فإنه يتوصل إلى باطله بهذه الطريق ثم يلبس ما يدعو إليه خصائص الحق وما ينفر عنه خصائص الباطل وهذا شأن الساحر فكلامه يخرج الحق في صورة الباطل فينفر عنه والباطل في صورة الحق فيرغب فيه إذا عرف هذا فهؤلاء أخذوا قدرا مشتركا بين ما أثبته الله لنفسه من الصفات والأفعال وبين ما للمخلوقين من ذلك وحكموا بذلك القدر المشترك على خصائص الرب سبحانه ثم ألغوا حكم تلك الخصائص واعتبارها ثم جعلوا(4\/1217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1070",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4351",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حكمها حكم خصائص المخلوقين فأخطأوا من أربعة أوجه مثاله أنهم أخذوا قدرا مشتركا بين اليد القديمة والحادثة ثم حكموا بما فهموه من ذلك القدر المشترك على القديمة ثم ألغوا القدر الفارق بين اليد واليد ثم جعلوا خصائص أحدهما هي خصائص الأخرى واعتبر هذا منهم في كل صفة يريدون نفيها يوضحه: الوجه الثاني والثلاثون بعد المائة: إنك إذا أخذت لوازم المشترك والمميز وميزت هذا من هذا صح نظرك ومناظرتك وزال عنك اللبس والتلبيس وذلك أن الصفة يلزمها لوازم من حيث هي هي فهذه اللوازم يجب إثباتها ولا يصح نفيها إذ نفيها ملزوم كنفي الصفة مثاله الفعل والإدراك للحياة فإن كل حي فعال مدرك وإدراك المسموعات بصفة السمع وإدراك المبصرات بصفة البصر وكشف المعلومات بصفة العلم والتمييز لهذه الصفات فهذه اللوازم ينتفي رفعها عن الصفة فإنها ذاتية لها ولا يرتفع إلا برفع الصفة ويلزمها لوازم من حيث كونها صفة للقديم مثل كونها واجبة قديمة عامة(4\/1218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1071",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4352",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التعلق فإن صفة العلم واجبة لله قديمة غير حادثة متعلقة بكل معلوم على التفصيل وهذه اللوازم منتفية عن العلم الذي هو صفة للمخلوق ويلزمها لوازم من حيث كونها صفة له مثل كونها ممكنة حادثة بعد أن لم تكن مخلوقة غير صالحة للعموم مفارقة له فهذه اللوازم يستحيل إضافتها إلى القديم واجعل هذا التفصيل ميزانا لك في جميع الصفات والأفعال واعتصم به في نفي التشبيه والتمثيل وفي بطلان النفي والتعطيل واعتبره في العلو والاستواء تجد هذه الصفة يلزمها كون العالي فوق السافل في القديم والحديث فهذا اللازم حق لا يجوز نفيه ويلزمها كون السافل حاويا للأعلى محيطا به حاملا له والأعلى مفتقر إليه وهذا في بعض المخلوقات لا في كلها بل بعضها لا يفتقر فيه الأعلى إلى الأسفل ولا يحويه الأسفل ولا يحيط به ولا يحمله كالسماء مع الأرض فالرب تعالى أجل شأنا وأعظم أن يلزم من علوه ذلك بل لوازم علوه من خصائصه وهي حمله(4\/1219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1072",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4353",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للسافل وفقر السافل إليه وغناه سبحانه عنه وإحاطته عز وجل به فهو فوق العرش مع حمله العرش وحملته وغناه عن العرش وفقر العرش إليه وإحاطته بالعرش وعدم إحاطة العرش به وحصره للعرش وعدم حصر العرش له وهذه اللوازم منتفية عن المخلوق وأصحاب التلبيس واللبس لا يميزون هذا التمييز ولا يفصلون هذا التفصيل ولو ميزوا وفصلوا لهدوا إلى سواء السبيل وعلموا مطابقة العقل الصريح للتنزيل ولسلكوا خلف الدليل ولكن فارقوا الدليل وضلوا عن سواء السبيل. الوجه الثالث والثلاثون بعد المائة: إن الأصل الذي قادهم إلى النفي والتعطيل واعتقاد المعارضة بين العقل والوحي أصل واحد هو منشأ ضلال بني آدم وهو الفرار من تعدد صفات الواحد وتكثر أسمائه الدالة على صفاته وقيام الأمور المتجددة به وهذا لا محذور فيه وهو الحق الذي لا يثبت كونه سبحانه ربا وإلها وخالقا إلا به ونفيه جحد للصانع بالكلية وإنكار له وهذا القدر لازم لجميع طوائف أهل الأرض على اختلاف مللهم ونحلهم حتى لمن جحد الصانع بالكلية وأنكره رأسا فإنه يضطر إلى الإقرار بذلك وإن قام عنده ألف شبهة(4\/1220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1073",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4354",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو أكثر على خلافه أما من أقر بالصانع فإنه مضطر إلى أن يقر بكونه حيا عالما قادرا مريدا حليما فعالا ومع إقراه بهذا فقد اضطر إلى القول بتعدد صفات الواحد وتكثر أسمائه وأفعاله فلو تكثرت بعد ما تكثرت لم يلزم من تكثرها وتعددها محذور بوجه من الوجوه وإن قال أنا أنفيها جملة ولا أثبت تعددها بوجه فقيل له فهل تثبته موجودا أم لا فإن قال أثبته موجودا قيل له فهو هذه الموجودات أم غيرها فإن قال غيرها قيل له فهل هو خالقها أم لا فإن قال هو خالقها قيل له فهل هو قادر عليها عالم بها مريد لها أم لا فإن قال نعم هو كذلك اضطر إلى تكثر صفاته وتعددها وإن نفى ذلك كان جاحدا للصانع بالكلية نافيا له فيستدل عليه بما يستدل على الزنادقة الدهرية المنكرين لربهم تعالى ويقال له ما قالت الرسل لأممهم أفي الله شك [إبراهيم10] . وهل يستدل عليه بدليل هو أظهر للعقول من إقرارها به وبربوبيته وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل(4\/1221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1074",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4355",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن قال أنا أثبته موجودا واجب الوجود لا صفة له قيل له بل زعمت أنه معدوم ممتنع الوجود وكل موجود محقق أو مقدر أكمل منه على هذا التقدير فضلال اليهود والنصارى وعباد الأصنام أعرف به منك وأقرب إلى الحق والصواب منك وأما فرارك من قيام الأمور المتجددة به ففررت من أمر لا يثبت كونه إلها وربا وخالقا إلا به ولا يتقدر كونه صانعا لهذا العالم مع نفيه أبدا وهو لازم لجميع طوائف أهل الأرض على اختلافهم حتى للفلاسفة الذين هم أبعد الخلق من إثبات الصفات والأفعال هو لازم لهم لزوما لا انفكاك لهم عنه ولهذا قال بعض عقلاء الفلاسفة إنه لا يتقرر كونه ربا للعالمين إلا بإثبات ذلك ثم قال والإجلال من هذا الإجلال واجب والتنزيه من هذا التنزيه متعين قال بعض أهل العلم وهذه المسألة تقوم عليها رتب من ألف دليل عقلي وسمعي والكتب الإلهية والنصوص النبوية ناطقة بذلك وإنكاره لما علم بالضرورة من دين الرسل أنهم جاءوا به ونحن نقول إن كل سورة من سور القرآن تتضمن إثبات هذه المسألة وفيها أنواع من الأدلة عليها فأدلتها تزيد على عشرة آلاف دليل. فأول سورة من القرآن تدل عليها من وجوه كثيرة وهي سورة أم الكتاب فإن قوله الحمد لله يدل عليها فإنه(4\/1222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1075",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4356",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبحانه يحمد على أفعاله كما حمد نفسه عليها في كتابه وحمده عليها رسله وملائكته والمؤمنون من عباده فمن لا فعل له البتة كيف يحمد على ذلك فالأفعال هي المقتضية للحمد ولهذا نجده مقرونا بها كقوله: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض [الأنعام1] الحمد لله الذي هدانا لهذا [الأعراف43] الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب [الكهف1] الحمد لله فاطر السماوات والأرض [فاطر1] الثاني: قوله رب العالمين وربوبيته للعالم تتضمن تصرفه فيه وتدبيره له ونفاذ أمره كل وقت فيه وكونه معه كل ساعة في شأن يخلق ويرزق ويميت ويحيي ويخفض ويرفع ويعطي ويمنع ويعز ويذل ويصرف الأمور بمشيئته وإرادته وإنكار ذلك إنكار لربوبيته وإلهيته وملكه. الثالث: قوله الرحمن الرحيم وهو الذي يرحم بقدرته ومشيئته من لم يكن راحما له قبل ذلك. الرابع: قوله مالك يوم الدين والملك هو المتصرف فيما هو ملك عليه ومالك له من لا تصرف(4\/1223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1076",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4357",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له ولا يقوم به فعل البتة لا يعقل له ثبوت ملك ولا مالك. الخامس: قوله اهدنا الصراط المستقيم فهذا سؤال لفعل يفعله بهم لم يكن موجودا قبل ذلك وهو الهداية التي هي فعله فيترتب عليها الاهتداء الذي هو مطاوع وهو فعلهم. السادس: قوله صراط الذين أنعمت عليهم ونعمته عليهم وفعله القائم به وهو الإنعام فلو لم يقم به فعل الإنعام لم يكن للنعمة وجود البتة. السابع: قوله عليهم غير المغضوب عليهم وهم الذين غضب الله عليهم بعدما أوجدهم وقام بهم سبب الغضب فالغضب على المعدوم محال وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;أن العبد إذا قال: الحمد لله رب العالمين يقول الله: حمدني عبدي فإذا قال الرحمن الرحيم يقول الله: أثنى علي عبدي فإذا قال مالك يوم الدين قال الله مجدني عبدي فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال الله: هذه بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم إلى آخرها قال الله: هذا(4\/1224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1077",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4358",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لعبدي ولعبدي ما سألquot; فهذه أدلة من الفاتحة وحدها فتأمل أدلة الكتاب العزيز بعد على هذا الأصل تجدها فوق عد العادين وإحصاء المحصين حتى أنك تجد في الآية الواحدة على اختصار لفظها عدة أدلة كقوله: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [يس82] ففي هذه الآية عدة أدلة: أحدها: قوله إنما أمره وهذا أمر التكوين الذي لا يتأخر عنه أمر الكون بل يعقبه الثاني: قوله إذا أراد شيئا وإذا تخلص الفعل للاستقبال الثالث: قوله أن يقول له وإن تخلص المضارع للاستقبال الرابع: أن يقول فعل مضارع إما للحال وإما للاستقبال الخامس: قوله كن وهما حرفان سبق أحدهما الآخر ويتعقبه الثاني(4\/1225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1078",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4359",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السادس: قوله فيكون والفاء للتعقيب يدل على أنه يكون عقيب قوله له كن سواء لا يتأخر عنه السابع أن قوله كن تكوين قائم به سبحانه والكون قد تعقبه ولم ينزح عنه وقوله تعالى ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه [الأعراف143] فهو سبحانه إنما كلمه ذلك الوقت وقوله وناديناه [مريم52] ويوم يناديهم فيقول [القصص62] وقوله وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة [الأعراف22] فالنداء إنما حصل ذلك الوقت وقوله هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله [البقرة210] وجاء ربك [الفجر22] ثم استوى على العرش [الأعراف54] وإذا أردنا أن نهلك قرية [الإسراء16] فعال لما يريد [البروج16] يريد الله بكم اليسر [البقرة185] يريد الله أن يخفف عنكم [النساء28](4\/1226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1079",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4360",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والله يريد أن يتوب عليكم [النساء27] ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون [القصص6 , 5] والله يقول الحق وهو يهدي السبيل [الأحزاب4] قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما [المجادلة1] إنني معكما أسمع وأرى [طه46] بآياتنا إنا معكم مستمعون [الشعراء15] كل يوم هو في شأن [الرحمن29] وهذا عند النفاة لا حقيقة له بل الشؤون للمفعولات وأما هو فله شأن واحد قديم فهذه الأدلة السمعية وأضعاف أضعافها مما يشهد بها صريح العقل وشهد ببطلان ما خالفها. فإنكار ذلك وإنكار تكثر الصفات وتعدد الأسماء هو الذي أفسد العقل والنقل وفتح باب المعارضة(4\/1227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1080",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4361",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بينهما وتفصيل أدلة هذه المسألة وبيان بطلان الشبه المعارضة لها يستدعي مجلدا كبيرا ولعلنا إن ساعد القدر أن نكتبه والله المستعان. الوجه الرابع والثلاثون بعد المائة: إن من أئمة هؤلاء المعرضين من يقول إنه ليس في العقل ما يوجب تنزيه الرب سبحانه وتعالى عن النقائص ولم يقم على ذلك دليل عقلي أصلا كما صرح به الرازي وتلقاه عن الجويني وأمثاله قالوا وإنما نفينا النقائص عنه بالإجماع وقد قدح الرازي وغيره من النفاة في دلالة الإجماع وبينوا أنها ظنية لا قطعية فالقوم ليسوا قاطعين بتنزيه الله عن النقائص بل غاية ما عندهم في ذلك الظن فيا للعقلاء ويا لأولي الألباب كيف تقوم الأدلة القطعية على نفي صفات كماله ونعوت جلاله وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه وتكلمه بالقرآن حقيقة وتكليمه لموسى حقيقة بكلامه القائم به ورؤية المؤمنين له بأبصارهم عيانا من فوقهم في الجنة حتى تدعي أن الأدلة السمعية الدالة على ذلك قد عارضها صريح العقل وأما تنزيهه عن العيوب والنقائص فلم يقم عليه دليل عقلي ولكن علمناه بالإجماع وقد قلتم دلالته ظنية فوالله لو قال المشبه المجسم بزعمكم ما قال ما رضي لنفسه بهذا ولكان رب العالمين وقيوم السماوات والأرض أكبر في صدره(4\/1228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1081",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4362",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأجل في قلبه من أن لا يكون في عقله دليل ينزهه عن النقائص ولعل جاهلا أن يقول إنا قلنا عليهم ما لم يقولوا أو استجزنا ما يستجيزونه هم من حكاية مذاهب الناس عنهم فما يعتقدونه هم لازم لأقوالهم فيكذبون عليهم كذبا صريحا يقولون مذهب الحنابلة إن الله يجوز أن يتكلم بشيء ولا يعني به شيئا ومذهبهم أن الله لا يجوز أن يرى وأمثال ذلك مما هو كذب صريح وفرية مستندهم فيها ما فهموه من لازم قولهم فنحن لا نستجيز ذلك على أحد من الناس ولكن هذه كتب القوم فراجعها ولا تقلد الحاكي عنهم ويكفيك من فساد عقل يعارض الوحي أنه لم يقم عنده دليل عقلي ينزه ربه وخالقه عن العيوب والنقائص فلقد كشف لك صاحب هذا العقل عن حقيقة معقوله وأقر على نفسه وعقله أنه أقل وأحقر شأنا أن يعارض الوحي ونصوص الأنبياء ثم يتقدم عليها وبالله التوفيق. الوجه الخامس والثلاثون بعد المائة: أن يقال لهؤلاء المعارضين للوحي بعقولهم لا يمكنكم تنزيه الرب سبحانه عن النقائص والعيوب إلا أن يتحيزوا إلى أهل السنة ويصيروا أضيافا لهم ويستضيئوا بنورهم وإلا فلا يمكنكم على أصولكم تنزيه الرب عن العيوب البتة فإنكم نزهتموه عن صفات كماله وزعمتم(4\/1229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1082",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4363",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنها تستلزم التجسيم وهو يستلزم الحدوث فبذلك نفيتم صفاته وأفعاله فلما قال لكم أهل الإثبات نفيكم لهذه الصفات يستلزم ثبوت ضدها له وهو نقص وهو محال على من له الكمال كله أجبتموه بأن هذا إنما يلزم في القابل للشيء وضده وأما الرب سبحانه فإنه لا يقبل هذه الصفات ولا أضدادها فلا يلزم من سلبها عنه ثبوت أضدادها كما لا يلزم من سلب الكلام والسمع والبصر والحياة عن الحجر وصفه بالخرس والطرش والعمى والموت فقال لكم أهل الإثبات لو جعلتموه قابلا لصفات الكمال وسلبتموها عنه لكان أكمل ممن لا يقبل صفات الكمال البتة فالأعمى والأخرس والأصم والعاجز أكمل من الحجر والتراب فنزلتم درجة أخرى وشبهتموه بأنقص الناقصات وهو مالا يقبل الكمال بوجه فلو أثبتم له صفات الكمال كلها على وجه التشبيه والتمثيل بخلقه لكان خيرا من تشبيهكم له بأنقص الناقصات من الجمادات التي لا تقبل الكمال فإن الحيوان الذي يقبل أن يتعاقب عليه العدم والملكة فيكون تارة سميعا وتارة أصم أكمل من الجماد(4\/1230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1083",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4364",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي لا يقبل هذا ولا هذا بل الحيوان الموصوف بهذه النقائص مع إمكان اتصافه بهذا الكمال أكمل من الجماد الذي لا يقبل ذلك فإذا قلتم إن الرب لا يقبل الاتصاف بصفات الكمال مع أن المتصف بالنقائص يمكنه الاتصاف بها جعلتموه أنقص من الحيوانات وكان من وصفه بهذه النقائص خيرا منكم وهم يشنعون بما يحكي عن ضلال اليهود والنصارى أن الله ندم على الطوفان حتى عض أصبعه وجرى الدم وبكى على الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة وأمثال ذلك وهؤلاء مع كفرهم وضلالهم أحسن قولا فيه ممن يقول إنه لا يقبل الاتصاف بصفات الكمال بل من جعله يأكل ويشرب وينام ويألم خير ممن جعله بمنزلة الأحجار والجامدات التي لا تقبل هذه الصفات فالمشبهة المحضة خير منكم وأحسن قولا في ربهم وخالقهم وأما خصومكم من أهل السنة والحديث فهم لا يقولون بتشبيهكم ولا بتشبيه إخوانكم وإن كان تشبيهكم شرا من تشبيههم وإنما يصفون الله بصفات كماله ونعوت جلاله ويثبتون أفعاله حقيقة لا مجازا كما يثبتون ذاته وصفاته ولا يشبهون الله بخلقه ولا يمثلونه بهم والله سبحانه أجل في صدورهم وأعظم في قلوبهم من أن يشبهوه بخلقه أو ينفوا عنه صفات كماله وأفعاله فيشبهونه بالجامدات العادمة للكمال وقبوله يوضحه:(4\/1231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1084",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4365",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه السادس والثلاثون بعد المائة: وهو أن الله سبحانه عاب آلهة المشركين بنفس ما وصفتم الإله الحق سبحانه به فعابها بأنها لا تتكلم ولا تكلم عابديها وقلتم إن هذا من خصائص الربوبية وعابها بأنها لا تسمع ولا تبصر وقلتم إن إثبات السمع والبصر للرب يقتضي التشبيه والتجسيم وعابها بأنها لا تضر ولا تنفع ولا تهدي السبيل فنفى عنها هذه الأفعال وقلتم ليس للقديم فعل يقوم به البتة فإنه لو قامت به الأفعال لكان محلا للحوادث وعابها بأنها لا يد لها تبطش بها ولا رجل تمشي بها ولا عين تبصر بها وقلتم بأن الرب سبحانه كذلك فإنا لو وصفناه بذلك وصفناه بالجوارح والأبعاض وجميع ما عابها به إنما هو نفي وسلب لم يعبها بصفة ثبوتية البتة وعندكم أعظم التنزيه السلب والنفي الذي هو جماع ما عاب به آلهة المشركين. الوجه السابع والثلاثون بعد المائة: إن الطوائف كلها اتفقت على إثبات موجود واجب بنفسه قديم أزلي لا يجوز عليه العدم ثم تنازعوا فيما يجب له ويمتنع عليه تنازعا لا يحصيه إلا رب العباد ولم تختلف مقالات أهل الأرض في شيء كاختلافهم في ربهم تعالى(4\/1232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1085",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4366",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأحدث الأمم عهدا هذه الأمة وهذه مقالاتهم قد فاتت الحصر وقد حكى منها أهل المقالات ما بلغهم وأعظم من استوعبها الأشعري في مقالاته وقد حدث بعده مقالات لم يحكها ولم يودعها كتابه وكل يدعي أن العقل دله على تلك المقالة وصحتها وإذا جاء السمع بخلافها لجأ إلى طاغوت من هذه الطواغيت الأربعة ومقالة النفاة المعطلة شر مقالات أهل الأرض على الإطلاق وأشدها مناقضة للمعقول والمنقول فإنهم يصفونه بصفات المعدوم الصرف بل بصفات الممتنع الوجود يعني بصفات المعدوم والممتنع ما يخبر به عنه ويحكم به عليه وإلا فليس هناك صفة ولا موصوف فيقولون ليس هو فوق خلقه ولا هو مستو على عرشه ولا هو داخل العالم ولا خارجه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولا مباينا له ولا محايثا ولا مجاورا ولا فوق ولا تحت ولا يصعد إليه شيء ولا ينزل من عنده ولا تعرج الملائكة والروح إليه ولا رفع المسيح إليه ولا عرج برسول إليه ودنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى ولا يقرب منه شيء ولا يقرب من شيء ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام ولا يجيء للفصل بين عباده ولا ترفع إليه الأيدي ولا يشار إليه بالأصابع ولا يمكن(4\/1233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1086",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4367",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رؤيته البتة ولا قال ولا يقول ولا يكلم ولا يتكلم ولا نادى ولا ينادي ولا له علم ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر ولا إرادة ولا وجه ولا يد ولا عين ولا إصبع وغلاتهم يقولون لا يسمى حيا عالما قادرا إلا بطريق المجاز ويقولون لو أثبتنا هذه الصفات لزم أن يكون جسما والجسم مركب والمركب ممكن والممكن محدث فإثبات هذه الصفات تنافي قدمه ووجوب وجوده وأما أهل الإثبات فيقولون الموصوف بهذه الصفات السلبية المنفي عنه الصفات الثبوتية لا يكون إلا ممتنعا والامتناع ينافي الوجود فضلا عن وجوبه والذين وصفوه بهذه السلوب وصفوه بما لا يتصف به إلا ما يمتنع وجوده ومن وصف ما يجب وجوده بما يمتنع وجوده فقد جعله دون المعدوم الممكن الوجود ويقولون للمعطلة النفاة أنتم فررتم من وصفه بما يستلزم الإنكار بزعمكم فوصفتموه بما يستلزم الامتناع من وصفه ومن وصف بما يستلزم الحدوث على ظنكم فوصفتموه بما يستلزم العدم والأجسام الجامدة خير من المسلوب عنه هذه الصفات فضلا عن الأجسام الحية الناقصة فضلا عن الأجسام الحية الكاملة قالوا ومن المعلوم أنه إذا دار الأمر بين وجود حي كامل وبين معدوم أو ممتنع كان الموجود خيرا من المعدوم يوضحه. الوجه الثامن والثلاثون بعد المائة: أن اللوازم التي تلزم المعطلة النفاة شر من اللوازم التي تلزم المشبهة المحضة دع المثبتة لحقائق الأسماء والصفات المنزهين الله عن شبه المخلوقات فإنهم يلزمهم عشرة لوازم(4\/1234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1087",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4368",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها: جحد الصانع ونفيه الثاني: سلب كماله عنه الثالث: وصفه بالنقائص والعيوب الرابع: تشبيهه بالجمادات الناقصة الخامس: تشبيهه بالمعدومات بل بالممتنعات السادس: الطعن فيما أخبر به عن نفسه وأخبرت به عنه رسله السابع: القدح في علم الرسول أو بيانه أو نصحه أو الجمع الثامن: إفساد الفطر والعقول وتغييرها عما فطرت عليه كإفساد الشياطين لها بالشرك واتباع الغي التاسع: إلقاء العداوة بين الوحي والعقل ودعوى تناقضهما وتعارضهما العاشر: القدح في شهادة العقل فإنهم إذا جوزوا معارضته ومناقضته لكلام الله ورسوله فقد قدحوا فيه أعظم القدح وجرحوه أبين الجرح ويكفي في جرحه والطعن في شهادته إقرارهم بأنه مضاد مناقض لما بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه وحينئذ فنقول في:(4\/1235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1088",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4369",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه التاسع والثلاثين بعد المائة: إنكم أسأتم القول في العقل غاية الإساءة وقدحتم فيه أعظم القدح فإن الله سبحانه ركب العقول في عباده ليعرفوا بها صدقه وصدق رسله ويعرفوه بها ويعرفوا كماله وصفاته وعظمته وجلاله وربوبيته وتوحيده وأنه الإله الحق وما سواه باطل فهذا هو الذي أعطاهم العقل لأجله بالذات والقصد الأول وهداهم به إلى مصالح معاشهم التي تكون عونا لهم على ما خلقوا لأجله وأعطوا العقول له فأعظم ثمرة العقل معرفته لخالقه وفاطره ومعرفة صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله وصدق رسله والخضوع والذل والتعبد له فإذا أقررتم على العقل بأنه لا يدرك ذلك ولا يصدق ذلك به بل يعارضه ويكذبه ويرده فقد نسبتموه إلى أقبح الجهل وأعظم شهادة الزور وما كان هكذا فلا تقبل له شهادة في شيء فضلا عن تقديم شهادته على ما شهد الله به لنفسه وشهدت له به رسله من أولهم إلى آخرهم وحينئذ فنقول في: الوجه الأربعين بعد المائة: أن الشهادة تعتمد على الشاهد وصدقه فإنها خبر ولا بد أن يكون المخبر به عالما صادقا وقد علم كذب العقل المعارض لما جاءت به الرسل قطعا وجملة فإنه لا يجتمع(4\/1236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1089",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4370",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صدقه وصدق الرسل ولا صحة ما أخبر به وصحة ما أخبرت به الرسل لاستحالة الجمع بين النقيضين وحينئذ فيلزم من قبول شهادته تكذيب شهادة الرسل هذا لو لم يعلم كذبه فيما شهد به إلا بمجرد مخالفته لما شهدت به الرسل فكيف إذا علم كذبه بشهادة عقل آخر أصح منه وأذكى وأصدق كيف وقد علم كذب العقل الشاهد بخلاف ما جاءت به الرسل بوجوه كثيرة من مناقضته واضطرابه وإثباته للشيء ثم نفيه للوازمه ونفيه للوازمه ثم إثباته لملزوماتها وتفريقه بين المتساويين وجمعه بين المختلفين فقد علم كذبه وجهله من هذه الوجوه الثلاثة فلا يصلح أن يستشهد به على مخالفة السمع بوجه من الوجوه يوضحه. الوجه الحادي والأربعون بعد المائة: وهو أن هؤلاء المعارضين ردوا حكم العقل الصريح المبني على المقدمات الضرورية الفطرية ونسبوه إلى البطلان وحينئذ فلا يمكنهم أن يقيموا معقولا صحيحا على خلاف ما دل عليه السمع البتة لأن حكم العقل الذي ردوه وأبطلوه أظهر وأبين وأصدق من حكم العقل الذي قدموه على كلام الله ورسوله بما لا نسبة بينهما فصاروا في ذلك بمثابة حاكم فاسق ظالم رد شهادة العدول المبرزين في العدالة وقبل شهادة المجهولين والمعروفين بالكذب والزور والفسق ثم لم يكفه ذلك حتى عارض شهادة أولئك العدول الصادقين بشهادة هؤلاء الفسقة الكاذبين ثم قدمها عليها(4\/1237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1090",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4371",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وطعن في أولئك العدول فارتكب أنواعا من الجهل والظلم جمع فيها بين إبطال الحق وتحقيق الباطل وتزكية شهود الزور والطعن في شهادة العدول فتوهوا العقول الصحيحة والنصوص الصريحة وضيقوها واستدعوا العقول الفاسدة والأقوال الكاذبة فولوها مكانها واستعملوها كما قال أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب إمام الأشعري وأصحابه في كتاب الصفات مما نقله عنه أبو بكر بن فورك فقال في الكتاب المذكور في باب القول في الاستواء وهذا لفظه ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صفوة الله من خلقه وخيرته من بريته وأعلمهم جميعا به يجيز السؤال بأين وبقوله ويستصوب قول القائل إنه في السماء ويشهد له بالإيمان عند ذلك. وجهم بن صفوان وأصحابه لا يجيزون الأين(4\/1238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1091",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4372",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "زعموا ويحيلون القول به ولو كان خطأكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق بالإنكار له وكان ينبغي أن يقول لها لا تقولي ذلك فهو قسمان إنه عز وجل محدود في مكان دون مكان ولكن قولي إنه في كل مكان لأنه الصواب دون ما قلت كلا لقد أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علمه بما فيه وأنه أصوب الأقاويل والأمر الذي يجب به الإيمان لقائله ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قالته وكيف يكون الحق في خلاف ذلك والكتاب ناطق به وشاهد له قال ولو لم يشهد بصحة مذهب الجماعة في هذا الفن خاصة إلا ما ذكرنا من هذه الأمور لكان فيه ما يكفي كيف وقد غرس الله في الفطرة ومعارف الآدميين من ذلك مالا شيء أبين منه ولا أوكد لا بل لا تسأل أحدا من الناس عنه عربيا ولا عجميا ولا مؤمنا ولا كافرا فتقول أين ربك إلا قال في السماء إن أفصح أو أومأ بيده وأشار بطرفه إن كان لا يفصح لا يشير إلى غير ذلك من أرض ولا سهل ولا جبل ولا رأينا أحدا داعيا إلا رافعا يديه إلى السماء ولا وجدنا أحدا غير الجهمية يسأل عن ربه فيقول في كل مكان كما يقولون وهم يزعمون أنهم أفضل الخلق كلهم فتاهت العقول وسقطت الأخبار واهتدى جهم وحده وخمسون(4\/1239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1092",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4373",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجلا معه نعوذ بالله من الخذلان ومعضلات الفتن ثم ألزمهم ابن كلاب بمذهب الدهرية الملاحدة وأن يكونوا وهم بمنزلة واحدة فقال في هذا الكتاب يقال للجهمية أليست الدهرية كفارا ملحدين في قولهم إن الدهر هو واحد إلا أنه لا ينفك عن العالم ولا ينفك العالم عنه ولا يباين العالم ولا يباينه ولا يماس العالم ولا يماسه ولا يداخل شيئا من العالم ولا يداخله لأنه واحد والعالم غير مفارق له فإذا قالوا نعم قيل لهم صدقتم فلم أثبتم المعبود بمعنى الدهر وأكفرتم من قال بمثل مقالتكم هل تجدون بينكم وبينه فرقا أكثر من أن سميتموه بغير ما سموه به وقد قلتم إنه غير مفارق العالم ولا العالم مفارق له ولا هو داخل في العالم ولا العالم داخل فيه ولا مماس للعالم ولا العالم مماس له ولم رجعتم على من خالفكم بالتكفير وزعمتم أنهم كفروا لأنهم قالوا واحد منفرد بأين فلم لا كنتم أولى بالكفر والتشبيهة منهم إذا زعمتم مثل زعم الملحدين وقلتم مثل مقالة الضالين وخرجتم من توحيد رب العالمين وقال في موضع آخر من هذا الكتاب وأخرج من(4\/1240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1093",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4374",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العقل والخبر من قال إنه سبحانه لا داخل العالم ولا خارجه لأنه نفاه نفيا مستويا وألزم الجهمية في موضع آخر منه مفارقة صريح المعقول حيث زعموا بأنه سبحانه فعل الأشياء لا بائنة عنه ولا قائمة به حالة فيه وهذا لا يثبته عقل عاقل وأخذ هذا من حجة الإمام أحمد وأئمة السنة على هؤلاء المعطلة الجهمية. قال الإمام أحمد في كتابه الذي خرجه في الرد على الزنادقة والجهمية وذكره الخلال في الجامع والقاضي أبو يعلى وسائر أصحاب أحمد قال في باب ما أنكرت الجهمية الضلال أن يكون الله على العرش وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أنه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان فقل له أليس الله كان ولا شيء فيقول نعم فقل له حين خلق الخلق خلقه في نفسه أو خارجا من نفسه فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه فقد كفر حين زعم أنه خلق الجن والشياطين في نفسه وإن قال خلقهم خارجا(4\/1241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1094",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4375",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من نفسه ثم دخل فيهم كان هذا أيضا كفرا حين زعم أنه دخل في كل مكان وحش قذر رديء فإن قال خلقهم خارجا من نفسه ولم يدخل فيهم رجع عن قوله كله أجمع. فقد بين الإمام أحمد ما هو معلوم بصريح العقل وبديهته من أنه لا بد إذا خلق الخلق من أن يخلقه مباينا له أو محايثا له ومع المحايثة إما أن يكون هو في العالم وإما أن يكون العالم فيه لأنه سبحانه قائم بنفسه إذا كان محايثا لغيره فلا بد أن يكون أحدهما حالا في الآخر بخلاف ما لا يقوم بنفسه كالصفات فإنها تكون قائمة بغيرها فهذا القسم لم يحتج أن يذكره لظهور فساده وكذلك قول من يقول لا هو مباين ولا محايث لما كان صريح العقل يدل على بطلانه لم يدخله في التقسيم والمقصود أن أئمة الكلام وأئمة السنة متفقون على ان قول الجهمية مخالف لصريح العقل والنقل وفطرة الله التي فطر عليها عباده وأنه لا يمكن أحدا أن يقول بقولهم حتى يتوه العقل والسمع ويفارق حكمهما.(4\/1242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1095",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4376",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثاني والأربعون بعد المائة: أن فحول الكلام وأئمة النظر والبحث الذين سبروا المقالات وتبحروا في المعقولات قد شهدوا لطريقة النفاة المعطلة بمناقضتها للسمع والعقل وأن السمع والعقل إنما يقتضيان الإثبات وعلو الرب على جميع المخلوقات واستواءه على عرشه فوق سبع سماوات. قال أبو الحسن الأشعري في كتاب الإبانة والموجز والمقالات وهذا لفظه في كتاب الموجز إذ هو من أجل كتبه المتوسطات إن قال قائل ما تقولون في الاستواء قيل له نقول إن الله عز وجل مستو على عرشه كما قال: الرحمن على العرش استوى [طه5] وقد قال إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر10] وقال بل رفعه الله إليه [النساء158](4\/1243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1096",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4377",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه [السجدة5] وقال حكاية عن فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا [غافر37 , 36] كذب موسى في قوله أن الله عز وجل فوق السماوات وقال عز وجل أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض [الملك16] والسماوات فوقها العرش الذي هو فوق السماوات وكل ما علا فهو سماء فالعرش أعلى السماوات وليس إذا قال أأمنتم من في السماء يعني جميع السماء وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات ألا ترى أن الله سبحانه ذكر السماوات فقال وجعل القمر فيهن نورا [نوح16] ولم يرد أن القمر ملأهن جميعا وأنه فيهن جميعا ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله(4\/1244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1097",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4378",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عز وجل مستو على العرش الذي هو فوق السماوات فلولا أن الله عز وجل مستو على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعوا نحو الأرض قال وقال قائلون من الجهمية والمعتزلة والحرورية إن معنى قوله الرحمن على العرش استوى [طه5] إنه استولى وملك وقهر وأن الله في كل مكان وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق وذهبوا في الاستواء إلى القدرة قال ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة لأن الله قادر على كل شيء والأرض فالله قادر عليها وعلى كل ما في العالم فلو كان الله مستو على العرش بمعنى الاستيلاء وهو سبحانه مستول على الأشياء كلها كان مستويا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأقذار لأنه قادر على الأشياء ومستول عليها وإذا كان قادرا على الأشياء كلها ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول إن الله مستو على الحشوش والأخلية لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص بالعرش دون الأشياء كلها قال وزعمت المعتزلة والحرورية والجهمية أن الله في(4\/1245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1098",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4379",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كل مكان فلزمهم أنه في بطن مريم والحشوش والأخلية وهذا خلاف الدين تعالى عن قولهم ثم قال ودليل آخر وهو قوله سبحانه وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء [الشورى51] فقد خصت الآية البشر دون غيرهم ممن ليس هو من جنس البشر ولو كانت الآية عامة للبشر وغيرهم كان أبعد من الشبهة وإدخال الشك على من يسمع الآية أن يقول وما كان لأحد أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب فيرتفع الشك والحيرة من أن يقول ما كان لجنس من الأجناس أن يكمله الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ويترك أجناسا لم يعمهم بالآية فدل ما ذكرنا على أنه خص البشر دون غيرهم. ومقصود الأشعري بهذا الكلام أنه على قول النفاة لا فرق بين البشر وغيرهم فإنه عندهم لا يحجب الله تعالى أحدا بحجاب منفصل عنه بل هو محتجب من جميع الخلق بمعنى أنه لا يمكن أحدا أن يراه فاحتجابه عن بعضهم دون بعض دليل على نقيض قولهم وذلك أن نفاة المباينة(4\/1246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1099",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4380",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يفسرون الاحتجاب بمعنى عدم الرؤية لامتناع قبول الذات لها لا لمانع منفصل يمنعها من حجاب منفصل عن المحجوب وإذا كانت الذات غير قابلة للرؤية بل حجابها عدم قبولها لتعلق الرؤية بها كان هذا الحجاب إلى جميع المخلوقات واحدا ولم يختص به البشر دون غيرهم فلما أخبر أنه يكلم البشر من وراء حجاب دل على أنه قد يكلم غيرهم مع رفع ذلك الحجاب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله: quot;إن الله ما كلم أحدا إلا من وراء حجاب وإنه أحيا أباك وكلمه كفاحاquot; وكما في(4\/1247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1100",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4381",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحديث quot;ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حجاب يحجبه ولا ترجمانquot; فلا يناقض هذا ما دلت عليه الآية فإن هذا في الدنيا وما دلت عليه السنة في دار الآخرة وتكليم عبد الله بن حرام والد جابر كان بعد الموت لم يكن في الدنيا قال الأشعري دليل آخر قال الله عز وجل ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق [الأنعام62] وقال تعالى ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق [الأنعام30] وقال ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم [السجدة12] وقال تعالى وعرضوا على ربك صفا [الكهف48] قال كل ذلك يدل على أنه ليس في خلقه ولا خلقه فيه وأنه مستو على عرشه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا الذين لم يثبتوا له في وصفهم حقيقة ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانية إذ كلامهم يؤول إلى التعطيل وجميع أوصافهم تدل على النفي يريدون بذلك زعموا التنزيه ونفي التشبيه فنعوذ بالله من تنزيه يوجب النفي والتعطيل.(4\/1248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1101",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4382",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ووجه استدلاله بهذه النصوص أنها صريحة في المباينة والمقابلة والوقوف بين يديه ولو كان غير داخل في العالم ولا خارجه لم يصح شيء من ذلك فهذه النصوص صريحة في مباينة العالم ومقابلته للواقف بين يديه حتى يكون ناكس الرأس قدامه فلو لم يكن فوق العرش بطلت هذه النصوص جملة. قال الأشعري وروت العلماء عن ابن عباس أنه قال تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذات الله فإن بين كرسيه إلى السماء ألف عام والله عز وجل فوق ذلك. وهذا الحديث قد رواه أبو أحمد العسال في كتاب المعرفة من حديث عبد الوهاب الوراق ثنا علي بن عاصم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباسquot; تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذات الله فإن ما بين كرسيه إلى السماء السابعة سبعة آلاف نور وهو فوقquot; ذلك ثم قال عبد الوهاب الرجل الصالح العالم الذي سئل الإمام(4\/1249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1102",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4383",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحمد من يسأل بعدك فقال سلوا عبد الوهاب الوراق. قال من زعم أن الله هاهنا فهو جهمي خبيث إن الله فوق العرش وعلمه محيط بالدنيا والآخرة. قال الأشعري ومما يؤكد أن الله مستو على عرشه دون الأشياء كلها ما نقله أهل الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحاديث النزول كقوله ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر له هل من داع فأستجيب له حتى يطلع الفجر. قال ودليل آخر قال تعالى يخافون ربهم من فوقهم [النحل50] وقال تعالى تعرج الملائكة والروح إليه [المعارج4] وقال ثم استوى إلى السماء وهي دخان [فصلت11](4\/1250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1103",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4384",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا [الفرقان59] وقال ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع [السجدة4] وكل ذلك يدل على أنه في السماء مستو على عرشه قال ودليل آخر قوله عز وجل وجاء ربك والملك صفا صفا [الفجر22] وقال تعالى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة [البقرة210] وقال تعالى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى [النجم12-8] وقال تعالى لعيسى إني متوفيك ورافعك إلي [آل عمران55](4\/1251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1104",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4385",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وأجمعت الأمة على أن الله رفع عيسى إلى السماء. قال الأشعري ومن دعاء أهل الإسلام جميعا إذا هم رغبوا إلى الله عز وجل في الأمر النازل بهم أن يقولوا جميعا يا ساكن العرش لا والذي احتجب بسبع سماوات. فقد حكى أبو الحسن الأشعري إجماع المسلمين على أن الله فوق العرش وأن خلقه محجوبون عنه بالسماوات وهذا مناقض لقول من يقول إنه لا داخل العالم ولا خارجه فإن هؤلاء يقولون ليس للعرش به اختصاص وليس شيء من المخلوقات يحجب عنه شيئا وقال لسان المتكلمين القاضي أبو بكر بن الباقلاني في كتاب الإبانة والتمهيد وغيرهما فإن قال قائل أتقولون إنه في كل(4\/1252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1105",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4386",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مكان قيل معاذ الله بل هو مستو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال الرحمن على العرش استوى [طه5] وقال إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر10] وقال أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض [الملك16] ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان(4\/1253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1106",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4387",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي المواضع التي يرغب عن ذكرها ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها مالم يكن وينقص بنقصانها إذا أبطل منها ما كان ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض وإلى خلفنا وعن أيماننا وشمائلنا وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله. وقد ذكرنا في كتاب اجتماع العساكر الإسلامية على غزو الفرقة الجهمية أضعاف أضعاف هذه النقول عن الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة الأربعة نصا صريحا عنهم نقله أصحابهم وغيرهم وأئمة التفسير وأئمة اللغة وأئمة النحو وأئمة الفقه وسادات الصوفية وشعراء الجاهلية والإسلام مما في بعضه كفاية لمن أراد الله هدايته ومن طبع الله على قلبه فإن آيات الله تتلى عليه وكلام رسوله ولا يزيده ذلك إلا مرضا على مرضه والله الموفق للصواب لا إله غيره ولا رب سواه. الوجه الثالث والأربعون بعد المائة: إن هؤلاء لم يكفهم أن سدوا على أنفسهم باب الرد على أعداء الإسلام بما وافقوهم فيه من النفي والتعطيل حتى(4\/1254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1107",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4388",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتحوا لهم الباب وطرقوا لهم الطريق إلى محاربة القرآن والسنة فلما دخلوا من بابهم وسلكوا من طريقهم تحيزوا معهم وصاروا جميعا حربا للوحي وادعوا أن العقل يخالفه ولا يمكن الرد على أهل الباطل إلا مع أتباع السنة من كل وجه وإلا فإذا وافقها الرجل من وجه وخالفها من وجه طمع فيه خصومه من الوجه الذي خالفها فيه واحتجوا عليه بما وافقهم فيه من تلك المقدمات المخالفة للسنة ومن تدبر عامة ما يحتج به أهل الباطل على من هو أقرب إلى الحق منهم وجد حجتهم إنما تقوى على من ترك شيئا من الحق الذي أرسل الله به رسوله وأنزل به كتابه فيكون ما تركه من الحق أعظم حجة للمبطل عليهم ويجد كثيرا من أهل الكلام يوافقون خصومهم على الباطل تارة ويخالفونهم في الحق تارة فيتسلطون عليهم بما وافقوهم فيه من الباطل وبما خالفوهم من الحق وليس لمبطل بحمد الله حجة ولا سبيل بوجه من الوجوه على من وافق السنة ولم يخرج عنها حتى إذا خرج عنها قدر أنملة تسلط عليه المبطل بحسب القدر الذي خرج به عن السنة فالسنة حصن الله الحصين الذي من دخله كان من الآمنين وصراطه المستقيم الذي من سلكه كان إليه من الواصلين وبرهانه المبين الذي من استضاء به كان من المهتدين فمن وافق مبطلا على شيء من باطله جره بما وافقه منه إلى نفي باطله. وقد ضرب بعض أهل العلم لذلك مثلا مطابقا فقال(4\/1255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1108",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4389",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مثل الحق مثل طريق مستقيم واسع وعلى جنبيه قطاع ولصوص وعندهم خواطئ قد ألبسوهن الحلي والحلل وزينوهن للناظرين فيمر الرجل بالطريق فيتعرضن له فإن التفت إليهن طمعن في حديثه فألقين إليه الكلام فإن راجعهن وأجابهن دعينه إلى الذبح فإذا دخل عرين الموت صار في قبضتهن أسيرا أو قتيلا فكيف يحارب قوما من هو أسير في قبضتهم قتيل سلاحهم بل يصير هذا عونا من أعوانهم قاطعا من قطاع الطريق ولا يعرف حقيقة هذا المثل إلا من عرف الطريق المستقيم وقطاع الطريق ومكرهم وحيلهم وبالله التوفيق وهو المستعان. وقد نصب الله سبحانه الجسر الذي يمر الناس من فوقه إلى الجنة ونصب بجانبيه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم فهكذا كلاليب الباطل من تشبيهات الضلال وشهوات الغي تمنع صاحبها من الاستقامة على طريق الحق وسلوكه والمعصوم من عصمه الله. الوجه الرابع والأربعون بعد المائة: أن يقال لهذه الفرقة المعارضة بين النقل والعقل أتدعون هذه المعارضة بين العقل وجميع النقل أو بعضه والأول(4\/1256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1109",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4390",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يقوله مسلم بل ولا عاقل ولا أحد من بني آدم فلا حاجة إلى الكلام على تقريره وإذا ادعيتم أن التعارض واقع بين العقل وبين بعض المنقول قيل لكم المنقول أنواع متعددة نوع يتعلق بالأمر والنهي والإباحة ونوع يتعلق بمبدأ الخليقة وتخليق العالم ومادته ومبدئه ونوع يتعلق بالمعاد وحشر الأجساد وطي العالم وخرابه وإنشاء الخلق نشأة أخرى ونوع يتعلق بالإخبار عن الأمم السالفة والقرون الماضية وأحوالهم وما أصابهم من نعمة ونقمة ونوع يتعلق بالإخبار عن عجائب المخلوقات وبدائع الآيات في الأرض والسماء ونوع يتعلق بأسماء الرب وصفاته وأفعاله وما يجب له ويمتنع عليه فأي هذه الأنواع تدعون معارضة العقل لها حتى يقع الكلام معكم فيه ومعلوم أنه ما من نوع من هذه الأنواع إلا وقد عارضه طائفة من شياطين الإنس بآرائهم وعقولهم وقد قدمنا معارضة شيخ القوم للأمر بمعقوله وأن العقل يقتضي أن لا يسجد الفاضل للمفضول وبينا سريان تلك المعارضة في(4\/1257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1110",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4391",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تلامذته وأتباعه حتى إن منهم من عارض الأمر كله بعقله وذكروا وجوها عقلية تدفع الأمر والنهي والله يعلم أن الوجوه العقلية التي ذكرها المعطلة النفاة لدفع علو الرب واستوائه على عرشه وصفات كماله أوهى منها أو من جنسها وطائفة أخرى عارضت نصوص المبدأ والمعاد بمعقولات هي من جنس معقولات نفاة الصفاة فهل يوافقون هؤلاء في صحة هذه المعارضة أم يخالفونهم وفي أي الأنواع تدعون المعارضة فإن قصرتموه على نوع الأسماء والصفات قيل لكم فالمعارضة ثابتة بين العقل وبين سائر هذا النوع أم بينه وبين بعضه ولا ضابط لفرقة منكم في دعوى هذه المناقضة أصلا بل كل من نفى شيئا مما أثبته الرسول قال قد عارضه صريح العقل فإمامكم الذي تقدمون نصوص إشاراته على نصوص القرآن والسنة عنده إن صريح العقل معارض لنصوص المعاد وحدوث العالم وإثبات الصفات والقدرية المجوسية عندهم أن صريح العقل معارض للنصوص المثبتة للقدر والجهمية المعطلة عندهم أن العقل الصريح معارض لنصوص الرؤية والعلو والاستواء على العرش وصفة التكلم والتكليم وغير ذلك من الصفات فمع من أنتم من أرباب هذه المعارضات وأهل هذه المعقولات هل تصوبون جميعهم أم بعضهم ومن(4\/1258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1111",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4392",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البعض المصيب ومن المخطئ وفي أي شيء اصاب هؤلاء وأخطأ هؤلاء ولقد صدق القائل إنكم لا ترجعون في الحقيقة إلى شيء وإن منتهاكم الشك والحيرة وبالله التوفيق. وحينئذ فنقول في الوجه الخامس والأربعين بعد المائة: إن نهاية أمر هؤلاء المعارضين لنصوص الوحي بالرأي انتهاؤهم إلى الشك والتشكيك والحيرة في أمرهم فتجدهم يشكون في أوضح الواضحات وفيما يجزم عوام الناس به ويتعجبون ممن يشك فيه ولا تعطيك كتبهم وبحوثهم إلا الشك والتشكيك والحيرة والإشكالات وكلما ازددت فيها إمعانا ازددت حيرة وشكا حتى يؤول بك الأمر إلى الشك في الواضحات واعتبر هذا بإمام الشك والتشكيك أفضل متأخريهم وكتبه تجده شاكا في الزمان والمكان لم يعرف حقيقته وماهيته وشاكا في وجود الرب تعالى هل هو عين ماهيته أو زائد عليها وهل الوجود مقول على الواجب والممكن بالتواطؤ أو بالاشتراك اللفظي وهل(4\/1259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1112",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4393",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجود الواجب وجود محض لا يقارن شيئا من الماهيات أم وجود مقارن لماهية غير معلومة للبشر وشاكا في الرب سبحانه هل كان معطلا في الأزل والفعل ممتنع عليه ثم انقلب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي بلا تجدد أمر حصل في الفاعل كما يقوله المتكلمون أو لم يزل فعله مقارنا له كما يقوله الفلاسفة وهو حائر بين هذين القولين معارض أدلة كل منهما بأدلة الآخر وتارة يرجح أدلة المتكلمين في كتبه الكلامية وتارة يرجح أدلة الفلاسفة في كتبه الفلسفية وتارة يصف الجيشين ويلقي الحرب بينهما ولا يتحيز إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كما في كتبه الجامعة بين الطريقتين. وشاكا في الجوهر الفرد فمرة يثبته ويوقف الإيمان بالمبدأ والمعاد عليه وتارة ينفيه ويبطله. وشاكا في تماثل الأجسام فتارة يثبته ويحتج عليه وتارة ينفيه. وشاكا في مسألة حلول الحوادث فتارة ينفيها وتارة يقول بها ويقوي أمرها ويلزمها جميع الطوائف.(4\/1260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1113",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4394",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وشاكا في النبوات هل هي ثابتة على طريق الفلاسفة أو على طريق المعتزلة أم على طريق الأشعرية. وشاكا في مسألة التحسين والتقبيح فتارة يسلك فيها مسلك النفاة وتارة مسلك المثبتين. وشاكا في إثبات الصفات ففي كتبه الفلسفية ينفيها وفي الكتب الكلامية يثبتها إثباتا لا حقيقة له بل هو لفظ بلا معنى. وشاكا في الإنسان هل هو هذا البدن المشهود أم أمر آخر وراءه وهو الروح أم مجموع الأمرين وشاكا في الروح وحقيقتها وماهيتها وهل هي جسم أو جوهر مجرد لا داخل العالم ولا خارجه أو عرض من أعراض البدن وشاكا في مسألة الكلام والرؤية فمرة يقوي فيها قول المعتزلة ومرة قول الأشعرية إلى أضعاف ما ذكرنا من المسائل ولهذا تجد أتباعه أكثر الناس شكا وتشكيكا. والفاضل عندهم الشاك وكلما كان الرجل أعظم شكا كان عندهم أفضل فهذا شكهم في الدنيا وأما عند الموت(4\/1261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1114",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4395",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقد قال العارف بحقيقة أمرهم أكثر الناس شكا عند الموت أرباب الكلام. وقد أقروا على أنفسهم بالشك وعدم اليقين في كتبهم وعند موتهم كما تقدم حكاية ذلك عن أفاضلهم ورؤوسهم حتى قال بعضهم عند موته والله ما أدري على ماذا أموت عليه ثم قال اشهدوا على أني على عقيدة أمي وقال الآخر اشهدوا علي أني أموت وما عرفت إلا مسألة واحدة وهي أن الممكن مفتقر إلى الواجب ثم قال الافتقار أمر عدمي بل أموت وما عرفت شيئا. وقال الآخر أضع الإزار على وجهي ثم أقابل بين أقوال هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر ولا يتبين لي منها شيء. ويقول الآخر لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن اقرأ في الإثبات الرحمن على العرش استوى [طه5] إليه يصعد الكلم الطيب [فاطر10](4\/1262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1115",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4396",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واقرأ في النفي ليس كمثله شيء [الشورى11] ولا يحيطون به علما [طه110] ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي وقد حكينا كلامه فيما تقدم. وقال الآخر لعمري لقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم وهذا باب طويل من أراد الوقوف عليه فليطالع أخبار القوم وسيرتهم وما أقروا به على أنفسهم وحينئذ فنقول في الوجه السادس والأربعين بعد المائة: إن أئمة الإسلام وملوك السنة لما عرفوا أن طرق المتكلمين إنما تنتهي إلى هذا وما هو شر منه تنوعوا في ذمها والطعن فيها وعيب أهلها والحكم بعقوبتهم وإشهارهم والتحذير منهم.(4\/1263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1116",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4397",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أبو القاسم بن عساكر وقد حفظ عن غير واحد من علماء الإسلام عيب المتكلمين وذم أهل الكلام ولو لم يذمهم غير الشافعي لكفى فإنه قد بالغ في ذمهم وأوضح حالهم وشفى ثم ذكر بإسناده إلى الفريابي حدثني بشر بن الوليد قال سمعت أبا يوسف يقول من طلب الدين بالكلام تزندق ومن طلب غرائب الحديث كذب ومن طلب المال بالكيمياء أفلس قال البيهقي وروي هذا الكلام عن مالك بن أنس ثم ذكر ابن عساكر عن الشافعي أنه قال لئن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه سوى الشرك خير له من أن يبتلى بالكلام ولقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننت أن مسلما يقوله.(4\/1264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1117",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4398",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن أصرم المزني قال قال أبو ثور سمعت الشافعي يقول ما تردى أحد بالكلام فأفلح وقال حدثنا الربيع قال رأيت الشافعي وهو نازل من الدرجة وقوم في المجلس يتكلمون بشيء من الكلام فصاح فقال إما أن تجاورونا بخير وإما أن تقوموا عنا. وذكر أيضا عن ابن عبد الحكم قال سمعت الشافعي يقول لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه كما يفرون من الأسد. وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول جئت الشافعي بعدما كلم حفصا الفرد فقال غبت عنا يا أبا موسى لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما توهمته قط ولأن يبتلى المرء بكل(4\/1265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1118",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4399",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما نهى الله عنه ما خلا الشرك بالله خير له من أن يبتلى بالكلام. وقال الإمام أحمد علماء الكلام زنادقة. قال شيخنا والكلام الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه وذم أصحابه والنهي عنه وتجهيل أربابه وتبديعهم وتضليلهم وهو هذه الطرق الباطلة التي بنوا عليها نفي الصفات والعلو والاستواء على العرش وجعلوا بها القرآن مخلوقا ونفوا بها رؤية الله في الدار الآخرة وتكلمه بالقرآن وتكليمه لعباده ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده فإنهم سلكوا فيه طرقا غير مستقيمة واستدلوا(4\/1266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1119",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4400",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بقضايا متضمنة للكذب فلزمهم بها مسائل خالفوا بها نصوص الكتاب والسنة وصريح المعقول وكانوا جاهلين كاذبين ظالمين في كثير من مسائلهم ورسائلهم وأحكامهم ودلائلهم. وكلام السلف والأئمة في ذلك مشهور وما من أحد قد شدا طرفا من العلم إلا وقد بلغه من ذلك بعضه لكن كثيرا من الناس لم يحيطوا علما بكثير من أقوال السلف والأئمة وقد أفرد الناس في ذلك مصنفات مثل أبي عبد الرحمن السلمي ومثل شيخ الإسلام أبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري وسمى كتابه ذم الكلام وأهله وممن ذكر اتفاق السلف على ذلك(4\/1267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1120",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4401",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبو حامد الغزالي في أجل كتبه الذي سماه إحياء علوم الدين قال فيه فإن قلت فعلم الكلام والجدل مذموم كعلم النجوم أو هو مباح أو مندوب إليه فاعلم أن الناس في هذا غلوا وإسرافا في الطرفين فمن قائل إنه بدعة وحرام وإن العبد أن يلقى الله بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام ومن قائل إنه واجب فرض إما على الكفاية أو على الأعيان وإنه أجل الأعمال وأعلى القربات وإنه تحقيق لعلم التوحيد ونضال عن دين الله. قال وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن(4\/1268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1121",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4402",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حنبل وسفيان وجميع أهل الحديث من السلف ثم ذكر بعض نصوص الشافعي التي تقدمت. قال وقال أحمد بن حنبل لا يفلح صاحب الكلام أبدا ولا تكاد ترى أحدا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل قال وبالغ فيه حتى هجر الحارث المحاسبي قال وقال الإمام أحمد أيضا علماء الكلام زنادقة. قال وقال مالك أرأيت إن جاء رجل أجدل من(4\/1269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1122",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4403",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجل يدع الرجل دينه كل يوم لدين جديد قال وقال مالك لا تجوز شهادة أهل الأهواء والبدع قال بعض أصحابه أراد بأهل الأهواء أهل الكلام على أي مذهب كانوا وهذا الذي حكى عنه أبو حامد تأويل قول مالك هو محمد بن خويز منداد البصري المالكي. قال إن أهل الأهواء عند مالك وأصحابه الذين ترد شهادتهم هم أهل الكلام قال وكل متكلم هو من أهل الأهواء والبدع عند مالك وأصحابه أشعريا كان أو غير أشعري هكذا ذكره عنه أبو عمر بن عبد البر في كتاب فضل العلم ثم ذكر أبو حامد كلام أبي يوسف من طلب العلم بالكلام تزندق قال وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا ولا ينحصر عنهم ما نقل من التشديدات فيه وقالوا ما سكت عنه الصحابة رضي الله عنهم مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح في ترتيب الألفاظ من غيرهم إلا لعلمهم بما يتولد عنه ولذلك قال النبي صلى الله(4\/1270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1123",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4404",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه وسلم: quot;هلك المتنطعون هلك المتنطعون quot; أي المتعمقون في البحث والاستقصاء. قال واحتجوا بأن ذلك لو كان من الدين لكان أهم ما يأمر به النبي ويعلم طريقه ويثني على أربابه فقد علمهم الاستنجاء وندبهم إلى حفظ الفرائض ونهاهم عن الكلام في القدر وعلى هذا استمر الصحابة فالزيادة على الأستاذ طغيان وظلم وهم الأستاذون والقدوة ونحن الأتباع والتلامذة إلى أن قال وأما منفعته فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه وهيهات فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوى ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى درجة المتكلمين وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخرى سوى نوع الكلام وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود.(4\/1271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1124",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4405",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور ولكن على سبيل الندور في أمور جليلة تكاد تفهم قبل التعمق في صناعة الكلام قل بل منفعته شيء واحد وهو حراسة العقيدة وحفظها عن تشويشات المبتدعة بأنواع الجدل فإن العامي يستفزه جدل المبتدع وإن كان فاسدا ومعارضة الفاسد بالفاسد نافعة ثم قال وإذا وقعت الإحاطة بضرره ومنفعته فينبغي أن يكون صاحبه كالطبيب الحاذق في استعمال الدواء الخطر أن لا يضعه إلا في موضعه وعلى قدر الحاجة وقال إن فيه من المضرة من إثارة الشبهات وتحريك العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم وفيه مضرة في تأكيد اعتقاد المبتدعة وتثبيته في صدورهم بحيث تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم على الإصرار عليه ويمكن هذا الإصرار بواسطة التعصب الذي يثور عن الجهل. فهذا كلام أبي حامد مع معرفته بالكلام والفلسفة(4\/1272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1125",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4406",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتعمقه في ذلك يذكر اتفاق سلف أهل السنة على ذم الكلام ويذكر أنه ليس فيه فائدة إلا الذب عن هذه العقائد الشرعية التي أخبر بها الرسول أمته وإذا لم يكن فيه فائدة إلا إلا الذب عن هذه العقائد امتنع أن يكون معارضا لها فضلا عن أن يكون مقدما عليها فامتنع أن يكون الكلام العقلي المقبول معارضا للكتاب والسنة وما كان معارضا لهما فهو من الكلام الباطل المردود المرذول الذي لا ينازع في ذمه أحد من أهل الإسلام لا من السلف ولا من أتباعهم من الخلف هذا مع أن السلف والأئمة يذمون ما كان من العقليات والجدل والكلام مبتدعا وإن قصد به نصر السنة فكيف ذمهم لمن عارض السنة بالبدعة والوحي بالرأي وجادل في آيات الله بالباطل ليدحض به الحق وهذا الذم من أبي حامد للكلام وأهله ذم متوسط بحسب ما اطلع عليه من غوائله وآفاته وبحسب ما بلغه من السلف ولم يكن جزمه بأقوال السلف وحقيقة ما جاء به الرسول كجزمه بما سلكه من طريق الكلام والفلسفة فلذلك لم يكن في كلامه من هذا الجانب من العلم والخبرة ما فيه من الجانب الذي هو به أخبر من غيره فإن ما ذكره من أن مضرته في إثارة الشبهات في العلم وإثارة التعصب في الإرادة إنما يقال إذا كان الكلام في نفسه حقا بأن تكون قضاياه ومقدماته صادقة بل معلوماته فإذا كان مع ذلك قد يورث النظر فيه شبها وعداوة قيل فيه ذلك.(4\/1273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1126",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4407",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما السلف فلم يكن ذمهم للكلام لمجرد ذلك ولا لمجرد اشتماله على ألفاظ اصطلاحية إذا كانت معانيها صحيحة ولا حرموا معرفة الدليل على الخالق وصفاته وأفعاله بل كانوا أعلم الناس بذلك ولا حرموا نظرا صحيحا في دليل صحيح يفضي إلى علم نافع ولا مناظرة في ذلك إما لهدى مسترشد وأما لقطع مبطل بل هم أكمل الناس نظرا واستدلالا واعتبارا وهم نظروا في أصح الأدلة وأقومها فإن القوم كان نظرهم في خير الكلام وأفضله وأصدقه وأدله على الحق وأوصله إلى المقصود بأقرب الطرق وهو كلام الله وكانوا ينظرون في آيات الله تعالى الأفقية والنفسية فيرون منها من الأدلة ما يبين أن القرآن حق فيتطابق عندهم السمع والعقل ويتصادق الوحي والفطرة كما قال تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق [فصلت53] وقال ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق [سبأ6] والإنسان له حالتان إما أن يكون ناظرا وإما أن يكون(4\/1274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1127",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4408",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مناظرا والناظر له حالتان أحدهما يحمد فيها والثانية يذم فيها والمناظر له حالتان أيضا قال تعالى قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة [سبأ46] فأشار بقيامهم إثنين إثنين إلى المناظرة وفرادى إلى النظر والتفكر. وكل منهما ينقسم إلى محمود ومذموم فالنظر المحمود النظر في الطريق الصحيح ليتوصل به إلى معرفة الحق والنظر المذموم نوعان أحدهما: النظر في الطريق الباطل وإن قصد به التوصل إلى الحق فإن الطريق الباطل لا يفضي إلى الحق. والثاني: النظر والفكر الذي يقصد به رد قول خصمه مطلقا حقا كان أو باطلا فهو ينظر نظرا يرد به قول من يبغضه ويعاديه بأي وجه كان. فأما المناظرة فتقسم إلى محمودة ومذمومة والمحمودة نوعان والمذمومة نوعان وبيان ذلك أن المناظر إما أن يكون عالما بالحق وإما أن يكون طالبا له وإما أن لا يكون عالما به ولا طالبا له وهذا الثالث هو المذموم وأما الأولان فمن كان عالما بالحق فمناظرته التي تحمد أن يبين لغيره الحجة التي(4\/1275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1128",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4409",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تهديه إن كان مسترشدا طالبا للحق أو تقطعه أو تكسره إن كان معاندا غير طالب للحق ولا متبع له أو توقفه وتبعثه على النظر في أدلة الحق إن كان يظن أنه على الحق وقصده الحق. قال تعالى ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن [النحل125] فذكر سبحانه مراتب الدعوة وجعلها ثلاثة أقسام بحسب حال المدعو فإنه إما أن يكون طالبا للحق راغبا فيه محبا له مؤثرا له على غيره إذا عرفه فهذا يدعى بالحكمة ولا يحتاج إلى موعظة ولا جدال وإما أن يكون معرضا مشتغلا بضد الحق ولكن لو عرفه عرفه وآثره واتبعه فهذا يحتاج مع الحكمة إلى الموعظة بالترغيب والترهيب وإما أن يكون معاندا معارضا فهذا يجادل بالتي هي أحسن فإن رجع إلى الحق وإلا انتقل معه من الجدال إلى الجلاد إن أمكن فلمناظرة المبطل فائدتان أحدهما: أن يرد عن باطله ويرجع إلى الحق الثانية: أن ينكف شره وعداوته ويتبين للناس أن الذي معه باطل وهذه الوجوه كلها لا يمكن أن تنال بأحسن من حجج القرآن ومناظرته للطوائف فإنه كفيل بذلك على أتم الوجوه لمن تأمله وتدبره ورزق فهما فيه وحججه مع أنها في أعلى مراتب الحجج وهي طريقة أخرى غير طريقة المتكلمين وأرباب الجدل والمعقولات فهي أقرب شيء تناولا وأوضح دلالة وأقوى برهانا وأبعد من كل شبهة وتشكيك.(4\/1276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1129",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4410",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما طريق المتكلمين وأرباب الجدل فهي كما قال الخبير بها حجج تهافت كالزجاج تخالها ... حقا وكل كاسر مكسور وأخص أوصافها أنها تعطيك مناقضة الخصوم واضطراب أقوالهم وأما أن تعطيك علما وهدى فإذا بعثت إلىالسباخ برائد ... تبغي الرياض فقد ظلمت الرائدا وإذا كان هذا حالها وهي خير من طريق الفلاسفة وأقرب إلى الحق فكيف يعارض الوحي بهذه الطرق وهذه ثم تقدم عليه. الوجه السابع والأربعون بعد المائة: أن الله سبحانه منح عباده فطرة فطرهم عليها لا تقبل سوى الحق ولا تؤثر عليه غيره لو تركت وأيدها بعقول تفرق بين الحق والباطل وكملها بشرعة تفصل لها ما هو مستقر في الفطرة وأدركه العقل مجملا فالفطرة قابلة(4\/1277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1130",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4411",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعقل مزك والشرع مبصر مفصل لما هو مركوز في الفطرة مشهود أصله دون تفاصيله بالعقل فاتفقت فطرة الله المستقيمة والعقل الصريح والوحي المبصر المكمل على الإقرار بموجود فطر هذا العالم بجميع ما فيه عاليه وسافله وما بينهما وشهدت الفطر والعقول والشرائع المنزلة كلها بأنه ليس من جنس العالم ولا مماثلا له وأنه مباين له غير ممتزج به ولا متحد به ولا حال فيه وأنه فوق جميع العالم عال عليه بجميع أنواع العلو ذاتا وقهرا وعظمة وأنه موصوف بجميع الكمال المقدس من لوازم ذاته فتوهم رفعه عنه كتوهم عدم ذاته ومن لم يكن هذا الأصل معلوما عنده علما لا يشك فيه ولا يرتاب بل هو لقلبه كالمشاهدات لبصره وإلا اضطرب عليه باب معرفة الله ووحدانيته وتصديق رسله فلا يجوز أن يقدح في مقدمات هذا الأصل التي هي في أعلى مراتب الضروريات بمقدمات يدعي أربابها أنها نظريات ومن خالفهم فيها يقول إنها غير صحيحة بل معلومة الفساد إما بضرورة العقل أو بالنظر الصحيح المفضي إلى الضرورة. ومن أبين ما شهدت به الفطر والعقول والشرائع علوه سبحانه فوق جميع العالم فإن الله فطر على هذا الخليقة حتى الحيوان البهيم ومن أنكر هذا فهو في جانب والفطر السليمة والعقول المستقيمة وجميع الكتب السماوية ومن أرسل بها في جانب.(4\/1278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1131",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4412",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الشيخ عبد القادر الكيلاني المتفق على كراماته وآياته وولايته المقبول عند جميع الفرق أن كون الله سبحانه فوق سماواته على عرشه في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل وصدق قدس الله روحه فإن الرسل من أولهم إلى آخرهم ليس بينهم اختلاف في أسماء الرب وصفاته وأفعاله وإن تنوعت شرائعهم العملية بحسب المصلحة فلم يختلف منهم اثنان في باب الأسماء والصفات وإن كان في الكتابين اللذين لم ينزل من السماء كتاب أهدى منهما من ذلك ما ليس في غيرهما حتى زعمت أئمة المعطلة أنهما كتابا تشبيه ومن جاء بهما إماما المشبهة وقال بعض من تتبع النصوص النبوية في ذلك والآثار السلفية إنه وجدها تزيد على ألف وقال غيره إنها تزيد على مائة ألف ولا تنافي بينهما فإن الأول أراد ما يدل على نصوص العلو والاستواء والثاني أراد ما يدل على المباينة وأن الله سبحانه بائن من خلقه. وأما تقرير ذلك بالأدلة العقلية الصريحة فمن طرق كثيرة جدا منها(4\/1279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1132",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4413",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطريق الأول (وهو الوجه الثامن والأربعون بعد المائة1) : أنه إذا ثبت بضرورة العقل أنه سبحانه مبائن للمخلوقات وثبت أن العالم كرى كما اعترف به النفاة المعطلة وجعلوه عمدتهم في جحد علوه سبحانه لزم أن يكون الرب تعالى في العلو ضرورة وذلك لأن العالم إذا كان مستديرا فله جهتان حقيقيتان العلو والسفل فقط فإذا كان الرب تعالى مباينا للعالم امتنع أن يكون في السفل فوجب قطعا أن يكون في العلو فإذا كان العالم كريا وقد ثبت بالضرورة أنه إما مداخل له وإما مباين له وليس بمداخل قطعا ثبت أنه مباين قطعا وإذا كان مباينا فإما أن يكون تحته أو فوقه قطعا وليس تحته بالضرورة وجب أن يكون فوقه بالضرورة ولا جواب عن هذا البتة إلا بنفي النقيضين وهو أنه لا مباين ولا مداخل وهذا حقيقة العدم المحض ونفيهما بطريقي العدم والحدوث عنه وأن يقال ليس بقديم ولا حادث فإن القدم والحدوث من مقولة متى وهي ممتنعة عليه كما أن المباينة والمداخلة من مقولة أين وهي ممتنعة عليه فالشبه والأدلة التي تنفي وجود الصانع من جنس الشبه التي تنفي مباينته للعالم وعلوه عليه لا فرق بينهما البتة.  1 ذكر ابن القيم رحمه الله ثلاثين طريقا ثم قال بعد بعد نهاية الطريق الثلاثين ص 1340: quot; فهذه ثلاثون طريقا مضافة الى الوجه السابع والاربعون بعد المائة في بيان عدم معارضة العقل للنقلquot; ثم ذكر بعد ذلك الطريق الثامن والسبعون بعد المائة. وعلى هذا يكون الطريق الأول هو الوجه الثامن والاربعون بعد المائة.(4\/1280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1133",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4414",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطريق الثاني (الوجه التاسع والأربعون بعد المائة) : أن يقال علوه سبحانه على العالم وأنه فوق السماوات كلها وأنه فوق عرشه أمر مستقر في فطر العباد معلوم لهم بالضرورة كما اتفق عليه جميع الأمم إقرارا بذلك وتصديقا من غير تواطؤ منهم على ذلك ولا تشاعر وهم يخبرون عن أنفسهم أنهم يجدون ذلك بالضرورة وجميع الطوائف تنكر قول المعطلة إلا من تلقاه منهم وأما العامة من جميع الأمم ففطرهم جميعهم مقرة بأن الله فوق العالم وإذا قيل لهم لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا مباين له ولا محايث ولا يصعد إليه شيء ولا ينزل منه شيء ولا يقرب إليه شيء ولا يقرب هو من شيء ولا يحجب العباد عنه حجاب منفصل ولا ترفع إليه الأيدي ولا تتوجه إليه القلوب نحو العلو أنكرت فطرهم ذلك غاية الإنكار ودفعته غاية الدفع. قال أبو الحسن الأشعري في كتبه ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله عز وجل مستو على العرش الذي هو فوق السماوات فلولا أن الله عز وجل على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو السماء كما لا يحطونها إذا دعوا نحو الأرض هذا لفظه في أجل كتبه وأكبرها وهو الموجز وفي أشهرها وهو الإبانة التي اعتمد عليها أبصر الناس له وأعظمهم ذبا عنه من أهل الحديث أبو القاسم ابن عساكر فإنه اعتمد على هذا الكتاب وجعله(4\/1281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1134",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4415",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من أعظم مناقبه في كتاب تبيين كذب المفتري ثم قال في كتابه ومن دعاء أهل الإسلام جميعا إذا هم رغبوا إلى الله عز وجل في الأمر النازل بهم يقولون يا ساكن العرش ويقولون لا والذي احتجب بسبع سماوات. وقال أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب في كتاب الصفات وقد ذكر مسألة الاستواء وقد تقدم حكاية لفظه قال ولو لم يشهد بصحة مذهب الجماعة في هذا إلا ما ذكرنا من هذه الأمور لكان فيه ما يكفي كيف وقد غرس في بنية الفطرة ومعارف الآدميين من ذلك ما لا شيء أبين منه ولا أوكد لأنك لا تسأل أحدا عنه عربيا ولا عجميا ولا مؤمنا ولا كافرا فتقول أين ربك إلا قال في السماء إن أفصح أو أومأ بيده أو اشار بطرفه إن كان لا يفصح لا يشير إلى غير ذلك من أرض ولا سهل ولا جبل ولا رأينا أحدا داعيا إلا رافعا يديه إلى السماء وقال ابن عبد البر إمام أهل السنة ببلاد المغرب في التمهيد لما تكلم على حديث النزول قال هذا حديث ثابت من جهة النقل صحيح الإسناد لا يختلف أهل الحديث في صحته وهو منقول من طرق سوى هذه من أخبار(4\/1282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1135",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4416",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العدول عن النبي وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش فوق سبع سماوات كما قال الجماعة وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم إن الله بكل مكان قال والدليل على صحة قول أهل الحق قوله تعالى وذكر عدة آيات إلى أن قال وهذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم وهذا قليل من كثير من كلام من ذكر أن مسألة العلو فطرية ضرورية وأما من نقل إجماع الأنبياء والرسل والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين فأكثر من أن يذكر ولكن ننبه على اليسير منه. قال الشيخ أبو نصر السجزي في كتاب الإبانة له وأئمتنا كسفيان الثوري ومالك بن أنس وسفيان بن(4\/1283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1136",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4417",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وعبد الله بن المبارك وفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي متفقون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش وأن علمه بكل مكان وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش وأنه ينزل إلى سماء الدنيا وأنه يغضب ويرضى ويتكلم بما شاء فمن خالف شيئا من ذلك فهو منهم بريء وهم منه براء وأبو نصر هذا كان مقيما بمكة في أثناء المائة الخامسة وقال قبله الشيخ أبو عمر الطلمنكي المالكي أحد أئمة وقته بالأندلس في كتاب الوصول إلى معرفة الأصول قال وأجمع المسلمون من أهل السنة على معنى قوله وهو معكم أين ما كنتم [الحديد4] ونحو ذلك من القرآن أن ذلك علمه وأن الله فوق السماوات بذاته مستو على عرشه كيف شاء وقال أيضا قال أهل السنة في قوله الرحمن على العرش استوى إن الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز.(4\/1284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1137",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4418",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الشيخ نصر المقدسي الشافعي الشيخ المشهور في كتابه الحجة له إن قال قائل قد ذكرت ما يجب على أهل الإسلام من اتباع كتاب الله وسنة رسوله وما أجمع عليه الأئمة والعلماء والأخذ بما عليه أهل السنة والجماعة فاذكر مذاهبهم وما أجمعوا عليه من اعتقادهم وما يلزمنا من المصير إليه من إجماعهم فالجواب أن الذي أدركت عليه أهل العلم ومن لقيتهم وأخذت عنهم ومن بلغني قوله من غيرهم فذكر جل اعتقاد أهل السنة وفيه أن الله مستو على عرشه بائن من خلقه كما قال في كتابه أحاط بكل شيء علما [الطلاق12] وأحصى كل شيء عددا [الجن28] وقال قبله الحافظ أبو نعيم الأصبهاني المشهور(4\/1285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1138",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4419",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صاحب التصانيف المشهورة كحلية الأولياء وغيرها في عقيدته المشهورة عنه طريقتنا طريقة المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة فما اعتقدوه اعتقدناه فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن النبي في العرش واستواء الله عليه يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم وهو مستو على عرشه في سماواته من دون أرضه. وقال الشيخ أبو أحمد الكرجي الإمام المشهور في أثناء المائة الرابعة في العقيدة التي ذكر أنها اعتقاد أهل السنة والجماعة وهي العقيدة التي كتبها للخليفة القادر بالله وقرأها على الناس وجمع الناس عليها وأقر بها طوائف أهل السنة وكان قد استتاب من خرج عن السنة من المعتزلة(4\/1286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1139",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4420",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والرافضة ونحوهم سنة ثلاث عشرة وأربعمائة وكان حينئذ قد تحرك ولاة الأمور لإظهار السنة لما كان الحاكم المصري وأمثاله من الملاحدة قد انتشر أمرهم فكان أهل ابن سينا وأمثالهم من أهل دعوتهم وأظهر السلطان محمود بن سبكتكين لعنة أهل البدع على المنابر وأظهر السنة وتناظر عنده ابن الهيضم وابن فورك في مسألة العلو فرأى قوة كلام ابن الهيضم فرجح ذلك ويقال إنه قال لابن فورك فلو أردت أن تصف المعدوم كيف كنت تصفه بأكثر من هذا وقال فرق لي بين هذا الرب الذي تصفه وبين المعدوم وأن ابن فورك كتب إلى أبي إسحاق الإسفراييني يطلب الجواب عن ذلك فلم يكن الجواب إلا أنه لو كان فوق العرش للزم أن يكون جسما ومن الناس من يقول إن السلطان لما ظهر له فساد قول ابن فورك سقاه السم حتى قتله وتناظر عنده فقهاء الحديث من أصحاب الشافعي وغيرهم(4\/1287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1140",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4421",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفقهاء الرأي فرأى قوة مذهب أهل الحديث فرجحه وغزا المشركين بالهند وهذه العقيدة مشهورة وفيها كان ربنا وحده ولا شيء معه ولا مكان يحويه خلق كل شيء بقدرته وخلق العرش لا لحاجة إليه فاستوى عليه استواء استقرار كيف شاء وأراد لا استواء راحة كما يستريح الخلق وهو يدبر السماوات والأرض ويدبر ما فيهما ومن في البر والبحر لا مدبر غيره ولا حافظ سواه يرزقهم ويمرضهم ويعافيهم ويميتهم والخلق كلهم عاجزون والملائكة والنبيون والمرسلون وسائر الخلق أجمعين والقادر بقدرة والعالم بعلم أزلي غير مستفاد وهو السميع بسمع والبصير ببصر يعرف صفتهما من نفسه ولا يبلغ كنههما أحد من خلقه متكلم بكلام يخرج منه لا بآلة مخلوقة كآلة المخلوقين لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها نبيه فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز. وقال أبو عمر أيضا أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله تعالى:(4\/1288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1141",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4422",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم [المجادلة7] هو على العرش وعلمه في كل مكان وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله. وقال أيضا أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يجدون فيه صفة محصورة. وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا على الحقيقة ويزعم أن من أقر بها مثبتة وهم عند من أقر بها نافون للمعبود يلاشون أي يقولون لا شيء والحق فيها ما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أئمة الجماعة. وقال الشيخ العارف معمر بن أحمد الأصفهاني(4\/1289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1142",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4423",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحد شيوخ الصوفية في أواخر المائة الرابعة أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة وموعظة من الحكمة. وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين قال فيها وإن الله مستو على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل والاستواء معقول والكيف مجهول وإنه عز وجل مستو على عرشه بائن من خلقه والخلق منه بائنون بلا حلول ولا ممازجة ولا اختلاط ولا ملاصقة لأنه الفرد البائن من الخلق الواحد الغني عن الخلق وإن الله سميع بصير عليم خبير يتكلم ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكا وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء فيقول هل من داع فأستجيب له هل من مستغفر فأغفر له هل من تائب فأتوب عليه حتى يطلع الفجر. ونزول الرب إلى سماء الدنيا بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة يعني في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا ومصرا وشاما ويمنا وكان من مذاهبهم أن الإيمان قول(4\/1290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1143",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4424",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعمل يزيد وينقص والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته إلى أن قالوا إن الله على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بلا كيف أحاط بكل شيء علما. وقال الشيخ الإمام المتفق على إمامته وعلمه وصلاحه وكراماته أبو محمد موفق الدين بن قدامة المقدسي إن الله وصف نفسه بالعلو في السماء ووصفه بذلك رسوله خاتم الأنبياء وأجمع على ذلك جميع العلماء من الصحابة الأتقياء والأئمة من الفقهاء وتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين وجمع الله عليه قلوب المسلمين وجعله مغروزا في طباع الخلق أجمعين فتراهم عند نزول الكرب يلحظون السماء بأعينهم ويرفعون نحوها للدعاء أيديهم وينظرون مجيء الفرج من ربهم وينطقون بذلك بألسنتهم ولا ينكر ذلك إلا مبتدع غال في بدعته أو مفتون بتقليده واتباعه على ضلالته.(4\/1291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1144",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4425",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال وأنا ذاكر في هذا الجزء ما بلغني في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته والأئمة المقتدين بسنته على وجه يحصل القطع واليقين بصحة ذلك عنهم ويعلم تواتر الرواية بوجوده منهم ليزداد من وقف عليه من المؤمنين إيمانا ويثبته من خفي عليه ذلك حتى يصير كالمشاهد له عيانا. وقال أبو عبد الله القرطبي المالكي في شرح الأسماء الحسنى لما ذكر اختلاف الناس في تفسير الاستواء قال وأظهر الأقوال في ذلك ما تظاهرت عليه الآي والأخبار وقاله الفضلاء الأخيار أن الله على عرشه كما أخبر في كتابه وعلى لسان نبيه بلا كيف بائن من خلقه هذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم الثقات.(4\/1292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1145",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4426",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أيضا في كتابه في التفسير لما تكلم على آية الاستواء قال هذه مسألة الاستواء وللعلماء فيها كلام وقد بينا أقوال العلماء في شرح الأسماء الحسنى وذكرنا فيها أربعة عشر قولا وذكر قول النفاة المعطلين فقال وإنهم يقولون إذا وجب تنزيه الرب عن الجهة والحيز فمن ضرورة ذلك ولواحقه تنزيه الرب عن الجهة فليس بجهة فوق عندهم لأنه يلزم من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون ويلزم من ذلك التغير والحدوث قال وكان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه مستو على عرشه حقيقة وإنما جهلوا كيفية الاستواء.(4\/1293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1146",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4427",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو بكر النقاش حدثنا أبو العباس السراج قال سمعت قتيبة بن سعيد يقول هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه كما قال الرحمن على العرش استوى وقال الخلال في كتاب السنة أخبرنا المروزي حدثنا محمد بن الصباح النيسابوري حدثنا سليمان بن داود الخفاف قال قال إسحاق بن إبراهيم بن راهويه قال الله تبارك وتعالى الرحمن على العرش استوى فهو فوق سماواته على عرشه ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة وفي(4\/1294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1147",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4428",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قعر البحار وفي رؤوس الأكام وبطون الأودية وفي كل موضع كما يعلم علم ما في السموات السبع وما دون العرش أحاط بكل شيء علما فلا تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب قد عرف ذلك وأحصاه ولا يعجزه معرفة شيء عن معرفة غيره. وفي كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد وكتاب الرد على الجهمية لعبد الرحمن ابن أبي حاتم عن سعيد بن عامر الضبعي إمام أهل البصرة علما ودينا من طبقة شيوخ الشافعي وأحمد وإسحاق أنه ذكر عنده الجهمية فقال هم شر قولا من اليهود والنصارى قد أجمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله فوق العرش وقالوا هم ليس عليه شيء. ورويا أيضا في هذين الكتابين عن عبد الرحمن بن مهدي الإمام المشهور قال أصحاب جهم يريدون أن يقولوا إن الله لم يكلم موسى ويريدون أن يقولوا ليس في(4\/1295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1148",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4429",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السماء شيء وأن الله ليس على العرش أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا. وروى عبد الله بن أحمد في كتاب السنة عن عباد بن العوام الواسطي من طبقة عبد الرحمن بن مهدي وذويه قال كلمت بشر المريسي وأصحاب بشر فرأيت آخر كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا ليس في السماء شيء. وقال علي بن عاصم شيخ البخاري ناظرت جهميا فتبين من كلامه أنه لا يرى أن في السماء ربا ذكره عبد الله بن أحمد وابن أبي حاتم. وروى عبد الله بن أحمد عن سليمان بن حرب قال سمعت حماد بن زيد وذكر هؤلاء الجهمية فقال إنما يجادلون أن يقولوا ليس في السماء شيء وروى عن أبيه(4\/1296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1149",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4430",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حدثنا شريح بن النعمان قال سمعت عبد الله بن نافع الصانع قال سمعت مالك بن أنس يقول الله في السماء وعلمه في كل مكان. وروى البيهقي بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال كنا نحن والتابعون متوافرون نقول إن الله تعالى فوق عرشه نؤمن بما وردت به السنة من صفاته فقد ذكر الأوزاعي وهو أحد الأئمة في عصر تابعي التابعين الذين كان فيهم مالك وابن الماجشون وابن أبي ذئب ونحوهم من أئمة أهل الحجاز والليث بن سعد ونحوه من أئمة مصر والثوري وابن أبي ليلى وأبو حنيفة ونحوهم من أئمة أهل الكوفة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن عيينة ونحوهم من أئمة أهل البصرة فهؤلاء وأمثالهم أئمة الإسلام شرقا وغربا في ذلك الزمان وقد حكى الأوزاعي شهرة القول بأن الله فوق عرشه في زمن التابعين وقال أبو حنيفة من قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر لأن الله يقول الرحمن على العرش استوى وعرشه فوق سبع(4\/1297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1150",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4431",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سماوات قال أبو مطيع قلت فإن قال إنه على العرش وقال لا أدري العرش في السماء أم في الأرض قال هو كافر لأنه أنكر أن يكون الله في السماء لأنه تعالى في أعلى عليين وهو يدعي من أعلى لا من أسفل وفي لفظ آخر قال أبو مطيع سألت أبا حنيفة عمن قال لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض قال قد كفر لأن الله يقول الرحمن على العرش استوى وعرشه فوق سبع سماوات قال فإنه يقول على العرش استوى ولكنه لا يدري العرش في الأرض أم في السماء قال إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر ذكره البيهقي وغيره. وروى عبد الله بن أحمد وغيره عن عبد الله بن المبارك بأسانيد صحيحة بأنه سئل بماذا نعرف ربنا قال بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه ولا نقول كما تقول الجهمية بأنه هاهنا في الأرض وهكذا قال الإمام أحمد فيما حكاه الخلال عنه في الجامع قال في رواية ابنه عبد الله باب ما أنكرت الجهمية الضلال أن يكون الله على العرش قلنا لم أنكرتم أن الله على العرش وقد قال جل ثناؤه(4\/1298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1151",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4432",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرحمن على العرش استوى [طه5] وقال هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش [الحديد4] ثم قال وقد أخبرنا أنه في السماء فقال أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا [الملك17] وقال جل ثناؤه إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر10] وقال إني متوفيك ورافعك إلي [آل عمران55] وقال بل رفعه الله إليه [النساء158] وقال وله من في السماوات والأرض ومن عنده [الأنبياء19] وقال يخافون ربهم من فوقهم [النحل50] وقال ذي المعارج [المعارج3] وقال وهو القاهر فوق عباده [الأنعام18](4\/1299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1152",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4433",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال وهو العلي العظيم [البقرة255] وقد أخبر الله أنه في السماء ووجدنا كل شيء أسفل مذموما يقول جل ثناؤه إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار [النساء145] إلى أن قال ومعنى قول الله عز وجل وهو الله في السماوات وفي الأرض [الأنعام3] يقول هو إله من في السموات وإله من في الأرض وهو الله على العرش وقد أحاط علمه بما دون العرش لا يخلو من علم الله مكان ونصوص أحمد في ذلك كثيرة جدا مذكورة في غير هذا الموضع. وأما الشافعي فقد صرح في خطبة الرسالة بأن الله سبحانه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه وصرح بأن خلافة الصديق حق قضاها الله فوق سماواته وجمع عليها قلوب عباده وصرح في باب الكفارة في حديث الجارية وقول النبي لها أين الله قال الشافعي(4\/1300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1153",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4434",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلما وصفت الإيمان قال أعتقها فإنها مؤمنة فجعل إقرارها بأن الله في السماء إيمانا. وذكر البخاري في كتاب خلق الأفعال عن وهب بن جرير أحد أئمة الإسلام قال الجهمية الزنادقة إنما يريدون أنه ليس على العرش استوى وعن حماد بن زيد القرآن كلام الله نزل به جبريل ما يجادلون إلا أنه ليس في السماء إله. وقال ابن المبارك لا نقول كما قالت الجهمية إنه في الأرض هاهنا بل على العرش استوى وقيل له كيف نعرف ربنا قال فوق سمواته على عرشه وقال لرجل من الجهمية أبطنك خال منه فبهت الآخر. وذكر البخاري في هذا الكتاب أيضا قول سعيد بن عامر وقد تقدم وقال عن شيخه علي بن عاصم(4\/1301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1154",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4435",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "احذر من المريسي وأصحابه فإن كلامهم أبوجاد الزندقة وأنا كلمت أستاذهم جهما فلم يثبت أن في السماء إلها وقال يزيد بن هارون من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما تقرر في قلوب العامة فهو جهمي وقال صدقة سمعت سليمان التيمي يقول لو سئلت أين الله تعالى لقلت في السماء فإن قال فأين كان عرشه قبل السماء لقلت على الماء فإن قال فأين كان عرشه قبل الماء لقلت لا أعلم. وفي مسائل جرت لأحمد وإسحاق إن الله سبحانه وصف نفسه في كتابه بصفات استغنى الخلق أن يصفوه بغيرها فمما وصف به نفسه من ذلك قوله تعالى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام [البقرة210](4\/1302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1155",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4436",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله: وترى الملائكة حافين من حول العرش [الزمر75] وآيات مثلها تصف العرش وقد ثبتت الروايات في العرش وأعلى شيء فيه وأثبته قول الله الرحمن على العرش استوى [طه5] وذكر عن خارجة بن مصعب قال الجهمية كفار لا تنكحوا إليهم ولا تنكحوهم ولا تعودوا مرضاهم ولا تشهدوا جنائزهم وبلغوا نساءهم أنهن طوالق وأنهن لا يبحن لأزواجهن وقرأ طه إلى قوله الرحمن على العرش استوى [طه5] ثم قال وهل يكون الاستواء إلا الجلوس وقال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة من لم يقل بأن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه وجب أن يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه ثم ألقي على مزبلة لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة ذكره عنه أبو عبد الله الحاكم في كتاب علوم الحديث له وفي كتاب تاريخ نيسابور وذكره أبو عثمان النيسابوري في رسالته المشهورة وروى(4\/1303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1156",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4437",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخلال بإسناد كلهم ثقات عن سفيان بن عيينة قال سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله الرحمن على العرش استوى فقال الاستواء معلوم والكيف غير معقول ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التصديق. وقد روي هذا الكلام عن الإمام مالك من وجوه متعددة وروى ابن أبي حاتم عن هشام بن عبيد الله الرازي أنه حبس رجلا في التجهم فجيء به إلى هشام ليمتحنه فقال أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه قال لا أدري ما بائن من خلقه فقال ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب. وروي أيضا عن عبد الله بن أبي جعفر الرازي أنه جعل يضرب قرابة له بالنعل على رأسه يرى رأي جهم قال لا حتى يقول الرحمن على العرش استوى بائن من خلقه. وروي أيضا عن جرير بن عبد الحميد الرازي أنه قال كلام الجهمية أوله عسل وآخره سم وإنما يجادلون أن يقولوا ليس في السماء إله. وقال أبو الوليد بن رشد في كتاب مناهج الأدلة(4\/1304)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1157",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4438",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القول في الجهة وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة في أول الأمر يثبتونها لله حتى نفتها المعتزلة وتبعهم على ذلك متأخرو الأشعرية وساق أدلة القرآن عليها إلى أن قال والشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء وأن منها تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين وأن من السماء نزلت الكتب وإليها كان الإسراء بالنبي حتى قرب من سدرة المنتهى قال وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك ثم قرر ذلك بالدليل العقلي وبين بطلان شبهة المعطلة وهذه النقول التي حكيناها قليل من كثير وقد ذكرنا أضعاف أضعافها في كتاب اجتماع العساكر الإسلامية على غزو الفرقة الجهمية وهي تبين كذب من قال إنه لم يقل بذلك إلا الكرامية والحنبلية وفريته وجهله والمقصود بأن علو(4\/1305)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1158",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4439",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخالق على المخلوقات كلها وكونه فوق العالم أمر مستقر في فطر العباد معلوم بالضرورة كما اتفق عليه جميع الأمم من غير تواطؤ وتشاعر بخلاف النفي والتعطيل فإنه يتلقاه بعضهم عن بعض كسائر المقالات الباطلة المخالفة لصريح العقل والنقل. فصل ومما ينصرف إلى ذلك أن العباد كلهم مضطرون إلى دعاء الرب سبحانه وسؤاله وقصده والافتقار إليه كما قال الله تعالى يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن [الرحمن29] وهم مضطرون إلى توجيه قلوبهم إلى العلو كما أنهم مضطرون إلى دعائه وقصده وسؤاله كما أنهم يضطرون إلى الإقرار به وأنه ربهم وخالقهم ومليكهم ولا يجدون فرقا بين هذا الاضطرار وهذا فكما لا تتوجه قلوبهم غلى رب غيره ولا إلى إله سواه فكذلك لا يجدون في قلوبهم توجها إلى جهة أخرى غير العلو بل يجدون قلوبهم مضطرة إلى قصد جهة العلو دون سائر الجهات وهذا يتضمن اضطرارهم إلى قصده سبحانه في العلو وإقرارهم وإيمانهم بذلك.(4\/1306)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1159",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4440",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: الطريق الثالث (الوجه الخمسون بعد المائة) : إنه قد ثبت بصريح العقل أن الأمرين المتقابلين إذا كان أحدهما صفة كمال والآخر صفة نقص فإن الله سبحانه يوصف بالكمال منهما دون النقص ولهذا لما تقابل الموت والحياة وصف بالحياة دون الموت ولما تقابل العلم والجهل وصف بالعلم دون الجهل وكذلك العجز والقدرة والكلام والخرس والبصر والعمى والسمع والصمم والغنى والفقر ولما تقابلت المباينة للعالم والمداخلة له وصف بالمباينة دون المداخلة وإذا كانت المباينة تستلزم علوه على العالم أو سفوله عنه وتقابل العلو والسفول وصف بالعلو دون السفول وإذا كان مباينا للعالم كان من لوازم مباينته أن يكون فوق العالم ولما كان العلو صفة كمال كان ذلك من لوازم ذاته فلا يكون مع وجود العالم إلا عاليا عليه ضرورة ولا يكون سبحانه إلا فوق المخلوقات كلها ولا تكون المخلوقات محيطة به أصلا وإذا قابلت بين هذه المقدمات ومقدمات شبه المعطلة ظهر لك الحق من الباطل.(4\/1307)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1160",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4441",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: الطريق الرابع (الوجه الحادي والخمسون بعد المائة) : إنه إذا كان سبحانه مباينا للعالم فإما أن يكون محيطا به أو لا يكون محيطا به فإن كان محيطا به لزم علوه عليه قطعا ضرورة علو المحيط على المحاط به ولهذا لما كانت السماء محيطة بالأرض كانت عالية عليها ولما كان الكرسي محيطا بالسماوات كان عاليا عليها ولما كان العرش محيطا بالكرسي كان عاليا فما كان محيطا بجميع ذلك كان عاليا عليه ضرورة ولا يستلزم ذلك محايثته لشيء مما هو محيط به ولا مماثلته ومشابهته له فإذا كانت السماء محيطة بالأرض وليست مماثلة لها فالتفاوت الذي بين العالم ورب العالم أعظم من التفاوت الذي بين الأرض والسماء وإن لم يكن محيطا بالعالم بأن لا يكون العالم كريا بل تكون السماوات كالسقف المستوي فهذا وإن كان خلاف الإجماع وخلاف ما دل عليه العقل والحس فلو قال به قائل لزم أيضا أن يكون الرب تعالى عاليا على العالم لأنه إذا كان مباينا وقدر أنه غير محيط فالمباينة تقتضي ضرورة أن يكون في العلو أو في جهة غيره ومن المعلوم بالضرورة أن العلو أشرف بالذات من سائر الجهات فوجب ضرورة اختصاص الرب بأشرف الأمرين وأعلاهما والمعطلة تقول هذه القضية خطابية لا برهانية ولعمر الله إنك لو سألت كل صحيح التمييز والفطرة عن ذلك لوجدت في فطرته أن الرب تعالى(4\/1308)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1161",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4442",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أولى وأحق بهذه القضية التي يسميها هؤلاء خطابية وليس في المعقول أصح من هذه المقدمة وتسميتها خطابية لا تقتضي جحد العقول الصحيحة لها وإنكارها للرب سبحانه. فصل: الطريق الخامس (الوجه الثاني والخمسون بعد المائة) : ما احتج به الإمام أحمد نفسه على الجهمية فقال وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله فقل له أليس الله كان ولا شيء فيقول نعم فقل له فحين خلق الخلق خلقه في نفسه أو خارجا من نفسه فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال لا بد له من واحد منها إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه فقد كفر حين زعم أنه خلق الجن والشياطين في نفسه وإن قال خلقهم خارجا من نفسه ثم دخل فيهم كان هذا أيضا كفرا حين زعم أنه دخل في كل مكان وحش قذر رديء وإن قال خلقهم خارجا من نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع قوله كله أجمع وهو قول أهل السنة وبقي هاهنا قسمان سكت الإمام أحمد عن التعرض لإبطالهما لأن بطلانهما معلوم بالضرورة فإن أحدهما يتضمن إثبات النقيضين والآخر يتضمن رفعهما. فالأول: يكون خلقهم خارجا عن نفسه وداخلا في نفسه.(4\/1309)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1162",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4443",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثاني أن يكون غير خارج عنهم ولا داخل فيهم أو يكونوا غير خارجين عنه ولا داخلين فيه فإن نفي هذا كنفي أن يكون قائما بنفسه وقائما بغيره وأن يكون قديما ومحدثا ونحو ذلك مما ينفي فيه النقيضان ولا يغني الجهمي في هذا المقام اعتذاره بأنه غير قابل للدخول والخروج والمباينة والمحايثة لثلاثة أوجه أحدها: أن يقال له وهكذا قال أخوك معطل الذات سواء إنه غير قابل للقدم والحدوث فما كان جوابك له فهو جواب أهل الإثبات لك. الثاني: أن هذا التقسيم يتناول كل موجود ولا يخرج عنه إلا العدم المحض فإنه تقسيم حاصر ولا واسطة بين نفيه وإثباته البتة بل هذا حكم كل موجودين بالضرورة فإنه إما أن يكون أحدهما مباينا للآخر أو غير مبائن له كما يقال إما أن يكون أحدهما قائما بالآخر أو غير قائم به وإن كان هذا مكابرة صريحة للعقل وكذلك إما أن يكون متقدما عليه أو مقارنا له فقولكم إن هذا فيما هو قابل كلام باطل يتضمن رفع النقيضين والخلو منهما. الثالث: أن يقال لا يتصور العقل شيئا غير قابل لذلك إلا العدم المحض والنفي الصرف ودعواكم على العقل أنه يثبت قسما آخر غير قابل للنقيضين كذب على العقل وفرية.(4\/1310)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1163",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4444",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: يوضحه الطريق السادس (الوجه الثالث والخمسون بعد المائة) : أن يقال كل موجودين فإما أن يكون أحدهما قائما بنفسه أو قائما بالآخر فإن كان قائما بالآخر امتنع قيام الآخر به ضرورة وإن كان قائما بنفسه فحقيقته خارجة عن حقيقة الآخر ضرورة وإلا لزم اتحادهما وإذا كانت حقيقته خارجة عن حقيقة الآخر كان مباينا له بالضرورة وهذا برهان ضروري لا يقدح فيه إلا ما يقدح في سائر الضروريات. فصل: الطريق السابع (الوجه الرابع والخمسون بعد المائة) : أن يقال الرب سبحانه إما أن يكون موجودا خارج الأذهان موجودا في الأعيان أو لا يكون له وجود خارجي فإن قلتم ليس له وجود خارجي وهو حقيقة قولكم كان خيالا ذهنيا لا حقيقة له وإن قلتم بل هو موجود خارج الذهن في الأعيان منفصلا عن الأذهان مباينا لها فقد أقررتم بأنه قابل للخروج والانفصال والمباينة فهلا جعلتم جملة العالم كالذهني وقلتم بأنه خارج عنه منفصل مباين له وكيف صح بل وجب أن يكون خارج الأذهان مباينا لها منفصلا عنها ولم يلزم من ذلك محال وامتنع أن يكون خارج العالم مباينا له ولزم من ذلك المحال فمن هاهنا قيل إنكم فارقتم حكم العقل والسمع وكان أتباع الرسل أسعد بالمعقول والمنقول منكم.(4\/1311)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1164",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4445",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: الطريق الثامن (الوجه الخامس والخمسون بعد المائة) : إذا ثبت له سبحانه وجود خارج الأذهان فإما أن يكون هو العالم المشهود أو صفة من صفاته وعرضا من أعراضه أو غيره. فإن قلتم بالأول فهو حقيقة قول الاتحادية الملاحدة الذين لا يثبتون خالقا ومخلوقا وصانعا ومصنوعا بل حقيقة الرب عندهم هي هذا الوجود بعينه وإن قلتم هو عرض من أعراض العالم وصفة من صفاته فهو من أمحل المحال لا يقوله أحد من بني آدم فتعين أن يكون غير هذا العالم وحينئذ يلزم مباينته له ضرورة إذ الغيران اللذان لا يكون أحدهما صفة للآخر ولا أحدهما قائما بالآخر لا بد أن يتباينا إذ لو لم يتباينا لزم اتحاد أحدهما بالآخر أو حلوله فيه حلول الصفة في الموصوف أو حلول الحال في المحل ولا ينفعكم قولكم إن هذا إنما يلزم فيما هو قابل لذلك لما تقدم بيانه. فصل: الطريق التاسع (الوجه السادس والخمسون بعد المائة) : أنا إذا عرضنا على العقل الصريح الذي لم يفسد بتلقي الآراء والمذاهب الباطلة التصديق بموجودين قائمين(4\/1312)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1165",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4446",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأنفسهما وأحدهما مباين للآخر مع كونه غير مماثل له ولا هو من جنسه وعرضنا عليه التصديق بموجودين قائمين بأنفسهما ليس أحدهما مباينا للآخر ولا مداخلا له ولا فوقه ولا تحته ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولا محايثا له ولا مباينا علمنا بالضرورة تصديقه بالأول ودفعه الثاني وإنكاره وكل شبهة تقدح في هذا فهي قادحة في الضروريات وكل شبهة تقام على الثاني فهي من الشبهة التي تقام على إمكان الممتنعات. فصل: الطريق العاشر (الوجه السابع والخمسون بعد المائة) : أنه عند المعطلة النفاة كون الله سبحانه فوق العالم مستو على عرشه بمنزلة كونه يأكل ويشرب وينام بل هو بمنزلة إثبات الزوجة والولد له في كون هذا منافيا لإلهيته وربوبيته وقدمه وكون علوه على خلقه واستوائه على عرشه منافيا لذلك وهذا من أعظم القدح في العقول والفطر والشرائع والنبوات والكتب المنزلة فإنها فرقت بين الأمرين تفرقة معلومة بالاضطرار لكل من له أدنى مسكة من عقل فمن سوى بين الأمرين وجعل تنزيه الرب عنها من لوازم الإقرار به فليبك على عقله وإيمانه.(4\/1313)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1166",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4447",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: الطريق الحادي عشر (الوجه الثامن والخمسون بعد المائة) : أن يقال للمعطلة تنزيهكم له سبحانه عن كونه مباينا لخلقه تنزيه له عن غناه ووجوده وتنزيهكم له عن استوائه على عرشه تنزيه له عن كماله والمثبت لو شبهه بخلقه بافترائكم وكذبكم عليه تعالى الله عن ذلك لكان قد أثبت موجودا قائما بنفسه مباينا لخلقه له الكمال المطلق مع نوع تشبيه وهذا خير من تنزيهكم وأقرب إلى العقول والفطر فكيف وهو مع ذلك يثبت أنه لا يماثل خلقه ولا يشابههم وأنه لا يلزم من علوه على خلقه واستوائه على عرشه أن يكون من جنسهم مماثلا لهم يوضحه. الطريق الثاني عشر (الوجه التاسع والخمسون بعد المائة) : إن الله سبحانه جعل بعض مخلوقاته عاليا على بعض ولم يلزم من ذلك مماثلة العالي للسافل ومشابهته له فهذا الماء فوق الأرض والهواء فوق الماء والنار فوق الهواء والأفلاك فوق ذلك وليس عاليها مماثلا لسافلها والتفاوت الذي بين الخالق والمخلوق أعظم من التفاوت الذي بين المخلوقات فكيف يلزم من علوه تشبيهه بخلقه. فإن قلتم وإن لم يلزم التشبيه لكن يلزم التجسيم(4\/1314)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1167",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4448",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل انفصلوا أولا عن قول معطلة الصفات لكم لو كان له سمع أو بصر أو حياة أو علم أو قدرة أو كلام لزم التجسيم فإذا انفصلتم عنهم وتخلصتم من أسرهم لكم عاد عليكم أهل السنة بالرأفة والرحمة وجبروكم وخلصوكم من هذا الوثاق الذي شدكم به الملاحدة المعطلة فإن أبيتم إلا الجواب قيل لكم ما تعنون بالتجسيم أتعنون به العلو على العالم والاستواء على العرش وهذا حاصل قولكم وحينئذ فما زدتم على إبطال ذلك بمجرد الدعوى التي اتحد فيها اللازم والملزوم بتغيير العبارة وكأنكم قلتم لو كان فوق العالم مستويا على عرشه لكان فوق العالم ولكنكم لبستم وأوهمتم وإن عنيتم بالجسم المركب من الجواهر الفردة فجمهور العقلاء ينازعونكم في إثبات الجوهر الفرد فضلا عن تركب الأجسام الحادثة منه فالملازمة باطلة كاذبة وإن عنيتم به المركب من الهيولى والصورة فأنتم قد قررتم بطلان تركب الأجسام من ذلك فأنتم أبطلتم هذا التركيب الذي يدعيه الفلاسفة وهم أبطلوا التركيب الذي تدعونه من الجواهر الفردة وجمهور العقلاء أبطلوا هذا وهذا فإذا كان هذا غير لازم في الأجسام المحسوسة المشاهدة بل هو باطل فكيف يدعى لزومه فيمن ليس كمثله شيء وإن عنيتم بالتجسيم تميز شيء منه عن شيء قيل لكم انفصلوا أولا عن قول نفاة الصفات لو كان له سمع وبصر وحياة وقدرة لزم أن يتميز منه شيء عن شيء وذلك عين(4\/1315)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1168",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4449",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التجسيم فإذا انفصلتم منهم أجبناكم بما تجيبونهم به فإن أبيتم إلا الجواب منا قلنا إنما قام الدليل على إثبات إله قديم غني بنفسه عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه كل أحد يحتاج إليه وليس محتاجا إلى أحد ووجود كل شيء مستفاد منه ووجوده ليس مستفادا من غيره ولم يقم الدليل على استحالة تكثر أوصاف كماله وتعدد أسمائه الدالة على صفاته وأفعاله بل هو إله واحد ورب واحد وإن تكثرت صفاته وتعددت أسماؤه فلا إله غيره ولا رب سواه. فصل: الطريق الثالث عشر (الوجه الستون بعد المائة) : أن يقال أخبر الناس بمقالات الفلاسفة قد حكى اتفاق الحكماء على أن الله والملائكة في السماء كما اتفقت على ذلك الشرائع وقرر ذلك بطريق عقلي من جنس تقرير ابن كلاب والحارث المحاسبي وأبي العباس القلانسي وأبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر(4\/1316)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1169",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4450",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن الباقلاني وأبي الحسن بن الزاغوني وغيرهم ممن يقول إن الله فوق العرش وليس بجسم قال هؤلاء وإثبات صفة العلو والفوقية له سبحانه لا يوجب الجسمية بل ولا إثبات المكان وبنى الفلاسفة ذلك على ما ذكره ابن رشد إن المكان هو السطح الباطن من الجسم الحاوي الملاقي للسطح الظاهر من الجسم المحوي فكان الإنسان عندهم هو باطن الهواء المحيط به وكل سطح باطن فهو مكان للسطح الظاهر فيما يلاقيه ومعلوم أنه ليس وراء الأجسام سطح جسم باطن يحوي شيئا فلا مكان هناك إذ لو كان هناك مكان حاو لسطح الجسم لكان الحاوي جسما ولهذا قال فإذا قام البرهان على وجود موجود في هذه الجهة فواجب أن يكون غير جسم فالذي يمتنع وجوده هناك هو وجود جسم لا وجود ما ليس بجسم وقرر إمكان ذلك كما قرر إثباته بما ذكر من أنه لا بد من نسبة بينه وبين العالم المحسوس فيجب أن يكون في جهة العلو والذي يمكن منازعيه من الفلاسفة والجهمية والمعتزلة أن يقولوا لا يمكن أن يوجد هناك شيء لا جسم ولا غير جسم أما الجسم فلما ذكر وأما غير الجسم فلأن كونه مشارا إليه بأنه(4\/1317)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1170",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4451",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هناك يستلزم أن يكون جسما وحينئذ فيقول هؤلاء المثبتون لمن نازعهم في ذلك وجود موجود قائم بنفسه ليس وراء أجسام العالم ولا داخلا في العالم إما أن يكون ممكنا أو لا يكون فإن لم يكن ممكنا بطل قولكم وإن كان ممكنا فوجود موجود وراء أجسام العالم وليس بجسم أولى بالجواز يوضحه فصل: الطريق الرابع عشر (الوجه الحادي والستون بعد المائة) : وهو أنا إذا عرضنا على العقل وجود موجود قائم بنفسه لا في العالم ولا خارجا عنه ولا يشار إليه وعرضنا عليه وجود موجود يشار إليه فوق العالم ليس بجسم كان إنكار العقل للأول أعظم وامتناعه فيه أظهر من إنكاره للثاني وامتناعه فيه فإن كان حكم العقل في الأول مقبولا وجب قبول الثاني وإن كان الثاني مردودا وجب رد الأول ولا يمكن العقل الصريح أن يقبل الأول ويرد الثاني أبدا. فصل: الطريق الخامس عشر (الوجه الثاني والستون بعد المائة) : أنه سبحانه لو لم يقبل الإشارة الحسية إليه كا أشار إليه النبي حسا بإصبعه بمشهد الجمع الأعظم وقبل ممن شهد لها بالإيمان الإشارة الحسية(4\/1318)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1171",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4452",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليه فإما أن يقال إنه يقبل الإشارة المعنوية فقط أولا يقبلها أيضا كما لا يقبل الحسية فإن لم يقبل هذه ولا هذه فهو عدم محض بل العدم المقيد المضاف يقبل الإشارة المعنوية وإن قيل يقبل الإشارة المعنوية دون الحسية لزم أن يكون معنى من المعاني لا ذاتا خارجية وهذا مما لا حيلة في دفعه فمن أنكر جواز الإشارة الحسية إليه فلا بد له من أحد أمرين إما أن يجعله معدوما أو معنى من المعاني لا ذاتا قائمة بنفسها. فصل: الطريق السادس عشر (الوجه الثالث والستون بعد المائة) : إن من أعجب العجب أن هؤلاء الذين فروا من القول بعلو الله فوق المخلوقات واستوائه على عرشه خشية التشبيه والتجسيم قد اعترفوا بأنهم لا يمكنهم إثبات الصانع إلا بنوع من التشبيه والتمثيل ونحن لا نحيلك على عدم بل نحكي ألفاظهم بعينها معزوة إلى مكانها قال الآمدي في مسألة حدوث الأجسام لما ذكر حجة القائلين بالعدم الوجه(4\/1319)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1172",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4453",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العاشر لو كان العالم محدثا فمحدثه إما أن يكون مساويا له من كل وجه أو مخالفا له من كل وجه أو مماثلا له من وجه ومخالفا له من وجه فإن كان الأول فهو حادث والكلام فيه كالكلام في الأول ويلزم التسلسل الممتنع وإن كان الثاني فالمحدث له ليس بموجود وإلا لما كان مخالفا له من كل وجه وهو خلاف العرض وإذا لم يكن موجودا امتنع أن يكون موجدا للموجود وإن كان الثالث فمن جهة ما هو مماثل للحادث يجب أن يكون حادثا والكلام فيه كالأول وهو تسلسل محال وهذه المحالات إنما نشأت من القول بكونه محدثا للعالم قال والجواب عن هذه الشبهة أن المختار من أقسامها إنما هو القسم الأخير ولا يلزم من كون القديم مماثلا للحوادث من وجهة أن يكون مماثلا للحادث من جهة كونه حادثا بل لا مانع من الاختلاف بينهما في صفة القدم والحدوث وإنما تماثلا بأمر آخر وهذا(4\/1320)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1173",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4454",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كالسواد والبياض يختلفان من وجه دون وجه لاستحالة اختلافهما من كل وجه وإلا لما اشتركا في العرضية والكونية والحدوث واستحالة تماثلهما من كل وجه وإلا كان السواد بياضا ومع ذلك فما لزم من مماثلة السواد للبياض من وجه أن يكون مماثلا له في صفة البياضية فيقال يالله العجب هلا طردتم هذا الجواب وسلكتم هذا الطريق في إثبات علو الله على خلقه واستوائه على عرشه وإثبات صفات كماله كلها وإثبات الصفات الخبرية كلها وأجبتم بهذا الجواب لمن قال لكم من المعطلة النفاة لو كان له صفات لزم مماثلته للمخلوقات وهلا تقنعون من أهل السنة المثبتين لصفات كماله ونعوت جلاله وعلوه على مخلوقاته واستوائه على عرشه بمثل هذا الجواب الذي أجبتم به من أنكر حدوث العالم بل إذا أجابوكم به قلبتم لهم ظهر المجن وصرحتم بتكفيرهم وتبديعهم وإذا أجبتم أنتم به بعينه كنتم موحدين ناصرين لله ورسوله. فصل: الطريق السابع عشر (الوجه الرابع والستون بعد المائة) : أن يقال هل للرب تعالى ماهية متميزة على سائر الماهيات يختص بها لذاته أم تقولون لا ماهية له فإن قلتم بالثاني كان هذا إنكارا له سبحانه وجحودا وجعله وجودا(4\/1321)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1174",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4455",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مطلقا لا ماهية له وإن قلتم بل له ذات مخصوصة وماهية متميزة عن سائر الماهيات قيل لكم ماهيته وذاته سبحانه غير متناهية بل ذاهبه في الأبعاد إلى غير نهاية أم متناهية فإن قلتم بالأول لزم منه محالات غير واحدة وإن قلتم بالثاني بطل قولكم ولزم إثبات المباينة والجهة وهذا لا محيد عنه وإن قلتم لا نقول له ماهية ولا ليست له ماهية قيل لا يليق بالعقول المخالفة لما جاءت به الرسل إلا هذا المحال والباطل وإن قلتم بل له ذات مخصوصة وماهية متميزة عن سائر الماهيات ولا نقول إنها متناهية ولا غير متناهية لأنها لا تقبل واحدا من الأمرين قلنا التناهي وعدم التناهي يتقابلان تقابل السلب والإيجاب فلا واسطة بينهما كما لا واسطة بين الوجود والعدم والقدم والحدوث والسبق والمقارنة والقيام بالنفس والقيام بالغير وتقدير قسم آخر لا يقبل واحدا من الأمرين تقدير ذهني يفرضه الذهن كما يفرض سائر المحالات ولا يدل ذلك على وجوده في الخارج ولا إمكانه ألا ترى أن قائلا لو قال التقسيم يقتضي المعلوم إما قديم وإما حادث وإما قديم حادث وإما لا قديم ولا حادث وكذلك إما أن يكون متناهيا أو غير متناه أو متناهيا ولا غير متناه أو قائما بنفسه أو بغيره أو بنفسه وبغيره أولا بنفسه ولا بغيره أو داخلا في العالم أو خارجا عنه أو داخلا خارجا أو لا داخلا ولا خارجا كان ذلك كله بمنزلة واحدة وكان التقسم تقسيما ذهنيا لا خارجيا وإن سلب النقيضين في ذلك كله في الإحالة كإثبات النقيضين.(4\/1322)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1175",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4456",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: الطريق الثامن عشر (الوجه الخامس والستون بعد المائة) : أن يقال ذاته سبحانه إما أن تكون قابلة للعلو على العالم أو لا تكون قابلة فإن كانت قابلة وجب وجود المقبول لأنه صفة كمال وإلا لم يقبله ولأن قبولها لذلك هو من لوازمها لقبول الذات للعلم والحياة والقدرة والسمع والبصر فوجود هذه لازم للذات ضرورة ولأنها إذا قبلته فلو لم تتصف به لاتصفت بضده وهو نقص يتعالى ويتقدس عنه وإن لم تكن قابلة للعلو لزم أن يكون قابل العلو أكمل منها لأن ما يقبل أن يكون عاليا وإن لم يكن عاليا أكمل ممن لا يقبل العلو وما قبله وكان عاليا أكمل ممن قبله ولم يكن عاليا فالمراتب ثلاث أدناها مالا يقبل العلو وأعلاها ما قبله واتصف به والذي يوضح ذلك أن مالا يقبل أن يكون فوق غيره إما أن يكون عرضا من الأعراض لا يقوم بنفسه ولا يقبل أن يكون عاليا على غيره وإما أن يكون أمرا عدميا لا يقبل ذلك وإما إثبات ذات قائمة بنفسها متصفة بالسمع والبصر والقدرة والحياة والإرادة والعلم والفعل ومع ذلك لا تقبل أن تكون عالية على غيرها فهذا يطالب بإمكان(4\/1323)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1176",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4457",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تصوره قبل التصديق بوجوده وليس مع من ادعى إمكانه إلا الكليات والمجردات وكلاهما وجوده ذهني لا وجود له في الخارج وإلا فما له وجود خارجي وهو قائم بنفسه له ذات يختص بها عن سائر الذوات موصوف بصفات الحي الفعال لا يمكن إلحاقه بالكليات والمجردات التي هي خيالات ذهنية لا أمور خارجية وقد اعترف المتكلمون بأن وجود الكليات والمجردات إنما هو في الأذهان لا في الأعيان. فصل: الطريق التاسع عشر (الوجه السادس والستون بعد المائة) : إن الجهمية المعطلة معترفون بوصفه تعالى بعلو القهر وعلو القدر وإن ذلك كمال لا نقص فإنه من لوازم ذاته فيقال ما أثبتم به هذين النوعين من العلو والفوقية هو بعينه حجة خصومكم عليكم في إثبات علو الذات له سبحانه وما نفيتم به علو الذات يلزمكم أن تنفوا به ذينك الوجهين من العلو فأحد الأمرين لازم لكم ولا بد إما أن تثبتوا له سبحانه العلو المطلق من كل جهة ذاتا وقهرا وقدرا وإما أن(4\/1324)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1177",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4458",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تنفوا ذلك كله فإنكم إذا نفيتم علو ذاته سبحانه بناء على لزوم التجسيم وهو لازم لكم فيما أثبتموه من وجهي العلو فإن الذات القاهرة لغيرها التي هي أعلى قدرا من غيرها إن لم يعقل كونها غير جسم لزمكم التجسيم وإن عقل كونها غير جسم فكيف لا يعقل أن تكون الذات العالية على سائر الذوات غير جسم وكيف لزم التجسيم من هذا العلو ولم يلزم من ذلك العلو فإن قلتم لأن هذا العلو يستلزم تميز شيء عن شيء منه قيل لكم في العلم أو في الخارج فإن قلتم في الخارج كذبتم وافتريتم وأضحكتم عليكم المجانين فضلا عن العقلاء وإن قلتم في الذهن فهذا لازم لكل من أثبت للعالم ربا خالقا ولا خلاص من ذلك إلا بإنكار وجوده رأسا يوضحه. فصل: الطريق العشرون (الوجه السابع والستون بعد المائة) : إن الفلاسفة لما أوردوا عليكم هذه الحجة بعينها في نفي الصفات أجبتم عنها بأن قلتم واللفظ للرازي في نهايته فقال قوله يلزم من إثبات الصفات وقوع الكثرة في الحقيقة الإلهية فتكون تلك الحقيقة ممكنة قلنا إن عنيتم به احتياج تلك الحقيقة إلى سبب خارجي فلا يلزم لاحتمال استناد(4\/1325)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1178",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4459",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تلك الصفات إلى الذات الواجبة لذاتها وإن عنيتم به توقف الصفات في ثبوتها على تلك الذات المخصوصة فذلك مما يلزمه فأين المحال قال وأيضا فعندكم الإضافات صفات وجودية في الخارج فيلزمكم ما ألزمتمونا في الصفات في الصور المرتسمة في ذاته من المعقولات تلك ومما يحقق فساد قول الفلاسفة أنهم قالوا إن الله عالم بالكليات وقالوا إن العلم بالشيء عبارة عن حصول صورة مساوية للمعلوم في العالم وقالوا إن صورة المعلومات موجودة في ذات الله تعالى حتى ابن سينا قال إن تلك الصفة إذا كانت غير داخلة في الذات كانت من لوازم الذات ومن كان هذا مذهبا(4\/1326)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1179",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4460",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له كيف يمكنه أن ينكر الصفات قال وبالجملة فلا فرق بين الصفاتية وبين الفلاسفة إلا أن الصفاتية يقولون إن الصفات قائمة بالذات والفلاسفة يقولون هذه الصور العقلية عوارض متقومة بالذات والذي تسميه الصفاتية صفة يسميه الفلسفي عارضا والذي يسميه الصفاتي قياما يسميه الفيلسوف قواما ومقوما فلا فرق إلا بالعبارات وإلا فلا فرق في المعنى هذا لفظه فيقول له مثبتوا العلو هلا قنعت منا بهذا الجواب بعينه حين قلت يلزم من علوه أن يتميز منه شيء عن شيء ويلزم وقوع الكثرة في الحقيقة الإلهية وتكون قد وافقت الشرع ونصوص الأنبياء وكتب الله كلها وأدلة العقول والفطر الصحيحة وإجماع أهل السنة قاطبة.(4\/1327)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1180",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4461",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: الطريق الحادي والعشرون (الوجه الثامن والستون بعد المائة) : إن هذه الحجة العقلية القطعية وهي الاحتجاج بكون الرب قائما بنفسه على كونه مباينا للعالم وذلك ملزوم لكونه فوقه عاليا عليه بالذات لما كانت حجة صحيحة لا يمكن مدافعتها وكانت مما ناظر بها الكرامية لأبي إسحاق الإسفرائيني فر أبو إسحاق إلى كون الرب قائما بنفسه بالمعنى المعقول وقال لا نسلم أنه قائم بنفسه إلا بمعنى أنه غني عن المحل فجعل قيامه بنفسه وصفا عدميا لا ثبوتيا وهذا لازم لسائر المعطلة النفاة لعلوه ومن المعلوم أن كون الشيء قائما بنفسه أبلغ من كونه قائما بغيره وإذا كان قيام العرض بغيره يمتنع أن يكون عدميا فقيام الشيء بنفسه أحق أن لا يكون أمرا عدميا بل وجوديا وإذا كان قيام المخلوق بنفسه صفة كمال وهو مفتقر بالذات إلى غيره فقيام الغني بذاته بنفسه أحق وأولى. فصل: الطريق الثاني والعشرون (الوجه التاسع والستون بعد المائة) : وهو أن القيام بالنفس صفة كمال فالقائم بنفسه أكمل ممن لا يقوم بنفسه ومن كان غناه من لوازم ذاته فقيامه بنفسه(4\/1328)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1181",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4462",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من لوازم ذاته وهذه حقيقة قيوميته سبحانه وهو الحي القيوم فالقيوم القائم بنفسه المقيم لغيره فمن أنكر قيامه بنفسه بالمعنى المعقول فقد أنكر قيوميته وأثبت له قياما بالنفس يشاركه فيه العدم المحض بل جعل قيوميته أمرا عدميا لا وصفا ثبوتيا وهي عدم الحاجة إلى المحل ومعلوم أن العدم لا يحتاج إلى محل وأيضا فإنه يقال له ما تعني بعدم الحاجة إلى المحل تعني به الأمر المعقول من قيام الشيء بنفسه الذي يفارق به العرض القائم بغيره أم تعني به أمرا آخر فإن عنيت الأول فهو المعنى المعقول والدليل قائم والإلزام صحيح وإن عنيت به أمرا آخر فإما أن يكون وجوديا أو عدميا فإن كان عدميا فالعدم لا شيء كاسمه فتعود قيوميته تعالى إلى لا شيء وإن عنيت به أمرا وجوديا غير المعنى المعقول الذي يعقله الخاصة والعامة فلا بد من بيانه لينظر فيه هل يستلزم المباينة أم لا. فصل: الطريق الثالث والعشرون (الوجه السبعون بعد المائة) : إن كل من أقر بوجود رب خالق للعالم مدبر له لزمه الإقرار بمباينته لخلقه وعلوه عليهم وكل من أنكر مباينته وعلوه لزمه إنكاره وتعطيله فهاتان دعوتان في جانب النفي والإثبات أما الدعوى الأولى فإنه إذا أقر بالرب فإما أن(4\/1329)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1182",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4463",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقر بأن له ذاتا وماهية مخصوصة أو لا فإن لم يقر بذلك لم يقر بالرب فإن ربا لا ذات له ولا ماهية سواء والعدم وإن أقر بأن له ذاتا مخصوصة وماهية فإما أن يقر بتعينها أو يقول إنها غير معينة فإن لم يقر بأنها معينة كانت خيالا في الذهن لا موجودا في الخارج فإنه لا يوجد في الخارج إلا معين لا سيما وتعين تلك الذات أولى من تعين كل متعين فإنه يستحيل وقوع الشركة فيها وأن يوجد لها نظير فتعين ذاته سبحانه واجب وإذا أقر بأنها معينة لا كلية والعالم المشهود معين لا كلي لزم قطعا مباينة أحد المعنيين للآخر إذ لو لم يباينه لم يعقل تميزه عنه وتعينه فإن قيل هو يتعين بكونه لا داخلا فيه ولا خارجا عنه قيل هذا والله حقيقة قولكم وهو عين المحال وهو تصريح منكم بأنه لا ذات له ولا ماهية تخصه فإنه لو كان له ماهية يختص بها لكان تعينه لماهيته وذاته المخصوصة وأنتم إنما جعلتم تعنيه بأمر عدمي محض ونفي صرف وهو كونه لا داخل العالم ولا خارجا عنه وهذا التعيين لا يقتضي وجوده فإنه يصح على العدم المحض وأيضا فالعدم المحض لا يعين المتعين فإنه لا شيء وإما تعيينه ذاته المخصوصة وصفاته فلزم قطعا من إثبات ذاته تعين تلك الذات بعينها ومن تعينها مباينتها للمخلوقات ومن المباينة العلو عليها لما تقدم تقريره وصح مقتضى العقل والنقل والفطرة ولزم من صحة هذه الدعوى صحة(4\/1330)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1183",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4464",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدعوى الثانية وهي أن من أنكر مباينته للعالم وعلوه عليه لزمه إنكار ربوبيته وكونه إلها للعالم. فصل: الطريق الرابع والعشرون (الوجه الحادي والسبعون بعد المائة) : أنه قد دل البرهان الضروري والعقل الصريح على استغنائه سبحانه بنفسه وأنه الغني بذاته عن كل ما سواه فغناه من لوازم ذاته ولا يكون غنيا على الإطلاق إلا إذا كان قائما بنفسه إذ القيام بالغير يستلزم فقر القائم إلى ما قام به وعدم القيام بالنفس وبالغير يستلزم العدم فصح ضرورة وجوب قيامه بنفسه وهذا حقيقة المباينة ونفي المباينة والمداخلة كنفي القيام بالنفس وبالغير ولا تتصور العقول قط قائما بنفسه مع قائم بنفسه إلا إذا كان مباينا له أو محايثا والفرق بين هذا الوجه وبين الاستدلال بقيامه بنفسه أن ذاك استدلال بالقيام بالنفس وهذا استدلال بغناه المستلزم للأمرين. فصل: الطريق الخامس والعشرون (الوجه الثاني والسبعون بعد المائة) : أنه قد ثبت بالعقل إمكان رؤيته سبحانه وبالشرع وقوعها في الدار الآخرة فاتفق العقل والشرع على إمكان(4\/1331)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1184",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4465",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرؤية ووقوعها وقد ذكرنا في كتاب صفة الجنة أربعين دليلا على مسألة الرؤية من الكتاب والسنة والعقل الصريح شاهد بذلك فإن الرؤية أمر وجودي لا يتعلق إلا بموجود وما كان أكمل وجودا كان أحق بأن يرى فالباري سبحانه أحق بأن يرى من كل ما سواه لأن وجوده أكمل من وجود كل ما سواه يوضحه أن تعذر الرؤية إما لخفاء المرئي وإما لآفة وضعف في الرائي والرب سبحانه أظهر من كل موجود وإنما تعذرت رؤيته في الدنيا لضعف القوة الباصرة عن النظر إليه فإذا كان الرائي في دار البقاء كانت قوة الباصرة في غاية القوة لأنها دائمة فقويت على رؤيته تعالى وإذا جاز أن يرى سبحانه فالرؤية المعقولة عند جميع بني آدم عربهم وعجمهم وتركهم وسائر طوائفهم أن يكون المرئي مقابلا للرائي مواجها له مباينا عنه لا تعقل الأمم رؤية غير ذلك وإذا كانت الرؤية مستلزمة لمواجهة الرائي ومباينته للمرئي لزم ضرورة أن يكون مرئيا له من فوقه أو من تحته أو عن يمينه أو عن شماله أو خلفه أو أمامه وقد دل النقل الصريح على أنهم إنما يرونه سبحانه من فوقهم لا من تحتهم كما قال بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الجبار جل جلاله(4\/1332)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1185",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4466",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قد أشرف عليهم من فوقهم فقال يا أهل الجنة سلام عليكم ثم قرأ قوله سلام قولا من رب رحيم [يس58] ثم يتوارى عنهم وتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم فلا يجتمع الإقرار بالرؤية وإنكار الفوقية والمباينة لهذا ولهذا الجهمية المغل تنكر علوه على خلقه ورؤية المؤمنين له في الآخرة ومخانيثهم يقرون بالرؤية وينكرون العلو وقد ضحك جمهور العقلاء من القائلين بأن الرؤية تحصل من غير مواجهة للمرئي ومباينة له وقالوا هذا رد لما هو مركوز في أوائل العقول قال المنكرون الإنسان يرى صورته في المرآة وليست صورته في جهة منه قال العقلاء هذا تلبيس فإنه إنما يرى خيال صورته وهو عرض منطبع في الجسم الصقيل وهو في جهة منه ولا يرى حقيقة صورته القائمة به والذين قالوا يرى من غير مقابلة ولا مباينة قالوا مصحح الرؤية الوجود وكل موجود يصح أن يرى فالتزموا جواز رؤية(4\/1333)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1186",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4467",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأصوات والروائح والعلوم والإرادات والمعاني كلها وجواز أكلها وشربها وشمها ولمسها فهذا منتهى عقلهم الذي عارضوا به الكتاب والسنة ثم قدموه عليهما وتقرير هذه المسألة له موضع آخر فصل: الطريق السادس والعشرون (الوجه الثالث والسبعون بعد المائة) : أنه قد ثبت بالعقل والنقل والفطرة أن الله سبحانه سميع بصير وهو سبحانه يرى كل المرئيات لا يخفى عليه منها شيء ورؤيته لخلقه تستلزم مباينته لهم ضرورة كما تقدم في الوجه الذي قبله فذاك استدلال بكونه مرئيا وهذا استدلال بكونه رائيا ولا يعقل واحد من الأمرين إلا مع مباينته لخلقه ولهذا لما علم منكرو العلو والفوقية أن هذا يلزمهم ولا بد قالوا لا يرى بالأبصار وإنما الحاصل في الآخرة مزيد علم ومعرفة به تسمى رؤية وطرد الجهمية هذا في رؤيته لخلقه فقالوا بصره ورؤيته هي علمه لا أن هناك بصرا حقيقة ورؤية حقيقة وأما مخانيثهم فتناقضوا فقالوا بل يبصر ويرى من غير مباينة للمرئي المبصر ولا مقابلة له فكانت فحولهم أقرب إلى العقل من هؤلاء وهؤلاء وإن تناقضوا تناقضا بينا فهم أقرب إلى الوحي بما أثبتوه من الرؤية(4\/1334)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1187",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4468",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأبعد عنه مما نفوه من المباينة والعلو والطائفتان خارجتان عن حكم الوحي والعقل. فصل: الطريق السابع والعشرون (الوجه الرابع والسبعون بعد المائة) : إن كل من أثبت الصفات أو شيئا منها لزمه إثبات المباينة وإلا تناقض غاية التناقض فإن الصفات نوعان أحدهما ما له تعلق بالمخلوق كالقدرة والمشيئة والرحمة والعلم والسمع والبصر والثاني ما لا يتعلق به كالصفات اللازمة كالحياة والجمال وإثبات النوعين يستلزم المباينة أما النوع الأول فلأن تعلق تلك الصفات بمتعلقاتها لا تعقل إلا مع ثبوت المباينة بينهما وبين تلك المتعلقات كمباينة العلم للمعلوم والقدرة للمقدور والسمع للمسموع فلو قيل صفة السمع ليست مباينة للمسموع كان مكابرة وردا لأوائل العقول وبدائهها وإذا لزم من تحقق الصفة وإمكان تعلقها بمتعلقها مباينتها له فهذه المباينة تابعة لمباينة الذات فإن الصفة لا تقوم بنفسها فإذا باين العلم والسمع والبصر والقدرة والإرادة لمتعلقاتها بمعنى انفصالها عنه فمباينة الذات أولى وهذا لا محيص عنه ويلزم من ثبوت هذه المباينة ثبوتها بين النوع الاخر وبين المخلوق بطريق الأولى.(4\/1335)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1188",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4469",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: الطريق الثامن والعشرون (الوجه الخامس والسبعون بعد المائة) : أنهم إذا اعترفوا بقيام الصفات بالذات وأنها زائدة على الذات المجردة ولم يكن ذلك تجسيما ولا تركيبا يستلزم الحدوث بطلت كل شبهة لهم تمنع العلو والاستواء على العرش فإن مدارها على أن ذلك يستلزم التركيب والتجسيم وهو يستلزم الافتقار والحدوث وقد صرحوا هم بالتزام هذا القدر ولم ينكروه لأجل تسمية المعطلة له تركيبا وتجسيما وقالوا لخصومهم من نفاة الصفات التركيب خمسة أنواع أحدها تركيب الموجود من الوجود والماهية والثاني تركيب الحقيقة من الوجود والوجوب. والثالث: تركيب الذات الموصوفة من الذات والصفات قالوا وهذه الأقسام الثلاثة لا تنافي وجوب الوجود ولا يتحاشى من إلقائها والدليل لا يدل على بطلانها لأن الدليل إنما دل على انتهاء الممكنات إلى واجب بذاته لا علة له ولم يدل على أنه لا ماهية له ولا صفة له. والرابع: من التركيب تركب الجسم من الجواهر الفردة. والخامس: تركبه من المادة والصورة عند من يقول بهذا وهذا ولا ريب أنه يمتنع وجود موجود قائم بنفسه بدون ثبوت(4\/1336)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1189",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4470",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأقسام الثلاثة الأولى وتسميتهم لذلك تركيبا خطأوكذب على اللغة وإن قالوا نحن اصطلحنا على تسميته تركيبا قيل فلا ترتفع بسبب اصطلاحكم المتضمن للتلبيس والإيهام الحقائق الموجودة والمعاني العقلية ولا تنكر بتشبيه علم الرب وحياته وقوته وسمعه وبصره وكلامه وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه فإنه ليس في العقل ما ينفي ذلك بل العقل الصريح يصدق السمع الدال على إثبات صفات الرب سبحانه ومباينته لمخلوقاته والعقل أثبت موجودا واجبا بنفسه غنيا عما سواه وأما كون ذلك الموجود مجردا عن الصفات الثبوتية لا يوصف إلا بالسلوب والإضافات العدمية فالعقل لا يدل على ذلك بل يدل على خلافه كما يدل السمع. فصل: الطريق التاسع والعشرون (الوجه السادس والسبعون بعد المائة) : أن يقال ما أثبته هؤلاء المعطلة من المباينة لا يبطل الحلول والاتحاد فإنهم أثبتوا مباينة في المفهوم كمباينة طعم التفاحة للونها وريحها وشكلها ومعلوم أن هذه المباينة لا تقتضي انفصال كل من المتباينين من الآخر بل هي ثابتة مع قيام هذه الصفات كلها بمحل واحد وهذه المباينة معناها أن هذا غير هذا وهذا القدر الذي أثبته النفاة من المباينة(4\/1337)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1190",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4471",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا ينافي كونه حالا في غيره ولا حلول غيره فيه ولا تقتضي قيامه بنفسه ولا انفصال ذاته عن ذات خلقه بل ولا يقتضي تنزيهه عن التشبيه والتمثيل وأما المباينة التي دل عليها العقل والنقل والفطرة فأعظم من ذلك فإنها مباينة تستلزم تفرده بصفات كماله ونعوت جلاله وكونه أعظم من كل شيء وفوق كل شيء وعاليا على كل شيء وأن يكون هو الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء والظاهر الذي ليس فوقه شيء والباطن الذي ليس دونه شيء فباين خلقه بذاته وصفاته وأفعاله وأوليته وآخريته ووجوب وجوده وامتناع عدمه وكثرة أوصافه التي ليس كمثله فيها شيء فهو العليم الذي ليس كمثله شيء في علمه البصير الذي ليس كمثله شيء في بصره القدير الذي ليس كمثله شيء في قدرته الحي القيوم الذي ليس كمثله شيء في حياته وقيوميته العلي الذي ليس كمثله شيء في علوه بل هو منفرد بذاته وصفاته عن مماثلة مخلوقاته فله أعظم المباينة وأجلها وأكملها كما له من كل صفة كمال أعظمها وأكملها فهذه هي المباينة التي لا يليق به غيرها فأثبت له النفاة المعطلة مباينة لا حقيقة لها ولا ترجع إلى أمر وجودي بل المباينة التي أثبتوها من جنس مباينة العدم للوجود والمباينة التي أثبتها لنفسه مباينة فوق كل مباينة.(4\/1338)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1191",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4472",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: الطريق الثلاثون (الوجه السابع والسبعون بعد المائة) : إنه لو لم يكن مباينا للعالم لزم أحد أمور ثلاثة قد قال بكل منها قائل أحدها أن يكون هو هذا العالم كما قال أهل وحدة الوجود والذي قادهم إلى هذا القول هو نفي المباينة كأن قلوبهم وفطرهم طلبت معبودا فلما اعتقدوا أنه غير مباين للعالم وتيقنوا أنه موجود قائم بنفسه قالوا فهو هذا العالم بعينه الثاني قول من يقول بل هو حال في العالم وهو قول الحلولية الثالث قول من يقول لا هو العالم ولا هو حال فيه ولا بائن عنه ولا متصل به ولا منفصل عنه وهو قول الجهمية ومعلوم أنه إذا عرض على العقول الصحيحة هذه الأقوال الأربعة علمت أن الصواب منها القول بأنه سبحانه بائن من خلقه وإذا كان القولان الآخران مخالفين لصريح العقل فالقول الثالث أشد مخالفة لصريح العقل منهما لأنه يتضمن نفي النقيضين وإن كان ممكنا في العقل فالقولان أقرب إلى الإمكان منه(4\/1339)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1192",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4473",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإما أن يكون واجبا والقولان مخالفان للعقل فهذا تحكم باطل. فهذه ثلاثون طريقا مضافة إلى الوجه السابع والأربعين بعد المائة في بيان عدم معارضة العقل للنقل وبيان موافقتهما وتطابقهما وحينئذ فنقول في الوجه الثامن والسبعين بعد المائة: أن هؤلاء المعارضين للوحي بآرائهم وعقولهم تتضمن معارضتهم الفرية على الوحي والعقل واللغة والفطرة وإفسادها. أما فريتهم على الوحي فإنهم متى اعتقدوا معارضة العقل له لزمهم أحد أمرين باطلين إما أن يقولوا إن الرسل أرادوا من الناس اعتقاد الباطل وخلاف الصواب أو أنهم أتعبوهم غاية التعب وكلفوهم أعظم الحرج وهو اعتقاد خلاف ما دلت عليه النصوص ومعرفة الحق بعقولهم وفطرهم والاجتهاد في صرف ألفاظ الوحي عن حقائقها وظواهرها المفهومة منها وبيان ذلك أنهم إما أن يريدوا منهم اعتقاد الظاهر أو يريدوا منهم خلافه فإن أرادوا الأول وهو باطل عند النفاة فقد أرادوا منهم اعتقاد الباطل وإن أرادوا الثاني لزمت تلك المفاسد العظيمة وعلى التقديرين فلا يكونون قد بينوا الحق ولا هدوا الخلق.(4\/1340)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1193",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4474",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما فريتهم على العقل فإنهم جاءوا إلى المقدمات الفطرية التي فطر الله عليها عباده فجعلوها من حكم الوهم والخيال وجاءوا إلى المقدمات الباطلة فجعلوها من أ ; كام العقل فافتروا على العقل في النفي والإثبات. وأما فريتهم على الفطرة فإن الله فطر عباده على الإقرار بعلوه كما فطرهم على الإقرار بأنه ربهم وخالقهم فغيروا الفطرة وأفسدوها بإنكار ذلك. وأما فريتهم على اللغة فإنهم أزالوا دلالة الألفاظ الدالة على ذلك دلالة صريحة لا يحتمل غير معناها عن مواضعها وأنشأوا لها معاني أخر حملوها عليها لقطع من له إلف بتلك اللغة أن المتكلم لم يرد بتلك الألفاظ ما ذكروه من المعاني كما حملوا قوله يخافون ربهم من فوقهم [النحل50] على معنى قول القائل الذهب فوق الفضة والمسك فوق العنبر أي في القيمة والقدر ومعلوم أن هذا التركيب الخاص لا يحتمل هذا المعنى في لغة أمة من الأمم ولا يجوز أن يراد باللفظ وكذلك قوله: quot;إنكم ترون ربكم عيانا كما ترون القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب وكما ترون الشمس في الظهيرة صحوا ليس دونها سحابquot; فمثل هذا اللفظ إذا حمل على(4\/1341)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1194",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4475",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غير معناه الظاهر لكل أحد كان فرية على اللغة كما هو فرية على المتكلم به وعامة تأويلات النفاة المعطلة من هذا الباب لمن تدبرها ورزق هداية وإنصافا وأما الأعمى المتبع هواه فكما قال الله عز وجل ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور [النور40] الوجه التاسع والسبعون بعد المائة: إن المعارضين للوحي بعقولهم في الأصل هم أعداء الرسل المكذبون لهم كما تقدم ودونهم طوائف الجهمية المعطلة وملاحدة الصوفية وزنادقة الباطنية وخونة الولاة وظلمتهم فالجهمي يقول قال لي عقلي وملاحدة المتصوفة يقول قائلهم قال لي قلبي وزنادقة الباطنية يقولون لكل شيء تأويل وباطن يعلمه أهل الباطن وينكره أهل الظاهر وخونة الولاة يقولون لا تستقيم أمور الرعية إلا بهذه السياسة ولو وكلناهم إلى الشريعة لفسدت أمورهم ولقد وقعت على فصل من كلام أبي الوفاء بن عقيل في ذلك قال المتكلمون دققوا النظر بأدلة العقول فتفلسفوا والصوفية اهتموا بالمتوهمات على واقعهم فتكهنوا لأن الفلاسفة اعتمدوا على كشف حقائق الأشياء بزعمهم والكهان اعتمدوا على ما يلقى إليهم من الاطلاع وهم جميعا خوارج على الشرائع هذا يتجاسر أن يتكلم في المسائل التي(4\/1342)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1195",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4476",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيها صريح نقل بما يخالف ذلك المنقول بمقتضى ما يزعم أنه حكم العقل وهذا يقول قال لي قلبي عن ربي فلا على هؤلاء أصبحت ولا على هؤلاء أمسيت لا كان مذهب جاء على غير طريق السفراء والرسل ولا نفق فقد طبع على غير السكة النبوية هل يعلم للصوفية عمل في إباحة دم أو فرج أو تحريم معاملة أو فتوى معمول بها في عبادة أو معاقدة أو للمتكلمين بحكم الكلام حاكم ينفذ حكمه في بلد أو رستاق أو تصيب للمتوهمة فتاوي وأحكاما إنما أهل الدولة الإسلامية والشريعة المحمدية المحدثون والفقهاء هؤلاء يروون أحاديث الشرع وينفون الكذب عن النقل ويحمون النقل عن الاختلاف والغلط وهؤلاء ينفون عن الأخبار تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وهؤلاء هم الذين عدلهم النبي بقوله يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله فهم العدول على(4\/1343)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1196",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4477",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سائر الطوائف فقبل قولهم على الناس ولا يقبل قول الناس عليهم والخارج عن هؤلاء وإن خفقت بنوده وكثرت جموعه وسعى حتى ضرب له الدرهم والدينار وخطب باسمه على رؤوس المنابر لا تكون أموره إلا على المغالطة والمجالسة لأنه كالخارج على الملك الذي دانت له الرعايا ونفذ حكمه في البلاد فالخارج عليه لا يزال خائفا مستوحشا يخشى من أن يقابله الملك بقتال أو يصافه بحرب لأن في نفس الخارجي بقية من الحماس الباطل والملك وإن قلت جموعه فعنده صولة الحق وهيبة الملك ولذلك الغريب المداوي للناس بزعمه مع الطبيب المقيم هذا مجتاز يطلب من الأدوية ما يسكن الألم في الحال ويضع على الأمراض الأدوية الحارة العاملة بسرعة فيأخذ الخلعة والعطية لسكون الألم وإزالة المرض ويصبح على أرض أخرى ومنزل بعيد فطبه مجازفة لأنه يأمن المعاتبة والمواقعة والأطباء المقيمون يلامون على تطويل العلاج وإنما سلكوا الملاطفة بالأدوية المركبة دون الحارة لأن الحارة من الأدوية وإن عجلت سكون الآلام فإنها غير مأمونة الغوائل ولا سليمة العواقب لأن ما يعطي الأدوية الحارة من السكون إنما هو لغلبة المرض وحينما غلبت الأمراض أوهشت قوى المحل الذي حلت به فهو كما قيل الدواء للبدن كالصابون(4\/1344)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1197",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4478",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للثوب ينقيه ويبليه كذلك كلما أحد الصابون وجاد أخلق الثوب فكذلك الفقهاء والمحدثون يقصرون عن الاستقصاء في إزالة الشبهة لأنهم عن النقل يتكلمون وللخوف على قلوب العوام من الشكوك يقصرون القول ويحققون فهم حال الأجوبة ينظرون في العواقب والمبتدعة والمتوهمة يهجمون فعلومهم فرح ساعة ليس لها ثبات فإن اشتبه على قوم ما دله جهال الصوفية عليهم من الأخذ بقوله في أمتي محدثون وملهمون وعمر منهم قيل لو نطق عمر برأيه ما نطق ولم يصدقه الوحي لم يلتفت إلى واقعاته وما يحدث به ولا يبني الشرع والأحكام على فراسته ألا ترى إلى قول من هو خير منه أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي سبحان الله العظيم يقول الصديق هذا(4\/1345)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1198",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4479",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأسلم اليوم لشيخ رباط يخلو بأمرد على شمعة ويأكل من الحرام شبعة ويسمع الغناء في مجالس المردان من النساء الأجانب والصبيان تهزه الأشعار الخماريات وتثقل عليه الايات البينات يرقص على ذكر المليح والمليحة طلبا ورغبا ويتواجد على المواصيل والألحان طربا قد اتخذ دينه لهوا ولعبا تقرب أولياء الله إليه بالقرآن وتقرب هو باستماع المعازف والألحان مفتون في نفسه فاتن لأشباهه وبني جنسه فإذا لمت أحدهم قال أنا خير أم الشيخ فلان وذاك لعمرو الله من أولياء الشيطان قد نصبه شبكة يصطاد به جهلة العوام ويحتج به على أشباه الأنعام فما أعظم على الناس فتنته وما أشد على الدين محنته يقول أتباعه المفتونون وحزبه المغرورون نسلم إلى الشيخ طريقته وأي طريقة مع الشرع هل أبقت الشريعة لقائل مقالا أو لمتصرف بعدها مجالا وهل جاءت إلا بهدم العوائد ونقض الطرائق ما على الشريعة أضر من مبتدعة المتكلمين وجهلة المتصوفين هؤلاء يفسدون العقول بتوهمات وشبهات تشبه المعقول وهؤلاء يفسدون الأعمال ويهدمون قوانين الأزمان يحبون البطالات والاجتماعات على اللذات وسماع أصوات المشوشات للمعايش والطاعات أولئك يجرئون الشباب والأحداث على البحث وكثرة السؤال والاعتراضات وتتبع الشرع(4\/1346)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1199",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4480",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالمعارضات والمناقضات وما عرفنا للسلف الصالح أحوال أولئك البطالين أصحاب الشهوات ولا أحوال هؤلاء المتكلمين أرباب الشبهات بل كانوا عبيد إيمان وتسليم عن معرفة تامة وبصيرة نافذة وجد وتشمير في الطاعات فنصيحتي لإخواني من المؤمنين الموحدين أن لا يقرع أبصار قلوبهم كلام المتكلمين ولا تصغي مسامعهم إلى خرافات المتصوفين بل الشغل بالمعائش أولى من بطالة المتصوفة والوقوف على النصوص أولى من شبهات المتخيلة المتوهمة وقد خبرت طريق الفريقين غاية هؤلاء الشك وغاية هؤلاء الشطح قال والمتكلمون عندي خير من المتصوفة لأن المتكلمين مؤداهم مع التحقيق مزيد الشكوك في حق بعض الأشخاص ومؤدي المتصوفة إلى توهم الإشكال والتشبيه وهو الغاية في الإبطال بل هو حقيقة المحال. ما يسقط المشايخ من عيني وإن نبلوا عند الناس أقدارا وأنسابا وعلوما وأخطارا إلا قول العاقل منهم إذا خوطب بمقتضى الشرع عادتنا كذا يشير إلى طريقة قد قننوها لأنفهسم تخرج عن سمت الشرع قد اختلقوا طريقة واستحدثوا رسوما وكل مختلق مستحدث فبدعة(4\/1347)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1200",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4481",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والاستمرار على ترك السنن خذلان قال أحمد رضي الله عنه وقد سئل عن رجل استمر على ترك الوتر هذا رجل سوء إياك أن تتبع شيخا يقتدي بنفسه ولا يكون له إمام يعزى إليه ما يدعوك إليه ويتصل ذلك بشيخ إلى شيخ إلى الرسول الله صلى الله عليه وسلم الله الثقة بالأشخاص ضلال والركون إلى الآراء ابتداع اللين والانطباع في الطريقة مع السنة أحب إلي من الخشونة والانقباض مع البدعة لا تتقرب إلى الله تعالى بالامتناع مما لم يمنع منه كما لا تتقرب إليه بعمل مالم يأذن فيه. أصحاب الحديث رسل السفير إلينا والفقهاء تراجم لمعاني كلامه ولا يتم اتباع إلا بمنقول ولا فهم منقول إلا بترجمان وما عداهما تكلف لا يفيد إلا التعب والعناء وإلى هذين القسمين انقسم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نقلة وفقهاء ولا يعرف فيهم ثالث إلا أصحاب المعاش والتجارات لا مشايخ ربط ولا مناخات البطالات ولا أصحاب زوايا ينتظرون الفتوحات ولا رقاصون على الغناء والأصوات المطربات ولا متكلمون بالتخيلات والشبهات ولا بالشطحات والتوهمات ولا بالكلمات الخمس والمقولات العشر(4\/1348)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1201",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4482",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والموجهات والمختلطات بل كانا بحبل الوحي معتصمين وبكتاب ربهم وسنة نبيهم متمسكين وهو في قلوبهم أجل من أن تضرب له الأمثال أو تتقدم إليه آراء الرجال. يا أصحاب المخالطات والمعاملات عليكم بالورع ويا أصحاب الزوايا والانقطاع عليكم بحسم مواد الطمع ويا أرباب العلم والنظر إياكم واستحسان طرائق أهل العلم والخدع ليست السنة بحب معاوية ويزيد ولا بمجرد حب أبي بكر وعمر ولا بإزعاج أعضائك بالصلاة على السفر ولا بالاكتحال يوم عاشوراء والتوسعة على العيال السنة تتبع طريق الرسول واقتفاء آثاره والوقوف عند مراسمه وحدوده من غير تقصير ولا غلو وأن لا يتقدم بين يديه ولا تختار لنفسك قولا لم يتبين لك أنه جاء به فالسنة مقابلة أوامره بالامتثال ونواهيه بالانكفاف وأخباره بالتصديق ومجانبة الشبه والآراء وكل ما خالف النقل وإن كانت له حلاوة في السمع وقبول في القلب ليست القلوب والعقول والآراء معيارا على الشرع ليس لله طائفة أجل من قوم حدثوا عنه وعن رسوله وما أحدثوا وعولوا على ما رووا لا على ما رأوا الوقوف مع النقل مقام الصديقين وورثة النبيين والمرسلين هذه نصيحتي لنفس ولإخواني من المؤمنين فهذا كلام من دخل مع(4\/1349)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1202",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4483",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المتكلمين إلى غايتهم ووقف على نهايتهم وخبر الكلام وقلاه وعرف مداه ومنتهاه وقد تقدم حكاية كلام معاصره ومناظره أبي حامد الغزالي في ذم الكلام وهما من أعلم أهل عصرهما بمذاهب المتكلمين. الوجه الثمانون بعد المائة: إنه من المعلوم عند جميع العقلاء أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم هم أعقل الخلق وعقولهم أكمل العقول ولهذا كان ما جاءوا به فوق عقول البشر ولهذا حصل على أيديهم من الخير مالم يحصل على أيدي سواهم وصلح من أحوال النفوس والقلوب وعمارتها بالخير وتزكيتها بالعلم والعمل مالم يحصل لأحد غيرهم فعمارة القلوب والدنيا والآخرة على أيديهم وكل فساد في العالم عاما وخاصا فإنما سببه العدول عما جاءوا به ومخالفتهم فإذا استقريت جميع الشرور التي في العالم جزئياتها وكلياتها وكل فتنة وبلية ورزية رأيت سببها معصيتهم وكل خير ونعمة في الدنيا والآخرة فسببه طاعتهم واستقر هذا من زمن نوح إلى ساعتك التي أنت فيها وما عذبت به الأمم من أنواع العذاب وما جرى على هذه الأمة حتى ما أصيب به المسلمون مع نبيهم يوم أحد كان سببه معصية أمره وللعاقل البصير عبرة في نفسه وأحواله خاصة فهذا شأن هذه العقول الزاكية الكاملة وشأن من خلقهم بمعقوله وإذا كان هذا التفاوت بين عقولهم(4\/1350)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1203",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4484",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعقول الناس في الأمور المتعلقة بالإرادات والأعمال والحب والبغض فما الظن بالتفاوت الذي بين عقولهم وعقول الناس في العلوم والمعارف فما الظن بما يتعلق بمعرفة الرب تعالى وأسمائه وصفاته وشأنه ويالله العجب كيف يقدم قول من يقول قال لي عقلي عن ابن سينا والفارابي وارسطاطاليس وأشباههم أو عن أبي الهذيل العلاف والشحام والنظام وأضرابهم أو عمن تلقى عن هؤلاء على قول من يقول قال لي جبريل عن رب العالمين فالرسول يقول قال لي ربي وهذا المعارض يقول قال لي عقلي أو قال أرسطاطاليس ونحوه الوجه الحادي والثمانون بعد المائة: لو عورض ما جاء به خاتم الرسل صلوات الله وسلامه عليه بموسى وعيسى كانت هذه المعارضة ضلالا وانسلاخا من الدين بالكلية كما صرح به وقد رأى بيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ورقة من التوراة فقال أمتهوكون يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم فإذا كان اتباع موسى مع وجود محمد ضلالا فكيف باتباع أرسطو وابن سينا ورؤوس الجهمية والمعطلة وفي بعض ألفاظ هذا الحديث كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتابا غير(4\/1351)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1204",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4485",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كتابهم أنزل على نبي غير نبيهم فأنزل الله تعالى أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب [العنكبوت51] فكيف بضلالة قوم اتبعوا كتابا أوحاه الشيطان إلى رؤوس المشركين وأهل الضلال لم ينزله الله على نبي من أنبيائه فلا نزل به وحي ولا نطق به نبي كما قال تعالى عن هؤلاء المعارضين للوحي وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون [الأنعام121] وقال تعالى وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الأنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون [الأنعام113 , 112] يوضحه الوجه الثاني والثمانون بعد المائة: وهو أن الله سبحانه أنكر على من لم يكتف بكتابه فقال أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون [العنكبوت51] ومن المحال أن يكون الكتاب الذي يخالفه صريح(4\/1352)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1205",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4486",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العقل كافيا وإنما يكون كافيا لمن قدمه على كل معقول ورأي وقياس وذوق وحقيقة وسياسة فهذا الكتاب في حقه كاف له كما أنه إنما يكون رحمة وذكرى له دون غيره وأما من أعرض عنه أو عارضه بآراء الرجال فليس بكاف له ولا هو في حقه هدى ولا رحمة بل هو من الذين آمنو بالباطل وكفروا بالله يوضحه الوجه الثالث والثمانون بعد المائة: أن هؤلاء الذين لم يكتفوا بكتابه حتى سلكوا بزعمهم طريقة العقل وعارضوه به وقدموه عليه من جنس الذين لم يكتفوا به سبحانه إلها حتى جعلوا له أندادا يعبدونهم كما يعبدون الله بل أولئك لم يقدموا أندادهم على الله فهؤلاء جعلوا لله ندا يطيعونه ويعظمونه ويعبدونه كما يعظمون الله ويعبدونه وهؤلاء جعلوا لكتابه ندا يتحاكمون إليه ويقبلون حكمه ويقدمونه على حكم كتابه بل الأمران متلازمان فمن لم يكتف بكتابه لم يكتف به فمتى جعل لكتابه ندا فقد جعل له ندا لا يكون غير ذلك البتة. فلا ترى من عارض الوحي برأيه وجعله ندا له إلا مشركا بالله قد اتخذ من دون الله أندادا ولهذا كان مرض التعطيل ومرض الشرك أخوين متصاحبين لا ينفك أحدهما عن صاحبه فإن المعطل قد جعل آراء الرجال وعقولهم ندا لكتاب الله والمشرك قد جعل ما يعبده من الأوثان ندا له ومما يبين تلازم التعطيل والشرك أن القلوب(4\/1353)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1206",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4487",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خلقت متحركة طالبة للتأله والمحبة فهي لا تسكن إلا بمحبوب تطمئن إليه وتسكن عنده يكون هو غاية محبوبها ومطلوبها ولا قرار لها ولا طمأنينة ولا سكون بدون هذا المطلوب والظفر به والوصول إليه ولو ظفرت بما ظفرت به سواه لم يزدها ذلك إلا فاقة وفقرا وحاجة وقلقا واضطرابا. فطلب هذا المراد المطلوب كامن مستقر فيها وإن أعرضت عنه واشتغلت بغيره ولم تشعر به فوجود الشيء لا يستلزم الشعور به بل وجوده شيء والشعور به شيء وهذا الطلب والإرادة هو بحسب الشعور والمعرفة بالمطلوب المراد وصفات كماله ونعوت جلاله وجماله فكيف إذا انضاف إلى ذلك معرفته بشدة الحاجة إليه والفاقة والضرورة وأنه لا حياة له في الحقيقة ولا فلاح ولا لذة ولا سرور ولا نعيم إلا بقربه والإنس به والتنعم بذكره وأن منزلة ذلك من الروح منزلة الروح من البدن فإذا فقدته الروح كانت كالبدن الفاقد لروحه بل القلب مضطر إليه فقير إليه أعظم من ضرورة البدن إلى روحه إذ غاية ما يقدر بفوات الروح موت البدن وقد يعقبه راحة العبد وأما إذا فات الروح والقلب هذا المطلوب المحبوب ماتت موتا يتضمن كل ألم وهم وغم وحزن وخوف واضطراب فلو أن ما يحصل للقلب من الموت مثل موت البدن لكان في الموت راحة ولكنه موت يتجرع صاحبه كاسات الآلام من الهموم والغموم والحسرات(4\/1354)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1207",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4488",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت [إبراهيم17] وهذا أمر لا يصدق به إلا من باشر قلبه هذا وهذا وإذا كانت الروح مفطورة على تأله فاطرها وخالقها وهي فقيرة إليه أعظم الافتقار من جهة كونه ربها وخالقها وممسكها وحافظها ومغذيها وطبيها ومداويها ومن جهة كونه إلهها ومحبوبها ومطلوبها وغاية مناها فهي إلى معرفة هذا المطلوب ومعرفة كماله وجماله وأوصاف جلاله أشد شيء ضرورة وكلما كانت معرفتها بذلك أوفر كانت محبتها له أقوى مالم يعقها عائق ويمنعها مانع من مرض يتعطل به أو تضعف عن نهوضها بالجد في طلب هذا المحبوب. وهذا العائق شيئان إما جهل بهذا المطلوب وكونه لم يقدره حق قدره ولم تهتد من معرفة كماله وجماله وجلاله إلى ما يدعوها إلى طلبه وإيثاره على غيره وإما فساد في إرادتها لماتعلقت بغيره وآثرته عليه ففسدت فطرتها التي فطرت عليها فانتقلت بفسادها عنه إلى غيره وهذه مقدمات فطرية ضرورية لا ينازع فيها سليم العقل والفطرة وإذا عرف هذا فالرسل جاءوا بكمال الأمرين على أتم الوجوه فإنهم ذكروا من صفات هذا الرب الذي تألهه القلوب(4\/1355)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1208",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4489",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتطمئن إليه الأرواح ما يكون داعيا إلى محبته وأمروا الناس من توحيده وعبادته وحده لا شريك له بما إذا فعلوه أحبهم عليه فجاءت النفاة المعارضون للوحي بعقولهم وآرائهم فوقفوا في طريق الرسل وأتوا بما يضاد دعوتهم فنفوا صفاته التي تعرف بها إلى عباده وجعلوا إثباتها تجسيما وتشبيها ووصفوه من السلوب والنفي بما حال بين القلوب وبين معرفته وأكدوا ذلك بأنه لا يحب ولا يحب ولا له وجه يراه العابدون المحبون له يوم القيامة فضلا عن أن يحصل لهم لذة هناك بالنظر إليه ولا يكلمهم ولا يخاطبهم ولا يسلم عليهم من فوقهم فلما استقر هذا النفي في قلوبهم تعلقت بغيره من أصناف المحبوبات فأشركت به في المحبة ولا بد وكان أعظم الأسباب الحاملة لها على الشرك هو التعطيل فانظر إلى تلازم الشرك والتعطيل وتصادقهما وكونهما رضيعي لبان ثدي أم تقاسما ... بأسحم داج عوض لا نتفرق الوجه الرابع والثمانون بعد المائة: إن هؤلاء المعطلة النفاة المعارضين للوحي بآرائهم ومعقولاتهم من الظانين بالله وكتابه ورسوله ظن السوء ولم يجيء في القرآن وعيد أعظم من وعيد من ظن به ظن السوء قال تعالى:(4\/1356)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1209",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4490",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا [الفتح6 , 5] وقال تعالى ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين [فصلت23 , 22] فهؤلاء ظنوا أنه لا يعلم بعض الجزئيات فكيف بم ظن أنه لا علم له ولا سمع ولا بصر ولا تكلم ولا يتكلم ولا استوى على عرشه ولا له فعل حقيقة يدبر به الأمر ولا له حكمة يفعل ما يفعل لأجلها وأولئك جوزوا عليه أن لا ينصر رسوله وأن يجعل الدائرة عليه وعلى المؤمنين. ومنكرو الحكمة والتعليل يجوزون عليه أن يعذب أنبياءه ورسله قالوا ولا نعلم تنزيهه عن ذلك بالعقل وإنما نعلم بالخبر ومن أعظم ظن السوء به وبكتابه أن يظن أن العقل الصريح مخالف له وأي نقص وعيب أبلغ من نقص كلام مخالف لصريح المعقول وأي إساءة ظن أعظم من هذه الإساءة يوضحه.(4\/1357)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1210",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4491",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الخامس والثمانون بعد المائة: إن هذا نسبة له إلى كونه كذبا في نفسه فإنه إذا خالف صريح العقل لم يكن مطابقا لمخبره فيكون المتكلم به قد أخبر بخبر لم يطابق مخبره وهذا حقيقة الكذب بل هو من أقبح الكذب فإن الكذب نوعان أحدهما: كذب يجوز أن يكون متعلقه واقعا كمن يقول مات فلان أو تزوج أو ولد له ولم يكن ذلك والثاني: كذب لا يجوز أن يقع متعلقه وهو ما يحيله العقل وهذا أقبح نوعي الكذب فكيف يجوز على أصدق الكلام وأهداه وأفضله أن يكون فيه أقبح نوعي الكذب الوجه السادس والثمانون بعد المائة: إن من ادعى معارضة العقل لما جاءت به الرسل من صفاته وأفعاله وحقائق أسمائه لم يقدره حق قدره وقد ذم الله تعالى من لم يقدره حق قدره في ثلاثة مواضع من كتابه: أحدها قوله: وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء [الأنعام91] الثاني: قوله يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم(4\/1358)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1211",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4492",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز [الحج74 , 73] الثالث: قوله وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون [الزمر67] فأخبر أنه لم يقدره حق قدره من أنكر إرساله للرسل وإنزال كتبه عليهم وهذا حقيقة قول من قال إنه لا يتكلم ولم ينزل له إلى الأرض كلام ولا كلم موسى تكليما ومعلوم أن هذا إنكار لكمال ربوبيته وحقيقة إلهيته ولحكمته ولم يقدره حق قدره من عبد من دونه إلها غيره ولم يقدره حق قدره من جحد صفات كماله ونعوت جلاله وقد وصف سبحانه نفسه بأنه العلي العظيم وحقيقة قول المعطلة النفاة أنه ليس بعلي ولا عظيم فإنهم يردون علوه وعظمته إلى مجرد أمر معنوي كما يقال الذهب أعلى وأعظم من الفضة والبر أعلى وأعظم من الشعير وقد صرحوا بذلك فقالوا معناه علي القدر وعظيم القدر قال شيخنا فيقال لهم أتريدون أنه في نفسه علي الذات عظيم القدر وإن له في نفسه قدرا عظيما أم تريدون أن عظمته(4\/1359)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1212",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4493",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقدره في النفوس فقط فإن أردتم الأول فهو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة والعقل فإذا كان في نفسه عظيم القدرفهو في قلوب الخلق كذلك ومع ذلك فلا يحصي أحد ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه ولا يقدر أحد قدره ولا يعلم عظم قدره إلا هو وتلك صفة يمتاز بها وبختص بها عن خلقه إذ هي من لوازم ماهيته وذاته التي اختص بها عن خلقه كما قال الإمام أحمد لما قالت الجهمية إنه في المخلوقات نحن نعلم مخلوقات كثيرة ليس فيها من عظم الرب شيء وإن أعدتم ذلك إلى مجرد تعظيم القلوب له من غير أن يكون هنانك صفات ثبوتية وقدر عظيم يختص به فذاك اعتقاد لا حقيقة له وصاحبه قد عظمه بأن اعتقد فيه عظمةلا حقيقة لها وذلك يضاهي اعتقاد المشركين في آلهتهم. وإن قالوا بل يزيد معنى ثالثا لا هذا ولا هذا وهو أن له في نفسه قدرا يستحقه لكنه قدر معنوي قيل لهم أتريدون أن له حقيقة عظيمة يختص بها عن غيره وصفات عظيمة يتميز بها وذاتا عظيمة تمتاز عن الذوات وماهية عظيمة(4\/1360)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1213",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4494",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أعظم من كل ماهية ونحو ذلك من المعاني المعقولة فذلك أمر وجودي محقق وإذا أضيف ذلك إلى الرب كان بحسب ما يليق به ولا يشركه فيه المخلوق كما أنه إذا أضيف إلى المخلوق كان بحسب ما يليق به ولا يشركه فيه الخالق فهو في حق الخالق تعالى قدر يليق بعظمته وجلاله وفي حق المخلوق قدر يناسبه كما قال تعالى قد جعل الله لكل شيء قدرا [الطلاق3] فما من مخلوق إلا وقد جعل الله له قدرا يخصه والقدر يكون علميا ويكون عينيا فالأول هو التقدير العلمي وهو تقدير الشيء في العلم واللفظ والكتاب كما يقدر العبد في نفسه ما يريد أن يقوله ويكتبه ويفعله فيجعل له قدرا ومن هذا تقدير الله سبحانه لمقادير الخلائق في علمه وكتابه قبل تكوينها ثم كونها على ذلك القدر الذي علمه وكتبه. فالقدر الإلهي نوعان: أحدهما: في العلم والكتابة والثاني: خلقها وبرأها وتصويرها بقدرته التي بها يخلق الأشياء والخلق يتضمن الإبداع والتقدير جميعا والمقصود أن كل موجد فله قدر والعباد لا يقدرون الخالق قدره والكفار منهم لا يقدرونه حق قدره ولهذا لم يذكر ذلك سبحانه إلا في حقهم قال تعالى:(4\/1361)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1214",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4495",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء [الأنعام91] وهذا إنما وصف به الذين لا يؤمنون بجميع كتبه المنزلة من المشركين واليهود وغيرهم وقال تعالى وما قدروا الله حق قدره ولم يقل وما قدروا الله قدره فإن حق قدره هو الحق الذي لقدره فهو حق عليهم لقدره سبحانه فجحدوا ذلك الحق وأنكروه وما قاموا بذلك الحق معرفة ولا إقرارا ولا عبودية وذلك جحود وإنكار لبعض قدره من صفات كماله وأفعاله لجحودهم أن يتكلم أو يعلم الجزئيات أو يقدر على إحداث فعل فشبهات منكري الرسالة ترجع إلى ذلك أما إنكار علمه تعالى أو إنكار قدرته أو إنكار كلامه فمن أقر بما أرسل به رسله وأنه عالم به متكلم بكتبه التي أنزلها عليهم قادر على الإرسال لا يليق بحكمته تركه فقد قدره حق قدره من هذا الوجه إن لم يقدره حق قدره مطلقا وكذلك ذكر الآية الأخرى في سياق خطابه للمشركين ولمنكري آياته كقوله وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون [الزمر54] إلى قوله بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين [الزمر59 إلى قوله:(4\/1362)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1215",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4496",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة [الزمر67] فكان هذا ردا على المشركين والمعطلين الجاحدين لتوحيده ولصفاته كما كان ذلك ردا على منكري كتبه ورسله وهذان أصلا الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الذي وصف به نفسه هاهنا يتضمن من اقتداره على تغيير العالم وتبديله ما يبطل قول أعدائه الملاحدة المكذبين بالمبدأ والمعاد أئمة هؤلاء المعارضين للوحي بالعقل والرأي وقال تعالى في آية الحج إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس [الحج75 , 73] فما قدره من عبد من دونه من لا يخلق ذبابا واحدا وإن سلبه الذباب شيئا مما عليه من خلوق وغيره لم يقدر على استنقاذه منه ولا يكون أضعف من هذا الإله وعابده(4\/1363)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1216",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4497",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكيف يعبد من دون من له القوة كلها والعزة كلها ولما كان هذا من جهلهم بالله وترك تعظيمه الذي ينبغي له قال كثير من المفسرين في معنى ذلك ما عظموه حق عظمته وقال بعضهم ما عرفوه حق معرفته وقال بعضهم ما عبدوه حق عبادته وقال آخرون ما وصفوه حق صفته ولما كان أهل العلم والإيمان قد قاموا من ذلك بحسب قدرتهم وطاقتهم التي أعانهم بها ووفقهم بها لمعرفته وعبادته وتعظيمه لم يتناولهم هذا الوصف فإن التعظيم له سبحانه والمعرفة والعبادة ووصفه بما وصف به نفسه قد أمر به عباده وأعانهم عليه ورضي منهم بمقدورهم من ذلك وإن كانوا لا يقدرونه قدره ولا يقدر أحد من العباد قدره فإنه إذا كانت السماوات السبع في يده كالخردلة في يد أحدنا والأرضون السبع في يده الأخرى كذلك فكيف يقدره حق قدره من أنكر أن يكون له يدان فضلا عن أن يقبض بهما شيئا فلا يد عند المعطلة ولا قبض في الحقيقة وإنما ذلك مجاز لا حقيقة له وللجهمية والمعطلة نفاة الصفات من هذا الذم أوفر نصيب وللمتفلسفة وأفراخهم وأتباعهم ذنوب مثل ذنوب أصحابهم وأكثر. وقد شرع الله سبحانه لعباده ذكر هذين الاسمين(4\/1364)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1217",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4498",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العلي العظيم في الركوع والسجود كما ثبت في الصحيح أنه لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم قال النبي اجعلوها في ركوعكم فلما نزلت سبح اسم ربك الأعلى قال اجعلوها في سجودكم وهو سبحانه كثيرا ما يقرن في وصفه بين هذين الاسمين كقوله وهو العلي العظيم [البقرة255] وقوله هو العلي الكبير [الحج62] وقوله عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال [الرعد9] يثبت بذلك علوه على المخلوقات وعظمته فالعلو رفعته والعظمة عظمة قدره ذاتا ووصفا. وعند الجهمية ليس له علو ولا عظمة إلا ما في النفوس من اعتقاد كونه أفضل من غيره.(4\/1365)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1218",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4499",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: الوجه السابع والثمانون بعد المائة: إن هؤلاء المعارضين بين الوحي والعقل من الجهمية المعطلة والفلاسفة الملاحدة ومن اتبع سبلهم هم دائما يدلون بنفي التشبيه والتمثيل ويجعلونه جنة لتعطيلهم ونفيهم فجحدوا علوه على خلقه ومباينته لهم وتكلمه بالقرآن والتوراة والإنجيل وسائر كتبه وتكليمه لموسى واستوائه على عرشه ورؤية المؤمنين له بأبصارهم من فوقهم في الجنة وسلامه عليهم وتجليه لهم ضاحكا وغير ذلك مما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله وتترسوا بنفي التشبيه واتخذوه جنة يصدون به القلوب عن الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته وكل من نفى شيئا مما وصف به نفسه جعل نفي التشبيه له كالوقاية في الفعل حتى آل ذلك ببعضهم إلى أن نفى ذاته وماهيته خشية التشبيه فقال هو وجود محض لا ماهية له ونفى آخرون وجوده بالكلية خشية التشبيه وقالوا يلزمنا في الوجود ما لزم مثبتي الصفات والكلام والعلو في ذلك فنحن نسد الباب بالكلية.(4\/1366)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1219",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4500",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا ريب أن المشبهة المحضة خير من هؤلاء وأحسن قولا في ربهم وأحسن ثناء عليه منهم. والطائفة المعطلة بمنزلة من قدح في ملك الملك وسلطانه ونفى قدرته وعلمه وتدبيره لمملكته وسائر صفات الملك. والطائفة الثانية بمنزلة من شبهه بملك غيره موصوف بأكمل الصفات وأحسن النعوت فينبغي أن تعلم في هذا قاعدة نافعة جدا وهي أن نفي الشبه والمثل والنظير ليس في نفسه صفة مدح ولا كمال ولا يحمد به المنفي عنه ذلك بمجرده فإن العدم المحض الذي هو أخس المعلومات وأنقصها ينفي عنه الشبه والمثل والنظير ولا يكون ذلك كمالا ومدحا إلا إذا تضمن كون من نفى عنه ذلك قد اختص من صفات الكمال ونعوت الجلال بأوصاف باين بها غيره وخرج بها عن أن يكون له نظير أو شبه فهو لتفرده بها عن غيره صح أن ينفي عنه الشبه والمثل والنظير والكفؤ فلا يقال لمن لا سمع له ولا بصر ولا حياة ولا علم ولا كلام ولا فعل ليس له شبه ولا مثل ولا نظير اللهم إلا في باب الذم والعيب أي قد سلب صفات الكمال كلها بحيث صار لا شبه له في النقص هذا الذي عليه فطر الناس وعقولهم واستعمالهم في المدح والذم كما قال شاعر القوم(4\/1367)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1220",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4501",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليس كمثل الفتى زهير ... خلق يساويه في الفضائل وقال الآخر ما أن كمثلهم في الناس من أحد ... وقال الفرزدق فما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه أي ما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملك هو خاله. وقال الآخر فما مثله فيهم ولا هو كائن ... وليس يكون الدهر ما دام يذبل نفى أن يكون له مثل في الحال والماضي والمستقبل. وقال الآخر ولم أقل مثلك أعني به ... سواك يا فردا بلا شبه ومنه قولهم فلان نسيج وحده شبهه بثوب لم ينسج له نظير في حسنه وصفاته فعكس المعطلة المعنى وقلبوا(4\/1368)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1221",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4502",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحقائق وأزالوا دلالة اللفظ عن موضعها وجعلوا ليس كمثله شيء [الشورى11] جنة وترسا لنفي علوه سبحانه على عرشه وتكليمه لرسله وإثبات صفات كماله ومما ينبغي أن يعلم أن كل سلب ونفي لا يتضمن إثباتا فإن الله لا يوصف به لأنه عدم محض ونفي صرف لا يقتضي مدحا ولا كمالا ولا تعظيما ولهذا كان تسبيحه وتقديسه سبحانه متضمنا لعظمته ومستلزما لصفات كماله ونعوت جلاله وإلا فالمدح بالعدم المحض كلا مدح والعدم في نفسه ليس بشيء يمدح به ويحمد عليه ولا يكسب القلب علما بالمذكور ولا محبة وقصدا له ولهذا كان عدم السنة والنوم مدحا وكمالا في حقه سبحانه لتضمنه واستلزامه كمال حياته وقيوميته ونفي اللغوب عنه كمال لاستلزامه كمال قدرته وقوته ونفي النسيان عنه كمال لتضمنه كمال علمه وكذلك نفي عزوب شيء عنه ونفي الصاحبة والولد كمال لتضمنه كمال غناه وتفرده بالربوبية وأن من في السماوات والأرض عبيد له وكذلك نفي الكفؤ والسمي والمثل عنه كمال لأنه يستلزم ثبوت جميع صفات الكمال له على أكمل الوجوه واستحالة وجود مشارك له فيها فالذين يصفونه(4\/1369)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1222",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4503",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالسلوب فقط من الجهمية والفلاسفة لم يعرفوه من الوجه الذي عرفته به الرسل وعرفوه إلى الخلق وهو الوجه الذي يحمده به ويثني عليه ويمجد وتعرف به عظمته وجلاله وإنما عرفوه من الوجه الذي يقودهم إلى تعطيل العلم والمعرفة والإيمان به بعدم اعتقادهم الحق واعتقادهم خلاف الحق وحقيقة أمرهم أنهم لم يثبتوا لله عظمة إلا ما تخيلوه في نفوسهم من السلوب والنفي الذي لا عظمة فيه ولا مدح فضلا عن أن يكون كمالا بل ما أثبتوه مستلزم لنفي ذاته رأسا. وأما الصفاتية الذين يؤمنون ببعض ويجحدون بعضا فإذا أثبتوا علما وقدرة وإرادة وغيرها تضمن ذلك إثبات ذات تقوم بها هذه الصفات وتتميز بحقيقتها وماهيتها سواء سموه قدرا أو لم يسموه فإن لم يثبتوا ذاتا متميزة بحقيقتها وماهيتها كانوا قد أثبتوا صفات بلا ذات كما أثبت إخوانهم ذاتا بلا صفات وأثبتوا أسماء بلا معان ولا حقائق وذلك كله مخالفة لصريح المعقول وهم يدعون أنهم أرباب عقليات فلا بد من إثبات ذات محققة لها الأسماء الحسنى التي لا تكون حسنى إلا إذا كانت دالة على صفات كمال وإلا فالأسماء فارغة لا معنى لها(4\/1370)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1223",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4504",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا توصف بحسن فضلا عن كونها أحسن من غيرها يوضح ذلك. الوجه الثامن والثمانون بعد المائة: أنه سبحانه فرق بين هذين الاسمين الدالين على علوه وعظمته في آخر آية الكرسي وفي سورة الشورى وفي سورة الرعد وفي سورة سبأ في قوله قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير [سبأ23] ففي آية الكرسي ذكر الحياة التي هي أصل جميع الصفات وذكر معها قيوميته المقتضية لذاته وبقائه وانتفاء الآفات جميعها عنه من النوم والسنة والعجز وغيرها ثم ذكر كمال ملكه ثم عقبه بذكر وحدانيته في ملكه وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ثم ذكر سعة علمه وإحاطته ثم عقبه بأنه لا سبيل للخلق إلى علم شيء من الأشياء إلا بعد مشيئته لهم أن يعلموه ثم ذكر سعة كرسيه منبها به على سعته سبحانه وعظمته وعلوه وذلك توطئة بين يدي ذكر علوه وعظمته ثم أخبر عن كمال اقتداره وحفظه للعالم العلوي والسفلي من غير اكتراث ولا مشقة ولا تعب ثم ختم الآية بهذين الاسمين الجليلين الدالين على علو ذاته وعظمته في نفسه وقال في سورة طه(4\/1371)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1224",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4505",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما [طه110] وقد اختلف في تفسير الضمير في به فقيل هو الله سبحانه أي ولا يحيطون بالله علما وقيل هو ما بين أيديهم وما خلفهم فعلى الأول يرجع إلى العالم وعلى الثاني يرجع إلى المعلوم وهذا القول يستلزم الأول من غير عكس لأنهم إذا لم يحيطوا ببعض معلوماته المتعلقة بهم فأن لا يحيطوا علما به سبحانه أولى وكذلك الضمير في قوله ولا يحيطون بشيء من علمه [البقرة255] يجوز أن يرجع إلى الله ويجوز أن يرجع إلى ما بين أيديهم وما خلفهم أي ولا يحيطون بشيء من علم ذلك إلا بما شاء فعلى الأول يكون المصدر مضافا إلى الفاعل وعلى الثاني يكون مضافا إلى المفعول والمقصود أنه لو كان العلي العظيم إنما يراد به اتصافه بالعلم والقدرة والملك وتوابع ذلك كان تكريرا بل دون التكرير فإن ذكر ذلك مفصلا أبلغ من الدلالة عليه بما لا يفهم إلا بكلفة وكذلك إذا قيل إن علوه وعظمته مجرد كونه أعظم من مخلوقاته وأفضل منها فهذا هضم عظيم لهاتين الصفتين العظيمتين وهذا لا يليق ولا يحسن أن يذكر ويخبر به عنه إلا في معرض الرد لمن سوى بينه وبين غيره في العبادة والتأله كقوله قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون [النمل59] .(4\/1372)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1225",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4506",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقول يوسف الصديق أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار [يوسف39] وقوله تعالى عن السحرة إنهم قالوا لفرعون إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى [طه73] . فهذا السياق يقال في مثله إن الله خير مما سواه من الآلهة الباطلة وأما بعد أ , يذكر أنه مالك الكائنات ويقال مع ذلك هو أفضل من مخلوقاته وأعظم من مصنوعاته فهذا ينزه عنه كلام الله وإنما يليق هذا بهؤلاء الذين يجعلون له مثل السوء في كلامه ويجعلون ظاهره كفرا تارة وضلالة تارة وتشبيها وتجسيما تارة ومخالفا لصريح العقل تارة ويحرفونه بالتحريفات الباطلة ويقولون فيه مالا يرضى أحدهم أن يقال مثله في كلامه فيجعلون لكلامه مثل السوء كما جعلوا له سبحانه مثل السوء بإنكارهم صفات كماله وحقائق أسمائه الحسنى ولو تأول أحد كلامهم أو كلام من يعظمونه على ما يتأولون عليه كلام الله ورسوله لقامت قيامة أحدهم وإذا حقق الأمر عليهم تبين أن ما يتأولون عليه كلام الله ورسوله من التأويلات الفاسدة لا يليق حمل كلام آحاد فضلاء بني آدم عليها ولهذا(4\/1373)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1226",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4507",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سقطت حرمة الإيمان والقرآن والرسول من قلوبهم ولهذا يصرحون بأن القرآن والسنة لا تفيدان علما ولا يقينا في هذا الباب ويقولون إن الطريقة البرهانية ليست في القرآن وإنها في منطق اليونان يوضحه الوجه التاسع والثمانون بعد المائة: أن العظيم يوصف به الأعيان والكلام والصفات والمعاني أما الأعيان فكقوله تعالى ورب العرش العظيم [المؤمنون6] وقوله ولها عرش عظيم [النمل23] وأما المعاني فكقوله تعالى وإنك لعلى خلق عظيم [القلم4] وقوله سبحانك هذا بهتان عظيم [النور16] فيوصف بالذوات وصفاتها وأفعالها وكل موصوف فصفته بحسبه فعظم الذات شيء وعظم صفاتها شيء وعظم القول شيء وعظم الفعل شيء والرب تعالى له العظمة بكل اعتبار وكل وجه بذاته والمعطلة تنكر عظمة ذاته ولا يثبتون إلا عظمة معنوية لا يثبتون عظمة الذات كما يقولون مثل ذلك في العلو أنه علو(4\/1374)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1227",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4508",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معنوي لا أن ذاته عالية على كل المخلوقات فليس عندهم عليا ولا عظيما إلا باعتبار معنوي فقط كعلو قيمة الجوهر على قيمة الخزف وأهل السنة أثبتوا له العلو والعظمةة بكل اعتبار ومثل هذا وصفه سبحانه بأنه الكبير المتعالي فالكبير يوصف به الذات وصفاتها القائمة بها فيقال هذا أكبر من هذا حسا ومعنى وسنا وكذلك الطول يقال هو أطول يدا منه صورة ومعنى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لنسائه: quot;أسرعكن لحاقا بي أطولكن يداquot; فكلهن يمددن أيديهن أيهن أطول وكانت زينب أولهن موتا وكانت أطولهن يدا بالخير والصدقة وكذلك السعة والبسطة تكون في الذوات والمعاني كما قال تعالى: وزاده بسطة في العلم والجسم [البقرة247] فكبر قدره في باطنه بالعلم وفي ظاهره باشتداد الجسم(4\/1375)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1228",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4509",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكمل ظاهره وباطنه ومعناه وصورته وهذا أكمل من أن يكمل معناه وفكره دون ذاته وصورته وهذا شأنه سبحانه فيما يريد تكميله من خلقه فإنه يكمله ذاتا ومعنى ظاهرا وباطنا كما قال تعالى في أهل الجنة ولقاهم نضرة وسرورا [الإنسان11] فكمل ظواهرهم بالنضرة وبواطنهم بالمسرة وقال تعالى وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا [الإنسان21] فهذا زينة ظواهرهم وهذا زينة بواطنهم وقال وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة [القيامة23-22] فكمل ظواهرهم بالنضرة وبواطنهم بالنظر إليه وقال تعالى يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير [الأعراف26] وأنعم على عباده بزينتين ولباسين زينة تجمل ظواهرهم وزينة من التقوى تجمل بواطنهم وقال تعالى(4\/1376)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1229",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4510",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيهن خيرات حسان [الرحمن70] قال المفسرون خيرات الأخلاق حسان الوجوه وقد روي هذا التفسير مسندا إلى النبي في حديث أم سلمة وهو في معجم الطبراني وغيره وقال تعالى إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد [الصافات7 , 6] فجعل المصابيح زينة لظاهرها ولباطنها بالحراسة من الشياطين فهي زينة الظاهر والباطن وقال تعالى علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى [النجم6 , 5] وهو جبريل عليه الصلاة والسلام والمرة المنظر البهي الجميل فأعطاه كمال القوة في باطنه وجمال المنظر في ظاهره وهذان الكمالان هما اللذان أرتهما امرأة العزيز النسوة اللاتي لمنها في محبة يوسف فإنها أجلستهن في البيت.(4\/1377)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1230",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4511",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم [يوسف31] فأخبرتهن أن باطنه أحسن وأجمل. قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم [يوسف32] فأرتهن جماله الظاهر وأخبرتهن بجماله الباطن والمقصود أن أهل السنة يثبتون لله سبحانه العلو الذاتي والمعنوي والعظمة الذاتية والمعنوية والجمال والجلال الذاتي والمعنوي ومن هذا قول المسلمين الله أكبر فإنه افعل تفضيل يقتضي كونه أكبر من كل شيء بجميع الاعتبارات وبهذا فسره النبي في الحديث الذي رواه أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث عدي بن حاتم في قصة إسلامه حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم: quot;يا عدي ما يفرك(4\/1378)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1231",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4512",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أيضرك أن يقال لا إله إلا الله فهل تعلم من إله سوى اللهquot; ثم قال: quot;يا عدي ما يفرك أيفرك أن يقال الله أكبر فهل تعلم شيئا أكبر من اللهquot; فالله سبحانه أكبر من كل شيء ذاتا وقدرا ومعنى وعزة وجلالة فهو أكبر من كل شيء في ذاته وصفاته وأفعاله كما هو فوق كل شيء وعال على كل شيء وأعظم من كل شيء وأجل من كل شيء في ذاته وصفاته وأفعاله يوضحه. الوجه التسعون بعد المائة: إن تعطيل ذاته المقدسة عن وصفها بذلك وجعل ذلك مجرد أمر معنوي يقتضي سلب ذلك عنه بالكلية ولا سيما عند الجهمية النفاة لصفاته وأفعاله فإنه عندهم لا تقوم به صفة ثبوتية يستحق بها أن يكون أعظم من غيره وأكبر منه وفوقه وأعلى منه فإنهم لا يجعلون ذلك عائدا إلى ذاته لأنه يلزم منه عندهم التجسيم فليست ذاته عندهم موصوفة بكبر ولا عظمة ولا علو ولا فوقية وليس له عندهم صفة ثبوتية تكون عظمته وفوقيته وعلوه لأجلها فإن إثبات الصفات عندهم يستلزم التركيب ولا له فعل يقوم به يكون به أعظم وأكبر من غيره فإن ذلك يستلزم عندهم حلول الحوادث وقيامها به فلا حقيقة عندهم لكونه أكبر وأعظم وأجل من غيره إلا ما يرجع إلى مجرد السلب والنفي والعدم مثل كونه لا داخل العالم ولا خارجه ولا تحله الحوادث(4\/1379)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1232",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4513",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يفعل لحكمة ولا مصلحة ولا له وجه ولا يدان ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا هو مستو على عرشه ولا يأتي يوم القيامة لفصل القضاء ولا يراه المؤمنون في الجنة ولا يكلمهم ولا كلم موسى في الدنيا ولا أحدا من الخلق ولا يشار إليه بالأصابع ولا يرفع إليه الكلم الطيب ولا تعرج الملائكة والروح إليه ولا عرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ولا دنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى ونحو ذلك من النفي والسلب الذي يفرون عنه بنفي التشبيه والتجسيم والتركيب فيوهمون السامع أن إثبات ذلك تشبيه وتجسيم ثم ينفونه عنه وحقيقة ذلك نفي ذاته وصفاته وأفعاله فهذا حقيقة كونه أكبر من كل شيء وأعظم منه وفوقه وعاليا عليه عندهم وحقيقة ذلك نفي هذا عنه وجعل كل شيء أكبر منه لأن ما لا ذات له ولا صفة ولا فعل فكل ذات لها صفة أكبر منه فالقوم كبروه وعظموه ونزهوه في الحقيقة عن وجوده فضلا عن صفات كماله وأفعاله يوضحه الوجه الحادي والتسعون بعد المائة: وهو أنه قد علم بالاضطرار أن الله سبحانه له ذات مخصوصة يقال ذات الله كما قال خبيب(4\/1380)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1233",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4514",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع ولفظ ذات في الأصل تأنيث ذو أي ذات كذا وذو كذا والذي يضاف إليه ذو نوعان وصف ويضاف إليه إضافة الموصوف إلى صفته كقوله تعالى إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين [الذاريات58] وقوله إن الله لذو فضل على الناس [يونس60] فالفضل وصفه وفعله وكان النبي يقول في ركوعه وسجوده سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة. والثاني إضافته إلى مخلوق منفصل كقوله تعالى(4\/1381)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1234",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4515",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد [البروج15 , 14] فإذا أطلقوا لفظ الذات من غير تقييدها بإضافة معين دلت على ماهية لها صفات تقوم بها فكأنهم قالوا صاحبة الصفات المخصوصة القائمة بتلك الماهية فدلوا بلفظ الذات على الحقيقة وصفاتها القائمة بها ومحال أن يصح وجود ذات لا صفات لها ولا قدر وإن فرضها الذهن فرضا لا وجود لمتعلقه في الخارج إلا كما يفرض سائر الممتنعات فالذات هي قابلة للصفات والموصوفة بالصفات القائمة بها ومنه ذات الصدور أي ما فيها من خير وشر. وقال ابن الأنباري معناه عليم بحقيقة القلوب من المضمرات فتأنيث ذات لهذا المعنى كما قال وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم [الأنفال7] فأنث لمعنى الطائفة كما يقال لقيته ذات يوم لأن(4\/1382)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1235",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4516",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قصدهم لقيته مرة في يوم. وقال الواحدي ذات الصدور يحتمل معنيين أحدهما أن يكون نفس الصدور لأن ذات الشيء نفسه وعينه يقال فهمت ذات كلامك كما يقال فهمت كلامك. قال تطوف بذات البيت والحر طاهر. وقال وفيه معنى التأكيد فيكون المعنى والله عليم بالصدور. والثاني أن ذات الصدور الأشياء التي في الصدور وهي الأسرار والضمائر وهي ذات الصدور لأنها فيها تحلها وتصاحبها وصاحب الشيء ذوه وصاحبته ذاته قلت أكثر استعمالهم ذات الشيء بمعنى السبيل والطريق الموصلةإليه كقول خبيب وذلك في ذات الإله وكذلك الجنب كقوله أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله [الزمر56] فليست الذات والجنب هنا هي نفس الحقيقة ومنه قوله فإذا أوذي في الله [العنكبوت10] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;ولقد أوذيت في الله وما يؤذي أحدquot;.(4\/1383)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1236",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4517",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما استعمالهم ذات الشيء بمعنى عينه ونفسه فلا يكاد يظفر به وكذلك قوله إنه عليم بذات الصدور ليس المراد به عليما بمجرد الصدور فإن هذا ليس فيه كبير أمر وهو بمنزلة أن يقال عليم بالرؤوس والظهور والأيدي والأرجل وإنما المراد به عليم بما تضمره الصدور من خير وشر أي بالأسرار التي في الصدور وصاحبة الصدور فأضافها إليها بلفظ يعم جميع ما في الصدور من خير وشر. وأما استعمال لفظ ذات في حقيقة الشيء الخارجية فأظنه استعمالا مولدا وهو من العربية المولدة لا العربية العرباء ولما ولدوا هذا الاستعمال أدخلوا عليها الألف واللام وهو من العربية المولدة أيضا فقالوا الذات والعرب لا تستعملها إلا مضافة وقد تنازع فيها أهل العربية فكثير منهم يغلط أصحاب هذا الاستعمال ويقول هو خلاف لغة العرب وبعضهم يجعله قياس اللغة وإن لم ينطقوا به والصواب أنه من العربية المولدة كما قالوا الكل والبعض والكافة والعرب لا تستعملها إلا مضافة. وقريب من هذا لفظ الماهية والكمية والكيفية والآنية(4\/1384)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1237",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4518",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونحوها فإن العرب لم تنطق بها فهي عربية مولدة ويشبه هذا قولهم الدمعزة والطلبقة لقولهم دام عزك وطال بقاؤك وهذا لم ينطق به العرب وإن نطقت بنظيره كالبسملة والحوقلة والحيعلة ولما استعملوا الذات بمعنى النفس قالوا جاء بذاته ومنه قول أهل السنة استوى على عرشه بذاته أي ذاته فوق العرش عالية عليه وقد غلط بعضهم من قال جاء بذاته وجاء بنفسه وقال الصواب جاء زيد ذاته ونفسه ونازعهم في ذلك آخرون وجوزوا هذا الاستعمال والمقصود أن إثبات الذات ونفي قدرها وصفاتها جمع بين النقيضين فإنه إثبات للشيء ونفي لما يستلزم نفيه فإن أبين لوازم الذات تمييزها بحقيقتها وماهيتها عن غيرها ومباينتها له ولو بالتعيين فمن أنكر مباينة الرب لخلقه وصفاته التي وصف بها نفسه فقد جحد ذاته وأنكرها وإن أقر بها لفظا. الوجه الثاني والتسعون بعد المائة: إن كل من عارض الوحي بالرأي والعقل فهو من خصماء الله لأنه قد خاصم الله في الوحي الذي أنزله على رسوله واحتج على بطلانه ويكفي العبد خذلانا وجهلا وعمى أن يكون خصم ربه تبارك وتعالى ولهذا أخبر تعالى عن هؤلاء المعارضين للكتاب بعقولهم بذلك قال تعالى أولم ير الأنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين [يس77] .(4\/1385)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1238",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4519",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم ذكر سبحانه مخاصمته لربه فيما ضربه من المثل قال وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم [يس78] وفي الصحيح قال كان المشركون يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر فنزلت يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر [القمر49 , 48] فهؤلاء إنما كانت خصومتهم خصومة معارضة للوحي بعقولهم وآرائهم كخصومة من خاصم في المعاد وكذلك مجادلتهم في الله وآياته كذا كانت جدال معارضة للوحي بالرأي والعقل فهؤلاء خصماء الله حقيقة وفي الاثر ينادي مناد يوم القيامة ألا ليقم خصماء الله فيذهب بهم إلى النار فخصماء الله حقيقة هم المعارضون لكتابه وما بعث به رسله بعقولهم وآرائهم وإن لم يكن هؤلاء خصماء الله فمن هم خصماؤه غيرهم وقد حكم الله سبحانه بين خصمائه وبين من خاصمهم فيه أحسن الحكومة وأعدلها وهي حكومة يحمده عليها الفريقان كما يحمده عليها أهل السماوات والأرض فقال تعالى:(4\/1386)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1239",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4520",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق [الحج22 , 19] ثم حكم لخصومهم الذين خاصموا به وله فقال إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد [الحج24 , 23 ولا يستوي من خاصم بكتاب الله وحاكم إليه وعول فيما يثبته لله وينفيه عنه عليه كمن خاصم كتاب الله وحاكم إلى منطق يونان وكلام أرسطو وابن سينا والجهم بن صفوان وشيعتهم وعول فيما يثبته وينفيه على أقوالهم وآرائهم وكان النبي يقول في استفتاح صلاة الليل اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فالرسل(4\/1387)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1240",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4521",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنما خاصموا قومهم بالوحي وإليه حاكموهم به كانت لهم عليهم الحجة البالغة وكيف يعارض من يقول قال لي ربي كذا وكذا بقول من يقول قال لي عقلي أو قلبي أو قال فلان فهذا هو المخصوم الداحضة حجته في الدنيا والآخرة الذي لا يمكنه تنفيذ ضلاله وباطله إلا بالعقوبة والتهديد والوعيد أو بالرغبة العاجلة في الدنيا وزخرفها كما فعل المنافقون بنو عبيد حين أظهروا دعوتهم فإنهم استولوا على النفوس الصغيرة الجاهلة المبطلةبالرغبة والرهبة العاجلة من نوع شبهة وإذا انضاف الهوى إلى الشبهة ترحل العقل والإيمان وتمكن الهوى والشيطان والنفس موكلة بحب العاجل بدون شبهة تدعوها إليه فكيف إذا قويت الشبهة وأظلم ليلها وغابت شمس الهدى والإيمان وحيل بين القلوب وبين حقائق القرآن بتلك الطواغيت التي عزلوه بها عن إفادة الإيقان يوضحه.(4\/1388)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1241",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4522",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثالث والتسعون بعد المائة: إن هؤلاء النفاة المعطلة إذا غلبوا مع أهل الإثبات وقامت حجتهم عليهم عدلوا إلى عقوبتهم وإلزامهم بالأخذ بأقوالهم ومذاهبهم بالضرب والحبس والقتل وتارة يأخذونهم بالرغبة في الدنيا ومناصبها وزينتها فلا تقبل أقوالهم إلا برغبة أو رهبة والناس إلا القليل منهم عبيد رغبة أو رهبة وبهذه الطريقة أخذ إمام المعطلة فرعون قومه حين قال للسحرة لما ظهرت حجة موسى عليه وصحت دعوته وصحت نبوته وألقى السحرة ساجدين إيمانا بالله وتصديقا برسوله فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل [طه71] ولما تمكن الإيمان من قلوبهم علموا أن عقوبة الدنيا أسهل من عقوبة الآخرة وأقل بقاء وأن ما يحصل لهم في الآخرة من ثواب الإيمان أعظم وأنفع وأكثر بقاء. فهذه العقول التي قدموا بها خير الآخرة على خير الدنيا وعقوبة الدنيا وألمها المنقضي على عقوبة الآخرة وألمها الدائم هي العقول التي أثبتوا بها صانع العالم وصفاته وعلوه على عرشه وتكليمه لموسى وغضبه ورضاه ومحبته ورحمته وسمعه وبصره ومجيئه وإتيانه وأفعاله وأما إمام المعطلة النفاة(4\/1389)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1242",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4523",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقومه فإنهم بالعقول التي قدموا بها عاجل الدنيا وزينتها وزخرفها على آجل الآخرة وباعوا بها الذهب الباقي بالخزف الفاني وآثروا بها خسران الدنيا والآخرة على العبودية والانقياد لموسى والإيمان بالله وحده هي العقول التي نفوا بها مباينة الله لخلقه واستوائه على عرشه وتكليمه لموسى ونفوا بها صفات كماله من السمع والبصر والقدرة والحياة والإرادة بل نفى بها شيخهم وإمامهم نفس الذات فقال ما علمت لكم من إله غيري [القصص38] فهذه العقول التي دلتهم في النفي والتعطيل هي تلك العقول التي آثروا بها الدنيا على الآخرة ففاتتهم الدنيا والآخرة بل آثروا بها العقوبة العاجلة وأسبابها على العافية والنعمة فمن الذي يتخير بعد ذلك تقديم ما حكمت به هذه العقول السخيفة من التعطيل والنفي على ما جاءت به الرسل من الإثبات المفصل. والمقصود أن هؤلاء إنما يأخذون الناس بالرغبة والرهبة لا بالحجة والبيان ولهذا لما علم إمامهم فرعون أنه لا يقاوم بها موسى عدل معه إلى الوعيد بالسجن فقال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين [الشعراء29] .(4\/1390)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1243",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4524",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك فعل أصحاب الأخدود مع المؤمنين وكان ذنبهم عند ربهم أن آمنوا بالله وصفاته ورسله وكتبه ولقائه وكذلك فعلت الجهمية بأولياء رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه في أمته أهل السنة والحديث والنقل من الضرب والحبس ما فعلوه بأحمد بن حنبل وأمثاله وكان ذنبهم عند ربهم أن أثبتوا لله صفات كماله ونعوت جلاله ووصفوه بما وصف به نفسه وبما وصفه رسوله من غير تجاوز ولا تقصير ولما لم يقم لهم عليهم حجة نقلية ولا عقلية وفي المحال أن تقوم حجة صحيحة على نقيض ما أخبرت به الرسل عن الله عدلوا معهم إلى العقوبة وتوصلوا بالتدليس والتلبيس على أولياء الأمر والجهال فأوقعوا في نفوسهم أن هؤلاء مشبهة مجسمة و كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله [المائدة64] ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون [التوبة32] الوجه الرابع والتسعون بعد المائة: إن هؤلاء المعارضين للوحي بآرائهم وعقولهم في الأصل صنفان صنف مباينون للرسل محادون لهم مكذبون لهم في أصل الرسالة كالفلاسفة الصابئين والمجوس وعباد الأوثان والسحرة وأتباعهم وصنف منتسبون إلى الرسل في الأصل غير مكذبين لهم في أصل الرسالة وهم الجهمية والمعطلةلهم في أصل الرسالة وهم الجهمية والمعطلة(4\/1391)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1244",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4525",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن سلك سبيلهم ووافقهم على بعض باطلهم وخالفهم في بعضه وقد تقدم أن الصنف الأول يستطيلون على الصنف الثاني بما وافقوهم فيه من التعطيل ويجرونهم به إلى موافقتهم في القدر الذي خالفوهم فيه والجهمية المغل يستطيلون على الجهمية المخانيث بما وافقوهم فيه من النفي ويجرونهم به إلى موافقتهم في القدر الذي خالفوهم فيه وهؤلاء المخانيث يستطيلون على أهل السنة والحديث أيضا بالقدر الذي وافقوهم فيه ويدعونهم به إلى موافقتهم في الباقي فلم يستطل المبطل على المحق من حيث خالفه وإنما استطال عليه من حيث وافقه فما أصيب المحق إلا بطاعته للمبطل في بعض أمره وأصول هؤلاء يكرهون ما أنزل الله مما هو بخلاف عقولهم وآرائهم وقواعدهم فمن أطاعهم في بعض أمرهم كان من الذين قال الله عز وجل فيهم إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم [محمد26 , 25] ولهذا تجد هؤلاء المبطلين إنما يصولون على من وافقهم في بعض باطلهم فيعلقون له برهانا يطالبونه وأما أتباع الرسل المصدقون لهم في كل ما جاءوا به المثبتون لحقائقه لست أعني المقرين بمجرد ألفاظه مع اعتقادهم فيها التخييل(4\/1392)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1245",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4526",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتحريف والتأويل أو التجهيل فليس للمبطلين عليهم سبيل البتة لكن بالافتراء والتلبيس والكذب والألقاب الذين هم أحق بها وأهلها دونهم وما رتبوا على ذلك من الأذى الذي يبلغونه منهم وذلك مما يحقق ميراثهم من إمامهم ومتبوعهم الذي أوذي في الله هو وأصحابه وقال له ورقة بن نوفل لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي فكل من دعا إلى نفس ما جاء به الرسول فهو من أتباعه فلا بد أن يناله من الأذى من أتباع الشيطان بحسب حاله وحالهم والله المستعان والمقصود أن المبطلين لا سبيل لهم على أتباع الرسول البتة قال تعالى ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا [السناء141] قيل بالحجة والبرهان فإن حجتهم داحضة عند ربهم وقيل هذا في الآخرة وأما في الدنيا فقد يتسلطون عليهم بالضرر لهم والأذى وقيل لا يجعل لهم عليهم سبيلا مستقرة بل وإن نصروا عليهم في وقت فإن الدائرة تكون عليهم ويستقر النصر لأتباع الرسول وقيل بل الآية على ظاهرها وعمومها ولا إشكال فيها بحمد الله فإن الله(4\/1393)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1246",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4527",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبحانه ضمن أن لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا فحيث كانت لهم سبيل ما عليهم فهم الذين جعلوها بتسببهم ترك بعض ما أقروا به أو ارتكاب بعض ما نهوا عنه فهم جعلوا لهم السبيل عليهم بخروجهم عن طاعة الله ورسوله في ما أوجب تسلط عدوهم عليهم من هذه الثغرة التي أخلوها كما أخلى الصحابة يوم أحد الثغرة التي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزومها وحفظها فوجد العدو منها طريقا إليهم فدخلوا منها قال تعالى أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير [آل عمران165] فذكر السبب الذي أصيبوا به وذكر القدرة التي هي مناط الجزاء فذكر عدله فيهم بما ارتكبوه من السبب وقدرته عليهم بما نالهم به من المكروه وقال تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير [الشورى30] وفي الحديث الصحيح الإلهي quot;يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسهquot;.(4\/1394)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1247",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4528",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الخامس والتسعون بعد المائة: إنه كيف يكون النفاة المعطلة من الجهمية ومن تبعهم أولى بالصواب والحق في معرفة الله وأسمائه وصفاته وما يجب له ويمتنع عليه وشهداء الله في أرضه من جميع أقطار الأرض يشهدون عليهم بالضلالة والحيرة والكذب على الله ورسوله وكتابه ويرمونهم بالعظائم ويشهدون عليهم بالكفر والإلحاد في أسماء الله وصفاته وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;أنتم شهداء الله في الأرض فمن أثنيتم عليه بخير وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه بشر وجبت له النارquot; فكيف إذا كان الشهداء على هؤلاء قد شهد لهم بأنهم أولو العلم وعدلهم من جعله الله شهيدا عليهم وهو رسوله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم معدلا لهؤلاء الشهود: quot;يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلينquot; فاسمع الآن بعض شهادات هؤلاء العدول على أهل النفي والتعطيل قال إمام أهل السنة والحديث محمد بن إسماعيل البخاري في كتاب خلق الأفعال حدثنا(4\/1395)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1248",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4529",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبو نعيم سليمان الفارسي سمعت سفيان الثوري قال قال لي حماد بن أبي سليمان أبلغ أبا فلان المشرك أني بريء من دينه وكان يقول إن القرآن مخلوق وذكر عن خالد بن عبد الله القسري أنه خطبهم بواسط في يوم أضحى وقال ارجعوا فضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليما ولم يتخذ إبراهيم خليلا تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه أخبرنا محمد بن عبد الله أبو جعفر البغدادي قال سمعت أبا زكريا يحيى بن يوسف قال كنت عند عبد الله بن إدريس فجاء رجل فقال يا أبا محمد ما تقول في قوم يقولون القرآن مخلوق قال أمن اليهود قال لا قال أفمن النصارى قال لا قال أفمن المجوس قال لا قال فممن قال من أهل التوحيد قال ليس هؤلاء من أهل التوحيد هؤلاء الزنادقة من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن الله مخلوق يقول الله عز وجل بسم الله الرحمن الرحيم فالله لا يكون مخلوقا والرحمن لا يكون مخلوقا والرحيم لا يكون مخلوقا فهذا أصل الزندقة من قال هذا فعليه لعنة الله(4\/1396)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1249",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4530",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا تجالسوهم ولا تناكحوهم قال البخاري وقال وهب بن جرير الجهمية زنادقة إنما يريدون أنه ليس على العرش استوى قال البخاري وحلف يزيد بن هارون بالله الذي لا إله إلا هو من قال القرآن مخلوق زنديق يستتاب فإن تاب وإلا قتل قال وقيل لأبي بكر بن عياش إن قوما ببغداد يقولون إنه مخلوق فقال ويلك من قال هذا على من قال إن القرآن مخلوق لعنة الله وهو كافر زنديق لا تجالسوهم قال وقال الثوري من قال القرآن مخلوق فهو كافر وقال حماد بن زيد القرآن كلام الله نزل به جبريل ما يحاولون إلا أن ليس في السماء إله قال وقال ابن مقاتل سمعت ابن المبارك يقول من قال إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني مخلوق فقد كفر ولا ينبغي لمخلوق أن يقول ذلك وقال ابن المبارك ولا أقول بقول الجهم إن له ... قولا يضارع أهل الشرك أحيانا(4\/1397)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1250",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4531",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا أقول تخلى عن بريته ... رب العباد وولي الأمر شيطانا ما قال فرعون هذا في تجبره ... فرعون موسى ولا فرعون هامانا ومن شعره أيضا فيه ولم يذكره البخاري عجبت لشيطان دعى الناس جهرة ... إلى النار واشتق اسمه من جهنم قال البخاري قال ابن المبارك لا نقول كما قالت الجهمية أنه في الأرض هاهنا بل على العرش استوى وقيل له كيف نعرف ربنا قال فوق سماواته على عرشه وقال رجل لرجل منهم أبطنك خال منه فبهت الآخر وقال من قال لا إله إلا أنا مخلوق فهو كافر وإنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية قال وقال سعيد بن عامر(4\/1398)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1251",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4532",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للجهمية أشر قولا من اليهود والنصارى قد أجمعت اليهود والنصارى وأهل الأديان أن الله تبارك وتعالى على العرش وقالوا هم ليس على العرش قال وقال ضمرة عن ابن شوذب ترك جهم الصلاة أربعين يوما على وجه الشك خاصمه بعض السمنية فأقام أربعين يوما لا يصلي قال ضمرة وقد رآه ابن شوذب قال البخاري وقال عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون كلام جهم صفة بلا معنى بناء بلا أساس ولم يعد قط من أهل العلم قال ولقد سئل جهم عن رجل طلق امرأته قبل الدخول فقال عليها العدة قال وقال علي بن عاصم ما الذين قالوا إن لله ولدا بأكفر من الذين قالوا إن الله لا يتكلم وقال(4\/1399)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1252",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4533",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "احذر من المريسي وأصحابه فإن كلامهم أبوجاد الزنادقة وأنا كلمت أستاذهم جهما فلم يثبت أن في السماء إلها قال البخاري وكان إسماعيل ابن أبي أويس يسميهم زنادقة العراق وقيل له سمعت أحدا يقول القرآن مخلوق فقال هؤلاء الزنادقة والله لقد فررت إلى اليمن حين تكلم أبو العباس ببغداد بنحو هذا فرارا من هذا الكلام قال وقال علي بن الحسن سمعت أبا مصعب يقول كفرت الجهمية في غير موضع من كتاب الله وقال أبلغوا الجهمية أنهم كفار وأن نساءهم طوالق قال وقال عفان من قال قل هو الله أحد مخلوق فهو كافر. قال وقال علي بن عبد الله القرآن كلام الله من قال إنه مخلوق فهو كافر لا يصلى خلفه قال وقال وكيع من كذب بحديث إسماعيل عن قيس عن جرير عن النبي فهو جهمي فاحذروه قلت يريد حديث الرؤية قال وقال أبو الوليد هو الطيالسي من قال القرآن مخلوق فهو كافر ومن لم يعقد قلبه على أن القرآن ليس بمخلوق فهو كافر خارج عن الإسلام وقال أبو عبيد نظرت في كلام اليهود(4\/1400)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1253",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4534",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنصارى والمجوس فما رأيت قوما أضل في كفرهم من الجهمية وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم قال وقال عبد الرحمن بن عفان سمعت سفيان بن عيينة يقول ويحكم القرآن كلام الله قد صحبت الناس وأدركتهم هذا عمرو بن دينار وهذا ابن المنكدر حى ذكر منصورا والأعمش ومسعر بن كدام فما يعرف القرآن إلا كلام الله فمن قال غير ذلك فعليه لعنة الله ما أشبه هذا القول بقول النصارى لا تجالسوهم ولا تسمعوا منهم. قال البخاري وحدثني الحكم بن محمد الطبري كتبت عنه بمكة حدثنا سفيان بن عيينة قال أدركت مشيختنا منذ سبعين سنة منهم عمرو بن دينار يقولون القرآن كلام الله ليس بمخلوق قال وقال الحميدي حدثنا سفيان ثنا حصين عن مسلم بن صبيح عن بشر بن شكل عن عبد الله قال ما خلق الله من أرض ولا سماء ولا جنة ولا نار أعظم من(4\/1401)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1254",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4535",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله لا إله إلا هو الحي القيوم [البقرة255] قال سفيان تفسيره أن كل شيء مخلوق والقرآن ليس بمخلوق وكلامه أعظم من خلقه لأنه إنما يقول للشيء كن فيكون فلا يكون شيء أعظم مما يكون به الخلق والقرآن كلام الله قال وقال زهير السجستاني سمعت سلام بن أبي مطيع يقول الجهمية كفار. وقال جرير بن عبد الحميد جهم كافر بالله العظيم وقال وقال وكيع أحدث هؤلاء المرجئة الجهمية والجهمية كفار والمريسي جهمي وعلمهم كيف كفروا قال يكفيك المعرفة وهذا كفر والمرجئة يقولون الإيمان قول بلا عمل وهذا بدعة ومن قال القرآن مخلوق فهو كافر بما أنزل على محمد يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وقال وكيع على المريسي لعنه الله يهودي أو نصراني فقال له رجل كان أبوه أو جده يهوديا أو نصرانيا قال وكيع وعلى أصحابه لعنة الله القرآن كلام الله وضرب وكيع إحدى يديه على الأخرى فقال(4\/1402)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1255",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4536",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو ببغداد يقال له المريسي يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه. قال البخاري وقال يزيد بن هارون لقد حرضت أهل بغداد على قتله جهدي ولقد أخبرت من كلامه بشيء وجدت وجعه في صلبي بعد ثلاث وقال علي بن عبد الله إنما كان غايته أن يدخل الناس في كفره وقال عبيد الله بن عائشة لا يصلى خلف من قال القرآن مخلوق ولا كرامة له وقال سليمان بن داود الهاشمي وسهل بن مزاحم من صلى خلف من يقول القرآن مخلوق أعاد الصلاة وقال ابن أبي الأسود سمعت ابن مهدي يقول ليحيى بن سعيد لو أن جهميا بيني وبينه قرابة ما استحللت من ميراثه شيئا وقال ابن مهدي لو رأيت رجلا على الجسر وبيدي سيف يقول القرآن مخلوق لضربت عنقه وقال يزيد بن هارون المريسي أضر من سحالي قال أبو عبد الله البخاري ما أبالي أصليت خلف الجهمي(4\/1403)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1256",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4537",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو الرافضي أم صليت خلف اليهودي والنصراني ولا يسلم عليهم ولا يعادون ولا يناكحون ولا يشهدون ولا تؤكل ذبائحهم وقال عبد الرحمن بن مهدي هما ملتان الجهمية والرافضة قال شيخ الإسلام وهذا الكلام الذي قاله الإمام عبد الرحمن بن مهدي قد قاله غيره وهو كلام عظيم فإن هاتين الفرقتين هما أعظم الفرق فسادا في الدين وأصلهما من الزنادقة المنافقين ليستا من ابتداع المتأولين مثل قول الخوارج والمرجئة والقدرية فإن هذه الآراء ابتدعها قوم مسلمون بجهلهم قصدوا بها طاعة الله فوقعوا في معصيته ولم يقصدوا بها مخالفة الرسول ولا محادته بخلاف الرفض والتجهم فإن مبدأهما من قوم منافقين مكذبين لما جاء به الرسول مبغضين له لكن التبس أمر كثير منهم على كثير من المسلمين الذين ليسوا بمنافقين ولا زنادقة فدخلوا في أشياء من الأقوال والأفعال التي ابتدعها الزنادقة والمنافقون ولبسوا الحق بالباطل وفي المسلمين سماعون للمنافقين كما قال الله تعالى وفيكم سماعون لهم [التوبة47] أي قابلون مستجيبون لهم فإذا كان جيل القرآن كان بينهم منافقون وفيهم سماعون لهم فما الظن بمن(4\/1404)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1257",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4538",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعدهم فلا يزال المنافقون في الأرض ولا يزال في المؤمنين سماعون لهم لجهلهم بحقيقة أمرهم وعدم معرفتهم بغور كلامهم وأما الرفض فإن الذي ابتدعه زنديق منافق وهو عبد الله بن سبأ الذي أظهر الإسلام وكان يبطن الكفر وقصده فساد الإسلام والتجهم مأخوذ في الأصل عن الصابئين والمشركين وهم أعظم من الرفض ولهذا تأخر دخوله في الأمة فهاتان الملتان يناقضان أصلي الإسلام وهما شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم أما التجهم فإنه نقض التوحيد وإن سمى أصحابه أنفسهم موحدين ولهذا كان السلف يترجمون الرد على الجهمية بالتوحيد والرد على الزنادقة والجهمية كما ترجم البخاري آخر كتاب الجامع بكتاب التوحيد والرد على الجهمية والزنادقة وكذلك ابن خزيمة سمى كتابه التوحيد وهو في الرد على الجهمية وأما الرافضة فقدحهم وطعنهم في الأصل الثاني وهو شهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كانوا يظهرون موالاة أهل بيت الرسول ومحبتهم قال طائفة من أهل العلم منهم مالك بن أنس وغيره هؤلاء قوم أرادوا الطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يمكنهم ذلك فطعنوا في الصحابة ليقول القائل رجل سوء كان له أصحاب سوء ولو كان رجلا صالحا لكان أصحابه صالحين والرافضة(4\/1405)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1258",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4539",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المتقدمون لم يكونوا جهمية معطلة وأما المتأخرون منهم من حدود أواخر المائة الثالثة فضموا إلى بدعة الرفض التجهم والقدر فتغلظ أمرهم وظهر منهم حينئذ القرامطة والباطنية واشتهرت الزندقة الغليظة والنفاق الأعظم في أمرائهم وعلمائهم وعامتهم وأخذوا من دين المجوس والصابئة والمشركين ما خلطوه في الإسلام وهم أعظم الطوائف نفورا عن سنة النبي وحديثه وآثار أصحابه لمضادة ذلك لبدعتهم كنفور الجهمية عن آيات الصفات وأخبارها قال البخاري وقيل لأبي عبيد القاسم بن سلام إن المريسي سئل عن ابتداء خلق الأشياء وقول الله إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون [النحل40] فقال هذا كلام صلة أي هو مثل قوله قالت السماء وقال الجدار يعني أن الله لم يتكلم قال أبو عبيد أما تشبيهه قول الله إذا أردناه أن نقول له كن فيكون بقالت السماء وقال الجدار وبين(4\/1406)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1259",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4540",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بطلان قوله ثم قال ومن قال هذا فليس شيء من الكفر إلا وهو دونه ومن قال هذا فقد قال على الله مالم يقله اليهودي والنصراني ومذهبه التعطيل للخالق قال البخاري قال علي وسمعت بشر بن المفضل وذكر بعض الجهمية بالبصرة فقال هو كافر وسئل وكيع عن مثنى الأنماطي فقال هو كافر وقال عبد الله بن داود لو كان لي على مثنى الأنماطي سبيل لنزعت لسانه من قفاه وكان جهميا وقال سليمان بن داود الهاشمي من قال القرآن مخلوق فهو كافر قال وقال الفضيل بن عياض إذا قال لك الجهمي أنا أكفر برب يزول من مكانه فقل أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء قال وقال ابن علية ومعاذ بن معاذ وحجاج بن محمد ويزيد بن هارون وهاشم بن القاسم(4\/1407)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1260",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4541",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والربيع بن نافع الحلبي ومحمد بن يوسف وعاصم بن علي ويحيى بن يحيى وأهل العلم من قال القرآن مخلوق فهو كافر ومن زعم أن الله لم يكلم موسى فهو كافر وقال محمد بن يوسف من قال إن الله ليس على عرشه فهو كافر قال وقيل لأحمد بن يونس أدركت الناس فهل سمعت أحدا يقول القرآن مخلوق فقال الشيطان تكلم بهذا. فمن تكلم بهذا فهو جهمي والجهمي كافر وذكر عن وكيع قال لا تستخفوا بقولهم القرآن مخلوق فإنه من شر قولهم إنما يذهبون إلى التعطيل قال وحدثني أبو جعفر سمعت الحسن بن يونس الأشيب وذكر الجهمية فنال منهم ثم قال أدخل رأس من رؤساء الزنادقة يقال له شمعلة على المهدي فقال دلني على أصحابك فقال أصحابي أكثر من ذلك فقال دلني عليهم فقال صنفان ممن ينتحل القبلة الجهمية والقدرية الجهمي إذا غلا قال ليس ثم شيء وأشار الأشيب إلى السماء والقدري إذا غلا قال هما اثنان خالق خير وخالق شر فضرب عنقه(4\/1408)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1261",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4542",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصلبه قال وحدثني أبو جعفر حدثني يحيى بن أيوب قال سمعت أبا نعيم شجاعا البلخي يقول كان رجل من أهل مرو صديقا لجهم ثم قطعه وجفاه فقيل له لم جفوته قال جاء منه مالا يحتمل قرأت يوما آية كذا وكذا نسيها يحيى فقال ما كان أظرف محمدا حين قالها واحتملتها ثم قرأ سورة طه فلما بلغ الرحمن على العرش استوى قال أما والله لو وجدت سبيلا إلى حكها لحككتها من المصحف فاحتملتها ثم قرأ سورة القصص فلما انتهى إلى ذكر موسى قال ما هذا ذكر قصة في موضع فلم يتمها ثم ذكرها هنا فلم يتمها ثم رمى المصحف من حجره برجليه فوثبت عليه حدثني أبو جعفر سمعت يحيى بن أيوب قال كنا ذات يوم عند مروان بن معاوية الفزاري فسأله رجل عن حديث الرؤية فلم يحدثه فقال إن لم تحدثني به فأنت جهمي فقال مروان يقول لي جهمي وجهم مكث أربعين ليلة لا يعرف ربه حدثني أبو جعفر حدثني هارون بن معروف ويحيى بن أيوب قائلا قال ابن المبارك كل قوم يعرفون من(4\/1409)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1262",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4543",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعبدون إلا الجهمية حدثنا أبو جعفر سمعت يزيد بن هارون حدثنا حديث إسماعيل عن قيس عن جرير عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;أنكم ترون ربكمquot; قال يزيد من كذب بهذا فقد برئ من الله ورسوله حدثنا أبو جعفر حدثنا أحمد بن خلاد سمعت يزيد بن هارون ذكر أبا بكر الأصم والمريسي فقال هما والله زنديقان كافران بالرحمن حلالا الدم وقال عبد الرحمن بن مهدي من زعم أن الله لم يكلم موسى فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل وقال يزيد بن هارون والله الذي لا إله إلا هو ما هم إلا زنادقة أو قال مشركون وسئل عبد الله بن إدريس عن الصلاة خلف أهل البدع فقال لم يزل في الناس إذا كان فيهم مرض أو عدل فصل خلفه قلت فالجهمية قال لا هذه من المقاتل هؤلاء لا يصلى خلفهم ولا يناكحون وعليهم التوبة وسئل حفص بن غياث فقال فيهم ما قال ابن إدريس قيل فالجهمية قال لا أعرفهم قيل له قوم يقولون القرآن مخلوق قال لا جزاك الله خيرا أوردت على قلبي مالم يسمع به قط(4\/1410)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1263",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4544",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت فإنهم يقولونه قال هؤلاء لا يناكحون ولا تجوز شهادتهم وسئل ابن عيينة فقال نحو ذلك قال فأتيت وكيعا فوجدته من أعلمهم بهم فقال يكفرون من وجه كذا ويكفرون من وجه كذا حتى أكفرهم من كذا وكذا وجها وقال وكيع الرافضة شر من القدرية والحرورية شر منهما والجهمية شر هذه الأصناف قال الله تعالى وكلم الله موسى تكليما [النساء164] ويقولون لم يكلمه ويقولون الإيمان بالقلب قال البخاري يقال سلم ابن أحوز الذي قتل جهما. فصل قال البخاري حدثنا محمد بن كثير حدثنا إسرائيل ثنا عثمان بن المغيرة عن سالم عن جابر قال كان النبي(4\/1411)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1264",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4545",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه بالموقف فقال: quot;ألا رجل يحملني إلى قومه فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي quot;. وقال أنس بن مالك لما أسري بالنبي من مسجد الكعبة فإذا موسى في السماء السابعة بتفضيل كلام الله عز وجل وقال أبو ذر قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; قال الله عز وجل عطائي كلام وعذابي كلام إذا أردت شيئا فإنما أقول له كن فيكونquot;. قال وقال عبد الله بن أنيس سمعت(4\/1412)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1265",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4546",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;إن الله يحشر العباد يوم القيامة فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمةquot;. وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم quot;إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان(4\/1413)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1266",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4547",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير [سبأ23] وقال خباب بن الأرت تقرب إلى الله ما استطعت فإنك لن تتقرب إلى الله بشيء أحب إليه من كلامه. وقال نيار بن مكرم الأسلمي لما نزلت الم غلبت الروم في أدنى الأرض [الروم3-1] خرج أبو بكر يصيح كلام ربي كلام ربي وكانت أسماء بنت أبي بكر إذا سمعت القراءة قالت كلام ربي. وقال أبو عبد الرحمن السلمي فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الرب على خلقه.(4\/1414)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1267",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4548",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو ذر قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول الأنبياء قال quot;آدم قلت إنه لنبي قال نعم مكلمquot;. وقال ابن عباس لما كلم الله موسى كان النداء في السماء وكان الله في السماء ثم ذكر حديث عبد الله. قال ابن مسعود أصدق الحديث كلام الله. قال وقال أبو بكر عن النبي وذكر الشفاعة قال يقول نوح انطلقوا إلى موسى فإن الله كلمه تكليما وقال أبو هريرة وابن عمر عن النبي(4\/1415)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1268",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4549",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلى الله عليه وسلم: quot;إن الله اصطفى موسى بكلامه ورسالتهquot;. وقال عدي بن حاتم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان فينظر عن يمينه فلا يرى إلا ما قدم من عمله فينظر عن يساره فلا يرى إلا ما قدم من عمله وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة ولو بكلمة طيبةquot;. وقال جابر بن عبد الله قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;ألا أبشرك بما لقي الله به أباك إن الله كلم أباك من غير حجاب فقال له عبدي سلني قال يا رب ردني إلى الدنيا حتى أقتل فيك قال إني قد قضيت عليهم أن لا يرجعون قال فأبلغهم عنا فأنزل الله ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون [آل عمران169] .(4\/1416)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1269",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4550",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أبو عبد الله وهو عبد الله بن عمرو بن حرام قتل يوم أحد شهيدا وقال جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;إن الله عز وجل على عرشه فوق سماواته وسمواته فوق أراضيه مثل القبةquot;. وقال ابن مسعود في قوله ثم استوى على العرش [الأعراف54] قال العرش على الماء والله فوق العرش وهويعلم ما أنتم عليه. وقال قتادة في قوله وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله [الزخرف84] .(4\/1417)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1270",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4551",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال يعبد في السماء ويعبد في الأرض. وقال ابن عباس في قوله يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون [السجدة5] قال من أيام السنة وقال تعالى أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير [الملك17] وقال عمران بن حصين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي: quot;كم تعبد اليوم قال سبعة آلهة ستة في الأرض وواحد في السماء قال فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك قال الذي في السماء قال أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين ينفعانك فلما أسلم الحصين قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم علمني الكلمتين اللتين وعدتني قال قل اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسيquot;. قال البخاري وقال بعض أهل العلم إن الجهمية هم المشبهة لأنهم شبهوا ربهم بالصنم والأصم والأبكم(4\/1418)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1271",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4552",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ولا يخلق وقالت الجهمية كذلك لا يتكلم ولا يبصر وقالوا إن اسم الله مخلوق. ولقد اختصم يهودي ومسلم إلى بعض معطلتهم فقضى باليمين على المسلم فقال اليهودي حلفه فقال المخاصم له احلف بالله الذي لا إله إلا هو فقال اليهودي حلفه بالخالق لا بالمخلوق فإن هذا من القرآن وزعمت أن القرآن مخلوق فحلفه بالخالق فبهت الآخر وقال قوما حتى أنظر في أمركما وخسر هنالك المبطلون. وفي تاريخ الخطيب في ترجمة بشر المريسي عن إسحاق بن أحمد بن منيع قال كان بشر المريسي يقول صنف من الزنادقة سماهم صنف كذا وكذا يقولون ليس بشيء وذكر فيه عن علي بن عاصم(4\/1419)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1272",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4553",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال كنت عند أبي فاستأذن عليه بشر المريسي فقلت يا أبت يدخل عليك مثل هذا فقال يا بني فما قال قلت إنه يقول إن القرآن مخلوق وإن الله عز وجل معه في الأرض وإن الجنة والنار لم يخلقا وإن منكرا ونكيرا باطل وإن الصراط باطل وإن الميزان باطل وإن الشفاعة باطلة مع كلام كثير قال فأدخله علي قال فأدخلته عليه قال فقال يا بشر ادن ويلك يا بشر ادن مرتين أو ثلاثا فلم يزل يدنيه حتى قرب منه قال ويلك يا بشر من تعبد وأين ربك قال فقال وما ذاك يا أبا الحسن قال أخبرت عنك أنك تقول إن القرآن مخلوق وإن الله معك في الأرض مع كلام كثير ولم أر شيئا أشد على أبي من قول القرآن مخلوق وإن الله معه في الأرض فقال يا أبا الحسن لم أجئ لهذا وإنما جئت في كتاب خالد لتقرأه علي فقال له ولا كرامة حتى أعلم ما أنت عليه أين ربك ويلك قال أو تعفيني قال ما كنت لأعفيك قال أما إذا أبيت فإن ربي نور في نور قال فجعل يزحف إليه ويقول ويحكم اقتلوه فإنه والله زنديق وقد كلمت هذا الصنف بخراسان. وذكر فيه أيضا عن أبي يوسف القاضي أنه قال(4\/1420)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1273",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4554",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لبشر المريسي طلب العلم بالكلام هو الجهل والجهل بالكلام هو العلم وإذا صار رأسا في الكلام قيل زنديق أو يرمى بالزندقة يا بشر بلغني أنك تتكلم في القرآن إن أقررت أن لله علما خصمت وإن جحدت العلم كفرت. وذكر عبد الله بن أحمد وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال ليس في أصحاب الأهواء أشر من أصحاب جهم يريدون أن يقولوا إن الله لم يكلم موسى ويريدون أن يقولوا ليس في السماء شيء وإن الله ليس على العرش أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا. وذكر أيضا عن سعيد بن عامر الضبعي أنه ذكر عنده الجهمية فقال هم شر قولا من اليهود والنصارى قد أجمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش وهم قالوا ليس عليه شيء. فهذا وأضعافه قليل من كثير من شهادة شهداء الله في أرضه الذين استشهدهم على توحيده وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته وعدلهم رسوله صلى الله عليه(4\/1421)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1274",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4555",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسلم بقوله: quot; يحمل هذا العلم من كل خلف عدولهquot; وهؤلاء شهداء الله على الناس يوم القيامة كما قال تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا [البقرة143] فإنهم قاموا بشروط الشهادة وهي العلم والعدل فإن الشاهد لا يكون مقبولا حتى يكون عالما بما يشهد له عدلا في نفسه ولم يكن الله سبحانه ليجمع شهادة هؤلاء الذين هم ورثة رسوله وأنصار دينه ولهم لسان الصدق في الأمة على باطل وزور وتكون شهادة اتباع أهل الفلسفة الصابئين والمشركين وشهادة الجهمية الجاحدين لصفات رب العالمين وكلامه وعلوه على خلقه وأوقاح المعتزلة وأفراخ المجوس وأمثالهم هي المقبولة عند الله وهي شهادة الحق بل هؤلاء هم المشهود عليهم بين يدي الله فإنهم خصماؤه وخصماء وحيه ورسوله حيث نسبوا كلامه وكلام رسوله إلى ما لا يليق به وظنوا به أسوأ الظن واعتقدوا أن ظاهره باطل ومحال وتشبيه وضلال فكيف يقبل أحكم الحاكمين وأعدل العادلين شهادة هؤلاء المتهوكين المتجبرين على حزبه وأنصاره وأنصار كتابه وسنة رسوله الذين قدموا كتابه وسنة رسوله على كل ما خالفهما ولم يقدموا ما خالفهما عليهما(4\/1422)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1275",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4556",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتركوا الآراء الباطلة والمعقولات السخيفة لهما ولم يتركوهما لأجلها وقرروا بالعقل الصريح صحة ما جاء به الرسول ولم يقروا بالعقل الفاسد بطلان ما جاء به وأنه مخالف للعقل الصريح ورأوا أن اليقين كل اليقين مستفاد من كلام الله ورسوله ولم يقولوا إنه لا يستفاد منه علم ولا يقين ورأوا أن ما أخبر به عن أسمائه وصفاته وأفعاله حقيقة ولم يقولوا إنه مجاز لا حقيقة له فأي الفريقين أحق بالعلم والعدالة وقبول الشهادة عند الله وعند ملائكته وعند جميع المؤمنين وأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون. الوجه السادس والتسعون بعد المائة: إن هؤلاء أصلوا أصولا جعلوها أساسا لبنائهم وسموها قواطع عقلية وسموا أدلتها براهين يقينية فجاءت فروع تلك الأصول ولوازمها والبناء الذي ارتفع عليها من أبطل الفروع وأفسد اللوازم وأضعف البناء وأوهاه وذلك بين لكل ذي عقل سليم وفطرة صحيحة لم تفسد بالتقليد ولم تعم بالهوى والتعصب عن فساد تلك الأصول ومناقضتها للمعقول والمنقول وهذا موضع يستدعي عدة(4\/1423)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1276",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4557",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أسفار لكن نذكر منه أدنى تنبيه على طريق الاختصار يكون منبها على ما وراءه مثال ذلك أن المتفلسفة لما أصلوا أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد بني على ذلك من اللوازم الباطلة في المصدر والصادر ما هو متضمن لأعظم أنواع الباطل. أما المصدر فإنهم التزموا أن لا يكون فيه معنيان متغايران أصلا فنفوا عنه جميع الصفات إذ لو ثبت له صفة وجودية لم يكن عندهم واحدا وقد فرضوه واحدا من كل وجه فنفوا علمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره وكلامه واختياره ومشيئته وأن يكون فاعلا باختياره لشيء من العالم ونفوا علوه على خلقه ومباينته للعالم واستواءه على عرشه ولو ثبت له ذلك لكان جسما والأجسام مركبة فلم يكن واحدا من كل جهة. ولزمهم من ذلك نفي ماهيته وذاته وأن يقولوا إنه لا ماهية له سوى الوجود المطلق إما بغير شرط أو بشرط الإطلاق ومن المعلوم أن المطلق لا وجود له في الخارج ولا سيما إذا أخذ بشرط الإطلاق. فلزمهم من هذا الأصل نفي وجود الخالق سبحانه في الخارج وأن يكون وجوده ذهنيا لا خارجيا. ولزمهم عنه لو صح لهم إثباته أنه لا يخلق ولا يرزق ولا يميت ولا يحيي ولا يعلم شيئا ولا يرسل رسولا ولا يأمر ولا ينهى ولا يبعث من في القبور.(4\/1424)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1277",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4558",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولزمهم منه أن يكون هذا العالم قد وجد من غير خالق أو أنه لم يزل موجودا قديما أزليا ولما كان اللازم الأول أشنع وأظهر فسادا لكل عاقل التزموا الثاني. وأما الباطل الذي لزمهم في جانب الصادر فهو أن يكون واحدا من كل وجه ولا يكون فيه كثرة بوجه ما ليس مصدره واحد كذلك فالصادر عنه أيضا يجب أن يكون كذلك وهلم جرا والحس يكذبه ولا ينفعهم الجواب بأن الصادر له وجوه واعتبارات لأجلها تعدد الصادر عنه فإن تلك الوجوه إن كانت وجودية لزم صدور الكثرة عن الوحدة وبطل أصلهم وإن كانت عدمية لم يكن مصدرا للموجود وهذا قاطع. فصل ولما أصلوا هم وأتباعهم من الجهمية أن المختص بصفة أو حقيقة أو قدر لا بد له من تخصيص منفصل لزمهم من هذا الأصل إنكار حقيقته وذاته وصفاته إذ لو أثبتوا له ذلك بزعمهم لزم أن يكون له مخصص غيره خصصه بتلك الماهية والصفات والقدر فلزم أيضا من هذا الأصل الباطل ما لزم من الأصل الذي قبله وهم طردوا هذا الأصل وجحدوا حقيقة الرب وصفاته وإخوانهم من الجهمية لما لم يمكنهم أن يصرحوا به بين أظهر المسلمين(4\/1425)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1278",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4559",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صرحوا بالأصل وبما أمكنهم أن يصرحوا به من اللوازم كنفي الصفات ونفي العلو والمباينة والكلام والوجه واليدين والاستواء والنزول ولما أصلوا ذلك لزمهم القول بأنه في كل مكان بذاته وأنه تعالى في الأجواف والأمكنة التي يتعالى عنها فلما صاح عليهم أهل العلم والإيمان من كل قطر من أقطار الأرض قالوا نقول إنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق العرش ولا تحته فلما رأى عبادهم ومتصوفوهم أن الإرادة والعبادة والطلب لا تعلق بمعبود هذا شأنه وأن القلوب لا تعرفه والألسنة لا تعرفه فروا إلى أن قالوا فهو عين هذا العالم لا غيره وكل هذه اللوازم أسست على ذلك الأصل الفاسد. ولما أصلوا أن الصفات أعراض لا تقوم إلا بأجسام لزمهم إنكارها رأسا ومن أثبت منهم صفة ونفى غيرها أضحك أهل العقل والنقل على عقله ولما أصلوا هذا الأصل لزمهم عنه أن الله لم يتكلم ولا يكلم أحدا من خلقه ولم ينزل له إلى الأرض كلام تكلم به وإنما خلق أصواتا وحروفا في الريح سميت كلامه مجازا لا حقيقة فلما فهم سفهاؤهم هذا وأنه ليس لله في الأرض كلام وأنه ليس في المصحف إلا صفة المخلوقين ومدادهم وما عملت أيديهم صار فيهم من يكتب قل هو الله أحد(4\/1426)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1279",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4560",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بما يستحي من ذكره ومنهم من يلقي المصحف في المكان الذي يرغب عن ذكره ويقول إنما ألقيت كاغدا ومدادا ومنهم من يجعله كرسيا له يضعه تحت رجليه ويرقى عليه ويتناول به حاجته ومنهم من يكون له وعاء يضع فيه المصحف ونعله وغيره ومنهم من يتوسده إلى غير ذلك من الأنواع التي فيها من الاستخفاف بالمصحف والإهانة له ما يدل على براءة فاعله من الله ورسوله وكتابه ودينه. وأما إطلاقهم العبارات القبيحة الدالة على الاستهانة فهم لا يتحاشون منها بل يصرحون بقولهم أي شيء في المصحف سوى المداد والورق ويقولون ليس في المصحف كلام الله ولم ينزل إلى الأرض لله كلام وهذا الذي يقرأه المسلمون ليس بكلام الله حقيقة وقد رأينا نحن وغيرنا هؤلاء مشاهدة وسمعنا بعض أقوالهم التي حكيناها وهذه الفروع واللوازم فروع ذلك الأصل الباطل. كما أنهم لما أصلوا تعطيل الرب من صفة العلو وتعطيل العرش من استواء ربه عليه لزمهم التكذيب بما لا يحصى من الآيات والأحاديث وإن أقروا بألفاظها ولزمهم الطعن في خيار الأمة وساداتها وأئمة الإسلام وأهل(4\/1427)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1280",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4561",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السنة الحديث ولزمهم إنكار نزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة وإنكار مجيئه وإتيانه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده وإن أقروا بذلك أقروا به مجازا لا حقيقة ولزمهم من ذلك التكذيب بمعراج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ربه ودنوه منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى وتردده بين موسى وبين ربه مرارا كل ذلك لا حقيقة له عندهم كما صرح به أفضل متأخريهم وملك مناظريهم في كلامه على المعراج وجعله خيالا لا حقيقة له. ولما أصلوا أنه سبحانه لا تقوم به الأفعال الاختيارية وسموا ذلك حلول الحوادث لزمهم عنه أنه لا يفعل شيئا البتة فإنه لا يتكلم بمشيئته وأن يكون بمنزلة الجمادات التي لا تفعل شيئا فإنهم جعلوا المفعول عين الفعل ومن المعلوم أن مفعولا بلا فعل أبلغ في الاستحالة والبطلان من مفعول بلا فاعل أو هما سواء فلزمهم من هذا الأصل مخالفة صريح المعقول والمنقول والفطرة والتكذيب بما لا يحصى من النصوص. ولما أصلت القدرية أن الله سبحانه لو شاء أفعال عباده وقدر عليها وخلقها ثم كلفهم بها وعاقبهم عليها لكان ذلك ظلما ينافي العدل. لزمهم عن هذا الأصل لوازم مخالفة للعقل والشرع منها التكذيب بقدر الله وتكذيب غلاتهم بعلمه السابق وإنكار كمال قدرته ونسبته إلى أن يكون في ملكه(4\/1428)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1281",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4562",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما لا يشاء ويشاء مالا يكون وإخراج أشرف ما في ملكه عن أن يكون قادرا عليه أو خالقا له وهو طاعات أنبيائه ورسله وملائكته وأوليائه وأن تكون أفعالهم حدثت من غير خالق محدث أو يكونوا هم الخالقين المحدثين لها وأن تكون إرادتهم مشيآت حادثة بلا محدث ولزمهم تكذيبهم بنصوص القدر كله والطعن في نقلة أخبارها وتحريفها عن مواضعها بالتأويلات التي هي كذب على اللغة وعلى الله وعلى رسوله إلى أضعاف ذلك من اللوازم الباطلة ولزم هؤلاء كلهم أن الكتاب والسنة جاءا بما يخالف العقل الصريح وأنه إذا تعارض العقل والنقل قدم العقل وأطرح النقل فهذه الأصول الرديئة الخبيثة تولدت عنها هذه الأولاد المناسبة لها ومن أشبه أباه فما ظلم فإذا قابلت بين أصول أهل الإثبات وما تولد عنها وبين أصول المعطلة النفاة وما تولد عنها تبين لك الفرق بين هذه الأصول وفروعها وهذه الأصول وفروعها والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. الوجه السابع والتسعون بعد المائة: إن من تأمل أقوال هؤلاء المعارضين للوحي بعقولهم وآرائهم وجدها قد جمعت أمرين كل منهما يدل على بطلانها. أحدهما اختلافها في نفسها واضطرابها وتهافتها وهذا يدل على أنها ليست من عند الله كما قال تعالى(4\/1429)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1282",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4563",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [النساء82] فيكفيك من فساد القول اختلافه واضطرابه وتناقضه. الثاني أن مصدرها الخرص والظن والتخمين ليست صادرة عن وحي علمت عصمته ولا عن فطرة وعقل اشترك العقلاء فيما أثبته ونفاه. وقد أخبر سبحانه عن حقيقة أقوال المخالفين لكتابه وسنة رسوله بهذين الأمرين في قوله والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع والسماء ذات الحبك إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون [الذاريات11-1] فأقسم سبحانه بمخلوقاته طبقا بعد طبق فأقسم أولا بالرياح الذاريات ثم بما فوقها وهي السحاب الحاملات وقرا ثم بما فوقها وهي النجوم الجاريات يسرا ثم بما فوقها وهي الملائكة المقسمات أمرا ثم أقسم بالسماء ذات الحبك وهي الطرائق التي هي كطرائق الماء حين تحركه الرياح ومنه في وصف الدجال شعره حبك(4\/1430)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1283",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4564",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أي فيه تجعد وتثن ومنه قوله في السماء موج مكفوف وهذا يتضمن حسنها وبهجتها وكمال خلقها. فأقسم بذلك على أن الرادين لما بعث به رسوله المعارضين له بعقولهم في قول مختلف ولهذا نجدهم دائما في قول مختلف لا يثبت لهم قدم على شيء يعولون عليه فتأمل أي مسألة أردت من مسائلهم ودلائلهم تجدهم مختلفين فيها غاية الاختلاف يقول هذا قولا وينقضه الآخر فيجيء الثالث فيقول قولا غير ذينك القولين وينقضهما ويبطل أدلتهما ولا تجد لهم مسألة واحدة إلا وقد اضطربوا فيها حكما ودليلا فهم أعظم الناس اختلافا حتى تجد الواحد منهم يقول القول ويدعي أنه قطعي ثم يقول خلافه ويبطله ويدعي أنه قطعي ثم أخبر سبحانه أن ذلك القول المختلف يؤفك عنه من أفك أي يصرف بشبه عن الحق من صرف فلما كان انصرافه عن الحق بشبه صار كأنه منفصل عنه وإفكه صادر عنه ثم قال تعالى قتل الخراصون [الذاريات10] وأصل الخرص القول بلا علم بل بالظن والتخمين والقذف بالكلام من غير برهان على صحته ومنه سمي الكاذب خارصا وصاحب الظن والتخمين خارصا وهذا الوصف منطبق على هؤلاء أتم انطباق فليس معهم(4\/1431)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1284",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4565",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلا الخرص واتباع الظن كما قال تعالى في وصف سلفهم المعارضين لشرعه بالقدر إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون [الأنعام116] وهذا بخلاف متبع الوحي فإنه يتبع قولا يصدق بعضه بعضا ويشهد بعضه لبعض لا اختلاف فيه ولا اضطراب متصلا برب العالمين قوله ووحيه الذي نزله على رسوله قمصدره منه سبحانه ومظهره على لسان رسوله فعليه سبحانه البيان وعلى رسوله البلاغ وعلينا التسليم وقد فعل سبحانه ما عليه وفعل رسوله ما عليه فماذا نشأ بعد ذلك إلا أن نأتي بما علينا وبالله التوفيق. الوجه الثامن والتسعون بعد المائة: إن هؤلاء النفاة المعطلة لا بد لهم من أصل يقررون به قولهم الذي ابتدعوه وأصل ينفون به ما أخبرت به الرسل وهذا حال كل من وضع رأيا أو نصب مذهبا لا بد له من أصل يقرر به رأيه وأصل يبطل به قول مخالفه. وعلى هذين الأصلين بنوا مذاهبهم الفاسدة فكلامهم كله يدور على هاتين القاعدتين فإذا تكلموا في توحيدهم الذي هو غاية الإلحاد والتعطيل والتشبيه بالأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تتكلم كما قال حافظ الإسلام محمد بن إسماعيل البخاري في كتاب خلق الأفعال(4\/1432)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1285",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4566",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو من أجل كتبه الصغار وهذا لفظه وقال بعض أهل العلم إن الجهمية هم المشبهة لأنهم شبهوا ربهم بالصنم والأصم والأبكم الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ولا يخلق وقالت الجهمية كذلك لا يتكلم لا يبصر نفسه والمقصود أن توحيدهم غاية التعطيل والتشبيه فإذا تكلموا فيه قرروه بالأصل الأول فإذا جاءوا إلى الكتاب والسنة قرروا نفي دلالتهما بوجوه أحدها: أن النصوص أدلة لفظية لا تفيد علما ولا يقينا. والثاني: أن الأخبار أخبار آحاد لا تفيد العلم وهذه المسائل علمية. الثالث: أن العقل إذا عارض النقل وجب تقديم العقل عليه. الرابع: استعمال التأويلات وأنواع الاستعارات والمجازات في نصوص الصفات وقد أوصاهم سلفهم بكلمتين يتداولونها عنهم آخر عن أول قالوا إذا احتج عليكم أهل الحديث بالقرآن فغالطوهم بالتأويل وإذا احتجوا بالأخبار فقابلوها بالتكذيب. وإذا مهدوا هذين الأصلين انبنى لهم عليهما أصلان آخران أدهى منهما وأمر التكذيب بالحق الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب وإساءة الظن به وتسليط التحريف عليه والتصديق بالباطل الذي يسمونه قواطع(4\/1433)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1286",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4567",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عقلية وصدقوا وكذبوا فهي قواطع ولكن عن الإيمان بالله ورسوله وأسماء الرب وصفاته وهي خيالات جهلية شبهت عليهم فظنوها قواطع عقلية. وترتب لهم على هذين الأصلين أصلان آخران تلقيب الحق المنزل وأصحابه بالألقاب الشنيعة المنفرة كتلقيبه بالتجسيم والتشبيه والتمثيل والتركيب. وتلقيب الآخذين به بالمشبهة والمجسمة والحشوية وتلقيب الكفر والضلال والإلحاد بالألقاب المستحسنة كالتوحيد والتنزيه والعدل وتلقيب أصحابه بالموحدين أهل العدل والتوحيد والتنزيه. فرتب لهم على ذلك أصلان آخران الإعراض عن القرآن والسنة جملة ومعارضتهما بآراء الرجال وعقولهم الفاسدة المتهافتة المتناقضة. ثم ترتب لهم على ذلك أصلان آخران معاداة أهل الحق وموالاة أهل الباطل وبقي أمران آخران إنما يظهران إذا بعث ما في القبور وحصل ما في الصدور هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون. الوجه التاسع والتسعون بعد المائة: إن هؤلاء المعطلة النفاة من الجهمية ومن اتبعهم لا يمكن على أصولهم التي أصلوها وقواعدهم التي أسسوها محبة الله ولا مدحه ولا حمده وتمجيده والثناء عليه(4\/1434)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1287",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4568",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا الرضى به ولا الابتهاج بقربه ولا الفرح به ولا اللذة العظمى برؤية وجهه ولا لذة الآذان والأرواح بسماع كلامه بل ولا الشوق إليه ولا الأمان ولا الطمأنينة به وإليه ولا الأمن من عذابه لهم بغير جرم أصلا ومن إبطاله أعمالهم الصالحة بغير سبب بل أعظم من ذلك أنهم سدوا على أنفسهم طريق العلم بإثباته وإثبات ربوبيته إلا بما ينافي صفاته وأفعاله فليس لهم طريق إلى إثبات ذاته إلا بما يستلزم نفي ذاته وصفاته وأفعاله وسدوا علىأنفسهم طريق العلم بصدق رسله بتجويزهم عليه كل شيء حتى إنه يجوز عليه تأييد الكاذب المفتري عليه بأعظم المعجزات وليس في العقل ما يحيل ذلك عندهم وسدوا على أنفسهم طريق العلم بالمعاد لأنهم بنوه على إثبات الجوهر الفرد ولا حقيقة له وهذه جملة إنما يظهر تفصيلها عند الكلام على مسائلهم ودلائلهم. أما محبة الرب سبحانه فإنهم صرحوا بأنه لا يحب ولا يحب واستدلوا على ذلك بما هو مناقض للفطرة والعقل والشرائع كما سنذكره إن شاء الله وأصل الدين هو كونه سبحانه يحب ولا يحب فإن الشرائع مبناها على شهادة أن لا إله إلا الله والإله هو المستحق لكمال الحب بكمال التعظيم والإجلال والذل له والخضوع له فإنكار المحبة(4\/1435)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1288",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4569",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنكار لنفس الإلهية وأما فروعها فمبناها على كونه سبحانه يحب أقوالا وأعمالا ويمدح فاعليها ويثني عليهم ويقربهم منه ويبغض أقوالا وأعمالا ويذم فاعليها ويبغضهم ويبعدهم منه وعنده أنه لا يحب ولا يبغض بل كل ما شاءه فهو محبوب له ومالم يشأه فهو مبغوض فإن محبته عندهم هي إرادته ولهذا قالوا لا يحبه أحد لأن المحبة نوع من الإرادة والقديم لا يمكن أن يراد وأما أنه لا يمدح ولا يحمد فلما قرروا أن المدح هو مجرد الإخبار عن استحقاق الممدوح ما يلتذ به ويفرح به واللذة والألم عليه محال كما سنذكر ألفاظهم بعد هذا الوجه والكلام عليها. وأما الرضا به والابتهاج والسرور بقربه فذلك من توابع المحبة وعندهم أنه لا يمكن تعلق المحبة به بوجه وأما اللذة برؤية وجهه وسماع كلامه فليس له عندهم وجه ولا يرى بحال ولا يكلم ولا يمكن أن يتكلم وأما الإنابة إليه فأصل الإنابة محبة القلب وخضوعه وذله للمحبوب المراد فمن لا يحب لا يمكن الإنابة إليه وكذلك الفرح والسرور بقربه عندهم أنه أمر محال. وأما الطمأنينة به والأمن من عذابه بغير جرم فلا طريق لهم إلى ذلك لأنهم يجوزون عليه أن يعذب أعظم أهل طاعته وينعم أكفر الخلق به وكلاهما بالنسبة إليه سواء عندهم وإنما يعلم ضد ذلك بخبر صادق والأدلة اللفظية عندهم لا تفيد اليقين وكثير منهم يشك في العموم أو ينكره والقدرة صالحة ولا حسن ولا قبح هناك البتة.(4\/1436)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1289",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4570",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما طريق العلم بإثباته فإنهم إنما أثبتوه بطريق الجواهر والأعراض والحركة والسكون وأن ما قامت به الأعراض والحوادث يجب أن يكون حادثا فلزمهم نفي جميع صفاته وأفعاله إذ لو أثبتوها بزعمهم لأفسد عليهم طريق إثباته والعلم به ولزمهم إنكار علوه على خلقه واستوائه على عرشه وتكلمه وأن يكون له كلام يسمع منه فضلا أن ينزل إلى الأرض ومن استهجن منهم هذا ارتكب التناقض وأثبت بعضها ونفى بعضا ولم يوف ما أثبته حقه بل نفى حقيقته وأثبت لفظه أو أثبته من وجه ونفاه من غيره أو أثبت منه مالا يعقل فهم سلكوا في طريق إثبات وجوده أعظم الطرق المنافية لوجوده فضلا عن ثبوت صفات كماله وأفعاله. وأما طريق العلم بالنبوة فإنهم أصلوا أنه سبحانه يجوز عليه كل ممكن وأنه يجوز عليه تأييد الكذابين بأنواع المعجزات وأنه لا فرق بالنسبة إليه سبحانه بين ذلك وبين تأييد الصادقين بها فإن العقل لا يقبل ذلك ولا يحسن هذا وليس إلا مجرد القدرة والمشيئة فلما أورد عليهم العقلاء أن هذا يسد طريق العلم بالنبوة عدلوا إلى نوع من المعارضة لخصومهم من المعتزلة وقالوا هذا يلزمنا ويلزمكم فإن وجوب النظر في المعجزة عندكم وإن وجب بالعقل لكن وجوبه نظري فالمكلف يقول لا أنظر حتى يجب علي ولا يجب علي حتى أنظر فسددتم على أنفسكم(4\/1437)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1290",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4571",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طريق إثبات النبوة فانظر كيف آل أمر الفريقين إلى الاعتراف بأن العلم بإثبات النبوة طريقه مسدودة عليهم وماذا يفيدكم مشاركة خصومكم لكم في هذا الضلال المبين والكفر المستبين فأبعد الله أصولا وقواعد هذا حاصلها ورأس مال أصحابها أفلا يستحي من هذا حاصل معقوله وعلمه ومنتهى معرفته أن يذكر أنصار الله ورسوله وحزبه بما لا يليق أو ينسبهم إلى ما هو أولى به منهم من الجهل ومخالفة المعقول والمنقول وهذا موضع المثل الساير رمتني بدائها وانسلت وقد تقدم ما ذكره إمام أهل السنة محمد بن إسماعيل البخاري عن بعض أهل العلم أن الجهمية هم المشبهة لأنهم شبهوا الله سبحانه بالأصنام والموات ومما يوضح الأمر الوجه الموفي مائتين وجها: وهو أن هؤلاء كما وضعوا قانونا أصلوه لنفي كلامه وسمعه وبصره ومباينته لخلقه واستوائه على عرشه ومجيئه لفصل القضاء بين عباده ورؤية أنبيائه وأوليائه له في دار الكرامة بأن ذلك يستلزم التجسيم والتشبيه والتمثيل والتركيب وحلول الحوادث وضعوا قانونا آخر يتضمن نفي ما وصف به نفسه من الرأفة والرحمة والمحبة والمودة والحنان والغضب والرضى والفرح والضحك والتعجب قالوا(4\/1438)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1291",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4572",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأن هذه الأمور مضتمنة للألم واللذة والله سبحانه منزه عن ذلك قالوا ولأنها تستلزم الشهوة والنفرة وهو سبحانه منزه عنهما. فانظر كيف توصلوا إلى نفي ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله من هذه الأمور بهذه الألفاظ المجملة المتشابهة المتضمنة للحق والباطل فهي ذات وجهين حق وباطل فتقبل من الوجه الحق وترد من الوجه الباطل فلفظ الشهوة واللذة والألم والنفرة من الألفاظ التي فيها إجمال وإبهام فكثير من الناس إنما يطلقها بإزاء شهوة الحيوان من الأكل والشرب والنكاح والله تعالى قد جعل الباعث على إتيان الذكور الشهوة المجردة لا الحاجة إلى ذلك فإن الله لم يحرم على عباده ما يحتاج العباد إليه ويطلق الشهوة بإزاء ما هو أعم من ذلك كشهوة الجاه والمال والعز والنصر والعلم قال الإمام أحمد محمد بن إسحاق صاحب حديث يشتهى حديثه وقد قال تعالى في الجنة وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين [الزخرف71] وهذا يعم كل ما تشتهيه الأنفس من مأكول ومشروب ومسموع ومرئي وغيره. وتطلق الشهوة على الإرادة نفسها فيقال لمن له إرادة(4\/1439)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1292",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4573",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في الشيء ومحبة له هو يشتهيه كما يقال فلان يشتهي لقاء فلان ويشتهي قربه ويشتهي الحج بل يقال لمن يريد ما تكره نفسه لمصلحة أنه يشتهيه كما يقال فلان يشتهي الشهادة في سبيل الله ويشتهي شرب الدواء. فنقول أتعنون بالشهدة التي نفيتموها عن الله الشهوة الحيوانية أم الشهوة التي هي أعم أم الإرادة والمحبة فإن أردتم الأول فنفيه حق ودعواكم لزومه من ما أثبته لنفسه من الفرح والرضى والضحك ونحوها باطلة تتضمن الكذب والتلبيس. وإن أردتم الثالث فنفيه باطل وتوسلكم إلى نفيه بتسميته شهوة تلبيس وتدليس ونفي للمعنى الحق الثابت بتسميته بالاسم المستهجن في حق من وصف به. وإن أردتم الثاني استفصلناكم عن مرادكم فإن فسرتموه بما يمتنع وصفه به قبلناه وإن فسرتموه بما وصف به نفسه قابلناه بالإنكار والرد وإن فسرتموه بأمر مجمل محتمل استفصلناه فقبلنا حقه ورددنا باطله. وهؤلاء النفاة تجدهم دائما يعتمدون هذه الطريقة المتضمنة للتلبيس والتدليس وينفون بها حقائق ما أخبر الله به عن نفسه فيأتون إلى ألفاظ معناها في اللغة الغربية أخص من معناها في اصطلاحهم فينفون معناها العام الذي اصطلحوا عليه ويوهمون الناس أنهم إنما نفوا معناها(4\/1440)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1293",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4574",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعروف في اللغة والناس أول ما يسمعون تلك الألفاظ إنما يفهمون منها معناها اللغوي فيوافقونهم على النفي تعظيما لله وتنزيها له ومرادهم نفي المعنى العام الذي اصطلحوا عليه وقد جمعوا في ذلك تحريف لغة العرب عن مواضعها وتحريف كلام الله ورسوله عن مواضعه ولبس الحق بالباطل في النفي والإثبات. فمعرفة مراد هؤلاء وكلامهم من تمام مقاصد الدين ليتمكن أهل السنة والحديث من رد باطلهم وتبيين إفكهم وقد أمر النبي زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود فكان يكتب له كتبهم ويقرأ له كتبهم وسأل رجل عبد الله بن عمر عن(4\/1441)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1294",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4575",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأنبذة وقال أخبرني عنها بلغتكم وفسرها لي بلغتنا فإن لكم لغة ولنا لغة فذكرها ابن عمر باللفظ الذي قاله النبي ثم فسرها بلغة السائل. فنقول أنتم في هذا المقام إنما نظركم في المعاني العقلية لا في إطلاق الألفاظ فإن أهل السنة والحديث أعلم بذلك منكم وأولى بمراعاة الألفاظ الشرعية وهم أبعد عن أن يصفوا الله إلا بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله منكم فما مقصودكم من نفي الشهوة والنفرة واللذة والألم عنه إن عنيتم به ما هو من خصائص المخلوقين فلا ريب في انتفائه عنه سبحانه لأن كماله المقدس ينفيه فإثباته نقص وعيب وأنتم قد اعترفتم أنه لم يقم دليل عقلي على تنزيهه عن العيوب والنقائص وإنما استندتم فيه إلى الإجماع واعترفتم بأن دلالته ظنية وهذا موجود في إرشادكم(4\/1442)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1295",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4576",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونهايتكم وغيرها ونحن نقرر نفي ذلك بالأدلة القطعية والبراهين اليقينية فإنه سبحانه لا يجوز أن يماثل خلقه في شيء من صفاتهم وأفعالهم فهو منزه عن أن يطلب ما يقبح طلبه أو يريد ما لا يحسن إرادته أو يطلب ويكره ويحب ما لا يصلح طلبه وكراهته ومحبته إلا للمخلوق وكل ما ينزه سبحانه عنه من العيوب والنقائص فهو داخل فيما نزه نفسه عنه وفيما يسبح به ويقدس ويحمد ويمجد وداخل في معاني أسمائه الحسنى وبذلك كانت حسنى أي أحسن من غيرها فهي أفعل تفضيل معرفة باللام أي لا أحسن منها بوجه من الوجوه بل لها الحسن الكامل التام المطلق وأسماؤه الحسنى وآياته البينات متضمنة لذلك ناطقة به صريحة فيه وإن ألحد فيها الملحدون وزاغ عنها الزائغون. وقد بينا فيما تقدم أن كل ما ينزه الرب عنه إن لم يكن متضمنا لإثبات كماله ومستلزما لأمر ثبوتي يوصف به لم يكن في تنزيهه عنه مدح ولا حمد ولا تمجيد ولا تسبيح إذ العدم المحض كاسمه لا حمد فيه ولا مدح وإنما يمدح سبحانه بنفي أمور تستلزم أمورا هي حق ثابت موجود يستحق الحمد عليها وذلك الحق الموجود ينافي ذلك الباطل المنفي فيستدل برفع أحدهما على ثبوت الآخر فتارة يستدل بثبوت تلك المحامد والكمالات على نفي النقائص(4\/1443)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1296",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4577",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التي تنافيها وتارة يستدل بنفي تلك النقائص على ثبوت الكمالات التي تنافيها فهو سبحانه القدوس السلام كما قال تأخذه سنة ولا نوم [البقرة255] لكمال حياته وقيوميته و لا يعزب عنه مثقال ذرة [سبأ3] لكمال علمه وما مسنا من لغوب [ق38] لكمال قدرته ولا يظلم ربك أحدا [الكهف49] لكمال عدله وغناه ورحمته و لا يضل ربي ولا ينسى [طه52] لكمال علمه وحفظه ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم [البقرة255] لكمال قدرته وقوته وهو يطعم ولا يطعم [الأنعام14] و لم يلد ولم يولد [الإخلاص3] لكمال صمديته ولم يكن له كفوا أحد [الإخلاص4] لتفرده بالكمال المطلق الذي لا يشاركه فيه غيره ولم يكن له ولي من الذل [الإسراء111] لكمال عزته وسلطانه ولا يخاف عقباها [الشمس15](4\/1444)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1297",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4578",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فنفى عن نفسه خوف عاقبة ما فعله من إهلاك أعدائه بخلاف المخلوق فإنه إذا انتقم من عدوه يخاف عاقبة ذلك إما من الله وإما من المنتصرين لعدوه وذلك على الله محال والخوف يتضمن نقصان العلم والقدرة والإرادة فإن العالم بأن الشيء لا يكون لا يخافه والعالم بأنه يكون ولا بد قد يئس من النجاة منه فلا يخاف وإن خاف فخوفه دون خوف الراجي وأما نقص القدرة فلأن الخائف من الشيء هو الذي لا يمكنه دفعه عن نفسه فإذا تيقن أنه قادر على دفعه لم يخفه. وأما نقص الإرادة فلأن الخائف يحصل له الخوف بدون مشيئته واختياره وذلك محال في حق من هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير ومن لا يكون شيء إلا بمشيئته وإرادته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهذا لا ينافي كراهته سبحانه وبغضه وغضبه فإن هذه الصفات لا تستلزم نقصا لا في علمه ولا في قدرته ولا في إرادته بل هي كمال لأن سببها العلم بقبح المكروه المبغوض المغضوب عليه وكلما كان العلم بحاله أهم كانت كراهته وبغضه أقوى ولهذا يشتد غضبه سبحانه على من قتل نبيه أو قتله نبيه. فصل وإن قال أعني بذلك ما هو أعم من شهوة الحيوان وألمه ولذته ونفرته قيل له الشهوة والنفرة جنسهما الحب(4\/1445)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1298",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4579",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والبغض فكل مشته لشيء فهو محب له وكل نافر عن شيء فهو مبغض له وإن كان في المحبة والبغض ما لا يسمى في لغة القوم شهوة ونفرة كمحبتنا لله ورسوله وإذا كان كذلك فمعلوم أن الله سبحانه قد وصف نفسه بالمحبة والبغض في غير موضع من كتابه وسنة رسوله وهو موصوف بالإرادة والكراهة المتضمنة للحب والبغض والشهوة والنفرة أيضا تتضمن معنى الإرادة والكراهة فإن المشتهي فيه نوع إرادة والنافر فيه نوع كراهة والإرادة والكراهة من لوازم الحياة فكل حي مريد كاره والشهة والنفرة من لوازم الحيوان فإنه يشتهي ما يتضمن بقاء ذاته ويلائمه وينفر من ضد ذلك. وهذه الأسماء قد تتنوع إما بحسب صفاتها في أنفسها وإما بحسب متعلقها وهو المحبوب المكروه لما في لغة العرب من التفريق بين اللفظين لأدنى فرق بين المعنيين لقوة التمييز في عقولهم وألسنتهم بخلاف الأمم الذين يضعف فيهم التمييز فإنهم يغلب عليهم الاقتصار على القدر المشترك في العقل واللسان وثبوت تلك الفروق اللفظية في المعاني والألفاظ لا يمنع ثبوت القدر المشترك بينها والذي تدركه سائر الأمم فيجب إثبات القدر المشترك والقدر المميز. وإذا كان بين الشهوة والمحبة والإرادة والرضى والفرح قدر مشترك وبين النفرة والبغض والكراهة والسخط(4\/1446)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1299",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4580",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونحوها قدر مشترك فمن نفى مسمى أحد هذه الألفاظ فإن عنى به نفي جميع مسماه لزم نفي القدر المشترك الثابت في البواقي وإن نفى ما يختص به مما هو من خصائص المخلوقين فقد أصاب والله سبحانه منزه في جميع ذلك إن أثبت له وإن نفي عنه شيء من ذلك مما هو مختص به لأجل ما يظنه مستلزما لنقص فذلك لازم له في جميع ما يوصف به فإنه سبحانه إنما يوصف من كل نوع بأكمل ذلك النوع على وجه لا يستلزم نقصا ولا تمثيلا. فصل يبين ذلك أن الحب والبغض من لوازم الحياة فلا يكون حي إلا محب مبغض كما لا يكون حي إلا وله علم وإرادة وفعل بل حب الله سبحانه لما يحبه وبغضه لما يبغضه وإرادته لما يريده وكراهته لما يكرهه أكمل الحب والبغض والإرادة والكراهة كما قال تعالى لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم [غافر10] وقال تعالى والله أشد بأسا وأشد تنكيلا [النساء84] وهذا تابع لشدة غضبه ومقته وقال تعالى أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة [فصلت15] وكذلك هو أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأعلم العالمين فهو أكبر في كل صفة من صفاته كما هو أكبر في جميع صفاته وذاته وأفعاله.(4\/1447)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1300",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4581",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وقد ذكر أفضل متأخريهم أدلتهم على امتناع هذه الأمور على الله وأبطلها كلها فكفانا مؤنتها ثم اختار لنفسه مسلكا هو أبطل منها فقال والمعتمد أن نقول لو صحت اللذة على الله تعالى لكان خلقه للملتذ به إما أن يكون في الأزل أو لا يكون والقسمان باطلان فالقول بصحة اللذة على الله محال وإنما قلنا إنه لا يصح خلقه للملتذ به في الأزل لأن الفعل الأزلي محال وإنما قلنا يستحيل أن يكون حادثا لأنه إذا كان حادثا كان ممكنا قبل كونه وإلا كان ممتنعا ثم انقلب إلى الإمكان وهو محال وإذا كان ممكنا فالله قادر على إيجاده قبل ذلك وإلا كان منتقلا من القدرة إلى العجز وهو محال وإذا ثبت ذلك. فنقول كل من صحت عليه اللذة إذا كان عالما بقدرته على تحصيل الملتذ به وكان الملتذ به في نفسه ممكنا فإنه يكون كالملجأ إلى إيجاد الملتذ به وإذا كان كذلك لزم كونه تعالى فاعلا للملتذ به قبل فعله وذلك محال فثبت أن القول بصحة اللذة على الله محال لأنه يفضي إلى المحال وما أفضى إلى المحال محال ومضمون هذه الحجة بعد تطويل مقدماتها أن جواز ذلك عليه مستلزم لكون الملتذ به حادثا وكونه متقدما على حدوثه وكون الشيء(4\/1448)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1301",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4582",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "متقدما على وجوده محال وفسادها بين من وجوه أحدها (الوجه الواحد والمائتان) النقض والمعارضة بالإرادة والمحبة والرحمة والرضى بأن يقال لو صحت على الله الإرادة والمحبة والرضى لكان فعله للمراد المحبوب المرضي إما في الأزل وهو محال وإما في مالم يزل وهو محال لما ذكره بعينه من مقدمات دليله. الوجه الثاني والمائتان: أن لفظ اللذة والألم من الألفاظ التي فيها إجمال واشتباه كلفظ الجسم والحيز والتركيب وغيرها وليس لها ذكر في الكتاب والسنة بنفي ولا إثبات بل جاء في القرآن والسنة وصفه بالمحبة والرضى والفرح والضحك ووصفه بأنه يصبر على ما يؤذيه وإن كان العباد لا يبلغون نفعه فينفعونه ولا ضره فيضرونه والذي نفاه هؤلاء يدرجون تحته ما وصف به نفسه وهو إبطال لما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب ولما خلق الخلق لأجله فإن الله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه ليدعو الخلق إلى ما يحبه ويرضاه وينهوهم عما يبغضه ويسخطه وقد أخبر رسوله عنه من محبته ورضاه وفرحه وضحكه وتسليته لأوليائه وأحبائه وأهل طاعته وعن غضبه وسخطه وبغضه ومقته وكراهته لأعدائه(4\/1449)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1302",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4583",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأهل مخالفته مما يضيق هذا المكان عن استقصائه وعلى هذا الأصل تنشأ مسألة التحسين والتقبيح وقد ذكرناها مستوفاة في كتاب المفتاح وذكرنا على صحتها فوق الخمسين دليلا وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تعالى: quot;يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهارquot; وقال: quot;لا احد أصبر على أذى يسمعه من الله يجعلون له الولد وهو يرزقهم ويعافيهمquot; وقال حاكيا عن ربه: quot;شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلكquot; وقد فرق الله بين أذاه وأذى رسوله وأذى المؤمنين والمؤمنات فقال إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات(4\/1450)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1303",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4584",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا [الأحزاب58 , 57] وليس أذاه سبحانه من جنس الأذى الحاصل للمخلوقين كما أن سخطه وغضبه وكراهته ليست من جنس ما للمخلوقين. الوجه الثالث والمائتان: إن ما وصف الله سبحانه به نفسه من المحبة والرضى والفرح والغضب والبغض والسخط من أعظم صفات الكمال إذ في العقول أنا إذا فرضنا ذاتين إحداهما لا تحب شيئا ولا تبغضه ولا ترضاه ولا تفرح به ولا تبغض شيئا ولا تغضب منه ولا تكرهه ولا تمقته. والذات الأخرى تحب كل جميل من الأقوال والأفعال والأخلاق والشيم وتفرح به وترضى به وتبغض كل قبيح يسمى وتكرهه وتمقته وتمقت أهله وتصبر على الأذى ولا تجزع منه ولا تتضرر به كانت هذه الذات أكمل من تلك الموصوفة بصفات العدم والموات والجهل الفاقدة للحس فإن هذه الصفات لا تسلب إلا عن الموات أو عمن فقد حسه أو بلغ في النهاية والضعف والعجز والجهل إلى الغاية التي لم تدع له حبا ولا بغضا ولا غضبا ولا رضى بل اليهود الذين وصفوه بالغم والحزن والبكاء والندم أحسن حالا من الذين سلبوه هذا الكمال كما أن المشبهة المحضة(4\/1451)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1304",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4585",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خير من المعطلة النفاة لصفات كماله وحقائق أسمائه الحسنى وأهل الحق أنصار الله ورسوله وكتبه والسنة براء من الفريقين. الوجه الرابع والمائتان: أنه لا كمال في مجرد سلب ذلك عنه كما قدمنا أن السلب إن لم يتضمن إثباتا وإلا لم يكن مدحا ولا كمالا فليس له من مجرد كونه لا يحب ولا يرضى ولا يفرح ولا يضحك ولا يغضب حمد ولا كمال فإنه نفي صرف وعدم محض فلا يحمد به وهذا بخلاف نفي الغم والهم والحزن والندم عنه فإنه يتضمن ثبوتا وهو كمال قدرته وعلمه فإن أسباب هذه الأمور إما عجز مناف للقدرة وإما جهل مناف للعلم وكمال قدرته وعلمه يناقض وصفه بذلك وهذا وغيره مما يبين أن النفاة والمعطلة أقل الناس تحميدا وتمجيدا وتسبيحا وثناء على الله وأن أهل الإثبات أعظم تسبيحا وتحميدا وثناء على الله كما سنقرره فيما بعد إن شاء الله. الوجه الخامس والمائتان: أن يقال ما المانع من أن يكون رضاه ومحبته وفرحه من كماله في نفسه وما هو عليه من الجلال والجمال ولا يحتاج في ذلك إلى شيء مخلوق بل يكفي في حصوله جماله وجلاله وحينئذ فيقال قولك لو صح الرضى والفرح(4\/1452)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1305",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4586",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي تسميه أنت لذة عليه لكان خلق المفروح المرضي به إما في الأزل أو بعده إنما يجب ذلك إذا امتنع أن تكون محبته لنفسه ورضاه بنفسه وفرحه بنفسه سبحانه وحينئذ فلا ينتفي ينتفي المعنى الذي سميته لذة إلا إذا امتنع هذا وأنت لم تقم دليلا على امتناعه بل أنت في نفي هذاأضعف حجة ممن نفى التذاذ أوليائه بالنظر إلى وجهه فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين كلهم وأهل السنة كلهم متفقون على إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة ولكن زعم بعض أهل الكلام أنه لا يحصل لهم بذلك لذة كما زعم أبو المعالي الجويني في رسالته النظامية أن نفس النظر إليه سبحانه لا لذة فيه إذ اللذة إنما تكون بالمناسب ولا مناسبة بين القديم والمحدث وزعم أن هذا من أسرار التوحيد وكذلك أبو الوفا بن عقيل سمع قائلا يقول أسألك لذة النظر إلى وجهك فقال يا هذا هب أن له وجها أفتلتذ بالنظر إليه وهذه نزعة اعتزالية وإلا فأهل المعرفة بالله وخاصة أولياء الله ليس عندهم شيء ألذ من النظر إلى وجهه الكريم وليس بين هذه اللذة ولذة الأكل والشرب والنعيم المنفصل نسبة أصلا كما لا نسبة بين(4\/1453)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1306",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4587",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرب جل جلاله وبين شيء من مخلوقاته فالنسبة بين اللذتين لا تدرك أصلا قال شيخنا وعلى ذلك جميع أهل السنة وسلف الأمة وأئمة الإسلام قال الحسن البصري شيخ الإسلام في زمن التابعين لو علم العابدون أنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت نفوسهم في الدنيا شوقا إليه. وقال الشافعي رحمه الله لو علم محمد بن إدريس أنه لا يرى ربه في الآخرة لما عبده في الدنيا وقال أنا أخالف ابن علية في كل شيء حتى في قول لا إله إلا الله فإني أقول لا إله إلا الله الذي يرى في الآخرة وهو يقول لا إله إلا الله الذي لا يرى في الآخرة وكذلك جاءت السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روى مسلم في صحيحه عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم(4\/1454)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1307",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4588",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: quot;إذا أدخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون وما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة وينجنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه وهي الزيادةquot; فأخبر الصادق المصدوق أن نظرهم إليه أحب إليهم من كل ما أعطاهموه وكذلك ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن وابن حبان في صحيحه من حديث عمار بن ياسر أنه سمع النبي يدعو: quot; اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وكلمة الحق في الغضب والرضا والقصد في الفقر والغنى وأسألك الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت وأسألك نعيما لا ينفد وقرة عين لا تنقطع وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدينquot; يوضحه الوجه السادس والمائتان: وهو أن اللذة والفرح تابعة للمحبة في الكمال والقوة والمحبة تابعة لمعرفة المحب بصفات المحبوب وجماله فكلما كان العلم به أكمل كانت محبته أقوى وكلما كانت المحبة(4\/1455)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1308",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4589",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أقوى كانت اللذة والفرح به أكمل وأتم وإذا ثبت هذا فإذا كان العباد يحصل لهم بمعرفته وذكره ورؤيته واستماع كلامه منه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وهو سبحانه أعلم بنفسه من غيره وكذلك كان حمده لنفسه وثناؤه على نفسه أعظم من حمد الحامدين له وثناء المثنين عليه فإن الحمد والثناء تابع للمعفرة والعلم بصفات المحمود ولهذا كان النبي أعظم الناس حمدا لربه وثناء عليه لما كان أعلم الخلق به فثناء الرب سبحانه على نفسه وحمده لنفسه وتمجيده لنفسه ومحبته لنفسه ورضاه عن نفسه فوق ما يخطر ببال الخلق أو يدور في قلوبهم أو تجري به ألسنتهم كما قال النبي لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك يوضحه. الوجه السابع والمائتان: أنه سبحانه إذا كان يحب بعض ما خلقه ويرضى عنه ويفرح به لما أعطاه من صفات الكمال فمحبته لنفسه ورضاه عن نفسه أولى وأحرى وأعظم من محبته لمخلوقه وأنه إذا أحب أهل العلم وأهل الرحمة وأحب المحسنين وأحب الصابرين وأحب الشاكرين وأثنى عليهم وهو الذي أعطاهم هذه الصفات وأحبهم لأجلها فما الظن بمحبته لنفسه وثنائه عليها ومن المعلوم أن محبته لهم وثناءه عليهم تبع لمحبته لنفسه وثنائه على نفسه.(4\/1456)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1309",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4590",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثامن والمائتان: إن الجهمي أبطل هذا بقوله إن اللذة إدراك الملائم فيلزم أن يقال ذات الله ملائمة لذاته وذلك غير معقول لأن الملائمة لا تتقرر إلا بين شيئين وهذا الذي قرره باطل من وجوه أحدها: أن اللذة ليست نفس إدراك الملائم كما زعم بل هي حالة تنشأ عن الإدراك فالإدراك سببها لا نفسها فهاهنا ثلاثة أشياء ملائم وإدراكه وما ينشأ عن الإدراك من الالتذاذ والفرح والسرور وكذلك الألم ليس هو نفس إدراك المنافي بل حالة تنشأ عن إدراكه وعلى هذا فإدراك الذات ملائم والفرح والرضى الذي سميته لذة مترتب على إدراك الذات وهذا أمر معقول لكل عاقل فإن المخلوق يدرك من ذاته كما لا يلتذ بإدراكه ويسر ويفرح به مع كون ذلك الكمال ناقصا بين عدمين وهو من غيره ليس منه فكيف بمن له الكمال المطلق الواجب السرمد وهو لم يستنفده من غيره وهو أعلم بكماله وكل ما سواه الثاني: قولك الملائمة لا تتقرر إلا بين اثنين جوابه أن مثل هذا يكون في الذات الواحدة باعتبارين كما قال تعالى ونهى النفس عن الهوى [النازعات40] وقال إن النفس لأمارة بالسوء [يوسف51] وقال آدم ربنا ظلمنا أنفسنا [الأعراف23] .(4\/1457)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1310",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4591",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالنفس واحدة وهي الناهية المنهية والأمارة المأمورة والظالمة المظلومة كما تكون هي العاقلة المعقولة والإنسان يحب نفسه فيكون المحب المحبوب فإذا كان هذا أمرا معقولا في المخلوق غير ممتنع فكيف يمتنع في حق الخالق الثالث: أنه سبحانه يحب صفاته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;اللهم إنك عفو تحب العفوquot; وقال: quot;إن الله جميل يحب الجمالquot; quot;وإن الله نظيف يحب النظافةquot; quot;وإن الله وتر يحب الوترquot; quot;وإن الله(4\/1458)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1311",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4592",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طيب لا يقبل إلا طيباquot; وروي quot; إني عليم أحب كل عليم quot; وإذا كان يحب صفاته وهي قائمة بذاته فكيف بمحبته لذاته الوجه التاسع والمائتان: أن يقال ما المانع أن يحب ويرضى ويفرح ويضحك بما يكون من الأمور الحادثة الموافقة لمحبته ورضاه كما في الأحاديث المستفيضة المتواترة مثلما في صحيح البخاري وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;قال الله تعالى أنا عند ظن عبدي بيquot; quot;وأنا معه حيث يذكرني والله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في الفلاةquot;(4\/1459)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1312",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4593",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا وإذا أقبل يمشي أقبلت إليه أهرول quot;. وفي الصحيح عن البراء بن عازب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;كيف تقول بفرح عبد إذا انفلتت منه راحلته تجر زمامها بأرض قفر ليس فيها طعام ولا شراب وعليها له طعام وشراب فطلبها حتى شق عليه ثم مرت بجذل شجرة فتعلق زمامها فوجدها متعلقة به قلنا شديد يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما والله لله أشد فرحا بتوبة عبده من الرجل براحلتهquot; وفي الصحيح عن أنس أن(4\/1460)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1313",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4594",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot; الله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم إذا سقط على بعيره قد أضله بأرض فلاة quot; وفي كتاب العلل للدارقطني quot; لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد والمضل الواجد والظمآن الوارد quot; هذا أو نحوه ولو كان في المفروح به أعلى من هذا المثال لذكره فتأمل سائرا وحده بأرض مفازة معطشة لا ماء بها ولا زاد ضلت راحلته فيها فاشتد جوعه وظمأه فأيس من الحياة فاضطجع في أصل شجرة ينتظر الموت ثم استيقظ فإذا الراحلة قائمة على رأسه وعليها طعامه وشرابه كما جاء ذلك مصرحا به في بعض طرق هذا الحديث فهل في الفرح قط أعظم من هذا ولهذا الفرح بتوبة العبد سر أكثر الخلق محجوبون عنه لا تبلغه عقولهم وبه يعرف سر تقدير ما يثاب منه على العبد لأنه يترتب عليه ما هو أحب إلى الرب سبحانه من عدمه فلو لم يكن في تقدير الذنب من الحكم(4\/1461)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1314",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4595",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلا هذه وحدها لكانت كافية فكيف وفيه من الحكم ما لا يحصيه إلا الله مما ليس هذا موضعه الوجه العاشر والمائتان: إن الجهمي احتج على امتناع ذلك عليه بأن هذا انفعال وتاثير عن العبد والمخلوق لا يؤثر في الخالق فلو أغضبه أو فعل ما يفرح به لكان المحدث قد أثر في القديم تلك الكيفيات وهذا محال وهذه الشبهة من جنس شبههم التي تدهش السامع أول ما تطرق وتأخذ منه وتروعه كالسحر الذي يدهش الناظر أول ما يراه ويأخذ ببصره وكصولة المبطل الجبان الذي يحمل أول أمره علىخصمه وهكذا شبه القوم كلها هي كحبال السحرة وعصيهم التي خيل إلى موسى أنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى [طه69-67] فهكذا الحجة الحق تبطل جميع الشبه الباطلة التي هي للعقول كحبال السحرة وعصيهم للأبصار وجواب هذه الشبهة من وجوه أحدها: أن الله سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه وكل ما في الكون من أعيان وأفعال وحوادث فهو بمشيئته وتكوينه فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن(4\/1462)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1315",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4596",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قضيتان لا تخصيص فيهما بوجه من الوجوه وكل ما يشاؤه فإنما يشاؤه بحكمة اقتضاها حمده ومجده فحكمته البالغة أوجبت كل ما في الكون من الأسباب والمشيئات فهو سبحانه خالق الأسباب التي ترضيه وتغضبه وتسخطه ويفرح بها والأشياء التي يحبها ويكرهها هو سبحانه خالق ذلك كله فالمخلوق أعجز وأضعف أن يؤثر فيه سبحانه بل هو الذي خلق ذلك كله على علمه بأنه يحب هذا ويرضى به ويبغض هذا ويسخط ويفرح بهذا فما أثر غيره فيه بوجه. الثاني: أن التأثير لفظ فيه اشتباه وإجمال أتريد أن غيره يعطيه كمالا لم يكن له ولا وجد فيه صفة كان فاقدها فهذا معلوم بالضرورة أنه يريد به أن غيره لا يسخطه ولا يبغضه ولا يفعل ما يفرح به أو يحبه أو يكرهه أو نحو ذلك فهذا غير ممتنع وهو أول المسألة وليس معك في نفيه إلا نفس الدعوى بتسمية ذلك تأثيرا في الخالق وليس الشأن في الأسماء إنما الشأن في المعاني والحقائق وقد قال تعالى ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله [محمد28] وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر في أهل الصفة: quot;إن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربكquot; فما الدليل العقلي أو النقلي على استحالة هذا(4\/1463)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1316",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4597",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالث: أن هذا يبطل محبته لطاعات المؤمنين وبغضه لمعاصي المخالفين وكراهته لظلم الظالمين إذا فعلوا ذلك وهذا معلوم البطلان بالضرورة والعقل والفطرة الإنسانية واتفاق أهل الأديان كلهم وإطباق الرسل بل هذا حقيقة دعوة الرسل بعد التوحيد. الرابع: أن هذا ينتقض بإجابة دعواتهم وإغاثة لهفاتهم وسماع أصواتهم ورؤية حركاتهم وأفعالهم فإن هذه كلها أمور متعلقة بأفعالهم فما كان جوابك عنها في محل الإلزام فهو جواب منازعيك لك في هذا المقام. فصل الوجه الحادي عشر والمائتان: إن قولك يستحيل أن يخلق الملتذ به في الأزل وأن لا يخلقه في الأزل إلى آخره مبني الحجة على مقدمتين إحداهما: إنكار وجود الملتذ به قبل وجوده والثانية: وجوب حصوله إذا كان كذلك ونحن نتكلم عن المقدمتين فنقول لا نسلم وجوب وجود الملتذ به والحالة هذه ولا أنه يكون كالملجأ إليه فإن قلت داعية اللذة إذا تحققت خالية عن الموانع وكان الملتذ به ممكن الحصول فالعلم الضروري حاصل بوجوب حصوله فالجواب أن الداعي الجازم مع القدرة التامة توجب وجود المقدور بلا ريب والداعي هو إما الإرادة الحادثة أو العلم المقتضي للإرادة أو مجموعهما وإما مجرد كون الشيء سببا للذة فهذا لا يوجب الإرادة(4\/1464)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1317",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4598",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحادثة بل العلم الضروري الحاصل بضد ذلك فقد يحصل للإنسان نوع ما من أنواع الالتذاذ بالشيء مع قدرته عليه ولا يفعله وذلك أن اللذة تتبع المحبة وقد لا تتم محبة الملتذ به وإرادته فلا يوجد لضعف المحبة والإرادة المتعلقة به أو لاستلزامه فوات ما هو أحب إليه منه أو لحصول ما هو أكره إليه والمعهود في بني آدم أن الإرادة الجارية لا يجب حصولها منهم إلا للذة التي يوجب فقدها ألما فمتى استلزم عدم اللذة بالعرض وقد يتعلق القصد الذاتي بالأمرين وقد يغيب بشعوره بأحدهما عن الآخر لاستيلاء سلطانه على الآخر أما إذا لم يكن أحدهم متألما بعدم اللذة ولكن في وجود الملتذ به زيادة لذة فقط وليس في فقده ألم فهذا ليس الواقع وجوب تعلق الإرادة به بل قد يريد ذلك وقد لا يريده استغناء بما عنده من اللذة عن تلك الزيادة فلا يجب فيه حصول الداعي التام وهذا أمر محسوس. الوجه الثاني عشر والمائتان: إنا لو فرضنا في حقنا أنه يجب تحصيل المفروح به مع القدرة عليه فلم قلت إنه في حق الرب تعالى كذلك? وليس معك إلا مجرد القياس التمثيلي الذي يتضمن تمثيل الله بخلقه والقضية الكلية التي ادعيتها ممنوعة والعلم الضروري إذا سلم فإنما هو في حق المخلوق فأما في حق(4\/1465)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1318",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4599",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخالق فيس هناك إلا مجرد القياس وهو منتقض بسائر الأمور الفارقة بين الله وبين خلقه ومن جملتها الإرادة والمحبة والرضى فإن الإنسان إذا أراد الفعل وهو قادر عليه وجب وجوده منه والله تعالى مريد لجميع الكائنات وهو قادر عليها ومع هذا فلا توجد إلا في مواقيتها لا توجد قبل ذلك والعبد يقع مراده حين قدرته عليه والله تعالى متأخر مراده مع دوام قدرته عليه. الوجه الثالث عشر والمائتان: أن العبد إنما يجب مع قدرته وداعية حصول مراده ولذته لأنه يتضرر بعدم حصوله فإن كماله وصلاحه بحصول ما يحبه ويريده ويلتذ به وبعدمه يكون متضررا ناقصا والله سبحانه لا يلحقه الضرر بوجه ما. الوجه الرابع عشر والمائتان: لم قلت بأن كل ما يحبه الرب سبحانه ويرضاه ويفرح به يمكن وجوده في وقت واحد? فإن ذلك قد يستلزم الجمع بين النقيضين فإن الحوادث المتعاقبة يستحيل اجتماعها في آن واحد فإذا كان يحب ما يمتنع حصوله كله في آن واحد كانت محبته ورضاه وفرحه به متعلقا به وقت وجوده(4\/1466)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1319",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4600",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحصوله ووجوده قبل ذلك محال والمحال لاتتعلق به المحبة والفرح يوضحه. الوجه الخامس عشروالمائتان: إنه سبحانه إذا كان يحب أمورا وتلك الأمور المحبوبة لها لوازم يمتنع وجودها بدونها كان وجود تلك الأمور مستلزما للوازمها التي لا توجد بدونها مثاله محبته للعفو والمغفرة والتوبة وهذه المحبوبات تستلزم وجود ما يعفو عنه ويغفره ويتوب إليه العبد منه ووجود الملزوم بدون لازمه محال فلا يمكن حصول محبوباته سبحانه من التوبة والمغفرة والعفو بدون الذي يتاب منه ويغفره ويعفو عن صاحبه ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: quot;لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهمquot; وهذا هو الذي وردت الأحاديث الصحيحة بالفرح به وهذا المفروح به يمتنع وجوده قبل الذنب فضلا عن أن يكون قديما فهذا المفروح به يحب تأخره قطعا ومثل هذا ما روي quot;أن آدم لما رأى(4\/1467)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1320",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4601",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بنيه ورأى تفاوتهم قال يا رب هلا سويت بين عبادك قال إني أحببت أن أشكرquot; ومعلوم أن محبته للشكر على ما فضل به بعضهم على بعض يوجب تفضيل بعضهم على بعض ولا يحصل ذلك مع التسوية بينهم فإن الجمع بين التسوية والتفضيل جمع بين النقيضين وذلك محال. الوجه السادس عشر والمائتان: أن يقال اللذة التي هي الفرح والرضى والسرور ونحوها يجب وجودها من القادر إذا كان مستغنيا عنها بلذة أخرى أكمل منها أم مطلقا إن قلتم بالثاني فهو ممنوع وإن قلتم بالأول قيل فإن الله سبحانه مستغن عن أن يحدث كل ما يقدر عليه من هذه الأمور في وقت واحد بل إذا كان العبد مستغنيا عن فعل اهو من جنس اللذات مع قدرته على ذلك فالله أجل وأعظم فإن قال إذا كان غنيا عنها لم تكن لذة قيل غن صح هذا فهو حجة عليكم ومبطل لحجتكم. الوجه السابع عشر والمائتان: أن يقال هو لا يحدثها إلا إذا أحبها ورضيها ونضمنت فرحه بها وحيث لا يكون ذلك لا تكون محبوبة ولا مرضية له ولا مفروحا بها فالأمور التي يحبها الله ويرضاها ويفرح بها لها صفات ومقادير تقتضي أن تكون محبوبة مرضية مفروحا بها في وقت دون وقت كما تقتضي أن يكون مراده في وقت دون وقت ما فإن قلت هذا يقتضي حلول الحوادث(4\/1468)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1321",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4602",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به قيل هذا لا يمتنع على أصول الطائفتين فمن قال بهذه المسألة من المتكلمين والصوفية والفقهاء وجمهور أهل الحديث وأكثر الفلاسفة لم يرد هذا عليه ومن منع ذلك فإنه يقول فيه ما يقوله في محبته ورضاه أنه قديم أزلي لم يزل محبا راضيا مواليا لمن أحبه ورضيه وولاه ولم يزل غضبان مبغضا لمن غضب عليه وأبغضه وعاداه ويقول إن المتجدد هو التعلق فقط وهذا قول ابن كلاب والأشعري ومن وافقه من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين. الوجه الثامن عشر والمائتان: أن يقال لو صح ما ذكرته كان مستلزما أن لا يخلق الرب تعالى شيئا أو يخلق كل شيء قبل خلقه إياه وهو من جنس شبه الدهرية الفلاسفة في قدم العالم قالوا المقتضي لوجود العالم إن كان تاما في الأزل وجب وجوده وإن لم يكن تاما لزم أن لا يوجد وهذا منقوض بما يوجد من الحوادث اليومية ووجه الإلزام أن يقال لو صح عليه الخلق والإبداع والإرادة لكان إما خالقا لمراده في الأزل وهو محال وإما أن لا يخلقه في الأزل وهو محال لأنه ممكن مقدور وكل من صحت عليه الإرادة والخلق والإبداع إذا كان عالما بقدرته على تحصيل مراده وهو ممكن مقدور فإنه يكون كالملجأ إلى إيجاد مراده فإن قلت الإرادة من شأنها أن تخصص وتميز والله سبحانه أراد وجود كل شيء في وقته على صفة(4\/1469)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1322",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4603",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومقدار وجعل لك شيء قدرا قلت هذا حق في نفسه ولكن هو حجة عليك لا لك فإنه سبحانه كما أراد وجود كل شيء في وقته على صفة ومقدار يختص به فهكذا محبته ورضاه لما يرضى به وفرحه بما يفرح به سواء. الوجه التاسع عشر والمائتان: إنا متى رجعنا إلى الموجود فمتى علمنا أن أحدنا إذا كانت إرادته جازمة وقدرته تامة وجب وجود الفعل منه مقترنا بإرادته وقدرته ولا يتأخر الفعل إلا لعدم كمال القدرة أو لعدم كمال الإرادة وهذا أمر يجده الإنسان من نفسه وهذا النافي لا ينازع في ذلك ويقر به ويقرره فإذا كان هذا حالنا فيما نريده ونقدر عليه فإذا كان الله عندك قادرا مريدا إرادة جازمة وجب وجود جميع مراده في الأزل وذلك محال ووجب أن لا يكون في الأزل لأنه متعاقب وهو محال لوجود القدرة التامة والإرادة الجازمة وما أفضى إلى المحال فهو محال فيلزم انتفاء القدرة والإرادة كما ذكرت في انتفاء المحبة والفرح والرضى الذي أدخلته في قسم اللذة سواء بسواء ومهما أجيب به عن هذا فهو بعينه جوابنا لك إن قلت إن إرادة الله لا تقاس بإرادة خلقه قيل لك وفرحه ورضاه لا يقاس بفرحهم ورضاهم وإن قلت إرادة الله تخصيص الأشياء بخواصها قيل لك هذا بعينه موجود في محبته ورضاه فإنه مستلزم للإرادة أو نوع منها وذلك مستلزم لما نفيته من لوازمه وهو للفلاسفة(4\/1470)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1323",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4604",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ألزم فإن كل كائن له ما يختص به صفة وقدرا وللحوادث أوقات يختص بها فذاته سبحانه إن كانت مقتضية لوجود كل موجود وجب وجود كل ممكن مقارنا لوجوده وإن لم تكن مقتضية للوجود لزم أن لا يوجد عنه شيء فإذا قالوا لا يمكن للأمر إلا كذا كان هذا جوابنا بعينه في هذا المقام. الوجه العشرون والمائتان: إنهم فسروا في مسألة التحسين والتقبيح الحمد والذم بما يستلزم اللذة والألم كما فعل ابن الخطيب وغيره لما ناظروا القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين قال بعد مطالبته لهم بحقيقة المدح والذم فإن قيل فما حقيقة المدح والذم عندكم? قلنا المدح هو الإخبار عن كون الممدوح مستحقا لأن يفعل به ما يفرح به أو يلتذ به والذم هو الإخبار عن كونه مستحقا لأن يفعل به ما يحزن به قال ولكن إذا فسرنا مستحق المدح والذم بذلك استحال تصوره في حق الله لاستحالة الفرح والغم عليه قال وقد حكينا أن توجه هذا السؤال ابتداء على سبيل المطالبة من غير التزام لنقسيم خاص فنقول معنى الاتضاع والاتفاع الأمر الذي يسوءه ويحزن به(4\/1471)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1324",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4605",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والذي يسره ويفرح به أو أمر آخر وراء ذلك فإن كان الأول لم يتقرر معناه في حق الله تعالى لاستحالة الفرح والحزن عليه وإن كان الثاني فبينوه فإنا بعد الإنصاف جربنا أنفسنا فلم نجد للمدح والذم حاصلا وراء الفعل المؤدي إلى الفرح والحزن فليتدبر العاقل هذا الكلام حتى التدبر وما يلزم منه فإنه إذا كان حقيقة المدح هو الخبر الذي يتضمن فرح الممدوح ولذته والذم حبر يتضمن ألم المذموم فلا يتصور مدح ولا ذم عنده إلا مع اللذة والألم وقد علم بالاضطرار من دين المسلمين كلهم بل ومن دين جميع الرسل أن الله سبحانه يحمد ويمدح ويثنى عليه وأنه يحب ذلك ويرضاه ويأمر به بل حمده والثناء عليه من أعظم الطاعات وأجل القربات. وفي المسند من حديث الأسود بن سريع قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إني قد حمدت ربي تبارك وتعالى بمحامد ومدح وإياك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;أما إن ربك تعالى يحب المدح هات ما امتدحت به ربك فقال فجعلت أنشدهquot; وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود قال(4\/1472)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1325",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4606",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;لا أحد أغير من الله ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه المدح من الله ولذلك مدح نفسهquot; ولمسلم quot;وليس أحد أحب إليه العذر من الله ولذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب ومن محبته سبحانه الثناء عليه صدق المثني عليه بأوصاف كمالهquot; كما في النسائي والترمذي وابن ماجة من حديث الأغر أبي مسلم أنه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot; إذا قال العبد لا إله إلا الله والله أكبر قال يقول تبارك وتعالى لا إله إلا أنا وأنا الله أكبر وإذا قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له قال صدق عبدي لا إله إلا أنا ولا شريك لي وإذا قال(4\/1473)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1326",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4607",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا إله إلا الله له الملك وله الحمد قال صدق عبدي لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد وإذا قال لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله قال صدق عبدي لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوة إلا بيquot; فمن محبته للثناء عليه صسدق المثني عليه ووافقه في ثنائه عليه. ونظير هذا ما في الصحيح من حديث أبي هريرة عنه quot;يقول الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله حمدني عبدي فإذا قال الرحمن الرحيم قال الله أثنى علي عبدي فإذا قال مالك يوم الدين قال الله مجدني عبدي فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال هذه بيني وبين عبدي فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سألquot;. ولما كان حمده والثناء عليه وتمجيده هو مقصود الصلاة التي هي عماد اإسلام ورأس الطاعات شرع في أولها ووسططها وآخرها وجميع أركانها ففي دعاء الاستفتاح يحمد(4\/1474)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1327",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4608",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويثنى عليه ويمجد وفي ركن القراءة يحمد ويثنى عليه ويمجد وفي الركوع يثنى عليه بالتسبيح والتعظيم وبعد رفع الرأس منه يحمد ويثنى عليه ويمجد كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: quot;ربنا ولك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجدquot; وفي السجود يثنى عليه بالتسبيح المتضمن لكماله المقدس والعلو المتضمن لمباينته لخلقه وفي التشهد يثنى عليه بأطيب الثناء من التحيات ويختم ذلك بذكر حمده ومجده. فصل ومن محبته للثناء عليه شرعه للداعي قبل سؤاله ودعائه ليكون وسيلة له بين يدي حاجته كالمتقرب إلى المسؤول بما يحبه ويسأله بين يدي مطلوبه كما في السنن والمسند من(4\/1475)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1328",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4609",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حديث فضالة بن عبيد قال جاء رجل فصلى فقال اللهم اغفر لي وارحمني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;عجلت أيها المصلي إذا صليت ففرغت فاحمد الله ما هو أهله ثم صل على النبي ثم ادعهquot; قال ثم صلى رجل آخر بعد ذلك quot; فحمد الله وصلى على النبي فقال له النبي أيها المصلي ادع تجبquot; وفي السنن عن ابن مسعود قال كنت أصلي فلما جلست بدأت بالثناء على الله ثم الصلاة على النبي ثم دعوت لنفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;سل تعطه سل تعطهquot;. وهكذا في أحاديث الشفاعة الثابتة في الصحاح لما يأتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليشفع لهم فقال: quot;فأقول أنا لها فأستأذن على ربي فيؤذن لي فيلهمني محامد فأحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدا فيقول يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفعquot; وفي لفظ فأثني على ربي بثناء وتمجيد يعلمنيه فمن محبته سبحانه للثناء عليه ألهم رسوله منه في ذلك المقام ما يكون وسيلة بين يدي شفاعته.(4\/1476)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1329",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4610",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الصحيح عنه أنه كان يقول في سجوده: quot;اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسكquot;. وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;ما أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك وعد الجنةquot; وقد تقدم ذلك من حديث ابن مسعود وفي الدعاء المأثور quot; اللهم لك الحمد حمدا يشرق له وجهك quot; وفي الأثر الآخر quot; اللهم لك الحمد حتى ترضىquot; وفي الحديث الآخر quot; سبحان الله عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماتهquot; أي تسبيح يبلغ رضى نفسه.(4\/1477)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1330",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4611",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومن محبته لحمده والثناء عليه أنه جعل حمده مفتاح كل كلام ذي بال وخاتمة كل أمر وافتتح كتابه بحمده ختم آخره بحمده وافتتح خلقه بحمده وجعل حمده خاتمة الفصل بينهم فقال تعالى الحمد لله فاطر السماوات والأرض [فاطر1] وقال الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور [الأنعام1] وقال وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين [الزمر75] فافتتح خلقه وأمره بحمده وختمهما بحمده. وفي المسند والسنن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذمquot; ولهذا كانت سنة المسلمين في(4\/1478)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1331",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4612",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلاتهم وخطبهم كلها افتتاحها بالحمد حتى خطبة الحاجة ولقد كان أول من يدعى إلى الجنة الحامدون والنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة بيده لواء الحمد وآدم ومن دونه تحت ذلك اللواء فخص اللواء بالحمد لأنه أحب شيء إلى الله واشتق لأحب خلقه إليه وألزمهم عليه من الحمد اسمين يتضمنان كثرة حمده وفضله وهما محمد وأحمد وسمى أمته الحامدين وأخبر النبي أن أفضل الدعاء الحمد.(4\/1479)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1332",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4613",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومن محبته للثناء عليه بأوصاف كماله ونعوت جلاله أنه أمر من ذكره بما لم يأمر به في غيره فقال تعالى واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون الجمعة10] فعلق الفلاح بكثرة ذكره وقال الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم [آل عمران191] فعم بذكره أحوال العباد كلها لأن العبد إما أن يكون قائما أو قاعدا أو مضطجعا فأراد منه ذكره في هذه الأحوال كلها وأخبر أنه من ألهاه ماله وولده عن ذكره فهو خاسر فقال يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون [المنافقون9] وأمر بذكره في أعظم المواطن التي يذهل الإنسان فيها عن نفسه وهي حاله عند ملاقاة عدوه فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون [الأنفال45] وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه(4\/1480)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1333",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4614",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسلم أنه قال: quot;إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنهquot;. وجعل سبحانه ذكره سببا لصلاته على عبده وذكره له فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما [الأحزاب 41 , 43] وقال تعالى فاذكروني أذكركم [البقرة 152] وجعل ترك ذكره والثناء عليه سببا لنسيانه لعبده وإنسائه نفسه فلا يلهمه مصالحه ولا يوفقه لإرادتها وطلبها فقال تعالى نسوا الله فنسيهم [التوبة 67] وقال تعالة ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم [الحشر 19] فلما نسوا ذكره والثناء عليه وتحميده وتمجيده نسيهم من رحمته وأنساهم مصالح نفوسهم فلم يعرفوها ولم يطلبوها بل تركوها مهملة معطلة مع نقصها وعيوبها.(4\/1481)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1334",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4615",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومن محبته للثناء عليه وتحميده وتمجيده أنه وعد عليه بما لم يعد به على غيره كما في الصحيح من حديث أبي هريرة عن النبي أنه قال: quot;من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحرquot; وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن مجالس الذكر رياض الجنة كما في السنن والمسند من حديث جابر قال خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: quot;يا أيها الناس إن لله سرايا من الملائكة تحل وتقف على مجالس الذكر في الأرض فارتعوا في رياض الجنة قالوا وأين رياض الجنة? قال مجالس الذكر فاغدوا وروحوا في ذكر الله وذكروه أنفسكم من كان يحب أن يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده فإن الله ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسهquot;(4\/1482)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1335",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4616",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الترمذي وصحيح الحاكم عن عبد الله بن بسر أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأنبئني بشيء أتشبث به فقال: quot;لا يزال لسانك رطبا من ذكر اللهquot;. وفي السنن وصحيح الحاكم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;سبق المفردون قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما المفردون? قال الذين يهمزون في ذكر اللهquot; وفي لفظ quot; وضع الذكر عنهم أثقالهم فوردوا القيامة خفافاquot;.(4\/1483)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1336",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4617",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيهما عن أبي الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاهquot; وفيهما عنه أيضا quot;ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخيرا لكم من إعطاء الذهب والورق وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا وما ذاك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم?قال ذكر اللهquot; وقال معاذ بن جبل ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله وفيهما أيضا من(4\/1484)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1337",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4618",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حديث النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;الذين يذكرون من جلال الله التحميد والتسبيح والتكبير والتهليل ينعطفن حول عرش الرحمن لهن دوي كدوي النحل يذكرن بصاحبهن أفلا يحب أحدكم أن يكون له عند الرحمن شيء يذكر بهquot; وفي صحيح الحاكم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; من قال في يوم مائة مرة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لم يسبقه أحد كان قبله ولا يدركه أحد كان بعده إلا من عمل عملا أفضل من عملهquot;.(4\/1485)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1338",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4619",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيه أيضا عن خالد أن النبي قال: quot;من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنةquot; وفي الترمذي وصحيح الحاكم أيضا عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;ما على الأرض رجل يقول لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله إلا كفرت عنه ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحرquot; وفي صحيح الحاكم أيضا عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;قال الله أنا عند ظن عبدي بي وأنا(4\/1486)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1339",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4620",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معك إذا ذكرتني وفي صحيح الحاكم ابن حبان عن أنس قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حلقة ورجل قائم يصلي فلما ركع وسجد تشهد ودعا فقال اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعى به أجاب وإذا سئل به أعطىquot; وفيهما أيضا عن بريدة أن النبي سمع رجلا يقول اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;لقد سألت الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجابquot; فأخبر أن هذا هو الاسم الأعظم لما تضمنه من الحمد والثناء والمجد والتوحيد ولمحبة الرب تعالى لذلك أجاب من دعا به وهذا باب يطول تتبعه جدا. والمقصود أنه إذا كان لا معنى للمدح إلا الإخبار المتضمن فرح الممدوح وليس أحد أحب إليه المدح من الله وحمده والثناء عليه وذلك عنده بالمنزلة التي لا يمكن وصفها ولا يحيط بها البشر كان المنكر لفرحه وما يستلزمه فرحه منكر لحقيقة حمده ومدحه والثناء عليه وتمجيده وحينئذ فنقول في(4\/1487)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1340",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4621",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الحادي والعشرين والمائتان: إن هؤلاء الجهمية يقرون بظاهر من القول وينكرون حقيقته ويصدون عن سبيل الله ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل وينفرون من أحب الأشياء إلى الله وأكرمها عليه وأعظمها عنده وهو ذكره بأسمائه وصفات كماله ونعوت جلاله والثناء عليه ومدحه بها وحمده عليها بل يكفرون من يثني عليه بها وينسبونه إلى التشبيه والتجسيم ويستحلون منه مالا يستحله المحاربون من أعدائهم وذلك عين العداوة لله ولرسوله كما قال الإمام أحمد حدثنا إبراهيم بن إسحاق أنا ابن المبارك عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال ما عادى عبد ربه أشد عليه من أن يكره ذكره وذكر من يذكره ومن المعلوم أن ذكره سبحانه إنما يتم بإثبات حقائق أسمائه وصفات كماله ونعوت جلاله لا بألفاظ مجردة لا حقيقة لها. فهؤلاء المعطلة النفاة أبعد شيء عن حقيقة ذكر الله كما هم أبعد شيء عن محبته كما أقروا بذلك على أنفسهم من أنه لا يحبه أحد ولا يحب أحدا فهم لا يحبونه ولا يذكرونه وإن ذكروه فإنما يذكرونه بالسلب والعدم الذي هو أنقص النقص وإن أحبوه فإنما يحبون ثوابه المنفصل لا ذاته ولا صفاته ولا يثبتون ألذ ما في الجنة وأطيب ما فيها وأعظم نعيمها وهو النظر إلى وجهه وسماع كلامه فهم(4\/1488)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1341",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4622",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عمدوا إلى لب الدين وقلبه فنبذوه وأبطلوه ووقفوا في طريق الرسل وعارضوهم في دعوتهم وبيانه بالوجه الثاني والعشرين والمائتان: وهو أن دعون الرسل تدور على ثلاثة أمور: تعريف الرب المدعو إليه بأسمائه وصفاته وأفعاله. الأصل الثاني: معرفة الطريق الموصلة إليه وهي ذكره وشكره وعبادته التي تجمع كمال حبه وكمال الذل له. الأصل الثالث: تعريفهم ما لهم بعد الوصول إليه في دار كرامته من النعيم الذي أفضله وأجله رضاه عنهم وتجليه لهم ورؤيتهم وجهه الأعلى وسلامه عليهم وتكليمه إياهم ومحاضرتهم في مجالسهم. فيثبت الأصل الأول بذكر أوصاف الرب تعالى ونعوت جلاله على التفصيل وإثبات حقائق أسمائه على وجه التفصيل ونفوا عنه ما يتضمن هذا الإثبات ويستلزمه كالنسيان واللغوب والظلم والسنة والنوم والمثل والكفوء والند والصاحبة والولد والسمي والجهمية عكسوا الأمر فسلبوا صفاته على التفصيل وأثبتوا له ما يتضمن نفي ذاته وصفاته. وأما الأصل الثاني فإن الرسل أمرت الأمم بإدامة ذكره وشكره وحسن عبادته فصدت النفاة القلوب والألسنة عن(4\/1489)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1342",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4623",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذكره بإنكار صفاته وهم في الحقيقة لا يشكرونه لأن الشكر إنما يكون على الأفعال وعندهم لا يقوم به فعل لأنه يستلزم حلول الحوادث به فلا يشكر على فعل يقوم به وإن شكروه فإنما يشكرونه على مفعولاته وهي منفصلة عنه فلم يشكر على أمر يقوم به عندهم. وأيضا فإن رأس الشكر الثناء والحمد وقد اعترفوا بأنه لا حقيقة له إلا ما يقتضي فرح المحمود المثنى عليه وذلك في حقه محال عندهم كما تقدم حكاية لفظهم. وكذلك هم منكرون لحقيقة عبادته وإن قاموا بصورها وظواهرها فإن حقيقة العبودية كمال محبته وكمال الذل له وهم قد أقروا بأنه لا يحبه أحد ولا يمكن أن يحب واحتجوا على ذلك بأن المحبة تستلزم المناسبة بين المحب والمحبوب ولا مناسبة بين الخالق والمخلوق وهذا إنكار لحقيقة لا إله إلا الله فأن الإله هو المألوه المستحق لغاية الحب بغاية التعظيم فنفوا هذا المعنى بتسميته مناسبة كما نفوا محبته ورضاه وفرحه وغضبه وسخطه وكرامته ورأفته ورحمته وضحكه وتعجبه بتسميتها كيفيان محسوسة ونفوا حياته وسمعه وبصره وقدرته وكلامه وعلمه بتسميتها أعراضا ونفوا أفعاله بتسميتها حوادث ونفوا علوه على خلقه(4\/1490)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1343",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4624",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واستوائه على عرشه والمعراج برسوله إليه بتسمية ذلك تجسيما وتركيبا. وأما الأصل الثالث: وهو تعريف الأمم حالهم بعد الوصول إليه فإنهم أنكروا أجل ما فيه وأشرفه وأفضله وهو رؤية وجهه وسماع كلامه وإنما أثبتوا أمورا منفصلة يتنعم بها من الأكل والشرب والنكاح ونحوها ومما يوضح ذلك الوجه الثالث والعشرون والمائتان: وهو ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذر قال: قيل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه قال تلك عاجل بشرى المؤمنquot; فأخبر أن حمد الناس للمؤمن بشارة معجلة في الدنيا كالرؤية الصالحة كما في الصحيح عن(4\/1491)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1344",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4625",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبادة بن الصامت أنه سأل النبي عن قوله تعالى لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة [يونس 64] قال هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له فجعل حمد الناس له في اليقظة والرؤيا الصالحة في المنام بشارة له في الدنيا والبشارة نوع من الخبر وهو الخبر بما يسر فالحمد هو الخبر بما يسر المحمود ويفرحه فإنكار فرحه ولوازم فرحه إنكار للحمد في الحقيقة. وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي لما بعثه ومعاذا إلى اليمن قال لهما: quot; بشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسراquot; وعند مسلم كان(4\/1492)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1345",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4626",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا بعث أحدا من الصحابة قال بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا وذلك أن الكلام نوعان إنشاء وإخبار فأمرهم في الإإخبار ألأن يبشروا ولا ينفروا وفي الإنشاء أن ييسروا ولا يعسروا فمن جعل المحمود والممدوح يحمد ويمدح بما لا يحبه ولا يفرح به فقد عطل حقيقة حمده ومدحه التي تعطيلها تعطيل لحقيقة الدين ومما يوضح ذلك الوجه الرابع والعشرون والمائتان: وهو أن الحسن والقبح سواء عرف بالشرع أو بالعقل إنما يعود إلى الملائم والمنافي. والملائم يعود إلى الفرح ولوازمه والمنافي يعود إلى الغضب ولوازمه والمثبتون للحسن والقبح العقليين رأوا ما يعلمه العبد بضرورته وفطرته من حسن بعض الأعمال وقبح بعضها وأن ذلك من لوازم الفطرة فأثبتوه ولكن أخطأوا في موضعين. أحدهما قياس الخالق على المخلوق في ذلك وأن ما حسن وقبح منهم حسن وقبح منه وكذلك كانوا مشبهة لأفعال معطلة الصفات. الموضع الثاني: نفيهم لوازم ذلك من الفرح والرضى والمحبة وتسميتهم ذلك لذة وألما وكيفيات نفسانية. وأما النفاة فأصابوا في الفرق بين الله وبين الخلق وأن لا يقاس بخلقه ولا يلزم أن ما حسن وقبح منهم يقبح(4\/1493)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1346",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4627",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويحسن منه وأصابت أيسضا في رد ذلك إلى الملائمة والمنافرة وأخطأت في موضعين: أحدهما سلب الأفعال صفاتها التي باعتبارها كانت حسنة وقبيحة وجعلهم ذلك مجرد نسب وإضافات عدمية. والموضع الثاني نفيهم لوازم ذلك عن الرب تعالى من محبته ورضاه وفرحه وغضبه وسخطه وكراهته ومقته بتسميتها ذلك لذة وألما والفريقان جميا لم يهتدوا في تحقيق المسألة إلى أن كل حسن وقبح ثبت بشرع أو عقل أو عرف أو فطرة فإنما يعود إلى الملائمة والمنافرة ولم يهتدوا أيضا إلى ثبوت الحسن في أفعال الله بمعنى محبته ورضاه وفرحه وأنه لا يفعل إلا ما يمدح على فعله ويحمد عليه وحمده ومدحه خبر بما يرضى به ويفرح به ويحبه وأنه منزه عن أن يفعل ما يذم عليه والذم هو الخبر المتضمن لما يؤذي المذموم ويؤلمه وإن كان أعداؤه من المشركين يؤذونه ويشتمونه كما في الحديث الصحيح لا أحد أصبر على أذى من الله يجعلون له ولدا وشريكا وهو يعافيهم ويرزقهم في الصحيح أيضا يقول الله شتمني عبدي ابن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك فأما شتمه إياي فزعم أني اتخذت ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد وأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته ومن ذلك قول أعدائه إنه فقير وإن يده مغلولة وإنه اتخذ صاحبة(4\/1494)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1347",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4628",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وولدا تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا وحينئذ فنقول في الوجه الخامس والعشرين والمائتان: إنه سبحانه كما يبغض هذا الإفك والباطل الذي قاله فيه أعداؤه ويشتد غضبه منه ويؤذيه ذلك إذ لا ينقصه كما أخبر به عن نفسه بقوله quot;يؤذيني ابن آدمquot; فهو سبحانه يفرح بثناء المثني عليه بأوصاف كماله ونعوت جلاله أعظم فرح ويرضى به ويحبه وإذا كان يفرح بتوبة التائب أعظم فرح يقدر فكيف فرحه سبحانه بالثناء عليه وحمده ومدحه وتمجيده بما يصفه به أعداؤه مما لا يليق بكماله مما يتضمن فرحه ومحبته ورضاه أعظم من ذلك فإن محبته تغلب غضبه وفضله أوسع من عدله وهو سبحانه كما أنه موصوف بكل كمال فهو منزه عن كل نقص وعيب فكما أنه موصوف في أفعاله بكل حمد وحكمة وغاية محمودة فهو منزه فيها عن كل عيب وظلم وقبيح وبهذا استحق أن يكون محمودا على كل حال وأن يكون محمودا على المكاره كما هو محمود على المحاب كما في صحيح الحاكم وغيره من حديث عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الأمر يسره قال: quot;الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحاتquot; وإذا أتاه الأمر يكرهه قال: quot;الحمد لله على كل حالquot;. واللفظ العام إذا ورد على سبب وجب دخول السبب فيه(4\/1495)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1348",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4629",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيوجب هذا الحمد أنه محمود على هذا الأمر المكروه لأنه حسن منه وحكمة وصواب فيستحق أن يحمد عليه وممايوضح ذلك الوجه السادس والعشرون والمائتان: وهو أن النبي جمع بين محبة الرب سبحانه للمدح ومحبته للعذر كما في حديث المغيرة بن شعبة quot;لا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين ولا أحد أحب إليه المدحة من الله من أجل ذلك وعد الجنةquot; وكذلك جمع بينهما في حديث ابن مسعود فهو سبحانه شديد المحبة لأن يحمد وأن يعذر ومن محبته للعذر إرسال رسله وإنزال كتبه ومن محبته للحمد ثناؤه على نفسه فهو يحب أن يعذر على عقاب المجرمين المخالفين لكتبه ورسله ولا يلام على ذلك ولا يذم عليه ولا ينسب فيه إلى جور ولا ظلم كما يحب أن يحمد على إحسانه وإنعامه وأياديه عند أوليائه وأهل كرامته وحمده متضمن هذا وهذا فهو محمود على عدله في أعدائه وإحسانه إلى أوليائه كما قال تعالى وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين [الزمر75] فأخبر عن حمد الكون أجمعه له عقيب قضائه بالحق بين الخلائق وإدخال هؤلاء إلى جنته وهؤلاء إلى ناره وحذف(4\/1496)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1349",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4630",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاعل الحمد إرادة لعمومه وإطلاقه حتى لا يسمع إلا حامد له من أوليائه وأعدائه كما قال الحسن البصري لقد دخلوا النار وإن حمده لفي قلوبهم ما وجدوا عليه حجة ولا سبيلا وهو سبحانه قد أعذر إلى عباده وأقام عليهم الحجة وجمع صلى الله عليه وسلم في الحديث بين ما يحبه ويبغضه فإنه قال فيه: quot;لا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وما أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسهquot; فإن الغيرة تتضمن البغض والكراهة فأخبر أنه لا أحد أغير منه وأن من غيرته حرم الفواحش ولا أحد أحب إليه المدحة منه والغيرة عند المعطلة النفاة من الكيفيات النفسية كالحياء والفرح والغضب والسخط والمقت والكراهية فيستحيل وصفه عندهم بذلك ومعلوم أن هذه الصفات من صفات الكمال المحمودة عقلا وشرعا وعرفا وفطرة وأضدادها مذمومة عقلا وشرعا وعرفا وفطرة فإن الذي لا يغار بل تستوي عنده الفاحشة وتركها مذموم غاية الذم مستحق للذم القبيح وهؤلاء المعطلة النفاة لحقيقة محبته ورضاه وغضبه عندهم الأمران سواء بالنسبة إليه وأن ما وجد من ذلك فهو يحبه ويرضاه وما لم يوجد من طاعاته وامتثال أوامره فهو يبغضه ويسخطه بناء على أصلهم الفاسد أن(4\/1497)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1350",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4631",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المحبة هي عين الإرادة والمشيئة فكل ما شاءه فقد أحبه ورضيه وإذا جاء هؤلاء إلى النصوص الدالة علىلا أنه لا يرضى بها ولا يحبها ولا يريدها ألوها بميعنى أنه لا يشرعها ولا يأمر بها ولا يحبها ولا يرضاها دينا وهو التأويل الأول بتغيير العبارة وحينئذ فنقول في الوجه السابع والعشرين والمائتان: إنه سبحانه عما يقول الجاهلون به إذا كان لا يفرح ولا يرضى بمدحه وحمده الثناء عليه ولا يغضب ولا يسخط ويبغض شتمه وما قال فيه أعداؤه بل نسبة الأمرين إلى ذاته وصفاته بنسبة واحدة إذ لو حصل فيه سبحانه فرح ورضى ومحبة من ذلك وغضب وسخط وكراهة من هذا للحقته الكيفيات النفسية كان لا فرق عنده بين الحسن والقبيح والمدح والذم وهذا غاية النقص والعيب شرعا وعقلا وفطرة وعادة ومن كلام الشافعي من استرضي ولم يرض فهو جبار ومن استغضب ولم يغضب فهو حمار وهذا يدل على موت القلب وبطلان الحسن وفقد الحياة ولهذا كان أكمل الناس حياة أشدهم حياء وكان(4\/1498)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1351",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4632",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها لكمال حياة قلبه والله سبحانه الحي القيوم وقد وصف نفسه بالحياء ووصفه سوله فهو الحيي الكريم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراquot; وقالت أم سليم يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله لا يستحي من الحق وأقرها على ذلك وقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهنquot;.(4\/1499)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1352",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4633",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحياء عند هؤلاء من الكيفايات النفسانية فلا يجوز عندهم وصف القديم بها ولمقصود أنه كلما كانت صفات الكمال في الحي كان فرحه ومحبته ورضاه وغضبه ومقته أكمل ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا غضب لم يقم لغضبه شيء وفي الأثر إن موسى كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته وكان أشد بني إسرائيل حياء حتى أنه لا يغتسل إلا وحده من شدة حيائه. وذا كانت هذه صفات كمال فلا يجوز سلبها عمن هو أحق بالكمال المطلق من كل أحد بمجرد تسميتها كيفيات نفسية وأعراضا وانفعالات ونحو ذلك فإن هذا من اللبس والتلبيس وتسمية المعاني الصحيحةالثابتة بالأسماء القبيحة المنفرة وتلك طريقة للنفاة مألوفة وسجية معروفة وإذا عرف هذا تبين أن هؤلاء المعطلة النفاة أضاعوا(4\/1500)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1353",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4634",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حق الله الذي يستحقه لنفسه والذي بعث به رسله وأنزل به كتبه والذي هو أصل دينه ومنتهى عبادته بما هم متناقضون فيه. وقد سبق لك أنهم معترفون بما فطر الله عليه خلقه أن المدح يتضمن فرح الممدوح ولوازمه ولهذا لزمهم القول بخلاف ما يعلم بالضرورة من دين الرسل من أولهم إلى آخرهم إن الله لا يفرح بمدحه وحمده وتمجيده والثناء عليه ولا يرضى نفسه بذلك ولا يكون محبوبا له على الحقيقة وهذا هم معترفون به لا يتحاشون منه ولا يستكنفون من إطلاقه وإنما العجب تصريحهم بأنه لا يمدح بمدح والمدح هو أصل الثناء والحمد. وقد صرحوا باستحالة ذلك في حقه كما قالوا المدح هو الإخبار عن كونه مستحقا لأن يفعل به ما يفرح به ويلتذ به والذم هو الإخبار عن كونه مستحقا لأن يفعل به ما يحزن به ويتألم به قالوا وإذا فسرنا المدح والذم بذلك استحال تصورهما في حق الله تعالى لاستحالة الفرح والغم عليه وقد أبطل فأضلهم طرق الناس وعول على هذه الطريقة كما تقدم حكاية لفظه وهذا اعتراف منه(4\/1501)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1354",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4635",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأنه ليس للمدح والذم حاصل إلا ما لا يتصور في حق الله فلا يتصور عنده أن يكون الله محمودا ممدوحا بحال ومعلوم أن فساد هذا في دين الرسل كلهم وجميع فطر بني آدم من أوضح الواضحات وحينئذ فنقول في الوجه الثامن والعشرين والمائتان: قولكم إن المدح يستحيل تصوره في حق الله من أوضح الكفر وأقبح المعاداة لله والمناقضة لكتبه ورسله واستدلالكم على ذلك بأن الفرح يستحيل عليه أبطل وأبطل بل قد علم بالاضطرار عقلا وفطرة وشرعا أن المستحق لغاية المدح الكامل المطلق هو الرب سبحانه فهذا أحق الحق ولازمه حق فإنه لا يلزم من الأحق إلا حق فإن كان الفرح لازما لهذا المدح فهو حق وقد أثبته له سبحانه أعلم خلقه وأعرفهم وبصفاته وما يجب له ويمتنع عليه وقرب فرحه سبحانه إلى الأذهان بما هو أعظم من أنواع الفرح وهو فرحه بتوبة التائب إليه فكيف بما هو أعظم من ذلك من حمد الحامدين له ومدحهم له وثنائهم عليه فإذا كان المدح مستلزما للفرح وقد علم أنه يستحق المدح أجمع علم أنه يفرح بمدحه وإثبات الملزوم ونفي لازمه محال ولهذا لما تفطن هؤلاء لذلك علموا أنه لا يمكن إثبات الملزوم ونفي لازمه صرحوا بنفي اللازم والملزوم وقالوا يستحيل ثبوت المدح والفرح في حقه فنقول في(4\/1502)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1355",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4636",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه التاسع والعشرين والمائتان: إنه من المعلوم أن كونه سبحانه يستحق المدح والمحامد أبين في الشرع والعقل والفطرة من كونه لا يفرح والواجب أن يستدل بالمعلوم على المجهول وبالواضح على الخفي أما أن يستدل بانتفاء الفرح على انتفاء كونه مستحقا للمدح فهذا من أبطل الباطل وهو خروج عن مقتضى السمع والعقل وهو من فعل أهل التلبيس والتدليس وإذا تبين ذلك عرف أن هؤلاء الجهمية المعطلة الذي يذكرون ما وصف الله به نفسه من الرضى والفرح يلزم لزوما بينا أن يجحدوا حمده سبحانه ومدحه والثناء عليه واستحقاقه لذلك بموجب هذه القضية الكاذبة الباطلة التي قرروها وهذا شأن جميع قضاياهم الكاذبة التي تتضمن تعطيل ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله فإنها تستلزم إثبات الباطل وإبطال الحق ويأبى الله إلا أن يقيم لدينه من يذب عنه والحمد لله رب العالمين. الوجه الثلاثون والمائتان: أن يقال قولكم إن المدح والذم لا معنى لهما إلا بمجرد الخبر عن استحقاق ما يفرح ويؤلم ليس كذلك والتحقيق أن فيهما معنى زائدا على الخبر المجرد سواء دل اللفظ على ذلك المعنى الزائد بالتضمن أو باللزوم فإن الحامد المادح يقترن بحمده ومدحه محبة المحمود والرضى عنه وتعظيمه وكذلك(4\/1503)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1356",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4637",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذام يقترن بذمه بغض المذموم وتنقصه وقلاه ولهذا فسر كثير من الناس الحمد بالرضى واختاره الآمدي في ابكاره وغيره فالآمدي فسره بالرضى وهو من باب الإرادات والرازي فسره بالخبر وهو من باب الاعتقادات والتحقيق أن الحمد والذم يتمضن الأمرين جميعا فالمادح يعتقد أن في الممدوح والمحمود ما يحبه ويرضى به ويفرح به ويكون مع هذا الاعتقاد والخبر في قلبه من محبته والرضا به والفرح ما استحق به أن يكون حامدا له ومادحا وهذا أمر يجده الحامد المادح من نفسه إذا كان مادحا بحق وصدق بخلاف المدح بالباطل فإنه كذب لا يستلزم شيئا من ذلك فالمدح والحمد أصلهما الخبر ويتبعه الحب والرضا والذم أصله الخبر ويتبعه البغض والسخط والصلاة على من يصلى عليه أصلها الطلب والإرادة ويتبعها الخبر ولعنة من يلعن أصلها طلب إهانته وإقصائه ويتبعها الخبر وهذان النوعان من الخبر وهما الإخبار عن الشيء بالخبر السيء وطلب السوء له والإخبار عنه بالخبر الحسن وطلب الخير له الأول أصل اللعن والثاني أصل الصلاة وهو سبحانه يلعن أعداءه ومن يفعل ما يبغضه ويسخطه ويصلي على أوليائه وأهل طاعته وذكره وفي صحيح مسلم(4\/1504)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1357",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4638",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنه صلى الله عليه وسلم: quot;لا يكون الطعانون واللعانون شهداء ولا شفعاء يوم القيامةquot; فإن الشهادة من باب الخبر والشفاعة من باب الطلب ومن يكون كثير الطعن على الناس وهو الشهادة عليهم بالسوء وكثير اللعن لهم وهو طلب السوء لهم لا يكون شهيدا عليهم ولا شفيعا لهم لأن الشهادة مبناها على الصدق وذلك لا يكون فيمن يكثر الطعن فيهم ولا سيما فيمن هو أولى بالله ورسوله منه والشفاعة مبناها على الرحمة وطلب الخير وذلك لا يكون ممن يكثر اللعن لهم ويترك الصلاة عليهم ومن أعظم أسباب سعادة العبد أن يكون موافقا لربه سبحانه في صلاته على من صلى عليه ولعنته لمن لعنه كما في مسند الإمام أحمد وصحيح الحاكم من حديث زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه وأمره أن يتعاهد أهله في كل صباح لبيك اللهم لبيك وسعديك والخير في يديك ومنك وإليك اللهم فما قلت من قول أو حلفت من حلف أو نذرت من نذر فمشيئتك بين يدي ذلك كله ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلا بك إنك على كل شيء قدير اللهم ما صليت من صلاة فعلى من صليت وما لعنت من لعنة فعلى من لعنت أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت ولذة(4\/1505)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1358",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4639",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النظر إلى وجهك وشوقا إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة وأعوذ بك فأن أظلم أو أظلم أو أعتدي أو يعتدى علي أو أكسب خطيئة أو ذنبا لا تغفره اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة ذا الجلال والإكرام فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا وأشهدك وكفى بك شهيدا أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك لك الملك ولك الحمد وأنت على كل شيء قدير وأشهد أن محمدا عبدك ورسولك وأشهد أن وعدك حق ولقاءك حق والساعة آتية لا ريب فيها وأنك تبعث من في القبور وأنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضعف وعورة وذنب وخطيئة وإني لا أثق إلا برحمتك فاغفر لي ذنوبي كلها إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وتب علي إنك أنت التواب الرحيمquot; فهذه ثلاثون وجها مضافة إلى المائتين فصارت مائتين وثلاثين وجها تبطل معارضتهم للنصوص بالتوهمات والظنون الكاذبة التي يسمونها عقليات. الوجه الحادي والثلاثون بعد المائتين: أن نقول إذا عارضتم بين المعقول والمنقول فإما أن تكذبوا المنقول وإما أن تصدقوه فإن كذبتموه ألحقتم بأعداء الرسل المكذبين لهم وانسلختم من العقل والدين كانسلاخ الشعرة من العجين وإن صدقتم المنقول فإما أن تعتقدوا أن له معنى أو تقولوا لا معنى له ولا يمكنكم أن تقولوا بالثاني إذ تستحيل المعارضة على هذا التقدير وتبطل المسألة التي(4\/1506)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1359",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4640",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصلتموها من أصلها وإن قلتم بل للمنقول معان قصدها المتكلم وأراد من العباد اعتقادها والإقرار بها فإما أن يدل اللفظ عليها أو لا يدل فإن لم يدل اللفظ عليها كان ذلك متضمنا للمحال والعبث والقدح في الرب تعالى ورسله وكلامه من وجوه متعددة فكيف إليهم أن يخاطبهم بكلام يريد منهم أن يفهموا منه مالا يدل عليه بوجه ما وهو سبحانه قد أكذب هذا الظن الكاذب الجائر بقوله وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم [إبراهيم4] وقوله ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي [فصلت44] فخطابهم بذلك من جنس خطاب كل أمة بلغة لا تفهمها البتة بل أبعد منه لأنها يمكنها التوصل إلى معرفة المراد بهذا الخطاب بالترجمة كما يترجم التراجم بين الرسل والملوك وأما الخطاب بما لا يدل على المعنى المراد بوجه في لغة من اللغات وإرادة اعتقاد ذلك المعنى منه فلا يفعله عاقل ويصان عنه عقلاء البشر فضلا عن أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأعدل العادلين وهذا لو كان المراد منه معاني لا يناقضها الكلام ولا يدل عليها بنفي ولا إثبات فكيف إذا كان الكلام المخاطب به له معان تناقض تلك المعاني التي أراد منهم فهمها ومخالفتها فهذا أبلغ في(4\/1507)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1360",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4641",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإحالة وإن قلتم بل له معان ظاهرة مفهومة أراد من العباد اعتقادها والإقرار بها فإما أن تقولوا هي في نفسها حق مطابق للواقع أو تقولوا ليس لها وجود بل هي منتفية في نفس الأمر فإن قلتم بالأول صدقتم ورجعتم إلى موجب العقل والنقل وإن قلتم بالثاني لزمكم أن يكون الله ورسوله أراد من العباد اعتقاد الباطل والضلال والتشبيه والتجسيم وهذا غاية المشقة والقدح في الحكمة والرحمة وإن قلتم له معان ظاهرة مفهومة أراد من العباد نفيها وإنكارها وعدم اعتقادها وهذا هو حقيقة قولكم لزمكم نسبة الله ورسوله إلى ما لا يليق بآحاد العقلاء فضلا عن رب الأرض والسماء وخاتم الرسل وسيد الأنبياء فإنه يكون قد خاطبهم بإثبات ما أراد منهم نفيه وتحقيق ما أراد منهم إبطاله وعرضهم لأنواع الكفر والضلال والتشبيه وكان بمنزلة من أراد أن يصف لعليل دواء يستشفي به فوصف له دواء قاتلا وأخبره أن فيه الشفاء والعافية وأراد منه أن يأخذ من ألفاظ ذلك الدواء ما لا يدل عليه بل على خلافه فهل يكون هذا المداوي إلا من أجهل الناس وأعظمهم تلبيسا وتدليسا فلا بد لكم من أحد هذه الأقسام المذكورة فإن كان ها هنا قسم آخر فبينوه وبينوا صحته يوضحه. الوجه الثاني والثلاثون بعد المائتين: وهو أن الأدلة العقلية التي زعمتم أنها تعارض النقل وتنفي موجبه هي بعينها تنفي المعاني التي تأولتم النقل عليها وحرفتم معناه إليها فإنكم لا يمكنكم تعطيل دلالة(4\/1508)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1361",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4642",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النصوص بالكلية وجعلها بمنزلة الكلام المهمل الذي لم يستعمله العقلاء بل لا بد لكم من حملها على معاني أخر غير حقائقها التي دلت عليها وحينئذ فالأدلة العقلية التي نفيتم بها حقائق النصوص تنفي تلك المعاني التي تأولتموها عليها بعينها مثاله أنكم تأولتم الرحمة والرأفة بالإرادة وزعمتم أن الدليل العقلي يقتضي نفي الرحمة والرأفة حقيقة وهو إما دليل الإعراض وإما دليل التركيب وإما الدليل الذي نفي التجسيم والتشبيه وإما دليل التوحيد الذي ينفي ثبوت شيء من الصفات وإما دليل امتناع الكيفيات النفسانية عليه وإما دليل امتناع الاختصاص بغير مخصص أو غير ذلك فجميع هذه الشبه الباطلة تنفي كل معنى حملتم عليه النصوص ويلزمكم فيما أثبتموه نظير ما لزمكم فيما نفيتموه وإذا كان الإلزام ثابتا على التقديرين لم تستفيدوا بتأويل النصوص وحملها على خلاف حقائقها إلا تحريف الكلم عن مواضعه والقول على الله بلا علم والجناية على الكتاب والسنة فلو أنكم تخلصتم بالتحريف مما فررتم منه من التشبيه والتجسيم كنتم قد صنعتم شيئا ولكن أصابكم في ذلك ما أصاب القائل. وأفقرني فيمن أحب وما استغنى فهذان وجهان يعمان كل ما ينفون من الصفات الإلهية ويتأولونه على غير تأويله من النصوص النبوية ويعتمدون عليه من الأقيسة العقلية.(4\/1509)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1362",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4643",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثالث والثلاثون بعد المائتين: إن لازم هذا القول بل حقيقته أن أسماء الرب تعالى إنما تطلق عليه مجازا لا حقيقة فإنه إذا قام الدليل العقلي على انتفاء حقائقها صار إطلاقها بطريق المجاز والاستعارة لا بطيق الحقيقة فيكون إطلاقها على المخلوق بطريق الحقيقة إذ لا يمكن أن يكون مجازا في الشاهد والغائب وقد نفيتم أن يكون حقيقة في حق الرب سبحانه فتكون حقيقة في المخلوق مجازا في الخالق فيكون المخلوق أحسن حالا فيها من الخالق وتكون حسنى في حقه دون حق الرب تعالى لأنها إنما كانت حسنى باعتبار معانيها وحقائقها لا بمجرد ألفاظها فمن له حقائقها فهي في حقه حسنى دون من انتفت عنه حقائقها وكفى بهذا خروجا عن العقل والسمع وإلحادا في أسمائه سبحانه قال تعالى ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون [الأعراف180] فإن قلتم حقائقها بالنسبة إليه ما يليق به وهو ما تأولناها عليه وحينئذ فتكون حسنى بذلك الاعتبار وتكون حقيقة لا مجازا قيل فهلا حملتموها على حقائقها المفهومة منها على وجه يليق به ولا يماثله في خلقه كما فعلتم بحملها على تلك المعاني التي صرفتموها إليها فإن قلتم حملها على ذلك يستلزم محذورا من تلك المحاذير قيل(4\/1510)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1363",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4644",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكيف لم يستلزمه فيما أثبتموه من تلك المعاني واستلزمه فيما نفيتموه وإذا كنتم قد أثبتم تلك على وجه يختص به ولا يماثل خلقه فيه فأثبتوا له حقائقها على هذا الوجه وتكونون للعقل والنقل موافقين وللكتاب والسنة مصدقين ولسلف الأمة وأعلمها بالله وصفاته وأسمائه موافقين وعن سبيل أهل الإلحاد والتعطيل عادلين. الوجه الرابع والثلاثون بعد المائتين: إن الناس في هذه الأسماء التي تقال على الرب وعلى العبد مختلفون على أقوال فقالت غلاة المعطلة من الجهمية إنها مجاز في حق الخالق حقيقة في حق المخلوق وإنها استعيرت له من أسمائهم وهذا كما قيل خر عليهم السقف من تحتهم لا عقل ولا قرآن فكيف استعار للقديم الخالق سبحانه أسماء من المحدث المخلوق وكيف يستقرض للغني الواجد من الفقير المعدم أترى لم يكن في الممكن أن يكون للرب سبحانه من الأسماء إلا ما استعير له من أسماء خلقه ولما رأت طائفة من العقلاء شناعة هذا المذهب وبطلانه قابلوا قائليه وقالوا بل هي حقيقة في الرب مجاز في العبد وهذا قول أبي العباس الهاشمي وقد وافقه عليه طائفة ويلزم أصحاب هذا القول صحة نفيها عن المخلوق كما يلزم أصحاب القول الأول صحة نفيها عن الخالق والقولان باطلان مع أن أصحاب هذا القول وإن(4\/1511)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1364",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4645",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كانوا خيرا من أولئك فهم متناقضون فإنهم إن أثبتوا للرب تعالى حقائقها المفهومة منها فجعلها مجازا في المخلوق ممتنع فإن المعنى الذي كانت به حقيقة في الغائب موجود في الشاهد وإن كان غير مماثل بل للرب منه ما يختص به ولا يماثله فيه المخلوق وللمخلوق منه ما يختص به ولا يماثله فيه الخالق وهذا لا يوجب أن تكون مجازا في حق المخلوق كالوجود والشيء والذات وإن أثبتوها على غير حقائقها المفهومة منها بل جعلوا معناها ما تأولوها عليه فقلبوا الحقائق وعكسوا اللغة وأفسدوها وجعلوا المجاز حقيقة والحقيقة مجازا هذا وهم أعذر من أولئك وأقل خطأ فإنهم جعلوها مجازا في حق من هو أولى بها من خلقه. وأولى من تثبت له على أتم الوجوه وأكملها أزلا وأبدا ووجوبا وبراءة عن كل ما ينافي ذلك وجعلوها حقيقة في حق من استعيرت له على وجه الحدوث والضعف والنقص فهؤلاء أعظم قلبا للحقائق ومخالفة للمعقول من أولئك وقالت طائفة ثالثة بل هي حقيقة في الغائب والشاهد كالوجود والشيء والذات وإن لم تماثل الحقيقة الحقيقة ثم اختلف هؤلاء فقالت طائفة هي مقولة عليها بالاشتراك اللفظي لتباين الحقيقتين من كل وجه وهذا من أفسد الأقوال فإن كل عاقل يفرق بين لفظي العين ولفظ المشتري ولفظ العين ونحوها وبين لفظ السميع والبصير(4\/1512)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1365",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4646",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحي والعليم والقدير ويفهم المعنى من هذه الألفاظ عند إطلاقها دون تلك فلو كانت مشتركة لم يفهم منها شيء عند الإطلاق. وقالت طائفة أخرى بل يقال على القديم والحادث بطريق التواطئ وهي موضوعة للقدر المشترك والخصائص لا تدخل في مسمى اللفظ قالوا ولهذا يصح تقسيم معانيها إلى واجب وممكن وقديم ومحدث ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام. وقالت طائفة بل يقال على الرب والعبد بطريق التشكيك لأنها في الرب أولى وأتم وأكمل ولا ريب أن المتواطئ يعم ما تساوت أفراده فيه وما تفاوتت فالمشكك نوع من المتواطئ وإذا عرف هذا فمن نفى حقائقها عن الرب سبحانه جعلها مجازا في حقه حقيقة في المخلوق يوضحه. الوجه الخامس والثلاثون بعد المائتين: إنه قد علم أن المعنى المستعار يكون في المستعار منه أكمل منه في المستعار وأن المعنى الذي دل عليه اللفظ بطريق الحقيقة أكمل من المعنى الذي دل عليه بطريق المجاز وإنما يستعار لتكميل معنى المجاز مثل الأسد فإن شجاعته لما كانت أكمل من شجاعة ابن آدم والبحر لما كان أوسع من(4\/1513)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1366",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4647",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن آدم والشمس والقمر لما كانا أبهى وأحسن استعيرت أسماؤها لما دونها فإذا قيل إن هذه الأسماء مجاز في حق الرب حقيقة في حق العبد كانت في العبد أكمل وأتم منها في الرب وكانت تسمية الرب سبحانه بها تقريبا وتمثيلا لما هو حقيقة في العبد وهل في الباطل والضلال والكفر والمحال فوق هذا والظاهر والله أعلم أن أكثر هؤلاء النفاة المعطلة جهال لا يتصورون حقيقة أقوالهم ولوازمها وإلا فمن آمن بالله وكان له في قلبه جلالة وعظمة ووقار لا يرضى بذلك ولا يعتقده وإن كان كثير من الناس لا يتحاشى من ذلك ولا يأنف منه لقلة وقار الله في قلبه وبعده عن معرفته وإساءة ظنه بأهل الإثبات وإحسان ظنه بطائفته وأهل نحلته وضلال بني آدم لا يحيط به إلا من هو بكل شيء محيط. الوجه السادس والثلاثون بعد المائتين: إن أعقل الخلق على الإطلاق الرسل وأتباعهم بعدهم أعقل الأمم وأهل الكتاب والشرائع الكبار أعقلهم وأعقل هؤلاء المسلمون وأعقل المسلمين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان وأهل السنة والحديث أعقل الأمة بعدهم على الإطلاق والبرهان القاطع على هذا أنه قد ظهر على أيدي الرسل من العلم النافع والعمل الصالح ومصالح الدنيا والآخرة(4\/1514)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1367",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4648",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما لم يظهر مثله ولا قريب منه ولا ماله البتة نسبة بوجه من الوجوه على أيدي غيرهم من العقلاء ومن تدبر سيرتهم في أنفسهم وفي خاصتهم وفي العامة وصبرهم وزهدهم في الدنيا ورغبتهم في الله وما عنده واشتمالهم من الأخلاق على أزكاها ومن الشيم على أرضاها وأنهم أصدق الخلق وأبرهم قلوبا وأزكاهم نفوسا وأعظمهم أمانة وأكرمهم عشرة وأعفهم ضمائر وأطهرهم سريرة لم يشك أنهم أعقل خلق الله على الإطلاق ولا ريب أن كل من كان إليهم أقرب كان حظه من العقل أوفر والعلوم والأعمال والسيرة والدلائل على ذلك وأما أعدائهم وخصومهم فقد ظهر من نقصان عقولهم ما كان الحيوان البهيم أحسن به حالا منهم فإنه لا يقدم على هلاكه وخصماء الرسل وخصماء أتباعهم متهافتون في أسباب هلاكهم تهافت الفراش في النار وظهر نقصان هذه العقول في علومهم ومعارفهم مثل ظهوره في أعمالهم أو أعظم فإن كل من له نور وبصيرة إذا عرض على العقل الصحيح والفطرة السليمة ما جاءت به الرسل وما قالته النفاة المعطلة في الله جل جلاله تبين له الذي بينهما من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق ومن أعظم المحال أن يكون أعقل الخلق(4\/1515)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1368",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4649",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأعقل الأمم مطيعين على الانقياد لكتاب قد خالفه صريح العقل ويكون ذلك الكتاب متضمنا لخلاف الصواب في أعظم مطالب الدعوة الإلهية وظاهره ضلال ومحال ويطبق عليه أعقل بني آدم ويتلقونه بالقبول وتشهد عقولهم وفطرهم أنه الحق والصواب وأن ما خالفه فهو الباطل والإفك والمحال وتصح به قلوبهم وتطمئن به وتسكن إليه وتزكوا به النفوس أعظم زكا وهذا من المحال أن يحصل بما يخالف صريح العقل ويكون الصواب في خلاف ما دل عليه فإن القلوب الصحيحة والفطر السليمة والعقول المستقيمة لا تطمئن بباطل أبدا بل يكون أهله كما قال الله سبحانه بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج [ق5] وقال تعالى إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك [الذاريات9 , 8] وقال انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا [الإسراء48] ووصف سبحانه المصدقين به الذين لا يقدمون عليه غيره بطمأنينتهم به وجعل ذلك من أعظم آيات صدقه في أنه لو كان باطلا مخالفا للعقول لم تطمئن به القلوب بل كانت ترتاب به أعظم ريب فإن الكذب في الأمور الجزئية(4\/1516)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1369",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4650",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ريبة فكيف بالكذب في باب أسماء الرب وصفاته وشأنه والصدق في الأمور الجزئية طمأنينة فكيف بالصدق في هذا الباب قال تعالى الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين [البقرة2 , 1] وقال تعالى وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين [يونس37] وقال تعالى الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين [السجدة2 , 1] فجعل سبحانه من أعظم أدلة صدقه نفي الريب عنه في مثل هذه المطالب التي هي أصل مطالب بني آدم وأجل معارفهم وعلومهم على الإطلاق فلو كان فيه ما يخالف صريح العقل لكان فيه أعظم الريب ولما اطمأنت به القلوب ولا ثلجت به الصدور وقد قال تعالى الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب [الرعد28] وذكره ها هنا هو كناية وهو الذكر الحكيم فكيف يجوز على أعقل الأمم وأفضلها أن تطمئن قلوبهم بما يخالف العقل الصريح وهل هذا إلا قدح في عقولهم كما هو قدح في نبيهم وفي كتابهم ومن تكلم به وجعله هدى وشفاء ورحمة وعصمة ونورا وروحا والله ورسوله وملائكته وأولو العلم(4\/1517)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1370",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4651",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعلمون أن كلام هؤلاء المعطلة النفاة المعارضين للوحي بعقولهم وآرائهم فيه أعظم الريب وأبعد شيء عن طمأنينة القلوب به وسكونها إليه وأشد شيء مخالفة للمعقول الصريح وهذه سنة الله في خلقه أن أنقص الناس عقولا وأعظمهم سفها يرمون أعقل الخلق وأفضلهم بنقصان العقول ولا تنسى قول أعداء الرسل في الرسل أنهم مجانين لا عقول لهم فهكذا ورثتهم يرمون ورثة الرسل بدائهم إلى يوم القيامة يوضحه الوجه السابع والثلاثون بعد المائتين: إنه لو كان ظاهر الكتاب مخالفا لصريح المعقول لكان في الصدور أعظم حرج منه وضيق وهذا خلاف المشهود بالباطن لكل ذي عقل سليم فإنه كلما كان الرجل أتم عقلا كان الحرج بالكتاب أبعد منه قال تعالى لرسوله المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه [الأعراف2 , 1] والله تعالى رفع الحرج عن الصدور بكتابه وكانت قبل إنزال الكتاب في أعظم الحرج والضيق فلما أنزل كتابه ارتفع به عنها ذلك الحرج وبقي الحرج والضيق على من لم يؤمن به كما قال تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا [الأنعام125] ومن آمن به من وجه دون وجه ارتفع عنه الحرج والضيق من الوجه الذي آمن به دون ذلك الوجه فمن أقر(4\/1518)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1371",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4652",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنه منزل من عند الله أنزله على رسوله ولم يقر بأنه كلامه الذي تكلم به بل جعله مخلوقا من جملة مخلوقاته كان في صدره من الضيق والحرج ما يناسب ذلك ومن أقر بأنه تكلم بشطره وهو المعاني دون شطره الآخر وهو حروفه كان في صدره من الحرج منه ما يناسب ذلك ومن زعم أنه غير كاف في معرفة الحق وأن العباد يحتاجون معه إلى معقولات وآراء ومقاييس وقواعد منطقية ومباحث عقلية ففي صدره منه أعظم حرج وأعظم حرجا منه من اعتقد أن فيه ما يناقض العقل الصريح ويشهد العقل بخلافه وكذلك من زعم أن آياته لا يستفاد منها علم ولا يقين ففي صدره منه من الحرج ما الله به عليم ومن زعم أن الخطاب به خطاب جمهوري يخيل للعامة ما ينتفعون به مما ليس له حقيقة في نفس الأمر ففي صدره منه أعظم حرج ومن زعم أن أجل ما فيه وأشرفه وأفضله وهو قسم التوحيد المتضمن للأسماء والصفات مجازات واستعارات وتشبيهات لا حقائق ففي صدره منه أعظم حرج فكل هذه الطوائف في صدورهم منه حرج وريب وليس في حقهم هدى ولا شفاء ولا رحمة ولا هو كاف لهم بشهادتهم على أنفسهم وشهادة الله وملائكته والشهداء من عباده عليهم وبالله التوفيق.(4\/1519)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1372",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4653",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد أقسم سبحانه بنفسه المقدسة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم ولا يكفي ذلك في حصول الإيمان حتى يزول الحرج من نفوسهم بما حكم به في ذلك أيضا حتى يحصل منهم الرضا والتسليم فقال تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [النساء65] فأكد ذلك بضروب من التأكيد أحدها: تصدير الجملة المقسم عليها بحرف النفي المتضمن لتأكيد النفي المقسم عليه وهو في ذلك كتصدير الجملة المثبتة بإن. الثاني: القسم بنفسه سبحانه. الثالث: أنه أتى بالمقسم عليه بصيغة الفعل الدالة على الحدوث أي لا يقع منهم إيمان ما حتى يحكموك. الرابع: أنه أتى في الغاية بحتى دون إلا المشعرة بأنه لا يوجد الإيمان إلا بعد حصول التحكيم لأن ما بعد حتى يدخل فيما قبلها. الخامس: أنه أتى المحكم فيه بصيغة الموصول الدالة على العموم وهو قوله فيما شجر بينهم أي في جميع ما تنازعوا فيه من الدقيقة والجليلة.(4\/1520)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1373",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4654",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السادس أنه ضم إلى ذلك انتفاء الحرج وهو الضيق من حكمه. السابع: أنه أتى به نكرة في سياق النفي أي لا يجدون نوعا من أنواع الحرج البتة. الثامن: أنه أتى بذكر ما قضى به بصيغة العموم فإنها إما مصدرية أي من قضائك أو موصولة أي من الذي قضيته وهذا يتناول كل فرد من أفراد قضائه. التاسع: أنه لم يكتف منهم بذلك حتى يضيفوا إليه التسليم وهو قدر زائد على التحكيم وانتفاء الحرج فما كل من حكم انتفى عنه الحرج ولا كل من انتفى عنه الحرج يكون مسلما منقادا فإن التسليم يتضمن الرضا بحكمه والانقياد له. العاشر: أنه أكد فعل التسليم بالمصدر المؤكد ونحن نناشد هؤلاء الجهمية بالله الذي لا إله إلا هو هل يجدون في أنفسهم هذا التسليم والانقياد والتحكيم للنصوص وهل هم مع الرسول وما جاء به بهذه المنزلة فوالله إن قلوبهم وألسنتهم وكتبهم لتشهد عليهم بضد ذلك كما يشهد به عليهم المؤمنون والملائكة وأولو العلم والله سبحانه وكفى بالله شهيدا.(4\/1521)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1374",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4655",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثامن والثلاثون بعد المائتين: إن جماع ما يرد به المبطلون ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمور العلمية الخبرية والأمور العملية الطلبية نوعان أحدهما: منع دلالة ما جاء به على تلك المسألة. والثاني: معارضة الدلالة بما يمنع اتباعها فردهم نوعان منع ومعارضة فوضعوا لهذين النوعين قانونين فوضعوا لمنع الدلالة قانون التحريف والتأويل الفاسد ووضعوا للمعارضة قانون تعارض العقل والسمع وتقديم العقل فيتضمن هذان القانونان أن لا يستفاد من القرآن والسنة في باب الأسماء والصفات علم ولا يقين. وأما الطلبيات فإما أن يكون في المسألة إجماع أولا فإن كان فيها إجماع استغني به عن النظر في الكتاب والسنة وإن لم يكن فيها إجماع ففرضه التقليد لبعض الأئمة لأن النصوص فيها الناسخ والمنسوخ وفيها ما قد ترك العمل به وفيها الخاص والعام وغير ذلك وقد كفانا الأئمة مؤنة النظر والاستدلال وكلفة الاجتهاد فيتعين المصير إلى أقوالهم وليس لنا أن نستدرك عليهم ولا نخالفهم فهم قد كفونا مؤنة الفروع وشيوخنا المتكلمون قد كفونا مؤنة الأصول فلا يفيدنا النظر في الكتاب والسنة إلا التعب(4\/1522)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1375",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4656",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعناء وغايتنا أن نصل إلى ما وصلوا إليه إن أصبنا وإن خالفناهم كنا نحن المخطئين وهم المصيبون فالأولى بنا أن نتلقى الأصول عن المتكلمين والفروع عن مشايخنا الذين هذبوا لنا مذاهب الأئمة وضبطوا قواعدها وأصولها فيقال هذا إخبار منكم بحالكم وما يليق بكم وما أنتم أهله. وأما من رفع له علم الكتاب والسنة فشمر إليه وآنس من مشكاتهما نور الهداية فطله وحرص عليه وكان كتاب الله وسنة رسوله أجل في صدره وأعظم في نفسه وأوقر في قلبه من أن يجعل لهما عيارا يعيرهما به وميزانا يزنهما به وندا يحاكم إليه ويخاصم به دونهما فهذا كتاب الله بين أظهرنا كما أنزل محضا لم يشب وهذه سنة رسوله هل يسوغ لنا الإعراض عنها إلى ما ذكرتم وهل يوجد فيهما دليل واحد على هذه الطريق التي سلكتم وهل تجدون فيهما الحوالة على غيرهما بوجه من الوجوه وهل تجدون فيهما ما يتضمن ذلك أو يدل عليه أو يشير إليه أو يسوغه وكأنكم تتمسكون بقوله اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء [الأعراف3] وبقوله(4\/1523)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1376",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4657",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم الآية [النساء65] وبقوله وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله [الشورى10] وبقوله وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون [الأنعام155] وبقوله قل يا أيها الناس إني رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون [الأعراف158] وبقوله أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله [الشورى21] وبقوله قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والأثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون [الأعراف33](4\/1524)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1377",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4658",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبقوله ولا تقف ما ليس لك به علم [الإسراء36] وبقوله وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا [المائدة104] وبقوله أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة [التوبة16] أي وليجة ممن اتخذ رجلا بعينه عيارا على كلام الله ورسوله وكلام سائر علماء الأمة يزن القرآن والسنة وكلام سائر العلماء على قوله فما خالفه رده وما وافقه قبله وبقوله فبشر عباد لذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه [الزمر18 , 17] والقول ها هنا ما قاله الله ورسوله واتباع أحسنه هو الاقتداء به فهذا أحسن من قول كل قائل عداه وبقوله(4\/1525)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1378",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4659",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله [آل عمران31] وبقوله وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله [الأنعام153] وبقوله فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا [طه124 , 123] وذكره هو كتابه الذي أنزله فمن أعرض عنه مكتفيا بقول واحد من بني آدم عنه فقد أتى بحقيقة الإعراض وبقوله فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله [القصص50] فقسم الناس إلى مستجيبين للرسول ومتبع هواه فمن ترك استجابته إذا ظهرت له سنة وعدل عنها إلى خلافها فقد اتبع هواه وهذا أكثر من أن يذكر والمقصود أن الواجب على الخلق بعد وفاته هو الواجب عليهم في حياته سواء ففرض من سمع كلامه أن يأخذ به ومن خفي عليه قوله سأل من يعرفه فإذا سمعه ففرض عليه أن يأخذ به(4\/1526)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1379",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4660",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن خفي عليه فغاية قول غيره أن يسوغ له الأخذ به فيكون سائغ الاتباع بعد خفاء السنة لا واجب الاتباع ولا سيما مع ظهور السنة وبالله التوفيق. الوجه التاسع والثلاثون بعد المائتين: إن كل واحد من هذين الأمرين أعني المنع والمعارضة ينقسم إلى درجات متعددة فأما المنع فهو على ثلاث درجات أحدها منع كون الرسول جاء بذلك أو قاله الدرجة الثانية منع دلالته على ذلك المعنى وهذه الدرجة بعد التنزل إلى الاعتراف بكونه قاله الدرجة الثالثة منع كون قوله حجة في هذه المسائل. والدرجات الثلاث قد استعملها المعطلة النفاة فأما الأولى فاستعملوها في الأحاديث المخالفة لأقوالهم وقواعدهم ونسبوا رواتها إلى الكذب والغلط والخطأ في السمع واعتقاد أن كثيرا منها من كلام الكفار والمشركين كان النبي يحكيه عنهم فربما أدركه الواحد في أثناء كلامه بعد تصديره بالحكاية فيسمع المحكي فيعتقده قائلا له لا حاكيا فيقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قاله بعضهم في حديث قتادة بن النعمان في الاستلقاء قال يحتمل أن يكون النبي حدث به عن بعض أهل الكتاب على طريق الإنكار عليهم فلم يفهم عنه قتادة بن(4\/1527)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1380",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4661",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النعمان إنكاره فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعضد هذا الاحتمال بما رواه من حديث ابن أبي أويس حدثني ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن عبد الله بن عروة بن الزبير أن الزبير بن العوام سمع رجلا يحدث حدثنا عن النبي فاستمع الزبير له حتى إذا قضى الرجل حديثه قال له الزبير أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الرجل نعم قال هذا وأشباهه مما يمنعنا أن نتحدث عن النبي قد لعمري سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا يومئذ حاضر ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدأ هذا الحديث فحدثنا عن رجل من أهل الكتاب حدثه إياه فجئت أنت يومئذ بعد أن قضى صدر الحديث وذكر الرجل الذي من أهل الكتاب فظننت أنه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا فلهذا الاحتمال تركنا الاحتجاج بأخبار الآحاد في صفات الله عز وجل فتأمل ما في هذا الوجه من الأمر العظيم أن يشتبه على أعلم الناس بالله وصفاته وكلامه وكلام رسوله كلام الرسول الحق الذي قاله مدحا وثناء على الله بكلام الكفار المشركين الذي هو تنقص وعيب فلا تميز بين هذا وهذا ويقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما(4\/1528)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1381",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4662",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكون من كلام ذلك المشرك الكافر فأي نسبة جهل واستجهال لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق هذا أنه لا يميز أحدهم بين كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام الكفار والمشركين ويميز بينهما أفراخ الجهمية والمعطلة وكيف يستجيز من للصحابة في قلبه وقار وحرمة أن ينسب إليهم مثل ذلك ويا لله العجب هل بلغ بهم الجهل المفرط إلى أن لا يفرقوا بين الكلام الذي يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم حاكيا عن المشركين والكفار والذي يقوله حاكيا له عن جبريل عن رب العالمين ولا بين الوصف بما هو مدح وثناء وتمجيد لله ووصفه بما هو ضد ذلك فتأمل جناية هذه المعرفة على النصوص ومن تأمل أحاديث الصفات وطرقها وتعدد مخارجها ومن رواها من الصحابة علم بالضرورة بطلان هذا الاحتمال وأنه من أبين الكذب والمحال فوالله لو قاله صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند نفسه لكان أولى بقبوله واعتقاده من قول الجهمي المعطل النافي فكيف إذا نسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمقصود أن هذه الدرجات الثلاث قد وضعت الجهمية أرجلهم فيها فهذه درجة منه كون الرسول قاله وأكدوا أمر هذه الدرجة بأن أخبار الآحاد يتطرق إليها الكذب(4\/1529)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1382",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4663",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والخطأ والغلط فلا يجوز أن يحتج بها في باب معرفة الله وما يجب له ويمتنع عليه وسيمر بك إن شاء الله تعالى ما يقلع هذه الدرجة من أصلها. الدرجة الثانية منع الدلالة وهذه الدرجة المسماة بأن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين وقد تقدم فسادها من خمسة وسبعين وجها فيما مضى وبينا أن هذا القول لا يجامع دين الإسلام بل مناقضته للدين معلومة بالضرورة بعد التأمل لحقيقته ولازمه. الدرجة الثالثة تسليم دلالته على ذلك ولكن يمنع كون قول الرسول حجة في ذلك وهذه الدرجة ينزلها طائفتان أحدهما من يجوز على الرسول أن يخاطب الأمة بخلاف ما هو في نفس الأمر لمصلحتهم. الطائفة الثانية من يعتقد أن لكلامه باطنا يخالف ظاهره وتأويلا يخالف حقيقته فالطريقة الأولى للمتفلسفة ومن يتلمذ لهم والطريقة الثانية للجهمية ومن اقتفى آثارهم وكثير من المتأخرين يجمع بين الطريقتين فيتفلسف تارة ويتجهم تارة ويجمع بين الإدامين تارة فهذه درجات المنع وأما درجات المعارضة فثلاثة أيضا(4\/1530)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1383",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4664",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إحداها أن يعارض المنقول بمثله ويسقط دلالتهما أو يرجح دلالة المعارض كما عارض الجهمي قوله الرحمن على العرش استوى [طه5] بقوله قل هو الله أحد [الإخلاص1] وزعم أنه لو كان على العرش لم يكن أحدا وعارضه بقوله وهو معكم أين ما كنتم [الحديد4] وزعم أنه لو كان على عرشه لم يكن معنا وعارضه بقوله الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به [غافر7] وهذه معارضة الزمخشري في كشافه قال وفيها التنبيه على أن الأمر لو كان كما يقوله المجسمة كان حملة العرش ومن حوله مشاهدين معاينين ولما وصفوا بالإيمان لأنه إنما يوصف بالإيمان الغائب ولما وصفوا به على سبيل الثناء عليهم علم أن إيمانهم وإيمان من في الأرض(4\/1531)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1384",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4665",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكل من غاب عن ذلك المقام سواء في إيمان الجميع بطريق النظر والاستدلال لا غير وأنه لا طريق إلى معرفته إلا هذا وأنه منزه عن صفات الأجرام فلو كان المجسم بزعمك جسما حقيقة لما رضي لنفسه ولمن يخاطبه بمثل هذا الكلام الذي هو من أقبح الكلام وأبطله ولشح على زمانه وأوراقه أن يضيعه بمثله ولمنعه وقار القرآن وعظمته في صدره أن يفسره بمثل هذا الكلام الذي هو كما قيل مثل حجارة الكنيف ترجع وتنجس فقد صرح قائله بأن إيمان محمد بن عبد الله وإبراهيم الخليل وموسى الكليم وجميع الأنبياء والمرسلين إنما هو عن نظر واستدلال وهم بسعادتهم قد سدوا جميع طرق الإيمان والمعرفة إلا طريق الجواهر والأعراض والاجتماع والافتراق وإبطال حوادث لا أول لها وزعموا أن من لم يعرف ربه من تلك الطريق مات ولم يعرف له ربا ولم يقر بأن له إلها وخالقا وزادوا في الافتراء والكذب والبهت فزعموا أن إيمان جبريل وميكائيل والملائكة المقربين وجميع المرسلين مبني على هذه الطريقة وأن إيمانهم كلهم سواء وأنهم لا طريق لهم إلى معرفته إلا هذا النظر والاستدلال الذي وضعه لهم شيوخ الجهمية ومبتدعة المتكلمين وضلال أهل الاعتزال فها هنا يسجد المجسم بزعمكم شكرا لله إذ عافاه الله من مثل هذا البلاء العظيم وهذا القول أقل وأحقر من أن يتكلف للوجوه التي تدل على بطلانه بأكثر من حكايته ومن هذا(4\/1532)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1385",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4666",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معارضة غيره لنصوص الاستواء والعلو بقوله لا تفضلوني على يونس بن متى قال قائل هذا دليل على أن الله ليس فوق العالم ولا مستويا على العرش قال لأن يونس نزل إلى قرار البحر ومحمد رفع إلى فوق السموات فكانا في القرب من الله على حد سواء لا يفضل أحدهما على الآخر في القرب منه سبحانه فلو أن المجسم نزل إلى الأرض السابعة لم يرض لنفسه ولمعرفته ولفهمه عن نبيه بمثل هذا ومن هذا معارضة نصوص الاستواء والعلو بقوله ليس كمثله شيء [الشورى11] فلبسوا على الجهال بإيهامهم أن من أثبت كونه سبحانه فوق سمواته على عرشه فقد جعل له مثلا ومن هذا معارضة بعضهم الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تكلم فيها النبي بأين الله وسمع السؤال بأين الله واقر السائل عليه ولم ينكره كما كفره هؤلاء فعارضوها كلها بحديث مكذوب موضوع في إسناده من لا يدري من أي الدواب هو كشيخه الذي لا ذكر له في شيء من كتب الحديث ولعل بعض الوضاعين نسبه إلى هذا الشيخ والحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم(4\/1533)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1386",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4667",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال وقد سئل أين الله فقال quot; لا يقال أين لمن أين الأينquot; فعارض هذا الأحاديث الصحيحة المستفيضة التي نطق فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأين وأقر على إطلاقها بهذا الحديث الوثيل الذي يستحي من التكلم به آحاد الناس فضلا عن سيد ولد آدم وأقبح من هذا معارضة الأحاديث المتواترة التي تزيد على مائتي طريق وأصلها نحو الثلاثين في رؤية الرب تعالى في الآخرة بقوله تعالى لا تدركه الأبصار [الأنعام103] فيا للعقول نحن إنما تلقينا هذه الأحاديث عمن أنزلت عليه الآية فهو الذي جاء بهذا وهذا فكيف يستجيز مسلم أن يعارض كلامه بما فهمه من ظاهر القرآن فهما فاسدا ولو فهمه كما ينبغي لعلم أن القرآن موافق للسنة لا مناقض لها كما تقدم تقريره. فصل الدرجة الثانية من المعارضة معارضة النص بالرأي وهذه المعارضة في الأصل هي من فعل المشركين أعداء الرسل وتلقاها ورثتهم من بعدهم كما تقدم بيانه.(4\/1534)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1387",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4668",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدرجة الثالثة المعارضة بالتقليد واتباع الآباء والمشائخ والمعظمين في النفوس وإذا تأملت الغالب على بني آدم وجدته من هذا النوع واعلم أنه لا يستقر للعبد قدم في الإسلام حتى يبرأ من هذه الممانعة والمعارضة فحينئذ يدخل في دائرة الإسلام ولا يمكن تحكيم الرسول وانتفاء الحرج ووقوع التسليم حتى تنتفي هذه الممانعة والمعارضة من كل وجه وبالله التوفيق يوضحه. الوجه الأربعون بعد المائتين: وهو أنه مع التصديق الجازم يمتنع وقوع المعارضة والممانعة وحيث وجد ذلك فهو ملزوم لانتفاء التصديق ووجود الملزوم بدون لازمه محال فها هنا أمران تصديق جازم يلزمه انتفاء المنع والمعارضة ومنع ومعارضة يلزمه انتفاء التصديق الجازم فيستدل بوجود الملزوم منهما على وجود لازمة وبانتفاء اللازم على انتفاء ملزومه وهذا أمر قطعي لكنه موقوف على صحة اللزوم فنقول متى حصل الإقرار بأن المتكلم عالم بما أخبر به صادق في خبره يستحيل عليه الجهل والكذب عمدا أو خطأ امتنع والحالة هذه أن يقوم بقلب من اعتقد ذلك منع لخبره أو معارضة له. ووجوه المنع والمعارضة وهذا الإقرار والتصديق لا يجتمعان وإذا ثبت اللزوم المذكور لزم من وجود الملزوم وجود لازمه ومن انتفاء اللازم انتفاء ملزومه والعجب أن(4\/1535)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1388",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4669",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هؤلاء من شدة تمسكهم بالعقليات واعتنائهم بها حين عارضوا بينها وبين الوحي يجمعون بين النقيضين ويثبتون الشيء وينفون لازمه وينفون اللازم ويثبتون ملزومه وذلك مخالفة لصريح العقل فإنهم يدعون الإيمان بما جاء به الرسول وينفون لازمه وإذا نفوا اللازم انتفى الملزوم ولكن من حكمة أحكم الحاكمين أن يسلب هؤلاء خاصة عقولهم وحال بينهم وبينها وكشف لأهل العقل والسمع أنهم من أبعد الناس عن العقل والسمع وهذا كما ظهر لأتباع الرسل في الدنيا فإنه سيظهر لأولئك حين يقول المعارضون للرسل بعقولهم وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير [الملك10] الوجه الحادي والأربعون بعد المائتين: إن الله سبحانه أنزل على عبده ورسوله في أفضل الأيام وأفضل الشهور وأفضل الأماكن ومعه أفضل الخلق اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الأسلام دينا [المائدة3] وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث(4\/1536)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1389",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4670",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طارق بن شهاب قال جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال يا أمير المؤمنين آية تقرأونها في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت فعلم اليوم الذي نزلت فيه لاتخذناه عيدا فقال عمر أية آية هي قال اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الأسلام دينا [المائدة3] فقال عمر إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه والمكان الذي نزلت فيه أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية الجمعة ونحن معه بعرفة وفي مسند علي للحافظ مطين حدثنا يحيى الحماني حدثنا قيس عن إسماعيل بن سليمان عن أبي عمر البزار عن ابن الحنفية عن علي قال نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف عشية عرفة اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الأسلام دينا .(4\/1537)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1390",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4671",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال عبد بن حميد أخبرنا يزيد بن هارون ثنا حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار قال قرأ ابن عباس اليوم أكملت لكم دينكم وعنده يهودي فقال لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدا فقال ابن عباس نزلت في يوم عيدين يوم جمعة ويوم عرفة. وقال وحدثنا أبو نعيم عن إسرائيل عن جابر عن عامر قال نزلت على النبي وهو بعرفة. قال كما نقل عنه إني سلمت أن الباري إلهي وإله الخلق عالم قادر ولا يسأل عن قدرته ومشيئته وإذا أراد شيئا قال له كن فيكون وهو حكيم إلا أنه يتوجه على مساق حكمته أسئلة سبعة أولها قد علم قبل خلقي أي شيء يصدر عني ويحصل فلم خلقني أولا وما الحكمة في خلقه إياي(4\/1538)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1391",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4672",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئته فلم كلفني بمعرفته وطاعته وما الحكمة في التكليف بعد ألا ينتفع بطاعته ولا يتضرر بمعصيته الثالث إذ خلقني وكلفني فالتزمت تكليفه بالمعرفة والطاعة فعرفت وأطعت فلم كلفني بطاعة آدم والسجود له وما الحكمة في هذا التكليف على الخصوص بعد أن لا يزيد ذلك في طاعتي ومعرفتي والرابع إذ خلقني وكلفني على الإطلاق وكلفني هذا التكليف على الخصوص فإذا لم أسجد لعنني وأخرجني من الجنة ما الحكمة في ذلك بعد إذ لم أرتكب قبيحا إلا قولي لا أسجد إلا لك الخامس إذ خلقني وكلفني مطلقا وخصوصا ولم أطع فلعنني وطردني فلم طرقني إلى آدم حتى دخلت الجنة ثانيا وغررته بوسوستي فأكل من الشجرة المنهي عنها وأخرجه من الجنة معي وما الحكمة في ذلك بعد أن لو منعني من دخول الجنة استراح مني آدم وبقي خالدا في الجنة. والسادس إذ خلقني وكلفني عموما وخصوصا(4\/1539)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1392",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4673",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولعنني ثم طرقني إلى الجنة وكانت الخصومة بيني وبين آدم فلم سلطني على أولاده حتى أراهم من حيث لا يرونني وتؤثر فيهم وسوستي ولا يؤثر في حولهم وقوتهم وقدرتهم واستطاعتهم وما الحكمة في ذلك بعد أن لو خلقهم على الفطرة دون من يجتالهم عنها فيعيشوا طاهرين سامعين مطيعين كان أحرى وأليق بالحكمة. والسابع سلمت هذا كله خلقني وكلفني مطلقا ومقيدا وحيث لم أطع لعنني وطردني ومكنني من دخول الجنة وطرقني وإذ عملت عملي أخرجني ثم سلطني على بني آدم فلم إذ استمهلته أمهلني فقلت فأنظرني إلى يوم يبعثون [ص79] فقال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم [ص81 , 80] وما الحكمة في ذلك بعد أن لو أهلكني في الحال استراح الخلق مني وما بقي شر في العالم أليس بقاء العالم على نظام الخير خيرا من امتزاجه بالشر قال فهذه حجتي على ما ادعيته في كل مسألة.(4\/1540)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1393",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4674",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال شارح الإنجيل فأوحى الله إلى الملائكة قولوا له فإنك في مسألتك الأولى أني إلهك وإله الخلق غير صادق ولا مخلص إذ لو صدقت أني رب العالمين ما احتكمت علي بلم فأنا الله الذي لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل والخلق مسؤولون قال هذا مذكور في التوراة ومسطور في الإنجيل على الوجه الذي ذكرته وكنت برهة من الزمان أتفكر وأقول من المعلوم الذي لا مرية فيه أن كل شبهة وقعت لبني آدم فإنما وقعت من إضلال الشيطان ووساوسه ونشأت من شبهاته وإذا كانت الشبهات محصورة في سبع عادت كبار البدع والضلال إلى سبع ولا يجوز أن تعدو شبهات فرق أهل الزيغ والكفر هذه الشبهات وإن اختلفت العبارات وتباينت الطرق فإنها بالنسبة إلى أنواع الضلالات كالبذر وترجع جملتها إلى إنكار الأمر بعد الاعتراف بالحق وإلى الجنوح إلى الهوى والرأي في مقابلة النص والذين جادلوا نوحا وهودا وصالحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا(4\/1541)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1394",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4675",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وموسى وعيسى ومحمدا صلوات الله وسلامه عليهم كلهم نسجوا على منوال اللعين الأول في إظهار شبهاته. وحاصلها يرجع إلى دفع التكليف عن أنفسهم وجحد أصحاب التكاليف والشرائع بأسرهم إذ لا فرق بين قولهم أبشر يهدوننا [التغابن6] وبين قوله أأسجد لمن خلقت طينا [الإسراء61] وعن هذا صار مفصل الخلاف ومحز الإشكال والافتراق كما هو في قوله وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا [الإسراء94] فبين أن المانع من الإيمان هو هذا المعنى كما قال للمتقدم الأول ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه [الأعراف12] .(4\/1542)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1395",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4676",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال المتأخر من ذريته كما قال المتقدم أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين [الزخرف52] وكذلك لو تعقبنا أحوال المتقدمين منهم وجدناها مطابقة لأقوال المتأخرين كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم [البقرة118] فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل [يونس74] فاللعين الأول لما حكم العقل على من لا يحكم عليه العقل أجرى حكم الخالق في الخلق وحكم الخلق في الخالق والأول غلو والثاني تقصير فثار من الشبهة الأولى مذاهب الحلولية والتناسخية والمشبهة(4\/1543)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1396",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4677",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والغلاة من الرافضة حيث غلوا في حق شخص من الأشخاص حتى وصفوه بأوصاف الإله وثار من الشبهة الثانية مذاهب القدرية والجبرية والمجسمة حيث قصروا من وصفه تعالى بصفات المخلوقين والمعتزلة مشبهة الأفعال والمشبهة مشبهة الصفات وكل منهما أعور فإن من قال يحسن منه ما يحسن منا ويقبح منه ما يقبح منا فقد شبه الخالق بالخلق ومن قال يوصف الباري بما يوصف به الخلق أو يوصف الخلق بما يوصف به الخالق فقد اعتزل عن الحق وسنخ القدرية طلب العلة في كل شيء وذلك من سنخ اللعين الأول إذ طلب العلة في الخلق أولا والحكمة في التكليف ثانيا والفائدة في تكليف السجود لآدم ثالثا ثم ذكر الخوارج والمعتزلة(4\/1544)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1397",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4678",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والروافض وقال رأيت بدء شبهاتهم كلها نشأت من شبهات اللعين الأول وتلك في الأول مصدرها وهذه في الآخر مظهرها وإليه أشار التنزيل بقوله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين [البقرة68] وقد قال صلى الله عليه وسلم: quot;لتسلكن سبل الأمم قبلكم حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموهquot; فهذه القصة والمناظرة هي من نقل أهل الكتاب ونحن لا نصدقها ولا نكذبها وكأنها والله أعلم مناظرة وضعت على لسان إبليس وعلى كل حال فلا بد من الجواب عنها سواء صدرت منه أو قيلت على لسانه فلا ريب أنها من كيده وقد أخبر الله سبحانه إن كيد الشيطان كان ضعيفا [النساء76] فهذه الأسئلة والشبهات من أضعف الأسئلة عند أهل العلم والإيمان وإن صعب موقعها عند من أصل أصولا فاسدة(4\/1545)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1398",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4679",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاسدة كانت سدا بينه وبين ردها وأما من لم يؤصل غير كتاب الله وسنة رسوله فهذه الأسئلة عنده من جنس أسئلة تلامذته وأصحابه التي يوردونها على الرسل وما جاؤا به وهي أسئلة فاسدة مبنية على أصول فاسدة وقد افترقت طرق الناس في الأجوبة عنها أشد افتراق وسلكوا في إبطالها كل طريق يخطر بالبال ونحن نذكر طرقهم. فقال المنجمون وزنادقة الطبيعيين والفلاسفة: لا حقيقة لآدم ولا لإبليس ولا لشيء من ذلك بل لم يزل الوجود هكذا ولا يزال نسلا بعد نسل وأمة بعد أمة وإنما ذلك أمثال مضروبة لانفعال القوى النفسانية الصالحة لهذا البشر وهذه القوى هي المسماة في الشرائع بالملائكة واستعصاء القوى الغضبية والشهوانية عليه هي المسماة بالشياطين فعبر عن خضوع القوى الفاضلة بالسجود وعبر عن إباء القوى الشريرة الفاسدة بالإباء والاستكبار وترك السجود قالوا والحكمة الإلهية اقتضت تركيب الإنسان على هذا الوجه وإسكان هذه القوى فيه وانقياد بعضها له وإباء بعضها فهذا شأن الإنسان ولو كان على غير هذا التركيب لم يكن إنسانا قالوا وبهذا تندفع الأسئلة كلها ويظهر بطلانها وأنها بمنزلة أن يقال لم أحوج الإنسان(4\/1546)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1399",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4680",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى الأكل والشرب واللباس ولما أحوجه إليه فلم جعله يبول ويتغوط ويتمخط ولم جعله يمرض ويهرم ويموت فإن هذه الأمور من لوازم النشأة الإنسانية التي لو قدر ارتفاعها لارتفعت هذه النشأة فهذه الطائفة رفعت القواعد من أصلها وأبطلت آدم وإبليس والملائكة وردت الأمر إلى مجرد قوى نفسانية وأمور معنوية. وقالت الجبرية ومنكرو الحكم والتعليل: هذه الأسئلة إنما ترد على من يفعل لعلة أو لغرض أو لغاية فأما من لا علة لفعله ولا غاية ولا غرض بل يفعل ما يفعله بلا سبب ولا غاية وإنما مصدر مفعولاته محض مشيئة وغايتها مطابقتها لعلمه وإرادته فجاء فعله على وفق إرادته وعلمه وعلى هذا فهذه الأسئلة فاسدة كلها إذ مبناها على أصل واحد وهو تعليل أفعال من لا تعلل أفعاله ولا يوصف بحسن ولا قبح عقليين بل الحسن ما فعله وما فعله فكله حسن لا يسأل عما يفعل وهم يسألون قالوا والقبح والظلم هو تصرف الإنسان في ملك غيره بغير إذنه فأما تصرف المالك الحق في ملكه من غير أن يكون تحت حجر حاجر أو أمر آمر أو نهي ناه فإنه لا يكون ظلما ولا قبيحا فرفع هؤلاء الأسئلة من أصلها وسدوا على أنفسهم طريق استماعها والجواب عنها والتزموا لوازم هذا الأصل من إبطال الحكم والتعليل والأسباب والتحسين والتقبيح(4\/1547)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1400",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4681",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتقبيح ووجوب شكر المنعم عقلا ومنعت لأجله أن يجب على الله شيء أو يحرم عليه شيء أو يقبح منه ممكن بل كل ممكن فهو جائز عليه لا يقبح منه. وقالت القدرية: هذا لا يرد على أصولنا وإنما يرد على أصول الجبرية القائلين بأن الله خالق أفعال العباد طاعاتهم ومعاصيهم وإيمانهم وكفرهم وأنه قدر ذلك عليهم قبل أن يخلقهم وعلمه منهم وخلقهم له فخلق أهل الكفر للكفر وأهل الفسوق للفسوق وقدر ذلك عليهم وشاءه منهم وخلقه فيهم فهذه الأسئلة واردة عليهم. وأما نحن فعندنا أن الله سبحانه عرضهم للطاعة والإيمان وأقدرهم عليه ومكنهم منه ورضيه لهم وأحبه ولكن هم اختاروا لأنفسهم الكفر والعصيان وآثروه على الإيمان والطاعة والله سبحانه لم يكرههم على ذلك ولم يلجئهم إليه ولا شاءه منهم ولا كتبه عليهم ولا قدره ولا خلقهم له ولا خلقه فيهم ولكنها أعمال هم لها عاملون وشرورهم لها فاعلون فإنما خلق إبليس لطاعته وعبادته ولم يخلقه لمعصيته والكفر به وصرح قدماء هذه الفرقة بأنه سبحانه لم يكن يعلم من إبليس حين خلقه أن يصدر منه ما صدر ولو علم ذلك لم يخلقه وأبى متأخروهم ذلك وقالوا بل كان سبحانه عالما به وبشأنه وخلقه امتحانا لعباده ليظهر المطيع له من العاصي والمؤمن من الكافر وليثيب عباده على معاداته ومحاربته(4\/1548)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1401",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4682",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومعصيته أفضل الثواب قالوا هذه الحكمة اقتضت بقاءه حتى تنقضي الدنيا وأهلها قالوا وأمره بالسجود ليطيع فيثيبه ويقر به ويكرمه فاختار لنفسه المعصية والكفر من غير إكراه للرب تعالى ولا ألجأه إلى ذلك ولا حال بينه وبين السجود ولا منعه ولا سلطه على آدم وذريته قهرا وإكراها لهم وقد اعترف عدو الله بذلك حيث يقول وما كان لي عليكم من سلطان [إبراهيم22] وقال تعالى وما كان له عليهم من سلطان [سبأ21] قالوا فاندفعت تلك الأسئلة وبطلت وظهر أنها ترد على أصول الجبرية لا على أصولنا. وقالت الفرقة الناجية حزب الرسول وأنصاره وبنك الإسلام وعصابة الإيمان الذين لم يتحيزوا إلى فئة غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذهبوا إلى مقالة غير ما دلت عليه سنته ولم ينتسبوا إلى غيره بوجه من الوجوه كيف يطمع في الرد على عدو الله وإبطال قوله من قد شاركه في أصله أو في بعض شعبه فإن عدو الله أصل معارضة النص بالرأي فترتب على تأصيله هذه الأسئلة وأمثالها فمن عارض العقل بالنقل في أمر من الأمور(4\/1549)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1402",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4683",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهو شريكه من هذا الوجه فلا يتمكن من الرد التام عليه ولهذا لما شاركه زنادقة الفلاسفة والمنجمين والطبائعيين في هذا الأصل أنكروا وجوده ووجود آدم والملائكة فضلا عن قصة أمره بالسجود وإبائه وما ترتب عليها. ولما أنكرت الجبرية الحكمة والتعليل والأسباب وأبطلت هذا الأصل بعقولها وآرائها عجزوا عن جواب أسئلته وسدوا على نفوسهم باب استماعها والجواب عنها وفتحوا باب مكابرة العقول الصريحة وإنكار تحسين العقل وتقبيحه وإنكار الأسباب والقوى والطبائع والحكم والغايات المحمودة التي لأجلها يفعل الرب ما يفعله ويأمر بما يأمر به وجوزوا عليه أن يفعل كل شيء وأن يأمر بجميع ما نهى عنه وينهى عن كل ما أمر به ولا فرق عنده البتة بين المأمور والمحظور والكل سواء في نفس الأمر ولكن هذا صار حسنا بأمره لا أنه في نفسه وذاته حسن وهذا صار قبيحا بنهيه لا أنه في نفسه وذاته قبيح. ولما أصلت القدرية إنكار عموم قدرة الله سبحانه ومشيئته لجميع الكائنات وأخرجت أفعال عباده خيرها وشرها عن قدرته ومشيئته وخلقه وأثبتت لله سبحانه شريعة بعقولهم حكمة عليه بها واستحسنت منه ما استحسنته من أنفسها واستقبحت منه ما استقبحته من نفوسها(4\/1550)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1403",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4684",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعارضت بين الأدلة السمعية الدالة على خلاف ما أصلوه وبين العقل ثم راموا الرد على عدو الله فعجزوا عن الرد التام عليه وأجابت كل فرقة من هذه الفرق من الرد عليه بحسب ما وافقت فيه السمع والعقل. وإنما يتمكن من الرد عليه كل الرد من تلقى أصوله عن مشكاة الوحي ونور النبوة ولم يؤصل أصلا برأيه وعقله وآراء الرجال وعقولهم ولم يخرج من مشكاة الوحي ولم يظهر من معدنه بل تلقى أصوله كلها عن قول من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. فأول ذلك أنه علم أن هذه الأسئلة ليست من كلام الله الذي أنزله على موسى وعيسى مخبرا بها عن عدوه كما أخبر عنه في القرآن بكثير من أقواله وأفعاله وإدخال بعض أهل الكتاب لها في تفسير التوراة والإنجيل هو كما تجد في المسلمين وما بالعهد من قدم من يدخل في تفسير القرآن كثيرا من الأحاديث والأخبار التي لا أصل لها والقصص المعلوم كذبها وإذا كان هذا في هذه الأمة التي هي أكمل الأمم علوما ومعارف وعقولا فما الظن بأهل الكتاب فصل الوجه الثاني: أن نقول لعدو الله قد ناقضت في أسئلتك ما اعترفت به وسلمته غاية المناقضة وجعلت ما أسلفته من التسليم(4\/1551)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1404",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4685",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والاعتراف مبطلا لجميع أسئلتك متضمنا للجواب عنها قبل ذكرها وذلك أنك قلت رب بما أغويتني [الحجر39] وقلت خلقتني من نار وخلقته من طين [الأعراف12] وقلت قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين [ص82 , 83] فاعترفت بأنه ربك وخالقك ومالكك وأنك مخلوق له مربوب تحت أوامره ونواهيه إنما شأنك أن تتصرف في نفسك تصرف العبد المأمور المنهي المستعد لأوامر سيده ونواهيه وهذه هي الغاية التي خلقت لها وهي غاية الخلق وكمال سعادتهم وصلاحهم وهذا الاعتراف منك بربوبيته وقدرته وعزته يتضمن إقرارك بكمال علمه وحكمته وغناه وأنه في كل ما أمر به عليم حكيم لم يأمر عبده لحاجة منه إلى أمره به ولم ينهه بخلا عليه بما نهاه عنه بل أمره رحمة منه به وإحسانا إليه بما فيه صلاحه في معاشه ومعاده وما لا صلاح له إلا به ونهاه عما في ارتكابه فساده في معاشه ومعاده فكانت نعمته عليه بأمره ونهيه أعظم من نعمته عليه بمأكله ومشربه ولباسه وصحة بدنه بما لا نسبة بينهما كما قال سبحانه في آخر قصتك مع الأبوين يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس(4\/1552)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1405",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4686",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون [الأعراف26] فأخبر سبحانه أن لباس التقوى وزينتها خير من المال والرياش والجمال الظاهر فالله سبحانه خلق عباده وجمل ظواهرهم بأحسن تقويم وجمل بواطنهم بهدايتهم إلى الصراط المستقيم. ولهذا كانت صورتك قبل معصية ربك وإيثارك معاداته على طاعته وموالاته من أحسن الصور وأنت مع الملائكة الأكرمين فلما وقع ما وقع جعل قبح صورتك وبشاعة منظرك مثلا يضرب لكل قبيح كما قال تعالى طلعها كأنه رؤوس الشياطين [الصافات65] فهذه أول فقرة تعجلتها من معصيته ولا ريب أنك تعلم أنه أحكم الحاكمين وأعلم العالمين وأغنى الأغنياء وأرحم الراحمين وأنه لم يأمر العباد إلا بما فعله خير لهم وأصلح وأنفع وأحسن تأويلا وأعظم عائدة من تركه كما أنه لم يرزقهم إلا ما تناوله أنفع لهم من تركه فأمره لهم بما أمرهم به كرزقه لهم ما رزقهم إياه فالسعداء استعملوا أمره وشرعه لحفظ صحة قلوبهم وكمالها وصلاحها بمنزلة استعمالهم رزقه لحفظ صحة أجسامهم وصلاحها وتيقنوا أنه كما لا بقاء للبدن ولا صحة ولا صلاح إلا بتناول غذائه الذي جعل له فلذلك لا صلاح للقلب والروح ولا فلاح ولا نعيم إلا بتناول غذائه الذي جعل له هذا وإن ألقيت إلى طائفة من الناس أنه لا مصلحة(4\/1553)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1406",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4687",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للمكلفين فيما أمروا به ونهوا عنه ولا منفعة لهم فيه ولا خير ولا فرق في نفس الأمر بين فعل هذا وترك هذا ولكن أمروا ونهوا لمجرد الامتحان والاختبار ولا فرق في نفس الأمر بين ما أمروا به ونهوا عنه فلم يؤمروا بحسن ولم ينهوا عن قبيح بل ليس في نفس الأمر لا حسن ولا قبيح. ومن عجيب أمرك وأمرهم أنك أوحيت إليهم هذا فردوا به عليك وجعلوه عصمتهم في جواب أسئلتك فدفعوها كلها وقالوا إنما تتوجه هذه الأسئلة في حق من يفعل لغرض أو لعلة وأما من فعله بريئا من العلل والأغراض فلا يتوجه عليه سؤال واحد من هذه الأسئلة فإن كانت هذه القاعدة حقا فقد اندفعت أسئلتك كلها وإن كانت باطلا والحق في خلافها فقد بطلت أسئلتك أيضا لما تقدم فقد بطلت أسئلتك على التقديرين يوضحه. الوجه الثالث: أن نقول لعدو الله إما أن تسلم حكمة الله في خلقه وأمره وإما أن تجحدها وتنكرها فإن سلمتها وأنه سبحانه حكيم في خلقك حكيم في أمرك بالسجود بطلت الأسئلة وكنت معترفا بأنك أوردتها على من تميز حكمته العقول ولم تجعل أحدا من خلقه شريكا له في ما فعل بحكمته فإنه لا يشرك في حكمه أحدا كما لم يشركهم في علمه(4\/1554)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1407",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4688",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقدرته وملكه وربوبيته وحينئذ فتسليمك هذه الحكمة التي لا سبيل للمخلوقين لمشاركة الخالق فيها البتة قد عادت على أسئلتك الفاسدة بالنقض والإبطال. وإن رجعت عن الإقرار له سبحانه بالحكمة وقلت إنه لا يفعل لحكمة البتة بل لا يسأل عما يفعل وهم يسألون فما وجه إيراد هذه الأسئلة على من لم يفعل بحكمة ولا يسأل عما يفعل فقد أوردت الأسئلة على من لا يسأل عما يفعل وطعنت في حكمة من كل أفعاله حكمة ومصلحة وعدل وخير بمعقولك الفاسد وعقلك الصغير الذي آثرت به داعي الكبر والكفر على داعي العبودية والإيمان يوضحه. الوجه الرابع: وهو أنك قد كشفت للخلائق عن محصول علمك ومعرفتك وقدر عقلك الذي صرت به ضحكة لهم وسخرية على ألسنتهم فإنك انتصرت لنفسك ورياستك ودلك عقلك على أن عزك في معصيتك ورياستك في إبائك من السجود وكان هذا أعظم أسباب ذلك وخيبتك ويأسك من روح الله وبعدك من رحمته وطردك من جنته ومبائتك بلغنته فأضعت عزك وأخملت شرفك ووضعت قدرك من حيث زعمت أنك تحفظه فكنت كآكل السم الذي فيه تلفه ليحفظ به قوته وصحته ثم رضيت لنفسك أن صرت خادما وقوادا لكل فاسق وفاجر وخبيث فمن هذا قدر(4\/1555)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1408",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4689",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عقله ونهاية معرفته وعلمه ألا يستحي من إيراد هذه الأسئلة اللائقة به على من ملأت حكمته الوجود وبهرت العقول حتى صارت للبصائر أظهر من نور الشمس للأبصار يوضحه الوجه الخامس: إن غاية معقولك وحاصل عقلك هو القياس الذي عارضت به النص وقدمته عليه وقد بان فساده للعقلاء من أكثر من ثلاثين وجها قد تقدم ذكرها فلا حاجة إلى إعادتها فإذا كان هذا شأن أقوى أسئلتك التي أوردتها على ربك وسائر أسئلتك مبنية عليه ومردودة إليه فما الظن بفروع هذا أصلها فمن نادى على مقدار عقله ومحصول معرفته على رؤوس الملأ من الملائكة بقوله أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين [الأعراف12] واستجاز معارضة الأمر المتضمن لغاية الحكمة والمصلحة بهذا الرأي الفاسد والسفه البارد كيف يتوجه له سؤال على الحكيم العليم. الوجه السادس: أن هذه الأسئلة يرجع حاصلها كلها إلى القدح والطعن في علم الرب سبحانه أو حكمته أو قدرته أو اثنين منها أو كلها إذ حاصلها أنه سبحانه إما أن يكون عالما بما يحصل مني وما يكون من أمري أو لا يكون عالما فإن لم يكن عالما لزم القدح في علمه وإن كان عالما فإما أن يكون قادرا على(4\/1556)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1409",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4690",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منعي من هذا الفساد والضرر الواقع ببني آدم مني أو لا يكون قادرا فإن لم يكن قادرا لزم القدح في قدرته وإن كان قادرا ولم يمنعني بل مكنني وأبقاني وسلطني لزم القدح في حكمته فهذا غاية ما عند تلامذة عدو الله وأصحابه وهو الذي أوحاه إليهم وألقاه على ألسنتهم وجعله دائرا بينهم وحينئذ فيقال له هذا إنكار منك لما علم بالضرورة التي هي فوق كل ضرورة من وجود رب العالمين وإله من في السماء والأرض الذي هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وهو أحكم الحاكمين فإنكار علمه وحكمته وقدرته جحود وإنكار له ونفي أن يكون لك أو للعالمين رب عليم مدبر حكيم فإن الجاهل العاجز السفيه لا يكون ربا ولا إلها فلا تتم لك هذه الأسئلة إلا بقول أخيك وشقيقك فرعون وما رب العالمين [الشعراء23] وقوله يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري [القصص38] فإن عدو الله علم أنه إن اقر بوجود فاطر السموات والأرض وبصفاته وعلوه فوق العالم وتكليمه لموسى(4\/1557)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1410",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4691",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أوجب عليه هذا الإقرار الانقياد والعبودية والإيمان بموسى فلم يجد بدا من إنكار الرب وعدم الإقرار به وهكذا هذه الأسئلة لا تتوجه إلا مع إنكاره سبحانه وجحوده وإلا فمع الإقرار بأنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه أحكم الحاكمين فلا تتوجه البتة وهذا حقيقة الرب وحينئذ فنقول في الوجه السابع: إن مثل هذا النمط من الاعتراضات والأسئلة فاسد عند جميع أهل الأرض فإنه يتضمن اعتراض الجاهل على أحذق الناس بصناعة قد أحكم آلاتها وأسبابها وقدرها على أكمل الوجوه وأحسنها وأوفقها لما يقصد منها فجاء رجل جاهل لا مناسبة بينه وبين ذلك الحاذق بوجه ما فأخذ يعترض عليه في أجزاء تلك الصناعة وآلاتها وأشكالها ومقاديرها ويقول هلا كان هذا أكبر مما هو أو أصغر أو على شكل آخر أو كان كذا في موضع كذا أو عمل هذا في وقت كذا ونحو هذا مما يسخر منه العقلاء ويعدون صاحبه في زمرة السفهاء مع أنه يمكن المعترض مشاركة ذلك الأستاذ الحاذق في صناعته ومساواته فيها وتقدمه عليها فيها فإذا كان اعتراضه عليه مدفوعا عند كل عاقل فما الظن بالاعتراض على من لا شريك له في حكمته ولا شبيه له فيها والتفاوت(4\/1558)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1411",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4692",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي بينه وبين المعترض في حكمته كالتفاوت الذي بينه وبينه في العلم والقدرة والغنى وسائر الصفات أفلا يستحي من يرى الاعتراض على مخلوق مثله قد فاقه في صناعة وعلم قبيحا لا يجد عليه إلا تعريضه نفسه للذم ومبادلته عليها بالجهل من إيراد مثل هذه الأسئلة على الحكيم العليم. الوجه الثامن: أن يقال لعدو الله إيرادك هذه الأسئلة إما أن تكون على وجه الظن في الرب تعالى وأنه فعل مالا ينبغي له فعله أو على وجه الاسترشاد وطلب الهداية فإن كان على وجه الطعن والقدح فكيف تجامع اعترافك بربوبيته ومكله وخلقه وإقرارك بعزته وحكمته ثم تقدح فيه وإن كان على وجه الاسترشاد وطلب الحكمة فذلك فرع عن التسليم لأمره والإذعان لعبوديته والانقياد لحكمته فلا يجتمع مع تصريحك بالعداوة والكفر والاستكبار عن طاعته فإن معصيتك له وقد أمرك منه إليك بلا واسطة أعظم من استكبار من استكبر عن طاعته التي أمر بها على ألسنة رسله فإذا آثرت الكفر والاستكبار والعداوة فكيف سألت مسائل المسترشد المهتدي فالسؤال نوعان إما سؤال جاهل بالحكمة في طلب معرفتها وإما سؤال قادح في الحكمة بما يبطلها وينقضها وحينئذ فنقول في(4\/1559)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1412",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4693",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه التاسع: لا تتوجه هذه الأسئلة على واحدة من الطريقتين إما على الطريقة الأولى فلأن الاستعداد والقبول لمعرفة تفاصيل الحكمة يكون شرطا في قبول الأسئلة والجواب عنها والقوى البشرية ليست مستعدة للعلم بتفاصيل حكمة الله في خلقه وأمره وحينئذ فيكون بيان تفاصيل الحكم عبثا ضائعا وهو مناف للحكمة وإما على الطريقة الثانية فلأن أسئلته تتضمن قدح العبد في الرب والمخلوق في الخالق والجاهل في العالم والسفيه في الحكيم فهي من أبطل الأسئلة ولا يحتاج في بيان بطلانها إلى أكثر من ذلك يوضحه. الوجه العاشر: إن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله على التسليم وعدم الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع ولهذا لم يحك الله سبحانه عن أمة نبي صدقت نبيها وآمنت بما جاء به أنها سألته عن تفاصيل الحكمة فيما أمرها به ونهاها عنه وبلغها عن ربها ولو فعلت ذلك لما كانت مؤمنة بنبيها بل انقادت وسلمت وأذعنت وما عرفت من الحكمة عرفته وما خفي عنها لم تتوقف في انقيادها وإيمانها واستسلامها على معرفته ولا جعلت طلبه من شأنها وكان رسولها أعظم في صدورها من سؤالها عن(4\/1560)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1413",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4694",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك كما في الإنجيل يا بني إسرائيل لا تقولوا لم أمر ربنا ولكن قولوا بم أمر ربنا ولهذا كانت هذه الأمة التي هي أكمل الأمم عقولا ومعارف وعلوما لا تسأل نبيها لم أمر الله بذلك ولم نهى عن كذا ولم قدر كذا ولم فعل كذا لعلمهم أ , ذلك مضاد للإيمان والاستسلام وأن قدم الإسلام لا تثبت إلا على درجة التسليم وذلك يوجب تعظيم الرب تعالى وأمره ونهيه فلا يتم الإيمان إلا بتعظيمه ولا يتم تعظيمه إلا بتعظيم أمره ونهيه فعلى قدر تعظيم العبد لله سبحانه يكون تعظيمه لأمره ونهيه وتعظيم الأمر دليل على تعظيم الآمر وأول مراتب تعظيم الأمر التصديق به ثم العزم الجازم على امتثاله ثم المسارعة إليه والمبادرة به رغم القواطع والموانع ثم بذل الجهد والنصح في الإتيان به على أكمل الوجوه ثم فعله لكونه مأمورا به بحيث يتوقف الإنسان على معرفة حكمته فإن ظهرت له فعله وإلا عطله فهذا من عدم عظمته في صدره بل يسلم لأمر الله وحكمته ممتثلا ما أمر به سواء ظهرت له حكمته أو لم تظهر فإن ورد الشرع بذكر حكمة الأمر أو فقهها العقل كانت زيادة في البصيرة والداعية في الامتثال وإن لم تظهر له حكمته لم يوهن ذلك انقياده ولم يقدح في امتثاله فالمعظم لأمر الله يجري الأوامر والنواهي على ما(4\/1561)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1414",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4695",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جاءت لا يعللها بعلل توهنها وتخدش في وجه حسنها فضلا عن أن يعارضها بعلل تقتضي خلافها فهذا حال ورثة إبليس والتسليم والانقياد والقبول حال ورثة الأنبياء. الوجه الحادي عشر: إن المعترضين على الرب سبحانه قسمان قسم اعترضوا عليه في أمره ونهيه وقسم اعترضوا عليه في قضائه وقدره وربما اجتمع النوعان في حق المعترض وقد ينفرد أحدهما وإبليس ممن جمع النعين فاعترض أولا عليه في أمره له بالسجود لآدم وزعم أنه مخالف للحكمة وأن الحكمة إنما تقتضي خضوع المفضول للفاضل لا ضد ذلك وزعم أنه أفضل وخير من آدم ثم اعترض بعد ذلك على القضاء والقدر بهذه الأسولة فجمع بين الاعتراض على أمره وقدره وبث هذين النوعين في أصحابه وتلامذته وأخرجها لهم في كل قالب وصورة يقبلونها فيها وآخر ذلك أوحى إليهم أن يعترضوا على خيره عن نفسه وخبر رسله عنه بالعقل فعارض عدو الله أمره بأنه خلاف الحكمة وقدره بأنه خلاف العدل وخبره بأنه خلاف العقل وسرت هذه المعارضات الثلاث في أتباعه فهم خلفاؤه ونوابه فهم على قدر أنصابهم منها ومعلوم أن هذه الأنواع الثلاثة مضادة له ومجاهرة بالعداوة ومن التلبيس إخراج المعترض لها في صورة العلم والحب والمعرفة(4\/1562)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1415",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4696",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بألفاظ مزخرفة تغر السامع وتصغي إليها أفئدة أشباه الأنعام وتنفعل عنها قلوبهم بالرضى بها وألسنتهم بالتكلم بها وجوارحهم بالعمل بمقتضاها. الوجه الثاني عشر: إن أعداءه المشركين اعترضوا على أمره وشرعه بقضائه وقدره فجعلهم سبحانه بذلك كاذبين جاهلين مشركين وهذه الأسولة الإبليسية تتضمن الاعتراض على قضائه وقدره بحكمته وأن الحكمة تعارض ما قضاه وقدره كما أن اعتراض المشركين يتضمن أن القضاء والقدر يعارض ما شرعه وأمر به وهذه المعارضات كلها من مشكاة واحدة فإذا كان الاعتراض على دينه وشرعه بقضائه وقدره باطلا فكذلك الاعتراض على قضائه وقدره بحكمته يوضحه. الوجه الثالث عشر: إن الأمر والقدر تفصيل للحكمة ومظهرها فإنها خفية فلا بد لظهورها من شرع يأمر به وقدر يقضيه ويكونه فتظهر حكمته سبحانه في هذا وهذا فكيف يكون تفصيل الشيء وما يظهره مناقضا له منافيا بل يمتنع أن يكون إلا مصدقا موافقا فإن التفصيل متى ناقض الأصل وضاده كان دليلا على بطلانه يوضحه. الوجه الرابع عشر: وهو أن الرب سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى وأسماؤه متضمنة لصفات كماله وأفعاله ناشئة عن صفاته(4\/1563)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1416",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4697",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنه سبحانه لم يستفد كمالا بأفعاله بل له الكمال التام المطلق وفعاله عن كماله والمخلوق كماله عن فعاله فإنه فعل فكمل بفعله وأسماؤه الحسنى تقتضي آثارها وتستلزمها استلزام المقتضى الموجب لموجبه ومقتضاه فلا بد من ظهور آثارها في الوجود فإن من أسمائه الخلاق المقتضي لوجود الخلق ومن أسمائه الرزاق المقتضي لوجود الرزق والمرزوق وكذلك الغفار والتواب والحكيم والعفو وكذلك الرحمن الرحيم وكذلك الحكم العدل إلى سائر الأسماء ومنها الحكيم المستلزم لظهور حكمته في الوجود والوجود متضمن لخلقه وأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين [الأعراف54] فخلقه وأمره صدرا عن حكمته وعلمه وحكمته وعلمه اقتضيا ظهور خلقه وأمره فمصدر الخلق والأمر عن هذين المتضمنين لهاتين الصفتين ولهذا يقرن سبحانه بينهما عند ذكر إنزال كتابه وعند ذكر ملكه وربوبيته إذ هما مصدر الخلق والأمر ولما كان سبحانه كاملا في جميع أوصافه ومن أجلها حكمته كانت عامة التعلق بكل مقدور كما أن علمه عام التعلق بكل معلوم ومشيئته عامة التعلق بكل موجود وسمعه وبصره عام التعلق بكل مسموع ومرئي فهذا من لوازم صفاته فلا بد أن تكون حكمته عامة(4\/1564)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1417",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4698",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التعلق بكل ما خلقه وقدره وأمر به ونهى عنه وهذا أمر ذاتي للصفة يمتنع تخلفه وانفكاكه عنها كما يمتنع تخلف الصفة نفسها وانفكاكها عنه وهذا وحده برهان كاف شاف في إبطال تلك الأسولة كلها وأنه يكفي في إبطالها إثبات عموم تعلق صفاته وذلك يستلزم إثبات الصفات وهي تستلزم إثبات الذات فإثبات ذات الرب تعالى كاف في بطلان الأسولة الإبليسية. نعم الجهمي المعطل وأصحابه يعجزون عن الجواب عنها على هذه الطريق وإن أجابوا عنها على غيرها لم يشفوا عليلا ولم يرووا غليلا إذ هي أجوبة مبنية على أصول باطلة والمبنية على الباطل لا تكون صحيحة من كل وجه وقد قدمنا مجامع طرق الناس في الأجوبة وبان أن الأصول الفاسدة خذلتهم عن الجواب الصحيح الشافي. الوجه الخامس عشر: إن الله سبحانه وتعالى فطر عباده حتى الحيوان البهيم على استحسان وضع الشيء في موضعه والإتيان به في وقته وحصوله على الوجه المطلوب منه وعلى استقباح ضد ذلك وخلافه وأن الأول دال على كمال فاعله وعلمه وقدرته وخبرته وضده دال على نقصه وعلى نقص علمه وقدرته وخبرته وهذه فطرة لا يمكنهم الخروج عن موجبها ومعلوم أن الذي فطرهم على ذلك وجعله فيهم أولى به منهم(4\/1565)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1418",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4699",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهو سبحانه يضع الأشياء في مواضعها التي لا يليق بها سواها ويخصها من الصفات والأشكال والهيئات والمقادير بما هو أعلم بها من غيره ويبرزها في أوقاتها وأزمنتها المناسبة لها التي لا يليق بها سواها ومن له نظر صحيح وفكر مستقيم وأعطى التأمل حقه شهد بذلك فيما رآه وعلمه واستدل بما شاهده على ما خفي عنه فإن الكل صنع الحكيم العليم ويكفي في هذا ما يعلمه من حكمة خلق الحيوان وأعضائه وصفاته وهيئاته ومنافعه واشتماله على الحكمة المطلوبة منه أتم اشتمال وقد ندب سبحانه عباده إلى ذلك فقال وفي أنفسكم أفلا تبصرون [الذاريات21] وقال أفلا ينظرون إلى الأبل كيف خلقت [الغاشية17] إلى آخرها وكذلك جميع ما يشاهد من مخلوقاته عاليها وسافلها وما بين ذلك إذا تأملها صحيح التأمل والنظر وجدها مؤسسة على غاية الحكمة مغشاة بالحكمة فقرأ سطور الحكمة على صفحاتها وينادي عليها هذا صنع(4\/1566)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1419",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4700",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العليم الحكيم وتقدير العزيز العليم فإن وجدت العقول أوفق من هذا فلتقترحه أو رأت أحسن منه فلتبده ولتوضحه ذلك صنع الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير [الملك4 , 3] ومن نظر في هذاالعالم وتأمل أمره حق التأمل علم قطعا أن خالقه أتقنه وأحكمه غاية الإتقان والإحكام فإنه إذا تأمله وجده كالبيت المبني المعد فيه جميع عتاده فالسماء مرفوعة كالسقف والأرض ممدودة كالبساط والنجوم منضودة كالمصابيح والمنافع مخزونة كالذخائر كل شيء منها لأمر يصلح له والإنسان كالمالك المخول فيه وضروب النبات مهيأة لمآربه وصنوف الحيوان مصرفة في مصالحه فمنها ما هو للدر والنسل والغذاء فقط ومنها ما هو للركوب والحمولة فقط ومنها ما هو للجمال والزينة ومنها ما يجمع ذلك كله كالإبل وجعل أجوافها خزائن لما هو شراب وغذاء ودواء وشفاء ففيها عبرة للناظرين وآيات للمتوسمين وفي الطير واختلاف أنواعها وأشكالها وألوانها ومقاديرها ومنافعها وأصواتها صافات وقابضات وغاديات ورائحات ومقيمات وظاعنات أعظم عبرة وأبين دلالة على حكمة الخلاق العليم وكل ما أوجده الناس وأولوه بالا بالأفكار الطويلة(4\/1567)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1420",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4701",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتجارب المتعددة من أصناف الآلات والمصانع وغيرها إذا فكر فيها المتفكر وجدها مشتقة من الخلقة مستنبطة من الصنع الإلهي مثال ذلك القبان مستنبطة من خلقة البعير كأنهم لما رأوه ينهض بحمله وينوء به يمد عنقه ويوازن حمله برأسه استنبطوا القبان من ذلك وجعلوا طول حديدته في مقابلة طول العنق ورمانة القبان في مقابلة رأس البعير فتم لهم ما استنبطوه وكذلك استنبطوا بناء الأقباء من ظهره فإنهم وجدوه يحمل ما لا يحمله غيره فتأملوا ظهره فإذا هو كالقبو فعلموا أن القبو يحمل ما لا يحمله السطح وكذلك ما استنبطه الحذاق لمن كل بصره أن يديم النظر إلى إجانة مملوءة خضر ماء استنباطا من حكمة الخلاق العليم في لون السماء فإن لونها أشد الألوان موافقة للبصر وتقويته فجعل أديمها بهذا اللون(4\/1568)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1421",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4702",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لتمسك الأبصار ولا تنكأ فيها بطول مباشرتها لها ومن هذا استنبط الأطباء لمن أصابه سوء في بصره إدمان النظر إلى الخضرة وإذا فكرت في طلوع الشمس وغروبها لإقامة دولتي الليل والنهار ولولا طلوعها لبطل أمر هذا العالم فكم في طلوعها من الحكم والمصالح وكيف كان حال الحيوان لو أمسكت عنهم وجعل الليل عليهم سرمدا والدنيا مظلمة عليهم فبأي نور كانوا يتصرفون وينقلبون وكيف كانت تنضج ثمارهم وتكمل أقواتهم وتعتدل صورهم وأبدانهم فالحكم في طلوعها أعظم من أن تخفى أو تحصى ولكن تأمل الحكمة في غروبها فلولا غروبها لم يكن للحيوان هدوء ولا قرار مع شدة حاجتهم إلى الهدوء لراحة أبدانهم وإجمام حواسهم وأيضا لو دامت على الأرض لاشتد حموها بدوام طلوعها عليها فأحرق كل ما عليها من حيوان ونبات فاقتضت حكمة الخلاق العليم والعزيز الحكيم أن جعلها تطلع عليهم في وقت وتغيب في وقت بمنزلة سراج يرفع لأهل الدار مليا ليقضوا مآربهم ثم يغيب عنهم مثل ذلك ليقروا ويهدوا وصار ضياء النهار وحرارته وظلام الليل وبرده على تضادهما وما فيهما متظاهرين متعاونين على(4\/1569)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1422",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4703",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما فيه صلاح العالم وقوامه ومنافع أهله ثم اقتضت حكمته أن جعل للشمس ارتفاعا وانحطاطا لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة وما فيها من قيام الحيوان والنبات ففي زمن الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد فيها مواد اثمار ويغلظ الهواء بسبب البرد فتصير مادة للسحاب فيرسل العزيز الحكيم الريح المثيرة فيثيره فزعا ثم يرسل عليه الريح المؤلفة فتؤلف بينه حتى يصير طبقا واحدا ثم يرسل عليه الريح اللاقحة التي فيها مادة الماء فيلقحه كما يلقح الذكر الأنثى فيحمل الماء من وقته فإذا كان بروز الحمل وانفصاله أرسل عليه الريح الذارية فتذروه وتفرقه في الهواء لئلا يقع صبة واحدة فيهلك ما أصابه ويقل الانتفاع به فإذا سقى ما أمر بسقيه وفرغت حاجتهم منها أرسل عليه الرياح السائقة فتسوقه وتزيحه إلى قوم آخرين وأرض أخرى محتاجة إليه فإذا جاء الربيع تحركت الطبائع وظهرت المواد الكامنة في الشتاء فخرج النبات وأخذت الأرض زخرفها وازينت وأنبتت من كل زوج بهيج فإذا جاء الصيف سخن الهواء فنضجت الثمار ويبست الحبوب فصلحت للحفظ والخزن وتحللت فضلات الأبدان فإذا جاء الخريف كسر ذلك السموم والحرور وصفا الهواء واعتدل وأخذت الأرض والشجر في الراحة والجموم والاستعداد للحمل الآخر واقتضت حكمته سبحانه أن أنزل الشمس والقمر في(4\/1570)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1423",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4704",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البروج وقدر لهما المنازل ليعلم العباد عدد السنين والحساب من الشهور والأعوام قسم بذلك مصالحهم ويعلم آجال معاملاتهم ومواقيت حجهم وعباداتهم ومدد أعمارهم وغير ذلك من مصالح حسابهم فالزمان مقدار الحركة ألا ترى أن السنة الشمسية مقدار مسير الشمس من الحمل إلى الحمل واليوم مقدار مسيرها من الشرق إلى الغرب وبحركة الشمس والقمر كان الزمان من حين خلقا إلى أن يجمع الله بينهما ويعزلهما عن سلطانهما ويرى عابديهما أنهم عبدوا الباطل من دونه وأن سلطان معبودهم قد بطل واضمحل وأن سلطان الحق والملك الحق لله الواحد القهار قال تعالى هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون [يونس5] وقال تعالى وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا [الإسراء12] ففي القمر وتقدير منازله آيات وحكم لا تخفى على الناظرين واقتضت حكمته سبحانه في تدبيره أن فاوت(4\/1571)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1424",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4705",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بين مقادير الليل والنهار فلم يجعلهما دائما على حد سواء ولا أطول مما هما عليه ولا أقصر بل جاء استواؤهما وأخذ أحدهما من الآخر على وفق الحكمة حتى إن المكان الذي يقصر أحدهما فيه جدا لا يكون فيه حيوان ونبات كالمكان الذي لا تطلع عليه الشمس ولا تغرب عنه فلو كان النهار مقدار مائة ساعة أو أكثر أو كان الليل كذلك لتعطلت المصالح التي نظمها الله بهذا المقدار من الليل والنهار ثم تأمل الحكمة في إنارة القمر والكواكب في ظلمة الليل فإنه مع الحاجة إلى الظلمة لهدوء الحيوان وبرد الهواء لم تقتض المصلحة أن يكون الليل ظلمة واحدة داجية لا ضياء فيها فلا يمكن فيه شيء من العمل وربما احتاج الناس إلى العمل بالليل لضيق الوقت عليهم في النهار ولإفراط الحر فيه فاحتاجوا إلى العمل في الليل في نور القمر من حرث الأرض وقطع الزرع وغير ذلك فجعل ضوء القمر في الليل معونة للناس على هذه الأعمال وجعل في الكواكب جزءا يسيرا من النور لتسد مسد القمر إذا لم يكن وجعلت زينة السماء ومعالم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر ودلالات واضحات على الخلاق العليم وغير ذلك من الحكم التي بها انتظام هذا العالم وجعلت الشمس على حالة واحدة لا تقبل الزيادة والنقصان لئلا تتعطل(4\/1572)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1425",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4706",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحكمة المقصودة منها وجعل القمر على حالة تقبل الزيادة والنقصان لئلا تتعطل الحكمة المقصودة من جعله كذلك وكان في نوره من التبريد والتصليب ما يقابل ما في ضوء الشمس من التسخين والتحليل فتنتظم المصلحة وتتم الحكمة من هذا التسخين والتبريد وتأمل اللفظ والحكمة الإلهية في جعل الكواكب السيارة ومنازلها تظهر في بعض السنين وتحتجب في بعضها لأنها لو ظهرت دائما أو احتجبت دائما لذابت الحكمة المطلوبة منها وكما اقتضت الحكمة أن يظهر بعضها ويحتجب بعضها فلا تظهر كلها دفعة واحدة ولا تحتجب دفعة واحدة بل ينوب ظاهرها عن خفيها في الدلالة وجعل بعضها ظاهرا لا يحتجب أصلا بمنزلة الأعلام المنصوبة التي يهتدي بها الناس في الطرق المجهولة في البر والبحر فهم ينظرون إليها متى أرادوا ويهتدون بها حيث شاءوا فجاء الأمران على وفق الحكمة ثم تأمل حال النجوم واختلاف مسيرها ففرقة منها لا تريم مراكزها من الفلك ولا تسير إلا مجتمعة كالجيش الواحد وفرقة منها مطلقة تنتقل في البروج وتفترق في مسيرها فكل واحد منها يسير سيرين مختلفين أحدهما عام مع الفلك نحو الغرب والآخر خاص لنفسه نحو الشرق فله حركتان مختلفتان على وفق الحكمة وذلك من أعظم الدلالة على(4\/1573)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1426",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4707",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفاعل المختار العليم الحكيم وعلى كمال علمه وقدرته وحكمته وتأمل كيف صار هذا الفلك بشمسه وقمره ونجومه وبروجه يدور على هذا العالم هذا الدوران العظيم السريع المستمر بتقدير محكم لا يزيد ولا ينقص ولا يختل عن نظامه بل هو تقدير العزيز العليم كما أشار تعالى إلى أن ذلك التقدير صادر عن كمال عزته وعلمه فقال تعالى والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم [يس38] وقال تعالى قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين إلى قوله فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم [فصلت12-9] وقال تعالى فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم [الأنعام96] .(4\/1574)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1427",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4708",
        "book_id": "qym_4099",
        "book_name": " الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فذكر سبحانه أن هذا التقدير لمسير الشمس والقمر والليل والنهار وحركات النجوم في مطالعها ومغاربها تقدير ناشئ عن عزته وعلمه وذلك متضمن وقوعه على وجه الحكمة الغائية ولتسخير الشمس والقمر والكواكب وتذليلها لعزته وجار على وفق حكمته فجاءت على وفق ما قدرها له فهل يخفى على ذي لب أن ذلك تقدير مقدر قادر عزيز حكيم وحسبنا الله ونعم الوكيل(4\/1575)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1428",
        "book_number": "11",
        "slug": " -qym_4099"
    },
    {
        "id": "4709",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "[مقدمة المحقق]",
        "content": "[مقدمة المحقق] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي فتح أبواب الخير بما فتح على العالمين من أبواب السنة وهدى الناس إلى الصراط المستقيم بكلام نبيه محمد سيد الأولين والآخرين. اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وعلى من سار على هديه وأخذ نفسه بسنته والتزم طريقته وعلى أصحابه الأجلة ومن تبعهم بإحسان أما بعد فهذه تعليقات مختصرة تتعلق بتخريج أحاديث شريفة استشهد بها شمس الدين محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي الدمشقي ابن قيم الجوزية في كتابه الطب النبوي الذي لا تخفى قيمته ولا يخفت نوره ولا تبيده فوائده. والمؤلف يعرفه القاصي والداني ولا تغيب شمسه عن كل من أخذ قلما وطرسا. ولد رحمه الله بدمشق سنة إحدى وتسعين وستمائة (691 هـ) ونشأ على العلم والفهم والصلاح والتقوى والجد والدأب والبحث. وكتابه الطب النبوي جزء من كتابه زاد المعاد بهدى خير العباد غير أن الطب النبوي فيه ذو قيمة مستقلة وبحوث قيمة في علم مستقل يتخصص الباحثون فيه اليوم بل يتخصصون في كل جزء من أجزائه ففي طب القلب مختصون وفي جهاز الهضم مختصون وهكذا. فرأى الكثير من الباحثين إفراد هذا الجزء المتعلق بالطب عن بقية أجزاء الكتاب وأن يطبع مستقلا فكان في ذلك النفع العظيم والفوائد الجمة فطبع طبعات مختلفة كثيرة وكلها راجت وفقدت مما يدل على أن المسلمين يحبون الاستشفاء بشفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحبون أن يقرؤا وأن يطلبوا على هذا النموذج العظيم سواء تعلقه بطب علاجي حسي أو تعلقه بطب معنوي من آيات أو أحاديث أو تعوذات أو تعويذات أو أدعية.(1\/3)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4710",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والشيخ رحمه الله حجة في كل ما ينقل وما أخذ إلا ويرى للشيخ الفضل عليه ولكن تخريج الأحاديث شيء درج عليه وفيه النفع الكثير وبه تطمئن القلوب لصحة الحديث إذا كان صحيحا ويعرف من هو الذي خرجه ورواه والمؤلف رحمه الله أراد أن يبين في كتابه هذا أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم شفاء لما في الصدور بهذا الإيمان فهذا الإسلام وهذه السنة هو شفاء لهذه الجسوم أيضا بما أوتي من معرفة طبية وأن الله سبحانه قد علمه الطبين الروحي والجسمي فكان هداية من كل نواحي الهداية وكان رحمة للعالمين من وجه وإن كان إنما بعث للشفاء الروحي بهذا القرآن العظيم وهذه السنة المطهرة. توفي رحمه الله سنة إحدى وخمسين وسبعمائة (751 هـ) عن عمر بلغ ستين سنة ولكنه عاش وما زال يعيش طيلة الدهر بهذه المؤلفات التي نشر الله له فيها ذكرا ونرجوا أن يضاعف له فيها أجرا. دمشق في 1\/ 2\/ 1983 محمد كريم راجح عفا الله عنه(1\/4)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4711",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطب النبوي  فصول نافعة في هديه صلى الله عليه وسلم في الطب الذي تطبب به ووصفه لغيره. ونبين ما فيه من الحكمة التي تعجز عقول أكثر الأطباء عن الوصول إليها وأن نسبة طبهم إليها كنسبة طب العجائز إلى طبهم فنقول وبالله المستعان ومنه نستمد الحول والقوة: المرض: نوعان مرض القلوب ومرض الأبدان وهما مذكوران في القرآن. ومرض القلوب: نوعان: مرض شبهة وشك ومرض شهوة وغي وكلاهما في القرآن. قال تعالى في مرض الشبهة: في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا 1 . وقال تعالى: وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا 2 وقال تعالى في حق من دعي إلى تحكيم القرآن والسنة فأبى وأعرض: وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون 3  فهذا مرض الشبهات والشكوك.  (1) البقرة- 10- والمعنى أن قلوبهم ضعيفة بما فيها من الشك والنفاق فزادها الله ضعيفة بما انزل من القرآن. قال تعالى وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا. (2) المدثر- 31- والمعنى أنا جعلنا الموكلين على النار ملائكة وجعلنا عدتهم تسعة عشر ليستيقن الذين اوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولكي لا تقع الريبة في قلوب الذين أوتوا الكتاب وفي قلوب المؤمنين وليقول الكفرة والمنافقون من ذوي أمراض القلوب معترضين: ماذا أراد الله بهذا مثلا وسموه مثلا لغرابته. (3) النور- 48- 49- 50 والمعنى وإذا دعي المنافقون مرض القلوب إلى كتاب ليحكم هم رسول الله بما فيه من الاحكام بدا ما يخفون في قلوبهم من كذب وشك وظهر ذلك على وجوههم وألسنتهم فإذا هم يعرضون عن الحكم لكتاب الله وعن المجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أنهم يعلمون أن الحكم في الاسلام(1\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4712",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "فصل",
        "content": "وأما مرض الشهوات فقال تعالى يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض 1 . فهذا مرض شهوة الزنى والله أعلم.  فصل وأما مرض الأبدان فقال تعالى ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج 2 . وذكر مرض البدن في الحج والصوم والوضوء لسر بديع يبين لك عظمة القرآن والاستغناء به لمن فهمه وعقله عن سواه وذلك أن قواعد طب الأبدان ثلاثة حفظ الصحة والحمية عن المؤذي واستفراغ المواد الفاسدة فذكر سبحانه هذه الأصول الثلاثة في هذه المواضع الثلاثة. فقال في آية الصوم: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر 3  فأباح الفطر للمريض لعذر المرض وللمسافر طلبا لحفظ صحته وقوته لئلا يذهبها الصوم في السفر لاجتماع شدة الحركة وما يوجبه من التحليل وعدم الغذاء الذي يخلف ما تحلل فتخور القوة وتضعف فأباح للمسافر الفطر حفظا لصحته وقوته عما يضعفها وقال في آية الحج فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من  لا رشوة فيه ولا تدجيل وأنه يتبع الحق لذلك إذا كانوا مبطلين أعرضوا عن كتاب الله وإذا كانوا ذوي حق رضوا بالتحاكم إليه لأنهم يعرفون حق المعرفة أنه سينصفهم لأنه لا معدل فيه عن الحق. فهل في قلوبهم مرض أم هم مرتابون في الحكم أم يخافون ألاينصفهم القرآن لا إنهم يعرفون الحقيقة ولكنهم هم الظالمون. (1) الأحزاب- 32- هذا نداء لنساء النبي صلى الله عليه وسلم لما شرفهن الله سبحانه بأنهن أمهات المؤمنين وبأنهن قدوة النساء الآخريات ولسن كبقية النساء فعليهن أن يكن في غاية التقوى والصلاح وحسن الأسوة والقدوة فمن التقوى ألايلن في الأقوال إذا اضطررن أن يخاطبن الرجال الأجانب بل عليهن أن يكون كلامهن من غير خضوع ولا لين فذلك أقرب إلى مركزهن ويتناسب مع قيمتهن وحتى لا يطمع الرجال الذين في قلوبهم أغراض سافلة غير رفيعة. (2) النور- 61- الفتح- 17- هؤلاء ذو والعلل معذورون في ترك الجهاد فليس عليهم إثم إذا حضر الجهاد أن لا يجاهدوا. (3) البقرة- 184.(1\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4713",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صيام أو صدقة أو نسك 1  فأباح للمريض ومن به أذى من رأسه من قمل أو غيرهما أن يحلق رأسه في الإحرام استفراغا لمادة الأبخرة الرديئة التي أوجبت له الأذى في رأسه باحتقانها تحت الشعر فإذا حلق رأسه تفتحت المسام فخرجت تلك الأبخرة منها فهذا الاستفراغ يقاس عليه كل استفراغ يؤذي انحباسه والأشياء التي يؤذي انحباسها ومدافعتها عشرة: الدم إذا هاج والمني إذا تبيغ والبول والغائط والريح والقيء والعطاس والنوم والجوع والعطش. وكل واحد من هذه العشرة يوجب حبسه داء من الأدواء بحسبه. وقد نبه سبحانه باستفراغ أدناها وهو البخار المحتقن في الرأس على استفراغ ما هو أصعب منه كما هي طريقة القرآن التنبيه بالأدنى على الأعلى. وأما الحمية: فقال تعالى في آية الوضوء: وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا 2  فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التراب حمية له أن يصيب جسده ما يؤذيه وهذا تنبيه على الحمية عن كل مؤذ له من داخل أو خارج فقد أرشد- سبحانه عباده إلى أصول الطب ومجامع قواعده ونحن نذكر هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ونبين أن هديه فيه أكمل هدي. فأما طب القلوب فمسلم إلى الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ولا سبيل إلى حصوله إلا من جهتهم وعلى أيديهم فإن صلاح القلوب أن تكون عارفة بربها وفاطرها وبأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه وأن تكون مؤثرة لمرضاته ومحابه متجنبة لمناهيه ومساخطه ولا صحة لها ولا حياة البتة إلا بذلك ولا سبيل إلى تلقيه إلا من جهة الرسل وما يظن من حصول صحة القلب بدون اتباعهم فغلط ممن يظن ذلك وإنما ذلك حياة نفسه البهيمية الشهوانية وصحتها وقوتها وحياة قلبه وصحته وقوته عن ذلك بمعزل ومن لم يميز بين هذا وهذا فليبك على حياة قلبه فإنه من الأموات وعلى نوره فإنه منغمس في بحار الظلمات.  (1) البقرة- 196 (2) النساء- 43- المائدة- 6- والمعنى أنه ليس عليكم حرج إذا كنتم محدثين وأردتم القيام للصلاة أن تتطهروا بالماء ويعفى من ذلك المرضى مرضا يضر معه الماء والمسافرون الذين لا يجدون الماء بعد طلبه فإنه يكفيهم أن يتيمموا بالتراب فيمسحوا بوجوهم وأيديهم.(1\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4714",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وأما طب الأبدان: فإنه نوعان: نوع قد فطر الله عليه الحيوان ناطقه وبهيمه فهذا لا يحتاج فيه إلى معالجة طبيب كطب الجوع والعطش والبرد والتعب بأضدادها وما يزيلها. والثاني: ما يحتاج إلى فكر وتأمل كدفع الأمراض المتشابهة الحادثة في المزاج بحيث يخرج بها عن الاعتدال إما إلى حرارة أو برودة أو يبوسة أو رطوبة أو ما يتركب من اثنين منها وهي نوعان: إما مادية وإما كيفية أعني إما أن يكون بانصباب مادة أو بحدوث كيفية والفرق بينهما أن أمراض الكيفية تكون بعد زوال المواد التي أوجبتها فتزول موادها ويبقى أثرها كيفية في المزاج. وأمراض المادة أسبابها معها تمدها وإذا كان سبب المرض معه فالنظر في السبب ينبغي أن يقع أولا ثم في المرض ثانيا ثم في الدواء ثالثا. أو الأمراض الآلية وهي التي تخرج العضو عن هيئته إما في شكل أو تجويف أو مجرى أو خشونة أو ملاسة أو عدد أو عظم أو وضع فإن هذه الأعضاء إذا تألفت وكان منها البدن سمي تألفها اتصالا والخروج عن الاعتدال فيه يسمى تفرق الاتصال أو الأمراض العامة التي تعم المتشابهة رالآلية. والأمراض المتشابهة: هي التي يخرج بها المزاج عن الاعتدال وهذا الخروج يسمى مرضا بعد أن يضر بالفعل إضرارا محسوسا. وهي على ثمانية أضرب: أربعة بسيطة وأربعة مركبة فالبسيطة: البارد والحار والرطب واليابس والمركبة الحار الرطب والحار اليابس والبارد الرطب والبارد اليابس وهي إما أن تكون بانصباب مادة أو بغير انصباب مادة وإن لم يضر المرض بالفعل يسمى خروجا عن الاعتدال صحة. وللبدن ثلاثة أحوال: حال طبيعية وحار خارجة عن الطبيعية وحال متوسطة بين الأمرين فالأولى: بها يكون البدن صحيحا والثانية: بها يكون مريضا والحال الثالثة هي متوسطة بين الحالتين فإن الضد لا ينتقل إلى ضده إلا بمتوسط وسبب خروج البدن عن طبيعته إما من داخله لأنه مركب من الحار(1\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4715",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "فصل",
        "content": "والبارد والرطب واليابس وإما من خارج فلأن ما يلقاه قد يكون موافقا وقد يكون غير موافق والضرر الذي يلحق الإنسان قد يكون من سوء المزاج بخروجه عن الاعتدال وقد يكون من فساد في العضو وقد يكون من ضعف في القوى أو الأرواح الحاملة لها ويرجع ذلك إلى زيادة ما الاعتدال في عدم زيادته أو نقصان ما الاعتدال في عدم نقصانه أو تفرق ما الاعتدال في اتصاله أو اتصال ما الاعتدال في تفرقه او امتاد ما الاعتدال في انقباضه أو خروج ذي وضع وشكل عن وضعه وشكله بحيث يخرجه عن اعتداله. فالطبيب: هو الذي يفرق ما يضر بالإنسان جمعه أو يجمع فيه ما يضره تفرقه وينقص منه ما يضره زيادته أو يزيد فيه ما يضره نقصه فيجلب الصحة المفقودة أو يحفظها بالشكل والشبه ويدفع العلة الموجودة بالضد والنقيض ويخرجها أو يدفعها بما يمنع من حصولها بالحمية وسترى هذا كله في هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم شافيا كافيا بحول الله وقوته وفضله ومعونته.  فصل فكان من هديه صلى الله عليه وسلم فعل التداوي في نفسه والأمر به لمن أصابه مرض من أهله وأصحابه ولكن لم يكن من هديه ولا هدي أصحابه استعمال هذه الأدوية المركبة التي تسمى أقرباذين بل كان غالب أدويتهم بالمفردات وربما أضافوا إلى المفرد ما يعاونه أو يكسر سورته وهذا غالب طب الأمم على اختلاف أجناسها من العرب والترك وأهل البوادي قاطبة وإنما عني بالمركبات الروم واليونانيون وأكثر طب الهند بالمفردات. وقد اتفق الأطباء على أنه متى أمكن التداوي بالغذاء لا يعدل عنه إلى الدواء ومتى أمكن بالبسيط لا يعدل عنه إلى المركب. قالوا وكل داء قدر على دفعه بالأغذية والحمية لم يحاول دفعه بالأدوية. قالوا ولا ينبغي للطبيب أن يولع بسقي الأدوية فإن الدواء إذا لم يجد في البدن داء يحلله أو وجد داء لا يوافقه أو وجد ما يوافقه فزادت كميته عليه أو كيفيته(1\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4716",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نشبت بالصحة وعبث بها. وأرباب التجارب من الأطباء طبهم بالمفردات غالبا وهم أحد فرق الطب الثلاث. والتحقيق في ذلك أن الأدوية من جنس الأغذية فالأمة والطائفة التي غالب أغذيتها المفردات أمراضها قليلة جدا وطبها بالمفردات وأهل المدن الذين غلبت عليهم الأغذية المركبة يحتاجون إلى الأدوية المركبة وسبب ذلك أن أمراضهم في الغالب مركبة فالأدوية المركبة أنفع لها وأمراض أهل البوادي والصحاري مفردة فيكفي في مداواتها الأدوية المفردة فهذا برهان بحسب الصناعة الطبية. ونحن نقول: إن ها هنا أمرا آخر نسبة طب الأطباء إليه كنسبة طب الطرقية والعجائز إلى طبهم وقد اعترف به حذاقهم وأئمتهم فإن ما عندهم من العلم بالطب منهم من يقول: هو قياس ومنهم من يقول هو تجربة. ومنهم من يقول هو إلهامات ومنامات وحدس صائب. ومنهم من يقول: أخذ كثير منه من الحيوانات البهيمية كما نشاهد السنانير إذا أكلت ذوات السموم تعمد إلى السراج فتلغ في الزيت تتداوى به وكما رؤيت الحيات إذا خرجت من بطون الأرض وقد عشيت أبصارها تأتي إلى ورق الرازيانج فتمر عيونها عليها. وكما عهد من الطير الذي يحتقن بماء البحر عند انحباس طبعه وأمثال ذلك مما ذكر في مبادىء الطب. وأين يقع هذا وأمثاله من الوحي الذي يوحيه الله إلى رسوله بما ينفعه ويضره فنسبة ما عندهم من الطب إلى هذا الوحي كنسبة ما عندهم من العلوم إلى ما جاءت به الأنبياء بل ها هنا من الأدوية التي تشفي من الأمراض ما لم يتهد إليها عقول أكابر الأطباء ولم تصل إليها علومهم وتجاربهم و ن الأدوية القلبية والروحانية وقوة القلب واعتماده على الله والتوكل عليه والالتجاء إليه والانطراح والانكسار بين يديه والتذلل له والصدقئة والدعاء والتوبة والاستغفار والإحسان إلى الخلق وإغاثة الملهوف والتفريج عن المكروب فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها فوجودا لها من التأثير في الشفاء ما لا يصل إليه علم أعلم الأطباء ولا تجربته ولا قياسه. وقد جربنا نحن وغيرنا من هذا أمورا كثيرة ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية(1\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4717",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحسية بل تصير الأدوية الحسية عندها بمنزلة أدوية الطرقية عند الأطباء وهذا جار على قانون الحكمة الإلهية ليس خارجا عنها ولكن الأسباب متنوعة فإن القلب متى اتصل برب العالمين وخالق الداء والدواء ومدبر الطبيعة ومصرفها على ما يشاء كانت له أدوية أخرى غير الأدوية التي يعانيها القلب البعيد منه المعرض عنه وقد علم أن الأرواح متى قويت وقويت النفس والطبيعة تعاونا على دفع الداء وقهره فكيف ينكر لمن قويت طبيعته ونفسه وفرحت بقربها من بارئها وأنسهابه وحبها له وتنعمها بذكره وانصراف قواها كلها إليه وجمعها عليه واستعانتها به وتوكلها عليه أن يكون ذلك لها من أكبر الأدوية وأن توجب لها هذه القوة دفع الألم بالكلية ولا ينكر هذا إلا أجهل الناس وأغلظهم حجابا وأكثفهم نفسا وأبعدهم عن الله وعن حقيقة الإنسانية وسنذكر إن شاء الله السبب الذي به أزالت قراءة الفاتحة داء اللدغة عن اللديغ التي رقي بها فقام حتى كأن ما به قلبة 1 . فهذان نوعان من الطب النبوي نحن بحول الله نتكلم عليهما بحسب الجهد والطاقة ومبلغ علومنا القاصرة ومعارفنا المتلاشية جدا وبضاعتنا المزجاة 2  ولكنا نستوهب من بيده الخير كله ونستمد من فضله فإنه العزيز الوهاب.  فصل روى مسلم في صحيحه : من حديث أبي الزبير عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل 3 . وفي الصحيحين عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء 4 .  (1) قلبة (بزنة سبلة) الداء أو الألم الذي يتقلب منه صاحبه (2) بضاعة مزجاة: قليلة أو لم يتم إصلاحها (3) أخرجه مسلم في كتاب الطب عن جابر والإمام أحمد ولم يخرجه البخاري واستدركه الحاكم فوهم (4) أخرجه ابن ماجه. والبخاري في الطب. ورواه مسلم بلفظ ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء فإذا أصيب دواء الداء برىء بإذن الله(1\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4718",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي مسند الإمام أحمد : من حديث زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت الأعراب فقالوا: يا رسول الله! أنتداوى فقال: نعم يا عباد الله تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد  قالوا ما هو قال: الهرم 1 وفي لفظ: إن الله لم ينزل داء إلا أنزل شفاء علمه من علمه وجهله من جهله 2 وفي المسند : من حديث ابن مسعود يرفعه: إن الله عز وجل لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله . وفي المسند و السنن 3 عن أبي خزامة قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا فقال هي من قدر الله 4 . فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات. وإبطال قول من أنكرها ويجوز أن يكون قوله: لكل داء دواء  على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة والأدواء التي لا يمكن لطبيب أن يبرئها ويكون الله عز وجل قد جعل لها أدوية تبرئها ولكن طوى علمها عن البشر ولم يجعل لهم إليه سبيلا لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم الله ولهذا علق النبي صلى الله عليه وسلم الشفاء على مصادفة الدواء للداء  (1) أخرجه أبو داود والترمذي والإمام أحمد وابن ماجه كلهم في كتاب الطب وأخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم من حديث زياد بن علاقة وقال الترمذي حس صحيح والحاكم صحيح. ومعنى الحديث: أي تداووا ولا تعتمدوا في الشفاء على التداوي بل كونوا عباد الله متوكلين عليه. ومن تداوى عليه أن يعتقد حقا ويؤمن يقينا بأن الدواء لا يحدث شفاء ولا يولده كما أن الداء لا يحدث سقما ولا يولده ولكن المولى جلت قدرته يخلق الموجودات واحدا عقب آخر على ترتيب هو أعلم بحكمته و داء الهرم أي الكبر جعل داء تشبيها به لأن الموت يعقبه كالداء (2) رواه الحاكم. ونحوه للنسائي وابن ماجه وصحيحه ابن حبان (3) هي سنن الترمذي (4) أخرجه ابن ماجه والحاكم في صحيحه والترمذي وقال: حسن صحيح(1\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4719",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنه لا شيء من المخلوقات إلا له ضد وكل داء له ضد من الدواء يعالج بضده فعلق النبي صلى الله عليه وسلم البرء بموافقة الداء للدواء وهذا قدر زائد على مجرد وجوده فإن الدواء متى جاوز درجة الداء في الكيفية أو زاد في الكمية على ما ينبغي نقله إلى داء آخر ومتى قصر عنها لم يف بمقاومته وكان العلاج قاصرا ومتى لم يقع المداوي على الدواء أو لم يقع الدواء على الداء لم يحصل الشفاء ومتى لم يكن الزمان صالحا لذلك الدواء لم ينفع ومتى كان البدن غير قابل له أو القوة عاجزة عن حمله أو ثم مانع يمنع من تأثيره لم يحصل البرء لعدم المصادفة ومتى تمت المصادفة حصل البرء بإذن الله ولابد وهذا أحسن المحملين في الحديث. والثاني: أن يكون من العام المراد به الخاص لا سيما والداخل في اللفظ أضعاف أضعاف الخارج منه وهذا يستعمل في كل لسان ويكون المراد أن الله لم يضع داء يقبل الدواء إلا وضع له دواء فلا يدخل في هذا الأدواء التي لا تقبل الدواء وهذا كقوله تعالى في الريح التي سلطها على قوم عاد تدمر كل شيء بأمر ربها 1 أي كل شيء يقبل التدمير ومن شأن الريح أن تدمره ونظائره كثيرة. ومن تأمل خلق الأضداد في هذا العالم ومقاومة بعضها لبعض ودفع بعضها ببعض وتسليط بعضها على بعض تبين له كمال قدرة الرب تعالى وحكمته وإتقانه ما صنعه وتفرده بالربوبية والوحدانية والقهر وأن كل ما سواه فله ما يضاده ويمانعه كما أنه الغني بذاته وكل ما سواه محتاج بذاته. وفي الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي وأنه لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرا وشرعا وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل كما يقدح في الأمر والحكمة ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل فإن تركها عجزا ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد  (1) الأحقاف- 25- وهي الريح العاصفة التي دمر الله بها عادا قوم هود وكان ذلك بإرادة الله سبحانه فأهلكتهم رجالا ونساء وصغارا وكبارا وأهلكت أموالهم. وبقي هود ومن آمن معه.(1\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4720",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه ودفع ما يضره في دينه ودنياه ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب وإلا كان معطلا للحكمة والشرع فلا يجعل العبد عجزه توكلا ولا توكله عجزا. وفيها رد على من أنكر التداوي وقال: إن كان الشفاء قد قدر فالتداوي لا يفيد وإن لم يكن قد قدر فكذلك وأيضا فإن المرض حصل بقدر الله وقدر الله لا يدفع ولا يرد وهذا السؤال هو الذي أورده الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما أفاضل الصحابة فأعلم بالله وحكمته وصفاته من أن يوردوا مثل هذا وقد أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بما شفى وكفى فقال: هذه الأدوية والرقى والتقى هي من قدر الله فما خرج شيء عن قدره بل يرد قدره بقدره وهذا الرد من قدره فلا سبيل إلى الخروج عن قدره بوجه ما وهذا كرد قدر الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها وكرد قدر العدو بالجهاد وكل من قدر الله الدافع والمدفوع والدفع. ويقال لمورد هذا السؤال هذا يوجب عليك ألاتباشر سببا من الأسباب التي تجلب بها منفعة أو تدفع بها مضرة لأن المنفعة والمضرة إن قدرتا لم يكن بد من وقوعهما وإن لم تقدرا لم يكن سبيل إلى وقوعهما وفي ذلك خراب الدين والدنيا وفساد العالم وهذا لا يقوله إلا دافع للحق معاند له فيذكر القدر ليدفع حجة المحق عليه كالمشركين الذين قالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا 1  ولو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا 2 . فهذا قالوه دفعا لحجة الله عليهم بالرسل. وجواب هذا السائل أن يقال: بقي قسم ثالث لم تذكره وهو أن الله قدر كذا وكذا بهذا السبب. فإن أتيت بالسبب حصل المسبب وإلا فلا. فإن قال: إن كان قدر لي السبب فعلته وإن لم يقدره لي لم أتمكن من فعله.  (1) الانعام- 148- والمعنى أن المشركين يريدون أن يقولوا: إن الله راض بإشراكنا وتحريمنا للبحيرة والسائبة وغيرهما. ورد الله عليهم بقوله قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا (2) النحل- 35- والمعنى أن قائل هذا القول أهل مكة وأحزابهم في الشرك فرد عليهم بأنهم يتبعون الذين كانوا من قبلهم فهم مقلدون لاحظ لهم من النظر كذلك قال الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين(1\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4721",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل: فهل تقبل هذا الاحتجاج من عبدك وولدك وأجيرك إذا احتج به عليك فيما أمرته به ونهيته عنه فخالفك فإن قبلته فلا تلم من عصاك وأخذ مالك وقذف عرضك وضيع حقوقك. وإن لم تقبله فكيف يكون مقبولا منك في دفع حقوق الله عليك. وقد روي في أثر إسرائيلي: أن إبراهيم الخليل قال يا رب ممن الداء قال: مني . قال: فممن الدواء  قال: مني . قال: فما بال الطبيب قال: رجل أرسل الدواء على يديه . وفي قوله صلى الله عليه وسلم لكل داء دواء  تقوية لنفس المريض والطبيب وحث على طلب ذلك الدواء والتفتيش عليه فإن المريض إذا استشعرت نفسه أن لدائه دواء يزيله تعلق قلبه بروح الرجاء وبردت عنده حرارة اليأس وانفتح له باب الرجاء متى قويت نفسه انبعثت حرارته الغريزية وكان ذلك سببا لقوة الأرواح الحيوانية والنفسانية والطبيعية ومتى قويت هذه الأرواح قويت القوى التي هي حاملة لها فقهرت المرض ودفعته. وكذلك الطبيب إذا علم أن لهذا الداء دواء أمكنه طلبه والتفتيش عليه. وأمراض الأبدان على وزان أمراض القلوب وما جعل الله للقلب مرضا إلا جعل له شفاء بضده فإن علمه صاحب الداء واستعمله وصادف داء قلبه أبرأه بإذن الله تعالى. فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الاحتماء من التخم  والزيادة في الأكل على قدر الحاجة والقانون الذي ينبغي مراعاته في الأكل والشرب. في المسند وغيره: عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا بد فاعلا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه 1 .  (1) أخرجه الإمام أحمد والنسائي في كتاب الزهد وابن ماجه في الأطعمة والحاكم في الأطعمة عن المقدام بن معد يكرب. قال الحاكم هو صحيح. وقال ابن حجر في فتح الباري: حديث حسن.(1\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4722",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأمراض نوعان: أمراض مادية تكون عن زيادة مادة أفرطت في البدن حتى أضرت بأفعاله الطبيعية وهي الأمراض الأكثرية وسببها إدخال الطعام على البدن قبل هضم الأول والزيادة في القدر الذي يحتاج إليه البدن وتناول الأغذية القليلة النفع البطيئة الهضم والإكثار من الأغذية المختلفة التراكيب المتنوعة فإذا ملأ الآدمي بطنه من هذه الأغذية واعتاد ذلك أورثته أمراضا متنوعة منها بطيء الزوال وسريعه فإذا توسط في الغذاء وتناول منه قدر الحاجة وكان معتدلا في كميته وكيفيته كان انتفاع البدن به أكثر من انتفاعه بالغذاء الكثير. ومراتب الغذاء ثلاثة: أحدها: مرتبة الحاجة. والثانية: مرتبة الكفاية. والثالثة: مرتبة الفضلة. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم: أنه يكفيه لقيمات يقمن صلبه فلا تسقط قوته ولا تضعف معها فإن تجاوزها فليأكل في ثلث بطنه ويدع الثلث الآخر للماء والثالث للنفس وهذا من أنفع ما للبدن والقلب فإن البطن إذا امتلأ من الطعام ضاق عن الشراب فإذا ورد عليه الشراب ضاق عن النفس وعرض له الكرب والتعب بحمله بمنزلة حامل الحمل الثقيل هذا إلى ما يلزم ذلك من فساد القلب وكسل الجوارح عن الئاعات وتحركها في الشهوات التي يستلزمها الشبع. فامتلاء البطن من الطعام مضر للقلب والبدن. هذا إذا كان دائما أو أكثريا. وأما إذا كان في الأحيان فلا بأس به فقد شرب أبو هريرة بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم من اللبن حتى قال: والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكا 1 وأكل الصحابة بحضرته مرارا حتى شبعوا. والشبع المفرط يضعف القوى والبدن وإن أخصبه وإنما يقوى البدن بحسب ما يقبل من الغذاء لا بحسب كثرته. ولما كان في الإنسان جزء أرضي وجزء هوائي وجزء مائي قسم النبي صلى الله عليه وسلم طعامه وشرابه ونفسه على الأجزاء الثلاثة. فإن قيل فأين حظ الجزء الناري. قيل: هذه مسألة تكلم فيها الأطباء وقالوا: إن في البدن جزء ناريا بالفعل وهو أحد أركانه وأسطقساته 2 .  (1) أخرجه البخاري في الرقاق: باب كيف كان عيش النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتخليهم عن الدنيا (2) لفظ يوناني أي أصوله جمع اسطقس بمعنى الأصل(1\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4723",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونازعهم في ذلك آخرون من العقلاء من الأطباء وغيرهم وقالوا: ليس في البدن جزء ناري بالفعل واستدلوا بوجوه: أحدها: أن ذلك الجزء الناري إما أن يدعى أنه نزل عن الأثير واختلط بهذه الأجزاء المائية والأرضية أو يقال: إنه تولد فيها وتكون والأول مستبعد لوجهين أحدهما: أن النار بالطبع صاعدة فلو نزلت لكانت بقاسر من مركزها إلى هذا العالم. الثاني: أن تلك الأجزاء النارية لابد في نزولها أن تعبر على كرة الزمهرير التي هي في غاية البرد ونحن نشاهد في هذا العالم أن النار العظيمة تنطفىء بالماء القليل فتلك الأجزاء الصغيرة عند مرورها بكرة الزمهرير التي هي في غاية البرد ونهاية العظم أولى بالانطفاء. وأما الثاني- وهو أن يقال: إنها تكونت ها هنا- فهو أبعد وأبعد لأن الجسم الذي صار نارا بعد أن لم يكن كذلك قد كان قبل صيرورته إما أرضا وإما ماء وإما هواء لانحصار الأركان في هذه الأربعة وهذا الذي قد صار نارا أولا كان مختلطا بأحد هذه الأجسام ومتصلا بها والجسم الذي لا يكون نارا إذا اختلط بأجسام عظيمة ليست بنار ولا واحد منها لا يكون مستعدا لأن ينقلب نارا لأنه في نفسه ليس بنار والأجسام المختلطة باردة فكيف يكون مستعدا لانقلابه نارا فإن قلتم: لم لا تكون هناك أجزاء نارية تقلب هذه الأجسام وتجعلها نارا بسبب مخالطتها إياها قلنا: الكلام في حصول تلك الأجزاء النارية كالكلام في الأول فإن قلتم: إنا نرى من رش الماء على النورة 1 المطفأة تنفصل منها نارا وإذا وقع شعاع الشمس على البلورة ظهرت النار منها وإذا ضربنا الحجر على الحديد ظهرت النار وكل هذه النارية حدثت عند الاختلاط وذلك يبطل ما قررتموه في القسم الأول أيضا. قال المنكرون: نحن لا ننكر أن تكون المصاكة [2] لشديدة محدثة للنار كما في ضرب الحجارة على الحديد أو تكون قوة تسخين الشمس محدثة للنار كما في البلورة لكنا نستبعد ذلك جدا في أجرام النبات والحيوان إذ ليس في أجرامها  (1) تطلعه النورة على حجر الكلس ثم غلب هذا اللفظ على مواد تضاف إلى الكلس من زرنيخ وغيره.(1\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4724",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من الاصطكاك ما يوجب حدوث النار ولا فيها من الصفاء والصقال ما يبلغ إلى حد البلورة كيف وشعاع الشمس يقع على ظاهرها فلا تتولد النار البتة فالشعاع الذي يصل إلى باطنها كيف يولد النار. الوجه الثاني: في أصل المسألة: أن الأطباء مجمعون على أن الشراب العتيق في غاية السخونة بالطبع فلو كانت تلك السخونة بسبب الأجزاء النارية لكانت محالا إذ تلك الأجزاء النارية مع حقارتها كيف يعقل بقاؤها في الأجزاء المائية الغالبة دهرا طويلا بحيث لا تنطفىء مع أنا نرى النار العظيمة تطفأ بالماء القليل. الوجه الثالث: أنه لو كان في الحيوان والنبات جزء ناري بالفعل لكان مغلوبا بالجزء المائي الذي فيه وكان الجزء الناري مقهورا به وغلبة بعض الطبائع والعناصر على بعض يقتضي انقلاب طبيعة المغلوب إلى طبيعة الغالب فكان يلزم بالضرورة انقلاؤب تلك الأجزاء النارية القليلة جدا إلى طبيعة الماء الذي هو ضد النار. الوجه الرابع: أن الله سبحانه وتعالى ذكر خلق الإنسان في كتابه في مواضع متعددة يخبر في بعضها أنه خلقه من ماء وفي بعضها أنه خلقه من تراب وفي بعضها أنه خلقه من المركب منهما وهو الطين وفي بعضها أنه خلقه من صلصال كالفخار وهو الطين الذي ضربته الشمس والريح حتى صار صلصالا كالفخار ولم يخبر في موضع واحد أنه خلقه من نار بل جعل ذلك خاصية إبليس. وثبت في صحيح مسلم : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم 1 . وهذا صريح في أنه خلق مما وصفه الله في كتابه فقط ولم يصف لنا سبحانه أنه خلقه من نار ولا أن في مادته شيئا من النار. الوجه الخامس: أن غاية ما يستدلون به ما يشاهدون من الحرارة في أبدان الحيوان وهي دليل على الأجزاء النارية وهذا لا يدل فإن أسباب الحرارة أعم من النار فإنها تكون عن النار تارة وعن الحركة أخرى وعن انعكاس الأشعة وعن سخونة الهواء وعن مجاورة النار وذلك بواسطة سخونة الهواء أيضا وتكون عن أسباب أخر فلا يلزم من الحرارة النار.  (1) لم يخرجه البخاري. وقد رواه الإمام أحمد والإمام مسلم في آخر صحيحه عن عائشة.(1\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4725",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أصحاب النار: من المعلوم أن التراب والماء إذا اختلطا فلا بد لهما من حرارة تقتضي طبخهما وامتزاجهما وإلا كان كل منهما غير ممازج للآخر ولا متحدا به وكذلك إذا ألقينا البذر في الطين بحيث لا يصل إليه الهواء ولا الشمس فسد فلا يخلو إما أن يحصل في المركب جسم منضج طابخ بالطبع أو لا فإن حصل فهو الجزء الناري وإن لم يحصل لم يكن المركب مسخنا بطبعه بل بل إن سخن كان التسخين عرضيا فإذا زال التسخين العرضي لم يكن الشيء حارا في طبعه ولا في كيفيته وكان باردا مطلقا لكن من الأغذية والأدوية ما يكون حارا بالطبع فعل أن حرارتها إنما كانت لأن فيها جوهرا ناريا. وأيضا فلو لم يكن في البدن جزء مسخن لوجب أن يكون في نهاية البرد لأن الطبيعة إذا كانت مقتضية للبرد وكانت خالية عن المعاون والمعارض وجب انتهاء البرد إلى أقصى الغاية ولو كان كذلك لما حصل لها الإحساس بالبرد لأن البرد الواصل إليه إذا كان في الغاية كان مثله والشيء لا ينفعل عن مثله وإذا لم ينفعل عنه لم يحس به وإذا لم يحس به لم يتألم عنه وإن كان دونه فعدم الانفعال يكون أولى فلو لم يكن في البدن جزء مسخن بالطبع لما انفعل عن البرد ولا تألم به. قالوا: وأدلتكم إنما تبطل قول من يقول: الأجزاء النارية باقية في هذه المركبات على حالها وطبيعتها النارية ونحن لا نقول بذلك بل نقول: إن صورتها النوعية تفسد عند الامتزاج. قال الآخرون لم لا يجوز أن يقال: إن الأرض والماء والهواء إذا اختلطت فالحرارة المنضجة الطابخة لها هي حرارة الشمس وسائر الكواكب ثم ذلك المركب عند كمال نضجه مستعد لقبور الهيئة التركيبية بواسطة السخونة نباتا كان أو حيوانا أو معدنا وما المانع أن تلك السخونة والحرارة التي في المركبات هي بسبب خواص وقوى يحدثها الله تعالى عند ذلك الامتزاج لا من أجزاء نارية بالفعل ولا سبيل لكم إلى إبطال هذا الإمكان البتة وقد اعترف جماعة من فضلاء الأطباء بذلك. وأما حديث إحساس البدن بالبرد فنقول: هذا يدل على أن في البدن حرارة وتسخينا ومن ينكر ذلك لكن ما الدليل على انحصار المسخن في النار فإنه وإن(1\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4726",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان كل نار مسخنا فإن هذه القضية لا تنعكس كلية بل عكسها الصادق بعض المسخن نار. وأما قولكم بفساد صورة النار النوعية فأكثر الأطباء على بقاء صورتها النوعية والقول بفسادها قول فاسد قد اعترف بفساده أفضل متأخريكم 1 في كتابه المسمى بالشفاء وبرهن على بقاء الأركان أجمع على طبائعها في المركبات. وبالله التوفيق. فصل: في علاجه ص للمرض وكان علاجه صلى الله عليه وسلم للمرض ثلاثة أنواع: أحدها: بالأدوية الطبيعية. والثاني: بالأدوية الإلهية. والثالث: بالمركب من الأمرين. ونحن نذكر الأنواع الثلاثة من هديه صلى الله عليه وسلم فنبدأ بذكر الأدوية الطبيعية التي وصفها واستعملها ثم نذكر الأدوية الإلهية ثم المركبة. وهذا إنما نشير إليه إشارة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعث هاديا وداعيا إلى الله وإلى جنته ومعرفا بالله ومبينا للأمة مواقع رضاه وآمرا لهم بها ومواقع سخطه وناهيا لهم عنها ومخبرهم أخبار الأنبياء والرسل وأحوالهم مع أممهم وأخبار تخليق العالم وأمر المبدأ والمعاد وكيفية شقاوة النفوس وسعادتها وأسباب ذلك. وأما طب الأبدان فجاء من تكميل شريعته ومقصودا لغيره بحيث إنما يستعمل عند الحاجة إليه فإذا قدر على الاستغناء عنه كان صرف الهمم والقوى إلى علاج القلوب والأرواح وحفظ صحتها ودفع أسقامها وحميتها مما يفسدها هو المقصود بالقصد الأول وإصلاح البدن بدون إصلاح القلب لا ينفع وفساد البدن مع إصلاح القلب مضرته يسيرة جدا وهي مضرة زائلة تعقبها المنفعة الدائمة التامة وبالله التوفيق.  (1) أي الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا توفي عام 428 هـ.(1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4727",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذكر القسم الأول وهو العلاج بالأدوية الطبيعية  فصل في هديه في علاج الحمى ثبت في الصحيحين : عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما الحمى أو شدة من فيح جهنم فأبردوها بالماء 1 . وقد أشكل هذا الحديث على كثير من جهلة الأطباء ورأوه منافيا لدواء الحمى وعلاجها ونحن نبين بحول الله وقوته وجهه وفقهه فنقول: خطاب النبي صلى الله عليه وسلم نوعان: عام لأهل الأرض وخاص ببعضهم فالأول كعامة خطابه والثاني: كقوله: لا تستقبلوا القبلة بغائط . ولا بول ولا تسدبروها ولكن شرقوا أو غربوا 2  فهذا ليس بخطاب لأهل المشرق والمغرب ولا العراق ولكن لأهل المدينة وما على سمتها كالشام وغيرها. وكذلك قوله: ما بين المشرق والمغرب قبلة  . وإذا عرف هذا فخطابه في هذا الحديث خاص بأهل الحجاز وما والاهم إذ كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من نوع الحمى اليومية العرضية الحادثة عن شدة حرارة الشمس وهذه ينفعها الماء البارد شربا واغتسالا فإن الحمى حرارة غريبة تشتعل في القلب وتنبث منه بتوسط الروح والدم في الشرايين والعروق إلى جميع البدن فتشتعل فيه اشتعالا يضر بالأفعال الطبيعية وهي تنقسم إلى قسمين: عرضية: وهي الحادثة إما عن الورم أو الحركة أو إصابة حرارة الشمس أو القيظ الشديد ونحو ذلك.  (1) أخرجه الإمام أحمد والبخاري عن ابن عباس في الطب- ورواه مسلم في السلام: باب لكل داء دواء (2) أخرجه البخاري في القبلة. ومسلم في الطهارة. قال البغوي: هذا خطاب لأهل المدينة ولمن كانت قبلته على ذلك السمت. فأما من كانت جهته إلى المشرق والمغرب فإنه ينحرف إلى الجنوب أو الشمال. (3) أخرجه الترمذي وابن ماجه والحاكم في الصلاة عن أبي هريرة. قال الترمذي- حسن صحيح. وقال الحاكم صحيح على شرطهما. أي البخاري ومسلم. وأقره الذهبي وقال النسائي منكر. وأقره عليه الحافظ العراقي.(1\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4728",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومرضية: وهي ثلاثة أنواع وهي لا تكون إلا في مادة أولى ثم منها يسخن جميع البدن فإن كان مبدأ تعلقها بالروح سميت حمى يوم لأنها في الغالب تزول في يوم ونهايتها ثلاثة أيام وإن كان مبدأ تعلقها بالأخلاط سميت عفنية وهي أربعة أصناف: صفراوية وسوداوية بلغمية ودموية. وإن كان مبدأ تعلقها بالأعضاء الصلبة الأصلية سميت حمى دق وتحت هذه الأنواع أصناف كثيرة. وقد ينتفع البدن بالحمى انتفاعا عظيما لا يبلغه الدواء وكثيرا ما يكون حمى يوم وحمى العفن سببا لإنضاج مواد غليظة لم تكن تنضج بدونها وسببا لتفتح سدد لم يكن تصل إليها الأدوية المفتحة. وأما الرمد الحديث والمتقادم فإنها تبرىء أكثر أنواعه برآ عجيبا سريعا وتنفع من الفالج واللقوة 1  والتشنج الأمتلائي وكثيرا من الأمراض الحادثة عن الفضول الغليظة. وقال لي بعض فضلاء الأطباء: إن كثيرا من الأمراض نستبشر فيها بالحمى كما يستبشر المريض بالعافية فتكون الحمى فيه أنفع من شرب الدواء بكثير فإنها تنضج من الأخلاط والمواد الفاسدة ما يضر بالبدن فإذا أنضجتها صادفها الدواء متهيئة للخروج بنضاجها فأخرجها فكانت سببا للشفاء. وإذا عرف هذا فيجوز أن يكون مراد الحديث من أقسام الحميات العرضية فإنها تسكن على المكان بالانغماس في الماء البارد وسقي الماء البارد المثلوج ولا يحتاج صاحبها مع ذلك إلى علاج آخر فإنها مجرد كيفية حارة متعلقة بالروح فيكفي في زوالها مجرد وصول كيفية باردة تسكنها وتخمد لهبها من غير حاجة إلى استفراغ مادة أو انتظار نضج. ويجوز أن يراد به جميع أنواع الحميات وقد اعترف فاضل الأطباء جالينوس: بأن الماء البارد ينفع فيها قال في المقالة العاشرة من كتاب حيلة البرء : ولو أن رجلا شابا حسن اللحم خصب البدن في وقت القيظ وفي وقت منتهى الحمى وليس في أحشائه ورم استحم بماء بارد أو سبح فيه لا نتفع بذلك. قال: ونحن نأمر بذلك بلا توقف.  (1) داء يكون في الوجه يعوج منه الشدق(1\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4729",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الرازي في كتابه الكبير: إذا كانت القوة قوية والحمى حادة جدا والنضج بين ولا ورم في الجوف ولا فتق ينفع الماء البارد شربا وإن كان العليل خصب البدن والزمان حار وكان معتادا لاستعمال الماء البارد من خارج فليؤذن فيه. وقوله: الحمى من فيح جهنم  هو شدة لهبها وانتشارها ونظيره: قوله: شدة الحر من فيح جهنم . وفيه وجهان: أحدهما: أن ذلك أنموذج ورقيقة اشتقت من جهنم ليستدل بها العباد عليها ويعتبروا بها ثم إن الله سبحانه قدر ظهورها بأسباب تقتضيها كما أن الروح والفرح والسرور واللذة من نعيم الجنة أظهرها الله في هذه الدار عبرة ودلالة وقدر ظهورها بأسباب توجبها. والثاني: أن يكون المراد التشبيه فشبه شدة الحمى ولهبها بفيح جهنم وشبه شدة الحر به أيضا تنبيها للنفوس على شدة عذاب النار وأن هذه الحرارة العظيمة مشبهة بفيحها وهو ما يصيب من قرب منها من حرها. وقوله: فأبردوها  روي بوجهين: بقطع الهمزة وفتحها رباعي: من أبرد الشيء: إذا صيره باردا مثل أسخنه: إذا صيره سخنا. والثاني: بهمزة الوصل مضمومة من برد الشيء يبرده وهو أفصح لغة واستعمالا والرباعي لغة رديئة عندهم قال: إذا وجدت لهيب الحب في كبدي ... أقبلت نحو سقاء القوم أبترد هبني بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتقد وقوله: بالماء فيه قولان: أحدهما: أنه كل ماء وهو الصحيح. والثاني: أنه ماء زمزم واحتج أصحاب هذا القول بما رواه البخاري في صحيحه  عن أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي قال: كنت أجالس ابن عباس بمكة فأخذتني الحمى فقال: أبردها عنك بماء زمزم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم(1\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4730",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: إن الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء أو قال: بماء زمزم 1 . وراوي هذا قد شك فيه ولو جزم به لكان أمرا لأهل مكة بماء زمزم إذ هو متيسر عندهم ولغيرهم بما عندهم من الماء. ثم اختلف من قال: إنه على عمومه هل المراد به الصدقة بالماء أو استعماله على قولين. والصحيح أنه استعمال وأظن أن الذي حمل من قال: المراد الصدقة به أنه أشكل عليه استعمال الماء البارد في الحمى ولم يفهم وجهه مع أن لقوله وجها حسنا وهو أن الجزاء من جنس العمل فكما أخمد لهيب العطش عن الظمآن بالماء البارد أخمد الله لهيب الحمى عنه جزاء وفاقا ولكن هذا يؤخذ من فقه الحديث وإشارته وأما المراد به فاستعماله. وقد ذكر أبو نعيم وغيره من حديث أنس يرفعه: إذا حم أحدكم فليرش عليه الماء البارد ثلاث ليال من السحر 2 . وفي سنن ابن ماجه عن أبي هريرة يرفعه: الحمى كير من كير جهنم فنحوها عنكم بالماء البارد 3 . وفي المسند وغيره من حديث الحسن عن سمرة يرفعه: الحمى قطعة من النار فأبردوها عنكم بالماء البارد  وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حم دعا بقربة من ماء فأفرغها على رأسه فاغتسل 4 .  (1) أخرجه البخاري في بدء الخلق والنسائي وابن ماجه ومالك وأحمد: ومعنى الحديث: أن الحمى من شدة حر الطبيعة وهو يشبه نار جهنم في كونها معذبة ومذيبة للجسد والمراد أنها أنموذج ودقيقة اشتقت من جهنم يستدل بها العباد ويعتبرون بها كما أظهر الفرح واللذة ليدل على نعيم الجة. فأبردوها بالماء أي أسكنوا حرارتها بالماء بأن تغسلوا أطراف المحموم منه وتسقوه إياه ليقع به التبرد. (2) أخرجه النسائي والحاكم في المستدرك والطبراني في الأوسط ورجاله ثقات (3) خرجه ابن ماجه ورجاله ثقات (4) رواه الطبراني في الكبير والحاكم في الطب وكذا البرار عن سمرة بن جندب. قال الحاكم: صحيح وأقره عليه الذهبي. لكن قال ابن حجر في فتح الباري بعد ما عزاه للبزار والحاكم وأنه صححه في سنده راو ضعيف وقال الهيثمي بعد ما عزاه للطبراني: فيه اسماعيل بن مسلم وهو متروك. و إذا حم أحدكم أي أخذته الحمى التي هي حرارة بين الجلد واللحم.(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4731",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي السنن : من حديث أبي هريرة قال: ذكرت الحمى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبها رجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبها فإنها تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الحديد 1 . لما كانت الحمى يتبعها حمية عن الأغذية الرديئة وتناول الأغذية والأدوية النافعة وفي ذلك إعانة على تنقية البدن ونفي أخبائثه وفضوله وتصفيته من مواده الرديئة وتفعل فيه كما تفعل النار في الحديد في نفي خبثه وتصفية جوهره كانت أشبه الأشياء بنار الكير التي تصفي جوهر الحديد وهذا القدر هو المعلوم عند أطباء الأبدان. وأما تصفيتها القلب من وسخه ودرنه وإخراجها خبائثه فأمر يعلمه أطباء القلوب ويجدونه كما أخبرهم به نبيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن مرض القلب إذا صار مأيوسا من برئه لم ينفع فيه هذا العلاج. فالحمى تنفع البدن والقلب وما كان بهذه المثابة فسبه ظلم وعدوان وذكرت مرة وأنا محموم قول بعض الشعراء يسبها: زارت مكفارة الذنوب وودعت ... تبا لها من زائر ومودع قالت وقد عزمت على ترحالها ... ماذا تريد فقلت ألاترجعي فقلت: تبا له إذ سب ما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبه ولو قال: زارت مكفارة الذنوب لصبها ... أهلا بها من زائر ومودع قالت وقد عزمت على ترحالها ... ماذا تريد فقلت: ألاتقلعي لكان أولى به ولأقلعت عنه فأقلعت عني سريعا. وقد روي في أثر لا أعرف حاله حمى يوم كفارة سنة . وفيه قولان أحدهما: أن الحمى تدخل في  (1) أخرجه مسلم في الأدب عن جابر بن عبد الله قال: قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم السائب فقال: مالك تزقزقين ترتعدين قالت: الحمى لا بارك الله فيها فقال لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكبير خبث الحديد والحديث المذكور في الكتاب أخرجه ابن ماجه وفي سنده موسى بن عبيدة وهو ضعيف. و الكير هو منفاخ من زق أو جلد غليظ ذو حافات: والكلام على التشبيه.(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4732",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كل الأعضاء والمفاصل وعدتها ثلاثمائة وستون مفصلا فتكفر عنه- بعدد كل مفصل- ذنوب يوم. والثاني: أنها تؤثر في البدن تأثيرا لا يزول بالكلية إلى سنة كما قيل في قوله صلى الله عليه وسلم: من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما 1 . إن أثر الخمر يبقى في جوف العبد وعروقه وأعضائه أربعين يوما والله أعلم. قال أبو هريرة: ما من مرض يصيا بني أحب إلي من الحمى لأنها تدخل في كل عضو مني وإن الله سبحانه يعطي كل عضو حظه من الأجر. وقد روى الترمذي في جامعه من حديث رافع بن خديج يرفعه: إذا أصابت أحدكم الحمى- وإن الحمى قطعة من النار فليطفئها بالماء البارد ويستقبل نهرا جاريا فليستقبل جرية الماء بعد الفجر وقبل طلوع الشمس وليقل: بسم الله اللهم اشف عبدك وصدق رسولك وينغمس فيه ثلاث غمسات ثلاثة أيام فإن برىء وإلا ففي خمس فإن لم يبرأ في خمس فسبع فإن لم يبرأ في سبع فتسع فإنها لا تكاد تجاوز تسعا بإذن الله 2 . قلت: وهو ينفع فعله في فصل الصيف في البلاد الحارة على الشرائط التي تقدمت فإن الماء في ذلك الوقت أبرد ما يكون لبعده عن ملاقاة الشمس ووفور القوى في ذلك الوقت لما أفادها النوم والسكون وبرد الهواء فتجتمع فيه قوة القوى وقوة الدواء وهو الماء البارد على حرارة الحمى العرضية أو الغب الخالصة أعني التي لا ورم معها ولا شيء من الأعراض الرديئة والمواد الفاسدة فيطفئها بإذن الله لا سيما في أحد الأيام المذكورة في الحديث وهي الأيام التي يقع فيها بحران الأمراض الحادة كثيرا سيما في البلاد المذكورة لرقة أخلاط سكانها وسرعة انفعالهم عن الدواء النافع.  (1) أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وإساده صحيح وصححه الحاكم ووافقه الذهبي على ذلك. (2) أخرجه الترمذي من حديث ثوبان وليس من حديث رافع بن بخديج كما ذكره المصنف وأخرجه الإمام أحمد.(1\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4733",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل في هديه في علاج استطلاق البطن في الصحيحين : من حديث أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي يشتكي بطنه وفي رواية: استطلق بطنه فقال: اسقه عسلا  فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فلم يغن عنه شيئا. وفي لفظ: فلم يزده إلا استطلاقا مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول له: اسقه عسلا  فقال له في الثالثة أو الرابعة: صدق الله وكذب بطن أخيك 1 . وفي صحيح مسلم في لفظ له: إن أخي عرب بطنه  أي فسد هضمه واعتلت معدته والاسم العرب بفتح الراء والذرب أيضا. والعسل فيه منافع عظيمة فإنه جلاء للأوساخ التي في العروق والأمعاء وغيرها محلل للرطوبات أكلا وطلاء نافع للمشايخ وأصحاب البلغم ومن كان مزاجه باردا رطبا وهو مغذ ملين للطبيعة حافظ لقوى المعاجين ولما استودع فيه مذهب لكيفيات الأدوية الكريهة منق للكبد والصدر مدر للبول موافق للسعال الكائن عن البلغم وإذا شرب حارا بدهن الورد نفع من نهش الهوام وشرب الأفيون وإن شرب وحده ممزوجا بماء نفع من عضة الكلب الكلب وأكل الفطر 2 القتال وإذا جعل فيه اللحم الطري حفظ طراوته ثلاثة أشهر وكذلك إن جعل فيه القثاء والخيار والقرع والباذنجان ويحفظ كثيرا من الفاكهة ستة أشهر ويحفظ جثة الموتى ويسمى الحافظ الأمين. وإذا لطخ به البدن المقمل والشعر قتل قمله وصئبانه وطول الشعر وحسنه ونعمه وإن اكتحل به جلا ظلمة البصر وإن استن به بيض الأسنان وصقلها وحفظ صحتها وصحة اللثة ويفتح أفواه العروق ويدر الطمث ولعقه على الريق  (1) أخرجه البخاري في الطب ومسلم في السلام. (2) الفطر ضرب من الكمشأة قتال. قاموس.(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4734",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يذهب البلغم ويغسل خمل المعدة ويدفع الفضلات عنها ويسخنها تسخينا معتدلا ويفتح سددها ويفعل ذلك بالكبد والكلى والمثانة وهو أقل ضررا لسدد الكبد والطحال من كل حلو. وهو مع هذا كله مأمون الغائلة قليل المضار مضر بالعرض للصفراويين ودفعها بالخل ونحوه فيعود حينئذ نافعا له جدا. وهو غذاء مع الأغذية ودواء مع الأدوية وشراب مع الأشربة وحلو مع الحلوى وطلاء مع الأطلية ومفرح مع المفرحات فما خلق شيء في معناه أفضل منه ولا مثله ولا قريبا منه ولم يكن معول القدماء إلا عليه وأكثر كتب القدماء لا ذكر فيها للسكر البتة ولا يعرفونه فإنه حديث العهد حدث قريبا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشر به بالماء على الريق وفي ذلك سر بديع في حفظ الصحة لا يدركه إلا الفطن الفاضل وسنذكر ذلك إن شاء الله عند ذكر هديه في حفظ الصحة. وفي سنن ابن ماجه مرفوعا من حديث أبي هريرة: من لعق العسل ثلاث غدوات كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء 1  وفي أثر آخر: عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن 2 . فجمع بين الطب البشري والإلهي وبين طب الأبدان وطب الأرواح وبين الدواء الأرضي والدواء السمائي. إذا عرف هذا فهذا الذي وصف له النبي صلى الله عليه وسلم العسل كان استطلاق بطنه عن تخمة أصابته عن امتلاء فأمره بشرب العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة والأمعاء فإن العسل فيه جلاء ودفع للفضول وكان قد أصاب المعدة أخلاط لزجة تمنع استقرار الغذاء فيها للزوجتها فإن المعدة لها خمل كخمل القطيفة فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة أفسدتها وأفسدت الغذاء فدواؤها بما يجلوها من تلك الأخلاط والعسل جلاء والعسل من أحسن ما عولج به هذا الداء لا سيما إن مزج بالماء الحار.  (1) من لعق العسل وتخصيص الثلاث لسر علمه الشارع. والعسل يذكر ويؤنث وأسماؤه تزيد على المائة. وأخرج الحديث ابن ماجه عن أبي هريرة. وأورده ابن الجوزي في الموضوعات. وقال العقيلي: ليس لهذا الحديث أصل. (2) أخرجه ابن ماجه والحاكم في الطب عن ابن مسعود. قال الحاكم: صحيح على شرطهما أي البخاري ومسلم. وقال البيهقي في الشعب: صحيح موقوف على ابن مسعود(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4735",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي تكرار سقيه العسل معنى طبي بديع وهو أن الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية بحسب حال الداء إن قصر عنه لم يزله بالكلية وإن جاوزه أوهى القوى فأحدث ضررا آخر فلما أمره أن يسقيه العسل سقاه مقدارا لا يفي بمقاومة الداء ولا يبلغ الغرض فلما أخبره علم أن الذي سقاه لا يبلغ مقدار الحاجة فلما تكرر ترداده إلى النبي صلى الله عليه وسلم أكد عليه المعاودة ليصل إلى المقدار المقاوم للداء فلما تكررت الشربات بحسب مادة الداء برأ بإذن الله واعتبار مقادير الأدوية وكيفياتها ومقدار قوة المرض والمريض من أكبر قواعد الطب. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: صدق الله وكذب بطن أخيك  إشارة إلى تحقيق نفع هذا الدواء وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في نفسه ولكن لكذب البطن وكثرة المادة الفاسدة فيه فأمره بتكرار الدواء لكثرة المادة. وليس طبه صلى الله عليه وسلم كطب الأباء فإن طب النبي صلى الله عليه وسلم متيقن قطعي إلهي صادر عن الوحي ومشكاة النبوة وكمال العقل. وطب غيره أكثره حدس وظنون وتجارب ولا ينكر عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة فإنه إنما ينتفع به من تلقاه بالقبول واعتقاد الشفاء به وكمال التلقي له بالإيمان والإذعان فهذا القرآن الذي هو شفاء لما في الصدور- إن لم يتلق هذا التلقي- لم يحصل به شفاء الصدور من أدوائها بل لا يزيد المنافقين إلا رجسا إلى رجسهم ومرضا إلى مرضهم وأين يقع طب الأبدان منه فطب النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطيبة كما أن شفاء القرآن لا يناسب إلا الأرواح الطيبة والقلوب الحية فإعراض الناس عن طب النبوة كإعراضهم عن الاستشفاء بالقرآن الذي هو الشفاء النافع وليس ذلك لقصور في الدواء ولكن لخبث الطبيعة وفساد المحل وعدم قبوله والله الموفق.  فصل وقد اختلف الناس في قوله تعالى: يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4736",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيه شفاء للناس 1  هل الضمير في فيه راجع إلى الشراب أو راجع إلى القرآن على قولين: الصحيح: رجوعه إلى الشراب وهو قول ابن مسعود وابن عباس والحسن وقتادة والأكثرين فإنه هو المذكور والكلام سيق لأجله ولا ذكر للقرآن في الآية وهذا الحديث الصحيح وهو قوله: صدق الله كالصريح فيه والله تعالى أعلم.  فصل في هديه في الطاعون وعلاجه والاحتراز منه في الصحيحين عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد: ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعون فقال أسامة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل وعلى من كان قبلكم فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارا منه . 2 وفي الصحيحين أيضا: عن حفصة بنت سيزين قالت: قال أنس بن مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الطاعون شهادة لكل مسلم 3 . الطاعون- من حيث اللغة-: نوع من الوباء قاله صاحب الصحاح  وهو عند أهل الطب: ورم رديء قتال يخرج معه تلهب شديد مؤلم جدا يتجاوز المقدار في ذلك ويصير ما حوله في الأكثر أسود أو أخضر أو أكمد ويؤول أمره إلى التقرح سريعا. وفي الأكثر يحدث في ثلاثة مواضع: في الإبط وخلف الأذن والأرنبة وفي اللحوم الرخوة.  (1) النحل- 69. (2) أخرجه البخاري في الأنبياء وأخرجه مسلم أيضا و من بني إسرائيل هم الذي أمرهم الله أن يدخلوا الباب سجدا فخالفوا فأرسل عليهم الطاعون فمات منهم في ساعة سبعون ألفا. وهذا الذي جاء في الحديث هو ما يطلق عليه في أيامنا هذه بالحجر الصحي وقد أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل زهاء ألف وأربعمائة سنة مما يدل على أن هذا الإسلام من عند الله لا يأتيه الباطل من يديه ولا من خلفه . (3) أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم: ومعنى الحديث أي أن الطاعون سبب لكون الميت منه شهيدا في حكم الآخرة. وظاهره يشمل الفاسق فيكون شهيدا.(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4737",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي أثر عن عائشة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: الطعن قد عرفناه فما الطاعون قال: غدة 1 كغدة البعير يخرج في المراق والإبط 2 . قال الأطباء: إذا وقع الخراج في اللحوم الرخوة والمغابن وخلف الأذن والأرنبة وكان من جنس فاسد سمي طاعونا وسببه دم رديء مائل إلى العفونة والفساد مستحيل إلى جوهر سمي يفسد العضو ويغير ما يليه وربما رشح دما وصديدا ويؤدي إلى القلب كيفية رديئة فيحدث القيء والخفقان والغشي وهذا الاسم وإن كان يعم كل ورم يؤدي إلى القلب كيفية رديئة حتى يصير لذلك قتالا فإنه يختص به الحادث في اللحم الغددي لأنه لرداءته لا يقبله من الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع وأردؤه ما حدث في الإبط وخلف الأذن لقربهما من الأعضاء التي هي أرأس وأسلمه الأحمر ثم الأصفر. والذي إلى السواد فلا يفلت منه أحد. ولما كان الطاعون يكثر في الوباء وفي البلاد الوبيئة عبر عنه بالوباء كما قال الخليل: الوباء: الطاعون. وقيل: هو كل مرض يعم والتحقيق أن بين الوباء والطاعون عموما وخصوصا فكل طاعون وباء وليس كل وباء طاعونا وكذلك الأمراض العامة أعم من الطاعون فإنه واحد منها والطواعين خراجات وقروح وأورام رديئة حادثة في المواضع المتقدم ذكرها. قلت: هذه القروح والأورام والجراحات هي آثار الطاعون وليست نفسه ولكن الأطباء لما لم تدرك منه إلا الأثر الظاهر جعلوه نفس الطاعون. والطاعون يعبر به عن ثلاثة أمور: أحدها: هذا الأثر الظاهر وهو الذي ذكره الأطباء. والثاني: الموت الحادث عنه وهو المراد بالحديث الصحيح في قوله: الطاعون شهادة لكل مسلم .  (1) غده كغدة البعير ...  الغدة: كل غده في الجسد أطاف بها شحم وكل قطعة صلبة بين العصب- قاموس- في المراق مراق البطن بفتح الميم وتشديد القاف: ما رق منه ولا جمع مرق أولا واحد له- قاموس- أخرجه الإمام أحمد. وقد جاء بلفظ: الطاعون غدة كفدة البعير المقيم بها كالشهيد والفار منها كالفار من الزحف: (2) قال الهيثمي: رجاله ثقات.(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4738",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثالث: السبب الفاعل لهذا الداء وقد ورد في الحديث الصحيح: أنه بقية رجز أرسل على بني إسرائيل 1  وورد فيه أنه وخز الجن 2 وجاء أنه دعوة نبي. وهذه العلل والأسباب ليس عند الأطباء ما يدفعها كما ليس عندهم ما يدل عليها والرسل تخبر بالأمور الغائبة وهذه الآثار التي أدركوها من أمر الطاعون ليس معهم ما ينفي أن تكون بتوسط الأرواح فإن تأثير الأرواح في الطبيعة وأمراضها وهلاكها أمر لا ينكره إلا من هو أجهل الناس بالأرواح وتأثيراتها وانفعال الأجسام وطبائعها عنها والله سبحانه قد يجعل لهذه الأرواح تصرفا في أجسام بني آدم عند حدوث الوباء وفساد الهواء كما يجعل لها تصرفا عند بعض المواد الرديئة التي تحدث للنفوس هيئة رديئة ولا سيما عند هيجان الدم والمرة السوداء وعند هيجان المني فإن الأرواح الشيطانية تتمكن من فعلها بصاحب هذه العوارض ما لا تتمكن من غيره ما لم يدفعها دافع أقوى من هذه الأسباب من الذكر والدعاء والابتهال والتضرع والصدقة وقراءة القرآن فإنه يستنزل بذلك من الأرواح الملكية ما يقهر هذه الأرواح الخبيثة ويبطل شرها ويدفع تأثيرها وقد جربنا نحن وغيرنا هذا مرارا لا يحصيها إلا الله ورأينا لا ستنزال هذه الأرواح الطيبة واستجلاب قربها تأثيرا عظيما في تقوية الطبيعة ودفع المواد الرديئة وهذا يكون قبل استحكامها وتمكنها ولا يكاد ينخرم فمن وفقه الله بادر عند إحساسه بأسباب الشر إلى هذه الأسباب التي تدفعها عنه وهي له من أنفع الدواء وإذا أراد الله عز وجل إنفاذ قضائه وقدره أغفل قلب العبد عن معرفتها وتصورها وإرادتها فلا يشعر بها. ولا يريدها ليقضي الله فيه أمرا كان مفعولا. وسنزيد هذا المعنى إن شاء الله تعالى إيضاحا وبيانا عند الكلام على التداوي بالرقى والعوذ النبوية والأذكار والدعوات وفعل الخيرات ونبين أن نسبة طب الأطباء إلى هذا الطب النبوي كنسبة طب الطرقية والعجائز الى طبهم كما  (1) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي من حديث أسامة بن زيد (2) وخز الجن أي طعن أعدائكم: أخرجه الحاكم عن أبي موسى الاشعري بلفظ- الطاعون وخز أعدائكم من الجن وهو لكم شهادة . وهو حديث صحيح.(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4739",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اعترف به حذاقهم وأئمتهم ونبين أن الطبيعة الإنسانية أشد شيء انفعالا عن الأرواح وأن قوى العوذ والرقى والدعوات فوق قوى الأدوية حتى إنها تبطل قوى السموم القاتلة. والمقصود: أن فساد الهواء جزء من أجزاء السبب التام والعلة الفاعلة للطاعون فإن فساد جوهر الهواء الموجب لحدوث الوباء وفساده يكون لاستحالة جوهره إلى الرداءة لغلبة إحدى الكيفيات الرديئة عليه كالعفونة والنتن والسمية في أي وقت كان من أوقات السنة وإن كان أكثر حدوته في أواخر الصيف وفي الخريف غالبا لكثرة اجتماع الفضلات المرارية الحادة وغيرها في فصل الصيف وعدم تحللها في آخره وفي الخريف لبرد الجو وردغة الأبخرة والفضلات التي كانت تتحلل في زمن الصيف فتنحصر فتسخن وتعفن فتحدث الأمراض العفنة ولا سيما إذا صادفت البدن مستعدا قابلا رهلا قليل الحركة كثير المواد فهذا لا يكاد يفلت من العطب. وأصح الفصول فيه فصل الربيع. قال بقراط: إن في الخريف أشد ما تكون من الأمراض وأقتل وأما الربيع فأصح الأوقات كلها وأقلها موتا وقد جرت عادة الصيادلة ومجهزي الموتى أنهم يستدينون ويتسلفون في الربيع والصيف على فصل الخريف فهو ربيعهم وهم أشوق شيء إليه وأفرح بقدومه وقد روي في حديث: إذا طلع النجم ارتفعت العاهة عن كل بلد 1 . وفسر بطلوع الثريا وفسر بطلوع النبات زمن الربيع ومنه والنجم والشجر يسجدان 2 فإن كمال طلوعه وتمامه يكون في فصل الربيع وهو الفصل الذي ترتفع فيه الآفات. وأما الثريا فالأمراض تكثر وقت طلوعها مع الفجر وسقوطها. قال التميمي في كتاب مادة البقاء : أشد أوقات السنة فسادا وأعظمها بلية على الأجساد وقتان أحدهما: وقت سقوط الثريا للمغيب عند طلوع الفجر.  (1) أخرجه محمد بن الحسن في الآثار والطبراني في الصغير وأبو نعيم في تاريخ أصبهان بلفظ إذا طلع النجم رفعت العاهة عن كل بلد وإسناده صحح (2) الرحمن- 6(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4740",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "فصل",
        "content": "والثاني: وقت طلوعها من المشرق قبل طلوع الشمس على العالم بمنزلة من منازل القمر وهو وقت تصرم فصل الربيع وانقضائه غير أن الفساد الكائن عند طلوعها أقل ضررا من الفساد الكائن عند سقوطها. وقال أبو محمد بن قتيبة: يقال: ما طلعت الثريا ولا نأت إلا بعاهة في الناس والإبل وغروبها أعوه 1 من طلوعها. وفي الحديث قول ثالث- ولعله أولى الأقوال به- أن المراد بالنجم: الثريا وبالعاهة: الآفة التي تلحق الزروع والثمار في فصل الشتاء وصدر فصل الربيع فحصل الأمن عليها عند طلوع الثريا في الوقت المذكور ولذلك نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة وشرائها قبل أن يبدو صلاحها. والمقصود: الكلام على هديه صلى الله عليه وسلم عند وقوع الطاعون. فصل وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم للأمة في نهيه عن الدخول إلى الأرض التي هو بها ونهيه عن الخروج منها بعد وقوعه كمال التحرز منه فإن في الدخول في الأرض التي هو بها تعرضا للبلاء وموافاة له في محل سلطانه وإعانة للإنسان على نفسه وهذا مخالف للشرع والعقل بل تجنب الدخول إلى أرضه من باب الحمية التي أرشد الله سبحانه إليها وهي حمية عن الأمكنة والأهوية المؤذية. وأما نهيه عن الخروج من بلده ففيه معنيان: أحدهما: حمل النفوس على الثقة بالله والتوكل عليه والصبر على أقضيته والرضى بها. والثاني: ما قاله أئمة الطب: أنه يجب على كل محترز من الوباء أن يخرج عن بدنه الرطوبات الفضلية ويقلل الغذاء ويميل إلى التدبير المجفف من كل وجه إلا الرياضة والحمام فإنهما مما يجب أن يحذرا لأن البدن لا يخلو غالبا من فضل رديء كامن فيه فتثيره الرياضة والحمام ويخلطانه بالكيموس الجيد وذلك يجلب  (1) أعوه: أشد عاهة وإصابة من: عاه الشيء: إذا أصابته عاهة(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4741",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "علة عظيمة بل يجب عند وقوع الطاعون السكون والدعة وتسكين هيجان الأخلاط ولا يمكن الخروج من أرض الوباء والسفر منها إلا بحركة شديدة وهي مضرة جدا هذا كلام أفضل الأطباء المتأخرين فظهر المعنى الطبي من الحديث النبوي وما فيه من علاج القلب والبدن وصلاحهما فإن قيل: ففي قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تخرجوا فرارا منه  ما يبطل أن يكون أراد هذا المعنى الذي ذكرتموه وأنه لا يمنع الخروج لعارض ولا يحبس مسافرا عن سفره قيل: لم يقل أحد طبيب ولا غيره إن الناس يتركون حركاتهم عند الطواعين ويصيرون بمنزلة الجمادات وإنما ينبغي فيه التقلل من الحركة بحسب الإمكان والفار منه لا موجب لحركته إلا مجرد الفرار منه ودعته وسكونه أنفع لقلبه وبدنه وأقرب إلى توكله على الله تعالى واستسلامه لقضائه. وأما من لا يستغني عن الحركة كالصناع والأجراء والمسافرين والبرد وغيرهم فلا يقال لهم: اتركوا حركاتكم جملة وإن أمروا أن يتركوا منها ما لا حاجة لهم إليه كحركة المسافر فارا منه والله تعالى أعلم. وفي المنع من الدخول إلى الأرض التي قد وقع بها عدة حكم: أحدها: تجنب الأسباب المؤذية والبعد منها. الثاني: الأخذ بالعافية التي هي مادة المعاش والمعاد. الثالث: ألايستنشقوا الهواء الدي قد عفن وفسد فيمرضون. الرابع: ألايجاوروا المرضى الذين قد مرضوا بذلك فيحصل لهم بمجاورتهم من جنس أمراضهم. وفي سنن أبي داود مرفوعا: إن من القرف التلف 1 . قال ابن قتيبة: القرف مداناة الوباء ومداناة المرضى. الخامس: حمية النفوس عن الطيرة والعدوى فإنها تتأثر بهما فإن الطيرة على من تطير بها وبالجملة ففي النهي عن الدخول في أرضه الأمر بالحذر والحمية والنهي عن التعرض لأسباب التلف. وفي النهي عن الفرار منه الأمر بالتوكل والتسليم والتفويض فالأول: تأديب وتعليم والثاني: تفويض وتسليم.  (1) أخرجه أبو داود والإمام أحمد وفي سنده جهالة. والقرف: مداناة المرض وبابه طرب. مختار.(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4742",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الصحيح: أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام فاختلفوا فقال لابن عباس: ادع لي المهاجرين الأولين قال: فدعوتهم فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام فاختلفوا فقال له بعضهم: خرجت لأمر فلا نرى أن ترجع عنه. وقال آخرون: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء فقال عمر: ارتفعوا عني ثم قال: ادع لي الأنصار فدعوتهم له فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم فقال: ارتفعوا عني ثم قال: ادع لي من ها هنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فدعوتهم له فلم يختلف عليه منهم رجلان قالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء فأذن عمر في الناس إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه فقال أبو عبيدة بن الجراح: يا أمير المؤمنين! أفرارا من قدر الله تعالى قال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة نعم نفر من قدر الله تعالى إلى قدر الله تعالى أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له عدوتان إحداهما- خصبة والأخرى جدبة ألست إن رعيتها الخصبة رعيتها بقدر الله تعالى وإن رعيتها الجدبة رعيتها بقدر الله تعالى قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبا في بعض حاجاته فقال: إن عندي في هذا علما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه 1 .  فصل في هديه في داء الاستسقاء وعلاجه في الصحيحين : من حديث أنس بن مالك قال: قدم رهط من عرينة وعكل على النبي صلى الله عليه وسلم فاجتووا المدينة فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو  (1) أخرجه البخاري في الطب ومسلم في السلام. و سرغ موضع قرب الشام بين المغيشة وتبوك. قاموس. والعدوة: بضم العين وكسرها جانب الوادي وحافتاه.(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4743",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خرجتم إلى إبل الصدقة فشربتم من أبوالها وألبانها ففعلوا فلما صحوا عمدوا إلى الرعاة فقتلوهم واستاقوا الإبل وحاربوا الله ورسوله فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم فأخذوا فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وألقاهم في الشمس حتى ماتوا 1 . والدليل على أن هذا المرض كان الاستقساء ما رواه مسلم في صحيحه في هذا الحديث أنهم قالوا: إنا اجتوينا المدينة فعظمت بطوننا وارتهشت أعضاؤنا وذكر تمام الحديث ... والجوى: داء من أدواء الجوف- والاستقساء: مرض مادي سببه مادة غريبة باردة تتخلل الأعضاء فتربو لها إما الأعضاء الظاهرة كلها وإما المواضع الخالية من النواحي التي فيها تدبير الغذاء والأخلاط وأقسامه ثلاثة: لحمي وهو أصعبها. وزقي وطبلي. ولما كانت الأدوية المحتاج إليها في علاجه هي الأدوية الجالبة التي فيها إطلاق معتدل وإدرار بحسب الحاجة وهذه الأمور موجودة في أبوال الإبل وألبانها أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بشربها فإن في لبن اللقاح جلاء وتليينا وإدرارا وتلطيفا وتفتيحا للسدد إذ كان أكثر رعيها الشيح والقيصوم والبابونج والأقحوان والإذخر وغير ذلك من الأدوية النافعة للاستسقاء. وهذا المرض لا يكون إلا مع آفة في الكبد خاصة أو مع مشاركة وأكثرها عن السدد فيها ولبن اللقاح العربية نافع من السدد لما فيه من التفتيح والمنافع المذكورة. قال الرازي: لبن اللقاح يشفي أوجاع الكبد وفساد المزاج وقال الإسرائيلي: لبن اللقاح أرق الألبان وأكثرها مائية وحدة وأقلها غذاء فلذلك صار أقواها على تلطيف الفضول وإطلاق البطن وتفتيح السدد ويدل على ذلك ملوحته اليسيرة التي فيه الإفراط حرارة حيوانية بالطبع ولذلك صار أخص الألبان بتطرية الكبد وتفتيح سددها وتحليل صلابة الطحال إذا كان حديثا  (1) أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي. و عرينة قبيلة منهم العرينون المرتدون عن الإسلام عكل وعكل بالضم بلد وأبو قبيلة فيهم غباوة(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4744",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنفع من الاستسقاء خاصة إذا استعمل لحرارته التي يخرج بها من الضرع مع بول الفصيل وهو حاركما يخرج من الحيوان فإن ذلك مما يزيد في ملوحته وتقطيعه الفضول وإطلاقه البطن فإن تعذر انحداره وإطلاقه البطن وجب أن يطلق بدواء مسهل. قال صاحب القانون: ولا يلتفت إلى ما يقال: من أن طبيعة اللبن مضادة لعلاج الاستسقاء. قال: واعلم أن لبن النوق دواء نافع لما فيه من الجلاء برفق وما فيه من خاصية وأن هذا اللبن شديد المنفعة فلو أن إنسانا أقام عليه بدل الماء والطعام شفي به وقد جرب ذلك في قوم دفعوا إلى بلاد العرب فقادتهم الضرورة إلى ذلك فعوفوا. وأنفع الأبوال: بول الجمل الأعرابي وهو النجيب انتهى. وفي القصة: دليل على التداوي والتطبب وعلى طهارة بول مأكول اللحم فإن التداوي بالمحرمات غير جائز ولم يؤمروا مع قرب عهدهم بالإسلام بغسل أفواههم وما أصابته ثيابهم من أبوالها للصلاة وتأخير البيان لا يجوز عن وقت الحاجة. وعلى مقاتلة الجاني بمثل ما فعل فإن هؤلاء قتلوا الراعي وسملوا عينيه ثبت ذلك في صحيح مسلم . وعلى قتل الجماعة وأخذ أطرافهم بالواحد. وعلى أنه إذا اجتمع في حق الجاني حد وقصاص استوفيا معا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قطع أيديهم وأرجلهم حدا لله على حرابهم وقتلهم لقتلهم الراعي. وعلى أن المحارب إذا أخذ المال وقتل قطعت يده ورجله في مقام واحد وقتل. وعلى أن الجنايات إذا تعددت تغلظت عقوباتها فإن هؤلاء ارتدوا بعد إسلامهم وقتلوا النفس ومثلوا بالمقتول وأخذوا المال وجاهروا بالمحاربة. وعلى أن حكم ردء المحاربين حكم مباشرهم فإنه من المعلوم أن كل واحد منهم لم يباشر القتل بنفسه ولا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4745",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعلى أن قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حدا فلا يسقطه العفو ولا تعتبر فيه المكافأة وهذا مذهب أهل المدينة وأحد الوجهين في مذهب أحمد اختاره شيخنا وأفتى به.  فصل في هديه في علاج الجرح في الصحيحين : عن أبي حازم أنه سمع سهل بن سعد يسأل عما دووي به جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقال: جرح وجهه وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه وكانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسل الدم وكان علي بن أبي طالب يسكب عليها بالمجن فلما رأت فاطمة الدم لا يزيد إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقتها حتى إذا صارت رمادا ألصقته بالجرح فاستمسك الدم 1  برماد الحصير المعمول من البردي 2 وله فعل قوي في حبس الدم لأن فيه تجفيفا قويا وقلة لذع فإن الأدوية القوية التجفيف إذا كان فيها لذع هيجت الدم وجلبته وهذا الرماد إذا نفخ وحده أو مع الخل في أنف الراعف قطع رعافه. وقال صاحب القانون: البردي ينفع من النزف ويمنعه ويذر على الجراحات الطرية فيدملها والقرطاس المصري كان قديما يعمل منه ومزاجه بارد يابس ورماده نافع من أكلة الفم ويحبس نفث الدم ويمنع القروح الخبيثة أن تسعى.  (1) أخرجه البخاري في الجهاد ومسلم في الجهاد أيضا رباعيته السن التي بين الثنية والناب والجمع رباعيات: ويقال للذي يلقي رباعيته: رباع: بوزن ثمان و هشمت الهشم: كسر الشيء اليابس. البيضة واحدة البيض من الحديد المجن بالكسر الترس (2) البردي: نبات يعمل منه الحصر. انظر المصباح المنير(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4746",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل في هديه في العلاج بشرب العسل والحجامة والكي في صحيح البخاري : عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الشفاء في ثلاث: شربة عسل وشرطة محجم وكية نار وأنا أنهى أمتي عن الكي 1 . قال أبو عبد الله المازري: الأمراض الامتلائية: إما أن تكون دموية أو صفراوية أو بلغمية أو سوداوية. فإن كانت دموية فشفاؤها إخراج الدم وإن كانت من الأقسام الثلاثة الباقية فشفاؤها بالإسهال الذي يليق بكل خلط منها وكأنه صلى الله عليه وسلم نبه بالعسل على المسهلات وبالحجامة على الفصد وقد قال بعض الناس: إن الفصد يدخل في قوله: شرطة محجم . فإذا أعيا الدواء فآخر الطب الكي فذكره صلى الله عليه وسلم في الأدوية لأنه يستعمل عند غلبة الطباع لقوى الأدوية وحيث لا ينفع الدواء المشروب. وقوله: وأنا أنهى أمتي عن الكي  وفي الحديث الآخر: وما أحب أن أكتوي 2  إشارة إلى أن يؤخر العلاج به حتى تدفع الضرورة إليه ولا يعجل التداوي به لما فيه من استعجال الألم الشديد في دفع ألم قد يكون أضعف من ألم الكي انتهى كلامه. وقال بعض الأطباء: الأمراض المزاجية: إما أن تكون بمادة أو بغير مادة والمادية منها: إما حارة أو باردة أو رطبة أو يابسة أو ما تركب منها وهذه الكيفيات الأربع منها كيفيتان فاعلتان: وهما الحرارة والبرودة وكيفيتان منفعلتان وهما الرطوبة واليبوسة ويلزم من غلبة إحدى الكيفيتين الفاعلتين استصحاب كيفية منفعلة معها وكذلك كان لكل واحد من الأخلاط الموجودة في البدن وسائر المركبات كيفيتان: فاعلة ومنفعلة.  (1) أخرجه البخاري وابن ماجه في الطب عن ابن عباس. (2) أخرجه البخاري في الطب ومسلم في السلام.(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4747",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فحصل من ذلك أن أصل الأمراض المزاجية هي التابعة لأقوى كيفيات الأخلاط التي هي الحرارة والبرودة فجاء كلام النبوة في أصل معالجة الأمراض التي هي الحارة والباردة على طريق التمثيل فإن كان المرض حارا عالجناه بإخراج الدم بالفصد كان أو بالحجامة لأن في ذلك استفراغا للمادة وتبريدا للمزاج. وإن كان باردا عالجناه بالتسخين وذلك موجود في العسل فإن كان يحتاج مع ذلك إلى استفراغ المادة الباردة فالعسل أيضا يفعل في ذلك لما فيه من الإنضاج والتقطيع والتلطيف والجلاء والتليين فيحصل بذلك استفراغ تلك المادة برفق وأمن من نكاية المسهلات القوية. وأما الكي: فلأن كل واحد من الأمراض المادية إما أن يكون حادا فيكون سريع الإفضاء لأحد الطرفين فلا يحتاج إليه فيه وإما أن يكون مزمنا وأفضل علاجه بعد الاستفراغ الكي في الأعضاء التي يجوز فيها الكي لأنه لا يكون مزمنا إلا عن مادة باردة غليظة قد رسخت في العضو وأفسدت مزاجه وأحالت جميع ما يصل إليه إلى مشابهة جوهرها فيشتعل في ذلك العضو فيستخرج بالكي تلك المادة من ذلك المكان الذي هو فيه بإفناء الجزء الناري الموجود بالكي لتلك المادة. فتعلمنا بهذا الحديث الشريف أخذ معالجة الأمراض المادية جميعها كما استنبطنا معالجة الأمراض الساذجة من قوله صلى الله عليه وسلم: إن شدة الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء .  فصل: [في الحجامة] وأما الحجامة ففي سنن ابن ماجه من حديث جبارة بن المغلس - وهو ضعيف- عن كثير بن سليم قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما مررت ليلة أسري بي بملإ إلا قالوا: يا محمد! مر أمتك بالحجامة 1 . وروى الترمذي في جامعه من حديث ابن عباس هذا الحديث: وقال فيه: عليك بالحجامة يا محمد  (1) أخرجه ابن ماجه. وسنده ضعيف وهو حديث صحيح بشواهده وفي الباب عن ابن مسعود وابن عباس عند الترمذي(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4748",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الصحيحين : من حديث طاووس عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجره . وفي الصحيحين أيضا عن حميد الطويل عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حجمه أبو طيبة فأمر له بصاعين من طعام وكلم مواليه فخففوا عنه من ضريبته وقال: خير ما تداويتم به الحجامة 1 . وفي جامع الترمذي عن عباد بن منصور قال: سمعت عكرمة يقول: كان لابن عباس غلمة ثلاثة حجامون فكان اثنان يغلان عليه وعلى أهله وواحد لحجمه وحجم أهله. قال: وقال ابن عباس: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: نعم العبد الحجام يذهب بالدم ويخف الصلب ويجلو البصر  وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث عرج به ما مر على ملاء من الملائكة إلا قالوا: عليك بالحجامة  وقال: إن خير ما تحتجمون فيه يوم سبع عشرة ويوم تسع عشرة ويوم تسع عشرة ويوم إحدى وعشرين وقال: إن خير ما تداويتم به السعوط واللدود والحجامة والمشي وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لد فقال: من لدني  فكلهم أمسكوا فقال: لا يبقى أحد في البيت إلا لد إلا العباس . قال: هذا حديث غريب ورواه ابن ماجه .  فصل: [في منافع الحجامة] أما منافع الحجامة: فإنها تنفي سطح البدن أكثر من الفصد والفصد لأعماق البدن أفضل والحجامة تستخرج الدم من نواحي الجلد. قلت: والتحقيق في أمرها وأمر الفصد أنهما يختلفان باختلاف الزمان والمكان والأسنان والأمزجة فالبلاد الحارة والأزمنة الحارة والأمزجة الحارة  (1) أخرجه البخاري في الطب ومسلم في المساقاة. وفي الجامع الصغير: خير ما تداويتم به الحجامة رواه الإمام أحمد والطبراني في الكبير عن سمرة بن جندب. (2) أخرجه الترمذي وابن ماجه وسنده ضعيف لضعف عباد بن منصور: السعوط دواء يصب في الأنف- انظر المصباح المنير. اللدود كصبور ما يصب بالمسط من الدواء في أحد شقي الفم كالديد- انظر القاموس المحيط.(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4749",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التي دم أصحابها في غاية النضج الحجامة فيها أنفع من الفصد بكثير فإن الدم ينضج ويرق ويخرج إلى سطح الجسد الداخل فتخرج الحجامة ما لا يخرجه الفصد ولذلك كانت أنفع للصبيان من الفصد ولمن لا يقوى على الفصد وقد نص الأطباء على أن البلاد الحارة الحجامة فيها أنفع وأفضل من الفصد وتستحب في وسط الشهر وبعد وسطه. وبالجملة في الربع الثالث من أرباع الشهر لأن الدم في أول الشهر لم يكن بعد قد هاج وتبيغ وفي آخره يكون قد سكن. وأما في وسطه وبعيده فيكون في نهاية التزيد. قال صاحب القانون: ويؤمر باستعمال الحجامة لا في أول الشهر لأن الأخلاط لا تكون قد تحركت وهاجت ولا في آخره لأنها تكون قد نقصت بل في وسط الشهر حين تكون الأخلاط هائجة بالغة في تزايدها لتزيد النور في جرم القمر. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: خير ما تداويتم به الحجامة والفصد 1 . وفي حديث: خير الدواء الحجامة والفصد . انتهى. وقوله صلى الله عليه وسلم: خير ما تداويتم به الحجامة إشارة إلى أهل الحجاز والبلاد الحارة لأن دماءهم رقيقة وهي أميل إلى ظاهر أبدانهم لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح الجسد واجتماعها في نواحي الجلد ولأن مسام أبدانهم واسعة وقواهم متخلخلة ففي الفصد لهم خطر والحجامة تفرق اتصالي إرادي يتبعه استفراغ كلي من العروق وخاصة العروق التي لا تفصد كثيرا ولفصد كل واحد منها نفع خاص ففصد الباسليق: ينفع من حرارة الكبد والطحال والأورام الكائنة فيهما من الدم وينفع من أورام الرئة وينفع من الشوصة 2 وذات الجنب وجميع الأمراض الدموية العارضة من أسفل الركبة إلى الورك. وفصد الأكحل: ينفع من الامتلاء العارض في جميع البدن إذا كان دمويا وكذلك إذا كان الدم قد فسد في جميع البدن. وفصد القيفال: 3 ينفع من العلل العارضة في الرأس والرقبة من كثرة الدم أو فساده.  (1) أخرجه ابو نعيم في كتاب الطب النبوي بلفظ خير ما تداويتم به الحجم والفصد عن علي أمير المؤمنين رضي الله عنه أما لفظ خير ما تداويتم به الحجامة والفصد بتأنيث الحجامة لم نعثر عليه في شيء من كتب الحديث التي اطلعنا عليها. (2) الشوصة: وجع في البطن أو هي ريح تعتقب في الأضلاع أو ورم في حجابها من داخل واحتلاح العرق- انظر القاموس المحيط (3) القيفال بالكسر: عرق في اليد يفصد- المرجع السابق(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4750",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفصد الودجين: ينفع من وجع الطحال والربو والبهر ووجع الجبين: والحجامة على الكاهل: تنفع من وجع المنكب والحلق. والحجامة على الأخدعين تنفع من أمراض الرأس وأجزائه كالوجه والأسنان والأذنين والعينين والأنف والحلق إذا كان حدوث ذلك عن كثرة الدم أو فساده أو عنهما جميعا. قال أنس رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتجم في الأخدعين والكاهل 1 . وفي الصحيحين عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتحم ثلاثا: واحدة على كاهله واثنتين على الأخدعين 2 وفي الصحيح: عنه أنه احتجم وهو محرم في رأسه لصداع كان به 3 . وفي سنن ابن ماجه عن علي نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بحجامة الأخدعين والكاهل 4 . وفي سنن أبي داود من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم في وركه من وثء كان به 5 .  فصل واختلف الأطباء في الحجامة على نقرة القفا وهي القمحدوة. وذكر أبو نعيم في كتاب الطب النبوي حديثا مرفوعا عليكم بالحجامة في جوزة  (1) أخرجه الترمذي في سننه وفي كتاب الشمائل له وأبو داود وابن ماجه والإمام أحمد والحاكم وصححه وأقره الذهبي على ذلك: وهذا الحديث بزيادة وكان يحتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين: أخرجه الترمذي والحاكم في الطب عن أنس بن مالك والطبراني في الكبير- والحاكم في الطب أيضا عن ابن عباس وقال صحيح على شرطهما وقال الترمذي: حسن غريب. (2) لم يخرج هذا الحديث في الصحيحين وإنما خرجه الإمام أحمد وأصحاب السنن (3) أخرجه البخاري في الطب (4) أخرجه ابن ماجه. وسنده ضعيف (5) أخرجه أبو داود ورجاله ثقات. والوشء والوشاءة: وصم يصيب اللحم لا يبلغ العظم أو توجع في العظم بلا كسر أو هو الفلك: وثئت يده كفرح تثأ وشأ فهي وثئة كفرحة- انظر القاموس المحيط.(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4751",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القمحدوة فإنها تشفي من خمسة أدواء  ذكر منها الجذام 1 . وفي حديث آخر: عليكم بالحجامة في جوزة القمحدوة فإنها شفاء من اثنين وسبعين داء . فطائفة منهم استحسنته وقالت: إنها تنفع من جحظ العين والنتوء العارض فيها وكثير من أمراضها ومن ثقل الحاجبين والجفن وتنفع من جربه. وروي أن أحمد بن حنبل احتاج إليها فاحتجم في جانبي قفاه ولم يحتجم في النقرة وممن كرهها صاحب القانون وقال: إنها تورث النسيان حقا كما قال سيدنا ومولانا وصاحب شريعتنا محمد صلى الله عليه وسلم فإن مؤخر الدماغ موضع الحفظ والحجامة تذهبه انتهى كلامه. ورد عليه آخرون وقالوا: الحديث لا يثبت وإن ثبت فالحجامة إنما تضعف مؤخر الدماغ إذا استعملت لغير ضرورة فأما إذا استعملت لغلبة الدم عليه فإنها نافعة له طبا وشرعا فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه احتجم في عدة أماكن من قفاه بحسب ما اقتضاه الحال في ذلك واحتجم في غير القفا بحسب ما دعت إليه حاجته.  فصل: [في منافع الحجامة تحت الذقن] والحجامة تحت الذقن تنفع من وجع الأسنان والوجه والحلقوم إذا استعملت في وقتها وتنقي انرأس والفكين والحجامة على ظهر القدم تنوب عن فصد الصافن وهو عرق عظيم عند الكعب وتنفع من قروح الفخذين والساقين وانقطاع الطمث والحكة العارضة في الأنثيين والحجامة في أسفل الصدر نافعة من دماميل الفخذ وجربه وبثوره ومن النقرس والبواسير والفيل وحكة الظهر.  فصل في هديه في أوقات الحجامة روى الترمذي في جامعه : من حديث ابن عباس يرفعه: إن خير ما تحتجمون فيه يوم سابع عشرة أو تاسع عشرة ويوم إحدى وعشرين 2 .  (1) رواه الطبراني في الكبي وابن السني وأبو نعيم عن صهيب بلفظ عليكم بالحجامة في جوزة القمدوة فإنها دواء من اثنين وسبعين داء وخمسة أدواء: من الجنون والجذام والبرص وجع الضرس والحديث بهذا النص يجمع بين الحديث الذي قال المصنف: رواه أبو نعيم وبين الحديث الذي ذكره بعده. (2) أخرجه الترمذي وسنده ضعيف فيه عباد بن منصور(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4752",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيه عن أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتجم في الأخدعين والكاهل وكان يحتجم لسبعة عشر وتسعة عشر وفي إحدى وعشرين 1 . وفي سنن ابن ماجه عن أنس مرفوعا: من أراد الحجامة فليتحر سبعة عشر أو تسعة عشر أو إحدى وعشرين لا يتبيغ بأحدكم الدم فيقتله . وفي سنن أبي داود من حديث أبي هريرة مرفوعا: من احتجم لسبع عشرة أو تسع عشرة أو إحدى وعشرين كانت شفاء من كل داء 2 وهذا معناه من كل داء سببه غلبة الدم. وهذه الأحاديث موافقة لما أجمع عليه الأطباء أن الحجامة في النصف الثاني وما يليه من الربع الثالث من أرباعه أنفع من أوله وآخره وإذا استعملت عند الحاجة إليها نفعت أي وقت كان من أول الشهر وآخره. قال الخلال: أخبرني عصمة بن عصام قال حدثنا حنبل قال: كان أبو عبد الله أحمد بن حنبل يحتجم أي وقت هاج به الدم وأي ساعة كانت. وقال صاحب القانون : أوقاتها في النهار: الساعة الثانية أو الثالثة ويجب توقيها بعد الحمام إلا فيمن دمه غليظ فيجب أن يستحم ثم يستجم ساعة ثم يحتجم انتهى. وتكره عندهم الحجامة على الشبع فإنها ربما أورثت سددا وأمراضا رديئة لا سيما إذا كان الغذاء رديئا غليظا. وفي أثر الحجامة على الريق دواء وعلى الشبع داء وفي سبعة عشر من الشهر شفاء . واختيار هذه الأوقات للحجامة فيما إذا كانت على سبيل الاحتياط والتحرز من الأذى وحفظا للصحة. وأما في مداواة الأمراض فحيثما وجد الاحتياج إليها وجب استعمالها. وفي قوله: لا يتبيغ بأحدكم الدم فيقتله  دلالة على ذلك يعني لئلا يتبيغ فحذف حرف الجرمع (أن)  ثم حذفت (أن) . والتبيغ: الهيج وهو مقلوب البغي وهو بمعناه فإنه بغي الدم وهيجانه. وقد تقدم أن الإمام أحمد كان يحتجم أي وقت احتاج من الشهر.  (1) أخرجه الترمذي في الطب وقال حديث حسن غريب ورجاله ثقات (2) أخرجه ابن ماجه وهو ضعيف في سنده النهاس بن قهم(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4753",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل [في وقت الحجامة] وأما اختيار أيام الأسبوع للحجامة فقال الخلال في جامعه : أخبرنا حرب ابن إسماعيل قال: قلت لأحمد تكره الحجامة في شيء من الأيام قال: قد جاء في الأربعاء والسبت. وفيه: عن الحسين بن حسان أنه سأل أبا عبد الله عن الحجامة: أي يوم تكره فقال: في يوم السبت ويوم الأربعاء ويقولون: يوم الجمعة. وروى الخلال عن أبي سلمة وأبي سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعا: من احتجم يوم الأربعاء أو يوم السبت فأصابه بياض أو برص فلا يلومن إلا نفسه 1 . وقال الخلال: أخبرنا محمد بن علي بن جعفر أن يعقوب بن بختان حدثهم فال: سئل أحمد عن النورة والحجامة يوم السبت ويوم الأربعاء فكرهها. وقال: بلغني عن رجل أنه تنور واحتجم يعني يوم الأربعاء فأصابه البرص. قلت له: كأنه تهاون بالحديث قال: نعم. وفي كتاب الأفراد للدارقطني من حديث نافع قال: قال لي عبد الله بن عمر: تبيغ بي الدم 2  فابغ لي حجاما ولا يكن صبيا ولا شيخا كبيرا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الحجامة تزيد الحافظ حفظا والعاقل عقلا فاحتجموا على اسم الله تعالى ولا تحتجموا الخميس والجمعة والسبت والأحد واحتجموا الاثنين وما كان من جذام ولا برص إلا نزل يوم الأربعاء . قال الدارقطني: تفرد به زياد بن يحيى وقد رواه أيوب عن نافع وقال فيه: واحتجموا يوم الاثنين والثلاثاء ولا تحتجموا يوم الأربعاء. وقد روى أبو داود في سننه من حديث أبي بكرة أنه كان يكره الحجامة يوم الثلاثاء وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يوم الثلاثاء يوم الدم وفيه ساعة لا يرقأ فيها الدم 3  (1) أخرجه البيهقي والحاكم وفي سند هذا الحديث سليمان بن أرقم وهو متروك (2) تبيغ بي الدم البيغ: ثوران الدم: أخرجه ابن ماجه والحاكم (3) أخرجه أبو داود(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4754",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وفي ضمن هذه الأحاديث المتقدمة استحباب التداوي واستحباب الحجامة وأنها تكون في الموضع الذي يقتضيه الحال وجواز احتجام المحرم وإن آل إلى قطع شيء من الشعر فإن ذلك جائز. وفي وجوب الفدية عليه نظر ولا يقوى الوجوب وجواز احتجام الصائم فإن في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم 1 . ولكن هل يفطر بذلك أم لا مسألة أخرى الصواب: الفطر بالحجامة لصحته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير معارض وأصح ما يعارض به حديث حجامته وهو صائم ولكن لا يدل على عدم الفطر إلا بعد أربعة أموره أحدها: أن الصوم كان فرضا. الثاني: أنه كان مقيما. الثالث: أنه لم يكن به مرض احتاج معه إلى الحجامة. الرابع: أن هذا الحديث متأخر عن قوله: أفطر الحاجم والمحجوم 2 . فإذا ثبتت هذه المقدمات الأربع أمكن الاستدلال بفعله صلى الله عليه وسلم على بقاء الصوم مع الحجامة وإلا فما المانع أن يكون الصوم نفلا يجوز الخروج منه بالحجامة وغيرها أو من رمضان لكنه في السفر أو من رمضان في الحضر لكن دعت الحاجة إليها كما تدعو حاجة من به مرض إلى الفطر أو يكون فرضا من رمضان في الحضر من غير حاجة إليها لكنه مبقى على الأصل. وقوله: أفطر الحاجم والمحجوم  ناقل ومتأخر فيتعين المصير إليه ولا سبيل إلى إثبات واحدة من هذه المقدمات الأربع فكيف بإثباتها كلها. وفيها دليل على استئجار الطبيب وغيره من غير عقد إجارة بل يعطيه أجرة المثل أو ما يرضيه. وفيها دليل على جواز التكسب بصناعة الحجامة وإن كان لا يطيب للحر أكل أجرته من غير تحريم عليه فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه أجره ولم يمنعه من أكله وتسميته إياه خبيثا كتسميته للثوم والبصل خبيثين ولم يلزم من ذلك تحريمهما.  (1) أخرجه البخاري (2) أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم عن توبان وهو متواتر: قال القاضي البيضاوي: ذهب إلى ظاهر الخبر جمع فقالوا: بفطرهما منهم أحمد وذهب الأكثر للكراهة وصحة الصوم وحملوا الخبر على التشديد وذهب قوم إلى منسوخ.(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4755",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيها دليل على جواز ضرب الرجل الخراج على عبده كل يوم شيئا معلوما بقدر طاقته وأن للعبد أن يتصرف فيما زاد على خراجه ولو منع من التصرف لكان كسبه كله خراجا ولم يكن لتقديره فائدة بل ما زاد على خراجه فهو تمليك من سيده له بتصرف فيه كما أراد والله أعلم.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في قطع العروق والكي ثبت في الصحيح من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أبي بن كعب طبيبا فقطع له عرقا وكواه عليه 1 ولما رمي سعد بن معاذ في أكحله حسمه النبي صلى الله عليه وسلم ثم ورمت فحسمه الثانية 2 . والحسم: هو الكي. وفي طريق آخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كوى سعد بن معاذ في أكحله بمشقص ثم حسمه سعد بن معاذ أو غيره من أصحابه. وفي لفظ آخر: أن رجلا من الأنصار رمي في أكحله بمشقص فأمر النبي صلى الله عليه وسلم به فكوي. وقال أبو عبيد: وقد أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل نعت له الكي فقال: اكووه وارضفوه 3 قال أبو عبيد: الرضف الحجارة تسخن ثم يكمد بها. وقال الفضل بن دكين: حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كواه في أكحله. وفي صحيح البخاري من حديث أنس أنه كوي من ذات الجنب والنبي صلى الله عليه وسلم حي 4 .  (1) أخرجه مسلم في السلام (2) أخرجه مسلم وأحمد (3) أخرجه عبد الرزاق في المصنف. (4) أخرجه البخاري في الطب: باب ذات الجنب(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4756",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الترمذي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كوى أسعد بن زرارة من الشوكة 1  وقد تقدم الحديث المتفق عليه وفيه وما أحب أن أكتوي وفي لفظ آخر: وأنا أنهى أمتي عن الكي . وفي جامع الترمذي وغيره عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الكي قال: فابتلينا فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا. وفي لفظ: نهينا عن الكي وقال: فما أفلحن ولا أنجحن 2 . قال الخطابي: إنما كوى سعدا ليرقأ الدم من جرحه وخاف عليه أن ينزف فيهلك. والكي مستعمل في هذا الباب كما يكوى من تقطع يده أو رجله. وأما النهي عن الكي فهو أن يكتوي طلبا للشفاء وكانوا يعتقدون أنه متى لم يكتو هلك فنهاهم عنه لأجل هذه النية. وقيل إنما نهى عنه عمران بن حصين خاصة لأنه كان به ناصور وكان موضعه خطرا فنهاه عن كيه فيشبه أن يكون النهي منصرفا إلى الموضع المخوف منه والله أعلم. وقال ابن قتيبة: الكي جنسان: كي الصحيح لئلا يعتل فهذا الذي قيل فيه: لم يتوكل من اكتوى لأنه يريد أن يدفع القدر عن نفسه. والثاني: كي الجرح إذا نغل والعضو إذا قطع ففي هذا الشفاء. وأما إذا كان الكي للتداوي الذي يجوز أن ينجع ويجوز ألاينجع فإنه إلى الكراهة أقرب. انتهى. وثبت في الصحيح في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون 3 . فقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع أحدها: فعله والثاني: عدم محبته له والثالث: الثناء على من تركه والرابع: النهي عنه ولا تعارض بينهما بحمد الله تعالى فإن فعله يدل على جوازه وعدم محبته له لا يدل على المنع منه. وأما الثناء على  (1) أخرجه الترمذي- الشوكة داء معروف- انظر القاموس (2) أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجه (3) أخرجه البخاري ومسلم(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4757",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تاركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل. وأما النهي عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهة أو عن النوع الذي لا يحتاج إليه بل يفعل خوفا من حدوث الداء والله أعلم.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الصرع أخرجا في الصحيحين من حديث عطاء بن أبي رباح قال: قال ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة قلت بلى. قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي فقال: إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك  فقالت: أصبر. قالت فإني أتكشف فادع الله ألاأتكشف فدعا لها 1 قلت: الصرع صرعان: صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية وصرع من الأخلاط الرديئة. والثاني: هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه. وأما صرع الأرواح فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به ولا يدفعونه ويعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة فتدافع آثارها وتعارض أفعالها وتبطلها وقد نص على ذلك بقراط في بعض كتبه فذكر بعض علاج الصرع وقال: هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة. وأما الصرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع فيه هذا العلاج. وأما جهلة الأطباء وسقطهم وسفلتهم ومن يعتقد بالزندقة فضيلة فأؤلئك ينكرون صرع الأرواح ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع وليس معهم إلا الجهل وإلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك والحس والوجود شاهد به وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط وصادق في بعض أقسامه لا في كلها. وقدماء الأطباء كانوا يسمون هذا الصرع: المرض الإلهي وقالوا: إنه من الأرواح وأما جالينوس وغيره فتأولوا عليهم هذه التسمية وقالوا: إنما سموه بالمرض الإلهي لكون هذه العلة تحدث في الرأس فتضر بالجزء الإلهي الطاهر الذي مسكنه الدماغ.  (1) أخرجه البخاري في المرض ومسلم في البر والصلة(1\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4758",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا التأويل نشأ لهم من جهلهم بهذه الأرواح وأحكامها وتأثيراتها وجاءت زنادقة الأطباء فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده. ومن له عقل ومعرفة بهذه الأرواح وتأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء وضعف عقولهم. وعلاج هذا النوع يكون بأمرين: أمر من جهة المصروع وأمر من جهة المعالج فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وبارئها والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان فإن هذا نوع محاربة والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين: أن يكون السلاح صحيحا في نفسه جيدا وأن يكون الساعد قويا فمتى تخلف أحدهما لم يغن السلاح كثير طائل فكيف إذا عدم الأمران جميعا: يكون القلب خرابا من التوحيد والتوكل والتقوى والتوجه ولا سلاح له. والثاني: من جهة المعالج بأن يكون فيه هذان الأمران أيضا حتى إن من المعالجين من يكتفي بقوله: اخرج منه . أو بقول: بسم الله  أو بقول لا حول ولا قوة إلا بالله  والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: اخرج عدو الله أنا رسول الله 1 . وشاهدت شيخنا يرسل إلى المصروع من يخاطب الروح التي فيه ويقول: قال لك الشيخ: اخرجي فإن هذا لا يحل لك فيفيق المصروع وربما خاطبها بنفسه وربما كانت الروح ماردة فيخرجها بالضرب فيفيق المصروع ولا يحس بألم وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مرارا. وكان كثيرا ما يقرأ في أذن المضروع: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون 2 وحدثني أنه قرأها مرة في أذن المصروع فقالت الروح: نعم ومد بها صوته. قال: فأخذت له عصا وضربته بها في عروق عنقه حتى كلت يداي من الضرب ولم يشك الحاضرون أنه يموت لذلك الضربة ففي أثناء الضرب قالت: أنا أحبه  (1) أخرجه الإمام أحمد من حديث يعلى بن مرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) المؤمنون- 115- ومعنى الآية: أي خلقناكم لنتعبدكم في الأمر والنهي وترجعون إلينا ونجازي على ذلك(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4759",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقلت لها: هو لا يحبك قالت: أنا أريد أن أحج به فقلت لها هو لا يريد أن يحج معك فقالت أنا أدعه كرامة لك قال: قلت: لا ولكن طاعة لله ولرسوله قالت: فأنا أخرج منه قال: فقعد المصروع يلتفت يمينا وشمالا وقال: ما جاء بي إلى حضرة الشيخ قالوا له: وهذا الضرب كله فقال وعلى أي شيء يضربني الشيخ ولم أذنب ولم يشعر بأنه وقع به ضرب البتة وكان يعالج بآية الكرسي وكان يأمر بكثرة قراءتها المصروع ومن يعالجه بها وبقراءة المعوذتين. وبالجملة فهذا النوع من الصرع وعلاجه لا ينكره إلا قليل الحظ من العلم والعقل والمعرفة وأكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله تكون من جهة قلة دينهم وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذكر والتعاويذ والتحصنات النبوية والإيمانية فتلقى الروح الخبيثة الرجل أعزل لا سلاح معه وربما كان عريانا فيؤثر فيه هذا. ولو كشف الغطاء لرأيت أكثر النفوس البشرية صرعى هذه الأرواح الخبيثة وهي في أسرها وقبضتها تسوقها حيث شاءت ولا يمكنها الامتناع عنها ولا مخالفتها وبها الصرع الأعظم الذي لا يفيق صاحبه إلا عند المفارقة والمعاينة فهناك يتحقق أنه كان هو المصروع حقيقة وبالله المستعان. وعلاج هذا الصرع باقتران العقل الصحيح إلى الإيمان بما جاءت به الرسل وأن تكون الجنة والنار نصب عينيه وقبلة قلبه ويستحضر أهل الدنيا وحلول المثلات والآفات بهم ووقوعها خلال ديارهم كمواقع القطر وهم صرعى لا يفيقون وما أشد داء هذا الصرع ولكن لما عمت البلية به بحيث لا يرى إلا مصروعا لم يصر مستغربا ولا مستنكرا بل صار لكثرة المصروعين عين المستنكر المستغرب خلافه. فإذا أراد الله بعبد خيرا أفاق من هذه الصرعة ونظر إلى أبناء الدنيا مصروعين حوله يمينا وشمالا على اختلاف طبقاتهم فمنهم من أطبق به الجنون ومنهم من يفيق أحيانا قليلة ويعود إلى جنونه ومنهم من يفيق مرة ويجن أخرى فإذا أفاق عمل عمل أهل الإفاقة والعقل ثم يعاوده الصرع فيقع في التخبط.(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4760",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل [في صرع الأخلاط] وأما صرع الأخلاط فهو علة تمنع الأعضاء النفسية عن الأفعال والحركة والانتصاب منعا غير تام وسببه خلط غليظ لزج يسد منافذ بطون الدماغ سدة غير تامة فيمتنع نفوذ الحس والحركة فيه وفي الأعضاء نفوذا تاما من غير انقطاع بالكلية وقد تكون لأسباب أخر كريح غليظ يحتبس في منافذ الروح أو بخار رديء يرتفع إليه من بعض الأعضاء أو كيفية لاذعة فينقبض الدماغ لدفع المؤذي فيتبعه تشنج في جميع الأعضاء ولا يمكن أن يبقى الإنسان معه منتصبا بل يسقط ويظهر في فيه الزبد غالبا. وهذه العلة تعد من جملة الأمراض الحادة باعتبار وقت وجوده المؤلم خاصة وقد تعد من جملة الأمراض المزمنة باعتبار طول مكثها وعسر برئها لا سيما أن تجاوز في السن خمسا وعشرين سنة وهذه العلة في دماغه وخاصة في جوهره فإن صرع هؤلاء يكون لازما. قال أبقراط: إن الصرع يبقى في هؤلاء حتى يموتوا. إذا عرف هذا فهذه المرأة التي جاء الحديث أنها كانت تصرع وتتكشف يجوز أن يكون صرعها من هذا النوع فوعدها النبي صلى الله عليه وسلم الجنة بصبرها على هذا المرض ودعا لها ألاتتكشف وخيرها بين الصبر والجنة وبين الدعاء لها بالشفاء من غير ضمان فاختارت الصبر والجنة. وفي ذلك دليل على جواز ترك المعالجة والتداوي وأن علاج الأرواح بالدعوات والتوجه إلى الله يفعل ما لا يناله علاج الأطباء وأن تأثيره وفعله وتأثر الطبيعة عنه وانفعالها أعظم من تأثير الأدوية البدنية وانفعال الطبيعة عنها وقد جربنا هذا مرارا نحن وغيرنا وعقلاء الأطباء معترفون بأن لفعل القوى النفسية وانفعالاتها في شفاء الأمراض عجائب وما على الصناعة الطبية أضر من زنادقة القوم وسفلتهم وجهالهم. والظاهر أن صرع هذه المرأة كان من هذا النوع ويجوز أن يكون من جهة الأرواح ويكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خيرها بين الصبر على ذلك مع الجنة وبين الدعاء لها بالشفاء فاختارت الصبر والستر والله أعلم.(1\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4761",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج عرق النسا روى ابن ماجه في سننه من حديث محمد بن سيرين عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: دواء عرق النسا ألية شاة أعرابية تذاب ثم تجزأ ثلاثة أجزاء ثم يشرب على الريق في كل يوم جزء 1 عرق النساء: وجع يبتدىء من مفصل الورك وينزل من خلف على الفخذ وربما على الكعب وكلما طالت مدته زاد نزوله وتهزل معه الرجل والفخذ وهذا الحديث فيه معنى لغوي ومعنى طبي. فأما المعنى اللغوي فدليل على جواز تسمية هذا المرض بعرق النسا خلافا لمن منع هذه التسمية وقال: النسا هو العرق نفسه فيكون من باب إضافة الشيء إلى نفسه وهو ممتنع. وجواب هذا القائل من وجهين. أحدهما أن العرق أعم من النسا فهو من باب إضافة العام إلى الخاص نحو: كل الدراهم أو بعضها. الثاني: أن النسا هو المرض الحال بالعرق والإضافة فيه من باب إضافة الشيء إلى محله وموضعه. قيل: وسمي بذلك لأن ألمه ينسي ما سواه وهذا العرق ممتد من مفصل الورك وينتهي إلى آخر القدم وراء الكعب من الجانب الوحشي فيما بين عظم الساق والوتر. وأما المعنى الطبي فقد تقدم أن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم نوعان: أحدهما عام بحسب الأزمان والأماكن والأشخاص والأحوال. والثاني خاص بحسب هذه الأمور أو بعضها وهذا من هذا القسم فإن هذا خطاب للعرب وأهل الحجاز ومن جاورهم ولا سيما أعراب البوادي فإن هذا العلاج من أنفع العلاج لهم فإن هذا المرض يحدث من يبس وقد يحدث من مادة غليظة لزجة فعلاجها بالإسهال والألية فيها الخاصيتان الإنضاج والتليين ففيها الإنضاج والإخراج. وهذا المرض يحتاج علاجه إلى هذين الأمرين وفي تعيين الشاة الأعرابية لقلة فضولها وصغر مقدارها ولطف جوهرها وخاصية مرعاها لأنها ترعى أعشاب البر الحارة كالشيح والقيصوم ونحوهما وهذه النباتات إذا تغذى بها الحيوان صار في لحمه من طبعها بعد أن يلطفها تغذية بها ويكسبها مزاجا ألطف  (1) أخرجه ابن ماجه في الطب(1\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4762",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منها ولا سيما الألية وظهور فعل هذه النباتات في اللبن 1  وهذا كما تقدم أن أدوية غالب الأمم والبوادي هي الأدوية المفردة وعليه أطباء الهند. وأما الروم واليونان فيعتنون بالمركبة وهم متفقون كلهم على أن من مهارة الطبيب أن يداوي بالغذاء فإن عجز فبالمفرد فإن عجز فبما كان أقل تركيبا. وقد تقدم أن غالب عادات العرب وأهل البوادي الأمراض البسيطة فالأدوية البسيطة تناسبها وهذا لبساطة أغذيتهم في الغالب وأما الأمراض المركبة فغالبا ما تحدث عن تركيب الأغذية وتنوعها واختلافها فاختيرت لها الأدوية المركبة والله تعالى أعلم.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج يبس الطبع واحتياجه إلى ما يمشيه ويلينه روى الترمذي في جامعه وابن ماجه في سننه من حديث أسماء بنت عميس قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بماذا كنت تستمشين  قالت: بالشبرم قال حار جار  قالت: ثم استمشيت بالسنا فقال: لو كان شيء يشفي من الموت لكان السنا 2 . وفي سنن ابن ماجه عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: سمعت عبد الله بن أم حرام وكان قد صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلتين يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: عليكم بالسنا والسنوت فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام  قيل: يا رسول الله! وما السام قال: الموت 3 .  (1) قال الدكتور عادل الأزهري: عرق النسا: هو مرض يصيب الرجال والنساء على السواء وآلامه مفرطة تبتدىء غالبا في أسفل العمود الفقري ويمتد الألم ألى إلى إحدى الأليتين ثم إلى الجزء الخلفي من الفخذ وأحيانا حتى الكعب. وينتج غالبا من انفصال غضروفي بأسفل العمود الفقري أو التهاب روماتزمي بالعصب الإنسي وعلاجه الأساسي الراحة التامة على الظهر لمدة خمسة عشر يوما على الأقل مع إعطاء مهدئات للألم مثل الإسبرين والحجامات الجافة والكي أحيانا يساعدان على علاجه. (2) أخرجه الترمذي وابن ماجه والحاكم (3) أخرجه ابن ماجه والحاكم في الطب قال الحاكم صحيح وتعقبه الذهبي بأن عمرو بن بكراتهمه ابن عدي بأن له مناكير.(1\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4763",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله: بماذا كنت تستمشين  أي تلينين الطبع حتى يمشي ولا يصير بمنزلة الواقف فيؤذي باحتباس النجو ولهذا سمي الدواء المسهل مشيا على وزن فعيل. وقيل: لأن المسهول يكثر المشي والاختلاف للحاجة وقد روي: بماذا تستشفين  فقالت: بالشبرم وهو من جملة الأدوية اليتوعية وهو قشر عرق شجرة وهو حار يابس في الدرجة الرابعة وأجوده المائل إلى الحمرة الخفيف الرقيق الذي يشبه الجلد الملفوف وبالجملة فهو من الأدوية التي أوصى الأطباء بترك استعمالها لخطرها وفرط إسهالها. وقوله صلى الله عليه وسلم حار جار ويروى: حار يار  قال أبو عبيد: وأكثر كلامهم بالياء. قلت: وفيه قولان أحدهما أن الحار الجار بالجيم الشديد الإسهال فوصفه بالحرارة وشدة الإسهال وكذلك هو قاله أبو حنيفة الدينوري. والثاني- وهو الصواب- أن هذا من الإتباع الذي يقصد به تأكيد الأول ويكون بين التأكيد اللفظي والمعنوي ولهذا يراعون فيه إتباعه في أكثر حروفه كقولهم: حسن بسن أي: كامل الحسن وقولهم: حسن قسن بالقاف ومنه شيطان ليطان وحار جار مع أن في الجار معنى آخر وهو الذي يجر الشيء الذي يصيبه من شدة حرارته وجذبه له كأنه ينزعه ويسلخه. ويار: إما لغة في جار كقولهم: صهري وصهريج والصهاري والصهاريج وإما إتباع مستقل. وأما السنا ففيه لغتان المد والقصر وهو نبت حجازي أفضله المكي وهو دواء شريف مأمون الغائلة قريب من الاعتدال حار يابس في الدرجة الأولى يسهل الصفراء والسوداء ويقوي جرم القلب وهذه فضيلة شريفة فيه وخاصيته النفع من الوسواس السوداوي ومن الشقاق العارض في البدن ويفتح العضل وينفع من انتشار الشعر ومن القمل والصداع العتيق والجرب والبثور والحكة والصرع وشرب مائه مطبوخا أصلح من شربه مدقوقا ومقدار الشربة منه ثلاثة دراهم ومن مائه خمسة دراهم وإن طبخ معه شيء من زهر البنفسج والزبيب الأحمر المنزوع العجم كان أصلح. قال الرازي: السناء والشاهترج يسهلان الأخلاط المحترقة وينفعان من الجرب والحكة والشربة من كل واحد منهما من أربعة دراهم إلى سبعة دراهم. وأما السنوت ففيه ثمانية أقوال أحدها: أنه العسل. والثاني: أنه رب(1\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4764",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عكة السمن يخرج خططا سوداء على السمن حكاهما عمرو بن بكر السكسكي. الثالث: أنه حب يشبه الكمون وليس به قاله ابن الأعرابي. الرابع: أنه الكمون الكرماني. الخامس: أنه الرازيانج. حكاهما أبو حنيفة الدينوري عن بعض الأعراب. السادس: أنه الشبت. السابع: أنه التمر حكاهما أبو بكر بن السني الحافظ. الثامن: أنه العسل الذي يكون في زقاق السمن حكاه عبد اللطيف البغدادي. قال بعض الأطباء: وهذا أجدر بالمعنى وأقرب إلى الصواب أي: يخلط السناء مدقوقا بالعسل المخالط للسمن ثم يلعق فيكون أصلح من استعماله مفردا لما في العسل والسمن من إصلاح السنا وإعانته له على الإسهال. والله أعلم. وقد روى الترمذي وغيره من حديث ابن عباس يرفعه: إن خير ما تداويتم به السعوط واللدود والحجامة والمشي  والمشي: هو الذي يمشي الطبع ويلينه ويسهل خروج الخارج.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج حكة الجسم وما يولد القمل في الصحيحين من حديث قتادة عن أنس بن مالك قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهما في لبس الحرير لحكة كانت بهما. وفي رواية: أن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهما شكوا القمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة لهما فرخص لهما في قمص الحرير ورأيته عليهما  2 . هذا الحديث يتعلق به أمران: أحدهما: فقهي والآخر طبي.  (1) أخرجه الترمذي. وفي سنده عباد بن منصور وهو ضعيف (2) أخرجه البخاري في الجهاد ومسلم في اللباس(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4765",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأما الفقهي: فالذي استقرت عليه سنته صلى الله عليه وسلم إباحة الحرير للنساء مطلقا وتحريمه على الرجال إلا لحاجة ومصلحة راجحة فالحاجة إما من شدة البرد ولا يجد غيره أو لا يجد سترة سواه. ومنها: لباسه للجرب والمرض والحكة وكثرة القمل كما دل عليه حديث أنس هذا الصحيح. والجواز: أصح الروايتين عن الإمام أحمد وأصح قولي الشافعي إذ الأصل عدم التخصيص والرخصة إذا ثبتت في حق بعض الأمة لمعنى تعدت إلى كل من وجد فيه ذلك المعنى إذ الحكم يعم بعموم سببه. ومن منع منه قال: أحاديث التحريم عامة وأحاديث الرخصة يحتمل اختصاصها بعبد الرحمن بن عوف والزبير ويحتمل تعديها إلى غيرهما. وإذا احتمل الأمران كان الأخذ بالعموم أولى ولهذا قال بعض الرواة في هذا الحديث: فلا أدري أبلغت الرخصة من بعدهما أم لا والصحيح: عموم الرخصة فإنه عرف خطاب الشرع في ذلك ما لم يصرح بالتخصيص وعدم إلحاق غير من رخص له أولا به كقوله لأبي بردة في تضحيته بالجذعة من المعز: تجزيك ولن تجزي عن أحد بعدك وكقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في نكاح من وهبت نفسها له: خالصة لك من دون المؤمنين 1 وتحريم الحرير: إنما كان سدا للذريعة ولهذا أبيح للنساء وللحاجة والمصلحة الراجحة وهذه قاعدة ما حرم لسد الذرائع فإنه يباح عند الحاجة والمصلحة الراجحة كما حرم النظر سدا لذريعة الفعل وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة والمصلحة الراجحة وكما حرم التنفل بالصلاة في أوقات النهي سدا لذريعة المشابهة الصورية بعباد الشمس وأبيحت للمصلحة الراجحة وكما حرم ربا الفضل سدا لذريعة ربا النسيئة وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة من العرايا 2  وقد أشبعنا الكلام فيما يحل ويحرم من لباس الحرير في كتاب التحبير لما يحل ويحرم من لباس الحرير .  (1) الأحزاب- 50-. (2) العرايا: جمع عرية بوزن مضية وهي النخلة التي يعطيها صاحبها لفقير لينتفع بثمرتها إلى سنة فتدفعه الحاجة إلى أن يأخذ بثمرتها تمرا قبل أن تحرز ثمرتها فلا يضر الفضل حينئذ.(1\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4766",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وأما الأمر الطبي: فهو أن الحرير من الأدوية المتخذة من الحيوان ولذلك يعد في الأدوية الحيوانية لأن مخرجه من الحيوان وهو كثير المنافع جليل الموقع ومن خاصيته تقوية القلب وتفريحه والنفع من كثير من أمراضه ومن غلبة المرة السوداء والأدواء الحادثة عنها وهو مقو للبصر إذا اكتحل به والخام منه- وهو المستعمل في صناعة الطب- حار يابس في الدرجة الأولى. وقيل: حار رطب فيها: وقيل: معتدل. وإذا اتخذ منه ملبوس كان معتدل الحرارة في مزاجه مسخنا للبدن وربما برد البدن بتسمينه إياه. قال الرازي: الإبريسم أسخن من الكتان وأبرد من القطن يربي اللحم وكل لباس خشن فإنه يهزل ويصلب البشرة وبالعكس. قلت: والملابس ثلاثة أقسام: قسم يسخن البدن ويدفئه وقسم يدفئه ولا يسخنه وقسم لا يسخنه ولا يدفئه وليس هناك ما يسخنه ولا يدفئه إذ ما يسخنه فهو أولى بتدفئته فملابس الأوبار والأصواف تسخن وتدفىء وملابس الكتان والحرير والقطن تدفىء ولا تسخن فثياب الكتان باردة يابسة وثياب الصوف حارة يابسة وثياب القطن معتدلة الحرارة وثياب الحرير ألين من القطن وأقل حرارة منه. قال صاحب المنهاج : ولبسه لا يسخن كالقطن بل هو معتدل وكل لباس أملس صقيل فإنه أقل إسخانا للبدن وأقل عونا في تحلل ما يتحلل منه وأحرى أن يلبس في الصيف وفي البلاد الحارة. ولما كانت ثياب الحرير كذلك وليس فيها شيء من اليبس والخشونة الكائنين في غيرها صارت نافعة من الحكة إذ الحكة لا تكون إلا عن حرارة ويبس وخشونة فلذلك رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير وعبد الرحمن في لباس الحرير لمداواة الحكة وثياب الحرير أبعد عن تولد القمل فيها إذ كان مزاجها مخالفا لمزاج ما يتولد منه القمل. وأما القسم الذي لا يدفىء ولا يسخن فالمتخذ من الحديد والرصاص والخشب والتراب ونحوها فإن قيل: فإذا كان لباس الحرير أعدل اللباس وأوفقه(1\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4767",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للبدن فلماذا حرمته الشريعة الكاملة الفاضلة التي أباحت الطيبات وحرمت الخبائث قيل: هذا السؤال يجيب عنه كل طائفة من طوائف المسلمين بجواب فمنكرو الحكم والتعليل لما رفعت قاعدة التعليل من أصلها لم يحتاجوا إلى جواب عن هذا السؤال. ومثبتو التعليل والحكم- وهم الأكثرون- منهم من يجيب عن هذا بأن الشريعة حرمته لتصبر النفوس عنه وتتركه لله فتثاب على ذلك لا سيما ولها عوض عنه بغيره. ومنهم من يجيب عنه بأنه خلق في الأصل للنساء كالحلية بالذهب فحرم على الرجال لما فيه من مفسدة تشبه الرجال بالنساء ومنهم من قال: حرم لما يورثه من الفخر والخيلاء والعجب. ومنهم من قال: حرم لما يورثه بملامسته للبدن من الأنوثة والتخنث وضد الشهامة والرجولة فإن لبسه يكسب القلب صفة من صفات الإناث ولهذا لا تكاد تجد من يلبسه في الأكثر إلا وعلى شمائله من التخنث والتأنث والرخاوة ما لا يخفى حتى لو كان من أشهم الناس وأكثرهم فحولية ورجولية فلا بد أن ينقصه لبس الحرير منها وإن لم يذهبها ومن غلظت طباعه وكثفت عن فهم هذا فليسلم للشارع الحكيم ولهذا كان أصح القولين: أنه يحرم على الولي أن يلبسه الصبي لما ينشأ عليه من صفات أهل التأنيث. وقد روى النسائي من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله أحل لإناث أمتي الحرير والذهب وحرمه على ذكورها . وفي لفظ: حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم 1 . وفي صحيح البخاري عن حذيفة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير والديباج وأن يجلس عليه وقال: هو لهم في الدنيا ولكم في الآخرة 2 .  (1) أخرجه عبد الرزاق في المصنف. والنسائي في الزينة والترمذي في اللباس وهو حديث صحيح (2) أخرجه البخاري في اللباس(1\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4768",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج ذات الجنب روى الترمذي في جامعه من حديث زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تداووا من ذات الجنب بالقسط البحري والزيت 1 . وذات الجنب عند الأطباء نوعان: حقيقي وغير حقيقي. فالحقيقي: وره حار يعرض في نواحي الجنب في الغشاء المستبطن للأضلاع. وغير الحقيقي: ألم يشبهه يعرض في نواحي الجنب عن رياح غليظة مؤذية تحتقن بين الصفاقات فتحدث وجعا قريبا من وجع ذات الجنب الحقيقي إلا أن الوجع في هذا القسم ممدود وفي الحقيقي ناخس. قال صاحب القانون : قد يعرض في الجنب والصفاقات والعضل التي في الصدر والأضلاع ونواحيها أورام مؤذية جدا موجعة تسمى شوصة وبرساما وذات الجنب. وقد تكون أيضا أوجاعا في هذه الأعضاء ليست من ورم ولكن من رياح غليظة فيظن أنها من هذه العلة ولا تكون منها. قال: واعلم أن كل وجع في الجنب قد يسمى ذات الجنب اشتقاقا من مكان الألم لأن معنى ذات الجنب صاحبة الجنب والغرض به ها هنا وجع الجنب فإذا عرض في الجنب ألم عن أي سبب كان نسب إليه وعليه حمل كلام بقراط في قوله: إن أصحاب ذات الجنب ينتفعون بالحمام. قيل: المراد به كل من به وجع جنب أو وجع رئة من سوء مزاج أو من أخلاط غليظة أو لذاعة من غير ورم ولا حمى. قال بعض الأطباء: وأما معنى ذات الجنب في لغة اليونان فهو ورم الجنب الحار وكذلك ورم كل واحد من الأعضاء الباطنة وإنما سمي ذات الجنب ورم ذلك العضو إذا كان ورما حارا فقط. ويلزم ذات الجنب الحقيقي خمسة أعراض: وهي الحمى والسعال والوجع الناخس وضيق النفس والنبض المنشاري. والعلاج الموجود في الحديث ليس هو لهذا القسم لكن للقسم الثاني الكائن عن الريح الغليظة فإن القسط البحري- وهو العود الهندي على ما جاء  (1) أخرجه الترمذي والإمام أحمد والحاكم في الطب. قال الحاكم: صحيح وأقره الذهبي(1\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4769",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مفسرا في أحاديث أخر- صنف من القسط إذا دق دقا ناعما وخلط بالزيت المسخن ودلك به مكان الريح المذكور أو لعق كان دواء موافقا لذلك نافعا له محللا لمادته مذهبا لها مقويا للأعضاء الباطنة مفتحا للسدد والعود المذكور في منافعه كذلك.. قال المسبحي 1 : العود: حار يابس قابض يحبس البطن ويقوي الأعضاء الباطنة ويطرد الريح ويفتح السدد نافع من ذات الجنب ويذهب فضل الرطوبة والعود المذكور جيد للدماغ. قال: ويجوز أن ينفع القسط من ذات الجنب الحقيقية أيضا إذا كان حدوثها عن مادة بلغمية لا سيما في وقت انحطاط العلة والله أعلم. وذات الجنب: من الأمراض الخطرة وفي الحديث الصحيح: عن أم سلمة أنها قالت: بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرضه في بيت ميمونة وكان كلما خف عليه خرج وصلى بالناس وكان كلما وجد ثقلا قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس  واشتد شكواه حتى غمر عليه من شدة الوجع فاجتمع عنده نساؤه وعمه العباس وأم الفضل بنت الحارث وأسماء بنت عميس فتشاوروا في لده فلدوه وهو مغمور فلما أفاق قال: من فعل بي هذا هذا من عمل نساء جئن من ها هنا وأشار بيده إلى أرض الحبشة وكانت أم سلمة وأسماء لدتاه فقالوا: يا رسول الله! خشينا أن يكون بك ذات الجنب. قال: فبم لددتموني  قالوا: بالعود الهندي وشيء من ورس وقطرات من زيت. فقال: ما كان الله ليقذفني بذلك الداء  ثم قال: عزمت عليكم ألايبقى في البيت أحد إلا لد إلا عمي العباس 2 . وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لددنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار ألاتلدوني فقلنا: كراهية المريض للدواء فلما أفاق قال: ألم أنهكم أن تلدوني لا يبقى منكم أحد إلا لد غير عمي العباس فإنه لم يشهدكم .  (1) أخرجه ابن سعد من طريق الواقدي وهو ضعيف. وأخرجه بنحوه عبد الرزاق في المصنف من حديث أسماء بنت عميس وإسناده صحيح (2) أخرجه البخاري في الطب ومسلم في اللباس.(1\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4770",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أبو عبيد عن الأصمعي: اللدود: ما يسقى الإنسان في أحد شقي الفم أخذ من لديدي الوادي وهما جانباه. وأما الوجور: فهو في وسط الفم. قلت: واللدود- بالفتح: - هو الدواء الذي يلد به. والسعوط: ما أدخل من أنفه. وفي هذا الحديث من الفقه معاقبة الجاني بمثل ما فعل سواء إذا لم يكن فعله محرما لحق الله وهذا هو الصواب المقطوع به لبضعة عشر دليلا قد ذكرناها في موضع آخر وهو منصوص أحمد وهو ثابت عن الخلفاء الراشدين وترجمة المسألة بالقصاص في اللطمة والضربة وفيها عدة أحاديث لا معارض لها البتة فيتعين القول بها.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الصداع والشقيقة روى ابن ماجه في سننه حديثا في صحته نظر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صدع غلف رأسه بالحناء ويقول: إنه نافع بإذن من الصداع 1 . والصداع: ألم في بعض أجزاء الرأس أو كله فما كان منه في أحد شقي الرأس لازما يسمى شقيقة وإن كان شاملا لجميعه لازما يسمى بيضة وخودة تشبيها ببيضة السلاح التي تشتمل على الرأس كله وربما كان في مؤخر الرأس أو في مقدمه. وأنواعه كثيرة وأسبابه مختلفة. وحقيقة الصدع سخونة الرأس واحتماؤه لما دار فيه من البخار يطلب النفوذ من الرأس فلا يجد منفذا فيصدعه كما يصدع الوعي 2 إذا حمي ما فيه وطلب النفوذ فكل شيء رطب إذا حمي طلب مكانا  (1) الحديث الذي في سنن ابن ماجه كان لا يصيبه قرحة ولا شوكة إلا وضع عليها الحناء وأخرج ابن السني في الطب وأبو نعيم في الطب أيضا عن أبي هريرة كان إذا نزل عليه الوحي صدع فيلف رأسه بالحناء. (2) الوعي: القح والمدة- انظر القاموس المحيط- و المدة بالكسر: القيح.(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4771",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أوسع من مكانه الذي كان فيه فإذا عرض هذا البخار في الرأس كله بحيث لا يمكنه التفشي والتحلل وجال في الرأس سمي السدر. والصداع يكون عن أسباب عديدة: أحدها: من غلبة واحد من الطبائع الأربعة. والخامس: يكون من قروح تكون في المعدة فيألم الرأس لذلك الورم لاتصال العصب المنحدر من الرأس بالمعدة. والسادس: من ريح غليظة تكون في المعدة فتصعد إلى الرأس فتصدعه. والسابع: يكون من ورم في عروق المعدة فيألم الرأس بألم المعدة للاتصال الذي بينهما. والثامن: صداع يحصل عن امتلاء المعدة من الطعام ثم ينحدر ويبقى بعضه نيئا فيصدع الرأس ويثقله. والتاسع: يعرض بعد الجماع لتخلخل الجسم فيصل إليه من حر الهواء أكثر من قدره. والعاشر: صداع يحصل بعد القيء والاستفراغ إما لغلبة اليبس وإما لتصاعد الأبخرة من المعدة إليه. والحادي عشر: صداع يعرض عن شدة الحر وسخونة الهواء. والثاني عشر: ما يعرض عن شدة البرد وتكاثف الأبخرة في الرأس وعدم تحللها. والثالث عشر: ما يحدث من السهر وعدم النوم. والرابع عشر: ما يحدث من ضغط الرأس وحمل الشيء الثقيل عليه. والخامس عشر: ما يحدث من كثرة الكلام فتضعف قوة الدماغ لأجله. والسادس عشر: ما يحدث من كثرة الحركة والرياضة المفرطة. والسابع عشر: ما يحدث من الأعراض النفسانية كالهموم والغموم والأحزان والوساوس والأفكار الرديئة. والثامن عشر: ما يحدث من شدة الجوع فإن الأبخرة لا تجد ما تعمل فيه فتكثر وتتصاعد إلى الدماغ فتؤلمه.(1\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4772",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتاسع عشر ما يحدث عن ورم في صفاق الدماغ ويجد صاحبه كأنه يضرب بالمطارق على رأسه. والعشرون: ما يحدث بسبب الحمى لاشتعال حرارتها فيه فيتألم والله أعلم.  فصل [في سبب صداع الشقيقة] وسبب صداع الشقيقة مادة في شرايين الرأس وحدها حاصلة فيها أو مرتقية إليها فيقبلها الجانب الأضعف من جانبيه وتلك المادة إما بخارية وإما أخلاط حارة أو باردة وعلامتها الخاصة بها ضربان الشرايين وخاصة في الدموي. وإذا ضبطت بالعصائب ومنعت من الضربان سكن الوجع. وقد ذكر أبو نعيم في كتاب الطب النبوي له: أن هذا النوع كان يصيب النبي صلى الله عليه وسلم فيمكث اليوم واليومين ولا يخرج. وفيه: عن ابن عباس قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عصب رأسه بعصابة. وفي الصحيح  أنه قال في مرض موته: وارأساه 1 وكان يعصب رأسه في مرضه وعصب الرأس ينفع في وجع الشقيقة وغيرها من أوجاع الرأس.  فصل [في علاج صداع الشقيقة] وعلاجه يختلف باختلاف أنواعه وأسبابه فمنه ما علاجه بالاستفراغ ومنه ما علاجه بتناول الغذاء ومنه ما علاجه بالسكون والدعة ومنه ما علاجه بالضمادات ومنه ما علاجه بالتبريد ومنه ما علاجه بالتسخين ومنه ما علاجه بأن يجتنب سماع الأصوات والحركات. إذا عرف هذا فعلاج الصداع في هذا الحديث بالحناء هو جزئي لا كلي وهو علاج نوع من أنواعه فإن الصداع إذا كان من حرارة ملهبة ولم يكن من  (1) أخرجه البخاري في المرض(1\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4773",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مداة يجب استفراغها نفع فيه الحناء نفعا ظاهرا وإذا دق وضمدت به الجبهة مع الخل سكن الصداع وفيه قوة موافقة للعصب إذا ضمد به سكنت أوجاعه وهذا لا يختص بوجع الرأس بل يعم الأعضاء وفيه قبض تشد به الأعضاء وإذا ضمد به موضع الورم الحار والملتهب سكنه. وقد روى البخاري في تاريخه وأبو داود في السنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شكى إليه أحد وجعا في رأسه إلا قال له: احتجم  ولا شكى إليه وجعا في رجليه إلا قال له: اختضب بالحناء 1 . وفي الترمذي: عن سلمى أم رافع خادمة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان لا يصيب النبي صلى الله عليه وسلم قرحة ولا شوكة إلا وضع عليها الحناء 2 .  فصل [في الحناء] والحناء بارد في الأولى يابس في الثانية وقوة شجر الحناء وأغصانها مركبة من قوة محللة اكتسبتها من جوهر فيها مائي حار باعتدال ومن قوة قابضة اكتسبتها من جوهر فيها أرضي بارد. ومن منافعه إنه محلل نافع من حرق النار وفيه قوة موافقة للعصب إذا ضمد به وينفع إذا مضغ من قروح الفم والسلاق 3 العارض فيه ويبرىء القلاع 4 الحادث في أفواه الصبيان والضماد به ينفع من الأورام الحارة الملهبة ويفعل في الجراحات فعل دم الأخوين. وإذا خلط نوره مع الشمع المصفى ودهن الورد ينفع من أوجاع الجنب. ومن خواصه أنه إذا بدأ الجدري يخرج بصبي فخضبت أسافل رجليه بحناء فإنه يؤمن على عينيه أن يخرج فيها شيء منه وهذا صحيح مجرب لا شك فيه. وإذا جعل نوره بين طي ثياب الصوف طيبها ومنع السوس عنها وإذا نقع ورقه في ماء عذب يغمره ثم عصر وشرب من صفوه أربعين يوما كل يوم عشرون  (1) أخرجه أبو داود (2) أخرجه ابن ماجه (3) السلاق: كغراب: بثر يخرج على أصل اللسان أو تعثر في أصول الأسنان انظر القاموس. (4) القلاع: داء في الفم- المرجع السابق(1\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4774",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "درهما مع عشرة دراهم سكر ويغذى عليه بلحم الضأن الصغير فإنه ينفع من ابتداء الجذام بخاصية فيه عجيبة. وحكي أن رجلا تشققت أظافير أصابع يده وأنه بذل لمن يبرئه مالا فلم يجد فوصفت له امرأة أن يشرب عشرة أيام حناء فلم يقدم عليه ثم نقعه بماء وشربه فبرأ ورجعت أظافيره إلى حسنها. والحناء إذا ألزمت به الأظفار معجونا حسنها ونفعها وإذا عجن بالسمن وضمد به بقايا الأورام الحارة التي تشرح ماء أصفر نفعها ونفع من الجرب المتقرح المزمن منفعة بليغة وهو ينبت الشعر ويقويه ويحسنه ويقوي الرأس وينفع من النفاطات والبثور العارضة في الساقين والرجلين وسائر البدن.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في معالجة المرضى بترك إعطائهم ما يكرهونه من الطعام والشراب وأنهم لا يكرهون على تناولها روى الترمذي في جامعه  وابن ماجه عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب فإن الله عز وجل يطعمهم ويسقيهم 1 . قال بعض فضلاء الأطباء: ما أغزر فوائد هذه الكلمة النبوية المشتملة على حكم إلهية لا سيما للأطباء ولمن يعالج المرضى وذلك أن المريض إذا عاف الطعام أو الشراب فذلك لاشتغال الطبيعة بمجاهدة المرض أو لسقوط شهوته أو نقصانها لضعف الحرارة الغريزية أو خمودها وكيفما كان فلا يجوز حينئذ إعطاء الغذاء في هذه الحالة.  (1) أخرجه الترمذي وهو حديث قوي وأخرجه ابن ماجه والحاكم في الطب- يطعمهم ويسقيهم أي يحفظ قواهم ويمدهم بما تقع موقع الطعام والشراب في حفظ الروح وتقويم البدن(1\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4775",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واعلم أن الجوع إنما هو طلب الأعضاء للغذاء لتخلف الطبيعة به عليها عوض ما يتحلل منها فتجذب الأعضاء القصوى من الأعضاء الدنيا حتى ينتهي الجذب إلى المعدة فيحس الإنسان بالجوع فيطلب الغذاء وإذا وجد المرض اشتغلت الطبيعة بمادته وإنضاجها وإخراجها عن طلب الغذاء أو الشراب فإذا أكره المريض على استعمال شيء من ذلك تعطلت به الطبيعة عن فعلها واشتغلت بهضمه وتدبيره عن إنضاج مادة المرض ودفعه فيكون ذلك سببا لضرر المريض ولا سيما في أوقات البحران 1  أو ضعف الحار الغريزي أو خموده فيكون ذلك زيادة في البلية وتعجيل النازلة المتوقعة ولا ينبغي أن يستعمل في هذا الوقت والحال إلا ما يحفظ عليه قوته ويقويها من غير استعمال مزعج للطبيعة البتة وذلك يكون بما لطف قوامه من الأشربة والأغذية واعتدل مزاجه كشراب اللينوفر والتفاح والورد الطري وما أشبه ذلك ومن الأغذية مرق الفراريج المعتدلة الطيبة فقط وإنعاش قواه بالأراييح العطرة الموافقة والأخبار السارة فإن الطبيب خادم الطبيعة ومعينها لا معيقها. واعلم أن الدم الجيد هو المغذي للبدن وأن البلغم دم فج قد نضج بعض النضج فإذا كان بعض المرضى في بدنه بلغم كثير وعدم الغذاء عطفت الطبيعة عليه وطبخته وأنضجته وصيرته دما وغذت به الأعضاء واكتفت به عما سواه والطبيعة هي القوة التي وكلها الله سبحانه بتدبير البدن وحفظه وصحته وحراسته مدة حياته. واعلم أنه قد يحتاج في الندرة إلى إجبار المريض على الطعام والشراب وذلك في الأمراض التي يكون معها اختلاط العقل وعلى هذا فيكون الحديث من العام المخصوص أو من المطلق الذي قد دل على تقييده دليل ومعنى الحديث: أن المريض قد يعيش بلا غذاء أياما لا يعيش الصحيح في مثلها. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: فإن الله يطعمهم ويسقيهم معنى لطيف زائد على ما ذكره الأطباء لا يعرفه إلا من له عناية بأحكام القلوب والأرواح وتأثيرها في طبيعة البدن وانفعال الطبيعة عنها كما تنفعل هي كثيرا عن الطبيعة ونحن نشير إليه إشارة فنقول: النفس إذا حصل لها ما يشغلها من محبوب أو مكروه أو مخوف  (1) البحران: بضم فسكون: وهو التغير الذي يحدث دفعة في الأمراض الحادة(1\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4776",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اشتغلت به عن طلب الغذاء والشراب فلا تحس بجوع ولا عطش بل ولا حر ولا برد بل تشتغل به عن الإحساس المؤلم الشديد الألم فلا تحس به وما من أحد إلا وقد وجد في نفسه ذلك أو شيئا منه وإذا اشتغلت النفس بما دهمها وورد عليها لم تحس بألم الجوع فإن كان الوارد مفرحا قوي التفريح قام لها مقام الغذاء فشبعت به وانتعشت قواها وتضاعفت وجرت الدموية في الجسد حتى تظهر في سطحه فيشرق وجهه وتظهر دمويته فإن الفرح يوجب انبساط دم القلب فينبعث في العروق فتمتلىء به فلا تطلب الأعضاء حظها من الغذاء المعتاد لاشتغالها بما هو أحب إليها وإلى الطبيعة منه والطبيعة إذا ظفرت بما تحب آثرته على ما هو دونه. وإن كان الوارد مؤلما أو محزنا أو مخوفا اشتغلت بمحاربته ومقاومته ومدافعته عن طلب الغذاء فهي في حال حربها في شغل عن طلب الطعام والشراب. فإن ظفرت في هذا الحرب انتعشت قواها وأخلفت عليها نظير ما فاتها من قوة الطعام والشراب وإن كانت مغلوبة مقهورة انحطت قواها بحسب ما حصل لها من ذلك وإن كانت الحرب بينها وبين هذا العدو سجالا فالقوة تظهر تارة وتختفي أخرى وبالجملة فالحرب بينهما على مثال الحرب الخارج بين العدوين المتقاتلين والنصر للغالب والمغلوب إما قتيل وإما جريح وإما أسير. فالمريض له مدد من الله تعالى يغذيه به زائدا على ما ذكره الأطباء من تغذيته بالدم وهذا المدد بحسب ضعفه وانكساره وانطراحه بين يدي ربه عز وجل فيحصل له من ذلك ما يوجب له قربا من ربه فإن العبد أقرب ما يكون من ربه إذا انكسر قلبه ورحمة ربه عندئذ قريبة منه فإن كان وليا له حصل له من الأغذية القلبية ما تقوى به قوى طبيعته وتنتعش به قواه أعظم من قوتها وانتعاشها بالأغذية البدنية وكلما قوي إيمانه وحبه لربه وأنسه به وفرحه به وقوي يقينه بربه واشتد شوقه إليه ورضاه به وعنه وجد في نفسه من هذه القوة ما لا يعبر عنه ولا يدركه وصف طبيب ولا يناله علمه. ومن غلظ طبعه وكثفت نفسه عن فهم هذا والتصديق به فلينظر حال كثير من عشاق الصور الذين قد امتلأت قلوبهم بحب ما يعشقونه من صورة أو جاه أو مال أو علم وقد شاهد الناس من هذا عجائب في أنفسهم وفي غيرهم.(1\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4777",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد ثبت في الصحيح : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يواصل في الصيام الأيام ذوات العدد وينهى أصحابه عن الوصال ويقول لست كهيئتكم إني أظل يطعمني ربي ويسقيني 1 . ومعلوم أن هذا الطعام والشراب ليس هو الطعام الذي يأكله الإنسان بفمه وإلا لم يكن مواصلا ولم يتحقق الفرق بل لم يكن صائما فإنه قال أظل يطعمني ربي ويسقيني . وأيضا فإنه فرق بينه وبينهم في نفس الوصال وأنه يقدر منه على ما لا يق يقدرون عليه فلو كان يأكل ويشرب بفمه لم يقل لست كهيئتكم وإنما فهم هذا من الحديث من قل نصيبه من غذاء الأرواح والقلوب وتأثيره في القوة وإنعاشها واغتذائها به فوق تأثير الغذاء الجسماني والله الموفق.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج العذرة وفي العلاج بالسعوط ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: خير ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري ولا تعذبوا صبيانكم بالغمز من العذرة 2 . وفي السنن و المسند عنه من حديث جابر بن عبد الله قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة وعندها صبي يسيل منخراه دما فقال: ما هذا . فقالوا: به العذرة أو وجع في رأسه فقال: ويلكن لا تقتلن أولادكن أيما امرأة أصاب ولدها عذرة أو وجع في رأسه فلتأخذ قسطا هنديا فلتحكه بماء ثم تسعطه إياه فأمرت عائشة رضي الله عنها فصنع ذلك بالصبي فبرأ 3 قال أبو عبيد عن أبي عبيدة: العذرة تهيج في الحلق من الدم فإذا عولج منه قيل: قد عذر به فهو معذور انتهى. وقيل العذرة: قرحة تخرج فيما بين الأذن والحلق وتعرض للصبيان غالبا. وأما نفع السعوط منها بالقسط المحكوك فلأن العذرة مادتها دم يغلب عليه  (1) أخرجه البخاري ومسلم في الصيام (2) أخرجه البخاري في الطب ومسلم في المساقاة والإمام أحمد والنسائي (3) أخرجه الإمام أحمد وإسناده صحيح(1\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4778",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البلغم لكن تولده في أبدان الصبيان أكثر وفي القسط تجفيف يشد اللهاة ويرفعها إلى مكانها وقد يكون نفعه في هذا الداء بالخاصية وقد ينفع في الأدواء الحارة والأدوية الحارة بالذات تارة وبالعرض أخرى. وقد ذكر صاحب القانون في معالجة سقوط اللهاة: القسط مع الشب اليماني وبزر المرو والقسط البحري المذكور في الحديث: هو العود الهندي وهو الأبيض منه وهو حلو وفيه منافع عديدة وكانوا يعالجون أولادهم بغمز اللهاة وبالعلاق وهو شيء يعلقونه على الصبيان فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وأرشدهم إلى ما هو أنفع للأطفال وأسهل عليهم. والسعوط: ما يصب في الأنف وقد يكون بأدوية مفردة ومركبة تدق وتنخل وتعجن وتجفف ثم تحل عند الحاجة ويسعط بها في أنف الإنسان وهو مستلق على ظهره وبين كتفيه ما يرفعهما لينخفض رأسه فيتمكن السعوط من الوصول إلى دماغه ويستخرج ما فيه من الداء بالعطاس وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم التداوي بالسعوط فيما يحتاج إليه فيه. وذكر أبو داود في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم استعط 1  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج المفؤود روى أبو داود في سننه من حديث مجاهد عن سعد قال: مرضت مرضا فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني فوضع يده بين ثديي حتى وجدت بردها على فؤادي وقال لي إنك رجل مفؤود فأت الحارث بن كلدة من ثقيف فإنه رجل يتطبب فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة فليجأهن بنواهن ثم ليلدك بهن 2 . المفؤود: الذي أصيب فؤاده فهو يشتكيه كالمبطون الذي يشتكي بطنه واللدود ما يسقاه الإنسان من أحد جانبي الفم. وفي التمر خاصية عجيبة لهذا الداء ولا سيما تمر المدينة ولا سيما العجوة منه.  (1) أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس (2) أخرجه أبو داود في الطب فليجأهن بنواهن يريد ليرضعهن والوجيئة: حساء يتخذ من التمر والدقيق فيتحساه المريض(1\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4779",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي كونها سبعا خاصية أخرى تدرك بالوحي وفي الصحيحين من حديث عامر ابن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تصبح بسبع تمرات من تمر العالية لم يمره ذلك اليوم سم ولا سحر . وفي لفظ: من أكل سبع تمرات مما بين لابتيها حين يصبح لم يضره سم حتى يمسي 1 . والتمر حار في الثانية يابس في الأولى. وقيل: رطب فيها. وقيل: معتدل وهو غذاء فاضل حافظ للصحة لا سيما لمن اعتاد الغذاء به كأهل المدينة وغيرهم وهو من أفضل الأغذية في البلاد الباردة والحارة التي حرارتها في الدرجة الثانية وهو لهم أنفع منه لأهل البلاد الباردة لبرودة بواطن سكانها وحرارة بواطن سكان البلاد الباردة ولذلك يكثر أهل الحجاز واليمن والطائف وما يليهم من البلاد المشابهة لها من الأغذية الحارة ما لا يتأتى لغيرهم كالتمر والعسل وشاهدناهم يضعون في أطعمتهم من الفلفل والزنجبيل فوق ما يصنعه غيرهم نحو عشرة أضعاف أو أكثر ويأكلون الزنجبيل كما يأكل غيرهم الحلوى ولقد شاهدت من يتنقل به منهم كما يتنقل بالنقل ويوافقهم ذلك ولا يضرهم لبرودة أجوافهم وخروج الحرارة إلى ظاهر الجسد كما تشاهد مياه الآبار تبرد في الصيف وتسخن في الشتاء وكذلك تنضج المعدة من الأغذية الغليظة في الشتاء ما لا تنضجه في الصيف. وأما أهل المدينة فالتمر لهم يكاد أن يكون بمنزلة الحنطة لغيرهم وهو قوتهم ومادتهم وتمر العالية من أجود أصناف تمرهم فإنه متين الجسم لذيذ الطعم صادق الحلاوة والتمر يدخل في الأغذية والأدوية والفاكهة وهو يوافق أكثر لأبدان مقو للحار الغريزي ولا يتولد عنه من الفضلات الرديئة ما يتولد عن غيره من الأغذية والفاكهة بل يمنع لمن اعتاده من تعفن الأخلاط وفسادها. وهذا الحديث من الخطاب الذي أريد به الخاص كأهل المدينة ومن جاورهم ولا ريب أن للأمكنة اختصاصا بنفع كثير من الأدوية في ذلك المكان دون غيره فيكون الدواء الذي ينبت في هذا المكان نافعا من الداء ولا يوجد فيه ذلك النفع إذا نبت في مكان غيره لتأثير نفس التربة أو الهواء أو هما جميعا فإن للأرض  (1) أخرجه الإمام البخاري في الأطعمة ومسلم في الأشربة والإمام أحمد وأبو داود.(1\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4780",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خواص وطبائع يقارب اختلافها اختلاف طبائع الإنسان وكثير من النبات يكون في بعض البلاد غذاء مأكولا وفي بعضها سما قاتلا ورب أدوية لقوم أغفية لآخرين وأدوية لقوم من أمراض هي أدوية لآخرين في أمراض سواها وأدوية لأهل بلد لا تناسب غيرهم ولا تنفعهم. وأما خاصية السبع فإنها قد وقعت قدرا وشرعا فخلق الله عز وجل السماوات سبعا والأرضين سبعا والأيام سبعا والإنسان كمل خلقه في سبعة أطوار وشرع الله سبحانه لعباده الطواف سبعا والسعي بين الصفا والمروة سبعا ورمي الجمار سبعا سبعا وتكبيرات العيدين سبعا في الأولى وقال صلى الله عليه وسلم مروهم بالصلاة لسبع 1 : وإذا صار للغلام سبع سنين خير بين أبويه 2 في رواية. وفي رواية أخرى: أبوه أحق به من أمه وفي ثالثة أمه أحق به وأمر النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه أن يصب عليه من سبع قرب 3  وسخر الله الريح على قوم عاد سبع ليال ودعا النبي صلى الله عليه وسلم أن يعينه الله على قومه بسبع كسبع يوسف 4  ومثل الله سبحانه ما يضاعف به صدقة المتصدق بحبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والسنابل التي رآها صاحب يوسف سبعا والسنين التي زرعوها دأبا سبعا وتضاعف الصدقة إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ويدخل الجنة من هذه الأمة بغير حساب سبعون ألفا. فلا ريب أن لهذا العدد خاصية ليست لغيره والسبعة جمعت معاني العدد كله وخواصه فإن العدد شفع ووتر والشفع أول وثان. والوتر: كذلك فهذه أربع مراتب: شفع أول وثان ووتر أول وثان ولا تجتمع هذه المراتب في أقل من سبعة وهي عدد كامل جامع لمراتب العدد الأربعة أعني الشفع والوتر والأوائل والثواني ونعني بالوتر الأول الثلاثة وبالثاني الخمسة وبالشفع الأول الاثنين وبالثاني الأربعة وللأطباء اعتناء عظيم بالسبعة ولا سيما في البحارين. وقد قال  (1) أخرجه الإمام أحمد وأبو داود بلفظ مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها وسنده صحيح. (2) ثبت أنه صلى الله عليه وسلم خير غلاما بين أبيه وأمه أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (3) أخرجه البخاري في المغازي (4) أخرجه البخاري في المغازي(1\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4781",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بقراط: كل شيء من هذا العالم فهو مقدر على سبعة أجزاء والنجوم سبعة والأيام سبعة وأسنان الناس سبعة أولها طفل إلى سبع ثم صبي إلى أربع عشرة ثم مراهق ثم شاب ثم كهل ثم شيخ ثم هرم إلى منتهى العمر والله تعالى أعلم بحكمته وشرعه وقدره في تخصيص هذا العدد هل هو لهذا المعنى أو لغيره. ونفع هذا العدد من هذا التمر من هذا البلد من هذه البقعة بعينها من السم والسحر بحيث تمنع إصابته من الخواص التي لو قالها بقراط وجالينوس وغيرهما من الأطباء لتلقاها عنهم الأطباء بالقبول والإذعان والانقياد مع أن القائل إنما معه الحدس والتخمين والظن فمن كلامه كله يقين وقطع وبرهان ووحي أولى أن تتلقى أقواله بالقبول والتسليم وترك الاعتراض. وأدوية السموم تارة تكون بالكيفية وتارة تتكون بالخاصية كخواص كثير من الأحجار والجواهر واليواقيت والله أعلم.  فصل ويجوز نفع التمر المذكور في بعض السموم فيكون الحديث من العام المخصوص ويجوز نفعه لخاصية تلك البلد وتلك التربة الخاصة من كل سم ولكن ها هنا أمر لابد من بيانه وهو أن من شرط انتفاع العليل بالدواء قبوله واعتقاد النفع به فتقبله الطبيعة فتستعين به على دفع العلة حتى إن كثيرا من المعالجات ينفع بالاعتقاد وحسن القبول وكمال التلقي وقد شاهد الناس من ذلك عجائب وهذا لأن الطبيعة يشتد قبولها له وتفرح النفس به فتنتعش القوة ويقوى سلطان الطبيعة وينبعث الحار الغريزي فيساعد على دفع المؤذي وبالعكس يكون كثير من الأدوية نافعا لتلك العلة فيقطع عمله سوء اعتقاد العليل فيه وعدم أخذ الطبيعة له بالقبول فلا يجدي عليها شيئا. واعتبر هذا بأعظم الأدوية والأشفية وأنفعها للقلوب والأبدان والمعاش والمعاد والدنيا والآخرة وهو القرآن الذي هو شفاء من كل داء كيف لا ينفع القلوب التي لا تعتقد فيه الشفاء والنفع بل لا يزيدها إلا مرضا إلى مرضها وليس لشفاء القلوب دواء قط أنفع من القرآن فإنه شفاؤها التام الكامل الذي لا يغادر فيها سقما إلا أبرأه ويحفظ عليها صحتها المطلقة ويحميها الحمية التامة من كل مؤذ ومضر(1\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "73",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4782",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومع هذا فإعراض أكثر القلوب عنه وعدم اعتقادها الجازم الذي لا ريب فيه نه كذلك وعدم استعماله والعدول عنه إلى الأدوية التي ركبها بنو جنسها حال بينها وبين الشفاء به وغلبت العوائد واشتد الإعراض وتمكنت العلل والأدواء المزمنة من القلوب وتربى المرضى والأطباء على علاج بني جنسهم وما وضعه لهم شيوخهم ومن يعظمونه ويحسنون به ظنونهم فعظم المصاب واستحكم الداء وتركبت أمراض وعل أعيا عليهم علاجها وكلما عالجوها بتلك العلاجات الحادثة تفاقم أمرها وقويت ولسان الحال ينادي عليهم: ومن العجائب والعجائب جمة ... قرب الشفاء وما إليه وصول كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في دفع ضرر الأغذية والفاكهة وإصلاحها بما يدفع ضررها ويقوي نفعها ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن جعفر قال: رأيت رسول صلى الله عليه وسلم يأكل الرطب بالقثاء 1 . والرطب: حار رطب في الثانية يقوي المعدة الباردة ويوافقها ويزيد في الباه ولكنه سريع التعفن معطش معكر للدم مصدع مولد للسدد ووجع المثانة ومضر بالأسنان والقثاء بارد رطب في الثانية مسكن للعطش منعش للقوى بشمه لما فيه من العطرية مطفىء لحرارة المعدة الملتهبة وإذا جفف بزره ودق واستحلب بالماء وشرب سكن العطش وأدر البول ونفع من وجع المثانة. وإذا دق ونخل ودلك به الأسنان جلاها وإذا دق ورقه وعمل منه ضماد مع الميبختج نفع من عضة الكلب الكلب. وبالجملة: فهذا حار وهذا بارد وفي كل منهما صلاح الآخر وإزالة لأكثر  (1) أخرجه البخاري في الأطعمة ومسلم في الأشربة(1\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "74",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4783",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ضرره ومقاومة كل كيفية بضدها ودفع سورتها بالأخرى وهذا أصل العلاج كله وهو أصل في حفظ الصحة بل علم الطب كله يستفاد من هذا. وفي استعمال ذلك وأمثاله في الأغذية والأدوية إصلاح لها وتعديل ودفع لما فيها من الكيفيات المضرة لما يقابلها وفي ذلك عون على صحة البدن وقوته وخصبه قالت عائشة رضي الله عنها: سمنوني بكل شيء فلم أسمن فسمنوني بالقثاء والرطب فسمنت. وبالجملة: فدفع ضرر البارد بالحار والحار بالبارد والرطب باليابس واليابس بالرطب وتعديل أحدهما بالآخر من أبلغ أنواع العلاجات وحفظ الصحة ونظير هذا ما تقدم من أمره بالسنا والسنوات وهو العسل الذي فيه شيء من السمن يصلح به السنا ويعدله فصلوات الله وسلامه على من بعث بعمارة القلوب والأبدان وبمصالح الدنيا والآخرة.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الحمية الدواء كله شيئان: حمية وحفظ صحة. فإذا وقع التخليط احتيج إلى الاستفراغ الموافق وكذلك مدار الطب كله على هذه القواعد الثلاثة. والحمية: حميتان: حمية عما يجلب المرض وحمية عما يزيده فيقف على حاله فالأول: حمية الأصحاء والثانية: حمية المرضى فإن المريض إذا احتمى وقف مرضه عن التزايد وأخذت القوى في دفعه. والأصل في الحمية قوله تعالى: وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا 1  فحمى المريض من استعمال الماء لأنه يضره. وفي سنن ابن ماجه وغيره عن أم المنذر بنت قيس الأنصارية قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي وعلي ناقه من مرض ولنا دوالي معلقة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل منها وقام علي يأكل منها فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي  (1) النساء- 43- المائدة- 6(1\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "75",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4784",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنك ناقه حتى كف. قالت: وصنعت شعيرا وسلقا فجئت به فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: من هذا أصب فإنه أنفع لك وفي لفظ فقال: من هذا فأصب فإنه أوفق لك 1 . وفي سنن ابن ماجه أيضا عن صهيب قال: قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وبين يديه خبز وتمر فقال: ادن فكل  فأخذت تمرا فأكلت فقال: أتأكل تمرا وبك رمد  فقلت: يا رسول الله! أمضع من الناحية الأخرى فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم 2 . وفي حديث محفوظ عنه صلى الله عليه وسلم: إن الله إذا أحب عبدا حماه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه عن الطعام والشراب . وفي لفظ: إن الله يحمي عبده المؤمن من الدنيا  . وأما الحديث الدائر على ألسنة كثير من الناس: الحمية رأس الدواء والمعدة بيت الداء وعودوا كل جسم ما اعتاد فهذا الحديث إنما هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب ولا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قاله غير واحد من أئمة الحديث. ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم. أن المعدة حوض البدن والعروق إليها واردة فإذا صحت المعدة صدرت العروق بالصحة وإذا سقمت المعدة صدرت العروق بالسقم 4 . وقال الحارث: رأس الطب الحمية والحمية عندهم للصحيح في المضرة بمنزلة التخليط للمريض والناقه وأنفع ما تكون الحمية للناقه من المرض فإن طبيعته لم ترجع بعد إلى قوتها والقوة الهاضمة ضعيفة والطبيعة قابلة والأعضاء مستعدة فتخليطه يوجب انتكاسها وهو أصعب من ابتداء مرضه. واعلم أن في منع النبي صلى الله عليه وسلم لعلي من الأكل من الدوالي وهو ناقه أحسن التدبير فإن الدوالي أقناء من الرطب تعلق في البيت للأكل بمنزلة عناقيد العنب والفاكهة تضر بالناقه من المرض لسرعة استحالتها وضعف الطبيعة عن دفعها  (1) أخرجه ابن ماجه وأبو داود والترمذي (2) أخرجه ابن ماجه (3) أخرجه أحمد والترمذي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (4) ورد في كتاب مجمع الزوائد إلا أن في سنده يحيى البابلتي وهو ضعيف(1\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "76",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4785",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنها لم تتمكن بعد من قوتها وهي مشغولة بدفع آثار العلة وإزالتها من البدن. وفي الرطب خاصة نوع ثقل على المعدة فتشتغل بمعالجته وإصلاحه عما هي بصدده من إزالة بقية المرض وآثاره فإما أن تقف تلك البقية وإما أن تتزايد فلما وضع بين يديه السلق والشعير أمره أن يصيب منه فإنه من أنفع الأغذية للناقه فإن في ماء الشعير من التبريد والتغذية والتلطيف والتليين وتقوية الطبيعة ما هو أصلح للناقه ولا سيما إذا طبخ بأصول السلق فهذا من أوفق الغذاء لمن في معدته ضعف ولا يتولد عنه من الأخلاط ما يخاف منه. وقال زيد بن أسلم: حمى عمر رضي الله عنه مريضا له حتى إنه من شدة ما حماه كان يمص النوى. وبالجملة: فالحمية من أنفع الأدوية قبل الداء فتمنع حصوله وإذا حصل فتمنع تزايده وانتشاره.  فصل ومما ينبغي أن يعلم أن كثيرا مما يحمى عنه العليل والناقه والصحيح إذا اشتدت الشهوة إليه ومالت إليه الطبيعة فتناول منه الشيء اليسير الذي لا تعجز الطبيعة عن هضمه لم يضره تناوله بل ربما انتفع به فإن الطبيعة والمعدة تتلقيانه بالقبول والمحبة فيصلحان ما يخشى من ضرره وقد يكون أنفع من تناول ما تكرهه الطبيعة وتدفعه من الدواء ولهذا أقر النبي صلى الله عليه وسلم صهيبا وهو أرمد على تناول التمرات اليسيرة وعلم أنها لا تضره ومن هذا ما يروى عن علي أنه دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أرمد وبين يدي النبي صلى الله عليه وسلم تمر يأكله فقال: يا علي! تشتهيه ورمى إليه بتمرة ثم بأخرى حتى رمى إليه سبعا ثم قال: حسبك يا علي . ومن هذا ما رواه ابن ماجه في سننه من حديث عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد رجلا فقال له: ما تشتهي  فقال: أشتهي خبز بر. وفي لفظ: أشتهي كعكا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من كان عنده خبز بر فليبعث إلى أخيه  ثم قال: إذا اشتهى مريض أحدكم شيئا فليطعمه 1 .  (1) أخرجه ابن ماجه في الجنائز.(1\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "77",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4786",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ففي هذا الحديث سر طبي لطيف فإن المريض إذا تناول ما يشتهيه عن جوع صادق طبيعي وكان فيه ضرر ما كان أنفع وأقل ضررا مما لا يشتهيه وإن كان نافعا في نفسه فإن صدق شهوته ومحبة الطبيعة يدفع ضرره وبغض الطبيعة وكراهتها للنافع قد يجلب لها منه ضررا. وبالجملة: فاللذيذ المشتهى تقبل الطبيعة عليه بعناية فتهضمه على أحمد الوجوه سيما عند انبعاث النفس إليه بصدق الشهوة وصحة القوة والله أعلم.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الرمد بالسكون والدعة وترك الحركة والحمية مما يهيج الرمد وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى صهيبا من التمر وأنكر عليه أكله وهو أرمد وحمى عليا من الرطب لما أصابه الرمد. وذكر أبو نعيم في كتاب الطب النبوي : أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا رمدت عين امرأة من نسائه لم يأتها حتى تبرأ عينها. الرمد: ورم حار يعرض في الطبقة الملتحمة من العين وهو بياضها الظاهر وسببه انصباب أحد الأخلاط الأربعة أو ريح حارة تكثر كميتها في الرأس والبدن فينبعث منها قسط إلى جوهر العين أو ضربة تصيب العين فترسل الطبيعة إليها من الدم والروح مقدارا كثيرا تروم بذلك شفاءها مما عرض لها ولأجل ذلك يرم العضو المضروب والقياس يوجب ضده. واعلم أنه كما يرتفع من الأرض إلى الجو بخاران أحدهما: حار يابس والآخر: حار رطب فينعقدان سحابا متراكما ويمنعان أبصارنا من إدراك السماء فكذلك يرتفع من قعر المعدة إلى منتهاها مثل ذلك فيمنعان النظر ويتولد عنهما علل شتى فإن قويت الطبيعة على ذلك ودفعته إلى الخياشيم أحدث الزكام وإن دفعته إلى اللهاة والمنخرين أحدث الخناق وإن دفعته إلى الجنب أحدث الشوصة وإن دفعته إلى الصدر أحدث النزلة وإن انحدر إلى القلب أحدث الخبطة وإن دفعته إلى العين أحدث رمدا وإن انحدر إلى الجوف(1\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "78",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4787",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدث السيلان وإن دفعته إلى منازل الدماغ أحدث النسيان وإن ترطبت أوعية الدماغ منه وامتلأت به عروقه أحدث النوم الشديد ولذلك كان النوم رطبا والسهر يابسا. وإن طلب البخار النفوذ من الرأس فلم يقدر عليه أعقبه الصداع والسهر وإن مال البخار إلى أحد شقي الرأس أعقبه الشقيقة وإن ملك قمة الرأس ووسط الهامة أعقبه داء البيضة وإن برد منه حجاب الدماغ أو سخن أو ترطب وهاجت منه أرياح أحدث العطاس وإن أهاج الرطوبة البلغمية فيه حتى غلب الحار الغريزي أحدث الإغماء والسكات وإن أهاج المرة السوداء حتى أظلم هواء الدماغ أحدث الوسواس وإن فاض ذلك إلى مجاري العصب أحدث الصرع الطبيعي وإن ترطبت مجامع عصب الرأس وفاض ذلك في مجاريه أعقبه الفالج وإن كان البخار من مرة صفراء ملتهبة محمية للدماغ أحدث البرسام فإن شركه الصدر في ذلك كان سرساما فافهم هذا الفصل. والمقصود: أن أخلاط البدن والرأس تكون متحركة هائجة في حال الرمد والجماع مما يزيد حركتها وثورانها فإنه حركة كلية للبدن والروح والطبيعة. فأما البدن فيسخن بالحركة لا محالة والنفس تشتد حركتها طلبا للذة واستكمالها والروح تتحرك تبعا لحركة النفس والبدن فإن أول تعلق الروح من البدن بالقلب ومنه ينشأ الروح وتنبث في الأعضاء. وأما حركة الطبيعة فلأجل أن ترسل ما يجب إرساله من المني على المقدار الذي يجب إرساله. وبالجملة: فالجماع حركة كلية عامة يتحرك فها البدن وقواه وطبيعته وأخلاطه والروح والنفس فكل حركة فهي مثيرة للأخلاط مرققة لها توجب دفعها وسيلانها إلى الأعضاء الضعيفة والعين في حال رمدها أضعف ما تكون فأضر ما عليها حركة الجماع. قال بقراط في كتاب الفصول : وقد يدل ركوب السفن أن الحركة تثور الأبدان. هذا مع أن في الرمد منافع كثيرة منها ما يستدعيه من الحمية والاستفراغ وتنقية الرأس والبدن من فضلاتهما وعفوناتهما والكف عما يؤذي النفس والبدن من الغضب والهم والحزن والحركات العنيفة والأعمال الشاقة. وفي أثر سلفي: لا تكرهوا الرمد فإنه يقطع عروق العمى. ومن أسباب علاجه ملازمة السكون والراحة وترك مس العين والاشتغال(1\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "79",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4788",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بها فإن أضداد ذلك يوجب انصباب المواد إليها. وقد قال بعض السلف: مثل أصحاب محمد مثل العين ودواء العين ترك مسها. وقد روي في حديث مرفوع الله أعلم به: علاج الرمد تقطير الماء البارد في العين وهو من أنفع الأدوية للرمد الحار فإن الماء دواء بارد يستعان به على إطفاء حرارة الرمد إذا كان حارا ولهذا قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لامرأته زينب وقد اشتكت عينها: لو فعلت كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كان خيرا لك وأجدر أن تشفي تنضحين في عينك الماء ثم تقولين: أذهب البأس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما 1 . وهذا مما تقدم مرارا أنه خاص ببعض البلاد وبعض أوجاع العين فلا يجعل كلام النبوة الجزئي الخاص كليا عاما ولا الكلي العام جزئيا خاصا فيقع من الخطأ وخلاف الصواب ما يقع والله أعلم.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الخدران الكلي الذي يجمد معه البدن ذكر أبو عبيد في غريب الحديث من حديث أبي عثمان النهدي: أن قوما مروا بشجرة فأكلوا منها فكأنما مرت بهم ريح فأجمدتهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قرسوا الماء في الشنان وصبوا عليهم فيما بين الأذانين  ثم قال أبو عبيد: قرسوا: يعني بردوا. وقول الناس: قد قرس البرد إنما هو من هذا بالسين ليس بالصاد. والشنان: الأسقية والقرب الخلقان يقال للسقاء: شن وللقربة: شنة. وإنما ذكر الشنان دون الجدد لأنها أشد تبريدا للماء. وقوله: بين الأذانين  يعني أذان الفجر والإقامة فسمى الإقامة أذانا انتهى كلامه. قال بعض الأطباء: وهذا العلاج من النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل علاج هذا الداء إذا كان وقوعه بالحجاز وهي بلاد حارة يابسة والحار الغريزي ضعيف في بواطن  (1) أخرجه ابن ماجه وأبو داود(1\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "80",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4789",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سكانها وصب الماء البارد عليهم في الوقت المذكور - وهو أبرد أوقات اليوم- يوجب جمع الحار الغريزي المنتشر في البدن الحامل لجميع قواه فيقوي القوة الدافعة ويجتمع من أقطار البدن إلى باطنه الذي هو محل ذاك الداء ويستظهر بباقي القوى على دفع المرض المذكور فيدفعه بإذن الله عز وجل ولو أن بقراط أو جالينوس أو غيرهما وصف هذا الدواء لهذا الداء لخصعت له الأطباء وعجبوا من كمال معرفته.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في إصلاح الطعام الذي يقع فيه الذباب وإرشاده إلى دفع مضرات السموم بأضدادها في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء 1 . وفي سنن ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أحد جناحي الذباب سم والآخر شفاء فإذا وقع في الطعام فامقلوه فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء 2 . هذا الحديث فيه أمران: أمر فقهي وأمر طبي فأما الفقهي فهو دليل ظاهر الدلالة جدا على أن الذباب إذا مات في ماء أو مائع فإنه لا ينجسه وهذا قول جمهور العلماء ولا يعرف في السلف مخالف في ذلك. ووجه الاستدلال به أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بمقله وهو غمسه في الطعام ومعلوم أنه يموت من ذلك ولا سيما إذا كان الطعام حارا. فلو كان ينجسه لكان أمرا بإفساد الطعام وهو صلى الله عليه وسلم إنما أمر بإصلاحه ثم عدي هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة كالنحلة والزنبور والعنكبوت وأشباه ذلك إذ الحكم يعم بعموم علته وينتفي لانتفاء سببه فلما  (1) أخرجه البخاري وأبو داود في الطب (2) أخرجه ابن ماجه(1\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "81",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4790",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان سبب التنجيس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته وكان ذلك مفقودا فيما لا دم له سائل انتفى الحكم بالتنجيس لانتفاء علته. ثم قال من لم يحكم بنجاسة عظم الميتة: إذا كان هذا ثابتا في الحيوان الكامل مع ما فيه من الرطوبات والفضلات وعدم الصلابة فثبوته في العظم الذي هو أبعد عن الرطوبات والفضلات واحتقان الدم أولى وهذا في غاية القوة فالمصير إليه أولى. وأول من حفظ عنه في الإسلام أنه تكلم بهذه اللفظة فقال: ما لا نفس له سائلة إبراهيم النخعي وعنه تلقاها الفقهاء- والنفس في اللغة: يعبر بها عن الدم ومنه نفست المرأة- بفتح النون- إذا حاضت ونفست- بضمها- إذا ولدت. وأما المعنى الطبي فقال أبو عبيد: معنى امقلوه: اغمسوه ليخرج الشفاء بضمها منه كما خرج الداء يقال للرجلين: هما يتماقلان إذا تغاطا في الماء. واعلم أن في الذباب عندهم قوة سمية يدل عليها الورم والحكة العارضة عن لسعه وهي بمنزلة السلاح فإذا سقط فيما يؤذيه اتقاه بسلاحه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقابل تلك السمية بما أودعه الله سبحانه في جناحه الآخر من الشفاء فيغمس كله في الماء والطعام فيقابل المادة السمية المادة النافعة فيزول ضررها وهذا طب لا يهتدي إليه كبار الأطباء وأئمتهم بل هو خارج من مشكاة النبوة ومع هذا فالطبيب العالم العارف الموفق يخضع لهذا العلاج ويقر لمن جاء به بأنه أكمل الخلق على الإطلاق وأنه مؤيد بوحي إلهي خارج عن القوى البشرية. وقد ذكر غير واحد من الأطباء أن لسع الزنبور والعقرب إذا دلك موضعه بالذباب نفع منه نفعا بينا وسكنه وما ذاك إلا للمادة التي فيه من الشفاء وإذا دلك به الورم الذي يخرج في شعر العين المسمى شعرة بعد قطع رؤوس الذباب أبرأه.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج البثرة ذكر ابن السني في كتابه عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خرج في أصبعي بثرة فقال: عندك ذريرة قلت: نعم. قال:(1\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "82",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4791",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ضعيها عليها وقولي: اللهم مصغر الكبير ومكبر الصغير صغر ما بي 1 الذريرة: دواء هندي يتخذ من قصب الذريرة وهي حارة يابسة تنفع من أورام المعدة والكبد والاستسقاء وتقوي القلب لطيبها وفي الصحيحين عن عائشة أنها قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي بذريرة في حجة الوداع للحل والإحرام 2 . والبثرة: خراج صغير يكون عن مادة حارة تدفعها الطبيعة فتسترق مكانا من الجسد تخرج منه فهي محتاجة إلى ما ينضجها ويخرجها والذريرة أحد ما يفعل بها ذلك فإن فيها إنضاجا وإخراجا مع طيب رائحتها مع أن فيها تبريدا للنارية التي في تلك المادة وكذلك قال صاحب القانون : إنه لا أفضل لحرق النار من الذريرة بدهن الورد والخل.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الأورام والخراجات التي تبرأ بالبط والبزل يذكر عن علي أنه قال: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل يعوده بظهره ورم فقالوا: يا رسول الله! بهذه مدة. قال: بطوا عنه  قال علي: فما برحت حتى بطت والنبي صلى الله عليه وسلم شاهد 3 . ويذكر عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر طبيبا أن يبط بطن رجل أجوى البطن فقيل: يا رسول الله: هل ينفع الطب قال: الذي أنزل الداء أنزل الشفاء فيما شاء . الورم: مادة في حجم العضو لفضل مادة غير طبيعية تنصب اليه ويوجد في  (1) أخرجه ابن السني وأحمد (2) أخرجه البخاري في اللباس ومسلم في الحج والإمام أحمد (3) أخرجه أبو يعلى: وفي سنده أبو الربيع السمان وهو ضعيف(1\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "83",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4792",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أجناس الأمراض كلها والمواد التي تكون عنها من الأخلاط الأربعة والمائية والريح وإذا اجتمع الورم سمي خراجا وكل ورم حار يؤول أمره إلى أحد ثلاثة أشياء: إما تحلل وإما جمع مدة وإما استحالة إلى الصلابة. فإن كانت القوة قوية استولت على مادة الورم وحللته وهي أصلح الحالات التي يؤول حال الورم إليها وإن كانت دون ذلك أنضجت المادة وأحالتها مدة بيضاء وفتحت لها مكانا أسالتها منه. وإن نقصت عن ذلك أحالت المادة مدة غير مستحكمة النضج وعجزت عن فتح مكان في العضو تدفعها منه فيخاف على العضو الفساد بطول لبثها فيه فيحتاج حينئذ إلى إعانة الطبيب بالبط أو غيره لإخراج تلك المادة الرديئة المفسدة للعضو. وفي البط فائدتان: إحداهما: إخراج المادة الرديئة المفسدة. والثانية: منع اجتماع مادة أخرى إليها تقويها. وأما قوله في الحديث الثاني: إنه أمر طبيبا أن يبط بطن رجل أجوى البطن  فالجوى يقال على معان منها: الماء المنتن الذي يكون في البطن يحدث عنه الاستسقاء. وقد اختلف الأطباء في بزله لخروج هذه المادة فمنعته طائفة منهم لخطره وبعد السلامة معه وجوزته طائفة أخرى وقالت: لا علاج له سواه وهذا عندهم إنما هو في الاستسقاء الزقي فإنه كما تقدم ثلاثة أنواع: طبلي وهو الذي ينتفخ معه البطن بمادة ريحية إذا ضربت عليه سمع له صوت كصوت الطبل ولحمي: وهو الذي يربو معه لحم جميع البدن بمادة بلغمية تفشو مع الدم في الأعضاء وهو أصعب من الأول وزقي: وهو الذي يجتمع معه في البطن الأسفل مادة رديئة يسمع لها عند الحركة خضخضة كخضخضة الماء في الزق وهو أردأ أنواعه عند الأكثرين من الأطباء. وقالت طائفة: أردأ أنواعه اللحمي لعموم الآفة به. ومن جملة علاج الزقي إخراج ذلك بالبزل ويكون ذلك بمنزلة فصد العروق لإخراج الدم الفاسد لكنه خطر كما تقدم وإن ثبت هذا الحديث فهو دليل على جواز بزله والله أعلم.(1\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "84",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4793",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج المرضى بتطييب نفوسهم وتقوية قلوبهم روى ابن ماجه في سننه من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل فإن ذلك لا يرد شيئا وهو يطيب نفس المريض 1 . وفي هذا الحديث نوع شريف جدا من أشرف أنواع العلاج وهو الإرشاد إلى ما يطيب نفس العليل من الكلام الذي تقوى به الطبيعة وتنتعش به القوة وينبعث به الحار الغريزي فيتساعد على دفع العلة أو تخفيفها الذي هو غاية تأثير الطبيب. وتفريح نفس المريض وتطييب قلبه وإدخال ما يسره عليه له تأثير عجيب في شفاء علته وخفتها فإن الأرواح والقوى تقوى بذلك فتساعد الطبيعة على دفع المؤذي وقد شاهد الناس كثيرا من المرضى تنتعش قواه بعيادة من يحبونه ويعظمونه ورؤيتهم لهم ولطفهم بهم ومكالمتهم إياهم وهذا أحد فوائد عيادة المرضى التي تتعلق بهم فإن فيها أربعة أنواع من الفوائد: نوع يرجع إلى المريض ونوع يعود على العائد ونوع يعود على أهل المريض ونوع يعود على العامة. وقد تقدم في هديه صلى الله عليه وسلم أنه كان يسأل المريض عن شكواه وكيف يجده ويسأله عما يشتهيه ويضع يده على جبهته وربما وضعها بين ثدييه ويدعو له ويصف له ما ينفعه في علته وربما توضأ وصب على المريض من وضوئه وربما كان يقول للمريض: لا بأس طهور إن شاء الله 2  وهذا من كمال اللطف وحسن العلاج والتدبير.  (1) أخرجه الترمذي في الطب وابن ماجه في الجنائز. ومعنى فنفسوا له في الأجل أي وسعوا له وأطمعوه في طول الحياة وأذهبوا حزنه فيما يتعلق بأجله بأن تقولوا: لا بأس طهور فإن في ذلك تنفيسا لما هو فيه من الكرب وطمأنينة لقلبه. (2) أخرجه البخاري(1\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "85",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4794",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الأبدان بما اعتادته من الأدوية والأغذية دون ما لم تعتده هذا أصل عظيم من أصول العلاج وأنفع شيء فيه وإذا أخطأه الطبيب أضر المريض من حيث يظن أنه ينفعه ولا يعدل عنه إلى ما يجده من الأدوية في كتب الطب إلا طبيب جاهل فإن ملاءمة الأدوية والأغذية للأبدان بحسب استعدادها وقبولها وهؤلاء أهل البوادي والأكارون وغيرهم لا ينجع فيهم شراب اللينوفر والورد الطري ولا المغلي ولا يؤثر في طباعهم شيئا بل عامة أدوية أهل الحضر وأهل الرفاهية لا تجدي عليهم والتجربة شاهدة بذلك ومن تأمل ما ذكرناه من العلاج النبوي رآه كله موافقا لعادة العليل وأرضه وما نشأ عليه. فهذا أصل عظيم من أصول العلاج يجب الاعتناء به وقد صرح به أفاضل أهل الطب حتى قال طبيب العرب بل أطبهم الحارث بن كلدة وكان فيهم كأبقراط في قومه: الحمية رأس الدواء والمعدة بيت الداء وعودوا كل بدن ما اعتاد. وفي لفظ عنه: الأزم دواء والأزم: الإمساك عن الأكل يعني به الجوع وهو من أكبر الأدوية في شفاء الأمراض الامتلائية كلها بحيث إنه أفضل في علاجها من المستفرغات إذا لم يخف من كثرة الامتلاء وهيجان الأخلاط وحدتها أو غليانها. وقوله: المعدة بيت الداء. المعدة: عضو عصبي مجوف كالقرعة في شكلها مركب من ثلاث طبقات مؤلفة من شظايا دقيقة عصبية تسمى الليف ويحيط بها لحم وليف إحدى الطبقات بالطول والأخرى بالعرض والثالثة بالورب وفم المعدة أكثر عصبا وقعرها أكثر لحما وفي باطنها خمل وهي محصورة في وسط البطن وأميل إلى الجانب الأيمن قليلا خلقت على هذه الصفة لحكمة لطيفة من الخالق الحكيم سبحانه وهي بيت الداء وكانت محلا للهضم الأول وفيها ينضج الغذاء وينحدر منها بعد ذلك إلى الكبد والأمعاء ويتخلف منه فيها فضلات قد عجزت القوة الهاضمة عن تمام هضمها إما لكثرة الغذاء أو لرداءته أو لسوء ترتيب في استعماله أو لمجموع ذلك وهذه الأشياء بعضها مما لا يتخلص الإنسان(1\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "86",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4795",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منه غالبا فتكون المعدة بيت الداء لذلك وكأنه يشير بذلك إلى الحث على تقليل الغذاء ومنع النفس من اتباع الشهوات والتحرز عن الفضلات. وأما العادة فلأنها كالطبيعة للإنسان ولذلك يقال: العادة طبع ثان وهي قوة عظيمة في البدن حتى إن أمرا واحدا إذا قيس إلى أبدان مختلفة العادات كان مختلف النسبة إليها. وإن كانت تلك الأبدان متفقة في الوجوه الأخرى مثال ذلك أبدان ثلاثة حارة المزاج في سن الشباب أحدها: عود تناول الأشياء الحارة والثاني: عود تناول الأشياء الباردة والثالث: عود تناول الأشياء المتوسطة فإن الأول متى تناول عسلا لم يضر به والثاني: متى تناوله أضر به والثالث: يضر به قليلا فالعادة ركن عظيم في حفظ الصحة ومعالجة الأمراض ولذلك جاء العلاج النبوي بإجراء كل بدن على عادته في استعمال الأغذية والأدوية وغير ذلك.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في تغذية المريض بألطف ما اعتاده من الأغذية في الصحيحين من حديث عروة عن عائشة أنها كانت إذا مات الميت من أهلها واجتمع لذلك النساء ثم تفرقن إلى أهلهن أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت وصنعت ثريدا ثم صبت التلبينة عليه ثم قالت: كلوا منها فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب ببعض الحزن 1 وفي السنن من حديث عائشة أيضا قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكم بالبغيض النافع التلبين  قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى أحد من أهله لم تزل البرمة على النار حتى ينتهي أحد طرفيه. يعني يبرأ أو يموت. 2  (1) أخرجه البخاري في الأطعمة ومسلم في اللباس (2) أخرجه ابن ماجه وأحمد والحاكم(1\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "87",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4796",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قيل له: إن فلانا وجع لا يطعم الطعام قال: عليكم بالتلبينة فحسوه إياها  ويقول: والذي نفسي بيده إنها تغسل بطن أحدكم كما تغسل إحداكن وجهها من الوسخ 1 التلبين: هو الحساء الرقيق الذي هو في قوام اللبن ومنه اشتق اسمه قال الهروي: سميت تلبينة لشبهها باللبن لبياضها ورقتها وهذا الغذاء هو النافع للعليل وهو الرقيق النضيج لا الغليظ النيء وإذا شئت أن تعرف فضل التلبينة فاعرف فضل ماء الشعير بل هي ماء الشعير لهم فإنها حساء متخذ من دقيق الشعير بنخالته والفرق بينها وبين ماء الشعير أنه يطبخ صحاحا والتلبينة تطبخ من مطحونا وهي أنفع منه لخروج خاصية الشعير بالطحن وقد تقدم أن للعادات تأثيرا في الانتفاع بالأدوية والأغذية وكانت عادة القوم أن يتخدوا ماء الشعير منه مطحونا لا صحاحا وهو أكثر تغذية وأقوى فعلا وأعظم جلاء وإنما اتخذه أطباء المدن منه صحاحا ليكون أرق وألطف فلا يثقل على طبيعة المريض وهذا بحسب طبائع أهل المدن ورخاوتها وثقل ماء الشعير المطحون عليها. والمقصود: أن ماء الشعير مطبوخا صحاحا ينفذ سريعا ويجلو جلاء ظاهرا ويغذي غذاء لطيفا. وإذا شرب حارا كان جلاؤه أقوى ونفوذه أسرع وإنماؤه للحرارة الغريزية أكثر وتلميسه لسطوح المعدة أوفق. وقوله صلى الله عليه وسلم فيها: مجمة لفؤاد المريض يروى بوجهين. بفتح الميم والجيم وبضم الميم وكسر الجيم والأول: أشهر ومعناه: أنها مريحة له أي: تريحه وتسكنه من الإجمام وهو الراحة. وقوله: تذهب ببعض الحزن  هذا- والله أعلم- لأن الغم والحزن يبردان المزاج ويضعفان الحرارة الغريزية لميل الروح الحامل لها إلى جهة القلب الذي هو منشؤها وهذا الحساء يقوي الحرارة الغريزية بزيادته في مادتها فتزيل أكثر ما عرض له من الغم والحزن. وقد يقال- وهو أقرب-: إنها تذهب ببعض الحزن بخاصية فيها من جنس خواص الأغذية المفرحة فإن من الأغذية ما يفرح بالخاصية والله أعلم. وقد يقال: إن قوى الحزين تضعف باستيلاء اليبس على أعضائه وعلى  (1) أخرجه الإمام أحمد(1\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "88",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4797",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معدته خاصة لتقليل الغذاء وهذا الحساء يرطبها ويقويها ويغذيها ويفعل مثل ذلك بفؤاد المريض لكن المريض كثيرا ما يجتمع في معدته خلط مراري أو بلغمي أو صديدي وهذا الحساء يجلو ذلك عن المعدة ويسروه ويحدره ويميعه ويعدل كيفيته ويكسر سورته فيريحها ولا سيما لمن عادته الاغتذاء بخبز الشعير وهي عادة أهل المدينة إذ ذاك وكان هو غالب قوتهم وكانت الحنطة عزيزة عندهم. والله أعلم.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج السم الذي أصابه بخيبر من اليهود ذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك: أن امرأة يهودية أهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاة مصلية بخيبر فقال: ما هذه  قالت: هدية وحذرت أن تقول: من الصدقة فلا يأكل منها فأكل النبي صلى الله عليه وسلم وأكل الصحابة ثم قال: أمسكوا  ثم قال للمرأة: هل سممت هذه الشاة  قالت: من أخبرك بهذا قال: هذا العظم لساقها  وهو في يده قالت: نعم. قال: لم  قالت: أردت إن كنت كاذبا أن يستريح منك الناس وإن كنت نبيا لم يضرك قال: فاحتجم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة على الكاهل وأمر أصحابه أن يحتجموا فاحتجموا فمات بعضهم 1 . وفي طريق أخرى: واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة حجمه أبو هند بالقرن والشفرة وهو مولى لبني بياضة من الأنصار وبقي بعد ذلك ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي توفي فيه فقال: ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر حتى كان هذا أوان انقطاع الأبهر مني فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا قاله موسى بن عقبة 2 .  (1) ذكره عبد الرزاق في المصنف ورجاله ثقات (2) ذكره عبد الرزاق في المصنف ورجاله ثقات(1\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "89",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4798",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معالجة السم تكون بالاستفراغات وبالأدوية التي تعارض فعل السم وتبطله إما بكيفياتها وإما بخواصها فمن عدم الدواء فليبادر إلى الاستفراغ الكلي وأنفعه الحجامة ولا سيما إذا كان البلد حارا والزمان حارا فإن القوة السمية تسري إلى الدم فتنبعث في العروق والمجاري حتى تصل إلى القلب فيكون الهلاك فالدم هو المنفذ الموصل للسم إلى القلب والأعضاء فإذا بادر المسموم وأخرج الدم خرجت معه تلك الكيفية السمية التي خالطته فإن كان استفراغا تاما لم يضره السم بل إما أن يذهب وإما أن يضعف فتقوى عليه الطبيعة فتبطل فعله أو تضعفه. ولما احتجم النبي صلى الله عليه وسلم احتجم في الكاهل وهو أقرب المواضع التي يمكن فيها الحجامة إلى القلب فخرجت المادة السمية مع الدم لا خروجا كليا بل بقي أثرها مع ضعفه لما يريد الله سبحانه من تكميل مراتب الفضل كلها له فلما أراد الله إكرامه بالشهادة ظهر تأثير ذلك الأثر الكامن من السم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وظهر سر قوله تعالى لأعدائه من اليهود: أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون [البقرة: 87]  فجاء بلفظ كذبتم بالماضي الذي قد وقع منه وتحقق وجاء بلفظ: تقتلون بالمستقبل الذي يتوقعونه وينتظرونه والله أعلم.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج السحر الذي سحرته اليهود به قد أنكر هذا طائفة من الناس وقالوا: لا يجوز هذا عليه وظنوه نقصا وعيبا وليس الأمر كما زعموا بل هو من جنس ما كان يعتريه صلى الله عليه وسلم من الأسقام والأوجاع وهو مرض من الأمراض وإصابته به كإصابته بالسم لا فرق بينهما وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سحر رسول(1\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "90",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4799",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله صلى الله عليه وسلم حتى إن كان ليخيل إليه أنه يأتي نساءه ولم يأتهن وذلك أشد ما يكون من السحر 1 . قال القاضي عياض: والسحر مرض من الأمراض وعارض من العلل يجوز عليه صلى الله عليه وسلم كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته وأما كونه يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من صدقه لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا وإنما هذا فيما يجوز طروه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث لسببها ولا فضل من أجلها وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر فغير بعيد أنه يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له ثم ينجلي عنه كما كان. والمقصود: ذكر هديه في علاج هذا المرض وقد روي عنه فيه نوعان: أحدهما- وهو أبلغهما-: استخراجه وإبطاله كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سأل ربه سبحانه في ذلك فدل عليه فاستخرجه من بئر فكان في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر فلما استخرجه ذهب ما به حتى كأنما أنشط من عقال فهذا من أبلغ ما يعالج به المطبوب وهذا بمنزلة إزالة المادة الخبيثة وقلعها من الجسد بالاستفراغ. والنوع الثاني: الاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر فإن للسحر تأثيرا في الطبيعة وهيجان أخلاطها وتشويش مزاجها فإذا ظهر أثره في عضو وأمكن استفراغ المادة الرديئة من ذلك العضو نفع جدا. وقد ذكر أبو عبيد في كتاب غريب الحديث له بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم على رأسه بقرن حين طب 2 . قال أبو عبيد: معنى طب: أي سحر. وقد أشكل هذا على من قل علمه وقال: ما للحجامة والسحر وما الرابطة بين هذا الداء وهذا الدواء ولو وجد هذا القائل أبقراط أو ابن سينا أو غيرهما قد نص على هذا العلاج لتلقاه بالقبول والتسليم وقال: قد نص عليه من لا يشك في معرفته وفضله.  (1) أخرجه البخاري في الطب ومسلم في باب السحر. (2) هذا الحديث لا يصح(1\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "91",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4800",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "فصل",
        "content": "فاعلم أن مادة السحر الذي أصيب به صلى الله عليه وسلم انتهت إلى رأسه إلى إحدى قواه التي فيه بحيث كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله وهذا تصرف من الساحر في الطبيعة والمادة الدموية بحيث غلبت تلك المادة على البطن المقدم منه فغيرت مزاجه عن طبيعته الأصلية. والسحر: هو مركب من تأثيرات الأرواح الخبيثة وانفعال القوى الطبيعية عنها وهو أشد ما يكون من السحر ولا سيما في الموضع الذي انتهى السحر إليه واستعمال الحجامة على ذلك المكان الذي تضررت أفعاله بالسحر من أنفع المعالجة إذا استعملت على القانون الذي ينبغي. قال أبقراط: الأشياء التي ينبغي أن تستفرغ يجب أن تستفرغ من المواضع التي هي إليها أميل بالأشياء التي تصلح لاستفراغها. وقالت طائفة من الناس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصيب بهذا الداء وكان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله ظن أن ذلك عن مادة دموية أو غيرها مالت إلى جهة الدماغ وغلبت على البطن المقدم منه فأزالت مزاجه عن الحالة الطبيعية له وكان استعمال الحجامة إذ ذاك من أبلغ الأدوية وأنفع المعالجة فاحتجم وكان ذلك قبل أن يوحى إليه أن ذلك من السحر فلما جاءه الوحي من الله تعالى وأخبره أنه قد سحر عدل إلى العلاج الحقيقي وهو استخراج السحر وإبطاله فسأل الله سبحانه فدله على مكانه فاستخرجه فقام كأنما أنشط من عقال وكان غاية هذا السحر فيه إنما هو في جسده وظاهر جوارحه لا على عقله وقلبه ولذلك لم يكن يعتقد صحة ما يخيل إليه من إتيان النساء بل يعلم أنه خيال لا حقيقة له ومثل هذا قد يحدث من بعض الأمراض والله أعلم.  فصل ومن أنفع علاجات السحر الأدوية الإلهية بل هي أدويته النافعة بالذات فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية ودفع تأثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها وكلما كانت أقوى(1\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "92",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4801",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأشد كانت أبلغ في النشرة 1  وذلك بمنزلة التقاء جيشين مع كل واحد منهما عدته وسلاحه فأيهما غلب الآخر قهره وكان الحكم له فالقلب إذا كان ممتلئا من الله مغمورا بذكره وله من التوجهات والدعوات والأذكار والتعوذات ورد لا يخل به يطابق فيه قلبه لسانه كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له ومن أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه. وعند السحرة: أن سحرهم إنما يتم تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة والنفوس الشهوانية التي هي معلقة بالسفليات ولهذا فإن غالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجهال وأهل البوادي ومن ضعف حظه من الدين والتوكل والتوحيد ومن لا نصيب له من الأوراد الإلهية والدعوات والتعوذات النبوية. وبالجملة: فسلطان تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة التي يكون ميلها إلى السفليات قالوا: والمسحور هو الذي يعين على نفسه فإنا نجد قلبه متعلقا بشيء كثير الالتفات إليه فيتسلط على قلبه بما فيه من الميل والالتفات والأرواح الخبيثة إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدة لتسلطها عليها بميلها إلى ما يناسب تلك الأرواح الخبيثة وبفراغها من القوة الإلهية وعدم أخذها للعدة التي تحاربها بها فتجدها فارغة لا عدة معها وفيها ميل إلى ما يناسبها فتتسلط عليها ويتمكن تأثيرها فيها بالسحر وغيره والله أعلم.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الاستفراغ بالقيء روى الترمذي في جامعه عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت له ذلك فقال: صدق أنا صببت له وضوءه. قال الترمذي: وهذا أصح شيء في الباب 2 .  (1) النشرة بالضم: رقية يعالج بها المجنون والمريض- القاموس المحيط (2) أخرجه الإمام أحمد والحاكم والدارقطني والبيهقي والطحاوي(1\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "93",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4802",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القيء: أحد الاستفراغات الخمسة التي هي أصول الاستفراغ وهي الإسهال والقيء وإخراج الدم وخروج الأبخرة والعرق وقد جاءت بها السنة. فأما الإسهال: فقد مر في حديث خير ما تداويتم به المشي وفي حديث السنا. وأما إخراج الدم فقد تقدم في أحاديث الحجامة. وأما استفراغ الأبخرة فنذكره عقيب هذا الفصل إن شاء الله. وأما الاستفراغ بالعرق فلا يكون غالبا بالقصد بل بدفع الطبيعة له إلى ظاهر الجسد فيصادف المسام مفتحة فيخرج منها. والقيء استفراغ من أعلا المعدة والحقنة من أسفلها والدواء من أعلاها وأسفلها والقيء: نوعان: نوع بالغلبة والهيجان ونوع بالاستدعاء والطلب. فأما الأول: فلا يسوغ حبسه ودفعه إلا إذا أفرط وخيف منه التلف فيقطع بالأشياء التي تمسكه. وأما الثاني: فأنفعه عند الحاجة إذا روعي زمانه وشروطه التي تذكر. وأسباب القيء عشرة. أحدها: غلبة المرة الصفراء وطفوها على رأس المعدة فتطلب الصعود. الثاني: من غلبة بلغم لزج قد تحرك في المعدة واحتاج إلى الخروج. الثالث: أن يكون من ضعف المعدة في ذاتها فلا تهضم الطعام فتقذفه إلى جهة فوق. الرابع: أن يخالطها خلط رديء ينصب إليها فيسيء هضمها ويضعف فعلها. الخامس: أن يكون من زيادة المأكول أو المشروب على القدر الذي تحتمله المعدة فتعجز عن إمساكه فتطلب دفعه وقذفه. السادس: أن يكون من عدم موافقة المأكول والمشروب لها وكراهتها له فتطلب دفعه وقذفه. السابع: أن يحصل فيها ما يثور الطعام بكيفيته وطبيعته فتقذف به. الثامن: القرف وهو موجب غثيان النفس وتهوعها.(1\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "94",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4803",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التاسع: من الأعراض النفسانية كالهم الشديد والغم والحزن وغلبة اشتغال الطبيعة والقوى الطبيعية به واهتمامها بوروده عن تدبير البدن وإصلاح الغذاء وإنضاجه وهضمه فتقذفه المعدة وقد يكون لأجل تحرك الأخلاط عند تخبط النفس فإن كل واحد من النفس والبدن ينفعل عن صاحبه ويؤثر في كيفيته. العاشر: نقل الطبيعة بأن يرى من يتقيأ فيغلبه هو القيء من غير استدعاء فإن الطبيعة نقالة. وأخبرني بعض حذاق الأطباء قال: كان لي ابن أخت حذق في الكحل فجلس كحالا فكان إذا فتح عين الرجل ورأى الرمد وكحله رمد هو وتكرر ذلك منه فترك الجلوس. قلت له: فما سبب ذلك قال: نقل الطبيعة فإنها نقالة قال: وأعرف آخر كان رأى خراجا في موضع من جسم رجل يحكه فحك هو ذلك الموضع فخرجت فيه خراجة. قلت: وكل هذا لابد فيه من استعداد الطبيعة وتكون المادة ساكنة فيها غير متحركة فتتحرك لسبب من هذه الأسباب فهذه أسباب لتحرك المادة لا أنها هي الموجبة لهذا العارض.  فصل ولما كانت الأخلاط في البلاد الحارة والأزمنة الحارة ترق وتنجذب إلى فوق كان القيء فيها أنفع. ولما كانت في الأزمنة الباردة والبلاد الباردة تغلظ ويصعب جذبها إلى فوق كان استفراغها بالإسهال أنفع. وإزالة الأخلاط ودفعها تكون بالجذب والاستفراغ والجذب يكون من أبعد الطرق والاستفراغ من أقربها والفرق بينهما أن المادة إذا كانت عاملة في الانصباب أو الترقي لم تستقر بعد فهي محتاجة إلى الجذب فإن كانت متصاعدة جذبت من أسفل وإن كانت منصبة جذبت من فوق وأما إذا استقرت في موضعها استفرغت من أقرب الطرق إليها فمتى أضرت المادة بالأعضاء العليا اجتذبت من أسفل ومتى أضرت بالأعضاء السفلى اجتذبت من فوق ومتى استقرت استفرغت من أقرب مكان إليها ولهذا احتجم النبي صلى الله عليه وسلم على كاهله(1\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "95",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4804",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تارة وفي رأسه أخرى وعلى ظهر قدمه تارة فكان يستفرغ مادة الدم المؤذي من أقرب مكان إليه. والله أعلم.  فصل والقيء ينقي المعدة ويقويها ويحد البصر ويزيل ثقل الرأس وينفع قروح الكلى والمثانة والأمراض المزمنة كالجذام والاستسقاء والفالج والرعشة وينفع اليرقان. وينبغي أن يستعمله الصحيح في الشهر مرتين متواليتين من غير حفظ دور ليتدارك الثاني ما قصر عنه الأول وينقي الفضلات التي انصبت بسببه والإكثار منه يضر المعدة ويجعلها قابلة للفضول ويضر بالأسنان والبصر والسمع وربما صدع عرقا ويجب أن يجتنبه من به ورم في الحلق أو ضعف في الصدر أو دقيق الرقبة أو مستعد لنفث الدم أو عسر الإجابة له. وأما ما يفعله كثير ممن يسيء التدبير وهو أن يمتلىء من الطعام ثم يقذفه ففيه آفات عديدة منها: أنه يعجل الهرم ويوقع في أمراض رديئة ويجعل القيء له عادة. والقيء مع اليبوسة وضعف الأحشاء وهزال المراق 1 . أو ضعف المستقيء خطر. وأحمد أوقاته الصيف والربيع دون الشتاء والخريف وينبغي عند القيء أن يعصب العينين ويقمط البطن ويغسل الوجه بماء بارد عند الفراغ وأن يشرب عقيبه شراب التفاح مع يسير من مصطكى وماء الورد ينفعه نفعا بيتا. والقيء يستفرغ من أعلى المعدة ويجذب من أسفل والإسهال بالعكس قال أبقراط: وينبغي أن يكون الاستفراغ في الصيف من فوق أكثر من الاستفراغ بالدواء وفي الشتاء من أسفل.  (1) مراق البطن البطن: بفتح الميم وتشديد القاف: مارق منه ولان ولا واحد له(1\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "96",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4805",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الإرشاد إلى معالجة أحذق الطبيبين ذكر مالك في موطئه : عن زيد بن أسلم أن رجلا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابه جرح فاحتقن الجرح الدم وأن الرجل دعا رجلين من بني أنمار فنظرا إليه فزعما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما: أيكما أطب  فقال: أو في الطب خير يا رسول الله فقال: أنزل الدواء الذي أنزل الداء 1 . ففي هذا الحديث أنه ينبغي الاستعانة في كل علم وصناعة بأحذق من فيها فالأحذق فإنه إلى الإصابة أقرب. وهكذا يجب على المستفتي أن يستعين على ما نزل به بالأعلم فالأعلم لأنه أقرب إصابة ممن هو دونه. وكذلك من خفيت عليه القبلة فإنه يقلد أعلم من يجده وعلى هذا فطر الله عباده كما أن المسافر في البر والبحر إنما سكون نفسه وطمأنينته إلى أحذق الدليلين وأخبرهما وله يقصد وعليه يعتمد فقد اتفقت على هذا الشريعة والفطرة والعقل. وقوله صلى الله عليه وسلم: أنزل الدواء الذي أنزل الداء  قد جاء مثله عنه في أحاديث كثيرة فمنها ما رواه عمرو بن دينار عن هلال بن يساف قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مريض يعوده فقال: أرسلوا إلى طبيب  فقال قائل: وأنت تقول ذلك يا رسول الله قال: نعم إن الله عز وجل لم ينزل داء إلا أنزل له دواء . وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة يرفعه: ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء  وقد تقدم هذا الحديث وغيره. واختلف في معنى أنزل الداء والدواء  فقالت طائفة: إنزاله إعلام العباد به وليس بشيء فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بعموم الإنزال لكل داء ودوائه وأكثر الخلق لا يعلمون ذلك ولهذا قال: علمه من علمه وجهله من جهله .  (1) أخرجه مالك في الموطأ(1\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "97",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4806",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالت طائفة: إنزالهما: خلقهما ووضعهما في الأرض كما في الحديث الآخر: إن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء  وهذا وإن كان أقرب من الذي قبله فلفظة الإنزال أخص من لفظة الخلق والوضع فلا ينبغي إسقاط خصوصية اللفظة بلا موجب. وقالت طائفة: إنزالهما بواسطة الملائكة الموكلين بمباشرة الخلق من داء ودواء وغير ذلك فإن الملائكة موكلة بأمر هذا العالم وأمر النوع الإنساني من حين سقوطه في رحم أمه إلى حين موته فإنزال الداء والدواء مع الملائكة وهذا أقرب من الوجهين قبله. وقالت طائفة: إن عامة الأدواء والأدوية هي بواسطة إنزال الغيث من السماء الذي تتولد به الأغذية والأقوات والأدوية والأدواء وآلات ذلك كله وأسبابه ومكملاته وما كان منها من المعادن العلوية فهي تنزل من الجبال وما كان منها من الأودية والأنهار والثمار فداخل في اللفظ على طريق التغليب والاكتفاء عن الفعلين بفعل واحد يتضمنهما وهو معروف من لغة العرب بل وغيرها من الأمم كقول الشاعر: علفتها تبنا وماء باردا ... حتى غدت همالة عيناها [1] وقول الآخر: ورأيت زوجك قد غدا ... متقلدا سيفا ورمحا [2] وقول الآخر: إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا [3] وهذا أحسن مما قبله من الوجوه والله أعلم. وهذا من تمام حكمة الرب عزوجل وتمام ربوبيته فإنه كما ابتلى عباده بالأدواء أعانهم عليها بما يسره لهم من الأدوية وكما ابتلاهم بالذنوب أعانهم عليها بالتوبة والحسنات الماحية والمصائب المفكرة وكما ابتلاهم بالأرواح الخبيثة من الشياطين أعانهم عليها بجند من الأرواح الطيبة وهم الملائكة. وكما ابتلاهم بالشهوات أعانهم على قضائها بما يسره لهم شرعا وقدرا من المشتهيات اللذيذة النافعة فما ابتلاهم سبحانه بشيء إلا أعطاهم ما يستعينون به على ذلك(1\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "98",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4807",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البلاء ويدفعونه به ويبقى التفاوت بينهم في العلم بذلك والعلم بطريق حصوله والتوصل إليه وبالله المستعان.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في تضمين من طب الناس وهو جاهل بالطب روى أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تطبب ولم يعلم منه الطب قبل ذلك فهو ضامن 1 هذا الحديث يتعلق به ثلاثة أمور: أمر لغوي وأمر فقهي وأمر طبي. فأما اللغوي: فالطب بكسر الطاء في لغة العرب يقال: على معان. منها الإصلاح يقال: طببته: إذا أصلحته. ويقال: له طب بالأمور. أي: لطف وسياسة. قال الشاعر: وإذا تغير من تميم أمرها ... كنت الطبيب لها برأي ثاقب. ومنها: الحذق. قال الجوهري: كل حاذق طبيب عند العرب قال أبو عبيد: أصل الطب: الحذق بالأشياء والمهارة بها. يقال للرجل: طب وطبيب: إذا كان كذلك وإن كان في غير علاج المريض. وقال غيره: رجل طبيب: أي حاذق سمي طبيبا لحذقه وفطنته. قال علقمة: فإن تسألوني بالنساء فإنني ... خبير بأدواء النساء طبيب إذا شاب رأس المرء أو قل ماله ... فليس له من ودهن نصيب وقال عنترة: إن تغد في دوني القناع فإنني ... طب بأخد الفارس المستلئم  (1) أخرجه أبو داود والنسائي متصلا ومنقطعا وابن ماجه في الديات والحاكم في الطب(1\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "99",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4808",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أي: إن ترخي عني قناعك وتستري وجهك رغبة عني فإني خبير حاذق بأخذ الفارس الذي قد لبس لأمة حربه. ومنها: العادة يقال: ليس ذاك بطبي أي: عادتي قال فروة بن مسيك [3] فما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا وقال أحمد بن الحسين المتنبي: وما التيه طبي فيهم غير أنني ... بغيض إلي الجاهل المتعاقل ومنها: السحر يقال: رجل مطبوب أي: مسحور وفي الصحيح في حديث عائشة لما سحرت يهود رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس الملكان عند رأسه وعند رجليه فقال أحدهما: ما بال الرجل قال الآخر: مطبوب. قال: من طبه قال: فلان اليهودي. قال أبو عبيد: إنما قالوا للمسحور: مطبوب لأنهم كنوا بالطب عن السحر كما كنوا عن اللديغ فقالوا: سليم تفاؤلا بالسلامة وكما كنوا بالمفازة عن الفلاة المهلكة التي لا ماء فيها فقالوا: مفازة تفاؤلا بالفوز من الهلاك. ويقال: الطب لنفس الداء. قال ابن أبي الأسلت: ألا من مبلغ حسان عني ... أسحر كان طبك أم جنون وأما قول الحماسي: فإن كنت مطبوبا فلا زلت هكذا ... وإن كنت مسحورا فلا برىء السحر فإنه أراد بالمطبوب الذي قد سحر وأراد بالمسحور: العليل بالمرض. قال الجوهري: ويقال للعليل: مسحور. وأنشد البيت. ومعناه: إن كان هذا الذي قد عراني منك ومن حبك أسأل الله دوامه ولا أريد زواله سواء كان سحرا أو مرضا. والطب: مثلث الطاء فالمفتوح الطاء: هو العالم بالأمور وكذلك(1\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "100",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4809",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطبيب يقال له: طب أيضا. والطب: بكسر الطاء: فعل الطبيب والطب بضم الطاء: اسم موضع قاله ابن السيد وأنشد: فقلت هل انهلتم بطب ركابكم ... بجائزة الماء التي طاب طينها وقوله صلى الله عليه وسلم: من تطبب  ولم يقل: من طب لأن لفظ التفعل يدل على تكلف الشيء والدخول فيه بعسر وكلفة وأنه ليس من أهله كتحلم وتشجع وتصبر ونظائرها وكذلك بنوا تكلف على هذا الوزن قال الشاعر: وقيس عيلان ومن تقيسا وأما الأمر الشرعي فإيجاب الضمان على الطبيب الجاهل فإذا تعاطى علم الطب وعمله ولم يتقدم له به معرفة فقد هجم بجهله على إتلاف الأنفس وأقدم بالتهور على ما لم يعلمه فيكون قد غرر بالعليل فيلزمه الضمان لذلك وهذا إجماع من أهل العلم. وقال الخطابي: لا أعلم خلافا في أن المعالج إذا تعدى فتلف المريض كان ضامنا والمتعاطي علما أو عملا لا يعرفه متعد فإذا تولد من فعله التلف ضمن الدية وسقط عنه القود لأنه لا يستبد بذلك بدون إذن المريض وجناية المتطبب في قول عامة الفقهاء على عاقلته. قلت: الأقسام خمسة: أحدها: طبيب حاذق أعطى الصنعة حقها ولم تجن يده فتولد من فعله المأذون فيه من جهة الشارع ومن جهة من يطبه تلف العضو أو النفس أو ذهاب صفة فهذا لا ضمان عليه اتفاقا فإنها سراية مأذون فيه وهذا كما إذا ختن الصبي في وقت وسنه قابل للختان وأعطى الصنعة حقها فتلف العضو أو الصبي لم يضمن وكذلك إذا بط من عاقل أو غيره ما ينبغي بطه في وقته على الوجه الذي ينبغي فتلف به لم يضمن وهكذا سراية كل مأذون فيه لم يتعد الفاعل في سببها كسراية الحد بالاتفاق. وسراية القصاص عند الجمهور خلافا لأبي حنيفة في إيجابه الضمان بها وسراية التعزيز وضرب الرجل امرأته والمعلم الصبي والمستأجر الدابة خلافا لأبي حنيفة والشافعي في إيجابهما الضمان في ذلك واستثنى الشافعي ضرب الدابة.(1\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "101",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4810",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "فصل",
        "content": "وقاعدة الباب إجماعا ونزاعا: أن سراية الجناية مضمونة بالاتفاق وسراية الواجب مهدرة بالاتفاق وما بينهما ففيه النزاع. فأبو حنيفة أوجب ضمانه مطلقا وأحمد ومالك أهدرا ضمانه وفرق الشافعي بين المقدر فأهدر ضمانه وبين غير المقدر فأوجب ضمانه. فأبو حنيفة نظر إلى أن الإذن في الفعل إنما وقع مشروطا بالسلامة وأحمد ومالك نظرا إلى أن الإذن أسقط الضمان والشافعي نظر إلى أن المقدر لا يمكن النقصان منه فهو بمنزلة النص وأما غير المقدر كالتعزيرات والتأديبات فاجتهادية فإذا تلف بها ضمن لأنه في مظنة العدوان.  فصل القسم الثاني: متطبب جاهل باشرت يده من يطبه فتلف به فهذا إن علم المجني عليه أنه جاهل لا علم له وأذن له في طبه لم يضمن ولا تخالف هذه الصورة ظاهر الحديث فإن السياق وقوة الكلام يدل على أنه غر العليل وأوهمه أنه طبيب وليس كذلك وإن ظن المريض أنه طبيب وأذن له في طبه لأجل معرفته ضمن الطبيب ما جنت يده وكذلك إن وصف له دواء يستعمله والعليل يظن أنه وصفه لمعرفته وحذقه فتلف به ضمنه والحديث ظاهر فيه أو صريح. فصل القسم الثالث: طبيب حاذق أذن له وأعطى الصنعة حقها لكنه أخطأت يده وتعدت إلى عضو صحيح فأتلفه مثل: أن سبقت يد الخاتن إلى الكمرة فهذا يضمن لأنها جناية خطأ ثم إن كانت الثلث فما زاد فهو على عاقلته فإن لم تكن عاقلة فهل تكون الدية في ماله أو في بيت المال على قولين هما روايتان عن أحمد. وقيل: إن كان الطبيب ذميا ففي ماله وإن كان مسلما ففيه الروايتان فإن لم يكن بيت مال أو تعذر تحميله فهل تسقط الدية أو تجب في مال الجاني فيه وجهان أشهرهما: سقوطها.(1\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "102",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4811",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل القسم الرابع: الطبيب الحاذق الماهر بصناعته اجتهد فوصف للمريض دواء فأخطأ في اجتهاده فقتله فهذا يخرج على روايتين: إحداهما: أن دية المريض في بيت المال. والثانية: أنها على عاقلة الطبيب وقد نص عليهما الإمام أحمد في خطأ الإمام والحاكم. فصل القسم الخامس: طبيب حاذق أعطى الصنعة حقها فقطع سلعة 1 من رجل أو صبي أو مجنون بغير إذنه أو إذن وليه أو ختن صبيا بغير إذن وليه فتلف فقال أصحابنا: يضمن لأنه تولد من فعل غير مأذون فيه وإن أذن له البالغ أو ولي الصبي والمجنون لم يضمن ويحتمل ألايضمن مطلقا لأنه محسن وما على المحسنين من سبيل. وأيضا فإنه إن كان متعديا فلا أثر لإذن الولي في إسقاط الضمان وإن لم يكن متعديا فلا وجه لضمانه. فإن قلت: هو متعد عند عدم الإذن غير متعد عند الإذن قلت: العدوان وعدمه إنما يرجع إلى فعله هو فلا أثر للإذن وعدمه فيه وهذا موضع نظر. فصل والطبيب في هذا الحديث يتناول من يطب بوصفه وقوله وهو الذي يخص باسم الطبائعي ويمروده وهو الكحال وبمبضعه ومراهمه وهو الجرائحي وبموساه وهو الخاتن وبريشته وهو الفاصد وبمحاجمه ومشرطه وهو الحجام وبخلعه ووصله ورباطه وهو المجبر وبمكواته وناره وهو الكواء وبقربته وهو الحاقن وسواء كان طبه لحيوان بهيم أو إنسان فاسم الطبيب يطلق لغة على  (1) السلعة: زيادة تحدث في البدن كالغدة تتحرك إذا حركت(1\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "103",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4812",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "فصل",
        "content": "هؤلاء كلهم كما تقدم وتخصيص الناس له ببعض أنواع الأطباء عرف حادث كتخصيص لفظ الدابة بما يخصها به كل قوم.  فصل والطبيب الحاذق: هو الذي يراعي في علاجه عشرين أمرا: أحدها: النظر في نوع المرض من أي الأمراض هو الثاني: النظر في سببه من أي شيء حدث والعلة الفاعلة التي كانت سبب حدوثه ما هي الثالث: قوة المريض وهل هي مقاومة للمرض أو أضعف منه فإذا كانت مقاومة للمرض مستظهرة عليه تركها والمرض ولم يحرك بالدواء ساكنا. الرابع: مزاج البدن الطبيعي ما هو الخامس: المزاج الحادث على غير المجرى الطبيعي. السادس: سن المريض. السابع: عادته. الثامن: الوقت الحاضر من فصول السنة وما يليق به. التاسع: بلد المريض وتربته. العاشر: حال الهواء في وقت المرض. الحادي عشر: النظر في الدواء المضاد لتلك العلة. الثاني عشر: النظر في قوة الدواء ودرجته والموازنة بينها وبين قوة المريض. الثالث عشر: ألا يكون كل قصده إزالة تلك العلة فقط بل إزالتها على وجه يأمن معه حدوث أصعب منها فمتى كان إزالتها لا يأمن معها حدوث علة أخرى أصعب منها أبقاها على حالها وتلطيفها هو الواجب وهذا كمرض أفواه العروق فإنه متى عولج بقطعه وحبسه خيف حدوث ما هو أصعب منه. الرابع عشر: أن يعالج بالأسهل فالأسهل فلا ينتقل من العلاج بالغذاء إلى الدواء إلا عند تعذره ولا ينتقل إلى الدواء المركب إلا عند تعذر الدواء البسيط فمن حذق الطبيب علاجه بالأغذية بدل الأدوية وبالأدوية البسيطة بدل المركبة(1\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "104",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4813",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخامس عشر: أن ينظر في العلة هل هي مما يمكن علاجها أولا فإن لم يمكن علاجها حفظ صناعته وحرمته ولا يحمله الطمع على علاج لا يفيد شيئا. وإن أمكن علاجها نظر هل يمكن زوالها أم لا فإن علم أنه لا يمكن زوالها نظر هل يمكن تخفيفها وتقليلها أم لا فإن لم يمكن تقليلها ورأى أن غاية الإمكان إيقافها وقطع زيادتها قصد بالعلاج ذلك وأعان القوة وأضعف المادة. السادس عشر: ألا يتعرض للخلط قبل نضجه باستفراغ بل يقصد إنضاجه فإذا تم نضجه بادر إلى استفراغه. السابع عشر: أن يكون له خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها وذلك أصل عظيم في علاج الأبدان فإن انفعال البدن وطبيعته عن النفس والقلب أمر مشهود والطبيب إذا كان عارفا بأمراض القلب والروح وعلاجهما كان هو الطبيب الكامل والذي لا خبرة له بذلك وإن كان حاذقا في علاج الطبيعة وأحوال البدن نصف طبيب. وكل طبيب لا يداوي العليل بتفقد قلبه وصلاحه وتقوية روحه وقواه بالصدقة وفعل الخير والإحسان والإقبال على الله والدار الآخرة فليس بطبيب بل متطبب قاصر. ومن أعظم علاجات المرض فعل الخير والإحسان والذكر والدعاء والتضرع والابتهال إلى الله والتوبة ولهذه الأمور تأثير في دفع العلل وحصول الشفاء أعظم من الأدوية الطبيعية ولكن بحسب استعداد النفس وقبولها وعقيدتها في ذلك ونفعه. الثامن عشر: التلطف بالمريض والرفق به كالتلطف بالصبي. التاسع عشر: أن يستعمل أنواع العلاجات الطبيعية والإلهية والعلاج بالتخييل فإن لحذاق الأطباء في التخييل أمورا عجيبة لا يصل إليها الدواء فالطبيب الحاذق يستعين على المرض بكل معين. العشرون: - وهو ملاك أمر الطبيب- أن يجعل علاجه وتدبيره دائرا على ستة أركان: حفظ الصحة الموجودة ورد الصحة المفقودة بحسب الإمكان وإزالة العلة أو تقليلها بحسب الإمكان واحتمال أدنى المفسدتين لإزالة أعظمهما وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعظمهما فعلى هذه الأصول الستة مدار(1\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "105",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4814",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "فصل",
        "content": "العلاج وكل طبيب لا تكون هذه أخيته 1 التي يرجع إليها فليس بطبيب والله أعلم.  فصل ولما كان للمرض أربعة أحوال: ابتداء وصعود وانتهاء وانحطاط تعين على الطبيب مراعاة كل حال من أحوال المرض بما يناسبها ويليق بها ويستعمل في كل حال ما يجب استعماله فيها. فإذا رأى في ابتداء المرض أن الطبيعة محتاجة إلى ما يحرك الفضلات ويستفرغها لنضجها بادر إليه فإن فاته تحريك الطبيعة في ابتداء المرض لعائق منع من ذلك أو لضعف القوة وعدم احتمالها للاستفراغ أو لبرودة الفصل أو لتفريط رقع فينبغي أن يحذر كل الحذر أن يفعل ذلك في صعود المرض لأنه إن فعله تحيرت الطبيعة لاشتغالها بالدواء وتخلت عن تدبير المرض ومقاومته بالكلية ومثاله: أن يجيء إلى فارس مشغول بموافقة عدوه فيشغله عنه بأمر آخر. ولكن الواجب في هذه الحال أن يعين الطبيعة على حفظ القوة ما أمكنه. فإذا انتهى المرض ووقف وسكن أخذ في استفراغه واستئصال أسبابه فإذا أخذ في الانحطاط كان أولى بذلك. ومثال هذا مثال العدو إذا انتهت قوته وفرغ سلاحه كان أخذه سهلا فإذا ولى وأخذ في الهرب كان أسهل أخذا وحدته وشوكته إنما هي في ابتدائه وحال استفراغه وسعة قوته فهكذا الداء والدواء سواء. فصل ومن حذق الطبيب أنه حيث أمكن التدبير بالأسهل فلا يعدل إلى الأصعب ويتدرج من الأضعف إلى الأقوى إلا أن يخاف فوت القوة حينئذ فيجب أن يبتدىء بالأقوى ولا يقيم في المعالجة على حال واحدة فتألفها الطبيعة ويقل  (1) الأخية بزنة أبية: الحرمة والذمة(1\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "106",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4815",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "انفعالها عنه ولا تجسر على الأدوية القوية في الفصول القوية وقد تقدم أنه إذا أمكنه العلاج بالغذاء فلا يعالج بالدواء وإذا أشكل عليه المرض أحار هو أم بارد فلا يقدم حتى يتبين له ولا يجربه بما يخاف عاقبته ولا بأس بتجربته بما لا يضر أثره. وإذا اجتمعت أمراض بدأ بما تخصه واحدة من ثلاث خصال: إحداها: أن يكون برء الآخر موقوفا على برئه كالورم والقرحة فإنه يبدأ بالورم. الثانية: أن يكون أحدها سببا للآخر كالسدة والحمى العفنة فإنه يبدأ بإزالة السبب. الثالثة: أن يكون أحدهما أهم من الآخر كالحاد والمزمن فيبدأ بالحاد ومع هذا فلا يغافل عن الآخر. وإذا اجتمع المرض والعرض بدأ بالمرض إلا أن يكون العرض أقوى كالقولنج 1  فيسكن الوجع أولا ثم يعالج السدة وإذا أمكنه أن يعتاض عن المعالجة بالاستفراغ بالجوع أو الصوم أو النوم لم يستفرغه وكل صحة أراد حفظها حفظها بالمثل أو الشبه وإن أراد نقلها إلى ما هو أفضل منها نقلها بالضد.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في التحرز من الأدواء المعدية بطبعها وإرشاده الأصحاء إلى مجانبة أهلها ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله أنه كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم: ارجع فقد بايعناك 2 .  (1) القولنج: مرض معوي مؤلم يعسر معه خروج التفل والريح (2) أخرجه مسلم في السلام وأخرجه ابن ماجه وأحمد وابن خزيمة وابن جرير عن عمرو بن الشريد عن أبيه(1\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "107",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4816",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروى البخاري في صحيحه تعليقا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: فر من المجذوم كما تفر من الأسد 1 . وفي سنن ابن ماجه من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تديموا النظر إلى المجذومين 2 . وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يوردن ممرض على مصح 3 . ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم: كلم المجذوم وبينك وبينه قيد رمح أو رمحين 4 . الجذام: علة رديئة تحدث من انتشار المرة السوداء في البدن كله فيفسد مزاج الأعضاء وهيئتها وشكلها وربما فسد في آخره اتصالها حتى تتأكل الأعضاء وتسقط ويسمى داء الأسد. وفي هذه التسمية ثلاثة أقوال للأطباء: أحدها: أنها لكثرة ما تعتري الأسد. والثاني: لأن هذه العلة تجهم وجه صاحبها وتجعله في سحنة الأسد. والثالث: أنه يفترس من يقربه أو يدنو منه بدائه افتراس الأسد. وهذه العلة عند الأطباء من العلل المعدية المتوارثة ومقارب المجذوم وصاحب السل يسقم برائحته فالنبي صلى الله عليه وسلم لكمال شفقته على الأمة ونصحه لهم نهاهم عن الأسباب التي تعرضهم لوصول العيب والفساد إلى أجسامهم وقلوبهم ولا ريب أنه قد يكون في البدن تهيؤ واستعداد كامن لقبول هذا الداء وقد تكون الطبيعة سريعة الانفعال قابلة للاكتساب من أبدان من تجاوره وتخالطه فإنها نقالة وقد يكون خوفها من ذلك ووهمها من أكبر أسباب إصابة تلك العلة لها فإن الوهم فعال مستول على القوى والطبائع وقد تصل رائحة العليل إلى الصحيح فتسقمه وهذا معاين في بعض الأمراض والرائحة أحد أسباب العدوى ومع هذا كله فلا بد من وجود استعداد البدن وقبوله لذلك الداء وقد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فلما أراد الدخول بها وجد بكشحها بياضا فقال: الحقي بأهلك 5 .  (1) أخرجه البخاري في الطب وأخرجه موصولا أبو نعيم في مستخرجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما (2) أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه عن ابن عباس (3) أخرجه البخاري في الطب ومسلم في السلام. وأبو داود وابن ماجه وأحمد والبيهقي وابن جرير (4) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد وأخرجه ابن السني وأبو نعيم في الطب وصنعفه. (5) أخرجه الإمام أحمد(1\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "108",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4817",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد ظن طائفة من الناس أن هذه الأحاديث معارضة بأحاديث أخر تبطلها وتناقضها فمنها: ما رواه الترمذي من حديث جابر  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ بيد رجل مجذوم فأدخلها معه في القصعة وقال: كل بسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه  ورواه ابن ماجه. وبما ثبت في الصحيح  عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا عدوى ولا طيرة ونحن نقول: لا تعارض بحمد الله بين أحاديثه الصحيحة. فإذا وقع التعارض فإما أن يكون أحد الحديثين ليس من كلامه صلى الله عليه وسلم وقد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقة ثبتا فالثقة يغلط أو يكون أحد الحديثين ناسخا للآخر إذا كان مما يقبل النسخ أو يكون التعارض في فهم السامع لا في نفس كلامه صلى الله عليه وسلم فلا بد من وجه من هذه الوجوه الثلاثة. وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كل وجه ليس أحدهما ناسخا للآخر فهذا لا يوجد أصلا ومعاذ الله أن يوجد في كلام الصادق المصدوق الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحق والآفة من التقصير في معرفة المنقول والتمييز بين صحيحه ومعلوله أو من القصور في فهم مراده صلى الله عليه وسلم وحمل كلامه على غير ما عناه به أو منهما معا ومن ها هنا وقع من الاختلاف والفساد ما وقع وبالله التوفيق. قال ابن قتيبة في كتاب اختلاف الحديث له حكاية عن أعداء الحديث وأهله قالوا: حديثان متناقضان رويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا عدوى ولا طيرة . وقيل له: إن النقبة تقع بمشفر البعير فيجرب لذلك الإبل. قال: فما أعدى الأول 2  ثم رويتم لا يورد ذو عاهة على مصح وفر من المجذوم فرارك من الأسد  وأتاه رجل مجذوم ليبايعه بيعة الإسلام فأرسل إليه البيعة وأمره  (1) أخرجه الترمذي في الأطعمة وأبو داود في الطب وابن ماجه في الطب وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث المفضل بن فضالة والمفضل قال فيه ابن معين: ليس بذاك. أي ضعيف. (2) أخرجه الإمام أحمد(1\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "109",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4818",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالانصراف ولم يأذن له وقال: الشؤم في المرأة والدار والدابة. قالوا: وهذا كله مختلف لا يشبه بعضه بعا. قال أبو محمد: ونحن نقول: إنه ليس في هذا اختلاف ولكل معنى منها وقت وموضع فإذا وضع موضعه زال الاختلاف. والعدوى جنسان: أحدهما: عدوى الجذام فإن المجذوم تشتد رائحته حتى يسقم من أطال مجالسته ومحادثته وكذلك المرأة تكون تحت المجذوم فتضاجعه في شعار واحد فيوصل إليها الأذى وربما جذمت وكذلك ولده ينزعون في الكبر إليه وكذلك من كان به سل ودق ونقب. والأطباء تأمر أن لا يجالس المسلول ولا المجذوم ولا يريدون بذلك معنى العدوى وإنما يريدون به معنى تغير الرائحة وأنها قد تسقم من أطال اشتمامها والأطباء أبعد الناس عن الإيمان بيمن وشؤم وكذلك النقبة تكون بالبعير- وهو جرب رطب- فإذا خالط الإبل أو حاكها وأوى في مباركها وصل إليها بالماء الذي يسيل منه وبالنطف نحو ما به فهذا هو المعنى الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: لا يورد ذو عاهة على مصح  كره أن يخالط المعيوه الصحيح لئلا يناله من نطفه وحكته نحو مما به. قال: وأما الجنس الآخر من العدوى فهو الطاعون ينزل ببلد فيخرج منه خوف العدوى وقد قال صلى الله عليه وسلم: إذا وقع ببلد وأنتم به فلا تخرجوا منه وإذا كان ببلد فلا تدخلوه . يريد بقوله: لا تخرجوا من البلد إذا كان فيه كأنكم تظنون أن الفرار من قدر الله ينجيكم من الله ويريد إذا كان ببلد فلا تدخلوه أي: مقامكم في الموضع الذي لا طاعون فيه أسكن لقلوبكم وأطيب لعيشكم ومن ذلك المرأة تعرف بالشؤم أو الدار فينال الرجل مكروه أو جائحة فيقول: أعدتني بشؤمها فهذا هو العدوى الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا عدوى 1 وقالت فرقة أخرى: بل الأمر باجتناب المجذوم والفرار منه على الاستحباب والاختيار والإرشاد. وأما الأكل معه ففعله لبيان الجواز وأن هذا ليس بحرام. وقالت فرقة أخرى: بل الخطاب بهذين الخطابين جزئي لا كلي فكل واحد خاطبه النبي صلى الله عليه وسلم بما يليق بحاله فبعض الناس يكون قوي الإيمان قوي التوكل  (1) أخرجه الإمام مالك والبخاري في النكاح ومسلم في السلام والترمذي(1\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "110",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4819",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تدفع قوة توكله قوة العدوى كما تدفع الطبيعة قوة العلة فتبطلها وبعض الناس لا يقوى على ذلك فخاطبه بالاحتياط والأخذ بالتحفظ وكذلك هو صلى الله عليه وسلم فعل الحالتين معا لتقتدي به الأمة فيهما فيأخذ من قوي من أمته بطريقة التوكل والقوة والثقة بالله ويأخذ من ضعف منهم بطريقة التحفظ والاحتياط وهما طريقان صحيحان. أحدهما: للمؤمن القوي والآخر للمؤمن الضعيف فتكون لكل واحد من الطائفتين حجة وقدوة بحسب حالهم وما يناسبهم وهذا كما أنه صلى الله عليه وسلم كوى وأثنى على تارك الكي وقرن تركه بالتوكل وترك الطيرة ولهذا نظائر كثيرة وهذه طريقة لطيفة حسنة جدا من أعطاها حقها ورزق فقه نفسه فيها أزالت عنه تعارضا كثيرا يظنه بالسنة الصحيحة. وذهبت فرقة أخرى إلى أن الأمر بالفرار منه ومجانبته لأمر طبيعي وهو انتقال الداء منه بواسطة الملامسة والمخالطة والرائحة إلى الصحيح وهذا يكون مع تكرير المخالطة والملامسة له وأما أكله معه مقدارا يسيرا من الزمان لمصلحة راجحة فلا بأس به ولا تحصل العدوى من مرة واحدة ولحظة واحدة فنهى سدا للذريعة وحماية للصحة وخالطه مخالطة ما للحاجة والمصلحة فلا تعارض بين الأمرين. وقالت طائفة أخرى: يجوز أن يكون هذا المجذوم الذي أكل معه به من الجذام أمر يسير لا يعدي مثله وليس الجذمى كلهم سواء ولا العدوى حاصلة من جميعهم بل منهم من لا تضر مخالطته ولا تعدي وهو من أصابه من ذلك شيء يسير ثم وقف واستمر على حاله ولم يعد بقية جسمه فهو أن يعدي غيره أولى وأحرى. وقالت فرقة أخرى: إن الجاهلية كانت تعتقد أن الأمراض المعدية تعدي بطبعها من غير إضافة إلى الله سبحانه فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم اعتقادهم ذلك وأكل مع المجذوم ليبين لهم أن الله سبحانه هو الذي يمرض ويشفي ونهى عن القرب منه ليتبين لهم أن هذا من الأسباب التي جعلها الله مفضية إلى مسبباتها ففي نهيه إثبات الأسباب وفي فعله بيان أنها لا تستقل بشيء بل الرب سبحانه إن شاء سلبها قواها فلا تؤثر شيئا وإن شاء أبقى عليها قواها فأثرت. وقالت فرقة أخرى: بل هذه الأحاديث فيها الناسخ والمنسوخ فينظر في تاريخها فإن علم المتأخر منها حكم بأنه الناسخ وإلا توقفنا فيها.(1\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "111",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4820",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالت فرقة أخرى: بل بعضها محفوظ وبعضها غير محفوظ وتكلمات في حديث لا عدوى  وقالت: قد كان أبو هريرة يرويه أولا ثم شك فيه فتركه وراجعوه فيه وقالوا: سمعناك تحدث به فأبى أن يحدث به. قال أبو سلمة: فلا أدري أنسي أبو هريرة أم نسخ أحد الحديثين الآخر وأما حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة فحديث لا يثبت ولا يصح وغاية ما قال فيه الترمذي: إنه غريب لم يصححه ولم يحسنه. وقد قال شعبة وغيره: اتقوا هذه الغرائب. قال الترمذي: ويروى هذا من فعل عمر وهو أثبت فهذا شأن هذين الحديثين اللذين عورض بهما أحاديث النهي أحدهما: رجع أبو هريرة عن التحديث به وأنكره والثاني: لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله أعلم وقد أشبعنا الكلام في هذه المسألة في كتاب المفتاح بأطول من هذا وبالله التوفيق.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في المنع من التداوي بالمحرمات روى أبو داود في سننه من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بالمحرم 1 . وذكر البخاري في صحيحه عن ابن مسعود: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم 2 . وفي السنن : عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدواء الخبيث 3 .  (1) أخرجه أبو داود في الطب (2) أخرجه الطبراني في الكبير وأخرجه البخاري تعليقا في الطب. ووصله الطبراني بإسناد رجاله رجال الصحيح وأخرجه أحمد وابن حبان في صحيحه والبزار وأبو يعلى ورجال أبي يعلى ثقات. (3) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد. وسنده قوي(1\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "112",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4821",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي صحيح مسلم عن طارق بن سويد الجعفي أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها فقال: إنما أصنعها للدواء فقال: إنه ليس بدواء ولكنه داء 1 . وفي السنن أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الخمر يجعل في الدواء فقال: إنها داء وليست بالدواء  رواه أبو داود والترمذي 2 . وفي صحيح مسلم عن طارق بن سويد الحضرمي قال: قلت: يا رسول الله! إن بأرضنا أعنابا نعتصرها فنشرب منها قال: لا فراجعته قلت: إنا نستشفي للمريض قال: إن ذلك ليس بشفاء ولكنه داء 3 . وفي سنن النسائي أن طبيبا ذكر ضفدعا في دواء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاه عن قتلها 4 . ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: من تداوى بالخمر فلا شفاه الله 5 . المعالجة بالمحرمات قبيحة عقلا وشرعا أما الشرع فما ذكرنا من هذه الأحاديث وغيرها وأما العقل فهو أن الله سبحانه إنما حرمه لخبثه فإنه لم يحرم على هذه الأمة طيبا عقوبة لها كما حرمه على بني إسرائيل بقوله: فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم 6 . وإنما حرم على هذه الأمة ما حرم لخبثه وتحريمه له حمية لهم وصيانة عن تناوله فلا يناسب أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل فإنه وإن أثر في إزالتها لكنه يعقب سقما أعظم منه في القلب بقوة الخبث الذي فيه فيكون المداوى به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب.  (1) أخرجه مسلم في الأشربة (2) أخرجه أبو داود في الطب والترمذي وقال: حسن صحيح. وصححه ابن حبان (3) أخرجه أحمد في مسنده. ولم يخرجه الإمام مسلم (4) أخرجه النسائي في الصيد وأحمد وأخرجه أبو داود والحاكم. وإسناده قوي (5) أخرجه أبو نعيم في الطب بلفظ: من تداوى بحرام لم يجعل الله فيه شفاء . (6) النساء- 160(1\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "113",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4822",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأيضا فإن تحريمه يقتضي تجنبه والبعد عنه بكل طريق وفي اتخاذه دواء حض على الترغيب فيه وملابسته وهذا ضد مقصود الشارع وأيضا فإنه داء كما نص عليه صاحب الشريعة فلا يجوز أن يتخذ دواء. وأيضا فإنه يكسب الطبيعة والروح صفة الخبث لأن الطبيعة تنفعل عن كيفية الدواء انفعالا بينا فإذا كانت كيفيته خبيثة اكتسبت الطبيعة منه خبثا فكيف إذا كان خبيثا في ذاته ولهذا حرم الله سبحانه على عباده الأغذية والأشربة والملابس الخبيثة لما تكسب النفس من هيئة الخبث وصفته. وأيضا فإن في إباحة التداوي به ولا سيما إذا كانت النفوس تميل إليه ذريعة إلى تناوله للشهوة واللذة لا سيما إذا عرفت النفوس أنه نافع لها مزيل لأسقامها جالب لشفائها فهذا أحب شيء إليها والشارع سد الذريعة إلى تناوله بكل ممكن ولا ريب أن بين سد الذريعة إلى تناوله وفتح الذريعة إلى تناوله تناقضا وتعارضا. وأيضا فإن في هذا الدواء المحرم من الأدواء ما يزيد على ما يظن فيه من الشفاء ولنفرض الكلام في أم الخبائث التي ما جعل الله لنا فيها شفاء قط فإنها شديدة المضرة بالدماغ الذي هو مركز العقل عند الأطباء وكثير من الفقهاء والمتكلمين. قال أبقراط في أثناء كلامه في الأمراض الحادة: ضرر الخمرة بالرأس شديد. لأنه يسرع الارتفاع إليه. ويرتفع بارتفاعه الأخلاط التي تعلو في البدن وهو كذلك يضر بالذهن. وقال صاحب الكامل : إن خاصية الشراب الإضرار بالدماغ والعصب. وأما غيره من الأدوية المحرمة فنوعان: أحدهما: تعافه النفس ولا تنبعث لمساعدته الطبيعة على دفع المرض به كالسموم ولحوم الأفاعي وغيرها من المستقذرات فيبقى كلا على الطبيعة مثقلا لها فيصير حينئذ داء لا دواء.(1\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "114",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4823",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثاني: ما لا تعافه النفس كالشراب الذي تستعمله الحوامل مثلا فهذا ضرره أكثر من نفعه والعقل يقضي بتحريم ذلك فالعقل والفطرة مطابق للشرع في ذلك. وها هنا سر لطيف في كون المحرمات لا يستشفى بها فإن شرط الشفاء بالدواء تلقيه بالقبول واعتقاد منفعته وما جعل الله فيه من بركة الشفاء فإن النافع هو المبارك وأنفع الأشياء أبركها والمبارك من الناس أينما كان هو الذي ينتفع به حيث حل ومعلوم أن اعتقاد المسلم تحريم هذه العين مما يحول بينه وبين اعتقاد بركتها ومنفعتها وبين حسن ظنه بها وتلقي طبعه لها بالقبول بل كلما كان العبد أعظم إيمانا كان أكره لها وأسوأ اعتقادا فيها وطبعه أكره شيء لها فإذا تناولها في هذه الحال كانت داء له لا دواء إلا أن يزول اعتقاد الخبث فيها وسوء الظن والكراهة لها بالمحبة وهذا ينافي الإيمان فلا يتناولها المؤمن قط إلا على وجه داء والله أعلم.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج القمل الذي في الرأس وإزالته في الصحيحين عن كعب بن عجرة قال: كان بي أذى من رأسي فحملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي فقال: ما كنت أرى الجهد قد بلغ بك ما أرى  وفي رواية: فأمره أن يحلق رأسه وأن يطعم فرقا بين ستة أو يهدي شاة أو يصوم ثلاثة أيام 1 . القمل يتولد في الرأس والبدن من شيئين: خارج عن البدن وداخل فيه فالخارج: الوسخ والدنس المتراكم في سطح الجسد والثاني من خلط رديء عفن تدفعه الطبيعة بين الجلد واللحم فيتعفن بالرطوبة الدموية في البشرة بعد خروجها من المسام فيكون منه القمل وأكثر ما يكون ذلك بعد العلل والأسقام وبسبب  (1) أخرجه البخاري ومسلم في الحج وأخرجه الإمام أحمد أيضا(1\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "115",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4824",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأوساخ وإنما كان في رؤوس الصبيان أكثر لكثرة رطوباتهم وتعاطيهم الأسباب التي تولد القمل ولذلك حلق النبي صلى الله عليه وسلم رؤوس بني جعفر. ومن أكبر علاجه حلق الرأس لتنفتح مسام الأبخرة فتتصاعد الأبخرة الرديئة فتضعف مادة الخلط وينبغي أن يطلى الرأس بعد ذلك بالأدوية التي تقتل القمل وتمنع تولده. وحلق الرأس ثلاثة أنواع أحدها نسك وقربة والثاني بدعة وشرك والثالث حاجة ودواء فالأول: الحلق في أحد النسكين الحج أو العمرةه والثاني: حلق الرأس لغير الله سبحانه كما يحلقها المريدون لشيوخهم فيقول أحدهم: أنا حلقت رأسي لفلان وأنت حلقته لفلان وهذا بمنزلة أن يقول سجدت لفلان فإن حلق الرأس خضوع وعبودية وذل ولهذا كان من تمام الحج حتى إنه عند الشافعي ركن من أركانه لا يتم إلا به فإنه وضع النواصي بين يدي ربها خضوعا لعظمته وتذللا لعزته وهو من أبلغ أنواع العبودية ولهذا كانت العرب إذا أرادت إذلال الأسير منهم وعتقه حلقوا رأسه وأطلقوه فجاء شيوخ الضلال والمزاحمون للربوبية الذين أساس مشيختهم على الشرك والبدعة فأرادوا من مريديهم أن يتعبدوا لهم فزينوا لهم حلق رؤوسهم لهم كما زينوا لهم السجود لهم وسموه بغير اسمه وقالوا: هو وضع الرأس بين يدي الشيخ ولعمر الله إن السجود لله هو وضع الرأس بين يديه سبحانه وزينوا لهم أن ينذروا لهم ويتوبوا لهم ويحلفوا بأسمائهم وهذا هو اتخاذهم أربابا وآلهة من دون الله قال تعالى ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون 1 . وأشرف العبودية عبودية الصلاة وقد تقاسمها الشيوخ والمتشبهون بالعلماء والجبابرة فأخذ الشيوخ منها أشرف ما فيها وهو السجود وأخذ المتشبهون بالعلماء منها الركوع فإذا لقي بعضهم بعضا ركع له كما يركع المصلي لربه سواء  (1) آل عمران- 79 80(1\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "116",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4825",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأخذ الجبابرة منهم القيام فيقوم الأحرار والعبيد على رؤوسهم عبودية لهم وهم جلوس وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الأمور الثلاثة على التفصيل فتعاطيها مخالفة صريحة له فنهى عن السجود لغير الله وقال: لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد . وأنكر على معاذ لما سجد له وقال: مه 1 . وتحريم هذا معلوم من دينه بالضرورة وتجويز من جوزه لغير الله مراغمة لله ورسوله وهو من أبلغ أنواع العبودية فإذا جوز هذا المشرك هذا النوع للبشر فقد جوز العبودية لغير الله وقد صح أنه قيل له: الرجل يلقى أخاه أينحني له قال: لا . قيل أيلتزمه ويقله قال: لا . قيل أيصافحه قال نعم 2 . وأيضا: فالانحناء عند التحية سجود ومنه قوله تعالى: وادخلوا الباب سجدا 3 أي منحنين وإلا فلا يمكن الدخول على الجباه وصح عنه النهي عن القيام وهو جالس كما تعظم الأعاجم بعضها بعضا حتى منع من ذلك في الصلاة وأمرهم إذا صلى جالسا أن يصلوا جلوسا وهم أصحاء لا عذر لهم لئلا يقوموا على رأسه وهو جالس مع أن قيامهم لله فكيف إذا كان القيام تعظيما وعبودية لغيره سبحانه. والمقصود: أن النفوس الجاهلة الضالة أسقطت عبودية الله سبحانه وأشركت فيها من تعظمه من الخلق فسجدت لغير الله وركعت له وقامت بين يديه قيام الصلاة وحلفت بغيره ونذرت لغيره وحلقت لغيره وذبحت لغيره وطافت بغير بيته وعظمته بالحب والخوف والرجاء والطاعة كما يعظم الخالق بل أشد وسوت من تعبده من المخلوقين برب العالمين وهؤلاء هم المضادون لدعوة الرسل وهم الذين بربهم يعدلون وهم الذين يقولون- وهم في النار مع آلهتهم يخصمون- تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين. 4 وهم الذين قال فيهم ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين  (1) أخرجه الإمام أحمد. (2) أخرجه الترمذي في الاستئذان وابن ماجه في الأدب وأحمد (3) البقرة- 58 (4) الشعراء- 98(1\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "117",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4826",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "آمنوا أشد حبا لله 1 هذا كله من الشرك والله لا يغفر أن يشرك به. فهذا فصل معترض في هديه في حلق الرأس ولعله أهم مما قصد الكلام فيه والله الموفق.  [القسم الثاني وهو] فصول في هديه صلى الله عليه وسلم في العلاج بالأدوية الروحانية الإلهية المفردة والمركبة منها ومن الأدوية الطبيعية  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج المصاب بالعين روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين 2 . وفي صحيحه أيضا عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في الرقية من الحمى والعين والنملة 3 . وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: العين حق 4 . وفي سنن أبي داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يؤمر العائن فيتوضأ ثم يغتسل منه المعين 5 . وفي الصحيحين عن عائشة قالت أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أو أمر أن نسترقي من العين 6 . وذكر الترمذي من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عروة  (1) البقرة- 165 (2) أخرجه مسلم في السلام وأخرجه أيضا أحمد وابن حبان والحاكم والطبراني (3) أخرجه مسلم في السلام (4) أخرجه البخاري في الطب ومسلم في السلام (5) أخرجه أبو داود في الطب. ورجاله ثقات وإسناده صحيح. وأخرجه ابن ماجه والنسائي (6) أخرجه البخاري في الطب ومسلم في السلام(1\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "118",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4827",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن عامر عن عبيد بن رفاعة الزرقي أن أسماء بنت عميس قالت: يا رسول الله! إن بني جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم فقال نعم فلو كان شيء يسبق القضاء لسبقته العين قال الترمذي: حديث حسن صحيح 1 . وروى مالك رحمه الله: عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: رأى عامر بن ربيعة سهل بن حنيف يغتسل فقال: والله ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة قال: فلبط سهل فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عامرا فتغيظ عليه وقال: علام يقتل أحدكم أخاه ألا بركت اغتسل له  فغسل له عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح ثم صب عليه فراح مع الناس 2 . وروى مالك رحمه الله أيضا عن محمد بن أبي أمامة بن سهل عن أبيه هذا الحديث وقال فيه إن العين حق توضأ له فتوضأ له 3 وذكر عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه مرفوعا العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين وإذا استغسل أحكم فليغتسل 4 ووصله صحيح. قال الزهري: يؤمر الرجل العائن بقدح فيدخل كفه فيه فيتمضمض ثم يمجه في القدح ويغسل وجهه في القدح ثم يدخل يده اليسرى فيصب على ركبته اليمنى في القدح ثم يدل يده اليمنى فيصب على ركبته اليسرى ثم يغسل داخلة إزاره ولا يوضع القدح في الأرض ثم يصب على رأس الرجل الذي نصيبه العين من خلفه صبة واحدة 5 . والعين: عينان: عين إنسية وعين جنية فقد صح عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة فقال: استرقوا لها فإن بها النظرة 6 .  (1) أخرجه الترمذي وأحمد وابن ماجه والنسائي (2) أخرجه مالك في الموطأ وأخرجه النسائي وابن ماجه وأحمد وابن حبان والحاكم في صحيحهما (3) أخرجه مالك في الموطأ وابن ماجه وأحمد. (4) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (5) ذكره البيهقي في السنن (6) أخرجه البخاري في الطب ومسلم في السلام. والحاكم وأبو نعيم(1\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "119",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4828",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الحسين بن مسعود الفراء: وقوله سفعة أي نظرة يعني: من الجن. يقول: بها عين أصابتها من نظر الجن أنفذ من أسنة الرماح. ويذكر عن جابر يرفعه: إن العين لتخل الرجل القبظر والجمل القدر 1 . وعن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من الجان ومن عين الإنسان 2 . فأبطلت طائفة ممن قل نصيبهم من السمع والعقل أمر العين وقالوا: إنما ذلك أوهام لا حقيقة لها وهؤلاء من أجهل الناس بالسمع والعقل ومن أغلظهم حجابا وأكثفهم طباعا وأبعدهم معرفة عن الأرواح والنفوس وصفاتها وأفعالها وتأثيراتها وعقلاء الأمم على اختلاف مللهم ونحلهم لا تدفع أمر العين ولا تنكره وإن اختلفوا في سببه وجهة تأثير العين. فقالت طائفة: إن العائن إذا تكيفت نفسه بالكيفية الرديئة انبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعين فيتضرر. قالوا ولا يستنكر هذا كما لا يستنكر انبعاث قوة سمية من الأفعى تتصل بالإنسان فيهلك وهذا أمر قد اشتهر عن نوع من الأفاعي أنها إذا وقع بصرها على الإنسان هلك فكذلك العائن. وقالت فرقة أخرى: لا يستبعد أن ينبعث من عين بعض الناس جواهر لطيفة غير مرئية فتتصل بالمعين وتتخلل مسام جسمه فيحصل له الضرر. وقالت فرقة أخرى: قد أجرى الله العادة بخلق ما يشاء من الضرر عند مقابلة عين العائن لمن يعينه من غير أن يكون منه قوة ولا سبب ولا تأثير أصلا وهذا مذهب منكري الأسباب والقوى والتأثيرات في العالم وهؤلاء قد سدوا على أنفسهم باب العلل والتأثيرات والأسباب وخالفوا العقلاء أجمعين. ولا ريب أن الله سبحانه خلق في الأجسام والأرواح قوى وطبائع مختلفة وجعل في كثير منها خواص وكيفيات مؤثرة ولا يمكن لعاقل إنكار تأثير الأرواح في  (1) أخرجه البزار بسند حسن بمعناه (2) أخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي وحسنه(1\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "120",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4829",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأجسام فإنه أمر مشاهد محسوس وأنت ترى الوجه كيف يحمر حمرة شديدة إذا نظر إليه من يحتشمه ويستحي منهج ويصفر صفرة شديدة عند نظر من يخافه إليه وقد شاهد الناس من يسقم من النظر وتضعف قواه وهذا كله بواسطة تأثير الأرواح ولشدة ارتباطها بالعين ينسب الفعل إليها وليست هي الفاعلة وإنما التأثير للروح والأرواح مختلفة في طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها فروح الحاسد مؤذية للمحسود أذى بينا ولهذا أمر الله- سبحانه رسوله أن يستعيذ به من شره وتأثير الحاسد في أذى المحسود أمر لا ينكره إلا من هو خارج عن حقيقة الإنسانية وهو أصل الإصابة بالعين فإن النفس الخبيثة الحاسدة تتكيف بكيفية خبيثة وتقابل المحسود فتؤثر فيه بتلك الخاصية وأشبه الأشياء بهذا الأفعى فإن السم كامن فيها بالقوة فإذا قابلت عدوها انبعثت منها قوة غضبية وتكيفت بكيفية خبيثة مؤذية فمنها ما تشتد كيفيتها وتقوى حتى تؤثر في إسقاط الجنين ومنها ما تؤثر في طمس البصر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الأبتر وذي الطفيتين من الحيات إنهما يلتمسان البصر ويسقطان الحبل  . ومنها ما تؤثر في الإنسان كيفيتها بمجرد الرؤية من غير اتصال به لشدة خبث تلك النفس وكيفيتها الخبيثة المؤثرة والتأثير غير موقوف على الاتصالات الجسمية كما يظنه من قل علمه ومعرفته بالطبيعة والشريعة بل التأثير يكون تارة بالاتصال وتارة بالمقابلة وتارة بالرؤية وتارة بتوجه الروح نحو من يؤثر فيه وتارة بالأدعية والرقى والتعوذات وتارة بالوهم والتخيل ونفس العائن لا يتوقف تأثيرها على الرؤية بل قد يكون أعمى فيوصف له الشيء فتؤثر نفسه فيه وإن لم يره وكثير من العائنين يؤثر في المعين بالوصف من غير رؤية وقد قال تعالى لنبيه وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر 2 وقال: قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد ومن شر  (1) أخرجه البخاري في بدأ الخلق ومسلم في السلام. وقد سمي بذلك لأن على ظهره خطين يشبهان الطفيتين اي الخوصتين. والأبتر: قصير الذنب (2) القلم- 51(1\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "121",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4830",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حاسد إذا حسد فكل عائن حاسد وليس كل حاسد عائنا فلما كان الحاسد أعم من العائن كانت الاستعاذة منه استعاذة من العائن وهي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمعين تصيبه تارة وتخطئه تارة فإن صادفته مكشوفا لا وقاية عليه أثرت فيه ولا بد وإن صادفته حذرا شاكي السلاح لا منفذ فيه للسهام لم تؤثر فيه وربما ردت السهام على صاحبها وهذا بمثابة الرمي الحسي سواء فهذا من النفوس والأرواح وذاك من الأجسام والأشباح. وأصله من إعجاب العائن بالشيء ثم تتبعه كيفية نفسه الخبيثة ثم تستعين على تنفيذ سمها بنظرة إلى المعين وقد يعين الرجل نفسه وقد يعين بغير إرادته بل بطبعه وهذا أردأ ما يكون من النوع الإنساني وقد قال أصحابنا وغيرهم من الفقهاء: إن من عرف بذلك حبسه الإمام وأجرى له ما ينفق عليه إلى الموت وهذا هو الصواب قطعا.  فصل والمقصود: العلاج النبوي لهذه العلة وهو أنواع وقد روى أبو داود في سننه عن سهل بن حنيف قال: مررنا بسيل فدخلت فاغتسلت فيه فخرجت محموما فنمي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مروا أبا ثابت يتعوذ  قال: فقلت يا سيدي! والرقى صالحة فقال لا رقية إلا في نفس أو حمة أو لدغة 1 . والنفس: العين يقال: أصابت فلانا نفس أي عين. والنافس العائن. واللدغة- بدال مهملة وغين معجمة- وهي ضربة العقرب ونحوها. فمن التعوذات والرقى الإكثار من قراءة المعوذتين وفاتحة الكتاب وآية الكرسي ومنها التعوذات النبوية. نحو أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق.  (1) أخرجه أبو داود في الطب وأخرجه الحاكم(1\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "122",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4831",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونحو: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة. ونحو أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها ومن شرفتن الليل والنهار ومن شر طوارق الليل إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن. ومنها: أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون. ومنها: اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم وكلماتك التامات من شر ما أنت آخذ بناصيته اللهم أنت تكشف المأثم والمغرم اللهم إنه لا يهزم جندك ولا يخلف وعدك سبحانك وبحمدك. ومنها: أعوذ بوجه الله العظيم الذي لا شيء أعظم منه وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر وأسماء الله الحسنى ما علمت منها وما لم أعلم من شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر كل ذي شر لا أطيق شره ومن شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته إن ربي على صراط مستقيم. ومنها اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن لا حول ولا قوة إلا بالله أعلم أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم. وإن شاء قال تحصنت بالله الذي لا إله إلا هو إلهي وإله كل شيء واعتصمت بربي ورب كل شيء وتوكلت على الحي الذي لا يموت واستدفعت الشر بلا حول ولا قوة إلا بالله حسبي الله ونعم الوكيل حسبي الرب من العباد حسبي الخالق من المخلوق حسبي الرازق من المرزوق حسبي الذي هو حسبي حسبي الذي بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه حسبي الله وكفى سمع الله لمن دعا ليس وراء الله مرمى حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم.(1\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "123",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4832",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن جرب هذه الدعوات والعوذ عرف مقدار منفعتها وشدة الحاجة إليها وهي تمنع وصول أثر العائن وتدفعه بعد وصوله بحسب قوة إيمان قائلها وقوة نفسه واستعداده وقوة توكله وثبات قلبه فإنها سلاح والسلاح بضاربه  فصل وإذا كان العائن يخشى ضرر عينه وإصابتها للمعين فليدفع شرها بقوله: اللهم بارك عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعامر بن ربيعة لما عان سهل بن حنيف: ألا بركت أي: قلت: اللهم بارك عليه. ومما يدفع به إصابة العين قول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله روى هشام بن عروة عن أبيه أنه كان إذا رأى شيئا يعجبه أو دخل حائطا من حيطانه قال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. ومنها رقية جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم التي رواها مسلم في صحيحه باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك 1 . ورأى جماعة من السلف أن تكتب له الآيات من القرآن ثم يشربها. قال مجاهد لا بأس أن يكتب القرآن ويغسله ويسقيه المريض ومثله عن أبي قلابة. ويذكر عن ابن عباس أنه أمر أن يكتب لامرأة تعسر عليها ولادها أثر من القرآن ثم يغسل وتسقى. وقال أيوب رأيت أبا قلابة كتب كتابا من القرآن ثم غسله بماء وسقاه رجلا كان به وجع.  (1) أخرجه مسلم في السلام(1\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "124",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4833",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومنها أن يؤمر العائن بغسل مغابنه وأطرافه وداخلة إزاره وفيه قولان أحدهما أنه فرجه. والثاني أنه طرف إزاره الداخل الذي يلي جسده من الجانب الأيمن ثم يصب على رأس المعين من خلفه بغتة وهذا مما لا يناله علاج الأطباء ولا ينتفع به من أنكره أو سخر منه أو شك فيه أو فعله مجربا لا يعتقد أن ذلك ينفعه وإذا كان في الطبيعة خواص لا تعرف الأطباء عللها البتة بل هي عندهم خارجة عن قياس الطبيعة تفعل بالخاصية فما الذي ينكره زنادقتهم وجهلتهم من الخواص الشرعية هذا مع أن في المعالجة بهذا الاستغسال ما تشهد له العقول الصحيحة وتقر لمناسبته فاعلم أن ترياق سم الحية في لحمها وأن علاج تأثير النفس الغضبية في تسكين غضبها وإطفاء ناره بوضع يدك عليه والمسح عليه وتسكين غضبه وذلك بمنزلة رجل معه شعلة من نار وقد أراد أن يقذفك بها فصببت عليها الماء وهي في يده حتى طفئت ولذلك أمر العائن أن يقول: اللهم بارك عليه ليدفع تلك الكيفية الخبيثة بالدعاء الذي هو إحسان إلى المعين فإن دواء الشيء بضده ولما كانت هذه الكيفية الخبيثة تظهر في المواضع الرقيقة من الجسد لأنها تطلب النفوذ فلا تجد أرق من المغابن وداخلة الإزار ولا سيما إن كان كناية عن الفرج فإذا غسلت بالماء بطل تأثيرها وعملها وأيضا فهذه المواضع للأرواح الشيطانية بها اختصاص. والمقصود: أن غسلها بالماء يطفىء تلك النارية ويذهب بتلك السمية. وفيه أمر آخر وهو وصول أثر الغسل إلى القلب من أرق المواضع وأسرعها تنفيذا فيطفىء تلك النارية والسمية بالماء فيشفى المعين وهذا كما أن ذوات السموم إذا قتلت بعد لسعها خف أثر اللسعة عن الملسوع ووجد راحة فإن أنفسها تمد أذاها بعد لسعها وتوصله إلى الملسوع. فإذا قتلت خف الألم وهذا مشاهده وإن كان من أسبابه فرح الملسوع واشتفاء نفسه بقتل عدوه فتقوى الطبيعة على الألم فتدفعه. وبالجملة: غسل العائن يذهب تلك الكيفية التي ظهرت منه وإنما ينفع غسله عند تكيف نفسه بتلك الكيفية.(1\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "125",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4834",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "فصل",
        "content": "فإن قيل: فقد ظهرت مناسبة الغسل فما مناسبة صب ذلك الماء على المعين قيل: هو في غاية المناسبة فإن ذلك الماء ماء طفىء به تلك النارية وأبطل تلك الكيفية الرديئة من الفاعل فكما طفئت به النارية القائمة بالفاعل طفئت به وأبطلت عن المحل المتأثر بعد ملابسته للمؤثر العائن والماء الذي يطفأ به الحديد يدخل في أدوية عدة طبيعية ذكرها الأطباء فهذا الذي طفىء به نارية العائن لا يستنكر أن يدخل في دواء يناسب هذا الداء وبالجملة فطب الطبائعية وعلاجهم بالنسبة إلى العلاج النبوي كطب الطرقية بالنسبة إلى طبهم بل أقل فإن التفاوت الذي بينهم وبين الأنبياء أعظم وأعظم من التفاوت الذي بينهم وبين الطرقية بما لا يدرك الإنسان مقداره فقد ظهر لك عقد الإخاء الذي بين الحكمة والشرع وعدم مناقضة أحدهما للآخر والله يهدي من يشاء إلى الصواب ويفتح لمن أدام قرع باب التوفيق منه كل باب وله النعمة السابغة والحجة البالغة.  فصل من علاج ذلك أيضا والاحتراز منه ستر محاسن من يخاف عليه العين بما يردها عنه كما ذكر البغوي في كتاب شرح السنة : أن عثمان رضي الله عنه رأى صبيا مليحاج فقال: دسموا نونته لئلا تصيبه العين ثم قال في تفسيره ومعنى: دسموا نونته أي سودوا نونته والنونة النقرة التي تكون في ذقن الصبي الصغير. وقال الخطابي في غريب الحديث له عن عثمان: إنه رأى صبيا تأخذه العين فقال: دسموا نوننه فقال أبو عمرو سألت أحمد بن يحيى عنه فقال أراد بالنونة النقرة التي في ذقنه. والتدسيم التسويده أراد: سودوا ذلك الموضع من ذقنه ليرد العين قال: ومن هذا حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم وعلى رأسه عمامة دسماء أي سوداء. أراد الاستشهاد على اللفظة ومن هذا أخذ الشاعر قوله ما كان أحوج ذا الكمال إلى ... عيب يوقيه من العين(1\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "126",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4835",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومن الرقى التي ترد العين ما ذكر عن أبي عبد الله الساجي أنه كان في بعض أسفاره للحج أو الغزو على ناقة فارهة وكان في الرفقة رجل عائن قلما نظر إلى شيء إلا أتلفه فقيل لأبي عبد الله: احفظ ناقتك من العائن فقال ليس له إلى ناقتي سبيل فأخبر العائن بقوله فتحين غيبة أبي عبد الله فجاء إلى رحله فنظر إلى الناقة فاضطربت وسقطت فجاء أبو عبد الله فأخبر أن العائن قد عانها وهي كما ترى فقال دلوني عليه فدل فوقف عليه وقال بسم الله حبس طبس وحجر ياس وشهاب قابس رددت عين العائن عليه وعلى أحب الناس إليه فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير 1 فخرجت حدقتا العائن وقامت الناقة لا بأس بها.  في هديه صلى الله عليه وسلم في العلاج لكل شكوى بالرقية الإلية روى أبو داود في سننه من حديث أبي الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من اشتكى منكم شيئا أو اشتكاه أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض واغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائيك على هذا الوجع فيبرأ بإذن الله 2 وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري أن جبريل- عليه السلام- أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد! اشتكيت فقال: نعم  فقال جبريل- عليه السلام-: باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك 3 .  (1) الملك- 3- 4. (2) أخرجه أبو داود في الطب. ورواه أحمد (3) أخرجه مسلم في السلام(1\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "127",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4836",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل فما تقولون في الحديث الذي رواه أبو داود لا رقية إلا من عين أو حمة والحمة: ذوات السموم كلها. فالجواب أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد به نفي جواز الرقية في غيرها بل المراد به لا رقية أولى وأنفع منها في العين والحمة ويدل عليه سياق الحديث فإن سهل بن حنيف قال له لما أصابته العين أو في الرقى خير فقال لا رقية إلا في نفس أو حمة ويدل عليه سائر أحاديث الرقى العامة والخاصة وقد روى أبو داود من حديث أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا رقية إلا من عين أو حمة أو دم يفرقأ 1 . وفي صحيح مسلم عنه أيضا: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقية من العين والحمة والنملة.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في رقية اللديغ بالفاتحة أخرجا في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري قال: انطلق نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء فقال بعضهم لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعلهم أن يكون عند بعضهم شيء فأتوهم فقالوا يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه فهل عند أحد منكم من شيء فقال بعضهم: نعم والله إني لأرقي ولكن استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براق حتى تجعلوا لنا جعلا فصالحوهم على قطيع من الغنم فانطلق يتفل عليه ويقرأ الحمد لله رب العالمين فكأنما أنشط من عقال فانطلق يمشي وما به قلبة قال فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه فقال بعضهم: اقتسموا فقال الذي رقى لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنذكر له  (1) أخرجه أبو داود والترمذي بلفظ ولا رقية إلا من عين أو حمة وإسناده صحيح.(1\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "128",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4837",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي كان فننظر ما يأمرنا فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له ذلك فقال وما يدريك أنها رقية  ثم قال قد أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم سهما 1 وقد روى ابن ماجه في سننه من حديث علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الدواء القرآن 2 . ومن المعلوم أن بعض الكلام له خواص ومنافع مجربة فما الظن بكلام رب العالمين الذي فضله على كل كلام كفضل الله على خلقه الذي هو الشفاء التام والعصمة النافعة والنور الهادي والرحمة العامة الذي لو أنزل ظل على جبل لتصدع من عظمته وجلالته. قال تعالى وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين 3 و من ها هنا لبيان الجنس لا للتبعيض هذا أصح القولين كقوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما 4 . وكلهم من الذين آمنوا وعملوا الصالحات فما الظن بفاتحة الكتاب التي لم ينزل في القرآن ولا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور مثلها المتضمنة لجميع معاني كتب الله المشتملة على ذكر أصول أسماء الرب- تعالى- ومجامعها وهي الله والرب وو الرحمن وإثبات المعاد وذكر التوحيدين: توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية وذكر الافتقار إلى الرب سبحانه في طلب الإعانة وطلب الهداية وتخصيصه سبحانه بذلك وذكر أفضل الدعاء على الإطلاق وأنفعه وأفرضه وما العباد أحوج شيء إليه وهو الهداية إلى صراطه المستقيم المتضمن كمال معرفته وتوحيده وعبادته بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه والاستقامة عليه إلى الممات ويتضمن ذكر أصناف الخلائق وانقسامهم إلى منعم عليه بمعرفة الحق والعمل به ومحبته وإيثاره ومغضوب عليه بعدوله عن الحق بعد معرفته له وضال بعدم معرفته له. وهؤلاء أقسام الخليقة مع تضمنها لإثبات القدر والشرع والأسماء والصفات والمعاد والنبوات وتزكية النفوس وإصلاح  (1) أخرجه البخاري في الطب ومسلم في السلام وأخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد (2) أخرجه ابن ماجه في الطب (3) الإسراء- 82 (4) الفتح- 29(1\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "129",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4838",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "فصل",
        "content": "القلوب وذكر عدل الله وإحسانه والرد على جميع أهل البدع والباطل كما ذكرنا ذلك في كتابنا الكبير مدارج السالكين في شرحها. وحقيق بسورة هذا بعض شأنها أن يستشفى بها من الأدواء ويرقى بها اللديغ. وبالجملة فما تمنته الفاتحة ن إخلاص العبودية والثناء على الله وتقويض الأمر كله إليه والاستعانة به والتوكل عليه وسؤاله مجامع النعم كلها وهي الهداية التي تجلب النعم وتدفع النقم من أعظم الأدوية الشافية الكافية. وقد قيل: إن موضع الرقية منها: إياك نعبد وإياك نستعين ولا ريب أن هاتين الكلمتين من أقوى أجزاء هذا الدواء فإن فيهما من عموم التفويض والتوكل والالتجاء والاستعانة والافتقار والطلب والجمع بين أعلى الغايات وهي عبادة الرب وحده وأشرف الوسائل وهي الاستعانة به على عبادته ما ليس في غيرها ولقد مر بي وقت بمكة سقمت فيه وفقدت الطبيب والدواء فكنت أتعالج بها آخذ شربة من ماء زمزم وأقرؤها عليها مرارا ثم أشربه فوجدت بذلك البرء التام ثم صرت أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع فأنتفع بها غاية الانتفاع.  فصل وفي تأثير الرقى بالفاتحة وغيرها علاج ذوات السموم سر بديع فإن ذوات السموم أثرت بكيفيات نفوسها الخبيثة كما تقدم وسلاحها حماتها التي تلدغ بها وهي لا تلدغ حتى تغضب فإذا غضبت ثار فيها السم فتقذفه بآلتها وقد جعل الله سبحانه لكل داء دواء ولكل شيء ضدا ونفس الراقي تفعل في نفس المرقي فيقع بين نفسيهما فعل وانفعال كما يقع بين الداء والدواء فتقوى نفس الراقي وقوته بالرقية على ذلك الداء فيدفعه بإذن الله ومدار تأثير الأدوية والأدواء على الفعل والانفعال وهو كما يقع بين الداء والدواء الطبيعيين يقع بين الداء والدواء الروحانيين والروحاني والطبيعي وفي النفث والتفل استعانة بتلك الرطوبة والهواء والنفس المباشر للرقية والذكر والدعاء فإن الرقية تخرج من قلب الراقي وفمه فإذا صاحبها شيء من أجزاء باطنه من الريق والهواء والنفس كانت أتم(1\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "130",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4839",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تأثيرا وأقوى فعلا ونفوذا ويحصل بالازدواج بينهما كيفية مؤثرة شبيهة بالكيفية الحادثة عند تركيب الأدوية. وبالجملة: فنفس الراقي تقابل تلك النفوس الخبيثة وتزيد بكيفية نفسه وتستعين بالرقية وبالنفث على إزالة ذلك الأثر وكلما كانت كيفية نفس الراقي أقوى كانت الرقية أتم واستعانته بنفثه كاستعانة تلك النفوس الرديئة بلسعها. وفي النفث سر آخر فإنه مما تستعين به الأرواح الطيبة والخبيثة ولهذا تفعله السحرة كما يفعله أهل الإيمان قال تعالى ومن شر النفاثات في العقد وذلك لأن النفس تتكيف بكيفية الغضب والمحاربة وترسل أنفاسها سهاما لها وتمدها بالنفث والتفل الذي معه شيء من الريق مصاحب لكيفية مؤثرة والسواحر تستعين بالنفث استعانة بينة وإن لم تتصل بجسم المسحور بل تنفث على العقدة وتعقدها وتتكلم بالسحر فيعمل ذلك في المسحور بتوسط الأرواح السفلية الخبيثة فتقابلها الروح الزكية الطيبة بكيفية الدفع والتكلم بالرقية وتستعين بالنفث فأيهما قوي كان الحكم له ومقابلة الأرواح بعضها لبعض ومحاربتها وآلتها من جنس مقابلة الأجسام ومحاربتها وآلتها سواء بل الأصل في المحاربة والتقابل للأرواح والأجسام آلتها وجندها ولكن من غلب عليه الحس لا يشعر بتأثيرات الأرواح وأفعالها وانفعالاتها لاستيلاء سلطان الحس عليه وبعده من عالم الأرواح وأحكامها وأفعالها. والمقصود: أن الروح إذا كانت قوية وتكيفت بمعاني الفاتحة واستعانت بالنفث والتفل قابلت ذلك الأثر الذي حصل من النفوس الخبيثة فأزالته والله أعلم.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج لدغة العقرب بالرقية روى ابن أبي شيبة في مسنده من حديث عبد الله بن مسعود قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إذ سجد فلدغته عقرب في أصبعه فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم(1\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "131",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4840",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال لعن الله العقرب ما تدع نبيا ولا غيره  قال ثم دعا بإناء فيه ماء وملح فجعل يضع موضع اللدغة في الماء والملح ويقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين حتى سكنت 1 . ففي هذا الحديث العلاج بالدواء المركب من الأمرين: الطبيعي والإلهي فإن في سورة الإخلاص من كمال التوحيد العلمي الاعتقادي وإثبات الأحدية لله المستلزمة نفي كل شركة عنه وإثبات الصمدية المستلزمة لإثبات كل كمال له مع كون الخلائق تصمد إليه في حوائجها أي: تقصده الخليقة وتتوجه إليه علويها وسفليها ونفي الوالد والولد والكفء عنه المتضمن لنفي الأصل والفرع والنظير والمماثل مما اختصت به وصارت تعدل ثلث القرآن ففي اسمه الصمد إثبات كل الكمال وفي نفي الكفء التنزيه عن الشبيه والمثال. وفي الأحد نفي كل شريك الذي الجلال وهذه الأصول الثلاثة هي مجامع التوحيد. وفي المعوذتين الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلا فإن الاستعاذة من شر ما خلق تعم كل شر يستعاذ منه سواء كان في الأجسام أو الأرواح والاستعاذة من شر الغاسق وهو الليل وآيته وهو القمر إذا غاب تتضمن الاستعاذة من شر ما ينتشر فيه من الأرواح الخبيثة التي كان نور النهار يحول بينها وبين الانتشار فلما أظلم الليل عليها وغاب القمر انتشرت وعاثت. والاستعاذة من شر النفاثات في العقد تتضمن الاستعاذة من شر السواحر وسحرهن. والاستعاذة من شر الحاسد تتضمن الاستعاذة من النفوس الخبيثة المؤذية بحسدها ونظرها. والسورة الثانية: تتضمن الاستعاذة من شر شياطين الإنس والجن فقد جمعت السورتان الاستعاذة من كل شر ولهما شأن عظيم في الاحتراس والتحصن  (1) أخرجه الترمذي وأخرجه الطبراني في الكبير والأوسط والبيهقي في الشعب وأبو نعيم في الطب.(1\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "132",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4841",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من الشرور قبل وقوعها ولهذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم عقبة بن عامر بقراءتهما عقب كل صلاة ذكره الترمذي في جامعه 1 وفي هذا سر عظيم في استدفاع الشرور من الصلاة إلى الصلاة. وقال: ما تعوذ المتعوذون بمثلهما. وقد ذكر أنه صلى الله عليه وسلم سحر في إحدى عشرة عقدة وأن جبريل نزل عليه بهما فجعل كلما قرأ آية منهما انحلت عقدة حتى انحلت العقد كلها وكأنما أنشط من عقال. وأما العلاج الطبيعي فيه فإن في الملح نفعا لكثير من السموم ولا سيما لدغة العقرب قال صاحب القانون : يضمد به مع بزر الكتان للسع العقرب وذكره غيره أيضا. وفي الملح من القوة الجاذبة المحللة ما يجذب السموم ويحللها ولما كان في لسعها قوة نارية تحتاج إلى تبريد وجذب وإخراج جمع بين الماء المبرد لنار اللسعة والملح الذي فيه جذب وإخراج وهذا أتم ما يكون من العلاج وأيسره وأسهله وفيه تنبيه على أن علاج هذا الداء بالتبريد والجذب والإخراج والله أعلم. وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة فقال: أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك 2 واعلم أن الأدوية الطبيعية الإلهية تنفع من الداء بعد حصوله وتمنع من وقوعه وإن وقع لم يقع وقوعا مضرا وإن كان مؤذيا والأدوية الطبيعية إنما تنفع بعد حصول الداء فالتعوذات والأذكار إما أن تمنع وقوع هذه الأسباب وإما أن تحول بينها وبين كمال تأثيرها بحسب كمال التعوذ وقوته وضعفه فالرقى والعوذ تستعمل لحفظ الصحة ولإزالة المرض أما الأول: فكما في الصحيحين من حديث عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أوى إلى فراشه نفث في كفيه قل هو الله أحد والمعوذتين. ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يده من جسده 3  (1) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي (2) أخرجه مسلم في السلام وأخرجه أحمد (3) أخرجه البخاري في الدعوات ومسلم في السلام(1\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "133",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4842",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكما في حديث عوذة أبي الدرداء المرفوع اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم  وقد تقدم وفيه: من قالها أول نهاره لم تصبه مصيبة حتى يمسي ومن قالها آخر نهاره لم تصبه مصيبة حتى يصبح 1 . وكما في الصحيحين : من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه 2 . وكما في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك 3 . وكما في سنن أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في السفر يقول بالليل: يا أرض ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما يدب عليك أعوذ بالله من أسد وأسود ومن الحية والعقرب ومن ساكن البلد ومن والد وما ولد 4 . وأما الثاني: فكما تقدم من الرقية بالفاتحة والرقية للعقرب وغيرها مما يأتي.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في رقية النملة قد تقدم من حديث أنس الذي في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم رخص في الرقية من الحمة والعين والنملة. وفي سنن أبي داود عن الشفاء بنت عبد الله قالت: دخل علي رسول الله  (1) أخرجه ابن السني (2) أخرجه البخاري في فضائل القرآن ومسلم في المسافرين. (3) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء. (4) أخرجه أبو داود وأحمد.(1\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "134",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4843",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلى الله عليه وسلم وأنا عند حفصة فقال: ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة 1 . النملة: قروح تخرج في الجنبين وهو داء معروف وسمي نملة لأن صاحبه يحس في مكانه كأن نملة تدب عليه وتعضه وأصنافها ثلاثة قال ابن قتيبة وغيره: كان المجوس يزعمون أن ولد الرجل من أخته إذا خط على النملة شفى صاحبها ومنه قول الشاعر: ولا عيب فينا غير عرف لمعشر ... كرام وأنا لا نخط على النمل وروى الخلال: أن الشفاء بنت عبد الله كانت ترقي في الجاهلية من النملة فلما هاجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكانت قد بايعته بمكة قالت: يا رسول الله! إني كنت أرقي في الجاهلية من النملة وإني أريد أن أعرضها عليك فعرضت عليه فقالت: بسم الله ضلت حتى تعود من أفواهها ولا تضر أحدا اللهم اكشف البأس رب الناس قال: ترقي بها على عود سبع مرات وتقصد مكانا نظيفا وتدلكه على حجر بخل خمر حاذق وتطليه على النملة. وفي الحديث: دليل على جواز تعليم النساء الكتابة.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في رقية الحية قد تقدم قوله: لا رقية إلا في عين أو حمة 2  الحمة: بضم الحاء وفتح الميم وتخفيفها. وفي سنن ابن ماجه من حديث عائشة: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقية من الحية والعقرب 3 . ويذكر عن ابن شهاب الزهري قال: لدغ بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حية فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل من راق فقالوا: يا رسول  (1) أخرجه أبو داود وأحمد (2) الحمة: بضم الحاء وتخفيف الميم هم السم والمراد بها ذوات السموم. (3) أخرجه ابن ماجه في الطب.(1\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "135",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4844",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله! إن آل حزم كانوا يرون رقية الحية فلما نهيت عن الرقى تركوها فقال: ادعو عمارة بن حزم  فدعوه فعرض عليه رقاه فقال: لا بأس بها فأذن له فيها فرقاه 1 .  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في رقية القرحة والجرح أخرجا في الصحيحين عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى الإنسان أو كانت به قرحة أو جرح قال بأصبعه: هكذا ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها وقال: بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا 1 . هذا من العلاج الميسر النافع المركب وهي معالجة لطيفة يعالج بها القروح والجراحات الطرية لا سيما عند عدم غيرها من الأدوية إذ كانت موجودة بكل أرض وقد علم أن طبيعة التراب الخالص باردة يابسة مجففة لرطوبات القروح والجراحات التي تمنع الطبيعة من جودة فعلها وسرعة اندمالها لا سيما في البلاد الحارة وأصحاب الأمزجة الحارة فإن القروح والجراحات يتبعها في أكثر الأمر سوء مزاج حار فيجتمع حرارة البلد والمزاج والجراح وطبيعة التراب الخالص باردة يابسة أشد من برودة جميع الأدوية المفردة الباردة فتقابل برودة التراب حرارة المرض لا سيما إن كان التراب قد غسل وجفف ويتبعها أيضا كثرة الرطوبات الرديئة والسيلان والتراب مجفف لها مزيل لشدة يبسه وتجفيفه للرطوبة الرديئة المانعة من برئها ويحصل به- مع ذلك- تعديل مزاج العضو العليل ومتى اعتدل مزاج العضو قويت قواه المدبرة ودفعت عنه الألم بإذن الله.  (1) ذكره الحافظ في الإصابة ورواه البخاري في التاريخ الصغير باسناد جيد وأخرجه مسلم في صحيحه. أخرجه البخاري في الطب ومسلم في السلام وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد. قال بأصبعه: العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال.(1\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "136",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4845",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومعنى الحديث: أنه يأخذ من ريق نفسه على أصبعه السبابة ثم يضعها على التراب فيعلق بها منه شيء فيمسح به على الجرح ويقول هذا الكلام لما فيه من بركة ذكر اسم الله وتفويض الأمر إليه والتوكل عليه فينضم أحد العلاجين إلى الآخر فيقوى التأثير. وهل المراد بقوله: تربة أرضنا جميع الأرض أو أرض المدينة خاصة فيه قولان ولا ريب أن من التربة ما تكون فيه خاصية ينفع بخاصيته من أدواء كثرة ويشفي بها أسقاما رديئة. قال جالينوس: رأيت بالإسكندرية مطحولين ومستسقين كثيرا يستعملون طين مصر ويطلون به على سوقهم وأفخاذهم وسواعدهم وظهورهم وأضلاعهم فينتفعون به منفعة بينة. قال: وعلى هذا النحو فقد ينفع هذا الطلاء للأورام العفنة والمترهلة الرخوة قال: وإني لأعرف قوما ترهلت أبدانهم كلها من كثرة استفراغ الدم من أسفل انتفعوا بهذا الطين نفعا بينا وقوما آخرين شفوا به أوجاعا مزمنة كانت متمكنة في بعض الأعضاء تمكنا شديدا فبرأت وذهبت أصلا. وقال صاحب الكتاب المسيحي: قوة الطين المجلوب من كنوس- وهي جزيرة المصطكى- قوة تجلو وتغسل وتنبت اللحم في القروح وتختم القروح. انتهى. وإذا كان هذا في هذه التربات فما الظن بأطيب تربة على وجه الأرض وأبركها وقد خالطت ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقارنت رقيته باسم ربه وتفويض الأمر إليه وقد تقدم أن قوى الرقية وتأثيرها بحسب الراقي وانفعال المرقي عن رقيته وهذا أمر لا ينكره طبيب فاضل عاقل مسلم فإن انتفى أحد الأوصاف فليقل ما شاء.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الوجع بالرقية روى مسلم في صحيحه عن عثمان بن أبي العاص أنه شكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا يجده في جسده منذ أسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل: بسم الله ثلاثا وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر(1\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "137",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4846",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما أجد وأحاذر 1 ففي هذا العلاج من ذكر الله والتفويض إليه والاستعاذة بعزته وقدرته من شر الألم ما يذهب به وتكراره ليكون أنجع وأبلغ كتكرار الدواء لأخراج المادة وفي السبع خاصية لا توجد في غيرها وفي الصحيحين : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: اللهم رب الناس أذهب الباس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما 2 . ففي هذه الرقية توسل إلى الله بكمال ربوبيته وكمال رحمته بالشفاء وأنه وحده الشافي وأنه لا شفاء إلا شفاؤه فتضمنت التوسل إليه بتوحيده وإحسانه وربوبيته.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج حر المصيبة وحزنها قال تعالى: وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون 3 . وفي المسند عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما من أحد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا أجاره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها 4 وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في عاجلته وآجلته فإنها تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتها تسلى عن مصيبته. أحدهما: أن العبد وأهله وماله ملك لله عزوجل حقيقة وقد جعله عند العبد عارية فإذا أخذه منه فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير وأيضا فإنه محفوف بعدمين: عدم قبله وعدم بعده وملك العبد له متعة معارة في زمن  (1) أخرجه مسلم في السلام. وأخرجه ابن ماجه وأحمد والطبراني. (2) أخرجه البخاري في الطب ومسلم في السلام (3) البقرة. آية 155. (4) أخرجه أحمد ومسلم في الجنائز(1\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "138",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4847",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يسير وأيضا فإنه ليس الذي أوجده عن عدمه حتى يكون ملكه حقيقة ولا هو الذي يحفظه من الآفات بعد وجوده ولا يبقي عليه وجوده فليس له فيه تأثير ولا ملك حقيقي وأيضا فإنه متصرف فيه بالأمر تصرف العبد المأمور المنهي لا تصرف الملاك ولهذا لا يباح له من التصرفات فيه إلا ما وافق أمر مالكه الحقيقي. والثاني: أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق ولا بد أن يخلف الدنيا وراء ظهره ويجيء ربه فردا كما خلقه أول مرة بلا أهل ولا مال ولا عشيرة ولكن بالحسنات والسيئات فإذا كانت هذه بداية العبد وما خوله ونهايته فكيف يفرح بموجود أو يأسى على مفقود ففكره في مبدئه ومعاده من أعظم علاج هذا الداء ومن علاجه أن يعلم علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه. قال تعالى: ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور 1 ومن علاجه أن ينظر إلى ما أصيب به فيجد ربه قد أبقى عليه مثله أو أفضل منه وادخر له- إن صبر ورضي- ما هو أعظم من فوات تلك المصيبة بأضعاف مضاعفة وأنه لو شاء لجعلها أعظم مما هي. ومن علاجه أن يطفىء نار مصيبته ببرد التأسي بأهل المصائب وليعلم أنه في كل واد بنو سعد [1]  ولينظر يمنة فهل يرى إلا محنة ثم ليعطف يسرة فهل يرى إلا حسرة [2]  وأنه لو فتش العالم لم يرفيهم إلا مبتلى إما بفوات محبوب أو حصول مكروه وأن شرور الدنيا أحلام نوم أو كظل زائل إن أضحكت قليلا أبكت كثيرا وإن سرت يوما ساءت دهرا وإن متعت قليلا منعت طويلا وما ملأت دارا خيرة إلا ملأتها عبرة ولا سرته بيوم سرور إلا خبأت له يوم شرور قال ابن مسعود- رضي الله عنه-: لكل فرحة ترحة وما ملىء بيت فرحا إلا ملىء ترحا. وقال ابن سيرين: ما كان ضحك قط إلا كان من بعده بكاء. وقالت هند بنت النعمان: لقد رأيتنا ونحن من أعز الناس وأشدهم ملكا ثم لم تغب الشمس حتى رأيتنا ونحن أقل الناس وأنه حق على الله ألا يملأ دارا خيرة إلا ملأها عبرة.  (1) الحديد- 22-(1\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "139",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4848",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسألها رجل أن تحدثه عن أمرها فقالت أصبحنا ذا صباح وما في العرب أحد إلا يرجونا ثم أمسينا وما في العرب أحد إلا يرحمنا. وبكت أختها حرقة بنت النعمان يوما وهي في غزها فقيل لها: ما يبكيك لعل أحدا آذاك قالت: لا ولكن رأيت غضارة [1] في أهلي وقلما امتلأت دار سرورا إلا امتلأت حزنا. قال إسحاق بن طلحة: دخلت عليها يوما فقلت لها: كيف رأيت عبرات الملوك فقالت: ما نحن فيه اليوم خير مما كنا فيه الأمس إنا نجد في الكتب أنه ليس من أهل بيت يعيشون في خيرة إلا سيعقبون بعدها عبرة وأن الدهر لم يظهر لقوم بيوم يحبونه إلا بطن لهم بيوم يكرهونه ثم قالت: فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصف فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تارات بنا وتصرف [2] ومن علاجها أن يعلم أن الجزع لا يردها بل يضاعفها وهو في الحقيقة من تزايد المرض. ومن علاجها أن يعلم أن فوت ثواب الصبر والتسليم وهو الصلاة والرحمة والهداية التي ضمنها الله على الصبر والاسترجاع أعظم من المصيبة في الحقيقة. ومن علاجها أن يعلم أن الجزع بشمت عدوه ويسوء صديقه ويغضب ربه ويسر شيطانه ويحبط أجره ويضعف نفسه وإذا صبر واحتسب أنضى شيطانه ورده خاسئا وأرضى ربه وسر صديقه وساء عدوه وحمل عن إخوانه وعزاهم هو قبل أن يعزوه فهذا هو الثبات والكمال الأعظم لا لطم الخدود وشق الجيوب والدعاء بالويل والثبور والسخط على المقدور. ومن علاجها: أن يعلم أن ما يعقبه الصبر والاحتساب من اللذة والمسرة أضعاف ما كان يحصل له ببقاء ما أصيب به لو بقي عليه ويكفيه من ذلك بيت الحمد الذي يا بنى له في الجنة على حمده لربه واسترجاعه فلينظر: أي المصيبتين أعظم: مصيبة العاجلة أو مصيبة فوات بيت الحمد في جنة الخلد. وفي(1\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "140",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4849",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الترمذي مرفوعا: يود ناس يوم القيامة أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض في التدنيا لما يرون من ثواب أهل البلاء 1 . وقال بعض السلف: لولا مصائب الدنيا لوردنا القيامة مفاليس. ومن علاجها: أن يروح قلبه بروح رجاء الخلف من الله فإنه من كل شيء عوض إلا الله فما منه عوض كما قيل: من كل شيء إذا ضيعته عوض ... وما من الله إن ضيعته عوض ومن علاجها: أن يعلم أن حظه من المصيبة ما تحدثه له فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط فحظك منها ما أحدثته لك فاختر خير الحظوظ أو شرها فإن أحدثت له سخطا وكفرا كتب في ديوان الهالكين وإن أحدثت له جزعا وتفريطا في ترك واجب أو فعل محرم كتب في ديوان المفرطين وإن أحدثت له شكاية وعدم صبر كتب في ديوان المغبونين وإن أحدثت له اعتراضا على الله وقدحا في حكمته فقد قرع باب الزندقة أو ولجه وإن أحدثت له صبرا وثباتا لله كتب في ديوان الصابرين وإن أحدثت له الرضى عن الله كتب في ديوان الراضين وإن أحدثت له الحمد والشكر كتب في ديوان الشاكرين وكان تحت لواء الحمد مع الحمادين وإن أحدثت له محبة واشتياقا إلى لقاء ربه كتب في ديوان المحبين المخلصين. وفي مسند الإمام أحمد والترمذي من حديث محمود بن لبيد يرفعه: إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط . زاد ومن جزع فله الجزع 2 . ومن علاجها: أن يعلم أنه وإن بلغ في الجزع غايته فآخر أمره إلى صبر الاضطرار وهو غير محمود ولا مثاب قال بعض الحكماء: العاقل يفعل في أول  (1) أخرجه الترمذي في باب الزهد. (2) أخرجه أحمد في المسند وهو حديث صحيح.(1\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "141",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4850",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يوم من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام ومن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم. وفي الصحيح مرفوعا: الصبر عند الصدمة الأولى 1 . وقال الأشعث بن قيس: إنك إن صبرت إيمانا واحتسابا وإلا سلوت سلو البهائم. ومن علاجها: أن يعلم أن أنفع الأدوية له موافقة ربه وإلهه فيما أحبه ورضيه له وأن خاصية المحبة وسرها موافقة المحبوب فمن ادعى محبة محبوب ثم سخط ما يحبه وأحب ما يسخطه فقد شهد على نفسه بكذبه وتمقت إلى محبوبه. وقال أبو الدرداء: إن الله إذا قضى قضاء أحب أن يرضى به وكان عمران ابن حصين يقول في علته: أحبه إلي أحبه إليه وكذلك قال أبو العالية. وهذا دواء وعلاج لا يعمل إلا مع المحبين ولا يمكن كل أحد أن يتعالج به. ومن علاجها: أن يوازن بين أعظم اللذتين والتمتعين وأدومهما: لذة تمتعه بما أصيب به ولذة تمتعه بثواب الله له فإن ظهر له الرجحان فآثر الراجح فليحمد الله على توفيقه وإن آثر المرجوح من كل وجه فليعلم أن مصيبته في عقله وقلبه ودينه أعظم من مصيبته التي أصيب بها في دنياه. ومن علاجها أن يعلم أن الذي ابتلاه بها أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأنه سبحانه لم يرسل إليه البلاء ليهلكه به ولا ليعذبه به ولا ليجتاحه وإنما افتقده به ليمتحن صبره ورضاه عنه وإيمانه وليسمع تضرعه وابتهاله وليراه طريحا ببابه لائذا بجنابه مكسور القلب بين يديه رافعا قصص الشكوى إليه. قال الشيخ عبد القادر: يا بني! إن المصيبة ما جاءت لتهلك وإنما جاءت لتمتحن صبرك وإيمانك يا بني! القدر سبع والسبع لا يأكل الميتة. والمقصود: أن المصيبة كير العبد الذي يسبك به حاصله فإما أن يخرج ذهبا أحمر وإما أن يخرج خبثا كله كما قيل: سبكناه ونحسبه لجينا ... فأبدى الكير عن خبث الحديد  (1) أخرجه البخاري في الجنائز ومسلم في الجنائز.(1\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "142",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4851",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن لم ينفعه هذا الكير في الدنيا فبين يديه الكير الأعظم فإذا علم العبد أن إدخاله كير الدنيا ومسبكها خير له من ذلك الكير والمسبك وأنه لابد من أحد الكيرين فليعلم قدر نعمة الله عليه في الكير العاجل. ومن علاجها: أن يعلم أنه لولا محن الدنيا ومصائبها لأصاب العبد من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب ما هو سبب هلاكه عاجلا وآجلا فمن رحمة أرحم الراحمين أن يتفقده في الأحيان بأنواع من أدوية المصائب تكون حمية له من هذه الأدواء وحفظا لصحة عبوديته واستفراغا للمواد الفاسدة الرديئة المهلكة منه فسبحان من يرحم ببلائه ويبتلي بنعمائه كما قيل: قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنعم فلولا أنه- سبحانه- يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء لطغوا وبغوا وعتوا والله- سبحانه- إذا أراد بعبد خيرا سقاه دواء من الابتلاء والامتحان على قدر حاله يستفرغ به من الأدواء المهلكة حتى إذا هذبه ونقاه وصفاه أهله لأشرف مراتب الدنيا وهي عبوديته وأرفع ثواب الآخرة وهو رؤيته وقربه. ومن علاجها: أن يعلم أن مرارة الدنيا هي بعينها حلاوة الآخرة يقلبها الله سبحانه كذلك وحلاوة الدنيا بعينها مرارة الآخرة ولأن ينتقل من مرارة منقطعة إلى حلاوة دائمة خير له من عكس ذلك فإن خفي عليك هذا فانظر إلى قول الصادق المصدوق: حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات  . وفي هذا المقام تفاوتت عقول الخلائق وظهرت حقائق الرجال فأكثرهم آثر الحلاوة المنقطعة على الحلاوة الدائمة التي لا تزول ولم يحتمل مرارة ساعة لحلاوة الأبد ولا ذل ساعة لعز الأبد ولا محنة ساعة لعافية الأبد فإن الحاضر عنده شهادة والمنتظر غيب والإيمان ضعيف وسلطان الشهوة حاكم فتولد من ذلك إيثار العاجلة ورفض الآخرة وهذا حال النظر الواقع على ظواهر الأمور  (1) أخرجه مسلم في الجنة.(1\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "143",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4852",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأوائلها ومبادئها وأما النظر الثاقب الذي يخرق حجب العاجلة ويجاوزه إلى العواقب والغايات فله شأن آخر. فادع نفسك إلى ما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته من النعيم المقيم والسعادة الأبدية والفوز الأكبر وما أعد لأهل البطالة والإضاعة من الخزي والعقاب والحسرات الدائمة ثم اختر أي القسمين أليق بك وكل يعمل على شاكلته وكل أحد يصبو إلى ما يناسبه وما هو الأولى به ولا تستطل هذا العلاج فشدة الحاجة إليه من الطبيب والعليل دعت إلى بسطه وبالله التوفيق.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الكرب والهم والغم والحزن أخرجا في الصحيحين من حديث ابن عباس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرض رب العرش الكريم 1 . وفي جامع الترمذي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر قال: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث 2 وفيه: عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أهمه الأمر رفع طرفه إلى السماء فقال: سبحان الله العظيم  وإذا اجتهد في الدعاء قال: يا حي يا قيوم 3 . وفي سنن أبي داود عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت 4 -  (1) أخرجه البخاري في الدعوات ومسلم في الذكر والدعاء. (2) أخرجه الترمذي في الدعوات. (3) أخرجه الترمذي في الدعوات. (4) أخرجه أبو داود وأحمد والبخاري في الأدب المفرد.(1\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "144",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4853",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيها أيضا عن أسماء بنت عميس قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أعلمك كلمات تقوليهن عند الكرب أو في الكرب: الله ربي لا أشرك به شيئا 1 . وفي رواية أنها تقال سبع مرات. وفي مسند الإمام أحمد عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما أصاب عبدا هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله حزنه وهمه وأبدله مكانه فرحا 2 . وفي الترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوة ذي النون إذ دعا ربه وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له 3 وفي رواية إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه: كلمة أخي يونس . وفي سنن أبي داود عن أبي سعيد الخدري قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم المسجد فإذا هو برجل من الأنصار يقال له: أبو أمامة فقال: يا أبا أمامة مالي أراك في المسجد في غير وقت الصلاة فقال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله فقال: ألا أعلمك كلاما إذا أنت قلته أذهب الله عز وجل همك وقضى دينك قال: قلت: بلى يا رسول الله قال: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال  قال:  (1) أخرجه أبو داود في الصلاة وابن ماجه. (2) أخرجه أحمد في المسند وسنده صحيح وصححه ابن حبان. (3) أخرجه الترمذي في الدعوات وأحمد وصححه الحاكم.(1\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "145",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4854",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ففعلت ذلك فأذهب الله عز وجل همي وقضى عني ديني 1 . وفي سنن أبي داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب 2 . وفي المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة وقد قال تعالى: واستعينوا بالصبر والصلاة 3 . وفي السنن : عليكم بالجهاد فإنه باب من أبواب الجنة يدفع الله به عن النفوس الهم والغم 4 . ويذكر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: من كثرت همومه وغمومه فليكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله . وثبت في الصحيحين أنها كنز من كنوز الجنة 5 . وفي الترمذي: أنها باب من أبواب الجنة 6 . هذه الأدوية تتضمن خمسة عشر نوعا من الدواء فإن لم تقو على إذهاب داء الهم والغم والحزن فهو داء قد استحكم وتمكنت أسبابه ويحتاج إلى استفراغ كلي. الأول: توحيد الربوبية. الثاني: توحيد الإلهية. الثالث: التوحيد العلمي الاعتقادي.  (1) أخرجه أبو داود في الصلاة. (2) أخرجه أبو داود في الصلاة وأحمد وابن ماجه. (3) البقرة- 45. (4) أخرجه الطبراني في الأوسط وأحمد في المسند وصححه الحاكم. (5) أخرجه البخاري في الدعوات ومسلم في الذكر والدعاء. (6) أخرجه الترمذي في الدعوات.(1\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "146",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4855",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرابع: تنزيه الرب تعالى عن أن يظلم عبده أو يأخذه بلا سبب من العبد يوجب ذلك. الخامس: اعتراف العبد بأنه هو الظالم. السادس: التوسل إلى الرب تعالى بأحب الأشياء وهو أسماؤه وصفاته ومن أجمعها لمعاني الأسماء والصفات: الحي القيوم. السابع: الاستعانة به وحده. الثامن: إقرار العبد له بالرجاء. التاسع: تحقيق التوكل عليه والتفويض إليه والاعتراف له بأن ناصيته في يده يصرفه كيف يشاء وأنه ماض فيه حكمه عدل فيه قضاؤه. العاشر: أن يرتع قلبه في رياض القرآن ويجعله لقلبه كالربيع للحيوان وأن يستضيء به في ظلمات الشبهات والشهوات وأن يتسلى به عن كل فائت ويتعزى به عن كل مصيبة ويستشفي به من أدواء صدره فيكون جلاء حزنه وشفاء همه وغمه. الحادي عشر: الاستغفار. الثاني عشر: التوبة. الثالث عشر: الجهاد. الرابع عشر: الصلاة. الخامس عشر: البراءة من الحول والقوة وتفويضهما إلى من هما بيده.  فصل في بيان جهة تأثير هذه الأدوية في هذه الأمراض خلق الله- سبحانه- ابن آدم وأعضاءه وجعل لكل عضو منها كمالا إذا فقده أحس بالألم وجعل لملكها وهو القلب كمالا إذا فقده حضرته أسقامه وآلامه من الهموم والغموم والأحزان. فإذا فقدت العين ما خلقت له من قوة الإبصار وفقدت الأذن ما خلقت له من قوة السمع واللسان ما خلق له من قوة الكلام فقدت كمالها.(1\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "147",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4856",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والقلب: خلق لمعرفة فاطره ومحبته وتوحيده به والابتهاج بحبه والرضى عنه والتوكل عليه والحب فيه والبغض فيه والموالاة فيه والمعاداة فيه ودوام ذكره وأن يكون أحب إليه من كل ما سواه وأرجى عنده من كل ما سواه وأجل في قلبه من كل ما سواه ولا نعيم له ولا سرور ولا لذة بل ولا حياة إلا بذلك وهذا له بمنزلة الغذاء والصحة والحياة فإذا فقد غذاءه وصحته وحياته فالهموم والغموم والأحزان مسارعة من كل صوب إليه ورهن مقيم عليه. ومن أعظم أدوائه: الشرك والذنوب والغافلة والاستهانة بمحابه ومراضيه وترك التفويض إليه وقلة الاعتماد عليه والركون إلى ما سواه والسخط بمقدوره والشك في وعده ووعيده. وإذا تأملت أمراض القلب وجدت هذه الأمور وأمثالها هي أسبابها لا سبب لها سواها فدواؤه الذي لا دواء له سواه ما تضمنته هذه العلاجات النبوية من الأمور المضادة لهذه الأدواء فإن المرض يزال بالضد والصحة تحفظ بالمثل فصحته تحفظ بهذه الأمور النبوية وأمراضه بأضدادها. فالتوحيد: يفتح للعبد باب الخير والسرور واللذة والفرح والابتهاج والتوبة استفراغ للأخلاط والمواد الفاسدة التي هي سبب أسقامه وحمية له من التخليط فهي تغلق عنه باب الشرور فيفتح له باب السعادة والخير بالتوحيد ويغلق باب الشرور بالتوبة والاستغفار. قال بعض المتقدمين من أئمة الطب: من أراد عافية الجسم فليقلل من الطعام والشراب ومن أراد عافية القلب فليترك الآثام. وقال ثابت بن قرة: راحة الجسم في قلة الطعام وراحة الروح في قلة الآثام وراحة اللسان في قلة الكلام. والذنوب للقلب بمنزلة السموم إن لم تهلكه أضعفته ولا بد وإذا ضعفت قوته لم يقدر على مقاومة الأمراض قال طبيب القلوب عبد الله بن المبارك:(1\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "148",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4857",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رأيت الذنوب تميت القلوب ... وقد يورث الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها فالهوى أكبر أدوائها ومخالفته أعظم أدويتها والنفس في الأصل خلقت جاهلة ظالمة فهي لجهلها تظن شفاءها في اتباع هواها وإنما فيه تلفها وعطبها ولظلمها لا تقبل من الطبيب الناصح بل تضع الداء موضع الدواء فتعتمده وتضع الدواء موضع الداء فتجتنبه فيتولد من بين إيثارها للداء واجتنابها للدواء أنواع من الأسقام والعلل التي تعيي الأطباء ويتعذر معها الشفاء. والمصيبة العظمى أنها تركب ذلك على القدر فتبرىء نفسها وتلوم ربها بلسان الحال دائما ويقوى اللوم حتى يصرح به اللسان. وإذا وصل العليل إلى هذه الحال فلا يطمع في برئه إلا أن تتداركه رحمة من ربه فيحييه حياة جديدة ويرزقه طريقة حميدة فلهذا كان حديث ابن عباس في دعاء الكرب مشتملا على توحيد الإلهية والربوبية ووصف الرب سبحانه بالعظمة والحلم وهاتان الصفتان مستلزمتان لكمال القدرة والرحمة والإحسان والتجاوز ووصفه بكمال ربوبيته للعالم العلوي والسفلي والعرش هو سقف المخلوقات وأعظمها. والربوبية التامة تستلزم توحيده وأنه الذي لا تنبغي العبادة والحب والخوف والرجاء والإجلال والطاعة إلا له. وعظمته المطلقة تستلزم إثبات كل كمال له وسلب كل نقص وتمثيل عنه. وحلمه يستلزم كمال رحمته وإحسانه إلى خلقه. فعلم القلب ومعرفته بذلك توجب محبته وإجلاله وتوحيده فيحصل له من الابتهاج واللذة والسرور ما يدفع عنه ألم الكرب والهم والغم وأنت تجد المريض إذا ورد عليه ما يسره ويفرحه ويقوي نفسه كيف تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسي فحصول هذا الشفاء للقلب أولى وأحرى. ثم إذا قابلت بين ضيق الكرب وسعة هذه الأوصاف التي تضمنها دعاء الكرب وجدته في غاية المناسبة لتفريج هذا الضيق وخروج القلب منه إلى سعة البهجة والسرور وهذه الأمور إنما يصدق بها من أشرقت فيه أنوارها وباشر قلبه حقائقها.(1\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "149",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4858",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي تأثير قوله: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث في دفع هذا الداء مناسبة بديعة فإن صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الأفعال ولهذا كان اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى: هو اسم الحي القيوم والحياة التامة تضاد جميع الأسقام والآلام ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم هم ولا غم ولا حزن ولا شيء من الآفات. ونقصان الحياة تضر بالأفعال وتنافي القيومية فكمال القيومية لكمال الحياة فالحي المطلق التام الحياة لا تفوته صفة الكمال البتة والقيوم لا يتعذر عليه فعل ممكن البتة فالتوسل بصفة الحياة والقيومية له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة ويضر بالأفعال. ونظير هذا توسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه بربوبيته لجبريل وميكائيل وإسرافيل أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه فإن حياة القلب بالهداية وقد وكل الله سبحانه هؤلاء الأملاك الثلاثة بالحياة فجبريل موكل بالوحي الذي هو حياة القلوب وميكائيل بالقطر الذي هو حياة الأبدان والحيوان وإسرافيل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم وعود الأرواح إلى أجسادها فالتوسل إليه سبحانه بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة له تأثير في حصول المطلوب. والمقصود: أن لاسم الحي القيوم تأثيرا خاصا في إجابة الدعوات وكشف الكربات وفي السنن و صحيح أبي حاتم مرفوعا: اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم 1 وفاتحة آل عمران الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم قال الترمذي. حديث صحيح 2 . وفي السنن و صحيح ابن حبان أيضا: من حديث أنس أن رجلا دعا فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى 3 .  (1) البقرة- 163. (2) أخرجه الترمذي في الدعوات وابن ماجة في الدعاء وأبو داود في الصلاة والدارمي. (3) أخرجه النسائي في السهو وأبو داود في الصلاة.(1\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "150",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4859",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد في الدعاء قال: يا حي يا قيوم وفي قوله: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت من تحقيق الرجاء لمن الخير كله بيديه والاعتماد عليه وحده وتفويض الأمر إليه والتضرع إليه أن يتولى إصلاح شأنه ولا يكله إلى نفسه والتوسل إليه بتوحيده مما له تأثير قوي في دفع هذا الداء وكذلك قوله: الله ربي لا أشرك به شيئا. وأما حديث ابن مسعود: اللهم إني عبدك ابن عبدك  ففيه من المعارف الإلهية وأسرار العبودية ما لا يتسع له كتاب فإنه يتضمن الاعتراف بعبوديته وعبودية آبائه وأمهاته وأن ناصيته بيده يصرفها كيف يشاء فلا يملك العبد دونه لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا لأن من ناصيته بيد غيره فليس إليه شيء من أمره بل هو عان في قبضته ذليل تحت سلطان قهره. وقوله: ماض في حكمك عدل في قضاؤك متضمن لأصلين عظيمين عليهما مدار التوحيد. أحدهما: إثبات القدر وأن أحكام الرب تعالى نافذة في عبده ماضية فيه لا انفكاك له عنها ولا حيلة له في دفعها. والثاني: أنه- سبحانه- عدل في هذه الأحكام غير ظالم لعبده بل لا يخرج فيها عن موجب العدل والإحسان فإن الظلم سببه حاجة الظالم أو جهله أو سفهه فيستحيل صدوره ممن هو بكل شيء عليم ومن هو غني عن كل شيء وكل شيء فقير إليه ومن هو أحكم الحاكمين فلا تخرج ذرة من مقدوراته عن حكمته وحمده كما لم تخرج عن قدرته ومشيئته فحكمته نافذة حيث نفذت مشيئته وقدرته ولهذا قال نبي الله هود صلى الله على نبينا وعليه وسلم وقد خوفه قومه بآلهتهم: إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم 1  أي: مع كونه سبحانه آخذا بنواصي خلقه  (1) هود- 54- 57(1\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "151",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4860",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتصريفهم كما يشاء فهو على صراط مستقيم لا يتصرف فيهم إلا بالعدل والحكمة والإحسان والرحمة. فقوله: ماض في حكمك مطابق لقوله: ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها وقوله: عدل في قضاؤك مطابق لقوله: إن ربي على صراط مستقيم ثم توسل إلى ربه بأسمائه التي سمى بها نفسه ما علم العباد منها وما لم يعلموا. ومنها: ما استأثره في علم الغيب عنده فلم يطلع عليه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا وهذه الوسيلة أعظم الوسائل وأحبها إلى الله وأقربها تحصيلا للمطلوب. ثم سأله أن يجعل القرآن لقلبه كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان وكذلك القرآن ربيع القلوب وأن يجعله شفاء همه وغمه فيكون له بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء ويعيد البدن إلى صحته واعتداله وأن يجعله لحزنه كالجلاء الذي يحلو الطبوع والأصدية وغيرها فأحرى بهذا العلاج إذا صدق العليل في استعماله أن يزيل عنه داءه ويعقبه شفاء تاما وصحة وعافية والله الموفق. وأما دعوة ذي النون: فإن فيها من كمال التوحيد والتنزيه للرب تعالى واعتراف العبد بظلمه وذنبه ما هو من أبلغ أدوية الكرب والهم والغم وأبلغ الوسائل إلى الله- سبحانه- في قضاء الحوائج فإن التوحيد والتنزيه يتضمنان إثبات كل كمال لله وسلب كل نقص وعيب وتمثيل عنه. والاعتراف بالظلم يتضمن إيمان العبد بالشرع والثواب والعقاب ويوجب انكساره ورجوعه إلى الله واستقالته عثرته والاعتراف بعبوديته وافتقاره إلى ربه فها هنا أربعة أمور قد وقع التوسل بها: التوحيد والتنزيه والعبودية والاعتراف. وأما حديث أبي أمامة: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن فقد تضمن الاستعاذة من ثمانية أشياء كل اثنين منها قرينان مزدوجان فالهم والحزن أخوان والعجز والكسل أخوان والجبن والبخل أخوان وضلع الدين وغلبة الرجال أخوان فإن المكروه المؤلم إذا ورد على القلب فإما أن يكون سببه أمرا ماضيا فيوجب له الحزن وإن كان أمرا متوقعا في المستقبل أوجب الهم وتخلف العبد عن مصالحه وتفويتها عليه إما أن يكون من عدم القدرة وهو العجز أو من عدم الإرادة وهو الكسل وحبس خيره ونفعه عن نفسه وعن بني جنسه إما(1\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "152",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4861",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن يكون منع نفعه ببدنه فهو الجبن أو بماله فهو البخل وقهر الناس له إما بحق فهو ضلع الدين أو بباطل فهو غلبة الرجال فقد تضمن الحديث الاستعاذة من كل شر وأما تأثير الاستغفار في دفع الهم والغم والضيق فلما اشترك في العلم به أهل الملل وعقلاء كل أمة أن المعاصي والفساد توجب الهم والغم والخوف والحزن وضيق الصدر وأمراض القلب حتى إن أهلها إذا قضوا منها أوطارهم وسئمتها نفوسهم ارتكبوها دفعا لما يجدونه في صدورهم من الضيق والهم والغم كما قال شيخ الفسوق: وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها وإذا كان هذا تأثير الذنوب والآثام في القلوب فلا دواء لها إلا التوبة والاستغفار. وأما الصلاة فشأنها في تفريح القلب وتقويته وشرحه وابتهاجه ولذته أكبر شأن وفيها من اتصال القلب والروح بالله وقربه والتنعم بذكره والابتهاج بمناجاته والوقوف بين يديه واستعمال جميع البدن وقواه وآلاته في عبوديته وإعطاء كل عضو حظه منها واشتغاله عن التعلق بالخلق وملابستهم ومحاوراتهم وانجذاب قوى قلبه وجوارحه إلى ربه وفاطره وراحته من عدوه حالة الصلاة ما صارت به من أكبر الأدوية والمفرحات والأغذية التي لا تلائم إلا القلوب الصحيحة. وأما القلوب العليلة فهي كالأبدان لا تناسبها إلا الأغذية الفاضلة. فالصلاة من أكبر العون على تحصيل مصالح الدنيا والآخرة ودفع مفاسد الدنيا والآخرة وهي منهاة عن الإثم ودافعة لأدواء القلوب ومطردة للداء عن الجسد ومنورة للقلب ومبيضة للوجه ومنشطة للجوارح والنفس وجالية للرزق ودافعة للظلم وناصرة للمظلوم وقامعة لأخلاط الشهوات وحافظة للنعمة ودافعة للنقمة ومنزلة للرحمة وكاشفة للغمة ونافعة من كثير من أوجاع البطن. وقد روى ابن ماجه في سننه من حديث مجاهد عن أبي هريرة قال: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا نائم أشكو من وجع بطني فقال لي: يا أبا هريرة أشكمت درد قال: قلت: نعم يا رسول الله قال: قم فصل فإن في(1\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "153",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4862",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصلاة شفاء 1 . وقد روي هذا الحديث موقوفا على أبي هريرة وأنه هو الذي قال ذلك لمجاهد وهو أشبه. ومعنى هذه اللفظة بالفارسي: أيوجعك بطنك. فإن لم ينشرح صدر زنديق الأطباء بهذا العلاج فيخاطب بصناعة الطب ويقال له: الصلاة رياضة النفس والبدن جميعا إذا كانت تشتمل على حركات وأوضاع مختلفة من الانتصاب والركوع والسجود والتورك والانتقالات وغيرها من الأوضاع التي يتحرك معها أكثر المفاصل وينغمز معها أكثر الأعضاء الباطنة كالمعدة والأمعاء وسائر آلات النفس والغذاء فما ينكر أن يكون في هذه الحركات تقوية وتحليل للمواد ولا سيما بواسطة قوة النفس وانشراحها في الصلاة فتقوى الطبيعة فيندفع الألم ولكن داء الزندقة والإعراض عما جاءت به الرسل والتعوض عنه بالإلحاد داء ليس له دواء إلا نار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى. وأما تأثير الجهاد في دفع الهم والغم فأمر معلوم بالوجدان فإن النفس متى تركت صائل الباطل وصولته واستيلاءه اشتد همها وغمها وكربها وخوفها فإذا جاهدته لله أبدل ذلك الهم والحزن فرحا ونشاطا وقوة كما قال تعالى: قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم 2 . فلا شيء أذهب لجوى القلب وغمه وهمه وحزنه من الجهاد والله المستعان. وأما تأثير لا حول ولا قوة إلا بالله في دفع هذا الداء فلما فيها من كمال التفويض والتبري من الحول والقوة إلا به وتسليم الأمر كله له وعدم منازعته في شيء منه وعموم ذلك لكل تحول من حال إلى حال في العالم العلوي والسفلي والقوة على ذلك التحول وأن ذلك كله بالله وحده فلا يقوم لهذه الكلمة شيء. وفي بعض الآثار: إنه ما ينزل ملك من السماء ولا يصعد إليها إلا بلا حول ولا قوة إلا بالله ولها تأثير عجيب في طرد الشيطان والله المستعان.  (1) رواه ابن ماجه في الطب والإمام أحمد. (2) التوبة- 14- 15(1\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "154",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4863",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الفزع والأرق المانع من النوم روى الترمذي في جامعه عن بريدة قال: شكى خالد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ما أنام الليل من الأرق فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم رب السماوات السبع وما أظلت ورب الأرضين وما أقلت ورب الشياطين وما أضلت كن لي جارا من شر خلقك كلهم جميعا أن يفرط علي أحد منهم أو يبغي علي عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك 1 وفيه أيضا: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم من الفزع: أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون  قال: وكان عبد الله بن عمرو يعلمهن من عقل من بنيه. ومن لم يعقل كتبه فأعلقه عليه 2 ولا يخفى مناسبة هذه العوذة لعلاج هذا الداء.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج داء الحريق وإطفائه يذكر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم الحريق فكبروا فإن التكبير يطفئه 3 . لما كان الحرق سببه النار وهي مادة الشيطان التي خلق منها وكان فيه من الفساد العام ما يناسب الشيطان بمادته وفعله كان للشيطان إعانة عليه. وتنفيذ له. وكانت النار تطلب بطبعها العلو والفساد وهذان الأمران وهما العلو في الأرض والفساد هما هدي الشيطان  (1) أخرجه الترمذي في الدعوات. (2) أخرجه أبو داود في الطب والترمذي وأحمد في المسند والحاكم. (3) أخرجه ابن السني وابن عدي وابن عساكر في تاريخه.(1\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "155",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4864",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإليهما يدعو وبهما يهلك بني آدم فالنار والشيطان كل منهما يريد العلو في الأرض والفساد وكبرياء الرب- عز وجل- تقمع الشيطان وفعله. ولهذا كان تكبير الله- عز وجل- له أثر في إطفاء الحريق فإن كبرياء الله- عز وجل- لا يقوم لها شيء فإذا كبر المسلم ربه أثر تكبيره في خمود النار وخمود الشيطان التي هي مادته فيطفىء الحريق وقد جربنا نحن وغيرنا هذا فوجدناه كذلك والله أعلم.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ الصحة لما كان اعتدال البدن وصحته وبقاؤه إنما هو بواسطة الرطوبة المقاومة للحرارة فالرطوبة مادة والحرارة تنضجها وتدفع فضلاتها وتصلحها وتلطفها وإلا أفسدت البدن ولم يمكن قيامه وكذلك الرطوبة هي غذاء الحرارة فلولا الرطوبة لأحرقت البدن وأيبسته وأفسدته فقوام كل واحدة منهما بصاحبتها وقوام البدن بهما جميعا وكل منهما مادة للأخرى فالحرارة مادة للرطوبة تحفظها وتمنعها من الفساد والاستحالة والرطوبة مادة للحرارة تغذوها وتحملها ومتى مالت احداهما إلى الزيادة على الأخرى حصل لمزاج البدن الانحراف بحسب ذلك فالحرارة دائما تحلل الرطوبة فيحتاج البدن إلى ما به يخلف عليه ما حللته الحرارة- لضرورة بقائه- وهو الطعام والشراب ومتى زاد على مقدار التحلل ضعفت الحرارة عن تحليل فضلاته فاستحالت مواد رديئة فعاثت في البدن وأفسدت فحصلت الأمراض المتنوعة بحسب تنوع موادها وقبول الأعضاء واستعدادها وهذا كله مستفاد من قوله تعالى: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا 1  فأرشد عباده إلى إدخال ما يقيم البدن من الطعام والشراب عوض ما تحلل منه وأن يكون بقدر ما ينتفع به البدن في الكمية والكيفية فمتى جاوز ذلك كان إسرافا وكلاهما مانع من الصحة جالب للمرض أعني عدم الأكل والشرب أو الإسراف فيه.  (1) الأعراف- 31.(1\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "156",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4865",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فحفظ الصحة كله في هاتين الكلمتين الإلهيتين ولا ريب أن البدن دائما في التحلل والاستخلاف وكلما كثر التحلل ضعفت الحرارة لفناء مادتها فإن كثرة التحلل تفني الرطوبة وهي مادة الحرارة وإذا ضعفت الحرارة ضعف الهضم ولا يزال كذلك حتى تفنى الرطوبة وتنطفىء الحرارة جملة فيستكمل العبد الأجل الذي كتب الله له أن يصل إليه. فغاية علاج الإنسان لنفسه ولغيره حراسة البدن إلى أن يصل إلى هذه الحالة لا أنه يستلزم بقاء الحرارة والرطوبة اللتين بقاء الشباب والصحة والقوة بهما فإن هذا مما لم يحصل لبشر في هذه الدار وإنما غاية الطبيب أن يحمي الرطوبة عن مفسداتها من العفونة وغيرها ويحمي الحرارة عن مضعفاتها ويعدل بينهما بالعدل في التدبير الذي به قام بدن الإنسان كما أن به قامت السماوات والأرض وسائر المخلوقات إنما قوامها بالعدل ومن تأمل هدي النبي صلى الله عليه وسلم وجده أفضل هدي يمكن حفظ الصحة به فإن حفظها موقوف على حسن تدبير المطعم والمشرب والملبس والمسكن والهواء والنوم واليقظة والحركة والسكون والمنكح والاستفراغ والاحتباس فإذا حصلت هذه على الوجه المعتدل الموافق الملائم للبدن والبلد والسن والعادة كان أقرب إلى دوام الصحة أو غلبتها إلى انقضاء الأجل. ولما كانت الصحة والعافية من أجل نعم الله على عبده وأجزل عطاياه وأوفر منحه بل العافية المطلقة أجل النعم على الإطلاق فحقيق لمن رزق حظا من التوفيق مراعاتها وحفظها وحمايتها عما يضادها وقد روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ 1 . وفي الترمذي وغيره من حديث عبيد الله بن محصن الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أصبح معافى في جسده آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا 2 .  (1) أخرجه البخاري في الرقاق والترمذي وابن ماجه. (2) أخرجه الترمذي وابن ماجه في الزهد والبخاري في الأدب.(1\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "157",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4866",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الترمذي أيضا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أول ما يسأل العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصح لك جسمك ونروك من الماء البارد 1 . ومن ها هنا قال من قال من السلف في قوله تعالى: ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم 2  قال: عن الصحة. وفي مسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للعباس: يا عباس يا عم رسول الله! سل الله العافية في الدنيا والآخرة 3 . وفيه عن أبي بكر الصديق قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سلوا الله اليقين والمعافاة فما أوتي أحد بعد اليقين خيرا من العافية 4 . فجمع بين عافيتي الدين والدنيا ولا يتم صلاح العبد في الدارين إلا باليقين والعافية فاليقين يدفع عنه عقوبات الآخرة والآخرة تدفع عنه أمراض الدنيا في قلبه وبدنه. وفي سنن النسائي من حديث أبي هريرة يرفعه: سلوا الله العفو والعافية والمعافاة فما أوتي أحد بعد يقين خيرا من معافاة 5  وهذه الثلاثة تتضمن إزالة الشرور الماضية بالعفو والحاضرة بالعافية والمستقبلة بالمعافاة فإنها تتضمن المداومة والاستمرار على العافية. وفي الترمذي مرفوعا: ما سئل الله شيئا أحب إليه من العافية 6 . وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: عن أبي الدرداء قلت: يا رسول الله! لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ورسول الله يحب معك العافية .  (1) أخرجه الترمذي في التفسير. (2) التكاثر- 8. (3) وأخرجه الترمذي في الدعوات. (4) وأخرجه ابن ماجه. (5) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة. (6) أخرجه الترمذي في الدعوات.(1\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "158",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4867",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويذكر عن ابن عباس أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: ما أسأل الله بعد الصلوات الخمس فقال: سل الله العافية  فأعاد عليه فقال له في الثالثة: سل الله العافية في الدنيا والآخرة . وإذا كان هذا شأن العافية والصحة فنذكر من هديه صلى الله عليه وسلم في مراعاة هذه الأمور ما يتبين لمن نظر فيه أنه أكمل هدي على الإطلاق ينال به حفظ صحة البدن والقلب وحياة الدنيا والآخرة والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله.  فصل فأما المطعم والمشرب فلم يكن من عادته صلى الله عليه وسلم حبس النفس على نوع واحد من الأغذية لا يتعداه إلى ما سواه فإن ذلك يضر بالطبيعة جدا وقد يتعذر عليها أحيانا فإن لم يتناول غيره ضعف أو هلك وإن تناول غيره لم تقبله الطبيعة واستضر به فقصرها على نوع واحد دائما- ولو أنه أفضل الأغذية- خطر مضر. بل كان يأكل ما جرت عادة أهل بلده بأكله من اللحم والفاكهة والخبز والتمر وغيره مما ذكرناه في هديه في المأكول فعليك بمراجعته هناك. وإذا كان في أحد الطعامين كيفية تحتاج إلى كسر وتعديل كسرها وعدلها بضدها إن أمكن كتعديل حرارة الرطب بالبطيخ وإن لم يجد ذلك تناوله على حاجة وداعية من النفس من غير إسراف فلا تتضرر به الطبيعة. وكان إذا عافت نفسه الطعام لم يأكله ولم يحملها إياه على كره وهذا أصل عظيم في حفظ الصحة فمتى أكل الإنسان ما تعافه نفسه ولا يشتهيه كان تضرره به أكثر من انتفاعه. قال أبو هريرة : ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما قط إن  (1) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وأحمد.(1\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "159",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4868",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اشتهاه أكله وإلا تركه ولم يأكل منه. ولما قدم إليه الضب المشوي لم يأكل منه فقيل له: أهو حرام قال: لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه 1 . فراعى عادته وشهوته فلما لم يكن يعتاد أكله بأرضه وكانت نفسه لا تشتهيه أمسك عنه ولم يمنع من أكله من يشتهيه ومن عادته أكله. وكان يحب اللحم وأحبه إليه الذراع ومقدم الشاة ولذلك سم فيه وفي الصحيحين : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه 2 . وذكر أبو عبيدة وغيره عن ضباعة بنت الزبير أنها ذبحت في بيتها شاة. فأرسل إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أطعمينا من شاتكم فقالت للرسول: ما بقي عندنا إلا الرقبة وإني لأستحي أن أرسل بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع الرسول فأخبره. فقال: ارجع إليها فقل لها: أرسلي بها فإنها هادية الشاة وأقرب إلى الخير وأبعدها من الأذى 3 . ولا ريب أن أخف لحم الشاة لحم الرقبة ولحم الذراع والعضد وهو أخف على المعدة وأسرع انهضاما وفي هذا مراعاة الأغذية التي تجمع ثلاثة أوصاف. أحدها: كثرة نفعها وتأثيرها في القوى الثاني: خفتها على المعدة وعدم ثقلها عليها. الثالث: سرعة هضمها وهذا أفضل ما يكون من الغذاء والتغذي باليسير من هذا أنفع من الكثير من غيره. وكان يحب الحلواء والعسل وهذه الثلاثة- أعني: اللحم والعسل والحلواء- من أفضل الأغذية وأنفعها للبدن والكبد والأعضاء وللاغتذاء بها نفع عظيم في حفظ الصحة والقوة ولا ينفر منها إلا من به علة وآفة.  (1) أخرجه البخاري في الأطعمة ومسلم في الصيد. (2) أخرجه البخاري في الأنبياء ومسلم في الإيمان. (3) أخرجه أحمد والنسائي.(1\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "160",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4869",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان يأكل الخبز مأدوما ما وجد له إداما فتارة يأدمه باللحم ويقول: هو سيد طعام أهل الدنيا والآخرة . رواه ابن ماجه وغيره 1 . وتارة بالبطيخ وتارة بالتمر فإنه وضع تمرة على كسرة شعير وقال: هذا إدام هذه 2 . وفي هذا من تدبير الغذاء أن خبز الشعير بارد يابس والتمر حار رطب على أصح القولين فأدم خبز الشعير به من أحسن التدبير لا سيما لمن تلك عادتهم كأهل المدينة وتارة بالخل ويقول: نعم الإدام الخل  وهذا ثناء عليه بحسب مقتضى الحال الحاضر لا تفضيل له على غيره كما يظن الجهال وسبب الحديث أنه دخل على أهله يوما فقدموا له خبزا فقال: هل عندكم من إدام قالوا: ما عندنا إلا خل فقال: نعم الإدام الخل 3 . والمقصود: أن أكل الخبز مأدوما من أسباب حفظ الصحة بخلاف الاقتصار على أحدهما وحده. وسمي الأدم أدما: لإصلاحه الخبز وجعله ملائما لحفظ الصحة. ومنه قوله في إباحته للخاطب النظر: إنه أحرى أن يؤدم بينهما أي أقرب إلى الالتئام والموافقة فإن الزوج يدخل على بصيرة فلا يندم. وكان يأكل من فاكهة بلده عند مجيئها ولا يحتمي عنها وهذا أيضا من أكبر أسباب حفظ الصحة فإن الله سبحانه بحكمته جعل في كل بلدة من الفاكهة ما ينتفع به أهلها في وقته فيكون تناوله من أسباب صحتهم وعافيتهم ويغني عن كثير من الأدوية وقل من احتمى عن فاكهة بلده خشية السقم إلا وهو من أسقم الناس جسما وأبعدهم من الصحة والقوة. وما في تلك الفاكهة من الرطوبات فحرارة الفصل والأرض وحرارة المعدة تنضجها وتدفع شرها إذا لم يسرف في تناولها ولم يحمل منها الطبيعة فوق ما تحتمله ولم يفسد بها الغذاء قبل هضمه ولا أفسدها بشرب الماء عليها وتناول  (1) أخرجه ابن ماجة في الأطعمة. (2) أخرجه أبو داود والترمذي في الشمائل. (3) أخرجه مسلم في الأشربة وأبو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي في الإيمان. والإمام أحمد.(1\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "161",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4870",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الغذاء بعد التحلي منها فإن القولنج كثيرا ما يحدث عند ذلك فمن أكل منها ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي كانت له دواء نافعا.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في هيئة الجلوس للأكل صح عنه أنه قال: لا آكل متكئا 1   وقال: إنما أجلس كما يجلس العبد وآكل كما يأكل العبد 2 . وروى ابن ماجه في سننه أنه نهى أن يأكل الرجل وهو منبطح على وجهه 3 . وقد فسر الاتكاء بالتربع وفسر بالاتكاء على الشيء وهو الاعتماد عليه وفسر بالاتكاء على الجنب. والأنواع الثلاثة من الاتكاء فنوع منها يضر بالآكل وهو الاتكاء على الجنب فإنه يمنع مجرى الطعام الطبيعي عن هيئته ويعوقه عن سرعة نفوذه إلى المعدة ويضغط المعدة فلا يستحكم فتحها للغذاء وأيضا فإنها تميل ولا تبقى منتصبة فلا يصل الغذاء إليها بسهولة. وأما النوعان الآخران: فمن جلوس الجبابرة المنافي للعبودية ولهذا قال: آكل كما يأكل العبد وكان يأكل وهو مقع 4  ويذكر عنه أنه كان يجلس للأكل متوركا على ركبتيه ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر قدمه اليمنى تواضعا لربه عز وجل وأدبا بين يديه واحتراما للطعام وللمؤاكل فهذه الهيئة أنفع هيئات الأكل وأفضلها لأن الأعضاء كلها تكون على وضعها الطبيعي الذي خلقها الله سبحانه عليه مع ما فيها من الهيئة الأدبية وأجود ما اغتذى الإنسان إذا كانت أعضاؤه على وضعها الطبيعي ولا يكون كذلك إلا إذا كان الإنسان منتصبا  (1) أخرجه البخاري في الأطعمة والإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة. (2) أخرجه أبو الشيخ من حديث عائشة. (3) أخرجه ابن ماجة في الأطعمة وأبو داود. (4) أخرجه مسلم.(1\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "162",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4871",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الانتصاب الطبيعي وأردأ الجلسات للأكل الاتكاء على الجنب لما تقدم من أن المريء وأعضاء الازدراد تضيق عند هذه الهيئة والمعدة لا تبقى على وضعها الطبيعي لأنها تنعصر مما يلي البطن بالأرض ومما يلي الظهر بالحجاب الفاصل بين آلات الغذاء وآلات التنفس. وإن كان المراد بالاتكاء الاعتماد على الوسائد والوطاء الذي تحت الجالس فيكون المعنى أني إذا أكلت لم أقعد متكئا على الأوطية والوسائد كفعل الجبابرة ومن يريد الإكثار من الطعام لكني آكل بلغة كما يأكل العبد.  فصل وكان يأكل بأصابعه الثلاث وهذا أنفع ما يكون من الأكلات فإن الأكل بأصبع أو أصبعين لا يستلذ به الآكل ولا يمر به ولا يشبعه إلا بعد طول ولا تفرح آلات الطعام والمعدة بما ينالها في كل أكلة فتأخذها على إغماض كما يأخذ الرجل حقه حبة أو حبتين أو نحو ذلك فلا يلتذ بأخذه ولا يسر به والأكل بالخمسة والراحة ازدحام الطعام على آلاته وعلى المعدة وربما انسدت الالآت فمات وتغضب الآلات على دفعه والمعدة على احتماله ولا يجد له لذة ولا استمراء فأنفع الأكل أكله صلى الله عليه وسلم وأكل من اقتدى به بالأصابع الثلاث. فصل ومن تدبر أغذيته صلى الله عليه وسلم وما كان يأكله وجده لم يجمع قط بين لبن وسمك ولا بين لبن وحامض ولا بين غذاءين حارين ولا باردين ولا لزجين ولا قابضين ولا مسهلين ولا غليظين ولا مرخيين ولا مستحيلين إلى خلط واحد ولا بين مختلفين كقابض ومسهل وسريع الهضم وبطيئه ولا بين شوي وطبيخ ولا بين طري وقديد ولا بين لبن وبيض ولا بين لحم ولبن ولم يكن يأكل طعاما في وقت شدة حرارته ولا طبيخا بائتا يسخن له بالغد ولا شيئا من(1\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "163",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4872",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأطعمة العفنة والمالحة كالكوامخ والمخللات والملوحات وكل هذه الأنواع ضار مولد لأنواع من الخروج عن الصحة والاعتدال. وكان يصلح ضرر بعض الأغذية ببعض إذا وجد إليه سبيلا فيكسر حرارة هذا ببرودة هذا ويبوسة هذا برطوبة هذا كما فعل في القثاء والرطب وكما كان يأكل التمر بالسمن وهو الحيس ويشرب نقيع التمر يلطف به كيموسات الأغذية الشديدة. وكان يأمر بالعشاء ولو بكف من تمر ويقول: ترك العشاء مهرمة  ذكره الترمذي في جامعه  وابن ماجه في سننه 1 وذكر أبو نعيم عنه أنه كان ينهى عن النوم على الأكل ويذكر أنه يقسي القلب ولهذا في وصايا الأطباء لمن أراد حفظ الصحة: أن يمشي بعد العشاء خطوات ولو مائة خطوة ولا ينام عقبه فإنه مضر جدا وقال مسلموهم: أو يصلي عقيبه ليستقر الغذاء بقعر المعدة فيسهل هضمه ويجود بذلك. ولم يكن من هديه أن يشرب على طعامه فيفسده ولا سيما إن كان الماء حارا أو باردا فإنه رديء جدا. قال الشاعر: لا تكن عند أكل سخن وبرد ... ودخول الحمام تشرب ماء فإذا ما اجتنبت ذلك حقا ... لم تخف ما حييت في الجوف داء ويكره شرب الماء عقيب الرياضة والتعب وعقيب الجماع وعقيب الطعام وقبله وعقيب أكل الفاكهة وإن كان الشرب عقيب بعضها أسهب من بعض وعقب الحمام وعند الانتباه من النوم فهذا كله مناف لحفظ الصحة ولا اعتبار بالعوائد فإنها طبائع ثوان.  (1) أخرجه الترمذي في الأطعمة. وأخرجه ابن ماجه.(1\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "164",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4873",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وأما هديه في الشراب فمن أكمل هدي يحفظ به الصحة فإنه كان يشرب العسل الممزوج بالماء البارد وفي هذا من حفظ الصحة ما لا يهتدي إلى معرفته إلا أفاضل الأطباء فإن شربه ولعقه على الريق يذيب البلغم ويغسل خمل المعدة ويجلو لزوجتها ويدفع عنها الفضلات ويسخنها باعتدال ويفتح سددها ويفعل مثل ذلك بالكبد والكلى والمثانة وهو أنفع للمعدة من كل حلو دخلها وإنما يضر بالعرض لصاحب الصفراء لحدته وحدة الصفراء فربما هيجها ودفع مضرته لهم بالخل فيعود حينئذ لهم نافعا جدا وشربه أنفع من كثير من الأشربة المتخذة من السكر أو أكثرها ولا سيما لمن لم يعتد هذه الأشربة ولا ألفها طبعه فإنه إذا شربها لا تلائمه ملاءمة العسل ولا قريبا منه والمحكم في ذلك العادة فإنها تهدم أصولا وتبني أصولا. وأما الشراب إذا جمع وصفي الحلاوة والبرودة فمن أنفع شيء للبدن. ومن أكبر أسباب حفظ الصحة وللأرواح والقوى والكبد والقلب عشق شديد له واستمداد منه وإذا كان فيه الوصفان حصلت به التغذية وتنفيذ الطعام إلى الأعضاء وإيصاله إليها أتم تنفيذ. والماء البارد رطب يقمع الحرارة ويحفظ على البدن رطوباته الأصلية ويرد عليه ما تحلل منها ويرفق الغذاء وينفذه في العروق. واختلف الأطباء: هل يغذي البدن على قولين: فأثبتت طائفة التغذية به بناء على ما يشاهدونه من النمو والزيادة والقوة في البدن به ولا سيما عند شدة الحاجة إليه. قالوا: وبين الحيوان والنبات قدر مشترك من وجوه عديدة منها: النمو والاغتذاء والاعتدال وفي النبات قوة حس تناسبه ولهذا كان غذاء النبات(1\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "165",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4874",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالماء فما ينكر أن يكون للحيوان به نوع غذاء وأن يكون جزءا من غذائه التام. قالوا: ونحن لا تنكر أن قوة الغذاء ومعظمه في الطعام وإنما أنكرنا أن لا يكون للماء تغذية البتة. قالوا: وأيضا الطعام إنما يغذي بما فيه من المائية. ولولاها لما حصلت به التغذية. قالوا: ولأن الماء مادة حياة الحيوان والنبات ولا ريب أن ما كان أقرب إلى مادة الشيء حصلت به التغذية فكيف إذا كانت مادته الأصلية قال الله تعالى: وجعلنا من الماء كل شيء حي 1 فكيف تنكر حصول التغذية بما هو مادة الحياة على الإطلاق. قالوا: وقد رأينا إذا حصل له الري بالماء البارد تراجعت إليه قواه ونشاطه وحركته وصبر عن الطعام وانتفع بالقدر اليسير منه ورأينا العطشان لا ينتفع بالقدر الكثير من الطعام ولا يجد به القوة والاغتذاء ونحن لا ننكر أن الماء ينفذ الغذاء إلى أجزاء البدن وإلى جميع الأعضاء وأنه لا يتم أمر الغذاء إلا به وإنما ننكر على من سلب قوة التغذية عنه البتة ويكاد قوله عندنا يدخل في إنكار الأمور الوجدانية. وأنكرت طائفة أخرى حصول التغذية به واحتجت بأمور يرجع حاصلها إلى عدم الاكتفاء به وأنه لا يقوم مقام الطعام وأنه لا يزيد في نمو الأعضاء ولا يخلف عليها بدل ما حللته الحرارة ونحو ذلك مما لا ينكره أصحاب التغذية فإنهم يجعلون تغذيته بحسب جوهره ولطافته ورقته وتغذية كل شيء بحسبه وقد شوهد الهواء الرطب البارد اللين اللذيذ يغذي بحسبه والرائحة الطيبة تغذي نوعا من الغذاء فتغذية الماء أظهر وأظهر. والمقصود: أنه إذا كان باردا وخالطه ما يحليه كالعسل أو الزبيب أو التمر أو السكر كان من أنفع ما يدخل البدن وحفظ عليه صحته فلهذا كان أحب  (1) الأنبياء- 30.(1\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "166",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4875",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم البارد الحلو. والماء الفاتر ينفخ ويفعل ضد هذه الأشياء. ولما كان الماء البائت أنفع من الذي يشرب وقت استقائه قال النبي صلى الله عليه وسلم وقد دخل إلى حائط أبي الهيثم بن التيهان: هل من ماء بات في شنة فأتاه به فشرب منه رواه البخاري ولفظه: إن كان عندك ماء بات في شنة وإلا كرعنا 1 . والماء البائت بمنزلة العجين الخمير والذي شرب لوقته بمنزلة الفطير وأيضا فإن الأجزاء الترابية والأرضية تفارقه إذا بات وقد ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعذب له الماء ويختار البائت منه. وقالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقى له الماء العذب من بئر السقيا 2 . والماء الذي في القرب والشنان ألذ من الذي يكون في آنية الفخار والأحجار وغيرهما ولا سيما أسقية الأدم ولهذا التمس النبي صلى الله عليه وسلم ماء بات في شتة دون غيرها من الأواني وفي الماء إذا وضع في الشنان وقرب الأدم خاصة لطيفة لما فيها من المسام المنتفخة التي يرشح منها الماء ولهذا كان الماء في الفخار الذي يرشح ألذ منه وأبرد في الذي لا يرشح فصلاة الله وسلامه على أكمل الخلق وأشرفهم نفسا وأفضلهم هديا في كل شيء لقد دل أمته على أفضل الأمور وأنفعها لهم في القلوب والأبدان والدنيا والآخرة. قالت عائشة: كان أحب الشراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلو البارد 3 . وهذا يحتمل أن يريد به الماء العذب كمياه العيون والآبار الحلوة فإنه كان يستعذب له الماء. ويحتمل أن يريد به الماء الممزوج بالعسل أو الذي نقع فيه التمر أو الزبيب. وقد يقال- وهو الأظهر-: يعمهما جميعا.  (1) أخرجه البخاري في الأشربة. (2) أخرجه أبو داود في الأشربة. (3) أخرجه أحمد والترمذي في الجامع.(1\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "167",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4876",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله في الحديث الصحيح: إن كان عندك ماء بات في سنة وإلا كرعنا  فيه دليل على جواز الكرع وهو الشرب بالفم من الحوض والمقراة ونحوها وهذه- والله أعلم- واقعة عين دعت الحاجة فيها إلى الكرع بالفم أو قاله مبينا لجوازه فإن من الناس من يكرهه الأطباء تكاد تحرمه ويقولون: إنه يضر بالمعدة وقد روي في حديث لا أدري ما حاله عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا أن نشرب على بطوننا وهو الكرع ونهانا أن نغترف باليد الواحدة وقال: لا يلغ أحدكم كما يلغ الكلب ولا يشرب بالليل من إناء حتى يختبره إلا أن يكون مخمرا 1 . وحديث البخاري أصح من هذا وإن صح فلا تعارض بينهما إذ لعل الشرب باليد لم يكن يمكن حينئذ فقال: وإلا كرعنا والشرب بالفم إنما يضر إذا انكب الشارب على وجهه وبطنه كالذي يشرب من النهر والغدير فأما إذا شرب منتصبا بفمه من حوض مرتفع ونحوه فلا فرق بين أن يشرب بيده أو بفمه.  فصل وكان من هديه الشرب قاعدا هذا كان هديه المعتاد وصح عنه أنه نهى عن الشرب قائما وصح عنه أنه أمر الذي شرب قائما أن يستقيء وصح عنه أنه شرب قائما. قالت طائفة: هذا ناسخ للنهي وقالت طائفة: بل مبين أن النهي ليس للتحريم بل للإرشاد وترك الأولى وقالت طائفة: لا تعارض بينهما أصلا فإنه إنما شرب قائما للحاجة فإنه جاء إلى زمزم وهم يستقون منها فاستقى فناولوه الدلو فشرب وهو قائم وهذا كان موضع حاجة. وللشرب قائما آفات عديدة منها: أنه لا يحصل به الري التام ولا يستقر في  (1) أخرجه ابن ماجه في الأشربة.(1\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "168",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4877",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء وينزل بسرعة وحدة إلى المعدة فيخشى منه أن يبرد حرارتها ويشوشها ويسرع النفوذ إلى أسفل البدن بغير تدريج وكل هذا يضر بالشارب وأما إذا فعله نادرا أو لحاجة لم يضره ولا يعترض بالعوائد على هذا فإن العوائد طبائع ثوان ولها أحكام أخرى وهي بمنزلة الخارج عن القياس عند الفقهاء.  فصل وفي صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنفس في الشراب ثلاثا ويقول: إنه أروى وأمرأ وأبرأ 1 . الشراب في لسان الشارع وحملة الشرع: هو الماء ومعنى تنفسه في الشراب: إبانته القدح عن فيه وتنفسه خارجه ثم يعود إلى الشراب كما جاء مصرحا به في الحديث الآخر: إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في القدح ولكن ليبن الإناء عن فيه 2 . وفي هذا الشرب حكم جمة وفوائد مهمة وقد نبه صلى الله عليه وسلم على مجامعها بقوله. إنه أروى وأمرأ وأبرأ فأروى: أشد ريا وأبلغه وأنفعه وأبرأ: أفعل من البرء وهو الشفاء أي يبرىء من شدة العطش ودائه لتردده على المعدة الملتهبة دفعات فتسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه والثالثة ما عجزت الثانية عنه وأيضا فإنه أسلم لحرارة المعدة وأبقى عليها من أن يهجم عليها البارد وهلة واحدة ونهلة واحدة. وأيضا فإنه لا يروي لمصادفته لحرارة العطش لحظة ثم يقلع عنها ولما تكسر سورتها وحدتها وإن انكسرت لم تبطل بالكلية بخلاف كسرها على التمهل والتدريج.  (1) أخرجه مسلم في الأشربة. (2) أخرجه ابن ماجه من حديث رواه الحارث بن أبي ذئاب عن عمه عن أبي هريرة.(1\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "169",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4878",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأيضا فإنه أسلم عاقبة وآمن غائلة من تناول جميع ما يروي دفعة واحدة فإنه يخاف منه أن يطفىء الحرارة الغريزية بشدة برده وكثرة كميته أو يضعفها فيؤدي ذلك إلى فساد مزاج المعدة والكبد وإلى أمراض رديئة خصوصا في سكان البلاد الحارة كالحجاز واليمن ونحوهما أو في الأزمنة الحارة كشدة الصيف فإن الشرب وهلة واحدة مخوف عليهم جدا فإن الحار الغريزي ضعيف في بواطن أهلها وفي تلك الأزمنة الحارة. وقوله: وأمرأ : هو أفعل من مرىء الطعام والشراب في بدنه: إذا دخله وخالطه بسهولة ولذة ونفع. ومنه: فكلوه هنيئا مريئا 1 هنيئا في عاقبته مريئا في مذاقه. وقيل: معناه أنه أسرع انحدارا عن المريء لسهولته وخفته عليه بخلاف الكثير فإنه لا يسهل على المريء انحداره. ومن آفات الشرب نهلة واحدة أنه يخاف منه الشرق بأن يسد مجرى الشراب لكثرة الوارد عليه فيغص به فإذا تنفس رويدا ثم شرب أمن من ذلك. ومن فوائده: أن الشارب إذا شرب أول مرة تصاعد البخار الدخاني الحار الذي كان على القلب والكبد لورود الماء البارد عليه فأخرجته الطبيعة عنها فإذا شرب مرة واحدة اتفق نزول الماء البارد وصعود البخار فيتدافعان ويتعالجان ومن ذلك يحدث الشرق والغصة ولا يتهنأ الشارب بالماء ولا يمرئه ولا يتم ريه. وقد روى عبد الله بن المبارك والبيهقي وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا شرب أحدكم فليمص الماء مصا ولا يعب عبا فإنه من الكباد 2 . والكباد- بضم الكاف وتخفيف الباء- هو وجع الكبد وقد علم بالتجربة أن ورود الماء جملة واحدة على الكبد يؤلمها ويضعف حرارتها وسبب ذلك المضادة التي بين حرارتها وبين ما ورد عليها من كيفية المبرود وكميته. ولو ورد بالتدريج شيئا فشيئا لم يضاد حرارتها ولم يضعفها وهذا مثاله صب الماء البارد على القدر  (1) النساء- 4. (2) أخرجه الطبراني في الصغير وابن السي وأبو نعيم في الطب والبيهقي في شعب الإيمان.(1\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "170",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4879",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهي تفوز لا يضرها صبه قليلا قليلا. وقد روى الترمذي في جامعه عنه صلى الله عليه وسلم: لا تشربوا نفسا واحدا كشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث وسموا إذا أنتم شربتم واحمدوا إذا أنتم فرغتم 1 . وللتسمية في أول الطعام والشراب وحمد الله في آخره تأثير عجيب في نفعه واستمرائه ودفع مضرته. قال الإمام أحمد: إذا جمع الطعام أربعا فقد كمل: إذا ذكر اسم الله في أوله وحمد الله في آخره وكثرت عليه الأيدي وكان من حل.  فصل وقد روى مسلم في صحيحه : من حديث جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: غطوا الإناء وأوكوا السقاء فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا وقع فيه من ذلك الداء 2 . وهذا مما لا تناله علوم الأطباء ومعارفهم وقد عرفه من عرفه من عقلاء الناس بالتجربة. قال الليث ابن سعد أحد رواة الحديث: الأعاجم عندنا يتقون تلك الليلة في السنة في كانون الأول منها. وصح عنه أنه أمر بتخمير الإناء ولو أن يعرض عليه عودا 3 وفي عرض العود عليه من الحكمة أنه لا ينسى تخميره. بل يعتاده حتى بالعود وفيه: أنه ربما أراد الدبيب أن يسقط فيه فيمر على العود فيكون العود جسرا له يمنعه من السقوط فيه. وصح عنه: أنه أمر عند إيكاء الإناء بذكر اسم الله فإن ذكر اسم الله عند  (1) أخرجه الترمذي في الأشربة. (2) أخرجه مسلم في الأشربة والامام أحمد. (3) أخرجه البخاري ومسلم.(1\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "171",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4880",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تخمير الإناء يطرد عنه الشيطان وإيكاؤه يطرد عنه الهوام ولذلك أمر بذكر اسم الله في هذين الموضعين لهذين المعنيين. وروى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب من في السقاء 1 . وفي هذا آداب عديدة منها: أن تردد أنفاس الشارب فيه يكسبه زهومة ورائحة كريهة يعاف لأجلها. ومنها: أنه ربما غلب الداخل إلى جوفه من الماء فتضرر به. ومنها: أنه ربما كان فيه حيوان لا يشعر به فيؤذيه. ومنها: أن الماء كان فيه قذاة أو غيرها لا يراها عند الشرب فتلج جوفه. ومنها: أن الشرب كذلك يملأ البطن من الهواء فيضيق عن أخذ حظه من الماء أو يزاحمه أو يؤذيه ولغير ذلك من الحكم. فإن قيل: فما تصنعون بما في جامع الترمذي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بإداوة يوم أحد فقال: اخنث فم الإدواة  ثم شرب منها من فيها 2  قلنا: نكتفي فيه بقول الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بصحيح وعبد الله بن عمر العمري يضعف من قبل حفظه ولا أدري سمع من عيسى أو لا انتهى. يريد عيسى بن عبد الله رواه عنه عن رجل من الأنصار.  فصل وفي سنن أبي داود من حديث أبي سعيد الخدري قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب من ثلمة القدح وأن ينفخ في الشراب 3  وهذا من الآداب  (1) أخرجه البخاري في الأشربة. (2) أخرجه أبو داود. والإختاث: أنه يثنى رؤوسها ويعطفها ثم يشرب منها. (3) أخرجه أبو داود في الأشربة.(1\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "172",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4881",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التي تتم بها مصلحة الشارب فإن الشرب من ثلمة القدح فيه عدة مفاسد: أحدها: أن ما يكون على وجه الماء من قذى أو غيره يجتمع إلى الثلمة بخلاف الجانب الصحيح. الثاني: أنه ربما شوش على الشارب ولم يتمكن من حسن الشرب من الثلمة. الثالث: أن الوسخ والزهومة تجتمع في الثلمة ولا يصل إليها الغسل كما يصل إلى الجانب الصحيح. الرابع: أن الثلمة محل العيب في القدح وهي أردأ مكان فيه فينبغي تجنبه وقصد الجانب الصحيح فإن الرديء من كل شيء لا خير فيه ورأى بعض السلف رجلا يشتري حاجة رديئة فقال: لا تفعل أما علمت أن الله نزع البركة من كل رديء. الخامس: أنه ربما كان في الثلمة شق أو تحديد يجرح فم الشارب ولغير هذه من المفاسد. وأما النفخ في الشراب فإنه يكسبه من فم النافخ رائحة كريهة يعاف لأجلها ولا سيما إن كان متغير الفم. وبالجملة: فأنفاس النافخ تخالطه ولهذا جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين النهي عن التنفس في الإناء والنفخ فيه في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه عن ابن عباس رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه 1 . فإن قيل: فما تصنعون بما في الصحيحين . من حديث أنس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتنفس في الإناء ثلاثا قيل: نقابله بالقبول والتسليم ولا معارضة بينه وبين الأول فإن معناه أنه كان يتنفس في شربه ثلاثا وذكر الإناء لأنه آلة  (1) أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجه وأحمد.(1\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "173",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4882",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشرب وهذا كما جاء في الحديث الصحيح: أن إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات في الثدي 1 أي: في مدة الرضاع.  فصل وكان صلى الله عليه وسلم يشرب اللبن خالصا تارة ومشوبا بالماء أخرى. وفي شرب اللبن الحلو في تلك البلاد الحارة خالصا ومشوبا نفع عظيم في حفظ الصحة وترطيب البدن وري الكبد ولا سيما اللبن الذي ترعى دوابه الشيح والقيصوم والخزامى وما أشبهها فإن لبنها غذاء مع الأغذية وشراب مع الأشربة ودواء مع الأدوية وفي جامع الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم: إذا أكل أحدكم طعاما فليقل: اللهم بارك لنا فيه فأطعمنا خيرا منه وإذا سقي لبنا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإنه ليس شيء يجزىء من الطعام والشراب إلا اللبن . قال الترمذي: هذا حديث حسن 2 . فصل وثبت في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم كان ينبذ له أول الليل ويشربه إذا أصبح يومه ذلك والليلة التي تجيء والغد والليلة الأخرى والغد إلى العصر فإن بقي منه شيء سقاه الخادم أو أمر به فصب 3 . وهذا النبيذ: هو ما يطرح فيه تمر يحليه وهو يدخل في الغذاء والشراب وله نفع عظيم في زيادة القوة وحفظ الصحة ولم يكن يشربه بعد ثلاث خوفا من تغيره إلى الإسكار.  (1) أخرجه مسلم في الفضائل. (2) أخرجه الترمذي في الدعوات وأبو داود والامام أحمد والبيهقي في شعب الايمان وابن ماجة. (3) أخرجه مسلم في الأشربة.(1\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "174",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4883",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل في تدبيره لأمر الملبس وكان من أتم الهدي وأنفعه للبدن وأخفه عليه وأيسره لبسا وخلعا وكان أكثر لبسه الأردية والأزر وهي أخف على البدن من غيرها وكان يلبس القميص بل كان أحب الثياب إليه. وكان هديه في لبسه لما يلبسه أنفع شيء للبدن فإنه لم يكن يطيل أكمامه ويوسعها بل كانت كم قميصه إلى الرسغ لا يجاوز اليد فتشق على لابسها وتمنعه خفة الحركة والبطش ولا تقصر عن هذه فتبرز للحر والبرد وكان ذيل قميصه وإزاره إلى أنصاف الساقين لم يتجاوز الكعبين فيؤدي الماشي ويؤوده ويجعله كالمقيد ولم يقصر عن عضلة ساقيه فتنكشف فيؤذي بالحر والبرد ولم تكن عمامته بالكبيرة التي يؤذي الرأس حملها ويضعفه ويجعله عرضة للضعف والآفات كما يشاهد من حال أصحابها ولا بالصغيرة التي تقصر عن وقاية الرأس من الحر والبرد بل وسطا بين ذلك وكان يدخلها تحت حنكه وفي ذلك فوائد عديدة: فإنها تقي العنق الحر والبرد وهو أثبت لها ولا سيما عند ركوب الخيل والإبل والكر والفر وكثير من الناس اتخذ الكلاليب عوضا عن الحنك ويا بعد ما بينهما في النفع والزينة وأنت إذا تأملت هذه اللبسة وجدتها من أنفع اللبسات وأبلغها في حفظ صحة البدن وقوته وأبعدها من التكلف والمشقة على البدن. وكان يلبس الخفاف في السفر دائما أو أغلب أحواله لحاجة الرجلين إلى ما يقيهما من الحر والبرد وفي الحضر أحيانا. وكان أحب ألوان الثياب إليه البياض والحبرة وهي البرود المحبرة ولم يكن من هديه لبس الأحمر ولا الأسود ولا المصبغ ولا المصقول. وأما الحلة الحمراء التي لبسها فهي الرداء اليماني الذي فيه سواد وحمرة وبياض كالحلة الخضراء فقد لبس هذه وهذه وقد تقدم تقرير ذلك وتغليط من زعم أنه لبس الأحمر القاني بما فيه كفاية.(1\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "175",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4884",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل في تدبيره لأمر المسكن لما علم صلى الله عليه وسلم أنه على ظهر سير وأن الدنيا مرحلة مسافر ينزل فيها مدة عمره ثم ينتقل عنها إلى الآخرة لم يكن من هديه وهدي أصحابه ومن تبعه الاعتناء بالمساكن وتشييدها وتعليتها وزخرفتها وتوسيعها بل كانت من أحسن منازل المسافر تقي الحر والبرد وتستر عن العيون وتمنع من ولوج الدواب ولا يخاف سقوطها لفرط ثقلها ولا تعشش فيها الهوام لسعتها ولا تعتور عليها الأهوية والرياح المؤذية لارتفاعها وليست تحت الأرض فتؤذي ساكنها ولا في غاية الارتفاع عليها بل وسط وتلك أعدل المساكن وأنفعها وأقلها حرا وبردا ولا تضيق عن ساكنها فينحصر ولا تفضل عنه بغير منفعة ولا فائدة فتأوي الهوام في خلوها ولم يكن فيها كنف تؤذي ساكنها برائحتها بل رائحتها من أطيب الروائح لأنه كان يحب الطيب ولا يزال عنده وريحه هو من أطيب الرائحة وعرقه من أطيب الطيب ولم يكن في الدار كنيف تظهر رائحته ولا ريب أن هذه من أعدل المساكن وأنفعها وأوفقها للبدن وحفظ صحته.  فصل في تدبيره لأمر النوم واليقظة من تدبر ويقظته صلى الله عليه وسلم وجده أعدل نوم وأنفعه للبدن والأعضاء والقوى فإنه كان ينام أول الليل ويستيقظ في أول النصف الثاني فيقوم ويستاك ويتوضأ ويصلي ما كتب الله له فيأخذ البدن والأعضاء والقوى حظها من النوم والراحة وحظها من الرياضة مع وفور الأجر وهذا غاية صلاح القلب والبدن والدنيا والآخرة. ولم يكن يأخذ من النوم فوق القدر المحتاج إليه ولا يمنع نفسه من القدر(1\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "176",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4885",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المحتاج إليه منه وكان يفعله على أكمل الوجوه فينام إذا دعته الحاجة إلى النوم على شقه الأيمن ذاكرا الله حتى تغلبه عيناه غير ممتلىء البدن من الطعام والشراب ولا مباشر بجنبه الأرض ولا متخذ للفرش المرتفعة بل له ضجاع من أدم حشوه ليف وكان يضطجع على الوسادة ويضع يده تحت خده أحيانا. ونحن نذكر فصلا في النوم والنافع منه والضار فنقول: النوم حالة للبدن يتبعها غور الحرارة الغريزية والقوى إلى باطن البدن لطلب الراحة وهو نوعان: طبيعي وغير طبيعي. فالطبيعي: إمساك القوى النفسانية عن أفعالها وهي قوى الحس والحركة الإرادية ومتى أمسكت هذه القوى عن تحريك البدن استرخى واجتمعت الرطوبات والأبخرة التي كانت تتحلل وتتفرق بالحركات واليقظة في الدماغ الذي هو مبدأ هذه القوى فيتخدر ويسترخي وذلك النوم الطبيعي. وأما النوم غير الطبيعي فيكون لعرض أو مرض وذلك بأن تستولي الرطوبات على الدماغ استيلاء لا تقدر اليقظة على تفريقها أو تصعد أبخرة رطبة كثيرة كما يكون عقيب الامتلاء من الطعام والشراب فتثقل الدماغ وترخيه فيتخدر ويقع إمساك القوى النفسانية عن أفعالها فيكون النوم. وللنوم فائدتان جليلتان إحداهما: سكون الجوارح وراحتها مما يعرض لها من التعب فيريح الحواس من نصب اليقظة ويزيل الإعياء والكلال. والثانية: هضم الغذاء ونضج الأخلاط لأن الحرارة الغريزية في وقت النوم تغور إلى باطن البدن فتعين على ذلك ولهذا يبرد ظاهره ويحتاج النائم إلى فضل دثار. وأنفع النوم: أن ينام على الشق الأيمن ليستقر الطعام بهذه الهيئة في(1\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "177",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4886",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعدة استقرارا حسنا فإن المعدة أميل إلى الجانب الأيسر قليلا ثم يتحول إلى الشق الأيسر قليلا ليسرع الهضم بذلك لاستمالة المعدة على الكبد ثم يستقر نومه على الجانب الأيمن ليكون الغذاء أسرع انحدارا عن المعدة فيكون النوم على الجانب الأيمن بداءة نومه ونهايته وكثرة النوم على الجانب الأيسر مضر بالقلب بسبب ميل الأعضاء إليه فتنصب إليه المواد. وأردأ النوم على الظهر ولا يضر الاستلقاء عليه للراحة من غير نوم وأردأ منه أن ينام منبطحا على وجهه وفي المسند و سنن ابن ماجه عن أبي أمامة قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على رجل نائم في المسجد منبطح على وجهه فضربه برجله وقال: قم أو اقعد فإنها نومة جهنمية 1 . قال أبقراط في كتاب التقدمة : وأما نوم المريض على بطنه من غير أن يكون عادته في صحته جرت بذلك فذلك يدل على اختلاط عقل وعلى ألم في نواحي البطن قال الشراح لكتابه: لأنه خالف العادة الجيدة إلى هيئة رديئة من غير سبب ظاهر ولا باطن. والنوم المعتدل ممكن للقوى الطبيعية من أفعالها مريح للقوة النفسانية مكثر من جوهر حاملها حتى إنه ربما عاد بإرخائه مانعا من تحلل. الأرواح. ونوم النهار رديء يورث الأمراض الرطوبية والنوازل ويفسد اللون. ويورث الطحال ويرخي العصب ويكسل ويضعف الشهوة إلا في الصيف وقت الهاجرة وأردؤه نوم أول النهار أردأ منه النوم آخره بعد العصر ورأى عبد الله بن عباس ابنا له نائما نومة الصبحة فقال له: قم أتنام في الساعة التي تقسم فيها الأرزاق.  (1) أخرجه ابن ماجه فى الأدب.(1\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "178",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4887",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقيل: نوم النهار ثلاثة: خلق وحرق وحمق. فالخلق: نومة الهاجرة وهي خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. والحرق: نومة الضحى تشغل عن أمر الدنيا والآخرة. والحمق: نومة العصر. قال بعض السلف: من نام بعد العصر فاختلس عقله فلا يلومن إلا نفسه. وقال الشاعر: ألا إن نومات الضحى تورث الفتى ... خبالا ونومات العصير جنون ونوم الصبحة يمنع الرزق لأن ذلك وقت تطلب فيه الخليقة أرزاقها وهو وقت قسمة الأرزاق فنومه حرمان إلا لعارض أو ضرورة وهو مضر جدا بالبدن لإرخائه البدن وإفساده للفضلات التي ينبغي تحليلها بالرياضة فيحدث تكسرا وعيا وضعفا. وإن كان قبل التبرز والحركة والرياضة وإشغال المعدة بشيء فذلك الداء العضال المولد لأنواع من الأدواء. والنوم في الشمس يثير الداء الدفين ونوم الإنسان بعضه في الشمس وبعضه في الظل رديء وقد روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان أحدكم في الشمس فقلص عنه الظل فصار بعضه في الشمس وبعضه في الظل فليقم  . وفي سنن ابن ماجه وغيره من حديث بريدة بن الحصيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يقعد الرجل بين الظل والشمس وهذا تنبيه على منع النوم بينهما. وفي الصحيحين عن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك  (1) أخرجه أبو داود في الأدب.(1\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "179",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4888",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت. واجعلهن آخر كلامك فإن مت من ليلتك مت على الفطرة 1 . وفي صحيح البخاري عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى ركعتي الفجر- يعني سنتها- اضطجع على شقه الأيمن 2 . وقد قيل: إن الحكمة في النوم على الجانب الأيمن ألايستغرق النائم في نومه لأن القلب فيه ميل إلى جهة اليسار فإذا نام على جنبه الأيمن طلب القلب مستقره من الجانب الأيسر وذلك يمنع من استقرار النائم واستثقاله في نومه بخلاف قراره في النوم على اليسار فإنه مستقره فيحصل بذلك الدعة التامة فيستغرق الإنسان في نومه ويستثقل فيفوته مصالح دينه ودنياه. ولما كان النائم بمنزلة الميت والنوم أخو الموت- ولهذا يستحيل على الحي الذي لا يموت وأهل الجنة لا ينامون فيها- كان النائم محتاجا إلى من يحرس نفسه ويحفظها مما يعرض لها من الآفات ويحرس بدنه أيضا من طوارق الآفات وكان ربه وفاطره تعالى هو المتولي لذلك وحده. علم النبي صلى الله عليه وسلم النائم أن يقول كلمات التفويض والالتجاء والرغبة والرهبة ليستدعي بها كمال حفظ الله له وحراسته لنفسه وبدنه وأرشده مع ذلك إلى أن يستذكر الإيمان وينام عليه ويجعل التكلم به آخر كلامه فإنه ربما توفاه الله في منامه فإذا كان الإيمان آخر كلامه دخل الجنة فتضمن هذا الهدي في المنام مصالح القلب والبدن والروح في النوم واليقظة والدنيا والآخرة فصلوات الله وسلامه على من نالت به أمته كل خير.  (1) أخرجه البخاري في الأدب ومسلم في الذكر والدعاء. (2) أخرجه البخاري في التهجير.(1\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "180",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4889",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله: أسلمت نفسي إليك  أي: جعلتها مسلمة لك تسليم العبد المملوك نفسه إلى سيده ومالكه. وتوجيه وجهه إليه يتضمن إقباله بالكلية على ربه وإخلاص القصد والإرادة له وإقراره بالخضوع والذل والانقياد قال تعالى: فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن 1 وذكر الوجه إذ هو أشرف ما في الانسان ومجمع الحواس وأيضا ففيه معنى الوجه والقصد من قوله: أستغفر الله ذنبا لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل وتفويض الأمر إليه رده إلى الله سبحانه وذلك يوجب سكون القلب وطمأنينته والرضى بما يقضيه ويختاره له مما يحبه ويرضاه والتفويض من أشرف مقامات العبودية ولا علة فيه وهو من مقامات الخاصة خلافا لزاعمي خلاف ذلك. وإلجاء الظهر إليه سبحانه يتضمن قوة الاعتماد عليه والثقة به والسكون إليه والتوكل عليه فإن من أسند ظهره إلى ركن وثيق لم يخف السقوط. ولما كان للقلب قوتان: قوة الطلب وهي الرغبة وقوة الهرب وهي الرهبة وكان العبد طالبا لمصالحه هاربا من مضاره جمع الأمرين في هذا التفويض والتوجه فقال: رغبة ورهبة إليك ثم أثنى على ربه بأنه لا ملجأ للعبد سواه ولا منجا له منه غيره فهو الذي يلجأ إليه العبد لينجيه من نفسه كما في الحديث الآخر: أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك  (1) آل عمران- 20.(1\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "181",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4890",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأعوذ بك منك 1  فهو سبحانه الذي يعيذ عبده وينجيه من بأسه الذي هو بمشيئته وقدرته فمنه البلاء ومنه الإعانة ومنه ما يطلب النجاة منه وإليه الالتجاء في النجاة فهو الذي يلجأ إليه في أن ينجي مما منه ويستعاذ به مما منه فهو رب كل شيء ولا يكون شيء إلا بمشيئته: وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو 2 قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة 3 ثم ختم الدعاء بالإقرار بالإيمان بكتابه ورسوله الذي هو ملاك النجاة والفوز في الدنيا والآخرة فهذا هديه في نومه. لو لم يقل إني رسول لكا ... ن شاهد في هديه ينطق  فصل وأما هديه في يقظته فكان يستيقظ إذا صاح الصارخ وهو الديك فيحمد الله تعالى ويكبره ويهلله ويدعوه ثم يستاك ثم يقوم إلى وضوئه ثم يقف للصلاة بين يدي ربه مناجيا له بكلامه مثنيا عليه راجيا له راغبا راهبا فأي حفظ لصحة القلب والبدن والروح والقوى ولنعيم الدنيا والآخرة فوق هذا. فصل وأما تدبير الحركة والسكون وهو الرياضة فنذكر منها فصلا يعلم منه مطابقة هديه في ذلك لأكمل أنواعه وأحمدها وأصوبها فنقول:  (1) أخرجه مسلم في الصلاة. (2) الانعام- 17. (3) الأحزاب- 17.(1\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "182",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4891",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من المعلوم افتقار البدن في بقائه إلى الغذاء والشراب ولا يصير الغذاء بجملته جزآ من البدن بل لابد أن يبقى منه عند كل هضم بقية ما إذا كثرت على ممر الزمان اجتمع منها شيء له كمية وكيفية فيضر بكميته بأن يسد ويثقل البدن ويوجب أمراض الاحتباس وإن استفرغ تأذى البدن بالأدوية لأن أكثرها سمية ولا تخلو من إخراج الصالح المنتفع به ويضر بكيفيته بأن يسخن بنفسه أو بالعفن أو يبرد بنفسسه أو يضعف الحرارة الغريزية عن إنضاجه. وسدد الفضلات لا محالة ضارة تركت أو استفرغت والحركة أقوى الأسباب في منع تولدها فإنه تسخن الأعضاء وتسيل فضلاتها فلا تجتمع على طول الزمان وتعود البدن الخفة والنشاط وتجعله قابلا للغذاء وتصلب المفاصل وتقوي الأوتار والرباطات وتؤمن جميع الأمراض المادية وأكثر الأمراض المزاجية إذا استعمل القدر المعتدل منها في وقته وكان باقي التدبير صوابا. ووقت الرياضة بعد انحدار الغذاء وكمال الهضم والرياضة المعتدلة هي التي تحمر فيها البشرة وتربو ويتندى بها البدن وأما التي يلزمها سيلان العرق فمفرطة وأي عضو كثرت رياضته قوي وخصوصا على نوع تلك الرياضة بل كل قوة فهذا شأنها فإن من استكثر من الحفظ قويت حافظته ومن استكثر من الفكر قويت قوته المفكرة ولكل عضو رياضة تخصه فللصدر القراءة فليبتدىء فيها من الخفية إلى الجهر بتدريج ورياضة السمع بسمع الأصوات والكلام بالتدريج فينتقل من الأخف إلى الأثقل وكذلك رياضة اللسان في الكلام وكذلك رياضة البصر وكذلك رياضة المشي بالتدريج شيئا فشيئا. وأما ركوب الخيل ورمي النشاب والصراع والمسابقة على الأقدام فرياضة للبدن كله وهي قالعة لأمراض مزمنة كالجذام والاستسقاء والقولنج.(1\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "183",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4892",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورياضة النفوس بالتعلم والتأدب والفرح والسرور والصبر والثبات والإقدام والسماحة وفعل الخير ونحو ذلك مما ترتاض به النفوس ومن أعظم رياضتها: الصبر والحب والشجاعة والإحسان فلا تزال ترتاض بذلك شيئا فشيئا حتى تصير لها هذه الصفات هيئات راسخة وملكات ثابتة. وأنت إذا تأملت هديه صلى الله عليه وسلم في ذلك وجدته أكمل هدي حافظ للصحة والقوى ونافع في المعاش والمعاد. ولا ريب أن الصلاة نفسها فيها من حفظ البدن وإذابة أخلاطه وفضلاته ما هو من أنفع شيء له سوى ما فيها من حفظ صحة الإيمان وسعادة الدنيا والآخرة وكذلك قيام الليل من أنفع أسباب حفظ الصحة ومن أمنع الأمور لكثير من الأمراض المزمنة ومن أنشط شيء للبدن والروح والقلب كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب على كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد فإن هو استيقظ فذكر الله انحلت عقدة فإن توضأ انحلت عقدة ثانية فإن صلى انحلت عقده كلها فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان 1 . وفي الصوم الشرعي من أسباب حفظ الصحة ورياضة البدن والنفس ما لا يدفعه صحيح الفطرة. وأما الجهاد وما فيه من الحركات الكلية التي هي من أعظم أسباب القوة وحفظ الصحة وصلابة القلب والبدن ودفع فضلاتهما وزوال الهم والغم والحزن فأمر إنما يعرفه من له منه نصيب وكذلك الحج وفعل المناسك وكذلك المسابقة على الخيل وبالنصال والمشيء في الحوائج وإلى الإخوان وقضاء حقوقهم وعيادة مرضاهم وتشييع جنائزهم والمشي إلى المساجد للجمعات والجماعات وحركة الوضوء والاغتسال وغير ذلك.  (1) أخرجه البخاري في التهجير ومسلم في صلاة المسافرين.(1\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "184",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4893",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وأما الجماع والباه فكان هديه فيه أكمل هدي يحفظ به الصحة وتتم به اللذة وسرور النفس ويحصل به مقاصده التي وضع لأجلها فإن الجماع وضع في الأصل لثلاثة أمور هي مقاصده الأصلية: أحدها: حفظ النسل ودوام النوع إلى أن تتكامل العدة التي قدر الله بروزها إلى هذا العالم. الثاني: إخراج الماء الذي يضر احتباسه واحتقانه بجملة البدن. الثالث: قضاء الوطر ونيل اللذة والتمتع بالنعمة وهذه وحدها هي الفائدة التي في الجنة إذ لا تناسل هناك ولا احتقان يستفرغه الإنزال. وفضلاء الأطباء: يرون أن الجماع من أحد أسباب حفظ الصحة. قال جالينوس: الغالب على جوهر المني النار والهواء ومزاجه حار رطب لأن كونه من الدم الصافي الذي تغتذي به الأعضاء الأصلية وإذ ثبت فضل المني. فاعلم أنه لا ينبغي إخراجه إلا في طلب النسل أو إخراج المحتقن منه فإنه إذا دام احتقانه أحدث أمراضا رديئة منها: الوسواس والجنون والصرع وغير ذلك وقد يبرىء استعماله من هذه الأمراض كثيرا فإنه إذا طال احتباسه فسد واستحال إلى كيفية سمية توجب أمراضا رديئة كما ذكرنا ولذلك تدفعه الطبيعة بالاحتلام إذا كثر عندها من غير جماع. وقال بعض السلف: ينبغي للرجل أن يتعاهد من نفسه ثلاثا: ألايدع المشي فإن احتاج إليه يوما قدر عليه وينبغي ألايدع الأكل فإن أمعاءه تضيق وينبغي ألايدع الجماع فإن البئر إذا لم تنزح ذهب ماؤها. وقال محمد بن زكريا: من ترك الجماع مدة طويلة ضعفت قوى أعصابه وانسدت مجاريها وتقلص ذكره. قال: ورأيت جماعة تركوه لنوع من التقشف فبردت أبدانهم وعسرت حركاتهم ووقعت عليهم كآبة بلا سبب وقلت شهواتهم وهضمهم انتهى.(1\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "185",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4894",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن منافعه: غض البصر وكف النفس والقدرة على العفة عن الحرام وتحصيل ذلك للمرأة فهو ينفع نفسه في دنياه وأخراه وينفع المرأة ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يتعاهده ويحبه ويقول: حبب إلي من دنياكم: النساء والطيب 1 . وفي كتاب الزهد للإمام أحمد في هذا الحديث زيادة لطيفة وهي: أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن. وحث على التزويج أمته فقال: تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم 2 . وقال ابن عباس: خير هذه الأمة أكثرها نساء. 3 . وقال: إني أتزوج النساء وأنام وأقوم وأصوم وأفطر فمن رغب عن سنتي فليس مني 4 . وقال: يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحفظ للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء 5 . ولما تزوج جابر ثيبا قال له: هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك 6 . وفي سننه أيضا من حديث ابن عباس يرفعه قال: لم نر للمتحابين مثل النكاح 7 .  (1) أخرجه أحمد والنسائي في عشرة النساء. (2) أخرجه البيهقي في شعب الايمان. (3) أخرجه البخاري. (4) أخرجه البخاري ومسلم في النكاح. (5) أخرجه البخاري ومسلم. (6) أخرجه البخاري في النكاح ومسلم في المساقاة. (7) أخرجه ابن ماجة في النكاح.(1\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "186",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4895",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة 1 . وكان صلى الله عليه وسلم يحرض أمته على نكاح الأبكار الحسان وذوات الدين وفي سنن النسائي عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي النساء خير قال: التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه فيما يكره في نفسها وماله 2 . وفي الصحيحين عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تنكح المرأة لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك 3 . وكان يحث على نكاح الولود ويكره المرأة التي لا تلد كما في سنن أبي داود عن معقل بن يسار أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال وإنها لا تلد أفأتزوجها قال: لا  ثم أتاه الثانية فنهاه ثم أتاه الثالثة فقال: تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم . وفي الترمذي عنه مرفوعا: أربع من سنن المرسلين: النكاح والسواك والتعطر والحناء روي في الجامع بالنون والياء 4 وسمعت أبا الحجاج الحافظ يقول: الصواب: أنه الختان وسقطت النون من الحاشية وكذلك رواه المحاملي عن شيخ أبي عيسى الترمذي. ومما ينبغي تقديمه على الجماع ملاعبة المرأة وتقبيلها ومص لسانها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلاعب أهله ويقبلها. وروى أبو داود في سننه أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبل عائشة ويمص لسانها 5 .  (1) أخرجه مسلم في الرضاع. والامام أحمد والنسائي. (2) أخرجه النسائي في النكاح. (3) أخرجه البخاري في النكاح ومسلم في الرضاع. (4) أخرجه الترمذي في النكاح وأحمد. (5) أخرجه أبو داود في الصوم وأحمد.(1\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "187",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4896",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويذكر عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المواقعة قبل الملاعبة. وكان صلى الله عليه وسلم ربما جامع نساءه كلهن بغسل واحد وربما اغتسل عند كل واحدة منهن فروى مسلم في صحيحه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه بغسل واحد 1 . وروى أبو داود في سننه عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه في ليلة فاغتسل عند كل امرأة منهن غسلا فقلت: يا رسول الله! لو اغتسلت غسلا واحدا فقال: هذا أزكى وأطهر وأطيب 2 . وشرع للمجامع إذا أراد العود قبل الغسل الوضوء بين الجماعين كما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ 3 . وفي الغسل والوضوء بعد الوطء من النشاط وطيب النفس وإخلاف بعض ما تحلل بالجماع وكمال الطهر والنظافة واجتماع الحار الغريزي إلى داخل البدن بعد انتشاره بالجماع وحصول النظافة التي يحبها الله ويبغض خلافها ما هو من أحسن التدبير في الجماع وحفظ الصحة والقوى فيه.  فصل وأنفع الجماع: ما حصل بعد الهضم وعند اعتدال البدن في حره وبرده ويبوسته ورطوبته وخلائه وامتلائه. وضرره عند امتلاء البدن أسهل وأقل من ضرره عند خلوه وكذلك ضرره عند كثرة الرطوبة أقل منه عند اليبوسة وعند  (1) أخرجه مسلم في الحيصن. (2) أخرجه أبو داود في الطهارة. (3) أخرجه مسلم.(1\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "188",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4897",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حرارته أقل منه عند برودته وإنما ينبغي أن يجامع إذا اشتدت الشهوة وحصل الانتشار التام الذي ليس عن تكلف ولا فكر في صورة ولا نظر متتابع ولا ينبغي أن يستدعي شهوة الجماع ويتكلفها ويحمل نفسه عليها وليبادر إليه إذا هاجت به كثرة المني واشتد شبقه وليحذر جماع العجوز والصغيرة التي لا يوطأ مثلها والتي لا شهوة لها والمريضة والقبيحة المنظر والبغيضة فوطء هؤلاء يوهن القوى ويضعف الجماع بالخاصية وغلط من قال من الأطباء: إن جماع الثيب أنفع من جماع البكر وأحفظ للصحة وهذا من القياس الفاسد حتى ربما حذر منه بعضهم وهو مخالف لما عليه عقلاء الناس ولما اتفقت عليه الطبيعة والشريعة. وفي جماع البكر من الخاصية وكمال التعلق بينها وبين مجامعها وامتلاء قلبها من محبته وعدم تقسيم هواها بينه وبين غيره ما ليس للثيب. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر: هلا تزوجت بكرا  وقد جعل الله سبحانه من كمال نساء أهل الجنة من الحور العين أنهن لم يطمثهن أحد قبل من جعلن له من أهل الجنة. وقالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت لو مررت بشجرة قد أرتع فيها وشجرة لم يرتع فيها ففي أيهما كنت ترتع بعيرك قال: في التي لم يرتع فيها 1 . تريد أنه لم يأخذ بكرا غيرها. وجماع المرأة المحبوبة في النفس يقل إضعافه للبدن مع كثرة استفراغه للمني وجماع البغيضة يحل البدن ويوهن القوى مع قلة استفراغه. وجماع الحائض حرام طبعا وشرعا فإنه مضر جدا والأطباء قاطبة تحذر منه. وأحسن أشكال الجماع أن يعلو الرجل المرأة مستفرشا لها بعد الملاعبة والبلة وبهذا سميت المرأة فراشا كما قال صلى الله عليه وسلم: الولد للفراش 2  وهذا من تمام قوامية الرجل على المرأة كما قال تعالى: الرجال قوامون على النساء 3   (1) أخرجه البخاري في نكاح الأبكار. (2) أخرجه البخاري في الوصايا. (3) النساء- 34.(1\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "189",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4898",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكما قيل: إذا رمتها كانت فراشا يقلني ... وعند فراغي خادم يتملق وقد قال تعالى: هن لباس لكم وأنتم لباس لهن. وأكمل اللباس وأسبغه على هذه الحال فإن فراش الرجل لباس له وكذلك لحاف المرأة لها فهذا الشكل الفاضل مأخوذ من هذه الآية وبه يحسن موقع استعارة اللباس من كل من الزوجين للآخر. وفيه وجه آخر وهو أنها تنعطف عليه أحيانا فتكون عليه كاللباس قال الشاعر: إذا ما الضجيع ثنى جيدها ... تثنت فكانت عليه لباسا وأردأ أشكاله أن تعلوه المرأة ويجامعها على ظهره وهو خلاف الشكل الطبيعي الذي طبع الله عليه الرجل والمرأة بل نوع الذكر والأنثى وفيه من المفاسد أن المني يتعسر خروجه كله فربما بقي في العضو منه فيتعفن ويفسد فيضر وأيضا: فربما سال إلى الذكر رطوبات من الفرج وأيضا فإن الرحم لا يتمكن من الاشتمال على الماء واجتماعه فيه وانضامه عليه لتخليق الولد وأيضا: فإن المرأة مفعول بها طبعا وشرعا وإذا كانت فاعلة خالفت مقتضى الطبع والشرع. وكان أهل الكتاب إنما يأتون النساء على جنوبهن على حرف ويقولون: هو أيسر للمرأة. وكانت قريش والأنصار تشرح النساء على أقفائهن فعابت اليهود عليهما ذلك فأنزل الله عز وجل: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم 1 . وفي الصحيحين عن جابر قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها فى قلبها كان الولد أحول فأنزل الله عز وجل: نساؤكم  (1) البقرة- 187.(1\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "190",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4899",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم. وفي لفظ لمسلم: إن شاء مجبية وإن شاء غير مجبية غير أن ذلك في صمام واحد 1 . والمجبية: المنكبة على وجهها والصمام الواحد: الفرج وهو موضع الحرث والولد. وأما الدبر: فلم يبح قط على لسان نبي من الأنبياء ومن نسب إلى بعض السلف إباحة وطء الزوجة في دبرها فقد غلط عليه وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ملعون من أتى المرأة في دبرها 2 . وفي لفظ لأحمد وابن ماجه: لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها . وفي لفظ للترمذي وأحمد: من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم 3 . وفي لفظ للبيهقي: من أتى شيئا من الرجال والنساء في الأدبار فقد كفر . وفي مصنف وكيع : حدثني زمعة بن صالح عن ابن طاووس عن أبيه عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن يزيد قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لا يستحيي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن . وقال مرة: في أدبارهن . وفي الترمذي: عن علي بن طلق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تأتوا النساء في أعجازهن فإن الله لا يستحي من الحق 4 . وفي الكامل لابن عدي: من حديثه عن المحاملي عن سعيد بن يحيى الأموي قال: حدثنا محمد  (1) أخرجه البخاري في التفسير ومسلم. والآية التي في الحديث: الآية\/ 223\/ من سورة البقرة. (2) أخرجه أحمد. (3) أخرجه الترمذي وابن ماجة وأحمد وأبو داود والدارمي. (4) أخرجه الترمذي والدارمي.(1\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "191",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4900",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن حمزة عن زيد بن رفيع عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود يرفعه: لا تأتوا النساء في أعجازهن . وروينا في حديث الحسن بن علي الجوهري عن أبي ذر مرفوعا: من أتى الرجال أو النساء في أدبارهن فقد كفر . وروى إسماعيل بن عياش عن سهيل بن أبي صالح عن محمد بن المنكدر عن جابر يرفعه: استحيوا من الله فإن الله لا يستحيي من الحق لا تأتوا النساء في حشوشهن . ورواه الدارقطني من هذه الطريق ولفظه: إن الله لا يستحيي من الحق لا يحل مأتاك النساء في حشوشهن 1 . وقال البغوي: حدثنا هدبة حدثنا همام قال: سئل قتادة عن الذي يأتي امرأته في دبرها فقال: حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تلك اللوطية الصغرى . وقال أحمد في مسنده : حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا همام أخبرنا عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فذكره وفي المسند أيضا: عن ابن عباس أنزلت هذه الآية: نساؤكم حرث لكم في أناس من الأنصار أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه فقال: ائتها على كل حال إذا كان في الفرج  وفي المسند أيضا: عن ابن عباس قال: جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هلكت فقال: وما الذي أهلكك قال: حولت رحلي البارحة قال: فلم يرد عليه شيئا فأوحى الله إلى رسوله نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم أقبل وأدبر واتق الحيضة والدبر 3 .  (1) أخرجه الدارقطني. (2) أخرجه أحمد. (3) أخرجه أحمد والترمذي.(1\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "192",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4901",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الترمذي: عن ابن عباس مرفوعا: لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في الدبر 1 . وروينا من حديث أبي علي الحسن بن الحسين بن دوما عن البراء بن عازب يرفعه: كفر بالله العظيم عشرة من هذه الأمة: القا والساحر والديوث وناكح المرأة في دبرها ومانع الزكاة ومن وجد سعة فمات ولم يحج وشارب الخمر والساعي في الفتن وبائع السلاح من أهل الحرب ومن نكح ذات محرم منه 2 . وقال عبد الله بن وهب: حدثنا عبد الله بن لهيعة عن شرح بن هاعان عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ملعون من يأتي النساء في محاشهن. يعني: أدبارهن 3 . وفي مسند الحارث بن أبي أسامة  من حديث أبي هريرة وابن عباس قالا خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته وهي آخر خطبة خطبها بالمدينة حتى لحق بالله عز وجل وظنا فيها وقال: من نكح المرأة في دبرها أو رجلا أو صبيا حشر يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة يتأذى به الناس حتى يدخل النار وأحبط الله أجره ولا يقبل منه صرفا ولا عدلا ويدخل في تابوت من نار ويشد عليه مسامير من نار  وقال أبو هريرة: هذا لمن لم يتب. وذكر أبو نعيم الأصبهاني من حديث خزيمة بن ثابت يرفعه إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن 4 . وقال الشافعي أخبرني عمي محمد بن علي بن شافع قال: أخبرني عبد الله ابن علي بن السائب عن عمرو بن أحيحة بن الجلاح عن خزيمة ابن ثابت أن  (1) أخرجه الترمذي وصححه ابن حبان. (2) رواه ابن عساكر. (3) أخرجه ابن عدي في الكامل. (4) ذكره في حلية الأولياء.(1\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "193",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4902",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن إتيان النساء في أدبارهن فقال: حلال  فلما ولى دعاه فقال: كيف قلت في أي الخربتين أو في أي الخرزتين أو في أي الخصفتين أمن دبرها في قبلها فنعم. أم من دبرها في دبرها فلا إن الله لا يستحيي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن 1 . قال الربيع: فقيل للشافعي: فما تقول فقال: عمي ثقة وعبد الله بن علي ثقة وقد أثنى على الأنصاري خيرا يعني عمرو بن الجلاح وخزيمة ممن لا يشك في ثقته فلست أرخص فيه بل أنهى عنه. قلت: ومن ها هنا نشأ الغلط على من نقل عنه الإباحة من السلف والأئمة فإنهم أباحوا أن يكون الدبر طريقا إلى الوطء في الفرج فيطأ من الدبر لا في الدبر فاشتبه على السامع من ب في ولم يظن بينهما فرقا فهذا الذي أباحه السلف والأئمة فغلط عليهم الغالط أقبح الغلط وأفحشه. وقد قال تعالى: فأتوهن من حيث أمركم الله قال مجاهد: سألت ابن عباس عن قوله تعالى: فأتوهن من حيث أمركم الله فقال: تأتيها من حيث أمرت أن تعتزلها يعني في الحيض. وقال علي بن أبي طلحة عنه يقول: في الفرج ولا تعده إلى غيره. وقد دلت الآية على تحريم الوطء في دبرها من وجهين: أحدهما: أنه أباح إتيانها في الحرث وهو موضع الولد لا في الحش الذي هو موضع الأذى وموضع الحرث هو المراد من قوله: (من حيث أمركم الله) قال: فأتوا حرثكم أنى شئتم وإتيانها في قلبها من دبرها مستفاد من الآية أيضا لأنه قال: أنى شئتم أي: من أين شئتم من أمام أو من خلف. قال ابن عباس: فأتوا حرثكم يعني: الفرج. وإذا كان الله حرم الوطء في الفرج لأجل الأذى العارض فما الظن بالحش الذي هو محل الأذى اللازم مع زيادة المفسدة بالتعرض لانقطاع النسل والذريعة القريبة جدا من أدبار النساء إلى أدبار الصبيان.  (1) أخرجه ابن حبان.(1\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "194",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4903",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأيضا: فللمرأة حق على الزوج في الوطء ووطؤها في دبرها يفوت حقها ولا يقضي وطرها ولا يحصل مقصودها. وأيضا فإن الدبر لم يتهيأ لهذا العمل ولم يخلق له وإنما الذي هيىء له الفرج فالعادلون عنه إلى الدبر خارجون عن حكمة الله وشرعه جميعا. وأيضا: فإن ذلك مضر بالرجل ولهذا ينهى عنه عقلاء الأطباء من الفلاسفة وغيرهم لأن للفرج خاصية في اجتذاب الماء المحتقن وراحة الرجل منه والوطء في الدبر لا يعين على اجتذاب جميع الماء ولا يخرج كل المحتقن لمخالفته للأمر الطبيعي. وأيضا: يضر من وجه آخر وهو إحواجه إلى حركات متعبة جدا لمخالفته للطبيعة. وأيضا: فإنه محل القذر والنجو فيستقبله الرجل بوجهه ويلابسه. وأيضا فإنه يضر بالمرأة جدا لأنه وارد غريب بعيد عن الطباع منافر لها غاية المنافرة. وأيضا: فإنه يحدث الهم والغم والنفرة عن الفاعل والمفعول. وأيضا: فإنه يسود الوجه ويظلم الصدر ويطمس نور القلب ويكسو الوجه وحشة تصير عليه كالسيماء يعرفها من له أدنى فراسة. وأيضا: فإنه يوجب النفرة والتباغض الشديد والتقاطع بين الفاعل والمفعول ولا بد. وأيضا فإنه يفسد حال الفاعل والمفعول فسادا لا يكاد يرجى بعده صلاح إلا أن يشاء الله بالتوبة النصوح. وأيضا: فإنه يذهب بالمحاسن منهما ويكسوهما ضدها كما يذهب بالمودة بينهما ويبدلهما بها تباغضا وتلاعنا. وأيضا: فإنه من أكبر أسباب زوال النعم وحلول النقم فإنه يوجب اللعنة(1\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "195",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4904",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمقت من الله وإعراضه عن فاعله وعدم نظره إليه فأي خير يرجوه بعد هذا وأي شر يأمنه وكيف حياة عبد قد حلت عليه لعنة الله ومقته وأعرض عنه بوجهه ولم ينظر إليه. وأيضا: فإنه يذهب بالحياء جملة والحياء هو حياة القلوب فإذا فقدها القلب استحسن القبيح واستقبح الحسن وحينئذ فقد استحكم فساده. وأيضا: فإنه يحيل الطباع عما ركبها الله ويخرج الإنسان عن طبعه إلى طبع لم يركب الله عليه شيئا من الحيوان بل هو طبع منكوس وإذا نكس الطبع انتكس القلب والعمل والهدى فيستطيب حينئذ الخبيث من الأعمال والهيئات ويفسد حاله وعمله وكلامه بغير اختياره. وأيضا: فإنه يورث من الوقاحة والجرأة ما لا يورثه سواه. وأيضا: فإنه يورث من المهانة والسفال والحقارة ما لا يورثه غيره. وأيضا: فإنه يكسو العبد من حلة المقت والبغضاء وازدراء الناس له واحتقارهم إياه واستصغارهم له ما هو مشاهد بالحس فصلاة الله وسلامه على من سعادة الدنيا والآخرة في هديه واتباع ما جاء به وهلاك الدنيا والآخرة في مخالفة هديه وما جاء به. فصل والجماع الضار: نوعان: ضار شرعا وضار طبعا. فالضار شرعا: المحرم وهو مراتب بعضها أشد من بعض. والتحريم العارض منه أخف من اللازم كتحريم الإحرام والصيام والاعتكاف وتحريم المظاهر منها قبل التكفير وتحريم وطء الحائض ونحو ذلك ولهذا لا حد في هذا الجماع. وأما اللازم: فنوعان. نوع لا سبيل إلى حله البتة كذوات المحارم فهذا من(1\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "196",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4905",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أضر الجماع وهو يوجب القتل حدا عند طائفة من العلماء كأحمد بن حنبل رحمه الله وغيره وفيه حديث مرفوع ثابت [1] . والثاني: ما يمكن أن يكون حلالا كالأجنبية فإن كانت ذات زوج ففي وطئها حقان. حق لله وحق للزوج. فإن كانت مكرهة ففيه ثلاثة حقوق وإن كان لها أهل وأقارب يلحقهم العار بذلك صار فيه أربعة حقوق فإن كانت ذات محرم منه صار فيه خمسة حقوق. فمضرة هذا النوع بحسب درجاته في التحريم. وأما الضار طبعا فنوعان أيضا: نوع ضار بكيفيته كما تقدم ونوع ضار بكميته كالإكثار منه فإنه يسقط القوة ويضر بالعصب ويحدث الرعشة والفالج والتشنج ويضعف البصر وسائر القوى ويطفىء الحرارة الغريزية ويوسع المجاري ويجعلها مستعدة للفضلات المؤذية. وأنفع أوقاته ما كان بعد انهضام الغذاء في المعدة وفي زمان معتدل لا على جوع فإنه يضعف الحار الغريزي ولا على شبع فإنه يوجب أمراضا شديدة ولا على تعب ولا إثر حمام ولا استفراغ ولا انفعال نفساني كالغم والهم والحزن وشدة الفرح. وأجود أوقاته بعد هزيع من الليل إذا صادف انهضام الطعام ثم يغتسل أو يتوضأ وينام عليه وينام عقبه فتراجع إليه قواه وليحذر الحركة والرياضة عقبه فإنها مضرة جدا.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج العشق هذا مرض من أمراض القلب مخالف لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه وعلاجه وإذا تمكن واستحكم عز على الأطباء دواؤه وأعيى العليل داؤه وإنما حكاه الله سبحانه في كتابه عن طائفتين من الناس: من النساء وعشاق الصبيان المردان فحكاه عن(1\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "197",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4906",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "امرأة العزيز في شأن يوسف وحكاه عن قوم لوط فقال تعالى إخبارا عنهم لما جاءت الملائكة لوطا: وجاء أهل المدينة يستبشرون قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون واتقوا الله ولا تخزون قالوا أولم ننهك عن العالمين قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون 1 . وأما ما زعمه بعض من لم يقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم حق قدره أنه ابتلي به في شأن زينب بنت جحش وأنه رآها فقال سبحان مقلب القلوب . وأخذت بقلبه وجعل يقول لزيد بن حارثة: أمسكها حتى أنزل الله عليه: وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه 2  فظن هذا الزاعم أن ذلك في شأن العشق وصنف بعضهم كتابا في العشق وذكر فيه عشق الأنبياء وذكر هذه الواقعة وهذا من جهل هذا القائل بالقرآن وبالرسل وتحميله كلام الله ما لا يحتمله ونسبته رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما برأه الله منه فإن زينب بنت جحش كانت تحت زيد بن حارثة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تبناه وكان يدعى زيد بن محمد وكانت زينب فيها شمم وترفع عليه فشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلاقها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك زوجك واتق الله وأخفى في نفسه أن يتزوجها إن طلقها زيد وكان يخشى من قالة الناس أنه تزوج امرأة ابنه لأن زيدا كان يدعى ابنه فهذا هو الذي أخفاه في نفسه وهذه هي الخشية من الناس التي وقعت له ولهذا ذكر سبحانه هذه الآية يعدد فيها نعمه عليه لا يعاتبه فيها وأعلمه أنه لا ينبغي له أن يخشى الناس فيما أحل الله له وأن الله أحق أن يخشاه فلا يتحرج ما أحله له لأجل قول الناس ثم أخبره أنه سبحانه زوجه إياها بعد قضاء زيد وطره منها لتقتدي أمته به في ذلك ويتزوج الرجل بامرأة ابنه من التبني لا امرأة ابنه لصلبه 3 ولهذا قال في آية  (1) الحجر- 68- 77. (2) الأحزاب- 37. (3) لا صحة لهذا الحديث.(1\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "198",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4907",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التحريم: وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم 1 . وقال في هذه السورة: ما كان محمد أبا أحد من رجالكم 2 وقال في أولها: وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم 3 . فتأمل هذا الذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفع طعن الطاعنين عنه وبالله التوفيق. نعم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب نساءه وكان أحبهن إليه عائشة رضي الله عنها ولم تكن تبلغ محبته لها ولا لأحد سوى ربه نهاية الحب بل صح أنه قال: لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لأغذت أبا بكر خليلا 4 . وفي لفظ: وإن صاحبكم خليل الرحمن 5 .  فصل وعشق الصور إنما تبتلى به القلوب الفارغة من محبة الله تعالى المعرضة عنه المتعوضة بغيره عنه فإذا امتلأ القلب من محبة الله والشوق إلى لقائه دفع ذلك عنه مرض عشق الصور ولهذا قال تعالى في حق يوسف: كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين [يوسف: 24]  فدل على أن الإخلاص سبب لدفع العشق وما يترتب عليه من السوء والفحشاء التي هي ثمرته ونتيجته فصرف المسبب صرف لسببه ولهذا قال بعض السلف: العشق حركة قلب فارغ يعني فارغا مما سوى معشوقه. قال تعالى: وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به أي: فارغا من كل شيء إلا من موسى لفرط محبتها له وتعلق قلبها به.  (1) النساء- 23. (2) الأحزاب- 40. (3) الأحزاب- 4. (4) أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورواه مسلم في فضائل الصحابة. (5) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة.(1\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "199",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4908",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعشق مركب من أمرين: استحسان للمعشوق وطمع في الوصول إليه فمتى انتفى أحدهما انتفى العشق وقد أعيت علة العشق على كثير من العقلاء وتكلم فيها بعضهم بكلام يرغب عن ذكره إلى الصواب. فنقول: قد استقرت حكمة الله- عز وجل- في خلقه وأمره على وقوع التناسب والتآلف بين الأشباه وانجذاب الشيء إلى موافقه ومجانسه بالطبع وهروبه من مخالفه ونفرته عنه بالطبع فسر التمازج والاتصال في العالم العلوي والسفلي إنما هو التناسب والتشاكل والتوافق وسر التباين والانفصال إنما هو بعدم التشاكل والتناسب وعلى ذلك قام الخلق والأمر فالمثل إلى مثله مائل وإليه صائر والضد عن ضده هارب وعنه نافر وقد قال تعالى هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها 1 فجعل سبحانه علة سكون الرجل إلى امرأته كونها من جنسه وجوهره فعلة السكون المذكور- وهو الحب- كونها منه فدل على أن العلة ليست بحسن الصورة ولا الموافقة في القصد والإرادة ولا في الخلق والهدي وإن كانت هذه أيضا من أسباب السكون والمحبة. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف 2 وفي مسند الإمام أحمد وغيره في سبب هذا الحديث: أن امرأة بمكة كانت تضحك الناس فجاءت إلى المدينة فنزلت على امرأة تضحك الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الأرواح جنود مجندة الحديث 3 . وقد استقرت شريعته سبحانه أن حكم الشيء حكم مثله فلا تفرق شريعته بين متماثلين أبدا ولا تجمع بين متضادين ومن ظن خلاف ذلك فإما لقلة علمه بالشريعة وإما لتقصيره في معرفة التماثل والاختلاف وإما لنسبته إلى شريعته ما لم ينزل به سلطانا بل يكون من آراء الرجال فبحكمته وعدله ظهر خلقه وشرعه  (1) الأعراف- 189. (2) أخرجه البخاري في الأنبياء ومسلم في البر والصلة. (3) أخرجه أحمد.(1\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "200",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4909",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبالعدل والميزان قام الخلق والشرع وهو التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين. وهذا كما أنه ثابت في الدنيا فهو كذلك يوم القيامة قال تعالى: احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم 1 . قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبعده الإمام أحمد رحمه الله: أزواجهم أشباههم ونظراؤهم. وقال تعالى: وإذا النفوس زوجت 2 : قرن كل صاحب عمل بشكله ونظيره فقرن بين المتحابين في الله في الجنة وقرن بين لم تحابين في طاعة الشيطان في الجحيم فالمرء مع من أحب شاء أو أبى وفي مستدرك الحاكم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا يحب المرء قوما إلا حشر معهم 3 . والمحبة أنواع متعددة فأفضلها وأجلها: المحبة في الله ولله وهي تستلزم محبة ما أحب الله وتستلزم محبة الله ورسوله. ومنها محبة الاتفاق في طريقة أو دين أو مذهب أو نحلة أو قرابة أو صناعة أو مراد ما. ومنها محببة لنيل غرض من المحبوب إما من جاهه أو من ماله أو من تعليمه وإرشاده أو قضاء وطر منه وهذه هي المحبة العرضية التي تزول بزوال موجبها فإن من ودك لأمر ولى عنك عند انقضائه. وأما محبة المشاكلة والمناسبة التي بين المحب والمحبوب. فمحبة لازمة لا تزول  (1) الصافات- 22. (2) التكوير- 7. (3) أخرجه أحمد والنسائي.(1\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "201",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4910",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلا لعارض يزيلها ومحبة العشق من هذا النوع فإنها استحسان روحاني وامتزاج نفساني ولا يعرض في شيء من أنواع المحبة من الوسواس والنحول وشغل البال والتلف ما يعرض من العشق. فإن قيل: فإذا كان سبب العشق ما ذكرتم من الاتصال والتناسب الروحاني فما باله لا يكون دائما من الطرفين بل تجده كثيرا من طرف العاشق وحده فلو كان سببه الاتصال النفسي والامتزاج الروحاني لكانت المحبة مشتركة بينهما. فالجواب: أن السبب قد يتخلف عنه مسببه لفوات شرط أو لوجود مانع وتخلف المحبة من الجانب الآخر لابد أن يكون لأحد ثلاثة أسباب: الأول: علة في المحبة وأنها محبة عرضية لا ذاتية ولا يجب الاشتراك في المحبة العرضية بل قد يلزمها نفرة من المحبوب. الثاني: مانع يقوم بالمحب يمنع محبوبه له إما في خلقه أو في خلقه أو هديه أو فعله أو هيئته أو غير ذلك. الثالث: مانع يقوم بالمحبوب يمنع مشاركته للمحب في محبته ولولا ذلك المانع لقام به من المحبة لمحبه مثل ما قام بالآخر فإذا انتفت هذه الموانع وكانت المحبة ذاتية فلا يكون قط إلا من الجانبين ولولا مانع الكبر والحسد والرياسة والمعاداة في الكفار لكانت الرسل أحب إليهم من أنفسهم وأهليهم وأموالهم ولما زال هذا المانع من قلوب أتباعهم كانت محبتهم لهم فوق محبة الأنفس والأهل والمال.  فصل والمقصود: أن العشق لما كان مرضا من الأمراض كان قابلا للعلاج وله أنواع من العلاج فإن كان مما للعاشق سبيل إلى وصل محبوبه شرعا وقدرا فهو(1\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "202",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4911",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "علاجه كما ثبت في الصحيحين . من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء . فدل المحب على علاجين: أصلي وبدلي. وأمره بالأصلي وهو العلاج الذي وضع لهذا الداء فلا ينبغي العدول عنه إلى غيره ما وجد إليه سبيلا. وروى ابن ماجه في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لم نر للمتحابين مثل النكاح . وهذا هو المعنى الذي أشار إليه سبحانه عقيب إحلال النساء حرائرهن وإمائهن عند الحاجة بقوله: يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا [النساء: 28] . فذكر تخفيفه في هذا الموضع وإخباره عن ضعف الإنسان يدل على ضعفه عن احتمال هذه الشهوة وأنه- سبحانه- خفف عنه أمرها بما أباحه له من أطايب النساء مثنى وثلاث ورباع وأباح له ما شا مما ملكت يمينه ثم أباح له أن يتزوج بالإماء إن احتاج إلى ذلك علاجا لهذه الشهوة وتخفيفا عن هذا الخلق الضعيف ورحمة به.  فصل وإن كان لا سبيل للعاشق إلى وصال معشوقه قدرا أو شرعا أو هو ممتنع عليه من الجهتين وهو الداء العضال فمن علاجه إشعار نفسه اليأس منه فإن النفس متى يئست من الشيء استراحت منه ولم تلتفت إليه فإن لم يزل مرض العشق مع اليأس فقد انحرف الطبع انحرافا شديدا فينتقل إلى علاج آخر وهو علاج عقله بأن يعلم بأن تعلق القلب بما لا مطمع في حصوله نوع من الجنون وصاحبه بمنزلة من يعشق الشمس وروحه متعلقة بالصعود إليها والدوران معها في فلكها وهذا معدود عند جميع العقلاء في زمرة المجانين. وإن كان الوصال متعذرا شرعا لا قدرا فعلاجه بأن ينزله منزلة المتعذر قدرا إذ ما لم يأذن فيه الله فعلاج العبد ونجاته موقوف على اجتنابه فليشعر نفسه أنه معدوم ممتنع لا سبيل له إليه وأنه بمنزلة سائر المحالات فإن لم تجبه(1\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "203",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4912",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النفس الأمارة فليتركه لأحد أمرين: إما خشية وإما فوات محبوب هو أحب إليه وأنفع له وخير له منه وأدوم لذة وسرورا فإن العاقل متى وازن بين نيل محبوب سريع الزوال بفوات محبوب أعظم منه وأدوم وأنفع وألذ أو بالعكس ظهر له التفاوت فلا تبع لذة الأبد التي لا خطر لها بلذة ساعة تنقلب آلاما وحقيقتها أنها أحلام نائم أو خيال لا ثبات له فتذهب اللذة وتبقى التبعة وتزول الشهوة وتبقى الشقوة. الثاني: حصول مكروه أشق عليه من فوات هذا المحبوب بل يجتمع له الأمران أعني: فوات ما هو أحب إليه من هذا المحبوب وحصول ما هو أكره إليه من فوات هذا المحبوب فإذا تيقن أن في إعطاء النفس حظها من هذا المحبوب هذين الأمرين هان عليه تركه ورأى أن صبره على فوته أسهل من صبره عليهما بكثير فعقله ودينه ومروءته وإنسانيته تأمره باحتمال الضرر اليسير الذي ينقلب سريعا لذة وسرورا وفرحا لدفع هذين الضررين العظيمين. وجهله وهواه وظلمه وطيشه وخفته يأمره بإيثار هذا المحبوب العاجل بما فيه جالبا عليه ما جلب والمعصوم من عصمه الله. فإن لم تقبل نفسه هذا الدواء ولم تطاوعه لهذه المعالجة فلينظر ما تجلب عليه هذه الشهوة من مفاسد عاجلته وما تمنعه من مصالحها فإنها أجلب شيء لمفاسد الدنيا وأعظم شيء تعطيلا لمصالحها فإنها تحول بين العبد وبين رشده الذي هو ملاك أمره وقوام مصالحه. فإن لم تقبل نفسه هذا الدواء فليتذكر قبائح المحبوب وما يدعوه إلى النفرة عنه فإنه إن طلبها وتأملها وجدها أضعاف محاسنه التي تدعوا إلى حبه وليسأل جيرانه عما خفي عليه منها فإن المحاسن كما هي داعية الحب والإرادة فالمساوىء داعية البغض والنفرة فليوازن بين الداعيين وليحب أسبقهما وأقربهما منه بابا ولا يكن ممن غره لون جمال على جسم أبرص مجذوم وليجاوز بصره حسن الصورة إلى قبح الفعل وليعبر من حسن المنظر والجسم إلى قبح المخبر والقلب. فإن عجزت عنه هذه الأدوية كلها لم يبق له إلا صدق الملجأ إلى من يجيب(1\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "204",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4913",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المضطر إذا دعاه وليطرح نفسه بين يديه على بابه مستغيثا به متضرعا متذللا مستكينا فمتى وفق لذلك فقد قرع باب التوفيق فليعف وليكتم ولا يشبب بذكر المحبوب ولا يفضحه بين الناس ويعرضه للأذى فإنه يكون ظالما معتديا. ولا يغتر بالحديث الموضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه سويد بن سعيد عن علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه عن أبي مسهر أيضا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه الزبير بن بكار عن عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون عن عبد العزيز بن أبي حازم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من عشق فعف فمات فهو شهيد وفي رواية: من عشق وكتم وعف وصبر غفر الله له وأدخله الجنة 1 . فإن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز أن يكون من كلامه فإن الشهادة درجة عالية عند الله مقرونة بدرجة الصديقية ولها أعمال وأحوال هي شرط في حصولها وهي نوعان: عامة وخاصة فالخاصة: الشهادة في سبيل الله. والعامة خمس مذكورة في الصحيح 2 ليس العشق واحدا منها. وكيف يكون العشق الذي هو شرك في المحبة وفراغ القلب عن الله وتمليك القلب والروح والحب لغيره تنال به درجة الشهادة هذا من المحال فإن إفساد عشق الصور للقلب فوق كل إفساد بل هو خمر الروح الذي يسكرها ويصدها عن ذكر الله وحبه والتلذذ بمناجاته والأنس به ويوجب عبودية القلب لغيره فإن قلب العاشق متعبد لمعشوقه بل العشق لب العبودية فإنها كمال الذل والحب  (1) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه. (2) والعامة خمس مذكورة في الصحيح: في البخاري: الشهداء خمسة: المطعون والفرق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله.(1\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "205",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4914",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والخضوع والتعظيم فكيف يكون تعبد القلب لغير الله مما تنال به درجة أفاضل الموحدين وساداتهم وخواص الأولياء فلو كان إسناد هذا الحديث كالشمس كان غلطا ووهما ولا يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظ العشق في حديث صحيح البتة. ثم إن العشق منه حلال ومنه حرام فكيف يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه يحكم على كل عاشق يكتم ويعف بأنه شهيد فترى من يعشق امرأة غيره أو يعشق المردان والبغايا ينال بعشقه درجة الشهداء وهل هذا إلا خلاف المعلوم من دينه صلى الله عليه وسلم بالضرورة كيف والعشق مرض من الأمراض التي جعل الله سبحانه لها الأدوية شرعا وقدرا والتداوي منه إما واجب إن كان عشقا حراما وإما مستحب. وأنت إذا تأملت الأمراض والآفات التي حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابها بالشهادة وجدتها من الأمراض التي لا علاج لها كالمطعون والمبطون والمجنون والحريق والغريق وموت المرأة يقتلها ولدها في بطنها فإن هذه بلايا من الله لا صنع للعبد فيها ولا علاج لها وليست أسبابها محرمة ولا يترتب عليها من فساد القلب وتعبده لغير الله ما يترتب على العشق فإن لم يكف هذا في إبطال نسبة هذا الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلد أئمة الحديث العالمين به وبعلله فإنه لا يحفظ عن إمام واحد منهم قط أنه شهد له بصحة بل ولا بحسن كيف وقد أنكروا على سويد هذا الحديث ورموه لأجله بالعظائم واستحل بعضهم غزوه لأجله. قال أبو أحمد بن عدي في كامله : هذا الحديث أحد ما أنكر على سويد وكذلك قال البيهقي: إنه مما أنكر عليه وكذلك قال ابن طاهر في الذخيرة وذكره الحاكم في تاريخ نيسابور وقال: أنا أتعجب من هذا الحديث فإنه لم يحدث به عن غير سويد وهو ثقة وذكره أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب الموضوعات  وكان أبو بكر الأزرق يرفعه أولا عن سويد فعوتب فيه فأسقط النبي صلى الله عليه وسلم وكان لا يجاوز به ابن عباس رضي الله عنهما. ومن المصائب التي لا تحتمل جعل هذا الحديث من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن له أدنى إلمام بالحديث وعلله لا يحتمل هذا البتة ولا يحتمل أن يكون من حديث الماجشون عن ابن أبي(1\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "206",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4915",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حازم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا وفي صحته موقوفا على ابن عباس نظر وقد رمى الناس سويد بن سعيد راوي هذا الحديث بالعظائم وأنكره عليه يحيى بن معين وقال: هو ساقط كذاب لو كان لي فرس ورمح كنت أغزوه وقال الإمام أحمد: متروك الحديث وقال النسائي: ليس بثقة وقال البخاري: كان قد عمي فيلقن ما ليس من حديثه وقال ابن حبان: يأتي المعضلات عن الثقات يجب مجانبة ما روى. انتهى. وأحسن ما قيل فيه قول أبي حاتم الرازي: إنه صدوق كثير التدليس ثم قول الدارقطني: هو ثقة غير أنه لما كبر كان ربما قرىء عليه حديث فيه بعض النكارة فيجيزه انتهى. وعيب على مسلم إخراج حديثه وهذه حاله ولكن مسلم روى من حديثه ما تابعه عليه غيره ولم ينفرد به ولم يكن منكرا ولا شاذا بخلاف هذا الحديث والله أعلم.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ الصحة بالطيب لما كانت الرائحة الطيبة غذاء الروح والروح مطية القوى والقوى تزداد بالطيب وهو ينفع الدماغ والقلب وسائر الأعضاء الباطنية ويفرح القلب ويسر النفس ويبسط الروح وهو أصدق شيء للروح وأشده ملاءمة لها وبينه وبين الروح الطيبة نسبة قريبة. كان أحد المحبوبين من الدنيا إلى أطيب الطيبين صلوات الله عليه وسلامه. وفي صحيح البخاري أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يرد الطيب 1 . وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم: من عرض عليه ريحان فلا يرده فإنه طيب الريح خفيف المحمل 2 . وفي سنن أبي داود والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي  (1) أخرجه البخاري في اللباس. (2) أخرجه مسلم.(1\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "207",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4916",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلى الله عليه وسلم: من عرض عليه طيب فلا يرده فإنه خفيف المحمل طيب الرائحة 1 وفي مسند البزار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله طيب يحب الطيب نظيف يحب النظافة كريم يحب الكرم جواد يحب الجود فنظفوا أفناءكم وساحاتكم ولا تشبهوا باليهود يجمعون الأكب في دورهم 2 . الأكب: الزبالة. وذكر ابن أبي شيبة أنه صلى الله عليه وسلم كان له سكة يتطيب منها. وصح عنه أنه قال: إن لله حقا على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام وإن كان له طيب أن يمس منه 3 . وفي الطيب من الخاصية أن الملائكة تحبه والشياطين تنفر عنه وأحب شيء إلى الشياطين الرائحة المنتنة الكريهة فالأرواح الطيبة تحب الرائحة الطيبة والأرواح الخبيثة تحب الرائحة الخبيثة وكل روح تميل إلى ما يناسبها فالخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات وهذا وإن كان في النساء والرجال فإنه يتناول الأعمال والأقوال والمطاعم والمشارب والملابس والروائح إما بعموم لفظه أو بعموم معناه.  فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ صحة العين روى أبو داود في سننه عن عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة الأنصاري عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالإثمد المروح عند النوم وقال: ليتقه الصائم 4 . قال أبو عبيد: المروح: المطيب بالمسك.  (1) أخرجه أبو داود في الزجل والنسائي في الزينة. (2) أخرجه الترمذي. (3) أخرجه البخاري. (4) أخرجه أبو داود.(1\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "208",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4917",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي سنن ابن ماجه وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم مكحلة يكتحل منها ثلاثا في كل عين 1 . وفي الترمذي: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اكتحل يجعل في اليمنى ثلاثا يبتدىء بها ويختم بها وفي اليسرى ثنتين 2 . وقد روى أبو داود عنه صلى الله عليه وسلم: من اكتحل فليوتر 3 . فهل الوتر بالنسبة إلى العينين كلتيهما فيكون في هذه ثلاث وفي هذه ثنتان واليمنى أولى بالابتداء والتفضيل أو هو بالنسبة إلى كل عين فيكون في هذه ثلاث وفي هذه ثلاث وهما قولان في مذهب أحمد وغيره. وفي الكحل حفظ لصحة العين وتقوية للنور الباصر وجلاء لها وتلطيف للمادة الرديئة واستخراج لها مع الزينة في بعض أنواعه وله عند النوم مزيد فضل لاشتمالها على الكحل وسكونها عقيبه عن الحركة المضرة بها وخدمة الطبيعة لها وللإثمد من ذلك خاصية. وفي سنن ابن ماجه عن سالم عن أبيه يرفعه: عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر  . وفي كتاب أبي نعيم: فإنه منبتة للشعر مذهبة للقذى مصفاة للبصر 5 . وفي سنن ابن ماجه أيضا: عن ابن عباس- رضي الله عنهما- يرفعه: خير أكحالكم الإثمد يجلو البصر وينبت الشعر 6 .  (1) أخرجه ابن ماجة والترمذي. (2) أخرجه أبو الشيخ في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم. (3) أخرجه أبو داود في الطهارة. (4) أخرجه ابن ماجة. (5) أخرجه أبو نعيم في الحلية والطبراني في الكبير. (6) أخرجه ابن ماجة وأحمد وأبو داود والبيهقي وابن حبان.(1\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "209",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4918",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل في ذكر شيء من الأدوية والأغذية المفردة التي جاءت على لسانه صلى الله عليه وسلم مرتبة على حروف المعجم  حرف الهمزة إثمد: هو حجر الكحل الأسود يؤتى به من أصبهان وهو أفضله ويؤتى به من جهة المغرب أيضا وأجوده السريع التفتيت الذي لفتاته بصيص وداخله أملس ليس فيه شيء من الأوساخ. ومزاجه بارد يابس ينفع العين ويقويها ويشد أعصابها ويحفظ صحتها ويذهب اللحم الزائد في القروح ويدملها وينقي أوساخها ويجلوها ويذهب الصداع إذا اكتحل به مع العسل المائي الرقيق وإذا دق وخلط ببعض الشحوم الطرية ولطخ على حرق النار لم تعرض فيه خشكريشة ونفع من التنفط الحادث بسببه وهو أجود أكحال العين لا سيما للمشايخ والذين قد ضعفت أبصارهم إذا جعل معه شيء من المسك. أترج: ثبت في الصحيح : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الآترجة طمها طيب وريحها طيب 1 . في الأترج منافع كثيرة وهو مركب من أربعة أشياء: قشر ولحم وحمض وبزر ولكل واحد منها مزاج يخصه فقشره حار يابس ولحمه حار رطب وحمضه بارد يابس وبزره حار يابس.  (1) أخرجه البخاري في فضائل القرآن.(1\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "210",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4919",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن منافع قشره: أنه إذا جعل في الثياب منع السوس ورائحته تصلح فساد الهواء والوباء ويطيب النكهة إذا أمسكه في الفم ويحلل الرياح وإذا جعل في الطعام كالأبازير أعان على الهضم. قال صاحب القانون : وعصارة قشره تنفع من نهش الأفاعي شربا وقشره ضمادا وحراقة قشره طلاء جيد للبرص. انتهى. وأما لحمه: فملطف لحرارة المعدة نافع لأصحاب المرة الصفراء قامع للبخارات الحارة. وقال الغافقي: أكل لحمه ينفع البواسير. انتهى. وأما حمضه: فقابض كاسر للصفراء ومسكن للخفقان الحار نافع من اليرقان شربا واكتحالا قاطع للقيء الصفراوي مشه للطعام عاقل للطبيعة نافع من الإسهال الصفراوي وعصارة حمضه يسكن غلمة النساء وينفع طلاء من الكلف ويذهب بالقوباء ويستدل على ذلك من فعله في الحبر إذا وقع في الثياب قلعه وله قوة تلطف وتقطع وتبرد وتطفىء حرارة الكبد وتقوي المعدة وتمنع حدة المرة الصفراء وتزيل الغم العارض منها وتسكن العطش. وأما بزره: فله قوة محللة مجففة. وقال ابن ماسويه: خاصية حبه النفع من السموم القاتلة إذا شرب منه وزن مثقال مقشرا بماء فاتر وطلاء مطبوخ. وإن دق ووضع على موضع اللسعة نفع وهو ملين للطبيعة مطيب للنكهة وأكثر هذا الفعل موجود في قشره وقال غيره: خاصية حبه النفع من لسعات العقارب إذا شرب منه وزن مثقالين مقشرا بماء فاتر وكذلك إذا دق ووضع على موضع اللدغة. وقال غيره: حبه يصلح للسموم كلها وهو نافع من لدغ الهوام كلها. وذكر أن بعض الأكاسرة غضب على قوم من الأطباء فأمر بحبسهم وخيرهم أدما لا يزيد لهم عليه فاختاروا الأترج فقيل لهم: لم اخترتموه على غيره فقالوا: لأنه في العاجل ريحان ومنظره مفرح وقشره طيب الرائحة ولحمه فاكهة وحمضه أدم وحبه ترياق وفيه دهن.(1\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "211",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4920",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحقيق بشيء هذه منافعه أن يشبه به خلاصة الوجود وهو المؤمن الذي يقرأ القرآن وكان بعض السلف يحب النظر إليه لما في منظره من التفريح. أرز: فيه حديثان باطلان موضوعان على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما: أنه لو كان رجلا لكان حليما الثاني: كل شيء أخرجته الأرض ففيه داء وشفاء إلا الأرز فإنه شفاء لا داء فيه ذكرناهما تنبيها وتحذيرا من نسبتهما إليه صلى الله عليه وسلم. وبعد فهو حار يابس وهو أغذى الحبوب بعد الحنطة وأحمدها خلطا يشد البطن شدا يسيرا ويقوي المعدة ويدبغها ويمكث فيها. وأطباء الهند تزعم أنه أحمد الأغذية وأنفعها إذا طبخ بألبان البقر وله تأثير في خصب البدن وزيادة المني وكثرة التغذية وتصفية اللون. أرز: بفتح الهمزة وسكون الراء: وهو الصنوبر ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: مثل المؤمن مثل الخامة من الزرع تفيئها الرياح تقيمها مرة وتميلها أخرى ومثل المنافق مثل الأرزة لا تزال قائمة على أصلها حتى يكون انجعافها مرة واحدة 1  وحبه حار رطب وفيه إنضاج وتليين وتحليل ولذع يذهب بنقعه في الماء وهو عسر الهضم وفيه تغذية كثيرة وهو جيد للسعال ولتنقية رطوبات الرئة ويزيد في المني ويولد مغصا وترياقه حب الرمان المز. إذخر: ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في مكة: لا يختلى خلاها . فقال له العباس رضي الله عنه: إلا الإذخر يا رسول الله فإنه لقينهم ولبيوتهم فقال: إلا الإذخر 2 . والإذخر حار في الثانية يابس في الأولى لطيف مفتح للسدد وأفواه العروق يدر البول والطمث ويفتت الحصى ويحلل الأورام الصلبة في المعدة والكبد والكليتين شربا وضمادا وأصله يقوي عمود الأسنان والمعدة ويسكن الغثيان ويقل البطن.  (1) أخرجه البخاري في المرضى. ومسلم في صفات المنافقين. (2) أخرجه البخاري ومسلم في الحج.(1\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "212",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4921",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حرف الباء بطيخ: روى أبو داود والترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأكل البطيخ بالرطب يقول: نكسر حر هذا ببرد هذا وبرد هذا بحر هذا 1 . وفي البطيخ عدة أحاديث لا يصح منها شيء غير هذا الحديث الواحد والمراد به الأخضر وهو بارد رطب وفيه جلاء وهو أسرع انحدارا عن المعدة من القثاء والخيار وهو سريع الاستحالة إلى أي خلط كان صادفه في المعدة وإذا كان آكله محرورا انتفع به جدا وإن كان مبرودا دفع ضرره بيسير من الزنجبيل ونحوه وينبغي أكله قبل الطعام ويتبع به وإلا غثى وقيأ. وقال بعض الأطباء: إنه قبل الطعام يغسل البطن غسلا ويذهب بالداء أصلا. بلح: روى النسائي وابن ماجه في سننهما : من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلوا البلح بالتمر فإن الشيطان إذا نظر إلى ابن آدم يأكل البلح بالتمر يقول: بقي ابن آدم حتى أكل الحديث بالعتيق 2 . وفي رواية: كلوا البلح بالتمر فإن الشيطان يحزن إذا رأى ابن آدم يأكله يقول: عاش ابن مادم حتى أكل الجديد بالخلق  رواه البزار في مسنده وهذا لفظه. قلت: الباء في الحديث بمعنى: مع أي: كلوا هذا مع هذا قال بعض أطباء الإسلام: إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأكل البلح بالتمر ولم يأمر بأكل البسر مع التمر لأن البلح بارد يابس والتمر حار رطب ففي كل منهما إصلاح للآخر وليس كذلك البسر مع التمر فإن كل واحد منهما حار وإن كانت حرارة التمر أكثر ولا ينبغي من جهة الطب الجمع بين حارين أو باردين كما تقدم. وفي هذا الحديث: التنبيه على صحة أصل صناعة الطب ومراعاة التدبير الذي يصلح في  (1) أخرجه أبو داود في الأطعمة. (2) أخرجه ابن ماجة في الأطعمة.(1\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "213",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4922",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دفع كيفيات الأغذية والأدوية بعضها ببعض ومراعاة القانون الطبي الذي تحفظ به الصحة. وفي البلح برودة ويبوسة وهو ينفع الفم واللثة والمعدة وهو رديء للصدر والرئة بالخشونة التي فيه بطيء في المعدة يسير التغذية وهو للنخلة كالحصرم لشجرة العنب وهما جميعا يولدان رياحا وقراقر ونفخا ولا سيما إذا شرب عليهما الماء ودفع مضرتهما بالتمر أو بالعسل والزبد. بسر: ثبت في الصحيح : أن أبا الهيثم بن التيهان لما ضافه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما جاءهم بعذق- وهو من النخلة كالعنقود من العنب- فقال له: هلا انتقيت لنا من رطبه فقال: أحببت أن تنقوا من بسره ورطبه 1 . البسر: حار يابس ويبسه أكثر من حره ينشف الرطوبة ويدبغ المعدة ويحبس البطن وينفع اللثة والفم وأنفعه ما كان هشا وحلوا وكثرة أكله وأكل البلح يحدث السدد في الأحشاء. بيض: ذكر البيهقي في شعب الإيمان أثرا مرفوعا: أن نبيا من الأنبياء شكى إلى الله سبحانه الضعف فأمره بأكل البيض. فأمره بأكل البيض. وفي ثبوته نظر ويختار من البيض الحديث على العتيق وبيض الدجاج على سائر بيض الطير وهو معتدل يميل إلى البرودة قليلا. قال صاحب القانون : ومحه 2 : حار رطب يولد دما صحيحا محمودا. ويغذي غذاآ يسيرا ويسرع الانحدار من المعدة إذا كان رخوا. وقال غيره: مح البيض: مسكن للألم مملس للحلق وقصبة الرئة نافع للحلق والسعال وقروح الرئة والكلى والمثانة مذهب للخشونة لا سيما إذا أخذ بدهن اللوز والحلو  (1) أخرجه الترمذي في الزهد وأخرجه مسلم في صحيحه. (2) المح: صفرة البيض.(1\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "214",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4923",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنضج لما في الصدر ملين له مسهل لخشونة الحلق وبياضه إذا قطر في العين الوارمة ورما حارا برده وسكن الوجع وإذا لطخ به حرق النار أو ما يعرض له لم يدعه يتنفط وإذا لطخ به الوجع منع الاحتراق العارض من الشمس وإذا خلط بالكندر ولطخ على الجبهة نفع من النزلة. وذكره صاحب القانون في الأدوية القلبية ثم قال: وهو- وإن لم يكن من الأدوية المطلقة- فإنه مما له مدخل في تقوية القلب جدا أعني الصفرة وهي تجمع ثلاثة معان: سرعة الاستحالة إلى الدم وقلة الفضلة وكون الدم المتولد منه مجانسا للدم الذي يغذو القلب خفيفا مندفعا إليه بسرعة ولذلك هو أوفق ما يتلافى به عادية الأمراض المحللة لجوهر الروح. بصل: روى أبو داود في سننه : عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن البصل فقالت: إن آخر طعام أكله رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيه بصل 1 . وثبت عنه في الصحيحين أنه منع آكله من دخول المسجد 2 . والبصل: حار في الثالثة وفيه رطوبة فضلية ينفع من تغير المياه ويدفع ريح السموم ويفتق الشهوة ويقوي المعدة ويهيج الباه ويزيد في المني ويحسن اللون ويقطع البلغم ويجلوا المعدة وبزره يذهب البهق ويدلك به حول داء الثعلب فينفع جدا وهو بالملح يقلع الثآليل وإذا شمه من شرب دواء مسهلا منعه من القيء والغثيان وأذهب رائحة ذلك الدواء وإذا استعط بمائه نقى الرأس ويقطر في الأذن لثقل السمع والطنين والقيح والماء الحادث في الأذنين وينفع من الماء النازل في العينين اكتحالا يكتحل ببزره مع العسل لبياض العين والمطبوخ منه كثير الغذاء ينفع من اليرقان والسعال وخشونة الصدر ويدر البول ويلين الطبع وينفع من عضة الكلب غير الكلب إذا نطل عليها ماؤه بملح وسذاب وإذا احتمل فتح أفواه البواسير.  (1) أخرجه أبو داود في الأطعمة. (2) أخرجه البخاري في الأطعمة ومسلم في المساجد.(1\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "215",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4924",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما ضرره: فإنه يورث الشقيقة ويصدع الرأس ويولد أرياحا ويظلم البصر وكثرة أكله تورث النسيان ويفسد العقل ويغير رائحة الفم والنكهة ويؤذي الجليس والملائكة وإماتته طبخا تذهب بهذه المضرات منه. وفي السنن: أنه صلى الله عليه وسلم أمر آكله وآكل الثوم أن يميتهما طبخا 1 ويذهب رائحته مضغ ورق السذاب عليه. باذنجان: في الحديث الموضوع المختلق على رسول الله صلى الله عليه وسلم: الباذنجان لما أكل له 2  وهذا الكلام مما يستقبح نسبته إلى آحاد العقلاء فضلا عن الأنبياء وبعد: فهو نوعان: أبيض وأسود وفيه خلاف هل هو بارد أو حار والصحيح: أنه حار وهو مولد للسوداء والبواسير والسدد والسرطان والجذام ويفسد اللون ويسوده ويضر بنتن الفم والأبيض منه المستطيل عار من ذلك.  حرف التاء تمر: ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: من تصبح بسبع تمرات . وفي لفظ: من تمر العالية لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر 3 . وثبت عنه أنه قال: بيت لا تمر فيه جياع أهله 4 وثبت عنه أكل التمر بالزبد بالخبز وأكله مفردا. وهو حار في الثانية وهل هو رطب في الأولى أو يابس فيها على قولين. وهو مقو للكبد ملين للطبع يزيد في الباه ولا سيما مع حب الصنوبر ويبرىء من خشونة الحلق ومن لم يعتده كأهل البلاد الباردة فإنه يورث لهم السدد ويؤذي الأسنان ويهيج الصداع ودفع ضرره باللوز والخشخاش وهو من أكثر الثمار تغذية للبدن بما فيه من الجوهر الحار الرطب وأكله على الريق يقتل الدود فإنه مع  (1) أخرجه مسلم. (2) أخرجه البخاري في الطب ومسلم في الأشربة. (3) أخرجه المسلم. (4) أخرجه أبو داود والترمذي.(1\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "216",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4925",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حرارته فيه قوة ترياقية فإذا أديم استعماله على الريق خفف مادة الدود وأضعفه وقلله أو قتله وهو فاكهة وغذاء ودواء وشراب وحلوى. تين: لما لم يكن التين بأرض الحجاز والمدينة لم يأت له ذكر في السنة فإن أرضه تنافي أرض النخل ولكن قد أقسم الله به في كتابه لكثرة منافعه وفوائده والصحيح: أن المقسم به: هو التين المعروف. وهو حار وفي رطوبته ويبوسته قولان وأجوده: الأبيض الناضج القشر يجلو رمل الكلى والمثانة ويؤمن من السموم وهو أغذى من جيمع الفواكه وينفع خشونة الحلق والصدر وقصبة الرئة ويغسل الكبد والطحال وينقي الخلط البلغمي من المعدة ويغذو البدن غذاء جيدا إلا أنه يولد القمل إذا أكثر منه جدا. ويابسه يغذو وينفع العصب وهو مع الجوز واللوز محمود قال جالينوس: وإذا أكل مع الجوز والسذاب [1] قبل أخذ السم القاتل نفع وحفظ من الضرر. ويذكر عن أبي الدرداء: أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم طبق من تين فقال: كلوا وأكل منه وقال: لو قلت: إن فاكهة نزلت من الجنة قلت: هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوا منها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس . وفي ثبوت هذا نظر. واللحم منه أجود ويعطش المحرورين ويسكن العطش الكائن عن البلغم المالح وينفع السعال المزمن ويدر البول ويفتح سدد الكبد والطحال ويوافق الكلى والمثانة ولأكله على الريق منفعة عجيبة في تفتيح مجاري الغذاء وخصوصا باللوز والجوز وأكله مع الأغذية الغليظة رديء جدا وخصوصا باللوز والجوز وأكله مع الأغذية الغليظة رديء جدا والتوت الأبيض قريب منه لكنه أقل تغذية وأضر بالمعدة.(1\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "217",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4926",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تلبينة: قد تقدم إنها ماء الشعير المطحون وذكرنا منافعها وأنها أنفع لأهل الحجاز من ماء الشعير الصحيح.  حرف الثاء ثلج: ثبت في الصحيح : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد 1 . وفي هذا الحديث من الفقه: أن الداء يداوى بضده فإن في الخطايا من الحرارة والحريق ما يضاده الثلج والبرد والماء البارد ولا يقال: إن الماء الحار أبلغ في إزالة الوسخ لأن في الماء البارد من تصليب الجسم وتقويته ما ليس في الحار والخطايا توجب أثرين: التدنيس والإرخاء فالمطلوب مداواتها بما ينظف القلب ويصلبه فذكر الماء البارد والثلج والبرد إشارة إلى هذين الأمرين. وبعد فالثلج بارد على الأصح وغلط من قال: حار وشبهته تولد الحيوان فيه وهذا لا يدل على حرارته فإنه يتولد في الفواكه الباردة وفي الخل وأما تعطيشه فلتهييجه الحرارة لا لحرارته في نفسه ويضر المعدة والعصب وإذا كان وجع الأسنان من حرارة مفرطة سكنها. ثوم: هو قريب من البصل وفي الحديث: من أكلهما فليمتهما طبخا 2 . وأهدي إليه طعام فيه ثوم فأرسل به إلى أبي أيوب الأنصاري فقال: يا رسول الله تكرهه وترسل به إلي فقال: إني أناجي من لا تناجي . وبعد فهو حار يابس في الرابعة يسخن تسخينا قويا ويجفف تجفيفا بالغا نافع للمبرودين ولمن مزاجه بلغمي ولمن أشرف على الوقوع في الفالج وهو مجفف للمني مفتح للسدد محلل للرياح الغليظة هاضم للطعام قاطع  (1) أخرجه مسلم في المساجد. (2) أخرجه مسلم في المساجد. وابن ماجة في إقامة الصلاة والنسائي وأحمد.(1\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "218",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4927",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للعطش مطلق للبطن مدر للبول يقوم في لسع الهوام وجميع الأورام الباردة مقام الترياق وإذا دق وعمل منه ضماد على نهش الحيات أو على لسع العقارب نفعها وجذب السموم منها ويسخن البدن ويزيد في حرارته ويقطع البلغم ويحلل النفخ ويصفي الحلق ويحفظ صحة أكثر الأبدان وينفع من تغير المياه والسعال المزمن ويؤكل نيئا ومطبوخا ومشويا وينفع من وجع الصدر من البرد ويخرج العلق من الحلق وإذا دق مع الخل والملح والعسل ثم وضع على الضرس المتأكل فتته وأسقطه وعلى الضرس الوجع سكن وجعه وإن دق منه مقدار درهمين وأخذ مع ماء العسل أخرج البلغم والدود وإذا طلي بالعسل على البهق نفع. ومن مضاره: أنه يصدع ويضر الدماغ والعينين ويضعف البصر والباه ويعطش ويهيج الصفراء ويجيف رائحة الفم ويذهب رائحته أن يمضغ عليه ورق السذاب. ثريد: ثبت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام 1 . والثريد وإن كان مركبا فإنه مركب من خبز ولحم فالخبز أفضل الأقوات واللحم سيد الإدام فإذا اجتمعا لم يكن بعدهما غاية. وتنازع الناس أيهما أفضل والصواب أن الحاجة إلى الخبز أكثر وأعم واللحم أجل وأفضل وهو أشبه بجوهر البدن من كل ما عداه وهو طعام أهل الجنة وقد قال تعالى لمن طلب البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل: أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير 2  وكثير من السلف على أن الفوم الحنطة وعلى هذا فالآية نص على أن اللحم خير من الحنطة.  (1) أخرجه البخاري ومسلم في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. (2) البقرة- 62.(1\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "219",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4928",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حرف الجيم جمار: قلب النخل ثبت في الصحيحين : عن عبد الله بن عمر قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس إذ أتي بجمار نخلة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن من الشجر شجرة مثل الرجل المسلم لا يسقط ورقها ... الحديث 1 . والجمار: بارد يابس في الأولى يختم القروح وينفع من نفث الدم واستطلاق البطن وغلبة المرة الصفراء وثائرة الدم وليس برديء الكيموس ويغذو غذاء يسيرا وهو بطيء الهضم وشجرته كلها منافع ولهذا مثلها النبي صلى الله عليه وسلم بالرجل المسلم لكثرة خيره ومنافعه. جبن: في السنن عن عبد الله بن عمر قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بجنبة في تبوك فدعا بسكين وسمى وقطع رواه أبو داود 2  وأكله الصحابة رضي الله عنهم بالشام والعراق والرطب منه غير المملوح جيد للمعدة هين السلوك في الأعضاء يزيد في اللحم ويلين البطن تليينا معتدلا والمملوح أقل غذاء من الرطب وهو رديء للمعدة مؤذ للأمعاء والعتيق يعقل البطن وكذا المشوي وينفع القروح ويمنع الإسهال. وهو بارد رطب فإن استعمل مشويا كان أصلح لمزاجه فإن النار تصلحه وتعدله وتلطف جوهره وتطيب طعمه ورائحته. والعتيق المالح حار يابس وشيه يصلحه أيضا بتلطيف جوهره وكسر حرافته لما تجذبه النار منه من الأجزاء الحارة اليابسة المناسبة لها والمملح منه يهزل ويولد حصاة الكلى والمثانة وهو رديء للمعدة وخلطه بالملطفات أردأ بسبب تنفيذها له إلى المعدة.  (1) أخرجه البخاري في الأطعمة ومسلم في صفات المنافقين. (2) أخرجه أبو داود في الأطعمة.(1\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "220",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4929",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "حرف الحاء",
        "content": "حرف الحاء أحناء: قد تقدمت الأحاديث وذكر منافعه فأغنى عن إعادته. حبة السوداء: ثبت في الصحيحين : من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عليكم بهذه الحبة السوداء فإن فيها شفاء من كل داء إلا السام . والسام: الموت 1 . الحبة السوداء: هي الشونيز في لغة الفرس وهي الكمون الأسود وتسمى الكمون الهندي قال الحربي عن الحسن: إنها الخردل وحكى الهروي: أنها الحبة الخضراء ثمرة البطم وكلاهما وهم والصواب: أنها الشونيز. وهي كثيرة المنافع جدا وقوله: شفاء من كل داء  مثل قوله تعالى: تدمر كل شيء بأمر ربها 2 أي: كل شيء بقبل التدمير ونظائره وهي نافعة من جميع الأمراض الباردة وتدخل في الأمراض الحارة اليابسة بالعرض فتوصل قوى الأدوية الباردة الرطبة إليها بسرعة تنفيذها إذا أخذ يسيرها. وقد نص صاحب القانون وغيره على الزعفران في قرص الكافور لسرعة تنفيذه وإيصاله قوته وله نظائر يعرفها حذاق الصناعة ولا تستبعد منفعة الحار في أمراض حارة بالخاصية فإنك تجد ذلك في أدوية كثيرة منها: الأنزروت وما يركب معه من أدوية الرمد كالسكر وغيره من المفردات الحارة والرمد ورم حار باتفاق الأطباء وكذلك نفع الكبريت الحار جدا من الجرب. والشونيز حار يابس في الثالثة مذهب للنفخ مخرج لحب القرع نافع من البرص وحمى الربع والبلغمية مفتح للسدد ومحلل للرياح مجفف لبلة المعدة ورطوبتها. وإن دق وعجن بالعسل وشرب بالماء الحار أذاب الحصاة التي تكون  (1) أخرجه البخاري في الطب ومسلم في السلام. (2) الأحقاف- 25.(1\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "221",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4930",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في الكليتين والمثانة ويدر البول والحيض واللبن إذا أديم شربه أياما وإن سخن بالخل وطلي على البطن قتل حب القرع فإن عجن بماء الحنظل الرطب أو المطبوخ كان فعله في إخراج الدود أقوى ويجلو ويقطع ويحلل ويشفي من الزكام البارد إذا دق وصير في خرقة واشتم دائما أذهبه. ودهنه نافع لداء الحية ومن الثآليل والخيلان وإذا شرب منه مثقال بماء نفع من البهر وضيق التنفس والضماد به ينفع من الصداع البارد وإذا نقع منه سبع حبات عددا في لبن امرأة وسعط به صاحب اليرقان نفعه نفعا بليغا. وإذا طبخ بخل وتمضمض به نفع من وجع الأسنان عن برد وإذا استعط به مسحوقا نفع من ابتداء الماء العارض في العين وإن ضمد به مع الخل قلع البثور والجرب المتقرح وحلل الأورام البلغمية المزمنة والأورام الصلبة وينفع من اللقوة إذا تسعط بدهنه وإذا شرب منه مقدار نصف مثقال إلى مثقال نفع من لسع الرتيلاء وإن سحق ناعما وخلط بدهن الحبة الخضراء وقطر منه في الأذن ثلاث قطرات نفع من البرد العارض فيها والريح والسدد. وإن قلي ثم دق ناعما ثم نقع في زيت وقطر في الأنف ثلاث قطرات أو أربع نفع من الزكام العارض معه عطاس كثير. وإذا أحرق وخلط بشمع مذاب بدهن السوسن أو دهن الحناء وطلي به القروح الخارجة من الساقين بعد غسلها بالخل نفعها وأزال القروح. وإذا سحق بخل وطلي به البرص والبهق الأسود والحزاز الغليظ نفعها وأبرأها. وإذا سحق ناعما واستف منه كل يوم درهمين بماء بارد من عضه كلب كلب قبل أن يفرغ من الماء نفعه نفعا بليغا وأمن على نفسه من الهلاك. وإذا استعط بدهنه نفع من الفالج والكزاز وقطع موادهما وإذا دخن به طرد الهوام.(1\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "222",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4931",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا أذيب الأنزروت بماء ولطخ على داخل الحلقة ثم ذر عليها الشونيز كان من الذرورات الجيدة العجيبة النفع من البواسير ومنافعه أضعاف ما ذكرنا والشربة منه درهمان وزعم قوم أن الإكثار منه قاتل. حرير: قد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم أباحه للزبير ولعبد الرحمن بن عوف من حكة كانت بهما وتقدم منافعه ومزاجه فلا حاجة إلى إعادته. حرف: قال أبو حنيفة الدينوري: هذا هو الحب الذي يتداوى به وهو الثفاء الذي جاء فيه الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ونباته يقال له: الحرف وتسميه العامة: الرشاد وقال أبو عبيد: الثفاء: هو الحرف. قلت: والحديث الذي أشار إليه ما رواه أبو عبيد وغيره من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ماذا في الأمرين من الشفاء الصبر والثفاء رواه أبو داود في المراسيل. وقوته في الحرارة واليبوسة في الدرجة الثالثة وهو يسخن ويلين البطن ويخرج الدود وحب القرع ويحلل أورام الطحال ويحرك شهوة الجماع ويجلو الجرب المتقرح والقوباء. وإذ ضمد به مع العسل حلل ورم الطحال وإذا طبخ مع الحناء أخرج الفضول التي في الصدر وشربه ينفع من نهش الهوام ولسعها وإذا دخن به في موضع طرد الهوام عنه ويمسك الشعر المتساقط وإذا لط بسويق الشعير والخل وتضمد به نفع من عرق النساء وحلل الأورام الحارة في آخرها. وإذا تضمد به مع الماء والملح أنضج الدماميل وينفع من الاسترخاء في جميع الأعضاء ويزيد في الباه ويشهي الطعام وينفع الربو وعسر التنفس وغلظ الطحال وينقي الرئة وير الطمث وينفع من عرق النسا ووجع حق الورك مما يخرج من الفضول إذا شرب أو احتقن به ويجلو ما في الصدر والرئة من البلغم اللزج.(1\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "223",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4932",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن شرب منه بعد سحقه وزن خمسة دراهم بالماء الحار أسهل الطبيعة وحلل الرياح ونفع من وجع القولنج البارد السبب وإذا سحق وشرب نفع من البرص. وإن لطخ عليه وعلى البهق الأبيض بالخل نفع منهما وينفع من الصداع الحادث من البرد والبلغم وإن قلي وشرب عقل الطبع لا سيما إذا لم يسحق لتحلل لزوجته بالقلي وإذا غسل بمائه الرأس نقاه من الأوساخ والرطوبات اللزجة. قال جالينوس قوته مثل قوة بزر الخردل ولذلك قد يسخن به أوجاع الورك المعروفة بالنسا وأوجاع الرأس وكل واحد من العلل التي تحتاج إلى التسخين كما يسخن بزر الخردل وقد يخلط أيما في أدوية يسقاها أصحاب الربو من طريق أن الأمر فيه معلوم أنه يقطع الأخلاط الغليظة تقطيعا قويا كما يقطعها بزر الخردل لأنه شبيه به في كل شيء. حلبة: يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عاد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بمكة فقال: ادعوا له طبيبا فدعي الحارث بن كلدة فنظر إليه فقال ليس عليه بأس فاتخذوا له فريقة وهي الحلبة مع تمر عجوة رطب يطبخان فيحساهما ففعل ذلك فبرىء. وقوة الحلبة من الحرارة في الدرجة الثانية ومن اليبوسة في الأولى وإذا طبخت بالماء لينت الحلق والصدر والبطن وتسكن السعال والخشونة والربو وعسر النفس وتزيد في الباه وهي جيدة للريح والبلغم والبواسير محدرة الكيموسات المرتبكة في الأمعاء وتحلل البلغم اللزج من الصدر وتنفع من الدبيلات وأمراض الرئة وتستعمل لهذه الأدواء في الأحشاء مع السمن والفانيذ وإذا شربت مع وزن خمسة دراهم فوة أدرت الحيض وإذا طبخت وغسل بها الشعر جعدته وأذهبت الحزاز ودقيقها إذا خلط بالنطرون والخل وضمد به حلل ورم الطحال وقد(1\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "224",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4933",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تجلس المرأة في الماء الذي طبخت فيه الحلبة فتنتفع به من وجع الرحم العارض من ورم فيه. وإذا ضمد به الأورام الصلبة القليلة الحرارة نفعتها وحللتها وإذا شرب ماؤها نفع من المغص العارض من الرياح وأزلق الأمعاء وإذا أكلت مطبوخة بالتمر أو العسل أو التين على الريق حللت البلغم اللزج العارض في الصدر والمعدة ونفعت من السعال المتطاول منه. وهي نافعة من الحصر مطلقة للبطن وإذا وضعت على الظفر المتشنج أصلحته ودهنها ينفع إذا خلط بالشمع من الشقاق العارض من البرد ومنافعها أضعاف ما ذكرنا. ويذكر عن القاسم بن عبد الرحمن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استشفوا بالحلبة وقال بعض الأطباء: لو علم الناس منافعها لاشتروها بوزنها ذهبا  حرف الخاء خبز: ثبت في الصحيحين  عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يكفؤ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة 1 وروى أبو داود في سننه : من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال كان أحب الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الثريد من الخبز والثريد من الحيس. وروى أبو داود في سننه أيضا من حديث ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وددت أن عندي خبزة بيضاء من برة سمراء ملبقة بسمن ولبن   (1) أخرجه البخاري في الرقاق. ومسلم في صفات المنافقين.(1\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "225",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4934",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقام رجل من القوم فاتخذه فجاء به فقال: في أي شيء كان هذا السمن فقال: في عكة ضب فقال: ارفعه 1 . وذكر البيهقي من حديث عائشة رضي الله عنها ترفعه أكرموا الخبز ومن كرامته ألاينتظر به الإدام 2 . والموقوف أشبه فلا يثبت رفعه ولا رفع ما قبله. وأما حديث النهي عن قطع الخبز بالسكين فباطل لا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما المروي: النهي عن قطع اللحم بالسكين ولا يصح أيضا قال مهنا سألت أحمد عن حديث أبي معشر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تقطعوا اللحم بالسكين فإن ذلك من فعل الأعاجم 3 . فقال ليس بصحيح ولا يعرف هذا وحديث عمرو بن أمية خلاف هذا وحديث المغيرة- يعني بحديث عمرو بن أمية-: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتز من لحم الشاة 4 . وبحديث المغيرة أنه لما أضافه أمر بجنب فشوي ثم أخذ الشفرة فجعل يحز 5 . فصل وأحمد أنواع الخبز أجودها اختمارا وعجنا ثم خبز التنور أجود أصنافه وبعده خبز الفرن ثم خبز الملة في المرتبة الثالثة وأجوده ما اتخذ من الحنطة الحديثة. وأكثر أنواعه تغذية خبز السميذ وهو أبطؤها هضما لقلة نخالته ويتلوه خبز الحواري ثم الخشكار.  (1) أخرجه أبو داود وابن ماجة في الأطعمة. (2) حديث لا يصح. (3) أخرجه أبو داود. (4) أخرجه البخاري في الأطعمة. ومسلم. (5) أخرجه أحمد وأبو داود.(1\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "226",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4935",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأحمد أوقات أكله في آخر اليوم الذي خبز فيه واللين منه أكثر تليينا وغذاء وترطيبا وأسرع انحدارا واليابس بخلافه. ومزاج الخبز من البر حار في وسط الدرجة الثانية وقريب من الاعتدال في الرطوبة واليبوسة واليبس يغلب على ما جففته النار منه والرطوبة على مده. وفي خبز الحنطة خاصية وهو أنه يسمن سريعا وخبز القطائف يولد خلطا غليظا والفتيت نفاخ بطيء الهضم والمعمول باللبن مسدد كثير الغذاء بطيء الانحدار. وخبز الشعير بارد يابس في الأولى وهو أقل غذاء من خبز الحنطة. روى مسلم في صحيحه : عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل أهله الإدام فقالوا ما عندنا إلا خل فدعا به وجعل يأكل ويقول: نعم الإدام الخل نعم الإدام الخل 1 . وفي سنن ابن ماجه عن أم سعد رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: نعم الإدام الخل اللهم بارك في الخل فإنه كان إدام الأنبياء قبلي ولم يفتقر بيت فيه الخل 2 . الخل مركب من الحرارة والبرودة أغلب عليه وهو يابس في الثالثة قوي التجفيف يمنع من انصباب المواد ويلطف الطبيعة وخل الخمر ينفع المعدة الملتهبة ويقمع الصفراء ويدفع ضرر الأدوية القتالة ويحلل اللبن والدم إذا جمدا في الجوف وينفع الطحال ويدبغ المعدة ويعقل البطن ويقطع العطش ويمنع الورم حيث يريد أن يحدث ويعين على الهضم ويضاد البلغم ويلطف الأغذية الغليظة ويرق الدم. وإذا شرب بالملح نفع من أكل الفطر القتال وإذا احتسي قطع العلق  (1) أخرجه مسلم في الأشربة. (2) أخرجه ابن ماجة في الأطعمة.(1\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "227",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4936",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المتعلق بأصل الحنك وإذا تمضمض به مسخنا نفع من وجع الأسنان وقوى اللثة. وهو نافع للداحس إذا طلي به والنملة والأورام الحارة وحرق النار وهو مشه للأكل مطيب للمعدة صالح للشباب وفي الصيف لسكان البلاد الحارةه خلال فيه حديثان لا يثبتان أحدهما: يروى من حديث أبي أيوب الأنصاري يرفعه يا حبذا المتخللون من الطعام إنه ليس شيء أشد على الملك من بقية تبقى في الفم من الطعام  . وفيه واصل بن السائب قال البخاري والرازي: منكر الحديث وقال النسائي والأزدي: متروك الحديث. الثاني يروى من حديث ابن عباس قال عبد الله بن أحمد سألت أبي عن شيخ روى عنه صالح الوحاظي يقال له: محمد بن عبد الملك الأنصاري حدثنا عطاء عن ابن عباس قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخلل بالليط والآس وقال: إنهما يسقيان عروق الجذام فقال أبي رأيت محمد بن عبد الملك- وكان أعمى- يضع الحديث ويكذب. وبعد فالخلال نافع للثة والأسنان حافظ لصحتها نافع من تغير النكهة وأجوده ما اتخذ من عيدان الأخلة وخشب الزيتون والخلاف والتخلل بالقصب والآس والريحان والباذروج مضر  حرف الدال دهن روى الترمذي في كتاب الشمائل من حديث أنس بن مالك رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته ويكثر القناع كأن ثوبه ثفو زيات 2  (1) أخرجه أحمد. (2) أخرجه الترمذي في الشمائل.(1\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "228",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4937",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدهن يسد مسام البدنج ويمنع ما يتحلل منه وإذا استعمل بعد الاغتسال بالماء الحار حسن البدن ورطبه وإن دهن به الشعر حسنه وطوله ونفع من الحصبة ودفع أكثر الآفات عنه. وفي الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: كلوا الزي وادهنوا به 1 . وسيأتي إن شاء الله تعالى. والدهن في البلاد الحارة كالحجاز ونحوه من آكد أسباب حفظ الصحة وإصلاح البدن وهو كالضروري لهم وأما البلاد الباردة فلا يحتاج إليه أهلها والإلحاح به في الرأس فيه خطر بالبصره وأنفع الأدهان البسيطة: الزيت ثم السمن ثم الشيرج وأما المركبة منها بارد رطب كدهن البنفسج ينفع من الصداع الحار وينوم أصحاب السهر ويرطب الدماغ وينفع من الشقاق وغلبة اليبس والجفاف ويطلى به الجرب والحكة اليابسة فينفعها ويسهل حركة المفاصل ويصلح لأصحاب الأمزجة الحارة في زمن الصيف وفيه حديثان باطلان موضوعان على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما: فضل دهن البنفسج على سائر الأدهان كفضلي على سائر الناس . والثاني: فضل دهن البنفسج على سائر الأدهان كفضل الإسلام على سائر الأديان . ومنها: حار رطب كدهن البان وليس دهن زهره بل دهن يستخرج من حب أبيض أغبر نحو الفستق كثير الدهنية والدسم ينفع من صلابة العصب ويلينه وينفع من البرش والنمش والكيلف والبهق ويسهل بلغما غليظا ويلين الأوتار اليابسة ويسخن العصب وقد روي فيه حديث باطل مختلق لا أصل له  ادهنوا بالبان فإنه أحظى لكم عند نسائكم . ومن منافعه أنه يجلو الأسنان ويكسبها بهجة وينقيها من الصدأ ومن مسح به وجهه وأطرافه لم يصبه حصى ولا  (1) أخرجه الترمذي في الأطعمة وأحمد والدارمي وابن ماجه والحاكم.(1\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "229",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4938",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شقاق وإذا دهن به حقوه ومذاكيره وما والاها نفع من برد الكليتين وتقطير البول.  حرف الذال ذريرة: ثبت في الصحيحين : عن عائشة رضي الله عنها قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي بذريرة في حجة الوداع لحله وإحرامه 1 تقدم الكلام في الذريرة ومنافعها وماهيتها فلا حاجة لإعادته. ذباب: تقدم في حديث أبي هريرة المتفق عليه في أمره صلى الله عليه وسلم يغمس الذباب في الطعام إذا سقط فيه لأجل الشفاء الذي في جناحه وهو كالترياق للسم الذي في الجناح الآخر وذكرنا منافع الذباب هناك. ذهب روى أبو داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لعرفجة بن أسعد لما قطع أنفه يوم الكلاب واتخذ أنفا من ورق فأنتن عليه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفا من ذهب 2 . وليس لعرفجة عندهم غير هذا الحديث الواحد الذهب: زينة الدنيا وطلسم الوجود ومفرح النفوس ومقوي الظهور وسر الله في أرضه ومزاجه في سائر الكيفيات وفيه حرارة لطيفة تدخل في سائر المعجونات اللطيفة والمفرحات وهو أعدل المعادن على الإطلاق وأشرفها. ومن خواصه أنه إذا دفن في الأرض لم يضره التراب ولم ينقصه شيئا وبرادته إذا خلطت بالأدوية نفعت من ضعف القلب والرجفان العارض من السوداء وينفع من حديث النفس والحزن والغم والفزع والعشق ويسمن البدن ويقويه ويذهب الصفار ويحسن اللون وينفع من الجذام وجميع الأوجاع والأمراض السوداوية ويدخل بخاصية في أدوية داء الثعلب وداء الحية  (1) أخرجه البخاري في اللباس ومسلم في الحج. (2) أخرجه أبو داود في الخاتم والترمذي وأحمد وصححه ابن حبان.(1\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "230",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4939",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شربا وطلاء ويجلو العين ويقويها وينفع من كثير من أمراضها ويقوي جميع الأعضاء. وإمساكه في الفم يزيل البخر ومن كان به مرض يحتاج إلى الكي وكوي به لم يتنفط موضعه ويبرأ سريعا وإن اتخذ منه ميلا واكتحل به قوى العين وجلاها وإذا اتخذ منه خاتم فصه منه وأحمي وكوي به قوادم أجنحة الحمام ألفت أبراجها ولم تنتقل عنها وله خاصية عجيبة في تقوية النفوس لأجلها أبيح في الحرب والسلاح منه ما أبيح وقد روى الترمذي من حديث مزيدة العصري رضي الله عنه قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة 1 . وهو معشوق النفوس التي متى فرحت به سلاها عن غيره من محبوبات الدنيا قال تعالى: زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير. المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث 2 . وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان لابن آدم واد من ذهب لابتغى إليه ثانيا ولو كان له ثان لابتغى إليه ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب . هذا وإنه أعظم حائل بين الخليقة وبين فوزها الأكبر يوم معادها وأعظم شيء عصي الله به وبه قطعت الأرحام وأريقت الدماء واستحلت المحارم ومنعت الحقوق وتظالم العباد وهو المرغب في الدنيا وعاجلها والمزهد في الآخرة وما أعده الله لأوليائه فيها فكم أميت به من حق وأحيي به من باطل ونصر به ظالم وقهر به مظلوم وما أحسن ما قال فيه الحريري 3 :  (1) أخرجه الترمذي في الجهاد. (2) آل عمران- 14. (3) أخرجه البخاري في الرقاق ومسلم في الزكاة.(1\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "231",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4940",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تبا له من خادع مماذق ... أصفر في وجهين كالمنافق يبدو بوصفين لعين الرامق ... زينة معشوق ولون عاشق وحبه عند ذوي الحقائق ... يدعو إلى ارتكاب سخط الخالق لولاه لم تقطع يمين السارق ... ولا بدت مظلمة من فاسق ولا اشمأز باطل من طارق ... ولا اشتكى الممطول مطل العائق ولا استعيذ من حسود راشق ... وشر ما فيه من الخلائق أن ليس يغني عنك في المضايق ... إلا إذا فر فرار الآبق  حرف الراء رطب: قال الله تعالى لمريم: وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا 1 . وفي الصحيحين عن عبد الله بن جعفر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل القثاء بالرطب 2 . سنن أبي داود عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي فإن لم تكن رطبات فتمرات فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء 3 . طبع الرطب طبع المياه حار رطب يقوي المعدة الباردة ويوافقها ويزيد في الباه ويخصب البدن ويوافق أصحاب الأمزجة الباردة ويغذو غذاء كثيرا. وهو من أعظم الفاكهة موافقة لأهل المدينة وغيرها من البلاد التي هو  (1) مريم- 25. (2) أخرجه البخاري في الأطعمة ومسلم في الأشربة. (3) رواه أبو داود والترمذي وأحمد.(1\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "232",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4941",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاكهتهم فيها وأنفعها للبدن وإن كان من لم يعتده يسرع التعفن في جسده ويتولد عنه دم ليس بمحمود ويحدث في إكثاره منه صداع وسوداء ويؤذي أسنانه وإصلاحه بالسكنجبين ونحوه. وفي فطر النبي صلى الله عليه وسلم من الصوم عليه أو على التمر أو الماء تدبير لطيف جدا فإن الصوم يخلي المعدة من الغذاء فلا تجد الكبد فيها ما تجذبه وترسله إلى القوى والأعضاء والحلو أسرع شيء وصولا إلى الكبد وأحبه إليها ولا سيما إن كان رطبا فيشتد قبولها له فتنتفع به هي والقوى فإن لم يكن فالتمر لحلاوته وتغذيته فإن لم يكن فحسوات الماء تطفىء لهيب المعدة وحرارة الصوم فتتنبه بعده للطعام وتأخذه بشهوة. ريحان: قال تعالى: فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم 1 وقال تعالى: والحب ذو العصف والريحان 2 . وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم:: من عرض عليه ريحان فلا يرده فإنه خفيف المحمل طيب الرائحة . وفي سنن ابن ماجه : من حديث أسامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ألا مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد ونهر مطرد وثمرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة في مقام أبدا في حبرة ونضرة في دور عالية سليمة بهية قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها قال: قولوا: إن شاء الله تعالى  فقال القوم: إن شاء الله. الريحان كل نبت طيب الريح فكل أهل بلد يخصونه بشيء من ذلك فأهل الغرب يخصونه بالآس وهو الذي يعرفه العرب من الريحان وأهل العراق والشام يخصونه بالحبق.  (1) - الواقعة- 88. (2) الرحمن- 12.(1\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "233",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4942",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأما الآس فمزاجه بارد في الأولى يابس في الثانية وهو مع ذلك مركب من قوى متضادة والأكثر فيه الجوهر الأرضي البارد وفيه شيء حار لطيف وهو يجفف تجفيفا قويا وأجزاؤه متقاربة القوة وهي قوة قابضة حابسة من داخل وخارج معا. وهو قاطع للإسهال الصفراوي دافع للبخار الحار الرطب إذا شم مفرح للقلب تفريحا شديدا وشمه مانع للوباء وكذلك افتراشه في البيت. ويبرىء الأورام الحادثة في الحالبين إذا وضع عليها وإذا دق ورقه وهو غض وضرب بالخل ووضع على الرأس قطع الرعاف وإذا سحق ورقه اليابس وذر على القروح ذوات الرطوبة نفعها ويقوي الأعضاء الواهية إذا ضمد به وينفع داء الداحس وإذا ذر على البثور والقروح التي في اليدين والرجلين نفعها. وإذا دلك به البدن قطع العرق ونشف الرطوبات الفضيلة وأذهب نتن الإبط وإذا جلس في طبيخه نفع من خراريج المقعدة والرحم ومن استرخاء المفاصل وإذا صب على كسور العظام التي لم تلتحم نفعها. ويجلو قشور الرأس وقروحه الرطبة وبثوره ويمسك الشعر المتساقط ويسوده وإذا دق ورقه وصب عليه ماء يسير وخلط به شيء من زيت أو دهن الورد وضمد به وافق القروح الرطبة والنملة والحمرة والأورام الحادة والشرى والبواسير. وحبه نافع من نفث الدم العارض في الصدر والرئة دابغ للمعدة وليس بضار للصدر ولا الرئة لجلاوته وخاصيته النفع من استطلاق البطن مع السعال وذلك نادر في الأدوية وهو مدر للبول نافع من لذع المثانة وعض الرتيلاء ولسع العقارب والتخلل بعرقه مضر فليحذر. وأما الريحان الفارسي الذي يسمى الحبق فحار في أحد القولين ينفع شمه من الصداع الحار إذا رش عليه الماء ويبرد ويرطب بالعرض وبارد في الآخر وهل هو رطب أو يابس على قولين. والصحيح: أن فيه من الطبائع الأربع(1\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "234",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4943",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويجلب النوم وبزره حابس للإسهال الصفراوي ومسكن للمغص مقو للقلب نافع للأمراض السوداوية. رمان: قال تعالى فيهما فاكهة ونخل ورمان [1] . ويذكر عن ابن عباس موقوفا ومرفوعا: ما من رمان من رمانكم هذا إلا وهو ملقح بحبة من رمان الجنة والموقوف أشبه. وذكر حرب وغيره عن علي أنه قال: كلوا الرمان بشحمه فإنه دباغ المعدة . حلو الرمان حار رطب جيد للمعدة مقو لها بما فيه من قبض لطيف نافع للحلق والصدر والرئة جيد للسعال وماؤه ملين للبطن يغذي البدن غذاء فاضلا يسيرا سريع التحلل لرقته ولطافته ويولد حرارة يسيرة في المعدة وريحا ولذلك يعين على الباه ولا يصلح للمحمومين وله خاصية عجيبة إذا أكل بالخبز يمنعه من الفساد في المعدة. وحامضه بارد يابس قابض لطيف ينفع المعدة الملتهبة ويدر البول أكثر من غيره من الرمان ويسكن الصفراء ويقطع الإسهال ويمنع القيء ويلطف الفضول. ويطفىء حرارة الكبد ويقوي الأعضاء نافع من الخفقان الصفراوي والآلام العارضة للقلب وفم المعدة ويقوي المعدة ويدفع الفضول عنها ويطفىء المرة الصفراء والدم. وإذا استخرج ماؤه بشحمه وطبخ بيسير من العسل حتى يصير كالمرهم واكتحل به قطع الصفرة من العين ونقاها من الرطوبات الغليظة وإذا لطخ على اللثة نفع من الأكلة العارضة لها وإن استخرج ماؤهما بشحمهما أطلق البطن وأحدر الرطوبات العفنة المرية ونفع من حميات الغب المتطاولة(1\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "235",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4944",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الرمان المز فمتوسط طبعا وفعلا بين النوعين وهذا أميل إلى لطافة الحامض قليلا وحب الرمان مع العسل طلاء للداحس والقروح الخبيثة وأقماعه للجراحات قالوا ومن ابتلع ثلاثة من جنبذ 1 الرمان في كل سنة أمن من الرمد سنته كلها.  حرف الزاي زيت: قال تعالى: يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار 1 . وفي الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة 1 . وللبيهقي وابن ماجه أيضا: عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة 2 . الزيت حار رطب في الأولى وغلط من قال: يابس والزيت بحسب زيتونه فالمعتصر من النضيج أعدله وأجوده ومن الفج فيه برودة ويبوسة ومن الزيتون الأحمر متوسط بين الزيتين ومن الأسود يسخن ويرطب باعتدال وينفع من السموم ويطلق البطن ويخرج الدود والعتيق منه أشد تسخينا وتحليلا وما استخرج منه بالماء فهو أقل حرارة وألطف وأبلغ في النفع وجميع أصنافه ملينة للبشرة وتبطىء الشيب. وماء الزيتون المالح يمنع من تنقط حرق النار ويشد اللثة وورقه ينفع من  (1) النحل- 8. (2) أخرجه مالك وأحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي.(1\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "236",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4945",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحمرة والنملة والقروح الوسخة والشرى ويمنع العرق ومنافعه أضعاف ما ذكرنا. زبد: روى أبو داود في سننه  عن ابني بسر السلميين رضي الله عنهما قالا: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدمنا له زبدا وتمرا وكان يحب الزبد والتمر 1 . الزبد حار رطب فيه منافع كثيرة منها الإنضاج والتحليل ويبرىء الأورام التي تكون إلى جانب الأذنين والحالبين وأورام الفم وسائر الأورام التي تعرض في أبدان النساء والصبيان إذا استعمل وحده وإذا لعق منه نفع من نفث الدم الذي يكون من الرئة وأنضج الأورام العارضة فيها. وهو ملين للطبيعة والعصب والأورام الصلبة العارضة من المرة السوداء والبلغم نافع من اليبس العارض في البدن وإذا طلي به على منابت أسنان الطفل كان معينا على نباتها وطلوعها وهو نافع من السعال العارض من البرد واليبس ويذهب القوباء والخشونة التي في البدن ويلين الطبيعة ولكنه يضعف شهوة الطعام ويذهب بوخامته الحلو كالعسل والتمر وفي جمعه صلى الله عليه وسلم بين التمر وبينه من الحكمة إصلاح كل منهما بالآخر. زبيب: روي فيه حديثان لا يصحان. أحدهما: نعم الطعام الزبيب يطيب النكهة ويذيب البلغم . والثاني: نعم الطعام الزبيب يذهب النصب ويشد العصب ويطفىء الغضب ويصفي اللون ويطيب النكهة . وهذا أيضا لا يصح فيه شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعد: فأجود الزبيب ما كبر جمسه وسمن شحمه ولحمه ورق قشره ونزع عجمه وصغر حبه. وجرم الزبيب حار رطب في الأولى وحبه بارد يابس وهو كالعنب المتخذ  (1) أخرجه أبو داود وابن ماجه.(1\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "237",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4946",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منه: الحلو منه حار والحامض قابض بارد والأبيض أشد قبضا من غيره وإذا أكل لحمه وافق قصبة الرئة ونفع من السعال ووجع الكلى والمثانة ويقوي المعدة ويلين البطن. والحلو اللحم أكثر غذاء من العنب وأقل غذاء من التين اليابس وله قوة منضجة هاضمة قابضة محللة باعتدال وهو بالجملة يقوي المعدة والكبد والطحال نافع من وجع الحلق والصدر والرئة والكلى والمثانة وأعدله أن يؤكل بغير عجمه. وهو يغذي غذاء صالحا ولا يسدد كما يفعل التمر وإذا أكل منه بعجمه كان أكثر نفعا للمعدة والكبد والطحال وإذا لصق لحمه على الأظافير المتحركة أسرع قلعها والحلو منه وما لا عجم له نافع لأصحاب الرطوبات والبلغم وهو يخصب الكبد وينفعها بخاصيته. وفيه نفع للحفظ: قال الزهري: من أحب أن يحفظ الحديث فليأكل الزبيب. وكان المنصور يذكر عن جده عبد الله بن عباس: عجمه داء ولحمه دواء. زنجبيل: قال تعالى: ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا [1] وذكر أبو نعيم في كتاب الطب النبوي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أهدى ملك الروم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جرة زنجبيل فأطعم كل إنسان قطعة وأطعمني قطعة. الزنجبيل حار في الثانية رطب في الأولى مسخن معين على هضم الطعام ملين للبطن تليينا معتدلا نافع من سدد الكبد العارضة عن البرد والرطوبة ومن ظلمة البصر الحادثة عن الرطوبة أكلا واكتحالا معين على الجماع وهو محلل للرياح الغليظة الحادثة في الأمعاء والمعدة. وبالجملة فهو صالح لحكبد والمعدة الباردتي المزاج وإذا أخذ منه مع السكر وزن درهمين بالماء الحار أسهل فضولا لزجة لعابية ويقع المعجونات التي تحلل البلغم وتذيبه.(1\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "238",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4947",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمزي منه حار يابس يهيج الجماع ويزيد في المني ويسخن المعدة والكبد ويعين على الاستمراء وينشف البلغم الغالب على البدن ويزيد في الحفظ ويوافق برد الكبد والمعدة ويزيل بلتها الحادثة عن أكل الفاكهة ويطيب النكهة ويدفع به ضرر الأطعمة الغليظة الباردة.  حرف السين سنا: قد تقدم وتقدم سنوت أيضا وفيه سبعة أقوال: أحدها: أنه العسل. الثاني: أنه رب عكة السمن يخرج خططا سوداء على السمن. الثالث: أنه حب يشبه الكمون وليس بكمون. الرابع: الكمون الكرماني. الخامس: أنه الشبت السادس: أنه التمر. السابع: أنه الرازيانج. سفرجل: روى ابن ماجه في سننه : من حديث إسماعيل بن محمد الطلحي عن نقيب بن حاجب عن أبي سعيد عن عبد الملك الزبيري عن طلحة بن عبيد الله رضي لله عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وبيده سفرجلة فقال: دونكها يا طلحة فإنها تجم الفؤاد 1 . ورواه النسائي من طريق آخر وقال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في جماعة من أصحابه وبيده سفرجلة يقلبها فلما جلست إليه دحا بها إلي ثم قال: دونكها أباذر فإنها تشد القلب وتطيب النفس وتذهب بطخاء الصدر . وقد روي في السفرجل أحاديث أخر هذا أمثلها ولا تصح. والسفرجل بارد يابس ويختلف في ذلك باختلاف طعمه وكله بارد قابض جيد للمعدة والحلو منه أقل برودة ويبسا وأميل إلى الاعتدال والحامض أشد قبضا ويبسا وبرودة وكله يسكن العطش والقيء ويدر البول ويعقل الطبع  (1) أخرجه ابن ماجه في الأطعمة. قال أبو حاتم: حديث منكر.(1\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "239",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4948",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وينفع من قرحة الأمعاء ونفث الدم والهيضة وينفع من الغثيان ويمنع من تصاعد الأبخرة إذا استعمل بعد الطعام وحراقة أغصانه وورقه المغسولة كالتوتياء في فعلها. وهو قبل الطعام يقبض وبعده يلين الطبع ويسرع بانحدار الثفل والإكثار منه مضر بالعصب مولد للقولنج ويطفىء المرة الصفراء المتولدة في المعدة. وإن شوي كان أقل لخشونته وأخف وإذا قور وسطه ونزع حبه وجعل فيه العسل وطين جرمه بالعجين وأودع الرماد الحار نفع نفعا حسنا. وأجود ما أكل مشويا أو مطبوخا بالعسل وحبه ينفع من خشونة الحلق وقصبة الرئة وكثير من الأمراض ودهنه يمنع العرق ويقوي المعدة والمربى منه يقوي المعدة والكبد ويشد القلب ويطيب النفس. ومعنى تجم الفؤاد: تريحه. وقيل: تفتحه وتوسعه من جمام الماء وهو اتساعه وكثرته والطخاء للقلب مثل الغيم على السماء. قال أبو عبيد: الطخاء ثقل وغشي تقول: ما في السماء طخاء أي: سحاب وظلمة.. سواك: في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة 1 . وفيهما: أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك 2 . وفي صحيح البخاري تعليقا عنه صلى الله عليه وسلم: السواك مطهرة للفم مرضاة للرب . 3  (1) أخرجه البخاري في الجمعة ومسلم في الطهارة. (2) أخرجه البخاري ومسلم. (3) أخرجه البخاري تعليقا في الصوم وأحمد والنسائي والدارمي.(1\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "240",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4949",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي صحيح مسلم : أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك 1 . والأحاديث فيه كثيرة وصح عنه من حديث أنه استاك عند موته بسواك عبد الرحمن بن أبي بكر 2  وصح عنه أنه قال: أكثر تعليكم في السواك 3 . وأصلح ما اتخذ السواك من خشب الأراك ونحوه ولا ينبغي أن يؤخذ من شجرة مجهولة فربما كانت سما وينبغي القصد في استعماله فإن بالغ فيه فربما أذهب طلاوة الأسنان وصقالتها وهيأها لقبول الأبخرة المتصاعدة من المعدة والأوساخ ومتى استعمل باعتدال جلا الأسنان وقوى العمود وأطلق اللسان ومنع الحفر وطيب النكهة ونقى الدماغ وشهى الطعام. وأجود ما استعمل مبلولا بماء الورد ومن أنفعه أصول الجوز. قال صاحب التيسير : زعموا أنه إذا استاك به المستاك كل خامس من الأيام نقى الرأس وصفى الحواس وأحد الذهن. وفي السواك عدة منافع: يطيب الفم ويشد اللثة ويقطع البلغم ويجلو البصر ويذهب بالحفر ويصح المعدة ويصفي الصوت ويعين على هضم الطعام ويسهل مجاري الكلام وينشط للقراءة والذكر والصلاة ويطرد النوم ويرضي الرب ويعجب الملائكة ويكثر الحسنات. ويستحب كل وقت ويتأكد عند الصلاة والوضوء والانتباه من النوم وتغيير رائحة الفم ويستحب للمفطر والصائم في كل وقت لعموم الأحاديث فيه ولحاجة الصائم إليه ولأنه مرضاة للرب ومرضاته مطلوبة في الصوم أشد من طلبها في الفطر ولأنه مطهرة للفم والطهور للصائم من أفضل أعماله.  (1) أخرجه مسلم. (2) أخرجه البخاري. (3) أخرجه البخاري في الجمعة.(1\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "241",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4950",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي السنن : عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يستاك وهو صائم 1 وقال البخاري: قال ابن عمر: يستاك أول النهار وآخره. وأجمع الناس على أن الصائم يتمضمض وجوبا واستحبابا والمضمضمة أبلغ من السواك وليس لله غرض في التقرب إليه بالرائحة الكريهة ولا هي من جنس ما شرع التعبد به وإنما ذكر طيب الخلوف عند الله يوم القيامة حثا منه على الصوم. لاحثا على إبقاء الرائحة بل الصائم أحوج إلى السواك من المفطر. وأيضا فإن رضوان الله أكبر من استطابته لخلوف فم الصائم. وأيضا فإن محبته للسواك أعظم من محبته لبقاء خلوف فم الصائم. وأيضا فإن السواك لا يمنع طيب الخلوف الذي يزيله السواك عند الله يوم القيامة بل يأتي الصائم يوم القيامة وخلوف فمه أطيب من المسك علامة على صيامه ولو أزاله بالسواك كما أن الجريح يأتي يوم القيامة ولون دم جرحه لون الدم وريحه ريح المسك وهو مأمور بإزالته في الدنيا. وأيضا فإن الخلوف لا يزول بالسواك فإن سببه قائم وهو خلو المعدة عن الطعام وإنما يزول أثره وهو المنعقد على الأسنان واللثة. وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم علم أمته ما يستحب لهم في الصيام وما يكره لهم ولم يجعل السواك من القسم المكروه وهو يعلم أنهم يفعلونه وقد حضهم عليه بأبلغ ألفاظ العموم والشمول وهم يشاهدونه يستاك وهو صائم مرارا كثيرة تفوت الإحصاء ويعلم أنهم يقتدون به ولم يقل لهم يوما من الدهر: لا تستاكوا بعد الزوال وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع والله أعلم. سمن: روى محمد جرير الطبري بإسناده من حديث صهيب يرفعه:  (1) أخرجه أبو داود في الصوم وأحمد.(1\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "242",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4951",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليكم بألبان البقر فإنه شفاء وسمنها دواء ولحومها داء رواه عن أحمد بن الحسن الترمذي حدثنا محمد بن موسى النسائي حدثنا دفاع بن دغفل السدوسي عن عبد الحميد بن صيفي بن صهيب عن أبيه عن جده ولا يثبت ما في هذا الإسناد 1 والسمن حار رطب في الأولى وفيه جلاء يسير ولطافة وتفشية الأورام الحادثة من الأبدان الناعمة وهو أقوى من الزبد في الإنضلاج والتليين وذكر جالينوس: أنه أبرأ به الأورام الحادثة في الأذن وفي الأرنبة وإذا دلك به موضع الأسنان نبتت سريعا وإذا خلط مع عسل ولوز مر جلا ما في الصدور والرئة والكيموسات الغليظة اللزجة إلا أنه ضار بالمعدة سيما إذا كان مزاج صاحبها بلغميا. وأما سمن البقر والمعز فإنه إذا شرب مع العسل نفع من شرب السم القاتل ومن لدغ الحيات والعقارب وفي كتاب ابن السني: عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لم يستشف الناس بشيء أفضل من السمن. سمك: روى الإمام أحمد بن حنبل وابن ماجه في سننه : من حديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد والكبد والطحال 2 . أصناف السمك كثيرة وأجوده ما لذ طعمه وطاب ريحه وتوسط مقداره وكان رقيق القشر ولم يكن صلب اللحم ولا يابسه وكان في ماء عذب جار على الحصباء ويغتذي بالنبات لا الأقذار وأصلح أماكنه ما كان في نهر جيد الماء وكان يأوي إلى الأماكن الصخرية ثم الرملية والمياه الجارية العذبة التي لا قذر فيها ولا حمأة الكثيرة الاضطراب والتموج المكشوفة للشمس والرياح.  (1) وأخرجه الحاكم. (2) أخرجه أحمد وابن ماجه والدارقطني.(1\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "243",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4952",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والسمك البحري فاضل محمود لطيف والطري منه بارد رطب عسر الانهضام يولد بلغما كثيرا إلا البحري وما جرى مجراه فإنه يولد خلطا محمودا وهو يخصب البدن ويزيد في المني ويصلح الأمزجة الحارة. وأما المالح فأجوده ما كان قريب العهد بالتملح وهو حار يابس وكلما تقادم عهده ازداد حره ويبسه والسلور منه كثير اللزوجة ويسمى الجري واليهود لا تأكله. وإذا أكل طريا كان ملينا للبطن وإذا ملح وعتق وأكل صفى قصبة الرئة وجود الصوت وإذا دق ووضع من خارج أخرج السلى والفضول من عمق البدن من طريق أن له قوة جاذبة. وماء ملح الجري المالح إذا جلس فيه من كانت به قرحة الأمعاء في ابتداء العلة وافقه بجذبه المواد إلى ظاهر البدن وإذا احتقن به أبرأ من عرق النسا. وأجود ما في السمك ما قرب من مؤخرها والطري السمين منه يخصب البدن لحمه وودكه. وفي الصحيحين : من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: بعثنا النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثمائة راكب وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح فأتينا الساحل فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط فألقى لنا البحر حوتا يقال لها: عنبر فأكلنا منه نصف شهر وائتدمنا بودكه حتى ثابت أجسامنا فأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه وحمل رجلا على بعيره ونصبه فمر تحته 1 . سلق: روى الترمذي وأبو داود عن أم المنذر قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي رضي الله عنه ولنا دوال معلقة قالت: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل وعلي معه يأكل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه يا علي فإنك ناقه  قالت: فجعلت لهم سلقا وشعيرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا علي فأصب من هذا فإنه أوفق لك . قال الترمذي: حديث حسن غريب.  (1) أخرجه البخاري ومسلم في الصيد والذبائح.(1\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "244",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4953",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السلق حار يابس في الأولى وقيل: رطب فيها وقيل: مركب منهما وفيه برودة ملطفة وتحليل. وتفتيح وفي الأسود منه قبض ونفع من داء الثعلب والكلف والحزاز والثآليل إذا طلي بمائه ويقتل القمل ويطلى به القوباء مع العسل ويفتح سدد الكبد والطحال وأسوده يعقل البطن ولا سيما مع العدس وهما رديئان والأبيض: يلين مع العدس ويحقن بمائه للإسهال وينفع من القولنج مع المري والتوابل وهو قليل الغذاء رديء الكيموس يحرق الدم ويصلحه الخل والخردل والإكثار منه يولد القبض والنفخ.  حرف الشين شونيز: هو الحبة السوداء وقد تقدم في حرف الحاء. شبرم: روى الترمذي وابن ماجه في سننهما : من حديث أسماء بنت عميس قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بماذا كنت تستمشين قالت: بالشبرم. قال: حار جار 1 . الشبرم شجر صغير وكبير كقامة الرجل وأرجح له قضبان حمر ملمعة ببياض وفي رؤوس قضبانه جمة من ورق وله نور صغار أصفر إلى البياض يسقط ويخلفه مراود صغار فيها حب صغير مثل البطم في قدره أحمر اللون ولها عروق عليها قشور حمر والمستعمل منه قشر عروقه ولبن قضبانه. وهو حار يابس في الدرجة الرابعة ويسهل السوداء والكيموسات الغليظة والماء الأصفر والبلغم مكرب مغث والإكثار منه يقتل وينبغي إذا استعمل أن ينقع في اللبن الحليب يوما وليلة ويغير عليه اللبن في اليوم مرتين أو ثلاثا ويخرج ويجفف في الظل ويخلط معه الورود والكثيراء ويشرب بماء العسل أو عصير العنب والشربة منه ما بين أربع دوانق إلى دانقين على حسب  (1) أخرجه الترمذي في الطب وابن ماجة.(1\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "245",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4954",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القوة قال حنين: أما لبن الشبرم فلا خير فيه ولا أرى شربه البتة فقد قتل به أطباء الطرقات كثيرا من الناس. شعير: روى ابن ماجه: من حديث عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ أحدا من أهله الوعك أمر بالحساء من الشعير فصنع ثم أمرهم فحسوا منه ثم يقول: إنه ليرتو فؤاد الحزين ويسرو فؤاد السقيم كما تسرو إحداكن الوسخ بالماء عن وجهها 1 . ومعنى يرتوه: يشده ويقويه ويسرو: يكشف ويزيل. وقد تقدم أن هذا هو ماء الشعير المغلي وهو أكثر غذاء من سويقه وهو نافع للسعال وخشونة الحلق صالح لقمع حدة الفضول مدر للبول جلاء لما في المعدة قاطع للعطش مطفىء للحرارة وفيه قوة يجلو بها ويلطف ويحلل. وصفته: أن يؤخذ من الشعير الجيد المرضوض مقدار ومن الماء الصافي العذب خمسة أمثاله ويلقى في قدر نظيف ويطبخ بنار معتدلة إلى أن يبقى منه خمساه ويصفى ويستعمل منه مقدار الحاجة محلا. شواء: قال الله تعالى في ضيافة خليله إبراهيم عليه السلام لأضيافه: فما لبث أن جاء بعجل حنيذ 2 والحنيذ: المشوي على الرضف وهي الحجارة المحماة. وفي الترمذي: عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قربت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جنبا مشويا فأكل منه ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ. قال الترمذي: حديث صحيح 3 .  (1) أخرجه ابن ماجة والترمذي في الطب وأحمد. (2) سورة هود: 69. (3) أخرجه الترمذي في الأطعمة وأحمد.(1\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "246",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4955",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيه أيضا: عن عبد الله بن الحارث قال: أكلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم شواء في المسجد 1 . وفيه أيضا: عن المغيرة بن شعبة قال: ضفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فأمر بجنب فشوي ثم أخذ الشفرة فجعل يحز لي بها منه قال: فجاء بلال يؤذن للصلاة فألقى الشفرة فقال: ما له تربت يداه  . أنفع الشواء شواء الضأن الحولي ثم العجل اللطيف السمين وهو حار رطب إلى اليبوسة كثير التوليد للسوداء وهو من أغذية الأقوياء والأصحاء والمرتاضين والمطبوخ أنفع وأخف على المعدة وأرطب منه ومن المطجن. وأردؤه المشوي في الشمس والمشوي على الجمر خير من المشوي باللهب وهو الحنيذ. شحم: ثبت في المسند : عن أنس أن يهوديا أضاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم له خبز شعير وإهالة سنخة 3  والإهالة: الشحم المذاب والألية. والسنخة: المتغيرة. وثبت في الصحيح : عن عبد الله بن مغفل قال: قال: دلي جراب من شحم يوم خيبر فالتزمته وقلت: والله لا أعطي أحدا منه شيئا فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك ولم يقل شيئا 4 . أجود الشحم ما كان من حيوان مكتمل وهو حار رطب وهو أقل رطوبة من السمن ولهذا لو أذيب الشحم والسمن كان الشحم أسرع جمودا وهو ينفع من خشونة الحلق ويرخي ويعفن ويدفع ضرره بالليمون المملوح  (1) أخرجه أحمد. (2) أخرجه أحمد وأبو داود. (3) أخرجه أحمد وأخرجه البخاري والترمذي. (4) أخرجه البخاري ومسلم في الجهاد.(1\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "247",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4956",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والزنجبيل وشحم المعز أقبض الشحوم وشحم التيوس أشد تحليلا وينفع من قروح الأمعاء وشحم العنز أقوى في ذلك ويحتقن به للسحج والزحير.  حرف الصاد صلاة: قال الله تعالى: واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين 1  وقال: يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين 2 . وقال تعالى: وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى 3 . وفي السنن : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة 4 . وقد تقدم ذكر الاستشفاء بالصلاة من عامة الأوجاع قبل استحكامها. والصلاة مجلبة للرزق حافظة للصحة دافعة للأذى مطردة للأدواء مقوية للقلب مبيضة للوجه مفرحة للنفس مذهبة للكسل منشطة للجوارح ممدة للقوى شارحة للصدر مغذية للروح منورة للقلب حافظة للنعمة دافعة للنقمة جالبة للبركة مبعدة من الشيطان مقربة من الرحمن. وبالجملة: فلها تأثير عجيب في حفظ صحة البدن والقلب وقواهما ودفع المواد الرديئة عنهما وما ابتلي رجلان بعاهة أو داء أو محنة أو بلية إلا كان حظ المصلي منهما أقل وعاقبته أسلم. وللصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا ولا سيما إذا أعطيت حقها من التكميل ظاهرا وباطنا فما استدفعت شرور الدنيا والآخرة ولا استجلبت  (1) البقرة- 45. (2) البقرة- 153. (3) طه- 132. (4) حديث صحيح.(1\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "248",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4957",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مصالحهما بمثل الصلاة وسر ذلك أن الصلاة صلة بالله عز وجل وعلى قدر صلة العبد بربه عز وجل تفتح عليه من الخيرات أبوابها وتقطع عنه من الشرور أسبابها وتفيض عليه مواد التوفيق من ربه عز وجل والعافية والصحة والغنيمة والغنى والراحة والنعيم والأفراح والمسرات كلها محضرة لديه ومسارعة إليه. صبر: الصبر نصف الإيمان 1  فإنه ماهية مركبة من صبر وشكر كما قال بعض السلف: الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر قال تعالى: إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور 2 . والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد وهو ثلاثة أنواع: صبر على فرائض الله فلا يضيعها وصبر عن محارمه فلا يرتكبها وصبر على أقضيته وأقداره فلا يتسخطها ومن استكمل هذه المراتب الثلاث استكمل الصبر ولذة الدنيا والآخرة ونعيمها والفوز والظفر فيهما لا يصل إليه أحد إلا على جسر الصبر كما لا يصل أحد إلى الجنة إلا على الصراط قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: خير عيش أدركناه بالصبر وإذا تأملت مراتب الكمال المكتسب في العالم رأيتها كلها منوطة بالصبر وإذا تأملت النقصان الذي يذم صاحبه عليه ويدخل تحت قدرته رأيته كله من عدم الصبر فالشجاعة والعفة والجود والإيثار كله صبر ساعة. فالصبر طلسم على كنز العلى ... من حل ذا الطلسم فاز بكنزه وأكثر أسقام البدن والقلب إنما تنشأ عن عدم الصبر فما حفظت صحة القلوب والأبدان والأرواح بمثل الصبر فهو الفاروق الأكبر والترياق الأعظم ولو لم يكن فيه إلا معية الله مع أهله فإن الله مع الصابرين ومحبته لهم فإن الله  (1) أخرجه أبو نعيم في الحلية والخطيب في تاريخه والبيهقي في شعب الإيمان. (2) ابراهيم- 50.(1\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "249",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4958",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يحب الصابرين ونصره لأهله فإن النصرع الصبر وإنه خير لأهله ولئن صبرتم لهو خير للصابرين 1 . وإنه سبب الفلاح: يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون 2 . صبر: روى أبو داود في كتاب المراسيل من حديث قيس بن رافع القيسي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ماذا في الأمرين من الشفاء الصبر والثفاء 3 . وفي السنن لأبي داود: من حديث أم سلمة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت علي صبرا فقال: ماذا يا أم سلمة فقلت: إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب قال: إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل ونهى عنه بالنهار 4 . الصبر كثير المنافع لا سيما الهندي منه ينقي الفضول الصفراوية التي في الدماغ وأعصاب البصر وإذا طلي على الجبهة والصدغ بدهن الورد نفع من الصداع وينفع من قروح الأنف والفم ويسهل السوداء والماليخوليا. والصبر الفارسي يذكي العقل ويمد الفؤاد وينقي الفضول الصفراوية والبلغميه من المعدة إذا شرب منه ملعقتان بماء ويرد الشهوة الباطلة والفاسدة وإذا شرب في البرد خيف أن يسهل دما. صوم: الصوم جنة من أدواء الروح والقلب والبدن منافعه تفوت الإحصاء وله تأثير عجيب في حفظ الصحة وإذابة الفضلات وحبس النفس عن تناول مؤذياتها ولا سيما إذا كان باعتدال وقصد في أفضل أوقاته شرعا وحاجة البدن إليه طبعا.  (1) النحل- 126. (2) آل عمران- 200. (3) رواه أبو داود في المراسيل. (4) أخرجه أبو داود والنسائي في الطلاق.(1\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "250",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4959",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم إن فيه من إراحة القوى والأعضاء ما يحفظ عليها قواها وفيه خاصية تقتضي إيثاره وهي تفريحه للقلب عاجلا وآجلا وهو أنفع شيء لأصحاب الأمزجة الباردة والرطبة وله تأثير عظيم في حفظ صحتهم. وهو يدخل في الأدوية الروحانية والطبيعية وإذا رعى الصائم فيه ما ينبغي مراعاته طبعا وشرعا عظم انتفاع قلبه وبدنه به وحبس عنه المواد الغريبة الفاسدة التي هو مستعد لها وأزال المواد الرديئة الحاصلة بحسب كماله ونقصانه ويحفظ الصائم مما ينبغي أن يتحفظ منه ويعينه على قيامه بمقصود الصوم وسره وعلته الغائية فإن القصد منه أمر آخر وراء ترك الطعام والشراب وباعتبار ذلك الأمر اختص من بين الأعمال بأنه لله سبحانه ولما كان وقاية وجنة بين العبد وبين ما يؤذي قلبه وبدنه عاجلا وآجلا قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون [البقرة: 183]  فأحد مقصودي الصيام الجنة والوقاية وهي حمية عظيمة النفع والمقصود الآخر: اجتماع القلب والهم على الله تعالى وتوفير قوى النفس على محبته وطاعته وقد تقدم الكلام في بعض أسرار الصوم عند ذكر هديه صلى الله عليه وسلم فيه.  حرف الضاد ضب: ثبت في الصحيحين : من حديث ابن عباس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنه لما قدم إليه وامتنع من أكله: أحرام هو فقال: لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه. وأكل بين يديه وعلى مائدته وهو ينظر . وفي الصحيحين : من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا أحله ولا أحرمه [1] .(1\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "251",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4960",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو حار يابس يقوي شهوة الجماع وإذا دق ووضع على موضع الشوكة اجتذبها. ضفدع: قال الإمام أحمد: الضفدع لا يحل في الدواء نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلها يريد الحديث الذي رواه في مسنده من حديث عثمان بن عبد الرحمن رضي الله عنه أن طبيبا ذكر ضفدعا في دواء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاه عن قتلها قال صاحب القانون: من أكل من دم الضفدع أو جرمه ورم بدنه وكمد لونه وقذف المني حتى يموت ولذلك ترك الأطباء استعماله خوفا من ضرره وهي نوعان: مائية وترابية والترابية يقتل أكلها.  حرف الطاء طيب: ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: حبب إلي من دنياكم: النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة . وكان صلى الله عليه وسلم يكثر التطيب وتشتد عليه الرائحة الكريهة وتشق عليه والطيب غذاء الروح التي هي مطية القوى تتضاعف وتزيد بالطيب كما تزيد بالغذاء والشراب والدعة والسرور ومعاشرة الأحبة وحدوث الأمور المحبوبة وغيبة من تسر غيبته ويثقل على الروح مشاهدته كالثقلاء والبغضاء فإن معاشرتهم توهن القوى وتجلب الهم والغم وهي للروح بمنزلة الحمى للبدن وبمنزلة الرائحة الكريهة ولهذا كان مما حبب الله سبحانه الصحابة بنهيهم عن التخلق بهذا الخلق في معاشرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لتأذيه بذلك فقال إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق 1 .  (1) الأحزاب- 53.(1\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "252",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4961",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمقصود أن الطيب كان من أحب الأشياء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وله تأثير في حفظ الصحة ودفع كثير من الآلام وأسبابها بسبب قوة الطبيعة به. طين: ورد في أحاديث موضوعة لا يصح منها شيء مثل حديث من أكل الطين فقد أعان على قتل نفسه ومثل حديث: يا حميراء لا تأكلي الطين فإنه يعصم البطن ويصفر اللون ويذهب بهاء الوجه . وكل حديث في الطين فإنه لا يصح ولا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه رديء مؤذ يسد مجاري العروق وهو بارد يابس قوي التجفيف ويمنع استطلاق البطن ويوجب نفث الدم وقروح الفم. طلح: قال تعالى: وطلح منضود 1  قال أكثر المفسرين: هو الموز. والمنضود: هو الذي قد نضد بعضه على بعض كالمشط. وقيل: الطلح: الشجر ذو الشوك نضد مكان كل شوكة ثمرة فثمره قد نضد بعضه إلى بعض فهو مثل الموز وهذا القول أصح ويكون من ذكر الموز من السلف أراد التمثيل لا التخصيص والله أعلم. وهو حار رطب أجوده النضيج الحلو ينفع من خشونة الصدر والرئة والسعال وقروح الكليتين والمثانة ويدر البول ويزيد في المني ويحرك الشهوة للجماع ويلين البطن ويؤكل قبل الطعام ويضر المعدة ويزيد في الصفراء والبلغم ودفع ضرره بالسكر أو العسل. طلع: قال تعالى: والنخل باسقات لها طلع نضيد 2 . وقال تعالى: ونخل طلعها هضيم 3 .  (1) الواقعة- 29. (2) ق- 10. (3) الشعراء- 148.(1\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "253",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4962",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طلع النخل: ما يبدو من ثمرته في أول ظهوره وقشره يسمى الكفرى والنضيد: المنضود الذي قد نضد بعضه على بعض وإنما يقال له: نضيد ما دام في كفراه فإذا انفتح فليس بنضيد. وأما الهضيم: فهو المنضم بعضه إلى بعض فهو كالنضيد أيضا وذلك يكون قبل تشقق لكفري عنه. والطلع نوعان: ذكر وأنثى والتلقيح هو أن يؤخذ من الذكر وهو مثل دقيق الحنطة فيجعل في الأنثى وهو التأبير فيكون ذلك بمنزلة اللقاح بين الذكر والأنثى وقد روى مسلم في صحيحه : عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال: مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في نخل فرأى قوما يلقحون فقال: ما يصنع هؤلاء قالوا: يأخذون من الذكر فيجعلونه في الأنثى قال: ما أظن ذلك يغني شيئا  فبلغهم فتركوه فلم يصلح فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما هو ظن فإن كان يغني شيئا فاصنعوه فإنما أنا بشر مثلكم وإن الظن يخطىء ويصيب ولكن ما قلت لكم عن الله عز وجل. فلن أكذب على الله 1 انتهى. طلع النخل ينفع من الباه ويزيد في المباضعة ودقيق طلعه إذا تحملت به المرأة قبل الجماع أعان على الحبل إعانة بالغة وهو في البرودة واليبوسة في الدرجة الثانية يقوي المعدة ويجففها ويسكن ثائرة الدم مع غلظة وبطء هضم. ولا يحتمله إلا أصحاب الأمزجة الحارة ومن أكثر منه فإنه ينبغي أن يأخذ عليه شيئا من الجوارشات الحارة وهو يعقل الطبع ويقوي الأحشاء والجمار يجري مجراه وكذلك البلح والبسر والإكثار منه يضر بالمعدة والصدر وربما أورث القولنج وإصلاحه بالسمن أو بما تقدم ذكره.  (1) أخرجه مسلم في الفضائل.(1\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "254",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4963",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حرف العين عنب: في الغيلانيات من حديث حبيب بن يسار عن ابن عباس رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل العنب خرطا. قال أبو جعفر العقيلي: لا أصل لهذا الحديث قلت: وفيه داود بن عبد الجبار أبو سليم الكوفي قال يحيى بن معين: كان يكذب. ويذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يحب العنب والبطيخ. وقد ذكر الله سبحانه العنب في ستة مواضع من كتابه في جملة نعمه التي أنعم بها على عباده في هذه الدار وفي الجنة وهو من أفضل الفواكه وأكثرها منافع وهو يؤكل رطبا ويابسا وأخضر ويانعا وهو فاكهة مع الفواكه وقوت مع الأقوات وأدم مع الإدام ودواء مع الأدوية وشراب مع الأشربة وطبعه طبع الحبات: الحرارة والرطوبة وجيده الكبار المائي والأبيض أحمد من الأسود إذا تساويا في الحلاوة والمتروك بعد قطفه يومين أو ثلاثة أحمد من المقطوف في يومه فإنه منفخ مطلق للبطن والمعلق حتى يضمر قشره جيد للغذاء مقو للبدن وغذاؤه كغذاء التين والزبيب وإذا ألقي عجم العنب كان أكثر تليينا للطبيعة والإكثار منه مصدع للرأس ودفع مضرته بالرمان المز. ومنفعة العنب يسهل الطبع ويسمن ويغذو جيده غذاء حسنا وهو أحد الفواكه الثلاث التي هي ملوك الفواكه هو والرطب والتين. عسل: قد تقدم ذكر منافعه. قال ابن جريج: قال الزهري: عليك بالعسل فإنه جيد للحفظ وأجوده أصفاه وأبيضه وألينه حدة وأصدقه حلاوة وما يؤخذ من الجبال والشجر له فضل على ما يؤخذ من الخلايا وهو بحسب مرعى نحله. عجوة: في الصحيحين : من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه(1\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "255",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4964",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر . وفي سنن النسائي وابن ماجه: من حديث جابر وأبي سعيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: العجوة من الجنة وهي شفاء من السم والكمأة من المن وماؤها شفاء للعين 1 . وقد قيل: إن هذا في عجوة المدينة وهي أحد أصناف التمر بها ومن أنفع تمر الحجاز على الإطلاق وهو صنف كريم ملذذ متين للجسم والقوة من ألين التمر وأطيبه وألذه وقد تقدم ذكر التمر وطبعه ومنافعه في حرف التاء والكلام على دفع العجوة للسم والسحر فلا حاجة لإعادته. عنبر تقدم في الصحيحين من حديث جابر في قصة أبي عبيدة وأكلهم من العنبر شهرا وأنهم تزودوا من لحمه وشائق إلى المدينة وأرسلوا منه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو أحد ما يدل على أن إباحة ما في البحر لا يختص بالمسك وعلى أن ميتته حلال واعترض على ذلك بأن البحر ألقاه حيا ثم جزر عنه الماء فمات وهذا حلال فإن موته بسبب مفارقته للماء وهذا لا يصح فإنهم إنما وجدوه ميتا بالساحل ولم يشاهدوه قد خرج عنه حيا ثم جزر عنه الماء. وأيضا: فلو كان حيا لما ألقاه البحر إلى ساحله فإنه من المعلوم أن البحر إنما يقذف إلى ساحله الميت من حيواناته لا الحي منها. وأيضا: فلو قدر احتمال ما ذكروه لم يجز أن يكون شرطا في الإباحة فإنه لا يباح الشيء مع الشك في سبب إباحته ولهذا منع النبي صلى الله عليه وسلم من أكل الصيد إذا وجده الصائد غريقا في الماء للشك في سبب موته هل هو الآلة أم الماء. وأما العنبر الذي هو أحد أنواع الطيب فهو من أفخر انواعه بعد المسك  (1) أخرجه الترمذي في الطب وأحمد وابن ماجه.(1\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "256",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4965",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأخطأ من قدمه على المسك وجعله سيد أنواع الطيب وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المسك: هو أطيب الطيب 1  وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر الخصائص والمنافع التي خص بها المسك حتى إنه طيب الجنة والكثبان التي هي مقاعد الصديقين هناك من مسك لا من عنبر. والذي غر هذا القائل أنه لا يدخله التغير على طول الزمان فهو كالذهب وهذا يدل على أنه أفضل من المسك فإنه بهذه الخاصية الواحدة لا يقاوم ما في المسك من الخواص. وبعد فضروبه كثيرة وألوانه مختلفة فمنه الأبيض والأشهب والأحمر والأصفر والأخضر والأزرق والأسود وذو الألوان. وأجوده: الأشهب ثم الأزرق ثم الأصفر وأردؤه: الأسود. وقد اختلف الناس في عنصره فقالت طائفة: هو نبات ينبت في قعر البحر فيبتلعه بعض دوابه فإذا ثملت منه قذفته رجيعا فيقذفه البحر إلى ساحله. وقيل طل ينزل من السماء في جزائر البحر فتلقيه الأمواج إلى الساحل وقيل: روث دابة بحرية تشبه البقرة. وقيل: بل هو جفاء من جفاء البحر أي: زبد. وقال صاحب القانون : هو فيما يظن ينبع من عين في البحر والذي يقال: إنه زبد البحر أو روث دابة بعيد انتهى. ومزاجه حار يابس مقو للقلب والدماغ والحواس وأعضاء البدن نافع من الفالج واللقوة والأمراض البلغمية وأوجاع المعدة الباردة والرياح الغليظة ومن السدد إذا شرب أو طلي به من خارج وإذا تبخر به نفع من الزكام والصداع والشقيقة الباردة.  (1) أخرجه مسلم والترمذي.(1\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "257",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4966",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عود: العود الهندي نوعان أحدهما: يستعمل في الأدوية وهو الكست ويقال له: القسط وسيأتي في حرف القاف. الثاني: يستعمل في الطيب ويقال له: الألوة. وقد روى مسلم في صحيحه : عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يستجمر بالألوة غير مطراة وبكافور يطرح معها ويقول: هكذا كان يستجمر رسول الله صلى الله عليه وسلم 1  وثبت عنه في صفة نعيم أهل الجنة مجامرهم الألوة 2 والمجامر: جمع مجمر وهو ما يتجمر به من عود وغيره وهو أنواع. أجودها: الهندي ثم الصيني ثم القماري ثم المندلي وأجوده: الأسود والأزرق الصلب الرزين الدسم وأقله جودة: ما خف وطفا على الماء ويقال: إنه شجر يقطع ويدفن في الأرض سنة فتأكل الأرض منه ما لا ينفع ويبقى عود الطيب لا تعمل فيه الأرض شيئا ويتعفن منه قشره وما لا طيب فيه. وهو حار يابس في الثالثة يفتح السدد ويكسر الرياح ويذهب بفضل الرطوبة ويقوي الأحشاء والقلب ويفرحه وينفع الدماغ ويقوي الحواس ويحبس البطن وينفع من سلس البول الحادث عن برد المثانة. قال ابن سمجون: العود ضروب كثيرة يجمعها اسم الألوة ويستعمل من داخل وخارج ويتجمر به مفردا ومع غيره وفي الخلط للكافور به عند التجمير معنى طبي وهو إصلاح كل منهما بالآخر وفي التجمر مراعاة جوهر الهواء وإصلاحه فإنه أحد الأشياء الستة الضرورية التي في صلاحها صلاح الأبدان. عدس: قد ورد فيه أحاديث كلها باطلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل شيئا منها كحديث: إنه قدس على لسان سبعين نبيا وحديث إنه يرق القلب ويغزر الدمعة وإنه مأكول الصالحين  وأرفع شيء جاء فيه وأصحه أنه شهوة اليهود التي قدموها على المن والسلوى وهو قرين الثوم والبصل في الذكر. وطبعه طبع المؤنث بارد يابس وفيه قوتان متضادتان. إحداهما: يعقل  (1) أخرجه مسلم في الألفاظ. (2) أخرجه البخاري في الأنبياء ومسلم في الجنة.(1\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "258",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4967",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطبيعة. والأخرى: يطلقها وقشره حار يابس في الثالثة حريف مطلق للبطن وترياقه في قشره ولهذا كان صحاحه أنفع من مطحونه وأخف على المعدة وأقل ضررا فإن لبه بطيء الهضم لبرودته ويبوسته وهو مولد للسوداء ويضر بالماليخوليا ضررا بينا ويضر بالأعصاب والبصر. وهو غليظ الدم وينبغي أن يتجنبه أصحاب السوداء وإكثارهم منه يولد لهم أدواء رديئة كالوسواس والجذام وحمى الربع ويقلل ضرره السلق والإسفاناخ وإكثار الدهن. وأردأ ما أكل بالنمكسود وليتجنب خلط الحلاوة به فإنه يورث سددا كبدية وإدمانه يظلم البصر لشدة تجفيفه ويعسر البول ويوجب الأورام الباردة والرياح الغليظة وأجوده الأبيض السمين السريع النضج. وأما ما يظنه الجهال أنه كان سماط الخليل الذي يقدمه لأضيافه فكذب مفترى وإنما حكى الله عنه الضيافة بالشواء وهو العجل الحنيذ. وذكر البيهقي عن إسحاق قال: سئل ابن المبارك عن الحديث الذي جاء في العدس أنه قدس على لسان سبعين نبيا فقال: ولا على لسان نبي واحد وإنه لمؤذ منفخ من حدثكم به قالوا: سلم بن سالم فقال: عمن قالوا: عنك. قال: وعني أيضا!!.  حرف الغين غيث: مذكور في القرآن في عدة مواضع وهو لذيذ الاسم على السمع والمسمى على الروح والبدن تبتهج الأسماع بذكره والقلوب بوروده وماؤه أفضل المياه وألطفها وأنفعها وأعظمها بركة ولا سيما إذا كان من سحاب راعد واجتمع في مستنقعات الجبال وهو أرطب من سائر المياه لأنه لم تطل مدته على الأرض فيكتسب من يبوستها ولم يخالطه جوهر يابس ولذلك يتغير ويتعفن سريعا للطافته وسرعة انفعاله وهل الغيث الربيعي ألطف من الشتوي أو بالعكس فيه قولان.(1\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "259",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4968",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال من رجح الغيث الشتوي: حرارة الشمس تكون حينئذ أقل فلا تجتذب من ماء البحر إلا ألطفه والجو صاف وهو خال من الأبخرة الدخانية والغبار المخالط للماء وكل هذا يوجب لطفه وصفاءه وخلوه من مخالط. قال من رجح الربيعي: الحرارة توجب تحلل الأبخرة الغليظة وتوجب رقة الهواء ولطافته فيخف بذلك الماء وتقل أجزاؤه الأرضية وتصادف وقت حياة النبات والأشجار وطيب الهواء. وذكر الشافعي رحمه الله عن أنس بن مالك رضي الله عنهما قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابنا مطر فحسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه وقال: إنه حديث عهد بربه 1  وقد تقدم في هديه في الاستسقاء ذكر استمطاره صلى الله عليه وسلم وتبركه بماء الغيث عند أول مجيئه.  حرف الفاء فاتحة الكتاب: وأم القرآن والسبع المثاني والشفاء التام والدواء النافع والرقية التامة ومفتاح الغنى والفلاح وحافظة القوة ودافعة الهم والغم والخوف والحزن لمن عرف مقدارها وأعطاها حقها وأحسن تنزيلها على دائه وعرف وجه الاستشفاء والتداوي بها والسر الذي لأجله كانت كذلك. ولما وقع بعض الصحابة على ذلك رقى بها اللديغ فبرأ لوقته فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: وما أدراك أنها رقية . ومن ساعده التوفيق وأعين بنور البصيرة حتى وقف على أسرار هذه السورة وما اشتملت عليه من التوحيد ومعرفة الذات والأسماء والصفات والأفعال وإثبات الشرع والقدر والمعاد وتجريد توحيد الربوبية والإلهية وكمال  (1) أخرجه مسلم في صلاة الاستسقاء.(1\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "260",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4969",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التوكيل والتفويض إلى من له الأمر كله وله الحمد كله وبيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله والافتقار إليه في طلب الهداية التي هي أصل سعادة الدارين وعلم ارتباط معانيها بجلب مصالحهما ودفع مفاسدهما وأن العاقبة المطلقة التامة والنعمة الكاملة منوطة بها موقوفة على التحقق بها أغنته عن كثير من الأدوية والرقى. واستفتح بها من الخير أبوابه ودفع بها من الشر أسبابه. وهذا أمر يحتاج استحداث فطرة أخرى وعقل آخر وإيمان آخر وتالله لا تجد مقالة فاسدة ولا بدعة باطلة إلا وفاتحة الكتاب متضمنة لردها وإبطالها بأقرب الطرق وأصحها وأوضحها ولا تجد بابا من أبواب المعارف الإلهية وأعمال القلوب وأدويتها من عللها وأسقامها إلا وفي فاتحة الكتاب مفتاحه وموضع الدلالة عليه ولا منزلا من منازل السائرين إلى رب العالمين إلا وبدايته ونهايته فيها. ولعمر الله إن شأنها لأعظم من ذلك وهي فوق ذلك. وما تحقق عبد بها واعتصم بها وعقل عمن تكلم بها وأنزلها شفاء تاما وعصمة بالغة ونورا مبينا وفهمها وفهم لوازمها كما ينبغي لا يقع في بدعة ولا شرك ولا أصابه مرض من أمراض القلوب إلا لماما غير مستقر. هذا وإنها المفتاح الأعظم لكنوز الأرض كما أنها المفتاح لكنوز الجنة ولكن ليس كل واحد يحسن الفتح بهذا المفتاح ولو أن طلاب الكنوز وقفوا على سر هذه السورة وتحققوا بمعانيها وركبوا لهذا المفتاح أسنانا وأحسنوا الفتح به لوصلوا إلى تناول الكنوز من غير معاوق ولا ممانع. ولم نقل هذا مجازفة ولا استعارة بل حقيقة ولكن الله تعالى حكمة بالغة في إخفاء هذا السر عن نفوس أكثر العالمين كما له حكمة بالغة في إخفاء كنوز الأرض عنهم. والكنوز المحجوبة قد استخدم عليها أرواح خبيثة شيطانية تحول بين الإنس وبينها ولا تقهرها إلا أرواح علوية شريفة غالبة لها بحالها الإيماني معها منه أسلحة لا تقوم لها الشياطين وأكثر نفوس الناس ليست بهذه المثابة فلا يقاوم تلك الأرواح ولا يقهرها ولا ينال من سلبها شيئا فإن من قتل قتيلا فله سلبه.(1\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "261",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4970",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاغية: هي نور الحناء وهي من أطيب الرياحين روى البيهقي في كتابه شعب الإيمان من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه يرفعه: سيد الرياحين في الدنيا والآخرة الفاغية 1 وروى فيه أيضا عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أحب الرياحين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاغية . والله أعلم بحال هذين الحديثين فلا نشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا نعلم صحته. وهي معتدلة في الحر واليبس فيها بعض القبض وإذا وضعت بين طي ثياب الصوف حفظتها من السوس وتدخل في مراهم الفالج والتمدد ودهنها يحلل الأعضاء ويلين العصب. فضة: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان خاتمه من فضة وفصه منه 2  وكانت قبيعة سيفه فضة 3 ولم يصح عنه في المنع من لباس الفضة والتحلي بها شيء البتة كما صح عنه المنع من الشرب في آنيتها وباب الآنية أضيق من باب اللباس والتحلي ولهذا يباح للنساء لباسا وحلية ما يحرم عليهن استعماله آنية فلا يلزم من تحريم الآنية تحريم اللباس والحلية. وفي السنن عنه: وأما الفضة فالعبوا بها لعبا 4 فالمنع يحتاج إلى دليل يبينه إما نص أو إجماع فإن ثبت أحدهما وإلا ففي القلب من تحريم ذلك على الرجال شيء والنبي صلى الله عليه وسلم أمسك بيده ذهبا وبالأحرى حريرا وقال: هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم 5 . والفضة سر من أسرار الله في الأرض وطلسم الحاجات وإحسان أهل الدنيا بينهم وصاحبها مرموق بالعيون بينهم معظم في النفوس مصدر في  (1) وأخرجه أبو نعيم في الطب والطبراني في الأوسط. (2) أخرجه البخاري والترمذي في الشمائل. (3) أخرجه الترمذي في الشمائل وأبو داود والنسائي. (4) أخرجه أحمد وأبو داود في الخاتم. (5) حديث صحيح.(1\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "262",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4971",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المجالس لا تغلق دونه الأبواب ولا تمل مجالسته ولا معاشرته ولا يستثقل مكانه تشير الأصابع إليه وتعقد العيون نطاقها عليه إن قال سمع قوله وإن شفع قبلت شفاعته وإن شهد زكيت شهادته وإن خطب فكفء لا يعاب وإن كان ذا شيبة بيضاء فهي أجمل عليه من حلية الشباب. وهي من الأدوية المفرحة النافعة من الهم والغم والحزن وضعف القلب وخفقانه وتدخل في المعاجين الكبار وتجتذب بخاصيتها ما يتولد في القلب من الأخلاط الفاسدة خصوصا إذا أضيفت إلى العسل المصفى والزغفران. ومزاجها إلى اليبوسة والبرودة ويتولد عنها من الحرارة والرطوبة ما يتولد والجنان التي أعدها الله عز وجل لأوليائه يوم يلقونه أربع: جنتان من ذهب وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح من حديث أم سلمة أنه قال: الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم 1 . وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة 2 . فقيل: علة التحريم تضييق النقود فإنها إذا اتخذت أواني فاتت الحكمة التي وضعت لأجلها من قيام مصالح بني آدم وقيل: العلة الفخر والخيلاء. وقيل: العلة كسر قلوب الفقراء والمساكين إذا رأوها وعاينوها. وهذه العلل فيها ما فيها فإن التعليل بتضييق النقود يمنع من التحلي بها وجعلها سبائك ونحوها مما ليس بآنية ولا نقد والفخر والخيلاء حرام بأي شيء كان وكسر قلوب المساكين لا ضابط له فإن قلوبهم تنكسر بالدور الواسعة والحدائق المعجبة والمراكب الفارهة والملابس الفاخرة والأطعمة اللذيذة  (1) أخرجه البخاري في الأشربة ومسلم في اللباس والزينة. (2) أخرجه البخاري في الأطعمة.(1\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "263",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4972",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وغير ذلك من المباحات وكل هذه علل منتقضة إذ توجد العلة ويتخلف معلولها. فالصواب أن العلة- والله أعلم- ما يكسب استعمالها القلب من الهيئة والحالة المنافية للعبودية منافاة ظاهرة ولهذا علل النبي صلى الله عليه وسلم بأنها للكفار في الدنيا إذ ليس لهم نصيب من العبودية التي ينالون بها في الآخرة نعيمها فلا يصلح استعمالها لعبيد الله في الدنيا وإنما يستعملها من خرج عن عبوديته ورضي بالدنيا وعاجلها من الآخرة.  حرف القاف قرآن: قال الله تعالى: وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين 1 والصحيح: أن من هاهنا لبيان الجنس لا للتبعيض وقال تعالى: يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور 2 فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية وأدواء الدنيا والآخرة وما كل أحد يؤهل ولا يوفق للاستشفاء به وإذا أحسن العليل التداوي به ووضعه على دائه بصدق وإيمان وقبول تام واعتقاد جازم واستيفاء شروطه لم يقاومه الداء أبدا. وكيف تقاوم كلام رب الأرض والسماء الذي لو نزل على الجبال لصدعها أو على الأرض لقطعها فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه والحمية منه لمن رزقه الله فهما في كتابه وقد تقدم في أول الكلام على الطب بيان إرشاد القرآن العظيم إلى أصوله ومجامعه التي هي حفظ الصحة والحمية واستفراغ المؤذي والاستدلال بذلك على سائر أفراد هذه الأنواع.  (1) الإسراء- 82. (2) يونس- 57.(1\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "264",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4973",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الأدوية القلبية فإنه يذكرها مفصلة ويذكر أسباب أدوائها وعلاجها. قال: أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم فمن لم يشفه القرآن فلا شفاه الله ومن لم يكفه فلا كفاه الله. قثاء: في السنن : من حديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل القثاء بالرطب ورواه الترمذي وغيره 2 : القثاء بارد رطب في الدرجة الثانية مطفىء لحرارة المعدة الملتهبة بطيء الفساد فيها نافع من وجع المثانة ورائحته تنفع من الغشي وبزره يدر البول وورقه إذا اتخذ ضمادا نفع من عضة الكلب وهو بطيء الانحدار عن المعدة وبرده مضر ببعضها فينبغي أن يستعمل معه ما يصلحه ويكسر برودته ورطوبته كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أكله بالرطب فإذا أكل بتمر أو زبيب أو عسل عدله. قسط وكست: بمعنى واحد. وفي الصحيحين : من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم خير ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري 3 . وفي المسند : من حديث أم قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم: عليكم بهذا العود الهندي فإن فيه سبعة أشفية منها ذات الجنب . القسط: نوعان. أحدهما: الأبيض الذي يقال له: البحري. والآخر: الهندي وهو أشدهما حرا والأبيض ألينهما ومنافعهما كثيرة جدا. وهما حاران يابسان في الثالثة ينشفان البلغم قاطعان للزكام وإذا شربا نفعا من ضعف الكبد والمعدة ومن بردهما ومن حمى الدور والربع وقطعا وجع الجنب ونفعا من السموم وإذا طلي به الوجه معجونا بالماء والعسل قلع الكلف. وقال جالينوس: ينفع من الكزاز ووجع الجنبين ويقتل حب القرع.  (1) العنكبوت- 51. (2) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة في الأطعمة والبخاري في الأطعمة ومسلم في الأشربة. (3) أخرجه أحمد والبخاري في الطب.(1\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "265",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4974",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد خفي على جاهل الأطباء نفعه من وجع ذات الجنب فأنكروه ولو ظفر هذا الجاهل بهذا النقل عن جالينوس لنزله منزلة النص كيف وقد نص كثير من الأطباء المتقدمين على أن القسط يصلح للنوع البلغمي من ذات الجنب ذكره الخطابي عن محمد بن الجهم. وقد تقدم أن طب الأطباء بالنسبة إلى طب الأنبياء أقل من نسبة طب الطرقية والعجائز إلى طب الأطباء وأن بين ما يلقى بالوحي وبين ما يلقى بالتجربة والقياس من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق. ولو أن هؤلاء الجهال وجدوا دواء منصوصا عن بعض اليهود والنصارى والمشركين من الأطباء لتلقوه بالقبول والتسليم ولم يتوقفوا على تجربته. نعم نحن لا ننكر أن للعادة تأثيرا في الانتفاع بالدواء وعدمه فمن اعتاد دواء وغذاء كان أنفع له وأوفق ممن لم يعتده بل ربما لم ينتفع به من لم يعتده. وكلام فضلاء الأطباء وإن كان مطلقا فهو بحسب الأمزجة والأزمنة والأماكن والعوائد وإذا كان التقييد بذلك لا يقدح في كلامهم ومعارفهم فكيف يقدح في كلام الصادق المصدوق ولكن نفوس البشر مركبة على الجهل والظلم إلا من أيده الله بروح الإيمان ونور بصيرته بنور الهدى. قصب السكر: جاء في بعض ألفاظ السنة الصحيحة في الحوض ماؤه أحلى من السكر 1  ولا أعرف السكر في الحديث إلا في هذا الموضع. والسكر حادث لم يتكلم فيه متقدمو الأطباء ولا كانوا يعرفونه ولا يصفونه في الأشربة وإنما يعرفون العسل ويدخلونه في الأدوية وقصب السكر حار رطب ينفع من السعال ويجلوا الرطوبة والمثانة وقصبة الرئة وهو أشد تليينا من  (1) في مسلم والترمذي بلفظ: أحلى من العسل بدلا من أحلى من السكر .(1\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "266",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4975",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السكر وفيه معونة على القيء ويدر البول ويزيد في الباه. قال عفان بن مسلم الصفار: من مص قصب السكر بعد طعامه لم يزل يومه أجمع في سرور انتهى. وهو ينفع من خشونة الصدر والحلق إذا شوي ويولد رياحا دفعها بأن يقشر ويغسل بماء حار. والسكر حار رطب على الأصح وقيل: بارد. وأجوده: الأبيض الشفاف الطبرزد وعتيقه ألطف من جديده وإذا طبخ ونزعت رغوته سكن العطش والسعال وهو يضر المعدة التي تتولد فيها الصفراء لاستحالته إليها ودفع ضرره بماء الليمون أو النارنج أو الرمان اللفان. وبعض الناس يفضله على العسل لقلة حرارته ولينه وهذا تحامل منه على العسل فإن منافع العسل أضعاف منافع السكر وقد جعله الله شفاء ودواء وإداما وحلاوة وأين نفع السكر من منافع العسل: من تقوية المعدة وتليين الطبع وإحداد البصر وجلاء ظلمته ودفع الخوانيق بالغرغرة به وإبرائه من الفالج اللقوة ومن جميع العلل الباردة التي تحدث في جميع البدن من الرطوبات فيجذبها من قعر البدن ومن جميع البدن وحفظ صحته وتسمينه وتسخينه والزيادة في الباه والتحليل الجلاء وفتح أفواه العروق وتنقية المعى وإحدار الدود ومنع التخم وغيره من العفن والأدم النافع وموافقة من غلب عليه البلغم والمشايخ وأهل الأمزجة الباردة. وبالجملة: فلا شيء أنفع منه للبدن وفي العلاج وعجز الأدوية وحفظ قواها وتقوية المعدة إلى أضعاف هذه المنافع فأين للسكر مثل هذه المنافع والخصائص أو قريب منها  حرف الكاف كتاب للحمى: قال المروزي: بلغ أبا عبد الله أني حممت فكتب لي من الحمى رقعة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله وبالله محمد رسول الله قلنا: يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل اشف صاحب هذا الكتاب بحولك وقوتك وجبروتك إله الحق آمين.(1\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "267",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4976",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال المروزي: وقرأ على أبي عبد الله- وأنا أسمع- أبو المنذر عمرو بن مجمع حدثنا يونس بن حبان قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي أن أعلق التعويذ فقال: إن كان من كتاب الله أو كلام عن نبي الله فعلقه واستشف به ما استطعت. قلت: أكتب هذه من حمى الربع: بسم الله وبالله ومحمد رسول الله إلى آخره قال: أي نعم. وذكر أحمد عن عائشة رضي الله عنها وغيرها أنهم سهلوا في ذلك. قال حرب: ولم يشدد فيه أحمد بن حنبل. قال أحمد: وكان ابن مسعود يكرهه كراهة شديدة جدا. وقال أحمد وقد سئل عن التمائم تعلق بعد نزول البلاء قال: أرجو ألايكون به بأس. قال الخلال: وحدثنا عبد الله بن أحمد رأيت أبي يكتب التعويذ للذي يفزع وللحمى بعد وقوع البلاء. كتاب لعسر الولادة: قال الخلال: حدثني عبد الله بن أحمد قال: رأيت أبي يكتب للمرأة إذا عسر عليها ولادتها في جام أبيض أو شيء نظيف يكتب حديث ابن عباس رضي الله عنه: لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين: كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ 1  كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها 2 . قال الخلال: أنبأنا أبو بكر المروزي أن أبا عبد الله جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله! تكتب لامرأة قد عسر عليها ولدها منذ يومين فقال: قل له: يجيء بجام واسع وزعفران ورأيته يكتب لغير واحد. ويذكر عن عكرمة عن ابن عباس قال: مر عيسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم على بقرة قد اعترض ولدها في بطنها  (1) الأحقاف- 35. (2) النازعات. 46.(1\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "268",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4977",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقالت: يا كلمة الله! ادع الله لي أن يخلصني مما أنا فيه فقال: يا خالق النفس من النفس ويا مخلص النفس من النفس ويا مخرج النفس من النفس خلصها. قال: فرمت بولدها فإذا هي قائمة تشمه. قال: فإذا عسر على المرأة ولدها فاكتبه لها. وكل ما تقدم من الرقى فإن كتابته نافعة. ورخص جماعة من السلف في كتابة بعض القرآن وشربه وجعل ذلك من الشفاء الذي جعل الله فيه. كتاب آخر لذلك: يكتب في إناء نظيف: إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت 1  وتشرب منه الحامل ويرش على بطنها. كتاب للرعاف: كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يكتب على جبهته: وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر 2 . وسمعته يقول: كتبتها لغير واحد فبرأ فقال: ولا يجوز كتابتها بدم الراعف كما يفعله الجهال فإن الدم نجس فلا يجوز أن يكتب به كلام الله تعالى. كتاب آخر له: خرج موسى عليه السلام برداء فوجد شعيبا فشده بردائه يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب 3 . كتاب آخر للحزاز: يكتب عليه: فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت 4 بحول الله وقوته. كتاب آخر له: عند اصفرار الشمس يكتب عليه: يا أيها الذين آمنوا  (1) الانشقاق- 1- 4. (2) هود- 44. (3) الرعد- 39. (4) البقرة- 226.(1\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "269",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4978",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم 1 . كتاب آخر للحمى المثلاثة: يكتب على ثلاث ورقات لطاف: بسم الله فرت بسم الله مرت بسم الله قلت ويأخذ كل يوم ورقة ويجعلها في فمه ويبتلعها بماء. كتاب آخر لعرق النسا: بسم الله الرحمن الرحيم اللهم رب كل شيء ومليك كل شيء وخالق كل شيء أنت خلقتني وأنت خلقت النسا فلا تسلطه علي بأذى ولا تسلطني عليه بقطع واشفني شفاء لا يغادر سقما لا شافي إلا أنت. كتاب للعرق الضارب: روى الترمذي في جامعه : من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم من الحمى ومن الأوجاع كلها أن يقولوا: بسم الله الكبير أعوذ بالله العظيم من شر كل عرق نعار ومن شر حر النار 2 . كتاب لوجع الضرس: يكتب على الخد الذي يلي الوجع: بسم الله الرحمن الرحيم: قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون 3  وإن شاء كتب: وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم 4 . كتاب للخراج: يكتب عليه: ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا 5 .  (1) الحديد- 28. (2) أخرجه الترمذي في الطب. (3) النحل- 28. (4) الانعام- 13. (5) طه- 105.(1\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "270",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4979",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كمأة: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين  أخرجاه في الصحيحين 1 . قال ابن الأعرابي: جمع واحده كمء وهذا خلاف قياس العربية فإن ما بينه وبين واحده التاء فالواحد منه بالتاء وإذا حذفت كان للجمع. وهل هو جمع أو اسم جمع على قولين مشهورين قالوا: ولم يخرج عن هذا إلا حرفان: كمأة وكمء وجبأة وجبء وقال غير ابن الأعرابي: بل هي على القياس: الكمأة للواحد والكمء للكثير وقال غيرهما: الكمأة تكون واحدا وجمعا. واحتج أصحاب القول الأول بأنهم قد جمعوا كمئا على أكمؤ قال الشاعر: ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر وهذا يدل على أن كمء مفرد وكمأة جمع. والكمأة تكون في الأرض من غير أن تزرع وسميت كمأة لاستتارها ومنه كمأ الشهادة: إذا سترها وأخفاها والكمأة مخفية تحت الأرض لا ورق لها ولا ساق ومادتها من جوهر أرضي بخاري محتقن في الأرض نحو سطحها يحتقن ببرد الشتاء وتنميه أمطار الربيع فيتولد ويندفع نحو سطح الأرض متجسدا ولذلك يقال لها: جدرت الأرض تشبيها بالجدري في صورته ومادته لأن مادته رطوبة دموية فتندفع عند سن الترعرع في الغالب وفي ابتداء استيلاء الحرارة ونماء القوة. وهي مما يوجد في الربيع ويؤكل نيئا ومطبوخا وتسميها العرب: نبات الرعد لأنها تكثر بكثرته وتنفطر عنها الأرض وهي من أطعمة أهل البوادي وتكثر بأرض العرب وأجودها ما كانت أرضها رملية قليلة الماء. وهي أصناف: منها صنف قتال يضرب لونه إلى الحمرة يحدث الاختناق.  (1) أخرجه البخاري في الطب ومسلم في الأشربة.(1\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "271",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4980",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهي باردة رطبة في الدرجة الثالثة رديئة للمعدة بطيئة الهضم وإذا أدمنت أورثت القولنج والسكتة والفالج ووجع المعدة وعسر البول والرطبة أقل ضررا من اليابسة ومن أكلها فليدفنها في الطين الرطب ويسلقها بالماء والملح والصعتر ويأكلها بالزيت والتوابل الحارة لأن جوهرها أرضي غليظ وغذاؤها رديء لكن فيها جوهر مائي لطيف يدل على خفتها والاكتحال بها نافع من ظلمة البصر والرمد الحار وقد اعترف فضلاء الأطباء بأن ماءها يجلو العين وممن ذكره المسيحي وصاحب القانون وغيرهما. وقوله صلى الله عليه وسلم: الكمأة من المن  فيه قولان: أحدهما: أن المن الذي أنزل على بني إسرائيل لم يكن هذا الحلو فقط بل أشياء كثيرة من الله عليهم بها من النبات الذي يوجد عفوا من غير صنعة ولا علاج ولا حرث فإن المن مصدر بمعنى المفعول أي ممنون به فكل ما رزقه الله العبد عفوا بغير كسب منه ولا علاج من محض وإن كانت سائر نعمه منا منه على عبده فخص منها مالا كسب له فيه ولا صنع باسم المن فإنه من بلا واسطة العبد وجعل سبحانه قوتهم بالتيه الكمأة وهي تقوم مقام الخبز وجعل أدمهم السلوى وهو يقوم مقام اللحم وجعل حلواهم الطل الذي ينزل على الأشجار يقوم لهم مقام الحلوى فكمل عيشهم. وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: الكمأة من المن الذي أنزله الله على بني إسرائيل فجعلها من جملته وفردا من أفراده والترنجبين الذي يسقط على الأشجار نوع من المن ثم غلب استعمال المن عليه عرفا حادثا. والقول الثاني: أنه شبه الكمأة بالمن المنزل من السماء لأنه يجمع من غير تعب ولا كلفة ولا زرع بزر ولا سقي. فإن قلت: فإن كان هذا شأن الكمأة فما بال هذا الضرر فيها ومن أين أتاها ذلك فاعلم أن الله سبحانه أتقن كل شيء صنعه وأحسن كل شيء خلقه فهو عند مبدأ خلقه بريء من الآفات والعلل تام المنفعة لما هيىء وخلق له وإنما(1\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "272",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4981",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعرض له الآفات بعد ذلك بأمور أخر من مجاورة أو امتزاج واختلاط أو أسباب أخر تقتضي فساده فلو ترك على خلقته الأصلية من غير تعلق أسباب الفساد به لم يفسد. ومن له معرفة بأحوال العالم ومبدئه يعرف أن جميع الفساد في جوه ونباته وحيوانه وأحوال أهله حادث بعد خلقه بأسباب اقتضت حدوثه ولم تزل أعمال بني آدم ومخالفتهم للرسل تحدث لهم من الفساد العام والخاص ما يجلب عليهم من الآلام والأمراض والأسقام والطواعين والقحوط والجدوب وسلب بركات الأرض وثمارها ونباتها وسلب منافعها أو نقصانها أمورا متتابعة يتلو بعضها بعضا فإن لم يتسع علمك لهذا فاكتف بقوله تعالى: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس 1  ونزل هذه الآية على أحوال العالم وطابق بين الواقع وبينها وأنت ترى كيف تحدث الآفات والعلل كل وقت في الثمار والزرع والحيوان وكيف يحدث من تلك الآفات آفات أخر متلازمة بعضها آخذ برقاب بعض وكلما أحدث الناس ظلما وفجورا أحدث لهم ربهم تبارك وتعالى من الآفات والعلل في أغذيتهم وفواكههم وأهويتهم ومياههم وأبدانهم وخلقهم وصورهم وأشكالهم وأخلاقهم من النقص والآفات ما هو موجب أعمالهم وظلمهم وفجورهم. ولقد كانت الحبوب من الحنطة وغيرها أكبر مما هي اليوم كما كانت البركة فيها أعظم. وقد روى الإمام أحمد بإسناده: أنه وجد في خزائن بعض بني أمية صرة فيها حنطة أمثال نوى التمر مكتوب عليها: هذا كان ينبت أيام العدل. وهذه القصة ذكرها في مسنده على أثر حديث رواه. وأكثر هذه الأمراض والآفات العامة بقية عذاب عذبت به الأمم السالفة ثم بقيت منها بقية مرصدة لمن بقيت عليه بقية من أعمالهم حكما قسطا وقضاء عدلا وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله في الطاعون: إنه بقية رجز أو عذاب أرسل على بني إسرائيل .  (1) الروم- 41.(1\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "273",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4982",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك سلط الله سبحانه وتعالى الريح على قوم سبع ليال وثمانية أيام ثم أبقى في العالم منها بقية في تلك الأيام وفي نظيرها عظة وعبرة. وقد جعل الله سبحانه أعمال البر والفاجر مقتضيات لآثارها في هذا العالم اقتضاء لابد منه فجعل منع الإحسان والزكاة والصدقة سببا لمنع الغيث من السماء والقحط والجدب وجعل ظلم المساكين والبخس في المكاييل والموازين وتعدي القوي على الضعيف سببا لجور الملوك والولاة الذين لا يرحمون إن استرحموا ولا يعطفون إن استعطفوا وهم في الحقيقة أعمال الرعايا ظهرت في صورولاتهم فإن الله سبحانه بحكمته وعدله يظهر للناس أعمالهم في قوالب وصور تناسبها فتارة بقحط وجدب وتارة بعدو وتارة بولاة جائرين وتارة بأمراض عامة وتارة بهموم وآلام وغموم تحضرها نفوسهم لا ينفكون عنها وتارة بمنع بركات السماء والأرض عنهم وتارة بتسليط الشياطين عليهم توزهم إلى أسباب العذاب أزا لتحق عليهم الكلمة وليصير كل منهم إلى ما خلق له والعاقل يسير بصيرته بين أقطار العالم فيشاهده وينظر مواقع عدل الله وحكمته وحينئذ يتبين له أن الرسل وأتباعهم خاصة على سبيل النجاة وسائر الخلق على سبيل الهلاك سائرون وإلى دار البوار صائرون والله بالغ أمره لا معقب لحكمه ولا راد لأمره وبالله التوفيق: وقوله صلى الله عليه وسلم في الكمأة وماؤها شفاء للعين فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن ماءها يخلط في الأدوية التي يعالج بها العين لا أنه يستعمل وحده ذكره أبو عبيد. الثاني: أنه يستعمل بحتا بعد شيها واستقطار مائها لأن النار تلطفه وتنضجه وتذيب فضلاته ورطوبته المؤذية وتبقي المنافع. الثالث: أن المراد بمائها الماء الذي يحدث به من المطر وهو أول قطر ينزل إلى الأرض فتكون الإضافة إضافة اقتران لا إضافة جزء ذكره ابن الجوزي وهو أبعد الوجوه وأضعفها.(1\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "274",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4983",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقيل: إن استعمال ماؤها لتبريد ما في العين فماؤها مجردا شفاء وإن كان لغير ذلك فمركب مع غيره. وقال الغافقي: ماء الكمأة أصلح الأدوية للعين إذا عجن به الإثمد واكتحل به ويقوي أجفانها ويزيد الروح الباصرة قوة وحدة ويدفع عنها نزول النوازل. كباث: في الصحيحين : من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نجني الكباث فقال: عليكم بالأسود منه فإنه أطيبه 1 . الكباث بفتح الكاف والباء الموحدة المخففة والثاء المثلاثة- ثمر الأراك وهو بأرض الحجاز وطبعه حار يابس ومنافعه كمنافع الأراك: يقوي المعدة ويجيد الهضم ويجلو البلغم وينفع من أوجاع الظهر وكثير من الأدواء. قال ابن جلجل: إذا شرب طحينه أدر البول ونقى المثانة وقال ابن رضوان: يقوي المعدة ويمسك الطبيعة. كتم: روى البخاري في صحيحه : عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال: دخلنا على أم سلمة رضي الله عنها فأخرجت إلينا شعرا من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو مخضوب بالحناء والكتم. وفي السنن الأربعة : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم 2 . وفي الصحيحين : عن أنس رضي الله عنه أن أبا بكر رضي الله عنه اختصب بالحناء والكتم 3 .  (1) أخرجه البخاري في الأطعمة ومسلم في الأشربة. (2) أخرجه البخاري في اللباس. (3) أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومسلم في الفضائل.(1\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "275",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4984",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي سنن أبي داود: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل قد خضب بالحناء فقال: ما أحسن هذا فمر آخر قد خضب بالحناء والكتم فقال: هذا أحسن من هذا فمر آخر قد خضب بالصفرة فقال: هذا أحسن من هذا كله 1 . قال الغافقي: الكتم نبت بالسهول ورقه قريب من ورق الزيتون يعلو فوق القامة وله ثمر قدر حب الفلفل في داخله نوى إذا رضخ اسود وإذا استخرجت عصارة ورقه وشرب منها قدر أوقية قيأ قيئا شديدا وينفع عن عضة الكلب. وأصله إذا طبخ بالماء كان منه مداد يكتب به. وقال الكندي: بزر الكتم إذا اكتحل به حلل الماء النازل في العين وأبرأها. وقد ظن بعض الناس أن الكتم هو الوسمة وهي ورق النيل وهذا وهم فإن الوسمة غير الكتم. قال صاحب الصحاح : الكتم بالتحريك: نبت يخلط بالوسمة يختضب به. قيل: والوسمة نبات له ورق طويل يضرب لونه إلى الزرقة أكبر من ورق الخلاف يشبه ورق اللوبيا وأكبر منه يؤتى به من الحجاز واليمن. فإن قيل: قد ثبت في الصحيح عن أنس رضي الله عنه أنه قال: لم يختضب النبي صلى الله عليه وسلم 2 . قيل: قد أجاب أحمد بن حنبل عن هذا وقال: قد شهد به غير أنس رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم أنه خضب وليس من شهد بمنزلة من لم يشهد فأحمد أثبت خضاب النبي صلى الله عليه وسلم ومعه جماعة من المحدثين ومالك أنكره. فإن قيل: فقد ثبت في صحيح مسلم النهي عن الخضاب بالسواد في شأن أبي قحافة لما أتي به ورأسه ولحيته كالثغامة بياضا فقال: غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد 3 .  (1) أخرجه أبو داود وابن ماجة. (2) أخرجه البخاري ومسلم. (3) أخرجه مسلم في اللباس.(1\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "276",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4985",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والكتم يسود الشعر. فالجواب من وجهين أحدهما: أن النهي عن التسويد البحت فأما إذا أضيف إلى الحناء شيء آخر كالكتم ونحوه فلا بأس به فإن الكتم والحناء يجعل الشعر بين الأحمر والأسود بخلاف الوسمة فإنها تجعله أسود فاحما وهذا أصح الجوابين. الجواب الثاني: أن الخضاب بالسواد المنهي عنه خضاب التدليس كخضاب شعر الجارية والمرأة الكبيرة تغر الزوج والسيد بذلك وخضاب الشيخ يغر المرأة بذلك فإنه من الغش والخداع فأما إذا لم يتضمن تدليسا ولا خداعا فقد صح عن الحسن والحسين رضي الله عنهما أنهما كانا يخضبان بالسواد ذكر ذلك ابن جرير عنهما في كتاب تهذيب الآثار  وذكره عن عثمان بن عفان وعبد الله بن جعفر وسعد بن أبي وقاص وعقبة بن عامر والمغيرة بن شعبة وجرير بن عبد الله وعمرو ابن العاص وحكاه عن جماعة من التابعين منهم: عمرو بن عثمان وعلي بن عبد الله بن عباس وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن بن الأسود وموسى ابن طلحة والزهري وأيوب وإسماعيل بن معدي كرب. وحكاه ابن الجوزي عن محارب بن دثار ويزيد وابن جريج وأبي يوسف وأبي إسحاق وابن أبي ليلى وزياد بن علاقة وغيلان بن جامع ونافع بن جبير وعمرو بن علي المقدمي والقاسم بن سلام. كرم: شجرة العنب وهي الحبلة ويكره تسميتها كرما لما روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يقولن أحدكم للعنب الكرم. الكرم: الرجل المسلم . وفي رواية: إنما الكرم قلب المؤمن 1 وفي أخرى: لا تقولوا: الكرم وقولوا: العنب والحبلة 2 .  (1) أخرجه مسلم. (2) أخرجه مسلم.(1\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "277",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4986",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي هذا معنيان: أحدهما: أن العرب كانت تسمي شجرة العنب الكرم لكثرة منافعها وخيرها فكره النبي صلى الله عليه وسلم تسميتها باسم يهيج النفوس على محبتها ومحبة ما يتخذ منها من المسكر وهو أم الخبائث فكره أن يسمى أصله بأحسن الأسماء وأجمعها للخير. والثاني: أنه من باب قوله: ليس الشديد بالصرعة 1 . وليس المسكين بالطواف 2 . أي: أنكم تسمون شجرة العنب كرما لكثرة منافعه وقلب المؤمن أو الرجل المسلم أولى بهذا الاسم منه فإن المؤمن خير كله ونفع فهو من باب التنبيه والتعريف لما في قلب المؤمن من الخير والجود والإيمان والنور والهدى والتقوى والصفات التي يستحق بها هذا الاسم أكثر من استحقاق الحبلة له. وبعد: فقوة الحبلة باردة يابسة وورقها وعلائقها وعرموشها مبرد في آخر الدرجة الأولى وإذا دقت وضمد بها من الصداع سكنته ومن الأورام الحارة والتهاب المعدة. وعصارة قضبانه إذا شربت سكنت القيء وعقلت البطن وكذلك إذا مضغت قلوبها الرطبة. وعصارة ورقها تنفع من قروح الأمعاء ونفث الدم وقيئه ووجع المعدة ودمع شجره الذي يحمل على القضبان كالصمغ إذا شرب أخرج الحصاة وإذا لطخ به أبرأ القوب والجرب المتقرح وغيره وينبغي غسل العضو قبل استعمالها بالماء والنطرون وإذا تمسح بها مع الزيت حلق الشعر ورماد قضبانه إذا تضمد به مع الخل ودهن الورد والسذاب نفع من الورم العارض في الطحال وقوة دهن زهرة الكرم قابضة شبيهة بقوة دهن الورد ومنافعها كثيرة قريبة من منافع النخلة. كرفس: روي في حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أكله ثم نام عليه نام ونكهته طيبة وينام آمنا من وجع الأضراس والأسنان  وهذا باطل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن البستاني منه يطيب النكهة جدا وإذا علق أصله في الرقبة نفع من وجع الأسنان.  (1) أخرجه البخاري في الأدب ومسلم في البر. (2) أخرجه مسلم في الزكاة.(1\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "278",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4987",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو حار يابس وقيل: رطب مفتح لسداد الكبد والطحال وورقه رطبا ينفع المعدة والكبد الباردة ويدر البول والطمث ويفتت الحصاة وحبه أقوى في ذلك ويهيج الباه وينفع من البخر. قال الرازي: وينبغي أن يجتنب أكله إذا خيف من لدغ العقارب. كراث: فيه حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو باطل موضوع: من أكل الكراث ثم نام عليه نام آمنا من ريح البواسير واعتزله الملك لنتن نكهته حتى يصبح 1 . وهو نوعان: نبطي وشامي فالنبطي: البقل الذي يوضع على المائدة. والشامي: الذي له رؤوس وهو حار يابس مصدع وإذا طبخ وأكل أو شرب ماؤه نفع من البواسير الباردة. وإن سحق بزره وعجن بقطران وبخرت به الأضراس التي فيها الدود نثرها وأخرجها ويسكن الوجع العارض فيها وإذا دخنت المقعدة ببزره خفت البواسير هذا كله في الكراث النبطي. وفيه مع ذلك فساد الأسنان واللثة ويصدع ويري أحلاما رديئة ويظلم البصر وينتن النكهة وفيه إدرار للبول والطمث وتحريك للباه وهو بطيء الهضم.  حرف اللام لحم: قال الله تعالى: وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون 1 وقال: ولحم طير مما يشتهون 2 . وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيد  (1) الطور- 22. (2) الواقعة- 21.(1\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "279",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4988",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طعام أهل الدنيا وأهل الجنة اللحم 1 ومن حديث بريدة يرفعه: خير الإدام في الدنيا والآخرة اللحم 2 . وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام 3 . والثريد: الخبز واللحم قال الشاعر: إذا ما الخبز تأدمه بلحم ... فذاك أمانة الله الثريد 1 وقال الزهري: أكل اللحم يزيد سبعين قوة. وقال محمد بن واسع: اللحم يزيد في البصر ويروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كلوا اللحم فإنه يصفي اللون ويخمص البطن ويحسن الخلق وقال نافع: كان ابن عمر إذا كان رمضان لم يفته اللحم وإذا سافر لم يفته اللحم. ويذكر عن علي من تركه أربعين ليلة ساء خلقه. وأما حديث عائشة رضي الله عنها الذي رواه أبو داود مرفوعا: لا تقطعوا اللحم بالسكين فإنه من صنيع الأعاجم وانهسوه فإنه أهنأ وأمرأ  . فرده الإمام أحمد بما صح عنه صلى الله عليه وسلم من قطعه بالسكين في حديثين وقد تقدما. واللحم أجناس يختلف باختلاف أصوله وطبائعه فنذكر حكم كل جنس وطبعه ومنفعته ومضرته. لحم الضأن: حار في الثانية رطب في الأولى جيده الحولي يولد الدم المحمود القوي لمن جاد هضمه يصلح لأصحاب الأمزجة الباردة والمعتدلة ولأهل الرياضات التامة في المواضع والفصول الباردة نافع لأصحاب المرة السوداء يقوي الذهن والحفظ. ولحم الهرم والعجيف رديء وكذلك لحم النعاج وأجوده: لحم  (1) أخرجه ابن ماجة في الأطعمة. (2) أخرجه البيهقي. (3) أخرجه البخاري ومسلم. (4) أخرجه أبو داود في الأطعمة.(1\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "280",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4989",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذكر الأسود منه فإنه أخف وألذ وأنفع والخصي أنفع وأجود والأحمر من الحيوان السمين أخف وأجود غذاء والجذع من المعز أقل تغذية ويطفو في المعدة. وأفضل اللحم عائذه بالعظم والأيمن أخف وأجود من الأيسر والمقدم أفضل من المؤخر وكان أحب الشاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمها وكل ما علا منه سوى الرأس كان أخف وأجود مما سفل وأعطى الفرزدق رجلا يشتري له لحما وقال له: خذ المقدم وإياك والرأس والبطن فإن الداء فيهما. ولحم العنق جيد لذيذ سريع الهضم خفيف ولحم الذراع أخف اللحم وألذه وألطفه وأبعده من الأذى وأسرعه انهضاما. وفي الصحيحين : أنه كان يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم 1 : ولحم الظهر كثير الغذاء يولد دما محمودا. وفي سنن ابن ماجه مرفوعا: أطيب اللحم لحم الظهر 2 . لحم المعز: قليل الحرارة يابس وخلطه المتولد منه ليس بفاضل وليس بجيد الهضم ولا محمود الغذاء. ولحم التيس رديء مطلقا شديد اليبس عسر الانهضام مولد للخلط السوداوي. قال الجاحظ: قال لي فاضل من الأطباء: يا أبا عثمان! إياك ولحم المعز فإنه يورث الغم ويحرك السوداء ويورث النسيان ويفسد الدم وهو والله يخبل الأولاد. وقال بعض الأطباء: إنما المذموم منه المسن ولا سيما للمسنين ولا رداءة لمن اعتاده. وجالينوس جعل الحولي منه من الأغذية المعتدلة المعدلة للكيموس المحمود وإناثه أنفع من ذكوره.  (1) أخرجه البخاري في الأنبياء ومسلم في الايمان. (2) أخرجه ابن ماجة في الأطعمة وأحمد والحاكم.(1\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "281",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4990",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد روى النسائي في سننه : عن النبي صلى الله عليه وسلم: أحسنوا إلى الماعز وأميطوا عنها الأذى فإنها من دواب الجنة . وفي ثبوت هذا الحديث نظر. وحكم الأطباء عليه بالمضرة حكم جزئي ليس بكلي عام وهو بحسب المعدة الضعيفة والأمزجة الضعيفة التي لم تعتده واعتادت المأكولات اللطيفة وهؤلاء أهل الرفاهية من أهل المدن وهم القليلون من الناس. لحم الجدي: قريب إلى الاعتدال خاصة ما دام رضيعا ولم يكن قريب العهد بالولادة وهو أسرع هضما لما فيه من قوة اللبن ملين للطبع موافق لأكثر الناس في أكثر الأحوال وهو ألطف من لحم الجمل والدم المتولد عنه معتدل. لحم البقر: بارد يابس عسر الانهضام بطيء الانحدار يولد دما سوداويا لا يصلح إلا لأهل الكد والتعب الشديد ويورث إدمانه الأمراض السوداوية كالبهق والجرب والقوباء والجذام وداء الفيل والسرطان والوسواس وحمى الربع وكثير من الأورام وهذا لمن لم يعتده أو لم يدفع ضرره بالفلفل والثوم والدار صيني والزنجبيل ونحوه وذكره أقل برودة وأنثاه أقل يبسا. ولحم العجل ولا سيما السمين من أعدل الأغذية وأطيبها وألذها وأحمدها وهو حار رطب وإذا انهضم غذى غذاء قويا. لحم الفرس: ثبت في الصحيح عن أسماء رضي الله عنها قالت: نحرنا فرسا فأكلناه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم 1 . وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أذن في لحوم الخيل ونهى عن لحوم الحمر أخرجاه في الصحيحين 2 . ولا يثبت عنه حديث المقدام بن معدي كرب- رضي الله عنه- أنه نهى عنه. قاله أبو داود وغيره من أهل الحديث 3 .  (1) أخرجه البخاري في الأطعمة ومسلم في الصيد. (2) أخرجه البخاري مسلم. (3) أخرجه أبو داود في الأطعمة.(1\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "282",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4991",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واقترانه بالبغال والحمير في القرآن لا يدل على أن حكم لحمه حكم لحومها بوجه من الوجوه كما لا يدل على أن حكمها في السهم في الغنيمة حكم الفرس والله سبحانه يقرن في الذكر بين المتماثلات تارة وبين المختلفات وبين المتضادات وليس في قوله: لتركبوها 1  ما يمنع من أكلها كما ليس فيه ما يمنع من غير الركوب من وجوه الانتفاع وإنما نص على أجل منافعها وهو الركوب والحديثان في حلها صحيحان لا معارض لهما وبعد: فلحمها حار يابس غليظ سوداوي مضر لا يصلح للأبدان اللطيفة. لحم الجمل: فرق ما بين الرافضة وأهل السنة كما أنه أحد الفروق بين اليهود وأهل الإسلام. فاليهود والرافضة تذمه ولا تأكله وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام حله وطالما أكله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حضرا وسفرا. ولحم الفصيل مه من ألذ اللحوم وأطيبها وأقواها غذاء وهو لمن اعتاده بمنزلة لحم الضأن لا يضرهم البتة ولا يولد لهم داء وإنما ذمه بعض الأطباء بالنسبة إلى أهل الرفاهية من أهل الحضر الذين لم يعتادوه فإن فيه حرارة ويبسا وتوليدا للسوداء وهو عسر الانهضام وفيه قوة غير محمودة لأجلها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوضوء من أكله في حديثين صحيحين 2 لا معارض لهما ولا يصح تأويلهما بغسل اليد لأنه خلاف المعهود من الوضوء في كلامه صلى الله عليه وسلم لتفريقه بينه وبين لحم الغنم فخير بين الوضوء وتركه منها وحتم الوضوء من لحوم الإبل. ولو حمل الوضوء على غسل اليد فقط لحمل على ذلك في قوله: من مس فرجه فليتوضأ . وأيضا: فإن آكلها قد لا يباشر أكلها بيده بأن يوضع في فمه فإن كان وضؤوه غسل يده فهو عبث وحمل لكلام الشارع على غير معهوده وعرفه ولا يصح معارضته بحديث: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار لعدة أوجه:  (1) النحل- 8. (2) أخرجه مالك وأحمد والنسائي وابن ماجة والترمذي.(1\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "283",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4992",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها: أن هذا عام والأ بالوضوء هذا خاص. الثاني: أن الجهة مختلفة فالأمر بالوضوء منها بجهة كونها لحم إبل سواء كان نيئا أو مطبوخا أو قديدا ولا تأثير للنار في الوضوء. وأما ترك الوضوء مما مست النار ففيه بيان أن مس النار ليس بسبب للوضوء فأين أحدهما من الآخر هذا فيه إثبات سبب الوضوء وهو كونه لحم إبل وهذا فيه نفي لسبب الوضوء وهو كونه ممسوس النار فلا تعارض بينهما بوجه. الثالث: أن هذا ليس فيه حكاية لفظ عام عن صاحب الشرع وإنما هو إخبار عن واقعة فعل في أمرين أحدهما: متقدم على الآخر كما جاء ذلك مبينا في نفس الحديث أنهم قربوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لحما فأكل ثم حضرت الصلاة فتوضأ فصلى ثم قربوا إليه فأكل ثم صلى ولم يتوضأ فكان آخر الأمرين منه ترك الوضوء مما مست النار هكذا جاء الحديث فاختصره الراوي لمكان الاستدلال فأين في هذا ما يصلح لنسخ الأمر بالوضوء منه حتى لو كان لفظا عاما متأخرا مقاوما لم يصلح للنسخ ووجب تقديم الخاص عليه وهذا في غاية الظهور. لحم الضب: تقدم الحديث في حله ولحمه حار يابس يقوي شهوة الجماع. لحم الغزال: الغزال أصلح الصيد وأحمده لحما وهو حار يابس وقيل: معتدل جدا نافع للأبدان المعتدلة الصحيحة وجيده الخشف. لحم الظبي: حار يابس في الأولى مجفف للبدن صالح للأبدان الرطبة. قال صاحب القانون : وأفضل لحوم الوحش لحم الظبي مع ميله إلى السوداوية. لحم الأرانب: ثبت في الصحيحين : عن أنس بن مالك قال: أنفجنا أرنبا فسعوا في طلبها فأخذوها فبعث أبو طلحة بوركها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله 1 . لحم الأرنب: معتدل إلى الحرارة واليبوسة وأطيبها وركها وأحمده أكل  (1) أخرجه البخاري ومسلم في الصيد.(1\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "284",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4993",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لحمها مشويا وهو يعقل البطن ويدر البول ويفتت الحصى وأكل رؤوسها ينفع من الرعشة. لحم حمار الوحش: ثبت في الصحيحين : من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض عمره وأنه صاد حمار وحش فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأكله وكانوا محرمين ولم يكن أبو قتادة محرما. وفي سنن ابن ماجه : عن جابر قال: أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش 1 . لحمه حار يابس كثير التغذية مولد دما غليظا سوداويا إلا أن شحمه نافع مع دهن القسط لوجع الظهر والريح الغليظة المرخية للكلى وشحمه جيد للكلف طلاء وبالجملة فلحوم الوحوش كلها تولد دما غليظا سوداويا وأحمده الغزال وبعده الأرنب. لحوم الأجنة: غير محمودة لاحتقان الدم فيها وليست بحرام لقوله صلى الله عليه وسلم: ذكاة الجنين ذكاة أمه ! 2 . ومنع أهل العراق من أكله إلا أن يدركه حيا فيذكيه وأولوا الحديث على أن المراد به أن ذكاته كذكاة أمه. قالوا: فهو حجة على التحريم وهذا فاسد فإن أول الحديث أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله! نذبح الشاة فنجد في بطنها جنينا أفنأكله فقال: كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه . وأيضا: فالقياس يقتضي حله فإنه ما دام حملا فهو جزء من أجزاء الأم فذكاتها ذكاة لجميع أجزائها وهذا هو الذي أشار إليه صاحب الشرع بقوله: ذكاته ذكاة أمه  كما تكون ذكاتها ذكاة سائر أجزائها فلو لم تأت عنه السنة الصريحة بأكله لكان القياس الصحيح يقتضي حله.  (1) أخرجه ابن ماجه في الذبائح. (2) أخرجه أبو داود وأحمد وابن ماجه والترمذي.(1\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "285",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4994",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لحم القديد: في السنن : من حديث ثوبان رضي الله عنه قال: ذبحت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة ونحن مسافرون فقال: أصلح لحمها فلم أزل أطعمه منه إلى المدينة. القديد: أنفع من النمكسود ويقوي الأبدان ويحدث حكة ودفع ضرره بالأبازير الباردة الرطبة ويصلح الأمزجة الحارة والنمكسود: حار يابس مجفف جيده من السمين الرطب يضر بالقولنج ودفع مضرته طبخه باللبن والدهن ويصلح للمزاج الحار الرطب. فصل في لحوم الطير قال الله تعالى: ولحم طير مما يشتهون 1 . وفي مسند البزار وغيره مرفوعا إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر مشويا بين يديك 2 . ومنه حلال ومنه حرام. فالحرام: ذو المخلب كالصقر والبازي والشاهين وما يأكل الجيف كالنسر والرخم واللقلق والعقعق والغراب الأبقع والأسود الكبير وما نهي عن قتله كالهدهد والصرد وما أمر بقتله كالحدأة والغراب. والحلال أصناف كثيرة فمنه الدجاج ففي الصحيحين : من حديث أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل لحم الدجاج 3 .  (1) الواقعة- 21. (2) أخرجه أبو داود ومسلم في الأضاحي. (3) أخرجه البخاري في الذبائح ومسلم في الايمان.(1\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "286",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4995",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو حار رطب في الأولى خفيف على المعدة سريع الهضم جيد الخلط يزيد في الدماغ والمني ويصفي الصوت ويحسن اللون ويقوي العقل ويولد دما جيدا وهو مائل إلى الرطوبة ويقال: إن مداومة أكله تورث النقرس ولا يثبت ذلك. ولحم الديك أسخن مزاجا وأقل رطوبة والعتيق منه دواء ينفع القولنج والربو والرياح الغليظة إذا طبخ بماء القرطم والشبث وخصيها محمود الغذاء سريع الانهضام والفراريج سريعة الهضم ملينة للطبع والدم المتولد منها دم لطيف جيد. لحم الدراج: حار يابس في الثانية خفيف لطيف سريع الانهضام مولد للدم المعتدل والإكثار منه يحد البصر. لحم الحجل: يولد الدم الجيد سريع الانهضام. لحم الإوم: حار يابس رديء الغذاء إذا اعتيد ولس بكثير الفضول. لحم البط: حار رطب كثير الفضول عسر الانهضام غير موافق للمعدة. لحم الحبارى: في السنن . من حديث بريه بن عمر بن سفينة عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: أكلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حبارى 1 . وهو حار يابس عسر الانهضام نافع لأصحاب الرياضة والتعب. لحم الكركي: يابس خفيف وفي حره وبرده خلاف يولد دما سوداويا ويصلح لأصحاب الكد والتعب وينبغي أن يترك بعد ذبحه يوما أو يومين ثم يؤكل.  (1) أخرجه أبو داود والترمذي.(1\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "287",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4996",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لحم العصافير والقنابر: روى النسائي في سننه : من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من إنسان يقتل عصفورا فما فوقه بغير حقه إلا سأله الله عز وجل عنها. قيل: يا رسول الله! وما حقه قال: تذبحه فتأكله ولا تقطع رأسه وترمي به 1 . وفي سننه أيضا: عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من قتل عصفورا عبثا عج إلى الله يقول: يا رب إن فلانا قتلني عبثا ولم يقتلني لمنفعة 2 . ولحمه حار يابس عاقل للطبيعة يزيد في الباه ومرقه يلين الطبع وينفع المفاصل وإذا أكلت أدمغتها بالزنجبيل والبصل هيجت شهوة الجماع وخلطها غير محمود. لحم الحمام: حار رطب وحشيه أقل رطوبة وفراخه أرطب خاصية وما ربي في الدور وناهضه أخف لحما وأحمد غذاء ولحم ذكورها شفاء من الاسترخاء والخدر والسكتة والرعشة وكذلك شم رائحة أنفاسها وأكل فراخها معين على النساء وهو جيد للكلى يزيد في الدم وقد روي فيها حديث باطل لا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن رجلا شكى إليه الوحدة فقال: اتخذ زوجا من الحمام 3 . وأجود من هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يتبع حمامة فقال: شيطان يتبع شيطانة . وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه في خطبته يأمر بقتل الكلاب وذبح الحمام.  (1) أخرجه النسائي في الصيد وأحمد الدارمي. (2) أخرجه أحمد والنسائي. (3) أخرجه أبو داود في الأدب وابن ماجه وأحمد والبخاري في الأدب المفرد.(1\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "288",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4997",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لحم القطا: يابس يولد السوداء ويحبس الطبع وهو من شر الغذاء إلا أنه ينفع من الاستسقاء. لحم السمانى: حار يابس ينفع المفاصل ويضر بالكبد الحار ودفع مضرته بالخل والكسفرة وينبغي أن يجتنب من لحوم الطير ما كان في الآجام والمواضع العفنة ولحوم الطير كلها أسرع انهضاما من المواشي وأسرعها انهضاما أقلها غذاء وهي الرقاب والأجنحة وأدمغتها أحمد من أدمغة المواشي. الجراد: في الصحيحين : عن عبد الله بن أبي أوفى قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد. وفي المسند عنه: أحلت لنا ميتتان ودمان: الحوت والجراد والكبد والطحال . يروى مرفوعا وموقوفا عى ابن عمر رضي الله عنه. وهو حار يابس قليل الغذاء وإدامة أكله تورث الهزال وإذا تبخر به نفع من تقطير البول وعسره وخصوصا للنساء ويتبخر به للبواسير وسمانه يشوى ويؤكل للسع العقرب وهو ضار لأصحاب الصرع رديء الخلط وفي إباحة ميتته بلا سبب قولان فالجمهور على حله وحرمه مالك ولا خلاف في إباحة ميتته إذا مات بسبب كالكبس والتحريق ونحوه. فصل وينبغي ألايداوم على أكل اللحم فإنه يورث الأمراض الدموية والامتلائية والحميات الحادة وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إياكم واللحم فإن له ضراوة كضراوة الخمر ذكره مالك في الموطأ عنه. وقال أبقراط: لا تجعلوا أجوافكم مقبرة للحيوان.(1\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "289",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4998",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اللبن: قال الله تعالى: وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين 1 . وقال في الجنة: فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه 2 . وفي السنن مرفوعا: من أطعمه الله طعاما فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإني لا أعلم ما يجزيء من الطعام والشراب إلا اللبن . اللبن: وإن كان بسيطا في الحس إلا أنه مركب في أصل الخلقة تركيبا طبيعيا من جواهر ثلاثة: الجبنية والسمنية والمائية فالجبنية: باردة رطبة مغذية للبدن والسمنية: معتدلة الحرارة والرطوبة ملائمة للبدن الإنساني الصحيح كثيرة المنافع والمائية: حارة رطبة مطلقة للطبيعة مرطبة للبدن واللبن على الإطلاق أبرد وأرطب من المعتدل. وقيل: قوته عند حلبه الحرارة والرطوبة. وقيل: معتدل في الحرارة والبرودة. وأجود ما يكون اللبن حين يحلب ثم لا يزال تنقص جودته على ممر الساعات فيكون حين يحلب أقل برودة وأكثر رطوبة والحامض بالعكس ويختار اللبن بعد الولادة بأربعين يوما وأجوده ما اشتد بياضه وطاب ريحه ولذ طعمه وكان فيه حلاوة يسيرة ودسومة معتدلة واعتدل قوامه في الرقة والغلظ وحلب من حيوان فتي صحيح معتدل اللحم محمود المرعى والمشرب. وهو محمود يولد دما جيدا ويرطب البدن اليابس ويغذو غذاء حسنا وينفع من الوسواس والغم والأمراض السوداوية وإذا شرب مع العسل نقى القروح الباطنة من الأخلاط العفنة وشربه مع السكر يحسن اللون جدا والحليب يتدارك ضرر الجماع ويوافق الصدر والرئة جيد لأصحاب السبل رديء للرأس والمعدة والكبد والطحال والإكثار منه مضر بالأسنان واللثة ولذلك ينبغي أن يتمضمض بعده بالماء وفي الصحيحين : أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب لبنا ثم دعا بماء فتمضمض وقال: إن له دسما .  (1) النحل- 66. (2) محمد- 15.(1\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "290",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "4999",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو رديء للمحمومين وأصحاب الصداع مؤذ للدماغ والرأس الضعيف والمداومة عليه تحدث ظلمة البصر والغشاء ووجع المفاصل وسدة الكبد والنفخ في المعدة والأحشاء وإصلاحه بالعسل والزنجبيل المربى ونحوه وهذا كله لمن لم يعتده. لبن الضأن: أغلظ الألبان وأرطبها وفيه من الدسومة والزهومة ما ليس في لبن الماعز والبقر يولد فضولا بلغميا ويحدث في الجلد بياضا إذا أدمن استعماله ولذلك ينبغي أن يشاب هذا اللبن بالماء ليكون ما نال البدن منه أقل وتسكينه للعطش أسرع وتبريده أكثر. لبن المعز: لطيف معتدل مطلق للبطن مرطب للبدن اليابس نافع من قروح الحلق والسعال اليابس ونفث الدم. واللبن المطلق أنفع المشروبات للبدن الإنساني لما اجتمع فيه من التغذية والدموية ولاعتياده حال الطفولية وموافقته للفطرة الأصلية وفي الصحيحين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي ليلة أسري به بقدح من خمر وقدح من لبن فنظر إليهما ثم أخذ اللبن فقال جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة لو أخذت الخمر غوت أمتك . والحامض منه بطيء الاستمراء خام الخلط والمعدة الحارة تهضمه وتنتفع به. لبن البقر: يغذو البدن ويخصبه ويطلق البطن باعتدال وهو من أعدل الألبان وأفضلها بين لبن الضأن ولبن المعز في الرقة واللظ والدسم وفي السنن: من حديث عبد الله بن مسعود يرفعه: عليكم بألبان البقر فإنها ترم من كل الشجر 1 . لبن الإبل: تقدم ذكره في أول الفصل وذكر منافعه فلا حاجة لإعادته.  (1) ليس في السنن بل هو في المستدرك.(1\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "291",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5000",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لبان: هو الكندر: قد ورد فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: بخروا بيوتكم باللبان والصعتر : ولا يصح عنه ولكن يروى عن علي أنه قال لرجل شكا إليه النسيان: عليك باللبان فإنه يشجع القلب ويذهب بالنسيان. ويذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أن شربه مع السكر على الريق جيد للبول والنسيان. ويذكر عن أنس رضي الله عنه أنه شكا إليه رجل النسيان فقال: عليك بالكندر وانقعه من الليل فإذا أصبحت فخذ منه شربة على الريق فإنه جيد للنسيان. ولهذا سبب طبيعي ظاهر فإن النسيان إذا كان لسوء مزاج بارد رطب يغلب على الدماغ فلا يحفظ ما ينطبع فيه نفع منه اللبان وأما إذا كان النسيان لغلبة شيء عارض أمكن زواله سريعا بالمرطبات. والفرق بينهما أن اليبوسي يتبعه سهر وحفظ الأمور الماضية دون الحالية والرطوبي بالعكس. وقد يحدث النسيان أشياء بالخاصية كحجامة نقرة القفا وإدمان أكل الكسفرة الرطبة والتفاح الحامض وكثرة الهم والغم والنظر في الماء الواقف والبول فيه والنظر إلى المصلوب والإكثار من قراءة ألواح القبور والمشي بين جملين مقطورين وإلقاء القمل في الحياض وأكل سؤر الفأر وأكثر هذا معروف بالتجربة. والمقصود: أن اللبان مسخن في الدرجة الثانية ومجفف في الأولى وفيه قبض يسير وهو كثير المنافع قليل المضار فمن منافعه: أن ينفع من قذف الدم ونزفه ووجع المعدة واستطلاق البطن ويهضم الطعام ويطرد الرياح ويجلو قروح العين وينبت اللحم في سائر القروح ويقوي المعدة الضعيفة ويسخنها ويجفف البلغم وينشف رطوبات الصدر ويجلو ظلمة البصر ويمنع القروح الخبيثة من الانتشار وإذا مضغ وحده أو مع الصعتر الفارسي جلب البلغم ونفع من اعتقال اللسان ويزيد في الذهن ويذكيه وإن بخر به ماء نفع من الوباء وطيب رائحة الهواء.(1\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "292",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5001",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حرف الميم ماء: مادة الحياة وسيد الشراب وأحد أركان العالم بل ركنه الأصلي فإن السماوات خلقت من بخاره والأرض من زبده وقد جعل الله منه كل شيء حي. وقد اختلف فيه: هل يغذو أو ينفذ الغذاء فقط على قولين وقد تقدما وذكرنا القول الراجح ودليله. وهو بارد رطب يقمع الحرارة ويحفظ على البدن رطوباته ويرد عليه بدل ما تحلل منه ويرقق الغذاء وينفذه في العروق. وتعتبر جودة الماء من عشرة طرق: أحدها: من لونه بأن يكون صافيا. الثاني: من رائحته بأن لا تكون له رائحة البتة. الثالث: من طعمه بأن يكون عذب الطعم حلوه كماء النيل والفرات. الرابع: من وزنه بأن يكون خفيفا رقيق القوام. الخامس: من مجراه بأن يكون طيب المجرى والمسلك. السادس: منبعه بأن يكون بعيد المنبع. السابع: من بروزه للشمس والريح! بأن لا يكون مختفيا تحت الأرض فلا تتمكن الشمس والريح من قصارته الثامن: من حركته بأن يكون سريع الجري والحركة. التاسع: من كثرته بأن يكون له كثرة يدفع الفضلات المخالطة له. العاشر: من مصبه بأن يكون آخذا من الشمال إلى الجنوب أو من المغرب إلى المشرق.(1\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "293",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5002",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا اعتبرت هذه الأوصاف. لم تجدها بكمالها إلا في الأنهار الأربعة: النيل والفرات وسيحون وجيحون. وفي الصحيحين : من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة 1 . وتعتبر خفة الماء من ثلاثة أوجه أحدها: سرعة قبوله للحر والبرد. قال أبقراط: الماء الذي يسخن سريعا ويبرد سريعا أخف المياه. الثاني: بالميزان الثالث: أن تبل قطنتان متساويتا الوزن بماءين مختلفين ثم يجففا بالغا ثم توزنا فأيتهما كانت أخف فماؤها كذلك. والماء وإن كان في الأصل باردا رطبا فإن قوته تنتقل وتتغير لأسباب عارضة توجب انتقالها فإن الماء المكشوف للشمال المستور عن الجهات الأخر يكون باردا وفيه يبس مكتسب من ريح الشمال وكذلك الحكم على سائر الجهات الأخر. والماء الذي ينبع من المعادن يكون على طبيعة ذلك المعدن ويؤثر في البدن تأثيره والماء العذب نافع للمرضى والأصحاء والبارد منه أنفع وألذ ولا ينبغي شربه على الريق ولا عقيب الجماع ولا الانتباه من النوم ولا عقيب الحمام ولا عقيب أكل الفاكهة وقد تقدم. وأما على الطعام فلا بأس به إذا اضطر إليه بل يتعين ولا يكثر منه بل يتمصصه مصا فإنه لا يضره البتة بل يقوي المعدة وينهض الشهوة ويزيل العطش. والماء الفاتر ينفخ ويفعل ضد ما ذكرناه وبائته أجود من طريه وقد تقدم. والبارد ينفع من داخل أكثر من نفعه من خارج والحار بالعكس وينفع البارد من عفونة الدم وصعود الأبخرة إلى الرأس ويدفع العفونات ويوافق الأمزجة والأسنان والأزمان والأماكن الحارة ويضر على كل حالة تحتاج إلى نضج وتحليل  (1) أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وليس في البخاري.(1\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "294",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5003",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كالزكام والأورام والشديد البرودة منه يؤذي الأسنان والإدمان عليه يحدث انفجار الدم والنزلات وأوجاع الصدر. والبارد والحار بإفراط ضاران للعصب ولأكثر الأعضاء لأن أحدهما محلل والآخر مكثف والماء الحار يسكن لذع الأخلاط الحادة ويحلل وينضج ويخرج الفضول ويرطب ويسخن ويفسد الهضم شربه ويطفوا الطعام إلى أعلى المعدة ويرخيها ولا يسرع في تسكين العطش ويذبل البدن ويؤذي إلى أمراض رديئة ويضر في أكثر الأمراض على أنه صالح للشيوخ وأصحاب الصرع والصداع البارد والرمد. وأنفع ما استعمل من خارج. ولا ظيصح في الماء المسخن بالشمس حديث ولا أثر ولا كرهه أحد من قدماء الأطباء ولا عابوه والشديد السخونة يذيب شحم الكلى وقد تقدم الكلام على ماء الأمطار في حرف العين. ماء الثلج والبرد: ثبت في الصحيحين : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو في الاستفتاح وغيره: الهم اغسلني من خطاياي بماء الثلج والبرد. الثلج له في نفسه كيفية حادة دخانية فماؤه كذلك وقد تقدم وجه الحكمة في طلب الغسل من الخطايا بمائه لما يحتاج إليه القلب من التبريد والتصليب والتقوية ويستفاد من هذا أصل طب الأبدان والقلوب ومعالجة أدوائها بضدها. وماء البرد ألطف وألذ من ماء الثلج وأما ماء الجمد وهو الجليد فبحسب أصله. والثلج يكتسب كيفية الجبال والأرض التي يسقط عليها في الجودة والرداءة وينبغي تجنب شرب الماء المثلوج عقيب الحمام والجماع والرياضة والطعام الحار ولأصحاب السعال ووجع الصدر وضعف الكبد وأصحاب الأمزجة الباردة. ماء الآبار والقني: مياه الآبار قليلة اللطافة وماء القني المدفونة تحت الأرض(1\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "295",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5004",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثقيل لأن أحدهما محتقن لا يخلو عن تعفن والآخر محجوب عن الهواء وينبغي ألا يشرب على الفور حتى يصمد للهواء وتأتي عليه ليلة وأردؤه ما كانت مجاريه من رصاص أو كانت بئره معطلة ولا سيما إذا كانت تربتها رديئة فهذا الماء وبيء وخيم. ماء زمزم: سيد المياه وأشرفها وأجلها قدرا وأحبها إلى النفوس وأغلاها تمنا وأنفسها عند الناس وهو هزمة جبريل وسقيا الله إسماعيل 1 . وثبت في الصحيح : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي ذر وقد أقام بين الكعبة وأستارها أربعين ما بين يوم وليلة ليس له طعام غيره فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنها طعام طعم 2 .. وزاد غير مسلم بإسناده: وشفاء سقم 3 . وفي سنن ابن ماجه . من حديث جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ماء زمزم لما شرب له 4 . وقد ضعف هذا الحديث طائفة بعبد الله بن المؤمل راويه عن محمد بن المنكدر وقد روينا عن عبد الله بن المبارك أنه لما حج أتى زمزم فقال: اللهم إن ابن أبي الموالي حدثنا عن محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله عنه عن نبيك صلى الله عليه وسلم أنه قال: ماء زمزم لما شرب له  وإني أشربه لظمأ يوم القيامة وابن أبي الموالي ثقة فالحديث إذا حسن وقد صححه بعضهم وجعله بعضهم موضوعا وكلا القولين فيه مجازفة. وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أمورا عجيبة واستشفيت به من عدة أمراض فبرأت بإذن الله وشاهدت من يتغذى به الأيام ذوات العدد قريبا من نصف الشهر أو أكثر ولا يجد جوعا ويطوف مع الناس كأحدهم وأخبرني أنه ربما بقي عليه أربعين يوما وكان له قوة يجامع بها أهله ويصوم ويطوف مرارا.  (1) أخرجه الدارقطني والحاكم. (2) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة. (3) أخرجه البزار والبيهقي والطيالسي. (4) أخرجه ابن ماجة وأحمد والبيهقي.(1\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "296",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5005",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ماء النيل: أحد أنهار الجنة أصله من وراء جبال القمر في أقصى بلاد الحبشة من أمطار تجتمع هناك وسيول يمد بعضها بعضا فيسوقه الله تعالى إلى الأرض الجرز التي لا نبات لها فيخرج به زرعا تأكل منه الأنعام والأنام ولما كانت الأرض التي يسوقه إليها إبليزا صلبة إن أمطرت مطر العادة لم ترو ولم تتهيأ للنبات وإن أمطرت فوق العادة ضرت المساكن والساكن وعطلت المعايش والمصالح فأمطر البلاد البعيدة ثم ساق تلك الأمطار إلى هذه الأرض في نهر عظيم وجعل سبحانه زيادته في أوقات معلومة على قدر ري البلاد وكفايتها فإذا أروى البلاد وعمها أذن سبحانه بتناقصه وهبوطه لتتم المصلحة بالتمكن من الزرع واجتمع في هذا الماء الأمور العشرة التي تقدم ذكرها وكان من ألطف المياه وأخفها وأعذبها وأحلاها. ماء البحر: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر: هو الطهور ماؤه الحل ميتته . وقد جعله الله سبحانه ملحا أجاجا مرا زعاقا لتمام مصالح من هو على وجه الأرض. من الآدميين والبهائم فإنه دائم راكد كثير الحيوان وهو يموت فيه كثيرا ولا يقبر فلو كان حلوا لأنتن من إقامته وموت حيواناته فيه وأجاف وكان الهواء المحيط بالعالم يكتسب منه ذلك وينتن ويجيف فيفسد العالم فاقتضت حكمة الرب سبحانه وتعالى أن جعله كالملاحة التي لو ألقي فيه حيف العالم كلها وأنتانه وأمواته لم تغيره شيئا ولا يتغير على مكثه من حين خلق وإلى أن يطوي الله العالم فهذا هو السبب الغائي الموجب لملوحته. وأما الفاعلي فكون أرضه سبخة الحة. وبعد فالاغتسال به نافع من آفات عديدة في ظاهر الجلد وشربه مضر بداخله وخارجه فإنه يطلق البطن ويهزل ويحدث حكة وجربا ونفخا وعطشا ومن اضطر إلى شربه فله طرق من العلاج يدفع بها مضرته. منها: أن يجعل في قدر ويجعل فوق القدر قصبات وعليها صوف جديد منفوش ويوقد تحت القدر حتى يرتفع بخارها إلى الصوفج فإذا كثر عصره ولا يزال يفعل ذلك حتى يجتمع له ما يريد فيحصل في الصوف من البخار ما عذب ويبقى في القدر الزعاق.(1\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "297",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5006",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: أن يحفر على شاطئه حفرة واسعة يرشح ماؤه إليها ثم إلى جانبها قريبا منها أخرى ترشح هي إليها ثم ثالثة إلى أن يعذب الماء. وإذا ألجأته الضرورة إلى شرب الماء الكدر فعلاجه أن يلقي فيه نوى المشمش أو قطعة من خشب الساج أو جمرا ملتهبا يطفأ فيه أو طينا أرمنيا أو سويق حنطة فإن كدرته ترسب إلى أسفل. مسك: ثبت في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أطيب الطيب المسك 1 . وفي الصحيحين : عن عائشة رضي الله عنها: كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك 2 . المسك: ملك أنواع الطيب وأشرفها وأطيبها وهو الذي تضرب به الأمثال ويشبه به غيره ولا يشبه بغيره وهو كثبان الجنة وهو حار يابس في الثانية يسر النفس ويقويها ويقوي الأعضاء الباطنة جميعها شربا وشما ويقوي الأعضاء الباطنة جميعها شربا وشما والظاهرة إذا وضع عليها. نافع للمشايخ والمبرودين لا سيما زمن الشتاء جيد للغشي والخفقان وضعف القوة بإنعاشه للحرارة الغريزية ويجلو بيام العين وينشف رطوبتها وظيفش الرياح منها ومن جميع الأعضاء ويبطل عمل السمومج وينفع من نهش الأفاعي ومنافعه كثيرة جداج وهو من أقوى المفرحات. مرزنجوش: ورد فيه حديث لا نعلم صحته: عليكم بالمرزنجوش فإنه جيد للخشام 3 والخشام: الزكام. وهو حار في الثالثة يابس في الثانية ينفع شمه من الصداع البارد والكائن عن البلغم والسوداء والزكام والرياح الغليظة ويفتح السدد الحادثة في الرأس  (1) أخرجه مسلم في الألفاظ. (2) أخرجه البخاري في الحج. (3) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ونسبه لابن السني وأبي نعيم في الطب.(1\/300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "298",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5007",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمنخرين ويحلل أكثر الأورام الباردة فينفع من أكثر الأورام والأوجاع الباردة الرطبة وإذا احتمل أدر الطمث وأعان على الحبل وإذا دق ورقه اليابس وكمد به أذهب آثار الدم العارض تحت العين وإذا ضمد به مع الخل نفع لسعة العقرب. ودهنه نافع لوجع الظهر والركبتين ويذهب بالإعياء ومن أدمن شمه لم ينزل في عينيه الماء وإذا استعط بمائه مع دهن اللوز المر فتح سدد المنخرين ونفع من الريح العارضة فيها وفي الرأس. ملح: روى ابن ماجه في سننه : من حديث أنس يرفعه: سيد إدامكم الملح 1 وسيد الشيء: هو الذي يصلحه ويقوم عليه وغالب الإدام إنما يصلح بالملح وفي مسند البزار مرفوعا: سيوشك أن تكونوا في الناس مثل ال الملح في الطعام ولا يصلح الطعام إلا بالملح 2 . وذكر البغوي في تفسيره : عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعا: إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: الحديد والنار والماء والملح .. والموقوف أشبه. الملح يصلح أجسام الناس وأطعمتهم ويصلح كل شيء يخالطه حتى الذهب والفضة وذلك أن فيه قوة تزيد الذهب صفرة والفضة بياضا وفيه جلاء وتحليل وإذهاب للرطوبات الغليظة وتنشيف لها وتقوية للأبدان ومنع من عفونتها وفسادها ونفع من الجرب المتقرح. وإذا اكتحل به قلع اللحم الزائد من العين ومحق الظفرة والأندراني أبلغ في ذلك ويمنع القروح الخبيثة من الانتشار ويحدر البراز وإذا دلك به بطون  (1) أخرجه ابن ماجة في الأطعمة. (2) رواه البزار والطبراني.(1\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "299",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5008",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصحاب الاستسقاء نفعهم وينقي الأسنان ويدفع عنها العفونة ويشد اللثة ويقويها ومنافعه كثيرة جدا.  حرف النون نخل: مذكور في القرآن في غير موضع وفي الصحيحين : عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتي بجمار نخلة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن من الشجر شجرة مثلها مثل الرجل المسلم لا يسقط ورقها أخبروني ما هي فوقع الناس في شجر البوادي فوقع في نفسي أنها النخلة فأردت أن أقول: هي النخلة ثم نظرت فإذا أنا أصغر القوم سنا فسكت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي النخلة  فذكرت ذلك لعمر فقال: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا 1 .. ففي هذا الحديث إلقاء العالم المسائل على أصحابه وتمرينهم واختبار ما عندهم. وفيه ضرب الأمثال والتشبيه. وفيه ما كان عليه الصحابة من الحياء من أكابرهم وإجلالهم وإمساكهم عن الكلام بين أيديهم. وفيه فرح الرجل بإصابة ولده وتوفيقه للصواب. وفيه أنه لا يكره للولد أن يجيب بما يعرف بحضرة أبيه وإن لم يعرفه الأب وليس في ذلك إساءة أدب عليه. وفيه ما تضمنه تشبيه المسلم بالنخلة من كثرة خيرها ودوام ظلها وطيب ثمرها ووجوده على الدوام.  (1) أخرجه البخاري في الأطعمة ومسلم في صفات المنافقين.(1\/302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "300",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5009",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وثمرها يؤكل رطبا ويابسا وبلحا ويانعا وهو غذاء ودواء وقوت وحلوى وشراب وفاكهة وجذوعها للبناء والآلات والأواني ويتخذ من خوصها الحصر والمكاتل والأواني والمراوح وغير ذلك ومن ليفها الحبال والحشايا وغيرها ثم آخر شيء نواها علف للإبل ويدخل في الأدوية والأكحال ثم جمال ثمرتها ونباتها وحسن هيئتها وبهجة منظرها وحسن نضد ثمرها وصنعته وبهجته ومسرة النفوس عند رؤيته فرؤيتها مذكرة لفاطرها وخالقها وبديع صنعته وكمال قدرته وتمام حكمته ولا شيء أشبه بها من الرجل المؤمن إذ هو خير كله ونفع ظاهر وباطن. وهي الشجرة التي حن جذعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فارقه شوقا إلى قربه وسماع كلامه وهي التي نزلت تحتها مريم لما ولدت عيسى عليه السلام وقد ورد في حديث في إسناده نظر: أكرموا عماتكم النخلة فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم.  . وقد اختلف الناس في تفضيلها على الحبلة أو بالعكس على قولين وقد قرن الله بينهما في كتابه في غير موضع وما أقرب أحدهما من صاحبه وإن كان كل واحد منهما في محل سلطانه ومنبته والأرض التي توافقه أفضل وأنفع. نرجس: فيه حديث لا يصح: عليكم بشم النرجس فإن في القلب حبة الجنون والجذام والبرص لا يقطعها إلا شم النرجس 2 . وهو حار يابس في الثانية وأصله يدمل القروح الغائرة إلى العصب وله قوة غسالة جالية جابذة وإذا طبخ وشرب ماؤه أو أكل مسلوقا هيج القيء وجذب الرطوبة من قعر المعدة وإذا طبخ مع الكرسنة والعسل نقى أوساخ القروح وفجر الدبيلات العسرة النضج.  (1) حديث موضوع. (2) أخرجه ابن ماجه في الأدب.(1\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "301",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5010",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وزهره معتدل الحرارة لطيف ينفع الزكام البارد وفيه تحليل قوي ويفتح سدد الدماغ والمنخرين وينفع من الصداع الرطب والسوداوي ويصدع الرؤوس الحارة والمحرق منه إذا شق بصله صليبا وغرس صار مضاعفا ومن أدمن شمه في الشتاء أمن من البرسام في الصيف وينفع من أوجاع الرأس الكائنة من البلغم والمرة السوداء وفيه من العطرية ما يقوي القلب والدماغ وينفع من كثير من أمراضها. وقال صاحب التيسير: شمه يذهب بصرع الصبيان. نورة: روى ابن ماجه: من حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اطلى بدأ بعورته فطلاها بالنورة وسائر جسده أهله وقد ورد فيها عدة أحاديث هذا أمثلها. قيل: إن أول من دخل الحمام وصنعت له النورة سليمان ابن داود وأصلها: كلس جزآن وزرنيخ جزء يخلطان بالماء ويتركان في الشمس أو الحمام بقدر ما تنضج وتشتد زرقته ثم يطلى به ويجلس ساعة ريثما يعمل ولا يمس بماء ثم يغسل ويطلى مكانها بالحناء لإذهاب ناريتها. نبق: فكر أبو نعيم في كتابه الطب النبوي : مرفوعا: إن آدم لما أهبط إلى الأرض كان أول شيء أكل من ثمارها النبق . وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم النبق في الحديث المتفق على صحته: أنه رأى سدة المنتهى ليلة أسري به وإذا نبقها مثل قلال هجر 1 . والنبق ثمر شجر السدر يعقل الطبيعة وينفع من الإسهال ويدبغ المعدة ويسكن الصفراء ويغذو البدن ويشهي الطعام ويولد بلغما وينفع الذرب الصفراوي وهو بطيء الهضم وسويقه يقوي الحشا وهو يصلح الأمزجة الصفراوية وتدفع مضرته بالشهد. واختلف فيه هل هو رطب أو يابس على قولين. والصحيح: أن رطبه بارد رطب ويابسه بارد يابس.  (1) أخرجه البخاري في بدء الخلق.(1\/304)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "302",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5011",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حرف الهاء هندبا: ورد فيها ثلاثة أحاديث لا تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولا يثبت مثلها بل هي موضوعة أحدها: كلوا الهندباء ولا تنفضوه فإنه ليس يوم من الأيام إلا وقطرات من الجنة تقطر عليه الثاني: من أكل الهندباء ثم نام عليها لم يحل فيه سم ولا سحر . الثالث: ما من ورقة من ورق الهندباء إلا وعليها قطرة من الجنة [1] . وبعد فهي مستحيلة المزاج منقلبة بانقلاب فصول السنة فهي في الشتاء باردة رطبة وفي الصيف حارة يابسة وفي الربيع والخريف معتدلة وفي غالب أحوالها تميل إلى البرودة واليبس وهي قابضة مبردة جيدة للمعدة وإذا طبخت وأكلت بخل عقلت البطن وخاصة البري منها فهي أجود للمعدة وأشد قبضا وتنفع من ضعفها وإذا تضمد بها سلبت الالتهاب العارض في المعدة وتنفع من النقرس ومن أورام العين الحارة وإذا تضمد بورقها وأصولها نفعت من لسع العقرب وهي تقوي المعدة وتفتح السدد العارضة في الكيد وتنفع من أوجاعها حارها وباردها وتفتح سدد الطحال والعروق والأحشاء وتنقي مجاري الكلى. وأنفعها للكبد أمرها وماؤها المعتصر ينفع من اليرقان السددي ولا سيما إذا خلط به ماء الرازيانج الرئب وإذا دق ورقها ووضع على الأورام الحارة بردها وحللها ويجلو ما في المعدة ويطفىء حرارة الدم والصفراء وأصلح ما أكلت غير مغسولة ولا منفوضة لأنها متى غسلت أو نفضت فارقتها قوتها وفيها مع ذلك قوة ترياقية تنفع من جميع السموم. وإذا اكتحل بمائها نفع من العشا ويدخل ورقها في الترياق وينفع من لدغ العقرب ويقاوم أكثر السموم وإذا اعتصر ماؤها وصب عليه الزيت خلص من الأدوية القتالة وإذا اعتصر أصلها وشرب(1\/305)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "303",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5012",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ماؤه نفع من لسع الأفاعي ولسع العقرب ولسع الزنبور ولبن أصلها يجلو بياض العين.  حرف الواو ورس: ذكر الترمذي في جامعه : من حديث زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ينعت الزيت والورس من ذات الجنب قال قتادة: يلد به ويلد من الجانب الذي يشتكيه 1 . وروى ابن ماجه في سننه من حديث زيد بن أرقم أيضا قال: نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذات الجنب ورسا وقسطا وزيتا يلد به. وصح عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كانت النفساء تقعد بعد نفاسها أربعين يوما وكانت إحدانا تطلي الورس على وجهها من الكلف 2 . قال أبو حنيفة اللغوي: الورس يزرع زرعا وليس ببري ولست أعرفه بغير أرض العرب ولا من أرض العرب بغير بلاد اليمن. وقوته في الحرارة واليبوسة في أول الدرجة الثانية وأجوده الأحمر اللين في اليد القليل النخالة ينفع من الكلف والحكة والبثور الكائنة في سطح البدن إذا طلي به وله قوة قابضة صابغة وإذا شرب نفع من الوضح ومقدار الشربة منه وزن درهم. وهو في مزاجه ومنافعه قريب من منافع القسط البحري وإذا لطخ به على البهق والحكة والبثور والسفعة نفع منها والثوب المصبوغ بالورس يقوي على الباه.  (1) أخرجه الترمذي في الطب وابن ماجة. (2) أخرجه أحمد في المسند وأبو داود والترمذي والدارقطني والحاكم والبيهقي.(1\/306)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "304",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5013",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسمة: هي ورق النيل وهي تسود الشعر وقد تقدم قريبا ذكر الخلاف في جواز الصبغ بالسواد ومن فعله.  حرف الياء يقطين: وهو الدباء والقرع وإن كان اليقطين أعم فإنه في اللغة: كل شجر لا تقوم على ساق كالبطيخ والقثاء والخيار قال الله تعالى: وأنبتنا عليه شجرة من يقطين 1 . فإن قيل: ما لا يقوم على ساق يسمى نجما لا شجرا والشجر: ما له ساق قاله أهل اللغة: فكيف قال: شجرة من يقطين 1 . فالجواب: أن الشجر إذا أطلق كان ما له ساق يقوم عليه وإذا قيد بشيء تقيد به فالفرق بين المطلق والمقيد في الأسماء باب مهم عظيم النفع في الفهم ومراتب اللغة. واليقطين المذكور في القرآن: هو نبات الدباء وثمره يسمى الدباء والقرع وشجرة اليقطين. وقد ثبت في الصحيحين : من حديث أنس بن مالك أن خياطا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه قال أنس رضي الله عنه: فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرب إليه خبزا من شعير ومرقا فيه دباء وقديد قال أنس: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حوالي الصحفة فلم أزل أحب الدباء من ذلك اليوم 2 . وقال أبو طالوت دخلت على أنس بن مالك رضي الله عنه وهو يأكل القرع ويقول: يا لك من شجرة ما أحبك إلي لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياك.  (1) الصافات- 146. (2) أخرجه البخاري في الأطعمة ومسلم في الأشربة.(1\/307)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "305",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5014",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الغيلانيات : من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة إذا طبختم قدرا فأكثروا فيها من الدباء فإنها تشد قلب الحزين . اليقطين: بارد رطب يغذو غذاء يسيرا وهو سريع الانحدار وإن لم يفسد قبل الهضم تولد منه خلط محمود ومن خاصيته أنه يتولد منه خلط محمود مجانس لما يصحبه فإن أكل بالخردل تولد منه خلط حريف وبالملح خلط مالح ومع القابض قابض وإن طبخ بالسفرجل غذا البدن غذاء جيدا. وهو لطيف مائي يغذو غذاء رطبا بلغميا وينفع المحرورين ولا يلائم المبرودين ومن الغالب عليهم البلغم وماؤه يقطع العطش ويذهب الصداع الحار إذا شرب أو غسل به الرأس وهو ملين للبطن كيف استعمل ولا يتداوى المحرورون بمثله ولا أعجل منه نفعا. ومن منافعه: أنه إذا لطخ بعجين وشوي في الفرن أو التنور واستخرج ماؤه وشرب ببعض الأشربة اللطيفة سكن حرارة الحمى الملتهبة وقطع العطش وغذى غذاء حسنا وإذا شرب بترنجبين وسفرجل مربى أسهل صفراء محضة. وإذا طبخ القرع وشرب ماؤه بشيء من عسل وشيء من نطرون أحدر بلغما ومرة معا وإذا دق وعمل منه ضماد على اليافوخ نفع من الأورام الحارة في الدماغ. وإذا عصرت جرادته وخلط ماؤها بدهن الورد وقطر منها في الأذن نفعت من الأورام الحارة وجرادته نافعة من أورام العين الحارة ومن النقرس الحار وهو شديد النفع لأصحاب الأمزجة الحارة والمحمومين ومتى صادف في المعدة خلطا رديئا استحال إلى طبيعته وفسد وولد في البدن خلطا رديئا ودفع مضرته بالخل والمري.(1\/308)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "306",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5015",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبالجملة فهو من ألطف الأغذية وأسرعها انفعالا ويذكر عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر من أكله. فصل [في المحاذير] وقد رأيت أن أختم الكلام في هذا الباب بفصل مختصر عظيم النفع في المحاذر والوصايا الكلية النافعة لتتم منفعة الكتاب ورأيت لابن ماسويه فصلا في كتاب المحاذير نقلته بلفظه قال: من أكل البصل أربعين يوما وكلف فلا يلومن إلا نفسه. ومن افتصد فأكل مالحا فأصابه بهق أو جرب فلا يلومن إلا نفسه. ومن جمع في معدته البيض والسمك فأصابه فالج أو لقوة فلا يلومن إلا نفسه. ومن دخل الحمام وهو ممتلىء فأصابه فالج فلا يلومن إلا نفسه. ومن جمع في معدته اللبن والسمك فأصابه جذام أو برص أو نقرس فلا يلومن إلا نفسه. ومن جمع في معدته اللبن والنبيذ فأصابه برص أو نقرس فلا يلومن إلا نفسه. ومن احتلم فلم يغتسل حتى وطىء أهله فولدت مجنونا أو مخبلا فلا يلومن إلا نفسه. ومن أكل بيضا مسلوقا باردا وامتلأ منه فأصابه ربو فلا يلومن إلا نفسه. ومن جامع فلم يصبر حتى يفرغ فأصابه حصاة فلا يلومن إلا نفسه.(1\/309)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "307",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5016",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن نظر في المرآة ليلا فأصابه لقوة أو أصابه داء فلا يلومن إلا نفسه.  فصل [في الحذر من أكل البيض والسمك معا] وقال ابن يختيشوع: احذر أن تجمع البيض والسمك فإنهما يورثان القولنج والبواسير ووجع الأضراس. وإدامة أكل البيض يولد الكلف في الوجه وأكل الملوحة والسمك المالح والافتصاد بعد الحمام يولد البهق والجرب. إدامة أكل كلى الغنم يعقر المثانة. الاغتسال بالماء البارد بعد أكل السمك الطري يولد الفالج. وطء المرأة الحائض يولد الجذام الجماع من غير أن يهريق الماء عقيبه يولد الحصاة طول المكث في المخرج يولد الداء الدوي. قال أبقراط: الإقلال من الضار خير من الإكثار من النافع. وقال: استديموا الصحة بترك التكاسل عن التعب وبترك الامتلاء من الطعام والشراب. وقال بعض الحكماء: من أراد الصحة فليجود الغذاء وليأكل على نقاء وليشرب على ظمأ وليقلل من شرب الماء ويتمدد بعد الغداء ويتمش بعد العشاء ولا ينم حتى يعرض نفسه على الخلاء وليحذر دخول الحمام عقيب الامتلاء ومرة في الصيف خير من عشر في الشتاء وأكل القديد اليابس بالليل معين على الفناء ومجامعة العجائز تهرم أعمار الأحياء وتسقم أبدان الأصحاء ويروى هذا عن علي رضي الله عنه ولا يصح عنه وإنما بعضه من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب وكلام غيره.(1\/310)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "308",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5017",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الحارث: من سره البقاء- ولا بقاء- فليباكر الغداء وليعجل العشاء وليخفف الرداء وليقل غشيان النساء. وقال الحارث: أربعة أشياء تهدم البدن: الجماع على البطنة ودخول الحمام على الامتلاء وأكل القديد وجماع العجوز. ولما احتضر الحارث اجتمع إليه الناس فقالوا: مرنا بأمر ننتهي إليه من بعدك فقال: لا تتزوجوا من النساء إلا شابة ولا تأكلوا من الفاكهة إلا في أوان نضجها ولا يتعالجن أحدكم ما احتمل بدنه الداء وعليكم بتنظيف المعدة في كل شهر فإنها مذيبة للبلغم مهلكة للمرة منبتة للحم وإذا تغذى أحدكم فلينم على إثر غدائه ساعة وإذا تعشى فليمش أربعين خطوة. وقال بعض الملوك لطبيبه: لعلك لا تبقى لي فصف لي صفة آخذها عنك فقال: لا تنكح إلا شابة ولا تأكل من اللحم إلا فتيا ولا تشرب الدواء إلا من علة ولا تأكل الفاكهة إلا في نضجها وأجد مضغ الطعام. وإذا أكلت نهارا فلا بأس أن تنام وإذا أكلت ليلا فلا تنم حتى تمشي ولو خمسين خطوة ولا تأكلن حتى تجوع ولا تتكارهن على الجماع ولا تحبس البول وخذ من الحمام قبل أن يأخذ منك ولا تأكلن طعاما وفي معدتك طعام وإياك أن تأكل ما تعجز أسنانك عن مصنفه فتعجز معدتك عن هضمه وعليك في كل أسبوع بقيئة تنقي جسمك ونعم الكنز الدم في جسدك فلا تخرجه إلا عند الحاجة إليه وعليك بدخول الحمام فإنه يخرج من الأطباق ما لا تصل الأدوية إلى إخراجه. وقال الشافعي: أربعة تقوي البدن: أكل اللحم وشم الطيب وكثرة الغسل من غير جماع ولبس الكتان. وأربعة توهن البدن: كثرة الجماع وكثرة الهم وكثرة شرب الماء على الريق وكثرة أكل الحامض.(1\/311)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "309",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5018",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأربعة تقوي البصر: الجلوس حيال الكعبة والكحل عند النوم والنظر الى الحقزة وتنظيف المجلس. وأربعة توهن البصر: النظر إلى القذر وإلى المصلوب وإلى فرج المرأة والقعود مستدبر القبلة. وأربعة تزيد في الجماع: أكل العصافير والإطريفل والفستق والخروب. وأربعة تزيد في العقل: ترك الفضول من الكلام والسواك ومجالسة الصالحين ومجالسة العلماء [1] . وقال أفلاطون: خمس يذبن البدن وربما قتلن قصر ذات اليد وفراق الأحبة وتجرع المغايظ ورد النصح وضحك ذوي الجهل بالعقلاء. وقال طبيب المأمون: عليك بخصال من حفظها فهو جدير ألايعتل إلا علة الموت: لا تأكل طعاما وفي معدتك طعام وإياك أن تأكل طعاما يتعب أضراسك في مضغه فتعجز معدتك عن هضمه وإياك وكثرة الجماع فإنه يطفى نور الحياة وإياك ومجامعة العجوز فإنه يورث موت الفجأة وإياك والفصد إلا عند الحاجة إليه وعليك بالقيء في الصيف. ومن جوامع كلمات أبقراط قوله: كل كثير فهو معاد للطبيعة. وقيل لجالينوس: مالك لا تمرض فقال: لأني لم أجمع بين طعامين رديئين ولم أدخل طعاما على طعام ولم أحبس في المعدة طعاما تأذيت به.(1\/312)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "310",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5019",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل [في ما يمرض الجسم] وأربعة أشياء تمرض الجسم: الكلام الكثير والنوم الكثير والأكل الكثير والجماع الكثير. فالكلام الكثير يقلل مخ الدماغ ويضعفه ويعجل الشيب. والنوم الكثير يصفر الوجه ويعمي القلب ويهيج العين ويكسل عن العمل ويولد الرطوبات في البدن. والأكل الكثير يفسد فم المعدة ويضعف الجسم ويولد الرياح الغليظة والأدواء العسرة. والجماع الكثير: يهد البدن ويضعف القوى ويجفف رطوبات البدن ويرخي العصب ويورث السدد ويعم ضرره جميع البدن ويخص الدماغ لكثرة ما يتحلل به من الروح النفساني وإضعافه أكثر من إضعاف جميع المستفرغات ويستفرغ من جوهر الروح شيئا كثيرا. وأنفع ما يكون إذا صادف شهوة صادقة من صورة جميلة حديثة السن حلالا مع سن الشبوبية وحرارة المزاج ورطوبته وبعد العهد به وخلاء القلب من الشواغل النفسانية ولم يفرط فيه ولم يقارنه ما ينبغي تركه معه من امتلاء مفرط أو خواء أو استفراغ أو رياضة تامة أو حر مفرط أو برد مفرط فإذا راعى فيه هذه الأمور العشرة انتفع به جدا وأيها فقد فقد حصل له من الضرر بحسبه وإن فقدت كلها أو أكثرها فهو الهلاك المعجل.  فصل [في الحمية المفرطة] والحمية المفرطة في الصحة. كالتخليط في المرض والحمية المعتدلة نافعة(1\/313)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "311",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5020",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال جالينوس لأصحابه: اجتنبوا ثلاثا وعليكم بأربع ولا حاجة بكم إلى طبيب: اجتنبوا الغبار والدخان والنتن وعليكم بالدسم والطيب والحلوى والحمام ولا تأكلوا فوق شبعكم ولا تتخللوا بالباذروج والريحان ولا تأكلوا الجوز عند المساء ولا ينم من به زكمة على قفاه ولا يأكل من به غم حامضا ولا يسرع المشي من افتصد فإنه مخاطرة الموت ولا يتقيأ من تؤلمه عينه ولا تأكلوا في الصيف لحما كثيرا ولا ينم صاحب الحمى الباردة في الشمس ولا تقربوا الباذنجان العتيق المبزر ومن شرب كل يوم في الشتاء قدحا من ماء حار أمن من الأعلال ومن دلك جسمه في الحمام بقشور الرمان أمن من الجرب والحكة ومن أكل خمس سوسنات مع قليل مصطكى رومي وعود خام ومسك بقي طول عمره لا تضعف معدته ولا تفسد ومن أكل بزر البطيخ مع السكر نظف الحصى من معدته وزالت عنه حرقة البول.  فصل [في ما يهدم البدن:] أربعة تهدم البدن: الهم والحزن والجوع والسهر. وأربعة تفرح: النظر إلى الخضرة وإلى الماء الجاري والمحبوب والثمار. وأربعة تظلم البصر: المشي حافيا والتصبح والتمسي بوجه البغيض والثقيل والعدو وكثرة البكاء وكثرة النظر في الخط الدقيق. وأربعة تقوي الجسم: لبس الثوب الناعم ودخول الحمام المعتدل وأكل الطعام الحلو الدسم وشم الروائح الطيبة. وأربعة تيبس الوجه وتذهب ماءه وبهجته وطلاوته: الكذب والوقاحة وكثرة السؤال عن غير علم وكثرة الفجور. وأربعة تزيد في ماء الوجه وبهجته: المروءة والوفاء والكرم والتقوى. وأربعة تجلب البغضاء والمقت: الكبر والحسد والكذب والنميمة.(1\/314)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "312",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5021",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأربعة تجلب الرزق: قيام الليل وكثرة الاستغفار بالأسحار وتعاهد الصدقة والذكر أول النهار وآخره. وأربعة تمنع الرزق: نوم الصبحة وقلة الصلاة والكسل والخيانة. وأربعة تضر بالفهم والذهن: إدمان أكل الحامض والفواكه والنوم على القفا والهم والغم. وأربعة تزيد في الفهم: فراغ القلب وقلة التملي من الطعام والشراب وحسن تدبير الغذاء بالأشياء الحلوة والدسمة وإخراج الفضلات المثقلة للبدن. ومما يضر بالعقل: إدمان أكل البصل والباقلا والزيتون والباذنجان وكثرة الجماع والوحدة والأفكار والسكر وكثرة الضحك والغم. قال بعض أهل النظر: قطعت في ثلاث مجالس فلم أجد لذلك علة إلا أني أكثرت من أكل الباذنجان في أحد تلك الأيام ومن الزيتون في الآخر ومن الباقلا في الثالث.  فصل قد أتينا على جملة من أجزاء الطب العلمي والعملي لعل الناظر لا يظفر بكثير منها إلا في هذا الكتاب وأريناك قرب ما بينهما وبين الشريعة وأن الطب النبوي نسبة طب الطبائعيين إليه أقل من نسبة طب العجائز إلى طبهم. والأمر فوق ما ذكرناه وأعظم مما وصفناه بكثير ولكن فيما ذكرناه تنبيه باليسير على ما وراءه ومن لم يرزقه الله بصيرة على التفصيل فليعلم ما بين القوة المؤيدة بالوحي من عند الله والعلوم التي رزقها الله الأنبياء والعقول والبصائر التي منحهم الله إياها وبين ما عند غيرهم. ولعل قائلا يقول: ما لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم وما لهذا الباب وذكر قوى الأدوية وقوانين العلاج وتدبير أمر الصحة وهذا من تقصير هذا القائل في فهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فإن هذا وأضعافه وأضعاف أضعافه من فهم بعض ما جاء به وإرشاده إليه ودلالته عليه وحسن الفهم عن الله ورسوله من يمن الله به على من يشاء من عباده.(1\/315)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "313",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5022",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقد أوجدناك أصول الطب الثلاثة في القرآن وكيف تنكر أن تكون شريعة المبعوث بصلاح الدنيا والآخرة مشتملة على صلاح الأبدان كاشتمالها على صلاح القلوب وأنها مرشدة إلى حفظ صحتها ودفع آفاتها بطرق كلية قد وكل تفصيلها إلى العقل الصحيح والفطرة السليمة بطريق القياس والتنبيه والإيماء كما هو في كثير من مسائل فروع الفقه ولا تكن ممن إذا جهل شيئا عاداه. ولو رزق العبد تضلعا من كتاب الله وسنة رسوله وفهما تاما في النصوص ولوازمها لاستغنى بذلك عن كل كلام سواه ولاستنبط جميع العلوم الصحيحة منه. فمدار العلوم كلها على معرفة الله وأمره وخلقه وذلك مسلم إلى الرسل صلوات الله عليهم وسلامه فهم أعلم الخلق بالله وأمره وخلقه وحكمته في خلقه وأمره. وطب أتباعهم: أصح وأنفع من طب غيرهم. وطب أتباع خاتمهم وسيدهم وإمامهم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وعليهم: أكمل الطب وأصحه وأنفعه ولا يعرف هذا إلا من عرف طب الناس سواهم وطبهم ثم وازن بينهما فحينئذ يظهر له التفاوت وهم أصح الأمم عقولا وفطرا وأعظمهم علما وأقربهم في كل شيء إلى الحق لأنهم خيرة الله من الأمم كما أن رسولهم خيرته من الرسل. والعلم الذي وهبهم إياه والحلم والحكمة أمر لا يدانيهم فيه غيرهم وقد روى الإمام أحمد في مسنده : من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن(1\/316)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "314",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5023",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله 1 فظهر أثر كرامتها على الله سبحانه في علومهم وعقولهم وأحلامهم وفطرهم وهم الذين عرضت عليهم علوم الأمم قبلهم وعقولهم وأعمالهم ودرجاتهم فازدادوا بذلك علما وحلما وعقولا إلى ما أفاض الله سبحانه وتعالى عليهم من علمه وحلمه. ولذلك كانت الطبيعة الدموية لهم والصفراوية لليهود والبلغمية للنصارى ولذلك غلب على النصارى البلادة وقلة الفهم والفطنة وغلب على اليهود الحزن والهم والصغار وغلب على المسلمين العقل والشجاعة والفهم والنجدة والفرح والسرور. وهذه أسرار وحقائق إنما يعرف مقدارها من حسن فهمه ولطف ذهنه وغزر علمه وعرف ما عند الناس وبالله التوفيق.  (1) أخرجه أحمد والترمذي.(1\/317)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "315",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5024",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفهرس الموضوع الصفحة المقدمة 5 فصل في الاحتماء من التخم والزيادة في الأكل على قدر الحاجة 17 القسم الأول العلاج بالأدوية الطبيعية فصل في علاج الحمى 23 فصل في علاج استطلاق البطن 29 فصل في الطاعون وعلاجه والاحتراز منه 32 فصل في داء الإستسقاء وعلاجه 38 فصل في علاج الجرح 41 فصل في العلاج بشرب العسل والحجامة والكي 42 فصل في أوقات الحجامة 47 فصل في قطع العروق والكي 51 فصل في علاج الصرع 53 فصل في علاج عرق النسا 57 فصل في يبس الطبع واحتياجه إلى ما يمشيه ويلينه 58 فصل في علاج حكة الجسم وما يولد القمل 60 فصل في علاج ذات الجنب 64 فصل في علاج الصداع والشقيقة 66 فصل في معالجة المرضى بترك ما يكرهونه من الطعام والشراب ولا يكرهون على تناولهما. 70 فصل في علاج العذرة وفي العلاج بالسعوط 73(1\/318)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "316",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5025",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل في علاج المفؤود 74 فصل في دفع ضرر الأغذية والفاكهة وإصلاحها بما يدفع ضررها ويقوي 78 نفعها فصل في الحمية 79 فصل في علاج الرمد بالسكون والدعة وترك الحركة والحمية مما يهيج الرمد 82 فصل في علاج الخدران الكلي الذي يجمد معه البدن 84 فصل في إصلاح الطعام الذي يقع فيه الذباب وإرشاده إلى دفع مضرات السموم بأضدادها 85 فصل في علاج البثرة 86 فصل في علاج الأورام والخراجات التي تبرأ بالبط والبزل 87 فصل في علاج المرضى بتطييب نفوسهم وتقوية قلوبهم 89 فصل في علاج الأبدان بما اعتادته من الأدوية والأغذية دون ما لم تعتده.. 90 فصل في تغذية المريض بألطف ما اعتاده من الأغذية 91 فصل في علاج السم الذي أصابه بخيبر من اليهود 93 فصل في علاج السحر الذي سحرته اليهود به 94 فصل في علاج الاستفراغ بالقيء 97 فصل في الإرشاد إلى معالجة أحذق الطبيبين 101 فصل في تضمين من طب الناس وهو جاهل بالطب 103 فصل في التحرز من الأدواء المعدية بطبعها وإرشاده الأصحاء الى مجانبة 111 اهلها فصل في المنع من التداوي بالمحرمات 116 فصل في علاج القمل الذي في الرأس وإزالته 119 فصل في العلاج لكل شكوى بالرقية الإلية 131 فصل في رقية اللديغ بالفاتحة 132 فصل في علاج لدغة العقرب بالرقية 135 فصل في علاج رقية النملة 138(1\/319)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "317",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5026",
        "book_id": "qym_4024",
        "book_name": " الطب النبوي لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل في علاج رقية الحية 139 فصل في علاج رقية القرحة والجرح 140 فصل في علاج الوجع بالرقية 141 فصل في علاج حر المصيبة وحزنها 143 فصل في علاج الكرب والهم والغم والحزن 148 فصل في بيان جهة تأثير هذه الأدوية في هذه الأمراض 151 فصل في علاج الفزع والأرق المانع من النوم 159 فصل في علاج داء الحريق وإطفائها 159 فصل في حفظ الصحة 160 فصل في هيئة الجلوس للأكل 166 فصل في تدبيره لأمر الملبس 179 فصل في تدبيره لأمر المسكن 180 فصل في تدبيره لأمر النوم واليقظة 180 فصل في علاج العشق 201 فصل في حفظ الصحة بالطيب 211 فصل في حفظ صحة العين 212 فصل في ذكر شيء من الأدوية والأغذية التي جاءت على لسانه صلى الله عليه وسلم مرتبة على حروف المعجم 214 فصل في لحوم الطير 290 الفهرست 323(1\/320)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "318",
        "book_number": "12",
        "slug": " -qym_4024"
    },
    {
        "id": "5027",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[مقدمة الكتاب] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا فهدى بنوره من الضلالة وبصر به من العمى وأرشد به من الغي وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.  [الحكم بالقرائن] أما بعد: وسألت عن الحاكم أو الوالي يحكم بالفراسة والقرائن التي يظهر له فيها الحق والاستدلال بالأمارات ولا يقف مع مجرد ظواهر البينات والإقرار حتى إنه ربما يتهدد أحد الخصمين إذا ظهر منه أنه مبطل وربما ضربه وربما سأله عن أشياء تدله على صورة الحال. فهل ذلك صواب أم خطأ فهذه مسألة كبيرة عظيمة النفع جليلة القدر إن أهملها الحاكم أو الوالي أضاع حقا كثيرا وأقام باطلا كثيرا وإن توسع فيها وجعل معوله عليها دون الأوضاع الشرعية وقع في أنواع من الظلم والفساد وقد سئل أبو الوفاء ابن عقيل عن هذه المسألة فقال: ليس ذلك حكما بالفراسة بل هو حكم بالأمارات. وإذا تأملتم الشرع وجدتموه يجوز التعويل على ذلك وقد ذهب مالك - رحمه الله - إلى التوصل بالإقرار بما يراه الحاكم وذلك مستند إلى قوله تعالى: إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين [يوسف: 26] ولذا حكمنا بعقد الأزج وكثرة الخشب في(1\/3)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5028",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحائط ومعاقد القمط في الخص وما يخص المرأة والرجل في الدعاوى. وفي مسألة العطار والدباغ إذا اختصما في الجلد والنجار والخياط إذا تنازعا في المنشار والقدوم والطباخ والخباز إذا تنازعا في القدر ونحو ذلك فهل ذلك إلا الاعتماد على الأمارات وكذلك الحكم بالقافة والنظر في أمر الخنثى والأمارات الدالة على أحد حاليه. والنظر في أمارات جهة القبلة واللوث في القسامة. انتهى. فالحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات ودلائل الحال ومعرفة شواهده وفي القرائن الحالية والمقالية كفقهه في جزئيات وكليات الأحكام: أضاع حقوقا كثيرة على أصحابها. وحكم بما يعلم الناس بطلانه لا يشكون فيه اعتمادا منه على نوع ظاهر لم يلتفت إلى باطنه وقرائن أحواله. فهاهنا نوعان من الفقه لا بد للحاكم منهما: فقه في أحكام الحوادث الكلية وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس يميز به بين الصادق والكاذب والمحق والمبطل. ثم يطابق بين هذا وهذا فيعطي الواقع حكمه من الواجب ولا يجعل الواجب مخالفا للواقع. ومن له ذوق في الشريعة واطلاع على كمالاتها وتضمنها لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد ومجيئها بغاية العدل الذي يسع الخلائق وأنه لا عدل فوق عدلها ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح: تبين له أن السياسة العادلة جزء من أجزائها وفرع من فروعها وأن من له معرفة بمقاصدها ووضعها وحسن فهمه فيها: لم يحتج معها إلى سياسة غيرها ألبتة. فإن السياسة نوعان: سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر فهي من الشريعة علمها من علمها وجهلها من جهلها. ولا تنس في هذا الموضع قول سليمان نبي الله - صلى الله عليه وسلم - للمرأتين اللتين ادعتا الولد. فحكم به داود(1\/4)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5029",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "- صلى الله عليه وسلم - للكبرى فقال سليمان quot; ائتوني بالسكين أشقه بينكما quot; فسمحت الكبرى بذلك فقالت الصغرى: quot; لا تفعل يرحمك الله هو ابنها quot; فقضى به للصغرى فأي شيء أحسن من اعتبار هذه القرينة الظاهرة فاستدل برضا الكبرى بذلك وأنها قصدت الاسترواح إلى التأسي بمساواة الصغرى في فقد ولدها وبشفقة الصغرى عليه وامتناعها من الرضا بذلك: على أنها هي أمه وأن الحامل لها على الامتناع هو ما قام بقلبها من الرحمة والشفقة التي وضعها الله تعالى في قلب الأم وقويت هذه القرينة عنده حتى قدمها على إقرارها فإنه حكم به لها مع قولها quot; هو ابنها quot;. وهذا هو الحق فإن الإقرار إذا كان لعلة اطلع عليها الحاكم لم يلتفت إليه أبدا. ولذلك ألغينا إقرار المريض مرض الموت بمال لوارثه لانعقاد سبب التهمة واعتمادا على قرينة الحال في قصده تخصيصه. ومن تراجم قضاة السنة والحديث على هذا الحديث ترجمة أبي عبد الرحمن النسائي في سننه quot; قال: quot; التوسعة للحاكم في أن يقول للشيء الذي لا يفعله أفعل كذا ليستبين به الحق quot;. ثم ترجم عليه ترجمة أخرى أحسن من هذه فقال: quot; الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم عليه إذا تبين للحاكم أن الحق غير ما اعترف به quot; فهكذا يكون الفهم عن الله ورسوله. ثم ترجم عليه ترجمة أخرى فقال: quot; نقض الحاكم ما حكم به غيره ممن هو مثله أو أجل منه quot; فهذه ثلاث قواعد ورابعة: وهي ما نحن فيه وهي الحكم بالقرائن وشواهد الحال. وخامسة: وهي أنه لم يجعل الولد لهما كما يقوله أبو حنيفة فهذه خمس سنن في هذا الحديث. ومن ذلك: قول الشاهد الذي ذكر الله شهادته ولم ينكر عليه ولم يعبه بل حكاها مقررا لها فقال تعالى: واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم [يوسف: 25] قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين [يوسف: 26] وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين [يوسف: 27] فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم [يوسف: 28](1\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5030",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتوصل بقد القميص إلى معرفة الصادق منهما من الكاذب. وهذا لوث في أحد المتنازعين يبين به أولاهما بالحق. وقد ذكر الله سبحانه اللوث في دعوى المال في قصة شهادة أهل الذمة على المسلمين في الوصية في السفر وأمر بالحكم بموجبه. وحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بموجب اللوث في القسامة وجوز للمدعين أن يحلفوا خمسين يمينا ويستحقون دم القتيل  فهذا لوث في الدماء والذي في سورة المائدة لوث في الأموال والذي في سورة يوسف لوث في الدعوى في العرض ونحوه. وهذا حكم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - والصحابة معه - رضي الله عنهم - برجم المرأة التي ظهر بها الحبل ولا زوج لها ولا سيد. وذهب إليه مالك وأحمد - في أصح روايتيه - اعتمادا على القرينة الظاهرة. وحكم عمر وابن مسعود - رضي الله عنهما - ولا يعرف لهما مخالف - بوجوب الحد برائحة الخمر من في الرجل أو قيئه خمرا اعتمادا على القرينة الظاهرة. ولم تزل الأئمة والخلفاء يحكمون بالقطع إذا وجد المال المسروق مع المتهم وهذه القرينة أقوى من البينة والإقرار فإنهما خبران يتطرق إليهما الصدق والكذب ووجود المال معه نص صريح لا يتطرق إليه شبهة وهل يشك أحد رأى قتيلا يتشحط في دمه وآخر قائما على رأسه بالسكين: أنه قتله ولا سيما إذا عرف بعداوته ولهذا جوز جمهور العلماء لولي القتيل أن يحلف خمسين يمينا أن ذلك الرجل قتله ثم قال مالك وأحمد: يقتل به. وقال الشافعي: يقضى عليه بديته وكذلك إذا رأينا رجلا مكشوف الرأس - وليس ذلك عادته - وآخر هاربا قدامه بيده(1\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5031",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عمامة وعلى رأسه عمامة: حكمنا له بالعمامة التي بيد الهارب قطعا ولا نحكم بها لصاحب اليد التي قد قطعنا وجزمنا بأنها يد ظالمة غاصبة بالقرينة الظاهرة التي هي أقوى بكثير من البينة والاعتراف. وهل القضاء بالنكول إلا رجوع إلى مجرد القرينة الظاهرة التي علمنا بها ظاهرا أنه لولا صدق المدعي لدفع المدعى عليه دعواه باليمين فلما نكل عنها كان نكوله قرينة ظاهرة دالة على صدق المدعي فقدمت على أصل براءة الذمة. وكثير من القرائن والأمارات أقوى من النكول والحس شاهد بذلك فكيف يسوغ تعطيل شهادتها ومن ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الزبير أن يقرر عم حيي بن أخطب بالعذاب على إخراج المال الذي غيبه وادعى نفاده فقال له: العهد قريب والمال أكبر من ذلك . فهاتان قرينتان في غاية القوة: كثرة المال وقصر المدة التي ينفق كله فيها. وشرح ذلك: أنه - صلى الله عليه وسلم - لما أجلى يهود بني النضير من المدينة على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم غير الحلقة والسلاح وكان لابن أبي الحقيق مال عظيم - بلغ مسك ثور من ذهب وحلي - فلما فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر - وكان بعضها عنوة وبعضها صلحا - ففتح أحد جانبيها صلحا. وتحصن أهل الجانب الآخر. فحصرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعة عشر يوما فسألوه الصلح وأرسل ابن أبي الحقيق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنزل فأكلمك فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نعم فنزل ابن أبي الحقيق فصالح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على حقن دماء من في حصونهم من المقاتلة. وترك الذرية لهم ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم ويخلون بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين ما كان لهم من مال وأرض وعلى الصفراء والبيضاء والكراع والحلقة إلا ثوبا على ظهر إنسان. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتموني شيئا فصالحوه على ذلك . قال حماد بن سلمة: أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم فغلب على الزرع والأرض والنخل فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصفراء والبيضاء واشترط عليهم ألا يكتموا ولا يغيبوا شيئا فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد فغيبوا مسكا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعم حيي بن أخطب: ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير قال: أذهبته النفقات والحروب قال العهد قريب والمال أكثر(1\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5032",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من ذلك فدفعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الزبير فمسه بعذاب وقد كان قبل ذلك دخل خربة فقال: قد رأيت حييا يطوف في خربة هاهنا. فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة. فقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابني أبي الحقيق - وأحدهما زوج صفية - بالنكث الذي نكثوا . ففي هذه السنة الصحيحة الاعتماد على شواهد الحال والأمارات الظاهرة وعقوبة أهل التهم وجواز الصلح على الشرط وانتقاض العهد إذا خالفوا ما شرط عليهم وفيه من الحكم: إخزاء الله لأعدائه بأيديهم وسعيهم وإلا فهو سبحانه قادر على أن يطلع رسوله على الكنز فيأخذه عنوة. ولكن كان في أخذه على هذه الحال من الحكم والفوائد وإخزاء الكفرة أنفسهم بأيديهم ما فيه والله أعلم. وفي بعض طرق هذه القصة أن ابن عم كنانة اعترف بالمال حين دفعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الزبير فعذبه . وفي ذلك دليل على صحة إقرار المكره إذا ظهر معه المال وأنه إذا عوقب على أن يقر بالمال المسروق فأقر به وظهر عنده: قطعت يده وهذا هو الصواب بلا ريب. وليس هذا إقامة للحد بالإقرار الذي أكره عليه ولكن بوجود المال المسروق معه الذي توصل إليه بالإقرار.(1\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5033",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في صور للحكم بالقرينة] 1 - (فصل) ومن ذلك: قول أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - للظعينة التي حملت كتاب حاطب بن أبي بلتعة فأنكرته. فقال لها: quot; لتخرجن الكتاب أو لأجردنك quot; فلما رأت الجد أخرجته من عقاصها. وعلى هذا: إذا ادعى الخصم الفلس وأنه لا شيء معه فقال المدعي للحاكم: المال معه وسأل تفتيشه وجب على الحاكم إجابته إلى ذلك ليصل صاحب الحق إلى حقه. وقد كان الأسرى من قريظة يدعون عدم البلوغ فكان الصحابة يكشفون عن مآزرهم بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيعلمون بذلك البالغ من غيره  وأنت تعلم في مسألة الهارب - وفي يده عمامة وعلى رأسه أخرى وآخر حاسر الرأس خلفه - علما ضروريا أن العمامة له وأنه لا نسبة لظهور صدق صاحب اليد إلى هذا العلم بوجه من الوجوه. فكيف تقدم اليد - التي غايتها أن تفيد ظنا ما عند عدم العارض - على هذا العلم الضروري اليقيني وينسب ذلك إلى الشريعة. 2 - (فصل) ومن ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الملتقط أن يدفع اللقطة إلى واصفها وأمره أن يعرف عفاصها ووعاءها ووكاءها كذلك فجعل وصفه لها قائما مقام البينة بل ربما يكون وصفه لها أظهر(1\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5034",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأصدق من البينة. وقد سئل الإمام أحمد عن المستأجر ومالك الدار إذا تنازعا دفينا في الدار فكل واحد منهما يدعي أنه له فقال: من وصفه منهما فهو له. وهذا من كمال فقهه وفهمه - رضي الله عنه - وسئل عن البلد يستولي عليه الكفار ثم يفتحه المسلمون فتوجد فيه أبواب مكتوب عليها كتابة المسلمين أنها وقف: أنه يحكم بذلك لقوة هذه الأمارة وظهورها. 3 - (فصل) وكذلك: اللقيط إذا تداعاه اثنان ووصف أحدهما علامة خفية بجسده حكم له به عند الجمهور. 4 - (فصل) ومن ذلك: حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه من بعده - رضي الله عنهم - بالقافة  وجعلها دليلا من أدلة ثبوت النسب وليس هاهنا إلا مجرد الأمارات والعلامات. قال بعض الفقهاء: ومن العجب إنكار لحقوق النسب بالقافة التي اعتبرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمل بها الصحابة من بعده وحكم به عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وإلحاق النسب في مسألة من تزوج بأقصى المغرب امرأة بأقصى المشرق وبينهما مسافة سنين ثم جاءت بعد العقد بأكثر من ستة أشهر بولد أو تزوجها ثم قال عقيب العقد: هي طالق ثلاثا ثم أتت بولد: أنه يكون ابنه لأنها فراش. وأعجب من ذلك: أنها تصير فراشا بهذا العقد بمجرده ولو كانت له سرية يطؤها ليلا ونهارا فأتت بولد لم يلحقه نسبه. لأنها ليست فراشا له ولا يلحقه حتى يدعيه فيلحقه بالدعوى لا بالفراش. وقد تقدم استشهاد ابن عقيل باللوث في القسامة وهو من أحسن الاستشهاد فإنه اعتماد على ظاهر الأمارات المغلبة على الظن صدق المدعي فيجوز له أن يحلف بناء على ذلك ويجوز للحاكم - بل يجب عليه - أن يثبت له حق القصاص أو الدية مع علمه أنه لم ير ولم يشهد فإذا كان هذا في الدماء المبني أمرها على الحظر والاحتياط فكيف بغيرها . ومن ذلك: فإنا نحكم بقتل المرأة أو بحبسها إذا نكلت عن اللعان والصحيح: أنا نحدها. وهو مذهب الشافعي وهو الذي دل عليه القرآن في قوله تعالى: ويدرأ عنها العذاب [النور: 8] والعذاب هاهنا: هو العذاب المذكور في أول السورة في قوله تعالى: وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين [النور: 2] فأضافه أولا وعرفه باللام ثانيا وهو عذاب واحد.(1\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5035",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمقصود أن نكول المرأة من أقوى الأمارات على صدق الزوج فقام لعانه ونكولها مقام الشهود. 5 - (فصل) ومن ذلك أن ابني عفراء لما تداعيا قتل أبي جهل فقال - صلى الله عليه وسلم -: هل مسحتما سيفيكما . قالا: لا قال فأرياني سيفيكما. فلما نظر فيهما قال لأحدهما: هذا قتله وقضى له بسلبه . وهذا من أحسن الأحكام وأحقها بالاتباع فالدم في النصل شاهد عجيب. وبالجملة: فالبينة اسم لكل ما يبين الحق ويظهره ومن خصها بالشاهدين أو الأربعة أو الشاهد لم يوف مسماها حقه. ولم تأت البينة قط في القرآن مرادا بها الشاهدان وإنما أتت مرادا بها الحجة والدليل والبرهان مفردة مجموعة وكذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: البينة على المدعي المراد به: أن عليه بيان ما يصحح دعواه ليحكم له والشاهدان من البينة ولا ريب أن غيرها من أنواع البينة قد يكون أقوى منها لدلالة الحال على صدق المدعي. فإنها أقوى من دلالة إخبار الشاهد والبينة والدلالة والحجة والبرهان والآية والتبصرة والعلامة والأمارة: متقاربة في المعنى. وقد روى ابن ماجه وغيره عن جابر بن عبد الله قال: أردت السفر إلى خيبر فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت له: إني أريد الخروج إلى خيبر فقال: إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا(1\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5036",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا طلب منك آية فضع يدك على ترقوته فهذا اعتماد في الدفع إلى الطالب على مجرد العلامة وإقامة لها مقام الشاهد. فالشارع لم يلغ القرائن والأمارات ودلالات الأحوال بل من استقرأ الشرع في مصادره وموارده وجده شاهدا لها بالاعتبار مرتبا عليها الأحكام وقول أبي الوفاء ابن عقيل: quot; ليس هذا فراسة quot; فيقال: ولا محذور في تسميته فراسة فهي فراسة صادقة. وقد مدح الله سبحانه الفراسة وأهلها في مواضع من كتابه فقال تعالى: إن في ذلك لآيات للمتوسمين [الحجر: 75] وهم المتفرسون الآخذون بالسيما وهي العلامة يقال: تفرست فيك كيت وكيت وتوسمته. وقال تعالى: ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم [محمد: 30] وقال تعالى: يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم [البقرة: 273] وفي quot; جامع الترمذي quot; مرفوعا: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثم قرأ إن في ذلك لآيات للمتوسمين [الحجر: 75]  .  [فصل في العمل في السلطنة بالسياسة الشريعة] 6 - (فصل) وقال ابن عقيل في الفنون quot;: جرى في جواز العمل في السلطنة بالسياسة الشرعية: أنه هو الحزم ولا يخلو من القول به إمام. فقال شافعي: لا سياسة إلا ما وافق الشرع. فقال ابن عقيل: السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا نزل به وحي فإن أردت بقولك: quot; إلا ما وافق الشرع quot; أي لم يخالف ما نطق به الشرع: فصحيح. وإن أردت: لا سياسة إلا ما نطق به الشرع: فغلط وتغليط للصحابة فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والتمثيل ما لا يجحده عالم بالسنن ولو لم يكن إلا تحريق عثمان المصاحف.(1\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5037",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنه كان رأيا اعتمدوا فيه على مصلحة الأمة وتحريق علي - رضي الله عنه - الزنادقة في الأخاديد وقال: لما رأيت الأمر أمرا منكرا ... أججت ناري ودعوت قنبرا ونفي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لنصر بن حجاج. اهـ. وهذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام وهو مقام ضنك ومعترك صعب فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود وضيعوا الحقوق وجرءوا أهل الفجور على الفساد وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلى غيرها وسدوا على نفوسهم طرقا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له وعطلوها مع علمهم وعلم غيرهم قطعا أنها حق مطابق للواقع ظنا منهم منافاتها لقواعد الشرع. ولعمر الله إنها لم تناف ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإن نافت ما فهموه من شريعته باجتهادهم والذي أوجب لهم ذلك: نوع تقصير في معرفة الشريعة وتقصير في معرفة الواقع وتنزيل أحدهما على الآخر فلما رأى ولاة الأمور ذلك وأن الناس لا يستقيم لهم أمرهم إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة أحدثوا من أوضاع سياساتهم شرا طويلا وفسادا عريضا فتفاقم الأمر وتعذر استدراكه وعز على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك واستنقاذها من تلك المهالك. وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله وكلتا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه. فإن الله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به الأرض والسموات. فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه والله سبحانه أعلم وأحكم وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة وأبين أمارة. فلا يجعله منها ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده وقيام الناس بالقسط فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين وليست مخالفة له.(1\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5038",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلا يقال: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع بل هي موافقة لما جاء به بل هي جزء من أجزائه ونحن نسميها سياسة تبعا لمصطلحهم وإنما هي عدل الله ورسوله ظهر بهذه الأمارات والعلامات. فقد حبس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تهمة وعاقب في تهمة لما ظهرت أمارات الريبة على المتهم  فمن أطلق كل متهم وحلفه وخلى سبيله - مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض وكثرة سرقاته وقال: لا آخذه إلا بشاهدي عدل - فقوله مخالف للسياسة الشرعية. وقد منع النبي - صلى الله عليه وسلم - الغال من الغنيمة سهمه وحرق متاعه هو وخلفاؤه من بعده ومنع القاتل من السلب لما أساء شافعه على أمير السرية  فعاقب المشفوع له عقوبة للشفيع. وعزم على تحريق بيوت تاركي الجمعة والجماعة . وأضعف الغرم على سارق ما لا قطع فيه وشرع فيه جلدات نكالا وتأديبا وأضعف الغرم على كاتم الضالة عن صاحبها .(1\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5039",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال في تارك الزكاة: إنا آخذوها منه وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا . وأمر بكسر دنان الخمر . وأمر بكسر القدور التي طبخ فيها اللحم الحرام. ثم نسخ عنهم الكسر وأمرهم بالغسل . وأمر عبد الله بن عمرو بتحريق الثوبين المعصفرين فسجرهما في التنور . وأمر المرأة التي لعنت ناقتها أن تخلي سبيلها . وأمر بقتل شارب الخمر بعد الثالثة والرابعة  ولم ينسخ ذلك ولم يجعله حدا لا بد منه بل(1\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5040",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو بحسب المصلحة إلى رأي الإمام وكذلك زاد عمر - رضي الله عنه - عنه في الحد عن الأربعين ونفى فيها. وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتل الذي كان يتهم بأم ولده فلما تبين أنه خصي تركه وأمر بإمساك اليهودي الذي أومأت الجارية برأسها أنه رضخه بين حجرين فأخذ فأقر فرضخ رأسه وهذا يدل على جواز أخذ المتهم إذا قامت قرينة التهمة. والظاهر: أنه لم تقم عليه بينة ولا أقر اختيارا منه للقتل وإنما هدد أو ضرب فأقر وكذلك العرنيون فعل بهم ما فعل بناء على شاهد الحال ولم يطلب بينة بما فعلوا ولا وقف الأمر على إقرارهم.  [فصل في صور للعمل بالسلطنة بالسياسة الشرعية] 7 - (فصل) وسلك أصحابه وخلفاؤه من بعده ما هو معروف لمن طلبه فمن ذلك: أن أبا بكر - رضي الله عنه - حرق اللوطية وأذاقهم حر النار في الدنيا قبل الآخرة. وكذلك قال أصحابنا: إذا رأى الإمام تحريق اللوطي فله ذلك. فإن خالد بن الوليد - رضي الله عنه - كتب إلى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - quot; أنه وجد في بعض نواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة quot; فاستشار الصديق أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيهم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وكان أشدهم قولا فقال: quot; إن هذا الذنب لم تعص به أمة من الأمم إلا واحدة فصنع الله بهم ما قد علمتم أرى أن يحرقوا بالنار فاجتمع رأي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن يحرقوا بالنار. فكتب أبو بكر(1\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5041",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى خالد quot; أن يحرقوا quot; فحرقهم. ثم حرقهم عبد الله بن الزبير في خلافته. ثم حرقهم هشام بن عبد الملك. وحرق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حانوت الخمار بما فيه. وحرق قرية يباع فيها الخمر. وحرق قصر سعد بن أبي وقاص لما احتجب في قصره عن الرعية. فذكر الإمام أحمد - رحمه الله - في مسائل ابنه صالح: أنه دعا محمد بن مسلمة فقال: quot; اذهب إلى سعد بالكوفة فحرق عليه قصره ولا تحدثن حدثا حتى تأتيني quot; فذهب محمد إلى الكوفة فاشترى من نبطي حزمة حطب وشرط عليه حملها إلى قصر سعد. فلما وصل إليه ألقى الحزمة فيه وأضرم فيها النار فخرج سعد فقال: quot; ما هذا quot; قال: quot; عزمة أمير المؤمنين فتركه حتى احترق. ثم انصرف إلى المدينة فعرض عليه سعد نفقة فأبى أن يقبلها فلما قدم على عمر قال له: quot; هلا قبلت نفقته quot; فقال: quot; إنك قلت: لا تحدثن حدثا حتى تأتيني quot;. وحلق عمر رأس نصر بن حجاج ونفاه من المدينة لتشبيب النساء به وضرب صبيغ بن عسيل التميمي على رأسه لما سأل عما لا يعنيه. وصادر عماله فأخذ شطر أموالهم لما اكتسبوها بجاه العمل واختلط ما يختصمون به بذلك. فجعل أموالهم بينهم وبين المسلمين شطرين.(1\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5042",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وألزم الصحابة أن يقلوا الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما اشتغلوا به عن القرآن سياسة منه إلى غير ذلك من سياساته التي ساس بها الأمة - رضي الله عنه - قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: ومن ذلك إلزامه للمطلق ثلاثا بكلمة واحدة بالطلاق وهو يعلم أنها واحدة. ولكن لما أكثر الناس منه رأى عقوبتهم بإلزامهم به. ووافقه على ذلك رعيته من الصحابة. وقد أشار هو إلى ذلك فقال: quot; إن الناس قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة فلو أنا أمضيناه عليهن quot; فأمضاه عليهم ليقلوا منه فإنهم إذا علموا أن أحدهم إذا أوقع الثلاثة جملة واحدة وقعت وأنه لا سبيل له إلى المرأة: أمسك عن ذلك. فكان الإلزام به عقوبة منه لمصلحة رآها ولم يكن يخفى عليه أن الثلاث كانت في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر تجعل واحدة بل مضى على ذلك صدر من خلافته حتى أكثر الناس من ذلك وهو اتخاذ لآيات الله هزوا. كما في quot; المسند quot; و quot; سنن النسائي quot; وغيرهما من حديث محمود بن لبيد: أن رجلا طلق امرأته ثلاثا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم فقال رجل: ألا أضرب عنقه يا رسول الله فلما أكثر الناس من ذلك عاقبهم به. ثم إنه ندم على ذلك قبل موته كما ذكره الإسماعيلي في quot; مسند عمر quot;. فقلت لشيخنا: فهلا تبعت عمر في إلزامهم به عقوبة. فإن جمع الثلاث محرم عندك فقال: أكثر الناس اليوم لا يعلمون أن ذلك محرم ولا سيما الشافعي يراه جائزا فكيف يعاقب الجاهل بالتحريم قال: وأيضا فإن عمر ألزمهم بذلك. وسد عليهم باب التحليل وأما هؤلاء: فيلزمونهم بالثلاث وكثير منهم يفتح لهم باب التحليل فإنه لا بد للرجل من امرأته فإذا علم أنها لا ترجع إليه إلا بالتحليل سعى في ذلك. والصحابة لم يكونوا يسوغون ذلك فحصلت مصلحة الامتناع من الجمع من غير وقوع مفسدة التحليل بينهم. قال: ولو علم عمر أن الناس يتتابعون في التحليل لرأى أن إقرارهم على ما كان عليه الأمر في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدرا من خلافته أولى وبسط شيخنا الكلام في ذلك بسطا طويلا.(1\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5043",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: ومن ذلك منعه بيع أمهات الأولاد وإنما كان رأيا منه رآه للأمة وإلا فقد بعن في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومدة خلافة الصديق ولهذا عزم علي بن أبي طالب على بيعهن وقال: quot; إن عدم البيع كان رأيا اتفق عليه هو وعمر quot; فقال له قاضيه عبيدة السلماني: quot; يا أمير المؤمنين رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك quot; فقال: quot; اقضوا كما كنتم تقضون فإني أكره الخلاف quot; فلو كان عنده نص من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتحريم بيعهن لم يضف ذلك إلى رأيه ورأي عمر ولم يقل quot; إني رأيت أن يبعن quot;.  [فصل في سياسة الصحابة في قيادة الأمة من بعده صلى الله عليه وسلم] 8 - (فصل) ومن ذلك: اختياره للناس الإفراد بالحج ليعتمروا في غير أشهر الحج. فلا يزال البيت الحرام مقصودا فظن بعض الناس أنه نهى عن المتعة وأنه أوجب الإفراد. وتنازع في ذلك ابن عباس وابن الزبير وأكثر الناس على ابن عباس في ذلك وهو يحتج عليهم بالأحاديث الصحيحة الصريحة. فلما أكثروا عليه في ذلك قال: quot; يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء. أقول لكم: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وتقولون: قال أبو بكر وعمر quot; وكذلك ابنه عبد الله كانوا إذا احتجوا عليه بأبيه يقول: quot; إن عمر لم يرد ما تقولون quot; فإذا أكثروا عليه قال: quot; أفرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن تتبعوا أم عمر quot;. والمقصود: أن هذا وأمثاله سياسة جزئية بحسب المصلحة تختلف باختلاف الأزمنة فظنها من ظنها شرائع عامة لازمة للأمة إلى يوم القيامة. ولكل عذر وأجر ومن اجتهد في طاعة الله ورسوله فهو دائر بين الأجر والأجرين وهذه السياسة التي ساسوا بها الأمة وأضعافها هي تأويل القرآن والسنة. ولكن: هل هي من الشرائع الكلية التي لا تتغير بتغير الأزمنة أم من السياسات الجزئية التابعة للمصالح فتتقيد بها زمانا ومكانا ومن ذلك: جمع عثمان - رضي الله عنه - الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة التي أطلق لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القراءة بها لما كان ذلك مصلحة. فلما خاف الصحابة - رضي الله عنهم - على الأمة أن يختلفوا في القرآن ورأوا أن جمعهم على حرف واحد أسلم وأبعد من وقوع الاختلاف: فعلوا ذلك ومنعوا الناس من القراءة بغيره. وهذا كما لو كان للناس عدة طرق إلى البيت وكان سلوكهم في تلك الطرق يوقعهم في التفرق والتشتت ويطمع فيهم العدو فرأى الإمام جمعهم على طريق واحد وترك بقية الطرق: جاز ذلك ولم يكن فيه إبطال لكون تلك الطرق موصلة إلى المقصود وإن كان فيه نهي عن سلوكها لمصلحة الأمة.(1\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5044",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن ذلك تحريق علي - رضي الله عنه - الزنادقة الرافضة وهو يعلم سنة رسول الله في قتل الكافر ولكن لما رأى أمرا عظيما جعل عقوبته من أعظم العقوبات ليزجر الناس عن مثله. ولذلك قال: لما رأيت الأمر أمرا منكرا ... أججت ناري ودعوت قنبرا وقنبر غلامه. وهذا الذي ذكرناه جميع الفقهاء يقولون به في الجملة وإن تنازعوا في كثير من موارده. فكلهم يقول بجواز وطء الرجل المرأة إذا أهديت إليه ليلة الزفاف وإن لم يشهد عنده عدلان من الرجال بأن هذه فلانة بنت فلان التي عقدت عليها وإن لم يستنطق النساء أن هذه امرأته اعتمادا على القرينة الظاهرة القوية فنزلوا هذه القرينة القوية منزلة الشهادة.  ومن ذلك: أن الناس - قديما وحديثا - لم يزالوا يعتمدون على قول الصبيان المرسل معهم الهدايا وأنها مبعوثة إليهم فيقبلون أقوالهم ويأكلون الطعام المرسل به ويلبسون الثياب ولو كانت أمة لم يمتنعوا من وطئها ولم يسألوا إقامة البينة على ذلك اكتفاء بالقرائن الظاهرة. ومن ذلك: أن الضيف يشرب من كوز صاحب البيت ويتكئ على وساده ويقضي حاجته في مرحاضه من غير استئذان باللفظ له ولا يعد بذلك متصرفا في ملكه بغير إذنه. ومن ذلك: أنه يطرق عليه بابه ويضرب حلقته بغير استئذانه اعتمادا على القرينة العرفية ومن ذلك: أخذ ما يسقط من الإنسان مما لا تتبعه همته كالسوط والعصا والفلس والتمرة. ومن ذلك: أخذ ما يبقى في القراح والحائط من الأمتعة والثمار بعد تخلية أهله له وتسييبه ومن ذلك: أخذ ما يسقط من الحب عند الحصاد ويسمى اللقاط ومن ذلك: أخذ ما ينبذه الناس رغبة عنه من الطعام والخرق والخزف ونحوه. ومن ذلك: قول أهل المدينة - وهو الصواب - أنه لا يقبل قول المرأة: إن زوجها لم يكن ينفق عليها ولا يكسوها فيما مضى من الزمان لتكذيب القرائن الظاهرة لها. وقولها في ذلك هو الحق الذي ندين الله به ولا نعتقد سواه والعلم الحاصل بإنفاق الزوج وكسوته في الزمن الماضي اعتمادا على(1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5045",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأمارات الظاهرة أقوى من الظن الحاصل باستصحاب الأصل وبقاء ذلك في ذمته بأضعاف مضاعفة. فكيف يقدم هذا الظن الضعيف على ذلك العلم الذي يكاد يبلغ القطع فإن هذه الزوجة لم يكن ينزل عليها رزقها من السماء كما كان ينزل على مريم بنت عمران ولم تكن تشاهد تخرج من منزلها تأتي بطعام وشراب والزوج يشاهد في كل وقت داخلا عليها بالطعام والشراب فكيف يقال: quot; القول قولها quot; ويقدم ظن الاستصحاب على هذا العلم اليقيني والله أعلم. ومن ذلك: أن صاحب المنزل إذا قدم الطعام إلى الضيف ووضعه بين يديه جاز له الإقدام على الأكل وإن لم يأذن له لفظا اعتبارا بدلالة الحال الجارية مجرى القطع ومن ذلك: إذن النبي - صلى الله عليه وسلم - للمار بثمر الغير. أن يأكل من ثمره ولا يحمل اكتفاء بشاهد الحال حيث لم يجعل عليه حائطا ولا ناطورا. ومن ذلك: جواز قضاء الحاجة في الأقرحة والمزارع التي على الطرقات بحيث لا ينقطع منها المارة. وكذلك الصلاة فيها ولا يكون ذلك غصبا لها ولا تصرفا ممنوعا. ومن ذلك: الشرب من المصانع الموضوعة على الطرقات وإن لم يعلم الشارب إذن أربابها في ذلك لفظا اعتمادا على دلالة الحال ولكن لا يتوضأ منها لأن العرف لا يقتضيه ودلالة الحال لا تدل عليه إلا أن يكون هناك شاهد حال يقتضي ذلك فلا بأس بالوضوء حينئذ. ومن ذلك: القضاء بالأجرة للغسال والخباز والطباخ والدقاق وصاحب الحمام والقيم وإن لم يعقد معه عقدة إجارة اكتفاء بشاهد الحال ودلالته. ولو استوفى هذه المنافع ولم يعطهم الأجرة لعد ظالما غاصبا مرتكبا لما هو من القبائح المنكرة. ومن ذلك: انعقاد التبايع في سائر الأعصار والأمصار بمجرد المعاطاة من غير لفظ اكتفاء بالقرائن والأمارات الدالة على التراضي الذي هو شرط في صحة البيع.  ومن ذلك: جواز شهادة الشاهد على القتل الموجب للقصاص: أنه قتله عمدا عدوانا محضا وهو لم يقل: quot; قتلته عمدا quot; والعمدية صفة قائمة بالقلب فجاز للشاهد أن يشهد بها ويراق دم القاتل بشهادته اكتفاء بالقرينة الظاهرة فدلالة القرينة على التراضي بالبيع. من غير لفظ أقوى. ومن ذلك: أنهم قالوا: يقبل قول الوصي فيما ينفقه على اليتيم إذا ادعى ما يقتضيه العرف فإذا(1\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5046",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ادعى أكثر من ذلك لم يقبل قوله. وهكذا سائر من قلنا quot; القول قوله quot; إنما يقبل قوله إذا لم يكذبه شاهد الحال فإن كذبه لم يقبل قوله ولهذا يكذب المودع والمستأجر إذا ادعيا أن الوديعة أو العين المستأجرة هلكت في الحريق أو تحت الهدم أو في نهب العيارين ونحوهم لم يقبل قولهم إلا إذا تحققنا وجود هذه الأسباب فأما إذا علمنا انتفاءها فإنا نجزم بكذبهم ولا يقبل قولهم. وهذا من أقوى الأدلة على أن القول قول الزوج في النفقة والكسوة لما مضى من الزمان لعلمنا بكذب الزوجة في الإنكار وكون الأصل معها مثل كون الأصل قبول قول الأمناء إلا حيث يكذبهم الظاهر. ومن ذلك: أنهم قالوا في تداعي العيب: هل كان عند البائع أو حدث عند المشتري أن القول قول من يدل الحال على صدقه فإن احتملت الحال صدقهما ففيها قولان أظهرهما: أن القول قول البائع لأن المشتري يدعي ما يسوغ فسخ العقد بعد تمامه ولزومه والبائع ينكره.  ومن ذلك: أن مالكا وأصحابه منعوا سماع الدعوى التي لا تشبه الصدق ولم يحلفوا لها المدعى عليه نظرا إلى الأمارات والقرائن الظاهرة. ومن ذلك: أن أصحابنا وغيرهم من الفقهاء جوزوا للرجل أن يلاعن امرأته فيشهد عليها بالزنا مؤكدا لشهادته باليمين إذا رأى رجلا يعرف بالفجور يدخل إليها ويخرج من عندها نظرا إلى الأمارات والقرائن الظاهرة. ومن ذلك: أن جمهور الفقهاء يقولون في تداعي الزوجين والصانعين لمتاع البيت والدكان: أن القول قول من يدل الحال على صدقه والصحيح في هذه المسألة: أنه لا عبرة باليد الحسية بل وجودها كعدمها. ولو اعتبرناها لاعتبرنا يد الخاطف لعمامة غيره وعلى رأسه عمامة وآخر خلفه حاسر الرأس ونحن نقطع بأن هذه يد ظالمة عادية فلا اعتبار لها ومن ذلك: أن مالكا - رحمه الله - يجعل القول قول المرتهن في قدر الدين ما لم يزد على قيمة الرهن. وقوله هو الراجح في الدليل لأن الله سبحانه جعل الرهن بدلا من الكتاب والشهود فكأنه ناطق بقدر الحق وإلا فلو كان القول قول الراهن لم يكن الرهن وثيقة ولا جعل بدلا من الكتاب والشاهد فدلالة الحال تدل على أنه إنما رهنه على قيمته أو ما يقاربها وشاهد الحال يكذب الراهن إذا قال: رهنت عنده هذه الدار على درهم ونحوه فلا يسمع قوله.  ومن ذلك: أنهم قالوا في الركاز: إذا كانت عليه علامة المسلمين فهو لقطة وإن كانت عليه علامة الكفار فهو ركاز. ومن ذلك: أنه إذا استأجر دابة جاز له ضربها إذا حرنت في السير وإن لم يستأذن مالكها.(1\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5047",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن ذلك: أنه يجوز له إيداعها في الخان إذا قدم بلدا وأراد المضي في حاجته وإن لم يستأذن المؤجر في ذلك.  ومن ذلك: إذن المستأجر للدار لأصحابه وأضيافه في الدخول والمبيت وإن لم يتضمنهم عقد الإجارة ومن ذلك: غسل الثوب الذي استأجره مدة معينة إذا اتسخ وإن لم يستأذن المؤجر في ذلك.  ومن ذلك: لو وكله غائب في بيع سلعة ملك قبض ثمنها وإن لم يأذن له في ذلك لفظا ومن ذلك - وإن نازع فيه من نازع -: لو رأى موتا بشاة غيره أو حيوانه المأكول فبادر فذبحه ليحفظ عليه ماليته كان محسنا ولا سبيل على محسن وإن ضمنه فقد سد باب الإحسان إلى الغير في حفظ ماله.  ومن ذلك: لو رأى السيل يقصد الدار المؤجرة فبادر وهدم الحائط ليخرج السيل ولا يهدم الدار كلها كان محسنا ولا يضمن الحائط. ومن ذلك: لو وقع الحريق في الدار فبادر وهدمها على النار لئلا تسري لم يضمن.  ومنها: لو رأى العدو يقصد مال غيره الغائب فبادر وصالحه على بعضه كان محسنا ولم يضمن. ومن ذلك: لو وجد هديا مشعرا منحورا وليس عنده أحد جاز له أن يأكل منها.  ومن ذلك: لو استأجر غلاما فوقعت الأكلة في طرف من أطرافه بحيث لو لم يقطعه سرى إلى نفسه فقطعه لم يضمنه لمالكه. ومنها: لو اشترى صبرة طعام في دار رجل أو خشبا: فله أن يدخل داره من الدواب والرجال من يحول ذلك وإن لم يأذن له المالك وأضعاف أضعاف هذه المسائل مما جرى العمل فيه على العرف والعادة ونزل ذلك منزلة النطق الصريح اكتفاء بشاهد الحال عن صريح المقال. والمقصود: أن الشريعة لا ترد حقا ولا تكذب دليلا ولا تبطل أمارة صحيحة. وقد أمر الله سبحانه بالتثبت والتبين في خبر الفاسق ولم يأمر برده جملة. فإن الكافر الفاسق قد يقوم على خبره شواهد الصدق. فيجب قبوله والعمل به. وقد استأجر النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر الهجرة دليلا مشركا على دين قومه فأمنه ودفع إليه راحلته . فلا يجوز لحاكم ولا لوال رد الحق بعد ما تبين وظهرت(1\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5048",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أماراته لقول أحد من الناس. والمقصود أن quot; البينة quot; في الشرع: اسم لما يبين الحق ويظهره وهي تارة تكون أربعة شهود وتارة ثلاثة بالنص في بينة المفلس. وتارة شاهدين وشاهدا واحدا وامرأة واحدة وتكون نكولا ويمينا أو خمسين يمينا أو أربعة أيمان. وتكون شاهد الحال في الصور التي ذكرناها وغيرها فقوله - صلى الله عليه وسلم - البينة على المدعي أي عليه أن يظهر ما يبين صحة دعواه فإذا ظهر صدقه بطريق من الطرق حكم له.  [فصل في الحكم بالفراسة] 9 - (فصل) ولم يزل حذاق الحكام والولاة يستخرجون الحقوق بالفراسة والأمارات فإذا ظهرت لم يقدموا عليها شهادة تخالفها ولا إقرارا. وقد صرح الفقهاء كلهم بأن الحاكم إذا ارتاب بالشهود فرقهم وسألهم: كيف تحملوا الشهادة وأين تحملوها وذلك واجب عليه متى عدل عنه أثم وجار في الحكم. وكذلك إذا ارتاب بالدعوى سأل المدعي عن سبب الحق وأين كان ونظر في الحال: هل يقتضي صحة ذلك وكذلك إذا ارتاب بمن القول قوله كالأمين والمدعى عليه. وجب عليه أن يستكشف الحال ويسأل عن القرائن التي تدل على صورة الحال. وقل حاكم أو وال اعتنى بذلك وصار له فيه ملكة إلا وعرف المحق من المبطل وأوصل الحقوق إلى أهلها. فهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أتته امرأة فشكرت عنده زوجها وقالت: quot; هو من خير أهل الدنيا يقوم الليل حتى الصباح ويصوم النهار حتى يمسي ثم أدركها الحياء فقال: quot; جزاك الله خيرا فقد أحسنت الثناء quot;. فلما ولت قال كعب بن سور: quot; يا أمير المؤمنين لقد أبلغت في الشكوى إليك فقال: وما اشتكت قال: زوجها. قال: علي بهما. فقال لكعب: اقض بينهما قال: أقضي وأنت شاهد قال: إنك قد فطنت إلى ما لم أفطن له قال: إن الله تعالى يقول: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع [النساء: 3] صم ثلاثة أيام وأفطر عندها يوما. وقم ثلاث ليال وبت عندها ليلة فقال عمر: هذا أعجب إلي من الأول quot; فبعثه قاضيا لأهل البصرة. فكان يقع له في الحكومة من الفراسة أمور عجيبة. وكذلك شريح في فراسته وفطنته. قال الشعبي: شهدت شريحا - وجاءته امرأة تخاصم رجلا - فأرسلت عينيها وبكت. فقلت: يا أبا أمية ما أظن هذه البائسة إلا مظلومة فقال: يا شعبي إن إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون.(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5049",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتقدم إلى إياس بن معاوية أربع نسوة فقال إياس: أما إحداهن فحامل والأخرى مرضع والأخرى ثيب والأخرى بكر. فنظروا فوجدوا الأمر كما قال. قالوا: وكيف عرفت فقال: أما الحامل: فكانت تكلمني وترفع ثوبها عن بطنها. فعرفت أنها حامل وأما المرضع: فكانت تضرب ثديها. فعرفت أنها مرضع وأما الثيب: فكانت تكلمني وعينها في عيني فعرفت أنها ثيب وأما البكر: فكانت تكلمني وعينها في الأرض فعرفت أنها بكر. وقال المدائني عن روح: استودع رجلا من أمناء الناس مالا. ثم رجع فطلبه فجحده فأتى إياسا فأخبره. فقال له إياس: انصرف واكتم أمرك ولا تعلمه أنك أتيتني. ثم عد إلي بعد يومين. فدعا إياس المودع فقال: قد حضر مال كثير وأريد أن أسلمه إليك أفحصين منزلك قال: نعم. قال: فأعد له موضعا وحمالين. وعاد الرجل إلى إياس فقال: انطلق إلى صاحبك فاطلب المال. فإن أعطاك فذاك وإن جحدك فقل له: إني أخبر القاضي. فأتى الرجل صاحبه فقال: مالي وإلا أتيت القاضي وشكوت إليه وأخبرته بأمري فدفع إليه ماله فرجع الرجل إلى إياس فقال: قد أعطاني المال وجاء الأمين إلى إياس لموعده فزجره وانتهره وقال لا تقربني يا خائن. وقال يزيد بن هارون - رحمه الله - تقلد بواسط رجل ثقة فأودع رجل بعض شهوده كيسا مختوما وذكر أن فيه ألف دينار. فلما طالت غيبة الرجل فتق الشاهد الكيس من أسفله وأخذ الدنانير وجعل مكانها دراهم وأعاد الخياطة كما كانت. وجاء صاحبه فطلب وديعته فدفع إليه الكيس بختمه لم يتغير فلما فتحه وشاهد الحال رجع إليه فقال: إني أودعتك دنانير والذي دفعت إلي دراهم فقال: هو كيسك بخاتمك فاستعدى عليه القاضي فأمر بإحضار المودع فلما صارا بين يديه قال له القاضي منذ كم أودعك هذا الكيس فقال: منذ خمس عشرة سنة فأخذ القاضي تلك الدراهم وقرأ سكتها فإذا فيها ما قد ضرب من سنتين أو ثلاث فأمره بدفع الدنانير إليه وأسقطه ونادى عليه. واستودع رجل لغيره مالا فجحده فرفعه إلى إياس فسأله فأنكر فقال للمدعي: أين دفعت إليه فقال: في مكان في البرية فقال: وما كان هناك قال: شجرة قال: اذهب إليها فلعلك دفنت المال عندها ونسيت فتذكر إذا رأيت الشجرة فمضى وقال للخصم: اجلس حتى يرجع صاحبك وإياس يقضي وينظر إليه ساعة بعد ساعة. ثم قال له: يا هذا أترى صاحبك قد بلغ مكان الشجرة قال: لا قال: يا عدو الله إنك خائن قال: أقلني قال: لا أقالك الله. وأمر أن يحتفظ به حتى جاء الرجل فقال له إياس: اذهب معه فخذ حقك. وجرى نظير هذه القضية لغيره من القضاة: ادعى عنده رجل أنه سلم غريما له مالا وديعة فأنكره فقال له القاضي: أين سلمته إياه قال: بمسجد ناء عن البلد. قال: اذهب فجئني منه بمصحف(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5050",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحلفه عليه فمضى واعتقل القاضي الغريم ثم قال له: أتراه بلغ المسجد قال: لا فألزمه بالمال. وكان القاضي أبو حازم له في ذلك العجب العجاب وكانوا ينكرون عليه ثم يظهر الحق فيما يفعله. قال مكرم بن أحمد: كنت في مجلس القاضي أبي حازم فتقدم رجل شيخ ومعه غلام حدث فادعى الشيخ عليه ألف دينار دينا فقال: ما تقول قال: نعم. فقال القاضي للشيخ ما تريد قال: حبسه قال: لا فقال الشيخ: إن رأى القاضي أن يحبسه فهو أرجى لحصول مالي. فتفرس أبو حازم فيهما ساعة. ثم قال: تلازما حتى أنظر في أمركما في مجلس آخر فقلت له: لم أخرت حبسه فقال: ويحك إني أعرف في أكثر الأحوال في وجوه الخصوم وجه المحق من المبطل وقد صارت لي بذلك دراية لا تكاد تخطئ وقد وقع إلي أن سماحة هذا بالإقرار عين كذبه ولعله ينكشف لي من أمرهما ما أكون معه على بصيرة أما رأيت قلة تقصيهما في الناكرة وقلة اختلافهما وسكون طباعهما مع عظم المال وما جرت عادة الأحداث بفرط التورع حتى يقر مثل هذا طوعا عجلا منشرح. الصدر على هذا المال قال: فنحن كذلك نتحدث إذ أتى الآذن يستأذن على القاضي لبعض التجار فأذن له فلما دخل قال: أصلح الله القاضي إني بليت بولد لي حدث يتلف كل مال يظفر به من مالي في القيان عند فلان فإذا منعته احتال بحيل تضطرني إلى التزام الغرم عنه. وقد نصب اليوم صاحب القيان يطالب بألف دينار حالا وبلغني أنه تقدم إلى القاضي ليقر له فيحبسه. وأقع مع أمه فيما ينكد عيشنا إلى أن أقضي عنه. فلما سمعت بذلك بادرت إلى القاضي لأشرح له أمره فتبسم القاضي وقال لي: كيف رأيت فقلت: هذا من فضل الله على القاضي فقال: علي بالغلام والشيخ. فأرهب أبو حازم الشيخ ووعظ الغلام. فأقرا فأخذ الرجل ابنه وانصرفا. وقال أبو السائب: كان ببلدنا رجل مستور الحال فأحب القاضي قبول قوله فسأل عنه فزكي عنده سرا وجهرا فراسله في حضور مجلسه لإقامة شهادة وجلس القاضي وحضر الرجل فلما أراد إقامة الشهادة لم يقبله القاضي فسئل عن السبب فقال: انكشف لي أنه مراء فلم يسعني قبول قوله فقيل له: ومن أين علمت ذلك قال: كان يدخل إلي في كل يوم فأعد خطاه من حيث تقع عيني عليه من الباب إلى مجلسي فلما دعوته اليوم جاء فعددت خطاه من ذلك المكان فإذا هي قد زادت ثلاثا أو نحوها فعلمت أنه متصنع فلم أقبله. وقال ابن قتيبة: شهد الفرزدق عند بعض القضاة فقال: قد أجزنا شهادة أبي فراس وزيدونا فقيل له حين انصرف: إنه والله ما أجاز شهادتك.(1\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5051",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولله فراسة من هو إمام المتفرسين وشيخ المتوسمين: عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الذي لم تكن تخطئ له فراسة وكان يحكم بين الأمة بالفراسة المؤيدة بالوحي. قال الليث بن سعد: أتي عمر بن الخطاب يوما بفتى أمرد وقد وجد قتيلا ملقى على وجه الطريق فسأل عمر عن أمره واجتهد فلم يقف له على خبر فشق ذلك عليه فقال: اللهم أظفرني بقاتله حتى إذا كان على رأس الحول وجد صبي مولود ملقى بموضع القتيل فأتي به عمر فقال: ظفرت بدم القتيل إن شاء الله تعالى فدفع الصبي إلى امرأة وقال لها: قومي بشأنه وخذي منا نفقته وانظري من يأخذه منك فإذا وجدت امرأة تقبله وتضمه إلى صدرها فأعلميني بمكانها. فلما شب الصبي جاءت جارية فقالت للمرأة: إن سيدتي بعثتني إليك لتبعثي بالصبي لتراه وترده إليك قالت: نعم اذهبي به إليها وأنا معك. فذهبت بالصبي والمرأة معها حتى دخلت على سيدتها فلما رأته أخذته فقبلته وضمته إليها فإذا هي ابنة شيخ من الأنصار من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتت عمر فأخبرته فاشتمل على سيفه ثم أقبل إلى منزل المرأة. فوجد أباها متكئا على باب داره فقال له: يا فلان ما فعلت ابنتك فلانة . قال: جزاها الله خيرا يا أمير المؤمنين هي من أعرف الناس بحق الله وحق أبيها مع حسن صلاتها وصيامها والقيام بدينها. فقال عمر: قد أحببت أن أدخل إليها فأزيدها رغبة في الخير وأحثها عليه فدخل أبوها ودخل عمر معه. فأمر عمر من عندها فخرج وبقي هو والمرأة في البيت فكشف عمر عن السيف وقال: أصدقيني وإلا ضربت عنقك وكان لا يكذب. فقالت: على رسلك فوالله لأصدقن: إن عجوزا كانت تدخل علي فأتخذها أما وكانت تقوم من أمري بما تقوم به الوالدة. وكنت لها بمنزلة البنت حتى مضى لذلك حين ثم إنها قالت: يا بنية إنه قد عرض لي سفر ولي ابنة في موضع أتخوف عليها فيه أن تضيع وقد أحببت أن أضمها إليك حتى أرجع من سفري فعمدت إلى ابن لها شاب أمرد فهيأته كهيئة الجارية وأتتني به لا أشك أنه جارية فكان يرى مني ما ترى الجارية من الجارية حتى اغتفلني يوما وأنا نائمة فما شعرت حتى علاني وخالطني فمددت يدي إلى شفرة كانت إلى جانبي فقتلته. ثم أمرت به فألقي حيث رأيت فاشتملت منه على هذا الصبي فلما وضعته ألقيته في موضع أبيه. فهذا والله خبرهما على ما أعلمتك. فقال: صدقت ثم أوصاها ودعا لها وخرج. وقال لأبيها: نعمت الابنة ابنتك ثم انصرف. وقال نافع عن ابن عمر: بينما عمر جالس إذا رأى رجلا فقال: quot; لست ذا رأي إن لم يكن هذا الرجل قد كان ينظر في الكهانة ادعوه لي فدعوه فقال: هل كنت تنظر وتقول في الكهانة شيئا قال: نعم quot;.(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5052",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال مالك عن يحيى بن سعيد: إن عمر بن الخطاب قال لرجل: quot; ما اسمك قال: جمرة. قال: ابن من قال: ابن شهاب. قال: ممن قال: من الحرقة. قال: أين مسكنك قال: بحرة النار. قال: أيها قال: بذات لظى. فقال عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا quot;. فكان كما قال. ومن فراسته التي تفرد بها عن الأمة أنه قال: quot; يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزلت: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى [البقرة: 125] وقال: quot; يا رسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب quot;. واجتمع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساؤه في الغيرة فقال لهن عمر: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن [التحريم: 5] فنزلت كذلك.(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5053",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وشاوره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أسارى يوم بدر فأشار بقتلهم ونزل القرآن بموافقته. وقد أثنى الله سبحانه على فراسة المتوسمين وأخبر أنهم هم المنتفعون بالآيات. قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: quot; أفرس الناس quot; ثلاثة: امرأة فرعون في موسى حيث قالت: قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا [القصص: 9] وصاحب يوسف حيث قال لامرأته: أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا [يوسف: 21] . وأبو بكر الصديق في عمر - رضي الله عنهما - حيث جعله الخليفة بعده quot;. ودخل رجل على عثمان - رضي الله عنه - فقال له عثمان: quot; يدخل علي أحدكم والزنا في عينيه فقال: أوحي بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: لا ولكن فراسة صادقة quot; ومن هذه الفراسة: أنه - رضي الله عنه - لما تفرس أنه مقتول ولا بد أمسك عن القتال والدفع عن نفسه لئلا يجري بين المسلمين قتال وآخر الأمر يقتل هو فأحب أن يقتل من غير قتال يقع بين المسلمين. ومن ذلك: فراسة ابن عمر في الحسين لما ودعه وقال: quot; أستودعك الله من قتيل quot; ومعه كتب أهل العراق فكانت فراسة ابن عمر أصدق من كتبهم. ومن ذلك: أن رجلين من قريش دفعا إلى امرأة مائة دينار وديعة وقالا: لا تدفعيها إلى واحد منا دون صاحبه. فلبثا حولا فجاء أحدهما فقال: إن صاحبي قد مات فادفعي إلي الدنانير. فأبت وقالت: إنكما قلتما لي لا تدفعيها إلى واحد منا دون صاحبه فلست بدافعتها إليك فثقل عليها بأهلها وجيرانها حتى دفعتها إليه ثم لبثت حولا آخر فجاء الآخر. فقال: ادفعي إلي الدنانير. فقالت: إن صاحبك جاءني فزعم أنك قد مت فدفعتها إليه. فاختصما إلى عمر - رضي الله عنه - فأراد أن(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5054",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقضي عليها. فقالت: ادفعنا إلى علي بن أبي طالب فعرف علي أنهما قد مكرا بها فقال: أليس قد قلتما: لا تدفعيها إلى واحد منا دون صاحبه قالا: بلى قال: فإن مالك عندها فاذهب فجئ بصاحبك حتى تدفعه إليكما.  [فصل في فراسة الحاكم] 10 - (فصل) ومن فراسة الحاكم: ما ذكره حماد بن سلمة عن حميد الطويل: أن إياس بن معاوية اختصم إليه رجلان استودع أحدهما صاحبه وديعة فقال: صاحب الوديعة: استحلفه بالله ما لي عنده وديعة فقال إياس: بل أستحلفه بالله مالك عنده وديعة ولا غيرها. وهذا من أحسن الفراسة فإنه إذا قال: quot; ما له عندي وديعة quot; احتمل النفي واحتمل الإقرار فينصب quot; ماله quot; بفعل محذوف مقدر أي دفع ماله إلي أو أعطاني ماله أو يجعل quot; ما quot; موصولة والجار والمجرور صلتها ووديعة خبر عن quot; ما quot; فإذا قال: quot; ولا غيرها quot; تعين النفي. وقال حماد بن سلمة: شهدت إياس بن معاوية يقول في رجل ارتهن رهنا فقال المرتهن: رهنته بعشرة وقال الراهن: رهنته بخمسة فقال: إن كان للراهن بينة أنه دفع إليه الرهن فالقول ما قال الراهن وإن لم يكن له بينة بدفع الرهن إليه والرهن بيد المرتهن. فالقول ما قال المرتهن لأنه لو شاء لجحده الرهن. قلت: وهذا قول ثالث في المسألة وهو من أحسن الأقوال فإن إقراره بالرهن - وهو في يده ولا بينة للراهن - دليل على صدقه وأنه محق ولو كان مبطلا لجحده الرهن رأسا. ومالك وشيخنا رحمهما الله يجعلان القول قول المرتهن ما لم يزد على قيمة الرهن والشافعي وأبو حنيفة وأحمد - رحمهم الله - يجعلون القول قول الراهن مطلقا. وقال إياس أيضا: من أقر بشيء وليس عليه بينة فالقول ما قال. وهذا أيضا من أحسن القضاء لأن إقراره علم على صدقه فإذا ادعى عليه ألفا ولا بينة له فقال: صدق إلا أني قضيته إياها فالقول له وكذلك إذا أقر بأنه قبض من مورثه وديعة ولا بينة له وادعى ردها إليه. وقال إبراهيم بن مرزوق البصري: جاء رجلان إلى إياس بن معاوية يختصمان في قطيفتين: إحداهما حمراء والأخرى خضراء فقال أحدهما: دخلت الحوض لأغتسل ووضعت قطيفتي ثم جاء هذا فوضع قطيفته تحت قطيفتي ثم دخل فاغتسل فخرج قبلي وأخذ قطيفتي فمضى بها ثم خرجت فتبعته فزعم أنها قطيفته فقال: ألك بينة قال: لا. قال: ائتوني بمشط فأتي بمشط فسرح رأس هذا ورأس هذا. فخرج من رأس أحدهما صوف أحمر ومن رأس الآخر صوف(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5055",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أخضر فقضى بالحمراء للذي خرج من رأسه الصوف الأحمر وبالخضراء للذي خرج من رأسه الصوف الأخضر. وقال معتمر بن سليمان عن زيد أبي علاء: شهدت إياس بن معاوية اختصم إليه رجلان فقال أحدهما: إنه باعني جارية رعناء فقال إياس: وما عسى أن تكون هذه الرعونة قال: شبه الجنون. فقال إياس: يا جارية أتذكرين متى ولدت قالت: نعم قال: فأي رجليك أطول قالت: هذه فقال إياس: ردها فإنها مجنونة. وقال أبو الحسن المدائني عن عبد الله بن مصعب: أن معاوية بن قرة شهد عند ابنه إياس بن معاوية - مع رجال عدلهم - على رجل بأربعة آلاف درهم فقال المشهود عليه: يا أبا وائلة تثبت في أمري فوالله ما أشهدتهم إلا على ألفين. فسأل إياس أباه والشهود: أكان في الصحيفة التي شهدوا عليها فضل قالوا: نعم كان الكتاب في أولها والطية في وسطها وباقي الصحيفة أبيض. قال: أفكان المشهود له يلقاكم أحيانا فيذكركم شهادتكم بأربعة آلاف درهم قالوا: نعم كان لا يزال يلقانا فيقول: اذكروا شهادتكم على فلان بأربعة آلاف درهم فصرفهم ودعا المشهود له. فقال: يا عدو الله تغفلت قوما صالحين مغفلين فأشهدتهم على صحيفة جعلت طيتها في وسطها وتركت فيها بياضا في أسفلها فلما ختموا الطية قطعت الكتاب الذي فيه حقك ألفا درهم وكتبت في البياض أربعة آلاف فصارت الطية في آخر الكتاب ثم كنت تلقاهم فتلقنهم وتذكرهم أنها أربعة آلاف فأقر بذلك وسأله الستر عليه فحكم له بألفين وستر عليه. وقال نعيم بن حماد عن إبراهيم بن مرزوق البصري: كنا عند إياس بن معاوية قبل أن يستقضى وكنا نكتب عنه الفراسة كما نكتب عن المحدث الحديث إذ جاء رجل فجلس على دكان مرتفع بالمربد. فجعل يترصد الطريق. فبينما هو كذلك إذ نزل فاستقبل رجلا فنظر في وجهه ثم رجع إلى موضعه فقال إياس: قولوا في هذا الرجل قالوا: ما نقول رجل طالب حاجة. فقال: هو معلم صبيان قد أبق له غلام أعور فقام إليه بعضنا فسأله عن حاجته فقال: هو غلام لي آبق. قالوا: وما صفته قال: كذا وكذا وإحدى عينيه ذاهبة قلنا: وما صنعتك قال: أعلم الصبيان. قلنا لإياس: كيف علمت ذلك قال: رأيته جاء فجعل يطلب موضعا يجلس فيه فنظر إلى أرفع شيء يقدر عليه فجلس عليه فنظرت في قدره فإذا ليس قدره قدر الملوك فنظرت فيمن اعتاد في جلوسه جلوس الملوك فلم أجدهم إلا المعلمين فعلمت أنه معلم صبيان فقلنا: كيف علمت أنه أبق له غلام قال: إني رأيته يترصد الطريق ينظر في وجوه الناس. قلنا: كيف علمت أنه أعور(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5056",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: بينما هو كذلك إذ نزل فاستقبل رجلا قد ذهبت إحدى عينيه فعلمت أنه اشتبه عليه بغلامه. وقال الحارث بن مرة نظر إياس بن معاوية إلى رجل فقال: هذا غريب وهو من أهل واسط. وهو معلم وهو يطلب عبدا له أبق. فوجدوا الأمر كما قال. فسألوه فقال: رأيته يمشي ويلتفت فعلمت أنه غريب ورأيته وعلى ثوبه حمرة تربة واسط فعلمت أنه من أهلها ورأيته يمر بالصبيان فيسلم عليهم ولا يسلم على الرجال فعلمت أنه معلم. ورأيته إذا مر بذي هيئة لم يلتفت إليه وإذا مر بذي أسمال تأمله فعلمت أنه يطلب آبقا. وقال هلال بن العلاء الرقي عن القاسم بن منصور عن عمرو بن بكير: مر إياس بن معاوية فسمع قراءة من علية فقال: هذه قراءة امرأة حامل بغلام فسئل كيف عرفت ذلك فقال سمعت بصوتها ونفسها مخالطة. فعلمت أنها حامل وسمعت صحلا فعلمت أن الحمل غلام ومر بعد ذلك بكتاب فيه صبيان. فنظر إلى صبي منهم فقال: هذا ابن تلك المرأة فكان كما قال. وقال رجل لإياس بن معاوية: علمني القضاء فقال: إن القضاء لا يعلم إنما القضاء فهم ولكن قل: علمني من العلم وهذا هو سر المسألة فإن الله سبحانه وتعالى يقول: وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين [الأنبياء: 78] ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما [الأنبياء: 79] فخص سليمان بفهم القضية وعمهما بالعلم. وكذلك كتب عمر إلى قاضيه أبي موسى في كتابه المشهور: quot; والفهم الفهم فيما أدلي إليك.(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5057",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والذي اختص به إياس وشريح مع مشاركتهما لأهل عصرهما في العلم هو: الفهم في الواقع والاستدلال بالأمارات وشواهد الحال. وهذا الذي فات كثيرا من الحكام فأضاعوا كثيرا من الحقوق  [فصل في بعض أنواع الفراسة] 11 - (فصل) ومن أنواع الفراسة: ما أرشدت إليه السنة النبوية من التخلص من المكروه بأمر سهل جدا من تعريض بقول أو فعل. فمن ذلك: ما رواه الإمام أحمد في مسنده quot; عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رجل: يا رسول الله إن لي جارا يؤذيني قال: انطلق فأخرج متاعك إلى الطريق فانطلق فأخرج متاعه. فاجتمع الناس إليه. فقالوا: ما شأنك فقال: إن لي جارا يؤذيني. فجعلوا يقولون: اللهم العنه اللهم أخرجه. فبلغه ذلك فأتاه فقال: ارجع إلى منزلك فوالله لا أوذيك أبدا فهذه وأمثالها هي الحيل التي أباحتها الشريعة. وهي تحيل الإنسان بفعل مباح على تخلصه من ظلم غيره وأذاه لا الاحتيال على إسقاط فرائض الله واستباحة محارمه. وفي quot; المسند quot; والسنن عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من أحدث في صلاته فلينصرف فإن كان في صلاة جماعة فليأخذ بأنفه ولينصرف . وفي السنة كثير من ذكر المعاريض التي لا تبطل حقا ولا تحق باطلا كقوله - صلى الله عليه وسلم - للسائل ممن(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5058",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنتم قالوا: نحن من ماء . وقوله للذي ذهب بغريمه ليقتله إن قتله فهو مثله ()  وكان إذا أراد غزوة ورى بغيرها وكان الصديق - رضي الله عنه - يقول في سفر الهجرة لمن يسأله عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: quot; من هذا بين يديك quot; فيقول: quot; هاد يدلني على الطريق quot;. وكذلك الصحابة من بعده. فروى زيد بن أسلم عن أبيه قال: قدمت على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حلل من اليمن فقسمها بين الناس فرأى فيها حلة رديئة فقال: كيف أصنع بهذه إن أعطيتها أحدا لم يقبلها فطواها وجعلها تحت مجلسه. وأخرج طرفها ووضع الحلل بين يديه فجعل يقسم بين الناس. فدخل(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5059",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الزبير وهو على تلك الحال فجعل ينظر إلى تلك الحلة فقال: ما هذه الحلة فقال عمر: دعها عنك قال: ما شأنها قال: دعها. قال: فأعطنيها. قال: إنك لا ترضاها قال: بلى قد رضيتها. فلما توثق منه واشترط عليه ألا يردها رمى بها إليه فلما نظر إليها إذ هي رديئة قال: لا أريدها قال عمر: هيهات قد فرغت منها. فأجازها عليه ولم يقبلها. وقال عبد الله بن سلمة: سمعت عليا يقول: quot; لا أغسل رأسي بغسل حتى آتي البصرة فأحرقها وأسوق الناس بعصاي إلى مصر quot; فأتيت أبا مسعود البدري فأخبرته فقال: quot; إن عليا يورد الأمور موارد لا تحسنون تصديرها علي لا يغسل رأسه بغسل ولا يأتي البصرة ولا يحرقها ولا يسوق الناس عنها بعصاه علي رجل أصلع إنما على رأسه مثل الطست إنما حوله شعرات quot; ومن ذلك: تعريض عبد الله بن رواحة لامرأته بإنشاد شعر يوهم أنه يقرأ ليتخلص من أذاها له حين واقع جاريته. وتعريض محمد بن مسلمة لكعب بن الأشرف حين أمنه بقوله: quot; إن هذا الرجل قد أخذنا بالصدقة وقد عنانا. وتعريض الصحابة لأبي رافع اليهودي.(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5060",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "12 - (فصل) ومن ذلك: قول عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه - وقد أقيم على دكان بعد صلاة الجمعة - فقام على الدكان وقال: إن الأمير أمرني أن ألعن علي بن أبي طالب فالعنوه. لعنه الله. ومن ذلك: تعريض الحجاج بن علاط بل تصريحه لامرأته بهزيمة الصحابة وقتلهم حتى أخذ ماله منها.  [فصل في الفراسة الصادقة] 13 - (فصل) ومن الفراسة الصادقة: فراسة خزيمة بن ثابت حين قدم وشهد على عقد التبايع بين الأعرابي ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ولم يكن حاضرا تصديقا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جميع ما يخبر به. ومنها: فراسة حذيفة بن اليمان وقد بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عينا إلى المشركين فجلس بينهم. فقال أبو سفيان: لينظر كل منكم جليسه فبادر حذيفة وقال لجليسه: من أنت فقال: فلان بن فلان. ومنها: فراسة المغيرة بن شعبة وقد استعمله عمر على البحرين. فكرهه أهلها فعزله عمر عنهم فخافوا أن يرده عليهم. فقال دهقانهم: إن فعلتم ما آمركم به لم يرده علينا. قالوا مرنا بأمرك. قال: تجمعون مائة ألف درهم حتى أذهب بها إلى عمر وأقول: إن المغيرة اختان هذا ودفعه إلي فجمعوا ذلك. فأتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين) إن المغيرة اختان هذا فدفعه إلي. فدعا عمر المغيرة فقال: ما يقول هذا قال: كذب أصلحك الله إنما كانت مائتي ألف فقال: ما حملك على ذلك قال: العيال والحاجة. فقال عمر للدهقان: ما تقول فقال: لا والله لأصدقنك والله ما دفع إلي قليلا ولا كثيرا. ولكن كرهناه وخشينا أن ترده علينا فقال عمر للمغيرة: ما حملك على هذا قال: إن الخبيث كذب علي فأردت أن أخزيه.(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5061",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وخطب المغيرة بن شعبة وفتى من العرب امرأة وكان الفتى جميلا فأرسلت إليهما المرأة: لا بد أن أراكما وأسمع كلامكما فاحضرا إن شئتما فأجلستهما بحيث تراهما. فعلم المغيرة أنها تؤثر عليه الفتى فأقبل عليه فقال: لقد أوتيت حسنا وجمالا وبيانا. فهل عندك سوى ذلك قال: نعم. فعدد عليه محاسنه ثم سكت. فقال المغيرة: فكيف حسابك فقال: لا يسقط علي منه شيء وإني لأستدرك منه أقل من الخردلة فقال له المغيرة: لكني أضع البدرة في زاوية البيت فينفقها أهل بيتي على ما يريدون فما أعلم بنفادها حتى يسألوني غيرها فقالت المرأة: والله لهذا الشيخ الذي لا يحاسبني أحب إلي من الذي يحصي علي أدنى من الخردلة. فتزوجت المغيرة. ومنها: فراسة عمرو بن العاص لما حاصر غزة فبعث إليه صاحبها: أن أرسل إلي رجلا من أصحابك أكلمه. ففكر عمرو بن العاص وقال: ما لهذا الرجل غيري فخرج حتى دخل عليه فكلمه كلاما لم يسمع مثله قط. فقال له: حدثني هل أحد من أصحابك مثلك فقال: لا تسل من هواني عندهم بعثوني إليك وعرضوني لما عرضوني. ولا يدرون ما يصنع بي. فأمر له بجارية وكسوة. وبعث إلى البواب: إذا مر بك فاضرب عنقه وخذ ما معه. فمر برجل من نصارى غسان فعرفه. فقال يا عمرو قد أحسنت الدخول فأحسن الخروج فرجع فقال له الملك: ما ردك إلينا قال: نظرت فيما أعطيتني فلم أجد ذلك يسع من معي من بني عمي فأردت الخروج فآتيك بعشرة منهم تعطيهم هذه العطية فيكون معروفك عند عشرة رجال خيرا من أن يكون عند واحد قال: صدقت عجل بهم. وبعث إلى البواب: خل سبيله فخرج عمرو وهو يلتفت حتى إذا أمن قال: لا عدت لمثلها. فلما كان بعد رآه الملك فقال: أنت هو قال: نعم على ما كان من غدرك. ومن ذلك: فراسة الحسن بن علي - رضي الله عنهما - لما جيء إليه بابن ملجم قال له: أريد أسارك بكلمة فأبى الحسن وقال: تريد أن تعض أذني فقال ابن ملجم: والله لو أمكنتني منها لأخذتها من صماخها. قال أبو الوفاء ابن عقيل: فانظر إلى حسن رأي هذا السيد الذي قد نزل به من المصيبة العاجلة ما يذهل الخلق وفطنته إلى هذا الحد وإلى ذلك اللعين كيف لم يشغله حاله عن استزادة الجناية. ومن ذلك: فراسة أخيه الحسين - رضي الله عنهما - أن رجلا ادعى عليه مالا. فقال الحسين: ليحلف على ما ادعاه ويأخذه فتهيأ الرجل لليمين وقال: والله الذي لا إله إلا هو. فقال الحسين: قل: والله والله والله ثلاثا إن هذا الذي تدعيه عندي وفي قبلي ففعل الرجل ذلك. وقام فاختلفت رجلاه وسقط ميتا فقيل للحسين: لم فعلت ذلك أي عدلت عن قوله: والله الذي لا إله إلا هو إلى قوله: quot; والله والله والله quot; فقال: كرهت أن يثني على الله فيحلم عنه.(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5062",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن ذلك: فراسة العباس - رضي الله عنه - ما ذكره مجاهد قال - بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أصحابه إذ وجد ريحا. فقال: ليقم صاحب هذه الريح فليتوضأ. فاستحيا الرجل ثم قال: ليقم صاحب هذه الريح فليتوضأ. فإن الله لا يستحيي من الحق. فقال العباس: ألا نقوم كلنا نتوضأ . هكذا رواه الفريابي عن الأوزاعي مرسلا ووصله عن محمد بن مصعب فقال: عن مجاهد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وقد جرت مثل هذه القضية في مجلس عمر - رضي الله عنه - قال الشعبي: quot; كان عمر في بيت ومعه جرير بن عبد الله البجلي. فوجد عمر ريحا. فقال: عزمت على صاحب هذه الريح لما قام فتوضأ. فقال جرير: يا أمير المؤمنين أو يتوضأ القوم جميعا. فقال عمر: يرحمك الله. نعم السيد كنت في الجاهلية ونعم السيد وأنت في الإسلام quot;.  ومن أحسن الفراسة: فراسة عبد الملك بن مروان لما بعث الشعبي إلى ملك الروم فحسد المسلمين عليه فبعث معه ورقة لطيفة إلى عبد الملك. فلما قرأها قال: أتدري ما فيها قال: فيها quot; عجب كيف ملكت العرب غير هذا quot; أفتدري ما أراد قال: لا. قال: حسدني عليك. فأراد أني أقتلك فقال الشعبي: لو رآك يا أمير المؤمنين ما استكبرني. فبلغ ذلك ملك الروم فقال: والله ما أخطأ ما كان في نفسي. ومن دقيق الفطنة: أنك لا ترد على المطاع خطأه بين الملأ فتحمله رتبته على نصرة الخطإ. وذلك خطأ ثان ولكن تلطف في إعلامه به حيث لا يشعر به غيره. ومن دقيق الفراسة: أن المنصور جاءه رجل فأخبره أنه خرج في تجارة فكسب مالا فدفعه إلى امرأته ثم طلبه منها. فذكرت أنه سرق من البيت ولم ير نقبا ولا أمارة فقال المنصور: منذ كم تزوجتها قال: منذ سنة قال: بكرا أو ثيبا قال: ثيبا قال: فلها ولد من غيرك قال: لا قال: فدعا له المنصور بقارورة طيب كان يتخذ له حاد الرائحة غريب النوع فدفعها إليه وقال له: تطيب من هذا الطيب فإنه يذهب غمك. فلما خرج الرجل من عنده قال المنصور لأربعة من ثقاته: ليقعد على كل باب من أبواب المدينة واحد منكم فمن شم منكم رائحة هذا الطيب من أحد فليأت به. وخرج الرجل بالطيب فدفعه إلى امرأته فلما شمته بعثت به إلى رجل كانت تحبه وقد كانت دفعت إليه المال فتطيب منه ومر مجتازا ببعض أبواب المدينة فشم الموكل بالباب رائحته عليه فأتى به المنصور فسأله: من أين لك هذا الطيب فلجلج في كلامه. فدفعه إلى والي الشرطة(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5063",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال إن أحضر لك كذا وكذا من المال فخل عنه وإلا اضربه ألف سوط. فلما جرد للضرب أحضر المال على هيئته فدعا المنصور صاحب المال فقال: أرأيت إن رددت عليك المال تحكمني في امرأتك قال: نعم. قال: هذا مالك وقد طلقت المرأة منك. 14 - فصل ومنها أن شريكا دخل على المهدي فقال للخادم: هات عودا للقاضي - يعني البخور - فجاء الخادم بعود يضرب به فوضعه في حجر شريك فقال: ما هذا فبادر المهدي وقال: هذا عود أخذه صاحب العسس البارحة فأحببت أن يكون كسره على يديك فدعا له وكسره. ومن ذلك: ما يذكر عن المعتضد بالله أنه كان جالسا يشاهد الصناع فرأى فيهم أسود منكر الخلقة شديد المرح يعمل ضعف ما يعمل الصناع ويصعد مرقاتين مرقاتين فأنكر أمره فأحضره وسأله عن أمره فلجلج فقال لبعض جلسائه: أي شيء يقع لكم في أمره قالوا: ومن هذا حتى تصرف فكرك إليه لعله لا عيال له وهو خالي القلب فقال: قد خمنت في أمره تخمينا ما أحسبه باطلا: إما أن يكون معه دنانير قد ظفر بها دفعة أو يكون لصا يتستر بالعمل فدعا به واستدعى بالضراب فضربه وحلف له إن لم يصدقه أن يضرب عنقه فقال: لي الأمان قال: نعم إلا فيما يجب عليك بالشرع. فظن أنه قد أمنه فقال: قد كنت أعمل في الآجر فاجتاز رجل في وسطه هميان فجاء إلى مكان فجلس وهو لا يعلم مكاني فحل الهميان وأخرج منه دنانير فتأملته وإذا كله دنانير فساورته وكتفته وشددت فاه وأخذت الهميان وحملته على كتفي وطرحته في الأتون وطينته. فلما كان بعد ذلك أخرجت عظامه فطرحتها في دجلة. فأنفذ المعتضد من أحضر الدنانير من منزله وإذا على الهميان مكتوب: فلان ابن فلان فنادى في البلد باسمه فجاءت امرأة فقالت: هذا زوجي. ولي منه هذا الطفل خرج وقت كذا وكذا ومعه ألف دينار: فغاب إلى الآن. فسلم الدنانير إليها وأمرها أن تعتد وأمر بضرب عنق الأسود وحمل جثته إلى ذلك الأتون. وكان للمعتضد من ذلك عجائب منها: أنه قام ليلة فإذا غلام قد وثب على ظهر غلام فاندس بين الغلمان فلم يعرفه فجاء فجعل يضع يده على فؤاد واحد بعد واحد فيجده ساكنا حتى وضع يده على فؤاد ذلك الغلام فإذا به يخفق خفقا شديدا فركضه برجله واستقره فأقر فقتله. ومنها: أنه رفع إليه أن صيادا ألقى شبكته في دجلة فوقع فيها جراب فيه كف مخضوبة بحناء وأحضر بين يديه فهاله ذلك. وأمر الصياد أن يعاود طرح الشبكة هنالك ففعل فأخرج جرابا آخر فيه رجل فاغتم المعتضد وقال: معي في البلد من يفعل هذا ولا أعرفه ثم أحضر ثقة له وأعطاه(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5064",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجراب وقال: طف به على كل من يعمل الجرب ببغداد. فإن عرفه أحد منهم فاسأله عمن باعه منه فإذا دلك عليه فاسأل المشتري عن ذلك ونقر عن خبره. فغاب الرجل ثلاثة أيام ثم عاد فقال: ما زلت أسأل عن خبره حتى انتهى إلى فلان الهاشمي اشتراه مع عشرة جرب وشكا البائع شره وفساده ومن جملة ما قال: إنه كان يعشق فلانة المغنية وأنه غيبها فلا يعرف لها خبر وادعى أنها هربت والجيران يقولون: إنه قتلها. فبعث المعتضد من كبس منزل الهاشمي وأحضره وأحضر اليد والرجل وأراه إياهما فلما رآهما امتقع لونه وأيقن بالهلاك واعترف. فأمر المعتضد بدفع ثمن الجارية إلى مولاها وحبس الهاشمي حتى مات في الحبس.  [فصل في محاسن الفراسة] 15 - (فصل) ومن محاسن الفراسة: أن الرشيد رأى في داره حزمة خيزران فقال لوزيره الفضل بن الربيع: ما هذه قال عروق الرماح يا أمير المؤمنين ولم يقل الخيزران لموافقة اسم أمه. ونظير هذا: أن بعض الخلفاء سأل ولده - وفي يده مسواك - ما جمع هذا قال: محاسنك يا أمير المؤمنين. وهذا من الفراسة في تحسين اللفظ. وهو باب عظيم اعتنى به الأكابر والعلماء. وله شواهد كثيرة في السنة وهو من خاصية العقل والفطنة. فقد روينا عن عمر - رضي الله عنه -: أنه خرج يعس المدينة بالليل فرأى نارا موقدة في خباء فوقف وقال: quot; يا أهل الضوء quot;. وكره أن يقول: يا أهل النار. وسأل رجلا عن شيء: quot; هل كان quot; قال: لا. أطال الله بقاءك فقال: quot; قد علمتم فلم تتعلموا هلا قلت: لا وأطال الله بقاءك quot;. وسئل العباس: أنت أكبر أم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: هو أكبر مني وأنا ولدت قبله. وسئل عن ذلك قباث بن أشيم فقال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكبر مني وأنا أسن منه. وكان لبعض القضاة جليس أعمى وكان إذا أراد أن ينهض يقول: يا غلام اذهب مع أبي محمد ولا يقول: خذ بيده قال: والله ما أخل بها مرة. ومن ألطف ما يحكى في ذلك: أن بعض الخلفاء سأل رجلا عن اسمه فقال: سعد يا أمير المؤمنين فقال: أي السعود أنت قال: سعد السعود لك يا أمير المؤمنين وسعد الذابح لأعدائك وسعد بلع على سماطك وسعد الأخبية لسرك فأعجبه ذلك. ويشبه هذا: أن معن بن زائدة دخل على المنصور فقارب في خطوه. فقال له المنصور: كبرت(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5065",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سنك يا معن قال: في طاعتك يا أمير المؤمنين. قال: إنك لجلد. قال: على أعدائك قال: وإن فيك لبقية قال: هي لك. وأصل هذا الباب: قوله تعالى: وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم [الإسراء: 53] فالشيطان ينزغ بينهم إذا كلم بعضهم بعضا بغير التي هي أحسن فرب حرب وقودها جثث وهام أهاجها القبيح من الكلام. وفي quot; الصحيحين quot; من حديث سهل بن حنيف قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا يقولن أحدكم: خبثت نفسي ولكن ليقل: لقست نفسي وخبثت ولقست وغثت متقاربة المعنى. فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لفظ quot; الخبث quot; لبشاعته وأرشدهم إلى العدول إلى لفظ هو أحسن منه وإن كان بمعناه تعليما للأدب في المنطق وإرشادا إلى استعمال الحسن وهجر القبيح من الأقوال كما أرشدهم إلى ذلك في الأخلاق والأفعال.  [فصل في عجائب الفراسة] 16 - (فصل) ومن عجيب الفراسة ما ذكر عن أحمد بن طولون: أنه بينما هو في مجلس له يتنزه فيه إذ رأى سائلا في ثوب خلق فوضع دجاجة في رغيف وحلوى وأمر بعض الغلمان بدفعه إليه فلما وقع في يده لم يهش ولم يعبأ به فقال للغلام: جئني به فلما وقف قدامه استنطقه فأحسن الجواب ولم يضطرب من هيبته فقال: هات الكتب التي معك واصدقني من بعثك فقد صح عندي أنك صاحب خبر. وأحضر السياط فاعترف فقال بعض جلسائه: هذا والله السحر قال: ما هو بسحر ولكن فراسة صادقة رأيت سوء حاله فوجهت إليه بطعام يشره إلى أكله الشبعان فما هش له ولا مد يده إليه فأحضرته فتلقاني بقوة جأش فلما رأيت رثاثة حاله وقوة جأشه علمت أنه صاحب خبر فكان كذلك. ورأى يوما حمالا يحمل صنا وهو يضطرب تحته فقال: لو كان هذا الاضطراب من ثقل المحمول لغاصت عنق الحمال وأنا أرى عنقه بارزة وما أرى هذا الأمر إلا من خوف فأمر بحط الصن فإذا فيه جارية قد قتلت وقطعت فقال: اصدقني عن حالها فقال: أربعة نفر في الدار الفلانية أعطوني هذه الدنانير وأمروني بحمل هذه المقتولة. فضربه وقتل الأربعة.(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5066",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان يتنكر ويطوف بالبلد يسمع قراءة الأئمة فدعا ثقته وقال: خذ هذه الدنانير وأعطها إمام مسجد كذا فإنه فقير مشغول القلب. ففعل وجلس معه وباسطه فوجد زوجته قد ضربها الطلق وليس معه ما يحتاج إليه فقال: صدق عرفت شغل قلبه في كثرة غلطه في القراءة ومن ذلك: أن اللصوص أخذوا في زمن المكتفي مالا عظيما فألزم المكتفي صاحب الشرطة بإخراج اللصوص.  أو غرامة المال فكان يركب وحده ويطوف ليلا ونهارا إلى أن اجتاز يوما في زقاق خال في بعض أطراف البلد فدخله فوجده منكرا ووجده لا ينفذ فرأى على بعض أبوابه شوك سمك كثير وعظام الصلب. فقال لشخص: كم يكون تقدير ثمن هذا السمك الذي هذه عظامه قال: دينار قال: أهل الزقاق لا تحتمل أحوالهم مشتري مثل هذا لأنه زقاق بين الاختلال إلى جانب الصحراء لا ينزله من معه شيء يخاف عليه أو له مال ينفق منه هذه النفقة وما هي إلا بلية ينبغي أن يكشف عنها فاستبعد الرجل هذا وقال: هذا فكر بعيد فقال: اطلبوا لي امرأة من الدرب أكلمها. فدق بابا غير الذي عليه الشوك واستسقى ماء فخرجت عجوز ضعيفة. فما زال يطلب شربة بعد شربة وهي تسقيه وهو في خلال ذلك يسأل عن الدرب وأهله وهي تخبره غير عارفة بعواقب ذلك إلى أن قال لها: وهذه الدار من يسكنها - وأومأ إلى التي عليها عظام السمك - فقالت: فيها خمسة شباب أعفار كأنهم تجار وقد نزلوا منذ شهر لا نراهم نهارا إلا في كل مدة طويلة ونرى الواحد منهم يخرج في الحاجة ويعود سريعا وهم في طول النهار يجتمعون فيأكلون ويشربون ويلعبون بالشطرنج والنرد ولهم صبي يخدمهم فإذا كان الليل انصرفوا إلى دار لهم بالكرخ ويدعون الصبي في الدار يحفظها. فإذا كان سحرا جاءوا ونحن نيام لا نشعر بهم فقالت للرجل: هذه صفة لصوص أم لا قال: بلى فأنفذ في الحال فاستدعى عشرة من الشرط وأدخلهم إلى أسطحة الجيران ودق هو الباب فجاء الصبي ففتح. فدخل الشرط معه فما فاته من القوم أحد فكانوا هم أصحاب الجناية بعينهم ومن ذلك: أن بعض الولاة سمع في بعض ليالي الشتاء صوتا بدار يطلب ماء باردا فأمر بكبس الدار فأخرجوا رجلا وامرأة فقيل له: من أين علمت قال: الماء لا يبرد في الشتاء إنما ذلك علامة بين هذين. وأحضر بعض الولاة شخصين متهمين بسرقة فأمر أن يؤتى بكوز من ماء فأخذه بيده ثم ألقاه عمدا فانكسر فارتاع أحدهما وثبت الآخر فلم يتغير فقال للذي انزعج: اذهب وقال للآخر: أحضر العملة. فقيل له: ومن أين عرفت ذلك فقال: اللص قوي القلب لا ينزعج والبريء يرى أنه لو تحركت في البيت فأرة لأزعجته ومنعته من السرقة.  [فصل في صور للحكم بالفراسة] (فصل)(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5067",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن الحكم بالفراسة والأمارات: ما رواه محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه قال: خاصم غلام من الأنصار أمه إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فجحدته فسأله البينة فلم تكن عنده وجاءت المرأة بنفر فشهدوا أنها لم تتزوج وأن الغلام كاذب عليها وقد قذفها. فأمر عمر - رضي الله عنه - بضربه فلقيه علي - رضي الله عنه - فسأل عن أمرهم فأخبر فدعاهم ثم قعد في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - وسأل المرأة فجحدت فقال للغلام: اجحدها كما جحدتك فقال: يا ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنها أمي قال: اجحدها وأنا أبوك والحسن والحسين أخواك قال: قد جحدتها وأنكرتها. فقال علي لأولياء المرأة: أمري في هذه المرأة جائز قالوا: نعم وفينا أيضا فقال علي: أشهد من حضر أني قد زوجت هذا الغلام من هذه المرأة الغريبة منه يا قنبر ائتني بطينة فيها درهم فأتاه بها فعد أربعمائة وثمانين درهما فدفعها مهرا لها. وقال للغلام: خذ بيد امرأتك ولا تأتنا إلا وعليك أثر العرس فلما ولى قالت المرأة: يا أبا الحسن الله الله هو النار هو والله ابني. قال: وكيف ذلك قالت: إن أباه كان زنجيا وإن إخوتي زوجوني منه فحملت بهذا الغلام. وخرج الرجل غازيا فقتل وبعثت بهذا إلى حي بني فلان. فنشأ فيهم وأنفت أن يكون ابني فقال علي: أنا أبو الحسن وألحقه بها وثبت نسبه. ومن ذلك: أن عمر بن الخطاب سأل رجلا: كيف أنت فقال: ممن يحب الفتنة ويكره الحق ويشهد على ما لم يره فأمر به إلى السجن. فأمر علي برده وقال: صدق قال: كيف صدقته قال: يحب المال والولد. وقد قال تعالى: إنما أموالكم وأولادكم فتنة [التغابن: 15] ويكره الموت وهو حق ويشهد أن محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يره فأمر عمر - رضي الله عنه - بإطلاقه قال: الله أعلم حيث يجعل رسالته [الأنعام: 124] . وقال الأصبغ بن نباتة: جاء رجل إلى مجلس علي - والناس حوله - فجلس بين يديه ثم التفت إلى الناس فقال: يا معشر الناس إن للداخل حيرة وللسائل روعة وهما دليل السهو والغفلة فاحتملوا زلتي إن كانت من سهو نزل بي ولا تحسبوني من شر الدواب عند الله الذين لا يعقلون. فتبسم علي - رضي الله عنه - وأعجب به فقال: يا أمير المؤمنين إني وجدت ألفا وخمسمائة درهم في خربة بالسواد فما علي وما لي فقال له علي: إن كنت أصبتها في خربة تؤدي خراجها قرية أخرى عامرة بقربها فهي لأهل تلك القرية وإن كنت وجدتها في خربة ليست تؤدي خراجها قرية أخرى(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5068",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عامرة فلك فيها أربعة أخماس ولنا خمس. قال الرجل: أصبتها في خربة ليس حولها أنيس ولا عندها عمران فخذ الخمس قال: قد جعلته لك. وأتى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رجل أسود ومعه امرأة سوداء فقال: يا أمير المؤمنين إني أغرس غرسا أسود وهذه سوداء على ما ترى فقد أتتني بولد أحمر فقالت المرأة: والله يا أمير المؤمنين ما خنته وإنه لولده. فبقي عمر لا يدري ما يقول فسئل عن ذلك علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فقال للأسود: إن سألتك عن شيء أتصدقني قال: أجل والله قال: هل واقعت امرأتك وهي حائض قال: قد كان ذلك قال علي: الله أكبر إن النطفة إذا خلطت بالدم فخلق الله عز وجل منها خلقا كان أحمر فلا تنكر ولدك فأنت جنيت على نفسك. وقال جعفر بن محمد: أتي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بامرأة قد تعلقت بشاب من الأنصار وكانت تهواه فلما لم يساعدها احتالت عليه فأخذت بيضة فألقت صفارها وصبت البياض على ثوبها وبين فخذيها ثم جاءت إلى عمر صارخة فقالت: هذا الرجل غلبني على نفسي وفضحني في أهلي وهذا أثر فعاله. فسأل عمر النساء فقلن له: إن ببدنها وثوبها أثر المني. فهم بعقوبة الشاب فجعل يستغيث ويقول: يا أمير المؤمنين تثبت في أمري فوالله ما أتيت فاحشة وما هممت بها فلقد راودتني عن نفسي فاعتصمت فقال عمر: يا أبا الحسن ما ترى في أمرهما فنظر علي إلى ما على الثوب. ثم دعا بماء حار شديد الغليان فصب على الثوب فجمد ذلك البياض ثم أخذه واشتمه وذاقه فعرف طعم البيض وزجر المرأة فاعترفت. قلت: ويشبه هذا ما ذكره الخرقي وغيره عن أحمد: أن المرأة إذا ادعت أن زوجها عنين وأنكر ذلك وهي ثيب فإنه يخلى معها في بيت ويقال له: أخرج ماءك على شيء فإن ادعت أنه ليس بمني جعل على النار فإن ذاب فهو مني وبطل قولها وهذا مذهب عطاء بن أبي رباح. وهذا حكم بالأمارات الظاهرة فإن المني إذا جعل على النار ذاب واضمحل وإن كان بياض بيض تجمع ويبس فإن قال: أنا أعجز عن إخراج مائي صح قولها. ويشبه هذا: ما ذكره بعض القضاة: أن زوجين ترافعا إليه وادعى كل منهما: أن الآخر عذيوط يغوط عند الجماع وتناكرا فأمر أن يطعم أحدهما تينا والآخر قثاء فعلم صاحب العيب بذلك.(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5069",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الأصبغ بن نباتة: إن شابا شكا إلى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - نفرا فقال: إن هؤلاء خرجوا مع أبي في سفر. فعادوا ولم يعد أبي فسألتهم عنه فقالوا: مات فسألتهم عن ماله فقالوا: ما ترك شيئا وكان معه مال كثير وترافعنا إلى شريح فاستحلفهم وخلى سبيلهم فدعا علي بالشرط فوكل بكل رجل رجلين وأوصاهم ألا يمكنوا بعضهم أن يدنو من بعض ولا يدعوا أحدا يكلمهم ودعا كاتبه ودعا أحدهم. فقال: أخبرني عن أبي هذا الفتى: في أي يوم خرج معكم وفي أي منزل نزلتم وكيف كان سيركم وبأي علة مات وكيف أصيب بماله وسأله عمن غسله ودفنه ومن تولى الصلاة عليه وأين دفن ونحو ذلك والكاتب يكتب ثم كبر علي فكبر الحاضرون والمتهمون لا علم لهم إلا أنهم ظنوا أن صاحبهم قد أقر عليهم. ثم دعا آخر بعد أن غيب الأول عن مجلسه فسأله كما سأل صاحبه ثم الآخر كذلك حتى عرف ما عند الجميع فوجد كل واحد منهم يخبر بضد ما أخبر به صاحبه ثم أمر برد الأول فقال: يا عدو الله قد عرفت غدرك وكذبك بما سمعت من أصحابك وما ينجيك من العقوبة إلا الصدق ثم أمر به إلى السجن وكبر وكبر معه الحاضرون فلما أبصر القوم الحال لم يشكوا أن صاحبهم أقر عليهم فدعا آخر منهم فهدده فقال: يا أمير المؤمنين والله لقد كنت كارها لما صنعوا ثم دعا الجميع فأقروا بالقصة واستدعي الذي في السجن وقيل له: قد أقر أصحابك ولا ينجيك سوى الصدق فأقر بمثل ما أقر به القوم فأغرمهم المال وأقاد منهم بالقتيل. ورفع إلى بعض القضاة رجل ضرب رجلا على هامته فادعى المضروب: أنه أزال بصره وشمه فقال: يمتحن بأن يرفع عينيه إلى قرص الشمس فإن كان صحيحا لم تثبت عيناه لها وينحدر منهما الدمع. وتحرق خرقة وتقدم إلى أنفه. فإن كان صحيح الشم: بلغت الرائحة خيشومه ودمعت عيناه. ورأيت في quot; أقضية علي - رضي الله عنه - quot; نظير هذه القضية وأن المضروب ادعى أنه أخرس. وأمر أن يخرج لسانه وينخس بإبرة فإن خرج الدم أحمر فهو صحيح اللسان وإن خرج أسود فهو أخرس. وقال أصبغ بن نباتة: قيل لعلي - رضي الله عنه - في فداء أسرى المسلمين من أيدي المشركين فقال: نادوا منهم من كانت جراحاته بين يديه دون من كانت من ورائه. فإنه فار. قال: وأوصى رجل إلى آخر: أن يتصدق عنه من هذه الألف دينار بما أحب فتصدق بعشرها وأمسك الباقي فخاصموه إلى علي. وقالوا: يأخذ النصف ويعطينا النصف. فقال: أنصفوك قال: إنه قال لي: أخرج بها ما أحببت قال: فأخرج عن الرجل تسعمائة والباقي لك قال:(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5070",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكيف ذاك قال: لأن الرجل أمرك أن تخرج ما أحببت وقد أحببت التسعمائة فأخرجها. وقضى في رجلين حرين يبيع أحدهما صاحبه على أنه عبد ثم يهربان من بلد إلى بلد - بقطع أيديهما لأنهما سارقان لأنفسهما ولأموال الناس. قلت: وهذا من أحسن القضاء وهو الحق وهما أولى بالقطع من السارق المعروف فإن السارق إذا قطع - دون المنتهب والمغتصب - لأنه لا يمكن التحرز منه. ولهذا قطع النباش ولهذا جاءت السنة بقطع جاحد العارية. وقضى علي أيضا في امرأة تزوجت فلما كان ليلة زفافها أدخلت صديقها الحجلة سرا وجاء الزوج فدخل الحجلة فوثب إليه الصديق فاقتتلا فقتل الزوج الصديق. فقامت إليه المرأة فقتلته فقضى بدية الصديق على المرأة ثم قتلها بالزوج وإنما قضى بدية الصديق عليها: لأنها هي التي عرضته لقتل الزوج له فكانت هي المتسببة في قتله وكانت أولى بالضمان من الزوج المباشر لأن المباشر قتله قتلا مأذونا فيه دفعا عن حرمته. فهذا من أحسن القضاء الذي لا يهتدي إليه كثير من الفقهاء وهو الصواب. وقضى في رجل فر من رجل يريد قتله فأمسكه له آخر حتى أدركه فقتله وبقربه رجل ينظر إليهما وهو يقدر على تخليصه فوقف ينظر إليه حتى قتله. فقضى أن يقتل القاتل ويحبس الممسك حتى يموت وتفقأ عين الناظر الذي وقف ينظر ولم ينكر. فذهب الإمام أحمد وغيره من أهل العلم: إلى القول بذلك إلا في فقء عين الناظر ولعل عليا رأى تعزيره بذلك مصلحة للأمة وله مساغ في الشرع في مسألة فقء عين الناظر إلى بيت الرجل من خص أو طاقة كما جاءت بذلك السنة الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها ولا دافع لكونه جنى على صاحب المنزل ونظر نظرا محرما لا يحل له أن يقدم عليه. فجوز له النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يخذفه فيفقأ عينه وهذا مذهب الشافعي وأحمد.(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5071",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; الصحيح quot;: من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقئوا عينه فلا دية له ولا قصاص . وفي quot; الصحيحين quot; من حديث الزهري عن سهل: قال: اطلع رجل في حجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه مدرى يحك بها رأسه فقال: لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به في عينك إنما جعل الإذن من أجل البصر . وفي quot; صحيح مسلم quot; عنه: أن رجلا اطلع على النبي - صلى الله عليه وسلم - من ستر الحجرة وفي يد النبي - صلى الله عليه وسلم - مدرى فقال: لو أعلم أن هذا ينظرني حتى آتيه لطعنت بالمدرى في عينه وهل جعل الإذن إلا من أجل البصر أي لو أعلم أنه يقف لي حتى آتيه. وفي quot; الصحيحين quot; عن أنس - رضي الله عنه -: أن رجلا اطلع في بعض حجر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بمشقص فذهب نحو الرجل يختله ليطعنه به قال: فكأني أنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يختله ليطعنه به . وفي سنن البيهقي quot; وغيره عن أنس بن مالك: أن أعرابيا أتى باب النبي - صلى الله عليه وسلم - فألقم(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5072",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عينه خصاص الباب فبصر به النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخذ عودا محددا فوجأ عين الأعرابي فانقمع فقال: لو ثبت لفقأت عينك . وفي quot; الصحيحين quot; من حديث الأعرج عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه: ما كان عليك من جناح . وفي صحيح مسلم quot; عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقئوا عينه . وفي سنن البيهقي quot; عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لو أن رجلا اطلع في بيت رجل ففقئوا عينه ما كان عليه شيء . فالحق: هو الأخذ بموجب هذه السنن الصحيحة الصريحة والناظر إلى القاتل يقتل المسلم وهو يستطيع أن يخلصه وينهاه: أعظم إثما عند الله تعالى وأحق بفقء العين والله أعلم. وقضى أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - في رجل قطع فرج امرأته: أن تؤخذ منه دية الفرج ويجبر على إمساكها حتى تموت وإن طلقها أنفق عليها. فلله ما أحسن هذا القضاء وأقربه من الصواب. فأما الفرج: ففيه الدية كاملة اتفاقا وأما إنفاقه عليها إن طلقها فلأنه أفسدها على الأزواج الذين يقومون بنفقتها ومصالحها فسادا لا يعود وأما إجباره على إمساكها: فمعاقبة له بنقيض قصده فإنه قصد التخلص منها بأمر محرم وقد كان يمكنه التخلص منها بالطلاق أو الخلع فعدل عن ذلك إلى هذه المثلة القبيحة فكان جزاؤه أن يلزم بإمساكها إلى الموت. وقضى في مولود ولد له رأسان وصدران في حقو واحد فقالوا له: أيورث ميراث اثنين أم ميراث واحد فقال: يترك حتى ينام ثم يصاح به فإن انتبها جميعا كان له ميراث واحد وإن انتبه واحد وبقي الآخر كان له ميراث اثنين. فإن قيل: كيف يتزوج من ولد كذلك قلت: هذه مسألة لم أر لها ذكرا في كتب الفقهاء وقد قال أبو جبلة: رأيت بفارس امرأة لها رأسان وصدران في حقو واحد متزوجة تغار هذه على هذه وهذه على هذه.(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5073",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والقياس: أنها تزوج كما يتزوج النساء ويتمتع الزوج بكل واحد من هذين الفرجين والوجهين فإن ذلك زيادة في خلق المرأة هذا إذا كان الرأسان على حقو واحد ورجلين فإن كانا على حقوين وأربعة أرجل. فقد روى محمد بن سهل: حدثنا عبد الله بن محمد البلوي حدثني عمارة بن زيد حدثنا عبد الله بن العلاء عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: quot; أتي عمر بن الخطاب بإنسان له رأسان وفمان وأربع أعين وأربع أيد وأربع أرجل وإحليلان ودبران. فقالوا: كيف يرث يا أمير المؤمنين فدعا بعلي فقال: فيهما قضيتان إحداهما: ينظر إذا نام فإذا غط غطيط واحد فنفس واحدة وإن غط كل منهما فنفسان وأما القضية الأخرى فيطعمان ويسقيان فإن بال منهما جميعا وتغوط منهما جميعا فنفس واحدة وإن بال من كل واحد منهما على حدة وتغوط من كل واحد على حدة فنفسان. فلما كان بعد ذلك طلبا النكاح. فقال علي - رضي الله عنه -: لا يكون فرج في فرج وعين تنظر ثم قال علي: أما إذ حدثت فيهما الشهوة فإنهما سيموتان جميعا سريعا فما لبثا أن ماتا وبينهما ساعة أو نحوها. 18 - (فصل) ومن ذلك: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أتي بامرأة زنت فسألها فأقرت فأمر برجمها. فقال علي: لعل لها عذرا ثم قال لها: ما حملك على الزنا قالت: كان لي خليط وفي إبله ماء ولبن ولم يكن في إبلي ماء ولا لبن فظمئت فاستسقيته فأبى أن يسقيني حتى أعطيه نفسي. فأبيت عليه ثلاثا. فلما ظمئت وظننت أن نفسي ستخرج أعطيته الذي أراد فسقاني فقال علي: الله أكبر فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم [البقرة: 173] . وفي سنن البيهقي quot; عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: أتي عمر بامرأة جهدها العطش فمرت على راع فاستسقت فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها. فشاور الناس في رجمها. فقال علي: هذه مضطرة أرى أن تخلي سبيلها ففعل. قلت: والعمل على هذا لو اضطرت المرأة إلى طعام أو شراب عند رجل فمنعها إلا بنفسها وخافت الهلاك فمكنته من نفسها فلا حد عليها. فإن قيل: فهل يجوز لها في هذه الحال أن تمكن من نفسها أم يجب عليها أن تصبر ولو ماتت قيل: هذه حكمها حكم المكرهة على الزنا التي يقال لها: إن مكنت من نفسك وإلا قتلتك. والمكرهة لا حد عليها ولها أن تفتدي من القتل بذلك. ولو صبرت لكان أفضل لها ولا يجب عليها(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5074",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن تمكن من نفسها كما لا يجب على المكره على الكفر أن يتلفظ به وإن صبر حتى قتل لم يكن آثما. فالمكرهة على الفاحشة أولى. فإن قيل: لو وقع مثل ذلك لرجل وقيل له: إن لم تمكن من نفسك وإلا قتلناك أو منع الطعام والشراب حتى يمكن من نفسه وخاف الهلاك. فهل يجوز له التمكين قيل: لا يجوز له ذلك ويصبر للموت. والفرق بينه وبين المرأة: أن العار الذي يلحق المفعول به لا يمكن تلافيه وهو شر مما يحصل له بالقتل أو منع الطعام والشراب حتى يموت فإن هذا فساد في نفسه وعقله وقلبه ودينه وعرضه ونطفة اللوطي مسمومة تسري في الروح والقلب فتفسدها فسادا عظيما قل أن يرجى معه صلاح. ففساد التفريق بين روحه وبدنه بالقتل دون هذه المفسدة ولهذا يجوز له أو يجب عليه - أن يقتل من يراوده عن نفسه إن أمكنه ذلك من غير خوف مفسدة. ولو فعله السيد بعبده بيع عليه ولم يمكن من استدامة ملكه عليه. وقال بعض السلف: يعتق عليه. وهو قول قوي مبني على العتق بالمثلة لا سيما إذا استكرهه على ذلك فإن هذا جار مجرى المثلة. وقد سئل الإمام أحمد عن رجل يتهم بغلامه. فأراد بعض الناس أن يرفعه إلى الإمام فدبر غلامه فقال: يحال بينه وبينه إذا كان فاجرا معلنا. فإن قيل: فهل يباح للغلام أن يهرب قيل: نعم يباح له ذلك. قال أبو عمرو الطرسوسي - في كتاب تحريم اللواط: باب إباحة الهرب للمملوك إذا أريد منه هذا البلاء - ثم ساق بإسناد صحيح إلى عبد الله بن المبارك عن سفيان الثوري: quot; أن عبدا أتاه فقال: إني مملوك لهؤلاء يأمرونني بما لا يصلح أو نحوه. قال: اذهب في الأرض quot;. وذكر عن القاسم بن الريان قال: سئل عبد الله بن المبارك عن الغلام إذا أرادوا أن يفضحوه قال يمنع ويذب عن نفسه. قال: أرأيت إن علم أنه لا ينجيه إلا القتل أيقتل حتى ينجو قال: نعم. انتهى. قلت: ويكون مجاهدا إن قتل وشهيدا إن قتل. فإن من قتل دون ماله فهو شهيد فكيف من قتل دون هذه الفاحشة  (فصل)(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5075",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن ذلك: أن امرأة رفعت إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قد زنت. فسألها عن ذلك فقالت: نعم يا أمير المؤمنين وأعادت ذلك وأيدته. فقال علي: إنها لتستهل به استهلال من لا يعلم أنه حرام. فدرأ عنها الحد. وهذا من دقيق الفراسة. 20 - (فصل) ومن قضايا علي - رضي الله عنه -: أنه أتي برجل وجد في خربة بيده سكين متلطخة بدم وبين يديه قتيل يتشحط في دمه. فسأله فقال: أنا قتلته قال: اذهبوا به فاقتلوه. فلما ذهب به أقبل رجل مسرعا فقال: يا قوم لا تعجلوا. ردوه إلى علي فردوه فقال الرجل: يا أمير المؤمنين ما هذا صاحبه أنا قتلته. فقال علي للأول: ما حملك على أن قلت: أنا قاتله ولم تقتله قال: يا أمير المؤمنين وما أستطيع أن أصنع وقد وقف العسس على الرجل يتشحط في دمه وأنا واقف وفي يدي سكين وفيها أثر الدم وقد أخذت في خربة فخفت ألا يقبل مني وأن يكون قسامة فاعترفت بما لم أصنع واحتسبت نفسي عند الله. فقال علي: بئسما صنعت. فكيف كان حديثك قال: إني رجل قصاب خرجت إلى حانوتي في الغلس فذبحت بقرة وسلختها. فبينما أنا أسلخها والسكين في يدي أخذني البول. فأتيت خربة كانت بقربي فدخلتها فقضيت حاجتي وعدت أريد حانوتي فإذا أنا بهذا المقتول يتشحط في دمه فراعني أمره فوقفت أنظر إليه والسكين في يدي فلم أشعر إلا بأصحابك قد وقفوا علي فأخذوني فقال الناس: هذا قتل هذا ما له قاتل سواه. فأيقنت أنك لا تترك قولهم لقولي فاعترفت بما لم أجنه فقال علي للمقر الثاني: فأنت كيف كانت قصتك فقال أغواني إبليس فقتلت الرجل طمعا في ماله ثم سمعت حس العسس فخرجت من الخربة واستقبلت هذا القصاب على الحال التي وصف فاستترت منه ببعض الخربة حتى أتى العسس فأخذوه وأتوك به. فلما أمرت بقتله علمت أني سأبوء بدمه أيضا فاعترفت بالحق. فقال للحسن: ما الحكم في هذا قال: يا أمير المؤمنين إن كان قد قتل نفسا فقد أحيا نفسا وقد قال الله تعالى: ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا [المائدة: 32]  فخلى علي عنهما وأخرج دية القتيل من بيت المال. وهذا - إن وقع صلحا برضا الأولياء - فلا إشكال وإن كان بغير رضاهم فالمعروف من أقوال الفقهاء: أن القصاص لا يسقط بذلك. لأن الجاني قد اعترف بما يوجبه ولم يوجد ما يسقطه فيتعين استيفاؤه.(1\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5076",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبعد: فلحكم أمير المؤمنين وجه قوي. وقد وقع نظير هذه القصة في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أنها ليست في القتل. قال النسائي: حدثنا محمد بن يحيى بن كثير الحراني حدثنا عمر بن حماد بن طلحة حدثنا أسباط ابن نصر عن سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح - وهي تعمد إلى المسجد - بمكروه على نفسها فاستغاثت برجل مر عليها وفر صاحبها. ثم مر عليها ذوو عدد. فاستغاثت بهم فأدركوا الرجل الذي كانت استغاثت به فأخذوه. وسبقهم الآخر فجاءوا به يقودونه إليها فقال: أنا الذي أغثتك وقد ذهب الآخر. فأتوا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته أنه وقع عليها. وأخبر القوم: أنهم أدركوه يشتد فقال: إنما كنت أغيثها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني فقالت: كذب هو الذي وقع علي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: انطلقوا به فارجموه. فقام رجل فقال: لا ترجموه وارجموني فأنا الذي فعلت بها الفعل واعترف. فاجتمع ثلاثة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي وقع عليها والذي أغاثها والمرأة - فقال: أما أنت فقد غفر لك. وقال للذي أغاثها قولا حسنا. فقال عمر - رضي الله عنه -: ارجم الذي اعترف بالزنا. فأبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: لا إنه قد تاب . ورواه الإمام أحمد في مسنده quot; عن محمد بن عبد الله بن الزبير حدثنا إسرائيل عن سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه - فذكره. وفيه: فقالوا يا رسول الله ارجمه فقال: لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل الله منهم . وقال أبو داود: ((باب في صاحب الحد يجيء فيقر quot; حدثنا محمد بن يحيى بن فارس عن الفريابي عن إسرائيل عن سماك - فذكره بنحوه - وفيه: ألا ترجمه قال: لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبلت منهم . وقال الترمذي: quot; باب ما جاء في المرأة إذا استكرهت على الزنا quot; حدثنا علي بن حجر أنبأنا معتمر بن سليمان الرقي عن الحجاج بن أرطاة عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه قال: استكرهت امرأة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فدرأ عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحد وأقامه على الذي أصابها . ولم يذكر أنه جعل لها مهرا. قال الترمذي: هذا حديث غريب. ليس إسناده بمتصل. وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه. وسمعت محمدا يقول: عبد الجبار بن وائل بن حجر لم يسمع من أبيه ولا أدركه يقال: إنه ولد بعد موت أبيه بأشهر. والعمل على هذا عند أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم:(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5077",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن ليس على المستكره حد. ثم ساق حديث علقمة بن وائل عن أبيه من طريق محمد بن يحيى النيسابوري عن الفريابي عن سماك عنه: ولفظه: أن امرأة خرجت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تريد الصلاة فتلقاها رجل فتجللها فقضى حاجته منها. فصاحت فانطلق. ومر عليها رجل فقالت: إن ذاك الرجل فعل بي كذا وكذا. ومرت بعصابة من المهاجرين فقالت: إن ذاك الرجل فعل بي كذا وكذا فانطلقوا فأخذوا الرجل الذي ظنت أنه وقع عليها. فأتوها به فقالت: نعم هو هذا فأتوا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما أمر به ليرجم قام صاحبها الذي وقع عليها فقال يا رسول الله: أنا صاحبها. فقال لها: اذهبي فقد غفر الله لك. وقال للرجل قولا حسنا: وقال للذي وقع عليها: ارجموه. وقال: لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل الله منهم . وقال الترمذي: هذا حديث غريب. وفي نسخة صحيح وعلقمة بن وائل بن حجر سمع من أبيه. وهو أكبر من عبد الجبار بن وائل. وعبد الجبار لم يسمع من أبيه. قلت: هذا الحديث إسناده على شرط مسلم ولعله تركه لهذا الاضطراب الذي وقع في متنه. والحديث يدور على سماك. وقد اختلفت الرواية في رجم المعترف فقال أسباط بن نصر عن سماك: quot; فأبى أن يرجمه quot; ورواية أحمد وأبي داود ظاهرة في ذلك. ورواية الترمذي عن محمد بن يحيى صريحة في أنه رجمه. وهذا الاضطراب: إما من سماك - وهو الظاهر - وإما ممن هو دونه. والأشبه: أنه لم يرجمه كما رواه أحمد والنسائي وأبو داود. ولم يذكروا غير ذلك ورواته حفظوا: quot; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل رجمه فأبى وقال: لا quot; والذي قال: quot; إنه أمر برجمه quot; إما أن يكون جرى على المعتاد وإما أن يكون اشتبه عليه أمره برجم الذي جاءوا به أولا فوهم وقال: إنه أمر برجم المعترف. وأيضا فالذين رجمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الزنا مضبوطون معدودون وقصصهم محفوظة معروفة. وهم ستة نفر: الغامدية وماعز وصاحبة العسيف واليهوديان. والظاهر: أن راوي الرجم في هذه القصة استبعد أن يكون قد اعترف بالزنا بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يرجمه وعلم أن من هديه: رجم الزاني. فقال: quot; وأمر برجمه quot; فإن قيل: فحديث عبد الجبار بن وائل عن أبيه الظاهر أنه في هذه القصة وقد ذكر quot; أنه أقام الحد على الذي أصابها quot;.(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5078",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل: لا يدل لفظ الحديث على أن القصة واحدة وإن دل فقد قال البخاري: لم يسمعه حجاج من عبد الجبار ولا سمعه عبد الجبار من أبيه. حكاه البيهقي عنه على أن في قول البخاري: quot; إن عبد الجبار ولد بعد موت أبيه بأشهر quot; نظرا. فإن مسلما روى في صحيحه quot; عن عبد الجبار قال: quot; كنت غلاما لا أعقل صلاة أبي. .. quot; الحديث وليس في ترك رجمه - مع الاعتراف - ما يخالف أصول الشرع فإنه قد تاب بنص النبي - صلى الله عليه وسلم -. ومن تاب من حد قبل القدرة عليه سقط عنه في أصح القولين وقد أجمع عليه الناس في المحارب وهو تنبيه على من دونه وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للصحابة لما فر ماعز من بين أيديهم: هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه . فإن قيل: فكيف تصنعون بأمره برجم المتهم الذي ظهرت براءته ولم يقر ولم تقم عليه بينة بل بمجرد إقرار المرأة عليه قيل: هذا - لعمر الله - هو الذي يحتاج إلى جواب شاف فإن الرجل لم يقر بل قال: quot; أنا الذي أغثتها quot;. فيقال - والله أعلم -: إن هذا مثل إقامة الحد باللوث الظاهر القوي فإنه أدرك وهو يشتد هاربا بين أيدي القوم واعترف بأنه كان عند المرأة وادعى أنه كان مغيثا لها وقالت المرأة: هو هذا وهذا لوث ظاهر. وقد أقام الصحابة حد الزنا والخمر باللوث الذي هو نظير هذا أو قريب منه وهو الحمل والرائحة وجوز النبي - صلى الله عليه وسلم - لأولياء القتيل أن يقسموا على عين القاتل - وإن لم يروه - للوث ولم يدفعه إليهم. فلما انكشف الأمر بخلاف ذلك تعين الرجوع إليه كما لو شهد عليه أربعة: أنه زنى بامرأة فحكم برجمه فإذا هي عذراء أو ظهر كذبهم فإن الحد يدرأ عنه ولو حكم به فهذا ما ظهر في هذا الحديث الذي هو من مشكلات الأحاديث والله أعلم. وقرأت في كتاب أقضية علي quot; - رضي الله عنه - بغير إسناد - quot; أن امرأة رفعت إلى علي(1\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5079",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وشهد عليها: أنها قد بغت وكان من قصتها أنها كانت يتيمة عند رجل وكان للرجل امرأة وكان كثير الغيبة عن أهله. فشبت اليتيمة فخافت المرأة أن يتزوجها زوجها فدعت نسوة حتى أمسكنها. فأخذت عذرتها بأصبعها فلما قدم زوجها من غيبته رمتها المرأة بالفاحشة وأقامت البينة من جاراتها اللواتي ساعدنها على ذلك. فسأل المرأة: ألك شهود قالت: نعم. هؤلاء جاراتي يشهدن بما أقول. فأحضرهن علي وأحضر السيف وطرحه بين يديه وفرق بينهن. فأدخل كل امرأة بيتا فدعا امرأة الرجل فأدارها بكل وجه فلم تزل عن قولها. فردها إلى البيت الذي كانت فيه. ودعا بإحدى الشهود وجثا على ركبتيه. وقال: قد قالت المرأة ما قالت ورجعت إلى الحق وأعطيتها الأمان وإن لم تصدقيني لأفعلن ولأفعلن. فقالت: لا والله ما فعلت إلا أنها رأت جمالا وهيبة فخافت فساد زوجها فدعتنا وأمسكناها لها حتى افتضتها بأصبعها قال علي: الله أكبر أنا أول من فرق بين الشاهدين. فألزم المرأة حد القذف وألزم النسوة جميعا العقر وأمر الرجل أن يطلق المرأة وزوجه اليتيمة وساق إليها المهر من عنده. ثم حدثهم: أن دانيال كان يتيما لا أب له ولا أم وأن عجوزا من بني إسرائيل ضمته وكفلته وأن ملكا من ملوك بني إسرائيل كان له قاضيان. وكانت امرأة مهيبة جميلة تأتي الملك فتناصحه وتقص عليه وأن القاضيين عشقاها. فراوداها عن نفسها فأبت فشهدا عليها عند الملك أنها بغت. فدخل الملك من ذلك أمر عظيم فاشتد غمه وكان بها معجبا. فقال لهما: إن قولكما مقبول وأجلها ثلاثة أيام ثم ترجمونها. ونادى في البلد: احضروا رجم فلانة فأكثر الناس في ذلك وقال الملك لثقته: هل عندك من حيلة فقال: ماذا عسى عندي - يعني وقد شهد عليها القاضيان - فخرج ذلك الرجل في اليوم الثالث فإذا هو بغلمان يلعبون وفيهم دانيال وهو لا يعرفه فقال دانيال: يا معشر الصبيان تعالوا حتى أكون أنا الملك وأنت يا فلان المرأة العابدة وفلان وفلان القاضيين الشاهدين عليها. ثم جمع ترابا وجعل سيفا من قصب وقال للصبيان: خذوا بيد هذا القاضي إلى مكان كذا وكذا ففعلوا ثم دعا الآخر فقال له: قل الحق فإن لم تفعل قتلتك بأي شيء تشهد - والوزير واقف ينظر ويسمع - فقال أشهد أنها بغت قال: متى قال: في يوم كذا وكذا. قال: مع من قال: مع فلان بن فلان. قال: في أي مكان قال في مكان كذا وكذا فقال: ردوه إلى مكانه وهاتوا الآخر. فردوه إلى مكانه وجاءوا بالآخر فقال: بأي شيء تشهد قال: بغت. قال: متى قال: يوم كذا وكذا قال: مع من قال: مع فلان بن فلان قال:(1\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5080",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأين قال: في موضع كذا وكذا فخالف صاحبه فقال دانيال: الله أكبر شهدا عليها والله بالزور فاحضروا قتلهما. فذهب الثقة إلى الملك مبادرا فأخبره الخبر فبعث إلى القاضيين ففرق بينهما. وفعل بهما ما فعل دانيال. فاختلفا كما اختلف الغلامان. فنادى الملك في الناس: أن احضروا قتل القاضيين فقتلهما.  [فصل في الحبس في الدين] 21 - (فصل) وكان علي - رضي الله عنه - لا يحبس في الدين ويقول: quot; إنه ظلم quot;. قال أبو داود في غير كتاب السنن: حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا مروان يعني ابن معاوية - عن محمد بن إسحاق عن محمد بن علي قال: قال علي: quot; حبس الرجل في السجن بعد معرفة ما عليه من الحق ظلم quot;. وقال ابن أبي شيبة حدثنا ابن فضيل عن محمد بن إسحاق عن أبي جعفر عن علي قال: quot; حبس الرجل في السجن بعد أن يعلم ما عليه ظلم quot;. وقال أبو حاتم الرازي: حدثنا يزيد حدثنا محمد بن إسحاق عن أبي جعفر أن عليا كان يقول: quot; حبس الرجل في السجن بعد أن يعلم ما عليه من الحق ظلم quot;. وقال أبو نعيم: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: سمعت عبد الملك بن عمير يقول: quot; إن عليا كان إذا جاءه الرجل بغريمه قال: لي عليه كذا. يقول: اقضه فيقول: ما عندي ما أقضيه فيقول: غريمه: إنه كاذب وإنه غيب ماله. فيقول: هلم بينة على ماله يقضى لك عليه. فيقول: إنه غيبه. فيقول: استحلفه بالله ما غيب منه شيئا. قال: لا أرضى بيمينه. فيقول: فما تريد قال: أريد أن تحبسه لي فيقول: لا أعينك على ظلمه ولا أحبسه قال: إذن ألزمه فيقول: إن لزمته كنت ظالما له وأنا حائل بينك وبينه quot;. قلت: هذا الحكم عليه جمهور الأئمة فيما إذا كان عليه دين عن غير عوض مالي كالإتلاف والضمان والمهر ونحوه فإن القول قوله مع يمينه ولا يحل حبسه بمجرد قول الغريم: إنه مليء وإنه غيب ماله. قالوا: وكيف يقبل قول غريمه عليه ولا أصل هناك يستصحبه ولا عوض هذا الذي ذكره أصحاب الشافعي ومالك وأحمد. وأما أصحاب أبي حنيفة: فإنهم قسموا الدين إلى ثلاثة أقسام: قسم عن عوض مالي كالقرض وثمن المبيع ونحوهما. وقسم لزمه بالتزامه كالكفالة والمهر وعوض الخلع ونحوه وقسم لزمه بغير(1\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5081",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التزامه وليس في مقابلة عوض كبدل المتلف وأرش الجناية ونفقة الأقارب والزوجات وإعتاق العبد المشترك ونحوه. ففي القسمين الأولين: يسأل المدعي عن إعسار غريمه فإن أقر بإعساره لم يحبس له وإن أنكر إعساره وسأل حبسه: حبس لأن الأصل بقاء عوض الدين عنده والتزامه للقسم الآخر باختياره: يدل على قدرته على الوفاء وهل تسمع بينة بالإعسار قبل الحبس أو بعده على قولين عندهم. وإذا قيل: لا تسمع إلا بعد الحبس فقال بعضهم: تكون مدة الحبس شهرا وقيل: اثنان وقيل: ثلاثة وقيل: أربعة وقيل: ستة والصحيح: أنه لا حد له وأنه مفوض إلى رأي الحاكم. والذي يدل عليه الكتاب والسنة وقواعد الشرع: أنه لا يحبس في شيء من ذلك إلا أن يظهر بقرينة أنه قادر مماطل سواء كان دينه عن عوض أو عن غير عوض وسواء لزمه باختياره أو بغير اختياره. فإن الحبس عقوبة والعقوبة إنما تسوغ بعد تحقق سببها وهي من جنس الحدود فلا يجوز إيقاعها بالشبهة بل يتثبت الحاكم ويتأمل حال الخصم ويسأل عنه فإن تبين له مطله وظلمه ضربه إلى أن يوفي أو يحبسه وإن تبين له بالقرائن والأمارات عجزه لم يحل له أن يحبسه ولو أنكر غريمه إعساره فإن عقوبة المعذور شرعا ظلم. وإن لم يتبين له من حاله شيء أخره حتى يتبين له حاله. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لغرماء المفلس الذي لم يكن له ما يوفي دينه: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك وهذا صريح في أنه ليس لهم إذا أخذوا ما وجدوه إلا ذلك وليس لهم حبسه ولا ملازمته ولا ريب أن الحبس من جنس الضرب بل قد يكون أشد منه ولو قال الغريم للحاكم: اضربه إلى أن يحضر المال لم يجبه إلى ذلك فكيف يجيبه إلى الحبس الذي هو مثله أو أشد. ولم يحبس الرسول - صلى الله عليه وسلم - طول مدته أحدا في دين قط ولا أبو بكر بعده ولا عمر ولا عثمان - رضي الله عنهم - وقد ذكرنا قول علي - رضي الله عنه -.(1\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5082",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال شيخنا - رحمه الله -: وكذلك لم يحبس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من الخلفاء الراشدين زوجا في صداق امرأته أصلا. وفي رسالة الليث إلى مالك - التي رواها يعقوب بن سفيان الفسوي الحافظ في تاريخه quot; عن أيوب عن يحيى بن عبيد الله بن أبي بكر المخزومي قال: هذه رسالة الليث بن سعد إلى مالك فذكرها إلى أن قال: quot; ومن ذلك: أن أهل المدينة يقضون في صدقات النساء أنها متى شاءت أن تكلم في مؤخر صداقها تكلمت فيدفع إليها. وقد وافق أهل العراق أهل المدينة على ذلك وأهل الشام وأهل مصر ولم يقض أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا من بعده لامرأة بصداقها المؤخر إلا أن يفرق بينهما موت أو طلاق فتقوم على حقها. قلت: مراده بالمؤخر: الذي أخر قبضه عن العقد فترك مسمى وليس المراد به: المؤجل. فإن الأمة مجمعة على أن المرأة لا تطالب به قبل أجله بل هو كسائر الديون المؤجلة وإنما المراد: ما يفعله الناس من تقديم بعض المهر إلى المرأة وإرجاء الباقي كما يفعله الناس اليوم وقد دخلت الزوجة والأولياء على تأخيره إلى الفرقة وعدم المطالبة به ما داما متفقين. ولذلك لا تطالب به إلا عند الشر والخصومة أو تزوجه بغيرها والله يعلم - والزوج والشهود والمرأة والأولياء - أن الزوج والزوجة لم يدخلا إلا على ذلك وكثير من الناس يسمي صداقا تتجمل به المرأة وأهلها ويعدونه - بل يحلفون له - أنهم لا يطالبون به. فهذا لا تسمع دعوى المرأة به قبل الطلاق أو الموت ولا يطالب به الزوج ولا يحبس به أصلا وقد نص أحمد على ذلك وأنها إنما تطالب به عند الفرقة أو الموت وهذا هو الصواب الذي لا تقوم مصلحة الناس إلا به. قال شيخنا: ومن حين سلط النساء على المطالبة بالصدقات المؤخرة وحبس الأزواج عليها حدث من الشرور والفساد ما الله به عليم. وصارت المرأة إذا أحست من زوجها بصيانتها في البيت ومنعها من البروز والخروج من منزله والذهاب حيث شاءت: تدعي بصداقها وتحبس الزوج عليه وتنطلق حيث شاءت فيبيت الزوج ويظل يتلوى في الحبس وتبيت المرأة فيما تبيت فيه فإن قيل فالشرط إنما يكتبه حالا في ذمته تطالبه به متى شاءت. قيل: لا عبرة بهذا بعد الاطلاع على حقيقة الحال وأن الزوج لو عرف أن هذا دين حال تطالبه به بعد يوم أو شهر وتحبسه عليه: لم يقدم على ذلك أبدا وإنما دخلوا على أن ذلك مسمى تتجمل به المرأة والمهر هو ما ساق إليها فإن قدر بينهما طلاق أو موت طالبته بذلك. وهذا هو الذي في نظر الناس وعرفهم وعوائدهم ولا تستقيم أمورهم إلا به والله المستعان.(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5083",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمقصود: أن الحبس في الدين من جنس الضرب بالسياط والعصي فيه وذلك عقوبة لا تسوغ إلا عند تحقق السبب الموجب ولا تسوغ بالشبهة بل سقوطها بالشبهة أقرب إلى قواعد الشريعة من ثبوتها بالشبهة والله أعلم. وقال الأصبغ بن نباتة: بينما علي - رضي الله عنه - جالس في مجلسه إذ سمع ضجة فقال: ما هذا فقالوا: رجل سرق ومعه من يشهد عليه فأمر بإحضارهم فدخلوا فشهد شاهدان عليه: أنه سرق درعا فجعل الرجل يبكي ويناشد عليا أن يتثبت في أمره. فخرج علي إلى مجتمع الناس بالسوق فدعا بالشاهدين فناشدهما الله وخوفهما فأقاما على شهادتهما. فلما رآهما لا يرجعان دعا بالسكين وقال: ليمسك أحدكما يده ويقطع الآخر فتقدما ليقطعاه فهاج الناس واختلط بعضهم ببعض وقام علي عن الموضع. فأرسل الشاهدان يد الرجل وهربا. فقال علي: من يدلني على الشاهدين الكاذبين فلم يوقف لهما على خبر فخلى سبيل الرجل. وهذا من أحسن الفراسة وأصدقها فإنه ولى الشاهدين من ذلك ما توليا وأمرهما أن يقطعا بأيديهما من قطعا يده بألسنتهما ومن هاهنا قالوا: إنه يبدأ الشهود بالرجم إذا شهدوا بالزنا. وجاءت إلى علي - رضي الله عنه - امرأة فقالت: إن زوجي وقع على جاريتي بغير أمري فقال للرجل: ما تقول قال: ما وقعت عليها إلا بأمرها فقال: إن كنت صادقة رجمته وإن كنت كاذبة جلدتك الحد وأقيمت الصلاة وقام ليصلي ففكرت المرأة في نفسها فلم تر لها فرجا في أن يرجم زوجها ولا في أن تجلد فولت ذاهبة ولم يسأل عنها علي. 22 - (فصل) ومن المنقول عن كعب بن سور قاضي عمر بن الخطاب أنه اختصم إليه امرأتان كان لكل واحدة منهما ولد فانقلبت إحدى المرأتين على أحد الصبيين فقتلته فادعت كل واحدة منهما الباقي فقال كعب: لست بسليمان بن داود ثم دعا بتراب ناعم ففرشه ثم أمر المرأتين فوطئتا عليه. ثم مشى الصبي عليه. ثم دعا القائف فقال: انظر في هذه الأقدام فألحقه بإحداهما. قال عمر بن شبة: وأتى صاحب عين هجر إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: يا أمير المؤمنين إن لي عينا فاجعل لي خراج ما تسقي قال: هو لك فقال كعب: يا أمير المؤمنين ليس له ذلك قال: ولم قال: لأنه يفيض ماؤه عن أرضه فيسيح في أراضي الناس ولو حبس ماؤه في أرضه لغرقت فلم ينتفع بأرضه ولا بمائه فمره فليحبس ماءه عن أراضي الناس إن كان صادقا فقال له عمر - رضي الله عنه -: أتستطيع أن تحبس ماءك قال: لا. قال: فكانت هذه لكعب.  [فصل الحكم بشهادة الرجل الواحد] (فصل)(1\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5084",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن ذلك: أنه يجوز للحاكم الحكم بشهادة الرجل الواحد إذا عرف صدقه في غير الحدود ولم يوجب الله على الحكام ألا يحكموا إلا بشاهدين أصلا وإنما أمر صاحب الحق أن يحفظ حقه بشاهدين أو بشاهد وامرأتين وهذا لا يدل على أن الحاكم لا يحكم بأقل من ذلك بل قد حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشاهد واليمين وبالشاهد فقط. قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشاهد ويمين رواه مسلم. وقال أبو هريرة - رضي الله عنه -: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باليمين مع الشاهد الواحد رواه ابن وهب عن سليمان بن هلال عن ربيعة عن سهيل عنه. رواه أبو داود. وقال جابر بن عبد الله: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باليمين مع الشاهد رواه الشافعي عن الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عنه. قال علي بن أبي طالب: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشهادة رجل واحد مع يمين صاحب الحق . رواه البيهقي من حديث شبابة. حدثنا عبد العزيز الماجشون عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عنه وقال: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشاهد ويمين . رواه يعقوب بن سفيان في مسنده quot;. قال المنذري: وقد روي القضاء بالشاهد واليمين من رواية عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر وعبد الله بن عمرو وسعد بن عبادة والمغيرة بن شعبة وجماعة من الصحابة وعمرو بن حزم والزبيب بن ثعلبة وقضى بذلك عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - والقاضي العدل شريح وعمر بن عبد العزيز. قال الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد: أن ذلك عندنا هو السنة المعروفة. قال أبو عبيد: وذلك من السنن الظاهرة التي هي أكثر من الرواية والحديث.(1\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5085",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أبو عبيد: وهو الذي نختاره اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقتصاصا لأثره وليس ذلك مخالفا لكتاب الله عند من فهمه ولا بين حكم الله وحكم رسوله اختلاف إنما هو غلط في التأويل حيث لم يجدوا ذكر اليمين في الكتاب ظاهرا فظنوه خلافا. وإنما الخلاف: لو كان الله حظر اليمين في ذلك ونهى عنها والله تعالى لم يمنع من اليمين إنما أثبتها في الكتاب - إلى أن قال: فرجل وامرأتان [البقرة: 282] وأمسك. ثم فسرت السنة ما وراء ذلك. وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مفسرة للقرآن ومترجمة عنه وعلى هذا أكثر الأحكام. كقوله: لا وصية لوارث و: الرجم على المحصن . و النهي عن نكاح المرأة على عمتها وخالتها و يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب و قطع الموارثة بين أهل الإسلام(1\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5086",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأهل الكفر . و إيجابه على المطلقة ثلاثا: مسيس الزوج الآخر في شرائع كثيرة لا يوجد لفظها في ظاهر الكتاب. ولكنها سنن شرعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فعلى الأمة اتباعها كاتباع الكتاب. وكذلك الشاهد واليمين لما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهما وإنما في الكتاب: فرجل وامرأتان [البقرة: 282] علم أن ذلك إذا وجدتا فإذا عدمتا قامت اليمين مقامهما كما علم حين مسح النبي - صلى الله عليه وسلم - على الخفين أن قوله تعالى: وأرجلكم [المائدة: 6] معناه: أن تكون الأقدام بادية. وكذلك لما رجم المحصن في الزنا: علم أن قوله: فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة [النور: 2] للبكرين. وكذلك كل ما ذكرنا من السنن على هذا فما بال الشاهد واليمين ترد من بينها وإنما هي ثلاث منازل في شهادات الأموال اثنتان بظاهر الكتاب وواحدة بتفسير السنة له. فالمنزلة الأولى: الرجلان. والثانية: الرجل والمرأتان. والثالثة: الرجل واليمين. فمن أنكر هذه لزمه إنكار كل شيء ذكرناه لا يجد من ذلك بدا حتى يخرج من قول العلماء. قال أبو عبيد: ويقال لمن أنكر الشاهد واليمين وذكر أنه خلاف القرآن: ما تقول في الخصم يشهد له الرجل والمرأتان وهو واجد لرجلين يشهدان له فإن قالوا: الشهادة جائزة. قيل: ليس هذا أولى بالخلاف وقد اشترط القرآن فيه ألا يكون للمرأتين شهادة إلا مع فقد أحد الرجلين فإنه(1\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5087",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبحانه قال: فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان [البقرة: 282] ولم يقل: واستشهدوا شهيدين من رجالكم أو رجلا وامرأتين. فيكون فيه الخيار كما جعله في الفدية كما قال تعالى: ففدية من صيام أو صدقة أو نسك [البقرة: 196] ومثل ما جعله في كفارة اليمين بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة فهذه أحكام الخيار ولم يقل ذلك في آية الدين. ولكنه قال فيها كما قال في آية الفرائض: فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث [النساء: 11] وكذلك الآية التي بعدها فقوله هاهنا: إن لم يكن [النساء: 12] كقوله في آية الشهادة فإن لم يكونا [البقرة: 282] كذلك قال في آية الطهور: فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا [المائدة: 6] وفي آية الظهار فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين [النساء: 92] وكذلك في متعة الحج وكفارة اليمين: أن الصوم لا يجزئ الواجد. فأي الحكمين أولى بالخلاف: هذا أم الشاهد واليمين الذي ليس فيه من الله اشتراط منع إنما سكت عنه ثم فسرته السنة قال أبو عبيد: وقد وجدنا في حكمهم ما هو أعجب من هذا وهو قولهم في رضاع اليتيم الذي لا مال له وله خال وابن عم موسران: إن الخال يجبر على رضاعه لأنه محرم وإنما اشترط التنزيل غيره فقال: وعلى الوارث مثل ذلك [البقرة: 233] . وقد أجمع المسلمون أن لا ميراث للخال مع ابن العم ثم لم نجد هذا الحكم في السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من سلف العلماء وقد وجدنا الشاهد واليمين في آثار متواترة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن غير واحد من الصحابة ومن التابعين. وقال الربيع: قال الشافعي: قال بعض الناس في اليمين مع الشاهد قولا أسرف فيه على نفسه قال: أرد حكم من حكم بها لأنه خالف القرآن. فقلت له: الله تعالى أمر بشاهدين أو شاهد وامرأتين قال: نعم فقلت: أحتم من الله ألا يجوز أقل من شاهدين قال: فإن قلته قلت: فقله. قال: قد قلته. قلت وتحدد في الشاهدين اللذين أمر الله بهما حدا قال: نعم حران مسلمان بالغان عدلان. قلت: ومن حكم بدون ما قلت خالف حكم الله قال: نعم. قلت له: إن كان كما زعمت خالفت حكم الله قال: وأين قلت: أجزت شهادة أهل الذمة وهم غير الذين شرط الله أن تجوز شهادتهم. وأجزت شهادة القابلة وحدها على الولادة وهذان وجهان أعطيت بهما من جهة الشهادة ثم أعطيت بغير شهادة في القسامة وغيرها. قلت: والقضاء باليمين مع الشاهد ليس يخالف حكم الله بل هو موافق لحكم الله إذ فرض الله تعالى طاعة رسوله فإن اتبعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعن الله سبحانه قبلت كما قبلت عن رسوله. قال: أفيوجد لهذا نظير في القرآن قلت: نعم. أمر الله سبحانه في الوضوء بغسل القدمين أو مسحهما فمسحنا على الخفين بالسنة. وقال تعالى: قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه [الأنعام: 145](1\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5088",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الآية فحرمنا نحن وأنت كل ذي ناب من السباع بالسنة. وقال: وأحل لكم ما وراء ذلكم [النساء: 24] . فحرمنا نحن وأنت الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها وذكر الرجم ونصاب السرقة قال: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المبين عن الله معنى ما أراد خاصا وعاما. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: القرآن لم يذكر الشاهدين والرجل والمرأتين في طرق الحكم التي يحكم بها الحاكم وإنما ذكر النوعين من البينات في الطرق التي يحفظ بها الإنسان حقه. فقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء [البقرة: 282] . فأمرهم سبحانه بحفظ حقوقهم بالكتاب وأمر من عليه الحق أن يملي الكاتب فإن لم يكن ممن يصح إملاؤه أملى عنه وليه ثم أمر من له الحق أن يستشهد على حقه رجلين فإن لم يجد فرجل وامرأتان. ثم نهى الشهداء المتحملين للشهادة عن التخلف عن إقامتها إذا طلبوا لذلك. ثم رخص لهم في التجارة الحاضرة: ألا يكتبوها ثم أمرهم بالإشهاد عند التبايع. ثم أمرهم إذا كانوا على سفر - ولم يجدوا كاتبا - أن يستوثقوا بالرهان المقبوضة. كل هذا نصيحة لهم وتعليم وإرشاد لما يحفظوا به حقوقهم وما تحفظ به الحقوق شيء وما يحكم به الحاكم شيء. فإن طرق الحكم أوسع من الشاهدين والمرأتين فإن الحاكم يحكم بالنكول واليمين المردودة ولا ذكر لهما في القرآن فإن كان الحكم بالشاهد الواحد واليمين مخالفا لكتاب الله فالحكم بالنكول والرد أشد مخالفة. وأيضا فإن الحاكم يحكم بالقرعة بكتاب الله وسنة رسوله الصريحة الصحيحة ويحكم بالقافة بالسنة الصريحة الصحيحة التي لا معارض لها ويحكم بالقسامة بالسنة الصحيحة الصريحة ويحكم بشاهد الحال إذا تداعى الزوجان أو الصانعان متاع البيت والدكان ويحكم - عند من أنكر الحكم بالشاهد واليمين - بوجوه الآجر في الحائط فيجعله للمدعي إذا كانت إلى جهته. وهذا كله ليس في القرآن ولا حكم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من أصحابه فكيف ساغ الحكم به ولم يجعل مخالفا لكتاب الله ورد ما حكم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه الراشدون وغيرهم من الصحابة ويجعل مخالفا لكتاب الله بل القول ما قاله أئمة الحديث: إن الحكم بالشاهد واليمين: حكم بكتاب الله فإنه حق والله سبحانه أمر بالحكم بالحق فهاتان قضيتان ثابتتان بالنص.(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5089",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أما الأولى: فلأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفاءه من بعده حكموا به ولا يحكمون بباطل. وأما الثانية: فلقوله تعالى: وأن احكم بينهم بما أنزل الله [المائدة: 49] وقوله: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله [النساء: 105] فالحكم بالشاهد واليمين مما أراه الله إياه قطعا. وقال تعالى: فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم [الشورى: 15] وهذا مما حكم به. فهو عدل مأمور به من الله ولا بد. 24 - (فصل) والذين ردوا هذه المسألة لهم طرق: الطريق الأولى: أنها خلاف كتاب الله فلا تقبل وقد بين الأئمة كالشافعي وأحمد وأبي عبيد وغيرهم - أن كتاب الله لا يخالفها بوجه وإنها لموافقة لكتاب الله. وأنكر الإمام أحمد والشافعي على من رد أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لزعمه أنها تخالف ظاهر القرآن وللإمام أحمد في ذلك كتاب مفرد سماه كتاب طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - quot;. والذي يجب على كل مسلم اعتقاده: أنه ليس في سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة سنة واحدة تخالف كتاب الله بل السنن مع كتاب الله على ثلاث منازل. المنزلة الأولى: سنة موافقة شاهدة بنفس ما شهد به الكتاب المنزل. المنزلة الثانية: سنة تفسر الكتاب وتبين مراد الله منه وتقيد مطلقه. المنزلة الثالثة: سنة متضمنة لحكم سكت عنه الكتاب فتبينه بيانا مبتدأ ولا يجوز رد واحدة من هذه الأقسام الثلاثة وليس للسنة مع كتاب الله منزلة رابعة. وقد أنكر الإمام أحمد على من قال: quot; السنة تقضي على الكتاب quot; فقال: بل السنة تفسر الكتاب وتبينه والذي يشهد الله ورسوله به: أنه لم تأت سنة صحيحة واحدة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تناقض كتاب الله وتخالفه ألبتة كيف ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المبين لكتاب الله وعليه أنزل وبه هداه الله وهو مأمور باتباعه وهو أعلم الخلق بتأويله ومراده ولو ساغ رد سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما فهمه الرجل من ظاهر الكتاب لردت بذلك أكثر السنن وبطلت بالكلية. فما من أحد يحتج عليه بسنة صحيحة(1\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5090",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تخالف مذاهبه ونحلته إلا ويمكنه أن يتشبث بعموم آية أو إطلاقها ويقول: هذه السنة مخالفة لهذا العموم والإطلاق فلا تقبل. حتى أن الرافضة - قبحهم الله - سلكوا هذا المسلك بعينه في رد السنن الثابتة المتواترة فردوا قوله - صلى الله عليه وسلم -: لا نورث ما تركنا صدقة . وقالوا: هذا حديث يخالف كتاب الله قال تعالى: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين [النساء: 11] وردت الجهمية ما شاء الله من الأحاديث الصحيحة في إثبات الصفات بظاهر قوله: ليس كمثله شيء [الشورى: 11] . وردت الخوارج ما شاء الله من الأحاديث الدالة على الشفاعة وخروج أهل الكبائر من الموحدين من النار بما فهموه من ظاهر القرآن. وردت الجهمية أحاديث الرؤية - مع كثرتها وصحتها - بما فهموه من ظاهر القرآن في قوله تعالى: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103] وردت القدرية أحاديث القدر الثابتة بما فهموه من ظاهر القرآن. وردت كل طائفة ما ردته من السنة بما فهموه من ظاهر القرآن فإما أن يطرد الباب في رد هذه السنن كلها وإما أن يطرد الباب في قبولها ولا يرد شيء منها لما يفهم من ظاهر القرآن. أما أن يرد بعضها ويقبل بعضها - ونسبة المقبول إلى ظاهر القرآن كنسبة المردود - فتناقض ظاهر وما من أحد رد سنة بما فهمه من ظاهر القرآن إلا وقد قبل أضعافها مع كونها كذلك. وقد أنكر الإمام أحمد والشافعي وغيرهما على من رد أحاديث تحريم كل ذي ناب من السباع(1\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5091",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بظاهر قوله تعالى: قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما [الأنعام: 145] الآية. وقد أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على من رد سنته التي لم تذكر في القرآن ولم يدع معارضة القرآن لها فكيف يكون إنكاره على من ادعى أن سنته تخالف القرآن وتعارضه 25 - (فصل) الطريق الثاني: أن اليمين إنما شرعت في جانب المدعى عليه فلا تشرع في جانب المدعي قالوا: ويدل على ذلك: قوله - صلى الله عليه وسلم - البينة على من ادعى واليمين على من أنكر فجعل اليمين من جانب المنكر وهذه الطريقة ضعيفة جدا من وجوه. أحدها: أن أحاديث القضاء بالشاهدين واليمين أصح وأصرح وأشهر. وهذا الحديث لم يروه أحد من أهل الكتب الستة. الثاني: أنه لو قاومها في الصحة والشهرة لوجب تقديمها عليه لخصوصها وعمومه. الثالث: أن اليمين إنما كانت في جانب المدعى عليه حيث لم يترجح جانب المدعي بشيء غير الدعوى فيكون جانب المدعى عليه أولى باليمين لقوته بأصل براءة الذمة فكان هو أقوى المدعيين باستصحاب الأصل فكانت اليمين من جهته. فإذا ترجح المدعي بلوث أو نكول أو شاهد كان أولى باليمين لقوة جانبه بذلك فاليمين - مشروعة في جانب أقوى المتداعيين فأيهما قوي جانبه شرعت اليمين في حقه بقوته وتأكيده. ولهذا لما قوي جانب المدعين باللوث شرعت الأيمان في جانبهم ولما قوي جانب المدعي بنكول المدعى عليه ردت اليمين عليه كما حكم به الصحابة وصوبه الإمام أحمد وقال: ما هو ببعيد يحلف ويأخذ. ولما قوي جانب المدعى عليه بالبراءة الأصلية: كانت اليمين في حقه وكذلك الأمناء كالمودع والمستأجر والوكيل والوصي: القول قولهم ويحلفون لقوة جانبهم بالأيمان. فهذه قاعدة الشريعة المستمرة فإذا أقام المدعي شاهدا واحدا قوي جانبه فترجح على جانب المدعى عليه الذي ليس معه إلا مجرد استصحاب الأصل وهو دليل ضعيف يدفع بكل دليل يخالفه(1\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5092",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولهذا يدفع بالنكول واليمين المردودة واللوث والقرائن الظاهرة فدفع بقول الشاهد الواحد وقويت شهادته بيمين المدعي. فأي قياس أحسن من هذا وأوضح مع موافقته للنصوص والآثار التي لا تدفع. 26 - (فصل) وقد ذهب طائفة من قضاة السلف العادلين إلى الحكم بشهادة الشاهد الواحد إذا علم صدقه من غير يمين. قال أبو عبيد: روينا عن عظيمين من قضاة أهل العراق: شريح وزرارة بن أبي أوفى رحمهما الله أنهما قضيا بشهادة شاهد واحد. ولا ذكر لليمين في حديثهما. حدثنا الهيثم بن جميل عن شريك عن أبي إسحاق قال: أجاز شريح شهادتي وحدي. حدثنا القاسم بن حميد عن حماد بن سلمة عن عمران بن حدير قال: شهد أبو مجلز عند زرارة بن أبي أوفى قال أبو مجلز: فأجاز شهادتي وحدي. ولم يصب. قلت: لم يصب عندي أبو مجلز وإلا فإذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد جاز له الحكم بشهادته وإن رأى تقويته باليمين فعل. وإلا فليس ذلك بشرط. والنبي - صلى الله عليه وسلم - لما حكم بالشاهد واليمين لم يشترط اليمين بل قوى شهادة الشاهد. وقد قال أبو داود في quot; السنن quot;: باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به ثم ساق حديث خزيمة بن ثابت: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ابتاع فرسا من أعرابي فأسرع النبي - صلى الله عليه وسلم - المشي وأبطأ الأعرابي فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس ولا يشعرون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ابتاعه فنادى الأعرابي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن كنت مبتاعا هذا الفرس وإلا بعته فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - حين سمع نداء الأعرابي فقال: أوليس قد ابتعته منك قال الأعرابي: لا والله ما بعتك فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: بلى قد ابتعته منك. فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدا فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بايعته. فأقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - على خزيمة فقال: بم تشهد قال: بتصديقك يا رسول الله فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - شهادة خزيمة بشهادة رجلين . ورواه النسائي. وفي هذا الحديث عدة فوائد: منها: جواز شراء الإمام الشيء من رجل من رعيته. ومنها: مباشرته الشراء بنفسه. ومنها: جواز الشراء ممن يجهل ولا يسأل من أين لك هذا ومنها: أن الإشهاد على البيع ليس بلازم.(1\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5093",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: أن الإمام إذا تيقن من غريمه اليمين الكاذبة لم يكن له تعزيره إذ هو غريمه ومنها: الاكتفاء بالشاهد الواحد إذا علم صدقه فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما قال لخزيمة: أحتاج معك إلى شاهد آخر وجعل شهادته بشهادتين. لأنها تضمنت شهادته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالصدق العام فيما يخبر به عن الله والمؤمنون مثله في هذه الشهادة. وانفرد خزيمة بشهادته له بعقد التبايع مع الأعرابي دون الحاضرين لدخول هذا الخبر في جملة الأخبار التي يجب على كل مسلم تصديقه فيها وتصديقه فيها من لوازم الإيمان وهي الشهادة التي تختص بهذه الدعوى وقد قبلها منه وحده. والحديث صريح فيما ترجم عليه أبو داود - رحمه الله -. وليس هذا الحكم بالشاهد الواحد مخصوصا بخزيمة دون من هو خير منه أو مثله من الصحابة فلو شهد أبو بكر وحده أو عمر أو عثمان أو علي أو أبي بن كعب لكان أولى بالحكم بشهادته وحده. والأمر الذي لأجله جعل شهادته بشاهدين موجود في غيره ولكنه أقام الشهادة وأمسك عنها غيره وبادر هو إلى وجوب الأداء إذ ذلك من موجبات تصديقه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقد قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - شهادة الأعرابي وحده على رؤية هلال رمضان. وتسمية بعض الفقهاء ذلك إخبارا لا شهادة: أمر لفظي لا يقدح في الاستدلال. ولفظ الحديث يرد قوله. وأجاز شهادة الشاهد الواحد في قضية السلب ولم يطالب القائل بشاهد آخر ولا استحلفه وهذه القصة صريحة في ذلك. ففي quot; الصحيحين quot; عن أبي قتادة قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عام حنين فلما(1\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5094",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التقينا كانت للمسلمين جولة قال: فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته بالسيف على حبل عاتقه فأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ثم أدركه الموت فأرسلني. فلحقت عمر بن الخطاب فقلت: ما بال الناس قال: أمر الله ثم إن الناس رجعوا وجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه قال: فقمت ثم قلت: من يشهد لي ثم جلست ثم قال الثالثة مثله فقمت. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما لك يا أبا قتادة فقصصت عليه القصة فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله وسلب ذلك القتيل عندي فأرضه عني فقال أبو بكر الصديق: لاها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: صدق. فأعطه إياه. قال أبو قتادة: فأعطانيه. فبعت الدرع فابتعت به مخرفا في بني سلمة فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام . وهذا يدل على أن البينة تطلق على الشاهد الواحد ولم يستحلفه النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا أحد الوجوه في هذه المسألة وهو الصواب: أنه يقضي له بالسلب بشهادة واحد ولا معارض لهذه السنة ولا مسوغ لتركها والله أعلم. وقد قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - شهادة المرأة الواحدة في الرضاع وقد شهدت على فعل نفسها ففي quot; الصحيحين عن عقبة بن الحارث: أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فأعرض عني قال: فتنحيت فذكرت ذلك له قال: فكيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما . وقد نص أحمد على ذلك في رواية بكر بن محمد عن أبيه قال في المرأة تشهد على ما لا يحضره الرجال من إثبات استهلال الصبي وفي الحمام يدخله النساء فتكون بينهن جراحات. وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد في شهادة الاستهلال: تجوز شهادة امرأة واحدة في الحيض والعذرة والسقط والحمام وكل ما لا يطلع عليه إلا النساء فقال: تجوز شهادة امرأة إذا كانت ثقة.  [فصل في القضاء بشهادة النساء متفردات] 27 - (فصل) ويجوز القضاء بشهادة النساء متفردات في غير الحدود والقصاص عند جماعة من الخلف والسلف.(1\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5095",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أبو عبيد: حدثنا يزيد عن جرير بن حازم عن الزبير بن حريث عن أبي لبيد quot; أن سكرانا طلق امرأته ثلاثا فرفع ذلك إلى عمر وشهد عليه أربع نسوة ففرق بينهما عمر quot;. حدثنا ابن أبي زائدة عن يزيد عن حجاج عن عطاء أنه أجاز شهادة النساء في النكاح. حدثنا ابن أبي زائدة عن ابن عون عن الشعبي عن شريح: أنه أجاز شهادة النساء في الطلاق. وإنما رواه أبو لبيد. ولم يدرك عمر. وقد قال بعض الناس: تجوز شهادة النساء في الحدود. فالأقوال ثلاثة أرجحها: أنه تجوز شهادة النساء متفرقات فيما لا يطلع عليه الرجال غالبا. قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: شهادة المرأة الواحدة في الرضاع تجوز قال: نعم. وقال علي: سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن شهادة المرأة الواحدة في الرضاع تجوز قال: نعم. وكذلك قال في رواية الحسن بن ثواب ومحمد بن الحسن وأبي طالب وابن منصور ومهنا وحرب. واحتج بحديث عقبة بن الحارث هذا. وقال هو حجة في شهادة العبد لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاز شهادتها وهي أمة. وقال أبو الحارث: سألت أحمد عن شهادة القابلة فقال: هو موضع لا يحضره الرجال ولكن إن كن اثنتين أو ثلاثا فهو أجود. وقال في رواية إبراهيم بن هاشم - وقد سئل عن قول القابلة: أيقبل - قال: كلما كثر كان أعجب إلينا: ثلاث أو أربع. وقال سندي: سألت أحمد عن شهادة امرأتين في الاستهلال فقال: يجوز إن هذا شيء لا ينظر إليه الرجال. وقال مهنا: سألت أحمد عن شهادة القابلة وحدها في استهلال الصبي فقال: لا تجوز شهادتها وحدها. وقال لي أحمد بن حنبل قال أبو حنيفة: تجوز شهادة القابلة وحدها. وإن كانت يهودية أو نصرانية. فسألت أحمد فقلت: هو كما قال أبو حنيفة فقال: أنا لا أقول تجوز شهادة واحدة مسلمة فكيف أقول يهودية واختلفت الرواية عنه في الاستهلال: هل يكتفى فيه بواحدة أم لا بد من اثنتين وكذلك الولادة. وقال أحمد بن القاسم: سئل أحمد عن - شهادة المرأة في الولادة والاستهلال هل تجوز امرأة أو امرأتان قال: امرأتان أو أكثر وليست الواحدة مثل الاثنتين. وقد قال عطاء: أربع ولكن امرأتان تقبل في مثل هذا إذا كان في أمر النساء فيما لا يجوز أن يراه الرجال.(1\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5096",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أحمد بن أبي عبيدة: إن أبا عبد الله قيل له: فالشهادة على الاستهلال قال: أحب إلي أن يكون امرأتين. وقال حرب: سئل أحمد قيل له: فالشهادة على الاستهلال قال: لا إلا أن تكون امرأتين. وكذلك كل شيء لا يطلع عليه الرجال لا تعجبه شهادة امرأة واحدة حتى تكون امرأتين. وقال أبو طالب: قلت لأحمد: ما تقول في شهادة القابلة تشهد بالاستهلال فقال: تقبل شهادتها. وهذه ضرورة قال: ويقبل قول المرأة الواحدة. وقال هارون الحمال: سمعت أبا عبد الله يذهب إلى أنه تجوز شهادة القابلة وحدها فقيل له: إذا كانت مرضية فقال: لا يكون إلا هكذا. وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: هل تجوز شهادة المرأة قال: شهادة المرأة في الرضاع والولادة فيما لا يطلع عليه الرجال قال: وأجوز شهادة امرأة واحدة إذا كانت ثقة فإن كان أكثر فهو أحب إلي. وقال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد: هل تقبل شهادة الذمية على الاستهلال قال: لا وتقبل شهادة المرأة الواحدة إذا كانت مسلمة عدلة. 28 - (فصل) وفي هذا الباب حديثان وأثر وقياس فأحد الحديثين: متفق على صحته. وهو حديث عقبة بن الحارث. وقد تقدم. والحديث الثاني: رواه الدارقطني والبيهقي وغيرهما من حديث أبي عبد الرحمن المدائني - وهو مجهول - عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاز شهادة القابلة . وأما الأثر: فقال مهنا: سألت أحمد عن حديث علي - رضي الله عنه -: quot; أنه أجاز شهادة القابلة quot; عمن هو فقال: هو عن شعبة عن جابر الجعفي عن عبد الله بن يحيى عن علي. قلت: ورواه الثوري عن جابر. وقال الشافعي: لو ثبت عن علي صرنا إليه ولكنه لا يثبت عنه. وتناظر الشافعي ومحمد بن الحسن في هذه المسألة بحضرة الرشيد فقال له الشافعي: بأي شيء قضيت بشهادة القابلة وحدها حتى ورثت من خليفة ملك الدنيا مالا عظيما قال: بعلي بن أبي طالب(1\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5097",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الشافعي: فقلت. فعلي إنما روى عنه رجل مجهول يقال له: عبد الله بن يحيى. وروى عن عبد الله: جابر الجعفي وكان يؤمن بالرجعة. قال البيهقي: وقد روى سويد بن عبد العزيز عن غيلان بن جامع عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن علي - وسويد هذا: ضعيف - قال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: لو صحت شهادة القابلة عن علي لقلنا به. ولكن في إسناده خلل. قلت: وقد رواه أبو عبيد حدثنا ابن أبي زائدة عن إسرائيل عن عبد الأعلى الثعلبي عن محمد بن الحنفية عن علي ورواه عن الحسن وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان والحارث العكلي والضحاك. وقد روي عن علي ما يدل على أنه لا يكتفي بشهادة المرأة الواحدة. قال أبو عبيد: يروى عن علي بن أبي طالب: quot; أن رجلا أتاه فأخبره أن امرأة أتته فذكرت أنها أرضعته وامرأته فقال: ما كنت لأفرق بينك وبينها وأن تنزه خير لك قال: ثم أتى ابن عباس فسأله فقال له مثل ذلك. قال: تحدثون عن ذلك بهذا عن حكام بن صالح عن قائد بن بكر عن علي وابن عباس. حدثني علي بن معبد عن عبد الله بن عمرو عن الحارث الغنوي quot; أن رجلا من بني عامر تزوج امرأة من قومه فدخلت عليهما امرأة فقالت: الحمد لله والله لقد أرضعتكما وإنكما لابناي. فانقبض كل واحد منهما عن صاحبه فخرج الرجل حتى أتى المغيرة بن شعبة فأخبره بقول المرأة. فكتب فيه إلى عمر فكتب عمر: أن ادع الرجل والمرأة فإن كان لها بينة على ما ذكرت ففرق بينهما وإن لم يكن لها بينة فخل بين الرجل وبين امرأته إلا أن يتنزها ولو فتحنا هذا الباب للناس لم تشأ امرأة أن تفرق بين اثنين إلا فعلت quot;. حدثنا عبد الرحمن عن سفيان قال: سمعت زيد بن أسلم يحدث: quot; أن عمر بن الخطاب لم يجز شهادة امرأة في الرضاع quot;. حدثنا هاشم أخبرنا ابن أبي ليلى وحجاج عن عكرمة بن خالد: quot; أن عمر بن الخطاب أتي في امرأة شهدت على رجل وامرأته أنها قد أرضعتهما فقال: لا قد يشهد رجلان أو رجل وامرأتان quot;. قال أبو عبيد: وهذا قول أهل العراق وكان الأوزاعي يأخذ بقول الأول. وأما مالك: فإنه كان يقبل فيه شهادة امرأتين.(1\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5098",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أبو عبيد: أبو حنيفة وأصحابه يقبلون شهادة النساء منفردات فيما لا يطلع عليه الرجال كالولادة والبكارة وعيوب النساء ويقبلون فيه شهادة امرأة واحدة. قالوا: لأنه لا بد من ثبوت هذه الأحكام ولا يمكن للرجال الاطلاع عليها وإنما يطلع عليها النساء على الانفراد. فوجب قبول شهادتهن على الانفراد. قالوا: وتقبل فيه شهادة الواحدة لأن ما قبل فيه قول النساء على الانفراد لم يشترط فيه العدد كالرواية. قالوا: وأما استهلال الصبي فتقبل شهادة المرأة فيه بالنسبة إلى الصلاة على الطفل ولا تقبل بالنسبة إلى الميراث. وثبوت النسب عند أبي حنيفة وعند صاحبيه يقبل أيضا لأن الاستهلال صوت يكون عقيب الولادة وتلك حالة لا يحضرها الرجال فدعت الضرورة إلى قبول شهادتهن. وأبو حنيفة يقضي بأحكام الشهادة وأثبت الصلاة عليه بشهادة المرأة احتياطا ولم يثبت الميراث والنسب بشهادتها احتياطا قالوا: وأما الرضاع: فلا تقبل فيه شهادة النساء منفردات لأن الحرمة متى ثبتت ترتب عليها زوال ملك النكاح وإبطال الملك لا يثبت إلا بشهادة الرجال. قالوا: ولأنه مما يمكن اطلاع الرجال عليه. قال الشافعي: لا يقبل في ذلك كله أقل من أربع نسوة أو رجل وامرأتين. قال أبو عبيد: فأما الذين قالوا تقبل شهادة الواحدة في الرضاعة فإنهم أحلوا الرضاع محل سائر أمور النساء التي لا يطلع عليها الرجال كالولادة والاستهلال ونحوهما. وأما الذين أخذوا بشهادة الرجلين أو الرجل والمرأتين فإنهم رأوا أن الرضاعة ليست كالفروج التي لا حظ للرجال في مشاهدتها وجعلوها من ظواهر أمور النساء كالشهادة على الوجوه. والذين أجازوها بالمرأتين: ذهبوا إلى أن الرضاعة - وإن لم يكن النظر في التحريم كالعورات - فإنها لا تكون إلا بظهور الثدي والنحور. وهذه من محاسن النساء التي قد جعل الله فرضها الستر على الرجال الأجانب فجعلوا المرأتين في ذلك كالرجلين في سائر الشهادات. قال أبو عبيد: والذي عندنا في هذا: اتباع السنة فيما يجب على الزوج عند ورود ذلك فإذا شهدت عنده المرأة الواحدة بأنها قد أرضعته وزوجته فقد لزمته الحجة من الله في اجتنابها وتجب عليه مفارقتها لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمستفتي في ذلك: دعها عنك . وليس لأحد أن يفتي بغيره(1\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5099",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلا أنه لم يبلغنا أنه - صلى الله عليه وسلم - حكم بينهما بالتفريق حكما مثل ما سن في المتلاعنين ولا أمر فيه بالقتل كالذي تزوج امرأة أبيه ولكنه غلظ عليه في الفتيا. فنحن ننتهي إلى ما انتهى إليه فإذا شهدت معها امرأة أخرى فكانتا اثنتين فهناك يجب التفريق بينهما في الحكم وهو عندنا معنى قول عمر: quot; إنه لم يجز شهادة المرأة الواحدة في الرضاع quot; وإن كان مرسلا عنه. فإنه أحب إلينا من الذي فيه ذكر الرجلين أو الرجل والمرأتين لما حظر على الرجال من النظر إلى محاسن النساء. وعلى هذا يوجه حديث علي بن أبي طالب وابن عباس - رضي الله عنهما - في المرأة الواحدة إذ لم يوقتا فوق ذلك وقتا بأدنى ما يكون بعد الواحدة إلا اثنتان من النساء والله أعلم. قال أبو عبيد: حدثنا حجاج عن ابن جريج عن أبي بكر بن أبي سبرة عن موسى بن عقبة أخبره عن القعقاع بن حكيم عن ابن عمر قال: quot; لا تجوز شهادة النساء وحدهن إلا على ما لا يطلع عليه إلا هن من عورات النساء وما أشبه ذلك من حملهن وحيضهن quot;.  [فصل شهادة الرجل الواحد من غير يمين عند الحاجة] 29 - (فصل) وقد صرح الأصحاب: أنه تقبل شهادة الرجل الواحد من غير يمين عند الحاجة. وهو الذي نقله الخرقي في مختصره quot; فقال: وتقبل شهادة الطبيب العدل في الموضحة إذا لم يقدر على طبيبين وكذلك البيطار في داء الدابة. قال الشيخ في quot; المغني quot;: إذا اختلفا في الجرح: هل هو موضحة أم لا أو في قدره كالهاشمة والمنقلة والمأمومة والسمحاق أو غيرها أو اختلفا في داء يختص بمعرفته الأطباء أو داء الدابة. فظاهر كلام الخرقي: أنه إذا قدر على طبيبين أو بيطارين لا يجتزأ بواحد منهما لأنه مما يطلع عليه الرجال(1\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "73",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5100",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلم تقبل فيه شهادة رجل واحد كسائر الحقوق وإن لم يقدر على اثنين أجزأ واحد لأنها حالة ضرورة فإنه لا يمكن كل أحد أن يشهد به لأنه مما يختص به أهل الخبرة من أهل الصنعة فيجعل بمنزلة العيوب تحت الثياب تقبل فيه المرأة الواحدة فقبول قول الرجل في هذا أولى. قال صاحب quot; المحرر quot;: ويقبل في معرفة الموضحة وداء الدابة ونحوها طبيب واحد وبيطار واحد إذا لم يوجد غيره نص عليه.  [فصل في القضاء بالنكول ورد اليمين] 30 - (فصل) في القضاء بالنكول ورد اليمين وقد اختلفت الآثار في ذلك. فروى مالك عن يحيى بن سعيد عن سالم بن عبد الله: quot; أن عبد الله بن عمر باع غلاما له بثمانمائة درهم وباعه بالبراءة فقال الذي ابتاعه لعبد الله بن عمر: بالغلام داء لم تسمه فقال عبد الله بن عمر: إني بعته بالبراءة فاختصما إلى عثمان بن عفان فقضى على عبد الله بن عمر باليمين أن يحلف له: لقد باعه الغلام وما به داء يعلمه فأبى عبد الله أن يحلف له وارتجع العبد فباعه عبد الله بن عمر بألف وخمسمائة درهم quot;. قال أبو عبيد: وحكم عثمان على ابن عمر في العبد الذي كان باعه بالبراءة. فرده عليه عثمان حين نكل عن اليمين ثم لم ينكر ذلك ابن عمر من حكمه ورآه لازما. فهل يوجد إمامان أعلم بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبمعنى حديثه منهما فذهب إلى ذلك أبو حنيفة وأحمد في المشهور من مذهبه. وأما رد اليمين: فقال أبو عبيد: حدثونا عن مسلمة بن علقمة عن داود بن أبي هند عن الشعبي: quot; أن المقداد استسلف من عثمان سبعة آلاف درهم. فلما قضاها أتاه بأربعة آلاف فقال عثمان: إنها سبعة فقال المقداد: ما كانت إلا أربعة فما زالا حتى ارتفعا إلى عمر فقال المقداد: يا أمير المؤمنين ليحلف أنها كما يقول وليأخذها. فقال عمر: أنصفك احلف أنها كما تقول وخذها quot;. قال أبو عبيد: فهذا عمر قد حكم برد اليمين ورأى ذلك المقداد ولم ينكره عثمان فهؤلاء ثلاثة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عملوا برد اليمين. وحدثنا يزيد عن هشام عن ابن سيرين عن شريح: أنه كان إذا قضى على رجل باليمين فردها على الطالب فلم يحلف: لم يعطه شيئا ولم يستحلف الآخر. وحدثنا عباد بن العوام عن الأشعث عن الحكم بن عتيبة عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن أباه كان إذا قضى على رجل باليمين فردها على الذي يدعي فأبى أن يحلف: لم يجعل له شيئا وقال: لا أعطيك ما لا تحلف عليه. قال أبو عبيد: على أن رد اليمين له أصل في الكتاب والسنة. فالذي في الكتاب: قول الله تعالى:(1\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "74",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5101",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم [المائدة: 106] . ثم قال: فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين [المائدة: 107] ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم [المائدة: 108] . وأما السنة: فحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القسامة بالأيمان على المدعين فقال: تستحقون دم صاحبكم بأن يقسم خمسون: أن يهودا قتلته. فقالوا: كيف نقسم على شيء لم نحضره قال: فيحلف لكم خمسون من يهود ما قتلوه . قال: فردها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الآخرين بعد أن حكم بها للأولين. فهذا هو الأصل في رد اليمين. قلت: وهذا مذهب الشافعي ومالك. وصوبه الإمام أحمد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ورضي عنه: وليس المنقول عن الصحابة - رضي الله عنهم - في النكول ورد اليمين بمختلف بل هذا له موضع وهذا له موضع فكل موضع أمكن المدعي معرفته والعلم به فرد المدعى عليه اليمين فإنه إن حلف استحق وإن لم يحلف لم يحكم له بنكول المدعى عليه. وهذا كحكومة عثمان والمقداد فإن المقداد قال لعثمان: quot; احلف أن الذي دفعته إلي كان سبعة آلاف وخذها quot; فإن المدعي هنا يمكنه معرفة ذلك والعلم به كيف وقد ادعى به فإذا لم يحلف لم يحكم له إلا ببينة أو إقرار. وأما إذا كان المدعي لا يعلم ذلك والمدعى عليه هو المنفرد بمعرفته فإنه إذا نكل عن اليمين حكم عليه بالنكول ولم ترد على المدعي كحكومة عبد الله بن عمر وغريمه في الغلام. فإن عثمان قضى عليه quot; أن يحلف أنه باع الغلام وما به داء يعلمه quot; وهذا يمكن أن يعلمه البائع فإنه إنما استحلفه على نفي العلم: أنه لا يعلم به داء فلما امتنع من هذه اليمين قضى عليه بنكوله. وعلى هذا: إذا وجد بخط أبيه في دفتره: أن له على فلان كذا وكذا فادعى به عليه فنكل. وسأله إحلاف المدعي: أن أباه أعطاني هذا أو أقرضني إياه لم ترد عليه اليمين فإن حلف المدعى عليه وإلا قضي عليه بالنكول لأن المدعى عليه يعلم ذلك. وكذلك لو ادعى عليه: أن فلانا أحالني(1\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "75",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5102",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليك بمائة فأنكر المدعى عليه ونكل عن اليمين وقال للمدعي: أنا لا أعلم أن فلانا أحالك quot; ولكن احلف وخذ فهاهنا إن لم يحلف لم يحكم له بنكول المدعى عليه. وهذا الذي اختاره شيخنا - رحمه الله - هو فصل النزاع في النكول ورد اليمين وبالله التوفيق.  [فصل في مذاهب أهل المدينة في الدعاوى] 31 - (فصل) في مذاهب أهل المدينة في الدعاوى وهو من أسد المذاهب وأصحها وهي عندهم ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: دعوى يشهد لها العرف بأنها مشبهة أي تشبه أن تكون حقا. المرتبة الثانية: ما يشهد العرف بأنها غير مشبهة إلا أنه لم يقض بكذبها. المرتبة الثالثة: دعوى يقضي العرف بكذبها. فأما المرتبة الأولى: فمثل أن يدعي سلعة معينة بيد رجل أو يدعي غريب وديعة عند غيره أو يدعي مسافر: أنه أودع أحد رفقته وكالمدعي على صانع منتصب للعمل: أنه دفع إليه متاعا يصنعه والمدعي على بعض أهل الأسواق المنتصبين للبيع والشراء: أنه باع منه أو اشترى وكالرجل يذكر في مرض موته: أن له دينا قبل رجل ويوصي أن يتقاضى منه فينكره وما أشبه هذه المسائل. فهذه الدعوى تسمع من مدعيها وله أن يقيم البينة على مطابقتها أو يستحلف المدعى عليه ولا يحتاج في استحلافه إلى إثبات خلطة. وأما المرتبة الثانية: فمثل أن يدعي على رجل دينا في ذمته ليس داخلا في الصور المتقدمة أو يدعي على رجل معروف بكثرة المال: أنه اقترض منه مالا ينفقه على عياله أو يدعي على رجل لا معرفة بينه وبينه ألبتة: أنه أقرضه أو باعه شيئا بثمن في ذمته إلى أجل ونحو ذلك. فهذه الدعوى تسمع ولمدعيها أن يقيم البينة على مطابقتها. قالوا: ولا يملك استحلال المدعى عليه على نفيها إلا بإثبات خلطة بينه وبينه قال ابن القاسم: والخلطة أن يسالفه أو يبايعه أو يشتري منه مرارا. وقال سحنون: لا تكون الخلطة إلا بالبيع والشراء بين المتداعيين. قالوا: ينظر إلى دعوى المدعي. فإن كانت تشبه أن يدعى بمثلها على المدعى عليه: أحلف له وإن كانت مما لا تشبه وينفيها العرف: لم يحلف إلا أن يبين المدعى عليه خلطة. قالوا: فإن لم تكن خلطة وكان المدعى عليه متهما فقال سحنون: يستحلف المتهم وإن لم تكن خلطة وقال غيره: لا يستحلف.(1\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "76",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5103",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتثبت الخلطة عندهم بإقرار المدعى عليه بها وبالشاهدين والشاهد واليمين والرجل الواحد والمرأة الواحدة. قالوا: وأما المرتبة الثالثة فمثالها: أن يكون رجل حائزا لدار متصرفا فيها السنين الطويلة بالبناء والهدم والإجارة والعمارة وينسبها إلى نفسه ويضيفها إلى ملكه وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة وهو مع ذلك لا يعارضه فيها ولا يذكر أنه له فيها حقا ولا مانع يمنعه من مطالبته كخوف من سلطان أو ما أشبه ذلك من الضرر المانع من المطالبة بالحقوق ولا بينه وبين المتصرف في الدار قرابة ولا شركة في ميراث أو ما شبه ذلك مما تتسامح فيه القرابات والصهر بينهم بل كان عريا من جميع ذلك. ثم جاء بعد طول هذه المدة يدعيها لنفسه ويزعم أنها له ويريد أن يقيم بذلك بينة. فدعواه غير مسموعة أصلا فضلا عن بينته وتبقى الدار بيد حائزها لأن كل دعوى يكذبها العرف وتنفيها العادة فإنها مرفوضة غير مسموعة. قال الله تعالى: وأمر بالعرف [الأعراف: 199]  وقد أوجبت الشريعة الرجوع إليه عند الاختلاف في الدعاوى كالنقد والحمولة والسير وفي الأبنية ومعاقد القمط ووضع الجذوع على الحائط وغير ذلك. قالوا: ومثل ذلك: أن تأتي المرأة بعد سنين متطاولة تدعي على الزوج أنه لم يكسها في شتاء ولا صيف ولا أنفق عليها شيئا. فهذه الدعوى لا تسمع لتكذيب العرف والعادة لها ولا سيما إذا كانت فقيرة والزوج موسر. ومن ذلك: قول القاضي عبد الوهاب في رده على المزني: مذهب مالك: أن المدعى عليه لا يحلف للمدعي بمجرد دعواه دون أن ينضم إليها علم بمخالطة بينهما أو معاملة. قال شيخنا أبو بكر: أو تكون الدعوى تليق بالمدعى عليه لا يتناكرها الناس ولا ينفيها عرف. قال: وهذا مروي عن علي بن أبي طالب وعمر بن عبد العزيز وعن فقهاء المدينة السبعة. قال: والدليل على صحته: أنه قد ثبت وتقرر أن الإقدام على اليمين يصعب ويثقل على كثير من الناس سيما على أهل الدين وذوي المروءات والأقدار وهذا أمر معتاد بين الناس على ممر الأعصار لا يمكن جحده. وكذلك روي عن جماعة من الصحابة: أنهم افتدوا أيمانهم منهم: عثمان وابن مسعود وغيرهما وإنما فعلوا ذلك لمروءتهم ولئلا تسبق الظلمة إليهم إذا حلفوا فمن يعادي الحالف ويحب الطعن(1\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "77",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5104",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه يجد طريقا إلى ذلك لعظم شأن اليمين وعظم خطرها ولهذا جعلت بالمدينة عند المنبر وأن يكون ما يحلف عليه عنده مما له حرمة كربع دينار فصاعدا فلو مكن كل مدع أن يحلف المدعى عليه بمجرد دعواه لكان ذلك ذريعة إلى امتهان أهل المروءات وذوي الأقدار والأخطار والديانات لمن يريد التشفي منهم لأنه لا يجد أقرب ولا أخف كلفة من أن يقدم الواحد منهم من يعاديه من أهل الدين والفضل إلى مجلس الحاكم ليدعي عليه ما يعلم أنه لا ينهض به أو لا يعترف ليتشفى منه بتبذله وإحلافه وأن يراه الناس بصورة من أقدم على اليمين عند الحاكم ومن يريد أن يأخذ من أحد من هؤلاء شيئا على طريق الظلم والعدوان وجد إليه سبيلا لعله يفتدي يمينه منه لئلا ينقص قدره في أعين الناس وكلا الأمرين موجود في الناس اليوم. قال: وقد شاهدنا من ذلك كثيرا وحضرناه وأصابنا بعضه فكان ما ذهب إليه مالك ومن تقدمه من الصحابة والتابعين: حراسة لمروآت الناس وحفظا لها من الضرر اللاحق بهم والأذى المتطرق إليهم. فإذا قويت دعوى المدعي بمخالطة أو معاملة ضعفت التهمة وقوي في النفس أن مقصوده غير ذلك فأحلف له ولهذا لم يعتبر ذلك الغريب لأن الغربة لا تكاد تلحق المروءة فيها ما يلحقها في الوطن. فإن قيل: فيجب ألا يحضره مجلس الحاكم أيضا لأن في ذلك امتهانا له وابتذالا. قيل له: حضوره مجلس الحاكم لا عار فيه ولا نقص يلحق من حضوره لأن الناس يحضرونه ابتداء في حوائج لهم ومهمات وإنما العار الإقدام على اليمين لما ذكرناه. وأيضا فإنه يمكن المدعي من إحضاره لعله يقيم عليه البينة ولا يقطعه عن حقه. فإن قيل: فاليمين الصادقة لا عار فيها وقد حلف عمر بن الخطاب وغيره من السلف. وقال لعثمان بن عفان لما بلغه أنه افتدى يمينه quot; ما منعك أن تحلف إذا كنت صادقا quot;. قيل: مكابرة العادات لا معنى لها وأقرب ما يبطل به قولهم: ما ذكرناه من افتداء كثير من الصحابة والسلف أيمانهم وليس ذلك إلا لصرف الظلمة عنهم وألا تتطرق إليهم تهمة وما روي عن عمر: إنما هو لتقوية نفس عثمان وأنه إذا حلف صادقا فهو مصيب في الشرع ليضعف بذلك نفوس من يريد الإعنات ويطمع في أموال الناس بادعاء المحال ليفتدوا أيمانهم منهم بأموالهم.(1\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "78",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5105",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأيضا: فإن أرادوا أن اليمين الصادقة لا عار فيها عند الله تعالى: فصحيح ولكن ليس كل ما لم يكن عارا عند الله لم يكن عارا في العادة ونحن نعلم أن المباح لا عار فيه عند الله هذا إذا علم كون اليمين صادقا وكلامنا في يمين مطلقة لا يعلم باطنها. قال: ودليل آخر وهو أن الأخذ بالعرف واجب لقوله تعالى: وأمر بالعرف [الأعراف: 199] . ومعلوم أن من كانت دعواه ينفيها العرف فإن الظن قد سبق إليه في دعواه بالبطلان كبقال يدعي على خليفة أو أمير ما لا يليق بمثله شراؤه أو تطرق تلك الدعوى عليه. قلت: ومما يشهد لذلك ويقويه: قول عبد الله بن مسعود الذي رواه عنه الإمام أحمد وغيره - وهو ثابت عنه -: quot; إن الله نظر في قلوب العباد فرأى قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - خير قلوب العباد فاختاره لرسالته ثم نظر في قلوب العباد بعده فرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبته فما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح quot;. ولا ريب أن المؤمنين - بل وغيرهم - يرون من القبيح: أن تسمع دعوى البقال على الخليفة أو الأمير: أنه باعه بمائة دينار ولم يوفه إياها أو أنه اقترض منه ألف دينار أو نحوها أو أنه تزوج ابنته الشوهاء ودخل بها ولم يعطها مهرها. أو تدعي امرأة مكثت مع الزوج ستين سنة أو نحوها: أنه لم ينفق عليها يوما واحدا ولا كساها خيطا وهو يشاهد داخلا وخارجا إليها بأنواع الطعام والفواكه فتسمع دعواها ويحلف لها ويحبس على ذلك كله. أو تسمع دعوى الذاعر الهارب وبيده عمامة لها ذؤابة وعلى رأسه عمامة وخلفه عالم مكشوف الرأس فيدعي الذاعر أن العمامة له فتسمع دعواه ويحكم له بها بحكم اليد. أو يدعي رجل معروف بالفجور وأذى الناس على رجل مشهور بالديانة والصلاح: أنه نقب بيته وسرق متاعه فتسمع دعواه ويستحلف له فإن نكل قضي عليه. أو يدعي رجل معروف بالشحاذة وسؤال الناس: أنه أقرض تاجرا من أكبر التجار مائة ألف دينار أو أنه غصبها منه أو أن ثياب التاجر التي هي عليه ملك الشحاذ شلحه إياها أو غصبها منه ونحو ذلك من الدعاوى التي شهد الناس بفطرهم وعقولهم: أنها من أعظم الباطل فهذه لا تسمع ولا يحلف فيها المدعى عليه ويعزر المدعي تعزير أمثاله. وهذا الذي تقتضيه الشريعة التي مبناها على الصدق والعدل كما قال تعالى: وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته [الأنعام: 115] فالشريعة المنزلة من عند الله لا تصدق كاذبا ولا تنصر ظالما.  [فصل هل السياسة بالضرب والحبس للمتهمين في الدعاوى وغيرها من الشرع] 32 - (فصل)(1\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "79",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5106",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ورضي الله عنه في ذلك جوابا وسؤالا: هل السياسة بالضرب والحبس للمتهمين في الدعاوى وغيرها من الشرع أم لا وإذا كانت من الشرع فمن يستحق ذلك ومن لا يستحقه وما قدر الضرب ومدة الحبس فأجاب: الدعاوى التي يحكم فيها ولاة الأمور - سواء سموا قضاة أو ولاة أو ولاة الأحداث أو ولاة المظالم أو غير ذلك من الأسماء العرفية الاصطلاحية فإن حكم الله تبارك وتعالى شامل لجميع الخلائق وعلى كل من ولي أمرا من أمور الناس أو حكم بين اثنين: أن يحكم بالعدل: فيحكم بكتاب الله وسنة رسوله وهذا هو الشرع المنزل من عند الله قال تعالى: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط [الحديد: 25] . وقال تعالى: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا [النساء: 58] . وقال تعالى: فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق [المائدة: 48] . فالدعاوى قسمان: دعوى تهمة ودعوى غير تهمة. فدعوى التهمة: أن يدعي فعل محرم على المطلوب يوجب عقوبته مثل قتل أو قطع طريق أو سرقة أو غير ذلك من العدوان الذي يتعذر إقامة البينة عليه في غالب الأحوال. وغير التهمة: أن يدعي عقدا: من بيع أو قرض أو رهن أو ضمان أو غير ذلك. وكل من القسمين قد يكون حدا محضا كالشرب والزنا وقد يكون حقا محضا لآدمي كالأموال وقد يكون متضمنا للأمرين: كالسرقة وقطع الطريق. فهذا القسم: إن أقام المدعى - عليه - حجة شرعية وإلا فالقول قول المدعى عليه مع يمينه. لما روى مسلم في صحيحه quot; عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه  وفي رواية في الصحيحين quot; عنه: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باليمين على المدعى عليه . فهذا الحديث نص في أن أحدا: لا يعطى بمجرد دعواه. ونص في أن الدعوى المتضمنة للإعطاء: فيها اليمين ابتداء على المدعى عليه. بل قد ثبت عنه في الصحيحين quot; في قصة القسامة: أنه قال لمدعي الدم: تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم فقالوا: كيف نحلف ولم نشهد ولم نر قال: فتبرئكم يهود بخمسين يمينا .(1\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "80",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5107",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وثبت في quot; صحيح مسلم quot; عن ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى بيمين وشاهد . وابن عباس هو الذي روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قضى باليمين على المدعى عليه وهو الذي: روى: quot; أنه قضى باليمين والشاهد ولا تعارض بين الحديثين بل هذا في دعوى وهذا في دعوى. وأما الحديث المشهور على ألسنة الفقهاء: البينة على من ادعى واليمين على من أنكر فهذا قد روي ولكن ليس إسناده في الصحة والشهرة مثل غيره. ولا رواه عامة أصحاب السنن المشهورة ولا قال بعمومه أحد من علماء الأمة إلا طائفة من فقهاء الكوفة مثل أبي حنيفة وغيره فإنهم يرون اليمين دائما في جانب المنكر حتى في القسامة يحلفون المدعى عليه ولا يقضون بالشاهد واليمين ولا يردون اليمين على المدعي عند النكول واستدلوا بعموم هذا الحديث. وأما سائر علماء الأمة - من أهل المدينة ومكة والشام وفقهاء الحديث وغيرهم مثل ابن جريج ومالك والشافعي والليث وأحمد وإسحاق -: فتارة يحلفون المدعى عليه كما جاءت بذلك السنة والأصل عندهم: أن اليمين مشروعة في أقوى الجانبين وأجابوا عن ذلك الحديث: تارة بالتضعيف وتارة بأنه عام وأحاديثهم خاصة وتارة بأن أحاديثهم أصح وأكثر فالعمل بها عند التعارض أولى. وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه طلب البينة من المدعي واليمين من المنكر في حكومات معينة ليست من جنس دعاوى التهم مثل ما خرجا في quot; الصحيحين quot; عن الأشعث بن قيس أنه قال: كان بيني وبين رجل حكومة في بئر فاختصمنا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: شاهداك أو يمينه فقلت: إذا يحلف ولا يبالي فقال: من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم - هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان وفي رواية فقال: بينتك إنها بئرك وإلا فيمينه . وعن وائل بن حجر قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال الذي من حضرموت: يا رسول الله إن هذا غلبني على أرض كانت لأبي فقال الكندي هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حق فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ألك بينة قال: لا قال: فلك يمينه فقال: يا رسول الله الرجل فاجر لا يبالي ما حلف عليه وليس يتورع من شيء فقال: ليس لك منه إلا ذلك فلما أدبر الرجل ليحلف قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أما لئن حلف على ماله ليأكله(1\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "81",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5108",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض  رواه مسلم. ففي هذا الحديث: أنه لم يوجب على المطلوب إلا اليمين مع ذكر المدعي لفجوره وقال: ليس لك منه إلا ذلك  وكذلك في الحديث الأول وكان خصم الأشعث بن قيس يهوديا هكذا جاء في quot; الصحيحين quot; ومع هذا لم يوجب عليه إلا اليمين. وفي حديث القسامة quot; أن الأنصار: قالوا: كيف نقبل أيمان قوم كفار quot;. وهذا القسم لا أعلم فيه نزاعا: أن القول فيه قول المدعى عليه مع يمينه إذ لم يأت المدعي بحجة شرعية وهي البينة لكن البينة التي هي الحجة الشرعية: تارة تكون شاهدين عدلين ذكرين وتارة تكون رجلا وامرأتين وتارة أربعة رجال وتارة ثلاثة عند طائفة من العلماء وذلك في دعوى إفلاس من علم له مال متقدم كما ثبت في quot; صحيح مسلم quot; من حديث قبيصة بن مخارق قال: لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه يقولون: لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش فما سواهن يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا . فهذا الحديث صريح في أنه لا يقبل في بينة الإعسار أقل من ثلاثة وهو الصواب الذي يتعين القول به: وهو اختيار بعض أصحابنا وبعض الشافعية. قالوا: ولأن الإعسار من الأمور الخفية التي تقوى فيها التهمة بإخفاء المال فروعي فيها الزيادة في البينة وجعلت بين مرتبة أعلى البينات ومرتبة أدنى البينات. وتارة تكون الحجة شاهدا ويمين الطالب وتارة تكون امرأة واحدة عند أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه وامرأتين عند مالك وأحمد في رواية وأربع نسوة عند الشافعي وتارة تكون رجلا واحدا(1\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "82",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5109",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في داء الدابة وشهادة الطبيب إذا لم يوجد اثنان كما نص عليه أحمد. وتارة تكون لوثا ولطخا مع أيمان المدعين كما في القسامة وامتازت بكون الأيمان فيها خمسين: تغليظا لشأن الدم كما امتاز اللعان بكون الأيمان فيه أربعا. والقسامة يجب فيها القود عند مالك وأحمد وأبي حنيفة وتوجب الدية فقط عند الشافعي وأما أهل الرأي: فيحلفون فيها المدعى عليه خاصة ويوجبون عليه الدية مع تحليفه. قلت: وتارة تكون الحجة نكولا فقط من غير رد اليمين وتارة تكون يمينا مردودة مع نكول المدعى عليه كما قضى الصحابة بهذا وهذا وتارة تكون علامات يصفها المدعي يعلم بها صدقه كالعلامات التي يصفها من سقطت منه لقطة لواجدها فيجب حينئذ الدفع إليه بالصفة عند الإمام أحمد وغيره ويجوز عند الشافعي ولا يجب وتارة تكون شبها بينا يدل على ثبوت النسب فيجب إلحاق النسب به عند جمهور من السلف والخلف كما في القافة التي اعتبرها رسول الله وحكم بها الصحابة من بعده وتارة تكون علامات يختص بها أحد المتداعيين فيقدم بها كما نص عليه الإمام أحمد في المكري والمكتري يتداعيان دفينا في الدار فيصفه أحدهما فيكون له مع يمينه وتارة تكون علامات في بدن اللقيط يصفه به أحد المتداعيين فيقدم بها كما نص عليه أحمد. وتارة تكون قرائن ظاهرة يحكم بها للمدعي مع يمينه كما إذا تنازع الخياط والنجار في آلات صناعتهما حكم بكل آلة لمن تصلح له عند الجمهور وكذلك إذا تنازع الزوجان في متاع البيت حكم للرجل بما يصلح له وللمرأة بما يصلح لها ولم ينازع في ذلك إلا الشافعي فإنه قسم عمامة الرجل وثيابه بينه وبين المرأة وكذلك قسم خف المرأة وحلقها ومغزلها بينها وبين الرجل. وأما الجمهور - كمالك وأحمد وأبي حنيفة فإنهم نظروا إلى القرائن الظاهرة والظن الغالب الملتحق بالقطع في اختصاص كل واحد منهما بما يصلح له ورأوا أن الدعوى تترجح بما هو دون ذلك بكثير كاليد والبراءة والنكول واليمين المردودة والشاهد واليمين والرجل والمرأتين فيثير ذلك ظنا تترجح به الدعوى ومعلوم أن الظن الحاصل هاهنا أقوى بمراتب كثيرة من الظن الحاصل بتلك الأشياء وهذا مما لا يمكن جحده ودفعه. وقد نصب الله سبحانه على الحق الموجود والمشروع علامات وأمارات تدل عليه وتبينه قال تعالى: وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون [النحل: 15] وعلامات وبالنجم هم يهتدون [النحل: 16] ونصب على القبلة علامات وأدلة ونصب على الإيمان والنفاق(1\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "83",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5110",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "علامات وأدلة قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان فجعل اعتياد شهود المسجد من علامات الإيمان وجوز لنا أن نشهد بإيمان صاحبها مستندين إلى تلك العلامة والشهادة إنما تكون على القطع فدل على أن الأمارة تفيد القطع وتسوغ الشهادة. وقال: آية المنافق ثلاث . وفي لفظ: علامة المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان . وفي السنن: ثلاث من علامات الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل والإيمان بالأقدار . وقد نصب الله تعالى الآيات دالة عليه وعلى وحدانيته وأسمائه وصفاته فكذلك هي دالة على عدله وأحكامه والآية مستلزمة لمدلولها لا ينفك عنها فحيث وجد الملزوم وجد لازمه فإذا وجدت آية الحق ثبت الحق ولم يتخلف ثبوته عن آيته وأمارته فالحكم بغيره حينئذ يكون حكما بالباطل. وقد اعتبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من بعده العلامات في الأحكام وجعلوها مبينة لها كما اعتبر العلامات في اللقطة وجعل صفة الواصف لها آية وعلامة على صدقه وأنها له. وقال لجابر: خذ من وكيلي وسقا فإن التمس منك آية فضع يدك على ترقوته فنزل هذه العلامة منزلة البينة التي تشهد أنه أذن له أن يدفع إليك ذلك كما نزل الصفة للقطة منزلة البينة بل هذا نفسه بينة إذ البينة ما تبين الحق من قول وفعل ووصف.(1\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "84",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5111",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجعل الصحابة - رضي الله عنهم - الحبل علامة وآية على الزنا فحدوا به المرأة وإن لم تقر ولم يشهد عليها أربعة بل جعلوا الحبل أصدق من الشهادة وجعلوا رائحة الخمر وقيئه لها: آية وعلامة على شربها بمنزلة الإقرار والشاهدين. وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر كفار قريش يوم بدر عشر جزائر أو تسعا: آية وعلامة على كونهم ما بين الألف والتسعمائة فأخبر عنهم بهذا القدر بعد ذكر هذه العلامة. وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - كثرة المال وقصر مدة إنفاقه: آية وعلامة على كذب المدعي لذهابه في النفقة والنوائب في قصة حيي بن أخطب وقد تقدمت وأجاز العقوبة بناء على هذه العلامة واعتبر العلامة في السيف وظهور أثر الدم به في الحكم بالسلب لأحد المتداعيين ونزل الأثر منزلة بينة. واعتبر العلامة في ولد الملاعنة وقال: أنظروها فإن جاءت به على نعت كذا وكذا فهو لهلال بن أمية وإن جاءت به على نعت كذا وكذا فهو للذي رميت به فأخبر أنه للذي رميت به لهذه العلامات والصفات ولم يحكم به له لأنه لم يدعه ولم يقر به ولا كانت الملاعنة فراشا له. واعتبر نبات الشعر حول القبل في البلوغ وجعله آية وعلامة له فكان يقتل من الأسرى يوم قريظة من وجده في تلك العلامة ويستبقي من لم تكن فيه ولهذا جعله طائفة من الفقهاء - كالشافعي - علامة في حق الكفار خاصة. وجعل الحيض علامة على براءة الرحم من الحمل فجوز وطء الأمة المسبية إذا حاضت حيضة لوجود علامة خلوها من الحبل فلما منع من وطء الأمة الحامل وجوز وطأها إذا حاضت كان ذلك اعتبارا لهذه العلامة والأمارة. واعتبر العلامة في الدم الذي تراه المرأة ويشتبه عليها هل هو حيض أو استحاضة واعتبر العلامة فيه بوقته ولونه وحكم بكونه حيضا بناء على ذلك. وهذا في الشريعة أكثر من أن يحصر وتستوفى شواهده. فمن أهدر الأمارات والعلامات في الشرع بالكلية فقد عطل كثيرا من الأحكام وضيع كثيرا من الحقوق والناس في هذا الباب طرفان ووسط. قال شيخنا - رحمه الله -: وقد وقع فيه من التفريط من بعض ولاة الأمور والعدوان من بعضهم: ما أوجب الجهل بالحق والظلم للخلق وصار لفظ quot; الشرع quot; غير مطابق لمعناه الأصلي بل لفظ quot; الشرع quot; في هذه الأزمنة ثلاثة أقسام:(1\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "85",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5112",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشرع المنزل وهو الكتاب والسنة واتباع هذا الشرع واجب ومن خرج عنه وجب قتاله وتدخل فيه أصول الدين وفروعه وسياسة الأمراء وولاة المال وحكم الحاكم ومشيخة الشيوخ وولاة الحسبة وغير ذلك فكل هؤلاء عليهم أن يحكموا بالشرع المنزل ولا يخرجوا عنه. الثاني: الشرع المتأول وهو مورد النزاع والاجتهاد بين الأئمة فمن أخذ بما يسوغ فيه الاجتهاد أقر عليه ولم يجب على جميع الناس موافقته إلا بحجة لا مرد لها من كتاب الله وسنة رسوله. والثالث: الشرع المبدل مثل ما يثبت بشهادات الزور ويحكم فيه بالجهل والظلم أو يؤمر فيه بإقرار باطل لإضاعة حق مثل تعليم المريض أن يقر لوارث بما ليس له ليبطل به حق بقية الورثة والأمر بذلك حرام والشهادة عليه محرمة والحاكم إذا عرف باطن الأمر وأنه غير مطابق للحق فحكم به كان جائرا آثما وإن لم يعرف باطن الأمر لم يأثم فقد قال سيد الحكام - صلوات الله وسلامه عليه - في الحديث المتفق عليه إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو مما أسمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار .  [فصل في دعاوى التهم] 33 - (فصل) في التهم القسم الثاني من الدعاوى دعاوى التهم: وهي دعوى الجناية والأفعال المحرمة كدعوى القتل وقطع الطريق والسرقة والقذف والعدوان. فهذا ينقسم المدعى عليه فيه إلى ثلاثة أقسام فإن المتهم إما أن يكون بريئا ليس من أهل تلك التهمة أو فاجرا من أهلها أو مجهول الحال لا يعرف الوالي والحاكم. فإن كان بريئا لم تجز عقوبته اتفاقا واختلفوا في عقوبة المتهم له على قولين أصحهما: أنه يعاقب صيانة لتسلط أهل الشر والعدوان على أعراض البرآء. قال مالك وأشهب رحمهما الله: لا أدب على المدعي إلا أن يقصد أذية المدعى عليه وعيبه وشتمه فيؤدب. وقال أصبغ: يؤدب قصد أذيته أو لم يقصد وهل يحلف في هذه الصورة فإن كان(1\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "86",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5113",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المدعى حدا لله لم يحلف عليه وإن كان حقا لآدمي ففيه قولان مبنيان على سماع الدعوى فإن سمع الدعوى حلف له وإلا لم يحلف. والصحيح: أنه لا تسمع الدعوى في هذه الصورة ولا يحلف المتهم لئلا يتطرق الأراذل والأشرار إلى الاستهانة بأولي الفضل والأخطار كما تقدم من أن المسلمين يرون ذلك قبيحا. 34 - (فصل) القسم الثاني: أن يكون المتهم مجهول الحال لا يعرف ببر ولا فجور فهذا يحبس حتى ينكشف حاله عند عامة علماء الإسلام والمنصوص عليه عند أكثر الأئمة: أنه يحبسه القاضي والوالي هكذا نص عليه مالك وأصحابه وهو منصوص الإمام أحمد ومحققي أصحابه وذكره أصحاب أبي حنيفة. وقال الإمام أحمد: قد حبس النبي - صلى الله عليه وسلم - في تهمة قال أحمد: وذلك حتى يتبين للحاكم أمره وقد روى أبو داود في سننه quot; وأحمد وغيرهما من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حبس في تهمة وفي quot; جامع الخلال quot; عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حبس في تهمة يوما وليلة . والأصول المتفق عليها بين الأئمة توافق ذلك فإنهم متفقون على أن المدعي إذا طلب المدعى عليه الذي يسوغ إحضاره: وجب على الحاكم إحضاره إلى مجلس الحكم حتى يفصل بينهما ويحضره من مسافة العدوى - التي هي عند بعضهم بريد - وهو ما لا يمكن الذهاب إليه والعود في يومه كما يقوله بعض أصحاب الشافعي وأحمد وهو رواية عن أحمد وعن بعضهم يحضره من مسافة القصر وهي مسيرة يومين كما هي الرواية الأخرى عن أحمد. ثم إن الحاكم قد يكون مشغولا عن تعجيل الفصل وقد تكون عنده حكومات سابقة فيكون المطلوب محبوسا معوقا من حين يطلب إلى أن يفصل بينه وبين خصمه وهذا حبس بدون التهمة ففي التهمة أولى فإن الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيق وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه سواء كان في بيت أو مسجد أو كان بتوكيل نفس الخصم أو وكيله عليه وملازمته له ولهذا سماه النبي - صلى الله عليه وسلم - quot; أسيرا quot; كما روى أبو داود وابن ماجه عن الهرماس بن حبيب عن أبيه(1\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "87",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5114",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن جده قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بغريم لي فقال: الزمه ثم قال لي: يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك وفي رواية ابن ماجه ثم مر بي آخر النهار فقال: ما فعل أسيرك يا أخا بني تميم وكان هذا هو الحبس على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ولم يكن له محبس معد لحبس الخصوم ولكن لما انتشرت الرعية في زمن عمر بن الخطاب ابتاع بمكة دارا وجعلها سجنا يحبس فيها ولهذا تنازع العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم: هل يتخذ الإمام حبسا على قولين: فمن قال: لا يتخذ حبسا قال: لم يكن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا لخليفته بعده حبس ولكن يعوقه بمكان من الأمكنة أو يقام عليه حافظ - وهو الذي يسمى الترسيم أو يأمر غريمه بملازمته كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -. ومن قال: له أن يتخذ حبسا قال: قد اشترى عمر بن الخطاب من صفوان بن أمية دارا بأربعة آلاف وجعلها حبسا. ولما كان حضور مجلس الحاكم من جنس الحبس تنازع العلماء: هل يحضر الخصم المطلوب بمجرد الدعوى أو لا يحضر حتى يبين المدعي أن للدعوى أصلا على قولين هما روايتان عن أحمد والأول: قول أبي حنيفة والشافعي والثاني: قول مالك. 35 - (فصل) ومنهم من قال: الحبس في التهم إنما هو لوالي الحرب دون القاضي وقد ذكر هذا طائفة من أصحاب الشافعي كأبي عبد الله الزبيري والماوردي وغيرهما وطائفة من أصحاب أحمد المصنفين في أدب القضاة وغيرهم واختلفوا في مقدار الحبس في التهمة هل هو مقدر أو مرجعه إلى اجتهاد الوالي والحاكم - على قولين: ذكرهما الماوردي وأبو يعلى وغيرهما - فقال الزبيري: هو مقدر بشهر وقال الماوردي: غير مقدر. 36 - (فصل) القسم الثالث: أن يكون المتهم معروفا بالفجور كالسرقة وقطع الطريق والقتل ونحو ذلك فإذا(1\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "88",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5115",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جاز حبس المجهول فحبس هذا أولى. قال شيخنا ابن تيمية - رحمه الله -: وما علمت أحدا من أئمة المسلمين يقول: إن المدعى عليه في جميع هذه الدعاوى يحلف ويرسل بلا حبس ولا غيره فليس هذا - على إطلاقه - مذهبا لأحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم من الأئمة ومن زعم أن هذا - على إطلاقه وعمومه - هو الشرع: فقد غلط غلطا فاحشا مخالفا لنصوص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولإجماع الأمة. وبمثل هذا الغلط الفاحش تجرأ الولاة على مخالفة الشرع وتوهموا أن الشرع لا يقوم بسياسة العالم ومصلحة الأمة وتعدوا حدود الله وتولد من جهل الفريقين بحقيقة الشرع خروج عنه إلى أنواع من الظلم والبدع والسياسة جعلها هؤلاء من الشرع وجعلها هؤلاء قسيمة ومقابلة له وزعموا أن الشرع ناقص لا يقوم بمصالح الناس وجعل أولئك ما فهموه من العموميات والإطلاقات هو الشرع وإن تضمن خلاف ما شهدت به الشواهد والعلامات الصحيحة. والطائفتان مخطئتان في الشرع أقبح خطأ وأفحشه وإنما أتوا من تقصيرهم في معرفة الشرع الذي أنزل الله على رسوله وشرعه بين عباده كما تقدم بيانه فإنه أنزل الكتاب بالحق ليقوم الناس بالقسط ولم يسوغ تكذيب صادق ولا إبطال أمارة وعلامة شاهدة بالحق بل أمر بالتثبت في خبر الفاسق ولم يأمر برده مطلقا حتى تقوم أمارة على صدقه فيقبل أو كذبه فيرد فحكمه دائر مع الحق والحق دائر مع حكمه أين كان ومع من كان وبأي دليل صحيح كان فتوسع كثير من هؤلاء في أمور ظنوها علامات وأمارات أثبتوا بها أحكاما وقصر كثير من أولئك عن أدلة وعلامات ظاهرة ظنوها غير صالحة لإثبات الأحكام. 37 - (فصل) ويسوغ ضرب هذا النوع من المتهمين كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الزبير بتعذيب المتهم الذي غيب ماله حتى أقر به في قصة ابن أبي الحقيق. قال شيخنا: واختلفوا فيه: هل الذي يضربه الوالي دون القاضي أو كلاهما أو لا يسوغ ضربه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يضربه الوالي والقاضي. وهذا قول طائفة من أصحاب مالك وأحمد وغيرهم منهم أشهب بن عبد العزيز قاضي مصر فإنه قال: يمتحن بالحبس والضرب ويضرب بالسوط مجردا. والقول الثاني: أنه يضربه الوالي دون القاضي. وهذا قول بعض أصحاب الشافعي وأحمد حكاه القاضيان.(1\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "89",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5116",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ووجه هذا: أن الضرب المشروع هو ضرب الحدود والتعزيرات وذلك إنما يكون بعد ثبوت أسبابها وتحققها. والقول الثالث: أنه يحبس ولا يضرب وهذا قول أصبغ وكثير من الطوائف الثلاثة بل قول أكثرهم لكن حبس المتهم عندهم أبلغ من حبس المجهول. ثم قالت طائفة منهم عمر بن عبد العزيز ومطرف وابن الماجشون: إنه يحبس حتى يموت. ونص عليه الإمام أحمد في المبتدع الذي لم ينته عن بدعته: أنه يحبس حتى يموت وقال مالك: لا يحبس إلى الموت. 38 - (فصل) والذين جعلوا عقوبته للوالي دون القاضي قالوا: ولاية أمير الحرب معتمدها المنع من الفساد في الأرض وقمع أهل الشر والعدوان. وذلك لا يتم إلا بالعقوبة للمتهمين المعروفين بالإجرام بخلاف ولاية الحكم فإن مقصودها إيصال الحقوق إلى أربابها وإثباتها. قال شيخنا: وهذا القول هو في الحقيقة قول بجواز ذلك في الشريعة لكن كل ولي أمر يفعل ما فوض إليه فكما أن والي الصدقات يملك من أمر القبض والصرف ما لا يملكه والي الخراج وعكسه كذلك والي الحرب ووالي الحكم يفعل كل منهما ما اقتضته ولايته الشرعية مع رعاية العدل والتقيد بالشريعة. 39 - (فصل) وأما عقوبة من عرف أن الحق عنده وقد جحده فمتفق عليها بين العلماء لا نزاع بينهم أن من وجب عليه حق من عين أو دين - وهو قادر على أدائه - وامتنع منه أنه يعاقب حتى يؤديه ونصوا على عقوبته بالضرب ذكر ذلك الفقهاء من الطوائف الأربعة. وقال أصحاب أحمد: إذا أسلم وتحته أختان أو أكثر من أربع أمر أن يختار إحدى الأختين أو أربعا فإن أبى حبس وضرب حتى يختار قالوا: وهكذا كل من وجب عليه حق هو قادر على أدائه فامتنع منه فإنه يضرب حتى يؤديه. وفي quot; السنن quot; عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: مطل الواجد يحل عرضه وعقوبته  والعقوبة لا(1\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "90",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5117",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تختص بالحبس بل هي في الضرب أظهر منها في الحبس وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: مطل الغني ظلم والظالم يستحق العقوبة شرعا.  [فصل في التعزير] 40 - (فصل) التعزير واتفق العلماء على أن التعزير مشروع في كل معصية ليس فيها حد وهي نوعان: ترك واجب أو فعل محرم فمن ترك الواجبات مع القدرة عليها كقضاء الديون وأداء الأمانات: من الوكالات والودائع وأموال اليتامى والوقوف والأموال السلطانية ورد الغصوب والمظالم فإنه يعاقب حتى يؤديها وكذلك من وجب عليه إحضار نفس لاستيفاء حق وجب عليها مثل: أن يقطع الطريق ويلتجئ إلى من يمنعه ويذب عنه فهذا يعاقب حتى يحضره. وقد روى مسلم في صحيحه quot; عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من خاصم في باطل - وهو يعلم - لم يزل في سخط الله حتى ينزع ومن حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره ومن قال في مسلم ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يخرج مما قال . فما وجب إحضاره من النفوس والأموال استحق الممتنع من إحضاره العقوبة وأما إذا كان الإحضار إلى من يظلمه أو إحضار المال إلى من يأخذه بغير حق فهذا لا يجب ولا يجوز فإن الإعانة على الظلم ظلم.  [فصل والمعاصي ثلاثة أنواع] 41 - (فصل)(1\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "91",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5118",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمعاصي ثلاثة أنواع: نوع فيه حد ولا كفارة فيه كالزنا والسرقة وشرب الخمر والقذف. فهذا يكفيه الحد عن الحبس والتعزير. ونوع فيه كفارة ولا حد فيه كالجماع في الإحرام ونهار رمضان ووطء المظاهر منها قبل التكفير فهذا تغني فيه الكفارة عن الحد. وهل تكفي عن التعزير فيه قولان للفقهاء وهما لأصحاب أحمد وغيرهم. ونوع لا كفارة فيه ولا حد كسرقة ما لا قطع فيه واليمين الغموس عند أحمد وأبي حنيفة والنظر إلى الأجنبية ونحو ذلك فهذا يسوغ فيه التعزير وجوبا عند الأكثرين وجوازا عند الشافعي. ثم إن كان الضرب على ترك واجب مثل أن يضربه ليؤدب به. فهذا لا يتقدر بل يضرب يوما فإن فعل الواجب وإلا ضرب يوما آخر بحسب ما يحتمله ولا يزيد في كل مرة على مقدار أعلى التعزير.  وقد اختلف الفقهاء في مقدار التعزير على أقوال: أحدها: أنه بحسب المصلحة وعلى قدر الجريمة فيجتهد فيه ولي الأمر. الثاني: وهو أحسنها - أنه لا يبلغ بالتعزير في معصية قدر الحد فيها فلا يبلغ بالتعزير على النظر والمباشرة حد الزنا ولا على السرقة من غير حرز حد القطع ولا على الشتم بدون القذف حد القذف. وهذا قول طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد. والقول الثالث: أنه يبلغ بالتعزير أدنى الحدود: إما أربعين وإما ثمانين وهذا قول كثير من أصحاب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة. والقول الرابع: أنه لا يزاد في التعزير على عشرة أسواط وهو أحد الأقوال في مذهب أحمد وغيره. وعلى القول الأول: هل يجوز أن يبلغ بالتعزير القتل فيه قولان: أحدهما: quot; يجوز كقتل الجاسوس المسلم إذا اقتضت المصلحة قتله quot; وهذا قول مالك وبعض أصحاب أحمد واختاره ابن عقيل. وقد ذكر بعض أصحاب الشافعي وأحمد نحو ذلك في قتل الداعية إلى البدعة كالتجهم والرفض وإنكار القدر. وقد قتل عمر بن عبد العزيز غيلان القدري لأنه كان داعية إلى بدعته. وهذا مذهب مالك - رحمه الله - وكذلك قتل من لا يزول فساده إلا بالقتل. وصرح به أصحاب أبي حنيفة في قتل(1\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "92",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5119",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اللوطي إذا أكثر من ذلك تعزيرا وكذلك قالوا: إذا قتل بالمثقل فللإمام أن يقتله تعزيرا وإن كان أبو حنيفة لا يوجب الحد في هذا ولا القصاص في هذا وصاحباه يخالفانه في المسألتين وهما مع جمهور الأمة. والمنقول عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه - رضي الله عنهم - يوافق القول الأول فإن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أمر بجلد الذي وطئ جارية امرأته - وقد أحلتها له - مائة . وأبو بكر وعمر - رضي الله عنهما -: quot; أمرا بجلد من وجد مع امرأة أجنبية في فراش مائة جلدة quot;. وعلى هذا: يحمل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد في الثالثة - أو في الرابعة - فاقتلوه فأمر بقتله إذا أكثر منه ولو كان ذلك حدا لأمر به في المرة الأولى. وأما ضرب المتهم إذا عرف أن المال عنده - وقد كتمه وأنكره - فيضرب ليقر به. فهذا لا ريب فيه. فإنه ضرب ليؤدي الواجب الذي يقدر على وفائه كما في حديث ابن عمر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صالح أهل خيبر على الصفراء والبيضاء سأل زيد بن سعيد عم حيي بن أخطب - فقال: أين كنز حيي فقال: يا محمد أذهبته النفقات فقال للزبير: دونك هذا فمسه الزبير بشيء من العذاب فدلهم عليه في خربة وكان حليا في مسك ثور فهذا أصل في ضرب المتهم.  [فصل في الطرق التي يحكم بها الحاكم] [الطريق الأول اليد المجردة التي لا تفتقر إلى يمين] 42 - (فصل) في الطرق التي يحكم بها الحاكم الحكم قسمان: إثبات وإلزام. فالإثبات: يعتمد الصدق والإلزام: يعتمد العدل وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا [الأنعام: 115] وكل من القسمين له طرق متعددة:(1\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "93",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5120",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها: اليد المجردة التي لا تفتقر إلى يمين: وذلك في صور. منها: إذا كان وصيا على طفل أو مجنون وفي يده شيء انتقل إليه عن أبيه كان مجرد اليد كافيا في الحكم به له من غير يمين لا على الطفل ولا على الوصي. أما الطفل فلعدم صحة اليمين منه وأما الوصي فلأنه ليس المدعى عليه في الحقيقة ولا يتوجه عليه اليمين. ومنها: أن يدعي كفنا على ميت أنه له ولا بينة فيقضى بالكفن لمن هو عليه من غير يمين. ومنها: أن يدعي على صاحب اليد دعوى يكذبه فيها الحس فلا يحلف له صاحب اليد بل لا تسمع دعواه كما إذا ادعى على من في يده عبد أنه ابنه وهو أكبر من المدعي. وهذا لأن اليمين إنما تشرع في جانب من ترجح جانبه مع احتمال كونه مبطلا فإذا لم يحتمل ذلك لم تكن في اليد فائدة.  [فصل الطريق الثاني في الإنكار المجرد وله صور] 43 - (فصل) الطريق الثاني الإنكار المجرد وله صور: إحداها: إذا ادعى رجل دينا على ميت أو أنه أوصى له بشيء وللميت وصي بقضاء دينه وتنفيذ وصاياه فأنكر. فإن كان للمدعي بينة حكم بها. وإن لم تكن له بينة وأراد تحليف الوصي على نفي العلم لم يكن له ذلك. لأن مقصود التحليف: أن يقضى عليه بالنكول إذا امتنع من اليمين. والوصي لا يقبل إقراره بالدين والوصية ولو نكل لم يقض عليه فلا فائدة من تحليفه ولو كان وارثا استحلف وقضي بنكوله. ومنها: أن يدعي على القاضي أنه ظلمه في الحكم أو على الشاهد أنه تعمد الكذب أو الغلط أو ادعى عليه ما يسقط شهادته لم يحلفا لارتفاع منصبهما عن التحليف. ومنها: دعوى الرجل على المرأة النكاح ودعواها عليه الطلاق ودعوى كل منهما الرجعة ودعوى الأمة أن سيدها أولدها ودعوى المرأة أن زوجها آلى منها ودعوى الرق والولاء والقود وحد القذف. وعن أحمد: أنه يستحلف في الطلاق والإيلاء والقود والقذف. وعنه: أنه يستحلف إلا فيما لا يقضى فيه بالنكول. وقال في رواية ابن القاسم: لا أرى اليمين في النكاح ولا في الطلاق ولا في الحدود لأنه إن نكل لم أقتله ولم أحده ولم أدفع المرأة إليه.(1\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "94",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5121",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وظاهر ما نقله الخرقي أنه يستحلف فيما عدا القود والنكاح وعنه ما يدل على أنه يستحلف في الكل. وإذا امتنع عن اليمين - حيث قلنا يستحلف - قضينا بالنكول في الجميع إلا في القود في النفس خاصة. وعنه لا يقضى بالنكول إلا في الأموال خاصة. وكل ناكل لا يقضى عليه فهل يخلى أو يحبس حتى يقر أو يحلف على وجهين: ولا يستحلف في العبادات ولا في الحدود. فإذا قلنا: استحلف في هذه الأشياء لم يقض فيها بالنكول على ظاهر كلام أحمد وتعليله وإذا استحلفناه فإن قضينا عليه بالنكول في كل موضع لتكون لليمين فائدة حتى في قود الأطراف. ولا يقضى بقود النفس وإن استحلفناه لأن النكول وإن جرى مجرى الإقرار فليس بإقرار صحيح صريح فلا يراق به الدم بمجرده ولا مع يمين المدعي إلا في القسامة للوث. وإذا قلنا: يستحلف ولا يقضى بالنكول في غير الأموال: كان فائدة الاستحلاف حبسه إذا أبى الحلف في أحد الوجهين. وفي الآخر: يخلى سبيله لأنه لا يقضى عليه بالنكول ولم يثبت عليه ما يعاقب عليه بالضرب والحبس حتى يفعله. فإنه يحتمل أن يكون المدعي محقا وأن يكون مبطلا. فكيف يعاقب المدعى عليه بمجرد دعواه وطلب يمينه وتكون فائدة اليمين على هذا: انقطاع الخصومة والمطالبة.  [فصل استثني من عدم التحليف في الحدود صورتان] 44 - (فصل) وقد استثني من عدم التحليف في الحدود صورتان: إحداهما: إذا قذفه فطلب حد القذف فقال القاذف: حلفوه أنه لم يزن. فذكر أصحاب الشافعي فيه وجهين قال في quot; الروضة quot;: والأصح أنه يحلف. والصورة الثانية: أن يكون المقذوف ميتا وأراد القاذف تحليف الوارث: أنه لا يعلم زنا مورثه فله ذلك. وحكى عن نص الشافعي - رحمه الله -. والصحيح قول الجمهور: أنه لا يحلف بل القول بتحليفه في غاية السقوط فإن الحد يجب بقذف المستور الذي لم يظهر زناه وليس من شرطه ألا يكون قد زنى في نفس الأمر ولهذا لا يسأله الحاكم عن ذلك: ولا يجوز له سؤاله ولا يجب عليه الجواب. وفي تحليفه تعريضه للكذب واليمين الغموس إن كان قد ارتكب ذلك أو تعرضه لفضيحة نفسه وإقراره بما يوجب عليه الجلد أو فضيحته بالنكول الجاري مجرى الإقرار وانتهاك عرضه للقاذفين الممزقين لأعراض المسلمين. والشريعة لا تأتي(1\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "95",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5122",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بشيء من ذلك ولذلك لم يقل أحد من الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة بتحليف المقذوف أنه لم يزن ولم يجعلوا ذلك شرطا في إقامة الحد. فالقول بالتحليف في غاية البطلان وهو مستلزم لما ذكرنا من المحاذير ولا سيما إن كان قد فعل شيئا من ذلك ثم تاب منه ففي إلزامه بالحلف تعريضه لهتيكة نفسه وإهدار عرضه. ولهذا كان الصواب قول أبي حنيفة: إن البكر إذا زالت بكارتها بالزنا فإذنها الصمات لأنا لو اشترطنا نطقها لكنا قد ألزمناها بفضيحة نفسها وهتك عرضها بل إذا اكتفى من البكر بالصمات لحيائها فلأن يكتفى من هذه بالصمات بطريق الأولى لأن حياءها من الاطلاع على زناها أعظم بكثير من حيائها من كلمة quot; نعم quot; التي لا تذم بها ولا تعاب ولا سيما إذا كانت قد أكرهت على الزنا بل الاكتفاء من هذه بالصمات أولى من الاكتفاء به من البكر فهذا من محاسن الشريعة وكمالها. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: إذن البكر الصمات وإذن الثيب الكلام المراد به: الثيب التي قد علم أهلها والناس أنها ثيب فلا تستحيي من ذلك. ولهذا لو زالت بكارتها بإصبع أو وثبة: لم تدخل في لفظ الحديث ولم تتغير بذلك صفة إذنها مع كونها ثيبا فالذي أخرج هذه الصورة من العموم أولى أن يخرج الأخرى والله أعلم.  [فصل فيما لا يحلف فيه] 45 - (فصل) ومما لا يحلف فيه إذا ادعى البلوغ بالاحتلام في وقت الإمكان صدق بلا يمين وكذلك لو ادعي عليه البلوغ فقال: أنا صبي بعد وهو محتمل: لم يحلف. ولو ادعى عامل الزكاة على رجل أنه له نصابا وطلب زكاته لم يحلف على نفي ذلك ولو أقر فادعى العامل: أنه لم يخرج زكاته لم يحلف على نفي ذلك. قال الإمام أحمد: لا يستحلف الناس على صدقاتهم.  [فصل فوائد اليمين] 46 - (فصل) ولليمين فوائد:(1\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "96",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5123",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منها تخويف المدعى عليه سوء عاقبة الحلف الكاذب فيحمله ذلك على الإقرار بالحق. ومنها: القضاء عليه بنكوله عنها على ما تقدم. ومنها: انقطاع الخصومة والمطالبة في الحال وتخليص كل من الخصمين من ملازمة الآخر ولكنها لا تسقط الحق ولا تبرئ الذمة باطنا ولا ظاهرا. فلو أقام المدعي بينة بعد حلف المدعى عليه: سمعت وقضي بها. وكذا لو ردت اليمين على المدعي فنكل ثم أقام المدعي بينة سمعت وحكم به. ومنها: إثبات الحق بها إذا ردت على المدعي أو أقام شاهدا واحدا. ومنها: تعجيل عقوبة الكاذب المنكر لما عليه من الحق فإن اليمين الغموس تدع الديار بلاقع فيشتفي بذلك المظلوم عوض ما ظلمه بإضاعة حقه والله أعلم. 47 - (فصل) ومنها: أن تشهد قرائن الحال بكذب المدعي فمذهب مالك: أنه لا يلتفت إلى دعواه ولا يحلف له وهذا اختيار الإصطخري من الشافعية ويخرج على المذهب مثله وذلك مثل: أن يدعي الدنيء استئجار الأمير أو ذي الهيئة والقدر لعلف دوابه وكنس بابه ونحو ذلك. وسمعت شيخنا العلامة - ابن تيمية قدس الله روحه يقول: كنا عند نائب السلطنة وأنا إلى جانبه فادعى بعض الحاضرين: أن له قبلي وديعة وسأل إجلاسي معه وإحلافي فقلت لقاضي المالكية وكان حاضرا أتسوغ هذه الدعوى وتسمع فقال: لا فقلت: فما مذهبك في مثل ذلك قال: تعزير المدعي فقلت: فاحكم بمذهبك فأقيم المدعي وأخرج.  [فصل الطريق الثالث في الحكم باليد مع يمين صاحبها] 48 - (فصل) الطريق الثالث أن يحكم باليد مع يمين صاحبها كما إذا ادعى عليه عينا في يده فأنكر فسأل إحلافه فإنه يحلف وتترك في يده لترجح جانب صاحب اليد. ولهذا شرعت اليمين في جهته فإن اليمين تشرع في جنبة أقوى المتداعيين هذا إذا لم تكذب اليد القرائن الظاهرة فإن كذبتها لم يلتفت إليها وعلم أنها يد مبطلة. وذلك: كما لو رأى إنسانا يعدو وبيده عمامة وعلى رأسه عمامة وآخر خلفه حاسر الرأس ممن ليس شأنه أن يمشي حاسر الرأس فإنا نقطع أن العمامة التي بيده للآخر ولا يلتفت إلى تلك اليد. ويجب العمل قطعا بهذه القرائن فإن العلم المستفاد منها أقوى بكثير من الظن المستفاد من مجرد اليد بل اليد هنا لا تفيد ظنا ألبتة فكيف تقدم على ما هو مقطوع به أو كالمقطوع به وكذلك إذا رأينا رجلا يقود فرسا مسرجة ولجامه وآلة ركوبه وليست من مراكبه في العادة(1\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "97",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5124",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ووراءه أمير ماش أو من ليس من عادته المشي فإنا نقطع بأن يده مبطلة. وكذلك المتهم بالسرقة إذا شوهدت العملة معه وليس من أهلها كما إذا رئي معه القماش والجواهر ونحوها مما ليس من شأنه فادعى أنه ملكه وفي يده: لم يلتفت إلى تلك اليد. وكذلك كل يد تدل القرائن الظاهرة التي توجب القطع أو تكاد أنها يد مبطلة لا حكم لها ولا يقضى بها. فإذا قضينا باليد فإنما نقضي بها إذا لم يعارضها ما هو أقوى منها. وإذا كانت اليد ترفع بالنكول وبالشاهد الواحد مع اليمين وباليمين المردودة فلأن ترفع بما هو أقوى من ذلك بكثير بطريق الأولى. فهذا مما لا يرتاب فيه: أنه من أحكام العدل الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه ووضعه بين عباده. فالأيدي ثلاث: الأولى: يد يعلم أنها مبطلة ظالمة فلا يلتفت إليها. الثانية: يد يعلم أنها محقة عادلة فلا تسمع الدعوى عليها كمن تشاهد في يده دار يتصرف فيها بأنواع التصرف من عمارة وخراب وإجارة وإعارة مدة طويلة من غير منازع ولا مطالب مع عدم سطوته وشوكته فجاء من ادعى أنه غصبها منه واستولى عليها بغير حق - وهو يشاهده في هذه المدة الطويلة ويمكنه طلب خلاصها منه ولا يفعل ذلك - فهذا مما يعلم فيه كذب المدعي وأن يد المدعى عليه محقة. هذا مذهب أهل المدينة مالك وأصحابه وهو الصواب. قالوا: إذا رأينا رجلا حائزا لدار متصرفا فيها مدة سنين طويلة بالهدم والبناء والإجارة والعمارة وهو ينسبها إلى نفسه ويضيفها إلى ملكه وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة وهو مع ذلك لا يعارضه فيها ولا يذكر أن له فيها حقا ولا مانع يمنعه من مطالبته: من خوف سلطان أو نحوه من الضرر المانع من المطالبة بالحقوق وليس بينه وبين المتصرف في الدار قرابة ولا شركة في ميراث وما أشبه ذلك مما تتسامح به القرابات والصهر بينهم في إضافة أحدهم أموال الشركة إلى نفسه بل كان عريا عن ذلك أجمع ثم جاء بعد طول هذه المدة يدعيها لنفسه ويريد أن يقيم بينة على ذلك فدعواه غير مسموعة أصلا فضلا عن يمينه. وتبقى الدار في يد حائزها لأن كل دعوى ينفيها العرف وتكذبها العادة فإنها مرفوضة غير مسموعة.(1\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "98",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5125",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال تعالى وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين [الأعراف: 199] وأوجبت الشريعة الرجوع إلى العرف عند الاختلاف في الدعاوى كالنقد وغيره. وكذلك يؤخذ بهذا في هذا الموضع وليس ذلك خلاف العادات فإن الناس لا يسكتون على ما يجري هذا المجرى من غير عذر. قالوا: وإذا اعتبرنا طول المدة فقد حددها ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم وأصبغ بعشر سنين. وربما احتج لهم بحديث يذكر عن سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم: أن رسول الله قال: من حاز شيئا عشر سنين فهو له وهذا لا يثبت. وأما مالك - رحمه الله -: فلم يوقت في ذلك حدا ورأى ذلك على قدر ما يرى ويجتهد فيه الإمام. الثالثة: يد يحتمل أن تكون محقة وأن تكون مبطلة فهذه هي التي تسمع الدعوى عليها ويحكم بها عند عدم ما هو أقوى منها. فالشارع لا يغير يدا شهد العرف والحس بكونها مبطلة ولا يهدر يدا شهد العرف بكونها محقة واليد المحتملة: يحكم فيها بأقرب الأشياء إلى الصواب وهو الأقوى فالأقوى والله أعلم. فالشارع لا يعين مبطلا ولا يعين على محق ويحكم في المتشابهات بأقرب الطرق إلى الصواب وأقواها.  [فصل الطريق الرابع والخامس في الحكم بالنكول وحده أو به مع رد اليمين] 49 - (فصل) الطريق الرابع والخامس الحكم بالنكول وحده أو به مع رد اليمين: قال الإمام أحمد - رحمه الله - quot; قدم عبد الله بن عمر إلى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - في عبد له فقال له عثمان احلف أنك ما بعت العبد وبه عيب علمته. فأبى ابن عمر أن يحلف فرد عليه العبد quot;. فيقول له الحاكم: إن لم تحلف وإلا قضيت عليك - ثلاثا - فإن لم يحلف قضى عليه. وهذا اختيار أصحاب أحمد. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. وقال الأوزاعي وشريح وابن سيرين والنخعي إذا نكل ردت اليمين على المدعي فإن حلف قضي له. وهذا مذهب الشافعي ومالك وقد صوبه الإمام أحمد. واختاره أبو الخطاب وشيخنا في صورة الحكم بمجرد النكول في صورة كما سنذكره. وهذا: قول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. وقد روى الدارقطني من حديث نافع عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رد اليمين على طالب(1\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "99",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5126",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحق  واحتج لهذا القول بأن الشارع شرع اليمين مع الشاهد الواحد كما سيأتي. فلم يكتف في جانب المدعي بالشاهد وحده حتى يأتي باليمين تقوية لشاهده. قالوا: ونكول المدعى عليه أضعف من شاهد المدعي فهو أولى أن يقوى بيمين الطالب. فإن النكول ليس بينة من المدعى عليه ولا إقرارا وهو حجة ضعيفة فلم يقو على الاستقلال بالحكم فإذا حلف معها المدعي قوي جانبه فاجتمع النكول من المدعى عليه واليمين من المدعي فقاما مقام الشاهدين أو الشاهد واليمين. قالوا: ولهذا لم يحكم على المرأة في اللعان بمجرد نكولها دون يمين الزوج فإذا حلف الزوج ونكلت عن اليمين حكم عليها: إما بالحبس حتى تقر أو تلاعن كما يقول أحمد وأبو حنيفة وإما بالحد كما يقول الشافعي ومالك وهو الراجح لأن الله سبحانه وتعالى إنما درأ عنها العذاب بشهادتها أربع شهادات: والعذاب المدروء عنها بالتعانها هو العذاب المذكور في قوله تعالى: وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين [النور: 2] وهو عذاب الحد. ولهذا ذكره معرفا فاللام العهد فعلم أن العذاب هو العذاب المعهود ذكره أولا. ولهذا بدئ أولا بأيمان الزوج لقوة جانبه ومكنت المرأة من أن تعارض إيمانه بأيمانها فإذا نكلت لم يكن لأيمانه ما يعارضها فعملت عملها وقواها نكول المرأة فحكم عليها بأيمانه ونكولها. فإن قيل: فكان من الممكن أن يبدأ بأيمانها فإن نكلت حلف الزوج وحدت كما إذا ادعى عليه حقا فنكل عن اليمين فإنها ترد على المدعي ويقضي له فهلا شرع اللعان كذلك والمرأة هي المدعى عليها بل شرعت اليمين في جانب المدعي أولا وهذا لا نظير له في الدعاوى. قيل: لما كان الزوج قاذفا لها كان موجب قذفه أن يحد لها فمكن أن يدفع الحد عن نفسه بالتعانه ثم طولبت هي بعد ذلك بأن تقر أو تلاعن. فإن أقرت حدت وإن أنكرت والتعنت درأت عنها الحد بلعانها كما له أن يدرأ الحد عن نفسه بلعانه. وكانت البداءة به أولى لأنه مدع وأيمانه قائمة مقام البينة. ولكن لما كانت دون الشهود الأربعة في القوة مكنت المرأة من دفعها بأيمانها. فإذا أبت أن تدفعها ترجح جانبه فوجب عليها الحد فلم تحد بمجرد التعانه ولا بمجرد نكولها بل بمجموع(1\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "100",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5127",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأمرين. وأكدت الأيمان بكونها أربعا كما أكدت أيمان المدعين في القسامة بكونها خمسين ولتقوم الأيمان مقام الشهود. وفي المسألة قول ثالث وهو: أنه لا يقضى بالنكول ولا بالرد ولكن يحبس المدعى عليه حتى يجيب بإقرار أو إنكار يحلف معه. وهذا قول في مذهب أحمد. وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي. وهذا قول ابن أبي ليلى فإنه قال: لا أدعه حتى يقر أو يحلف. واحتج لهذا القول بأن المدعى عليه قد وجب عليه أحد الأمرين: إما الإقرار وإما الإنكار: فإذا امتنع من أداء الواجب عليه عوقب بالحبس ونحوه حتى يؤديه. قالوا: وكل من عليه حق فامتنع من أدائه فهذا سبيله. والآخرون فرقوا بين الموضعين وقالوا: لو ترك ونكوله لأفضى إلى ضياع حقوق الناس بالصبر على الحبس. فإذا نكل عن اليمين ضعف جانب البراءة الأصلية فيه وقوي جانب المدعي فقوي عن اليمين. وهذا كما أنه لما قوي جانب المدعين للدم باللوث بدئ بأيمانهم وأكدت بالعدد. والمقصود: أن الناس اختلفوا في الحكم بالنكول على أقوال. أحدها: أنه من طرق الحكم. وهذا هو قول عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وقضى به شريح. قال أبو عبيد: حدثنا يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سالم بن عبد الله quot; أن أباه - عبد الله بن عمر - باع عبدا له بثمانمائة درهم بالبراءة ثم إن صاحب العبد خاصم فيه ابن عمر إلى عثمان بن عفان فقال عثمان لابن عمر: أحلف بالله لقد بعته وما به من داء علمته فأبى ابن عمر أن يحلف فرد عليه العبد quot;. وقال ابن أبي شيبة عن شريك عن مغيرة عن الحارث قال: quot; نكل رجل عند شريح عن اليمين فقضى عليه فقال: أنا أحلف فقال شريح: قد قضي قضاؤك quot;. وهذا قول الإمام أحمد في إحدى الروايتين وقول أبي حنيفة. والقول الثاني: أنه لا يقضى بالنكول بل ترد اليمين عن المدعي. فإن حلف قضى له وإلا صرفها. وهذا مروي عن ابن عمر وعلي والمقداد بن الأسود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم -. فروى البيهقي وغيره من حديث مسلمة بن علقمة عن داود عن الشعبي quot; أن المقداد استقرض من عثمان سبعة آلاف درهم فلما تقاضاه قال: إنما هي أربعة آلاف درهم فخاصمه إلى عمر. فقال المقداد: أحلف أنها سبعة آلاف فقال عمر - رضي الله عنه -: أنصفك. فأبى أن يحلف فقال(1\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "101",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5128",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عمر: خذ ما أعطاك quot; ورواه أبو عبيد عن عفان بن مسلم عن سلمة. ورواه البيهقي من حديث حسين بن عبد الله بن ضميرة عن أبيه عن جده عن علي قال: quot; اليمين مع الشاهد فإن لم تكن له بينة فاليمين على المدعى عليه إذا كان قد خالطه فإن نكل حلف المدعي quot;. وذكر البيهقي أيضا من حديث سليمان بن عبد الرحمن حدثنا محمد بن مسروق عن إسحاق بن الفرات عن الليث عن نافع عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: رد اليمين على طالب الحق رواه الحاكم في quot; المستدرك quot; قلت: ومحمد بن مسروق - هذا - ينظر من هو وقال عبد الملك بن حبيب: حدثنا أصبغ بن الفرج عن ابن وهب عن حيوة بن شريح أن سالم بن غيلان التجيبي أخبره: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من كانت له طلبة عند أحد: فعليه البينة والمطلوب أولى باليمين. فإن نكل حلف الطالب وأخذ وهذا مرسل. واحتج لرد اليمين بحديث القسامة وفي الاستدلال به ما فيه فإنه عرض اليمين على المدعين أولا واليمين المردودة: هي التي تطلب من المدعي بعد نكول المدعى عليه عنها. لكن يقال: وجه الاستدلال: أنها جعلت من جانب المدعي لقوة جانبه باللوث فإذا تقوى جانبه بالنكول شرعت في حقه. والقول الثالث: أنه يجبر على اليمين - شاء أم أبى - بالضرب والحبس ولا يقضى عليه بنكول ولا برد يمين. قال أصحاب هذا القول: ولا ترد اليمين إلا في ثلاثة مواضع لا رابع لها: أحدها: القسامة. والثاني: الوصية في السفر إذا لم يشهد عليها إلا الكفار. والثالث: إذا أقام شاهدا واحدا حلف معه. وهذا قول ابن حزم ومن وافقه من أهل الظاهر. قالوا: لم يأت قرآن ولا سنة ولا إجماع على القضاء بالنكول ولا باليمين المردودة. وجاء نص القرآن برد اليمين في مسألة الوصية. ونص السنة بردها في مسألة القسامة والشاهد واليمين. فاقتصرنا على ما جاء به كتاب الله. وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولم نعد ذلك إلى غيره وليس قول أحد حجة سوى قول المعصوم - صلى الله عليه وسلم - وكل من سواه: مأخوذ من قوله ومتروك.(1\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "102",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5129",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما قول مالك في quot; الموطإ quot; - في باب اليمين مع الشاهد في كتاب الأقضية: أرأيت رجلا ادعى على رجل مالا أليس يحلف المطلوب ما ذلك الحق عليه فإن حلف بطل ذلك عنه وإن أبى أن يحلف ونكل عن اليمين حلف طالب الحق: إن حقه لحق وثبت حقه على صاحبه فهذا ما لا خلاف فيه عند أحد من الناس ولا في بلد من البلدان. فبأي شيء أخذ هذا أم في أي كتاب وجده فإذا أقر بهذا فليقر باليمين مع الشاهد وإن لم يكن ذلك في كتاب الله تعالى هذا لفظه. قال أبو محمد بن حزم: إن كان خفي عليه قضاء أهل العراق بالنكول فإنه لعجيب. ثم قوله: quot; أذا أقر برد اليمين وإن لم يكن في كتاب الله: فليقر باليمين مع الشاهد وإن لم يكن في كتاب الله quot; فعجب آخر لأن اليمين مع الشاهد ثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو في كتاب الله. قال الله تعالى: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [الحشر: 7] . قلت: ليس في واحد من الأمرين من عجب. أما حكايته الإجماع فإنه لم يقل: لا خلاف أنه لا يحكم بالنكول بل إذا نكل ورد اليمين حكم له بالاتفاق فإن فقهاء الأمصار على قولين: منهم من يقول: يقضي بالنكول. ومنهم من يقول: إذا نكل ردت اليمين على المدعي فإن حلف حكم له. فهذا الذي أراد مالك - رحمه الله -: أنه إذا رد اليمين مع نكول المدعى عليه لم يبق فيه اختلاف في بلد من البلدان وإن كان فيه اختلاف شاذ. وأما تعجبه من قوله quot; إن الشاهد واليمين ليس في كتاب الله quot; فتعجبه هو المتعجب منه فإن المانعين من الحكم بالشاهد واليمين يقولون: ليس هو في كتاب الله تعالى بل في كتاب الله خلافه وهو اعتبار الشاهدين. فقال مالك - رحمه الله تعالى -: إذا كنتم تقضون بالنكول ويقضي الناس كلهم بالرد مع النكول وليس في كتاب الله فهكذا الشاهد مع اليمين يجب أن يقضي به وإن لم يكن في كتاب الله تعالى كما دلت عليه السنة فهذا إلزام لا محيد عنه والله أعلم. قال ابن حزم: وأما رد اليمين على الطالب إذا نكل المطلوب فما كان من كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فبين الأمرين فرق كما بين السماء والأرض. فيقال: بل أرشد إليه كتاب الله وسنة رسوله. أما الكتاب: فإنه سبحانه شرع الأيمان في جانب المدعي إذا احتاج إلى ذلك وتعذرت عليه إقامة البينة وشهدت القرائن بصدقه كما في اللعان وشرع عذاب المرأة بالحد بنكولها مع يمينه فإذا كان هذا شرعه في الحدود التي تدرأ بالشبهات وقد أمرنا بدرئها ما استطعنا فلأن يشرع الحكم(1\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "103",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5130",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بها بيمين المدعي مع نكول المدعى عليه في درهم وثوب ونحو ذلك أولى وأحرى. ولكن أبو محمد وأصحابه سدوا على نفوسهم باب اعتبار المعاني والحكم التي علق بها الشارع الحكم ففاتهم بذلك حظ عظيم من العلم كما أن الذين فتحوا على نفوسهم باب الأقيسة والعلل - التي لم يشهد لها الشارع بالقبول - دخلوا في باطل كثير وفاتهم حق كثير. فالطائفتان في جانب إفراط وتفريط. وأما إرشاد السنة إلى ذلك: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - جعل اليمين في جانب المدعي إذا أقام شاهدا واحدا لقوة جانبه بالشاهد ومكنه من اليمين بغير بذل خصمه ورضاه وحكم له بها مع شاهده فلأن يحكم به باليمين التي يبذلها خصمه مع قوة جانبه بنكول خصمه أولى وأحرى. وهذا مما لا يشك فيه من له حوض في حكم الشريعة وعللها ومقاصدها. ولهذا شرعت الأيمان في القسامة في جانب المدعي لقوة جانبه باللوث. وهذه هي المواضع الثلاثة التي استثناها منكرو القياس. ولما كانت أفهام الصحابة - رضي الله عنهم - فوق أفهام جميع الأمة وعلمهم بمقاصد نبيهم - صلى الله عليه وسلم - وقواعد دينه وشرعه أتم من علم كل من جاء بعدهم: عدلوا عن ذلك إلى غير هذه المواضع الثلاثة: وحكموا بالرد مع النكول في موضع وبالنكول وحده في موضع. وهذا من كمال فهمهم وعلمهم بالجامع والفارق والحكم والمناسبات ولم يرتضوا لأنفسهم عبارات المتأخرين واصطلاحاتهم وتكلفاتهم فهم كانوا أعمق الأمة علما وأقلهم تكلفا. والمتأخرون عكسهم في الأمرين. فعثمان بن عفان قال لابن عمر: quot; أحلف بالله لقد بعت العبد وما به داء علمته quot; فأبى. فحكم عليه بالنكول ولم يرد اليمين في هذه الصورة على المدعي ويقول له: احلف أنت أنه كان عالما بالعيب لأن هذا مما لا يمكن أن يعلمه المدعي ويمكن المدعى عليه معرفته فإذا لم يحلف المدعى عليه لم يكلف المدعي اليمين. فإن ابن عمر كان قد باعه بالبراءة من العيوب وهو إنما يبرأ إذا لم يعلم بالعيب فقال له: quot; احلف أنك بعته وما به عيب تعلمه quot;. وهذا مما يمكن أن يحلف عليه دون المدعي فإنه قد تعذر عليه اليمين: أنه كان عالما بالعيب وأنه كتمه مع علمه به. وأما أثر عمر بن الخطاب - وقول المقداد: quot; احلف أنها سبعة آلاف quot; فأبى أن يحلف فلم يحكم له بنكول عثمان - فوجهه: أن المقرض إن كان عالما بصدق نفسه وصحة دعواه حلف وأخذه وإن لم يعلم ذلك لم تحل له الدعوى بما لا يعلم صحته فإذا نكل عن اليمين لم يقض له بمجرد نكول خصمه. إذ خصمه قد لا يكون عالما بصحة دعواه فإذا قال للمدعي: إن كنت عالما بصحة دعواك فاحلف وخذ فقد أنصفه جد الإنصاف.(1\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "104",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5131",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلا أحسن مما قضى به الصحابة - رضي الله عنهم - وهذا التفصيل في المسألة هو الحق وهو اختيار شيخنا قدس الله روحه قال أبو محمد بن حزم محتجا لمذهبه: ونحن نقول: إن نكول الناكل عن اليمين في كل موضع عليه يوجب أيضا عليه حكما وهو الأدب الذي أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على كل من أتى منكرا يوجب تغييره باليد. فيقال له: قد يكون معذورا في نكوله غير آثم به بأن يدعي أنه أقرضه ويكون قد وفاه ولا يرضى منه إلا بالجواب على وفق الدعوى. وقد يتحرج من الحلف مخافة موافقة قضاء وقدر كما روي عن جماعة من السلف. فلا يجوز أن يحبس حتى يحلف. وقولهم: quot; إن هذا منكر يجب تغييره باليد quot; كلام باطل فإن تورعه عن اليمين ليس بمنكر بل قد يكون واجبا أو مستحبا أو جائزا وقد يكون معصية. وقولهم: quot; إن الحلف حق قد وجب عليه فإذا أبى أن يقوم به ضرب حتى يؤديه quot; فيقال: إن في اليمين حقا له وحقا عليه. فإن الشارع مكنه من التخلص من الدعوى باليمين وهي واجبة عليه للمدعي فإذا امتنع من اليمين فقد امتنع من الحق الذي وجب عليه لغيره وامتنع من تخليص نفسه من خصمه باليمين. فقيل: يحبس أو يضرب حتى يقر أو يحلف وقيل: يقضى عليه بنكوله ويصير كأنه مقر بالمدعى. وقيل: ترد اليمين على المدعي. والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد. وقول رابع بالتفصيل كما تقدم وهو اختيار شيخنا. وفي المسألة قول خامس: وهو أنه إذا كان المدعي متهما: ردت عليه وإن لم يكن متهما قضي عليه بنكول خصمه. وهذا القول: يحكى عن ابن أبي ليلى وله حظ في الفقه فإنه إذا لم يكن متهما غلب على الظن صدقه فإذا نكل خصمه قوي ظن صدقه فلم يحتج إلى اليمين. وأما إذا كان متهما لم يبق معنا إلا مجرد النكول فقويناه برد اليمين عليه وهذا نوع من الاستحسان.  [فصل يمين المدعي هل هي كالبينة أم كإقرار المدعى عليه] 50 - (فصل) إذا ردت اليمين على المدعي فهل تكون يمينه كالبينة أم كإقرار المدعى عليه فيه قولان للشافعي. أظهرهما عند أصحابه: أنها كالإقرار. فعلى هذا: لو أقام المدعى عليه بينة بالأداء والإبراء بعد ما حلف المدعي فإن قيل: يمينه كالبينة سمعت للمدعى عليه. وإن قيل: هي كالإقرار لم تسمع لكونها مكذبة للبينة بالإقرار.(1\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "105",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5132",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا قضي بالنكول فهل يكون كالإقرار أو كالبذل فيه وجهان ينبني عليهما ما إذا ادعى نكاح امرأة واستحلفناها فنكلت فهل يقضى عليها بالنكول وتجعل زوجته فإن قلنا: النكول إقرار حكم له بكونها زوجته وإن قلنا: بذل لم نحكم بذلك لأن الزوجية لا تستباح بالبذل. وكذلك لو ادعى رق مجهول النسب وقلنا: يستحلف فنكل عن اليمين. وكذلك لو ادعى قذفه واستحلفناه فنكل فهل يحد للقذف ينبني على ذلك. وكذلك الخلاف في مذهب أبي حنيفة فالنكول بذل عنده وإقرار عند صاحبيه. قال صاحباه: فلا يستحلف في النكاح والرجعة والإيلاء والرق والاستيلاد والنسب والولاء والحدود لأن النكول عند أبي حنيفة بذل وهو لا يجري في هذه الأشياء وعندهما يستحلف لأنه يجري مجرى الإقرار وهو مقبول بها. واحتج من جعله كالإقرار بأن الناكل كالممتنع من اليمين الكاذبة ظاهرا فيصير معترفا بالمدعى لأنه لما نكل مع إمكان تخلصه باليمين دل ذلك على أنه لو حلف لكان كاذبا وذلك دليل على اعترافه إلا أنه لما كان دون الإقرار الصريح لم يعمل عمله في الحدود والقيود. واحتج من جعله كالبذل بأنا لو اعتبرناه إقرارا منه يكون كاذبا في إنكاره والكذب حرام فيفسق بالنكول بعد الإنكار وهذا باطل فجعلناه بذلا وإباحة صيانة له عما يقدح في عدالته ويجعله كاذبا. والصحيح: أن النكول يقوم مقام الشاهد والبينة لا مقام الإقرار ولا البذل. لأن الناكل قد صرح بالإنكار وأنه لا يستحق المدعي به. وهو مصر على ذلك متورع عن اليمين. فكيف يقال: إنه مقر مع إصراره على الإنكار ويجعل مكذبا لنفسه وأيضا لو كان مقرا لم تسمع منه بينة نكوله بالإبراء والأداء فإنه يكون مكذبا لنفسه. وأيضا فإن الإقرار إخبار وشهادة المرء على نفسه. فكيف يجعل مقرا شاهدا على نفسه بنكوله والبذل إباحة وتبرع وهو لم يقصد ذلك ولم يخطر على قلبه. وقد يكون المدعى عليه مريضا مرض الموت فلو كان النكول بذلا وإباحة اعتبر خروج المدعى من الثلث. فتبين أن لا إقرار ولا إباحة. وإنما هو جار مجرى الشاهد والبينة فإن quot; البينة quot; اسم لما تبين الحق ونكوله - مع تمكنه من اليمين الصادقة التي يبرأ بها من المدعى عليه ويتخلص بها من خصمه - دليل ظاهر على صحة دعوى خصمه وبيان أنها حق فقام مقام شاهد القرائن. فإن قيل: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أجرى السكوت مجرى الإقرار والبذل في حق البكر إذا استؤذنت(1\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "106",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5133",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل: ليس ذلك نكولا وإنما هو دليل على الرضا بما استؤذنت فيه لأنها تستحي من الكلام ويلحقها العار لكلامها الدال على طلبها فنزل سكوتها منزلة رضاها للضرورة. وهاهنا المدعى عليه لا يستحي من الكلام ولا عار عليه فيه فلا يشبه البكر والله أعلم.  [فصل في رد اليمن] 51 - (فصل) إذا قلنا برد اليمين فهل ترد بمجرد نكول المدعى عليه أم لا ترد حتى يأذن في ذلك ظاهر كلام الإمام أحمد أنه لا يشترط إذن الناكل لأنه لما رغب عن اليمين انتقلت إلى المدعي لأنها برغبته ونكوله عنها - مع تمكنه من الحلف - صار راضيا بيمين المدعي فجرى ذلك مجرى إذنه كما أنه بنكوله نزل منزلة الباذل أو المقر. وقال أبو الخطاب: لا ترد اليمين إلا إذا أذن فيها الناكل لأنها من جهته وهو أحق بها من المدعي ولا تنتقل عنه إلى المدعى عليه إلا بإذنه.  [فصل الطريق السادس في الحكم بالشاهد الواحد بلا يمين وذلك في صور] 52 - (فصل) الطريق السادس الحكم بالشاهد الواحد بلا يمين وذلك في صور: منها: إذا شهد برؤية هلال رمضان شاهد واحد في ظاهر مذهب أحمد لحديث ابن عمر: تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني رأيته فصام وأمر الناس بالصيام رواه أبو داود. فعلى هذا: هل يكتفى بشهادة المرأة الواحدة في ذلك فيه وجهان: مبنيان على أن ثبوته بقول الواحد: هل هو من باب الإخبار أو من باب الشهادات وروى أبو داود أيضا عن ابن عباس. قال جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني رأيت الهلال فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله قال: نعم قال: أتشهد أن محمدا رسول الله قال: نعم قال: يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا . وعنه رواية أخرى: لا يجب إلا بشهادة اثنين. وحجة هذا القول: ما رواه النسائي وأحمد وغيرهما عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وأمسكوا فإن غم عليكم(1\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "107",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5134",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأتموا ثلاثين يوما فإن شهد شاهدان ذوا عدل فصوموا وأفطروا . وهذا لا حجة فيه من طريق المنطوق ومن طريق المفهوم فيه تفصيل: وهو أنه إن كان المشهود به هلال شوال فيشترط شاهدان بهذا النص. وإن كان هلال رمضان: كفى واحد بالنصين الآخرين ولا يقوى ما يتوهم من عموم المفهوم على معارضة هذين الخبرين. وأصول الشرع تشهد للاكتفاء بقول الواحد فإن ذلك خبر عن دخول وقت العبادة. فاكتفى فيه بالشاهد الواحد كالإخبار عن دخول وقت الصلاة بالأذان ولا فرق بينهما. وقال أبو بكر عبد العزيز: إن كان الرائي في جماعة لم تقبل إلا شهادة اثنين لأنه يبعد انفراد الواحد من بين الناس بالرؤية فإذا شهد معه آخر: غلب على الظن صدقهما وإن كان في سفر فقدم قبل قوله وحده لظاهر الحديث ولأنه قد يكون في السفر وحده أو يتشاغل رفقته عن رؤيته فيراه هو. وقال أبو حنيفة: إن كان في السماء علة أو غيم أو غبار أو نحو ذلك مما يمنع الرؤية قبلت شهادة الواحد العدل والحر والعبد والذكر والأنثى في ذلك سواء. وتقبل فيه شهادة المحدود في القذف إذا تاب ولا يشترط لفظ الشهادة. قال: وإن لم تكن في السماء علة لم تقبل إلا شهادة جمع يقع العلم بخبرهم وهو مفوض إلى رأي الإمام من غير تقدير لأن المطالع متحدة والموانع مرتفعة والأبصار صحيحة والدواعي على طلب الرؤية متوفرة فلا يجوز أن يختص بالرؤية النفر القليل. وعن أبي حنيفة رواية أخرى: أنه تكفي شهادة الاثنين. قالوا: ولو جاء رجل من خارج المصر وشهد به قبل وكذا إذا كان على مرتفع في البلد كالمنارة ونحوها إذ الرؤية تختلف باختلاف صفاء الجو وكدره وباختلاف ارتفاع المكان وهبوطه. والصحيح: قبول شهادة الواحد مطلقا كما دل عليه حديثا ابن عمر وابن عباس. ولا ريب أن الرؤية كما تختلف بأسباب خارجة عن الرائي فإنها تختلف بأسباب من الرائين كحدة البصر وكلاله. وقد شاهد الناس الجمع العظيم يتراءون الهلال فيراه الآحاد منهم وأكثرهم لا يرونه ولا يعد انفراد الواحد بالرؤية من بين الناس كاذبا. وقد كان الصحابة في طريق الحج فتراءوا هلال ذي الحجة فرآه ابن عباس ولم يره عمر فجعل يقول quot; ألا تراه يا أمير المؤمنين فقال: سأراه وأنا مستلق على فراشي quot;. 53 - (فصل)(1\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "108",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5135",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: ما يختص بمعرفة أهل الخبرة والطب كالموضحة وشبهها وداء الحيوان الذي لا يعرفه إلا البيطار. فتقبل في ذلك شهادة طبيب واحد وبيطار واحد إذا لم يوجد غيره. نص عليه أحمد. وإن أمكن شهادة اثنين فقال أصحابنا: لا يكتفى بدونهما أخذا من مفهوم كلامه. ويتخرج قبول قول الواحد كما يقبل قول القاسم والقائف وحده. 54 - (فصل) ومنها: ما لا يطلع عليه الرجال غالبا من الولادة والرضاع والعيوب تحت الثياب والحيض والعدة فتقبل فيه شهادة امرأة واحدة مع العدالة. والأصل فيه: حديث عقبة بن الحارث قال: تزوجت امرأة فجاءت أمة سوداء فقال: فقد أرضعتكما فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: دعها عنك . وفي هذا الحديث من الأحكام: قبول شهادة العبد وقبول شهادة المرأة وحدها وقبول شهادة الرجل على فعل نفسه كالقاسم والخارص والحاكم على حكمه بعد عزله. وعن أحمد: رواية أخرى: لا تقبل فيه إلا شهادة امرأتين لأن الله سبحانه أقامهما في الشهادة مقام شاهد واحد وهو أقل نصابا في الشهادة. وقال الشافعي ومالك: لا يقبل أقل من أربع نسوة لأنهن كرجلين. والله تعالى أمر باستشهاد رجلين فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان فعلم أن المرأتين مقام الشاهد الواحد. وقد احتج الإمام أحمد: أن عليا - رضي الله عنه - أجاز شهادة القابلة في الاستهلال. قال الشافعي: لو ثبت عن علي لصرنا إليه. وقال إسحاق بن راهويه: لو صحت شهادتها لقلنا به. ولا نعرف اشتراط الأربعة عن أحد قبل عطاء فإن ابن جريج روي عنه: quot; لا يجوز في الاستهلال إلا أربع نسوة quot; ذكره البيهقي. وقد روي مرفوعا من حديث حذيفة رواه الدارقطني من حديث محمد بن عبد الملك الواسطي عن الأعمشي عن أبي وائل عن حذيفة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاز شهادة القابلة . وقال الدارقطني: محمد بن عبد الملك الواسطي: لم يسمعه من الأعمش بينهما رجل مجهول. هو أبو عبد الرحمن المدائني(1\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "109",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5136",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ابن الجوزي: وقد روى أصحابنا من حديث ابن عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يجزئ في الرضاع شهادة امرأة . قلت: وهذا لا يعرف إسناده وقد أجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - شهادة خزيمة بن ثابت وحده وجعلها بشهادتين وقد احتج به أبو داود على قبول شهادة الرجل وحده إذا علم الحاكم صدقه كما سنذكره إن شاء الله تعالى. قال البخاري في صحيحه quot;: حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام بن يوسف عن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة: أن بني صهيب مولى ابن جدعان - ادعوا بيتين وحجرة وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطى ذلك صهيبا فقال مروان: من يشهد لكما على ذلك قالوا: ابن عمر فدعاه فشهد لأعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صهيبا بيتين وحجرة فقضى مروان بشهادته . وهذا غير مختص به والذي يشهد به خزيمة يشهد به كل مؤمن بأنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما بينه خزيمة دون الصحابة لدخول هذا الفرد من أخباره - صلى الله عليه وسلم - في جملة أخباره وأنه يجب تصديقه فيه والشهادة بأنه كما أخبر به كما يجب تصديقه في سائر أخباره. وقد أجاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهادة الشاهد الواحد من غير يمين كما جاء في الصحيحين quot; من حديث أبي قتادة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين: من قتل قتيلا له عليه بينة: فله سلبه فقمت فقلت: من يشهد لي ثم جلست ثم قلت: من يشهد لي فقال: ما لك يا أبا قتادة فذكرت أمر القتيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رجل من جلسائه: صدق يا رسول الله سلبه عندي فأرضه منه فقال أبو بكر: لاها الله إذا لا نعطيه أضييع قريش وندع أسدا من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: صدق أعطه إياه. فأداه إلي . وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال في المذاهب: أحدها: أنه لا بد من شاهدين. والثاني: يكفي شاهد ويمين. والثالث: يكفي شاهد واحد وهو الأصح في الدليل لهذا الحديث الصحيح الذي لا معارض ولا وجه للعدول عنه. وقال أبو داود في سننه quot;: quot; باب إذا علم الحاكم بصدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به quot;(1\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "110",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5137",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم ذكر حديث خزيمة بن ثابت. قال الشافعي: وذكر عمران بن حدير عن أبي مجلز قال: quot; قضى زرارة بن أوفى - رحمه الله - بشهادتي وحدي quot;. وقال شعبة عن أبي قيس وعن أبي إسحاق: quot; أن شريحا أجاز شهادة كل واحد منهما وحده quot;. وقال الأعمش عن أبي إسحاق: quot; أجاز شريح شهادتي وحدي quot;. وقال أبو قيس: quot; شهدت عند شريح على مصحف فأجاز شهادتي وحدي. 55 - (فصل) ومنها: قبول شهادة الشاهد الواحد بغير يمين في الترجمة والتعريف والرسالة والجرح والتعديل. نص عليه أحمد في إحدى الروايتين عنه. وترجم عليه البخاري في صحيحه quot; فقال: quot; باب ترجمة الحكام وهل يجوز ترجمان واحد quot; قال خارجة بن زيد عن زيد بن ثابت: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يتعلم كتابة اليهود حتى كتبت للنبي - صلى الله عليه وسلم - كتبه وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه وقال عمر - وعنده علي وعثمان وعبد الرحمن بن عوف - quot; ماذا تقول هذه فقال عبد الرحمن بن حاطب: تخبرك بصاحبها الذي صنع بها quot;. وقال أبو جمرة: quot; كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس quot;. فقال بعض الناس: لا بد للحاكم من مترجمين quot;. قلت: هذا قول مالك والشافعي واختيار الخرقي والاكتفاء بواحد قول أبي حنيفة وهو الصحيح لما تقدم. وهو اختيار أبي بكر.  [فصل الطريق السابع في الحكم بالشاهد واليمين] 56 - (فصل) الطريق السابع الحكم بالشاهد واليمين. وهو مذهب فقهاء الحديث كلهم ومذهب فقهاء الأمصار ما خلا أبا حنيفة وأصحابه. وقد روى مسلم في صحيحه quot; من حديث عمرو بن دينار عن ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بشاهد ويمين قال عمرو: في الأموال. وقال الشافعي: حديث ابن عباس ثابت ومعه ما يشده. قال ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: قال لي محمد بن الحسن: لو علمت أن سيف بن سليمان يروي حديث اليمين مع الشاهد لأفسدته فقلت: يا أبا عبد الله وإذا أفسدته فسد قال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد عن سيف بن سليمان فقال: هو عندنا ممن يصدق ويحفظ كان ثبتا.(1\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "111",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5138",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت: هو رواه عن قيس بن سعد عن عمرو بن دينار. وقد رواه أبو داود من حديث عبد الرزاق أخبرنا محمد بن مسلم عن عمرو. وقال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد عن ربيعة بن عثمان عن معاذ بن عبد الرحمن عن ابن عباس وآخر له صحبة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد . وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد . رواه الترمذي وابن ماجه وأبو داود والشافعي. وقال الترمذي: حسن غريب. وقد روي القضاء بالشاهد مع اليمين من رواية عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وسعد بن عبادة والمغيرة بن شعبة وجابر بن عبد الله وزيد بن ثعلبة وجماعة من الصحابة. قال أبو بكر الخطيب في مصنف أفرده لهذه المسألة: روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قضى بشاهد ويمين ابن عباس وجابر بن عبد الله وعمارة بن حزم وسعد بن عبادة وعلي بن أبي طالب وأبو هريرة وسرق وزيد بن ثابت وعمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو وأبو سعيد الخدري وزيد بن ثعلبة وعامر بن ربيعة وسهل بن سعد الساعدي وعمرو بن حزم والمغيرة بن شعبة وبلال بن الحارث وتميم الداري ومسلم بن قيس وأنس بن مالك ثم ذكر أحاديثهم بإسناده. وفي مراسيل مالك: عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد الواحد . وقضى به علي - رضي الله عنه - بالعراق. وقال الشافعي لبعض مناظريه: روى عبد الوهاب الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد الواحد . وكذلك رواه ابن المديني وإسحاق وغيرهما عن الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر. ورواه القاضي إسماعيل: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثنا سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد . وتابعه عبد العزيز بن مسلمة عن جعفر به إسنادا ومتنا. وقال الشافعي: أخبرنا عبد العزيز بن محمد بن ربيعة عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل عن سعيد بن سعد بن عبادة عن أبيه عن جده قال: وجدنا في كتاب سعد: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد . وقال ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة ونافع بن يزيد عن عمارة بن غزية عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل(1\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "112",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5139",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنه وجد في كتاب آبائه: quot; هذا ما ذكر عمرو بن حزم والمغيرة بن شعبة قالا: بينا نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل رجلان يختصمان مع أحدهما شاهد له على حقه فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمين صاحب الحق مع شاهده فاقتطع بذلك حقه وقال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد عن عمرو بن أبي عمرو عن ابن المسيب: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد . قال: وأخبرنا مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الشهادة: فإن جاء بشاهد حلف مع شاهده . ورواه مطرف بن مازن - ضعيف - حدثنا ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى بشاهد ويمين في الحقوق . وقال ابن وهب: حدثنا: عثمان بن الحكم حدثني زهير بن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن زيد بن ثابت: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى بشاهد ويمين . وروى جويرية بن أسماء عن عبد الله بن زيد مولى المنبعث - عن رجل عن سرق قال: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيمين وشاهد . رواه البيهقي. وروى البيهقي أيضا من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن علي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعثمان كانوا يقضون بشهادة الشاهد الواحد ويمين المدعي . قال جعفر: والقضاة يقضون بذلك عندنا اليوم. وذكر أبو الزناد عن عبد الله بن عامر فقال: quot; حضرت أبا بكر وعمر وعثمان يقضون بشهادة الشاهد واليمين quot;. وقال الزنجي: حدثنا جعفر بن محمد قال: سمعت الحكم بن عيينة يسأل أبي - وقد وضع يده على جدار القبر ليقوم - أقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باليمين مع الشاهد قال: نعم وقضى به علي بين أظهركم . وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله بالكوفة: quot; اقض بالشاهد مع اليمين فإنها السنة quot; رواه الشافعي. قال الشافعي: واليمين مع الشاهد لا تخالف من ظاهر القرآن شيئا لأنا نحكم بشاهدين وشاهد(1\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "113",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5140",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وامرأتين فإذا كان شاهد واحد: حكمنا بشاهد ويمين وليس ذا يخالف القرآن لأنه لم يحرم أن يكون أقل مما نص عليه في كتابه. ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلم بما أراد الله وقد أمرنا الله أن نأخذ ما آتانا. قلت: وليس في القرآن ما يقتضي أنه لا يحكم إلا بشاهدين أو شاهد وامرأتين فإن الله سبحانه إنما أمر بذلك أصحاب الحقوق: أن يحفظوا حقوقهم بهذا النصاب ولم يأمر بذلك الحكام: أن يحكموا به فضلا عن أن يكون قد أمرهم ألا يقضوا إلا بذلك. ولهذا يحكم الحاكم بالنكول واليمين المردودة والمرأة الواحدة والنساء المنفردات لا رجل معهن وبمعاقد القمط ووجوه الآجر وغير ذلك من طرق الحكم التي لم تذكر في القرآن. فإن كان الحكم بالشاهد واليمين مخالفا لكتاب الله فهذه أشد مخالفة لكتاب الله منه وإن لم تكن هذه الأشياء مخالفة للقرآن فالحكم بالشاهد واليمين أولى ألا يكون مخالفا للقرآن. فطرق الحكم شيء وطرق حفظ الحقوق شيء آخر وليس بينهما تلازم فتحفظ الحقوق بما لا يحكم به الحاكم مما يعلم صاحب الحق أنه يحفظ به حقه ويحكم الحاكم بما لا يحفظ به صاحب الحق حقه ولا خطر على باله: من نكول ورد يمين وغير ذلك والقضاء واليمن مما أراه الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - فإنه سبحانه قال: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله [النساء: 105]  وقد حكم بالشاهد واليمين وهو مما أراه الله إياه قطعا. ومن العجائب: رد الشاهد واليمين والحكم بمجرد النكول الذي هو سكوت ولا ينسب إلى ساكت قول والحكم لمدعي الحائط إذا كانت إليه الدواخل والخوارج وهو الصحاح من الآجر أو إليه معاقد القمط في الخص كما يقول أبو يوسف: فأين هذا من الشاهد العدل المبرز في العدالة الذي يكاد يحصل العلم بشهادته إذا انضاف إليها يمين المدعي وأين الحكم بلحوق النسب بمجرد العقد وإن علمنا قطعا أن الرجل لم يصل إلى المرأة من الحكم بالشاهد واليمين وأين الحكم بشهادة مجهولين لا يعرف حالهما من الحكم بشهادة العدل المبرز الثقة مع يمين الطالب وأين الحكم لمدعي الحائط بينه وبين جاره تكون ثلاثة جذوع فصاعدا عليه له من الحكم بالشاهد واليمين ومعلوم: أن الشاهد واليمين أقوى في الدلالة والبينة من ثلاثة جذوع على الحائط الذي ادعاه فإذا أقام جاره شاهدا وحلف معه: كان ذلك أقوى من شهادة الجذوع وهذا شأن كل من خالف سنة صحيحة لا معارض لها لا بد أن يقول قولا يعلم أن القول بتلك السنة أقوى منه بكثير. وقد نسب إلى البخاري إنكار الحكم بشاهد ويمين فإنه قال: في quot; باب يمين المدعى عليه quot; من كتاب الشهادات: قال قتيبة: حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن شبرمة قال: كلمني أبو الزناد في شهادة الشاهد ويمين المدعي فقلت: قال الله تعالى: واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى [البقرة: 282] .(1\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "114",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5141",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت: إذا كان يكتفى بشهادة شاهد ويمين يحتاج أن تذكر إحداهما الأخرى ما كان يصنع بذكر هذه الأخرى فترجمة الباب بأن اليمين من جهة المدعى عليه وذكر هذه المناظرة وعدم رواية حديث أو أثر في الشاهد واليمين ظاهر في أنه لا يذهب إليه وهذا ليس بصريح أنه مذهبه ولو صرح به فالحجة فيما يرويه لا فيما يراه. قال الإسماعيلي عند ذكره هذه الحكاية: ليس فيما ذكره ابن شبرمة معنى. فإن الحاجة إلى إذكار إحداهما الأخرى إنما هو فيما إذا شهدتا فإن لم تشهدا قامت مقامهما يمين الطالب ببيان السنة الثابتة. واليمين ممن هي عليه - لو انفردت - لحلت محل البينة في الأداء والإبراء. فكذلك حلت اليمين هاهنا محل الشاهد ومحل المرأتين في الاستحقاق بانضمامهما إلى الشاهد الواحد ولو وجب إسقاط السنة الثابتة في الشاهد واليمين - كما ذكر ابن شبرمة - لسقط الشاهد والمرأتان لقوله - صلى الله عليه وسلم -: شاهداك أو يمينه فنقله عن الشاهدين إلى يمين خصمه بلا ذكر رجل وامرأتين. قلت: مراده: أن قوله تعالى: واستشهدوا شهيدين من رجالكم [البقرة: 282]- الآية لو كان مانعا من الحكم بالشاهد واليمين ومعارضا له لكان قوله - صلى الله عليه وسلم -: شاهداك أو يمينه مانعا من الحكم بالشاهد والمرأتين ومعارضا له وليس الأمر كذلك فلا تعارض بين كتاب الله وسنة رسوله ولا اختلاف ولا تناقض بوجه من الوجوه بل الكل من عند الله ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [النساء: 82] . فإن قيل: أصح حديث في الباب: حديث ابن عباس. وقد قال عباس الدوري قال يحيى: حديث ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى بشاهد ويمين ليس محفوظا. قيل: هذا ليس بشيء. قال أبو عبد الله الحاكم: شيخنا أبو زكريا لم يطلق هذا القول على حديث سيف بن سليمان عن قيس بن سعد عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أو الحديث الذي تفرد به إبراهيم بن محمد عن ابن أبي ذئب. وأما حديث سيف بن سليمان فليس في إسناده من جرح ولا نعلم له علة يعلل بها وأبو زكريا أعلم بهذا الشأن من أن يظن به تهوين حديث يرويه الثقات الأثبات. قال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد القطان عن سيف بن سليمان فقال: كان عندنا(1\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "115",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5142",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أثبت ممن يحفظ عنه ويصدق. وقال أبو بكر في quot; الشافي quot;: quot; باب قضاء القاضي بالشاهد واليمين quot;: حدثنا عبد الله بن سليمان حدثنا إسماعيل بن أسد حدثنا شبابة حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بشهادة رجل واحد مع يمين صاحب الحق . وقضى به علي بالعراق. ثم ذكر من رواية حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول في الشاهد واليمين: جائز الحكم به. فقيل لأبي عبد الله: أيش معنى اليمين قال: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشاهد ويمين  قال أبو عبد الله: وهم لعلهم يقضون في مواضع بغير شهادة شاهد في مثل رجل اكترى من رجل دارا فوجد صاحب الدار في الدار شيئا فقال: هذا لي وقال الساكن: هو لي. ومثل رجل اكترى من رجل دارا فوجد فيها دفونا فقال الساكن: هي لي وقال صاحب الدار: هي لي. فقيل: لمن تكون فقال هذا كله لصاحب الدار. وقال أبو طالب: سئل أبو عبد الله عن شهادة الرجل ويمين صاحب الحق فقال: هم يقولون: لا تجوز شهادة رجل واحد ويمين وهم يجوزون شهادة المرأة الواحدة ويجيزون الحكم بغير شهادة. قلت: مثل أيش قال: مثل الخص إذا ادعاه رجلان يعطونه للذي القمط مما يليه. فمن قضى بهذا وفي الحائط إذا ادعاه رجلان نظروا إلى اللبنة لمن هي فقضوا به لأحدهما بلا بينة. والزبل إذا كان في الدار وقال صاحب الدار: أكريتك الدار وليس فيها زبل. وقال الساكن: كان فيها لزمه أخذها بلا بينة. والقابلة تقبل شهادتها في استهلال الصبي. فهذا يدخل عليهم.  [فصل في هل الحكم بالشاهد واليمين تقوية وتوكيد] 57 - (فصل) وإذا قضى بالشاهد واليمين فالحكم بالشاهد وحده واليمين تقوية وتوكيد. هذا منصوص أحمد فلو رجع الشاهد كان الضمان كله عليه. قال الخلال في quot; الجامع quot;: باب إذا قضى باليمين مع الشاهد فرجع الشاهد - ثم ذكر من رواية ابن مشيش - سئل أحمد عن الشاهد واليمين: تقول به قال. أي لعمري. قيل له: فإن رجع الشاهد قال: تكون المتالف على الشاهد وحده. قيل: كيف لا تكون على الطالب لأنه قد استحق بيمينه ويكون بمنزلة الشاهدين قال: لا إنما هو السنة - يعني اليمين.(1\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "116",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5143",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله سئل عن رجل قضي عليه بشهادة شاهدين فرجع أحد الشاهدين قال: يلزمه ويرد الحكم. قيل له: فإن قضى بالشاهد ويمين المدعي ثم رجع الشاهد قال: إن أتلف الشيء كان على الشاهد لأنه إنما ثبت هاهنا بشهادته ليست اليمين من الشهادة في شيء. وقال أبو الحارث: قلت لأحمد: فإن رجع الشاهد عن شهادته بعد قال: يضمن المال كله به كان الحكم. وقال ابن مشيش: سألت أبا عبد الله فقلت: إذا استحق الرجل المال بشهادة شاهد مع يمينه ثم رجع الشاهد فقال: إذا كانا شاهدين ثم رجع شاهد: غرم نصف المال. فإن كانت شهادة شاهد مع يمين الطالب ثم رجع الشاهد: غرم المال كله. قلت: المال كله قال: نعم. وقال يعقوب بن بختان: سألت أحمد عن الرجل إذا استحق المال بشهادة شاهد مع يمينه ثم رجع الشاهد فقال: يرد المال. قلت. أيش معنى اليمين فقال: قضاء النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال أحمد بن القاسم: قلت لأبي عبد الله: فإن رجع الشاهد عن الشهادة كم يغرم قال: المال كله لأنه شاهد واحد قضي بشهادته ثم قال: كيف قول مالك فيها قلت: لا أحفظه. قلت له - بعد هذا المجلس - إن مالكا يقول: إن رجع الشاهد فعليه نصف الحق لأني إنما حكمت بمقتضى شهادته ويمين الطالب فلم أره رجع عن قوله. وقال الشافعي - كقول مالك -: بناء على أن اليمين قامت مقام الشاهد فوقع الحكم بهما. وأحمد أنكر ذلك ويؤيده من وجوه: منها: أن الشاهد حجة الدعوى فكان منفردا بالضمان. ومنها: أن اليمين قول الخصم وقوله ليس بحجة على خصمه وإنما هو شرط للحكم فجرى مجرى مطالبة الحكم به. ومنها: أنا لو جعلناها حجة لكنا إنما جعلناها حجة بشهادة الشاهد. ومنها: أنها لو كانت كالشاهد لجاز تقديمها على شهادة الشاهد الآخر مع أن في ذلك وجهين لنا وللشافعية. قال القاضي في quot; التعليق quot;: واحتج - يعني: المنازع في القضاء بالشاهد واليمين - بأنه لو كانت يمين المدعي كشاهد آخر لجاز له أن يقدمها على الشاهد الذي عنده كما لو كان عنده شاهدان جاز أن يقدم أيهما شاء.(1\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "117",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5144",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: والجواب أنا لا نقول: إنهما بمنزلة شاهد آخر ولهذا يتعلق الضمان بالشاهد وإنما اعتبرناها احتياطا. قال: فإن قيل: ما ذهبتم إليه يؤدي إلى أن يثبت الحق بشاهد واحد. قيل: هذا غير ممتنع كما قاله المخالف في الهلال في الغيم وفي القابلة وهو ضرورة أيضا لأن المعاملات تكثر وتتكرر فلا يتفق كل وقت شاهدان وقياسها على احتياط الحنفية بالحبس مع الشاهد للإعسار ويمين المدعي على الغائب مع البينة. قال: وأما جواز تقديم اليمين على الشاهد فقال: لا نعرف الرواية بمنع الجواز. قال: ويحتمل أن نقول بجواز الحلف أولا ثم تسمع الشهادة وهو قول أبي هريرة ويحتمل أنه لا يجوز تقدمة اليمين على الشاهد وهو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي الحارث قال: إذا ثبت له شاهد واحد حلف وأعطي فأثبت اليمين بعد ثبوت الشاهد لأن اليمين تكون في جنبة أقوى المتداعيين وإنما تقوى حينئذ بالشاهد ولأن اليمين يجوز أن ترتب على ما لا ترتب عليه الشهادة فيكون من شرط اليمين: تقدم شهادة الشاهد ولا يعتبر هذا المعنى في الشاهدين.  [فصل والمواضع التي يحكم فيها بالشاهدين واليمين] 58 - (فصل) والمواضع التي يحكم فيها بالشاهدين واليمين: المال وما يقصده به كالبيع والشراء وتوابعهما: من اشتراط صفة في المبيع أو نقد غير نقد البلد والإجارة والجعالة والمساقاة والمزارعة والمضاربة والشركة والهبة. قال في quot; المحرر quot;: والوصية لمعين أو الوقف عليه. وهذا يدل على أن الوصية والوقف إذا كانتا لجهة عامة كالفقراء والمساكين لا يكتفى فيهما بشاهد ويمين لإمكان اليمين من المدعى عليه إذا كان. وأما الجهة المطلقة: فلا يمكن اليمين فيها وإن حلف واحد منهم لم يسر حكمه ويمينه إلى غيره وكذلك لو ادعى جماعة: أنهم ورثوا دينا على رجل وشهد بذلك شاهد واحد لم يستحقوا ذلك حتى يحلفوا جميعهم وإن حلف بعضهم استحق حقه ولا يشاركه فيه غيره من الورثة ومن لم يحلف لم يستحق شيئا فلو أمكن حلف الجميع في الوصية والوقف - بأن يوصي أو يقف على فقراء محلة معينة يمكن حصرهم - ثبت الوقف والوصية بشاهد وأيمانهم ولو انتقل الوقف من بعدهم: لم يمنع ذلك ثبوته بشهادة المعينين أولا كما لو وقف على زيد وحده ثم على الفقراء والمساكين بعده: ثبت الوقف بشهادته ثم انتقل إلى من بعده بحكم الثبوت الأول ضمنا وتبعا وقد ثبت في الأحكام(1\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "118",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5145",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التبعية ويغتفر فيها ما لا يغتفر في الأصل المقصود وشواهده معروفة. ومما يثبت بالشاهد واليمين: الغصوب والعواري الوديعة والصلح والإقرار بالمال أو ما يوجب المال والحوالة والإبراء والمطالبة بالشفعة وإسقاطها والقرض والصداق وعوض الخلع ودعوى رق مجهول النسب وتسمية المهر. 59 - (فصل) وفي الجنايات الموجبة للمال كالخطأ وما لا قصاص فيه من جنايات العمد كالهاشمة والمأمومة والجائفة وقتل المسلم الكافر والحر العبد والصبي والمجنون والعتق والوكالة في المال والإيصاء إليه ودعوى قتل الكافر لاستحقاق سلبه ودعوى الأسير إسلاما سابقا يمنع رقه روايتان: إحداهما: أنه يثبت بشاهد ويمين ورجل وامرأتين. والثانية: لا يثبت إلا برجلين. ولا يشترط كون الحالف مسلما بل تقبل يمينه مع كفره كما لو كان المدعى عليه. قال أبو الحارث: سئل أحمد عن الفاسق أو العبد إذا أقام شاهدا واحدا قال: أحلفه وأعطيه دعواه قلت: فإن كان الشاهد عدلا والمدعى عليه غير عدل قال: وإن كان المدعي غير عدل أو كانت امرأة أو يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا إذا ثبت له شاهد واحد: حلف وأعطي ما ادعى. وهل يشترط أن يحلف المدعي على صدق شاهده فيقول مع يمينه: وإن شاهدي صادق الصحيح المشهور: أنه لا يشترط لعدم الدليل الموجب لاشتراطه ولأن يمينه على الاستحقاق كافية عن يمينه على صدق شاهده وشرطه بعض أصحاب أحمد والشافعي: لأن البينة بينة ضعيفة ولهذا قويت بيمين المدعي فيجب أن تقوى بحلفه على صدق الشاهد وهذا القول يقوى في موضع ويضعف في موضع فيقوى إذا ارتاب الحاكم أو لم يكن الشاهد مبرزا ويضعف: إذا لم يكن الأمر كذلك. 60 - (فصل) وقد حكى أبو محمد ابن حزم القول بتحليف الشهود عن ابن وضاح وقاضي الجماعة(1\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "119",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5146",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بقرطبة - وهو محمد بن بشر - أنه حلف شهودا في تركة بالله أن ما شهدوا به لحق. قال: وروي عن ابن وضاح أنه قال: أرى لفساد الناس أن يحلف الحاكم الشهود. وهذا ليس ببعيد وقد شرع الله سبحانه وتعالى تحليف الشاهدين إذا كانا من غير أهل الملة على الوصية في السفر وكذلك قال ابن عباس بتحليف المرأة إذا شهدت في الرضاع وهو أحد الروايتين عن أحمد. قال القاضي: لا يحلف الشاهد على أصلنا إلا في موضعين وذكر هذين الموضعين. قال شيخنا قدس الله روحه: هذان الموضعان قبل فيهما الكافر والمرأة وحدها للضرورة فقياسه: أن كل من قبلت شهادته للضرورة استحلف. قلت: وإذا كان للحاكم أن يفرق الشهود إذا ارتاب فيهم فأولى أن يحلفهم إذا ارتاب بهم.  [فصل والتحليف ثلاثة أقسام] [فصل تحليف المدعي] 61 - (فصل) والتحليف ثلاثة أقسام تحليف المدعي وتحليف المدعى عليه وتحليف الشاهد. فأما تحليف المدعي: ففي صور: أحدها: القسامة وهي نوعان: قسامة في الدماء وقد دلت عليها السنة الصحيحة الصريحة وأنه يبدأ فيها بأيمان المدعين ويحكم فيها بالقصاص كمذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين والنزاع فيها مشهور قديما وحديثا. والثانية: القسامة مع اللوث في الأموال وقد دل عليها القرآن كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وقد قال أصحاب مالك: إذا أغار قوم على بيت رجل وأخذوا ما فيه والناس ينظرون إليهم ولم يشهدوا على معاينة ما أخذوا ولكنهم علموا أنهم أغاروا وانتهبوا. فقال ابن القاسم وابن الماجشون: القول قول المنتهب مع يمينه لأن مالكا قال في منتهب الصرة يختلفان في عددها: القول قول المنتهب مع يمينه. وقال مطرف وابن كنانة وابن حبيب: القول قول المنتهب منه مع يمينه فيما يشتبه ويحتمل على الظالم. قال مطرف: ومن أخذ من المغيرين ضمن ما أخذه رفاقه لأن بعضهم عون لبعض - كالسراق والمحاربين ولو أخذوا جميعا وهم أملياء فيضمن كل واحد ما ينو به وقاله ابن الماجشون وأصبغ في الضمان. قالوا: والمغيرون كالمحاربين إذا شهروا السلاح على وجه المكابرة: كان ذلك على تأمرة بينهم(1\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "120",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5147",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو على وجه الفساد وكذلك والي البلد يغير على بعض أهل ولايته وينتهب ظلما مثل ذلك في المغيرين. وقال ابن القاسم: ولو ثبت أن رجلين غصبا عبدا فمات لزم أخذ قيمته من المليء ويتبع المليء ذمة رفيقه المعدم بما ينوبه. وأما دلالة القرآن على ذلك: فقال شيخنا قدس الله روحه: لما ادعى ورثة السهمي الجام المفضض المخوص وأنكر الوصيان الشاهدان أنه كان هناك جام وظهر الجام المدعى وذكر مشتريه أنه اشتراه من الوصيين: صار هذا لوثا يقوي دعوى المدعيين فإذا حلف الأوليان بأن الجام كان لصاحبهم: صدقا في ذلك. وهذا لوث في الأموال نظير اللوث في الدماء لكن هناك ردت اليمين على المدعي بعد أن حلف المدعى عليه فصارت يمين المطلوب وجودها كعدمها كما أنه في الدم لا يستحلف ابتداء وفي كلا الموضعين يعطى المدعي بدعواه مع يمينه وإن كان المطلوب حالفا أو باذلا للحلف. وفي استحلاف الله للأوليين دليل على مثل ذلك في الدم حتى تصير يمين الأوليين مقابلة ليمين المطلوبين وفي حديث ابن عباس: حلفا أن الجام لصاحبهم . وفي حديث عكرمة: ادعيا أنهما اشترياه منه فحلف الأوليان أنهما ما كتما وغيبا  فكان في هذه الرواية أنه لما ظهر كذبهما بأنه لم يكن له جام ردت الأيمان على المدعيين في جميع ما ادعوا. فجنس هذا الباب: أن المطلوب إذا حلف ثم ظهر كذبه: هل يقضى للمدعي بيمينه فيما يدعيه لأن اليمين المشروعة في جانب الأقوى فإذا ظهر صدق المدعي في البعض وكذب المطلوب: قوي جانب المدعي فحلف كما يحلف مع الشاهد الواحد وكما يحلف صاحب اليد العرفية مقدما على اليد الحسية انتهى. والحكم باللوث في الأموال أقوى منه في الدماء فإن طرق ثبوتها أوسع من طرق ثبوت الدماء لأنها تثبت بالشاهد واليمين والرجل والمرأتين والنكول مع الرد وبدونه وغير ذلك من الطرق وإذا حكمنا بالعمامة لمن هو مكشوف الرأس وأمامه رجل عليه عمامة وبيده أخرى وهو هارب: فإنما ذلك باللوث الظاهر القائم مقام الشاهدين وأقوى منهما بكثير. واللوث علامة ظاهر لصدق المدعي وقد اعتبرها الشارع في اللقطة وفي النسب وفي استحقاق السلب إذا ادعى اثنان قتل الكافر وكان أثر الدم في سيف أحدهما أدل منه في سيف الآخر كما تقدم. وعلى هذا: فإذا ادعى عليه سرقة ماله فأنكر وحلف له ثم ظهر معه المسروق: حلف المدعي وكانت يمينه أولى من يمين المدعى عليه وكان حكمه حكم استحقاق الدم في القسامة. وعلى هذا فلو طلب من الوالي أن يضربه ليحضر باقي المسروق فله ذلك.(1\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "121",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5148",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كما عاقب النبي - صلى الله عليه وسلم - عم حيي بن أخطب حتى أحضر كنز ابن أبي الحقيق كما تقدم. والثانية: إذا ردت اليمين إليه. والثالثة: إذا شهد له شاهد واحد حلف معه واستحق كما تقدم. والرابعة: في مسألة تداعي الزوجين والصانعين فيحكم لكل واحد منهما بما يصلح له مع يمينه. والخامسة: تحليفه مع شاهديه. وقد اختلف السلف في ذلك فقال شريح بن يونس في quot; كتاب القضاء quot; له: حدثنا هشيم عن الشيباني عن الشعبي. قال: كان شريح يستحلف الرجل مع بينته. حدثنا هشيم عن أشعث عن عون بن عبد الله: أنه استحلف رجلا مع بينته فكأنه أبى أن يحلف فقال: ما كنت لأقضي لك بما لا تحلف عليه وحكاه ابن المنذر عن عبيد الله بن عتبة والشعبي. قال أبو عبيد: إنما ترى شريحا أوجب اليمين على الطالب مع بينته حين رأى الناس مدخولين في معاملتهم واحتاط لذلك حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن ابن هاشم عن أبي البختري قال: قيل لشريح: ما هذا الذي أحدثت في القضاء قال: رأيت الناس أحدثوا فأحدثت. قال الأوزاعي والحسن بن حيي: يستحلف الرجل مع بينته. وقال الطحاوي: وروى ابن أبي ليلى عن الحكم عن حبيش quot; أن عليا استحلف عبد الله بن الحسن مع بينته quot; وأنه استحلف رجلا مع بينته فأبى أن يحلف فقال: quot; لا أقضي لك بما لا تحلف عليه quot;. وهذا القول ليس ببعيد من قواعد الشرع ولا سيما مع احتمال التهمة. ويخرج في مذهب أحمد وجهان: فإن أحمد سئل عنه فقال: قد فعله علي والصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - وفيما إذا سئل عن مسألة فقال: قال فيها بعض الصحابة كذا: وجهان ذكرهما ابن حامد. قال الخلال في quot; الجامع quot;: حدثنا محمد بن علي حدثنا مهنا قال: سألت أبا عبد الله عن الرجل يقيم الشهود أيستقيم للحاكم أن يقول لصاحب الشهود: احلف فقال: قد فعل ذلك علي قلت: من ذكره قال: حدثنا حفص بن غياث حدثنا ابن أبي ليلى عن الحكم عن حبيش. قال: استحلف علي عبد الله بن الحسن مع الشهود فقلت: يستقيم هذا قال: قد فعله علي - رضي الله عنه -. وهذا القول يقوى مع وجود التهمة وأما بدون التهمة فلا وجه له وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للمدعي: شاهداك أو يمينه فقال: يا رسول الله إنه فاجر لا يبالي ما حلف عليه فقال: ليس لك إلا ذلك .  [فصل في تحليف المدعى عليه] 62 - (فصل)(1\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "122",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5149",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما تحليف المدعى عليه: فقد تقدم وقد قال أبو حنيفة: إن اليمين لا تكون إلا من جانبه وبنوا على ذلك إنكار الحكم بالشاهد واليمين وإنكار القول برد اليمين وأنه يبدأ في القسامة بأيمان المدعى عليه.  [فصل في تحليف الشاهد] 63 - (فصل) وأما تحليف الشاهد: فقد تقدم. ومما يلتحق به: أنه لو ادعى عليه شهادة فأنكرها فهل يحلف وتصح الدعوى بذلك فقال شيخنا: لو قيل إنه تصح الدعوى بالشهادة لتوجه لأن الشهادة سبب موجب للحق فإذا ادعى على رجل أنه شاهد له بحقه وسأل يمينه: كان له ذلك فإذا نكل عن اليمين لزمه ما ادعى بشهادته فإن قيل: إن كتمان الشهادة موجب للضمان لما تلف وما هو ببعيد كما قلنا: يجب الضمان على من ترك الطعام الواجب إذا كان موجبا للتلف أوجب الضمان كفعل المحرم إلا أنه يعارض هذا: أن هذا تهمة للشاهد وهو يقدح في عدالته فلا يحصل المقصود فكأنه يقول: لي شاهد فاسق بكتمانه إلا أن هذا لا ينفي الضمان في نفس الأمر. وقد ذكر القاضي أبو يعلى في ضمن مسألة الشهادة على الشهادة في الحدود التي لله وللآدمي: أن الشهادة ليست حقا على الشاهد بدلالة أن رجلا لو قال لي على فلان شهادة فجحدها فلان أن الحاكم لا يعدى عليه ولا يحضره ولو كانت حقا عليه لأحضره كما يحضره في سائر الحقوق وسلم القاضي ذلك وقال: ليس إذا لم يجز الاستقراء والإعداء أو لم تسمع الدعوى لم تسمع الشهادة به وكذلك أعاد ذكرها في مسألة شاهد الفرع على شاهد الأصل وأن الشهادة ليست حقا على أحد بدليل عدم الإعداء والإحضار إذا ادعى أن له قبل فلان شهادة. وهذا الكلام ليس على إطلاقه فإن الشهادة المتعينة حق على الشاهد يجب عليه القيام به ويأثم بتركه قال الله تعالى: ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه [البقرة: 283] . وقال تعالى: ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا [البقرة: 282] وهل المراد به: إذا ما دعوا للتحمل أو للأداء على قولين للسلف وهما روايتان عن أحمد والصحيح: أن الآية تعمهما فهي حق له يأثم بتركه ويتعرض للفسق والوعيد ولكن ليست حقا تصح الدعوى به والتحليف عليه لأن ذلك يعود على مقصودها بالإبطال فإنه مستلزم لاتهامه والقدح فيه بالكتمان. وقياس المذهب: أن الشاهد إذا كتم شهادته بالحق ضمنه لأنه أمكنه تخليص حق صاحبه فلم(1\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "123",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5150",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يفعل فلزمه الضمان كما لو أمكنه تخليصه من هلكة فلم يفعل. وطرد هذا أن الحاكم إذا تبين له الحق فلم يحكم لصاحبه به فإنه يضمنه لأنه أتلفه عليه بترك الحكم الواجب عليه. فإن قيل: هذا ينتقض عليكم بمن رأى متاع غيره يحترق أو يغرق أو يسرق ويمكنه دفع أسباب تلفه أو رأى شاته تموت ويمكنه ذبحها فإنه لا يضمن في ذلك كله. قيل: المنصوص عن عمر - رضي الله عنه - وعن غيره: إنما هو فيمن استسقى قوما فلم يسقوه حتى مات فألزمهم ديته وقاس عليه أصحابنا كل من أمكنه إنجاء إنسان من هلكة فلم يفعل. وأما هذه الصورة التي نقضتم بها: فلا ترد. والفرق بينها وبين الشاهد والحاكم: أنهما متسببين للإتلاف بترك ما وجب عليهما من الشهادة والحكم ومن تسبب إلى إتلاف مال غيره وجب عليه ضمانه وفي هذه الصورة لم يكن من الممسك عن التخليص سبب يقتضي الإتلاف والله أعلم.  [فصل الطريق الثامن في الحكم بالرجل الواحد والمرأتين] 64 - (فصل) الطريق الثامن ومن طرق الحكم الحكم بالرجل الواحد والمرأتين: قال الله تعالى: واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى [البقرة: 282] . فإن قيل: فظاهر القرآن يدل على أن الشاهد والمرأتين بدل عن الشاهدين وأنه لا يقضى بهما إلا عند عدم الشاهدين. قيل: القرآن لا يدل على ذلك فإن هذا أمر لأصحاب الحقوق بما يحفظون به حقوقهم فهو سبحانه أرشدهم إلى أقوى الطرق فإن لم يقدروا على أقواها انتقلوا إلى ما دونها فإن شهادة الرجل الواحد أقوى من شهادة المرأتين لأن النساء يتعذر غالبا حضورهن مجالس الحكام وحفظهن وضبطهن دون حفظ الرجال وضبطهم ولم يقل سبحانه: احكموا بشهادة رجلين فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان وقد جعل سبحانه المرأة على النصف من الرجل في عدة أحكام: أحدها: هذا. والثاني: في الميراث. والثالث: في الدية. والرابع: في العقيقة. والخامس: في العتق كما في الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من أعتق امرأ مسلما أعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار وومن أعتق(1\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "124",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5151",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "امرأتين مسلمتين أعتق الله بكل عضو منهما عضوا من النار . وقوله تعالى: أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى [البقرة: 282]  فيه دليل على أن الشاهد إذا نسي شهادته فذكره بها غيره لم يرجع إلى قوله حتى يذكرها وليس له أن يقلده فإنه سبحانه قال: فتذكر إحداهما الأخرى [البقرة: 282] ولم يقل: فتخبرها وفيها قراءتان: التثقيل والتخفيف والصحيح: أنهما بمعنى واحد من quot; الذكر quot; وأبعد ممن قال: فيجعلها ذكرا لفظا ومعنى فإنه سبحانه جعل ذلك علة للضلال الذي هو ضد الذكر فإذا ضلت أو نسيت ذكرتها الأخرى فذكرت وقوله: أن تضل [البقرة: 282] تقديره عند الكوفيين: لئلا تضل إحداهما ويطردون ذلك في كل ما جاء من هذا كقوله: يبين الله لكم أن تضلوا [النساء: 176] ونحوه. ويرد عليهم نصب قوله: فتذكر إحداهما الأخرى [البقرة: 282] إذ يكون تقديره: لئلا تضل ولئلا تذكر. وقدره البصريون بمصدر محذوف وهو الإرادة والكراهة والحذر ونحوها فقالوا: يبين الله لكم أن تضلوا أي حذر أن تضلوا وكراهة أن تضلوا ونحوه. ويشكل عليهم هذا التقدير في قوله: أن تضل إحداهما [البقرة: 282] فإنهم إن قدروه كراهة أن تضل إحداهما: كان حكم المعطوف عليه - وهو فتذكر - حكمه فيكون مكروها وإن قدروها إرادة أن تضل إحداهما كان الضلال مرادا. والجواب عن هذا: أنه كلام محمول على معناه والتقدير: أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت وهذا مراد قطعا والله أعلم. 65 - (فصل) قال شيخنا ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: قوله تعالى: فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى [البقرة: 282]  فيه دليل على أن استشهاد امرأتين مكان رجل إنما هو لإذكار إحداهما الأخرى إذا ضلت وهذا إنما يكون فيما يكون فيه الضلال في العادة وهو النسيان وعدم الضبط وإلى هذا المعنى أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: quot; وأما نقصان(1\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "125",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5152",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عقلهن: فشهادة امرأتين بشهادة رجل quot; فبين أن شطر شهادتهن إنما هو لضعف العقل لا لضعف الدين فعلم بذلك أن عدل النساء بمنزلة عدل الرجال وإنما عقلها ينقص عنه فما كان من الشهادات لا يخاف فيه الضلال في العادة لم تكن فيه على نصف رجل وما تقبل فيها شهادتهن منفردات إنما هي أشياء تراها بعينها أو تلمسها بيدها أو تسمعها بأذنها من غير توقف على عقل كالولادة والاستهلال والارتضاع والحيض والعيوب تحت الثياب فإن مثل هذا لا ينسى في العادة ولا تحتاج معرفته إلى إعمال العقل كمعاني الأقوال التي تسمعها من الإقرار بالدين وغيره فإن هذه معان معقولة ويطول العهد بها في الجملة. 66 - (فصل) إذا تقرر هذا فإنه تقبل شهادة الرجل والمرأتين في كل موضع تقبل فيه شهادة الرجل ويمين الطالب. وقال عطاء وحماد بن أبي سليمان: تقبل شهادة رجل وامرأتين في الحدود والقصاص ويقضى بها عندنا في النكاح والعتاق على إحدى الروايتين وروي ذلك عن جابر بن زيد وإياس بن معاوية والشعبي والثوري وأصحاب الرأي وكذلك في الجنايات الموجبة للمال على إحدى الروايتين. قال في quot; المحرر quot;: من أتى برجل وامرأتين أو بشاهد ويمين فيما يوجب القود: لم يثبت به قود ولا مال وعنه يثبت المال إذا كان المجني عليه عبدا نقلها ابن منصور ومن أتى بذلك في سرقة ثبت له المال دون القطع. اهـ. وقال أبو بكر: لا يثبت مطلقا. ويقضى بالشاهد والمرأتين في الخلع إذا ادعاه الرجل فإن ادعته المرأة لم يقبل فيه إلا رجلان والفرق بينهما: أنه إذا كان المدعي هو الزوج فهو مدع للمال وهو يثبت بشاهد وامرأتين وإذا كانت هي المدعية فهي مدعية لفسخ النكاح وتحريمها عليه ولا يثبت إلا بشاهدين ونص أحمد في رواية الجماعة على أنه لا تجوز شهادة النساء في النكاح والطلاق وقال في الوكالة: إن كانت مطالبة.  [فصل في شهادة النساء] 67 - (فصل)(1\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "126",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5153",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وشهادة النساء نوعان: نوع تقبل فيه النساء منفردات ونوع لا يقبلن فيه إلا مع الرجال وقد اختلف السلف في ذلك في مواضع: فروى ابن أبي شيبة عن مكحول: لا تجوز شهادة النساء إلا في الدين وروى أيضا عن الشعبي قال: من الشهادات ما لا تجوز فيه إلا شهادة النساء وعن الزهري قال: مضت السنة أن تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن. وقال ابن عمر: لا تجوز شهادة النساء وحدهن إلا فيما لا يطلع عليه غيرهن من عورات النساء وحملهن وحيضهن. وقال علي بن أبي طالب: quot; لا تجوز شهادة النساء بحتا حتى يكون معهن رجل quot; رواه إبراهيم بن أبي يحيى عن أبي ضمرة عن أبيه عن جده عن علي وصح ذلك عن عطاء وعمر بن عبد العزيز. وقال سعيد بن المسيب وعبد الله بن عتبة: لا تقبل شهادة النساء إلا فيما لا يطلع عليه غيرهن. وقال عمر وعلي - رضي الله عنهما -: quot; لا تجوز شهادة النساء في الطلاق ولا النكاح ولا الدماء ولا الحدود quot;. وقال الزهري: quot; مضت السنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخليفتين بعده: ألا تجوز شهادة النساء في الحدود والنكاح والطلاق quot;. وصح عن شريح أنه أجاز في عتاقة: شهادة رجل وامرأتين. وصح عن الشعبي قبول شهادة رجل وامرأتين في الطلاق وجراح الخطأ. وصح عن جابر بن زيد: قبول الرجل والمرأتين في الطلاق والنكاح. وصح عن إياس بن معاوية قبول امرأتين في الطلاق. وصح عن شريح: أنه أجاز شهادة أربع نسوة على رجل في صداق امرأة. وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن هشام بن حجير عمن يرضى كتابه - يريد طاوسا - قال:(1\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "127",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5154",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تجوز شهادة النساء في كل شيء مع الرجال إلا الزنا من أجل أنه لا ينبغي أن ينظرن إلى ذلك. وقال أبو عبيد: حدثنا يزيد بن هارون عن جرير بن أبي حازم عن الزبير بن الحارث عن أبي لبيد: أن سكرانا طلق امرأته ثلاثا فشهد عليه أربع نسوة فرفع إلى عمر بن الخطاب فأجاز شهادة النسوة وفرق بينهما. وقال عبد الرحمن بن مهدي: حدثنا خراش بن مالك: حدثنا يحيى بن عبيد عن أبيه: أن رجلا من عمان ثمل من الشراب فطلق امرأته ثلاثا فشهد عليه نسوة فكتب في ذلك إلى عمر بن الخطاب فأجاز شهادة النسوة وأثبت عليه الطلاق. وذكر سفيان بن عيينة: أن امرأة وطئت صبيا فشهد عليها أربع نسوة. فأجاز علي بن أبي طالب شهادتهن. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا حفص بن غياث عن أبي طلق عن أخته هند بنت طلق قالت: quot; كنت في نسوة وصبي مسجى بثوب فقامت امرأة فمرت فوطئت الصبي برجلها فوقعت على الصبي فقتلته والله فشهد عند علي - رضي الله عنه - عشر نسوة - أنا عاشرتهن - فقضى عليها بالدية وأعانها بألفين quot;. وقال محمد بن المثنى: حدثنا أبو معاوية الضرير عن أبيه عن عطاء بن أبي رباح قال: لو شهد عندي ثمان نسوة على امرأة بالزنا لرجمتها. وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح قال: تجوز شهادة النساء مع الرجال في كل شيء ويجوز على الزنا امرأتان وثلاثة رجال وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا إسماعيل ابن علية عن عبيد الله بن عون عن محمد بن سيرين أن رجلا ادعى متاع البيت فجاء أربع نسوة فشهدن فقلن: دفعت إليه الصداق فجهزها به فقضى شريح عليه بالمتاع quot; وهذا في غاية الصحة. وقال سفيان الثوري: تقبل المرأتان مع الرجل في القصاص وفي الطلاق والنكاح وفي كل شيء حاشا الحدود ويقبلن منفردات فيما لا يطلع عليه إلا النساء. وقال أبو حنيفة: تقبل شهادة رجل وامرأتين في جميع الأحكام إلا القصاص والحدود ويقبلن في الطلاق والنكاح والرجعة مع الرجل ولا يقبلن منفردات لا في الرضاع ولا في انقضاء العدة(1\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "128",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5155",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالولادة ولا في الاستهلال لكن مع رجل ويقبلن في الولادة المطلقة وغيوب النساء منفردات. وقال أبو يوسف ومحمد: يقبلن منفردات في انقضاء العدة بالولادة وفي الاستهلال. وقال مالك: لا يقبل النساء مع رجل ولا بدونه في قصاص ولا حد ولا نكاح ولا طلاق ولا رجعة ولا عتق ولا نسب ولا ولاء ولا إحصان وتجوز شهادتهن مع رجل في الديون والأموال والوكالة والوصية التي لا عتق فيها ويقبلن منفردات في عيوب النساء والولادة والرضاع والاستهلال وحيث يقبل شاهد ويمين الطالب فإنه يقضى فيه بشهادة امرأتين مع رجل في الأموال كلها وفي العتق لأنه مال وفي قتل الخطأ وفي الوصية لإنسان بمال ولا يقبلن في أصل الوصية لا مع رجل ولا بدونه.  [فصل في النصاب التي تقبل به شهادة النساء] 68 - (فصل) وحيث قبلت شهادة النساء منفردات فقد اختلف في نصاب هذه البينة فقال الشعبي والنخعي - في رواية عنهما - وقتادة وابن شبرمة والشافعي وداود: لا يقبل أقل من أربع نسوة واستثنى داود الرضاع فأجاز فيه شهادة امرأة واحدة. وقال عثمان البتي: لا يقبل فيما يقبل فيه النساء منفردات إلا ثلاث نسوة لا أقل من ذلك. وقالت طائفة: تقبل امرأتان في كل ما يقبل فيه النساء منفردات وهو قول الزهري إلا في الاستهلال خاصة فإنه تقبل فيه القابلة وحدها. وقال الحكم بن عيينة: لا يقبل في ذلك كله إلا امرأتان وهو قول ابن أبي ليلى ومالك وأبي عبيد وأجاز علي بن أبي طالب شهادة القابلة وحدها كما تقدم. قال ابن حزم: وروينا ذلك عن أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - في الاستهلال وورث عمر به وهو قول الزهري والنخعي والشعبي - في أحد قوليهما - وهو قول الحسن البصري وشريح وأبي الزناد ويحيى الأنصاري وربيعة وحماد بن أبي سليمان قال: وإن كانت يهودية كل ذلك في الاستهلال. وقال الشعبي وحماد: ذلك في كل ما لا يطلع عليه إلا النساء وهو قول الليث بن سعد. وقال الثوري: يقبل في عيوب النساء وما لا يطلع عليه إلا النساء: امرأة واحدة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وصح عن ابن عباس. وروي عن عثمان وعلي وابن عمر والحسن البصري والزهري. وروي عن ربيعة ويحيى بن سعيد وأبي الزناد والنخعي وشريح وطاوس والشعبي الحكم في الرضاع بشهادة امرأة واحدة وأن عثمان - رضي الله عنه - فرق بشهادتهما بين الرجال ونسائهم(1\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "129",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5156",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر الزهري أن الناس على ذلك وذكر الشعبي ذلك عن القضاة جملة. وروي عن ابن عباس: أنها تستحلف مع ذلك. وصح عن معاوية: أنه قضى في دار بشهادة أم سلمة أم المؤمنين ولم يشهد بذلك غيرها. قال أبو محمد بن حزم: وروينا عن عمر وعلي والمغيرة بن شعبة وابن عباس: أنهم لم يفرقوا بشهادة امرأة واحدة في الرضاع وهو قول أبي عبيد قال: لا أقضي في ذلك بالفرقة ولا أقضي بها. وروينا عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: quot; لو فتحنا هذا الباب لم تشأ امرأة أن تفرق بين رجل وامرأته إلا فعلت quot;. وقال الأوزاعي: أقضي بشهادة امرأة واحدة قبل النكاح وأمنع من النكاح ولا أفرق بشهادتها بعد النكاح. وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج قال: قال ابن شهاب: جاءت امرأة سوداء إلى أهل ثلاثة أبيات تناكحوا فقالت هم بني وبناتي ففرق عثمان - رضي الله عنه - بينهم. قال: وروينا عن الزهري أنه قال: فالناس يأخذون اليوم بذلك من قول عثمان في المرضعات إذا لم يتهمن. وقال ابن حزم: ولا يجوز أن يقبل في الزنا أقل من أربعة رجال عدول مسلمين أو مكان كل واحد امرأتان مسلمتان عدلتان فيكون ذلك ثلاثة رجال وامرأتين أو رجلين وأربع نسوة أو رجلا واحدا وست نسوة أو ثماني نسوة فقط ولا يقبل في سائر الحقوق كلها من الحدود والزنا وما فيه القصاص والنكاح والطلاق والأموال إلا رجلان مسلمان عدلان أو رجل وامرأتان كذلك أو أربع نسوة كذلك ويقبل في كل ذلك - حاشا الحدود - رجل واحد عدل أو امرأتان كذلك مع يمين الطالب ويقبل في الرضاع وحده امرأة واحدة عدلة أو رجل واحد عدل.  [فصل الطريق التاسع في الحكم بالنكول مع الشاهد الواحد] 69 - (فصل) الطريق التاسع الحكم بالنكول مع الشاهد الواحد لا بالنكول المجرد: ذكر ابن وضاح عن أبي مريم عن عمرو بن سلمة عن زهير بن محمد عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه [عن جده] عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا ادعت المرأة طلاق زوجها فجاءت على ذلك بشاهد واحد عدل استحلف زوجها فإن حلف بطلت عنه شهادة الشاهد وإن نكل(1\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "130",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5157",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فنكوله بمنزلة شاهد آخر وجاز طلاقه . فتضمن هذا الحكم ثلاثة أمور: أحدها: أنه لا يكتفى بشهادة الواحد في الطلاق ولا مع يمين المرأة. قال الإمام أحمد: الشاهد واليمين إنما يكون في الأموال خاصة لا يقع في حد ولا في طلاق ولا نكاح ولا عتاقة ولا سرقة ولا قتل. وقد نص في رواية أخرى على أن العبد إذا ادعى أن سيده أعتقه وأتى بشاهد: حلف مع شاهده وصار حرا واختاره الخرقي ونص في شريكين في عبد ادعى كل واحد منهما أن شريكه أعتق حقه منه وكانا معسرين عدلين: فللعبد أن يحلف مع كل واحد منهما ويصير حرا ويحلف مع أحدهما ويصير نصفه حرا. ولكن لا يعرف عنه أن الطلاق يثبت بشاهد ويمين. وقد دل حديث عمرو بن شعيب هذا على أنه يثبت بشاهد ونكول الزوج. وعمرو بن شعيب قد احتج به الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة الحديث كالبخاري وحكاه عن علي بن المديني وأحمد بن حنبل والحميدي وقال: فمن الناس بعدهم وزهير بن محمد الراوي عن ابن جريج ثقة محتج به في quot; الصحيحين quot; وعمرو بن أبي سلمة من رجال quot; الصحيحين quot; أيضا فمن احتج بحديث عمرو بن شعيب فهذا من أصح حديثه. الثاني: أن الزوج يستحلف في دعوى الطلاق إذا لم تقم المرأة بينة لكن إنما استحلفه لأن شهادة الشاهد الواحد أورثت ظنا ما بصدق المرأة فعورض هذا باستحلافه وكان جانب الزوج أقوى بوجود النكاح الثابت فشرعت اليمين في جانبه لأنه مدعى عليه والمرأة مدعية. فإن قيل: فهلا حلفت مع شاهدها وفرق بينهما فالجواب: أن اليمين مع الشاهد لا تقوم مقام شاهد آخر لما تقدم من الأدلة على ذلك واليمين مجرد قول المرأة ولا يقبل في الطلاق أقل من شاهدين كما أن ثبوت النكاح لا يكتفى فيه إلا بشاهدين أو بشاهد وامرأتين على رواية فكان رفعه كإثباته فإن الرفع أقوى من الإثبات ولهذا لا يرفع بشهادة فاسقين ولا مستوري الحال ولا رجل وامرأتين. الثالث: أنه يحكم في الطلاق بشاهد ونكول المدعى عليه وأحمد في إحدى الروايتين عنه يحكم(1\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "131",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5158",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بوقوعه بمجرد النكول من غير شاهد فإذا ادعت المرأة على زوجها الطلاق وأحلفناه لها - على إحدى الروايتين - فنكل: قضى عليه فإذا أقامت شاهدا واحدا ولم يحلف الزوج على عدم دعواها: فالمقضي عليه بالنكول في هذه الصورة أولى. وظاهر الحديث: أنه لا يحكم على الزوج بالنكول إلا إذا أقامت المرأة شاهدا كما هو إحدى الروايتين عن مالك وأنه لا يحكم عليه بمجرد دعواها مع النكول لكن من يقضي عليه به يقول: النكول إما إقرار وإما بينة وكلاهما يحكم به ولكن ينتقض هذا عليه بالنكول في دعوى القصاص. وقد يجاب عنه بأن النكول بذل استغنى به فيما يباح بالبذل وهو الأموال وحقوقها بخلاف النكاح وتوابعه. الرابع: أن النكول بمنزلة البينة فلما أقامت شاهدا واحدا - وهو شطر البينة - كان النكول قائما مقام تمامها. ونحن نذكر مذاهب الناس في القول بهذا الحديث. فقال ابن الجلاب في تفريعه: إذا ادعت المرأة الطلاق على زوجها لم تحلف بدعواها فإذا أقامت على ذلك شاهدا واحدا لم تحلف مع شاهدها ولم يثبت الطلاق على زوجها. وهذا الذي قاله لا يعلم فيه نزاع بين الأئمة الأربعة قال: ولكن يحلف لها زوجها فإن حلف: برئ من دعواها. قلت: هذا فيه قولان للفقهاء وهما روايتان عن أحمد إحداهما: أنه يحلف لدعواها وهو مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة. والثانية: لا يحلف. فإن قلنا: لا يحلف فلا إشكال وإن قلنا: يحلف فنكل عن اليمين: فهل يقضي عليه بطلاق زوجته بالنكول فيه روايتان عن مالك. إحداهما: أنه يطلق عليه بالشاهد والنكول عملا بهذا الحديث وهذا اختيار أشهب وهذا في غاية القوة لأن الشاهد والنكول سببان من جهتين مختلفتين يقوى جانب المدعى بهما فحكم له فهذا مقتضى الأثر والقياس. والرواية الثانية عنه: أن الزوج إذا نكل عن اليمين حبس فإن طال حبسه ترك. واختلفت الرواية عن الإمام أحمد: هل يقضي بالنكول في دعوى المرأة الطلاق على روايتين ولا أثر عنده لإقامة الشاهد الواحد. واختلف عن مالك في مدة حبسه فقال مرة: يحبس حتى يطول أمره وحد ذلك بسنة ثم يطلق ومرة قال: يسجن أبدا حتى يحلف.  [فصل الطريق العاشر في الحكم بشهادة امرأتين ويمين المدعي في الأموال] 70 - (فصل)(1\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "132",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5159",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطريق العاشر الحكم بشهادة امرأتين ويمين المدعي في الأموال وحقوقها: وهذا مذهب مالك وأحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد حكاه شيخنا واختاره وظاهر القرآن والسنة يدل على صحة هذا القول فإن الله سبحانه أقام المرأتين مقام الرجل والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الحديث الصحيح: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل قلن: بلى (146)  فهذا يدل بمنطوقه على أن شهادتها وحدها على النصف وبمفهومه على أن شهادتها مع مثلها كشهادة الرجل وليس في القرآن ولا في السنة ولا في الإجماع ما يمنع من ذلك بل القياس الصحيح يقتضيه فإن المرأتين إذا قامتا مقام الرجل - إذا كانتا معه - قامتا مقامه وإن لم تكونا معه فإن قبول شهادتهما لم يكن لمعنى الرجل بل لمعنى فيهما وهو العدالة وهذا موجود فيما إذا انفردتا وإنما يخشى من سوء ضبط المرأة وحدها وحفظها فقويت بامرأة أخرى. فإن قيل: البينة على المال إذا خلت من رجل لم تقبل كما لو شهد أربع نسوة وما ذكرتموه ينتقض بهذه الصورة فإن المرأتين لو أقيمتا مقام الرجل من كل وجه لكفى أربع نسوة مقام رجلين وتقبل في غير الأموال شهادة رجل وامرأتين. وأيضا فشهادة المرأتين ضعيفة فقويت بالرجل واليمين ضعيفة فينضم ضعيف إلى ضعيف فلا يقبل. وأيضا فإن الله سبحانه قال: واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان [البقرة: 282]  فلو حكم بامرأتين ويمين لكان هذا قسما ثالثا والجواب: أما قولكم: quot; أن البينة إذا خلت عن الرجل لم تقبل quot; فهذا هو المدعي وهو محل النزاع فكيف يحتج به وقولكم: quot; كما لو شهد أربع نسوة quot; فهذا فيه نزاع وإن ظنه طائفة إجماعا كالقاضي وغيره. قال الإمام أحمد في الرجل يوصي ولا يحضره إلا النساء قال: أجيز شهادة النساء فظاهر هذا أنه أثبت الوصية بشهادة النساء على الانفراد إذا لم يحضره الرجال. وذكر الخلال عن أحمد: أنه سئل عن الرجل يوصي بأشياء لأقاربه ويعتق ولا يحضره إلا النساء: هل تجوز شهادتهن قال: نعم تجوز شهادتهن في الحقوق. وقد تقدم ذكر المواضع التي قبلت فيها البينات من النساء وأن quot; البينة quot; اسم لما يبين الحق وهو أعم من أن يكون برجال أو نساء أو نكول أو يمين أو أمارات ظاهرة والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد قبل شهادة المرأة في الرضاع وقبلها الصحابة في مواضع قد ذكرناها وقبلها التابعون.(1\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "133",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5160",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقولكم: quot; وتقبل في غير الأموال شهادة رجل وامرأتين quot;. قلنا: نعم وذلك موجود في عدة مواضع كالنكاح والرجعة والطلاق والنسب والولاء والإيصاء والوكالة في النكاح وغيره على إحدى الروايتين. وقولكم: quot; شهادة المرأتين ضعيفة فقويت بالرجل واليمين ضعيفة فينضم. ضعيف إلى ضعيف فلا يقبل quot;. جوابه: أنا لا نسلم ضعف شهادة المرأتين إذا اجتمعتا ولهذا يحكم بشهادتهما إذا اجتمعتا مع الرجل وإن أمكن أن يؤتى برجلين فالرجل والمرأتان أصل لا بدل والمرأة العدل كالرجل في الصدق والأمانة والديانة إلا أنها لما خيف عليها السهو والنسيان قويت بمثلها وذلك قد يجعلها أقوى من الرجل الواحد أو مثله ولا ريب أن الظن المستفاد من شهادة مثل أم الدرداء وأم عطية أقوى من الظن المستفاد من رجل واحد دونهما ودون أمثالهما. وأما قوله تعالى: واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان [البقرة: 282] ولم يذكر المرأتين واليمين. فيقال: ولم يذكر الشاهد واليمين ولا النكول ولا الرد ولا شهادة المرأة الواحدة ولا المرأتين ولا الأربع نسوة وهو سبحانه لم يذكر ما يحكم به الحاكم وإنما أرشد إلى ما يحفظ به الحق وطرق الحكم أوسع من الطرق التي تحفظ بها الحقوق.  [فصل الطريق الحادي عشر في الحكم بشهادة امرأتين فقط من غير يمين] 71 - (فصل) الطريق الحادي عشر الحكم بشهادة امرأتين فقط من غير يمين: وذلك - على إحدى الروايتين عن أحمد - في كل ما لا يطلع عليه الرجال كعيوب النساء تحت الثياب والبكارة والثيوبة والولادة والحيض والرضاع ونحوه فإنه تقبل فيه امرأتان نص عليه أحمد في إحدى الروايتين. والثانية - وهي أشهر - أنه يثبت بشهادة امرأة واحدة والرجل فيه كالمرأة ولم يذكر هاهنا يمينا. وظاهر نص أحمد: أنه لا يفتقر إلى اليمين وإنما ذكروا الروايتين في الرضاع إذا قبلنا فيه شهادة المرأة الواحدة. والفرق بين هذا الباب وباب الشاهد واليمين - حيث اعتبرت اليمين هناك - أن المغلب في هذا الباب هو الإخبار عن الأمور الغائبة التي لا يطلع عليها الرجال فاكتفى بشهادة النساء وفي باب الشاهد واليمين: الشهادة على أمور ظاهرة يطلع عليها الرجال في الغالب فإذا انفرد بها الشاهد الواحد(1\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "134",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5161",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "احتيج إلى تقويته باليمين.  [فصل الطريق الثاني عشر في الحكم بثلاثة رجال] 72 - (فصل) الطريق الثاني عشر الحكم بثلاثة رجال: وذلك فيما إذا ادعى الفقر من عرف غناه فإنه لا يقبل منه إلا ثلاثة شهود وهذا منصوص الإمام أحمد. وقال بعض أصحابنا: يكفي فيه شاهدان. واحتج الإمام أحمد بحديث قبيصة بن مخارق قال: تحملت حمالة فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أسأله فقال: يا قبيصة أقم عندنا حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها ثم قال: يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال: سدادا من عيش - ورجل أصابته فاقة حتى يقوم له ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال: سدادا من عيش - فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا رواه مسلم (114) . واختلف أصحابنا في نص أحمد: هل هو عام أو خاص فقال القاضي: إنما هذا في حل المسألة كما دل عليه الحديث وأما الإعسار فيكفي فيه شاهدان. وقال الشيخ أبو محمد: وقد نقل عن أحمد في الإعسار ما يدل على أنه لا يثبت إلا بثلاثة. قلت: إذا كان في باب أخذ الزكاة وحل المسألة يعتبر العدد المذكور ففي باب دعوى الإعسار المسقط لأداء الديون ونفقة الأقارب والزوجات: أولى وأحرى لتعلق حق العبد بماله وفي باب المسألة وأخذ الصدقة: المقصود ألا يأخذ ما لا يحل له فهناك اعتبرت البينة لئلا يمتنع من أداء الواجب وهنا لئلا يأخذ المحرم.  [فصل الطريق الثالث عشر في الحكم بأربعة رجال أحرار] 73 - (فصل) الطريق الثالث عشر الحكم بأربعة رجال أحرار: وذلك في حد الزنا واللواط أما الزنا: فبالنص والإجماع وأما اللواط: فقالت طائفة: هو مقيس عليه في نصاب الشهادة كما هو مقيس عليه في الحد. وقالت طائفة: بل هو داخل في مسمى الزنا لأنه وطء في فرج محرم وهذا لا تعرفه العرب فقال هؤلاء: هو داخل في مسمى الزنا شرعا.(1\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "135",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5162",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: والأسماء الشرعية قد تكون أعم من اللغوية وقد تكون أخص وقالت طائفة: بل هو أولى بالحد من الزنا فإنه وطء في فرج لا يستباح بحال والداعي إليه قوي فهو أولى بوجوب الحد فيكون نصابه نصاب حد الزنا. وقياس قول من لا يرى فيه الحد - بل التعزير - أن يكتفى فيه بشاهدين كسائر المعاصي التي لا حد فيها وصرحت به الحنفية وهو مذهب أبي محمد بن حزم. وقياس قول من جعل حده القتل بكل حال - محصنا كان أو بكرا - أن يكتفى فيه بشاهدين كالردة والمحاربة وهو إحدى الروايتين عن أحمد وأحد قولي الشافعي ومذهب مالك لكن صرحوا بأن حد اللواط لا يقبل فيه أقل من أربعة. ووجه ذلك: أن عقوبته عقوبة الزاني المحصن وهو الرجم بكل حال. وقد يحتج على اشتراط نصاب الزنا في حد اللواط بقوله تعالى لقوم لوط: أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون [النمل: 54] وقال في الزنا: واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم [النساء: 15] . وبالجملة: لا خلاف بين من أوجب عليه حد الزنا أو الرجم بكل حال أنه لا بد فيه من أربعة شهود أو إقرار. وأما أبو حنيفة وابن حزم: فاكتفيا فيه بشاهدين بناء على أصلهما. وأما الحكم بالإقرار بها فهل يكتفى فيه بشاهدين أو لا بد من أربعة: فيه قولان في مذهب مالك والشافعي وروايتان عن أحمد فمن لم يشترط الأربعة قال: إقامة الحد إنما هي مستندة إلى الإقرار. فالشهادة عليه والإقرار يثبت بشاهدين ومن اشترط الأربعة قال: الإقرار كالفعل فكما أننا لا نكتفي في الشهادة على الفعل إلا بأربعة فكذلك الشهادة على القول. يوضحه: أن كل واحد من الفعل والقول موجب للحد فإذا كان الفعل الموجب لا يثبت إلا بأربعة فالقول الموجب كذلك. قال أصحاب القول الأخير: الفعل موجب بنفسه والقول دال على الفعل الموجب فبينهما مرتبة. قال أصحاب القول الآخر: لا تأثير لذلك وإذا كنا لا نحده إلا بإقرار أربع مرات فلا نحده إلا بشهادة أربعة على الإقرار.  [فصل في إتيان البهيمة وما يجب فيه أربعة شهود] 74 - (فصل)(1\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "136",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5163",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما إتيان البهيمة فإن قلنا يوجب الحد لم يثبت إلا بأربعة وإن قلنا: يوجب التعزير - كقول أبي حنيفة والشافعي ومالك - ففيه وجهان: أحدهما: لا يقبل فيه إلا أربعة لأنه فاحشة وإيلاج فرج في فرج محرم فأشبه الزنا وهذا اختيار القاضي. والثاني: يقبل فيه شاهدان لأنه لا يوجب الحد فيثبت بشاهدين كسائر الحقوق. قال الشيخ في quot; المغني quot;: وعلى قياس هذا: فكل زنا لا يوجب الحد كوطء الأمة المشتركة وأمته المزوجة وأشباه هذا اهـ. وأما الوطء المحرم لعارض - كوطء امرأته في الصيام والإحرام والحيض - فإنه لا يوجب الحد ويكفي فيه شاهدان وكذلك وطؤها في دبرها. 75 - (فصل) وألحق الحسن البصري بالزنا - في اعتبار أربعة شهود كل ما يوجب القتل وحكى ذلك رواية عن أحمد وهذا إن كان في القتل حدا - فله وجه على ضعفه وإن كان في القتل حد أو قصاص فهو فاسد وقياسه على الزنا ممتنع لأن الله سبحانه وتعالى غلظ أمر البينة والإقرار في باب الفاحشة سترا لعباده وشرع فيها عقوبة من قذف غيره بها دون سائر ما يوجب الحد وشرع فيها القتل على أغلظ الوجوه وأكرهها للنفوس فلا يصح إلحاق غيرها بها والله أعلم.  [فصل الطريق الرابع عشر في الحكم بشهادة العبد والأمة] 76 - (فصل) الطريق الرابع عشر الحكم بشهادة العبد والأمة. في كل ما تقبل فيه شهادة الحر والحرة. هذا الصحيح من مذهب أحمد وعنه تقبل في كل شيء إلا في الحدود والقصاص لاختلاف العلماء في قبول شهادته فلا ينتهض سببا لإقامة الحدود التي مبناها على الاحتياط والصحيح: الأول. وقد حكي إجماع قديم حكاه الإمام أحمد عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه قال: quot; ما علمت أحدا رد شهادة العبد quot; وهذا يدل على أن ردها إنما حدث بعد عصر الصحابة واشتهر هذا القول لما ذهب إليه مالك والشافعي وأبو حنيفة وصار لهم أتباع يفتون ويقضون بأقوالهم فصار هذا القول عند الناس هو المعروف ولما كان مشهورا بالمدينة في زمن مالك قال: quot; ما علمت أحدا قبل شهادة العبد quot; وأنس بن مالك يقول ضد ذلك.(1\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "137",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5164",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقبول شهادة العبد وهو موجب الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وصريح القياس وأصول الشرع وليس مع من ردها كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس. قال تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا [البقرة: 143] والوسط: العدل الخيار ولا ريب في دخول العبد في هذا الخطاب فهو عدل بنص القرآن فدخل تحت قوله: وأشهدوا ذوي عدل منكم [الطلاق: 2] . وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله [النساء: 135]  وهو من الذين آمنوا قطعا فيكون من الشهداء كذلك. وقال تعالى: واستشهدوا شهيدين من رجالكم [البقرة: 282]  ولا ريب أن العبد من رجالنا. وقال تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية [البينة: 7] . فالعبد المؤمن الصالح من خير البرية فكيف ترد شهادته وقد عدله الله ورسوله كما في الحديث المعروف المرفوع: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين  والعبد يكون من حملة العلم فهو عدل بنص الكتاب والسنة(1\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "138",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5165",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأجمع الناس على أنه مقبول الشهادة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا روي عنه الحديث فكيف تقبل شهادته على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا تقبل شهادته على واحد من الناس ولا يقال: باب الرواية أوسع من باب الشهادة فيحتاط لها ما لا يحتاط للرواية فهذا كلام جرى على ألسن كثير من الناس وهو عار عن التحقيق والصواب فإن أولى ما ضبط واحتيط له: الشهادة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - والرواية عنه فإن الكذب عليه ليس كالكذب على غيره. وإنما ردت الشهادة بالعداوة والقرابة والأنوثة دون الرواية لتطرق التهمة إلى شهادة العدو وشهادة الولد وخشية عدم ضبط المرأة وحفظها وأما العبد: فما يتطرق إليه من ذلك يتطرق إلى الحر سواء ولا فرق بينه وبينه في ذلك ألبتة فالمعنى الذي قبلت به روايته هو المعنى الذي تقبل به شهادته وأما المعنى الذي ردت به شهادة العدو والقرابة والمرأة فليس موجودا في العبد. وأيضا فإن المقتضى لقبول شهادة المسلم عدالته وغلبة الظن بصدقه وعدم تطرق التهمة إليه وهذا بعينه موجود في العبد فالمقتضى موجود والمانع مفقود فإن الرق لا يصلح أن يكون مانعا فإنه لا يزيل مقتضى العدالة ولا تطرق تهمة كيف والعبد الذي يؤدي حق الله وحق سيده له أجران حيث يكون للحر أجر واحد وهو أحد الثلاثة الذين هم أول من يدخل الجنة ولهذا قبل(1\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "139",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5166",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شهادته أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم القدوة. قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا حفص بن غياث عن أشعث عن الشعبي. قال: قال شريح quot; لا نجيز شهادة العبد quot; فقال علي بن أبي طالب: quot; لكنا نجيزها quot; فكان شريح بعد ذلك يجيزها إلا لسيده: quot; وبه عن المختار بن فلفل قال: سألت أنس بن مالك عن شهادة العبد فقال: جائزة quot;. وقال الثوري عن عمار الدهني قال: quot; شهدت شريحا شهد عنده عبد على دار فأجاز شهادته فقيل: إنه عبد فقال شريح: كلنا عبيد وإماء quot;. وروى أحمد عن ابن سيرين: أنه كان لا يرى بشهادة العبد بأسا إذا كان عدلا. وقال عطاء: شهادة العبد والمرأة جائزة في النكاح والطلاق. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة. قال: سئل إياس بن معاوية عن شهادة العبد فقال: أنا أرد شهادة عبد العزيز بن صهيب يعني إنكارا لردها. وذكر الإمام أحمد عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه قال: quot; ما علمت أحدا رد شهادة العبد quot;. وقد اختلف الناس في ذلك فردتها طائفة مطلقا وهذا قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وقبلتها طائفة مطلقا حتى لسيده وقبلتها طائفة مطلقا إلا لسيده. قال سفيان الثوري: عن إبراهيم النخعي عن الشعبي في العبد قال: quot; لا تجوز شهادته لسيده وتجوز لغيره quot; وهذا مذهب الإمام أحمد. وأجازتها طائفة في الشيء اليسير دون الكثير وهذا قول إبراهيم النخعي وإحدى الروايتين عن شريح والشعبي. والذين ردوها بكل حال منهم من قاس العبد على الكافر لأنه منقوص بالرق وذلك بالكفر وهذا من أفسد القياس في العالم وفساده معلوم بالضرورة من الدين ومنهم من احتج بقوله تعالى ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء [النحل: 75] والشهادة شيء فهو غير قادر عليها. قال أبو محمد بن حزم في جواب ذلك: تحريف كلام الله عن مواضعه يهلك في الدنيا والآخرة ولم يقل الله تعالى: إن كل عبد لا يقدر على شيء إنما ضرب الله تعالى المثل بعبد من عبيده هذه صفته وقد توجد هذه الصفة في كثير من الأحرار وبالمشاهدة نعرف كثيرا من العبيد أقدر على الأشياء من كثير من الأحرار. ونقول لهم: هل يلزم العبيد الصلاة والصيام والطهارة ويحرم عليهم من المآكل والمشارب والفروج(1\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "140",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5167",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما يحرم على الأحرار أم لا يلزمهم ذلك لكونهم لا يقدرون عندكم على شيء ألبتة قال: ومن نسب هذا إلى الله فقد كذب عليه جهارا. واحتج بعضهم بقوله تعالى: ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا [البقرة: 282] فنهى الشهداء عن التخلف والإباء ومنافع العبد لسيده فله أن يتخلف ويأبى إلا خدمته وهذا لا يدل إلا على عدم قبولها إلا إذا أذن له سيده في تحملها وأدائها إذا لم يكن في ذلك تعطيل لخدمة السيد. فأبعد النجعة من فهم رد شهادة العبيد العدول بذلك فإن كان هذا مقتضى الآية كان مقتضى ذلك أيضا رد روايتهم واحتج بعضهم بقوله تعالى: والذين هم بشهاداتهم قائمون [المعارج: 33] . والعبد ليس من أهل القيام على غيره وهذا من جنس احتجاج بعضهم أن الشهادة ولاية والعبد ليس من أهل الولاية على غيره وهذا في غاية الضعف. فإنه يقال لهم: ما تعنون بالولاية أتريدون بها الشهادة وكونه مقبول القول على المشهود عليه أم كونه حاكما عليه منفذا فيه الحكم فإن أردتم الأول كان التقدير: إن الشهادة شهادة والعبد ليس من أهل الشهادة وهذا حاصل دليلكم وإن أردتم الثاني فمعلوم البطلان قطعا والشهادة لا تستلزمه. واحتج بعضهم بأن الرق أثر من آثار الكفر فمنع قبول الشهادة كالفسق وهذا في غاية البطلان فإن هذا لو صح لمنع قبول روايته وفتواه والصلاة خلفه وحصول الأجرين له. واحتج بأنه يستغرق الزمان بخدمة سيده فليس له وقت يملك فيه أداء الشهادة ولا يملك عليه. وهذا أضعف مما قبله لأنه ينتقض بقبول روايته وفتواه وينتقض بالحرة المزوجة وينتقض بما لو أذن له سيده وينتقض بالأجير الذي استغرقت ساعات يومه وليلته بعقد الإجارة ويبطل بأن أداء الشهادة لا يبطل حق السيد من خدمته. واحتج بأن العبد سلعة من السلع فكيف تشهد السلع وهذا في غاية الغثاثة والسماجة فإنه تقبل شهادة هذه السلعة كما تقبل روايتها وفتواها وتصح إمامتها وتلزمها الصلاة والصوم والطهارة. واحتج بأنه دنيء والشهادة منصب علي فليس هو من أهلها. وهذا من ذلك الطراز فإنه إن أريد بدناءته ما يقدح في دينه وعدالته فليس كلامنا فيمن هو كذلك ونافع وعكرمة أجل وأشرف من أكثر الأحرار عند الله وعند الناس وإن أريد بدناءته أنه(1\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "141",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5168",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مبتلى برق الغير فهذه البلوى لا تمنع قبول الشهادة بل هي مما يرفع الله بها درجة العبد ويضاعف له بها الأجر. فهذه الحجج كما تراها من الضعف والوهن وإذا قابلت بينها وبين حجج القائلين بشهادته لم يخف عليك الصواب والله أعلم.  [فصل الطريق الخامس عشر في الحكم بشهادة الصبيان المميزين] 77 - (فصل) الطريق الخامس عشر الحكم بشهادة الصبيان المميزين: وهذا موضع اختلف فيه الناس فردتها طائفة مطلقا وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات عنه وعنه رواية ثانية: أن شهادة الصبي المميز مقبولة إذا وجدت فيه بقية الشروط وعنه رواية ثالثة: أنها تقبل في جراح بعضهم بعضا إذا أدوها قبل تفرقهم وهذا قول مالك. قال ابن حزم: صح عن ابن الزبير أنه قال: quot; إذا جيء بهم عند المصيبة جازت شهادتهم quot; قال ابن أبي مليكة: فأخذ القضاة بقول ابن الزبير. وقال قتادة عن الحسن قال: قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: شهادة الصبي على الصبي جائزة وشهادة العبد على العبد جائزة quot;. وقال معاوية: quot; شهادة الصبيان على الصبيان جائزة ما لم يدخلوا البيوت فيعلموا quot; وعن علي مثله أيضا. وقال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع حدثنا عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت عن الشعبي عن مسروق: quot; أن ستة غلمان ذهبوا يسبحون فغرق أحدهم فشهد ثلاثة على اثنين: أنهما أغرقاه وشهد اثنان على ثلاثة: أنهم أغرقوه فقضى علي بن أبي طالب على الثلاثة بخمسي الدية وعلى الاثنين بثلاثة أخماسها quot;. وقال الثوري: عن فراس عن الشعبي عن مسروق: quot; أن ثلاثة غلمان شهدوا على أربعة وشهد الأربعة على الثلاثة فجعل مسروق على الأربعة ثلاثة أسباع الدية وعلى الثلاثة أربعة أسباع الدية quot;. قال أبو الزناد: quot; السنة أن يؤخذ في شهادة الصبيان بقولهم في الجراح مع أيمان المدعين quot;. وأجاز عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الجراح المتقاربة فإذا بلغت النفوس قضى بشهادتهم مع أيمان الطالبين. وقال ربيعة: تقبل شهادة بعضهم على بعض ما لم يتفرقوا.(1\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "142",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5169",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال شريح: تقبل شهادتهم إذا اتفقوا ولا تقبل إذا اختلفوا وكذلك قال أبو بكر بن حزم وسعيد بن المسيب والزهري. وقال وكيع عن ابن جريج عن أبي مليكة: سألت ابن عباس وابن الزبير عن شهادة الصبيان فقال ابن عباس: إنما قال الله: ممن ترضون من الشهداء [البقرة: 282] وليسوا ممن نرضى. وقال ابن الزبير: quot; هم أحرى إذا سئلوا عما رأوا أن يشهدوا quot;. قال ابن أبي مليكة: ما رأيت القضاة أخذوا إلا بقول ابن الزبير. قالت المالكية: قد ندب الشرع إلى تعليم الصبيان الرمي والثقاف والصراع وسائر ما يدربهم على حمل السلاح والضرب والكر والفر وتصليب أعضائهم وتقوية أقدامهم وتعليمهم البطش والحمية والأنفة من العار والفرار ومعلوم أنهم في غالب أحوالهم يخلون وأنفسهم في ذلك وقد يجني بعضهم على بعض فلو لم نقبل قول بعضهم على بعض لأهدرت دماؤهم. وقد احتاط الشارع بحق الدماء حتى قبل فيها اللوث واليمين وإن كان لم يقبل ذلك في درهم واحد وعلى قبول شهادتهم تواطأت مذاهب السلف الصالح فقال به علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن الزبير ومن التابعين: سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز والشعبي والنخعي وشريح وابن أبي ليلى وابن شهاب وابن أبي مليكة - رضي الله عنهم - قال: ما أدركت القضاة إلا وهم يحكمون بقول ابن الزبير وأبي الزناد وقال: هي السنة. قالوا: وشرط قبول شهادتهم في ذلك: كونهم يعقلون الشهادة وأن يكونوا ذكورا أحرارا محكوما لهم بحكم الإسلام اثنين فصاعدا متفقين غير مختلفين ويكون ذلك قبل تفرقهم وتخبيرهم ويكون ذلك لبعضهم على بعض ويكون في القتل والجراح خاصة ولا تقبل شهادتهم على كبير أنه قتل صغيرا ولا على صغير أنه قتل كبيرا. قالوا: ولو شهدوا ثم رجعوا عن شهادتهم أخذ بالشهادة الأولى ولم يلتفت إلى ما رجعوا إليه قالوا: ولا خلاف عندنا أنه لا يعتبر فيهم تعديل ولا تجريح. قالوا: واختلف أصحابنا في العداوة والقرابة: هل تقدح في شهادتهم على قولين واختلفوا في جريان هذا الحكم في إناثهم أم هو مختص بالذكور فلا تقبل فيه شهادة الإناث على قولين.  [فصل الطريق السادس عشر في الحكم بشهادة الفساق وذلك في صور] 78 - (فصل) الطريق السادس عشر الحكم بشهادة الفساق - وذلك في صور: إحداها: الفاسق باعتقاده إذا كان متحفظا في دينه فإن شهادته مقبولة وإن حكمنا بفسقه(1\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "143",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5170",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كأهل البدع والأهواء الذين لا نكفرهم كالرافضة والخوارج والمعتزلة ونحوهم هذا منصوص الأئمة. قال الشافعي: أقبل شهادة أهل الأهواء بعضهم على بعض إلا الخطابية فإنهم يتدينون بالشهادة لموافقيهم على مخالفيهم. ولا ريب أن شهادة من يكفر بالذنب ويعد الكذب ذنبا أولى بالقبول ممن ليس كذلك ولم يزل السلف والخلف على قبول شهادة هؤلاء وروايتهم. وإنما منع الأئمة - كالإمام أحمد بن حنبل وأمثاله - قبول رواية الداعي المعلن ببدعته وشهادته والصلاة خلفه: هجرا له وزجرا لينكف ضرر بدعته عن المسلمين ففي قبول شهادته وروايته والصلاة خلفه واستقضائه وتنفيذ أحكامه: رضى ببدعته وإقرار له عليها وتعريض لقبولها منه. قال حرب: قال أحمد: لا تجوز شهادة القدرية والرافضة وكل من دعا إلى بدعة ويخاصم عليها. قال الميموني: قال أبو عبد الله في الرافضة - لعنهم الله -: لا تقبل شهادتهم ولا كرامة لهم. وقال إسحاق بن منصور قلت لأحمد: كان ابن أبي ليلى يجيز شهادة كل صاحب بدعة إذا كان فيهم عدلا لا يستحل شهادة الزور. قال أحمد: ما تعجبني شهادة الجهمية والرافضة والقدرية والمعلنة. وقال الميموني: سمعت أبا عبد الله يقول: من أخاف عليه الكفر - مثل الروافض والجهمية - لا تقبل شهادتهم ولا كرامة لهم. وقال في رواية يعقوب بن بختان: إذا كان القاضي جهميا لا نشهد عنده. وقال أحمد بن الحسن الترمذي: قدمت على أبي عبد الله فقال: ما حال قاضيكم لقد مد له في عمره فقلت له: إن للناس عندي شهادات فإذا صرت إلى البلاد لا آمن إذ أشهد عنده أن يفضحني قال: لا تشهد عنده قلت: يسألني من له عندي شهادة قال: لك ألا تشهد عنده. قلت: من كفر بمذهبه - كمن ينكر حدوث العالم وحشر الأجساد وعلم الرب تعالى بجميع الكائنات وأنه فاعل بمشيئته وإرادته - فلا تقبل شهادته لأنه على غير الإسلام فأما أهل البدع الموافقون لأهل الإسلام ولكنهم مخالفون في بعض الأصول - كالرافضة والقدرية والجهمية وغلاة المرجئة ونحوهم. فهؤلاء أقسام: أحدها: الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له فهذا لا يكفر ولا يفسق ولا ترد شهادته إذا لم يكن قادرا على تعلم الهدى وحكمه حكم المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا.(1\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "144",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5171",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القسم الثاني: المتمكن من السؤال وطلب الهداية ومعرفة الحق ولكن يترك ذلك اشتغالا بدنياه ورياسته ولذته ومعاشه وغير ذلك فهذا مفرط مستحق للوعيد آثم بترك ما وجب عليه من تقوى الله بحسب استطاعته فهذا حكمه حكم أمثاله من تاركي بعض الواجبات فإن غلب ما فيه من البدعة والهوى على ما فيه من السنة والهدى: ردت شهادته وإن غلب ما فيه من السنة والهدى: قبلت شهادته. القسم الثالث: أن يسأل ويطلب ويتبين له الهدى ويتركه تقليدا وتعصبا أو بغضا أو معاداة لأصحابه فهذا أقل درجاته: أن يكون فاسقا وتكفيره محل اجتهاد وتفصيل فإن كان معلنا داعية: ردت شهادته وفتاويه وأحكامه مع القدرة على ذلك ولم تقبل له شهادة ولا فتوى ولا حكم إلا عند الضرورة كحال غلبة هؤلاء واستيلائهم وكون القضاة والمفتين والشهود منهم ففي رد شهادتهم وأحكامهم إذ ذاك فساد كثير ولا يمكن ذلك فتقبل للضرورة. وقد نص مالك - رحمه الله - على أن شهادة أهل البدع - كالقدرية والرافضة ونحوهم - لا تقبل وإن صلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا. قال اللخمي: وذلك لفسقهم قال: ولو كان ذلك عن تأويل غلطوا فيه. فإذا كان هذا ردهم لشهادة القدرية - وغلطهم إنما هو من تأويل القرآن كالخوارج - فما الظن بالجهمية الذين أخرجهم كثير من السلف من الثنتين والسبعين فرقة وعلى هذا فإذا كان الناس فساقا كلهم إلا القليل النادر: قبلت شهادة بعضهم على بعض ويحكم بشهادة الأمثل من الفساق فالأمثل هذا هو الصواب الذي عليه العمل وإن أنكره كثير من الفقهاء بألسنتهم كما أن العمل على صحة ولاية الفاسق ونفوذ أحكامه وإن أنكروه بألسنتهم وكذلك العمل على صحة كون الفاسق وليا في النكاح ووصيا في المال. والعجب ممن يسلبه ذلك ويرد الولاية إلى فاسق مثله أو أفسق منه. فإن العدل الذي تنتقل إليه الولاية قد تعذر وجوده وامتاز الفاسق القريب بشفقة القرابة والوصي باختيار الموصى له وإيثاره على غيره ففاسق عينه الموصي أو امتاز بالقرابة: أولى من فاسق ليس كذلك على أنه إذا غلب على الظن صدق الفاسق قبلت شهادته وحكم بها والله سبحانه لم يأمر برد خبر الفاسق فلا يجوز رده مطلقا بل يتثبت فيه حتى يتبين هل هو صادق أو كاذب فإن كان صادقا قبل قوله وعمل به وفسقه عليه وإن كان كاذبا رد خبره ولم يلتفت إليه. ولرد خبر الفاسق وشهادته مأخذان:(1\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "145",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5172",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدهما: عدم الوثوق به إذ تحمله قلة مبالاته بدينه ونقصان وقار الله في قلبه - على تعمد الكذب. الثاني: هجره على إعلانه بفسقه ومجاهرته به فقبول - شهادته إبطال لهذا الغرض المطلوب شرعا. فإذا علم صدق لهجة الفاسق وأنه من أصدق الناس - وإن كان فسقه بغير الكذب - فلا وجه لرد شهادته وقد استأجر النبي - صلى الله عليه وسلم - هاديا يدله على طريق المدينة وهو مشرك على دين قومه ولكن لما وثق بقوله أمنه ودفع إليه راحلته وقبل دلالته (47) . وقد قال أصبغ بن الفرج: إذا شهد الفاسق عند الحاكم وجب عليه التوقف في القضية وقد يحتج له بقوله تعالى: إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا [الحجرات: 6] وحرف المسألة: أن مدار قبول الشهادة وردها على غلبة ظن الصدق وعدمه. والصواب المقطوع به أن العدالة تتبعض فيكون الرجل عدلا في شيء فاسقا في شيء فإذا تبين للحاكم أنه عدل فيما شهد به: قبل شهادته ولم يضره فسقه في غيره. ومن عرف شروط العدالة وعرف ما عليه الناس تبين له الصواب في هذه المسألة والله أعلم.  [فصل الطريق السابع عشر في الحكم بشهادة الكافر] 79 - (فصل) الطريق السابع عشر الحكم بشهادة الكافر: هذه المسألة لها صورتان: إحداهما: شهادة الكفار بعضهم على بعض. والثانية: شهادتهم على المسلمين. فأما المسألة الأولى فقد اختلف فيها الناس قديما وحديثا فقال حنبل: حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن أبي حصين عن الشعبي قال: quot; تجوز شهادة اليهودي على النصراني quot;. قال حنبل: وسمعت أبا عبد الله قال: تجوز شهادة بعضهم على بعض فأما على المسلمين فلا تجوز وتجوز شهادة المسلم عليهم. وقال في رواية أبي داود والمروذي وحرب والميموني وأبي الحارث وجعفر بن محمد ويعقوب بن بختان وأبي طالب - واحتج في روايته بقوله تعالى: فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء [المائدة: 14]- وصالح ابنه وأبي حامد الخفاف وإسماعيل بن سعيد الشالنجي وإسحاق بن منصور ومهنا بن يحيى فقال له مهنا: أرأيت إن عدلوا قال: فمن يعدلهم العلج منهم وأفضلهم(1\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "146",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5173",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يشرب الخمر ويأكل الخنزير فكيف يعدل فنص في رواية هؤلاء: أنه لا تجوز شهادة بعضهم على بعض ولا على غيرهم ألبتة لأن الله سبحانه وتعالى قال: ممن ترضون من الشهداء [البقرة: 282] وليسوا ممن نرضاه. قال الخلال: فقد روى هؤلاء النفر - وهم قريب من عشرين نفسا - كلهم عن أبي عبد الله خلاف ما قال حنبل. قال: نظرت في أصل حنبل: أخبرني عبد الله عن أبيه بمثل ما أخبرني عصمة عن حنبل ولا شك أن حنبلا توهم ذلك لعله أراد: أن أبا عبد الله قال: لا تجوز فغلط فقال: تجوز وقد أخبرنا عبد الله عن أبيه بهذا الحديث. وقال عبد الله: قال أبي: لا تجوز وقال أبي: حدثنا وكيع عن سفيان عن حصين عن الشعبي قال: تجوز شهادة بعضهم على بعض. قال عبد الله: قال أبي: لا تجوز لأن الله تعالى قال: ممن ترضون من الشهداء [البقرة: 282] وليسوا هم ممن نرضى فصح الخطأ هاهنا من حنبل. وقد اختلفوا على الشعبي أيضا وعلى سفيان وعلى وكيع في رواية هذا الحديث وما قال أبو عبد الله فما اختلف عنه ألبتة إلا ما غلط حنبل بلا شك لأن أبا عبد الله مذهبه في شهادة أهل الكتاب لا يجيزها ألبتة ويحتج بقوله تعالى: ممن ترضون من الشهداء [البقرة: 282]  وأنهم ليسوا بعدول. وقد قال الله تعالى: وأشهدوا ذوي عدل منكم [الطلاق: 2]  واحتج بأنه تكون بينهم أحكام وأموال فكيف يحكم بشهادة غير عدل واحتج بقوله تعالى: وألقينا بينهم العداوة والبغضاء [المائدة: 64] . وبالغ الخلال في إنكار رواية حنبل ولم يثبتها رواية وأثبتها غيره من أصحابنا وجعلوا المسألة على روايتين. قالوا: وعلى رواية الجواز فهل يعتبر اتحاد المسألة فيه وجهان ونصروا كلهم عدم الجواز إلا شيخنا فإنه اختار الجواز. قال ابن حزم: وصح عن عمر بن عبد العزيز: أنه أجاز شهادة نصراني على مجوسي أو مجوسي على نصراني. وصح عن حماد بن أبي سليمان أنه قال: تجوز شهادة النصراني على اليهودي وعلى النصراني كلهم أهل شرك.(1\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "147",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5174",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصح هذا أيضا عن الشعبي وشريح وإبراهيم النخعي. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة من طريق إبراهيم الصائغ قال: سألت نافعا مولى ابن عمر - عن شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض فقال: تجوز. وقال عبد الرزاق عن معمر: سألت الزهري عن شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض فقال: تجوز وهو قول سفيان الثوري ووكيع وأبي حنيفة وأصحابه. وذكر أبو عبيد عن قتادة عن علي بن أبي طالب قال: quot; تجوز شهادة النصراني على النصراني quot;. وذكر أيضا عن الزهري: تجوز شهادة النصراني على النصراني واليهودي على اليهودي ولا تجوز شهادة أحدهما على الآخر. وروى ابن أبي شيبة عن ابن عيينة عن يونس عن الحسن قال: إذا اختلفت الملل لم تجز شهادة بعضهم على بعض. وكذلك قال عطاء: لا تجوز شهادة ملة على غير ملتها إلا المسلمين. وهذا أحد الروايات عن الشعبي. والثاني: الجواز. والثالث: المنع. كذلك قال النخعي: لا تجوز شهادة ملة إلا على ملتها: اليهودي على اليهودي والنصراني على النصراني. وقال مالك: تجوز شهادة الطبيب الكافر حتى على المسلم للحاجة. قال القائلون بشهادتهم: قال الله تعالى: ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك [آل عمران: 75]  فأخبر أن منهم الأمين على مثل هذا القدر من المال ولا ريب أن يكون مثل هذا أمينا على قرابته ذوي مذهبه أولى. قالوا: وقال تعالى: والذين كفروا بعضهم أولياء بعض [الأنفال: 73] فأثبت لهم الولاية على بعضهم بعضا وهي أعلى رتبة من الشهادة وغاية الشهادة: أن تشبه بها وإذا كان له أن يزوج ابنته وأخته ويلي مال ولده فقبول شهادته عليه أولى وأحرى. قالوا: وقد حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشهادتهم في الحدود. قال أبو خيثمة: حدثنا حفص بن غياث عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -: أن اليهود جاءوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برجل منهم وامرأة زنيا فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ائتوني بأربعة منكم يشهدون قالوا: وكيف الحديث. والذي في quot; الصحيح quot;: مر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيهودي قد حمم فقال: ما شأن هذا(1\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "148",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5175",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقالوا: زنى فقال: ما تجدون في كتابكم وذكر الحديث فأقام الحد بقولهم ولم يسأل اليهودي واليهودية ولا طلب اعترافهما وإقرارهما وذلك ظاهر في سياق القصة بجميع طرقها ليس في شيء منها ألبتة أنه رجمهما بإقرارهما ولما أقر ماعز بن مالك والغامدية: اتفقت جميع طرق الحديثين على ذلك الإقرار. قالوا: وروى نافع عن ابن عمر في هذه القصة أنه مر على النبي - صلى الله عليه وسلم - بيهودي محمم فقال: ما باله قالوا زنى قال: ائتوني بأربعة منكم يشهدون عليه . قالوا: وقد أجاز الله سبحانه شهادة الكافر على المسلمين في السفر في الوصية للحاجة ومعلوم أن حاجتهم إلى قبول شهادة بعضهم على بعض أعظم بكثير من حاجة المسلمين إلى قبول شهادتهم عليهم فإن الكفار يتعاملون فيما بينهم بأنواع المعاملات من المداينات وعقود المعاوضات وغيرها وتقع بينهم الجنايات وعدوان بعضهم على بعض ولا يحضرهم في الغالب مسلم ويتحاكمون إلينا فلو لم تقبل شهادة بعضهم على بعض لأدى ذلك إلى تظالمهم وضياع حقوقهم وفي ذلك فساد كبير فإن الحاجة إلى قبول شهادتهم على المسلمين في السفر من الحاجة إلى قبول شهادة بعضهم على بعض في السفر والحضر. قالوا: والكافر قد يكون عدلا في دينه بين قومه صادق اللهجة عندهم فلا يمنعه كفره من قبول شهادته عليهم إذا ارتضوه وقد رأينا كثيرا من الكفار يصدق في حديثه ويؤدي أمانته بحيث يشار إليه في ذلك ويشتهر به بين قومه وبين المسلمين بحيث يسكن القلب إلى صدقه وقبول خبره وشهادته ما لا يسكن إلى كثير من المنتسبين إلى الإسلام وقد أباح الله سبحانه معاملتهم وأكل طعامهم وحل نسائهم وذلك يستلزم الرجوع إلى أخبارهم قطعا فإذا جاز لنا الاعتماد على خبرهم(1\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "149",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5176",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيما يتعلق بنا من الأعيان التي تحل وتحرم فلأن نرجع إلى أخبارهم بالنسبة لما يتعلق بهم من ذلك أولى وأحرى فإن قلتم: هذا للحاجة قيل: وذلك أشد حاجة. قالوا: وقد أمر الله سبحانه بالحكم بينهم إما إيجابا وإما تخييرا والحكم إما بالإقرار وإما بالبينة ومعلوم أنهم مع الإقرار لا يرفعون إلينا ولا يحتاجون إلى الحكم غالبا وإنما يحتاجون إلى الحكم عند التجاحد وإقامة البينة وهم في الغالب لا تحضرهم البينة من المسلمين ومعلوم أن الحكم بينهم مقصوده العدل وإيصال كل ذي حق منهم إلى حقه فإذا غلب على الظن صدق مدعيهم بمن يحضره من الشهود الذي يرتضونهم فيما بينهم ولا سيما إذا كثروا فالحكم بشهادتهم أقوى من الحكم بمجرد نكول ناكلهم أو يمينه وهذا ظاهر جدا. قالوا: وأما قوله تعالى: وأشهدوا ذوي عدل منكم [الطلاق: 2] وقوله: ممن ترضون من الشهداء [البقرة: 282] وقوله: واستشهدوا شهيدين من رجالكم [البقرة: 282] : فهذا إنما هو في الحكم بين المسلمين فإن السياق كله في ذلك فإن الله سبحانه وتعالى قال: واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم [النساء: 15] وقال: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء [الطلاق: 1]- إلى قوله تعالى - وأشهدوا ذوي عدل منكم [الطلاق: 2] وكذلك قال في آية المداينة: يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين [البقرة: 282]- إلى قوله - واستشهدوا شهيدين من رجالكم [البقرة: 282] فلا تعرض في شيء من ذلك لحكم أهل الكتاب ألبتة. وأما قوله تعالى: وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة [المائدة: 64] فهذا إما أن يراد به: العداوة التي بين اليهود والنصارى أو يراد به العداوة التي بين فرقهم وإن كانوا ملة واحدة وهذا لا يمنع قبول شهادة بعضهم على بعض فإنها عداوة دينية فهي كالعداوة التي بين فرق هذه الأمة وإلباسهم شيعا وإذاقة بعضهم بأس بعض. واحتج الشافعي بأن من كذب على الله فهو إلى أن يكذب على مثله أقرب فيقال: وجميع أهل البدع قد كذبوا على الله ورسوله والخوارج من أصدق الناس لهجة وقد كذبوا على الله ورسوله وكذلك القدرية والمعتزلة وهم يظنون أنهم صادقون غير كاذبين فهم متدينون بهذا الكذب ويظنونه من أصدق الصدق. واحتج المانعون أيضا بأن في قبول شهادتهم إكراما لهم ورفعا لمنزلتهم وقدرهم ورذيلة الكفر تنفي ذلك.(1\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "150",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5177",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الآخرون: رذيلة الكفر لم تمنع قبول قولهم على المسلمين للحاجة بنص القرآن ولم تمنع ولاية بعضهم على بعض وعرافة بعضهم على بعض وكون بعضهم حاكما وقاضيا عليهم فلا نمنع أن يكون بعضهم شاهدا على بعض وليس في هذا تكريم لهم ولا رفع لأقدارهم وإنما هو دفع لشرهم بعضهم عن بعض وإيصال أهل الحقوق منهم إلى حقوقهم بقول من يرضونه وهذا من تمام مصالحهم التي لا غنى لهم عنها. ومما يوضح ذلك أنهم إذا رضوا بأن نحكم بينهم ورضوا بقبول قول بعضهم على بعض فألزمناهم بما رضوا به لم يكن ذلك مخالفا لحكم الله ورسوله فإنه لا بد أن يكون الشاهد بينهم ممن يثقون به فلو كان معروفا بالكذب وشهادة الزور لم نقبله ولم نلزمهم بشهادته.  [فصل في شهادة الكفار على المسلين في السفر] 80 - (فصل) فهذا حكم المسألة الأولى. وأما المسألة الثانية - هي قبول شهادتهم على المسلمين في السفر - فقد دل عليها صريح القرآن وعمل بها الصحابة وذهب إليها فقهاء الحديث. قال صالح بن أحمد: قال أبي: لا تجوز شهادة أهل الذمة إلا في موضع في السفر الذي قال الله تعالى فيه: أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض [المائدة: 106] فأجازها أبو موسى الأشعري. وقد روي عن ابن عباس quot; أو آخران من غيركم من أهل الكتاب quot; وهذا موضع ضرورة لأنه في سفر ولا نجد من يشهد من المسلمين وإنما جاءت في هذا المعنى اهـ. وقال إسماعيل بن سعيد الشالنجي: سألت أحمد - فذكر هذا المعنى - قلت: فإن كان ذلك على وصية المسلمين هل تجوز شهادتهم قال: نعم إذا كان على الضرورة قلت: أليس يقال: هذه الآية منسوخة قال: من يقول وأنكر ذلك وقال: وهل يقول ذلك إلا إبراهيم وقال في رواية ابنيه عبد الله وحنبل: تجوز شهادة النصراني واليهودي في الميراث على ما أجاز أبو موسى في السفر وأحلفه. وقال في رواية أبي الحارث: لا تجوز شهادة اليهودي والنصراني في شيء إلا في الوصية في السفر إذا لم يكن يوجد غيرهم قال الله تعالى: أو آخران من غيركم [المائدة: 106]  فلا تجوز شهادتهم إلا في هذا الموضع وهذا مذهب قاضي العلم والعدل: شريح وقول سعيد بن المسيب وحكاه أحمد عن ابن عباس وأبي موسى الأشعري. قال المروذي: حدثنا ابن نمير قال: حدثني يعلى بن الحارث عن أبيه عن غيلان بن جامع عن إسماعيل بن خالد عن عامر. قال: quot; شهد رجلان من أهل دقوقاء على وصية مسلم فاستحلفهما(1\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "151",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5178",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبو موسى بعد العصر: ما اشترينا به ثمنا قليلا ولا كتمنا شهادة إنا إذا لمن الآثمين ثم قال: إن هذه القضية ما قضي فيها مذ مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليوم. وذكر محمد بن إسحاق عن أبي النضر عن باذان مولى أم هانئ - عن ابن عباس عن تميم الداري في قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت [المائدة: 106] الآية قال: quot; برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بداء - وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام [قبل الإسلام]- فأتيا الشام [لتجارتهما]  وقدم بزيل بن أبي مريم مولى بني سهم - ومعه جام من فضة [يريد به الملك]  هو أعظم تجارته فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله. قال تميم: فلما مات أخذنا الجام فبعناه بألف درهم ثم اقتسمناه أنا وعدي بن بداء فلما قدمنا دفعنا ماله إلى أهله فسألوا عن الجام فقلنا: ما دفع إلينا غير هذا فلما أسلمت تأثمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمسمائة درهم وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها فأتوا به النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألهم البينة فلم يجيبوا فأحلفهم بما يعظم به على أهل دينهم فأنزل الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم [المائدة: 106] الآية. فحلف عمرو بن العاص وأخو سهم فنزعت الخمسمائة درهم من عدي بن بداء quot;. وروى يحيى بن أبي زائدة عن محمد بن القاسم عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس قال: quot; كان تميم الداري وعدي بن بداء يختلفان إلى مكة بالتجارة فخرج معهم رجل من بني سهم فتوفي بأرض ليس فيها مسلم فأوصى إليهما فدفعا تركته إلى أهله وحبسا جاما من فضة مخوصا بالذهب فتفقده أولياؤه فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحلفهما: ما كتمنا ولا أضعنا ثم عرف الجام بمكة فقالوا: اشتريناه من تميم وعدي فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله: إن هذا لجام السهمي ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين فأخذ الجام وفيهما نزلت هذه الآية.(1\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "152",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5179",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والقول بهذه الآية هو قول جمهور السلف قالت عائشة - رضي الله عنها -: quot; سورة المائدة آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها حلالا فحللوه وما وجدتم فيها حراما فحرموه quot;. وصح عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: quot; هذا لمن مات وعنده المسلمون فأمر الله أن يشهد في وصيته عدلين من المسلمين ثم قال تعالى: أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض [المائدة: 106] فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين فأمر الله عز وجل أن يشهد رجلين من غير المسلمين فإن ارتيب بشهادتهما استحلفا بعد الصلاة بالله: لا نشتري بشهادتنا ثمنا quot; وقد تقدم أن أبا موسى حكم بذلك. وقال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق السبيعي عن عمرو بن شرحبيل قال: quot; لم ينسخ من سورة المائدة شيء quot;. وقال وكيع: عن شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب quot; أو آخران من غيركم quot; قال: quot; من أهل الكتاب quot; وفي رواية صحيحة عنه quot; من غير أهل ملتكم quot;. وصح عن شريح قال: quot; لا تجوز شهادة المشركين على المسلمين إلا في الوصية ولا تجوز في الوصية إلا أن يكون مسافرا quot;. وصح عن إبراهيم النخعي quot; من غيركم quot;. quot; من أهل ملتكم quot; وصح عن سعيد بن جبير quot; أو آخران من غيركم quot; قال: quot; إذا كان في أرض الشرك فأوصى إلى رجلين من أهل الكتاب فإنهما يحلفان(1\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "153",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5180",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعد العصر فإن اطلع بعد حلفهما على أنهما خانا حلف أولياء الميت أنه كذا وكذا واستحقوا quot;. وصح عن الشعبي أو آخران من غيركم [المائدة: 106] قال: quot; من اليهود والنصارى quot;. وصح ذلك عن مجاهد قال: quot; من غير أهل الملة quot; وصح عن يحيى مثله وصح عن ابن سيرين ذلك. فهؤلاء أئمة المؤمنين: أبو موسى الأشعري وابن عباس. وروي نحو ذلك عن علي - رضي الله عنه - ذكر ذلك أبو محمد بن حزم وذكره أبو يعلى عن ابن مسعود ولا مخالف لهم من الصحابة. ومن التابعين: عمرو بن شرحبيل وشريح وعبيدة والنخعي والشعبي والسعيدان وأبو مجلز وابن سيرين ويحيى بن يعمر ومن تابعي التابعين: كسفيان الثوري ويحيى بن حمزة والأوزاعي. وبعد هؤلاء: كأبي عبيد وأحمد بن حنبل وجمهور فقهاء أهل الحديث وهو قول جميع أهل الظاهر. وخالفهم آخرون. ثم اختلفوا في تخريج الآية على ثلاث طرق: أحدها: أن المراد بقوله من غيركم [المائدة: 106] أي من غير قبيلتكم وروي ذلك عن الحسن وروي عن الزهري أيضا. والثاني: أن الآية منسوخة وهذا مروي عن زيد بن أسلم وغيره. والثالث: أن المراد بالشهادة فيها: أيمان الوصي بالله تعالى للورثة لا الشهادة المعروفة. قال القائلون بها: أما دعوى النسخ فباطلة فإنه يتضمن أن حكمها باطل لا يحل العمل به وأنه ليس من الدين وهذا ليس بمقبول إلا بحجة صحيحة لا معارض لها ولا يمكن أحد قط أن يأتي بنص صحيح صريح متأخر عن هذه الآية مخالف لها لا يمكن الجمع بينه وبينها فإن وجد إلى ذلك سبيلا صح النسخ وإلا فما معه إلا مجرد الدعوى الباطلة ثم قد قالت أعلم نساء الصحابة بالقرآن: إنه لا منسوخ في المائدة وقاله غيرها أيضا من السلف وعمل بها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعده ولو جاز قبول دعوى النسخ بلا حجة لكان كل من احتج عليه بنص يقول: هو منسوخ وكأن القائل لذلك لم يعلم أن معنى كون النص منسوخا: أن الله سبحانه حرم العمل به وأبطل كونه من الدين والشرع ودون هذا مفاوز تنقطع فيها الأعناق. قالوا: وأما قول من قال: المراد بقوله من غيركم [المائدة: 106] أي من غير قبيلتكم: فلا يخفى بطلانه وفساده فإنه ليس في أول الآية خطاب لقبيلة دون قبيلة بل هو خطاب عام لجميع المؤمنين فلا(1\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "154",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5181",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكون غير المؤمنين إلا من الكفار هذا مما لا شك فيه والذي قال من غير قبيلتكم: زلة عالم غفل عن تدبر الآية. وأما قول من قال: quot; إن المراد بالشهادة: أيمان الأوصياء للورثة quot; فباطل من وجوه: أحدها أنه سبحانه قال: شهادة بينكم [المائدة: 106] ولم يقل: أيمان بينكم. الثاني: أنه قال: اثنان [المائدة: 106] واليمين لا تختص بالاثنين. الثالث أنه قال: ذوا عدل منكم [المائدة: 106] واليمين لا يشترط فيها ذلك. الرابع: أنه قال: أو آخران من غيركم [المائدة: 106] واليمين لا يشترط فيها شيء من ذلك. الخامس: أنه قيد ذلك بالضرب في الأرض وليس ذلك شرطا في اليمين. السادس: أنه قال: ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين [المائدة: 106] وهذا لا يقال في اليمين في هذه الأفعال بل هو نظير قوله: ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه [البقرة: 283] . السابع: أنه قال: ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها [المائدة: 108] ولم يقل بالأيمان. الثامن: أنه قال: أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم [المائدة: 108] فجعل الأيمان قسيما للشهادة وهذا صريح في أنها غيرها. التاسع: أنه قال: فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما [المائدة: 107] فذكر اليمين والشهادة ولو كانت اليمين على المدعى عليه لما احتاجا إلى ذلك ولكفاهما القسم: أنهما ما خانا. العاشر: أن الشاهدين يحلفان بالله ولا نكتم شهادة الله [المائدة: 106] ولو كان المراد بها اليمين لكان المعنى: يحلفان بالله لا نكتم اليمين وهذا لا معنى له ألبتة فإن قيل اليمين لا تكتم فكيف يقال: احلف أنك لا تكتم حلفك الحادي عشر: أن المتعارف من quot; الشهادة quot; في القرآن والسنة: إنما هو الشهادة المعروفة كقوله تعالى: وأقيموا الشهادة لله [الطلاق: 2] وقوله: واستشهدوا شهيدين من رجالكم [البقرة: 282] وقوله: وأشهدوا ذوي عدل منكم [الطلاق: 2] ونظائره. فإن قيل: فقد سمى الله أيمان اللعان شهادة في قوله: فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله [النور: 6] وقال: ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله [النور: 8]  .(1\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "155",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5182",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل إنما سمي أيمان الزوج شهادة لأنها قائمة مقام البينة ولذلك ترجم المرأة إذا نكلت وسمي أيمانها شهادة لأنها في مقابلة شهادة الزوج. وأيضا فإن هذه اليمين خصت من بين الأيمان بلفظ quot; الشهادة. بالله quot; تأكيدا لشأنها وتعظيما لحظرها. الثاني عشر: أنه قال: شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت [المائدة: 106] ومن المعلوم: أنه لا يصح أن يكون: أيمان بينكم إذا حضر أحدكم الموت فإن الموصي إنما يحتاج للشاهدين لا إلى اليمين. الثالث عشر: أن حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي حكم به - وحكم به الصحابة بعده - هو تفسير الآية قطعا وما عداه باطل فيجب أن يرغب عنه. أما ما ذكره بعض الناس: أن ذلك مخالف للأصول والقياس من وجوه: أحدها: أن ذلك يتضمن شهادة الكافر ولا شهادة له. الثاني: أنه يتضمن حبس الشاهدين والشاهد لا يحبس. الثالث: أنه يتضمن تحليفهما والشاهد لا يحلف. الرابع: أنه يتضمن تحليف إحدى البينتين: أن شهادتهما أحق من شهادة البينة الأخرى. الخامس: أنه يتضمن شهادة المدعين لأنفسهم واستحقاقهم بمجرد أيمانهم. السادس: أن أيمان هؤلاء المستحقين التي قدمت على شهادة الشاهدين لما ظهرت خيانتهما: إن كانت شهادة فكيف يشهدان لأنفسهما وإن كانت أيمانا فكيف يقضى بيمين المدعي بلا شاهد لا رد . السابع: أن هذا يتضمن القسامة في الأموال والحكم بأيمان المدعين ولا يعرف بهذا القائل فهذا - وأمثاله - من الاعتراضات التي نعوذ بالله منها ونسأله العافية فإنها اعتراضات على حكم الله وشرعه وكتابه. فالجواب عنها: بيان أنها مخالفة لنص الآية معارضة لها فهي من الرأي الباطل الذي حذر منه سلف الأمة وقالوا: إنه يتضمن تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله وإسقاط ما فرض الله ولهذا اتفقت أقوال السلف على ذم هذا النوع من الرأي وأنه لا يحل الأخذ به في دين الله ولا يلزم الجواب عن هذه الاعتراضات وأمثالها ولكن نذكر الجواب بيانا للحكمة وأن الذي تضمنته الآية هو المصلحة وهو أعدل ما يحكم به وخير من كل حكم سواه ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون [المائدة: 50] .(1\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "156",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5183",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا المسلك الباطل يسلكه من يخالف حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيضا فإذا جاءهم حديث خلاف قولهم قالوا: هذا حديث يخالف الأصول فلا يقبل. والمحكمون لكتاب الله وسنة رسوله يرون هذه الآراء وأمثالها من أبطل الباطل لمخالفتها للأصول التي هي كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فهذه الآراء هي المخالفة للأصول حتما فهي باطلة قطعا على أن هذا الحكم أصل بنفسه مستغن عن نظير يلحق به. ونحن نجيبكم عن هذه الوجوه أجوبة مفصلة فنقول: أما قولكم: إنها تتضمن شهادة الكافر ولا شهادة له. قلنا: كيف يقول هذا أصحاب أبي حنيفة وهم يجيزون شهادة الكافر في كل شيء بعضهم على بعض . أم كيف يقوله أصحاب مالك وهم يجيزون شهادة طبيبين كافرين حيث لا يوجد طبيب مسلم وليس ذلك في القرآن فهلا أجازوا شهادة كافرين في الوصية في السفر حيث لا يوجد مسلم وهو في القرآن وقد حكم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من بعده . أم كيف يقوله أصحاب الشافعي وهم يرون نص الشافعي صريحا: quot; إذا صح الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخذوا به ودعوا قولي quot; وفي لفظ له quot; فأنا أذهب إليه quot; وفي لفظ quot; فاضربوا بقولي عرض الحائط quot;. وقد صح الحديث بذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجاء به نص كتاب الله وعمل به الصحابة. وقولكم: الشاهدان لا يحبسان ليس المراد هنا: السجن الذي يعاقب به أهل الجرائم وإنما المراد به: إمساكهما لليمين بعد الصلاة كما يقال: فلان يصبر لليمين أي يمسك لها وفي الحديث ولا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان . وقولكم: يتضمن تحليف الشاهدين: والشاهد لا يحلف فمن أين لكم أن مثل هذا الشاهد الذي شهادته بدل عن شهادة المسلم للضرورة - لا يحلف فأي كتاب أم أية سنة جاءت بذلك وقد حلف ابن عباس المرأة التي شهدت بالرضاع وذهب إليه الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وقد تقدم الكلام في تحليف الشهود المسلمين إذا ارتاب فيهم الحاكم ومن ذهب إليه من السلف وقضاة العدل. وقولكم: فيه شهادة المدعين لأنفسهم والحكم لهم بمجرد دعواهم ليس بصحيح فإن الله سبحانه جعل الأيمان لهم عند ظهور اللوث بخيانة الوصيين فشرع لهما أن يحلفا ويستحقا كما شرع لمدعي الدم في القسامة أن يحلفوا ويستحقوا دم وليهم لظهور اللوث فكانت اليمين لقوتها بظهور(1\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "157",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5184",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اللوث في الموضعين وليس هذا من باب شهادة المدعي لنفسه بل من باب الحكم له بيمينه القائمة مقام الشهادة لقوة جانبه كما حكم - صلى الله عليه وسلم - للمدعي بيمينه لما قوي جانبه بالشاهد الواحد فقوة جانب هؤلاء بظهور خيانة الوصيين كقوة جانب المدعي بالشاهد وقوة جانبه بنكول خصمه وقوة جانبه باللوث وقوة جانبه بشهادة العرف في تداعي الزوجين المتاع وغير ذلك. فهذا محض العدل ومقتضى أصول الشرع وموجب القياس الصحيح. وقولكم: إن هذا يتضمن القسامة في الأموال. قلنا: نعم لعمر الله وهي أولى بالقبول من القسامة في الدماء ولا سيما مع ظهور اللوث وأي فرق بين ظهور اللوث في صحة الدعوى بالدم وظهوره في صحة الدعوى بالمال وهل في القياس أصح من هذا وقد ذكر أصحاب مالك القسامة في الأموال وذلك فيما إذا أغار قوم على بيت رجل وأخذوا ما فيه والناس ينظرون إليهم ولم يشهدوا على معاينة ما أخذوه ولكن علم أنهم أغاروا وانتهبوا فقال ابن القاسم وابن الماجشون: القول قول المنتهب مع يمينه. وقال مطرف وابن كنانة وابن حبيب: القول قول المنهوب منه مع يمينه فيما يشبه وقد تقدم ذلك وذكرنا أنه اختيار شيخ الإسلام وحكينا كلامه - رحمه الله -. ولا يستريب عالم أن اعتبار اللوث في الأموال التي تباح بالبدل أولى منه في الدماء التي لا تباح به. فإن قيل: فالدماء يحتاط لها . قيل: نعم وهذا الاحتياط لم يمنع القول بالقسامة فيها وإن استحق بها دم المقسم عليه. ثم إن الموجبين للدية في القسامة حقيقة قولهم: إن القسامة على المال والقتل طريق لوجوبه فهكذا القسامة هاهنا على مال كالدية سواء فهذا من أصح القياس في الدماء وأبينه. فظهر أن القول بموجب هذه الآية هو الحق الذي لا معدل عنه نصا وقياسا ومصلحة وبالله التوفيق. 81 - (فصل) قال شيخنا - رحمه الله -: وقول الإمام أحمد في قبول شهادتهم في هذا الموضع: quot; هو ضرورة quot; يقتضي هذا التعليل قبولها في كل ضرورة حضرا وسفرا. على هذا لو قيل: يحلفون في شهادة بعضهم على بعض كما يحلفون على شهاداتهم على المسلمين في وصية السفر لكان متوجها ولو قيل: تقبل شهادتهم مع أيمانهم في كل شيء عدم فيه المسلمون لكان له وجه ويكون بدلا مطلقا.(1\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "158",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5185",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الشيخ: ويؤيد هذا ما ذكره القاضي وغيره - محتجا به - وهو في الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد - أن رجلا من المسلمين خرج فمر بقرية فمرض ومعه رجلان من المسلمين فدفع إليهما ماله ثم قال: ادعوا لي من أشهده على ما قبضتماه فلم يجدا أحدا من المسلمين في تلك القرية فدعوا أناسا من اليهود والنصارى فأشهدهم على ما دفع إليهما - وذكر القصة - فانطلقوا إلى ابن مسعود فأمر اليهودي والنصراني أن يحلفا بالله: لقد ترك من المال كذا وكذا ولشهادتنا أحق من شهادة هذين المسلمين ثم أمر أهل المتوفى أن يحلفوا أن شهادة اليهود والنصارى حق فحلفوا فأمرهم ابن مسعود أن يأخذوا من المسلمين ما شهد به اليهودي والنصراني وذلك في خلافة عثمان - رضي الله عنه -. فهذه شهادة للميت على وصيته وقد قضى بها ابن مسعود مع يمين الورثة لأنهم المدعون والشهادة على الميت لا تفتقر إلى يمين الورثة. ولعل ابن مسعود أخذ هذا من جهة أن الورثة يستحقون بأيمانهم على الشاهدين إذا استحقا إثما فكذلك يستحقون على الوصية مع شهادة الذميين بطريق الأولى. وقد ذكر القاضي هذا في مسألة دعوى الأسير إسلاما فقال: وقد قال الإمام أحمد في السبي إذا ادعوا نسبا وأقاموا بينة من الكفار: قبلت شهادتهم نص عليه في رواية حنبل وصالح وإسحاق بن إبراهيم لأنه قد تتعذر البينة العادلة ولم يجز ذلك في رواية عبد الله وأبي طالب. قال شيخنا - رحمه الله تعالى -: فعلى هذا كل موضع ضرورة غير المنصوص فيه: فيه روايتان لكن التحليف هاهنا لم يتعرضوا له فيمكن أن يقال: لأنه إنما يحلف حيث تكون شهادتهم بدلا كما في مسألة الوصية بخلاف ما إذا كانوا أصولا والله أعلم.  [فصل وهل تعتبر عدالة الكافرين في الشهادة بالوصية في دينهم] 82 - (فصل) قال شيخنا - رحمه الله -: وهل تعتبر عدالة الكافرين في الشهادة بالوصية في دينهما عموم كلام الأصحاب يقتضي أنها لا تعتبر وإن كنا إذا قبلنا شهادة بعضهم على بعض اعتبرنا عدالتهم في دينهم. وصرح القاضي: بأن العدالة غير معتبرة في هذه الحال والقرآن يدل عليه. وصرح القاضي: أنه لا تقبل شهادة فساق المسلمين في هذا الحال وجعله محل وفاق واعتذر عنه. وفي اشتراط كونهم من أهل الكتاب روايتان وظاهر القرآن: أنه لا يشترط وهو الصحيح لأنه سبحانه قال للمؤمنين: أو آخران من غيركم [المائدة: 106] وغير المؤمنين: هم الكفار كلهم ولأنه(1\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "159",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5186",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "موضع ضرورة وقد لا يحضر الموصي إلا كفارا من غير أهل الكتاب وإن تقييده بأهل الكتاب لا دليل عليه ولأن ذلك يستلزم تضييق محل الرخصة مع قيام المقتضي لعمومه. فإن قيل: فهل يجوز في هذه الصورة أن يحكم بشهادة كافر وكافرتين قيل: لا نعرف عن أحد في هذا شيئا ويحتمل أن يقال بجواز ذلك وهو القياس فإن الأموال يقبل فيها رجل وامرأتان وهذا قول أبي محمد بن حزم وهو يحتج بعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: أليست شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل (146) وهذا العموم جوز الحكم أيضا في هذه الصورة بأربع نسوة كوافر وليس ببعيد عند الضرورة إذا لم يحضره إلا النساء بل هو محض الفقه. فإن قيل: فهل ينقض حكم من حكم بغير حكم هذه الآية . قيل: أصول المذهب تقتضي نقض حكمه لمخالفته نص الكتاب. قال شيخنا - رضي الله عنه - في تعليقه على quot; المحرر quot;: ويتوجه أن ينقض حكم الحاكم إذا حكم بخلاف هذه الآية فإنه خالف نص الكتاب العزيز بدلالات ضعيفة.  [فصل الطريق الثامن عشر في الحكم بالإقرار] 83 - (فصل) الطريق الثامن عشر الحكم بالإقرار. قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط [المائدة: 8]  وفي الآية الأخرى: كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم [النساء: 135] ولا خلاف أنه لا يعتبر في صحة الإقرار أن يكون بمجلس الحاكم إلا شيئا حكاه محمد بن الحسن الجوزي في كتاب النوادر quot; له فقال: قال ابن أبي ليلى: لا أجيز إقرارا في حق أنكره الخصم عندي إلا إقرارا بحضرتي - ولعله ذهب في ذلك إلى أن الإقرار لما كان شهادة المرء على نفسه اعتبر له مجلس الحكم كالحكم بالبينة والفرق ظاهر لا خفاء به. 84 - (فصل) ويحكم بإقرار الخصم في مجلسه إذا سمعه معه شاهدان بغير خلاف فإن لم يسمعه معه غيره فنص أحمد على أنه يحكم به وإن لم نقل يحكم بعلمه فإن مجلس الحاكم مجلس فصل الخصومات وقد جلس لذلك وقد أقر الخصم في مجلسه فوجب عليه الحكم به كما لو قامت بذلك البينة عنده وليس عنده أحد غيره يسمع معه شهادتهما فإن هذا محل وفاق. وقال القاضي: لا يحكم بالإقرار في مجلسه حتى يسمعه معه شاهدان دفعا للتهمة عنه إلا أن(1\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "160",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5187",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقول يقضي بعلمه فإنه يجوز له الحكم حينئذ. والتحقيق أن هذا يشبه مسألة الحكم بعلمه من وجه ويفارقها من وجه. فشبه ذلك بمسألة حكمه بعلمه أنه ليس هناك بينة وهو في موضع تهمة. ووجه الفرق بينهما أن الإقرار بينة قامت في مجلسه فإن البينة: اسم لما يبين به الحق فعلم الحق في مجلس القضاء الذي انتصب فيه للحكم به وليس من شرط صحة الحكم أن يكون بمحضر الشاهدين فكذلك لا يعتبر في طريقه أن يكون بمحضر شاهدين وليس هذا بمنزلة ما رآه أو سمعه في غير مجلسه.  [فصل الطريق التاسع عشر في حكم الحاكم بعلمه] 85 - (فصل) الطريق التاسع عشر الحكم بعلمه: وقد اختلف في ذلك قديما وحديثا وفي مذهب الإمام أحمد ثلاث روايات إحداها: - وهي الرواية المشهورة عنه المنصورة عند أصحابه - أنه لا يحكم بعلمه لأجل التهمة. والثانية: يجوز له ذلك مطلقا في الحدود وغيرها. والثالثة: يجوز إلا في الحدود. ولا خلاف عنه أنه يبني على علمه في عدالة الشهود وجرحهم ولا يجب عليه أن يسأل غيره عما علمه من ذلك. ولأصحاب الشافعي طريقان: أحدهما: يقضي بعلمه قطعا. والثاني: أن المسألة على قولين أظهرهما عند أكثر الصحابة يقضي به. قالوا: لأنه يقضي بشاهدين وذلك يفيد ظنا فالعلم أولى بالجواز. وأجابوا عما احتج به المانعون من ذلك من التهمة أن القاضي لو قال ثبت عندي وصح كذا وكذا ألزم قبوله بلا خلاف. ولم يبحث عما ثبت به وصح والتهمة قائمة. ووجه هذا أنه لما ملك الإنشاء ملك الإخبار. ثم بنوا على القولين ما علمه في زمن ولايته ومكانها وما علمه في غيرها. قالوا: فإن قلنا: لا يقضي بعلمه فذلك إذا كان مستنده مجرد العلم أما إذا شهد رجلان يعرف عدالتهما فله أن يقضي ويغنيه علمه بهما عن تزكيتهما. وفيه وجه ضعيف: لا يغنيه ذلك عن(1\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "161",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5188",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تزكيتهما للتهمة. قالوا: ولو أقر بالمدعى به في مجلس قضائه قضى وذلك قضاء بالإقرار لا بعلمه وإن أقر عنده سرا فعلى القولين وقيل: يقضي قطعا. ولو شهد عنده واحد فهل يغنيه علمه عن الشاهد الآخر على قول المنع فيه وجهان وهذا تحصيل مذهب الشافعي وأصحابه. وأما مذهب مالك: فإنه لا يقضي بعلمه في المدعى به بحال سواء علمه قبل التولية أو بعدها في مجلس قضائه أو غيره قبل الشروع في المحاكمة أو بعد الشروع فهو أشد المذاهب في ذلك. وقال عبد الملك وسحنون: يحكم بعلمه فيما علمه بعد الشروع في المحاكمة. قالوا: فإن حكم بعلمه - حيث قلنا لا يحكم - فقال أبو الحسن اللخمي: لا ينقض عند بعض أصحابنا وعندي أنه ينقض. قالوا: ولا خلاف في أن ما رآه القاضي أو سمعه في غير مجلس قضائه أنه لا يحكم به وأنه ينقض إن حكم به وينقضه هو وغيره وإنما الخلاف فيما يتقارر به الخصمان في مجلسه فإن حكم به نقضه هو ولا ينقضه غيره. قال اللخمي: وقد اختلف إذا أقر بعد أن جلسا للخصومة ثم أنكرا فقال مالك وابن القاسم: لا يحكم بعلمه. وقال عبد الملك وسحنون: يحكم لأن الخصمين إذا جلسا للمحاكمة فقد رضيا أن يحكم بينهما بما يقولانه ولذلك قصداه - هذا تحصيل مذهب مالك. وأما مذهب أبي حنيفة فقالوا: إذا علم الحاكم بشيء من حقوق العباد في زمن ولايته ومحلها جاز له أن يقضي به لأن علمه كشهادة الشاهدين بل أولى لأن اليقين حاصل بما علمه بالمعاينة أو السماع والحاصل بالشهادة غلبة الظن وأما ما علمه قبل ولايته أو في غير محل ولايته فلا يقضي به عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: يقضي به كما في حال ولايته ومحلها. قال المنتصرون لقول أبي حنيفة: هو في غير مصره وغير ولايته شاهد لا حاكم وشهادة الفرد لا تقبل وصار كما إذا علم بالبينة العادلة ثم ولي القضاء فإنه لا يعمل بها. قالوا: وأما الحدود فلا يقضي بعلمه فيها لأنه خصم فيها ولأنه حق الله تعالى وهو نائبه إلا في حد القذف فإنه يعمل بعلمه لما فيه من حق العبد وإلا في المسكر إذا وجد سكرانا أو من به أمارات السكر فإنه يعذر. هذا تحصيل مذهب أبي حنيفة. أما أهل الظاهر فقال أبو محمد بن حزم: وفرض على الحاكم أن يحكم بعلمه في الدماء والأموال(1\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "162",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5189",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والقصاص والفروج والحدود سواء أعلم ذلك قبل ولايته أو بعد ولايته قال: وأقوى ما حكم بعلمه ثم بالإقرار ثم بالبينة. 86 - (فصل) وأما الآثار عن الصحابة - رضي الله عنهم - فصح عن أبي بكر الصديق أنه قال: quot; لو رأيت رجلا على حد من حدود الله تعالى لم آخذه حتى يكون معي شاهد غيري quot;. وعن عمر بن الخطاب أنه قال لعبد الرحمن بن عوف: quot; أرأيت لو رأيت رجلا قتل أو شرب أو زنى قال: شهادتك شهادة رجل من المسلمين فقال له عمر: صدقت quot;. وروي نحو هذا عن معاوية وابن عباس. ومن طريق الضحاك: أن عمر اختصم إليه في شيء يعرفه فقال للطالب: quot; إن شئت شهدت ولم أقض وإن شئت قضيت ولم أشهد quot;. وأما الآثار عن التابعين فصح عن شريح أنه اختصم عنده اثنان فأتاه أحدهما بشاهد. وقال لشريح: وأنت شاهدي أيضا فقضى له شريح مع شاهده بيمينه وهذا محتمل. وصح عن الشعبي أنه قال: لا أكون شاهدا وقاضيا. واحتج من قال: quot; يحكم بعلمه quot; بما في quot; الصحيحين quot; من قصة هند بنت عتبة لما اشتكت أبا سفيان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحكم لها عليه بأن تأخذ كفايتها وكفاية بنيها ولم يسألها البينة ولا أحضر الزوج. وهذا الاستدلال ضعيف جدا فإن هذا إنما هو فتيا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا حكم ولهذا لم يحضر الزوج ولم يكن غائبا عن البلد والحكم على الغائب عن مجلس الحكم الحاضر في البلد غير ممتنع وهو يقدر على الحضور ولم يوكل وكيلا لا يجوز اتفاقا.(1\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "163",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5190",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأيضا فإنها لم تسأله الحكم وإنما سألته: quot; هل يجوز لها أن تأخذ ما يكفيها ويكفي بنيها quot; وهذا استفتاء محض فالاستدلال به على الحكم سهو. واحتج بما رواه ابن ماجه والبيهقي من حديث حماد بن سلمة حدثني عبد الملك أبو جعفر عن أبي نضرة عن سعيد بن الأطول أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم وترك عيالا قال: فأردت أن أنفقها على عياله فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن أخاك محبوس بدينه فاقض عنه قلت: يا رسول الله قد قضيت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة وليست لها بينة قال: أعطها فإنها محقة وفي لفظ فإنها صادقة وهذا أصرح في الدلالة مما قبله. وقال حماد عن الجريري عن أبي نضرة عن رجل من الصحابة بمثله ولكن لم يسم: كم ترك . وبعد فهذا لا يدل أيضا فإن المنع من حكم الحاكم بعلمه إنما هو لأجل التهمة هي معلومة الانتفاء من سيد الحكام - صلى الله عليه وسلم -. واحتج بما في quot; الصحيحين quot; من حديث عقيل عن ابن شهاب عن عمرة عن عائشة: أن فاطمة - رضي الله عنها - أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله فقال أبو بكر إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لا نورث ما تركناه صدقة إنما يأكل آل محمد في هذا المال  وإني والله لا أغير شيئا من صدقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأعملن فيها بما عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا. - وذكر الحديث. والاستدلال به سهو أيضا فإن أبا بكر - رضي الله عنه - علم من دين الرسول أن هذه الدعوى باطلة لا يسوغ الحكم بموجبها بل دعواها بمنزلة دعوى استحقاق ما علم وتحقق دفعه بالضرورة بل بمنزلة ما يعلم بطلانه قطعا من الدعاوى وسيدة نساء العالمين - رضي الله عنها - خفي عليها حكم هذه الدعوى وعلمه الخلفاء الراشدون ومن معهم من الصحابة فالصديق معه الحجة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يسمع هذه الدعوى ولم يحكم بموجبها للحجة الظاهرة التي علمها معه عمر بن الخطاب(1\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "164",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5191",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والصحابة - رضي الله عنهم - أجمعين فأين هذا من حكم الحاكم بعلمه الذي لم يقم به حجة على الخصم . واحتج أبو محمد بن حزم لهذا القول بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: بينتك أو يمينه قال: ومن البينة التي لا بينة أبين منها: علم الحاكم بالمحق من المبطل وهذا إلى أن يكون حجة عليهم أقرب من أن يكون حجة لهم فإنه قال: quot; بينتك quot; quot; والبينة quot; اسم لما يبين الحق بحيث يظهر المحق من المبطل ويبين ذلك للناس وعلم الحاكم ليس ببينة. واحتجوا أيضا بقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط [النساء: 135] وليس من القسط: أن يعلم الحاكم أن أحد الخصمين مظلوم والآخر ظالم ويترك كلا منهما على حاله. قال الآخرون: ليس في هذا محذور حيث لم يأت المظلوم بحجة يحكم له بها فالحاكم معذور إذ لا حجة معه يوصل بها صاحب الحق إلى حقه وقد قال سيد الحكام - صلوات الله وسلامه عليه -: إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار (119) . واحتجوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وإذا رأى الحاكم وحده عدوان رجل على رجل وغصبه ماله أو سمع طلاقه لامرأته وعتقه لعبده ثم رأى الرجل مستمرا في إمساك الزوجة أو بيع من صرح بعتقه فقد أقر على المنكر الذي أمر بتغييره. قال الآخرون: هو مأمور بتغيير ما يعلم الناس أنه منكر بحيث لا تتطرق إليه تهمة في تغييره وأما إذا عمد إلى رجل مع زوجته وأمته ولم يشهد أحد أنه طلقها ولا أعتقها ألبتة ولا سمع بذلك أحد قط ففرق بينهما وزعم أنه طلق وأعتق: فإنه ينسب ظاهرا إلى تغيير المعروف بالمنكر وتطرق الناس إلى اتهامه والوقوع في عرضه وهل يسوغ للحاكم أن يأتي إلى رجل مستور بين الناس غير مشهور بفاحشة وليس عليه شاهد واحد بها فيرجمه ويقول: رأيته يزني أو يقتله ويقول: سمعته يسب أو يفرق بين الزوجين ويقول: سمعته يطلق وهل هذا إلا محض التهمة .(1\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "165",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5192",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولو فتح هذا الباب - ولا سيما لقضاة الزمان - لوجد كل قاض له عدو السبيل إلى قتل عدوه ورجمه وتفسيقه والتفريق بينه وبين امرأته ولا سيما إذا كانت العداوة خفية لا يمكن لعدوه إثباتها وحتى لو كان الحق هو حكم الحاكم بعلمه لوجب منع قضاة الزمان من ذلك وهذا إذا قيل في شريح وكعب بن سوار وإياس بن معاوية والحسن البصري وعمران الطلحي وحفص بن غياث وأضرابهم. كان فيه ما فيه. وقد ثبت عن أبي بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس ومعاوية - رضي الله عنهم - المنع من ذلك ولا يعرف لهم في الصحابة مخالف. فذكر البيهقي وغيره عن أبي بكر الصديق أنه قال: quot; لو وجدت رجلا على حد من حدود الله لم أحده حتى يكون معي غيري quot;. وعن عمر أنه قال لعبد الرحمن بن عوف: أرأيت لو رأيت رجلا يقتل أو يسرق أو يزني قال: أرى شهادتك شهادة رجل من المسلمين قال: أصبت وعن علي نحوه. وهذا من كمال فقه الصحابة - رضي الله عنهم - فإنهم أفقه الأمة وأعلمهم بمقاصد الشرع وحكمه فإن التهمة مؤثرة في باب الشهادات والأقضية وطلاق المريض وغير ذلك فلا تقبل شهادة السيد لعبده ولا العبد لسيده ولا شهادة الوالد لولده وبالعكس ولا شهادة العدو على عدوه ولا يقبل حكم الحاكم لنفسه ولا ينفذ حكمه على عدوه ولا يصح إقرار المريض مرض الموت لوارثه ولا لأجنبي عند مالك إذا قامت شواهد التهمة ولا تمنع المرأة الميراث بطلاقه لها لأجل التهمة ولا يقبل قول المرأة على ضرتها أنها أرضعتها - أضعاف ذلك مما يرد ولا يقبل للتهمة. ولذلك منعنا في مسألة الظفر أن يأخذ المظلوم من مال ظالمه نظير ما خانه فيه لأجل التهمة وإن كان إنما يستوفي حقه. ولقد كان سيد الحكام - صلوات الله وسلامه عليه - يعلم من المنافقين ما يبيح دماءهم وأموالهم ويتحقق ذلك ولا يحكم فيهم بعلمه مع براءته عند الله وملائكته وعباده المؤمنين من كل تهمة لئلا يقول الناس: إن محمدا يقتل أصحابه ولما رآه بعض أصحابه مع زوجته صفية بنت حيي قال: رويدكما إنها صفية بنت حيي لئلا تقع في نفوسهما تهمة له.(1\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "166",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5193",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن تدبر الشريعة وما اشتملت عليه من المصالح وسد الذرائع تبين له الصواب في هذه المسألة وبالله التوفيق.  [فصل الطريق العشرون في الحكم بالتواتر] 87 - (فصل) الطريق العشرون الحكم بالتواتر وإن لم يكن المخبرون عدولا ولا مسلمين. وهذا من أظهر البينات فإذا تواتر الشيء عنده وتضافرت به الأخبار بحيث اشترك في العلم به هو وغيره حكم بموجب ما تواتر عنده كما إذا تواتر عنده فسق رجل أو صلاحه ودينه أو عداوته لغيره أو فقر رجل وحاجته أو موته أو سفره ونحو ذلك حكم بموجبه ولم يحتج إلى شاهدين عدلين بل بينة التواتر أقوى من الشاهدين بكثير فإنه يفيد العلم والشاهدان غايتهما أن يفيدا ظنا غالبا. وقد ذكر أصحابنا - كالقاضي وأبي الخطاب وابن عقيل وغيرهم - ما يدل على ذلك فإنهم قالوا في الرد على من زعم أن التواتر يحصل بأربعة لو حصل العلم بخبر أربعة نفر لما احتاج القاضي - إذا شهد عنده أربعة بالزنا - أن يسأل عن عدالتهم وتزكيتهم. قال شيخنا: وهذا يقتضي أن القاضي إذا حصل له العلم بشهادة الشهود لم يحتج إلى تزكية. والتواتر يحصل بخبر الكفار والفساق والصبيان. وإذا كان يقضي بشهادة واحد مع اليمين وبدونها بالنكول وبشهادة المرأة الواحدة - حيث يحكم بذلك - فالقضاء بالتواتر أولى وأحرى وبيان الحق به أعظم من بيانه بنصاب الشهادة. فإن قيل: فلو تواتر عنده زنا رجل أو امرأة فهل له أن يحدهما بذلك . قيل: لا بد في إقامة الحد بالزنا من معاينة ومشاهدة له ولا تكفي فيه القرائن واستفاضته في الناس ولا يمكن في العادة التواتر بمعاينة ذلك ومشاهدته للاختفاء به وستره عن العيون فيستحيل في العادة أن يتوافر الخبر عن معاينته.(1\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "167",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5194",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نعم لو قدر ذلك - بأن أتى ذلك بين الناس أعيانا وشهد عدد كثير يقع العلم الضروري بخبرهم - حد بذلك قطعا ولا يليق بالشريعة غير ذلك ولا يحتمل غيره.  [فصل الطريق الحادي والعشرون في الحكم بالاستفاضة] 88 - (فصل) الطريق الحادي والعشرون الحكم بالاستفاضة: هي درجة بين التواتر والآحاد فالاستفاضة: هي الاشتهار الذي يتحدث به الناس وفاض بينهم. وقد قسم الحنفية الأخبار إلى ثلاثة أقسام. آحاد وتواتر واستفاضة وجعلوا المستفيض مرتبة بين المرتبتين وخصوا به عموم القرآن وقالوا: هو بمنزلة التواتر ومنهم من جعله قسما من أقسام التواتر. وهذا النوع من الأخبار يجوز استناد الشهادة إليه ويجوز أن يعتمد الزوج عليه في قذف امرأته ولعانها إذا استفاض في الناس زناها ويجوز اعتماد الحاكم عليه. قال شيخنا في الذمي: إذا زنى بالمسلمة قتل ولا يرفع عنه القتل الإسلام ولا يشترط فيه أداء الشهادة على الوجه المعتبر في المسلم بل يكفي استفاضة ذلك واشتهاره هذا نص كلامه. وهذا هو الصواب لأن الاستفاضة من أظهر البينات فلا يتطرق إلى الحاكم تهمة إذا استند إليها فحكمه بها حكم بحجة لا بمجرد علمه الذي يشاركه فيه غيره ولذلك كان له أن يقبل شهادة الشاهد إذا استفاض في الناس صدقه وعدالته من غير اعتبار لفظ شهادة على العدالة ويرد شهادته ويحكم بفسقه باستفاضة فجوره وكذبه وهذا مما لا يعلم فيه بين العلماء نزاع وكذلك الجارح والمعدل يجرح الشاهد بالاستفاضة صرح بذلك أصحاب الشافعي وأحمد ويعدله بالاستفاضة ولا ريب أنا نشهد بعدالة عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - وفسق الحجاج. والمقصود: أن الاستفاضة طريق من طرق العلم التي تنفي التهمة عن الشاهد والحاكم وهي أقوى من شهادة اثنين مقبولين.  [فصل الطريق الثاني والعشرون في أخبار الآحاد] 89 - (فصل) الطريق الثاني والعشرون أخبار الآحاد: وهو أن يخبره عدل يثق بخبره ويسكن إليه بأمر فيغلب على ظنه صدقه فيه أو يقطع به لقرينة به فيحمل ذلك مستندا لحكمه وهذا يصلح للترجيح والاستظهار بلا ريب ولكن هل يكفي وحده في الحكم هذا موضع تفصيل.(1\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "168",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5195",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيقال: إما أن يقترن بخبره ما يفيد معه اليقين أم لا فإن اقترن بخبره ما يفيد معه اليقين جاز أن يحكم به وينزل منزلة الشهادة بل هو شهادة محضة في أصح الأقوال وهو قول الجمهور فإنه لا يشترط في صحة الشهادة ذكر لفظ quot; أشهد quot; بل متى قال الشاهد: رأيت كيت وكيت أو سمعت أو نحو ذلك: كانت شهادة منه وليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موضع واحد يدل على اشتراط لفظ quot; الشهادة quot; ولا عن رجل واحد من الصحابة ولا قياس ولا استنباط يقتضيه بل الأدلة المتضافرة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ولغة العرب تنفي ذلك. وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وظاهر كلام أحمد وحكي ذلك عنه نصا. قال تعالى: قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم [الأنعام: 150] ومعلوم قطعا: أنه ليس المراد التلفظ بلفظة quot; أشهد quot; في هذا بل مجرد الإخبار بتحريمه. وقال تعالى: لكن الله يشهد بما أنزل إليك [النساء: 166] ولا تتوقف صحة الشهادة على أنه يقول سبحانه quot; أشهد بكذا quot;. وقال تعالى: ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق [الزخرف: 86] أي أخبر به وتكلم به عن علم والمراد به التوحيد. ولا تفتقر صحة الإسلام إلى أن يقول الداخل فيه: quot; أشهد أن لا إله إلا الله quot; بل لو قال: quot; لا إله إلا الله محمد رسول الله quot; كان مسلما بالاتفاق. وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا تكلموا بقول: quot; لا إله إلا الله quot; حصلت لهم العصمة وإن لم يأتوا بلفظ quot; أشهد quot; وقال تعالى: فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور [الحج: 30] حنفاء لله غير مشركين به [الحج: 31] وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: عدلت(1\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "169",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5196",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شهادة الزور الإشراك بالله . وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر الشرك بالله وقتل النفس التي حرم الله وقول الزور. وفي لفظ ألا وشهادة الزور . فسمى قول الزور شهادة وإن لم يكن معه لفظ quot; أشهد quot;. وقال ابن عباس: شهد عندي رجال مرضيون - وأرضاهم عندي عمر - quot; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس ومعلوم أن عمر لم يقل لابن عباس quot; أشهد quot; عندك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذلك ولكن أخبره فسماه ابن عباس شهادة. وقد تناظر الإمام أحمد وعلي بن المديني في العشرة - رضوان الله عليهم - فقال علي: أقول quot; هم في الجنة ولا أشهد بذلك quot; بناء على أن الخبر في ذلك خبر آحاد فلا يفيد العلم والشهادة إنما تكون على العلم فقال له الإمام أحمد: quot; متى قلت: هم في الجنة فقد شهدت quot; حكاه القاضي(1\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "170",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5197",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبو يعلى وذكره شيخنا - رحمه الله -. فكل من أخبر بشيء فقد شهد به وإن لم يتلفظ بلفظ quot; أشهد quot;. ومن العجب: أنهم احتجوا على قبول الإقرار بقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم [النساء: 135] . قالوا: هذا يدل على قبول إقرار المرء على نفسه ولم يقل أحد إنه لا يقبل الإقرار حتى يقول المقر quot; أشهد على نفسي quot; وقد سماه الله شهادة. قال شيخنا: فاشتراط لفظ quot; الشهادة quot; لا أصل له في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من الصحابة ولا يتوقف إطلاق لفظ quot; الشهادة quot; لغة على ذلك وبالله التوفيق. وعلى هذا: فليس الإخبار طريقا آخر غير طريق الشهادة.  [فصل الطريق الثالث والعشرون في الحكم بالخط المجرد وله صور] 90 - (فصل) الطريق الثالث والعشرون الحكم بالخط المجرد - وله صور ثلاث: الصورة الأولى: أن يرى القاضي حجة فيها حكمه لإنسان فيطلب منه إمضاءه والعمل به فقد اختلف في ذلك فعن أحمد ثلاث روايات إحداهن: أنه إذا تيقن أنه خطه نفذه وإن لم يذكره. والثانية: أنه لا ينفذه حتى يذكره والثالثة: أنه إذا كان في حرزه وحفظه نفذه وإلا فلا. قال أبو البركات: وكذلك الروايات في شهادة الشاهد: بناء على خطه إذا لم يذكره. والمشهور من مذهب الشافعي: أنه لا يعتمد على الخط لا في الحكم ولا في الشهادة وفي مذهبه وجه آخر: أنه يجوز الاعتماد عليه إذا كان محفوظا عنده كالرواية الثالثة عن أحمد. وأما مذهب أبي حنيفة فقال: الخفاف. قال أبو حنيفة: إذا وجد القاضي في ديوانه شيئا لا يحفظه - كإقرار الرجل بحق من الحقوق - وهو لا يذكر ذلك ولا يحفظه فإنه لا يحكم بذلك ولا ينفذه حتى يذكره. وقال أبو يوسف ومحمد: ما وجده القاضي في ديوانه - من شهادة شهود شهدوا عنده لرجل على رجل بحق أو إقرار رجل لرجل بحق والقاضي لا يحفظ ذلك ولا يذكره - فإنه ينفذ ذلك ويقضي به إذا كان تحت خاتمه محفوظا ليس كل ما في ديوان القاضي يحفظه. وأما مذهب مالك: فقال في quot; الجواهر quot;: لا يعتمد على الخط إذا لم يذكر لإمكان التزوير عليه قال القاضي أبو محمد: إذا وجد في ديوانه حكما بخطه. ولم يذكر أنه حكم به: لم يجز له أن يحكم به إلا أن يشهد عنده شاهدان.(1\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "171",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5198",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: وإذا نسي القاضي حكما حكم به فشهد به عنده شاهدان أنه قضى به: نفذ الحكم بشهادتهما وإن لم يذكر. وجمهور أهل العلم على خلافها بل إجماع أهل الحديث قاطبة على اعتماد الراوي على الخط المحفوظ عنده وجواز التحديث به إلا خلافا شاذا لا يعتد به ولو لم يعتمد على ذلك لضاع الإسلام اليوم وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فليس بأيدي الناس - بعد كتاب الله - إلا هذه النسخ الموجودة من السنن وكذلك كتب الفقه: الاعتماد فيها على النسخ وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبعث كتبه إلى الملوك وغيرهم وتقوم بها حجته ولم يكن يشافه رسولا بكتابه بمضمونه قط ولا جرى هذا في مدة حياته - صلى الله عليه وسلم - بل يدفع الكتاب مختوما ويأمره بدفعه إلى المكتوب إليه وهذا معلوم بالضرورة لأهل العلم بسيرته وأيامه. وفي quot; الصحيح quot; عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده . ولو لم يجز الاعتماد على الخط لم تكن لكتابة وصية فائدة. قال إسحاق بن إبراهيم: قلت لأحمد: الرجل يموت وتوجد له وصية تحت رأسه من غير أن يكون أشهد عليها أو أعلم بها أحدا هل يجوز إنفاذ ما فيها قال: إن كان قد عرف خطه وكان مشهور الخط: فإنه ينفذ ما فيها. وقد نص في الشهادة: أنه إذا لم يذكرها ورأى خطه: لا يشهد حتى يذكرها. ونص فيمن كتب وصيته وقال: اشهدوا علي بما فيها: أنهم لا يشهدون إلا أن يسمعوها منه أو تقرأ عليه فيقر بها. فاختلف أصحابنا فمنهم من خرج في كل مسألة حكم الأخرى وجعل فيها وجهين بالنقل والتخريج ومنهم من امتنع من التخريج وأقر النصين وفرق بينهما. واختار شيخنا التفريق قال: والفرق: أنه إذا كتب وصيته وقال: اشهدوا علي بما فيها فإنهم لا يشهدون لجواز أن يزيد في الوصية وينقص ويغير وأما إذا كتب وصيته ثم مات وعرف أنه خطه فإنه يشهد به لزوال هذا المحذور.(1\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "172",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5199",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحديث المتقدم كالنص في جواز الاعتماد على خط الموصي وكتبه - صلى الله عليه وسلم - إلى عماله وإلى الملوك وغيرهم تدل على ذلك ولأن الكتابة تدل على المقصود فهي كاللفظ ولهذا يقع بها الطلاق. قال القاضي: وثبوت الخط في الوصية يتوقف على معاينة البينة أو الحاكم لفعل الكتابة لأنها عمل والشهادة على العمل طريقها الرؤية. وقول الإمام أحمد: quot; إن كان قد عرف خطه وكان مشهور الخط ينفذ ما فيها quot; يرد ما قاله القاضي فإن أحمد علق الحكم بالمعرفة والشهرة من غير اعتبار لمعاينة الفعل وهذا هو الصحيح فإن القصد حصول العلم بنسبة الخط إلى كاتبه فإذا عرف ذلك وتيقن كان كالعلم بنسبة اللفظ إليه فإن الخط دال على اللفظ واللفظ دال على القصد والإرادة وغاية ما يقدر: اشتباه الخطوط وذلك كما يعرض من اشتباه الصور والأصوات وقد جعل الله سبحانه لخط كل كاتب ما يتميز به عن خط غيره كتميز صورته وصوته عن صورته وصوته والناس يشهدون شهادة - لا يستريبون فيها - أن هذا خط فلان وإن جازت محاكاته ومشابهته فلا بد من فرق وهذا أمر يختص بالخط العربي ووقوع الاشتباه والمحاكاة لو كان مانعا لمنع من الشهادة على الخط عند معاينته إذا غاب عنه لجواز المحاكاة دلت الأدلة المتضافرة - التي تقرب من القطع - على قبول شهادة الأعمى فيما طريقه السمع إذا عرف الصوت مع أن تشابه الأصوات - إن لم يكن أعظم من تشابه الخطوط - فليس دونه. وقد صرح أصحاب أحمد والشافعي بأن الوارث إذا وجد في دفتر مورثه أن لي عند فلان كذا جاز له أن يحلف على استحقاقه وأظنه منصوصا عليها وكذلك لو وجد في دفتره: أن أديت إلى فلان ماله علي جاز له أن يحلف على ذلك إذا وثق بخط مورثه وأمانته. ولم يزل الخلفاء والقضاة والأمراء والعمال يعتمدون على كتب بعضهم إلى بعض ولا يشهدون حاملها على ما فيها ولا يقرءونها عليه هذا عمل الناس من زمن نبيهم إلى الآن. قال البخاري في صحيحه quot;: quot; باب الشهادة على الخط [المختوم]  وما يجوز من ذلك وما يضيق عليه وكتاب الحاكم إلى عماله والقاضي إلى القاضي وقال بعض الناس: كتاب الحاكم جائز إلا في الحدود [ثم] قال: وإن كان القتل خطأ لأن هذا مال يزعمه وإنما صار مالا بعد أن ثبت القتل فالخطأ والعمد واحد. وقد كتب عمر إلى عامله في الحدود وكتب عمر بن عبد العزيز في سن كسرت. وقال إبراهيم: كتاب القاضي إلى القاضي جائز إذا عرف الكتاب والخاتم وكان الشعبي يجيز الكتاب المختوم بما فيه من القاضي ويروى عن ابن عمر نحوه. وقال معاوية بن عبد الكريم الثقفي: شهدت عبد الملك بن يعلى - قاضي البصرة - وإياس بن معاوية والحسن البصري وثمامة بن عبد الله بن أنس وبلال بن أبي بردة وعبد الله بن بريدة وعامر بن عبيدة وعباد بن منصور(1\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "173",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5200",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يجيزون كتب القضاة بغير محضر من الشهود فإن قال الذي جيء عليه بالكتاب: إنه زور قيل له: اذهب فالتمس المخرج من ذلك. وأول من سأل على كتاب القاضي البينة: ابن أبي ليلى وسوار بن عبيد الله وقال لنا أبو نعيم: حدثنا عبد الله بن محرز قال: جئت بكتاب من موسى بن أنس قاضي البصرة وأقمت عنده البينة: أن لي عند فلان كذا وكذا - وهو بالكوفة - فجئت به القاسم بن عبد الرحمن فأجازه. وكره الحسن البصري وأبو قلابة: أن يشهد على وصية حتى يعلم ما فيها لأنه لا يدري لعل فيها جورا وقد كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل خيبر إما أن تدوا صاحبكم وإما أن تؤذنوا بحرب . اهـ كلامه. وأجاز مالك الشهادة على الخطوط فروى عنه ابن وهب - في الرجل يقوم بذكر حق قد مات شهوده ويأتي بشاهدين عدلين على خط كاتب الخط - قال: تجوز شهادتهما على كاتب الكتاب إذا كان عدلا مع يمين الطالب وهو قول ابن القاسم. وذكر ابن شعبان عن ابن وهب أنه قال: لا آخذ بقول مالك في الشهادة على الخط وقال الطحاوي: خالف مالك جميع الفقهاء في ذلك وعدوا قوله شذوذا. قال محمد بن الحارث: الشهادة على الخط خطأ فقد قال مالك في رجل قال: سمعت فلانا يقول: رأيت فلانا قتل فلانا أو قال: سمعت فلانا طلق امرأته أو قذفها: أنه لا يشهد على شهادته إلا أن يشهده قال: والخط أبعد من هذا وأضعف. قال: ولقد قلت لبعض القضاة: أتجوز شهادة الموتى فقال: ما هذا الذي تقول فقلت: إنكم تجيزون شهادة الرجل بعد موته إذا وجدتم خطه في وثيقة فسكت. وقال محمد بن عبد الحكم: لا يقضى في دهرنا بالشهادة على الخط لأن الناس قد أحدثوا ضروبا من الفجور وقد قال مالك في الناس: تحدث لهم أقضية على نحو ما أحدثوا من الفجور. وقد روى لي عبد الله بن نافع عن مالك قال: كان من أمر الناس القديم: إجازة الخواتيم حتى إن القاضي ليكتب للرجل الكتاب فما يزيد على ختمه فيعمل به حتى اتهم الناس فصار لا يقبل إلا بشاهدين. اهـ. واختلف الفقهاء فيما إذا أشهد القاضي شاهدين على كتابه ولم يقرأه عليهما ولا عرفهما بما فيه. فقال مالك: يجوز ذلك ويلزم القاضي المكتوب إليه قبوله ويقول الشاهدان له: هذا كتابه دفعه إلينا مختوما وهذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد.(1\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "174",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5201",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور: إذا لم يقرأه عليهما القاضي: لم يعمل القاضي المكتوب إليه بما فيه وهو إحدى الروايتين عن مالك. وحجتهم: أنه لا يجوز أن يشهد الشاهد إلا بما يعلم. وأجاب الآخرون بأنهما لم يشهدا بما تضمنه وإنما شهدا بأنه كتاب القاضي وذلك معلوم لهما والسنة الصريحة تدل على صحة ذلك وتغير أحوال الناس وفسادها يقتضي العمل بالقول الآخر وقد يثبت عند القاضي من أمور الناس ما لا يحسن أن يطلع عليه كل أحد مثل الوصايا التي يتخون الناس فيها ولهذا يجوز عند مالك وأحمد - في إحدى الروايتين - أن يشهدا على الوصية المختومة ويجوز عند مالك. أن يشهدا على الكتاب المدرج ويقولا للحاكم: نشهد على إقراره بما في هذا الكتاب وإن لم يعلما بما أقرا والجمهور لا يجيزون الحكم بذلك. قال المانعون من العمل بالخطوط: الخطوط قابلة للمشابهة والمحاكاة وهل كانت قصة عثمان ومقتله إلا بسبب الخط فإنهم صنعوا مثل خاتمه وكتبوا مثل كتابه حتى جرى ما جرى ولذلك قال الشعبي: لا تشهد أبدا إلا على شيء تذكره فإنه من شاء انتقش خاتما ومن شاء كتب كتابا. قالوا: وأما ما ذكرتم من الآثار: فنعم هاهنا أمثالها ولكن كان ذاك إذ الناس ناس وأما الآن: فكلا ولما وإذا كان الأمر قد تغير في زمن مالك وابن أبي ليلى حتى قال مالك: كان من أمر الناس القديم إجازة الخواتم حتى أن القاضي ليكتب للرجل الكتاب فما يزيد على ختمه حتى اتهم الناس فصار لا يقبل إلا شاهدان. وقال محمد بن عبد الحكم: لا يقضى في دهرنا هذا بالشهادة على الخط لأن الناس قد أحدثوا ضروبا من الفجور وقد كان الناس فيما مضى يجيزون الشهادة على خاتم كتاب القاضي. فإن قيل: فما تقولون في الدابة يوجد على فخذها quot; صدقة quot; أو quot; وقف quot; أو quot; حبس quot; هل للحاكم أن يحكم بذلك . قيل: نعم له أن يحكم به وصرح به أصحاب مالك فإن هذه أمارة ظاهرة ولعلها أقوى من شهادة الشاهد وقد ثبت في quot; الصحيحين quot; من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: غدوت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه فوافيته في يده الميسم يسم إبل الصدقة  وللإمام أحمد عنه قال: دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يسم غنما في آذانها .(1\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "175",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5202",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروى مالك في quot; الموطإ quot; عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: quot; إن في الظهر ناقة عمياء فقال عمر: ادفعها إلى أهل البيت ينتفعون بها قال: فقلت: هي عمياء فقال عمر: يقطرونها بالإبل قال: فقلت: كيف تأكل من الأرض قال: فقال عمر: أمن نعم الجزية هي أم من نعم الصدقة فقلت: من نعم الجزية فقال عمر: أردتم والله أكلها فقلت: إن عليها وسم الجزية quot; ولولا أن الوسم يميز الصدقة من غيرها ويشهد لما هو وشم عليه لم تكن فيه فائدة بل لا فائدة للوسم إلا ذلك ومن لم يعتبر الوسم فلا فائدة فيه عنده. فإن قيل: فما تقولون في الدار يوجد على بابها أو حائطها الحجر مكتوبا فيه quot; إنها وقف quot; أو quot; مسجد quot; هل يحكم بذلك . قيل: نعم يقضى به ويصير وقفا صرح به بعض أصحابنا وممن ذكره الحارثي في quot; شرحه quot; فإن قيل: أليس يجوز أن ينقل الحجر إلى ذلك الموضع . قيل: جواز ذلك كجواز كذب الشاهدين بل هذا أقرب لأن الحجر المشاهد جزء من الحائط داخل فيه ليس عليه شيء من أمارات النقل بل يقطع غالبا بأنه بني مع الدار ولا سيما إذا كان حجرا عظيما وضع عليه الحائط بحيث يتعذر وضعه بعد البناء فهذا أقوى من شهادة رجلين أو رجل وامرأتين. فإن قيل: فما تقولون في كتب العلم يوجد على ظهرها وهوامشها كتابة الوقف هل للحاكم أن يحكم بكونها وقفا بذلك . قيل: هذا يختلف باختلاف قرائن الأحوال فإذا رأينا كتبا مودعة في خزانة وعليها كتابة quot; الوقف quot; وهي كذلك مدة متطاولة وقد اشتهرت بذلك: لم نسترب في كونها وقفا وحكمها حكم المدرسة التي عهدت لذلك وانقطعت كتب وقفها أو فقدت ولكن تعالم الناس على تطاول المدة كونها وقفا فتكفي في ذلك الاستفاضة فإن الوقف يثبت بالاستفاضة وكذلك مصرفه وأما إذا رأينا كتابا لا نعلم مقره ولا عرف من كتب عليه الوقف فهذا يوجب التوقف في أمره حتى يتبين حاله. والمعول في ذلك على القرائن فإن قويت حكم بموجبها وإن ضعفت لم يلتفت إليها وإن توسطت: طلب الاستظهار وسلك طريق الاحتياط وبالله التوفيق.(1\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "176",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5203",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد قال أصحاب مالك - في الرجلين يتنازعان في حائط - فينظر إلى عقده ومن له عليه خشب أو سقف وما أشبه ذلك مما يرى بالعين: يقضى به لصاحبه ولا يكلف الطالب البينة وكذلك القنوات التي تشق الدور والبيوت إلى مستقرها إذا سدها الذي شقت داره وأنكر أن يكون عليها مجرى لأحد فإذا نظروا إلى القناة التي شقت داره وشهدوا بذلك عند القاضي ولم يكن عنده في شهادة الشهود الذين وجههم لذلك مدفع: ألزموه مرور القناة على داره ونهي عن سدها ومنع منه. قالوا: فإذا نظروا في القناة تشق داره إلى مستقرها - وهي قناة قديمة والبنيان فيها ظاهر حتى تصب في مستقرها - فللحاكم أن يلزمه بمرور القناة كما وجدت في داره. وقال ابن القاسم - فيما رواه ابن عبد الحكم عنه: إذا اختلف الرجلان في جدار بين داريهما - كل يدعيه - فإن كان عقد بنائه إليهما فهو بينهما وإن كان معقودا إلى أحدهما ومنقطعا عن الآخر فهو إلى من إليه العقد وإن كان منقطعا بينهما جميعا فهو بينهما وإن كان لأحدهما فيه كوى ولا شيء للآخر فيه وليس بمنعقد إلى واحد منهما فهو إلى من إليه مرافقه وإن كانت فيه كوى لكليهما فهو بينهما وإن كانت لأحدهما عليه خشب ولا عقد فيه لواحد منهما فهو لمن له عليه الحمل فإن كان عليه حمل لهما جميعا فهو بينهما. والمقصود: أن الكتابة على الحجارة والحيوان وكتب العلم أقوى من هذه الأمارات بكثير فهي أولى أن يثبت بها حكم تلك الكتابة ولا سيما عند عدم المعارض وأما إذا عارض ذلك بينة لا تتهم ولا تستند إلى مجرد التبديل بذكر سبب الملك واستمراره فإنها تقدم على هذه الأمارات. وأما إن عارضها مجرد اليد: لم يلتفت إليها فإن هذه الأمارات بمنزلة البينة والشاهد واليد ترفع بذلك.  [فصل شهادة الرهن بقدر الدين إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدره] 91 - (فصل) ومما يلحق بهذا الباب: شهادة الرهن بقدر الدين إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدره: فالقول قول المرتهن مع يمينه ما لم يدع أكثر من قيمة الرهن عند مالك وأهل المدينة وخالفه الأكثرون. ومذهبه أرجح واختاره شيخنا - رحمه الله -. وحجته: أن الله سبحانه وتعالى جعل الرهن بدلا من الكتاب والشهود يحفظ به الحق فلو لم يقبل قول المرتهن وكان القول قول الراهن لم تكن في الرهن فائدة وكان وجوده كعدمه إلا في موضع واحد وهو تقديم المرتهن بدينه على الغرماء الذين ديونهم بغير رهن ومعلوم أن الرهن لم يشرع(1\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "177",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5204",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لمجرد هذه الفائدة وإنما ذكره الله سبحانه في القرآن العظيم قائما مقام الكتاب والشهود فهو شاهد بقدر الحق وليس في العرف أن يرهن الرجل ما يساوي ألف دينار على درهم. ومن يقول: quot; القول قول الراهن quot; يقبل قوله: إنه رهنه على ثمن درهم أو أقل وهذا مما يشهد العرف ببطلانه. والذين جعلوا القول قول الراهن: ألزموا منازعيهم بأنهما لو اختلفا في أصل الرهن لكان القول قول المالك فكذلك في قدر الدين. وفرق الآخرون بين المسألتين بأنه قد ثبت تعلق الحق به في مسألة النزاع والرهن شاهد المرتهن فمعه ما يصدقه بخلاف مسألة الإلزام.  [فصل الطريق الرابع والعشرون في الحكم بالعلامة الظاهرة] 92 - (فصل) الطريق الرابع والعشرون العلامات الظاهرة وقد تقدمت في أول الكتاب نزيد هاهنا: أن أصحابنا وغيرهم فرقوا بين الركاز واللقطة بالعلامات. فقالوا: الركاز ما دفنته الجاهلية ويعتبر ذلك برؤية علاماتهم عليه كأسماء ملوكهم وصورهم وصلبهم فأما ما عليه علامات المسلمين - كأسمائهم أو القرآن ونحوه - فهو لقطة لأنه ملك مسلم لم يعلم زواله عنه وكذلك إن كانت على بعضه علامة الإسلام وعلى بعضه علامة الكفار لأن الظاهر: أنه صار لمسلم فدفنه وما لا علامة عليه فهو لقطة تغليبا لحكم الإسلام. ومنها: أن اللقيط لو ادعاه اثنان ووصف أحدهما علامة مستورة في جسده: قدم في ذلك وحكم له وهذا مذهب أحمد وأبي حنيفة. وقال الشافعي: لا يحكم بذلك كما لو ادعيا عينا سواه ووصف أحدهما فيها علامات خفية. والمرجحون له بذلك فرقوا بينهما بأن ذلك نوع التقاط فقدم بالصفة كلقطة المال وقد دل عليها النص الصحيح الصريح وقياس اللقيط على لقطة المال أولى من قياسه على دعوى غيره من الأعيان على أن في دعوى العين إذا وصفها أحدهما بما يدل ظاهرا على صدقه نظرا. وقياس المذهب في مسألة تداعي الزوجين: ترجيح الواصف إذا. وقد جرى لنا نظير هذه المسألة سواء وهو أن رجلين تداعيا صرة فيها دراهم فسأل ولي الأمر أحدهما عن صفتها فوصفها بصفات خفية فسأل الآخر فوصفها بصفات أخرى فلما اعتبرت طابقت صفات الأول لها وظهر كذب الآخر فعلم ولي الأمر والحاضرون صدقه في دعواه وكذب صاحبه فدفعها إلى الصادق.(1\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "178",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5205",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا قد يقوى بحيث يفيد القطع وقد يضعف وقد يتوسط. ومنها: وجوب دفع اللقطة إلى واصفها. قال أحمد - في رواية حرب - إذا جاء صاحبها فعرف الوكاء والعفاص فإنها ترد إليه ولا نذهب إلى قول الشافعي: ولا ترد عليه إلا ببينة. وقال ابن مشيش: إن جاء رجل فادعى اللقطة وأعطاه علامتها: تدفع إليه قال: نعم وقال: وإذا جاء بعلامة عفاصها ووكائها وعددها فليس في قلبي منه شيء. ونص أيضا على المتكاريين يختلفان في دفين في الدار كل واحد منهما يدعيه فمن أصاب الوصف كان له وبذلك قال مالك وإسحاق وأبو عبيد. وقال أبو حنيفة والشافعي: إن غلب على ظن الملتقط صدقه جاز الدفع ولم يجب وإن لم يغلب لم يجز لأنه مدع وعليه البينة. والصحيح: الأول لما روى مسلم في صحيحه quot; من حديث أبي بن كعب - فذكر الحديث - وفيه: فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إياه . وفي حديث زيد بن خالد فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها إياه (19) quot; والأمر للوجوب والوصف بينة ظاهرة فإنها من البيان وهو الكشف والإيضاح والمراد بها: وضوح حجة الدعوى وانكشافها وهو موجود في الوصف.  [فصل الطريق الخامس والعشرون في الحكم بالقرعة] 93 - (فصل) الطريق الخامس والعشرون الحكم بالقرعة: وقد تقدم الكلام عليها مستوفى والحجة في إثباتها وأنها أقوى من كثير من الطرق التي يحكم بها من أبطلها كمعاقد القمط والخص ووجوه الآجر ونحو ذلك وأقوى من الحكم بكون الزوجة فراشا بمجرد العقد وإن علم قطعا عدم اجتماعهما وأقوى من الحكم بالنكول المجرد.  [فصل الطريق السادس والعشرون في الحكم بالقافة] 94 - (فصل) الطريق السادس والعشرون الحكم بالقافة: وقد دلت عليها سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمل خلفائه الراشدين والصحابة من بعدهم منهم عمر بن الخطاب(1\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "179",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5206",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعلي بن أبي طالب وأبو موسى الأشعري وابن عباس وأنس بن مالك - رضي الله عنهم - ولا مخالف لهم في الصحابة وقال بها من التابعين: سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح والزهري وإياس بن معاوية وقتادة وكعب بن سوار ومن تابعي التابعين: الليث بن سعد ومالك بن أنس وأصحابه وممن بعدهم: الشافعي وأصحابه وإسحاق وأبو ثور وأهل الظاهر كلهم. وبالجملة: فهذا قول جمهور الأمة. وخالفهم في ذلك أبو حنيفة وأصحابه وقالوا: العمل بها تعويل على مجرد الشبه وقد يقع بين الأجانب وينتفي بين الأقارب. وقد دلت على اعتبارها سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت عائشة - رضي الله عنها -: دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مسرور تبرق أسارير وجهه فقال: أي عائشة ألم تري أن مجززا المدلجي دخل فرأى أسامة وزيدا وعليهما قطيفة قد غطيا رءوسهما وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض وفي لفظ دخل قائف والنبي - صلى الله عليه وسلم - ساجد وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة مضطجعان فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض فسر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبر به عائشة متفق عليهما وذلك يدل على أن إلحاق القافة يفيد النسب لسرور النبي - صلى الله عليه وسلم - به وهو لا يسر بباطل. فإن قيل: النسب كان ثابتا بالفراش فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - بموافقة قول القائف للفراش لا أنه أثبت النسب بقوله. قيل: نعم النسب كان ثابتا بالفراش وكان الناس يقدحون في نسبه لكونه أسود وأبوه أبيض فلما شهد القائف بأن تلك الأقدام بعضها من بعض سر النبي - صلى الله عليه وسلم - بتلك الشهادة التي أزالت التهمة. حتى برقت أسارير وجهه من السرور. ومن لا يعتبر القافة يقول: هي من أحكام الجاهلية ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليسر لها بل كانت أكره شيء إليه ولو كانت باطلة لم يقل لعائشة: ألم تري أن مجززا المدلجي قال كذا وكذا فإن هذا إقرار منه ورضا بقوله ولو كانت القافة باطلة: لم يقر عليها ولم يرض بها وقد ثبت(1\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "180",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5207",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في قصة العرنيين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث في طلبهم قافة فأتى بهم رواه أبو داود بإسناد صحيح فدل على اعتبار القافة والاعتماد عليها في الجملة. فاستدل بأثر الأقدام على المطلوبين. وذلك دليل حسي على اتحاد الأصل والفرع فإن الله سبحانه وتعالى أجرى العادة بكون الولد نسخة أبيه. وقد ذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. قال: أخبرني عروة: quot; أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - دعا القافة في رجلين اشتركا في الوقوع على امرأة في طهر واحد. وادعيا ولدها فألحقته القافة بأحدهما quot;. قال الزهري: أخذ عمر بن الخطاب ومن بعده بنظر القافة في مثل هذا. وإسناده صحيح متصل فقد لقي عروة عمر. واعتمر معه. وروى شعبة عن توبة العنبري عن الشعبي عن ابن عمر قال: اشترك رجلان في طهر امرأة. فولدت. فدعا عمر القافة. فقالوا: قد أخذ الشبه منهما جميعا. فجعله عمر بينهما quot;. وهذا صحيح أيضا. وروى يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال: quot; كنت جالسا عند عمر بن الخطاب فجاءه رجلان يختصمان في غلام كلاهما يدعي أنه ابنه فقال عمر: ادعوا لي أخا بني المصطلق فجاء وأنا جالس فقال: انظر: ابن أيهما تراه فقال: قد اشتركا فيه جميعا فقال عمر: لقد ذهب بك بصرك المذاهب وقام فضربه بالدرة ثم دعا أم الغلام - والرجلان جالسان والمصطلقي جالس - فقال لها عمر: ابن أيهما هو قالت: كنت لهذا فكان يطؤني ثم يمسكني حتى يستمر بي حملي ثم يرسلني حتى ولدت منه أولادا ثم أرسلني مرة فأهرقت الدماء حتى ظننت أنه لم يبق شيء ثم أصابني هذا فاستمررت حاملا قال: أفتدرين من أيهما هو قالت: ما أدري من أيهما هو قال: فعجب عمر للمصطلقي قال للغلام: خذ بيد أيهما شئت فأخذ بيد أحدهما واتبعه quot;. وروى قتادة عن سعيد بن المسيب - في رجلين اشتركا في طهر امرأة فحملت غلاما يشبههما - فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب quot; فدعا القافة فقال لهم: انظروا فنظروا فقالوا: نراه يشبههما فألحقه بهما وجعله يرثهما ويرثانه وجعله بينهما quot;. قال قتادة: فقلت لسعيد بن المسيب: لمن عصبته قال: للباقي منهما. وروى قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن علي quot; أن رجلين وقعا على امرأة في طهر واحد فجاءت(1\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "181",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5208",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بولد فدعا له علي - رضي الله عنه - القافة وجعله ابنهما جميعا يرثهما ويرثانه quot;. وروى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: quot; اختصم إلى أبي موسى الأشعري في ولد ادعاه دهقان ورجل من العرب فدعا القافة فنظروا إليه فقالوا للعربي: أنت أحب إلينا من هذا العلج ولكن ليس ابنك فخل عنه فإنه ابنه quot;. وروى زياد بن أبي زياد. قال: quot; انتفى ابن عباس من ولد له فدعا له ابن كلدة القائف فقال: أما أنه ولده وادعاه ابن عباس quot;. وصح عن قتادة عن النضر بن أنس: quot; أن أنسا وطئ جارية له فولدت جارية فلما حضر قال: ادعوا لها القافة فإن كانت منكم فألحقوها بكم quot;. وصح عن حميد: quot; أن أنسا شك في ولد له فدعا له القافة quot;. وهذه قضايا في مظنة الشهرة فيكون إجماعا. قال حنبل: سمعت أبا عبد الله قيل له: تحكم بالقافة قال: نعم لم يزل الناس على ذلك.  [فصل القياس وأصول الشريعة تشهد للقافة] 95 - (فصل) والقياس وأصول الشريعة تشهد للقافة: لأن القول بها حكم يستند إلى درك أمور خفية وظاهرة توجب للنفس سكونا فوجب اعتباره كنقد الناقد وتقويم المقوم. وقد حكى أبو محمد ابن قتيبة: أن قائفا كان يعرف أثر الأنثى من أثر الذكر. وأما قولهم: quot; إنه يعتمد الشبه quot; فنعم وهو حق قالت أم سلمة: يا رسول الله: أو تحتلم المرأة قال: تربت يداك فبم يشبهها ولدها متفق عليه. ولمسلم من حديث أنس بن مالك عن أم سليم قالت: وهل يكون هذا - يعني الماء -(1\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "182",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5209",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال نبي الله - صلى الله عليه وسلم -: نعم فمن أين يكون الشبه إن ماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر فمن أيهما علا - أو سبق - يكون الشبه منه . وعن عائشة: أن امرأة قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هل تغتسل المرأة إذا هي احتلمت وأبصرت الماء فقال: نعم فقالت لها عائشة: تربت يداك وألت فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: دعيها وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك رواه مسلم. وله أيضا من حديث أبي أسماء الرحبي عن ثوبان قال: كنت قائما عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد - الحديث بطوله - إلى أن قال: جئت أسألك عن الولد فقال: ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة: أذكرا بإذن الله وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله . وسمعت شيخنا - رحمه الله - يقول: في صحة هذا اللفظ نظر. قلت: لأن المعروف المحفوظ في ذلك إنما هو تأثير سبق الماء في الشبه وهو الذي ذكره البخاري (182) من حديث أنس: quot; أن عبد الله بن سلام بلغه مقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة فأتاه فسأله عن أشياء قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد . فهذا السؤال الذي سأل عنه عبد الله بن سلام والجواب الذي أجابه به النبي - صلى الله عليه وسلم - هو نظير السؤال الذي سأل عنه الحبر والجواب واحد ولا سيما إن كانت القصة واحدة والحبر هو عبد الله بن سلام فإنه سأله وهو على دين اليهود فأنسي اسمه وثوبان قال: quot; جاء حبر من اليهود quot; وإن كانتا قصتين والسؤال واحد فلا بد أن يكون الجواب كذلك quot;. وهذا يدل على أنهم إنما سألوا عن الشبه ولهذا وقع الجواب به وقامت به الحجة وزالت به الشبهة. وأما الإذكار والإيناث: فليس بسبب طبيعي وإنما سببه: الفاعل المختار الذي يأمر الملك به(1\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "183",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5210",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مع تقدير الشقاوة والسعادة والرزق والأجل ولذلك جمع بين هذه الأربع في الحديث فيقول الملك: يا رب ذكر يا رب أنثى فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك . وقد رد سبحانه ذلك إلى محض مشيئته في قوله تعالى: يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور [الشورى: 49] أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما [الشورى: 50] . والتعليق بالمشيئة - وإن كان لا ينافي ثبوت السبب بذلك - إذا علم كون الشيء سببا دل على سببيته بالعقل وبالنص وقد قال - صلى الله عليه وسلم - في حديث أم سليم: ماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر فمن أيهما علا - أو سبق - يكون الشبه فجعل للشبه سببين: علو الماء وسبقه. وبالجملة: فعامة الأحاديث إنما هي تأثير سبق الماء وعلوه في الشبه وإنما جاء تأثير ذلك في الإذكار والإيناث في حديث ثوبان وحده وهو فرد بإسناده فيحتمل أنه اشتبه على الراوي فيه الشبه بالإذكار والإيناث وإن كان قد قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فهو الحق الذي لا شك فيه ولا ينافي سائر الأحاديث فإن الشبه من السبق. والإذكار والإيناث: من العلو وبينهما فرق وتعليقه على المشيئة لا ينافي تعليقه على السبب كما أن الشقاوة والسعادة والرزق معلقات بالمشيئة وحاصلة بالسبب والله أعلم. والمقصود: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتبر الشبه في لحوق النسب وهذا معتمد القائف لا معتمد له سواه. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة المتلاعنين إن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك ابن سحماء فجاءت به كذلك فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن رواه البخاري فاعتبر النبي - صلى الله عليه وسلم - الشبه وجعله لمشبهه.(1\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "184",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5211",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: فهذا حجة عليكم لأنه - مع صريح الشبه - لم يلحقه بمشبهه في الحكم. قيل: إنما منع إعمال الشبه لقيام مانع اللعان: ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: لولا الأيمان لكان لي ولها شأن فاللعان سبب أقوى من الشبه قاطع النسب وحيث اعتبرنا الشبه في لحوق النسب فإنما ذاك إذا لم يقاومه سبب أقوى منه ولهذا لا يعتبر مع الفراش بل يحكم بالولد للفراش وإن كان الشبه لغير صاحبه كما حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة عبد بن زمعة بالولد المتنازع فيه لصاحب الفراش ولم يعتبر الشبه المخالف له فأعمل النبي - صلى الله عليه وسلم - الشبه في حجب سودة حيث انتفى المانع من إعماله في هذا الحكم بالشبه إليها ولم يعمله في النسب لوجود الفراش. وأصول الشرع وقواعده والقياس الصحيح: تقتضي اعتبار الشبه في لحوق النسب والشارع متشوف إلى اتصال الأنساب وعدم انقطاعها. ولهذا اكتفى في ثبوتها بأدنى الأسباب: من شهادة المرأة الواحدة على الولادة والدعوى المجردة مع الإمكان وظاهر الفراش فلا يستبعد أن يكون الخالي عن سبب مقاوم له كافيا في ثبوته ولا نسبة بين قوة اللحاق بالشبه وبين ضعف اللحاق لمجرد العقد مع القطع بعدم الاجتماع في مسألة المشرقية والمغربي.  ومن طلق عقيب العقد من غير مهلة ثم جاءت بولد. فإن قيل: فقد ألغى النبي - صلى الله عليه وسلم - الشبه في لحوق النسب كما في quot; الصحيح quot;: أن رجلا قال له: إن امرأتي ولدت غلاما أسود فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - هل لك من إبل قال: نعم. قال: فما ألوانها قال: حمر قال: فهل فيها من أورق قال: نعم إن فيها لورقا قال: فأنى لها ذلك قال: عسى أن يكون نزعه عرق قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق .(1\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "185",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5212",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل: إنما لم يعتبر الشبه هاهنا لوجود الفراش الذي هو أقوى منه كما في حديث ابن أمة زمعة ولا يدل على ذلك على أنه لا يعتبر مطلقا بل في الحديث ما يدل على اعتبار الشبه فإنه - صلى الله عليه وسلم - أحال على نوع آخر من الشبه وهو نزع العرق وهذا الشبه أولى لقوته بالفراش والله أعلم. قالت الحنفية: إذا لم ينازع مدعي الولد غيره فهو له وإن نازعه غيره فإن كان أحدهما صاحب فراش: قدم على الآخر فإن الولد للفراش وإن استويا في عدم الفراش فإن ذكر أحدهما علامة بجسده ووصفه بصفة فهو له وإن لم يصفه واحد منهما فإن كانا رجلين أو رجلا وامرأة: ألحق بهما وإن كانا امرأتين فقال أبو حنيفة: يلحق بهما حكما مع العلم بأنه لم يخرج إلا من إحداهما ولكن ألحقه بهما في الحكم كما لو كان المدعى به مالا فأجري الإنسان مجرى الأموال والحقوق. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يلحق بهما كما قال الجمهور للقطع بأنه يستحيل أن يولد منهما بخلاف الرجلين فإنه يمكن تخليقه من مائهما كما يخلق من ماء الرجل والمرأة. قالوا: وقد دل على اعتبار العلامات: قصة شاهد يوسف وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للملتقط: اعرف عفاصها ووكاءها ووعاءها فإن جاء صاحبها فعرفها فأدها إليه (19) . قالوا: ولو أثرت القافة والشبه في نتاج الآدمي لأثر ذلك في نتاج الحيوان فكنا نحكم بالشبه في ذلك كما نحكم به بين الآدميين ولا نعلم بذلك قائلا. قالوا: ولأن الشبه أمر مشهود مدرك بحاسة البصر فإما أن يحصل لنا ذلك بالمشاهدة أو لا يحصل فإن حصل لم تكن في القائف فائدة ولا حاجة إليه وإن لم يحصل لنا بالمشاهدة لم نصدق القائف فإنه يدعي أمرا حسيا لا يدرك بالحس. قالوا: وقد دل الحس على وقوع التشابه بين الأجانب الذين لا نسب بينهم ووقوع التخالف والتباين بين ذوي النسب الواحد وهذا أمر معلوم بالمشاهدة لا يمكن جحده فكيف يكون دليلا على النسب ويثبت به التوارث والحرمة والمحرمية وسائر أحكام النسب . قالوا: والاستلحاق موجب للحوق النسب وقد وجد في المتداعيين وتساويا فيه فيجب أن يتساويا في حكمه فإنه يمكن كونه منهما وقد استلحقه كل واحد منهما والاستلحاق أقوى من الشبه ولهذا: لو استلحقه مستلحق ووجدنا شبها بينا بغيره: ألحقناه بمن استلحقه ولم نلتفت إلى الشبه. قالوا: ولأن القائف إما شاهد وإما حاكم فإن كان شاهدا فمستند شهادته الرؤية وهو وغيره فيها سواء فجرى تفرده في الشهادة مجرى شهادة واحد من بين الجمع العظيم بأمر لو وقع لشاركوه في العلم به ومثل هذا لا يقبل.(1\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "186",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5213",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن كان حاكما: فالحاكم لا بد له من طريق يحكم بها ولا طريق هاهنا إلا الرؤية والشبه وقد عرف أنه لا يصلح طريقا. قالوا: ولو كانت القافة طريقا شرعيا لما عدل عنها داود وسليمان صلوات الله وسلامه عليهما في قصة الولد الذي ادعته المرأتان بل حكم به داود للكبرى وحكم به سليمان للصغرى بالقرينة التي استدل بها من شفقتها عليه بإقرارها به للكبرى ولم يعتبر قافة ولا شبها. قالوا: وقد روى زيد بن أرقم قال: أتي علي - رضي الله عنه - وهو باليمن - بثلاثة وقعوا على امرأة في طهر واحد فسأل اثنين: أتقران لهذا بالولد قالا: لا حتى سألهم جميعا فجعل كلما سأل اثنين قالا: لا فأقرع بينهم فألحق الولد بالذي صارت عليه القرعة وجعل عليه ثلثي الدية قال: فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فضحك حتى بدت نواجذه وفي لفظ فمن قرع فله الولد وعليه لصاحبيه ثلثا الدية . وفي لفظ فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لا أعلم إلا ما قال علي أخرجه الإمام أحمد في quot; المسند quot; وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم في صحيحه quot;. قال أبو محمد بن حزم: هذا خبر مستقيم السند نقلته كلهم ثقات. اهـ. وهذا حديث مداره على الشعبي وقد رواه عنه جماعة واختلف عليه. فرواه يحيى بن سعيد القطان وخالد بن عبد الله الواسطي وعبد الله بن نمير ومالك بن إسماعيل النهدي وقيس بن الربيع عن الأجلح يحيى بن عبد الله بن حجية الكندي - عن الشعبي عن عبد الله بن الخليل الحضرمي الكوفي عن زيد بن أرقم ومن هذا الوجه: أورده الحاكم. وكذلك رواه سفيان بن عيينة وعلي بن مسهر عن الأجلح وقالا: عبد الله بن أبي الخليل. ورواه شعبة عن سلمة بن كهيل عن الشعبي عن أبي الخليل أو ابن أبي الخليل quot; أن ثلاثة نفر اشتركوا quot; ولم يذكر زيدا ولم يرفعه. ورواه عبد الرزاق عن الثوري عن صالح بن صالح الهمداني عن الشعبي عن عبد خير الحضرمي. ورواه ابن عيينة وجرير بن عبد الحميد وعبد الرحيم بن سليمان عن محمد بن سالم عن الشعبي عن علي بن ذريح - ويقال: ذري الحضرمي - عن زيد ورواه خالد بن عبد الله الواسطي عن أبي إسحاق الشيباني عن سليمان بن فيروز - عن الشعبي عن رجل من حضرموت عن زيد.(1\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "187",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5214",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبالجملة فيكفي أن في هذا الحديث أمير المؤمنين وفي الحديث شعبة وإذا كان شعبة في حديث لم يكن باطلا وكان محفوظا وقد عمل به أهل الظاهر وهو وجه للشافعية عند تعارض البينة وهو ظاهر - بل صريح - في عدم اعتبار القافة فإنها لو كانت معتبرة لم يعدل عنها إلى القرعة. قالوا: وأصح ما معكم: حديث أسامة بن زيد ولا حجة فيه لأن النسب هناك ثابت بالفراش فوافقه قول القائف فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - بموافقة قول القائف لشرعه الذي جاء به من أن الولد للفراش وهذا الإخفاء به فمن أين يصلح ذلك لإثبات كون القافة طريقا مستقلا بإثبات النسب . قال أصحاب الحديث: نحن إنما نحتاج إلى القافة عند التنازع في الولد نفيا وإثباتا كما إذا ادعاه رجلان أو امرأتان أو اعترف الرجلان بأنهما وطئا المرأة بشبهة وأن الولد من أحدهما وكل منهما ينفيه عن نفسه وحينئذ: فإما أن نرجح أحدهما بلا مرجح ولا سبيل إليه وإما أن نلغي دعواهما فلا يلحق بواحد منهما وهو باطل أيضا فإنهما معترفان بسبب اللحوق وليس هنا سبب غيرهما وإما أن يلحق بهما مع ظهور الشبه البين بأحدهما. وهو أيضا باطل شرعا وعرفا وقياسا كما تقدم. وإما أن يقدم أحدهما بوصفه لعلامات في الولد. كما يقدم واصف اللقطة. وهذا - أيضا - لا اعتبار به هاهنا. بخلاف اللقطة. والفرق بينهما ظاهر. فإن اطلاع غير الأب على بدن الطفل وعلاماته غير مستبعد بل هو واقع كثيرا فإن الطفل بارز ظاهر لوالديه وغيرهما وأما اطلاع غير مالك اللقطة على عددها وعفاصها ووعائها ووكائها: فأمر في غاية الندرة فإن العادة جارية بإخفائها وكتمانها فإلحاق إحدى الصورتين بالأخرى ممتنع. وأما الإلحاق بأمين فمقطوع ببطلانه واستحالته عقلا وحسا فهو كإلحاق ابن ستين سنة بابن عشرين. وكيف ينكر القافة التي مدارها على الشبه الذي وضعه الله سبحانه بين الوالدين والولد من يلحق الولد بأمين فأين أحد هذين الحكمين من الآخر في العقل والشرع والعرف والقياس . وما أثبت الله ورسوله قط حكما من الأحكام يقطع ببطلان سببه حسا أو عقلا فحاشا أحكامه سبحانه من ذلك فإنه لا أحسن حكما منه سبحانه وتعالى ولا أعدل ولا يحكم حكما يقول العقل: ليته حكم بخلافه بل أحكامه كلها مما يشهد العقل والفطرة بحسنها ووقوعها على أتم الوجوه وأحسنها وأنه لا يصلح في موضعها سواها. وأنت إذا عرضت على العقول كون الولد من أمين لم تجد قبولها له كقبولها لكون الولد لمن(1\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "188",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5215",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أشبه الشبه البين فإن هذا موافق لعادة الله وسنته في خلقه وذلك مخالف لعادته وسنته. وقولهم: quot; إنهما استويا في سبب الإلحاق - وهو الدعوى - فيستويان في الحكم وهو لحوق النسب quot;. فيقال: القاعدة أن صحة الدعوى يطلب بيانها من غير جهة المدعي مهما أمكن وقد أمكن هاهنا بيانها بالشبه البين يطلع عليه القائف فكان اعتبار صحتها بذلك أولى من اعتبار صحتها بمجرد الدعوى فإذا انتفى السبب الذي يبين صحتها من غير جهة المدعي - كالفراش والقافة - بغير إعمال الدعوى فإذا استويا فيها استويا في حكمها - فهذا محض الفقه ومقتضى قواعد الشرع. وأما أن تعمل الدعوى المجردة مع ظهور ما يخالفها من الشبه البين الذي نصبه الله سبحانه وتعالى علامة لثبوت النسب شرعا وقدرا: فهذا مخالف للقياس ولأصول الشرع. وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: البينة على المدعي (21) quot; والبينة quot; اسم لما يبين صحة الدعوى والشبه: بين صحة الدعوى فإذا كان من جانب أحد المتلاعنين كان النسب له وإن كان من جهتهما كان النسب لهما. وقولهم: quot; لو أثر الشبه والقافة في نتاج الآدمي لأثر في نتاج الحيوان quot;. جوابه من وجوه: أحدها: منع الملازمة إذ لم يذكروا عليها دليلا سوى مجرد الدعوى فأين التلازم شرعا وعقلا بين الناس الثاني: أن الشارع يتشوف إلى ثبوت الأنساب مهما أمكن ولا يحكم بانقطاع النسب إلا حيث يتعذر إثباته ولهذا ثبت بالفراش وبالدعوى وبالأسباب التي بمثلها لا يثبت نتاج الحيوان. الثالث: أن إثبات النسب فيه حق لله وحق للولد وحق للأب ويترتب عليه من أحكام الوصل. بين العباد ما به قوام مصالحهم ما يترتب فأثبته الشرع بأنواع الطرق التي لا يثبت بمثلها نتاج الحيوان. الرابع: أن سببه الوطء وهو إنما يقع غالبا في غاية التستر ويكتم عن العيون وعن اطلاع القريب والبعيد عليه فلو كلف البينة على سببه لضاعت أنساب بني آدم وفسدت أحكام الصلات التي بينهم ولهذا ثبت بأيسر شيء من فراش ودعوى وشبه حتى أثبته أبو حنيفة بمجرد العقد مع القطع بعدم وصول أحدهما إلى الآخر وأثبته لأمين مع القطع بعدم خروجه منهما احتياطا للنسب ومعلوم أن الشبه أولى وأقوى من ذلك بكثير.(1\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "189",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5216",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخامس: أن المقصود من نتاج الحيوان: إنما هو المال المجرد فدعواه دعوى مال محض بخلاف دعوى النسب فأين دعوى المال من دعوى النسب وأين أسباب ثبوت أحدهما من أسباب ثبوت الآخر . السادس: أن المال يباح بالبذل ويعارض عليه ويقبل النقل وتجوز الرغبة عنه والنسب بخلاف ذلك. السابع: أن الله سبحانه جعل بين أشخاص الآدميين من الفروق في صورهم وأصواتهم وحلاهم ما يتميز به بعضهم من بعض ولا يقع معه الاشتباه بينهم بحيث يتساوى الشخصان من كل وجه إلا في غاية الندرة مع أنه لا بد من الفرق وهذا القدر لا يوجد مثله بين أشخاص الحيوان بل التشابه فيه أكبر والتماثل أغلب فلا يكاد الحس يميز بين نتاج الحيوان ونتاج غيره برد كل منهما إلى أمه وأبيه وإن كان قد يقع ذلك لكن وقوعه قليل بالنسبة إلى أشخاص الآدمي فإلحاق أحدهما بالآخر ممتنع. الثامن: قولهم: quot; إن الاعتماد في القافة على الشبه وهو أمر مدرك بالحس فإن حصل بالمشاهدة فلا حاجة إلى القائف وإن لم يحصل لم يقبل قول القائف quot;. جوابه أن يقال: الأمور المدركة بالحس نوعان: نوع يشترك فيه الخاص والعام كالطول والقصر والبياض والسواد ونحو ذلك فهذا لا يقبل فيه تفرد المخبر والشاهد بما لا يدركه الناس معه. والثاني: ما لا يلزم فيه الاشتراك كرؤية الهلال ومعرفة الأوقات وأخذ كل من الليل والنهار في الزيادة والنقصان ونحو ذلك مما يختص بمعرفته أهل الخبرة من تعديل القسمة وكبر الحيوان وصغره والخرص ونحو ذلك فهذا وأمثاله مما مستنده الحس ولا يجب الاشتراك فيه فيقبل فيه قول الواحد والاثنين. ومن هذا: التشابه - بل والتماثل - بين الآدميين فإن التشابه بين الولد والوالد يظهر في صورة الطفل وشكله وهيئة أعضائه ظهورا خفيا يختص بمعرفته القائف دون غيره ولهذا كانت العرب تعرف ذلك لبني مدلج وتقر لهم به مع أنه لا يختص بهم ولا يشترط كون القائف منهم. قال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن القائف: هل يقضى بقوله قال: يقضى بقوله إذا علم وأهل الحجاز يعرفون ذلك وشرط بعض الشافعية كونه مدلجيا وهذا ضعيف جدا لا يلتفت إليه. قال عبد الرحمن بن حاطب: quot; كنت جالسا عند عمر فجاءه رجلان في غلام كلاهما يدعي أنه ابنه فقال عمر - رضي الله عنه -: ادعوا لي أخا بني المصطلق فجاء فقال: انظر ابن أيهما تراه فقال: قد اشتركا فيه quot; وذكر بقية الخبر وبنو المصطلق بطن من خزاعة لا نسب لهم في بني مدلج.(1\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "190",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5217",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك إياس بن معاوية كان غاية في القيافة وهو من مزينة وشريح بن الحارث القاضي كان قائفا وهو من كندة وقد قال أحمد: أهل الحجاز يعرفون ذلك ولم يخصه ببني مدلج. والمقصود: أن أهل القيافة كأهل الخبرة وأهل الخرص والقاسمين وغيرهم ممن اعتمادهم على الأمور المشاهدة المرئية لهم ولهم فيها علامات يختصون بمعرفتها: من التماثل والاختلاف والقدر والمساحة وأبلغ من ذلك: الناس يجتمعون لرؤية الهلال فيراه من بينهم الواحد والاثنان فيحكم بقوله أو قولهما دون بقية الجمع. قولهم: quot; إنا ندرك التشابه بين الأجانب والاختلاف بين المشتركين في النسب quot;. قلنا: نعم لكن الظاهر الأكثر خلاف ذلك وهو الذي أجرى الله سبحانه وتعالى به العادة وجواز التخلف عن الدليل والعلامة الظاهرة في النادر: لا يخرجه عن أن يكون دليلا عند عدم معارضة ما يقاومه ألا ترى أن الفراش دليل على النسب والولادة وأنه ابنه ويجوز - بل يقع كثيرا - تخلف دلالته وتخليق الولد من غير ماء صاحب الفراش ولا يبطل ذلك كون الفراش دليلا وكذلك أمارات الخرص والقسمة والتقويم وغيرها: قد تتخلف عنها أحكامها ومدلولاتها ولا يمنع ذلك اعتبارها وكذلك شهادة الشاهدين وغيرهما وكذلك الأقراء والقرء الواحد في الدلالة على براءة الرحم فإنها دليل ظاهر مع جواز تخلف دلالته ووقوع ذلك وأمثال ذلك كثير. قولهم: quot; إن الاستلحاق موجب للحوق النسب وقد اشتركا فيه فيشتركان في موجبه quot;. قلنا: هذا صحيح إذا لم يتميز أحدهما بأمر خارج عن الدعوى فأما إذا تميز بأمر آخر كالفراش والشبه: كان اللحاق به كما لو تميز بالبينة بل الشبه نفسه بينة من أقوى البينات فإنها اسم لما يبين الحق ويظهره وظهور الحق هاهنا بالشبه: أقوى من ظهوره بشهادة من يجوز عليه الوهم والغلط والكذب وأقوى بكثير من الفراش يقطع بعدم اجتماع الزوجين فيه. قولهم: quot; القائف إما شاهد وإما حاكم. .. إلخ quot;. قلنا: هذا فيه قولان لمن يقول بالقافة هما روايتان عن أحمد ووجهان لأصحاب الشافعي مبنيان على أن القائف: هل هو حاكم أو شاهد عند طائفة من أصحابنا وعند آخرين: ليسا مبنيين على ذلك بل الخلاف جار سواء قلنا: القائف حاكم أو شاهد كما نعتبر حاكمين في جزاء الصيد. وكذلك إذا قبلنا قوله وحده: جاز ذلك وإن جعلناه شاهدا كما نقبل قول القاسم والخارص والمقوم والطبيب ونحوهم وحده. ومنهم من يبني الخلاف على كونه شاهدا أو مخبرا فإن جعلناه مخبرا اكتفي بخبره وحده كالخبر عن الأمور الدينية وإن جعلناه شاهدا لم نكتف بشهادته وحده وهذا أيضا ضعيف فإن الشاهد(1\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "191",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5218",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مخبر والمخبر شاهد وكل من شهد بشيء فقد أخبر به والشريعة لم تفرق بين ذلك أصلا وإنما هذا على أصل من اشترط في قبول الشهادة لفظ quot; الشهادة quot; دون مجرد الإخبار. وقد تقدم بيان ضعف ذلك وأنه لا دليل عليه بل الأدلة كثيرة - من الكتاب والسنة - تدل على خلافه.  والقضايا التي رويت في القافة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة بعده: ليس في قضية واحدة منها أنهم قالوا: القائف تلفظ بلفظة quot; أشهد أنه ابنه quot; ولا يتلفظ بذلك القائف أصلا وإنما وقع الاعتماد على مجرد خبره وهو شهادة منه وهذا بين لمن تأمله ونصوص أحمد لا تشعر بهذا البناء الذي ذكره بوجه وإنما المتأخرون يتصرفون في نصوص الأئمة ويبنونها على ما لم يخطر لأصحابها ببال ولا جرى لهم في مقال ويتناقله بعضهم عن بعض ثم يلزمهم من طرده لوازم لا يقول بها الأئمة فمنهم من يطردها ويلتزم القول بها ويضيف ذلك إلى الأئمة وهم لا يقولون به فيروج بين الناس بجاه الأئمة ويفتي ويحكم به والإمام لم يقله قط بل يكون قد نص على خلافه. ونحن نذكر نصوص الإمام أحمد في هذه المسألة: قال جعفر بن محمد النسائي: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الولد يدعيه الرجلان قال: يدعي له رجلان من القافة فإن ألحقاه بأحدهما: فهو له. وقال محمد بن داود المصيصي: سئل أبو عبد الله عن جارية بين رجلين وقعا عليها قال: إن ألحقوه بأحدهما فهو له قيل له: إن قال أحد القافة: هو لهذا وقال الآخر: هو لهذا قال: لا يقبل قول واحد حتى يجتمع اثنان يكونان كشاهدين. وقال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: إن قال أحد القافة: هو لهذا. وقال الآخر: هو لهذا قال: لا يقبل قول واحد حتى يجتمع اثنان فيكونا كشاهدين وإذا شهد اثنان من القافة أنه لهذا: فهو له. واحتج من رجح هذا القول بأنه حكم بالشبه فيعتبر فيه العدد كالحكم بالمثل في جزاء الصيد. قالوا: بل هو أولى لأن درك المثلية في الصيد أظهر بكثير من دركها هاهنا: فإذا تابع القائف غيره سكنت النفس واطمأنت إلى قوله. وقال أحمد - وفي رواية أبي طالب - في الولد يكون بين الرجلين: يدعي القائف فإذا قال هو منهما: فهو منهما نظرا إلى ما يقول القائف وإن جعله لواحد: فهو لواحد. وقال في رواية إسماعيل بن سعيد: وسئل عن القائف: هل يقضى بقوله فقال: يقضى بذلك إذا علم. ومن حجة هذا القول - وهو اختيار القاضي وصاحب quot; المستوعب quot; والصحيح من المذهب(1\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "192",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5219",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشافعي وقول أهل الظاهر -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سر بقول مجزز المدلجي وحده وصح عن عمر أنه استقاف المصطلقي وحده كما تقدم واستقاف ابن عباس ابن كلدة وحده واستلحق بقوله. وقد نص أحمد على أنه يكتفى بالطبيب والبيطار الواحد إذا لم يوجد سواه والقائف مثله فتخرج له رواية ثالثة كذلك والله أعلم. بل هذا أولى من الطبيب والبيطار لأنهما أكثر وجودا منه فإذا اكتفي بالواحد منهما - مع عدم غيره - فالقائف أولى. وأما قولكم: quot; إن داود وسليمان لم يحكما بالقافة في قصة الولد الذي ادعته المرأتان quot;. فيقال: قد اختلف القائلون بالقافة: هل يعتبر في تداعي المرأتين كما يعتبر في تداعي الرجلين وفي ذلك وجهان لأصحاب الشافعي: أحدهما: لا يعتبر هاهنا وإن اعتبر في تداعي الرجلين. قالوا: والفرق بينهما أنا يمكننا التوصل إلى معرفة الأم يقينا بخلاف الأب فإنا لا سبيل لنا إلى ذلك فاحتجنا إلى القافة وعلى هذا: فلا إشكال. والوجه الآخر - وهو الصحيح -: أن القافة تجري هاهنا كما تجري بين الرجلين قاله أحمد - في رواية ابن الحكم في يهودية ومسلمة ولدتا فادعت اليهودية ولد المسلمة - قيل له: يكون في هذا القافة قال: ما أحسنه اهـ. والأحاديث المتقدمة التي دلت على أن الولد يأخذ الشبه من الأم تارة ومن الأب تارة: تدل على صحة هذا القول. فإن الحكم بالقافة إنما يتوهم بالشبه وقد تقدم في ذلك حديث عائشة وأم سلمة وأنس بن مالك وثوبان وعبد الله بن سلام وكون الأم تمكن معرفتها يقينا - بخلاف الأب - لا يدل على أن القافة لا تعتبر في حق المرأتين لأنا إنما نستعملها عند عدم معرفة الأم ولا يلزم من عدم استعمالها عند تيقن معرفة الأم عدم استعمالها عند الجهل بها كما أنا إنما نستعملها في حق الرجلين عند عدم تيقن الفراش لا عند تيقنه. وأما كون داود وسليمان لم يعتبراها: فإما ألا يكون ذلك شريعة لهما وهو الظاهر إذ لو كان ذلك شرعا لدعوا القافة للولد. وإما أن تكون القافة مشروعة في تلك الشريعة ولكن في حق الرجلين كما هو أحد القولين في شريعتنا وحينئذ فلا كلام. وإما أن تكون مشروعة مطلقا ولكن أشكل على نبي الله أمر الشبه بحيث لم يظهر لهما وأن(1\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "193",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5220",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القائف لا يعلم الحال في كل صورة بل قد يشتبه عليه كثيرا. وعلى كل تقدير: فلا حجة في القصة على إبطال حكم القافة في شريعتنا والله أعلم. بل قصة داود وسليمان صريحة في إبطال الولد بأمين فإنه لم يحكم به نبي من النبيين الكريمين - صلوات الله عليهما وسلامه - بل اتفقا على إلغاء هذا الحكم فالذي دلت عليه القصة لا يقولون به والذي يقولون به غير ما دلت عليه القصة. 96 - (فصل) وأما حديث زيد بن أرقم - في قصة علي في الولد الذي ادعاه الثلاثة والإقراع بينهما: فهو حديث مضطرب جدا كما تقدم ذكره. وقد قال علي بن سعيد: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث منكر لا أدري ما هذا ولا أعرفه صحيحا. وقال له إسحاق بن منصور: حديث زيد بن أرقم quot; أن ثلاثة وقعوا على امرأة في طهر واحد quot; قال: حديث عمر في القافة أعجب إلي. وذكر البخاري في تاريخه quot;: أن عبد الله بن الخليل لا يتابع على هذا الحديث. وهذا يوافق قول أحمد: أنه حديث منكر. ويدل عليه أيضا: ما رواه قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن علي - رضي الله عنه - quot; أن رجلين وقعا على امرأة في طهر واحد فجاءت بولد فدعا له علي القافة وجعله ابنهما جميعا يرثهما ويرثانه quot; وهذا يدل على أن مذهب علي - رضي الله عنه -: الأخذ بالقافة دون القرعة. وأيضا: فالمعهود من استعمال القرعة إنما هو إذا لم يكن هناك مرجح سواها. ومعلوم أن القافة مرجحة: إما شهادة وإما حكما وإما فتيا فلا يصار إلى القرعة مع وجودها. وأيضا: فنفاة القافة لا يأخذون بحديث علي في القرعة ولا بحديثه وحديث عمر في القافة فلا يقولون بهذا ولا بهذا. فنقول: حديث علي: إما أن يكون ثابتا أو ليس بثابت فإن لم يثبت فلا إشكال وإن كان ثابتا فهو واقعة عين تحتمل وجوها: أحدها: أنه لا يكون قد وجد في ذلك المكان وفي ذلك الوقت قائف أو يكون قد أشكل على القائف ولم يتبين له أو يكون لعدم كون القيافة طريقا شرعيا وإذا احتملت القصة هذا وهذا وهذا: لم يجزم بوقوع أحد الاحتمالات إلا بدليل وقد تضمنت القصة أمرين مشكلين:(1\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "194",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5221",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدهما: ثبوت النسب بالقرعة. والثاني: إلزام من خرجت له القرعة بثلثي الدية للآخر. فمن صحح الحديث ونفى الحكم والتعليل - كبعض أهل الظاهر - قال به ولم يلتفت إلى معنى ولا علة ولا حكمة وقال: ليس هنا إلا التسليم والانقياد. وأما من سلك طريق التعليل والحكمة فقد يقول: إنه إذا تعذرت القافة وأشكل الأمر عليها: كان المصير إلى القرعة أولى من ضياع نسب الولد وتركه هملا لا نسب له وهو ينظر إلى ناكح أمه وواطئها فالقرعة هاهنا أقرب الطرق إلى إثبات النسب فإنها طريق شرعي وقد سدت الطرق سواها وإذا كانت صالحة لتعيين الأملاك المطلقة وتعيين الرقيق من الحر وتعيين الزوجة من الأجنبية فكيف لا تصلح لتعيين صاحب النسب من غيره . والمعلوم أن طرق حفظ الأنساب أوسع من طرق حفظ الأموال والشارع إلى ذلك أعظم تشوفا فالقرعة شرعت لإخراج المستحق تارة ولتعيينه تارة هاهنا أحد المتداعيين هو أبوه حقيقة فعملت القرعة في تعيينه كما عملت في تعيين الزوجة عند اشتباهها بالأجنبية فالقرعة تخرج المستحق شرعا كما تخرجه قدرا. وقد تقدم في تقرير صحتها واعتبارها ما فيه شفاء فلا استبعاد في الإلحاق بها عند تعينها طريقا بل خلاف ذلك هو المستبعد. الأمر الثاني: إلزام من خرجت له القرعة بثلثي الدية لصاحبه ولهذا أيضا وجه فإن وطئ كل واحد من الآخرين كان صالحا لحصول الولد له ويحتمل أن يكون الولد له في نفس الأمر فلما خرجت القرعة لأحدهم: أبطلت ما كان من الواطئين من حصول الولد له فقد بذر كل منهم بذرا يرجو به أن يكون الزرع له فقد اشتركوا في البذر فإذا فاز أحدهم بالزرع: كان من العدل أن يضمن لصاحبيه ثلثي القيمة والدية قيمة الولد شرعا فلزمه ضمان ثلثيها لصاحبيه إذ الثلثان عوض ثلثي الولد الذي استبد به دونهما مع اشتراكهما في سبب حصوله. وهذا أصح من كثير من الأحكام التي يثبتونها بآرائهم وأقيستهم والمعنى فيه أظهر. وقد اعتبر الصحابة - رضي الله عنهم - مثل ذلك في ولد المغرور حيث حكموا بحريته وألزموا الواطئ فداءه بمثله لما فوت رقه على سيد الأمة هذا مع أنه لم يوجد من سيدها هنا كوطء يكون منه ولد بل الزوج وحده هو الواطئ ولكن لما كان الولد تابعا لأمه في الرق: كان بصدد أن يكون رقيقا لسيدها فلما فاته ذلك - بانعقاد الولد حرا من أمته - ألزموا الواطئ بأن يغرم له نظيره ولم يلزموه بالدية لأنه إنما فوت عليه رقيقا ولم يفوت عليه حرا وفي قصة علي: كان(1\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "195",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5222",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي فوته الواطئ القارع حرا فلزمته حصة صاحبيه من الدية ولو كان واحدا لزمه نصف الدية. فهذا أحسن وجوه الحديث فإن كان صحيحا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فالقول الصحيح هو القول بموجبه ولا قول سواه وبالله التوفيق.  [فصل الحكم بين الناس فيما لا يتوقف على الدعوى] 97 - (فصل) هذا كله في الحكم بين الناس في الدعاوى. وأما الحكم بينهم فيما لا يتوقف على الدعوى: فهو المسمى بالحسبة والمتولي له: والي الحسبة. وقد جرت العادة بإفراد هذا النوع بولاية خاصة كما أفردت ولاية المظالم بولاية خاصة والمتولي لها يسمى والي المظالم وولاية المال قبضا وصرفا بولاية خاصة والمتولي لذلك يسمى وزيرا وناظر البلد والمتولي لإحصاء المال ووجوهه وضبطه تسمى ولايته: ولاية استيفاء والمتولي لاستخراجه وتحصيله ممن هو عليه تسمى ولايته ولاية السر والمتولي لفصل الخصومات وإثبات الحقوق والحكم في الفروج والأنكحة والطلاق والنفقات وصحة العقود وبطلانها: هو المخصوص باسم الحاكم والقاضي وإن كان هذا الاسم يتناول كل حاكم بين اثنين وقاض بينهما فيدخل أصحاب هذه الولايات جميعهم تحت قوله تعالى: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل [النساء: 58] وتحت قوله تعالى: فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون [المائدة: 44]  وقوله: فأولئك هم الظالمون [المائدة: 45] وقوله: فأولئك هم الفاسقون [المائدة: 47] وتحت قوله: وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم [المائدة: 49] وقوله - صلى الله عليه وسلم -: القضاة ثلاثة وقوله: من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين وقوله - صلى الله عليه وسلم -: المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن - وكلتا يديه يمين - الذين يعدلون في(1\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "196",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5223",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حكمهم وأهليهم وما ولوا . والمقصود: أن الحكم بين الناس في النوع الذي لا يتوقف على الدعوى: هو المعروف بولاية الحسبة. وقاعدته وأصله: هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه ووصف به هذه الأمة وفضلها لأجله على سائر الأمم التي أخرجت للناس وهذا واجب على كل مسلم قادر وهو فرض كفاية ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره من ذوي الولاية والسلطان فعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم فإن مناط الوجوب: هو القدرة فيجب على القادر ما لا يجب على العاجز. قال تعالى: فاتقوا الله ما استطعتم [التغابن: 16] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم . وجميع الولايات الإسلامية: مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكن من المتولين من يكون بمنزلة الشاهد المؤتمن والمطلوب منه: الصدق مثل صاحب الديوان الذي وظيفته: أن يكتب المستخرج والمصروف والنقيب والعريف الذي وظيفته: إخبار ولي الأمر بالأحوال ومنهم من يكون بمنزلة الآمر المطاع والمطلوب منه: العدل مثل الأمير والحاكم والمحتسب. ومدار الولايات كلها: على الصدق في الإخبار والعدل في الإنشاء وهما قرينان في كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى: وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا [الأنعام: 115] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ذكر الأمراء الظلمة: من صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولا يرد علي الحوض ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه وسيرد علي الحوض وقال تعالى: هل أنبئكم على من تنزل الشياطين - تنزل على كل أفاك أثيم [الشعراء: 221 - 222](1\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "197",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5224",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالأفاك: الكاذب والأثيم: الظالم الفاجر وقال تعالى: لنسفعا بالناصية [العلق: 15] ناصية كاذبة خاطئة [العلق: 16] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار . ولهذا يجب على كل ولي أمر أن يستعين في ولايته بأهل الصدق والعدل والأمثل فالأمثل وإن كان فيه كذب وفجور ف quot; إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر quot; و quot; بأقوام لا خلاق لهم quot;. قال عمر - رضي الله عنه -: quot; من قلد رجلا على عصابة وهو يجد في تلك العصابة من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله وجماعة المؤمنين quot;. والغالب: أنه لا يوجد الكامل في ذلك فيجب تحري خير الخيرين ودفع شر الشرين وقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - يفرحون بانتصار الروم والنصارى على المجوس عباد النار لأن النصارى أقرب إليهم من أولئك وكان يوسف الصديق - عليه السلام - نائبا لفرعون مصر وهو وقومه مشركون وفعل من الخير والعدل ما قدر عليه ودعا إلى الإيمان بحسب الإمكان.  [فصل في عموم الولايات وخصوصها] 98 - (فصل)(1\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "198",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5225",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عموم الولايات وخصوصها: إذا عرف هذا فعموم الولايات وخصوصها وما يستفيده المتولي بالولاية: يتلقى من الألفاظ والأحوال والعرف وليس لذلك حد في الشرع فقد يدخل في ولاية القضاء - في بعض الأزمنة والأمكنة - ما يدخل في ولاية الحرب في زمان ومكان آخر وبالعكس وكذلك الحسبة وولاية المال وجميع هذه الولايات في الأصل ولايات دينية ومناصب شرعية فمن عدل في ولاية من هذه الولايات وساسها بعلم وعدل وأطاع الله ورسوله بحسب الإمكان فهو من الأبرار العادلين ومن حكم فيها بجهل وظلم فهو من الظالمين المعتدين و إن الأبرار لفي نعيم [الانفطار: 13] وإن الفجار لفي جحيم [الانفطار: 14] . فولاية الحرب في هذه الأزمنة في البلاد الشامية والمصرية وما جاورها: تختص بإقامة الحدود: من القتل والقطع والجلد ويدخل فيها الحكم في دعاوى التهم التي ليس فيها شهود ولا إقرار كما تختص ولاية القضاء بما فيه كتاب وشهود وإقرار من الدعاوى التي تتضمن إثبات الحقوق والحكم بإيصالها إلى أربابها والنظر في الأبضاع والأموال التي ليس لها ولي معين والنظر في حال نظار الوقوف وأوصياء اليتامى وغير ذلك. وفي بلاد أخرى - كبلاد الغرب - ليس لوالي الحرب مع القاضي حكم في شيء إنما هو منفذ لما يأمر به متولي القضاء. وأما ولاية الحسبة: فخاصتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما ليس من خصائص الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم فعلى متولي الحسبة أن يأمر العامة بالصلوات الخمس في مواقيتها ويعاقب من لم يصل بالضرب والحبس وأما القتل: فإلى غيره ويتعاهد الأئمة والمؤذنين فمن فرط منهم فيما يجب عليه من حقوق الأمة وخرج عن المشروع ألزمه به واستعان فيما يعجز عنه بوالي الحرب والقاضي. واعتناء ولاة الأمور بإلزام الرعية بإقامة الصلاة أهم من كل شيء فإنها عماد الدين وأساسه وقاعدته وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يكتب إلى عماله: quot; إن أهم أمركم عندي الصلاة(1\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "199",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5226",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ومن ضيعها كان لما سواها أشد إضاعة quot;. ويأمر والي الحسبة بالجمعة والجماعة وأداء الأمانة والصدق والنصح في الأقوال والأعمال وينهى عن الخيانة وتطفيف المكيال والميزان والغش في الصناعات والبياعات ويتفقد أحوال المكاييل والموازين وأحوال الصناع الذين يصنعون الأطعمة والملابس والآلات فيمنعهم من صناعة المحرم على الإطلاق كآلات الملاهي وثياب الحرير للرجال ويمنع من اتخاذ أنواع المسكرات ويمنع صاحب كل صناعة من الغش في صناعته ويمنع من إفساد نقد الناس وتغييرها ويمنع من جعل النقود متجرا فإنه بذلك يدخل على الناس من الفساد ما لا يعلمه إلا الله بل الواجب: أن تكون النقود رءوس أموال يتجر بها ولا يتجر فيها وإذا حرم السلطان سكة أو نقدا منع من الاختلاط بما أذن في المعاملة به. ومعظم ولايته وقاعدتها: الإنكار على هؤلاء الزغلية وأرباب الغش في المطاعم والمشارب والملابس وغيرها فإن هؤلاء يفسدون مصالح الأمة والضرر بهم عام لا يمكن الاحتراز منه فعليه ألا يهمل أمرهم وأن ينكل بهم وأمثالهم ولا يرفع عنهم عقوبته فإن البلية بهم عظيمة والمضرة بهم شاملة ولا سيما هؤلاء الكيماويين الذين يغشون النقود والجواهر والعطر والطيب وغيرها يضاهئون بزغلهم وغشهم خلق الله والله تعالى لم يخلق شيئا فيقدر العباد أن يخلقوا كخلقه قال تعالى - فيما حكى عنه رسوله - صلوات الله وسلامه عليه -: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي فليخلقوا ذرة فليخلقوا شعيرة . ولهذا كانت المصنوعات - كالطبائخ والملابس والمساكن - غير مخلوقة إلا بتوسط الناس وقال تعالى: وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون [يس: 41] وخلقنا لهم من مثله ما يركبون [يس: 42]  وقال تعالى: أتعبدون ما تنحتون [الصافات: 95] والله خلقكم وما تعملون [الصافات: 96] وكانت المخلوقات من المعادن والنبات والدواب غير مقدور لبني آدم أن(1\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "200",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5227",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يصنعوها لكن يشبهون بها على سبيل الغش وهذا حقيقة الكيمياء فإنها ذهب مشبه. ويدخل في المنكرات: ما نهى الله عنه ورسوله من العقود المحرمة مثل عقود الربا صريحا واحتيالا وعقود الميسر كبيوع الغرر وكحبل الحبلة. والملامسة والمنابذة والنجش. وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها وتصرية الدابة اللبون وسائر أنواع التدليس وكذلك سائر الحيل المحرمة على أكل الربا وهي ثلاثة أقسام: أحدها: ما يكون من واحد كما إذا باعه سلعة بنسيئة ثم اشتراها منه بأقل من ثمنها نقدا. حيلة على الربا. ومنها: ما تكون ثنائية. وهي أن تكون من اثنين: مثل أن يجمع إلى القرض: بيعا أو إجارة أو مساقاة أو مزارعة ونحو ذلك وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك قال الترمذي: حديث صحيح وفي سنن أبي داود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا . ومنها: ما تكون ثلاثية وهي أن يدخلا بينهما محللا للربا فيشتري السلعة من آكل الربا ثم يبيعها لمعطي الربا إلى أجل ثم يعيدها إلى صاحبها بنقص دراهم يستعيدها المحلل. وهذه المعاملات: منها ما هو حرام بالاتفاق مثل التي يباع فيها المبيع قبل القبض الشرعي أو بغير الشرط الشرعي أو يقلب فيها الدين على المعسر فإن المعسر يجب إنظاره ولا تجوز الزيادة عليه بمعاملة ولا غيرها ومتى استحل المرابي قلب الدين وقال للمدين: إما أن تقضي وإما أن تزيد في الدين والمدة: فهو كافر يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل وأخذ ماله فيئا لبيت المال. فعلى والي الحسبة إنكار ذلك جميعه والنهي عنه وعقوبة فاعله ولا يتوقف ذلك على دعوى ومدعى عليه فإن ذلك من المنكرات التي يجب على ولي الأمر إنكارها والنهي عنها.  [فصل ومن المنكرات] 99 - (فصل)(1\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "201",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5228",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن المنكرات: تلقي السلع قبل أن تجيء إلى السوق فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذلك لما فيه من تغرير البائع فإنه لا يعرف السعر فيشتري منه المشتري بدون القيمة ولذلك أثبت له النبي - صلى الله عليه وسلم - الخيار إذا دخل إلى السوق ولا نزاع في ثبوت الخيار له مع الغبن. وأما ثبوته بلا غبن: ففيه عن أحمد روايتان: إحداهما: يثبت وهو قول الشافعي لظاهر الحديث. والثانية: لا يثبت لعدم الغبن ولذلك ثبت الخيار للمشتري المسترسل إذا غبن وفي الحديث غبن المسترسل ربا وفي تفسيره قولان أحدهما: أنه الذي لا يعرف قيمة السلعة. والثاني - وهو المنصوص عن أحمد - أنه الذي لا يماكس بل يسترسل إلى البائع ويقول: أعطني هذا. وليس لأهل السوق أن يبيعوا المماكس بسعر ويبيعوا المسترسل بغيره وهذا مما يجب على والي الحسبة إنكاره وهذا بمنزلة تلقي السلع فإن القادم جاهل بالسعر. ومن هذا: تلقي سوقة الحجيج الجلب من الطريق وسبقهم إلى المنازل يشترون الطعام والعلف ثم يبيعونه كما يريدون فيمنعهم والي الحسبة من التقدم لذلك حتى يقدم الركب لما في ذلك من مصلحة الركب  ومصلحة الجالب ومتى اشتروا شيئا من ذلك منعهم من بيعه بالغبن الفاحش.(1\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "202",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5229",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن ذلك: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبيع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض . قيل لابن عباس: ما معنى قوله: لا يبع حاضر لباد  قال: quot; لا يكون له سمسارا quot;. وهذا النهي لما فيه من ضرر المشتري فإن المقيم إذا وكله القادم في بيع سلعة يحتاج الناس إليها والقادم لا يعرف السعر: أضر ذلك بالمشتري كما أن النهي عن تلقي الجلب فيه من الإضرار بالبائعين. ومن ذلك: الاحتكار لما يحتاج الناس إليه. وقد روى مسلم في صحيحه quot; عن معمر بن عبد الله العدوي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا يحتكر إلا خاطئ  فإن المحتكر الذي يعمد إلى شراء ما يحتاج إليه الناس من الطعام فيحبسه عنهم ويريد إغلاءه عليهم: هو ظالم لعموم الناس ولهذا كان لولي الأمر أن يكره المحتكرين على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه والناس في مخمصة أو سلاح لا يحتاج إليه والناس يحتاجون إليه للجهاد أو غير ذلك فإن من اضطر إلى طعام غيره: أخذه منه بغير اختياره بقيمة المثل ولو امتنع من بيعه إلا بأكثر من سعره فأخذه منه بما طلب: لم تجب عليه إلا قيمة مثله. وكذلك من اضطر إلى الاستدانة من الغير فأبى أن يعطيه إلا بربا أو معاملة ربوية فأخذه منه بذلك: لم يستحق عليه إلا مقدار رأس ماله. وكذلك إذا اضطر إلى منافع ماله كالحيوان والقدر والفأس ونحوها: وجب عليه بذلها له مجانا في أحد الوجهين وهو الأصح وبأجرة المثل في الآخر.(1\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "203",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5230",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولو اضطر إلى طعامه وشرابه فحبسه عنه حتى مات جوعا وعطشا: ضمنه بالدية عند الإمام أحمد واحتج بفعل عمر بن الخطاب وقيل له: تذهب إليه فقال: إي والله.  [فصل في التسعير] 100 - (فصل) وأما التسعير: فمنه ما هو ظلم محرم ومنه ما هو عدل جائز. فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه أو منعهم مما أباح الله لهم فهو حرام وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل فهو جائز بل واجب. فأما القسم الأول: فمثل ما روى أنس قال: غلا السعر على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا رسول الله لو سعرت لنا فقال: إن الله هو القابض الرازق الباسط المسعر وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال رواه أبو داود والترمذي وصححه. فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم وقد ارتفع السعر - إما لقلة الشيء وإما لكثرة الخلق - فهذا إلى الله فإلزام الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها: إكراه بغير حق. وأما الثاني: فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل فالتسعير هاهنا إلزام بالعدل الذي ألزمهم الله به.  [فصل في أقبح الظلم] 101 - (فصل) ومن أقبح الظلم: إيجار الحانوت على الطريق أو في القرية بأجرة معينة على ألا يبيع أحد غيره فهذا ظلم حرام على المؤجر والمستأجر وهو نوع من أخذ أموال الناس قهرا وأكلها بالباطل وفاعله قد تحجر واسعا فيخاف عليه أن يحجر الله عنه رحمته كما حجر على الناس فضله ورزقه.  [فصل في حصر البيع على أناس معينين] 102 - (فصل)(1\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "204",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5231",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن ذلك: أن يلزم الناس ألا يبيع الطعام أو غيره من الأصناف إلا ناس معروفون فلا تباع تلك السلع إلا لهم ثم يبيعونها هم بما يريدون فلو باع غيرهم ذلك منع وعوقب فهذا من البغي في الأرض والفساد والظلم الذي يحبس به قطر السماء وهؤلاء يجب التسعير عليهم وألا يبيعوا إلا بقيمة المثل ولا يشتروا إلا بقيمة المثل بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء لأنه إذا منع غيرهم أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما شاءوا أو يشتروا بما شاءوا: كان ذلك ظلما للناس: ظلما للبائعين الذين يريدون بيع تلك السلع وظلما للمشترين منهم. فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع وحقيقته: إلزامهم بالعدل ومنعهم من الظلم وهذا كما أنه لا يجوز الإكراه على البيع بغير حق فيجوز أو يجب الإكراه عليه بحق مثل بيع المال لقضاء الدين الواجب والنفقة الواجبة ومثل البيع للمضطر إلى طعام أو لباس ومثل الغراس والبناء في ملك الغير فإن لرب الأرض أن يأخذه بقيمة المثل ومثل الأخذ بالشفعة فإن للشفيع أن يتملك الشقص بثمنه قهرا وكذلك السراية في العتق فإنها تخرج الشقص من ملك الشريك قهرا وتوجب على المعتق المعاوضة عليها قهرا وكل من وجب عليه شيء من الطعام واللباس والرقيق والمركوب - بحج أو كفارة أو نفقة - فمتى وجده بثمن المثل وجب عليه شراؤه وأجبر على ذلك ولم يكن له أن يمتنع حتى يبذل له مجانا أو بدون ثمن المثل.  [فصل في القسامين الذين يقسمون العقار وغيره بالأجرة] 103 - (فصل) ومن هاهنا: منع غير واحد من العلماء - كأبي حنيفة وأصحابه - القسامين الذين يقسمون العقار وغيره بالأجرة: أن يشتركوا فإنهم إذا اشتركوا - والناس يحتاجون إليهم - أغلوا عليهم الأجرة. قلت: وكذلك ينبغي لوالي الحسبة: أن يمنع مغسلي الموتى والحمالين لهم من الاشتراك لما في ذلك من إغلاء الأجرة عليهم وكذلك اشتراك كل طائفة يحتاج الناس إلى منافعهم كالشهود والدلالين وغيرهم على أن في شركة الشهود مبطلا آخر فإن عمل كل واحد منهم متميز عن عمل الآخر لا يمكن الاشتراك فيه فإن الكتابة متميزة والتحمل متميز والأداء متميز لا يقع في ذلك اشتراك ولا تعاون فبأي وجه يستحق أحدهما أجرة عمل صاحبه وهذا بخلاف الاشتراك في سائر الصنائع فإنه يمكن أحد الشريكين أن يعمل بعض العمل والآخر بعضه ولهذا إذا اختلفت الصنائع: لم تصح الشركة على أحد الوجهين لتعذر اشتراكهما في العمل(1\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "205",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5232",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن صححها نظر إلى أنهما يشتركان فيما تتم به صناعة كل واحد منهما من الحفظ والنظر إذا خرج لحاجة فيقع الاشتراك فيما يتم به عمل كل واحد منهما وإن لم يقع في عين العمل. وأما شركة الدلالين: ففيها أمر آخر وهو أن الدلال وكيل صاحب السلعة في بيعها فإذا شارك غيره في بيعها كان توكيلا له فيما وكل فيه فإن قلنا: ليس للوكيل أن يوكل: لم تصح الشركة وإن قلنا: له أن يوكل: صحت. فعلى والي الحسبة: أن يعرف هذه الأمور ويراعيها ويراعي مصالح الناس وهيهات هيهات ذهب ما هنالك. والمقصود: أنه إذا منع القسامون ونحوهم من الشركة لما فيها من التواطؤ على إغلاء الأجرة فمنع البائعين الذين تواطئوا على ألا يبيعوا إلا بثمن مقدر أولى وأحرى. وكذلك يمنع والي الحسبة المشترين من الاشتراك في شيء لا يشتريه غيرهم لما في ذلك من ظلم البائع. وأيضا: فإذا كانت الطائفة التي تشتري نوعا من السلع أو تبيعها: قد تواطئوا على أن يهضموا ما يشترونه فيشتروه بدون ثمن المثل ويبيعوا ما يبيعونه بأكثر من ثمن المثل ويقتسموا ما يشتركون فيه من الزيادة: كان إقرارهم على ذلك معاونة لهم على الظلم والعدوان وقد قال تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان [المائدة: 2] . ولا ريب أن هذا أعظم إثما وعدوانا من تلقي السلع وبيع الحاضر للبادي ومن النجش.  [فصل في حاجة الناس إلى صناعة طائفة كالفلاحة والنساجة والبناء وغير ذلك] 104 - (فصل) ومن ذلك: أن يحتاج الناس إلى صناعة طائفة - كالفلاحة والنساجة والبناء وغير ذلك - فلولي الأمر: أن يلزمهم بذلك بأجرة مثلهم فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بذلك ولهذا قالت طائفة من أصحاب أحمد والشافعي: إن تعلم هذه الصناعات فرض على الكفاية لحاجة الناس إليها وكذلك تجهيز الموتى ودفنهم وكذلك أنواع الولايات العامة والخاصة التي لا تقوم مصلحة الأمة إلا بها. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتولى أمر ما يليه بنفسه ويولي فيما بعد عنه كما ولى على مكة عتاب بن أسيد وعلى الطائف: عثمان بن أبي العاص الثقفي وعلى قرى عرينة: خالد بن سعيد بن العاص وبعث عليا ومعاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن وكذلك كان يؤمر على السرايا ويبعث السعاة على الأموال الزكوية فيأخذونها ممن هي عليه ويدفعونها إلى مستحقيها فيرجع الساعي إلى المدينة(1\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "206",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5233",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وليس معه إلا سوطه ولا يأتي بشيء من الأموال إذا وجد لها موضعا يضعها فيه. 105 - (فصل) وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستوفي الحساب على عماله يحاسبهم على المستخرج والمصروف كما في quot; الصحيحين quot; عن أبي حميد الساعدي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعمل رجلا من الأزد يقال له: ابن اللتبية على الصدقات فلما رجع حاسبه فقال: هذا لكم وهذا أهدي إلي فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما بال الرجل نستعمله على العمل مما ولانا الله فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فنظر: أيهدى إليه أم لا والذي نفسي بيده لا نستعمل رجلا على العمل مما ولانا الله فيغل منه شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رغاء وإن كانت بقرة لها خوار وإن كانت شاة تيعر ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم هل بلغت قالها مرتين أو ثلاثا quot;. والمقصود: أن هذه الأعمال متى لم يقم بها إلا شخص واحد صارت فرض عين عليه فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم صارت هذه الأعمال مستحقة عليهم يجبرهم ولي الأمر عليها بعوض المثل ولا يمكنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل ولا يمكن الناس من ظلمهم بأن يعطوهم دون حقهم كما إذا احتاج الجند المرصدون للجهاد إلى فلاحة أرضهم وألزم من صناعته الفلاحة أن يقوم بها: ألزم الجند بألا يظلموا الفلاح كما يلزم الفلاح بأن يفلح. ولو اعتمد الجند والأمراء مع الفلاحين: ما شرعه الله ورسوله وجاءت به السنة وفعله الخلفاء الراشدون لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ولفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض وكان الذي يحصل لهم من المغل أضعاف ما يحصلونه بالظلم والعدوان ولكن يأبى جهلهم وظلمهم إلا أن يرتكبوا الظلم والإثم فيمنعوا البركة وسعة الرزق فيجتمع لهم عقوبة الآخرة ونزع البركة في الدنيا. فإن قيل: وما الذي شرعه الله ورسوله وفعله الصحابة حتى يفعله من وفقه الله(1\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "207",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5234",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل: المزارعة العادلة التي يكون المقطع والفلاح فيها على حد سواء من العدل لا يختص أحدهما عن الآخر بشيء من هذه الرسوم التي ما أنزل الله بها من سلطان وهي التي خربت البلاد وأفسدت العباد ومنعت الغيث وأزالت البركات وعرضت أكثر الجند والأمراء لأكل الحرام وإذا نبت الجسد على الحرام فالنار أولى به. وهذه المزارعة العادلة: هي عمل المسلمين على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعهد خلفائه الراشدين وهي عمل آل أبي بكر وآل عمر وآل عثمان وآل علي وغيرهم من بيوت المهاجرين وهي قول أكابر الصحابة كابن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وغيرهم وهي مذهب فقهاء الحديث كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ومحمد بن إسماعيل البخاري وداود بن علي ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وأبي بكر بن المنذر ومحمد بن نصر المروزي وهي مذهب عامة أئمة المسلمين كالليث بن سعد وابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وغيرهم. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع حتى مات ولم تزل تلك المعاملة حتى أجلاهم عمر عن خيبر وكان قد شارطهم أن يعمروها من أموالهم وكان البذر منهم لا من النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولهذا كان الصحيح من أقوال العلماء: أن البذر يجوز أن يكون من العامل كما مضت به السنة بل قد قالت طائفة من الصحابة: لا يكون البذر إلا من العامل لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ولأنهم أجروا البذر مجرى النفع والماء. والصحيح: أنه يجوز أن يكون من رب الأرض وأن يكون من العامل وأن يكون منهما وقد ذكر البخاري كما في صحيحه quot;: quot; أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عامل الناس على: إن جاء عمر بالبذر من عنده: فله الشطر وإن جاءوا بالبذر: فلهم كذا quot;. والذين منعوا المزارعة منهم من احتج ب أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: نهى عن المخابرة ولكن الذي(1\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "208",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5235",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نهى عنه: هو الظلم: فإنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة بعينها ويشترطون ما على الماذيانات وأقبال الجداول وشيئا من التبن يختص به صاحب الأرض ويقتسمان الباقي. وهذا الشرط باطل بالنص والإجماع فإن المعاملة مبناها على العدل من الجانبين وهذه المعاملات من جنس المشاركات لا من باب المعاوضات والمشاركة العادلة: هي أن يكون لكل واحد من الشريكين جزء شائع فإذا جعل لأحدهما شيء مقدر كان ظلما. فهذا هو الذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قال الليث بن سعد: الذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك: أمر إذا نظر ذو البصيرة بالحلال والحرام فيه: علم أنه لا يجوز وأما ما فعله هو وفعله خلفاؤه الراشدون والصحابة: فهو العدل المحض الذي لا ريب في جوازه. 106 - (فصل) وقد ظن طائفة من الناس: أن هذه المشاركات من باب الإجارة بعوض مجهول فقالوا: القياس يقتضي تحريمها. ثم منهم من حرم المساقاة والمزارعة وأباح المضاربة استحسانا للحاجة لأن الدراهم لا تؤجر كما يقول أبو حنيفة. ومنهم من أباح المساقاة: إما مطلقا كقول مالك والشافعي في القديم أو على النخل والعنب خاصة كالجديد له لأن الشجر لا تمكن إجارته بخلاف الأرض وأباح ما يحتاج إليه من المزارعة تبعا للمساقاة. ثم منهم من قدر ذلك بالثلث كقول مالك. ومنهم من اعتبر كون الأرض أغلب كقول الشافعي. وأما جمهور السلف والفقهاء فقالوا: ليس ذلك من باب الإجارة في شيء بل هو من باب المشاركات التي مقصود كل منهما مثل مقصود صاحبه بخلاف الإجارة فإن هذا مقصوده العمل وهذا مقصوده الأجرة ولهذا كان الصحيح أن هذه المشاركات إذا فسدت وجب فيها نصيب المثل لا أجرة المثل فيجب من الربح والنماء في فاسدها نظير ما يجب في صحيحها لا أجرة مقدرة فإن لم يكن ربح ولا نماء: لم يجب شيء فإن أجرة المثل قد تستغرق رأس المال وأضعافه وهذا ممتنع فإن قاعدة الشرع: أنه يجب في الفاسد من العقود نظير ما يجب في الصحيح منها كما يجب في النكاح الفاسد مهر المثل وهو نظير ما يجب في الصحيح وفي البيع الفاسد إذا فات: ثمن المثل وفي الإجارة الفاسدة أجرة المثل فكذلك يجب في المضاربة الفاسدة: ربح المثل وفي المساقاة والمزارعة الفاسدة:(1\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "209",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5236",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نصيب المثل فإن الواجب في صحيحها ليس هو أجرة مسماة فتجب في فاسدها أجرة المثل بل هو جزء شائع من الربح فيجب في الفاسدة نظيره. قال شيخ الإسلام وغيره من الفقهاء: والمزارعة أحل من المؤاجرة وأقرب إلى العدل فإنهما يشتركان في المغرم والمغنم بخلاف المؤاجرة فإن صاحب الأرض تسلم له الأجرة والمستأجر قد يحصل له زرع وقد لا يحصل. والعلماء مختلفون في جواز هذا وهذا والصحيح: جوازهما سواء كانت الأرض إقطاعا أم غيره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وما علمت أحدا من علماء الإسلام - الأئمة الأربعة ولا غيرهم - قال: إجارة الإقطاع لا تجوز وما زال المسلمون يؤجرون إقطاعاتهم قرنا بعد قرن من زمن الصحابة إلى زمننا هذا حتى أحدث بعض أهل زماننا فابتدع القول ببطلان إجارة الإقطاع. وشبهته: أن المقطع لا يملك المنفعة فيصير كالمستعير لا يجوز أن يكري الأرض المعارة وهذا القياس خطأ من وجهين: أحدهما: أن المستعير لم تكن المنفعة حقا له وإنما تبرع المعير بها وأما أراضي المسلمين: فمنفعتها حق للمسلمين وولي الأمر قاسم بينهم حقوقهم ليس متبرعا لهم كالمعير. والمقطع مستوف المنفعة بحكم الاستحقاق كما يستوفي الموقوف عليه منافع الوقف وأولى. وإذا جاز للموقوف عليه أن يؤجر الوقف - وإن أمكن أن يموت فتنفسخ الإجارة بموته على الصحيح - فلأن يجوز للمقطع أن يؤجر الإقطاع وإن انفسخت الإجارة بموته أولى. الثاني: أن المعير لو أذن في الإجارة جازت الإجارة وولي الأمر يأذن للمقطع في الإجارة فإنه إنما أقطعهم لينتفعوا بها: إما بالمزارعة وإما بالإجارة ومن منع الانتفاع بها بالإجارة والمزارعة فقد أفسد على المسلمين دينهم ودنياهم وألزم الجند والأمراء أن يكونوا هم الفلاحين وفي ذلك من الفساد ما فيه. وأيضا: فإن الإقطاع قد يكون دورا وحوانيت لا ينتفع بها المقطع إلا بالإجارة فإذا لم تصح إجارة الإقطاع تعطلت منافع ذلك بالكلية وكون الإقطاع معرضا لرجوع الإمام فيه مثل كون الموهوب للولد معرضا لرجوع الوالد فيه وكون الصداق قبل الدخول معرضا لرجوع نصفه أو كله إلى الزوج وذلك لا يمنع صحة الإجارة بالاتفاق فليس مع المبطل نص ولا قياس ولا مصلحة ولا نظير. وإذا أبطلوا المزارعة والإجارة لم يبق بيد الجند إلا أن يستأجروا من أموالهم من يزرع الأرض ويقوم عليها وهذا لا يكاد يفعله إلا قليل من الناس لأنه قد يخسر ماله ولا يحصل له شيء بخلاف المشاركة فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم فهي أقرب إلى العدل.(1\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "210",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5237",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذه المسألة ذكرت استطرادا وإلا فالمقصود: أن الناس إذا احتاجوا إلى أرباب الصناعات كالفلاحين وغيرهم - أجبروا على ذلك بأجرة المثل. وهذا من التسعير الواجب فهذا تسعير في الأعمال. وأما التسعير في الأموال: فإذا احتاج الناس إلى سلاح للجهاد وآلات فعلى أربابه أن يبيعوه بعوض المثل ولا يمكنوا من حبسه إلا بما يريدونه من الثمن والله تعالى قد أوجب الجهاد بالنفس والمال فكيف لا يجب على أرباب السلاح بذله بقيمته ومن أوجب على العاجز ببدنه أن يخرج من ماله ما يحج به الغير عنه ولم يوجب على المستطيع بماله أن يخرج ما يجاهد به الغير: فقوله ظاهر التناقض وهذا أحد الروايتين عن الإمام أحمد وهو الصواب. 107 - (فصل) وإنما لم يقع التسعير في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة لأنهم لم يكن عندهم من يطحن ويخبز بكراء ولا من يبيع طحينا وخبزا بل كانوا يشترون الحب ويطحنونه ويخبزونه في بيوتهم وكان من قدم بالحب لا يتلقاه أحد بل يشتريه الناس من الجالبين ولهذا جاء في الحديث: الجالب مرزوق والمحتكر ملعون . وكذلك لم يكن في المدينة حائك بل كان يقدم عليهم بالثياب من الشام واليمن وغيرهما فيشترونها ويلبسونها.  [فصل في تنازع العلماء في التسعير] 108 - (فصل) في التسعير وقد تنازع العلماء في التسعير في مسألتين: إحداهما: إذا كان للناس سعر غالب فأراد بعضهم أن يبيع بأغلى من ذلك فإنه يمنع من ذلك عند مالك. وهل يمنع من النقصان على قولين لهم. واحتج مالك - رحمه الله - بما رواه في موطئه quot; عن يونس بن يوسف عن سعيد بن المسيب: quot; أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيبا له بالسوق فقال له عمر: إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا quot;.(1\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "211",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5238",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال مالك: لو أن رجلا أراد فساد السوق فحط عن سعر الناس: لرأيت أن يقال له: إما لحقت بسعر الناس وإما رفعت وأما أن يقول للناس كلهم يعني - لا تبيعوا إلا بسعر كذا - فليس ذلك بالصواب وذكر حديث عمر بن عبد العزيز في أهل الأبلة حين حط سعرهم لمنع البحر فكتب quot; خل بينهم وبين ذلك فإنما السعر بيد الله quot;. قال ابن رشد في كتاب البيان quot;: أما الجلابون فلا خلاف في أنه لا يسعر عليهم شيء مما جلبوه وإنما يقال لمن شذ منهم فباع بأغلى مما يبيع به العامة: إما أن تبيع بما تبيع به العامة وإما أن ترفع من السوق كما فعل عمر بن الخطاب بحاطب بن أبي بلتعة إذ مر به وهو يبيع زبيبا له في السوق فقال له: quot; إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا quot; لأنه كان يبيع بالدرهم الواحد أقل مما كان يبيع به أهل السوق. وأما أهل الحوانيت والأسواق الذين يشترون من الجلابين وغيرهم جملة ويبيعون ذلك على أيديهم مقطعا مثل اللحم والأدم والفواكه فقيل: إنهم كالجلابين لا يسعر لهم شيء من بياعاتهم وإنما يقال لمن شذ منهم وخرج عن الجمهور: إما أن تبيع كما يبيع الناس وإما أن ترفع من السوق وهو قول مالك في هذه الرواية. وممن روى عنه ذلك من السلف: عبد الله بن عمر والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله قيل: إنهم في هذا بخلاف الجالبين لا يتركون على البيع باختيارهم إذا أغلوا على الناس ولم يقتنعوا من الربح بما يشبه. وعلى صاحب السوق الموكل بمصلحته أن يعرف ما يشترون به فيجعل لهم من الربح ما يشبه وينهاهم أن يزيدوا على ذلك ويتفقد السوق أبدا فيمنعهم من الزيادة على الربح الذي جعل لهم فمن خالف أمره عاقبه وأخرجه من السوق. وهذا قول مالك في رواية أشهب وإليه ذهب ابن حبيب وقال به ابن المسيب ويحيى بن سعيد والليث وربيعة. ولا يجوز عند أحد من العلماء أن يقول لهم: لا تبيعوا إلا بكذا وكذا ربحتم أو خسرتم من غير أن ينظر إلى ما يشترون به ولا أن يقول لهم فيما قد اشتروه: لا تبيعوه إلا بكذا وكذا مما هو مثل الثمن أو أقل. وإذا ضرب لهم الربح على قدر ما يشترون: لم يتركهم أن يغلوا في الشراء وإن لم يزيدوا في الربح على القدر الذي حد لهم فإنهم قد يتساهلون في الشراء إذا علموا أن الربح لا يفوتهم. وأما الشافعي: فإنه عارض في ذلك بما رواه عن الدراوردي عن داود بن صالح التمار عن القاسم بن محمد(1\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "212",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5239",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن عمر - رضي الله عنه -: quot; أنه مر بحاطب بن أبي بلتعة بسوق المصلى وبين يديه غرارتان فيهما زبيب فسأله عن سعرهما فقال له: مدين لكل درهم فقال له عمر: قد حدثت بعير جاءت من الطائف تحمل زبيبا وهم يغترون بسعرك فإما أن ترفع في السعر وإما أن تدخل زبيبك البيت فتبيعه كيف شئت فلما رجع عمر حاسب نفسه ثم أتى حاطبا في داره فقال: إن الذي قلت لك ليس عزمة مني ولا قضاء إنما هو الشيء أردت به الخير لأهل البلد فحيث شئت فبع وكيف شئت فبع quot;. قال الشافعي: وهذا الحديث مستقصى. وليس بخلاف لما رواه مالك ولكنه روي عن بعض الحديث أو رواه عنه من رواه وهذا أتى بأول الحديث وآخره وبه أقول لأن الناس مسلطون على أموالهم ليس لأحد أن يأخذها أو شيئا منها بغير طيب أنفسهم إلا في المواضع التي تلزمهم وهذا ليس منها. وعلى قول مالك: فقال أبو الوليد الباجي: الذي يؤمر به من حط عنه أن يلحق به: هو السعر الذي عليه جمهور الناس فإذا انفرد منهم الواحد والعدد اليسير بحط السعر: أمروا باللحاق بسعر الناس أو ترك البيع فإن زاد في السعر واحد أو عدد يسير: لم يؤمر الجمهور باللحاق بسعره لأن المراعى حال الجمهور وبه تقوم المبيعات. وهل يقام من زاد في السوق - أي في قدر المبيع بالدراهم - كما يقام من نقص منه قال ابن القصار المالكي: اختلف أصحابنا في قول مالك: quot; ولكن من حط سعرا quot; فقال البغداديون: أراد من باع خمسة بدرهم والناس يبيعون ثمانية وقال قوم من البصريين: أراد من باع ثمانية والناس يبيعون خمسة فيفسد على أهل السوق بيعهم وربما أدى إلى الشغب والخصومة. قال: وعندي أن الأمرين جميعا ممنوعان لأن من باع ثمانية - والناس يبيعون خمسة - أفسد على أهل السوق بيعهم وربما أدى إلى الشغب والخصومة فمنع الجميع مصلحة. قال أبو الوليد: ولا خلاف أن ذلك حكم أهل السوق. وأما الجالب: ففي كتاب محمد: لا يمنع الجالب أن يبيع في السوق دون بيع الناس وقال ابن حبيب: ما عدا القمح والشعير بسعر الناس وإلا رفعوا وأما جالب القمح والشعير: فيبيع كيف شاء إلا أن لهم في أنفسهم حكم أهل السوق إن أرخص بعضهم تركوا وإن أرخص أكثرهم قيل لمن بقي: إما أن تبيعوا كبيعهم وإما أن ترفعوا. قال ابن حبيب: وهذا في المكيل والموزون مأكولا كان أو غيره دون ما لا يكال ولا يوزن لأنه لا يمكن تسعيره لعدم التماثل فيه:(1\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "213",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5240",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أبو الوليد: هذا إذا كان المكيل والموزون متساويا فإذا اختلفا لم يؤمر صاحب الجيد أن يبيعه بسعر الدون. 109 - (فصل) وأما المسألة الثانية - التي تنازعوا فيها من التسعير -: فهي أن يحد لأهل السوق حدا لا يتجاوزونه مع قيامهم بالواجب. فهذا منع منه الجمهور حتى مالك نفسه في المشهور عنه ونقل المنع أيضا عن ابن عمر وسالم والقاسم بن محمد وروى أشهب عن مالك - في صاحب السوق يسعر على الجزارين: لحم الضأن بكذا ولحم الإبل بكذا وإلا أخرجوا من السوق - قال: إذا سعر عليهم قدر ما يرى من شرائهم فلا بأس به ولكن أخاف أن يقوموا من السوق. واحتج أصحاب هذا القول بأن في هذا مصلحة للناس بالمنع من إغلاء السعر عليهم ولا يجبر الناس على البيع وإنما يمنعون من البيع بغير السعر الذي يحده ولي الأمر على حسب ما يرى من المصلحة فيه للبائع والمشتري. وأما الجمهور: فاحتجوا بما رواه أبو داود وغيره من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله سعر لنا فقال: بل أدعو الله ثم جاءه رجل فقال: يا رسول الله سعر لنا فقال: بل الله يرفع ويخفض وإني لأرجو أن ألقى الله وليست لأحد عندي مظلمة قالوا: ولأن إجبار الناس على ذلك ظلم لهم. 110 - (فصل) وأما صفة ذلك عند من جوزه فقال ابن حبيب: ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء ويحضر غيرهم استظهارا على صدقهم فيسألهم: كيف يشترون وكيف يبيعون فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد حتى يرضوا به ولا يجبرهم على التسعير ولكن عن رضى. قال أبو الوليد: ووجه هذا: أن به يتوصل إلى معرفة مصالح البائعين والمشترين ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم ولا يكون فيه إجحاف بالناس وإذا سعر عليهم من غير رضا بما لا ربح لهم فيه: أدى ذلك إلى فساد الأسعار وإخفاء الأقوات وإتلاف أموال الناس.(1\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "214",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5241",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال شيخنا: فهذا الذي تنازعوا فيه وأما إذا امتنع الناس من بيع ما يجب عليهم بيعه: فهنا يؤمرون بالواجب ويعاقبون على تركه وكذلك كل من وجب عليه أن يبيع بثمن المثل فامتنع. ومن احتج على منع التسعير مطلقا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن الله هو المسعر القابض الباسط وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال قيل له: هذه قضية معينة وليست لفظا عاما وليس فيها أن أحدا امتنع من بيع ما الناس يحتاجون إليه ومعلوم أن الشيء إذا قل رغب الناس في المزايدة فيه فإذا بذله صاحبه - كما جرت به العادة ولكن الناس تزايدوا فيه - فهنا لا يسعر عليهم. وقد ثبت كما في quot; الصحيحين quot;: quot; أن النبي - صلى الله عليه وسلم - منع من الزيادة على ثمن المثل في عتق الحصة من العبد المشترك فقال: من أعتق شركا له في عبد - وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد - قوم عليه قيمة عدل  لا وكس ولا شطط فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد فلم يمكن المالك أن يساوم المعتق بالذي يريد فإنه لما وجب عليه أن يملك شريكه المعتق نصيبه الذي لم يعتقه لتكميل الحرية في العبد: قدر عوضه بأن يقوم جميع العبد قيمة عدل ويعطيه قسطه من القيمة فإن حق الشريك في نصف القيمة لا في قيمة النصف عند الجمهور. وصار هذا الحديث أصلا في أن ما لا يمكن قسمة عينه فإنه يباع ويقسم ثمنه إذا طلب أحد الشركاء ذلك ويجبر الممتنع على البيع وحكى بعض المالكية ذلك إجماعا. وصار أصلا في أن من وجبت عليه المعاوضة أجبر على أن يعاوض بثمن المثل ولا بما يريد من الثمن. وصار أصلا في جواز إخراج الشيء من ملك صاحبه قهرا بثمنه للمصلحة الراجحة كما في الشفعة وأصلا في وجوب تكميل العتق بالسراية مهما أمكن. والمقصود: أنه إذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء عن ملك مالكه بعوض المثل لمصلحة تكميل العتق ولم يمكن المالك من المطالبة بالزيادة على القيمة فكيف إذا كانت الحاجة بالناس إلى التملك(1\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "215",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5242",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أعظم وهم إليها أضر مثل حاجة المضطر إلى الطعام والشراب واللباس وغيره. وهذا الذي أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - من تقويم الجميع قيمة المثل: هو حقيقة التسعير وكذلك سلط الشريك على انتزاع الشقص المشفوع فيه من يد المشتري بثمنه الذي ابتاعه به لا بزيادة عليه لأجل مصلحة التكميل لواحد فكيف بما هو أعظم من ذلك فإذا جوز له انتزاعه منه بالثمن الذي وقع عليه العقد لا بما شاء المشتري من الثمن لأجل هذه المصلحة الجزئية فكيف إذا اضطر إلى ما عنده من طعام وشراب ولباس وآلة حرب وكذلك إذا اضطر الحاج إلى ما عند الناس من آلات السفر وغيرها فعلى ولي الأمر أن يجبرهم على ذلك بثمن المثل لا بما يريدونه من الثمن وحديث العتق أصل في ذلك كله.  [فصل في البذل والعطاء] 111 - (فصل) فإذا قدر أن قوما اضطروا إلى السكنى في بيت إنسان ولا يجدون سواه أو النزول في خان مملوك أو استعارة ثياب يستدفئون بها أو رحى للطحن أو دلو لنزع الماء أو قدر أو فأس أو غير ذلك: وجب على صاحبه بذله بلا نزاع لكن هل له أن يأخذ عليه أجرا فيه قولان للعلماء وهما وجهان لأصحاب أحمد. ومن جوز له أخذ الأجرة حرم عليه أن يطلب زيادة على أجرة المثل. قال شيخنا: والصحيح أنه يجب عليه بذل ذلك مجانا كما دل عليه الكتاب والسنة قال تعالى: فويل للمصلين [الماعون: 4] الذين هم عن صلاتهم ساهون [الماعون: 5] الذين هم يراءون [الماعون: 6] ويمنعون الماعون [الماعون: 7] قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من الصحابة: quot; هو إعارة القدر والدلو والفأس ونحوهم quot;. وفي quot; الصحيحين quot; عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر الخيل - قال: هي لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر فأما الذي هي له أجر: فرجل ربطها في سبيل الله وأما الذي هي له ستر: فرجل ربطها تغنيا وتعففا ولم ينس حق الله في رقابها ولا في ظهورها . وفي quot; الصحيحين quot; عنه أيضا: من حق الإبل: إعارة دلوها وإطراق فحلها .(1\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "216",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5243",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; الصحيحين quot; عنه: أنه نهى عن عسب الفحل أي عن أخذ الأجرة عليه والناس يحتاجون إليه فأوجب بذله مجانا ومنع من أخذ الأجرة عليه. وفي quot; الصحيحين quot; عنه أنه قال: لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبه في جداره . ولو احتاج إلى إجراء مائه في أرض غيره من غير ضرر لصاحب الأرض فهل يجبر على ذلك روايتان عن أحمد والإجبار: قول عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة - رضي الله عنهم -. وقد قال جماعة من الصحابة والتابعين: quot; إن زكاة الحلي عاريته فإذا لم يعره فلا بد من زكاته quot; وهذا وجه في مذهب أحمد. قلت: وهو الراجح وإنه لا يخلو الحلي من زكاة أو عارية. والمنافع التي يجب بذلها نوعان منها: ما هو حق المال كما ذكرنا في الخيل والإبل والحلي ومنها: ما يجب لحاجة الناس. وأيضا: فإن بذل منافع البدن تجب عند الحاجة كتعليم العلم وإفتاء الناس والحكم بينهم وأداء الشهادة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من منافع الأبدان. وكذلك من أمكنه إنجاء إنسان من مهلكة وجب عليه أن يخلصه فإن ترك ذلك - مع قدرته عليه - أثم وضمنه. فلا يمتنع وجوب بذل منافع الأموال للمحتاج وقد قال تعالى: ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا [البقرة: 282](1\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "217",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5244",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله [البقرة: 282] وللفقهاء في أخذ الجعل على الشهادة أربعة أقوال وهي أربعة أوجه في مذهب أحمد أحدها: أنه لا يجوز مطلقا والثاني: أنه يجوز عند الحاجة. والثالث: أنه لا يجوز إلا أن يتعين عليه. والرابع: أنه يجوز فإن أخذه عند التحمل لم يأخذه عند الأداء. والمقصود: أن ما قدره النبي - صلى الله عليه وسلم - من الثمن في سراية العتق: هو لأجل تكميل الحرية وهو حق الله وما احتاج إليه الناس حاجة عامة فالحق فيه لله وذلك في الحقوق والحدود. فأما الحقوق: فمثل حقوق المساجد ومال الفيء والوقف على أهل الحاجات وأموال الصدقات والمنافع العامة. وأما الحدود: فمثل حد المحاربة والسرقة والزنا وشرب الخمر المسكر. وحاجة المسلمين إلى الطعام واللباس وغير ذلك: مصلحة عامة ليس الحق فيها لواحد بعينه فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع أولى من تقديره لتكميل الحرية لكن تكميل الحرية وجب على الشريك المعتق ولو لم يقدر فيها الثمن لتضرر بطلب الشريك الآخر فإنه يطلب ما شاء وهنا عموم الناس يشترون الطعام والثياب لأنفسهم وغيرهم فلو مكن من عنده سلع يحتاج الناس إليها أن يبيع بما شاء: كان ضرر الناس أعظم ولهذا قال الفقهاء: إذا اضطر الإنسان إلى طعام الغير: وجب عليه بذله له بثمن المثل. وأبعد الأئمة عن إيجاب المعاوضة وتقديرها هو الشافعي: ومع هذا فإنه يوجب على من اضطر الإنسان إلى طعامه: أن يبذله له بثمن المثل وتنازع أصحابه في جواز تسعير الطعام إذا كان بالناس إليه حاجة ولهم فيه وجهان. وقال أصحاب أبي حنيفة: لا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس إلا إذا تعلق به حق ضرر العامة فإذا رفع إلى القاضي: أمر المحتكر ببيع ما فضل من قوته وقوت أهله على اعتبار السعر في ذلك ونهاه عن الاحتكار فإن أبى حبسه وعزره على مقتضى رأيه زجرا له ودفعا للضرر عن الناس. قالوا: فإن تعدى أرباب الطعام وتجاوزوا القيمة تعديا فاحشا وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير: سعره حينئذ بمشورة أهل الرأي والبصيرة. وهذا على أصل أبي حنيفة ظاهر حيث لا يرى الحجر على الحر. ومن باع منهم بما قدره الإمام: صح لأنه غير مكره عليه. قالوا: وهل يبيع القاضي على المحتكر طعامه من غير رضاه على الخلاف المعروف في بيع مال(1\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "218",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5245",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدين وقيل: يبيع هاهنا بالاتفاق لأن أبا حنيفة يرى الحجر لدفع الضرر العام والسعر لما غلا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وطلبوا منه التسعير فامتنع لم يذكر أنه كان هناك من عنده طعام امتنع من بيعه بل عامة من كان يبيع الطعام إنما هم جالبون يبيعونه إذا هبطوا السوق ولكن نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبيع حاضر لباد أي أن يكون له سمسار. وقال: دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض فنهى الحاضر العالم بالسعر أن يتوكل للبادي الجالب للسلعة لأنه إذا توكل له - مع خبرته بحاجة الناس - أغلى الثمن على المشتري فنهاه عن التوكل له مع أن جنس الوكالة مباح لما في ذلك من زيادة السعر على الناس ونهى عن تلقي الجلب وجعل للبائع إذا هبط السوق الخيار ولهذا كان أكثر الفقهاء على أنه نهى عن ذلك لما فيه من ضر البائع هنا فإذا لم يكن قد عرف السعر وتلقاه المتلقي قبل إتيانه إلى السوق اشتراه المشتري بدون ثمن المثل فغبنه فأثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذا البائع الخيار. ثم فيه عن أحمد روايتان كما تقدم إحداهما: أن الخيار يثبت له مطلقا سواء غبن أم لم يغبن وهو ظاهر مذهب الشافعي. والثانية: أنه إنما يثبت له عند الغبن وهي ظاهر المذهب. وقالت طائفة: بل نهى عن ذلك لما فيه من ضرر المشتري إذا تلقاه المتلقي فاشترى منه ثم باعه وفي الجملة: فقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن البيع والشراء الذي جنسه حلال حتى يعلم البائع بالسعر وهو ثمن المثل ويعلم المشتري بالسلعة. وصاحب القياس الفاسد يقول: للمشتري أن يشتري حيث شاء وقد اشترى من البائع كما يقول: فله أن يتوكل للبائع الحاضر وغير الحاضر ولكن الشارع راعى المصلحة العامة فإن الجالب إذا لم يعرف السعر كان جاهلا بثمن المثل فيكون المشتري غارا له. وألحق مالك وأحمد بذلك كل مسترسل فإنه بمنزلة الجالب الجاهل بالسعر. فتبين أنه يجب على الإنسان: ألا يبيع مثل هؤلاء إلا بالسعر المعروف وهو ثمن المثل وإن لم يكونوا محتاجين إلى الابتياع منه لكن لكونهم جاهلين بالقيمة أو غير مماكسين والبيع يعتبر فيه الرضا والرضا يتبع العلم ومن لم يعلم أنه غبن فقد يرضى وقد لا يرضى فإذا علم أنه غبن ورضي فلا بأس بذلك.(1\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "219",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5246",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; السنن quot;: أن رجلا كانت له شجرة في أرض غيره وكان صاحب الأرض يتضرر بدخول صاحب الشجرة فشكا ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمره أن يقبل بدلها أو يتبرع له بها فلم يفعل فأذن لصاحب الأرض أن يقلعها وقال لصاحب الشجرة: إنما أنت مضار . وصاحب القياس الفاسد يقول: لا يجب عليه أن يبيع شجرته ولا يتبرع بها ولا يجوز لصاحب الأرض أن يقلعها لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه وإجبار على المعاوضة عليه وصاحب الشرع أوجب عليه إذا لم يتبرع بها أن يبيعها لما في ذلك من مصلحة صاحب الأرض بخلاصه من تأذيه بدخول صاحب الشجرة ومصلحة صاحب الشجرة بأخذ القيمة وإن كان عليه في ذلك ضرر يسير فضرر صاحب الأرض ببقائها في بستانه أعظم فإن الشارع الحكيم يدفع أعظم الضررين بأيسرهما فهذا هو الفقه والقياس والمصلحة وإن أباه من أباه. والمقصود: أن هذا دليل على وجوب البيع عند حاجة المشتري وأين هذا من حاجة عموم الناس إلى الطعام وغيره والحكم في المعاوضة على المنافع إذا احتاج الناس إليها - كمنافع الدور والطحن والخبز وغير ذلك - حكم المعاوضة على الأعيان. وجماع الأمر: أن مصلحة الناس إذا لم تتم إلا بالتسعير. سعر عليهم تسعير عدل لا وكس ولا شطط وإذا اندفعت حاجتهم وقامت مصلحتهم بدونه: لم يفعل وبالله التوفيق.  [فصل في حكم الولي بالأمارات والعلامات الظاهرة والقرائن البينة] 112 - (فصل) والمقصود: أن هذه أحكام شرعية: لها طرق شرعية لا تتم مصلحة الأمة إلا بها ولا تتوقف على مدع ومدعى عليه بل لو توقفت على ذلك: فسدت مصالح الأمة واختل النظام بل يحكم فيها متولي ذلك بالأمارات والعلامات الظاهرة والقرائن البينة. ولما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية فإن quot; الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن quot; فإقامة الحدود واجبة على ولاة الأمور. والعقوبة تكون على فعل محرم أو ترك واجب. والعقوبات - كما تقدم - منها ما هو مقدر ومنها ما هو غير مقدر وتختلف مقاديرها(1\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "220",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5247",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأجناسها وصفاتها باختلاف أحوال الجرائم وكبرها وصغرها وبحسب حال المذنب في نفسه. والتعزير: منه ما يكون بالتوبيخ وبالزجر وبالكلام ومنه ما يكون بالحبس ومنه ما يكون بالنفي ومنه ما يكون بالضرب. وإذا كان على ترك واجب - كأداء الديون والأمانات والصلاة والزكاة - فإنه يضرب مرة بعد مرة ويفرق الضرب عليه يوما بعد يوم حتى يؤدي الواجب. وإن كان ذلك على جرم ماض: فعل منه مقدار الحاجة. وليس لأقله حد وقد تقدم الخلاف في أكثره وأنه يسوغ بالقتل إذا لم تندفع المفسدة إلا به مثل قتل المفرق لجماعة المسلمين والداعي إلى غير كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وفي quot; الصحيح quot; عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما . وقال: من جاءكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان . وأمر بقتل رجل تعمد عليه الكذب وقال لقوم: أرسلني إليكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أن أحكم في نسائكم وأموالكم . وسأله quot; ابن الديلمي quot; عمن لم ينته عن شرب الخمر فقال: من لم ينته عنها فاقتلوه . وأمر بقتل شاربها بعد الثالثة أو الرابعة (35) .(1\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "221",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5248",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأمر بقتل الذي تزوج امرأة أبيه . وأمر بقتل الذي اتهم بجاريته حتى تبين له أنه خصي . وأبعد الأئمة من التعزير بالقتل: أبو حنيفة ومع ذلك فيجوز التعزير به للمصلحة  كقتل المكثر من اللواط وقتل القاتل بالمثقل. ومالك: يرى تعزير الجاسوس المسلم بالقتل ووافقه بعض أصحاب أحمد ويرى أيضا هو وجماعة من أصحاب أحمد والشافعي: قتل الداعية إلى البدعة. وعزر أيضا بالهجرة وعزر بالنفي كما أمر بإخراج المخنثين من المدينة ونفيهم وكذلك الصحابة من بعده كما فعل عمر - رضي الله عنه - بالأمر بهجر صبيغ ونفي نصر بن حجاج.  [فصل في التعزير بالعقوبات المالية] 113 - (فصل) وأما التعزير بالعقوبات المالية فمشروع أيضا في مواضع مخصوصة في مذهب مالك وأحمد وأحد قولي الشافعي وقد جاءت السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه بذلك في مواضع:(1\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "222",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5249",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منها: إباحته - صلى الله عليه وسلم - سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لمن وجده. ومثل: أمره - صلى الله عليه وسلم - بكسر دنان الخمر وشق ظروفها (31) . ومثل: أمره لعبد الله بن عمر بأن يحرق الثوبين المعصفرين (33) . ومثل: أمره - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر - بكسر القدور التي طبخ فيها لحم الحمر الإنسية. ثم استأذنوه في غسلها فأذن لهم. فدل على جواز الأمرين لأن العقوبة لم تكن واجبة بالكسر. ومثل: هدمه مسجد الضرار. ومثل: تحريق متاع الغال (25) .(1\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "223",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5250",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومثل: حرمان السلب الذي أساء على نائبه. ومثل: إضعاف الغرم على سارق ما لا قطع فيه من الثمر والكثر (28) . ومثل: إضعافه الغرم على كاتم الضالة (29) . ومثل: أخذه شطر مال مانع الزكاة عزمة من عزمات الرب تبارك وتعالى (30) . ومثل أمره لابس خاتم الذهب بطرحه فطرحه فلم يعرض له أحد. ومثل: تحريق موسى - عليه السلام - العجل وإلقاء برادته في اليم. ومثل: قطع نخيل اليهود إغاظة لهم. ومثل: تحريق عمر وعلي - رضي الله عنهما - المكان الذي يباع في الخمر. ومثل: تحريق عمر قصر سعد بن أبي وقاص لما احتجب فيه عن الرعية وهذه قضايا صحيحة معروفة وليس يسهل دعوى نسخها. ومن قال: إن العقوبات المالية منسوخة وأطلق ذلك فقد غلط على مذاهب الأئمة نقلا واستدلالا فأكثر هذه المسائل: سائغ في مذهب أحمد وغيره وكثير منها سائغ عند مالك وفعل الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة لها بعد موته - صلى الله عليه وسلم - مبطل أيضا لدعوى نسخها والمدعون للنسخ ليس معهم كتاب ولا سنة ولا إجماع يصحح دعواهم إلا أن يقول أحدهم: مذهب أصحابنا عدم جوازها فمذهب أصحابه عيار على القبول والرد وإذا ارتفع عن هذه الطبقة ادعى أنها منسوخة بالإجماع وهذا غلط أيضا. فإن الأمة لم تجمع على نسخها ومحال أن ينسخ الإجماع السنة ولكن(1\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "224",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5251",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لو ثبت الإجماع لكان دليلا على نص ناسخ. قال ابن رشد في كتاب البيان quot; له: ولصاحب الحسبة الحكم على من غش في أسواق المسلمين في خبز أو لبن أو عسل أو غير ذلك من السلع بما ذكره أهل العلم في ذلك فقد قال مالك في quot; المدونة quot;: quot; إن عمر بن الخطاب كان يطرح اللبن المغشوش في الأرض quot; أدبا لصاحبه وكره ذلك في رواية ابن القاسم ورأى أن يتصدق به ومنع من ذلك في رواية أشهب وقال: لا يحل ذنب من الذنوب مال إنسان وإن قتل نفسا. وذكر ابن الماجشون عن مالك - في الذي غش اللبن - مثل الذي تقدم في رواية أشهب. قال ابن حبيب: فقلت لمطرف وابن الماجشون: فما وجه الصواب عندكما فيمن غش أو نقص في الوزن قالا: يعاقب بالضرب والحبس والإخراج من السوق وما غش من الخبز واللبن أو غش في المسك والزعفران: فلا يهراق ولا ينهب. قال ابن حبيب: ولا يرده الإمام عليه وليأمر ثقته ببيعه عليه ممن يأمن ألا يغش به ويكسر الخبز إذا كسد ثم يسلمه لصاحبه ويباع عليه العسل والسمن واللبن الذي يغشه ممن يأكله ويبين له غشه وهكذا العمل في كل ما غش من التجارات وهو إيضاح ما استوضحته من أصحاب مالك وغيرهم. وروي عن مالك: أن المستحسن عنده أن يتصدق به إذ في ذلك عقوبة الغاش بإتلافه عليه ونفع المساكين بإعطائهم إياه. ولا يهراق. وقيل لمالك: فالزعفران والمسك أتراه مثله قال: ما أشبهه بذلك إذا كان هو الذي غشه فهو كاللبن. قال ابن القاسم: هذا في الشيء الخفيف ثمنه فأما إذا كثر ثمنه: فلا أرى ذلك وعلى صاحبه العقوبة لأنه تذهب في ذلك أموال عظام تزيد في الصدقة بكثير. قال ابن رشد: قال بعض الشيوخ: وسواء - على مذهب مالك - كان ذلك يسيرا أو كثيرا لأنه يسوي في ذلك بين الزعفران واللبن والمسك قليله وكثيره. وخالفه ابن القاسم فلم ير أن يتصدق من ذلك إلا بما كان يسيرا. ذلك: إذا كان هو الذي غشه فأما من وجد عنده من ذلك شيء مغشوش لم يغشه هو وإنما اشتراه أو وهب له أو ورثه: فلا خلاف أنه لا يتصدق بشيء من ذلك والواجب: أن يباع ممن يؤمن أن يبيعه من غيره مدلسا به وكذلك ما وجب أن يتصدق به من المسك والزعفران: يباع على الذي غشه.(1\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "225",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5252",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقول ابن القاسم في أنه لا يتصدق من ذلك إلا بالشيء اليسير: أحسن من قول مالك لأن الصدقة بذلك من العقوبات في الأموال وذلك أمر كان في أول الإسلام. ومن ذلك: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في مانع الزكاة: إنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا (30) . وروي عنه في حريسة النخل: أن فيها غرامة مثلها وجلدات نكال وما روي عنه: أن من وجد يصيد في حرم المدينة شيئا فلمن وجده سلبه . ومثل هذا كثير: نسخ ذلك كله والإجماع على أنه لا يجب وعادت العقوبات في الأبدان فكان قول ابن القاسم أولى بالصواب استحسانا والقياس: أنه لا يتصدق من ذلك بقليل ولا كثير انتهى كلامه. وقد عرفت أنه ليس مع من ادعى النسخ نص ولا إجماع. والعجب: أنه قد ذكر نص مالك وفعل عمر ثم جعل قول ابن القاسم أولى ونسخ النصوص بلا ناسخ فقول عمر وعلي والصحابة ومالك وأحمد: أولى بالصواب بل هو إجماع الصحابة فإن ذلك اشتهر عنهم في قضايا متعددة جدا ولم ينكره منهم منكر وعمر يفعله بحضرتهم وهم يقرونه ويساعدونه عليه ويصوبونه في فعله والمتأخرون كلما استبعدوا شيئا قالوا: منسوخ ومتروك العمل به. وقد أفتى ابن القطان في الملاحف الرديئة النسج بالإحراق بالنار وأفتى ابن عتاب فيها بتقطيعها خرقا وإعطائها للمساكين إذا تقدم لمستعملها فلم ينته ثم أنكر ابن القطان ذلك وقال: لا يحل هذا في مال مسلم بغير إذنه يؤدب فاعل ذلك بالإخراج من السوق. وأنكر ذلك القاضي أبو الأصبغ علي بن القطان وقال: هذا اضطراب في جوابه وتناقض في قوله لأن جوابه في الملاحف بإحراقها بالنار: أشد من إعطائها للمساكين. قال: وابن عتاب أضبط لأصله في ذلك وأتبع لقوله. وفي تفسير ابن مزين quot; قال عيسى: قال مالك - في الرجل يجعل في مكياله زفتا - إنه يقام من السوق فإنه أشق عليه يريد من أدبه بالضرب والحبس.  [فصل في واجبات الشريعة التي هي حق الله تعالى ثلاثة أقسام] 114 - (فصل) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه: واجبات الشريعة - التي هي حق الله تعالى - ثلاثة(1\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "226",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5253",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أقسام: عبادات كالصلاة والزكاة والصيام وعقوبات: إما مقدورة وإما مفوضة وكفارات. وكل واحد من أقسام الواجبات: ينقسم إلى بدني وإلى مالي وإلى مركب منهما. فالعبادات البدنية: كالصلاة والصيام والمالية: كالزكاة والمركبة: كالحج. والكفارات المالية: كالإطعام والبدنية: كالصيام والمركبة: كالهدي يذبح ويقسم. والعقوبات البدنية: كالقتل والقطع والمالية: كإتلاف أوعية الخمر والمركبة: كجلد السارق من غير حرز وتضعيف الغرم عليه وكقتل الكفار وأخذ أموالهم. والعقوبات البدنية: تارة تكون جزاء على ما مضى كقطع السارق وتارة تكون دفعا عن الفساد المستقبل وتارة تكون مركبة كقتل القاتل. وكذلك المالية فإنها منها ما هو من باب إزالة المنكر وهي تنقسم كالبدنية إلى إتلاف وإلى تغيير وإلى تمليك الغير. فالأول: المنكرات من الأعيان والصور يجوز إتلاف محلها تبعا لها مثل الأصنام المعبودة من دون الله لما كانت صورها منكرة: جاز إتلاف مادتها فإذا كانت حجرا أو خشبا ونحو ذلك: جاز تكسيرها وتحريقها وكذلك آلات الملاهي - كالطنبور - يجوز إتلافها عند أكثر الفقهاء وهو مذهب مالك وأشهر الروايتين عن أحمد. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل كسر عودا كان مع أمة لإنسان فهل يغرمه أو يصلحه قال: لا أرى عليه بأسا أن يكسره ولا يغرمه ولا يصلحه قيل له: فطاعتها قال: ليس لها طاعة في هذا. وقال أبو داود: سمعت أحمد يسأل عن قوم يلعبون بالشطرنج فنهاهم فلم ينتهوا فأخذ الشطرنج فرمى به قال: قد أحسن. قيل: فليس عليه شيء قال: لا قيل له: وكذلك إن كسر عودا أو طنبورا قال: نعم. وقال عبد الله: سمعت أبي - في رجل يرى مثل الطنبور أو العود أو الطبل أو ما أشبه هذا - ما يصنع به قال: إذا كان مكشوفا فاكسره. وقال يوسف بن موسى وأحمد بن الحسن: إن أبا عبد الله سئل عن الرجل يرى الطنبور والمنكر: أيكسره قال: لا بأس. وقال أبو الصقر: سألت أبا عبد الله عن رجل رأى عودا أو طنبورا فكسره ما عليه قال: قد أحسن وليس عليه في كسره شيء.(1\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "227",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5254",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال جعفر بن محمد: سألت أبا عبد الله عمن كسر الطنبور والعود فلم ير عليه شيئا. وقال إسحاق بن إبراهيم: سئل أحمد عن الرجل يرى الطنبور أو طبلا مغطى: أيكسره قال إذا تبين أنه طنبور أو طبل كسره. وقال أيضا: سألت أبا عبد الله عن الرجل يكسر الطنبور أو الطبل: عليه في ذلك شيء قال: يكسر هذا كله وليس يلزمه شيء. وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن كسر الطنبور الصغير يكون مع الصبي قال: يكسر أيضا قلت: أمر في السوق فأرى الطنبور يباع: أأكسره قال: ما أراك تقوى إن قويت - أي فافعل - قلت: أدعى لغسل الميت فأسمع صوت الطبل قال: إن قدرت على كسره وإلا فاخرج. وقال: في رواية إسحاق بن منصور - في الرجل يرى الطنبور والطبل والقنينة - قال: فإذا كان طنبور أو طبل وفي القنينة مسكر: اكسره. وفي quot; مسائل صالح quot; قال أبي: يقتل الخنزير ويفسد الخمر ويكسر الصليب. وهذا قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن وإسحاق بن راهويه وأهل الظاهر وطائفة من أهل الحديث وجماعة من السلف وهو قول قضاة العدل. قال أبو حصين: كسر رجل طنبورا فخاصمه إلى شريح فلم يضمنه شيئا. وقال أصحاب الشافعي: يضمن ما بينه وبين الحد المبطل للصورة وما دون ذلك: فغير مضمون لأنه مستحق الإزالة وما فوقه فقابل للتمول: لتأتي الانتفاع به والمنكر إنما هو الهيئة المخصوصة فيزول بزوالها ولهذا أوجبنا الضمان في الصائل بما زاد عن قدر الحاجة في الدفع وكذا الحكم في البغاة في اتباع مدبرهم والإجهاز على جريحهم والميتة: في حال المخمصة لا يزاد على قدر الحاجة في ذلك كله. قال أصحاب القول الأول: قد أخبر الله سبحانه عن كليمه موسى - عليه السلام -: أنه أحرق العجل الذي عبد من دون الله ونسفه في اليم وكان من ذهب وفضة وذلك محق له بالكلية وقال عن خليله إبراهيم: فجعلهم جذاذا [الأنبياء: 58] وهو الفتات وذلك نص في الاستئصال. وروى الإمام أحمد في مسنده quot; والطبراني في quot; المعجم quot; من حديث الفرج بن فضالة عن علي بن يزيد(1\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "228",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5255",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن القاسم عن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الله بعثني رحمة للعالمين وهدى للعالمين وأمرني ربي بمحق المعازف والمزامير والأوثان والصلب وأمر الجاهلية لفظ الطبراني. والفرج حمصي قال أحمد في رواية: هو ثقة. وقال يحيى: ليس به بأس وتكلم فيه آخرون وعلي بن يزيد: دمشقي ضعفه غير واحد. وقال أبو مسهر - وهو بلديه - لا أعلم به إلا خيرا وهو أعرف به quot; والمحق quot; نهاية الإتلاف. وأيضا: فالقياس يقتضي ذلك لأن محل الضمان: هو ما قبل المعاوضة وما نحن فيه لا يقبلها ألبتة فلا يكون مضمونا وإنما قلنا: لا يقبل المعاوضة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام وهذا نص وقال: إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه والملاهي محرمات بالنص فحرم بيعها. وأما قبول ما فوق الحد المبطل للصورة لجعله آنية: فلا يثبت به وجوب الضمان لسقوط حرمته حيث صار جزء المحرم: أو ظرفا له كما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - من كسر دنان الخمر وشق ظروفها فلا ريب أن للمجاورة تأثيرا في الامتهان والإكرام. وقد قال تعالى: وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم [النساء: 140] . و سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن القوم: يكونون بين المشركين يؤاكلونهم ويشاربونهم فقال: هم منهم هذا لفظه أو معناه.(1\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "229",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5256",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا كان هذا في المجاورة المنفصلة فكيف بالمجاورة التي صارت جزءا من أجزاء المحرم أو لصيقة به وتأثير الجوار ثابت عقلا وشرعا وعرفا. والمقصود: أن إتلاف المال - على وجه التعزير والعقوبة - ليس بمنسوخ. وقد قال أبو الهياج الأسدي: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا أدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته رواه مسلم وهذا يدل على طمس الصور في أي شيء كانت وهدم القبور المشرفة وإن كان من حجارة أو آجر أو لبن. قال المروذي: قلت لأحمد: الرجل يكتري البيت فيرى فيه تصاوير ترى أن يحكها قال: نعم وحجته: هذا الحديث الصحيح. وروى البخاري في صحيحه quot; عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت . وفي quot; الصحيحين quot;: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة . وفي quot; صحيح البخاري quot; عن عائشة: quot; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يترك(1\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "230",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5257",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في بيته شيئا فيه تصاليب إلا نقضه . وفي quot; الصحيحين quot; عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية . فهؤلاء رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم - إبراهيم وموسى وعيسى وخاتم المرسلين محمد - صلى الله عليه وسلم - كلهم على محق المحرم وإتلافه بالكلية وكذلك الصحابة - رضي الله عنهم - فلا التفات إلى من خالف ذلك. وقد قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: دفع إلي إبريق فضة لأبيعه أترى أن أكسره أو أبيعه كما هو قال: اكسره. وقال: قيل لأبي عبد الله: إن رجلا دعا قوما فجيء بطست فضة وإبريق فضة فكسره فأعجب أبا عبد الله كسره. وقال: بعثني أبو عبد الله إلى رجل بشيء فدخلت عليه فأتي بمكحلة رأسها مفضض فقطعتها فأعجبه ذلك وتبسم. ووجه ذلك: أن الصياغة محرمة فلا قيمة لها ولا حرمة. وأيضا: فتعطيل هذه الهيئة مطلوب فهو بذلك محسن وما على المحسنين من سبيل.  [فصل في تحريق الكتب المضلة وإتلافها] 115 - (فصل) وكذلك لا ضمان في تحريق الكتب المضلة وإتلافها. قال المروذي: قلت لأحمد: استعرت كتابا فيه أشياء رديئة ترى أن أخرقه أو أحرقه قال: نعم. وقد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - بيد عمر كتابا اكتتبه من التوراة وأعجبه موافقته للقرآن فتمعر وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى ذهب به عمر إلى التنور فألقاه فيه .(1\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "231",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5258",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكيف لو رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما صنف بعده من الكتب التي يعارض بعضها ما في القرآن والسنة والله المستعان. وقد quot; أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من كتب عنه شيئا غير القرآن أن يمحوه quot; ثم quot; أذن في كتابة سنته quot; ولم يأذن في غير ذلك. وكل هذه الكتب المتضمنة لمخالفة السنة: غير مأذون فيها بل مأذون في محقها وإتلافها وما على الأمة أضر منها وقد حرق الصحابة جميع المصاحف المخالفة لمصحف عثمان لما خافوا على الأمة من الاختلاف فكيف لو رأوا هذه الكتب التي أوقعت الخلاف والتفرق بين الأمة: وقال الخلال: أخبرني محمد بن أبي هارون أن أبا الحارث حدثهم قال: قال أبو عبد الله: أهلكهم وضع الكتب تركوا آثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقبلوا على الكلام. وقال: أخبرني محمد بن أحمد بن واصل المقري قال: سمعت أبا عبد الله - وسئل عن الرأي - فرفع صوته قال: لا يثبت شيء من الرأي عليكم بالقرآن والحديث والآثار. وقال في رواية ابن مشيش: إن أبا عبد الله سأله رجل فقال: أكتب الرأي فقال: ما تصنع بالرأي عليك بالسنن فتعلمها وعليك بالأحاديث المعروفة. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: هذه الكتب بدعة وضعها. وقال إسحاق بن منصور: سمعت أبا عبد الله يقول: لا يعجبني شيء من وضع الكتب من وضع شيئا من الكتب فهو مبتدع. وقال المروذي: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا حماد بن زيد قال: قال لي ابن عون: يا حماد هذه الكتب تضل. وقال الميموني: ذاكرت أبا عبد الله خطأ الناس في العلم فقال: وأي الناس لا يخطئ ولا سيما من وضع الكتب فهو أكثر خطأ. وقال إسحاق: سمعت أبا عبد الله - وسأله قوم من أردبيل عن رجل يقال له: عبد الرحيم وضع كتابا - فقال أبو عبد الله: هل أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل ذا أو أحد من(1\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "232",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5259",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التابعين وأغلظ وشدد في أمره وقال: انهوا الناس عنه وعليكم بالحديث. وقال في رواية أبي الحارث: ما كتبت من هذه الكتب الموضوعة شيئا قط. وقال محمد بن زيد المستملي: سأل أحمد رجل فقال: أكتب كتب الرأي قال: لا تفعل عليك بالحديث والآثار فقال له السائل: إن ابن المبارك قد كتبها فقال له أحمد: ابن المبارك لم ينزل من السماء إنما أمرنا أن نأخذ العلم من فوق. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي - وذكر وضع الكتب - فقال: أكرهها هذا أبو فلان وضع كتابا فجاءه أبو فلان فوضع كتابا وجاء فلان فوضع كتابا فهذا لا انقضاء له كلما جاء رجل وضع كتابا وهذه الكتب وضعها بدعة كلما جاء رجل وضع كتابا وترك حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ليس إلا الاتباع والسنن وحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وعاب وضع الكتب وكرهه كراهة شديدة. وقال المروذي في موضع آخر: قال أبو عبد الله: يضعون البدع في كتبهم إنما أحذر عنها أشد التحذير قلت: إنهم يحتجون بمالك: أنه وضع كتابا فقال أبو عبد الله: هذا ابن عون والتيمي ويونس وأيوب: هل وضعوا كتابا هل كان في الدنيا مثل هؤلاء وكان ابن سيرين وأصحابه لا يكتبون الحديث فكيف الرأي وكلام أحمد في هذا كثير جدا قد ذكره الخلال في كتاب العلم. ومسألة وضع الكتب: فيها تفصيل ليس هذا موضعه وإنما كره أحمد ذلك ومنع منه: لما فيه من الاشتغال به والإعراض عن القرآن والسنة فإذا كانت الكتب متضمنة لنصر القرآن والسنة والذب عنهما وإبطال للآراء والمذاهب المخالفة لهما فلا بأس بها وقد تكون واجبة ومستحبة ومباحة بحسب اقتضاء الحال والله أعلم. والمقصود: أن هذه الكتب المشتملة على الكذب والبدعة يجب إتلافها وإعدامها وهي أولى بذلك من إتلاف آلات اللهو والمعازف وإتلاف آنية الخمر فإن ضررها أعظم من ضرر هذه ولا ضمان فيها كما لا ضمان في كسر أواني الخمر وشق زقاقها. قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: لو رأيت مسكرا في قنينة أو قربة تكسر أو تصب قال: تكسر. وقال أبو طالب: قلت نمر على المسكر القليل أو الكثير: أكسره قال: نعم تكسره. قال محمد بن حرب: قلت لأبي عبد الله: ألقى رجلا ومعه قربة مغطاة قال: بريبة قلت: نعم قال تكسرها.(1\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "233",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5260",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال في رواية ابن منصور - في الرجل يرى الطنبور والطبل مغطى والقنينة - إذا كان يعني أنه يتبين أنه طنبور أو طبل أو فيها مسكر: كسره. وقد روى عبد الله بن أبي الهذيل قال: كان عبد الله بن مسعود يحلف بالله أن التي أمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين حرمت الخمر - أن تكسر دنانها وأن تكفأ: ثمر التمر والزبيب رواه الدارقطني في quot; السنن quot; بإسناد صحيح. وعن أنس بن مالك عن أبي طلحة أنه قال: يا نبي الله إني اشتريت خمرا لأيتام في حجري قال: أهرق الخمر واكسر الدنان رواه الترمذي من حديث ليث بن أبي سليم عن يحيى بن عباد عنه. وفي quot; مسند أحمد quot; من حديث أبي طعمة قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: لقيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمربد فإذا بزقاق على المربد فيها خمر فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدية - وما عرفت المدية إلا يومئذ - فأمر بالزقاق فشقت ثم قال: لعنت الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وحاملها الحديث. في quot; المسند quot; أيضا عن ضمرة بن حبيب قال: قال عبد الله بن عمر: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن آتيه بمدية فأتيته بها فأرسل بها فأرهفت ثم أعطانيها وقال: اغد علي بها ففعلت فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة وفيها زقاق خمر قد جلبت من الشام فأخذ المدية مني فشق ما كان من تلك الزقاق بحضرته ثم أعطانيها وأمر أصحابه الذين كانوا معه أن يمضوا معي وأن يعاونوني وأمرني أن آتي الأسواق كلها فلا أجد فيها زق خمر إلا شققته ففعلت فلم أترك في أسواقها زقا إلا شققته . وفي quot; الصحيحين quot; عن أنس بن مالك قال: quot; كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح وأبا طلحة(1\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "234",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5261",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأبي بن كعب شرابا من فضيخ وتمر فأتاهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرة فاكسرها فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت quot;. وفي quot; سنن النسائي وأبي داود quot; عن أبي هريرة قال: quot; علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصوم في بعض الأيام التي كان يصومها فتحينت فطره بنبيذ صنعته في دن فلما كان المساء جئته أحملها إليه - فذكر الحديث - ثم قال: فرفعتها إليه فإذا هو ينش فقال: خذ هذه فاضرب بها الحائط فإن هذا شراب من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر .  [فصل في الفاسق يأوي إليه أهل الفسق والخمر] 116 - (فصل) وقال ابن أبي عمر: قال ابن القاسم: سئل مالك - رحمه الله - عن فاسق يأوي إليه أهل الفسق والخمر: ما يصنع به قال: يخرج من منزله ويكرى إليه الدار والبيوت قال: فقلت: ألا تباع قال: لا لعله يتوب فيرجع إلى منزله. قال ابن القاسم: يتقدم إليه مرة أو مرتين أو ثلاثا فإن لم ينته أخرج وأكريت عليه. قال ابن رشد: قد قال مالك في quot; الواضحة quot;: إنها تباع عليه خلال قوله في هذه الرواية قال: وقوله فيها أصح لما ذكره من أنه قد يتوب ويرجع إلى منزله ولو لم تكن الدار له وكان فيها بكراء: أخرج منها وأكريت عليه ولم يفسخ كراؤه فيها قاله في كراء الدور من quot; المدونة quot;. وقد روى يحيى بن يحيى أنه قال: أرى أن يحرق بيت الخمار قال: وقد أخبرني بعض أصحابنا أن مالكا كان يستحب أن يحرق بيت الخمار الذي يبيع الخمر قيل له: فالنصراني يبيع الخمر من المسلمين قال: إذا تقدم إليه فلم ينته فأرى أن يحرق عليه بيته بالنار. قال: وحدثني الليث أن عمر بن الخطاب: quot; حرق بيت رويشد الثقفي لأنه كان يبيع الخمر وقال له: أنت فويسق ولست برويشد quot;.  [فصل في اختلاط الرجال بالنساء في الأسواق والفرج ومجامع الرجال] 117 - (فصل) ومن ذلك: أن ولي الأمر يجب عليه أن يمنع اختلاط الرجال بالنساء في الأسواق والفرج ومجامع الرجال.(1\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "235",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5262",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال مالك - رحمه الله - ورضي عنه: أرى للإمام أن يتقدم إلى الصياغ في قعود النساء إليهم وأرى ألا يترك المرأة الشابة تجلس إلى الصياغ فأما المرأة المتجالة والخادم الدون التي لا تتهم على القعود ولا يتهم من تقعد عنده: فإني لا أرى بذلك بأسا انتهى. فالإمام مسئول عن ذلك والفتنة به عظيمة قال - صلى الله عليه وسلم -: ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء . وفي حديث آخر باعدوا بين الرجال والنساء وفي حديث آخر: أنه قال للنساء: لكن حافات الطريق . ويجب عليه منع النساء من الخروج متزينات متجملات ومنعهن من الثياب التي يكن بها كاسيات عاريات كالثياب الواسعة والرقاق ومنعهن من حديث الرجال في الطرقات ومنع الرجال من ذلك. وإن رأى ولي الأمر أن يفسد على المرأة - إذا تجملت وتزينت وخرجت - ثيابها بحبر ونحوه فقد رخص في ذلك بعض الفقهاء وأصاب وهذا من أدنى عقوبتهن المالية. وله أن يحبس المرأة إذا أكثرت الخروج من منزلها ولا سيما إذا خرجت متجملة بل إقرار النساء على ذلك إعانة لهن على الإثم والمعصية والله سائل ولي الأمر عن ذلك. وقد منع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - النساء من المشي في طريق الرجال والاختلاط بهم في الطريق. فعلى ولي الأمر أن يقتدي به في ذلك. وقال الخلال في جامعه quot;: أخبرني محمد بن يحيى الكحال: أنه قال لأبي عبد الله: أرى الرجل(1\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "236",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5263",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السوء مع المرأة قال: صح به وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن المرأة إذا تطيبت وخرجت من بيتها فهي زانية . و quot; يمنع المرأة إذا أصابت بخورا أن تشهد عشاء الآخرة في المسجد quot;. فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: المرأة إذا خرجت استشرفها الشيطان . ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال: أصل كل بلية وشر وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة. ولما اختلط البغايا بعسكر موسى وفشت فيهم الفاحشة: أرسل الله إليهم الطاعون فمات في يوم واحد سبعون ألفا والقصة مشهورة في كتب التفاسير. فمن أعظم أسباب الموت العام: كثرة الزنا بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال والمشي بينهم متبرجات متجملات ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية - قبل الدين - لكانوا أشد شيء منعا لذلك. قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: quot; إذا ظهر الزنا في قرية أذن الله بهلاكها quot;. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا إبراهيم بن الأشعث حدثنا عبد الرحمن بن زيد العمي عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما طفف قوم كيلا ولا بخسوا ميزانا إلا منعهم الله عز وجل القطر ولا ظهر في قوم الزنا إلا ظهر فيهم الموت ولا ظهر في قوم عمل قوم لوط إلا ظهر فيهم الخسف وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لم ترفع(1\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "237",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5264",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أعمالهم ولم يسمع دعاؤهم .  [فصل في اللاعبين بالحمام على رءوس الناس] 118 - (فصل) وعليه أن يمنع اللاعبين بالحمام على رءوس الناس فإنهم يتوسلون بذلك إلى الإشراف عليهم والتطلع على عوراتهم. وقد روى أبو داود في سننه quot; من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه رأى رجلا يتبع حمامة فقال: شيطان يتبع شيطانة . وقال إبراهيم النخعي: من لعب بالحمائم الطيارة: لم يمت حتى يذوق ألم الفقر. وقال الحسن: quot; شهدت عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وهو يخطب يأمر بذبح الحمام وقتل الكلاب quot; ذكره البخاري. وقال خالد الحذاء عن بعض التابعين: قال: كان تلاعب آل فرعون بالحمام. وكان شريح لا يجيز شهادة صاحب حمام ولا حمام. وقال ابن المبارك عن سفيان: سمعنا أن اللعب بالجلاهق واللعب بالحمام من عمل قوم لوط. وذكر البيهقي عن أسامة بن زيد قال: quot; شهدت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يأمر بالحمائم الطيارة فيذبحن ويترك المقصصات quot;.  [فصل في اتخاذ الحمام في الأبرجة] 119 - (فصل) واختلف الفقهاء: هل يمنع الرجل من اتخاذ الحمام في الأبرجة إذا أفسدت بذر الناس وزرعهم فقال أبو حبيب عن مطرف في النحل يتخذها الرجل في القرية ويتخذ الكوى للعصافير تأوي إليها وكذلك الحمام في إيذائها وإفسادها الزرع: يمنع من اتخاذ ما يضر الناس في زرعهم لأن هذا طائر لا يمكن الاحتراز منه.(1\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "238",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5265",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ابن كنانة في quot; المجموعة quot;: لا يمنع أحد من اتخاذ برج الحمام وإن تأذى به جيرانه وكذلك العصافير والدجاج وعلى أهل الزرع والحوائط أن يحرسوها بالنهار. قلت: قول مطرف أصح وأفقه لأن حراسة الزرع والحوائط من الطيور أمر متعسر جدا بخلاف حراستها من البهائم وقياس البهائم على الطير لا يصح. وقال أصبغ عن ابن القاسم: هي كالماشية وإن أضرت. والقياس: أن صاحبها يضمن ما أتلفت من الزرع مطلقا لأنه باتخاذها صار متسببا في إتلاف زروع الناس بخلاف المواشي فإنه يمكن صونها وضبطها فإذا أتلفت بغير اختياره وأفسدت فلا ضمان عليه لأن التقصير من أصحاب الحوائط وأما الطيور: فلا يمكن أصحاب الحوائط التحفظ منها. فإن قيل: فما تقولون في السنور إذا أكلت الطيور وأكفأت القدور قيل: على مقتنيها ضمان ما تتلفه من ذلك ليلا ونهارا ذكره أصحاب أحمد وهو أصح الوجهين للشافعية لأنها في معنى الكلب العقور فوجب إلحاقها به ولأن من شأنها أن تضبط وتربط فإرسالها تفريط وإن لم يكن ذلك من عادتها بل فعلته نادرا: فلا ضمان ذكره في quot; المغني quot; وهو أصح الوجهين للشافعية. فإن قيل: فهل تسوغون قتلها لذلك قلنا: نعم إذا كان ذلك عادة لها. وقال ابن عقيل وبعض الشافعية: إنما تقتل حال مباشرتها للجناية فأما في حال سكونها وعدم صولها: فلا. والصحيح: خلاف ذلك وأنها تقتل وإن كانت ساكنة كما يقتل من طبعه الفساد والأذى في حال سكونه ولا تنتظر مباشرته. وقد روى أبو داود والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: يقتل المحرم السبع العادي وقال الترمذي: هذا حديث حسن والهرة سبع.(1\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "239",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5266",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; الصحيحين quot; عنه - صلى الله عليه وسلم -: خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحدأة والفأرة والحية والغراب الأبقع والكلب العقور وفي لفظ quot; العقرب quot; بدل quot; الحية quot; ولم يشترط في قتلهن أن يكون حال المباشرة.  [فصل في المرض المعدي كالجذام إذا استضر الناس بأهله] 120 - (فصل) في المرض المعدي: كالجذام إذا استضر الناس بأهله: قال ابن وهب - في المبتلى يكون له في منزله سهم وله حظ في شرب فأراد من معه في المنزل إخراجه منه وزعموا أن استقاءه من مائهم الذي يشربونه مضر بهم فطلبوا إخراجه من المنزل. قال ابن وهب: إذا كان له مال: أمر أن يشتري لنفسه من يقوم بأمره ويخرج في حوائجه ويلزم هو بيته فلا يخرج وإن لم يكن له مال: خرج من المنزل إذا لم يكن فيه شيء وينفق عليه من بيت المال. وقال عيسى - في قوم ابتلوا بالجذام وهم في قرية موردهم واحد ومسجدهم واحد فيأتون المسجد فيصلون فيه ويجلسون فيه معهم ويردون الماء ويتوضئون فيتأذى بذلك أهل القرية وأرادوا منعهم من ذلك كله - قال: أما المسجد فلا يمنعون الصلاة فيه ولا من الجلوس ألا ترى إلى قول عمر بن الخطاب للمرأة المبتلاة - لما رآها تطوف بالبيت مع الناس: quot; لو جلست في بيتك لكان خيرا لك quot; ولم يعزم عليها بالنهي عن الطواف ودخول البيت وأما استقاؤهم من مائهم وورودهم المورد للوضوء وغير ذلك: فيمنعون ويجعلون لأنفسهم صحيحا يستقي لهم الماء في آنية ثم يفرغها في آنيتهم. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا ضرر ولا ضرار وذلك ضرر بالأصحاء فأرى أن يحال(1\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "240",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5267",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بينهم وبين ذلك ألا ترى أنه يفرق بينه وبين زوجته ويحال بينه وبين وطء جواريه للضرر فهذا منه. وقال ابن حبيب عن مطرف في الجذامى: وأما الواحد والنفر اليسير: فلا يخرجون من الحاضرة ولا من قرية ولا من سوق ولا من مسجد جامع لأن عمر لم يعزم على المرأة وهي تطوف بالبيت وكذلك معيقيب الدوسي قد جعله عمر - رضي الله عنه - على بيت المال وكان عمر يجالسه ويؤاكله ويقول له: quot; كل مما يليك quot; فإذا كثروا: رأيت أن يتخذوا لأنفسهم موضعا كما صنع بمرضى مكة ولا يمنعون من الأسواق لتجارتهم وشراء حوائجهم أو الطواف للسؤال إذا لم يكن إمام يرزقهم من الفيء ولا يمنعون من الجمعة ويمنعون من غير ذلك. وروى سحنون: أنهم لا يجمعون مع الناس الجمعة. وأما مرضى القرى: فلا يخرجون منها وإن كثروا ولكن يمنعون من أذى الناس وقال أصبغ: ليس على مرضى الحواضر الخروج منها إلى ناحية أخرى ولكن إن كفاهم الإمام المؤنة منعوا من مخالطة الناس بلزوم بيوتهم والتنحي عنهم وقال ابن حبيب: يحكم عليهم بتنحيهم ناحية إذا كثروا وهو الذي عليه فقهاء الأمصار. قلت: يشهد لهذا: الحديث الصحيح الذي رواه البخاري من حديث سعيد بن ميناء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا عدوى ولا هامة ولا صفر وفر من المجذوم فرارك من الأسد أو قال: من الأسود . وروى مسلم في صحيحه quot; من حديث يعلى بن عطاء عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال:(1\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "241",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5268",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنا بايعناك فارجع . وفي quot; مسند أبي داود الطيالسي quot;: حدثنا ابن أبي الزناد عن محمد بن عبد الله القرشي عن أمه عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا تديموا النظر إليهم: يعني المجذومين ومحمد هذا هو محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان. ولا تعارض بين هذا وبين ما رواه مفضل بن فضالة عن حبيب بن الشهيد عن ابن المنكدر عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيد مجذوم فوضعها معه في قصعته وقال: كل باسم الله وتوكلا على الله فإن هذا يدل على جواز الأمرين وهذا في حق طائفة وهذا في حق طائفة فمن قوي توكله واعتماده ويقينه من الأمة: أخذ بهذا الحديث ومن ضعف عن ذلك: أخذ بالحديث الآخر وهذه سنة وهذه سنة والله أعلم. فإذا أراد أهل الدار أن يؤاكلوا المجذومين ويشاربوهم ويضاجعوهم: فلهم ذلك وإن أرادوا مجانبتهم ومباعدتهم: فلهم ذلك. وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: لا تديموا النظر إلى المجذومين  فائدة طبية عظيمة وهي أن الطبيعة نقالة فإذا أدام النظر إلى المجذوم خيف عليه أن يصيبه ذلك بنقل الطبيعة وقد جرب الناس أن المجامع إذا نظر إلى شيء عند الجماع وأدام النظر إليه انتقل من صفته إلى الولد وحكى بعض رؤساء الأطباء أنه أجلس ابن أخ له للكحل فكان ينظر في أعين الرمد فيرمد فقال له: اترك الكحل فتركه فلم يعرض له رمد قال: لأن الطبيعة نقالة. وذكر البيهقي وغيره: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوج امرأة من غفار فدخل عليها فأمرها فنزعت ثيابها فرأى بياضا عند ثدييها فانحاز النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الفراش فلما أصبح قال: الحقي بأهلك(1\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "242",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5269",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحمل لها صداقها.  [فصل ومن طرق الحكم الحكم بالقرعة] 121 - (فصل) ومن طرق الأحكام: الحكم بالقرعة قال تعالى: ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون [آل عمران: 44] قال قتادة: quot; كانت مريم ابنة إمامهم وسيدهم فتشاح عليها بنو إسرائيل فاقترعوا عليها بسهامهم أيهم يكفلها فقرع زكريا وكان زوج أختها فضمها إليه quot;. وروي نحوه عن مجاهد وقال ابن عباس: quot; لما وضعت مريم في المسجد اقترع عليها أهل المصلى وهم يكتبون الوحي فاقترعوا بأقلامهم أيهم يكفلها quot; وهذا متفق عليه بين أهل التفسير. وقال تعالى: وإن يونس لمن المرسلين [الصافات: 139] إذ أبق إلى الفلك المشحون [الصافات: 140] فساهم فكان من المدحضين [الصافات: 141] يقول تعالى: فقارع فكان من المغلوبين. فهذان نبيان كريمان استعملا القرعة وقد احتج الأئمة الأربعة بشرع من قبلنا إن صح ذلك عنهم وفي quot; الصحيحين quot; عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا لاستهموا عليه .(1\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "243",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5270",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; الصحيحين quot; أيضا عن عائشة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه . وفي quot; صحيح مسلم quot; عن عمران بن حصين: أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم فدعا بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجزأهم أثلاثا ثم أقرع بينهم: فأعتق اثنين وأرق أربعة وقال له قولا شديدا . وفي quot; صحيح البخاري quot; عن أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عرض على قوم اليمين فسارعوا إليه فأمر أن يسهم بينهم في اليمين: أيهم يحلف . وفي quot; سنن أبي داود quot; عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا أكره اثنان على اليمين أو استحباها فليستهما عليها وفي رواية أحمد: إذا أكره اثنان على اليمين أو استحباها . وفيه أيضا أن رجلين اختصما في متاع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس لواحد منهما بينة فقال: استهما على اليمين ما كان أحبا ذلك أو كرها . وفي quot; الصحيحين quot; عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت: أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلان يختصمان في مواريث لهما لم تكن لهما بينة إلا دعواهما فقال: إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذ منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار . ورواه أبو داود في quot; السنن quot; وفيه: فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما: حقي لك فقال لهما النبي - صلى الله عليه وسلم -: أما إذا فعلتما ما فعلتما فاقتسما وتوخيا الحق ثم استهما ثم تحالا . فهذه السنة - كما ترى - قد جاءت بالقرعة كما جاء بها الكتاب وفعلها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعده قال البخاري في صحيحه quot;: quot; ويذكر أن قوما اختلفوا في الأذان فأقرع(1\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "244",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5271",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بينهم سعد quot;. وقد صنف أبو بكر الخلال مصنفا في القرعة وهي في quot; جامعه quot; فذكر مقاصده. قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم وجعفر بن محمد: القرعة جائزة. وقال يعقوب بن بختان: سئل أبو عبد الله عن القرعة ومن قال إنها قمار قال: إن كان ممن سمع الحديث: فهذا كلام رجل سوء يزعم أن حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قمار وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: إن ابن أكثم يقول: إن القرعة قمار قال: هذا قول رديء خبيث ثم قال: كيف وقد يحكمون هم بالقرعة في وقت إذا قسمت الدار ولم يرضوا قالوا: يقرع بينهم وهو يقول: لو أن رجلا له أربع نسوة فطلق إحداهن وتزوج خامسة ولم يدر أيتهن التي طلق قال: يورثهن جميعا ويأمرهن أن يعتددن جميعا وقد ورث من لا ميراث لها وقد أمر أن تعتد من لا عدة عليها والقرعة تصيب الحق فعلها النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال أبو الحارث: كتبت إلى أبي عبد الله أسأله فقلت: إن بعض الناس ينكر القرعة ويقول: هي قمار اليوم ويقول: هي منسوخة فقال أبو عبد الله: من ادعى أنها منسوخة فقد كذب وقال الزور القرعة سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقرع في ثلاثة مواضع: أقرع بين الأعبد الستة وأقرع بين نسائه لما أراد السفر وأقرع بين رجلين تدارآ في دابة وهي في القرآن في موضعين. قلت: يريد أنه أقرع بنفسه في ثلاثة مواضع وإلا فأحاديث القرعة أكثر وقد تقدم ذكرها. قال: وهم يقولون إذا اقتسموا الدار والأرضين: أقرع بين القوم فأيهم أصابته القرعة: كان له ما أصاب من ذلك يجبر عليه. وقال الأثرم: إن أبا عبد الله ذكر القرعة واحتج بها وبينها وقال: إن قوما يقولون: القرعة قمار ثم قال أبو عبد الله: هؤلاء قوم جهلوا فيها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خمس سنن. قال الأثرم: وذكرت له أنا حديث الزبير في الكفن فقال: حديث أبي الزناد فقلت: نعم. قال أبو عبد الله. قال أبو الزناد: يتكلمون في القرعة وقد ذكرها الله تعالى في موضعين من كتابه. وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله قال في قوله تعالى: فساهم فكان من المدحضين [الصافات: 141](1\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "245",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5272",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أي أقرع فوقعت القرعة عليه. قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: القرعة حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقضاؤه فمن رد القرعة فقد رد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضاءه وفعله ثم قال: سبحان الله لمن قد علم بقضاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ويفتي بخلافه قال الله تعالى: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [الحشر: 7] وقال: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول [النساء: 59] . قال حنبل: وقال عبد الله بن الزبير الحميدي: من قال بغير القرعة فقد خالف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سنته التي قضى بها وقضى بها أصحابه بعده. وقال في رواية الميموني: في القرعة خمس سنن حديث أم سلمة: إن قوما أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - في مواريث وأشياء درست بينهم فأقرع بينهم وحديث أبي هريرة - حين تداريا في دابة - فأقرع بينهما وحديث الأعبد الستة وحديث أقرع بين نسائه وحديث علي. وقد ذكر أبو عبد الله من فعلها بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر ابن الزبير وابن المسيب ثم تعجب من أصحاب الرأي وما يردون من ذلك. قال الميموني: وقال لي أبو عبيد القاسم بن سلام - وذاكرني أمر القرعة فقال: أرى أنها من أمر النبوة وذكر قوله تعالى: إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم [آل عمران: 44] وقوله: فساهم [الصافات: 141] . وقال أحمد في رواية الفضل بن عبد الصمد: القرعة في كتاب الله والذين يقولون: القرعة قمار قوم جهال ثم ذكر أنها في السنة وكذلك قال في رواية ابنه صالح: أقرع النبي - صلى الله عليه وسلم - في خمسة مواضع وهي في القرآن في موضعين. وقال أحمد في رواية المروذي: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن عروة. قال: أخبرني أبي الزبير أنه لما كان يوم أحد أقبلت امرأة تسعى حتى كادت أن تشرف على القتلى قال: فكره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تراهم فقال: المرأة المرأة. قال الزبير: فتوهمت أنها أمي صفية قال: فخرجت أسعى فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى قال: فلهزت في صدري - وكانت امرأة جلدة وقالت: إليك عني لا أم لك قال فقلت: إن(1\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "246",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5273",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عزم عليك فرجعت وأخرجت ثوبين معها فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة فقد بلغني مقتله فكفنوه فيهما قال: فجئت بالثوبين ليكفن فيهما حمزة فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار قتيل قد فعل به كما فعل بحمزة قال: فوجدنا غضاضة: أن نكفن حمزة في ثوبين والأنصاري لا كفن له قلنا: لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب فقدرناهما فكان أحدهما أكبر من الآخر فأقرعنا بينهما فكفنا كل واحد في الثوب الذي طار له . وقال في رواية صالح: وحديث الأجلح عن الشعبي عن أبي الخليل عن زيد بن أرقم وهو مختلف فيه.  [فصل في كيفية القرعة] 122 - (فصل) في كيفية القرعة قال الخلال: حدثنا أبو النضر: أنه سمع أبا عبد الله يحب من القرعة ما قيل عن سعيد بن المسيب quot; أن يأخذ خواتيمهم فيضعها في كمه فمن خرج أولا: فهو القارع quot;. وقال أبو داود: قلت لأبي عبد الله: في القرعة يكتبون رقاعا قال: إن شاءوا رقاعا وإن شاءوا خواتيمهم. وقال ابن منصور: قلت لأحمد: كيف يقرع قال: بالخاتم وبالشيء. وقال إسحاق بن راهويه في القرعة: يؤخذ عود شبه القدح فيكتب عليه quot; عبد quot; وعلى الآخر quot; حر quot; وكذلك قال في رواية مهنا. وقال بكر بن محمد عن أبيه: سألت أبا عبد الله كيف تكون القرعة قال: يلقي خاتما يروى عن سعيد بن جبير وإن جعل شيئا في طين أو يكون علامة قدر ما يعرف صاحبه إذا كان له: فهو جائز. وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: كيف القرعة فقال: سعيد بن جبير يقول بالخواتيم أقرع بين اثنين في ثوب فأخرج خاتم هذا وخاتم هذا قال ثم يخرجون الخواتيم ثم تدفع إلى رجل فيخرج منها واحدا قلت لأبي عبد الله: فإن مالكا يقول: تكتب رقاع وتجعل في طين قال: وهذا أيضا قيل لأبي عبد الله: فإن الناس يقولون: القرعة هكذا وقال الرجل بأصابعه الثلاثة فضمها ثم فتحها فأنكر ذلك أبو عبد الله وقال: ليس هو هكذا. وقال مهنا: قلت لأبي عبد الله: كيف القرعة أهو أن يخرج هذا - ويخرج هذا وأشرت بيدي بأصابعي - قال: نعم.  [فصل في مواضع القرعة] 123 - (فصل)(1\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "247",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5274",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في مواضع القرعة قال إسحاق: قلت لأبي عبد الله: تذهب إلى حديث عمران بن حصين في الأعبد قال: نعم قال: قيل في العتق في المرض وصية فكأنه أوصى أن يعتق كل عبد على انفراده فإذا تعذر عتق جميعه عتق منه ما أمكن عتقه كما لو كان ماله كله عبدا واحدا فأعتقه: عتق منه ما حمل الثلث قيل: هذا هو القياس الفاسد الذي ردت به السنة الصحيحة الصريحة. والفرق بين الموضعين: أن في مسألة العبد الواحد: لا يمكن غير جريان العتق في بعضه وأما في الأعبد: فتكميل الحرية في بعضهم بقدر الثلث ممكن فكان أولى من تنقيصها في كل واحد فإن المريض قصد تكميل الحرية في الجميع ولكن منع لحق الورثة فكان تكميلها في البعض موافقا لمقصود المعتق ومقصود الشارع أما المعتق فإنه أراد تخليص جملة الرقبة وأما الشارع فإنه متشوف إلى تكميل الحرية دون تشقيصها وتكميلها في الجميع: ضرر بالوارث وتكميلها في الثلث: مصلحة للمعتق والوارث والعبد ولا يجوز العدول عنه. فالقياس الصحيح وأصول الشرع: مع الحديث الصحيح وخلافه خلاف النص والقياس معا. فإن قيل: فقد صار سدس كل عبد من الأعبد الستة مستحق الإعتاق فإبطاله إبطال لعتق مستحق قيل: ليس كذلك وإنما العتق المستحق عتق ثلث الأعبد وهو الذي ملكه إياه الشارع - صلى الله عليه وسلم - فصار كما لو أوصى بعتق ثلثهم فإنه هو الذي يملكه وما لا يملكه: تصرفه فيه لغو وباطل والوارث إذا لم يجز إعتاق الجميع: كان تصرف المعتق فيما زاد على الثلث بمنزلة عدمه وإذا كان إنما أعتق الثلث حكما: أخرجنا الثلث بالقرعة فأي قياس أصح من هذا وأبين . فإن قيل: مدار الحديث على الحسن وهو يرويه عن عمران بن حصين وقد قال أحمد في رواية الميموني: لا يثبت لقاء الحسن لعمران بن حصين. وقال مهنا: سألت أحمد عن حديث الحسن قال: quot; حدثني عمران بن حصين quot; قال: ليس بصحيح بينهما هياج بن عمران بن الفضيل التميمي البرجمي عن عمران بن حصين. وقال عبد الله بن أحمد: وجدت في كتاب أبي - بخطه - حدثنا معاذ بن معاذ عن شعيب عن محمد بن سيرين عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين حديث القرعة. وقال المروذي: ذكر أبو عبد الله حديث أبي المهلب فقال: قد روى الحسن عن عمران ولم يسمعه وقال يقولون: إنه أخذه من كتاب أبي المهلب.(1\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "248",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5275",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل: هذا لا يضر الحديث شيئا فإن أبا المهلب قد رواه عن عمران بن حصين quot;. وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب قالا: حدثنا إسماعيل وهو ابن علية - عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين quot; أن رجلا أعتق quot; فذكره. وقال مسلم: حدثنا محمد بن منهال الضرير وأحمد بن عبدة قالا: حدثنا يزيد بن زريع حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عمران بن حصين: بمثل حديث ابن علية وحماد. فهؤلاء ثلاثة عن عمران بن حصين: محمد بن سيرين وأبو المهلب والحسن البصري وغاية الحسن: أن يكون سمعه من واحد منهما. قال عبد الله بن أحمد قال أبي: حدثت أنه كان في كتاب همام عن قتادة عن الحسن قال: حدثنا عمرو بن معاوية أبو المهلب - حديث القرعة وقال الخلال: أخبرني العباس بن محمد بن أحمد بن عبد الكريم حدثنا جعفر الطيالسي قال: قال يحيى عن الحسن حدثنا عمران بن حصين فإن لم يكن الحسن قد سمعه منه كان بمنزلة قوله: quot; حدث أهل بلدنا: quot; ولشهرة الحديث عندهم قال: quot; حدثنا quot;. وقد وقع نظير هذا في حديث الدجال وقول الذي يقتله: quot; أنت الدجال الذي حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثه quot;. وقول أحمد عن حديث الحسن عن عمران: quot; لا يصح quot; إنما أراد: قول الحسن quot; حدثني عمران quot; فإن مهنا بن يحيى إنما سأله عن ذلك فقال: سألت أحمد عن حديث الحسن. قال: quot; حدثني عمران بن حصين quot; قال: ليس بصحيح على أن الحديث قد صح من غير طريق عمران. قال الخلال: أنبأنا أبو بكر المروذي حدثنا وهب بن بقية حدثنا خالد الطحاوي عن خالد يعني الحذاء - عن أبي قلابة عن أبي زيد: أن رجلا من الأنصار أعتق ستة مملوكين له عند موته وليس له مال غيرهم فجزأهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجزاء فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة . قال المروذي قال أحمد: ما ظننا أن أحدا حدث بهذا إلا هشيم قال أبو عبد الله أبو زيد - هذا - رجل من الأنصار من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: كتبناه عن هشيم وقال: إليه أذهب. قال أحمد: حدثنا شريح بن نعمان حدثنا هشيم قال: حدثنا خالد قال: حدثنا أبو قلابة عن أبي زيد الأنصاري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثله.  [فصل فيمن طلق امرأة من نسائه لا يدري أيتهن هي أو أعتق عبدا من عبيده] 124 - (فصل)(1\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "249",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5276",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن مواضع القرعة: إذا أعتق عبدا من عبيده أو طلق امرأة من نسائه لا يدري أيتهن هي فقال أحمد في رواية الميموني: إن مات قبل أن يقرع بينهن يقوم وليه في هذا مقامه يقرع بينهن فأيتهن وقعت عليها القرعة لزمته. وقال أبو بكر بن محمد عن أبيه: سألت أبا عبد الله: عن رجل أعتق أحد غلاميه في صحته ثم مات المولى ولم يدر الورثة أيهما أعتق قال: يقرع بينهما. وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله قال في القرعة: إذا قال: أحد غلامي حر ثم مات قبل أن يعلم: يقرع بينهما فأيهما وقعت عليه القرعة عتق كذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في الذي أعتق ستة أعبد له. وقال مهنا: سألت أحمد عن رجل قال لامرأتين له: إحداكما طالق أو لعبدين له: أحدكما حر قال: قد اختلفوا فيه قلت: ترى أن يقرع بينهما قال: نعم قلت: وتجيز القرعة في الطلاق قال: نعم. وقال في رواية الميموني - فيمن له أربع نسوة طلق واحدة منهن ولم يدر: يقرع بينهن كذلك في الأعبد فإن أقرع بينهن فوقعت القرعة على واحدة ثم ذكر التي طلق: رجعت هذه ويقع الطلاق على التي ذكر فإن تزوجت فذاك شيء قد مر وإن كان الحاكم قد أقرع بينهن لم ترجع إليه. وقال أبو الحارث عن أحمد - في رجل له أربع نسوة طلق إحداهن ولم تكن له نية في واحدة بعينها - يقرع بينهن فأيتهن أصابتها القرعة فهي المطلقة وكذلك إن قصد إلى واحدة بعينها ثم نسيها. قال: والقرعة سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد جاء بها القرآن. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يقرع بينهن ولكن إذا كان الطلاق لواحدة لا بعينها ولا نواها فإنه يختار صرف الطلاق إلى أيتهن شاء وإن كان الطلاق لواحدة بعينها ونسيها فإنه يتوقف فيهما حتى يتذكر ولا يقرع ولا يختار صرف الطلاق إلى واحدة منهما. وقال مالك: يقع الطلاق على الجميع. والقول بالقرعة: مذهب علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال وكيع: سمعت عبد الله قال: سألت أبا جعفر عن رجل له أربع نسوة فطلق إحداهن لا يدري أيتهن طلق فقال: علي يقرع بينهن. فالأقوال التي قيل بها في هذه المسألة لا تخرج عن أربعة: ثلاثة قيل بها وواحد لا يعلم به قائل. أحدها: أنه يعين في المبهمة ويقف في حق المنسية عن الجميع فينفق عليهن ويكسوهن ويعتزلهن إلى أن يفرق بينهما الموت أو يتذكر وهذا في غاية الحرج والإضرار به وبالزوجات فينفيه.(1\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "250",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5277",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله تعالى: وما جعل عليكم في الدين من حرج [الحج: 78] وقوله - صلى الله عليه وسلم -: لا ضرر ولا ضرار فأي حرج وضرر وإضرار أكثر من ذلك الثاني: أن يطلق عليه الجميع مع الجزم بأنه إنما طلق واحدة لا الجميع فإيقاع الطلاق بالجميع - مع القطع بأنه لم يطلق الجميع - ترده أصول الشرع وأدلته. الثالث: أنه لا يقع الطلاق بواحدة منهن لأن النكاح ثابت بيقين وكل واحدة منهن مشكوك فيها: هل هي المطلقة أم لا فلا تطلق بالشك ولا يمكن إيقاع الطلاق بواحدة غير معينة وليس البعض أولى بأن يوقع عليها الطلاق من البعض والقرعة قد تخرج غير المطلقة فإنها كما يجوز أن تقع على المطلقة يجوز أن تقع على غيرها فإذا أخطأت المطلقة وأصابت غيرها أفضى ذلك إلى تحريم من هي زوجة وحل من هي أجنبية. وإذا بطلت هذه الأقسام كلها تعين هذا التقرير وهو بقاء النكاح في حق كل واحدة منهن حتى يتبين أنها المطلقة وإذا كان النكاح باقيا فيها فأحكامه مترتبة عليه وأما بقاء النكاح وتحريم الوطء دائما: فلا وجه له. فهذا القول: والقول بوقوع الطلاق على الجميع: متقابلان وأدلتهما تكاد أن تتكافأ لا احتياط في إيقاع الطلاق بالجميع فإنه يتضمن تحريم الفرج على الزوج وإباحته بالشك لغيره. قال المقرعون: قد جعل الله سبحانه القرعة طريقا إلى الحكم الشرعي في كتابه وفعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر بها وحكم بها علي بن أبي طالب في المسألة بعينها وكل قول غير القول بها: فإن أصول الشرع وقواعده ترده. أما وقوع الطلاق على الجميع - مع العلم بأنه إنما أوقعه على واحدة - فتطليق لغير المطلقة وهو نظير ما لو طلق طلقة واحدة أو ثلاثا حيث يجوز أن يجعل ثلاثا فإنه يجوز أن يكون قد استوفى عدد الطلاق وفي مسألتنا: هو جازم بأنه لم يستوف عدد الطلقات بل كل واحدة منهن قد شك: هل طلقها أم لا وغايته: أنه قد تيقن تحريما في واحدة لا بعينها فكيف يحرم عليه غيرها فإن قيل: قد اشتبهت المحللة بالمحرمة فحرمتا معا كما لو اشتبهت أخته بأجنبية وميتة بمذكاة. قيل: هاهنا معنا أصل يرجع إليه وهو التحريم الأصلي وقد وقع الشك في سبب الحل فلا يرفع التحريم الأصلي إلا بالنكاح ثم وقع في عين غير معينة ومعنا أصل الحل المستصحب فلا يمكن تعميم التحريم ولا إلغاؤه بالكلية ولم يبق طريق إلى تعيين محله إلا بالقرعة فتعينت طريقا. قالوا: وأيضا فإن الطلاق قد وقع على واحدة منهن معينة لامتناع وقوعه في غير معين فلم(1\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "251",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5278",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يملك المطلق صرفه إلى أيتهن شاء لكن التعيين غير معلوم لنا وهو معلوم عند الله وليس لنا طريق إلى معرفته فتعينت القرعة. يوضحه: أن التعيين من المطلق ليس إنشاء للطلاق في المعينة فإنه لو كان إنشاء لم يكن المتقدم طلاقا ولكان الجميع حلالا له ولما أمر بأن ينشئ الطلاق ولا افتقر إلى لفظ يقع به وإذا لم يكن إنشاء فهو إخبار منه بأن هذه المعينة هي التي أوقعت عليها الطلاق وهذا خبر غير مطابق بل هو خلاف الواقع وحاصله: أن التعيين إما أن يكون إنشاء للطلاق أو إخبارا ولا يصلح لواحد منهما. فإن قيل: بل هو إنشاء عندنا في المبهمة وأما المنسية: فهو واقع من حين طلق. قيل: لا يصح جعله إنشاء للطلاق لأن الطلاق إما أن يكون قد وقع بإحداهن أو لا فإن لم يقع لم يلزمه أن ينشئه وإن كان قد وقع استحال إنشاؤه أيضا لأنه تحصيل للحاصل. فإن قيل: فهذا يلزمكم أيضا لأنكم تقولون: إن الطلاق يقع من حين الإقراع قيل: بل الطلاق عندنا في الموضعين واقع من حين الإيقاع. قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب - في رجل له أربع نسوة فطلق إحداهن وتزوج أخرى ومات ولم يدر أي الأربع طلق - فلهذه الأخيرة: ربع الثمن ثم يقرع بين الأربع فأيتهن قرعت أخرجت وورث البواقي. قال القاضي: فقد حكم بصحة نكاح الخامسة قبل تعيين المطلقة قال: وهذا يدل على وقوع الطلاق من حين الإيقاع ولو كان من حين التعيين لم يصح نكاح الخامسة. فإن قيل: هذا بعينه يرد عليكم في التعيين بالقرعة والجواب حينئذ واحد. قيل: الفرق بين التعيين ظاهر فإن تعيين المكلف تابع لاختياره وإرادته وتعين القرعة إلى الله عز وجل والعبد يفعل القرعة وهو ينتظر ما يعينه له القضاء والقدر شاء أم أبى. وهذا هو سر المسألة وفقهها فإن التعيين إذا لم يكن لنا سبيل إليه بالشرع فوض إلى القضاء والقدر وصار الحكم به شرعيا قدريا: شرعيا في فعل القرعة وقدريا: فيما تخرج به وذلك إلى الله لا إلى المكلف. فلا أحسن من هذا ولا أبلغ في موافقته شرع الله وقدره. وأيضا: فإنه لو طلق واحدة منهن ثم أشكلت عليه لم يكن له أن يعين المطلقة باختياره فهكذا إذا طلق واحدة لا بعينها. فإن قيل: الفرق ظاهر وهو أن الطلاق هاهنا قد وقع على واحدة بعينها فإذا أشكلت لم يجز(1\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "252",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5279",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن يعين من تلقاء نفسه لأنه لا يأمن أن يعين غير التي وقع عليها الطلاق ويستديم نكاح التي طلقها وليس كذلك في مسألتنا فإن الطلاق وقع على إحداهن غير معينة فليس في تعيينه إيقاع للطلاق على من لم يقع بها وصرفه عمن وقع بها. قيل: إحداهما محرمة عليه في المسيس ولا يدري عينها فإذا لم يملك التعيين بلا سبب في إحدى الصورتين لم يملكه في الأخرى وهذا أيضا سر المسألة وفقهها فإن التعيين بالقرعة تعيين بسبب قد نصبه الله ورسوله سببا للتعيين عند عدم غيره والتعيين بالاختيار تعيين بلا سبب إذ هذا فرض المسألة حيث انتفت أسباب التعيين وعلاماته. ولا يخفى أن التعيين بالسبب الذي نصبه الشرع له أولى من التعين الذي لا سبب له. فإن قيل: المنسية والمشتبهة يجوز أن تذكر وتعلم عينها بزوال الاشتباه فلهذا لم يملك صرف الطلاق فيها إلى من أراد بخلاف المبهمة فإنه لا يرجى ذلك فيها. قيل: وكذلك المنسية والمشكلة إذا عدم أسباب العلم بتعيينها فإنه يصير في إبقائها إضرار به وبها ووقف للأحكام وجعل المرأة معلقة باقي عمرها لا ذات زوج ولا مطلقة وهذا لا عهد لنا به في الشريعة. 125 - (فصل) ومما يدل على صحة تعيين المطلقة بالقرعة: حديث عمران بن حصين في عتق الأعبد الستة فإن تصرفه في الجميع لما كان باطلا جعل كأنه أعتق ثلثا منهم غير معين فعينه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقرعة والطلاق كالعتاق في هذا لأن كل واحد منهما إزالة ملك مبني على التغليب والسراية فإذا اشتبه المملوك في كل منهما بغيره: لم يجعل التعيين إلى اختيار المالك. فإن قيل: العتاق أصله الملك فلما دخلت القرعة في أصله وهو الملك في حال القسمة وطرح القرعة على السهام دخلت لتمييز الملك من الحرية وليس كذلك الطلاق لأن أصله النكاح والنكاح لا تدخله القرعة فكذلك الطلاق. قيل: ومن سلم لكم أن القرعة لا تدخل في النكاح بل الصحيح من الروايتين. دخولها فيه فيما إذا زوجها الوليان ولم يعلم السابق منهما فإنا نقرع بينهما فمن خرجت عليه القرعة حكم له بالنكاح وأنه هو الأول هذا منصوص أحمد في رواية ابن منصور وحنبل. ونقل أبو الحارث ومهنا: لا يقرع في ذلك. وعلى هذا: فلا يلزم إذا لم تدخل القرعة في الحكم: ألا تدخل في رفعه فإن حد الزنا لا يثبت(1\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "253",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5280",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بشهادة النساء ويسقط بشهادتين وهو ما إذا شهد عليها بالزنا فذكرت أنها عذراء وشهد بذلك النساء كذلك لو قال - وقد رأى طائرا - إن كان هذا غرابا ففلانة طالق وإن لم يكن غرابا ففلان حر ولم يعلم ما هو فإنه يقرع بين المرأة والعبد عندكم أيضا فيحكم بما خرجت به القرعة فإن قلتم هنا: لم تدخل القرعة في الطلاق بانفراده بل دخلت للتمييز بينه وبين العتق والقرعة تدخل في العتق بدليل حديث الأعبد الستة. قيل: إذا دخلت للتمييز بين الطلاق والعتاق دخلت للتمييز بين المطلقة وغيرها وكل ما قدر من المانع في أحد الموضعين يجري في الآخر سواء بسواء. وأيضا فإذا كانت القرعة تخرج المعتق من غيره فإخراجه للمطلقة أولى وأحرى فإن إخراج منفعة البضع من ملكه أسهل من إخراج عين الرقبة وإبقاء الرق في العين أبدا أسهل من إبقاء بعض المنافع وهي منفعة البضع فإذا صلحت القرعة لذلك فهي لما دونه أقبل وهذا في غاية الظهور. وأيضا: فاشتباه المطلقة بغيرها لا يمنع استعمال القرعة. ودليله: مسألة الطائر وقوله: إن كان غرابا فنسائي طوالق وإن لم يكن فعبيدي أحرار. فإن قلتم: قد يستعمل الشيء في حكم ولا يستعمل في آخر كالشاهد واليمين والرجل والمرأتين يقبل في الأموال دون الحدود والقصاص. يوضحه: أنه لو ادعى سرقة وأقام شاهدا وحلف معه: غرمناه المال ولم نقطعه فكذا هاهنا: استعملنا القرعة في الرق والحرية دون الطلاق للحاجة. قيل: الحاجة في إخراج المطلقة من غيرها كالحاجة في إخراج المعتق من غيره سواء وإذا دخلت للتمييز بين الفرج المملوك بملك اليمين وغيره: صح دخولها للتمييز بين الفرج المملوك بعقد النكاح وغيره ولا فرق ولا يشبه ذلك مسألة القطع والغرم في أنه يثبت أحدهما بما لا يثبت به الآخر لأنهما يختلفان في الأحكام وفيما يثبت به كل واحد منهما والعتق والطلاق يتفقان في الأحكام وهو أن كل واحد منهما مبني على التغليب والسراية ويثبت بما يثبت به الآخر. وأيضا: فإن الحقوق إذا تساوت على وجه لا يمكن التمييز بينها إلا بالقرعة: صح استعمالها فيها كما قلتم في الشريكين إذا كان بينهما مال فأراد قسمته فإن الحاكم يجزئه ويقرع بينهما وكذلك إذا أراد أن يسافر بإحدى نسائه وكذلك إذا أعتق عبيده الذين لا مال له سواه في مرضه وكذلك إذا تساوى المدعيان في الحضور عند الحاكم وكذلك الأولياء في النكاح إذا تساووا في الدرجة وتشاحوا في العقد: أقرع بينهم وكذلك إذا قتل جماعة في حالة واحدة وتشاح الأولياء في المقتص: أقرع بينهم فمن قرع قتل له وأخذت الدية للباقين.(1\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "254",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5281",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قلتم: التراضي على القسمة من غير قرعة جائز وكذلك بين النساء إذا أراد السفر ولا كذلك هاهنا لأن التراضي على فسخ النكاح ونقله من محل إلى محل لا يجوز. قلنا: ليست القرعة في الطلاق نقلا له عمن استحقه إلى غيره بل هي كاشفة عمن توجه الطلاق إليها ووقع عليها. 126 - (فصل) قال المعينون بالاختيار: قد حصل التحريم في واحدة لا بعينها فكان له تعيينها باختياره كما لو أسلم الحربي وتحته خمس نسوة أو أختان: اختار. قال أصحاب القرعة: هذا القياس مبطل أولا بالمنسية فإن المحرمة منهن بعد النسيان غير معينة وليس له تعيينها. وهذا الجواب غير قوي فإن التحريم هاهنا وقع في معينة ثم أشكلت بل الجواب الصحيح أن يقال: لا تطلق عليه الأخت والخامسة بمجرد الإسلام بل إذا عين الممسكات أو المفارقات: حصلت الفرقة من حين التعيين ووجبت العدة من حينئذ. وسر المسألة: أن الشارع خيره بين من يمسك ومن يفارق نظرا له وتوسعة عليه ولو أمره بالقرعة هاهنا فربما أخرجت القرعة عن نكاحه من يحبها وأبقت عليه من يبغضها ودخوله في الإسلام يقتضي ترغيبه فيه وتحبيبه إليه فكان من محاسن الإسلام: رد ذلك إلى اختياره وشهوته بخلاف ما إذا طلق هو من تلقاء نفسه واحدة منهن. إلا أن القياس الذي احتجوا به فاسد أيضا فإنه ينكسر بما إذا اختلطت زوجته بأجنبية أو ميتة بمذكاة فإنه ليس له تعيين المحرمة. فإن قيل: ولا إخراجها بالقرعة. قلنا: نحن لم نستدل بدليل يرد علينا فيه هذا بخلاف من استدل بمن ينكسر عليه بذلك. فإن قيل: والتحريم هاهنا كان في معين ثم اشتبه. قيل: لما اشتبه وزال دليل تعيينه: صار كالمبهم وهذا حجة مالك عليكم حيث حرم الجميع لإبهام المحرمة منهن. قال أصحاب التعيين: التحريم هاهنا حكم تعلق بفرد لا بعينه من جملة فكان المرجع في تعيينه إلى المكلف كما لو باع قفيزا من صبرة.(1\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "255",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5282",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أصحاب القرعة: الإبهام إنما يصح في البيع حيث تتساوى الأجزاء ويقوم كل جزء منها مقام الآخر في التعيين. فلا تفيد القرعة هاهنا قدرا زائدا على التعيين وليس كذلك الطلاق فإن محله لا تتساوى أفراده ولا الغرض منه فهو بمسألة المسافر بإحدى الزوجات أشبه منه بمسألة القفيز من الصبرة ألا ترى أن التهمة تلحق في التعيين هاهنا وفي مسألة القسمة وفي مسألة الطلاق ولا تلحق في التعيين في مسألة القفيز من الصبرة المتساوية وهذا فقه المسألة: أن الموضع الذي تلحق فيه التهمة شرعت فيه القرعة نفيا لها وما لا تلحق فيه لا فائدة فيها. على أن هذا القياس منتقض بما إذا أعتق عبدا مبهما من عبيده أو أراد السفر بإحدى نسائه. قال أصحاب التعيين: لما كان له تعيين المطلقة في الابتداء كان له تعيينها في ثاني الحال باختياره. قال أصحاب القرعة: هذا قياس فاسد فإنه في الابتداء لم يتعلق بالتعيين حق لغير المطلقة وبعد الإيقاع قد تعلق به حقهن فإن كل واحدة منهن قد تدعي أن الطلاق واقع عليها لتملك به بضعها أو واقع على غيرها لتستبقي به نفقتها وكسوتها فلم يملك هو تعيينه للتهمة بخلاف الابتداء. قال المبطلون للقرعة: القرعة قمار وميسر وقد حرمه الله في سورة المائدة وهي من آخر القرآن نزولا وإنما كانت مشروعة قبل ذلك. وقال أصحاب القرعة: قد شرع الله ورسوله القرعة وأخبر بها عن أنبيائه ورسله مقررا لحكمها غير ذام لها وفعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من بعده وقد صانهم الله سبحانه عن القمار بكل طريق فلم يشرع لعباده القمار قط ولا جاء به نبي أصلا فالقرعة شرعه ودينه وسنة أنبيائه ورسله. وقال المانعون من القرعة: قد اشتبهت المحللة بالمحرمة على وجه لا تبيحه الضرورة فلم يمكن له إخراجها بالقرعة كما لو اشتبهت أخته بأجنبية أو ميتة بمذكاة. وقال أصحاب القرعة: الفرق أننا هاهنا نستصحب أصل التحريم ولا نزيله بالشك بخلاف مسألتنا فإن التحريم الأصلي قد زال بالنكاح وشككنا في وقوع التحريم الطارئ بأي واحدة منهن وقع فلا يصح إلحاق إحدى الصورتين بالأخرى. قال المانعون: قد تخرج القرعة غير المطلقة فإنها ليس لها من العلم والتمييز ما تخرج به المطلقة بعينها. وقال المقرعون: هذا - أولا - اعتراض على السنة فهو مردود. وأيضا: فإن التعيين بها أولى من التعيين بالاعتراض والتشهي أو جعل المرأة معلقة إلى الموت أو إيقاع الطلاق بأربع لأجل إيقاعه بواحدة منهن.(1\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "256",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5283",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأيضا: فإن القرعة مزيلة للتهمة. وأيضا: فإنها تفويض إلى الله ليعين بقضائه وقدره ما ليس لنا سبيل إلى تعيينه والله أعلم. فإن قيل: فما تقولون فيما نقله أبو طالب عن أحمد في رجل زوج ابنته رجلا وله بنات فمات ولم يدر أيتهن هي فقال: يقرع بينهن وهذا يدل على أنه يقرع عند اختلاط أخته بأجنبية. قيل: قد جعل القاضي أبو يعلى ذلك رواية عن الإمام أحمد وقال: وظاهر هذا: أن الزوجة إذا اختلطت بأجانب أقرع بينهن لأنه أجاز القرعة بينها وبين أخواتها إذا اختلطت بهن. قلت: هذا وهم من القاضي فإن أحمد لم يقرع للحل وإنما أقرع للميراث والعدة ونحن نذكر نصوصه بألفاظها. قال الخلال في quot; الجامع quot;: باب الرجل يكون له أربع بنات فزوج إحداهن فمات الأب ومات الزوج ولا يدري أيتهن هي الزوجة أنبأنا أبو النضر أن أبا عبد الله قال: قال سعيد بن المسيب - في رجل له أربع بنات فزوج إحداهن لا يدري أيتهن هي - إنه يقرع بينهن أخبرني زهير بن صالح حدثنا أبي حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا حماد بن سلمة عن قتادة: أن رجلا زوج ابنته من رجل فمات الأب والزوج ولا يدري الشهود أي بناته هي فسألت سعيد بن المسيب فقال: يقرع بينهن فأيتهن أصابتها القرعة ورثت واعتدت. وقال حماد: سألت حماد بن أبي سليمان فقال: يرثن جميعا ويعتددن جميعا. وقال صالح قال أبي: قد ورث من ليس لها ميراث وأوجب العدة على من ليس عليها عدة والذي يقرع: في حال يكون قد أصاب وفي حال يكون قد أخطأ وذاك لا شك أنه قد ورث من ليس لها ميراث. قال الخلال: أنبأنا يحيى بن جعفر قال: قال عبد الوهاب: سألت سعيدا عن رجل زوج إحدى بناته - وسماها - ومات الأب والزوج ولا يدري أيتهن هي فحدثنا عن قتادة عن الحسن وسعيد بن المسيب أنهما قالا: يقرع بينهن فأيتهن أصابتها القرعة فلها الصداق ولها الميراث وعليها العدة أخبرني محمد بن علي حدثنا الأثرم حدثنا عارم حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال - في رجل زوج إحدى بناته رجلا فمات ومات الزوج ولم تدر البينة أيتهن هي - قال: يقرع بينهن فإذا قرعت واحدة: ورثت واعتدت. وحدثنا أبو بكر حدثنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة عن سعيد بن المسيب والحسن قالا: يقرع بينهن. قال حنبل: وحدثني أبو عبد الله حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة(1\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "257",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5284",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن رجلا زوج ابنته من رجل فمات الزوج ومات الأب ولم يدر الشهود: أي بناته هي فسألت سعيد بن المسيب - رحمه الله - قال: يقرع بينهن وأيتهن أصابت القرعة ورثت واعتدت. قال حماد بن سلمة: فسألت حماد بن أبي سليمان عن ذلك فقال: يرثن ويعتددن جميعا. قال حنبل: فسألت أبا عبد الله عن ذلك فقال: يقرع بينهن على قول سعيد بن المسيب. وقال حنبل: قال عفان: حدثنا همام قال: سئل قتادة عن رجل خطب إلى رجل ابنة له وله بنات فأنكحه ومات الخاطب ولم يدر الأب أيتهن خطب فقال سعيد: يقرع بينهن فأيتهن أصابتها القرعة. فلها الصداق والميراث وعليها العدة. قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: أذهب إلى هذا وكذلك رواية أبي طالب التي ذكرها القابسي. قال الخلال أخبرني أحمد بن محمد بن مطر أن أبا طالب حدثه: أنه سأل أبا عبد الله عن رجل زوج ابنته رجلا وله بنات فماتا ولم تدر البينة أيتهن هي قال: يقرع بينهن فإذا قرعت واحدة ورثت قلت حماد يقول: يرثن جميعا قال: يقرع بينهم وقال: القرعة أبين إذا أقرع فأعطى واحدة لعلها أن تكون صاحبته ولا يدري هو في شك فإذا أعطاهن فقد علم أنه أعطى من ليس له حق. فنصوص أحمد وما نقله عن سعيد والحسن: إنما فيه القرعة بينهن في الميراث وهي قرعة على مال وليس فيه القرعة عند اختلاط الزوجة بغيرها. لكن في رواية حنبل: ما يدل على جريان القرعة في الحياة وبعد الموت فإنه قال: يقرع بينهن فأيتهن أصابتها القرعة فهي امرأته وإن مات الزوج فهي التي ترثه أيضا فهذه أصرح من رواية أبي طالب. ولكن أكثر الروايات عن أحمد إنما هي في القرعة عن الميراث كما ذكر من ألفاظه على أنه لا يمتنع أن يقال بالقرعة في هذه المسألة على ظاهر رواية حنبل فإن أكثر ما فيه: تعيين الزوجة بالقرعة والتمييز بينها وبين من ليست بزوجة وهذا حقيقة الإقراع في مسألة المطلقة فإن القرعة تميز الزوجة من غيرها وكذلك لو زوجها الوليان من رجلين وجهل السابق منهما: فإنه يقرع على أصح الروايتين وذلك لتمييز الزوج من غيره فما الفرق بين تمييز الزوج بالقرعة وتمييز الزوجة بها فالإقراع هاهنا ليس بعيدا من الأصول. ويدل عليه: أنا نوجب عليها العدة بهذه القرعة والعدة من أحكام النكاح ولا سيما فالعدة(1\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "258",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5285",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الواجبة هاهنا عدة من غير مدخول بها فهي من نكاح محض وكذلك الميراث فإنه لولا ثبوت النكاح لما ورثت. وقول أحمد في رواية حنبل: quot; يقرع بينهن فأيتهن أصابتها القرعة فهي امرأته quot; صريح في ثبوت الزوجية بالقرعة ثم قال: quot; وإن مات الزوج فهي التي ترثه quot; وهذا صريح في أنه يقرع بينهن في حال حياة الزوج والزوجة وإن مات بعد القرعة ورثته بحكم النكاح ولا إشكال في ذلك بحمد الله فإذا أقرع بينهن فأصابت القرعة إحداهن: كان رضا الزوج بها ورضا وليها ورضاها تصحيحا للنكاح. ولا يقال: يجوز أن تكون القرعة أصابت غيرها فيكون جامعا بين الأختين لأن المجهول كالمعدوم ولأنا نأمره أن يطلق غير التي أصابتها القرعة فيقول: ومن عدا هؤلاء فهي طالق احتياطا فهذا خير من توريث الجميع وحرمان الجميع وأن يوقف الأمر فيهن أبدا حتى يتبين الحال وينكشف وقد لا يتبين إلى اليوم. وبالجملة: فالقرعة طريق شرعي شرعه الله ورسوله للتمييز عند الاشتباه فسلوكه أولى من غيره من الطرق. وقد قال أبو حنيفة: إذا طلق امرأة من نسائه لا بعينها فإنه لا يحال بينه وبينهن وله أن يطأ أيتهن شاء فإذا وطئ انصرف الطلاق إلى الأخرى واختاره ابن أبي هريرة من الشافعية فجعلوا الوطء تعيينا. ومعلوم أن التعيين بالقرعة أولى من التعيين بالوطء فإن القرعة تخرج من قدر الله إخراجه بها ولا يتهم بها والوطء تابع لإرادته وشهوته ويجوز أن يشتهي غير من كان في نفسه إرادة طلاقها فهو متهم فالتعيين بالطريق الشرعي أولى من التعيين بالتشهي والإرادة. ومما يوضحه: أن أبا حنيفة قد قال - فيما إذا أعتق إحدى أمتيه ثم وطئ إحداهما - أن الوطء لا يعين المعتقة من غيرها. وقال أصحابه: الفرق بينهما أن الطلاق يوجب التحريم وذلك ينفي النكاح فلما وطئ إحداهما دل على أنه مختار أن تكون زوجته فإنه لا يطأ من ليست زوجته وأما العتق: فإنه - وإن أوجب تحريم الوطء - فلا ينافي ملك اليمين كأخته من الرضاع. فقال المنازعون لهم: الطلاق لا يوجب التحريم عندكم فإن الرجعة مباحة وإنما الموجب للتحريم: انقضاء العدة واستيفاء العدد. وقد صرح أصحابكم بذلك على أن النكاح - وإن نافاه التحريم - فالملك ينافيه التحريم فهما متساويان في أن الوطء لا يجوز إلا في ملك وهو متحقق لملك الموطوءة.  [فصل فيمن طلق إحدى نسائه ومات قبل البيان] 127 - (فصل)(1\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "259",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5286",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن مواضع القرعة ما إذا طلق إحدى نسائه ومات قبل البيان فإن الورثة يقرعون بينهن فمن وقعت عليها القرعة لم ترث نص عليه في رواية حنبل وأبي طالب وابن منصور ومهنا. وقال أبو حنيفة: يقسم الميراث بين الجميع وقال الشافعي: يوقف ميراث الزوجات حتى يصطلحن عليه. ولوازم القولين تدل على صحة القول بالقرعة فإن لازم القول الأول: توريث من يعلم أنها أجنبية فإنها مطلقة في حال الصحة ثلاثا فكيف ترث ولازم القول الثاني: وقف المال وتعريضه للفساد والهلاك وعدم الانتفاع به وإن كان حيوانا فربما كانت مئونته تزيد على أضعاف قيمته وهذا لا مصلحة فيه ألبتة. وأيضا فإنهن إذا علمن أن المال يهلك إن لم يصطلحن عليه: كان ذلك إلجاء لهن إلى إعطاء غير المستحقة فالقرعة تخلص من ذلك كله ومن المعلوم: أن المستحقة للميراث إحداهما دون الأخرى فوجب أن يقرع بينهما كما يقرع بين العبيد إذا أعتقهم في المرض وبين الزوجات إذا أراد السفر بإحداهن والحاكم إنما نصب لفصل الأحكام لا لوقفها وجعلها معلقة فتوريث الجميع - على ما فيه - أقرب للمصلحة من حبس المال وتعريضه للتلف مع حاجة مستحقيه إليه. وأيضا: فإنا عهدنا من الشارع أنه لم يوقف حكومة قط على اصطلاح المتخاصمين بل يشير عليهما بالصلح فإن لم يصطلحا فصل الخصومة وبهذا تقوم مصلحة الناس. قال المورثون للجميع: قد تساويا في سبب الاستحقاق لأن حجة كل واحدة منهما كحجة الأخرى فوجب أن يتساويا في الإرث كما لو أقامت كل واحدة منهما البينة بالزوجية. وقال المقرعون: المستحقة منهما هي الزوجة والمطلقة غير مستحقة فكيف يقال: إنهما استويتا في سبب الاستحقاق على أنهما إذا أقامتا بينتين تعارضتا وسقطتا وصارتا كمن لا بينة لواحدة منهما. وقال المورثون: قد استحق من ماله ميراث زوجته وليست إحداهما بأن تكون هي المستحقة أولى من الأخرى فيقسم الإرث بينهما كرجلين ادعيا دابة في يد غيرهما وأقاما بينتين: فإنها تقسم بينهما. وقال المقرعون: هذه هي الشبهة التي تقدمت والجواب واحد. وقال المورثون لأصحاب القرعة: قد تناقضتم فإنكم تقرعون بإخراج المطلقة فإذا أخرجتموها بالقرعة أوجبتم عليها عدة الوفاة إذا كانت أطول من عدة الطلاق فإن كانت مطلقة فكيف تعتد(1\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "260",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5287",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عدة الوفاة وإذا اعتدت عدة الوفاة فكيف لا ترث . قال أصحاب القرعة: يجب على المطلقة منهما عدة الطلاق وعلى الزوجة عدة الوفاة ولكن لما أشكلت المطلقة من الزوجة أوجبنا على كل واحدة منهما أن تعتد بأقصى الأجلين ويدخل فيه الأدنى احتياطا للعدة.  [فصل طلق إحداهما لا بعينها ثم ماتت إحداهما] 128 - (فصل) ولو طلق إحداهما لا بعينها ثم ماتت إحداهما: لم يتعين الطلاق في الباقية وأقرع بين الميتة والحية. قال أبو حنيفة: يتعين الطلاق في الباقية. وقال الشافعي: لا يتعين فيها: وله تعيينه في الميتة. وقال الحنفية: هو مخير في التعيين ولم يبق من يصح إيقاع الطلاق عليها إلا الحية ومن خير بين أمرين ففاته أحدهما: تعين الآخر. وقال المقرعون: قد أقمنا الدليل على أنه لا يملك التعيين باختياره. وإنما نملك الإقراع. ولم يفت محله فإنه يخرج المطلقة فيتبين وقوع الطلاق من حين التطليق لا من حين الإقراع كما تقدم تقريره. وقالت الحنفية: لا يصح أن يبتدئ في الميتة الطلاق فلا يصح أن يعينه فيها بالقرعة كالأجنبية. وقال أصحاب القرعة: نحن لا نعين الطلاق فيها ابتداء وإنما نبين بالقرعة أنها كانت مطلقة في حال الحياة. وقالت الحنفية: ماتت غير مطلقة بدليل أنه يجوز أن تخرج القرعة عندكم على الحية فتكون هي المطلقة دون الميتة وإذا لم تكن مطلقة قبل الموت لم يثبت حكم الطلاق فيها بعد الموت كما لا يثبت الطلاق المبتدأ. وقال المقرعون: إذا وقعت عليها القرعة تبينا أنها هي المطلقة في حال الحياة.  [فصل فيما إذا خرجت القرعة على امرأة ثم ذكر بعد ذلك أن المطلقة غيرها] 129 - (فصل) فإن قيل: فما تقولون فيما إذا خرجت القرعة على امرأة ثم ذكر بعد ذلك أن المطلقة غيرها. قيل: تعود إليه من حين وقعت عليها القرعة ويقع الطلاق بالمذكورة فإن القرعة إنما كانت لأجل الاشتباه وقد زال بالتذكر إلا أن تكون التي وقعت عليها القرعة قد تزوجت أو كانت القرعة بحكم الحاكم فإنها لا تعود إليه نص عليه الإمام أحمد. قال الخلال: أخبرني الميموني: أنه ناظر أبا عبد الله في مسألة الذي له أربع نسوة فطلق واحدة منهن ثم لم يدر قال: يقرع بينهن وكذلك في الأعبد قلت: فإن أقرع بينهن فوقعت القرعة(1\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "261",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5288",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على واحدة ثم ذكر التي طلق قال: ترجع إليه والتي ذكر أنه طلق يقع الطلاق عليها قلت: فإن تزوجت قال: هو إنما دخل في القرعة لأنه اشتبه عليه فإذا تزوجت فذا شيء قد مر فقال له رجل: فإن كان الحاكم أقرع بينهن قال: لا أحب أن ترجع إليه لأن الحاكم في ذا أخبر منه فرأيته يغلظ أمر الحاكم إذا دخل في الإقراع بينهن. وقد توقف في الجواب في رواية أبي الحارث فإنه قال: سألت أبا عبد الله قلت: فإن طلق واحدة من أربع وأقرع بينهن فوقعت القرعة على واحدة وفرق بينه وبينها ثم ذكر وتيقن - بعدما فرق الحاكم بينهما - أن التي طلق في ذلك الوقت: هي غير التي وقعت عليها القرعة قال: اعفني من هذه قلت: فما ترى العمل فيها قال: دعها ولم يجب فيها بشيء. قلت: أما إذا تزوجت فلا يقبل قوله: إن المطلقة كانت غيرها لما فيه من إبطال حق الزوج. فإن قيل: فلو أقام بينة أن المطلقة غيرها. قيل: لا ترد إليه أيضا فإن القرعة تصيب طريقا إلى وقوع الطلاق فيمن أصابتها ولو كانت غير المطلقة في نفس الأمر فالقرعة فرقت بينهما وتأكدت الفرقة بتزويجها. فإن قيل: فهذا ينتقض بما إذا ذكر قبل أن تنكح. قيل: أما إذا انقضت عدتها وملكت نفسها ففي قبول قوله عليها نظر فإن صدقته أن المطلقة كانت غيرها فقد أقرت له بالزوجية ولا منازع له وأما إذا ذكر وهي في العدة فإن كان الطلاق رجعيا فلا إشكال فإنه يملك رجعتها بغير رضاها فيقبل قوله إن المطلقة غيرها وإن كان الطلاق بائنا فله عليه حق حبس العدة وهي محبوسة لأجله والفراش قائم حتى ولو أتت بولد في مدة الإمكان لحقه فإذا ذكر أن المطلقة غيرها كان القول قوله كما لو شهدت بينة بأنه طلقها ثم رجع الشهود ولكن لما كانت البينة غير متهمة ردت إليه مطلقا بخلاف قوله: إن المطلقة غيرها فإنه متهم فيه وكذلك لا ترد إليه بعد نكاحها ولا بعد حكم الحاكم. والقياس: أنها لا ترد إليه بعد انقضاء عدتها وملكها نفسها إلا أن تصدقه ولهذا لو قال بعد انقضاء عدتها: كنت راجعتك قبل انقضاء العدة لم تقبل منه إلا ببينة أو تصديقها ولو قال ذلك والعدة باقية قبل منه لأنه يملك إنشاء الرجعة. وأما إذا كانت القرعة بحكم الحاكم: فإن حكمه يجري مجرى التفريق بينهما فلا يقبل قوله: إن المطلقة غيرها.  [فصل الرجل له امرأتين مسلمة ونصرانية فقال في مرضه إحداكما طالق ثلاثا] 130 - (فصل)(1\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "262",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5289",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: فما تقولون فيما رواه مهنا قال: سألت أبا عبد الله عن رجل له امرأتان مسلمة ونصرانية فقال في مرضه: إحداكما طالق ثلاثا ثم أسلمت النصرانية ثم مات في ذلك المرض قبل أن تنقضي عدة واحدة منهما وقد كان دخل بهما جميعا فقال: أرى أن يقرع بينهما قلت له يكون للنصرانية من الميراث ما للمسلمة قال: نعم فقلت: إنهم يقولون: للنصرانية ربع الميراث وللمسلمة ثلاثة أرباعه فقال: لم فقلت: لأنها أسلمت رغبة في الميراث قلت: ويكون الميراث بينهما سواء قال: نعم. فقد نص على القرعة بينهما ونص على قسمة الميراث بينهما على السواء فما فائدة القرعة ولا يقال: القرعة لأجل العدة حيث تعتد المطلقة عدة الطلاق فإنكم صرحتم بأن كل واحدة منهما تعتد بأقصى الأجلين ويدخل فيه أدناهما كما صرح به القاضي وعلى هذا: لا تبقى للقرعة فائدة أصلا فإنهما يشتركان في الميراث ويتساويان في العدة. قيل: الإقراع لم يكن لأجل الميراث فإنه قد صرح بأنه بينهما وهذا على أصله فإن المبتوتة ترث ما دامت في العدة وغاية الأمر: أن يكون قد عين النصرانية بالطلاق ثم أسلمت في عدتها قبل الموت فإنها ترث ولو طلقهما جميعا ثم أسلمت ورثتا جميعا وأما القرعة: فلإخراج المطلقة ليتبين أنه مات وإحداهما زوجته والأخرى غير زوجته فإذا وقعت القرعة على إحداهما تبين أنها أجنبية وإنما ثبت لها الميراث لكون الطلاق في المرض والعدة تابعة للميراث وما عدا ذلك فهي فيه أجنبية حتى لو لم ينفق عليها من حين الطلاق إلى حين الموت لم يرجع في تركته بالنفقة. فإن قيل: فهو غير متهم في حرمان النصرانية لأنه يعلم أنها لا ترث. قيل: التهمة قائمة لأنها يجوز أن تسلم قبل موته. وأما قول من قال: للنصرانية ربع الميراث وللمسلمة ثلاث أرباعه: فلا يعرف من القائل بهذا ولا وجه لهذا القول وتعليله بكونها أسلمت رغبة في الميراث: أغرب منه والله أعلم.  [فصل في الرجل له ثلاثة نسوة فطلق واحدة منهن ولم يدري أيتهن ثم مات] 131 - (فصل) فإن قيل: فما تقولون فيما رواه جابر بن زيد عن ابن عباس في رجل له ثلاث نسوة فطلق واحدة منهن ولم يدر أيتهن ثم مات قال: quot; ينالهن من الطلاق ما ينالهن من الميراث quot; وما معنى ذلك(1\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "263",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5290",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل: قد سئل عنه أبو عبد الله فقال: معناه يقع الطلاق عليهن ويرثن جميعا. وقال إسحاق بن منصور قلت لأحمد: حديث عمرو بن هرم quot; ينالهن من الطلاق ما ينالهن من الميراث quot; قال: أليس يرثن جميعا قلت: بلى قال: وكذلك يقع عليهن الطلاق. وهذا لا يدل على أن ذلك قول أحمد ولا مذهبه وإنما ذكره تفسيرا لا مذهبا وهذا قد يحتج به مالك ومن قال بقوله في وقوع الطلاق على الجميع. قلت: ويحتمل كلامه معنى آخر وهو أن يكون المراد وقوع الطلاق على واحدة منهن تعين بالقرعة أو بغيرها كما يحرم الميراث واحدة منهن فيكون ما ينالهن من حكم الطلاق مثل الذي ينالهن من حكم الميراث وهذا - إن شاء الله - أظهر: فإن لفظه لا يدل على أنهن يرثن جميعا ولا يمكن أن يقال ذلك إلا إذا كان الطلاق رجعيا أو كان في المرض على أحد الأقوال فكيف يطلق ابن عباس الجميع بطلاق واحدة ويورث مطلقة بائنة طلقت في الصحة مع زوجات وإذا فسر كلامه بما ذكرنا لم يكن فيه إشكال والله أعلم.  [فصل في الرجل له مماليك عدة فقال أحدهم حر ولم يبين] 132 - (فصل) قال حرب: قلت لأحمد: رجل له مماليك عدة فقال: أحدهم حر ولم يبين قال: هذه مسألة مشتبهة. قلت: قد نص في رواية الجماعة على أنه يخرج بالقرعة نص على ذلك في رواية الميموني وبكر بن محمد عن أبيه وحنبل والمروذي وأبي طالب وإسحاق بن إبراهيم ومهنا. وقوله في رواية حرب quot; هذه مسألة مشتبهة quot; توقف منه فيحتمل أن يريد بالاشتباه: أنها مشتبهة الحكم هل تعين باختياره أو بالقرعة ولكن مذهبه المتواتر عنه: أنه يعين بالقرعة. ويحتمل - وهو أظهر إن شاء الله - أن يريد الاشتباه: أنه يحتمل أن يكون إخبارا عن كون أحدهم حرا وأن يكون إنشاء للحرية في أحدهم والحكم مختلف فإن قوله: quot; أحدهم حر quot; إن كان إنشاء فهو عتق لغير معين وإن كان إخبارا فهو خبر عن عتق واحد معين فهذا وجه اشتباهها. وبعد فإن مات ولم يبين مراده: أخرج بالقرعة.  [فصل في الرجل يقول أول غلام لي يطلع فهو حر] 133 - (فصل) قال مهنا: سألت أبا عبد الله عن رجل قال: أول غلام لي يطلع فهو حر فطلع غلامان له: أو طلع عبيده كلهم قال: قد اختلفوا في هذا قلت: أخبرني ما تقول أنت فيه قال: يقرع بينهم فأيهم خرجت قرعته أعتق.(1\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "264",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5291",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: وسألت أبا عبد الله عن رجل قال - وله أربع نسوة - أول امرأة تطلع فهي طالق فطلعن كلهن قال: قد اختلفوا في هذا أيضا قلت: أخبرني فيه بشيء فقال: قال بعضهم: يقسم بينهن تطليقة قلت: أخبرني فيه بقولك فقال: يقرع بينهن فأيتهن خرجت عليها القرعة طلقت. قلت: لفظ quot; الأول quot; يراد به ما يتقدم على غيره ويراد به ما لا يتقدم عليه غيره وعلى المعنى الأول: لا يكون أولا إلا إذا تبعه غيره وتأخر عنه وعلى المعنى الثاني: يكون أولا وإن لم يتأخر عنه غيره فيصح على هذا أن يقول: من لم يتزوج إلا امرأة واحدة أو لم يولد له إلا ولد واحد هذه أول امرأة تزوجتها وهذا أول مولود ولد لي. وعلى هذا إذا قال: أول مولود تلدينه فهو حر فولدت ولدا ثم لم تلد بعده شيئا عتق ذلك الولد ولو قال: أول مملوك أشتريه فهو حر: عتق العبد المشترى وإن لم يشتر بعده غيره وإذا قال: أول غلام يطلع لي فهو حر أو أول امرأة تطلع فهي طالق فطلع منهم جماعة فكل منهم صالح لأن يكون أول وليس اختصاص أحدهم بذلك أولى من الآخر فيخرج أحدهم بالقرعة فإنه لو طلع منهم واحد معين: لكان هو الحر والمطلقة فإذا طلع جماعة فالذي يستحق العتق والطلاق منهم واحد وهو غير معين فيخرج بالقرعة. فإن قيل: إذا تساووا في الطلوع: لم يكن فيهم أول ولهذا يقال: لم يجئ أحدهم أول من الآخر فلم يوجد الشرط فلا يقع المعلق به وإن كان الجميع قد اشتركوا في الأولية: وجب أن يشتركوا في وقوع العتق والطلاق. قيل: إن نوى وقوع العتق والطلاق - إذا اشتركوا في ذلك - وقع بالجميع وإنما كلامنا فيما إذا نوى وقوع العتق والطلاق في واحد موصوف بالأولية فإذا اشترك جماعة في الصفة: وجب إخراج أحدهم بالقرعة فإن النية تخصص العام وتقيد المطلق فغاية الأمر: أن يقال: قد اشترك جماعة في الشرط ولكنه خصص بنيته واحدا. فإن قيل: فما تقولون فيما لو طلق ولم تكن له نية قيل: لو طلق فإنما يقع العتق والطلاق بواحد لا بالجميع لأنه قال: أول غلام يطلع وأول امرأة تطلع وهذا يقتضي أن يكون فردا من جملة لا مجموع الجملة فكأنه قال: غلام من غلماني وامرأة من نسائي يكون أول مستحق العتق والطلاق وكل واحد منهم قد اتصف بهذه الصفة وهو إنما أوقع ذلك في واحد: فيخرج بالقرعة. ومن لا يقول بهذا فإما أن يقول: يعين بتعيينه وقد تقدم فساد ذلك وأن التعيين بما جعله(1\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "265",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5292",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشارع طريقا للتعيين أولى من التعيين بالتشهي والاختيار. وإما أن يقال: يعتق الجميع ويطلق وهذا أيضا لا يصح فإنه إنما أوقع العتق والطلاق في واحد لا في الجميع وكلامه صريح في ذلك. وإما أن يقال: لا يعتق واحد ولا تطلق امرأة ولا يصح أيضا لوجود الوصف فإنه لو انفرد بالطلوع أو انفردت به لوقع المعلق به ومشاركة غيره لا تخرجه عن الاتصاف بالأولية فقد اشترك جماعة في الوصف والمراد واحد منهم فيخرج بالقرعة. فإن قيل: فما تقولون فيما لو قال: أول ولد تلدينه فهو حر فولدت اثنين لا يدري أيهما هو الأول. قيل: يقرع بينهما فيما نص عليه في رواية ابن منصور قال: يقرع بينهما فمن أصابته القرعة عتق وهذا نظير أن يطلع أحدهما قبل الآخر ثم يشكل في مسألة التعليق بالطلوع. فإن قيل: فلو ولدتهما معا بأن تضع مثل الكيس وفيه ولدان أو أكثر قيل يخرج أحدهما بالقرعة على قياس قوله في مسألة أول غلام يطلع لي فهو حر فطلعا معا. قال في quot; المغني quot;: ويحتمل أن يعتقا جميعا لأن الأولية وجدت فيهما جميعا فثبتت الحرية فيهما كما لو قال في المسابقة: من سبق فله عشرة فسبق اثنان: اشتركا في العشرة. وقال إبراهيم النخعي: يعتق أيهما شاء. وقال أبو حنيفة: لا يعتق واحد منهما لأنه لا أول فيهما لأن كل واحد منهما مساو للآخر ومن شرط الأولية: سبق الأول قال: ولنا أن هذين لم يسبقهما غيرهما فكانا أولا كالواحد وليس من شرط سبق الأول: أن يأتي بعده ثان بدليل ما لو ملك واحدا ولم يملك بعده شيئا وإذا كانت الصفة موجودة فيهما فإما أن يعتقا جميعا أو يعتق أحدهما وتعينه القرعة على ما ذكرنا من قبل قال: وكذلك الحكم فيما لو قال: أول ولد تلدينه فهو حر فولدت اثنين وخرجا معا فالحكم فيهما كذلك. 134 - (فصل) فإن ولدت الأول ميتا والثاني حيا قال في quot; المغني quot;: ذكر الشريف: أنه يعتق الحي منهما وبه قال أبو حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد الشافعي: لا يعتق واحد منهما قال: وهو الصحيح إن شاء الله لأن شرط العتق إنما وجد في الميت وليس بمحل للعتق فانحلت اليمين به. قال: وإنما قلنا: إن شرط العتق وجد فيه لأنه أول ولد بدليل أنه لو قال لأمته: إذا ولدت فأنت حرة فولدت ولدا ميتا عتقت.(1\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "266",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5293",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ووجه الأول: أن العتق مستحيل في الميت فتعلقت اليمين بالحي كما لو قال: إن ضربت فلانا فعبدي حر فضربه حيا عتق وإن ضربه ميتا لم يعتق ولأنه معلوم من طريق العادة: أنه قصد عقد يمينه على ولد يصح العتق فيه وهو أن يكون حيا فتصير الحياة مشروطة فيه وكأنه قال: أول ولد تلدينه حيا فهو حر. وقال صاحب quot; المحرر quot;: إذا قال: إذا ولدت ولدا أو أول ولد تلدينه فهو حر فولدت ميتا ثم حيا أو قال: آخر ولد تلدينه حر فولدت حيا ثم ميتا ثم لم تلد بعده شيئا فهل يعتق الحي . على روايتين وإن قال: أول ما تلده أمتي حر فولدت ولدين وأشكل السابق: عتق أحدهما بالقرعة فإن بان للناس الذي أعتقه أخطأته القرعة عتق وهل يرق الآخر على وجهين. قلت: مسألة الأول والآخر: مبنية على أصلين: أحدهما: أنه هل يسقط حكم الميت ويصير وجوده كعدمه لامتناع نفوذ العتق فيه أو يعتبر حكمه كحكم الحي الثاني: هل من شرط الأول: أن يأتي بعده غيره أو يكفي فيه كونه سابقا مبتدأ به وإن لم يلحقه غيره وأما مسألة تعليق الحرية على مطلق الولادة ففيها إشكال ظاهر. فإن صورتها أن يقول: إذا ولدت ولدا فهو حر. فإذا ولدت ميتا ثم حيا فإما أن نعتبر حكم الميت أو لا نعتبره فإن لم نعتبره عتق الحي لأنه هو المولود إن اعتبرناه وحكمنا بعتقه فكذلك ينبغي أن يحكم بعتق الحي لوجود الصفة فيه. فإن قيل: quot; إذا quot; لا تقتضي التكرار وقد انحلت اليمين بوجود الأول وقد تعلق به الحكم فلا يعتق الثاني. قيل: هذا مأخذ هذا القول: لكن قوله quot; إذا ولدت ولدا quot; نكرة في سياق الشرط فيعم كل ولد وهو قد جعل سبب العتق الولادة فيعم الحكم من وجهين أحدهما: عموم المعنى والسبب والثاني: عموم اللفظ بوقوع النكرة عامة. وهذا غير اقتضاء النكرة التكرار بل العموم المستفاد من وقوع النكرة في سياق الشرط بمنزلة العموم في quot; أي quot; و quot; من quot; في قوله: أي ولد ولدته أو من ولدته فهو حر فهذا لفظ عام وهذا عام فما الفرق بين العمومين فإن قيل: العموم هاهنا في نفس أداة الشرط والعموم في قوله quot; إذا ولدت ولدا quot; في المفعول الذي هو متعلق فعل الشرط لا في أداته.(1\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "267",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5294",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل: أداة الشرط في quot; من quot; و quot; أي quot; هي نفس المفعول الذي هو متعلق الفعل ولهذا نحكم على محل quot; من quot; بالنصب على المفعولية ويظهر في quot; أي quot; فالعموم الذي في الأداة لنفس المفعول المولود وهو بعينه في قوله: إذا ولدت ولدا اللهم إلا أن يريد التخصيص بواحد ولا يريد العموم فيبقى من باب تخصيص العام بالنية. 135 - (فصل) وقوله في مسألة ما إذا أشكل السابق quot; إنه بان أن الذي أعتقه: أخطأته القرعة: عتق quot; أي حكم بعتقه من حين مباشرته لا أنه ينشئ فيه العتق من حين الذكر فإن عتقه مستند إلى سببه وهو سابق على الذكر. وقوله: quot; هل يرق الآخر quot; على وجهين مأخذهما: أن القرعة كاشفة أو منشئة. فإن قيل: إنها منشئة للعتق: لم يرتفع بعد إنشائه العتق عنه وإن قيل: إنها كاشفة رق الآخر لأنا تبينا خطأها في الكشف ولا يلزم من إعمالها عند استبهام الأمر وخفائه إعمالها عند تبينه وظهوره يوضحه: أن التبين والظهور لو كان في أول الأمر اختص العتق بمن يؤثر به فكذلك في أثناء الحال. وسر المسألة: أن استمرار حكم القرعة مشروط باستمرار الإشكال فإذا زال الإشكال زال شرط استمرارها وهذا أقيس لكن يقال: قد حكم بعتقه بالطريق التي نصبها الشارع طريقا إلى العتق وإن جاز أن يخطئ في نفس الأمر فقد عتق بأمر حكم الشارع أن يعتق به فكيف يرتفع عتقه وعلى هذا: فلا يبعد أن يقال باستمرار عتقه وأن من أخطأته القرعة يبقى على رقه لأن مباشرته بالعتق قد زال حكمها بالنسيان والجهل والقرعة نسخت حكم المباشرة وأبطلته حتى كأنه لم يكن وانتقل الحكم إلى القرعة فلا يجوز إبطاله فهذا لا يبعد أن يقال والله أعلم.  [فصل في الرجل له امرأتان وهو يريد أن يخرج بإحداهما] 136 - (فصل) قال الإمام أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه - في الرجل يكون له امرأتان وهو يريد أن يخرج بإحداهما - قال: يقرع بينهما. فتخرج إحداهما بالقرعة أو تخرج إحداهما برضا الأخرى ولا يريد القرعة قال: إذا خرج بها فقد رضيت وإلا أقرع بينهما. وهذا يدل على أن الإقراع بينهما إنما هو عند التشاح فأما إذا رضيت إحداهما بخروج ضرتها فله أن يخرج بها من غير قرعة وإن كرهت وقالت: لا أخرج إلا بقرعة فليس لها ذلك ويخرج بها بغير رضاها فإنه يملك الخروج بها وإنما وقف الأمر على القرعة عند مشاحة الضرة لها.  [فصل في القرعة في الشراء والبيع] 137 - (فصل)(1\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "268",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5295",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال حرب: سألت أحمد عن القرعة في الشراء والبيع قلت: القوم يشترون الشيء فيقترعون عليه قال: لا بأس وكذلك قال في رواية ابن بختان. ومعنى هذا: أنهم يشترون الشيء ثم يجزئونه أجزاء ويقترعون على تلك الأنصباء فمن خرج له نصيب أخذه.  [فصل في الرجلين يتشاحا في الأذان] 138 - (فصل) قال أبو داود: رأيت رجلين تشاحا في الأذان عند أحمد فقال: يجتمع أهل المسجد فينظر من يختارون فقال: لا ولكن يقترعان فمن أصابته القرعة أذن كذلك فعل سعد بن أبي وقاص. قلت: وهذا صريح في أن التقديم بالقرعة مقدم على التقديم بتعيين الجيران. فإن قيل: فهل تقولون في الإمامة مثل ذلك. قيل: لا بل يقدم فيها من يختار الجيران فإن القرعة تصيب من يكرهونه ويكره أن يؤم قوما أكثرهم له كارهون. قال أبو طالب: نازعني ابن عمي في الأذان فتحاكمنا إلى أبي عبد الله - رحمه الله - فقال: إن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تشاحوا في الأذان يوم القادسية فأقرع بينهم سعد - رضي الله عنه - فأنا أذهب إلى القرعة أقرعا. قلت: وفي المسألة قول آخر وهو أن تقسم نوب الأذان بينهم. قال الخلال: أخبرنا الحسن بن عبد الوهاب قال: وجدت في كتابي عن طلق بن عمار عن قيس بن الربيع عن عاصم بن سليمان عن أبي عثمان النهدي عن ابن عمر: quot; أن نفرا ثلاثة اختصموا إليه في الأذان فقضى لأحدهم بالفجر وقضى للثاني بالظهر والعصر وقضى للثالث بالمغرب والعشاء quot;.  [فصل في الرجل يتزوج امرأة على عبد من عبيده] 139 - (فصل) قال مهنا: سألت أحمد عن رجل تزوج امرأة على عبد من عبيده فقال: جائز فقلت: له عشرة أعبد فقال: أعطيها من أحسنهم فقال أبو عبد الله: ليس له ذلك ولكن يعطيها من أوسطهم فقلت له: ترى أن يقرع بينهم فقال: نعم فقلت: تستقيم القرعة في هذا فقال: نعم يقرع بين العبيد.(1\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "269",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5296",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت: هاهنا ثلاث مسائل إحداها: أن يوصي له بعبد من عبيده. الثانية: أن يعتق عبدا من عبيده. الثالثة: أن يصدقها عبدا من عبيده. ففي الوصية: يعطيه الورثة ما شاءوا لأنه فوض الأمر إليهم وجعل الاختيار لهم في التعيين. وفي مسألة العتق: يخرج أحدهم بالقرعة. وفي مسألة المهر: روايتان إحداهما: يعطي الوسط. والثانية: يعطي واحدا بالقرعة. وإن أوصى أن يعتق عنه عبد من عبيده فقال أحمد في رواية ابن منصور في رجل أوصى فقال: أعتقوا أحد عبدي هذين: يعتق أحدهما ولكن إن تشاحا في العتق يقرع بينهما.  [فصل في عبد في يد رجل اختلف عليه غيره بالبيع والهبة وغير ذلك] 140 - (فصل) قال أبو النضر: سألت أبا عبد الله عن عبد في يد رجل لا يدعيه أقام رجل البينة: أن فلانا باع هذا العبد مني بكذا وكذا وهو يملكه وأقام الآخر البينة على أن فلانا تصدق بهذا العبد علي وهو يملكه وأقام الآخر البينة على أن فلانا وهب هذا العبد لي وهو يملكه ولم يوقتوا وقتا والبينة عدول كلهم قال: أرى البينة هاهنا تكاذبت. يكذب شهود رجل شهود الآخر فاجعله في أيديهم ثم أقرع بينهم فمن وقع له العبد أخذه وحلف قلت: تحلفه بالله لقد باعني هذا العبد وهو يملكه أو أن هذا العبد لي قال: هو واحد إن شاء الله قلت: إلى أي شيء ذهبت في هذا قال: إلى حديث أبي هريرة حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام حدثنا أبو هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا أكره الرجلان على اليمين أو استحباها فليستهما عليها . قلت: هذه هي المسألة التي ذكرها الخرقي في مختصره quot; قال: ولو كانت الدابة في يد غيرهما واعترف أنه لا يملكها وأنها لأحدهما لا يعرفه عينا أقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وسلمت إليه. قال في quot; المغني quot; إذا أنكرهما من الدابة في يده فالقول قوله مع يمينه بغير خلاف وإن اعترف أنه لا يملكها وقال: لا أعرف صاحبها عينا أو قال: هي لأحدكما لا أعرفه عينا أقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف أنها له وسلمت إليه لما روى أبو هريرة أن رجلين تداعيا عينا لم يكن لواحد منهما بينة فأمرهما النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يستهما على اليمين أحبا أم كرها رواه أبو داود ولأنهما تساويا في الدعوى لا بينة لواحد منهما ولا يد والقرعة تمييز عند التساوي كما لو أعتق عبيدا لا مال له غيرهم في مرض موته. وأما إن كانت لأحدهما بينة فإنه يحكم له بغير خلاف وإن كانت لكل واحد منهما بينة: فعنه(1\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "270",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5297",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "روايتان ذكرهما أبو الخطاب إحداهما: تسقط البينتان ويقرع بينهما كما لو لم تكن بينة. وهذا الذي ذكره القاضي هو ظاهر كلام الخرقي لأنه ذكر القرعة ولم يفرق بين أن يكون معهما بينة أو لم يكن. وروي هذا عن ابن عمر وابن الزبير - رضي الله عنهما - وهو قول إسحاق وأبي عبيد وهو رواية عن مالك وقديم قولي الشافعي وذلك لما روى ابن المسيب: أن رجلين اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمر وجاء كل واحد منهما بشهود عدول على عدة واحدة فأسهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما رواه الشافعي في مسنده quot; ولأن البينتين حجتان تعارضتا من غير ترجيح لإحداهما على الأخرى فسقطتا كالخبرين. والرواية الثانية: تستعمل البينتان وفي كيفية استعمالهما روايتان: إحداهما: تقسيم العين بينهما وهو قول الحارث العكلي وقتادة وابن شبرمة وحماد وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي لما روى أبو موسى أن رجلين اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعير وأقام كل واحد منهما البينة أنها له فقضى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما نصفين ولأنهما تساويا في دعواهما فتساويا في قسمته. والرواية الثانية: تقدم إحداهما بالقرعة وهو قول للشافعي. وله قول رابع يوقف الأمر حتى يتبين وهو قول أبي ثور لأنه اشتبه الأمر فوجب التوقف كالحاكم إذا لم يتضح له الحكم في القضية. ولنا: الخبران وإن تعارض الحجتين لا يوجب التوقف كالخبرين بل إذا تعذر الترجيح أسقطناهما ورجعنا إلى دليل غيرهما. قلت: قال الشافعي في كتابه: هذه المسألة فيها قولان أحدهما يقرع بينهما فأيهما خرج سهمه حلف لقد شهد شهوده بحق ثم يقضى له وكان ابن المسيب يرى ذلك ويرويه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والكوفيون يروونه عن علي - رضي الله عنه - وحديث سعيد بن المسيب اختصم رجلان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمر فجاء كل واحد منهما بشهداء عدول على عدة واحدة فأسهم بينهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: اللهم أنت تقضي بينهما فقضى للذي خرج له السهم رواه أبو داود في quot; المراسيل quot; ويقويه ما رواه ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة وسليمان بن يسار أن رجلين اختصما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتى كل واحد منهما بشهود وكانوا سواء فأسهم بينهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهذا مرسل قد روي من وجهين مختلفين وهو من مراسيل ابن المسيب وتشهد له الأصول التي ذكرناها في القرعة والمصير إليه متعين.(1\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "271",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5298",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما ما أشار إليه عن علي فهو ما رواه أبو عوانة عن سماك عن حنش قال: quot; أتي علي ببغل يباع في السوق فقال رجل: هذا بغلي لم أبع ولم أهب ونزع على ما قاله بخمسة يشهدون وجاء آخر يدعيه وزعم أنه بغله وجاء بشاهدين فقال علي: إن فيه قضاء وصلحا أما الصلح: فيباع البغل فيقسم على سبعة أسهم لهذا خمسة ولهذا اثنان فإن أبيتم إلا القضاء بالحق فإنه يحلف أحد الخصمين أنه بغله ما باعه ولا وهبه فإن تشاححتما. أيكما يحلف أقرعت بينكما على الحلف فأيكما قرع حلف فقضى بهذا وأتى بشاهد quot; رواه البيهقي. فرأى الصلح بينهم على قسمة الثمن على عدد الشهود للفصل بينهما بالقرعة. ويشهد له ما رواه البيهقي من حديث أبان عن قتادة عن خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة قال: إذا جاء هذا بشاهد وهذا بشاهد أقرع بينهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . ويشهد له أيضا: ما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث ابن أبي عروبة عن قتادة عن خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في رجلين: اختصما إليه في متاع ليس لواحد منهما بينة فقال: استهما على اليمين . قال الشافعي: والقول الآخر: أنه يقسم بينهما نصفين لتساوي حجتهما. قلت: ويشهد لهذا ما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث هدبة حدثنا همام عن قتادة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى أن رجلين ادعيا بعيرا فبعث كل منهما شاهدين فقسمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما ولكن للحديث علل منها: أن هماما قال عن قتادة فبعث كل منهما شاهدين . وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى أن رجلين اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعير ليس لواحد منهما بينة فقضى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما نصفين وهكذا رواه يزيد بن زريع ومحمد بن بكر وعبد الرحيم بن سليمان عن سعيد وكذلك روي عن سعيد بن بشر عن قتادة. وقد رواه أيضا همام عن قتادة كذلك فهذان وجهان عن همام في إرساله واتصاله والمشهور عنه: اتصاله وشذ عنه عبد الصمد فأرسله فهذان أيضا وجهان عن همام في إرساله واتصاله. ورواه شعبة فأرسله قال أحمد في مسنده quot;: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن قتادة(1\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "272",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5299",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن سعيد عن أبيه أن رجلين اختصما إلى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - في دابة ليس لواحد منهما بينة فجعلها بينهما نصفين وكأن رواية شعبة quot; أنه ليس لواحد منهما quot; أولى بالصواب لأن سعيد بن أبي عروبة قد تابعه عن قتادة على هذا اللفظ رواه عنه روح وسعيد بن عامر ويزيد بن زريع وغيرهم وكذلك رواه سعيد بن بشر عن قتادة فهؤلاء ثلاثة حفاظ أحدهم أمير المؤمنين في الحديث شعبة وسعيد بن أبي عروبة وسعيد بن بشر اتفقوا عن قتادة في أنه ليس لواحد منهما بينة . فقد اضطرب حديث أبي موسى كما ترى. وأما حديث أبي هريرة فلم يختلف فيه كما تقدم والذي دلت عليه السنة أن المدعيين إذا كانت أيديهما عليه سواء أو تساوت بينتاهما قسم بينهما نصفين كما في حديث سماك عن تميم بن طرفة أن رجلين اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعير كل واحد منهما آخذ برأسه فجاء كل واحد منهما بشاهدين فجعله بينهما نصفين . وقال أبو عوانة عن سماك عن عميم بن طرفة: أنبئت أن رجلين اختصما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعير ونزع كل واحد منهما بشاهدين فجعله بينهما نصفين وهذا هو بعينه حديث أبي بردة عن أبي موسى. قال الترمذي في quot; كتاب العلل quot;: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن حديث سعيد بن أبي بردة عن أبيه في هذا الباب فقال: مرجع هذا الحديث إلى سماك بن حرب عن تميم. قال البخاري: وروى حماد بن سلمة أن سماكا قال: أنا حدثت أبا بردة بهذا الحديث. قال البيهقي: وإرسال شعبة له عن قتادة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه في رواية غندر كالدلالة على ذلك قلت: لكن في حديث شعبة: ليس لواحد منهما بينة وفي حديث سماك أن كل واحد منهما نزع بشاهدين وفي لفظ: فجاء كل واحد منهما بشاهدين . وقد بينا أن رواية شعبة كأنها أولى بالصواب لما قدمنا من الأدلة على ذلك. قال البيهقي: ويبعد أن يكونا قضيتين فلعله لما تعارضت البينتان وسقطتا قيل: ليس لواحد منهما بينة وقسمت بينهما بحكم اليد. وقال الشافعي: تميم مجهول وسعيد بن المسيب يروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما وصفنا يعني أنه أقرع بينهما كما تقدم حديثه. قال: وسعيد قال والحديثان إذا اختلفا فالحجة في أقوى الحديثين وسعيد من أصح الناس مرسلا والقرعة أشبه هذا قوله في القديم. ثم قال في الجديد: هذا مما أستخير الله فيه وأنا فيه واقف ثم قال: لا يعطى واحد منهما شيئا ويوقف حتى يصطلحا.(1\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "273",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5300",
        "book_id": "qym_3957",
        "book_name": " الطرق الحكمية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت: وقوله في القديم أصح وأولى لما تقدم من قوة القرعة وأدلتها وأن في وقف المال حتى يصطلحا تأخير الخصومة وتعطيل المال وتعريضه للتلف ولكثرة الورثة فالقرعة أولى الطرق للسلوك وأقربها إلى فصل النزاع وما احتج به الشافعي في القديم على صحتها من أصح الأدلة ولهذا قال: هي أشبه. وبالجملة: فمن تأمل ما ذكرنا في القرعة تبين له: أن القول بها أولى من وقف المال أبدا حتى يصطلح المدعون وبالله التوفيق. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.(1\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "274",
        "book_number": "13",
        "slug": " -qym_3957"
    },
    {
        "id": "5301",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "تحمدة وتقدمة",
        "content": "بسم الله الله الرحمن الرحيم قال الشيخ الفقيه العالم الحافظ العلامة أوحد عصره وفريد دهره شيخ الإسلام والمسلمين قامع البدعة والمبتدعين الشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن أبي بكر بن أيوب الزرعي المعروف بابن قيم المدرسة الجوزية رضي الله عنه وغفر له وأعلا في الجنة درجته آمين تحمدة وتقدمة الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على جميع الأديان وأيده بالآيات الظاهرة والمعجزات الباهرة ومن أعظمها القرآن وأمده بملائكة السماء تقاتل بين يديه مقاتلة الفرسان ونصره بريح الصبا تحارب عنه أهل الزيغ والعدوان كما نصره بالرعب وقذفه في قلوب أعدائه وبينه وبينهم مسيرة شهر من الزمان وأقام له جنودا من المهاجرين والأنصار تقاتل معه بالسيف والسهم والسنان(1\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5302",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتصاول بين يديه في ميادين السباق تصاول الأقران وتبذل في نصرته من نفوسها وأموالها نفائس الأثمان تسليما للمبيع الذي جرى عقده على أيدي الصادق المصدوق والتزم للبائع الضمان إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن التوبة 111 وتبارك الذي أرسل رسله بالبينات وأنزل معهم الكتاب والميزان وأنزل الحديد فيه بأس شديد ومنافع تتم بها مصالح الإنسان وعلم الفروسية وجعل الشجاعة خلقا فاضلا يختص به من يشاء وكمله لحزبه وأصاره حلية أهل الإيمان فأوجب محبته للجواد الشجاع وكمله ومقته للبخيل الجبان وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين وإله الأولين والآخرين وقيوم السماوات والأرضين الذي أفاض على خلقه النعمة وكتب على نفسه الرحمة وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته تغلب غضبه تعرف إلى عباده بأوصافه وأفعاله وأسمائه وتحبب إليهم بنعمته وآلائه وابتدأهم بإحسانه وعطائه فهو المحسن إليهم والمجازي على إحسانه بالإحسان فله النعمة والفضل والثناء الحسن الجميل والإمتنان يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان الحجرات 17 وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأمينه على وحيه وخيرته من خلقه وسفيره بينه وبين عباده وحجته على جميع الإنس والجان أرسله على حين فترة من الرسل فهدى به إلى أقوم الطرق وأبين السبل وافترض(1\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5303",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على العباد طاعته ومحبته وتعظيمه والقيام بحقوقه وسد إلى الجنة جميع الطرق فلم يفتح لأحد إلا من طريقه فشرح الله له صدره ورفع له ذكره ووضع عنه وزره وبعثه بالكتاب الهادي والسيف الناصر بين يدي الساعة حتى يعبد سبحانه وحده لا شريك له وجعل رزقه تحت ظل سيفه ورمحه وجعل الذلة والصغار على من قابل أمره بالمخالفة والعصيان وأنزل عليه من الكتب أجلها ومن الشرائع أكملها ومن الأمم أفضلها وهم يوفون سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الرحمن وخصه من الأخلاق بأزكاها ومن مراتب الكمال بأعلاها وجمع له من المحاسن ما فرقه في نوع الإنسان فهو أكمل الناس خلقا وأحسنهم خلقا وأشجعهم قلبا وأجودهم كفا وألينهم عريكة وأوسعهم صدرا وألطفهم عشرة وأفصحهم لسانا وأثبتهم جنانا وأشرفهم بيتا ونسبا فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان فصلى الله وملائكته وأنبياؤه ورسله والصالحون من خلقه عليه كما عرفنا بالله وأسمائه وصفاته ووحده ودعا إليه وآتاه الوسيلة والفضيلة وبعثه المقام المحمود الذي وعده في دار السلام والسلام عليه ورحمة الله وبركاته أما بعد فإن الله سبحانه أقام دين الإسلام بالحجة والبرهان والسيف(1\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5304",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والسنان فكلاهما في نصره أخوان شقيقان وكلاهما شجيع لا يتم إلا بشجاعة القلب وثبات الجنان وهذه المنزلة الشريفة والمرتبة المنيفة محرمة على كل مهين جبان كما حرمت عليه المسرة والأفراح وأحضر قلبه الهموم والغموم والمخاوف والأحزان فهو يحسب أن كل صيحة عليه وكل مصيبة قاصدة إليه فقلبه بالحزن مغمور بهذا الظن والحسبان وقد علم أن الفروسية والشجاعة نوعان فأكملها لأهل الدين والإيمان والنوع الثاني مورد مشترك بين الشجعان وهذا مختصر في الفروسية الشرعية النبوية التي هي من أشرف عبادات القلوب والأبدان الحاملة لأهلها على نصرة الرحمن السائقة لهم إلى أعلى غرف الجنان علقته على بعد من الأوطان واغتراب عن الأصحاب والإخوان وقلة بضاعة في هذا الشأن فما كان فيه من صواب فمن فضل الله وتوفيقه وما كان فيه من خطأ فمن الشيطان والله ورسوله منه بريئان فأقول وبالله المستعان وعليه التكلان ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سابق بالأقدام وثبت عنه أنه سابق بين الإبل وثبت عنه أنه سابق بين الخيل وثبت عنه أنه حضر نضال السهام وصار مع إحدى الطائفتين فأمسكت الأخرى وصار مع الطائفتين كلتيهما وثبت عنه أنه رمى بالقوس وثبت عن الصديق أنه راهن كفار مكة على غلبة الروم للفرس وراهنوه على أن لا يكون ذلك ووضعوا الخطر من الجانبين وكان ذلك بعلم النبي صلى الله عليه وسلم وإذنه وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه طعن بالرمح وركب الخيل مسرجة ومعراة وتقلد السيف(1\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5305",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مسابقته صلى الله عليه وسلم بالأقدام  فأما مسابقته بالأقدام ففي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود من حديث عائشة قالت سابقني النبي صلى الله عليه وسلم فسبقته فلبثنا حتى إذا أرهقني اللحم سابقني فسبقني فقال هذه بتلك وفي رواية أخرى أنهم كانوا في سفر فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه تقدموا فتقدموا ثم قال لعائشة سابقيني فسابقها فسبقته ثم سافرت معه مرة أخرى فقال لأصحابه تقدموا ثم قال سابقيني فسبقته وسبقني فقال (هذه بتلك) مسابقة الصحابة على الأقدام بين يديه صلى الله عليه وسلم  وتسابق الصحابة على الأقدام بين يديه صلى الله عليه وسلم بغير رهان ففي صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع قال(1\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5306",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "بينما نحن نسير وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدا فجعل يقول ألا مسابق إلى المدينة هل من مسابق فقلت أما تكرم كريما وتهاب شريفا قال لا إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي ذرني أسابق الرجل فقال إن شئت فسبقته إلى المدينة فصل  مصارعته صلى الله عليه وسلم  وأما مصارعته صلى الله عليه وسلم ففي سنن أبي داود عن محمد بن علي بن ركانة إن ركانة صارع النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم(1\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5307",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا الحديث فيه قصة نذكرها أخبرنا شيخنا أبو الحجاج الحافظ في كتاب تهذيب الكمال قال ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي المطلبي كان من مسلمة الفتح وهو الذي صارع النبي صلى الله عليه وسلم [فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم] مرتين أو ثلاثا وذلك قبل إسلامه وقيل [إن] ذلك كان سبب إسلامه وهو أمثل ما روى في مصارعة النبي صلى الله عليه وسلم وأما ما ذكر من مصارعة النبي صلى الله عليه وسلم أبا جهل فليس لذلك أصل انتهى كلام شيخنا وقال الزبير بن بكار في كتاب النسب وركانة بن عبد يزيد الذي صارع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الإسلام وكان أشد الناس فقال يا محمد إن صرعتني آمنت بك فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم فقال أشهد إنك ساحر ثم أسلم بعد(1\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5308",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  مسابقته صلى الله عليه وسلم بين الخيل  وأما مسابقته صلى الله عليه وسلم بين الخيل ففي الصحيحين من حديث ابن عمر قال سابق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الخيل فأرسلت التي أضمرت منها وأمدها الحفياء إلى ثنية الوداع والتي لم تضمر أمدها ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق وفي الصحيحين عن موسى بن عقبة(1\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5309",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن بين الحفياء إلى ثنية الوداع ستة أميال أو سبعة وقال البخاري قال سفيان من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة ومن ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق ميل وفي مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمر أيضا إن النبي صلى الله عليه وسلم سبق بين الخيل وأرهن وفي لفظ له سبق بين الخيل وأعطى السابق وفي المسند أيضا من حديث أنس أنه قيل له أكنتم تراهنون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراهن قال(1\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5310",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "نعم والله لقد راهن رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس له يقال له (سبحة) فسبق الناس فبهش لذلك وأعجبه وفي سنن أبي داود عن ابن عمر إن النبي صلى الله عليه وسلم سبق بين الخيل وفضل القرح في الغاية فصل  مسابقته صلى الله عليه وسلم بين الإبل  وأما مسابقته بين الإبل ففي صحيح البخاري تعليقا عن أنس(1\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5311",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "ابن مالك قال كانت (العضباء) لا تسبق فجاء أعرابي على قعود له فسابقها فسبقها الأعرابي وكأن ذلك شق على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (حق على الله أن لا يرتفع شيء إلا وضعه) وفي صحيحه أيضا عن حميد عن أنس بهذه القصة وقال إن حقا على الله عز وجل أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه قلت تأمل قوله في اللفظ الأول أن لا يرتفع شيء وفي اللفظ الثاني أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه فجعل الوضع لما رفع وارتفع لا لما رفعه سبحانه فإنه سبحانه إذا رفع عبده بطاعته وأعزه بها لا يضعه أبدا فصل  تناضل الصحابة بالرمي بحضرته صلى الله عليه وسلم  وأما تناضل أصحابه بالرمي بحضرته ففي صحيح البخاري عن سلمة بن الأكوع قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بنفر من أسلم ينتضلون بالسوق فقال وارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا ارموا وأنا مع بني فلان(1\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5312",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "قال فأمسك أحد الفريقين بأيديهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لكم لا ترمون قالوا كيف نرمي وأنت معهم فقال ارموا وأنا معكم كلكم فصل  مراهنة الصديق للمشركين بعلمه وإذنه صلى الله عليه وسلم  وأما مراهنة الصديق للمشركين بعلمه وإذنه فروى الترمذي في جامعة من حديث سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قول الله تعالى عز وجل الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون [الروم: 1 - 3] [قال] كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم لأنهم وإياهم أهل أوثان وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب فذكروه لأبي بكر رضي الله عنه فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال [له رسول الله صلى الله عليه وسلم] أما إنهم سيغلبون فذكروه لهم فقالوا اجعلوا بيننا وبينك أجلا فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا وإن ظهرتم كان لكم كذا فجعل أجل خمس سنين فلم يظهروا فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال ألا جعلت إلى دون العشر قال سعيد والبضع ما دون العشر قال ثم ظهرت الروم بعد قال فذلك قوله الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله(1\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5313",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ") [الروم: 1 - 5] قال سفيان سمعت أنهم ظهروا عليهم [يوم بدر] قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وفي جامعه أيضا عن نيار بن مكرم الأسلمي قال لما نزلت الم غلبت الروم في أدنى الأرض إلى قوله في بضع سنين [الروم: 1 - 3] وكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل كتاب و [في] ذلك قوله تعالى ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم [الروم: 4 - 5] وكانت قريش تحب ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ببعث فلما أنزل الله هذه الآية خرج أبو بكر الصديق يصيح في نواحي مكة الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين(1\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5314",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ") [الروم: 1 - 4] فقال ناس من قريش [لأبي بكر] فذلك بيننا وبينكم بزعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين افلا نراهنك على ذلك قال بلى قال وذلك قبل تحريم الرهان فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان وقالوا لأبي بكر كم نجعل البضع وهو ثلاث سنين إلى تسع سنين فسم بيننا وبينك وسطا ننتهي إليه قال فسموا بينهم ست سنين قال فمضت الست سنين قبل أن يظهروا فأخذ المشركون رهن أبي بكر فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس فعاب المسلمون على أبي بكر تسميته ست سنين لأن الله قال في بضع سنين قال وأسلم عند ذلك ناس كثير قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وفي الجامع أيضا من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر في مناحبته(1\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5315",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ألا أخفضت (وفي لفظ ألا احتطت) فإن البضع ما بين الثلاث إلى التسع [رواه] من حديث الزهري عن عبيد الله بن عتبة عن ابن عباس وقوله في الحديث مناحبته فالمناحبة المخاطرة وهي المراهنة من النحب وهو النذر وكلاهما مناحب هذا بالعقد وهذا بالنذر وقوله ألا أخفضت يجوز أن يكون من الخفض وهو الدعة والمعنى هلا نفست المدة فكنت في خفض من أمرك ودعة ويجوز أن يكون من الخفض الذي هو من الانخفاض أي هلا استنزلتم إلى أكثر مما اتفقتم عليه وقوله في اللفظ الآخر هلا احتطت هو من الإحتياط أي هلا أخذت بالأحوط وجعلت الأجل أقصى ما ينتهي إليه البضع فإن النص لا يتعداه وقوله وذلك قبل تحريم الرهان من كلام بعض الرواة ليس من كلام أبي بكر ولا [من كلام] النبي صلى الله عليه وسلم(1\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5316",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هل المراهنة على المسائل التي فيها ظهور أعلام الإسلام وأدلته وبراهينه ممنوعة  وقد اختلف أهل العلم في إحكام هذا الحديث ونسخه على قولين فادعت طائفة نسخه بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الغرر والقمار قالوا ففي الحديث دلالة على ذلك وهو قوله وذلك قبل تحريم الرهان قالوا ويدل على نسخه ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل والسبق بفتح السين والباء وهو الخطر الذي وقع عليه الرهان(1\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5317",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإلى هذا القول ذهب أصحاب مالك والشافعي واحمد وادعت طائفة أنه محكم غير منسوخ وأنه ليس مع مدعي نسخه حجة يتعين المصير إليها قالواوالرهان لم يحرم جملة فإن النبي صلى الله عليه وسلم راهن في تسبيق الخيل كما تقدم وإنما الرهان على المحرم الرهان على الباطل الذي لا منفعة فيه في الدين وأما الرهان على ما فيه ظهور أعلام الإسلام وأدلته وبراهينه كما [قد] راهن عليه الصديق فهو من أحق الحق وهو أولى بالجواز من الرهان على النضال وسباق الخيل والإبل أدنى وأثر هذا في الدين أقوى لأن الدين قال بالحجة والبرهان وبالسيف [والسنان] والمقصد الأول إقامته بالحجة والسيف منفذ قالوا وإذا كان الشارع قد أباح الرهان في الرمي والمسابقة بالخيل والإبل لما في ذلك من التحريض على تعلم الفروسية وإعداد القوة للجهاد فجواز ذلك في المسابقة والمبادرة إلى العلم والحجة التي بها تفتح القلوب ويعز الإسلام وتظهر أعلامه أولى وأحرى. وإلى هذا ذهب أصحاب أبي حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية قال أرباب هذا القول والقمار المحرم هو أكل المال بالباطل(1\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5318",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "فكيف يلحق به أكله بالحق قالوا والصديق لم يقامر قط في جاهلية ولا إسلام ولا أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قمار فضلا عن أن يأذن فيه وهذا تقرير قول الفريقين فصل  المسابقة بالأقدام بعوض وبلا عوض  وأما المسابقة بالأقدام فاتفق العلماء على جوازها بلا عوض واختلفوا هل يجوز بعوض على قولين أحدهما لا يجوز وهو مذهب أحمد ومالك ونص عليه(1\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5319",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشافعي والثاني يجوز وهو مذهب أبي حنيفة وللشافعية وجهان فحجة من منعه حديث أبي هريرة لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل وهذا يتعين حمله على أحد معنيين - إما أن يريد به نفي الجعل أي لا يجوز الجعل إلا في هذه الثلاثة فيكون نفيا في معنى النهي عن الجعل في غيرها لا عن نفس السباق - وإما أن يريد به أن لا يجوز المسابقة على غيرها بعوض فيكون نهيا عن المسابقة بالعوض في غير الثلاثة [فعلى التقدير الأول يكون المنع من الجعل على غير الثلاثة] وعلى الثاني يكون المنع من العقد المشترط فيه الجعل [على] غيرها وعلى التقديرين فهو مقتض للمنع [من الجعل] في غيرها قالوا ولأن غير هذه الثلاثة لا يحتاج إليها في الجهاد كالحاجة إلى الثلاثة ولا يقوم مقامها ولا ينفع فيه نفعها فكانت كأنواع اللعب الذي(1\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5320",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يجوز المراهنة عليه وحجة من جوز الجعل في ذلك قياس القدم على الحافر والخف فإن كلا منهما مسابقة فهذا بنفسه وهذا بمركوبه قالوا وكما أن في مسابقة الإبل والخيل تمرينا على الفروسية والشجاعة فكذلك المسابقة على الأقدام فإن فيها [من] تمرين البدن على الحركة والخفة والإسراع والنشاط ما هو مطلوب في الجهاد قالوا والحديث يحتمل أن يراد به أن أحق ما بذل فيه السبق هذه الثلاثة لكمال نفعها وعموم مصلحتها فيكون كقوله لا ربا إلا في النسيئة أي إن الربا الكامل في النسيئة قالوا وأيضا فهذا مثل قوله لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ولا صلاة بحضرة طعام ولا صلاة وهو يدافعه(1\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5321",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأخبثان ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ... ونحو ذلك مما ينفي الكمال لا الصحة قالوا ولأن ذلك جعالة على عمل مباح فكان جائزا كالثلاثة المذكورة في النص(1\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5322",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال المانعون هذا جمع بين ما فرق الله ورسوله بينهما حكما وحقيقة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أثبت السبق في الثلاثة ونفاه عما عداها وهذا يقتضي عدم مساواة وما أثبته لما نفاه في الحكم والحقيقة فلا يجوز التسوية بينهما وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم لا يجلد فوق عشرة اسواط إلا في حد من حدود الله ففرق بين الحد وغيره في تجاوز العشرة فلا يجوز قياس أحدهما على الآخر ولا الجمع بينهما في الحكم وكذلك منعه من بيع الرطب بالتمر وتجويزه في العرايا لا يجوز الجمع بينهما في التحريم ولا في المنع وكذلك تحريمه ربا الفضل مع اتحاد الجنس في الأعيان التي نص عليها وتجوزيه التفاضل مع اختلاف الجنس وكذلك سائر ما فرق بينهما في الحكم(1\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5323",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلا يفرق بين ما جمع بينه ولا يجمع بين ما فرق بينه فلا بد من إلغاء أحد الأمرين إما إلغاء ما اعتبرتموه من الجمع بين ما فرق الشارع بينه أو إلغاء ما اعتبره من الفرق ولا سبيل إلى الثاني فتعين الأول ثم تبين أن ما ذكرتموه من الجمع ليس بصحيح فأي فروسية وأي مصلحة للإسلام وأهله للمجاهدين في مسابقة السعاة على اقدامهم ومتى انكسر بأحدهم عدو وانتصر به حق أو تقوت به فئة ومتى [كسر] بعث بهذا على قدميه فأحسن أحوال هذا العمل أن يكون مباحا فأما التراهن عليه فلا وأما ما نظرتم به هذا الحديث من قوله لا ربا إلا في النسيئة ولا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ونظائرهما فلو نظرتموه بقوله لا صلاة لمن لا وضوء له ولا صلاة إلا بفاتحة(1\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5324",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكتاب ولا صيام لمن لم يبيت النية من الليل ولا عمل لمن لا نية له ولا اجر لمن لا حسبه له ونظائره لكان(1\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5325",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أولى إذ حقيقة ذلك نفي مسمى هذه الأشياء شرعا واعتبار وما خرج عن هذا فلمعارض أوجب خروجه قالوا وأما قولكم إن هذا جعالة على عمل مباح فكان جائزا كسائر الجعالات فجوابه من وجهين أحدهما أن هذا ينتقض عليكم بسائر ما منعتم منه الرهان من العمل المباح كالسباحة والمبادرة إلى جواب مسائل العلم والمسابقة إلى الحفظ والتسابق في الصناعات المباحة كلها فإنكم لا تجوزون الرهان في شيء من ذلك الثاني الجعالة المعهودة عرفا وشرعا أن ينتفع الجاعل بالعمل والعامل بالجعل وأما ها هنا فإن العامل لا يجعل مالا لمن يغلبه إذ لا منفعة له في ذلك وإنما يبذل المال في مقابلة [النفع] الذي يحصل له(1\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5326",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الصراع بالرهن وبلا رهن  وأما الصراع فيجوز بلا رهن ولا يجوز بالرهن عند الجمهور(1\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5327",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كمالك وأحمد والشافعي وجوز بعض أصحابه فعله بالرهان وهو قول أصحاب أبي حنيفة السباحة بالرهن وبلا رهن  وأما السباحة فلا يجوز بالرهن عند الجمهور وفي جوازها وجه لأصحاب الشافعي(1\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5328",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المشابكة بالأيدي  ولهم في المشابكة بالأيدي وجهان الأدلة والترجيح  والحجة على الجواز والمنع كما تقدم في مسابقة الأقدام سواء ويلزم من جوزه أن يجوز الرهان على العلاج إذ لا فرق بينهما فإن العلاج عمل مباح كالصراع ومسابقة الأقدام وله أصل في السنة وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يربعون حجرا ليعرفوا الأشد منهم فلم ينكر عليهم(1\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5329",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "و (يربعون) بالباء المفتوحة أي يرفعونه ولكن يلزم من جوز الصراع بالرهن أحد أمرين إما أن لا يجوز إخراج السبق منهما معا بل يتعين جعله من أحدهما أو من غيرهما وإما أن يترك قوله في المحلل إذا كان السبق منهما لاستحالة دخول المحلل مع المتصارعين وملزم من جعل عقد المسابقات من باب الجعالات وجوز إخراج السبق في المصارعة والعدو أن يجوزه في الصناعات المباحة كلها وهذا لا يعلم به قائل فإن قال أنا أجوزه فيما يكون فيه معرفة على الحرب وقوة قيل فجوزه في صناعات آلات الحرب كلها وإلا فاذكر فرقا مطردا منعكسا بين ما يجوز من ذلك وما لا يجوز ويكون ذلك الفرق مما [قد] اعتبره الشارع فصل  المسابقة بين الخيل والبغال والحمير والبقر والحمام والسفن  وأما المسابقة بين الخيل وبين الحافر المذكور في حديث أبي هريرة فقصرها أصحاب مالك وأحمد على الخيل وجوزها(1\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5330",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصحاب أبي حنيفة في البغال والحمير والبقر وللشافعي في البغال والحمير قولان ثم اختلف أصحابه في مسائل فرعوها على هذين القولين(1\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5331",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهي المسابقة على الفيل والحمام والسفن ولهم في جواز السباق عليها بالرهن وجهان قال من جوز السباق على البغال والحمير اسم الحافر يتناولهما(1\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5332",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "كتناوله للفرس وقال الآخرون لم يرد الشارع بلفظ الحافر [حافر] الحمار والبغل وإنما أراد حافر ما سوبق عليه وجعل السباق عليه من إعداد القوة لجهاد أعداء الله فما لحافر البغال والحمير والبقر دخول في تلك ألبتة ولم يسابق أحد من السلف قط بحمار ولا بغل قالوا والحافر وقع في سياق الإثبات فلا عموم له قالوا ولا يصح قياس الحمار والبغل على الخيل لما بينهما من الفروق شرعا وحسا ومنفعة وما سوى الله بين الخيل لما بينهما من الفروق شرعا وحسا ومنفعة وما سوى الله بين الخيل والحمير قط لا في سهم الغنيمة ولا في الغزو ولا جعل الخير معقودا إلا في نواصيها بالأجر والغنيمة فما أفسد قياسهما على الخيل التي ظهورها عز و [بطونها كنز وهي] معاقل وحصون والخير معقود بنواصيها والغنائم ثلثاها لها وأرواثها وأبوالها في ميزان صاحبها إذا ارتبطها في سبيل الله [تعالى] فصل  المسابقة بين الإبل والفيل وأما المسابقة بين الإبل فهي الخف المذكور في حديث أبي هريرة(1\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5333",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "والجمهور على اختصاصها بالبعير وجوز بعض الشافعية المسابقة على الفيل بالجعل قالوا لأنه ذو خف فيدخل في الحديث وقول الجمهور أصح لما تقدم ولذلك لا يسهم للفيل عند الأئمة الأربعة وشذ القاضي أبو يعلى من أصحاب أحمد فقال يسهم للفيل سهم الهجين فيكون على الروايتين فيه هل لهم سهم أو سهمان فصل  النضال بحضرته صلى الله عليه وسلم وإذنه فيه  وأما النضال فحضره صلى الله عليه وسلم وأذن فيه وهو أجل هذه الأبواب على الإطلاق وأفضلها وكان الصحابة رضي الله عنهم يفعلونه كثيرا وكان عقبة بن عامر يختلف بين الغرضين وهو شيخ كبير فقيل له تفعل ذلك وأنت شيخ كبير يشق عليك فقال لولا كلام سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أعانه سمعته يقول من تعلم الرمي ثم تركه فليس منا وفي لفظ فقط عصى(1\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5334",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رواه أهل السنن وفي السنن عن عقبة بن عامر أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة صانعه المحتسب في عمله الخير والرامي به والممد به (وفي رواية ومنبله) فارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا كل لهو باطل ليس من اللهو محمود إلا ثلاثة تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه ونبله فإنهن من الحق ومن ترك الرمي بعدما علمه رغبة فإنها نعمة تركها (أو قال كفرها)(1\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5335",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي صحيح مسلم عن عقبة أيضا قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة صحيح مسلم عن عقبة أيضا قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة إلا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي وفي صحيح البخاري عن سلمة بن الأكوع قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفر ينتضلون فقال ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا ارموا وأنا مع بني فلان فأمسك أحد الفريقين بأيديهم فقال ما لكم لا ترمون فقالوا كيف نرمي وأنت معهم فقال (ارموا وأنا معكم كلكم) وقال مصعب بن سعد كان سعد يقول أي بني تعلموا الرماية فإنها خير لعبكم(1\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5336",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذكر الطبراني في كتاب فضل الرمي وذكر فيه أيضا عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح أن علموا غلمانكم العوم ومقاتلتكم الرمي فكانوا يختلفون في الأغراض فجاء سهم غرب فقتل غلاما وهو في حجر خال له لا يعلم له أصل فكتب أبو عبيدة إلى عمر إلى من أدفع علقه فكتب إليه عمر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول (الله ورسوله مولى من لا مولى له والخال وارث من لا وارث له)(1\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5337",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كتاب عمر رضي الله عنه لعتبة بن فرقد وشرحه  وقال علي بن الجعد ثنا شعبة قال أخبرني قتادة قال سمعت أبا عثمان النهدي قال أتانا كتاب من عمر بن الخطاب ونحن بأذربيجان [مع عتبة بن فرقد] أما بعد فاتزروا وارتدوا وانتعلوا وألقوا الخفاف وألقوا السراويلات وعليكم بثياب أبيكم إسماعيل وإياكم والتنعم وزي العجم وعليكم بالشمس فإنها حمام العرب وتمعددوا واخشوشنوا واخلولقوا واقطعوا الركب وانزوا على الخيل نزوا وارموا الأغراض قلت هذا تعليم منه للفروسية وتمرين للبدن على التبذل وعدم الرفاهية والتنعم ولزوم زي ولد إسماعيل بن إبراهيم فأمرهم بالاتزاز(1\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5338",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والارتداء والانتعال وإلقاء الخفاف لتعتاد الأرجل الحر والبرد فتتصلب وتقوى على دفع أذاهما وقوله وألقوا السراويلات استغناء عنها بالأزر وهو زي العرب وبين منفعتي الأزر والسروايل تفاوت [من وجه] [فهذا أنفع] من وجه وهذا انفع من وجه فالإزار أنفع في البحر والسروايل أنفع في البرد والسراويل أنفع للراكب والإزار أنفع للماشي وقوله وعليكم بثياب أبيكم إسماعيل هذا يدل على أن لباسه كان الأزر والأردية وقوله وإياكمم والتنعم وزي العجم فإن التنعم يخنث النفس ويكسبها الأنوثة والكسل ويكون صاحبه أحوج ما يكون إلى نفسه وما آثره من أفلح وأما زي العجم ف [لأن] المشابهة في الزي الظاهر تدعو إلى الموافقة في الهدي الباطن كما دل عليه الشرع والعقل والحس ولهذا(1\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5339",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جاءت الشريعة بالمنع من التشبه بالكفار والحيوانات والشياطين والنساء والأعراب وكل ناقص حتى نهى في الصلاة عن التشبه بشبه أنواع من الحيوان يفعلها أو كثيرا منها الجهال نهى عن نقر كنقر الغراب والتفات كالتفات الثعلب وإقعاء كإقعاء الكلب وافتراش كافتراش السبع وبروك كبروك الجمل ورفع الأيدي يمينا وشمالا عند السلام كأذناب الخيل ونهى عن التشبه بالشياطين في الأكل والشرب بالشمال وفي سائر خصال الشيطان ونهى عن التشبه بالكفار في زيهم وكلامهم وهديهم حتى نهى عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح فإن الكفار يسجدون للشمس في هذين الوقتين ونهى عن التشبه بالأعراب وهم أهل الجفاء والبدو فقال لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العتمة وإنها العشاء في كتاب الله ولعن المتشبهين من الرجال بالنساء وقوله عليكم بالشمس فإنها حمام العرب فإن العرب لم تكن(1\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5340",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعرف الحمام ولا كان بأرضهم وكانوا يتعوضون عنه بالشمس فإنها تسخن وتحلل كما يفعل الحمام وقوله وتمعددوا أي الزموا المعدية وهي عادة معد بن عدنان في أخلاقه وزيه وفروسيته وأفعاله وقوله واخشوشنوا أي تعاطوا ما يوجب الخشونة ويصلب الجسم ويصبره على الحر والبرد والتعب والمشاق فإن الرجل قد يحتاج إلى نفسه فيجد عنده خشونة وقوة وصبرا ما لا يجدها صاحب التنعم والترفه بل يكون العطب إليه أسرع وقوله واخلولقوا هو من قوله اخلولق السحاب بعد تفرقه أي اجتمع وتهيأ للمطر وصار خليقا له فمعنى (اخلولقوا) تهيئوا واستعدوا لما يراد منكم وكونوا خلقاء به جديرين بفعله لا كمن ضيع [أركان و] أسباب فروسيته وقوته [فلم يجدها] عند الحاجة وقوله واقطعوا الركب إنما أمرهم بذلك لئلا يعتادوا الركب دائما بالركاب فأحب أن يعودهم الركوب بلا ركب وأن ينزوا على الخيل نزوا وقوله ارموا الأغراض أمرهم بأن يكون قصدهم في الرمي الإصابة لا البعد وهذا هو مقصود الرمي ولهذا إنما تكون المناضلة على الإصابة لا على البعد كما سنذكره إن شاء الله [تعالى](1\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5341",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  فوائد النضال  فلو لم يكن في النضال إلا أنه يدفع الهم والغم عن القلب لكان ذلك كافيا في فضله وقد جرب ذلك أهله وقد روى الطبراني من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ما على أحدكم إذا لج به همه أن يتقلد قوسه فينفي به همه وهذا نظير قوله صلى الله عليه وسلم] عليكم بالجهاد فإنه باب من أبواب الله به عن النفوس الهم والغم(1\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5342",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "وهو من قوله تعالى: قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم [التوبة: 14] فصل  أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها وقد روي في حديث ان أيمان الرمان لغو لا كفارة فيها ولا حنث وترجم عليه أبو القاسم الطبراني فقال: باب سقوط الكفارة في أيمان الرماة حدثنا يوسف بن يعقوب بن عبد العزيز الثقفي البصري بمصر قال حدثني أبي حدثنا سفيان بين عيينة عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال مر النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر برماة يرمون فقال الرامي أصبت والله فأخطأ فقال أبو بكر حنث يا رسول الله فقال لا أيمان الرماة لغو لا حنث ولا كفارة(1\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5343",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "حدثنا زكريا بن يحيى الساجي حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي ثنا أبو بكر يونس بن بكير ثنا الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم ينتضلون ويتحالفون أصبت والله فقال (ارموا ولا إثم عليكم) قلت ينظر في حال يعقوب بن عبد العزيز في السند الأول ويونس بن بكير في الثاني وإن صح الحديثان لم يخالفا قاعدة الأيمان فإن الحلف في ذلك من باب لغو اليمين وهو قول الرجل لا والله بلى والله وليس من الأيمان المنعقدة الموجبة للكفارة فصل  فضل المشي بين الغرضين ومن مشى بينهما من السلف الصالح  وقد روى الطبراني من حديث سعيد بن المسيب عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(1\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5344",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من مشى بين الغرضين كان له بكل خطوة حسنة وقال إبراهيم التميمي عن أبيه رأيت حذيفة يعدو بين الهدفين بالمدائن في قميص وقال الأوزاعي عن بلال بن سعد أدركت قوما يشتدون بين الأغراض يضحك بعضهم إلى بعض فإذا كان الليل كانوا رهبانا وقال مجاهد رأيت ابن عمر يشتد بين الهدفين ويقول أنا بها(1\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5345",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "وقد تقدم أن عقبة بن عامر كان يشتد بين الغرضين وهو شيخ كبير فصل  المفاضلة بين ركوب الخيل ورمي النشاب  فإن قيل فأيما أفضل ركوب الخيل أو رمي النشاب وأي المسابقة أفضل قيل قد اختلف في ذلك فرجحت طائفة ركوب الخيل قال مالك سبق الخيل أحب إلي من سبق الرمي ذكره أبو عمر في التمهيد عنه وجوه تفضيل سبق الخيل على الرمي  واحتج أصحاب هذا القول بوجوه أحدها أنه أصل الفروسية وقاعدتها الثاني أنه يعلم الكر والفر والظفر بالخصم الثالث أن الحاجة إلى الرمي في ساعة وأما الركوب فالحاجة إليه من أول ما يخرج إلى القتال إلى أن يرجع(1\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5346",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرابع أن الركوب يعلم الفارس والفرس معا فهو يؤثر القوة في المركوب وراكبه الخامس أن النبي صلى الله عليه وسلم راهن على فرس يقال له (سبحة) فسبق الناس ذكره الإمام أحمد ولم يحفظ عنه أن راهن في النضال السادس أن ركوبه صلى الله عليه وسلم كان أضعاف [أضعاف] رميه بما لا يحصى السابع أنه سبحانه عقد الخير بنواصي الخيل إلى يوم القيامة الثامن أنها تصلح للطلب والهرب فهي حصون ومعاقل لأهلها التاسع أن أهلها أعز من الرماة وأرفع شأنا وأعلا مكانا وأهلها حكام [به] على الرماة والرماة رعية لهم العاشر أنها كانت أحب الأشياء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد النساء فروى النسائي في سننه عن أنس قال لم يكن شيء أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد النساء من الخيل الحادي عشر ما روى مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد قال رئى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح وجه فرسه بردائه فقيل له في ذلك(1\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5347",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال (إني عوتبت في الخيل) [وهذا] لكرامتها عليه وعلى من عاتبه فيها الثاني عشر ما رواه النسائي عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من فرس عربي إلا يؤذن له عند السحر بكلمات يدعو بهن اللهم خولتني من خولتني من بني آدم وجعلتني له فاجعلني من أحب أهله وماله إليه المراد بقوله تعالى والعاديات ضبحا الثالث عشر أن الله سبحانه وتعالى أقسم بالخيل في كتابه وذلك يدل على شرفها وفضلها عنده قال تعالى والعاديات ضبحا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا [العاديات: 1 - 3] أقسم سبحانه بالخيل تعدو في سبيله و (الضبح) صوت في(1\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5348",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أجوافها عند جريها فالموريات قدحا توري النار بحوافرها عندما تصك الحجارة فأثرن به نقعا (النقع) الغبار تثيره الخيل عند عدوها والضمير في به قيل يعود على القدح وهو ضعيف فإن الغبار لا يثار بالقدح وقيل عائد على المغار المدلول عليه بقوله فالمغيرات أي أثرن بالمغار غبارا لكثرة جولاتها فيه ويجوز أن يعود على المغار الذي هو مصدر أي [أثرن] الغبار بسبب الإغارة ويجوز أن يعود على العدو المفهوم من لفظ العاديات والضمير في وبه الثانية مثل الأولى وقيل عائد على النقع أي وسطن جمعا ملتبسات بالنقع وعلى هذا ف (جمع) هنا مجمع العدو وهذا قول ابن مسعود وقال علي المراد بها إبل الحاج أقسم الله سبحانه بها لعدوها في الحج الذي هو من سبيله و (جمع) الذي وسطن به هو مزدلفة أغرن به وقت الصبح والقول الأول أرجح لوجوه أحدها أن المستعمل بالضبح إنما هو الخيل ولهذا قال أهل اللغة الضبح صوت أنفاس الخيل إذا عدت قال الله تعالى والعاديات ضبحا ويقال أيضا ضبح الثعلب الثاني وصفها بأنها توري النار من الحجارة عند عدوها وهذا(1\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5349",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مشهود في الخيل لقرع سنابكها في الحديد للصفا فيتولد قدح النار من بينهما كما يتولد من الحديد والصوان عند القدح الثالث أنه وصفها بالإغارة وهي وإن استعملت للإبل كما كانت قريش تقول أشرقت ثبير كيما نغير لكن استعمالها في إغارة الغزو أكثر الرابع أنه سبحانه وقت الإغارة بالصبح والحجاج عند الصبح لا يغيرون وإنما يكونون بموقف مزدلفة وقريش إذ ذاك لم تكن تغير حتى تطلع الشمس فلم تكن تغير بالصبح قريش ولا غيرها من العرب في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان في الغزو لا يغير حتى يصبح فإذا أصبح فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار الخامس أنه سبحانه عطف توسط الجمع بالفاء التي هي للترتيب بعد الإغارة وهذا يقتضي أنها أغارت وقت الصبح فتوسط الجمع بعد الإغارة ومن المعلوم أن إبل الحاج لها إغارتان إغارة في أول الليل إلى جمع وإغارة قبل طلوع الشمس منها إلى منى والإغارة الأولى قبل الصبح ولا يمكن الجمع بينهما وبين وقت الصبح وبين توسط جمع وهذا ظاهر السادس أن النقع هو الغبار وجمع مزدلفة وما حوله كله صفا(1\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5350",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو واد بين جبلين لا غبار به تثيره الإبل والله أعلم بمراده من كلامه عودة إلى وجوه تفضيل سبق الخيل على سبق الرمي  الرابع عشر أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن من ارتبط فرسا في سبيل الله فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة الخامس عشر أنه [صلى الله عليه وسلم] أمر بارتباطها ومسح نواصيها وأكفالها ففي سنن أبي داود والنسائي من حديث أبي وهب الجشمي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتبطوا الخيل وامسحوا بنواصيها وأكفالها وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار(1\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5351",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النهي عن تقليد الخيل الأوتار ومعناه وفي هذا قولان أحدهما أنه لا يركب عليها ويقلدها في الأخذ بالأوتار الجاهلية وهي الذحول والعداوات التي بين القبائل الثاني وهو الصحيح أن لا يقلدها وترا من أجل العين كما كان [أهل] الجاهلية تفعله وكذلك لا يعلق عليها خرزة ولا عظما ولا تميمة فإن ذلك كله من عمل الجاهلية وفي سنن أبي داود وغيره مرفوعا(1\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5352",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "من تقلد وترا فإن محمدا منه بريء فصل  أوجه تفضل الرمي بالنشاب على ركوب الخيل وذكر منفعته وتأثيره ونكايته في العدو  وذهبت طائفة ثانية إلى أن الرمي أفضل من الركوب وتعلمه أفضل من تعلمه والسباق به أفضل واحتج هذه الفرقة بوجوه منها أحدهما أن الله سبحانه قدم الرمي في الذكر [على الركوب] فقال وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل [الأنفال: 60] وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر القوة بالرمي والعرب إنما تبدأ في كلامها بالأهم والأولى قال سيبويه(1\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5353",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كأنهم إنما يقدمون الذي بيانه أهم لهم وهم ببيانه أعنى وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم هذا لفظه الثاني أنه سمى الرمي قوة وعدل عن لفظه وسمى رباط الخيل بلفظه ولم يعدل إلى غيره إشارة إلى ما في الرماية من النكاية والمنفعة الثالث أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الرمي أحب إليه من الركوب فدل على أنه أفضل منه ففي سنن أبي داود والنسائي والترمذي من حديث عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة صانعه المحتسب في عمله الخير والرامي به والممد به فارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا الرابع أن الرمي ميراث من إسماعيل الذبيح صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بنفر ينتضلون فقال ارموا بني اسماعيل فإن أباكم كان راميا الخامس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مع الفريقين معا في النضال ولم يدخل مع الفريقين في سباق الخيل فدل على فضل الرماة [والرماية] فأراد أن يحوز فضل الفريقين وأن لا يفوته منه شيء(1\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5354",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السادس أنه صح عنه من الوعيد في نسيان الرمي ما لم يجيء مثله في ترك الركوب ففي صحيح مسلم من حديث عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تعلم الرمي ثم تركه فليس منا (أو قد عصى) وعند الطبراني عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول اله صلى الله عليه وسلم من تعلم الرمي ثم نسيه فهي نعمة سلبها(1\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5355",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال عبد الله بن المبارك حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال أخبرني أبو سلام قال حدثني خالد بن زيد عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من نسي الرمي بعدما علمه فإنها نعمة كفرها (أو تركها) السابع أن رمي السهم يعدل عتق رقبة كما في سنن أبي داود والنسائي والترمذي عن عمرو بن عبسة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر(1\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5356",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الترمذي حديث حسن صحيح وفي لفظ النسائي من رمى بسهم في سبيل الله بلغ العدو أو لم يبلغ كان له عتق رقبة وقال عبد الله بن صالح حدثني معاوية بن صالح عن أسد بن وداعة عن عمرو بن عبسة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول(1\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5357",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار ومن رمى بسهم في سبيل الله وبلغ العدو فأصاب أو أخطأ كان له عتق رقبة الثامن أنه درجة من الجنة كما رواه الطبراني من حديث أبي عوانة عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الطائف قاتلوا فمن بلغ بسهم فإنها درجة أما إنها ليست بدرجة أبي أحدكم ولا أمه ولكنها درجة في الجنة(1\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5358",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر من حديث سعيد بن بشير عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن عمرو بن عبسة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصر الطائف من رمى بسهم فله درجة في الجنة فبلغت ستة عشر سهما وقال من بلغ بسهم فهو عدل رقبة وذكر أبو يعقوب القراب من حديث الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من بلغ بسهم فله درجة في الجنة قالوا يا رسول الله وما الدرجة(1\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5359",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ما بين الدرجتين خمس مئة عام التاسع أنه نور يوم القيامة كما رواه الحافظ أبو يعقوب القراب في كتاب فضل الرمي من حديث محمد ابن الحنفية قال رأيت أبا عمرة الأنصاري وكان بدريا أحديا وهو يتلوى من العطش ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من رمى بسهم في سبيل الله فبلغ أو قصر كان ذلك السهم نورا يوم القيامة قال أبو يعقوب وروينا بروايات مختلفة أكثر من عشرة يطول بذكر أسانيدهم الكتاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من رمى بسهم في سبيل الله كان له نورا تاما(1\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5360",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العاشر أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاة للرماة قال لسعد بن أبي وقاص الله سدد رميته وأجب دعوته فكان لا يخطئ لهم سهم وكان مجاب الدعوة الحادي عشر أن النبي صلى الله عليه وسلم فدى الرماة بأبيه وأمه ففي الصحيحين عن سعيد بن المسيب قال قال سعد بن مالك نثل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته يوم أحد فقال (ارم فداك أبي(1\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5361",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأمي) وفي لفظ لهما جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه يوم أحد وفي صحيح مسلم عن عامر بن سعد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع له أبويه يوم أحد قال كان رجل من المشركين أحرق المسلمين فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ارم فداك أبي وأمي قال فنزعت له بسهم ليس فيه نصل فأصبت جنبه فسقط وانكشفت عورته فضحكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نظرت إلى نواجذه الثاني عشر للماشي بين الغرضين بكل خطوة حسنة كما روى الطبراني في كتاب فضل الرمي من حديث علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مشى بين الغرضين كان له بكل خطوة حسنة الثالث عشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من حرصه على الرمي يناول الرامي(1\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5362",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السهم ما له نصل يرمي به وكان الرماة وقاية لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكر ابن إسحاق في المغازي من حديث سعد أنه رمى يوم أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سعد ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يناولني السهم ويقول ارم فداك أبي وأم حتى أنه ليناولني السهم السهم ما لم نصل فأرمي به الرابع عشر أنه من فضائل القوس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب وهو متوكئ عليها ويذكر عن أنس قال ما ذكرت القوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إلا قال (ما سبقها سلاح إلى خير قط) ويذكر أن جبريل جاء يوم بدر وهو متقلد قوسا عربية الخامس عشر إن في القوس خاصة وهي أنها تنفي الفقر عن(1\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5363",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صاحبها وقد ورد بذلك أثر في إسناده نظر ذكره أبو القاسم الطبراني في كتاب فضل الرمي من حديث الربيع بن صبيح عن الحسن عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من اتخذ قوسا عربية نفى الله عنه الفقر السادس عشر أن بالقسي مكن الله الصحابة في البلاد ونصرهم على عدوهم كما رواه الطبراني من حديث عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشار إلى القوس العربية وقال بهذه وبرماح القنا يمكن الله لكم البلاد وينصركم على عدوكم وروى ابن ماجه نحوه عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه مرفوعا السابع عشر أن النبي صلى الله عليه وسلم حرضهم عند فتح البلاد عليهم على اللهو بالسهام كما رواه الطبراني من حديث صالح بن كيسان عن عقبة بن عامر(1\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5364",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ستفتح لكم الأرض وتكفون المؤنة فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه الثامن عشر أن منفعة الرمي ونكايته في العدو فوق منفعة سائر آلات الحرب فكمم من سهم واحد هزم جيشا وإن الرامي الواحد ليتحاماه الفرسان وترعد منه أبطال الرجال هذا وإن السهم تريد ترسله إلى عدوك فيكفيك مؤنته على البعد وقد علم بالتجربة أن الرامي الواحد إذا كان جيد الرمي فإنه يأخذ الفئة من الناس الذين لا رامي معهم ويطردهم جميعا ولهذا عند أرباب الحروب إن كل سهم مقام رجل فإذا كان مع الرجل مئة سهم عد بمئة رجل والخصم يخاف من النشاب أضعاف خوفه من السيف والرمح وإذا كان راجل واحد رام أمكنه أن يأخذ مئة فارس لا رامي فيهم ويغلبهم ومئة فارس لا يغلبون راميا واحدا ولهذا ألقى الله من الرعب لصاحب الرمي [عند] خشخشة النشاب والجعبة ما لم يلقه لصاحب السيف والرمح وهذا(1\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5365",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معلوم بالمشاهدة حتى أن الألف ليفزعون من رام واحد ولا يكادون يفزعون من ضارب سيف واحد فصوت الرامي المجيد في الجيش خير من فئة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم صوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة(1\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5366",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان أبو طلحة من أحسن الصحابة رميا وأشدهم نزعا وفي الصحيح أنه لما كان يوم أحد انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مجوب عليه بحجفة معه وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع وكسر يومئذ قوسين أو ثلاثا وكان الرجل يمر بالجعبة فيها النبل فيقول انثرها لأبي طلحة ويشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فينظر إلى القوم فيقول له أبو طلحة لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك وفي لفظ آخر لا تشرف يا رسول الله نفسي لنفسك الفداء ووجهي لوجهك الوقاء(1\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5367",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة [يترسان] بترس واحد وكان أبو طلحة إذا رمى يشرف له رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى مواقع سهمه التاسع عشر أن الرمي يعمل في الجهات كلها فيعمل في وجه العلو والسفل واليمين والشمال وخلف وأمام على البعد وغيره لا يبلغ عمله ذلك ولا بعضه ولا يؤثر إلى مع القرب العشرون أن الرمي يصلح للكسب والحرب فيصاد به الطير والوحش وهو يصلح لتحصيل المنافع ولدفع المضار وهو أعظم الآلات تحصيلا لهذين الأمرين وإن كان غير الرامي قد يحصل به ذلك إلا أن الحاصل منه بالرمي أكمل وأتم فهذا بعض ما احتج به الفريقان قال شيخ الإسلام وقد روي أن قوما كانوا يتناضلون فقيل يا رسول الله قد حضرت الصلاة فقال إنهم في صلاة فشبه رمي النشاب بالصلاة وكفى(1\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5368",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "بذلك فضلا فضل النزاع بين تفضيل الرمي على ركوب الخيل والعكس  وفضل النزاع بين الطائفتين أن كل واحد منهما يحتاج في كماله إلى الاخر فلا يتم مقصود أحدهما إلا بالآخر والرمي أنفع في البعد فإذا اختلط الفريقان بطل الرمي حينئذ وقامت سيوف الفروسية من الضرب والطعن والكر والفر وأما إذا تواجه الخصمان من البعد فالرمي أنفع وأنجع ولا تتم الفروسية إلا بمجموع الأمرين والأفضل منهما ما كان أنكى في العدو وأنفع للجيش وهذا يختلف باختلاف الجيش ومقتضى الحال والله أعلم فصل  رميه صلى الله عليه وسلم بيده الكريمة  وأما رميه بيده الكريمة صلى الله عليه وسلم فقال ابن اسحاق في المغازي حدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى عن قوسه يوم أحد حتى اندقت سيتها فأخذها قتادة بن النعمان فكانت عنده وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته فحدثني عاصم بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردها بيده فكانت أحسن عينيه وأحدهما(1\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5369",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  طعنه صلى الله عليه وسلم بالحربة  وأما طعنه بالحربة وهي رمح قصير ففي مغازي موسى بن عقبة وابن إسحاق والأموي وغيرها أنه لما كان يوم أحد وأسند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجبل أدركه أبي بن خلف وهو يقول أين محمد لا نجوت إن نجا قال ابن إسحاق(1\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5370",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان أبي بن خلف كما حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فيقول يا محمد إن عندي (العود) فرسا له أعلفه كل يوما فرقا من ذرة أقتلك عليها فيقول (بل أنا أقتلك إن شاء الله) قال موسى بن عقبة قال سعيد بن المسيب فلما أدرك أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم اعترض له رجال من المؤمنين فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخلوا طريقه واستقبله مصعب بن عمر أخو بني عبد الدار يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه فقتل مصعب بن عمير وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبي بن خلف من فرجة في سابغة الدرع والبيضة فطعنه بحربته فوقع أبي عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم فكسر ضلعا من أضلاعه فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشا غير كبير فاحتقن الدم قال قتلني والله محمد قالوا له ذهب والله فؤادك إنه ما كان بك من بأس قال إنه كان قد قال لي بمكة أنا أقتلك فوالله لو بصق علي لقتلني فمات عدو الله بسرف وهم قافلون إلى مكة قال ابن عقبة في هذا الحديث قال والذي نفسي بيده لو كان الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا(1\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5371",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "أجمعون فصل  فضل الرماح  وقد ذكر الله سبحانه وتعالى الرماح في كتابه فقال يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب [المائدة: 94] وفي مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم(1\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5372",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي سنن ابن ماجه عن علي بن أبي طالب قال كانت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوس عربي فرأى رجلا بيده قوس فارسية فقال (ما هذه ألقها وعليك بهذه وأشباهها ورماح القنا فإنهما يزيد الله بهما في الدين ويمكن لكم في البلاد) والرماح للمقاتلة بمنزلة الصياصي للوحوش تدفع بها من يقصدها وتحارب بها وقد نص الإمام أحمد على أن العمل بالرمح أفضل من الصلاة النافلة في الأمكنة التي يحتاج فيها إلى الجهاد(1\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5373",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأشياء التي تظهر فيها الفروسية  والفروسية تظهر في ثلاثة أشياء - ركوب الخيل والمسابقة عليها - ورمي النشاب - واللعب بالرمح وهو بنود كثيرة ومبناه التبطيل والنقل والتسريح والنثل والطعن والدخول والخروج ومداره على أصلين الطعن والتبطيل فالشجاع الخبير الذي لا يطعن في موطن التبطيل ولا يبطل في موضع الطعن بل يعطي كل حال ما يليق به ويعرف حكم ملازقة القرن ومفارقته ومخارجته ومضايقته وهزله وجده وأخذه ورده وطلوعه ونزوله وكره وفره ويعطي كل حال من هذه الأحوال كفوها وما يليق بها ويكون عارفا بالدخول والخروج ومواضع الطعن والضرب والإقدام والإحجام واستعمال الطعن الكاذب في موضعه والصادق في موضعه والاستدارة عند المجاولة يمينا وشمالا وإعمال الفكر حال دخول القرن على قرنه في الخروج منه والدخول عليه فلا يشغله أحدهما عن الآخر أوجه الشبه بين الجلاد بالسيف والجدال بالحجة  ولما كان الجلاد بالسيف والسنان والجدال بالحجة ولبرهان كالأخوين الشقيقين والقرينين المتصاحبين كانت أحكام كل [واحد] منهما شبيهة بأحكام الآخر ومستفادة منه فالإصابة في الرمي والنضال كالإصابة في الحجة والمقال(1\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "73",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5374",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والطعن والتبطيل نظير إقامة الحجة وإبطال حجة الخصم [والدخول] الخروج نظير الإيراد والاحتراز [منه] وجواب [الخصم] والقرن عند دخوله عليك كجواب الخصم عما يورده عليك فروسية العلم والبيان وفروسية الرمي والطعان  فالفروسية فروسيتان فروسية العلم والبيان وفروسية الرمي والطعان ولما كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق في الفروسيتين فتحوا القلوب بالحجة والبرهان والبلاد بالسيف والسنان وما الناس إلا هؤلاء الفريقان ومن عداهما فإن لم يكن ردءا وعونا لهما فهو كل على نوع الإنسان وقد أمر الله سبحانه وتعالى رسوله بجدال الكفار والمنافقين وجلاد أعدائه المشاقين والمحاربين فعلم الجدال والجلاد من أهم العلوم وأنفعها للعباد في المعاش والمعاد ولا يعدل مداد العلماء إلا دم الشهداء والرفعة وعلو المنزلة في الدارين إنما هي لهاتين الطائفتين وسائر الناس رعية لهما منقادون لرؤسائهما فصل الرهان على الغلبة بالرمح  فإن قيل فإذا كان شأن الرمح ما ذكرتم فهلا جوزتم الرهان على الغلبة به كما جوزتموها في النضال وسباق الخيل(1\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "74",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5375",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "قيل اختلفت الفقاء في ذلك فمنعه أصحاب أحمد ومالك وللشافعية في المزاريق وجهان قال من جوز الرهان عليها هي داخلة في اسم النصل وقال المانعون المراد بالنصل ما يتبادر إليه الأفهام وما جرت عادة الناس بالتراهن عليه من عهد الصحابة وإلى الآن وهو السهام خاصة ولا ريب أن من جوز الرهان على العدو بالأقدام والصراع فتجويزه له في المغالبة بالرماح أولى وأحرى فصل  ركوب النبي صلى الله عليه وسلم الفرس عريانا وتقلده بالسيف وورود ذلك في صفته في الكتب الأولى  وأما ركوبه الفرس عريانا وتقلده السيف ففي الصحيحين من حديث ثابت عن أنس قال(1\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "75",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5376",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس ولقد فزع أهل المدينة ليلة فركب فرسا لأبي طلحة عريا فخرج الناس فإذا هم برسول الله صلى الله عليه وسلم قد سبقهم الى الصوت قد إستبرأ الخبر وهو يقول لن تراعوا وقال النبي صلى الله عليه وسلم وجدناه بحرا قال ثابت فما سبق ذلك الفرس بعد ذلك قال وكان فرسا يبطأ وفي لفظ فستقبل الناس على فرس عري لأبي طلحة والسيف في عنقه وفي صفته صلى الله عليه وسلم في الكتب الأولى عزه على عاتقه إشارة الى تقلده السيف وفيها أيضا صفته وصفة أمته تتقلد السيوف كما في الزبور في بعض المزامير من أجل هذا بارك الله عليك إلى الأبد فتقلد أيها الخيار السيف لأنه البهاء لوجهك والحمد الغالب عليك لتركب كلمة الحق وسمت التأله فإن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك وسهامك(1\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "76",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5377",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "مسنونة والأمم يجرون تحتك وليس من الأنبياء من تقلد السيف بعد داود وخرت الأمم تحته وقرنت شرائعه بالهيبة سوى نبينا صلى الله عليه وسلم كما قال نصرت بالرعب مسيرة شهر وفي صفة أمته في الزبور وليفرح من اصطفى الله أمته وأعطاه النصر وسدد الصالحين منهم بالكرامة يسبحونه على مضاجعهم ويكبرون الله بأصوات مرتفعة بأيديهم سيوف ذات شفرتين لينتقم بهم من الأمم الذين لا يعبدونه وهذه الصفات منطبقة على محمد صلى الله عليه وسلم وأمته فصل  أحكام الرهان في المسابقة وصوره المتفق عليها والمختلف فيها  اتفق العلماء على جواز الرهان في المسابقة على الخيل [والإبل] والسهام في الجملة واختلفوا في فصلين أحدهما في الباذل للرهن من هو(1\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "77",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5378",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني في حكم عود الرهن إلى من يعود فذهب الشافعي وأحمد وأبو حنيفة إلى أن الباذل للرهن يجوز أن يكون أحد المتعاقدين ويجوز أن يكون كلاهما وأن يكون أجنبيا ثالثا إما الإمام وإما غيره ولكن إن كان الرهن منهما لم يحل إلا بمحلل وهو ثالث يدخلانه بينهما لا يخرج شيئا فإن سبقهما أخذ سبقهما وإن سبقاه [معا] أحرزا سبقهما ولم يغرم المحلل شيئا وإن سبق المحلل مع أحدهما اشترك [هو] والسابق في سبقه ثم اختلفوا في أمر آخر في المحلل وهو أنه هل يجوز أن يكون المحلل أكثر من واحد أو لا يجوز [أن يكون] إلا واحدا فظاهر كلامهم أن المحلل يكون كأحد الحزبين إما واحدا وإما عددا وقال أبو الحسن الآمدي من أصحاب أحمد لا يجوز أكثر من واحد ولو كانوا مئة لأن الحاجة تندفع به قالوا والعقد بدون المحلل إذا أخرجا معا قمار(1\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "78",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5379",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومذهب مالك أنه إنما يجوز أن يخرج السبق ثالث ليس من المتسابقين إما الإمام أو غيره ولا يجري معهم فمن سبق منهما أخذ ذلك السبق فإن جرى معهما الذي أخرج السبق فلا يخلو إما أن تكون السباق فرسين أو أكثر فإن كانتا فرسين فسبق مخرج السبق فالسبق طعم لمن حضر ولا يأخذه السابق وإن كانت خيلا كثيرة وقد سبق مخرج السبق أعطى سبقه للذي يليه وهو المصلي ولم يأخذه وفقه ذلك أن سبقه لا يعود إليه بحال سواء سبق أو سبق ولا يجوز عنده أن يخرجا معا لا بمحلل ولا بغير محلل ولا أن يخرج أحد المتسابقين وقد روى عن مالك رواية ثانية جواز إخراج السبق منهما بمحلل كقول الثلاثة قال ابن عبد البر وهذا أجود قوليه وهو اختيار ابن المواز قلت ولكن أصحابه على خلافه والمشهور عندهم ما حكيناه عنه أولا والقول بالمحلل مذهب تلقاه الناس عن سعيد بن المسيب وأما الصحابة فلا يحفظ عن أحد منهم قط أنه اشترط المحلل ولا راهن به مع كثرة تناضلهم ورهانهم بل المحفوظ عنهم خلافه كما ذكره عن أبي(1\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "79",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5380",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "عبيدة بن الجراح وقال الجوزجاني الإمام في كتابة المترجم حدثنا أبو صالح هو محبوب بن موسى الفراء حدثنا أبو إسحاق هو الفزاري عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال قال رجل عند جابر ابن زيد إن أصحاب محمد كانوا لا يرون بالدخيل بأسا فقال هم كانوا أعف من ذلك والدخيل عندهم هو المحلل فينافيه ما نقل عنهم أنهم لم يكونوا يرون به بأسا وفرق بين أن لا يرون به بأسا وبين أن يكون شرطا في صحة العقد وحله فهذا لا يعرف عن أحد منهم ألبتة وقوله كانوا أعف من ذلك أي كانوا أعف من أن يدخلوا بينهم في الرهان دخيلا كالمستعار ولهذا قال جابر بن زيد راوي هذه القصة أنه لا يحتاج المتراهنان إلى المحلل حكاه الجوزجاني وغيره عنه فصل  إذا عرفت مذاهب الناس في هذه المسألة فنذكر حجج الفريقين ومأخذ المسألة من الجانبين وإلى المنصف التحاكم وغيره لا يعبأ الله به ولا رسوله ولا أولو العلم شيئا(1\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "80",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5381",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أدلة المجوزين للتراهن من غير محلل  قال المجوزون للتراهن من غير محلل قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود [المائدة: 1] وهذا يقتضي الأمر بالوفاء لكل عقد إلا عقدا حرمه الله ورسوله أو أجمعت الأمة على تحريمه وعقد الرهان من الجانبين ليس فيه شيء من ذلك فالمتعاقدان مأموران بالوفاء به وقال [الله] تعالى وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا [الإسراء: 34] وقال [تعالى] والموفون بعهدهم إذا عاهدوا [البقرة: 177] وقال النبي صلى الله عليه وسلم المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا [حديث صحيح] وقال [عليه السلام] إن من أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم على الناس من أجل مسألته(1\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "81",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5382",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا يدل على أن العقود والمعاملات على الحل حتى يقوم الدليل من كتاب الله وسنة ورسوله صلى الله عليه وسلم على تحريمها فكما أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله قالو وقد أطلق النبي صلى الله عليه وسلم جواز أخذ السبق في الخف والحافر والنصل إطلاق مشرع لإباحته ولم يقيده بمحلل فقال لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل فلو كان المحلل شرطا لكان ذكره أهم من ذكر محال السباق إن كان السباق بدونه حراما وهو قمار عند المشترطين فكيف يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم جواز أخذ السبق في هذه الأمور ويكون أغلب صوره مشروطا بالمحلل وأكل المال بدونه حرام ولا يبينه بنص ولا بإيماء ولا تنبيه ولا ينقل عنه ولا عن أصحابه مدة رهانهم في المحلل قضية واحدة قالوا وفي مسند الإمام أحمد عن أبي لبيد لمازة بن زبار قال قلنا لأنس أكنتم تراهنون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال(1\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "82",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5383",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نعم لقد راهن [رسول الله صلى الله عليه وسلم] على فرس يقال له (سبحة) فسبق الناس فهش لذلك وأعجبه وهو حديث جيد الإسناد [ومن الكفاية في الاحتجاج به رواية هذا الإمام له وعلى المانع إبداء ما يوجب عدم الإحتجاج] قالوا والمراهنة مفاعلة وهي لا تكون إلا من الطرفين هذا اصلها والغالب عليها قالوا وروى أحمد ايضا حدثنا غندر عن شعبة عن سماك قال سمعت عياضا الأشعري قال قال أبو عبيدة من يراهنني فقال شاب أنا إن لم تغضب قال فسبقه قال فرأيت عقيصتي أبي عبيدة تنقزان وهو على فرس خلفه عري ولم يذكر محللا في هذا ولا في غيره قالوا ومثل هذا لا بد أن يشتهر ولم ينقل عن صحابي خلافه قال شيخ الإسلام ما علمت بين الصحابة خلافا في عدم اشتراط المحلل(1\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "83",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5384",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا جلب ولا جنب في الرهان والرهان على وزن فعال وهو مقتضى أن يكون من الجانبين فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم في عقد الرهان الجلب والجنب ولم يبطل اشتراطهما في بذل السبق مع أن [بيان] حكمه أهم من بيان الجلب والجنب بكثير قالوا ولو كان إخراج العوض من المتراهنين حراما وهو قمار لما حل بالمحلل فإن هذا المحلل لا يحل السبق الذي حرمه الله ورسوله ولا تزول المفسدة التي في إخراجها بدخوله [بل تزيد كما سنبينه فإن كان العقد بدونه قمارا فهو بدخوله] أيضا [قمار] إذ المعنى الذي جعلتموه(1\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "84",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5385",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأجله قمارا إذا اشتركا في الإخراج هو بعينه قائم مع دخول المحلل فكيف يكون العقد قمارا في إحدى الصورتين وحلالا في الأخرى مع قيام المعنى بعينه ولا تذكرون فرقا إلا كان الفرق مقتضيا لأن يكون العقد بدونه أقل خطرا وأقرب إلى الصحة كما سنذكره إن شاء الله تعالى قالوا ودخول المحلل في هذا العقد كدخول المحلل في النكاح للمطلق ثلاثا وكدخول المحلل في عقد العينة ونحوها من العقود المشتملة على الحيل الربوية فإن كان واحد منهم مستعار غير مقصود في العقد والمقصود غيره وهو حرف جاء لمعنى من غيره وقد ثبت في محلل النكاح والعينة ما ثتب فيه من النهي عنه والإخبار عن محلل النكاح أنه تيس مستعار فإنه لم يقصد بالعقد وإنما استعير دخيلا ليحل ما حرم الله تعالى قالوا فإن كان إخراج السبق من المتراهنين حراما فدخول المحلل ليحله كدخول محلل النكاح سواء بسواء وإن كان بذل السبق منهما جائزا معه فبدونه أولى بالجواز قالوا وأيضا فالمحلل إما أن يكون دخوله ليحل العمل أو ليحل البذل أو ليحل أكل السبق والأقسام الثلاثة باطلة أما بطلان إحلاله العمل فظاهر فإن العمل حلال بالاتفاق وأما بطلان إحلاله البذل فكذلك أيضا لأن البذل جعالة عند المشترطين للمحلل في هذا العقد وبذل الجعل في الجعالة لا يتوقف على(1\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "85",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5386",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محلل سواء كان من أحد الجانبين أو من كليهما إذ غايتها أن تكون جعالة من الطرفين وحلها لا يتوقف على محلل كما لو أبق لكل واحد منهما عبد فقال كل منهما للآخر إن رددت عبدي فلك عشرة وبذل السبق عندهم هو مثل هذا فإنهم يدخلونه في قسم الجعالات وأما بطلان إحلاله لأجل السبق فكذلك أيضا لأن أكل هذا السبق إن كان حراما بدون المحلل فهو حرام بدخوله فإنه لا تأثير له في حل ما كان حراما عليهما وإن لم يكن حراما بدخول المحلل لم يكن حراما بدونه فإنه لا تأثير له في عملهما ولا في دفع المخاطرة في عقدهم بل دخوله إن لم يضرهما لم ينفعهما قالوا وأيضا فالله سبحانه وتعالى حرم الميسر في كتابه كما حرم الخمر والميسر هو القمار وتحريمه إما أن يكون لنفس العمل أو لما فيه من أكل المال الباطل أو لمجموع الأمرين وليس هنا قسم رابع وأيا ما كان فليس في هذا العقد المتنازع فيه واحد من الأمور الثلاثة بل هو خال عنها فإن المغالبات في الشرع تنقسم ثلاثة أقسام أحدها ما فيه مفسدة راجحة على منفعته كالنرد والشطرنج فهذا يحرمه الشارع لا يبيحه إذ مفسدته راجحة على مصلحته وهي من جنس مفسدة السكر ولهذا قرن الله سبحانه وتعالى بين الخمر والقمار في الحكم وجعلهما فريني الأنصاب والأزلام وأخبر أنها كلها رجس(1\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "86",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5387",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأنها من عمل الشيطان وأمر باجتنابها وعلق الفلاح باجتنابها وأخبر أنها تصد عن ذكره وعن الصلاة وتهدد من لم ينته عنها ومعلوم أن شارب الخمر إذا سكر كان ذلك مما يصده عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع العداوة والبغضاء بسببه وكذلك المغالبات التي تلهي بلا منفعة كالنرد والشطرنج وأمثالهما مما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة لشدة التهاء النفس بها واشتغال القلب فيها أبدا بالفكر ومن هذا الوجه فالشطرنج أشد شغلال للقلب وصدا عن ذكر الله وعن الصلاة ولهذا جعله بعض العلماء أشد تحريما من النرد وجعل النص على أن اللاعب بالنرد عاص لله ورسوله تنبيها بطريق الأولى على أن اللاعب بالشطرنج أشد معصية إذ لا يحرم الله ورسوله فعلا مشتملا على مفسدة ثم يبيح فعلا مشتملا على مفسدة أكبر من تلك والحس والوجود شاهد بأن مفسدة الشطرنج وشغلها للقلب وصدها عن ذكر الله وعن الصلاة أعظم من مفسدة النرد وهي توقع العداوة والبغضاء لما فيها من قصد كل من المتلاعبين قهر الآخر وأكل ماله وهذا من اعظم ما يوقع العداوة والبغضاء فحرم الله سبحانه هذا النوع لاشتماله على ما يبغضه ومنعه مما يحبه(1\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "87",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5388",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل  المصلحة الراجحة المتضمنة لما يحبه الله ورسوله تقتضي عدم إدخال المحلل بين المتسابقين وأوجه ذلك  القسم الثاني عكس هذا وهو ما فيه مصلحة راجحة وهو متضمن لما يحبه الله ورسوله معين عليه ومفض إليه فهذا شرعه الله تعالى لعباده وشرع لهم الأسباب التي تعين عليه وترشد إيه وهو كالمسابقة على الخيل والإبل والنضال التي تتضمن الاشتغال بأسباب الجهاد وتعلم الفروسية والاستعداد للقاء أعدائه وإعلاء كلمته ونصر دينه وكتابه ورسوله فهذه المغالبة تطلب من جهة العمل ومن جهة أكل المال بهذا العمل الذي يحبه الله تعالى ورسوله ومن الجهتين معا وهذا القسم جوزه الشارع بالبرهان تحريضا للنفوس عليه فإن النفس يصير لها داعيان داعي الغلبة وداعي الكسب فتقوى رغبتها في العمل المحبوب لله تعالى ورسوله فعلم أن أكل المال بهذا النوع أكل له بحق لا بباطل ومعلوم أن دخول المحلل يضعف هذا الغرض ويفتر عزم الأقران فهو يعود على مطلوب الشارع بالإبطال فإن المتسابقين متى رأيا بينهما دخيلا مستعارا يأكل مالهما إن غلب ولا يأخذان منه شيئا إن غلباه فترت عزيمتهما وضعف حرصهما ومعلوم أن هذا لا إعانة فيه على هذا العمل ولا تقوية فيه للرعية ولا هو أدى إلى تحصيل المال الباعث على العمل فالعقد بدونه أقرب إلى(1\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "88",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5389",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حصول ما يحبه الله تعالى قالوا والوجود شاهد بذلك فصل  وأما القسم الثالث وهو ما ليس فيه مضرة راجحة ولا هو أيضا متضمن لمصلحة راجحة يأمر الله تعالى بها ورسوله صلى الله عليه وسلم فهذا لا يحرم ولا يؤمر به كالصراع العدو والسباحة وشيل الأثقال ونحوها فهذا القسم رخص فيه الشارع بلا عوض إذ ليس فيه مفسدة راجحة وللنفوس فيه استراحة وإجمام وقد يكون مع القصد الحسن عملا صالحا كسائر المباحات التي تصير بالنية طاعات فاقتضت حكمة الشرع الترخيص فيه لما يحصل فيه من إجمام النفس وراحتها واقتضت تحريم العوض فيه إذ لو أباحته بعوض لاتخذته النفوس صناعة ومكسبا فالتهت به عن كثير من مصالح دينها ودنياها فأما إذا كان لعبا محضا ولا مكسب فيه فإن النفس لا تؤثره على مصالح دنياها ودينها ولا تؤثره عليها إلا النفوس التي خلقت للبطالة قالوا وبهذا التقسيم تتبين حكمة الشرع في إدخاله السبق في الخف والحافر والنصل ومنعه فيما عداها وتبين به أن الدخيل لا مصلحة فيه للمتسابقين ألبتة قالوا وأيضا فالشرع مبناه على العدل فإن الله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وقد حرم الله سبحانه الظلم على نفسه وجعله محرما بين عباده والعقود كلها مبناها على العدل بين(1\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "89",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5390",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المتعاقدين عقود المعاوضات والمشاركات جائزها ولازمها وإذا كان مبنى العقود على العدل من الجانبين فكيف يوجب في عقد من العقود أن يبذل أحد المتعاقدين وحده دون الآخر وكلاهما في العمل والرغبة سواء وكل واحد منهما راغب في السبق والكسب فما الذي جوز البذل لأحدهما دون الآخر قالوا وأيضا فالمحلل كأحدهم في العمل والرغبة فما الذي أوجب عليها بذل ماليهما إن سبقهما وحرم عليه وعليهما بذل ماله لهما إن سبقاه مع تساويهم في العمل من كل وجه فأي قياس أو أي نظر أو أية حكمة أو أية مصلحة توجب ذلك قالوا بل دخول المحلل بينهما يضرهما ولا ينفعهما فهو لم يزدهما إلا ضررا فإنه إن سبقهما أكل مالهما وإن سبقاه لم يأكلا منه شيئا وأما إذا لم يدخلاه فإنه أيهما سبق صاحبه أخذ ماله وإن لم يسبق أحدهما الآخر أحرز كل واحد منهما مال نفسه وهذا أعدل لأن الغالب يأخذ بعمله والمغلوب يغرم لأنه بذل المال لمن يغلبه وأما المحلل فإنه إن كان غالبا غنم وإن كان مغلوبا سلم وصاحب المال إن كان مغلوبا غرم قالوا فمقتضى القياس فساد العقد بالمحلل قالوا وأيضا فالمحلل عندكم على خلاف القياس وإنما احتملتموه للضرورة حتى قال أبو الحسن الآمدي(1\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "90",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5391",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يجوز أكثر من محلل واحد ولو كانوا مئة قالوا لأن الحاجة اندفعت به ولو كان هذا المحلل مقصودا وللعقد به مصلحة لم يكن على خلاف القياس وكان كأحد الحزبين قالوا ومن المعلوم أن المحلل غير مقصود بالعقد وإنما المقصود صاحباه فأنتم جعلتم المحلل الذي لم يقصد بهذا العقد أحسن حالا من صاحبيه المقصودين بالعقد وهل هذا الأمر إلا بالعكس أولى فإن رعاية جانب الباذلين المقصودين بالعقد أحق من رعاية جانب هذا المحلل الذي هو غير مقصود ولا باذل فالمحلل له منفعة على تقديرين وسلامة على تقدير وأما الآخران فلكل منهما منفعة على تقدير ومضرة على تقدير فهو احسن حالا منهما فليلحق بهما من المضرة وقلة الانتفاع ودخول ثالث يأكل مالهما ما لم يحصل للمحلل الذي هو دخيل غير مقصود فخصصتم بالمضرة المقصود الذي حضه النبي صلى الله عليه وسلم على الركوب والرمي وخصصتم بزوالها وزيادة النفع هذا العارية الذي هو غير مقصود قالوا وهذا يتضمن أمرين أحدهما خروج هذا العقد عن الإنصاف الذي هو مدار العقود فكيف يشرع الشارع الحكيم في العقود ما يكون منافيا للعدل ويحرم ما يكون موجب العدل ومقتضاه الثاني أن يجعل الراغب في العمل المحبوب لله ولرسوله المريد للرمي والركوب ليستعين به على الجهاد أسوأ حالا من هذا الدخيل الذي لم يبذل شيئا إنما دخل عارية فجعلتموه مراعى جانبه منظورا في مصلحته معرضا للكسب مصان الجانب من الخسران وليس صاحباه(1\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "91",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5392",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بهذه المنزلة قالوا ومن تأمل مقاصد الشرع وما اشتمل عليه من الحكم والمصالح علم أن الأمر بالعكس أولى قالوا وأيضا فالعاقل لا يبذل الجعل إلا لعمل هو مقصود له لا يبذله فميا هو مكروه إليه فيبذله لنفع هو يعود عليه كخياطة ثوبه وبناء داره ورد عبده أو نفع غيره كفداء أسير أو عتق عبد أو خلع امرأة فهذان غرضان مطلوبان فإذا بذل أجنبي السبق لمن سبق كان قد بذل ماله لغرض مقصود له وهو الإعانة على القوة في سبيل الله فإذا بذله أحد المتسابقين جاز لهذا المقصود فكيف يقال يجوز أن يبذل الجعل بشرط أن يكون مسبوقا مغلوبا وأنه إن كان سابقا لا يحصل له شيء ولا يجوز أن يبذله إذا كان مسبوقا وإن كان سابقا حصل له شيء بيان ذلك أنه إذا كان المخرج أحدهما كان مقتضى العدل من الباذل أنه لا يجوز له بذله إلا بشرطين أحدهما خروج السبق عنه إن كان مغلوبا والثاني أنه لا يأخذ شيئا إذا كان غالبا وإذا أخرجا معا كان مقتضى العقل أنه يبذله إذا كان مغلوبا ويأخذ إذا كان غالبا فقد جوزتم بذلك الجعل في الحال الذي لا ينتفع بها الباذل ومنعتم بذله في الحال التي يرجو فيها انتفاعه فجوزتهم بذلك في عقد لا ينتفع به ومنعتم بذله في عقد هو بصدد الانتفاع به ومن المعلوم أن ما منعتموه أولى بالجواز مما جوزتموه وأن ما شرطتموه للحل هو أولى أن يكون مانعا من الحل أقرب(1\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "92",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5393",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قولوا وأيضا فإن كان أحدهما يأكل مال الآخر بالباطل إذا أخرجا معا بدون المحلل فأكل المحلل مالهما بالباطل أولى وأحرى بيانه أن أحدهما إنما يأكل مال الآخر إذا كان غالبا له فيأكله بالجهة التي يأكل بها الآخر ماله بعينها مع تسويهما في البذل والغنم والغرم والعمل وأما المحلل فإنه يأكل مالهما إن سبقهما ولا يأكلان له شيئا إن سبقاه فلا يأكل واحد منهما ماله اذا كان مغلوبا ويأكل مالهما إذا كان غالبا فإن لم يكن هذا أكلا للمال بالباطل فالصورة التي منعتموها أولى أن لا تكون أكلا بالباطل وإن كانت تلك متضمنة للأكل بالباطل فهذا أولى وهذا مما لا جواب عنه قالوا وأيضا فإذا أخرجا معا كان كل منهما له مثل ما للآخر وعليه مثل ما عليه ورجاؤه وخوفه كرجاء الآخر وخوفه وهذا هو العدل المحض فهما كشريكي العنان والشريكين في المساقاة(1\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "93",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5394",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمزارعة والمضاربة ولهذا حرم الشارع أن يختص أحدهما عن الآخر بزرع بقعة بعينها أو ثمرة شجرة بعينها والمضارب لا يجوز أن يختص بربح سلعة بعينها بل يكونان سواء في المغنم والمغرم وإنما جوز أن يكون البذل من أحدهما لأنه يلتحق بالجعالة عندكم وهذه الجعالة العمل فيها مقصود وحيئنذ فيقال إذا أخرجا معا كان غايته أنه جعالة من الطرفين فلا يمنع جوازه وإذا علم هذا فإذا أخرجا معا كان اقرب إلى عقود المعاوضات والمشاركات مما إذا أخرج أحدهما لأنهما قد اشتركا في العمل والاشتراك في العمل يقتضي الاشتراك في بذل الجعالة بخلاف ما إذا أخرج أحدهما وانفرد الباذل بالمال والعامل بالعمل فإنهما هناك لم يشتركا في العمل فهو نظير ما إذا بذل السبق أجنبي لم يدخل معهما قالوا وأيضا فلو كان تحريم هذا العقد الذي أخرج فيه المتعاقدان(1\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "94",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5395",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كلاهما من غير محلل لما فيه من المخاطرة بين المغنم والمغرم للزم طرد ذلك فيحرم كل عقد تضمن مخاطرة بين الغنم والغرم وكان يلزم تحريم الشركة فإن كل واحد من الشريكين إما إن يغرم وإما أن يغنم فإن قلتم بل ها هنا قسم ثالث وهو أن يسلم فلا يغنم ولا يغرم كان جوابكم من وجهين أحدهما أن السابق كذلك قد يسلم أيضا فلا يسبق ولا يسبق الثاني أن احتمال هذا القسم لا يزيل المخاطرة بل كانت مخاطرة بين أمرين فصارت بين ثلاثة قالوا وأيضا فإذا أخرج احدهما دون الآخر كان آكل المال في هذا العقد آكلا بوجه يحبه الله ورسوله وهو تعلم ما يحبه من الرمي والإصابة والفروسية فإذا اشتركا في الإخراج فكل منهما إما معين أو معان على تحصيل هذا المحبوب المرضي لله فكل واحد منهما يأكل بالجهة التي يأكل بها صاحبه فجهة أكل المال جهة واحدة فإن حرم أكله في صورة اشتراكهما في الإخراج حرم في صورة الانفراد وإن أبيح في صورة الانفراد لزم إباحته في صورة الاشتراك إذ لا فرق بينهما يقتضي جعل إحدى الصورتين من المباح بل من المستحب الذي يحبه الله ورسوله والثاني من القمار والميسر الذي يبغضه الله ورسوله فيا لله العجب أي معنى وأي حكمة فرقت بينهما هذا الفرقان مع أنهما أخوان شقيقان(1\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "95",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5396",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا ويوضحه أن الغالب إنما يأكل المال بغلبه وهذه العلة بعينها موجودة فيما إذا أخرجا معا فيجب طرد الحكم لاطراد علته قالوا ويوضحه أن المانع من طرد الحكم منتف لما تقدم والمقتضي موجود فيجب القول بالمقتضي السالم عن المعارض المقاوم قالوا وأيضا فإذا كانت علة التحريم لاشتراكهما في الخراج هي المخاطرة لزم فساد العلة لتخلف الحكم عنها في صورة المحلل وحينئذ فيقال ليس الحكم لفساد التخلف المذكور مع المحلل أولى من اعتبارها للاقتران مع عدمه قالوا وأيضا فتأثير المحلل إما أن يكون في رفع السبب المقتضي للتحريم أو في رفع الحكم وهو التحريم مع قيام سببه كالرخصة في أكل الميتة والدم ولحم الخنزير للمضطر وكلاهما باطل أما الأول فإن السبب المحرم عندكم هو المخاطرة وهي لم تزل بالمحلل وأما الثاني فكذلك أيضا إذ هو مستلزم تخلف الحكم عن علته مع قيام الوصف الذي جعلها مؤثرة فإن قلتم العقد بالمحلل يصير من باب المعاوضات ومخرج من شبه القمار فجوابكم من وجهين أحدهما أن هذا الفرق بعينه حجة عليكم فإنه إذا صار العقد به من عقود المعاوضات بل إذا تعاقد الجاعلان وبذل كل منهما جعلا لمن يعمل مثل عمله جاز بلا محلل اتقافا الثاني أنه يلزمكم إخراج السبق منهما بمحلل في سائر الأعمال(1\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "96",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5397",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المباحة كالمسابقة على الأقدام والسباحة والكتابة والخياطة والنجارة وسائر الصناعات المباحة فإن المحلل إذا جعل العقد من باب الجعالات الجائزة هناك فلم لا يجعله من الجعالات الجائزة هنا وما الفرق وهذا في غاية الظهور قالوا وأيضا فدخول المحلل إما أن يكون ليحل السبق لنفسه أو لغيره وكلاهما باطل أما الأول فظاهر البطلان فإنه لم يدخل إلا لأجلهما لئلا يكون عقدهما قمارا عندكم وقد صرح جمهور المشترطين بأنه لم يدخل ليحل السبق لنفسه ووهنوا رغم من زعم ذلك وأبطلوه وهو كما قالوا لأنه إما أن يكون إحلاله السبق لنفسه لأجل مجيئه سابقا أو لعدم إخراجه فإن كان إحلاله لسبقه فالسبق حينئذ هو المقتضي للحل فمن أسعده الله تعالى بسبقه فمن تمام السعادة تخصيصه برزقه فلا أثر للمحلل ألبتة وإن كان إنما يحله لنفسه لعدم إخراجه فيقال إذا حل له السبق مع عدم بذله فلأن يحل للباذل أولى وأحرى لأن بذلك الباذل زيادة إحسان وخير فلا يكون سببا لحرمانه ويكون ترك بذل هذا سببا لأخذه وفوزه فكيف يحرم على الباذل المحسن ويحل للمستعار الذي لم يبذل وهل يدل الشرع والعقل نعم والاعتبار إلا على عكس ذلك قالوا وأيضا فبدخول المحلل إما أن يقال زالت المخاطرة المقتضية للتحريم أو بقيت على حالها أو ازدادت والأول محال لأنها كانت بين أمرين فصارت بين ثلاثة كما تقدم(1\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "97",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5398",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثاني يقتضي عدم اشتراط المحلل والثالث يقتضي بطلانه وهذا واضح لا يحتاج إلى تأمل قالوا وأيضا فكل منهما بدون المحلل كان يتوقع غرامة ماله لواحد فقط وهو خصمه فإذا دخل المحلل صار متوقعا لغرامته للآخر أو للمحلل أو لهما فكيف يقال يجوز العقد الذي يتوقع فيه غرامة ماله لهذا وحده لهذا وحده ولهما معا ويحرم العقد الذي إنما يتوقع فيه غرامته لواحد فقط ومن المعلوم أن وقوع قسم من ثلاثة أقرب من وقوع واحد بعينه فتكون جهات غرامة كل منهما مع المحلل ضعفي جهة غرامته بدونه فكيف يباح هذا ويحرم ذاك وهل كان ينبغي إلا العكس قالوا وأيضا فإذا كان لا يجوز لأحدهما أن يأخذ مال الآخر إذا اشتركا في الإخراج ويكون أكل المال منه اكلا بالباطل فيكف يجوز لكل مهما أكل مال الآخر إذا دخل هذا الدخيل المستعار ويكون الأكل به اكلا بحق مع أنهما لم يستفيدا به إلا أكله مالهما وحصولهما على الحرمان وإن غلباه لم يفرحا بغلب فإذا دخل وتناصفا في الإخراج وتساويا في العمل وانتظر كل منهما ما يخرج له به القدر حرمتموه قالوا وأيضا فإذا أخرجا معا كان كل منهما معطيا آخذا فإذا دخل بينهما هذا الثالث دخل من يكون آخذا لا معطيا فإن كان أكله(1\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "98",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5399",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السبق على هذا الوجه أكلا بحق فأكل من يكون معطيا آخذا أحل منه فكيف يقال إن من يأخذ ولا يعطي يستحق ومن يأخذ ويعطي لا يستحق مع استوائهما في العمل قالوا وأيضا فإذا أخرجا معا فأكل المال في هذه الصورة إما أن يكون بحق أو بباطل فإن كل بحق فلا حاجة في جوازه إلى المحلل وإن كان أكلا بباطل فدخول المحلل لا يجعله أكلا بحق فإن المحلل لم يزل السبب الذي كان أكل المال به بدونه باطلا كما تقدم قالوا وأيضا فإذا سبق المحلل مع أحدهما فإما أن يقولوا يختص المحلل بسبق الآخر أو يشترك هو والسابق والأول ممتنع لأنهما قد اشتركا في السبق واستويا في العمل فتخصيص المحلل بالسبق مع تساويهما في سببه ظلم وإن قلتم يشتركان فيه لزمكم المحذور التي فررتم منه لأن كل ما ذكرتم فيما إذا لم يكن بينهما محلل فهو ها هنا بعينه لأن الاثنين لما سبقا الثالث صارا بمنزلة الواحد الذي سبق الآخر ولهذا اشتركا في سبقه فإن لم يكن في هذا محذور لم يكن في الصورة التي منعتموها محذور وإن كان في صورة المنع محذور فهاهنا مثله ولا فرق فإن كان عندكم فرق فأبدوه لنا فإنا من وراء القبول له إن كان فرقا مؤثرا ومن وراء الرد إن كان غير مؤثر قالوا وأيضا فكما زادت المخاطرة بدخول المحلل في أقسام الغنم والغرم زادت أيضا بالنسبة إلى المسابقين فإنهما إذا كانا اثنين(1\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "99",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5400",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقط فمخاطرة كل واحد منهما مع اثنين من قرنه ومع المستعار الدخيل وقد كان قبل المحلل كل منهما بصدد الغنم إذا غلب واحد فقط وبدخول المحلل لا يغنم حتى يغلب اثنين ولا ريب أن المخاطرة كلما كانت أقل كانت أولى بالجواز وكيف يكون العقد الذي زادت مخاطرته هو الحلال الجائز والذي هو أقل مخاطرة منه وأقرب إلى تحصيل مقصود الشارع والمتراهنين هو الحرام الممتنع هذا مما لا تأتي به الشريعة الكاملة قالوا وأيضا فحل المال يستدعي طيب نفس باذله به فإنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه والمتراهنان إذا دخل(1\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "100",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5401",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بينهما محلل يأخذ ولا يعطي لم تطب أنفسهما ولا تسمح له ببذل المال لأنه كاسب غر غارم وهو عارية بينهما دخيل لم ينتفعا به بل تضررهما به هو الواقع وهذا موجود في نفوس المسابقين لا يحتملان المستعار إلا على كره ونفرة ويرينا دخوله غير مستحسن قالوا وأيضا فنفرة الطباع منه وعدم استحسان العقلاء لدخوله يدل على أنه غير حسن عند الله فإن كل ما هو حسن عند الله ورسوله فالعقلاء تستحسنه طباعهم وتشهد بحسنه وملاءمته لقضيات العقول ولا سيما إذا ظهرت لها مصلحة(1\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "101",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5402",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أوجه الشبه بين المتسابقين والمتناضلين من جهة والمتناظرين في العلم من جهة أخرى  قالوا ومما يبين أن العقد بدون المحلل أحل منه بالمحلل وأولى بالجواز أن المسابقة المناضلة من باب الاستعداد للجهاد فإذا تعلم الناس أسبابه وتدربوا فيها وتمرنوا عليها قبل لقاء العدو ألفاهم ذلك عند اللقاء قادرين على عدوهم مستعدين للقائه وكل من المتسابقين والمتناضلين يريد أن يغلب صاحبه كما يريد المقاتل أن يغلب خصمه فهو يتعلم غلبة صاحبه ليتوصل إلى غلبة عدوه وهذا كحال المتناظرين في العلم فإن احدهما يورد على صاحبه من الممانعات والمعارضات وأنواع الأسئلة ما يرد على الآخر جوابه ليعرف الحق في المسألة فإذا جادله مبطل كان مستعدا لمجادلته بما تقدم له من المناظرة مع صاحبه فالمناظرة في العلم نوعان أحدهما للتمرين والتدرب على إقامة الحجج ودفع الشبهات والثاني لنصر الحق وكسر الباطل والأول يشبه السباق والنضال والثاني يشبه الجهاد وقتال الكفار قال الله تعالى وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء [الأنعام: 83] قال مالك(1\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "102",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5403",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال زيد بن اسلم بالعلم فعلم الحجة يرفع درجة صاحبه فإن العلم بالحجج والقوة على الجهاد مما رفع الله به درجات الأنبياء وأتباعهم كما قال تعالى يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات [المجادلة: 11] وقال تعالى واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار [ص: 45] فالأيدي القوى التي يقدرون بها على إظهار الحق وأمر الله وإعلاء كلمته وجهاد أعدائه والأبصار البصائر في دينه ولهذا يسمي الله سبحانه الحجة سلطانا قال ابن عباس كل سلطان في القرآن فهو الحجة كما قال تعالى أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين [الصافات: 156] وقال تعالى إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان [النجم: 23] وقال تعالى أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون [الروم: 35] وهذا لأن الحجة تسلط صاحبها على خصمه فصاحب الحجة له سلطان وقدرة على خصمه وإن كان عاجزا عنه بيده وهذا هو أحد أقسام النصرة التي ينصر الله بها رسله والمؤمنين في الدنيا كما قال تعالى(1\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "103",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5404",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد [غافر: 51] أقسام الجهاد  فإذا كانت المسابقة شرعت ليتعلم المؤمن القتال ويتعوده ويتمرن عليه فمن المعلوم أن المجاهد قد يقصد دفع العدو إذا كان المجاهد مطلوبا والعدو طالبا وقد يقصد الظفر بالعدو ابتداء إذا كان طالبا والعدو مطلوبا وقد يقصد كلا الأمرين والأقسام ثلاثة يؤمر المؤمن فيها بالجهاد وجهاد الدفع أصعب من جهاد الطلب فإن جهاد الدفع يشبه باب دفع الصائل ولهذا أبيح للمظلوم أن يدفع عن نفسه كما قال الله تعالى أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا [الحج: 39] وقال النبي صلى الله عليه وسلم من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد(1\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "104",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5405",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأن دفع الصائل على الدين جهاد وقربة ودفع الصائل على المال والنفس مباح ورخصة فإن قتل فيه فهو شهيد فقتال الدفع أوسع من قتال الطلب وأعم وجوبا ولهذا يتعين على كل أحد يقم ويجاهد فيه العبد بإذن سيده وبدون إذنه والولد بدون إذن أبويه والغريم بغير إذن غريمه وهذا كجهاد المسلمين يوم أحد والخندق ولا يشترط في هذا النوع من الجهاد أن يكون العدو ضعفي المسلمين فما دون فإنهم كانوا يوم أحد والخندق أضعاف المسلمين فكان الجهاد واجبا عليهم لأنه حينئذ جهاد ضرورة ودفع لا جهاد اختيار ولهذا تباح فيه صلاة الخوف بحسب الحال في هذا النوع وهل تباح في جهاد الطلب إذا خاف فوت العدو ولم يخف كرته فيه قولان للعلماء هما روايتان عن الإمام أحمد ومعلوم أن الجهاد الذي يكون فيه الإنسان طالبا مطلوبا أوجب من هذا الجهاد الذي هو فيه طالب لا مطلوب والنفوس فيه أرغب من الوجهين وأما جهاد الطلب الخالص فلا يرغب فيه إلا أحد رجلين إما عظيم الإيمان يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله(1\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "105",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5406",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإما راغب في المغنم والسبي فجهاد الدفع يقصده كل أحد ولا يرغب عنه إلا الجبان المذموم شرعا وعقلا وجهاد الطلب الخالص لله يقصده سادات المؤمنين وأما الجهاد الذي يكون فيه طالبا مطلوبا فهذا يقصده خيار الناس لإعلاء كلمة الله ودينه ويقصده أوساطهم للدفع ولمحبة الظفر فصل  فإذا تبين هذا في الغايات وهي الجهاد فمثله في الوسائل وهي المسابقة والمناضلة فإنه من المعلوم أنه إذا كان الرهن من أحد الجانبين كان غاية مقصود باذله أن يسلم فيكون حرصه من باب حرص الدافع لا الطالب فإنه لا يحصل هل من الآخر شيء ومقصود الآخر من جنس مقصود الطالب فجهاد الأول جهاد دفع وجهاد هذا جهاد طلب وإذا كان الرهن من كل واحد منهما صار سباق كل واحد سباق طالب مطلوب وهو نظير جهاد الطالب للمطلوب فتكون الرغبة والحرص على السبق أقوى لاجتماع السببين بخلاف سباق المطلوب فقط أو الطالب فقط فكيف يحرم هذا الذي هو من أعظم الأسباب المقتضية لمصلحة المسابقة ويباح ما هو دونه في تحصيل هذه المصلحة فليتدبر المنصف هذا ثم إلى إنصافه التحاكم وإلى عدله التخاصم وبالله التوفيق(1\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "106",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5407",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تفسير قوله صلى الله عليه وسلم لا جلب ولا جنب في الرهان قالوا وأيضا فمبنى هذا العقد على استواء الحزبين فلا يجوز أن يقوى أحدهما على الآخر لما فيه من مزيد إعانة له على الحزب الآخر ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلب والجنب في السباق فالجلب أن يصيح بفرسه في وقت السباق هو أو غيره ويزجره زجرا يزيد معه في شأوه وإنما العدل أن يركضا بتحريك اللجام والاستحثاث وبالسوط والمهماز وما في معناهما من غير إجلاب بالصوت هذا تفسير الأكثرين وقيل هو أن يجتمع قوم فيصطفوا وقوفا من الجانبين ويزجروا الخيل ويصيحوا بها فنهوا عن ذلك والحديث يعم القسمين وأما الجنب ففيه تفسيران أحدهما وهو تفسير أكثر الفقهاء أن يجنب المسابق مع فرسه فرسا يحرضه على الجري قال أحمد بن أبي طاهر (وإذا تكاثر في الكتيبة أهلها ... كنت الذي ينشق عنه الموكب)(1\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "107",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5408",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(وأتيت تقدم من تقدم منهم ... وورا ورائك قد أتى من يجنب) والتفسير الثاني أنهم كانوا يجنبون الفرس حتى إذا قاربوا الأمد تحولوا عن المركوب الذي قد كده الركوب إلى الفرس المجنوب فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ذاك ذكره الخطابي وغيره وفي موطأ القعنبي سئل مالك عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا جلب ولا جنب ما تفسير ذلك فقال بلغني ذلك وتفسيره أن يجلب وراء الفرس حتى يدنو من الأمد ويحرك وراءه الشئ يستحث به ليسبق فذلك الجلب والجنب أن يجنب مع الفرس الذي يسابق به فرسا آخر حتى إذا دنا تحول راكبه على الفرس المجنوب والمقصود أنه نهى عن تقوية أحد الحزبين بما يكون فيه مزيد إعانة له على الآخر لما فيه من الظلم فإذا كان الإخراج من أحدهما كان فيه تقوية للمبذول له دون الباذل وهذا مأخذ من لم يجوز البذل إلا من أجنبي فإذا إذا كان الإخراج منهما لم يكن في ذلك تقوية لأحدهما على الآخر فهو أولى بالجواز قالوا وأيضا والأجنبي إذا بذل الجعل لأحدهما إن غلب ولم(1\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "108",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5409",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يبذله للآخر إن غلب لم يجز ذلك لما فيه من الظلم فإن الآخر يقول إن سبقت لم آخذ شيئا وخصمي إن سبق أخذ وهذا بعينه موجود فيما إذا كان البذل من أحدهما فإن الباذل يقول إن سبقت لم آخذ وقريني إن سبق أخذ وذلك يضعف همته وهذا مأخذ من منع من فقهاء أهل المدينة هذه الصورة وأما إذا بذله الأجنبي لمن سبق منهما تساويا في العمل والاستحقاق ولهذا اتفق الناس على جواز هذه الصورة وإذا عرف هذا فهو نظير إخراجهما معا فكيف يكون إخراج السبق من أحدهما أولى من إخراجه منهما بلى إذا امتنع إخراج السبق من أحدهما كان أولى بالعدل من منع إخراج السبق منهما فإذا جوزتم إخراج السبق من أحدهما فإخراجه منهما أولى بالجواز ونكتة المسألة أن الإخراج منهما أقرب إلى العدل ومقصود العقد وطيب نفس كل واحد منهما وحرصه على الغلب مما إذا كان الإخراج من أحدهما والواقع شاهد بذلك المقصود من السباق وبيان أن اشتراط المحلل يناقضه قالوا وأيضا فالسباق إنما يقصد منه التعليم والتدريب والتمرين على الفروسية والرمي وليس المقصود من أكل المال كما يقصد في البيع والإجارة والجعالة فإنه هناك لا قصد لأحدهما إلا المال وهنا مقصود(1\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "109",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5410",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشارع بشرع هذا العقد العمل لا المال وإنما شرع فيه المال لأنه أبلغ في ترغيب النفوس فيه لأنه متى كان الباعث على السباق الظفر بالمال والغلبة قويت فيه الرغبة والمال لا يؤكل في هذا العقد إلا على وجه المخاطرة ومعلوم أن حصول هذا المقصود بدون المحلل أعظم منه إذا كان بينهما وأن المخاطرة مع المحلل كالمخاطرة بدونه سواء أو أزيد وهذا ضروري التصور وهو مما لا يستراب فيه فالمحلل دائر بين أمرين إما أنه لا فائدة منه وإما أن مصلحة السباق بدونه أتم وأيهما كان فهو مستلزم لبطلان اشتراطه قالوا وأيضا إذا كان الجعل من أحد المتسابقين فمقصوده منع الآخر من أخذ الجعل ودفعه عنه كأنه يقول أنت لا تقدر على أن تغلبني وأنا أبين عجزك بأن أبذل لك جعلا لأقوي رهبتك ورغبتك في أن تغلبني وأنت مع ذلك عاجز وذلك أن الإنسان يترك الشئ إما لعجزه عنه وإما لعدم إرادته له فمتى كان مريدا له إرادة تامة وقادرا عليه قدرة تامة لزم وجوده قطعا فالقادر على أن يغلب غيره قد يريد ذلك لمجرد محبة النفس لإظهار القدرة والغلبة وقد يريد ذلك لأخذ المال فإذا اجتمع الأمران كانت إرادته أبلغ كما تقدم بيانه فالجاعل يقول أنا أبين أنك عاجز لأني أبذل المال الذي أحرك به رغبتك في القلب مع ما في النفس من محبة ذلك فأنت مع كمال رغبتك عاجز عني وعن مغالبتي فأنا أقدر منك على هذا العمل هذا مقصوده قطعا ليس مقصوده أن يبذل الجعل لمن يغلبه ويأخذ(1\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "110",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5411",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ماله فإن عاقلا لا يقصد هذا بل يقصد منع الآخر ودفعه وتعجيزه فلهذا البذل من أحدهما جائز لهذا المعنى فلأن يجوز منهما بطريق الأولى والأحرى لأن حصول هذا المعنى مع اشتراكهما في البذل أقوى منه عند انفراد أحدهما به مفاسد اشتراط دخول المحلل بين المتسابقين قالوا وأيضا فإن كان أكل المال إذا أخرجا معا قمارا حراما فالمحلل أكد أمر هذا القمار وقواه وثبته فلم يخرج به هذا العقد عن القمار لا صورة ولا معنى ولا يظهر للناظر بعد طول تأمله ونظره لأي معنى خرج به العقد عن كونه أكل مال بالباطل وانقلب به العقد عن كونه عقد قمار وميسر إلى كونه عقد جعالة أو إجارة فاستحالت به خمرة هذا العقد خلا وصار به حرامه حلا وهل فرقت الشريعة العادلة بين متماثلين من غير معنى فرق بينهما أو جمعت بين متضادتين وهل حرمت عملا لمعنى ثم تبيحه مع قيام ذلك المعنى بعينه أو زيادته من غير تعارضه مصلحة راجحة وهل زاد المستعار الدخيل هذا العقد إلا شرا فإنه زاده مخاطرة واقتضى نفرة طباع المتسابقين عنه وأكله مالهما وعدم إطعامهما شيئا وهو المراعى جانبه المنظور في مصلحته وهو إما سالم وإما غانم يغلب فيسلم ويغلب فيغنم والذي قد أخرج ماله لصيق كبده وشقيق روحه يغلب فيغرم ويغلب صاحبه فلا يدعه المحلل يفرح بغلبه بل يشاطره(1\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "111",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5412",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المال إن ساواه في سبق الآخر ويحرمه إياه بالكلية إن سبقه فسبق خصمه وغرم ماله فلم يستفد بسبق قرنه إلا خسارة ماله وكان هذا من بركة المحلل فلولاه لقرت عينه بسبقه وفرحت به نفسه وقويت رغبته في هذه المسابقة التي يحبها الله ورسوله هكذا حال قرنه أيضا معه فالباذلان المتسابقان لهما غرم هذا العقد وللمستعار غنمه وهو بارد القلب منهما وهما يعضان عليه الأنامل من الغيظ وهو في هذا العقد إما منتفع وإما سالم من الضرر مع كونه لم يخرج شيئا وكل منهما إما منتفع وإما متضرر وإن انتفع فهو بصدد أن ينغص عليه المحلل منفعته هذا مع بذلهما فألحقتم بالباذلين من الشر والضرر والغبن ما نجيتم منه المستعار الذي هو دخيل عليهما في المسابقة وليس مقصودا مع أنه لم يبذل شيئا قالوا وهل تأتي شريعة بمثل هذا وهل في الشريعة التي بهرت حكمتها العقول مثل هذا وهل فيها رعاية جانب التابع المستعار الذي هو حرف جاء لمعنى في غيره وهو فضلة في الإسناد وإلغاء جانب المقصود الذي هو ركن في الإسناد وهو الذي حضه النبي صلى الله عليه وسلم على الركوب والرمي قالوا وفي هذا نوعان من الفساد أحدهما الخروج عن موجب الإنصاف الذي هو لازم ملزوم الشريعة الكاملة دائر معها فإن مدارها على العدل بكل ممكن قال الله تعالى لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط(1\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "112",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5413",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ") الحديد 25 وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الشورى 15 الثاني أن يجعل المطيع لله ورسوله الراغب فيما رغب فيه النبي صلى الله عليه وسلم الذي يريد الرمي والركوب للاستعانة على الجهاد في سبيل ويبذل الجعل ليكون ذلك أعظم للرغبة وأشد تحريضا للنفوس على ما يحبه الله ورسوله أسوأ حالا من هذا المستعار الذي هو دخيل بل هذا الدخيل مراعى جانبه منظور في مصلحته موفر نصيبه من الأمن محصن في برج السلامة مسلوك به طريق الأمن مكمل فرحه بالسلامة والظفر والباذلان المقصودان بمعزل عن ذلك قالوا وأيضا فبدخول المحلل لم يخرج العقد عن كون الجعل فيه من اثنين بل الجعل منهما بحاله وإنما استفدنا جهة أخرى لمصرفه فكان الخطر أن يصرفان إلى هذا وحده على تقدير وإلى هذا وحده على تقدير وإلى كل منهما جعله على تقدير فاستفدنا بدخوله ثلاث تقديرات أخر صرف الرهنين إليه وحده وإليه وإلى هذا وحده وإليه وإلى الآخر فلم نستفد بدخوله إلا تعدد الجهات التي يصرف فيها الجعل ليس إلا فلم يخرج به العقد من كونه عقدا أخرج منه كما ترى المتراهنان كلاهما قالوا وأيضا فمشترطوا المحلل مختلفون هل دخل ليحل فيه لنفسه فقط أو له وللباذلين على قولين(1\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "113",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5414",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فذهب جمهور من اشترطه إلى أنه دخل ليحله لنفسه ولهما وقال أبو علي بن خيران من الشافعية إنما يحله لنفسه فقط وحكاه أبو المعالي الجويني قولا للشافعي واختاره أبو محمد المنذري في كتابه على سنن أبي داود وقال عليه يدل الحديث ثم قالوا فعلى هذا لو سبق المحلل وأحدهما بحيث جاءا معا فإن قلنا يحله لنفسه فقط استبد المحلل بالسبق جميعه دون الآخر مع تساويهما في السبق وإن قلنا يحله لنفسه ولهما فإنهما يكونان في السبق سواء ولو(1\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "114",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5415",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبق أحد الباذلين الآخر والمحلل فعلى قول الجمهور يستحق السبق جميعه وعلى قول ابن خيران يشترك هو والمحلل في سبق الثالث هكذا قال بعض الشافعية والذي في النهاية إنه إن سبق أحد الباذلين ثم تبعه المحلل وتأخر الآخر أحرز السابق مال نفسه وفي سبق الثالث أربعة وجوه أحدها أنه يحرزه صاحبه مع كونه مغلوبا مسبوقا من كل وجه وهذا بركة المحلل عليه والثاني أنه يختص به السابق لسبقه له وغلبه إياه والثالث أنه يكون بينه وبين المحلل لاشتراكهما في سبقه والرابع أنه يختص به المحلل لأنه دخل ليحل السبق لنفسه لا لهما فإن سبق المحلل وحده وتبعه الآخر وتأخر الثالث ففيها ثلاثة أوجه أحدها أن السبقين للمحلل والثاني سبق الثالث بين المحلل والثاني نصفين والثالث أن سبق الثالث للثاني وحده وإن سبق أحدهما وتبعه الآخر ثالثا أحرز السابق سبق نفسه وهل يستحق سبق الثاني على وجهين مبينين على ذلك الأصل(1\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "115",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5416",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي تبين فساده وإن سبق أحدهما وساوى الآخر المحلل خاب المحلل وفاز السابق بسبقه وفي استحقاقه سبق صاحبه القولان فليتدبر اللبيب ما في هذه الفروع من الفساد والتناقض الدال على فساد الأصل فإنهما إنما نشأت عن اشتراط المحلل وهي من لوازم القول به وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم ولما تفطن بعض المشتركين لفساد هذه الفروع قال إن سبق المحلل لم يأخذ شيئا وإن سبق غرم ذكره بعض الحنفية حكاه ابن الساعاتي في شرح مجمع البحرين وابن بلدحي في شرح المختار فتأمل هذا التفاوت الشديد والاختلاف المتباين في أمر هذا لا دخيل المستعار فإن ما كان من عند الله لا تعرض فيه ولا له هذا التناقض الشديد والاختلاف الكثير ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا النساء 82 وزن هذه الفروع المتباينة والأقوال المتضادة فيه بكتاب الله وسنة رسوله وقواعد شريعته وأصولها وحكمها ومصالحها واعرضها على الدليل ولا تجعلها عرضة للأدلة بحيث تعرض الأدلة عليها فلا تجدها توافقها فترد الأدلة لأجلها كما هو اعتماد كثير ممن غبن حظه من العلم والإنصاف والله ولي التوفيق مصارعة الرسول صلى الله عليه وسلم لركانة ورهانه على ذلك قالوا وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد صارع وراهن على الصراع وكان ذلك من الجانبين ولم يكن بينهما محلل بل يستحيل دخول المحلل بين(1\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "116",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5417",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المتصارعين ونحن نذكر قصة مصارعته صلى الله عليه وسلم قال أبو الشيخ الأصبهاني حدثنا عبد الله بن محمد بن زكريا ثنا سلمة بن شبيب ثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن يزيد بن أبي زياد أحسبه عن عبد الله بن الحارث قال صارع النبي صلى الله عليه وسلم أبا ركانة في الجاهلية وكان شديدا فقال شاة بشاة فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو ركانة عاودني في أخرى فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم فقال عاودني في أخرى فعاوده فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو ركانة ماذا أقول لأهلي شاة أكلها الذئب وشاة نشزت فما أقول للثالثة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما كنا لنجمع عليك أن نصرعك ونغرمك خذ غنمك وقال أبو داود في كتاب المراسيل حدثنا موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بالبطحاء فأتى عليه يزيد بن ركانة أو ركانة بن يزيد ومعه أعنز له فقال يا محمد هل لك أن تصارعني فقال ما تسبقني فقال شاة من غنمي فصارعه فصرعه فأخذ شاة قال ركانة فهل لك في العودة فقال ما تسبقني قال أخرى ذكر(1\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "117",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5418",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك مرارا فقال يا محمد والله ما وضع أحد جنبي إلى الأرض وما أنت بالذي تصرعني فأسلم ورد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم غنمه قال البيهقي هذا مرسل جيد وقد روي بإسناد آخر موصولا وقال أبو الشيخ أيضا في كتاب السبق له ثنا إبراهيم بن علي ثنا ابن المقري حدثنا ابن أبي حماد عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير فذكره(1\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "118",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5419",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا إسناد جيد متصل وقال أيضا ثنا ابو بكر الجارودي ثنا إسماعيل بن عبد الله ثنا محمد بن كثير ثنا حماد بن سلمة ثنا عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن يزيد بن ركانة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبطحاء فمر به ركانة قال شيخنا هو ركانة بن عبد يزيد وسعيد بن جبير لم يدرك ركانة فإن ركانة توفي في أول خلافة معاوية سنة اثنتين وأربعين وهو من مسلمة الفتح وقصة مصارعته للنبي صلى الله عليه وسلم معروفة عند العلماء وإنما ينكرون مصارعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي جهل كما تقدم التنبيه عليه وقال أبو داود في سننه عن محمد بن علي بن ركانة إن ركانة صارع النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم وهذا ليس فيه ذكر السبق ولكن ذكره في حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس وفي حديث عبد الله بن الحارث وهذه الروايات لا تناقض فيها فإن من روى قصة المصارعة منهم(1\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "119",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5420",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من ذكر الرهن من الجانبين ومن لم يذكر الرهن لم ينفه بل سكت عنه واقتصر على بعض القصة ومن ذكر قصة تسبيق ركانة بالشاة لم ينف إخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا بل سكت عنه فذكره عبد الله بن الحارث ولو نفى بعض الرواة إخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم للرهن صريحا وأثبته البقية لقدم المثبت على النافي كما في نظائره وإذا ثبت هذا فهو دليل على المراهنة من الجانبين بلا محلل وهو نظير مراهنة الصديق فإن كل واحدة منهما مراهنة على ما فيه ظهور الدين فإن ركانة هذا كان من أشد الناس ولم يعلم أن أحدا صرعه فلما صرعه النبي صلى الله عليه وسلم علم أنه مؤيد بقوة أخرى من عند الله ولهذا قال والله ما رمى أحد جنبي إلى الأرض فكان لا يغلب فأراد النبي صلى الله عليه وسلم بمصارعته إظهار آيات نبوته وما أيده الله به من القوة والفضل وكانت المشارطة على ذلك كالمشارطة في قصة الصديق لكن قصة الصديق في الظهور بالعلم وهذه في الظهور بالقوة والقدرة والدين إنما يقوم بهذين الأمرين العلم والقدرة فكانت المراهنة عليهما نظير المراهنة على الرمي والركوب لما فيهما من العون على إظهار الدين وتأييده فهي مراهنة على حق وأكل المال بها أكل له بالحق لكن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان غرضه إعلاء الحق وإظهاره رد عليه المال ولم يأخذ منه شيئا فأسلم الرجل وهذه المراهنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصديقه هي من الجهاد الذي يظهر الله به دينه ويعزه به فهي من معنى الثلاثة المستثناة في حديث أبي هريرة ولكن تلك الثلاثة جنسها يعد للجهاد بخلاف جنس الصراع فإنه لم يعد للجهاد وإنما يصير مشابها للجهاد إذا تضمن نصرة(1\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "120",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5421",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحق وإعلائه كصراع النبي صلى الله عليه وسلم ركانة وهذا كما أن الثلاثة المستثناة إذا أريد بها الفخر والعلو في الأرض وظلم الناس كانت مذمومة فالصراع والسباق بالأقدام ونحوهما إذا قصد به نصر الإسلام كان طاعة وكان أخذ السبق به حينئذ أخذا بالحق لا بالباطل والأصل في المال أن لا يؤكل إلا بالحق لا يؤكل بباطل وهو ما لا منفعة فيه فحديث ركانة هذا أحد طرقه صريحة في الرهان من الجانبين من غير محلل والطريق الأخرى لم تنف ذلك بل لم تكن عادة العرب وغيرهم وإلى الآن أن يبذل السبق أحد المتغالبين وحده وإنما المعروف من عادات الناس التراهن من الجانبين وقد جعل في طباعهم وفطرهم أن الرهن من أحد الجانبين قمار وحرام والنفوس تحتقر الذي لم يبذل وتزدريه وتعده بخيلا شحيحا مهينا ومما يوضح أن التراهن كان من الجانبين في هذه القصة أن ركانة لما غلبه النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ منه شاة طلب ركانة العود وإنما ذلك ليسترجع الشاة ولم يكن له غرض في أن يغرم شاة أخرى وثالثة ولو كان البذل من ركانة وحده لم يكن له سبيل لاسترجاع الشاة التي خرجت منه بل إذا غلب غرم شاة أخرى وإن غلب لم يفرح بأخذ شئ فلم يكن ليطلب العود إلى صراع هو فيه غارم ولا بد ولا سبيل له إلى استنقاذ ما غرمه ألبتة وهذا بخلاف ما إذا كان التراهن من الجانبين كما هو الواقع كان المغلوب على طمع من استرجاع ما غرمه فيحرص على العود(1\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "121",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5422",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمقصود أن الرهن لو كان من جانب واحد وهو جانب ركانة لم يكن له في العود بعد الغرم فائدة أصلا بل إما أن يغرم شاة ثانية وثالثة مع الأولى وإما أن تستقر الأولى للنبي صلى الله عليه وسلم وهذا مما يعلم أن ركانة لم يقصده بل ولا غيره من المتغالبين وإنما يقصد المغلوب بالعود استرجاع ما خرج منه وغيره معه فهذا الأثر يدل على جواز المراهنة من الجانبين بدون محلل في عمل يتضمن نصرة الحق وإظهار أعلامه وتصديق الرسول صلاة الله وسلامة عليه وهذا بخلاف العمل الذي وجوده مكروه بغيض إلى الله ورسوله متضمن للصد عن ذكره فإن هذا لا يجوز فيه مع إخراج العوض وهذا على أحد الوجهين في مذهب الشافعي وأحمد ظاهر جدا فإنهم يجوزون المسابقة بالعوض على الطيور المعدة للأخبار التي ينتفع بها المسلمون(1\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "122",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5423",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حكاه أبو الحسن الأمدي وصاحب المستوعب عن بعض أصحاب أحمد فإذا كان أكل المال بهذه المسابقة أكلا بحق فأكله بما يتضمن نصرة الدين وظهور أعلامه وآياته أولى وأحرى وعلى هذا فكل مغالبة يستعان بها على الجهاد تجوز بالعوض بخلاف المغالبات التي لا ينصر الدين بها كنقار الديوك ونطاح الكباش والسباحة والصناعات المباحة(1\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "123",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5424",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرد على القائلين بأن مراهنة أبي بكر الصديق لكفار قريش منسوخة قالوا ونظير قصة مصارعه النبي صلى الله عليه وسلم لركانة قصة مراهنة الصديق لكفار قريش على تصديق النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به من غلبة الروم لفارس وكان الرهان من الجانبين كما تقدم في أول الكتاب سياق الحديث وإسناده على شرط الصحيح وقد صححه الترمذي وغيره قالوا ولا يصح أن يقال إن قصة الصديق منسوخة بتحريم القمار فإن القمار حرم مع تحريم الخمر في آية واحدة والخمر حرمت ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر بني النضير وكان ذلك بعد أحد بأشهر وأحد كانت في شوال سنة ثلاث بغير خلاف والصديق لما كان المشركون قد أخذوا رهنه عاد وراهنهم على مدة أخرى كما تقدم فغلبت الروم فارس قبل المدة المضروبة بينهم فأخذ أبو بكر رهنهم هكذا جاء مصرحا به في بعض طرق الحديث وهذه الغلبة من الروم لفارس كانت عام الحديبية بلا شك ومن قال كانت عام وقعة بدر فقد وهم لما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس عن أبي سفيان أن هرقل لما أظهره الله على فارس مشى من حمص إلى إيلياء شكرا لله فوافاه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بإيلياء فطلب من هناك من العرب فجئ بأبي سفيان صخر بن حرب فقال له إني سائلك عن هذا الرجل(1\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "124",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5425",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فذكر الحديث وفيه فقال هل يغدر فقال أبو سفيان لا ونحن الآن في أمان منه في مدة ما ندري ما هو صانع فيها يريد أبو سفيان بالمدة صلح الحديبية وكان في ذي القعدة سنة ست بلا شك فعلم أن تحريم القمار سابق على أخذ الصديق الرهان الذي راهن عليه أهل مكة ولو كان رهان الصديق منسوخا لكان أبعد الناس منه فقد روى البخاري في صحيحه أنه كان له غلام يأخذ منه الخراج فجاء يوما بشئ فأكل منه ثم ضحك غلامه فقال مالك فقال أتدري من أين هذا قال لا قال إني كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية فلما كان اليوم جاءني بما جعل لي فوضع أبو بكر يده في فيه واستقاء ما كان أكل فكيف يأخذ القمار الحرام بعد علمه بتحريمه ونسخه هذا من المحال البين وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يتصدق بما أخذ من المشركين من الرهان(1\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "125",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5426",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا إن صح لا يضر فإنه الأولى والأكمل والأليق بمنصب الصديقية فلما رأت هذه الطائفة أنه لا يصح أن تكون قصة الصديق منسوخة بتحريم القمار قالت هي منسوخة بحديث أبي هريرة لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل قالوا وأبو هريرة أسلم عام خيبر سنة سبع وهذا بعد تحريم القمار والخمر بلا شك فيكون حديثه ناسخا لمراهنة الصديق قال الآخرون أبو هريرة لم يقل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فجائز أن يكون أرسله عن بعض الصحابة كما في عامة حديثه فإنه كان يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا وقف يقول حدثني فلان ويذكر من حدثه من الصحابة وعلى تقدير أن يكون سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم فغايته أنه لفظ عام ومراهنة الصديق واقعة خاصة والخاص مقدم على العام تقدم أو تأخر عند الجمهور وقيل إنه إجماع الصحابة كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أقر أهل خيبر على أن يعملوها والثمرة بينهم وبينه ثم أوصى(1\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "126",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5427",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عند وفاته أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب ولا خلاف أن خيبر من جزيرة العرب فعمل الخليفتان الراشدان بالخاص المتقدم وقدماه على العام المتأخر وأقر أهل خيبر فيها إلى أن أحدثوا في زمن عمر رضي الله عنه ما أحدثوا وعلم فأجلاهم إلى الشام قالوا وهذا للحنفية ألزم فإنهم يرون المراهنة على مثل ما راهن عليه الصديق من الغلبة في مسائل العلم وعندهم أن العام المتأخر ينسخ الخاص المتقدم ولم ينسخوا قصة الصديق المتقدمة الخاصة بحديث أبي هريرة العام المتأخر وهو قوله لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل وعلى هذا فقد يقال قصة مراهنة الصديق لم تدخل في حديث(1\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "127",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5428",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "أبي هريرة ولا أريد بها بنفي ولا إثبات وعلى هذا فكل واحد من الحديثين يبقى معمولا به لأنه على بابه ولا تعارض بينهما وهو تقرير حسن قالوا فهذه نبذة من أدلتنا على عدم اشتراط المحلل في السباق فإن كان عندكم ما يعارضها فحيهلا به فنحن من وراء القبول له إن قاومها ومن وراء الرد والجواب إن لم يقاومها ومحال أن تقوم هذه الأدلة وأكثر منها على أمر باطل في الشرع يتضمن تحليل ما حرمه الله ورسوله وإلحاق القمار بالحلال ولا يكون عنها أجوبة صحيحة صريحة ولها معارض مقام فمن ادعى بطلانها فليجب عنها أجوبة مفصلة وإلا فليعرف قدره ولا يتعدى طوره ولا يقتحم حلبة هذا السباق إلا إذا وثق من نفسه بمقاومة الرفاق فصل  أدلة القائلين باشتراط المحلل قال أصحاب التحليل لقد أجلبتم علينا بخيل الأدلة ورجلها وجنبتم معها شكلها وغير شكلها وجيوش أدلتنا وراءكم في الطلب وسائقها يقول أدركتم وسبقتم فلا حاجة بكم إلى الجلب والجنب فاستعدوا الآن للقاء جيوش من الأدلة إن طلبت أعجزت من طلبها وإن طلبت أدركت من استنصر بها فهو منصور ومن عاندها فهو مقهور وسلطان هذه العساكر المنصورة كتاب الله ثم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمراؤها أئمة الإسلام من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهذه طليعة الجيش قد أقبلت وسلطانه قد برز(1\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "128",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5429",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الله تعالى: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم [الأحزاب 36] وقال [الله] تعالى: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [الحشر 7] وقال [الله تعالى] : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [النساء 65] وقال [الله] تعالى: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا [النساء 59] وقد تنازعنا نحن وأنتم في هذه المسألة فلأي القولين شهد القرآن والسنة أخذنا به ولم نترك موجبه لقول أحد وعند هذا فنقول الدليل على اشتراط المحلل من وجوه [الدليل الأول على اشتراط المحلل]  الأول ما رواه حافظ الأمة محمد بن شهاب الزهري عن أعلم التابعين سعيد بن المسيب عن حافظ الإسلام أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فلا بأس ومن(1\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "129",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5430",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ادخل فرسا بين فرسين وهو آمن أن يسبق فهو قمار رواه إمام أهل السنة أحمد [بن حنبل] في مسنده عن يزيد بن هارون ثنا سفيان بن حسين عن الزهري وبنى عليه مذهبه وعمل به ورواه أبو داود وابن ماجه في سننهما ورواه أبو بكر بن أبي شيبه وقال أبو عبد الله الحاكم:(1\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "130",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5431",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو صحيح الإسناد وقال أبو محمد بن حزم هو صحيح وليس في رجال هذا الإسناد من ينبغي النظر فيه إلا سفيان بن حسين هذا [فإنهم أئمة الإسلام وهداة الأنام فنقول وبالله تعالى التوفيق سفيان هذا قد وثقه أحمد بن عبد الله العجلي ويحيى ابن معين في رواية محمد بن سعد وقال كان يخطئ ووثقه عثمان بن أبي شبية وقال عباس الدوري سالت يحيى عنه فقال ليس به بأس وليس من أكابر أصحاب الزهري وقال يحيى في رواية ابن أبي خيثمة هو صالح وحديثه عن الزهري ليس بذاك إنما سمع منه بالموسم(1\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "131",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5432",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو الفرج ابن الجوزي ومحمد بن عبد الواحد المقدسي خرج مسلم حديثه في صحيحه واستشهد به البخاري في صحيحه وقد صحح له الترمذي عن غير الزهري فقال حدثنا زياد بن ايوب حدثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن يونس بن عبيد عن عطاء عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة والثنيا إلا أن يعلم ثم قال هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث يونس ابن عبيد عن عطاء عن جابر ويكفي سكوت الإمام أحمد عنه بعد إخراجه له وبناؤه مذهبه عليه(1\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "132",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5433",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا يدل على صحته عنده وقد قال الحافظ أبو موسى المديني إن ما خرجه الإمام أحمد في المسند فهو صحيح عنده قالوا وقد قال أبو الحسن الدارقطني في علله إن الحديث محفوظ عن الزهري وقد شهد أبو أحمد [بن] عدي أن للحديث أصلا وصوب رواية سعيد له عن أبي هريرة وناهيك بهؤلاء الأعلام وقد سال الترمذي البخاري عن حديث سفيان بن حسين في الصدقات فقال أرجو أن يكون محفوظا وسفيان بن حسين صدوق فهذا إمام هذا الشأن قد شهد لحديثه عن الزهري بأنه محفوظ ولسفيان بن حسين بالصدق ومثل هذا يكفي في الاحتجاج بالحديث قالوا وقد تابعه على روايته له عن الزهري سعيد بن بشير قاله أبو داود وابن عدي ولا ريب أن هذا يقوي أمر الحديث ويزيل عنه تفرد سفيان بن حسين به وقد أثنى الأئمة على سعيد بن بشير هذا فقال شعبة كان حافظا صدوق اللسان وقال أبو زرعة الدمشقي رأيت عند أبي مسهر موضعا للحديث قال وقلت لدحيم ما تقول في محمد بن راشد فقال ثقة وكان يميل إلى هوى قلت فأين هو من سعيد بن بشير فقدم سعيدا عليه وفي لفظ سألت دحيما عن قول من أدرك في سعيد فقال يوثقونه(1\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "133",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5434",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال البخاري يتكلمون في حفظه وهو يحتمل وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم سألت أبي وأبا زرعة عن سعيد بن بشير فقالا محله الصدق وعندنا قلت يحتج بحديثه قالا يحتج لحديث ابن أبي عروبة والدستوائي هذا شيخ يكتب حديثه قال وسمعت ابي ينكر على من أدخله في كتاب الضعفاء وقال يحول وقال عثمان بن سعيد الدرامي كان مشايخنا يقولون هو ثقة قالوا وإنما تكلم في سعيد بن بشير هذا من تكلم في حديثه عن قتاده لنكرة وقعت فيه حتى قال ابن عدي والدارقطني إنه أخطأ في هذا الحديث في روايته [إياه] عن قتاده عن سعيد بن المسيب عن ابي هريرة وروايته إياه عن الزهري وروايته إياه عن سعيد سالمة من [هذا] القدح ووافقة عليها سفيان بن حسين.(1\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "134",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5435",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا فالحديث إذن صحيح الإسناد لثقة رجاله وترك إخراج أصحاب الصحيح له لا يدل على ضعفه كغيره من الأحاديث الصحيحة التي تركا إخراجها قالوا وقصارى ما يعلل به الوقف على سعيد بن المسيب وهذا ليس بعلة فقد يكون الحديث عند الراوي مرفوعا ثم يفتي به من قوله فينقل عنه موقوفا فلا تناقض بين الروايتين فصل  [وجهة الدلالة منه]  قالوا فهذا تقرير الحديث من جهة السند وأما تقرير الدلالة منه فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن المتسابقين متى أدخلا بينهما ثالثا قد أمن أن يسبق فهو قمار ومعلوم أن دخوله لم يجعل العقد قمارا بل إخراجهما هو الذي جعل العقد قمارا ودخوله على غير الوجه الذي دخلا عليه من الجراء والخوف لا عبرة به فكأنه لم يدخل فكان العقد قمارا إذ لا تأثير [له] لدخوله فيه مع الأمن فإذا دخل على الوجه الذي دخلا عليه من الخوف والرجاء لم يكن قمارا وذلك لأن كل واحد منهما قبل المحلل دائر [بين] أن يأخذ من الآخر أو يعطيه فهو دائر بين أن يغنم أو يغرم والمخرج لم يقصد أن يجعل للسابق جعلا على سبقه حتى يكون من جنس الجعائل فإذا دخل بينهما ثالث كان لهما حال ثانية وهو أن يعطيا جميعا الثالث فيكون الثالث له جعل على سبقه لهما(1\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "135",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5436",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيكون من جنس الجعائل قالوا وإنما شرط النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأمن أن يسبق لأنه لم يكتف بصورة الدخيل حتى يكون دخوله حيلة مجردة بل لا بد أن يكون فرسه يحصل معه [مقصود] انتفاء القمار بمكافأته لفرسيهما قالوا ولهذا يشترط [هذه] المكافأة من يجوز الحيل فلا يجوز دخول هذا الثالث حيلة بل لا بد أن يخاف [منه ما يخاف] من كل واحد من المخرجين ويرجو ما يرجو له ولا يكفي صورته ليتحقق الخروج بدخوله عن شبه القمار هذا غاية ما يقرر به هذا الحديث سندا ودلالة فصل  [الدليل الثاني على اشتراط المحلل]  قالوا والدليل الثاني على اشتراط المحلل ما رواه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه فقال ثنا الحسن بن سفيان ثنا ابراهيم بن المنذر ثنا عبد الله بن نافع عن عاصم عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل وجعل بينهما سبقا وجعل بينهما محللا وقال لا سبق إلا في حافر أو خف أو نصل(1\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "136",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5437",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا فهذا إسناد كلهم ثقات وتصحيح أبي حاتم لحديث عاصم هذا وهو عاصم بن عمر بن حفص يدل على كونه ثقه عنده ووجه الاستدلال منه ظاهر(1\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "137",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5438",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل  [الدليل الثالث على اشتراط المحلل]  الدليل الثالث ما رواه الحافظ أبو إسحاق يعقوب بن إبراهيم السعدي في كتابه المترجم فقال حدثني عبد الله بن يوسف حدثنا يحيى بن حمزة قال حدثني رجل من بني مخزوم من ولد الحارث بن هشام قال حدثني أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا جلب ولا جنب وإذا لم يدخل المتراهنان فرسا يستبقان على السبق فيه فهو حرام قالوا فهذا اسناد لا يسأل عن رجاله وهذا الرجل المجهول غايته أنه لم يسم فالحديث به يكون مرسلا فإذا انضم إلى ذينك الحديثين قوي أمره وصلح الاستشهاد به لا للاعتماد عليه فصل  [الدليل الرابع على اشتراك المحلل]  الدليل الرابع ما رواه السعدي أيضا عن عمرو بن عاصم حدثنا(1\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "138",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5439",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حماد عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب أن رجلين تقامرا في ظبي وهما محرمان أيهما يسبق إليه فسبق أحدهما صاحبه فقال عمر هذا قمار ولا نجيزه فجعله قمارا لما أخرجا معا ولو أخرج أحدهما لم يقل تقامرا فإن التقامر إنما يكون من اثنين فصل  [الدليل الخامس على اشتراك المحلل]  الدليل الخامس ما رواه البخاري في صحيحه عن سلمة بن الأكوع قال مر النبي صلى الله عليه وسلم على نفر من أسلم ينتضلون بالسوق فقال ارموا بني إسماعيل في فإن اباكم كان راميا ارموا وأنا مع بنى فلان فأمسك أحد الفريقين بأيديهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما لكم لا ترمون فقالوا كيف نرمي وأنت معهم فقال ارموا وأنا معكم كلكم قالوا ولا يكون مع الطائفتين إلا وهو محلل وإلا كان مع أحدهما(1\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "139",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5440",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل  [الدليل السادس على اشتراط المحلل]  الدليل السادس أنهما إذا أخرجا معا ولم يكن هناك محلل كان قمارا وهو حرام لأنه يبقى كل منهما دائرا بين أن يغرم وبين أن يغنم وهذا هو القمار فإذا أدخلا بينهما ثالث حصل قسم ثالث وهو أن يسبقهما فيأخذ جعليهما معا ولا يغرم شيئا فيصير العقد به في حكم عقود الجعالات فكأنهما جعلا لهذا المحلل جعلا إن سبقهما فما لم يسبقهما لم يستحق الجعل قالوا ولو لم يكن في هذا الا قول أعلم التابعين ولا سيما بقضايا عمر وهو سعيد بن المسيب وكان عبد الله بن عمر يبعث يسأله عن قضايا أبيه فإنه أفتى بذلك وتبعه عليه فقهاء الحديث كالإمام أحمد(1\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "140",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5441",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والشافعي وفقهاء الرأي كأبي حنيفة وأصحابه ومن الناس غير هؤلاء فيكفينا أن ثلاثة أركان الأمة من جانبنا والركن الآخر وهو مالك عنه روايتان إحداهما موافقة سعيد بن المسيب في القول بالمحلل قال أبو عمر بن عبد البر وهو الأجود من قوليه وقول سعيد بن المسيب وجمهور أهل العلم واختاره ابن المواز قالوا ومذهب أبي حنيفة أن التابعي إذا عاصر الصحابة وزاحمهم في الفتوى وأقروه على ذلك كان قوله حجة قالوا وهذا مذهب إمام أهل الشام الأوزاعي وإمام أهل خراسان إسحاق بن راهويه وهو مذهب الزهري فقد تواطأ على هذا المذهب فقهاء الأمصار وفقهاء الآثار وفقهاء الرأي والقياس وقد سمعتم أدلته [ردود مشترطي المحلل على مخالفيهم] قالوا وأما أدلتكم فهي نوعان أثرية ومعنوية فأما الأثرية فالصحيح منها إما عام وأدلتنا خاصة فتقدم عليه أو مجمل وأدلتنا مفصلة وإما متقدم منسوخ بما ذكرنا من الأدلة كقصة مصارعة النبي صلى الله عليه وسلم ومراهنة الصديق فإنهما كانا في أول الإسلام قالوا وقد حكى [أبو] محمد بن حزم الإجماع على نسخ قصة(1\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "141",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5442",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصديق ومراهنته فإنه قال أجمعت الأمة التي لا يجوز عليها الخطأ فيما نقلته مجمعة عليه أن الميسر الذي حرمه الله هو القمار وذلك ملاعبة الرجل صاحبه على أن من غالب منهما أخذ من المغلوب قمرته التي جعلاها بينهما كالمتصارعين يتصارعان والراكبين يتراكبان على أن من غلب منهما فللغالب على المغلوب كذا وكذا خطارا وقمارا فإن ذلك هو الميسر الذي حرمه الله تعالى وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق قالوا ولا يعلم في هذه المسألة إلا مذهبان مذهب من يمنع اخراج الرهن من الحزبين معا سواء كان بمحلل أو لم يكن بمحلل وهذا هو المعروف من مذهب مالك قال أبو عمر بن عبد البر قال مالك لا تأخذ بقول سعيد بن المسيب في المحلل ولا يجب المحلل في الخيل قال صاحب الجواهر وهذا المشهور عنه والقول الثاني قول من يجوزه بشرط المحلل وهو قول من حكينا(1\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "142",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5443",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله آنفا وأما الجواز من الحزبين من غير محلل فلا نعلم به قائلا من الأئمة المتبوعين قالوا وأما ما استدللتم به من قوله راهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن المراهنة مفاعلة وحقيقتها من اثنين فذلك غير لازم فيها فإنه يقال سافر فلان وعاقب اللص وطارق النعل ويكفي عافاك الله وأما المعنوية فسائر ما ذكرتم من المعاني والإلزامات فنردها كلها بأمر واحد وهو فساد [اعتبارها لتضمنها مخالفة ما ذكرنا من النصوص الدالة على] اعتبار المحلل فلا حاجة إلى افراد كل واحد منها بجواب فهذا غاية ما تمسكت به هذه الفرقة وانتهى إليه نظرهم واستدلالتهم [قالوا] فقد تبين انا أولى بالأدلة الشرعية آثارها ومعانيها منكم كما نحن أولى بالأئمة منكم في هذه المسألة فإن كاثرتمونا بالأدلة كاثرناكم بالأئمة فكيف ودليل واحد من الأدلة التي ذكرناها يكفينا في النصرة علكيم قالوا وهؤلاء جمهور الأمة قد رأوا هذا القول حسنا وفي الحديث ما رأه المسلمون المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن(1\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "143",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5444",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما عداه فقول شاذ ومن شذ شذ الله به وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم الشيطان مع الواحد وهو من الإثنين أبعد(1\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "144",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5445",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل   ردود منكري المحلل على مخالفيهم]  قال المنكرون للمحلل لسنا ممن يقعقع له بالشنان ولا ممن يفر إذا أشرع إليه طرف السنان وإنا بحمد الله للحق ناصرون وبه منتصرون [وفيه متبصرون] وبه مخاصمون وإليه محاكمون وهو أخبيتنا التي نفزع اليها وقاعدتنا التي نعتمد عليها ونحن نبرأ إلى الله مما سواه ونعوذ بالله ان ننصر إلا اياه ولسنا ممن يعرف الحق بالرجال وإنما ممن يعرف الرجال بالحق ولسنا ممن يعرض الحق على آراء الخلق فما وافقه منها قبله وما خالفه رده وإنما نحن ممن يعرض آراء الرجال وأقوالها على الدليل فما وافقه منها اعتد به وقبله وما خالفه خالفه قالوا ونحن نبين أن جيوش أدلتكم التي عولتم عليها واستندتم في النصرة اليها ليست لها في مقاومة جيوشنا يدان ولا تجري مع فرسانها في ميدان وإنها احاديث باطلة معلولة وصحيحها ليس معكم منه شيء وإن قياسكم بين البطلان من أكثر من أربعين وجها فنقول وبالله التوفيق أما ما قدمتم من ذكر قوله تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم [الأحزاب 36] وقوله وما آتاكم الرسول فخذوه [الحشر 7] إلى آخر المقدمة فنعم والله وسمعا وطاعة لداعي الله ورسوله وتركا لكل قول يخالفه ونحن ننشدكم الله إذا دعوناكم إلى النصوص التي تخالف من قلدتموه هل تقدمونها على قوله وتقولون بموجبها أم تجعلون قول من قلدتموه نصا محكما [حاكما عليها] والنصوص ظواهر متشابهة إن أمكن(1\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "145",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5446",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ردها بأنواع التأويلات والا قيل صاحب المذهب أعلم وعند هذا فنقول [الرد على الدليل الأول]  أما الحديث الأول وهو حديث سعيد بن المسيب فالكلام معكم فيه في مقامين أحدهما صحته مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الثاني بيان دلالته على محل النزاع [ضعف الحديث]  فأما المقام الأول فنقول هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألبتة ونحن نذكر كلام من تكلم في الحديث من الأئمة وفي سفيان بن حسين فقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب العلل له سألت أبي عن حديث رواه يزيد بن هارون وغيره عن سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعا أيما رجل أدخل فرسا بين فرسين وهو يأمن أن يسبق فهو قمار قال أبي هذا خطأ لم يعمل سفيان بن حسين شيئا لا يشبه أن يكون عن النبي صلى الله عليه وسلم وأحسن أحواله أن يكون عن سعيد بن المسيب من قوله وقد رواه يحيى بن(1\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "146",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5447",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سعيد عن سعيد من قوله وقال ابن أبي خيثمة في تاريخه سألت يحيى بن معين عن حديث سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من أدخل فرسا بين فرسين الحديث فقال باطل وخطأ على أبي هريرة وقال أبو داود في سننه بعد أن أخرجه رواه معمر وشعيب وعقيل عن الزهري عن رجال من أهل العلم قالوا من أدخل فرسا وهذا أصح عندنا هذا لفظ أبي داود فلا ينبغي أن يقتصر المخرج له من السنن على قوله رواه أبو داود ويسكت عن تعليله له وقد رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه قال من أدخل فرسا فجعله من كلام سعيد نفسه وكذلك رواه الأساطين الأثبات من أصحاب الزهري معمر بن راشد وعقيل بن خالد وشعيب بن أبي حمزة والليث بن سعد ويونس(1\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "147",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5448",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن يزيد الأيلي وهؤلاء أعيان اصحاب الزهري كلهم رووه عن سعيد بن المسيب من قوله وممن اعله ابو عبيد القاسم بن سلام وأعله أبو عمر بن عبد البر في التمهيد وقال هذا حديث انفرد به سفيان بن حسين من بين اصحاب ابن شهاب ثم أعله بكلام ابي داود وقال بعض الحفاظ يبعد جدا أن يكون الحديث عند الزهري عن سعيد بن المسيب عن ابي هريرة مرفوعا ثم لا يرويه واحد من أصحابه الملازمين له المختصين به الذين يحفظون حديثه حفظا وهم أعلم الناس بحديثه وعليهم مداره وكلهم يروونه عنه كأنما من قول سعيد نفسه وتتوفر هممهم ودواعيهم على ترك رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهم الطبقة العليا من أصحابه المقدمون على كل من عداهم ممن روى عن الزهري ثم ينفرد برفعه من لا يدانيهم ولا يقاربهم لا في الاختصاص به ولا في الملازمة له ولا في الحفظ و [لا في] الإتقان وهو معدود عندهم في الطبقة السادسة من أصحاب الزهري على ما قال أبو عبد الرحمن النسائي وهو سفيان بن حسين فمن له(1\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "148",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5449",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذوق في علم الحديث لا يشك ولا يتوقف أنه من كلام سعيد بن المسيب لا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتأتى له الحكم برفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بل إما أن يرويه ويسكت عنه أو ينبه عليه وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول رفع هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم خطأ وإنما هو من كلام سعيد بن المسيب قال وهذا مما يعلم أهل العلم بالحديث أنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من كلام سعيد بن المسيب نفسه وهكذا رواه الثقات الأثبات من أصحاب الزهري عنه عن سعيد بن المسيب مثل الليث بن سعد وعقيل ويونس ومالك بن أنس وذكره في الموطأ عن سعيد بن المسيب نفسه ورفعه سفيان بن حسين الواسطي وهو ضعيف لا يحتج بمجرد روايته عن الزهري لغلطه في ذلك قلت فقد غلط الإمام الشافعي سفيان بن حسين في تفرده عن الزهري بحديث الرجل جبار فقال روى سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعا (الرجل الجبار) ثم قال وهذا غلط والله أعلم إن الحفاظ لم يحفظوا ذلك(1\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "149",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5450",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا اسناد حديث المحلل بعينه وعيانه والعلة واحدة بعينها فإن الحفاظ لم يحفظوا رفعه كما تقدم وقال ابن عدي والدارقطني والبيهقي تفرد بهذا الحديث عن الزهري سفيان بن حسين قال الدارقطني وهو وهم لأن الثقات خالفوه ولم يذكروا ذلك قال البيهقي وقد رواه مالك والليث وابن جريج ومعمر وعقيل وسفيان بن عيينه وغيرهم عن الزهري ولم يذكر أحد منهم فيه الرجل وهذا نظير تعليل حديثه في المحلل سواء بسواء ونظير هذا حديثه [عن] الزهري عن سالم عن أبيه في الصدقات قال يحيى بن معين لم يتابع سفيان بن حسين عليه أحد ليس يصح هذا مع أن له شاهدا في صحيح البخاري وقد وافقه عليه سليمان بن كثير أخو محمد(1\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "150",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5451",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن كثير فلم يصححه لتفرد سفيان هذا به ومخالفة غيره من اصحاب الزهري له في وقفه ونظير هذا بل أبلغ منه أن سفيان بن حسين روى عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت كنت أنا وحفصة صائمتين فعرض لنا طعام فاشتهيناه فأكلناه فدخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدرتني حفصة وكانت ابنه ابيها فقصت عليه القصة فقال (اقضيا يوما مكانه) وتابعه جعفر بن برقان وصالح بن ابي الأخضر ثم قال جماعة منهم البيهقي وقد وهموا فيه على الزهري فقد رواه الحفاظ من أصحاب الزهري عنه قال بلغني أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين هكذا رواه مالك ويونس ومعمر وابن جريج ويحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر وسفيان بن عيينه ومحمد بن الوليد الزبيدي وبكر بن وائل وغيرهم وقد شهد ابن جريج وسفيان بن عيينة على لفظ الزهري أنه لم يسمع هذا الحديث من عروة قال ابن جريج عنه ولكن حدثني ناس في خلافة سليمان بن عبد الملك عن بعض من كان يدخل على عائشة وقال الحميدي أخبرني [غير] واحد عن معمر أنه قال في هذا الحديث لو كان(1\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "151",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5452",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن عروة ما نسبته وقال البخاري ومحمد بن يحيى الذهلي لا يصح هذا الحديث عن الزهري عن عروة عن عائشة فهذا وأمثاله مما بين ضعف رواية سفيان بن حسين عن الزهري ولو تابعه غيره عند أئمة هذا الشأن وفرسان هذا الميدان فكيف بما تفرد به عن الثقات وخالف فيه الأئمة الاثبات ومعرفة هذا الشأن وعلله ذوق ونور يقذفه الله في القلب يقطع [به] من ذاقه ولا يشك فيه ومن ليس له هذا الذوق لا شعور له به وهذا كنقد الدراهم لأربابه فيه ذوق ومعرفة ليستا لكبار العلماء قال محمد بن عبد الله بن نمير قال عبد الرحمن [بن مهدي] إن معرفة الحديث الهام قال ابن نمير صدق لو قلت له من أين قلت لم يكن له جواب وقال ابو حاتم الرازي قال عبد الرحمن بن مهدي إنكارنا للحديث عند الجهال كهانة(1\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "152",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5453",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل  [كلام أئمة الجرح والتعديل في سفيان بن حسين الواسطي]  فهذا كلام هؤلاء الأئمة في هذا الحديث وأما كلامهم في سفيان بن حسين الذي تفرد به عن الناس فقال الإمام أحمد في رواية المروزي عنه ليس بذاك في حديثه عن الزهري وقال يحيى بن معين في رواية عباس الدوري عنه ليس به بأس وليس من كبار أصحاب الزهري وفي حديثه ضعف عن الزهري ولا تنافي بين قوليه ليس به بأس وقوله في حديثه ضعف عن الزهري لما سيأتي إن شاء الله من بيان سبب ضعف حديثه عن الزهري وقال يحيى في رواية ابن أبي خيثمة عنه ثقة في غير الزهري لا يدفع وحديثه عن الزهري ليس بذاك إنما سمع منه بالموسم(1\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "153",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5454",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال في رواية يعقوب بن [ابي] شبيه كان سفيان بن حسين مؤدبا ولم يكن بالقوي وقال في رواية أبي داود وليس بالحافظ وليس بالقوي في الزهري وقال عثمان بن أبي شيبة كان ثقة ولكنه كان مضطربا في الحديث قليلا وقال ابن سعد ثقة يخطئ في حديثه كثيرا وقال يعقوب بن [ابي] شيبه ثقة صدوق وفي حديثه ضعف وقد حمل الناس عنه وقال ابو حاتم الرازي صالح الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به نحو محمد بن(1\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "154",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5455",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إسحاق وهو أحب إلي من سليمان بن كثير وقال النسائي ليس به بأس إلا في الزهري وقال أبو حاتم البستي في كتاب الضعفاء وقد أدخله فيه يروي عن الزهري المقلوبات فإذا روى عن غيره أشبه حديثه حديث الأثبات وذلك أن صحيفة الزهري اختلطت عليه وكان يأتي بها على التوهم فالإنصاف من أمره يكتب مما روى عن الزهري والاحتجاج بما روى عن غيره وقال أبو أحمد بن عدي هو في غير الزهري صالح وفي الزهري يروي أشياء خالف [فيها] الناس [قواعد جليلة في علم الجرح والتعديل]  قالوا ولا تنافي بين قول من ضعفه وقول من وثقه لأن من وثقه جمع بين توثيقه في غير الزهري وتضعيفه فيه وهذه مسألة غير مسألة تعارض الجرح والتعديل بل يظن قاصر العلم أنها هي فيعارض قول من(1\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "155",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5456",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جرحه بقول من عدله وإنما هذه مسألة أخرى غيرها وهي الاحتجاج بالرجل فيما رواه عن بعض الشيوخ وترك الاحتجاج به بعينه فيما رواه عن آخر وهذا كإسماعيل بن عياش فإنه عند أئمة هذا الشأن حجه في الشاميين أهل بلده وغير حجه فيما رواه عن الحجازيين والعراقيين وغير أهل بلده ومثل هذا تضعيف [من ضعف] قبيصة في سفيان الثوري واحتج به في غيره كما فعل أبو عبد الرحمن النسائي وهذه طريقة الحذاق من أصحاب الحديث أطباء علله يحتجون بحديث الشخص عمن هو معروف بالرواية عنه وبحفظ حديثه وإتقانه وملازمته له واعتنائه بحديثه ومتابعة غيره له ويتركون حديثه نفسه عمن ليس هو معه بهذه المنزلة وهذه حال سفيان بن حسين عند جماعتهم ثقة صدوق وهو في الزهري ضعيف لا يحتج به لأنه إنما لقيه مرة بالموسم ولم يكن له من الاعتناء بحديث الزهري وصحبته وملازمته له ما لأصحاب الزهري الكبار كمالك والليث ومعمر وعقيل ويونس وشعيب فإذا تفرد مثل هذا(1\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "156",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5457",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بحديث عن هؤلاء مع ملازمتهم الزهري وحفظهم حديثه وضبطهم له و [هو] ليس مثلهم في الحفظ والإتقان لم يكن حجة عندهم هذا إذا لم يخالفوه فكيف إذا خالفوه فرفع ما [قد] وقفوه ووصل ما قطعوه وأسند ما أرسلوه هذا مما لا يرتاب أئمة هذا الشأن في [أن] الحاق الغلط به أولى وربما يظن الغالط الذي ليس له ذوق القوم ونقدهم أن هذا تناقض منهم فإنهم يحتجون بالرجل ويوثقونه في موضع ثم يضعفونه بعينه ولا يحتجون به في موضع آخر ويقولون إن كان ثقة وجب [قبول روايته جملة وإن لم يكن ثقة وجب] ترك الاحتجاج به جملة وهذه طريقة [قاصري العلم وهي طريقة] فاسدة مجمع بين أهل الحديث على فسادها فإنهم يحتجون من حديث الرجل بما تابعه غيره عليه وقامت شهوده من طرق ومتون أخرى ويتركون حديثه بعينه إذا روى ما يخالف الناس أو انفرد عنهم بما لا يتابعونه عليه إذ الغلط في موضع لا يوجب الغلط في كل موضع والإصابة في بعض الحديث او [في] غالبه لا توجب العصمة من الخطأ في بعضه ولا سيما إذا علم من مثل هذا أغلاط عديده ثم روى ما يخالف الناس ولا يتابعونه عليه فإنه يغلب على الظن أو يجزم بغلطه فصل  [التنبيه على غلطين في علم مصطلح الحديث لعظيم فائدة الاحتراز منهما]  وهنا يعرض لمن قصر نقده وذوقه هنا عن نقد الأئمة وذوقهم في(1\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "157",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5458",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا الشأن نوعان من الغلط ننبه عليهما لعظيم فائدة الاحتراز منهما [الأول في شرط الصحيح]  أحدهما أن يرى مثل هذا الرجل قد وثق وشهد له بالصدق والعدالة أو خرج حديثه في الصحيح فيجعل كل ما رواه على شرط الصحيح وهذا غلط ظاهر فإنه إنما يكون على شرط الصحيح إذا انتفت عنه العلل والشذوذ والنكارة وتوبع عليه فأما مع وجود ذلك أو بعضه فإنه لا يكون صحيحا ولا على شرط الصحيح ومن تأمل كلام البخاري ونظرائه في تعليله أحاديث جماعة أخرج حديثهم في صحيحه علم إمامته وموقعه من هذا الشأن وتبين به حقيقة ما ذكرنا فصل  [الثاني التفصيل والنقد في اعتبار حديث الراوي]  النوع الثاني من الغلط أن يرى الرجل قد تكلم في بعض حديثه وضعف في شيخ أو في حديث فيجعل ذلك سببا لتعليل حديثه وتضعيفه أين وجد كما يفعله بعض المتأخرين من اهل الظاهر وغيرهم وهذا ايضا غلط فان تضعيفه في رجل أو في حديث ظهر فيه غلط لا يوجب تضعيف حديثه مطلقا وأئمة الحديث على التفصيل والنقد واعتبار حديث الرجل بغيره والفرق بين ما انفرد به أو وافق فيه الثقات(1\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "158",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5459",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذه كلمات نافعة في هذا الموضع تبين كيف يكون نقد الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه ومعلوله من سليمه ولم يجعل الله له نورا فما له من نور قالوا فهذا شأن هذا الحديث وشأن راويه لم يشترط مسلم في مقدمة صحيحه ما شرطه في صحيحه  وأما قولكم إن مسلما روى لسفيان بن حسين في صحيحه فليس كما ذكرتم وإنما روى له في مقدمة كتابه ومسلم لم يشترط فيها ما شرطه في الكتاب من الصحة فلها شأن ولسائر كتابه شأن آخر ولا يشك أهل الحديث في ذلك التفرقة بين من أخرج له البخاري في الصحيح وبين ما أخرج له في الشواهد والمتابعات  قالوا وأما استشهاد البخاري [به] في الصحيح فلا يدل أنه حجة عنده لأن الشواهد والمتابعات يحتمل فيها ما لا يحتمل في الأصول وقد استشهد البخاري في صحيحه بأحاديث جماعة وترك الاحتجاج بهم تساهل الترمذي في التوثيق الصحيح  وأما تصحيح الترمذي لسفيان بن حسين فإنما صحح له حديثا غير هذا الحديث كما تقدم ولم يصحح هذا الحديث الذي صححه إلا من روايته عن غير الزهري وأما حديثه عن الزهري فكالمجمع على ضعفه كما حكينا أقوال أئمة هذا الشأن فيه آنفا(1\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "159",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5460",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا مع أن الترمذي يصحح أحاديث لم يتابعه غيره على تصحيحها بل يصحح ما يضعفه غيره أو ينكره فإنه صحح حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف وأحمد يضعف حديثه جدا وفال لابنه عبد الله لا تحدث عنه وقال منكر الحديث ليس بشيء وقال يحيى حديثه ليس بشيء ولا يكتب وقال النسائي والدارقطني متروك الحديث وقال الشافعي هو ركن من أركان الكذب وقال ابن حبان(1\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "160",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5461",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "روى عن أبيه عن جده نسخه موضوعه لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية عنه إلا على التعجب ويصحح أيضا حديث محمد بن إسحاق وهو أعذر من تصحيحه حديث كثير [هذا] ويصحح أيضا للحجاج بن أرطأة مع اشتهار ضعفه ويصحح حديث عمرو بن شعيب وأحسن كل الإحسان في ذلك والمقصود أنه يصحح ما لا يصححه غيره وما يخالف في تصحيحه(1\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "161",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5462",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تصحيح الحاكم  قالوا وأما تصحيح الحاكم فكما قال القائل (فاصبحت من ليلى الغداة كقابض ... على الماء خانته فروج الأصابع) ولا يعبأ الحفاظ أطباء [علل] الحديث بتصحيح الحاكم شيئا ولا يرفعون به رأسا البتة بل لا [يعدل] تصحيحه [ولا يدل] على حسن الحديث بل يصحح أشياء موضوعة بلا شك عند أهل العلم بالحديث وإن كان من لا علم له بالحديث لا يعرف ذلك فليس بمعيار على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يعبأ أهل الحديث به شيئا والحاكم نفسه يصحح أحاديث جماعة وقد أخبر في كتاب المدخل له أن لا يحتج بهم وأطلق الكذب على بعضهم هذا مع أن مستند تصحيحه ظاهر سنده وأن رواته ثقات ولهذا قال صحيح الإسناد وقد علم أن صحة الإسناد شرط من شروط صحة الحديث وليست موجبة لصحته فإن الحديث إنما يصح بمجموع أمور منها(1\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "162",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5463",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صحة سنده وانتفاء علته وعدم شذوذه ونكارته وأن لا يكون روايه قد خالف الثقات أو شذ عنهم وهذا الحديث قد تبينت ونكارته تصحيح ابن حزم  قالوا وأما تصحيح أبي محمد بن حزم له فما أجدره بظاهريته وعدم التفاته إلى العلل والقرائن التي تمنع ثبوت الحديث بتصحيح [مثل] هذا الحديث وما هو دونه في الشذوذ والنكارة فتصحيحه للأحاديث المعلولة وإنكاره لنقلتها نظير إنكاره للمعاني والمناسبات والأقيسة التي يستوي فيها الأصل والفرع من كل وجه والرجل يصحح ما أجمع أهل الحديث على ضعفه وهذا بين في كتبه لمن تأمله ليس كل ما رواه الإمام أحمد في المسند وسكت عنه يكون صحيحا عنده وأمثلة على ذلك  وأما قولكم إن الإمام أحمد رواه وبنى مذهبه عليه وسكت عن تضعيفه وما سكت عنه في المسند فهو صحيح عنده وهذه أربع مقدمات لو سلمت لكم لكان غاية ما يستنتج منها تصحيح أحمد له وأحمد قد خالفه من ذكرنا أقوالهم في تضعيفه والشهادة له(1\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "163",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5464",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالنكارة وأنه ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا اختلف أحمد وغيره من أئمة الحديث في حديث فالدليل يحكم بينهم وليس قوله حجة عليهم كما إذا خالفه غيره في مسألة من الفقه لم يكن قوله حجة على من خالفه بل الحجة الفاصلة هي الدليل ولو أنا احتججنا عليكم بمثل هذا لقلتم ولسمع قولكم تصحيح أحمد معارض لتضعيف هؤلاء الأئمة فلا يكون حجة كيف والشأن في المقدمة الرابعة وهي أن كل ما سكت عنه أحمد في المسند فهو صحيح عنده فإن هذه المقدمة لا مستند لها البتة بل أهل الحديث كلهم على خلافها والإمام أحمد لم يشترط في مسنده الصحيح ولا التزمه وفي مسنده عدة أحاديث سئل هو عنها فضعفها بعينها وأنكرها كما روى حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة يرفعه إذا كان النصف من شعبان فأمسكوا عن الصيام حتى يكون رمضان وقال حرب سمعت أحمد يقول هذا حديث منكر ولم يحدث العلاء بحديث أنكر من هذا وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث به [البتة](1\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "164",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5465",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروى حديث لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل وسأله الميموني عنه فقال أخبرك ما له عندي ذلك الإسناد إلا أنه عن عائشة وحفصة إسنادان جيدان يريد أنه موقوف(1\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "165",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5466",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروى حديث أبي المطوس عن أبيه عن أبي هريرة يرفعه من أفطر يوما من رمضان لم يقضه عنه صيام الدهر وقال في رواية مهنا وقد سأله عنه لا أعرف أبا المطوس ولا ابن المطوس وروى أنه لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه وقال المروزي لم يصححه أبو عبد الله وقال ليس فيه شيء يثبت(1\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "166",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5467",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروى حديث عائشة مرن أزواجكن أن يغسلوا عنهم أثر الغائط والبول فإني أستحييهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله وقال في رواية حرب(1\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "167",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5468",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يصح في الاستنجاء بالماء حديث قيل له فحديث عائشة قال لا يصح لأن غير قتادة لا يرفعه وروى حديث عراك عن عائشة حولوا مقعدتي نحو القبلة(1\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "168",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5469",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأعله بالإرسال وأنكر أن يكون عراك سمع من عائشة وروى لجعفر بن الزبير وقال في رواية المروزي ليس بشيء(1\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "169",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5470",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروى حديث وضوء النبي صلى الله عليه وسلم مرة مرة وقال في رواية مهنا الأحاديث فيه ضعيفة وروى حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه حتى بلغ القذال وأنكره في رواية أبي داود قال(1\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "170",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5471",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما أدري ما هذا وابن عيينة كان ينكره وروى حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرفعه أيما رجل مس ذكره فليتوضأ وقال في رواية أحمد بن هاشم الأنطاكي ليس بذلك وكأنه ضعفه وروى حديث زيد بن خالد الجهني يرفعه من مس فرجه(1\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "171",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5472",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فليتوضأ وقال مهنا سألت أحمد عنه فقال ليس بصحيح الحديث حديث نسوة فقلت من قبل من جاء خطؤه فقال من قبل ابن اسحاق أخطأ فيه ومن طريقه رواه في مسنده وروى حديث عائشة مرفوعا في مس الذكر وقال في رواية مهنا(1\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "172",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5473",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليس بصحيح وروى عن عائشة مدت امرأة من وراء الستر بيدها كتابا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبض صلى الله عليه وسلم يده وقال ما أدري أيد رجل أو يد امرأة قالت بل امرأة قال لو كنت امرأة غيرت أظفارك بالحناء وقال في رواية حنبل هذا حديث منكر وروى حديث أبي هريرة يرفعه من استقاء فليقض ومن ذرعه القئ فليس عليه قضاء وعلله في رواية مهنا وأبي داود قال أبو(1\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "173",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5474",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "داود سألت أحمد عن هذا فقال ليس في هذا شئ إنما هو من أكل ناسيا وهو صائم فإنما أطعمه الله وسقاه وروى حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم وقال في رواية مهنا وقد سأله عن هذا الحديث فقال(1\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "174",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5475",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليس بصحيح وروى حديث ابن عمر يرفعه من اشترى ثوبا بعشرة دراهم وفيه درهم حرام لم تقبل له صلاة ما دام عليه وسأله أبو طالب عن هذا الحديث فقال ليس له إسناد(1\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "175",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5476",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال في رواية مهنا لا أعرف يزيد بن عبد الله ولا هاشم الأوقص ومن طريقهما رواه وروى عن القواريري معاذ بن معاذ عن أشعب الحمراني عن ابن سيرين عن عبد الله بن شقيق عن عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي في شعرنا ولا لحفنا وقال في رواية ابنه عبد الله ما سمعت عن أشعث أنكر من هذا وأنكره إنكارا شديدا وروى حديث علي أن العباس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخص له في ذلك وقال الأثرم سمعت أبا(1\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "176",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5477",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبد الله ذكر له هذا الحديث فضعفه وقال ليس ذلك بشئ هذا مع أن مذهبه جواز تعجيل الزكاة وروى حديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن توافيه يوم النحر بمكة وقال في رواية الأثرم هو خطأ وقال وكيع عن أبيه مرسل إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن توافيه صلاة الصبح يوم النحر بمكة أو نحو هذا ينكر ومن هذا أيضا عجب النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر ما يصنع بمكة ينكر ذلك(1\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "177",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5478",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروى حديث أبي هريرة يرفعه من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا وقال في رواية حنبل هذا حديث منكر ونظير ما نحن فيه سواء بسواء ما رواه عن عثمان بن عمر حدثنا(1\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "178",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5479",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يونس عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا نذر في معصية وكفارته كفارة اليمين فهذا حديث رواه وبنى عليه مذهبه واحتج به ثم قال في رواية حنبل هذا حديث منكر(1\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "179",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5480",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا باب واسع جدا لو تتبعناه لجاء كتابا كبيرا والمقصود أنه ليس كل ما رواه وسكت عنه يكون صحيحا عنده وحتى لو كان صحيحا عنده وخالفه غيره في تصحيحه لم يكن قوله حجة على نظيره وبهذا يعرف وهم الحافظ أبي موسى المديني في قوله إن ما خرجه الإمام أحمد في مسنده فهو صحيح عنده فإن أحمد لم يقل ذلك قط ولا قال ما يدل عليه بل قال ما يدل على خلاف ذلك كما قال أبو العز بن كادش إن عبد الله بن أحمد قال لأبيه ما تقول في حديث ربعي عن حذيفة قال الذي يرويه عبد العزيز بن أبي رواد قلت يصح قال لا(1\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "180",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5481",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأحاديث بخلافه وقد رواه الحفاظ عن ربعي عن رجل لم يسمه قال فقلت له لقد ذكرته في المسند فقال قصدت في المسند الحديث المشهور وتركت الناس تحت ستر الله ولو أردت أقصد ما صح عندي لم أرو من هذا المسند إلا الشئ بعد الشئ ولكنك يا بني تعرف طريقتي في المسند لست أخالف ما فيه ضعف إذا لم يكن في الباب شئ يدفعه فهذا تصريح منه رحمه الله بأنه أخرج فيه الصحيح وغيره وقد استشكل أبو موسى المديني هذه الحكاية وظنها كلاما متناقضا فقال ما أظن هذا يصح لأنه كلام متناقض لأنه يقول لست أخالف ما فيه ضعف إذا لم يكن في الباب شئ يدفعه وهو يقول في هذا الحديث الأحاديث بخلافه قال وإن صح فلعله كان أولا ثم أخرج منه ما ضعف لأني طلبته في المسند فلم أجده من أصول مذهب الإمام أحمد بن حنبل قلت ليس في هذا تناقض من أحمد رحمه الله بل هذا هو أصله الذي بنى عليه مذهبه وهو لا يقدم على الحديث الصحيح شيئا ألبتة لا(1\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "181",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5482",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عملا ولا قياسا ولا قول صاحب وإذا لم يكن في المسألة حديث صحيح وكان فيها حديث ضعيف وليس في الباب شئ يرده عمل به فإن عارضه ما هو أقوى منه تركه للمعارض القوي وإذا كان في المسألة حديث ضعيف وقياس قدم الحديث الضعيف على القياس وليس الضعيف في اصطلاحه هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين بل هو والمتقدمون يقسمون الحديث إلى صحيح وضعيف والحسن عندهم داخل في الضعيف بحسب مراتبه وأول من عرف عنه أنه قسمه إلى ثلاثة أقسام أبو عيسى الترمذي ثم الناس تبع له بعد فأحمد يقدم الضعيف الذي هو حسن عنده على القياس ولا يلتفت إلى الضعيف الواهي الذي لا يقوم به حجة بل ينكر على من احتج به وذهب إليه فإن لم يكن عنده في المسألة حديث أخذ فيها بأقوال الصحابة ولم يخالفهم وإن اختلفوا رجح من أقوالهم ولم يخرج منها وإذا اختلفت الصحابة في مسألة ففي الغالب يختلف جوابه فيها ويخرج عنه فيها روايتان أو أكثر فقل مسألة عن الصحابة فيها روايتان إلا وعنه(1\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "182",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5483",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيها روايتان أو أكثر فهو أتبع خلق الله للسنن مرفوعها وموقوفها كتاب أبي موسى المديني في فضائل مسند أحمد وخصائصه وتعقبه  وقد صنف الحافظ أبو موسى المديني كتابا ذكر فيه فضائل المسند وخصائصه قال فيه ومن الدليل على أن ما أودعه الإمام أحمد قد احتاط فيه سندا ومتنا ولم يرو فيه إلا ما صح عنده ما أنبأنا به أبو علي ثم ساق بسنده إلى الإمام أحمد من المسند قال حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن أبي التياح قال سمعت أبا زرعة يحدث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يهلك أمتي هذا الحي من قريش قالوا فما تأمرنا به يا رسول الله قال لو أن الناس اعتزلوهم قال عبد الله قال لي أبي في مرضه الذي مات فيه اضرب على هذا فإنه خلاف الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني قوله اسمعوا وأطيعوا(1\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "183",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5484",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أبو موسى وهذا مع ثقة رجال إسناده حين شذ لفظه عن الأحاديث المشاهير أمر بالضرب عليه فدل على ما قلناه وفي نظائر له قلت هذا لا يدل على أن كل حديث في المسند يكون صحيحا عنده وضربه على هذا الحديث مع أنه صحيح أخرجه أصحاب الصحيح لكونه عنده خلاف الأحاديث والثابت المعلوم من سنته صلى الله عليه وسلم في الأمر بالسمع والطاعة ولزوم الجماعة وترك الشذوذ والانفراد كقوله صلى الله عليه وسلم(1\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "184",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5485",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي وقوله من فارق الجماعة فمات فميتته جاهلية وقوله الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد(1\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "185",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5486",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله من فارق الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وقوله ثلاث لا يغل عليهن قلب رجل مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم وقوله عليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية(1\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "186",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5487",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة المستفيضة المصرحة بلزوم الجماعة فلما رأى أحمد هذا الحديث الواحد يخالف هذه الأحاديث وأمثالها أمر عبد الله بضربه عليه وأما من جزم بصحته فقال هذا في أوقات الفتن والقتال على الملك ولزوم الجماعة في وقت الاتفاق والتئام الكلمة وبهذا تجتمع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي رغب فيها في العزلة والقعود عن القتال ومدح فيها من لم يكن مع أحد الطائفتين وأحاديثه التي رغب فيها الجماعة والدخول مع الناس فإن هذا حال اجتماع الكلمة وذاك حال الفتنة والقتال والله أعلم والمقصود أن ضرب الإمام أحمد على هذا الحديث لا يدل على صحة كل رواه في مسنده عنده(1\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "187",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5488",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أبو موسى وقال ابن السماك حدثنا حنبل بن اسحاق قال جمعنا أحمد بن حنبل أنا وصالح وعبد الله وقرأ علينا المسند وما سمعه منه غيرنا وقال لنا هذا كتاب جمعته من سبع مئة ألف وخمسين ألف حديث فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فارجعوا إليه فإن وجدتموه فيه وإلا فليس بحجة قلت هذه الحكاية قد ذكرها حنبل في تاريخه وهي صحيحة بلا شك لكن لا تدل على أن كل ما رواه في المسند فهو صحيح عنده فالفرق بين أن يكون كل حديث لا يوجد له أصل في المسند فليس بحجة وبين أن يقول كل حديث فيه فهو حجة وكلامه يدل على الأول لا على الثاني وقد استشكل بعض الحفاظ هذا من أحمد وقال في الصحيحين أحاديث ليست في المسند وأجيب عن هذا بأن تلك الألفاظ بعينها وإن خلا المسند عنها فلها فيه أصول ونظائر وشواهد وأما أن يكون متن صحيح لا مطعن فيه ليس له في المسند أصل ولا نظير فلا يكاد يوجد ألبتة فصل والمقصود أن إخراج أحمد لحديث سفيان بن حسين عن الزهري في الدخيل في سباق الخيل أي في عقد السباق لا يدل على صحته(1\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "188",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5489",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنده بل ولا على حسنه وأما كون مذهبه على مقتضاه فهذا يحتمل أمرين أحدهما وهو أظهر أن يكون بناه على أصله في أن الحديث الضعيف إذا لم يكن عنده في الباب شئ يدفعه أخذ به ويحتمل أن يكون قلد سعيد بن المسيب في ذلك حيث لم يتبين له ضعف قوله وكان أحمد معظما لسعيد جدا حتى قال هو أعلم التابعين وقد قال في رواية أبي طالب الرمي أقول فيه أيضا يكون فيه محلل مثل الفرسين هو قياس واحد والإبل مثله قياس واحد وسبق له واحد وظاهر هذا أنه ذهب إليه لمجرد الأثر ولم يخف على أحمد علته وأنه من كلام سعيد لكن لم يجد في الباب غير هذا وهاب سعيد بن المسيب أن يخالفه بغير نص صريح وأما أبو حنيفة فمذهبه الذي حكاه عنه أصحابه أن التابعي إذا أفتى في عصر الصحابة وزاحمهم في الفتوى كان قوله حجة فصل وأما قولكم إن الدارقطني قال هو محفوظ عن الزهري فلو حكيتم كلامه على وجهه لتبين لكم وجه الصواب ونحن نسوقه بلفظه ففي كتاب العلل له سئل عن حديث ابن المسيب عن أبي هريرة(1\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "189",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5490",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن النبي صلى الله عليه وسلم من أدخل فرسا بين فرسين الحديث فقال يرويه سعيد بن بشير عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ووهم في قوله قتادة وغيره يرويه عن هشام بن عمار عن الوليد عن سعيد بن بشير عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وكذلك رواه محمد بن خالد وغيره عن الوليد وكذلك رواه سفيان بن حسين عن الزهري وهو المحفوظ قال البرقاني قيل له فإن الحسين بن السميدع الأنطاكي رواه عن موسى ابن أيوب عن الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز يقال التنوخي ثم قال هذا غلط إنما هو سعيد بن بشير هذا نص كلامه وهو كما ترى لا يدل على أن الحديث صحيح عنده ولا محفوظ عنده فإن قوله رواه سفيان بن حسين عن الزهري وهو المحفوظ يريد أن ذكر قتادة بدل الزهري غلط ممن سماه وأن الصواب فيه الزهري عن سعيد لا قتادة عن سعيد فإن قتادة لا مدخل له في هذا الحديث فالذي حفظه الناس فيه الزهري عن سعيد هذا معنى كلامه فأين معنى الشهادة منه بصحة الحديث وثبوته(1\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "190",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5491",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل قالوا وأما قولكم إن أبا أحمد بن عدي شهد بأن له أصلا وصوب رواية سعيد له عن أبي هريرة فقد أصابكم في ذلك ما أصابكم في كلام الدارقطني ولو حكيتم كلام ابن عدي لتبين لكم أنه لا يدل على صحة الحديث عنده ولا حسنه فإنه ذكره في كتاب الكامل له وهو إنما يذكر فيه غالبا الأحاديث التي أنكرت على من يذكر ترجمته ونحن نورد كلامه بلفظه قال في كتابه سعيد بن بشير له عند أهل دمشق تصانيف لأنه سكنها وهو بصري ورأيت له تفسيرا مصنفا من رواية الوليد عنه ولا أرى فيما روي عن سعيد بن بشير بأسا ولعله يهم في الشيء بعد الشيء ويغلط والغالب على حديثه الاستقامة والغالب عليه الصدق ثم قال حدثنا القاسم بن الليث الرسعني وعمر بن سنان وابن دحيم قالوا حدثنا هشام بن عمار حدثنا الوليد حدثنا سعيد بن بشير عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أدخل فرسا بين فرسين فذكر الحديث حدثناه عبدان حدثنا هشام حدثنا الوليد حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة(1\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "191",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5492",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عدي وذكر لنا عبدان في هذا الحديث قصة وقال لقن هشام بن عمار هذا الحديث عن سعيد بن بشير عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة والحديث عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال ابن عدي وهذا الذي قاله عبدان غلط وخطأ والحديث عن سعيد بن بشير عن الزهري أصوب من سعيد بن بشير عن قتادة لأن هذا الحديث من حديث قتادة ليس له أصل ومن حديث الزهري له أصل وقد رواه عن الزهري سفيان بن حسين أيضا فهذا كلام ابن عدي كما ترى لا يدل على أن الحديث صحيح ثابت عنده بل كلامه فيه مثل كلام الدارقطني فإنه أنكر أن يكون من حديث قتادة وإنما هو من حديث الزهري ولا ريب أن الزهري حدث به وله أصل من حديثه وقد حمله الناس عنه لكن الأئمة الأثبات من أصحابه كمالك والليث وعقيل ويونس وشعيب بن أبي حمزة وقفوه عنه على سعيد بن المسيب ورفعه من لا يجاري هؤلاء في مضمارهم ولا يعد في طبقتهم في حفظ ولا اتقان وهم سفيان بن حسين وسعيد بن بشير(1\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "192",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5493",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فابن عدي والدارقطني أنكرا روايته عن قتادة عن سعيد بن المسيب وصوبا رواية من رواه عن الزهري عن سعيد فأين الحكم له بالصحة والثبوت من هذا ثم لو كان ذلك تصحيحا صريحا مهما لما قدم على تعليل من حكينا تعليله من الأئمة كأبي داود وأبي حاتم ويحيى بن معين وغيرهم وغاية ذلك أن تكون مسألة نزاع بين أئمة الحديث والدليل يفصل بينهم فكيف ولم يصححه إلا من تصحيحه كالقبض على الماء وقد عهد منه تصحيح الموضوعات وهو أبو عبد الله الحاكم وله في مستدركه ما شاء الله من الاحاديث الموضوعة قد صححها وقد ذكر الحافظ عبد القادر الرهاوي في كتاب المادح والممدوح له أن أبا الحسن الدارقطني لما وقف عليه أنكره وقال يستدرك عليهما حديث الطير فبلغ ذلك الحاكم فضرب عليه من كتابه وذكر عن بعض الأئمة الحفاظ أنه لما وقف عليه قال ليس فيه حديث واحد يستدرك عليهما وبالجملة فتصحيح الحاكم لا يستفاد منه حسن الحديث ألبتة فضلا عن صحته(1\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "193",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5494",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل قالوا وأما سؤال أبي عيسى الترمذي للبخاري عن حديث سفيان بن حسين في الصدقات وقوله أرجو أن يكون محفوظا وهو صدوق فلا يدل على صحة حديث الدخيل الذي نحن فيه عنده فإن حديثه في الصدقات محفوظ من حديث الزهري عن سالم عن أبيه وهو كتاب كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل به الخلفاء وأمر عمر بن عبد العزيز بانتساخه وبعثه إلى بلاد الإسلام يعملون به وهو كتاب مشهور متوارث عند آل عمر ككتاب عمرو بن حزم وكتاب علي وكتاب أنس الذي كتبه له أبو بكر الصديق وهذا الكتب تصدقه وتشهد بصحته وإن كان فيه خلاف يسير لبعضها وإنما أنكر على سفيان بن حسين رفعه وإلا فالحديث قد رواه غير واحد عن الزهري عن سالم مرسلا ولكن قد تابع سفيان بن حسين على وصله سليمان بن كثير وهو ممن اتفق الشيخان على الاحتجاج بحديثه فأين هذا من حديثه في المحلل الذي لا شاهد له ولا نظير وقد خالفه الناس في رفعه وقول البخاري فيه إنه صدوق إنما يدل على أنه صدوق ثقة لا يتعمد الكذب وهذا لا يكفي في صحة الحديث كما تقدم وأيضا فالبخاري يوثق جماعة ويعلل هو بعينه بعض حديثهم(1\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "194",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5495",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويضعفه وكذلك غيره من الأئمة ولا تنافي عندهم بين الأمرين بل هذا عندهم من علم الحديث وفقه علله الذي تميز به نقاده وأطباؤه من حملته الذين همتهم مجرد روايته لا درايته فصل فالحفاظ من أئمة أهل الحديث أعلوا ما يتفرد به سفيان بن حسين وأعلوا ما تابعه عليه غيره أيضا أما الأول فقد قال ابن عدي في الكامل سمعت أبا يعلى يقول قيل ليحيى بن معين فحديث سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم عن أبيه في الصدقات فقال هذا لم يتابع سفيان عليه أحد ليس بصحيح قال ابن عدي وقد وافق سفيان بن حسين على هذه الرواية عن سالم عن أبيه سليمان بن كثير أخو محمد بن كثير وقد رواه عن الزهري عن سالم عن أبيه جماعة فوقفوه وسفيان بن حسين وسليمان بن كثير رفعاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال البيهقي في السنن وأما الحديث الذي أنبأنا به أبو القاسم عبد الخالق المؤذن أنبأ(1\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "195",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5496",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محمد بن المؤمل حدثنا الفضل بن محمد ثنا النفيلي ثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الرجل جبار فقد قال الشافعي هو غلط لأن الحفاظ لم يحفظوا هكذا قال البيهقي هذه الزيادة ينفرد بها سفيان بن حسين عن الزهري وقد رواه مالك والليث وابن جريج ومعمر وعقيل وسفيان بن عيينة وغيرهم عن الزهري لم يذكر أحد منهم فيه الرجل وقال الدارقطني لم يتابع سفيان بن حسين على قوله الرجل جبار أحد وهو وهم منه لأن الثقات خالفوه ولم يذكروا ذلك وقد غلط الحفاظ أيضا سفيان بن حسين في رفعه حديث الزهري عن عروة عن عائشة كنت أنا وحفصة صائمتين الحديث قالوا واللفظ للبيهقي رواه ثقات الحفاظ من أصحاب الزهري عنه منقطعا مالك ويونس ومعمر وابن جريج ويحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر(1\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "196",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5497",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "وسفيان بن عيينة ومحمد بن الوليد الزبيدي وبكر بن وائل وغيرهم يعني أن الزهري قال فيه بلغني أن عائشة وحفصة ووهموا سفيان في وصله وقد تابعه صالح بن أبي الأخضر وجعفر بن برقان ولم يشتد للحديث ساعد بمتابعتهما وقال الترمذي سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال لا يصح وكذلك قال محمد بن يحيى الذهلي فصل  شروط الحديث الصحيح وأما قولكم إن الحديث صحيح لثقة رجاله إلى آخره فجوابه من ودجين أحدهما ما تقدم مرارا أن ثقة الرواي شرط من شروط الصحة وجزء من المقتضى لها فلا يلزم من مجرد توثيقه الحكم بصحة الحديث يوضحه أن ثقة الرواي هي كونه صادقا لا يتعمد الكذب ولا يستحل تدليس ما يعلم أنه كذب باطل وهذا أحد الأوصاف المعتبرة في قبول قول الرواي لكن بقي وصف الضبط والتحفظ بحيث لا يعرف بالتغفيل وكثرة الغلط ووصف آخر ثانيهما وهو أن لا يشذ عن الناس فيروي ما يخالفه(1\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "197",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5498",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيه من هو أوثق منه وأكبر أو يروي ما لا يتابع عليه وليس ممن يحتمل ذلك منه كالزهري وعمرو بن دينار وسعيد بن المسيب ومالك وحماد ابن زيد وسفيان بن عيينة ونحوهم فإن الناس إنما احتملوا تفرد أمثال هؤلاء الأئمة بما لا يتابعون عليه للمحل الذي أحلهم الله به من الإمامة والإتقان والضبط فأما مثل سفيان بن حسين وسعيد بن بشير وجعفر بن برقان وصالح بن أبي الأخضر ونحوهم فإذا انفرد أحدهم بما لا يتابع عليه فإن أئمة الحديث لا يرفعون به رأسا وأما إذا روى أحدهم بما يخالف الثقات فيه فإنه يزداد وهنا على وهن فكيف تقدم رواية أمثال هؤلاء على رواية مثل مالك والليث ويونس وعقيل وشعيب ومعمر والأوزاعي وسفيان ويحيى بن سعيد وعبد الرحن بن مهدي وأضرابهم هذا مما لا يستريب فيه من له معرفة بالحديث وعلله في بطلانه وبالله التوفيق فصل  هل زيادة الثقة مقبولة قالوا وأما قولكم إن غاية ما يعلل به الحديث الوقف على سعيد ابن المسيب هذا لا يمنع صحته فقد يكون الحديث عند الراوي مرفوعا ثم يفتي به من قوله فينقل عنه موقوفا فلا تناقض بين الروايتين(1\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "198",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5499",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقد أمكن تصديقهما فجوابه إن هذه طريقة لا تقبل مطلقا ولا ترد مطلقا يجب قولها في موطن ويجب ردها في موضع ويتوقف فيها في موضع فإذا كان الأئمة الثقات الأثبات قد رفعوا الحديث أو أسندوه وخالفهم من ليس مثلهم أو شذ عنهم واحد فوقفه أو أرسله فهذا ليس بعلة في الحديث ولا يقدح فيه والحكم لمن رفعه وأسنده وإذا كان الأمر بالعكس كحال حديث سفيان بن حسين هذا وأمثاله لم يلتفت إليه ولا إلى من خالفهم في وقفه وإرساله ولم يعبأ به شيء ولا يصير الحديث به مرفوعا ولا مسندا ألبته وأئمة أهل الحديث كلهم على هذا فإنه إذا كان الثقات الأثبات الأئمة من أصحاب الزهري دائما يروونه عنه موقوفا على سعيد ولم يرفعه أحد منهم مرة واحدة مع حفظهم حديث الزهري وضبطهم له وشدة اعتنائهم به وتمييزهم بين مرفوعه وموقوفه ومرسله ومسنده ثم يجيء من لم يجر معهم في ميدانهم ولا يدانيهم في حفظه ولا إتقانه وصحبته للزهري واعتنائه بحديثه وحفظه له وسؤاله عنه وعرضه عليه فيخالف هؤلاء ويزيد فيه وصلا أو رفعا أو زيادة فإنه لا يرتاب نقاد الآثار وأطباء علل الأخبار في غلطه وسهوه ولا سبيل إلى الحكم له بالصحة والحالة هذه هذا أمر ذوقي لهم وجداني لا يتركونه لجدل مجادل ومرية ممار فكيف وهذه حال المقلدين من أتباع الأئمة وشأن أهل المذاهب مع أئمتهم فترى كل طائفة منهم تقبل ما نقل إليهم عن إمامهم من رواية من(1\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "199",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5500",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان أخص به وأكثر ملازمة له وأعلم بقوله وفتواه من غيره وإن كان لا يدع الآخر عن علمه وثقته وصدقه طبقات أصحاب مالك فأصحاب مالك إذا روى لهم الأوزاعي الوليد بن مسلم أو عبد الرحمن بن مهدي أو عبد الرزاق أو عبد المجيد بن عبد العزيز أو عبد الله بن المبارك أو عبد الله بن عثمان الملقب بعبدان أو أبو يوسف القاضي أو محمد بن الحسن أو الضحاك بن مخلد أو هشام بن عمار أو يحيى بن سعيد أو يونس بن يزيد ومن هو مثل هؤلاء أو دونهم خلاف ما رواه ابن القاسم وابن وهب وعبد الله بن نافع ويحيى بن يحيى وابن بكير وعبد الله بن مسلمة وعبد الله بن نافع وأبو مصعب وابن عبد الحكم لم يلتفتوا إلى روايتهم وعدوها شاذة وقالوا هؤلاء أعلم بمالك وألزم له وأخبر بمذهبه من غيرهم حتى إنهم لا يعدون برواية الواحد من أولئك خلافا ولا يحكونها إلا على وجه التعريف أو نقل الأقوال الغريبة فلا يقبلون عن مالك كل من روى عنه وإن كان إماما ثقة نظير ابن القاسم أو أجل منه بل إذا روى ابن القاسم وروى غيره عن مالك شيئا قدموا رواية ابن القاسم ورجحوها وعملوا بها وألغوا ما سواها طبقات أصحاب أبي حنيفة وهكذا أصحاب أبي حنيفة إذا روى لهم أبو يوسف القاضي(1\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "200",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5501",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومحمد وأصحاب الإملاء شيئا ثم روى عنه مثل القاسم بن معن وبشر ابن زياد وفطر بن حماد بن أبي سليمان وعافية بن يزيد ونوح الجامع وعبد الله بن زياد ومن هو فوق هؤلاء ممن له رواية عن أبي حنيفة كالحسن بن زياد اللؤلؤي وداود بن نصير وأبي خالد الأحمر وغيرهم لم يلتفتوا إلى روايتهم وقالوا هذه رواية شاذة مخالفة لرواية أصحابه الذين هم أخبر بمذهبه عنه ولا يجعلون رواية الحسن بن زياد كرواية أبي يوسف ألبتة طبقات أصحاب الشافعي وكذلك أصحاب الشافعي إنما يقبلون عنه ما كان من رواية الربيع والمزني والبويطي وحرملة وأمثالهم فإذا روى عنه غيرهم ممن هو مثل هؤلاء وأجل منهم ما يخالف رواية أولئك لم يلتفتوا إليها مثل أبي ثور وابن عبد الحكم والزعفراني وقالوا أولئك أعلم بمذهبه ومذهبه ما حكوه عنه دون هؤلاء بل ما نقله الترمذي عنه في كتابه بأصح إسناد وابن عبد البر وغيرهما ممن يحكي مقالات العلماء لم يجعلوه في رتبة ما حكاه أولئك عنه ولا يعدونه في الغالب خلافا طبقات أصحاب أحمد  وكذلك أصحاب أحمد إذا انفرد راو عنه برواية تكلموا فيها وقالوا تفرد بها فلان ولا يكادون يجعلونها رواية إلا على إغماض ولا يجعلونها معارضة لرواية الأكثرين عنه وهذا موجود في كتبهم يقولون انفرد بهذه الرواية أبو طالب أو فلان لم يروها غيره(1\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "201",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5502",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا جاءت الرواية عنه عن غير صالح وعبد الله وحنبل وأبي طالب والميموني والكوسج وابن هانئ والمروزي والأثرم وابن القاسم ومحمد بن مشيش ومثنى بن جامع وأحمد بن أصرم وبشر بن موسى وأمثالهم من أعيان أصحابه استغربوها جدا ولو كان الناقل لها إماما ثبتا ولكنهم أعلى توقيا في نقل مذهبه وقبول رواية من روى عنه من الحفاظ الثقات ولا يتقيدون في ضبط مذهبه بناقل معين كما يفعل غيرهم من الطوائف بل إذا صحت لهم عنه رواية حكوها عنه وإن عدوها شاذة إذا خالفت ما رواه أصحابه عودة إلى زيادة الثقة فإذا كان هذا في نقل مذاهب العلماء مع أنه يجوز بل يقع منهم الفتوى بالقول ثم يفتون بغيره لتغير اجتهادهم وليس في رواية من انفرد عنهم بما رواه ما يوجب غلطه إذ قد يوجد عنهم اختلاف الجواب في كثير من المسائل فكيف بأئمة الحديث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا يتناقض ولا يختلف كلامه أليسوا أعذر منكم في رد الحديث أو الزيادة التي خالف راويها أو انفرد بها أو شذ بها عن الناس كيف والدواعي والهمم متوافرة على ضبط حديثه صلى الله عليه وسلم ونقد رواته اعظم من توفرها على ضبط مذاهب الأئمة وتمييز الرواة عنهم وإذا روى غير أهل المذهب من أهل الضبط والإتقان والحفظ عن(1\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "202",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5503",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإمام خلاف ما رواه أهل مذهب قلتم أصحاب المذهب أعلم بمذهبه وأضبط له فهلا قلتم في حديث الشيخ إذا روى عنه أصحابه العارفون بحديثه شيئا وانفرد عنهم وخالفهم من هم أخص بالشيخ منه وأعرف بحديثه إن هؤلاء أعرف بحديثه من هذا المنفرد الشاذ وبالله التوفيق فصل  بيان دلالة الحديث على محل النزاع قالوا فهذا الجواب عن الحديث من جهة السند وأما الجواب عنه من جهة الدلالة فنحن نتنزل معكم ونسلم صحة الحديث وبين أنه لا حجة لكم فيه على اشتراط المحلل على الوجه الذي ذكرتموه ألبته وأن لفظه لا يدل على اشتراطه بل ولا على جوازه فإن ها هنا أربع مقالات يصير بها محللا أحدهما أن يخرجا معا والثاني أن لا يخرج هو شيئا والثالث أن يكونوا ثلاثة فصاعدا والرابع أن يغنم إن سبق ولا يغرم إن سبق فيالله العجب من أين تستفاد هذه الأمور من الحديث وبأي دلالة من الدلالات الثلاث التي يستدل بها عليه فإن الذي يدل عليه لفظه أنه إذا استبق اثنان وجاء ثالث دخل معهما فإن كان يتحقق من(1\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "203",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5504",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفسه سبقهما كان قمارا لأنه دخل على بصيرة أنه يأكل مالهما وإن دخل معهما وهو لا يتحقق أن يكون سابقا بل يرجو ما يرجوانه ويخاف ما يخافانه كان كأحدهما ولم يكن أكله إن سبقهما قمارا فإن العقود مبناها على العدل فإذا استووا في الرجاء والخوف والمغنم والمغرم كان هذا هو العدل الذي يطمئن إليه القلب وإذا تميز بعضهم عن بعض بغنم أو غرم أو تيقن سبقه لصحابيه لقوته وضعفهما لم يكن هذا عدلا ولم تطب النفوس بهذا السباق وأما اشتراط الدخيل المستعار الذي هو شريك في الربح برئ من الخسران فأجبنا عن الحديث أنه لا يقتضيه بوجه ما وغايته إن دل على المحلل فإنما يدل على أن المحلل إذا دخل ولا بد فإنه يشترط أن يكون بهذه الصفة ولا يدل على أنه يشترط دخوله وأن يكون على هذه الصفة فمن أين هذا في الحديث وبأي وجه يستفاد وهذا ظاهر لا خفاء به والله أعلم فإن قلتم إنما دخل المحلل في هذا العقد ليخرجه عن شبه القمار فيكون دخوله شرطا قلنا قد تقدم من الوجوه الكثيرة ما فيه كفاية أن العقد ليس بدونه قمارا فإن كان بدون دخوله قمارا لم يخرج به عن شبه القمار بل ذلك(1\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "204",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5505",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشبه باق بعينه أو زائد ولا جواب لكم عن تلك الوجوه ألبته وبالله تعالى التوفيق فصل  الرد على الدليل الثاني فإن قالوا وأما دليلكم الثاني وهو حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل وجعل بينهما محللا فهذا الحديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألبتة وهم فيه أبو حاتم فإن مداره على عاصم بن عمر أخي عبيد الله وعبد الله وأبي بكر العمريين فهم أربعة أخوة أوثقهم عبيد الله متفق على الاحتجاج بحديثه وأما عبد الله وعاصم فضعيفان أما عبد الله فكلامهم فيه مشهور وأما أخوه عاصم صاحب هذا الحديث فقال البخاري هو منكر الحديث(1\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "205",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5506",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ابن عدي ضعفوه وقال الإمام أحمد في رواية ابنه صالح ضعيف وفي رواية أخرى ليس بشيء وضعفه أبو حاتم وقال هارون بن موسى الفروي ليس بقوي وقال الجوزجاني يضعف في حديثه وقال النسائي ليس بثقة وقال الترمذي ليس عندي بالحافظ وقال النسائي مرة متروك(1\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "206",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5507",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ابن عدي ضعفوه ثم سرد له أحاديث جمة من جملتها هذا الحديث المذكور وأما ابن حيان فتناقض فيه فإنه أخرج حديثه في صحيحه وقال في كتاب الضعفاء منكر الحديث جدا يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات لا يجوز الاحتجاج به إلا فيما وافق الثقات ومن كانت هذه حالته عند أهل الحديث لا يحتج بخبره وقال الحافظ أبو عبد الله المقدسي عاصم بن عامر هذا تكلم فيه أحمد ويحيى والبخاري وابن حبان وقد روى عنه أحاديث فلا أدري هل رجع عن قوله فيه أو غفل عن ذلك وقال شيخنا أبو الحجاج الحافظ يحتمل أن أبا حاتم لم يعرف أنه عاصم العمري فإنه وقع في روايته غير منسوب والذي يدل على بطلان هذا الحديث أنه لو كان عند عمرو بن دينار(1\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "207",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5508",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن ابن عمر لكان معروفا عند اصحاب عمرو مثل قتادة وأيوب وشعبة والسفيانين والحمادين ومالك بن أنس وجعفر بن محمد وقيس بن سعد وهشيم وورقاء وداود بن عبد الرحمن العطار وغيرهم من أصحابه فكيف لا يعرف هؤلاء وهم أجلة أصحابه هذا الحديث من حديثه ويكون عند عاصم بن عمر مع ضعفه وأيضا فعمرو بن دينار حديثه محفوظ مضبوط يجمع وكان الأئمة يسارعون إلى سماعه منه وحفظه وجمعه فإن علي بن المديني عنده نحو أربع مئة حديث من حديثه وأيضا فلو كان هذا من حديث ابن عمر لكان مشهورا فإنه لم يزل السباق بين الخيل موجودا بالمدينة وأهل المدينة يحتاجون فيه إلى فتوى سعيد بن المسيب حتى أفتاهم في الدخيل بما أفتاهم فلو كان هذا الحديث صحيحا من حديث ابن عمر لكانت سنة مشهورة متوارثة عنهم ولم يحتاجوا إلى فتوى سعيد ولم يقل مالك لا نأخذ بقول سعيد ابن المسيب في المحلل ولا يجب المحلل مع أن مالكا من أعلم من أعلم الناس بحديث ابن عمر ولم يذكر عنه في المحلل حرفا واحدا فكيف يكون هذا الحديث عند عمرو بن دينار عن ابن عمر ثم لا يرويه أحد منهم وينفرد به من لا يحتج بحديثه وأيضا فلا يعرف أن أحدا من الأئمة احتج بهذا الحديث في(1\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "208",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5509",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المحلل لا الشافعي ولا أحمد ولا أبو حنيفة ولا غيرهم ممن شرط المحلل وأيضا فإن أحدا من الأئمة الستة لم يخرجه في كتابه ولا أحد من الأئمة الأربعة ولا طبقة الحاكم لم ينقله مع فرط تساهله أن يستدركه عليهما هذا ودلالته على اشتراط المحلل أبين من دلالة حديث سفيان بن حسين فكيف غفل عنه هؤلاء الأئمة كلهم أو أغفلوه هذا من الممتنع عادة على الجميع مع علمهم إلى ما يدل على ما دل عليه وبالله تعالى التوفيق فصل  الرد على الدليل الثالث قالوا وأما دليلكم الثالث وهو حديث أبي هريرة لا جلب ولا جنب وإذا لم يدخل المتراهنان فرسا يستبقان على السبق فيه فهو حرام فحديث لا تقوم به حجة ولا يثبت بمثله حكم فإن راويه مجهول العين والحال لا يعرف اسمه ولا نسبه ولا حاله إلا أنه رجل من بني مخزوم ومثل هذا لا يحتج بحديثه باتفاق أهل الحديث وأيضا فإن هذا الحديث منكر فإن هذا المجهول تفرد به من بين أصحاب أبي الزناد كلهم مع اعتنائهم بحديثه وحفظهم له فكيف يفوتهم ويظفر به مجهول العين والحال(1\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "209",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5510",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والذي يظهر منه أن هذه الزيادة من كلام أبي الزناد أدرجت في الحديث والحديث المحفوظ عن أبي هريرة ما رواه الناس عنه لا جلب ولا جنب فقط فحدث به أبو الزناد ثم أتبعه من عنده وإذا لم يدخل المتراهنان فرسا إلى آخره فحمله هذا الراوي المجهول عنه وحدث به من غير تمييز وبالجملة فالكلام في هذا الحديث كالكلام في الذي قبله بل بطلانه أظهر والله اعلم فصل  الرد على الدليل الرابع قالوا وأما دليلكم الرابع في قصة المتقامرين في الظبي أيهما يسبق إليه وأن عمر بن الخطاب قال هذا قمار فتعلق ببيت العنكبوت لأن عمر لم يجعله قمارا لعدم المحلل وإنما كان قمارا لأنه أكل مال بالباطل فإنهما استبقا إلى فعل لا يجوز بذل السبق فيه بالاتفاق وهو أخذ الصيد في حال الإحرام فهذا قمار وإن دخل فيه المحلل وحتى لو كان استبقا إلى فعل جائز على الأقدام فأكل المال به قمار عند الجمهور لأنه ليس من الخف والحافر والنصل هذا مع أن الحديث من رواية المتفق على ضعفه علي بن زيد بن جدعان وبالله تعالى التوفيق(1\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "210",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5511",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل  الرد على الدليل الخامس  قالوا وأما دليلكم الخامس وهو حديث البخاري إن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم أسلم ينتضلون الحديث وفيه ارموا وأنا معكم كلكم فسبحان الله ماذا يوجب نصرة المذاهب والتقليد لأربابه من ارتكاب أنواع من الخطأ والاستدلال بما ليس بدليل ومخالفة صريح الدليل فيا لله العجب أين دلالة هذا الحديث على المحلل بوجه من الوجوه وهل مثل هذا إلا حجة عليكم فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال أولا ارموا وأنا مع بني فلان فلم يسأل هل أخرج الحزبان معا أو احدهما أو لم يخرج أحد شيئا فدل على أنه لا فرق في جواز العقد ثم إن المحلل لا يكون مع أحد الحزبين ولا يجوز له أن يقول أنا مع فلان أو مع هذا الحزب دون هذا فليس هذا من شأن المحلل ولا يتمم لكم حينئذ الاستدلال بالحديث إلا بعد أمور أحدها أن الحزبين أخرجا معا وأن النبي صلى الله عليه وسلم علم بذلك ودخل معهم ولم يخرج وكان محللا وهذا إن لم يقطع ببطلانه فدعواه دعوى مجردة عن برهان من الله(1\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "211",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5512",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورسوله فلا تكون مسموعة ولا مقبولة ثم نقول ثانيها إن كان الإخراج قد وقع من كلا الفريقين فالحديث حجة عليكم فإنه قال ارموا وأنا مع بني فلان والمحلل لا يكون مع أحدهما وثالثها إن كان المخرج أحد الفريقين أو لم يكن إخراج بالكلية بطل استدلالكم بالحديث فهو إما أن يكون حجة عليكم أو ليس لكم فيه حدة أصلا فإن قيل فما فائدة دخوله صلى الله عليه وسلم مع كلا الفريقين إذا لم يكن محللا فالجواب إن النبي صلى الله عليه وسلم لما صار مع أحد الحزبين أمسك الحزب الآخر وعلموا أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان في حزب كان هو الغالب المنصور فلم يحتاجوا أن يكونوا في الحزب الذي ليس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما علم ذلك منهم طيب قلوبهم وقال أنا معكم كلكم هذا مقتضى الحديث الذي يدل عليه وهو برئ من التحليل وبالله تعالى التوفيق فصل  الرد على الدليل السادس قالوا وأما دليلكم السادس وهو أنه إذا لم يكن معهما محلل وأخرجا معا فقد دار كل واحد منهما بين المغنم والمغرم وهذا حقيقة القمار فقد تقدم من الوجوه الكثيرة التي لا جواب لكم عنها ما يبطله(1\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "212",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5513",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويبين أنه إن كان هذا العقد بدون المحلل قمارا فهو بالمحلل أولى أن يكون قمارا وإن لم يكن قمارا بالمحلل فهو بدون أولى أن لا يكون قمارا ولا يتصور أن يكون قمارا في إحدى الصورتين دون الأخرى ولا يذكرون فرقا ولا معنى إلا كان اقتضاؤه بعدم اشتراط المحلل أظهر من اقتضائه لاشتراطه وقد تقدم منا بيان ذلك فإن كان لكم عنه جواب فبينوه ولا سبيل إليه فصل  حجية قول التابعين ووجوب اتباع الدليل وترك التقليد وأما قولكم لو لم يكن في هذا إلا أنه قول أعلم التابعين سعيد بن المسيب فإن مذهب أبي حنيفة أن التابعي إذا عاصر الصحابة وزاحمهم في الفتوى كان قوله حجة فيقال من العجب أن يكون قول سعيد بن المسب حجة وفعل أبي عبيدة بن الجراح غير حجة وأيضا فأنتم في أحد القولين عندكم لا تجعلون قول الصحابي حجة فكيف يكون قول التابعي حجة وأيضا فأنتم لا توجبون اتباع سعيد بن المسيب في جميع ما يذهب إليه فكيف توجبون اتباعه في هذه المسألة وأيضا فلو كان قول سعيد بن المسيب في هذه المسألة حجة أو كانت الحجة موافقة أهل عصره له كما يتوهمه المتوهم لما ساغ لمالك أن يقول(1\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "213",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5514",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا نأخذ بقول سعيد بن المسيب في المحلل ولا يجب المحلل والظاهر أن هذا إشارة من مالك إلى نفسه وإلى علماء المدينة معه وأنهم أو جمهورهم لم يأخذوا بقوله في المحلل وقولكم يكفينا أن ثلاثة أركان الأمة عليه يريدون الشافعي وأبا حنيفة وأحمد فطرد هذا يوجب عليكم أن كل مسألة اتفق عليها ثلاثة من الأئمة وخالفهم الرابع أن تأخذوا فيها بقول الثلاثة لأنهم ثلاثة أركان الأمة وهذا يلزم أهل كل مذهب وكل هذه التلفيقات بمعزل عن البرهان الذي يطالب به كل من قال قولا في الدين وقد قال الله تعالى فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر [النساء: 5 فأين أمر بالرد إلى ما ذكرتم ومن ذكرتم وقال الله تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم [النساء: 6 فوقف الإيمان على تحكيمه وحده ولم يوقف الإيمان على تحكيم غيره ألبته وقولكم إن هذا قول الجمهور فإن كان قول الجمهور في كل(1\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "214",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5515",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مسألة تنازع فيها العلماء هو الصواب وجب بطلان كل قول انفرد به أحد الأئمة عن الجمهور ويذكر لكل طائفة من الطوائف ما انفرد به من قلدوه عن الجمهور ولا يمكنهم إنكار ذلك ولا الإقرار ببطلان قوله ولا ملجأ لهم إلا التناقض وبالله التوفيق وهم إذا كان قول الجمهور معهم نادوا فيهم على رؤوس الأشهاد وأجلبوا بهم على من خالفهم وإذا كان قولهم خلاف قول الجمهور قالوا قول الجمهور ليس بحجة والحجة في الكتاب والسنة والإجماع ثم نقول أين المكاثرة بالرجال إلى المكاثرة بالأدلة وقد ذكرنا من الأدلة ما لا جواب لكم عنه والواجب اتباع الدليل أين كان ومع من كان وهو الذي أوجب الله اتباعه وحرم مخالفته وجعله الميزان الراجح بين العلماء فمن كان من جانبه كان أسعد بالصواب قل موافقوه أو كثروا وأما قولكم إن جمهور المسلمين رأوا هذا النقل حسنا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن فجوابه من وجوه أحدها أن هذا يلزمكم في كل مسألة انفرد بها من قلدتموه عن جمهور الأمة فما كان جوابكم لمن خالفكم فهو جوابنا لكم بعينه الثاني أن هذا ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما يضيفه إلى كلامه من لا علم له بالحديث وإنما هو ثابت عن ابن مسعود من قوله(1\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "215",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5516",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذكره الإمام أحمد وغيره موقوفا عليه ولفظه إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد فاختاره لرسالته ثم نظر في قلوب العباد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبته فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن الثالث أنه لو صح مرفوعا فهو دليل على أن ما أجمع عليه المسلمون ورأوه حسنا فهو عند الله حسن لا ما رآه بعضهم فهو حجة عليكم الرابع أن المسلمين كلهم لا يرون المحلل في عقد السباق حسنا بل كثير منهم تنكره فطرهم وقلوبهم ويرونه غير حسن ولو كان حسنا عند الله وهو من تمام العدل الذي فطر الله القلوب على استحسانه لرأوه كلهم حسنا وشهدت به فطرتهم وشهدت بقبح العقد إذا خلا عنه كما شهدت بقبح الظلم والقمار وحسن العدل وأكل المال بالحق قالوا ونحن نحاكمكم في ذلك إلى الفطر التي لم تندفع بالتعصب ونصرة آراء الرجال والتقليد وأما قولكم إن القول بعدم المحلل قول شاذ وإن من شذ شذ الله به فجوابه من وجوه أحدها أن القول الشاذ هو الذي ليس مع قائله دليل من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا هو القول الشاذ ولو كان عليه جمهور(1\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "216",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5517",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أهل الأرض وأما قول ما دل عليه كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس بشاذ ولو ذهب إليه الواحد من الأمة فإن كثرة القائلين وقلتهم ليس بمعيار وميزان للحق يعير به ويوزن به وهذه غير طريقة الراسخين في العلم وإنما هي طريقة عامية تليق بمن بضاعتهم من كتاب الله والسنة مزجاة وأما أهل العلم الذين هم أهله فالشذوذ عندهم والمخالفة القبيحة هي الشذوذ عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ومخالفتها ولا اعتبار عندهم بغير ذلك ما لم يجمع المسلمون على قول واحد ويعلم إجماعهم يقينا فهذا الذي لا تحل مخالفته ونحن نقول لمنازعينا في هذه المسألة إذا كان القول ببطلان المحلل باطلا مخالفا للكتاب والسنة والإجماع فلا بد أن تكون أدلة بطلانه ظاهرة لا تخفى وقوية لا تضعف ولا يمكن أن تكون أدلة القول الباطل المخالف للإجماع قوية كثيرة ولا يمكنكم إبطالها ولا معارضتها فإن بينتم بطلان هذه الأدلة بأقوى منها وأظهر فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل وإن لم يكن بأيديكم إلا بعض ما قد حكينا عنكم فإنا ذكرنا لكم من الأدلة ما لم يوجد عندكم ألبتة ولا ذكره أحد ممن انتصر لقولكم ثم ذكرنا من الكلام عليها دليلا دليلا ما إن كان باطلا فرده مقدور ومأمور به وإن كان حقا فمتبعه محسن وما على المحسنين من سبيل ثم نقول لو ذكرنا لكم نظير كلامكم هذا في مسألة انفردتم بها عن الأئمة لم تلتفتوا إليه ولم تقبلوه منا فكيف تحتجون علينا بما لا(1\/300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "217",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5518",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "تقبلونه منا إذا احتججنا به عليكم فإن قلتم وأين هذا الشذوذ فلتنظر كل طائفة إلى ما انفرد به متبوعها ومقلدوها عن سائر الأمة ولا حاجة بنا إلى الإطالة بذكر ذلك وبالله تعالى المستعان والتوفيق فصل  في تحرير مذاهب أهل العلم فيما يجوز بذل السبق فيه من المغالبات وما لا يجوز وعلى أي وجه يجوز بذل السبق المغالبات ثلاثة أقسام قد تقدم أن المغالبات ثلاثة أقسام قسم محبوب مرضي لله ورسوله معين على تحصيل محابه كالسباق بالخيل والإبل والرمي بالنشاب وقسم مبغوض مسخوط لله ورسوله موصل إلى ما يكرهه الله ورسوله كسائر المغالبات التي توقع العداوة والبغضاء وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة كالنرد والشطرنج وما أشبههما وقسم ليس بمحبوب لله ولا مسخوط له بل هو مباح لعدم المضرة الراجحة كالسباق على الأقدام والسباحة وشيل الأحجار والصراع ونحو ذلك(1\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "218",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5519",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالنوع الأول يشرع مفردا عن الرهن ومع الرهن ويشرع فيه كل ما كان أدعى إلى تحصيله فيشرع فيه بذل الرهن من هذا وحده ومن الآخر وحده ومنهما معا ومن الأجنبي وأكل المال به اكل بحق ليس أكلا بباطل وليس من القمار والميسر في شيء النرد والشطرنج والنوع الثاني محرم وحده ومع الرهن وأكل المال به ميسر وقمار كيف كان سواء كان من أحدهما أو من كليهما أو من ثالث وهذا باتفاق المسلمين غير سائغ فأما إن خلا عن الرهن فهو أيضا حرام عند الجمهور نردا كان أو شطرنجا(1\/302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "219",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5520",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا قول مالك وأصحابه وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد وأصحابه وقول جمهور التابعين ولا يحفظ عن صحابي حله وقد نص الشافعي على تحريم النرد وتوقف في تحريم الشطرنج فلم يجزم بتحريمه وذكر أنه لم يتبين له تحريمه ولهذا(1\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "220",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5521",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اختلف أصحابه في الشطرنج فمنهم من حرمه ومنهم من كرهه ولم يحرمه وممن حرمه وبالغ في تقرير تحريمه أبو عبد الله الحليمي والشافعي نص على تحريم النرد الخالي عن العوض وتوقف في الشطرنج الخالي عن العوض فمن أصحابه من طرد توقفه في النرد أيضا وقال إذا خلا عن العوض لم يحرم كالشطرنج(1\/304)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "221",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5522",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا محض القياس لأن مفسدة الشطرنج أعظم من مفسدة النرد بكثير فإذا لم تنهض مفسدة الشطرنج للتحريم فالنرد أولى ومنهم من طرد نصه في تحريم النرد وعداه إلى الشطرنج وهذا أصح تخريجا وأوضح دليلا فإن مفسدة الشطرنج أعظم من مفسدة النرد وكل ما يدل على تحريم النرد بغير عوض فدلالته على تحريم الشطرنج بطريق أولى وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه وفي الموطأ والسنن من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله(1\/305)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "222",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5523",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسر المسألة وفقهها أن الله سبحانه لماذا حرم الميسر هل هو لأجل ما فيه من المخاطرة المتضمنة لأكل المال بالباطل فعلى هذا إذا خلا عن العوض لم يكن حراما فلهذا طرد من طرد ذلك هذا الأصل وقال إذا خلا النرد والشطرنج عن العوض لم يكونا حراما ولكن هذا القول خلاف النص والقياس كما سنذكره أو حرمه لما يشتمل عليه في نفسه من المفسدة وإن خلا عن العوض فتحريمه من جنس تحريم الخمر فإنه يوقع العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة وأكل المال فيه عون وذريعة إلى الإقبال عليه واشتغال النفوس به فإن الداعي حينئذ يقوى من وجهين من جهة المغالبة ومن جهة أكل المال فيكون حراما من الوجهين وهذا المأخذ أصح نصا وقياسا نعم وأصول الشريعة وتصرفاتها تشهد له بالاعتبار فإن الله سبحانه قال في كتابه يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا(1\/307)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "223",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5524",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنما على رسولنا البلاغ المبين) [المائدة: 90 - 91] فقرن الميسر بالأنصاب والأزلام والخمر وأخبر أن الأربعة رجس وأنها من عمل الشيطان ثم أمر باجتنابها وعلق الفلاح باجتنابها ثم نبه على وجوه المفسدة المقتضية للتحريم فيها وهي ما يقوعه الشيطان بين أهلها من العداوة والبغضاء ومن الصد عن ذكر الله وعن الصلاة وكل أحد يعلم أن هذه المفاسد ناشئة من نفس العمل لا من مجرد أكل المال به فتعليل التحريم بأنه متضمن لأكل المال بالباطل تعليل بغير الوصف المذكور في النص وإلغاء للوصف الذي نبه النص عليه وأرشد إليه وهذا فاسد من الوجهين يوضحه أن السلف الذين نزل القرآن بلغتهم سموا نفس الفعل ميسرا لا أكل المال به فقال غير واحد من السلف الشطرنج ميسر العجم وصنف أبو محمد بن قتيبة كتابا في الميسر وذكر فيه أنواعه(1\/308)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "224",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5525",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأصنافه وعدها ومعلوم أن أكل المال بالميسر قد زاد على كونه ميسرا ولهذا كان أكل المال به اكلا به بالباطل لأنه أكل بعمل محرم في نفسه فالمال حرام والعمل حرام بخلاف أكله بالنوع الأول فإنه كل بحق فهو حلال والعمل طاعة وأما النوع الثالث وهو المباح فإنه وإن حرم أكل المال به فليس لأن في العلم مفسدة في نفسه وهو حرام بل لأن تجويز أكل المال به ذريعة إلى اشتغال النفوس به واتخاذه مكسبا لا سيما وهو من اللهو واللعب الخفيف على النفوس فتشتد رغبتها فيه من الوجهين فأبيح في نفسه لأنه إعانة وإجمام للنفس وراحة لها وحرم أكل المال به لئلا يتخذ عادة وصناعة ومتجرا فهذا من حكمة الشريعة ونظرها في المصالح والمفاسد ومقاديرها يوضح هذا أن الله سبحانه حرم الخمر قليلها وكثيرها ما أسكر منها ومنا لم يسكر لأن قليلها يدعو إلى كثيرها الذي يغير العقل ويوقع في المفاسد التي يريد الشيطان أن يوقع العباد فيها ويمنع عن الإصلاح الذي يحبه الله ورسوله فتحريم كثيرها من باب تحريم الأسباب الموقعة في الفساد وتحريم قليلها من باب سد الذرائع وإذا تأملت أحوال هذه المغالبات رأيتها في ذلك كالخمر قليلها يدعو إلى كثيرها وكثيرها يصد عن ما يحبه الله ورسوله ويوقع فيما يبغضه الله ورسوله فلو لم يكن في تحريمها نص لكانت أصول الشريعة وقواعدها وما اشتملت عليه من الحكم والمصالح وعدم الفرق بين(1\/309)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "225",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5526",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المتماثلين توجب تحريم ذلك والنهي عنه فكيف والنصوص قد دلت على تحريمه فقد اتفق على تحريم ذلك النص والقياس وقد سمى علي بن أبي طالب الشطرنج تماثيل فمر بقوم يلعبون بها فقال ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون وقلب الرقعة عليهم(1\/310)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "226",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5527",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يعلم أحد من الصحابة أحلها ولا لعب بها وقد أعاذهم الله من ذلك وكل ما نسب إلى أحد منهم من أنه لعب بها كأبي هريرة فافتراء وبهت على الصحابة ينكره كل عالم بأحوال الصحابة وكل عارف بالآثار وكيف يبيح خير القرون وخير الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم اللعب بشيء صده عن ذكر الله وعن الصلاة أعظم من صد الخمر إذا استغرق فيه لاعبه والواقع شاهد بذلك وكيف يحرم الشارع النرد ويبيح الشطرنج وهو يزيد عليه مفسدة بأضعاف مضاعفة وكيف يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إباحة ميسر العجم وهو أبغض إلى الله ورسوله من ميسر العرب بل الشطرنج سلطان أنواع الميسر وإذا كان اللاعب بالنرد كغامس يده في لحم الخنزير ودمه فكيف(1\/311)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "227",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5528",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بحال اللاعب بالشطرنج وهل هذا إلا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى وإذا كان من لعب بالنرد عاصيا لله ورسوله مع خفة مفسدة النرد فكيف يسلب اسم المعصية لله ولرسوله عن صاحب الشطرنج مع عظم مفسدتها وصدها عن ما يحب الله ورسوله وأخذها بفكر لاعبها واشتغال قلبه وجوارحه وضياع عمره ودعاء قليلها إلى كثيرها مثل دعاء قليل الخمر إلى كثيرها ورغبة النفوس فيها بالعوض فوق رغبتها فيها بلا عوض فلو لم يكن في اللعب فيها مفسدة أصلا غير أنها ذريعة قريبة الإيصال إلى أكل المال الحرام بالقمار لكان تحريمها متعينا في الشريعة كيف وفي المفاسد الناشئة من مجرد اللعب بها ما يقتضي تحريمها وكيف يظن بالشريعة أنها تبيح ما يلهي القلب ويشغله أعظم شغل عن مصالح دينه ودنياه ويورث العداوة والبغضاء بين أربابها وقليلها يدعو إلى كثيرها ويفعل بالعقل والفكر كما يفعل المسكر وأعظم ولهذا يصبر صاحبها عاكفا عليها كعكوف شارب الخمر على خمرة أو أشد فإنه لا يستحيي ولا يخاف كما يستحيي شارب الخمر وكلاهما مشبه بالعاكف على الأصنام أما صاحب الشطرنج فقد صح عن علي أمير المؤمنين رضي الله(1\/312)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "228",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5529",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنه أنه شبهه بالعاكف على التماثيل وأما صاحب الخمر ففي مسند الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال شارب الخمر كعابد وثن وقد صح النهي عنها عن عبد الله بن عباس وعن عبد الله بن عمر ولا يعلم لهما في الصحابة مخالف في ذلك ألبته وقد اتفق على تحريمها الأئمة الثلاثة وأتباعهم والشافعي لم يجزم بإباحتها فلا يجوز أن يقال مذهب الشافعي إباحتها فإن هذا كذب عليه بل قال وأما الشطرنج فلم يتبين لي تحريمها فتوقف رضي الله عنه في التحريم ولم يفت بالإباحة ثم اختلف المحرمون لها هل هي أشد تحريما من النرد أو النرد أشد تحريما منها فصح عن ابن عمر أنه قال(1\/313)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "229",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5530",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشطرنج شر من النرد ونص مالك على ذلك وقال الإمام أحمد وأبو حنيفة النرد أشد تحريما منها قال شيخ الإسلام أبو العباس بن عبد الحليم بن عبد السلام الحراني رضي الله عنه وكلا القولين صحيح باعتبار فإن الغالب على النرد اشتمالها على عوض بخلاف الشطرنج فالنرد بعوض شر من الشطرنج الخالي عن العوض وأما إذا اشتملا جميعا على العوض أو خلوا عنه فالشطرنج شر من النرد فإنها تحتاج إلى فكر يلهي صاحبها أكثر مما يحتاج إليه النرد ولهذا يقال إنها مبنية على مذهب القدر والنرد مبنية على مذهب الجبر فمضرتها بالعقل والدين أعظم من مضرة النرد ولكن إذا(1\/314)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "230",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5531",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "خلوا عن العوض كان تحريمهما من جهة العمل وإذا اشتملا على العوض صار تحريمهما من وجهين من جهة العمل ومن جهة أكل المال بالباطل فتصير بمنزلة لحم الخنزير الميت قال أحمد هو حرام من وجهين فإن غصبه أو سرقه من نصراني صار حراما من ثلاثة أوجه فالتحريم يقوى ويضعف بحسب قوة المفاسد وضعفها وبحسب تعدد أسبابه فاعلم فصل [مسائل] إذا عرف هذا فاتفق الناس على تحريم أكل العوض في هذا النوع وعلى تحريم المغالبة فيه بالرهان واتفقوا على جواز أكل المال بسباق الخيل والإبل والنضال من حيث الجملة وإن اختلفوا في كيفية الجواز وتفصيله على ما سنذكره واختلفوا في مسائل هل هي ملحقة بهذا أو هذا ونحن نذكرها المسألة الأولى اختلفوا في جواز المسابقة على البغال والحمير بعوض فقال الإمام أحمد ومالك والشافعي في أحد قوليه(1\/315)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "231",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5532",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والزهري لا يجوز ذلك وقال أبو حنيفة والشافعي في القول الأخر يجوز المسألة الثانية اختلفوا في المسابقة على الحمام والفيل والبقر بعوض فمنعه أحمد ومالك وأكثر الشافعية وأجازه أصحاب أبي حنيفة وبعض الشافعية وبعض أصحاب أحمد في الحمام الناقلة للأخبار المسألة الثالثة هل يجوز العوض في المسابقة على الأقدام فمنعه مالك وأحمد والشافعي في المنصوص عنه صريحا وأجازه الحنيفة وبعض الشافعية وهو مخالف لنص الإمام المسألة الرابعة هل يجوز العوض في المسابقة بالسباحة منعه الأكثرون وجوزه بعض الشافعية والحنفية المسألة الخامسة الصراع منع أحمد ومالك وبعض أصحاب الشافعي العوض فيه وهو مقتضى نص الشافعي في منعه العوض في(1\/316)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "232",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5533",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المسابقة بالأقدام وجوزه بعض أصحابه وأصحاب أبي حنيفة المسألة السادسة المشابكة بالأيدي لا تجوز بعوض عند الجمهور وفيها وجه للشافعية بالجواز ومقتضى مذهب أصحاب أبي حنيفة جوازه فإنه يجوزوه في الصراع والمسابقة بالأقدام والمغالبة في مسائل العلم المسألة السابعة المسابقة بالسيف والرمح والعمود منعها بعوض مالك وأحمد وجوزها أصحاب أبي حنيفة وللشافعية فيها وجهان المسألة الثامنة المسابقة بالمقاليع على العوض منعها الجمهور وللشافعية فيها وجه ومقتضى مذهب أصحاب أبي حنيفة الجواز المسألة التاسعة المغالبة بشيل الأثقال كالحجارة والعلاج فالجمهور لا يجوزون العوض فيها ومن جوزه على المشابكة والسباحة والصراع والأقدام فمقتضى قوله الجواز هنا إذ لا فرق المسألة العاشرة المثاقفة لا تجوز بعوض عند الجمهور وأباحها(1\/317)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "233",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5534",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعض الشافعية وهو مقتضى مذهب أصحاب أبي حنيفة المسألة الحادية عشرة المسابقة على حفظ القرآن والحديث والفقه وغيره من العلوم النافعة والإصابة في المسائل هل تجوز بعوض منعه أصحاب مالك وأحمد والشافعي وجوزه أصحاب أبي حنيفة وشيخنا وحكاه ابن عبد البر عن الشافعي وهو أولى من الشباك والصراع والسباحة فمن جوز المسابقة عليها بعوض فالمسابقة على العلم أولى بالجواز وهي صورة مراهنة الصديق لكفار قريش على صحة ما أخبرهم به وثبوته وقد تقدم أنه لم يقم دليل شرعي على نسخه وأن الصديق أخذ رهنهم بعد تحريم القمار وأن الدين قيامه بالججة والجهاد فإذا جازت المراهنة على آلات الجهاد فهي في العلم أولى بالجواز وهذا القول هو الراجح المسألة الثانية عشرة المسابقة بالسهام على بعد الرمي لا على الإصابة فأيهما كان أبعد مدى كان هو الغالب منعها بالعوض(1\/318)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "234",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5535",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصحاب أحمد والشافعي ويلزم من جوازها في المسابقة بالأقدام والسباحة والمصارعة جوازها هنا بل هي أولى بالجواز فإن المقصود بالرمي أمران البعد والإصابة فالبعد أحد مقصوديه والسبق به من جنس السبق بالخيل والإبل وبكل حال هو أولى من سائر الصور التي قاسوها على مورد النص بالجواز وظاهر الحديث يقتضيه فإنه أثبت السبق في النصل كما أثبته في الخف والحافر هذا يقتضي أن يكون السبق به كالسبق بهما فأما أن يقال يقتضي الإصابة دون السبق في الغاية فكلا وهو في اقتضائهما معا أظهر من الاقتصار على الإصابة فقط والله أعلم فصل  في مأخذ هذه الأقوال وهي نوعان لفظي ومعنوي فاللفظي الاقتصار على ما أثبته النص بعد النفي العام وهي الثلاثة المذكورة في الحديث فقط فلا يجوز في غيرها وهؤلاء جعلوا(1\/319)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "235",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5536",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أكل المال بهذه الثلاثة مستثنى من جميع أنواع المغالبات وقالوا ليس غيرها في معناها حتى يلحق بها فإن سائر هذه الأنواع المذكورة لا يتضمن ما تتضمنه هذه الثلاثة من الفروسية وتعلم أسباب الجهاد واعتيادها وتمرين البدن عليها فأين هذه من السباحة والمشابكة والسعي والصراع والعلاج واللعب بالحمام فلا نص ولا قياس قالوا ويوضح هذا أن الخيل والإبل هي التي عهدت المسابقة عليها بين الصحابه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي التي سابق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسابق على بغل ولا حمار قط لا هو ولا أحد من أصحابه مع وجود الحمير والبغال عندهم والخيل هي التي تصلح للكر والفر ولقاء العدو وفتح البلاد وأما أصحاب الحمير فأهل الذلة والقلة ولا منفعة بهم في الجهاد ألبتة فقياسها على الخيل من أفسد القياس وفهم حوافرها من حوافر الخيل من أبعد الفهم والخيل هي التي يسهم لها في الجهاد دون البغال والحمير وهي التي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الخير معقود بنواصيها إلى يوم القيامة وهي التي ورد الحث عن النبي صلى الله عليه وسلم على اقتنائها والقيام عليها وأخبر بأن أبوالها وأرواثها في ميزان صاحبها وهي التي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم تأديبها(1\/320)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "236",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5537",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتعليمها وتمرينها على الكر والفر من الحق بخلاف غيرها من الحيوانات وهي التي أمر الله سبحانه المؤمنين برباطها إعادا لعدوه فقال وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل [الأنفال: 6] وهي التي ضمن العز لأربابها والقهر لمن عاداهم فظهروها عز لهم وحصون ومعاقل وهي التي كانت أحب الدواب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي أكرم الداب وأشرفها نفوسا وأشبهها طبيعة بالنوع الإنساني فصل وأما الرمي بالنشاب فقد تقدم ذكر منفعته وتأثيره ونكايته في العدو وخوف الجيش الذي لا رامي فيهم من رام واحد فقياس المقاليع والثقاف والرمي بالمسالي ونحو ذلك عليه من أبطل القياس صورة ومعنى والرمي بالمزاريق والحراب وإن كان فيه نكاية في العدو فليس مثل نكاية الرمي بالنشاب ولا قريبا منه(1\/321)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "237",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5538",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبالجملة فغير هذه الثلاثة المشهورة المذكورة في الحديث لا تشبهها لا صورة ولا معنى ولا يحصل مقصودها فيمتنع إلحاقها بها هذا تقرير مذهب المقتصرين على الثلاثة كمالك وأحمد وكثير من السلف والخلف قالت الشافعية المغالبات التي تستعمل في الفروسية والشجاعة ثلاثة أقسام أحدها ما يوجد فيه لفظ الحديث ومعناه فيجوز أخذ السبق عليه كالخيل والإبل والفيل على الأصح والبغل والحمار في أحد الوجهين الثاني ما يوجد فيه المعنى دون اللفظ كالرمي بالمقاليع والحجارة والسفن والعدو على الأقدام ففيه وجهان والمنع أظهر لخروجه عن اللفظ الثالث ما لا يوجد فيه المعنى ولا اللفظ كالحمام والصراع والشباك فهو أولى بالمنع قال الحنفي النص على هذه الثلاثة لا ينفي الجواز فيما عداها وقوله لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل يريد به لا سبق(1\/322)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "238",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5539",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كاملا ونافعا ونحوه وبذل السبق هو من باب الجعالات فيجوز في كل عمل مباح يجوز بذلك الجعل فيه فالعقد من باب الجعالات فهي لا تختص بالثلاثة وقد ذكر الجوزجاني في كتابه المترجم حدثنا العقيلي ثنا يحيى بن يمان عن ابن جريج قال قال عطاء السبق في كل شيء ذكر هذا في (باب ترجمة ما تجوز فيه المسابقة) فمذهب أبي حنيفة في هذا الباب أوسع المذاهب ويليه مذهب الشافعي ومذهب مالك أضيق المذاهب ويليه مذهب أحمد ومذهب أبي حنفة هو القياس لو أن السبق المشروع من جنس الجعالة ومنازعوه أكثرهم يسلم له أنه من باب الجعالات فألزمهم الحنفية القول بجواز السبق في الصور التي منعوها فلم يفرقوا بفرق طائل وألزموا الحنفية أنها لو كانت من باب الجعالات لما اشترط فيها محلل إذا كان الجعل من المتسابقين كما لا يشترط في سائر الجعلات إذا جعل كل منهما جعلا لمن يعمل له نظير ما يعمله هو للآخر وهذا مشترك الإلزام بين الطائفتين فإنهم سلموا له أنها من باب الجعالات ثم اقتصروا بها على بعض الأعمال المباحة واشترطوا فيها المحلل إذا كان الجعل منهما هذا مخالف لقاعدة باب الجعالة وقالت طائفة ثالثة ليس هذا من الجعالة في شيء فإنه من المعلوم أن المتسابقين إذا أخرج أحدهما سبقا للآخر إذا غلبه ليس مقصوده أن يغلبه(1\/323)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "239",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5540",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الآخر ويأخذ ماله فإن هذا لا يقصده عاقل فكيف يقصد العاقل أن يكون مغلوبا خاسرا بل مقصوده أن يكون غالبا كاسبا كما يقصد المجاهد والجعالة قصد الباذل فيها حصول العمل من الآخر ومعاوضته عليه بماله وهذا عكس باب المسابقة فإن المسابقة هي علي صورة الجهاد وشرعت تموينا وتدريبا وتوطينا للنفس عليه والمجاهد لا يقصد أن يغلب ويسلب وإن كان قد يقع ذلك من آحاد المجاهدين إذا قصد الانغماس في العدو وأن يستشهد في سبيل الله تعالى وهذا يحمد إذا تضمن مصلحة للجيش والإسلام كحال الغلام الذي أمر الملك بقتله ليتوصل بذلك إلى إسلام الناس وقد يتفق في المتسابقين ذلك إذا كان قصد الباذل تمرين من يسابقه وإعانته على الفروسية وتفريح نفسه بالغلب والكسب لا سيما إذا كان مع ذلك من يحب تعليمه كولده وخادمه ونحوهما وهذا الباذل قد يقصد في سبقه وعلمه ليظهر الآخر عليه ويفرح نفسه بذلك ويكون قصده أن يغلبه ويعطي ما بذل له وهذا قد يقع ولكنه ليس بالغالب بل الغلب خلافه وهو مسابقة النظراء بعضهم لبعض والأول مسابقة المعلم للمتعلم والمقصور أن هذا (ليس) هو الجعالة المعروفة مع أن الناس متنازعون في الجعالة فإنه أبطلها طائفة من أهل العلم وأدخلوها في قسم الغرر والقمار وقالوا العمل فيها غير معلوم فإنه إذا قال من رد عبدي(1\/324)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "240",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5541",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "فله كذا ومن شفى مريضي فله كذا لم يعرف مقدار العمل ولا زمنه وهذا قول بعض الظاهرية ولكن الأكثرون على خلاف قولهم وهو الصواب قطعا ولكن هي عقد جائز إذ العمل فيها غير معلوم بخلاف الإجارة اللازمة ولهذا يجوز أن يجعل للطبيب جعلا على الشفاء كما جعل (أهل) الحي لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جعلا على الشفاء بالرقية لسيد الحي الدين استضافوهم (فأبوا) ولا يجوز أن يستأجر الطبيب على الشفاء لأنه عير مقدور له والعمل غير مضبوط له فباب الجعالة أوسع من باب الإجارة وعقد المسابقة ليس بواحد من البابين بل هو عقد مستقل بنفسه له أحكام يختص بها ومن أدخله في أحد البابين تناقض كما تقدم فصل في تحرير المذاهب في كيفية بذل السبق وما يحل منه وما يحرم وللمسألة ثلاث صور أحدها أن يكون الباذل غيرهما إما الإمام أو أحد الرعية(1\/325)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "241",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5542",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثانية أن نكون الباذل أحدهما وحده الثالثة أن يكون البذل منهما معا فمنعت طائفة بذل السبق من المتسابقين أو من أحدهما وقالت لا يكون إلا من الإمام أو رجل غيره وهذا قول القاسم بن محمد وحجة هذا القول أنه متى كان الباذل أحدهما فإنه لا تطيب نفسه بأن يغلب ويؤخذ ماله فإذا غلب أكل السابق ماله بغير طيب نفسه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه) وهذا بخلاف ما إذا كان الباذل الإمام أو أجنبيا عنهما فإنه تطيب نفسه ببذل المال لمن يسبق فلا يكون ماله مأكولا بغير طيب نفس ولا يلزم من هذا القول المنع إذا كان البذل من كل واحد منهما وأنه يكون أولى بالمنع فإنه لم يختص أحدهم ببذل ماله لمن يغلبه بل كل منهما باذل مبذول له فهما سواء في البذل والعمل ويسعد الله بسبقه من شاء من خلقه وكل منهما خاص لنفسه راج لإحراز ماله والفوز بمال(1\/326)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "242",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5543",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "صاحبه فلم يتميز أحدهما عن الآخر وأما إذا كان الباذل أحدهما فإن سبق رجع إليه ماله ولم يأخذ من الآخر شيئا وإن كان مسبوقا غرم ماله والآخر إن سبق غنم وإن سبق لم يغرم والعقود مبناها على العدل من الجانبين وبهذا يتبين أن العقد المشتمل على الإخراج منهما معا أحل من العقد الذي انفرد أحدهما فيه بالإخراج وأجيب صاحب هذا القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق جواز السبق في هذه الأشياء الثلاثة ولم يخصه بباذل خارج عنهما فهو يتناول حل السبق من كل باذل قالوا وأما قولكم إنه لا تطيب نفسه بأكل ماله فإنه لما التزم بذله عن كونه مغلوبا حل للغالب أكله بحكم التزامه الاختياري الذي لم يجبره أحد عليه فهو كما لو نذر إن سلم الله غائبه أن يتصدق على فلان بكذا وكذا فوجد الشرط فإنه يلزمه إخراج ما التزمه ويحل للآخر أكله وإن كان عن غير طيب نفسه قالوا والذي حرمه الشارع من أكل مال المسلم بغير طيب (نفس) منه هو أن يكون مكرها على إخراج ماله فأما إذا كان بذله والتزامه باختياره لم يدخل في الحديث فصل (بذل السبق من أحد المتسابقين) وقالت طائفة أخرى يجوز أن يبذل السبق أحدهم فيقول إن(1\/327)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "243",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5544",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "سبقتني فلك كذا ويكره أن يقول إن سبقتك فعليك كذا فيجوز أن يكون باذلا ويكره أن كون طالبا متقاضيا وهذا مذهب إبراهيم النخعي وعكرمة مولى ابن عباس وجماعة من أصحاب عبد الله بن مسعود قال إبراهيم بن يعقوب السعدي في كتابه (المترجم) حدثنا أبو صالح أخبرنا أبو إسحاق عن الأعمش عن إبراهيم قال (كان علقمة له برذون يراهن عليه فقلت لإبراهيم كيف كانوا يصنعون قال أن الرجل يقول لو سبقتني فلك كذا وكذا ولا يقول إن سبقتك فلي كذا وكذا وإن سبقتني فلك كذا وكذا) وقال ابن أبي الدنيا في كتاب السبق له أخبرنا حمزة بن العباس أخبرنا علي بن سفيان أن عبد الله بن المبارك عن الأعمش عن إبراهيم قال (لم يكونوا يرون بأسا أن يقول إن سبقتني فلك كذا وكذا ويكرهون أن يقول إن سبقتك فعليك كذا وكذا) فصل (القول بأن الجعل في السبق من باب مكارم الأخلاق لا من باب الحقوق ورده) (و) قالت طائفة أخرى بذل السبق من مكارم الأخلاق فلا يقضي(1\/328)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "244",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5545",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه به القاضي إذا غلب ولا يجبره عليه كما يقضي عليه بما يلزمه من الحقوق والأموال وإنما هو بمنزلة العدة إن (شاء) وفى بها وإلا لم يجبر على الوفاء قال سفيان الثوري (إذا قال إن سبقتك فلي كذا وكذا فإن القاضي لا يجبره على أن يعطيه) وقال عبد الله بن المبارك أخبرنا يونس عن الزهري عن سباق الرمي ما يحل منه قال ما كان عن طبي نفس لا يتقاضاه صاحبه وهذا المذهب فيه أمران أحدهما أن أربابه كرهوا أن يكون الرجل باذلا متقاضيا كأصحاب المذهب الذي قبله الثاني أنهم جعلوا الجعل فيه من باب مكارم الأخلاق لا بمن باب الحقوق التي (يجب) إيفاؤها كالوعد عند من لم يوجب الوفاء به وأصحاب المذهب الذي قبله كرهوا أن يكون أن يكون الرجل باذلا متقاضيا لأنه إذا كان باذلا كان كمن بذل ماله لما فيه منفعة للمسلمين وهو ملحق بالجعالة التي يعم نفعها وإذا كان متقاضيا طالبا كرهوه لأنه كلب أكل مال غيره على وجه يعود نفعه إلى باذل المال. وهذا بخلاف الآخر إذا بذل له المخرج من غير طلب منه جاز له أخذه إذ لا يلزم لايلزم من كراهة أكله على وجه الطلب (ما يلزم من) كراهة(1\/329)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "245",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5546",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بذله ولا كراهة أكله إذا جاء من غير طلب ومن أرباب هذا المذهب من صرح بأنه إنما يجوز أكل السبق إذا لم يؤخذ به رهن ولا يلزم به باذله وإنما يكون تبرعا محضا قال ابن وهب أخبرني يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد أنه قال إذا سبق الرجل في الرمي فلا بأس ما لم يكن جزاء واحدة بواحدة أو يؤخذ به رهن أو يلزم به صاحبه قال ابن أبي الدنيا في كتابه حدثني يعقوب بن عبيد ثنا محمد بن سلمة أنبأ أن وهب (فذكره) فهذا القول يقتضي أنه لم يجعل العوض فيه لازما قط وقد اشترط فيه أن لا يكون جزاء واحدة بواحدة وهذا يشبه أن يكون المراد به التسبيق من الجانبين وهذا من أضيق المذاهب وهو مذهب أبي جعفر محمد بن جرير فإنه قال في كتابه (تهذيب الآثار) (وإذا امتنع المسبوق من أداء السبق إلى السابق أو الفاضل فإنه لا يجبر على أداء ذلك إليه لأنه لم يستحقه عوضا على معتاض عنه ولا ألزمه الله به وإنما هو عدة فحسب ومن جميل الأخلاق الوفاء به فإن شح بالوفاء به لم يقض عليه لأنه لا خلاف بين الجميع أن رجلا لو وعد رجلا هبة شيء من ماله معلوم ثم لم يف له بشيء أنه لا يقضى عليه به ثم أورد على نفسه سؤالا فقال (فإن قيل كيف خص النبي صلى الله عليه وسلم بإجازة السبق فيما أجاز ذلك فيه إن(1\/330)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "246",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5547",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان ما يخرج منه على غير وجوب وحق يلزم في مال المخرج والهبات جائزة على السبق وغيره وأجب عنه بأن قال خصوص جواز السبق فيما خص ذلك منه لم يكن لإلزامه للسبق وإنما ذلك لكونه على وجه اللهو دون سائر الملاهي (غيره) لا على أن ما وعد به المسبق الوفاء به فمأخوذ به على كل حال وحجة هذا القول أن بذل المال في المسابقة تبرع كالوعد ولا يلزم الوفاء به بل يستحب فإن الباذل لم يبذل معاوضة فإنه لم يرجع ليه عوض ما بذله له من المال وإنما هو عطية وتبرع لمن يسبق فهو كما لو وعد من يسبق إلى حفظ سورة أو باب من الفقه بشيء من المال قالوا والتبرعات يندب إلى الوفاء بها ولا يقضى عليه به وإذا أورد على هؤلاء تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة المذكورة بالسبق دون غيره كان جوابهم أن التخصيص بالثلاثة المذكورة بكونها من الحق فالسبق فيها إعانة على الحق كإعانة الحاج والصائم والغازي على حجه وصومه وغزوه فبذل المال فيها بذل على حق وطاعة بخلاف غيرها وعلى قول هؤلاء فلا حاجة إلى محلل أصلا لأن باذل المال يبذله لمن كان أقوى على طاعة الله فأيهما غلب أخذه كما يذكر عن الشافعي أنه كان يسأل بعض أهله عن المسألة ويقول من أجاب فيها أعطيته درهما وهذا كقول الإمام من قتل قتيلا فله سلبه ومن جاء(1\/331)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "247",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5548",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "برأس من رؤوس المشركين فله كذا وكذا ما يجعل فيه الجعل لمن فضل غيره في عمل بر ليكون ذلك مرغبا للنفوس فيما يستعان به على طاعة الله ومرضاته ولهذا استثناه النبي صلى الله عليه وسلم من اللهو الباطل فهذا تحرير هذا المذهب (وتقريره) فصل (بذل الجعل من الإمام أو أجنبي) وقالت طائفة أخرى يجوز بذل الجعل من الإمام أو أجنبي وأما إن كان الباذل أحدهما جاز بشرط أن لا يعود السبق إلى المخرج بل إن كان معهما غيرهما كان لمن يليه وإن كانا اثنين فقط كان لمن حضر وسر هذا القول أن مخرج السبق لا يعود إله سبقه بحال وهذا إحدى الروايتين عن مالك وقال أبو بكر الطرطوشي وهو قوله المشهور وقال أبو عمر بن عبد البر اتفق ربيعة ومالك والأوزاعي على أن الأشياء المستبق بها لا ترجع إلى المسبق بها على كل حال يريد أن السبق لا يرجع عند هؤلاء إلى مخرجه بحال وقال وخالفهم الشافعي وأبو حنيفة والثوري وغيرهم(1\/332)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "248",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5549",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعلى هذا القول فإذا سبق المخرج كان سبقه طعمة لمن حضر سواء شرط ذلك أم لا وعن مالك رواية ثانية رواها ابن وهب عنه أنه إذا اشترط السبق لمن سبق جاز سواء كان مخرجا أو لم يكن وعلى هذه الرواية لا يكون طعمة لمن حضر وإنما يكون للسابق (فإن) شرط (على) هذه الرواية أن يكون السبق طعمة للحاضرين فال الطرطوشي (لم يجز في قول معظم العلماء) قال (وهكذا يجيء على قول مالك فإن أخرجا معا ولم يكون معهما غيرهم لم يجز قولا واحدا في مذهبه وإن كان معهما محلل فعنه في ذلك روايتان أحداهما المنع كما لو لم يكن محلل وهي المشهورة عنه قال ابن عبد البر قال مالك لا نأخذ بقول سعيد بن المسيب في المحلل ولا يجب المحلل في الخيل قال ابن شاش وهذه المشهورة عنه (و) الرواية الثانية أنه يجوز بالمحلل كقول سعيد بن المسيب قال أبو عمر (و) هو الأجود من قوليه وقول ابن المسيب وجمهور أهل العلم واختاره ابن المواز وغيره(1\/333)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "249",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5550",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل (حجة القول السابق) وحجة هذا القول أنه لا يعود إلى المخرج سبقه بحال أنه متى عاد إليه إذا كان غالبا لم يكن جعالة لأن الإنسان لا يبذل الجعل من ماله لنفسه (على) عمل يعمله فإذا كان سابقا فلو أحرز سبق نفسه لكان قد بذل من مال نفسه جعلا على عمل يعمله هو وهذا غير جائز فإنه لا يحصل له بذلك فائدة قالوا وأيضا ففيه شبه القمار لأنه إما أن يغرم وإما أن يسلم وهذا شأن القمار بخلاف الجاعل إذا كان أجنبيا فإنه غارم لا محالة قالوا فالجاعل هنا يلزمه بذل المال الذي جعله للسابق لأنه بذله على عمل وقد وجد كما يلزم ذلك في نظائره قالوا وهذا على أصول أهل المدينة ألزم فإنه يلزمه الوفاء بالوعد إذا تضمن تقرير كمن قال لغيره تزوج وأنا أنقد عنك المهر واستدن وكل وأنا أوفي عنك ونحو هذا وهو بلا خلاف عندهم وبخلاف عندنا وأما إذا لم يتضمن تقريرا ففيه خلاف بين الأصحاب وأصحاب هذا القول يقولون متى كان الجاعل يغرم مطلقا فهو جاعل ومتى كان دائرا بين أمرين كان مقامرا سواء دار بين أن يغنم ويغرم أو بين أن يغرم ويسلم أو بين أن يغنم ويسلم لأن المقامرة هي المخاطرة عندهم وقد تقدم (ما) في هذه الحجة عند ذكر الوجوه الدالة على إبطال المحلل(1\/334)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "250",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5551",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل (يجوز أن يكون السبق من أحد المتسابقين أو من كليهما أو من ثالث) وقالت طائفة أخرى يجوز أن يكون السبق من احدهما ومن كليهما ومن ثالث ويقضى به إذا امتنع المسبوق من بذله لكن إن كان منهما لم يجز إلا بمحل لا يخرج شيئا وهذا مذهب أحمد وأبي حنيفة والشافعي وإسحاق والأوزاعي وسعيد بن المسيب والزهري وابن المواز من المالكية ودخوله ليحلل السبق لهما وعلى هذا إذا اشترك هو وأحدهما في سبق الآخر كان بينهما وإن انفرد بسبقهما أحرز السبقين وأن سبقاه لم يأخذا منه شيئا وإن جاؤوا معا أحرز كل واحد سبقه ولا شيء لمحلل(1\/335)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "251",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5552",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد تقدمت حجة هؤلاء والكلام عليها فصل  فساد القول بأن المحلل دخل ليحل السبق لنفسه لا للمتسابقين  وقالت طائفة أخرى مثل هذا إلا أنهم قالوا إنما دخل المحلل ليحل السبق لنفسه لا لهما وهذا قول مالك على قوله بالمحلل في إحدى الروايتين واختيار أبي علي بن خيران من الشافعية وحكاه أبو المعالي الجويني قولا للشافعي وعلى قول هؤلاء إذا سبق أحدهما ثم جاء الآخر بعده ثم المحلل أحرز السابق سبق نفسه خاصة دون سبق الآخر فإنه لا يحرزه فإن المحلل لم يدخل لأجله هو وإنما دخل ليحل السبق لنفسه ولا يحرزه المحلل أيضا لأنه لم يسبق فيبقى على ملك صاحبه وهذا فاسد فإن صاحبه مسبوق فكيف يسلم وهو مسبوق وأي فائدة حصلت للسابق وكيف يؤخذ ماله إن غلب ولا يأخذ مال صاحبه إن غلبه فإن سبق المحلل وأحد المخرجين للثالث أحرز السابق سبق نفسه وكان سبق الآخر للمحلل وحده عند هؤلاء لأنه إنما دخل ليحل السبق لنفسه إذا جاء سابقا وقد سبق الثالث(1\/336)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "252",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5553",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا فاسد ايضا فإن الأول قد سبق هذا الآخر ايضا واشترك هو والمحلل في سبقه فكيف ينفرد المحلل بسبقه مع اشتراكه هو والأول في سبقه ومعلوم أن هذا ليس (من) موجب العقد والشرط ولا موجب الشرع ومقتضيات العقود تتلقى تارة من الشارع وتارة من المتعاقدين وهذا لم يتلق لا من الشارع ولا من العاقد وإن سبق المحلل ثم جاء أحد المخرجين بعده ثم الثالث بعدهما أحرز المحلل السبقين على القولين وهذا هوا الصحيح (قولان لبعض الشافعية وكشف فسادهما) وقالت طائفة أخرى من الشافعية سبق الثالث بين المحلل والثاني نصفين وسبق الثاني يختص به المحلل (دون) الثاني لأن المحلل والثاني قد اشتركا في سبق الثالث فيشتركان في سبقه وقد انفرد المحلل في سبق الثاني فيختص (ب) سبقه وهذا وهم (أيضا) لأن المحلل قد سبقهما والثاني مسبوق (ف) كيف يشارك السابق وقولهم قد اشتركا هو والمحلل في سبق الثالث غير مسلم فإن السبق الذي حصل للأول لم يشركه فيه غيره بل انفرد به وسبق الثاني ملغي بسبق الأول فسبق الثاني مقيد الأول مطلق فهو السابق حقيقة وقالت طائفة منهم بل يكون سبق الثالث للثاني وحده وهذا أفسد من الأول وكأن قائل هذا القول رأى أن الثاني لما كان(1\/337)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "253",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5554",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "سابقا مسبوقا اعتبر الوصفين في حقه فأخرج منه السبق إلى الأول لكونه مسبوقا وأعطاه سبق الثالث لكونه سابقا لكن هذا غلط فإن الأول قد سبقهما سبقا مطلقا وهو لو سبق الثالث فقط لا يستحق سبقه فكيف إذا سبق سابق الثالث مع سبقه لهم وقولهم إنه سابق مسبوق فيراعي في حقه الوصفان جوابه أن يقال بل هو مسبوق وكونه سابقا ملغى بسبق الأول لأنه إنما ينفعه كونه سابقا إذا لم يسبقه غيره فصل وإن سبق أحدهما وجاء المحلل والأخر معا لم يكن للمحل شيء ويحرز السبق سبق نفسه وسبق الآخر على قول الطائفة الأولى وعلى قول هؤلاء يكون سبق الآخر (له) لا يأخذه المحلل لأنه لم يسبقه ولا الأول لأن دخول المحلل إنما كان ليحل السبق لنفسه وعلى هذا فإذا سبق أحدهما وجاء المحلل بعده وتأخر الثالث فعلى قول الأولين يحرز الأول السبقين لسبقه وعلى قول هؤلاء يكون سبق الثالث للمحلل لأنه دخل ليحل السبق لنفسه وقد سبق الثالث فصل (قول في مذهب أبي حنيفة وبيان مخالفته للأصول من وجوه) وقالت طائفة أخرى إذا أخرجا معا لم يجز إلا بمحلل إلا أن المحلل إن سبقهما لم يأخذ منهما وإن سبقاه أعطاهما(1\/338)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "254",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5555",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا قول في مذهب أبي حنيفة حكاه ابن بلدجي في شرح مختار الفتوى فقال في مسألة المحلل وقيل في المحلل إن سبقاه أعطاهما وإن سبقهما لم يأخذ منهما قال وهو جائز أيضا وهذا لفظ الشارع وذكره ابن الساعاتي في شرح مجمع البحرين له وهذه الطريقة بعيدة جدا ومخالفة للأصول من وجوه أحدها أن يغرم إن كان مسبوقا ولا يغنم إن كن سابقا الثاني أنه يغرم ما لم تلزم غرامته ولو أخرج لم يكن محللا واحتاج العقد إلى محلل آخر الثالث أن مبنى هذا العقد إذا أخرجا معا على العدل والعدل إن كان واحد من المتسابقين لا يتميز عن الآخر بل إن سبق أخذ وإن سبق غرم فإذا كان المحلل لا يغنم إن سبق ويغرم إن سبق لم يكن هذا عدلا وكأن قائل هذا (القول) يلحظ أن المقصود دخول محلل يحل السبق لغيره لا لنفسه كما قال الجمهور ولا يأخذ شيء منهما لأنه لو أخذ إن سبق لم يكن محللا بل يكون كأحدهما فكما يجوز أن يأخذ إذا سبق يجوز ان يغرم إذا سبق وحينئذ فيقال فيجوز أن يخرج معهما ويخرج عن كونه محللا وإلا فكيف يغرم إن سبق ولا يغنم إن سبق(1\/339)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "255",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5556",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "ولقائله أن يقول كما أنكم قلتم إن سبق أخذ وإن سبق لم يغرم ولم يكن هذا ظلما وجعلتم هذا خاصة للمحلل ليتميز عن المخرجين فهو إما أن يغنم وإما أن يسلم مع كونه مغلوبا وهو بخلاف أحد المخرجين فإنه وإن كان مغلوبا غرم فبم تنكرون على من يقول به بل خاصيته أن يغرم إن جاء مسبوقا ولا يغنم إن جاء سابقا لأنه لو غنم لخرج عن أن يكون محللا فإذا كانت خاصية المحلل أن لا يكون دائرا بين الغنم والغرم أصلا فأي فرق بين أن يكون دائرا بين أن يغنم ويسلم أو يغرم ويسلم فكما صنتموه عن الغرامة إذا كان مسبوقا ليتميز عنهما منعناه نحن من المغنم إذا كان سابقا لهذا المعنى بعينه فهذا القول عكس قولكم في المعنى ومثله في المأخذ وكل ما تلزمونا به إذا كان سابقا ولم يغنم نلزمكم به إذا كان مسبوقا ولم يغرم قالوا والحديث ليس فيه ما يقتضي هذا القول ولا قولكم ولا (ما) يبطل واحدا من القولين فلا يمكن أن تبطلوا قولنا به ولكن يبقي الترجيح في أي القولين أقرب إلى خروج العقد به عن القمار إن كان بالمحلل يخرج عن القمار وأما حكم المحلل فلا تعلق له بالحديث غير أنه يكون مكافئا لهما في الرمي والركوب ولا يأمن إن سبقاه فحسب فصل قال المنكرون للمحلل الدخيل تأمل هذه الأقوال والطرق واختلافها في المحلل ومصادمة بعضها ببعض ومناقضة بعضها لبعض(1\/340)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "256",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5557",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "وفساد الفروع واللوازم يدل على فساد الأصل والملزوم وكل ما كانت من عند غير الله فلا بد أن يقع فيه اختلاف كثير وليس واحد من هذه الأقوال بأولى بالصحة من الآخر ولا دل الحديث على تقدير ثبوته على شيء منها وإنما هي آراء يصادم بعضها بعضا وينقض بعضها بعضا فكل بكل معارض ووكل بكل مناقض قالوا وقد قال عمرو بن دينار قال رجل عند جابر بن زيد إن أصحاب محمد كانوا لا يرون بالدخيل بأسا فقال إنهم كانوا أعف من ذلك (و) انظر إلى فقه الصحابة وجلالتهم وقول جابر إنهم كانوا أعف من أن يحتاجوا إلى دخيل قال السعدي في كتاب المترجم حدثنا أبو صالح أخبرنا أبو إسحاق عن ابن عيينة عن عمرة (فذكره) ونحن نقول كما قال جابر بن زيد (وإنهم كانوا أفقه من ذلك) فصل ثم افترق منكرو التحليل فرقتين إحداهما منعت الإخراج من الاثنين (مطلقا وهو مشهور مذهب مالك ومن قال بقوله وفرقة جوزته بغير محلل قال شيخ الإسلام(1\/341)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "257",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5558",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "وهو مقتضى المنقول عن أبي عبيدة بن الجراح قال وما علمت في الصحابة من اشترط المحلل وإنما هو معروف عن سعيد بن المسيب وعنه تلقاه الناس ولهذا قال مالك لا نأخذ بقول سعيد ين المسيب في المحلل ولا يجب المحلل والذي مشى هذا القول هيبة قائله وهيبة إباحة القمار وظنوا أن هذا مخرج للعقد عن كونه قمارا فاجتمع عظمة سعيد عند الأمة وعظمة القمار وقبحه ولم يكن بد من إباحة السبق كما أباحه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يمنع نص من الإخراج منهما وقد قال عالم الإسلام في وقته إن العقد بدونه قمار فهذا الذي مشى هذا القول والله أعلم فصل (منهج المصنف في البحث والتأليف واعتماده على الأدلة من الكتاب والسنة) فتأمل أيها المنصف هذه المذاهب وهذه المآخذ لتعلم ضعف بضاعة من قمش شيئا من العلم (من) غير طائل وارتوى من غير مورد وأنكر غير القول لذي قلده بلا علم وأنكر على من ذهب إليه وأفتى به وانتصر له وكأن مذهبة وقول من قلده عيارا على الأمة بل عيار على الكتاب والسنة فهو المحكم ونصوصهما متشابهة فما وافق قول من(1\/342)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "258",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5559",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "قلده منهما احتج به وقرره وصال به وما خلفه تأوله أو فوضه فالميزان الراجح هو قوله ومذهبه قد أهدر مذاهب العلماء من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين فلا ينظر فيها إلا نظر من ردها راغبا عنها غير متبع لها حتى كأنها شريعة أخرى ونحن نبرأ إلى الله من هذا الخلق الذميم والمرتع الذي هو على أصحابه وخيم ونوالي علماء المسلين ونتخير من أقوالهم ما وافق الكتاب والسنة ونزنها بهما لا نزنهما بقول أحد كائنا من كان ولا نتخذ من دون الله ورسوله رجلا يصيب ويخطئ فنتبعه في كل ما قال ونمنع بل نحرم متابعة غيره في كل ما خالفه فيه وبهذا أوصانا أئمة الإسلام فهذا عهدهم إلينا فنحن في ذلك على منهاجهم وطريقهم وهديهم دون من خالفنا وبالله التوفيق فصل (عقد الرهان عقد قائم بنفسه) فإن قيل هل العقد (هو) من باب الإجارات أو من باب الجعالات أو من بات المشاركات أو من باب النذور والالتزامات أو من باب العدات والتبرعات أو عقد مستقل بنفسه قائم برأسه خارج عن هذه العقود فالجواب إنه عقد مستقل بنفسه قائم برأسه غير داخل في شيء(1\/343)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "259",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5560",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من هذه العقود لانتفاء أحكامها عنه (بطلان كون عقد الرهان من عقود الإجارات) فأما بطلان كونه من عقود الإجارات فمن وجوه أحدها أنه عقد جائز لكل منهما فسخه قبل الشروع في العمل بخلاف الإجارة الثاني أن العمل في الإجارة لا بد وأن يكون معلوما مقدورا للأجير والسبق ها هنا غير ملعوم له ولا مقدور ولا يدري أيسبق أم يسبق وهذا في الإجارة غرر محض الثالث أن العمل في الإجارة يرجع إلى المسأجر والمال يعود إلى الأجير فهذا بذل ماله وهذا بذل نفعه في مقابلته فانتفع كل منهما بما عند الآخر بخلاف المسابقة فإن العمل يرجع إلى السابق الرابع أن الأجير إذا لم يوف العمل لم يلزمه غرم والمراهن إذا لم يجيء سابقا غرم ماله إذا كان مخرجا الخامس أن عقد الإجارة لا يفتقر إلى محلل وهذا عندكم يفتقر إليه في بعض صوره السادس أن الأجير إما مختص وإما مشترك وهذا ليس واحدا منهما فإنه ليس في ذمته عمل يلزمه الوفاء به ولا يلزمه تسليم نفسه إلى العاقد معه السابع أن الأجرة تجب بنفس العقد وتستحق بالتسليم والعوض(1\/344)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "260",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5561",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هنا لا يجب بالعقد ولا يستحق بالتسليم الثامن أن الأجير له أن يستنيب في العمل من يقوم مقامه ويستحق الأجرة وليس ذلك للمسابق التاسع أنه لو أجر نفسه على عمل بشرط أن يؤجره الآخر نفسه على نظيره فسدت الإجارة وعقد السباق لا يصح إلا بذلك فإن خلا عن هذا لم يكن عقد سباق كما أنه إذا قال إن أصبت من العشرة تسعة فلك كذا وكذا فهذا ليس بعقد رهان وإنما هو تبرع له على عمل ينتفع هو به أو هو وغيره أو جعالة في هذا الحال يقضي عليه بما التزمه العاشر أن الأجير يحرص على أن يوفي المستأجر غرضه والمراهن أحرص شيء على ضد غرض مراهنه وهو أن يغلبه ويأكل ماله وبينهما فروق كثيرة يطول استقصاؤها فتأملها فصل  بطلان كونه من باب الجعالات والذي يدل على بطلان كونه من باب الجعالات وجوه أحدها أن العامل فيه لا يجعل لمن يغلبه ويقهره وإنما يبذل ماله فيما يعود نفعه إليه ولو كان بذله فيما لا ينتفع به لم يصح العقد وكان سفها الثاني أن الجعالة يجوز أن يكون العمل فيها مجهولا كقوله من رد عبدي الآبق فله كذا وكذا بخلاف عقد السباق فإن العمل فيه لا يكون إلا معلوما(1\/345)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "261",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5562",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالث أنه يجوز أن يكون العوض في الجعالة مجهولا كقول الإمام من دلني على حصن أو قلعة فله ثلث ما يغنم منه أو ربعه بخلاف عقد السباق الرابع أن المراهن قصده تعجيز خصمه وأن لا يوفي عمله بخلاف الجاعل فإن قصده حصول العمل المجعول له وتوفيته إياه وأكثر الوجوه المتقدمة في الفرق بينهما وبين الإجارة تجيء ها هنا (بطلان كونه من عقود المشاركات) وأما بطلان كونها من عقود المشاركات فظاهر جدا فإنها ليس نوعا من أنواع الشركة وسائر أحكامها منتفية عنها فصل  بطلان كونه من باب النذور  والذي يبطل كونه من باب النذور وجوه أحدها أن الناذر قد التزم إخراج ما عينه إن حصل له مقصوده والمسابق إنما يلزمه إخراج ماله إذا حصل ضد مقصوده الثاني أن الناذر ملتزم إخراج ما نذره إلى غير الغالب له والمسابق إنما التزم إخراجه لمن غلبه الثالث أن الناذر لا يلزم أن يكون معه مثله يشاركه في نذره والمراهن بخلافه الرابع أن النذر متى تعذر الوفاء به انتقل إلى بدله إن كان له بدل(1\/346)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "262",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5563",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شرعي وإلا فكفارة يمين بخلاف المراهن الخامس أن النذر يصح مطلقا ومعلقا كقوله لله علي صوم يوم وإن شفى الله مريضي فعلي صوم يوم بخلاف المسابقة السادس أن المسابقة لا تصح على الصوم والحج والاعتكاف والصلاة والقرب البدنية ولا تكون إلا على مال بخلاف النذر السابع أن النذر منهي عنه وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن النذر لا يأتي بخير بخلاف المسابقة فإنه مأمور بها مرغب فيها الثامن أن النذر عقد لازم لا بد من الوفاء به والمسابقة عقد جائز التاسع أن النذر حق لله بما التزمه به لا يسقط بإسقاط العبد وما التزمه بالمسابقة حق للعبد يسقط بإسقاطه العاشر أن النذر لا يلزم أن يكون جزاء على عمل ويجوز أن يكون على ما لا صنع للعبد فيه ألبتة كمجئ المطر وحصول الولد ونمو الزرع بخلاف عقد المسابقة فإن قيل فهب أنه ليس من باب نذر التبرر فما الذي يبطل كونه من باب نذر اللجاج والغضب وشبهه به ظاهر فإن المراهن يقول لخصمه إن غلبتني فلك من مالي كذا وكذا وعرضه أن يحض نفسه على أن يكون(1\/347)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "263",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5564",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو الغالب ولا يخسر ماله فهو كما لو قال: ان كلمتك فلله علي كذا وكذا فهو يحض نفسه على ترك كلامه لئلا يخسر ماله بكلامه فان الغرض منع نفسه من الفعل الذي التزم لاجله اخراج ما يكره اخراجه قيل هذا حسن لا بأس به لكن الفرق بينهما ان الناذر ملتزم اخراج ماله عند فعله ما يكون مخالفا لعقد نذره والمغالب ملتزم لذلك عند سبق غيره له وعجزه هو عن مغالبته لكن قد يلزم الناذر اخراج شيء من ماله عند غلبة غيره له كقوله ان غلبتني فمالي صدقة وعلى هذا فيكون الفرق بينهما ان في المسابقة [يكون] حرصه على المغنم تارة وعلى دفع الغرم أخرى - فيما اذا كان الباذل غيرهما أو كلاهما والناذر نذر اللجاج حرصه على دفع الغرم فقط فبينهما جامع وفارق. فصل [بطلان كونه من باب العدات والتبرعات] والذي يبطل كونه من باب العدات والتبرعات القصد والحقيقة والاسم والحكم اما القصد فإن المراهن ليس غرضه التبرع وأن يكون مغلوبا بل غرضه الكسب وان يكون غالبا فهو ضد المتبرع وأما الحقيقة فإن التبرع والهبة لا تكون على عمل ومتى كان على عمل خرج عن أن يكون هبة وكان من نوع المعاوضات(1\/348)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "264",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5565",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الاسم فإن اسم الرهان والسبق والخطر والجعل غير اسم الهبة والصدقة والتبرع وأما الحكم فأحكام الهبة مخالفة لأحكام الرهان من كل وجه وإن جمعهما مجرد اخراج المال الى الغير على وجه لا يعتاض باذله عنه فهذا هو القدر المشترك بينه وبين الهبة والتبرع ولا تخفى الفروق التي بين هذا العقد وبين عقد الهبة فإذا عرف هذا فالصواب ان هذا العقد عقد مستقل بنفسه له أحكام يتميز بها عن سائر هذه العقود فلا تؤخذ أحكامه منها وبالله التوفيق فصل [هل عقد الرهان لازم أو جائز] واختلف الفقهاء في هذا العقد هل هو عقد لازم أو جائز على قولين أحدهما أنه من العقود الجائزة وهذا المشهور عند أصحاب أحمد وهو مذهب أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي والثاني أنه عقد لازم وهو القول الآخر للشافعي ووجه في(1\/349)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "265",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5566",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مذهب أحمد ولأصحاب الشافعي في محل القولين طريقتان إحداهما أن القولين جاريان في مطلق صورة العقد سواء كان الجعل منهما او من أحدهما أو من ثالث والثانية أن محل القولين في حق من أخرج السبق وأما المحلل ومن لم يخرج فالعقد جائز في حقه قولا واحدا وأصحاب هذه الطريقة رأوا أن لزوم العقد في حق من لم يخرج لا فائدة فيه إذ لا يلزمه شيء فإنه إما أن يكسب مالا أو لا يعطي شيئا فلا فائدة لإلزامه بعقد لا يكون معطيا فيه بل آخذا وأصحاب الطريقة الأولى يقولون إن المخرج قد يستفيد التعلم ممن لم يخرج فيكون كالمعارض بماله على التعلم فيلزم الآخر تتميم العقد قالوا ولأنه عقد من شرطه أن يكون العوض والمعوض معلومين فكان لازما كالإجارة ومن قال بالجواز دون اللزوم قال المسابقة عقد على مالا يتحقق القدرة على تسليمه فكان جائزا كرد الآبق وذلك لأنه عقد على الإصابة ولا يدخل تحت قدرته وبهذا فارق الإجارة(1\/350)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "266",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5567",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل في التفريع على هذا الخلاف قالت الشافعية فرع إن قلنا باللزوم فلا بد من القبول وإن قلنا بالجواز فهل يشترط القبول فيه وجهان المذهب أنه لا يشترط فرع هل يصح ضمان السبق فيه طريقان أحدهما أنا إن قلنا باللزوم صح وإن قلنا بالجواز فهل يصح الضمان على قولين والطريقة الثانية أنا إن قلنا باللزوم ففي الضمان قولان وهما القولان في ضمان ما لم يجب وجرى بسبب وجوبه فإن السبق لا يستحق قبل الفوز اتفاقا سواء إن قلنا بالجواز أو اللزوم فرع هل يصح أخذ هذا الرهن بالجعل قالوا إن قلنا لا يصح أخذ الضمين به لم يصح أخذ الرهن وإن(1\/351)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "267",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5568",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أجزنا أخذ الضمين به ففي جواز أخذ الرهن وجهان والفرق أن باب الضمان أوسع فإن يجوز ضمان العهدة ولا يجوز أخذ الرهن [بها] ويجوز ضمان ما لم يجب ولا يجوز أخذ الرهن به ويجوز ضمان مال الكتابة في إحدى الروايتين ولا يصح أخذ الرهن به والفرق بينهما من وجهين أحدهما أن أخذ الرهن بضمان العهدة وبمال الكتابة وبما لم يجب يمنع الارتفاق بالرهن فإنه يمنعه من بيعه والارتفاق به في كتابته وأداء ما عليه من الحق وليس كذلك الضمان لأنه لا يعطل على البائع شيئا ولا يمنعه الارتفاق بسلعته ولا يعطل على المكاتب ولا على المقترض شيئا الثاني أن ضرب الرهن يطول لأنه يدوم بقاؤه عند المرتهن وصاحبه ممنوع من التصرف فيه بخلاف الضمين لأن كون الدين في ذمته لا يمنع مالك السلعة من التصرف فيها فالمكاتب يستضر بالرهن ولا يستضر بالضمين ويستضر المقترض بالرهن قبل القرض ولا يستضر بالضمين وقال أبو المعالي الجويني لا يبعد ان يوقف السبق فإن قاربه أحدهما تبين استحقاقه بالعقد فيكون كضمان العهدة إلا أن هذه عهدة تقبل الرهن لقرب أمدها بخلاف عهدة البائع إذ لا أمد لها(1\/352)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "268",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5569",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فرع إذا قلنا هي عقد جائز فلكل واحد منهما فسخها قبل الشروع اتفاقا وإن أراد أحدهما الزيادة فيها أو النقصان لم يلزم الآخر إجابته وإن اتفقا على ذلك جاز وإن قلنا باللزوم لم يملك أحدهما فسخها وإن اتفقا على الفسخ جاز وإن اتفقا على الزيادة والنقصان فيه جازسواء ابقيا العقد أو فسخاه فرع فإن شرعا فيها فإن لم يظهر لأحدهما فضل على الآخر جاز لكل واحد منهما الفسخ وإن ظهر لأحدها على الآخر مثل أن يسبقه بفرسه في بعض المسافة أو يصيب بسهامه أكثر منه فللفاضل الفسخ دون المفضول لأنا لو جوزنا للمفضول الفسخ لفات غرض المسابقة فلا يحصل المقصود وكان كل من رأى نفسه مغلوبا فسخ [العقد] وقالت الشافعية إذا قلنا بجواز العقد دون لزومه ففي جواز الفسخ من المفضول وجهان فرع فإن مات أحد المتعاقدين فإن قلنا هي [عقد] جائز انفسخت(1\/353)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "269",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5570",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بموته قياسا على سائر العقود الجائزة من الوكالة والشركة والمضاربة ونحوها وإن قلنا هي عقد لازم لم تنفسخ بموت الراكبين ولا تلف أحد القوسين وانفسخت بموت أحد المركوبين والراميين والفرق بينهما أن العقد تعلق بعين المركوب والرامي فانفسخ بتلفه كما لو تلف المعقود عليه في الإجازة بخلاف موت الراكب وتلف القوس فإنه غير المعقود [عليه] فلم ينفسخ العقد بتلفه كموت أحد المتبايعين ولهذا يجوز إبدال القوس والراكب ولا يجوز إبدال الفرس والرامي فعلى هذا يقوم وارث الميت مقامه كما لو استأجر شيئا ثم مات فإن لم يكن له وارث أقام الحاكم مقامه من تركته كما لو أجر نفسه لعمل معلوم ثم مات فرع فإن أخر أحدهما السباق والنضال من الوقت الذي عين فيه فإن كان لعذر جاز وإن كان لغير عذر وقلنا بلزوم العقد لم يجز وإن قلنا بجوازه فللآخر الفسخ وله الصبر وهكذا إن أخر إتمام الرمي بعد الشروع فيه(1\/354)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "270",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5571",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل في إلحاق الزيادة والنقصان في الجعل وعدد الرشق ومقدار المسافة في عقد السباق والنضال وهي ست صور إلحاق زيادة بالمسافة أو نقصان منها وإلحاق زيادة بالجعل أو نقصان منه وإلحاق زيادة بعدد الرمي والرماة أو نقصان منه وإن قلنا بجواز العقد جاز ذلك كله باتفاق الحزبين وإن قلنا بلزومه فقال أصحاب الشافعي لا يلحق كما لا تلحق الزيادة في الثمن بعد لزوم البيت ولا الزيادة في الأجر بعد لزوم الإجازة وأما من ألحق الزيادة في الثمن والنقصان منه بعد العقد كأصحاب ابي حنيفة وهو القول الراجح في الدليل فعلى أصولهم يجوز إلحاق الزيادة والنقصان في هذا العقد وهذا هو الصواب إذا اتفقا عليه وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصديق أن يزيد في الأجل والرهن لما راهن المشركين على غلبة الروم والفرس ولا محذور فإلحاق هذه الزيادة أصلا بل النص والقياس يقتضيان جوازها وقد قال أصحابنا تجوز الزيادة في الصداق بعد لزومه مع ان عقد النكاح عقد لازم وتكون الزيادة كالأصل فيما يقرره وينفعه واتفقوا على جواز الزيادة في الرهن(1\/355)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "271",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5572",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واختلفوا في جواز الزيادة في دينه فمنعها أبو حنيفة وأحمد وأجازها مالك والشافعي في قوله القديم ومنعها في الجديد ولم أجد عن أحمد نصا بالمنع وإنما أخذه أصحابه من نصه في الزيادة في الثمن وقول مالك في هذه المسألة أرجح إذ لا محذور في ذلك وهي زيادة تتعلق بالرهن فجازت كزيادة التعلق بذمة الضامن ولا أثر للفرق بينهما بسعة هذا وضيق الرهن لأن لهما أن يوسعها أضعاف ما هو متعلق به بأن يغير الرهن ولولا سعته لما أمكن ذلك وقد قال أصحابنا لو جنى العبد المرهون ففداه المرتهن ليكون رهنا بالفداء وبالحق الأول جاز وهذا زيادة في دين الرهن ولكن فرقوا بين هذه الزيادة وبين غيرها بأن الجناية تملك المجني عليه المطالبة ببيعه في الجناية وإبطال الوثيقة من الرهن فصار بمنزلة الرهن الجائز قبل قبضه فإنه يكون غير لازم والرهن قبل لزومه تجوز الزيادة في دينه فكذلك بعد الجناية لأنه قد تعرض لزوال لزومه قالوا وليس كذلك إذا لم يجز الرهن لأنه لازم لا سبيل الى إبطال حق المرتهن عنه فلم يصح أن يرهنه بحق آخر كما لو رهنه عند إنسان آخر قالوا ولأنه قد تعلق بجملته كل جزء من أجزاء الحق فلم يبق فيه موضع لتعلق حق آخر به بخلاف الضمان فإن محله ذمة الضامن وهي متسعة لكل دين يرد عليها ولمن رجح قول مالك أن يقول لما ملكا تغيير العقد ورفعه ثم(1\/356)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "272",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5573",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جعل الرهن وثيقة بالدينين ملكا أن يجعلاه وثيقة بهما مع بقاء العقد واي فائدة أو مصلحة حصلت لهما بتغيير العقد وفسخه وتعريض الحق للضياع بإبطال الرهن ومعلوم أن الشارع لا يشرع ما هو عبث لا مصلحة فيه فيقول إذا أردتما الزيادة في الدين فافسخا عقد الرهن وأبطلاه ثم زيدا فيه فتغيير صفته أسهل عليهما وأقل كلفة وأبين مصلحة وقولكم إنه قد تعلق بجملة الرهن كل جزء من اجزاء الدين فهذا ليس متفقا عليه بين الفقهاء فإن أبا حنيفة قال في إحدى الروايتين إذا رهن شيئين بحق فتلف أحدهما كان الباقي رهنا بما يقابله من الحق لا بجميعه ولو سلم أنه رهن على كل جزء من أجزاء الحق لم يمنع أن يصير رهنا على حق آخر باتفاقهما كما لو غير العقد كما لو كان جائزا لم يلزم بعد أو طرأ عليه ما يعرضه لزوال لزومه وقياسكم الزيادة في الدين على رهنه عند رجل آخر لا يصح لتعدد المطالب المستحق وحصول التنازع والتشاح في التقديم بخلاف ما إذا كان المستحق واحدا والمقصود أن الزيادة في عقد السباق تصح وتلزم إذا اتفقا عليها كما زاد الصديق في المدة والخطر بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم(1\/357)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "273",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5574",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  أنواع المناضلة  المناضلة على ضربين مناضلة على الإصابة ومناضلة على بعد المسافة - فالأولى جائزة اتفاقا - وأما المناضلة على بعد المسافة فللشافعي فيها قولان ولأصحابنا فيها طريقان فأكثرهم منعوها وقال صاحب الرعاية فيها قلت فإن تسابقا بالخيل على أن السبق لأطولهما مدى لم يصح وإن تناضلا على أن السبق لأبعدهما رميا احتمل وجهين وقد تقدم أن هذه أولى بالصحة من المصارعة والسباحة والمسابقة على الأقدام فمن جوزها [في هذه الصورة فتجوزيها] على بعد المسافة أولى وأحرى وهذا أرجح وقد شرط بعض من جوزها على البعد استواء القوسين في الشدة والضعف لتنافس الرماة في ذلك حتى إنهم ربما رموا بقوس واحد وسهم واحدة وإذا كان العقد على الإصابة لم يشترط تعيين القوسين ولا استواؤهما اتفاقا(1\/358)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "274",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5575",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شروط العقد على الإصابة  والنوع الثاني العقد على الإصابة وله شروط أحدهما تعيين الرماة لأن المقصود عين الرامي ومعرفة حذقه وإصابته لا معرفة حذق رام ما فلو تعاقد متراميان على أن مع كل واحد منهما ثلاثة أو اثنين أو واحدا يرمي معه غير معين لم يجز ذلك ولا يشترط تعيين القوسين ولا تعيين السهام ولا عينها لم تتعين وجاز إبدالها لأن القصد معرفة الحذق لا معرفة القوس ومنفعته وأما [في] الخيل فيشترط معرفة المركوبين بالتعيين دون الراكبين لأن المقصود معرفة عدو الفرس لا سوق راكبها فعلى هذا أن شرطا أن لا يرمي [بغيرها أعني] بغير هذا القوس أو بغير هذا السهم أو لا يركب غير هذا الرجل لم يصح الشرط ولم يتعين عليه ذلك(1\/359)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "275",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5576",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني أن يكون القوسان من نوع واحد وجنس واحد فلا يصح عقد السباق بين قوس يد وقوس رجل ولا بين قوسين عربية وقوس فارسية في أحد الوجهين وفي الآخر يجوز بين النوعين دون الجنسين والوجهان لأصحاب الشافعي وأحمد ونظير هذا الاختلاف في المسابقة بين العربي والهجين وبين البختي والعربي من الإبل فإن فيه وجهين لأصحاب أحمد والجواز اختيار القاضي وهو مذهب الشافعي الثالث تحديد المسافة والغاية بما جرت به العادة في النضال والسباق لأن الغرض معرفة أسبقهما ولا يعلم ذلك إلا بتساويهما في المسافة لأن أحدهما قد يكون مقصرا في أول عدوه سريعا في انتهائه وبالعكس فيحتاج إلى غاية تجميع حالتيه ومن الخيل ما هو أصبر والقارح أصبر من غيره ولهذا فضل النبي صلى الله عليه وسلم القرح في الغاية(1\/360)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "276",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5577",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن استبقا بغير غاية لينظر أيهما يقف أولا لم يجز لأنه يؤدي إلى أنه لا يقف أحدهما حتى ينقطع فرسه فيتعذر الحكم للآخر بالسبق كما لو مات فرس الآخر أو انكسر وكذلك [أيضا] يشترط معرفة مدى الرمي إما بالمشاهدة والرؤية وإما بالذرعان لأن الإصابة تختلف بالقرب والبعد ويجوز أن يجعلا غاية ما يتفقان عليه إلا أن يجعلا مسافة بعيدة تتعذر الإصابة في مثلها غالبا - وهو ما زاد على ثلاث مئة ذراع -[فلا يصح لأن] الغرض يفوت بذلك وقد قيل إنه ما رمى في أربع مئة ذراع إلا عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه هذا كلام أصحاب أحمد وقال العراقيون من أصحاب الشافعي إذا كانت المسافة مئتين وخمسين ذراعا جاز وإن زادت على ثلاث مئة وخمسين لم يجز وفيهما بينهما وجهان وهذا التقدير ليس معهم به نص من الإمام ولا دليل من [جهة] الشريعة وقال الخراسانيون منهم إن كانت المسافة تقرب الإصابة فيها(1\/361)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "277",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5578",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صح تعيينها وإن تعذرت الإصابة [فيها لم يصح وإن كانت بحيث يقطعها السهم وتندر الإصابة] فوجهان قلت وهذا أقرب إلى الصواب فإنهم إذا جوزوا تقديرها بثلاث مئة وخمسين ذراعا أو بثلاث مئة ولم يجوزوا الرمي على البعد بل على الإصابة لم تحصل الإصابة في هذه المسافة إلا اتفاقا وكلما بعدت المسافة عزت الإصابة ولهذا رمي الغرض لا يكون إلا مع مسافة يمكن فيها الإصابة غالبا وهذه ثلاثة قصيرة وطويلة ومتوسطة ولهذا يبتدئ المتعلم بالقريب ثم بالمتوسط ثم بالبعيد فالذي يصيب ما جرت به العادة في الثلاثة بنبال الثلاثة هو الرامي حقيقة الرابع أن يكون العوض معلوما ويجوز أن يكون معينا وموصوفا وأن يكون حالا ومؤجلا وأن يكون من جنس ومن أجناس وأن يكون بعضه حالا وبعضه مؤجلا الخامس أن يكون مقدورا على تسليمه فلو جعله عبدا آبقا أو فرسا شاردا أو جوهرة في البحر أو طيرا في الهواء يحصله له لم يجز لأن ذلك كله غرر ولا يجوز أن يكون مورد الشيء من عقود المعاوضات(1\/362)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "278",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5579",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  تعدد السهام وعدم تعددها  ويجوز أن يتناضلا بسهام متعددة لهما أو لكل واحد منها وبسهم واحد يرمي أحدهما جملة رشقه ثم يرمي به الآخر أو يرمي به هذا مرة وهذا مرة لحصول الغرض بذلك ومنع بعض أصحاب الشافعي المناضلة على سهم واحد بشرط أن يرمي كل منهما به مرة ولا يظهر لهذا المنع وجه فإنهما لو تناضلا بعدة أسهم على أن يرمي هذا فردة وهذا لردة جاز كما يجوز أن يستوفي ل منهما رميه عن ولاء ثم يأخذ الآخر في الرمي ويجوز أن يتساويا سهمين سهمين وثلاثة ثلاثة إذ المقصود استواؤهما والتعديل بينهما فصل  في تحزب الرماة وهو نوعان أحدهما أن يكونا اثنين فقط الثاني أن يكونوا جماعتين(1\/363)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "279",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5580",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن كانا اثنين فقط وعلم أحدهما أن الآخر غالب له ولا بد أو مغلوب معه ولا بد فإن أخرج من تحقق أنه غالب جاز إذ لا يأخذ من الآخر شيئا وغايته أنه يحرز ماله ويغلب صاحبه وإن أخرج من تحقق أنه مغلوب وكان له في ذلك غرض صحيح مثل أن يريد أن ينفع ولده أو صاحبه أو فقيرا فيوصل إليه المال على هذا الوجه ويقوي نفسه ويفرحها جاز ذلك وهو محسن وإن لم يكن له غرض صحيح ففي صحة ذلك نظر لتضمن بذل ماله فيما لا منفعة له فيه لا دنيا ولا أخرى ومثل ذلك يمنع منه الشرع والعقل(1\/364)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "280",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5581",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فرع",
        "content": "وقال أبو المعالي الجويني في النهاية إذا أخرج أحدهما وقد علم أن المشروط له لا يفوز كانت مناضلة بغير مال وإن علم فوزه صحت على الأصح فرع  وإذا كانوا جماعتين فهل يشترط تساوي عددهما أو يجوز أن يكونوا اثنين وثلاثة فيه احتمالان لأصحابنا ومأخذ الاشتراط تحقق العدل بالتساوي ومأخذ عدمه قد يكون في أحد الحزبين واحد يقوم مقام جماعة فتكون القسمة به قسمة تعديل ويشترط تكافؤهما في الرمي والسهام فلا يكون رمي أحدهما صلبا والأخر لينا أو سهم أحدهما قصبا والآخر خلنجا وكذلك في القوس فيا يكون قوس أحدهما عربيا والآخر فارسيا وفيه وجه بجوازه بين النوعين من القسي(1\/365)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "281",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5582",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فرع",
        "content": "فرع ويشترط كون الرشق مما يمكن قسمته بينهم بغير كسر ويتساوون فيه فإن كانوا ثلاثة وجب أن يكون له ثلث وإن كانوا أربعة فأن يكون له ربع وكذلك ما زاد لأنه إذا لم يكن كذلك بأن بقي سهم أو أكثر بينهم لا يمكن الجماعة الاشتراك فيه فرع فإن عقد النضال جماعة بينهم لينقسموا حزبين بعد العقد ففيه وجهان أحدهما أنه يصح اختاره القاضي وهو مذهب الشافعي لأن التعيين الطارئ كالمقارن والوجه الثاني لا يصح لأن التعيين شرط ولم يوجد حال العقد وقبل القسمة لم يتعين من في كل واحد من الحزبين فعلى هذا الوجه إذا تقاسموا كان تقاسمهم ابتداء للعقد ويحتمل أن يعتبر تجديد العقد بعد التقاسم وهو الذي ذكره في المغني وعلى قول القاضي قد صح العقد قبل التقاسم فالتقاسم هو موجب العقد(1\/366)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "282",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5583",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فرع  فإن قلنا بقول القاضي لم يجز أن يتقاسموا بالقرعة لأنها قد تقع على الحذاق في أحد الحزبين وعلى الكوادن في الحزب الآخر فيخرج العقد عن العدل الذي هو مقصود النضال وإن قلنا بالوجه الأخر جاز أن يتقاسموا بالقرعة فإن العقد لم يصح قبل القسمة فإذا أخرجت القرعة أحد الحزبين وميزته من الآخر فإن تراضوا بذلك وإلا فلا عقد بينهم وطريق القسمة بالعدل أن يخرج من كل حزب زعيم فيختار أحدهما واحدا ثم يختار الزعيم الآخر واحدا إلى أن تتم القسمة على العدل ولا يجز أن يجعل الخيار إلى أحد الزعيمين في الجميع ولا أن يختار احدهما جميع حزبه أولا ثم يعد الآخر فيختار بعده لخروجهما عن العدل فإن الأول لا يؤمن أن يختار الحذاق في حزبه ولا يجوز أن يجعل رئيس الحزبين واحدا منهما فإنه يميل إلى حزبه فتلحقه التهمة ولا يجوز أن يختار كل واحد من الرئيسين أكثر من واحد لأنه أقرب إلى التساوي والعدل فإذا اختاروا واحدا اختار الرئيس الآخر ثانيا ونظير هذا أنه لا يقدم السابق بأكثر من حكومة واحدة فلو قال احكم لي حكومتين ثم احكم لمن جاء بعدي حكومتين لم يكن له ذلك(1\/367)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "283",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5584",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونظيره أيضا أن من خرجت لها القرعة من نسائه في البداءة بها لم تقدم بليلتين ونظيره أن الطالب المتعلم إذا سبق غيره إلى الشيخ ليقرأ عليه لم يقدم بدرسين إلا أن يكون كل منهم يقرأ درسين درسين وإن اختلفا في المتبدئ بالخيار أقرع بينهما ولو قال أحدهما أنا أختار أولا وأخرج السبق أو يخرجه أصحابي لم يجز لأن السبق إنما يستحق بالسبق لا بغيره فصل  وإذا أخرج أحد الزعيمين السبق من عنده فسبق حزبه لم يكن على حزبه شيء لأنه جعله على نفسه دونهم وإن شرطه عليهم فهو عليهم بالسوية وأما الحزب الآخر ففي كيفية اقتسامهم له وجهان أحدهما يقتسمونه بالتسوية من أصاب منهم ومن أخطأ كما أنه على الحزب المغلوب بالسوية فيكون للغالب بالسوية وهذا قول أصحاب الشافعي والثاني يقسم بينهم على قدر الإصابة ومن لم يصب منهم فلا(1\/368)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "284",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5585",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شيء له لأن استحقاقه بالإصابة فكان على قدرها واختص بمن وجدت فيه بخلاف المسبوقين فإنه وجب عليهم لالتزامهم له وقد استووا في الالتزام وهؤلاء استحقوه بالإصابة وقد تفاوتوا فيها وهذا الوجه أظهر والله أعلم فصل  فإن شرطوا أن يكون فلان مقدما في هذا الحزب وفلان مقدما في الحزب الآخر ثم فلان تاليا في هذا الحزب وفلان تاليا في الحزب الآخر فقال أصحابنا يكون شرطا فاسدا قالوا لأن تقديم من في كل من الحزبين إلى رأي زعيمه خاصة وليس للآخر مشاركته في ذلك فإذا شرطوه كان فاسدا قلت ويحتمل الصحة كما أن تعيين الزعيمين كان باتفاقهما على اشتراطه فكذلك تعيين البادئين منهما يجوز أن يتبع اشتراط الحزبين وليس في ذلك جور ولا مفسدة وقد يكون لهم فيه غرض صحيح فلا يفوت عليهم بغير سبب وقولهم إنه ليس للآخر مشاركة الزعيم فيمن يقدمه جوابه إن استحقاق تقدميه كان باشتراط الفريقين ورضاهم به والأصل في الشروط الصحة إلا ما خالف حكم الله تعالى ورسول الله صلى الله عليه وسلم(1\/369)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "285",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5586",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل  فإن قالوا نقترع فمن خرجت قرعته فالسبق عليه أو نقترع فمن خرجت قرعته حكم له بالسبق كان فاسدا لأن العوض لا يستحق بالقرعة وإنما يستحق بالبذل والإصابة فصل  فإن تناضل اثنان وقالا نرمي كذا وكذا فأينا أصاب فالسبق على الآخر صح أو كانا حزبين فقالا نرمي فأي الحزبين أصاب فالسبق على الآخر صح ذلك وكان إخراجا من أحدهما خاصة كأنه قال إن سبقتني فلك عشرة وإن سبقتك فعليك عشرة فرضي الآخر وقال الشيخ أبو محمد رضي الله عنه في المغني لا يجوز لأنه لا يستحق بالإصابة يريد أن مجرد الإصابة لا يوجب استحقاق السبق وهذا صحيح ولكن إنما استحق بالإصابة وبقوله أينا أصاب فالسبق على الآخر فإن هذا شرط فاستحق السبق به وبالإصابة والله أعلم فصل  إذا تناضل اثنان وأخرج أحدهما السبق فقال أجنبي أنا شريكك في الغنم والغرم إن نضلك فنصف السبق علي وإن نضلته فنصفه(1\/370)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "286",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5587",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لي لم يجز ذلك وكذلك لو كان ثلاثة بمحلل عند من يقول به فقال رابع للمستبقين أنا شريككما في الغنم والغرم كان باطلا لأن الغرم والغنم إنما يكون من المناضل فأما من لا يرمي فلا غنم له ولا غرم عليه(1\/371)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "287",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5588",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  وإذا نضل أحد الراميين فقال المنضول اطرح نضلك أعطك دينار لأستوي أنا وأنت لم يجز لأن المقصود معرفة الحذق وذلك يمنع منه فإن اختارا ذلك فلهما فسخ العقد ثم يعقدان عقدا آخر فإن اختارا ذلك فلهما فسخ العقد ثم يعقدان عقدا آخر فإن لم يفسخاه ولكن رميا تمام الرشق فتمت الإصابة للناضل بما أسقطه استحق السبق ورد الدينار إن كان أخذه فصل  إذا كان باذل السبق غير المتسابقين وكانا اثنين أو جماعة فقالا أيكما أو أيكم سبق فله عشرة جاز وصح وأيهم سبق استحق العشرة وإن جاؤوا جميعا فلا شيء لواحد منهم لأنه لا سابق فيهم(1\/372)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "288",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5589",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن قال لاثنين أيكما سبق فله عشرة وأيكما صلى أي جاء ثانيا للسابق فله عشرة لم يصح لأنه لا فائدة في طلب السبق لأنه يستحق العشرة سابقا ومسبوقا فلا يجزي على السبق لأنه يستحق العشرة سابقا ومسبوقا فلا يجزي على السبق فإن قال ومن صلى فله خمسة صح لأن كلا منهما يطلب السبق لفائدته المختصة به وإن كانوا أكثر من اثنين فقال من سبق فله عشرة ومن صلى فله ذلك صح لأن كلا منهما يطلب أن يكون سابقا أو مصليا والمصلي هو الثاني لأن رأسه عند صلا الآخر والصلوان العظمان الناتئان من جانبي الذنب وقال علي بن أبي طالب سبق أبو بكر وصلى عمر وخبطتنا فتنة(1\/373)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "289",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5590",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الشاعر [في السابق والمصلي] (إن تبتدر غاية يوما لمكرمة ... تلق السوابق فينا والمصلينا) فإن قال الباذل للمجلي وهو الأول مئة وللمصلي وهو الثاني تسعون وللتالي وهو الثالث ثمانون وللبارع وهو الرابع(1\/374)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "290",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5591",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبعون وللمرتاح هو الخامس ستون وللحظي وهو السادس خمسون وللعاطف وهو السابع أربعون وللمؤمل وهو الثامن ثلاثون وللطيم وهو التاسع عشرون وللسكيت وهو العاشر عشرة وللفسكل وهو الأخير خمسة صح لأن كل واحد يطلب السبق فإذا فاته طلب ما يلي السبق(1\/375)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "291",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5592",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "وهذه العشرة أسماء مراتب السباق والفسكل هو الأخير الذي لا يجيء بعده أحد ثم استعمل هذا في غير المسابقة بالخيل تجوزا كما روي أن أسماء بنت عميس كانت تزوجت جعفر بن أبي طالب فولدت له عبد الله ومحمدا وعونا ثم تزوجها أبو بكر الصديق فولدت له محمد بن أبي بكر ثم تزوجها علي بن أبي طالب فقال إن ثلاثة أنت آخرهم لأخيار فقال لأولادها لقد فسكلتني أمكم وإن جعل للمصلي أكثر من السابق أو جعل للتالي أكثر من المصلي أو لم يجعل للمصلي شيئا لم يجز لأن ذلك يفضي إلى أن لا يقصد السبق بل يقصد التأخر فيفوت المقصود فصل  إذا تناضل حزبان فما زاد على أن يكون رشق أحد الحزبين مساويا لرشق الآخر والحزبان متفاوتان في العدد جاز فإذا ناضل خمسة عشرة وعلى كل حزب مئة رشقة جاز(1\/376)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "292",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5593",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "فإن ناضل الرجل جمعا فإن شرط ما يطيقه جاز وإن شرط ما لا يطيقه عادة لم يصح وكانت مناضلة بغير مال فصل  ولا يشترط في صحة النضال معرفة كل منهما بحال الآخر وحذقه فلو تناضل رجلان يجهل كل واحد منهما قدر معرفة الآخر صح فصل  إذا قال كل منهما أو أحدهما عندي رجل رام صفته كذا وكذا أناضلك عليه فقال أصحاب الشافعي لا يصح فإن الرماة لا يثبتون في الذمة فلا بد من حضورهم والصحيح جوازه لأن الصفة تقوم مقام الرؤية والمشاهدة وليس هذا بثبوت للرامي في الذمة وإنما هو عقد على رام موصوف فهو كإجارة عين موصوف وتزويج امرأة موصوفة وبيع عين موصوفة غائبة بل هذا أولى بالجواز لتمحض المعاوضة في هذه الصورة بخلاف النضال(1\/377)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "293",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5594",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل  إذا قال أحد الحزبين لحاذق منهم ارم أنت فإن غلبناهم فالسبق لنا ولك وإن غلبونا فالسبق علينا دونك صح لأن حكمهم حكم الرجل الواحد ولا يشترط في حق الحزبين أن يشتركوا كلهم في الرمي بل إذا رمى بعضهم وغلب أو غلب تعدى حكمه إلى الحزب كله وغاية هذا أنه محلل وللشافعية وجهان هذا احدهما والثاني لا يصح فإن قيل المحلل لا يفوز وحده بجميع الأسباق إذا سبق ولا يشارك وهذا يشاركه غيره في السبق فالجواب إنهم صاروا به بمنزلة رام واحد ولو قال كل من الحزبين لواحد منهم ففيه الوجهان فصل  إذا قال الباذل لعشرة من سبق منكم فله عشرة صح فإن جاؤوا سواء فلا شيء لهم لأنه لم يوجد الشرط الذي يستحق به الجعل في واحد منهم وإن سبقهم واحد فله العشرة لوجود الشرط فيه وإن سبق اثنان فلهما العشرة وإن سبق تسعة وتأخر واحد فالعشرة للتسعة لأن الشرط وجد فيهم فكان الجعل بينهم كما لو قال من رد عبدي الآبق فله كذا فرده تسعة(1\/378)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "294",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5595",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "وفيه وجه آخر أنه لكل واحد من السابقين عشرة لأن كل واحد منهم سابق فيستحق الجعل بكماله كما لو قال من رد عبدا لي فله عشرة فرد كل واحد عبدا بخلاف ما لو قال من رد عبدي فله عشرة فرده تسعة لأن كل واحد منهم لم يرده وإنما حصل رده بالستعة ونظير هذا لو قال من قتل قتيلا فله سلبه فإن قتل كل واحد واحدا فله سلب قتيله كاملا وإن قتل الجماعة واحدا فلجميعهم سلب واحد وهاهنا كل واحد له سبق مفرد فكان له الجعل كاملا فعلى هذا لو قال من سبق فله عشرة ومن صلى فله خمسة فسبق خمسة وصلى خمسة فعلى الوجه الأول للسابقين عشرة لكل واحد منهم درهمان وللمصلين خمسة لكل واحد منهم درهم وعلى الوجه الثاني لكل واحد من السابقين عشرة فيكون لهم خمسون ولكل واحد من المصلين خمسة فيكون لهم خمسة وعشرون ومن قال بالوجه الأول فقال صاحب المغني يحتمل على قوله أن لا يصح العقد على هذا الوجه لأنه يحتمل إن سبق تسعة فيكون لهم عشرة لكل واحد منهم درهم وتسع ويصلي واحد فيكون له خمسة فيصير للمصلي من الجعل أكثر ما للسابق فيفوت المقصود فصل  فإن شرطا أن السابق يطعم السبق أصحابه أو غيرهم لم يصح(1\/379)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "295",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5596",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشرط ولا العقد عند الشافعي ويفسد الشرط وحده عند أبي حنيفة ومذهب أحمد فساد الشرط قولا واحدا ولهم في فساد العقد وجهان ووجه بطلان الشرط أنه عوض على عمل فإذا شرط أن يستحقه غير العامل بطل ومن أفسد العقد قال لم يرض به المتعاقدان إلا على هذا الشرط وعليه عقدا فإذا فسد الشرط لم يكن العقد بدنه معقودا عليه فلا يلزمان به وهذا قياس الشروط الفاسدة في عقود المعاوضات ومن صححه قال لما لم يتوقف صحة هذا العقد على تسمية جعل بل يجوز عقده بغير جعل لم يفسد بفساد الشرط كالنكاح والصحيح أنا نثبت لهما الخيار بفوات هذا الشرط الفاسد فإن أحبا أمضياه وإن أحبا فسخاه كما نقول في الشروط الفاسدة في البيع وهذا أعدل الأقوال فإن في إلزامهما بما لم يلتزماه ولا ألزمهما به الشارع مخالفة أصول الشرع وفي إبطاله عليهما ضرر إذ قد يكون لهما(1\/380)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "296",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5597",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غرض في تتميمه وهو جائز الإتمام فلا يمنعان من ذلك فصل  في الشروط الفاسدة في هذا العقد  قال القاضي الشروط الفاسدة في المسابقة تنقسم قسمين أحدهما ما يخل بشروط صحة العقد نحو أن يعود بجهالة الغرض أو المسافة ونحوهما فيفسد العقد لأنه لا يصح مع فوات شرطه والثاني ما لا يخل بشروط صحته نحو أن يشترط أن يطعم السبق أصحابه أو غيرهم أو يشترط أنه إذا نضل لا يرمي أبدا أو لا يرمي شهرا أو يشترطا أن لكل واحد منهما أو لأحدهما فسخ العقد متى شاء بعد الشروع في العمل وأشباه هذا فهذه شروط باطلة في نفسها وفي العقد المقترن بها وجهان أحدهما صحته لأن العقد تم بأركانه وشروطه فإذا انحذف الزائد الفاسد بقي العقد صحيحا والثاني يبطل لأنه بذل العوض لهذا الغرض فإذا لم يحصل(1\/381)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "297",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5598",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غرضه لم يلزمه عوضه وكل موضع فسدت فيه المسابقة فإن كان السابق هو المخرج أمسك سبقه وإن كان الآخر هو السابق فله أجر عمله لأنه عمل بعوض لم يسلم له فاستحق أجرة المثل كالإجارة الفاسدة قلت وفي هذا نظر لا يخفى فإن السابق لم يعمل للباذل شيئا ونفع عمله إنما يعود إليه نفسه لا إلى الباذل فالباذل لم يستوف منافعه فلا يلزمه عوض عمله وقد تقدم أن هذا العقد ليس من باب الإجارات ولا الجعالات وذكرنا الفروق الكثيرة بينه وبينها ولا يصح إلحاقه بهما ولا يقال هذا كمن جعل لغيره جعل على أن يعمل عملا لغير الجاعل كخياطة ثوب زيد ويناء داره فإن العلم أيضا عاد إلى غير العامل فإن قيل كل عقد يلزمه المسمى في صحيحه يلزمه عوض المثل في فاسدة كالبيع والإجارات والنكاح قيل هذا عقد صحيح في عقود المعاوضات والمشاركات وليس هذا العقد واحد منهما بل هو عقد مستقل برأسه كما تقدم تقريره فإذا لم يحصل للباذل غرضه الذي بذل المال لآجله فبأي طريق يلزمه العوض وهو لم يلتزم بذله إلا على وجه مخصوص وليس هناك عوض استوفاه فنغرمه بذله والله أعلم(1\/382)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "298",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5599",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل في أقسام المناضلة المناضلة اسم للمسابقة بالرمي بالنشاب وهي مصدر ناضلته نضالا ومناضلة وسمي الرمي مناضلة ونضالا لأن السهم التام بريشه وقدحه ونصله يسمى نضلا بالضاد المعجمة وعوده قدحا وحديدته نصلا بالصاد المهملة وهي قسمان مناضلة على الإصابة ومناضلة على البعد وقد تقدم الخلاف في مناضلة البعد أقسام مناضلة الإصابة  ومناضلة الإصابة ثلاثة أقسام (النوع الأول من مناضلة الإصابة) أحدها تسمى المبادرة وهي أن يقولا من سبق إلى خمس إصابات من عشرين رمية فهو السابق فأيهما سبق إليها مع تساويهما في الرمي فقد سبق فإذا رميا عشرة وأصاب أحدهما خمسا والآخر دونها فالمصيب(1\/383)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "299",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5600",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خمسا هو السابق لأنه قد سبق إلى خمس وسواء اصاب الآخر اربعا أو دونها أو لم يصب شيسئا لا حاجة إلى إتمام الرمي لأن السبق قد حصل بسبقه إلى ما شرطا السبق إليه فإن أصاب كل منهما من العشر خمسا فلا سابق فيهما ولا يكملان عدد الرمي لأن جميع الإصابة المشروطة قد حصلت واستويا فيها فإن رمى أحدى عشرا فأصاب خمسا ورمى الآخر تسعا فأصاب أربعا لم يحكم بالسبق ولا بعدمه حتى يرمي العاشر فإن أصاب به فلا سابق فيها وإن أخطأ به فقد سبق الأول فإن لم يكن اصاب من التسعة إلا ثلاثا فقد سبق الأول ولا يحتاج إلى رمي العاشر لأن أكثر ما يحتمله أن يصيب به وذلك لا يخرجه عن أن يكون مسبوقا هذا مذهب أحمد والشافعي في أحد الوجهين لأصحابه ولهم وجه ثان أنه يلزمه إتمام الرمي وإن تحقق أنه مسبوق وعللوه بأنه قد يكون للآخر في غرض صحيح وهو أن يتعلم من رميه قالوا فإن أجبنا إتمامه لم يقف استحقاق السبق عليه لأنه قد استحق بإصابة ما جعلت إصابته موجبة الاستحقاق(1\/384)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "300",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5601",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلو أصاب أحدهما عشرة من خمسين وأصاب الآخر تسعة من تسعة وأربعين والرشق خمسون خمسون كمل العدد الخمسين وإن ندرت إصابته فلعله أن يصيب وعقد الباب أن كل موضع أتقن فيه أنه لا يصيب العدد لم يلزمه فيه إتمام الرمي ولم يقف استحقاق ان يصيب على إتمامه وكل موضع يرجو فيه تكميل الإصابة كمل فيه الرمي وأوقف استحقاق المصيب على كماله فصل  النوع الثاني من المفاضلة  وهي أن يقولا أينا فضل صاحبه بإصابة أو إصابتين أو ثلاثة من عشرين رمية فقد سبق فإذا قالا أينا فضل صحابه بثلاث من عشرين فهو سابق فرميا اثني عشر سهما فأصابها أحدهما كلها وأخطأها الآخر كلها لم يلزم إتمام الرمي وكان الغلب للمصيب لأن أكثر ما يمكن الآخر أن يصيب الثمانية الباقية فالأول قد نضله على كل حال وإن كان الأول أصاب من الاثني عشر عشرة لزمهما رمي الثالث عشر فإن أصابا به معا أو أخطأا معا أو أصابه الأول وحده فقد سبق ولا يحتاج إلى تمام الرمي لأن غاية ما يصيب الثاني السبعة الباقية ولا يصير بذلك سبقا وإن أصابه الآخر وحده فعليهما أن يرميا الرابع عشر والحكم فيه وفيما بعده كالحكم في الثالث عشر سواء في أنه متى أصابا فيه أو أخطأاه أو أصابه الأول وحده فقد سبق ولا يحتاج إلى تمام الرمي لأن(1\/385)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "301",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5602",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غاية ما يصيب الثاني السبعة الباقية ولا يصير بذلك سابقا وإن أصابة الآخر وحده فعليهما أن يرميا الرابع عشر والحكم فيه وفيما بعده كالحكم في الثالث عشر سواء في أنه متى أصابا فيه أو أخطأا أو أصابها الأول فقط فقد سبق الأول ولا يتمان الرمي وإن أصابها الآخر وحده رميا ما بعدها وعقد الباب ما تقدم أن كل موضع قد يكون بإتمام الرمي فيه فائدة لأحدهما يلزمه إتمامه وإن يئس من الفائدة لم يلزم إتمامه فإذا بقي من العدد ما يمكن أن يسبق به احدهما صاحبه أو يسقط به سبقه لزم الإتمام وإلا فلا فإذا كان السبق قد جعل إصابات من عشرين فرميا ثماني عشرة فأخطأاها أو أصاباها أو تساويا في الإصابة فيها لم يلزم الإتمام لأن أكثر ما يحتمل أن يصيب أحدهما هاتين الرميتين ويخطئها الآخر وذلك لا يحصل له السبق وكذلك إذا فضل أحدهما الآخر بخمس إصابات فما زاد لم يلزم الإتمام لأن إصابة الآخر السهمين الباقين لا يخرج الآخر عن كونه فاضلا له بثلاث إصابات وإن كان إنما فضله بأربع رميا السهم الآخر فإن أصابه المفضول وحده فعليهما رمي الآخر فإن أصابه المفضول أيضا سقط سبق الأول وإن أخطأ في أحد السهمين أو أصاب الأول أحدهما فهو سابق(1\/386)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "302",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5603",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل  النوع الثالث من المناضلة  النوع الثالث المحاطة وهي أن يشترط إساقط ما تساويا فيه من الإصابة إلى أن يفضل لأحدهما سهم يصيبه وهو السابق وهذه وإن كانت في معنى المفاضلة إلا أن الفرق بينهما أن يشترط في المفاضلة ذكر عدد ما يقع به التفاضل وفي المحاطة لا يشترط ذلك بل إذا قالا يلغى ما تساوينا فيه من الإصابة فمن زادت إصابته على إصابة صاحبه فهو الغالب فلا يشترط تعيين الزيادة ولو قالا أينا أصاب خمسا من عشرين فهو سابق فمتى أصاب أحدهما خمسا من العشرين ولم يصبها الآخر فالأول سابق وإن أصاب كل واحد منهما خمسا أو لم يصب واحد منهما خمسا فلا سابق فيهما وهذه في معنى المحاطة وحكم هذا النوع حكم ما قبله في أنه يلزم إتمام الرمي ما كان فيه فائدة ولا يلزم إذا خلا عنها ومتى أصاب كل واحد منهما خمسا لم يلزمه إتمامه ولم يكن فيهما سابق وإن رميا ست عشرة رمية فلم يصب واحد منهما شيئا لم يلزم إتمامه ولا سابق منهما لأن أكثر ما يحتمل أن يصيبها أحدهما ولا يحصل السبق بذلك فصل  فإن شرطا أن يخلص لأحدهما عشر إصابات من مئة رمية مفاضلة(1\/387)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "303",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5604",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فحصلت له من خمسين لم يستحق السبق حتى تتم المئة وهذا أحد الوجهين للشافعية ولهم وجه ثان إنه يستحق السبق قبل إكماله المئة ووجه الأول أن الآخر قد يصيب فيما بقي له من الخمسين الثانية ما يحط هذا عن العشرة وهو إنما جعل السبق له إذا فضله بعشرة من مئة ولم يتحقق هذا بعد فإن كان ذلك في رمي المبادرة وشرطا أن من بدر إلى عشرة من مئة استحق فبدر إليها من خمسين استحق ولم يلزمه إكمال الرمي لأنه قد سبق صاحبه حقيقة فصل ولا بد في ذلك من حصر عدد الرمي وهو الرشق بعدد معلوم لينقطع به التنازع ويتيقن به السبق وإلا فالمغلوب يقول أنا أرمي حتى أغلب ولأصحاب الشافعي في المسألة ثلاثة أوجه هذا أحدها والثاني لا يشترط تعيين العدد والثالث يشترط في رمي المحاطة والمفاضلة دن المبادرة(1\/388)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "304",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5605",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا الوجه قوي إذ لا فائدة في اشتراطه في رمي المبادرة لأنه إذا قال أينا بدر إلى خمس إصابات فهو السابق فمتى بدر إليها أحدهما تعين سبقه سواء كان عدد الرمي معلوما أو لم يكن وأما المفاضلة والمحاطة فإذا لم يكن عدد الرمي معلوما لم يحصل مقصود العقد ولم ينقطع التنازع فإن احدهما إذا أصاب عشرة من عشرين مثلا قال الآخر أنا أصيبها من ثلاثين وليس عدد الرمي مشروطا بيننا لم يكن له ذلك وأدى إلى عدم معرفة السابق ويقول الآخر أنا أرمي إلى أن أفضلك فإن قيل هذا يزول باستوائهما في الرمي قيل النزاع لا ينقطع بذلك فإنه يقول له ارم حتى تساويني وايضا فإنهما إذا لم يشترطا عددا فإنه قد يستمر رميهما لا إلى غاية ولا يصيب أحدهما فلا يمكن أحدهما الآخر من إحراز سبقه ويقول لم نزل نرمي حتى يغلب أحدنا وهذا فاسد جدا وهو بعيد من قواعد الشريعة ولا سيما عند من ألحق هذا العقد بالجعالات والإجارات وبالله التوفيق فقد تبين من هذا أن النضال على أربعة أقسام مفاضلة ومحاطة ومبادرة ومباعدة وأنها كلها جائزة إلا المباعدة فإن فهيا خلافا وليس على منعها دليل فصل  فإن شرطا إصابة موضع من الهدف على أن الأقرب منه يسقط(1\/389)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "305",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5606",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأبعد ففضل أحدهما صاحبه بما شرطاه كان سابقا ذكره القاضي أبو يعلى وهو مذهب الشافعي لأنه نوع من المحاطة فإذا أصاب أحدهما موضعا بينه وبين الغرض شبر وأصاب الآخر موضعا بينه وبين أقل من شبر أسقط الأول فإن أصاب الأول الغرض أسقط الثاني وإن أصاب الثاني الدائرة التي في الغرض لم يسقط الأول لأن الغرض كله موضع الإصابة فلا يفضل أحدهما صاحبه إذا أصاباه إلا أن يشترطا ذلك وإن اشترطا أن يحسب أحدهما خاسقة بإصابتين لم يجز لأنه ظلم وعدوان وإن شرطا أن سحب كل منهما خاسقة بإصابتين جاز لأن أحدهما لم يفضل صحابه بشيء فهما سواء في ذلك فصل  هل العرف معتبر في المناضلة المطلقة أم لا  إذا أطلقت المناضلة فإن كان للرماة عادة مطردة ترك العقد عليها وإن لم يصرحوا اشتراطها وقد وافق على ذلك أصحاب الشافعي ونقضوا هذا الأصل في مواضع وطردوه في مواضع(1\/390)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "306",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5607",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد اتفق الناس على طرده في نقد البلد في المعاوضات وإن لم يشترط تنزيلا للعرف منزلة الشرط وعلى التسليم المتعارف مثله عادة وإن لم يشترط كما لو باعه أو اشترى منه دارا له فيها متاع كثير لا يمكن نقله في يوم ولا يومين وعلى أعماله في قبول الهدية مع الصغار والاكتفاء بقولهم وعلى دخول الرجل اعتمادا على خبرهم عن إذنه ونظائر ذلك كثيرة ونقضه من قال لا تجب الأجرة للحمامي ولا الخباز ولا الطباخ ولا الغسال ولا المكاري حتى يعقد معهم عقد إجارة وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع جواز عقد النكاح من غير تسمية مهر ووجوب مهر المثل فإذا كان هذا في النكاح الذي يحتاط له ما لا يحتاط لغيره وأحق الشروط أن يوفى به ما شرط فيه فغيره من العقود بطريق الأولى والمقصود أنهم إذا كان لهم عادة في مقدار المسافة بين الموقف والغرض أو عادة في مقدار الغرض وارتفاع الهدف وانخفاضه نزل العقد على العادة ولا يحتاج إلى ذكر ذلك وللشافعي فقولان هذا أحدهما والثاني لا بد من بيان ذلك في العقد وإن كان لهم عادة في المبتدئ بالرمي أيضا حمل العقد عليها إلا أن يشترطوا خلافها فإن شرطوا تعيين من يبتديء في كل رشق تعين وإن أطلقوا تعيينه(1\/391)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "307",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5608",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولم يقولوا في كل رشق احتمل أن يتعين في الجميع لأنهم لما عينوه ولم يعينوا غيره علم أنهم أرادوا أنه يبتديء في جميع النوبات ويحتمل أنه يتعين في الرشق الأول ثم يقرع بينهم قرعة أخرى لجميع الأرشاق لأن تعيينه مطلق وليس بعام وقد عين مرة والمطلق يكتفى فيه بمرة والوجهان لأصحاب الشافعي ولهم وجه ثالث في غاية البعد أنهم يحتاجون في كل رشق إلى قرعة وفي هذا من التطويل والمشقة وبرد أيدي الرماة ما يوجب رده وبطلانه فإن لم يتعرضوا لذكر الباديء بالرمي لم يبطل العقد إذ لا وجه لبطلانه وهذا قول الجمهور وللشافعي قول حكاه الخراسانيون أنه يبطل العقد وإذا لم يحكم ببطلانه فيما إذا لم يتعين ينظر فإن كان السبق منهما أو من أحدهما عين بالقرعة وإن كان من الإمام أو أجنبي فكذلك وللشافعي قول آخر أن مخرج السبق يعينه وعلى هذا القول فإن عينه لجميع الأرشاق تعين وإن عينه مطلقا فهل يتعين للرشق الأول أو لجميع الأرشاق على الوجهين فصل  نقل أصحاب الشافعي عنه أنه تردد في أن المتبع في هذا العقد القياس أو عادة الرماة(1\/392)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "308",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5609",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واستشكله أبو المعالي الجويني وغيره وقالوا كيف تجوز مخالفة حجة شرعية بعادة غير شرعية ثم اختلفوا في جواب هذا الإشكال فقال الصيدلاني تردده محمول على عادة الرماة المجتهدين من العلماء وقال أبو محمد الجويني المراد بالعادة ما يتفاهمونه من الألفاظ ورد قول الصيدلاني بأن عادتهم إذا وافقت القياس فالحجة في القياس وإن خالفت القياس فلا عبرة بها ورد قول أبي محمد بأنه يجب حمل العقود على العادة المطردة في الألفاظ وقال أبو المعالي الجويني المراد بالعادة في كلام الشافعي العادة في البادئ بالرمي وعليه ينزل كلامه فإن عادة الرماة البداءة بمخرج السبق ثم قال إذا عظم وقع القياس وبعدت عادتهم عنه وجب القطع باتباع القياس قلت كلام الشافعي رحمه الله ظاهر التردد بين دليلين شرعيين فإن العقود تحل على العرف والمعتاد عند الإطلاق فينزل المعتاد مخالفا لكتاب الله والقياس دليل شرعي فإذا خالف العادة فتردد هل يقدمه(1\/393)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "309",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5610",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على العادة المنزلة منزلة الشرط أو تقدم العادة المشروطة عرفا عليه وكلاهما دليل شرعي والراجح تقديم العادة فإنها منزلة منزلة الشرط ولا ريب أن القياس يترك للشرط فإن القياس الحلول ونقد البلد وجواز التصرف عقيب العقد ويترك ذلك كله بالشرط ولا يخفى ضعف مسلك إمام الحرمين الذي حمل عليه كلام الشافعي فإنه ليس في البادئ بالرمي قياس يخالف العادة الجارية بينهم ولهذا ولو شرطوا أن يبدأ واحد منهم لم يكن ذلك مخالفا للقياس فإذا كان لهم عادة ببداءة واحد منهم لم يكن ذلك مخالفا للقياس والله أعلم فصل  في الموقف واختلافه  إذا اصطفت الرماة في مقابلة الغرض للرمي فرمى كل واحد من موضعه صح باتفاق الفقهاء والرماة ولا يشترط أن يتناوبوا على الوقوف في موازاة الغرض فإن رضوا بذلك جاز وإن تنافسوا في ذلك وكل منهم آثر الوقوف بإزاء الغرض كتنافسهم في البادئ بالرمي ففيه وجهان أحدهما يقدم بالقرعة والثاني يقدم من يختاره مخرج السبق أو من له مزية بإخراجه كما تقدم(1\/394)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "310",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5611",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن كان الموضع الذي عينه بعضهم خيرا من غيره مثل أن يكون أحد الموقفين مستقبلا للشمس أو للريح ونحو ذلك والموقف الآخر مستدبرهما قدم قول من عين هذا الموقف لأنه أقرب إلى تحصيل مقصود الرمي وهو الموضع الذي ينصرف إليه العقد عند الإطلاق فإن كان شرطهما خلافه فالشرط عند أصحابنا أولى قالوا كما لو اتفقا على الرمي ليلا ويحتمل أن يكون الموقف الموافق أولى ويجاب من طلبه لأنه اقرب إلى مصلحتها ومصلحة العقد فإن استوى الموقفان وقف الأول حيث شاء منه وتبعه الثاني فإذا كان في الوجه الثاني وقف الثاني حث شاء وتبعه الأول وليس لأحدهم أن يتقدم عن صاحبه إلى جهة الغرض بل يقفوا صفا فإن رضوا بتقديم أحدهم فإن كان يسيرا جاز وإن أفرط لم يجز لما فيه من مزية التخصيص المنافي للعدل فصار كما لو شرط لأحدهم السبق بتسع إصابات وللآخر بعشر فإنه لا يجوز اتفاقا فلو اتفقوا كلهم على أن يتقدموا أو يتأخروا عن موقفهم جاز وقال أصحاب الشافعي يكون على الخلاف في إلحاق الزيادة والنقصان فرع فإن تأخر أحدهم عن موقفه فهل له ذلك يحتمل الجواز لأنه مؤثر به لأصحابه لا مستأثر عليهم(1\/395)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "311",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5612",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويحتمل المنع لفوات العدل المطلوب من العقد وللشافعية وجهان وكذلك لو كان اثنين فتقدم أحدهما عن الآخر لم يجز وإن تأخر عنه فعلى الاحتمالين والوجهين والله أعلم فصل  أحكام البدء والتأخر  وإذا بدأ أحدهما في وجه بدأ الآخر في الوجه الثاني تعديلا بينهما فإن شرطت البداءة لأحدهما في كل الوجوه فقال أصحابنا لم يصح لأن موضع المناضلة على المساواة وهذا يمنعها ويحتمل أن يجوز ذلك لأنهما لو اتفقا على ذلك برضاهما من غير شرط جاز لأن البداءة لا أثر لها في الإصابة ولا في جودة الرمي فإذا شرط ذلك فقد شرطا ما يجوز فعله فيصح وإن شرطا أن يبدأ كل واحد منهما من الوجهين متواليين جاز لتساويهما وفي المسألة وجه آخر إن اشتراط البداءة لغو لا تأثير له ووجوده كعدمه إذ لا تأثير للبداءة في الإصابة ولا في جودة الرمي وكثير من الرماة يختار التأخر عن البداءة وهم الحذاق ومنهم من يختار البداءة ومنهم يستوي عنده الأمران(1\/396)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "312",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5613",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحكم في التأخر كما فعل موسى عليه الصلاة والسلام مع السحرة  والتأخر أحسن موقعا وأعظم قدرا ولهذا قال موسى للسحرة وقد خيروه بين أن يبتدئ هو أو أن يبتدئوا قبله فاختار بداءتهم أولا ثم ألقى هو بعدهم وفي ذلك وجوه كثيرة من الحكمة منها أن المبطل يستفرغ وسعه ويستنفذ حيله ولا يبقى له شيء يقال إنه لو أتى به لغلب ومنها أن يكون هو الباغي فيكون أدعى إلى نصرة الحق والمحق عليه ومنها أن نفوس الناس دائما تستشرف إلى المجيب أكثر من السائل وإلى المتأخر في المغالبات والمقارعات أكثر من استشرافها إلى الأول فيكون ظفره وغلبه أعظم موقعا ومنها أن همة المحق تقوى وتتضاعف إذا شاهد خصمه وقد وضع له أسباب الغلبة واستنفذ سهامه فتصير همته على مقدار ما شاهد من كيد خصمه ومنها أن اللغط يصفو وينقطع هيج البدوات وهرجها ومنها أن يجمع همه وعزمه ويستعد للمقابلة ومنها أنه يأمن رجوع خصمه واستقالته فإن خصمه قد يرجع عن مقارعته إذا رأى قوته واستظهاره فلا تظهر غلبته فإذا بدأ خصمه أمن من رجوعه واستقالته(1\/397)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "313",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5614",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولفوائد أخرى غير هذه وهما مخيران بين ثلاثة أمور أحدها أن يرميا سهما وسهما الثاني أن يرميا سهمين وسهمين أو ثلاثة وثالثة الثالث أن يستنفذ أحدهما رميه ثم يتبعه الآخر فصل  تعدد الغرض  والسنة أن يكون لهما غرضان فيرميان كلاهما إلى أحدهما ثم يذهبان كلاهما إلى الآخر فيأخذان السهام ويرميان الأول وهكذا كانت عادة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أثر مرفوع كل شيء ليس من ذكر الله عز وجل فهو لغو أو سهو إلا أربع خصال مشي الرحل بين الغرضين وتأديب فرسه وملاعبته أهله وتعلم السباحة(1\/398)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "314",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5615",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو القاسم الطبراني في كتاب فضل الرمي باب فضل المشي بين الغرضين ثم ذكر بإسناده عن أبي ذر يرفعه من مشى بني الغرضين كان له بكل خطوة حسنة وقال إبراهيم التيمي عن أبيه رأيت حذيفة بن اليمان يعدو بين الهدفين بالمدائن في قميص وقال بلال بن سعد أدركت قوما يشتدون بين الأغراض يضحك بعضهم إلى بعض فإذا كان الليل كانا رهبانا وكان عقبة بن عامر يشتد بين الغرضين وهو شيخ كبير وفي أثر مرفوع ما بين الغرضين روضة من رياض الجنة وإن جعلوا غرضا واحدا جاز لحصول المقصود به(1\/399)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "315",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5616",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  في صفات الإصابة وأنواعها الإصابة نوعان مطلقة ومقيدة فالمطلقة إصابة الغرض على أي صفة كانت إما في وسطه أو جانبه الأيمن أو الأيسر وكذلك يتناول ما وقع في الغرض ولم يخرقه أو خرقه ولم ينفذ منه أو خرقه ونفذ منه أو غيره فإن أطلقا الإصابة ولم يقيداها بقيد ففيه وجهان أحدهما أن العقد يصح ويتناولها على أي صفة كانت من هذه الصفات والثاني وهو الذي ذكره في المغني أن ذكر صفة الإصابة شرطا في صحة المناضلة فإن قالا رمينا خواصل كان تأكيدا لمطلق الإصابة لأنه اسم لها كيفما كانت وتسمى القرع والقرطسة يقال خصل وقرع وقرطس بمعنى واحد إذا أصاب فصل  النضال على الإصابة  فإن قالا (خواسق) وهو ما خرق الغرض وثبت فيه أو (خوازق) وهو ما خرقه ووقع بين يديه أو (موارق) وهو ما نفذ الغرض ووقع من(1\/400)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "316",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5617",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورائه أو (خوارم) وهو ما خرم جانب الغرض أو (حوابي) وهو ما وقع بين يدي الغرض ثم وثب إليه ومنه يقال حبا الصبي أو (خواصر) وهو ما كان في إحدى جانبي الغرض ومنه قيل الخاصرة لأنها في جانب الإنسان تقيدت المناضلة بذلك لأن المرجع في المسابقة إلى شرطهما فتتقيد بما شرطاه وإن شرطا الخواسق والحوابي معا صح هكذا ذكره أصحابنا ويحتمل أن لا يصح شرط الإصابة النادرة كالحوابي فإن هذا إنما يقع اتفاقا نادرا فاشتراط الاحتساب به دون ما عداه يندر جدا وذلك يفوت مقصود الرمي وكذلك كل شرط تندر معه الإصابة لا ينبغي صحة اشتراطه وهذا بخلاف ما إذا شرطا إصابة موضع من الغرض كدائرته ونحوها فإنه يصح لأنه لا يندر الإصابة فيه وهو من حذف الرامي ومما ينال بالتعليم بخلاف اشتراط وقوع السهم دون الغرض ثمن يحبو بنفسه حتى يقع في الغرض فإن هذا لا ينال بالتعلم ولا هو مما يكثر وقوعه ولا يتنافس فيه الرماة وقد نص الشافعي في أحد قوليه أنه إذا شرط الخسق فخرق الغرض ونفذ منه لقوته أنه يحتسب له به قال أبو المعالي وغيره من أصحابه وهو الأصح لموافقته اللفظ والمعنى قلت وهذا هو المختار والقول الثاني لا يحتسب له به وإليه ميل الرماة(1\/401)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "317",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5618",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(فرع) فإن شرطا خوارق فخسق وثبت في الغرض وإذا وراءه خشبة أو شيء يمنعه من الخرق بحيث لولاه لنفذ احتمل أن يحتسب له به نظرا إلى المقصود وأنه لولا المانع لحصل المشروط وهو كما لو أطارت الريح الغرض فوقع السهم مكانه واحتمل أن لا يحتسب له به للشك في حصول الخرق لو كان المانع زائلا إذ من المحتمل أن يثبت مع عدم المانع فصل  في القرب والأقرب النضال على نوعين أحدهما على الإصابة والثاني على القرب من الغرض فأي السهام كان أقرب احتسب به وألغي ما دونه فإن كان لقدر القرب عادة بينهم حمل إطلاق العقد عليها وصارت كالمشروطة وإن لم يكن له عرف ولا عادة فلا بد من بيان قدر القرب المحتسب به هل هو ذراع أو شبر أو نحوه فإن اطلقوا العقد ولم يبينوا قدر القرب بل قالوا أينا كان أقرب سهما إل الغرض احتسب به لم يصح لأنه ما من قرب إلا وغيره أقرب(1\/402)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "318",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5619",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منه فلا يعرف قدر ما يحتسب به وفيه وجهان آخران للشافعية أحدهما يصح ويقدر القرب بسهم وهذا تحكم لا دليل له الثاني أن يحتسب بالأقرب فالأقرب ويسقط كل سهم بما هو أقرب منه وقال أبو المعالي الجويني إذا وقعت سهامهما في حد القرب وكان في سهام أحدهما قريب واقرب وأبعدهما أقرب من اقرب الآخر فهل يحتسب جميع سهامه أو يسقط أبعدها بأقربها فيه وجهان أحدهما يحتسب بجميعها لأنها كلها اقرب من سهام الآخر وهذا أظهر الثاني أنه يسقط أبعدها بأقربها ويجعل الأبعد لغوا ويكون الحكم للأقرب ووجه هذا أن قائله لما احتسب بالأقرب فالأقرب جعل الأبعد ملغى واحتسب بما هو أقرب منه كمن لو كان الأبعد من سهام صاحبه والأقرب من سهامه هو فيعمل في سهامه وحده ما يعمل في سهامهما هذا كله تفريع على الوجه الأول وأما على اشتراط مسافة القرب(1\/403)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "319",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5620",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلا يجيء ذلك ومهما وقع في جوانب الهدف في حد القرب المشترط حسب ولأصحاب الشافعي وجه ضعيف جدا أنه لا يحتسب ما وقع في أعلى الهدف ولا وجه له بل أعلاه وأسفله وجوانبه سواء (فرع) إذا قدرا قدر الأقرب بذراع مثلا وشرطا أن يسقط قريب كل رام ما هو أبعد منه من رمي الآخر ولو كان في حد القرب وجب اتباعه فلو لم يشرطاه وشرطا أن من كان أقرب بذراع فهو الناضل وكن أحدهما أقرب بدون الذراع احتمل أن يحتسب بالأقرب فالأقرب بدون الذراع واحتمل أن يحتسب بكل ما يقع في حد القرب ما لم يقصر عنه وقريبه وأقربه سواء والوجهان لأصحاب الشافعي هذا إذا لم يكن للرماة عادة فإن كان لهم عادة في الاحتساب أو عدمه نزل العقد عليها إجراء لها مجرى الشرط والله أعلم فصل  فيما يطرأ من النكبات  إذا عرض عارض من كسر قوس أو قطع وتر أو ريح شديدة لم يحتسب عليه بالسهم إذا اخطأ لعارض من هذه العوارض أو غيرها كحيوان(1\/404)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "320",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5621",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اعترض بين يديه لأن هذا الخطأ لعارض لا لسوء رميه قال القاضي ولو أصاب لم يحتسب له به لأنه لم يحتسب عليه لم يحتسب له لأن الريح الشديدة كما يجوز أن تصرف الرمي السديد فيخطئ يجوز أن تصرف السهم المخطئ عن خطئه فيقع مصيبا وتكون إصابته بالريح لا بحذق الرامي فإن وقع السهم في حائل بينه وبين الغرض فمرقه وأصاب الغرض حسب هل لأن إصابته لسداد رميه ومروقه لقوته فهو أولى من غيره وإن كانت الريح لينة لا ترد السهم عادة لم يمنع الاحتساب عليه بالسهم وله لأن الجو لا يخلو من ريح ولأن الريح الرخاء لا تؤثر إلا في الرمي الرخو الذي لا ينتفع به (فرع) حكم الإصابة بطارئ  وإذا أطارت الريح الغرض فوقع السهم موضعه فإن كان شرطهما خواصل احتسب له به لعلمنا أنه لو كان الغرض في موضعه أصابه وإن كان شرطهما خواسق لم يحتسب له به ولا عليه هذا قول أبي الخطاب لأنه لا يدري هل يثبت في الغرض إذا كان موجودا أو لا وقال القاضي(1\/405)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "321",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5622",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ينظر فإن كانت صلابة الهدف كصلابة الغرض فثبت في الهدف احتسب له به لأنه لو بقي مكانه لثبت فيه كثبوته في الهدف وإن لم يثبت فيه مع التساوي لم يحتسب وإن كان الهدف أصلب فلم يثبت فيه أو إن كان رخوا لم يحتسب السهم له ولا عليه لأنا لا نعلم هل كان يثبت في الغرض لو بقي مكانه أم لا وهذا كله مذهب الشافعي (فرع) فإن اطارت الريح الغرض فوقع السهم فيه لا في المكان الذي طار منه فقال أصحابنا يحتسب عليه السهم لا له إلا أن يكونا اتفقا على رميه في الموضع الذي طار إليه وعندي أنه إذا أطارته بعد خروج السهم من كبد القوس حسبت عليه لأنا نتيقن أنه لو كان مكانه لأخطأه وإن أطارته قبل الرمي حسب له لأن الغرض هو المقصود وقد أصابه وإن أطارته قبل الرمي فوقع سهم أحدهما في موضعه الأصلي ووقع سهم الآخر فيه نفسه فالمصيب من وقع سهمه فيه لأنه هو المقصود فمن أصابه أصاب وعلى قول الأصحاب المصيب هو الذي وقع سهمه في موضعه(1\/406)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "322",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5623",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن كانت إطارته بعد رميهما فالمصيب من وقع سهمه في مكانه الأصلي لأنه هو كان المقصود في الرمي والغرض علامة عليه وقد أصاب المقصود بخلاف ما إذا اطارته قبل الرمي فإنه هو المقصود بالرمي فمصيبه مصيب للمقصود وهذا واضح بحمد الله تعالى (فرع) وإذا ألقت الريح الغرض على وجهه فحكمه حكم ما أطارته يمينا وشمالا وخلفا وأماما فصل  وكل رمية فسدت لفساد القبض أو النظر أو العقد أو الجذب أو الإطلاق حسبت عليه من رشقه وإن فسدت لعارض لا ينسب إلى تقصيره نحو كسر القوس وانقطاع الوتر وهبوب الريح عاصفة وعروض ظلمة شديدة ونحو ذلك حسب له إن أصاب وإن أخطأ لم يحسب عليه وأبعد من قال من الأصحاب إنه يحتسب عليه وهو غلط وأبعد منه من قال من أصحاب الشافعي لا يحتسب له مع الإصابة إذ معلوم أن الإصابة مع التنكيد من وجودة الرمي وفضل الحذق(1\/407)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "323",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5624",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو المعالي الجويني إن عرض كسرالقوس وانقطاع الوتر قبل نفوذ السهم لم يحتسب عليه وإن عرض بعد النفوذ حسب عليه فرع  وإن انكسر السهم فإن كان لضعف قدحه لم يحسب عليه وإن كان انكساره لسوء الرمي بأن أخلى الفوق في النزع عن الوتر أو أغرق في النزع فعلق رأس النصل في كبد القوس فانكسر حسب عليه لأنه من سوء رميه وإن أصاب الغرض بعد انكساره فلا يخلو إما أن يصيبه طولا أو عرضا فإن أصابه عرضا لم يحسب له ولا عليه وإن أصابه طولا فإن(1\/408)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "324",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5625",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كانت الإصابة بالنصل حسب له وإن أصاب بغير النصل لم يحسب له قاله أصحابنا وفيه نظر ظاهر إذ الإصابة برأس القطعة التي فيها الفوق كالإصابة بالنصل سواء ولا فرق بينهما بل قد قال بعض أصحاب الشافعي إنه إن أصابه بقطعة النصل لم يحسب وإن أصابه بقطعة الفوق حسب في أحد الوجهين والقولان ضعيفان في النظر والقياس والصواب أنه يحسب له بهما إذ لا عبرة بالنصل وإنما العبرة بالإصابة ولو كان النصل ضعيفا فسقط دون الغرض ووقع السهم بلا نصل في الغرض حسب له قطعا وهذا مثله فرع فإذا أغرق الرامي في النزع فخرج السهم من الجانب الآخر حسب له وعليه فإن اعترضه حيوان في طريقه فأصابه ونفذ منه إلى الغرض فأصاب حسب له وأبعد من قال من أصحاب الشافعي إنه لا يحسب له ولا وجه لقوله(1\/409)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "325",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5626",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "وإن كان الخطأ لفساد عرض له في بدنه كالتواء يده أو عارض عرض له في بصره أو داء عرض له أفسد رميه لم يحتسب عليه به إلا أن ينسب العارض إلى تقصيره في الرمي كأن تلتوي يده لعدم حذقه في القبض فإنه يحسب عليه فصل  وكذلك كل إصابة تضاف إلى غير الرمي لم يحتسب له بها فإذا أصاب السهم شجرة مائلة عن سمت الغرض أو شجرة أو جدار كذلك فارتد بصدمته فأصاب الغرض فإن هذه الإصابة لا تضاف إلى رميه ويحتمل أن يحتسب له به لأنها متولده عن رميه وللشافعية وجهان في ذلك فإن كانت الشجرة أو الجدار مسامتين للغرض حسب له قطعا إذ الإصابة من حسن الرمي فإن مر السهم على السداد فصدم الأرض ثم قفز فأصاب الغرض فهل يحتسب له به ينظر فإن كان لهم شرط ابتع وإن لم يكن لهم شرط اتبعت عادتهم إذ هي منزلة منزلة الشرط وإن لم يكن لهم عادة ولا شرط احتمل وجهين ولأصحاب الشافعي في ذلك ثلاثة أوجه أحدها يحتسب به والثاني لا يحتسب(1\/410)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "326",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5627",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثالث إن اتبعت العادة لم يحتسب به وإلا احتسب به قالوا لأن عادة الرماة عدم الاحتساب والصواب الاحتساب به لأنا نوجب القصاص بمثل هذه الإصابة إذا تعمد قتل من يكافئه وينزلها منزلة السهم الذي مر كما هو حتى أصاب المقتول بل الاحتساب به في النضال أولى إذ لو كان ذلك شبهة يمنع الاحتساب به في الإصابة لكانت أولى بالمنع في القصاص وهذا ظاهر ولله الحمد فصل  وقد تقدم الخلاف في المسابقة هل هي عقد لازم أو جائز وإن المشهور من المذهب أنها عقد جائز فلكل واحد منهما فسخه قبل الشروع فيه ولهما الزيادة والنقصان وإنه إن ظهر فضل احدهما فله وحده الفسخ وتنفسخ بموت أحدهما ولا يؤخذ بها رهن ولا ضمين ولا يثبت فيها خيار مجلس والوجه الثاني أنها عقد لازم كالإجارة فتنعكس هذه الأحكام فإن أراد أحدهما تأخير الرمي فإن كان لعارض يعمهما أو يختص بأحدهما كوجع أو التواء عرق ونحو ذلك أو ريح أو ظلمة أو سيل جاز تأخير الرمي ولا ينفسخ العقد بذلك ولصاحب العذر الفسخ به وإن أراد أحدهما تأخيره بلا عذر فإن قيل إن العقد جائز فله(1\/411)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "327",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5628",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك وإن قيل بلزومه فلا ولو تشاغل عن الرمي في الغاية وطول لا حاجة إليه من مسح القوس والوتر ونحو ذلك ليبرد همة صاحبه أو ينسيه الوجه الذي أصاب به ويشغله عه منع من ذلك وطولب بتعجيل الرمي ولا يدهش بالاستعجال بحيث يمتنع من تحري الإصابة ويمتنع كل واحد من المناضلين من الكلام الذي يغيظ به صاحبه مثل أنة يفتخر ويتبجح بالإصابة ويعنف صاحبه على الخطأ أو يظهر له أنه يعلمه ويمنع من ذلك من حضرهم من الأمين والشهود والنظارة فصل  في الجلب والجنب  روى أبو داود في سننه من حديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا جلب ولا جنب يوم الرهان وفي المسند من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام وفي سنن الدارقطني عن علي بن أبي طالب(1\/412)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "328",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5629",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله له يا علي قد جعلت إليك هذه السبقة بين الناس فخرج علي فدعا سراقة بن مالك فقال يا سراقتة إني قد جعلت إليك ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم في عنقي من هذه السبقة في عنقك فإذا أتيت الميطان قال أبو عبد الرحمن والميطان مرسلها من الغاية فصف الخيل ثم ناد هل من مصلح للجام أو حامل لغلام أو طارح لجل فإذا لم يجبك أحد فكبر ثلاثا ثم خلها عند الثالثة يسعد الله بسبقه من شاء من خلقه فكان علي رضي الله عنه يقعد عند منتهى الغاية ويخط خطا ويقيم رجلين متقابلين عند طرفي الخط طرفه بين إبهامي أرجلهما وتمر الخيل بين الرجلين ويقول إذا خرج أحد الفرسين على صاحبه بطرف أذنيه أو أذن أو(1\/413)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "329",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5630",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عذرا فاجعلوا السبقة له فإن شككتما فاجعلا سبقهما نصفين فإن قرنتم ثنتين فاجعلوا الغاية من غاية أصغر الثنتين ولا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام وقد تقدم الكلام في معنى الجلب والجنب واختلاف شراح الحديث فيه ونحن نذكر كلام الفقهاء فيه كلام الفقهاء في الجلب والجنب  فقال الخرقي في مختصره ولا يجوز إذا أرسل الفرسان أن يجنب أحدهما إلى فرسه فرسا يحرضه على العدو ولا يصيح به في وقت سباقه وذكر الحديث(1\/414)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "330",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5631",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واكثر الفقهاء على هذا الذي قاله وقال القاضي معناه أن يجنب فرسا يتحول عليه عند الغاية لكونه أقل كلالا وإعياء قال ابن المنذر كذا قيل قال الشيخ ولا أحسب هذا يصح لأن الفرس التي يسابق عليها لا بد من تعينها فإن كانت التي تحول عنها فما حصل السبق بها وإن كانت التي يتحول إليها فما حصلت المسابقة بها في جميع الحلبة ومن شرط السباق ذلك ولأن هذا متى احتاج إلى التحول والاشتغال به فربما سبق باشتغاله لا بسرعة غيره ولأن المقصود معرفة عدو الفرس في الحلبة كلها فمتى كان إنما تركه في آخر الحلبة فما حصل المقصود وأما الجلب فو أن يتبع الرجل فرسه من يركض خلفه ويجلب عليه ويصيح وراءه يستحثه بذلك على العدو وهكذا فسره مالك وهذا هو الصواب وفسره بعض الفقهاء بأنه هو أن يصيح بفرسه وقت السباق ويجلب عليه وفيه نظر لأنه لا يمنع من ضربه ولا نخسه بالمهماز وغيره ما(1\/415)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "331",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5632",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يحرضه على العدو هكذا لا يمنع من صياحه عليه وليس هذا ظلما لأن الآخر يفعل بفرسه هكذا والله أعلم بمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث وهو محتمل الأمرين وعن أبي عبيد في تفسير الحديث روايتان احدهما كقول مالك والثانية أن معنى الجلب أن يحشر الساعي أي أهل الماشية ليصدقهم قال قال فلا يفعل بل يأتيهم على مياههم فيصدقهم والتفسير الأول تفسير الأكثرين ويدل عليه قوله في الرهان وهذا يبطل تفسيره بالجلب في الصدقة وأيضا فالجنب لا يعقل في الصدقة وأيضا ففي حديث علي المتقدم في السباق لا جلب ولا جنب وأيضا فحديث ابن عباس يرفعه(1\/416)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "332",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5633",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من أجلب على الخيل يوم الرهان فليس منا ذكره صاحب المغني ولا أعرف من خرجه فصل  صور بذل العوض في المسابقات  إذا قال رجل لآخر ارم هذا السهم فإن أصبته فلك درهم أو أجب في هذه المسألة فإن أصبت فلك كذا أو احفظ هذا الكتاب ولك كذا وكذا صح وكان جعالة محضة ليس من عقد السباق في شيء وقد بذلا مالا في فعل له فيه غرض صحيح لأن السباق إنما يكون بين اثنين فصاعدا ويكون الجعل للسباق لصاحبه فإن قال إن أصبت فلك درهم وإن اخطأت فعليك درهم لم(1\/417)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "333",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5634",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يصح لأنه قمار وكذا إن قال إن حفظته فلك مئة وإن عجزت عنه فعليك مئة لم يصح فإن قال ارم عشرة أسهم أو أجب في هذه المسائل العشر فإن كان صوابك أكثر من خطئك فلك درهم صح لأنه بذل الجعل في مقابلة الإصابة المعلومة وهي اكثر العشر وليس ذلك بمجهول وكذا لو قال إن كان صوابك أكثر فلك بكل إصابة درهم صح ذلك ولو قال لك بكل إصابة درهم صح ولم يشترط أن تكون إصاباته اكثر ولا مساوية ولو قال إن أصبتها فلك بكل إصابة درهم صح فلو أصاب تسعة منها لم يستحق شيئا ولو قال الرامي لأجنبي إن أخطأت أنا في هذا السهم فلك درهم أو إن أخطأت في الجواب عن هذه المسألة فلك درهم لم يصح لأن الجعل يكون في مقابلة عمل ولم يجد من الأجنبي عمل الحنث في نذر اللجاج وأحكامه عند الأئمة  فلو قال إن أخطأت فعلي نذر درهم أو فما في يدي صدقة(1\/418)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "334",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5635",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو فعلي صوم شهر أو عتق رقبة فهو نذر يمين ويسمى نذر اللجاج والغضب إذا كان قصده أن لا يكون الشرط ولا الجزاء وقد اختلف في موجبه عند الحنث على ثلاثة أقوال وهي للشافعي أحدها لزوم الوفاء بما التزمه كائنا ما كان وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة في أشهر الروايتين عنه الثاني تعتبر كفارة اليمين لا يجزيه غيرها وهو رواية في مذهب أحمد الثالث يخير بين التزام ما التزمه وبين كفارة اليمين وهو المشهور في مذهب أحمد والشافعي فإن أوجبنا الكفارة فوفى بنذره فهل تسقط الكفارة فيه وجهان لأصحاب الشافعي وغلط أبو المعالي وغيره من قال بسقوطها وليس(1\/419)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "335",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5636",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بغلط بل هو الصواب قطعا فإن الكفارة إنما تجب بالحنث فإن وفى بنذره لم يحنث فلا يبقى لوجب الكفارة وجه فإن قيل موجب هذا العقد الكفارة قلنا نعم غايته أنه يمين وموجبها الكفارة عند الحنث ولا يحنث مع البر يوضحه أنه لو حلف على ذلك بالله سبحانه وتعالى وبر لم تلزمه الكفارة فلو قال والله إن فعلت كذا وكذا تصدقت ثم فعله وتصدق لم تلزمه الكفارة فصل  تعيين القسي في النضال  إذا عينا نوعا من القسي تعين ولا يجوز العدول عنه إلى غيره إلا باتفاقهما وإن عينا قوسا بعيها لم تتعين ويجوز إبدالها بغيرها من نوعها والفرق بينهما أن أحدهما قد يكون أحذق بالرمي بأحد النوعين دون الآخر فلا يقوم النوع الآخر مقام النوع المعين بخلاف تعيين القوس من النوع الآخر الواحد وأيضا فإن القوس المعينة قد تنكسر أو يحتاج إلى إبدالها وأيضا فالحذق لا يختلف باختلاف عين القوس بخلاف(1\/420)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "336",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5637",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل تعيين القوس في النضال  فإن تناضلا على أن يرمي أحدهما بالقوس العربية والآخر بالفارسية أو أحدهما بقوس الزيتون والآخر بقوس الجرخ وكلاهما قوس رجل صح عند القاضي والشافعي كما تقدم وإن كان أحدهما قوس يد والآخر قوس رجل لم يصح والفرق بينهما أن في الصورة الأولى هما نوعان من جنس واحد وصحت المسابقة مع اختلافها كاختلاف أنواع الخيل والإبل وفي الثانية هما جنسان مختلفان فلا يصح النضال بينهما كما لا تصح المسابقة بين فرس وجمل فصل  إطلاق العقد  وإذا اطلق عقد النضال ولهم عادة بنوع من القسي صح(1\/421)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "337",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5638",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وانصرف العقد بإطلاقه إليه وإن اختلفت عادتهم فإن كان فيها غالب حمل العقد على النوع الغالب وإن استوت فلا بد من تعيين النوع ليرتفع النزاع بينهم فإن قالا على أن نرمي بالنشاب انصرف ذلك إلى القوس الفارسية وهي قسي العسكر اليوم لأن النشاب اسم لسهامها الخاصة وإن قالا نرمي بالنبل انصرف إلى القوس العربية لأن سهامها هي المسماة بالنبل هذا إذا لم يكن شرط ولا عادة مطردة أو غالبة فصل  جواز المسابقة بالقسي الفارسية  وقد نص الإمام أحمد على جواز المسابقة بالقسي الفارسية وأباح الرمي بها وقال أبو بكر من أصحابنا يكره الرمي بها واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى مع رجل قوسا فارسية فقال ألقها فإنها ملعونة ولكن عليكم بالقسي العربية وبرماح القنا فبها يؤيد الله الدين ويمكن الله لكم في الأرض والصواب المقطوع به أنه لا يكره الرمي بها ولا النضال عليها وقد(1\/422)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "338",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5639",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "انعقد إجماع الأمة على إباحة الرمي بها وحملها وهي التي يقع بها الجهاد في هذه الأعصار وبها يكسر العدو وبها يعز الإسلام ويرعب المشركون والمقصود نصرة الدين وكسر اعدائه لا عين القوس وجنسها وقد قال الله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة [الأنفال: 60] والرمي بهذه القسي من القوة المعدة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا ولم يخص نوعا من نوع وليس هذا الخطاب مختصا بالصحابة بل هو لهم فافهم وللأمة إلى يوم القيامة فهو أمر لكل طائفة بما اعتادوه من الرمي والقسي والأحاديث التي تقدمت في فضل الرمي وتبليغ العدو بالسهام عامة في كل نوع فلا يدعى فيها التخصيص بغير موجب وأما النهي عنها ف إن صح نقله فذاك في وقت مخصوص وهو حين كانت العرب هم عسكر الإسلام وقسيهم العربية فكلامهم بالعربية ودواتهم عربية وفروسيتهم عربية وكان الرمي بغير قسيهم والكلام بغير لسانهم حينئذ تشبها بالكفار من العجم وغيرهم ف أما في هذه الأزمان فقسي عساكر الإسلام الفارسية أو(1\/423)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "339",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5640",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التركية وكلامهم وأدواتهم وفروسيتهم بغير العربية فلو كره لهم ذلك ومنعوا منه فسدت الدنيا والدين وتعطل سوق الجهاد واستولى الكفار على المسلمين هذا من أبطل الباطل فإن صح الخبر فالنبي صلى الله عليه وسلم لعنها وأمر بإلقائها حين لم يمكن العجم والترك قد أسلموا فيه كانت شعارا للكفار والمشركين أو منع الرجل من حملها لعدم معرفته بها وتكلفه الرمي بها والخروج عن عادته وعادة أهل الإسلام حينئذ ولهذا قال وعليكم برماح القنا فلو قاتلنا أمة لا تنفع معهم الرماح بل السهام والسيوف لم تستعمل الرماح حينئذ واستعمل معهم ما يخافون شوكته من السلاح ومن هذا لو حاصرنا حصنا فقوس الجرخ فيه أنفع من قوس اليد لكان الرمي بقوس الجرخ أولى من الرمي بقوس اليد بل كان يتعين فإن كان الرمي بالمنجنيق أدعى إلى فتحه كان أولى من النشاب وحده والكافر عدو والمقصود قتله كيفما أمكن كقتل الحية والكلب العقور فلك طائفة من المسلمين الأفضل في حقها أن تقاتل بما اعتادته من القسي والآلات وأنواع الحرب والقتال ولو كانت عساكر الإسلام اليوم تقاتل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه القسي الفارسية وينصر الله ورسوله بها لمدحها وأثنى عليها ولم ينهاهم عنها وبالله التوفيق(1\/424)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "340",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5641",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل  فيما يعرف به السبق في الخيل والإبل  الاعتبار في ابتداء الميدان بالأقدام لا برأس ولا كتف فيتعين تساوي أقدام المركوبين وأما في انتهائه فاختلف الفقهاء في ذلك وللشافعي ثلاثة أقوال أحدها أنه بالأعناق والثاني أنه بالأقدام الثالث أنه بالأعناق في الخيل وبالاخفاف بالإبل هذه طريقة الخراسانين من أصحابه وقال العراقيون إن تفاوتت الأعناق فلا عبرة بها وإن تساوت فهي محل الأقوال الثلاثة وقال أبو المعالي إن تفاوتت الخيل في مد أعناقها حال الجري وجب النظر إلى الطول والقصر وإن كان أحد الفرسين يمد عنقه والآخر يرفعه ففيه الأقوال الثلاثة وإن استويا في مد العنق فإن اعتبرنا القدم لم ينظر إلى العناق وإن اعتبرنا العنق اتجه اشتراط تساوي الأعناق ولا يخفى ما في هذه الطريقة من الضعف وعدم شهادة نصوص الشافعي لها بالاعتبار(1\/425)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "341",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5642",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما أصحاب أحمد فلهم ثلاث طرق أحدها أن السبق فيها بالكتف وهذه طريقة أبي البركات ابن تيمية وغيره والثانية أن السبق في الإبل بالكتف وأما الخيل فإن تساوت أعناقها فبالرأس وإن تفاوتت فبالكتف وهذه طريقة الشيخ أبي محمد وغيره والثالثة أن السبق في الجميع بالأقدام وهذه اختيار شيخنا أبي العباس بن تيمية وهي التي اختارها أبو عبد الله بن حمدان في رعايته وهي الصحيحة المقطوع بها اعتبارا بأول الميدان واعتبارا بمسابقة بني آدم على الأقدام ولأن أحد الفرسين قد يكون أمد جسما من الأخرى فما اللسبق والكتف والرأس وإنما جريها وعملها على أقدامها فكيف يحكم لمن سبقت يداها وتقدمت بالتأخر إذا تقدمت عليها كتف الأخرى أو رأسها وهل هذا إلا جعل المسبوق سابقا والسابق مسبوقا ومن المعلوم أن أحد الفرسين أو البعيرين إذا تقدم قدمه على الآخر كان سابقا له بنفس آلة السباق فلا مدخل في ذلك لرأس ولا كتف ولعل قول الثوري إن السبق في ذلك كله بالأذن أمثل من اعتبار الرأس والكتف وهو الذي جاء مصرحا به فلي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد تقدم بخلاف الرأس والكتف فإنه لم(1\/426)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "342",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5643",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يحفظ فيه أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه والظاهر أن عادتهم كانت اعتبار السبق بالأقدام فاعلم كمسابقة بني آدم ولا يعقل اسم السبق إلا بذلك فلا يحتاج فيه إلى نقل صريح لعدم التباسه واطراد العادة به والله أعلم فصل  ذكر أنواع السلاح ومنافعه والتفضيل بين أنواعه  فصل في أنواع القسي  وهي في الأصل نوعان قوس يد وقوس رجل وقوس اليد ثلاثة أصناف عربية وفارسية وتركية والعربية نوعان فمنها الحجازية يصنعنها من عود النبع أو الشوحط وهي قضيب أو قضيبان ويسمونها شريحية والتي من عود واحد عندهم أجود قال شاعرهم(1\/427)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "343",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5644",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "(ارم عليها وهي فرع أجمع ... وهي ثلاث أذرع وأصبع) وهذا قسي أهل البدو منهم وأما أهل الحضر فيعقبون ظهورها ويكسون بطونها قرون المعز ولا تكاد هذه القسي ترى إلا بأرض الحجاز ولا ينتفع بها في غيرها من الأماكن وليست لها سيات ولا مقابض والنوع الثاني منها الواسطية وهي مصنوعة من أربعة أشياء الخشب والعقب والقرن والغرا ولها سيتان ومقبض وسميت واسطية وسميت واسطية لتوسطها بين القسي الحجازية والفارسية وليست نسبة إلى واسط فإنها كانت موجودة قبل بناء واسط وتسميها العرب لمنفصلة لانفصال أجزائها قبل التركيب وهي أحمد القسي عندهم وتحت هذين النوعين أصناف كثيرة تجاوز العشرة فصل  وأما القوس الفارسية فهي قسي العساكر الإسلامية في هذا الزمان في الشام ومصر وما يضاف إليهما وأما القسي التركية فهي مثل قسي الفرس غير أنها أغلظ منها وكثير منها بل أكثرها لها قفل ومفتاح وتسمى الأنثى والذكر ويجعلون(1\/428)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "344",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5645",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "لها ركابا في طرف مجراها فإذا أراد أحدهم أن يوترها أدخل رجله في ركابها فأوترها فصل  وأما [القوس المنعوتة بقوس الرجل فنوعان أحدهما هذه التركية والثاني قوس الجرخ وهي قوس لها جوزة ومفتاح وأهل المغرب يعتنون بها كثيرا ويفضلونها المفاضلة بين قوس اليد وقوس الرجل  وأصحاب قوس اليد يذمونها فيقولون لا ينبغي لعاقل أن يرمي بها ولا أن يعتمد عليها ويذكرون ما فيها من الغرر والعيوب والتكلف والإبطاء وشدة المؤنة بالحمل وأنها تخون وقت الكفاح ولا يتمكن المحارب بها من أكثر من سهم واحد ثم يخالطه عدوه قالوا فصاحبها ضعيف النكاية لا يملك إلا سهما واحدا ثم هو أسير مملوك وصاحبها لا يمكنه حمل الترس مع القوس ولا الدرقة وإنما يرمي من خلف جدار السور وخلف حجر يكون مستورا به فإن رمى في براح من الأرض فلا بد له من رجلين مترسين يمسكان عليه حتى يرمي وأين من يرمي من شق في جدار السور إلى من يبرز في البراح والفضاء يرمي(1\/429)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "345",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5646",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "نظره وذلك لا يرمي إلا قطعة يسيرة أمامه وأربابها يفضلونها ويذكرون فوائدها ونكايتها في الحصون والمعاقل وتأثيرها ما لا يؤثره قوس اليد فصل النزاع بين الطائفتين  وفصل النزاع بين الطائفتين أن قوس اليد أنفع في وقت مصافة الجيوش وملاقاة العدو في الصحراء وأما قوس الرجل فأنفع وقت حصار القلاع والحصول وأنكى من قوس اليد وقد يكون الرمي بها من داخل الحصون وأيضا إلى العدو الجامع أنفع له وأنكى فيه فلهذه موضع ولهذه موضع وقوس اليد أعم نفعا وعلى الرمي بها أكثر الأمم وأهلها هم الرماة على الحقيقة فصل  في أنفع القسي وأولاها بالاستعمال  أولاها وأنفعها ما كثرت نكايته وقلت آفته وخف [حمله] وقوي فعله فتلك القوس المحمودة لصاحبها الدافعة الأذى عن حاملها وهذا عام في جميع السلاح فأنفعه وأفضله ما خف حمله على الأعضاء ودفع عنها الأذى وسأل عمر بن الخطاب عمرو بن معد يكرب يوما عن السلاح فقال يسأل أمير المؤمنين عما بدا له قال ما تقول في الرمح فقال أخوك(1\/430)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "346",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5647",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "وربما خانك ف [انكسر أو] انقصف قال فما تقول في الترس فقال هو المحز وعليه تدور الدوائر قال فالنبل فقال منايا تخطئ وتصيب قال فالدرع قال متعبة للراجل مشغلة للراكب وإنها لحصن حصين قال فالسيف قال هنالك ثكلتك أمك فضربه [عمر رضي الله عنه] بالدرة قال بل أمك لا أم لك فصل  أنفع قسي اليد  وخير قسي اليد وأنفعها ما تركبت من الخشبة والعقب والقرن والغراء وفي ذلك حكمة بليغة وصنعة شريفة رفيعة [وذلك] أنها منشأة على نشأة الإنسان فإن قوامه وبناءه على أربع على العظم واللحم والعروق والدم فكذا أنشئت القوس على هذه الأربع فالخشب لها بمنزلة العظم من الإنسان والقرن بمنزلة اللحم المشبك على جميع أعضائها والعقب بمنزلة العروق المشتبكة على جميع أعضاء الحيوان والغراء فيها بمنزلة الدم الذي به يلتئم جميعها ولما كان للإنسان ظهر وبطن جعلوا لها ظهرا [وبطنا] وكذلك [تراها] تنطوي من نحو بطنها كما ينطوي الإنسان وإن كسر ظهرها(1\/431)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "347",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5648",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "انكسرت من ساعتها وكذلك الإنسان وقد ذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تاريخه أن جبريل نزل بالقوس على آدم فهو أول من رمى بها وثبت في الصحيح أن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن كان راميا ورمى النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد حتى اندقت سية قوسه وقد ذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كانت عنده ثلاث قسي قوس معقبة تدعى الروحاء وقوس شوحط تدعى البيضاء وقوس نبع تدعى الصفراء(1\/432)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "348",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5649",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "ولا ريب أن القسي العربية أنفع للعرب والفارسية [أنفع] للعسكر اليوم وكلاهما يفضل القسي التركية لما فيها من القوة والشدة والسرعة والرطوبة وخفة الحمل وقوة الفعل ولم تكن الترك تعتاد هذه القسي الفارسية ولكن لما خالطت الفرس وعاشرتهم تعلموا منهم كثيرا من زيهم ولباسهم وحربهم ولسانهم وآلاتهم فصل  في المفاخرة بين قوس اليد وقوس الرجل  قال قوس الرجل لقوس اليد أنا اشد منك باسا واعظم أركانا واقوى وترا وأغلظ سهما [ونصلا] وأبعد مرمى واشد نفوذا [أنا] أنفذ في الصخر الأصم وأخرق ما ينكسر فيه لك من نصل وسهم تفر الجيوش من وقع سهم واحد من سهامي وأهزمها يمينا وشمالا وأنا محجوب وراء الرامي زمجرتي كزمجرة الرعود ومنظري الكريه كمنظر الأسود لا يخاف ظهري الانكسار ولا على وتري الانقطاع ولا ترد سهامي عواصف الرياح ولا يحجبها درع ولا مغفرة ولا سابغة ولا يقوم لها شيء من السلاح فسل عني الحصون والقلاع هل يقوم غيري مقامي في المكافحة عنها والدفاع ثم سل جيوشها عن مقدمي تلك الصفوف وعمن يشيرون إليه في تلك الرجوف فهل لراميك قوة تحملي أم لك قدرة على دفع سهمي ونصلي من الذي خالطه سهمي فلم يغادره صريعا أم من الذي حل بساحته فما سلبه ثوبه والحياة سلبا سريعا فمن الذي يقوم مقامي لباسي الشديد أم أي قوس سواي ترمي بسهام الحديد هذا وإن السهم من سهامي ليوزن بالقوس من سواي وإذا أحاط العدو بالحصول خانهم(1\/433)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "349",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5650",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جميع أنواع السلاح إلا إياي فأنا والمنجنيق رضيعا لبنا وإن التقيت بالواحد من الناس وهو يحتاج إلى كثرة الأعوان ومن حاربني فما له بحربي يدان ومن نازع قوتي فقد جاهر بمخالفة العيان قال قوس الليل عجبا لك أيها البغيض الثقيل ومزاحمة اللطاف الرشاق والجري معها ولست هناك في ميدان السباق وقل لي متى استصحبك في الحروب العساكر متى استصحبك في الصيد صائد أو في طريق سفره المسافر أما تستحي من ثقل حملك على الأعضاء ومن تخلفك عن جيوش الإسلام يوم اللقاء فإذا وقعت العين في العين كنت عن اللقاء بمعزل وإذا نزلت أمراء جيوش السلاح منازلها فمنزلتك منها أبعد منزل لا تقاتل إلا من وراء جدار أو سور ومتى برزت إلى العدو في براح من الأرض فأنت لا شك مغلوب ومأسور هذا وإن قدر الله وأعان وبرزت إلى العدو مع الأعوان فلك سهم واحد تبطر به وقد لا تصيب وأنا أرمي عليك عدة من السهام وإن كان منها المخطئ والمصيب أنا أعين صاحبي على رميه قائما وقاعدا ولابثا وسائرا وراكبا ونازلا ولو أراد صاحبك منك ذلك لكنت بينه وبين قصده حائلا ويكفيك قبحا أن شكلك كالصليب ولهذا حمل من حمل من العلماء لعن النبي صلى الله عليه وسلم لك على ذلك كطائفة منهم عبد الملك بن حبيب ويكفيك ذما أن المستخرج لك عدو إبراهيم الخليل بل عدو(1\/434)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "350",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5651",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرحمن وهو نمرود بن كنعان كما ذكر ذلك مؤرخ الإسلام محمد بن جرير الطبري في تاريخه الكبير عن ابن عباس أن أول من رمى بقوس الرجل النمرود بن كنعان استخرجها حين رجم بها السماء لأنه لما صح عند أن الله في السماء صنع تابوتا وربى نسرين عظيمين في الخلقة وجعل التابوت على ظهرهما وكان التابوت له ثلاث طبقات فلما غابت الدنيا عن بصره أمر بالقوس وكانت قوسا عظيما يجذبها بحركة كاللولب لقوتها فجعل السهم فيها ورمى بها نحو السماء فغاب السهم عن بصره ساعة ثم رجع إليه مدمى لما أراد الله من خذلانه وتماديه على الكفر وعذابه بما سبق في علمه فقال قد قتلت إله السماء فحول النسرين وجعل التابوت نحو الأرض حتى هبط إلى الأرض فازاداد استكبارا وعلوا في الأرض حتى أهلكه الله عز وجل بأضعف خلقه وهي البعوضة فلو لم يكن لك مثلبة غيرها لكفى بها وكم بين قوس رمت بها الأنبياء وقوس رميت بها السماء وأنت لا يتمكن صاحبك من حملك مع ترس ولا درقة ولا تركاش ولا شيء من أنواع السلاح ولا يمكن الجمع بينك وبين سمر العوالي وبيض الصفاح هذا وقوة الدفع فيك بحركة وصناعة وقوة الدفع مني بما أعين به صاحبي من القوة والشجاعة فصاحبك ضعيف النكاية قليل الحماية تابع لغيره مأمور محكوم عليه فافهم وصاحبي عظيم الهيبة كثير المنفعة متبوع أمير يتحاكم إليه غايتك أن تكون من بعض خدمته ومنخرطا في سلك أتباعه وحشمه وبي فتحت البلاد ودانت بالطاعة لرب(1\/435)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "351",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5652",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العباد وأصحابي هم الملوك والأمراء والأجناد وأصحابك حراس القلاع وأصحابي أرباب الأخبار العظيمة والأقطاع فيا عجبا لك كيف يستوي راكب أتان وراكب حصان وكيف يستوي القوس الشريفة المؤيدة المنصورة التي شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لجنسها بالنصر والتأييد والقوس التي نهاية أمرها أن تكون في مثل الخدم والعبيد سهامي تخرج متتابعات متواصلات متماطرات سهم في أثر سهم وإصابة في أثر إصابة فترى سهامي كوابل انهل من صوب الغمام وهي ترد متتابعة يتلو بعضها بعضا تسوق النفوس إلى الحمام فصاحبي مثل الأسد في بسالته مهيب حيثما توجهت ركائبه مخوف معظم حيثما استقبلت مضاربه لأن قوتي معه وشدتي في يده فحيث أراد كيد عدوه تمكن منه ولا يتقيه بشيء من السلاح لقوته وشدته وسرعته لأنه لا يعرف من أين يتقيه ولا من أين يأتيه وأي فضيلة أشرف وأي مكانة أعلى وأي حرمة أشد من رجل من المسلمين قد أحكم صناعة الرمى بي فركب جواده سدد سهامه وأقام إلى الصفوف عيانا فأثخنهم بالجراح والحتوف من قاتله قتله ومن اتبعه صرعه لا ينجي الفار منه فراره ولا ينفع الشجاع البطل منه إقباله وإدباره وإنما مال من مال عني من أرباب قوس الرجل لأنهم وجدوها أقرب تناولا إليهم وأسهل مؤنة وأخف عليهم فعدلوا لذلك إليها وعولوا بعجزهم عني عليها وسهل ذلك عليهم أنهم لم يكن لهم دربة على(1\/436)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "352",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5653",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخيل فتدعوهم إلى قسي اليد داعية الاضطرار وإنما كانت حروبهم في قرى محصنة أو من وراء جدار فاسمع الآن جملة من عيوبك المتكاثرة ثم اقصد إلى المساجلة والمفاخرة فمنها أن شكلك كواحد الصلبان وثقلك كنصف حجر الطحان وبين السهمين من سهامك برهة من الزمان لا تبرز لعدوك في الفضاء ولا تلقاه بالعراء ومنها أن الماء إذا أصابك بمطر أو غيره وابتل به وترك لم يمكن صاحبك من الرمي بك ألبتة بل تصير كالقطعة من الخشبة اليابسة وأيضا فقوس الرجل قوته في أول أمره ثم يضعف عن الأول الثاني والثالث عن الثاني والرابع عن الثالث وهلم جرى حتى تفنى قوته وصلابته ويتحلل ثبوته إلى أن يصير الوتر عمالا على المجرى فإن رمي به لم يوصل إلى شيء وربما قتل الرامي به وإن حله وفتل الوتر كما يفعل بعضهم اعتراه في الثاني ما اعتراه في الأول فلا تزال القوس في ضعف وخور فإن فتل الوتر ثانية ضعفت جدا وربما بطلت قوتها ربما انكسرت فتدعوه الضرورة إلى قوس غيرها أو يجلس خاسرا فكم بين من يرمي نهاره كله بقوس اليد لا يتغير لها سهم ولا ينحل لها قوة ويكون آخر سهم كأول سهم وبين من يرمي بقوس إنما سلطانها في أول سهم ثم هي أمير في الثاني ثم تفتت في الثالث ثم تتردى في الرابع ثم هي في الخامس بمنزلة الرجل الضعيف ويكفي من عيوبك أن الوتر منك ربما كان على وجه المجرى(1\/437)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "353",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5654",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فرجع السهم إلى وجه الرامي فيقتله وربما كان فوق السهم فيه ضيق عن الوتر فينبذ به القوس إلى ناحية أخرى غير المرمى فيقتل من كان قريبا منه وربما كانت الجوزة عالية جدا فينبذ الوتر السهم إلى ناحية أخرى أو إلى وجه الرامي فيقتله ولقد شوهد بعض رماة هذا القوس وقد مال قوسه وألقى فيها سهمه وهو يريد أن يضرب سبعا ضاريا كان يؤذي الناس فلما فوق نحو السبع رجع السهم إلى وجهه فضربه ضربة في عينه فاحتبس فيها وكان إخراجه من عينه بعد الجهد الشديد والمشقة العظيمة قد سالت على وجنته فآلى الرجل على نفسه أن لا يرمي بهذه القوس أبدا وأما ما يسمع لك من القعقة والجعجعة فهي التي غرت جهال الناس بمنافع قوس الرجل ومصالحها فإنهم إذا سمعوا صوت تلك القعاقع وشاهدوا هول تلك الجعاجع ظنوها لقوتك وشدة بأسك أو لقوة الرامي بك ولسان الحال يقول أسمع جعجعة ولا أرى طحنا وأشاهد قعقعة ولا أرى فعلا هذا وجميع قوتك وشدتها إنما تذهب في المجرى بمحل الوتر(1\/438)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "354",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5655",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له إذ الوتر ليس مواريا لموضع القضيب إنما الوتر على وجه المجرى والقضيب في نصفها فزالت قوة القوس من السهم وحصلت جميع القوة في المجرى وقد حدد حذاق هذا الرمي ما يصل من القوة إلى السهم فوجدوا ربع القوة فما ظنك بربع القوة مع الخطر والغرر ويكفي في التفضيل أن أول من رمى بك نمرود بن كنعان كما تقدم وأول من رمى بي آدم أبو البشر كما حكاه محمد بن جرير الطبري في تاريخه إن الله سبحانه لما أمر آم بالزارعة حين أهبط إلى الأرض من الجنة فزرع أرسل الله إليه طائرين يأكلان ما زرع ويخرجان ما بذر فشكا ذلك إلى الله عز وجل فأهبط عليه جبريل وبيده قوس ووتر وسهمان فقال يا جبريل ما هذا واعطاه القوس قال هذه قوة من الله وأعطاه الوتر وقال هذه شدة من الله ثم اعطاه السهمين فقال يا جبريل ما هذه فقال هذه نكاية الله وعلمه الرمي بها فرمى بهما الطائرين فقتلهما وسر بذلك ثم صار علم الرمي إلى إبراهيم الخليل ثم إلى ولده إسماعيل وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لنفر من أسلم ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى يوم أحد(1\/439)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "355",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5656",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن قوسه حتى اندقت سيتها ورمى بي خيار الخلق بعد الرسل وهم أصحاب صلى الله عليه وسلم وأنت قد عرفت أصلك وفصلك ومن رمى بك وعدة أي قوم أنت فإن معول طائفة الإفرنج عليك وهم قوم لا قدم لهم في الفروسية وإنما غالب حربهم بالصناعات والآلات كما أن غالب حرب كثير من الترك بالكيد والخديعة المكر وبذلك استولوا على كثير من البلاد ودوخوا به العباد فصل  أنواع الفروسية الأربع والفروسية أربعة أنواع أحدها ركوب الخيل والكر والفر بها الثاني الرمي بالقوس الثالث المطاعنة بالرماح الرابع المداورة بالسيوف فمن استكملها استكمل الفروسية ولم تجتمع هذه الأربعة على الكمال إلا لغزاة الإسلام وفوارس الدين وهم الصحابة رضي الله عنهم وانضاف إلى فروسيتهم الخيلية فروسية الإيمان واليقين والتنافس في الشهادة وبذل نفوسهم في محبة(1\/440)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "356",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5657",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله ومرضاته فلم يقم لهم أمة من الأمم ألبته ولا حاربوا أمة قط إلا وقهروها وأذلوها وأخذوا بنواصيها فلما ضعفت هذه الأسباب فيمن بعدهم لتفرقها فيهم وعدم اجتماعها دخل عليهم من الوهن والضعف بحسب ما عدموه من هذه الأسباب والله المستعان فصل  في عدد أصول الرمي وفروعه وما يحتاج إلى تعلمه  فالذي اجتمعت عليه الرماة من الأمم أن أصول الرمي خمسة جمعها بعضهم في قوله (الرمي أفضل ما أوصى الرسول به ... وأشجع الناس من بالرمي يفتخر) (أركانه خمسة القبض أولها ... والعقد والمد والإطلاق والنظر) وجعلها بعضهم في أربعة وجمعها في قوله (يا سائلي عن أصول الرمي أربعة ... العقد والقبض والإطلاق والنظر) ولم يعد منها المد فاستدرك عليه فإنه من الأركان وقال آخرون أصوله أربعة وفروعه تسعة وكماله خصلتان(1\/441)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "357",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5658",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالمجموع خمسة عشر خصلة من استكمل علمها وعملها استكمل علم الرمي ونحن نبينها فالأصل الأول القبض على القوس والثاني العقد والثالث النظر والرابع الإطلاق وأما الفروع في الأول المد على استواء وترفق والثاني معرفة قدر قوسه ليكون على بصيرة من الرمي به والثالث معرفة مقدار الوتر فيه والرابع معرفة مقدار فوق السهم وهو الغرض الذي يجعل فيه الوتر والخامس معرفة مقدار السهم والسادس معرفة قدر قوته هو في نفسه والسابع هيئات الجلوس والوقوف(1\/442)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "358",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5659",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثامن قصد الإصابة لا البعد والتاسع النكاية أما الخصلتان اللتان بهما تمامه وهم ملاك أمره فالصبر والتقى وهذا كلام حسن جدا وقالت طائفة أركان الرمي أربعة السرعة وشدة الرمي والإصابة والاحتراز فالرامي على الحقيقة من كملت فيه هذه الأربعة وكل واحدة منها محتاجة إلى أخواتها كما يحتاج الرمي إلى أربعة القوس والوتر والسهم والرامي فلو كان سهم الرجل مصيبا ولم يكن منكيا لم يؤثر ولو كان سهمه منكيا ولم يكن مصيبا لم ينفع ولو كان مصيبا منكيا لم يحسن التحرز من عدوه فإنه يوشك أن يقتله عدوه قبل رميه إياه لعدم معرفته بالتحرز منه ولو اجتمعت فيه الثلاثة الإصابة والنكاية والتحرز ولم يكن سريع الرمي نقص ذلك من بسالته وشجاعته وقل انتفاعه برميه وربما فاته مطلبه وهرب خصمه منه لبطء رميه له فمن لم يستكمل هذه الخصال فليس برام عندهم(1\/443)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "359",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5660",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  ما يحتاج إليه المتعلم والذي يحتاج المتعلم إليه فاثنا عشر شيئا ثلاثة شداد وثلاثة لينة وثلاثة ساكنة وثلاثة مستوية فأما الثلاثة الشداد فالقبض بالشمال والعقد باليمين والمد بالذراع والساعد وأما الثلاثة اللينة فالسبابة من اليد اليمنى والسبابة من اليد اليسرى ولين السهم في حال الجذب الجيد وأما الثلاثة الساكنة فالرأس والعنق والقلب وأما الثلاثة المستوية فالمرفق والنصل والفوق وملاك ذلك كله بأمرين معرفة مقدار القوس من القوة ومعرفة مقدار السهم من الخفة والثقل وينبغي أن لا يأخذ قوسا فوق مقداره فإنه يظهر عيبه وعجزه ويؤذي نفسه ويفسد رميه ويطمع فيه عدوه فيجلب إلى نفسه من الأذى ما لا يناله منه فصل  في آداب الرمي وما ينبغي للرامي أن يعتمده قد تقدم أن الملائكة لا تحضر من اللهو شيئا إلا الرمي فينبغي للرماة أن يعلموا مقدار من بحضرتهم وهم الملائكة فينزلونهم منزلة الأضياف والكريم يكرم ضيفه واللئيم يقابله بخلاف ما يليق به من الإكرام وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(1\/444)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "360",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5661",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه فينبغي للعاقل بأن يعد رواحه إلى المرمى كرواحه إلى المسجد واجتماعه بمن هناك كاجتماعه برؤساء الناس وأكابرهم ومن ينبغي احترامه منهم ولا يعد رواحه لهوا باطلا ولعبا ضائعا بل هو كالرواح إلى تعلم العلم فيذهب على وضوء ذاكرا الله عز وجل عامدا إلى روضة من رياض الجنة وعليه السكينة والوقار فإذا وصل إلى الموضع دخل بأدب وسلم ووضع سلاحه وحسن أن يصلي ركعتين وليس بتحية البقعة ولكنها مفتاح للنجاح والإصابة فالأمور إذا افتتحت بالصلاة كانت جديرة بالنجح ثم يدعو ويسأل الله التوفيق والسداد وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يا علي سل الله الهدى والسداد واذكر بالهدى هدايتك الطريق وبالسداد سداد السهم ثم يخرج قوسه ويتفقده ثم يتفقد سهامه فيمرها على إبهامه وينظر ما ينبغي الرمي به فإذا وقع اختياره على رشق منه وهو الندب(1\/445)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "361",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5662",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مسحه وتركه ثم يوتر قوسه ويتفقد وتره وينظر في سية القوس ومغامزها فإن كانت على الاستواء رمى عليها وإن كانت على اختلاف تجنبها فإذا رمى رسيله لم يبكته على خطأ ولم يضحك عليه منه فإن هذا من فعل السفل وقل أن أفلح من اتصف به ومن بكت بكت به ومن ضحك من الناس ضحك منه ومن عير أخاه بعمل ابتلي به ولا بد ولا يحسده على إصابته ولا يصغرها في قلبه ويقول رمية من غير رام ونحو هذا من الكلام ولا يحسن أن يحد النظر إلى رسيله حال رميه فإن ذلك يشغله ويشوش عليه قلبه وجمعيته وينبغي للرماة أن يخرجوا هذا من بينهم فإن ضرره يعود عليهم فإذا وصلت النوبة إليه قام فشمر كمه وذيله وسمى الله وأخذ سهامه بيمينه وقوسه بيساره ووقف على موقفه بأدب وسكينة ووقار وإطراق ولباقة وخفة واستمداد ممن الحول والقوة بيده أن يمده بالقوة والإصابة ويجعل سهامه بين رجليه رسية قوسه السفلى على الأرض والعليا عند صدره ثم يأخذ السهم فيديره على إبهامه ويمسك القوس بلباقة ويفوق عليه السهم كما ينبغي ويعتمد على وسطها ويمد فإذا بلغ نهايته سكن قليلا ثم أطلق فإذا خرج السهم تأمل موضع وقوعه فإن مر سادا حفظ ذلك الوضع والهيئة ورعاهما كلما رمى وإن خرج إلى يمين الغرض أو يساره أو أعلاه أو أسفله نظر في علة ذلك ومن أي شئ حدث هل هو من قبل القوس أو الوتر أو السهم أو الريح أو من قبل الرامي نفسه إما من(1\/446)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "362",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5663",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قبضه أو عقده أو إطلاقه أو نظره فإذا وقع على علة الخطأ تجنبها وسمى الله عند كل رمية فإن أصاب حمد الله وأثنى عليه وقال هذا من فضل ربي وإن أخطأ فلا يتضجر ولا يتبرم ولا ييأس من روح الله فخطأ هذا الباب أحب إلى الله من الإصابة في أنواع اللعب سواه ولا يشتم قوسه ولا سهمه ولا نفسه ولا أستاذه فإن هذا كله من الظلم والعدوان وليصابر الرمي وإن كثر خطاؤه فيوشك أن يتقلب الخطأ صوابا وليعلم أن الخطأ مقدمة الصواب والإساءة مقدمة الإحسان ولقد حكي عن بعض أكابر العلماء أنه تكلم يوما في مسألة فأصاب فاستحسنه الحاضرون وقالوا أحسنت والله فقال والله ما قيل لي أحسنت حتى احمر وجهي من خطئي فيها كذا وكذا مرة أو كما قال ولا يفت في عضده ما يرى من إصابة غيره وحذقه وعدم وصوله هو إلى تلك المرتبة فإن هذا ليس بنقص بل النقص كل النقص أن تتقاصر همته عن البلوغ إلى درجة ذلك ولا يحدث نفسه بأن يصل إلى ما وصل إليه فهذا هو الذي لا يفلح فإن المعول على الهمم وقد قيل (إذا أعجبتك خصال امرئ فكنه ... يكن منك ما يعجبك) (فليس على الجود والمكرمات ... إذا جئتها حاجب يحجبك)(1\/447)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "363",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5664",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "وقال آخر (لا يؤسينك من مجد تباعده ... فإن للمجد تدريجا وترتيبا) (إن القناة التي شاهدت رفعتها ... تنمو وتصعد أنبوبا فأنبوبا) فصل  في الخصال التي بها كمال الرمي رأيت للأستاذ أبي محمد عبد الرحمن بن أحمد الطبري في ذلك كلاما حسنا أمليه بلفظه قال(1\/448)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "364",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5665",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ينبغي أن يجعل الرامي عينه اليمنى من خارج القوس مع النصل على الغرض ويكون نظره بعينه اليمنى من فوق عقد السبابة اليسرى من قبضته ويفتل خنصره على جانبه الأيمن قليلا قليلا فتلا خفيفا فيه يصح الاعتماد وتمام النظر من العين اليمنى من خارج القوس وينبغي أن يسبل كنفه اليسرى ليطول شماله ويقصر سهمه ويحسن جره ويستوي بطنه عند آخر وفائه وتكون العقدة الأخيرة من أصل إبهامه اليسرى موازية لرأس منكبه الأيسر ويمد وهو كذلك ولا يخفض شماله ولا يصعدها وتكون المدارة لزيادة السهم ونقصانه بالزند وأما مقدار السهم فقد اختلفت أقوال الرماة فيه والصواب أن مقدار ما يحسن بالرامي استيفاؤه حتى يبلغ نصله إلى العقدة الأولى من الإبهام ويكون مرفقه الأيمن موازيا لمنكبه وقبضته في خط الاستواء ومتى طول مقداره عن ذلك أو قصره اضطرب له اعتماده ومن سبيل الرمي أن يغمز على المقبض بألية كفه اليسرى والضرة بين العقدتين من الإبهامين غمزا واحدا إلى أن يستوفي سهمه وبهذا تتم صحة القبضة والسرعة فإذا أراد أن يفلت السهم زاد في غمزه بالضرة من حيث لا تنقص قوة ألية الكف على ما كان في يده وبهذا تتم صحة القبضة والسرعة والنكاية وسبيل الفتلة أن تعقد على ثلاثة وستين وأن تعتمد على إبهامك أكثر من سبابتك ولا ترفع طرف إبهامك عن العقدة حتى تواري عقدة(1\/449)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "365",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5666",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "الوسطى من سبابتك اليمنى ويكون موقع الوتر النصف من سبابتك اليمنى فإذا أردت الإطلاق فسبيله أن تطلق بعد الوفاء واستقرار النصل بين عقدتي الإبهام مع القبضة بمقدار يعدو النصل وتفرك السهم عن الوتر بالإبهام من أسفل الفوق وبالسبابة من فوقه بحيث لا يصيب شئ من إبهامه وسبابته للفوق ويزن السهم ويفتح وسطه مع سبابته وإبهامه في وقت واحد عن الإطلاق فإن ذلك أسس الإطلاق وأسلس للسهم أو أسرع وأنكى من فتح سبابته وإبهامه فقط ومن فتح أصابعه الخمس في وقت الإفلات فصل  في النكاية قال الطبري قال لي عبد الرحمن الفزاري أصل الرمي إنما وضع للنكاية فمن لا نكاية له لا رمي له عند علماء هذه الصناعة وحذاقها من المتقدمين وكان الذي يقع به الفضل بعد بلوغهم نهاية الرمي والحذق شيئان أحدهما طنين الوتر وصفاء صوته بعد إفلاته والثاني شدة نكايته فمن صح صوت وتره منهم وأنكى كان له فضل عندهم فإن تكافؤوا في طنين الوتر وصفاء صوته والنكاية والسرعة(1\/450)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "366",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5667",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والإصابة لم يبق لأحدهم فضل على أصحابه إلا شئ واحد وهو صحة الكشتبان وعدم تأثير الوتر فيه فمن كان عقده صحيحا وسلم كشتبانة من حز وتره كان أحذق الرماة وأفضلهم قال وكان طاهر البلخي وأبو هاشم وإسحاق وغيرهم من الأكابر يخفون كشاتبينهم ولا يظهرونها لأحد خوفا أن يوجد غير سالم من جهة الوتر فيسقط من حد الأستاذية عند نظرائه وقال وقد بذلت جهدي في طلب رام ليس في وجه كشتبانه أثر ولا عيب فلم أجده قال الطبري فسألت أستاذي أن يريني كشتبانه فامتنع فلم أزل ألح عليه حتى أجابني ثم أخذه وأنا أرى فرمى عليه ثم دفعه إلي لمعرفته فوجدته مستوي الجر لا انحراف فيه ولا ميل سليم الوجه من شعث الوتر وكان طاقا واحدا أديما صلبا لا حشو فيه متوسط الغلظ وقال العباس القرشي وهو من أكابر تلامذة طاهر إنه اجتهد أن يرى عقد طاهر فلم يقدر إلى أن دخل معه الحمام فاستخرج كشتبانه من ثيابه فنظر فيه فإذا هو لا أثر فيه فعلم أن مداراة الرمي وصحته في الكشتبان قال الطبري وقال لي عبد الرحمن النكاية عشرة أشياء تسعة منها في الوفاء التام الصحيح وواحد في الرامي(1\/451)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "367",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5668",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والوفاء وفاءان أحدهما أن يبلغ نصل السهم إلى العقدة الأولى من الإبهام فمن قال بهذا الوفاء أنكر على من يجوز بالنصل هذه العقدة الأولى من الإبهام واحتج هؤلاء بأن قالوا النصل عدو وليس للإنسان أن يدخل العدو على نفسه والفاء الثاني بلوغ النصل ما بين العقدتين من الإبهام وقال عبد الرحمن سمعنا من شيوخنا أن مد وفضل النصل في السهم انفذ شبرا في الدرقة وأنهم شبهوا الوفاء الأول بالدخان الذي يلحق العدو من النار الموقدة التي يرمون بها والوفاء الثاني بإصابة النار نفسا لهم قال وقد قال قوم إن الوفاء إلى طرف الظفر وضعف غيرهم هذا الرأي قال الطبري وفي الرمي ثلاث خصال واحدة في الإنسان وأخرى في القوس والثالثة في السهم فأما التي في الإنسان فخمسة عشر شيئا أربعة في القفلة وثلاثة في القبضة وخمسة في الإطلاق وواحدة في الفم وقت الإطلاق واثنتان في الصدر فأما الأربعة التي في القفلة فهي شدتها في نفسها وقت الجر أشد ما يكون بالأصابع كلها غير السبابة فإنها تكون دونهن والثلاثة الأخر في صحة القفلة وصحتها أن يعقد ثلاثا وستين ويكتم ما استطاع الأظافر من الأصابع الثلاث الخنصر والبنصر والوسطى حتى لا يرى(1\/452)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "368",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5669",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منها شيء وأن يجعل الوتر من إبهامه دون الجر مما يلي أصلها مستويا لا انحراف فيه ولا تعويج ويجعل طرف الإبهام فوق عقدته الوسطى من إصبعه الوسطى لا تتحرك عنها إلى وقت الإفلات ويجعل سبابته على لحم إبهامه بعد أن يرمي باطن لحم سبابته إلى ظهر إبهامه على الجزء الأول من السبابة على جنب إبهامه مما يلي الوتر ويعطف طرف سبابته ويجعل الجزء الثاني من سبابته على جنب ظاهر إبهامه مما يلي الفوق ويجعل جانبي الفوق بين الإبهام والسبابة محاذيا لما بين العقدة الأخيرة من أصل سبابته وبين الجزء الثاني ويحمل السبابة عن بدن السهم قليلا من أول جره إلى مخرج السهم عن يده وليحذر الرامي كل الحذر أن يغمز سبابته على شيء من فوق سهمه في مده وإفلاته فيتعوج سهمه وتكثر آفاته بعد الإطلاق وأما الثلاثة الأخر التي في القبضة فواحد منها شدتها في نفسها وقت الجر أبلغ ما يكون بجميع الأصابع واثنان منها في صحتها وهي أن تجعل متن مقبض القوس ما بين جر أصول أصابعك الأربعة ورأسه الأعلى ما بين عقدتي إبهامك والأسفل على مقدار عرض اصبع واحدة مما يلي الكف وأما الخمسة التي في الإطلاق فثلاثة منها في الإبهام والسبابة والوسطى وقد تقدمت واثنان في صحة الإطلاق بأن يغمز على الوتر بإبهامه من أسفله وبالسبابة على الوتر من فوق القوس بحيث لا يصيب الإبهام ولا السبابة بشيء من فوق السهم ولا بدنه وقت الإفلات وليحذر الرامي أن يفتح وقت إفلاته خنصره وبنصره فإن شدة الكف(1\/453)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "369",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5670",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بهما وليفتح الوسطى مع السبابة والإبهام فإن في فتحها منافع كثيرة منها سلاسة الإطلاق ومنها سلامة وجه الكشتبان ومنها أنه يأمن بفتح الوسطى من مس الوتر لطرف سبابته وإبهامه بعد الإطلاق وأما الذي في الفم فهو أن يستنشق الهواء من أول مدة إلى وقت وفائه قليلا قليلا فإذا أطلق تنفس مع إفلاته تنفسا خفيا من حيث لا يشعر به من هو إلى جانبه وأما الشيئان اللذان في الصدر فأحدهما أن يجمع صدره من وقت مدة إلى آخر استيفائه حتى يكون صدره في آخر الوفاء أضيق ما يكون والثاني أن يفتح صدره في نفس إطلاقه ليحصل لكل كتف وطرف من يديه جزء من القوة فكأنه يعين كتفيه ويديه بصدره قال الطبري فإذا أحكم الرامي جميع هذا ولم ينقص منه شيئا كان راميا كاملا ولم يرم جوشنا ولا خوذة ولا باب حديد إلا أنفذه فصل في جمل من أسرار الرمي ذكرها الطبري في كتابه  وهي عشرون سرا فمنها ثلاثة مستوية وثلاثة معوجة وثلاثة لينة وثلاثة شديدة وثمانية تفترق في سائر البدن(1\/454)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "370",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5671",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأما الثلاثة المستوية فرأس القوس والزج وهو النصل والمرفق وأما الثلاثة المعوجة فرجل الدشتان عند الإيتار ومقدم الرجلين عند القيام للرمي وأما الثلاثة اللينة فعقد ثلاث وستين ومقبض اليسار ومرفق اليسار وأما الثمانية المفرقة فأولها أن لا يشد على القبضة في أول المد ويشدها في آخره والثاني أن لا يرخي عقد الستين على الثلاثة ولا يتكيء عليها بل يجعل بينها فرجة في المد عند الإطلاق فهو أصلح له والثالث أن يجعل بعد الوتر عن وجهه قدر ثلاث أصابع وأقله إصبع واحدة وعند الإطلاق يخرج سية قوسه قليلا الرابع أن يكون أول المد برفق إلى وقت الإطلاق والخامس شد الشمال على المقبوض جدا كلما أمكن قالوا حتى يكاد الدم يخرج من الظفر وعليه إجماع الرماة لأن في استرخائها عند الإطلاق آفات كثيرة والسادس إذا رمى إلى بعد اتكأ على رجله اليمنى وإذا رمى على قرب اتكأ على رجله اليسرى السابع أن يكون بين أصابع زنده اليسرى وبين المقبض فرجة حتى(1\/455)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "371",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5672",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يلحق الكرسوع فهو أشد لها والثامن أن يترك الحرص على طلب الصائب ويجعل حرصه على صحة العمل وتوفيته حقه فإذا فعل ذلك جمع الحذق والإصابة فصل في القيام والجلوس  القيام على ثلاثة أوجه أما مذهب بالأستاذ طاهر فإنه يقوم بحذاء الرقعة متوجها مستوى الرجلين بينهما قدر عظم الذراع ويعلم ذلك تلامذته وأما الأستاذ أبو هاشم فإنه كان يقوم منحرفا يسيرا بين المتوجه(1\/456)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "372",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5673",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمنحرف وزعم أن هذا أعدل القيام للرمي وعليه أكثر من يرمي في الإشارات وأما مذهب الفرس والروم فيقولون بالانحراف جدا ويجعلون المنكب الأيسر حذاء الرقعة ويلصق الرامي أحد رجليه بالأخرى فصل أوجه الجلوس في الرمي  وأما الجلوس فعشرة أوجه فأما مذهب أبي هشام فإنه كان يقعد على رجله اليمنى ويقيم اليسرى ويشد يده إليها وكان البلخي إذا أراد الرمي في القرب قعد على يمنيه ويقيم ركبته اليسرى ويشدها إلى يساره وإذا أراد البعد قعد على يساره وأقام ركبته اليمنى وشد يده إليها وزعموا أنه كان يرمي بهذا المذهب خمس مئة ذراع وأما عبد الله بن زيد فإنه كان يقعد على قدميه ويقيم رأس ركبتيه ويضع أليته على الأرض إذا استوى وهو صعب وطائفة أخرى تقعد على الرجل اليمنى وتقيم اليسرى وهذا(1\/457)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "373",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5674",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يصلح للرمي مع السلاح قال الطبري ورأيت منهم من يبرك على الركبتين جميعا ويرمي وكان بعض الأستاذين يقعد على الركبة اليسرى واليمنى بائنة عنها ويرمي من وراء ركبتيه وهذا مذهب ينسب إلى الكاغدي وأما الأستاذ أبو موسى فإنه كان يقوم قائما بحذاء الرقعة ورجلاه مستويتان ملتصقتان ثم يجر اليسرى إلى خلف ويقعد على عقبه ويكون مشط الرجل اليمنى ملتصقا بالركبة الشمال وعلى ركبته اليمنى إلى خلف وفي شد الركبة على الأرض معنى لطيف وأما مذهب الزراد فإنه كان يجعل قدمه اليسرى خلف أليته ويجعل رأس الركبة اليسرى بحذاء المنكب والقدم اليمنى بائنا عن الركبة اليسرى ويرمي وأما مذهب طاهر فإنه كان يجلس متربعا متصدرا ويأمر تلامذته بالجلوس على اليسرى والاتكاء على اليسار ومن الرماة من كان يقعد على رجله اليسرى ويجعل ركبته اليمنى على ركبته اليسرى مبسوطة إذا أراد يرمي في القرب فإذا أراد البعد جلس على رجله اليمنى وبسط اليسرى عليها كما فعل في الابتداء(1\/458)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "374",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5675",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويرمي ولكل مذهب من هذه المذاهب وجه حسن وخاصية فصل مشتمل على فصول من طب الرمي وعلاج علله وآفاته  فصل منها  فمن العلل أن يسمى الوتر بذراع الرامي وذلك يكون من أسباب عديدة أحدها دقة المقبض الثاني سعة الكف الثالث دخول زنده في القوس الرابع استرخاء قبضة يده اليسرى الخامس طول الوتر السادس قيام أسف القوس السابع من جهة كمه إذا لم يشمره الثامن من شدة الجذ التاسع صلابة القوس العاشر سعة حلقتي الوتر الحادي عشر كثرة لحم الراحة الثاني عشر استرخاء مفاصله(1\/459)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "375",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5676",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالث عشر لين الوتر على القوس الصلبة الرابع عشر عوج القبضة أو السية ويمس الوتر ذراع الرامي في أربعة مواضع أحدها في الساعد الثاني في الكرسوع وهو طرف الكف الثالث بقرب الكرسوع والرابع من القبضة فأما مس الساعد فمن ثلاثة أشياء أحدها صلابة القوس وضعف الرامي عليه والثاني من سوء الجبذ مع طول ذراعه والثالث من طول الكم وأما مس الكرسوع فمن ثلاثة أسباب أيضا أحدها إدخال زنده في القوس الثاني طول الوتر الثالث قيام أسفل القوس إذا لم يرفعه بزنده الأسفل وأما مسه لما تجاوز الكرسوع فمن سبعة أسباب أحدها سعة حلقتي الوتر الثاني كثرة لحم الراحة(1\/460)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "376",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5677",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالث استرخاء المفاصل الرابع دقة المقبض الخامس سعة الكف السادس استرخاء القبضة في القوس السابع عوج القبضة والسيتين وأما ما يمسه في القبضة فمن طول الوتر ولينه ولا سيما إن كانت القوس معجرة صلبة ذكر ما يصلح به هذه الآفات  أما ما كان منها من جهة الكف فإن سبيل القبضة أن تقبض عليها بجميع الكف فإن بقي بين الأصابع والكف مقدار عرض نصف إصبع فحسن وإن زاد أو نقص فلا خير فيه فما كان من هذه الآفات من سعة الكف ودقة المقبض فعلاجه بأن يلف على المقبض شركة طويلة من أدم مبلولة رقيقة بقدر الحلقة فإن أعوزه فحاشية ثوب رقيق صفيق ويشده شدا قويا لئلا يفلت من المقبض وما كان منها من الوتر فتله أو عقده وما كان من القوس أصلحه بتفقده وإزالة عيبه أو الاستبدال به فإن ألح عليه من الوتر ولم يقدر على إزالته فليدفع بمقدار عرض أصبع ونصف أصبع من الوتر الأعلى ونصف إصبع من الأسفل فلا يعتريه المس بعدها أبدا(1\/461)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "377",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5678",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل في استرخاء قبضة الشمال وما يلزمه  واسترخاؤها يكون من ثلاثة أوجه أحدها اجتماع لحم أصول الأصابع فيغطي بعضها بعضا فتسترخي لذلك والثاني من دقة المقبض وسعة الكف فلم يمكنه شدها والثالث إن يشد أصابعه الثلاثة الإبهام والسبابة والوسطى فيسترخي من أجلها الأصبعان الخنصر والبنصر وما كان من جهة اجتماع لحم أصول الأصابع فعلاجه بإنزالها إلى بطن راحته وتحريفها وما كان من جهة سعة الكف ودقة المقبض فعلاجه بما تقدم وما كن من جهة شد أصابعه الثلاث فعلاجه بإرخائها قليلا فصل في آفة عقر السبابة من اليد اليمنى وعلاجه  تنعقر السباب وقت الإيتار من وجهين أحدهما أن يعتمد وقت تكبيد القوس على أصابعه ولا يعتمد على كفه فيأكل طرف السية أعلى سبابته الثاني أن يكون من شدة القوس عليه وإخراجها إلى الاستعانة بجمع كفه فتقع سبابته على قائم السية فيعقرها فإن كان من أصابعه أوتر القوس بجمع كفه فيلف عليها خرقة ويعتمد عليها بكفه(1\/462)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "378",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5679",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل في آفة مس الوتر لإذن الرامي ولحيته وعلاجه  أما هذه الآفة فلها أسباب أحدها لين الإطلاق الثاني ميلان سية القوس على جهة السهم الثالث خروج أسفل القوس فوق المقدار الرابع عبثه برأسه إذا صارت يده عند منكبه فإذا تجنب هذا لم يمسه الوتر فإن ألح عليه الوتر أخرج وجهه قليلا عن الوتر وعلة مس الوتر لحيته إما من خفض رأسه علاجه برفعه وإما من ميلان سية القوس وعلاجه بتعديلها فصل في آفة كسر ظفر الإبهام في العقد وعلاجه  هذه الآفة لها أسباب أحدها أخذه على اللحم دون المفصل لا سيما إن كان إبهامه قصيرا الثاني من تطريفه السبابة على الإبهام الثالث من كزازة الإرسال بأن يفتح إبهامه قبل سبابته فيضغطها الوتر فتسود وتندمل وعلاجه فتح السبابة قبل الإبهام أو معها الرابع من حز الكشتبان في الوتر الخامس من طول ملفاف الكشتبان وعلاج ما كان من التطريف بأن يجعل ثلثي السبابة على اللحم وثلثها على الظفر وعلاج طول الكشتبان بتقصيره(1\/463)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "379",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5680",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل في آفة لحوق السبابة عند الإطلاق وعلاجه  هذه الأفة في ثلاثة أشياء أحدها شدة التمطي والثاني شدة القوس وضعف الرامي فيكون إطلاقه غير ممكن الثالث من عقد ثلاث وعشرين فتطول السبابة على الوتر فيلحقه وعلاجه بتجنب ذلك والتحرز منه فصل في آفة رد السهم وقت الإطلاق  وعلاج هذه الآفة تكون من ذراعه إذا لم يفلته وقت الجبذ فإذا جبذ دخلته رخاوة فإن أصابه ذلك فليبسط شماله ويفتح ذراعه ويضغط يمينه عند الإرسال فتزول العلة فصل في آفة الكزازة وما يزيلها  الكزازة تكون في اليد اليمنى وفي اليد اليسرى من شيئين أحدهما يسفل يده اليسرى في القبضة فإذا سفلها علت اليد(1\/464)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "380",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5681",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اليمنى عليها فوجد السهم فراغا في القبضة فطاش السهم الثاني أن يرفع يده اليمنى نحو أذنه ويسفل الشمال فيقع سهمه في الأرض قريبا منه وعلاج هذه العلة إن كان من يده اليسرى فليرفع يده في المقبض قليلا حتى يترك من القبضة مقدار عرض أصبع وإن كان من يده اليمنى فعلاجها أن يقم على أربعين ذراعا أو أكثر واقفا ويجعل العلامة في الأرض ويرميها ويرمي عليها حتى تزول فصل في آفة ضرب سية القوس الأرض عند الإطلاق  هذه العلة تعتري الجالس للرمي من أربعة أسباب أحدها خروجه عن قوسه واتكاؤه بأكثر جسمه الثاني من سوء جلسته بأن يعتمد على رجله اليسرى ويترك الاعتماد على اليمين الثالث من قوة قوسه عليه فيستعين بجسمه على جبذها فيسوقه أكثر ما يسوقها الرابع أن تغلب يده اليسرى ليده اليمنى وقت الجبذ فإن كان من اتكائه بجسمه عليها فعلاجه أن يأخذ قوسه ويقف واقفا ويرمي على غرض مرتفع عال وإن كان من سوء جلوسه فليصلحه وليعتمد في جلسته على رجله اليمنى ويطوي ساقه اليمنى ويوقف الشمال وإن كان من قوة قوسه أبدلها بغيرها وإن كان من غلب(1\/465)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "381",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5682",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "يده اليسرى فلينازع في القبضة إلى أن تعتدل. فصل في علة كسر فوق السهم وعلاجه  كسره \/ يكون في موضعين: أحدهما: ان ينكسر فينشق الفوق بنصفين الثاني: ان ينكسر [أحد] جانبي الفوق فأمام شقه بنصفين فيكون من علتين إحداهما خشونة الوتر وضيق شق الفوق الثانية أن يدخل الفوق في الوتر فلا يصل الوتر إلى آخر الشق ويبقى بينهما فرجة فإذا افلت السهم ضرب الوتر إلى اصل الفوق فشقه وأما كسر أحد جانبيه فمن غمز الرامي على الفوق بالسبابة فينكسر جانبه وهو عيب فاحش وأكثر ما يعتري المبتدئ لصناعة الرمي وعلاجه باجتناب الغمز على الفوق بالسبابة وترك السبابة على السهم لينة فصل في علة حركة القوس بالسهم عند خروجه من كبد القوس وعلاج [ذلك] حركته تكون من خمسة عشر شيئا أربعة منها في الوتر وستة في السهم وواحدة في القوس وأربعة في الرامي فالأربعة التي في الوتر طوله وغلظه ورقته وأن تكون إحدى(1\/466)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "382",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5683",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عروتيه واسعة والأخرى ضيقة والتي في القوس أن تكون السيتان من جنسين مختلفين تكون إحداهما خشبا لينا والثانية من خشب صلب والستة التي في السهم أن يكون ريشه مخالفة فتكون ريشة خفيفة واثنتان ثقيلتين أو بالعكس أو ريشة نائمة واثنتان قائمتين أو بالعكس أو ريشة عريضة واثنتان دقيقتين أو بالعكس أو يكون النصل خفيفا والسهم ثقيلا أو بالعكس وعلاجه بإصلاح ذلك كله والأربعة التي في الرامي أن يغمز بالسبابة على السهم أو تكون قبضته رخوة أو تكون القوس لا توافقه أو السهم لا يوافقه فصل [أنواع تحريك السهم]  وتحريك السهم على ثلاثة أنواع أحدها أن يتحرك من أول خروجه إلى حين وقوعه والثاني أن يتحرك من أول خروجه فإذا توسط المدى استد الثالث أن لا يتحرك في أول خروجه فإذا توسط المدى تحرك حتى يقع(1\/467)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "383",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5684",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل [اسباب تحرك السهم من أول خروجه إلى حين وقوعه]  فأما الذي يتحرك من أول خروجه إلى حين وقوعه فيكون من ستة أسباب أحدها من عوج في السهم الثاني أن يكون ريشه غير معتدل والثالث أن يكون النصل خفيفا والريش كثيرا والرابع أن يكون النصل ثقيلا والريش قليلا والخامس أن يكون إحدى الريشات قائمة والأخرى راقدة والسادس أن يكون الفرق ضيقا والوتر خشنا فيخرج مضغوطا فصل [اسباب تحرك السهم عند توسط المدى]  وأما الذي يخرج من أول وهلة مستقيما ثم يتحرك إذا توسط المدى فمن ثمانية أسباب أحدها خفة السهم وقوة القوس الثاني سعة الفوق ودقة الوتر الثالث من نقب يكون في السهم أو شق يكون فيه فإذا دخله كالهواء تحرك وكان المانع له من حركته في أول وهلة قوة السهم وغلبة الريح وكلما أبعد وهت قوته [وإلا كان يمر إلى غير غاية فصادفت الريح قوته قد نقصت] فحركته الرابع استرخاء الكف في القبضة عند الإفلات(1\/468)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "384",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5685",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخامس عوج السهم بقرب النصل أو الفوق السادس سعة عروة الوتر السابع أن تكون القبضة في القوس معوجة أو أحد بيتيها معوج الثامن دخول بيت الإسقاط على بيت الرمي فصل [اسباب تحرك السهم آخرا إن لم يتحرك أولا]  وأما الذي يتحرك آخرا ولم يتحرك أولا فسببه أن العلة لم تعمل فيه إلا عند فتوره فإنه كان عند خروجه في غاية القوة والشدة وكانت قوته تغلب عليه فلما وهنت قوته ظهرت علته فإن قوة [السهم] كقوة البدن فإذا غلبت على العلة لم يظهر أثرها فإذا وهنت القوى وضعفت عند آخر العمر ظهرت العلل وكان الحكم لسلطانها فصل [اسباب تحرك السهم أولا فإذا توسط استد]  وأما الذي يخرج متحركا فإذا توسط استد فيكون ذلك من ثلاثة اشياء أحدها رقة الستين واعوجاجهما الثاني غمز السبابة على السهم مع الوتر غمزا قويا الثالث قوة القوس وضعف الرامي وإنما تحرك أولامن جهة أن السيتين باعوجاجهما دفعتا دفعتين مختلفتين فيعوج السهم من أجلهما فإذا توسط مداه خفت تلك العلة(1\/469)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "385",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5686",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاستد وكذلك إذا غمز السبابة على السهم غمزا فاحشا يعوج السهم وهو في القوس لا سيما إن كان شق الفوق واسعا فإذا خرج السهم من القوس رجع مستويا في سيره فخفت العلة فاستد السهم وكذلك من ضعف الرامي وشدة القوس تعتريه عيوب كثيرة فليحذر الرامي كل الحذر أن يرمي بقوس فوق مقداره فإنه تكثر عيوبه وتقل نكايته وتعتريه في نفسه عيوب كثيرة ومن كمال حذق الرامي عند اهل الصناعة أن يأخذ قوسا دون مقداره فصل في عقر الإبهام بالسهم وقت الجر وعلاجه  عقرها يكون في ثلاثة مواضع أحدها في عقدة الإبهام الثاني في العقدة التي في أصل الإبهام الثالث في اللحم الناتئ بين الأصبعين السبابة والإبهام في أصل القبضة فأما عقرها في عقدة الإبهام [فيكون من ثلاثة أوجه أحدها أن يشد اصبعه على القبضة بالإبهام] والسبابة الثاني من رفع عقدة إبهامه وقت الجر الثالث أن يجعل إبهامه على سبابته في الجر فإن تمكن من شد(1\/470)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "386",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5687",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصبعيه لينهما وإن تمكن من تصعيد إبهامه على سبابته جعلها متوسطة كأنه عاقد على ثلاثين وأما عقرها في العقدة الثانية التي في أصل الإبهام فإنه يكون من ثلاثة اسباب أحدها دقة المقبض وسعة الكف الثاني سوء القبض الثالث قيام بيت الإسقاط في قوسه [و] علوه على بيت الرمي فإن كان من دقة المقبض اصلحه بما تقدم وإن كان من بيت القوس أدناه على نار لينة وإن كان من سوء المقبض فعلاجه بإصلاح ذلك وأما عقرها عند أصل الإبهام بينه وبين السبابة فمن وجهين أحدهما فساد قبضته وإشباعها الثاني من تسفل فوق السهم جدا فإن كان من إشباع يده في مقبضه أصلحه بما تقدم وإن كان من السهم جعله في كبد القوس في نصف الوتر وعلم [في] موضع علامة لا يخطئها كل رمية [فصل في] ذكر أركان الرمي الخمسة وصفة كل واحد منها والاختلاف  قد تقدم أن أركانه القبض والعقد والمد والإطلاق والنظر(1\/471)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "387",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5688",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونحن نذكرها مفصلة مبينة فأما القبض فاختلف الرماة فيه فمنهم من يقبض على مقبض القوس بجميع كفه ويدفع بزنده جميعا وهذا مذهب طاهر ومنهم من يحرف المقبض في كفه تحريفا شديدا ويشد أصبعه ويدفع بزنده الأسفل ويترك بين زنده الأسفل [والقبضة] في الكف مقدار عرض أصبعين وعلى هذا جماعة الفرس كسابور ذي الأكتاف وبهرام جور وغيرهما وهو مذهب أبي هاشم ومنهم من يتوسط بينهما وهو مذهب إسحاق الرفاء ويجعل بين القبضة وزنده الأسفل عرض أصبع وهو أجود المذاهب وأحسنها عند حذاق الرماة وقد ذكر عن طاهر أنه يجعل مقبض القوس على أصول أصابعه والقبضة مستوية وقد ذكر عنه أنه كان يجعل القوس على أصول اصابعه وهي محرفة وزنده مستو وهذا أحسن المذاهب عندهم وعليه العمدة قال بعض الحذاق من قال باستواء القبضة شد جميع اصابعه شدا واحدا ودفع بزنديه جميعا وهذا الرمي حسن للأغراض القريبة ورمي الشيء الدقيق من قرب غير أن صاحبه لا يسلم من مس الوتر ذراعه وهو ضعيف الرمي ومن قال بالتحريف كان أنكى له وأطرد للسهم وأحسن للرمي(1\/472)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "388",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5689",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأقوى له وهو جيد للفارس والراجل ولرمي الحصون والأسوار والرمي العالي كله وهو أقل إصابة ومن قال بالتوسط بينهما لم يشبع كفه في المقبض ولا يحرف كفه أيضا تحريفا شديدا قال والأحسن في هذا كله أن تأخذ القوس بكفك فتضع مقبضها عند أصول أصابعك وتدخل لحم راحتك كله في المقبض وتشد الخنصر والبنصر والوسطى شدا عنيفا على ترتيبها الخنصر أشد ثم البنصر ثم الوسطى وتترك أصبعيك الإبهام والسبابة لينتين فتكون كأنك عاقد مئتين بهما وتدخل زندك الأعلى وتسوي الأسفل وتترك بين زندك الأسفل وبين القبضة عرض أصبع فتزول عنك جميع العلل بذلك وبالجملة فالاستواء للعرب والتحريف للعجم وأجمع أرباب المذاهب أنه لا ينبغي للقبضة أن يكون منها موضع خال وأجمعوا على أن شدة سير السهم من شدة القبضة إلا شرذمة جهلت فقالت إن استرخاء القبضة أحد للسهم وقال الأستاذ محمد بن يوسف والأجود أن لا يشد القبضة أولا ويشدها آخرا وهؤلاء الذين اختلفوا في ذلك هل اختلفوا في جنس واحد من القسي أم في أجناس وفي كف واحدة أم في أكف شتى(1\/473)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "389",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5690",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "ذكر العقد ووجوهه",
        "content": "ولا ريب أنك تجد قوسا قبضتها مربعة وتجد قوسا قبضتها مدورة وقوسا بين المدورة والمربعة وأما القبضة المربعة فهي قبضات العجم والتحريف لهم جيد والاستواء يبطل الرمي بها وأما القبضة المدورة فهي قبضات العرب والتحريف يبطل الرمي بها وأما المتوسطة فيتوسط لها ولكل قوس قبضة ولكل كف قبضة فمن كانت كفة كبيرة فالأصلح له من القبضات الدقيقة والمتوسطة للكف المتوسط واختيار المقبض في الكف أن يقبض بجميع كفه ويدخل لحم راحته في كفه فإن لحقت أطراف اصابعه لكفه فالمقبض صغير على الكف فلا يصلح له به رمي ويدخله العيب إن رمى به وكذلك إن كانت القوس غليظة المقبض على الكف وحكم القبضة أن تقبض عليها بجميع كفك فإن بقي بين أصابعك مقدار عرض نصف اصبع فهو حسن فإن زاد أو نقص فلا خير فيه ذكر العقد ووجوهه  [أقوال] الناس في العقد على الوتر على تسعة أقسام أحدها وهو الصحيح الجيد القوي أن يعقد ثلاثا وستين الثاني تسعة وستين وعلى هذين العقدين جميع الأساورة والأكاسرة والأول عندهم أصح وأثبت الثالث أن يعقد ثلاثة وسبعين الرابع أن يعقد ثلاثة وثمانين(1\/474)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "390",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5691",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخامس أن يعقد أربعة وعشرين السادس أن يعقد إحدى وعشرين وعلى هذا أكثر الترك والروم لأنهم يرمون بقوس لينة وبغير اصل فيعقدون كيفما تيسر عليهم [و] السابع عقد يسمى الرديف وهو أن يعقد اثنين وستين ممكنة ويلقي الوسطى مع السبابة على الإبهام وهذا العقد جيد لجبذ القوس الصلبة لكنها بطيئة الإطلاق الثامن أن يجعل أصابعه الثلاثة الخنصر والبنصر والوسطى في الوتر ويجعل السبابة ممدودة مع طول السهم ولاحظ للابهام هنا وهذا عقد جميع الصقالبة واليهم ينسب ويصنعون للأصابع الثلاث كشتبانات الذهب والفضة والنحاس والحديد والقوس على هذه الصفة واقفة لا راقدة التاسع أن يجبذ بالأربعة أصابع بالسبابة والوسطى والخنصر والبنصر وهو مذهب العرب القدماء في الجاهلية ومنهم من [كان] يجبذ بهذه الأصابع والقوس راقدة ويجعل السهم بين الوسطى والبنصر ويجبذون إلى صدورهم وعليها أكثر باديتهم وقال بعض الأئمة وهذه العقد كلها خطأ إلا عقدة ثلاثة وستين وربما دعت الحاجة والضرورة إلى استعمال بعضها لحادث حدث في الإبهام وغيرها فينبغي تعلمها أو بعضها ومن أراد القوة والشدة والسرعة فعليه بعقد ثلاث وستين ثم من الرماة من قال أكتم أظفاري كتمانا بالغا وأجعل الوتر من(1\/475)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "391",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5692",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإبهام في مفصلها مستويا غير محرف ومنهم من قال اكتم أظفاري كتمانا شديدا وأجعل الوتر في مفصل الإبهام وأحرفه قليلا وكلاهما جيد حسن فالاستواء أقوى للمد والتحريف أسرع لخروج السهم ومنهم من يجعل الوتر قدام الجر في مفصل الإبهام قليلا وهو أحسن المذاهب وأسرع افلاتا من الأول والثاني وأطرد للسهم فصل [منشأ السرعة والبعد عند الرماة]  وعند الرماة [أن القوة] السرعة والبعد إنما هو في الإبهام من العقد باليمين وفي القبض بالشمال فعليهما مدار الشدة ولكل أصبع عقد كما أن لكل كف قبضة فإذا كان المتعلم للرمي طويل الأصابع أو قصيرها فاختر له من هذه المذاهب أولاها باصابعه وأوفقها لرميه وأبعدها آفة عن جسمه فصل [أنواع تركيب السبابة على الإبهام]  تركيب السبابة على الابهام ثلاثة أنواع أحدها أن تركب السبابة فيصير طرفها على الوتر الثاني أن تركبها فتصير خارج الوتر الثالث أن تركبها فتكون داخل الوتر(1\/476)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "392",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5693",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فمذهب سابور وبهرام جور وغيرهما أن تكون السبابة خارج الوتر [و] اختاره أبو هاشم وهو الرمي القديم وهو جيد للأقواس الصلبة ومذهب طاهر وحذاق أهل هذه الصناعة أن تكون على الوتر وهذا أحد للسهم واسرع للافلات ومذهب إسحاق أن تكون السبابة داخل الوتر وقال بعض الرماة من قال بتحريف العقد طالت سبابته وقصرت ابهامه فصارت السبابة من داخل الوتر ومن قال باستواء العقد قصرت سبابته وطالت ابهامه فصارت السبابة خارج الوتر ومن توسط بين المذهبين صارت السبابة على الوتر وحكم السبابة أن تجعل على ثلثي اللحم والثلث على الظفرة ويكون نصفها على الوتر والصنف الثاني خارج عنه ويكون فوق السهم مما يلي السبابة ولا يطولها تطويلا ولا يقصرها كثيرا لأن السبابة إن كانت من داخل الوتر طويلة ضربت الوتر في عرض أصبعه وقت الإطلاق وإن كانت مستوية طويلة على الوتر ضربت الوتر وقت الاطلاق ايضا فعقرته وان كانت مطرفة جدا ضعف مده وافلت السهم عن أصبعه قبل الوفاء وكذلك لا يجعل السبابة على ظفره الإبهام فإن الظفر يسود ومن كشف ظفره كله كان أقوى على القوس الصلبة ولكنه أبطأ أيضا اطلاقا(1\/477)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "393",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5694",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل [لا ينبغي للرامي أن يقلم أظافر يده اليمنى]  ولا ينبغي للرامي أن يقلم أظافر يده اليمنى بل يتركها موفرة لأنه إذا استأصل قطعها ضغطها الوتر وقت الجبذ فخرج الدم بني الظفر واللحم والتحقيق أن لكل يد عقد ولكل وجه عمل ولكل حال عتاد ولكل مقام مقال وكل ميسر لما هيئ له وأعين عليه فصل في القفلة بالأصابع الثلاث من اليد اليمنى  من الرماة من يستر أظافره الثلاثة حتى لا ترى ويجعل داخلها مجوفا ومنهم من يجعلها غير مجوفة واحمد المذهبين مذهب من يكتمها حتى تكاد اصابعه تقطر دما من شدتها وتجوفها وقد كانت حذاق الرماة تامر تلاميذها أن يجعلوا في أكفهم صنجة صغيرة ويقفلوا عليها فإن سقطت من كف أحدهم أدبة عليها وكانوا يفتخرون بذلك وكانوا يأمرونهم أن لا يخلوا القفلة بالأصابع الثلاث من اليد اليمنى ولا القبضة من اليد اليسرى حتى يكمل رميهم فإذا كمل حطوا القوس وفتحوا أكفهم وكذلك لا ينبغي أن يغير جلوسه إلا عند(1\/478)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "394",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5695",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "عيب يظهر له وشده أصابع الكف اليمنى في القفلة واليسرى في القبضة اسرع للسهم وأنكى للرمي واقوى وأنفذ وأكثر عيوب الرامي من اليد اليمنى وسداد الرمي في اليسرى وملاحته في اليمنى وحسن الرمي في القعود والوقوف والإصابة في النظر وملاك ذلك كله المداومة والإدمان فإن الترك خوان ذكر المد  اختلفوا في مد النشابة فمنهم من يمدها إلى مشاش منكبه ومنهم من يمد إلى حاجبه الأيمن ومنهم من يمد إلى شحمه أذنه ومنهم من يمد إلى آخر [عظام] لحييه فيجري السهم بين شفتيه ومنهم من يمد إلى ذقنه ومنهم من يمد إلى نهده اليمنى هذا مجموع اختلافهم فأما من يمد إلى مشاش منكبه فهو المذهب القديم وذلك أنهم يجلسون منحرفين فيطول نشابهم على هذا الجبذ ومن هنا قالوا إن طول النشابة اثنتا عشرة قبضة وهو كثير النكاية وقل من يرمي به أو يحسنه وهو يحدث للرامي عيوبا كثيرة فصل  وأما المد إلى الحاجب الأيمن فهو مذهب إدريس وهو جيد وبه يطول النشابة وفيه قوة كثيرة للمد إلا أن نشابته تمر محطوطة أبدا وهو جيد لمن يرمي الحصون والسواء والواضع المرتفعة وليس بجيد للقرطاس وهو من الرمي القديم ايضا(1\/479)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "395",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5696",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  وأما المد إلى شحمه الاذن فهو مذهب بسطام وهو جيد جدا وليس في المذاهب القديمة أحمد من هولا أحسن عاقبة ألا ان نشابته أقصر من أن يمد إلى مشاش المنكب والحاجب وغير أنه أكثر إصابة من الأولين. وأما من يمد إلى آخر عظام لحييه ويجري السهم على شفتيه فهو مذهب أهل الاستواء وعليه جماعة من رماة خراسان وهو [أيضا] مذهب اسحاق وطاهر وغيرهما من حذاق الصناعة ومعنى الاستواء أن يكون أصل السهم مع مفرقة في حال استواء لا ينحط منهما واحدا ولا يرتفع وليس في جميع المذاهب أحسن منه وهو رمي قليل الآفات كثير الاصابة وعليه [حذاق] الرماة بالغرب وغيره وأما المد إلى الذقن أو الصدر فخطأ فاحش لا خير فيه وبه تقل الإصابة وتكثر العيوب ذكر النظر وأحكامه  اختلف حذاق الرمي في النظر إلى المرمى اختلافا كثيرا لعلوه وشرفه وعليه عمدة الرمي وهم عليه على ثلاثة أقسام ثم تتفرع إلى ستة الأول من الثلاثة النظر من خارج القوس والثاني من داخل القوس والثالث من داخلها وخارجها(1\/480)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "396",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5697",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واختلفوا في النظر هل الأولى أن يكون بالعينين جميعا أو بأحدهما فجمهور الرماة رجحوا النظر بالعينين جميعا لأنه أتم وأكمل وأقوى ومنهم من رجح النظر بعين واحدة واحتج هؤلاء بأنه إذا كان بعين واحدة كان أجمع للنور الباصر وأقوى له وإذا كان بالعينين جميعا تفرق في وصوله إلى الغرض فضعف قالوا فإن الناظر إذا نظر بعين واحدة اجتمع فيها نور العينين معا فإن النور الباصر ينزل من الدماغ على تقاطع صليبي في الجبهة فيفترق هناك في منفذين إلى كل [عين] منفذ فإذا أغمض الناظر أحد عينيه رجع قسطها من ذلك النور الباصر إلى العين الأخرى فيقوي نظره بها ضرورة ولهذا تجد الأعور قوي النظر حديده وأرباب الصناعات إذا أراد أحدهم امتحان أمر بالنظر أغمض احدى عينيه وصوب الأخرى إلى المنظور اليه ولهذا كانت عين الأعور في الشرع قائمة مقام عينين في الديه فإذا فقئت عين العور فعلى الجاني الدية كاملة نص عليه الإمام أحمد فإن قلع من له عينان عين الأعور عمدا فله أن يقلع من عينيه نظيره عينه ويأخذ منه نصف الدية نص عليه ايضا وإن قلع الأعور عين الصحيح المماثلة لعينه الصحيحة عمدا فلا قود عليه لأن القود يعميه وعليه الدية كاملة وقيل يقلع عينه ويعطيه نصف الدية وإن قلع الأعور عيني صحيح خيرناه بين قلع عينه وبين أخذ دية عينه(1\/481)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "397",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5698",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل [النظر من الداخل]  والنظر من الداخل يقولون إنه نظر (بهرام جور) وإن صورته الممثلة على الجدار تعطي كأنه ينظر من داخل القوس بالعينين جميعا وعينه في مجيء السهم مع العلامة لا يفارق نظره ذلك فإذا رأى النصل على أصبعه أطلق سهمه وهو رمي حسن عندهم إلا أنه صعب قليل النكاية ولا يمكن صاحبه أن يرمي الرمي القوي ولا يمكن راميه أن يجلس منحرفا بل متربعا فتكون نشابته قصيرة ورميه غير منكي وهو جيد لرمي الأغراض القريبة والدقيقة فصل [أوجه النظر من الخارج]  وأما النظر من خارج فعلى ثلاثة أوجه الوجه الأول أن يجعل السهم من خارج القوس وينظر بالعينين جميعا في العلامة ويعتمد بالعين اليسرى ثم يختلس السهم بسرعة في القوس الوجه الثاني أن يجعل النصل من خارج القوس في العلامة وينظر بعينه اليسرى ويعتمد عليها ويجعل عينه اليمنى في دستان القوس ولا(1\/482)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "398",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5699",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ينظر بها شيئا من العلامة مع تصحيحه بالعين اليسرى وعقدة أصابع يده اليسرى في وسط العلامة الوجه الثالث أن يقلب نور عينيه جميعا إلى عين واحدة فتكون حدقة عينه اليسرى في مؤخر عينه اليسرى وحدقة عينه اليمنى في مقدمة عينه اليمنى فيصير نور حدقة عينه اليمنى إلى حدقة عينه اليسرى وهذا النظر يسمى الأحول فتصير العينان كأنهما [عين] واحدة وهو محمود جدا في هذا المذاهب وهذا النظر كله جيد للفارس ولمن يرمي بالسلاح وهو شديد النكاية لأن صاحبه يجلس للعلامة منحرفا وبه يطول سهمه وتكثر نكايته ولا يصح له أن يجلس متربعا وهو النظر القديم وعليه الأكاسرة والأساورة وأما النظر إلى العلامة فقسمه النظرين جميعا بأن يجعل النصل في العلامة بالعين اليسرى من خارج القوس ويصحح نظره بالعين اليمنى إلى العلامة من داخل القوس بحيث لا يفارق النصل باليمنى وباليسرى إلى العلامة حيث يفلت والوجه الثاني أن يجعل النصل في العلامة من خارج القوس بالعينين فإذا بقي له من المد قدر ثلث السهم وغاب عن بصره النصل ترك عينه اليسرى في موضعها من العلامة وينظر بعينه اليمنى مجيء النصل على يده من داخل القوس فإذا رأى النصل على أصبعه أطلق وهذا حسن جدا وهو أكثر إصابة وأقل آفة وصاحبه يجلس بين التحريف والتربيع فتذهب بذلك عنه عيوب أهل التربيع وأهل التحريف(1\/483)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "399",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5700",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مع ما فيه من الإصابة ودقة النظر فصل في ميزان النظر  قال بعض أئمة الرماة من أراد أن يتعلم حقيقة الوزن فليأخذ سراجا يجعله على بعد كما يجعل العلامة ويأخذ قوسا لينة جدا فهي أمكن له ويجلس بين التحريف والتربيع كما يجلس للعلامة ويجعل النصل في السراج ولا يزال ينزع في القوس ويفتح عينا ويطبق أخرى ويقتحهما جميعا ويمد إلى آخر السهم وينظر للسراج أبدا حتى يصح له فإن صح علم أنه قد حصل على فائدة جليلة وذخيرة عظيمة في هذه الصناعة فصل [المفاضلة بين أهل التربيع وأهل التحريف]  واعلم ان خارج القوس مما يلي اليسار إذا رميت بها والداخل مما يلي اليمين فأهل التربيع يبطلون عمل أهل التحريف ويقولون إنه يفسد النظر وإن جميع السلاح إذا دخله التحريف أبطله وأهل التحريف يبطلون عمل أهل التربيع ويقولون إن التحريف أكثر نكاية(1\/484)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "400",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5701",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإنه يبطل النشاب فمنهم من حرف القوس إحدى عشرة قبضة واثنتي عشرة قبضة وأكثر فصل في ميزان آخر  واعلم ان الوزن على نوعين فمنهم من يزن أولا ويستمر على وزنه إلى حين اطلاقه ومنهم من يزن آخرا فأما من يزن أولا فعلى وجهين ايضا أحدهما أن يجعل النصل في العلامة ويحققه ويجبذ عليه من نظره إلى ذراعه الشمال ومرفقه اليمنى في اعتدالهما واستوائهما وهذا مذهب طاهر الوجه الثاني أن ينظر أولا إلى العامة فإذا جبذ من السهم نصفه أو اقل حققه وأطلق وهذا أحمد النوعين وأعظمهما سدادا وأما الذي يزن آخرا فعلى نوعين أيضا أحدهما أن لا يخل بتحقيق الوزن أولا فإذا بقي لهم من السهم قبضة سكن تسكينه لطيفة جدا واختلس السهم بسرعة وأطلق وهذا النوع حسن للحرب جدا الثاني أن يحقق وزنه [أولا] فإذا بقي لهم من السهم مقدار قبضة أو أكثر قليلا حققه أيضا ثانية واختلس سهمه وأطلقه بسرعة وهذا النوع جيد للأغراض وغيرها(1\/485)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "401",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5702",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في] ذكر الاطلاق ووجوهه  الإطلاق على ثلاثة أنواع المختلس والمفروك والمتمطي فالمختلس أن يجبذ السهم ثم يسكن ثم يختلسه اختلاسا شديدا ويفلت أصابعه فيفتح الاثنين السبابة مع الابهام وهذا المذهب فيه سرعة وليس سكونه عند الافلات وإنما يسكن إذا بقيت له قبضة ويفتح ذراعيه جميعا ويميل وتر القوس إلى الأرض وأما المفروك أن يمد السهم فإذا صار النصل على أصبعه سكن قليلا بمقدار عدتين ثم فرك يده اليمنى فركة من حرف الوتر فيحول يده قليلا فيجعل الشق الذي من بين إبهامه والسبابة مع خده حاكا له وأما المتمطي فهو أن يمد السهم فإذا علم بالسهم على أصبعه سكن بمقدار عدتين وأطلق ينفضه من الوتر ويكون جبذة أولا وآخرا سواء وهذا المذهب لمن ينظر من داخل القوس جيد والفركة من فوق الوتر لمن ينظر بالنظرين والاختلاس لمن ينظر من خارج الوتر ولا خلاف بين الرماة أن القبضة للوتر تكون بشدة وسرعة دون تأن ولا لبث لأن فيها القوة والشدة والنفوذ فصل في مر السهم على اليد  وهو على أربعة أنواع(1\/486)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "402",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5703",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منهم من يجريه على عقدة إبهامه ومنهم من يجريه على سبابته ويميل إبهامه عن السهم ومنهم من يرفع إبهامه ويجعل سبابته تحتها فيصير كأنه عاقد ثلاثة عشر فيجري السهم على ظفر إبهامه ومنهم من يجريها على طرفي أصبعيه السبابة والإبهام فيكون كأنه عاقد ثلاثين فمن أجراها على عقدة إبهامه فهو عيب عند الحذاق لأنه لا يخلو ان يضربه فيه الريش فيجرحه وربما ضربه السهم فعقر أصبعه وأما من يجريها على سبايته وهو أحسن قليلا من الأول وكلاهما مذهب أهل الأستواء في قبضته وليسا بجيدين وأما من يجريها على أصل ظفري أصبعيه الإبهام والسبابة كعاقد ثلاثين فهو مذهب التوسط وهو أحمد المذاهب واما من وقف إبهامه فيجريها على طرف ظفره كعاقد ثلاث عشرة فهو مذهب أهل التحريف وهو رديء جدا لأن صاحبه يحرف قبضته تحريفا شديدا ويوقف إبهامه فإن هو أمال قوسه قليلا سقط السهم من على ظفره وهو رديء في الحرب لا يكاد يستقيم له رمي لسرعة سقوطه سهمه ذكر [سبب] ارتفاع السهم في الجو ونزوله وسداده  اختلف أهل العلم من الرماة في ذلك اختلافا متباينا ونحن نذكر أقوالهم وما فيها ونبين الصحيح منها(1\/487)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "403",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5704",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقالت طائفة سبيل السهم إذا خرج من كبد القوس أن يقطع ما بينه وبين الغرض في خط الاستواء بغير صعود ولا هبوط بل محاذيا للموضع الذي خرج منه فلما رأيناه على خلاف ذلك في ارتفاعه ونزوله طلبنا علة ذلك فرأيناه من واحد من ثلاث إما من القوس وآفته فيه وإما من السهم وإما من الرامي فلا بد من آفة خفية في واحد من هذه الثلاث وردت طائفة أخرى هذا القول وقالت ما رأينا راميا ولا نقل إلينا إبدا أنه رمي بسهم فقطع المدى في خط الأستواء محاذيا لموضع مخرجه لا صاعدا ولا نازلا ولم تخل الأرض من رام لا آفة في رميه ولا قوسه ولا سهمه بحيث تجمع الرماة على اعتدال الثلاثة المذكورة وسلامتها من كل عيب وقال آخرون العلة في الارتفاع والانخفاض من جهة اختلاف بناء القوس فإنها إذا غلبت بيتها الأعلى ارتفع السهم في أول مداه وإذا غلب الأسفل ارتفع في آخر مداه ورد عليهم آخرون منهم وقالوا هذا لا يصح لأنا نجد القوس المعتدلة البيتين الصحيحة التركيب بيد الرجل الحاذق في الرمي يرتفع عنها السهم جدا وربما ارتفع أكثر من ارتفاع من هو دونه وقالت طائفة أخرى ليس ارتفاع السهم من قبل القوس ولا الرامي ولا من قبل السهم في نفسه بل من أمر خارج وهو الهواء [الحامل له وذلك أن السهم] إذا كان شديدا [ثقيلا والقوس صلبة قطع الهواء و] مر سادا وإن كان خفيفا حمله الهواء فارتفع قال والحجة على ذلك أن المركب إذا كان ثقيلا غاص في الماء وإن كان خفيفا ارتفع والهواء للسهم مثل الماء للمركب(1\/488)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "404",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5705",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورد آخرون هذا القول وقالوا نجد السهم الساد عن القوس الصلبة في اليوم الساكن الهواء لا بد له من ارتفاع عن محاذاة مخرجه والدليل على ذلك أن ينصب حبلا معترضا في نصف [من] الأرض مساويا لمخرج السهم [ثم يرمي بسهم ساد عن قوس صلبة فلا بد من أن يرفع السهم] عنه وقال آخرون منهم الذي صح عندنا وكشفناه من علة ارتفاع السهم ونزوله أن سير السهم لا يتم إلا بثلاثة أشياء أحدها بدن الرامي وقوته والثاني قوسه والثالث سهمه وكل واحد ثلث العلة والدليل على هذا أنك تأخذ قوسا صلبة موترة لا يمكنك الرمي عنها فتفوق عليها سهما ثم تمدها فتحنى الوتر معك يسيرا من غير أن تنحني القوس ثم تطلق فيمر السهم أذرعا كثيرة وقد علمت أن القوس لم يعمل في السهم شيئا لأنها لم تطاوعك وإنما خرج السهم من الوتر بنفضه الرامي وقوته لا بالقوس وأما الثلث [الذي من قبل القوس فالدليل على اعتباره أنك تجد السهم في آخر الثلث] الأول في ارتفاع إلى اول الثلث الثالث فيأخذ في الهبوط وذلك من قبل السهم نفسه لأن طبعه -[كما علمت]- الهبوط وكان ارتفاعه أولا بالقوة التي أفاده إياها الرامي واعتبر هذا بالحجر ترمي به إلى فوق فلا يزال صاعدا ما دامت قوة الرامي تمده فاذا انتهك القوة التي أمدته في الصعود صارت حركته حينئذ النزول وهي الحركة الطبيعية [له] وقالت طائفة أخرى بل العلة الصحيحة في ذلك أن الرامي إذا فوق السهم في قسمة مستوية لا مرتفعة ولا منخفضة كان العقد تحت(1\/489)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "405",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5706",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفوق أسفل من ذيل القوس فإذا مد واستوفى وقعت شدة الغمز في الإطلاق تحت الفوق فلا بد لصدر السهم من أن يرتفع يسيرا بالضرورة فارتفع صدره يسيرا هو الذي أكسبه ذلك الارتفاع الكثير في طريق سيره وهذا واضح والله أعلم فصل في مدح القوة والشجاعة وذم العجز والجبن  قال الله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل [الأنفال 60] وقال تعالى في حق المؤمنين أشداء على الكفار رحماء بينهم [الفتح 29] وقال فيهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين [المائدة 54] وقال تعالى ولا تهنوا في ابتغاء القوم [النساء 104] أي لا تضعفوا وقال ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين [آل عمران 139] وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي [كل] خير أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز(1\/490)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "406",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5707",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ [بالله] من الجبن والجبن خلق مذموم عند جميع الخلق وأهل الجبن هم أهل سوء الظن بالله وأهل الشجاعة والجود هو أهل حسن الظن بالله كما قال بعض الحكماء في وصيته عليكم بأهل السخاء والشجاعة فإنهم أهل حسن الظن بالله والشجاعة جنة للرجل من المكاره والجبن إعانة منه لعدوه على نفسه فهو جند وسلاح يعطيه عدوه ليحاربه [به] و [قد] قالت العرب الشجاعة وقاية والجبن مقتلة وقد أكذب الله سبحانه أطماع الجبناء في ظنهم أن جبنهم ينجيهم من القتل والموت فقال [الله] تعالى: قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل [الأحزاب 16] ولقد أحسن القائل [هو قطري بن الفجاءة الساري] (أقول لها وقد طارت شعاعا ... من الأبطال ويحك لن تراعي)(1\/491)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "407",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5708",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(فإنك لو سألت بقاء يوم ... على الأجل الذي لك لن تطاعي) (فصبرا في مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلود بمستطاع) (وما ثوب الحياة بثوب عز ... فيطوي عن أخي الخنع اليراع) (سبيل الموت غاية كل حي ... وداعيه لأهل الأرض داعي) (ومن لم يعتبط يسام ويهرم ... وتسلمه المنون إلى انقطاع) (وما للمرء خير في حياة ... إذا ما عد من سقط المتاع) واعتبر ذلك [في معارك الحروب] بأن من يقتل مدبرا أكثر ممن يقتل مقبلا(1\/492)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "408",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5709",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي وصية أبي بكر الصديق بن الوليد احرص على الموت توهب لك الحياة وقال خالد بن الوليد حضرت كذا وكذا زحفا في الجاهلية والإسلام وما في جسدي موضع إلا وفيه طعنة برمح أو ضربة بسيف وها أنا [ذا] أموت على فراشي فلا نامت أعين الجبناء ولا ريب عند كل عاقل أن استقبال الموت إذا جاءك خير من استدباره [والله أعلم وقد بين هذا حسان بن ثابت قائلا] (ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما) وقال آخر [محققا هذا المعنى] :(1\/493)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "409",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5710",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(محرمة أكفال خيلي على القنا ... ودامية لباتها ونحورها) (حرام على أرماحنا طعن مدبر ... وتندق منها في الصدور صدورها) وكانوا يفتخرون بالموت على غير فراش ولما بلغ عبد الله بن الزبير قتل أخيه مصعب قال إن يقتل فقد قتل أخوه وأبوه وعمه إنا [والله] لا نموت حتف أنفنا [و] لكن حتفنا بالرماح وتحت ظلال السيوف [ثم تمثل بقول القائل] (وإنا لتستحلي المنايا نفوسنا ... وتترك أخرى مرة ما تذوقها)(1\/494)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "410",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5711",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[وفي مثل هذا يقول السموأل من كادياء وهو في الحماسة] (وما مات منا سيد في فراشه ... ولا طل منا حيث كان قتيل) (تسيل على حد الظبات نفوسنا ... وليست على غير الظبات تسيل) (وإنا لقوم لا نرى القتل سبه ... إذا ما رأته عامر وسلول) (إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى اعدائنا فتطول) وقال محمد بن عبد الله بن طاهر [بن الحسين الخزاعي] (لست لريحان ولا راح ... ولا على الجار بتياح)(1\/495)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "411",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5712",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(فإن أردت الآن لي موقعا ... فبين أسياف وأرماح) (ترى فتى تحت ظلال القنا ... يقبض أرواحا بأرواح) ولو لم يكن في الشجاعة إلا أن الشجاع يرد صيته واسمه عنه أذى الخلق ويمنعهم من الإقدام عليه لكفى بها شرفا وفضلا كما قال عمرو ابن براقه [وكان فاتكا مشهورا بالاقدام والثبات] (كذبتم وبيت الله لا تأخذونها ... مراغمة ما دام للسيف قائم) (متى تجمع القلب الذكي وصارما ... وأنفا حميا تجتنبك المظالم)(1\/496)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "412",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5713",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال تأبط شرا [الفاتك العداء واسمه ثابت] (قليل التشكي للمهم يصيبه ... كثير الهوى شتى النوى والمسالك) (يبيت بموماة ويضحي بمثلها ... جحيشا ويعروري ظهور المهالك) (ويسبق وفد الريح من حيث تنتحي ... بمنخرق من شدة المتدارك) (إذا حاص عينيه كرى النوم لم يزل ... له كالىء من قلب شيحان فاتك) (إذا هزه في عظم قرن تهللت ... نواجذ أفواه المنايا الضواحك) وقال أبو سعيد المخزومي وكان شجاعا [موصوفا بذلك] (وما يريد بنو الأغيار من رجل ... بالجمر مكتحل بالليل مشتمل) (لا يشرب الماء إلا من قليب دم ... ولا يبيت له جار على وجل)(1\/497)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "413",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5714",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  قال عمرو بن معد يكرب الفزعات ثلاثة فمن كانت فزعته في رجليه فذاك الذي لا تقله رجلاه ومن كانت فزعته في رأسه فذاك الذي يفر عن أبويه ومن كانت فزعته في قلبه فذاك الذي لا يقاتل والجبن والشجاعة غرائز وأخلاق فالجبان يفر عن عرسه والشجاع يقاتل عن من لا يعرفه كما قال [الشاعر] (يفر جبان القوم من أم نفسه ... ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه) والشجاع ضد البخيل لأن البخيل يضن بماله والشجاع يجود بنفسه كما قال القائل (كم بين قوم [إنما] نفقاتهم ... مال وقوم ينفقون نفوسا)(1\/498)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "414",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5715",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الآخر (تجود بالنفس إن ضن الجواد بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود) [و] هذا غير مطرد في بني آدم فإنهم على اربع طبقات فمنهم الجواد الشجاع يجود بماله ونفسه ومنهم البخيل الجبان ومنهم الجواد الجبان يجود بماله ويضن بنفسه ومنهم الشجاع البخيل فإنه منح خلق الشجاعة وحرم خلق الجود فإن الأخلاق مواهب يهب الله منها ما يشاء لمن يشاء ويجبل خلقه على ما يريد منها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأشجع عبد القيس إن فيك خلقين يحبهما الله الحلم والأناة قال خلقين تخلقت بهما أم جبلت عليهما قال بل جبلت عليهما فقال الحمد(1\/499)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "415",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5716",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لله الذي جلبني على ما يحب ومن هنا يظهر أنه لا تلازم بين الشجاعة والجود كما ظنه بعض الناس وإن كانت الأخلاق الفاضلة تتلازم وتتصاحب غالبا وكذلك الأخلاق الدنيئة فصل [الفرق بين الشجاعة والقوة]  وكثير من الناس تشتبه عليه الشجاعة بالقوة وهما متغايران فإن الشجاعة [هي] ثبات القلب عند النوازل وإن كان ضعيف البطش وكان الصديق رضي الله عنه أشجع الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عمر وغيره أقوى منه ولكن برز على الصحابة كلهم بثبات قلبه في كل موطن من المواطن التي تزلزل الجبال وهو في ذلك ثابت القلب ربيط الجاش يلوذ به شجعان الصحابة وابطالهم فيثبتهم ويشجعهم ولو لم يكن [له] الا ثبات قلبه يوم الغار وليلته وثبات قلبه يوم بدر وهو يقول للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله كفاك [بعض] مناشدتك ربك فإنه منجر لك(1\/500)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "416",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5717",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما وعدك وثبات قلبه يوم أحد وقد صرخ الشيطان في الناس بأن محمدا قد قتل ولم يبق أحد مع [رسول الله صلى الله عليه وسلم الا دون عشرين في] أحد وهو مع ذلك ثابت القلب ساكن الجأش وثبات قلبه [يوم الخندق وقد زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وثبات قلبه] يوم الحديبية وقد قلق فارس الاسلام عمر بن الخطاب حتى إن الصديق ليثبته ويسكنه ويطمئنه وثبات قلبه يوم حنين حيث فر الناس وهو لم يفر وثبات قلبه حين النازلة التي اهتزت لها الدنيا أجمع وكادت تزول لها الجبال وعقرت لها أقدام الأبطال وماجت لها قلوب أهل الإسلام كموج البحر عند هبوب قواصف الرياح وصاح [لها] الشيطان في أقطار الأرض أبلغ الصياح وخرج الناس بها من دين الله أفواجا وأثار عدو الله بها أقطار الأرض عجاجا وانقطع [لها] الوحي من السماء وكاد لولا دفاع الله لطمس نجوم الاهتداء وأنكرت الصحابة بها قلوبهم وكيف لا وقد فقدوا رسولهم من بين أظهرهم وحبيبهم وطاشت الأحلام وغشي الآفاق ما غشيها من الظلام وشرأب النفاق ومد أهله الاعناق ورفع الباطل رأسا كان تحت قدم الرسول صلى الله عليه وسلم موضوعا وسمع المسلمون من أعداء الله ما لم يكن في حياته بينهم مسموعا وطمع عدو الله أن يعيد الناس إلى عبادة الأصنام وأن يصرف وجوههم عن البيت الحرام وأن يصد قلوبهم عن الايمان والقرآن ويدعوهم إلى ما كانوا عليه من التهود والتمجس والشرك وعبادة الصلبان(1\/501)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "417",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5718",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فشمر الصديق رضي الله عنه من جده عن ساق غير خوار وانتضى سيف عزمه الذي هو ثاني ذي الفقار وامتطى من ظهور [عزائمه] جوادا لم يكن يكبو يوم السباق وتقدم جنود الاسلام فكان أفرسهم إنما همه اللحاق وقال والله لأجاهدن أعداء الإسلام جهدي ولأصدقنهم الحرب حتى تنفرد سالفتي أو افرد وحدي ولأدخلنهم في الباب الذي خرجوا منه ولأردنهم إلى الحق الذي رغبوا عنه فثبت الله بذلك القلب الذي لو وزن بقلوب الأمة لرجحها جيوش الإسلام وأذل بها المنافقين والمرتدين وأهل الكتاب وعبدة الأصنام حتى استقامت قناة الدين [من] بعد اعوجاجها وجرت الملة الحنيفية على سننها ومنهاجها وتولى حزب الشيطان وهم الخاسرون وأذن مؤذن الايمان على رؤوس الخلائق فإن حزب الله هم الغالبون [المائدة 56] هذا وما ضعفت جيوش عزماته ولا استكانت ولا وهنت بل لم تزل الجيوش بها مؤيدة ومنصورة وما فرحت عزائم اعدائه بالظفر في موطن من المواطن بل لم تزل مغلوبة مكسورة تلك لعمر الله الشجاعة التي تضاءلت لها فرسان الأمم والهمة التي تصاغرت عندها عليات الهمم ويحق لصديق الأمة أن يضرب من هذا المغنم بأوفر نصيب وكيف لا وقد فاز من ميراث النبوة بكمال التعصب وقد كان الموروث صلوات الله وسلامه عليه أشجع الناس فكذلك وارثه وخليفته من بعده أشجع الأمة بالقياس ويكفي أن عمر بن الخطاب سهم من كنانته وخالد بن الوليد سلاح من أسلحته والمهاجرون والأنصار أهل بيعته وشوكته وما منهم الا من اعترف أنه يستمد من ثباته وشجاعته(1\/502)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "418",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5719",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل في مراتب الشجاعة والشجعان  أول مراتبهم الهمام وسمي بذلك لهمته وعزمه وجاء على بناء فعال كشجاع الثاني المقدام وسمي بذلك من الإقدام وهو ضد الإحجام وجاء على أوزان المبالغة كمعطاء ومنحار لكثير العطاء والنحر وهذا البناء يستوي فيه المذكر والمؤنث كامرأة معطار كثيرة التعطر ومذكار تلد الذكور الثالث الباسل وهو اسم فاعل من بسل يبسل كشرف يشرف والبسالة الشجاعة والشدة وضدها فشل يفشل فشالة وهي على وزنها فعلا ومصدرا وهي الرذالة الرابع البطل وجمعه أبطال وفي تسميته قولان أحدهما لأنه يبطل فعل الأقران فتبطل عند شجاعة الشجعان فيكون بطل بمعنى مفعول في المعنى لأن هذا الفعل غير متعد والثاني أنه بمعنى فاعل لفظا ومعنى لأنه الذي يبطل شجاعة غيره فيجعلها بمنزلة العدم فهو بطل بمعنى مبطل ويجوز أن يكون بطل بمعنى مبطل بوزن مكرم وهو الذي قد بطله غيره فلشجاعته تحاماه الناس فبطلوا فعله باستسلامهم له وترك محاربتهم إياه الخامس الصنديد بكسر الصاد والعامة تلحن فيقولون(1\/503)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "419",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5720",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(صنديد) بفتحها وليس في كلامهم فعليل بفتح الفاء وإنما هو بالكسر في الأسماء كقنديل وحلتيت وفي الصفات كشمليل والصنديد الذي لا يقوم له شيء فصل [الأمور المترتبة على الشجاعة]  ولما كانت الشجاعة خلقا كريما من أخلاق النفس ترتب عليها أربعة أمور وهي مظهرها وثمرتها الإقدام في موضع الإقدام والإحجام في موضع الإحجام والثبات في موضع الثبات والزوال في موضع الزوال وضد ذلك مخل بالشجاعة وهو إما جبن وإما تهور وإما خفة وطيش وإذا اجتمع في الرجل الرأي والشجاعة فهو الذي يصلح لتدبير الجيوش وسياسة أمر الحرب والناس ثلاثة رجل ونصف رجل ولا شيء فالرجل من اجتمع له إصالة الرأي والشجاعة فهذا الرجل الكامل كما قال أحمد بن الحسين [المتنبي] (الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني)(1\/504)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "420",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5721",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(فإذا هما اجتمعا لنفس مرة ... بلغت من العلياء كل مكان) ونصف الرجل [وهو] من انفرد بأحد الوصفين دون الآخر والذي [هو] لا شيء من عري من الوصفين جميعا خاتمة  ونختم هذا الكتاب بآية من كتاب الله تعالى جمع فيها تدبير الحروف بأحسن تدبير وهي قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين [الأنفال 45] فأمر المجاهدين [فيها] بخمسة أشياء ما اجتمعت في فئة قط إلا نصرت وإن قلت وكثر عدوها أحدها الثبات الثاني كثرة ذكره سبحانه وتعالى الثالث طاعته وطاعة رسوله(1\/505)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "421",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5722",
        "book_id": "qym_4061",
        "book_name": " الفروسية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرابع اتفاق الكلمة وعدم التنازع الذي يوجب الفشل والوهن وهو جند يقوي به المتنازعون عدوهم عليهم فإنهم في اجتماعهم كالحزمة من السهام لا يستطيع أحد كسرها فإذا فرقها وصار كل منهم وحده كسرها فإذا فرقها وصار كل منهم وحده كسرها كلها الخامس ملاك ذلك كله وقوامه وأساسه وهو الصبر فهذه خمسة أشياء تبتنى عليها قبة النصر ومتى زالت أو بعضها زال من النصر بحسب ما نقص منها وإذا اجتمعت قوى بعضها بعضا وصار لها أثر عظيم في النصر ولما اجتمعت في الصحابة لم تقم لهم أمة من الأمم وفتحوا الدنيا ودانت لهم [العباد و] البلاد ولما تفرقت فيمن بعدهم وضعفت آل الأمر إلى ما آل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم والله المستعان وعليه التكلان وهو حسبنا ونعم الوكيل وهذا آخر [ما اشتمل عليه] الكتاب والحمد الله رب العالمين(1\/506)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "422",
        "book_number": "14",
        "slug": " -qym_4061"
    },
    {
        "id": "5723",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ محي الدين السنة قامع البدعة أبو عبد الله الشهير بابن قيم الجوزية رحمه الله ورضى عنه  قاعدة جليلة إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه وألق سمعك واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه فانه خاطب منه لك على لسان رسوله قال تعالى إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد وذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفا على مؤثر مقتض ومحل قابل وشرط لحصول الأثر وانتفاء المانع الذي يمنع منه تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه وأدله على المراد فقوله إن في ذلك لذكرى اشار إلى ما تقدم من أول السورة الى ههنا وهذا هو المؤثر وقوله لمن كان له قلب فهذا هو المحل القابل والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله كما قال تعالى إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيا أي حي القلب وقوله أو ألقى السمع أي وجه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له وهذا شرط التأثر بالكلام وقوله وهو شهيد أي شاهد القلب حاضر غير غائب قال ابن قتيبة استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم ليس بغافل ولا ساه وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثير وهو سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له والنظر فيه وتأمله فإذا حصل المؤثر وهو القرآن والمحل القابل وهو القلب الحي ووجد الشرط وهو الإصغاء وانتفى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه إلى شيء آخر حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكر(1\/3)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5724",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل إذا كان التأثير إنما يتم بمجموع هذه فما وجه دخول أداة أو في قوله أو ألقى السمع والموضع موضع واو الجمع لا موضع أو التي هي لأحد الشيئين قيل هذا سؤال جيد والجواب عنه أن يقال خرج الكلام بأو باعتبار حال المخاطب المدعو فإن من الناس من يكون حي القلب واعيه تام الفطرة فإذا فكر بقلبه وجال بفكره دله قلبه وعقله على صحة القرآن وأنه الحق وشهد قلبه بما أخبر به القرآن فكان ورود القرآن على قلبه نورا على نور الفطرة وهذا وصف الذين قيل فيهم ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق وقال في حقهم الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء فهذا نور الفطرة على نور الوحي وهذا حال صاحب القلب الحي الواعي قال ابن القيم وقد ذكرنا ما تضمنت هذه الآية من الأسرار والعبر في كتاب اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية فصاحب القلب يجمع بين قلبه وبين معاني القرآن فيجدها كأنها قد كتبت فيه فهو يقرأها عن ظهر قلب ومن الناس من لا يكون تام الاستعداد واعي القلب كامل الحياة فيحتاج إلى شاهد يميز له بين الحق والباطل ولم تبلغ حياة قلبه ونوره وزكاء فطرته مبلغ صاحب القلب الحي الواعي فطريق حصول هدايته أن يفرغ سمعه للكلام وقلبه لتأمله والتفكير فيه وتعقل معانيه فيعلم حينئذ أنه الحق فالأول حال من رأى بعينه ما دعي إليه وأخبر به والثاني حال من علم صدق المخبر وتيقنه وقال يكفيني خبره فهو في مقام الإيمان والأول في مقام الإحسان هذا قد وصل إلى علم اليقين وترقى قلبه منه إلى فنزلة عين اليقين وذاك معه التصديق الجازم الذي خرج به من الكفر ودخل به في الإسلام فعين اليقين نوعان نوع في الدنيا ونوع في الآخرة فالحاصل في الدنيا نسبته إلى القلب كنسبة الشاهد(1\/4)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5725",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى العين وما أخبرت به الرسل من الغيب يعاين في الآخرة بالأبصار وفي لدنيا بالبصائر فهو عين يقين في المرتبتين  فصل وقد جمعت هذه السورة من أصول الإيمان ما يكفي ويشفي ويغني عن كلام أهل الكلام ومعقول أهل المعقول فإنها تضمنت تقرير المبدأ والمعاد والتوحيد والنبوة والإيمان بالملائكة وانقسام الناس إلى هالك شقي وفائز سعيد وأوصاف هؤلاء وهؤلاء وتضمنت إثبات صفات الكمال لله وتنزيهه عما يضاد كمله من النقائص والعيوب وذكر فيها القيامتين الصغرى والكبرى والعالمين الأكبر وهو عالم الآخرة والأصغر وهو عالم الدنيا وذكر فيها خلق الإنسان ووفاته وإعادته وحاله عند وفاته ويوم معاده وإحاطته سبحانه به من كل وجه حتى علمه بوساوس نفسه وإقامة الحفظة عليه يحصون عليه كل لفظة يتكلم بها وأنه يوافيه يوم القيامة ومعه سائق يسوقه إليه وشاهد يشهد عليه فإذا أحضره السائق قال هذا ما لدي عتيد أي هذا الذي أمرت بإحضاره قد أحضرته فيقال عند إحضاره ألقيا في جهنم كل كفار عنيد كما يحضر الجاني إلى حضرة السلطان فيقال هذا فلان قد أحضرته فيقول اذهبوا به إلى السجن وعاقبوه بما يستحقه وتأمل كيف دلت السورة صريحا على أن الله سبحانه يعيد هذا الجسد بعينه الذي أطاع وعصى فينعمه ويعذبه كما ينعم الروح التي آمنت بعينها ويعذب التي كفرت بعينها لا أنه سبحانه يخلق روحا أخرى غير هذه فينعمها ويعذبها كما قاله من لم يعرف المعاد الذي أخبرت به الرسل حيث زعم أن الله سبحانه يخلق بدنا غير هذا البدن من كل وجه عليه يقع النعيم والعذاب والروح عنده عرض من أعراض البدن فيخلق روحا غير هذه الروح وبدنا غير هذا البدن(1\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5726",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا غير ما اتفقت عليه الرسل ودل عليه القرآن والسنة وسائر كتب الله تعالى وهذا في الحقيقة إنكار للمعاد وموافقة لقول من أنكره من المكذبين فإنهم لم ينكروا قدرة الله على خلق أجسام أخر غير هذه الأجسام يعذبها وينعمها كيف وهم يشهدون النوع الإنساني يخلق شيئا بعد شيء فكل وقت يخلق الله سبحانه أجساما وأرواحا غير الأجسام التي فنيت فكيف يتعجبون من شيء يشاهدونه عيانا وإنما تعجبوا من عودهم بأعيانهم بعد أن مزقهم البلى وصاروا عظاما ورفاتا فتعجبوا أن يكونوا هم بأعيانهم مبعوثين للجزاء ولهذا قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون وقالوا ذلك رجع بعيد ولو كان الجزاء إنما هو لأجسام غير هذه ل يكن ذلك بعثا ولا رجعا بل يكون ابتداء ولم يكن لقوله قد علمنا ما تنقص الأرض منهم كبير معنى فإنه سبحانه جعل هذا جوابا لسؤال مقدر وهو أنه يميز تلك الأجزاء التي اختلطت بالأرض واستحالت إلى العناصر بحيث لا تتميز فأخبر سبحانه أنه قد علم ما تنقصه الأرض من لحومهم وعظامهم وأشعارهم وأنه كما هو عالم بتلك الأجزاء فهو قادر على تحصيلها وجمعها بعد تفرقها وتأليفها خلقا جديدا وهو سبحانه يقرر المعاد بذكر كمال علمه وكمال قدرته وكمال حكمته فإن شبه المنكرين له كلها تعود إلى ثلاثة أنواع أحدها اختلاط أجزائهم بأجزاء الأرض على وجه لا يتميز ولا يحصل معها تميز شخص عن شخص الثاني أن القدرة لا تتعلق بذلك الثالث أن ذلك أمر لا فائدة فيه أو إنما الحكمة اقتضت دوام هذا النوع الإنساني شيئا بعد شيء هكذا أبدا كلما مات جيل خلفه جيل آخر فأما أن يميت النوع الإنساني كله ثم يحيه بعد ذلك فلا حكمة في ذلك فجاءت براهين المعاد في القرآن مبينة على ثلاثة أصول أحدها تقرير كمال علم الرب سبحانه كما قال في جواب من قال من يحي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم وقال وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل إن ربك هو الخلاق العليم وقال قد علمنا(1\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5727",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما تنقص الأرض منهم والثاني تقرير كمال قدرته كقوله أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم وقوله بلى قادرين على أن نسوي بنانه وقوله ذلك بأن الله هو الحق وانه يحي الموتى وأنه على كل شيء قدير ويجمع سبحانه بين الأمرين كما في قوله أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم الثالث كمال حكمته كقوله وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين وقوله وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا وقوله أيحسب الأنسان أن يترك سدى وقوله أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق وقوله أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ولهذا كان الصواب أن المعاد معلوم بالعقل مع الشرع وأن كمال الرب تعالى وكمال أسمائه وصفاته تقتضيه وتوجبه وأنه منزه عما يقوله منكروه كما ينزه كماله عن سائر العيوب والنقائص ثم أخبر سبحانه أن المنكرين لذلك لما كذبوا بالحق اختلط عليهم أمرهم فهم في أمر مريج مختلط لا يحصلون منه على شيء ثم دعاهم إلى النظر في العالم العلوي وبنائه وارتفاعه واستوائه وحسنه والتئامه ثم إلى العالم السفلي وهو الأرض وكيف بسطها وهيأها بالبسط لما يراد منها وثبتها بالجبال وأودع فيها المنافع وأنبت فيها من كل صنف حسن من أصناف النبات على اختلاف أشكاله وألوانه ومقاديره ومنافعه وصفاته وأن ذلك تبصرة إذا تأملها العبد المنيب وتبصر بها تذكر ما دلت عليه مما أخبرت به الرسل من التوحيد والمعاد فالناظر فيها يتبصر أولا ثم يتذكر ثانيا وأن هذا لا يحصل إلا لعبد منيب إلى الله بقلبه وجوارحه ثم دعاهم إلى التفكر في مادة أرزاقهم وأقواتهم وملابسهم ومراكبهم وجناتهم وهو الماء الذي أنزله من السماء وبارك فيه حتى أنبت به جنات مختلفة الثمار والفواكه ما بين أبيض وأسود وأحمر وأصفر وحلو وحامض وبين ذلك مع اختلاف منابعها وتنوع أجناسها وأنبت به(1\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5728",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحبوب كلها على تنوعها واختلاف منافعها وصفاتها وأشكالها ومقاديرها ثم أفرد النخل لما فيه من موضع العبرة والدلالة التي لا تخفى علي المتأمل وأحيا به الأرض بعد موتها ثم قال كذلك الخروج أي مثل هذا الإخراج من الأرض الفواكه والثمار والأقوات والحبوب خروجكم من الأرض بعد ما غيبتم فيها وقد ذكرنا هذا القياس وأمثاله من المقاييس الواقعة في القرآن في كتابنا المعالم وبينا بعض ما فيها من الأسرار والعبر ثم انتقل سبحانه إلى تقرير النبوة بأحسن تقرير وأوجر لفظ وأبعده عن كل شبهة وشك فأخبر أنه أرسل إلى قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم فرعون رسلا فكذبوهم فأهلكهم بأنواع الهلاك وصدق فيهم وعيده الذي أو عدتهم به رسله إن لم يؤمنوا وهذا تقرير لنبوتهم ولنبوة من أخبر بذلك عنهم من غير أن يتعلم ذلك من معلم ولا قرأه في كتاب بل أخبر به إخبارا مفصلا مطابقا لما عند أهل الكتاب ولا يرد على هذا إلا سؤال البهت والمكابرة على جحد الضروريات بأنه لم يكن شيء من ذلك أو أن حوادث الدهر ونكباته أصابتهم كما أصابت غيرهم وصاحب هذا السؤال يعلم من نفسه أنه باهت مباحث جاحد لما شهد به العيان وتناقلته القرن قرنا بعد قررن فإنكاره بمنزلة إنكار وجود المشهورين من الملوك والعلماء والبلاد النائية ثم عاد سبحانه إلى تقرير المعاد بقوله أفعيينا بالخلق الأول يقال لكل من عجز عن شيء عيي به وعيي فلان بهذا الأمر قال الشاعر عيوا بأمرهم كما ... عييت ببيضتها الحمامة ومنه قوله تعالى ولم يعي بخلقهن قال ابن عباس يريد أفعجزنا وكذلك قال مقاتل قلت هذا تفسير بلازم اللفظة وحقيقتها أعم من ذلك فان العرب تقول أعياني أن أعرف كذا وعييت به إذا لم تهتد له لوجهه ولم تقدر على معرفته وتحصيله فتقول أعياني دواؤك إذا لم تهتد ولم تقف عليه ولازم هذا المعنى العجز عنه والبيت الذي استشهدوا به شاهد لهذا المعنى فان الحمامة لم تعجز عن(1\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5729",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بيضتها ولكن أعيادها إذا أرادت أن تبيض أين ترمي بالبيضة فهي تدور وتجول حتى ترمي بها فإذا باضت أعياها أين تحفظها وتودعها حتى لا تنال فهي تنقلها من مكان إلى مكان وتحار أين تجعل مقرها كما هو حال من عى بأمره فلم يدر من أين يقصد له ومن أين يأتيه وليس المراد بالإعياء في هذه الآية التعب كما يظنه من لم يعرف تفسير القرآن بل هذا المعنى هو الذي نفاه سبحانه عن نفسه في آخر السورة بقوله وما مسنا من لغوب ثم أخبر سبحانه أنهم في لبس من خلق جديد أي أنهم التبس عليهم إعادة الخلق خلقا جديدا ثم نبههم على ما هو من أعظم آيات قدرته وشواهد ربوبيته وأدلة المعاد وهو خلق الإنسان فإنه من أعظم الأدلة على التوحيد والمعاد وأي دليل أوضح من تركيب هذه الصورة الآدمية بأعضائها وقواها وصفاتها وما فيها من اللحم والعظم والعروق والأعصاب والرباطات والمنافذ والآلات والعلوم والإرادات والصناعات كل ذلك من نطفة ماء فلو أنصف العبد ربه لاكتفى بفكره في نفسه واستدل بوجوده على جميع ما أخبرت به الرسل عن الله وأسمائه وصفاته ثم أخبر سبحانه عن إحاطة علمه به حتى علم وساوس نفسه ثم أخبر عن قربه إليه بالعلم والإحاطة وأن ذلك أدنى إليه من العرق الذي هو داخل بدنه فهو أقرب إليه بالقدرة عليه والعلم به من ذلك العرق وقال شيخنا المراد بقول نحن أي ملائكتنا كما قال فإذا قرأناه فاتبع قرآنه أي إذا قرأه عليك رسولنا جبريل قال ويدل عليه قوله إذ يتلقى المتلقيان فقيد القرب المذكور بتلقي الملكين ولو كان المراد به قرب الذات لم يتقيد بوقت تلقي الملكين فلا في صحبه الآية لحلولي ولا معطل ثم أخبر سبحانه أن على يمينه وشماله ملكين يكتبان أعماله وأقواله ونبه بإحصاء الأقوال وكتابتها على كتابة الأعمال التي هي أقل وقوعا وأعظم أثرا من الأقوال وهي غايات الأقوال ونهايتها ثم أخبر عن القيامة الصغرى وهي سكرة الموت وأنها تجيء بالحق وهو لقاؤه سبحانه والقدوم عليه وعرض الروح عليه والثواب والعقاب الذي تعجل(1\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5730",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لها قبل القيامة الكبرى ثم ذكر القيامة الكبرى بقول ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد ثم أخبر عن أحوال الخلق في هذا اليوم وأن كل أحد يأتي الله سبحانه ذلك اليوم ومعه سائق يسوقه وشهيد يشهد عليه وهذا غير شهادة جوارحه وغير شهادة الأرض التي كان عليها له عليه وغير شهادة رسوله والمؤمنين فإن الله سبحانه يستشهد على العبد الحفظة والأنبياء والأمكنة التي عملوا عليها الخير والشر والجلود التي عصوه بها ولا يحكم بينهم بمجرد علمه وهو أعدل العادلين وأحكم الحاكمين ولهذا أخبر نبيه أنه يحكم بين الناس بما سمعه من إقرارهم وشهادة البينة لا بمجرد علمه فكيف يسوغ لحاكم أن يحكم بمجرد علمه من غير بينة ولا إقرار ثم أخبر سبحانه أن الإنسان في غفلة من هذا الشأن الذي هو حقيق بأن لا يغفل عنه وأن لا يزال على ذكره وباله وقال في غفلة من هذا ولم يقل عنه كما قال وإنهم لفي شك منه مريب ولم يقل في شك فيه وجاء هذا في المصدر وان لم يجىء في الفعل فلا يقال غفلت منه ولا شككت منه كأن غفلته وشكه ابتداء منه فهو مبدأ غفلته وشكه وهذا أبلغ من أن يقال في غفلة عنه وشك فيه فإنه جعل ما ينبغي أن يكون مبدأ التذكرة واليقين ومنشأهما مبدأ للغفلة والشك ثم أخبر أن غطاء الغفلة والذهول يكشف عنه ذلك اليوم كما يكشف غطاء النوم عن القلب فيستيقظ وعن العين فتنفتح فنسبة كشف هذا الغطاء عن العبد عند المعاينة كنسبة كشف غطاء النوم عنه عند الانتباه ثم أخبر سبحانه أن قرينه وهو الذي قرن به في الدنيا من الملائكة يكتب عمله وقوله يقول لما يحضره هذا الذي كنت وكلتني به في الدنيا قد أحضرته وأتيتك به هذا قول مجاهد وقال ابن قتيبة المعنى هذا ما كتبته عليه وأحصيته من قوله وعمله حاضر عندي والتحقيق أن الآية نتضمن الأمرين أي هذا الشخص الذي وكلت به وهذا عمله الذي أحصيته عليه فحينئذ يقال ألقيا في جهنم وهذا إما أن يكون خطابا للسائق والشهيد(1\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5731",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو خطابا للملك الموكل بعذابه وإن كان واحدا وهو مذهب معروف من مذاهب العرب في خطابها أو تكون الألف منقلبة عن نون التأكيد الخفيفة ثم أجري الوصل مجرى الوقف ثم ذكر صفات هذا الملقى فذكر له ست صفات أحدها أنه كفار لنعم الله وحقوقه كفار بدينه وتوحيده وأسمائه وصفاته كفار برسله وملائكته كفار بكتبه ولقائه الثانية أنه معاند للحق بدفعه جحدا وعنادا الثالثة أنه مناع للخير وهذا يعم منعه للخير الذي هو إحسان إلى نفسه من الطاعات والقرب إلى الله والخير الذي هو إحسان إلى الناس فليس فيه خير لنفسه ولا لبني جنسه كما هو الحال أكثر الخلق الرابعة أنه مع منعه للخير معتد على الناس ظلوم غشوم معتد عليهم بيده ولسانه الخامسة أنه مريب أي صاحب ريب وشك ومع هذا فهو آت لكل ريبة يقال فلان مريب إذا كان صاحب ريبة السادسة أنه مع ذلك مشرك بالله قد اتخذ مع الله إلها آخر يعبده ويحبه ويغضب له ويرضى له ويحلف باسمه وينذر له ويوالي فيه ويعادي فيه فيختصم هو وقرينه من الشياطين ويحيل الأمر عليه وأنه هو الذي أطغاه وأضله فيقول قرينه لم يكن لي قوة أن أضله وأطغيه ولكن كان في ضلال بعيد اختاره لنفسه وآثره على الحق كما قال إبليس لأهل النار وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي وعلى هذا فالقرين هنا هو شيطانه يختصمان عند الله وقالت طائفة بل قرينه ههنا هو الملك فيدعي عليه أنه زاد عليه فيما كتبه عليه وطغى وأنه لم يفعل ذلك كله وأنه أعجله بالكتابة عن التوبة ولم يمهله حتى يتوب فيقول الملك ما زدت في الكتابة على ما عمل ولا أعجلته عن التوبة ولكن كان في ضلال بعيد فيقول الرب تعالى لا تختصموا لدي وقد أخبر سبحانه عن اختصام الكفار والشياطين بين يديه في سورة الصافات والأعراف وأخبر عن اختصام الناس بين يديه في سورة الزمر وأخبر عن اختصام أهل النار فيها في سورة الشعراء وسورة ص ثم أخبر سبحانه أنه لا يبدل القول لديه فقيل المراد بذلك قوله لأملأن جهنم من الجنة والناس(1\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5732",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أجمعين ووعده لأهل الإيمان بالجنة وأن هذا لا يبدل ولا يخلف قال ابن عباس يريد مالو عدي خلف لأهل طاعتي ولا أهل معصيتي قال مجاهد قد قضيت ما أنا قاض وهذا أصح القولين في الآية وفيها قول آخر أن المعنى ما يغير القول عندي بالكذب والتلبيس كما يغير عند الملوك والحكام فيكون المراد بالقول قول المختصمين وهو اختيار الفراء وابن قتيبة قال الفراء المعنى ما يكذب عندي لعلمي بالغيب وقال ابن قتيبة أي ما يحرف القول عندي ولا يزاد فيه ولا ينقص منه قال لأنه قال القول عندي ولم يقل قولي وهذا كما يقال لا يكذب عندي فعلى القول الأول يكون قوله وما أنا بظلام للعبيد من تمام قوله ما يبدل القول لدي في المعنى أي ما قلته ووعدت به لا بد من فعله ومع هذا فهو عدل لا ظلم فيه ولا جور وعلى الثاني يكون قد وصف نفسه بأمرين أحدهما أن كمال علمه واطلاعه يمنع من تبديل القول بين يديه وترويج الباطل عليه وكمال عدله وغناه يمنع من ظلمه لعبيده ثم أخبر عن سعة جهنم وأنها كلما ألقى فيها تقول هل من مزيد وأخطأ من قال أن ذلك للنفي أي ليس من مزيد والحديث الصحيح يرد هذا التأويل ثم أخبر عن تقريب الجنة من المتقين وأن أهلها هم الذين اتصفوا بهذه الصفات الأربع إحداها أن يكون أوابا أي رجاعا إلى الله من معصيته إلى طاعته ومن الغفلة عنه إلى ذكره قال عبيد بن عمير الأواب الذي يتذكر ذنوبه ثم يستغفر منها وقال مجاهد هو الذي إذا ذكر ذنبه في الخلاء استغفر منه وقال سعيد بن المسيب هو الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب الثانية أن يكون حفيظا قال ابن عباس لما ائتمنه الله عليه وافترضه وقال قتادة حافظ لما استودعه الله من حقه ونعمته ولما كانت النفس لها قوتان قوة الطلب وقوة الإمساك كان الأواب مستعملا لقوة الطلب في رجوعه إلى الله ومرضاته وطاعته والحفيظ مستعملا لقوة الحفظ في الإمساك عن معاصيه ونواهيه فالحفيظ الممسك نفسه عما حرم عليه والأواب المقبل على الله بطاعته الثالثة(1\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5733",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله من خشي الرحمن بالغيب يتضمن الإقرار بوجوده وربوبيته وقدرته وعلمه واطلاعه على تفاصيل أحوال العبد ويتضمن الإقرار بكتبه ورسله وأمره ونهيه ويتضمن الإقرار بوعده ووعيده ولقائه فلا تصح خشية الرحمن بالغيب إلا بعد هذا كله الرابعة قوله وجاء بقلب منيب قال ابن عباس راجع عن معاصي الله مقبل على طاعة الله وحقيقة الإنابة عكوف القلب على طاعة الله ومحبته والإقبال عليه ثم ذكر سبحانه جزاء من قامت به هذه الأوصاف بقوله ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد ثم خوفهم بأن يصيبهم من الهلاك ما أصاب من قبلهم وأنهم كانوا أشد منهم بطشا ولم يدفع عنهم الهلاك شدة بطشهم ولهم عند الهلاك تقلبوا وطافوا في البلاد وهل يجدون محيصا ومنجى من عذاب الله قال قتادة حاص أعداء الله فوجدوا أمر الله لهم مدركا وقال الزجاج طوفوا وفتشوا فلم يرو محيصا من الموت وحقيقة ذلك أنهم طلبوا المهرب من الموت فلم يجدوه ثم أخبر سبحانه أن في هذا الذى ذكر ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ثم أخبر أنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ولم يمسه من تعب ولا إعياء تكذيب لأعدائه من اليهود حيث قالوا أنه استراح في اليوم السابع ثم أمر نبيه بالتأسي به سبحانه في الصبر على ما يقول أعداؤه فيه كما أنه سبحانه صبر على قول اليهود أنه استراح ولا أحد أصبر على أذى يسمعه منه ثم أمره بما يستعين به على الصبر وهو التسبيح بحمد ربه قبل طلوع الشمس وقبل غروبها وبالليل وأدبار السجود فقيل هو الوتر وقيل الركعتان بعد المغرب والأول قول ابن عباس والثاني قول عمر وعلي وأبي هريرة والحسن بن علي وإحدى الروايتين عن ابن عباس وعن ابن عباس رواية ثالثة أنه التسبيح باللسان أدبار الصلاة المكتوبات ثم ختم السورة بذكر المعاد ونداء المنادي برجوع الأرواح إلى أجسادها للحشر وأخبر أن هذا النداء من مكان قريب يسمعه كل أحد يوم يسمعون الصيحة بالحق(1\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5734",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالبعث ولقاء الله يوم تشقق الأرض عنهم كما تشقق عن النبات فيخرجون سراعا من غير مهلة ولا بطء ذلك حشر يسير عليه سبحانه ثم أخبر سبحانه أنه عالم بما يقول أعداؤه وذلك يتضمن مجازاته لهم بقولهم إذ لم يخف عليه وهو سبحانه يذكر علمه وقدرته لتحقيق الجزاء ثم أخبره أنه ليس بمسلط عليهم ولا قهار ولم يبعث ليجبرهم على الإسلام ويكرههم عليه وأمره أن يذكر بكلامه من يخاف وعيده فهو الذي ينتفع بالتذكير وأما من لا يؤمن بلقائه ولا يخاف وعيده ولا يرجو ثوابه فلا ينتفع بالتذكير فائدة قول النبي لعمر وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم أشكل على كثير من الناس معناه فإن ظاهره(1\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5735",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إباحة كل الأعمال لهم وتخييرهم فيما شاؤا منها وذلك ممتنع فقالت طائفة منهم ابن الجوزي ليس المراد من قوله اعملوا الاستقبال وإنما هو للماضي وتقديره أي عمل كان لكم فقد غفرته قال ويدل على ذلك شيئان أحدهما أنه لو كان للمستقبل كان جوابه قوله فسأغفر لكم والثاني أنه كان يكون إطلاقا في الذنوب ولا وجه لذلك وحقيقة هذا الجواب أني قد غفرت لكم بهذه الغزوة ما سلف من ذنوبكم لكنه ضعيف من وجهين أحدهما أن لفظ اعملوا يأباه فإنه للاستقبال دون الماضي وقوله قد غفرت لكم لا يوجب أن يكون اعملوا مثله فإن قوله قد غفرت تحقيق لوقوع المغفرة في المستقبل كقوله أتى أمر الله وجاء ربك ونظائره الثاني أن نفس الحديث يرده فإن سببه قصة حاطب(1\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5736",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتجسسه على النبي وذلك ذنب واقع بعد غزوة بدر لا قبلها وهو سبب الحديث فهو مراد منه قطعا فالذي نظن في ذلك والله أعلم أن هذا خطاب لقوم قد علم الله سبحانه أنهم لا يفارقون دينهم بل يموتون على الإسلام وأنهم قد يقارفون بعض ما يقارفه غيرهم من الذنوب ولكن لا يتركهم سبحانه مصرين عليها بل يوفقهم لتوبة نصوح واستغفار وحسنات تمحو أثر ذلك ويكون تخصيصهم بهذا دون غيرهم لأنه قد تحقق ذلك فيهم وأنهم مغفور لهم ولا يمنع ذلك كون المغفرة حصلت بأسباب تقوم بهم كما لا يقتضي ذلك أن يعطلوا الفرائض وثوقا بالمغفرة فلو كانت قد حصلت بدون الاستمرار على القيام بالأوامر لما احتاجوا بعد ذلك إلى صلاة ولا صيام ولا حج ولا زكاة ولا جهاد وهذا محال ومن أوجب الواجبات التوبة بعد الذنب فضمان المغفرة لا يوجب تعطيل أسباب المغفرة ونظير هذا قوله في الحديث الآخر أذنب عبد ذنبا فقال أي رب أذنبت ذنبا فاغفره لي فغفر له ثم مكث ما شاء الله أن يمكث ثم أذنب ذنبا آخر فقال أي رب أصبت ذنبا فاغفر لي فغفر له ثم مكث ما شاء الله أن يمكث ثم أذنب ذنبا آخر فقال رب أصبت ذنبا فاغفره لي فقال الله علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء فليس في هذا إطلاق وإذن منه سبحانه له في المحرمات والجرائم وإنما يدل على أنه يغفر له ما دام كذلك إذا أذنب تاب(1\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5737",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واختصاص هذا العبد بهذا لأنه قد علم أنه لا يصر على ذنب وأنه كلما أذنب تاب حكم يعم كل من كانت حاله حاله لكن ذلك العبد مقطوع له بذلك كما قطع به لأهل بدر وكذلك كل من بشره رسول الله بالجنة أو أخبره بأنه مغفور له لم يفهم منه هو ولا غيره من الصحابة إطلاق الذنوب والمعاصي له ومسامحته بترك الواجبات بل كان هؤلاء أشد اجتهادا وحذرا وخوفا بعد البشارة منهم قبلها كالعشرة المشهود لهم بالجنة وقد كان الصديق شديد الحذر والمخافة وكذلك عمر فلهم علموا أن البشارة المطلقة مقيدة بشروطها والاستمرار عليها إلى الموت ومقيدة بانتقاء موانعها ولم يفهم أحد منهم من ذلك الإطلاق الإذن فيما شاؤا من الأعمال  فائدة جليلة قوله تعالى هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور أخبر سبحانه أنه جعل الأرض ذلولا منقادة للوطء عليها وحفرها وشقها والبناء عليها ولم يجعلها مستصعبة ممتنعة على من أراد ذلك منها وأخبر سبحانه أنه جعلها مهادا وفراشا وبساطا وقرارا وكفاتا وأخبر أنه دحاها وطحاها وأخرج منها ماءها ومرعاها وثبتها بالجبال ونهج فيها الفجاج والطرق وأجرى فيها الأنهار والعيون وبارك فيها وقدر فيها أقواتها ومن بركتها أن الحيوانات كلها وأرزاقها وأقواتها تخرج منها ومن بركاتها أنك تودع فيها الحب فتخرجه لك أضعاف أضعاف ما كان ومن بركاتها أنها تحمل الأذى على ظهرها وتخرج لك من بطنها أحسن الأشياء وأنفعها فتوارى منه كل قبيح وتخرج له كل مليح ومن بركتها أنها تستر قبائح العبد وفضلات بدنه وتواريها وتضمه وتؤويه وتخرج له طعامه وشرابه فهي أحمل شيء للأذى وأعوده بالنفع فلا كان من التراب خير منه وأبعد من الأذى وأقرب إلى الخير(1\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5738",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمقصود أنه سبحانه جعل لنا الأرض كالجمل الذلول الذي كيفما يقاد ينقاد وحسن التعبير بمناكبها عن طرقها وفجاجها لما تقدم من وصفها بكونها ذلولا فالماشي عليها يطأ على مناكبها وهو أعلى شيء فيها ولهذا فسرت المناكب بالجبل كمناكب الإنسان وهي أعاليه قالوا وذلك تنبيه على أن المشي في سهولها أيسر وقالت طائفة بل المناكب الجوانب والنواحي ومنه مناكب الإنسان لجوانبه والذي يظهر أن المراد بالمناكب الأعالي وهذا الوجه الذي يمشي عليه الحيوان هو العالي من الأرض دون الوجه المقابل له فان سطح الكرة أعلاها والمشي إنما يقع في سطحها وحسن التعبير عنه بالمناكب لما تقدم من وصفها بأنها ذلول ثم أمرهم أن يأكلوا من رزقه الذي أودعه فيها فذللها لهم ووطأها وفتق فيها السبل والطرق التي يمشون فيها وأودعها رزقهم فذكر تهيئة المسكن للانتفاع والتقلب فيه بالذهاب والمجيء والأكل مما أودع فيها للساكن ثم نبه بقوله وإليه النشور على أنا في هذا المسكن غير مستوطنين ولا مقيمين بل دخلناه عابري سبيل فلا يحسن أن نتخذه وطنا ومستقرا وإنما دخلناه لنتزود منه إلى دار القرار فهو منزل عبور لا مستقر حبور ومعبر وممر لا وطن ومستقر فتضمنت الآية الدلالة على ربوبيته ووحدانيته وقدرته وحكمته ولطفه والتذكير بنعمه وإحسانه والتحذير من الركون إلى الدنيا واتخاذها وطنا ومستقرا بل نسرع فيها السير إلى داره وجنته فالله في ما ضمن هذه الآية من معرفته وتوحيده والتذكير بنعمه والحث على السير إليه والاستعداد للقائه والقدوم عليه والإعلام بأنه سبحانه يطوي هذه الدار كأن لم تكن وأنه يحي أهلها بعد ما أماتهم وإليه النشور  فائدة للإنسان قوتان قوة علمية نظرية وقوة عملية إرادية وسعادته التامة موقوفة على استكمال قوتيه العلمية الارادية واستكمال القوة العلمية إنما يكون بمعرفة(1\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5739",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاطره وبارئه ومعرفة أسمائه وصفاته ومعرفة الطريق التي توصل إليه ومعرفة آفاتها ومعرفة نفسه ومعرفة عيوبها فبهذه المعارف الخمسة يحصل كمال قوته العلمية وأعلم الناس أعرفهم بها وأفقههم فيها استكمال القوة العلمية الإرادية لا تحصل إلا بمراعاة حقوقه سبحانه على العبد والقيام بها إخلاصا وصدقا ونصحا وإحسانا ومتابعة وشهودا لمنته عليه وتقصيره هو في أداء حقه فهو مستحي من مواجهته بتلك الخدمة لعلمه أنها دون ما يستحقه عليه ودون دون ذلك وأنه لا سبيل له إلى استكمال هاتين القوتين إلا بمعونته فهو مضطر إلى أن يهديه الصراط المستقيم الذي هدى إليه أولياءه وخاصته وأن يجنبه الخروج عن ذلك الصراط إما بفساد في قوته العلمية فيقع في الضلال واما في قوته العملية فيوجب له الغضب فكمال الإنسان وسعادته لا تتم إلا بمجموع هذه الأمور وقد تضمنتها سورة الفاتحة وانتظمتها أكمل انتظام فإن قوله الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين يتضمن الأصل الأول وهو معرفة الرب تعالى ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله والأسماء المذكورة في هذه السورة هي أصول الأسماء الحسنى وهي اسم الله والرب والرحمن فاسم الله متضمن لصفات الألوهية واسم الرب متضمن الربوبية واسم الرحمن متضمن لصفات الإحسان والجود والبر ومعاني أسمائه تدور لى هذا وقوله إياك نعبد وإياك نستعين يتضمن معرفة الطريق الموصلة إليه وأنها ليست إلا عبادته وحده بما يحبه ويرضاه واستعانته على عبادته وقوله اهدنا الصراط المستقيم يتضمن بيان أن العبد لا سبيل له إلى سعادته إلا باستقامته على الصراط المستقيم وأنه لا سبيل له إلى الاستقامة إلا بهداية ربه له كما لا سبيل له إلى عبادته بمعونته فلا سبيل له إلى الاستقامة على الصراط إلا بهدايته وقوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين يتضمن بيان طرفي الانحراف عن الصراط المستقيم وأن الانحراف إلى أحد الطرفين انحراف إلى الضلال الذي هو فساد العلم والاعتقاد والانحراف إلى الطرف الآخر انحراف إلى الغضب الذي سببه فساد القصد والعمل(1\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5740",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأول السورة رحمة وأوسطها هداية وآخرها نعمة وحظ العبد من النعمة على قدر حظه من الهداية وحظه منها على قدر حظه من الرحمة فعاد الأمر كله إلى نعمته ورحمته والنعمة والرحمة من لوازم ربوبيته فلا يكون إلا رحيما منعما وذلك من موجبات الهيته فهو الإله الحق وإن جحده الجاحدون وعدل به المشركون فمن تحقق بمعاني الفاتحة علما ومعرفة وعملا وحالا فقد فاز من كماله بأوفر نصيب وصارت عبوديته عبودية الخاصة الذين ارتفعت درجتهم عن عوام المتعبدين والله المستعان  فائدة الرب تعالى يدعو عباده في القرآن إلى معرفته من طريقين أحدهما النظر في مفعولاته والثاني التفكر في آياته وتدبرها فتلك آياته المشهودة وهذه آياته المسموعة المعقولة فالنوع الأول كقوله إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس إلى آخرها وقوله إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب وهو كثير في القرآن والثاني كقوله أفلا يتدبرون القرآن وقوله أفلم يدبروا القول وقوله كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وهو كثير أيضا فأما المفعولات فإنها دالة على الأفعال والأفعال دالة على الصفات فإن المفعول يدل على فاعل فعله وذلك يستلزم وجوده وقدرته ومشيئته وعلمه لاستحالة صدور الفعل الاختياري من معدوم أو موجود لا قدرة له ولا حياة ولا علم ولا إرادة ثم ما في المفعولات من التخصيصات المتنوعة دال على إرادة الفاعل وأن فعله ليس بالطبع بحيث يكون واحدا غير متكرر وما فيها من المصالح والحكم والغايات المحمودة دال على حكمته تعالى وما فيها من النفع والإحسان والخير دال على رحمته وما فيها من البطش والانتقام والعقوبة دال(1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5741",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على غضبه وما فيها من الإكرام والتقريب والعناية دال على محبته وما فيها من الإهانة والإبعاد والخذلان دال على بغضه ومقته وما فيها من ابتداء الشيء في غاية النقص والضعف ثم سوقه إلى تمامه ونهايته دال على وقوع المعاد وما فيها من أحوال النبات والحيوان وتصرف المياه دليل على إمكان المعاد وما فيها من ظهور آثار الرحمة والنعمة على خلقه دليل على صحة النبوات وما فيها من الكمالات التي لو عدمتها كانت ناقصة دليل على أن معطي تلك الكمالات أحق بها فمفعولاته من أدل شيء على صفاته وصدق ما أخبرت به رسله عنه فالمصنوعات شاهدة تصدق الآيات المسموعات منبهة على الاستدلال بالآيات المصنوعات قال تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أي أن القرآن حق فأخبر أنه لا بد من أن يريهم من آياته المشهودة ما يبين لهم أن آياته المتلوة حق ثم أخبر بكفاية شهادته على صحة خبره بما أقام من الدلائل والبراهين على صدق رسوله فآياته شاهدة بصدقه وهو شاهد بصدق رسوله بآياته وهو الشاهد والمشهود له وهو الدليل والمدلول عليه فهو الدليل بنفسه على نفسه كما قال بعض العارفين كيف أطلب لدليل على من هو دليل على كل شيء فأي دليل طلبته عليه فوجده أظهر منه ولهذا قال الرسل لقومهم أفي الله شك فهو أعرف من كل معروف وأبين من كل دليل فالأشياء عرفت به في الحقيقة وإن كان عرف بها في النظر والاستدلال بأفعاله وأحكامه عليه  فائدة في المسند وصحيح أبي الحاتم من حديث عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ما أصاب عبدا هم ولا حزن فقال اللهم إني عبدك وابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت(1\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5742",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحا قالوا يا رسول الله أفلا نتعلمهن قال بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن فتضمن هذا الحديث العظيم أمورا من المعرفة والتوحيد والعبودية منها أن الداعي به صدر سؤاله بقوله إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك وهذا يتناول من فوقه من آبائه وأمهاته إلى أبويه آدم وحواء وفي ذلك تملق له واستخذا بين يديه واعتراف بأنه مملوكه وآباؤه مماليكه وأن العبد ليس له غير باب سيده وفضله وإحسانه وأن سيده إن أهمله وتخلى عنه هلك ولم يؤوه أحد ولم يعطف عليه بل يضيع أعظم ضيعة فتحت هذا الاعتراف أني لا غنى بي عنك طرفة عين وليس لي من أعوذ به وألوذ به غير سيدي الذي أنا عبده وفي ضمن ذلك الاعتراف بأنه مربوب مدبر مأمور منهي إنما يتصرف بحكم العبودية لا بحكم الاختيار لنفسه فليس هذا شأن العبد بل شأن الملوك والأحرار وأما العبيد فتعرفهم على محض العبودية فهؤلاء عبيد الطاعة المضافون إليه سبحانه في قوله إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وقوله وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ومن عداهم عبيد القهر والربوبية فأضافتهم إليه كإضافة سائر البيوت إلى ملكه وإضافة أولئك كإضافة البيت الحرام إليه اضافة ناقته إليه وداره التي هي الجنة إليه وإضافة عبودية رسوله إليه بقوله وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا سبحان الذي أسرى بعبده وأنه لما قام عبد الله يدعوه وفي التحقيق بمعنى قوله أني عبدك التزام عبوديته من الذل والخضوع والإنابة وامتثال أمر سيده واجتناب نهيه ودوام الافتقار اليه واللجأ إليه والاستعانة به والتوكل عليه وعياذ العبد به ولياذه به وإن لم لا يتعلق قلبه بغيره محبة وخوفا ورجاء وفيه أيضا أني عبد من جميع الوجوه صغيرا وكبيرا حيا وميتا ومطيعا وعاصيا معافى ومبتلى بالروح والقلب واللسان والجوارح وفي أيضا أن مالي ونفسي ملك لك فإن العبد وما(1\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5743",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يملك لسيده وفيه أيضا أنك أنت الذي مننت علي بكل مل أنا فيه من نعمة فذلك كله من إنعامك على عبدك وفيه أيضا أني لا أتصرف فيما خولتني من مالي ونفسي إلا بأمرك كما لا يتصرف العبد إلا بإذن سيده وأني لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فإن صح له شهود ذلك فقد قال أني عبدك حقيقة ثم قال ناصيتي بيدك أي أنت المتصرف في تصرفي كيف تشاء لست أنا المتصرف في نفسي وكيف يكون له في نفسه تصرف من نفسه بيد ربه وسيده وناصيته بيده وقلبه بين أصبعين من أصابعه وموته وحياته وسعادته وشقاوته وعافيته وبلاؤه كله إليه سبحانه ليس إلى العبد منه شيء بل هو في قبضة سيده أضعف من مملوك ضعيف حقير ناصيته بيد سلطان قاهر مالك له تحت تصرفه وقهره بل الأمر فوق ذلك ومتى شهد العبد أن ناصيته ونواصي العباد كلها بيد الله وحده يصرفهم كيف يشاء لم يخفهم بعد ذلك ولم يرجهم ولم ينزلهم منزلة المالكين بل منزلة عبيد مقهورين مربوبين المتصرف فيهم سواهم والمدبر لهم غيرهم فمن شهد نفسه بهذا المشهد صار فقره وضرورته إلى ربه وصفا لازما له ومتى شهد الناس كذلك لم يفتقر إليهم ولم يعلق أمله ورجاءه بهم فاستقام توحيده وتوكله وعبوديته ولذا قال هود لقومه إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم وقوله ماض في حكمك عدل في قضاؤك تضمن هذا الكلام أمرين أحدهما مضاء حكمه في عبده والثاني يتضمن حمده وعدله وهو سبحانه له الملك وله الحمد وهذا معنى قول نبيه هود ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ثم قال إن ربي على صراط مستقيم أي مع كونه مالكا قاهرا متصرفا في عباده نواصيهم بيده فهو على صراط مستقيم وهو العدل الذي يتصرف به فيهم فهو على صراط مستقيم في قوله وفعله وقضائه وقدره وأمره ونهيه وثوابه وعقابه فخبره كله صدق وقضاؤه كله عدل وأمره كله مصلحة والذي نهى عنه كله ومفسدة وثوابه لمن يستحق الثواب بفضله ورحمته وعقابه لمن يستحق العقاب بعدله وحكمته وفرق بين(1\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5744",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحكم والقضاء وجعل المضاء للحكم والعدل لقضاء فإن حكمه سبحانه يتناول حكمه الديني الشرعي وحكمه الكوني القدري والنوعان نافذان في العبد ان ماضيان فيه وهو مقهور تحت الحكمين قد مضيا فيه ونفذا فيه شاء أم أبى لكن الحكم الكوني لا يمكنه مخالفته وأما الديني الشرعي فقد يخالفه ولما كان القضاء هو الإتمام والإكمال وذلك إنما يكون بعد مضيه ونفوذه قال عدل في قضاؤك أي الحكم الذي أكملته وأتممته ونفذته في عبدك عدل منك فيه وأما الحكم فهو ما يحكم به سبحانه وقد يشاء تنفيذه وقد لا ينفذه فإن كان حكما دينيا فهو ماض في العبد وإن كان كونيا فإن نفذه سبحانه مضى فيه وإن لم ينفذه اندفع عنه فهو سبحانه يقضي ما يقضي به وغيره قد يقضي بقضاء ويقدر أمر ولا يستطيع تنفيذه وهو سبحانه يقضي ويمضي فله القضاء والإمضاء وقوله عدل في قضاؤك يتضمن جميع أقضيته في عبده من كل الوجوه من صحة وسقم وغنى وفقر ولذة وألم وحياة وموت وعقوبة وتجاوز وغير ذلك قال تعالى وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم وقال وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الأنسان كفور فكل ما يقضى على العبد فهو عدل فيه فإن قيل فالمعصية عندكم بقضائه وقدره فما وجه العدل في قضائها فإن العدل في العقوبة عليها ظاهر قيل هذا سؤال له شأن ومن أجله زعمت طائفة أن العدل هو المقدور والظلم ممتنع لذاته قالوا لأن الظلم هو التصرف في ملك الغير والله له كل شيء فلا يكون تصرفه في خلقه إلا عدلا وقالت طائفة بل العدل أنه لا يعاقب على ما قضاه وقدره فلما حسن منه العقوبة على الذنب علم أنه ليس بقضائه وقدره فيكون العدل هو جزاؤه على الذنب بالعقوبة والذم إما في الدنيا وإما في الآخرة وصعب على هؤلاء الجمع بين العدل وبين القدر فزعموا أن من أثبت القدر لم يمكنه أن يقول بالعدل ومن قال بالعدل لم يمكنه أن يقول بالقدر كما صعب عليهم الجمع بين التوحيد وإثبات الصفات فزعموا أنه لا يمكنهم إثبات التوحيد إلا بإنكار الصفات فصار توحيدهم تعطيلا(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5745",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعدلهم تكذيبا بالقدر وأما أهل السنة فهم مثبتون للأمرين والظلم عندهم هو وضع الشيء في غير موضعه كتعذيب المطيع ومن لا ذنب له وهذا قد نزه الله نفسه عنه في غير موضع من كتابه وهو سبحانه وإن أضل من شاء وقضى بالمعصية والغي على من شاء فذلك محض العدل فيه لأنه وضع الإضلال والخذلان في موضعه اللائق به كيف ومن أسمائه الحسنى العدل الذي كل أفعاله وأحكامه سداد وصواب وحق وهو سبحانه قد أوضح السبل وأرسل الرسل وأنزل الكتب وأزاح العلل ومكن من أسباب الهداية والطاعة بالأسماع والأبصار والعقول وهذا عدله ووفق من شاء بمزيد عناية وأراد من نفسه أن يعينه ويوفقه فهذا فضله وخذل من ليس بأهل لتوفيقه وفضله وخلى بينه وبين نفسه ولم يرد سبحانه من نفسه أن يوفقه فقطع عنه فضله ولم يحرمه عدله وهذا نوعان أحدهما ما يكون جزاء منه للعبد على إعراضه عنه وإيثار عدوه في الطاعة والموافقة عليه وتناسي ذكره وشكره فهو أهل أن يخذله ويتخلى عنه والثاني أن لا يشاء له ذلك ابتداء لما يعلم منه أنه لا يعرف قدر نعمة الهداية ولا يشكره عليه ولا يثني عليه بها ولا يحبه فلا يشاؤها له لعدم صلاحية محله قال تعالى وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين وقال ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم فإذا قضى على هذه النفوس بالضلال والمعصية كان ذلك محض العدل كما إذا قضى على الحية بأن تقتل وعلى العقرب وعلى الكلب العقور كان ذلك عدلا فيه وإن كان مخلوقا على هذه الصفة وقد استوفينا الكلام في هذا في كتابنا الكبير في القضاء والقدر والمقصود أن قوله ماض في حكمك عدل في قضاؤك رد على الطائفتين القدرية الذين ينكرون عموم أقضية الله في عبده ويخرجون أفعال العباد عن كونها بقضائه وقدره ويردون القضاء إلى الأمر والنهي وعلى الجبرية الذين يقولون كل مقدور عدل فلا يبقى لقوله عدل في قضاؤك فائدة فإن العدل عندهم كل ما يمكن(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5746",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعله والظلم هو المحال لذاته فكأنه قال ماض ونافذ في قضاؤك وهذا هو الأول بعينه وقوله أسألك بكل اسم إلى آخره توسل إليه بأسمائه كلها ما علم العبد منها وما لم يعلم وهذه أحب الوسائل إليه فإنها وسيلة بصفاته وأفعاله التي هي مدلول أسمائه وقوله أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري الربيع المطر الذي يحيي الأرض شبه القرآن به لحياة القلوب به وكذلك شبهه الله بالمطر وجمع بين الماء الذي تحصل به الحياة والنور الذي تحصل به الإضاءة والإشراق كما جمع بينهما سبحانه في قوله أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية وفى قوله مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ثم قال أو كصيب من السماء وفي قوله الله نور السموات والأرض مثل نوره الآيات ثم قال ألم تر أن الله يزجي السحاب ثم يؤلف بينه الآية فتضمن الدعاء أن يحيي قلبه بربيع القرآن وأن ينور به صدره فتجتمع له الحياة والنور قال تعالى أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ولما كان الصدر أوسع من القلب كان النور الحاصل له يسري منه إلى القلب لأنه قد حصل لما هو أوسع منه ولما كانت حياة البدن والجوارح كلها بحياة القلب تسري الحياة منه إلى الصدر ثم إلى الجوارح سأل الحياة له بالربيع الذي هو مادتها ولما كان الحزن والهم والغم يضاد حياة القلب واستنارته سأل أن يكون ذهابها بالقرآن فإنها أحرى أن لا تعود وأما إذا ذهبت بغير القرآن من صحة أو دنيا أو جاه أو زوجة أو ولد فإنها تعود بذهاب ذلك والمكروه الوارد على القلب إن كان من أمر ماض أحدث الحزن زان كان من مستقبل أحدث الهم وإن كان من أمر حاضر أحدث الغم والله أعلم(1\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5747",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة أنزه الموجودات وأظهرها وأنورها وأشرفها وأعلاها ذاتا وقدرا وأوسعها عرش الرحمن جل جلاله ولذلك صلح لاستوائه عليه وكل ما كان أقرب إلى العرش كان أنور وأنزه وأشرف مما بعد عنه ولهذا كانت جنة الفردوس أعلى الجنان وأشرفها وأنورها وأجلها لقربها من العرش إذ هو سقفها وكل ما بعد عنه كان أظلم وأضيق ولهذا كان أسفل سافلين شر الأمكنة وأضيقها وأبعدها من كل خير وخلق الله القلوب وجعلها محلا لمعرفته ومحبته وإرادته فهي عرش المثل الأعلى الذي هو معرفته ومحبته وإرادته قال تعالى للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم وقال تعالى وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم وقال تعالى ليس كمثله شيء فهذا من المثل الأعلى وهو مستو على قلب المؤمن فهو عرشه وإن لم يكن أطهر الأشياء وأنزهها وأطيبها وأبعدها من كل دنس وخبث لم يصلح لاستواء المثل الأعلى عليه معرفة ومحبة وإرادة فاستوى عليه مثل الدنيا الأسفل ومحبتها وإرادتها والتعلق بها فضاق وأظلم وبعد من كماله وفلاحه حتى تعود القلوب على قلبين قلب هو عرش الرحمن ففيه النور والحياة والفرح والسرور والبهجة وذخائر الخير وقلب هو عرش الشيطان فهناك الضيق والظلمة والموت والحزن والغم والهم فهو حزين على ما مضى مهموم بما يستقبل مغموم في الحال وقد روى الترمذي وغيره عن النبي أنه قال إذا دخل النور القلب انفسخ وانشرح قالوا فما علامة ذلك يا رسول الله قال الإنابة إلى دار الخلود والتجاني عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله والنور الذي يدخل القلب إنما هو آثار المثل الأعلى فلذلك ينفسخ وينشرح وإذا لم يكن فيه معرفة الله ومحبته فحظه الظلمة والضيق(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5748",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة تأمل خطاب القرآن تجد ملكا له الملك كله وله الحمد كله أزمة الأمور كلها بيده ومصدرها منه ومرادها إليه مستويا على سرير ملكه لا تخفى عليه خافية في أقطار مملكته عالما بما في نفوس عبيده مطلعا على أسرارهم وعلانيتهم منفردا بتدبير المملكة يسمع ويرى ويعطي ويمنع ويثيب ويعاقب ويكرم ويهين ويخلق ويرزق ويميت ويحيي ويقدر ويقضي ويدبر الأمور نازلة من عنده دقيقها وجليلها وصاعدة إليه لا تتحرك في ذرة إلا بإذنه ولا تسقط ورقة إلا بعلمه فتأمل كيف تجده يثني على نفسه ويمجد نفسه ويحمد نفسه وينصح عباده ويدلهم على ما فيه سعادتهم وفلاحهم ويرغبهم فيه ويحذرهم مما فيه هلاكهم ويتعرف إليهم بأسمائه وصفاته ويتححب إليهم بنعمه وآلائه فيذكرهم بنعمه عليهم ويأمرهم بما يستوجبون به تمامها ويحذرهم من نقمه ويذكرهم بما أعد لهم من الكرامة إن أطاعوه وما أعد لهم ما العقوبة إن عصوه ويخبرهم بصنعه في أوليائه وأعدائه وكيف كانت عاقبة هؤلاء وهؤلاء ويثني على أوليائه بصالح أعمالهم وأحسن أوصافهم ويذم أعداءه بسىء أعمالهم وقبيح صفاتهم ويضرب الأمثال وينوع الأدلة والبراهين ويجيب عن شبه أعدائه أحسن الأجوبة ويصدق الصادق ويكذب الكاذب ويقول الحق ويهدي السبيل ويدعو إلى دار السلام ويذكر أوصافها وحسنها ونعيمها ويحذر من دار البوار ويذكر عذابها وقبحها وآلامها ويذكر عباده فقرهم إليه وشدة حاجتهم إليه من كل وجه وأنهم لا غنى لهم عنه طرفة عين ويذكر غناه عنهم وعن جميع الموجودات وأنه الغني بنفسه عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه بنفسه وأنه لا ينال أحد ذرة من الخبر فما فوقها إلا بفضله ورحمته ولا ذرة من الشر فما فوقها إلا بعدله وحكمته ويشهد من خطابه عتابه لأحبابه ألطف عتاب وأنه مع ذلك مقيل عثراتهم وغافر زلاتهم ومقيم أعذارهم ومصلح فسادهم والدافع(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5749",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنهم والمحامي عنهم والناصر لهم والكفيل بمصالحهم والمنجي لهم من كل كرب والموفي لهم بوعده وأنه وليهم الذي لا ولي لهم سواه فهو مولاهم الحق ونصيرهم على عدوهم فنعم المولى ونعم النصير فإذا شهدت القلوب من القرآن ملكا عظيما رحيما جوادا جميلا هذا شأنه فكيف لا تحبه وتنافس في القرب منه وتنفق أنفاسها في التودد إليه ويكون أحب إليها من كل ما سواه ورضاه آثر عندها من رضا كل ما سواه وكيف لا تلهج بذكره ويصير حبه والشوق إليه والأنس به هو غذائها وقوتها ودواؤها بحيث إن فقدت ذلك فسدت وهلكت ولم تنفع بحياتها  فائدة قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده وهذا كما أنه في الذوات والأعيان فكذلك هو في الاعتقادات والإرادات فإذا كان القلب ممتلئا بالباطل اعتقادا ومحبة لم يبق فيه لاعتقاد الحق ومحبته موضع كما أن اللسان إذا اشتغل بالتكلم بما لا ينفع لم يتمكن صاحبه من النطق بما ينفعه إلا إذا فزع لسانه من النطق بالباطل وكذلك الجوارح إذا اشتغلت بغير الطاعة لم يمكن شغلها بالطاعة إلا إذا فرغها من ضدها فكذلك القلب المشغول بمحبة غير الله وإرادته والشوق إليه والأنس به إلا يمكن شغله بمحبة الله واردته وحبه والشوق إلى لقائه لا بتفريغه من تعلقه بغيره ولا حركة اللسان بذكره والجوارح بخدمته إلا إذا فرغها من ذكر غيره وخدمته فإذا امتلأ القلب بالشغل بالمخلوق والعلوم التي لا تنفع لم يبقى فيها موضع للشغل بالله ومعرفة أسمائه وصفاته وأحكامه وسر ذلك أن إصغاء القلب كإصغاء الأذن فإذا صغى إلى غير حديث الله لم يبق فيه إصغاء ولا فهم لحديثه كما إذا مال إلى غير محبة الله لم يبق فيه ميل إلى محبته فإذا نطق القلب بغير ذكره لم يبق فيه محل للنطق بذكره كاللسان ولهذا في الصحيح عن النبي أنه قال لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلىء(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5750",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شعرا فبين أن الجوف يمتلىء بالشعر فكذلك يمتلىء بالشبه والشكوك والخيالات والتقديرات التي لا وجود لها والعلوم التي لا تنفع والمفاكهات والمضاحكات والحكايات ونحوها وإذا امتلأ القلب بذلك جاءته حقائق القرآن والعلم الذي به كماله وسعادته فلم تجد فيه فراغا لها ولا قبولا فتعدته وجاوزته إلى محل سواه كما إذا بذلت النصيحة لقلب ملآن من ضدها لا منفذ لها فيه فإنه فيه لا يقبلها ولا تلج فيه لكن تمر مجتازة لا مستوطنة ولذلك قيل نزه فؤادك من سوانا تلقنا ... فجنابنا حل لكل منزه والصبر طلسم لكنز وصالنا ... من حل ذا الطلسم فاز بكنزه وبالله التوفيق  فائدة قوله تعالى ألهاكم التكاثر إلى آخرها أخلصت هذه السورة للوعد الوعيد والتهديد وكفى بها موعظة لمن عقلها فقوله تعالى ألهاكم أي شغلكم على وجه لا تعتذرون فيه فإن الإلهاء عن الشيء هو الاشتغال عنه فإن كان بقصد فهو محل التكليف وإن كان بغير قصد كقوله في الخميصة إنها ألهتني آنفا عن صلاتي كان صاحبه معذورا وهو نوع من النسيان وفي الحديث فلها عن الصبي أي ذهل عنه ويقال لها بالشيء أي اشتغل به ولها عنه إذا انصرف عنه واللهو للقلب واللعب للجوارح ولهذا يجمع بينهما ولهذا كان قوله ألهاكم التكاثر أبلغ في الذم من شغلكم فإن العامل قد يستعمل جوارحه بما يعمل وقلبه غير لاه به فاللهو هو ذهول وإعراض والتكاثر تفاعل من الكثرة أي مكاثرة بعضكم لبعض وأعرض عن ذكر المتكاثر به إرادة لإطلاقه وعمومه وأن كل ما يكاثر به العبد غيره سوى طاعة الله ورسوله وما يعود عليه بنفع معاده فهو داخل في هذا التكاثر فالتكاثر في كل شيء من مال أو جاه أو رياسة أو نسوة أو حديث أو(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5751",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "علم ولا سيما إذا لم يحتج إليه والتكاثر في الكتب والتصانيف وكثرة المسائل وتفريعها وتوليدها والتكاثر أن يطلب الرجل أن يكون أكثر من غيره وهذا مذموم إلا فيما يقرب إلى الله فالتكاثر فيه منافسة في الخيرات ومسابقة إليها وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن الشخير أنه انتهى إلى النبي وهو يقرأ ألهاكم التكاثر قال يقول ابن آدم مالي وهل لك من مالك إلا ما تصدقت فأمضيت أو أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت تنبيه من لم ينتفع بعينه لم ينتفع بأذنه للعبد ستر بينه وبين الله وستر بينه وبين الناس فمن هتك الستر الذي بينه وبين الله حقك الله الستد الذي بينه وبين الناس للعبد رب هو ملاقيه وبيت هو ساكنه فينبغي له أن يسترضي ربه قبل لقائه ويعمر بيته قبل انتقاله إليه إضاعة الوقت أشد من الموت لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها الدنيا من أولها إلى آخرها لا تساوي غم ساعة فكيف بغم العمر محبوب اليوم يعقب المكروه غدا ومكروه اليوم يعقب المحبوب غدا أعظم الربح في الدنيا أن تشغل نفسك كل وقت بما هو أولى بها وأنفع لها في معادها كيف يكون عاقلا من باع الجنة بما فيها بشهوة ساعة يخرج العارف من الدنيا ولم يقض وطره من شيئين بكاؤه على نفسه وثناؤه على ربه المخلوق إذا خفته استوحشت منه وهربت منه والرب تعالى إذا خفته أنست به وقربت إليه لو نفع العلم بلا عمل لما ذم الله سبحانه أحبار أهل الكتاب ولو نفع العمل بلا إخلاص لما ذم المنافقين دافع الخطرة فإن لم تفعل صارت فكرة فدافع الفكرة فان لم تفعل صارت شهوة فحاربها فإن لم تفعل صارت عزيمة وهمة فإن لم تدافعها صارت فعلا فإن لم تتداركه بضده صار عادة فيصعب عليك الانتقال عنها التقوى ثلاث مراتب إحداها حمية القلب والجوارح عن الآثام(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5752",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمحرمات الثانية حميتها عن المكروهات الثالثة الحمية عن الفضول وما لا يعني فالأولى تعطي العبد حياته والثانية تفيده صحته وقوته والثالثة تكسبه سروره وفرحه وبهجته غموض الحق حين تذب عنه ... يقلل ناصر الخصم المحق تضل عن الدقيق فهو م قوم ... فتقضي للمجل على المدق بالله أبلغ ما أسعى وأدركه ... لابي ولا يشفع لي من الناس إذا أيست وكاد اليأس يقطعني ... جاء الرجا مسرعا من جانب اليأس من خلقه الله للجنة لم تزل هداياها تأتيه من المكاره ومن خلقه للنار لم تزل هداياها تأتيه من الشهوات لما طلب آدم الخلود في الجنة من جانب الشجرة عوقب بالخروج منها ولما طلب يوسف الخروج من السجن من جهة صاحب الرؤيا لبث فيه بضع سنين إذا جرى على العبد مقدور يكرهه فله فيه ستة مشاهد أحدها مشهد التوحيد وأن الله هو الذي قدره وشاءه وخلقه وما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن الثاني مشهد العدل وأنه ماض فيه حكمه عدل فيه قضاؤه الثالث مشهد الرحمة وأن رحمته في هذا المقدور غالبه لغضبه وانتقامه ورحمته حشوه الرابع مشهد الحكمة وأن حكمته سبحانه اقتضت ذلك لم يقدره سدى ولا قضاه عبثا الخامس مشهد الحمد وأن له سبحانه الحمد التام على ذلك من جميع وجوهه السادس مشهد العبودية وأنه عبد محض من كل وجه تجري عليه أحكام سيده وأقضيته بحكم كونه ملكه وعبده فيصرفه تحت أحكامه القدرية كما يصرفه تحت أحكامه الدينية فهو محل لجريان هذه الأحكام عليه قلة التوفيق وفساد الرأي وخفاء الحق وفساد القلب وخمول الذكر وإضاعة الوقت ونفرة الخلق والوحشة بين العبد وبين ربه ومنع إجابة الدعاء وقسوة القلب ومحق البركة في الرزق والعمر وحرمان العلم ولباس الذل وإهانة العدو وضيق(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5753",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصدر والابتلاء بقرناء السوء الذين يفسدون القلب ويضيعون الوقت وطول الهم والغم وضنك المعيشة وكسف البال تتولد من المعصية والغفلة عن ذكر الله كما يتولد الزرع عن الماء والإحراق عن النار وأضداد هذه تتولد عن الطاعة  فصل طوبى لمن أنصف ربه فأقر له بالجهل في علمه والآفات في عمله والعيوب في نفسه والتفريط في حقه والظلم في معاملته فإن آخذه بذنوبه رأى عدله وإن لم يؤاخذه بها رأى فضله وإن عمل حسنة رآها من منته وصدقته عليه فإن قبلها فمنة وصدقة ثانية وإن ردها فلكون مثلها لا يصلح أن يواجه به وإن عمل سيئة رآها من تخليه عنه وخذلانه له وإمساك عصمته عنه وذلك من عدله فيه فيرى في ذلك فقره إلى ربه وظلمه في نفسه فإن غفرها له فبمحض إحسانه وجوده وكرمه ونكتة المسألة وسرها أنه لا يرى ربه الامحسنا ولا يرى نفسه إلا مسيئا أو مفرطا أو مقصرا فيرى كل ما يسره من فضل ربه عليه وإحسانه إليه وكل ما يسوءه من ذنوبه وعدل الله فيه المحبون إذا خربت منازل أحبائهم قالوا سقيا لسكانها وكذلك المحب إذا أتت عليه الأعوام تحت التراب ذكر حينئذ حسن طاعته في الدنيا وتودده اليه وتجدد رحمته وسقياه لمن كان ساكنا في تلك الأجسام البالية  فائدة الغيرة غيرتان غيرة على الشيء وغيرة من الشيء فالغيرة على المحبوب حرصك عليه والغيرة من المكروه أن يزاحمك عليه فالغيرة على المحبوب لا تتم إلا بالغيرة من المزاحم وهذه تحمد حيث يكون المحبوب تقبح المشاركة في حبه كالمخلوق وأما من تحسن المشاركة في حبه كالرسول والعالم بل الحبيب القريب سبحانه فلا(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5754",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يتصور غيرة المزاحمة عليه بل هو حسد والغيرة المحمودة في حقه أن يغار المحب على محبته له أن يصرفها إلى غيره أو يغار عليها أن يطلع عليها الغير فيفسدها عليه أو يغار على أعماله أن يكون فيها شيء لغير محبوبه أو يغار عليها أن يشوبها ما يكره محبوبه من رياء أو إعجاب أو محبة لإشراف غيره عليها أو غيبته عن شهود منته عليه فيها وبالجملة فغيرته تقتضي أن تكون أحواله وأعماله وأفعاله كلها لله وكذلك يغار على أوقاته أن يذهب منها وقت في غير رضى محبوبه فهذه الغيرة من جهة العبد وهي غيرة من المزاحم له المعوق القاطع له عن مرضاة محبوبه وأما غيرة محبوبه عليه فهي كراهية أن ينصرف قلبه عن محبته إلى محبة غيره بحيث يشاركه في حبه ولهذا كانت غيرة الله أن يأتي العبد ماحرم عليه ولأجل غيرته سبحانه حرم الفاحشة ما ظهر منها وما بطن لأن الخلق عبيده وإماؤه فهو يغار على إمائه كما يغار السيد على جواريه ولله المثل الأعلى ويغار على عبيده أن تكون محبتهم لغيره بحيث تحملهم تلك المحبة على عشق الصور ونيل الفاحشة منها من عظم وقار الله في قلبه أن يعصيه وقره الله في قلوب الخلق أن يذلوه إذا علقت شروش المعرفة في أرض القلب نبتت فيه شجرة المحبة فإذا تمكنت وقويت أثمرت الطاعة فلا تزال الشجرة تؤتي أكلها كل حين باذن الله ربها أول منازل القوم اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا وأوسطها هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى والنور وآخرها تحيتهم يوم يلقونه سلام أرض الفطرة رحبة قابلة لما يغرس فيها فإن غرست شجرة الإيمان والتقوى أورثت حلاوة الأبد وإن غرست شجرة الجهل والهوى فكل الثمر من ارجع إلى الله واطلبه من عينك وسمعك وقلبك ولسانك ولا تشرد عنه من هذه الأربعة فما رجع من رجع إليه بتوفيقه إلا منها وما شرد من شرد عنه بخذلانه إلا منها فالموفق يسمع ويبصر ويتكلم ويبطش بمولاه والمخذول يصدر ذلك عنه بنفسه وهواه(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5755",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مثال تولد الطاعة ونموها وتزايدها كمثل نواة غرستها فصارت شجرة ثم أثمرت فأكلت ثمرها وغرست نواها فكلما أثمر منها شيء جنيت ثمره وغرست نواه وكذلك تداعي المعاصي فليتدبر اللبيب هذا المثال فمن ثواب الحسنة الحسنة بعدها ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها ليس العجب من مملوك يتذلل لله ويتعبد له ولا يمل من خدمته مع حاجته وفقره إليه إنما العجب من مالك يتحبب إلى مملوكه بصنوف إنعامه ويتودد إليه بأنواع إحسانه مع غناه عنه كفى بك عزا أنك له عبد ... وكفى بك فخرا أنه لك رب  فصل اياك والمعاصي فانها أزالت عز اسجدوا وأخرجت إقطاع أسكن يا لها لحظة أثمرت حرارة القلق ألف سنة مازال يكتب بدم الندم سطور الحزن في القصص ويرسلها مع أنفاس الأسف حتى جاءه توقيع فتاب عليه فرح إبليس بنزول آدم من لجنة وما علم أن هبوط الغائص في اللجة خلف الدر صعود كم بين قوله لآدم إني جاعل في الأرض خليفة وقوله لك اذهب فمن تبعك منهم ما جرى على آدم هو المراد من وجوده لو لم تذنبوا يا آدم لا تجزع من قولي لك اخرج منها فلك ولصالح ذريتك خلفتها يا آدم كنت تدخل علي دخول الملوك على الملوك واليوم تدخل علي دخول العبيد على الملوك يا آدم لا تجزع من كأس زلل كانت سبب كيسك فقد استخرج منك داء العجب وألبست خلعة العبودية وعسى أن تكرهوا يا آدم لم أخرج إقطاعك إلى غيرك إنما نحيتك عنه لا كمل عمارته لك وليبعث إلى العمال نفقة تتجافى جنوبهم تالله ما نفعه عند معصيته عز اسجدوا ولا شرف وعلم آدم ولا خصيصة لما خلقت بيدي ولا فخر ونفخت فيه من روحي وإنما انتفع بذل ربنا ظلمنا أنفسنا لما لبس درع التوحيد على بدن الشكر وقع سهم العدو منه في غير مقتل(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5756",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فجرحه فوضع عليه جبار الانكسار فعاد كما كان فقام الجريح كأن لم يكن به قلبة فصل نجائب النجاة مهيأة للمراد واقدم المطرود موثوقة بالقيود هبت عواصف الأقدار في بيداء الأكوان فتقلب الوجود ونجم الخير فلما ركدت الريح إذا أبو طالب غريق في لجة الهلاك وسلمان على ساحل السلامة والوليد بن(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5757",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المغيرة يقدم قومه في التيه وصهيب قد قدم بقافلة الروم والنجاشي في أرض(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5758",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحبشة يقول لبيك اللهم لبيك وبلال ينادي الصلاة خير من النوم(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5759",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأبو جهل في رقدة المخالفة لما قضى في القدم بسابقة سلمان عرج به دليل التوفيق عن طريق آبائه في التمجس فأقبل يناظر أباه في دين الشرك فلما علاه بالحجة لم يكن له جواب إلا القيد وهذا جواب يتداوله أهل الباطل من يوم حرفوه وبه أجاب فرعون موسى لئن اتخذت إلها غيري وبه أجاب الجهمية الإمام أحمد لما عرضوه على السياط وبه أجاب أهل البدع شيخ الإسلام حين استدعوه السجن وها نحن على الأثر فنزل به ضيف ولنبلونكم فنال بإكرامه مرتبة سلمان منا أهل البيت فسمع أن ركبا على نية السفر فسرق نفسه من أبيه ولا قطع فركب راحلة العزم يرجو إدراك مطلب السعادة فغاص في بحر البحث ليقع بدرة الوجود فوقف نفسه على خدمه الأدلاء وقوف الأذلاء فلما أحس الرهبان بانقراض دولتهم سلموا إليه أعلام الأعلام على نبوة نبينا وقالوا إن زمانه قد أظل فاحذر أن تضل فرحل مع رفقة لم يرفقوا به فشروه بثمن بخس دراهم معدودة فأتباعه يهودي بالمدينة فلما رأى الحرة توقد حرا شوقه ولم يعلم رب المنزل بوجد النازل فبينا هو يكابد ساعات الانتظار قدم البشير بقدوم البشير وسلمان في رأس نخلة وكاد القلق يلقيه لولا أن الحزم أمسكه كما جرى يوم إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها فعجل النزول لتلقي ركب البشارة ولسان حاله يقول خليلي من نجد قفا بي على الربا ... فقد هب من تلك الديار نسيم فصاح به سيده مالك انصرف إلى شغلك فقال كيف انصرافي ولي في داركم شغل ثم أخذ لسان حاله يترنم لو سمع الأطروش خليلي لا والله ما أنا منكما ... إذا علم من آل ليلى بداليا(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5760",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلما لقي الرسول عارض نسخة الرهبان بكتاب الأصل فوافقه يا محمد أنت تريد أبا طالب ونحن نريد سلمان أبو طالب إذا سئل عن اسمه قال عبد مناف وإذا انتسب افتخر بالآباء واذاذكرت الأموال عبد الإبل وسلمان إذا سئل عن اسمه قال عبد الله وعن نسبه قال ابن الإسلام وعن ماله قال الفقر وعن حانوته قال المسجد وعن كسبه قال الصبر وعن لباسه قال التقوى والتواضع وعن وساده قال السهر وعن فخره قال سلمان منا وعن قصده قال يريدون وجهه وعن سيره قال إلى الجنة وعن دليله في الطريق قال إمام الخلق وهادئ الأئمة إذا نحن ادلجن وأنت إمامنا ... كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا وإن نحن أضللنا الطريق ولم نجد ... دليلا كفانا نور وجهك هاديا الذنوب جراحات ورب جرح وقع في مقتل لو خرج عقلك من سلطان هواك عادت الدولة له دخلت دار الهوى فقامرت بعمرك إذا عرضت نظرة لا تحل فاعلم أنها مسعر حرب فاستتر منها بحجاب قل للمؤمنين فقد سلمت من الأثر وكفى الله المؤمنين القتال بحر الهوى إذا مد أغرق وأخوف المنافذ على السابح فتح البصر في الماء ما أحد أكرم من مفرد ... في قبره أعماله تونسه منعما في القبر في روضة ... ليس كعبده قبره محبسه على قدر فضل المرء يأتي خطوبه ... ويعرف عند الصبر فيما يصيبه ومن قل فيما يتقيه اصطباره ... فقد قل مما يرتجيه نصيبه كم قطع زرع قبل التمام فما ظن الزرع المستحصد اشتر نفسك فالسوق قائمة والثمن موجود لابد من سنة الغفلة ورقاد الهوى ولكن كن خفيف النوم فحراس البلد يصيحون دنا الصباح نور العقل يضيء في ليل الهوى فتلوح جادة الصواب فيتلمح البصير في ذلك النور عواقب الأمور أخرج بالعزم من هذا(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5761",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفناء الضيق المحشو بالآفات إلى ذلك الفناء الرحب الذي فيه مالا عين رأت فهناك لا يتعذر مطلوب ولا يفقد محبوب يا بائعا نفسه بهوى من حبه ضنا ووصله أذى وحسنه إلى فنا لقد بعت أنفس الأشياء بثمن بخس كأنك لم تعرف قدر السلعة وبلا خسة الثمن حتى إذا قدمت يوم التغابن تبين لك ان الغبن في عقد التبايع لا إله إلا الله سلعة الله مشتريها وثمنها الجنة والدلال الرسول ترضى ببيعها بجزء يسير مما لا يساوي كله جناح بعوضة إذا كان شيء لا يساوي جميعه ... جناح بعوضة عند من صرت عبده ويملك جزء منه كلك ما الذي ... يكون على ذا الحال قدرك عنده وبعت به نفسا قد استامها بما ... لديه من الحسنى وقد زال وده يا مخنت العزم أين أنت والطريق طريق تعب فيه آدم وناح لأجله نوح ورمي في النار الخليل وأضجع للذبح إسماعيل وبيع يوسف بثمن بخس ولبث في السجن بضع سنين ونشر بالمنشار زكريا وذبح السيد الحصور يحيى وقاسى الضر أيوب وزاد على المقدار بكاء داود وسار مع الوحش عيسى وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد تزها أنت باللهو واللعب فيا دارها بالحزن ان مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال الحرب قائمة وأنت أعزل في النظارة فإن حركت ركابك فللهزيمة من لم يباشر حر الهجير في طلاب المجد لم يقل في ظلال الشرف تقول سليمى لو أقمت بأرضنا ... ولم تدارني للمقام أطوف قيل لبعض العباد إلى كم تتعب نفسك فقال راحتها أريد يا مكر ما بجلة(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5762",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإيمان بعد حلة العافية وهو يخلقهما في مخالفة الخالق لا تنكر السلب يستحق من استعمل نعمة المنعم فيما يكره أن يسلبها عرائس الموجودات قد تزينت للناظرين ليبلوهم أيهم يؤثرهن على عرائس الآخرة فمن عرف قدر التفاوت آثر ما ينبغي إيثاره وحسان الكون لما أن بدت ... أقبلت نحوي وقالت لي إلي فتعاميت كأن لم أرها ... عندما أبصرت مقصودي لدي كواكب هم العارفين في روج عزائمهم سيارة ليس فيها زحل يا من انحرف عن جادتهم كن في أواخر الركب ونم إذا نمت على الطريق فالأمير يراعي الساقة قيل للحسن سبقنا القوم على خيل دهم ونحن على حمر معقرة فقال إن كنت على طريقهم فما أسرع اللحاق بهم  فائدة من فقد أنسه بالله بين الناس ووجده في الوحدة فهو صادق ضعيف ومن وجده بين الناس وفقده في الخلوة فهو معلول ومن فقده بين الناس وفي الخلوة فهو ميت مطرود ومن وجده في الخلوة وفي الناس فهو المحب الصادق القوي في حاله ومن كان فتحه في الخلوة لم يكن مزيده إلا منها ومن كان فتحه بيت الناس ونصحهم وإرشادهم كان مزيده معهم ومن كان فتحه في وقوفه مع مراد الله حيث أقامه وفي أي شيء استعمله كان مزيده في خلوته ومع الناس فأشرف الأحوال أن لا تختار لنفسك حالة سوى ما يختاره لك ويقيمك فيه فكن مع مراده منك ولا تكن مع مرادك منه مصابيح القلوب الطاهرة في أصل الفطرة منيرة قبل(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5763",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشرائع يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار وحد قس وما رأى الرسول وكفر ابن أبي وقد صلى معه في المسجد مع الص بري ولا ماء وكم من عطشان في اللجة سبق العلم بنبوة موسى وإيمان آسية فسيق تابوته إلى بيتها فجاء طفل منفرد عن أم إلى امرأة خالية عن ولد فلله كم في هذه القصة من عبرة كم ذبح فرعون في طلب موسى من ولد ولسان القدر يقول لا نربيه إلا في حجرك(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5764",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان ذو البجادين يتيما في الصغر فكفله عمه فنازعته نفسه إلى اتباع الرسول فهم بالنهوض فإذا بقية المرض مانعة فقعد ينتظر العم فلما تكاملت صحته نفذ الصبر فناداه ضمير الوجد إلى كم حبسها تشكو المضيقا ... أثرها ربما وجدت طريقا فقال يا عم طال انتظاري لإسلامك وما أرى منك نشاطا فقال والله لئن أسلمت لأنتزعن كل ما أعطيتك فصاح لسان الشوق نظرة من محمد أحب إلي من الدنيا وما فيها ولو قيل للمجنون ليلى ووصلها ... تريد أم الدنيا وما في طواياها لقال تراب من غبار نعالها ... ألذ إلى نفسي وأشفى لبلواها فلما تجرد للسير إلى الرسول جرده عمه من الثياب فناولته الأم بجادا فقطعه لسفر الوصل نصفين اتزر بأحدهما با وارتدي بالآخر فلما نادى صائح الجهاد قنع أن يكون في سافة الأحباب والمحب لا يرى طول الطريق لأن المقصود يعينه ألا بلغ الله الحمى من يريده ... وبلغ أكناف الحمى من يريدها فلما قضى نحبه نزل الرسول يمهد لد لحده وجعل يقول اللهم إني أمسيت عنه راضيا فارض عنه فصاح ابن مسعود يا ليتني كنت صاحب القبر فيا مخنث العزم أقل ما في الرقعة البيذق فلما نهض تفرزن رأى بعض(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5765",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحكماء برذونا يسقى عليه فقال لو هملج هذا الركب أقدام العزم بالسلوك اندفع من بين أيديها سد القواطع القواطع محن يتبين بها الصادق من الكاذب فإذا خضتها انقلبت أعوانا لك توصلك إلى المقصود  فصل الدنيا كامرأة بغي لا تثبت مع زوج إنما تخطب الأزواج ليستحسنوا عليها فلا ترضى بالدياثة ميزت بين جمالها وفعالها ... فإذا الملاحة بالقباحة لا تفي حلفت لنا أن لا تخون عهودنا ... فكأنها حلفت لنا أن لا تفي السير في طلبها سير في أرض مسبعة والسباحة فيها سباحة في غدير التمساح المفروح به منها هو عين المحزون عليه آلامها متولدة من لذاتها وأحزانها من أفراحها مآرب كانت في الشباب لأهلها ... عذاب فصارت في المشيب عذابا طائر الطبع يرى الحبة وعين العقل ترى الشرك غير أن عين الهوى عميا وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا تزخرفت الشهوات لأعين الطباع فغض عنها الذين يؤمنون بالغيب ووقع تابعوها في بيداء الحسرات وباؤلئك على هدى من ربهم واؤلئك هم المفلحون وهؤلاء يقال لهم كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون لما عرف الموفقون قدر الحياة الدنيا وقلة المقام فيها أما وافيها الهوى طلبا لحياة الأبد لما استيقظوا من نوم الغفلة استرجعوا بالجد ما انهبه العدو منهم في زمن البطالة فلما طالت عليهم الطريق تلمحوا المقصد فقرب عليهم البعيد وكلما أمرت لهم الحياة حلى لهم تذكر هذا يومكم الذي كنتم توعدون وركب سروا الليل ملق رواقه ... على كل مغبر المطالع قائم حدوا عزمات ضاعت الأرض بينها ... فصار سراهم في طلوع العزائم(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5766",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تريهم نجوم الليل ما يتبعونه ... على عاتق الشعري وهام النعائم إذا اطردت في معرك الجد قصفوا ... رماح العطايا في صدور المكارم  فصل من أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه وأن تسمع داعيه ثم تتأخر عن الإجابة وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعمل غيره وأن تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأنس بطاعته وأن تذوق عصرة القلب عند الخوض في غير حديثه والحديث عنه ثم لا تشتاق إلى انشراح الصدر بذكره ومناجاته وأن تذوق العذاب عند تعلق القلب بغيره ولا تهرب منه إلى نعيم الإقبال عليه والإنابة إليه وأعجب من هذا علمك أنك لابد لك منه وأنك أحوج شيء إليه وأنت عنه معرض وفيما يبعدك عنه راغب  فائدة ما أخذ العبد ما حرم عليه إلا من جهتين إحداهما سوء ظنه بربه وأنه لو أطاعه وآثره لم يعطه خيرا منه حلالا والثانية أن يكون عالما بذلك وأن من ترك لله شيئا أعاضه خيرا منه ولكن تغلب شهوته صبره وهواه عقل فالأول من ضعف علمه والثاني من ضعف عقله وبصيرته قال يحي بن معاذ من جمع الله عليه قلبه في الدعاء لم يرده قلت إذا اجتمع عليه قلبه وصدقت ضرورته وفاقته وقوي رجاؤه فلا يكاد يرد دعاؤه  فصل لما رأى المتيقظون سطوة لدنيا بأهلها وخداع الأمل لأربابه وتملك الشيطان وقياد النفوس رأوا الدولة للنفس الأمارة لجأوا إلى حصن التضرع والالتجاء كما(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5767",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يأوي العبد المذعور إلى حرم سيده سيده شهوات الدنيا كلعب الخيال ونظر الجاهل مقصور على الظاهر فأما ذو العقل فيرى ما ووراء الستر لاح لهم المشتهى فلما مدوا أيدي التناول بأن لابصار البصائر خبط الفخ فطاروا بأجنحة الحذر وصوبوا إلى الرحيل الثاني ياليت قومي يعلمون تلمح القوم الوجود ففهموا المقصود فأجمعوا الرحيل قبل الرحيل وشمروا للسير في سواء السبيل فالناس مشتغلون بالفضلات وهم في قطع الفلوات وعصافير الهوى في وثاق الشبكة ينتظرون الذبح وقع ثعلبان في شبكة فقال أحدهما للآخر أين الملتقى بعد هذا فقال بعد يومين في الدباغة تالله ما كانت الأيام الا مناما فليستيقظوا وقد حصلوا على الظفر ما مضى من الدنيا أحلام وما بقي منها أماني والوقت ضائع بينهما كيف يسلم من له زوجة لا ترحمه وولد لا يعذره وجار لا يأمنه وصاحب لا ينصحه وشريك لا ينصفه وعدو لا ينام عن معاداته ونفس أمارة بالسوء ودنيا متزينة وهوى مرد وشهوة غالبة له وغضب قاهر وشيطان مزين وضعف مستول عليه فإن تولاه الله وجذبه إليه انقهرت له هذه كلها وان تخلى عنه ووكله إلى نفسه اجتمعت عليه فكانت الهلكة لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليهما واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما وعدلوا إلى الآراء والقياس والاستحسان وأقوال الشيوخ عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم وظلمة في قلوبهم وكدر في أفهامهم ومحق في عقولهم وعمتهم هذه الأمور وغلبت عليهم حتى ربي فيها الصغير وهرم عليها الكبير فلم يروها مكرا فجاءتهم دولة أخرى قامت فيها البدع مقام السنن والنفس مقام العقل والهوى مقام الرشد والظلال مقام الهدى والمنكر مقام المعروف والجهل مقام العلم والرياء مقام الإخلاص والباطل مقام الحق والكذب مقام الصدق والمداهنة مقام النصيحة والظلم مقام العدل فصارت الدولة(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5768",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والغلبة لهذه الأمور وأهلها هم المشار إليهم وكانت قبل ذلك لأضدادها وكان أهلها هم المشار إليهم فإذا رأيت دولة هذه الأمور قد أقبلت وراياتها قد نصبت وجيوشها قد ركبت فبطن الأرض والله خير من ظهرها وقلل الجبال خير من السهول ومخالطة الوحش أسلم من مخالطة الناس اقشعرت الأرض وأظلمت السماء وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجرة وذهبت البركات وقلت الخيرات وهزلت الوحوش وتكدرت الحياة من فسق الظلمة وبكى ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة والأفعال الفظيعة وشكا الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربهم من كثرة الفواحش وغلبة المنكرات والقبايح وهذا والله منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه ومؤذن بليل بلاء قد ادلهم ظلامه فاعزلوا عن طريق هذا السبيل بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح وكأنكم بالباب وقد أغلق وبالرهن وقد غلق وبالجناح وقد علق وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون اشتر نفسك اليوم فإن السوق قائمة والثمن موجود والبضائع رخيصة وسيأتي على تلك السوق والبضايع يوم لا تصل فيها إلى قليل ولا كثير ذلك يوم التغابن يوم يعض الظالم على يديه إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... وأبصرت يوم الحشر من قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثله ... وأنك لم ترصد كما كان أرصدا العمل بغير إخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملا يثقله ولا ينفعه إذا حملت على القلب هموم الدنيا وأثقالها وتهاونت بأوراده التي هي قوته وحياته كنت كالمسافر الذي يحمل دابته فوق طاقتها ولا يوفيها علفها فما أسرع ما تقف به ومشتت العزمات ينفق عمره ... حيران لا ظفر ولا إخفاق(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5769",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هل السائق العجلان يملك أمره ... فما كل سير اليعملات وحيد رويدا بأخفاف المطى فإنما ... تداس جباه تحتها وخدود من تلمح حلاوة العافية هان عليه مرارة الصبر الغاية أول في التقدير آخر في الوجود مبدأ في نظر العقل منتهى في منازل الوصول ألفت عجز العادة فلو علت بك همتك ربا المعالي لاحت لك أنوار العزائم إنما تفاوت القوم بالهمم لا بالصور تزول همة الكساح دلاه في جب العذرة بينك وبين الفائزين جبل الهوى نزلوا بين يديه ونزلت خلفه فاطو فضل منزل تلحق بالقوم الدنيا مضمار سباق وقد انعقد الغبار وخفي السابق والناس في المضمار بين فارس وراجل وأصحاب حمر معقرة سوف ترى إذا انجلى الغبار ... أفرس تحتك أم حمار في الطبع شره والحمية أوفق لص الحرص لا يمشي إلا في ظلام الهوى حبة المشتهى تحت فخ التلف فتفكر الذبح وقد هان الصبر قوة الطمع في بلوغ الأمل توجب الاجتهاد في الطلب وشدة الحذر من فوت المأمول البخيل فقير لا يؤجر على فقره الصبر على عطش الضر ولا الشرب من شرعة من تجوع الحرة ولا تأكل ثدييها لا تسأل سوى مولاك فسؤال العبد غير سيده تشنيع عليه غرس الخلوة يثمر الأنس استوحش مما لا يدوم معك واستأنس بمن لا يفارقك عزلة الجاهل فساد وأما عزلة العالم فمعها حذاؤها وسقاؤها إذا اجتمع العقل واليقين في بيت العرلة واستحضر الفكر وجرت بينهم مناجاة أتاك حديث لا يمل سماعه ... شهى إلينا نثره ونظامه إذا ذكرته النفس زال عناؤها ... وزال عن القلب المعنى ظلامه إذا خرجت من عدوك لفظة سفه فلا تلحقها بمثلها تلقحها ونسل الخصام نسل مذموم حميتك لنفسك أثر الجهل بها فلو عرفتها حق معرفتها أعنت الخصم عليها إذا اقتدحت نار الانتقام من نار الغضب ابتدأت بإحراق القادح أوثق(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5770",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غضبك بسلسلة الحلم فإنه كلب إن أفلت أتلف من سبقت له سابقة السعادة دل على الدليل قبل الطلب إذا أراد القدر شخصا بذر في أرض قلبه بذر التوفيق ثم سقاه بماء الرغبة والرهبة ثم أقام عليه بأطوار المراقبة واستخدم له حارس العلم فإذا الزرع قائم على سوقه إذا طلع نجم الهمة في ظلام ليل البطالة وردفه قمر العزيمة أشرقت أرض القلب بنور ربها إذا جن الليل تغالب النوم والسهر فالخوف والشوق في مقدم عسكر اليقظة والكسل والتواني في كتيبة الغفلة فإذا حمل العزم حمل على الميمنة وانهزمت جنود التفريط فما يطلع الفجر إلا وقد قسمت السهمان وبردت الغنيمة لأهلها سفر الليل لا يطيقه إلا مضمر المجاعة النجائب في الأول وحاملات الزاد في الأخير لا تسأم من الوقوف على الباب ولو طردت ولا تقطع الاعتذار ولو رددت فإن فتح الباب للمقبولين دونك فاهجم هجوم الكذابين وادخل دخول الطفيلية وابسط كف وتصدق علينا يا مستفتحا باب المعاش بغير إقليد التقوى كيف توسع طريق الخطايا وتشكو ضيق الرزق ولو وقفت عند مراد التقوى لم يفتك مراد المعاصي سد في باب الكسب وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه تالله ما جئتكم زائرا ... إلا وجدت الأرض تطوي لي ولا انثنى عزمي عن بابكم ... إلا تعثرت بأذيالي الأرواح في الأشباح كالأطيار في الأبراج وليس ما أعد للاستفراخ كمن هيء للسباق من أراد من العمال أن يعرف قدره عند السلطان فلينظر ماذا يوليه من العمل وبأي شغل يشغله كن من أبناء الآخرة ولا تكن من أبناء الدنيا فإن الولد يتبع الأم الدنيا لا تساوي نقل أقدامك إليها فكيف تعدو خلفها الدنيا جيفة والأسد لا يقع على الجيف الدنيا مجاز والآخرة وطن والأوطار إنما تطلب في الأوطان الاجتماع بالإخوان قسمان أحدهما اجتماع على مؤانسة الطبع وشغل الوقت فهذا(1\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5771",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مضرته أرجح من منفعته وأقل ما فيه أنه يفسد القلب ويضيع الوقت الثاني الاجتماع بهم على التعاون على أسباب النجاة والتواصي بالحق والصبر فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها ولكن فيه ثلاث آفات احداها تزين بعضهم لبعض الثانية الكلام والخلطة أكثر من الحاجة الثالثة أن يصير ذلك شهوة وعادة ينقطع بها عن المقصود وبالجملة فالاجتماع والخلطة لقاح أما للنفس الأمارة وأما للقلب والنفس المطمئنة والنتيجة مستفادة من اللقاح فمن طلب لقاحه طابت ثمرته وهكذا الأرواح الطيبة لقاحها من الملك والخبيثة لقاحها من الشيطان وقد جعل الله سبحانه بحكمته الطيبات للطيبين والطيبين للطيبات وعكس ذلك قاعدة ليس في الوجود الممكن سبب واحد مستقل بالتأثير بل لا يؤثر سبب البتة إلا بانضمام سبب آخر إليه وانتفاء مانع يمنع تأثيره هذا في الأسباب المشهودة بالعيان وفي الأسباب الغائبة والأسباب المعنوية كتأثير الشمس في الحيوان والنبات فإنه موقوف على أسباب أخر من وجود محل قابل وأسباب أخر تنضم إلى ذلك السبب وكذلك حصول الولد موقوف على عدة أسباب غير وطء الفحل وكذلك جميع الأسباب مع مسبباتها فكل ما يخاف ويرجى من المخلوقات فأعلى غاياته أن يكون جزء سبب غير مستقل بالتأثير ولا يستقل بالتأثير وحده دون توقف تأثيره على غيره إلا الله الواحد القهار فلا ينبغي أن يرجى ولا يخاف غيره وهذا برهان قطعي على أن تعلق الرجاء والخوف بغيره باطل فإنه لو فرض أن ذلك سبب مستقل وحده بالتأثير لكانت سببيته من غيره لا منه فليس له من نفسه قوة يفعل بها فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله فهو الذي بيده الحول كله والقوة كلها فالحول والقوة التي يرجى لأجلهما المخلوق ويخاف إنما هما لله وبيده في الحقيقة فكيف يخاف ويرجى من لا حول له ولا قوة بل خوف المخلوق ورجاؤه أحد أسباب الحرمان ونزول المكروه بمن يرجوه ويخافه فإنه على قدر خوفك من(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5772",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غير الله يسلط عليك وعلى قدر رجائك لغيره يكون الحرمان وهذا حال الخلق أجمعه وإن ذهب عن أكثرهم علما وحالا فما شاء الله كان ولا بد وما لم يشأ لم يكن ولو اتفقت عليه الخليقة التوحيد مفزع أعدائه وأوليائه فأما أعداؤه فينجيهم من كرب الدنيا وشدائدها فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون وأما أولياؤه فينجيهم به من كربات الدنيا والآخرة وشدائدها ولذلك فزع إليه يونس فنجاه الله من تلك الظلمات وفزع إليه أتباع الرسل فنجوا به مما عذب به المشركون في الدنيا وما أعد لهم في الآخرة ولما فزع إليه فرعون عند معاينة الهلاك وإدراك الغرق له لم ينفعه لأن الإيمان عند المعاينة لا يقبل هذه سنة الله في عباده فما دفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه بالتوحيد فلا يلقى في الكرب العظام إلا الشرك ولا ينجي منها إلا التوحيد فهو مفزع الخليقة وملجؤها وحصنها وغياثها وبالله التوفيق فائدة اللذة تابعة للمحبة تقوى بقوتها وتضعف بضعفها فكلما كانت الرغبة في المحبوب والشوق إليه أقوى كانت اللذة بالوصول إليه أتم والمحبة والشوق تابع لمعرفته والعلم به فكلما كان العلم به أتم كانت محبته أكمل فإذا رجع كمال النعيم في الآخرة وكمال اللذة إلى العلم والحب فمن كان يؤمن بالله وأسمائه وصفاته ودينه أعرف كان له أحب وكانت لذته بالوصول إليه مجاورته والنظر الي جهه وسماع كلامه أتم وكل لذة ونعيم وسرور وبهجة بالإضافة إلى ذلك كقطرة في بحر فكيف يؤثر من له عقل لذة ضعيفة قصيرة مشوبة بالآلام على لذة عظيمة دائمة أبد الآباد وكمال العبد بحسب هاتين القوتين العلم والحب وأفضل العلم العلم بالله وأعلى الحب الحب له وأكمل اللذة بحسبهما والله المستعان(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5773",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قاعدة طالب الله والدار الآخرة لا يستقيم له سيره وطلبه إلا بحبسين حبس قلبه في طلبه ومطلوبه وحبسه عن الالتفات إلى غيره وحبس لسانه عما لا يفيد وحبسه على ذكر الله وما يزيد في إيمانه ومعرفته وحبس جوارحه عن المعاصي والشهوات وحبسها على الواجبات والمندوبات فلا يفارق الحبس حتى يلقى ربه فيخلصه من السجن إلى أوسع فضاء وأطيبه ومتى لم يصبر على هذين الحبسين وفر منهما إلى فضاء الشهوات أعقبه ذلك الحبس الفظيع عند خروجه من الدنيا فكل خارج من الدنيا إما متخلص من الحبس وإما ذاهب إلى الحبس وبالله التوفيق ودع ابن عون رجلا فقال عليك بتقوى الله فإن المتقى ليست عليه وحشة وقال زيد بن أسلم كان يقال من اتقى الله أحبه الناس وإن كرهوا وقال الثوري لابن أبي ذئب إن اتقيت الله كفاك الناس وإن اتقيت الناس لن يغنوا عنك من الله شيئا وقال سليمان بن داود أوتينا مما أوتي الناس ومما لم يؤتوا وعلمنا مما علم الناس ومما لم يعلموا فلم نجد شيئا أفضل من تقوى الله في السر والعلانية والعدل في الغضب والرضا والقصد في الفقر والغنى وفي الزهد للإمام أحمد أثر إلهي ما من مخلوق اعتصم بمخلوق دوني إلا قطعت أسباب السموات والأرض دونه فإن سألني لم أعطه وإن دعاني لم أجبه وإن استغفرني لم أغفر له وما من مخلوق اعتصم بي دون خلقي إلا ضمنت السموات والأرض رزقه فإن سألني أعطيته وإن دعاني أجبته وإن استغفرني غفرت له  فائدة جليلة جمع النبى بين تقوى الله وحسن الخلق لأن تقوى الله يصلح ما بين العبد وبين ربه وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه فتقوى الله توجب له محبة الله وحسن الخلق يدعو إلى محبته(1\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5774",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة جليلة بين العبد وبين الله والجنة قنطرة تقطع بخطوتين خطوة عن نفسه وخطوة عن الخلق فيسقط نفسه ويلغيها فيما بينه وبين الناس ويسقط الناس ويلغيهم فيما بينه وبين الله فلا يلتفت إلا إلى من دله على الله وعلى الطريق الموصلة إليه صاح بالصحابة واعظ اقترب للناس حسابهم فجزعت للخوف قلوبهم فجرت من الحذر العيون فسالت أودية بقدرها تزينت الدنيا لعلي فقال أنت طالق ثلاثا لا رجعة لي فيك وكانت تكفيه واحدة للسن لكنه جمع الثلاث لئلا يتصور للهوى جواز المراجعة ودينه الصحيح وطبعه السليم يأنفان من المحلل كيف وهو أحد رواة حديث لعن الله المحلل ما في هذه الدار موضع خلوة فاتخذه في نفسك لا بد أن تجذبك الجواذب فاعرفها وكن منها على حذر لا تضرك الشواغل إذا خلوت منها وأنت فيها نور الحق أضوأ من الشمس فيحق لخفافيش البصائر أن تعشو عنه الطريق إلى الله خال من أهل الشك ومن الذين يتبعون الشهوات وهو معمور بأهل اليقين والصبر وهم على الطريق كالأعلام وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون  قاعدة لشهادة أن لا إله إلا الله عند الموت تأثير عظيم في تكفير السيئات وإحباطها لأنها شهادة من عبد موقن بها عارف بمضمونها قد ماتت منه الشهوات ولانت نفسه المتمردة وانقادت بعد إبائها واستعصائها وأقبلت بعد إعراضها وذلت بعد عزها وخرج منها حرصا على الدنيا وفضولها واستخذت بين يدي ربها وفاطرها ومولاها الحق أذل ما كانت له وأرجى ما كانت لعفوه ومغفرته ورحمته وتجرد(1\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5775",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منها التوحيد بانقطاع أسباب الشرك وتحقق بطلانه فزالت منها تلك المنازعات التي كانت مشغولة بها واجتمع همها على من أيقنت بالقدوم عليه والمصير إليه فوجه العبد وجهه بكليته إليه وأقبل بقلبه وروحه وهمه عليه فاستسلم وحده ظاهرا وباطنا واستوى سره وعلانيته فقال لا إله إلا الله مخلصا من قلبه وقد تخلص قلبه من التعلق بغيره والالتفات إلى ما سواه قد خرجت الدنيا كلها من قلبه وشارف القدوم على ربه وخمدت نيران شهوته وامتلأ قلبه من الآخرة فصارت نصب عينيه وصارت الدنيا وراء ظهره فكانت تلك الشهادة الخالصة خاتمة عمله فطهرته من ذنوبه وأدخلته على ربه لأنه لقي ربه بشهادة صادقة خالصة وافق ظاهرها باطنها وسرها علانيتها فلو حصلت له الشهادة على هذا الوجه في أيام الصحة لاستوحش من الدنيا وأهلها وفر إلى الله من الناس وأنس به دون ما سواه لكنه شهد بها بقلب مشحون بالشهوات وحب الحياة وأسبابها ونفس مملوءة بطلب الحظوظ والالتفات إلى غير الله فلو تجردت كتجردها عند الموت لكان لها نبأ آخر وعيش آخر سوى عيشها البهيمي والله المستعان ماذا يملك من أمره من ناصيته بيد الله ونفسه بيده وقلبه بين أصبعين من أصابعه يقلبه كيف يشاء وحياته بيده وموته بيده وسعادته بيده وشقاوته بيده وحركاته وسكناته وأقواله وأفعاله بإذنه ومشيئته فلا يتحرك إلا بإذنه ولا يفعل إلا بمشيئته إن وكله إلى نفسه وكله إلى عجز وضيعة وتفريط وذنب وخطيئة وإن وكله إلى غيره وكله إلى من لا يملك له ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وإن تخلى عنه استولى عليه عدوه وجعله أسيرا له فهو لا غنى له عنه طرفة عين بل هو مضطر إليه على مدى الأنفاس في كل ذرة من ذراته باطنا وظاهرا فاقته تامة إليه ومع ذلك فهو متخلف عنه معرض عنه يتبغض إليه بمعصيته مع شدة الضرورة إليه من كل وجه قد صار لذكره نسيا واتخذه وراءه ظهريا هذا وإليه مرجعه وبين يديه موقفه(1\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5776",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فرغ خاطرك للهم بما أمرت به ولا تشغله بما ضمن لك فإن الرزق والأجل قرينان مضمونان فما دام الأجل باقيا كان الرزق آتيا وإذا سد عليك بحكمته طريقا من طرقه فتح لك برحمته طريقا أنفع لك منه فتأمل حال الجنين يأتيه غذاؤه وهو الدم من طريق واحدة وهو السرة فلما خرج من بطن الأم وانقطعت تلك الطريق فتح له طريقين اثنين وأجرى له فيهما رزقا أطيب وألذ من الأول لبنا خالصا سائغا فإذا تمت مدة الرضاع وانقطعت الطريقان بالفطام فتح طرقا أربعة أكمل منها طعامان وشرابان فالطعامان من الحيوان والنبات والشرابان من المياه والألبان وما يضاف إليهما من المنافع والملاذ فإذا مات انقطعت عنه هذه الطرق الأربعة لكنه سبحانه فتح له إن كان سعيدا طرقا ثمانية وهي أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء فهكذا الرب سبحانه لا يمنع عبده المؤمن شيئا من الدنيا إلا ويؤتيه أفضل منه وأنفع له وليس ذلك لغير المؤمن فإنه يمنعه الحظ الأدنى الخسيس ولا يرضى له به ليعطيه الحظ الأعلى النفيس والعبد لجهله بمصالح نفسه وجهله بكرم ربه وحكمته ولطفه لا يعرف التفاوت بين ما منع منه وبين ما ذخر له بل هو مولع بحب العاجل وإن كان دنيئا وبقلة الرغبة في الآجل وإن كان عليا ولو أنصف العبد ربه وأنى له بذلك لعلم أن فضله عليه فيما منعه من الدنيا ولذاتها ونعيمها أعظم من فضله عليه فيما آتاه من ذلك فما منعه إلا ليعطيه ولا ابتلاه إلا ليعافيه ولا امتحنه إلا ليصافيه ولا أماته إلا ليحييه ولا أخرجه إلى هذه الدار إلا ليتأهب منها للقدوم عليه وليسلك الطريق الموصلة إليه فجعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا وأبى الظالمون إلا كفورا والله المستعان من عرف نفسه اشتغل بإصلاحها عن عيوب الناس من عرف ربه اشتغل به عن هوى نفسه أنفع العمل أن تغيب فيه عن الناس بالإخلاص وعن نفسك بشهود المنة فلا ترى فيه نفسك ولا ترى الخلق(1\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5777",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دخل الناس النار من ثلاثة أبواب باب شبهة أورثت شكا في دين الله وباب شهوة أورثت تقديم الهوى على طاعته ومرضاته وباب غضب أورث العدوان على خلقه أصول الخطايا كلها ثلاثة الكبر وهو الذي أصار إبليس إلى ما أصاره والحرص وهو الذي أخرج آدم من الجنة والحسد وهو الذي جرأ أحدا بني آدم على أخيه فمن وقي شر هذه الثلاثة فقد وقى الشر فالكفر من الكبر والمعاصي من الحرص والبغي والظلم من الحسد جعل الله بحكمته كل جزء من أجزاء ابن آدم ظاهرة وباطنة آلة لشيء إذا استعمل فيه فهو كماله فالعين آلة للنظر والأذن آلة للسماع والأنف آلة للشم واللسان آلة للنطق والفرج للنكاح واليد للبطش والرجل للمشي والقلب للتوحيد والمعرفة والروح للمحبة والعقل آلة للتفكر والتدبر لعواقب الأمور الدينية والدنيوية وإيثار ما ينبغي إيثاره وإهمال ما ينبغي إهماله أخسر الناس صفقة من اشتغل عن الله بنفسه بل أخسر منه من اشتغل عن نفسه بالناس في السنن من حديث أبي سعيد يرفعه إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان تقول اتق الله فإنما نحن بك فان استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا قوله تكفر اللسان قيل معناه تخضع له وفي الحديث أن الصحابة لما دخلوا على النجاشي لم يكفروا له أي لم يسجدوا ولم يخضعوا ولذلك قال له عمرو بن العاص أيها الملك إنهم لا يكفرون لك وإنما خضعت للسان لأنه بريد القلب وترجمانه والواسطة بينه وبين الأعضاء وقولها إنما نحن بك أي نجاتنا بك وهلاكنا بك ولهذا قالت فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5778",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل جمع النبي في قوله فاتقوا الله وأجملوا في الطلب بين مصالح الدنيا والآخرة ونعيمها ولذاتها إنما ينال بتقوى الله وراحة القلب والبدن وترك الاهتمام والحرص الشديد والتعب والعناد والكد والشقاء في طلب الدنيا إنما ينال بالإجمال في الطلب فمن اتقى الله فاز بلذة الآخرة ونعيمها ومن أجمل في الطلب استراح من نكد الدنيا وهمومها فالله المستعان قد نادت الدنيا على نفسها ... لو كان في ذا الخلق من يسمع كم واثق بالعيش أهلكته ... وجامع فرقت ما يجمع  فائدة جمع النبي بين المأثم والمغرم فإن المأثم يوجب خسارة الآخرة والمغرم يوجب خسارة الدنيا  فائدة قال تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا علق سبحانه الهداية بالجهاد فأكمل الناس هداية أعظمهم جهادا وأفرض الجهاد جهاد النفس وجهاد الهوى وجهاد الشيطان وجهاد الدنيا فمن جاهد هذه الأربعة في الله هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطل من الجهاد قال الجنيد والذين جاهدوا أهواءهم فينا بالتوبة لنهدينهم سبل الإخلاص ولا يتمكن من جهاد عدوه في الظاهر إلا من جاهد هذه الأعداء باطنا فمن نصر عليها نصر على عدوه ومن نصرت عليه نصر عليه عدوه(1\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5779",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ألقى الله سبحانه العداوة بين الشيطان وبين الملك والعداوة بين العقل وبين الهوى والعداوة بين النفس الأمارة وبين القلب وابتلى العبد بذلك وجمع له بين هؤلاء وأمد كل حزب بجنود وأعوان فلا تزال الحرب سجالا ودولا بين الفريقين إلى أن يستولي أحدهما على الآخر ويكون الآخر مقهورا معه فإذا كانت النوبة للقلب والعقل والملك فهنالك السرور والنعيم واللذة والبهجة والفرح وقرة العين وطيب الحياة وانشراح الصدر والفوز بالغنائم وإذا كانت النوبة للنفس والهوى والشيطان فهنالك الغموم والهموم والأحزان وأنواع المكاره وضيق الصدر وحبس الملك فما ظنك بملك استولى عليه عدوه فأنزله عن سرير ملكه وأسره وحبسه وحال بينه وبين خزائنه وذخائره وخدمه وصيرها له ومع هذا فلا يتحرك الملك لطلب ثأره ولا يستغيث بمن يغيثه ولا يستنجد بمن ينجده وفوق هذا الملك ملك قاهر لا يقهر وغالب لا يغلب وعزيز لا يذل فأرسل إليه إن استنصرتني نصرتك وإن استغثت بي أغثتك وإن التجأت إلي أخذت بثأرك وإن هربت إلي وأويت إلي سلطتك على عدوك وجعلته تحت أسرك فإن قال هذا الملك المأسور قد شد عدوي وثاقي وأحكم رباطي واستوثق مني بالقيود ومنعني من النهوض إليك والفرار إليك والمسير إلى بابك فإن أرسلت جندا من عندك يحل وثاقي ويفك قيودي ويخرجني من حبسه أمكنني أن أوافي بابك وإلا لم يمكنني مفارقة محبسي ولا كسر قيودي فإن قال ذلك احتجاجا على ذلك السلطان ودفعا لرسالته ورضا بما هو فيه عند عدوه خلاه السلطان الأعظم وحاله وولاه ما تولى وإن قال ذلك افتقارا إليه وإظهارا لعجزه وذله وأنه أضعف وأعجز أن يسير إليه بنفسه ويخرج من حبس عدوه ويتخلص منه بحوله وقوته وأن من تمام نعمته ذلك عليه كما أرسل إليه هذه الرسالة أن يمده من جنده(1\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5780",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومماليكه بمن يعينه على الخلاص ويكسر باب محبسه ويفك قيوده فإن فعل به ذلك فقد أتم إنعامه عليه وان تخلى عنه فلم يظلمه ولا منعه حقا هوله وأن حمده وحكمته اقتضى منعه وتخليته في محبسه ولا سيما إذا علم أن الحبس حبسه وأن هذا العدو الذي حبسه مملوك من مماليكه وعبد من عبيده ناصيته بيده لا يتصرف إلا بإذنه ومشيئته فهو غير ملتفت إليه ولا خائف منه ولا معتقد أن له شيئا من الأمر ولا بيده نفع ولا ضر بل هو ناطر إلى مالكه ومتولي أمره ومن ناصيته بيده قد أفرده بالخوف والرجاء والتضرع إليه والالتجاء والرغبة والرهبة فهناك تأتيه جيوش النصر والظفر أعلى الهمم في طلب علم الكتاب والسنة والفهم عن الله ورسوله نفس المراد وعلم حدود المنزل وأخس همم طلاب العلم قصر همته على تتبع شواذ المسائل وما لم ينزل ولا هو واقع أو كانت همته معرفة الاختلاف وتتبع أقوال الناس وليس له همة إلى معرفة الصحيح من تلك الأقوال وقل أن ينتفع واحد من هؤلاء بعلمه وأعلى الهمم في باب الإرادة أن تكون الهمة متعلقة بمحبة الله والوقوف مع مراده الديني الأمري وأسفلها أن تكون الهمة واقفة مع مراد صاحبها من الله فهو إنما يعبده لمراده منه لا لمراد الله منه فالأول يريد الله ويريد مراده والثاني يريد من الله وهو فارغ عن إرادته علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم ويدعونهم إلى النار بأفعالهم فكلما قالت أقوالهم للناس هلموا قالت أفعالهم لا تسمعوا منهم فلو كان ما دعوا إليه حقا كانوا أول المستجيبين له فهم في الصورة أدلاء وفي الحقيقة قطاع الطرق إذا كان الله وحده حظك ومرادك فالفضل كله تابع لك يزدلف إليك أي أنواعه تبدأ به وإذا كان حظك ما تنال منه فالفضل موقوف عنك لأنه بيده تابع له فعل من أفعاله فإذا حصل لك حصل لك الفضل بطريق الضمن والتبع وإذا كان الفضل مقصودك لم يحصل الله بطريق الضمن والتبع فإن(1\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5781",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كنت قد عرفته وأنست به ثم سقطت إلى طلب الفضل حرمك إياه عقوبة لك ففاتك الله وفاتك الفضل  فصل لما خرج رسول الله من حصر العدو دخل في حصر النصر فعبثت أيدي سراياه بالنصر في الأطراف فطار ذكره في الآفاق فصار الخلق معه ثلاثة أقسام مؤمن به ومسالم له وخائف منه ألقى بذر الصبر في مزرعة فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل فإذا أغصان النبات تهتز بخزامى والحرمات قصاص فدخل مكة دخولا ما دخله أحد قبله ولا بعده حوله المهاجرون والأنصار لا يبين منهم إلا الحدق والصحابة على مراتبهم والملائكة فوق رؤوسهم وجبريل يتردد بينه وبين ربه وقد أباح له حرمه الذي لم يحله لأحد سواه فلما قايس بين هذا اليوم وبين يوم وإذ يمكر الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك فأخرجوه ثاني اثنين دخل وذقنه تمس قربوس سرجه خضوعا وذلا لمن ألبسه ثوب هذا العز الذي رفعت إليه فيه الخليقة رؤوسها ومدت إليه الملوك أعناقها فدخل مكة مالكا مؤيدا منصورا وعلا كعب بلال فوق الكعبة بعد أن كان يجر في الرمضاء على جمر الفتنة فنشر بزا طوى عن القوم من يوم قوله أحد أحد ورفع صوته بالأذان فأجابته القبائل من كل ناحية فأقبلوا يؤمون الصوت فدخلوا في دين الله أفواجا وكانوا قبل ذلك يأتون آحادا فلما جلس الرسول على منبر العز وما نزل عنه قط مدت الملوك أعناقها بالخضوع إليه فمنهم من سلم إليه مفاتيح البلاد ومنهم من سأله الموادعة والصلح ومنهم من أقر بالجزية والصغار ومنهم من أخذ في الجمع والتأهب للحرب ولم يدر أنه لم يزد على جمع الغنائم وسوق الأسارى إليه فلما تكامل نصره وبلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاءه منشور إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك(1\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5782",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله نصرا عزيزا وبعده توقيع إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا جاءه رسول ربه يخبره بين المقام في الدنيا وبين لقائه فاختار لقاء ربه شوقا إليه فتزينت الجنان ليوم قدوم روحه الكريمة لا كزينة المدينة يوم قدوم الملك إذا كان عرش الرحمن فقد اهتز لموت بغض أتباعه فرحا واستبشارا بقدوم روحه فكيف بروح سيد الخلائق فيا منتسبا إلى غير هذا الجناب ويا واقفا بغير هذا الباب ستعلم يوم الحشر أي سريرة تكون عليها يوم تبلى السرائر  فصل يا مغرورا بالأماني لعن إبليس وأهبط من منزل العز بترك سجدة واحدة أمر بها وأخرج آدم من الجنة بلقمة تناولها وحجب القاتل عنها بعد أن رآها عيانا بملء كف من دم وأمر بقتل الزاني أشنع القتلات بإيلاج قدر الأنملة فيما لا يحل وأمر بإيساع الظهر سياطا بكلمة قذف أو بقطرة سكر وأبان عضوا من أعضائك بثلاثة دراهم فلا تأمنه أن يحبسك في النار بمعصية واحدة من معاصيه ولا يخاف عقباها دخلت امرأة النار في هرة وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب وإن الرجل ليعمل بطاعة الله ستين سنة فإذا كان عند الموت جار في الوصية فيختم له بسوء عمله فيدخل النار العمر بى خره والعمل بخاتمته من أحدث قبل السلام بطل ما مضى من صلاته ومن أفطر قبل غروب الشمس ذهب صيامه ضائعا ومن أساء في آخر عمره لقى ربه في ذلك الوجه لو قدمت لقمة وجدتها ولكن يؤذيك الشره كم جاء الثواب يسعى إليك فوقف بالباب فرده بواب سوف ولعل وعسى كيف الفلاح(1\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5783",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بين إيمان ناقص وأمل زائد ومرض لا طبيب له ولا عائد وهوى مستيقظ وعقل راقد ساهيا في غمرته عمها في سكرته سابحا في لجة جهله مستوحشا من ربه مستأنسا بخلقه ذكر الناس فاكهته وقوته وذكر الله حبسه وموته لله منه جزء يسير من ظاهره وقلبه ويقينه لغيره لا كان من سواك فيه بقية ... يجد السبيل بها إليه العذل  فصل كان أول المخلوقات القلم ليكتب المقادير قبل كونها وجعل آدم وآخر المخلوقات وفي ذلك حكم أحدها تمهيد الدار قبل الساكن الثانية أنه الغاية التي خلق لأجلها ما سواه من السموات والأرض والشمس والقمر والبر والبحر الثالثة أن أحذق الصناع يختم عمله بأحسنه وغايته كما يبدؤه بأساسه ومبادئه الرابعة أن النفوس متطلعة إلى النهايات والأواخر دائما ولهذا قال موسى للسحرة ولا ألقوا ما أنتم ملقون فلما رأى الناس فعلهم تطلعوا إلى ما يأتي بعده الخامسة أن الله سبحانه أخر أفضل الكتب والأنبياء والأمم إلى آخر الزمان وجعل الآخرة خيرا من الأولى والنهايات أكمل من البدايات فكم بين قول الملك للرسول اقرأ فيقول ما أنا بقارىء وبين قوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم السادسة ان سبحانه جمع ما فرقه في العالم في آدم فهو العالم الصغير وفيه ما في العالم الكبير السابعة ان خلاصة الوجود وثمرته فناسب أن يكون خلقه بعد الموجودات الثامنة أن من كرامته على خالقه أنه هيأ له مصالحه وحوائجه وآلات معيشته وأسباب حياته فما رفع رأسه إلا وذلك كله حاضر عتيد التاسعة أنه سبحانه أراد أن يظهر شرفه وفضله على سائر المخلوقات فقدمها عليه في الخلق ولهذا قالت الملائكة ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقا أكرم عليه منا فلما خلق آدم وأمرهم بالسجود له ظهر فضله وشرفه عليهم بالعلم والمعرفة فلما وقع في الذنب ظنت الملائكة أن ذلك الفضل(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5784",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قد نسخ ولم تطلع على عبودية التوبة الكامنة فلما تاب إلى ربه وأنى بتلك العبودية علمت الملائكة أن لله في خلقه سرا لا يعلمه سواه العاشرة أنه سبحانه لما افتتح خلق هذا العالم بالقلم من أحسن المناسبة أن يختمه بخلق الإنسان فإن القلم آلة العلم والإنسان هو العالم ولهذا أظهر سبحانه فضل آدم على الملائكة بالعلم الذي خص به دونهم وتأمل كيف كتب سبحانه عذر آدم قبل هبوطه إلى الأرض ونبه الملائكة على فضله وشرفه ونوه باسمه قبل إيجاده بقوله إني جاعل في الأرض خليفة وتأمل كيف وسمه بالخلافة وتلك ولاية له قبل وجوده وأقام عذره قبل الهبوط بقوله في الأرض والمحب يقيم عذر المحبوب قبل جنايته فلما صوره ألقاه على باب الجنة أربعين سنة لأن دأب المحب الوقوف على باب الحبيب رمى به في طريق ذل لم يكن شيئا لئلا يعجب يوم اسجدوا كان إبليس يمر على جسده فيعجب منه ويقول لأمر قد خلقت ثم يدخل من فيه ويخرج من دبره ويقول لئن سلطت عليك لأهلكنك ولئن سلطت علي لأعصينك ولم يعلم أن هلاكه على يده رأى طينا مجموعا فاحتقر فلما صور الطين صورة دب فيه داء الحسد فلما نفخ فيه الروح مات الحاسد فلما بسط له بساط العز عرضت عليه المخلوقات فاستحضر مدعي ونحن نسبح إلى حاكم أنبئوني وقد أخفى الوكيل عنه بينة وعلم فنكسوا رؤوس الدعاوى على صدور الإقرار فقام منادي التفضيل في أندية الملائكة ينادي اسجدوا فتطهروا من حديث دعوى ونحن بماء العذر في آنية لا علم لنا فسجدوا على طهارة التسليم وقام إبليس ناحية لم يسجد لأنه خبث وقد تلون بنجاسة الاعتراض وما كانت نجاسته تتلافى بالتطهير لأنها عينية فلما تم كمال آدم قال لا بد من خال جمال على وجه اسجدوا فجرى القدر بالذنب ليتبين أثر العبودية في الذل يا آدم لو عفى لك عن تلك اللقمة لقال الحاسدون كيف فضل ذو شره لم يصبر على شجرة لولا نزولك ما تصاعدت صعداء الأنفاس ولا نزلت رسائل هل من وسائل ولا فاحت(1\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5785",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "روائح ولخلوف فم الصائم فتبين حينئذ أن ذلك التناول لم يكن عن شره يا آدم ضحكك في الجنة لك وبكاؤك في دار التكليف لنا ما ضر من كسره عزي إذا جبره فضلي إنما تليق خلعة العز ببدن الانكسار أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي مازالت تلك الأكلة تعاده حتى استولى داؤه على أولاده فأرسل إليهم اللطيف الخبير الدواء على أيدي أطباء الوجود فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى فحماهم الطبيب بالمناهي وحفظ القوة بالأوامر واستفرغ أخلاطهم الرديئة بالتوبة فجاءت العافية من كل ناحية فيا من ضيع القوة ولم يحفظها وخلط في مرضه وما احتمى ولا صبر على مرارة الاستفراغ لا تنكر قرب الهلاك فالداء مترام إلى الفساد لو ساعد القدر فأعنت الطبيب على نفسك بالحمية من شهوة خسيسة ظفرت بأنواع اللذات وأصناف المشتهيات ولك بخار الشهوة غطى عين البصيرة فظننت أن الحزم بيع الوعد بالنقد يالها بصيرة عمياء جزعت من صبر ساعة واحتملت ذل الأبد سافرت في طلب الدنيا وهي عنها زائلة وقعدت عن السفر إلى الآخرة وهي إليها راحلة إذا رأيت الرجل يشتري الخسيس بالنفيس ويبيع العظيم بالحقير فاعلم بأنه سفيه  فصل لما سلم لآدم أصل العبودية لم يقدح فيه الذنب ابن آدم لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لقيتك بقرابها مغفرة لما علم السيد أن ذنب عبده لم يكن قصدا لمخالفته ولا قدحا في حكمته علمه كيف يعتذر إليه فتلقى آدم م ربه كلمات فتاب عليه العبد لا يريد بمعصيته مخالفة سيده ولا الجرأة على محارمه ولكن غلبات الطبع وتزيين النفس والشيطان وقهر الهوى والثقة بالعفو ورجاء المغفرة هذا من جانب العبد وأما من جانب الربوبية فجريان الحكم وإظهار عز الربوبية وذل العبودية وكمال الاحتياج وظهور آثار الأسماء الحسنى(1\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5786",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كالعفو والغفور والتواب والحليم لمن جاء تائبا نادما والمنتقم والعدل وذي البطش الشديد لمن أصر ولزم المجرة فهو سبحانه يريد أن يرى عبده تفرده بالكمال ونقص العبد وحاجته إليه ويشهده كمال قدرته وعزته وكمال مغفرته وعفوه ورحمته وكمال بره وستره وحلمه وتجاوزه وصفحه وأن رحمته به إحسان إليه لا معارضة وأنه إن لم يتغمده برحمته وفضله فهو هالك لا محالة فلله كم من تقدير الذنب من حكمة وكم فيه مع تحقيق التوبة للعبد من مصلحة ورحمة التوبة من الذنب كشرب الدواء للعليل ورب علة كانت سبب الصحة لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجساد بالعلل لولا تقدير الذنب هلك ابن آدم من العجب ذنب يذل به أحب إليه من طاعة يدل بها عليه شمعة النصر إنما تنزل في شمعدان الانكسار لا يكرم العبد نفسه بمثل إهانتها ولا يعزها بمثل ذلها ولا يريحها بمثل تعبها كما قيل سأتعب نفسي أو أصادف راحة ... فان هوان النفس في كرم النفس ولا يشبعها بمثل جوعها ولا يؤمنها بمثل خوفها ولا يؤنسها بمثل وحشتها من كل ما سوى فاطرها وبارئها ولا يحييها بمثل امانتها كما قيل موت النفوس جياتها ... من شاء أن يحيا يموت شراب الهوى حلو ولكنه يورث الشرق من تذكر خنق الفخ هان عليه هجران الحبة يا معرقلا في شرك الهوى جمزة عزم وقد خرقت الشبكة لا بد من نفوذ القدر فاجنح للسلم لله ملك السموات والارض واستقرض منك حبة فبخلت بها وخلق سبعة أبحر وأحب منك دمعة فقحطت عينك بها إطلاق البصر ينقش قي القلب صورة المنظور والقلب كعبة والمعبود لا يرضى بمزاحمة(1\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5787",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأصنام لذات الدنيا كسوداء وقد غلبت عليك والحور العين يعجبن من سوء اختيارك عليهن غير أن زوبعة الهوى إذا ثارت سفت في عين البصيرة فخفيت الجادة سبحان الله تزينت الجنة للخطاب فجدوا في تحصيل المهر وتعرف رب العزة إلى المحبين بأسمائه وصفاته فعملوا على اللقاء وأنت مشغول بالجيف لا كان من لسواك منه قلبه ... ولك اللسان مع الوداد الكاذب المعرفة بساط لا يطأ عليه إلا مقرب والمحبة نشيد لا يطرب عليه إلا محب مغرم الحب غدير في صحراء ليست عليه جادة فلهذا قل وارده المحب يهرب إلى العزلة والخلوة بمحبوبه والأنس بذكره كهرب الحوت إلى الماء والطفل إلى أمه وأخرج من بين البيوت لعلني ... أحدث عنك القلب بالسر خاليا ليس للعابد مستراح إلا تحت شجرة طوبى ولا للمحب قرار إلا يوم المزيد اشتغل به في الحياة يكفك ما بعد الموت يا منفقا بضاعة العمر في مخالفة حبيبه والبعد منه ليس في أعدائك أضر عليك منك ما تبلغ الأعداء من جاهل ... من يبلغ الجاهل من نفسه الهمة العلية من استعد صاحبها للقاء الحبيب وقدم التقادم بين يدي الملتقى فاستبشر عند القدوم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين تالله ما عدا عليك العدو إلا بعد أن تولى عنك الولي فلا تظن أن الشيطان غلب ولكن الحافظ أعرض احذر نفسك فما أصابك بلاء قط إلا منها ولا تهادنها فوالله ما أكرمها من لم يهنها ولا أعزها من لم يذلها ولا جبرها من لم يكسرها ولا أراحها من لم يتبعها ولا أمنها من لم يخوفها ولا فرحها من لم يحزنها سبحان الله ظاهرك متجمل بلباس التقوى وباطنك باطية(1\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5788",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لخمر الهوى فكلما طيبت الثوب فاحت رائحة المسكر من تحته فتباعد منك الصادقون وانحاز إليك الفاسقون يدخل عليك لص الهوى وأنت في زاوية التعبد فلايرى منك طردا له فلا يزال بك حتى يخرجك من المسجد أصدق في الطلب وقد جاءتك المعونة فقال رجل لمعروف علمني المحبة فقال المحبة لا تجيء بالتعليم هو الشوق مدلولا على مقتل الفنا ... إذا لم يعد صبا بلقيا حبيبه ليس العجيب من قوله يحبونه إنما العجب من قوله يحبهم ليس العجب من فقير مسكين يحب محسنا إليه إنما العجب من محسن يحب فقيرا مسكينا  فصل القرآن كلام الله وقد تجلى الله فيه لعباده وصفاته فتارة يتجلى في جلباب الهيبة والعظمة والجلال فتخضع الأعناق وتنكسر النفوس وتخشع الأصوات ويذوب الكبر كما يذوب الملح في الماء وتارة يتجلى في صفات الجمال والكمال وهو كمال الأسماء وجمال الصفات وجمال الأفعال الدال على كمال الذات فيستنفد حبه من قلب العبد قوة الحب كلها بحب ما عرفه من صفات جماله ونعوت كماله فيصبح فؤاد عبده فارغا إلا من محبته فإذا أراد منه الغيران يعلق تلك المحبة به أبى قلبه وأحشاؤه ذلك كل الإباء كما قيل يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل فتبقى المحبة له طبعا لا تكلفا وإذا تجلى بصفات الرحمة والبر واللطف والإحسان انبعثت قوة الرجاء من العبد وانبسط أمله وقوي طمعه وسار إلى ربه وحادى الرجاء يحدو ركاب سيره وكلما قوي الرجاء جد في العمل كما أن الباذر كلما قوي طمعه في المغل غلق أرضه بالبذر وإذا ضعف رجاؤه قصر في البذر وإذا تجلى بصفات العدل والانتقام(1\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5789",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والغضب والسخط والعقوبة انقمعت النفس الأمارة وبطلت أو ضعفت قواها من الشهوة والغضب واللهو واللعب والحرص على المحرمات وانقبضت أعنة رعوناتها فأحضرت المطية حظها من الخوف والخشية والحذر وإذا تجلى بصفات الأمر والنهي والعهد والوصية وإرسال الرسل وإنزال الكتب شرع الشرائع انبعثت منها قوة الامتثال والتنفيذ لأوامره والتبليغ لها والتواصي بها وذكرها وتذكرها والتصديق بالخبر والامتثال للطلب والاجتناب للنهي وإذا تجلى بصفة السمع والبصر والعلم انبعث من العبد قوة الحياء فيستحي ربه أن يراه على ما يكره أو يسمع منه ما يكره أو يخفي في سريرته ما يمقته عليه فتبقى حركاته وأقواله وخواطره موزونة بميزان الشرع غير مهملة ولا مرسلة تحت حكم الطبيعة والهوى وإذا تجلى بصفات الكفاية والحسب والقيام بمصالح العباد وسوق أرزاقهم إليهم ودفع المصائب عنهم ونصره لأوليائه وحمايته لهم ومعيته الخاصة لهم انبعثت من العبد قوة التوكل عليه والتفويض إليه والرضا به وما في كل ما يجريه على عبده ويقيمه مما يرضى به هو سبحانه والتوكل معنى يلتئم من علم العبد بكفاية الله وحسن اختياره لعبده وثقته به ورضاه بما يفعله به ويختاره له وإذا تجلى بصفات العز والكبرياء أعطت نفسه المطمئنة ما وصلت إليه من الذل لعظمته والانكسار لعزته والخضوع لكبريائه وخشوع القلب والجوارح له فتعلوه السكينة والوقار في قلبه ولسانه وجوارحه وسمته ويذهب طيشه وقوته وحدته وجماع ذلك أنه سبحانه يتعرف إلى العبد بصفات إلهيته تارة وبصفات ربوبيته تارة فيوجب له شهود صفات الإلهية المحبة الخاصة والشوق إلى لقائه والأنس والفرح به والسرور بخدمته والمنافسة في قربه والتودد إليه بطاعته واللهج بذكره والفرار من الخلق إليه ويصير هو وحده همه دون ما سواه ويوجب له شهود صفات الربوبية التوكل عليه والافتقار إليه والاستعانة به والذل والخضوع والانكسار له وكمال ذلك أن يشهد ربوبيته في إلهيته وإلهيته في ربوبيته وحمده في ملكه وعزه في عفوه(1\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5790",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحكمته في قضائه وقدره ونعمته في بلائه وعطاءه في منعه وبره ولطفه وإحسانه ورحمته في قيوميته وعذله في انتقامه وجوده وكرمه في مغفرته وستره وتجاوزه ويشهد حكمته ونعمته في أمره ونهيه وعزه في رضاه وغضبه وحلمه في إمهاله وكرمه في إقباله وغناه في إعراضه وأنت إذا تدبرت القرآن وأجرته من التحريف وأن تقضي عليه بآراء المتكلمين وأفكار المتكلفين أشهدك ملكا قيوما فوق سماواته على عرشه يدبر أمر عباده يأمر وينهي ويرسل الرسل وينزل الكتب ويرضى ويغضب ويثيب ويعاقب ويعطي ويمنع ويعز ويذل ويخفض ويرفع يرى من فوق سبع ويسمع ويعلم السر والعلانية فعال لما يريد موصوف بكل كمال منزه عن كل عيب لا تتحرك ذرة فما فوقها إلا بإذنه ولا تسقط ورقة إلا بعلمه ولا يشفع زهد عنده إلا بإذنه ليس لعباده من دونه ولي ولا شفيع  فصل لما بايع الرسول أهل العقبة أمر أصحابه بالهجرة إلى المدينة فعلمت قريش أن أصحابه قد كثروا وأنهم سيمنعونه فاعلمت آراءها في استخراج الحيل فمنهم من رأى الحبس ومنهم من رأى النفي ثم اجتمع رأيهم على القتل فجاء البريد بالخبر من السماء وأمره أن يفارق المضجع فبات علي مكانه ونهض الصديق لرفقة السفر فلما فارقا بيوت مكة اشتد الحذر بالصديق فجعل يذكر الرصد فيسير أمامه وتارة يذكر الطلب فيتأخر وراءه وتارة عن يمينه وتارة عن شماله إلى أن انتهيا إلى الغار فبدأ الصديق بدخوله ليكون وقاية له إن كان ثم موذ وأنبت الله شجرة لم تكن قبل فأظلمت المطلوب وأضلت الطالب وجاءت عنكبوت فحازت وجه الغار فحاكت ثوب نسجها على منوال الستر فأحكمت الشقة حتى عمي على القائف المطلب وأرسل حمامتين فاتخذتا هناك عشا جعل(1\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5791",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على أبصار الطالبين غشاوة وهذا أبلغ في الإعجاز من مقاومة القوم بالجنود فلما وقف القوم على رؤوسهم وصار كلامهم بسمع الرسول والصديق قال الصديق وقد اشتد به القلق يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى ما تحت قدميه لأبصرنا تحت قدميه فقال رسول الله يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما لما رأى الرسول حزنه قد اشتد لاكن على نفسه قوي قلبه ببشارة لا تحزن إن الله معنا فظهر سر هذا الاقتران في المعية لفظا كما ظهر حكما ومعنى اذا يقال رسول الله وصاحب رسول الله فلما مات قيل خليفة رسول الله ثم انقطعت إضافة الخلافة بموته فقيل أمير المؤمنين فأقاما في الغار ثلاثا ثم خرجا منه ولسان القدر يقول لتدخلنها دخولا لم يدخله أحد قبلك ولا ينبغي لأحد من بعدك فلما استقلا على البيداء لحقهما سراقة بن مالك فلما شارف الظفر أرسل عليه الرسول سهما من سهام الدعاء فساخت قوائم فرسه في الأرض إلى بطنها فلما علم أنه لا سبيل له عليهما أخذ يعرض المال على من قد رد مفاتيح الكنوز ويقدم الزاد إلى شبعان أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني كان تحفة ثاني اثنين مدخرة للصديق دون الجميع فهو الثاني في الإسلام وفي بذل النفس وفي الزهد وفي الصحبة وفي الخلافة وفي العمر وفي سبب الموت لأن الرسول مات عن أثر السم وأبو بكر سم فمات أسلم على يديه من العشرة عثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وكان عنده يوم أسلم أربعون ألف درهم فأنفقها أحوج ما كان الإسلام إليها فلهذا اجلبت نفقته عليه ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر فهو خير من مؤمن آل فرعون لأن ذلك كان يكتم إيمانه والصديق أعلن به وخير من مؤمن آل ياسين لأن ذلك جاهد ساعة والصديق جاهد سنين عاين طائر الفاقة يحوم حول حب الإيثار ويصيح من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فألقى له حب المال على روض الرضا واستلقى على فراش الفقر فنقل الطائر الحب إلى حوصلة المضاعفة ثم علا على أفنان شجرة الصدق يغرد(1\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5792",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بفنون المدح ثم قال في محاريب الإسلام يتلو وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى نطقت بفضله الآيات والأخبار واجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار فيا مبغضيه في قلوبكم من ذكره نار كلما تليت فضائله علا عليهم الصغار أترى لم يسمع الروافض الكفار ثاني اثنين إذ هما في الغار دعي إلى الإسلام فما تلعثم ولا أبى وسار على المحجة فما زل ولا كبا وصبر في مدته من مدى العدى على وقع الشبا وأكثر في الإنفاق فما قلل حتى تخلل بالعبا تالله لقد زاد على السبك في كل دينار دينار ثاني اثنين إذ هما في الغار من كان قرين النبي في شبابه من ذا الذي سبق إلى الإيمان من أصحابه من الذي أفتى بحضرته سريعا في جوابه من أول من صلى معه من آخر من صلى به من الذي ضاجعه بعد الموت في ترابه فاعرفوا حق الجار نهض يوم الردة بفهم واستيقاظ وأبان من نص الكتاب معنى دق عن حديد الإلحاظ فالمحب يفرح بفضائله والمبغض يغتاظ حسرة الرافضي أن يفر من مجلس ذكره ولكن أين الفرار كم وقى الرسول بالمال والنفس وكان أخص به في حياته وهو ضجيعه في الرمس فضائله جليلة وهي خلية عن اللبس ياعجبا من يغطي عين ضوء الشمس في نصف النهار لقد دخلا غارا لا يسكنه لابث فاستوحش الصديق من خوف الحوادث فقال الرسول ما ظنك باثنين والله الثالث فنزلت السكينة فارتفع خوف الحادث فزال القلق وطاب عيش الماكث فقام مؤذن النصر ينادي على رؤوس منائر الأمصار ثاني اثنين إذ هما في الغار حبه والله رأس الحنيفة وبغضه يدل على خبث الطوية فهو خير الصحابة والقرابة والحجة على ذلك قوية لولا صحة مامته ما قيل ابن الحنيفة مهلا فأن ذم الروافض قد فار والله ما أحببناه لهوانا ولا نعتقد في غيره هوانا ولكن أخذنا بقول علي وكفانا رضيك رسول الله لديننا أفلا نرضاك لدنيانا تالله لقد أخذت من الروافض بالثأر(1\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5793",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تالله لقد وجب حق الصديق علينا فنحن نقضي بمدائحه ونفر بما نقر به من السنى عينا فمن كان رافضيا فلا يعد إلينا وليقل لي أعذار تنبيه اجتنب من يعادي أهل الكتاب والسنة لئلا يعديك خسرانه احترز من عدوين هلك بهما أكثر الخلق صاد عن سبيل الله بشبهاته وزخرف قوله ومفتون بدنياه ورئاسته من خلق فيه قوة واستعداد لشيء كانت لذته في استعمال تلك القوة فيه فلذة من خلقت منه قوة واستعداد للجماع استعمال قوته فيه ولذ 1 ة من خلقت فيه قوة الغضب والثواب باستعمال قوته الغضبية في متعلقها ومن خلقت فيه قوة الأكل والشرب فلذته باستعمال قوته فيهما ومن خلقت فيه قوة العلم والمعرفة فلذته باستعمال قوته وصرفها إلى العلم ومن خلقت فيه قوة الحب لله والإنابة إليه والعكوف بالقلب عليه والشوق إليه والأنس به فلذته ونعيمه استعمال هذه القوة في ذلك وسائر اللذات دون هذه اللذة مضمحلة فانية وأحمد عاقبتها أن تكون لا له ولا عليه تنبيه يا أيها الأعزلاحذر فراسة المتقى فإنه يرى عورة عملك من وراء ستر اتقوا فراسة المؤمن سبحان الله في النفس كبر إبليس وحسد قابيل وعتو عاد وطغيان ثمود وجرأة نمرود واستطالة فرعون وبغي قارون وقحة هامان(1\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5794",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهوى بلعام وحيل أصحاب السبت وتمرد لوليد وجهل أبي جهل وفيها من أخلاق البهائم حرص الغراب وشره الكلب ورعونة الطاووس ودناءة الجعل وعقوق الضب وحقد الجمل ووثوب الفهد وصولة الأسد وفسق الفأرة وخبث الحية وعبث القرد وجمع النملة ومكر الثعلب وخفة الفراش ونوم الضبع غير أن الرياضة والمجاهدة تذهب ذلك فمن استرسل مع طبعه فهو من هذا الجند ولا تصلح سلعته لعقد إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم فما اشترى إلا سلعة هذبها الإيمان فخرجت من طبعها إلى بلد سكانه التائبون العابدون سلم المبيع قبل أن يتلف في يدك فلا يقبله المشتري قد علم المشتري بعيب السلعة قبل أن يشتريها فسلمها ولك الأمان من الرد قدر السلعة يعرف بقدر مشتريها والثمن المبذول فيه والمنادي عليها فإذا كان المشترى عظيما والثمن خطيرا والمنادي جليلا كانت السلعة نفيسة يا بائعا نفسه بيع الهوان لو استرجعت ذا البيع قبل الفوت لم تخب وبائعا طيب عيش ما له خطر ... بطيف عيش من الآلام منتهب غبنت والله غبنا فاحشا ولدى ... يوم التغابن تلقى غاية الحرب وواردا صفو عيش كله كدر ... أمامك الورد حقا ليس بالكذب وحاطب الليل في الظلماء منتصبا ... لكل داهية تدني من العطب ترجوا الشفاء بأحداق بها مرض ... فهل سمعت ببرء جاء من عطب ومفنيا نفسه في أثر أقبحهم ... وصفاللطخ جمال فيه مستلب وواهبا نفسه من مثل ذا سفها ... لو كنت تعرف قدر النفس لم تهب شاب الصبا والتصابي لم يشب ... وضاع وقتك بين اللهو واللعب وشمس عمرك قد حان الغروب لها ... والفيء في الأفق الشرقي لم يغب(1\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5795",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفاز بالوصل من قد جدوا انقشعت ... عن أفقه ظلمات الليل والسحب كم ذا التخلف والدنيا قد ارتحلت ... ورسل ربك قد وافتك في الطلب ما في الديار وقد سارت ركائب من ... تهواه للصب من شكر ولا أرب فافرش الخد ذياك التراب وقل ... ما قاله صاحب الأشواق والحقب ما ربع مية محفوفا يطيف به ... غيلان أشهى له من ربعك الخرب منازلا كان يهواها ويألفها ... أيام كان منال الوصل عن كثب ولا الخدود ولو أدمين من ضرج ... أشهى إلى ناظري من ربعك الخرب وكلما جليت تلك الربوع له ... يهوى إليها هوى الماء في الصبب أحيي له الشوق تذكار العهود بها ... فلو دعي القلب للسلوان لم يجب هذا وكم منزل في الأرض يألفه ... وماله في سواها الدهر من رغب ما في الخيام أخو وجدير يحك إن ... بثثته بعض شأن الحب فاغترب وأسر في غمرات الليل متهديا ... بنفحة الطيب لا بالعود والحطب وعاد كل أخي جبن ومعجزة ... وحارب النفس لا تلقيك في الحرب وخذ لنفسك نورا تستضيء به ... يوم اقتسام الورى الأنوار بالرتب إن كان يوجب صبري رحمتي فرضا ... بسوء حالي وحل للضنا بدني منحتك الروح لا أبغي لها ثمنا ... إلا رضاك ووافقري الا الثمن أحن بأطراف النهار صبابة ... وبالليل يدعوني الهوى فأجيب وإذا لم يكن من العشق بد ... فمن عجز عشق غير الجميل(1\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "73",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5796",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلو أن ما أسعى لعيش معجل ... كفاني منه بعض ما أنا فيه ولكنما أسمى لملك مخلد ... فوا أسفا إن لم أكن بملاقيه يا من هو من أرباب الخبرة هل عرفت قيمة نفسك إنما خلقت الأكوان كلها لك يا من غذى بلبان البر وقلب بأيدي الألطاف كل الأشياء شجرة وأنت الثمرة وصورة وأنت المعنى وصدف وأنت الدر ومخيض وأنت الزبد منشور اختيارنا لك واضح الخط ولكن استخراجك ضعيف متى رمت طلبي فاطلبني عندك اطلبني منك تجدني قريبا ولا تطلبني من غيرك فأنا أقرب إليك منه لو عرفت قدر نفسك عندنا ما أهنتها بالمعاصي إنما أبعدنا إبليس إذ لم يسجد لك وأنت في صلب أبيك فوا عجبا كيف صالحته وتركتنا لو كان في قلبك محبة لبان أثرها على جسدك ولما ادعيت الحب قالت كذبتي ... ألست أرى الأعضاء منك كواسيا لو تغذى القلب بالمحبة لذهبت عنه بطنة الشهوات ولو كنت عذري الصبابة لم تكن ... بطينا وأنساك الهوى كثرة الأكل لو صحت محبتك لاستوحشت ممن لا يذكرك بالحبيب واعجبا لمن يدعي المحبة ويحتاج إلى من يذكره بمحبوبه فلا يذكره إلا بمذكر أقل ما في المحبة أنها لا تنسيك تذكر المحبوب ذكرتك لا أني نستك ساعة ... وأيسر ما في الذكر ذكر لساني إذا سافر المحب للقاء محبوبه ركبت جنوده معه فكان الحب في مقدمة العسكر والرجاء يحدو بالمطى والشوق يسوقها والخوف يجمعها على الطريق فإذا شارف قدوم بلد الوصل خرجت تقادم الحبيب باللقاء فداو سقما بجسم أنت متلفه ... وأبرد غراما بقلب أنت مضرمه ولا تكلني على بعد الديار إلى ... صبري الضعيف فصبري أنت تعلمه(1\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "74",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5797",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تلقى قلبه فقد أرسلته عجلا ... إلى لقائك والأشواق تقدمه فإذا دخل على الحبيب أفيضت عليه الخلع من كل ناحية ليمتحن أيسكن إليها فتكون حظه أم يكون التفاته إلى من ألبسه إياها ملأوا مراكب القلوب متاعا لا تنفق إلا على الملك فلما هبت رياح السحر أقلعت تلك المراكب فما طلع الفجر الا وهي بالمينا قطعوا بادية الهوى بأقدام الجد فما كان إلا القليل حتى قدموا من السفر فأعقبهم الراحة في طريق التلقي فدخلوا بلد الوصل وقد حاز ربح الأبد فرغ القوم قلوبهم من الشواغل فضربت فيها سرادقات المحبة فأقاموا العيون تحرس تارة وترش أخرى سرادق المحبة لا يضرب إلا في قاع نزه فارغ نزه فؤادك من سوانا والقنا ... فنجنابنا حل لكل منزه الصبر طلسم لكنز وصالنا ... من حل ذا الطلسم فاز بكنزه اعرف قدر ما ضاع منك وابك بكاء من يدري مقدار الفائت لو تخيلت قرب الأحباب لأقمت المأتم على بعدك لو استنشقت ريح الأسحار لأفاق منك قلبك المخمور من استطال الطريق ضعف مشيه وما أنت بالمشتاق إن قلت بيننا ... طوال الليالي أو بعيد المفاوز أما علمت أن الصادق إذا هم ألقى بين عينيه عزمه إذا نزل آب في القلب حل آذار في العين هان سهر الحراس لما علموا أن أصواتهم بسمع الملك من لاح له حال الآخرة هان عليه فراق الدنيا إذا لاح للباشق الصيد نسي مألوف الكف يا أقدام الصبر احملي بقي القليل تذكر حلاوة الوصال يهن عليك مر المجاهدة قد علمت أين المنزل فاحد لها تسر أعلى الهمم همة من استعد صاحبها للقاء الحبيب قدم التقادم بين يدي الملتقى فاستبشر بالرضا عند القدوم وقدموا لانفسهم الجنة ترضى منك بأداء الفرائض والنار تندفع(1\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "75",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5798",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنك بترك المعاصي والمحبة لا تقنع منك إلا ببذل الروح لله ما أحلى زمان تسعى فيه أقدام الطاعة على أرض الاشتياق لما سلم القوب النفوس إلى رائض الشرع علمها الوفاق في خلاف الطبع فاستقامت مع الطاعة كيف دارت دارت معها وإني إذا اصطكت رقاب مطيهم ... وثور حاد بالرفاق عجول أخالف بين الراحتين على الحشا ... وأنظر أني ملثم فأميل  فصل علمت كلبك فهو يترك شهوته في تناول ما صاده احتراما لنعمتك وخوفا من سطوتك وكم علمك معلم الشرع وأنت لا تقبل حرم صيد الجاهل والممسك لنفسه فما ظن الجاهل الذي أعماله لهوى نفسه جمع فيك عقل الملك وشهوة البهيمة وهوى الشيطان وأنت للغالب عليك من الثلاثة إن غلبت شهوتك وهواك زدت على مرتبة ملك وإن غلبك هواك وشهوتك نقصت عن مرتبة كلب لما صاد الكلب لربه أبيح صيده ولما أمسك على نفسه حرم ما صاده مصدر ما في العبد من الخير والشر والصفات الممدوحة والمذمومة من صفة المعطي المانع فهو سبحانه يصرف عباده بين مقتضى هذين الاسمين فحظ العبد الصادق من عبوديته بهما الشكر عند العطاء والافتقار عند المنع فهو سبحانه يعطيه ليشكره ويمنعه ليفتقر إليه فلا يزال شكورا فقيرا قوله تعالى وكان الكافر على ربه ظهيرا هذا من ألطف خطاب القرآن وأشرف معانيه وأن المؤمن دائما مع الله على نفسه وهواه وشيطانه وعدو ربه وهذا معنى كونه من حزب الله وجنده وأوليائه فهو مع الله على عدوه الداخل فيه والخارج عنه يحاربهم ويعاديهم ويغضبهم له سبحانه كما يكون خواص الملك معه على حرب أعدائه والبعيدون منه فارغون من ذلك غير مهتمين به(1\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "76",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5799",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والكافر مع شيطانه ونفسه وهواه على ربه وعبارات السلف على هذه تدور ذكر بن أبي حاتم عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير قال عونا للشيطان على ربه بالعداوة والشرك وقال ليث عن مجاهد قال يظاهر الشيطان على معصية الله يعينه عليها وقال زيد بن أسلم ظهيرا أي مواليا والمعنى أنه يوالي عدوه على معصيته والشرك به فيكون مع عدوه معينا له على مساخط ربه فالمعية الخاصة لتي للمؤمن مع ربه وإله قد صارت لهذا الكافر والفاجر مع الشيطان ومع نفسه وهواه وقربانه ولهذا صدر الآية بقوله ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وهذه العبادة هي الموالاة والمحبة والرضا بمعبوديهم المتضمنة لمعيتهم الخاصة فظاهروا أعداء الله على معاداته ومخالفته ومساخطه بخلاف وليه سبحانه فإنه معه على نفسه وشيطانه وهواه وهذا المعنى من كنوز القرآن لمن فهمه وعقله وبالله التوفيق قوله تعالى والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا قال مقاتل إذا وعظوا بالقرآن لم يقعوا عليه صما لم يسمعوه وعميانا لم يبصروه ولكنهم سمعوا وأبصروا وأيقنوا به وقال ابن عباس لم يكونوا عليها صما وعميانا بل كانوا خائفين خاشعين وقال الكلبي يخرون عليها سمعا وبصرا وقال الفراء اذا تلي عليهم القرآن لم يقعدوا على حالهم الأولى كأنهم لم يسمعوه فذلك الخرور وسمعت العرب تقول قعد يشتمني كقولك قام يشتمني وأقبل يشتمني والمعنى على ما ذكر لم يصيروا عندها صما وعميانا وقال الزجاج المعنى إذا تليت عليهم خروا سجدا وبكيا سامعين مبصرين كما أمروا به وقال ابن قتيبة أي لم يتغافلوا عنها كأنهم صم لم يسمعوها وعمي لم يروها قلت ههنا أمران ذكر الخرور وتسليط النفي عليه وهل هو خرور القلب أو خرور البدن(1\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "77",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5800",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للسجود وهل لمعنى لم كن خرورهم عن صمم وعمه فلهم عليها خرورا بالقلب خضوعا أو بالبدن سجودا أو ليس هناك خرور وعبر به عن القعود أصول المعاصي كلها كبارها وصغارها ثلاثة تعلق القلب بغير الله وطاعة القوة الغضبية والقوة الشهوانية وهي الشرك والظلم والفواحش فغاية التعلق بغير الله شرك وأن يدعى معه إله آخر وغاية طاعة القوة الغضبية القتل وغاية القوة الشهوانية الزنا ولهذا جمع الله سبحانه بين الثلاثة في قوله والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون وهذه الثلاثة يدعو بعضها إلى بعض فالشرك يدعو إلى الظلم والفواحش كما أن الإخلاص والتوحيد يصرفهما عن صاحبه قال تعالى كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين فالسوء العشق والفحشاء الزنا وكذلك الظلم يدعو إلى الشرك والفاحشة فإن الشرك اظلم لظلم كما أن أعدل العدل التوحيد فالعدل قرين التوحيد والظلم قرين الشرك ولهذا يجمع سبحانه بينهما أما الأول ففي قوله شهد اللهأنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط وأما الثاني فكقوله تعالى إن الشرك لظلم عظيم والفاحشة تدعو إلى الشرك والظلم ولا سيما إذا قويت إرادتها ولم تحصل إلا بنوع من الظلم بالظلم والاستعانة بالسحر والشيطان وقد جمع سبحانه بين الزنا والشرك في قوله الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين فهذه الثلاثة يجر بعضها إلى بعض ويأمر بعضها ببعض ولهذا كلما كان القلب أضعف توحيدا وأعظم شركا كان أكثر فاحشة وأعظم تعلقا بالصور وعشقا لها ونظير هذا قوله تعالى وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون والذين يجتنبون كبائر الأثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون فأخبر أن ما عنده خير لمن آمن به وتوكل عليه وهذا هو التوحيد ثم قال والذين يجتنبون كبائر الأثم والفواحش فهذا اجتناب داعي القوة الشهوانية ثم قال(1\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "78",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5801",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا ما غضبوا هم يغفرون فهذا مخالفة القوة الغضبية فجمع بين التوحيد والعفة والعدل التي هي جماع الخير كله  فائدة هجر القرآن أنواع أحدها هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه والثاني هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه وإن قرأه وآمن به والثالث هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه واعتقاد أنه لا يفيد اليقين وأن أدلته لفظية لا تحصل العلم والرابع هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه والخامس هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلب وأدوائها فيطلب شفاء دائه من غيره ويهجر التداوي به وكل هذا داخل في قوله وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا وإن كان بعض الهجر أهون من بعض وكذلك لحرج الذي في الصدور منه فإنه تارة يكون حرجا من إنزاله وكونه حقا من عند الله وتارة يكون من جهة لتكلم به أو كونه مخلوقا من بعض مخلوقاته ألهم غيره أن تكلم به وتارة يكون من جهة كفايته وعدمها وأنه لا يكفي العباد بل هم محتاجون معه إلى المعقولات والأقيسة أو الآراء أو السياسات وتارة يكون من جهة دلالته وما أريد به حقائقه المفهومة منه عند الخطاب أو أريد به تأويلها وإخراجها عن حقائقها إلى تأويلات مستكرهة مشتركة وتارة يكون من جهة كون تلك الحقائق وإن كانت مرادة فهي ثابتة في نفس الأمر أو أوهم أنها مرادة لضرب المصلحة فكل هؤلاء في صدورهم حرج من القرآن وهم يعلمون ذلك من نفوسهم ويجدونه في صدورهم ولا تجد مبتدعا في دينه قط إلا وفي قلب حرج من الآيات التي تخالف بدعته كما نك لا تجد ظالما فاجرا إلا وفي صدره حرج من الآيات التي تحول بينه وبين إرادته فتدبر هذا لمعنى ثم ارض لنفسك بما تشاء(1\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "79",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5802",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة كمال النفس المطلوب ما تضمن أمرين أحدهما أن يصير هيئة راسخة وصفة لازمة له الثاني أن يكون صفة كمال في نفسه فإذا لم يكن كذلك لم يكن كمالافلا يليق بمن يسعى في كمال نفسه المنافسة عليه ولا الأسف على فوته وذلك ليس إلا معرفة بارئها وفاطرها ومعبودها والهها لحق الذي لا صلاح لها ولا نعيم ولا لذة إلا بمعرفته وإرادة وجهه وسلوك الطريق الموصلة إليه وإلى رضاه وكرامته وأن تعتاد ذلك فيصير لها هيئة راسخة لازمة وما عدا ذلك من العلوم والإرادات والأعمال فهي بين مالا ينفعها ولا يكملها وما يعود بضررها ونقصها وألمها ولا سيما إذا صار هيئة راسخة لها فإنها تعذب وتتألم به بحسب لزومه لها وأما الفضائل المنفصلة عنها كالملابس والمراكب والمساكن والجاه والمال فتلك في الحقيقة عوار أعيرتها مدة ثم يرجع فيها المعير فتتألم وتتعذب برجوعه فيها بحسب تعلقها بها ولا سيما إذا كانت هي غاية كمالها فإذا سلبتها أحضرت أعظم النقص والألم والحسرة فليتدبر من يريد سعادة نفسه ولذتها هذه النكتة فأكثر هذا الخلق إنما يسعون في حرمان نفوسهم وألمها وحسرتها ونقصها من حيث يظنون أنهم يريدون سعادتها ونعيمها فلذتها بحسب ما حصل لها من تلك المعرفة والمحبة والسلوك وألمها وحسرتها بحسب ما فاتها من ذلك ومتى عدم ذلك وخلا منه لم يبق فيه إلا القوى البدنية النفسانية التي بها يأكل ويشرب وينكح ويغضب وينال سائر لذاته ومرافق حياته ولا يلحقه من جهتها شرف ولا فضيلة بل خساسة ومنقصة إذ كان إنما يناسب بتلك القوى البهائم ويتصل بجنسها ويدخل في جملتها ويصير كأحدها وربما زادت في تناولها عليه واختصت دونه بسلامة عافيتها والأمن من جلب الضرر عليها فكمال تشاركك فيه البهائم وتزيد عليك وتختص عنك فيه بسلامة العاقبة حقيق أن تهجره إلى الكمال الحقيقي الذي لا كمال سواه وبالله التوفيق(1\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "80",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5803",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة جليلة إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده تحمل الله سبحانه حوائجه كلها وحمل عنه كل ما أهمه وفرغ قلبه لمحبته ولسانه لذكره وجوارحه لطاعته وإن أصبح وأمسى والدنيا همه حمله الله همومها وغمومها وأنكادها ووكله إلى نفسه فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق ولسانه عن ذكره بذكرهم وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم فهو يكدح كدح الوحش في خدمة غيره كالكير ينفخ بطنه ويعصر أضلاعه في نفع غيره لكل من أعرض عن عبودية اللله وطاعته ومحبته بلي بعبودية لمخلوق ومحبته وخدمته قال تعالى ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين قال سفيان بن عيينة لا تأتون بمثل مشهور للعرب إلا جئتكم به من القرآن فقال له قائل فأين في القرآن أعط أخاك تمرة فإن لم يقبل فأعطه جمرة فقال في قوله ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا الآية  فائدة العلم نقل صورة المعلوم من الخارج وإثباتها في النفس ولعمل نقل صورة علمية من النفس وإثباتها في الخارج فإن كان الثابت في النفس مطابقا للحقيقة في نفسها فهو علم صحيح وكثيرا ما يثبت ويترا أي في النفس صور ليس لها وجود حقيقى فيضنها الذي قد أثبتها في نفسه علما وإنما هي مقدرة لا حقيقية لها وأكثر علوم الناس من هذا الباب وما كان منها مطابقا للحقيقة في الخارج فهو نوعان نوع تكمل النفس بإدراكه والعلم به وهو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وكتبه وأمره ونهيه ونوع لا يحصل به للنفس كمال وهو كل علم لا يضر الجهل به فإنه لا ينفع العلم به وكان النبي يستعيذ بالله من علم لا ينفع وهذا حال أكثر لعلوم الصحيحة المطابقة التي لا يضر الجهل بها شيئا كالعلم بالفلك(1\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "81",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5804",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ودقائقه ودرجاته وعدد الكواكب ومقاديرها والعلم بعدد الجبال وألوانها ومساحتها ونحو ذلك فشرف العلم بحسب شرف معلومه وشدة الحاجة إليه وليس ذلك إلا العلم بالله وتوابع ذلك وأما العلم فآفته عدم مطابقته لمراد الله الديني الذي يحبه الله ويرضاه وذلك يكون من فساد العلم تارة ومن فساد الإرادة تارة ففساد من جهة العلم أن يعتقد أن هذا مشروع محبوب لله وليس كذلك أو يعتقد أنه يقر به إلى الله وإن لم يكن مشروعا فيظن أنه يتقرب إلى الله بهذا العمل وإن لم يعلم أنه مشروع وأما فساده من جهة القصد فان لا يقصد به وجه الله والدار الآخرة بل يقصد به الدنيا والخلق وهاتان الآفتان في العلم والعمل لا سبيل إلى السلامة منهما إلا بمعرفة ما جاء به الرسول في باب العلم والمعرفة وإرادة وجه الله والدار الآخرة في باب القصد والرادة فمتى خلا من هذه المعرف وهذه الإرادة فسد علمه وعمله والإيمان واليقين يورثان صحة المعرفة وصحة الإرادة يورثان الإيمان ويمدانه ومن هنا يتبين انحراف أكثر الناس عن الأيمان ولانحرافهم عن صحة المعرفة وصحة الإرادة ولا يتم الإيمان إلا بتلقي المعرفة من مشكاة النبوة وتجريد الإرادة عن شوائب الهوى وإرادة الخلق فيكون علمه مقتبسا من مشكاة الوحي وإرادته لله والدار الآخرة فهذا أصح الناس علما وعملا وهو من الأئمة الذين يهدون بأمر الله ومن خلفاء رسوله في أمته  قاعدة الإيمان له ظاهر وباطن وظاهره قول اللسان وعمل الجوارح وباطنه تصديق القلب وانقياده ومحبته فلا ينفع ظاهر لا باطن له وإن حقن به الدماء وعصم به المال والذرية ولا يجزىء باطن لا ظاهر له إلا إذا تعذر بعجز أو إكراه وخوف هلاك فتخلف العمل ظاهرا مع عدم المانع دليل على فساد الباطن وخلوه من الإيمان ونقصه دليل نقصه وقوته دليل قوته فالإيمان قلب الإسلام ولبه(1\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "82",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5805",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واليقين قلب الإيمان ولبه وكل علم وعمل لا يزيد الإيمان واليقين قوة فمدخول وكل إيمان لا يبعث على العمل فمدخول  قاعدة التوكل على الله نوعان أحدهما توكل عليه في جلب حوائج العبد وحظوظه الدنيوية أو دفع مكروهاته ومصائبه الدنيوية والثاني التوكل عليه في حصول ما يحبه هو ويرضاه من الإيمان واليقين والجهاد والدعوة إليه وبين النوعين من الفضل ما لا يحصيه إلا الله فمتى توكل عليه العبد في النوع الثاني حق توكله كفاه النوع الأول تمام الكفاية ومتى توكل عليه في النوع الأول دون الثاني كفاه أيضا لكن لا يكون له عاقبة المتوكل عليه فيما يحبه ويرضاه فأعظم التوكل عليه التوكل في الهداية وتجريد التوحيد ومتابعة الرسول وجهاد أهل الباطل فهذا توكل الرسل وخاصة أتباعهم التوكل تارة يكون توكل اضطرار وإلجاء بحيث لا يجد العبد ملجأ ولا وزرا إلا التوكل كما إذا ضاقت عليه الأسباب وضاقت عليه نفسه وظن أن لا ملجأ من الله إلا إليه وهذا لا يتخلف عنه الفرج والتيسير البتة وتارة يكون توكل اختيار وذلك التوكل مع وجود السبب المفضي إلى المراد فإن كان السبب مأمورا به ذم على تركه وإن قام السبب وترك التوكل ذم على تركه أيضا فإنه واجب باتفاق الأمة ونص القرآن والواجب القيام بهما والجمع بينهما وإن كان السبب محرما حرم عليه مباشرته وتوحد السبب في حقه في التوكل فلم يبق سبب سواه فإن التوكل من أقوى الأسباب في حصول المراد ودفع المكروه بل هو أقوى الأسباب على الإطلاق وإن كان السبب مباحا نظرت هل يضعف قيامك به التوكل أو لا يضعفه فإن أضعفه وفرق عليك قلبك وشتت همك فتركه أولى وإن لم يضعفه فمباشرته أولى لأن حكمة أحكم الحاكمين اقتضت ربط المسبب به فلا تعطل حكمته(1\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "83",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5806",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مهما أمكنك القيام بها ولا سيما إذا فعلته عبودية فتكون قد أتيت بعبودية القلب بالتوكل وعبودية الجوارح بالسبب المنوي به القربة والذي يحقق لتوكل القيام بالأسباب المأمور بها فمن عطلها لم يصح توكله كما أن القيام بالأسباب المفضية إلى حصول الخير يحقق رجاءه فمن لم يقم بها كان رجاؤه تمنيا كما أن من عطلها يكون توكله عجزا وعجزه توكلا وسر التوكل وحقيقته هو اعتماد القلب على الله وحده فلا يضره مباشرة الأسباب مع خلو القلب من الاعتماد عليها والركون إليها كما لا ينفعه قوله توكلت على الله مع اعتماده على غيره وركونه إليه وثقته به فتوكل اللسان شيء وتوكل القلب شيء كما أن توبة اللسان مع إصرار القلب شيء وتوبة القلب وإن لم ينطق اللسان شيء فقول العبد توكلت على الله مع اعتماد قلبه على غيره مثل قوله تبت إلى الله وهو مصر على معصيته مرتكب لها  فائدة الجاهل يشكو الله إلى الناس وهذا غاية الجهل بالمشكو والمشكو إليه فإنه لو عرف ربه لما شكاه ولو عرف الناس لما شكا إليهم ورأى بعض السلف رجلا يشكو إلى رجل فاقته وضرورته فقال يا هذا والله ما زدت على أن شكوت من يرحمك وفي ذلك قيل اذا شكوت إلى ابن آدم إنما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم والعارف إنما يشكو إلى الله وحده وأعرف العارفين من جعل شكواه إلى الله من نفسه لا من الناس فهو يشكو من موجبات تسليط الناس عليه فهو ناظر إلى قوله تعالى وما أصابكم من مصيبة فما كسبت أيديكم وقوله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وقوله أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا(1\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "84",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5807",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قل هو من عند أنفسكم فالمراتب ثلاثة أخسها أن تشكو الله إلى خلقه وأعلاها أن تشكو نفسك إليه وأوسطها أن تشكو خلقه إليه  قاعدة جليلة قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله والرسول إذا دعاكم لما يحيكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه واليه تحشرون فتضمنت هذه الآية أمورا أحدها أن الحياة النافعة إنما تحصل بالاستجابة لله ورسوله فمن لم تحصل له هذه الاستجابة فلا حياة له وإن كانت له حياة بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل الحيوانات فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله والرسول ظاهرا وباطنا فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول فإن كان ما دعا إليه ففيه الحياة فمن فاته جزء منه فاته جزء من الحياة وفيه من الحياة بحسب ما استجاب للرسول قال مجاهد لما يحيكم يعني للحق وقال قتادة هو هذا القرآن فيه الحياة والثقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة وقال السدي هو الإسلام أحياهم به بعد موتهم بالكفر وقال ابن إسحق وعروة بن الزبير واللفظ له لما يحيكم يعني للحرب التي أعزكم الله بها بعد الذل وقواكم بعد الضعف ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم وهذه كل عبارات عن حقيقة واحدة وهي القيام بما جاء به الرسول ظاهرا وباطنا قال الواحدي والأكثرون على أن معنى قوله لما يحيكم هو الجهاد وهو قول ابن إسحق واختيار أكثر أهل المعاني قال الفراء إذا دعاكم إلى إحياء أمركم بجهاد عدوكم يريد أن أمرهم إنما يقوي بالحرب والجهاد فلو تركوا لجهاد ضعف أمرهم واجترأ عليهم عدوهم قلت الجهاد من أعظم ما يحيهم به في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة أما في الدنيا فإن قوتهم وقهرهم لعدوهم بالجهاد وأما في البرزخ فقد قال تعالى ولا تحسبن(1\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "85",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5808",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون وإما في الآخرة فإن حظ المجاهدين والشهداء من حياتها ونعيمها أعظم من حظ غيرهم ولهذا قال ابن قتيبة لما يحيكم يعني الشهادة وقال بعض المفسرين لما يحيكم يعني الجنة فإنها دار الحيوان وفيها الحياة الدائمة الطيبة حكاه أبو علي الجرجاني والآية تتناول هذا كله فإن الإيمان والإسلام والقرآن والجهاد يحي القلوب الحياة الطيبة وكمال الحياة في الجنة والرسول داع إلى الإيمان وإلى الجنة فهو داع إلى الحياة في الدنيا والآخرة والإنسان مضطر إلى نوعين من الحياة حياة بدنه التي بها يدرك النافع والضار ويؤثر ما ينفعه على ما يضره ومتى نقصت فيه هذه الحياة ناله من الألم والضعف بحسب ذلك ولذلك كانت حياة المريض والمحزون وصاحب الهم والغم والخوف والفقر والذل دون حياة من هو معافى من ذلك وحياة قلبه وروحه التي بها يميز بين الحق والباطل والغي والرشاد والهوى والضلال فيختار الحق على ضده فتفيده هذه الحياة قوة التميز بين النافع والضار في العلوم والإرادات والأعمال وتفيده قوة الإيمان والإرادة والحب للحق وقوة البغض والكراهة للباطل فشعوره وتمييزه وحبه ونفرته بحسب نصيبه من هذه الحياة كما أن البدن الحي يكون شعوره وإحساسه بالنافع والمؤلم أتم ويكون ميله إلى النافع ونفرته عن المؤلم أعظم فهذا بحسب حياة البدن وذاك بحساب حياة القلب فإذا بطلت حياته بطل تمييزه وإن كان له نوع تمييز لم يكن فيه قوة يؤثر بها النافع على الضار كما أن الإنسان لا حياة له حتى ينفخ فيه الملك الذي هو رسول الله من روحه فيصير حيا بذلك النفخ وان كان قبل ذلك من جملة الأموات فكذلك لا حياة لروحه وقلبه حتى ينفخ فيه الرسول من الروح الذي ألقى إليه قال تعالى ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده وقال يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده وقال وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا لايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا فأخبر أن وحيه روح ونور فالحياة والاستنارة موقوفة على نفخ الرسول(1\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "86",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5809",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الملكي فمن أصابه نفخ الرسول الملكي ونفخ الرسول البشري حصلت له الحياتان ومن حصل له نفخ الملك دون نفخ الرسول حصلت له إحدى الحياتين وفاتته الأخرى الأخرى قال تعالى أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها فجمع له بين النور والحياة كما جمع لمن أعرض عن كتابه بين الموت والظلمة قال ابن عباس وجميع المفسرين كان كافرا ضالا فهديناه وقوله وجعلنا له نورا يمشي به في الناس يتضمن أمورا أحدها أنه يمشي في الناس بالنور وهم في الظلمة فمثله ومثلهم كمثل قوم أظلم عليهم الليل فضلوا ولم يهتدوا للطريق وآخر معه نور يمشي به في الطريق ويراها ويرى ما يحذره فيها وثانيها أنه يمشي فيهم بنوره فهم يقتبسون منه لحاجتهم إلى النور وثالثها أنه يمشي بنوره يوم القيامة على الصراط إذا بقي أهل الشرك والنفاق في ظلمات شركهم ونفاقهم وقوله واعلموا أن الله يحؤل بين المرء وقلبه المشهور في الآية أنه يحول بين المؤمن وبين الكفر وبين الكافر وبين الإيمان ويحول بين أهل طاعته وبين معصيته وبين أهل معصيته وبين طاعته وهذا قول ابن عباس وجمهور المفسرين وفي الآية قول آخر أن المعنى أنه سبحانه قريب من قلبه لا تخفى عليه خافية فهو بينه وبين قلبه ذكره الواحدي عن قتادة وكان هذا أنسب بالسياق لأن الاستجابة أصلها بالقلب فلا تنفع الاستجابة بالبدن دون القلب فإن الله سبحانه بين العبد وبين قلبه فيعلم هل استجاب له قلبه وهل أضمر ذلك أو أضمر خلافه وعلى القول الأول فوجه المناسبة أنكم إن تثاقلتم عن الاستجابة وأبطأتم عنها فلا تأمنوا أن الله يحول بينكم وبين قلوبكم فلا يمكنكم بعد ذلك من الاستجابة عقوبة لكم على تركها بعد وضوح الحق واستبانة فيكون كقوله ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة وقوله فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم وقوله(1\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "87",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5810",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ففي الآية تحذير عن ترك الاستجابة بالقلب وان استجاب بالجوارح وفي الآية سر آخر وهو أنه جمع لهم بين الشرع والأمر به وهو الاستجابة وبين القدر والإيمان به فهي كقوله لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين وقوله فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله والله أعلم  فائدة جليلة قوله تعالى كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون وقوله عز وجل وإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا فالآية الأولى في الجهاد الذي هو كمال القوة الغضبية والثانية في النكاح الذي هو كمال القوة الشهوانية فالعبد يكره مواجهة عدوه بقوته الغضبية خشية على نفسه منه وهذا المكروه خير له في معاشه ومعاده ويحب الموادعة والمتاركة وهذا المحبوب شر له في معاشه ومعاده وكذلك يكره المرأة لوصف من أوصافها وله في إمساكها خير كثير لا يعرفه ويحب المرأة لوصف من أصافها وله في إمساكها شر كثير لا يعرفه لانسان كما وصفه وصفه به خالقه ظلوم جهول فلا ينبغي أن يجعل المعيار على ما يصره وينفعه ميله وحبه ونفرته وبغضه بل المعيار على ذلك ما اختاره الله له بأمره ونهيه فأنفع الأشياء له على الإطلاق طاعة ربه بظاهره وباطنه وأضر الأشياء عليه على الإطلاق معصيته بظاهره وباطنه فإذا قام بطاعته وعبوديته مخلصا له فكل ما يجري عليه مما يكرهه يكون خيرا له وذا تخلى عن طاعته وعبوديته فكل ما هو فيه من محبوب هو شر له فمن صحت له معرفة ربه والفقه في أسمائه وصفاته علم يقينا أن المكروهات التي تصيبه والمحن لتي تنزل به فيها(1\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "88",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5811",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ضروب من المصالح والمنافع لتي لا يحصيها علمه ولا فكرته بل مصلحة العبد فيما يكره أعظم منها فيما يحب فعامة مصالح النفوس في مكروهاتها كما أن عامة مضارها وأسباب هلكتها في محبوباتها فانظر إلى غارس جنة من الجنات خبير بالفلاحة غرس جنة وتعاهدها بالسقي والإصلاح حتى أثمرت أشجارها فأقبل عليها يفصل أوصالها ويقطع أغصانها لعلمه أنها لو خليت على حالها لم تطب ثمرتها فيطعمها من شجرة طيبة الثمرة حتى إذا التحمت بها واتحدت وأعطت ثمرتها اقبل بقلمها ويقطع أغصانها الضعيفة التي تذهب قوتها ويذيقها ألم القطع والحديد لمصلحتها وكمالها لتصلح ثمرتها أن تكون بحضرة الملوك ثم لا يدعها ودواعي طبعها من الشرب كل وقت بل يعطشها وقتا ويسقيها وقتا ولا يترك الماء عليها دائما وإن كان ذلك أنضر لورقها وأسرع لنباتها ثم يعمد إلى تلك الزينة التي زينت بها من الأوراق فيلقي عنها كثيرا منها لأن تلك الزينة تحول بين ثمرتها وبين كمال نضجها واستوائها كما في شجر العنب ونحوه فهو يقطع أعضاءها بالحديد ويلقي عنها كثيرا من زينتها وذلك عين مصلحتها فلو أنها ذات تمييز وإدراك كالحيوان لتوهمت أن ذلك إفساد لها وإضرار بها وإنما هو عين مصلحتها وكذلك الأب الشفيق على ولده العالم بمصلحته إذا رأى مصلحته في إخراج الدم الفاسد عنه بضع جلده وقطع عروقه وأذاقه الألم الشديد وإن رأى شفاة في قطع عضو من أعضائه أبانه عنه كان ذلك رحمة به وشفقة عليه وإن رأى مصلحته في أن يمسك عنه العطاء لم يعطه ولم يوسع عليه لعلمه أن ذلك أكبر الأسباب إلى فساده وهلاكه وكذلك يمنعه كثيرا من شهواته حمية له ومصلحة لا بخلا عليه فأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأعلم العالمين الذي هو أرحم بعباده منهم بأنفسهم ومن آبائهم وأمهاتهم إذا أنزل بهم ما يكرهون كان خيرا لهم من أن لا ينزله بهم نظرا منه لهم وإحسانا إليهم ولطفا بهم ولو مكنوا من الاحتيار لأنفسهم(1\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "89",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5812",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لعجزوا عن القيام بمصالحهم علما وإرادة وعملا لكنه سبحانه تولى تدبير أمورهم بموجب علمه وحكمته ورحمته أحبوا أم كرهوا فعرف ذلك الموقنون بأسمائه وصفاته فلم يتهموه في شيء من أحكامه وخفي ذلك على الجهل به وبأسمائه وصفاته فنازعوه تدبيره وقدحوا في حكمته ولم ينقادوا لحكمه وعارضوا حكمه بعقولهم الفاسدة وآرائهم الباطلة وسياساتهم الجائرة فلا لربهم عرفوا ولا لمصالحهم حصلوا والله الموفق ومتى ظفر العبد بهذه المعرفة سكن في الدنيا قبل الآخرة في جنة لا يشبه فيها إلا نعيم الآخرة فإنه لا يزال راضيا عن ربه والرضا جنة الدنيا ومستراح العارفين فإنه طيب النفس بما يجري عليه من المقادير التي هي عين اختيار الله له وطمأنينتها إلى أحكامه الدينية وهذا هو الرضا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا وما ذاق طعم الإيمان من لم يحصل له ذلك وهذا الرضا هو بحسب معرفته بعدل الله وحكمته ورحمته وحسن اختياره فكلما كان بذلك أعرف كان به أرضى فقضاء الرب سبحانه في عبده دائر بين العدل والمصلحة والحكمة والرحمة لا يخرج عن ذلك البتة كما قال في الدعاء المشهور اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هـ لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي ما قالها أحد قط إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرجا قالوا أفلا نتعلمهن يا رسول الله قال بلا ينبغي لمن يسمعهن أن يتعلمهن والمقصود قوله عدل في قضاؤك وهذا يتناول كل قضاء يقضيه على عبده من عقوبة أو ألم وسبب ذلك فهو الذي قضى بالسبب وقضى بالمسبب وهو عدل في هذا القضاء وهذا القضاء خير للمؤمن كما قال والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له وليس ذلك إلا للمؤمن قال العلامة ابن القيم فسألت شيخنا هل يدخل في ذلك قضاء الذنب فقال نعم بشرطه(1\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "90",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5813",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأجمل في لفظة بشرطه ما يترتب على الذنب من الآثار المحبوبة لله من التوبة والانكسار والندم والخضوع والذل والبكاء وغير ذلك  فائدة لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بعد نظرين صحيحين نظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها واضمحلالها ونقصها وخستها وألم المزاحمة عليها والحرص عليها وما في ذلك من الغصص والنغص والأنكاد وآخر ذلك الزوال والانقطاع مع ما يعقب من الحسرة والأسف فطالبها لا ينفك من هم قبل حصولها وهم حال الظفر بها وغم وحزن بعد فواتها فهذا أحد النظرين النظر الثاني النظر في الآخرة وإقبالها ومجيئها ولا بد ودوامها وبقائها وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات والتفاوت الذي بينه وبين ما هنا فهى كمال الله سبحانه والآخرة خير وأبقى فهي خيرات كاملة دائمة وهذه خيالات ناقصة منقطعة مضمحلة فإذا تم له هذان النظران آثر ما يقتضي العقل إيثاره وزهد فيما يقتضي الزهد فيه فكل أحد مطبوع على أن لا يترك النفع العاجل واللذة الحاضرة إلى النفع الآجل واللذة الغائبة المنتظرة الى إذا تبين له فضل الآجل على العاجل وقويت رغبته في الأعلى الأفضل فإذا آثر الفاني الناقص كان ذلك إما لعدم تبين الفضل له وإما لعدم رغبته في الأفضل وكل واحد من الأمرين يدل على ضعف الإيمان وضعف العقل والبصيرة فإن الراغب في الدنيا الحريص عليه المؤثر لها إما أن يصدق بأن ما هناك أشرف وأفضل وأبقى وإما أن لا يصدق بذلك كان عادما للإيمان رأسا وإن صدق بذلك ولم يؤثره كان فاسد العقل سيء الاختيار لنفسه وهذا تقسيم حاضر ضروري لا ينفك العبد من أحد القسمين منه فإيثار الدنيا على الآخرة(1\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "91",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5814",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إما من فساد في الإيمان وإما من فساد في العقل وما أكثر ما يكون منهما ولهذا نبذها رسول الله وراء ظهره هو وأصحابه وصرفوا عنها قلوبهم وأطرحوها ولم يألفوها وهجورها ولم يميلوا إليها وعدوها سجنا لا جنة فزهدوا فيها حقيقة الزهد ولو أرادوها لنالوا منها كل محبوب لوصلوا منها إلى كل مرغوب فقد عرضت عليه مفاتيح كنوزها فردها وفاضت على أصحابه فآثروا بها ولم يبيعوا حظهم من الآخرة بها وعلموا أنها معبر وممر لا دار مقام ومستقر وأنها دار عبور لا دار سرور وأنها سحابة صيف تنقشع عن قليل وخيال طيف ما استتم الزيارة حتى آذن بالرحيل قال النبي مالي وللدنيا إنما أنا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها وقال ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بما ترجع وقال خالقها سبحانه إنما مثل حياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فأخبر عن خسة الدنيا وزهد فيها وأخبر عن دار السلام ودعا إليها وقال تعالى واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا وقال تعالى اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور وقال تعالى وزين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله وعنده حسن(1\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "92",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5815",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المآب قل أؤنتبكم بخير منكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد وقال تعالى وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع وقد توعد سبحانه أعظم الوعيد لمن رضي بالحياة الدنيا واطمأن بها وغفل عن آياته ولم يرج لقاءه فقال إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون وعير سبحانه من رضي بالدنيا من المؤمنين فقال يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة الا قليل وعلى قدر رغبة العبد في الدنيا ورضاه بها يكون تثاقله عن طاعة الله وطلب الآخرة ويكفي في بالزهد في الدنيا قوله تعالى أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يتمتعون وقوله ويوم نحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم وقوله كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثو إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون وقوله تعالى يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها إنما أنت منذر من يخشاها كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا الا عشية اوضحاها وقوله ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة وقوله قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون وقوله يون ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما والله المستعان وعليه التكلان(1\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "93",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5816",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قاعدة أساس كل خير أن تعلم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فتيقن حينئذ أن الحسنات من نعمه فتشكره عليها وتتضرع إليه أن لا يقطعها عنك وأن السيئات من خذلانه وعقوبته فتبتهل إليه أن يحول بينك وبينها ولا يكلك في فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسك وقد أجمع العارفون على أن كل خير فأصله بتوفيق الله للعبد وكل شر فأصله خذلانه لعبده وأجمعوا أن التوفيق أن لا يكلك الله نفسكوان الخذلان أن يخلي بينك وبين نفسك فإذا كان كل خير فأصله التوفيق وهو بيد الله إلى نفسك وأن لا بيد العبد فمفتاحه الدعاء والافتقار وصدق اللجأ والرغبة والرهبة إليه فمتى أعطى العبد هذا المفتاح فقد أراد أن يفتح له ومتى أضله عن المفتاح بقي باب الخير مرتجا دونه قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إني لا أحمل هم الإجابة ولكن هم الدعاء فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه وعلى قدرنية العبد وهمته ومراده ورغبته في ذلك يكون توفيقه سبحانه وإعانته فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدر هممهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم والخذلان ينزل عليهم على حسب ذلك فالله سبحانه أحكم الحاكمين وأعلم العالمين يضع التوفيق في مواضعه اللائقة به والخذلان في مواضعه اللائقة به هو العليم الحكيم وما أتي من أتي إلا من قبل إضاعة الشكر وإهمال الافتقار والدعاء ولا ظفر من ظفر بمشيئة الله وعونه إلا بقيامه بالشكر وصدق الافتقار والدعاء وملاك ذلك الصبر فإنه من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا قطع الرأس فلا بقاء للجسد ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله خلقت النار لإذابة القلوب القاسية أبعد القلوب من الله القلب القاسي إذا قسي القلب قحطت العين قسوة القلب من أربعة أشياء إذا جاوزت قدر الحاجة الأكل والنوم والكلام والمخالطة كما(1\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "94",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5817",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن البدن إذا مرض لم ينفع فيه الطعام والشراب فكذلك القلب إذا مرض بالشهوات لم تنجع فيه المواعظ ومن أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهوته القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها القلوب آنية الله في أرضه فأحبها إليه أرقها وأصلبها وأصفاها شغلوا قلوبهم بالدنيا ولو شغلوها بالله والدار الآخرة لجالت في معاني كلامه وآياته المشهودة ورجعت إلى أصحابها بغرائب الحكم وطرف الفوائد إذا غذي القلب بالتذكر وسقي بالتفكر ونقي من الدغل رأى العجائب وألهم الحكمة ليس كل من تحلى بالمعرفة والحكمة وانتحلها كان من أهلها بل أهل المعرفة والحكمة الذين أحيوا قلوبهم بقتل الهوى وأما من قتل قلبه فأحيى الهوى المعرفة والحكمة عارية على لسانه خراب القلب من الأمن والغفلة وعمارته من الخشية والذكر إذا زهدت القلوب في موائد الدنيا قعدت على موائد الآخرة بين أهل تلك الدعوة وإذا رضيت بموائد الدنيا فاتتها تلك الموائد الشوق إلى الله ولقائه نسيم يهب على القلب يروح عنه وهج الدنيا من وطن قلبه عند ربه سكن واستراح ومن أرسله في الناس اضطرب واشتد به القلق لا تدخل محبة الله في قلب فيه حب الدنيا إلا كما يدخل الجمل في سم الابرة اذ أحب الله عبدا اصطنعه لنفسه واجتباه لمحبته واستخلصه لعبادته فشغل همه به ولسانه بذكره وجوارحه بخدمته والقلب يمرض كما يمرض البدن وشفاؤه في التوبة والحمية ويصدأ كما تصدأ المرآة وجلاؤه بالذكر ويعرى كما يعرى الجسم وزينته التقوى ويجوع ويظمأ كما يجوع البدن وطعامه وشرابه المعرفة والمحبة والتوكل والإنابة والخدمة إياك والغفلة عمن جعل لحياتك أجلا ولأيامك وأنفاسك أمدا ومن كل ما سواه بد ولا بذلك منه من ترك الاختيار والتدبير في طلب زيادة دنيا أو جاه أو في خوف نقصان أو في التخلص من عدو توكلا على الله وثقة بتدبيره له وحسن اختياره له فألقى كنفه بين يديه وسلم الأمر إليه ورضي بما يقضيه له استراح من(1\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "95",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5818",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الهموم والغموم والأحزان ومن أبى إلا تدبيره لنفسه وقع في النكد والنصب وسوء الحال والتعب فلا عيش يصفو ولا قلب يفرح ولا عمل يزكو ولا أمل يقوم ولا راحة تدوم والله سبحانه سهل لخلقه السبيل إليه وحجبهم عنه بالتدبير فمن رضي بتدبير الله له وسكن إلى اختياره وسلم لحكمه أزال ذلك الحجاب فأفضى القلب إلى ربه واطمأن إليه وسكن المتوكل لا يسأل غير الله ولا يرد على الله ولا يدخر مع الله من شبغل بنفسه شغل عن غيره ومن شغل بربه شغل عن نفسه الإخلاص هو ما لا يعلمه ملك فيكتبه ولا عدو فيفسده ولا يعجب به صاحبه فيبطله الرضا سكون القلب تحت مجاري الأحكام الناس في الدنيا معذبون على قدر هممهم بها للقلب ستة مواطن يجول فيها لا سابع لها ثلاثة سافلة وثلاثة عالية فالسافلة دنيا تزين له ونفس تحدثه وعدو يوسوس له فهذه مواطن الأرواح السافلة التي لا تزال تجول فيها والثلاثة العالية علم يتبين له وعقل يرشده وإله يعبده والقلوب جوالة في هذه المواطن إتباع لهوى وطول الأمل مادة كل فساد فإن اتباع الهوى يعمي عن الحق معرفة وقصدا وطول الأمل ينسي الآخرة ويصد عن الاستعداد لها لا يشم عبد رائحة الصدق ويداهن نفسه أو يداهن غيره إذا أراد الله بعبد خيرا جعله معترفا بذنبه ممسكا عن ذنب غيره جوادا بما عنده زاهدا فيما عنده محتملا لأذى غيره وإن أراد به شرا عكس ذلك عليه الهمة العلية لا تزال حائمة حول ثلاثة أشياء تعرف لصفة من الصفات العليا تزداد بمعرفتها محبة وإرادة وملاحظة لمنة تزداد بملاحظتها شكر او اطاعة وتذكر لذنب تزداد بتذكره توبة وخشية فإذا تعلقت الهمة بسوى هذه الثلاثة جالت في أودية الوساوس والخطرات من عشق الدنيا نظرت إلى قدرها عنده فصيرته من خدمها وعبيدها وأذلته ومن أعرض عنها نظرت إلى كبر قدره فخدمته وذلت له إنما يقطع السفر(1\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "96",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5819",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويصل المسافر بلزوم الجادة وسير الليل فإذا حاد المسافر عن الطريق ونام الليل كله فمتى يصل إلى مقصده  فائدة جليلة كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها فلا بد أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه في خبره وإلزامه لأن أحكام الرب سبحانه كثيرا ما تأتي على خلاف أغراض الناس ولا سيما أهل الرياسة والذين يتبعون الشبهات فإنهم لا تتم لهم أغراضهم إلا بمخالفة الحق ودفعه كثيرا فإذا كان العالم والحاكم محبين للرياسة متبعين للشهوات لم يتم لما ذلك إلا بدفع ما يضاده من الحق ولا سيما إذا قامت له شبهة فتتفق الشبهة والشهوة ويثور الهوى فيخفى الصواب وينطمس وجه الحق وإن كان الحق ظاهرا لا خفاء به ولا شبة فيه أقدم على مخالفته وقال لي مخرج بالتوبة وفي هؤلاء وأشباههم قال تعالى فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وقال تعالى فيهم أيضا فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتيهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون فأخبر سبحانه أنهم أخذوا العرض الأدنى مع علمهم بتحريمه عليهم وقالوا سيغفر لنا وإن عرض لهم عرض آخر أخذوه فهم مصرون على ذلك وذلك هو الحامل لهم على أن يقولوا على الله غير الحق فيقولون هذا حكمه وشرعه ودينه وهم يعلمون أن دينه وشرعه وحكمه خلاف ذلك أولا يعلمون أن ذلك دينه وشرعه وحكمه فتارة يقولون على الله مالا يعلمون وتارة يقولون عليه ما يعلمون بطلانه وأما الذين يتقون فيعلمون أن الدار الآخرة خير من الدنيا فلا يحملهم(1\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "97",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5820",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حب الرياسة والشهوة على أن يؤثروا الدنيا على الآخرة وطريق ذلك أن يتمسكوا بالكتاب والسنة ويستعينوا بالصبر والصلاة ويتفكروا في الدنيا وزوالها وخستها والآخرة وإقبالها ودوامها وهؤلاء لا بد أن يبتدعوا في الدين مع الفجور في العمل فيجتمع لهم الأمران فإن اتباع الهوى يعمي عين القلب فلا يميز بين السنة والبدعة أو ينكسه فيرى البدعة سنة والسنة بدعة فهذه آفة العلماء إذا آثروا الدنيا واتبعوا الرياسات والشهوات وهذه الآيات فيهم إلي قوله واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث فهذا مثل عالم السوء الذي يعمل بخلاف علمه وتأمل ما تضمنته هذه الآية من ذمه وذلك من وجوه أحدها أنه ضل بعد العلم واختار الكفر على الإيمان عمدا ولا جهلا وثانيها أنه فارق الإيمان مفارقة من لا يعود إليه أبدا فإنه انسلخ من الآيات بالجملة كما تنسلخ الحية من قشرها ولو بقي معه منها شيء لم ينسلخ منها وثالثها أن الشيطان أدركه ولحقه بحيث ظفر به وافترسه ولهذا قال فأتبعه الشيطان ولم يقل تبعه فإن في معنى أتبعه أدركه ولحقه وهو أبلغ من تبعه لفظا ومعنى ورابعها أنه غوي بعد الرشد والغي الضلال في العلم والقصد وهو أخص بفساد القصد والعمل كما أن الضلال أخص فساد العلم والاعتقاد فإذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر وإن اقترنا فالفرق ما ذكر وخامسها أنه سبحانه لم يشأ أن يرفعه بالعلم فكان سبب هلاكه لأنه لم رفع به فصار وبالا عليه فلو لم يكن عالما كان خيرا له وأخف لعذابه وسادسها أنه سبحانه أخبر عن خسة همته وأنه اختار الأسفل الأدنى على الأشرف الأعلى وسابعها أن اختياره للأدنى لم يكن عن خاطر وحديث نفس ولكنه كان عن إخلاد إلى الأرض وميل بكليته إلى ما هناك وأصل الإخلاد اللزوم على الدوام(1\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "98",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5821",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كأنه قيل لزم الميل إلى الأرض ومن هذا يقال أخلد فلان بالمكان إذا لزم الإقامة به قال مالك بن نويرة بأبناء حي من قبائل مالك ... وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا وعبر عن ميله إلى الدنيا بإخلاده إلى الأرض لأن الدنيا هي الأرض وما فيها وما يستخرج منها من الزينة والمتاع وثامنها أنه رغب عن هداه واتبع هواه فجعل هواه إماما له يقتدي به ويتبعه وتاسعها أنه شبهه بالكلب الذي هو أخس الحيوانات همة وأسقطها نفسا وأبخلها وأشدها كلبا ولهذا سمي كلبا وعاشرها أنه شبه لهثه على الدنيا وعدم صبره عنها وجزعه لفقدها وحرصه على تحصيلها بلهث الكلب في حالتي تركه والحمل عليه بالطرد وهكذا هذا إن ترك فهو لهثان على الدنيا وإن وعظ وزجر فهو كذلك فاللهث لا يفارقه في كل حال كلهث الكلب قال ابن قتيبة كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة وحال الري وحال العطش فضربه الله مثلا لهذا الكافر فقال إن وعظته فهو ضال وإن تركته فهو ضال كالكلب إن طردته لهث وإن تركته على حاله لهث وهذا التمثيل لم يقع بكل كلب وإنما وقع بالكلب اللاهث وذلك أخس ما يكون وأشنعه  فصل فهذا حال العالم المؤثر الدنيا على الآخرة وأما العابد الجاهل فآفته من إعراضه عن العلم وأحكامه وغلبة خياله وذوقه ووجده وما تهواه نفسه ولهذا قال سفيان ابن عيينة وغيره احذروا فتنة العالم الفاجر وفتنة العابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون فهذا بجهله يصد عن العلم وموجبه وذاك بغيه يدعو إلى الفجور وقد ضرب الله سبحانه مثل النوع الآخر بقوله كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما(1\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "99",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5822",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنهما في النار خلدين فيها وذلك جزاء الظالمين وقصته معروفة فإنه بنى أساس أمره على عبادة الله بجهل فأوقعه الشيطان بجهله وكفره بجهله فهذا إمام كل عابد جاهل يكفر ولا يدري وذاك إمام كل عالم فاجر يختار الدنيا على الآخرة وقد جعل سبحانه رضى العبد بالدنيا وطمأنينته وغفلته عن معرفة آياته وتدبرها والعمل بها سبب شقائه وهلاكه ولا يجتمع هذان أعنى الرضى بالدنيا والغفلة عن آيات الرب إلا في قلب من لا يؤمن بالمعاد ولا يرجو لقاء رب العباد وإلا فلو رسخ قدمه في الإيمان بالمعاد لما رضي الدنيا ولا اطمأن إليها ولا أعرض عن آيات الله وأنت إذا تأملت أحوال الناس وجدت هذا الضرب هو الغالب على الناس وهم عمار الدنيا وأقل الناس عددا من هو على خلاف ذلك وهو من أشد الناس غربة بينهم لهم شأن وله شأن علمه غير علومهم وإرادته غير إرادتهم وطريقه غير طريقهم فهو في واد وهم في واد قال تعالى إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون ثم ذكر وصف ضد هؤلاء ومآلهم وعاقبتهم بقوله إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم فهؤلاء إيمانهم بلقاء الله أورثهم عدم الرضا بالدنيا والطمأنينة إليها ودوام ذكر آياته فهذه مواريث الإيمان بالمعاد وتلك مواريث عدم الإيمان به والغفلة عنه  فائدة عظيمة أفضل ما اكتسبته النفوس وحصلته القلوب العبد ونال به العبد الرفعة في الدنيا والآخرة هو العلم والإيمان ولهذا قرن بينهما سبحانه في قوله وقال الذين أوتوا العلم والأيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث وقوله يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات وهؤلاهم خلاصة الوجود ولبه والمؤهلون للمراتب العالية ولكن أكثر الناس غالطون في حقيقة مسمى العلم والإيمان اللذين بهما(1\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "100",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5823",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السعادة والرفقة وفي حقيقتهما حتى أن كل طائفة تظن أن ما معها من العلم والإيمان هو هذا الذي به تنال السعادة وليس كذلك بل أكثرهم ليس معهم إيمان ينجي ولا علم يرفع بل قد سدوا على نفوسهم طرق العلم والإيمان اللذين جاء بهما الرسول ودعا إليهما الأمة وكان عليهما هو وأصحابه من بعده وتابعوهم على منهاجهم وآثارهم فكل طائفة اعتقدت أن العلم ما معها وفرحت وتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون وأكثر ما عندهم كلام وآراء وخرص والعلم وراء الكلام كما قال حماد بن زيد قلت لأيوب العلم اليوم أكثر أو فيما تقدم فقال الكلام اليوم أكثر والعلم فيما تقدم أكثر ففرق هذا الراسخ بين العلم والكلام فالكتب كثيرة جدا والكلام والجدال والمقدرات الذهنية كثيرة والعلم بمعزل عن أكثرها وهو ما جاء به الرسول عن الله قال تعالى فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم وقال ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من لعلم وقال في القرآن أنزله بعلمه أي وفيه علمه ولما بعد العهد بهذا العلم آل الأمر بكثير من الناس إلى أن اتخذوا هواجس الأفكار وسوانح الخواطر والآراء علما ووضعوا فيها الكتب وأنفقوا فيها الأنفاس فضيعوا فيها الزمان وملأوا بها الصحف مدادا والقلوب سوادا حتى صرح كثير منهم أنه ليس في القرآن والسنة علم وأن أدلتها لفظية لا تفيد يقينا ولا علما وصرخ الشيطان بهذه الكلمة فيهم وأذن بها بين أظهرهم حتى أسمعها دانيهم لقاصيهم فانسلخت بها القلوب من العلم والإيمان كانسلاخ الحية من قشرها والثوب عن لابسه قال الإمام العلامة شمس الدين ابن القيم ولقد أخبرني بعض أصحابنا عن بعض أتباع أتباع تلاميذ هؤلاء أنه رآه يشتغل في بعض كتبهم ولم يحفظ القرآن فقال له لو حفظت القرآن أولا كان أولى فقال وهل في القرآن علم قال ابن القيم وقال لي بعض أئمة هؤلاء إنما نسمع الحديث لأجل البركة لا لنستفيد(1\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "101",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5824",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منه العلم لأن غيرنا قد كفانا هذه المؤونة فعمدتنا على ما فهموه قرروه ولا شك أن من كان هذا مبلغه من العلم فهو كما قال القائل نزلوا بمكة في قبائل هاشم ... ونزلت بالبطحاء أبعد منزل قال وقال لي شيخنا مرة في وصف هؤلاء أنهم طافوا على أرباب المذاهب ففازوا بأخس المطالب ويكفيك دليلا على أن هذا الذي عندهم ليس من عند الله ما ترى فيه من التنقائض والاختلاف ومصادمة بعضه لبعض قال تعالى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وهذا يدل على أن ما كان من عنده سبحانه لا يختلف وأن ما اختلف وتناقض فليس من عنده وكيف تكون الآراء والخيالات وسوانح الأفكار دينا يدان به ويحكم به على الله ورسوله سبحانك هذا بهتان عظيم وقد كان علم الصحابة الذي يتذاكرون فيه غير علوم هؤلاء المختلفين الخراصين كما حكى الحاكم في ترجمة أبي عبد الله البخاري قال كان أصحاب رسول الله إذا اجتمعوا إنما يتذاكرون كتاب ربهم وسنة نبيهم ليس بينهم رأي ولا قياس ولقد أحسن القائل العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فقيه كلا ولا جحد الصفات ونفيها ... حذرا من التمثيل والتشبيه فصل وأما الإيمان فأكثر الناس أو كلهم يدعونه وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين وأكثر المؤمنين إنما عندهم إيمان مجمل وأما الإيمان المفصل بما جاء به الرسول معرفة وعلما وإقرارا ومحبة ومعرفة بضده وكراهيته وبغضه فهذا إيمان(1\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "102",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5825",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خواص الأمة وخاصة الرسول وهو إيمان الصديق وحزبه وكثير من الناس حظهم من الإيمان الإقرار بوجود الصانع وأنه وحده الذي خلق السموات والأرض وما بينهما وهذا لم يكن ينكره عباد الأصنام من قريش ونحوهم وآخرون الإيمان عندهم هو التكلم بالشهادتين سواء كان معه عمل أو لم يكن وسواء وافق تصديق القلب أو خالفه وآخرون عندهم الإيمان مجرد تصديق القلب بأن الله سبحانه خالق السموات والأرض وأن محمدا عبده ورسوله وإن لم يقر بلسانه ولم يعمل شيئا بل ولو سب الله ورسوله وأتى بكل عظيمة وهو يعتقد وحدانية الله ونبوة رسوله فهو مؤمن وآخرون عندهم الإيمان هو جحد صفات الرب تعالى من علوه على عرشه وتكلمه بكلماته وكتبه وسمعه وبصره ومشيئته وقدرته وإرادته وحبه وبغضه وغير ذلك مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله فالإيمان عندهم إنكار حقائق ذلك كله وجحده والوقوف مع ما تقتضيه آراء المتهوكين وأفكار المخرصين الذين يرد بعضهم على بعض وينقض بعضهم قول بعض الذين هم كما قال عمر بن الخطاب والإمام أحمد مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مفارقة الكتاب وآخرون عندهم الإيمان عبادة الله بحكم أذواقهم ومواجيدهم وما تهواه نفوسهم من غير تقييد بما جاء به الرسول وآخرون الإيمان عندهم ما وجدوا عليه آباءهم وأسلافهم بحكم الاتفاق كائنا ما كان بل إيمانهم مبني على مقدمتين إحداهما أن هذا قول أسلافنا وآبائنا والثانية أن ما قالوه فهو الحق وآخرون عندهم الإيمان مكارم الأخلاق وحسن المعاملة وطلاقة الوجه وإحسان الظن بكل أحد وتخلية الناس وغفلاتهم وآخرون عندهم الإيمان التجرد من الدنيا وعلائقها وتفريغ القلب منها والزهد فيها فإذا رأوا رجلا هكذا جعلوه من سادات أهل الإيمان وإن كان منسلخا من الإيمان علما وعملا وأعلى من هؤلاء من جعل الإيمان هو مجرد العلم وإن لم يقارنه عمل وكل هؤلاء لم يعرفوا حقيقة الإيمان ولا قاموا به ولا قام بهم وهم أنواع منهم من جعل الإيمان ما يضاد الإيمان ومنهم(1\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "103",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5826",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من جعل الإيمان ما لا يعتبر في الإيمان ومنهم من جعله ما هو شرط فيه ولا يكفي في حصوله ومنهم من اشترط في ثبوته ما يناقضه ويضاده ومنهم من اشترط فيه ما ليس منه بوجه الإيمان والإيمان وراء ذلك كله وهو حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول علما والتصديق به عقدا والإقرار به نطقا والانقياد له محبة وخضوعا والعمل به باطنا وظاهرا وتنفيذه والدعوة إليه بحسب الإمكان وكماله في الحب في الله والبغض في الله والعطاء لله والمنع لله وأن يكون الله وحده إلهه ومعبوده والطريق إليه تجريد متابعة رسوله ظاهرا وباطنا وتغميض عين القلب عن الالتفات إلى سوى الله ورسوله وبالله التوفيق من اشتغل بالله عن نفسه كفاء الله مؤونة نفسه ومن اشتغل بالله عن الناس كفاه الله مؤونة الناس ومن اشتغل بنفسه عن الله وكله الله إلى نفسه ومن اشتغل بالناس عن الله وكله الله إليهم  فائدة جليلة إنما يجد المشقة في ترك المألوفات والعوائد من تركها لغير الله فأما من تركها صادقا مخلصا من قلبه لله فانه لا يجد في تركها مشقة إلا في أول وهلة ليمتحن أصادق هو في تركها أم كاذب فان صبر على تلك المشقة قليلا استحالت لذة قال ابن سيرين سمعت شريحا يحلف بالله ما ترك عبد لله شيئا فوجد فقده وقولهم من ترك لله شيئا عوضه الله خيرا منه حق والعوض أنواع مختلفة وأجل ما يعوض به الأنس بالله ومحبته وطمأنينة القلب به وقوته ونشاطه وفرحه ورضاه عن ربه تعالى أغبى الناس من ضل في آخر سفره وقد قارب المنزل العقول المؤيدة(1\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "104",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5827",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالتوفيق ترى أن ما جاء به الرسول هو الحق الموافق للعقل والحكمة والعقول المضروبة بالخذلان ترى المعارضة بين العقل والنقل وبين الحكمة والشرع أقرب الوسائل إلى الله ملازمة السنة والوقوف معها في الظاهر والباطن ودوام الافتقار إلى الله وإرادة وجهه وحده بالأقوال والأفعال وما وصل أحد إلى الله إلا من هذه الثلاثة وما انقطع عنه أحد إلا بانقطاعه عنها أو عن أحدها الأصول التي انبنى عليها سعادة العبد ثلاثة ولكل واحد منها ضد فمن فقد ذلك الأصل حصل على ضده التوحيد وضده الشرك والسنة وضدها البدعة والطاعة وضدها المعصية ولهذه الثلاثة ضد واحد وهو خلو القلب من الرغبة في الله وفيما عنده ومن الرهبة منه ومما عنده  قاعدة جليلة قال الله تعالى وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين وقال ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى الآية والله تعالى قد بين في كتابه سبيل المؤمنين مفصلة وسبيل المجرمين مفصلة وعاقبة هؤلاء مفصلة وعاقبة هؤلاء مفصلة وأعمال هؤلاء وأعمال هؤلاء وأولياء هؤلاء وأولياء هؤلاء وخذلانه لهؤلاء وتوفيقه لهؤلاء والأسباب التي وفق بها هؤلاء والأسباب التي خذل بها هؤلاء وجلا سبحانه الأمرين في كتابه وكشفهما وأوضحهما وبينهما غاية البيان حتى شاهدتهما البصائر كمشاهدة الأبصار للضياء والظلام فالعالمون بالله وكتابه ودينه عرفوا سبيل المؤمنين معرفة تفصيلية وسبيل المجرمين معرفة تفصيلية فاستبانت لهم السبيلان كما يستيبين للسالك الطريق الموصل إلى مقصوده والطريق الموصل إلى الهلكة فهؤلاء أعلم الخلق وأنفعهم للناس وأنصحهم لهم وهم الأدلاء الهداة برز الصحابة على جميع من أتى بعدهم إلى يوم(1\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "105",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5828",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القيامة فإنهم نشأوا فى سبيل الظلال والكفر والشرك والسبل الموصلة إلى الهلاك وعرفوها مفصلة ثم جاءهم الرسول فأخرجهم من تلك الظلمات إلى سبيل الهدى وصراط الله المستقيم فخرجوا من الظلمة الشديدة إلى النور التام ومن الشرك إلى التوحيد ومن الجهل إلى العلم ومن الغي إلى الرشاد ومن الظلم إلى العدل ومن الحيرة والعمى إلى الهدى والبصائر فعرفوا مقدار ما نالوه وظفروا به ومقدار ما كانوا فيه فإن الضد يظهر حسنه الضد وإنما تتبين الأشياء بأضدادها فازدادوا رغبة ومحبة فيما انتقلوا إليه ونفرة وبغضا لما انتقلوا عنه وكانوا أحب الناس في التوحيد والإيمان والإسلام وأبغض الناس في ضده عالمين بالسبيل على التفصيل وأما من جاء بعد الصحابة فمنهم من نشأ في الإسلام غير عالم تفصيل ضده فالتبس عليه بعض تفاصيل سبيل المؤمنين بسبيل المجرمين فإن اللبس إنما يقع إذا ضعف العلم بالسبيلين أو أحدهما كما قال عمر بن الخطاب إنما تنقض عرى الإسلام عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية وهذا من كمال علم عمر رضي الله عنه فإنه إذا لم يعرف الجاهلية وحكمها وهو كل ما خالف ما جاء به الرسول فإنه من الجاهلية فإنها منسوبة إلى الجهل وكل ما خالف الرسول فهو من الجهل فمن لم يعرف سبيل المجرمين ولم تستبن له أوشك أن يظن في بعض سبيلهم أنها من سبيل المؤمنين كما وقع في هذه الأمة من أمور كثيرة في باب الاعتقاد والعلم والعمل هي من سبيل المجرمين والكفار وأعداء الرسل أدخلها من لم يعرف أنها من سبيلهم في سبيل المؤمنين ودعا إليها وكفر من خالفها واستحل منه ما حرمه الله ورسوله كما وقع لأكثر أهل البدع من الجهمية والقدرية والخوارج والروافض وأشباههم ممن ابتدع بدعة ودعا إليها وكفر من خالفها والناس في هذا الموضع أربع فرق الأولى من استبان له سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين على التفصيل علما وعملا وهؤلاء أعلم الخلق الفرقة الثانية من(1\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "106",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5829",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عميت عنه السبيلان من أشباه الأنعام وهؤلاء بسبيل المجرمين أحضر ولها أسلك الفرقة الثالثة من صرف عنايته إلى معرفة سبيل المؤمنين دون ضدها فهو يعرف ضدها من حيث الجملة والمخالفة وأن كل ما خالف سبيل المؤمنين فهو باطل وإن لم يتصوره على التفصيل بل إذا سمع شيئا مما خالف سبيل المؤمنين صرف سمعه عنه ولم يشغل نفسه بفهمه ومعرفة وجه بطلانه وهو بمنزلة من سلمت نفسه من إرادة الشهوات فلم تخطر بقلبه ولم تدعه إليها نفسه بخلاف الفرقة الأولى فإنهم يعرفونها وتميل إليها نفوسهم ويجاهدونها على تركها الله وقد كتبوا إلى عمر بن الخطاب يسألونه عن هذه المسالة أيما أفضل رجل لم تخطر له الشهوات ولم تمر بباله أو رجل نازعته إليها نفسه فتركها لله فكتب عمر أن الذي تشتهي نفسه المعاصي ويتركها لله عز وجل من الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مفغرة وأجر عظيم وهكذا من عرف البدع والشرك والباطل وطرقه فأبغضها لله وحذرها وحذر منها ودفعها عن نفسه ولم يدعها تخدش وجه إيمانه ولا تورثه شبهة ولا شكا بل يزداد بمعرفتها بصيرة في الحق ومحبة له وكراهة لها ونفرة عنها أفضل ممن لا تخطر بباله ولا تمر بقلبه فإنه كلما مرت بقلبه وتصورت له ازداد محبة للحق ومعرفة بقدره وسرورا به فيقوى إيمانه به كما أن صاحب خواطر الشهوات والمعاصي كلما مرت به فرغب عنها إلى ضدها ازداد محبة لضدها ورغبة فيه وطلبا له وحرصا عليه فما ابتلى الله سبحانه عبده المؤمن بمحبة الشهوات والمعاصي وميل نفسه إليها إلا ليسوقه بها إلى محبة ما هو أفضل منها وخير له وأنفع وأدوم وليجاهد نفسه على تركها له سبحانه فتورثه تلك المجاهدة الوصول إلى المحبوب الأعلى فكلما نازعته نفسه إلى تلك الشهوات وشتدت إرادته لها وشوقه إليها صرف ذلك الشوق والإرادة والمحبة إلى النوع العالي الدائم فكان طلبه له أشد وحرصه عليه أتم بخلاف النفس الباردة الخالية من ذلك فإنها وإن كانت طالبة للأعلى لكن بين الطلبين فرق عظيم ألا ترى أن من مشى إلى محبوبه على الجمر(1\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "107",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5830",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والشوك أعظم ممن مشى إليه راكبا على النجائب فليس من آثر محبوبه مع منازعة نفسه كمن آثره مع عدم منازعتها إلى غيره فهو سبحانه يبتلي عبده بالشهوات إما حجابا له عنه أو حاجبا له يوصله إلى رضاه وقربه وكرامته الفرقة الرابعة فرقة عرفت سبيل الشر والبدع والكفر مفصلة وسبيل المؤمنين مجملة وهذا حال كثير ممن اعتنى بمقالات الأمم ومقالات أهل البدع فعرفها على التفصيل ولم يعرف ما جاء به الرسول كذلك بل عرفه معرفة مجملة وإن تفصلت له في بعض الأشياء ومن تأمل كتبهم رأى ذلك عيانا وكذلك من كان عارفا بطرق الشر والظلم والفساد على التفصيل سالكا لها إذا تاب ورجع عنها إلى سبيل الأبرار يكون علمه بها مجملا غير عارف بها على التفصيل معرفة من أفنى عمره في تصرفها وسلوكها والمقصود أن الله سبحانه يحب أن تعرف سبيل أعدائه لتجتنب تبغض كما يجب أن تعرف سبيل أوليائه لتحب وتسلك وفي هذه المعرفة من الفوائد والأسرار مالا يعلمه إلا الله من معرفة عموم ربوبيته سبحانه وحكمته وكمال أسمائه وصفاته وتعلقها بمتعلقاتها واقتضائها لآثارها وموجباتها وذلك من أعظم الدلالة على ربوبيته وملكه وإلهيته وحبه وبغضه وثوابه وعقابه والله أعلم أرباب الحوائج على باب الملك يسألون قضاء حوائجهم وأولياؤه المحبون له الذين هو همهم ومرادهم جلساؤه وخواصه فإذا أراد قضاء حاجة واحد من أولئك أذن لبعض جلسائه وخاصته أن يشفع فيه رحمة له وكرامة للشافع وسائر الناس مطرودون عن الباب مضروبون بسياط العبد  فصل عشرة أشياء ضائعة لا ينتفع بها علم لا يعمل به وعمل لا إخلاص فيه ولا اقتداء ومال لا ينفق منه فلا يستمتع به جامعه في الدنيا ولا يقدمه(1\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "108",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5831",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أمامه إلى الآخرة وقلب فارغ من محبة الله والشوق إليه والأنس به وبدن معطل من طاعته وخدمته ومحبة لا تتقيد برضاء المحبوب وامتثال أوامره ووقت معطل عن استدراك فارطه أو اغتنام بر وقربة وفكر يجول فيما لا ينفع وخدمة من لا تقربك خدمته إلى الله ولا تعود عليك بصلاح دنياك وخوفك ورجاؤك لمن ناصيته بيد الله وهو أسبر في قبضته ولا يملك لنفسه حذرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وأعظم هذه الإضاعات إضاعتان هما أصل كل إضاعة إضاعة القلب وإضاعة الوقت فإضاعة القلب من إيثار الدنيا على الآخرة وإضاعة الوقت من طول الأمل فاجتمع الفساد كله في إتباع الهوى وطول الأمل والصلاح كله فى اتباع لهدى والاستعداد للقاء والله المستعان العجب ممن تعرض له حاجة فيصرف رغبته وهمته فيها إلى الله ليقضيها له ولا يتصدى للسؤال لحياة قلبه من موت الجهل والإعراض وشفائه من داء الشهوات والشبهات ولكن إذا مات القلب لم يشعر بمعصيته  فصل لله سبحانه على عبده أمر أمره به وقضاء يقضيه عليه ونعمة ينعم بها عليه فلا ينفك من هذه الثلاثة والقضاء نوعان إما مصائب وإما معائب وله عليه عبودية في هذه المراتب كلها فأحب الخلق إليه من عرف عبوديته في هذه المراتب ووفاها حقها فهذا أقرب الخلق إليه وأبعدهم منه من جهل عبوديته في هذه المراتب فعطلها علما وعملا فعبوديته في الأمر وامتثاله اخلاصا واقتداءا برسول الله وفي النهي اجتنابه خوفا منه وإجلالا ومحبة وعبوديته في قضاء المصائب الصبر عليها ثم الرضا بها وهو أعلى منه ثم الشكر عليها وهو أعلى من الرضا وهذا إنما يأتى منه إذا تمكن حبه من قلبه وعلم حسن اختياره له وبره به ولطفه به(1\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "109",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5832",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإحسانه إليه بالمصيبة وإن كره المصيبة وعبوديته في قضاء المعائب المبادرة إلى التوبة منها والتنصل والوقوف في مقام الاعتذار والانكسار عالما بأنه لا يرفعها عنه إلا هو ولا يقيه شرها سواه وأنها إن استمرت أبعدته من ربه وطردته من بابه فيراها من الضر الذي لا يكشفه غيره حتى انه ليراها أعظم من ضر البدن فه عائذ برضاه من سخطه وبعفوه من عقوبته وبه منه مستجير وملتجىء منه اليه بعلم أنه إن تخلى عنه وخلى بينه وبين نفسه فعده أمثالها وشر منها وأنه لا سبيل له إلى الإقلاع والتوبة إلا بتوفيقه وإعانته وأن ذلك بيده سبحانه لا بيد العبد فهو أعجز وأضعف وأقل من أن يوفق نفسه أو يأتي بمرضاة سيده بدون إذنه ومشيئته وإعانته فهو ملتجىء إليه متضرع ذليل مسكين ملق نفسه بين يديه طريح بابه مستخذله أذل شيء وأكسره له وأفقره وأحوجه إليه وأرغبه فيه وأحبه له بدنه متصرف في أشغاله وقلبه ساجد بين يديه يعلم يقينا انه لا خبر فيه ولا له ولا به ولا منه وأن الخير كله لله وفي يديه وبه ومنه فهو ولي نعمته ومبتدئه بها من غير استحقاق ومجريها عليه مع تمقته إليه بإعراضه وغفلته ومعصيته فحظه سبحانه الحمد والشكر والثناء وحظ العبد الذم والنقص والعيب قد استأثر بالمحامد والمدح والثناء وولى العبد الملامة والنقائص ولعيوب فالحمد كله له والخير كله في يديه والفضل كله له والثناء كله له والمنة كلها له فمنه الإحسان ومن العبد الإساءة ومنه التودد إلى العبد بنعمه ومن العبد التبغض إليه بمعاصيه ومنه النصح لعبده ومن العبد الغش له في معاملته وأما عبودية النعم فمعرقتها والاعتراف بها أولا ثم العياذ به أن يقع في قلبه نسبتها وإضافتها إلى سواه وإن كان سببا من الأسباب فهو مسببه ومقيمه فالنعمة منه وحده بكل وجه واعتبار ثم الثناء بها عليه ومحبته عليها وشكره بأن يستعملها في طاعته ومن لطائف التعبد بالنعم أن يكثر قليلها عليه ويستقل كثير شكره عليها وبعلم أنها وصلت إليه من سيده من غير ثمن بذله فيها ولا وسيلة منه توسل(1\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "110",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5833",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بها إليه ولا استحقاق منه لها وأنها لله في الحقيقة لا للعبد فلا تزيده النعم إلا انكسارا وذلا وتواضعا ومحبة للمنعم وكلما جدد له نعمة أحدث لها عبودية ومحبة وخضوعا وذلا وكلما أحدث له قبضا أحدث له رضى وكلما أحدث ذنبا أحدث له توبة وانكسارا واعتذارا فهذا هو العبد الكيس والعاجز بمعزل عن ذلك وبالله التوفيق  فصل من ترك الاختيار والتدبير في رجاء زيادة أو خوف نقصان أو طلب صحة أو فرار من سقم وعلم أن الله على كل شيء قدير وأنه المتفرد بالاختيار والتدبير وأن تدبيره لعبده خير من تدبير العبد لنفسه وأنه أعلم بمصلحته من العبد وأقدر على جلبها وتحصيلها منه وأنصح للعبد منه لنفسه وأرحم منه بنفسه وأبر به منه بنفسه وعلم مع ذلك أنه لا يستطيع أن يتقدم بين يدي تدبيره خطوة واحدة ولا يتأخر عن تدبيره له خطوة واحدة فلا متقدم له بين يدي قضائه وقدره ولا يتأخر فألقى نفسه بين يديه وسلم الأمر كله إليه وانطرح بين يديه انطراح عبد مملوك ضعف بين يدي ملك عزيز قاهر له التصرف في عبده بكل ما يشاء وليس للعبد التصرف فيه بوجه من الوجوه فاستراح حينئذ من الهموم والغموم والأنكاد والحسرات وحمل كله حوائجه ومصالحه من لا يبالي بحملها ولا يثقله ولا يكترث بها فتولاها دونه وأراه لطفه وبره ورحمته وإحسانه فيها من غير تعب من العبد ولا نصب ولا اهتمام منه لأنه قد صرف اهتمامه كله إليه وجعله وحده همه فصرف عنه اهتمامه بحوائجه ومصالح دنياه وفرغ قلبه منها فما أطيب عيشه وما أنعم قلبه وأعظم سروره وفرحه وإن أبى إلا تدبيره لنفسه واختياره لها واهتمامه بحظه دون حق ربه خلاه وما اختاره وولاه ما تولى فحضره الهم والغم والحزن والنكد الخوف والتعب وكسف البال وسوء الحال فلا قلب(1\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "111",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5834",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يصفو ولا عمل يزكو ولا أمل يحصل ولا راحة يفوز بها ولا لذة بينها بها بل بل قد حيل بينه وبين مسرته وفرحه وقرة عينه فهو يكدح في الدنيا كدح الوحش ولا يظفر منه بأمل ولا يتزود منها لمعاد والله سبحانه أمر العبد بأمر وضمن له ضمانا فإن قام بأمره بالنصح والصدق والإخلاص والاجتهاد قام الله سبحانه له بما ضمنه له من الرزق والكفاية والنصر وقضاء الحوائج فإنه سبحانه ضمن الرزق لمن عبده والنصر لمن توكل عليه واستنصر به والكفاية لمن كان هو همه ومراده والمغفرة لمن استغفره وقضاء الحوائج لمن صدقه في طلبها ووثق به وقوي رجاؤه وطمعه في فضله وجوده فالفطن الكيس إنما يهتم بأمره وإقامته وتوفيته لا بضمانه فإنه الوفي الصادق ومن أوفى بعهده من الله فمن علامات السعادة صرف اهتمامه إلى أمر الله دون ضمانه ومن علامات الحرمان فراغ قلبه من الاهتمام بأمره وحبه وخشيته والاهتمام بضمانه والله المستعان قال بشر بن الحارث أهل الآخرة ثلاثة عابد وزاهد وصديق فالعابد يعبد الله مع العلائق والزاهد يعبده على ترك العلائق والصديق يعبده على الرضا والموافقة إن أراه أخذ الدنيا أخذها وإن أراه تركها تركها إذا كان الله ورسوله في جانب فاحذر أن تكون في الجانب الآخر فإن ذلك يفضي إلى المشاقة والمحادة وهذا أصلها ومنه اشتقاقها فإن المشاقة أن يكون في شق ومن يخالفه في شق والمحادة ان يكون حد وهو في حد ولا تستسهل هذا فإن مبادئه تجر إلى غايته وقليله يدعو إلى كثيره وكن في الجانب الذي يكون فيه الله ورسوله وان كان الناس كلهم في الجانب الآخر فإن لذلك عواقب هي أحمد العواقب وأفضلها وليس للعبد أنفع من ذلك في دنياه قبل آخرته وأكثر الخلق إنما يكونون من الجانب الآخر ولاسيما إذا قويت الرغبة والرهبة فهناك لا تكاد تجد أحدا في الجانب الذي فيه الله ورسوله بل يعده الناس ناقص العقل سيء الاختيار لنفسه وربما نسبوه إلى الجنون وذلك من مواريث أعداء الرسل فإنهم نسبوهم غلى الجنون لما كانوا في شق(1\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "112",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5835",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجانب والناس في شق وجانب آخر ولكن من وطن نفسه على ذلك فإنه يحتاج إلى علم راسخ بما جاء به الرسول يكون يقينا له لا ريب عنده فيه وإلى صبر تام على معاداة من عاداه ولومة من لامه ولا يتم له ذلك إلا برغبة قوية في الله والدار والآخرة بحيث تكون الآخرة أحب إليه من الدنيا وآثر عنده منها ويكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وليس شيء أصعب على الإنسان من ذلك في مبادىء الأمر فإن نفسه وهواه وطبعه وشيطانه وإخوانه ومعاشيره من ذلك الجانب يدعنه إلى العاجل فإذا خالفوهم تصدوا الحربة فإن صبر وثبت جاءه العون من الله وصار ذلك الصعب سهلا وذلك الألم لذة فإن الرب شكور فلا بد أن يذيقه لذة تحيزه إلى الله وإلى رسوله ويريه كرامة ذلك فيشتد به سروره وغبطته ويبتهج به قلبه ويظفر بقوته وفرحه وسروره ويبقى من كان محاربا له على ذلك بين هائب له مسالم له ومساعد وتارك ويقوى جنده ويضعف جند العدو ولا تستصعب مخالفة الناس والتحيز إلى الله ورسوله ولو كنت وحدك فإن الله معك وأنت بعينه وكلاءته وحفظه لك وإنما امتحن يقينك وصبرك اعظم الأعوان لك على بعد عون الله هذا بعون اله التجرد من الطمع والفزع فمتى تجردت منهما هان عليك التحيز إلى الله ورسوله وكنت دائما في الجانب الذي فيه الله ورسوله ومتى قام بك الطمع فلا تطمع في هذا الأمر ولا تحدث نفسك به فإن قلت فبأي شيء أستعين على التجرد من الطمع ومن الفزع قلت بالتوحيد والتوكل والثقة بالله وعلمك بأنه لا يأتي بالحسنات الاهو ولا يذهب بالسيآت إلا هو وأن الأمر كله لله ليس لأحد مع الله شيء نصيحة هلم إلى الدخول على الله ومجاورته في دار السلام بلا نصيب ولا تعب ولا عناء بل من أقرب الطرق وأسهلها وذلك أنك في وقت بين وقتين وهو في الحقيقة(1\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "113",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5836",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عمرك وهو وقتك الحاضر بين ما مضى وما يستقبل فالذي مضى تصلحه بالتوبة والندم والاستغفار وذلك شيء لا تعب عليك فيه ولا نصب ولا معاناة عمل شاق إنما هو عمل قلب وتمتنع فيما يستقبل من الذنوب وامتناعك ترك وراحة ليس هو عملا بالجوارح يشق عليك معاناته وإنما هو عزم ونية جازمة تريح بدنك وقلبك وسرك فما مضى تصلحه بالتوبة وما يستقبل تصلحه بالامتناع والعزم والنية وليس للجوارح في هذين نصب ولا تعب ولكن الشأن في عمرك وهو وقتك الذي بين الوقتين فإن أضعته أضعت سعادتك ونجاتك وإن حفظته مع إصلاح الوقتين اللذين قبله وبعده بما ذكرت نجوت وفزت بالراحة واللذة والنعيم وحفظه أشق من إصلاح ما قبله وما بعده فإن حفظه أن تلزم نفسك بما هو أولى بها وأنفع لها وأعظم تحصيلا لسعادتها وفي هذا تفاوت الناس أعظم تفاوت فهي والله أيامك الخالية التي تجمع فيها الزاد لمعادك إما إلى الجنة إما إلى النار فإن اتخذت إليها سبيلا إلى ربك بلغت السعادة العظمى والفوز الأكبر في هذه المدة اليسيرة التي لا نسبة لها إلى الأبد وإن آثرت الشهوات والراحات واللهو واللعب انقضت عنك بسرعة وأعقبتك الألم العظيم الدائم الذي مقاساته ومعاناته أشق وأصعب وأدوم من معاناة الصبر عن محارم الله والصبر على طاعته ومخالفة الهوى لأجله  فصل علامة صحة الإرادة أن يكون هم المريد رضا ربه واستعداده للقائه وحزنه على وقت مر في غير مرضاته وأسفه على قربه والأنس به وجماع ذلك أن يصبح ويمسي وليس له هم غيره(1\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "114",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5837",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل إذا استغنى الناس بالدنيا فاستغن أنت بالله وإذا فرحوا بالدنيا فافرح أنت بالله وإذا أنسوا بأحبابهم فاجعل أنسك بالله وإذا تعرفوا إلى ملوكهم وكبرائهم وتقربوا إليهم لينالوا بهم العزة والرفعة فتعرف أنت إلى الله وتودد إليه تنل بذلك غاية العز والرفعة قال بعض الزهاد ما علمت أن أحدا سمع بالجنة والنار تأتي عليه ساعة لا يطيع الله فيها بذكرا وصلاة أو قراة أو إحسان فقال له رجل إني أكثر البكاء فقال إنك إن تضحك وأنت مقر بخطيئتك خير من أن تبكي وأنت مدل بعملك وإن المدل لا يصعد عمله فوق رأسه فقال أوصني فقال دع الدنيا لأهلها كما تركوهم الآخرة لأهلها وكن في الدنيا كالنحلة إن أكلت أكلت طيبا وإن أطعمت أطعمت طيبا وإن سقطت على شيء لم تكسره ولم تخدشه  فصل الزهد أقسام زهد في الحرام وهو فرض عين وزهد في الشبهات وهو بحسب مراتب الشبهة فإن قويت التحقت بالواجب وإن ضعفت كان مستحبا وزهد في الفضول وزهد فيما لا يعني من الكلام والنظر والسؤال واللقاء وغيره وزهد في الناس وزهد في النفس بحيث تهون عليه نفسه في الله وزهد جامع لذلك كله وهو الزهد فيما سوى الله وفي كل ما شغلك عنه وأفضل الزهد إخفاء الزهد وأصعبه الزهد في الحظوظ والفرق بينه وبين الورع أن الزهد ترك مالا ينفع في الآخرة والورع ترك ما يخشى ضرره في الآخرة والقلب المعلق بالشهوات لا يصح له زهد ولا ورع(1\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "115",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5838",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال يحيى بن معاذ عجبت من ثلاث رجل يرائي بعمله مخلوقا مثله ويترك أن يعمله الله ورجل يبخل بماله وربه يستقرضه منه فلا يقرضه منه شيئا ورجل يرغب في صحبة المخلوقين ومودتهم والله يدعوه إلى صحبته ومودته  فائدة جليلة قال سهل بن عبد الله ترك الأمر عند الله أعظم من ارتكاب النهي لأن آدم نهي عن أكل الشجرة فأكل منها فتاب عليه وإبليس أمر أن يسجد لآدم فلم يسجد فلم يتب عليه قلت هذه مسألة عظيمة لها شأن وهي أن ترك الأوامر أعظم عند الله من ارتكاب المناهي وذلك من وجوه عديدة أحدها ما ذكره سهل من شأن آدم وعدو الله إبليس الثاني أن ذنب ارتكاب النهي مصدره في الغالب الشهوة والحاجة وذنب ترك الأمر مصدره في الغالب الكبر والعزة ولا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ويدخلها من مات على التوحيد وإن زنى وسرق الثالث أن فعل المأمور أحب إلى الله من ترك المنهي كما دل على ذلك النصوص كقوله أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها وقوله ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا بلى يا رسول الله قال ذكر الله وقوله اعلموا أن خير أعمالكم الصلاة وغير ذلك من النصوص وترك المناهي عمل فإنه كف النفس عن الفعل ولهذا علق سبحانه المحبة بفعل الأوامر كقوله إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا والله يحب المحسنين وقوله وأقسطوا إن الله يحب المقسطين والله يحب الصابرين وأما في جانب المناهي فأكثر ما جاء النفي للمحبة وقوله والله لا يحب الفساد وقوله والله لا يحب كل مختال فخور وقوله ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وقوله لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وقوله إن الله لا يحب من(1\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "116",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5839",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان مختالا فخورا ونظائره وأخبر في موضع آخر أنه يكرهها ويسخطها كقوله كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها وقوله ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله إذا عرف هذا ففعل ما يحبه سبحانه مقصود بالذات ولهذا يقدر ما يكرهه ويسخطه لإفضائه إلى ما يحب كما قدر المعاصي والكفر والفسوق لما ترتب على تقديرها مما يحبه من لوازمها من الجهاد واتخاذ الشهداء وحصول التوبة من العبد والتضرع إليه والاستكانة وإظهار عدله وعفوه وانتقامه وعزه وحصول المولاة والمعاداة لأجله وغير ذلك من الآثار التي وجودها بسبب تقديره ما يكره أحب إليه من ارتفاعها بارتفاع أسبابها وهو سبحانه لا يقدر ما يحب لإفضائه إلى حصول ما يكرهه ويسخطه كما يقدر ما يكرهه لإفضائه إلى ما يحبه فعلم أن فعل ما يحبه أحب إليه مما يكرهه يوضحه الوجه الرابع أن فعل المأمور مقصود لذاته وترك المنهي مقصود لتكميل فعل المأمور فهو منهي عنه لأجل كونه يخل بفعل المأمور أو يضعفه وينقصه كما نبه سبحانه على ذلك في النهي عن الخمر والميسر بكونهما يصدان عن ذكر الله وعن الصلاة فالمنهيات قواطع وموانع صادة عن فعل المأمورات أو عن كمالها فالنهي عنها من باب المقصود لغيره والأمر بالواجبات من باب المقصود لنفسه يوضحه الوجه الخامس أن فعل المأمورات من باب حفظ قوة الإيمان وبقائها وترك المنهيات من باب الحمية عما يشوش قوة الإيمان ويخرجها عن الاعتدال وحفظ القوة مقدم على الحمية فإن القوة كلما قويت دفعت المواد الفاسدة وإذا ضعفت غلبت المواد الفاسدة فالحمية مراد لغيرها وهو حفظ القوة وزيادتها وبقاؤها ولهذا كلما قويت قوة الإيمان دفعت المواد الرديئة ومنعت من غلبتها وكثرتها بحسب القوة وضعفها وإذا ضعفت غلبت المواد الفاسدة فتأمل هذا الوجه الوجه السادس أن فعل المأمورات حياة القلب وغذاؤه وزينته وسروره وقرة عينه ولذته ونعيمه وترك المنهيات بدون ذلك لا يحصل له شيئا من ذلك فإنه لو ترك جميع المنهيات ولم(1\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "117",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5840",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يأت بالإيمان والأعمال المأمور بها لم ينفعه ذلك الترك شيئا وكان خالدا في النار وهذا يتبين بالوجه السابع أن من فعل المأمورات والمنهيات فهو إما ناج مطلقا إن غلبت حسناته سيئاته وإما ناج بعد أن يؤخذ منه الحق ويعاقب على سيئاته فمآله إلى النجاة وذلك بفعل المأمور ومن ترك المأمورات والمنهيات فهو هالك غير ناج ولا ينجو إلا بفعل المأمور وهو التوحيد فإن قيل فهو إنما هلك بارتكاب المحظور وهو الشرك قيل يكفي في الهلاك ترك نفس التوحيد المأمور به وإن لم يأت بضد وجودي من الشرك بل متى خلا قلبه من التوحيد رأسا فلم يوحد الله فهو هالك وان لم يعبد معه غيره فإذا انضاف إليه عبادة غيره عذب على ترك التوحيد المأمور به وفعل الشرك المنهي عنه يوضحه الوجه الثامن أن المدعو إلى الإيمان إذا قال لا أصدق ولا أكذب ولا أحب ولا أبغض ولا أعبده ولا أعبد غيره كان كافرا بمجرد الترك والإعراض بخلاف ما إذا قال أنا أصدق الرسول وأحبه وأؤمن به وأفعل ما أمرني ولكن شهوتي وإرادتي وطبعي حاكمة علي لا تدعني أترك ما نهاني عنه وأنا أعلم أنه قد نهاني وكره لي فعل المنهي ولكن لا صبر لي عنه فهذا لا يعد كافرا بذلك ولا حكمه حكم الأول فإن هذا مطيع من وجه وتارك المأمور جملة لا يعد مطيعا بوجه يوضحه الوجه التاسع أن الطاعة والمعصية إنما تتعلق بالأمر أصلا وبالنهي تبعا فالمطيع ممتثل المأمور والعاصي تارك المأمور قال تعالى لا يعصون الله ما أمرهم وقال موسى لأخيه ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعني أفعصيت أمرى وقال عمرو بن العاص عند موته أنا الذي أمرتني فعصيت ولكن لا إله إلا أنت وقال الشاعر أمرتك أمرا جازما فعصيتني والمقصود من إرسال الرسل طاعة المرسل ولا تحصل إلا بامتثال أوامره واجتناب المناهي من تمام امتثال الأوامر ولوازمه ولهذا لو اجتنب المناهي ولم يفعل ما أمر به لم يكن مطيعا وكان عاصيا بخلاف ما لو أتى بالمأمورات وارتكب(1\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "118",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5841",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المناهي فإنه وإن عد عاصيا مذنبا فإنه مطيع بامتثال الأمر عاص بارتكاب النهي بخلاف تارك الأمر فإنه لا يعد مطيعا باجتناب المنهيات خاصة الوجه العاشر أن امتثال الأمر عبودية وتقرب وخدمة وتلك العبادة التي خلق لأجلها الخلق كما قال تعالى وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون فأخبر سبحانه أنه إنما خلقهم للعبادة وكذلك إنما أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه ليعبدوه فالعبادة هي الغاية التي خلقوا لها ولم يخلقوا لمجرد الترك فإنه أمر عدمي لا كمال فيه من حيث هو عدم بخلاف امتثال المأمور فإنه أمر وجودي مطلوب الحصول وهذا يتبين بالوجه الحادي عشر وهو أن المطلوب بالنهي عدم الفعل وهو أمر عدمي والمطلوب بالأمر إيجاد فعل وهو أمر وجودي فمتعلق الأمر الايجاد ومتعلق النهي الإعدام أو العدم وهو أمر لا كمال فيه إلا إذا تضمن أمرا وجوديا فإن العدم من حيث هو عدم لا كمال فيه ولا مصلحة إلا إذا تضمن أمرا وجوديا مطلقا وذلك الأمر الوجودي مطلوب مأمور به فعادت حقيقة النهي إلى الأمر وأن المطلوب به ما في ضمن النهي من الأمر الوجودي المطلوب به وهذا يتضح بالوجه الثاني عشر وهو أن الناس اختلفوا في المطلوب بالنهي على أقوال أحدها أن المطلوب به كف النفس عن الفعل وحبسها عنه وهو أمر وجودي قالوا لأن التكليف إنما يتعلق بالمقدور والعدم المحض غير مقدور وهذا قول الجمهور وقال أبو هاشم وغيره بل المطلوب عدم الفعل ولهذا يحصل المقصود من بقائه على العدم وإن لم يخطر بباله الفعل فضلا أن يقصد الكف عنه ولو كان المطلوب الكف لكان عاصيا إذا لم يأت به ولأن الناس يمدحون بعدم فعل القبيح من لم يخطر بباله فعله والكف عنه وهذا أحد قولي القاضي أبي بكر ولأجله التزم أن عدم الفعل مقدور للعبد وداخل تحت الكسب قال والمقصود بالنهي الإبقاء على العدم الأصلي وهو مقدور وقالت طائفة المطلوب بالنهي فعل الضد فإنه هو المقدور وهو المقصود للناهي فإنه إنما نهاه عن الفاحشة طلبا(1\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "119",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5842",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للعفة وهي المأمور بها ونهاه عن الظلم طلبا للعدل المأمور به وعن الكذب طلبا للصدق المأمور به وهكذا جميع المنهيات فعند هؤلاء أن حقيقة النهي الطلب لضد لمنهى عنه فعاد الأمر إلى أن الطلب إنما تعلق بفعل المأمور والتحقيق أن المطلوب نوعان مطلوب لنفسه وهو المأمور به ومطلوب إعدامه لمضادته المأمور به وهو المنهي عنه لما فيه من المفسدة المضادة للمأمور به فإذا لم يخطر ببال المكلف ولا دعته نفسه إليه بل استمر على العدم الأصلي لم يثب على تركه وإن خطر بباله وكف نفسه عنه لله وتركه اختيار أثيب عل كف نفسه وامتناعه فإنه فعل وجودي والثواب إنما يقع على الأمر الوجودي دون العدم المحض وإن تركه مع عزمه الجازم على فعله لكن تركه عجزا فهذا وإن لم يعاقب عقوبة الفاعل لكن يعاقب على عزمه وإرادته الجازمة التي إنما تخلف مرادها عجزا وقد دلت على ذلك النصوص الكثيرة فلا يلتفت إلى ما خالفها كقوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وقوله في كاتم الشهادة فإنه آثم قلبه وقوله ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم وقوله يوم تبلى السرائر وقوله إذا تواجه المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار قالوا هذا القاتل فما بال المقتول قال إنه أراد قتل صاحبه وقوله في الحديث الآخر ورجل قال لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته وهما في الوزر سواء وقول من قال أن المطلوب بالنهي فعل الضد ليس كذلك فإن المقصود عدم الفعل والتلبس بالضدين فإن مالا يتم الواجب إلا به فهو غير مقصود بالقصد الأول وإن كان المقصود بالقصد الأول المأمور الذي نهى عما يمنعه ويضعفه فالمنهي عنه مطلوب إعدامه طلب الوسائل والذرائع والمأمور به مطلوب إيجاده طلب المقاصد والغايات وقول أبي هاشم إن تارك القبائح يحمد وإن لم يخطر بباله كف النفس فإن أراد(1\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "120",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5843",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بحمده أنه لا يذم فصحيح وإن أراد أنه يثني عليه بذلك ويحب عليه ويستحق الثواب فغير صحيح فإن الناس لا يحمدون المحبوب على ترك الزنا ولا الأخرس على عدم الغيبة والسب وإنما يحمدون القادر الممتنع عن قدرة وداع إلى الفعل وقول القاضي الإبقاء على العدم الأصلي مقدور فإن أراد به كف النفس ومنعها فصحيح وإن أراد مجرد العدم فليس كذلك وهذا يتبين بالوجه الثالث عشر وهو أن الأمر بالشيء نهي عن ضده من طريق اللزوم العقلي لا القصد الطلبي فإن الأمر إنما مقصود فعل المأمور فإذا كان من لوازمه ترك الضد صار تركه مقصودا لغيره وهذا هو الصواب في مسألة الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده أم لا فهو نهي عنه من جهة اللزوم لا من جهة القصد والطلب وكذلك النهي عن الشيء مقصود الناهي بالقصد الأول الانتهاء عن المنهي عنه وكونه مشتغلا بضده جاء من جهة اللزوم العقلي لكن إنما نهى عما يضاد ما أمر به كما تقدم فكأن المأمور به هو المقصود بالقصد الأول في الموضعين وحرف المسألة أن طلب الشيء طلب له بالذات ولما هو من ضرورته باللزوم والنهي عن الشيء طلب لتركه بالذات ولفعل ما هو من ضرورة الترك باللزوم والمطلوب في الموضعين فعل وكف وكلاهما أمر وجودي الوجه الرابع عشر أن الأمر والنهي في باب الطلب نظير النفي والإثبات في باب الخبر والمدح والثناء لا يحصلان بالنفي المحض إن لم يتضمن ثبوتا فإن النفي كاسمه عدم لا كمال فيه ولا مدح فإذا تضمن ثبوتا صح المدح به كنفي النسيان المستلزم لكمال العلم وبيانه ونفي اللغوب والإعياء والتعب المستلزم لكمال القوة والقدرة ونفي السنة والنوم المستلزم لكمال الحياة والقومية ونفي الولد والصاحبة المستلزم لكمال الغنى والملك والربوبية ونفي الشريك والولي والشفيع بدون الإذن المستلزم لكمال التوحيد والتفرد بالكمال والإلهية والملك ونفي الظلم المتضمن لكمال العدل ونفي إدراك الأبصار له المتضمن لعظمته وأنه أجل من أن يدرك وإن رأته(1\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "121",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5844",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأبصار وإلا فليس في كونه لا يرى مدح بوجه من الوجوه فإن العدم المحض كذلك وإذا عرف هذا فالمنهي عنه إن لم يتضمن أمرا وجوديا ثبوتيا لم يمدح بتركه ولم يستحق الثواب والثناء بمجرد الترك الايستحق المدح والثناء بمجرد الوصف العدمي الوجه الخامس عشر أن الله سبحانه جعل جزاء المأمورات عشرة أمثال نعلها وجزاء المنهيات مثل واحد وهذا يدل على أن فعل ما أمر به أحب إليه من ترك ما نهى عنه ولو كان الأمر بالعكس لكانت السيئة بعشرة والحسنة بواحدة أو تساويا الوجه السادس عشر أن المنهي عنه المقصود إعدامه وأن لا يدخل في الوجود سواء نوى ذلك أو لم ينوه وسواء خطر بباله أو لم يخطر فالمقصود أن لا يكون وأما المأمور به فالمقصود كونه ايجاد والتقرب به نية وفعلا وسر المسألة أن وجود ما طلب إيجاده أحب إليه من عدم ما طلب إعدامه وعدم ما أحبه أكره إليه من وجود ما يبغضه فمحبته لفعل ما أمر به أعظم من كراهته لفعل ما نهى عنه يوضحه الوجه السابع عشر أن فعل ما يحبه والإعانة عليه وجزاؤه وما يترتب عليه من المدح والثناء من رحمته وفعل مايكره وجزاؤهما يترتب عليه من الذم والألم والعقاب من غضبه ورحمته سابقة على غضبه غالبة له وكل ما كان من صفة الرحمة فهو غالب لما كان من صفة الغضب فإنه سبحانه لا يكون إلا رحيما ورحمته من لوازم ذاته كعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره وإحسانه فيستحيل أن يكون على خلاف ذلك وليس كذلك غضبه فإنه ليس من لوازم ذاته ولا يكون غضبانا دائما غضبا لا يتصور انفكاكه بل يقول رسله وأعلم الخلق به يوم القيامة إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ورحمته وسعت كل شيء وغضبه لم يسع كل شيء وهو سبحانه كتب على نفسه الرحمة ولم يكتب على نفسه الغضب ووسع كل شيء رحمة وعلما ولم يسع كل شيء غضبا وانتقاما فالرحمة وما كان بها ولوازمها وآثارها غالبة على الغضب(1\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "122",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5845",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما كان منه وآثاره فوجود ما كان بالرحمة أحب إليه من وجود ما كان من لوازم الغضب ولهذا كانت الرحمة أحب إليه من العذاب والعفو أحب إليه من الانتقام فوجود محبوبه أحب إليه من فوات مكروهه ولا سيما إذا كان في فوات مكروهه فوات ما يحبه من لوازمه فإنه يكره فوات تلك اللوازم المحبوبة كما يكره وجود ذلك الملزوم المكروه الوجه الثامن عشر أن آثار ما يكرهه وهو المنهيات أسرع زوالا بما يحبه من زوال آثار ما يحبه بما يكرهه فآثار كراهته سريعة الزوال وقد يزيلها سبحانه بالعفو والتجاوز وتزول لتوبة والاستغفار والأعمال الصالحة والمصائب الكفرة والشفاعة والحسنات يذهبن والسيئات ولو بلغت ذنوب العبد عنان السماء ثم استغفره غفر له ولو لقيه بقراب الأرض خطايا ثم لقيه لا يشرك به شيئا لأتاه بقرابها مغفرة وهو سبحانه يغفر الذنوب وإن تعاظمت ولا يبالي فيبطلها ويبطل آثارها بأدنى سعي من العبد وتوبة نصوح وندم على ما فعل وما ذاك إلا لوجود ما يحبه من توبة العبد وطاعته وتوحيده فدل على أن وجود ذلك أحب إليه وأرضى له يوضحه الوجه التاسع عشر وهو أنه سبحانه قدر ما يبغضه ويكرهه من المنهيات لما يترتب عليها مما يحبه ويفرح به من المأمورات فإنه سبحانه أفرح بتوبة عبده من الفاقد الواجد والعقيم الوالد والظمآن الوارد وقد ضرب رسول الله لفرحه بتوبة العبد مثلا ليس في المفروح به أبلغ منه وهذا الفرح إنما كان بفعل المأمور به وهو التوبة فقدر الذنب لما يترتب عليه من هذا الفرح العظيم الذي وجوده أحب إليه من فواته ووجوده بدون لازمه ممتنع فدل على أن وجود ما يحب أحب إليه من فوات ما يكره وليس المراد بذلك أن كل فرد من أفراد ما يحب أحب إليه من فوات كل فرد مما يكره حتى تكون ركعتا الضحى أحب إليه من فوات قتل المسلم وإنما المراد أن جنس فعل المأمورات أفضل من جنس ترك المحظورات كما إذا فضل الذكر على الأنثى والإنسي على الملك فالمراد الجنس لا عموم الأعيان(1\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "123",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5846",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمقصود أن هذا الفرح الذي لا فرح يشبهه فعل مأمور التوبة يدل على أن هذا المأمور أحب إليه من فوات المحظور الذي تفوت به التوبة وأثرها ومقتضاها فإن قيل إنما فرح بالتوبة لأنها ترك للمنهي فكان الفرح بالترك قيل ليس كذلك فإن الترك المحض لا يوجب هذا الفرح بل ولا الثواب ولا المدح وليست التوبة تركا وإن كان الترك من لوازمها وإنما هي فعل وجودي يتضمن إقبال التائب على ربه وإنابته إليه والتزام طاعته ومن لوازم ذلك ترك ما نهى عنه ولهذا قال تعالى وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه فالتوبة رجوع مما يكره إلى ما يحب وليست مجرد الترك فإن من ترك الذنب تركا مجردا ولم يرجع منه إلى ما يحبه الرب تعالى لم يكن تائبا فالتوبة رجوع وإقبال وإنابة لا ترك محض الوجه العشرون أن المأمور به إذا فات فاتت الحياة المطلوبة للعبد وهي التي قال تعالى فيها يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم وقال أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات وقال في حق الكفار أموات غير أحياء وقال إنك لا تسمع الموتى وأما المنهي عنه فغايته أن يوجد المرض وحياة مع السقم خير من موت فإن قيل ومن المنهي عنه ما يوجب الهلاك وهو الشرك قيل الهلك إنما حصل بعدم التوحيد المأمور به الحياة فلما فقد حصل الهلاك فما هلك إلا من عدم إتيانه بالمأمور به وهو وهذا وجه حاد وعشرون في المسألة وهو أن في المأمورات ما يجب فواته الهلاك والشقاء الدائم وليس في المنهيات ما يقتضي ذلك الوجه الثاني والعشرون أن فعل المأمور يتضى ترك المنهي عنه إذا فعل على وجهه من الإخلاص والمتابعة والنصح لله فيه قال تعالى إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ومجرد ترك المنهي لا يقتضي فعل المأمور ولا يستلزمه الوجه الثالث والعشرون أن ما يحبه من المأمورات فهو متعلق بصفاته وما يكرهه من المنهيات فمتعلق بمفعولاته وهذا وجه دقيق يحتاج إلى بيان فنقول(1\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "124",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5847",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المنهيات شرور وتفضي الي شرور والمأمورات خير وتفضي إلى الخيرات والخير بيديه سبحانه والشر ليس إليه فإن الشر لا يدخل في صفاته ولا في أفعاله ولا في أسمائه وإنما هو من المفعولات مع أنه شر بالإضافة والنسبة إلى العبد وإلا من حيث إضافته ونسبته إلى الخالق سبحانه فليس بشر من هذه الجهة فغاية ارتكاب النهى أن يوجب شرا بالإضافة إلى العبد مع أنه في نفسه ليس بشر وأما فوات المأمور فيفوت به والخير الذي بفواته يحصل ضده من الشر وكلما كان المأمور أحب إلى الله سبحانه كان الشر الحاصل بفواته أعظم كالتوحيد والإيمان وسر هذه الوجوه أن المأمور محبوبه والمنهي مكروهه ووقوع محبوبه أحب إليه من فوات مكروهه وفوات محبوبه أكره إليه من وقوع مكروهه والله أعلم  فصل مبنى الدين على قاعدتين الذكر والشكر قال تعالى فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون وقال النبي لمعاذ والله إني لأحبك فلا تنسى أن تقول دبر كل صلاة اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وليس المراد بالذكر مجرد الذكر اللسان بل الذكر القلبي واللساني وذكره يتضمن ذكر أسمائه وصفاته وذكر أمره ونهيه وذكره بكلامه وذلك يستلزم معرفته والإيمان به وبصفات كماله ونعوت جلاله والثناء عليه بأنواع المدح وذلك لا يتم إلا بتوحيده فذكره الحقيقي يستلزم ذلك كله ويستلزم ذكر نعمه وآلائه وإحسانه إلى خلقه وأما الشكر فهو القيام بطاعته والتقرب إليه بأنواع محابه ظاهرا وباطنا وهذان الأمران هما جماع الدين فذكره مستلزم لمعرفته وشكره متضمن لطاعته وهذان هما الغاية التي خلق لأجلها الجن والإنس والسموات والأرض ووضع لأجلها الثواب والعقاب وأنزل الكتب وأرسل الرسل وهي الحق الذي به خلقت(1\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "125",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5848",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السماوات والأرض وما بينهما وضدها هو الباطل والعبث الذي يتعالى ويتقدس عنه وهو ظن أعدائه به قال تعالى وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا وقال وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق وقال وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية وقال بعد ذكر آياته في أول سورة يونس ما خلق الله ذلك إلا بالحق وقال أيحسب الأنسان أن يترك سدى وقال أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون وقال وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما وقال جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم فثبت بما ذكر أن غاية الخلق والأمر أن يذكر وأن يشكر يذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر وهو سبحانه ذاكر لمن ذكره شاكر لمن شكره فذكره سبب لذكره وشكره سبب لزيادته من فضله فالذكر للقلب واللسان والشكر للقلب محبة وإنابة وللسان ثناد وحمد وللجوارح طاعة وخدمة  فصل تكرر في القرآن جعل الأعمال القائمة بالقلب والجوارح سبب الهداية والإضلال فيقوم بالقلب والجوارح أعمال تقتضي الهدى اقتضاء السبب لمسببه والمؤثر لأثره وكذلك الضلال فأعمال البر تثمر الهدى وكلما ازداد منها ازداد هدى وأعمال الفجور بالضد وذلك أن الله سبحانه يحب أعمال البر فيجازي عليها بالهدى والفلاح ويبغض أعمال الفجور ويجازي عليها بالضلال والشقاء وأيضا فإنه البر ويحب أهل البر فيقرب قلوبهم منه بحسب ما قاموا به من البر(1\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "126",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5849",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويبغض الفجور وأهله فيبعد قلوبهم منه بحسب ما اتصفوا به من الفجور فمن الأصل الأول قوله تعالى الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين وهذا يتضمن أمرين أحدهما أنه يهدي به من اتقى ما خطه قبل نزول الكتاب فإن الناس على اختلاف مللهم ونحلهم قد استقر عندهم أن الله سبحانه يكره الظلم والفواحش والفساد في الأرض ويمقت فاعل ذلك ويحب العدل والإحسان والجود والصدق والإصلاح في الأرض ويحب فاعل ذلك فلما نزل الكتاب أثاب سبحانه أهل البر بأن وفقهم للإيمان به جزاء لهم على برهم وطاعتهم وخذل أهل الفجور والفحش والظلم بأن حال بينهم وبين الاهتداء به والأمر الثاني أن العبد إذا آمن بالكتاب واهتدى به مجملا وقبل أوامره وصدق بأخباره كان ذلك سببا لهداية أخرى تحصل له على التفصيل فإن الهداية لا نهاية لها ولو بلغ العبد فيها ما بلغ ففوق هدايته هداية أخرى وفوق تلك الهداية هداية أخرى إلى غير غاية فكلما اتقى العبد ربه ارتقى إلى هداية أخرى فهو في مزيد هداية ما دام في مزيد من التقوى وكلما فوت خطا من التقوى فاته حظ من الهداية بحسبه فكلما اتقى زاد هداه وكلما اهتدى زادت تقواه قال تعالى قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم وقال تعالى الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب وقال سيذكر من يخشى وقال وما يتذكر إلا من ينيب وقال إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم فهداهم أولا للإيمان فلما آمنوا هداهم للإيمان هداية بعد هداية ونظير هذا قوله ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ومن الفرقان ما يعطيهم من لنور الذي يفرقون به بين الحق والباطل والنصر والعز الذي يتمكنون به من إقامة الحق وكسر الباطل فسر الفرقان بهذا وبهذا وقال تعالى إن في ذلك لآية لكل عبد منيب وقال(1\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "127",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5850",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور في سورة لقمان وسورة إبراهيم وسبأ والشورى فأخبر عن آياته المشهودة العيانية أنها إنما ينتفع بها أهل الصبر والشكر كما أخبر عن آياته الإيمانية القرآنية أنها إنما ينتفع بها أهل التقوى والخشية والإنابة ومن كان قصده اتباع رضوانه وأنها يتذكر بها من يخشاه سبحانه كما قال طه أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى وقال في لساعة إنما أنت منذر من يخشاها وأما من لا يؤمن بها ولا يرجوها ولا يخشاها فلا تنفعه الآيات العيانية ولا القرآنية ولهذا لما ذكر سبحانه في سورة هود عقوبات الأمم المكذبين للرسل وما حل بهم في الدنيا من الخزي قال بعد ذلك إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة فأخبر أن عقوباته للمكذبين عبرة لمن خاف عذاب الآخرة وأما من لا يؤمن بها ولا يخاف عذابها فلا يكون ذلك عبرة وآية في حقه اذا سمع ذلك قال لم يزل في الدهر الخير والشر والنعيم والبؤس والسعادة والشقاوة وربما أحال ذلك على أسباب فلكية وقوى نفسانية وإنما كان الصبر والشكر سببا لانتفاع صاحبهما بالآيات ينبني على الصبر والشكر فنصفه صبر ونصفه شكر فعلى حسب صبر العبد وشكره تكون قوة إيمانه وآيات الله إنما ينتفع بها من آمن بالله ولا يتم له الإيمان إلا بالصبر والشكر فإن رأس الشكر التوحيد ورأس الصبر ترك إجابة داعي الهوى فإذا كان مشركا متبعا هواه لم يكن صابرا ولا شكورا فلا تكون الآيات نافعة له ولا مؤثرة فيه إيمانا  فصل وأما الأصل الثاني وهو اقتضاء الفجور والكبر والكذب للضلال فكثير أيضا في القرآن كقوله تعالى يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا(1\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "128",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5851",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون وقال تعالى يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء وقال تعالى فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا وقال تعالى وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون وقال تعالى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة فأخبر أنه عاقبهم على تخلفهم عن الإيمان لما جاءهم وعرفوه وأعرضوا عنه بأن قلب أفئدتهم وأبصارهم وحال بينهم وبين الإيمان كما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلم أن الله يحول بين المرء وقلبه فأمرهم بالاستجابة له ولرسوله حين يدعوهم إلى ما فيه حياتهم ثم حذرهم من التخلف والتأخر عن الاستجابة الذي يكون سببا لأن يحول بينهم وبين قلوبهم قال تعالى فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين وقال تعالى كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون فأخبر سبحانه أن كسبهم غطى على قلوبهم وحال بينها وبين الإيمان بآياته فقالوا أساطير الأولين وقال تعالى في المنافقين نسوا الله فنسيهم فجازاهم على نسيانهم له أن نسيهم فلم يذكرهم بالهدى والرحمة وأخبر أنه أنساهم أنفسهم فلم يطلبوا كمالها بالعلم النافع والعمل الصالح وهما الهدى ودين الحق فأنساهم طلب ذلك ومحبته ومعرفته والحرص عليه عقوبة لنسيانهم له وقال تعالى في حقهم أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم فجمع لهم بين اتباع الهوى والضلال الذي هو ثمرته وموجبه كما جمع للمهتدين بين التقوى والهدى(1\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "129",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5852",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وكما يقره سبحانه بين الهدى والتقى والضلال والغي فكذلك يقرن بين الهدى والرحمة والضلال والشقاء فمن الأول قوله أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون وقال أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون وقال عن المؤمنين ربنا لا تزغ قلوبنا بعد ذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب وقال أهل الكهف ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا وقال لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون وقال ما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون وقال أنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين وقال يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ثم أعاد سبحانه ذكرهما فقال قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا وقد تنوعت عبارات السلف في تفسير الفضل والرحمة والصحيح أنهما الهدى والنعمة ففضله هداه ورحمته نعمته ولذلك يقرن بين الهدى والنعمة كقوله في سورة الفاتحة اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ومن ذلك قوله لنبيه يذكره بنعمه عليه ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى فجمع له بين هدايته له وإنعامه عليه بإيوائه وإغنائه ومن ذلك قول نوح يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده وقول شعيب أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وقال عن الخضر فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما وقال لرسوله إنا فتحنا لك فتحا مبينا لغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك(1\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "130",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5853",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله نصرا عزيزا وقال وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما وقال ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم أحد أبدا ففضله هدايته ورحمته وإنعامه وإحسانه إليهم وبره بهم وقال فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى والهدى منعه من الضلال والرحمة منعه من الشقاء وهذا هو الذي ذكره في أول السورة في قوله طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى فجمع له بين إنزال القرآن عليه ونفى الشقاء عنه كما قال في آخرها في حق أتباعه فلا يضل ولا يشقى فالهدى والفضل والنعمة ولرحمة متلازمات لا ينفك بعضها عن بعض كما أن الضلال والشقاء متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر قال تعالى إن المجرمين في ضلال وسعر والسعر جمع سعير وهو العذاب الذي هو غاية الشقاء وقال تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والأنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون وقال تعالى عنهم وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ومن هذا أنه سبحانه يجمع بين الهدى وانشراح الصدر والحياة الطيبة وبين الضلال وضيق الصدر والمعيشة والضنك قال تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل له صدره ضيقا حرجا وقال أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه وكذلك يجمع بين الهدى والإنابة وبين الضلال وقسوة القلب قال تعالى الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب وقال تعالى فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين  فصل والهدى والرحمة وتوابعها من الفضل والإنعام كله من صفة العطاء والإضلال(1\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "131",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5854",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعذاب وتوابعها من صفة المنع وهو سبحانه يصرف خلقه بين عطائه ومنعه وذلك كله صادر عن حكمة بالغة وملك تام وحمد تام فلا إله إلا الله  فصل إذا رأيت النفوس المبطلة الفارغة من الإرادة والطلب لهذا الشأن قد تشبثت بها هذا العالم السفلي وقد تشبثت به فكلها إليه فإنه اللائق بها لفساد تركيبها ولا تنقش عليها ذلك فإنه سريع الانحلال عنها ويبقى تشبثها به مع انقطاعه عنها عذابا عليها بحسب ذلك التعلق فتبقى شهوتها وإرادتها فيها وقد حيل بينها وبين ما تشتهي على وجه يئست معه من حصول شهوتها ولذتها فلو تصور العاقل ما في ذلك من الألم والحسرة لبادر إلى قطع هذا التعلق كما يبادر إلى حسم مواد الفساد ومع هذا فإنه ينال نصيبه من ذلك وقلبه وهمه متعلق بالمطلب الأعلى والله المستعان  فصل إياك والكذب فإنه يفسد عليك تصور المعلومات على ما هي عليه ويفسد عليك تصورها وتعليمها للناس فإن الكاذب يصور المعدوم موجودا والموجود معدوما والحق باطلا والباطل حقا والخير شرا والشر خيرا فيفسد عليه تصوره وعلمه عقوبة له ثم يصور ذلك في نفس المخاطب المغتر به الراكن إليه فيفسد عليه تصوره وعلمه ونفس الكاذب معرضة عن الحقيقة الموجودة نزاعة إلى العدم مؤثرة للباطل وإذا فسدت عليه قوة تصوره وعلمه التي هي مبدأ كل فعل إرادي فسدت عليه تلك الأفعال وسرى حكم الكذب إليها فصار صدورها عنه كصدور الكذب عن اللسان فلا ينتفع بلسانه ولا بأعماله ولهذا كان الكذب أساس الفجور كما قال النبي إن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وأول ما يسري الكذب من النفس إلى اللسان فيفسده ثم يسري إلى الجوارح(1\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "132",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5855",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيفسد عليها أعمالها كما أفسد على اللسان أقواله فيعم الكذب أقواله وأعماله وأحواله فيستحكم عليه الفساد ويترامى داؤه إلى الهلكة إن لم تدركه الله بدواء الصدق يقلع تلك من أصلها ولهذا كان أصل أعمال القلوب كلها الصدق وأضدادها من الرياء والعجب والكبر والفخر والخيلاء والبطر والأشر والعجز والكسل والجبن والمهانة وغيرها أصلها الكذب فكل عمل صالح ظاهر أو باطن فمنشؤه الصدق وكل عمل فاسد ظاهر أو باطن فمنشؤه الكذب والله تعالى يعاقب الكذاب بأن ويقعده ويثبطه عن مصالحه ومنافعه ويثيب الصادق بأن يوفقه للقيام بمصالح دنياه وآخرته فما استجلبت مصالح الدنيا والآخرة بمثل الصدق ولا مفاسدها ومضارهما بمثل الكذب قال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين وقال تعالى هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم وقال فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم وقال وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم  فصل في قوله تعالى وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون في هذه الآية عدة حكم وأسرار ومصالح للعبد فإن العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب والمحبوب قد يأتي بالمكروه لم يأمن أن توافيه المضرة من جانب المسرة ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة لعدم علمه بالعواقب فإن الله يعلم منها مالا يعلمه العبد وأوجب له ذلك أمورا منها أنه لا أنفع له من امتثال الأمر وإن شق عليه في الابتداء لأن عواقبه كلها خيرات ومسرات ولذات وأفراح وإن كرهته نفسه فهو خير لها وأنفع وكذلك لا شيء أضر عليه من(1\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "133",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5856",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ارتكاب النهي وإن هويته نفسه ومالت إليه وإن عواقبه كلها آلام وأحزان وشرور ومصائب وخاصة العقل تحمل الألم اليسير لما يعقبه من اللذة العظيمة والخير الكثير واجتناب اللذة اليسيرة لما يعقبه من الألم العظيم والشر الطويل فنظر الجاهل لا يجاوز المباديء إلى غاياتها والعاقل الكيس دائما ينظر إلى الغايات من وراء ستور مبادئها فيرى ما وراء تلك الستور من الغايات المحمودة والمذمومة فيرى المناهي كطعام لذيذ قد خلط فيه سم قاتل فكلما دعنه لذته إلى تناوله نهاه ما فيه من السم ويرى الأوامر كدواء كريه المذاق مفض إلى العافية والشفاء وكلما نهاه كراهة مذاقه عن تناوله أمره نفعه بالتناول ولكن هذا يحتاج إلى فضل علم تدرك به الغايات من مبادئها وقوة صبر يوطن به نفسه على تحمل مشقة الطريق لما يؤول اعند الغاية فإذا فقد اليقين والصبر تعذر عليه ذلك وإذا قوي يقينه وصبره هان عليه كل مشقة يتحملها في طلب الخير الدائم واللذة الدائمة ومن أسرار هذه الآية أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور والرضا بما يختاره له ويقضيه له لما يرجو فيه من حسن العاقبة ومنها أنه لا يقترح على ربه ولا يختار عليه ولا يسأله ما ليس له به علم فلعل مضرته وهلاكه فيه وهولا يعلم فلا يختار على ربه شيئا بل يسأله حسن الاختيار له وأن يرضيه بما يختاره فلا أنفع له من ذلك ومنها أنه إذا فوض إلى ربه ورضي بما يختاره له أمده فيما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر وصرف عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه وأراه من حسن عواقب اختياره له ما لم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه ومنها أنه يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات التي يصعد منه في عقبة وينزل في أخرى ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه فلو رضي باختيار الله أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به فيه وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم غير ملطوف به فيه لأنه مع اختياره لنفسه ومتى صح تفويضه ورضاه اكتنفه في(1\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "134",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5857",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المقدور العطف عليه اللطف به فيصير بين عطفه ولطفه فعطفه يقيه ما يحذره ولطفه يهون عليه ما قدره إذا نفذ القدر في العبد كان من أعظم أسباب نفوذه تحيله في رده فلا أنفع له من الاستسلام وإلقاء نفسه بين يدي القدر طريحا كالميتة فإن السبع لا يرضى بأكل الجيف  فصل لا ينتفع بنعمة الله بالإيمان والعلم إلا من عرف نفسه ووقف بها عند قدرها ولم يتجاوزه إلى ما ليس له ولم يتعد طوره ولم يقل هذا لي وتيقن أنه لله وبالله ومن الله فهو الإيمان به ابتداء وإدامة لا سبب من العبد ولا استحقاق منه فتذله نعم الله عليه وتكسره كسرة من لا يرى لنفسه ولا فيها خيرا البتة وأن الخير الذي وصل إليه فهو لله وبه ومنه فتحدث له النعم ذلا وانكسارا عجيبا لا يعبر عنه فكلما جدد له نعمة ازداد له ذلا وانكسارا وخشوعا ومحبة وخوفا ورجاء وهذا نتيجة علمين شريفين علمه بربه وكماله وبره وغناه وجوده وإحسانه ورحمته وأن الخير كله في يديه وهو ملكه يؤتي منه من يشاء ويمنع منه من يشاء وله الحمد على هذا وهذا أكمل حمد وأتمه وعلمه بنفسه ووقوفه على حدها وقدرها ونقصها وظلمها وجهلها وأنها لا خير فيها البتة ولا لها ولا بها ولا منها وأنها ليس لها من ذاتها إلا العدم فكذلك من صفاتها وكمالها ليس لها إلا العدم الذي لا شيء أحقر منه ولا أنقص فما فيها من الخير تابع لوجودها الذي ليس إليها ولا بها فإذا صار هذان العلمان صيغة لها لا صيغة على لسانها علمت حينئذ أن الحمد كله لله والأمر كله له والخير كله في يديه وأنه هو المستحق للحمد والثناء والمدح دونها وأنها هي أولى بالذم والعيب واللوم ومن فاته التحقيق بهذين العلمين تلونت به أقواله وأعماله(1\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "135",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5858",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأحواله وتخبطت عليه ولم يهتد إلى الصراط المستقيم الموصل له إلى الله فإيصال العبد بتحقيق هاتين المعرفتين علما وحالا وانقطاعه بفواتهما وهذا معنى قولهم من عرف نفسه عرف ربه فإنه من عرف نفسه بالجهل والظلم والعيب والنقائص والحاجة والفقر والذل والمسكنة والعدم عرف ربه بضد ذلك فوقف بنفسه عند قدرها ولم يتعد بها طورها وأثنى على ربه ببعض ما هو أهله وانصرفت قوة حبه وخشيته ورجائه وإنابته وتوكله إليه وحده وكان أحب شيء إليه وأخوف شيء عنده وأرجاه له وهذا هو حقيقة العبودية والله المستعان ويحكى أن بعض الحكماء كتب على باب بيته انه لن ينتفع بحكمتنا إلا من عرف نفسه ووقف بها عند قدرها فمن كان كذلك فليدخل وإلا فليرجع حتى يكون بهذه الصفة  فصل الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة فإنها إما إن توجب ألما وعقوبة وإما أن تقطع لذة أكمل منها وإما أن تضيع وقتا إضاعته حسرة وندامة وإما أن تثلم عرضا توفيره أنفع للعبد من ثلمه وإما أن تذهب مالا بقاؤه خير له من ذهابه وإما أن تضع قدرا وجاها قيامه خير من وضعه وإما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة وإما أن تطرق لوضيع إليك طريقا لم يكن يجدها قبل ذلك وإما أن تجلب هما وغما وحزنا وخوفا لا يقارب لذة الشهوة وإما أن تنسي علما ذكره ألذ من نيل الشهوة وإما أن تشمت عدوا وتحزن وليا وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة وإما أن تحدث عيبا يبقى صفة لا تزول فإن الأعمال تورث الصفات والأخلاق  فصل للأخلاق حد متى جاوزته صارت عدوانا ومتى قصرت عنه كان نقصا ومهانة(1\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "136",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5859",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فللغضب حد وهو الشجاعة المحمودة والأنفة من الرذائل والنقائص وهذا كماله فإذا جاوز حده تعدى صاحبه وجار وإن نقص عنه جبن ولم يأنف من الرذائل وللحرص حد وهو الكفاية في أمور الدنيا وحصول البلاغ منها فمتى نقص من ذلك كان مهانة وإضاعة ومتى زاد عليه كان شرها ورغبة فيما لا تحمد الرغبة فيه وللحسد حد وهو المنافسة في طلب الكمال والأنفة أن يتقدم عليه نظيره فمتى تعدى ذلك صار بغيا وظلما يتمنى معه زوال النعمة عن المحسود ويحرص على إيذائه ومتى نقص عن ذلك كان دناءة وضعف همة وصغر نفس قال النبي لا حسد إلا في اثنين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس فهذا حسد منافسة يطالب الحاسد به نفسه أن يكون مثل المحسود لا حسد مهانة يتمنى به زوال النعمة عن المحسود وللشهوة حد وهو راحة القلب والعقل من كد الطاعة واكتساب الفضائل والاستعانة بقضائها على ذلك فمتى زادت على ذلك صارت نهمة وشبقا والتحق صاحبها بدرجة الحيوانات ومتى نقصت عنه ولم يكن فراغا في طلب الكمال والفضل كانت ضعفا وعجزا ومهانة وللراحة حد وهو إجمام النفس والقوى المدركة والفعالة للاستعداد للطاعة واكتساب الفضائل وتوفرها على ذلك بحيث لا يضعفها الكد والتعب ويضعف أثرها فمتى زاد على ذلك صار توانيا وكسلا وإضاعة وفات به أكثر مصالح العبد ومتى نقص عنه صار مضرا بالقوى موهنا لها وربما انقطع به كالمنبت الذي لا أرضا قطع ولا ظهر أبقى والجود له حد بين طرفين فمتى جاوز حده صار إسرافا وتبذيرا أو متى نقص عنه كان بخلا وتقتيرا وللشجاعة حد متى جاوزته صارت تهورا ومتى نقصت عنه صارت جبنا وخورا وحدها الإقدام في مواضع الإقدام والإحجام في مواضع الإحجام كما قال معاوية لعمرو بن العاص أعياني أن أعرف أشجاعا أنت أم جبانا تقدم حتى أقول من أشجع الناس وتجبن حتى أقول من أجبن الناس فقال(1\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "137",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5860",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شجاع إذا ما أمكنتني فرصة ... فإن لم تكن لي فرصة فجبان والغيرة لها حد إذا جاوزته صارت تهمة وظنا سيئا بالبريء وإن قصرت عنه كانت تغافلا ومبادىء دياثة وللتوضع حد إذا جاوزه كان ذلا ومهانة ومن قصر عنه انحرف إلى الكبر والفخر وللعز حد إذا جاوزه كان كبرا وخلقا مذموما وإن قصر عنه انحرف إلى الذل والمهانة وضابط هذا كله العدل وهو الأخذ بالوسط الموضوع بين طرفي الإفراط والتفريط وعليه بناء مصالح الدنيا والآخرة بل لا تقوم مصلحة البدن إلا به فإنه متى خرج بعض أخلاطه عن العدل وجاوزه أو نقص عنه ذهب من صحته وقوته بحسب ذلك وكذلك الأفعال الطبيعية كالنوم والسهر والأكل والشرب والجماع والحركة والرياضة والخلوة والمخالطة وغير ذلك إذا كانت وسطا بين الطرفين المذمومين كانت عدلا وإن انحرفت إلى أحدهما كانت نقصا وأثمرت نقصا فمن أشرف العلوم وأنفعها علم الحدود ولا سيما حدود المشروع المأمور والمنهي فأعلم الناس أعلمهم بتلك الحدود حتى لا يدخل فيها ما ليس منها ولا يخرج منها مه هو داخل فيها قال تعالى الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله فأعدل الناس من قام بحدود الأخلاق والأعمال والمشروعات معرفة وفعلا وبالله التوفيق  فصل قال أبو الدرداء رضي الله عنه يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم كيف يغبنون به قيام الحمقى وصومهم والذرة من صاحب تقوى أفضل من أمثال الجبال عبادة من المغترين وهذا من جواهر الكلام وأدله على كمال فقه الصحابة وتقدمهم على من بعدهم في كل خير رضي الله عنهم فاعلم أن العبد إنما يقطع منازل السير إلى الله بقلبه وهمته ولا ببدنه والتقوى في الحقيقة تقوى القلوب لا تقوى الجوارح قال تعالى ذلك ومن يعظم شعائر الله(1\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "138",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5861",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنها من تقوى القلوب وقال لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم وقال النبي التقوى ههنا وأشار إلى صدره فالكيس يقطع من المسافة بصحة العزيمة وعلو الهمة وتجريد القصد وصحة النية مع العمل القليل أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك مع التعب الكثير والسفر الشاق فإن العزيمة والمحبة تذهب المشقة وتطيب السير والتقدم والسبق إلى الله سبحانه إنما هو بالهمم وصدق الرغبة والعزيمة فيتقدم صاحب الهمة مع سكونه صاحب العمل الكثير بمراحل فإن ساواه في همته تقدم عليه بعمله وهذا موضع يحتاج إلى تفصيل يوافق فيه الإسلام والإحسان فأكمل الهدي هدي رسول الله وكان موفيا كل واحد منهما حقه فكان مع كماله وإرادته وأحواله مع الله يقوم حتى ترم قدماه ويصوم حتى يقال لا يفطر ويجاهد في سبيل الله ويخالط أصحاب ولا يحتجب عنهم ولا يترك شيئا من النوافل والأوراد لتلك الواردات التي تعجز عن حملها قوى البشر والله تعالى أمر عباده أن يقوموا بشرائع الإسلام على ظواهرهم وحقائق الإيمان على بواطنهم ولا يقبل واحدا منهما إلا بصاحبه وقرينه وفي المسند مرفوعا الإسلام علانية والإيمان في القلب فكل إسلام ظاهر لا ينفذ صاحبه منه إلى حقيقة الإيمان الباطنة فليس بنافع حتى يكون معه شيء من الإيمان الباطن وكل حقيقة باطنة لا يقوم صاحبها بشرائع الإسلام الظاهرة لا تنفع ولو كانت ما كانت فلو تمزق القلب بالمحبة والخوف ولم يتعبد بالأمر وظاهر الشرع لم ينجه ذلك من النار كما أنه لو قام بظواهر الإسلام وليس في باطنه حقيقة الإيمان لم ينجه من النار وإذا عرف هذا فالصادقون السائرون إلى الله والدار الآخرة قسمان قسم صرفوا ما فضل من أوقاتهم بعد الفرائض إلى النوافل البدنية وجعلوها دأبهم من غير حرص منهم على تحقيق أعمال القلوب ومنازلها وأحكامها وإن لم يكونوا خالين من أصلها ولكن هممهم مصروفة إلى الاستكثار من الأعمال وقسم صرفوا(1\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "139",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5862",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما فضل من الفرائض والسنن إلى الاهتمام بصلاح قلوبهم وعكوفها على الله وحده والجمعية عليه وحفظ الخواطر والإرادات معه وجعلوه قوة تعبده بأعمال القلوب من تصحيح المحبة والخوف والخوف والرجاء والتوكل والإنابة ورأوا أن أيسر نصيب من الواردات التي ترد على قلوبهم من الله أحب إليهم من كثير من التطوعات البدنية فإذا حصل لأحدهم جمعية ووارد أنس أو حب أو اشتياق أو انكسار وذل لم يستبدل به شيئا سواه البتة إلا أن يجيء الأمر فيبادر إليه بذلك الوارد إن أمكنه وإلا بادر إلى الأمر ولو ذهب الوارد فإذا جاءت النوافل فههنا معترك التردد فإن أمكن القيام إليها به فذاك فذلك به وإلا نظر في الأرجح والأحب إلى الله هل هو القيام إلى تلك النافلة ولو ذهب وارده كإغاثة الملهوف وإرشاد ضال وجبر مكسور واستفادة إيمان ونحو ذلك فههنا ينبغي تقديم النافلة الراجحة ومتى قدمهما لله رغبة فيه وتقربا إليه فإنه يرد عليه ما فات من وارده أقوى مما كان في وقت آخر وإن كان الوارد أرجح من النافلة فالحزم له الاستمرار في وارده حتى يتوارى عنه فإنه يفوت والنافلة لا تفوت وهذا موضع يحتاج إلى فضل فقه في الطريق ومراتب الأعمال وتقديم الأهم منها فالأهم والله الموفق لذلك لا إله غيره ولا رب سواه  فصل أصل الأخلاق المذمومة كلها الكبر والمهانة والدناءة وأصل الأخلاق المحمودة كلها الخشوع وعلو الهمة فالفخر والبطر والأشر والعجب والحسد والبغي والخيلاء والظلم والقسوة والتجبر والإعراض وإباء قبول النصيحة والاستئثار وطلب العلو وحب الجاه والرئاسة وأن يحمد بما لم يفعل وأمثال ذلك كلها ناشئة من الكبر وأما الكذب والخسة والخيانة والرياء والمكر والخديعة والطمع والفزع والجبن والبخل والعجز والكسل والذل لغير الله واستبدال الذي هو(1\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "140",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5863",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أدنى بالذي هو خير ونحو ذلك فإنها من المهانة والدناءة وصغر النفس وأما الأخلاق الفاضلة كالصبر والشجاعة والعدل والمروءة والعفة والصيانة والجود والحلم والعفو والصفح والاحتمال والإيثار وعزة النفس عن الدناآت والتواضع والقناعة والصدق والأخلاق والمكافأة على الإحسان بمثله أو أفضل والتغافل عن زلات الناس وترك الانشغال بما لا يعنيه وسلامة القلب من تلك الأخلاق المذمومة ونحو ذلك فكلها ناشئة عن الخشوع وعلو الهمة والله سبحانه أخبر عن الأرض بأنها تكون خاشعة ثم ينزل عليها الماء فتهتز وتربو وتأخذ زينتها وبهجتها فكذلك المخلوق منها إذا أصابه حظه من التوفيق وأما النار فطبعها العلو والإفساد ثم تخمد فتصير أحقر شيء وأذله وكذلك المخلوق منها فهي دائما بين العلو إذا هاجت واضطربت وبين الخسة والدناءة إذا خمدت وسكنت والأخلاق المذمومة تابعة للنار والخلوق منها والأخلاق الفاضلة تابعة للأرض والمخلوق منها فمن علت همته وخشعت نفسه اتصف بكل خلق جميل ومن دنت همته وطغت نفسه اتصف بكل خلق رذيل  فصل المطلب الأعلى موقوف حصوله على همة عالية ونية صحيحة فمن فقدهما تعذر عليه الوصول إليه فإن الهمة إذا كانت عالية تعلقت به وحده دون غيره وإذا كانت النية صحيحة سلك العبد الطريق الموصلة إليه فالنية تفرد له الطريق والهمة تفرد له المطلوب فإذا توحد مطلوبه والطريق الموصلة إليه كان الوصول غايته وإذا كانت همته سافلة تعلقت بالسفليات ولم تتعلق بالمطلب الأعلى وإذا كانت النية غير صحيحة كانت طريقه غير موصلة إليه فمدار الشأن على همة العبد ونيته وهما مطلوبه ولا يتم له إلا بترك ثلاثة أشياء العوائد والرسوم والأوضاع التي أحدثها الناس الثاني هجر العوائق التي تعوقه عن إفراد مطلوبه وطريقه(1\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "141",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5864",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقطعها الثالث قطع علائق القلب التي تحول بينه وبين تجريد التعلق بالمطلوب والفرق بنيها أن العوائق هي الحوادث الخارجية والعلائق هي التعلقات القلبية بالمباحات ونحوها وأصل ذلك ترك الفضول التي تشغل عن المقصود من الطعام والشراب والمنام والخلطة فيأخذ من ذلك ما يعينه على طلبه ويرفض منه ما يقطعه عنه أو يضعف طلبه والله المستعان  فصل من كلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال رجل عنده ما أحب أن أكون من أصحاب اليمين أحب أن أكون من المقربين فقال عبد الله لكن ههنا رجل ود وأنه مات لم يبعث يعني نفسه وخرج ذات يوم فاتبعه ناس فقال لهم ألكم حاجة قالوا لا ولكن أردنا أن نمشي معك قال ارجعوا فإنه ذلة للتتابع وفتنة للمتبوع وقال لو تعلمون مني ما أعلم من نفسي لحثوتم على رأسي التراب وقال حبذا المكروهان الموت والفقر وأيم الله إن هو إلا الغنى والفقر وما أبالي بأيهما بليت أرجو الله في كل واحد منهما إن كان الغنى إن فيه للعطف وإن كان الفقر إن فيه للصبر وقال إنكم في ممر الليل والنهار في آجل منقوصة وأعمال محفوظة والموت يأتي بغتة فمن زرع خيرا فيوشك أن يحصد رغبته ومن زرع شرا فيوشك أن يحصد ندامة ولكل زارع مثل ما زرع لا يسبق بطيء بحظه ولا يدرك حريص ما لم يقدر له من أعطى خيرا فالله أعطاه ومن وقى شرا فالله وقاه المتقون سادة والفقهاء قادة ومجالستهم زيادة إنما هما اثنتان الهدى والكلام فأفضل الكلام كلام الله وأفضل الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة فلا يطولن عليكم الأمد ولا يلهينكم الأمل فإن كل ما هو آت قريب الأوان البعيد ما ليس آتيا الأوان الشقي من شقي في بطن أمه وإن السعيد من وعظ(1\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "142",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5865",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بغيره ألا وإن قتال المسلم كفر وسبابه فسوق ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام حتى يسلم عليه إذا لقيه ويجيبه إذا دعاه ويعوده إذا مرض ألا وإن شر الروايا روايا الكذب ألا وإن الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل ولا أن يعد الرجل صبيه شيئا ثم لا ينجزه ألا وإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار والصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة وأنه يقال للصادق صدق وبر ويقال للكاذب كذب وفجر وأن محمدا حدثنا أن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا ويكذب حتى يكتب عند الله كذابا إن أصدق الحديث كتاب الله وأوثق العرى كلمة التقى وخير الملة ملة إبراهيم وأحسن السنن سنة محمد وخير الهدي هدي الأنبياء وأشرف الحديث ذكر الله وخير القصص القرآن وخير الأمور عواقبها وشر الأمور محدثاتها وما قل وكفى خير مما كثر وألهى ونفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها وشر المعذرة حين يحضر الموت وشر الندامة ندامة يوم القيامة وشر الضلالة الضلالة بعد الهوى وخير الغنى غنى النفس وخير الزاد التقوى وخير ما ألقي في القلب اليقين والريب من الكفر وشر العمى عمى القلب والخمر جماع الإثم والنساء حبائل الشيطان والشباب شعبة من الجنون والنوح من عمل الجاهلية ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرا ولا يذكر الله إلا هجرا وأعظم الخطايا الكذب ومن يعف يعف الله عنه ومن يكظم الغيظ يأجره الله ومن يغفر يغفر الله له ومن يصبر على الرزية يعقبه الله وشر المكاسب كسب الربا وشر المأكل مال اليتيم وإنما يكفي أحدكم ما قنعت به نفسه وإنما يصير إلى أربعة أذرع والأمر إلى آخره وملاك العمل خواتمه وأشرف الموت قتل الشهداء ومن يستكبر يضعه الله ومن يعص الله يطع الشيطان ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون وبنهاره إذا الناس مفطرون وبحزنه إذا الناس يفرحون وببكائه إذا الناس(1\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "143",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5866",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يضحكون وبصمته إذا الناس يخوضون وبخشوعه إذا الناس يختالون وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيا محزونا حكيما حليما سكينا ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافيا ولا غافلا ولا سخابا ولا صياحا ولا حديدا من تطاول تعظما حطه الله ومن تواضع تخشعا رفعه الله وإن للملك لمة وللشيطان لمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق فإذا رأيتم ذلك فاحمدوا الله ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق فإذا رأيتهم ذلك فتعوذوا بالله إن الناس قد أحسنوا القول فمن وافق قوله فعله فذاك الذي أصاب حظه ومن خالف قوله فعله فذاك إنما يوبخ نفسه لا ألفين أحدكم جيفة ليل قطرب نهار إني لا بغض الرجل أن أراه فارغا ليس في شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة ومن لم تأمره الصلاة بالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزدد بها من الله بعدا من اليقين أن لا ترضي الناس بسخط الله ولا تحمد أحدا على رزق الله ولا تلوم أحدا على ما لم يؤتك الله فإن رزق الله لا يسوقه حرص حريص ولا يرده كراهة كاره وإن الله بقسطه وحلمه وعدله جعل الروح والفرح في اليقين والرضا وجعل لهم والحزن في الشك والسخط ما دمت في صلاة فأنت تقرع باب الملك ومن يقرع باب الملك يفتح له أني لا حسب الرجل ينسى العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملها كونوا ينابيع العلم مصابيح الهدى أحلاس البيوت سرج الليل جدد القلوب خلقان الثياب تعرفون في السماء وتخفون على أهل الأرض إن للقلوب شهوة وإدبارا فاغتنموها عند شهوتها وإقبالها ودعوها عند فتفرقها وإدبارها ليس العلم بكثرة الرواية ولكن العلم الخشية إنكم ترون الكافر من أصح الناس جسما وأمرضه قلبا وتلقون المؤمن من أصح الناس قلبا وأمرضه جسما وأيم الله لو مرضت قلوبكم وصحت أجسامكم لكنتم أهون على الله من الجعلان لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يحل بذروته ولا يحل بذروته حتى يكون الفقر أحب إليه من الغنى والتواضع أحب إليه من الشرف وحتى يكون حامده وذامه وعنده سواه وإن الرجل ليخرج من بيته ومعه دينه فيرجع وما معه منه شيء يأتي الرجل ولا(1\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "144",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5867",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يملك له ولا نفسه ضرا ولا نفعا فيقسم له بالله أنك لذيت وذويت فيرجع وما حبي من حاجته بشيء ويسخط الله عليه لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلبا الإثم حواز القلوب ما كان من نظر فإن للشيطان فيها مطمعا مع كل فرحة ترحة وما ملىء بيت حبرة الاملئ عبرة وما منكم إلا ضيف وماله عارية فالضيف مرتحل والعارية مؤداة إلى أهلها يكون في آخر الزمان أقوم أفضل أعمالهم التلاوم بينهم يسمون الأنتان إذا أحب الرجل أن ينصف من نفسه فليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه الحق ثقيل مريء والباطل خفيف وبي رب شهوة تورث حزنا طويلا ما على وجه الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن بهلاكها من استطاع منكم أن يجعل كنزه في السماء حيث لا يأكله السوس ولا يناله السراق فليفعل فإن قلب الرجل مع كنزه لا يقلدون أحدكم دينه رجلا فإن آمن آمن وإن كفر كفر وإن كنتم لا بد مقتدين فاقتدوا بالميت فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة لا يكن أحدكم أمعة قالوا وما الأمعة قال يقول أنا مع الناس إن اهتدوا اهتديت وإن ضلوا ضللت ألا ليوطن أحدكم نفسه على أنه إن كفر الناس لا يكفر وقال له رجل علمني كلمات جوامع نوافع فقال اعبد الله لا تشرك به شيئا وزل مع القرآن حيث زال ومن جاءك بالحق فاقبل منه وإن كان بعيدا بغيضا ومن جاءك بالباطل فاردد عليه وإن كان حبيبا قريبا يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقال له أد أمانتك فيقول يا رب من أين وقد ذهبت الدنيا فتمثل على هيئتها يوم أخذها في قعر جهنم فيزل فيأخدها فيضعها على عاتقه فيصعد بها حتى إذا ظن أنه خارج بنها هوت وهوى في أثرها أبد الآبدين أطلب قلبك في ثلاثة مواطن عند سماع القرآن وفي مجالس الذكر وفي أوقات الخلوة فإن لم تجده في هذه المواطن فسل الله أن(1\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "145",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5868",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يمن عليك بقلب فإنه لا قلب لك قال الجنيد دخلت على شاب فسألني عن التوبة فأجبته فسألني عن حقيقتها فقلت أن تنصب ذنبك بين عينيك حتى يأتيك الموت فقال لي مه ما هذا حقيقة التوبة فقلت له فما حقيقة التوبة عندك يا فتى قال أن تنسى ذنبك وتركني ومضى فكيف هو عندك يا أبا قاسم فقلت القول ما قال الفتى قال كيف قلت إذا كنت معه في حال ثم نقلني من حال الجفا إلى حال الوفا فذكرني للجفا في حال الوفا جفا  فصل لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار والضب والحوت فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقبل على الطمع أولا فاذبحه بسكين اليأس وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص فإن قلت وما الذي يسهل علي ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح قلت أما ذبح الطمع فيسهله عليك علمك يقينا أنه ليس من شيء يطمع فيه إلا وبيد الله وحده خزائنه لا يملكها غيره ولا يؤتى العبد منها شيئا سواه وأما ازهد في الثناء والمدح فيسهله عليك علمك أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين ويضر ذمه ويشين إلا الله وحده كما قال ذلك الأعرابي للنبي إن مدحي زين وذمي شين فقال ذلك الله عز وجل فازهد في مدح من لا يزينك مدحه وفي ذم من لا يشنيك ذم وارغب في مدح من كل الزين في مدحه وكل الشين في ذمه ولن يقدر على ذلك إلا بالصبر واليقين فمتى فقدت الصبر واليقين كنت كمن أراد السفر في البحر في غير مركب قال تعالى فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون وقال تعالى وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون(1\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "146",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5869",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل لذة كل أحد على حسب قدره وهمته وشرف نفسه فأشرف الناس نفسا وأعلاهم همة وأرفعهم قدرا من لذته في معرفة الله ومحبته والشوق إلى لقائه والتودد إليه بما يحبه ويرضاه فلذته في إقباله عليه وعكوف همته عليه ودون ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله حتى تنتهي إلى من لذته في أخس الأشياء من القاذورات والفواحش في كل شيء من الكلام والفعال والأشغال فلو عرضت عليه ما يلتذ به الأول لم تسمح نفسه بقبوله ولا الالتفات إليه وربما تألمت من ذلك كما أن الأول إذا عرض عليه ما يلتذ به هذا لم تسمح نفسه به ولم تلتفت إليه ونفرت نفسه منه وأكمل الناس لذة من جمع له بين لذة القلب والروح ولذة البدن فهو يتناول لذاته المباحة على وجه لا ينقص حظه من الدار والآخرة ولا يقطع عليه لذة المعرفة والمحبة والأنس بربه فهذا ممن قال تعالى فيه قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة وأبخسهم حظا من اللذة من تناولها على وجه يحول بينه وبين لذات الآخرة فيكون ممن يقال لهم يوم استيفاء اللذات أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فهؤلاء تمتعوا بالطيبات وأولئك تمتعوا بالطيبات وافترقوا في وجه التمتع فأولئك تمتعوا بها على الوجه الذي أذن لهم فيه فجمع لهم بين لذة الدنيا والآخرة وهؤلاء تمتعوا بها على الوجه الذي دعاهم إليه الهوى والشهوة وسواء أذن لهم فيه أم لا فانقطعت عنهم لذة الدنيا وفاتتهم لذة الآخرة فلا لذة الدنيا دامت لهم ولا لذة الآخرة حصلت لهم فمن أحب اللذة ودوامها والعيش الطيب فليجعل لذة الدنيا موصلا له إلى لذة الآخر بأن يستعين بها على فراغ قلبه لله وإرادته وعبادته فيتناولها بحكم الاستعانة والقوة على طلبه لا بحكم مجرد الشهوة والهوى وإن كان ممن زويت عنه لذات الدنيا وطيباتها فليجعل ما نقص منها زيادة في(1\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "147",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5870",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لذة الآخرة ويجم نفسه ههنا بالترك ليستوفيها كاملة هناك فطيبات الدنيا ولذاتها نعم العون لمن صح طلبه لله والدار الآخرة وكانت همه لما هناك وبئس القاطع لمن كانت هي مقصوده وهمته وحولها يدندن وفواتها في الدنيا نعم العون لطالب الله والدار الآخرة وبئس القاطع النازع من الله والدار الآخرة فمن أخذ منافع الدنيا على وجه لا ينقص حظه من الآخرة ظفر بهما جميعا وإلا خسرهما جميعا سبحان الله رب العالمين لو لم يكن في ترك الذنوب والمعاصي إلا إقامة المروءة وصون العرض وحفظ الجاه وصيانة المال الذي جعله الله قواما لمصالح الدنيا والآخرة ومحبة الخلق وجوار القول بينهم وصلاح المعاش وراحة البدن وقوة القلب وطيب النفس ونعيم القلب وانشراح الصدر والأمن من مخاوف الفساق والفجار وقلة الهم والغم والحزن وعز النفس عن احتمال الذل وصون نور القلب أن تطفئه ظلمة المعصية وحصول المخرج له مما ضاق على الفساق والفجار وتيسر الرزق عليه من حيث لا يحتسب وتيسير ما عسر على أرباب الفسوق والمعاصي وتسهيل الطاعات عليه وتيسير العلم والثناء الحسن في الناس وكثرة الدعاء له والحلاوة التي يكتسبها وجهه المهابة التي تلقى له في قلوب الناس وانتصارهم وحميتهم له إذا أوذي وظلم وذبهم عن عرضه إذا اغتابه مغتاب وسرعة إجابة دعائه وزوال الوحشة التي بينه وبين الله وقرب الملائكة منه وبعد شياطين الإنس والجن منه وتنافس الناس على خدمته وقضاء حوائجه وخطبتهم لمودته وصحبته وعدم خوفه من الموت بل يفرح به لقدومه على ربه ولقائه له ومصيره إليه وصغر الدنيا في قلبه وكبر الآخرة عنده وحرصه على الملك الكبير والفوز العظيم فيها وذوق حلاوة الطاعة ووجد حلاوة الإيمان ودعاء حملة العرش ومن حوله من الملائكة له وفرح الكاتبين به ودعائهم له كل وقت والزيادة في عقله وفهمه وإيمانه ومعرفته وحصول محبة الله له وإقباله عليه وفرحه بتويته وهكذا يجازيه بفرح وسرور لا نسبة له إلى فرحه وسروره بالمعصية بوجه من الوجوه(1\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "148",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5871",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذه بعض آثار ترك المعاصي في الدنيا فإذا مات تلقته الملائكة بالبشرى من ربه بالجنة وبأنه لا خوف عليه ولا حزن وينتقل من سجن الدنيا وضيقها إلى روضة من رياض الجنة ينعم فيها إلى يوم القيامة فإذا كان يوم القيامة كان الناس في الحر والعرق وهو في ظل العرش فإذا انصرفوا من بين يدي الله أخذ به ذات اليمين مع أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو فضل عظيم  فصل ذكر ابن سعد في الطبقات عن عمر بن عبد العزيز أنه كان إذا خطب على المنبر فخاف على نفسه العجب قطعه وإذا كتب كتابا فخاف فيه العجب مزقه ويقول اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي اعلم أن العبد إذا شرع في قول أو عمل يبتغي فيه مرضاة الله مطالعا فيه منة الله عليه به وتوفيقه له فيه وأنه بالله لا بنفسه ولا بمعرفته وفكره وحوله وقوته بل هو بالذي أنشأ له اللسان والقلب والعين والأذن فالذي من عليه بذلك هو الذي من عليه بالقول الفعل فإذا لم يغب ذلك عن ملاحظته ونظر قلبه لم يحضره العجب الذي أصله رؤية نفسه وغيبته عن شهود منة ربه وتوفيقه وإعانته فإذا غاب عن تلك الملاحظة وثبت النفس وقامت في مقام الدعوى فوقع العجب ففسد عليه القول والعمل فتارة يحال بينه وبين تمامه ويقطع عليه ويكون ذلك رحمة به حتى لا يغيب عن مشاهدة المنة والتوفيق وتارة يتم له ولكن لا يكون له ثمرة وإن أثمر أثمر ثمرة ضعيفة غير محصلة للمقصود وتارة يكون ضرره عليه أعظم من انتفاعه ويتولد له منه مفاسد شتى بحسب غيبته عن ملاحظة التوفيق والمنة ورؤية نفسه وأن القول والفعل به ومن هذا الموضع يصلح الله سبحانه أقوال عبده وأعماله ويعظم له ثمرتها أو يفسدها عليه ويمنعه ثمرتها فلا شيء أفسد للأعمال من العجب ورؤية النفس فإذا أراد الله(1\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "149",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5872",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعده خيرا أشهده منته وتوفيقه وإعانته له في كل ما يقوله ويفعله فلا يعجب به ثم أشهده تقصيره فيه وأنه لا يرضى لربه به فيتوب إليه منه ويستغفره ويستحي أن يطلب عليه أجرا وإذا لم يشهده ذلك وغيبه عنه فرأى نفسه في العمل ورآه بعين الكمال والرضا لم يقع ذلك العمل منه موقع القبول والرضا والمحبة فالعارف يعمل العمل لوجه مشاهدا فيه منته وفضله وتوفيقه معتذرا منه إليه مستحييا منه إذ لم يوفه حقه والجاهل يعمل العمل لحظه وهواه ناظرا فيه إلى نفسه يمن به على ربه راضيا بعمله فهذا لون وذاك لون آخر  فصل الوصول إلى المطلوب موقوف على هجر العوائد وقطع العوائق فالعوائد السكون إلى الدعة والراحة وما ألفه الناس واعتادوه من الرسوم والأوضاع التي جعلوها بمنزلة الشرع المتبع بل هي عندهم أعظم من الشرع فإنهم ينكرون على من خرج عنها وخالفها ما لا ينكرون على من خالف صريح الشرع وربما كفروه أو بدعوه وضللوه أو هجروه وعاقبوه لمخالفة تلك الرسوم وأماتوا لها السنن ونصبوها أندادا للرسول يوالون عليها ويعادون فالمعروف عندهم ما وافقهم والمنكر ما خالفها وهذه الأوضاع والرسوم قد استولت على طوائف بني آدم من الملوك والولاة والفقهاء والصوفية والفقراء والمطوعين والعامة فربي فيها الصغير ونشأ عليها الكبير واتخذت سننا بل هي أعظم عند أصحابها من السنن الواقف معها محبوس والمتقيد بها منقطع عم بها المصاب وهجر لأجلها السنة والكتاب من استنصر بها فهو عند الله مخذول ومن اقتدى بها دون كتاب الله وسنة رسوله فهو عند الله غير مقبول وهذه أعظم الحجب والموانع بين العبد وبين النفوذ إلى الله ورسوله(1\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "150",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5873",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وأما العوائق فهي أنواع المخالفات ظاهرها وباطنها فإنها تعوق القلب عن سيره إلى الله وتقطع عليه طريقه وهي ثلاثة أمور شرك وبدعة ومعصية فيزول عائق الشرك بتجريد التوحيد وعائق البدعة بتحقيق السنة وعائق المعصية بتصحيح التوبة وهذه العوائق لا تتبين للعبد يأخذ في أهبة السفر ويتحقق بالسير إلى الله والدار والآخرة فحينئذ تظهر له هذه العوائق ويحسن بتعويقها له بحسب قوة سيره وتجرده للسفر وإلا فما دام قاعدا لا يظهر له كوامنها وقواطعها  فصل وأما العلائق فهي كل ما تعلق به القلب دون الله ورسوله من ملاذ الدنيا وشهواتها ورياستها وصحبة الناس والتعلق بهم ولا سبيل له إلى قطع هذه الأمور الثلاثة ورفضها إلا بقوة التعلق بالمطلب الأعلى وإلا فقطعها عليه بدون تعلقه بمطلوبه ممتنع فإن النفس لا تترك مألوفها ومحبوبها إلا لمحبوب هو أحب إليها منه وآثر عندها منه وكلما قوي تعلقه بمطلوبه ضعف تعلقه بغيره وكذا بالعكس والتعلق بالمطلوب هو شدة الرغبة فيه وذلك على قدر معرفته به وشرفه وفضله على ما سواه  فصل لما كمل الرسول مقام الافتقار إلى الله سبحانه أحوج الخلائق كلهم إليه في الدنيا والآخرة أما حاجتهم إليه في الدنيا فأشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب والنفس الذي به حياة أبدانهم وأما حاجتهم إليه في الآخرة فإنهم يستشفعون بالرسل إلى الله حتى يريحهم من ضيق مقامهم فكلهم يتأخر عن الشفاعة فيشفع لهم وهو الذي يستفتح لهم باب الجنة(1\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "151",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5874",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل من علامات السعادة والفلاح أن العبد كلما زيد في علمه زيد في تواضعه ورحمته وكلما زيد في خوفه وحذره وكلما زيد في عمره نقص من حرصه وكلما زيد في ماله زيد في سخائه وبذله وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في قربه من الناس وقضاء حوائجهم والتواضع لهم وعلامات الشقاوة أنه كلما زيد في علمه زيد في كبره وتيهه وكلما زيد في عمله زيد في فخره واحتقاره للناس وحسن ظنه بنفسه وكلما زيد في عمره زيد قي حرصه وكلما زيد في ماله زيد في بخله وإمساكه وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في كبره وتيهه وهذه الأمور ابتلاء من الله وامتحان يبتلي بها عباده فيسعد بها أقوام ويشفى بها أقوام وكذلك الكرامات امتحان وابتلاء كالملك والسلطان والمال قال تعالى عن نبيه سليمان لما رأى عرش بلقيس عنده هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر فالنعم ابتلاء من الله وامتحان يظهر بها شكر الشكور وكفر الكفور كما أن المحن بلوى منه سبحانه فهو يبتلي بالنعم كما يبتلي بالمصائب قال تعالى فأما الأنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا أي ليس كل من وسعت عليه وأكرمته ونعمته يكون ذلك إكراما مني له ولا كل من ضيقت عليه رزقه وابتليته يكون ذلك إهانة مني له  فصل من أراد علو بنيانه فعليه بتوثيق أساسه وإحكامه وشدة الاعتناء به فإن علو البنيان على قدر توثيق الأساس وإحكامه فالأعمال والدرجات بنيان وأساسها الإيمان ومتى كان الأساس وثيقا حمل البنيان واعتلى عليه وإذا تهدم شيء من(1\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "152",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5875",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البنيان سهل تداركه وإذا كان الأساس غير وثيق لم يرتفع البنيان ولم يثبت وإذا تهدم شيء من الأساس سقط البنيان أو كاد فالعارف همته تصحيح الأساس وإحكامه والجاهل يرفع في البناء عن غير أساس فلا يلبث بنيانه أن يسقط قال تعالى أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمن أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم فالأساس لبناء الأعمال كالقوة لبدن الإنسان فإذا كانت القوة قوية حملت البدن ودفعت عنه كثيرا من الآفات وإذا كانت القوة ضعيفة ضعف حملها للبدن وكانت الآفات إليه أسرع شيء فاحمل بنيانك على قوة أساس الإيمان فإذا تشعث شيء من أعالي البناء وسطحه كان تداركه أسهل عليك من خراب الأساس وهذا الأساس أمران صحة المعرفة بالله وأمره وأسمائه وصفاته والثاني تجريد الانقياد له ولرسوله دون ما سواه فهذا أوثق أساس أسس العبد عليه بنيانه وبحسبه يعتلي البناء ما شاء فاحكم الأساس واحفظ القوة ودم على الحمية واستفرغ إذا زاد بك الخلط والقصد القصد وقد بلغت المراد وإلا فما دامت القوة ضعيفة والمادة الفاسدة موجودة والاستفراغ معدوما فاقر السلام على الحياة فإنها ... قد آذنتك بسرعة التوديع فإذا كمل البناء فبيضه بحسن الخلق والإحسان إلى الناس ثم حظه بسور من الحذر لا يقتحمه عدو ولا تبدو منه العورة ثم ارخ الستور على أبوابه ثم أقفل الباب الأعظم بالسكوت عما تخشى عاقبته ثم ركب له مفتاحا من ذكر الله به تفتحه وتغلقه فإن فتحت فتحت بالمفتاح وإن أغلقت الباب أغلقته به فتكون حينئذ قد بنيت حصنا تحصنت فيه من أعدائك إذا طاف به العدو لم يجد منه مدخلا فييأس منك ثم تعاهد بناء الحصن كل وقت فإن العدو إذا لم يطمع في الدخول من الباب نقب عليك النقوب من بعيد بمعاول الذنوب فإن أهملت أمره وصل إليك النقب فإذا العدو معك في داخل الحصن فيصعب عليك إخراجه وتكون معه على(1\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "153",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5876",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثلاث خلال إما أن يغلبك على الحصن ويستولي عليه وإما أن يساكنك فيه وإما أن يشغلك بمقابلته عن تمام مصلحتك وتعود إلى سد النقب ولم شعث الحصن وإذا دخل نقبه إليك نالك منه ثلاث آفات إفساد الحصن والإغارة على حواصله وذخائره ودلالة السراق من بني جنسه على عورته فلا يزال يبلى منه بغارة حتى يضعفوا قواه ويوهنوا عزمه فيتخلى عن الحصن ويخلي بينهم وبينه وهذه حال أكثر النفوس مع هذا العدو ولهذا تراهم يسخطون ربهم برضا أنفسهم بل برضا مخلوق مثلهم لا يملك لهم ضرا ولا نفعا ويضيعون كسب الدين بكسب الأموال ويهلكون أنفسهم بما لا يبقى لهم ويحرصون على الدنيا وقد أدبرت عنهم ويزهدون في الآخرة وقد هجمت عليهم ويخالفون ربهم باتباع أهوائهم ويتكلون على الحياة ولا يذكرون الموت ويذكرون شهواتهم وحظوظهم وينسون ما عهد الله إليهم ويهتمون بما ضمنه الله ولا يهتمون بما أمرهم به ويفرحون بالدنيا ويحزنون على فوات حظهم منها ولا يحزنون على فوات الجنة وما فيها ولا يفرحون بالإيمان فرحهم بالدرهم والدينار ويفسدون حقهم وهداهم بضلالهم ومعروفهم بمنكرهم ويلبسوا إيمانهم بظنونهم ويخلطون حلالهم بحرامهم ويترددون في حيرة آرائهم وأفكارهم ويتركون هدى الله الذي أهداه إليهم ومن العجب أن هذا العدو يستعمل صاحب الحصن في هدم حصنه بيديه  فصل أركان الكفر أربعة الكبر والحسد والغضب والشهوة فالكبر يمنعه الانقياد والحسد يمنعه قبول النصيحة وبذلها والغضب يمنعه العدل والشهوة تمنعه التفرغ للعبادة فإذا انهدم ركن الكبر سهل عليه الانقياد وإذا انهدم ركن الحسد سهل عليه قبول النصح وبذله وإذا انهدم ركن الغضب سهل عليه العدل والتواضع وإذا انهدم ركن الشهوة سهل عليه الصبر والعفاف والعبادة وزوال الجبال عن أماكنها(1\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "154",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5877",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أيسر من زوال هذه الأربعة عمن بلي بها ولا سيما إذا صارت هيئات راسخة وملكات وصفات ثابتة فإنه لا يستقيم له معها عمل البتة ولا تزكو نفسه مع قيامها بها وكلما اجتهد في العمل أفسدته عليه هذه الأربعة وكل الآفات متولدة منها وإذا استحكمت في القلب أرته الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل والمعروف في صورة المنكر والمنكر في صورة المعروف وقربت منه الدنيا وبعدت منه الآخرة وإذا تأملت كفر الأمم رأيته ناشئا منها وعليها يقع العذاب وتكون خفته وشدته بحسب خفتها وشدتها فمن فتحها على نفسه فتح عليه أبواب الشرور كلها عاجلا وآجلا ومن أغلقها على نفسه أغلق عنه أبوب الشرورفاتها تمنع الانقياد والإخلاص والتوبة والإنابة وقبول الحق ونصيحة المسلمين والتواضع لله ولخلقه ومنشأ هذه الأربعة من جهله بربه وجهله بنفسه فإنه لو عرف ربه بصفات الكمال ونعوت الجلال وعرف نفسه بالنقائص والآفات لم يتكبر ولم يغضب لها ولم يحسد أحدا على ما أتاه الله فإن الحسد في الحقيقة نوع من معاداة الله فإنه يكره نعمة الله على عبده وقد أحبها الله وأحب زوالها عنه والله يكره ذلك فهو مضاد لله في قضائه وقدره ومحبته وكراهته ولذلك كان إبليس عدوه حقيقة لأن ذنبه كان عن كبر وحسد فقلع هاتين الصفتين بمعرفة الله وتوحيده والرضا به وعنه والإنابة إليه وقلع الغضب بمعرفة النفس وأنها لا تستحق أن يغضب لها وينتقم لها فإن ذلك إيثار لها بالرضا والغضب على خالقها وفاطرها وأعظم ما تدفع به هذه الآفة أن يعودها أن تغضب له سبحانه وترضى له فكلما دخلها شيء من الغضب والرضا له خرج منها مقابله من الغضب والرضا لها وكذا بالعكس وأما الشهوة فدواؤها صحة العلم والمعرفة بأن إعطاءها شهواتها أعظم أسباب حرمانها إياها ومنعها منها وحميتها أعظم أسباب اتصالها إليها فكلما فتحت عليها باب الشهوات كنت ساعيا في حرمانها إياها وكلما أغلقت عنها ذلك الباب كنت ساعيا في إيصالها إليها على أكمل الوجوه(1\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "155",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5878",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالغضب مثل السبع إذا أفلته صاحبه بدأ بأكله والشهوة مثل النار إذا أضرمها صاحبها بدأت بإحراقه والكبر بمنزلة منازعة الملك ملكه فإن لم يهلكك طردك عنه والحسد بمنزلة معاداة من هو أقدر منك والذي يغلب شهوته وغضبه يفرق الشيطان من ظله ومن تغلبه شهوته وغضبه يفرق من خياله  فصل عظيم النفع الجهال بالله وأسمائه وصفاته المعطلون لحقائقها يبغضون الله إلى خلقه ويقطعون عليهم طريق محبته والتودد إليه بطاعته من حيث لا يعلمون ونحن نذكر من ذلك أمثلة تحتذي عليها فمنها أنهم يقررون في نفوس الضعفاء أن الله سبحانه لا تنفع معه طاعة وإن طال زمانها وبالغ العبد وأتى بها ظاهره وباطنه وأن العبد ليس على ثقة ولا أمن من مكره بل شأنه سبحانه أن يأخذ المطيع المتقي من المحراب إلى الماخور ومن التوحيد والمسبحة إلى الشرك والمزمار ويقلب قلبه من الإيمان الخالص إلى الكفر ويروون في ذلك آثار صحيحة لم يفهموها وباطلة لم يقلها المعصوم ويزعمون أن هذا حقيقة التوحيد ويتلون على ذلك قوله تعالى لا يسأل عما يفعل وقوله أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون وقوله واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ويقيمون إبليس حجة لهم على هذه المعرفة وأنه كان طاووس الملائكة وأنه لم يترك في السماء رقعة ولا في الأرض بقعة إلا وله فيها سجدة أو ركعة لكن جنى عليه جاني القدر وسطا عليه الحكم فقلب عينه الطيبة وجعلها أخبث شيء حتى قال بعض عارفيهم أنك ينبغي أن تخاف الله كما تخاف الأسد الذي يثب عليك بغير جرم منك ولا ذنب أتيته إليه ويحتجون بقول النبي إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ويروون عن بعض السلف أكبر الكبائر لا الله من مكر الله والقنوط من رحمة(1\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "156",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5879",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر الإمام أحمد عن عون بن عبد الله أو غيره أنه سمع رجلا يدعو الهم لا تؤمني مكرك فأنكر ذلك وقال قل اللهم لا تجعلني ممن يأمن مكرك وبنوا ذلك على أصلهم الباطل وهو إنكار الحكمة والتعليل والأسباب وأن الله لا يفعل لحكمة ولا سبب وإنما يفعل بمشيئة مجردة من الحكم والتعليل والسبب فلا يفعل لشيء ولا بشيء وأنه لا يجوز عليه أن يعذب أهل طاعته أشد العذاب وينعم أعداءه وأهل معصيته بجزيل الثواب وأن الأمرين بالنسبة إليه سواء ولا يعلم امتناع ذلك إلا بخبر من الصادق أنه لا يفعله فحينئذ يعلم امتناعه لوقوع الخبر بأنه لا يكون لا لأنه في نفسه باطل وظلم فإن الظلم في نفسه مستحيل فإنه غير ممكن بل هو بمنزلة جعل الجسم الواحد في مكانين في آن واحد والجمع بين الليل والنهار في ساعة واحدة وجعل الشيء موجودا ومعدوما معا في آن واحد فهذا حقيقة الظلم عندهم فإذا رجع العامل إلى نفسه قال من لا يستقر له أمر ولا يؤمن له مكر كيف يوثق بالتقرب إليه وكيف يعول على طاعنه واتباع أوامره وليس لنا سوى هذه المدة اليسيرة فإذا هجرنا فيها اللذات وتركنا الشهوات وتكلفتا أثقال العبادات وكنا مع ذلك على غير ثقة منه أن يقلب علينا الإيمان كفرا والتوحيد شركا والطاعة معصية والبر فجورا ويديم علينا العقوبات كنا خاسرين في الدنيا والآخرة فإذا استحكم هذا الاعتقاد في قلوبهم وتخمر في نفوسهم صاروا إذا أمروا بالطاعات وهجر اللذات بمنزلة إنسان جعل يقول لولده معلمك إن كتبت وأحسنت وتأدبت ولم تعصه ربما أقام لك حجة وعاقبك وإن كسلت وبطلت وتعطلت وتركت ما أمرك به ربما قربك وأكرمك فيودع بهذا القول قلب الصبي ما لا يثق بعده إلى وعيد المعلم على الإساءة ولا وعده على الإحسان وإن كبر الصبي وصلح للمعاملات والمناصب قال له هذا سلطان بلدنا يأخذ اللص من الحبس فيجعله وزيرا أميرا ويأخذ الكيس المحسن لشغله فيخلده الحبس ويقتله ويصلبه فإذا قال له ذلك أو حشه سلطانه وجعله على غير ثقة من وعده ووعيده وأزال محبته من قلبه وجعله يخافه مخافة الظالم الذي يأخذ المحسن بالعقوبة(1\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "157",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5880",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والبريء بالعذاب فأفلس هذا المسكين من اعتقاد كون الأعمال نافعة أو ضارة فلا بفعل الخير يستأنس ولا بفعل الشر يستوحش وهل في التنفير عن الله وتبغيضه إلى عباده أكثر من هذا ولو اجتهد الملاحدة على تبغيض الدين والتنفير عن الله لما أتوا بأكثر من هذا وصاحب هذه الطريقة يظن أنه يقرر التوحيد والقدر ويرد على أهل البدع وينصر الدين ولعمر الله العدو العاقل أقل ضررا من الصديق الجاهل وكتب الله المنزلة كلها ورسله كلهم شهادة بضد ذلك ولا سيما القرآن فلو سلك الدعاة المسلك الذي دعا الله ورسوله به الناس إليه لصلح العالم صلاحا لا فساد معه فالله سبحانه أخبر وهو الصادق الوفي أنه إنما يعامل الناس بكسبهم ويجازيهم بأعمالهم ولا يخاف المحسن ليده ظلما ولا هضما ولا يخاف بخسا ولا رهقا ولا يضيع عمل محسن أبدا ولا يضيع على العبد مثقال ذرة لا يظلمها وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما وإن كان مثقال حبة من خردل جازاه بها ولا يضيعها عليه وأنه يجزي بالسيئة مثلها ويحبطها بالتوبة والندم والاستغفار والحسنات والمصائب ويجزي بالحسنة عشر أمثالها ويضاعفها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وهو الذي أصلح الفاسدين وأقبل بقلوب المعرضين وتاب على المذنبين وهدى الضالين وأنقذ الهالكين وعلم الجاهلين وبصر المتحيزين وذكر الغافلين وآوى الشاردين وإذا أوقع عقابا أوقعه بعد شدة التمرد والعتو عليه ودعوة العبد إلى الرجوع إلى إليه والإقرار بربوبيته وحقه مرة بعد مرة حتى إذا يأس من استجابته والإقرار بربوبيته ووحدانيته أخذه ببعض كفره وعتوه وتمرده بحيث يعذر العبد من نفسه ويعترف بأنه سبحانه لم يظلمه وأنه هو الظالم لنفسه كما قال تعالى عن أهل النار فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير وقال عمن أهلكهم في الدنيا أنهم لما رأوا آياته وأحسوا حصيدا بعذابه قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين وقال أصحاب الجنة التي أفسدها عليهم لما رأوها(1\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "158",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5881",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين قال الحسن لقد دخلوا النار وإن حمده لفي قلوبهم ما وجدوا عليه حجة ولا سبيلا ولهذا قال تعالى نقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين فهذه الجملة في موضع الحال أي قطع دابرهم حال كونه سبحانه محمودا على ذلك فقطع دابرهم قطعا مصاحبا لحمده فهو قطع وإهلاك يحمد عليه الرب تعالى لكما حكمته وعدله ووضعه العقوبة في موضعها الذي لا يليق به غيرها فوضعها في الموضع الذي يقول من علم الحال لا تليق العقوبة إلا بهذا المحل ولا يليق به إلا العقوبة ولهذا قال عقيب إخباره عن الحكم بين عباده ومصير أهل السعادة إلى الجنة وأهل الشقاء إلى النار وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين فحذف فاعل القول إشعارا بالعموم وأن الكون كله قال الحمد لله رب العالمين لما شاهدوا من حكمة الحق وعدله وفضله ولهذا قال في حق أهل النار قيل ادخلوا أبواب جهنم كأن الكون كله يقول ذلك حتى تقوله أعضاؤهم وأرواحهم وأرضهم وسماؤهم وهو سبحانه بخبر أنه إذا هلك أعداءه أنجى أولياءه ولا يعمهم بالهلاك بمحض المشيئة ولما سأله نوح نجاة ابنه أخبر أنه يغرقه بسوء عمله وكفره ولم يقل إني أغرقه بمحض مشيئتي وإرادتي بلا سبب ولا ذنب وقد ضمن سبحانه زيادة الهداية للمجاهدين في سبله ولم يخبر أنه يضلهم ويبطل سعيهم وكذلك ضمن زيادة الهداية للمتقين الذين يتبعون رضوانه وأخبر أنه لا يضل إلا الفاسقين الذين ينقضون عهده من بعد ميثاقه وأنه إنما يضل من آثر الضلال واختاره على الهدى فيطبع حينئذ على سمعه وقلبه وأنه يقلب قلب من لم يرض بهداه إذا جاءه ولم يؤمن به ودفعه ورده فيقلب فؤاده وبصره عقوبة له على رده ودفعه لما تحققه وعرفه وأنه سبحانه لو علم في تلك المحال التي حكم عليها بالضلال والشقاء خيرا لأفهمها وهداها ولكنها لا تصلح لنعمته ولا تليق بها كرامته وقد أزاح سبحانه العلل وأقام الحجج ومكن من أسباب الهداية وأنه لا يضل إلا الفاسقين والظالمين ولا يطبع(1\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "159",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5882",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلا على قلوب المعتدين ولا يركس في الفتنة إلا المنافقين بكسبهم وأن الرين الذي غطى به قلوب الكفار وهو عين كسبهم وأعمالهم كما قال كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون وقال عن أعدائه من اليهود وقالوا قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم وأخبر أنه لا يضل من هداه حتى يبن له ما يتقي فيختار لشقوته وسوء طبيعته الضلال على الهدى والغي على الرشاد ويكون مع نفسه وشيطانه وعدو ربه عليه وأما المكر الذي وصف به نفسه فهو مجازاته للماكرين بأوليائه ورسله فيقابل مكرهم السيء بمكره الحسن فيكون المكر منهم أقبح شيء ومنه أحسن شيءلأنه عدل ومجازاة وكذلك المخادعة منه جزاء على مخادعة رسله أوليائه فلا أحسن من تلك المخادعة والمكر وأما كون الرجل يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فإن هذا عمل أهل الجنة فيما يظهر للناس ولو كان عملا صالحا مقبولا للجنة قد أحبه الله ورضيه لم يبطله عليه وقوله لم يبق بينه وبينها إلا ذراع يشكل على هذا التأويل فيقال لما كان العمل بآخره وخاتمته لم يصبر هذا العامل على عمله حتى يتم له بل كان فيه آفة كامنة ونكتة خذل بها في آخر عمره فخانته تلك الآفة والداهية والباطنة في وقت الحاجة فرجع إلى موجبها وعملت عملها ولو لم يكن هناك غش وآفة لم يقلب الله إيمانه لقد أورده مع صدقه فيه وإخلاصه بغير سبب منه يقتضي إفساده عليه والله يعلم من سائر العباد ما لا يعلمه بعضهم من بعض وأما شأن إبليس فإن الله سبحانه قال للملائكة إني أعلم مالا تعلمون فالرب تعالى كان يعلم ما في قلب إبليس من الكفر والكبر والحسد مالا يعلمه الملائكة فلما أمروا بالسجود ظهر ما في قلوبهم من الطاعة والمحبة والخشية والانقياد فبادروا إلى الامتثال وظهر ما في قلب عدوه من الكبر والغش والحسد فأبى واستكبر وكان من الكافرين(1\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "160",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5883",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما خوف أوليائه من مكره فحق فإنهم يخافون أن يخذلهم بذنوبهم وخطاياهم فيصيرون إلى الشقاء فخوفهم من ذنوبهم ورجاؤهم لرحمته وقوله أفأمنوا مكر الله إنما هو في حق الفجار والكفار ومعنى الآية فلا يعصى ويأمن مقابلة الله له على مكر السيئات بمكره به إلا القوم الخاسرون والذي يخافه العارفون بالله من مكره أن يؤخر عنهم عذاب الأفعال فيحصل منهم نوع اغترار فيأنسوا بالذنوب فيجيئهم العذاب على غرة وفترة وأمر آخر وهو أن يغفلوا عنه وينسوا ذكره فيتخلى عنهم إذا تخلوا عن ذكره وطاعته فيسرع إليهم البلاء والفتنة فيكون مكره بهم تخليه عنهم وأمر آخر أن يعلم من ذنوبهم وعيوبهم ما لا يعلمونه من نفوسهم فيأتيهم المكر من حيث لا يشعرون وأمر آخر أن يمتحنهم ويبتليهم بما لا صبر لهم عليه فيفتنون به وذلك مكر  فصل السنة شجرة والشهور فروعها والأيام أغصانها والساعات أوراقها والأنفاس ثمرها فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة ومن كانت في معصية فثمرته حنظل وإنما يكون الجداد يوم المعاد فعند الجداد يتبين حلو الثمار من مرها والإخلاص والتوحيد شجرة في القلب فروعها الأعمال وثمرها طيب الحياة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة وكما أن ثمار الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة فثمرة التوحيد والإخلاص في الدنيا كذلك والشرك والكذب والرياء شجرة في القلب ثمرها في لدنيا والخوف والهم والغم وضيق الصدر وظلمة القلب وثمرها في الآخرة الزقوم والعذاب المقيم وقد ذكر الله هاتين الشجرتين في سورة إبراهيم  فصل إذا بلغ العبد أعطى عهده الذي عهده إليه خالقه ومالكه فإذا أخذ عهده بقوة وقبول(1\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "161",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5884",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعزم على تنفيذ ما فيه صلح للمراتب والمناصب التي يصلح لها الموفون بعهودهم فإذا هز نفسه عند أخذ العهد وانتحاها وقال قد أهلت لعهد ربي فمن أولى بقبوله وفهمه وتنفيذه مني فحرص أولا على فهم عهده وتدبره وتعرفه وصايا سيده له ثم وطن نفسه على امتثال ما في عهده والعمل به وتنفيذه حسبما تضمنه عهده فأبصر بقلبه حقيقة العهد وما تضمنه فاستحدث همة أخرى وعزيمة غير العزيمة التي كان فيها وقت الصبا قبل وصول العهد فاستقال من ظلمة غرة الصبا والانقياد للعادة والمنشأ وصبر على شرف الهمة وهتك ستر الظلمة إلى نور اليقين فأدرك بقدر صبره وصدق اجتهاده ما وهبه الله له من فضله فأول مراتب سعادته أن تكون له أذن واعية وقلب يعقل ما تعيه الأذن فإذا سمع وعقل واستبانت له الجادة ورأى عليها تلك الأعلام ورأى أكثر الناس منحرفين عنها يمينا وشمالا فلزمها ولم ينحرف مع المنحرفين الذين كان سبب انحرافهم عدم قبول العهد أو قبلوه بكره ولم يأخذوه بقوة ولا عزيمة ولا حدثوا أنفسهم بفهمه وتدبره والعمل بما فيه وتنفيذ وصاياه بل عرض غيهم العهد ومعهم ضراوة الصبا ودين العادة وما ألفوا عليه الآباء والأمهات فتلقوا العهد تلقي من هو مكتف بما وجد عليه آباءه وسلفه وعادتهم لا تكفي من يجمع همه وقلبه على فهم العهد والعمل به حتى كأن ذلك العهد أتاه وحده وقيل له تأمل ما فيه ثم اعمل بموجبه فإذا لم يتلق عهده هذا التلقي أخلد إلى سير القرابة وما استمرت عليه عادة أهله وأصحابه وجيرانه وأهل بلده فإن علت همته أخلد إلى ما عليه سلفه ومن تقدمه من غير التفات إلى تدبر العهد وفهمه فرضي لنفسه أن يكون دينه دين العادة فإذا شامه الشيطان ورأى هذا مبلغ همته وعزيمته رماه بالعصبية والحمية للآباء وسلفه وزين له أن هذا هو الحق وما خالفه باطل ومثل له الهدى في صورة الضلال والضلال في صورة الهدى بتلك العصبية والحمية التي أسست على غير علم فرضاه أن يكون مع عشيرته وقومه له ما لهم وعليه ما عليهم فخذل عن الهدى وولاه الله ما تولى فلو جاءه كل هدى يخالف قومه وعشيرته لم يره(1\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "162",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5885",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلا ضلالة وإذا كانت همته أعلى من ذلك ونفسه أشرف وقدره أعلى أقبل على حفظ عهده وفهمه وتدبره وعلم أن لصاحب العهد شأنا ليس كشأن غيره فأخذ نفسه بمعرفته من نفس العهد فوجده قد تعرف إليه وعرفه نفسه وصفاته وأسماءه وأفعاله وأحكامه فعرف من ذلك العهد قيوما بنفسه مقيما لغيره غنيا عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه مستو على عرشه فوق جميع خلقه يرى ويسمع ويرضى ويغضب ويحب ويبغض ويدبر أمر مملكته وهو فوق عرشه متكلم آمر ناه يرسل رسله إلى أقطار مملكته بكلامه الذي يسمعه من يشاء من خلقه وأنه قائم بالقسط مجاز بالإحسان والإساءة وأنه حليم غفور شكور جواد محسن موصوف بكل كمال منزه عن كل عيب ونقص وأنه لا مثل له ويشهد حكمته في تدبير مملكته وكيف يقدر مقاديره بمشيئة غير مضادة لعدله وحكمته وتظاهر عنده العقل والشرع والفطرة فصدق كل منهما صاحبيه وفهم عن الله سبحانه ما وصف به نفسه في كتابه من حقائق أسمائه التي بها نزل الكتاب وبها نطق ولها أثبت وحقق وبها تعرف إلا عباده حتى أقرت به العقول وشهدت به الفطر فإذا عرف بقلبه وتيقن صفات صاحب العهد وأشرقت أنوارها على قلبه فصارت له كالمعاينة فرأى حينئذ تعلقها بالخلق والأمر وارتباطهما بها وسريان آثارهما في العالم الحسي والعالم الروحي ورأى تصرفها في الخلائق كيف عمت وخصت وقربت وأبعدت وأعطت ومنعت فشاهد بقلبه مواقع عدله سبحانه وقسطه وفضله ورحمته واجتمع له الإيمان بلزوم حجته مع نفوذ أقضيته وكمال قدرته مع كمال عدله وحكمته ونهاية علوه على جميع خلقه مع إحاطته ومعيته وعظمته وجلاله وكبريائه وبطشه وانتقامه مع رحمته وبره ولطفه وجوده وعفوه وحلمه ورأى لزوم الحجة مع قهر المقادير التي لا خروج لمخلوق عنها وكيف اصطحاب الصفات وتوافقها وشهادة بعضها لبعض وانعطاف الحكمة التي هي نهاية وغاية على المقادير التي هي أول وبداية ورجوع فروعها إلى أصولها ومبادئها إلى(1\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "163",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5886",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غاياتها حتى كأنه مشاهد مبادىء الحكمة وتأسيس القضايا على وفق الحكمة والعدل والمصلحة والرحمة والإحسان لا تخرج قضية عن ذلك إلى انقضاء الأكوان وانفصال الأحكام يوم الفصل بين العباد وظهور عدله وحكمته وصدق رسله وما أخبرت به عنه لجميع الخليقة انسها وجنها مؤمنها وكافرها وحينئذ يتبين من صفات جلاله ونعوت كماله للخلق ما لم يكونوا يعرفونه قبل ذلك حتى إن أعرف خلقه به في الدنيا يثني عليه يومئذ من صفات كماله ونعوت جلاله ما لم يكن يحسنه في الدنيا وكما يظهر ذلك لخلقه تظهر لهم الأسباب التي بها زاغ الزائغون وضل الضالون وانقطع المنقطعون فيكون الفرق بين العلم يومئذ بحقائق الأسماء والصفات العلم بها في الدنيا كالفرق بين العلم بالجنة والنار ومشاهدتهما وأعظم من ذلك وكذلك يفهم من العبد كيف اقتضت أسماؤه وصفاته لوجود النبوة والشرائع وأن لا يترك خلقه سدى وكيف اقتضت ما تضمنته من الأوامر والنواهي وكيف اقتضت وقوع الثواب والعقاب والمعاد وأن ذلك من موجبات أسمائه وصفاته بحيث ينزه عما زعم أعداؤه من إنكار ذلك ويرى شمول القدرة وإحاطتها بجميع الكائنات حتى لا يشذ عنها مثقال ذرة ويرى أنه لو كان معه إله آخر لفسد هذا العالم فكانت تفسد السماوات والأرض ومن فيهن وأنه سبحانه لو جاز عليه النوم أو الموت لتدكدك هذا العالم بأسره ولم يثبت طرفة عين ويرى ذلك الإسلام والإيمان اللذين تعبد الله بهما جميع عباده كيف انبعاثهما من الصفات المقدسة وكيف اقتضيا الثواب والعقاب عاجلا وآجلا ويرى مع ذلك أنه لا يستقيم قبول هذا العهد والتزامه لمن جحد صفاته وأنكر علوه على خلقه وتكلمه بكتبه وعهوده كما لا يستقيم قبوله لمن أنكر حقيقة سمعه وبصره وحياته وإرادته وقوته وأن هؤلاء هم الذين ردوا عهده وأبوا قبوله وأن من قبلهم منهم لم يقبله بجميع ما فيه وبالله التوفيق(1\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "164",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5887",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل خلق بدن ابن آدم من الأرض وروحه من ملكوت السماء وقرن بينهما فإذا أجاع بدنه وأسهره وأقامه في الخدمة وجدت روحه خفة وراحة فتاقت إلى الموضع الذي خلقت منه واشتاقت إلى عالمها العلوي وإذا أشبعه ونعمه ونومه واشتغل بخدمته وراحته أخلد البدن إلى الموضع الذي خلق منه فانجذبت الروح معه فصارت في السجن فلولا أنها ألفت السجن لاستغاثت من ألم وفارقتها وانقطاعها عن عالمها الذي خلقت منه كما يستغيث المعذب وبالجملة فكما خف البدن لطفت الروح وخفت وطلبت عالمها العلوي وكلما ثقل وأخلد إلى الشهوات والراحة ثقلت الروح وهبطت من عالمها وصارت أرضية سفلية فترى الرجل روحه في الرفيق الأعلى وبدنه عندك فيكون نائما على فراشه وروحه عند سدرة المنتهى تجول حول العرش وآخر واقف في الخدمة ببدنه وروحه في السفل تجول حول السفليات فإذا فارقت الروح البدن التحقت برفيقها الأعلى أو الأدنى فعند الرفيق الأعلى كل قرة عين وكل نعيم وسرور وبهجة ولذة وحياة طيبة وعند الرفيق الأسفل كل هم وغم وضيق وحزن وحياة نكدة ومعيشة ضنك قال تعالى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا فذكره كلامه الذي أنزله على رسوله والإعراض عنه ترك تدبره والعمل به والمعيشة الضنك فأكثر ما جاء في التفسير أنها عذاب القبر قاله ابن مسعود وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وابن عباس وفيه حديث مرفوع وأصل الضنك في اللغة الضيق والشدة وكل ما ضاق فهو ضنك يقال منزل ضنك وعيش الضنك فهذه المعيشة الضنك في مقابلة التوسيع على النفس والبدن بالشهوات واللذات والراحة فإن النفس كلما وسعت عليها ضيقت على القلب حتى تصير معيشة ضنكا وكلما ضيقت عليها وسعت على القلب حتى ينشرح وينفسخ فضنك المعيشة في(1\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "165",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5888",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدنيا بموجب التقوى سعتها في البرزخ والآخرة وسعة المعيشة في الدنيا بحكم الهوى ضنكها في البرزخ والآخرة فآثر أحسن المعيشتين وأطيبهما وأدومهما وأشق البدن بنعيم الروح ولا تشق الروح بنعيم البدن فإن نعيم الروح وشقاءها أعظم وأدوم ونعيم البدن وشقاؤه أقصر وأهون والله المستعان العارف لا يأمر الناس بترك الدنيا فإنهم لا يقدرون على تركها ولكن يأمرهم بترك الذنوب مع إقامتهم على دنياهم فترك الدنيا فضيلة وترك الذنوب فريضة فكيف يؤمر بالفضيلة من لم يقم الفريضة فإن صعب عليهم ترك الذنوب فاجتهد أن تحبب الله إليهم بذكر آلائه وإنعامه وإحسانه وصفات كماله ونعوت جلاله فإن القلوب مفطورة على محبته فإذا تعلقت بحبه هان عليها ترك الذنوب والاستقلال منها والإصرار عليها وقد قال يحيى بن معاذ طلب العاقل للدنيا خير من ترك الجاهل لها العارف يدعو الناس إلى الله من دنياهم فتسهل عليهم الإجابة والزاهد يدعوهم إلى الله بترك الدنيا فتشق عليهم الإجابة فإن الفطام عن الثدي الذي ما عقل الإنسان نفسه إلا وهو يرتضع منه شديد ولكن بخير من المرضعات أزكاهن وأفضلهن فإن للبن تأثيرا في طبيعة المرتضع ورضاع المرأة الحمقى يعود بحمق الولد وأنفع الرضاعة ما كان من المجاعة فإن قويت على مرارة الفطام وإلا فارتضع بقدر فإن من البشم ما يقتل  فصل بين رعاية الحقوق مع الضر ورعايتها مع العافية بون بعيد إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ليس العجب من صحيح فارغ واقف مع الخدمة إنما العجب من ضعيف سقيم تعتوره الأشغال وتختلف عليه الأحوال وقلبه واقف في الخدمة غير متخلف بما يقدر عليه(1\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "166",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5889",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل معرفة الله سبحانه نوعان معرفة إقرار وهي التي اشترك فيها الناس البر والفاجر والمطيع والعاصي والثاني معرفة توجب الحياء منه والمحبة له وتعلق القلب به والشوق إلى لقائه وخشيته والإنابة إليه والأنس به والفرار من الخلق إليه وهذه هي المعرفة الخالصة الجارية على لسن القوم وتفاوتهم فيهالا يحصيه إلا الذي عرفهم بنفسه وكشف لقلوبهم من معرفته ما أخفاه عن سواهم وكل أشار إلى هذه المعرفة بحسب مقامه وما كشف له منها وقد قال أعرف الخلق به لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وأخبر أنه سبحانه يفتح عليه يوم القيامة من محامده بما لا يحسنه الآن ولهذه المعرفة بابان واسعان باب التفكر والتأمل في آيات القرآن كلها والفهم الخاص عن الله ورسوله والباب الثاني التفكر في آياته المشهودة وتأمل حكمته فيها وقدرته ولطفه وإحسانه وعدله وقيامه بالقسط على خلقه وجماع ذلك الفقه في معاني أسمائه الحسنى وجلالها وكمالها وتفرده بذلك وتعلقها بالخلق والأمر فيكون فقيها في أوامره ونواهيه فقيها في قضائه وقدره فقيها في أسمائه وصفاته فقيها في الحكم الديني الشرعي والحكم الكوني القدري وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم  فصل الدراهم أربعة دراهم اكتسب بطاعة الله وأخرج في حق الله فذاك خير الدراهم ودرهم اكتسب بمعصية الله وأخرج في معصية الله فذاك شر الدراهم ودرهم اكتسب بأذى مسلم وأخرج في أذى مسلم فهو كذلك ودرهم اكتسب بمباح وأنفق في شهوة مباحة فذاك لا له ولا عليه هذه أصول الدراهم ويتفرع(1\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "167",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5890",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليها داهم أخر منها درهم اكتسب بحق وأنفق في باطل ودرهم اكتسب بباطل وأنفق في حق فإنفاقه كفارته ودرهم اكتسب من شبهة فكفارته أن ينفق في طاعة وكما يتعلق الثواب والعقاب والمدح والذم بإخراج الدرهم فكذلك يتعلق باكتسابه وكذلك يسأل عنه مستخرجه ومصروفه من أين اكتسبه وفيما أنفقه  فصل المواساة للمؤمن أنواع مواساة بالمال ومواساة الجاه ومواساة بالبدن والخدمة ومواساة بالنصيحة والإرشاد ومواساة بالدعاء والاستغفار لهم ومواساة بالتوجع لهم على قدر الإيمان تكون هذه المواساة فكلما ضعف الإيمان ضعفت المواساة وكلما قوي قويت وكان رسول الله أعظم الناس مواساة لأصحابه بذلك كله فلأتباعه من المواساة بحسب اتباعهم له ودخلوا على بشر الحافي في يوم شديد البرد وقد تجرد وهو ينتفض فقالوا ما هذا يا أبا نصر فقال ذكرت الفقراء وبردهم وليس لي ما أواسيهم به فأحببت أن أواسيهم في بردهم  فصل الجهل بالطريق وآفاتها والمقصود يوجب التعب الكثير مع الفائدة القليلة فإن صاحبه إما أن يجتهد في نافلة مع إضاعة الفرض أو في عمل بالجوارح لم يواطئه عمل القلب أو عمل بالباطن والظاهر لم يتقيد بالاقتداء أو همة إلى عمل لم ترق بصاحبها إلى ملاحظة المقصود أو عمل لم يتحرز من آفاته المفسدة له حال العمل وبعده أو عمل غفل فيه عن مشاهدة المنة فلم يتجرد عن مشاركة النفس فيه أو عمل لم يشهد تقصيره فيه فيقوم بعده في مقام الاعتذار منه أو عمل لم يوفه حقه من النصح والإحسان وهو يظن أنه وفاه فهذا كله مما ينقص الثمرة مع كثرة التعب والله الموفق(1\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "168",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5891",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل إذا عزم العبد على السفر إلى الله تعالى وإرادته عرضت له الخوادع والقواطع فينخدع أولا بالشهوات والرياسات والملاذ والمناكح والملابس فإن وقف معها انقطع وإن رفضها ولم يقف معها وصدق في طلبه ابتلي بوطء عقبه وتقبيل يده والتوسعة له في المجلس والإشارة إليه بالدعاء ورجاء بركته ونحو ذلك فإن وقف معه وانقطع به عن الله وكان حظه منه وإن قطعه ولم يقف معه ابتلي بالكرامات والكشوفات فإن وقف معها انقطع بها عن الله وكانت حظه إن لم يقف معها ابتلي بالتجريد والتخلي ولذة الجمعية وعزة الوحدة والفراغ من الدنيا فإن وقف مع ذلك انقطع المقصود وإن لم يقف معه وسار ناظرا إلى مراد الله منه وما يحبه منه بحيث يكون عبده الموقوف على محابه ومراضيه أين كانت وكيف كانت تعب بها أو استراح تنعم أو تألم أخرجته إلى الناس أو عزلته عنهم لا يختار لنفسه غير ما يختاره له وليه وسيده واقف مع أمره ينفذه بحسب الإمكان ونفسه عنده أهون عليه أن يقدم راحتها ولذتها على مرضاة سيده وأمره فهذا هو العبد الذي قد وصل ونفذ ولم يقطعه عن سيده شيء وبالله التوفيق  فصل النعم ثلاثة نعمة حاصلة يعلم بها العبد ونعمة منتظرة يرجوها ونعمة وهو فيها لا يشعر بها فإذا أراد الله إتمام نعمته على عبده عرفه نعمته الحاضرة وأعطاه من شكره قيدا به حتى لا تشرد فإنها تشرد بالمعصية وتقيد بالشكر ورفقة لعمل يستجلب به النعمة المنتظرة وبصره بالطرق التي تسدها وتقطع طريقها ورفقة لاجتنابها وإذا بها قد وافت إليه على أتم الوجوه وعرفه النعم التي(1\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "169",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5892",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو فيها فلا يشعر بها ويحكى أن أعرابيا دخل على الرشيد فقال أمير المؤمنين ثبت الله عليك النعم التي أنت فيها بإدامة شكرها وحقق لك النعم التي ترجوها بحسن الظن به ودوام طاعته وعرفك النعم التي أنت فيها ولا تعرفها لتشكرها فأعجبه ذلك منه وقال ما أحسن تقسيمه  قاعدة جليلة مبدأ كل علم نظري وعمل اختياري هو الخواطر والأفكار فإنها توجب التصورات والتصورات تدعو إلى الإيرادات والإيرادات تقتضي وقوع الفعل وكثرة تكراره تعطي العدة فصلح هذه المراتب بصلاح الخواطر والأفكار وفسادها بفسادها فصلاح الخواطر بأن تكون مراقبة لوليها وإلهها صاعدة إليه دائرة على مرضاته ومحابه فإنه سبحانه به كل صلاح ومن عنده كل هدى ومن توفيقه كل رشد ومن توليه لعبده كل حفظ ومن توليه وإعراضه عنه كل ضلال وشقاء فيضفر العبد بكل خير وهدى ورشد بقدر إثبات عين فكرته في آلائه ونعمه وتوحيده وطرق معرفته وطرق عبوديته وإنزاله إياه حاضرا معه مشاهدا له ناظرا إليه رقيبا عليه مطلعا على خواطره وإرادته وهمه فحينئذ يستحي منه ويجله أن يطلعه منه على عورة يكره أن يطلع عليها مخلوق مثله أو يرى نفسه خاطرا يمقته عليه فمتى أنزل ربه هذه المنزلة منه رفعه وقربه منه وأكرمه واجتباه وولاه وبقدر ذلك يبعد عن الأوساخ والدناآت والخواطر الرديئة والأفكار الدنيئة كما أنه بعد منه وأعرض عنه وقرب من الأوساخ والدناآت والأقذار ويقطع عن جميع الكمالات ويتصل بجميع النقائص فالإنسان خير المخلوقات إذا تقرب من بارئه والتزم أوامره ونواهيه وعمل بمرضاته وآثره على هواه(1\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "170",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5893",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وشر المخلوقات إذا تباعد عنه ولم يتحرك قلبه لقربه وطاعته وابتغاء مرضاته فمتى اختار التقرب إليه وآثره على نفسه وهواه فقد حكم قلبه عقله وإيمانه على نفسه وشيطانه وحكم رشده على غيه وهداه على هواه ومتى اختار التباعد منه فقد حكم نفسه وهواه وشيطانه على عقله وقلبه ورشده وأعلم أن الخاطرات والوساوس تؤدي متعلقاتها إلى الفكر فيأخذها الفكر فيؤديها إلى التذكر فيأخذها الذكر فيؤديها إلى الإرادة فتأخذها الإرادة فتؤديها إلى الجوارح والعمل فتستحكم فتصير عادة فردها من مبادئها أسهل من قطعها بعد قوتها وتمامها ومعلوم أنه لم يعط الإنسان إماتة الخواطر ولا القوة على قطعها فإنها تهجم عليه هجوم النفس إلا أن قوة الإيمان والعقل تعينه على قبول أحسنها ورضاه به ومساكنته له وعلى رفع أقبحها وكراهته له نفرته منه كما قال الصحابة يا رسول الله إن أحدنا يجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة أحب إليه من أن يتكلم به فقال أو قد وجدتموه قالوا نعم قال ذاك صريح الإيمان وفي لفظ الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة وفيه قولان أحدهما أن رده وكراهيته صريح الإيمان والثاني أن وجوده وإلقاء الشيطان له في النفس صريح الإيمان فإنه إنما ألقاه في النفس طلبا لمعارضة الإيمان وإزالته به وقد خلق الله سبحانه النفس شبيهة بالرحا الدائرة التي لا تسكن ولا بد لها من شيء تطحنه فإن وضع فيها حب طحنته وإن وضع فيها تراب أو حصا طحنته فلأفكار والخواطر التي تجول في النفس هي بمنزلة الحب الذي يوضع في الرحا ولا تبقى تلك الرحا معطلة قط بل لا بد لها من شيء يوضع فيها فمن الناس من تطحن رحاه حبا يخرج دقيقا ينفع به نفسه وغيره وأكثرهم يطحن رملا وحصا وتبنا ونحو ذلك فإذا جاء وقت العجن والخبز تبين له حقيقة طحينه(1\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "171",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5894",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل فإذا دفعت الخاطر الوارد عليك اندفع عنك ما بعده وإن قبلته صار فكرا جوالا فاستخدم الإرادة فتساعدت هي والفكر على استخدام الجوارح فإن تعذر استخدامها رجعا إلى القلب بالمني والشهوة وتوجهه إلى جهة المراد ومن المعلوم أن إصلاح الخواطر أسهل من إصلاح الأفكار وإصلاح الأفكار أسهل من إصلاح الإرادات وإصلاح الإرادات أسهل من تدارك فساد العمل وتداركه أسهل من قطع العوائد فأنفع الدواء أن تشغل نفسك بالفكر فيما يعنيك دون مالا يعنيك فالفكر فيما لا يعني باب كل شر ومن فكر فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه واشتغل عن أنفع الأشياء له بما لا منفعة له فيه فالفكر والخواطر والإرادة والهمة أحق شيء بإصلاحه من نفسك فإن هذه خاصتك وحقيقتك التي تبتعد بها أو تقرب من إلهك ومعبودك الذي لا سعادة لك إلا في قربه ورضاه عنك وكل الشقاء في بعدك عنه وسخطه عليك ومن كان في خواطره ومجالات فكره دنيئا خسيسا لم يكن في سائر أمره إلا كذلك وإياك أن تمكن الشيطان من بيت أفكارك وإرادتك فإنه يفسدها عليك فسادا يصعب تداركه ويلقي إليك أنواع الوساوس والأفكار المضرة ويحول بينك وبين الفكر فيما ينفعك وأنت الذي أعنته على نفسك بتمكينه من قلبك وخواطرك فملكها عليك فمثالك معه مثال صاحب رحا يطحن فيها جيد الحبوب فأتاه شخص معه حمل تراب وبعر وفحم وغثاء ليطحنه في طاحونته فإن طرده ولم يمكنه من إلقاء ما معه في الطاحون استمر على طحن ما ينفعه وإن مكنه في إلقاء ذلك في الطاحون أفسد ما فيها من الحب وخرج الطحين كله فاسدا والذي يلقيه الشيطان في النفس لا يخرج عن الفكر فيما كان ودخل الوجود لو كان على خلاف وذلك وفيما لم يكن لو كان كيف كان يكون أو فيما يملك الفكر فيه من أنواع(1\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "172",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5895",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفواحش والحرام أو في خيالات وهمية لاحقيقة لها وإما في باطل أو فيما لا سبيل إلى إدراكه من أنواع ما طوى عنه علمه فيلقيه في تلك الخواطر التي لا يبلغ منها غاية ولا يقف منها على نهاية فيجعل ذلك مجال فكره ومسرح وهمه وجماع إصلاح ذلك أن تشغل فكرك في باب العلوم والتصورات بمعرفة ما يلزمك التوحيد وحقوقه وفي الموت وما بعده إلى الدخول إلى الجنة والنار وفي آفات الأعمال وطرق التحرز منها وفي باب الإرادات والعزوم أن تشغل نفسك بإرادة ما ينفعك إرادته وطرح إرادة ما يضرك إرادته وعند العارفين أن تمني الخيانة وإشغال الفكر والقلب بها أضر على القلب من نفس الخيانة ولا سيما إذا فرغ قلبه منها بعد مباشرتها فإن تمنيها يشغل القلب بها ويملؤه منها ويجعلها همه ومراده وأنت تجد في الشاهد أن الملك من البشر إذا كان في بعض حاشيته وخدمه من هو متمن لخيانته مشغول القلب والفكر بها ممتلىء منها وهو مع ذلك في خدمته وقضاء أشغاله فإذا اطلع على سره وقصد مقته غاية المقت وأبغضه وقابله بما يستحقه وكان أبغض إليه من رجل بعيد عنه جنى بعض الجنايات وقلبه وسره مع الملك غير منطو على تمني الخيانة ومحبتها والحرص عليها فالأول يتركها عجزا واشتغالا بما هو فيه وقلبه ممتلىء بها والثاني يفعلها وقلبه كاره لها ليس فيه إضمار الخيانة ولا الإصرار عليها فهذا أحسن حالا وأسلم عاقبة من الأول وبالجملة فالقلب لا يخلو من الفكر وأما في واجب آخرته ومصالحها وإما في مصالح دنياه ومعاشه وإما في الوساوس والأماني الباطلة والمقدرات المفروضة وقد تقدم أن النفس مثلها كمثل رحا تدور بما يلقى فيها فإن ألقيت فيها حبا دارت به وإن ألقيت فيها زجاجا وحصا وبعرا دارت به والله سبحانه هو قيم تلك الرحا ومالكها ومصرفها وقد أقام لها ملكا يلقي فيها ما ينفعها فتدور به شيطانا يلقي فيها ما يضرها فتدور به فالملك يلم بها مرة والشيطان يلم بها مرة فالحب الذي يقيه(1\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "173",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5896",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الملك إيعاد بالخير وتصديق بالوعد والحب الذي يلقيه الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالوعد والطحين على قدر الحب وصاحب الحب المضر لا يتمكن من إلقائه إلا إذا وجد الرحى فارغة من الحب النافع وقيمها قد أهملها وأعرض عنها فحينئذ يبادر إلى إلقاء ما معه فيها وبالجملة فقيم الرحا إذا تخلى عنها وعن إصلاحها وإلقاء الحب النافع فيها وجد العدو السبيل إلى إفسادها وإرادتها بما معه وأصل صلاح هذه الرحى بالاشتغال بما يعنيك وفسادها كله في الاشتغال بما لا يعنيك وما أحسن ما قال بعض العقلاء لما وجدت أنواع الذخائر منصوبة غرضا للمتألف ورأيت الزوال حاكما عليها مدركا لها انصرفت عن جميعها إلى ما لا ينازع فيه الحجا أنه أنفع الذخائر وأفضل المكاسب وأربح المتاجر والله المستعان قال شقيق بن إبراهيم أغلق باب التوفيق عن الخلق من ستة أشياء اشتغالهم بالنعمة عن شكرها ورغبتهم في العلم وتركهم العمل والمسارعة إلى الذنب وتأخير التوبة والاغترار بصحبة الصالحين وترك الاقتداء بفعالهم وإدبار الدنيا عنهم وهم يتبعونها وإقبال الآخرة عليهم وهم معرضون عنها قلت وأصل ذلك عدم الرغبة والرهبة وأصله ضعف اليقين وأصله ضعف البصيرة وأصله مهانة النفس ودناءتها واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير وإلا فلو كانت النفس شريفة كبيرة لم ترض بالدون فأصل الخير كله بتوفيق الله ومشيئته وشرف النفس ونبلها وكبرها وأصل الشر خستها ودناءتها وصغرها قال تعالى قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها أي أفلح من كبرها وكثرها ونماها بطاعة الله وخاب من صغرها وحقرها بمعاصي الله فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها وأفضلها وأحمدها عاقبة والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات وتقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار فالنفس الشريفة العلية لا ترضى بالظلم ولا بالفواحش ولا بالسرقة والخيانة لأنها أكبر من ذلك وأجل والنفس المهينة(1\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "174",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5897",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحقيرة والخسيسة بالضد من ذلك فكل نفس تميل إلى ما يناسبها ويشاكلها وهذا معنى قوله تعالى قل كل يعمل على شاكلته أي على ما يشاكله ويناسبه فهو يعمل على طريقته التي تناسب أخلاقه وطبيعته وكل إنسان يجري على طريقته ومذهبه وعادته التي ألفها وجبل عليها فالفاجر يعمل بما يشبه طريقته من مقابلة النعم بالمعاصي والإعراض عن النعم والمؤمن يعمل بما يشاكله من شكر النعم ومحبته والثناء عليه والتودد إليه والحياء منه والمراقبة له وتعظيمه وإجلاله فصل من لم يعرف نفسه كيف يعرف خالقه فاعلم أن الله تعالى خلق في صدرك بيتا وهو القلب ووضع في صدره عرشا لمعرفته يستوي عليه المثل الأعلى فهو مستو على عرشه بذاته بائن من خلقه والمثل الأعلى من معرفته ومحبته وتوحيده مستو على سرير القلب وعلى السرير بساط من الرضا ووضع عن يمينه وشماله مرافق شرائعه وأوامره وفتح إليه بابا من جنة رحمته والأنس به والشوق إلى لقائه وأمطره من وابل كلامه ما أنبت فيه أصناف الرياحين والأشجار المثمرة من أنواع الطاعات والتهليل والتسبيح والتحميد والتقديس وجعل في وسط البستان شجرة معرفة فهي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها من المحبة والإنابة والخشية والفرح به والابتهاج بقربه وأجرى إلى تلك الشجرة ما يسقيها من تدبير كلامه وفهمه والعمل بوصاياه وعلق في ذلك البيت قنديلا أسرجه بضياء معرفته والإيمان به وتوحيده فهو يستمد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ثم أحاط عليه حائطا يمنعه من دخول الآفات والمفسدين ومن يؤذي البستان فلا يلحقه إذا هم وأقام عليه حرسا من الملائكة يحفظونه في يقظته ومنامه ثم أعلم صاحب البيت والبستان بالساكن فيه فهو دائما همه إصلاح السكن ولم شعثه ليرضاه الساكن منزلا وإذا أحس بأدنى شعث في السكن(1\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "175",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5898",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بادر إلى إصلاحه ولمه خشية انتقال الساكن منه فنعم الساكن ونعم المسكن فسبحان الله رب العالمين كم بين هذا البيت وبيت قد استولى عليه الخراب وصار مأوى للحشرات والهوام ومحلا لإلقاء الأنتان والقاذورات فيه فمن أراد التخلي وقضاء الحاجة وجد خربة لا ساكن فيها ولا حافظ لها وهي معدة لقضاء الحاجة مظلمة الأرجاء منتنة الرائحة قد عمها الخراب وملأتها القاذورات فلا يأنس بها ولا ينزل فيها إلا من يناسبه سكناها من الحشرات والديدان والهوام الشيطان جالس على سريرها وعلى السرير بساط من الجهل وتخفق فيه الأهواء وعم يمينه وشماله مرافق الشهوات وقد فتح إليه باب من حقل الخذلان والوحشة والركون إلى الدنيا والطمأنينة بها والزهد في الآخرة وأمطر من وابل الجهل والهوى والشرك والبدع وما أنبت فيه أصناف الشوك والحنظل والأشجار المثمرة بأنواع المعاصي والمخالفات من الزوائد والتنديبات والنوادر والهزليات والمضحكات والأشعار الغزليات والخمريات التي تهيج على ارتكاب المحرمات وتزهد في الطاعات وجعل في وسط الحقل شجرة الجهل به والإعراض عنه فهي تؤتي أكلها كل حين من الفسوق والمعاصي واللهو واللعب والمجون والذهاب مع كل ريح واتباع كل شهوة ومن ثمرها العموم والغموم والأحزان والآلام ولكنها متوارية بإشغال النفس بلهوها ولعبها فإذا أفاقت من سكرها أحضرت كل هم وغم وحزن وقلق ومعيشة ضنك وأجرى إلى تلك الشجرة ما يسقيها من اتباع الهوى وطول الأمل والغرور ثم ترك ذلك البيت وظلماته وخراب حيطانه بحيث لا يمنع منه مفسد ولا حيوان ولا مؤذ ولا قذر فسبحان خالق هذا البيت وذلك البيت فمن عرف بيته وقدر الساكن فيه وقدر ما فيه من الكنوز والذخائر والآلات انتفع بحياته ونفسه ومن جهل ذلك جهل نفسه وأضاع سعادته وبالله التوفيق سأل سهل التستري الرجل يأكل في اليوم أكلة قال أكل الصديقين قيل له فأكلتين قال أكل المؤمنين قيل له فثلاث أكلات فقال قل لأهله يبنوا(1\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "176",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5899",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له معلفا قال الأسود بن سالم ركعتين أصليهما لله أحب إلي من الجنة بما فيها فقيل له هذا خطأ فقال دعونا من كلامكم الجنة رضى نفسي والركعتان رضى ربي ورضى ربي أحب إلي من رضى نفسي العارف في الأرض ريحانة من رياحين الجنة إذا شمها المريد اشتاقت نفسه إلى الجنة قلب المحب بين جلال محبوبه وجماله فإذا لاحظ جلاله هابه وعظمه وإذا لاحظ جماله أحبه واشتاق إليه  فائدة من الناس من يعرف الله بالجود والإفضال والإحسان ومنهم من يعرفه بالعفو والحلم والتجاوز ومنهم من يعرفه بالبطش والانتقام ومنهم من يعرفه بالعلم والحكمة ومنه من يعرفه بالعزة والكبرياء ومنهم من يعرفه بالرحمة والبر واللطف ومنهم من يعرفه بالقهر والملك ومنهم من يعرفه بإجابة دعوته وإغاثة لهفته وقضاء حاجته وأعم هؤلاء معرفة من عرفه من كلامه فإنه يعرف ربا قد اجتمعت له صفات الكمال ونعوت الجلال منزه عن المثال برئ من النقائص والعيوب له كل اسم حسن وكل وصف كمال فعال لما يريد فوق كل شيء ومع كل شيء وقادر على كل شيء ومقيم لكل شيء آمرناه متكلم بكلماته الدينية والكونية أكبر من كل شيء وأجمل من كل شيء أرحم الراحمين وأقدر القادرين وأحكم الحاكمين فالقرآن أنزل لتعريف عباده به وبصراطه الموصل إليه وبحال السالكين بعد الوصول إليه  فائدة من الآفات الخفية العامة أن يكون العبد في نعمة أنعم الله بها عليه واختارها له فيملها العبد ويطلب الانتقال منها إلى ما يزعم لجهله أنه خير له منها وربه برحمته لا يخرجه من تلك النعمة وبعذره بجهله وسوء اختياره لنفسه حتى إذا ضاق ذرعا(1\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "177",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5900",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بتلك النعمة وسخطها وتبرم بها واستحكم ملكه لها سلبه الله إياها فإذا انتقل إلى ما طلبه ورأى التفاوت بين ما كان فيه وما صار إليه اشتد قلقه وندمه وطلب العودة إلى ما كان فيه فإذا أراد الله بعبده خيرا ورشدا أشهده أن ما هو فيه نعمة من نعمه عليه ورضاه به وأوزعه شكره عليه فإذا حدثته نفسه بالانتقال عنه استخار ربه استخارة جاهل بمصلحته عاجز عنها مفوض إلى الله طالب منه حسن اختياره له وليس على العبد أضر من ملله لنعم الله فإنه لا يراها نعمة ولا يشكره عليها ولا يفرح بها بل يسخطها ويشكوها ويعدها مصيبة هذا وهي من أعظم نعم الله عليه فأكثر الناس أعداء نعم الله عليهم ولا يشعرون بفتح الله عليهم نعمه وهم مجتهدون في دفعها وردها جهلا وظلما فكم من سعت إلى أحدهم من نعمة وهو ساع في ردها بجهده وكم وصلت إليه وهو ساع في دفعها وزوالها بظلمه وجهله قال تعالى ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وقال تعالى إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم فليس للنعم أعدى من نفس العبد فهو مع عدوه ظهير على نفسه فعدوه يطرح النار في نعمه وهو ينفخ فيها فهو الذي مكنه من طرح النار ثم أعانه بالنفخ فإذا اشتد ضرامها استغاث من الحريق وكان غايته معاتبة الأقدار وعاجز الرأي مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا  فصل ومن أعز أنواع المعرفة معرفة الرب سبحانه بالجمال وهي معرفة خواص الخلق وكلهم عرفه بصفة من صفاته وأتمهم معرفة من عرفه بكماله وجلاله وجماله سبحانه ليس كمثله شيء في سائر صفاته ولو فرضت الخلق كلهم على أجملهم صورة وكلهم على تلك الصورة ونسبت جمالهم الظاهر والباطن إلى جمال الرب سبحانه لكان أقل من نسبة سراج ضعيف إلى قرص الشمس ويكفي في جماله أنه لو كشف الحجاب(1\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "178",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5901",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن وجهه لأحرقت سبحانه ما انتهى إليه بصره من خلقه ويكفي في جماله أن كل جمال ظاهر وباطن في الدنيا والآخرة فمن آثار صنعته فما الظن بمن صدر عنه هذا الجمال ويكفي في جماله أنه له العزة جميعا والقوة جميعا والجود كله والإحسان كله والعلم كله والفضل كله ولنور وجهه أشرقت الظلمات كما قال النبي في دعاء الطائف أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة وقال عبد الله بن مسعود ليس عند ربكم ليل ولا نهار نور السموات والأرض من نور وجهه فهو سبحانه نور السموات والأرض ويوم القيامة إذا جاء لفصل القضاء وتشرق الأرض بنوره ومن أسمائه الحسنى الجميل وفي الصحيح عنه إن الله جميل يحب الجمال وجماله سبحانه على أربع مراتب جمال الذات وجمال الصفات وجمال الأفعال وجمال الأسماء فأسماؤه كلها حسنى وصفاته كلها صفات كمال وأفعاله كلها حكمة ومصلحة وعدل ورحمة وأما جمال الذات وما هو عليه فأمر لا يدركه سواه ولا يعلمه غيره وليس عند المخلوقين منه إلا تعريفات تعرف بها إلى من أكرمه من عباده فإن ذلك الجمال مصون عن الأغيار محجوب بستر الرداء والإزار كما قال رسوله فيما يحكى عنه الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ولما كانت الكبرياء أعظم وأوسع كانت أحق باسم الرداء فإنه سبحانه الكبير المتعال فهو سبحانه العلي العظيم قال ابن عباس حجب الذات بالصفات وحجب الصفات بالأفعال فما ظنك بجمال حجب بأوصاف الكمال وستر بنعوت العظمة والجلال ومن هذا المعنى يفهم بعض معاني جمال ذاته فإن العبد يترقى من معرفة الأفعال إلى معرفة الصفات ومن معرفة الصفات إلى معرفة الذات فإذا شاهد شيئا من جمال الأفعال استدل به على جمال الصفات ثم استبدل بجمال الصفات على جمال الذات ومن ههنا يتبين أنه سبحانه له الحمد كله وأن أحدا من خلقه لا يحصي ثناء(1\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "179",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5902",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه بل هو كما أثنى على نفسه وأنه يستحق أن يعبد لذاته ويحب لذاته ويشكر لذاته وأنه سبحانه يحب نفسه ويثني على نفسه ويحمد نفسه وأن محبته لنفسه وحمده لنفسه وثناءه وعلى نفسه وتوحيده لنفسه هو في الحقيقة الحمد والثناء والحب والتوحيد فهو سبحانه كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني به عليه خلقه وهو سبحانه كما يحب كما يحب ذاته يحب صفاته وأفعاله فكل أفعاله حسن محبوب وإن كان في مفعولاته ما يبغضه ويكرهه فليس في أفعاله ما هو مكروه مسخوط وليس في الوجود ما يحب لذاته ويحمد لذاته إلا هو سبحانه وكل ما يحب سواه فإن كانت محبته نابعة لمحبته سبحانه بحيث يحب لأجله فمحبته صحيحة وإلا فهي محبة باطلة وهذا هو حقيقة الإلهية فإن الإله الحق هو الذي يحب لذاته ويحمد لذاته فكيف إذا انضاف إلى ذلك إحسانه وإنعامه وحلمه وتجاوزه وعفوه وبره ورحمته فعلى العبد أن يعلم أنه لا إله إلا الله فيحبه ويحمده لذاته وكماله وأن يعلم أنه لا محسن على الحقيقة بأصناف النعم الظاهرة والباطنة إلا هو فيحبه لإحسانه وإنعامه ويحمده على ذلك فيحبه من الوجهين جميعا وكما أنه ليس كمثله شيء فليس كمحبته محبة والمحبة مع الخضوع هي العبودية التي خلق الخلق لأجلها فإنها غاية الحب بغاية الذل ولا يصلح ذلك إلا له سبحانه والإشراك به في هذا هو الشرك الذي لا يغفره الله ولا يقبل لصاحبه عملا وحمده يتضمن أصلين الإخبار بمحامده وصفات كماله والمحبة له عليها فمن أخبر بمحاسن غيره من غير محبة له لم يكن حامدا ومن أحبه من غير إخبار بمحاسنه لم يكن حامدا حتى يجمع الأمرين وهو سبحانه يحمد نفسه بنفسه ويحمد نفسه بما يجريه على ألسنة الحامدين له من ملائكته وأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين فهو الحامد لنفسه بهذا وهذا فإن حمدهم له بمشيئته وإذنه وتكوينه فإنه هو الذي جعل الحامد حامدا والمسلم مسلما والمصلي مصليا والتائب تائبا فمنه ابتدأت النعم واليه انتهت فابتدأت بحمده وانتهت إلى حمده وهو الذي ألهم عبده التوبة وفرح(1\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "180",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5903",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بها أعظم فرح وهي من فضله وجوده وألهم عبده الطاعة وأعانه عليها ثم أثابه عليها وهي من فضله وجوده وهو سبحانه غني عن كل ما سواه بكل وجه وما سواه فقير إليه بكل وجه والعبد مفتقر إليه لذاته في الأسباب والغايات فإن مالا يكون به لا يكون وما لا يكون له لا ينفع  فصل وقوله في الحديث إن الله جميل يحب الجمال يتناول جمال الثياب المسؤول عنه في نفس الحديث ويدخل فيه بطريق العموم الجمال من كل شيء كما في الحديث الآخر إن الله نظيف يحب النظافة وفي الصحيح إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وفي السنن إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده وفيها عن أبي الأحوص الجشمي قال رآني النبي وعلي أطمار فقال هل لك من مال قلت نعم قال من أي المال قلت من كل ما أتى الله من الإبل والشاه قال فلتر نعمته وكرامته عليك فهو سبحانه يحب ظهور أثر نعمته على عبده فإنه من الجمال الذي يحبه وذلك من شكره على نعمه وهو جمال باطن فيحب أن يرى على عبده الجمال الظاهر بالنعمة والجمال الباطن بالشكر عليها ولمحبته سبحانه للجمال أنزل على عباده لباسا وزينة تجمل ظواهرهم وتقوى تجمل بواطنهم فقال يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خيرا وقال في أهل الجنة ولقاهم نظرة وسرورا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا فجمل وجوههم بالنظرة وبواطنهم بالسرور وأبدانهم بالحرير وهو سبحانه كما يحب الجمال في الأقوال والأفعال واللباس والهيأة يبغض القبيح من الأقوال والأفعال والثياب والهيأة فيبغض القبيح وأهله ويحب الجمال وأهله ولكن ضل في هذا الموضوع فريقان فريق قالوا كل ما خلقه جميل فهو يحب كل ما خلقه ونحن نحب جميع(1\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "181",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5904",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما خلقه فلا نبغض منه شيئا قالوا ومن رأى الكائنات منه رآها كلها جميلة وأنشد منشدهم وإذا رأيت الكائنات بعينهم ... فجميع ما يحوي الوجود مليح واحتجوا بقوله تعالى الذي أحسن كل شيء خلقه وقوله صنع الله الذي أتقن كل شيء وقوله ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت والعارف عندهم هو الذي يصرح بإطلاق الجمال ولا يرى في الوجود قبيحا وهؤلاء قد عدمت الغيرة لله من قلوبهم والبغض في الله والمعاداة فيه وإنكار المنكر والجهاد في سبيله وإقامة حدوده ويرى جمال الصور من الذكور والإناث من الجمال الذي يحبه الله فيتعبدون بفسقهم وربما غلا بعضهم حتى يزعم أن معبوده يظهر في تلك الصورة ويحل فيها وإن كان اتحاديا قال هي مظهر من مظاهر الحق ويسميها المظاهر الجمالية  فصل وقابلهم في الفريق الثاني فقالوا قد ذم الله سبحانه جمال الصور وتمام القامة والخلقة فقال عن النافقين وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وقال وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا أي أموالا ومناظر قال الحسن هو الصور وفي صحيح مسلم عنه إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم قالوا ومعلوم أنه لم ينف نظر الإدراك وإنما نفى نظر المحبة قالوا وقد حرم علينا لباس الحرير والذهب وآنية والذهب الفضة وذلك من أعظم جمال الدنيا وقال ولا تمدن عينك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه وفي الحديث البذاذة من الإيمان وقد ذم الله المسرفين والسرف كما يكون في الطعام والشراب يكون في اللباس وفصل النزاع أن يقال الجمال في الصورة واللباس والهيأة ثلاثة أنواع منه ما يحمد ومنه ما يذم ومنه مالا يتعلق به مدح ولا ذم فالمحمود منه ما كان(1\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "182",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5905",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لله وأعان على طاعة الله وتنفيذ أوامره والاستجابة له كما كان النبي يتجمل للوفود وهو نظير لباس آلة الحرب للقتال ولباس الحرير في الحرب والخيلاء فيه فإن ذلك محمود إذا تضمن إعلاء كلمة الله ونصر دينه وغيظ عدوه والمذموم منه ما كان للدنيا والرياسة والفخر والخيلاء والتوسل إلى الشهوات وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه فإن كثيرا من النفوس ليس لها همة في سوى ذلك وأما مالا يحمد ولا يذم هو ما خلا عن هذين القصدين وتجرد عن الوصفين والمقصود أن هذا الحديث الشريف مشتمل على أصلين عظيمين فأوله معرفة وآخره سلوك فيعرف الله سبحانه بالجمال الذي لا يماثله فيه شيء ويعبد بالجمال الذي يحبه من الأقوال والأعمال والأخلاق فيحب من عبده أن يجمل لسانه بالصدق وقلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكل وجوارحه بالطاعة وبدنه بإظهار نعمه عليه في لباسه وتطهيره له من الأنجاس والأحداث والأوساخ والشعور والمكروهة والختان وتقليم الأظفار فيعرفه بصفات بالجمال ويتعرف إليه بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه فجمع الحديث قاعدتين المعرفة والسلوك  فصل ليس للعبد شيء أنفع من صدقه ربه في جميع أموره مع صدق العزيمة فيصدقه في عزمه وفي فعله قال تعالى فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم فسعادته في صدق العزيمة وصدق الفعل فصدق العزيمة جمعها وجزمها وعدم التردد فيها بل تكون عزيمة لا يشوبها تردد ولا تلوم فإذا صدقت عزيمته بقي عليه صدق الفعل وهو استفراغ الوسع وبذل الجهد فيه وأن لا يتخلف عنه بشيء من ظاهره وباطنه فعزيمة القصد تمنعه من ضعف الإرادة والهمة وصدق الفعل يمنعه من الكسل والفتور ومن صدق الله في جميع أموره صنع الله له فوق ما يصنع لغيره(1\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "183",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5906",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا الصدق معنى يلتئم من صحة الإخلاص وصدق التوكل فأصدق الناس من صح إخلاصه وتوكله  فائدة جليلة في القدر رب ذو إرادة أمر عبدا ذا إرادة فان وفقه وأراد من نفسه أن يعينه ويلهمه فعل ما أمر به وإن خذله وخلاه وإرادته ونفسه وهو من هذه الحثيثة لا يختار إلا ما تهواه نفسه وطبعه فهو من حيث هو إنسان لا يريد إلا ذلك ولذلك ذمه الله في كتابه من هذه الحثيثة ولم يمدحه إلا بأمر زائد على تلك الحثيثة وهو كونه مسلما ومؤمنا وصابرا ومحسنا وشكورا وتقيا وبرا ونحو ذلك وهذا أمر زائد على مجرد كونه إنسانا وإرادته صالحة ولكن لا يكفي مجرد صلاحيتها إن لم تؤيد بقدر زائد على ذلك وهو التوفيق كما أنه لا يكفي في الرؤية مجرد صلاحية العين للإدراك إن لم يحصل سبب آخر من النور المنفصل عنها  فصل من أعظم الظلم والجهل أن تطلب التعظيم والتوقير من الناس وقلبك خال من تعظيم الله وتوقيره فانك توقر المخلوق وتجله أن يراك في حال لا توقر الله أن يراك عليها قال تعالى ما لكم لا ترجون لله وقارا أي لا تعاملونه معاملة من توقرونه والتوقير والعظمة ومنه قوله تعالى وتوقروه قال الحسن ما لكم لا تعرفون لله حقا ولا تشكرونه وقال مجاهد لا تبالون عظمة ربكم وقال ابن زيد لا ترون لله طاعة وقال ابن عباس لا تعرفون حق عظمته وهذه الأقوال ترجع إلى معنى واحد وهو أنهم لو عظموا الله وعرفوا حق عظمته وحدوه وأطاعوه وشكروه فطاعته سبحانه اجتناب معاصيه والحياء منه بحسب وقاره(1\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "184",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5907",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في القلب ولهذا قال بعض السلف ليعظم وقار الله في قلب أحدكم أن يذكره عند ما يستحي من ذكره فيقرن اسمه به كما تقول قبح الله الكلب والخنزير والنتن ونحو ذلك فهذا من وقار الله ومن وقاره أن لا تعدل به شيئا من خلقه لا في اللفظ بحيث تقول والله وحياتك مالي إلا الله وأنت وما شاء الله وشئت ولا في الحب والتعظيم والإجلال ولا في الطاعة فتطيع المخلوق في أمره ونهيه كما تطيع الله بل أعظم كما عليه أكثر الظلمة والفجرة ولا في الخوف والرجاء ويجعله أهون الناظرين إليه ولا يستهين بحقه ويقول هو مبني على المسامحة ولا يجعله على الفضلة ويقدم حق المخلوق عليه ولا يكون الله ورسوله في حد وناحية والناس في ناحية وحد فيكون في الحد والشق الذي فيه الناس دون الحد والشق الذي فيه الله ورسوله ولا يعطي الخلوق في مخاطبته قلبه ولبه ويعطي الله في خدمته بدنه ولسانه دون قلبه وروحه ولا يجعل مراد نفسه مقدما على مراد ربه فهذا كله من عدم وقار الله في القلب ومن كان كذلك فإن الله لا يلقي له في قلوب الناس وقارا ولا هيبة بل يسقط وقاره وهيبته في قلوبهم وإن وقروه مخافة شره فذاك وقار بغض لا وقار حب وتعظيم ومن وقار الله أن يستحي من اطلاعه على سره وضميره فيرى فيه ما يكره ومن وقاره أن يستحي منه في الخلوة أعظم مما يستحي من أكابر الناس والمقصود أن من لا يوقر الله وكلامه وما آتاه من العلم والحكمة كيف يطلب من الناس توقيره وتعظيمه القرآن والعلم وكلام الرسول صلات من الحق وتنبيهات وروادع وزواجر واردة إليك والشيب زاجر ورادع وموقظ قائم بك فلا ما ورد إليك وعظك ولا ما قام بك نصحك ومع هذا تطلب التوقير والتعظيم من غيرك فأنت كمصاب لم تؤثر فيه مصيبة وعظا وانزجارا وهو يطلب من غيره أن يتعظ وينزجر بالنظر إلى مصابه فالضرب لم يؤثر فيه زجرا وهو يريد الانزجار ممن نظر إلى ضربه من سمع بالمثلات والعقوبات(1\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "185",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5908",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والآيات في حق غيره وليس الله كمن رآها عيانا في غيره فكيف بمن وجدها في نفسه سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم فآياته في الآفاق مسموعة معلومة وآياته في النفس مشهودة مرئية فعياذا بالله من الخذلان قال تعالى إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم وقال ولو أننا أنزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله والعاقل المؤيد بالتوفيق يعتبر بدون هذا ويتم نقائص خلقته بفضائل أخلاقه وأعماله فكلما امتحى من جثمانه أثر زاد إيمانه وكلما نقص من قوى بدنه زاد في قوة إيمانه ويقينه ورغبته في الله والدار الآخرة وإن لم يكن هكذا فالموت خير له لأنه يقف به على حد معين من الألم والفساد بخلاف العيوب والنقائص مع طول العمر فإنها زيادة في ألمه وهمه وغمه وحسرته وإنما حسن طول العمر ونفع ليحصل التذكر والاستدراك واغتنام الغرض والتوبة النصوح كما قال تعالى أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر فمن لم يورثه التعمير وطول البقاء إصلاح معائبه وتدارك فارطه واغتنام بقية أنفاسه فيعمل على حياة قلبه وحصول النعيم المقيم وإلا فلا خير له في حياته فإن العبد على جناح سفر إما إلى الجنة وإما إلى النار فإذا طال عمره وحسن عمله كان طول سفره زيادة له في حصول النعيم واللذة فإنه كلما طال السفر أيها كانت الصبابة أجل وأفضل وإذا طال عمره وساء عمله كان طول سفره زيادة في ألمه وعذابه ونزولا له إلى أسفل فالمسافر إما صاعد وإما نازل وفي الحديث المرفوع خيركم من طال عمره وحسن عمله وشركم من طال عمره وقبيح عمله فالطالب الصادق في طلبه كما خرب شيء من ذاته جعله عمارة لقلبه وروحه وكلما نقص شيء من دنياه جعله زيادة في آخرته وكلما منع شيئا من لذات دنياه جعله زيادة في لذات آخرته وكلما ناله هم أو حزن أو غم جعله في أفراح آخرته(1\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "186",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5909",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فنقصان بدنه ودنياه ولذته وجاهه ورئاسته إن زاد في حصول ذلك وتوفيره عليه في معاده كان رحمة به وخيرا له وإلا كان حرمانا وعقوبة على ذنوب ظاهرة أو باطنة أو ترك واجب ظاهر أو باطن فإن حرمان خير الدنيا والآخرة مرتب على هذه الأربعة وبالله التوفيق فائدة الناس منذ خلقوا لم يزالوا مسافرين وليس لهم حط عن رحالهم إلا في الجنة أو النار والعاقل يعلم أن السفر مبني على المشقة وركوب الأخطار ومن المحال عادة أن يطلب فيه نعيم ولذة وراحة إنما ذلك بعد انتهاء السفر ومن المعلوم أن كل وطأة قدم أو كل آن من آنات السفر غير واقفة ولا المكلف واقف وقد ثبت أنه مسافر على الحال التي يجب أن يكون المسافر عليها من تهيئة الزاد الموصل وإذا نزل أو نام أو استراح فعلى قدم الاستعداد للسير  فائدة عند العارفين أن الاشتغال بالمشاهدة عن البر في السير في السر وقوف لأنه في زمن المشاهدة لو كان صاحب عمل ظاهر أو باطن أو ازدياد من معرفة وإيمان مفصل كان أولى به فإن اللطيفة الإنسانية تحشر على صورة عملها ومعرفتها وهمتها وإرادتها والبدن يحشر على صورة عمله الحسن أو القبيح وإذا انتقلت من هذه الدار شاهدت حقيقة ذلك وعلى قدر قرب قلبك من الله تبعد من الأنس بالناس ومساكنتهم وعلى قدر صيانتك لسرك وإرادتك يكون حفظه وملاك ذلك صحة التوحيد ثم صحة العلم بالطريق ثم صحة الإرادة ثم صحة العمل والحذر(1\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "187",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5910",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كل الحذر من قصد الناس لك وإقبالهم عليك وأن يعثروا على موضع غرضك فإنها الآفة العظمى  فائدة كل ذي لب يعلم أنه لا طريق للشيطان عليه إلا من ثلاث جهات أحدها التزيد والإسراف فيزيد على قدر الحاجة فتصير فضلة وهي حظ الشيطان ومدخله إلى القلب وطريق الاحتراز من إعطاء النفس تمام مطلوبها من غذاء أو نوم أو لذة أو راحة فمتى أغلقت هذا الباب حصل الأمان من دخول العدو منه الثانية الغفلة فإن الذاكر في حصن الذكر فمتى غفل فتح باب الحصن فولجه العدو فيعسر عليه أو يصعب إخراجه الثالثة تكلف مالا يعنيه من جميع الأشياء  فائدة طالب النفوذ إلى الله والدار الآخرة بل وإلى كل علم وصناعة ورئاسة بحيث يكون رأسا في ذلك مقتدى به فيه يحتاج أن يكون شجاعا مقداما حاكما على وهمه غير مقهور تحت سلطان تخيله زاهدا في كل ما سوى مطلوبه عاشقا لما توجه إليه عارفا بطريق الوصول إليه والطرق القواطع عنه مقدام الهمة ثابت الجأش لا يثنيه عن مطلوبه لوم لأثم ولا عذل عاذل كثير السكون دائم الفكر غير مائل مع لذة المدح ولا ألم الذم قائما بما يحتاج إليه من أسباب معونته لا تستفزه المعارضات شعاره الصبر وراحته التعب محبا لمكارم الأخلاق حافظا لوقته لا يخالط الناس إلا على حذر كالطائر الذي يلتقط الحب بينهم قائما على نفسه بالرغبة والرهبة طامعا في نتائج الاختصاص على بني جنسه غير مرسل شيئا من حواسه عبثا ولا مسرحا(1\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "188",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5911",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خواطره في مراتب الكون وملاك ذلك هجر العوائد وقطع العلائق الحائلة بينك وبين المطلوب وعند العوام أن لزوم الأدب مع الحجاب خير من إطراح الأدب مع الكشف  فائدة من الذاكرين من يبتديء بذكر اللسان وإن كان على غفلة ثم لا يزال فيه حتى يحضر قلبه فيتواطئا على الذكر ومنهم من لا يرى ذلك ولا يبتدىء على غفلة بل يسكن حتى يحضر قلبه فيشرع في الذكر بقلبه فإذا قوي استتبع لسانه فتواطئا جميعا فالأول ينتقل الذكر من لسانه إلى قلبه والثاني ينتقل من قلبه إلى لسانه من غير أن يخلو قلبه منه بل يسكن أولا حتى يحس بظهور الناطق فيه فإذا أحس بذلك نطق قلبه ثم انتقل النطق القلبي إلى الذكر اللساني ثم يستغرق في ذلك حتى يجد كل شيء منه ذاكرا وأفضل الذكر وأنفعه ما واطأ فيه القلب اللسان وكان من الأذكار النبوية وشهد الذاكر معانيه ومقاصده  فصل أنفع الناس لك رجل مكنك من نفسه حتى تزرع فيه خيرا أو تصنع إليه معروفا فإنه نعم العون لك على منفعتك وكمالك فانتفاعك به في الحقيقة مثل انتفاعه بك أو أكثر وأضر الناس عليك من مكن نفسه منك حتى تعصي الله فيه فإنه عون لك على مضرتك ونقصك  فصل اللذة المحرمة ممزوجة بالقبح حال تناولها مثمرة للألم بعد انقضائها فإذا اشتدت الداعية منك إليها ففكر في انقطاعها وبقاء قبحها وألمها ثم وازن بين الأمرين(1\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "189",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5912",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وانظر ما بينهما من التفاوت والتعب بالطاعة ممزوج بالحسن مثمر للذة والراحة فإذا ثقلت على النفس ففكر في انقطاع تعبها وبقاء حسنها ولذتها وسرورها ووازن بين الأمرين وآثر الراجح على المرجوح فإن تألمت بالسبب فانظر إلى ما في المسبب من الفرحة والسرور واللذة يهن عليك مقاساته وإن تألمت بترك اللذة المحرمة فانظر إلى الألم الذي يعقبه ووازن بين الألمين وخاصية العقل تحصيل أعظم المنفعتين بتفويت أدناهما واحتمال أصغر الألمين لدفع أعلاهما وهذا يحتاج إلى علم بالأسباب ومقتضياتها وإلى عقل يختار به الأولى وإلا نفع به له منها فمن وفر قسمه من العقل والعلم واختار الأفضل وآثره ومن نقص حظه منهما أو من أحدهما اختار خلافه ومن فكر في الدنيا والآخرة علم أنه لا ينال واحدا منهما إلا بمشقة فليتحمل المشقة لخيرهما وأبقاهما  فصل لله على العبد في كل عضو من أعضائه أمر وله عليه فيه نهي وله فيه نعمة وله به منفعة ولذة فإن قام لله في ذلك العضو بأمره واجتنب فيه نهيه فقد أدى شكر نعمته عليه فيه وسعى في تكميل انتفاعه ولذته به وإن عطل أمر الله ونهيه فيه عطله الله من انتفاعه بذلك العضو وجعله من أكبر أسباب ألمه ومضرته وله عليه في كل وقت من أوقاته عبودية تقدمه إليه تقربه منه فإن شغل وقته بعبودية الوقت تقدم إلى ربه وإن شغله بهوى أرواحه وبطالة تأخر فالعبد لا يزال في التقدم أو تأخر ولا وقوف في الطريق البتة قال تعالى لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر  فصل أقام الله سبحانه هذا الخلق بين الأمر والنهي والعطاء والمنع فافترقوا فرقتين فرقة قابلت أمره بالترك ونهيه بالارتكاب وعطاءه بالغفلة عن الشكر ومنعه(1\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "190",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5913",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالسخط وهؤلاء أعداؤه وفيهم من العداوة بحسب ما فيهم من ذلك وقسم قالوا إنما نحن عبيدك فإن أمرتنا سارعنا إلى الإجابة وإن نهيتنا أمسكنا نفوسنا وكففناها عما نهيتنا عنه وإن أعطيتنا حمدناك وشكرناك وان منعتنا تضر إليك وذكرناك فليس بين هؤلاء وبين الجنة إلا ستر الحياة الدنيا فإذا مزقه عليهم الموت صاروا إلى النعيم المقيم وقرة الأعين كما أن أولئك ليس بينهم وبين النار إلا ستر الحياة فإذا مزقه الموت صاروا إلى الحسرة والألم فإذا تصادمت جيوش الدنيا والآخرة في قلبك وأردت أن تعلم من أي الفريقين أنت فانظر مع من تميل منهما ومع من تقاتل إذ لا يمكنك الوقوف بين الجيشين فأنت مع أحدهما لا محالة فالفريق الأول استغشوا الهوى فخالفوه واستنصحوا العقل فشاوروه وفرغوا قلوبهم للفكر فيما خلقوا له وجوارحهم للعمل بما أمروا به وأوقاتهم لعمارتها بما يعمر منازلهم في الآخرة واستظهروا على سرعة الأجل بالمبادرة إلى الأعمال وسكنوا الدنيا وقلوبهم مسافرة عنها واستوطنوا الآخرة قبل انتقالهم إليها واهتموا بالله وطاعنه على قدر حاجتهم إليها وتزودوا للآخرة على قدر مقامهم فيها فعجل لهم سبحانه من نعيم الجنة وروحها أن آنسهم بنفسه وأقبل بقلوبهم إليه وجمعها على محبته وشوقهم إلى لقائه ونعمهم بقربه وفرغ قلوبهم مما ملأ قلوب غيرهم من محبة الدنيا والهم والحزن على فوتها والغم من خوف ذهابها فاستلانوا ما استوعره المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون صحبوا الدنيا بأبدانهم والملأ الأعلى بأرواحهم  فصل التوحيد أصلف شيء وأنزهه وأنظفه وأصفاه فأدنى شيء يخدشه ويدنسه ويؤثر فيه فهو كأبيض ثوب يكون يؤثر فيه أدنى أثر وكالمرآة الصافية جدا أدنى شيء يؤثر فيها ولهذا تشوشه اللحظة واللفظة والشهوة الخفية فإن بادر صاحبه(1\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "191",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5914",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقلع ذلك الأثر بضده وإلا استحكم وصار طبعا يتعسر عليه قلعه وهذه الآثار والطبوع التي تحصل فيه منها ما يكون سريع الحصول سريع الزوال ومنها ما يكون سريع الحصول بطيء الزوال ومنها ما يكون بطيء الحصول سريع الزوال ومنها ما يكون بطيء الحصول بطيء الزوال ولكن من الناس من يكون توحيده كبيرا عظيما ينغمر فيه كثير من تلك الآثار ويستحيل فيه بمنزلة الماء الكثير الذي يخالطه أدنى نجاسة أو وسخ فيغتر به صاحب التوحيد الذي هو دونه فيخلط توحيده الضعيف بما خلط به صاحب التوحيد العظيم الكثير توحيده فيظهر تأثيره فيه ما لم يظهر في التوحيد الكثير وأيضا فان المحل الصافي جدا يظهر لصاحبه مما يدنسه مالا يظهر في المحل الذي لم يبلغ في الصفاء مبلغه فيتداركه بالإزالة دون هذا فإنه لا يشعر به وأيضا فإن قوة الإيمان والتوحيد إذا كانت قوية جدا أحالت المواد الرديئة وقهرتها بخلاف القوة الضعيفة وأيضا فإن صاحب المحاسن الكثيرة والغامرة للسيئات ليسامح بما لا يسامح به من أتى مثل تلك السيئات وليست له مثل تلك المحاسن كما قيل وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع وأيضا فإن صدق الطلب وقوة الإرادة وكمال الانقياد يحيل تلك العوارض والغواشي الغريبة إلى مقتضاه وموجبه كما أن الكذب وفساد القصد وضعف الانقياد يحيل الأقوال والأفعال الممدوحة إلى مقتضاه وموجبه كما يشاهد ذلك في الأخلاط الغالبة وإحالتها لصالح الأغذية إلى طبعها  فائدة ترك الشهوات لله وإن أنجى من عذاب الله وأوجب الفوز برحمته فذخائر الله وكنوز البر ولذة الأنس والشوق إليه والفرح والابتهاج به لا يحصل في قلب فيه غيره وإن كان من أهل العبادة والزهد والعلم فإن سبحانه أبى أن يجعل(1\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "192",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5915",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذخائره في قلب فيه سواه وهمته ومتعلقة بغيره وإنما يودع ذخائره في قلب يرى الفقر غنى مع الله والغنى فقرا دون الله والعز ذلا دونه والذل عزا ومعه والنعيم عذابا دونه والعذاب نعيما معه وبالجملة فلا يرى الحياة إلا به ومع الموت والألم والهم والغم والحزن إذا لم يكن معه فهذا له جنتان جنة في الدنيا معجلة وجنة يوم القيامة  فائدة الإنابة هي عكوف القلب على الله عز وجل كاعتكاف البدن في المسجد لا يفارقه وحقيقة ذلك عكوف القلب على محبته وذكره بالإجلال والتعظيم وعكوف الجوارح على طاعته بالإخلاص له والمتابعة لرسوله ومن لم يعكف قلبه على الله وحده عكف على التماثيل المتنوعة كما قال إمام الخنفاء لقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون فاقتسم هو وقومه حقيقة العكوف فكان حظ قومه العكوف على التماثيل وكان حظه العكوف على الرب الجليل والتماثيل جمع تمثال وهو الصور الممثلة فتعلق القلب بغير الله واشتغاله به والركون إليه عكوف منه على التماثيل التي قامت بقلبه وهو نظير العكوف على تماثيل الأصنام ولهذا كان شرك عباد الأصنام بالعكوف بقلوبهم وهممهم وإرادتهم على تماثيلهم فإذا كان في القلب تماثيل قد ملكته واستعبدته بحيث يكون عاكفا عليها فهو نظير عكوف الأصنام عليها ولهذا سماه النبي عبدا لها ودعا عليه بالتعس والنكس فقال تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش الناس في هذه الدار على جناح سفر كلهم وكل مسافر فهو ظاعن إلى مقصده ونازل على من يسر بالنزول عليه وطالب الله والدار الآخرة إنما هو ظاعن إلى الله في حال سفره ونازل عليه عند القدوم عليه فهذه همته في سفره وفي(1\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "193",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5916",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "انقضائه يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي وقالت امرأة فرعون رب ابن لي عندك بيتا في الجنة فطلبت كون البيت عنده قبل طلبها أن يكون في الجنة فإن الجار قبل الدار من كلام الشيخ على قيل لي في نوم كاليقظة أو يقظة كالنوم لا تبد فاقة إلى غيري فأضاعفها عليك مكافأة لخروجك عن حدك في عبوديتك ابتليتك بالفقر لتصير ذهبا خالصا فلا تزيفن بعد السبك حكمت بالفقر ولنفسي بالغنى فإن وصلتها بي وصلتك بالغنى وإن وصلتها بغيري حسمت عنك مواد معونتي طردا لك عن بابي لا تركن إلى شيء دوننا فانه وبال عليك وقاتل لك إن ركنت إلى العمل رددناه عليك وإن ركنت إلى المعرفة نكرناها عليك وإن ركنت إلى الوجد استدرجناك فيه وإن ركنت إلى العلم أو قفناك معه وإن ركنت إلى المخلوقين وكلناك إليهم أرضنا لك ربا نرضاك لنا عبدا  فائدة الشهقة التي تعرض عند سماع القرآن أو غيره لها أسباب أحدها يلوح له عند سماع درجة ليست له فيرتاح إليها فتحدث له الشهقة فهذه شهقة شوق وثانيها أن يلوح له ذنب ارتكبه فيشهق خوفا وحزنا على نفسه وهذه شهقة خشية وثالثها أن يلوح له نقص فيه لا يقدر على دفعه فيحدث له ذلك حزنا فيشهق شهقة حزن ورابعها أن يلوح له كمال محبوبه ويرى الطريق إليه مسدودة عنه فيحدث ذلك شهقة أسف وحزن وخامسها أن يكون قد توارى عنه محبوبه واشتغل بغيره فذكره السماع محبوبه فلاح له جماله ورأى الباب مفتوحا والطريق ظاهرة فشهق فرحا وسرورا بما لاح وبكل حال فسبب الشهقة قوة الوارد وضعف(1\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "194",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5917",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المحل عن الاحتمال والقوة أن يعمل ذلك الوارد عمله داخلا ولا يظهر عليه وذلك أقوى له وأدوم فإنه إذا أظهره ضعف أثره وأوشك انقطاعه هذا حكم الشهقة من الصادق فإن الشاهق إما صادق وإما سارق وإما منافق  قاعدة جليلة أصل الخير والشر من قبل التفكر فإن الفكر مبدأ الإرادة والطلب في الزهد والترك والحب والبغض وأنفع الفكر الفكر في مصالح المعاد وفي طرق اجتلابها وفي دفع مفاسد المعاد وفي طرق اجتنابها فهذه أربعة أفكار هي أجل الأفكار ويليها أربعة فكر في مصالح الدنيا وطرق تحصيلها وفكر في مفاسد الدنيا وطرق الاحتراز منها فعلى هذه الأقسام الثمانية دارت أفكار العقلاء ورأس القسم الأول الفكر في آلاء الله ونعمه وأمره ونهيه وطرق العلم به وبأسمائه وصفاته من كتابه وسنة نبيه وما ولاهما وهذا الفكر يثمر لصاحبه المحبة والمعرفة فإذا فكر في الآخرة وشرفها ودوامها وفي الدنيا وخستها وفنائها أثمر له ذلك الرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا وكلما فكر في قصر الأمل وضيق الوقت أورثه ذلك الجد والاجتهاد وبذل الوسع في اغتنام الوقت وهذه الأفكار تعلي همته وتحييها بعد موتها وسفولها وتجعله في واد والناس في واد وبإزاء هذه الأفكار الأفكار الرديئة التي تجول في قلوب أكثر هذا الخلق كالفكر فيما لم يكلف الفكر فيه ولا أعطى الإحاطة به من فضول العلم الذي لا ينفع كالفكر في كيفية ذات الرب وصفاته مما لا سبيل للعقول إلى إدراكه ومنها الفكر في الصناعات الدقيقة التي لا تنفع بل تضر كالفكر في الشطرنج والموسيقى وأنواع الأشكال والتصاوير ومنها الفكر في العلوم التي لو كانت صحيحة لم يعط الفكر فيها النفس كمالا ولا شرفا كالفكر في دقائق المنطق والعلم الرياضي والطبيعي وأكثر علوم الفلاسفة التي لو بلغ الإنسان غايتها لم يكمل بذلك ولم يزك نفسه ومنها الفكر في الشهوات(1\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "195",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5918",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واللذات وطرق تحصيلها وهذا وإن كان لنفس فيه لذة لكن لا عاقبة له ومضرته في عاقبة الدنيا قبل الآخرة أضعاف مسرته ومنها الفكر فيما لم يكن لو كان كيف كان يكون كالفكر فيما إذا صار ملكا أو وجد كنزا أو ملك ضيعة ماذا يصنع وكيف يتصرف ويأخذ ويعطي وينتقم ونحو ذلك من أفكار السفل ومنها الفكر في جزيئات أحوال الناس وما جراياتهم ومداخلهم ومخارجهم وتوابع ذلك من فكر النفوس المبطلة الفارغة من الله ورسوله والدار الآخرة ومنها الفكر في دقائق الحيل والمكر التي يتوصل بها إلى أغراضه وهواه مباحة كانت أو محرمة ومنها الفكر في أنواع الشعر وصروفه وأفانينه في المدح والهجاء والغزل والمراثي ونحوها فإنه يشغل الإنسان عن الفكر فيما فيه سعادته وحياته الدائمة ومنها الفكر في المقدرات الذهنية التي لا وجود لها في الخارج ولا بالناس حاجة إليها البتة وذلك موجود في كل علم حتى في علم الفقه والأصول والطب فكل هذه الأفكار مضرتها أرجح من منفعتها ويكتفي في مضرتها شغلها عن الفكر فيما هو أولى به وأعود عليه بالنفع عاجلا وآجلا  قاعدة الطلب لقاح الإيمان فإذا اجتمع الإيمان والطلب أثمر العمل الصالح وحسن الظن بالله لقاح الافتقار والاضطرار إليه فإذا اجتمعا أثمر إجابة الدعاء والخشية لقاح المحبة فإذا اجتمعا أثمر امتثال الأوامر واجتناب والنواهي والصبر لقاح اليقين فإذا اجتمعا أورثا الإمامة في الدين قال تعالى وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون وصحة الاقتداء بالرسول لقاح الإخلاص فإذا اجتمعا أثمر قبول العمل والاعتداد به والعمل لقاح العلم فإذا اجتمعا كان الفلاح والسعادة وإن انفرد أحدهما عن الآخر لم يفد شيئا والحلم لقاح العلم فإذا اجتمعا حصلت سيادة الدنيا والآخرة وحصل الانتفاع بعلم العالم وإن انفرد(1\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "196",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5919",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدهما عن صاحبه فات النفع والانتفاع والعزيمة لقاح البصيرة فإذا اجتمعا نال صاحبهما خير الدنيا والآخرة وبلغت به همته من العلياء كل مكان فتخلف الكمالات إما من عدم البصيرة وإما من عدم العزيمة وحسن القصد لقاح لصحة الذهن فإذا فقدا فقدا الخير كله وإذا اجتمعا أثمرا أنواع الخيرات وصحة الرأي لقاح الشجاعة فإذا اجتمعا كان النصر والظفر وإن قعدا فالخذلان والخيبة وإن وجد الرأي بلا شجاعة فالجبن والعجز وإن حصلت الشجاعة بلا رأي فالتهور والعطب والصبر لقاح البصيرة فإذا اجتمعا فالخير في اجتماعهما قال الحسن إذا شئت أن ترى بصير إلا صبر له رأيته وإذا شئت أن ترى صابرا إلا بصيرة له رأيته فإذا رأيت صابرا بصيرا فذاك والنصيحة لقاح العقل فكلما قويت النصيحة قوي العقل واستنار والتذكر والتفكر كل منهما لقاح الآخر إذا اجتمعا أنتجا الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والتقوى لقاح التوكل فإذا اجتمعا استقام القلب ولقاح أخذ أهبة الاستعداد للقاء قصر الأمل فإذا اجتمعا فالخير كله في اجتماعهما والشر في فرقتهما ولقاح الهمة العالية النية الصحيحة فإذا اجتمعا بلغ العبد غاية المراد  قاعدة للعبد بين يدي الله موقفان موقف بين يديه في الصلاة وموقف بين يديه يوم لقائه فمن قام بحق الموقف الأول هون عليه الموقف الآخر ومن استهان بهذا الموقف ولم يوفه حقه شدد عليه ذلك الموقف قال تعالى ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا  قاعدة اللذة من حيث هي مطلوبة للإنسان بل ولكل حي فلا تذم من جهة كونها لذة وإنما تذم ويكون تركها خيرا من نيلها وأنفع إذا تضمنت فوات لذة(1\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "197",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5920",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أعظم منها وأكمل أو أعقبت ألما حصوله أعظم من ألم فواتها فههنا يظهر الفرق بين العاقل الفطن والأحمق الجاهل ضمن عرف العقل بين فمتى علاف التفاوت بين اللذتين والألمين وأنه لا نسبة لأحدهما إلى الآخر هان عليه ترك أدنى اللذتين لتحصيل أعلاهما واحتمال أيسر الألمين لدفع أعلاهما وإذا تقررت هذه القاعدة فلذة الآخرة أعظم وأدوم ولذة الدنيا أصغر واقصر وكذلك ألم الآخرة وألم الدنيا والمعول في ذلك على الإيمان واليقين فإذا قوي اليقين وباشر القلب آثر الأعلى على الأدنى في جانب اللذة واحتمل الألم الأسهل على الأصعب والله المستعان  فائدة قوله تعالى وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين جمع في هذا الدعاء بين حقيقة التوحيد وإظهار الفقر والفاقة إلى ربه ووجود طعم المحبة في المتملق له والإقرار له بصفة الرحمة وأنه أرحم الراحمين والتوسل إليه بصفاته سبحانه وشدة حاجته وهو فقره ومتى وجد المبتلى هذا كشف عنه بلواه وقد جرب أنه من قالها سبع مرات ولا سيما مع هذه المعرفة كشف الله ضره  فائدة قوله تعالى عن يوسف نبيه أنه قال أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين جمعت هذه الدعوة الإقرار بالتوحيد والاستلام للرب وإظهار الافتقار إليه والبراءة من موالاة غيره سبحانه وكون الوفاة على الإسلام أجل غايات العبد وأن ذلك بيد الله لا بيد العبد والاعتراف بالمعاد وطلب مرافقة السعداء(1\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "198",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5921",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة قول الله تعالى وأن من شيء إلا عندنا خزائنه متضمن لكنز من الكنوز وهو أن يطلب كل شيء لا يطلب إلا ممن عنده خزائنه ومفاتيح تلك الخزائن بيديه وأن طلبه من غيره طلب ممن ليس عنده ولا يقدر عليه وقوله وأن إلى ربك المنتهى متضمن لكنز عظيم وهو أن كل مراد إن لم يرد لأجله ويتصل به وإلا فهو مضمحل منقطع فإنه ليس إليه المنتهى وليس المنتهى إلا إلى الذي انتهت إليه الأمور كلها فانتهت إلى خلقه ومشيئته وحكمته وعلمه فهو غاية كل مطلوب وكل محبوب لا يحب لأجله فمحبته عناء وعذاب وكل عمل لا يراد لأجله فهو ضائع وباطل وكل قلب لا يصل إليه فهو شقي محجوب عن سعادته وفلاحه فاجتمع ما يراد منه كله في قوله وإن من شيء إلا عندنا خزائنه واجتمع ما يراد له كله في قوله وأن إلى ربك المنتهى فليس وراءه سبحانه غاية تطلب وليس دونه غاية إليها المنتهى وتحت هذا سر عظيم من أسرار التوحيد وهو أن القلب لا يستقر ولا يطمئن ويسكن إلا بالوصول إليه وكل ما سواه مما يحب ويراد فمراد لغيره وليس المراد المحبوب لذاته إلا واحد إليه المنتهى ويستحيل أن يكون المنتهى إلى اثنين كما يستحيل أن يكون ابتداء المخلوقات من اثنين فمن كان انتهاء محبته ورغبته وإرادته وطاعته إلى غيره بطل عليه ذلك وزال عنه وفارقه أحوج ما كان إليه ومن كان انتهاء محبته ورغبته ورهبته وطلبه هو سبحانه ظفر بنعمه ولذته وبهجته وسعادته أبد الآباد العبد دائما متقلب بين أحكام الأوامر وأحكام النوازل فهو محتاج بل مضطر إلى العون عند الأوامر وإلى اللطف عند النوازل وعلى قدر قيامه بالأوامر يحصل له من اللطف عند النوازل فإن كمل القيام بالأوامر ظاهرا وباطنا ناله اللطف(1\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "199",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5922",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ظاهرا وباطنا وإن قام بصورها دون حقائقها وبواطنها ناله اللطف في الظاهر وقل نصيبه من اللطف في الباطن فإن قلت وما اللطف الباطن فهو ما يحصل للقلب عند النوازل من السكينة والطمأنينة وزوال القلق والاضطراب والجزع فيستخذى بين يدي سيده ذليلا له مستكينا ناظرا إليه بقلبه ساكنا إليه بروحه وسره قد شغله مشاهدة لطفه به عن شدة ما هو فيه من الألم وقد غيبه عن شهود ذلك معرفته بحسن اختياره له وأنه عبد محض يجري عليه سيده أحكامه رضي أو سخط فإن رضي نال الرضا وإن سخط فحظه السخط فهذا اللطف الباطن ثمرة تلك المعاملة الباطنة يزيد بزيادتها وينقص بنقصانها  فائدة جليلة لا يزال منقطعا عن الله حتى تتصل إرادته ومحبته بوجه الأعلى والمراد بهذا الاتصال أن تفضي المحبة إليه وتتعلق به وحده فلا يحجبها شيء دونه وأن تتصل المعرفة بأسمائه وصفاته وأفعاله فلا يطمس نورها ظلمة التعطيل كما لا يطمس نور المحبة ظلمة الشرك وأن يتصل ذكره به سبحانه فيزول بين الذاكر والمذكور حجاب الغفلة والتفاته في حال الذكر إلى غير مذكوره فحينئذ يتصل الذكر به ويتصل العمل بأوامره ونواهيه فيفعل الطاعة لا أنه أمر بها وأحبها ويترك المناهي لكونه نهى عنها وأبغضها فهذا معنى اتصال العمل بأمره ونهيه وحقيقة زوال العلل الباعثة على الفعل والترك من الأغراض والحظوظ العاجلة ويتصل التوكل والحب به بحيث يصير واثقا به سبحانه مطمئنا إليه راضيا بحسن تدبيره له غير متهم له في حال من الأحوال ويتصل فقره وفاقته به سبحانه دون سواه ويتصل خوفه ورجاؤه وفرحه وسروره وابتهاجه به وحده فلا يخاف غيره ولا يرجوه ولا يفرح به كل الفرح ولا يسر به غاية السرور وإن ناله بالمخلوق بعض الفرح والسرور فليس الفرح التام والسرور الكامل والابتهاج والنعيم وقرة العين وسكون(1\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "200",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5923",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القلب إلا به سبحانه وما سواه إن أعان على هذا المطلوب فرح به وسر به وإن حجب عنه فهو بالحزن به والوحشة منه واضطراب القلب بحصوله أحق منه بأن يفرح به فلا فرحة ولا سرور إلا به أو بما أوصل إليه وأعان على مرضاته وقد أخبر سبحانه أنه لا يحب الفرحين بالدنيا وزينتها وأمر بالفرح بفضله ورحمته وهو الإسلام والإيمان والقرآن كما فسره الصحابة والتابعون والمقصود أن من اتصلت له هذه الأمور بالله سبحانه فقد وصل وإلا فهو مقطوع عن ربه متصل بحظه ونفسه ملبس عليه في معرفته وإرادته وسلوكه  قاعدة جليلة قد فكرت في هذا الأمر فإذا أصله أن تعلم أن النعم كلها من الله وحده نعم الطاعات ونعم اللذات فترغب إليه أن يلهمك ويوزعك شكرها قال تعالى وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون وقال فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون وقال واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون وكما أن تلك النعم منه ومن ومجرد فضله فذكرها وشكرها لا ينال إلا بتوفيقه والذنوب من خذلانه وتخليه عن عبده وتخليته بينه وبين نفسه وإن لم يكشف ذلك عن عبده فلا سبيل له إلى كشفه عن نفسه فإذا هو مضطر إلى التضرع والابتهال إليه أن تدفع عنه أسبابها حتى لا تصدر منه وإذا وقعت بحكم المقادير ومقتضى البشرية فهو مضطر إلى التضرع والدعاء أن يدفع عنه موجباتها وعقوباتها فلا ينفك عن العبد عن ضرورته إلى هذه الأصول الثلاثة ولا فلاح له إلا بها الشكر وطلب العافية والتوبة النصوح ثم فكرت فإذا مدار ذلك على الرغبة والرهبة وليسا بيد العبد بل بيد مقلب القلوب ومصرفها كيف يشاء فإن وفق عبده أقبل بقلبه إليه وملأه رغبة ورهبة وإن خذله له تركه ونفسه ولم يأخذ بقلبه إليه ولم يسأله ذلك وما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن(1\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "201",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5924",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم فكرت هل للتوفيق والخذلان سبب أم هما بمجرد المشية لا سبب لهما فإذا سببهما أهلية المحل وعدمها فهو سبحانه خالق المحال متفاوتة في الاستعداد والقبول أعظم تفاوت فالجمادات لا تقبل ما يقبله الحيوان وكذلك النوعان كل منهما متفاوت في القبول فالحيوان الناطق يقبل ما لا يقبله البهيم وهو متفاوت في القبول أعظم تفاوت وكذلك الحيوان البهيم متفاوت في القبول لكن ليس بين النوع الواحد م ن التفاوت كما بين النوع الإنساني فإذا كان المحل قابلا للنعمة بحيث يعرفها ويعرف قدرها وخطرها ويشكر المنعم بها ويثني عليه بها ويعظمه عليها ويعلم أنها من محض الجود وعين المنة من غير أن يكون هو مستحقا لها ولا هي له ولا به وإنما هي لله وحده وبه وحده فوحده بنعمته إخلاصا وصرفها في محبته شكرا وشهدها من محض جوده منة وعرف قصوره وتقصيره في شكرها عجز أو ضعفا وتفريطا وعلم أنه إن أدامها عليه فذلك محض صدقته وفضله وإحسانه وإن سلبه إياها فهو أهل لذلك مستحق له وكلما زاده من نعمه ازداد زلالة وانكسارا وخضوعا بين يديه وقياما بشكره وخشيته له سبحانه أن يسلبه إياها لعدم توفيته شكرها كما سلب نعمته عمن لم يعرفها ولم يرعها حق رعايتها فإن لم يشكر نعمته وقابلها بضد ما يلق أن يقابل به سلبه إياها ولا بد قال تعالى وكذلك فتنا بعضهم ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين وهم الذين عرفوا قدر النعمة وقبلوها وأحبوها وأثنوا على المنعم بها وأحبوه وقاموا بشكره وقال تعالى وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالاته  فصل وسبب الخذلان عدم صلاحية المحل وأهليته وقبوله للنعمة بحيث لو وافته النعم لقال هذا لي وإنما أوتيته لأني أهله ومستحقه كما قال تعالى قال إنما أوتيته على علم عندي أي على علم علمه عندي أستحق به ذلك وأستوجبه وأستأهله قال(1\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "202",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5925",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفراء أي على فضل عندي إني كنت أهله ومستحقا له إذ أعطيته وقال مقاتل يقول على خير علمه الله عندي وذكر عبد الله بن الحارث بن نوفل سليمان بن داود فيما أوتي من الملك ثم قرأ قوله تعالى هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ولم يقل هذا من كرامتي ثم ذكر قارون وقوله إنما أوتيته على علم عندي يعني أن سليمان رأى ما أوتيته من فضل الله عليه ومنته وأنه ابتلى به شكره وقارون رأى ذلك من نفسه واستحقاقه وكذلك قوله سبحانه ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي أي أنا أهله وحقيق به فاختصاصي به كاختصاص المالك بملكه والمؤمن يري ذلك ملكا لربه وفضلا منه من به على عبده من غير استحقاق منه بل صدقة تصدق بها على عبده وله أن لا يتصدق بها فلو منعه إياها لم يكن قد منعه شيئا هو له يستحقه عليه فإذا لم يشهد ذلك رأي فيه أهلا ومستحقا فأعجبه نفسه وطغت بالنعمة وعلت بها واستطالت على غيرها فكان حظها منها الفرح والفخر كما قال تعالى ولئن أذقنا الأنسان منا رحمة ثم نزعتاها منه إنه ليؤس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور فذمه باليأس والكفر عند الامتحان بالبلاء وبالفرح والفخر عند الابتلاء بالنعماء واستبدل بحمد الله وشكره والثناء عليه إذ كشف عنه البلاء قوله ذهب السيئات عني لو أنه قال أذهب الله السيئات عني برحمته ومنه لما ذم على ذلك بل كان محمودا عليه ولكنه غفل عن المنعم بكشفها ونسب الذهاب إليها فرح وافتخر فإذا علم الله سبحانه هذا من قلب عبد فذلك من أعظم أسباب خذلانه وتخليه عنه فإن محله لا تناسبه النعمة المطلقة التامة كما قال تعالى إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون فأخبر سبحانه أن محلهم غير قابل لنعمته ومع عدم القبول ففيهم مانع آخر يمنع وصولها إليهم وهو توليهم وإعراضهم إذا عرفوها وتحققوها(1\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "203",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5926",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومما ينبغي أن يعلم أن أسباب الخذلان من بقاء النفس على ما خلقت عليه في الأصل وإهمالها وتخليتها فأسباب الخذلان منها وفيها وأسباب التوفيق من جعل الله سبحانه لها قابلة للنعمة فأسباب التوفيق منه ومن فضله وهو الخالق لهذه وهذه كما خلق أجزاء الأرض هذه قابلة للنبات وهذه غير قابلة له وخلق الشجر هذه تقبل الثمرة وهذه لا تقبلها وخلق النحلة قابلة لأن يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه والزنبور غير قابل لذلك وخلق الأرواح الطيبة قابلة لذكره وشكره وحجته وإجلاله وتعظيمه وتوحيده ونصيحة عباده وخلق الأرواح الخبيثة غير قابلة لذلك بل لضده وهو الحكيم العليم قال شيخ الإسلام بحر العلوم مفتي الفرق أبو العباس احمد بن تيمية رحمه الله  فصل قال الله تعالى الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون ووصينا الأنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعلمون والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين وقال الله تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل(1\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "204",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5927",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب وقال الله تعالى لما ذكر المرتد والمكره بقوله من كفر بالله من بعد إيمانه قال بعد ذلك ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم فالناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين إما أن يقول أحدهم آمنا وإما أن لا يقول آمنا بل يستمر على عمل السيئات فمن قال آمنا امتحنه الرب عز وجل وابتلاه وألبسه الابتلاء والاختبار ليبين الصادق من الكاذب ومن لم يقل آمنا فلا يحسب أنه يسبق الرب لتجربته فإن أحدا لن يعجز الله تعالى هذه سنته تعالى يرسل الرسل إلى الخلق فيكذبهم الناس ويؤذنهم قال تعالى وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الأنس والجن وقال تعالى كذلك ما أني الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون وقال تعالى ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ومن آمن بالرسل وأطاعهم عادوه وآذوه فابتلى بما يؤلمه وإن لم يؤمن بهم عوقب فحصل ما يؤلمه أعظم وأدوم فلا بد من حصول الألم لكل نفس سواء آمنت أم كفرت لكن المؤمن يحصل له الألم في بد من الدنيا ابتداء ثم تكون له العاقبة والآخرة والكافر تحصل له النعمة ابتداء ثم يصير في الألم سأل رجل الشافعي فقال يا أبا عبد الله أيما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلي فقال الشافعي لا يمكن حتى يبتلى فإن الله ابتلي نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فلما صبروا مكنهم فلا يظن أحد أنه يخلص من الألم البتة وهذا أصل عظيم فينبغي للعاقل أن يعرفه وهذا يحصل لكل أحد فإن الإنسان مدني بالطبع لا بد له من أن يعيش مع الناس والناس لهم إرادات وتصورات يطلبون منه أن يوافقهم عليها وإن لم يوافقوهم آذوه وعذبوه وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب تارة منهم وتارة من غيرهم ومن اختبر أحواله وأحوال الناس وجد من هذا شيئا كثيرا كقوم يريدون الفواحش والظلم(1\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "205",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5928",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولهم أقوال باطلة في الدين أو شرك فهم مرتكبون بعض ما ذكره الله من المحرمات في قوله تعالى قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والأثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون وهم في مكان مشترك كدار جامعة أو خان أو قيسرية أو مدرسة أو رباط أو قرية أو درب أو مدينة فيها غيرهم وهم لا يتمكنون مما لا يريدون إلا بموافقة ألئك أو بسكوتهم عن الإنكار عليهم فيطلبون من أولئك الموافقة أو السكوت فإن وافقوهم أو سكتوا سلموا من شرهم في الابتلاء ثم قد يتسلطون هم أنفسهم على أولئك يهينونهم ويعاقبونهم أضعاف ما كما أولئك يخافونه ابتداء كمن يطلب منه شهادة الزور أو الكلام في الدين بالباطل إما في الخبر وإما في الأمر أو المعاونة على الفاحشة والظلم فإن لم يجبهم آذوه وعادوه وإن أجابهم فهم أنفسهم يتسلطون عليه فيهينونه ويؤذونه أضعاف ما كان يخافه وإلا عذب بغيرهم فالواجب ما في حديث عائشة الذي بعثت به إلى معاوية ويروى موقوفا ومرفوعا من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس وفي لفظ رضي الله عنه وأرضى عنه الناس ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئا وفي لفظ عاد حامده من الناس ذاما وهذا يجري فيمن يعين الملوك والرؤساء على أغراضهم الفاسدة وفيمن يعين أهل البدع المنتسبين إلى العلم والدين على بدعهم فمن هداه الله وأرشده امتنع من فعل المحرم وصبر على أذاهم وعداوتهم ثم تكون العاقبة في الدنيا والآخرة كما جرى للرسل وأتباعهم مع من آذاهم وعاداهم مثل المهاجرين في هذه الأمة ومن ابتلي من علمائها وعبادها وتجارها وولاتها وقد يجوز في بعض الأمور إظهار الموافقة وإبطان المخالفة كالمكره على الكفر كما هو مبسوط في غير هذا الموضع إذ المقصود هنا أنه لا بد من الابتلاء بما يؤذي الناس فلا خلاص لأحد مما يؤذيه البتة ولهذا ذكر الله تعالى في غير موضع(1\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "206",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5929",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنه لا بد أن يبتلي الناس والابتلاء يكون بالسراء والضراء ولا بد أن يبتلى الإنسان بما يسره وبما يسوؤه فهو محتاج إلى أن يكون صابرا شكورا قال تعالى إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وقال تعالى وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون وقال تعالى فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى وقال تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين هذا في آل عمران وقد قال قبل ذلك في البقرة نزل أكثرها قبل آل عمران أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب وذلك أن النفس لا تزكو وتصلح حتى تمحص بالبلاء كالذهب الذي لا يخلص جيده من رديئه حتى يفتن في كبر الامتحان إذ كانت النفس جاهلة ظالمة وهي منشأ كل شر يحصل للعبد فلا يحصل له شر إلا منها قال تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وقال تعالى أو لما أصابتكم مصيبة من مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم وقال وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيدكم ويعفو عن كثير وقال تعالى ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ومالهم من دونه من وال وقد ذكر عقوبات الأمم من آدم إلى آخر وقت وفي كل ذلك يقول إنهم ظلموا أنفسهم فهم الظالمون لا المظلومون وأول من اعترف بذلك أبواهم قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين وقال لإبليس لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين وإبليس إنما اتبعه الغواة منهم كما قال فبما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين وقال تعالى إن عبادي(1\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "207",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5930",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين والغي اتباع هوى النفس وما زال السلف معترفون بذلك كقول أبي بكر وعمر وابن مسعود أقول فيها برأبي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه وفي الحديث الإلهي حديث أبي ذر الذي يرويه الرسول عن ربه عز وجل يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه وفي الحديث الصحيح حديث سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت وأبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من يومه دخل الجنة ومن قالها إذا أمسى موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة وفي حديث أبي بكر الصديق من طريق أبي هريرة وعبد الله بن عمرو أن رسول الله علمه ما يقوله إذا أصبح وإذا أمسى وإذا أخذ مضجعه اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا اله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه وان أقترف على نفسي سوأ أو أجرة إلى مسلم قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك وكان النبي يقول في خطبته الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا وقد قال النبي إني آخذ بحجركم عن النار وأنتم تهافتون تهافت الفراش شبههم بالفراش لجهله وخفة حركته وهي صغيرة النفس فإنها جاهلة سريعة الحركة وفي الحديث مثل القلب مثل ريشة ملقاة بأرض فلاة وفي حديث آخر للقلب أشد تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا ومعلوم سرعة حركة الريشة والقدر مع الجهل ولهذا يقال لمن أطاع من يغويه أنه استخفه قال عن فرعون إنه استخف قومه فأطاعوه وقال تعالى فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون(1\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "208",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5931",
        "book_id": "qym_4068",
        "book_name": " الفوائد لابن القيم",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن الخفيف لا يثبت بل يطيش وصاحب اليقين ثابت يقال أيقن إذا كان مستقرا واليقين واستقرار لإيمان في القلب علما وعملا فقد يكون علم العبد جيدا لكن نفسه لا تصبر عند المصائب بل تطيش قال الحسن البصري إذا شئت أن ترى بصيرا لا صبر له رأيته وإذا شئت أن ترى صابرا لا بصيرة له رأيته فإذا رأيت بصيرا صابرا فذاك قال تعالى وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ولهذا تشبه النفس بالنار في سرعة حركتها وإفسادها وغضبها وشهوتها من النار والشيطان من النار وفي السنن عن النبي أنه قال الغضب من الشيطان والشيطان من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوظأ وفي الحديث الآخر الغضب جمرة توقد في جوف ابن آدم ألا ترى إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه وهو غليان دم القلب لطلب الانتقام وفي الحديث المتفق على صحته إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وفي الصحيحين أن رجلين استبا عند النبي وقد اشتد غضب أحدهما فقال النبي إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وقد قال تعالى ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم وقال تعالى خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم وقال تعالى ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون تم الكتاب والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على رسولنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وتابعيه والمقتدين بآثارهم إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين(1\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "209",
        "book_number": "15",
        "slug": " -qym_4068"
    },
    {
        "id": "5932",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "فصل -1-",
        "content": "بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ الإمام العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية الحنبلي الدمشقي تغمده الله تعالى برحمته وأسكنه فسيح جنته فصل -1- 1- سئلت عن حديث quot;صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بغير سواكquot; وكيف يكون هذا التضعيف 2- وكذلك قوله في حديث جويرية quot;لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهنquot; 3- وحديث quot;صيام ثلاثة أيام من كل شهر يقوم مقام صيام الشهرquot; 4- وحديث quot;من دخل السوق فقال لا إله إلا اللهquot; الحديث. فهذا السؤال اشتمل على أربع مسائل: 5- المسألة الأولى تفضيل الصلاة بالسواك على سبعين صلاة بغيره فهذا الحديث قد روي عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو(1\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5933",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حديث لم يرد في الصحيحين ولا في الكتب الستة ولكن رواه الإمام أحمد وابن خزيمة والحاكم في صحيحهما والبزار في مسنده وقال البيهقي: quot;إسناده غير قويquot;. 6- وذلك أن مداره على محمد بن إسحاق عن الزهري ولم يصرح ابن إسحاق بسماعه منه بل قال ذكر الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;تفضل الصلاة التي يستاك لها على الصلاة التي لا يستاك لها سبعين ضعفاquot; هكذا رواه الإمام أحمد وابن خزيمة في صحيحه إلا أنه قال: quot;إن صح الخبرquot; قال: quot;وإنما استثنيت صحة هذا الخبر لأني خائف أن يكون محمد بن إسحاق لم يسمع الحديث من الزهري وإنما(1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5934",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دلسه عنه وقد قال عبد الله بن أحمد قال أبي: quot;إذا قال ابن إسحاق وذكر فلان فلم يسمعهquot; وقد أخرجه الحاكم في صحيحه وقال: quot;هو صحيح على شرط مسلمquot; ولم يصنع الحاكم شيئا فإن مسلما لم يرو في كتابه بهذا الإسناد حديثا واحدا ولا احتج بابن إسحاق وإنما أخرج له في المتابعات والشواهد وإما أن يكون ذكر ابن إسحاق عن الزهري من شرط مسلم فلا وهذا وأمثاله هو الذي شان كتابه ووضعه وجعل تصحيحه دون تحسين غيره.(1\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5935",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال البيهقي: quot;هذا الحديث أحد ما يخاف أن يكون من تدليسات محمد بن إسحاق وأنه لم يسمعه من الزهري ورواه البيهقي من طريق معاوية بن يحيى الصدفي عن الزهري ومعاوية هذا ليس بقويquot; وقال في شعب الإيمان: quot;تفرد به معاوية بن يحيى ويقال إن ابن إسحاق أخذه منهquot; قال: quot;ويروي نحوه عن عروة(1\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5936",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعن عمرة عن عائشة وكلاهما ضعيفquot;. 7- ورواه من حديث الواقدي قال حدثنا عبد الله بن أبي يحيى الأسلمي عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;الركعتان بعد السواك أحب إلى الله من سبعين ركعة قبل السواكquot; ولكن الواقدي لا يحتج به. 8- ورواه من حديث حماد بن قيراط قال حدثنا خراج بن فضالة عن عروة بن رويم عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;صلاة بسواك خير من سبعين صلاة بغير سواك quot; وهذا الإسناد غير قوي. فهذا حال هذا الحديث وإن ثبت فله وجه حسن وهو أن الصلاة بالسواك سنه والسواك مرضاة للرب. 9- وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم شأنه وقال: quot;لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاةquot;. 10- وأخبر quot;أنه مطهرة للفم مرضاة للربquot;.(1\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5937",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "11- وقال صلى الله عليه وسلم: quot;أكثرت عليكم في السواكquot; رواه البخاري. 12- وفي مسند أحمد عن التميمي قال: سألت ابن عباس عن السواك فقال: quot;ما زال النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا به حتى خشينا أن ينزل عليه فيهquot;. 13- وفي لفظ: quot;أمرت بالسواك حتى خشيت أن ينزل علي به وحيquot;. 14- وقال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;ما لي أراكم تأتوني قلحا استاكوا لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك كما فرضت عليهم الوضوءquot;. 15- وقال: quot;عشر من الفطرة: قص الشارب وإعفاء اللحية والسواكquot; الحديث فجعل السواك من الفطرة.(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5938",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "16- وقال عبد الله بن حنظله بن أبي عامر: quot;إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا وغير طاهر فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك لكل صلاةquot;. 17- وعن علي قال: أمرنا بالسواك وقال: quot;إن العبد إذا قام يصلي أتاه الملك فقام خلفه يستمع القرآن ويدنو فلا يزال يستمع ويدنو حتى يضع فاه على فيه فلا يقرأ آية إلا كانت في جوف الملكquot;. 18- وكان النبي صلى الله عليه وسلم من رغبته في السواك يستاك إذا قام من نوم الليل وإذا دخل بيته وإذا صلى.(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5939",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "19- واستاك عند موته وهو في السياق. 20- وقال سفيان عن محمد بن إسحاق عن أبي جعفر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: quot;كان السواك من أذن النبي صلى الله عليه وسلم موضع(1\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5940",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القلم من أذن الكاتبquot;. 21- وفي سنن النسائي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: quot;كان رسول الله صلىالله عليه وسلم يصلي ركعتين ركعتين ثم ينصرف فيستاكquot; وهذا في صلاة الليل. 22- ولما بات ابن عباس عند خالته ميمونة قال: quot;فقام صلى الله عليه وسلم فتوضأ وصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتينquot; الحديث وكان يستاك لكل ركعتينquot;.(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5941",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "23- وفي جامع الترمذي عن أبي سلمة قال: quot;كان زيد بن خالد الجهني يشهد الصلوات في المسجد وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب لا يقوم إلى الصلاة إلا استنquot; وهو حديث حسن صحيح. 24- وفي الموطأ عن ابن شهاب الزهري عن ابن السباق quot;أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot;عليكم بالسواك quot;. 25- وقد روى أبو نعيم من حديث عبد الله بن عمرو بن حلحلة ورافع بن خديج قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;السواك واجب وغسل الجمعة واجب على كل مسلمquot;. 26- ويشهد لهذا الحديث ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot;غسل يوم الجمعة على كل محتلم وسواك ويمس من الطيب ما قدر عليهquot;. وإذا كان هذا شأن السواك وفضله وحصول رضا الرب به وإكثار(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5942",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النبي صلى الله عليه وسلم على الأمة فيه ومبالغته فيه حتى عند وفاته وقبض نفسه الكريمة صلى الله عليه وسلم لم يمتنع أن تكون الصلاة التي يستاك لها أحب إلى الله من سبعين صلاة. وإذا كان ثواب السبعين أكثر فلا يلزم من كثرة الثواب أن يكون العمل الأكثر ثوابا أحب إلى الله تعالى من العمل الذي هو أقل منه بل قد يكون العمل الأقل أحب إلى الله تعالى وإن كان الكثير أكثر ثوابا. 27- وهذا كما في المسند عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;دم عفراء أحب إلى الله من دم سوداوين quot; يعني في الأضحية وكذلك ذبح الشاة الواحدة يوم النحر أحب إلى الله من الصدقة بأضعاف أضعاف ثمنها وإن كثر ثواب الصدقة. وكذلك قراءة سورة بتدبر ومعرفة وتفهم وجمع القلب عليها أحب إلى الله تعالى من قراءة ختمة سردا وهذا وإن كثر ثواب هذه القراءة وكذلك صلاة ركعتين يقبل العبد فيهما على الله تعالى بقلبه وجوارحه ويفرغ قلبه(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5943",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كله لله فيهما أحب إلى الله تعالى من مئتي ركعة خالية من ذلك وإن كثر ثوابهما عددا. 28- ومن هذا سبق درهم مئة ألف درهم 29- ولهذا قال الصحابة رضي الله عنهم: quot;إن اقتصادا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وبدعةquot;. فالعمل اليسير الموافق لمرضاة الرب وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أحب إلى الله تعالى من العمل الكثير إذا خلا عن ذلك أو عن بعضه ولهذا قال الله تعالى: الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وقال: إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وقال وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا فهو سبحانه وتعالى إنما خلق السموات والأرض والموت والحياة وزين الأرض بما(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5944",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليها ليبلو عباده أيهم أحسن عملا لا أكثر عملا. والعمل الأحسن هو الأخلص والأصوب وهو الموافق لمرضاته ومحبته دون الأكثر الخالي من ذلك فهو سبحانه وتعالى يحب أن يتعبد له بالأرضى له وإن كان قليلا دون الأكثر الذي لا يرضيه والأكثر الذي غيره أرضى له منه ولهذا يكون العملان في الصورة واحدا وبينهما في الفضل بل بين قليل أحدهما وكثير الآخر في الفضل أعظم مما بين السماء والأرض. وهذا الفضل يكون بحسب رضا الرب سبحانه بالعمل وقبوله له ومحبته له وفرحه به سبحانه وتعالى كما يفرح بتوبة التائب أعظم فرح ولا ريب أن تلك التوبة الصادقة أفضل وأحب إلى الله تعالى من أعمال كثير من التطوعات وإن زادت في الكثرة على التوبة. ولهذا كان القبول مختلفا ومتفاوتا بحسب رضا الرب سبحانه بالعمل ولهذا كان القبول مختلفا ومتفوتا بحسب رضا الرب سبحانه بالعمل فقبول: يوجب رضا الله سبحانه وتعالى بالعمل ومباهاة الملائكة به وتقريب عبده منه. وقبول: يترتب عليه كثرة الثواب والعطاء فقط. كمن يتصدق بألف دينار من جملة ماله -مثلا- بحيث لم يكترث بها والألف لم تنقصه نقصا يتأثر به بل هي في بيته بمنزلة حصى لقيه في داره أخرج منه هذا المقدار. إما ليتخلص من همه وحفظه وإما ليجازى عليه بمثله أو غير ذلك. وآخر عنده رغيف واحد هو قوته لا يملك غيره فآثر به على نفسه من هو أحوج منه إليه محبة لله وتقربا إليه وتوددا ورغبة في مرضاته وإيثارا على نفسه.(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5945",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيا لله كم بعد ما بين الصدقتين في الفضل ومحبة الله وقبوله ورضاة وقد قبل سبحانه هذه وهذه لكن قبول الرضا والمحبة والاعتداد والمباهاة شيء وقبول الثواب والجزاء شيء. وأنت تجد هذا في الشاهد في ملك تهدى إليه هدية صغيرة المقدار لكنه يحبها ويرضاها فيظهرها لخواصه وحواشيه ويثني على مهديها في كلمات كهدية كثيرة العدد والقدر جدا لا تقع عنده موقعا ولكن يكون في جوده لا يضيع ثواب مهديها بل يعطيه عليها أضعافها وأضعاف أضعافها فليس قبوله لهذه الهدية مثل قبوله للأولى. 30- ولهذا قال ابن عمر أو غيره من الصحابة رضي الله عنهم: quot;لو أعلم أن الله يتقبل مني سجدة واحدة لم يكن غائب أحب إلي من الموتquot; إنما يريد به القبول الخاص وإلا فقبول العطاء والجزاء حاصل لأكثر الأعمال. والقبول له أنواع قبول رضا ومحبة واعتداد ومباهاة وثناء على العامل به بين الملأ الأعلى وقبول جزاء وثواب وإن لم يقع موقع الأول وقبول إسقاط للعقاب فقط وإن لم يترتب عليه ثواب وجزاء كقبول صلاة من لم يحضر قلبه في شيء منها فإنه ليس له من صلاته إلا ما عقل منها فإنها تسقط الفرض ولا يثاب عليها وكذلك صلاة الآبق وصلاة من أتى عرافا فصدقه فإن البعض قد حقق أن صلاة هؤلاء لا تقبل(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5946",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومع هذا فلا يؤمرون بالإعادة يعني أن عدم قبول صلاتهم إنما هو في حصول الثواب لا في سقوطها من ذمتهم. والأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والمحبة والتعظيم والإجلال وقصد وجه المعبود وحده دون شيء من الحظوظ سواه حتى لتكون صورة العملين واحدة وبينهما في الفضل ما لا يحصيه إلا الله تعالى وتتفاضل أيضا بتجريد المتابعة فبين العملين من الفضل بحسب ما يتفاضلان به في المتابعة فتتفاضل الأعمال بحسب تجريد الإخلاص والمتابعة تفاضلا لا يحصيه إلا الله تعالى. وينضاف هذا إلى كون أحد العملين أحب إلى الله في نفسه مثاله الجهاد وبذل النفس لله تعالى هو من أحب الأعمال إلى الله تعالى ويقترن بتجريد الإخلاص والمتابعة وكذلك الصلاة والعلم وقراءة القرآن إذا فضل العلم في نفسه وفضل قصد صاحبه وإخلاصه وتجردت متابعته لم يمتنع أن يكون العمل الواحد أفضل من سبعين بل وسبع مئة من نوعه فتأمل هذا فإنه يزيل عنك إشكالات كثيرة ويطلعك على سر العمل والفضل وأن الله سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين يضع فضله مواضعه وهو أعلم بالشاكرين. ولا تلتفت إلى ما يقوله من غلظ حجاب قلبه من المتكلمين والمتكلفين إنه يجوز أن يكون العملان متساويين من جميع الوجوه لا تفاضل بينهما ويثيب الله على أحدهما أضعاف أضعاف ما يثيب على الآخر(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5947",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "فصل -2-",
        "content": "بل يجوز أن يثيب على هذا ويعاقب على هذا مع فرض الاستواء بينهما من كل وجه. وهذا قول من ليس له فقه في أسماء الرب وصفاته وأفعاله ولا فقه في شرعه وأمره ولا فقه في أعمال القلوب وحقائق الإيمان بالله وبالله التوفيق. إذا عرفت ذلك فلا يمتنع أن تكون الصلاة التي فعلها فاعلها على وجه الكمال حتى أتى بسواكها الذي هو مطهرة لمجاري القرآن وذكر الله ومرضاة للرب واتباع للسنة والحرص على حفظ هذه الحرمة الواحدة التي أكثر النفوس تهملها ولا تلتفت إليها حتى كأنها غير مشروعة ولا محبوبة لكن هذا المصلي اعتدها فحافظ عليها وأتى بها توددا وتحببا إلى الله تعالى واتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يبعد أن تكون صلاة هذا أحب إلى الله من سبعين صلاة تجردت عن ذلك والله أعلم. فصل -2- 31- وأما المسألة الثانية وهي تفضيل سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته على مجرد الذكر(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5948",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بسبحان الله أضعافا مضاعفة فإن ما يقوم بقلب الذاكر حين يقول سبحان الله وبحمده عدد خلقه من معرفته وتنزيهه وتعظيمه من هذا القدر المذكور من العدد أعظم مما يقوم بقلب القائل سبحان الله فقط. وهذا يسمى الذكر المضاعف وهو أعظم ثناء من الذكر المفرد فلهذا كان أفضل منه وهذا إنما يظهر في معرفة هذا الذكر وفهمه فإن قول المسبح سبحان الله وبحمده عدد خلقه يتضمن إنشاء وإخبارا عما يستحقه الرب من التسبيح عدد كل مخلوق كان أو هو كائن إلى ما لا نهاية له. فتضمن الإخبار عن تنزيهه الرب وتعظيمه والثناء عليه هذا العدد العظيم الذي لا يبلغه العادون ولا يحصيه المحصون وتضمن إنشاء العبد لتسبيح هذا شأنه لا إن ما أتى به العبد من التسبيح هذا قدره وعدده بل أخبر أن ما يستحقه الرب سبحانه وتعالى من التسبيح هو تسبيح يبلغ هذا العدد الذي لو كان في العدد ما يزيد لذكره فإن تجدد المخلوقات لا ينتهي عددا ولا يحصى الحاضر. وكذلك قوله ورضا نفسه فهو يتضمن أمرين عظيمين أحدهما(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5949",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن يكون المراد تسبيحا هو والعظمة والجلال سيان ولرضا نفسه كما أنه في الأول مخبر عن تسبيح مساو لعدد خلقه ولا ريب أن رضا نفس الرب لا نهاية له في العظمة والوصف والتسبيح ثناء عليه سبحانه يتضمن التعظيم والتنزيه. فإذا كانت أوصاف كماله ونعوت جلاله لا نهاية لها ولا غاية بل هي أعظم من ذلك وأجل كان الثناء عليه بها كذلك إذ هو تابع لها إخبارا وإنشاء وهذا المعنى ينتظم المعنى الأول من غير عكس. وإذا كان إحسانه سبحانه وثوابه وبركته وخيره لا منتهى له وهو من موجبات رضاه وثمرته فكيف بصفة الرضا 32- وفي الأثر: quot;إذا باركت لم يكن لبركتي منتهىquot; فكيف بالصفة التي صدرت عنها البركة والرضا يستلزم المحبة والإحسان والجود والبر والعفو والصفح والمغفرة. والخلق يستلزم العلم والقدرة والإرادة والحياة والحكمة وكل ذلك داخل في رضا نفسه وصفة خلقه. وقوله: quot;وزنة عرشهquot; فيه إثبات للعرش وإضافته إلى الرب سبحانه(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5950",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتعالى وأنه أثقل المخلوقات على الإطلاق إذ لو كان شيء أثقل منه لوزن به التسبيح وهذا يرد على من يقول إن العرش ليس بثقيل ولا خفيف وهذا لم يعرف العرش ولا قدره حق قدره. فالتضعيف الأول للعدد والكمية والثاني للصفة والكيفية والثالث للعظم والثقل وليس للمقدار. وقوله: quot;ومداد كلماتهquot; هذا يعم الأقسام الثلاثة ويشملها فإن مداد كلماته سبحانه وتعالى لا نهاية لقدره ولا لصفته ولا لعدده قال تعالى: قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا وقال تعالى: ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم . ومعنى هذا أنه لو فرض البحر مدادا وبعده سبعة أبحر تمده كلها مدادا وجميع أشجار الأرض أقلاما وهو ما قام منها على ساق من النبات والأشجار المثمرة وغير المثمرة وتستمد بذلك المداد لفنيت البحار والأقلام وكلمات الرب لا تفنى ولا تنفد فسبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته. فأين هذا من وصف من يصفه بأنه ما تكلم ولا يتكلم ولا يقوم به كلام أصلا وقول من وصف كلامه بأنه معنى واحد لا ينقضي ولا يتجزأ(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5951",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "فصل-3-",
        "content": "ولا له بعض ولا كل ولا هو سور وآيات ولا حروف وكلمات. والمقصود أن في هذا التسبيح من صفات الكمال ونعوت الجلال ما يوجب أن يكون أفضل من غيره وأنه لو وزن غيره به لوزنه وزاد عليه. وهذا بعض ما في هذه الكلمات من المعرفة بالله والثناء عليه بالتنزيه والتعظيم مع اقترانه بالحمد المتضمن لثلاثة أصول: أحدها: إثبات صفات الكمال له سبحانه, والثناء عليه الثاني: محبته والرضا به -الثالث- فإذا انضاف هذا الحمد إلى التسبيح والتنزيه على أكمل الوجوه وأعظمها قدرا وأكثرها عددا وأجزلها وصفا واستحضر العبد ذلك عند التسبيح وقام بقلبه معناه: كان له من المزية والفضل ما ليس لغيره وبالله التوفيق. فصل-3- 33- وأما المسألة الثالثة وهي كون صيام ثلاثة أيام من كل شهر تعدل صيام الشهر فقد ذكر في هذا الحديث سببه وهو أن الحسنة بعشر أمثالها فهو يعدل صيام الشهر غير مضاعف لثواب الحسنة بعشر أمثالها فإذا صام ثلاثة أيام من كل شهر وحافظ على ذلك فكأنه صام الدهر كله. 34- ونظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: quot;من صام رمضان(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5952",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهرquot; فإن الحسنة بعشر أمثالها. وفي كونها (من شوال) سر لطيف وهو أنها تجري مجرى الجبران لرمضان وتقضي ما وقع فيه من التقصير في الصوم فتجري مجرى سنة الصلاة بعدها ومجرى سجدتي السهو ولهذا قال وأتبعه أي ألحقها به. وقد استدل بهذا من يستحب -أو يجوز- صيام الدهر كله ما عدا العيدين وأيام التشريق ولا حجة له بل هو حجة عليه فإنه لا يلزم من تشبيه العمل بالعمل إمكان وقوع المشبه به فضلا عن كونه مشروعا بل ولا ممكنا كما في الحديث الصحيح. ولهذا جعل صيام ثلاثة أيام من الشهر وصيام رمضان وإتباعه بست من شوال يعدل صيام ثلاث مئة وستين يوما وذلك حراما غير جائز بالاتفاق فإنه وقع التشبيه في الثواب لا على تقدير كونه مشروعا بل ولا ممكنا كما في الحديث الصحيح وقد سئل عن الجهاد فقال للسائل:(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5953",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "35- هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم فلا تفطر وتقوم فلا تفتر قال: لا. قال: ذلك مثل المجاهد. والمقصود أنه لا يلزم من تشبيه الشيء بالشيء مساواته له. 36- ومثل هذا قوله صلى الله عليه وسلم من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى العشاء والفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله. وهذا يدل على ما تقدم من تفضيل العمل الواحد على أمثاله وأضعافه من جنسه فإن من صلى العشاء والفجر في جماعة ولم يصل بالليل تعدل صلاته تلك صلاة من قام الليل كله فإن كان هذا الذي قام الليل قد صلى تينك الصلاتين في جماعة أحرز الفضل المحقق والمقدر وإن صلى الصلاتين وحده وقام الليل كان كمن صلاهما في جماعة ونام بمنزله إن صحت صلاة المنفرد.(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5954",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "فصل-4 -",
        "content": "وهذا كما تقدم من أن تفاضل الأعمال ليس بكثرتها وعددها وإنما هو بإكمالها وإتمامها وموافقتها لرضا الرب وشرعه. فصل-4 - 37- وأما المسألة الرابعة وهي قوله في الحديث: quot;من دخل السوق فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة رفع له ألف ألف درجةquot; فهذا الحديث معلول أعله أئمة الحديث. قال الترمذي في جامعه: حدثنا أحمد بن منيع حدثنا يزيد ابن هارون أخبرنا أزهر بن سنان حدثنا محمد بن واسع قال قدمت مكة فلقيني سالم بن عبد الله بن عمر فحدثني عن أبيه عن جده إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من دخل السوق فقال الحديث قال الترمذي: quot;هذا حديث غريب وقد رواه عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير عن سالم ابن عبد اللهquot; فذكر الحديث. 38- حدثنا بذلك أحمد بن عبدة الضبي حدثنا حماد بن زيد والمعتمد بن سليمان قالا حدثنا عمرو بن دينار وهو قهرمان آل الزبير عن سالم ابن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot;من(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5955",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دخل السوق وذكر الحديث وفيه وبنى له بيتا في الجنةquot;. وقد روي من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر لكنه معلول أيضا قال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب العلل سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه يحيى بن سليم الطائفي عن عمران بن مسلم عن عبد الله ابن دينار عن ابن عمر عن الني صلى الله عليه وسلم قال: quot;من دخل في السوقquot; الحديث فقالا لي: quot;هذا حديث منكرquot;. قال ابن أبي حاتم: quot;وهذا الحديث خطأ إنما أراد عمران بن مسلم عن عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير عن سالم عن أبيه فغلط وجعل بدل عمرو عبد الله بن دينار وأسقط سالما من الإسناد حدثنا بذلك محمد بن عمار حدثنا إسحاق بن سليمان عن بكير بن شهاب الدامغاني عن عمران بن مسلم عن عمرو بن دينار عن سالم عن أبيه عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث. ورواه ابن ماجه في سننه عن بشر بن معاذ الضرير عن حماد بن زيد عن عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير كنيته أبو يحيى الأعور(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5956",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البصري قال يحيى بن معين ليس بشيء وقال: quot;النسائي والدارمي ضعيفquot; وقال أبو زرعة: quot;واهي الحديثquot; وقال علي بن الجنيد: quot;هو شبه المتروكquot; وقال ابن حبان: quot;لا يحل كتب حديثه إلا على وجه التعجب كان ينفرد بالموضوعات عن الثقاتquot; وقال الدارقطني: quot;ضعيفquot;. فصل-5- وسئلت: هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن ينظر في سنده(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5957",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا سؤال عظيم القدر وإنما يعلم ذلك من تضلع في معرفة السنن الصحيحة واختلطت بلحمه ودمه وصار له فيها ملكة وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار ومعرفة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه فيما يأمر به وينهى عنه ويخبر عنه ويدعو إليه ويحبه ويكرهه ويشرعه للأمة بحيث كأنه مخالط للرسول صلى الله عليه وسلم كواحد من أصحابه. فمثل هذا يعرف من أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم وهديه وكلامه وما يجوز أن يخبر به وما لا يجوز ما لا يعرفه غيره وهذا شأن كل متبع مع متبوعه فإن للأخص به الحريص على تتبع أقواله وأفعاله من العلم بها والتمييز بين ما يصح أن ينسب إليه وما لا يصح ما ليس لمن لا يكون كذلك وهذا شأن المقلدين مع أئمتهم يعرفون أقوالهم ونصوصهم ومذاهبهم والله أعلم. 39- فمن ذلك ما روى جعفر بن جسر عن أبيه عن ثابت عن أنس يرفعه من قال: quot;سبحان الله وبحمده غرس الله له ألف ألف نخلة في الجنة أصلها من ذهبquot;. وجعفر هذا هو جعفر بن جسر بن فرقد أبو سليمان القصاب البصري قال ابن عدي: quot;أحاديثه مناكيرquot; وقال الأزدي: quot;يتكلمون فيهquot;. وأما أبوه فقال يحيى بن معين: quot;لا شيء ولا يكتب حديثهquot; وقال النسائي والدارقطني: quot;ضعيفquot; وقال ابن حبان: quot;خرج من حد العدالةquot; وقال ابن عدي: quot;عامة أحاديثه غير محفوظةquot;.(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5958",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "40- ومن ذلك ما رواه ابن منده من حديث أحمد بن عبد الله الجويباري الكذاب عن شقيق عن إبراهيم بن أدهم عن يزيد بن أبي زياد عن أويس القرني عن عمر وعلي رضي الله تعالى عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;من دعا بهذه الأسماء اللهم أنت حي لا تموت وغالب لا تغلب وبصير لا ترتاب وسميع لا تشك وصادق لا تكذب وصمد لا تطعم وعالم لا تعلمquot; إلى أن قال: quot;فو الذي بعثني بالحق لو دعي بهذه الدعوات على صفائح الحديد لذابت وعلى ماء جار لسكن ومن دعا عند منامه بها بعث بكل حرف منها سبع مئة ألف ملك يسبحون له ويستغفرون لهquot;. وتابعه كذاب آخر وهو الحسين بن داود البلخي عن شقيق وروى جملة منه كذاب آخر هو سليمان بن عيسى عن الثوري عن إبراهيم بن أدهم وهذا وأمثاله مما لا يرتاب من له أدنى معرفة بالرسول صلى الله عليه وسلم وكلامه أنه موضوع مختلق وإفك مفترى عليه 41- ومن ذلك ما رواه عباس بن الضحاك البلخي كذاب أشر عن عبد الله بن عمر بن الرماح مجهول لا يعرف عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;من كتب بسم الله الرحمن الرحيم ولم يعم الهاء التي في الله تعالى(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5959",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف ألف درجة quot;. 42- ومن ذلك ما رواه أبو العلاء عن نافع عن ابن عمر يرفعه quot;من كفن ميتا فإن له بكل شعرة تصيب كفنه عشر حسناتquot;. وأبو العلاء هذا يروي عن نافع ما ليس من حديثه ولا يجوز الاحتجاج به وهذا الحديث قد رواه الحسن بن سفيان حدثنا أبو الربيع الزهراني حدثنا أحمد بن الحجاج حدثنا أبو العلاء قال الدارقطني: quot;يقال إن أبا العلاء هذا الخفاف الكوفي واسمه خالد بن طهمانquot; انتهى وقال يحيى بن معين: quot;هو ضعيف خلط قبل موته بعشر سنين وكان قبل ذلك ثقة وكان في تخليطه يحمل ما جاءوا به ويقرؤهquot; انتهى. 43- ومن ذلك حديث يرويه محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم من صام صبيحة يوم الفطر فكأنما صام الدهر كله وهذا حديث باطل موضع على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وابن البيلمان يروي المناكير قال البخاري وأبو حاتم الرازي والنسائي: quot;هو منكر الحديثquot; وقال يحيى بن معين: quot;ليس بشيءquot;.(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5960",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الدارقطني والحميدي: quot;ضعيفquot; وقال ابن حبان: quot;حدث عن أبيه بنسخة شبيها بمئتي حديث كلها موضوعة لا يجوز الاحتجاج به ولا ذكره إلا على وجه التعجبquot;. 44- ومن ذلك حديث من صام يوم عاشوراء كتب الله له عبادة ستين سنة وهذا باطل يرويه حبيب بن أبي حبيب عن إبراهيم الصائغ عن ميمون بن مهران عن ابن عباس وحبيب كان يضع الأحاديث. 45- ومن ذلك حديث يرويه زكريا بن دويد الكندي الكذاب الأشر عن حميد الطويل عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;من داوم على صلاة الضحى ولم يقطعها من علة كنت أنا وهو في الجنة في زورق من نور في بحر من نور حتى نزور رب العالمينquot;. 46- ومن ذلك حديث يرويه عمر بن راشد عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم بينهن بشيء عدلن له عبادة اثنتي عشرة سنةquot;.(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5961",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعمر هذا قال فيه الإمام أحمد ويحيى بن معين والدارقطني: quot;ضعيقquot; وقال أحمد أيضا: quot;لا يساوي حديثه شيئاquot; وقال البخاري: quot;منكر الحديث وضعفه جداquot;. وقال ابن حبان: quot;لا يحل ذكره إلا على سبيل القدح فيه فإنه يضع الحديث على مالك وابن أبي ذئب وغيرهما من الثقاتquot;. 47- ومن ذلك حديث quot;من صلى يوم الأحد أربع ركعات بتسليمة واحدة يقرأ في كل ركعة (الحمد) و (آمن الرسول) إلى آخرها كتب الله له ألف حجة وألف عمرة وألف غزوة وبكل ركعة ألف صلاة وجعل بينه وبين النار ألف خندق ... quot; فقبح الله واضعه ما أجرأه على الله ورسوله. 48- ومن ذلك حديث quot;من صلى ليلة الأحد أربع ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة و قل هو الله أحد خمس عشرة مرة أعطاه الله يوم القيامة ثواب من قرأ القرآن عشر مرات وعمل بما في القرآن ويخرج يوم القيامة من قبره ووجهه مثل القمر ليلة البدر ويعطيه الله بكل ركعة ألف مدينة من لؤلؤ في كل مدينة ألف قصر من زبرجد في كل قصر ألف دار من الياقوت في كل دار ألف بيت من المسك في كل بيت ألف سرير ... quot; واستمر هذا الكذاب الأشر على الألف!.(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5962",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "49- ومن ذلك حديث quot;من صلى ليلة الاثنين ست ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وعشرين مرة قل هو الله أحد ويستغفر الله بعد ذلك عشر مرات أعطاه الله يوم القيامة ثواب ألف صديق وألف عابد وألف زاهد..quot; فقبح الله واضعه ومختلقه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من عمل الجويباري الخبيث. 50- ومن ذلك حديث quot;من صلى يوم الاثنين أربع ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وآية الكرسي مرة و قل هو الله أحد مرة وقل أعوذ برب الفلق مرة كفرت ذنوبه كلها وأعطاه الله قصرا في الجنة من درة بيضاء في جوف القصر سبعة أبيات طول كل بيت ثلاثة آلاف ذراع وعرضه مثل ذلكquot;. واستمر هذا الكذاب الخبيث على حديث طويل فيه من هذه المجازفات وهو من عمل الحسين بن إبراهيم كذاب يروي عن محمد بن طاهر ووضع من هذا الضرب أحاديث صلاة يوم الأحد وليلة الأحد وصلاة يوم الاثنين وليلة الاثنين ويوم الثلاثاء وليلة الثلاثاء وهكذا في سائر أيام الأسبوع ولياليه.(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5963",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا باب واسع جدا وإنما ذكرنا منه جزءا يسيرا ليعرف به أن هذه الأحاديث وأمثالها مما فيه هذه المجازفات القبيحة الباردة كلها كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد اعتنى بها كثير من الجهال بالحديث من المنتسبين إلى الزهد والفقر وكثير من المنتسبين إلى الفقه. 51- والأحاديث الموضوعة عليها ظلمة وركاكة ومجازفات باردة تنادي على وضعها واختلاقها على رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل حديث quot;من صلى الضحى كذا وكذا ركعة أعطي ثواب سبعين نبيا quot;. وكأن هذا الكذاب الخبيث لم يعلم أن غير النبي لو صلى عمر نوح عليه السلام لم يعط ثواب نبي واحد. 52- وكقوله: quot;من اغتسل يوم الجمعة بنية وحسبة كتب الله له بكل شعرة نورا يوم القيامة ورفع له بكل قطرة درجة في الجنة من الدر والياقوت والزبرجد بين كل درجتين مسيرة مئة عامquot;. ومر في حديث طويل قبح الله واضعه وهو من عمل عمر بن صبح الكذاب الخبيث. فصل-6- ونحن ننبه على أمور كلية يعرف بها كون الحديث موضوعا: 53- فمنها: 1- اشتماله على أمثال هذه المجازفات التي لا يقول مثلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي كثيرة جدا كقوله في الحديث المكذوب: quot;من قال لا إله إلا الله خلق الله من تلك الكلمة طائرا له سبعون(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5964",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ألف لسان لكل لسان سبعون ألف لغة يستغفرون الله له ومن فعل كذا وكذا أعطي في الجنة سبعين ألف مدينة في كل مدينة سبعون ألف قصر في كل قصر سبعون ألف حوراءquot;. وأمثال هذه المجازفات الباردة التي لا يخلو حال واضعها من أحد أمرين إما أن يكون في غاية الجهل والحمق وإما أن يكون زنديقا قصد التنقيص بالرسول صلى الله عليه وسلم بإضافة مثل هذه الكلمات إليه. فصل-7- ومنها: 2- تكذيب الحس له كحديث: 54- quot;الباذنجان لما أكل لهquot;. 55- quot;والباذنجان شفاء من كل داءquot;. قبح الله واضعهما فإن هذا لو قاله يوحنس أمهر الأطباء لسخر الناس منه ولو أكل الباذنجان للحمى والسوداء الغالبة وكثير من الأمراض لم يزدها إلا شدة ولو أكله فقير ليستغنى لم يفده الغنى أو جاهل ليتعلم لم يفده العلم. 56- وكذلك حديث quot;إذا عطس الرجل عند الحديث فهو دليل صدقهquot; وهذا وإن صحح بعض الناس سنده فالحس يشهد بوضعه لأنا نشاهد العطاس والكذب يعمل عمله ولو عطس مئة ألف رجل عند حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم بصحته بالعطاس ولو عطسوا عند شهادة زور لم تصدق. 57-وكذلك حديث quot;عليكم بالعدس فإنه مبارك يرقق القلب(1\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5965",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويكثر الدمعة قدس فيه سبعون نبياquot;. وقد سئل عبد الله بن المبارك عن هذا الحديث وقيل له إنه يروي عنك! فقال: quot;وعني أيضاquot;. أرفع شيء في العدس أنه شهوة اليهود ولو قدس فيه نبي واحد لكان شفاء من الأدواء فكيف بسبعين نبيا وقد سماه الله تعالى أدنى ونعى على من اختاره على المن والسلوى وجعله قرين الثوم والبصل أفترى أنبياء بني إسرائيل قدسوا فيه لهذه العلة والمضار التي فيه من تهييج السوداء والنفخ والرياح الغليظة وضيق النفس والدم الفاسد وغير ذلك من المضار المحسوسة! ويشبه أن يكون هذا الحديث من وضع الذين اختاروه على المن والسلوى أو أشباههم. 58- ومن ذلك حديث quot;إن الله خلق السموات والأرض يوم عاشوراء quot;. 59- وحديث quot;اشربوا على الطعام تشبعوا فإن الشرب على الطعام يفسده ويمنع من استقراره في المعدة ومن كمال نضجهquot;. 60- ومن ذلك حديث quot;أكذب الناس الصباغون والصواغونquot; والحس يرد هذا الحديث فإن الكذب في غيرهم أضعافه فيهم كالرافضة فإنهم أكذب خلق الله والكهان والطرائقيين والمنجمين.(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5966",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد تأوله بعضهم على أن المراد بالصباغ الذي يزيد في الحديث ألفاظا(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5967",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تزينه والصواغ الذي يصوغ الحديث ليس له أصل وهذا تكلف بارد لتأويل حديث باطل. فصل-8- 61- ومنها: 3- سماجة الحديث وكونه مما يسخر منه كحديث: quot;لو كان الأرز رجلا لكان حليما ما أكله جائع إلا أشبعهquot; فهذا من السمج البارد الذي يصان عنه كلام العقلاء فضلا عن كلام سيد الأنبياء. 62- وحديث quot;الجوز دواء والجبن داء فإذا صار في الجوف صار شفاءquot; فلعن الله واضعه على رسول الله صلى الله عليه وسلم. 63- وحديث quot;لو يعلم الناس ما في الحلبة اشتروها بوزنها ذهباquot;. 64- وحديث quot;أحضروا موائدكم البقل فإنه مطردة للشيطانquot;. 65- وحديث quot;ما من ورقة هندباء إلا وعليها قطرة من ماء الجنةquot;. 66- وحديث quot;بئست البقلة الجرجير من أكل منها ليلا بات ونفسه تنازعه ويضرب عرق الجذام في أنفه كلوها نهارا وكفوا عنها ليلاquot;. 67- وحديث quot;فضل دهن البنفسج على الأدهان كفضل أهل البيت على سائر الخلقquot;.(1\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5968",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "68- وحديث quot;فضل الكراث على سائر البقول كفضل البر على الحبوبquot;. 69- وحديث quot;الكمأة والكرفس طعام إلياس واليسعquot;. 70- وحديث quot;إن للقلب فرحة عند أكل اللحمquot;. 71- وحديث quot;ما من رمان إلا ويلقح بحبة من رمان الجنةquot;. 72- وحديث quot;ربيع أمتي العنب والبطيخquot;. 73- وحديث quot;عليكم بمداومة أكل العنب مع الخبزquot;. 74- وحديث quot;عليكم بالملح فإنه شفاء من سبعين داءquot;. 75- وحديث quot;من أكل فولة بقشرها أخرج الله منه من الداء مثلهاquot; لعن الله واضعه واضعه. 76- وحديث quot;لا تسبوا الديك فإنه صديقي ولو يعلم بنو آدم ما في صوته لا شتروا ريشه ولحمه بالذهبquot;. 77- وحديث quot;من اتخذ ديكا أبيض لم يقربه شيطان ولا سحرquot;. 78- وحديث quot;إن لله ديكا عنقه مطوية تحت العرش ورجلاه في التخومquot;.(1\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5969",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "فصل-9 -",
        "content": "79- وبالجملة فكل أحاديث الديك كذب إلا حديثا واحدا quot;إذا سمعتم صياح الديكة فسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكاquot;. فصل-9 - ومنها: 4- مناقصة الحديث لما جاءت به السنة الصريحة مناقضة بينة.(1\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5970",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكل حديث يشتمل على فساد أو ظلم أو عبث أو مدح باطل أو ذم حق أو نحو ذلك فرسول الله صلى الله عليه وسلم منه بريء. 80- ومن هذا الباب أحاديث مدح من اسمه محمد أو أحمد وأن كل من يسمى بهذه الأسماء لا يدخل النار. وهذا مناقض لما هو معلوم من دينه صلى الله عليه وسلم أن النار لا يجار منها بالأسماء والألقاب وإنما النجاة منها بالإيمان والأعمال الصالحة. 81- ومن هذا الباب: أحاديث كثيرة علقت النجاة من النار بها وأنها لا تمس من فعل ذلك وغايتها أن تكون من صغار الحسنات. والمعلوم من دينه صلى الله عليه وسلم خلاف ذلك وأنه إنما ضمن النجاة منها لمن حقق التوحيد. فصل-10- 82- ومنها: 5- أن يدعي على النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل أمرا ظاهرا بمحضر من الصحابة كلهم وأنهم اتفقوا على كتمانه ولم ينقلوه كما يزعم أكذب الطوائف: أنه صلى الله عليه وسلم أخذ بيد علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمحضر من الصحابة كلهم وهم راجعون من حجة الوداع فأقامه بينهم حتى عرفه الجميع ثم قال: quot;هذا وصيي وأخي والخليفة من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا ثم اتفق الكل على كتمان ذلك وتغييره ومخالفته فلعنة الله على الكاذبين. 83- وكذلك روايتهم: quot;إن الشمس ردت لعلي بعد العصر والناس(1\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5971",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يشاهدونهاquot; ولا يشتهر هذا أعظم اشتهار ولا يعرفه إلا أسماء بنت عميس.(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5972",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل -11- ومنها: 6- أن يكون الحديث باطلا في نفسه فيدل بطلانه على أنه ليس من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم. 84- كحديث quot;المجرة التي في السماء من عرق الأفعى التي تحت العرشquot;. 85- وحديث quot;إذا غضب الله تعالى أنزل الوحي بالفارسية وإذا رضي أنزله بالعربيةquot;. 86- وكحديث quot;ست خصال تورث النسيان: أكل سؤر الفأر وإلقاء القمل في النار وهي حية والبول في الماء الراكد وقطع القطار ومضغ العلك وأكل التفاح الحامضquot;. 87- وحديث quot;الحجامة على القفا تورث النسيانquot;.(1\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5973",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "88- وحديث quot;يا حميراء لا تغتسلي بالماء المشمس فإنه يورث البرصquot;. 89- وكل quot;حديث فيه quot;يا حميراءquot; أو ذكر quot;الحميراءquot; فهو كذب مختلق.(1\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5974",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "90- مثل quot;يا حميراء لا تأكلي الطين فإنه يورث كذا وكذاquot;. 91- وحديث quot;خذوا شطر دينكم عن الحميراءquot;. 92- وحديث quot;من لم يكن له مال يتصدق به فليلعن اليهود والنصارىquot; فإن اللعنة لا تقوم مقام الصدقة أبدا. 93- وكحديث quot;آليت على نفسي أن لا يدخل النار من اسمه أحمد ولا محمدquot;. 94- وكحديث quot;من ولد له مولود فسماه محمدا تبركا به كان هو والولد في الجنةquot;. 95- وكحديث quot;ما من مسلم دنا من زوجته -وهو ينوي إن حبلت منه أن يسميه محمدا- إلا رزقه الله ولدا ذكراquot; وفي ذلك جزء كله كذب. فصل-12- ومنها: 7- أن يكون كلامه لا يشبه كلام الأنبياء فضلا(1\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5975",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو وحي يوحى كما قال الله تعالى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى أي وما نطقه إلا وحي يوحى فيكون الحديث مما لا يشبه الوحي بل لا يشبه كلام الصحابة. 96- كحديث quot;ثلاثة تزيد في البصر النظر إلى الخضرة والماء الجاري والوجه الحسنquot;. وهذا الكلام مما يجل عنه أبو هريرة وابن عباس بل سعيد بن المسيب والحسن بل أحمد ومالك رحمهم الله. 97- وحديث quot;النظر إلى الوجه الحسن يجلو البصرquot; وهذا ونحوه من وضع بعض الزنادقة. 98- وحديث quot;عليكم بالوجوه الملاح والحدق السود فإن الله يستحي أن يعذب مليحا بالنارquot; فلعنة الله على واضعه الخبيث. 99- وحديث quot;النظر إلى الوجه الجميل عبادةquot;. 100- وحديث quot;الزرقة في العين يمنquot;. 101- وحديث quot;إن الله طهر قوما من الذنوب بالصلعة في رؤوسهم وإن عليا لأولهمquot;. 102- وحديث quot;نبات الشعر في الأنف أمان من الجذامquot;. وقد سئل عنه الإمام أحمد بن حنبل فقال ما من ذا شيء. 103- وحديث quot;من آتاه الله وجها حسنا واسما حسنا وجعله في موضع غير شائن فهو من صفوة الله في خلقهquot;.(1\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5976",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "104- وكل حديث فيه ذكر حسان الوجوه أو الثناء عليهم أو الأمر بالنظر إليهم أو التماس الحوائج منهم أو أن النار لا تمسهم فكذب مختلق وإفك مفترى. 105- وفي الباب أحاديث كثيرة وأقرب شيء في الباب حديث quot;إذا بعثتم إلي بريدا فابعثوه حسن الوجه حسن الاسمquot;. وفيه عمر بن راشد قال ابن حبان: quot;يضع الحديثquot; وذكر أبو الفرج بن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات. فصل-13- 106- ومنها: 8- أن يكون في الحديث تاريخ كذا وكذا مثل قوله:(1\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5977",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;إذا كان سنة كذا وكذا وقع كيت وكيت وإذا كان شهر كذا وكذا وقع كيت وكيتquot;. 107- كقول الكذاب الأشر quot;إذا انكسف القمر في المحرم: كان الغلاء والقتال وشغل السلطان وإذا انكسف في صفر كان كذا وكذاquot; واستمر الكذاب في الشهور كلها وأحاديث هذا الباب كلها كذب مفترى. فصل-14- ومنها: 9- أن يكون الحديث بوصف الأطباء والطرقية أشبه وأليق. كحديث quot;الهريسة تشد الظهرquot;. 109- وكحديث quot;أكل السمك يوهن الجسدquot;. 110- وحديث quot;الذي شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قلة الولد فأمره أن يأكل البيض والبصلquot;. 111- وحديث quot;أتاني جبريل بهريسة فن الجنة فأكلتها فأعطيت قوة أربعين رجلا في الجماعquot;. 112- وحديث quot;المؤمن حلو يحب الحلاوةquot;.(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5978",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "113- ورواه الكذاب الأشر بلفظ آخر quot;المؤمن حلوي والكافر خمريquot;. 114- وحديث quot;كلوا التمر على الريق فإنه يقتل الدودquot;. 115- وحديث quot;أطعموا نساءكم في نفاسهن التمرquot;. 116- وحديث quot;من لقم أخاه لقمة حلوة صرف الله عنه مرارة الموقفquot;. 117- وحديث quot;من أخذ لقمة من مجرى الغائط أو البول فغسلها ثم أكلها غفر لهquot;. 118- وحديث quot;النفخ في الطعام يذهب البركةquot;. 119- وحديث quot;إذا طنت أذن أحدكم فليصل علي وليقل: ذكر الله من ذكرني بخيرquot; وكل حديث في طنين الأذن فهو كذب.(1\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5979",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل-15- 120- ومنها: 10 أحاديث العقل كلها كذب كقوله: quot;لما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل ثم قال له: أدبر فأدبر فقال: ما خلقت خلقا أكرم علي منك بك آخذ وبك أعطيquot;. 121- وحديث quot;لكل شيء معدن ومعدن التقوى قلوب العاقلينquot;. 122- وحديث quot;إن الرجل ليكون من أهل الصلاة والجهاد وما يجزى إلا على قدر عقلهquot; قال الخطيب: حدثنا الصوري قال سمعت الحافظ عبد الغني بن سعيد يقول: قال الدارقطني: quot;إن كتاب (العقل) وضعة أربعة: أولهم ميسرة بن عبد ربه ثم سرقه منه داود بن المحبر فركبه بأسانيد غير أسانيد ميسرة وسرقه عبد العزيز بن أبي رجاء فركبه بأسانيد أخر ثم سرقه سليمان بن عيسى السجزي فأتى بأسانيد أخرquot;.(1\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5980",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو الفتح الأزدي: quot;لا يصح في العقل حديث قاله أبو جعفر العقيلي وأبو حاتم بن حبانquot; والله أعلم. فصل-16- 123- ومنها: 11- الأحاديث التي يذكر فيها الخضر وحياته كلها كذب ولا يصح في حياته حديث واحد. 124- كحديث quot;إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في المسجد فسمع كلاما من ورائه فذهبوا ينظرون فإذا هو الخضرquot;. 125- وحديث quot;يلتقي الخضر وإلياس كل عام ... quot;. 126- وحديث quot;يجتمع بعرفة جبريل وميكائيل والخضر الحديث المفترى الطويلquot;. سئل إبراهيم الحربي عن تعمير الخضر وأنه باق فقال: quot;من أحال على غائب لم ينتصف منه وما ألقى هذا بين الناس إلا شيطانquot;. 127- وسئل البخاري عن الخضر وإلياس هل هما أحياء فقال:(1\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5981",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كيف يكون هذا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;لا يبقى على رأس مئة سنة ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحدquot; وسئل عن ذلك كثير غيرهما من الأئمة فقالوا: وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون . 128- وسئل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال: quot;لو كان الخضر حيا لوجب عليه أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ويجاهد بين يديه ويتعلم منه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: quot;اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرضquot; وكانوا ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلا معروفين بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم فأين كان الخضر حينئذ(1\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5982",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أبو الفرج بن الجوزي: quot;والدليل على أن الخضر ليس بباق في الدنيا أربعة أشياء: القرآن والسنة وإجماع المحققين من العلماء والمعقول. 129- أما القرآن فقوله تعالى: وما جعلنا لبشر من قبلك(1\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5983",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخلد فلو دام الخضر كان خالدا.(1\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5984",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "130- وأما السنة فذكر حديث quot;أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مئة سنة منها لا يبقى على ظهر الأرض ممن هو اليوم عليها أحدquot; متفق عليه. 131- وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بقليل: quot;ما من نفس منفوسة يأتي عليها مئة سنة وهي يومئذ حيةquot;.(1\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5985",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "132- وأما إجماع المحققين من العلماء فقد ذكر عن البخاري وعلي بن موسى الرضا أن الخضر مات وأن البخاري سئل عن حياته فقال: quot;وكيف يكون ذلك وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مئة سنة منها لا يبقى ممن على ظهر الأرض أحدquot;. قال: quot;وممن قال إن الخضر مات إبراهيم بن إسحاق الحربي وأبو الحسين بن المنادي وهما إمامان وكان ابن المنادي يقبح قول من يقول إنه حي. وحكى القاضي أبو يعلى موته عن بعض أصحاب أحمد وذكر عن بعض أهل العلم أنه احتج بإنه لو كان حيا لوجب عليه أن يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم. 133- وقال حدثنا أحمد حدثنا شريح بن النعمان حدثنا هشيم أخبرنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot;والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعنيquot; فكيف يكون حيا ولا يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة والجماعة(1\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5986",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويجاهد معه ألا ترى أن عيسى عليه السلام إذا نزل إلى الأرض يصلي خلف إمام هذه الأمة ولا يتقدم لئلا يكون ذلك خدشا في نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم. قال أبو الفرج: quot;وما أبعد فهم من يثبت وجود الخضر وينسى ما في طي إثباته من الإعراض عن هذه الشريعةquot;. أما الدليل من المعقول فمن عشرة أوجه: أحدها: أن الذي أثبت حياته يقول إنه ولد آدم لصلبه وهذا فاسد لوجهين: أحدهما: أن يكون عمره الآن ستة آلاف سنة فيما ذكر في كتاب يوحنا المؤرخ ومثل هذا بعيد في العادات أن يقع في حق البشر. والثاني: أنه لو كان ولده لصلبه أو الرابع من ولد ولده -كما زعموا-(1\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5987",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإنه كان وزير ذي القرنين فإن تلك الخلقة ليست على خلقتنا بل مفرط في الطول والعرض. 134- في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;خلق الله آدم طوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص بعدquot; وما ذكر أحد ممن رأى الخضر أنه رآه على خلقة عظيمة وهو من أقدم الناس. الوجه الثالث: أنه لو كان الخضر قبل نوح لركب معه في السفينة ولم ينقل هذا أحد. الوجه الرابع: أنه قد اتفق العلماء أن نوحا لما نزل من السفينة مات من كان معه ثم مات نسلهم ولم يبق غير نسل نوح والدليل على هذا قوله تعالى: وجعلنا ذريته هم الباقين وهذا يبطل قول من قال إنه كان قبل نوح. والوجه الخامس: أن هذا لو كان صحيحا أن بشرا من بني آدم يعيش من حين يولد إلى آخر الدهر ومولده قبل نوح لكان هذا من أعظم الآيات والعجائب وكان خبره في القرآن مذكورا في غير موضع لأنه من أعظم آيات الربوبية وقد ذكر الله سبحانه وتعالى من أحياه ألف سنة إلا خمسين عاما وجعله آية فكيف بمن أحياه إلى آخر الدهر ولهذا قال بعض أهل(1\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5988",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العلم ما ألقى هذا بين الناس إلا شيطان. والوجه السادس: أن القول بحياة الخضر قول على الله بلا علم وذلك حرام بنص القرآن. أما المقدمة الثانية فظاهرة وأما الأولى فإن حياته لو كانت ثابتة لدل عليها القرآن أو السنة أو إجماع الأمة فهذا كتاب الله تعالى فأين فيه حياة الخضر وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين فيها ما يدل على ذلك بوجه وهؤلاء علماء الأمة هل أجمعوا على حياته. الوجه السابع: أن غاية ما يتمسك به من ذهب إلى حياته حكايات منقولة يخبر الرجل بها أنه رأى الخضر فيا لله العجب هل للخضر علامة يعرفه بها من رآه وكثير من هؤلاء يغتر بقوله أنا الخضر ومعلوم أنه لا يجوز تصديق قائل ذلك بلا برهان من الله فأين للرائي أن المخبر له صادق لا يكذب الوجه الثامن: أن الخضر فارق موسى بن عمران كليم الرحمن ولم يصاحبه وقال له: هذا فراق بيني وبينك فكيف يرضى لنفسه بمفارقته لمثل موسى ثم يجتمع بجهلة العباد الخارجين عن الشريعة الذين لا يحضرون جمعة ولا جماعة ولا مجلس علم ولا يعرفون من الشريعة شيئا وكل منهم يقول قال الخضر وجاءني الخضر وأوصاني الخضر! فيا عجبا له! يفارق كليم الله تعالى ويدور على صحبة الجهال ومن لا يعرف(1\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5989",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كيف يتوضأ ولا كيف يصلي! الوجه التاسع: أن الأمة مجمعة على أن الذي يقول: أنا الخضر لو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كذا وكذا لم يلتفت إلى قوله ولم يحتج به في الدين إلا أن يقال إنه لم يأت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بايعه أو يقول هذا الجاهل إنه لم يرسل إليه وفي هذا من الكفر ما فيه. الوجه العاشر: أنه لو كان حيا لكان جهاده الكفار ورباطه في سبيل الله ومقامه في الصف ساعة وحضوره الجمعة والجماعة وتعليمه العلم أفضل له بكثير من سياحته بين الوحوش في القفار والفلوات وهل هذا إلا من أعظم الطعن عليه والعيب له فصل-17- ومنها: 12- أن يكون الحديث مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه. 135- كحديث عوج بن عنق الطويل الذي قصد واضعه الطعن في أخبار(1\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5990",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأنبياء فإنهم يجترون على هذه الأخبار فإن في هذا الحديث quot;أن طوله كان ثلاثة آلاف ذراع وثلاث مئة وثلاثة وثلاثين وثلثا وأن نوحا لما خوفه الغرق قال له احملني في قصعتك هذه وأن الطوفان لم يصل إلى كعبه وأنه خاض البحر فوصل إلى حجزته وأنه كان يأخذ الحوت من قرار البحر فيشويه في عين الشمس وأنه قلع صخرة عظيمة على قدر عسكر موسى وأراد أن يرميهم بها فقورها الله في عنقه مثل الطوقquot;! وليس العجب من جرأة مثل هذا الكذاب على الله إنما العجب ممن يدخل هذا الحديث في كتب العلم من التفسير وغيره ولا يبين أمره وهذا عندهم ليس من ذرية نوح وقد قال الله تعالى: وجعلنا ذريته هم الباقين فأخبر أن كل من بقى على وجه الأرض فهو من ذرية نوح فلو كان لعوج هذا وجود لم يبق بعد نوح. 136- وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;خلق الله آدم وطوله في السماء ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص حتى الآنquot;.(1\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5991",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأيضا فإن بين السماء والأرض مسيرة خمس مئة عام وسمكها كذلك. وإذا كانت الشمس في السماء الرابعة فبيننا وبينها هذه المسافة العظيمة فكيف يصل إليها من طوله ثلاثة آلاف ذراع حتى يشوي في عينها الحوت ولا ريب أن هذا وأمثاله من وضع زنادقة أهل الكتاب الذين قصدوا السخرية والاستهزاء بالرسل وأتباعهم. 137- ومن هذا حديث quot;إن قاف جبل من زبرجدة خضراء تحيط بالدنيا كإحاطة الحائط بالبستان والسماء واضعة أكنافها عليه فزرقتها منهquot; وهذا وأمثاله مما يزيد الفلاسفة وأمثالهم كفرا. 138- ومن هذا حديث quot;إن الأرض على صخرة والصخرة على قرن ثور فإذا حرك الثور قرنه تحركت الصخرة فتحركت الأرض وهي الزلزلةquot; والعجب من مسود كتبه بهذه الهذيانات. 139- ومن هذا حديث quot;كانت جنية تأتي النبي صلى الله عليه وسلم فأبطأت عليه(1\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5992",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال: ما أبطأ بك قالت: مات لها ميت بالهند فذهبت في تعزيته. فرأيت في طريقي إبليس يصلي على صخرة فقلت له: ما حملك على أن أضللت بني آدم فقال: دعي هذا عنك قلت: تصلي وأنت أنت قال يا فارغة إني لأرجو من ربي إذا بر قسمه أن يغفر لي فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك مثل ذلك اليومquot;. قال ابن عدي في (الكامل) : حدثنا عبد المؤمن بن أحمد حدثنا منقر ابن الحكم حدثنا ابن لهيعة عن أبيه عن أبي الزبير عن جابر فذكره والله تعالى أعلم بما دس في كتب ابن لهيعة وإلا فهو أعلم بالحديث من أن يروج عليه مثل هذا الهذيان. 140- ومن هذا حديث هامة بن الهيم بن لا قيس بن إبليس الحديث الطويل ونحوه. 141- وحديث quot;زريب بن برثملاquot; قال ابن الجوزي: quot;حديث(1\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5993",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "زريب بن برثملا باطلquot;. فصل- 18- 142- ومنها: 13- مخالفة الحديث صريح القرآن كحديث مقدار الدنيا quot;وأنها سبعة آلاف سنة ونحن في الألف السابعةquot;. وهذا من أبين الكذب لأنه لو كان صحيحا لكان كل أحد عالما أنه قد بقي للقيامة من وقتنا هذا مئتان وأحد وخمسون سنة والله تعالى يقول: يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله وقال الله تعالى: إن الله عنده علم الساعة 143- وقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;لا يعلم متى تقوم الساعة إلا اللهquot;.(1\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5994",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "144- وقد جاهر بالكذب بعض من يدعي في زماننا العلم وهو يتشبع بما لم يعط إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم متى تقوم الساعة قيل له فقد قال في حديث جبريل: quot;ما المسؤول عنها بأعلم من السائلquot; فحرفه عن موضعه وقال معناه: quot;أنا وأنت نعلمهاquot;. 145- وهذا من أعظم الجهل وأقبح التحريف والنبي صلى الله عليه وسلم أعلم بالله من أن يقول لمن كان يظنه أعرابيا أنا وأنت نعلم الساعة إلا أن يقول هذا الجاهل إنه كان يعرف أنه جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الصادق في قوله: quot;والذي نفسي بيده ما جاءني في صورة إلا عرفته غير هذه الصورةquot;. 146- وفي اللفظ الآخر: quot;ما شبه علي غير هذه المرةquot;.(1\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5995",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "147- وفي اللفظ الآخر quot;ردوا على الأعرابي فذهبوا فالتمسوا فلم يجدوا شيئاquot;. 148- وإنما علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه جبريل بعد مدة كما قال عمر: quot;فلبثت ملياquot; ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;يا عمر أتدري من السائلquot; والمحرف يقول: علم وقت السؤال أنه جبريل ولم يخبر الصحابة بذلك إلا بعد مدة. 149- ثم قوله في الحديث: quot;ما المسؤول عنها بأعلم من السائل يعم كل سائل ومسؤول فكل سائل ومسؤول عن هذه الساعة شأنهما كذلك. ولكن هؤلاء الغلاة عندهم أن علم رسول الله صلى الله عليه وسلم منطبق على علم الله سواء بسواء فكل ما يعلمه الله يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم والله تعالى يقول: وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا(1\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5996",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم . وهذا في (براءة) وهو في أواخر (براءة) وهي من أواخر ما نزل من القرآن هذا والمنافقون جيرانه في المدينة. 150- ومن هذا حديث quot;عقد عائشة رضي الله عنها لما أرسل في طلبه فأثاروا الجمل فوجدوهquot;. 151- ومن هذا حديث تلقيح النخل وقال: quot;ما أرى لو تركتموه يضره شيءquot; فتركوه فجار شيصا فقال: quot;أنتم أعلم بدنياكمquot;. وقد قال الله تعالى قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب وقال ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير . ولما جرى لأم المؤمنين عائشة ما جرى ورماها أهل الإفك بما رموها به لم يكن صلى الله عليه وسلم يعلم حقيقة الأمر حتى جاءه الوحي من الله ببراءتها. 152- وعند هؤلاء الغلاة أنه عليه الصلاة والسلام كان يعلم الحال على حقيقته بلا ريبة واستشار الناس في فراقها ودعا الجارية فسألها وهو يعلم(1\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5997",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "فصل -19-",
        "content": "الحال وقال لها: quot;إن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللهquot; وهو يعلم علما يقينا أنها لم تلم بذنب. ولا ريب أن الحامل لهؤلاء على هذا اللغو إنما هو اعتقادهم أنه يكفر عنهم سيئاتهم ويدخلهم الجنة وكلما غلوا وزادوا غلوا فيه كانوا أقرب إليه وأخص به فهم أعصى الناس لأمره وأشدهم مخالفة لسنته وهؤلاء فيهم شبه ظاهر من النصارى الذين غلوا في المسيح أعظم الغلو وخالفوا شرعه ودينه أعظم المخالفة. والمقصود أن هؤلاء يصدقون بالأحاديث المكذوبة الصريحة ويحرفون الأحاديث الصحيحة عن مواضعها لترويج معتقداتهم. فصل -19- 153- ويشبه هذا ما وقع فيه الغلط من حديث أبي هريرة quot;خلق الله التربة يوم السبت ... quot; الحديث وهو في صحيح مسلم ولكن وقع الغلط(1\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5998",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في رفعه وإنما هو من قول كعب الأحبار كذلك قال إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه الكبير وقاله غيره من علماء المسلمين أيضا وهو كما قالوا لأن الله أخبر أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما(1\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "5999",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "فصل-20-",
        "content": "في ستة أيام وهذا الحديث يقتضي أن مدة التخليق سبعة أيام والله تعالى أعلم. فصل-20- 154- ومن ذلك الحديث الذي يروى في الصخرة أنها عرش الله الأدنى تعالى الله عن كذب المفترين. 155- ولما سمع عروة بن الزبير هذا قال: quot;سبحان الله يقول الله تعالى: وسع كرسيه السماوات والأرض وتكون الصخرة عرشه الأدنى.(1\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6000",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "156- وكل حديث في الصخرة فهو كذب مفترى والقدم الذي فيها كذب موضوع مما عملته أيدي المزورين الذين يروجون لها ليكثر سواد الزائرين.(1\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6001",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "157- وأرفع شيء في الصخرة أنها كانت قبلة اليهود وهي في المكان كيوم السبت في الزمان أبدل الله بها هذه الأمة المحمدية الكعبة البيت الحرام. 158- ولما أراد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يبني المسجد الأقصى استشار الناس هل يجعله أمام الصخرة أو خلفها فقال له كعب: quot;يا أمير المؤمنين ابنه خلف الصخرة فقال: يا ابن اليهودية خالطتك اليهودية بل أبنيه أمام الصخرة حتى لا يستقبلها المصلون فبناه حيث هو اليوم.(1\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6002",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "159- وقد أكثر الكذابون من الوضع في فضائلها وفضائل بيت المقدس والذي صح في فضله قوله صلى الله عليه وسلمك: quot; لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا quot; وهو في الصحيحين.(1\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6003",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "160- وقوله من حديث أبي ذر وقد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي مسجد وضع في الأرض أول فقال: quot;المسجد الحرامquot; قال: quot;ثم أي قال: quot;المسجد الأقصىquot; الحديث وهو متفق عليه. 161- وحديث عبد الله بن عمرو quot;لما بنى سليمان البيت سأل ربه ثلاث مسائل حكما يصادف حكمه فأعطاه إياه وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه وسأله أن لا يؤم أحد هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه إلا رجع من خطيئته كيوم ولدته أمه وأنا أرجو أن يكون قد أعطاه ذلكquot; وهو في مسند أحمد وصحيح الحاكم. 162- وفي الباب حديث رابع دون هذه الأحاديث رواه ابن ماجه في سننه وهو حديث مضطرب quot;إن الصلاة فيه بخمسين ألف صلاةquot;(1\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6004",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا محال لأن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منه والصلاة فيه تفضل على غيره بألف صلاة. 163- وقد روي في بيت المقدس التفضيل بخمس مئة وهو أشبه. 164- وصح أنه صلى الله عليه وسلم quot;أسري به إليهquot; وأنه صلى فيه وأم المرسلين في تلك الصلاة وربط البراق بحلقة الباب وعرج به منه.(1\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "73",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6005",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "165- وصح عنه أن المؤمنين يتحصنون به من يأجوج ومأجوج. فهذا مجموع ما صح فيه من الأحاديث. ثم افتتح الكذاب الجراب وأكمل الأحاديث المكذوبة فيه وفي (الخليل) . فقبح الله الكاذبين على الله وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمحرفين للصحيح من كلامه فيالله من للأمة من هاتين الطائفتين!(1\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "74",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6006",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل -21- 166- ومنها: 14- أحاديث صلوات الأيام والليالي كصلاة يوم الأحد وليلة الأحد ويوم الإثنين وليلة الاثنين إلى آخر الأسبوع كل أحاديثها كذب وقد تقدم بعض ذلك. 167- وكذلك أحاديث صلاة الرغائب ليلة أول جمعة من رجب كلها كذب مختلق على رسول الله صلى الله عليه وسلم. 168- وأمثلها: ما رواه عبد الرحمن بن منده -وهو صدوق- عن ابن جهضم وهو واضع الحديث حدثنا علي بن محمد بن سعيد البصري حدثنا أبي حدثنا خلف بن عبد الله الصنعاني عن حميد الطويل عن أنس يرفعه quot;رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتيquot; الحديث. 169- وفيه: quot;لا تغفلوا عن أول جمعة من رجب فإنها ليلة تسميها الملائكة الرغائبquot; وذكر الحديث المكذوب بطوله.(1\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "75",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6007",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ابن الجوزي: quot;اتهموا به ابن جهضم ونسبوه إلى الكذب وسمعت عبد الوهاب الحافظ يقول: رجاله مجهولون فتشت عليهم جميع الكتب فما وجدتهم قال بعض الحفاظ بل لعلهم لم يخلقواquot;. 170- وكل حديث في ذكر صوم رجب وصلاة بعض الليالي فيه فهو كذب مفترى كحديث quot;من صلى بعد المغرب أول ليلة من رجب عشرين ركعة جاز على الصراط بلا حسابquot;.(1\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "76",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6008",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "171- وحديث quot;من صام يوما من رجب وصلى أربع ركعات يقرأ في أول ركعة مئة مرة آية الكرسي وفي الثانية مئة مرة قل هو الله أحد لم يمت حتى يرى مقعده من الجنةquot;. 172- وحديث quot;من صام من رجب كذا وكذاquot; الجميع كذب مختلق. 173- وأقرب ما جاء فيه ما رواه ابن ماجه في سننه quot;أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام رجبquot;.(1\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "77",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6009",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل-22- 174- ومنها: 15- أحاديث صلاة ليلة النصف من شعبان. 175- كحديث quot;يا علي من صلى ليلة النصف من شعبان مئة ركعة بألف قل هو الله أحد قضى الله له كل حاجة طلبها تلك الليلة وساق جزافات كثيرة وأعطي سبعين ألف حوراء لكل حوراء سبعون ألف غلام وسبعون ألف ولدانquot; إلى أن قال: quot;ويشفع والداه كل واحد منهما في سبعين(1\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "78",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6010",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ألفاquot;. والعجب ممن شم رائحة العلم بالسنن أن يغتر بمثل هذا الهذيان ويصليها! وهذه الصلاة وضعت في الإسلام بعد الأربع مئة ونشأت من بيت المقدس فوضع لها عدة أحاديث: 176- منها: quot;من قرأ ليلة النصف من شعبان ألف مرة قل هو الله أحد في مئة ركعة الحديث بطوله وفيه بعث الله إليه مئة ملك يبشرونهquot;. 177- وحديث quot;من صلى ليلة النصف من شعبان ثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة ثلاثين مرة قل هو الله أحد شفع في عشرة من أهل بيته قد استوجبوا النارquot; وغير ذلك من الأحاديث التي لا يصح منها شيء. فصل-23 - ومنها: 16- ركاكة ألفاظ الحديث وسماجتها بحيث يمجها السمع ويدفعها الطبع ويسمج معناها للفطن. 178-كحديث quot;أربع لا تشبع من أربع أنثى من ذكر وأرض من(1\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "79",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6011",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مطر وعين من نظر وأذن من خبرquot;. 179- وحديث quot;ارحموا عزيز قوم ذل وغني قوم افتقر وعالما يتلاعب به الصبيانquot;. 180- وحديث quot;ذم الحاكة والأساكفة والصواغين أو صنعة من الصنائع المباحة كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لا يذم الله ورسوله الصنائع المباحةquot;. 181- ومن ذلك حديث quot;من فارق الدنيا وهو سكران دخل القبر سكران وبعث من قبره سكران وأمر به إلى النار سكران إلى جبل يقال له سكرانquot;. 182- وحديث quot;إن لله ملكا اسمه عمارة على فرس من حجارة الياقوت طوله مد بصره يدور في البلدان ويقف في الأسواق فينادي: ألا ليغل كذا وكذا ألا ليرخص كذا وكذاquot;.(1\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "80",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6012",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "183- وحديث quot;إن لله ملكا من حجارة يقال له عمارة ينزل على حمار من حجارة كل يوم فيسعر الأسعار ثم يعرج. فصل-24- 184- ومنها: 17- أحاديث ذم الحبشة والسودان كلها كذب. 185- كحديث quot;الزنجي إذا شبع زنى وإذا جاع سرقquot;. 186- وحديث quot;إياكم والزنجي فإنه خلق مشوهquot;. 187- وحديث quot;دعوني من السودان إنما الأسود لبطنه وفرجهquot;. 188- وحديث quot;رأى طعاما فقال لمن هذا قال العباس: للحبشة أطعمهم قال: لا تفعل إنهم إن جاعوا سرقوا وإن شبعوا زنوا. فصل -25- 189- ومنها: 18- أحاديث ذم الترك وأحاديث ذم الخصيان وأحاديث ذم المماليك. 190- كحديث quot;لو علم الله في الخصيان خيرا لأخرج من أصلابهم ذرية يعبدون اللهquot;. 191- وحديث quot;شر المال في آخر الزمان المماليكquot;.(1\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "81",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6013",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "فصل -26-",
        "content": "فصل -26- 192- ومنها: 19- ما يقترن بالحديث من القرائن التي يعلم بها أنه باطل. 193- مثل حديث quot;وضع الجزية عن أهل خيبرquot; وهذا كذب من عدة وجوه: أحدها: أنه فيه شهادة سعد بن معاذ وسعد قد توفى قبل ذلك في غزوة الخندق. ثانيها: أن فيه وكتب معاوية بن أبي سفيان هكذا ومعاوية إنما أسلم زمن الفتح وكان من الطلقاء. ثالثها: أن الجزية لم تكن نزلت حينئذ ولا يعرفها الصحابة ولا العرب وإنما أنزلت بعد عام تبوك وحينئذ وضعها النبي صلى الله عليه وسلم على نصارى نجران ويهود اليمن ولم تؤخذ من يهود المدينة لأنهم وادعوه قبل نزولها ثم(1\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "82",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6014",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قتل من قتل منهم وأجلى بقيتهم إلى خيبر وإلى الشام وصالحه أهل خيبر قبل فرض الجزية فلما نزلت آية الجزية استقر الأمر على ما كان عليه وابتدأ ضربها على من لم يتقدم له معه صلح فمن هاهنا وقعت الشبهة في أهل خيبر. رابعها: أن فيه وضع عنهم الكلف والسخر ولم يكن في زمانه كلف ولا سخر ولا مكوس. خامسها: أنه لم يجعل لهم عهدا لازما بل قال نقركم ما شئنا فكيف يضع عنهم الجزية التي يصير لأهل الذمة بها عهد لازم مؤبد ثم لا يثبت لهم أمانا لازما مؤبدا. سادسها: أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله فكيف يكون قد وقع ولا يكون علمه عند حملة السنة من الصحابة والتابعين وأئمة الحديث وينفرد بعلمه ونقله اليهود سابعها: أن أهل خيبر لم يتقدم لهم من الإحسان ما يوجب وضع الجزية(1\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "83",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6015",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنهم فإنهم حاربوا الله ورسوله وقاتلوه وقاتلوا أصحابه وسلوا السيوف في وجوههم وسموا النبي صلى الله عليه وسلم وآووا أعداءه المحاربين له المحرضين على قتاله فمن أين يقع هذا الاعتناء بهم وإسقاط هذا الفرض الذي جعله الله عقوبة لمن لم يدن منهم بدين الإسلام ثامنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسقطها عن الأبعدين مع عدم معاداتهم له كأهل اليمن وأهل نجران فكيف يضعها عن جيرانه الأدنين مع شدة معاداتهم له وكفرهم وعنادهم ومن المعلوم أنه كلما اشتد كفر الطائفة وتغلظت عداوتهم كانوا أحق بالعقوبة لا بإسقاط الجزية. تاسعها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لو أسقط عنهم الجزية كما ذكروا لكانوا من أحسن الكفار حالا ولم يحسن بعد ذلك أن يشترط لهم إخراجهم من أرضهم وبلادهم متى شاء فإن أهل الذمة الذين يقرون بالجزية لا يجوز إخراجهم من أرضهم وديارهم ما داموا ملتزمين لأحكام الذمة فكيف إذا روعي جانبهم بإسقاط الجزية وأعفوا من الصغار الذي يلحقهم بأدائها فأي صغار بعد ذلك أعظم من نفيهم من بلادهم وتشتيتهم في أرض الغربة فكيف يجتمع هذا وهذا عاشرها: أن هذا لو كان حقا لما اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون والفقهاء كلهم على خلافه وليس في الصحابة رجل واحد قال لا تجب الجزية على الخيبرية لا في التابعين ولا في الفقهاء بل قالوا أهل خيبر وغيرهم في الجزية سواء وعرضوا بهذا الكتاب المكذوب وقد(1\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "84",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6016",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صرحوا بأنه كذب كما ذكر ذلك الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والقاضي أبو يعلى وغيرهم. وذكر الخطيب البغدادي هذا الكتاب وبين أنه كذب من عدة وجوه. وأحضر هذا الكتاب بين يدي شيخ الإسلام وحوله اليهود يزفونه ويجلونه وقد غشي بالحرير والديباج فلما فتحه وتأمله بزق عليه وقال هذا كذب من عدة أوجه وذكرها فقاموا من عنده بالذل والصغار.(1\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "85",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6017",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل-27- في ذكر جوامع وضوابط كلية في هذا الباب: 194- فمنها أحاديث الحمام بالتخفيف- لا يصح منها شيء. 195- ومنها حديث quot;كان يعجبه النظر إلى الحمامquot;. 196- وحديث quot;كان يحب النظر إلى الخضرة والأترج والحمام الأحمرquot;. 197- وحديث quot;شكا رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحدة فقال له: لو اتخذت زوجا من حمام فآنسك وأصبت من فراخه. 198- وحديث quot;اتخذوا الحمام المقاصيص فإنها تلهي الجن عن صبيانكمquot;. 199- وحديث quot;لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر أو جناح من وضع الكذاب وهب بن وهب البختريquot;.(1\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "86",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6018",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "200- وقال زكريا بن يحيى الساجي: quot;بلغني أن أبا البختري دخل على الرشيد وهو يطير الحمام فقال هل تحفظ في هذا شيئا فقال حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطير الحمام فقال الرشيد اخرج عني ثم قال لولا أنه رجل من قريش لعزلته يعني من القضاءquot;. 201- وهو الذي دخل على المهدي فوجده يلعب بالحمام فروى له quot;لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر أو جناحquot; فلما خرج قال: quot;أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول الله صلى الله عليه وسلمquot; ثم لم يدع الحمام لتسببهن في كذب هذا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. 202- وأرفع شيء جاء فيها أنه رأى رجلا يتبع حمامة فقال: quot;شيطان يتبع شيطانةquot;.(1\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "87",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6019",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل-28- 203- ومنها أحاديث اتخاذ الدجاج وليس فيها حديث صحيح. 204- كحديث quot;الدجاج غنم فقراء أمتيquot;. 205- وحديث quot;أمر الأغنياء باتخاذ الغنم وأمر الفقراء باتخاذ الدجاجquot;.(1\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "88",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6020",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل -29- 206- ومنها: أحاديث ذم الأولاد كلها كذب من أولها إلى آخرها. 207- كحديث quot;لو يربي أحدكم بعد الستين ومئة جرو كلب خير له من أن يربي ولداquot;. 208- وحديث quot;إذا كان الولد غيظا والمطر قيظاquot;. 209 وحديث quot;لا يولد بعد المئة مولود ولله فيه حاجةquot;.(1\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "89",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6021",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل-30- 210- ومنها أحاديث التواريخ المستقبلة وقد تقدمت الإشارة إليها. 211- وهي كل حديث فيه إذا كانت سنة كذا وكذا حل كذا وكذا. 212- كحديث quot;يكون في رمضان هدة توقظ النائم وتقعد القائم وتخرج العواتق من خدورها وفي شوال همهمة وفي ذي القعدة تمييز القبائل بعضها إلى بعض وفي ذي الحجة تراق الدماءquot;. 213- وحديث quot;يكون صوت في رمضان إذا كانت ليلة النصف منه ليلة الجمعة يصعق له سبعون ألفا ويصم سبعون ألفاquot;. 214- وحديث quot;عند رأس مئة يبعث الله ريحا باردة يقبض الله فيها روح كل مؤمنquot;. 215- وحديث quot;إذا كانت سنة ثلاثين ومئة كان الغرباء قرآن في جوف ظالم ومصحف في بيت قوم لا يقرأ فيه ورجل صالح بين قوم سوءquot;. 216- وحديث quot;إذا كانت سنة خمس وثلاثين ومئة خرجت شياطين حبسهم سليمان بن داود في جزائر البحر فذهب منهم تسعة(1\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "90",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6022",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أعشارهم إلى العراق يجادلونهم بالقرآن وعشر بالشامquot;. 217-وحديث quot;إذا كانت سنة خمسين ومئة فخير أولادكم البناتquot;. 218- وحديث quot;إذا كانت سنة ستين ومئة كان كذا وكذاquot;. 219- وحديث quot;أنا وأصحابي أهل إيمان وعمل إلى أربعين وأهل بر وتقوى إلى الثمانين وأهل تواصل وتراحم إلى العشرين ومئة وأهل تقاطع وتدابر إلى الستين ومئة ثم الهرج الهرج الهرب الهربquot;. 220- وحديث quot;الآيات بعد المئتينquot;. 221- وحديث quot;إذا أتت على أمتي ثلاث مئة وثمانون سنة فقد حلت لهم العزبة والترهب على رؤوس الجبالquot;. فصل-31- 222- ومنها أحاديث الاكتحال يوم عاشوراء والتزين والتوسعة والصلاة فيه وغير ذلك من فضائل لا يصح منها شيء ولا حديث واحد ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيء غير أحاديث صيامه وما عداها فباطل. 223- وأمثل ما فيها quot;من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله(1\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "91",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6023",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه سائر سنتهquot; قال الإمام أحمد: quot;لا يصح هذا الحديثquot;. 224- وأما حديث الاكتحال والأدهان والتطيب فمن وضع(1\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "92",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6024",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكذابين وقابلهم آخرون فاتخذوه يوم تألم وحزن والطائفتان مبتدعتان خارجتان عن السنة. وأهل السنة يفعلون فيه ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الصوم ويجتنبون ما أمر به الشيطان من البدع. فصل-32- 225- ومنها quot;ذكر فضائل السور وثواب من قرأ سورة كذا فله أجر كذاquot; من أول القرآن إلى آخره كما ذكر ذلك الثعلبي والواحدي في أول كل سورة والزمخشري في آخرها قال عبد الله بن المبارك أظن الزنادقة وضعوها. 226- والذي صح في أحاديث السور quot;حديث فاتحة الكتاب وأنه لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور مثلهاquot;.(1\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "93",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6025",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "227- وحديث quot;البقرة وآل عمران إنهما الزهراوانquot;. 228- وحديث quot;آية الكرسي وإنها سيدة آي القرآنquot;. 229- وحديث quot;الآيتين من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاهquot;. 230- وحديث quot;سورة البقرة لا تقرأ في بيت فيقربه شيطانquot;. 231- وحديث quot;العشر آيات من أول سورة الكهف من قرأها عصم من فتنة الدجالquot;. 232- وحديث quot;قل هو الله أحد وأنها تعدل ثلث القرآنquot; ولم يصح في فضائل سورة ما صح فيها. 233- وحديث quot;المعوذتين وأنه ما تعوذ المتعوذون بمثلهماquot;. 234- وقوله صلى الله عليه وسلم: quot;أنزل علي آيات لم ير مثلهن ثم قرأهماquot;. 235- ويلي هذه الأحاديث وهو دونها في الصحة حديث quot;إذا زلزلت تعدل نصف القرآنquot;. 236- وحديث quot;قل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآنquot;. 237- وحديث quot;تبارك الذي بيده الملك هي المنجية من عذاب القبرquot;. 238- ثم سائر الأحاديث بعد كقوله: quot;من قرأ سورة كذا أعطي ثواب كذاquot; فموضوعة على رسوله صلى الله عليه وسلم وقد اعترف بوضعها واضعها وقال: quot;قصدت أن أشغل الناس بالقرآن عن غيرهquot; وقال بعض جهلاء(1\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "94",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6026",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوضاعين في هذا النوع: quot;نحن نكذب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نكذب عليهquot;. ولم يعلم هذا الجاهل أنه من قال عليه ما لم يقل فقد كذب عليه واستحق الوعيد الشديد. فصل-33- ومما وضعه جهلة المنتسبين إلى السنة في فضائل الصديق رضي الله عنه: 239 حديث quot;إن الله يتجلى للناس عامة يوم القيامة ولأبي بكر خاصةquot;. 240- وحديث quot;ما صب الله في صدري شيئا إلا صببته في صدر أبي بكرquot;. 241- وحديث quot;كان إذا اشتاق إلى الجنة قبل شيبة أبي بكرquot;. 242- وحديث quot;أنا وأبو بكر كفرسي رهانquot;. 243- وحديث quot;إن الله لما اختار الأرواح اختار روح أبي بكرquot;. 244- وحديث عمر quot;كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يتحدثان وكنت كالزنجي بينهماquot;. 245- وحديث quot;لو حدثتكم بفضائل عمر عمر نوح في قيومه ما فنيت وإن عمر حسنة من حسنات أبي بكرquot;. 246- وحديث quot;ما سبقكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة إنما سبقكم بشيء وقر في صدرهquot; وهذا من كلام أبي بكر بن عياش.(1\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "95",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6027",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل -34- 247- وأما ما وضعه الرافضة في فضائل علي فأكثر من أن يعد. قال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب (الإرشاد) وضعت الرافضة في فضائل علي رضي الله عنه وأهل البيت نحو ثلاث مئة ألف حديث. ولا تستبعد هذا فإنك لو تتبعت ما عندهم من ذلك لوجدت الأمر كما قال. فصل-35- 248- ومن ذلك ما وضعه بعض جهلة أهل السنة في فضائل معاوية ابن أبي سفيان قال إسحاق بن راهويه: quot;لا يصح في فضائل معاوية بن أبي سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم شيءquot;. قلت ومراده ومراد من قال ذلك من أهل الحديث أنه لم يصح حديث في مناقبه بخصوصه وإلا فما صح عندهم في مناقب الصحابة على العموم ومناقب قريش فمعاوية رضي الله عنه داخل فيه. فصل-36- 249- ومن ذلك ما وضعه الكذابون في مناقب أبي حنيفة والشافعي على التنصيص على اسميهما. 250- وما وضعه الكذابون أيضا في ذمهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يروى من ذلك كله كذب مختلق.(1\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "96",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6028",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "فصل-37-",
        "content": "فصل-37- 251- ومن ذلك الأحاديث في ذم معاوية. 252- وكل حديث في ذمه فهو كذب. 253- وكل حديث في ذم عمرو بن العاص فهو كذب. 254- وكل حديث في ذم بني أمية فهو كذب. 255- وكل حديث في مدح المنصور والسفاح والرشيد فهو كذب. 256- وكل حديث في مدح بغداد أو ذمها والبصرة والكوفة ومرو وعسقلان والإسكندرية ونصيبين وأنطاكية فهو كذب. 257- وكل حديث في تحريم ولد العباس على النار فهو كذب. 258- وكذا كل حديث في ذكر الخلافة في ولد العباس فهو كذب. 259- وكل حديث في مدح أهل خراسان الخارجين مع عبد الله بن علي ولد العباس فهو كذب. 260- وكل حديث فيه أن مدينة كذا وكذا من مدن الجنة أو من مدن النار فهو كذب 261- وحديث عدد الخلفاء من ولد العباس كذب. 262- وكذلك أحاديث ذم الوليد وذم مروان بن الحكم. 263- وحديث ذم أبي موسى من أقبح الكذب.(1\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "97",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6029",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "264- وحديث نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاوية وعمرو بن العاص فقال: quot; اللهم اركسهما في الفتنة ركسا ودعهما إلى النار دعا quot; كذب مختلق.(1\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "98",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6030",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل-38- 266- وكل حديث فيه أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فكذب مختلق. 267- وقابل من وضعها طائفة أخرى فوضعوا أحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الإيمان يزيد وينقص. وهذا كلام صحيح وهو إجماع السلف حكاه الشافعي وغيره ولكن هذا اللفظ كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا مثل إجماع الصحابة والتابعين وجميع أهل السنة وأئمة الفقه على أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق وليست هذه الألفاظ حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن روى ذلك عنه فقد غلط. فصل -39- 268- وكل حديث في التنشيف بعد الوضوء فإنه لا يصح.(1\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "99",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6031",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "269- وكذا حديث مسح الرقبة في الوضوء باطل. 270- وأحاديث الذكر على أعضاء الوضوء كلها باطل ليس فيها شيء يصح. 271- وأقرب ما روي منها أحاديث التسمية على الوضوء وقد قال الإمام أحمد لا يثبت في التسمية على الوضوء حديث انتهى ولكنها أحاديث حسان.(1\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "100",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6032",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "272- وكذلك حديث التشهد بعد الفراغ من الوضوء وقول المتوضيء: quot;أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين.(1\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "101",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6033",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "فصل -40-",
        "content": "273- وفي حديث آخر رواه بقي بن مخلد في مسنده quot;سبحانك اللهم ربنا وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليكquot; فهذا الذكر بعده والتسمية قبله هو الذي رواه أهل السنن والمسانيد. 274- وأما الحديث الموضوع في الذكر على كل عضو فباطل. فصل -40- 275- وكذلك تقدير أقل الحيض بثلاثة أيام وأكثره بعشرة ليس فيها شيء صحيح بل كله باطل. 276- وكذلك حديث quot;لا صلاة لمن عليه صلاةquot; قال إبراهيم الحربي: quot;سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: quot;لا أعرفهquot; قال الحربي: quot;ولا سمعت أنا بهذا في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلمquot;.(1\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "102",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6034",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل -41- 277- ومن الأحاديث الباطلة حديث quot;من بشرني بخروج نيسان ضمنت له على الله الجنةquot;. 278- وحديث quot;من آذى ذميا فقد آذانيquot;.(1\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "103",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6035",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "279- وحديث quot;يوم صومكم يوم فطركم يوم رأس سنتكمquot;. 280- وحديث quot;وللسائل حق وإن جاء على فرسquot;(1\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "104",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6036",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الإمام أحمد: quot;أربعة أحاديث تدور في الأسواق لا أصل لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر هذه الأحاديث الأربعةquot;. 281- ومن ذلك حديث quot;لولا كذب السائل ما أفلح من ردهquot; قال العقيلي: quot;ليس في هذا الباب شيء يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلمquot;. 282- ومن ذلك حديث quot;طلب الخير من الرحماء ومن حسان الوجوهquot; قال العقيلي: quot;ليس في هذا الباب شيء يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلمquot;.(1\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "105",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6037",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "283- ومن ذلك أحاديث التحذير من التبرم بحوائج الناس ليس فيها شيء صحيح قال العقيلي: quot;وقد روي في هذا الباب أحاديث ليس فيها شيء يثبتquot;. 284- وكذلك حديث quot;السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة والبخيل عكسهquot;.(1\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "106",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6038",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الدارقطني: quot;لهذا الحديث طرق لا يثبت منها شيء بوجهquot;. فصل - 42- 285- ومن ذلك أحاديث اتخاذ السراري كحديث quot;اتخذوا السراري فإنهن مباركات الأرحامquot; قال العقيلي: quot;لا يصح في السراري عن النبي صلى الله عليه وسلم شيءquot;. 286- ومن هذا أحاديث مدح العزوبة كلها باطل. 287- ومن ذلك أحاديث النهي عن قطع السدر قال العقيلي: quot;لا يصح في قطع السدر شيءquot; وقال أحمد: quot;ليس فيه حديث صحيحquot;.(1\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "107",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6039",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "288- ومن ذلك ما تقدمت الإشارة إلى بعضه أحاديث مدح العدس والأرز والباقلاء والباذنجان والرمان والزبيب والهندباء والكراث والبطيخ والجزر والجبن والهريسة وفيها جزء كله كذب من أوله إلى آخره. 289- وأقرب ما جاء فيها حديث quot;أفضل طعام الدنيا والآخرة اللحمquot;.(1\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "108",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6040",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال العقيلي: quot;لا يصح في هذا المتن عن النبي صلى الله عليه وسلم شيءquot;. 290- ومن هذا حديث النهي عن قطع اللحم بالسكين وأنه من صنع الأعاجم قال الإمام أحمد: quot;ليس بصحيح وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتز من لحم الشاة ويأكلquot;.(1\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "109",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6041",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "291- ومن ذلك أحاديث النهي عن الأكل في السوق كلها باطلة قال العقيلي: quot;لا يثبت في هذا الباب شيء عن النبي صلى الله عليه وسلمquot;. 292- ومن ذلك أحاديث البطيخ وفضله وفيه جزء قال الإمام أحمد: quot;لا يصح في فضل البطيخ شيء إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكلهquot;. فصل -43- 293- ومن ذلك أحاديث فضائل الأزهار كحديث فضل النرجس والورد والمرزنجوش والبنفسج والبان وكلها كذب. 294 ومن ذلك أحاديث فضائل الديك كلها كذب إلا حديثا واحدا quot;إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضلهquot; وقد تقدم ذلك.(1\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "110",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6042",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل -44 - 295- ومن ذلك أحاديث الحناء وفضله والثناء عليه وفيه جزء لا يصح منه شيء وأجود ما فيه حديث الترمذي quot;أربع من سنن المرسلين السواك والطيب والحناء والنكاحquot;. وسمعت شيخنا أبا الحجاج المزي يقول: quot;هذا غلط من بعض الرواة وإنما هو الختان بالنون كذلك رواه المحاملي عن شيخه الترمذيquot; قال: quot;والظاهر أن اللفظة وقعت في آخر السطر فسقطت منها النون فرواها بعضهم الحناء وبعضهم الحياء وإنما هو الختانquot;.(1\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "111",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6043",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "296- وصح حديث الخضاب بالحناء والكتم. 297- ومن ذلك أحاديث التختم بالعقيق قال العقيلي: quot;لا يثبت في هذا شيء عن النبي صلى الله عليه وسلمquot;. 298- ومن ذلك حديث النهي أن تقص الرؤيا على النساء قال العقيلي: quot;لا يحفظ من وجه يثبتquot;.(1\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "112",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6044",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل-45- 299- ومن ذلك أحاديث quot;لا يدخل الجنة ولد زناquot; قال أبو الفرج ابن الجوزي: quot;وقد ورد في ذلك أحاديث ليس فيها شيء يصح وهي معارضة بقوله تعالى: ولا تزر وازرة وزر أخرى quot;. قلت ليست معارضة بها إن صحت فإنه لم يحرم الجنة بفعل والديه بل لأن النطفة الخبيثة لا يتخلق منها طيب في الغالب ولا يدخل الجنة إلا نفس طيبة فإن كانت في هذا الجنس طيبة دخلت الجنة وكان الحديث من العام المخصوص. 300- وقد ورد في ذمه quot;إنه شر الثلاثةquot; وهو حديث حسن ومعناه صحيح بهذا الاعتبار فإن شر الأبوين عارض وهذا نطفة خبيثة فشره في أصله وشر الأبوين من فعلهما.(1\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "113",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6045",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "فصل -46-",
        "content": "فصل -46- 301- ومن ذلك حديث quot;ليس لفاسق غيبةquot; قال الدارقطني والخطيب: quot;قد روي من طرق وهو باطلquot;. 302- ومن ذلك أحاديث النهي عن سب البراغيث قال العقيلي: quot;لا يصح في البراغيث عن النبي صلى الله عليه وسلم شيءquot;. 303- ومن ذلك أحاديث اللعب بالشطرنج إباحة وتحريما كلها كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما يثبت فيه المنع عن الصحابة.(1\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "114",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6046",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ر304- ومن ذلك حديث quot;لا تقتل المرأة إذا ارتدتquot; قال الدارقطني: quot;لا يصح هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلمquot;. 305- ومن ذلك حديث quot;من أهديت إليه هدية وعنده جماعة فهم شركاؤهquot; قال العقيلي: quot;لا يصح في هذا الباب شيء quot; وقال البخاري في صحيحه: quot;باب من أهدي له هدية وعنده جلساؤه فهو أحقquot; قال: quot;ويذكر عن ابن عباس أن جلساءه شركاؤه ولم يصحquot; 306- ومن ذلك حديث quot;أن عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبواquot; قال شيخنا: quot;لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلمquot;.(1\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "115",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6047",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "307- ومن ذلك أحاديث الأبدال والأقطاب والأغواث والنقباء والنجباء والأوتاد كلها باطلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. 308- وأقرب ما فيها quot;لا تسبوا أهل الشام فإن فيهم البدلاء كلما مات رجل منهم أبدل الله مكانه رجلا آخرquot; ذكره أحمد ولا يصح أيضا فإنه منقطع.(1\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "116",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6048",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل -47- 309- ومن ذلك أحاديث المنع من رفع اليدين في الصلاة عند الركوع والرفع منه كلها باطلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصح منها شيء. 310- كحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: quot;إنما أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فصلى فلم يرفع يديه إلا في أول مرةquot; قال ابن المبارك: quot;قد ثبت حديث سالم عن أبيه يعني في الرفع ولم يثبت حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنهquot;.(1\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "117",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6049",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "311- وكحديثه الآخر quot;صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فلم يرفعوا إلا عند افتتاح الصلاةquot; وهو منقطع لا يصح. 312- وحديث يزيد بن أبي زياد عن ابن أبي ليلى عن البراء quot;أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لا يعودquot;. قال الشافعي: quot;ذهب بعض الناس إلى تغليط يزيدquot; وقال الإمام أحمد: quot;هذا حديث واهquot; وقال يحيى ابن أبي زياد: quot;ضعيف الحديثquot; وقال ابن عدي: quot;ليس بذاكquot; وضعف هذا الحديث جمهور أهل الحديث وقالوا: لا يصحquot;. 313- وحديث وكيع عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس وعن نافع عن ابن عمر قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;ترفع الأيدي في سبعة مواطن عند افتتاح الصلاة واستقبال البيت والصفا والمروة والموقفين والجمرتينquot; لا يصح رفعه والصحيح وقفه على ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم. 314- وحديث أورده البيهقي في الخلافيات من رواية عبد الله بن عون الخراز حدثنا مالك عن الزهري عن سالم عن ابن عمر quot;أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعودquot; ومن شم روائح الحديث على بعد شهد بالله أنه موضوع.(1\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "118",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6050",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "315- وحديث عباد بن الزبير كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في أول الصلاة ثم لم يرفعهما وهو موضوع. 316- وحديث وضعه محمد بن عكاشة الكرماني عن أنس رضي الله عنه موقوفا quot;من رفع يديه في الركوع فلا صلاة لهquot; قبح الله واضعه. فصل-48- 317- ومن ذلك حديث quot;أن الناس يوم القيامة يدعون بأمهاتهم لابآئهمquot; هو باطل والأحاديث الصحيحة بخلافه قال البخاري في صحيحه: quot;باب ما يدعى الناس يوم القيامة بآبائهمquot; ثم ذكر حديث quot;ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته فيقال هذه غدرة فلان بن فلانquot; وفي الباب أحاديث أخرى غير ذلك. فصل - 49- 318- ومن ذلك حديث quot;حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا للفقراء ورقص حتى شق قميصهquot; فلعن الله واضعه ما أجرأه على الكذب السمج. 319- وحديث quot;لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعهquot; وهو من وضع المشركين عباد الأوثان.(1\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "119",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6051",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "320- وحديث quot;اتخذوا مع الفقراء أيادي فإن لهم دولة يوم القيامة وأي دولةquot;. 321- وحديث quot;من عشق فعف فكتم فمات فهو شهيدquot; موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم. 322- وحديث quot;من أكل مع مغفور له غفر لهquot; موضوع أيضا وغاية ما روي فيه أنه منام رآه بعض الناس. 323- وحديث quot;من قص أظفاره مخالفا لم ير في عينيه رمداquot; من أقبح الموضوعات. 324- وحديث quot;إذا دعت أحدكم أمه وهو في الصلاة فليجب وإذا دعاه أبوه فلا يجبquot; يرويه عبد العزيز بن أبان القرشي الأموي قال البخاري: quot;تركوهquot; وقال ابن معين وغيره: quot;كذاب روى أحاديث موضوعةquot;. 325- وحديث جابر في التشهد وفي أوله quot;بسم الله التحيات للهquot; يرويه حميد بن الربيع عن أبي عاصم عن ابن جريج عن(1\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "120",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6052",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبي الزبير عنه قال ابن معين: quot;حميد هذا كذابquot; وقال النسائي: quot;ليس بشيءquot;. فصل -50- 326- وسئلت عن حديث quot;لا مهدي إلا عيسى ابن مريمquot; فكيف يأتلف هذا مع أحاديث المهدي وخروجه وما وجه الجمع بينهما وهل في المهدي حديث أم لا 327- فأما حديث quot;لا مهدي إلا عيسى ابن مريمquot; فرواه ابن ماجه في سننه عن يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي عن محمد بن خالد الجندي عن إبان بن صالح عن الحسن عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو مما تفرد به محمد بن خالد.(1\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "121",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6053",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أبو الحسين محمد بن الحسين الآبري في كتاب (مناقب الشافعي) : quot;محمد بن خالد هذا غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العلم والنقل وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر المهدي وأنه من أهل بيته وأنه يملك سبع سنين وأنه يؤم الأرض عدلا وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفهquot;. وقال البيهقي: quot;تفرد به محمد بن خالد هذاquot; وقد قال الحاكم: quot;أبو عبد الله هو مجهول وقد اختلف عليه في إسناده فروى عنه عن أبان ابن أبي عياش عن الحسن مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلمquot; قال: quot;فرجع الحديث(1\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "122",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6054",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى رواية محمد بن خالد وهو مجهول عن أبان بن أبي عياش وهو متروك عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو منقطع والأحاديث على خروج المهدي أصح إسناداquot;. 328- قلت كحديث عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلا مني أو من أهل بيتي يواطىء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجوراquot; رواه أبو داود والترمذي. وقال: quot;حديث حسن صحيحquot; قال: quot;وفي الباب عن علي وأبي سعيد وأم سلمة وأبي هريرة ثم روى حديث أبي هريرة وقال: quot;حسن صحيحquot; انتهى. وفي الباب عن حذيفة بن اليمان وأبي أمامة الباهلي وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص وثوبان وأنس بن مالك وجابر وابن عباس وغيرهم.(1\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "123",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6055",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "329- وفي سنن أبي داود عن علي رضي الله عنه أنه نظر إلى ابنه الحسن فقال: quot;إن ابني هذا سيد كما سماه النبي صلى الله عليه وسلم وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم ويشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق يملأ الأرض عدلاquot;. 330- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;المهدي مني أجلى الجبهة أقني الأنف يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما يملك سبع سنين quot; رواه أبو داود بإسناد جيد من حديث عمران بن داور العمي القطان عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد وروى الترمذي نحوه من وجه آخر عن أبي الصديق الناجي عنه. 331- وروى أبو داود من حديث صالح بن أبي مريم أبي الخليل الضبعي عن صاحب له عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هاربا إلى مكة فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام ويبعث إليه بعث من الشام فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة فإذا رأى(1\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "124",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6056",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الناس ذلك أتاه أبدال الشام وعصائب أهل العراق فيبايعونه ثم ينشأ رجل من قريش أخواله كلب فيبعث إليهم بعثا فيظهرون عليهم وذلك بعث كلب والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب فيقسم المال ويعمل في الناس بسنة نبيهم ويلقي الإسلام بجرانه في الأرض فيلبث سبع سنين ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون وفي رواية فيلبث تسع سنين quot;. ورواه الإمام أحمد باللفظين ورواه أبو داود من وجه آخر عن قتادة عن أبي الخليل عن عبد الله بن الحارث عن أم سلمة نحوه ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده من حديث قتادة عن صالح أبي الخليل عن صاحب له وربما قال صالح عن مجاهد عن أم سلمة والحديث حسن ومثله مما يجوز أن يقال فيه: quot;صحيحquot;. 332- وقال ابن ماجه في سننه حدثنا حرملة بن يحيى المصري وإبراهيم بن سعيد الجوهري قالا حدثنا أبو صالح عبد الغفار بن داود الحراني حدثنا ابن لهيعة عن أبي زرعة عمرو بن جابر الحضرمي عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;يخرج ناس من أهل المشرق فيوطؤون للمهدي يعني سلطانه quot;.(1\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "125",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6057",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "333- وذكر أبو نعيم في كتاب المهدي من حديث حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لبعث الله فيه رجلا اسمه اسمي وخلقه خلقي يكنى أبا عبد اللهquot; ولكن في إسناده العباس بن بكار لا يحتج بحديثه وقد تقدم هذا المتن من حديث ابن مسعود وأبي هريرة وهما صحيحان. 334- وقد قالت أم سلمة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;المهدي من عترتي من ولد فاطمةquot; رواه أبو داود وابن ماجه وفي إسناده زياد بن بيان وثقة ابن حبان وقال ابن معين: quot;ليس به بأسquot; وقال البخاري: quot;في إسناد حديثه نظرquot;. 335- وقال أبو نعيم حدثنا خلف بن أحمد بن العباس الرامهرمزي في كتابه حدثنا همام بن أحمد بن أيوب حدثنا طالوت بن عباد حدثنا سويد بن إبراهيم عن محمود بن عمر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن(1\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "126",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6058",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عوف عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;ليبعثن الله من عترتي رجلا أفرق الثنايا أجلى الجبهة يملأ الأرض عدلا يفيض المال في زمنه فيضاquot; ولكن طالوت وشيخه ضعيفان والحديث ذكرناه للشواهد. 336- وقال يحيى بن عبد الحميد الحماني في مسنده حدثنا قيس ابن الربيع عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي يفتح القسطنطينية وجبل الديلم ولو لم يبق إلا يوم طول الله ذلك اليوم حتى يفتحها quot; يحيى بن عبد الحميد وثقه ابن معين وغيره وتكلم فيه أحمد. 337- وقال أبو نعيم حدثنا أبو الفرج الأصبهاني حدثنا أحمد بن الحسين حدثنا أبو جعفر بن طارق عن الجيد بن نظيف عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;منا الذي يصلي عيسى ابن مريم خلفهquot; وهذا إسناد لا تقوم به حجة ولكن في صحيح ابن حبان من حديث عطية بن عامر نحوه. 338- وقال الحارث بن أبي أسامة في مسنده: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم حدثنا إبراهيم بن عقيل عن أبيه عن وهب بن منبه عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;ينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم المهدي تعال صل بنا فيقول لا إن بعضهم أمير بعض تكرمة(1\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "127",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6059",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله لهذه الأمةquot; وهذا إسناد جيد. 339- وقال الطبراني حدثنا محمد بن زكريا الهلالي حدثنا العباس ابن بكار حدثنا عبد الله بن زياد عن الأعمش عن زر بن حبيش عن حذيفة قال: quot;خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ما هو كائنquot; ثم قال: quot;لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلا من ولدي اسمه اسميquot; ولكن هذا إسناد ضعيف. وهذه الأحاديث أربعة أقسام صحاح وحسان وغرائب وموضوعة وقد اختلف الناس في المهدي على أربعة أقوال: أحدها: أنه المسيح ابن مريم وهو المهدي على الحقيقة. واحتج أصحاب هذا بحديث محمد بن خالد الجندي المتقدم وقد بينا حاله وأنه لا يصح ولو صح لم يكن فيه حجة لأن عيسى أعظم مهدي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الساعة. وقد دلت السنة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم على نزوله على المنارة البيضاء شرقي دمشق وحكمه بكتاب الله وقتله اليهود والنصارى ووضعه الجزية وإهلاك أهل الملل في زمانه. فيصح أن يقال لا مهدي في الحقيقة سواه وإن كان غيره مهديا كما يقال لا علم إلا ما نفع ولا مال إلا ما وقى وجه صاحبه وكما يصح أن يقال إنما المهدي عيسى ابن مريم يعني المهدي الكامل المعصوم.(1\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "128",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6060",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القول الثاني: أنه المهدي الذي ولي من بني العباس وقد انتهى زمانه. 340- واحتج أصحاب هذا القول بما رواه أحمد في مسنده حدثنا وكيع عن شريك عن علي بن زيد عن أبي قلابة عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;إذا رأيتم الرايات السود قد أقبلت من خراسان فائتوها ولو حبوا على الثلج فإنه فيها خليفة الله المهديquot;. وعلي بن زيد قد روى له مسلم متابعة ولكن هوضعيف وله مناكير تفرد بها فلا يحتج بما ينفرد به. 341- وروى ابن ماجه من حديث الثوري عن خالد عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وتابعه عبد العزيز بن المختار عن خالد. وفي سنن ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود قال: quot;بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل فتية من بني هاشم فلما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم اغرورقت عيناه وتغير لونه فقلت: ما نزال نرى في وجهك شيئا نكرهه قال: إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا وإن أهل بيتي سيلقون بلاء وتشريدا وتطريدا حتى يأتي قوم من أهل المشرق ومعهم رايات سود يسألون الحق فلا يعطونه فيقاتلون فينصرون فيعطون ما سألوا فلا(1\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "129",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6061",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقبلونه حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي فيملؤها قسطا كما ملئت جورا فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولو حبوا على الثلجquot; وفي إسناده يزيد بن أبي زياد وهو سيء الحفظ اختلط في آخر عمره وكان يقلد الفلوس. وهذا والذي قبله لو صح لم يكن فيه دليل على أن المهدي الذي تولى من بني العباس هو المهدي الذي يخرج في آخر الزمان بل هو مهدي من جملة المهديين وعمر بن عبد العزيز كان مهديا بل هو أولى باسم المهدي منه. 342- وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعديquot;. وقد ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وغيره إلى أن عمر بن عبد العزيز منهم ولا ريب أنه كان راشدا مهديا ولكن ليس بالمهدي الذي يخرج في آخر الزمان فالمهدي في جانب الخير والرشد كالدجال في جانب الشر والضلال وكما أن بين يدي الدجال الأكبر صاحب الخوارق دجالين كذابين فكذلك بين يدي المهدي الأكبر مهديون راشدون.(1\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "130",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6062",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القول الثالث: أنه رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من ولد الحسن بن علي يخرج في آخر الزمان وقد امتلأت الأرض جورا وظلما فيملأها قسطا وعدلا وأكثر الأحاديث على هذا تدل. وفي كونه من ولد الحسن سر لطيف وهو أن الحسن رضي الله تعالى عنه ترك الخلافة لله فجعل الله من ولده من يقوم بالخلافة الحق المتضمن للعدل الذي يملأ الأرض وهذه سنة الله في عباده أنه من ترك لأجله شيئا أعطاه الله أو أعطى ذريته أفضل منه وهذا بخلاف الحسين رضي الله عنه فإنه حرص عليها وقاتل عليها فلم يظفر بها والله أعلم 343- وقد روى أبو نعيم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;يخرج رجل من أهل بيتي يعمل بسنتي وينزل الله له البركة من السماء وتخرج له الأرض بركتها ويملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما ويعمل على هذه الأمة سبع سنين وينزل بيت المقدسquot;. 344- وروى أيضا من حديث أبي أمامة قال: quot;خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الدجال وقال: quot; فتنفي المدينة الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص فقالت أم شريك: فأين العرب يا رسول الله يومئذ فقال هم يومئذ قليل وجلهم ببيت المقدس وأمامهم المهدي رجل صالح.(1\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "131",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6063",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "345- وروى أيضا من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;لن تهلك أمة أنا في أولها وعيسى ابن مريم في آخرها والمهدي في وسطهاquot;. وهذه الأحاديث وإن كان في إسنادها بعض الضعف والغرابة فهي مما يقوي بعضها بعضا ويشد بعضها ببعض فهذه أقوال أهل السنة. وأما الرافضة الإمامية: فلهم قول رابع: وهو أن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري المنتظر من ولد الحسين بن علي لا من ولد الحسن الحاضر في الأمصار الغائب عن الأبصار الذي يورث العصا ويختم الفضا دخل سرداب سامراء طفلا صغيرا من أكثر من خمس مئة سنة فلم تره بعد ذلك عين ولم يحس فيه بخبر ولا أثر وهم ينتظرونه كل يوم يقفون بالخيل على باب السرداب ويصيحون به أن يخرج إليهم أخرج يا مولانا لآحتج يا مولانا ثم يرجعون بالخيبة والحرمان فهذا دأبهم ودأبه. ولقد أحسن من قال: ما آن للسرداب أن يلد الذي ... كلمتموه بجهلكم ما آنا فعلى عقولكم العفاء فإنكم ... ثلثتم العنقاء والغيلانا(1\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "132",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6064",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولقد أصبح هؤلاء عارا على بني آدم وضحكة يسخر منها كل عاقل. أما مهدي المغاربة محمد بن تومرت فإنه رجل كذاب ظالم متغلب بالباطل ملك بالظلم والتغلب والتحيل فقتل النفوس وأباح حريم المسلمين وسبى ذراريهم وأخذ أموالهم وكان شرا على الملة من الحجاج بن يوسف بكثير. وكان يودع بطن الأرض في القبور جماعة من أصحابه أحياء يأمرهم أن يقولوا للناس إنه المهدي الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم ثم يردم عليهم ليلا لئلا يكذبوه بعد ذلك وسمي أصحابه الجهمية الموحدين نفاة صفات الرب وكلامه وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه ورؤية المؤمنين له بالأبصار يوم القيامة واستباح قتل من خالفهم من أهل العلم والإيمان وتسمى بالمهدي المعصوم. ثم خرج المهدي الملحد عبيد الله بن ميمون القداح وكان جده يهوديا من بيت مجوسي فانتسب بالكذب والزور إلى أهل البيت وادعى أنه المهدي الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم وملك وتغلب إستحقل أمره إلى أن استولت ذريته الملاحدة المنافقون الذين كانوا أعظم الناس عداوة لله ولرسوله على بلاد المغرب ومصر والحجاز والشام واشتدت غربة الإسلام ومحنته ومصيبته بهم وكانوا يدعون الإلهية ويدعون(1\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "133",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6065",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن للشريعة باطنا يخالف ظاهرها. وهم ملوك القرامطة الباطنية أعداء الدين فتستروا بالرفض والانتساب كذبا إلى أهل البيت ودانوا بدين أهل الإلحاد وروجوه ولم يزل أمرهم ظاهرا إلى أن أنقذ الله الأمة منهم ونصر الإسلام بصلاح الدين يوسف ابن أيوب فاستنقذ الملة الإسلامية منهم وأبادهم وعادت مصر دار إسلام بعد أن كانت دار نفاق وإلحاد في زمنهم. والمقصود أن هؤلاء لهم مهدي وأتباع ابن تومرت لهم مهدي والرافضة الإثني عشرية لهم مهدي. فكل هذه الفرق تدعي في مهديها الظلوم الغشوم والمستحيل المعدوم أنه الإمام المعصوم والمهدي المعلوم الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر بخروجه وهي تنتظره كما تنتظر اليهود القائم الذي يخرج في آخر الزمان فتعلو به كلمتهم ويقوم به دينهم وينصرون به على جميع الأمم. والنصارى تنتظر المسيح يأتي قبل يوم القيامة فيقيم دين النصرانية ويبطل سائر الأديان وفي عقيدتهم نزع المسيح الذي هو إله حق من إله حق من جوهر أبيه الذي نزل طامينا إلى أن قالوا وهو مستعد للمجيء قبل يوم القيامة فالملل الثلاث تنتظر إماما قائما يقوم في آخر الزمان.(1\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "134",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6066",
        "book_id": "qym_4115",
        "book_name": " المنار المنيف في الصحيح والضعيف = نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "346- ومنتظر اليهود الدجال الذي يتبعه من يهود أصبهان سبعون ألفا وفي المسند مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;أكثر أتباع الدجال اليهود والنساءquot;. والنصارى تنتظر المسيح عيسى ابن مريم ولا ريب في نزوله ولكن إذا نزل كسر الصليب وقتل الخنزير وأباد الملل كلها سوى ملة الإسلام. 347- وهذا معنى الحديث quot;لا مهدي إلا عيسى ابن مريمquot;. والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم مدة ذكر الذاكرين وسهو الغافلين والحمد لله رب العالمين.(1\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "135",
        "book_number": "16",
        "slug": " -qym_4115"
    },
    {
        "id": "6067",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "السعادة بثلاث: شكر النعمة، والصبر على البلاء، والتوبة من الذنب",
        "content": "السعادة بثلاث: شكر النعمة والصبر على البلاء والتوبة من الذنب بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. الله سبحانه وتعالى المسؤول المرجو الإجابة أن يتولاكم في الدنيا والآخرة وأن يسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة وأن يجعلكم ممن إذا أنعم عليه شكر وإذا ابتلي صبر وإذا أذنب استغفر. فإن هذه الأمور الثلاثة عنوان سعادة العبد وعلامة فلاحه في دنياه وأخراه ولا ينفك عبد عنها أبدا. فإن العبد دائم التقلب بين هذه الأطباق الثلاث. الأول: نعم من الله تعالى تترادف عليه فقيدها (الشكر) . وهو مبني على ثلاثة أركان: الاعتراف بها باطنا والتحدث بها ظاهرا وتصريفها في مرضاة وليها ومسديها ومعطيها. فإذا فعل ذلك فقد شكرها مع تقصيره في شكرها. الثاني: محن من الله تعالى يبتليه بها ففرضه فيها (الصبر) والتسلي. والصبر حبس النفس عن التسخط بالمقدور وحبس اللسان عن الشكوى وحبس الجوارح عن المعصية كاللطم وشق الثياب ونتف الشعر ونحوه. فمدار الصبر على هذه الأركان الثلاثة فإذا قام به العبد كما ينبغي انقلبت المحنة في حقه منحة واستحالت البلية عطية وصار المكروه محبوبا. فإن الله سبحانه وتعالى لم يبتله ليهلكه وإنما ابتلاه ليمتحن صبره وعبوديته فإن لله تعالى على العبد عبودية الضراء وله عبودية عليه فيما يكره كما له عبودية فيما يحب وأكثر الخلق يعطون العبودية فيما يحبون. والشأن في إعطاء العبودية في المكاره ففيه تفاوت مراتب العباد وبحسبه كانت منازلهم عند الله تعالى فالوضوء بالماء البارد في شدة الحر عبودية ومباشرة زوجته الحسناء التي يحبها عبودية ونفقته عليها وعلى عياله ونفسه عبودية. هذا والوضوء بالماء البارد في شدة البرد عبودية وتركه المعصية التي اشتدت دواعي نفسه إليها من غير خوف من الناس عبودية ونفقته في الضراء عبودية ولكن فرق عظيم بين العبودتين. فمن كان عبدا لله في الحالتين قائما بحقه في المكروه والمحبوب فذلك الذي تناوله قوله تعالى: أليس الله بكاف عبده وفي القراءة الأخرى عبادة وهما سواء لأن المفر مضاف فينعم عموم الجمع فالكفاية التامة مع العبودية التامة والناقصة فمن وجد(1\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6068",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. وهؤلاء هم عباده الذين ليس لعدوه عليهم سلطان قال تعالى إن عبادي ليس لك عليهم سلطان . ولما علم عدو الله إبليس أن الله تعالى لا يسلم عباده إليه ولا يسلطه عليهم قال: فبعزتك لأغوينهم أجمعين  إلا عبادك منهم المخلصين . وقال تعالى: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين  وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك . فلم يجعل لعدوه سلطانا على عباده المؤمنين فإنهم في حرزه وكلاءته وحفظه وتحت كنفه وإن اغتال عدوه أحدهم كما يغتال اللص الرجل الغافل فهذا لا بد منه لأن العبد قد بلي بالغفلة والشهوة والغضب ودخوله على العبد من هذه الأبواب الثلاثة ولو احتزر العبد ما احتزر فلا بد له من غفلة ولا بد له من شهوة ولا بد له من غضب. وقد كان آدم أبو البشر صلى الله عليه وسلم من أحلم الخلق وأرجحهم عقلا وأثبتهم ومع هذا فلم يزل به عدو الله حتى أوقعه فيه فما الظن بفراشة الحلم ومن عقله في جنب عقل أبيه كتفلة في بحر ولكن عدو الله لا يخلص إلى المؤمن إلا غيلة على غرة وغفلة فيوقعه ويظن أنه لا يستقبل ربه عز وجل بعدها وأن تلك الوقعة قد اجتاحته وأهلكته وفضل الله تعالى ورحمته وعفوه ومغفرته وراء ذلك كله. فإذا أراد الله بعبده خيرا فتح له من أبواب (التوبة) والندم والانكسار والذل والافتقار والاستعانة به وصدق اللجأ إليه ودوام التضرع والدعاء والتقرب إليه بما أمكن من الحسنات ما تكون تلك السيئة به رحمته حتى يقول عدو الله: يا ليتني تركته ولم أوقعه. وهذا معنى قول بعض السلف: إن العبد ليعمل الذنب يدخل به الجنة ويعمل الحسنة يدخل بها النار. قالوا: كيف قال: يعمل الذنب فلا يزال نصب عينيه منه مشفقا وجلا باكيا نادما مستحيا من ربه تعالى ناكس الرأس بين يديه منكسر القلب له فيكون ذلك الذنب أنفع له من طاعات كثيرة بما ترتب عليه من هذه الأمور التي بها سعادة العبد(1\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6069",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفلاحه حتى يكون ذلك الذنب سبب دخوله الجنة. ويفعل الحسنة فلا يزال يمن بها على ربه ويتكبر بها ويرى نفسه ويعجب بها ويستطيل بها ويقول فعلت وفعلت فيورثه من العجب والكبر والفخر والاستطالة ما يكون سبب هلاكه. فإذا أراد الله تعالى بهذا المسكين خيرا ابتلاه بأمر يكسره به ويذل به عنقه ويصغر به نفسه عنده وإن أراد به غير ذلك خلاه وعجبه وكبره وهذا هو الخذلان الموجب لهلاكه. فإن العارفين كلهم مجمعون على أن التوفيق أن لا يكلك الله تعالى إلى نفسك والخذلان أن يكلك الله تعالى إلى نفسك. فمن أراد الله به خيرا فتح له باب الذل والانكسار ودوام اللجأ إلى الله تعالى والافتقار إليه ورؤية عيوب نفسه وجهلها وعدوانها ومشاهدة فضل ربه وإحسانه ورحمته وجوده وبره وغناه وحمده. فالعارف سائر إلى الله تعالى بين هذين الجناحين لا يمكنه أن يسير إلا بهما فمتى فاته واحد منهما فهو كالطير الذي فقد أحد جناحيه. قال شيخ الإسلام: العارف يسير إلى الله بين مشاهدة المنة ومطالعة عيب النفس والعمل. وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح من حديث بريدة رضي الله تعالى عنه سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فجمع في قوله صلي الله عليه وسلم أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي مشاهدة المنة ومطالعة عيب النفس والعمل. فمشاهدة المنة توجب له المحبة والحمد والشكر لولي النعم والإحسان ومطالعة عيب النفس والعمل توجب له الذل والانكسار والافتقار والتوبة في كل وقت وأن لا يرى نفسه إلا مفلسا وأقرب باب دخل منه العبد على الله تعالى هو الإفلاس فلا يرى لنفسه حالا ولا مقاما ولا سببا يتعلق به ولا وسيلة منه يمن بها بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصرف والافلاس المحض دخول من كسر الفقر والمسكنة قلبه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه فانصدع وشملته الكسرة من كل جهاته وشهد(1\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6070",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "استقامة القلب",
        "content": "ضرورته إلى ربه عز وجل وكمال فاقته وفقره إليه وأن في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة وضرورة كاملة إلى ربه تبارك وتعالى وأنه إن تخلى عنه طرفة عين هلك وخسر خسارة لا تجبر إلا أن يعود الله تعالى عليه ويتداركه برحمته. ولا طريق إلى الله أقرب من العبودية ولا حجاب أغلظ من الدعوى. والعبودية مدارها على قاعدتين هما أصلها: حب كامل وذل تام. ومنشأ هذين الأصلين عن ذينك الأصلي المتقدمين وهما مشاهدة المنة التي تورث المحبة ومطالعة عيب النفس والعمل التي تورث الذل التام وإذا كان العبد قد بنى سلوكه إلى الله تعالى على هذين الأصلين لم يظفر عدوه به إلا على غره وغيلة وما أسرع ما ينعشه الله عز وجل ويجبره ويتداركه برحمته.  استقامة القلب (فصل) وإنما يستقيم له هذا باستقامة قلبه وجواره. فاستقامة القلب بشيئين: (أحدهما) أن تكون محبة الله تعالى تتقدم عنده على جميع المحاب فإذا تعارض حب تعالى الله وحب غيره سبق حب الله تعالى حب ما سواه فرتب على ذلك مقتضاه. ما أسهل هذا بالدعوى وما أصعبه بالفعل فعند الامتحان يكرم المرء أو يهان. وما أكثر ما يقدم العبد ما يحبه هو ويهواه أو يحبه كبيره وأميره وشيخه وأهله على ما يحبه الله تعالى. فهذا لم تتقدم محبة الله تعالى في قلبه جميع المحاب ولا كانت هي الملكة المؤمرة عليها وسنة الله تعالى فيمن هذا شأنه أن ينكد عليه محابه وينغصها عليه ولا ينال شيئا منها إلا بنكد وتنغيص جزاء له على إيثار هواه وهوى من يعظمه من الخلق أو يحبه على محبة الله تعالى. وقد قضى الله تعالى قضاء لا يرد ولا يدفع أن من أحب شيئا سواه عذب به ولا بد وأن من خاف غيره سلط عليه وأن من اشتغل بشيء غيره كان شؤما عليه ومن آثر غيره عليه لم يبارك فيه ومن أرضى غيره بسخطه أسخطه عليه ولا بد. (الأمر الثاني) الذي يستقيم به القلب تعظيم الأمر والنهى وهو ناشيء عن تعظيم الآمر الناهي فإن الله تعالى ذم من لا يعظم أمره ونهيه قال سبحانه وتعالى: ما لكم لا ترجون لله وقارا قالوا في تفسيرها: ما لكم لا تخافون لله تعالى عظمة.(1\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6071",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما أحسن ما قال شيخ الاسلام في تعظيم الامر والنهي: هو أن لا يعارضا بترخص جاف ولا يعرضا لتشديد غال ولا يحملا على علة توهن الانقياد. ومعنى كلامه أن أول مراتب تعظيم الحق عز وجل تعظيم أمره ونهيه وذلك المؤمن يعرف ربه عز وجل برسالته التي أرسل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كافة الناس ومقتضاها الانقياد لامره ونهيه وإنما يكون ذلك بتعظيم أمر الله عز وجل واتباعه وتعظيم نهيه واجتنابه فيكون تعظيم المؤمن لأمر الله تعالى ونهيه دالا على تعظيمه لصاحب الأمر والنهي ويكون بحسب هذا التعظيم من الأبرار المشهود لهم بالايمان والتصدق وصحة العقيدة والبراءة من النفاق الاكبر. فإن الرجل قد يتعاطى فعل الأمر لنظر الخلق وطلب المنزلة والجاه عندهم ويتقي المناهي خشية سقوطه من أعينهم وخشية العقوبات الدنيوية من الحدود التي رتبها الشارع صلى الله عليه وسلم على المناهي. فهذا ليس فعله وتركه صادرا عن تعظيم الأمر والنهي ولا تعظيم الآمر والناهي فعلامة التعظيم لللأوامر رعاية أوقاتها وحدودها والتفتيش على أركانها وواجباتها وكمالها والحرص على تحينها في أوقاتها والمسارعة إليها عند وجوبها والحزن والكآبة والأسف عند فوت حق من حقوقها كمن يحزن على فوت الجماعة ويعلم أنه تقبلت منه صلاته منفردا فإنه قد فاته سبعة وعشرون ضعفا. ولو أن رجلا يعاني البيع والشراء تفوته صفقة واحدة في بلده من غير سفر ولا مشقة قيمتها سبعة وعشرون دينارا لأكل يديه ندما وأسفا فكيف وكل ضعف مما تضاعف به صلاة الجماعة خير من ألف وألف ألف وما شاء الله تعالى. فإذا فوت العبد عليه هذا الربح قطعا ـ وكثير من العلماء لا صلاة له ـ وهو بارد القلب فارغ من هذه المصيبة غير مرتاع لها فهذا عدم تعظيم أمر الله تعالى في قلبه وكذلك إذا فاته أول وقت الذي هو رضوان الله تعالى أو فاته الصف الأول الذي يصلي الله وملائكته على ميامنه ولو يعلم العبد فضيلته لجالد عليه ولكانت قرعة. وكذلك فوت الجمع الكثير الذي تضاعف الصلاة بكثرته وقلته. كلما كثر الجمع كان أحب إلى الله عز وجل وكلما بعدت الخطا كانت خطوة تحط خطيئة وأخرى ترفع درجة. وكذلك فوت الخشوع في الصلاة وحضور القلب فيها بين يدي الرب تبارك وتعالى الذي هو روحها ولبها فصلاة بلا خشوع ولا حضور كبدن ميت لا روح فيه أفلا يستحي العبد أن يهدي إلى مخلوق مثله عبدا ميتا أو جارية ميتة فما ظن هذا العبد أن تقع تلك الهدية ممن قصده بها من ملك أو من أمير أو غيره فهكذا سواء الصلاة الخيالية عن الخشوع والحضور وجمع الهمة على الله تعالى فيها بمنزلة هذا العبد ـ أو الأمة ـ الميت الذي يريد إهداءه إلى بعض الملوك ولهذا لا يقبلها الله تعالى منه وإن أسقطت الفرض في أحكام الدنيا ولا يثبه عليها فإنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها كما في السنن ومسند الإمام أحمد وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال إن العبد ليصلي الصلاة وما كتب له إلا نصفها إلا ثلثها إلا ربعها إلا خمسها حتى بلغ عشرها . وينبغي أن يعلم أن سائر الأعمال تجري هذا المجرى فتفاضل الأعمال عند الله تعالى بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص والمحبة وتوابعها. وهذا العمل الكامل هو الذي يكفر السيئات تكفيرا كاملا والناقص بحسبه. وبهاتين القاعدتين تزول إشكالات كثيرة وهما. تفاضل الأعمال بتفاضل ما في القلوب من حقائق الإيمان وتكفير العمل للسيئات بحسب كماله ونقصانه. وبهذا يزول الاشكال الذي يورده من نقص حظه من هذا الباب على الحديث الذي فيه أن صوم يوم عرفة يكفر سنتين ويوم عاشوراء يكفر سنة قالوا: فإذا كان دأبه دائما انه يصوم يوم عرفة فصامه وصام يوم عاشوراء فكيف يقع تكفير ثلاث سنين كل سنة وأجاب بعضهم عن هذا بأن ما فضل عن التكفير ينال به الدرجات. ويالله العجب فليت العبد إذا أتى بهذه المكفرات كلها أن تكفر عنه سيئاته باجتماع بعضها إلى بعض والتكفير بهذه مشروط بشروط موقوف على انتفاء الموانع كلها فحينئذ يقع التكفير وأما عمل شملته الغفلة أو لأكثره وفقد الإخلاص الذي هو روحه ولم يوف حقه ولم يقدره حق قدره فأي شيء يكفر هذا فإن وثق العبد من عمله بأنه وفاه حقه الذي ينبغي له ظاهرا وباطنا ولم يعرض له مانع يمنع تفكيره ولا مبطل يحبطه ـ من عجب أو رؤية نفسه فيه أو يمن به أو يطلب من العباد تعظيمه به أويستشرف بقلبه لمن يعظمه عليه أو يعادي من لا يعظمه عليه ويرى أنه قد بخسه حقه وأنه قد استهان بحرمته ـ فهذا أي شيء يكفر(1\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6072",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومحبطات الأعمال ومفسداتها أكثر من أن تحصر وليس الشأن في العمل إنما الشأن في حفظ العمل مما يفسده ويحبطه. فالرياء وإن دق محبط للعمل وهو أبواب كثيرة لا تحصر وكون العمل غير مقيد باتباع السنة أيضا موجب لكونه باطلا والمن به على الله تعالى بقلبه مفسد له وكذلك المن بالصدقة والمعروف والبر والاحسان والصلة مفسد لها. كما قال سبحانه وتعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى وأكثر الناس ما عندهم خبر من السيئات التي تحبط الحسنات وقد قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون فحذر المؤمنين من حبوط أعمالهم بالجهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما يجهر بعضهم لبعض وليس هذا بردة بل معصية تحبط العمل وصاحبها لا يشعر بها فما الظن بمن قم على قول الرسول صلى الله عليه وسلم وهدية وطريقه قول غيره وهديه وطريقه أليس هذا قد حبط عمله وهو لا يشعر ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله ومن هذا قول عائشة رضى الله تعالى عنها وعن أبيها لزيد بن أرقم رضى الله عنه لما باع بالعينة: إنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب. وليس التبايع بالعينة ردة وإنما غايته أنه معصية فمعرفة ما يفسد الأعمال في حال وقوعها ويبطلها ويحبطها بعد وقوعها من أهم ما ينبغي أن يفتش عليه العبد ويحرص على عمله ويحذره. وقد جاء في أثر معروف إن العبد ليعمل العمل سرا لا يطلع عليه أحدا إلا الله تعالى فيتحدث به فينتقل من ديوان السر إلى ديوان العلانية ثم يصير في ذلك الديوان على حسب العلانية فإن تحدث به للسمعة وطلب الجاه والمنزلة عند غير الله تعالى أبطله كما لو فعله لذلك. فإن قيل: فإذا تاب هذا هل يعود إليه ثواب العمل قيل: إن كان قد عمله لغير الله تعالى وأوقعه بهذه النية فإنه لا ينقلب صالحا بالتوبة بل حسب التوبة أن تمحو عنه عقابه(1\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6073",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيصير لا له ولا عليه. وإما أن عمله لله تعالى خالصا ثم عرض له عجب ورياء أو تحدث به ثم تاب من ذلك وندم فهذا قد يعود له ثواب عمله ولا يحبط. وقد يقال: إنه لا يعود إليه بل يستأنف العمل. والمسألة مبنية على أصل وهو أن الردة هل تحبط العمل بمجردها أو لا يحبطه إلا الموت عليها فيه للعلماء قولان مشهوران وهما روايتان عن الإمام أحمد رضى الله عنه. فإن قلنا تحبط العمل بنفسها فمتى أستلم استأنف العمل وبطل ما كان قد عمل قبل الاسلام. وإن قلنا لا يحبط العمل إلا إذا مات مرتدا فمتى عاد إلى الاسلام عاد إليه ثواب عمله. وهكذا العبد إذا فعل حسنة ثم فعل سيئة تحبطها ثم تاب من تلك السيئة هل يعود إليه ثواب تلك الحسنة المتقدمة يخرج على هذا الاصل. ولم يزل في نفسي من هذه المسألة: ولم أزل حريصا على الصواب فيها وما رأيت أحدا شفي فيها والذي يظهر ـ والله تعالى أعلم وبه المستعان ولا قوة إلا به ـ ان الحسنات والسيئات تتدافع وتتقابل ويكون الحكم فيها للغالب وهو يقهر المغلوبين ويكون الحكم له حتى كان المغلوب لم يكن فإذا غلبت على العبد الحسنات رفعت حسناته الكثيرة سيئاته ومتى تاب من السيئة ترتبت على توبته منها حسنات كثيره قد تربى وتزيد على الحسنة التي حبطت بالسيئة فإذا عزمت التوبة وصحت ونشأت من صميم القلب أحرقت ما مرت عليه من السيئات حتى كأنها لم تكن فإن التائب من الذنب لا ذنب له. وقد سأل حكيم بن حزام رضى الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم عن عتاقة وصلة وبر فعله في الشرك: هل يثاب عليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم أسلمت على ما أسلفت من خير فهذا يقتضي أن الاسلام أعاد عليه ثواب تلك الحسنات التي كانت باطلة بالشرك فلما تاب من الشرك عاد إليه ثواب حسناته المتقدمة. فهكذا إذا تاب العبد توبة نصوحا صادقة خالصة أحرقت ما كان قبلها من السيئات وأعادت عليه ثواب حسناته يوضح هذا أن السيئات هي أمراض قلبية كما أن الحمى والاوجاع وأمراض بدنية والمريض إذا عوفي من مرضه عافية تامة عادت إليه قوته وأفضل منها حتى كأنه لم يضعف قط.(1\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6074",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "دلائل تعظيم الأمر والنهي",
        "content": "فالقوة المتقدمة بمنزلة الحسنات والمرض بمنزلة الذنوب والصحة والعافية بمنزلة التوبة وكما أن المريض من لا تعود إليه صحته أبدا لضعف عافيته ومنهم من تعود صحته كما كانت لتقاوم الأسباب وتدافعها ويعود البدن إلى كماله الأول ومنهم من يعود أصح مما كان وأقوى وأنشط لقوة أسباب العافية وقهرها وغلبتها لاسباب الضعف والمرض حتى ربما كان مرض هذا سببا لعافيته كما قال الشاعر: لعل عتبك محمود عواقبه وربما صحت الأجسام بالعلل فهكذا العبد بعد التوبة على هذه المنازل الثلاث. والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه. (دلائل تعظيم الأمر والنهي) (فصل) وأما علامات تعظيم المناهي فالحرص على التباعد من مظانها وأسبابها وما يدعو إليها ومجانبة كل وسيلة تقرب منها كمن يهرب من الأماكن التي فيها الصور التي تقع بها الفتنة خشية الافتتان بها. وأن يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس وأن يجانب الفضول من المباحثات خشية الوقوع في المكروه ومجانبة من يجاهر بارتكابها ويحسنها ويدعو اليها ويتهاون بها ولا يبالي ما ركب منها فإن مخالطة مثل هذا داعية إلى سخط الله تعالى وغضبه ولا يخالطه إلا من سقط من قلبه تعظيم الله تعالى وحرماته. ومن علامات تعظيم النهي أن يغضب الله عز وجل إذا انتهكت محارمه وأن يجد في قلبه حزنا وكسرة إذا عصى الله تعالى في أرضه ولم يضلع باقامة حدوده وأوامره ولم يستطع هو أن يغير ذلك. ومن علامات تعظيم الأمر والنهي أن لا يسترسل مع الرخصة إلى حد يكون صاحبه جافيا غير مستقيم على المنهج الوسط مثال ذلك أن السنة وردت بالإبراد بالظهر في شدة الحر فالترخص الجافي أن يبرد إلى فوات الوقت أو مقاربة خروجه فيكون مترخصا جافيا وحكمة هذه الرخصة أن الصلاة في شدة الحر تمنع صاحبها من الخشوع والحضور ويفعل العبادة بتكره وضجر فمن حكمة الشارع صلى الله عليه وسلم أن أمرهم بتأخيرها حتى ينكسر الحر فيصلي العبد بقلب حاضر ويحصل له مقصود الصلاة من الخشوع والاقبال على الله تعالى. ومن هذا نهيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي بحضرة الطعام أو عند مدافعة البول والغائط لتعلق قلبه من ذلك بما يشوش عليه(1\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6075",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مقصود الصلاة ولا يحصل المراد منها فمن فقه الرجل في عبادته أن يقبل على شغله فيعمله ثم يفرغ قلبه للصلاة فيقوم فيها وقد فرغ قلبه لله تعالى ونصب وجهه له وأقبل بكليته عليه فركعتان من هذه الصلاة يغفر للمصلي بهما ما تقدم من ذنبه. والمقصود أن لا يترخص ترخصا جافيا. ومن ذلك أنه أرخص للمسافر في الجمع بين الصلاتين عند العذر وتعذر فعل كل صلاة في وقتها لمواصلة السير وتعذر النزول أو تعسيره عليه فإذا قام في المنزل اليومين والثلاثة أو أقام اليوم فجمعه بين الصلاتين لا موجب له لتمكنه من فعل كل صلاة في وقتها من غير مشقة فالجمع ليس سنة راتبة كما يعتقد أكثر المسافرين أن سنة السفر الجمع سواء وجد عذر أو لم يوجد بل الجمع رخصة والقصر سنة راتبة فسنة المسافر قصر الرباعية سواء كان له عذر أو لم يكن وأما جمعه بين الصلاتين فحاجة ورخصة فهذا لون وهذا لون. ومن هذا أن الشبع في الأكل رخصة غير محرمة فلا ينبغي أن يجفو العبد فيها حتى يصل به الشبع إلى حد التخمة والامتلاء فيتطلب ما يصرف به الطعام فيكون همه بطنه قبل الأكل وبعده بل ينبغي للعبد أن يجوع ويشبع ويدع الطعام وهو يشتهيه وميزان ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم ثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ولا يجعل الثلاثة الأثلاث كلها للطعام وحده. وأما تعريض الأمر والنهي للتشديد الغالي فهو كمن يتوسوس في الوضوء متغاليا فيه حتى يفوت الوقت أو يردد تكبيرة الأحرام إلى أن تفوته مع الإمام قراءة الفاتحة أو يكاد تفوته الركعة أو يتشدد في الورع الغالي حتى لا يأكل شيئا من طعام عامة المسلمين خشية دخول الشبهات عليه. ولقد دخل هذا الورع الفاسد على بعض العباد الذين نقص حظهم من العلم حتى امتنع أن يأكل شيئا من بلاد الاسلام وكان يتقوت بما يحمل إليه من بلاد النصارى ويبعث بالقصد لتحصيل ذلك فأوقعه الجهل المفرط والغلو الزائد في إساءة الظن بالمسلمين وحسن الظن بالنصارى نعوذ بالله من الخذلان. فحقيقة التعظيم للامر والنهي أن لا يعارضا بترخص جاف ولا يعرضا لتشديد غال. فإن المقصود هو الصراط المستقيم الموصل إلى الله عز وجل بسالكه وما أمر الله عز وجل بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما تقصير وتفريط وإما افراط وغلو. فلا يبالي بما ظفر من العبد من الخطيئتين فإنه يأتي إلى قلب العبد فيستامه فإن وجد فيه فتورا وتوانيا وترخيصا(1\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6076",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أخذه من هذه الخطة فثبطه وأقعده وضربه بالكسل والتواني والفتور وفتح له باب التأويلات والرجاء وغير ذلك حتى ربما ترك العبد المأمور جملة. وإن وجد عنده حذراص وجدا وتشميرا ونهضة وأيس أن يأخذه من هذا الباب أمره بالاجتهاد الزائد وسول له أن هذا لا يكفيك وهمتك فوق هذا وينبغي لك أن تزيد على العاملين وأن لا ترقد إذا رقدوا ولا تفطر إذا أفطروا وأن لا تفتر إذا فتروا وإذا غسل أحدهم يديه ووجهه ثلاث مرات فاغسل أنت سبعا وإذا توضأ للصلاة فاغتسل أنت لها ونحو ذلك من الإفراط والتعدي فيحمله على الغلو والمجاوزة وتعدي الصراط المستقيم كما يحمل الأول على التقصير دونه وأن لا يقربه ومقصود من الرجلين إخراجهما عن الصراط المسقيم: هذا بأن لا يقربه ولا يدلو منه وهذا بأن يجاوزه ويتعداه. وقد فتن بهذا أكثر الخلق ولا ينجي من ذلك إلا علم راسخ وإيمان وقوة على محاربته ولزوم الوسط. والله المستعان. ومن علامات تعظيم الأمر والنهي أن لا يحمل الأمر على علة تضعف الانقياد والتسليم لأمر الله عز وجل بل يسلم لأمر الله تعالى وحكمه ممتثلا ما أمر به سواء ظهرت له حكمته أو لم تظهر فإن ظهرت له حكمة الشرع في أمره ونهيه حمله ذلك على مزيد الانقياد والتسليم ولا يحمله ذلك على الانسلاخ منه وتركه كما حمل ذلك كثيرا من زنادقة الفقراء والمنتسبين إلى التصوف فإن الله عز وجل شرع الصلوات الخمس إقامة لذكره واستعمالا للقلب والجوارح واللسان في العبودية وإعطاء كل منها قسطه من العبودية التي هي المقصود بخلق العبد فوضعت الصلاة على أكمل مراتب العبودية. فإن الله سبحانه وتعالى خلق هذا الآدمي واختاره من بين سائر البرية وجعل قلبه محل كنوزه من الإيمان والتوحيد والاخلاص والمحبة والحياء والتعظيم والمراقبة وجعل ثوابه إذا قدم عليه أكمل الثواب وأفضله وهو النظر إلى وجهه والفوز برضوانه ومجاورته في جنته وكان مع ذلك قد ابتلاه بالشهوة والغضب والغفلة وابتلاه بعدوه إبليس لا يفتر عنه فهو يدخل عليه من الأبواب التي هي من نفسه وطبعه فتميل نفسه معه لأنه يدخل عليها بما تحب فينفق هو ونفسه وهواه على العبد: ثلاثة مسلطون آمرون فيبعثون الجوارح في قضاء وطرهم والجوارح آلة منقادة فلا يمكنها إلا الانبعاث فهذا شأن هذه الثلاثة وشأن الجوارح فلا تزال الجوارح في طاعتهم كيف أمروا وأين يمموا. هذا مقتضى حال العبد فاقتضت رحمة ربه العزيز الرحيم به أن أعانه بجند آخر وأمده بمدد آخر يقاوم به هذا الجند الذي يريد هلاكه فأرسل إليه رسوله وأنزل عليه كتابه وأيده بملك كريم يقابل عدوه الشيطان فإذا أمره الشيطان بأمر أمره الملك بأمر ربه وبين له ما في طاعة العدو من الهلاك فهذا يلم به(1\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6077",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مرة وهذا مرة والمنصور من نصره الله عز وجل والمحفوظ من حفظه الله تعالى وجعل له مقابل نفسه الأمارة نفسا مطمئنة إذا أمرته النفس الأمارة بالسوء نهته عنه النفس المطمئنة وإذا نهته الأمارة عن الخير أمرته به النفس المطمئنة. فهو يطيع هذه مرة وهذه مرة وهو الغالب منهما وربما انقهرت إحداهما بالكلية قهرا لا تقوم معه أبدا. وجعل له مقابل الهوى الحامل له على طاعة الشيطان والنفس الأمارة نورا وبصيرة وعقلا يرده عن الذهاب مع الهوى الحامل له على طاعة الشيطان والنفس الأمارة نورا وبصيرة وعقلا يرده عن الذهاب مع الهوى فكلما أراد أن يذهب مع الهوى ناداه العقل والبصيرة والنور: الحذر الحذر فإن المهالك والمتالف بين يديك وأنت صيد الحرامية وقطاع الطريق إن سرت خلف هذا الدليل. فهو يطيع الناصح مرة فيبن له رشده ونصحه ويمشي خلف دليل الهوى مرة فيقطع عليه الطريق ويؤخذ ماله ويسلب ثيابه فيقول: ترى من أين أتيت والعجب أنه يعلم من أين أتي ويعرف الطريق التي قطعت عليه وأخذ فيها ويأبى إلا سلوكها لأن دليلها قد يمكن منه وتحكم فيه وقوي عليه ولو أضعفه بالمخالفة له وزجره إذا دعاه ومحاربته إذا أراد أخذه لم يتمكن منه ولكن هو مكنه من نفسه وهو أعطاه يده فهو بمنزلة الرجل يضع يده في يد عدوه فيباشر ثم يساومه سوء العذاب فهو يستغيث فلا يغاث فهكذا يستأسر للشيطان والهوى ولنفسه الأمارة ثم يطلب الخلاص فيعجز عنه فلما أن بلي العبد بما بلي به أعين بالعساكر والعدد والحصون وقيل: قاتل عدوك وجاهده فهذه الجنود خذ منها ما شئت وهذه الحصون تحصن بأي حصن شئت منها ورابط إلى الموت فالأمر قريب ومدة المرابطة يسيرة جدا فكأنك بالملك الأعظم وقد أرسل إليك رسله فنقلوك إلى داره واسترحت من هذا الجهاد وفرق بينك وبين عدوك وأطلقت في داره الكرامة تتقلب فيها كيف شئت وسجن عدوك في أصعب الحبوس وأنت تراه. فالسجن الذي كان يريد أن يودعك فيه قد أدخله وأغلقت عليه أبوابه وأيس من الروح والفرج وأنت فيما اشتهت نفسك وقرت عينك جزاء على صبرك في تالك المدة اليسيرة ولزومك الثغر للرباط وما كانت إلا ساعة ثم انقضت وكأن الشدة لم تكن. فإن ضعفت النفس عن ملاحظة قصر الوقت وسرعة انقضائه فليتدبر قوله عز وجل: كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة وقوله عز وجل: كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها وقوله عز وجل: قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين  قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين  قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون وقوله عز وجل: (1\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6078",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا  يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا  نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما وخطب النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوما فلما كانت الشمس على روؤس الجبال وذلك عند الغروب قال: إنه لم يبقى من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه فليتأمل العاقل الناصح لنفسه هذا الحديث وليعلم أي شيء حصل له من هذا الوقت الذي قد بقي في الدنيا بأسرها ليعلم أنه في غرور وأضغاث أحلام وأنه قد باع سعادة الأبد والنعيم المقيم بحظ خسيس لا يساوي شيئا ولو طلب الله تعالى والدار الآخرة لأعطاه ذلك الحظ موفورا وأكمل منه كما في بعض الآثار: ابن آدم بع الدنيا بالآخرة تربحهما جميعا ولا تبع الآخرة بالدنيا تخسرهما جميعا. وقال بعض السلف: ابن آدم أنت محتاج إلى نصيبك من أحوج. فإن بدأت بنصيبك من الدنيا أضعت نصيبك من الآخرة وكنت من نصيب الدنيا على خطر وإن بدأت بنصيبك من الآخرة فزت بنصيبك من الدنيا فانتظمته انتظاما. وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يقول في خطبته: أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثا ولم تتركوا سدى. وإن لكم معادا يجمعكم الله عز وجل فيه للحكم فيكم والفصل بينكم فخاب وشقي عبد أخرجه الله عز وجل من رحمته التي وسعت كل شيء وجنته التي عرضها السموات والأرض. وإنما يكون الأمان غدا لمن خاف الله تعالى واتقى وباع قليلا بكثير وفانيا بباق وشقاوة بسعادة. ألا ترون أنكم في أصلاب الهالكين وسيخلفه بعدكم الباقون ألا ترون أنكم في كل يوم تشيعون غاديا رائحا إلى الله قد قضى نحبه وانقطع أمله فتضعونه في بطن صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد قد خلع الأسباب وفارق الأحباب وواجه الحساب والمقصود أن الله عز وجل قد أمد العبد في هذه المدة اليسيرة بالجنود والعدد والأمداد وبين له بماذا يحرز نفسه من عدوه وبماذا يفتك نفسه إذا أسر.(1\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6079",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد روى الإمام أحمد رضي الله عنه والترمذي من حديث الحارث الاشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله سبحانه وتعالى أمر يحي بن زكريا صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعلموا بها وأنه كاد أن يبطيء بها فقال له عيسى عليه السلام: إن الله تعالى أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها فإما أن تأمرهم وإما أن آمرهم فقال يحي: أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي وأعذب. فجمع يحي الناس في بيت المقدس فامتلأ المسجد وقعد على الشرف فقال: إن الله تبارك وتعالى أمرني بخمس كلمات أن أعملهن وآمركم أن تعملوا بهن: أولهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وإن من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق فقال: هذه داري وهذا عملي فاعمل وأد إلي. فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده. فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك وإن الله أمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يكن يلتفت. وأمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك كلهم يعجب أو يعجبه ريحه وأن ريح الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك. وأمركم بالصدقة فإن مثل ذلك مثل رجل أسره العدو فأوثقوا يديه إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال: أنا أفتدي منكم بالقليل والكثير ففدى نفسه منهم. وأمركم أن تذكروا الله تعالى فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعا حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله تعالى. قال النبي صلي الله عليه وسلم وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة. فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع. ومن ادعى دعوى الجاهلية فإنه من جثى جهنم فقال رجل: يارسول الله وإن صلى وصام قال وإن صلى وصام فادعوا بدعوا الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح فقد ذكر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث العظيم الشأن ـ الذي ينبغي لكل مسلم حفظه وتعقله ـ ما ينجي من الشيطان وما يحصل(1\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6080",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للعبد به الفوز والنجاة في دنياه وأخراه فذكر مثل الموحد والمشرك: فالموحد كمن عمل لسيده في داره وأدى لسيده ما استعمله فيه والمشرك كمن استعمله سيده في داره فكان يعمل ويؤدي خراجه وعمله إلى غير سيده فهكذا المشرك يعمل لغير الله تعالى في دار الله تعالى ويتقرب إلى عدو الله بنعم الله تعالى. ومعلوم أن العبد من بني آدم لو كان مملوكه كذلك لكان أمقت المماليك عنده وكان أشد شيئا غضبا عليه وطردا له وإبعادا وهو مخلوق مثله كلاهما في نعمة غيرهما فكيف برب العالمين الذي ما بالعبد من نعمة فمنه وحده لا شريك له ولا يأتي بالحسنات إلا هو ولا يصرف السيئات إلا هو وهو وحده المنفرد بخلق عبده ورحمته وتدبيره ورزقه ومعافاته وقضاء حوائجه فكيف يليق به مع هذا أن يعدل به غيره في الحب والخوف والرجاء والحلف والنذر والمعاملة فيحب غيره كما يحبه أو أكثر ويخاف غيره ويرجوه كما يخافه أو أكثر وشواهد أحوالهم ـ بل وأقوالهم وأعمالهم ـ ناطقة بأنهم يحبون أنداده من الاحياء والأموات ويخافونهم ويرجونهم ويطلبون رضاءهم ويهربون من سخطهم أعظم مما يحبون الله تعالى ويخافون ويرجون ويهربون من سخطه وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله عز وجل قال الله سبحانه وتعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء . والظلم عند الله عز وجل يوم القيامة له دواوين ثلاثة: ديوان لا يغفر الله منه شيئا وهو الشرك به فإن الله لا يغفر أن يشرك به. وديوان لا يترك الله تعالى منه شيئا وهو ظلم العباد بعضهم بعضا فإن الله تعالى يستوفيه كله. وديوان لا يعبأ الله به وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه عز وجل فإن هذا الديوان أخف الدواوين وأسرعها محوا فإنه يمحي بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية والمصائب المكفرة ونحو ذلك بخلاف ديوان الشرك فإنه لا يمحى إلا بالتوحيد وديوان المظالم لا يمحى إلا بالخروج منها إلى أربابها واستحلالهم منها. ولما كان الشرك أعظم الدواوين الثلاثة عند الله عز وجل حرم الجنة على أهله فلا تدخل الجنة نفس مشركة وإنما يدخلها أهل التوحيد فإن التوحيد هو مفتاح بابها فمن لم يكن معه مفتاح لم يفتح له بابها وكذلك إن أتى بمفتاح لا أسنان له لم يمكن الفتح به. والنهي عن(1\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6081",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الالتفات في الصلاة",
        "content": "المكر وصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وبر الوالدين فأي عبد اتخذ في هذه الدار مفتاحا صالحا من التوحيد وركب فيه أسنانا من الأوامر جاء يوم القيامة إلى باب الجنة ومعه مفتاحها الذي لا يفتح إلا به فلم يعقه عن الفتح عائق اللهم إلا أن تكون له ذنوب وخطايا وأوزار لم يذهب عنه أثرها في هذه الدار بالتوبة والاستغفار فإنه يحبس عن الجنة حتى يتطهر منها وان لم يطهره الموقف وأهواله وشدائده فلا بد من دخول النار ليخرج خبثة فيها ويتطهر من درنه ووسخه ثم يخرج منها فيدخل الجنة فإنها دار الطيبين لا يدخلها إلا طيب. قال سبحانه وتعالى الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة وقال تعالى: وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين فعقب دخولها على الطيب بحرف الفاء الذي يؤذن بأنه سبب للدخول أي بسبب طيبكم قيل لكم ادخلوها. وأما النار فإنها دار الخبث في الأقوال والأعمال والمآكل والمشارب ودار الخبيثين فالله تعالى يجمع الخبيث بعضه إلى بعض فيركمه كما يركم الشئ لتراكب بعضه على بعض ثم يجعله في جهنم مع أهله فليس فيها إلا خبيث. ولما كان الناس على ثلاث طبقات: طيب لا يشينه خبيث وخبيث لا طيب فيه وآخرون فيهم خبث وطيب دورهم ثلاثة: دار الطيب المحض ودار الخبيث المحض وهاتان الداران لا تفنيان ودار لمن معه خبث وطيب وهي الدار التي تفنى وهي دار العصاة فإنه لا يبقي في جهنم من عصاة الموحدين أحد فإنه إذا عذبوا بقدر جزائهم أخرجوا من النار فأدخلوا الجنة ولا يبقي إلا دار الطيب المحض ودار الخبث المحض.  الالتفات في الصلاة وقوله في الحديث وأمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت الالتفات المنهي عنه في الصلاة قسمان. (احدهما) التفات القلب عن الله عز وجل إلى غير الله تعالى (الثاني) التفات البصر وكلاهما منهي عنه. ولا يزال الله مقبلا على عبده ما دام العبد مقبلا على صلاته فإذا التفت بقلبه أو بصره أعرض الله تعالى عنه. وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التفات الرجل في صلاته فقال (1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6082",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد وفي أثر يقول الله تعالى: (إلى خير مني إلى خير مني) ومثل من يلتفت في صلاته ببصره أو بقلبه أو مثل رجل قد استدعاه السلطان فأوقفه بين يديه وأقبل يناديه ويخاطبه وهو في خلال ذلك يلتفت عن السلطان يمينا وشمالا وقد انصرف قلبه عن السلطان فلا يفهم ما يخاطبه به لأن قلبه ليس حاضرا معه فما ظن هذا الرجل أن يفعل به السلطان أفليس أقل المراتب في حقه أن ينصرف من بين يديه ممقوتا مبعدا قد سقط من عينيه فهذا المصلي لا يستوي والحاضر القلب المقبل على الله تعالى في صلاته الذي قد أشعر قلبه عظمة من هو واقف بين يديه فامتلأ قلبه من هيبته وذلت عنقه له واستحى من ربه تعالى أن يقبل على غيره أو يلتفت عنه. وبين صلاتيهما كما قال حسان عطية: إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة وأن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض وذلك أن أحدهما مقبل على الله عز وجل والآخر ساه غافل. فإذا أقبل العبد على مخلوق مثله وبينه حجاب لم يكن إقبالا ولا تقريبا فما الظن بالخالق عز وجل وإذا أقبل على الخالق عز وجل وبينه وبينه حجاب الشهوات والوساوس والنفس مشغوفة بها ملأى منها فكيف يكون ذلك إقبالا وقد ألهته الوساوس والأفكار وذهبت به كل مذهب والعبد إذا قام في الصلاة غار الشيطان منه فإنه قد قام في أعظم مقام وأقربه وأغيظه للشيطان وأشده عليه فهو يحرص ويجتهد أن لا يقيمه فيه بل لا يزال به يعده ويمنيه وينسيه ويجلب عليه بخيله ورجله حتى يهون عليه شأن الصلاة فيتهاون بها فيتركها. فإن عجز عن ذلك منه وعصاه العبد وقام في ذلك المقام أقبل عدو الله تعالى حتى يخطر بينه وبين نفسه ويحول بينه وبين قلبه فيذكره في الصلاة ما لم يذكر قبل دخوله فيها حتى ربما كان قد نسي شئ والحاجة وأيس منها فيذكره إياها في الصلاة ليشغل قلبه بها ويأخذه عن الله عز وجل فيقوم فيها بلا قلب فلا ينال من إقبال الله تعالى وكرامته وقربه ما يناله المقبل على ربه عز وجل الحاضر بقلبه في صلاته فينصرف من صلاته مثل ما دخل فيها بخطاياه وذنوبه وأثقاله لم تخف عنه بالصلاة فإن الصلاة إنما تكفر سيئات من أدى حقها وأكمل خشوعها ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقابله. فهذا إذا انصرف منها وجد(1\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6083",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "والمقبول من العمل قسمان",
        "content": "خفة من نفسه وأحس بأثقال قد وضعت عنه. فوجد نشاطا وراحة وروحا حتى يتمنى أنه لم يكن خرج منها لأنها قرة عينيه ونعيم روحه وجنة قلبه ومستراحه في الدنيا فلا يزال كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها فيستريح بها لا منها. فالمحبون يقولون: نصلي فنستريح بصلاتنا كما قال إمامهم وقدوتهم ونبيهم صلى الله عليه وسلم يا بلال أرحنا بالصلاة ولم يقل أرحنا منها وقال صلى الله عليه وسلم جعلت قرة عيني في الصلاة فمن جعلت قرة عينه في الصلاة كيف تقر عينه صلى الله عليه وسلم بدونها وكيف يطيق الصبر عنها فصلاة هذا الحاضر بقلبه الذي قرة عينه في الصلاة هي التي تصعد ولها نور وبرهان حتى يستقبل بها الرحمن عز وجل فتقولحفظك الله تعالى كما حفظتني وأما صلاة المفرط المضيع لحقوقها وحدودها وخشوعها فإنها تلف كما يلف الثوب الخلق ويضرب بها وجه صاحبها وتقول ضيعك الله كما ضيعتني وقد روي في حديث مرفوع رواه بكر بن بشر عن سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن أبي شجرة عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يرفعه أنه قال ما من مؤمن يتم الوضوء إلى أمكانه ثم يقوم إلى الصلاة في وقتها فيؤديها لله عز وجل لم ينقص من وقتها وركوعها وسجودها ومعالمها شيئا إلا رفعت له إلى الله عز وجل بيضاء مسفرة يستضيء بنورها ما بين الخافقين حتى ينتهي بها إلى الرحمن عز وجل ومن قام إلى الصلاة فلم يكمل وضوءها واخرها عن وقتها واسترق ركوعها وسجودها ومعالمها رفعت عنه سوداء مظلمة ثم لا تجاوز شعر رأسه تقول: ضيعك الله كما ضيعتني ضيعك كما ضيعتني . فالصلاة المقبولة والعمل المقبول أن يصلي العبد صلاة تليق بربه عز وجل. فإذا كانت صلاة تصلح لربه تبارك وتعالى وتليق به كانت مقبولة.  والمقبول من العمل قسمان (أحدهما) أن يصلي العبد ويعمل سائر الطاعات وقلبه متعلق بالله عز وجل ذاكر لله عز وجل على الدوام فأعمال هذا العبد تعرض على الله عز وجل حتى تقف قبالته فينظر الله عز وجل إليها فإذا نظر إليها رآها خالصة لوجهه مرضية قد صدرت عن قلب سليم مخلص محب لله عز وجل متقرب إليه أحبها ورضيها وقبلها.(1\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6084",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "والناس في الصلاة على مراتب خمسة",
        "content": "(والقسم الثاني) : أن يعمل العبد الأعمال على العادة والغفلة وينوي بها الطاعة والتقرب إلى الله فأركانه مشغولة بالطاعة وقلبه لاه عن ذكر الله وكذلك سائر أعماله فإذا رفعت أعمال هذا إلى الله عز وجل لم تقف تجاهه ولا يقع نظره عليها ولكن توضع حيث توضع دواوين الأعمال حتى تعرض عليه يوم القيامه فتميز فيثيبه على ما كان له منها ويرد عليه ما لم يرد وجهه به منها. فهذا قبوله لهذا العمل إثابته عليه بمخلوق من مخلوقاته من القصور والأكل والشرب والحور العين وإثابة الأول رضا العمل لنفسه ورضاه عن معاملة عاملة وتقريبه منه وإعلاء درجته ومنزلته فهذا يعطيه بغير حساب فهذا لون والأول لون.  والناس في الصلاة على مراتب خمسة: أحدها: مرتبة الظالم لنفسه المفرط وهو الذي انتقص من وضوئها ومواقيتها وحدودها وأركانها. الثاني: من يحافظ على مواقيتها وحدودها وأركانها الظاهرة ووضوئها لكن قد ضيع مجاهدة نفسه في الوسوسة فذهب مع الوساوس والأفكار. الثالث: من حافظ على حدودها وأركانها وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار فهو مشغول بمجاهدة عدوه لئلا يسرق صلاته فهو في صلاة وجهاد. الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها وأركانها وحدودها واستغرق قلبه مراعاة حدودها وحقوقها لئلا يضيع شيئا منها بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي وإكمالها واتمامها قد استغرق قلب شأن الصلاة وعبودية ربه تبارك وتعالى فيها. الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك ولكن مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه عز وجل ناظرا بقبله إليه مراقبا له ممتلئا من محبته وعظمته كأنه يراه ويشاهده وقد اضمحلت تلك الوساوس والخطوات وارتفعت حجبها بينه وبين ربه فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضل وأعظم مما بين السماء والأرض وهذا في صلاته مشغول بربه عز وجل قرير العين به. فالقسم الأول معاقب والثاني محاسب والثالث مكفر عنه والرابع مثاب والخامس مقرب من ربه لأن له نصيبا ممن جعلت قرة عينه في الصلاة فمن قرت عينه بصلاته في الدنيا قرت عينه بقربه من ربه عز وجل في الآخرة وقرت عينه أيضا به في(1\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6085",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "أنواع القلوب",
        "content": "الدنيا ومن قرت عينه بالله قرت به كل عين ومن لم تقر عينه بالله تعالى تقطعت نفسه على الدنيا حسرات وقد روي أن العبد إذا قام يصلي قال الله عز وجل: (ارفعوا الحجب فإذا التفت قال أرخوها)  وقد فسر هذا الالتفات بالتفات القلب عن الله عز وجل إلى غيره فإذا التفت إلى غيره أرخى الحجاب بينه وبين العبد فدخل الشيطان وعرض عليه أمور الدنيا وأراه إياها في صورة المرآة وإذا أقبل بقلبه على الله ولم يلتفت لم يقدر الشيطان على أن يتوسط بين الله تعالى وبين ذلك القلب وإنما يدخل الشيطان إذا وقع الحجاب فإن فر إلى الله تعالى وأحضر قلبه فر الشيطان فإن التفت حضر الشيطان فهو هكذا شأنه وشأن عدوه في الصلاة. (أنواع القلوب) فصل: وإنما يقوى العبد على حضوره في الصلاة واشتغاله فيها بربه عز وجل إذا قهر شهوته وهواه وإلا فقلب قد قهرته الشهوة وأسره الهوى ووجد الشيطان فيه مقعدا تمكن فيه كيف يخلص من الوساوس والأفكار والقلوب ثلاثة: قلب خال من الإيمان وجميع الخير فذلك قلب مظلم قد استراح الشيطان من إلقاء الوساوس إليه لأنه قد اتخذ بيتا ووطنا وتحكم فيه بما يريد وتمكن منه غاية التمكن. القلب الثاني: قلب قد استنار بنور الإيمان وأوقد فيه مصباحه لكن عليه ظلمة الشهوات وعواصف الاهوية فللشيطان هنالك إقبال وإدبار ومجالات ومطامع فالحرب دول وسجال. وتختلف أحوال هذا الصنف بالقلة والكثرة فمنهم من أوقات غلبته لعدوه أكثر ومنهم من أوقات غلبة عدوه له أكثر. ومنهم من هو تارة وتارة. (القلب الثالث) قلب محشو بالإيمان قد استنار بنور الإيمان وانقشعت عنه حجب الشهوات وأقلعت عنه تلك الظلمات فلنوره في صدره إشراق ولذلك الإشراق إيقاد لو دنا منه الوسواس احترق به فهو كالسماء التي حرست بالنجوم فلو دنا منها الشيطان يتخطاها رجم فاحترق. وليست السماء بأعظم حرمة من المؤمن وحراسة الله تعالى له أتم من حراسة السماء والسماء متعبد الملائكة ومستقر الوحي وفيها أنوار الطاعات وقلب المؤمن مستقر التوحيد والمحبة والمعرفة والإيمان وفيه أنوارها فهو حقيق أن يحرس ويحفظ من كيد العدو فلا ينال منه شيئا(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6086",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلا خطفه. وقد مثل ذلك بمثال حسن وهو ثلاثة بيوت: بيت للملك فيه كنوزه وذخائره وجواهره. وبيت للعبد فيه كنوز العبد وذخائره وليس جواهر الملك وذخائره. وبيت خال صفر لا شئ فيه. فجاء اللص يسرق من أحد البيوت فمن أيها يسرق فإن قلت من البيت الخالي كان محالا لأن البيت الخالي ليس فيه شئ يسرق ولهذا قيل لابن عباس رضي الله عنهما: إن اليهود تزعم أنها لا توسوس في صلاتها فقال: وما يصنع الشيطان بالقلب الخراب وإن قلت: يسرق من بيت الملك كان ذلك كالمستحيل الممتنع فإن عليه من الحرس واليزك وما لا يستطيع اللص الدنو منه كيف وحارسه الملك بنفسه وكيف يستطيع اللص الدنو منه وحوله من الحرس والجند ما حوله فلم يبق للص إلا البيت الثالث فهو الذي يشن عليه الغارات. فليتأمل اللبيب هذا المثال حق التأمل ولينزله على القلوب فإنها على منواله. فقلب خلا من الخير كله وهو قلب الكافر والمنافق فذلك بيت الشيطان قد أحرزه لنفسه واستوطنه واتخذه سكنا ومستقرا فأي شئ يسرق منه وفيه خزائنه وذخائره وشكوكه وخيالاته ووساوسه. وقلب قد امتلأ من جلال الله عز وجل وعظمته ومحبته ومراقبته والحياء منه فأي شيطان يجترئ على هذا القلب وإن أراد سرقة شيء منه فماذا يسرق وغايته أن يظفر في الأحايين منه بخطفة ونهب يحصل له على غرة من العبد وغفلة لا بد له إذ هو بشر وأحكام البشرية جارية عليه من الغفلة والسهو والذهول وغلبة الطبع. وقد ذكر عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى أنه قال: وفي بعض الكتب الإلهي لست أسكن البيوت ولا تسعني وأي شئ يسعني والسماوات حشو كرسي ولكن أنا في قلب الوداع التارك لكل شئ سواي وهذا معنى الأثر الآخر ما وسعتني سماواتي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن. وقلب فيه توحيد الله تعالى ومعرفته ومحبته والإيمان به والتصديق بوعده ووعيده وفيه شهوات النفس وأخلاقها ودواعي الهوى والطبع. وقلب بين هذين الداعيين: فمرة يميل بقلبه داعي الإيمان والمعرفة والمحبة لله تعالى وارادته وحده ومرة يميل بقلبه داعي الشيطان والهوى(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6087",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "خلوف فم الصائم",
        "content": "والطباع. فهذا القلب للشيطان فيه مطمع وله منه منازلات ووقائع ويعطي الله النصر من يشاء وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم وهذا لا يتمكن الشيطان منه إلا بما عنده من سلاحه فيدخل إليه الشيطان فيجد سلاحه عنده فيأخذه ويقاتله فإن أسلحته هي الشهوات والشبهات والخيالات والأماني الكاذبة وهي في القلب فيدخل الشيطان فيجدها عتيدة فيأخذها ويصول بها على القلب. فإن كان عند العبد عدة عتيدة من الإيمان تقاوم تلك العدة وتزيد عليها انتصف من الشيطان وإلا فالدولة لعدوه عليه ولا حول ولا قوة إلا بالله. فإذا أذن العبد لعدوه وفتح له باب بيته وأدخله عليه ومكنه من السلاح يقاتله به فهو الملوم. فنفسك لم ولا تلم المطايا ومت كمدا فليس لك اعتذار (خلوف فم الصائم) عدنا إلى شرح حديث الحارث الذي فيه ذكر ما يحرز العبد من عدوه: قوله صلى الله عليه وسلم وأمركم بالصيام فإن مثل ذلك مثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك فكلهم يعجب أو يعجبه ريحه وإن ريح الصيام أطيب عند الله من ريح المسك إنما مثل صلى الله عليه وسلم ذلك بصاحب الصرة التي فيها المسك لأنها مستورة عن العيون مخبوءة تحت ثيابه كعادة حامل المسك وهكذا الصائم صومه مستور عن مشاهدة الخلق لا تدركه حواسهم. والصائم هو الذي صامت جوارحه عن الآثام ولسانه عن الكذب والفحش وقول الزور وبطنه عن الطعام والشراب وفرجه عن الرفث. فإن تكلم لم يتكلم بما يجرح صومه وإن فعل لم يفعل ما يفسد صومه فيخرج كلامه كله نافعا صالحا وكذلك أعماله فهي بمنزلة الرائحة التي يشمها من جالس حامل المسك كذلك من جالس الصائم انتفع بمجالسته وأمن فيها من الزور والكذب والفجور والظلم. هذا هو الصوم المشروع لا مجرد الإمساك عن الطعام والشراب ففي الحديث الصحيح من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه وفي الحديث رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش . فالصوم هو صوم الجوارح عن الآثام وصوم البطن عن(1\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6088",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشراب والطعام فكما أن الطعام والشراب يقطعه ويفسده فهكذا الآثام تقطع ثوابه وتفسد ثمرته فتصيره بمنزلة من لم يصم. وقد اختلف في وجود هذه الرائحة من الصائم هل هي في الدنيا أو في الآخرة على قولين. ووقع بين الشيخين الفاضلين أبي محمد [عز الدين] بن عبد السلام وأبي عمرو ابن الصلاح في ذلك تنازع فمال أبو محمد إلى أن تلك في الآخرة خاصة وصنف فيه مصنفا رد فيه على أبي محمد وسلك أبو عمرو في ذلك مسلك أبي حاتم بن حبان فإنه في صحيحه بوب عليه كذلك فقال ذكر البيان بأن خلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك ثم ساق حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم كل عمل ابن آدم له إلا الصيام والصيام لي وأنا أجزي به ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح ثم قال ذكر البيان بأن خلوف فم الصائم يكون أطيب عند الله من ريح المسك يوم القيامة ثم ساق حديثا من حديث ابن جريج عن عطاء عن أبي صالح الزيات أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم قال الله تبارك وتعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به. والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك. للصائم فرحتان: إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي الله تعالى فرح بصومه . قال أبو حاتم: شعار المؤمنين يوم القيامة التحجيل بوضوئهم في الدنيا فرقا بينهم وبين سائر الأمم. وشعارهم في القيامة بصومهم طيب خلوف أفواههم أطيب من ريح المسك ليعرفوا من بين ذلك الجمع بذلك العمل. جعلنا الله تعالى منهم ثم قال ذكر البيان بأن خلوف فم الصائم قد يكون أيضا من ريح المسك في الدنيا ثم ساق من حديث شعبة عن سليمان ذكوان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم كل حسنة يعملها أبن آدم بعشر حسنات إلى سبعمائة ضعف يقول الله عز وجل: إلا الصوم فهو لي وأنا أجزي به يدع الطعام من أجلي والشراب من أجلي وأنا أجزي به وللصائم فرحتان: فرحة حين يفطر وفرحة حين يلقى ربه عز وجل ولخلوف فم الصائم حين يخلف من الطعام أطيب عند الله(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6089",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من ريح المسك . واحتج الشيخ أبو محمد بالحديث الذي فيه تقييد الطيب بيوم القيامة. قلت: ويشهد لقوله الحديث المتفق عليه والذي نفسي بيده ما من مكلوم يكلم في سبيل الله ـ والله أعلم بمن يكلم في سبيله ـ إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمى: اللون لون دم والريح ريح المسك فأخبر صلى الله عليه وسلم عن رائحة كلم المكلوم في سبيل الله عز وجل بأنها كريح المسك يوم القيامة وهو نظير اخباره عن خلوف فم الصائم فإن الحس يدل على أن هذا دم في الدنيا وهذا خلوف له ولكن يجعل الله تعالى رائحة هذا وهذا مسكا يوم القيامة. واحتج الشيخ أبو عمر بما ذكره أبو حاتم في صحيحه من تقييد ذلك بوقت إخلافه وذلك يدل على أنه في الدنيا فلما قيد المبتدأ وهو خلوف فم الصائم بالظروف وهو قوله حين يخلف كان الخبر عنه وهو قوله أطيب عند الله خبرا عنه في حال تقييده فإن المبتدأ إذا تقيد بوصف أو حال أو ظرف كان الخبر عنه حال كونه مقيدا فدل على أن طيبه عند الله تعالى ثابت حال إخلافه. قال: وروى الحسن بن سفيان في مسنده عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسا فذكر الحديث وقال فيه وأما الثانية فإنهم يمسون وريح أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك . ثم ذكر كلام الشراح في معنى طيبه وتأويلهم إياه بالثناء على الصائم والرضى بفعله على عادة كثير منهم بالتأويل من غير ضرورة حتى كأنه قد بورك فيه فهو موكل به وأي ضرورة تدعو إلى تأويل كونه أطيب عند الله من ريح المسك بالثناء على فاعله والرضا بفعله وإخراج اللفظ عن حقيقته وكثير من هؤلاء ينشئ للفظ معنى ثم يدعي إرادة ذلك المعنى بلفظ النص من غير نظر منه إلى استعمال ذلك اللفظ في المعنى الذي عينه أو احتمال اللغة له. ومعلوم أن هذا يتضمن الشهادة على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بأن مراده من كلامه كيت وكيت فإن لم يكن ذلك معلوما بوضع اللفظ لذلك المعنى أو عرف الشارع صلى الله عليه وسلم وعادته المطردة أو الغالبة باستعمال ذلك اللفظ في هذا المعنى أو تفسيره له به وإلا كانت شهادة باطلة.(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6090",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن المعلوم أن أطيب ما عند الناس من الرائحة رائحة المسك فمثل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الخلوف عند الله تعالى بطيب رائحة المسك عندنا وأعظم. ونسبة استطابة ذلك إليه سبحانه وتعالى كنسبة سائر صفاته وأفعاله إليه فإنها استطابة لا تماثل استطابة المخلوقين كما أن رضاه وغضبه وفرحه وكراهته وحبه وبغضه لا تماثل ما للمخلوق من ذلك كما أن ذاته سبحانه وتعالى لا تشبه ذوات خلقه وصفاته لا تشبه صفاتهم وأفعالهم. وهو سبحانه وتعالى يستطيب الكلم الطيب فيصعد إليه والعمل الصالح فيرفعه. وليست هذه الاستطابة كاستطابتنا. ثم إن تأويله لا يرفع الإشكال إذ ما استشكله هؤلاء من الاستطابة يلزم مثله الرضا فإن قال رضا ليس كرضا المخلوقين فقولوا استطابة ليس كاستطابة المخلوقين. وعلى هذا جميع ما يجيء من هذا الباب. ثم قال: وأما ذكر يوم القيامة في الحديث فلأنه يوم الجزاء وفيه يظهر رجحان الخلوف في الميزان على المسك المستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلبا لرضاء الله تعالى حيث يؤمر باجتنابها واجتلاب الرائحة الطيبة كما في المساجد والصلوات وغيرها من العبادات فخص يوم القيامة بالذكر وفي بعض الروايات كما خص في قوله تعالى: إن ربهم بهم يومئذ لخبير وأطلق في باقيها نظرا إلى أن أصل أفضليته ثابت في الدارين. قلت من العجب رده على أبي محمد بما لا ينكره أبو محمد وغيره فإن الذي فسر به الاستطابة المذكورة في الدنيا بثناء الله تعالى على الصائمين ورضائه بفعلهم أمر لا ينكره مسلم فإن الله تعالى قد أثنى عليهم في كتابه وفيما بلغه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم ورضي بفعله فإن كانت هذه هي الاستطابة فيرى الشيخ أبو محمد [لا] ينكرها. والذي ذكره الشيخ أبو محمد أن هذه الرائحة إنما يظهر طيبها على طيب المسك في اليوم الذي يظهر فيه طيب دم الشهيد ويكون كرائحة المسك ولا ريب أن ذلك يوم القيامة فإن الصائم في ذلك اليوم يجيء ورائحة فمه أطيب من رائحة المسك كما يجيء المكلوم في سبيل الله عز وجل ورائحة دمه كذلك لا سيما والجهاد أفضل من الصيام فإن كان طيب رائحته إنما يظهر يوم القيامة فكذلك الصائم. وأما حديث جابر فإنه يمسون وخلوف أفواههم أطيب من ريح المسك فهذه جملة حالية لا خبرية فإن خبر إمسائه لا يقترن بالواو لأنه خبر مبتدأ فلا يجوز اقترانه بالواو. وإذا كانت الجملة حالية فلأبي محمد أن يقول: هي حال مقدرة والحال المقدرة يجوز تأخيرها عن زمن الفعل العامل فيها ولهذا لو صرح بيوم القيامة في مثل هذا فقال: يمسون وخلوف أفواههم(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6091",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أطيب من ريح المسك يوم القيامة. لم يكن التركيب فاسدا كأنه قال يمسون وهذا لهم يوم القيامة. وأما قوله لخلوف فم الصائم حين يخلف فهذا الظرف تحقيق للمبتدأ أو تأكيد له وبيان إرادة الحقيقة المفهومة منه لا مجازة ولا استعارته وهذا كما تقول: جهاد المؤمن حين يجاهد وصلاته حين يصلي يجزيه الله تعالى بها يوم القيامة ويرفع بها درجته يوم القيامة وهذا قريب من قوله صلى الله عليه وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن وليس المراد تقييد نفي الإيمان المطلق عنه حالة مباشرة تلك الأفعال فقط بحيث إذا كملت مباشرته وانقطع فعله عاد إليه الإيمان بل هذا النفي مستمر إلى حين التوبة وإلا فما دام مصرا وإن لم يباشر الفعل فالنفي لاحق به ولا يزول عنه اسم الذنب والأحكام المترتبة على المباشرة إلا بالتوبة النصوح والله سبحانه وتعالى أعلم. وفصل النزاع في المسألة أن يقال: حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن ذلك الطيب يكون يوم القيامة فلأنه الوقت الذي يظهر فيه ثواب الأعمال وموجباتها من الخير والشر فيظهر للخلق طيب ذلك الخلوف على المسك كما يظهر فيه رائحة دم المكلوم في سبيله كرائحة المسك وكما تظهر فيه السرائر وتبدو على الوجوه وتصير علانية ويظهر فيه قبح رائحة الكفار وسواد وجوههم وحيث أخبر بأن ذلك حين يخلف وحين يمسون فلأنه وقت ظهور أثر العبادة ويكون حينئذ طيبها على ريح المسك عند الله تعالى وعند ملائكته وإن كانت تلك الرائحة كريهة للعباد فرب مكروه عند الناس محبوب عند الله تعالى وبالعكس فإن الناس يكرهونه لمنافرته طباعهم والله تعالى يستطيبه ويحبه لموافقته أمره ورضاه ومحبته فيكون عنده أطيب من ريح المسك عندنا فإذا كان يوم القيامة ظهر هذا الطيب للعباد وصار علانية وهكذا سائر آثار الأعمال من الخير والشر. وإنما يكمل ظهورها ويصير علانية في الآخرة وقد يقوى العمل ويتزايد حتى يستلزم ظهور بعض أثره على العبد في الدنيا في الخير والشر كما هو مشاهد بالبصر والبصيرة. قال ابن عباس: أن للحسنة ضياء في الوجه ونورا في القلب وقوة في البدن وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق. وإن للسيئة سوادا في الوجه وظلمة في القلب ووهنا في البدن ونقصا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق وقال عثمان بن عفان: ما عمل رجل عملا إلا ألبسه الله رداءه إن خيرا فخير وإن شرا فشر. وهذا أمر معلوم يشترك فيه وفي العلم به أصحاب البصائر وغيرهم حتى إن الرجل الطيب البر لتشم منه رائحة طيبة وإن لم يمس طيبا فيظهر طيب رائحة روحه على بدنه وثيابه. والفاجر بالعكس. والمزكوم الذي أصابه(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6092",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الصدقة وآثارها",
        "content": "الهوى لا يشم لا هذا ولا هذا بل زكامه يحمله على الإنكار. فهذا فصل الخطاب في هذه المسألة. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. (الصدقة وآثارها) (فصل) وأمركم بالصدقة فإن مثل ذلك مثل رجل أسره العدو فأوثقوا يده منه هذا أيضا من الكلام الذي برهانه وجوده ودليله ووقوعه فإن للصدقة تأثيرا عجيبا في دفع أنواع البلاء ولو كانت من فاجر أو من ظالم بل من كافر فإن الله تعالى يدفع بها عنه أنواعا من البلاء وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم وأهل الأرض كلهم مقرون به لأنهم جربوه. وقد روى الترمذي في جامعه من حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء وكما أنها تطفئ غضب الرب تبارك وتعالى فهي تطفئ الذنوب والخطايا كما تطفئ الماء النار. وفي الترمذي عن معاذ بن جبل قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير فقال ألا أدلك على أبواب الخير الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وصلاة الرجل في جوف الليل شعار الصالحين ثم تلا تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون  وفي بعض الآثار: باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطى الصدقة وفي تمثيل النبي صلى الله عليه وسلم(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6093",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك بمن قدم ليضرب عنقه فافتدى نفسه منهم بماله كفاية فإن الصدقة تفدي العبد من عذاب الله تعالى فإن ذنوبه وخطاياه تقتضي هلاكه فتجئ الصدقة تفديه من العذاب وتفكه منه. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لما خطب النساء يوم العيد يا معاشر النساء تصدقن ولو من حليكن فإني رأيتكن أكثر أهل النار وكأنه حثهن ورغبهن على ما يفدين به أنفسهن من النار. وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجه فاتقوا النار ولو بشق تمرة . وفي حديث أبي ذر أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا ينجي العبد من النار قال الإيمان بالله قلت: يا نبي الله مع الإيمان عمل قال أن ترضخ مما خولك الله أو: ترضخ مما رزق الله قلت: يا نبي الله فإن كان فقيرا لا يجد ما يرضخ قال يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. قلت: إن كان لا يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر قال فليعن الأخرق. قلت: يا رسول الله أرأيت إن كان لا يحسن أن يصنع قال فليعن مظلوما قلت: يا رسول الله أرأيت إن كان ضعيفا لا يستطيع أن يعين مظلوما قال ما تريد أن تترك في صاحبك من خير ليمسك أذاه عن الناس قلت: يا رسول الله أرأيت إن فعل هذا يدخل الجنة قال ما من مؤمن يصيب خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى أدخلته الجنة ذكره البيهقي في كتاب شعب الإيمان. قال عمر بن الخطاب: ذكر لي أن الأعمال تتباهى فتقول الصدقة: أنا أفضلكم. وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد أو جنتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثدييهما وتراقيهما فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة أنبسطت عنه حتى تغشى أنامله وتعفو أثره. وجعل البخيل(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6094",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة مكانها . قال أبو هريرة: فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بإصبعه هكذا في جبته فرأيته يوسعها ولا تسع. ولما كان البخيل محبوسا عن الإحسان ممنوعا عن البر والخير وكان جزاؤه من جنس عمله فهو ضيق الصدر ممنوع من الانشراح ضيق العطن صغير النفس قليل الفرح كثير الهم والغم والحزن لا يكاد تقضى له حاجة ولا يعان على مطلوب. فهو كرجل عليه جبة من حديد قد جمعت يداه إلى عنقه بحيث لا يتمكن من إخراجها ولا حركتها وكلما أراد إخراجها أو توسيع تلك الجبة لزمت كل حلقة من حلقها موضعها. وهكذا البخيل كلما أراد أن يتصدق منعه بخله فبقي قلبه في سجنه كما هو. والمتصدق كلما تصدق بصدقة انشرح لها قلبه وانفسح بها صدره فهو بمنزلة اتساع تلك الجبة عليه فكلما تصدق اتسع وانفسح وانشرح وقوي فرحه وعظم سروره ولو لم يكن في الصدقة إلا هذه الفائدة وحدها لكان العبد حقيقا بالاستكثار منها والمبادرة إليها. وقد قال تعالى ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون  كان عبد الرحمن بن عوف ـ أو سعد بن أبي وقاص ـ يطوف بالبيت وليس له دأب إلا هذه الدعوة: رب قني شح نفسي رب قني شح نفسي. فقيل له: أما تدعو بغير هذه الدعوة فقال: إذا وقيت شح نفسي فقد أفلحت. والفرق بين الشح والبخل أن الشح هو شدة الحرص على الشيء والاحفاء في طلبه والاستقصاء في تحصيله وجشع النفس عليه والبخل منع إنفاقه بعد حصوله وحبه وإمساكه فهو شحيح قبل حصوله بخيل بعد حصوله فالبخل تمرة الشح والشح يدعو إلى البخل والشح كامن في النفس فمن بخل فقد أطاع شحه ومن لم يبخل فقد عصي شحه ووقي شره وذلك هو المفلح ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون .(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6095",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والسخي قريب من الله تعالى ومن خلقه ومن أهله وقريب من الجنة وبعيد من النار والبخيل بعيد من خلقه بعيد من الجنة قريب من النار فجود الرجل يحببه إلى أضداده وبخله يبغضه إلى أولاده: ويظهر عيب المرء في الناس بخله ويستره عنهم جميعا سخاؤه تغط بأثواب السخاء فإنني أرى كل عيب فالسخاء غطاؤه وقارن إذا قارنت حرا فإنما يزين ويزري بالفتى قرناؤه وأقلل إذا ما اسطعت قولا فإنه إذا قل قول المرء قل خطاؤه إذا قل مال المرء قل صديقه وضاقت عليه أرضه وسماؤه وأصبح لا يدري وأن كان حازما أقدامه خير له أم وراؤه إذا المرء لم يختر صديقا لنفسه فناد به في الناس هذا جزاؤه وحد السخاء بذل ما يحتاج إليه عند الحاجة وأن يوصل ذلك إلى مستحقه بقدر الطاقة وليس ـ كما قال البعض من نقص عمله ـ حد الجود بذل الموجود. ولو كان كما قال هذا القائل لارتفع اسم السرف والتبذير وقد ورد الكتاب بذمهما وجاءت السنة بالنهي عنهما. وإذا كان السخاء محمودا فمن وقف على حده سمي كريما وكان للحمد مستوجبا ومن قصر عنه كان بخيلا وكان للذم مستوجبا وقد روي في أثر: إن الله عز وجل أقسم بعزته ألا يجاوزه بخيل. والسخاء نوعان: فأشرفهما سخاؤك عما بيد غيرك والثاني سخاؤك ببذل ما في يدك. فقد يكون الرجل من أسخى الناس وهو لا يعطيهم شيئا لأنه سخا عما في أيديهم. وهذا معنى قول بعضهم: السخاء أن تكون بمالك متبرعا وعن مال غيرك متورعا. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: أوحى الله إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم أتدري لم اتخذتك خليلا قال: لا. قال لأني رأيت العطاء أحب إليك من الأخذ. وهذه صفة من صفات الرب جل جلاله فإنه يعطي ولا يأخذ ويطعم ولا يطعم وهو أجود الأجودين وأكرم الأكرمين وأحب الخلق إليه من اتصف بمقتضيات صفاته فإنه كريم يحب الكريم من عباده وعالم يحب العلماء وقادر يحب الشجعان وجميل يحب الجمال. وروى الترمذي في جامعه قال: حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو عامر أخبرنا خالد بن الياس عن صالح بن أبي(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6096",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حسان قال سمعت سعيد بن المسيب يقول: إن الله طيب يحب الطيب نظيف يحب النظافة كريم يحب الكرم جواد يحب الجود. فنظفوا أخبيتكم ولا تشبهوا باليهود قال فذكرت للمهاجر بن مسمار فقال: حدثنيه عامر بن سعد عن أبيه رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه قال فنظفوا أفنيتكم هذا حديث غريب خالد بن الياس يضعف. وفي الترمذي أيضا في كتاب البر قال: حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا سعيد بن محمد الوراق عن يحي بن سعيد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار ولجاهل سخي أحب إلى الله تعالى من عابد بخيل . وفي الصحيح إن الله تعالى يحب الوتر . وهو سبحانه وتعالى رحيم يحب الرحماء وإنما يرحم من عباده الرحماء وهو ستير يحب من يستر على عباده وعفو يحب من يعفو عنهم وغفور يحب من يغفر لهم ولطيف يحب اللطيف من عباده ويبغض الفظ الغليظ القاسي الجعظري الجواظ ورفيق يحب الرفق وحليم يحب الحلم وبر يحب البر وأهله وعدل يحب العدل وقابل المعاذير يحب من يقبل معاذير عباده ويجازي عبده بحسب هذه الصفات فيه وجودا وعدما فمن عفا عفا عنه ومن غفر غفر له ومن سامح سامحه ومن حاقق حاققه ومن رفق بعباده رفق به ومن رحم خلقه رحمه ومن أحسن إليهم أحسن إليه ومن جاد عليهم جاد عليه ومن نفعهم نفعه ومن سترهم ستره ومن صفح عنهم صفح عنه ومن تتبع عورتهم تتبع عورته ومن هتكهم هتكه وفضحه ومن منعهم خيره منعه خيره ومن شاق شاق الله تعالى به ومن مكر مكر به ومن خادع خادعه ومن عامل خلقه بصفة عامله الله تعالى بتلك الصفة بعينها في الدنيا والآخرة. فالله تعالى لعبده على حسب ما يكون العبد لخلقه ولهذا جاء في الحديث من ستر مسلما ستره الله تعالى في الدنيا والآخرة ومن نفس عن مؤمن(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6097",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "ذكر الله وفوائده",
        "content": "كربة من كرب الدنيا نفس الله تعالى عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله تعالى حسابه ومن أقال نادما أقال الله تعالى عثرته ومن أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله تعالى في ظل عرشه لأنه لما جعله في ظل الإنظار والصبر ونجاه من حر المطالبة وحرارة تكلف الأداء مع عسرته وعجز نجاه الله تعالى من حر الشمس يوم القيامة إلى ظل العرش. وكذلك الحديث الذي في الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبته يوما يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته فكما تدين تدان. وكن كيف شئت فإن الله تعالى لك كما تكون أنت ولعباده . ولما أظهر المنافقون الإسلام وأسروا الكفر وأظهر الله تعالى لهم يوم القيامة نورا على الصراط وأظهر لهم أنهم يجوزون الصراط وأسر لهم أن يطفئ نورهم وأن يحال بينهم وبين الصراط من جنس أعمالهم. وكذلك من يظهر للخلق خلاف ما يعمله الله فيه فإن الله تعالى يظهر له في الدنيا والآخرة أسباب الفلاح والنجاح والفوز ويبطن له خلافها. وفي الحديث من راءى راءى الله به ومن سمع سمع الله به . والمقصود أن الكريم المتصدق يعطيه الله ما لا يعطي جزاء له من جنس عمله.  ذكر الله وفوائده وقوله صلى الله عليه وسلم وأمركم أن تذكروا الله تعالى فإن مثل ذلك مثل رجل خرج العدو في أثره سراعا حتى إذا أتى حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقا بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى وأن لا يزال لهجا بذكره فإنه لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة فهو يرصده فإذا غفل وثب عليه وافترسه. وإذا(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6098",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذكر الله تعالى انخنس عدو الله تعالى وتصاغر وانقمع حتى يكون كالوصع وكالذباب ولهذا سمي الوسواس الخناس أي يوسوس في الصدور فإذا ذكر الله تعالى خنس أي كف وأنقبض قال ابن عباس: الشيطان جاثم على قلب أبن آدم فإذا سها وغفل وسوس فإذا ذكر الله تعالى خنس. وفي مسند الأمام أحمد عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن زياد أبن أبي زياد مولى عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة أنه بلغه عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عمل آدمي عملا قط أنجى له من عذاب الله من ذكر الله عز وجل وقال معاذ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا: بلى يا رسول الله. قال ذكر الله عز وجل وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان عليهم حسرة وفي رواية الترمذي ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم .(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6099",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي صحيح مسلم عن الأغر أبي مسلم قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يقعد قوم يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده وفي الترمذي عن عبد الله بن بشر أن رجلا قال: يا رسول الله إن أبواب الخير كثيرة ولا أستطيع القيام بكلها فأخبرني بما شئت أتشبث به ولا تكثر علي فأنسى. وفي رواية: أن شرائع الإسلام قد كثرت علي وأنا كبرت فأخبرني بشئ أتشبث به. قال لا يزال لسانك رطبا بذكر الله تعالى وفي الترمذي أيضا عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي العباد أفضل وأرفع درجة عند الله يوم القيامة قال الذاكرون الله كثيرا قيل: يا رسول الله ومن الغازي في سبل الله قال لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى يتكسر ويختصب دما كان الذاكر لله تعالى أفضل منه درجة . وفي صحيح البخاري عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذرعا وإن تقرب إلي ذرعا تقربت منه باعا وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6100",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الترمذي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة قال حلق الذكر . وفي الترمذي أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل أنه يقول إن عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه  وهذا الحديث هو فصل الخطاب والتفصيل بين الذاكر والمجاهد فإن الذاكر المجاهد أفضل من الذاكر بلا جهاد والمجاهد الغافل والذاكر بلا جهاد أفضل من المجاهد الغافل عن الله تعالى. فأفضل الذاكرين المجاهدون وأفضل المجاهدين الذاكرون. قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون فأمرهم بالذكر الكثير والجهاد معا ليكونوا على رجاء من الفلاح وقد قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وقال تعالى: والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أي كثيرا وقال تعالى: فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا  ففيه الأمر بالذكر بالكثرة والشدة لشدة حاجة العبد إليه وعدم استغنائه عنه طرفة عين فأي لحظة خلا فيها العبد عن ذكر الله عز وجل كانت عليه لا له وكان خسرانه فيها أعظم مما ربح في غفلته عن الله. وقال بعض العارفين: لو أقبل عبد على الله تعالى كذا وكذا سنة ثم أعرض عنه لحظة لكان ما فاته أعظم مما حصله. وذكر البيهقي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من ساعة تمر بأبن آدم لا يذكر فيها إلا تحسر عليها يوم القيامة .(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6101",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر عن معاذ بن جبل يرفعه أيضا ليس تحسر أهل الجنة إلا عن ساعة مرت بهم لم يذكروا الله عز وجل فيها. وعن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلام أبن آدم كله عليه لا له إلا أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو ذكرا لله عز وجل . وعن معاذ بن جبل قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل قال أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله عز وجل . وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: لكل شيء جلاء وإن جلاء القلوب ذكر الله عز وجل. وذكر البيهقي مرفوعا من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول لكل شيء صقالة وإن صقالة القلوب ذكر الله عز وجل. وما من شيء أنجى من عذاب الله عز وجل من ذكر الله عز وجل قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله عز وجل قال ولو أن يضرب بسيفه حتى ينقطع . ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما وجلاؤه بالذكر فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء. فإذا ترك صدئ فإذا جلاه. وصدأ القلب بأمرين بالغفلة والذنب وجلاؤه بشيئين بالاستغفار والذكر. فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكبا على قلبه وصدأه بحسب غفلته وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه فيرى الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل لأنه لما تراكم عليه الصدأ أظلم فلم تظهر فيه صورة الحقائق كما هي عليه. فإذا تراكم عليه الصدأ واسود وركبه الران فسد تصوره وإدراكه فلا يقبل حقا ولا ينكر باطلا. وهذا أعظم عقوبات القلب.(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6102",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "وفي الذكر أكثر من مائة فائدة:",
        "content": "وأصل ذلك من الغفلة واتباع الهوى فإنهما يطمسان نور القلب ويعميان بصره قال تعالى: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا . فإذا أراد العبد أن يفتدي برجل فلينظر: هل هو من أهل الذكر أو من الغافلين وهل الحاكم عليه الهوى أو الوحي. فإن كان الحاكم عليه هو الهوى وهو من أهل الغفلة كان أمره فرطا. ومعنى الفرط قد فسر بالتضييع أي أمره الذي يجب أن يلزمه ويقوم به وبه رشده وفلاحه ضائع قد فرط فيه وفسر بالاسراف أي قد أفرط وفسر بالإهلاك وفسر بالخلاف للحق. وكلها أقوال متقاربة والمقصود أن الله سبحانه وتعالى نهى عن طاعة من جمع هذه الصفات فينبغي للرجل أن ينظر في شيخه وقدوته ومتبوعه فإن وجده كذلك فليبعد منه. وإن وجده ممن غلب عليه ذكر الله تعالى عز وجل واتباع السنة وأمره غير مفروط عليه بل هو حازم في أمره فليستمسك بغرزه ولا فرق بين الحي والميت إلا بالذكر فمثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت. وفي المسند مرفوعا أكثروا ذكر الله تعالى حتى يقال مجنون .  وفي الذكر أكثر من مائة فائدة: (إحداها) أنه يطرد الشيطان ويقمعه ويكسره. (الثانية) أنه يرضي الرحمن عز وجل. (الثالثة) أنه يزيل الهم والغم عن القلب. (الرابعة) أنه يجلب للقلب الفرح والسرور والبسط. (الخامسة) أنه يقوى القلب والبدن. (السادسة) أنه ينور الوجه والقلب. (السابعة) أنه يجلب الرزق. (الثامنة) أنه يكسو الذاكر المهابة والحلاوة والنضرة. (التاسعة) أنه يورثه المحبة التي هي روح الإسلام وقطب رحى الدين ومدار السعادة(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6103",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "العاشرة",
        "content": "والنجاة. وقد جعل الله لكل شيء سببا وجعل سبب المحبة دوام الذكر. فمن أراد أن ينال محبة الله عز وجل فليلهج بذكره فإنه الدرس والمذاكرة كما أنه باب العلم فالذكر باب المحبة وشارعها الأعظم وصراطها الأقوم. (العاشرة) أنه يورثه المراقبة حتى يدخله في باب الاحسان فيعبد الله كأنه يراه ولا سبيل للغافل عن الذكر إلى مقام الإحسان كما لا سبيل للقاعد إلى الوصول إلى البيت. (الحادية عشرة) أنه يورثه الإنابة وهي الرجوع إلى الله عز وجل فمتى أكثر الرجوع إليه بذكره أورثه ذلك رجوعه بقلبه إليه في كل أحواله فيبقى الله عز وجل مفزعه وملجأه وملاذه ومعاذه وقبلة قلبه ومهربه عند النوازل والبلايا. (الثانية عشرة) أنه يورثه القرب منه فعلى قدر ذكره لله عز وجل يكون قربه منه وعلى قدر غفلته يكون بعده منه. (الثالثة عشرة) أنه يفتح له بابا عظيما من أبواب المعرفة وكلما أكثر من الذكر ازداد من المعرفة. (الرابعة عشرة) أنه يورثه الهيبة لربه عز وجل وإجلاله لشدة استيلائه على قلبه وحضوره مع الله تعالى بخلاف الغافل فإن حجاب الهيبة رقيق في قلبه. (الخامسة عشرة) أنه يورثه ذكر الله تعالى له كم قال تعالى: فاذكروني أذكركم ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفى بها فضلا وشرفا وقال صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم . (السادسة عشرة) أنه يورث حياة القلب وسمعت شيخ الاسلام ابن تيمية قدس الله تعالى روحه يقول: الذكر للقلب مثل الماء للسمك فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء . (السابعة عشرة) أنه قوت القلب والروح فإذا فقده العبد صار بمنزلة الجسم إذا حيل بينه وبين قوته. وحضرت شيخ الاسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار ثم التفت إلي وقال: هذه غدوتي ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي. أو كلاما قريبا من هذا. وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر. أو كلاما هذا معناه. (الثامنة عشرة) أنه يورث جلاء القلب من صداه كما تقدم في الحديث وكل(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6104",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "التاسعة عشرة",
        "content": "صدأ وصدأ القلب الغفلة والهوى وجلاؤه الذكر والتوبة والاستغفار وقد تقدم هذا المعنى. (التاسعة عشرة) أنه يحط الخطايا ويذهبها. فإنه من أعظم الحسنات والحسنات يذهبن السيئات. (العشرون) أنه يزيل الوحشة بين العبد وبين ربه تبارك وتعالى فإن الغافل بينه وبين الله عز وجل وحشة لا تزول إلا بالذكر. (الحادية والعشرون) أن ما يذكر به العبد ربه عز وجل من جلاله وتسبيحه وتحميده يذكر بصاحبه عند الشدة فقد روى الإمام أحمد في المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن ما تذكرون من جلال الله عز وجل من التهليل والتكبير والتحميد يتعاطفن حول العرش لهن دوي كدوي النحل يذكرن بصاحبهن. أفلا يحب أحدكم أن يكون له ما يذكر به  هذا الحديث أو معناه. (الثانية والعشرون) أن العبد إذا تعرف إلى الله تعالى بذكره في الرخاء عرفه في الشده وقد جاء أثر معناه أن العبد المطيع الذاكر لله تعالى إذا أصابته شدة أو سأل الله تعالى حاجة قالت الملائكة: يا رب صوت معروف من عبد معروف والغافل المعرض عن الله عز وجل إذا دعاه وسأله قالت الملائكة: يا رب صوت منكر من عبد منكر. (الثالثة والعشرون) أنه ينجي من عذاب الله تعالى كما قال معاذ رضي الله عنه ويروى مرفوعا ما عمل آدمي عملا أنجى من عذاب الله عز وجل من ذكر الله تعالى . (الرابعة والعشرون) أنه سبب تنزيل السكينة وغشيان الرحمة وحفوف الملائكة بالذاكر كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم. (الخامسة والعشرون) أنه سبب اشتغال اللسان عن الغيبة والنميمة والكذب والفحش والباطل. فإن العبد لا بد له من أن يتكلم. فإن لم يتكلم بذكر الله تعالى وذكر أوامره تكلم بهذه المحرمات أو بعضها ولا سبيل الى السلامة منها البتة إلا بذكر الله تعالى. والمشاهدة والتجربة شاهدان بذلك فمن عود لسانه ذكر الله صان لسانه عن الباطل واللغو ومن يبس لسانه عن ذكر الله تعالى ترطب بكل باطل ولغو وفحش ولا حول ولا قوة إلا بالله. (السادسة والعشرون) أن مجالس الذكر مجالس الملائكة ومجالس اللغو والغفلة ومجالس الشياطين. فليتخير العبد أعجبهما إليه وأولاهما به فهو مع اهله في الدنيا والآخرة. (السابعة والعشرون) أنه يسعد الذاكر بذكره ويسعد به جليسه وهذا هو المبارك أين(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6105",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الثامنة والعشرون",
        "content": "ما كان. والغافل واللاغي يشقى بلغوه وغفلته ويشقى به مجالسه. (الثامنة والعشرون) أنه يؤمن العبد من الحسرة يوم القيامة. فإن كل مجلس لا يذكر العبد فيه ربه تعالى كان عليه حسرة وترة يوم القيامة. (التاسعة والعشرون) أنه مع البكاء في الخلوة سبب لإظلال الله تعالى العبد يوم الحر الأكبر في ظل عرشه والناس في حر الشمس قد صهرتهم في الموقف. وهذا الذاكر مستظل بظل عرش الرحمن عز وجل. (الثلاثون) أن الاشتعال به سبب لعطاء الله للذاكر أفضل ما يعطي السائلين ففي الحديث عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سبحانه وتعالى: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين . (الحادية والثلاثون) أنه أيسر العبادات وهو من أجلها وأفضلها فإن حركة اللسان أخف حركات الجوارح وأيسرها ولو تحرك عضو من الانسان في اليوم والليلة بقدر حركة لسانه لشق عليه غاية المشقة بل لا يمكنه ذلك. (الثانية والثلاثون) أنه غراس الجنة فقد روى الترمذي في جامعه من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقيت ليلة أسرى بي إبراهيم الخليل عليه السلام فقال: يا محمد أقرئ أمتك السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر قال الترمذي حديث حسن غريب من حديث أبن مسعود. وفي الترمذي من حديث أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة قال الترمذي حديث حسن صحيح.(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6106",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الثالثة والثلاثون",
        "content": "(الثالثة والثلاثون) أن العطاء والفضل الذي رتب عليه لم يرتب على غيره من الأعمال. ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه. ومن قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس . وفي الترمذي من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قال حين يصبح أو يمسي: اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت الله لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك أعتق الله ربعه من النار. ومن قالها مرتين أعتق الله نصفه من النار ومن قالها ثلاثا أعتق الله ثلاثة أرباعه من النار. ومن قالها أربعا أعتقه الله تعالى من النار . وفيه عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قال حين يمسي وإذا أصبح: رضيت بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا كان حقا على الله أن يرضيه وفي الترمذي من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6107",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الرابعة والثلاثون",
        "content": "وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف ألف درجة . (الرابعة والثلاثون) أن دوام ذكر الرب تبارك وتعالى يوجب الأمان من نسيانه الذي هو سبب شقاء العبد في معاشه ومعاده فإن نسيان الرب سبحانه وتعالى يوجب نسيان نفسه ومصالحها قال تعالى: ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون وإذا نسي العبد نفسه أعرض عن مصالحها ونسيها واشتغل عنها فهلكت وفسدت ولا بد كمن له زرع أو بستان أو ماشية أو غير ذلك ومما صلاحه وفلاحه بتعاهده والقيام عليه فأهمله ونسيه واشتغل عنه بغيره وضيع مصالحه فإنه يفسد ولا بد. هذا مع إمكان قيام غيره مقامه فيه فكيف الظن بفساد نفسه وهلاكها وشقائها إذا أهملها ونسيها واشتغل عن مصالحها وعطل مراعاتها وترك القيام عليها بما يصلحها فما شئت من فساد وهلاك وخيبة وحرمان. وهذا هو الذي صار أمره كله فرطا فانفرط عليه أمره وضاعت مصالحه وأحاطت به أسباب القطوع والخيبة والهلاك. ولا سبيل إلى الامان من ذلك إلا بدوام ذكر الله تعالى واللهج به وأن لا يزال اللسان رطبا به وأن يتولى منزلة حياته التي لا غنى له عنها ومنزلة غذائه الذي إذا فقده فسد جسمه وهلك وبمنزلة الماء عند شدة العطش وبمنزلة اللباس في الحر والبرد وبمنزلة الكن في شدة الشتاء والسموم. فحقيق بالعبد أن ينزل ذكر الله منه بهذه المنزلة وأعظم فأين هلاك الروح والقلب وفسادهما من هلاك البدن وفساده هذا هلاك لا بد منه وقد يعقبه صلاح لا بد وأما هلاك القلب والروح فهلاك لا يرجى معه صلاح ولا فلاح ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. في فوائد الذكر وادامته إلا هذه الفائدة وحدها لكفي بها فمن نسي الله تعالى أنساه نفسه في الدنيا ونسيه في العذاب يوم القيامة قال تعالى: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى  قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا  قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى أي تنسى في(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6108",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العذاب كما نسيت آياتي فلم تذكرها ولم تعمل بها. وإعراضه عن ذكره يتناول إعراضه عن الذكر الذي أنزله وهو أن يذكر الذي أنزله في كتابه وهو المراد بتناول إعراضه عن أن يذكر ربه بكتابه وأسمائه وصفاته وأوامره وآلائه ونعمه فإن هذه كلها توابع إعراضه عن كتاب ربه تعالى فإن الذكر في الآية إما مصدر مضاف إلى الفاعل أو مضاف إضافة الأسماء المحضة أعرض عن كتابي ولم يتله ولم يتدبره ولم يعمل به ولا فهمه فإن حياته ومعيشته لا تكون إلا مضيقة عليه منكدة معذبا فيها. والضنك الضيق والشدة والبلاء. ووصف المعيشة نفسها بالضنك مبالغة وفسرت هذه المعيشة بعذاب البرزخ والصحيح أنها تتناول معيشته في الدنيا وحاله في البرزخ فإنه يكون في ضنك في الدارين وهو شدة وجهد وضيق. وفي الآخرة تنسى في العذاب. وهذا عكس أهل السعادة والفلاح فإن حياتهم في الدنيا أطيب الحياة ولهم في البرزخ وفي الآخرة أفضل الثواب. قال تعالى: من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة فهذا في الدنيا ثم قال: ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون فهذا في البرزخ والآخرة. وقال تعالى: والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون وقال تعالى: وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله فهذا في الآخرة. وقال تعالى: قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب فهذه أربعة مواضيع ذكر الله تعالى فيها أنه يجزي المحسن بإحسانه جزاءين: جزاء في الدنيا وجزاء في الآخرة. فالاحسان له جزاء معجل ولا بد والإساءة لها جزاء معجل ولا بد. ولو لم يكن إلا ما يجازي به المحسن من انشراح صدوره في انفساح قلبه وسروره ولذاته بمعاملة ربه عز وجل وطاعته وذكره ونعيم روحه بمحبته. وذكره وفرحه بربه سبحانه وتعالى أعظم مما يفرح القريب من السلطان الكريم عليه بسلطانه. وما يجازي به المسيء من ضيق الصدر وقسوة القلب وتشتته وظلمته وحزازاته وغمه وهمه وحزنه وخوفه وهذا أمر لا يكاد من له أدني حس وحياة يرتاب فيه بل الغموم والهموم والاحزان والضيق عقوبات(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6109",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عاجلة ونار دنيوية وجهنم حاضرة والاقبال على الله تعالى والانابة إليه والرضاء به وعنه وامتلاء القلب من محبته واللهج بذكره والفرح والسرور بمعرفته ثواب عاجل وجنة وعيش لا نسبة لعيش الملوك إليه البتة. وسمعت شيخ الإسلام أبن تيمية قدس الله روحه يقول: أن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة. وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي أنا جنتي وبستاني في صدري إن رحت فهي معي لا تفارقني إن حبسي خلوة وقتلي شهادة وإخراجي من بلدي سياحة. وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت ملء هذه القاعة ذهبا ما عدل عندي شكر هذه النعمة. أو قال ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير ونحو هذا. وكان يقول في سجوده وهو محبوس اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ما شاء الله وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى. والمأسور من أسره هواه. ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب وعلم الله ما رأيت أحدا أطيب عيشا منه قط مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشا وأشرحهم صدرا وأقواهم قلبا وأسرهم نفسا تلوح نضرة النعيم على وجهه. وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله وينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة. فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه وفتح لهم أبوابها في دار العمل فآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها. وكان بعض العارفين يقول: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف. وقال آخر: مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها قيل: وما أطيب ما فيها قال: محبة الله تعالى ومعرفته وذكره. أو نحو هذا. وقال آخر: إنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربا. وقال آخر: إنه لتمر بي أوقات أقول إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب.(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6110",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الخامسة والثلاثون",
        "content": "فمحبة الله تعالى ومعرفته ودوام ذكره والسكون إليه والطمأنينة إليه وإفراده بالحب والخوف والرجاء والتوكل والمعاملة بحيث يكون هو وحده المستولي على هموم العبد وعزماته وإرادته هو جنة الدنيا والنعيم الذي لا يشبهه نعيم وهو قوة عين المحبين وحياة العارفين. وإنما تقر عيون الناس به على حسب قرة أعينهم بالله عز وجل فمن قرت عينه بالله قرت به كل عين ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات. وإنما يصدق هذا من في قلبه حياة وأما ميت القلب فيوحشك ما له ثم فاستأنس بغيبته ما أمكنك فإنك لا يوحشك إلا حضوره عندك فإذا ابتليت به فأعطه ظاهرك وترحل عنه بقلبك وفارقه بسرك ولا تشغل به عما هو أولى بك. واعلم أن الحسرة كل الحسرة الاشتغال بمن لا يجر عليك الاشتغال به إلا فوت نصيبك وحظك من الله عز وجل وانقطاعك عنه وضياع وقتك وضعف عزيمتك وتفرق همك. فإذا بليت بهذا ـ ولا بد لك منه ـ فعامل الله تعالى فيه واحتسب عليه ما أمكنك وتقرب إلى الله تعالى بمرضاته فيه واجعل اجتماعك به متجرا لك لا تجعله خسارة وكن معه كرجل سائر في طريقه عرض له رجل وقفه عن سيره فاجتهد أن تأخذه معك وتسير به فتحمله ولا يحملك فإن أبى ولم يكن في سيره مطمع فلا تقف معه بلا ركب الدرب ودعه ولا تلتفت إليه فإنه قاطع الطريق ولو كان من كان فانج بقلبك وضن بيومك وليلتك لا تغرب عليك الشمس قبل وصول المنزلة فتؤخذ أو يطلع الفجر أنى لك بلماقهم. (الخامسة والثلاثون) أن الذكر يسير العبد هو في فراشه وفي سوقه وفي حال صحته وسقمه وفي حال نعيمه ولذته وليس شيء يعم الأوقات والأحوال مثله حتى يسير العبد وهو نائم على فراشه فيسبق القائم مع الغفلة فيصبح هذا وقد قطع الركب وهو مستلق على فراشه ويصبح ذلك الغافل في ساقة الركب وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وحكى عن رجل من العباد أنه نزل برجل ضيفا فقام العابد ليله يصلي وذلك الرجل مستلق على فراشه فلما أصبحا قال له العابد: سبقك الركب أو كما قال. فقال: ليس الشأن فيمن بات مسافرا وأصبح مع الركب الشأن فيمن بات على فراشه وأصبح قد قطع الركب. وهذا ونحوه له محمل صحيح ومحمل فاسد فمن حكم على أن الراقد المضطجع على فراشه يسبق القائم القانت فهو باطل وإنما محمله أن هذا المستلقي على فراشه علق بربه عز وجل وألصق حبة قلبه بالعرش وبات قلبه يطوف حول العرش مع الملائكة قد غاب عن(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6111",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الذكر وحقيقة النور الإلهي",
        "content": "الدنيا ومن فيها وقد عاقه عن قيام الليل عائق من وجع أو برد يمنعه القيام أو خوف على نفسه من رؤية عدو يطلبه أو غير ذلك من الأعذار فهو مستلق على فراشه وفي قلبه ما الله تعالى به عليم. وآخر قائم يصلي ويتلو وفي قلبه من الرياء والعجب وطلب الجاه والمحمدة عند الناس ما الله به عليم أو قلبه في واد وجسمه في واد. فلا ريب أن ذلك الراقد يصبح وقد سبق هذا القائم بمراحل كثيرة فالعمل على القلوب لا على الأبدان والمعول على الساكن ويهيج الحب المتوارى ويبعث الطلب الميت.  الذكر وحقيقة النور الإلهي (السادسة والثلاثون) أن الذكر نور للذاكر في الدنيا ونور له في قبره ونور له في معاده يسعى بين يديه على الصراط فما استنارت القلوب والقبور بمثل ذكر الله تعالى قال الله تعالى: أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها فالأول هو المؤمن استنار بالايمان بالله ومحبته ومعرفته وذكره والآخر هو الغافل عن الله تعالى المعرض عن ذكره ومحبته والشأن كل الشأن والفلاح كل الفلاح في النور والشقاء كل الشقاء في فواته. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يبالغ في سؤال ربه تبارك وتعالى حين يسأله أن يجعله في لحمه وعظامه وعصبه وشعره وبشره وسمعه وبصره ومن فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله وخلفه وأمامه حتى يقول واجعلني نورا فسأل ربه تبارك وتعالى أن يجعل النور في ذراته الظاهرة والباطنة وأن يجعله محيطا به من جميع جهاته وأن يجعل ذاته وجملته نورا فدين الله عز وجل نور وكتابه نور ورسوله نور وداره التي أعدها لأوليائه نور يتلألأ وهو تبارك وتعالى نور السماوات والأرض ومن أسمائه النور وأشرقت الظلمات لنور وجهه. وفي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم الطائف أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك أو ينزل بي سخطك. لك(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6112",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك وقال أبن مسعود رضي الله عنه: ليس عند ربكم ليل ولا نهار نور السماوات من نور وجهه. ذكره عثمان الدارمي وقد قال تعالى: وأشرقت الأرض بنور ربها فإذا جاء تبارك وتعالى يوم القيامة للفصل بين عباده وأشرقت بنوره الأرض وليس إشراقها يومئذ بشمس ولا قمر فإن الشمس تكور والقمر يخسف ويذهب نورهما وحجابه تبارك وتعالى النور. قال أبو موسى: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال إن الله لا ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل حجابه النور لو كشفه لاحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ثم قرأ أن بورك من في النار ومن حولها . فاستنارة ذلك الحجاب بنور وجهه ولولاه لاحرقت سبحات وجهه ونوره ما انتهى إليه بصره. ولهذا لما تجلى تبارك وتعالى للجبل وكشف من الحجاب شيئا يسيرا ساخ الجبل في الأرض وتدكدك ولم يقم لربه تبارك وتعالى. وهذا معنى قول أبن عباس في قوله سبحانه وتعالى: لا تدركه الأبصار : قال: ذلك الله عز وجل إذا تجلى بنوره لم يقم له شيء. وهذا من بديع فهمه رضي الله تعالى عنه ودقيق فطنته كيف وقد دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلمه الله التأويل فالرب تبارك وتعالى يرى يوم القيامة بالأبصار عيانا ولكن يستحيل إدراك الأبصار له وأن رأته فالادراك أمر وراء الرؤية وهذه الشمس ـ ولله المثل الأعلى ـ نراها ولا ندركها كما هي عليه ولا قريبا من ذلك ولذلك قال ابن عباس لمن سأله(1\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6113",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأورد عليه لا تدركه الأبصار فقال: ألست ترى السماء قال: بلى. قال: أفتدركها قال: لا. قال: فالله تعالى أعظم وأجل. وقد ضرب سبحانه وتعالى النور في قلب عبده مثلا لا يعقله إلا العالمون فقال سبحانه وتعالى: الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم قال أبي بن كعب: مثل نوره في قلب المسلم. وهذا هو النور الذي أودعه في قلبه من معرفته ومحبته والايمان به وذكره وهو نوره الذي أنزله إليهم فأحياهم به وجعلهم يمشون به بين الناس وأصله في قلوبهم ثم تقوى مادته فتتزايد حتى يظهر على وجوههم وجوارحهم وأبدانهم بل ثيابهم ودورهم يبصره من هو من جنسهم وسائر الخلق له منكر. فإذا كان يوم القيامة برز ذلك النور وصار بإيمانهم يسعى بين أيديهم في ظلمة الجسر حتى يقطعوه وهم فيه على حسب قوته وضعفه في قلوبهم في الدنيا فمنهم من نوره كالشمس وآخر كالقمر وآخر كالنجوم وآخر كالسراج وآخر يعطي نورا على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ أخرى إذا كانت هذه حال نوره في الدنيا فأعطى على الجسر بمقدار ذلك بل هو نفس نوره ظهر له عيانا ولما لم يكن للمنافق نور ثابت في الدنيا بل كان نوره ظاهرا لا باطنا أعطى نورا ظاهرا مآله إلى الظلمة والذهاب. وضرب الله عز وجل لهذا النور ومحله وحامله ومادته مثلا بالمشكاة وهي الكوة في الحائط فهي مثل الصدر وفي تلك المشكاة زجاجة من أصفى الزجاج وحتى شبهت بالكوكب الدري في بياضه وصفائه وهي مثل القلب وشبه بالزجاجة لأنها جمعت أوصافا هي في قلب المؤمن وهي الصفاء والرقة فيرى الحق والهدى بصفائه وتحصل منه الرأفة والرحمة والشفقة برقته ويجاهد أعداء الله تعالى ويغلظ عليهم ويشتد في الحق ويصلب فيه بصلابته ولا تبطل صفة منه صفة أخرى ولا تعارضها بل تساعدها وتعاضدها أشداء على الكفار رحماء بينهم(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6114",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال تعالى: فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك وقال تعالى: يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم وفي اثر القلوب آنية الله تعالى في أرضه فأحبها إليه وأرقها وأصلبها وأصفاها وبازاء هذا القلب قلبان مذمومان في طرفي نقيض: أحدهما: قلب حجري قاس لا رحمة فيه ولا إحسان ولا بر ولا له صفاء يرى به الحق بل هو جبار جاهل: لا علم له بالحق ولا رحمة للخلق. وبإزائه قلب ضعيف مائي لا قوة فيه ولا استمساك بل يقبل كل صورة وليس له قوة حفظ تلك الصور ولا قوة التأثير في غيره وكل ما خالطه أثر فيه من قوي وضعيف وطيب خبيث. وفي الزجاجة مصباح وهو النور الذي في الفتيلة وهي حاملته. ولذلك النور مادة وهو زيت قد عصر من زيتونة في أعدل الأماكن تصيبها الشمس أول النهار وآخره فزيتها من أصفى الزيت وأبعده من الكدر حتى إنه ليكاد من صفائه يضيء بلا نار فهذه مادة نور المصباح. وكذلك مادة نور المصباح الذي في قلب المؤمن هو من شجرة الوحي التي هي أعظم الأشياء بركة وأبعدها من الانحراف بل هي أوسط الأمور وأعدلها وأفضلها لم تنحرف انحراف النصرانية ولا انحراف اليهودية بل هي وسط بين الطرفين المذمومين في كل شيء فهذه مادة مصباح الإيمان في قلب المؤمن. ولما كان ذلك الزيت قد اشتد صفاؤه حتى كاد أن يضيء بنفسه ثم خالط النار فاشتدت بها اضاءته وقويت مادة ضوء النار به كان ذلك نورا على نور. وهكذا المؤمن قلبه مضيئ يكاد يعرف الحق بفطرته وعقله ولكن لا مادة له من نفسه فجاءت مادة الوحي فباشرت قلبه وخالطت بشاشته فازداد نورا بالوحي على نوره الذي فطره الله تعالى عليه فاجتمع له نور الوحي إلى نور الفطرة نور على نور فيكاد ينطق بالحق وإن لم يسمع فيه أثر ثم يسمع الأثر مطابقا لما شهدت به فطرته فيكون نورا على نور فهذا شأن المؤمن يدرك الحق بفطرته مجملا ثم يسمع الأثر جاء به مفصلا فينشأ إيمانه عن شهادة الوحي والفطرة. فليتأمل اللبيب هذه الآية العظيمة ومطابقتها لهذه المعاني الشريفة. فذكر سبحانه وتعالى نوره في السموات والأرض ونوره في قلوب عباده المؤمنين النور المعقول المشهود بالبصائر والقلوب والنور المحسوس المشهود بالأبصار الذي استنارت به أقطار العالم العلوي والسفلي فهما نوران عظيمان أحدهما أعظم من الآخر وكما أنه إذا فقد أحدهما من مكان أو موضع لم يعش فيه آدمي ولا غيره لأن الحيوان إنما يتكون حيث النور ومواضع الظلمة التي لا يشرق عليها نور لا(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6115",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعيش فيها حيوان ولا يتكون البته فكذلك أمة فقد فيها نور الوحي والإيمان ميتة وقلب فقد منه هذا النور ميت ولا بد لا حياة له البتة كما لا حياة للحيوان في مكان لا نور فيه. والله سبحانه وتعالى يقرن بين الحياة والنور كما في قوله عز وجل أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها وكذلك قوله عز وجل وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وقد قيل إن الضمير في (جعلناه) عائد إلى الأمر وقيل إلى الكتاب وقيل إلى الإيمان والصواب أنه عائد إلى الروح أي جعلنا ذلك الروح الذي أوحيناه إليك نورا فسماه روحا لما يحصل به من الحياة وجعله نورا لما يحصل به الاشراق والاضاءة وهما متلازمان فحيث وجدت هذه الحياة بهذا الروح وجدت الاضاءة والاستنارة وحيث وجدت الاستنارة والاضاءة وجدت الحياة فمن لم يقبل هذا الروح فهو ميت مظلم كما أن المائي والناري. لما يحصل بالماء من الحياة وبالنار من الاشراق والنور كما ضرب ذلك في أول سورة البقرة في قوله تعالى: مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون وقال: ذهب الله بنورهم ولم يقل بنارهم لأن النار فيها الاحراق. وكذلك حال المنافقين: ذهب نور إيمانهم بالنفاق وبقي في قلوبهم حرارة الكفر والشكوك والشبهات تغلي في قلوبهم قلوبهم قد صليت بحرها وأذاها وسمومها ووهجها في الدنيا فأصلاها الله تعالى إياها يوم القيامة نارا موقدة تطلع على الأفئدة. فهذا مثل من لم يصحبه نور الإيمان في الدنيا بل خرج منه وفارقه بعد أن استضاء به. وهو حال المنافق عرف ثم أنكر وأقر ثم جحد فهو في ظلمات أصم أبكم أعمى كما قال تعالى في حق إخوانهم من الكفار والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات(1\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6116",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال تعالى: ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون وشبه تعالى حال المنافقين في خروجهم من النور بعد أن أضاء لهم بحال مستوقد النار وذهاب نورها عنه بعد أن أضاءت ما حوله لأن المنافقين بمخالطتهم المسلمين وصلاتهم معهم وصيامهم معهم وسماعهم القرآن ومشاهدتهم أعلام الإسلام ومناره قد شاهدوا الضوء ورأوا النور عيانا ولهذا قال تعالى في حقهم فهم لا يرجعون إليه لأنهم فارقوا الإسلام بعد أن تلبسوا به واستناروا فهم لا يرجعون إليه. وقال تعالى في حق الكفار فهم لا يعقلون لأنهم لا يعقلوا الإسلام ولا دخلوا فيه ولا استناروا به ولا يزالون في ظلمات الكفر صم بكم عمي سبحان من جعل كلامه لأدواء الصدور شافيا وإلى الإيمان وحقائقه مناديا وإلى الحياة الأبدية والنعيم المقيم داعيا وإلى الطريق الرشاد هاديا. لقد أسمع منادي الإيمان لو صادف آذانا واعية وشفت مواعظ القرآن لو وافقت قلوبا خالية ولكن عصفت على القلوب أهوية الشبهات والشهوات فأطفأت مصابيحها وتمكنت منها أيدي الغفلة والجهالة فأغلقت أبواب رشدها وأضاعت مفاتيحها وران عليها كسبها فلم ينفع فيها الكلام وسكرت بشهوات الغي وشهادة الباطل فلم تصغ بعده إلى الملام ووعظت بمواعظ أنكى فيها الأسنة والسهام ولكن ماتت في بحر الجهل والغفلة وأسر الهوى والشهوة وما لجرح بميت إيلام. والمثل الثاني قوله تعالى: أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين الصيب المطر الذي يصوب من السماء أي ينزل منها بسرعة وهو مثل القرآن الذي به حياة القلوب كالمطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان فأدرك المؤمنين ذلك منه وعلموا ما يحصل به من الحياة التي لا تخطر لها فلم يمنعهم منها ما فيه من الرعد والبرق وهو الوعيد والتهديد والعقوبات والمثلات التي حذر الله بها من خالف أمره وأخبر أنه منزلها بمن كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ما فيه من الأوامر الشديدة كجهاد الأعداء والصبر على الأمر أو الأوامر الشاقة على النفوس التي هي بخلاف إرادتها فهي كالظلمات والرعد والبرق ولكن من علم مواقع الغيث وما يحصل به من الحياة لم يستوحش لما معه من الظلمة والرعد والبرق بل يستأنس لذلك ويفرح به لما يرجو من الحياة والخصب. وأما المنافق فإنه عمي قلبه لم يجاوز بصره الظلمة ولم ير إلا(1\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6117",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "برقا يكاد يخطف البصر ورعدا عظيما وظلمة فاستوحش من ذلك وخاف منه فوضع أصابعه في أذنيه لئلا يسمع صوت الرعد وهاله ذلك البرق وشدة لمعانه وعظم نوره فهو خائف أن يختطف معه بصره لأن بصره أضعف من أن يثبت معه فهو في ظلمة يسمع أصوات الرعد القاصف ويرى ذلك البرق الخاطف فإن أضاء له ما بين يديه مشى في ضوئه وأن فقد الضوء قام متحيرا لا يدري أين يذهب ولجهله لا يعلم أن ذلك من لوازم الصيب الذي به حياة الأرض والنبات وحياته هو في نفسه بل لا يدرك إلا رعدا وبرقا وظلمة ولا شعور له بما وراء ذلك فالوحشة لازمة له والرعب والفزع لا يفارقه وأما من أنس بالصيد وعلم أنه لا بد فيه من رعد وبرق وظلمة بسبب الغيم أستأنس بذلك ولم يستوحش منه ولم يقطعه ذلك عن أخذه بنصيبه من الصيب. فهذا مثل مطابق للصيب الذي نزل به جبريل صلى الله عليه وسلم من عند رب العالمين تبارك وتعالى على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحيي به القلوب والوجود أجمع اقتضت حكمته أن يقارنه من الغيم والرعد والبرق ما يقارن الصيب من الماء حكم بالغة وأسبابا منتظمة نظمها العزيز الحكيم. فكان حظ المنافق من ذلك الصيب سحابه ورعوده وبروقه فقط لم يعلم ما وراءه فاستوحش بما أنس المؤمنين وارتاب بما اطمأن به العالمون وشك فيما يتقيه المبصرون العارفون فبصره في المثل الناري كبصر الخفاش نحو الظهيرة وسمعه في المثل المائي كسمع من يموت من صوت الرعد وقد ذكر عن بعض الحيوانات أنها تموت من سمع الرعد. وإذا صادف هذه العقول والأسماع والأبصار شبهات شيطانية وخيالات فاسدة وظنون كاذبة حالت فيها وصالت وقامت بها وقعدت واتسع فيها مجالها وكثر بها قيلها وقالها فملأت الأسماع من هذيانها والأرض من دواوينها وما أكثر المستجيبين لهؤلاء والقابلين منهم والقائمين بدعوتهم والمحامين عن حوزتهم والمقاتلين تحت ألويتهم والمكثرين لسوادهم. ولعموم البلية هم وضرر القلوب بكلامهم هتك الله أستارهم في كتابه غاية الهتك وكشف أسرارهم غاية الكشف وبين علاماتهم وأعمالهم وأقوالهم ولم يزل عز وجل يقول: (ومنهم.. ومنهم.. ومنهم) حتى انكشف أمرهم وبانت حقائقهم وظهرت أسرارهم. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في أول سورة البقرة أوصاف المؤمنين والكفار والمنافقين فذكر في أوصاف المؤمنين ثلاث آيات وفي أوصاف الكفار آيتين وفي أوصاف هؤلاء بضع عشرة(1\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6118",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "آية لعموم الابتلاء بهم وشدة المصيبة بمخالطتهم فإنهم من الجلدة مظهرون الموافقة والمناصرة بخلاف الكافر الذي قد تأبد بالعداوة وأظهر السريرة ودعا لك بما أظهره إلى مزايلته ومفارقته. ونظير هذين المثلين المذكورين في سورة الرعد في قوله تعالى: أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا فهذا هو المثل المائي شبه الوحي الذي أنزله بحياة القلوب بالماء الذي أنزله من السماء وشبه القلوب الحاملة له بالأودية الحاملة للسيل فقلب كبير يسع علما عظيما كواد كبير يسع ماء كثيرا وقلب صغير كواد صغير يسع علما قليلا فحملت القلوب من هذا العلم بقدرها كما سالت الأودية بقدرها. ولما كانت الأودية ومجاري السيول فيها الغثاء ونحوه مما يمر عليه السيل فيحتمله السيل فيطفوا على وجه الماء زبدا عاليا يمر عليه متراكبا ولكن تحته الماء الفرات الذي به حياة الأرض فيقذف الوادي ذلك الغثاء إلى جنبتيه حتى لا يبقى الماء الذي تحت الغثاء يسقي الله تعالى به الأرض فيحيي به البلاد والعباد والشجر والدواب والغثاء يذهب جفاء يجفي ويطرح على شفير الوادي. فكذلك العلم والإيمان الذي أنزله في القلوب فاحتملته فأثار منها بسبب مخالطته لها ما فيها من غثاء الشهوات وزبد الشبهات الباطلة يطفو في أعلاها واستقر العلم والإيمان والهدى في جذر القلب فلا يزال ذلك الغثاء والزبد يذهب جفاء ويزول شيئا فشيئا حتى يزول كله ويبقى العلم النافع والإيمان الخالص في جذر القلب يرده الناس فيشربون ويسقون ويمرعون. وفي الصحيح من الحديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مثل ما بعثني الله تعالى به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها طائفة أجادب أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه دين الله تعالى ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم. ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدي الله الذي أرسلت به(1\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6119",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالنسبة إلى الهدي والعلم ثلاث طبقات. (الطبقة الأولى) ورثة الرسل وخلفاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهم الذين قاموا بالدين علما وعملا ودعوة إلى الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم فهؤلاء أتباع الرسل ـ صلوات الله عليهم وسلامه ـ حقا وهم بمنزلة الطائفة الطيبة من الأرض التي زكت فقبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير فزكت في نفسها وزكا الناس بها. وهؤلاء هم الذين جمعوا بين البصيرة في الدين والقوة على الدعوة ولذلك كانوا ورثة الأنبياء صلى الله عليهم وسلم الذين قال تعالى فيهم واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار  [أي] البصائر في دين الله عز وجل فبالبصائر يدرك الحق ويعرف وبالقوى يتمكن من تبليغه وتنفيذه والدعوة إليه فهذه الطبقة كان لها قوة الحفظ والفهم في الدين والبصر بالتأويل ففجرت من النصوص أنهار العلوم واستنبطت منها كنوزها ورزقت فيها فهما خاصا كما قال أمير المؤمنين على أبن أبي طالب ـ وقد سئل: هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء دون الناس فقال: ـ لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه. فهذا الفهم هو بمنزلة الكلأ والعشب الكثير الذي أنبتته الأرض وهو الذي تميزت به هذه الطبقة عن. (الطبقة الثانية) فإنها حفظت النصوص وكان همها حفظها وضبطها فوردها الناس وتلقوها منهم فاستنبطوا منها واستخرجوا كنوزها واتجروا فيها وبذروها في أرض قابلة للزرع والنبات ووردها كل بحسبه قد علم كل أناس مشربهم وهؤلاء هم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه وهذا عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن مقدار ما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغ نحو العشرين حديثا الذي يقول فيه سمعت ورأيت وسمع الكثير من الصحابة وبورك في فهمه والاستباط منه حتى ملأ الدنيا علما وفقها.(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6120",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أبو محمد بن حزم: وجمعت فتاويه في سبعة أسفار كبار. وهي بحسب ما بلغ جامعها وإلا فعلم أبن عباس كالبحر وفقه واستنباطه وفهمه في القرآن بالموضع الذي فاق به الناس. وقد سمع كما سمعوا وحفظ القرآن كما حفظوا ولكن أرضه كانت من أطيب الأراضي وأقبلها للزرع فبذر فيها النصوص فأنبتت من كل زوج كريم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وأين تقع فتاوى أبن عباس وتفسيره واستنباطه من فتاوى أبي هريرة وتفسيره وأبو هريرة أحفظ منه بل هو حافظ الأمة على الإطلاق يؤدي الحديث كما سمعه ويدرسه بالليل درسا فكانت همته مصروفة إلى الحفظ وبلغ ما حفظه كما سمعه وهمة ابن عباس مصروفة إلى التفقه والاستنباط وتفجير النصوص وشق الأنهار منها واستخراج كنوزها. وهكذا الناس بعده قسمان. (قسم حفاظ) معتنون بالضبط والحفظ والأداء كما سمعوا. ولا يستنبطون ولا يستخرجون كنوز ما حفظوه. وقسم معتنون بالاستنباط واستخراج الأحكام من النصوص والتفقه فيها. فالأول كأبي زرعة وأبي حاتم وابن دارة. وقبلهم كبندار ومحمد بن بشار وعمرو الناقد وعبد الرزاق وقبلهم كمحمد بن جعفر غندر وسعيد بن أبي عروية وغيرهم من أهل الحفظ والاتقان والضبط لما سمعوه من غير استنباط وتصرف وأستخراج الأحكام من ألفاظ النصوص. (والقسم الثاني) كمالك والشافعي والاوزاعي وإسحق والإمام أحمد بن حنبل والبخاري وأبي داود ومحمد بن نصر المروزي ـ وأمثالهم ممن جمع الاستنباط والفقه إلى الرواية ـ فهاتان الطائفتان هما أسعد الخلق بما بعث الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم وهم الذين قبلوه ورفعوا به رأسا. وأما (الطائفة الثالثة) ـ وهم أشقى الخلق الذين لم يقبلوا هدي الله ولم يرفعوا به رأسا ـ فلا حفظ ولا فهم ولا رواية ولا دراية ولا رعاية. (فالطبقة الأولى) أهل رواية ودارية. (والطبقة الثانية) أهل رواية ورعاية ولهم نصيب من الدراية بل حظهم من الرواية أوفر.(1\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6121",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(والطبقة الثالثة) الأشقياء لا رواية ولا دراية ولا رعاية إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا  فهم الذين يضيقون الديار ويغلون الأسعار إن همة أحدهم إلا بطنه وفرجه فإن ترقت همته كان همه ـ مع ذلك ـ لباسه وزينته فإن ترقت همته فوق ذلك كان همه في الرياسة والانتصار للنفس الغضبية فإن ارتفعت همته عن نصرة النفس [الغضبية كان همه في نصرة النفس] الكلبية فلم يعطها إلى نصرة النفس السبعية فلم يعطها أحد من هؤلاء فإن النفوس كلبية وسبعية وملكية. فالكلبية تقنع بالعظم والكسرة والجيفة والقذرة والسبعية لا تقنع بذلك بل بقهر النفوس تريد الاستيلاء عليها بالحق والباطل. وأما الملكية فقد ارتفعت عن ذلك وشمرت إلى الرفيق الأعلى فهمتها العلم والإيمان ومحبة الله تعالى والإنابة إليه وإيثار محبته ومرضاته وإنما تأخذ من الدنيا ما تأخذ من لتستعين به على الوصول إلى فاطرها وربها ووليها لا لتنقطع به عنه. ثم ضرب سبحانه وتعالى مثلا ثانيا وهو المثل الناري فقال: ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله وهذا كالحديد والنحاس والفضة والذهب وغيرها فإنها تدخل الكير لتمحص وتخلص من الخبث فيخرج خبثها فيرمى به ويطرح ويبقى خالصها فهو الذي ينفع الناس. ولما ضرب الله سبحانه وتعالى هذين المثلين ذكر حكم من استجاب له ورفع بهداه رأسا وحكم من لم يستجب له ولم يرفع بهداه رأسا فقال: للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد والمقصود أن الله تعالى جعل الحياة حيث النور والموت حيث الظلمة فحياة الوجودين الروحي والجسمي بالنور وهو مادة الحياة كما أنه مادة الإضاءة فلا حياة بدونه كما لا إضاءة بدونه وكما به حياة القلب فيه انفساحه وانشراحه وسعته كما في الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح قالوا: وما علامة ذلك قال الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله . ونور العبد هو الذي يصعد عمله وكلمه إلى الله تعالى فإن الله تعالى لا يصعد إليه من الكلم إلا الطيب وهو نور ومصدر عن النور. ولا من(1\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6122",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العمل إلا الصالح ولا من الارواح إلا الطيبة وهي أرواح المؤمنين التي استنارت بالنور الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم والملائكة الذين خلقوا من نور كما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال خلقت الملائكة من نور وخلقت الشياطين من نار وخلق آدم مما وصف لكم فلما كانت مادة الملائكة من نور كانوا هم الذين يعرجون إلى ربهم تبارك وتعالى وكذلك أرواح المؤمنين هي التي تعرج إلى ربها وقت قبض الملائكة لها فيفتح لها باب السماء الدنيا ثم الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة إلى أن ينتهي بها إلى السماء السابعة فتوقف بين يدي الله عز وجل ثم يأمر أن يكتب كتابه في أهل عليين فلما كانت هذه الروح روحا زاكية طيبة نيرة مشرقة صعدت إلى الله عز وجل مع الملائكة. وأما الروح المظلمة الخبيثة الكدرة فإنها لا تفتح لها أبواب السماء ولا تصعد إلى الله تعالى بل ترد من السماء الدنيا إلى عالمها ومحتدها لأنها أرضية سفلية والأولى علوية سمائية فرجعت كل روح إلى عنصرها وما هي منه وهذا منه مبين في حديث البراء بن عازب الطويل الذي رواه الامام أحمد وأبو عوانة الاسفرائيني في صحيحه والحاكم وغيرهم وهو حديث صحيح. والمقصود أن الله عز وجل لا يصعد إليه من الأعمال والأقوال والأرواح إلا ما كان منها نورا أقربهم إليه وأكرمهم عليه. وفي المسند من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة وألقى عليهم من نوره فمن أصاب من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل. فلذلك أقوال: جف القلم على علم الله تعالى وهذا الحديث العظيم أصل من أصول الإيمان وينفتح به باب عظيم من أبواب سر القدر وحكمته والله تعالى الموفق. وهذا النور الذي ألقاه عليهم سبحانه وتعالى هو الذي أحياهم وهداهم فأصابت الفطرة منه حظها. ولكن لما لم يستقل بتمامه وكماله أكمله لهم وأتمه بالروح الذي ألقاه على رسله عليهم الصلاة والسلام والنور الذي أوحاه إليهم فأدركته الفطرة بذلك النور السابق الذي حصل لها يوم إلقاء النور فانضاف نور الوحي والنبوة إلى نور الفطرة نور على نور فأشرقت منه القلوب واستنارت به الوجوه وحييت به الأرواح وأذعنت به الجوارح للطاعات طوعا واختيارا فازدادت به القلوب الصفات العليا الذي يضمحل فيه كل نور سواء فشاهدته(1\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6123",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ببصائر الإيمان مشاهدة نسبتها إلى القلب نسبة المرئيات إلى العين ذلك لاستيلاء اليقين عليها وانكشاف حقائق الإيمان لها حتى كأنها تنظر إلى عرش الرحمن تبارك وتعالى بارزا وإلى استوائه عليه كما أخبر به سبحانه وتعالى في كتابه وكما أخبر به عنه رسوله صلى الله عليه وسلم يدبر أمر الممالك ويأمر وينهي ويخلق ويرزق ويميت ويحي ويقضي وينفذ ويعز ويذل ويقلب الليل والنهار ويداول الأيام بين الناس ويقلب الدول فيذهب بدولة ويأتي بأخرى والرسل من الملائكة عليهم الصلاة والسلام بين صاعد إليه بالأمر ونازل من عنده به وأوامره ومراسيمه متعاقبة على تعاقب الآيات نافذة بحسب إرادته فما شاء كما شاء في الوقت الذي يشاء على الوجه الذي يشاء من غير زيادة ولا نقصان ولا تقدم ولا تأخر وأمره وسلطانه نافذ في السماوات وأقطارها وفي الأرض وما عليها وما تحتها وفي البحار والجو وفي سائر أجزاء العالم وذراته يقلبها ويصرفها ويحدث فيها ما يشاء وقد أحاط بكل شئ علما وأحصى كل شئ عددا ووسع كل شئ رحمة وحكمة ووسع سمعه الأصوات فلا تختلف عليه ولا تشتبه عليه. بل يسمع ضجيجها باختلاف لغاتها على كثرة حاجاتها لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه كثرة المسائل ولا يتبرم بإلحاح ذوي الحاجات وأحاط بصره بجميع المرئيات فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء فالغيب عنده شهادة والسر عنده علانية يعلم السر وأخفى من السر فالسر ما انطوى عليه ضمير العبد وخطر بقلبه ولم تتحرك به شفتاه وأخفى منه ما لم يخطر بعد فيعلم أنه سيخطر بقلبه كذا وكذا في وقت كذا وكذا له الخلق والأمر وله الملك والحمد وله الدنيا والآخرة وله النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن له الملك كله وله الحمد كله وبيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله شملت قدرته كل شئ ووسعت رحمته كل شئ وسعت نعمته إلى كل حي. يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن . يغفر ذنبا ويفرج هما ويكشف كربا ويجبر كسيرا ويغني فقيرا ويعلم جاهلا ويهدي ضالا ويرشد حيران ويغيث لهفان ويفك عانيا ويشبع جائعا ويكسو عاريا ويشفي مريضا ويعافي مبتل ويقبل تائبا ويجزي محسنا وينصر مظلوما ويقصم جبارا ويقيل عثرة ويستر عورة ويؤمن روعة ويرفع أقواما ويضع آخرين لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل حجابه النور: لو كشفه لاحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلفه ويمينه ملأى لا تغيضها نفقة سحاء(1\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6124",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الليل والنهار. أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق فإنه لم يغض ما في يمينه. قلوب العباد وتواصيهم بيده وأزمة الأمور معقودة بقضائه وقدره. الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه يقبض سمواته كلها بيده الكريمة والأرض باليد الأخرى ثم يهزهن ثم يقول: أنا الملك أنا الملك أنا الذي بدأت الدنيا ولم تكن شيئا وأنا الذي أعيدها كما بدأتها لا يتعاظمه ذنب أن يغفره ولا حاجة يسألها أن يعطيها. لو أن أهل سمواته وأهل أرضه وأول خلقه وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أتقى قلب رجل منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئا ولو أن أول خلقه وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أفجر قلب رجل منهم ما نقص ذلك من ملكه شيئا ولو أن أهل سمواته وأهل أرضه وإنسهم وجنهم وحيهم وميتهم ورطبهم ويابسهم قاموا في صعيد واحد فسألوه فأعطى كلا منهم ما سأله ما نقص ذلك مما عنده مثقال ذرة ولو أن أشجار الأرض كلها ـ من حين وجدت إلى أن تنقضي الدنيا ـ أقلام والبحر ـ وراءه سبعة أبحر تمده من بعده ـ مداد فكتب بتلك الأقلام وذلك المداد لفنيت الأقلام ونفد المداد ولم تنقد كلمات الخالق تبارك وتعالى وكيف تفنى كلماته عز وجل جلاله وهي لا بداية لها ولا نهاية والمخلوق له بداية ونهاية فهو أحق بالفناء والنفاد وكيف يفنى المخلوق غير المخلوق هو الأول الذي ليس قبله شئ والآخر الذي ليس بعده شئ والظاهر الذي ليس دونه شئ والباطن الذي ليس دونه شئ تبارك وتعالى أحق من ذكر وأحق من عبد وأحق من حمد وأولى من شكر وأنصر من ابتغى وأراف من ملك وأجود من سئل وأعفى من قدر وأكرم من قصد وأعدل من انتقم. حلمه بعد علمه وعفوه بعد قدرته ومغفرته عن عزته ومنعه عن حكمته وموالاته عن إحسانه ورحمته. ما للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعي لديه ضائع إن عذبوا فبعدله أو نعموا فبفضله وهو الكريم الواسع وهو الملك لا شريك له والفرد فلا ند له والغني فلا ظهير له والصمد فلا ولد له ولا صاحبة والعلي فلا شبيه له ولا سمي له كل شئ هالك إلا وجهه وكل ملك زائل إلا ملكه وكل ظل قالص إلا ظله وكل فضله منقطع إلا فضله. لن يطاع إلا بإذنه ورحمته ولن يعصى إلا بعلمه وحمكته. يطاع بيشكر ويعصي فيتجاوز ويغفر. كل نقمه منه عدل وكل نعمة منه فضل. أقرب شهيد وأدنى حفيظ. حال دون النفوس وأخذ بالنواصي وسجل الآثار وكتب الآجال فالقلوب له مفضية والسر عنده علانية والغيب عنده شهادة. عطاؤه كلام وعذابه كلام إنما أمره إذا أراد(1\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6125",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "السابعة والثلاثون",
        "content": "شيئا أن يقول له كن فيكون . فإذا أشرقت على القلب أنوار هذه الصفات اضمحل عندها كل نور ووراء هذا ما لا يخطر بالبال ولا تناله عبارة. والمقصود أن الذكر ينور القلب والوجه والأعضاء وهو نور العبد في دنياه وفي البرزخ وفي القيامة. وعلى حسب نور الإيمان في قلب العبد تخرج أعماله وأقواله ولها نور وبرهان حتى أن المؤمن من يكون نور أعماله إذا صعدت إلى الله تبارك وتعالى كنور الشمس وهكذا نور روحه إذا قدم بها على الله عز وجل وهكذا يكون نور وجهه في القيامة والله تعالى المستعان وعليه الاتكال. (السابعة والثلاثون) أن الذكر رأس الأصول وطريق عامة الطائفة ومنشور الولاية: فمن فتح له فيه فقد فتح له باب الدخول على الله عز وجل فليتطهر وليدخل على ربه عز وجل يجد عنده كل ما يريد فإن وجد ربه عز وجل وجد كل شئ وإن فاته ربه عز وجل فاته كل شئ. (الثامنة والثلاثون) في القلب خلة وفاقه لا يسدها شئ البته إلا ذكر الله عز وجل فإذا صار شعار القلب بحيث يكون هو الذاكر بطريق الأصالة واللسان تبع له فهذا هو الذكر الذي يسد الخلة ويفني الفاقه فيكون صاحبه غنيا بلا مال عزيزا بلا عشيرة مهيبا بلا سلطان. فإذا كان غافلا عن ذكر الله عز وجل فهو بضد ذلك فقير مع كثرة جدته ذليل مع سلطانه حقير مع كثرة عشيرته. (التاسعة والثلاثون) أن الذكر يجمع المتفرق ويفرق المجتمع ويقرب البعيد ويبعد القريب فيجمع ما تفرق على العبد من قلبه وإرادته وهمومه وعزومه والعذاب كل العذاب في تفرقتها وتشتتها عليه وانفراطها له والحياة والنعيم في اجتماع قلبه وهمه وعزمه وإرادته. ويفرق ما اجتمع عليه من الهموم والغموم والأحزان والحسرات على فوت حظوظه ومطالبه. ويفرق أيضا ما اجتمع عليه من ذنوبه وخطاياه وأوزاره حتى تتساقط عنه وتتلاشى وتضمحل. ويفرق أيضا ما اجتمع على حربه من جند الشيطان فإن إبليس لا يزال يبعث له سرية وكلما كان أقوى طلبا لله سبحانه وتعالى وأمثل تعلقا به وإرادة له كانت السرية أكثف وأكثر وأعظم شوكة بحسب ما عند العبد من مواد الخير والإرادة ولا سبيل إلى تفريق هذا الجمع إلا بدوام الذكر. وأما تقريبه البعيد فإنه يقرب إليه(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6126",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الأربعون",
        "content": "الآخرة التي يبعدها منه الشيطان والأمل فلا يزال يلهج بالذكر حتى كأنه قد دخلها وحضرها فحينئذ تصغر في عينه الدنيا وتعظم في قلبه الآخرة ويبعد القريب إليه وهي الدنيا التي هي أدنى إليه من الآخرة فإن الآخرة متى قربت من قلبه بعدت منه الدنيا كلما قربت منه هذه مرحلة بعدت منه هذه مرحلة ولا سبيل إلى هذا إلا بدوام الذكر. (الأربعون) أن الذكر ينبه القلب من نومه ويوقظه من سنته. والقلب إذا كان نائما فاتته الأرباح والمتاجر وكان الغالب عليه الخسران فإذا استيقظ وعلم ما فاته في نومته شد المئزر وأحيا بقية عمره واستدرك ما فاته ولا تحصل يقظته إلا بالذكر فإن الغفلة نوم ثقيل. (الحادية والأربعون) أن الذكر شجرة تثمر المعارف والأحوال التي شمر إليها السالكون فلا سبيل إلى نيل ثمارها إلا من شجرة الذكر وكلما عظمت تلك الشجرة ورسخ أصلها كان أعظم لثمرتها فالذكر يثمر المقامات كلها من اليقظة إلى التوحيد وهو أصل كل مقام وقاعدته التي ينبي ذلك المقام عليها كما يبني الحائط على رأسه وكما يقوم السقف على حائطه. وذلك أن العبد أن لم يستيقظ لم يمكنه قطع منازل السير ولا يستيقط إلا بالذكر كما تقدم فالغفلة نوم القلب أو موته. (الثانية والأربعون) أن الذكر قريب من مذكوره ومذكوره معه. وهذه المعية معية خاصة غير معية العلم والإحاطة العامة فهي معية بالقرب والولاية والمحبة النصرة والتوفيق كقوله تعالى: إن الله مع الذين اتقوا . والله مع الصابرين . وإن الله لمع المحسنين . لا تحزن إن الله معنا وللذاكر من هذه المعية نصيب وافر كما في الحديث الإلهي أنا مع عبدي ما(1\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6127",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الثالثة والأربعون",
        "content": "ذكرني وتحركت بي شفتاه وفي أثر آخر وأهل ذكري أهل مجالستي وأهل شكري أهل زيارتي وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي: إن تابوا فأنا حبيبهم فأني أحب التوابين وأحب المتطهرين. وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب. والمعية الحاصلة للذاكر معية لا يشبهها شئ وهي أخص من المعية الحاصلة للمحسن والمتقي وهي معية لا تدركها العبارة ولا تنالها الصفة وإنما تعلم بالذوق وهي مزلة أقدام إن لم يصحب العبد فيها تمييز بين القديم والمحدث بين الرب والعبد بين الخالق والمخلوق بين العابد والمعبود وإلا وقع في حلول يضاهي به النصارى أو اتحاد يضاهي به القائلين بوحدة الوجود وأن وجود الرب عين وجود هذه الوجودات بل ليس عندهم رب وعبد ولا خلق وحق بل الرب هو العبد والعبد هو الرب والخلق المشبه هو الحق المنزه تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. والمقصود أنه إن لم يكن مع العبد عقيدة صحيحة وإلا فإذا استولى عليه سلطان الذكر وغاب بمذكوره عن ذكره وعن نفسه ولج باب الحلول والاتحاد ولا بد. (الثالثة والأربعون) أن الذكر يعدل عتق الرقاب ونفقة الأموال والحمل على الخيل في سبيل الله عز وجل ويعدل الضرب بالسيف في سبيل الله عز وجل وقد تقدم أن من قال في يوم مائة مرة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه حتى يمسي  الحديث. وذكر أبن أبي الدنيا عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد قال: قيل لأبي الدرداء: إن رجلا أعتق مائة نسمة. قال: إن مائة نسمة من مال رجل كثير وأفضل من ذلك وأفضل إيمان ملزوم بالليل والنهار أن لا يزال لسان أحدكم رطبا من ذكر الله عز وجل. وقال أبن مسعود: لأن أسبح الله تعالى تسبيحات أحب إلي من أن أنفق عددهن دنانير في سبيل الله عز وجل. وجلس عبد الله بن عمرو وعبد الله بن مسعود فقال عبد الله: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي من أنفق عددهن دنانير في سبيل الله عز وجل. فقال عبد الله بن عمرو: لأن أجد في طريق فأقولهن أحب إلي من أحمل عددهن على الخيل في سبيل الله عز وجل. وقد تقدم حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الورق والذهب وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا(1\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6128",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الرابعة والأربعون",
        "content": "أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا: بلى يا رسول الله. قال اذكروا الله رواه ابن ماجه والترمذي وقال الحاكم: صحيح الإسناد. (الرابعة والأربعون) أن الذكر رأس الشكر فما شكر الله تعالى من لم يذكره. وذكر البيهقي عن زيد بن أسلم أن موسى عليه السلام قال: رب قد أنعمت علي كثيرا فدلني على أن أشكرك كثيرا. قال: اذكرني كثيرا فإذا ذكرتني كثيرا فقد شكرتني كثيرا وإذا نسيتني فقد كفرتني. وقد ذكر البيهقي أيضا في شعب الإيمان عن عبد الله بن سلام قال: قال موسى عليه السلام: يا رب ما الشكر الذي ينبغي لك فأوحى الله تعالى إليه أن لا يزال لسانك رطبا من ذكري. قال: يارب إني أكون على حال أجلك أن أذكرك فيها. قال: وما هي قال: أكون جنبا أو على الغائط أو إذا بلت. فقال: وإن كان. قال: يا رب فما أقول قال تقول سبحانك وبحمدك وجنبني الأذي وسبحانك وبحمدك فقني الأذى. قلت قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله تعالى على كل أحيانه. ولم تستثن حالة من حالة. وهذا يدل على أنه كان يذكر ربه تعالى في حال طهارته وجنابته وأما في حال التخلي فلم يكن يشاهده أحد يحكي عنه ولكن شرع لأمته من الأذكار قبل التخلي وبعده ما يدل على مزيد الأعتناء بالذكر وأنه لا يخل به عند قضاء الحاجة وبعدها. وكذلك شرع للأمة من الذكر عند الجماع أن يقول أحدهم بسم الله اللهم جنبنا الشيطان ما رزقتنا . وأما عند نفس قضاء الحاجة وجماع الأهل فلا(1\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6129",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الخامسة والأربعون",
        "content": "ريب أنه لا يكره بالقلب لأنه لا بد لقلبه من ذكر ولا يمكنه صرف قلبه عن ذكر من هو أحب إليه فلو كلف القلب نسيانه لكان تكليفه بالمحال كما قال القائل: يراد من القلب نسيانكم وتأبى الطباع على الناقل فأما الذكر باللسان على هذه الحالة فليس مما شرع لنا ولا ندبنا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نقل عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم. وقال عبد الله بن أبي الهذيل: إن الله تعالى ليحب أن يذكر في السوق ويحب أن يذكر على كل حال إلا على الخلاء. ويكفي في هذه الحال استشعار الحياء والمراقبة والنعمة عليه في هذه الحالة وهي من أجل الذكر فذكر كل حال بحسب ما يليق بها واللائق بهذه الحال التقنع بثوب الحياء من الله تعالى وإجلاله وذكر نعمته عليه وإحسانه إليه في إخراج هذا العدو المؤذي له لو بقي فيه لقتله. فالنعمة في تيسير خروجه كالنعمة في التغذي به. وكان علي بن أبي طالب إذا خرج من الخلاء مسح بطنه وقال: يالها نعمة لو يعلم الناس قدرها. وكان بعض السلف يقول: الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى في منفعته وأذهب عني مضرته. وكذلك ذكره حال الجماع ذكر هذه النعمة التي من بها عليه وهي أجل نعم الدنيا. فإذا ذكر نعمة الله تعالى عليه بها هاج من قلبه هائج الشكر فالذكر رأس الشكر. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ والله يا معاذ إني لأحبك فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك فجمع بين الذكر والشكر كما جمع سبحانه وتعالى بينهما في قوله تعالى: فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون فالذكر والشكر جماع السعادة والفلاح. (الخامسة والأربعون) أن أكرم الخلق على الله تعالى من المتقين من لا يزال لسانه رطبا(1\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6130",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بذكره فإنه اتقاه في أمره ونهيه وجعل ذكره شعاره. فالتقوى أوجبت له دخول الجنة والنجاة من النار وهذا هو الثواب والأجر. والذكر يوجب له القرب من الله عز وجل والزلفى لديه وهذه هي المنزلة. وعمال الآخرة على قسمين: منهم من يعمل على الأجر والثواب ومنهم من يعمل على المنزلة والدرجة فهو ينافس غيره في الوسيلة والمنزلة عند الله تعالى ويسابق إلى القرب منه. وقد ذكر الله تعالى النوعين في سورة الحديد في قول الله تعالى: إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم فهؤلاء أصحاب الأجور والثواب ثم قال: والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون فهؤلاء أصحاب المنزلة والقرب ثم قال: والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم فقيل هذا عطف على الخبر من الذين آمنوا بالله ورسله أخبر عنهم بأنهم هم الصديقون وأنهم الشهداء الذين يشهدون على الأمم ثم أخبر عنهم أن لهم أجرا وهو قوله تعالى لهم أجرهم ونورهم فيكون قد أخبر عنهم بأربعة أمور: أنهم صديقون وشهداء. فهذه هي المرتبة والمنزلة. قيل: تم الكلام عند قوله تعالى: الصديقون ثم ذكر بعد ذلك حال الشهداء فقال: والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم فيكون قد ذكر المتصدقين أهل البر والإحسان ثم المؤمنين الذين قد رسخ الإيمان في قلوبهم وامتلأوا منه فهم الصديقون وهم أهل العلم والعمل والأولون أهل البر والإحسان ولكن هؤلاء أكمل صديقية منهم: ثم ذكر الشهداء وأنه تعالى يجري عليهم رزقهم ونورهم لأنهم لما بذلوا أنفسهم لله تعالى أثابهم الله تعالى عليها أن جعلهم أحياء عنده يرزقون فيجري عليهم رزقهم ونورهم فهؤلاء السعداء. ثم ذكر الاشقياء فقال: والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم والمقصود أنه سبحانه وتعالى ذكر أصحاب الأجور والمراتب وهذان الأمران هما اللذان وعدهما فرعون السحرة إن غلبوا موسى عليه الصلاة والسلام فقالوا: إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين  قال نعم وإنكم لمن المقربين أي أجمع لكم بين الأجر والمنزلة عندي والقرب مني. فالعمال عملوا على الأجور(1\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6131",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعارفون عملوا على المراتب والمنزلة والزلفى عند الله. وأعمال هؤلاء القلبية أكثر من أعمال أولئك وأعمال أولئك البدنية قد تكون أكثر من أعمال هؤلاء. وذكر البيهقي عن محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى قال: قال موسى عليه السلام: يا رب أي خلقك أكرم عليك قال: الذي لا يزال لسانه رطبا بذكري. قال: يا رب فأي خلقك أعلم الذي يلتمس إلى عمله علم غيره. قال: يا رب أي خلقك أعدل قال: الذي يقضي على نفسه كما يقضي على الناس. قال يا رب أي خلقك أعظم ذنبا قال الذي يتهمني. قال: يا رب وهل يتهمك أحد قال: الذي يستخبرني ولا يرضى بقضائي. وذكر أيضا عن أبن عباس قال: لما وقد موسى عليه السلام إلى طور سيناء قال: يا رب أي عبادك أحب إليك قال الذي يذكرني ولا ينساني. وقال كعب: قال موسى عليه السلام: يا رب أقريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك فقال تعالى: يا موسى أنا جليس من ذكرني. قال: أني أكون على حال أجلك عنها. قال: ما هي يا موسى قال: عند الغائط والجنابة. قال: أذكرني على كل حال. وقال عبيد بن عمير: تسبيحة بحمد الله في صحيفة مؤمن خير له من جبال الدنيا تجري معه ذهبا. وقال الحسن: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون قال فيقومون فيتخطون رقاب الناس. قال: ثم ينادي مناد: سيعلم أهل الجع من أولى بالكرم أين الذي كانت لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله قال فيقومون فيتخطون من رقاب الناس. قال ثم ينادي مناد: وسيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم أين الحمادون لله على كل حال قال فيقومون وهم كثير. ثم يكون التنعيم والحساب فيمن بقي. وأتى رجل مسلم الخولاني فقال له: أوصني يا أبا مسلم. قال: أذكر الله تعالى تحت كل شجرة ومدرة. فقال له زدني. فقال: أذكر الله حتى يحسبك الناس من ذكر الله تعالى مجنونا. قال: وكان أبو مسلم يكثر ذكر الله تعالى فرآه رجل وهو يذكر الله تعالى(1\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6132",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "السادسة والأربعون",
        "content": "فقال: أمجنون صاحبكم هذا فسمعه أبو مسلم فقال: ليس هذا بالجنون يا ابن أخي ولكن هذا ذو الجنون. (السادسة والأربعون) أن في القلب قسوة لا يذيبها إلا ذكر الله تعالى فينبغي للعبد أن يداوي قسوة قلبه بذكر الله تعالى. وذكر حماد بن زيد عن المعلى أبن زياد أن رجلا قال للحسن: يا أبا سعيد أشكو إليك قسوة قلب. قال: أذبه بالذكر. وهذا لأن القلب كلما اشتدت به الغفلة اشتدت به القسوة فإذا ذكر الله تعالى ذابت تلك القسوة كما يذوب الرصاص في النار. فما أذيبت قسوة القلوب بمثل ذكر الله عز وجل. (السابعة والأربعون) أن الذكر شفاء القلب ودواؤه والغفلة مرضه فالقلوب مريضة وشفاؤها دواؤها في ذكر الله تعالى. قال مكحول: ذكر الله تعالى شفاء وذكر الناس داء. وذكر البيهقي عن مكحول مرفوعا ومرسلا ذكرته شفاها وعافاها فإذا غفلت عنه انتكست كما قيل: إذا مرضنا تداوينا بذكركم فتترك الذكر أحيانا فننتكس (الثامنة والأربعون) أن الذكر أصل موالاة الله عز وجل ورأسها والغفلة أصل معاداته ورأسها فإن العبد لا يزال يذكر ربه عز وجل حتى يحبه فيواليه ولا يزال يغفل عنه حتى يبغضه فيعاديه. قال الاوزاعي: قال حسان ابن عطية: ما عادى عبد ربه بشئ أشد عليه من أن يكره ذكره أو من يذكره. فهذه المعاداة سببها الغفلة ولا تزال بالعبد حتى يكره(1\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6133",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "التاسعة والأربعون",
        "content": "ذكر الله ويكره من ذكره فحينئذ يتخذه عدوا كما اتخذه الذاكر وليا. (التاسعة والأربعون) أنه ما استجلبت نعم الله عز وجل واستدفعت نقمة بمثل ذكر الله تعالى. فالذكر جلاب للنعم دافع للنقم. قال سبحانه وتعالى إن الله يدافع عن الذين آمنوا وفي القراءة الأخرى إن الله يدافع فدفعه ودفاعه عنهم بحسب قوة إيمانهم وكماله. ومادة الإيمان وقوته بذكر الله تعالى فمن كان أكمل إيمانا وأكثر ذكرا كان دفع الله تعالى عنه ودفاعه أعظم ومن نقص نقص ذكرا بذكر ونسيانا بنسيان. وقال سبحانه وتعالى: وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم  والذكر رأس الشكر كما تقدم والشكر جلاب النعم وموجب للمزيد. قال بعض السلف رحمة الله عليهم: ما أقبح الغفلة عن ذكر من لا يغفل عن ذكرك. (الخمسون) أن الذكر يوجب صلاة الله عز وجل وملائكته على الذاكر ومن صلى الله تعالى عليه وملائكته فقد أفلح كل الفلاح وفاز كل الفوز قال سبحانه وتعالى: يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا  وسبحوه بكرة وأصيلا  هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما فهذه الصلاة منه تبارك وتعالى ومن ملائكته إنما هي سبب الإخراج لهم من الظلمات إلى النور. فأي خير لم يحصل لهم وأي شر لم يندفع عنهم فيا حسرة الغافلين عن ربهم ماذا حرموا من خيره وفضله. وبالله التوفيق. (الحادية والخمسون) إن من شاء أن يسكن رياض الجنة في الدنيا وغيره من حديث جابر بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أيها الناس ارتعوا في رياض الجنة قلنا: يا رسول الله وما رياض الجنة قال مجالس الذكر ثم قال اغدوا وروحوا وأذكروا فمن كان يحب أن(1\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6134",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الثانية والخمسون",
        "content": "يعلم منزلته عند الله تعالى فلينظر كيف منزلة الله تعالى عنده فإن الله تعالى ينزل العمل منه حيث أنزله من نفسه . (الثانية والخمسون) إن مجالس الذكر مجالس ملائكة فليس من مجالس الدنيا لهم مجلس إلا مجلس يذكر الله تعالى فيه كما أخرجا في الصحيحين من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لله ملائكة فضلا عن كتاب الناس يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تعالى تنادوا: هلموا إلى حاجتكم. قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا: فيسألهم ربهم تعالى ــ وهو أعلم بهم: ما يقول عبادي قال: يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك. قال فيقول: هل رأوني قال: فيقولون: لا والله ما رأوك قال: فيقول: كيف لو رأوني قال: فيقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تحميدا وتمجيدا وأكثر لك تسبيحا. قال: فيقول: ما يسألوني قال: يسألونك الجنة. قال: يقول: وهل رأوها قال: يقولن: لا والله يا رب ما رأوها. قال فيقول: فكيف لو أنهم رأوها قال يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة. فيقول: فمم يتعوذون قال: يقولون: من النار. قال: يقول: وهل رأوها قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها. قال: يقول: فكيف لو رأوها قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة. قال: يقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم. فيقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم وإنما جاء لحاجة. قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم فهذا من بركتهم على نفوسهم وعلى جليسهم فلهم نصيب من قوله وجعلني مباركا أين ما كنت فهكذا المؤمن مبارك أين حل والفاجر مشؤوم أين حل. فمجالس الذكر مجالس الملائكة ومجالس الغفلة مجالس الشياطين وكل مضاف إلى شكله وأشباهه امرئ يصير إلى ما يناسبه. (الثالثة والخمسون) إن الله عز وجل يباهي بالذاكرين ملائكته كما روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: خرج معاوية على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم قالوا: جلسنا نذكر الله تعالى. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل عنه حديثا مني وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم قالوا: جلسنا نذكر الله تعالى ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن علينا بك. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك.(1\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6135",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الرابعة والخمسون",
        "content": "قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله تبارك وتعالى يباهي بكم الملائكة  فهذه المباهاة من الرب تبارك وتعالى دليل على شرف الذكر عنده ومحبته له وأن له مزية على غيره من الأعمال. (الرابعة والخمسون) إن مدمن الذكر يدخل الجنة وهو يضحك لما ذكر ابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي عن أبيه عن أبي الدرداء قال: الذين لا تزال ألسنتهم رطبة من ذكر الله عز وجل يدخل أحدهم الجنة وهو يضحك. (الخامسة والخمسون) إن جميع الأعمال إنما شرعت إقامة لذكر الله تعالى والمقصود بها تحصيل ذكر الله تعالى قال سبحانه وتعالى: وأقم الصلاة لذكري . قيل المصدر مضاف إلى الفاعل أي لأذكرك بها وقيل مضاف إلى المذكور أي لتذكروني بها. واللام على هذا لام التعليل. وقيل: هي اللام الوقتية أي أقم الصلاة عند ذكري كقوله: أقم الصلاة لدلوك الشمس وقوله تعالى: ونضع الموازين القسط ليوم القيامة وهذا المعنى المراد بالآية لكن تفسيرها به يجعل معناها فيه نظر لأن هذه اللام الوقتية يليها أسماء الزمان والظروف والذكر مصدر إلا أن يقدر زمان محذوف أي عند وقت ذكري. وهذا محتمل. والأظهر أنها لام التعليل أي أقم الصلاة لأجل ذكري. ويلزم من هذا أن تكون إقامتها عند ذكره وإذا ذكر العبد ربه فذكر الله تعالى سابق على ذكره فإنه لما ذكره ألهمه ذكره فالمعاني الثلاثة حق. وقال سبحانه وتعالى: اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر فقيل: المعنى أنكم في الصلاة تذكرون الله وهو(1\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6136",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "السادسة والخمسون",
        "content": "من ذكره ولذكره الله تعالى إياكم أكبر من ذكركم إياه وهذا يروى عن ابن عباس وسلمان وأبي الدرداء وابن مسعود رضي الله عنهم وذكر ابن أبي الدنيا عن فضيل ابن مرزوق عن عطية ولذكر الله أكبر قال: وهو قوله تعالى: فاذكروني أذكركم فذكر الله تعالى لكم أكبر من ذكركم إياه. وقال ابن زيد وقتادة: معناه: ولذكر الله أكبر من كل شيء. وقيل لسلمان: أي الأعمال أفضل أما تقرأ القرآن ولذكر الله أكبر ويشهد لهذا حديث أبي الدرداء المتقدم ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق الحديث. وكان شيخ الإسلام أبو العباس قدس الله روحه يقول: الصحيح أن معنى الآية أن الصلاة فيها مقصودان عظيمان وأحدهما أعظم من الآخر: فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر وهي مشتملة على ذكر الله تعالى ولما فيها من ذكر الله أعظم من نهيها عن الفحشاء والمنكر. وذكر ابن أبي الدنيا عن ابن عباس أنه سئل: أي العمل أفضل قال: ذكر الله أكبر. وفي السنن عن عائشة عن النبي صلى اله عليه وسلم قال: إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله تعالى رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. (السادسة والخمسون) أن أفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه ذكرا لله عز وجل فأفضل الصوام أكثرهم ذكرا لله عز وجل في صومهم وأفضل المتصدقين أكثرهم ذكرا لله عز وجل وأفضل الحاج أكثرهم ذكرا لله عز وجل. وهكذا سائر الأحوال. وقد ذكر ابن أبي الدنيا حديثا مرسلا في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي أهل المسجد خير قال: أكثرهم ذكرا لله عز وجل قيل: أي الجنازة خير قال: أكثرهم ذكرا لله عز وجل قيل: فأي المجاهدين خير قال: أكثرهم ذكرا لله عز وجل قيل فأي الحجاج خير قال: أكثرهم ذكرا لله عز وجل قيل: وأي العباد خير قال: أكثرهم ذكرا لله عز وجل قال أبو بكر: ذهب الذاكرون بالخير كله. وقال عبيد بن عمير: إن أعظمكم هذا الليل أن تكابدوه وبخلتم على المال أن تنفقوه وجبنتم عن العدو أن تقاتلوه: فأكثروا من ذكر الله عز وجل.(1\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6137",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "السابعة والخمسون",
        "content": "(السابعة والخمسون) أن إدامته تنوب عن التطوعات وتقوم مقامها سواء كانت بدنية أو مالية كحج التطوع وقد جاء ذلك صريحا في حديث أبي هريرة: أن فقراء المهجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم والمقيم يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضل أموالهم يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون. فقال: ألا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا أحد يكون أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم قالوا: بلى يا رسول الله قال: تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة الحديث متفق عليه. فجعل الذكر عوضا لهم عما فاتهم من الحج والعمرة والجهاد وأخبر أنهم يسبقونهم بهذا الذكر فلما سمع أهل الدثور بذلك عملوا به فازدادوا ــ إلى صدقاتهم وعبادتهم بمالهم ــ التعبد بهذا الذكر فحازوا الفضيلتين فنفسهم الفقراء وأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم قد شاركوهم في ذلك وانفردوا لهم بما لا قدرة لهم عليه فقال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . وفي حديث عبد الله بن بسر قال: جاء أعرابي فقال: يا رسول الله كثرت علي خلال الإسلام وشرائعه فأخبرني بأمر جامع يكفيني. قال: عليك بذكر الله تعالى قال: ويكفيني يا رسول الله قال: نعم ويفضل عنك فدله الناصح صلى الله عليه وسلم على شيء يبعثه على شرائع الإسلام والحرص عليها والاستكثار منها فإنه إذا اتخذ ذكر الله شعاره أحبه وأحب ما يحب فلا شيء أحب من التقرب بشرائع الإسلام فدله صلى الله عليه وسلم على ما يتمكن به من شرائع الإسلام وتسهل به عليه وهو ذكر الله عز وجل ... يوضحه: (الثامنة والخمسون) أن ذكر الله عز وجل من أكبر العون على طاعته فإنه يحببها إلى العبد ويسهلها عليه ويلذذها له ويجعل قرة عينه فيها ونعيمه وسروره بها بحيث لا يجد لها من الكلفة والمشقة والثقل ما يجد الغافل والتجربة شاهدة بذلك يوضحه: (التاسعة والخمسون) أن ذكر الله عز وجل يسهل الصعب وييسر العسير ويخفف المشاق فما ذكر الله عز وجل على صعب إلا هان ولا على عسير إلا تيسر ولا مشقة إلا(1\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6138",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الستون",
        "content": "خفت ولا شدة إلا زالت ولا كربة إلا انفرجت فذكر الله تعالى هو الفرج بعد الشدة واليسر بعد العسر والفرج بعد الغم والهم يوضحه. (الستون) أن ذكر الله عز وجل يذهب عن القلب مخاوفه كلها وله تأثير عجيب في حصول الأمن فليس للخائف الذي قد اشتد خوفه أنفع من ذكر الله عز وجل إذ بحسب ذكره يجد الأمن ويزول خوفه حتى كأن المخاوف التي يجدها أمان له والغافل خائف مع أمنه حتى كأن ما هو فيه من الأمن كله مخاوف ومن له أدنى حس قد جرب هذا وهذا. والله المستعان. (الحادية والستون) أن الذكر يعطي الذاكر قوة حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يظن فعله بدونه وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في سننه وكلامه وإقدامه وكتابه أمرا عجيبا فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعه وأكثر وقد شاهد العسكر من قوته في الحرب أمرا عظيما وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة وعليا رضي الله عنهما أن يسبحا كل ليلة إذا أخذوا مضاجعهما ثلاثا وثلاثين ويحمدا ثلاثا وثلاثين ويكبرا أربعا وثلاثين لما سألته الخادم وشكت إليه ما تقاسيه من الطحن والسعي والخدمة فعلمها ذلك وقال: إنه خير لكما من خادم فقيل أن من داوم على ذلك وجد قوة في يومه مغنيه عن خادم. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يذكر أثرا في هذا الباب ويقول: إن الملائكة لما أمروا بحمل العرش قالوا: يا ربنا كيف نحمل عرشك وعليه عظمتك وجلالك فقال: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله فلما قالوا حملوه. حتى رأيت ابن أبي الدنيا قد ذكر هذا الأثر بعينه عن الليث بن سعد عن معاوية بن صالح قال: حدثنا مشيختنا أنه بلغهم أن أول ما خلق الله عز وجل ـ حين كان عرشه على الماء ـ حملة العرش قالوا: ربنا لم خلقتنا قال: خلقتكم لحمل عرشي. قالوا: ربنا ومن يقوى على حمل عرشك وعليه عظمتك وجلالك ووقارك قال: لذلك خلقتكم. فأعادوا عليه ذلك مرارا فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله فحملوه. وهذه الكلمة لها تأثير عجيب في معالجة الأشغال الصعبة وتحمل المشاق والدخول على الملوك ومن يخاف وركوب الأهوال. ولها أيضا تأثير في دفع الفقر كما روى ابن أبي الدنيا عن الليث بن معاوية بن صالح عن أسد بن وداعة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال لا حول ولا قوة إلا بالله مائة مرة في كل يوم لم يصبه فقر أبدا وكان حبيب(1\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6139",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الثانية والستون",
        "content": "بن سلمة يستحب إذا لقي عدوا أو ناهض حصنا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله وإنه ناهض يوما حصنا للروم فانهزم فقالها المسلمون وكبروا فانهدم الحصن. (الثانية والستون) أن عمال الآخرة كلهم في مضمار السباق والذاكرون هم أسبقهم في ذلك المضمار ولكن القترة والغبار يمنع من رؤية سبقهم فإذا انجلى الغبار وانكشف رآهم الناس وقد حازوا قصب السبق. قال الوليد بن مسلم قال محمد بن عجلان: سمعت عمرو مولى غفرة يقول: إذا انكشف الغطاء [للناس] يوم القيامة عن ثواب أعمالهم لم يروا عملا أفضل ثوابا من الذكر فيتحسر عند ذلك أقوام فيقولون: ما كان شيء أيسر علينا من الذكر. وقال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيروا سبق المفردون قال: الذين أهتروا في ذكر الله تعالى يضع عنهم أوزارهم أهتروا بالشيء وفيه أولعوا به ولزموه وجعلوه دأبهم. وفي بعض ألفاظ الحديث المستهترون بذكر الله ومعناه الذين أولعوا به يقال: استهتر فلان بكذا إذا ولع به. وفيه تفسير آخر أن أهتروا في ذكر الله أي كبروا وهلك أقرانهم وهم في ذكر الله تعالى يقال أهتر الرجل فهو مهتر إذا سقط في كلامه من الكبر والهتر السقط من الكلام كأنه بقي في ذكر الله تعالى حتى خرف وأنكر عقله والهتر الباطل أيضا ورجل مستهتر إذا كان كثير الأباطيل وفي حديث ابن عمر: أعوذ بالله أن أكون من المستهترين وحقيقة اللفظ أن الاستهتار الإكثار من الشيء والولوع به حقا كان أو باطلا وغلب استعماله على المبطل حتى إذا قيل فلان مستهتر لا يفهم منه إلا الباطل وإنما إذا قيد بشيء تقيد به نحو مستهتر وقد أهتر في ذكر الله تعالى أي أولع به وأغري به ويقال: استهتر فيه وبه. وتفسير هذا في الأثر الآخر: أكثروا ذكر الله تعالى حتى يقال مجنون . (الثالثة والستون) أن الذكر سبب لتصديق الرب عز وجل عبده فإنه أخبر عن الله تعالى بأوصاف كماله ونعوت جلاله فإذا أخبر بها العبد صدقه ربه ومن صدقه الله تعالى لم يحشر مع الكاذبين ورجي له أن يحشر مع الصادقين. وروى أبو إسحاق عن الأغر أبي مسلم أنه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا قال العبد: لا إله إلا الله والله أكبر قال: يقول الله تبارك وتعالى: صدق عبدي لا إله إلا أنا وأكبر. وإذا قال: لا إله إلا الله وحده قال: صدق عبدي لا إله إلا أنا وحدي(1\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "73",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6140",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الرابعة والستون",
        "content": "وإذا قال: لا إله إلا الله لا شريك له قال: صدق عبدي لا إله إلا أنا لا شريك لي وإذا قال: لا إله إلا الله له الملك وله الحمد قال: صدق عبدي لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد وإذا قال: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله قال: صدق عبدي لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوة إلا بي قال أبو إسحق: ثم قال: [في] الآخر شيئا لم أفهمه قلت لأبي جعفر: ما قال قال: من رزقهن عند موته لم تمسه النار . (الرابعة والستون) أن دور الجنة تبنى بالذكر فإذا أمسك الذاكر عن الذكر أمسكت الملائكة عن البناء. ذكر ابن أبي الدنيا في كتابه عن حكيم بن محمد الأخنسي قال: بلغني أن دور الجنة تبنى بالذكر فإذا أمسك عن الذكر أمسكوا عن البناء فيقال لهم: فيقولون: حتى تأتينا نفقة. وذكر ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قال: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم - سبع مرات - بني له برج في الجنة وكما أن بناءها بالذكر فغراس بساتينها بالذكر كما تقدم في حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن إبراهيم الخليل عليه السلام أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وإنها قيعان وإن غرسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فالذكر غراسها وبناؤها  وذكر ابن أبي الدنيا من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أكثروا من غراس الجنة قالوا: يا رسول الله وما غراسها قال: ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله . (الخامسة والستون) إن الذكر سد بين العبد وبين جهنم فإذا كانت له إلى جهنم طريق من عمل من الأعمال كان الذكر سدا في تلك الطريق فإذا كان ذكرا دائما كاملا كان سدا محكما لا منفذ فيه وإلا فبحسبه. قال عبد العزيز بن أبي رواد: كان رجل بالبادية قد اتخذ مسجدا فجعل في قلبه سبعة أحجار كان إذا قضى صلاته قال: يا أحجار أشهدكم أنه لا إله إلا الله. قال: فمرض الرجل فعرج بروحه قال: فرأيت في منامي أنه أمر بي إلى النار قال: فرأيت حجرا من تلك الأحجار أعرفه قد عظم فسد عني بابا من أبواب جهنم ثم أتى لى الباب الآخر(1\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "74",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6141",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "السادسة والستون",
        "content": "وإذا حجر من تلك الحجار أعرفه قد عظم فسد عني بابا من أبواب جهنم حتى سدت عني بقية الأحجار أبواب جهنم. (السادسة والستون) إن الملائكة تستغفر للذاكر كما تستغفر للتائب كما روى حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة عن عامر الشعبي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أجد في كتاب الله المنزل أن العبد إذا قال: الحمد لله قالت الملائكة رب العالمين وإذا قال: الحمد لله رب العالمين قالت الملائكة: اللهم اغفر لعبدك وإذا قال: سبحان الله قالت الملائكة: اللهم اغفر لعبدك وإذا قال: لا إله إلا الله قالت الملائكة: اللهم اغفر لعبدك. (السابعة والستون) إن الجبال والقفار تتباهى وتستبشر بمن يذكر الله عز وجل عليها. قال ابن مسعود: إن الجبل لينادي الجبل باسمه: أمر بك اليوم أحد يذكر الله عز وجل فإذا قال: نعم استبشر. وقال عون بن عبد الله: إن البقاع لينادي بعضها بعضا: يا جارتاه أمر بك اليوم أحد يذكر الله فقائلة: نعم وقائلة: لا فقال الأعمش عن مجاهد: إن الجبل لينادي الجبل باسمه: يا فلان هل مر بك اليوم ذاكر لله عز وجل فمن قائل: لا ومن قائل: نعم. (الثامنة والستون) إن كثرة ذكر الله عز وجل أمان من النفاق فإن المنافقين قليلو الذكر لله عز وجل قال الله عز وجل في المنافقين: ولا يذكرون الله إلا قليلا وقال كعب: من أكثر ذكر الله عز وجل برئ من النفاق ولهذا - والله أعلم - ختم الله تعالى سورة المنافقين بقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون . فإن في ذلك تحذيرا من فتنة المنافقين الذين غفلوا عن ذكر الله عز وجل فوقعوا في النفاق. وسئل بعض الصحابة رضي الله(1\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "75",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6142",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "التاسعة والستون",
        "content": "عنهم عن الخوارج: منافقون هم قال: لا المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا. فهذا من علامة النفاق قلة ذكر الله عز وجل وكثرة ذكره أمان من النفاق والله عز وجل أكرم من أن يبتلي قلبا ذاكرا بالنفاق وإنما ذلك لقلوب غفلت عن ذكر الله عز وجل. (التاسعة والستون) إن للذكر من بين الأعمال لذة لا يشبهها شيء فلو لم يكن للعبد من ثوابه إلا اللذة الحاصلة للذاكر والنعيم الذي يحصل لقلبه لكفى به ولهذا سميت مجالس الذكر رياض الجنة قال مالك بن دينار: وما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله عز وجل فليس شيء من الأعمال أخف مؤنة منه ولا أعظم لذة ولا أكثر فرحة وابتهاجا للقلب. (السبعون) إنه يكسو الوجه نضرة في الدنيا ونورا في الآخرة فالذاكرون أنضر الناس وجوها في الدنيا وأنورهم في الآخرة ومن المراسيل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قال كل يوم مائة مرة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير أتى الله تعالى يوم القيامة ووجهه أشد بياضا من القمر ليلة البدر (الحادية والسبعون) إن في دوام الذكر في الطريق والبيت والحضر والسفر والبقاع تكثيرا لشهود العبد يوم القيامة فإن البقعة والدار والجبل والأرض تشهد للذاكر يوم القيامة قال تعالى: إذا زلزلت الأرض زلزالها  وأخرجت الأرض أثقالها  وقال الإنسان ما لها  يومئذ تحدث أخبارها  بأن ربك أوحى لها فروى الترمذي في جامعه من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: يومئذ تحدث أخبارها فقال: أتدرون ما أخبارها قالوا: الله ورسوله أعلم قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها تقول: عمل يوم كذا كذا وكذا قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. والذاكر لله عز وجل في سائر البقاع مكثر شهوده ولعلهم أو أكثرهم أن يقبلوه يوم القيامة يوم قيام الأشهاد وأداء الشهادات فيفرح ويغتبط بشهادتهم.(1\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "76",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6143",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الثانية والسبعون",
        "content": "(الثانية والسبعون) إن في الاشتغال بالذكر اشتغالا عن الكلام الباطل من الغيبة واللغو ومدح الناس وذمهم وغير ذلك فإن الإنسان لا يسكت البتة: فإما لسان ذاكر وإما لسان لاغ ولا بد من أحدهما فهي النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل وهو القلب إن لم تسكنه محبة الله عز وجل سكنه محبة المخلوقين ولا بد وهو اللسان إن لم تشغله بالذكر شغلك باللغو وما هو عليك ولا بد فاختر لنفسك إحدى الخطتين وأنزلهها في إحدى المنزلتين. (الثالثة والسبعون) وهي التي بدأنا بذكرها وأشرنا إليها فنذكرها ههنا مبسوطة لعظيم الفائدة بها وحاجة كل أحد بل ضرورته إليها وهي أن الشياطين قد احتوشت العبد وهم أعداؤه فما ظنك برجل قد احتوشه أعداؤه المحنقون عليه غيظا وأحاطوا به وكل منهم يناله بما يقدر عليه من الشر والأذى ولا سبيل إلى تفريق جمعهم عنه إلا بذكر الله عز وجل. وفي هذا الحديث العظيم الشريف القدر الذي ينبغي لكل مسلم أن يحفظه فنذكره بطوله لعموم فائدته وحاجة الخلق إليه وهو حديث سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة بن جندب قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما وكنا في صفه بالمدينة فقام علينا فقال: إني رأيت البارحة عجبا: رأيت رجلا من أمتي أتاه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره والديه فرد ملك الموت عنه ورأيت رجلا من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوؤه فاستنقذه من ذلك ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاءه ذكر الله عز وجل فطرد الشيطان عنه ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم ورأيت رجلا من أمتي يلهب ــ وفي رواية يلهث ــ عطشا كلما دنا من حوض منع وطرد فجاءه صيام شهر رمضان فأسقاه وأرواه ورأيت رجلا من أمتي ورأيت النبيين جلوسا حلقا حلقا كلما دنا إلى حلقة طرد فجاءه غسله من الجنابة فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي ورأيت رجلا من أمتي بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن يساره ظلمة ومن فوقه ظلمة ومن تحته ظلمة وهو متحير فيها فجاءه حجه وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النور. ورأيت رجلا من أمتي يتقي بيده وهج النار وشرره فجاءته صدقته فصارت سترة بينه وبين النار وظللت على رأسه. ورأيت رجلا من أمتي يكلم المؤمنين ولا يكلمونه فجاءته صلته لرحمه فقالت: يا معشر المسلمين إنه كان وصولا لرحمه فكلموه فكلمه المؤمنون وصافحوه وصافحهم. ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الزبانية فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من أيديهم(1\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "77",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6144",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأدخله في ملائكة الرحمة. ورأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه وبينه وبين الله عز وجل حجاب فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله على الله عز وجل ورأيت رجلا من أمتي قد ذهبت صحيفته من قبل شماله فجاءه خوفه من الله عز وجل فأخذ صحيفته فوضعها في يمينه. ورأيت رجلا من أمتي خف ميزانه فجاءه أفراطه. ورأيت رجلا من أمتي قائما على شفير جهنم فجاءه رجاؤه في الله عز وجل فاستنقذه من ذلك ومضى. ورأيت رجلا من أمتي قد أهوى في النار فجاءته دمعته التي بكى من خشية الله فاستنقذته من ذلك. ورأيت رجلا من أمتي قائما على الصراط يرعد كما ترعد السعفة في ريح عاصف فجاءه حسن ظنه بالله عز وجل فسكن رعدته ومضى ورأيت رجلا من أمتي يزحف على الصراط ويحبو أحيانا فجاءته صلاته علي فأقامته على قدميه وأنقذته. ورأيت رجلا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة . رواه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب الترغيب في الخصال المنجية والترهيب من الخلال المردية وبنى كتابه عليه وجعله شرحا له وقال: هذا حديث حسن جدا رواه عن سعيد بن المسيب عمرو بن آزر وعلي بن زيد بن جدعان وهلال أبو جبلة. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يعظم شأن هذا الحديث وبلغني عنه أنه كان يقول: شواهد الصحة عليه والمقصود منه قوله صلى الله عليه وسلم ورأيت رجلا من أمتي احتوشته الشياطين ذكر الله عز وجل فطرد الشيطان عنه فهذا مطابق لحديث الحارث الأشعري الذي شرحناه في هذه الرسالة وقوله فيه: وأمركم بذكر الله عز وجل وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو فانطلقوا في طلبه سراعا وانطلق حتى أتى حصنا حصينا فأحرز نفسه فيه فكذلك الشيطان لا يحرز العباد أنفسهم منه إلا بذكر الله عز وجل. وفي الترمذي عن أنس بن مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال ـ يعني إذا خرج من بيته ـ بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله. يقال له: كفيت وهديت ووقيت وتنحى عنه الشيطان فيقول لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي  رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن. وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم من قال في يوم مائة مرة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير كانت له حرزا من الشيطان حتى يمسي وذكر سفيان عن أبي الزبير عن عبد الله بن ضمرة عن كعب قال: إذا خرج الرجل من بيته(1\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "78",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6145",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال بسم الله قال هديت وإذا قال توكلت على الله قال الملك كفيت وإذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله قال الملك حفظت. فيقول الشياطين بعضهم لبعض: ارجعوا ليس لكم عليه سبيل كبف لكم بمن كفي وهدي وحفظ وقال أبو خلاد المصري: من دخل في الإسلام دخل في حصن ومن دخل المسجد فقد دخل في حصنين ومن جلس في حلقة يذكر الله عز وجل فيها فقد دخل في بيته حصونا وقد روى الحافظ أبو موسى في كتابه من حديث أبي عمران الجوني عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا وضع العبد جنبه على فراشه فقال: بسم الله وقرأ فاتحة الكتاب أمن من شر الجن والإنس ومن كل شيء . وفي صحيح البخاري عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: ولاني رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة رمضان أن أحتفظ بها فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته فقال: دعني فأني لا أعود فذكر الحديث وقال: فقال له في الثالثة: أعلمك كلمات ينفعك الله بهن إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها إلى آخرها فإنه لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فخلى سبيله فأصبح فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله فقال: صدقك وهو كذوب وذكر الحافظ أبو موسى من حديث أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أوى الإنسان إلى فراشه ابتدره ملك وشيطان فيقول الملك اختم بخير ويقول الشيطان وبات يكلؤه فإذا استيقظ ابتدره ملك وشيطان فيقول الملك: افتح بخير ويقول الشيطان: افتح بشر فإن قال: الحمد لله الذي أحيا نفسي بعد موتها ولم يمتها في منامها الحمد لله الذي يمسك عليها الأخرى إلى أجل مسمى الحمد لله الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده الحمد لله الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه طرد الملك الشيطان وظل يكلؤه . وفي الصحيحين من حديث سالم بن أبي الجعد عن كريب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان(1\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "79",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6146",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما رزقتنا فيولد بينهما ولد لا يضره الشيطان أبدا وذكر الحافظ أبو موسى عن الحسن بن علي قال: أنا ضامن لمن قرأ هذه العشرين الآية أن يعصمه الله تعالى من كل شيطان ظالم ومن كل شيطان مريد ومن كل سبع ضار ومن كل لص عاد: آية الكرسي وثلاث آيات من الأعراف إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض وعشرا من الصافات وثلاث آيات من الرحمن يا معشر الجن والإنس وخاتمة سورة الحشر لو أنزلنا هذا  وقال محمد بن أبان: بينما رجل يصلي في المسجد إذا هو بشيء إلى جنبه فجفل منه فقال: ليس عليك مني بأس إنما جئتك في الله تعالى ائت عروة فسله: ما الذي يتعوذه يعني من إبليس الأباليس. قال: قل آمنت بالله العظيم وحده وكفرت بالجبت والطاغوت واعتصمت بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم. حسبي الله وكفى سمع الله لمن دعا ليس وراء الله منتهى. وقال بشر بن منصور عن وهيب ابن الورد قال: خرج رجل إلى الجبانة بعد ساعة من الليل قال: فسمعت حسا ـ أو صوتا ـ شديدا وجيء بسرير حتى وضع وجاء شيء حتى جلس عليه. قال: واجتمعت إليه جنوده ثم صرخ فقال: من لي بعروة بن الزبير فلم يجبه أحد حتى تتابع ما شاء الله من الأصوات فقال واحد: انا أكفيكه قال: فتوجه نحو المدينة وأنا ناظر ثم أوشك الرجعة فقال: لا سبيل إلى عروة وقال: ويلكم وجدته يقول كلمات إذا أصبح وإذا أمسى فلا نخلص إليه معهن. قال الرجل: فلما أصبحت قلت لأهلي جهزوني فأتيت المدينة فسألت عنه حتى دللت عليه فإذا بشيخ كبير فقلت: شيئا تقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت فأبى أن يخبرني فأخبرته بما رأيت وما سمعت فقال: ما أدري غير أني أقول إذا أصبحت: آمنت بالله العظيم وكفرت بالجبت والطاغوت واستمسكت بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها والله سميع عليم. وإذا أصبحت قلت ثلاث مرات وإذا أمسيت قلت ثلاث مرات. وذكر أبو موسى عن مسلم البطين قال: قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن عفريتا من الجن يكيدك فإذا أويت إلى فراشك فقل: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ من الأرض وما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن.(1\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "80",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6147",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد ثبت في الصحيح أن الشيطان يهرب من الأذان قال سهل بن أبي صالح: أرسلني أبي إلى بني حارثة ومعي غلام ـ أو صاحب ـ لنا فنادى مناد من حائط باسمه فأشرف الذي معي على الحائط فلم ير شيئا فذكرت ذلك لأبي فقال: لو شعرت أنك تلقى هذا لم أرسلك ولكن إذا سمعت صوتا فناد بالصلاة فإني سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الشيطان إذا نودي بالصلاة ولى وله حصاص وفي رواية إذا سمع النداء ولى وله ضراط حتى لا يسمع التأذين الحديث. وذكر الحافظ أبو موسى من حديث أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم استكثروا من لا إله إلا الله والاستغفار فإن الشيطان قال: قد أهلكتهم بالذنوب وأهلكوني بقول لا إله إلا الله والاستغفار فلما رأيت ذلك منهم أهلكتهم بالأهواء حتى يحسبون مهتدون فلا يستغفرون وذكر أيضا عن إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال: بينا رجل مسافر إذ مر برجل نائم ورأى عنده شياطين فسمع المسافر أحد الشياطين يقول لصاحبه: اذهب فأفسد على هذا النائم قلبه فلما دنا منه رجع إلى صاحبه فقال: لقد نام على آية ما لنا إليه سبيل فذهب إلى النائم فلما دنا منه رجع قال: صدقت. فذهب. ثم إن المسافر أيقظه وأخبره بما رأى من الشياطين فقال: أخبرني على أي آية نمت قال: على هذه الآية إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين . وقال أبو النضر هاشم بن القاسم: كنت أرى في داري ... فقيل: يا أبا النضر تحول عن جوارنا. قال: فاشتد ذلك علي فكتبت إلى الكوفة إلى ابن إدريس والمحاربي وأبي أسامة فكتب إلي المحاربي: إن بئرا بالمدينة كان يقطع رشاؤها فنزل بهم ركب فشكوا ذلك إليهم فدعوا بدلو من ماء ثم تكلموا بهذا الكلام فصبوه في البئر فخرجت نار من البئر فطفئت على رأس البئر. قال أبو النضر: فأخذت تورا من ماء ثم تكلمت فيه بهذا الكلام ثم تتبعت به زوايا الدار فرششته فصاحوا بي: أحرقتنا نحن نتحول عنك وهو: بسم الله أمسينا بالله الذي ليس منه شيء ممتنع وبعزة الله التي لا ترام ولا تضام وبسلطان الله المنيع نحتجب وبأسمائه الحسنى كلها عائذ من الأبالسة ومن شر شياطين الإنس والجن ومن شر(1\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "81",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6148",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الأول",
        "content": "معلن أو مسر ومن شر ما يخرج بالليل ويكمن بالنهار ويكمن بالليل ويخرج بالنهار ومن شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر إبليس وجنوده ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم. أعوذ بالله بما استعاذ به موسى وعيسى وإبراهيم الذي وفى من شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر إبليس وجنوده ومن شر ما يبغي. أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم والصافات صفا  فالزاجرات زجرا  فالتاليات ذكرا  إن إلهكم لواحد  رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق  إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب  وحفظا من كل شيطان مارد  لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب  دحورا ولهم عذاب واصب  إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب فهذا بعض ما يتعلق بقوله صلى الله عليه وسلم لذلك العبد يحرز نفسه من الشيطان بذكر الله تعالى .  ولنذكر فصولا نافعة تتعلق بالذكر تكميلا للفائدة: الفصل الأول: الذكر نوعان: أحدهما ذكر أسماء الرب تبارك وتعالى وصفاته والثناء عليه بهما وتنزيهه وتقديسه عما لا يليق به تبارك وتعالى. وهذا أيضا نوعان: (أحدهما) إنشاء الثناء عليه بها من الذاكر وهذا النوع هو المذكور في الأحاديث نحو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده ولا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ونحو ذلك. فأفضل هذا النوع أجمعه للثناء وأعمه نحو سبحان الله عدد خلقه فهذا أفضل من مجرد سبحان الله وقولك الحمد لله عدد ما خلق في السماء وعدد ما خلق في الأرض وعدد ما بينهما وعدد ما هو خالق أفضل من مجرد قولك الحمد لله. وهذا في حديث جويرية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه سبحان الله رضا نفسه سبحان الله زنة عرشه سبحان الله مداد كلماته رواه مسلم. وفي الترمذي وينن أبي داود عن سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع رسول الله على امرأة بين يديها نوى أو حصى تسبح بها فقال: سبحان الله عدد ما خلق في السماء وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض وسبحان الله عدد ما بين ذلك وسبحان الله عدد ما هو خالق والله أكبر(1\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "82",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6149",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مثل ذلك ولا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك (الثاني) الخبر عن الرب تعالى بأحكام أسمائه وصفاته نحو قولك: الله عز وجل يسمع أصوات عباده ويرى حركاتهم ولا تخفى عليه خافية من أعمالهم وهو أرحم بهم من آبائهم وأمهاتهم وهو على كل شيء قدير وهو أفرح بتوبة عبده من الفاقد راحلته ونحو ذلك. وأفضل هذا النوع الثناء عليه بما أثنى به على نفسه وبما أثنى به رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تشبيه ولا تمثيل وهذا النوع أيضا ثلاثة أنواع: حمد وثناء ومجد فالحمد لله الإخبار عنه بصفات كماله سبحانه وتعالى مع محبته والرضاء به فلا يكون المحب الساكت حامدا ولا المثني بلا محبة حامدا حتى تجتمع له المحبة والثناء فإن كرر المحامد شيئا بعد الشيء كانت ثناء فإن كان المدح بصفات الجلال والعظمة والكبرياء والملك كان مجدا وقد جمع الله تعالى لعبده الأنواع الثلاثة في أول الفاتحة فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين قال الله تعالى: حمدني عبدي وإذا قال: الرحمن الرحيم قال: أثنى علي عبدي وإذا قال: مالك يوم الدين قال: مجدني عبدي. (النوع الثاني) من الذكر ذكر أمره ونهيه وأحكامه وهو أيضا نوعان: (أحدهما) ذكره بذلك إخبارا عنه أمر بكذا ونهى عنه كذا وأحب كذا وسخط كذا ورضي كذا. (والثاني) ذكره عند أمره فيبادر إليه وعند نهيه فيهرب منه فذكر أمره ونهيه شيء وذكره عند أمره ونهيه شيء آخر فإذا اجتمعت هذه الأنواع للذاكر فذكره أفضل الذكر وأجله وأعظمه. (فائدة) فهذا الذكر من الفقه الأكبر وما دونه أفضل الذكر إذا صحت فيه النية. ومن ذكره سبحانه وتعالى ذكر آلائه وإنعامه وإحسانه وأياديه ومواقع فضله على عبيده وهذا أيضا من أجل أنواع الذكر. فهذه خمسة أنواع وهي تكون بالقلب واللسان تارة وذلك أفضل الذكر. وبالقلب وحده تارة وهي الدرجة الثانية وباللسان وحده تارة وهي الدرجة الثالثة. فأفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب واللسان(1\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "83",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6150",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الثاني الذكر أفضل من الدعاء",
        "content": "وإنما كان ذكر القلب وحده أفضل من ذكر اللسان وحده لأن ذكر القلب يثمر المعرفة ويهيج المحبة ويثير الحياء ويبعث على المخافة ويدعو إلى المراقبة ويزع عن التقصير في الطاعات والتهاون في المعاصي والسيئات وذكر اللسان وحده لا يوجب شيئا منها فثمرته ضعيفة.  الفصل الثاني الذكر أفضل من الدعاء (الفصل الثاني) الذكر أفضل من الدعاء. الذكر ثناء على الله عز وجل بجميل أوصافه وآلائه وأسمائه والدعاء سؤال العبد حاجته. فأين هذا من هذا ولهذا جاء في الحديث من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ولهذا كان المستحب في الدعاء أن يبدأ الداعي بحمد الله والثناء عليه بين يدي حاجته ثم يسأل حاجته. كما في حديث فضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يدعو في صلاته لم يحمد الله تعالى ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عجل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه عز وجل والثناء عليه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو بعد بما بشاء رواه الإمام أحمد والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. ورواه الحاكم في صحيحه. وهكذا دعاء ذي النون عليه السلام قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربته: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين  وفي الترمذي دعوة أخي ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فإنه لم يدع بها مسلم قط إلا استجاب له . وهكذا عامة الأدعية النبوية على قائلها أفضل الصلاة والسلام ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في دعاء الكرب لا إله إلا الله الحليم العظيم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم ومنه حديث بريدة الأسلمي الذي رواه أهل السنن وابن حبان في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يدعو وهو يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال: والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا(1\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "84",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6151",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى وروى أبو داود والنسائي من حديث أنس أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم جالسا ورجل يصلي ثم دعا: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد ولا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الدعاء يستجاب إذا تقدمه هذا الثناء والذكر وأنه اسم الله الأعظم فكان ذكر الله عز وجل والثناء عليه أنجح ما طلب به العبد حوائجه. وهذه فائدة أخرى من فوائد الذكر والثناء أنه يجعل الدعاء مستجابا. فالدعاء الذي تقدمه الذكر والثناء أفضل وأقرب إلى الإجابة من الدعاء المجرد فإن انضاف إلى ذلك إخبار العبد بحاله ومسكنته وافتقاره واعترافه كان أبلغ في الإجابة وأفضل فإنه يكون قد توسل المدعو بصفات كماله وإحسانه وفضله وعرض بل صرح بشدة حاجته وضرورته وفقره ومسكنته فهذا المقتضى منه وأوصاف المسئول مقتضى من الله فاجتمع المقتضي من السائل والمقتضى من المسؤول في الدعاء وكان أبلغ وألطف موقعا وأتم معرفة وعبودية. وأنت ترى في المشاهد ـ ولله المثل الأعلى ـ أن الرجل إذا توسل إلى ما يريد معروفة بكرمه وجوده وبره وذكر حاجته هو وفقره ومسكنته كان أعطف لقلب المسؤول وأقرب لقضاء حاجته. فإذا قال له: أنت جودك قد سارت به الركبان وفضلك كالشمس لا تنكر ونحو ذلك وقد بلغت بي الحاجة والضرورة مبلغا لا صبر معه ونحو ذلك كان أبلغ في قضاء حاجته من أن يقول ابتداء أعطني كذا وكذا. فإذا عرفت هذا فتأمل قول موسى صلى الله عليه وسلم في دعائه رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير وقول ذي النون في دعائه لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين وقول أبينا آدم ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين وفي الصحيحين أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي فقال: قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا وإنه لا يغفر(1\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "85",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6152",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الثالث في قراءة القرآن أفضل من الذكر، والذكر أفضل من الدعاء.",
        "content": "الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم فجمع في هذا الدعاء الشريف العظيم القدر بين الاعتراف بحاله والتوسل إلى ربه عز وجل بفضله وجوده وأنه المنفرد بغفران الذنوب ثم سأل حاجته بعد التوسل بالأمرين معا. فهكذا أدب الدعاء وآداب العبودية.  الفصل الثالث في قراءة القرآن أفضل من الذكر والذكر أفضل من الدعاء. هذا من حيث النظر لكل منهما مجردا وقد يعرض للمفضول ما يجعله أولى من الفاضل بل يعينه فلا يجوز أن يعدل عنه إلى الفاضل وهذا كالتسبيح في الركوع والسجود فإنه أفضل من قراءة القرآن فيهما بل القراءة فيهما منهي عنها نهي تحريم أو كراهة وكذلك التسميع والتحميد في محلهما أفضل من القراءة وكذلك التشهد وكذلك رب اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني بين السجدتين أفضل من القراءة وكذلك الذكر عقيب السلام من الصلاة ـ ذكر التهليل والتسبيح والتكبير والتحميد ـ أفضل من الاشتغال عنه بالقراءة وكذلك إجابة المؤذن والقول كما يقول أفضل من القراءة. وإن كان فضل القرآن على كل كلام كفضل الله تعالى على خلقه لكن لكل مقام مقال متى فات مقاله فيه وعدل عنه إلى غيره اختلت الحكمة وفقدت المصلحة المطلوبة منه. وهكذا الأذكار المفيدة بمحال مخصوصة أفضل من القراءة المطلقة والقراءة المطلقة أفضل من الأذكار المطلقة اللهم إلا أن يعرض للعبد ما يجعل الذكر أو الدعاء أنفع له من قراءة القرآن. مثاله أن يتفكر في ذنوبه فيحدث ذلك له توبة من استغفار أو يعرض له ما يخاف أذاه من شياطين الإنس والجن فيعدل إلى الأذكار والدعوات التي تحصنه وتحفظه. وكذلك أيضا قد يعرض للعبد حاجة ضرورية إذا اشتغل عن سؤالها أو ذكر لم يحضر قلبه فيهما وإذا أقبل على سؤالها والدعاء إليها اجتمع قلبه كله على الله تعالى وأحدث له(1\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "86",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6153",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تضرعا وخشوعا وابتهالا فهذا يكون اشتغاله بالدعاء والحالة هذه أنفع وإن كان كل من القراءة والذكر أفضل وأعظم أجرا. وهذا باب نافع يحتاج إلى فقه نفس وفرقان بين فضيلة الشيء في نفسه وبين فضيلته العارضة فيعطي كل ذي حق حقه ويوضع كل شيء موضعه: فللعين موضع وللرجل موضع وللماء موضع وللحم موضع. وحفظ المراتب هو من تمام الحكمة التي هي نظام الأمر والنهي. والله تعالى الموفق. وهكذا الصابون والأشنان أنفع للثوب في وقت والتجمير وماء الورد وكيه أنفع له في وقت. وقلت لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يوما: سئل بعض أهل العلم أيهما أنفع للعبد التسبيح أو الاستغفار فقال: إذا كان الثوب نقيا فالبخور وماء الورد أنفع له وإذا كان دنسا فالصابون والماء الحار أنفع له. فقال لي رحمه الله تعالى: فكيف والثياب لا تزال دنسة ومن هذا الباب أن سورة قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن ومع هذا فلا تقوم مقام آيات المواريث والطلاق والخلع والعدد ونحوها بل هذه الآيات في وقتها وعند الحاجة إليها أنفع من تلاوة سورة الإخلاص. ولما كانت الصلاة مشتملة على القراءة والذكر والدعاء وهي جامعة لأجزاء العبودية على أتم الوجوه كانت أفضل من كل من القراءة والذكر والدعاء بمفرده لجمعها ذلك كله مع عبودية سائر الأعضاء. فهذا أصل نافع جدا يفتح للعبد باب معرفة مراتب الأعمال وتنزيلها منازلها لئلا يشتغل بمفضولها عن فاضلها فيربح إبليس الفضل الذي بينهما أو ينظر إلى فاضلها فيشتغل به عن مفضولها إن كان ذلك وقته فتفوته مصلحته بالكلية لظنه أن اشتغاله بالفاضل أكثر ثوابا وأعظم أجرا. وهذا يحتاج إلى معرفة بمراتب الأعمال وتفاوتها ومقاصدها وفقه في إعطاء كل عمل منها حقه وتنزله في مرتبته وتفويته لما هو أهم منه أو تفويت ما هو أولى منه وأفضل لإمكان تداركه والعود إليه وهذا المفضول إن فات لا يمكن تداركه فالاشتغال به أولى ـ وهذا كترك القراءة لرد السلام وتشميت العاطس ــ وإن كان القرآن أفضل لأنه يمكنه الاشتغال بهذا المفضول والعود إلى الفاضل بخلاف ما إذا اشتغل بالقراءة فاتته مصلحة رد السلام وتشميت العاطس وهكذا سائر الأعمال إذا تزاحمت. والله تعالى الموفق.(1\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "87",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6154",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الأول في ذكر طرفي النهار",
        "content": "الفصل الأول في ذكر طرفي النهار وهما ما بين الصبح وطلوع الشمس وما بين العصر والغروب. قال سبحانه وتعالى يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا  وسبحوه بكرة وأصيلا والأصيل: قال الجوهري هو الوقت بعد العصر إلى المغرب وجمعه أصل وآصال وأصائل كأنه أصيلة قال الشاعر: لعمري لأنت أكرم أهله وأقعد في أفيائه بالأصائل ويجمع أيضا على أصلان مثل بعير وبعران ثم صغروا الجمع فقالو أصيلان ثم أبدلوا من النون لاما فقالوا أصيلال قال الشاعر: وقفت فيها أصيلالا أسائلها أعيت جوابا وما بالربع من أحد وقال تعالى: وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار فالإبكار أول النهار والعشي آخره وقال تعالى: وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب وهذا تفسير ما جاء في الأحاديث: من قال كذا وكذا حين يصبح وحين يمسي أن المراد به قبل طلوع الشمس وقبل غروبها وأن محل هذه الأذكار بعد الصبح وبعد العصر. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه وفي صحيحه أيضا عن ابن(1\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "88",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6155",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مسعود قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا أمسى قال: أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. رب أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها وأعوذ بك من شر هذه الليلة وشر ما بعدها رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر وإذا أصبح قال ذلك أيضا: أصبحنا وأصبح الملك لله وفي السنن عن عبد الله بن حبيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قل قلت: يا رسول الله ما أقول قال: قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيء قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي الترمذي أيضا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه يقول: إذا أصبح أحدكم فليقل: اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور وإذا أمسى فليقل: اللهم بك أمسينا وبك أصبحنا وبك نحيا وبك نموت وإليك المصير قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي صحيح البخاري عن شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها حين يمسي فمات من ليلته دخل الجنة ومن قالها حين يصبح فمات من يومه دخل الجنة . وفي الترمذي عن أبي هريرة عن أبي بكر الصديق قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: مرني بشيء أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت. قال: قل: اللهم عالم الغيب والشهادة فاطر السموات والأرض رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه وأن نقترف سوءا على أنفسنا أو نجره إلى مسلم. قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي الترمذي أيضا عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم - ثلاث مرات - فيضره شيء قال الترمذي: حديث(1\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "89",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6156",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حسن صحيح. وفيه أيضا عن ثوبان وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قال حين يمسي وإذا أصبح: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا كان حقا على الله أن يرضيه وقال: حديث حسن صحيح. وفي الترمذي أيضا عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قال حين يصبح أو يمسي: اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت الله لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك. أعتق الله ربعه من النار ومن قالها مرتين أعتق الله نصفه من النار ومن قالها ثلاثا أعتق الله ثلاثة أرباعه من النار ومن قالها أربعا أعتقه الله من النار . وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن غنام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك لك الحمد ولك الشكر. فقد أدى شكر يومه. ومن قال مثل ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته . وفي السنن وصحيح الحاكم عن عبد الله بن عمر قال: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الكلمات حين يمسي وحين يصبح: اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي قال وكيع: يعني الخسف وعن طلق بن حبيب قال: جاء رجل إلى أبي الدرداء فقال: يا أبا الدرداء قد احترق بيتك. فقال: ما احترق لم يكن الله ليفعل ذلك لكلمات سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم من قالها أول النهار لم تصبه مصيبة حتى يمسي ومن قالها آخر النهار لم تصبه مصيبة حتى يصبح: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم. ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم اعلم أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط(1\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "90",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6157",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الثاني في أذكار النوم",
        "content": "بكل شيء علما اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي ومن شر كل دابة ربي آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم .  الفصل الثاني في أذكار النوم وفي الصحيحين عن حذيفة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام قال: باسمك اللهم أموت وأحيا وإذا استيقظ من منامه قال: الحمد لله الذي أماتنا بعد ما أحيانا وإليه النشور . وفي الصحيحين أيضا عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما قل هو الله أحد و قل أعوذ برب الفلق و قل أعوذ برب الناس ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات  وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة أنه أتاه آت يحثو من الصدقة وكان قد جعله النبي صلى الله عليه وسلم ليلة بعد ليلة فلما كان في الليلة الثالثة قال: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بهن ـ وكان أحرص شيء على الخير ـ فقال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي الله لا إله إلا هو الحي القيوم حتى ختمها فإنه لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدقك وهو كذوب وقد(1\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "91",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6158",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "روى الإمام أحمد نحو هذه القصة في مسنده أنها جرت لأبي الدرداء ورواها الطبراني في معجمه أنها جرت لأبي بن كعب. وفي الصحيحين عن أبي مسعود الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه الصحيح أن معناه كفتاه من شر ما يؤذيه قيل كفتاه من قيام الليل وليس بشيء قال علي بن أبي طالب: ما كنت أرى أحدا يغفل قبل أن يقرأ الآيات الثلاث والأواخر من سورة البقرة. وفي الصحيحين عن أبي عريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا قام أحدكم عن فراشه ثم رجع إليه فلينفضه بصنفة إزاره ثلاث مرات فإنه لا يدري ما خلفه عليه بعده. وإذا اضطجع فليقل: باسمك اللهم وضعت جنبي وبك أرفعه فإن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين وفي الصحيحين عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ أحدكم فليقل: الحمد لله الذي عافاني في جسدي ورد علي روحي وأذن لي بذكره . وقد تقدم حديث علي ووصية النبي صلى الله عليه وسلم له ولفاطمة رضي الله تعالى عنهما أن يسبحا إذا أخذا مضاجعهما للنوم ثلاثا وثلاثين ويحمدا ثلاثا وثلاثين ويكبرا أربعا وثلاثين وقال: هو خير لكما من خادم . قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: بلغنا أنه من حافظ على هذه الكلمات لم يأخذه إعياء فيما يعانيه من شغل ومن غيره. وفي سنن أبي داود عن حفصة أم المؤمنين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يرقد وضع يده اليمنى تحت خده ثم يقول: اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك ثلاث مرات قال الترمذي: حديث حسن. وفي صحيح مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه قال: الحمد لله الذي أطعمنا(1\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "92",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6159",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسقانا وكفانا وآوانا فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي . وفي صحيحه أيضا عن ابن عمر أمر رجلا إذا أخذ مضجعه أن يقول اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفاها لك مماتها ومحياها وإن أحييتها فاحفظها وإن أمتها فاغفر لها اللهم إني أسألك العافية قال ابن عمر: سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال حين يأوي إلى فراشه: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه - ثلاث مرات - غفر الله ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر وإن كانت عدد رمل عالج وإن كانت عدد أيام الدنيا وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه قال: اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوراة والإنجيل والفرقان أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته أنت الأول. وليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر وفي الصحيحين عن البراء بن عازب قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل: اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت. فإن مت مت على الفطرة واجعلهن آخر ما تقول(1\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "93",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6160",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الثالث في أذكار الانتباه من النوم",
        "content": "الفصل الثالث في أذكار الانتباه من النوم روى البخاري في صحيحه عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: اللهم اغفر لي أو دعا استجيب له. فإن توضأ وصلى قبلت صلاته . وفي الترمذي عن أبي أمامة قال: سمعت رسول اله صلى الله عليه وسلم يقول: من أوى إلى فراشه طاهرا وذكر الله تعالى حتى يدركه النعاس لم ينقلب ساعة من الليل يسأل الله تعالى فيها خيرا إلا أعطاه إياه حديث حسن. وفي سنن أبي داود عن عائشة أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا استيقظ من الليل قال: لا إله إلا أنت سبحانك اللهم أستغفرك لذنبي وأسألك رحمتك اللهم زدني علما ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب .  الفصل الرابع في أذكار الفزع في النوم والفكر روى الترمذي عن بريدة قال: شكا خالد بن الوليد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما أنام الليل من الأرق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم رب السموات السبع وما أظلت ورب الأرضين وما أقلت ورب الشياطين وما أضلت كن لي جارا من شر خلقك كلهم جميعا أن يفرط علي أحد منهم أو أن يطغي علي عز وجل ثناؤك ولا إله غيرك ولا إله إلا أنت . وفي الترمذي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم(1\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "94",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6161",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الخامس في أذكار من رأى رؤيا يكرهها أو يحبها",
        "content": "كان يعلمهم من الفزع كلمات أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وشر عباده ومن همزات الشياطين أن يحضرون وكان عبد الله بن عمرو يعلمهن من عقل من بنيه ومن لم يعقل كتبه وعقله عليه.  الفصل الخامس في أذكار من رأى رؤيا يكرهها أو يحبها. في الصحيحين عن أبي قتادة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الرؤيا من الله والحلم من الشيطان فإذا رأى أحدكم الشيء يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات إذا استيقظ وليتعوذ بالله من شرها فإنها لن تضره إن شاء الله قال أبو قتادة: كنت أرى الرؤيا تمرضني حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الرؤيا الصالحة من الله فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب وإذا رأى ما يكرهه فلا يحدث به وليتفل عن يساره وليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ومن شر ما رأى فإنها لا تضره . وفي صحيح مسلم عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاث مرات وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثا وليتحول عن جنبه الذي كان عليه ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قص عليه رؤيا فقال: خيرا رأيت وخيرا يكون وفي رواية خيرا تلقاه وشرا توقاه. خيرا لنا وشرا على أعدائنا والحمد لله رب العالمين.  الفصل السادس في أذكار الخروج من المنزل في السنن عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال -يعني إذا خرج من بيته- بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله يقال له: كفيت ووقيت وهديت(1\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "95",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6162",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل السابع في أذكار دخول المنزل",
        "content": "وتنحى عنه الشيطان فيقول لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي وفي مسند الإمام أحمد بسم الله آمنت بالله اعتصمت بالله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله حديث حسن. وفي السنن الأربع عن أم سلمة قالت: ما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيتي إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي قال الترمذي: حديث حسن صحيح.  الفصل السابع في أذكار دخول المنزل وفي صحيح مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء وإذا دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت فإذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء وفي سنن أبي داود عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا ولج الرجل بيته فليقل: اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا وعلى الله ربنا توكلنا ثم ليسلم على أهله وفي الترمذي عن أنس قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم تكن بركة عليك وعلى أهل بيتك وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.(1\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "96",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6163",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الثامن في أذكار دخول المسجد والخروج منه",
        "content": "الفصل الثامن في أذكار دخول المسجد والخروج منه في صحيح مسلم عن أبي حميد -أو أبي أسيد- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا دخل أحدكم إلى مسجد فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا دخل المسجد قال: أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم.  الفصل التاسع في أذكار الأذان في الصحيحين عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن . وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا سمعتم المؤذن فقولو مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة . وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله فقال أشهد أن لا إله إلا الله ثم قال أشهد أن محمدا رسول الله فقال أشهد أن محمدا رسول الله ثم قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال حي على الفلاح قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال الله أكبر الله أكبر قال الله أكبر الله أكبر ثم قال لا إله إلا الله قال لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة .(1\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "97",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6164",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي صحيح البخاري عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة . وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن عمرو قال: يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قل كما يقولون فإذا انتهيت فسل تعطه وفي الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة. قالوا: فماذا نقول يا رسول الله قال: سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي سنن أبي داود عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثنتان لا تردان أو قلما تردان: الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضا . وفي سنن أبي داود عن أم سلمة قالت: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقول عند المغرب اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك وحضور صلواتك فاغفر لي . وفي سنن أبي داود عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن بلالا أخذ في الإقامة فلما أن قال قد قامت الصلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم أقامها الله وأدامها فهذه خمس سنن في الأذان: إجابته وقول رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا وسؤال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم الوسيلة والفضيلة والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم والدعاء لنفسه ماشاء وعن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا غفر الله ذنوبه .(1\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "98",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6165",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل العاشر في أذكار الاستفتاح",
        "content": "الفصل العاشر في أذكار الاستفتاح وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في استفتاحه اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد . وفي سنن أبي داود عن جبير بن مطعم أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة قال الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا (ثلاثا) . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه . قال: نفثه: الشعر ونفخه وهمزه الموتة. وفي السنن الأربعة عن عائشة وأبي سعيد وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا استفتح الصلاة قال سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك وهو في صحيح مسلم عن عمر موقوف عليه. وفي صحيح مسلم عن ابن أبي طالب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة قال وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين: اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت. لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك أنا بك وإليك تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك وكان إذا ركع يقول في ركوعه اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي . وإذا رفع رأسه من الركوع يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك(1\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "99",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6166",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الحادي عشر في ذكر الركوع والسجود والفصل بين السجدتين",
        "content": "الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد وإذا سجد يقول في سجوده اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت. سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين وكان آخر ما يقول بين التشهد والتسليم اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني إنك أنت المقدم والمؤخر لا إله إلا أنت . وفي صحيح مسلم عن عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح صلاته إذا قام من الليل اللهم رب جبريل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة. أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل اللهم لك الحمد وأنت نور السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت قيام السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق وقولك الحق ولقاؤك الحق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد حق والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت إلهي لا إله إلا أنت .  الفصل الحادي عشر في ذكر الركوع والسجود والفصل بين السجدتين الفصل الحادي عشر في ذكر الركوع والسجود والفصل بينهما وبين السجدتين في السنن الأربعة عن حذيفة رضي الله تعالى عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا ركع سبحان ربي العظيم ثلاث مرات وإذا سجد قال سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات. وفيه(1\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "100",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6167",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حديث علي رضي الله عنه وقد سبق بالفصل قبله بطوله. وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي وفي صحيح مسلم عنها رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده سبوح قدوس رب الملائكة والروح . وفي سنن أبي داود عن عوف بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة . وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد. أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد: لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد . وفي صحيح البخاري عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه قال: كنا نصلي يوما وراء النبي صلى الله عليه وسلم فلما رفع رأسه من الركعة قال سمع الله لمن حمده فقال رجل من ورائه: ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. فلما انصرف قال من المتكلم قال: أما يا رسول الله. قال لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده: اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وعلانيته وسره وقالت عائشة رضي الله عنها: افتقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد هما منصوبتان وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيته على نفسك روى مسلم هذه الأحاديث. وفي سنن أبي داود عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بين السجدتين اللهم(1\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "101",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6168",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الثاني عشر في أدعية الصلاة بعد التشهد",
        "content": "اغفر لي وارحمني واهدني واجبرني وعافني وارزقني وفي السنن أيضا عن حذيفة رضي الله عنه وأرضاه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي رب اغفر لي .  الفصل الثاني عشر في أدعية الصلاة بعد التشهد في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ أحدكم من التشهد فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب القبر ومن عذاب جهنم ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال . وفيهما أيضا عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في الصلاة اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات. اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم فقال قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم فقال إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف وقد تقدم في الصحيحين أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: علمني دعاء أدعو به في صلاتي فقال قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت. فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم وفي صحيح مسلم من حديث علي رضي الله عنه في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم بطوله في الفصل العاشر. وفي سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل كيف تقول في الصلاة قال: أتشهد وأقول: اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار. أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم حولها ندندن . وفي المسند والسنن عن شداد بن أوس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في صلاته اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك وأسألك قلبا سليما ولسانا صادقا وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم واستغقرك لما تعلم إنك أنت علام الغيوب . وفي سنن النسائي أن عمار(1\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "102",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6169",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الثالث عشر في الأذكار المشروعة بعد السلام وهو أدبار السجود",
        "content": "بن ياسر صلى صلاة ودعا بدعوات وقال: سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني إذا علمت الحياة خيرا لي وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي. اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسألك نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لا تنقطع وأسألك الرضا بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا مهتدين .  الفصل الثالث عشر في الأذكار المشروعة بعد السلام وهو أدبار السجود وفي صحيح مسلم عن ثوبان رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثا وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الصلاة قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو عل كل شيء قدير. اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما أن رسول اله صلى الله عليه وسلم كان يهلل دبر كل صلاة حين يسلم بهؤلاء الكلمات لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من سبح لله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وكبر الله ثلاثا وثلاثين وحمد الله ثلاثا وثلاثين وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت(1\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "103",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6170",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الرابع عشر في ذكر التشهد",
        "content": "مثل زبد البحر . وفي السنن عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خصلتان -أو خلتان- لا يحافظ عليهما عبد مسلم إلا دخل الجنة هما يسير ومن يعمل بهما قليل: يسبح الله في دبر كل صلاة عشرا ويحمده عشرا ويكبره عشرا فذلك خمسون ومائة باللسان وألف وخمسمائة في الميزان. ويكبر أربعا وثلاثين إذا أخذ مضجعه ويحمد ثلاثا وثلاثين ويسبح ثلاثا وثلاثين فذلك مائة باللسان وألف في الميزان قال: ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقدها بيده. قالوا: يا رسول الله كيف هما يسير ومن يعمل بهما قليل قال يأتي أحدكم - يعني الشيطان - في منامه فينومه قبل أن يقولهما ويأتيه في صلاته فيذكره حاجته قبل أن يقولهما وفي السنن عن عقبة بن عامر قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ بالمعوذتين دبر كل صلاة. وفي النسائي الكبير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ آية الكرسي عقب كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت . يعني: لم يكن بينه وبين دخول الجنة إلا الموت.  الفصل الرابع عشر في ذكر التشهد في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد - وكفي بين كفيه - كما يعلمني السورة من القرآن التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن وكان يقول التحيات المباركات والصلوات والطيبات لله. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وفي صحيح مسلم عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم علمهم التشهد التحيات الطيبات والصلوات لله. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . وروى أبو داود عن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التشهد التحيات لله والصلوات الطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . وروى أبو داود عن سمرة بن جندب: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في وسط الصلاة أو حين انقضائها فابدأوا قبل السلام فقولوا: التحيات والصلوات الملك لله ثم سلموا على اليمين ثم على قارئكم وعلى أنفسكم . وذكر مالك في الموطأ أن عمر كان يعلم الناس التشهد وهو على المنبر يقول: قولوا التحيات لله الزاكيات لله الصلوات الطيبات لله. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته(1\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "104",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6171",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فأي تشهد أتي به من هذه التشهدات أجزأه. وذهب الإمام أحمد وأبو حنيفة إلى تشهد ابن مسعود وذهب الشافعي إلى تشهد ابن عباس وذهب مالك إلى تشهد عمر رضي الله عنه والكل كاف يجزئ.  الفصل الخامس عشر في ذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد . وفي الصحيحين أيضا عن أبي حميد الساعدي أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد .(1\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "105",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6172",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل السادس عشر في الاستخارة",
        "content": "وفي صحيح مسلم عن أبي مسعود الأنصاري قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله كيف نصلي عليك قال فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا أنه لم يسأله. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. والسلام كما قد علمتم . وذكر ابن ماجه في سننه عن عبد الله بن مسعود قال: إذا صليتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه. قال فقالوا له: فعلمنا. قال قولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك إمام الخير ورسول الرحمة. اللهم ابعثه مقاما يغبطه به الأولون. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.  الفصل السادس عشر في الاستخارة الفصل السادس عشر في الاستخارة في صحيح البخاري عن جابر قال: كان رسول اله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمر كما يعلمنا السورة من القرآن إذا هم أحكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر - ويسمي حاجته- خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به . وفي مسند الإمام أحمد من حديث سعد(1\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "106",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6173",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل السابع عشر في أذكار الكرب والغم والحزن والهم",
        "content": "بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من سعادة ابن آدم استخارة الله ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله ومن شقوة ابن آدم تركه استخارة الله ومن شقوة ابن آدم سخطه بما قضى الله . وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه يقول: ما ندم من استخار الخالق وشاور المخلوقين وثبت في أمره. وقد قال سبحانه وتعالى: وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله وقال قتادة: ما تشاور قوم يبتغون وجه الله إلا هدوا إلى أرشد أمرهم.  الفصل السابع عشر في أذكار الكرب والغم والحزن والهم وفي الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم . وفي الترمذي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حز به أمر قال يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث . وفيه أيضا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أهمه الأمر رفع رأسه إلى السماء فقال سبحان الله العظيم وإذا اجتهد في الدعاء قال يا حي يا قيوم . وفي سنن أبي داود عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت . وفي السنن أيضا عن أسماء بنت عميس قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا(1\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "107",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6174",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الثامن عشر في الأذكار الجالبة للرزق الدافع للضيق والأذى",
        "content": "أعلمك كلمات تقولينهن عند الكرب -أو في الكرب- الله الله ربي لا أشرك به شيئا . وفي رواية أنها تقال سبع مرات. وفي الترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له وفي رواية إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه كلمة أخي يونس عليه السلام . وفي مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أصاب عبدا هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور بصري وجلاء حزني وذهاب همي. إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحا .  الفصل الثامن عشر في الأذكار الجالبة للرزق الدافع للضيق والأذى قال الله سبحانه وتعالى عن نبيه نوح صلى الله عليه وسلم: فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا  يرسل السماء عليكم مدرارا  ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا وفي بعض المسانيد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب وذكر أبو عمر عن عبد البر في (التمهيد) له حديثا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة الواقعة كل يوم لم تصبه فاقة أبدا .(1\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "108",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6175",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل العشرون في الأذكار التي تطرد الشيطان",
        "content": "الفصل التاسع عشر في الذكر عند لقاء العدو ومن يخاف سلطانا وغيره في سنن أبي داود والنسائي عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خاف قوما قال اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم . ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند لقاء العدو اللهم أنت عضدي وأنت ناصري وبك أقاتل . وعنه صلى الله عليه وسلم أنه كان في غزوة فقال يا مالك يوم الدين إياك أعبد وإياك أستعين قال أنس فلقد رأيت الرجال تصرعها الملائكة من بين يديها ومن خلفها. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خفت سلطانا أو غيره فقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم لا إله إلا أنت عز جارك وجل ثناؤك . وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار. وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال له الناس إن الناس قد جمعوا لكم  .  الفصل العشرون في الأذكار التي تطرد الشيطان قد تقدم أن من قرأ آية الكرسي عند نومه لم يقربه شيطان وأن من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه ومن قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير كانت له حرزا من الشيطان يومه كله. وقد قال تعالى: (1\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "109",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6176",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الحادي والعشرون في الذكر الذي تحفظ به النعم وما يقال عند تجردها",
        "content": "وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين  وأعوذ بك رب أن يحضرون وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه وقال سبحانه وتعالى: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم وهو الأذان يطرد الشيطان كما تقدم. وعن زيد بن أسلم أنه ولي معادن فذكروا كثرة الجن فأمرهم أن يؤذنوا كل وقت ويكثروا من ذلك فلم يكونوا يرون بعد ذلك شيئا. وفي صحيح مسلم عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله إن الشيطان حال بيني وبين صلاتي وبين قراءتي يلبسها علي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا ففعلت ذلك فأذهبه الله عز وجل عني. وأمر ابن عباس رجلا وجد في نفسه شيئا من الوسوسة والشك أن يقرأ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم . ومن أعظم ما يندفع به شره قراءة المعوذتين وأول الصافات وآخر الحشر.  الفصل الحادي والعشرون في الذكر الذي تحفظ به النعم وما يقال عند تجردها قال الله سبحانه وتعالى في قصة الرجلين ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله فينبغي لمن دخل بستانه أو داره أو رأى في ماله وأهله ما يعجبه أن يبادر إلى هذه الكلمة فإنه لا يرى فيه سوءا. وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل ومال وولد فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله فيرى فيه آفة دون الموت . وعنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا رأى ما يسره قال الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وإذا رأى ما يسوءه قال الحمد لله على كل حال .(1\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "110",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6177",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الثاني والعشرون في الذكر عند المصيبة",
        "content": "الفصل الثاني والعشرون في الذكر عند المصيبة قال الله تعالى: وبشر الصابرين  الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون  أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون . ويذكر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسترجع أحدكم في كل شيء حتى في شسع نعله فإنها من المصائب . وقالت أم سلمة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا آجره الله تعالى في مصيبته وأخلف له خيرا منها قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخلف الله لي خيرا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروي أيضا عنها رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال إن الروح إذا قبض تبعه البصر فضج ناس من أهله فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ثم قال اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين وأخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه .  الفصل الثالث والعشرون في الذكر الذي يدفع به الدين ويرجى قضاؤه في الترمذي عن علي رضي الله عنه أن مكاتبا جاءه فقال: إني عجزت عن كتابتي فأعني فقال: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان عليك مثل جبل أحد دينا إلا أداه الله عنك قل اللهم اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك قال الترمذي: حديث حسن.(1\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "111",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6178",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الرابع والعشرون في الذكر الذي يرقى به من اللسعة واللدغة وغيرهما",
        "content": "الفصل الرابع والعشرون في الذكر الذي يرقى به من اللسعة واللدغة وغيرهما في صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين رضي الله عنهما ويقول إن أباكما إبراهيم كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامه ومن كل عين لامة وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رقى لديغا بفاتحة الكتاب فجعل يتفل عليه ويقرأ الحمد لله رب العالمين فكأنما نشط من عقال فانطلق يمشي وما به قلبه. الحديث. وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى الإنسان الشيء أو كانت قرحة به أو جرح قال النبي صلى الله عليه وسلم بأصبعه هكذا - ووضع سفيان بن عيينة إصبعه بالأرض ثم رفعها - وقال: بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفي به سقيمنا بإذن ربنا وفي الصحيحين أيضا عنها رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول اللهم رب الناس أذهب الباس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما وفي صحيح مسلم عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا يجده في جسده منذ أسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل: بسم الله - ثلاثا - وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وما أحاذر . وفي السنن عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من عاد مريضا لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش(1\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "112",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6179",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الخامس والعشرون في ذكر دخول المقابر",
        "content": "العظيم. أن يشفيك ويعافيك إلا عافاه الله تعالى . وفي سنن أبي داود والنسائي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من اشتكى منكم أو اشتكى أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض اغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين أنزل رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ.  الفصل الخامس والعشرون في ذكر دخول المقابر. في صحيح مسلم عن بريدة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا من المقابر أن يقول قائلهم السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية . وفي سنن ابن ماجة عن عائشة أنها فقدت النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو بالبقيع فقال السلام عليكم دار قوم مؤمنين أنتم لنا فرط وإنا بكم لاحقون اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم .  الفصل السادس والعشرون في ذكر الاستسقاء قال تعالى: استغفروا ربكم إنه كان غفارا  يرسل السماء عليكم مدرارا . عن جابر بن عبد الله قال: أتت النبي صلى الله عليه وسلم بواك فقال: اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا نافعا غير ضار عاجلا غير آجل فأطبقت عليهم السماء.(1\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "113",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6180",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل السابع والعشرون في أذكار الرياح إذا هاجت",
        "content": "وعن عائشة: شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المعلى ووعد الناس يوما يخرجون فيه فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر وحمد الله عز وجل ثم قال إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم. وقد أمركم الله سبحانه وتعالى أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم ثم قال الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يريد اللهم أنت الله لا إله إلا أنت أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت علينا قوة وبلاغا إلى حين ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه ثم حول إلى الناس ظهره وقلب أو حول رداءه وهو رافع يديه ثم أقبل على الناس فنزل فصلى ركعتين فأنشأ الله عز وجل سحابة فرعدت وبرقت. ثم أمطرت بإذن الله تعالى فلم يأت مسجده حتى سالت السيول فلما رأى سرعتهم إلى السكن ضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه وقال أشهد أن الله على كل شيء قدير وأني عبد الله ورسوله وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن عمرو: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استسقى قال اللهم اسق عبادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحيي بلدك الميت . قال الشعبي: خرج عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار. فقالوا: ما رأيناك استسقيت فقال: لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء التي يستنزلون بها المطر. ثم قرأ استغفروا ربكم إنه كان غفارا  يرسل السماء عليكم مدرارا  وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى الآية.  الفصل السابع والعشرون في أذكار الرياح إذا هاجت قال أبو هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الريح من روح الله تعالى تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب. فإذا رأيتموها فلا تسبوها واسألوا الله من خيرها(1\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "114",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6181",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الثامن والعشرون في الذكر عند الرعد",
        "content": "واستعيذوا بالله من شرها رواه أبو داود. وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما أرسلت به وفي سنن أبي داود عن عائشة أيضا رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى ناشئا في أفق السماء ترك العمل -وإن في صلاة- ثم يقول اللهم إني أعوذ بك من شرها فإن أمطرت قال اللهم صيبا هنيئا .  الفصل الثامن والعشرون في الذكر عند الرعد كان عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما إذا سمع الرعد ترك الحديث فقال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته  . وعن كعب أنه قال: من قال ذلك ثلاثا عوفي من ذلك الرعد . وفي الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع صوت الرعد والصواعق قال اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك .  الفصل التاسع والعشرون في الذكر عند نزول الغيث في الصحيحين عن زيد بن خالد الجهني قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال(1\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "115",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6182",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الثلاثون في الذكر والدعاء عند زيادة المطر وكثرة المياه والخوف منها",
        "content": "هل تدرون ماذا قال ربكم قالوا: الله ورسوله أعلم. قال قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب وقد قيل: إن الدعاء عند نزول الغيث مستجاب. وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المطر قال صيبا نافعا وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطر فحسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه حتى أصابه المطر فقلنا: يا رسول الله لم صنعت هذا قال لأنه حديث عهد بربه .  الفصل الثلاثون في الذكر والدعاء عند زيادة المطر وكثرة المياه والخوف منها وفي الصحيحين عن أنس قال: دخل رجل المسجد يوم جمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب الناس فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا. فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال اللهم أغثنا اللهم أغثنا قال أنس: والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة وما بيننا وبين سلع من بنيان ولا دار فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت فلا والله ما رأينا الشمس ستا ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبله قائما فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا. فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر قال: فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس.(1\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "116",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6183",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الحادي والثلاثون في الذكر عند رؤية الهلال",
        "content": "الفصل الحادي والثلاثون في الذكر عند رؤية الهلال عن عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال قال الله أكبر اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى. ربنا وربك الله . وفي سنن أبي داود عن قتادة أنه بلغه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال قال هلال خير ورشد هلال خير ورشد. آمنت بالله الذي خلقك ثلاث مرات. ثم يقول الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا .  الفصل الثاني والثلاثون في الذكر للصائم وعند فطره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم  رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وروى ابن ماجة عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد قال ابن أبي مليكة: سمعت عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا أفطر يقول: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي. ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أفطر قال اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت ومن وجه آخر اللهم لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا فتقبل منا إنك أنت السميع العليم .(1\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "117",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6184",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الثالث والثلاثون في أذكار السفر",
        "content": "الفصل الثالث والثلاثون في أذكار السفر روى الطبراني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما خلف أحد عند أهله أفضل من ركعتين يركعهما عندهم حين يريد سفرا وفي مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أراد سفرا فليقل لمن يخلف: أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه وفي المسند أيضا عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله إذا استودع شيئا حفظه . وقال سالم: كان ابن عمر يقول للرجل إذا أراد سفرا: أدن مني أودعك كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعنا فيقول أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك . ومن وجه آخر كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ودع رجلا أخذ بيده فلا يدعها حتى يكون الرجل هو الذي يدع النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر تمام الحديث. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال أنس رضي الله عنه: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أريد سفرا فزودني. فقال: زودك الله التقوى قال زدني. قال وغفر ذنبك قال زدني. قال ويسر لك الخير حيث ما كنت قال الترمذي: حديث حسن. وعن أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله إني أريد أن أسافر فأوصني. قال عليك بتقوى الله عز وجل والتكبير على كل شرف فلما ولى الرجل قال: اللهم اطو له البعد وهون عليه السفر قال الترمذي: حديث حسن.(1\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "118",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6185",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الرابع والثلاثون في ركوب الدابة والذكر عنده",
        "content": "الفصل الرابع والثلاثون في ركوب الدابة والذكر عنده قال علي بن ربيعة: شهدت عليا بن أبي طالب رضي الله عنه أتي بدابة ليركبها فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله. فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله ثم قال سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين  وإنا إلى ربنا لمنقلبون ثم قال: الحمد لله ثلاث مرات ثم قال: الله أكبر ثلاث مرات ثم قال: سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. ثم ضحك. فقيل: يا أمير المؤمنين من أي شيء ضحكت فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فعل كما فعلت ثم ضحك. فقلت: يا رسول الله من أي شيء ضحكت فقال إن ربك سبحانه وتعالى يعجب من عبده إذا قال: اغفر لي ذنوبي. يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري رواه أهل السنن وصححه الترمذي. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبر ثلاثا ثم قال  سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين  وإنا إلى ربنا لمنقلبون اللهم نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى. اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل. اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل وإذا رجع قالهن وزاد فيهن آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون وفي وجه آخر: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم إذا علوا الثنايا كبروا وإذا هبطوا سبحوا .  الفصل الخامس والثلاثون في ذكر الرجوع من السفر قال عبد الله بن عمر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قفل من غزو أو حج أو اعتمر يكبر على(1\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "119",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6186",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل السادس والثلاثون في الذكر على الدابة إذا استصعبت",
        "content": "كل شرف من الأرض ثلاث مرات ثم يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وعده وهزم الأحزاب وحده رواه البخاري ومسلم.  الفصل السادس والثلاثون في الذكر على الدابة إذا استصعبت قال يونس بن عبيد: ليس رجل يكون على دابة صعبة فيقول في أذنها أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون إلا وقفت بإذن الله تعالى. قال شيخنا قدس الله روحه: وقد فعلنا ذلك فكان كذلك.  الفصل السابع والثلاثون في الدابة إذا انفلتت وما يذكر عند ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله احبسوا فإن لله عز وجل حاضرا سيحبسه .  الفصل الثامن والثلاثون في الذكر عند القرية أو البلدة إذا أراد دخولها الفصل الثامن والثلاثون في الذكر عند القرية أو البلدة إذا أراد دخولها عن صهيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها اللهم رب السموات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما ذرين أسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها رواه النسائي.(1\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "120",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6187",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل التاسع والثلاثون في ذكر المنزل يريد نزوله",
        "content": "الفصل التاسع والثلاثون في ذكر المنزل يريد نزوله قالت خولة بنت حكيم رضي الله عنها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من نزل منزلا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره حتى يرتحل من منزله ذلك رواه مسلم. وعن عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فأقبل الليل قال يا أرض ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما خلق فيك وشر ما يدب عليك. وأعوذ بالله من أسد وأسود ومن الحية والعقرب ومن ساكن البلد ومن والد وما ولد . رواه أبو داود.  الفصل الأربعون في ذكر الطعام والشراب قال سبحانه وتعالى يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون . وقال عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بني سم الله تعالى وكل بيمينك وكل مما يليك متفق عليه. وقالت عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى في أوله فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل: بسم الله أوله وآخره قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال أمية بن مخشى رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا ورجل يأكل فلم يسم حتى لم يبق من طعامه إلا لقيمة فلما رفعها إلى فيه قال: بسم الله أوله وآخره فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال ما زال الشيطان يأكل معه فلما ذكر اسم الله تعالى استقاء ما في بطنه . رواه أبو داود. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ليرضى عن(1\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "121",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6188",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الحادي والأربعون في ذكر الضيف إذا نزل بقوم",
        "content": "العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها رواه مسلم في صحيحه من حديث أنس رضي الله عنه. وقال أبو هريرة: ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما قط إن اشتهاه أكله وإلا تركه . متفق عليه. وعن وحشي أن أناسا قالوا: يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع قال ولعلكم تفترقون قالوا: نعم. قال فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله تعالى يبارك لكم فيه رواه أبو داود. وعن معاذ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أكل أو شرب فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه قال الترمذي حديث حسن. وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من طعامه قال الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين رواه أبو داود والترمذي. وذكر النسائي عن رجل خدم النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسمع النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرب إليه طعامه يقول بسم الله وإذا فرغ من طعامه قال اللهم أطعمت وسقيت وأغنيت وأقنيت وهديت واجتبيت فلك الحمد على ما أعطيت . وفي صحيح البخاري عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع مائدته قال الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغني عنه ربنا  الفصل الحادي والأربعون في ذكر الضيف إذا نزل بقوم عن عبد الله بن بسر قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي فقربنا إليه طعاما(1\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "122",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6189",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الثاني والأربعون في السلام",
        "content": "ووطبة فأكل منها ثم أتي بتمر فكان يأكله ويلقي النوى بين أصبعيه ويجمع السبابة والوسطى قال شعبة: هو ظني وهو فيه إن شاء الله إلقاء النوى. ثم أتي بشراب فشربه ثم ناوله الذي عن يمينه. قال فقال أبي - وأخذ بلجام دابته-: ادع الله تعالى لنا فقال اللهم بارك لهم فيما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم رواه مسلم. وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى سعد بن عبادة فجاء بخبز وبزيت فأكل ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة رواه أبو داود. وعن جابر قال: صنع أبو الهيثم بن التيهان للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلما فرغوا قال أثيبوا أخاكم قالوا يا رسول الله وما إثابته قال إن الرجل إذا دخل بيته فأكل طعامه وشرابه فادعوا له فذلك إثابته رواه أبو داود.  الفصل الثاني والأربعون في السلام عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير قال تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف متفق عليه. وقال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا. أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم رواه أبو داود. وقال عمار بن ياسر رضي الله عنهما: ثلاث من جمعهن جمع الإيمان الإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم والإنفاق من الإقتار. ذكره البخاري. وقال عمران بن حصين: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم(1\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "123",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6190",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الثالث والأربعون في الذكر عند العطاس",
        "content": "فقال: السلام عليكم فرد عليه ثم جلس. فقال النبي صلى الله عليه وسلم عشر ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله فرد عليه فجلس. فقال عشرون. ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فرد عليه فجلس. فقال ثلاثون قال الترمذي: حديث حسن. وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أولى الناس بالله من بدأ بالسلام قال الترمذي حديث حسن. وخرج أبو داود عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم وقال أنس: مر النبي صلى الله عليه وسلم على صبيان يلعبون فسلم عليهم . حديث صحيح. وقال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم فإذا أراد أن يقوم فليسلم فليست الأولى بأحق من الآخرة.  الفصل الثالث والأربعون في الذكر عند العطاس قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا عطس أحدكم وحمد الله كان على كل من سمعه أن يقول: يرحمك الله. وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك الشيطان منه رواه البخاري. وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله فإذا قال: يرحمك الله فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم رواه البخاري. وفي لفظ أبي داود الحمد لله على كل حال وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه .(1\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "124",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6191",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الرابع والأربعون في ذكر النكاح والتهنئة به وذكر الدخول بالزوجة",
        "content": "الفصل الرابع والأربعون في ذكر النكاح والتهنئة به وذكر الدخول بالزوجة قال ابن مسعود: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الحاجة الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا. من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وفي رواية زيادة: أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة. من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون  واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا  يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا  يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما  رواه أهل السنن الأربعة وقال الترمذي: حديث حسن وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفأ الإنسان إذا تزوج قال بارك الله لك وبارك عليكما وجمع بينكما في خير حديث حسن صحيح. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترة خادما فليقل: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه. وإذا اشترى بعيرا فليأخذ بذروة سنامه وليقل مثل ذلك رواه أبو داود. وفي الصحيحين عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فقضى بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدا .(1\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "125",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6192",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الخامس والأربعون في الذكر عند الولادة والذكر المتعلق بالولد",
        "content": "الفصل الخامس والأربعون في الذكر عند الولادة والذكر المتعلق بالولد يذكر أن فاطمة رضي الله عنها لما دنا ولادها أمر النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة وزينب بنت جحش أن تأتيا فتقرأ عليها آية الكرسي و إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض إلى آخر الآيتين وتعوذانها بالمعوذتين. وقال أبو رافع: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ويذكر عن الحسين بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى لم تضره أم الصبيان . وقالت عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤتى بالصبيان فيدعو لهم بالبركة ويحنكهم . رواه أبو داود. وقال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما بالصبيان: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتسمية المولود يوم سابعه ووضع الأذى عنه والعق . قال الترمذي: حديث حسن. وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم ابنه إبراهيم وإبراهيم بن أبي موسى وعبد الله بن أبي طلحة والمنذر بن أسيد قريبا من ولادتهم. وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم فأحسنوا أسماءكم ذكره أبو داود. وذكر مسلم عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أحب أسمائكم إلى الله عز وجل عبد الله وعبد الرحمن(1\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "126",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6193",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل السادس والأربعون في صياح الديكة والنهيق والنباح",
        "content": "وعن أبي وهب الجشمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تسموا بأسماء الأنبياء وإن أحب الأسماء إلى الله عز وجل عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام وأقبحها حرب ومرة رواه أبو داود والنسائي. وغير النبي صلى الله عليه وسلم الأسماء المكروهة إلى أسماء حسنة فغير اسم برة إلى زينب وغير اسم حزن إلى سهل وغير اسم عاصية فسماها جميلة وغير اسم أصرم إلى زرعة وسمى حربا سلما وسمى المضطجع المنبعث وسمى أرضا يقال لها عفرة خضرة وشعب الضلالة سماه شعب الهدى وبنو الزينة سماهم بني الرشدة.  الفصل السادس والأربعون في صياح الديكة والنهيق والنباح في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطانا وإذا سمعتم صياح الديكة فسلوا الله من فضله فإنها رأت ملكا . وفي سنن أبي داود عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعتم نباح الكلاب ونهيق الحمير بالليل فتعوذوا بالله منهن فإنهن يرين ما لاترون رواه أبو داود. الفصل السابع والأربعون في الذكر يطفأ به الحريق  الفصل السابع والأربعون في الذكر يطفأ به الحريق يذكر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم الحريق فكبروا فإن التكبير يطفئه .(1\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "127",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6194",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الثامن والأربعون في كفارة المجلس",
        "content": "الفصل الثامن والأربعون في كفارة المجلس عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من جلس مجلسا فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا كفر الله له ما كان في مجلسه ذلك قال الترمذي حديث حسن صحيح. وفي حديث آخر أنه إن كان في مجلس خير كان كالطابع له وإن كان في مجلس تخليط كان كفارة له. وفي السنن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان لهم حسرة وعن ابن عمر قال: قلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس حتى يدعوا بهؤلاء الكلمات لأصحابه اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مضار الدنيا اللهم أمتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا. ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا قال الترمذي حديث حسن.  الفصل التاسع والأربعون فيما يقال ويفعل عند الغضب قال الله سبحانه وتعالى: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم وقال سليمان بن صرد: كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم ورجلان يستبان أحدهما قد احمر وجهه وانتفخت أوداجه فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه متفق عليه. وعن عطية بن(1\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "128",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6195",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الخمسون فيما يقال عند رؤية أهل البلاء",
        "content": "عروة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ رواه أبو داود. وفي حديث آخر أنه أمر من غضب إن كان قائما أن يجلس وإن كان جالسا أن يضطجع .  الفصل الخمسون فيما يقال عند رؤية أهل البلاء عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من رأى مبتلي فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا لم يصبه ذلك البلاء وقال الترمذي: حديث حسن.  الفصل الحادي والخمسون في الذكر عند دخول السوق عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف ألف درجة رواه الترمذي. وعن بريدة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل السوق قال بسم الله اللهم إني أسألك خير هذه السوق وخير ما فيها وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها. اللهم إني أعوذ بك أن أصيب بها يمينا فاجرة أو صفقة خاسرة .(1\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "129",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6196",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الثاني والخمسون في الرجل إذا خدرت رجله",
        "content": "الفصل الثاني والخمسون في الرجل إذا خدرت رجله عن الهيثم بن حنش قال: كنا عند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فخدرت رجله فقال له رجل: اذكر أحب الناس إليك فذكر محمدا فكأنما نشط من عقال. وعن مجاهد رحمه الله قال: خدرت رجل رجل عند ابن عباس رضي الله عنهما فقال: اذكر أحب الناس إليك فقال: محمد صلى الله عليه وسلم فذهب خدره.  الفصل الثالث والخمسون في الدابة إذا عثرت. عن أبي المليح عن رجل قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فعثرت دابته فقلت: تعس الشيطان. فقال: لا تقل تعس الشيطان فإنك إذا قلت ذلك تعاظم حتى يكون مثل البيت. ولكن قل: بسم الله فإنك إذا قلت ذلك تصاغر حتى يكون مثل الذباب .  الفصل الرابع والخمسون في من أهدى هدية أو تصدق بصدقة فدعا له ماذا يقول عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فقال: اقتسميها. وكانت عائشة رضي الله عنها إذا رجعت الخادم تقول: ما قالوا تقول الخادم قالوا: بارك الله فيكم. تقول عائشة رضي الله عنها: وفيهم بارك الله. نرد عليهم مثل ما قالوا ويبقى أجرنا لنا . وقد روي عنها في الصدقة مثل ذلك.(1\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "130",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6197",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الخامس والخمسون فيمن أميط عنه أذى",
        "content": "الفصل الخامس والخمسون فيمن أميط عنه أذى عن أبي أيوب رضي الله عنه أنه تناول من لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم أذى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح الله عنك يا أبا أيوب ما تكره وفي لفظ آخر لا يكن بك السوء يا أبا أيوب وعن عمر رضي الله عنه: أنه أخذ عن رجل شيئا فقال الرجل: صرف الله عنك السوء. فقال عمر رضي الله عنه: صرف الله عنا السوء منذ أسلمنا. ولكن إذا أخذ عنك شيئا فقل أخذت يداك خيرا.  الفصل السادس والخمسون في رؤية باكورة الثمرة قال أبو هريرة رضي الله عنه: كان الناس إذا رأوا الثمر جاؤوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدنا ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان. رواه مسلم.  الفصل السابع والخمسون في الشيء يراه ويعجبه ويخاف عليه العين قال الله سبحانه وتعالى: ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله . وقال النبي صلى الله عليه وسلم العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين حديث صحيح. ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا رأى أحدكم ما يعجبه في نفسه أو ماله(1\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "131",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6198",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الثامن والخمسون في الفأل والطيرة",
        "content": "فليتبرك عليه فإن العين حق . ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال من رأى شيئا فأعجبه فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله . ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم فيمن خاف أن يصيب شيئا بعينه قال اللهم بارك لنا فيه ولا تضره . وقال أبو سعيد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان فلما نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما . قال الترمذي حديث حسن. ورواه ابن ماجه في سننه.  الفصل الثامن والخمسون في الفأل والطيرة قال النبي صلى الله عليه وسلم لا عدوى ولا طيرة أصدقها الفأل قيل: وما الفأل قال الكلمة الحسنة يسمعها الرجل وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل كما كان في سفر الهجرة فلقيهم رجل فقال: ما اسمك قال بريدة. قال برد أمرنا وقال صلى الله عليه وسلم رأيت في منامي كأني في دار عقبة بن رافع وأتينا من رطب ابن طاب فأولتها الرفعة لنا في الدنيا والعافية لنا في الآخرة وأن ديننا قد طاب . وأما الطيرة فقال معاوية بن الحكم: قلت يا رسول الله منا رجال يتطيرون. قال ذلك شيء تجدونه في صدوركم فلا يصدنكم وهذه الأحاديث في الصحاح. وعن عقبة بن عامر قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطيرة فقال أصدقها الفأل ولا ترد مسلما. وإذا رأيتم من الطيرة شيئا تكرهونه فقولوا: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يذهب بالسيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بالله .(1\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "132",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6199",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل التاسع والخمسون في الحمام",
        "content": "الفصل التاسع والخمسون في الحمام الفصل التاسع والخمسون في الحمام يذكر عن أبي هريرة أنه قال: نعم البيت الحمام يدخله المسلم إذا دخله سأل الله الجنة واستعاذ به من النار.  الفصل الستون في الذكر عند دخول الخلاء والخروج منه في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث وزاد سعيد بن منصور بسم الله وفي مسند الإمام أحمد عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذه الحشوش محتضرة فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث وفي سنن ابن ماجة عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يعجز أحدكم إذا دخل موقعه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم . وفي الترمذي عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم الله وقالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الغائط قال غفرانك رواه الإمام أحمد وأهل السنن. وفي سنن ابن ماجه عن أنس رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني .(1\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "133",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6200",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الحادي والستون في الذكر عند إرادة الوضوء",
        "content": "الفصل الحادي والستون في الذكر عند إرادة الوضوء ثبت في النسائي عنه صلى الله عليه وسلم أنه وضع يده في الجفنة وقال توضأ ببسم الله وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه في حديثه الطويل وفيه يا جابر ناد بوضوء فقلت: ألا وضوء ألا وضوء وفيه فقال خذ يا جابر فصب علي وقل: بسم الله فصببت عليه وقلت: بسم الله فرأيت الماء يفور من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفي المسند والسنن من حديث سعد بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه قال البخاري: هذا أحسن شيء في هذا الباب. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه رواه الإمام أحمد وأبو داود. وفي المسند عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم لا وضوء لمن لمن يذكر اسم الله عليه .  الفصل الثاني والستون في الذكر بعد الفراغ من الوضوء روى مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ -أو فيسبغ - الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء وزاد فيه الترمذي بعد ذكر الشهادتين اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين وفي بعض طرقه ذكرها(1\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "134",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6201",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الثالث والستون في ذكر صلاة الجنازة",
        "content": "أبو داود والإمام أحمد فأحسن الوضوء ثم قال ثلاث مرات: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . وفي سنن النسائي عن أبي سعيد الخدري قال: من توضأ ففرغ من وضوئه وقال: سبحانك اللهم أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك طبع عليها بطابع ثم رفعت تحت العرش فلم تكسر إلى يوم القيامة. هكذا رواه من قول أبي سعيد رضي الله عنه. وأما الأذكار التي يقولها العامة على الوضوء عند كل وضوء فلا أصل لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة والتابعين ولا الأئمة الأربعة وفيها حديث كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.  الفصل الثالث والستون في ذكر صلاة الجنازة في صحيح مسلم عن عوف بن مالك قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر قال: حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي لفظ وقه فتنة القبر وعذاب النار وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة فقال اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده وفي سنن أبي داود أيضا عن واثلة بن الأصقع: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل من المسلمين فأسمعه يقول اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك وحبل جوارك فقه فتنة القبر وعذاب النار وأنت أهل الوفاء والحمد اللهم فاغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم . وسأل مروان أبا هريرة: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على(1\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "135",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6202",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الخامس والستون فيما يقول من اغتاب أخاه المسلم",
        "content": "الجنازة قال اللهم أنت ربها وأنت خلقتها وأنت هديتها للإسلام وأنت قبضت روحها وأنت أعلم بسرها وعلانيتها جئنا شفعاء فاغفر لنا رواه الإمام أحمد وأبو داود.  الفصل الرابع والستون في الذاكر إذا قال هجرا أو جرى على لسانه ما يسخط ربه عز وجل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حلف منكم فقال في حلفه واللات والعزى فليقل لا إله إلا الله. ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق. فكل من حلف بغير الله فقد أشرك حديث صحيح. فهذا كفارة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حلف بغير الله فقد أشرك حديث صحيح وكفارة الشرك التوحيد وهو كلمة لا إله إلا الله. ومن قال تعال أقامرك فقد تكلم بهجر وفحش يتضمن أكل المال وإخراجه بالباطل وكفارة هذه الكلمة بضد القمار وهو إخراج المال بحق في مواضعه وهو الصدقة. وقال مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه: حلفت باللات والعزى - وكان العهد قريبا - فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال قد قلت هجرا قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له وانفث عن يسارك سبعا ولا تعد .  الفصل الخامس والستون فيما يقول من اغتاب أخاه المسلم يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته تقول اللهم اغفر لنا وله ذكره البيهقي في الدعوات الكبير وقال: في إسناده ضعف. وهذه المسألة فيها قولان للعلماء - هما روايتان عن الإمام أحمد - وهما: هل يكفي في التوبة من الغيبة للاستغفار للمغتاب أم لا بد من إعلامه وتحليله والصحيح أنه لا يحتاج إلى إعلامه بل يكفيه الاستغفار وذكره بمحاسن ما فيه في المواطن التي اغتابه فيها. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره. والذين قالوا لا بد من إعلامه جعلوا الغيبة كالحقوق المالية. والفرق بينهما ظاهر فإن(1\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "136",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6203",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل السادس والستون فيما يقال ويفعل عند كسوف الشمس وخسوف القمر",
        "content": "الحقوق المالية ينتفع المظلوم بعود نظير مظلمته إليه فإن شاء أخذها وإن شاء تصدق بها. وأما في الغيبة فلا يمكن ذلك ولا يحصل له بإعلامه إلا عكس مقصود الشارع صلى الله عليه وسلم فإنه يوغر صدره ويؤذيه إذا سمع ما رمى به ولعله يهيج عداوته ولا يصفو له أبدا وما كان هذا سبيله فإن الشارع الحكيم صلى الله عليه وسلم لا يبيحه ولا يجوزه فضلا عن أن يوجبه ويأمر به ومدار الشريعة على تعطيل المفاسد وتقليلها لا على تحصيلها وتكميلها. والله تعالى أعلم.  الفصل السادس والستون فيما يقال ويفعل عند كسوف الشمس وخسوف القمر في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وتصدقوا وفي صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة قال: بينا أنا أرمي بأسهم لي في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كسفت الشمس فنبذتهن وقلت: لأنظرن ما حدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم في كسوف الشمس اليوم فانتهت إليه وهو رافع يديه يسبح ويحمد ويهلل ويدعوه حتى حسر عن الشمس فقرأ بسورتين وركع ركعتين. والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بالكسوف بالصلاة والعتاقة والمبادرة إلى ذكر الله تعالى والصدقة فإن هذه الأمور تدفع أسباب البلاء.  الفصل السابع والستون فيما يقول من ضاع له شيء ويدعو به ذكر علي بن العيني عن سفيان عن ابن عجلان عن عمر بن كثير بن أفلح قال: كان ابن عمر يقول للرجل إذا أضل شيئا: قل اللهم رب الضالة هادي الضالة تهدي من الضلالة. رد علي ضالتي بقدرتك وسلطانك فإنها من عطائك وفضلك. وفي وجه آخر: سئل ابن عمر(1\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "137",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6204",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الثامن والستون في عقد التسبيح بالأصابع وأنه أفضل من السبحة",
        "content": "رضي الله عنه عن الضالة فقال: يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يتشهد ويقول: اللهم راد الضالة هادي الضلالة تهدي من الضلال رد علي ضالتي بعزتك وسلطانك فإنها من فضلك وعطائك. قال البيهقي هذا موقوف وهو حسن. وقد قيل: إن من ضاع له شيء فقال: يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه رد علي ضالتي. ردها الله تعالى عليه  الفصل الثامن والستون في عقد التسبيح بالأصابع وأنه أفضل من السبحة. روى الأعمش عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد بن عمر قال: رأيت رسول اله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح بيمينه. رواه أبو داود. وروت بسيرة إحدى المهاجرات رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس ولا تغفلن فتنسين الرحمة واعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات ومستنطقات .  الفصل التاسع والستون في أحب الكلام إلى الله عز وجل بعد القرآن ثبت في صحيح مسلم عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب الكلام إلى الله تعالى أربع لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر . وفي وجه آخر أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر . وفي أثر آخر أفضل الكلام ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله وبحمده . وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم .(1\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "138",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6205",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل السبعون في الذكر المضاعف",
        "content": "وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأن أقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس .  الفصل السبعون في الذكر المضاعف الفصل السبعون في الذكر المضاعف في صحيح مسلم عن جويرية أم المؤمنين أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعدما أضحى وهي جالسة فقال ما زلت على الحال التي فارقتك عليها قالت: نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه سبحان الله رضاء نفسه سبحان الله زنة عرشه سبحان الله مداد كلماته . و عن سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح فقال أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل فقال سبحان الله عدد ما خلق في السماء سبحان الله عدد ما خلق في الأرض سبحان الله عدد ما بين ذلك سبحان الله عدد ما هو خالق والله أكبر مثل ذلك ولا إله إلا الله مثل ذلك والحمد لله مثل ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك . رواه أبو داود والترمذي قال: حديث حسن.  الفصل الحادي والسبعون فيما يقال لمن حصل له وحشة روينا في معجم الطبراني عن البراء بن عازب أن رجلا اشتكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحشة فقال قل: سبحان الله الملك القدوس رب الملائكة والروح جللت السموات والأرض بالعزة والجبروت فقالها الرجل فأذهب الله عنه الوحشة.(1\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "139",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6206",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "الفصل الثالث والسبعون فيما يقال عند رؤية الفجر",
        "content": "الفصل الثاني والسبعون في الذكر الذي يقوله أو يقال له إذا لبس ثوبا جديدا عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استجد ثوبا سماه باسمه قميصا أو إزارا أو عمامة يقول اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه. أسألك من خيره وخير ما صنع له وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له قال أبو نضرة: وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى أحدهم على صاحبه ثوبا قال: تبلى ويخلف الله تعالى. ذكره البيهقي. وعن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من لبس ثوبا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .  الفصل الثالث والسبعون فيما يقال عند رؤية الفجر روى ابن وهب عن سليمان بن بلال عن سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر فبدا له الفجر قال سمع سامع بحمد الله ونعمته وحسن بلائه علينا ربنا صاحبنا فأفضل علينا عائذا بالله من النار يقول ذلك ثلاث مرات ويرفع بها صوته. هذا إسناد صحيح على شرط مسلم.  الفصل الرابع والسبعون في التسليم للقضاء والقدر بعد بذل الجهد في تعاطي ما أمر به من الأسباب قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك(1\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "140",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6207",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير نهى سبحانه عباده أن يتشبهوا بالقائلين: لو كان كذا وكذا لما وقع قضاؤه بخلافه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم وإياك واللو فإن اللو تفتح عمل الشيطان وقال أبو هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير. احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان رواه مسلم. وعن عوف بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بين رجلين فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبنا الله ونعم الوكيل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول عند جريان القضاء ما يضره ولا ينفعه وأمره أن يفعل من الأسباب ما لا غنى له عنه فإن أعجزه القضاء قال: حسبي الله فإذا قال حسبي الله بعد تعاطي ما أمره من الأسباب قالها وهو محمود فانتفع بالفعل والقول وإذا عجز ترك الأسباب وقالها قالها وهو ملوم بترك الأسباب التي اقتضتها حكمة الله عز وجل فلم تنفعه الكلمة نفعها لمن فعل ما أمر به.  الفصل الخامس والسبعون في جوامع أدعية النبي صلى الله عليه وسلم وتعوذاته لا غنى للمرء عنها. قالت عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الجوامع من الدعاء ويدع ما بين ذلك. وفي المسند والنسائي وغيرهما أن سعدا سمع ابنا له يقول: اللهم إني أسألك الجنة وغرفها لقد سألت الله خيرا كثيرا وتعوذت من شر كثير وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سيكون قوم يعتدون في الدعاء(1\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "141",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6208",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبحسبك أن تقول: اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم. وفي مسند الإمام أحمد وسنن النسائي عن ابن عباس قال: كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم رب أعني ولا تعن علي وانصرني ولا تنصر علي وامكر لي ولا تمكر علي وانصرني على من بغى علي رب اجعلني لك شكارا لك ذكارا لك رهابا لك مخبتا إليك أواها منيبا رب تقبل توبتي واغسل حوبتي وأجب دعوتي وثبت حجتي واهد قلبي وسدد لساني واسلل سخيمة قلبي هذا حديث صحيح ورواه الترمذي وحسنه وصححه. وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال: كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم فكنت أسمعه يكثر أن يقول اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن وضلع الدين وغلبة الرجال وفي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول. كان يقول اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل والهرم وعذاب القبر اللهم آت نفسي تقواها زكها أنت خير من زكاها إنك وليها ومولاها اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع ونفس لا تشبع وعلم لا ينفع ودعوة لا يستجاب لها . وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم فقال قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم قال إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف . وفي صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك ومن فجاءة نقمتك ومن جميع سخطك .(1\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "142",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6209",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الترمذي عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر ما أسأل قال قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني قال الترمذي: صحيح. وفي مسند الإمام أحمد عن أبي بكر الصديق عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عليكم بالصدق فإنه مع البر وهما في الجنة وإياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار. وسلوا الله المعافاة فإنه لم يؤت رجل بعد اليقين خيرا من المعافاة وفي صحيح الحاكم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما سئل الله عز وجل شيئا أحب إليه من أن يسأل العافية وذكر الفريابي في كتاب الذكر من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي الدعاء أفضل قال تسأل الله العفو والعافية. فإذا أعطيت ذلك فقد أفلحت . وفي الدعوات للبيهقي عن معاذ بن جبل قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل يقول: اللهم إني أسألك الصبر قال سألت الله البلاء فسل العافية  ومر برجل يقول: اللهم إني أسألك تمام النعمة. فقال وما تمام النعمة قال: سألت وأنا أرجو الخير. قال له تمام النعمة الفوز من النار ودخول الجنة . وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم من أسلم أن يقول اللهم اهدني وارزقني وعافني وارحمني . وفي المسند عن بسر بن أرطاة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة .(1\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "143",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6210",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي المسند وصحيح الحاكم عن ربيعة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم ألظوا بياذا الجلال والإكرام أي الزموها وداوموا عليها. وفي صحيح الحاكم أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتحبون أيها الناس أن تجتهدوا في الدعاء قالوا: نعم يا رسول الله. قال اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك . وفي الترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى معاذا أن يقولها دبر كل صلاة. وفي صحيحه أيضا عن أنس قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حلقة ورجل قائم يصلي فلما ركع وسجد تشهد ودعا فقال في دعائه: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت بديع السموات والأرض ياذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد سأل الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى . وفي المسند وصحيح الحاكم أيضا عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله يا شداد إذا رأيت الناس يكنزون الذهب والفضة فاكنز هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك وأسألك قلبا سليما ولسانا صادقا وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم إنك أنت علام الغيوب . وفي الترمذي أن حصين بن المنذر الخزاعي رضي الله عنه قال له النبي صلى الله عليه وسلم كم تعبد إلها قال: سبعة: ستة في الأرض وواحد في السماء. قال فمن تعد لرغبتك ورهبتك قال الذي في السماء. قال أما لو أسلمت لعلمتك كلمتين تنفعانك فلما أسلم قال: يا رسول الله علمني الكلمتين قال قل: اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي حديث صحيح وزاد الحاكم فيه في صحيحه اللهم قني شر نفسي واعزم لي على أرشد أمري. اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت وما أخطأت وما تعمدت ما علمت وما جهلت وإسناده على شرط الصحيحين.(1\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "144",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6211",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي صحيح الحاكم عن عائشة قالت: دخل علي أبو بكر رضي الله عنهما فقال: هل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاء علمنيه قلت: ما هو قال: كان عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم يعلمه أصحابه قال لو كان على أحدكم جبل ذهب دينا فدعا الله بذلك لقضاه الله عنه: اللهم فارج الهم كاشف الغم مجيب دعوة المضطرين رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما أنت ترحمني فارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك . وفي صحيحه أيضا عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم: هذا ما سأل محمد ربه اللهم إني أسألك خير المسألة وخير الدعاء وخير النجاح وخير العمل وخير الثواب وخير الحياة وخير الممات وثبتني وثقل موازيني وحقق إيماني وارفع درجتي وتقبل الخير وخواتمه وأوله وآخره وظاهره وباطنه والدرجات العلى من الجنة آمين. اللهم إني أسألك خير ما آتي وخير ما أفعل وخير ما بطن وخير ما ظهر. اللهم إني أسألك أن ترفع ذكري وتضع وزري وتصلح أمري وتطهر قلبي وتحصن فرجي وتنور لي قلبي وتغفر لي ذنبي. وأسألك أن تبارك لي في نفسي وفي سمعي وفي بصري وفي روحي وفي خلقي وأهلي وفي محياي وفي مماتي وفي عملي وتقبل حسناتي وأسألك الدرجات العلى من الجنة آمين . وفي صحيحه أيضا من حديث معاذ قال: أبطأ عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاة الفجر حتى كادت أن تدركنا الشمس ثم خرج فصلى بنا فخفف ثم أقبل علينا بوجهه فقال على مكانكم أخبركم ما بطأني عنكم اليوم: إني صليت في ليلتي هذه ما شاء الله ثم ملكتني عني فنمت فرأيت ربي تبارك وتعالى فألهمني أن قلت: اللهم إني أسألك الطيبات وفعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تتوب علي وتغفر لي وترحمني. وإذا أردت في خلقك فتنة فنجني إليك منها غير مفتون. اللهم وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يبلغني إلى حبك ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعلموهن وادرسوهن فإنهن حق ورواه الترمذي والطبراني وابن خزيمة وغيرهم بألفاظ أخر. وفي صحيح الحاكم أيضا عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو اللهم متعني بما رزقتني وبارك لي فيه واخلف على كل غائبة لي بخير . وفيه عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وارزقني علما(1\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "145",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6212",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ينفعني . وفيه أيضا عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن تدعو بهذا الدعاء اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم وأعوذ بك من الشر عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم وأسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل وأسألك من خير ما سألك عبدك ورسولك محمد وأسألك ما قضيت لي من أمر أن تجعل عاقبته رشدا . وفيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى سلمان الخير فقال له إني أريد أن أمنحك كلمات تسألن الرحمن وترغب إليه فيهن وتدعو بهن في الليل والنهار: قل: اللهم إني أسألك صحة في إيمان وإيمانا في حسن خلق ونجاحا يتبعه فلاح ورحمة منك وعافية ومغفرة منك ورضوانا . وفيه أيضا عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بهؤلاء الدعوات اللهم أنت الأول لا شيء قبلك وأنت الآخر لا شيء بعدك أعوذ بك من شر كل دابة ناصيتها بيدك وأعوذ بك من الإثم والكسل ومن عذاب القبر ومن فتنة الغنى ومن فتنة الفقر وأعوذ بك من المأثم والمغرم. الهم نق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس اللهم بعد بيني وبين خطيئتي كما بعدت بين المشرق والمغرب . وفي مسند الإمام أحمد وصحيح الحاكم أيضا عن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه صلى صلاة أوجز فيها فقيل له في ذلك قال: لقد دعوت الله فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي. اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضى وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسألك نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لا تنقطع وأسألك الرضا بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك وأسألك الشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة. اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين .(1\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "146",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6213",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي صحيح الحاكم أيضا عن ابن مسعود قال: كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك. والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل بر والفوز بالجنة والنجاة من النار . وفيه أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو اللهم احفظني بالإسلام قائما واحفظني بالإسلام قاعدا واحفظني بالإسلام راقدا ولا تشمت بي عدوا حاسدا اللهم إني أسألك من خير خزائنه بيدك وأعوذ بك من شر خزائنه بيدك . وعن النواس بن سمعان سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من قلب إلا بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك والميزان بيد الرحمن عز وجل يرفع أقواما ويخفض آخرين إلى يوم القيامة . حديث صحيح رواه الإمام أحمد والحاكم في صحيحه. وفي صحيح الحاكم أيضا عن ابن عمر أنه لم يكن يجلس مجلسا - كان عنده أحد أو لم يكن - إلا قال اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت ما أسرفت وما أنت أعلم به مني. اللهم ارزقني من طاعتك ما تحول به بيني وبين معصيتك وارزقني من خشيتك ما تبلغني به رحمتك وارزقني من اليقين ما تهون به علي مصائب الدنيا وبارك لي في سمعي وبصري واجعلهما الوارث مني. اللهم اجعل ثأري على من ظلمني وانصرني على من عاداني ولا تجعل الدنيا أكبر همي ولا مبلغ علمي. اللهم لا تسلط علي من لا يرحمني . فسئل عنهن ابن عمر فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختم بهن مجلسه.   (1\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "147",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6214",
        "book_id": "qym_4004",
        "book_name": " الوابل الصيب من الكلم الطيب",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحمد لله رب العالمين حمدا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله ملء سمواته وملء أرضه وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد حمدا لا ينقطع ولا يبيد ولا يفنى عدد ما حمده الحامدون وعدد ما غفل عن ذكره الغافلون. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد خاتم أنبيائه ورسله وخيرته من بريته وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده فاتح أبواب الهدى ومخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد الذي بعثه للإيمان مناديا وإلى الصراط المستقيم هاديا وإلى جنات النعيم داعيا وبكل المعروف آمرا وعن كل منكر ناهيا فأحيا به القلوب بعد مماتها وأنارها بعد ظلماتها وألف بينها بعد شتاتها فدعا إلى الله عز وجل على بصيرة بالحكمة والموعظة الحسنة وجاهد في الله تعالى حق جهاده حتى عبد الله وحده لا شريك له وسارت دعوته سيرة الشمس في الأقطار وبلغ دينه الذي ارتضاه لعباده ما بلغ الليل والنهار وصلى الله عز وجل وملائكته وجميع خلقه عليه كما عرف بالله تعالى ودعا إليه وسلم تسليما.(1\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "148",
        "book_number": "17",
        "slug": " -qym_4004"
    },
    {
        "id": "6215",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "المجلد الأول",
        "content": "المجلد الأول المجلد الأول ... بدائع الفوائد تأليف: ابن قيم الجوزية بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على رسولنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم قال الشيخ الإمام العالم الأوحد البارع أوحد الفضلاء. وقدوة العلماء. وإرث الأنبياء شيخ الإسلام مفتي الأنام المجتهد المفسر ترجمان القرآن. ذو الفوائد الحسان أبو عبدا لله محمد بن أبي بكر المعروف بابن القيم الجوزية رحمه الله وأدخله الجنة آمين الحمد لله ولا قوة إلا بالله هذه فوائد مختلفة الأنواع فائدة: حقوق المالك شيء وحقوق الملك شيء آخر فحقوق المالك تجب لمن له على أخيه حق وحقوق الملك تتبع الملك ولا يراعى بها المالك وعلى هذا حق الشفعة للذمي على المسلم من أوجبه جعله من حقوق الأملاك ومن أسقطه جعله من حقوق المالكين والنظر الثاني أظهر وأصح لأن الشارع لم يجعل للذمي حقا في الطريق المشترك عند المزاحمة فقال: quot;إذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه quot; فكيف يجعل له حقا في انتزاع الملك المختص به عند التزاحم وهذه حجة الإمام أحمد نفسه وأما حديث quot; لا شفعة لنصرانيquot; منكر فاحتج به بعض أصحابه وهو أعلم من أن يحتج به فإنه من كلام بعض التابعين.(1\/2)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6216",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: تمليك المنفعة وتمليك الانتفاع شيء آخر فالأول يملك به الانتفاع والمعاوضة والثاني يملك به الانتفاع دون المعاوضة وعليها إجارة ما استأجره لأنه ملك المنفعة بخلاف المعارضة على البضع فإنه لم يملكه وإنما ملك أن ينتفع به وكذلك إجارة ما ملك أن ينتفع به من الحقوق كالجلوس بالرحاب وبيوت المدارس والربط ونحو ذلك لا يملكها لأنه لم يملك المنفعة وإنما ملك الانتفاع وعلى هذا الخلاف تخرج إجارة المستعار فمن منعها كالشافعي وأحمد ومن تبعهما قال لم يملك المنفعة وإنما ملك الانتفاع ومن جوزها كمالك ومن تبعه قال هو قد ملك المنفعة ولهذا يلزم عنده بالتوقيت ولو أطلقها لزمت في مدة ينتفع بمثلها عرفا فليس له الرجوع قبلها. فائدة: قولهم: إذا كان للحكم سببان جاز تقديمه على أحدهما ليس بجيد وفي العبارة تسامح والحكم لا يتقدم سببه بل الأولى أن يقال إذا كان للحكم سبب وشرط جاز تقديمه على شرطه دون سببه وأما تقديمه عليهما أو على سببه فممتنع ولعل النزاع لفظي فإن شرط الحكم من جملة أسبابه المعتبرة في ثبوته فلو قدمت الظهر مثلا على الزوال والجلد على الشرب والزنا لم يجز اتفاقا وأما إذا كان له سبب وشرط فله ثلاثة أحوال أحدها: أن يتقدم عليهما فلغو والثاني: أن يتأخر عنهما فمعتبر صحيح والثالث: أن يتوسط بينهما فهو مثار الخلاف وله صور إ حداها: كفارة اليمين سببها الحلف وشرطها الحنث فمن جوز توسطها راعى التأخر عن(1\/3)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6217",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السبب ومن منعه رأى أن الشرط جزء من السبب الثانية: وجوب الزكاة سببه النصاب وشرطه الحول ومأخذ الجواز وعدمه ما ذكرناه الثالثة: لو كفر قبل الجرح كان لغوا وبعد القتل معتبر وبينهما مختلف فيه الرابعة: لو عفا عن القصاص قبل الجرح فلغو وبعد الموت عفو الوارث معتبر وبينهما ينفذ أيضا الخامسة: إذا أخرج زكاة الحب قبل خروجه لا يجزي وبعد يبسه يعتبر وبين نضجه ويبسه كذلك السادسة: إذا أذن الورثة في التصرف فيما زاد على الثلث قبل المرض فلغو وإجازتهم بعد الموت معتبرة وإذنهم بعد المرض مختلف فيه فأحمد بن حنبل رضي الله عنه لا يعتبره لأنه إجازة من غير مالك ومالك بن أنس رضي الله عنه يعتبره وقوله أظهر السابعة: إذا أسقطا الخيار قبل التبايع ففيه خلاف فمن منعه نظر إلى تقدمه على السبب ومن أجازه وهو الصحيح قال: الفرق بينهما أنهما قد عقدا العقد على هذا الوجه فلم يتقدم هنا الحكم على سببه أصلا فإنه لم يثبت وسقط بعد ثبوته وقبل سببه بل تبايعا على عدم ثبوته وكأنه حق لهما رضيا بإسقاطه وعدم انعقاده وتجرد السبب عن اقتضائه فمن جعل هذه المسألة من هذه القاعدة فقد فاته الصواب ونظيرها سواء إسقاط الشفعة قبل البيع فمن لم ير سقوطها قال هو تقديم للحكم على سببه وليس بصحيح بل هو إسقاط لحق كان بعرض الثبوت فلو أن الشفعة ثبتت ثم سقطت قبل البيع لزم ما ذكرتم ولكن صاحبها رضي بإسقاطها وأن لا يكون البيع سببا لأخذه بها فالحق له وقد أسقطه وقد دل النص على سقوط الخيار والشفعة قبل البيع وصار هذا كما لو أذن له في إتلاف ماله وأسقط الضمان عنه قبل الإتلاف فإنه لا يضمن اتفاقا فهذا موجب النص والقياس وأما إذا أسقطت المرأة حقها من النفقة والقسم فلها الرجوع فيه ولا يسقط لأن الطباع لا تصبر على ذلك ولا تستمر عليه لتجدد اقتضائها له كل وقت بخلاف إسقاط الحقوق الثابتة دفعة كالشفعة والخيار ونحوهما فإنها قد توطن النفس على إسقاطها وأشباهها لا تتجدد فافهمه.(1\/4)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6218",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: الفرق بين الشهادة والرواية أن الرواية يعم حكمها الراوي وغيره على ممر الأزمان والشهادة تخص المشهود عليه وله ولا يتعداهما إلا بطريق التبعية المحضة فإلزام المعين يتوقع منه العداوة وحق المنفعة والتهمة الموجبة للرد فاحتيط لها بالعدد والذكورية وردت بالقرابة والعداوة وتطرق التهم ولم يفعل مثل هذا في الرواية التي يعم حكمها ولا يخص فلم يشترط فيها عدد ولا ذكورية بل اشترط فيها ما يكون مغلبا على الظن صدق المخبر وهو العدالة المانعة من الكذب واليقظة المانعة من غلبة السهو والتخليط شهادة المرأة والعبد لما كان النساء ناقصات عقل ودين لم يكن من أهل الشهادة فإذا دعت الحاجة إلى ذلك قويت المرأة بمثلها لأنه حينئذ أبعد من سهوها وغلطها لتذكير صاحبتها لها وأما اشتراط الحرية ففي غاية البعد ولا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع وقد حكى أحمد عن أنس بن مالك أنه قال: quot;ما علمت أحدا رد شهادة العبد والله تعالى يقبل شهادته على الأمم يوم القيامة فكيف لا يقبل شهادته على نظيره من المكلفين وتقبل شهادته على الرسول في الرواية فكيف لا يقبل على رجل في درهم ولا ينتقض هذا بالمرأة لأنها تقبل شهادتها مع مثلها لما ذكرناه والمانع من قبول شهادتها وحدها منتف في العبد وعلى هذه القاعدة مسائل أحدها الإخبار عن رؤية هلال رمضان من اكتفى فيه بالواحد جعله رواية لعمومه للمكلفين فهو كالأذان ومن اشترط فيه العدد ألحقه بالشهادة لأنه لا يعم الأعصار ولا الأمصار بل يخص تلك السنة وذلك المصر في أحد القولين وهذا ينتقض بالأذان نقضا لا محيص عنه وثانيها الإخبار بالنسب بالقافة فمن حيث أنه خبر جزئي عن شخص جزئي يخص ولا يعم جرى مجرى الشهادة ومن جعله كالرواية غلط فلا مدخل لها هنا بل الصواب أن يقال من حيث هو منتصب للناس انتصابا(1\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6219",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عاما يستند قوله إلى أمر يختص به دونهم من الأدلة والعلامات جرى مجرى الحاكم فقوله حكم لا رواية الجرح للمحدث والشاهد ومن هذا الجرح للمحدث والشاهد هل يكتفي فيه بواحد إجراء له مجرى الحكم أو لابد من اثنين إجراء له مجرى الشهادة على الخلاف وأما أن يجري مجرى الرواية فغير صحيح وأما للرواية والجرح وإنما هو يجرحه باجتهاده لا بما يرويه عن غيره الترجمة للفتوى والخط والشهادة وغيرها هل يشترط فيها التعدد مبني على هذا ولكن بناءه على الرواية والشهادة صحيح ولا مدخل للحكم هنا التقويم للسلع من اشترط العدد رآه شهادة ومن لم يشترطه أجراه مجرى الحكم لا الرواية القاسم هل يشترط تعدده على هذه القاعدة والصحيح الاكتفاء بالواحد لقصة عبد الله بن رواحة تسبيح المصلي بالإمام هل يشترط أن يكون المسبح اثنين فيه قولان مبنيان على هذه القاعدة المخبر عن نجاسة الماء هل يشترط تعدده فيه قولان الخارص والصحيح في هذا كله الاكتفاء بالواحد كالمؤذن وكالمخبر بالقبلة وأما تسبيح المأموم بإمامة ففيه نظر المفتي يقبل واحدا اتفاقا الإخبار عن قدم العيب وحدوثه عند التنازع والصحيح الاكتفاء فيه بالواحد كالتقويم والقائف وقالت المالكية لا بد من اثنين ثم تناقضوا فقالوا إذا لم يوجد مسلم قبل من أهل الذمة. فائدة: قول الواحد في هلال رمضان. إذا كان المؤذن يقبل قوله وحده مع أن لكل قوم فجرا وزوالا وغروبا يخصهم فلأن يقبل قول الواحد في هلال رمضان أولى وأحرى. فائدة: يقبل قول الصبي والكافر والمرأة في الهدية والاستئذان وعليه عمل الأمة(1\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6220",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قديما وحديثا وذلك لما احتف بأخبارهم من القرائن التي تكاد تصل إلى حد القطع في كثير من الصور مع عموم البلوى بذلك وعموم الحاجة إليه فلو أن الرجل لا يدخل بيت الرجل ولا يقبل هديته إلا بشاهدين عدلين يشهدان بذلك حرجت الأمة وهذا تقرير صحيح لكن ينبغي طرده وإلا وقع التناقض كما إذا اختلفا في متاع البيت فإن القرائن التي تكاد تبلغ القطع تشهد بصحة دعوى الرجل لما هو من شأنه والمرأة لما يليق بها ولهذا قبله الأكثرون وعليه تخرج حكومة سليمان بين المرأتين في الولد وهي محض الفقه وقد حكى علي بن حزم في مراتب الإجماع إجماع الأمة على قبول قول المرأة الواحدة في إهداء الزوجة لزوجها ليلة العرس وهو كما ذكر وقد اجتمع في هذه الصورة من قرائن الأحوال من اجتماع الأهل والقرابات وندرة التدليس والغلط في ذلك مع شهرته وعدم المسامحة فيه ودعوى ضرورات الناس إلى ذلك ما أوجب قبول قولها. فائدة: الخبر قبول قول القصاب في الذكاة ليس من هذا الباب بشيء بل هو من قاعدة أخرى وهي أن الإنسان مؤتمن على ما بيده وعلى ما يخبر به عنه فإذا قال الكافر هذه ابنتي جاز للمسلم أن يتزوجها وكذا إذا قال هذا مالي جاز شراؤه وأكله فإذا قال هذا ذكيته جاز أكله فكل أحد مؤتمن على ما يخبر به مما هو في يده فلا يشترط هنا عدالة ولا عدد فائدة: تقسيم الخبر. الخبر إن كان عن حكم عام يتعلق بالأمة فإما أن يكون مستنده السماع فهو الرواية وإن كان مستنده الفهم من المسموع فهو الفتوى وإن كان(1\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6221",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خبرا جزئيا يتعلق بمعين مستنده المشاهدة أو العلم فهو الشهادة وإن كان خبرا عن حق يتعلق بالمخبر عنه والمخبر به هو مستمعه أو نائبه فهو الدعوى وإن كان خبرا عن تصديق هذا الخبر فهو الإقرار وإن كان خبرا عن كذبه فهو الإنكار وإن كان خبرا نشأ عن دليل فهو النتيجة وتسمى قبل أن يحصل عليها الدليل مطلوبا وإن كان خبرا عن شيء يقصد منه نتيجته فهو دليل وجزؤه مقدمة. فائدة: معاني لفظ شهد. شهد في لسانهم لها معان أحدها الحضور ومنه قوله تعالى: فمن شهد منكم الشهر فليصمه وفيه قولان أحدهما: من شهد المصر في الشهر والثاني: من شهد الشهر في المصر وهما متلازمان والثاني: الخبر ومنه شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن رسول الله quot;نهى عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح quot; رواه مسلم وأحمد وأبو داود وغيرهم والثالث: الإطلاع على الشيء ومنه: والله على كل شيء شهيد وإذا كان كل خبر شهادة فليس مع من اشترط لفظ الشهادة فيها دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح وعن أحمد فيها ثلاث روايات إحداهن: اشتراط لفظ الشهادة والثانية: الاكتفاء بمجرد الإخبار اختارها شيخنا والثالثة: الفرق بين الشهادة على الأقوال وبين الشهادة على الأفعال فالشهادة على الأقوال لا يشترط فيها لفظ الشهادة وعلى الأفعال يشترط لأنه إذا قال سمعته يقول فهو بمنزلة الشاهد على رسول الله فيما يخبر عنه. فائدة: الاختلاف في حد الخبر اختلف أبو المعالي ابن الباقلاني في قولهم في حد الخبر إنه الذي يحتمل التصديق والتكذيب فقال أبو المعالي يتعين أن يقال يحتمل الصدق أو الكذب(1\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6222",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأنهما ضدان فلا يقبل إلا أحدهما وقال القاضي: quot;بل يقال يحتمل الصدق والكذبquot; وقوله أرجح إذ التنافي إنما هو بين المقبولين لا بين القبولين ولا يلزم من تنافي المقبولات تنافي القبولات ولهذا يقال الممكن يقبل الوجود والعدم وهما متناقضان والقبولان يجب اجتماعهما له لذاته لأنه لو وجد أحد القبولين دون الآخر لم يكن ممكنا فإنه لو لم يقبل الوجود كان مستحيلا ولو لم يقبل العدم كان واجبا فلا يتصور الإمكان إلا باجتماع القبولين وإن تنافى المقبولان وكذلك نقول الجسم يقبل الأضداد فقبولاتها مجتمعة والمقبولات متنافية. فائدة: الإنشاءات التي صيغها أخبار اختلف في الإنشاءات التي صيغها أخبار ك بعت وأعتقت فقالت الحنفية هي أخبار وقالت الحنابلة والشافعية هي إنشاءات لا أخبار لوجوه أحدها لو كانت خبرا لكانت كذبا لأنه لم يتقدم منه مخبره من البيع والعتق وليست خبرا عن مستقبل وفي هذا الدليل شيء لأن لهم أن يقولوا إنها إخبارات عن الحال فخبرها مقارن للتكلم بها الثاني لو كانت خبرا فإما صدقا وإما كذبا وكلاهما ممتنع أما الثاني فظاهر وأما الأول فلأن صدقها متوقف على تقدم أحكامها إما أن تتوقف عليها فلزم الدور أو لا يتوقف وذلك محال لأنه لا توجد أحكامها بدونها ولقائل أن يقول: هو دور معية لا تقدم فليس بممتنع الثالث أنها لو كانت إخبارات فإما عن الماضي أو الحال ويمتنع مع ذلك تعليقها بالشرط لأنه لا يعمل إلا في مستقبل وإما عن مستقبل وهي محال لأنه يلزم تجردها عن أحكامها في الحال كما لو صرح بذلك وقال: ستصيرين طالقا ولقائل أن يقول: ما المانع أن يكون خبرا عن الحال قولكم يمتنع تعليقها بالشرط قلنا إذا علقت بالشرط لم تبق إخبارا عن الحال بل إخبارا عن المستقبل فالخبر عن الحال الإنشاء المطلق وأما المعلق فلا(1\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6223",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرابع: أنه وقال لمطلقة رجعية أنت طالق لزمه طلقة أخرى مع أن خبره صدق فلما لزمه أخرى دل على أنهما إنشاء ولقائل أن يقول: لما قلنا هي خبر عن الحال بطل هذا الإلزام. الخامس: أن امتثال قوله تعالى: فطلقوهن لعدتهن أن يقول أنت طالق وليس هذا تحريما فإن التحريم والتحليل ليس إلى المكلف وإنما إليه أسبابهما وليس المراد بالأمر أخبروا عن طلاقهن وإنما المراد إنشاء أمر يترتب عليه تحريمهن ولا نعني بالإنشاء إلا ذلك ولقائل أن يقول: المأمور به هو السبب الذي يترتب عليه الطلاق فهنا ثلاثة أمور الأمر بالتطليق وفعل المأمور به وهو التطليق والطلاق وهو التحريم الناشيء عن السبب فإذا أتى بالخبر عما في نفسه في التطليق فقد وفى الأمر حقه وطلقت السادس: أن الإنشاء هو المتبادر إلى الفهم عرفا وهو دليل الحقيقة ولهذا لا يحسن أن يقال فيه صدق أو كذب ولو كان خبرا لحسن فيه أحدهما وقد أجيب عن هذه الأدلة بأجوبة أخرى فأجيب عن الأول بأن الشرع قدر تقدم مدلولات هذه الأخبار قبل التكلم بها بالزمن الفرد ضرورة الصدق والتقدير أولى من النقل عن الثاني أن الدور غير لازم فإن هنا ثلاثة أمور مترتبة فالنطق باللفظ لا يتوقف على شيء وبعده تقدير تقدم المدلول على اللفظ وهو غير متوقف عليه في التقدير وإن توقف عليه في الوجود وبعده لزوم الحكم ولا يتوقف اللفظ عليه وإن توقف هو على اللفظ عن الثالث إما يلزم أنها إخبارات عن الماضي ولا يتعذر التعليق فإن الماضي نوعان ماض تقدم مدلوله عليه قبل النطق به من غير تقدير فهذا يتعذر تعليقه والثاني ماض بالتقدير لا التحقيق فهذا يصح تعليقه وبيانه أنه إذا قال أنت طالق إن دخلت الدار فقد أخبر عن طلاق امرأته بدخول الدار فقدرنا هذا الارتباط قبل تطليقها بالزمن الفرد ضرورة الصدق وإذا قدر الارتباط قبل النطق صار الخبر عن الارتباط ماضيا إذ حقيقة الماضي هو الذي تقدم مخبره خبره إما تحقيقا وإما تقديرا وعلى هذا فقد اجتمع الماضي والتعليق ولم يتنافيا عن الرابع أن المطلقة الرجعية إن أراد بقوله لها أنت(1\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6224",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طالق الخبر عن طلقة ماضية لم يلزمه ثانية وإن أراد الخبر عن طلقة ثانية فهو كذب لعدم وقوع الخبر فيحتاج إلى التقدير ضرورة التصديق فيقدر تقدم طلقة قبل طلاقه بالزمن الفرد يصح معها الكلام فيلزمه وعن الخامس أن الأمر متعلق بإيجاد خبر يقدر الشارع قبله الطلاق فيلزم به لا أنه متعلق بإنشاء الطلاق حتى يكون اللفظ سببا كما ذكرتموه بل هو علامة ودليل على الوقوع وإنما ينتفي الطلاق عند انتفائه كانتفاء المدلول لانتفاء دليله وعلاماته ولا يقال لا يلزم من نفي الدليل نفي المدلول فإن هذا لازم في الشرعيات لأنها إنما تثبت بأدلتها فأدلتها أسباب ثبوتها عن السادس فهو أقواها وقد قيل إنه لا يمكن الجواب عنه إلا بالمكابرة فإنا نعلم بالضرورة أن من قال لامرأته أنت طالق لا يحسن أن يقال له صدقت ولا كذبت فهذه نهاية أقدام الطائفتين في هذا المقام وفصل الخطاب في ذلك أن لهذه الصيغ نسبتين نسبة إلى متعلقاتها الخارجية فهي من هذه الجهة إنشاءات محضة كما قالت الحنابلة والشافعية ونسبة إلى قصد المتكلم وإرادته وهي من هذه الجهة خبر عما قصد إنشاءه كما قالت الحنفية: quot;فهي إخبارات بالنظر إلى معانيها الذهنية إنشاءات بالنظر إلى متعلقاتها الخارجيةquot; وعلى هذا فإنما لم يحسن أن يقال بالتصديق والتكذيب وإن كانت أخبارا لأن متعلق التصديق والتكذيب النفي والإثبات ومعناهما مطابقة الخبر لمخبره أو عدم مطابقته وهنا المخبر حصل بالخبر حصول المسبب بسببه فلا يتصور فيه تصديق ولا تكذيب وإنما يتصور التصديق والتكذيب في خبر لم يحصل مخبره ولم يقع به كقولك قام زيد فتأمله فإن قيل: فما تقولون في قول المظاهر أنت علي كظهر أمي هل هو إنشاء لا يقبل التصديق والتكذيب والله سبحانه قد كذبهم هنا في ثلاثة مواضع أحدها في قوله: ما هن أمهاتهم فنفى ما أثبتوه وهذا حقيقة التكذيب ومن طلق امرأته لا يحسن أن يقال ما هي مطلقة والثاني قوله تعالى: وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا والإنشاء لا يكون منكرا وإنما يكون المنكر هو(1\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6225",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخبر والثالث أنه سماه زورا والزور هو الكذب وإذا كذبهم الله دل على أن الظهار إخبار لا إنشاء الثالث أن الظهار محرم وليست جهة تحريمه إلا كونه كذبا والدليل على تحريمه خمسة أشياء الأول ما وصفه بالمنكر والثاني وصفه بالزور والثالث أنه شرع فيه الكفارة ولو كان مباحا لم يكن فيه كفارة والرابع أن الله قال: ذلكم توعظون به والوعظ إنما يكون في غير المباحات والخامس قوله: وإن الله لعفو غفور والعفو والمغفرة إنما يكونان عن الذنب وإن قلتم: هو إخبار هو باطل من وجوه أحدها أن الظهار كان طلاقا في الجاهلية فجعله الله في الإسلام تحريما تزيله الكفارة وهذا متفق عليه بين أهل العلم ولو كان خبرا لم يوجب التحريم فإنه إن كان صدقا فظاهر وإن كان كذبا فأبعد له من أن يترتب عليه التحريم والثاني أنه لفظ يوجب حكمه الشرعي بنفسه وهو التحريم وهذا حقيقة الإنشاء بخلاف الخبر فإنه لا يوجب حكمه بنفسه فسلب كونه إنشاء مع ثبوت حقيقة الإنشاء فيه جمع بين النقيضين وثالثها أن إفادة قوله أنت علي كظهر أمي للتحريم كإفادة قوله أنت حرة وأنت طالق وبعتك ووهبتك وتزوجتك ونحوها لأحكامها فكيف يقولون هذه إنشاءات دون الظهار وما الفرق أما الفقهاء فيقولون الظهار إنشاء ونازعهم بعض المتأخرين في ذلك وقال: الصواب إنه إخبار وأجاب عما احتجوا به من كونه إنشاء قال: أما قولهم كان طلاقا في الجاهلية فهذا لا يقتضي أنهم كانوا يثبتون به الطلاق بل يقتضي أنهم كانوا يزيلون العصمة عند النطق به فجاز أن يكون زوالها لكونه إنشاء كما زعمتم أو لكونه كذبا وجرت عادتهم أن من أخبر بهذا الكذب زالت عصمة نكاحه وهذا كما التزموا تحريم الناقة إذا جاءت بعشرة من الولد ونحو ذلك قال وأما قولكم: إنه يوجب التحريم المؤقت وهذا حقيقة الإنشاء لا الإخبار فلا نسلم أن ثم تحريما ألبتة والذي دل عليه القرآن وجوب تقديم الكفارة على الوطء كتقديم الطهارة على الصلاة فإذا قال الشارع لا تصل حتى تتطهر لا يدل ذلك على تحريم الصلاة عليه بل ذلك نوع ترتيب سلمنا أن الظهار ترتب(1\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6226",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه تحريم لكن التحريم عقب الشيء قد يكون لاقتضاء اللفظ له ودلالته عليه وهذا هو الإنشاء وقد يكون عقوبة محضة كترتيب حرمان الإرث على القتل وليس القتل إنشاء للتحريم وكترتب التعزير على الكذب وإسقاط العدالة به فهذا ترتيب بالوضع الشرعي لا بدلالة اللفظ وحقيقة الإنشاء أن يكون ذلك وضع لذلك الحكم ويدل عليه كصيغ العقود فسببية القول أعم من كونه سببا بالإنشاء أو بغيره فكل إنشاء سبب وليس كل سبب إنشاء فالسببية أعم فلا يستدل بمطلقها على الإنشاء فإن الأعم لا يستلزم الأخص فظهر الفرق بين ترتب التحريم على الطلاق وترتبه على الظهار قال وأما قولكم إنه كالتكلم بالطلاق والعتاق والبيع ونحوها فقياس في الأسباب فلا نقبله ولو سلمناه فنص القرآن يدفعه وهذه الاعتراضات عليهم باطلة أما قوله إن كونه طلاقا في الجاهلية لا يقتضي أنهم كانوا يثبتون به الطلاق إلى آخره فكلام باطل قطعا فإنهم لم يكونوا يقصدون الإخبار الكذب ليترتب عليه التحريم بل كانوا إذا أرادوا الطلاق أتوا بلفظ الظهار إرادة للطلاق ولم يكونوا عند أنفسهم كاذبين ولا مخبرين وإنما كانوا منشئين للطلاق به ولهذا كان هذا ثابتا في أول الإسلام حتى نسخه الله بالكفارة في قصة خولة بنت ثعلبة كانت تحت عبادة بن الصامت حسن فقال لها أنت علي كظهر أمي فأتت رسول الله فسألته عن ذلك فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;حرمت عليه فقالت: يا رسول الله والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر الطلاق وإنه أبو ولدي وأحب الناس إلي فقال: حرمت عليه فقالت أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي فقال: رسول الله ما أراك إلا قد حرمت عليه ولم أومر في شأنك بشيءquot; فجعلت تراجع رسول الله وإذا قال لها حرمت عليه هتفت وقالت أشكو إلى الله فاقتي وشدة حالي وإن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم إني أشكوا إليك وكان هذا أول ظهار في الإسلام فنزل الوحي على رسول الله فلما قضى الوحي قال: ادعي زوجكquot; فتلا عليه رسول(1\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6227",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله صلى الله عليه وسلم: قد سمع الله فهذا يدل على أن الظهار كان إنشاء للتحريم الحاصل بالطلاق في أول الإسلام ثم نسخ ذلك بالكفارة وبهذا يبطل ما نظر به من تحريم الناقة عند ولادتها عشرة أبطن ونحوه فإنه ليس هناك لفظ إنشاء يقتضي التحريم بل هو شرع منهم لهذا التحريم عند هذا السبب وأما قوله إنا لا نسلم أنه يوجب تحريما فكلام باطل فإنه لا نزاع بين الفقهاء أن الظهار يقتضي تحريما تزيله الكفارة فلو وطئها قبل التكفير أثم بالإجماع المعروف من الدين والتحريم المؤقت هنا كالتحريم بالإحرام وبالصيام والحيض وأما تنظيره بالصلاة مع الطهر ففاسد فإن الله أوجب عليه صلاة بطهر فإذا لم يأت بالطهر ترك ما أوجب الله عليه فاستحق الإثم وأما المظاهر فإنه حرم على نفسه امرأته وشبهها بمن تحرم عليه فمنعه الله من قربانها حتى يكفر فهنا تحريم مستند إلى طهارة وفي الصلاة لا تجزي منه بغير طهر لأنها غير مشروعة أصلا وقوله التحريم عقب الشيء قد يكون لاقتضاء اللفظ له وقد يكون عقوبة إلى آخر جوابه أنهما غير متنافيين في الظهار فإنه حرام تحرم به تحريما مؤقتا حتى يكفر وهذا لا يمنع كون اللفظ إنشاء كجمع الثلاث عند من يوقعها والطلاق في الحيض فإنه يحرم ويتعقبه التحريم وقد قلتم إن طلاق السكران يصح عقوبة له مع أنه لو لم يأت بإنشاء السبب لم تطلق امرأته اتفاقا فكون التحريم عقوبة لا ينفي أن يستند إلى أسبابها التي تكون إنشاءات لها قوله السببية أعم من الإنشاء إلى آخره جوابه أن السبب نوعان فعل وقول فمتى كان قولا لم يكن إلا إنشاء فإن أردتم بالعموم أن سببية القول أعم من كونها إنشاء وإخبارا فممنوع وإن أردتم أن مطلق السببية أعم من كونها سببية بالفعل والقول فمسلم ولا يفيدكم شيئا وفصل الخطاب: أن قوله أنت علي كظهر أمي يتضمن إنشاء وإخبارا فهو إنشاء من حيث قصد التحريم بهذا اللفظ وإخبار من حيث تشبيهها بظهر أمه ولهذا جعله الله منكرا وزورا فهو منكر باعتبار الإنشاء وزور باعتبار الإخبار وأما قوله إن المنكر هو الخبر الكاذب فالخبر الكاذب من المنكر والمنكر أعم منه فالإنكار في الإنشاء والإخبار فإنه(1\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6228",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ضد المعروف فما لم يؤذن فيه من الإنشاء فهو منكر وما لم يكن صدقا من الإخبار فهو زور. فائدة: المجاز والتأويل المجاز والتأويل لا يدخل في المنصوص وإنما يدخل في الظاهر المحتمل له وهنا نكتة ينبغي التفطن لها وهي أن كون اللفظ نصا يعرف بشيئين أحدهما عدم احتماله لغير معناه وضعا كالعشرة والثاني ما أطرد استعماله على طريقة واحدة في جميع موارده فإنه نص في معناه لا يقبل تأويلا ولا مجازا وإن قدر تطرق ذلك إلى بعض أفراده وصار هذا بمنزلة خبر المتواتر لا يتطرق احتمال الكذب إليه وإن تطرق إلى كل واحد من أفراده بمفرده وهذه عصمة نافعة تدلك على خطأ كثير من التأويلات السمعيات التي أطرد استعمالها في ظاهرها وتأويلها والحالة هذه غلط فإن التأويل إنما يكون لظاهر قد ورد شاذا مخالفا لغيره ومن السمعيات فيحتاج إلى تأويله لتوافقها فأما إذا أطردت كلها على وتيرة واحدة صارت بمنزلة النص وأقوى وتأويلها ممتنع فتأمل هذا. فائدة: إضافة الموصوف للصفة أضافوا الموصوف إلى الصفة وإن اتحدا لأن الصفة تضمنت معنى ليس في الموصوف فصحت الإضافة للمغاير وهنا نكتة لطيفة وهي أن العرب إنما تفعل ذلك في الوصف المعرفة اللازم للموصوف لزوم اللقب للأعلام كما لو قالوا زيد بطة أي صاحب هذا اللقب وأما الوصف الذي لا يثبت كالقائم والقاعد ونحوه فلا يضاف الموصوف إليه لعدم الفائدة المخصصة التي لأجلها أضيف الاسم إلى اللقب(1\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6229",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنه لما تخصص به كأنك قلت صاحب هذا اللقب وهكذا في مسجد الجامع وصلاة الأولى فإنه لما تخصص الجامع بالمسجد ولزمه كأنك قلت صاحب هذا الوصف فلو قلت زيد الضاحك وعمرو القائم لم يجز وكذا إن كان لازما غير معرفة تقول مسجد جامع وصلاة أولى. فائدة: اللفظ المؤلف من الزاي والياء والدال مثلا له حقيقة متميزة متحصلة فاستحق أن يوضع له لفظ يدل عليه لأنه شيء موجود في اللسان مسموع بالآذان فاللفظ المؤلف من همزة الوصل والسين والميم عبارة عن اللفظ المؤلف من الزاي والياء والدال مثلا واللفظ المؤلف من الزاي والياء والدال عبارة عن الشخص الموجود في الأعيان والأذهان وهو المسمى واللفظ الدال عليه الذي هو الزاي والياء والدال هو الاسم وهذا اللفظ أيضا قد صار مسمى من حيث كان لفظ الهمزة والسين والميم عبارة عنه فقد بان لك أن الاسم في أصل الوضع ليس هو المسمى ولهذا تقول سميت هذا الشخص بهذا الاسم كما تقول حليته بهذه الحلية والحلية غير المحلى فكذلك الاسم غير المسمى صرح بذلك سيبويه وأخطأ من نسب إليه غير هذا وادعى أن مذهبه اتحادهما والذي غر من ادعى ذلك قوله الأفعال أمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء وهذا لا يعارض نصه قبل هذا فإنه نص على أن الاسم غير المسمى فقال اسم وفعل وحرف فقد صرح بأن الاسم كلمة فكيف تكون الكلمة هي المسمى والمسمى شخص ثم قال بعد هذا تقول سميت زيدا بهذا الاسم كما تقول علمته بهذه العلامة وفي كتابه قريب من ألف موضع أن الاسم هو اللفظ الدال على المسمى ومتى ذكر الخفض أو النصب أو التنوين أو اللام أو جميع ما يلحق الاسم من زيادة ونقصان وتصغير وتكسير وإعراب وبناء(1\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6230",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فذلك كله من عوارض الاسم لا تعلق لشيء من ذلك بالمسمى أصلا هل الاسم عين المسمى. لم يقل نحوي قط ولا عربي أن الاسم هو المسمى ويقولون أجل مسمى ولا يقولون أجل اسم ويقولون مسمى هذا الاسم كذا ولا يقول أحد اسم هذا الاسم كذا ويقولون هذا الرجل مسمى بزيد ولا يقولون هذا الرجل اسم زيد ويقولون بسم الله ولا يقولون بمسمى الله وقال رسول الله: quot;لي خمسة أسماء quot; رواه البخاري ومسلم ولا يصح أن يقال: لي خمس مسميات quot;وتسموا باسمي quot; رواه مسلم ولا يصح أن يقال: تسموا بمسمياتي quot;ولله تسعة وتسعون اسماquot; رواه البخاري ومسلم وأحمد ولا يصح أن يقال تسعة وتسعون مسمى وإذا ظهر الفرق بين الاسم والمسمى بقيت هاهنا التسمية وهي التي اعتبرها من قال باتحاد الاسم والمسمى والتسمية عبارة عن فعل المسمى ووضعه الاسم للمسمى كما أن التحلية عبارة عن فعل المحلي ووضعه الحلية على المحلى فهنا ثلاث حقائق اسم ومسمى وتسمية كحلية ومحلى وتحلية وعلامة ومعلم وتعليم ولا سبيل إلى جعل لفظين منها مترادفين على معنى واحد لتباين حقائقهما وإذا جعلت الاسم هو المسمى بطل واحد من هذه الحقائق الثلاثة ولا بد فإن قيل فحلوا لنا شبه من قال باتحادهما ليتم الدليل فإنكم أقمتم الدليل فعليكم الجواب عن المعارض فمنها أن الله وحده هو الخالق وما سواه مخلوق فلو كانت أسماؤه غيره لكانت مخلوقة وللزم أن لا يكون له اسم في الأزل ولا صفة لأن أسماءه صفات وهذا هو السؤال الأعظم الذي قاد متكلمي الإثبات إلى أن يقولوا الاسم هو المسمى فما عندكم في دفعه الجواب أن منشأ الغلط في هذا الباب من إطلاق ألفاظ مجملة محتملة لمعنيين صحيح وباطل فلا ينفصل النزاع إلا بتفصيل تلك المعاني وتنزيل ألفاظها عليها ولا ريب أن الله تبارك وتعالى لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال المشتقة أسماؤه منها فلم يزل بأسمائه وصفاته وهو إله واحد له الأسماء الحسنى والصفات العلى وأسماؤه وصفاته داخلة في مسمى اسمه وإن كان لا يطلق على الصفة أنها إله يخلق ويرزق فليست صفاته وأسماؤه غيره وليست هي نفس الإله وبلاء القوم من لفظة الغير فإنه يراد بهما(1\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6231",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معنيين أحدهما المغاير لتلك الذات المسماة بالله وكل ما غاير الله مغايرة محضة بهذا الإعتبار فلا يكون إلا مخلوقا ويراد به مغايرة الصفة للذات إذا خرجت عنها فإذا قيل علم الله وكلام الله غيره بمعنى أنه غير الذات المجردة عن العلم والكلام كان المعنى صحيحا ولكن الإطلاق باطل وإذا أريد أن العلم والكلام مغاير لحقيقته المختصة التي امتاز بها عن غيره كان باطلا لفظا ومعنى وبهذا أجاب أهل السنة المعتزلة القائلين بخلق القرآن وقالوا كلامه تعالى داخل في مسمى اسمه فالله تعالى اسم الذات الموصوفة بصفات الكمال ومن تلك الصفات صفة الكلام كما أن علمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره غير مخلوقة وإذا كان القرآن كلامه وهو صفة من صفاته فهو متضمن لأسمائه الحسنى فإذا كان القرآن غير مخلوق ولا يقال إنه غير الله فكيف يقال إن بعض ما تضمنه وهو أسماؤه مخلوقة وهي غيره فقد حصحص الحق بحمد الله وانحسم الإشكال وأن أسماءه الحسنى التي في القرآن من كلامه وكلامه غير مخلوق ولا يقال هو غيره ولا هو هو وهذا المذهب مخالف لمذهب المعتزلة الذين يقولون أسماؤه تعالى غيره وهي مخلوقة ولمذهب من رد عليهم ممن يقول اسمه نفس ذاته لا غيره وبالتفصيل تزول الشبه ويتبين الصواب والحمد لله حجة ثانية لهم قالوا: قال تبارك وتعالى: تبارك اسم ربك واذكر اسم ربك : سبح اسم ربك الأعلى وهذه الحجة عليهم في الحقيقة لأن النبي امتثل هذا الأمر وقال سبحان ربي الأعلى سبحان ربي العظيم ولو كان الأمر كما زعموا لقال سبحان اسم ربي العظيم ثم إن الأمة كلهم لا يجوز لأحد منهم أن يقول عبدت اسم ربي ولا سجدت لاسم ربي ولا ركعت لاسم ربي ولا باسم ربي ارحمني وهذا يدل على أن الأشياء متعلقة بالمسمى لا بالاسم وأما الجواب عن تعلق الذكر والتسبيح المأمور به بالاسم فقد قيل فيه إن التعظيم والتنزيه إذا وجب للمعظم فقد تعظم ما هو من سببه ومتعلق به كما يقال سلام على والباب السامي والمجلس الكريم ونحوه وهذا جواب غير مرض لوجهين أحدهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم(1\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6232",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يفهم هذا المعنى وإنما قال سبحان ربي فلم يعرج على ما ذكرتموه الثاني أنه يلزمه أن يطلق على الاسم التكبير والتحميد والتهليل وسائر ما يطلق على المسمى فيقال الحمد لاسم الله ولا إله إلا اسم الله ونحوه وهذا مما لم يقله أحد بل الجواب الصحيح أن الذكر الحقيقي محله القلب لأنه ضد النسيان والتسبيح نوع من الذكر فلو أطلق الذكر والتسبيح لما فهم منه إلا ذلك دون اللفظ باللسان والله تعالى أراد من عباده الأمرين جميعا ولم يقبل الإيمان وعقد الإسلام إلا باقترانهما واجتماعهما فصار معنى الآيتين سبح ربك بقلبك ولسانك واذكر ربك بقلبك ولسانك فأقحم الاسم تنبيها على هذا المعنى حتى لا يخلو الذكر والتسبيح من اللفظ باللسان لأن ذكر القلب متعلقه المسمى المدلول عليه بالاسم دون ما سواه والذكر باللسان متعلقه اللفظ مع مدلوله لأن اللفظ لا يراد لنفسه فلا يتوهم أحد أن اللفظ هو المسبح دون ما يدل عليه من المعنى وعبر لي شيخنا أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه عن هذا المعنى بعبارة لطيفة وجيزة فقال: quot;المعنى سبح ناطقا باسم ربكquot; متكلما به وكذا: ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها سبح اسم ربك المعنى سبح ربك ذاكرا اسمه وهذه الفائدة تساوي رحلة لكن لمن يعرف قدرها فالحمد لله المنان بفضله ونسأله تمام نعمته حجة ثالثة قالوا قال تعالى: ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها وإنما عبدوا مسمياتها والجواب: أنه كما قلتم إنما عبدوا المسميات ولكن من أجل أنهم نحلوها أسماء باطلة كاللات والعزى وهي مجرد أسماء كاذبة باطلة لا مسمى لها في الحقيقة فإنهم سموها آلهة وعبدوها لاعتقادهم حقيقة الإلهية لها وليس لها من الألوهية إلا مجرد الأسماء لا حقيقة المسمى فما عبدوا إلا أسماء لا حقائق لمسمياتها وهذا كمن سمى قشور البصل لحما وأكلها فيقال ما أكلت من اللحم إلا اسمه لا مسماه وكمن سمى(1\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6233",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التراب خبزا وأكله يقال: ما أكلت إلا اسم الخبز بل هذا النفي أبلغ في آلهتهم فإنه لا حقيقة لإلهيتها بوجه وما الحكمة ثم إلا مجرد الاسم فتأمل هذه الفائدة الشريفة في كلامه تعالى فإن قيل: فما الفائدة في دخول الباء في قوله: فسبح باسم ربك العظيم ولم تدخل في قوله: سبح اسم ربك الأعلى قيل التسبيح يراد به التنزيه والذكر المجرد دون معنى آخر ويراد به ذلك مع الصلاة وهو ذكر وتنزيه مع عمل ولهذا تسمى الصلاة تسبيحا فإذا أريد التسبيح المجرد فلا معنى للباء لأنه لا يتعدى بحرف جر لا تقول سبحت بالله وإذا أردت المقرون بالفعل وهو الصلاة أدخلت الباء تنبيها على ذلك المراد كأنك قلت سبح مفتتحا باسم ربك أو ناطقا باسم ربك كما تقول صل مفتتحا أو ناطقا باسمه ولهذا السر والله أعلم دخلت اللام في قوله تعالى سبح لله ما في السماوات والأرض والمراد التسبيح الذي هو السجود والخضوع والطاعة ولم يقل في موضع سبح الله ما في السموات والأرض كما قال ولله يسجد من في السموات والأرض [الرعد 15] وتأمل قوله تعالى إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون [الأعراف 206] فكيف قال ويسبحونه لما ذكر السجود باسمه الخاص فصار التسبيح ذكرهم له وتنزيههم إياه حجة رابعة قالوا قد قال الشاعر: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر وكذلك قول الأعشى: داع يناديه باسم الماء مبغوم وهذه حجة عليهم لا لهم أما قوله ثم اسم السلام عليكما فالسلام هو الله تعالى والسلام أيضا التحية فإن أراد الأول فلا إشكال فكأنه قال ثم اسم السلام عليكما أي بركة اسمه وإن أراد(1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6234",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التحية فيكون المراد بالسلام المعنى المدلول وباسمه لفظه الدال عليه والمعنى ثم اسم هذا المسمى عليكما فيراد بالأول اللفظ وبالثاني المعنى كما تقول: زيد بطة ونحوه مما يراد بأحدهما اللفظ وبالآخر المدلول فيه وفيه نكتة حسنة كأنه أراد ثم هذا اللفظ باق عليكما جار لا ينقطع مني بل أنا مراعيه دائما وقد أجاب السهيلي عن البيت بجواب آخر وهذا حكاية لفظه فقال لبيد: لم يرد إيقاع التسليم عليهم لحينه وإنما أراد بعد الحول ولو قال: السلام عليكما كان مسلما لوقته الذي نطق فيه بالبيت فكذلك ذكر الاسم الذي هو عبارة عن اللفظ أي إنما اللفظ بالتسليم بعد الحول وذلك أن السلام دعاء فلا يتقيد بالزمان المستقبل وإنما هو لحينه ألا ترى أنه لا يقال بعد الجمعة اللهم ارحم زيدا ولا بعد الموت اللهم اغفر لي إنما يقال اللهم اغفر لي بعد الموت فيكون بعد ظرفا للمغفرة والدعاء واقع لحينه فإن أردت أن تجعل الوقت ظرفا للدعاء صرحت بلفظ الفعل فقلت بعد الجمعة أدعو بكذا أو أسلم أو ألفظ بكذا لأن الظروف إنما يريد بها الأحداث الواقعة فيها خبرا أو أمرا أو نهيا وأما غيرها من المعاني كالطلاق واليمين والدعاء والتمني والإستفهام وغيرها من المعاني فإنما هي واقعة لحين النطق بها وكذلك يقع الطلاق ممن قال بعد يوم الجمعة أنت طالق وهو مطلق لحينه ولو قال: بعد الحول والله لأخرجن انعقدت اليمين في الحال ولا ينفعه أن يقول أردت أن لا أوقع اليمين إلا بعد الحول فإنه لو أراد ذلك لقال بعد الحول أحلف أو بعد الجمعة أطلقك فأما الأمر والنهي والخبر فإنما تقيدت بالظروف لأن الظروف في الحقيقة إنما يقع فيها الفعل المأمور به والمخبر به دون الأمر والخبر فإنهما واقعان لحين النطق بهما فإذا قلت اضرب زيدا يوم الجمعة فالضرب هو المقيد بيوم الجمعة وأما الأمر فأنت في الحال آمر به وكذلك إذا قلت سافر زيد يوم الجمعة فالمتقيد باليوم المخبر به لا الخبر كما أن في قوله: اضربه يوم الجمعة المقيد بالظرف المأمور به لا أمرك أنت فلا تعلق للظرف إلا بالأحداث فقد رجع الباب كله بابا واحدا فلو أن لبيدا قال إلى الحول ثم السلام عليكما لكان مسلما لحينه(1\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6235",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولكنه أراد أن لا يوقع اللفظ بالتسليم والوداع إلا بعد الحول وكذلك ذكر الاسم الذي هو بمعنى اللفظ بالتسليم ليكون ما بعد الحول ظرفا له وهذا الجواب من أحد أعاجيبه وبدائعه رحمه الله وأما قوله: باسم الماء والماء المعروف هنا هو الحقيقة المشروبة ولهذا عرفه تعريف الحقيقة الذهنية والبيت لذي الرمة وصدره: لا ينعش الطرف إلا ما تحونه ثم قال: داع يناديه باسم الماء فظن الغالط أنه أراد حكاية صوت الظبية وأنها دعت ولدها بهذا الصوت وهو ماما وليس هذا مراده وإنما الشاعر ألغز لما وقع الإشتراك بين لفظ الماء المشروب وصوتها به فصار صوتها كأنه هو اللفظ المعبر عن الماء المشروب فكأنها تصوت باسم هذا الماء المشروب وهذا لأن صوتها ماما وهذا في غاية الوضوح. فائدة: اسم الله والاشتقاق زعم أبو القاسم السهيلي وشيخه ابن العربي: أن اسم الله غير مشتق لأن الاشتقاق يستلزم مادة يشتق منها واسمه تعالى قديم والقديم لا مادة له فيستحيل الإشتقاق ولا ريب أنه إن أريد بالاشتقاق هذا المعنى وأنه مستمد من أصل آخر فهو باطل ولكن الذين قالوا بالاشتقاق لم يريدوا هذا المعنى ولا ألم بقلوبهم وإنما أرادوا أنه دال على صفة له تعالى وهي الإلهية كسائر أسمائه الحسنى كالعليم والقدير والغفور والرحيم والسميع والبصير فإن هذه الأسماء مشتقة من مصادرها بلا ريب وهي قديمة والقديم لا مادة له فما كان جوابكم عن هذه الأسماء فهو جواب القائلين باشتقاق اسم الله ثم الجواب عن الجميع أننا لا نعني بالإشتقاق إلا أنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعنى لا أنها متولدة منها تولد الفرع من أصله وتسمية النحاة للمصدر والمشتق منه أصلا وفرعا ليس معناه أن أحدهما تولد من الآخر وإنما هو(1\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6236",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "باعتبار أن أحدهما يتضمن الآخر وزيادة وقول سيبويه إن الفعل أمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء هو بهذا الإعتبار لا أن العرب تكلموا بالأسماء أولا ثم اشتقوا منها الأفعال فإن التخاطب بالأفعال ضروري كالتخاطب بالأسماء لا فرق بينهما فالإشتقاق هنا ليس هو اشتقاق مادي وإنما هو اشتقاق تلازم سمي المتضمن بالكسر مشتقا والمتضمن بالفتح مشتقا منه ولا محذور في اشتقاق أسماء الله تعالى بهذا المعنى. فائدة: هل الرحمن في البسملة نعت استبعد قوم أن يكون الرحمن نعتا لله تعالى من قولنا: بسم الله الرحمن الرحيم وقالوا الرحمن علم والأعلام لا ينعت بها ثم قالوا: هو بدل من اسم الله قالوا: ويدل على هذا أن الرحمن علم مختص بالله تعالى لا يشاركه فيه غيره فليس هو كالصفات التي هي العليم القدير والسميع والبصير ولهذا تجري على غيره تعالى قالوا ويدل عليه أيضا وروده في القرآن غير تابع لما قبله كقوله: الرحمن على العرش استوى و الرحمن علم القرآن و أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن وهذا شأن الأسماء المحضة لأن الصفات لا يقتصر على ذكرها دون الموصوف قال السهيلي: والبدل عندي فيه ممتنع وكذلك عطف البيان لأن الاسم الأول لا يفتقر إلى تبيين فإنه أعرف المعارف كلها وأبينها ولهذا قالوا: وما الرحمن ولم يقولوا وما الله ولكنه وإن جرى مجرى الأعلام فهو وصف يراد به الثناء وكذلك الرحيم إلا أن الرحمن من أبنية المبالغة كغضبان ونحوه وإنما دخله معنى المبالغة من حيث كان في آخره ألف ونون كالتثنية فإن التثنية في الحقيقة تضعيف وكذلك هذه الصفة فكأن غضبان وسكران كامل لضعفين من الغضب والسكر فكان اللفظ مضارعا للفظ التثنية لأن التثنية ضعفان في الحقيقة ألا ترى أنهم أيضا قد شبهوا التثنية بهذا البناء إذا كانت لشيئين متلازمين(1\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6237",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقالوا الحكمان والعلمان وأعربوا النون كأنه اسم لشيء واحد فقالوا اشترك باب فعلان وباب التثنية ومنه قول فاطمة يا حسنان يا حسينان برفع النون لابنيها ولمضارعة التثنية امتنع جمعه فلا يقال غضابين وامتنع تأنيثه فلا يقال غضبانة وامتنع تنوينه كما لا تنون نون المثنى فجرت عليه كثير من أحكام التثنية لمضارعته إياها لفظا ومعنى وفائدة الجمع بين الصفتين الرحمن والرحيم الإنباء عن رحمة عاجلة وآجلة وخاصة وعامة تم كلامه قلت: أسماء الرب تعالى هي أسماء ونعوت فإنها دالة على صفات كماله فلا تنافي فيها بين العلمية والوصفية فالرحمن اسمه تعالى ووصفه لا تنافي اسميته وصفيته فمن حيث هو صفة جرى تابعا على اسم الله ومن حيث هو اسم ورد في القرآن غير تابع بل ورود الاسم العلم ولما كان هذا الاسم مختصا به تعالى حسن مجيئه مفردا غير تابع كمجيء اسم الله كذلك وهذا لا ينافي دلالته على صفة الرحمن كاسم الله تعالى فإنه دال على صفة الألوهية ولم يجيء قط تابعا لغيره بل متبوعا وهذا بخلاف العليم والقدير والسميع والبصير ونحوها ولهذا لا تجيء هذه مفردة بل تابعة فتأمل هذه النكتة البديعة يظهر لك بها أن الرحمن اسم وصفة لا ينافي أحدهما الآخر وجاء استعمال القرآن بالأمرين جميعا وأما الجمع بين الرحمن الرحيم ففيه معنى هو أحسن من المعنيين اللذين ذكرهما وهو أن الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم فكان الأول للوصف والثاني للفعل فالأول دال أن الرحمة صفته والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته وإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله: وكان بالمؤمنين رحيما إنه بهم رؤوف رحيم ولم يجيء قط رحمن بهم فعلم أن الرحمن هو الموصوف بالرحمة ورحيم هو الراحم برحمته وهذه نكتة لا تكاد تجدها في كتاب وإن تنفست عندها مرآة قلبك لم تنجل لك صورتها.(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6238",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: حذف العامل في بسم الله. لحذف العامل في بسم الله فوائد عديدة منها: أنه موطن لا ينبغي أن يتقدم فيه سوى ذكر الله فلو ذكرت الفعل وهو لا يستغني عن فاعله كان ذلك مناقضا للمقصود فكان في حذفه مشاكلة اللفظ للمعنى ليكون المبدوء به اسم الله كما نقول في الصلاة الله أكبر ومعناه من كل شيء ولكن لا نقول هذا المقدر وليكون اللفظ مطابقا لمقصود الجنان وهو أن لا يكون في القلب إلا الله وحده فكما تجرد ذكره في قلب المصلي تجرد ذكره في لسانه ومنها أن الفعل إذا حذف صح الابتداء بالتسمية في كل عمل وقول وحركة وليس فعل أولى بها من فعل فكان الحذف أعم من الذكر فإن أي فعل ذكرته كان المحذوف أعم منه ومنها أن الحذف أبلغ لأن المتكلم بهذه الكلمة كأنه يدعي الاستغناء بالمشاهدة عن النطق بالفعل فكأنه لا حاجة إلى النطق به لأن المشاهدة والحال دالة على أن هذا وكل فعل فإنما هو باسمه تبارك وتعالى والحوالة على شاهد الحال أبلغ من الحوالة على شاهد النطق كما قيل: ومن عجب قول العواذل من به ... وهل غير من أهوى يحب ويعشق فائدة: عطف الصلاة على البسملة استشكل طائفة قول المصنفين بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله وقالوا الفعل بعد الواو دعاء بالصلاة والتسمية قبله خبر والدعاء لا يحسن عطفه على الخبر لو قلت مررت بزيد وغفر الله لك لكان غثا من الكلام والتسمية في معنى الخبر لأن المعنى افعل كذا باسم الله وحجة من أثبتها الإقتداء بالسلف والجواب عما قاله هو أن الواو لم تعطف دعاء على خبر وإنما عطفت الجملة على كلام محكي كأنك تقول بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد أو أقول هذا وهذا أو أكتب هذا وهذا.(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6239",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: الصلاة قولهم الصلاة من الله بمعنى الرحمة قولهم والصلاة من الله بمعنى الرحمة باطل من ثلاثة أوجه أحدها: أن الله تعالى غاير بينهما في قوله: عليهم صلوات من ربهم ورحمة  الثاني: أن سؤال الرحمة شرع لكل مسلم والصلاة تختص بالنبي وهي حق له ولآله ولهذا منع كثير من العلماء من الصلاة على معين غيره ولم يمنع أحد من الترحم على معين الثالث: أن رحمة الله عامة وسعت كل شيء وصلاته خاصة بخواص عباده الصلاة من العباد بمعنى الدعاء وقولهم الصلاة من العباد بمعنى الدعاء مشكل من وجوه أحدها أن الدعاء يكون بالخير والشر والصلاة لا تكون إلا في الخير الثاني إن دعوت تعدى باللام وصليت لا تعدى إلا ب على ودعا المعدى ب على ليس بمعنى صلى وهذا يدل على أن الصلاة ليست بمعنى الدعاء الثالث أن فعل الدعاء يقتضي مدعوا ومدعوا له تقول: دعوت الله لك بخير وفعل الصلاة لا يقتضي ذلك لا تقول صليت الله عليك ولا لك فدل على أنه ليس بمعناه فأي تباين أظهر من هذا ولكن التقليد يعمي عن إدراك الحقائق فإياك والإخلاد إلى أرضه اشتقاق الصلاة رأيت لأبي القاسم السهيلي كلاما حسنا في اشتقاق الصلاة وهذا لفظه قال: معنى الصلاة اللفظة حيث تصرفت ترجع إلى الحنو والعطف إلا أن الحنو والعطف يكون محسوسا ومعقولا فيضاف إلى الله تعالى منه ما يليق بجلاله وينفى عنه ما يتقدس عنه كما أن العلو محسوس ومعقول فالمحسوس منه صفات الأجسام والمعقول منه صفة ذي الجلال والإكرام وهذا المعنى كثير موجود في الصفات والكثير يكون صفة للمحسوسات وصفة للمعقولات وهو من أسماء الرب تعالى وقد تقدس عن مشابهة الأجسام ومضاهاة الأنام فالمضاف إليه من هذه المعاني معقولة غير محسوسة وإذا ثبت هذا فالصلاة كما تسمى عطفا وحنوا تقول اللهم اعطف علينا أي ارحمنا قال الشاعر: وما زلت في ليني له وتعطفي ... عليه كما تحنو على الولد الأم(1\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6240",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورحمة العباد رقة في القلب إذا وجدها الراحم من نفسه انعطف على المرحوم وانثنى عليه ورحمة الله للعباد جود وفضل فإذا صلى عليه فقد أفضل عليه وأنعم وهذه الأفعال إذا كانت من الله أو من العبد فهي متعدية ب على مخصوصة بالخير لا تخرج عنه إلى غيره فقد رجعت كلها إلى معنى واحد إلا أنها في معنى الدعاء والرحمة صلاة معقولة أي انحناء معقول غير محسوس ثمرته من العبد الدعاء لأنه لا يقدر على أكثر منه وثمرته من الله الإحسان والإنعام فلم تختلف الصلاة في معناها إنما اختلفت ثمرتها الصادرة عنها والصلاة التي هي الركوع والسجود انحناء محسوس فلم يختلف المعنى فيها إلا من جهة المعقول والمحسوس وليس ذلك باختلاف في الحقيقة ولذلك تعدت كلها ب على واتفقت في اللفظ المشتق من الصلاة ولم يجز صليت على العدو أي دعوت عليه فقد صار معنى الصلاة أرق وأبلغ من معنى الرحمة وإن كان راجعا إليه إذ ليس كل راحم ينحني على المرحوم ولا ينعطف عليه. فائدة: اشتقاق الفعل من المصدر رأيت للسهيلي فصلا حسنا في اشتقاق الفعل من المصدر هذا لفظه قال فائدة اشتقاق الفعل من المصدر أن المصدر اسم كسائر الأسماء يخبر عنه كما يخبر عنها كقولك أعجبني خروج زيد فإذا ذكر المصدر وأخبر عنه كان الاسم الذي هو الفاعل له مجرورا بالإضافة والمضاف إليه تابع للمضاف فإذا أرادوا أن يخبروا عن الاسم الفاعل للمصدر لم يكن الإخبار عنه وهو مخفوض تابع في اللفظ لغيره وحق المخبر عنه أن يكون مرفوعا مبدوءا به فلم يبق إلا أن يدخلوا عليه حرفا يدل على أنه مخبر عنه كما تدل الحروف على معان في الأسماء وهذا لو فعلوه لكان الحرف حاجزا بينه وبين الحدث في اللفظ والحدث يستحيل انفصاله عن فاعله كما يستحيل انفصال الحركة عن محلها فوجب أن يكون اللفظ غير منفصل لأنه تابع للمعنى فلم يبق إلا أن يشتق من لفظ الحدث لفظا يكون كالحرف في النيابة عنه دالا على معنى في غيره ويكون متصلا اتصال المضاف بالمضاف(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6241",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليه وهو الفعل المشتق من لفظ الحدث فإنه يدل على الحدث بالتضمن ويدل على الاسم مخبرا عنه لا مضافا إليه إذ يستحيل إضافة لفظ الفعل إلى الاسم كاستحالة إضافة الحرف لأن المضاف هو الشيء بعينه والفعل ليس هو الشيء بعينه ولا يدل على معنى في نفسه وإنما يدل على معنى في الفاعل وهو كونه مخبرا عنه فإن قلت كيف لا يدل على معنى في نفسه وهو يدل على الحدث قلنا إنما يدل على الحدث بالتضمن والدال عليه بالمطابقة هو الضرب والقتل لا ضرب وقتل ومن ثم وجب أن لا يضاف ولا يعرف بشيء من آلات التعريف إذ التعريف يتعلق بالشيء بعينه لا بلفظ يدل على معنى في غيره ومن ثم وجب أن لا يتثنى ولا يجمع كالحرف ومن ثم وجب أن يبنى كالحرف ومن ثم وجب أن يكون عاملا في الاسم كالحرف كما أن الحرف لما دل على معنى في غيره وجب أن يكون له أثر في لفظ ذلك الغير كما له أثر في معناه وإنما أعرب المستقبل ذو الزوائد لأنه تضمن معنى الاسم إذ الهمزة تدل على المتكلم والتاء على المخاطب والياء على الغائب فلما تضمن بها معنى الاسم ضارعه فأعرب كما أن الاسم إذا تضمن معنى الحرف بني وأما الماضي والأمر فإنهما وإن تضمنا معنى الحدث وهو اسم فما شارك فيه الحرف من الدلالة على معنى في غيره وهي حقيقة الحرف أوجب بناءهما حتى إذا ضارع الفعل الاسم من وجه آخر غير التضمن للحدث خرج عن مضارعة الحرف وكان أقرب شبها بالأسماء كما تقدم ولما قدمناه من دلالة الفعل على معنى في الاسم وهو كون الاسم مخبرا عنه وجب أن لا يخلو عن ذلك الاسم مضمرا أو مظهرا بخلاف الحدث فإنك تذكره ولا تذكر الفاعل مضمرا ولا مظهرا نحو قوله تعالى: أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة وقوله: وإقام الصلاة والفعل لا بد من ذكر الفاعل بعده كما لا بد بعد الحرف من الاسم فإذا ثبت المعنى في اشتقاق الفعل من المصدر وهو كونه دالا على معنى في الاسم فلا يحتاج من الأفعال الثلاثة إلا إلى لغة واحدة وتلك الصيغة هي لفظ الماضي لأنه أخف وأشبه بلفظ الحدث إلا أن تقوم الدلالة على اختلاف أحوال المحدث فتختلف(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6242",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صيغة الفعل ألا ترى كيف تختلف صيغته بعد ما الظرفية من قولهم لا أفعله ما لاح برق وما طار طائر لأنهم يريدون الحدث مخبرا عنه على الإطلاق من غير تعرض لزمن ولا حال من أحوال الحدث فاقتصروا على صيغة واحدة وهي أخف أبنية الفعل وكذلك فعلوا بعد التسوية نحو قوله: سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم وقوله: أدعوتموهم أم أنتم صامتون لأنه أراد التسوية بين الدعاء والصمت على الإطلاق من غير تقييد بوقت ولا حال فلذلك لم يحتج إلا إلى صيغة واحدة وهي صيغة الماضي كما سبق فالحدث إذا على ثلاثة أضرب ضرب يحتاج إلى الإخبار عن فاعله وإلى اختلاف أحوال الحدث فيشتق منه الفعل دلالة على كون الفاعل مخبرا عنه وتختلف أبنية دلالته على اختلاف أحوال الحدث وضرب يحتاج إلى الإخبار عن فاعله على الإطلاق من غير تقييد بوقت ولا حال فيشتق منه الفعل ولا تختلف أبنية نحو ما ذكرناه من الفعل الواقع بعد التسوية وبعد ما الظرفية وضرب لا يحتاج إلى الإخبار عن فاعله بل يحتاج إلى ذكره خاصة على الإطلاق مضافا إلى ما بعده نحو سبحان الله وسبحان اسم ينبيء عن العظمة والتنزيه فوقع القصد إلى ذكره مجردا من التقييدات بالزمان أو بالأحوال ولذلك وجب نصبه كما يجب نصب كل مقصود إليه بالذكر نحو إياك وويله وويحه وهما مصدران لم يشتق منهما فعل حيث لم يحتج إلى الإخبار عن فاعلهما ولا احتيج إلى تخصيصهما بزمن فحكمهما حكم سبحان ونصبهما كنصبه لأنه مقصود إليه ومما انتصب لأنه مقصود إليه بالذكر زيدا ضربته في قول شيخنا أبي الحسن وغيره من النحويين: وكذلك زيدا ضربث بلا ضمير لا تجعله مفعولا مقدما لأن المعمول لا يتقدم على عامله وهو مذهب قوي ولكن لا يبعد عندي قول النحويين أنه مفعول مقدم وإن كان المعمول لا يتقدم على العامل والفعل كالحرف لأنه عامل في الاسم ودال على معنى فيه فلا ينبغي للاسم أن يتقدم على الفعل كما لا يتقدم على الحرف ولكن الفعل في قولك زيدا ضربت قد أخذ معموله وهو الفاعل فمعتمده عليه(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6243",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن أجله صيغ وأما المفعول فلم يبالوا به إذا ليس اعتماد الفعل عليه كاعتماده على الفاعل ألا ترى أنه يحذف والفاعل لا يحذف فليس تقديمه على الفعل العامل فيه بأبعد من حذفه وأما زيدا ضربته فينتصف بالقصد إليه كما قال الشيخ هذا الفصل من أعجب كلامه ولم أعرف أحدا من النحويين سبقه إليه. فائدة: المصدر عند الكوفيين قولهم للضرب ونحوه مصدر إن أريد بحروف مصدر صدر يصدر مصدرا فهو يقوي قول الكوفيين إن المصدر صادر عن الفعل مشتق منه والفعل أصله وأصله على هذا صادر ولكن توسعوا فيه كصوم وزوز وعلل في صائم وبابه قال السهيلي: هو على جهة المكان استعارة كأنه الموضع الذي صدرت عنه الأفعال والأصل الذي نشأت منه قلت: وكأنه يعني مصدورا عنه لا صادرا عن غيره قال: ولا بد من المجاز على القولين: فالكوفي يحتاج أن يقول: الأصل صادر فإذا قيل: مصدر قدر فيه حذف أي ذو مصدر كما يقدر في صوم وبابه ونحن نسميه مصدر استعارة من المصدر الذي هو المكان. فائدة: عمل الحروف أصل الحروف أن تكون عاملة لأنه ليس لها معان في أنفسها وإنما معانيها في غيرها وأما الذي معناه في غيره وهو الاسم فأصله أن لا يعمل في غيره وإنما وجب أن يعمل الحرف في كل ما دل على معنى فيه لأن اقتضاءه معنى فيقتضيه عملا لأن الألفاظ تابعة للمعاني فكما تشبث الحرف عما دخل عليه معنى وجب أن يتشبث به لفظا وذلك هو العمل فأصل الحرف أن يكون عاملا فنسأل عن غير العامل فنذكر الحروف التي لم تعمل وسبب سلبها العمل فمنها هل فإنها تدخل على(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6244",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جملة وقد عمل بعضها في بعض وسبق إليها عمل الابتداء أو الفاعلية فدخلت لمعنى في الجملة لا لمعنى في اسم مفرد فاكتفي بالعمل السابق قبل هذا الحرف وهو الابتداء ونحوه وكذلك الهمزة نحو أعمرو خارج فإن الحرف دخل لمعنى في الجملة ولا يمكن الوقوف عليه ولا يتوهم انقطاع الجملة عنه لأنه حرف مفرد لا يوقف عليه ولو توهموا ذلك فيه لعمل في الجملة ليؤكدوا بظهور أثره فيها تعلقه بها ودخوله عليها واقتضاؤه لها كما فعلوا في أن وأخواتها حيث كانت كلمات من ثلاثة أحرف فصاعدا يجوز الوقف عليها ك أنه وليته ولعله فأعملوها في الجملة إظهارا لارتباطها وشدة تعلقها بالحدث الواقع بعدها وربما أرادوا توكيد تعلق الحرف بالجملة إذ كان مؤلفا من حرفين نحو هل فربما توهم الوقف عليه أو خيف ذهول السامع عنه فأدخل في الجملة حرف زائد ينبه السامع عليه وقام ذلك الحرف مقام العمل نحو هل زيد بذاهب وما زيد بقائم فإذا سمع المخاطب الباء وهي لا تدخل في الثبوت تأكد عنده ذكر النفي والاستفهام وأن الجملة غير منفصلة عنده ولذلك أعمل أهل الحجاز ما النافية لشبهها بالجملة ومن العرب من اكتفى في ذلك التعلق وتأكيده بإدخال الباء في الخبر ورآها ثابتة في التأثير عن العمل الذي هو النصب وإنما اختلفوا في ما ولم يختلفوا في هل لمشاركة ما ل ليس في النفي فحين أرادوا أن يكون لها أثر في الجملة يؤكد تشبهها بها جعلوا ذلك الأثر كأثر ليس وهو النصب والعمل في باب ليس أقوى لأنها كلمة ك ليت ولعل وكأن والوهم إلى انفصال الجملة عنها أسرع منه إلى توهم انفصال الجملة عن ما وهل فلم يكن بد من إعمال ليس وإبطال معنى الابتداء السابق ولذلك إذا قلت ما زيد إلا قائم لم يعملها أحد منهم لأنه لا يتوهم انقطاع زيد عن ما لأن إلا لا تكون إيجابا إلا بعد نفي فلم يتوهم انفصال الجملة عن ما ولذلك لم يعملوها عند تقديم الخبر نحو ما قائم زيد إذ ليس من رتبة النكرة أن يكون مبدوءا بها مخبرا عنها إلا مع الإعتماد على ما قبلها فلم يتوهم المخاطب انقطاع الجملة عما قبلها لهذا السبب فلم يحتج إلى إعمالها وإظهارها وبقي الحديث كما كان قبل دخولها مستغنيا عن تأثيرها(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6245",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيه وأما حرف لا فإن كان عاطفا فحكمه حكم حروف العطف ولا شيء منها عامل وإن لم تكن عاطفة نحو لا زيد قائم ولا عمرو فلا حاجة إلى إعمالها في الجملة لأنه لا يتوهم انفصال الجملة بقوله ولا عمرو لأن الواو مع لا الثانية تشعر بالأولى لا محالة وتربط الكلام بها فلم يحتج إلى إعمالها وبقيت الجملة عاملا فيها الابتداء كما كانت قبل دخول لا فإن قلت فلو لم يعطف وقلت لا زيد قائم قلت هذا لا يجوز لأن لا ينفي بها في أكثر الكلام ما قبلها تقول هل قام زيد فيقال لا وقال سبحانه: لا أقسم بيوم القيامة وليست نفيا لما بعدها هنا بخلاف ما لو قيل ما أقسم فإن ما لا تكون أبدا إلا نفيا لما بعدها فلذلك قالوا ما زيد قائم ولم يخشوا توهم انقطاع الجملة عنها ولو قالوا لا زيد قائم لخيف أن يتوهم أن الجملة موجبة وأن لا ك هي في النكرات نحو: لا لغو فيها ولا تأثيم [الطور 23] إلا أنهم في النكرات قد أدخلوها على المبتدأ والخبر تشبيها لها ب ليس لأن النكرة أبعد في الابتداء من المعرفة والمعرفة أشد استبدادا بأول الكلام وأما التي للتنزيه فاللنحويين فيها اختلاف أهي عاملة أم لا فإن كانت عاملة فكما أعملوا إن حرصا على إظهار تشبثها بالحديث وإن كانت غير عاملة كما ذهب إليه سيبويه والاسم بعدها مركب معها مبني على الفتح فليس الكلام فيه وأما حرف النداء فعامل في المنادى عند بعضهم قال والذي يظهر لي الآن أن النداء تصويب بالمنادى نحوها وأن المنادى منصوب بالقصد إليه وإلى ذكره كما تقدم من قولنا في كل مقصود إلى ذكره مجردا عن الإخبار عنه أنه منصوب ويدلك على أن حرف النداء ليس بعامل وجود العمل في الاسم دونه نحو صاحب زيد أقبل و يوسف أعرض عن هذا وإن كان مبنيا عندهم فإنه بناء كالعمل ألا تراه ينعت على اللفظ كما ينعت المعرب ولو كان حرف النداء عاملا لما جاز حذفه وإبقاء عمله النواصب والجوازم فإن قلت فلم عملت النواصب والجوازم في المضارع والفعل بعدها جملة قد عمل بعضه في بعض ثم إن المضارع قبل دخول العامل عليه كان مرفوعا ورفعه يعامل وهو وقوعه موقع الاسم فهلا منع هذا العامل هذه الحروف من العمل كما منع(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6246",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كل مخبر عنه أن يكون مرفوعا لفظا وحسا كما أنه مرفوع معنى وعقلا ولذلك استحق الفاعل الرفع دون المفعول لأنه المحدث عنه بالفعل فهو أرفع رتبة في المعنى فوجب أن يكون اللفظ كذلك لأنه تابع للمعنى وأما رفع الفعل المضارع فلوقوعه موقع الاسم المخبر عنه والاسم التابع له فلم يقو قوته في استحقاق الرفع فلم يمنع شيئا من الحروف اللفظية عن العمل اللفظي أقوى من المعنوي وامتنع ذلك في بعض الأسماء المبتدأة لضعف الحروف وقلة العامل السابق للمبتدأ الجواب الثاني أن هذه الحروف لم تدخل لمعنى في الجملة إنما دخلت لمعنى في الفعل المتضمن للحدث من نفي أو إنكار أو نهي أو جزاء أو غيره وذلك كله يتعلق بالفعل خاصة لا بالجملة فوجب عملها فيها كما وجب عمل حروف الجر في الأسماء من حيث دلت على معنى فيها ولم تكن داخلة على جملة قد سبق إليها عامل معنوي ولا لفظي ومما ينبغي أن يعلم أن النواصب والجوازم لا تدخل على الفعل الواقع موقع الاسم لحصوله في موضع الأسماء فلا سبيل لنواصب الأفعال وجوازمها أن تدخل على الأسماء ولا ما هو واقع موقعها فهي إذا دخلت على الفعل خلصته للإستقبال ونفت عنه معنى الحال وهذا معنى يختص بالفعل لا بالجملة وأما إلا في الإستثناء فقد زعم بعضهم أنها عاملة ونقض ذلك بقولهم ما قام أحد إلا زيد وما جاءني إلا عمرو والصحيح أنها موصلة الفعل إلى العمل في الاسم بعدها كتوصيل واو المفعول معه الفعل إلى العمل فيما بعدها وليس هذا بكسر الأصل الذي قدمناه وهو استحقاق جميع الحروف العمل فيما دخلت عليه من الأسماء المفردة والأفعال لأنها إذا كانت موصلة للفعل والفعل عامل فكأنها هي العاملة فإذا قلت ما قام إلا زيد فقد أعملت الفعل على معنى الإيجاب كما لو قلت قام زيد لا عمرو وقامت لا مقام نفي الفعل عن عمرو فلذلك قامت إلا مقام إيجاب الفعل لزيد إذا قلت ما جاءني إلا زيد فكأنها هي العاملة فاستغنوا عن إعمالها عملا آخر وكذلك حروف العطف وإن لم تكن عوامل فإنما جاءت الواو الجامعة منها لتجمع بين الاسمين في الإخبار عنهما بالفعل فقد أوصلت الفعل إلى العمل في الثاني وسائر حروف العطف يتقدر بعدها العامل فيكون في حكم الحروف الداخلة(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6247",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على الجمل وإذا قلت قام زيد وعمرو فكأنك قلت قام زيد وقام عمرو فصارت هذه الحروف كالداخلة على الجمل فقد تقدم في الحروف الداخلة على الجمل أنها لا تستحق من العمل فيها ما تستحق الحروف الداخلة على الأسماء المفردة والأفعال ونقيس على ما تقدم لام التوكيد وتركهم إعمالها في الجملة مع أنها لا تدخل لمعنى في الجملة فقط بل لتربط ما قبلها من القسم بما بعدها وهذا هو الأصل فيها حتى إنهم ليذكرونها دون القسم فيشعر عند المخاطب بالنهي كقوله: إني لأمنحك الصدود وإنني ... قسما إليك مع الصدود لأميل لأنه حين قال لأمنحك علم أنه قد أقسم فلذلك قال قسما وهذا الأصل محيط بجميع أصول أعمال الحروف وغيرها من العوامل وكاشف عن أسرار العمل للأفعال وغيرها من الحروف في الأسماء ومنبه على سر امتناع الأسماء أن تكون عاملة في غيرها هذا لفظ أبي القاسم السهيلي والله أعلم. فائدة: اختصاص الإعراب بالأواخر. اختص الإعراب بالأواخر لأنه دليل على المعاني اللاحقة للمعرب وتلك المعاني لا تلحقه إلا بعد تحصيله وحصول العلم بحقيقته فوجب أن يترتب الإعراب بعده كما ترتب مدلوله الذي هو الوصف في المعرب. فائدة: وصف الحرف بالحركة. قولهم حرف متحرك وتحركت الواو ونحو ذلك تساهل منهم فإن الحركة عبارة عن انتقال الجسم من حيز إلى حيز والحرف جزء من المصوت ومحال أن تقوم الحركة بالحرف لأنه عرض والحركة لا تقوم بالعرض وإنما المتحرك في الحقيقة هو العضو من الشفتين أو اللسان أو الحنك الذي يخرج منه الحرف فالضمة عبارة(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6248",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن تحريك الشفتين بالضم عند النطق فيحدث مع ذلك صويت خفي مقارن للحرف إن امتد كان واوا وإن قصر كان ضمة وكذلك الفتحة عبارة عن فتح الشفتين عند النطق بالحرف وحدوث الصوت الخفي الذي يسمى فتحة أو نصبة وإن مدت كانت ألفا وإن قصرت فهي فتحة وكذلك القول في الكسرة والسكون وهو عبارة عن خلو العضو من الحركات عند النطق بالحرف فلا يحدث بعد الحرف صوت فينجزم عند ذلك أي ينقطع فلذلك سمي جزما اعتبارا بانجزام المصوت وهو انقطاعه وسكونا اعتبارا بالعضو الساكن فقولهم فتح وضم وكسر هو من صفة العضو وإذا سميت ذلك رفعا ونصبا وجزما وجرا فهي من صفة الصوت لأنه يرتفع عند ضم الشفتين وينتصب عند فتحهما وينخفض عند كسرهما وينجزم عند سكونهما ولهذا عبروا عنه بالرفع والنصب والجر عن حركات الإعراب إذ الإعراب لا يكون إلا بعامل وسبب كما أن هذه الصفات التي تضاف إلى الصوت من رفع ونصب وخفض إنما تكون بسبب وهو حركة العضو واقتضت الحكمة اللفظية أن يعبر بما يكون عن سبب عما يكون عن سبب وهو الإعراب وأن يعبر بالفتح والضم والكسر والسكون عن أحوال البناء فإن البناء لا يكون بسبب وأعني بالسبب العامل فاقتضت الحكمة أن يعبر عن تلك الأحوال بما يكون وجوده تغيرا له الحركات الموجودة في العضو لا تكون إلا بآلة كما تكون الصفات المضافة إلى الموصوف وعندي أن هذا ليس باستدراك على النحاة فإن الحرف وإن كان عرضا فقد يوصف بالحركة تبعا لحركة محله فإن الأعراض وإن لم تتحرك بأنفسها فهي تتحرك بحركة محالها وعلى هذا فقد اندفع الإشكال جملة وأما المناسبة إلى ذكرها في اختصاص الألقاب فحسنة غير أن كثيرا من النحاة يطلقون كلا منها على الآخر ولهذا يقولون في قام زيد مرفوع وعلامة رفعه ضمة آخره ولا يقولون رفعه آخره فدل على إطلاق كل منهما على الآخر(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6249",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: تقول نونت الكلمة ألحقت بها نونا وسينتها ألحقت بها سينا وكوفتها ألحقت بها كافا فإن ألحقت بها زايا قلت زويتها لأن ألف الزاي منقلبة عن واو لأن باب طويت أكثر من باب حوة وقوة وقال بعضهم زييتها وليس بشيء فائدة: التنوين في الكلمة التنوين فائدته التفرقة بين فصل الكلمة ووصلها فلا تدخل في الاسم إلا علامة على انفصاله عما بعده ولهذا كثر في النكرات لفرط احتياجها إلى التخصيص بالإضافة فإذا لم تضف احتاجت إلى التنوين تنبيها على أنها غير مضافة ولا تكاد المعارف تحتاج إلى ذلك إلا فيما قل من الكلام لاستغنائها في الأكثر عن زيادة تخصيصها وما لا يتصور فيه الإضافة بحال كالمضمر والمبهم لا ينون بحال وكذلك المعرف باللام وهذه علة عدم التنوين وقفا إذ الموقوف عليه لا يضاف واختصت النون الساكنة بالدلالة على هذا المعنى لأن الأصل في الدلالة على المعاني الطارئة على الأسماء أن تكون بحروف المد واللين وأبعاضها وهي الحركات الثلاث فمتى قدر عليها فهي الأصل فإن تعذرت فأقرب شبها بها وآخر الأسماء المعربة قد لحقها حركات الإعراب فلم يبق لدخول حركة أخرى عليها سبيل ولا لحروف المد واللين لأنها مشبعة من تلك الحركات ولأنها عرضة الإعلال والتغير فأشبه شيء بها النون الساكنة لخفائها وسكونها وأنها من حروف الزيادة وأنها من علامات الإعراب ولهذه العلة لا ينون الفعل لاتصاله بفاعله واحتياجه إلى ما بعده(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6250",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: الحكمة في علامة التصغير جعلت علامة التصغير ضم أوله وفتح ثانيه وحكمة ذلك والله أعلم ما أشار إليه السهيلي فقال التصغير تقليل أجزاء المصغر والجمع مقابلة وقد زيد في الجمع ألف ثالثة كفعالل فزيد في مقابلته ياء ثالثة ولم يكن آخرا كعلامة التأنيث لأن الزيادة في اللفظ على حسب الزيادة في المعنى والصفة التي هي صغر الجسم لا تختص بجزء منه دون جزء بخلاف صفة التأنيث فإنها مختصة في جميع الحيوانات بطرف يقع به الفرق بين الذكر والأنثى وكانت العلامة في اللفظ المنبئة عن معنى المناسبة طرفا في اللفظ بخلاف الياء في التصغير فإنها منبئة عن صفة واقعة على جملة المصغر وكانت ياء لا ألفا لأن الألف قد اختصت بجمع التذكير وكانت به أولى كما كانت الفتحة التي هي أخفها بذلك أولى لأن الفتح ينبيء عن الكثرة ويشار به إلى السعة كما تجد الأخرس والأعجم بطبعه إذا أخبر عن شيء كثير فتح شفتيه وباعد ما بين يديه وإذا كان الفتح ينبيء عن السعة والضم الذي هو ضده ينبيء عن القلة والحقارة كما تجد المقلل للشيء يشير إليه بضم يد أو فم كما فعل رسول الله حين ذكر ساعة الجمعة وأشار بيده يقللها رواه البخاري ومسلم فإنه جمع أصابعه وضمها ولم يفتحها وأما الواو فلا معنى لها في التصغير لوجهين أحدهما دخولها في ضرب من الجموع نحو المفعول فلم يكونوا يجعلونها علامة في التصغير فيلتبس التقليل بالتكثير والثاني أنه لا بد من كسر ما بعد علامة التصغير إذا لم يكن حرف إعراب كما كسر ما بعد علامة التكسير في مفاعل ليتقابل اللفظان وإن تضادا كما قابلوا علم بجهل وروى بعطش ووضع فهو وضيع وشرف فهو شريف فلم يمكن إدخال الواو لئلا يخرجوا منها إلى كسرة واستبقيت الألف لأجل أصل الجمع لها وبقيت الياء وفتح ما قبلها لأجل ضم أول الكلمة لئلا يخرج من ضم إلى كسر(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6251",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: تنوع الأفعال. الأفعال واجب وممكن ومنفي أو في حكمه فالرفع للواجب والنصب للمكن والجزم الذي هو عدم الحركة للمنفي أو ما في حكمه هذا هو الأصل وقد يخالف وإن شئت قلت الأفعال ثلاثة أقسام واقع موقع الاسم فله الرفع نحو هل تضرب واقع موقع ضارب وفعل في تأويل الاسم فله النصب نحو أريد أن تقوم أي قيامك وفعل لا واقع موقع اسم ولا في تأويله فله الجزم نحو لم يقم. فائدة: إضافة ظروف الزمان للأحداث. إنما أضيف ظروف الزمان إلى الأحداث الواقعة فيها نحو يوم يقوم زيد لأنها أوقات لها وواقعة فيها فهي لاختصاصها بها أضيف إليها وهذا بخلاف ظروف المكان لأنها لا تختص بتلك الأحداث فإن اختصت غالبا حسنت الإضافة نحو هذا مكان يجلس القاضي ويكون بمنزلة يوم يجلس القاضي سواء وربما أضيفت أسماء الزمان إلى أحداث لا تقع فيها لاتصالها بها كقوله تعالى: ليلة الصيام فالليلة من ظروف الزمان وقد أضيف إلى الصيام وليس بواقع فيها فلما جاز في بعض الكلام أن يضاف الظرف إلى الاسم الذي هو الحدث وإن لم يكن واقعا فيه أضافوه إلى الفعل لفظا وهو مضاف إلى الحدث معنى وأقحم لفظ الفعل إقرارا للمعنى وتخصيصا للغرض ورفعا لشوائب الإحتمال حتى إذا سمع المخاطب قولك يوم قام زيد علم أنك تريد اليوم الذي قام فيه زيد ولو قلت مكان قولك ليلة الصيام ليلة صيام زيد ما كان له معنى إلا وقوع الصيام في الليل فهو الذي حملهم على إقحام لفظ الفعل عند إرادتهم إضافة الظروف إلى الأحداث وقس على ذلك المبتدأ والخبر وأما ريث فبمنزلة الظرف وقد صارت في(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6252",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معناه وكذلك حيث وذي تسلم أن المعنى في قول بعضهم ذهب لوقت ذي تسلم أي سلامتك فلما حذفت المنعوت وأقمت النعت مقامه أضفته إلى ما كنت تضيف إلى المنعوت وهو الوقت قال السهيل: وهو عندي على الحكاية حكوا قول الداعي تسلم كما تعيش وتبقى فقولهم: إذهب بذي تسلم أي اذهب بهذا القول مني ولم يقولوا اذهب بتسلم لئلا يكون اقتصارا على دعوة واحدة ولكن قالوا بذي تسلم أي بقول يقال فيه تسلم يريدون هذا المعنى وحذفوا قول المنعوت بذي اكتفاء بدلالة الحال عليه وأما قوله بآية ما تحبون الطعام فالآية هي العلامة وهي هاهنا بمعنى الوقت لأن الوقت علامة للتوقيت والذي يجوز إضافته من ظروف الزمان إلى الفعل ما كان منها مفردا متمكنا جاز إضافته إليها وما كان مثنى كيومين ونحوه لم يضف إليها لأن الحدث إنما يقع مضافا لظرفه الذي هو وقت له فلا معنى لذكر وقت آخر وأيضا فالجملة المضاف إليها نعت للظرف في المعنى فقولك يوم قام زيد كقولك يوم قام زيد فيه في المعنى والفعل لا يدخله التثنية فلا يصح أن يضاف إليه الإثنان كما لا يصح أن ينعت الإثنان بالواحد وجه ثالث وهو أن قولك قام زيد يوما قام عمرو لم يصح إلا أن يكون جوابا ل متى واليومان جواب ل كم وما هو جواب ل كم لا يكون جوابا ل متى أصلا فإن أضفت اليومين إلى الفعل صرت مناقضا لجمعك بين الكمية وبين ما لا يكون إلا ل متى فأما الأيام فربما جاءت إضافتها مجموعة إلى الفعل لأنه قد يراد بها معنى الفرد كالشهر والأسبوع والحول وغيره وكذلك غير المتمكن ك قبل وبعد لا يضاف إلى الفعل لأنك لو أضفتها إليه لاقتضت إضافتها إليه ما يقتضيه قولك يوم قام زيد أي اليوم الذي قام فيه وذلك محال في قبل وبعد لأنه يؤول إلى إبطال معنى القبلية والبعدية وأما سحر يوم بعينه فيمتنع من إضافته إلى الفعل لما فيه من معنى اللام فقس على هذا فائدة الأسماء الخمسة قياس الأسماء الخمسة أن تكون مقصورة قال السهيلي: قياس الأسماء الخمسة أن تكون مقصورة لأن أصلها أبو أخو والواو إذا تحركت وانفتح ما قبلها تقلب ألفا تكون مقصورة كما هو(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6253",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إحدى لغاتها ولكن هذه الأسماء حذفت أواخرها في حال الإفراد والانفصال عند الإضافة وقال لي بعض أشياخنا في بعلبك إن التنوين لما أوجب حذف الألف المنقلبة لالتقاء الساكنين حذفوها رأسا كما قيل: رأى الأمر يقضي إلى آخر ... فصير آخره أولا فإذا أضيف وزالت عند التنوين رجعت الحروف المحذوفة وكان الإعراب فيها مقدرا كما هو مقدر في الأسماء المقصورة. وقال بهذا بعض النحاة: قال: الأمر عندي علامات إعراب وليست حروف إعراب والمحذوف منها لا يعود إليها في الإضافة كما لا يعود المحذوف من يد ودم وبرهان ذلك أنك تقول أخي وأبي إذا أضفت إلى نفسك كما تقول يدي ودمي لأن حركات الإعراب لا تجتمع مع ياء المتكلم كما تجتمع معها واو الجمع فلو كانت الواو في أخوك حرف إعراب لقلت في الإضافة إلى نفسك هذا أخي كما تقول هؤلاء مسلمي فتدغم الواو في الياء لأنها حرف إعراب عند سيبويه وهي عند غيره علامة إعراب فإذا كانت واو الجمع تثبت مع ياء المتكلم وهي غير زائدة وهي عند غيره علامة إعراب فكيف يحذف لام الفعل وهو أحق بالثبات منها فقد وضح لك أنها ليست الحروف المحذوفة بل هي الأصلية إعراب الأسماء الخمسة بالحروف وإعلالها بالحذف فإن قيل: فلم أعربت بالحروف ولم أعلت بالحذف دون القلب خلافا لنظائرها مما علته كعلتها وهي الأسماء المقصورة قلنا في ذلك جواب لطيف وهو أن اللفظ جسد والمعنى روح فهو تبع له في صحته واعتلاله والزيادة فيه والنقصان منه كما أن الجسد مع الروح كذلك فجميع ما يعتري اللفظ من زيادة أو حذف فإنما يكون بحسب ما يكون في المعنى اللهم إلا أن يكثر استعمال كلمة فتحذف منها تخفيفا على اللسان لكثرة دورها فيه ولعلم المخاطب بمعناها كقولهم إيش في أي شيء وهذه الأسماء الخمسة مضافة إلى المعنى فإذا قطعت عن الإضافة وأفردت نقص المعنى فينقص اللفظ تبعا له مع أن أواخرها حروف علة فلا بد من تغييرها إما بقلب وإما بحذف وكان الحذف فيها أولى كما قدمنا وكان ينبغي على هذا أن يتم لفظها في حال الإضافة كما تم معناها إلا(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6254",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنهم كرهوا أن يخلوا الخاء من أخ والباء من أب من الإعراب الحاصل فيها إذ ليس في الكلام ما يكون حرف إعراب في حال الإفراد دون الإضافة فجمعوا بين الغرضين ولم يبطلوا أحد القياسين فمكنوا الحركات التي هي علامات الإعراب في الإفراد فصارت حروف مد ولين في الإضافة وقد تقدم أن الحركات بعض الحرف فالضمة التي في قولك أخ هي بعينها علامة الرفع في أخوك إلا أن المصوت بها يمد ليتمموا اللفظ كما تمموا المعنى بالإضافة إلى ما بعد الاسم ولم يحتاجوا مع تطويل حركات الإعراب إلى إعادة ما حذف من الكلمة رأسا كما لا يعاد محذوف يد ودم وأما التثنية فإنهم صححوا اللفظ فيها بإعادة المحذوف تنبيها على الأصل وهو الإنقلاب إلى ألف فقالوا أخوان وأبوان كما قالوا عضوان ونضوان لأن قياسه في الأصل كقياسه بخلاف يد ودم فإن أصلهما يدي ودمي فلم يكن بابها كباب عصى ورحا فاستمر الحذف فيهما في التثنية والإفراد فإن قيل فلم يعود في ابن في تثنية ولا إضافة قيل لأنهم عوضوا من المحذوف ألف الوصل في ابن واسم فلم يجمعوا بين العوض والمعوض بخلاف أخ وأب ومنعهم أن يعوضوا من المحذوف في أخ وأب الهمزة التي في أولها فرارا من اجتماع همزتين وأما حم فأصلة حمأ بالهمزة فلم يكونوا ليعوضوا من الهمزة همزة أخرى فجعلوه كأخ وأب فائدة جمع ابن على بنون دون ابنون فإن قيل فلم قالوا في جمعه بنون دون ابنون قيل الجمع قد يلحقه التغيير بالكسر وغيره بخلاف التثنية فإنه لا يتغير فيها لفظ الواحد بحال مع أنهم رأوا أن جمع السلامة لا بد فيه من واو في الرفع وياء مكسور ما قبلها في النصب والخفض فأشبهت حاله حال ما لم يحذف منه شيء وليست هذه العلة في التثنية ولم يقولوا ابنات كما قالوا ابنتان فإنهم حملوا جمع المؤنث على جمع المذكر لئلا يختلف وأما أخت وبنت فتاء أخت مبدلة من واو ك تاء تراث وتخمة وإنما حملهم على ذلك هاهنا أنهم رأوا المذكر قد حذفت لامه في الإفراد فقالوا أخ وكان القياس أن يقولوا في المؤنث أخت كسنة ولو فعلوا ذلك لكانت(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6255",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تلك التاء حرف إعراب في الإضافة والإفراد ولم يمكنهم أن يعيدوا المحذوف في الإضافة إلى اللفظ فيخالف لفظه لفظ المذكر ولا أمكنهم من تطويل الصوت بالحركات ما أمكنهم في التذكير لأن ما قبل تاء التأنيث ليس بحرف إعراب ولا أمكنهم نقصان اللفظ في الموطن الذي تم فيه المعنى فجمعوا بين الأغراض بإبدالها تاء لتكون في حال الإفراد علما للتأنيث وفي حال الإضافة من تمام الاسم كالحرف الأصلي إذ هو موطن تتميم كما تقدم وسكنوا ما قبلها لتكون بمنزلة الحرف الأصلي وضموا أول الكلمة إشعارا بالواو وكسروها في بنت إشعارا بالياء لأنها من بنيت وقالوا في تأنيث ابن ابنة وبنت ولم يقولوا في تأنيث أخ إلا أخت والعلة في ذلك مستقرأة كما تقدم وأما قولهم فوك وفاك وفيك فحروف المد فيها حروف إعراب لانفرادها فلم يلزم فيها ما لزم في الخاء والباء ألا تراهم يقولون هذا في جعلته في في كما يقولون مسلمي فيثبتونها مع ياء المتكلم وهذا يدلك على أنها حرف إعراب بخلاف أخواتها ألا تراهم في حال الإفراد كيف أبدلوا من الواو ميما لتتعاقب عليها حركات الإعراب ويدخلها التنوين إذ لو لم يبدلوها ميما لأذهبها التنوين في الإفراد وبقيت الكلمة على حرف واحد فإذا أضيفت زالت العلة حيث أثبتوا التنوين فلم يحتاجوا إلى قلبها ميما فإن قلت أين علامات الإعراب في حال الأصالة قلت مقدر فيها وإن شئت قلت تغير صيغها في الأحوال الثلاثة هو الإعراب والمتغير هو حرف الإعراب فإن قلت فلم لم تثبت الألف في حال النصب إذا أضيفت إلى ضمير المتكلم فتقول فاي كعصاي قلت الفرق أن ألف عصا ثابتة في جميع الأحوال وهذه لا تكون إلا في حال النصب وقد قلبت تلك ياء في لغة طيىء فهذه أحرى بالقلب وأما ذو مال فكان الأظهر فيه أن يكون حرف العلة حرف إعراب وأن لا يكون الاسم على حرفين كما هو في بعض الأسماء المبهمة كذلك يدلك على ذلك قولهم في الجمع ذوو مال وذوات مال إلا أنه قد جاء في القرآن الكريم: ذواتا أفنان و ذواتي أكل وهذا ينبئ أن الاسم ثلاثي(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6256",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولامه ياء انقلبت ألفا في تثنية المؤنث خاصة وقولهم في التثنية ذواتي وفي الجمع ذوات والجمع كان أحق بالرد من التثنية لأن التثنية أقرب إلى لفظ الواحد ولأنها أقرب إلى معناه ألا تراهم يقولون أخت وأختان وابنة وابنتان ولا تقول في الجمع ابنتات فلذلك كان القياس حين قالوا ذوات فلم يردوا لام الكلمة والعلة فيه أن ألف ذو وإن كانت منقلبة عن واو فإن انقلابها ليس بلازم وإنما هو عارض بدخول التأنيث ولولا التأنيث لكانت واوا في حال الرفع غير منقلبة وياء في حال الخفض والتثنية أقرب إلى الواحد لفظا ومعنى فلذلك حين ثبوتها جعلوها واوا كما هي في الواحد إذ كان مرفوعا ومثنى ومجموعا وكان حكم الواو أغلب عليها من حكم الياء والألف ثم ردوا لام الفعل لأنهم لو لم يردوها لقالوا ذواتا مال في حال الرفع فيلتبس بالفعل نحو رمتا وقضتا إذا أخبرت عن امرأتين وذواتا من الذوي فكان في رد اللام رفع لهذا اللبس وفرق بين ما يصح عينه في المذكر نحو ذات وذو وبين ما لا يصح عينه في مذكر ولا في جمع نحو شاة فإنك تقول في تثنيته شاتان كقياس ذات وليس في جمع ذات ما يوجب رد لامها كما في تثنيتها كما تقدم وأما سنتان وشفتان فلا يلزم فيهما من الإلتباس بالفعل ما لزم في ذواتا لو قيل لأن نون الإثنين لا تحذف منهما حذفا لازما لأنهما غير مضافين في أكثر الكلام بخلاف ذواتا فإن النون لا توجد فيها البتة للزومها الإضافة ((فوائد تتعلق بالحروف الروابط بين الجملتين وأحكام الشروط وفيها مباحث وفوائد عزيزة نافعة تحررت بعد فكر طويل بحمد الله)) : فائدة: الروابط بين جملتين الروابط بين جملتين هي الأدوات التي تجعل بينهما تلازما لم يفهم قبل دخولها وهي أربعة أقسام أحدها ما يوجب تلازما مطلقا بين الجملتين إما بين(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6257",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثبوت وثبوت أو بين نفي ونفي أو بين نفي وثبوت وعكسه في المستقبل خاصة وهو حرف الشرط البسيط ك إن فإنها تلازم بين هذه الصور كلها تقول إن اتقيت الله أفلحت وإن لم تتق الله لم تفلح وإن أطعت الله لم تخب وإن لم تطع الله خسرت ولهذا كانت أم الباب وأعم أدواته تصرفا القسم الثاني أداة تلازم بين هذه الأقسام الأربعة تكون في الماضي خاصة وهي لما تقول لما قام أكرمته وكثير من النحاة يجعلها ظرف زمان وتقول إذا دخلت على الفعل الماضي فهي اسم وإن دخلت على المستقبل فهي حرف ونص سيبويه على خلاف ذلك وجعلها من أقسام الحروف التي تربط بين الجملتين ومثال الأقسام الأربعة لما قام أكرمته ولما لم يقم لم أكرمه ولما لم يقم أكرمته ولما قام لم أكرمه القسم الثالث أداة تلازم بين امتناع الشيء لامتناع غيره وهي لو نحو لو أسلم الكافر نجا من عذاب الله القسم الرابع أداة تلازم بين امتناع الشيء ووجود غيره وهي لولا نحو لولا أن هدانا الله لضللنا وتفصيل هذا الباب يرسم عشرة مسائل المسألة الأولى: المشهور أن الشرط والجزاء لا يتعلقان إلا بالمستقبل فإن كان ماضي اللفظ كان مستقبل المعنى كقولك إن مت على الإسلام دخلت الجنة ثم للنحاة فيه تقديران أحدهما: أن الفعل ذو تغير في اللفظ وكان الأصل إن تمت مسلما تدخل الجنة فغير لفظ المضارع إلى الماضي تنزيلا له منزلة المحقق والثاني: أنه ذو تغير في المعنى وأن حرف الشرط لما دخل عليه قلب معناه إلى الاستقبال وبقي لفظه على حاله والتقدير الأول أفقه في العربية لموافقته تصرف العرب في إقامتها الماضي مقام المستقبل وتنزيلها المنتظر منزلة الواقع المتيقن نحو: أتى أمر الله ونفخ في الصور ونظائره فإذا تقرر ذلك في الفعل المجرد فليفهم مثله المقارن لأداة الشرط وأيضا فإن تغيير الألفاظ أسهل عليهم من تغيير المعاني لأنهم يتلاعبون بالألفاظ مع محافظتهم على المعنى وأيضا فإنهم إذا أعربوا الشرط أتوا بأداته ثم أتبعوها فعله يتلوه الجزاء فإذا أتوا بالأداة جاءوا بعدها بالفعل(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6258",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان حقه أن يكون مستقبلا لفظا ومعنى فعدلوا عن لفظ المستقبل إلى الماضي لما ذكرنا فعدلوا عن صيغة إلى صيغة وعلى التقدير الثاني كأنهم وضعوا فعل الشرط والجزاء أولا ماضيين ثم أدخلوا عليهما الأداة فانقلبا مستقبلين والترتيب والقصد يأبى ذلك فتأمله. المسألة الثانية: قال تعالى عن عيسى عليه الصلاة والسلام: إن كنت قلته فقد علمته فهذا شرط دخل على ماضي اللفظ وهو ماضي المعنى قطعا لأن المسيح إما أن يكون هذا الكلام قد صدر منه بعد رفعه إلى السماء أو يكون حكاية ما يقوله يوم القيامة وعلى التقديرين فإنما تعلق الشرط وجزاؤه بالماضي وغلط على الله من قال إن هذا القول وقع منه في الدنيا قبل رفعه والتقدير إن أكن أقول هذا فإنك تعلمه وهذا تحريف للآية لأن هذا الجواب إنما صدر منه بعد سؤال الله له عن ذلك والله لم يسأله وهو بين أظهر قومه ولا اتخذوه وأمه إلهين إلا بعد رفعه بمئين من السنين فلا يجوز تحريف كلام الله انتصارا لقاعدة نحوية هدم مائة أمثالها أسهل من تحريف معنى الآية وقال ابن السراج: في أصوله يجب تأويلهما بفعلين مستقبلين تقديرهما إن ثبت في المستقبل أني قلته في الماضي يثبت أنك علمته وكل شيء تقرر في الماضي كان ثبوته في المستقبل فيحسن التعليق عليه وهذا الجواب أيضا ضعيف جدا ولا ينبئ عنه اللفظ وليت شعري ما يصنعون بقول النبي صلى الله عليه وسلم quot; إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليهquot; رواه البخاري ومسلم هل يقول عاقل إن الشرط هنا مستقبل أما التأويل الأول فمنتف هنا قطعا وأما الثاني فلا يخفي وجه التعسف فيه وأنه لم يقصد أنه يثبت في المستقبل أنك أذنبت في الماضي فتوبي ولا قصد هذا المعنى وإنما المقصود المراد ما دل عليه الكلام إن كان صدر منك ذنب فيما مضى فاستقبليه بالتوبة لم يرد إلا هذا الكلام وإذا ظهر فساد الجوابين فالصواب أن يقال جملة الشرط والجزاء تارة تكون تعليقا محضا غير متضمن جوابا لسائل هل كان كذا ولا يتضمن لنفي قول من قال قد كان كذا(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6259",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا يقتضي الاستقبال وتارة يكون مقصودة ومضمنة جواب سائل هل وقع كذا أو رد قوله قد وقع كذا فإذا علق الجواب هنا على شرط لم يلزم أن يكون مستقبلا لا لفظا ولا معنى بل لا يصح فيه الاستقبال بحال كمن يقول لرجل هل أعتقت عبدك فيقول إن كنت قد أعتقته فقد أعتقه الله فما للاستقبال هنا معنى قط وكذلك إذا قلته لمن قال صحبت فلانا فيقول إن كنت صحبته فقد أصبت بصحبته خيرا وكذلك إذا قلت له هل أذنبت فيقول إن كنت قد أذنبت فإني قد تبت إلى الله واستغفرته وكذلك إذا قال هل قلت لفلان كذا وهو يعلم أنه علم بقوله له فيقول إن قلته فقد علمته فقد عرفت أن هذه المواضع كلها مواضع ماض لفظا ومعنى ليطابق السؤال الجواب ويصح التعليق الخبري لا الوعدي فالتعليق الوعدي يستلزم الاستقبال وأما التعليق الخبري فلا يستلزمه ومن هذا الباب قوله تعالى: إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين وتقول إن كانت البينة شهدت بكذا وكذا فقد صدقت وهذه دقيقة خلت منها كتب النحاة والفضلاء وهي كما ترى وضوحا وبرهانا ولله الحمد المسألة الثالثة: المشهور عند النحاة والأصوليين والفقهاء أن أداة إن لا يعلق عليها إلا محتمل الوجود والعدم كقولك إن تأتني أكرمك ولا يعلق عليها محقق الوجود فلا تقول إن طلعت الشمس أتيتك بل تقول إذا طلعت الشمس أتيتك وإذا يعلق عليها النوعان واستشكل هذا بعض الأصوليين فقال قد وردت إن في القرآن في معلوم الوقوع قطعا كقوله: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا وهو سبحانه يعلم أن الكفار في ريب منهم وقوله فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار ومعلوم قطعا انتفاء فعلهم وأجاب عن هذا بأن قال إن الخصائص الإلهية لا تدخل في الأوضاع العربية بل الأوضاع العربية مبنية على خصائص الخلق والله تعالى أنزل القرآن بلغة العرب وعلى منوالهم فكل ما كان في عادة العرب حسنا أنزل القرآن على ذلك(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6260",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه أو قبيحا لم ينزل في القرآن فكل ما كان شأنه أن يكون في العادة مشكوكا فيه بين الناس حسن تعليقه بأن من قبل الله ومن قبل غيره سواء كان معلوما للمتكلم أو للسامع أم لا وكذلك يحسن من الواحد منا أن يقول إن كان زيد في الدار فأكرمه مع علمه بأنه في الدار لأن حصول زيد في الدار شأنه أن يكون في العادة مشكوكا فيه فهذا هو الضابط لما تعلق على إن فاندفع الإشكال قلت هذا السؤال لا يرد فإن الذي قاله القوم إن الواقع ولا بد يعلق بأن وأما ما يجوز أن يقع ويجوز أن لا يقع فهو الذي يعلق بها وإن كان بعد وقوعه متعين الوقوع وإذا عرفت هذا فتدبر قوله تعالى: وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور كيف أتى في تعليق الرحمة المحققة إصابتها من الله تعالى ب إذا وأتى في إصابة السيئة ب أن فإن ما يعفو الله تعالى عنه أكثر وأتى في الرحمة بالفعل الماضي الدال على تحقيق الوقوع وفي حصول السيئة بالمستقبل الدال على أنه غير محقق ولا بد وكيف أتى في وصول الرحمة بفعل الإذاقة الدال على مباشرة الرحمة لهم وأنها مذوقة لهم والذوق هو أخص أنواع الملابسة وأشدها وكيف أتى في الرحمة بحرف ابتداء الغاية مضافة إليه فقال: منا رحمة وأتى في السيئة بباء السببية مضافة إلى كسب أيديهم وكيف أكد الجملة الأولى التي تضمنت إذاقة الرحمة بحرف إن دون الجملة الثانية وأسرار القرآن الكريم أكثر وأعظم من أن يحيط بها عقول البشر وتأمل قوله تعالى: وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه كيف أتى بإذا هاهنا لما كان مس الضر لهم في البحر محققا بخلاف قوله: لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤوس قنوط فإنه لم يقيد مس الشر هنا بل أطلقه ولما قيده بالبحر الذي هو متحقق فيه ذلك أتى بأداة إذا وتأمل قوله تعالى: وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤوسا كيف أتى هنا ب إذا المشعرة بتحقيق الوقوع المستلزم لليأس فإن اليأس إنما حصل عند تحقق مس الشر له فكان الإتيان ب إذا هاهنا أدل على المعنى المقصود من إن بخلاف قوله: وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض فإنه(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6261",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بقلة صبره وضعف احتماله متى توقع الشر أعرض وأطال في الدعاء فإذا تحقق وقوعه كان يؤوسا ومثل هذه الأسرار في القرآن لا يرقى إليها إلا بموهبة من الله وفهم يؤتيه عبدا في كتابه فإن قلت فما تصنع بقوله تعالى: إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك والهلاك محقق قلت التعليق ليس على مطلق الهلاك بل على هلاك مخصوص وهو هلاك لا عن ولد فإن قلت فما تصنع بقوله: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون وقوله: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين وتقول العرب: إن كنت ابني فأطعني وفي الحديث: في السلام على الموتى quot;وإنا إن شاء الله بكم لاحقون quot; رواه مسلم واللحاق محقق وفي قولة الموصي: quot; إن مت فثلث مالي صدقةquot; قلت أما قوله: إن كنتم إياه تعبدون الذي حسن مجيء إن هاهنا الاحتجاج والإلزام فإن المعنى إن عبادتكم لله تستلزم شكركم له بل هي الشكر نفسه فإن كنتم ملتزمين لعبادته داخلين في جملتها فكلوا من رزقه واشكروه على نعمه وهذا كثيرا ما يورد في الحجاج كما تقول للرجل إن كان الله ربك وخالقك فلا تعصه وإن كان لقاء الله حقا فتأهب له وإن كانت الجنة حقا فتزود إليها وهذا أحسن من جواب من أجاب بأن إن هنا قامت مقام إذا وكذا قوله: إن كنتم بآياته مؤمنين [الأنعام 118] وكذا قولهم إن كنت ابني فأطعني ونظائر ذلك وأما قوله: quot;وإنا إن شاء الله بكم لاحقونquot; فالتعليق هنا ليس لمطلق الموت وإنما هو للحاقهم بالمؤمنين ومصيرهم إلى حيث صاروا وأما قول الموصي: quot; إن مت فثلث مالي صدقةquot; فلأن الموت وإن كان محققا لكن لما لم يعرف تعين وقته وطال الأمد وانفردت مسافة أمنية الحياة نزل منزلة المشكوك كما هو الواقع الذي يدل عليه أحوال العباد فإن عاقلا لا يتيقن الموت ويرضى بإقامته على حال لا يحب الموت عليها أبدا كما قال بعض السلف: quot;ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموتquot; وعلى هذا حمل بعض أهل المعاني ثم إنكم(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6262",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون فأكد الموت باللام وأتى فيه باسم الفاعل الدال على الثبوت وأتى في البعث بالفعل ولم يؤكده المسألة الرابعة قد يتعلق الشرط بفعل محال ممتنع الوجود فيلزمه محال آخر وتصدق الشرطية دون مفرد بها أما صدقها فلاستلزام المحال المحال وأما كذب مفرديها فلاستحالتهما وعليه: قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ومنه قوله: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ومنه قل لو كان معه آلهة كما يقولون: إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ونظائره كثيرة وفائدة الربط بالشرط في مثل هذا أمران أحدهما بيان استلزام إحدى القضيتين للأخرى والثاني أن اللازم منتف فالملزوم كذلك فقد تبين من هذا أن الشرط تعلق به المحقق الثبوت والممتنع الثبوت والممكن الثبوت المسألة الخامسة: اختلف سيبويه ويونس في الاستفهام الداخل على الشرط فقال سيبويه يعتمد على الشرط وجوابه فيتقدم عليهما ويكون بمنزلة القسم نحو قوله: أفإن مت فهم الخالدون وقوله: أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم [آل عمران 44] وقال يونس بن حبيب يعتمد على الجزاء فتقول إن مت فأنت خالد والقرآن الكريم مع سيبويه والقياس أيضا كما يتقدم لتكون جملة الشرط والجزاء مقسما عليها ومستفهما عنها لو كان كما قال يونس ابن حبيب: لقال فإن مت أفهم الخالدون المسألة السادسة: اختلف الكوفيون والبصريون فيما إذا تقدم أداة الشرط جملة تصلح أن تكون جزاء ثم ذكر فعل الشرط ولم يذكر له جزاء نحو أقوم إن قمت فقال محمد بن السراج إن الذي عندي أن الجواب محذوف يغني عن الفعل المتقدم قال وإنما يستعمل هذا على وجهين إما أن يضطر إليه شاعر وإما أن يكون المتكلم به محققا بغير شرط ولا نية فقال أجيئك ثم يبدو له أنه لا يجيئه إلا لسبب فيقول إن جئتني فيشبه الاستثناء ويغني عن الجواب ما تقدم وهذا قول البصريين وخالفهم أهل الكوفة وقالوا المتقدم هو الجزاء والكلام مرتبط به وقولهم في ذلك(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6263",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو الصواب وهو اختيار الجرجاني قال الدليل على أنك إذا قلت آتيك إن أتيتني كان الشرط متصلا بآتيك وإن الذي يجري في كلامهم لا بد من إضمار الجزاء ليس على ظاهره وأما إن عملنا على ظاهره وتوقفنا أن الشرط متقدم في النفس على الجزاء صار من ذلك شيئان ابتداء كلام ثان ثم اعتقاد ذلك يؤدي إلى إبطال ما اتفق عليه العقلاء في الإيمان من افتراق الحكم بين أن يصل الشرط في نطقه وبين أن يقف ثم يأتي بالشرط وأنه إذا قال لعبده أنت حر إن شاء الله فوصل لم يعتق ولو وقف ثم قال إن شاء الله فإنه يعتق فإذا سمعت ما قلنا عرفت خلاف المسألة فالمشهور من مذهب البصريين امتناع تقديم الجزاء على الشرط هذا كلامه قلت ولم يكن به حاجة في تقرير الدليل إلى الوقف بين الجملة الأولى وجملة الشرط فالدلالة قائمة ولو وصل فإنه إذا قال أنت حر فهذه جملة خبرية ترتب عليها حكمها عند تمامها وقوله: إن شاء الله ليس تعليقا لها عندكم فإن التعليق إنما يعمل في الجزاء وهذه ليست بجزاء وإنما هي خبر محض والجزاء عندكم محذوف فلما قالوا إنه لا يعتق دل على أن المتقدم نفسه جزاء معلق هذا تقرير الدلالة ولكن ليس هذا باتفاق فقد ذهبت طائفة من السلف والخلف إلى أن الشرط إنما يعمل في تعليق الحكم إذا تقدم على الطلاق فتقول إن شاء الله فأنت طالق فأما إن تقدم الطلاق ثم عقبه بالتعليق فقال أنت طالق إن شاء الله طلقت ولا ينفع التعليق وعلى هذا فلا يبقى فيما ذكر حجة ولكن هذا المذهب شاذ والأكثرون على خلافه وهو الصواب لأنه إما جزاء لفظا ومعنى قد اقتضاه التعليق على قول الكوفيين وإما أن يكون جزاء في المعنى وهو نائب الجزاء المحذوف ودال عليه فالحكم تعلق به على التقديرين والمتكلم إنما بنى كلامه عليه وأما قول ابن السراج إنه قصد الخبر جزما ثم عقبه بالجزاء فليس كذلك بل بنى كلامه على الشرط كما لو قال له علي عشرة إلا درهما فإنه لم يقر بالعشرة ثم أنكر درهما ولو كان كذلك لم ينفعه الاستثناء ومن هنا قال بعض(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6264",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفقهاء أن الاستثناء لا ينفع في الطلاق لأنه إذا قال أنت طالق ثلاثا إلا واحدة فقد أوقع الثلاثة ثم رفع منها واحدة وهذا مذهب باطل فإن الكلام مبني على آخره ترتبط أجزاؤه بعضها ببعض كارتباط التوابع من الصفات وغيرها بمتبوعاتها والاستثناء لا يستقل بنفسه فلا يقبل إلا بارتباطه بما قبله فجرى مجرى الصفة والعطف ويلزم أصحاب هذا المذهب أن لا ينفع الاستثناء في الإقرار لأن المقر به لا يرفع ثبوته وفي إجماعهم على صحته دليل على إبطال هذا المذهب وإنما احتاج الجرجاني إلى ذكر الفرق بين أن يقف أو يصل لأنه إذا وقف عتق العبد ولم ينفعه الاستثناء وإذا وصل لم يعتق فدل على أن الفرق بين وقوع العتق وعدمه هو السكوت والوصل هو المؤثر في الحكم لا تقدم الجزاء وتأخره فإنه لا تأثير له بحال كما ذكره ابن السراج أنه إنما يأتي في الضرورة ليس كما قال فقد جاء في أفصح الكلام وهو كثير جدا كقوله تعالى: واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون وقوله: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين وقوله: قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون وهو كثير فالصواب المذهب الكوفي والتقدير إنما يصار إليه عند الضرورة بحيث لا يتم الكلام إلا به فإن كان الكلام تاما بدونه فأي حاجة بنا إلى التقدير وأيضا فتقديم الجزاء ليس بدون تقديم الخبر والمفعول والحال ونظائرها فإن قيل الشرط له التصدير وصفا فتقديم الجزاء عليه يخل بتصديره قلنا: هذه هي الشبهة التي منعت القائلين بعدم تقديمه وجوابها إنكم إن عنيتم بالتصدير أنه لا يتقدم معموله عليه والجزاء معمول له فيمتنع تقديمه فهو نفس المتنازع فيه فلا يجوز إثبات الشيء بنفسه وإن عنيتم به أمرا آخر لم يلزم منه امتناع التقديم ثم نقول الشرط والجزاء جملتان قد صارتا بأداة الشرط جملة واحدة وصارت الجملتان بالأداة كأنهما مفردان لشبههما بالمفردين في باب الابتداء والخبر فكما لا يمتنع تقديم الخبر على المبتدأ فكذلك تقديم الجزاء فالجزاء هو المقصود والشرط قيد فيه وتابع له(1\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6265",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهو من هذا الوجه رتبته التقديم طبعا ولهذا كثيرا ما يجيء الشرط متأخرا عن المشروط لأن المشروط هو المقصود وهو الغاية والشرط وسيلة فتقديم المشروط هو تقديم الغايات على وسائلها ورتبتها التقديم ذهنا وإن تقدمت الوسيلة وجودا فكل منهما له التقدم بوجه وتقدم الغاية أقوى فإذا وقعت في مرتبتها فأي حاجة إلى أن نقدرها متأخرة وإذا انكشف الصواب فالصواب أن تدور معه حيثما دار. المسألة السابعة: لو يؤتى بها للربط لتعلق ماض بماض كقولك لو زرتني لأكرمتك ولهذا لم تجزم إذا دخلت على مضارع لأن الوضع للماضي لفظا ومعنى كقولك لو يزورني زيد لأكرمته فهي في الشرط نظير إن في الربط بين الجملتين لا في العمل ولا في الاستقبال وكان بعض فضلاء المتأخرين وهو تاج الدين الكندي ينكر أن تكون لو حرف شرط وغلط الزمخشري في عدها في أدوات الشرط قال الأندلسي في شرح المفصل: فحكيت ذلك لشيخنا أبي البقاء فقال غلط تاج الدين في هذا التغليط فإن لو تربط شيئا بشيء كما تفعل إن قلت ولعل النزاع لفظي فإن أريد بالشرط الربط المعنوي الحكمي فالصواب ما قاله أبو البقاء الزمخشري وإن أريد بالشرط ما يعمل في الجزأين فليست من أدوات الشرط المسألة الثامنة: المشهور أن لو إذا دخلت على ثبوتين نفتهما أو نفيين أثبتتهما أو نفي وثبوت أثبتت المنفي ونفت المثبت وذلك لأنها تدل على امتناع الشيء لامتناع غيره وإذا امتنع النفي صار إثباتا فجاءت الأقسام الأربعة وأورد على هذا أمور. أحدها قوله تعالى: ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ومقتضى ما ذكرتم أن تكون كلمات الله تعالى قد نفدت وهو محال لأن الأول ثبوت وهو كون أشجار الأرض أقلاما والبحار مدادا لكلماته وهذا منتف والثاني وهو قوله ما نفدت كلمات الله فيلزم أن يكون(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6266",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثبوتا الثاني قول عمر: quot;نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصهquot; لا أصل له فعلى ما ذكرتم يكون الخوف ثابتا لأنه منفي والمعصية كذلك لأنها منفية أيضا وقد اختلفت أجوبة الناس عن ذلك فقال: أبو الحسن بن عصفور: لو في الحديث بمعنى إن لمطلق الربط فلا يكون نفيها إثباتا ولا إثباتها نفيا فاندفع الإشكال وفي هذا الجواب ضعف بين فإنه لم يقصد في الحديث مطلق الربط كما قال وإنما قصد ارتباط متضمن لنفي الجزاء ولا سيق الكلام إلا لهذا ففي الجواب إبطال خاصية لو التي فارقت بها سائر أدوات الشرط وقال غيره لو في اللغة لمطلق الربط وإنما اشتهرت في العرف في انقلاب ثبوتها نفيا وبالعكس والحديث إنما ورد بمعنى اللفظ في اللغة حكى هذا الجواب محمد القرافي عن الخسر وشاهي وهو أفسد من الذي قبله بكثير فإن اقتضاء لو لنفي الثابت بعدها وإثبات المنفي متلقى من أصل وضعها لا من العرف الحادث كما أن معاني سائر الحروف من نفي أو تأكيد أو تخصيص أو بيان أو ابتداء أو انتهاء إنما هو متلقى من الوضع لا من العرف فما قاله ظاهر البطلان الثالث جواب الشيخ: أبي محمد بن عبد السلام وغيره وهو أن الشيء الواحد قد يكون له سبب واحد فينتفي عند انتفائه وقد يكون له سببان فلا يلزم من عدم أحدهما عدمه لأن السبب الثاني يخلف السبب الأول كقولنا في زوج هو ابن عم لو لم يكن زوجا لورث أي بالتعصيب فإنهما سببان لا يلزم من عدم أحدهما عدم الآخر وكذلك الناس هاهنا في الغالب إنما لم يعصوا لأجل الخوف فإذا ذهب الخوف عنهم عصوا لاتحاد السبب في حقهم فأخبر عمر أن صهيبا اجتمع له سببان يمنعانه المعصية الخوف والإجلال فلو انتفى الخوف في حقه لانتفى العصيان للسبب الآخر وهو الإجلال وهذا مدح عظيم له قلت وبهذا الجواب بعينه يجاب عن قوله صلى الله عليه وسلم في ابنة حمزة: quot;إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري لما حلت لي إنها ابنة أخي من الرضاعةquot; رواه البخاري ومسلم أي فيها سببان يقتضيان التحريم فلو قدر انتفاء أحدهما لم ينتف التحريم للسبب الثاني وهذا جواب حسن جدا(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6267",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجواب الرابع ذكره بعضهم بأن قال جواب لو محذوف وتقديره لو لم يخف الله لعصمه فلم يعصه بإحلاله ومحبته إياه فإن الله يعصم عبده بالخوف تارة والمحبة والإجلال تارة وعصمة الإجلال والمحبة أعظم من عصمة الخوف لأن الخوف يتعلق بعقابه والمحبة والإجلال يتعلقان بذاته وما يستحقه تبارك وتعالى فأين أحدهما من الآخر ولهذا كان دين الحب أثبت وأرسخ من دين الخوف وأمكن وأعظم تأثيرا وشاهد ما نراه من طاعة المحب لمحبوبه وطاعة الخائف لمن يخافه كما قال بعض الصحابة إنه ليستخرج حبه مني من الطاعة ما لا يستخرجه الخوف وليس هذا موضع بسط هذا الشأن العظيم القدر وقد بسطته في كتاب الفتوحات القدسية الخامس أن لو أصلها أن تستعمل للربط بين شيئين كما تقدم ثم إنها قد تستعمل لقطع الربط فتكون جوابا لسؤال محقق أو متوهم وقع فيه ربط فتقطعه أنت لاعتقادك بطلان ذلك الربط كما لو قال القائل إن لم يكن زيد زوجا لم يرث فتقول أنت لو لم يكن زوجا لورث زيد إن ما ذكره من الربط بين عدم الزوجية وعدم الإرث ليس بحق فمقصودك قطع ربط كلامه لا ربطه وتقول لو لم يكن زيد عالما لأكرم أي لشجاعته جوابا لسؤال سائل يتوهم أنه لو لم يكن عالما لما أكرم فتربط بين عدم العلم والإكرام فتقطع أنت ذلك الربط وليس مقصودك أن تربط بين عدم العلم والإكرام لأن ذلك ليس بمناسب ولا من أغراض العقلاء ولا يتجه كلامك إلا على عدم الربط كذلك الحديث لما كان الغالب على الناس أن يرتبط عصيانهم بعدم خوفهم وإن ذلك في الأوهام قطع عمر هذا الربط وقال لو لم يخف الله لم يعصه وكذلك لما كان الغالب على الأوهام أن الشجر كلها إذا صارت أقلاما والبحار المذكورة كلها تكتب به الكلمات الإلهية فلعل الوهم يقول ما يكتب بهذا شيء إلا نفد كائنا ما كان فقطع الله تعالى هذا الربط ونفى هذا الوهم وقال: ما نفدت قلت:(1\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6268",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونظير هذا في الحديث أن زوجته لما توهمت أن ابنة عمه حمزة تحل له لكونها بنت عمه فقطع هذا الربط بقوله إنها لا تحل وذكر للتحريم سببين الرضاعة وكونها ربيبة له وهذا جواب القرافي قال: وهو أصلح من الأجوبة المتقدمة من وجهين أحدهما: quot;شموله للحديث والآية وبعض الأجوبة لا تنطبق على الآية والثاني أن ورود لو بمعنى إن خلاف الظاهر وما ذكره لا يتضمن خلاف الظاهرquot; قلت: وهذا الجواب فيه ما فيه فإنه إن ادعى أن لو وضعت أو جيء بها لقطع الربط فغلط فإنها حرف من حروف الشرط التي مضمونها ربط السبب بمسببه والملزوم بلازمه ولم يؤت بها لقطع هذا الارتباط ولا وضعت له أصلا فلا يفسر الحرف بضد موضوعه ونظير هذا قول من يقول: إن إلا قد تكون بمعنى الواو وهذا فاسد فإن الواو للتشريك والجمع وإلا للإخراج وقطع التشريك ونظائر ذلك وإن أراد أن قطع الربط المتوهم مقصود للمتكلم من أدلة فهذا حق ولكن لم ينشأ هذا من حرف لو وإنما جاء من خصوصية ما صحبها من الكلام المتضمن لنفي ما توهمه القائل أو ادعاه ولم يأت من قبل لو فهذا كلام هؤلاء الفضلاء في هذه المسألة وإنما جاء الإشكال سؤالا وجوابا من عدم الإحاطة بمعنى هذا الحرف ومقتضاه وحقيقته وأنا أذكر حقيقة هذا الحرف ليتبين سر المسألة بعون الله لو للملازمة بين أمرين فاعلم أن لو حرف وضع للملازمة بين أمرين يدل على أن الحرف الأول منهما ملزوم الثاني لازم هذا وضع هذا الحرف وطبيعته وموارده في هذه الملازمة أربعة فإنه إما أن يلازم بين نفيين أو ثبوتين أو بين ملزوم مثبت ولازم منفي أو عكسه ونعني بالثبوت والنفي هنا الصوري اللفظي لا المعنوي فمثال الأول: قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الأنفاق ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ونظائره ومثال الثاني لو لم تكن ربيبتي في حجري لما حلت(1\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6269",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لي ولو لم يخف الله لم يعصه ومثال الثالث: ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ومثال الرابع لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم فهذه صورة وردوها على النفي والإثبات وأما حكم ذلك فأمران أحدهما: نفي الأول لنفي الثاني: لأن الأول ملزوم والثاني لازم والملزوم عدم عند عدم لازمه والثاني تحقق الثاني لتحقق الأول لأن تحقق الملزوم يستلزم تحقق لازمه فإذا عرفت هذا فليس في طبيعة لو ولا وضعها ما يؤذن بنفي واحد من الجزأين ولا إثباته وإنما طبعها وحقيقتها الدلالة على التلازم المذكور لكن إنما يؤتى بها للتلازم المتضمن نفي اللازم أو الملزوم أو تحققها ومن هنا نشأت الشبهة فلم يؤت بها لمجرد التلازم مع قطع النظر عن ثبوت الجزأين أو نفيهما فإذا دخلت على جزأين متلازمين قد انتفى اللازم منهما استفيد نفي الملزوم من قضية اللزوم لا من نفس الحرف وبيان ذلك أن قوله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  لم يستفد نفي الفساد من حرف لو بل الحرف دخل على أمرين قد علم انتفاء أحدهما حسا فلازمت بينه وبين من يريد نفيه من تعدد الآلهة وقضية الملازمة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه فإذا كان اللازم منتف قطعا وحسا انتفى ملزومه لانتفائه لا من حيث الحرف فهنا أمران أحدهما الملازمة التي فهمت من الحرف والثاني انتفاء اللازم المعلوم بالحس فعلى هذا الوجه ينبغي أن يفهم انتفاء اللازم والملزوم ب لو فمن هنا قالوا إن دخلت على مثبتين صارا منتفيين بمعنى أن الثاني منهما قد علم انتفاؤه من خارج فينتفي الأول لانتفائه وإذا دخلت على منفيين أثبتتهما لذلك أيضا لأنها تدخل على ملزوم محقق الثبوت من خارج فيتحقق ثبوت ملزومه كما في قوله: quot; لو لم تذنبواquot; فهذا الملزوم وهو صدور الذنب متحقق في الخارج من البشر فتحقق لازمه وهو بقاء النوع الإنساني وعدم الذهاب به لأن الملازمة وقعت بين عدم الذنب وعدم البقاء لكن عدم الذنب منتف قطعا فانتفى لازمه وهو عدم الذهاب(1\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6270",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بنا فثبت الذنب وثبت البقاء وكذلك نفيه الأقسام الأربعة يفهم على هذا الوجه وإذا عرف هذا فاللازم الواحد قد يلزم ملزومات متعددة كالحيوانية اللازمة للإنسان والفرس وغيرهما فيقصد المتكلم إثبات الملازمة بين بعض تلك الملزومات واللازم على تقدير انتفاء البعض الآخر فيكون مقصوده أن الملازمة حاصلة على تقدير انتفاء ذلك الملزوم الآخر فلا يتوهم المتوهم انتفاء اللازم عند نفي ملزوم معين فإن الملازمة حاصلة بدونه وعلى هذا يخرجه لو لم يخف الله لم يعصه ولو لم تكن ربيبتي لما حلت لي فإن عدم المعصية له ملزومات فهي الخشية والمحبة والإجلاء فلو انتفى بعضها وهو الخوف مثلا لم يبطل اللازم لأن له ملزومات أخرى غيره وكذلك لو انتفى كون البنت ربيبة لما انتفى التحريم لحصول الملازمة بينه وبين وصف آخر وهو الرضاع وذلك الوصف ثابت وهذا القسم إنما يأتي في لازم له ملزومات متعددة فيقصد المتكلم تحقق الملازمة على تقدير نفي ما نفاه منها وأما قوله تعالى: ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام فإن الآية سيقت لبيان أن أشجار الأرض لو كانت أقلاما والبحار مدادا فكتبت بها كلمات الله لنفدت البحار والأقلام ولم تنفد كلمات الله فالآية سيقت لبيان الملازمة بين عدم نفاد كلماته وبين كون الأشجار أقلاما والبحار مدادا يكتب بها فإذا كانت الملازمة ثابتة على هذا التقدير الذي هو أبلغ تقدير يكون في نفاد المكتوب فثبوتها على غيره من التقادير أولى ونوضح هذا بضرب مثل يرتقى منه إلى فهم مقصود الآية إذا قلت لرجل لا يعطي أحدا شيئا لو أن لك الدنيا بأسرها ما أعطيت أحدا منها شيئا فإنك إذا قصدت أن عدم إعطائه ثابت على أعظم التقادير التي تقتضي الإعطاء فلازمت بين عدم إعطائه أسباب الإعطاء وهو كثرة ما يملكه فدل هذا على أن عدم إعطائه ثابت على ما هو دون هذا التقدير وأن عدم الإعطاء لازم لكل تقدير فافهم نظير هذا المعنى في الآية وهو عدم(1\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6271",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفاد كلمات الله تعالى على تقدير أن الأشجار أقلام والبحار مداد يكتب بها فإذا لم تنفد على هذا التقدير كان عدم نفادها لازما له فكيف بما دونه من التقديرات فافهم هذه النكتة التي لا يسمح بمثلها كل وقت ولا تكاد تجدها في الكتب وإنما هي من فتح الله وفضله فله الحمد والمنة ونسأله المزيد من فضله فانظر كيف اتفقت القاعدة العقلية مع القاعدة النحوية وجاءت النصوص بمقتضاهما معا من غير خروج عن موجب عقل ولا لغة ولا تحريف لنص ولو لم يكن في هذا التعليق إلا هذه الفائدة لساوت رحلة فكيف وقد تضمن من غرر الفوائد ما لا يتفق إلا على تجارة وأما من ليس هناك فإنه يظن الجوهرة زجاجة والزجاجة المستديرة المثقوبة جوهرة ويزري على الجوهري ويزعم أنه لا يفرق بينهما والله المعين. المسألة التاسعة: في دخول الشرط على الشرط نذكر فيه ضابطا مزيلا للإشكال إن شاء الله فنقول: الشرط الثاني تارة يكون معطوفا على الأول وتارة لا يكون والمعطوف تارة يكون معطوفا على فعل الشرط وحده وتارة يعطف على الفعل مع الأداة فمثال غير المعطوف إن قمت إن قعدت فأنت طالق ومثال المعطوف على فعل الشرط وحده إن قمت وقعدت ومثال المعطوف على الفعل مع الأداة إن قمت وإن قعدت فهذه الأقسام الثلاثة أصول الباب وهي عشر صور أحدها: إن خرجت ولبست فلا يقع المشروط إلا بهما كيفما اجتمعا الثانية: إن لبست فخرجت لم يقع المشروط إلا بالخروج بعد اللبس فلو خرجت ثم لبست لم يحنث الثالث: إن لبست ثم خرجت فهذا مثل الأول وإن كان ثم للتراخي فإنه لا يعتبر هنا إلا حيث يظهر قصده الرابعة: إن خرجت لا إن لبست فيحتمل هذا التعليق أمرين أحدهما جعل الخروج شرطا ونفي اللبس أن يكون شرطا الثاني أن يجعل الشرط هو الخروج المجرد عن اللبس والمعنى إن خرجت لا لابسة أي غير لابسة ويكون المعنى إن كان منك خروج لا مع اللبس فعلى هذا التقدير الأول يحنث بالخروج وحده وعلى الثاني لا يحنث إلا بخروج لا لبس معه الخامسة: إن خرجت بل إن لبست(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6272",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويحتمل هذا التعليق أمرين أحدهما أن يكون الشرط هو اللبس دون الخروج فيختص الحنث به لأجل الإضراب والثاني أن يكون كل منهما شرطا فيحنث بأيهما وجد ويكون الإضراب عن الاقتصار فيكون إضراب اقتصار لا إضراب إلغاء كما تقوله أعطه درهما بل درهما آخر السادسة: إن خرجت أو إن لبست فالشرط أحدهما أيهما كان السابعة: إن لبست لكن إن خرجت فالشرط الثاني وقع ولغا الأول لأجل الاستدراك ب لكن الثامنة: أن يدخل الشرط على الشرط ويكون الثاني معطوفا بالواو نحو إن لبست وإن خرجت فهذا يحنث بأحدهما فإن قيل: فكيف لم تحنثوه في صورة العطف على الفعل وحده إلا بهما وحنثتموه هاهنا بأيهما كان قيل: لأن هناك جعل الشرط مجموعهما وهنا جعل كل واحد منهما شرطا برأسه وجعل لهما جوابا واحدا وفيه رأيان أحدهما: أن الجواب لهما جميعا وهو الصحيح والثاني أن جواب أحدهما حذف لدلالة المذكور عليه وهي أخت مسألة الخبر عن المبتدأ بجزأين التاسعة: أن يعطف الشرط الثاني بالفاء نحو قوله تعالى: فإما يأتينكم مني هدى فالجواب المذكور جواب الشرط الثاني وهو وجوابه جواب الأول فإذا قال إن خرجت فإن كلمت أحدا فأنت طالق لم تطلق حتى تخرج وتكلم أحدا العاشرة: وهي أن المسألة التي تكلم فيها الفقهاء دخول الشرط على الشرط بلا عطف نحو إن خرجت إن لبست واختلفت أقوالهم فيها فمن قائل إن المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى وإنه لا يحنث حتى يتقدم اللبس على الخروج ومن قائل بل المقدم لفظا هو المقدم معنى وذكر كل منهم حججا لقوله وممن نص على المسألة الموفق الأندلسي في شرحه فقال إذا دخل الشرط على الشرط وعيد حرف الشرط توقف وقوع الجزاء على وجود الشرط الثاني قبل الأول كقولك: إن أكلت إن شربت فأنت طالق فلا تطلق حتى يوجد الشرب منها قبل الأكل لأنه تعلق على أكل معلق على شرب وهذا الذي ذكره أبو إسحاق في المهذب وحكى ابن شاس في الجواهر الثمينة: عن أصحاب مالك بن أنس رضي الله عنه عكسه والوجهان لأصحاب الشافعي رضي الله عنه ولا بد في(1\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6273",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المسألة من تفصيل: وهو أن الشرط الثاني إن كان متأخرا في الوجود عن الأول كان مقدرا بالفاء وتكون الفاء جواب الأول والجواب المذكور جواب الثاني مثاله إن دخلت المسجد إن صليت فيه فلك أجر تقديره فإن صليت فيه وحذفت الفاء لدلالة الكلام عليها وإن كان الثاني متقدما في الوجود على الأول فهو في نية التقدم وما قبله جوابه والفاء مقدرة فيه ومثل قوله عز وجل: ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم أي فإن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي وتقول إن دخلت المسجد إن توضأت فصل ركعتين تقديره إن توضأت فإن دخلت المسجد فصل ركعتين فالشرط الثاني هنا متقدم وإن لم يكن أحدهما متقدما في الوجود على الآخر بل كان محتملا للتقدم والتأخر لم يحكم على أحدهما بتقدم ولا تأخر بل يكون الحكم راجعا إلى تقدير المتكلم ونيته فأيهما قدره شرطا كان الآخر جوابا له وكان مقدرا بالفاء تقدم في اللفظ أو تأخر وإن لم يظهر نيته ولا تقديره احتمل الأمرين فمما ظهر فيه تقديم المتأخر قول الشاعر: إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا ... منا معاقل عز زانها الكرم لأن الاستغاثة لا تكون إلا بعد الذعر ومنه قول ابن دريد: فإن عثرت بعدها إن وألت ... نفسي من هاتا فقولا لا لعا ومعلوم أن العثور مرة ثانية إنما يكون بعد الذعر ومن المحتمل قوله تعالى: وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين يحتمل أن تكون الهبة شرطا ويكون فعل الإرادة جوابا له ويكون التقدير إن وهبت نفسها للنبي فإن أراد النبي أن يستنكحها فخالصة له ويحتمل أن تكون الإرادة شرطا والهبة جوابا له والتقدير إن أراد النبي أن يستنكحها فإن وهبت نفسها فهي خالصة له يحتمل الأمرين فهذا ما ظهر لي من التفصيل في هذه المسألة وتحقيقها والله أعلم(1\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6274",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة عظيمة المنفعة: قال سيبويه: quot;الواو لا تدل على الترتيب ولا التعقيبquot; تقول صمت رمضان وشعبان وإن شئت شعبان ورمضان بخلاف الفاء وثم إلا أنهم يقدمون في كلامهم ما هم به أهم وهم ببيانه أعنى وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم هذا لفظه قال السهيلي: quot;وهو كلام مجمل يحتاج إلى بسط وتبيينquot; فيقالquot; متى يكون أحد الشيئين أحق بالتقدم ويكون المتكلم ببيانه أعنى قال والجواب أن هذا الأصل يجب الاعتناء به لعظم منفعته في كتاب الله وحديث رسوله إذ لا بد من الوقوف على الحكمة في تقديم ما قدم وتأخير ما أخر نحو السميع والبصير والظلمات والنور والليل والنهار والجن والإنس في الأكثر وفي بعضها الإنس والجن وتقديم السماء على الأرض في الذكر وتقديم الأرض عليها في بعض الآي ونحو سميع عليم ولم يجيء عليم سميع وكذلك عزيز حكيم وغفور رحيم وفي موضع واحد الرحيم الغفور إلى غير ذلك مما لا يكاد ينحصر وليس شيء من ذلك يخلو عن فائدة وحكمة لأنه كلام الحكيم الخبير وسنقدم بين يدي الخوض في هذا الغرض أصلا يقف بك على الطريق الأوضح فنقول إن تقديم الألفاظ في اللسان على حسب تقدم المعاني في الجنان تقديم المعاني تتقدم المعاني بأحد خمسة أشياء إما بالزمان وإما بالطبع وإما بالرتبة وإما بالسبب وإما بالفضل والكمال فإذا سبق معنى من المعاني إلى الخفة والثقل بأحد هذه الأسباب الخمسة أو بأكثرها سبق اللفظ الدال على ذلك المعنى السابق وكان ترتب الألفاظ بحسب ذلك نعم وربما كان ترتب الألفاظ بحسب الخفة والثقل لا بحسب المعنى كقولهم ربيعة ومضر وكان تقديم مضر أولى من جهة الفضل ولكن آثروا الخفة لأنك لو قدمت مضر في اللفظ كثرت الحركات وتوالت فلما أخرت وقف عليها بالسكون قلت:(1\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6275",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن هذا النحو الجن والإنس فإن لفظ الإنس أخف لمكان النون الخفيفة والسين المهموسة فكان الأثقل أولى بأول الكلام من الأخف لنشاط المتكلم وجمامه وأما في القرآن فلحكمة أخرى سوى هذه قدم الجن على الإنس في الأكثر والأغلب وسنشير إليها في آخر الفصل إن شاء الله أما ما تقدم بتقدم الزمان فكعاد وثمود والظلمات والنور فإن الظلمة سابقة للنور في المحسوس والمعقول وتقدمها في المحسوس معلوم بالخبر المنقول وتقدم الظلمة المعقولة معلوم بضرورة العقل قال سبحانه: والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة فالجهل ظلمة معقولة وهي متقدمة بالزمان على نور العلم ولذلك قال تعالى: في ظلمات ثلاث فهذه ثلاث محسوسات ظلمة الرحم وظلمة البطن وظلمة المشيمة وثلاث معقولات وهي عدم الإدراك الثلاثة المذكورة في الآية المتقدمة إذ لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حد ولكل حد مطلع وفي الحديث: quot; إن الله خلق عباده في ظلمة ثم ألقى عليهم من نورهquot; صحيح ومن المتقدم بالطبع نحو مثنى وثلاث ورباع ونحو: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم الآية وما يتقدم من الأعداد بعضها على بعض إنما يتقدم بالطبع كتقدم الحيوان على الإنسان والجسم على الحيوان ومن هذا الباب تقدم العزيز على الحكيم لأنه عز فلما عز حكم وربما كان هذا من تقدم السبب على المسبب ومثله كثير في القرآن نحو: يحب التوابين ويحب المتطهرين لأن التوبة سبب الطهارة وكذلك: كل أفاك أثيم لأن الإفك سبب الإثم وكذلك: كل معتد أثيم وأما تقدم هماز على مشاء بنميم فبالرتبة لأن المشي مرتب على القعود في المكان والهماز هو العياب وذلك لا يفتقر إلى حركة وانتقال من موضعه بخلاف النميمة وأما تقدم مناع للخير على معتد فبالرتبة أيضا لأن المناع يمنع من نفسه والمعتدي يعتدي على غيره ونفسه قبل غيره ومن المقدم بالرتبة: يأتوك رجالا وعلى كل ضامر لأن الذي يأتي راجلا يأتي من المكان القريب والذي يأتي على الضامر يأتي من المكان البعيد على أنه قد روي عن(1\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6276",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن عباس أنه قال: quot;وددت أني حججت راجلا لأن الله قدم الرجالة على الركبان في القرآن الكريمquot; فجعله ابن عباس من باب تقدم الفاضل على المفضول والمعنيان موجودان وربما قدم الشيء لثلاثة معان وأربعة وخمسة وربما قدم لمعنى واحد من الخمسة ومما قدم للفضل والشرف: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم وقوله: النبيين والصديقين ومنه تقديم السميع على البصير وسميع على بصير ومنه تقديم الجن على الإنس في أكثر المواضع لأن الجن تشتمل على الملائكة وغيرهم مما اجتن عن الأبصار قال تعالى: وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا وقال الأعشى: وسخر من جن الملائك شيعة ... قياما لديه يعملون بلا أجر وأما قوله تعالى: لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان وقوله: لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان وقوله: وأنا ظننا أن لن تقول الأنس والجن على الله كذبا فإن لفظ الجن هاهنا لا يتناول الملائكة بحال لنزاهتهم عن العيوب وأنه لا يتوهم عليهم الكذب ولا سائر الذنوب فلما لم يتناولهم عموم لفظ هذه القرينة بدأ بلفظ الإنس لفضلهم وكمالهم وأما تقديم السماء على الأرض فبالرتبة أيضا وبالفضل والشرف وأما تقديم الأرض في قوله: وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء فبالرتبة أيضا لأنها منتظمة بذكر ما هي أقرب إليه وهم المخاطبون بقوله: ولا تعملون من عمل فاقتضى حسن النظم تقديمها مرتبة في الذكر مع المخاطبين الذين هم أهلها بخلاف الآية التي في سبأ فإنها منتظمة بقوله عالم الغيب وأما تقديمه المال على الولد في كثير من الآي فلأن الولد بعد وجود المال نعمة ومسرة وعند الفقر وسوء الحال هم ومضرة فهذا من باب تقديم السبب على المسبب لأن المال سبب تمام النعمة بالولد وأما قوله: حب الشهوات من النساء والبنين فتقديم النساء على البنين بالسبب وتقدم الأموال على البنين بالرتبة ومما تقدم بالرتبة ذكر السمع والعلم حيث وقع فإنه خبر يتضمن التخويف والتهديد فبدأ بالسمع لتعلقه(1\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6277",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بما قرب كالأصوات وهمس الحركات فإن من سمع حسك وخفي صوتك أقرب إليك في العادة ممن يقال لك أنه يعلم وإن كان علمه تعالى متعلقا بما ظهر وبطن وواقعا على ما قرب وشطن ولكن ذكر السميع أوقع في باب التخويف من ذكر العليم فهو أولى بالتقديم وأما تقديم الغفور على الرحيم فهو أولى بالطبع لأن المغفرة سلامة والرحمة غنيمة والسلامة تطلب قبل الغنيمة وفي الحديث أن النبي قال: لعمرو بن العاص quot; أبعثك وجها يسلمك الله فيه ويغنمك وأرغب لك رغبة من المال quot; صحيح فهذا من الترتيب البديع بدأ بالسلامة قبل الغنيمة وبالغنيمة قبل الكسب وأما قوله: وهو الرحيم الغفور فالرحمة هناك متقدمة على المغفرة فإما بالفضل والكمال وإما بالطبع لأنها منتظمة بذكر أصناف الخلق من المكلفين وغيرهم من الحيوان فالرحمة تشملهم والمغفرة تخصهم والعموم بالطبع قبل الخصوص كقوله: فاكهة ونخل ورمان وكقوله: وملائكته ورسله وجبريل وميكال ومما قدم بالفضل قوله: واسجدي واركعي مع الراكعين لأن السجود أفضل وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فإن قيل فالركوع قبله بالطبع والزمان والعادة لأنه انتقال من علو إلى انخفاض والعلو بالطبع قبل الانخفاض فهلا قدم الركوع الجواب أن يقال: انتبه لمعنى الآية من قوله: واركعي مع الراكعين ولم يقل اسجدي مع الساجدين فإنما عبر بالسجود عن الصلاة وأراد صلاتها في بيتها لأن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها مع قومها ثم قال لها: اركعي مع الراكعين أي صلي مع المصلين في بيت المقدس ولم يرد أيضا الركوع وحده دون أجزاء الصلاة ولكنه عبر بالركوع عن الصلاة كما تقول: ركعت ركعتين وأربع ركعات يريد الصلاة لا الركوع بمجرده فصارت الآية متضمنة لصلاتين صلاتها وحدها عبر عنها بالسجود لأن السجود أفضل حالات العبد وكذلك صلاة المرأة في بيتها أفضل لها ثم صلاتها في المسجد عبر عنها بالركوع لأنه في الفضل دون السجود وكذلك صلاتها مع المصلين دون صلاتها وحدها في بيتها ومحرابها وهذا نظم بديع(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6278",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفقه دقيق وهذه نبذ تسير بك إلى ما وراءها ترشدك وأنت صحيح وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركوع السجود: وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود بدأ بالطائفين للرتبة والقرب من البيت المأمور بتطهيره من أجل الطوافين وجمعهم جمع السلامة لأن جمع السلامة أدل على لفظ الفعل الذي هو علة تعلق بها حكم التطهير ولو كان مكان الطائفين الطواف لم يكن في هذا اللفظ من بيان قصد الفعل ما في قوله: للطائفين ألا ترى أنك تقول تطوفون كما تقول طائفون فاللفظان متشابهان فإن قيل: فهلا أتى بلفظ الفعل بعينه فيكون أبين فيقول: وطهر بيتي للذين يطوفون قيل: إن الحكم يعلل بالفعل لا بذوات الأشخاص ولفظ الذين ينبئ عن الشخص والذات ولفظ الطواف يخفي معنى الفعل ولا يبينه فكان لفظ الطائفين أولى بهذا الموطن ثم يليه في الترتيب القائمين لأنه في معنى العاكفين وهو في معنى قوله: إلا ما دمت عليه قائما أي مثابرا ملازما وهو كالطائفين في تعلق حكم التطهر به ثم يليه بالرتبة لفظ الراكع لأن المستقبلين البيت بالركوع لا يختصون بما قرب منه كالطائفين والعاكفين ولذلك لم يتعلق حكم التطهير بهذا الفعل الذي هو الركوع وأنه لا يلزم أن يكون في البيت ولا عنده فلذلك لم يجيء بلفظ جمع السلامة لأنه لا يحتاج فيه إلى بيان لفظ الفعل كما احتيج فيما قبله ثم وصف الركع بالسجود ولم يعطف بالواو كما عطف ما قبله لأن الركع هم السجود والشيء لا يعطف بالواو على نفسه ولفائدة أخرى وهو أن السجود أغلب ما يجيء عبارة عن المصدر والمراد به هاهنا الجمع فلو عطف بالواو لتوهم أنه يريد السجود الذي هو المصدر دون الاسم الذي هو النعت وفائدة ثالثة أن الراكع إن لم يسجد فليس براكع في حكم الشريعة فلو عطفت هاهنا بالواو لتوهم أن الركوع حكم يجري على حباله فإن قيل فلم قال السجود على وزن فعول ولم يقل السجد كالركع وفي آية أخرى: ركعا سجدا ولم جمع ساجد على السجود ولم يجمع راكع على ركوع فالجواب: أن(1\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6279",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السجود في الأصل مصدر كالخشوع والخضوع وهو يتناول السجود الظاهر والباطن ولو قال: السجد في جمع ساجد لم يتناول إلا المعنى الظاهر وكذلك الركع ألا تراه يقول تراهم ركعا سجدا وهذه رؤية العين وهي لا تتعلق إلا بالظاهر والمقصود هنا الركوع الظاهر لعطفه على ما قبله مما يراد به قصد البيت والبيت لا يتوجه إليه إلا بالعمل الظاهر وأما الخشوع والخضوع الذي يتناوله لفظ الركوع دون لفظ الركع فليس مشروطا بالتوجه إلى البيت وأما السجود فمن حيث أنبأ عن المعنى الباطن جعل وصفا للركع ومتمما لمعناه إذ لا يصح الركوع الظاهر إلا بالسجود الباطن ومن حيث تناول لفظه أيضا السجود الظاهر الذي يشترط فيه التوجه إلى البيت حسن انتظامه أيضا مع ما قبله مما هو معطوف على الطائفين الذين ذكرهم بذكر البيت فمن لحظ هذه المعاني بقلبه وتدبر هذا النظم البديع بلبه ارتفع في معرفة الإعجاز عن التقليد وأبصر بعين اليقين أنه تنزيل من حكيم حميد تم كلامه قلت وقد تولج رحمه الله مضائق تضايق عنها أن تولجها الإبر وأتى بأشياء حسنة وبأشياء غيرها أحسن منها فأما تعليله تقديم ربيعة على مضر ففي غاية الحسن وهذا الاسمان لتلازمهما في الغالب صارا كاسم واحد فحسن فيهما ما ذكره وأما ما ذكره في تقديم الجن على الإنس من شرف الجن فمستدرك عليه فإن الإنس أشرف من الجن من وجوه عديدة وقد ذكرناها في غير هذا الموضع تفضيل الإنس على الملائكة وأما قوله: quot;إن الملائكة أفضلquot; أو هم أشرف فالمقدمتان ممنوعتان أما الأول فلأن أصل الملائكة ومادتهم التي خلقوا منها هي النور كما ثبت ذلك مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: وأما الجان فمادتهم النار بنص القرآن ولا يصح التفريق بين الجن والجان لغة ولا شرعا ولا عقلا وأما المقدمة الثانية وهي كون الملائكة خيرا وأشرف من الإنس فهي المسألة المشهورة: وهي تفضيل الملائكة أو البشر والجمهور على تفضيل البشر والذين فضلوا الملائكة هم المعتزلة والفلاسفة وطائفة ممن عداهم بل الذي(1\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6280",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ينبغي أن يقال في التقديم هنا أنه تقديم بالزمان لقوله تعالى: ولقد خلقنا الأنسان من صلصال من حمأ مسنون والجان خلقناه من قبل من نار السموم تقديم الإنس على الجن وأما تقديم الإنس على الجن في قوله: لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فلحكمة أخرى سوى ما ذكره وهو أن النفي تابع لما تعقله القلوب من الإثبات فيرد النفي عليه وعلم النفوس بطمث الإنس ونفرتها ممن طمثها الرجال هو المعروف فجاء النفي على مقتضى ذلك وكان تقديم الإنس في هذا النفي أهم وأما قوله: وأنا ظننا أن لن تقول الأنس والجن على الله كذبا فهذا يعرف سره من السياق فإن هذا حكاية كلام مؤمني الجن حين سماع القرآن كما قال تعالى: قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا الآيات وكان القرآن أول ما خوطب به الإنس ونزل على نبيهم وهم أول من بدأ بالتصديق والتكذيب قبل الجن فجاء قول مؤمني الجن: وأنا ظننا أن لن تقول الأنس والجن على الله كذبا بتقديم الإنس لتقدمهم في الخطاب بالقرآن وتقديمهم في التصديق والتكذيب وفائدة أخرى وهي أن هذا حكاية كلام مؤمني الجن لقومهم بعد أن رجعوا إليهم فأخبروهم بما سمعوا من القرآن وعظمته وهدايته إلى الرشد ثم اعتذروا عما كانوا يعتقدونه أولا بخلاف ما سمعوه من الرشد بأنهم لم يكونوا يظنون أن الإنس والجن يقولون على الله كذبا فذكرهم الإنس هنا في التقديم أحسن في الدعوة وأبلغ في عدم التهمة فإنهم خالفوا ما كانوا يسمعونه من الإنس والجن لما تبين لهم كذبهم فبداءتهم بذكر الإنس أبلغ في نفي الغرض والتهمة وأن لا يظن بهم قومهم أنهم ظاهروا الإنس عليهم فإنهم أول ما أقروا بتقولهم الكذب على الله تعالى وهذا من ألطف المعاني وأدقها ومن تأمل مواقعه في الخطاب عرف صحته وأما تقديم عاد على ثمود حيث وقع في القرآن فما ذكره من تقدمهم بالزمان فصحيح وكذلك الظلمات والنور وكذلك مثنى وبابه وأما تقديم العزيز على الحكيم فإن كان من الحكم وهو الفصل والأمر فما ذكره من المعنى صحيح وإن كان من الحكمة وهي كمال(1\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6281",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العلم والإرادة المتضمنين اتساق صنعه وجريانه على أحسن الوجوه وأكملها ووضعه الأشياء مواضعها وهو الظاهر من هذا الاسم فيكون وجه التقديم أن العزة كمال القدرة والحكمة كمال العلم وهو سبحانه الموصوف من كل صفة كمال بأكملها وأعظمها وغايتها فتقدم وصف القدرة لأن متعلقة أقرب إلى مشاهدة الخلق وهو مفعولاته تعالى وآياته وأما الحكمة فمتعلقها بالنظر والفكر والاعتبار غالبا وكانت متأخرة عن متعلق القدرة وجه ثان أن النظر في الحكمة بعد النظر في المفعول والعلم به فينتقل منه إلى النظر فيما أودعه من الحكم والمعاني ووجه ثالث: أن الحكمة غاية الفعل فهي متأخرة عنه تأخر الغايات عن وسائلها فالقدرة تتعلق بإيجاده والحكمة تتعلق بغايته فقدم الوسيلة على الغاية لأنها أسبق في الترتيب الخارجي وأما قوله تعالى: يحب التوابين ويحب المتطهرين ففيه معنى آخر سوى ما ذكره وهو أن الطهر طهران طهر بالماء من الأحداث والنجاسات وطهر بالتوبة من الشرك والمعاصي وهذا الطهور أصل لطهور الماء وطهور الماء لا ينفع بدونه بل هو مكمل له معد مهيأ بحصوله فكان أولى بالتقديم لأن العبد أول ما يدخل في الإسلام فقد تطهر بالتوبة من الشرك ثم يتطهر بالماء من الحدث وأما قوله: كل أفاك أثيم فالإفك هو الكذب وهو في القول والإثم هو الفجور وهو في الفعل الكذب يدعو إلى الفجور كما في الحديث الصحيح إن الكذب يدعو إلى الفجور وإن الفجور يدعو إلى النار رواه البخاري ومسلم فالذي قاله صحيح معنى ثان في قوله كل معتد أثيم وهو أن العدوان مجاوزة الحد الذي حد للعبد فهو ظلم في القدر والوصف وأما الإثم فهو محرم الجنس ومن تعاطى تعدي الحدود تخطى إلى الجنس الآخر وهو الإثم معنى ثالث وهو أن المعتدي الظالم لعباد الله تعالى عدوانا عليهم والأثيم الظالم لنفسه بالفجور فكان تقديمه هنا على الأثيم أولى لأنه في سياق ذمه والنهي عن طاعته فمن كان معتديا على العباد ظالما لهم فهو أحرى بأن وتوافقه وفيه معنى رابع وهو أنه قدمه(1\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6282",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على الأثيم ليقترن بما قبله وهو وصف المنع للخير فوصفه بأنه لا خير فيه للناس وأنه مع ذلك معتد عليهم فهو متأخر عن المناع لأنه يمنع خيره أولا ثم يعتدي عليهم ثانيا ولهذا يحمد الناس من يوجد لهم الراحة ويكف عنهم الأذى وهذا هو حقيقة التصوف وهذا لا راحة يوجدها ولا أذى يكفه تقديم هماز على مشاء بنميم وأما تقديم هماز على مشاء بنميم ففيه آخر غير ما ذكره وهو أن همزه عيب للمهموز وإزراء به وإظهار لفساد حاله في نفسه فإن قال يختص بالمهموز لا يتعداه إلى غيره والمشي بالنميمة يتعداه إلى من ينم عنده فهو ضرر متعد والهمز ضرره لازم للمهموز إذا شعر به ما ينقل من الأذى اللازم إلى الأذى المتعدي المنتشر تقديم الرجال على الركبان وأما تقديم الرجال على الركبان ففيه فائدة جليلة وهي أن الله تعالى شرط في الحج الاستطاعة ولا بد من السفر إليه لغالب الناس فذكر نوعي الحجاج لقطع توهم من يظن أنه لا يجب إلا على راكب وقدم الرجال اهتماما بهذا المعنى وتأكيدا ومن الناس من يقول قدمهم جبرا لهم لأن نفوس الركبان تزدريهم وتوبخهم وتقول: إن الله تعالى لم يكتبه عليكم ولد يرده منكم وربما توهموا أنه غير نافع لهم فبدأ به جبرا لهم ورحمة تقديم غسل الوجه وأما تقديم غسل الوجه ثم اليد ثم مسح الرأس ثم الرجلين في الوضوء فمن يقول إن هذا الترتيب واجب وهو الشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهما ومن وافقهما فالآية عندهم اقتضت التقديم وجوبا لقرائن عديدة أحدها: أنه أدخل ممسوحا بين مغسولين وقطع النظير عن نظيره ولو أريد الجمع المطلق لكان المناسب أن يذكر المغسولات متسقة في النظم والممسوح بعدها فلما عدل إلى ذلك دل على وجوب ترتيبها على الوجه الذي ذكره الله الثاني أن هذه الأفعال هي أجزاء فعل واحد مأمور به وهو الوضوء فدخلت الواو عاطفة لأجزائه بعضها على بعض والفعل الواحد يحصل من ارتباط أجزائه بعضها ببعض فدخلت الواو بين الأجزاء للربط فأفادت الترتيب إذا هو الربط المذكور في الآية ولا يلزمه من كونها لا تفيد الترتيب بين أفعال لا ارتباط بينها نحو أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة أن لا تفيده بين أجزاء فعل مرتبطة(1\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6283",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعضها ببعض فتأمل هذا الموضع ولطفه وهذا أحد الأقوال الثلاثة في إفادة الواو للترتيب وأكثر الأصوليين لا يعرفونه ولا يحكونه وهو قول ابن أبي موسى من أصحاب أحمد ولعله أرجح الأقوال الثالث أن لبداءة الرب تعالى بالوجه دون سائر الأعضاء خاصة فيجب مراعاتها وأن لا تلغى وتهدر فيهدر ما اعتبره الله تعالى ويؤخر ما قدمه الله وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن ما قدمه الله فإنه ينبغي تقديمه ولا يؤخر بل يقدم ما قدمه الله ويؤخر ما أخره الله تعالى فلما طاف بين الصفا والمروة بدأ بالصفا وقال: quot;نبدأ بما بدأ الله تعالى بهquot; رواه الترمذي ومالك وأخرج مسلم نحوه وفي رواية للنسائي: quot;ابدءوا بما بدأ الله بهquot; صحيح على الأمر فتأمل بداءته بالصفا معللا ذلك بكون الله تعالى بدأبه فلا ينبغي تأخيره وهكذا يقول المرتبون للوضوء سواء نحن نبدأ بما بدأ الله به ولا يجوز تأخير ما قدمه الله تعالى ويتعين البداءة بما بدأ الله تعالى به وهذا هو الصواب لمواظبة المبين عن الله تعالى مراده صلى الله عليه وسلم على الوضوء المرتب فاتفق جميع من ثقل عنه وضوءه كلهم على إيقاعه مرتبا ولم ينقل عنه أحد قط أنه أخل بالترتيب مرة واحدة فلو كان الوضوء المنكوس مشروعا لفعله ولو في عمره مرة واحدة لتبين جوازه لأمته وهذا بحمد الله أوضح تقديم النبيين على الصديقين فأما تقديم النبيين على الصديقين فلما ذكره ولكون الصديق تابعا للنبي فإنما استحق اسم الصديق بكمال تصديقه للنبي فهو تابع محض وتأمل تقديم الصديقين على الشهداء لفضل الصديقين عليهم وتقديم الشهداء على الصالحين لفضلهم عليهم تقديم السمع على البصر السمع متقدم على البصر حيث وقع في القرآن الكريم مصدرا أو فعلا أو اسما فالأول كقوله تعال: إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا والثاني كقوله تعالى: إنني معكما أسمع وأرى والثالث كقوله تعالى: سميع بصير  إنه هو السميع البصير  وكان الله سميعا بصيرا فاحتج بهذا من يقول إن السمع أشرف من البصر وهذا قول الأكثرين وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي وحكوا هم وغيرهم عن أصحاب أبي حنيفة أنهم قالوا البصر أفضل ونصبوا معهم الخلاف وذكروا الحجاج من الطرفين ولا أدري ما يترتب على(1\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6284",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذه المسألة من الأحكام حتى تذكر في كتب الفقه وكذلك القولان للمتكلمين والمفسرين وحكى أبو المعالي عن ابن قتيبة: تفضيل البصر ورد عليه واحتج مفضلو السمع بأن الله تعالى يقدمه في القرآن حيث وقع وبالسمع تنال سعادة الدنيا والآخرة فإن السعادة بأجمعها في طاعة الرسل والإيمان بما جاءوا به وهذا إنما يدرك بالسمع ولهذا في الحديث الذي رواه أحمد وغيره من حديث الأسود بن سريع ثلاثة كلهم يدلي على الله بحجته يوم القيامة فذكر منهم رجلا أصم يقول يا رب لقد جاء الإسلام وأنا لا أسمع شيئا صحيح واحتجوا بأن العلوم الحاصلة من السمع أضعاف العلوم الحاصلة من البصر فإن البصر لا يدرك إلا بعض الموجودات المشاهدة بالبصر القريبة والسمع يدرك الموجودات والمعدومات والحاضر والغائب والقريب والبعيد والواجب والممكن والممتنع فلا نسبة لإدراك البصر إلى إدراكه واحتجوا بأن فقد السمع يوجب ثلم القلب واللسان ولهذا كان الأطرش خلقة لا ينطق في الغالب وأما فقد البصر فربما كان معينا على قوة إدراك البصيرة وشدة ذكائها فإن نور البصر ينعكس إلى البصيرة باطنا فيقوي إدراكها ويعظم ولهذا تجد كثيرا من العميان أو أكثرهم عندهم من الذكاء الوقاد والفطنة وضياء الحس الباطن ما لا تكاد تجده عند البصير ولا ريب أن سفر البصر في الجهات والأقطار ومباشرته للمبصرات على اختلافها يوجب تفرق القلب وتشتيته ولهذا كان الليل أجمع للقلب والخلوة أعون على إصابة الفكرة قالوا فليس نقص فاقد السمع كنقص فاقد البصر ولهذا كثير في العلماء والفضلاء وأئمة الإسلام من هو أعمى ولم يعرف فيهم واحد أطرش بل لا يعرف في الصحابة أطرش فهذا ونحوه من احتجاجهم على تفضيل البصر قال منازعوهم يفصل بيننا وبينكم أمران أحدهما أن مدرك البصر النظر إلى وجه الله تعالى في الدار الآخرة وهو أفضل نعيم أهل الجنة وأحبه إليهم ولا شيء أكمل من المنظور إليه سبحانه فلا حاسة في العبد أكمل من حاسة تراه بها الثاني أن هذا النعيم وهذا العطاء(1\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6285",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنما نالوه بواسطة السمع فكان السمع كالوسيلة لهذا المطلوب الأعظم فتفضيله عليه كفضيلة الغايات على وسائلها وأما ما ذكرتم من سعة إدراكاته وعمومها فيعارضه كثرة الخيانة فيها ووقوع الغلط فإن الصواب فيما يدركه السمع بالإضافة إلى كثرة المسموعات قليل في كثير ويقابل كثير مدركاته صحة مدركات البصر وعدم الخيانة وأن ما يراه ويشاهده لا يعرض فيه من الكذب ما يعرض فيه فيما يسمعه وإذا تقابلت المرتبتان بقي الترجيح بما ذكرناه قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه: quot;وفصل الخطاب أن إدراك السمع أعم وأشمل وإدراك البصر أتم وأكمل فهذا له التمام والكمال وذاك له العموم والشمول فقد ترجح كل منهما على الآخر بما اختصquot; به تم كلامه وقد ورد في الحديث المشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر: quot; هذان السمع والبصر quot; صحيح على الراجح وهذا يحتمل أربعة أوجه أحدها: أن يكون المراد أنهما مني بمنزلة السمع والبصر والثاني يريد أنهما من دين الإسلام بمنزلة السمع والبصر من الإنسان فيكون الرسول بمنزلة القلب والروح وهما بمنزلة السمع والبصر من الدين وعلى هذا فيحتمل وجهين أحدهما التوزيع فيكون أحدهما بمنزلة السمع والآخر بمنزلة البصر والثاني الشركة فيكون هذا التنزيل والتشبيه بالحاستين ثابتا لكل واحد منهما فكل منهما بمنزلة السمع والبصر فعلى احتمال التوزيع والتقسيم تكلم الناس أيهما هو السمع وأيهما هو البصر وبنوا ذلك على أي الصفتين أفضل فهي صفة الصديق والتحقيق أن صفة البصر للصديق وصفة السمع للفاروق ويظهر لك هذا من كون عمر محدثا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في هذه الأمة أحد فعمر quot; رواه مسلم والتحديث المذكور هو ما يلقى في القلب من الصواب والحق وهذا طريقه السمع الباطن وهو بمنزلة التحديث والإخبار في الأذن وأما الصديق فهو الذي كمل مقام الصديقية لكمال بصيرته حتى كأنه قد باشر بصره مما أخبر به الرسول ما باشر قلبه فلم يبق بينه وبين إدراك البصر إلا حجاب الغيب فهو(1\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6286",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كأنه ينظر إلى ما أخبر به من الغيب من وراء ستوره وهذا لكمال البصيرة وهذا أفضل مواهب العبد وأعظم كراماته التي يكرم بها وليس بعد درجة النبوة إلا هي ولهذا جعلها سبحانه بعدها فقال: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهذا هو الذي سبق به الصديق لا بكثرة صوم ولا بكثرة صلاة وصاحب هذا يمشي رويدا ويجيء في الأول ولقد تعناه من لم يكن سيره على هذا الطريق وتشميره إلى هذا العلم وقد سبق من شمر إليه وإن كان يزحف زحفا ويحبو حبوا ولا تستطل هذا الفصل فإنه أهم مما قصد بالكلام فليعد إليه فقيل تقديم السمع على البصر له سببان أحدهما أن يكون السياق يقتضيه بحيث يكون ذكرها بين الصفتين متضمنا للتهديد والوعيد كما جرت عادة القرآن بتهديد المخاطبين وتحذيرهم بما يذكره من صفاته التي تقتضي الحذر والاستقامة كقوله: فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم وقوله: من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا والقرآن الكريم مملوء من هذا وعلى هذا فيكون في ضمن ذلك أني أسمع ما يردون به عليك وما يقابلون به رسالاتي وأبصر ما يفعلون ولا ريب أن المخاطبين بالرسالة بالنسبة إلى الإجابة والطاعة نوعان أحدهما قابلوها بقولهم صدقت ثم عملوا بموجبها والثاني قابلوها بالتكذيب ثم عملوا بخلافها فكانت مرتبة المسموع منهم قبل مرتبة البصر فقدم ما يتعلق به على ما يتعلق بالمبصر وتأمل هذا المعنى في قوله تعالى: لموسى إنني معكما أسمع وأرى هو يسمع ما يجيبهم به ويرى ما يصنعه وهذا لا يعم سائر المواضع بل يختص منها بما هذا شأنه والسبب الثاني أن إنكار الأوهام الفاسدة لسمع الكلام مع غاية البعد بين السامع والمسموع أشد من إنكارها لرؤيته مع بعده وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: quot;اجتمع عند البيت ثلاثة نفر ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول فقال: الآخر يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا فقال الثالث: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو(1\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6287",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يسمع إذا أخفينا quot; رواه البخاري ومسلم والترمذي ولم يقولوا أترون الله يرانا فكان تقديم السمع أهم والحاجة إلى العلم به أمس وسبب ثالث وهو أن حركة اللسان بالكلام أعظم حركات الجوارح وأشدها تأثيرا في الخير والشر والصلاح والفساد بل عامة ما يترتب في الوجود من الأفعال إنما ينشأ بعد حركة اللسان فكأن تقديم الصفة المتعلقة به أهم وأولى وبهذا يعلم تقديمه على العليم حيث وقع تقديم السماء على الأرض وأما تقديم السماء على الأرض ففيه معنى وهو أن السموات والأرض تذكر غالبا في سياق آيات الرب الدالة على وحدانيته وربوبيته ومعلوم أن الآيات في السموات أعظم منها في الأرض لسعتها وعظمها وما فيها من كواكبها وشمسها وقمرها وبروجها وعلوها واستغنائها عن عمد تقلها أو علاقة ترفعها إلى غير ذلك من عجائبها وما فيها كقطرة في سعتها ولهذا أمر سبحانه بأن يرجع الناظر فيها البصر كرة بعد كرة ويتأمل استواءها واتساقها وبراءتها من الخلل والفطور فالآية فيها أعظم من الأرض وفي كل شيء له آية سبحانه وبحمده وأما تقديم الأرض عليها في قوله: وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وتأخيرها عنها في سبأ فتأمل كيف وقع هذا الترتيب في سبأ في ضمن قول الكفار: لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض كيف قدم السموات هنا لأن الساعة إنما تأتي من قبلها وهي غيب فيها ومن جهتها تبتديء وتنشأ ولهذا قدم صعق أهل السموات على أهل الأرض عندها فقال تعالى: ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض وأما تقديم الأرض على السماء في سورة يونس فإنه لما كان السياق سياق تحذير وتهديد للبشر وإعلامهم أنه سبحانه عالم بأعمالهم دقيقها وجليلها وأنه لا يغيب عنه منها شيء اقتضى ذلك ذكر محلهم وهو الأرض قبل ذكر السماء فتبارك من أودع كلامه من الحكم والأسرار والعلوم ما يشهد أنه كلام الله تعالى وأن مخلوقا لا يمكن أن يصدر منه مثل هذا الحكم أبدا تقديم المال على الولد وأما تقديم المال على الولد فلم يطرد هذا التقديم في القرآن الكريم بل قد جاء مقدما كذلك في قوله: وما أموالكم(1\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "73",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6288",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا أولادكم بالتي تقربكم وقوله: إنما أموالكم وأولادكم فتنة وقوله: لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله وجاء ذكر البنين مقدما كما في قوله: قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وقوله: زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة فأما تقديم الأموال في تلك المواضع الثلاثة فلأنه ينتظمها معنى واحد وهو التحذير من الاشتغال بها والحرص على تحصيلها حتى يفوته حظه من الله والدار الآخرة فهي في موضع عن الإلتهاء بها وأخبر في موضع أنها فتنة وأخبر في موضع آخر أن الذي يقرب عباده إليه إيمانهم وعملهم الصالح لا أموالهم ولا أولادهم ففي ضمن هذا النهي عن الاشتغال بها عما يقرب إليه ومعلوم أن اشتغال الناس بأموالهم والتلاهي بها أعظم من اشتغالهم بأولادهم وهذا هو الواقع حتى إن الرجل ليستغرقه اشتغاله بماله عن مصلحة ولده وعن معاشرته وقربه وأما تقديمهم على الأموال في تينك الآيتين فلحكمة باهرة وهي أن براءة متضمنة لوعيد من كانت تلك الأشياء المذكورة فيها أحب إليه من الجهاد في سبيل الله ومعلوم أن تصور المجاهد فراق أهله وأولاده وآبائه وإخوانه وعشيرته تمنعه من الخروج عنهم أكثر مما يمنعه مفارقته ماله فإن تصور مع هذا أن يقتل فيفارقهم فراق الدهر نفرت نفسه عن هذه أكثر وأكثر ولا يكاد عند هذا التصور يخطر له مفارقة ماله بل يغيب بمفارقة الأحباب عن مفارقة المال فكان تقديم هذا الجنس أولى من تقديم المال وتأمل هذا الترتيب البديع في تقديم ما قدم وتأخير ما أخر يطلعك على عظمة هذا الكلام وجلالته فبدأ أولا بذكر أصول العبد وهم آباؤه المتقدمون طبعا وشرفا ورتبة وكان فخر القوم بآبائهم ومحاماتهم عنهم أكثر من محاماتهم عن أنفسهم وأموالهم وحتى عن أبنائهم ولهذا حملتهم محاماتهم عن آبائهم ومناضلتهم عنهم إلى أن احتملوا القتل وسبي الذرية ولا يشهدون على آبائهم بالكفر والنقيصة ويرغبون عن دينهم لما في ذلك من إزرائهم بهم ثم ذكر الفروع وهم الأبناء لأنهم يتلونهم في الرتبة وهم أقرب أقاربهم إليهم وأعلق بقلوبهم وألصق بأكبادهم من الإخوان(1\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "74",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6289",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعشيرة ثم ذكر الإخوان وهم الكلالة وحواشي النسب فذكر الأصول أولا ثم الفروع ثانيا ثم النظراء ثالثا ثم الأزواج رابعا لأن الزوجة أجنبية عنده ويمكن أن يتعوض عنها بغيرها وهي إنما تراد للشهوة وأما الأقارب من الآباء والأبناء والإخوان فلا عوض عنهم ويرادون للنصرة والدفاع وذلك مقدم على مجرد الشهوة ثم ذكر القرابة البعيدة خامسا وهي العشيرة وبنو العم فإن عشائرهم كانوا بني عمتهم غالبا وإن كانوا أجانب فأولى بالتأخير ثم انتقل إلى ذكر الأموال بعد الأقارب سادسا ووصفها بكونها مقترفة أي مكتسبة لأن القلوب إلى ما اكتسبته من المال أميل وله أحب وبقدره أعرف لما حصل له فيه من التعب والمشقة بخلاف مال جاء عفوا بلا كسب من ميراث أو هبة أو وصية فإن حفظه للأول ومراعاته له وحرصه على بقائه أعظم من الثاني والحس شاهد بهذا وحسبك به ثم ذكر التجارة سابعا لأن محبة العبد للمال أعظم من محبته للتجارة التي يحصله بها فالتجارة عنده وسيلة إلى المال المقترف فقدم المال على التجارة تقديم الغايات على وسائلها ثم وصف التجارة بكونها مما يخشى كسادها وهذا يدل على شرفها وخطرها وأنه قد بلغ قدرها إلى أنها مخوفة الكساد ثم ذكر الأوطان ثامنا آخر المراتب لأن تعلق القلب بها دون تعلقه بسائر ما تقدم فإن الأوطان تتشابه وقد يقوم الوطن الثاني مقام الأول من كل وجه ويكون خيرا منه فمنها عوض وأما الآباء والأبناء والأقارب والعشائر فلا يتعوض منهما بغيرها فالقلب وإن كان يحن إلى وطنه الأول فحنينه إلى آبائه وأبنائه وزوجاته أعظم فمحبة الوطن آخر المراتب وهذا هو الواقع إلا لعارض يترجح عنده إيثار البعيد على القريب فذلك جزئي لا كلي فلا تناقض به وأما عند عدم العوارض فهذا هو الترتيب المناسب والواقع وأما آية آل عمران فإنها لما كانت في سياق الإخبار بما زين للناس من الشهوات التي آثروها على ما عند الله واستغنوا بها قدم ما تعلق الشهوة به أقوى والنفس إليه أشد سعرا وهو النساء التي فتنتهن أعظم فتن الدنيا وهي القيود التي حالت بين العباد(1\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "75",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6290",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبين سيرهم إلى الله ثم ذكر البنين المتولدين منهم فالإنسان يشتهي المرأة للذة والولد وكلاهما مقصود له لذاته ثم ذكر شهوة الأموال لأنها تقصد لغيرها فشهوتها شهوة الوسائل وقدم أشرف أنواعها وهو الذهب ثم الفضة بعده ثم ذكر الشهوة المتعلقة بالحيوان الذي لا يعاشر عشرة النساء والأولاد فالشهوة المتعلقة به دون الشهوة المتعلقة بها وقدم أشرف هذا النوع وهو الخيل فإنها حصون القوم ومعاقلهم وعزهم وشرفهم فقدمها على الأنعام التي هي الإبل والبقر والغنم ثم ذكر الأنعام وقدمها على الحرث لأن الجمال بها والانتفاع أظهر وأكثر من الحرث كما في قوله تعال: ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون والانتفاع بها أكثر من الحرب فإنه ينتفع بها ركوبا وأكلا وشربا ولباسا وأمتعة وأسلحة ودواء وقنية إلى غير ذلك من وجوه الانتفاع وأيضا فصاحبها أعز من صاحب الحرث وأشرف وهذا هو الواقع فإن صاحب الحرث لا بد له من نوع مذلة ولهذا قال بعض السلف وقد رأى سكة ما دخل هذا دار قوم إلا دخلهم الذل فجعل الحرث في آخر المراتب وضعا له في موضعه ويتعلق بهذا نوع آخر من التقديم لم يذكره وهو تقديم الأموال على الأنفس في الجهاد حيث ما وقع في القرآن الكريم إلا في موضع واحد وهو قوله: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله وأما سائر المواضع فقدم فيها المال نحو قوله: وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم وقوله: وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم وهو كثير فما الحكمة في تقديم المال على النفس وما الحكمة في تأخيره في هذا الموضع وحده وهذا لم يتعرض له السهيلي رحمه الله فيقال: أولا: هذا دليل على وجوب الجهاد بالمال كما يجب بالنفس فإذا دهم العدو وجب على القادر الخروج بنفسه فإن كان عاجزا وجب عليه أن يكتري بماله وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد والأدلة عليها أكثر من أن تذكر هنا ومن تأمل أحوال النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته في أصحابه وأمرهم بإخراج أموالهم(1\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "76",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6291",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في الجهاد قطع بصحة هذا القول والمقصود تقديم المال في الذكر وأن ذلك مشعر بإنكار وهم من يتوهم أن العاجز بنفسه إذا كان قادرا على أن يغزو بماله لا يجب عليه شيء فحيث ذكر الجهاد قدم ذكر المال فكيف يقال لا يجيب به ولو قيل إن وجوبه بالمال أعظم وأقوى من وجوبه بالنفس لكان هذا القول أصح من قول من قال لا يجب بالمال وهذا بين وعلى هذا فتظهر الفائدة في تقديمه في الذكر وفائدة ثانية على تقدير عدم الوجوب وهي أن المال محبوب النفس ومعشوقها التي تبذل ذاتها في تحصيله وترتكب الأخطار وتتعرض للموت في طلبه وهذا يدل على أنه هو محبوبها ومعشوقها فندب الله تعالى محبيه المجاهدين في سبيله إلى بذل معشوقهم ومحبوبهم في مرضاته فإن المقصود أن يكون الله هو أحب شيء إليهم ولا يكون في الوجود شيء أحب إليهم منه فإذا بذلوا محبوبهم في حبه نقلهم إلى مرتبة أخرى أكمل منها وهي بذل نفوسهم له فهذا غاية الحب فإن الإنسان لا شيء أحب إليه من نفسه فإذا أحب شيئا بذل له محبوبه من نفسه وماله فإذا آل الأمر إلى بذل نفسه ضن بنفسه وآثرها على محبوبه هذا هو الغالب وهو مقتضى الطبيعة الحيوانية والإنسانية ولهذا يدافع الرجل عن ماله وأهله وولده فإذا أحس بالمغلوبية والوصول إلى مهجته ونفسه فر وتركهم فلم يرض الله من محبيه بهذا بل أمرهم أن يبذلوا له نفوسهم بعد أن بذلوا له محبوباتهم وأيضا فبذل النفس آخر المراتب فإن العبد يبذل ماله أولا يقي به نفسه فإذا لم يبق له ماله بذل نفسه فكان تقديم المال على النفس في الجهاد مطابقا للواقع وأما قوله إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم فكان تقديم الأنفس هو الأولى لأنها هي المشتراة في الحقيقة وهي مورد العقد وهي السلعة التي استلمها ربها وطلب شراءها لنفسه وجعل ثمن هذا العقد رضاه وجنته فكانت هي المقصود بعقد الشراء والأموال تبع لها فإذا ملكها مشتريها ملك مالها فإن العبد وما يملكه لسيده ليس له فيه شيء فالمالك الحق إذا ملك النفس ملك أموالها ومتعلقاتها فحسن تقديم النفس على المال في(1\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "77",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6292",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذه الآية حسنا لا مزيد عليه الاستدلال على كلام السهيلي لنرجع إلى كلام السهيلي فما ذكره من تقديم الغفور على الرحيم فحسن جدا وأما تقديم الرحيم على الغفور في موضع واحد وهو أول سبأ ففيه معنى غير ما ذكره يظهر لمن تأمل سياق أوصافه العلى وأسمائه الحسنى في أول السورة إلى قوله وهو الرحيم الغفور فإنه ابتدأ سبحانه السورة بحمده الذي هو أعم المعارف وأوسع العلوم وهو متضمن لجميع صفات كماله ونعوت جلاله مستلزم لها كما هو متضمن لحكمته في جميع أفعاله وأوامره فهو المحمود على كل حال وعلى كل ما خلقه وشرعه ثم عقب هذا الحمد بملكه الواسع المديد فقال: الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ثم عقبه بأن هذا الحمد ثابت له في الآخرة غير منقطع أبدا فإنه حمد يستحقه لذاته وكمال أوصافه وما يستحقه لذاته دائم بدوامه لا يزول أبدا وقرن بين الملك والحمد على عاداته تعالى في كلامه فإن اقتران أحدهما بالآخر له كمال زائد على الكمال بكل واحد منهما فله كمال من ملكه وكمال من حمده وكمال من اقتران أحدهما بالأخر فإن الملك بلا حمد يستلزم نقصا والحمد بلا ملك يستلزم عجزا والحمد مع الملك غاية الكمال ونظير هذا العزة والرحمة والعفو والقدرة والغنى والكرم فوسط الملك بين الجملتين فجعله محفوفا بحمد قبله وحمد بعده ثم عقب هذا الحمد والملك باسم الحكيم الخبير الدالين على كمال الإرادة وأنها لا تتعلق بمراد إلا لحكمة بالغة وعلى كمال العلم وأنه كما يتعلق بظواهر المعلومات فهو متعلق ببواطنها التي لا تدرك إلا بخبره فنسبة الحكمة إلى الإرادة كنسبة الخبرة إلى العلم فالمراد ظاهر والحكمة باطنة والعلم ظاهر والخبرة باطنة فكمال الإرادة أن تكون واقعة على وجه الحكمة وكمال العلم أن يكون كاشفا عن الخبرة فالخبرة باطن العلم وكماله والحكمة باطن الإرادة وكمالها فتضمنت الآية إثبات حمده وملكه وحكمته وعلمه على أكمل الوجوه ثم ذكر تفاصيل علمه بما ظهر وما بطن في العالم العلوي والسفلي فقال: يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء(1\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "78",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6293",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما يعرج فيها ثم ختم الآية بصفتين تقتضيان غاية الإحسان إلى خلقه وهما الرحمة والمغفرة فيجلب لهم الإحسان والنفع على أتم الوجوه برحمته ويعفو عن زلتهم ويهب لهم ذنوبهم ولا يؤاخذهم بها بمغفرته فقال: وهو الرحيم الغفور فتضمنت هذه الآية سعة علمه ورحمته وحكمه ومغفرته وهو سبحانه يقرن بين سعة العلم والرحمة كما يقرن بين العلم والحلم فمن الأول قوله: ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ومن الثاني: والله عليم حليم فما قرن شيء إلى شيء أحسن من حلم إلى علم ومن رحمة إلى علم وحملة العرش أربعة اثنان يقولان سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك واثنان يقولان سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك فاقتران العفو بالقدرة كاقتران الحلم والرحمة بالعلم لأن العفو إنما يحسن عند القدرة وكذلك الحلم والرحمة إنما يحسنان مع العلم وقدم الرحيم في هذا الموضع لتقدم صف ثم ختم الآية بذكر صفة المغفرة لتضمنها دفع الشر وتضمن ما قبلها جلب الخير ولما كان دفع الشر مقدما على جلب الخير قدم اسم الغفور على الرحيم حيث وقع ولما كان في هذا الموضع تعارض يقتضي تقديم اسمه الرحيم لأجل ما قبله قدم على الغفور وأما قوله تعالى: يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين فقد أبعد النجعة فيما تعسفه من فائدة التقديم وأتى بما ينبو اللفظ عنه وقال غيره السجود كان في دينهم قبل الركوع وهذا قائل ما لا علم له به والذي يظهر في الآية والله أعلم بمراده من كلامه أنها اشتملت على مطلق العبادة وتفصيلها فذكر الأعم ثم ما هو أخص منه ثم ما هو أخص من الأخص فذكر القنوت أولا وهو الطاعة الدائمة فيدخل فيه القيام والذكر والدعاء وأنواع الطاعة ثم ذكر ما هو أخص منه وهو السجود الذي يشرع وحده كسجود الشكر والتلاوة ويشرع في الصلاة فهو أخص من مطلق القنوت ثم ذكر الركوع الذي لا يشرع إلا في الصلاة فلا يسن الإتيان به منفردا فهو أخص مما قبله(1\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "79",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6294",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ففائدة الترتيب النزول من الأعم إلى الأخص إلى أخص منه وهما طريقتان معروفتان في الكلام النزول من الأعم إلى الأخص وعكسها وهو الترقي من الأخص إلى ما هو أعم منه إلى ما هو أعم ونظيرها: يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير فذكر أربعة أشياء أخصها الركوع ثم السجود أعم منه ثم العبادة أعم من السجود ثم فعل الخير العام المتضمن لذلك كله والذي يزيد هذا وضوحا الكلام على ما ذكره بعد هذه الآية من قوله: وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود فإنه ذكر أخص هذه الثلاثة وهو الطواف الذي لا يشرع إلا بالبيت خاصة ثم انتقل منه إلى الاعتكاف وهو القيام المذكور في الحج وهو أعم من الطواف لأنه يكون في كل مسجد ويختص بالمساجد لا يتعداها ثم ذكر الصلاة التي تعم سائر بقاع الأرض سوى ما منع منه مانع أو استثني شرعا وإن شئت قلت ذكر الطواف الذي هو أقرب العبادات بالبيت ثم الاعتكاف الذي يكون في سائر المساجد ثم الصلاة التي تكون في البلد كله بل في كل بقعة فهذا تمام الكلام على ما ذكره من الأمثلة وله رحمه الله مزيد السبق وفضل التقدم:. وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس الواو والألف في يفعلون وتفعلان أصل للواو والألف في الزيدون والزيدان فإنما جعلنا ما هو من الأفعال أصلا لما هو في الأسماء لأنها إذا كانت في الأفعال كانت أسماء وعلامة جمع وإذا كانت في الأسماء كانت علامة محضة لا أسماء وما يكون اسما وعلامة في حال هو الأصل لما يكون حرفا في موضع آخر إذا كان اللفظ واحدا نحو كاف الضمير وكاف المخاطبة في ذلك وهذا أولى بنا من أن نجعل الحرف أصلا والاسم فرعا له يدلك على هذا أنهم لم يجمعوا بالواو والنون من الأسماء إلا ما كان فيه معنى الفعل كالمسلمون والصالحون دون رجلون وخيلون فإن قيل فالأعلام ليس فيها معنى الفعل وقد جمعوها كذلك قيل الأسماء الأعلام لا تجمع هذا الجمع إلا وفيها الألف واللام فلا يقال جاءني زيدون وعمرون(1\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "80",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6295",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فدل على أنهم أرادوا معنى الفعل أي الملقبون بهذا الاسم والمعرفون بهذه العلامة فعاد الأمر إلى ما ذكرنا وأما التثنية فمن حيث قالوا: في الفعل فعلا وصنعا لمن يعقل وغيره ولم يقولوا: صنعوا إلا لمن يعقل لم يجعلوا الواو علامة للجمع في الأسماء إلا فيما يعقل إذ كان فيه معنى الفعل ومن حيث اتفق معنى التثنية ولم يختلف اتفق لفظها كذلك في جميع أحوالها ولم يختلف استوى فيها العاقل وغيره ومن حيث اختلفت معاني الجموع بالكثرة والقلة اختلفت ألفاظها ولما كان الإخبار عن جمع ما لا يعقل يجري مجرى الجملة والأمة والبلد لا يقصد به في الغالب إلا الأعيان المجتمعة على التخصيص لا كل منهما على التعيين كان الإخبار عنها بالفعل كالإخبار عن الأسماء المؤنثة إذ الجملة والأمة وما هو في ذلك المعنى أسماء مؤنثة ولذلك قالوا: الجمال ذهبت والثياب بيعت إذ لا يتعين في قصد الضمير كل واحد منهما في غالب الكلام والتفاهم بين الأنام ولما كان الإخبار عن جمع ما يعقل بخلاف ذلك وكان كل واحد من الجمع يتعين غالبا في القصد إليه والإشارة وكان اجتماعهم في الغالب عن ملازمتهم وتدبير أغراض عقلية جعلت لهم علامة تختص بهم تنبيء عن الجمع المعنوي كما هي في ذاتها جمع لفظي وهي الواو لأنها ضامة بين الشفتين وجامعة لهما وكل محسوس يعبر عن معقول فينبغي أن يكون مشاكلا له فما خلق الله الأجساد في صفاتها المحسوسة إلا مطابقة للأرواح في صفاتها المعقولة ولا وضع الألفاظ في لسان آدم وذريته إلا موازنة للمعاني التي هي أرواحها وعلى نحو ذلك خصت الواو بالعطف لأنه جمع في معناه وبالقسم لأن واوه في معنى واو العطف وأما اختصاص الألف بالتثنية فلقرب التثنية من الواحد في المعنى فوجب أن يقرب لفظها من لفظه وكذلك لا يتغير بناء الواحد منهما كما لا يتغير في أكثر الجموع وفعل الواحد مبني على الفتح فوجب أن يكون فعل الإثنين كذلك وذلك لا يمكن مع غير الألف فلما ثبت أن الألف بهذه العلة ضمير الإثنين كانت علامة للاثنين في الأسماء كما فعلوا في الواو حين كانت ضمير الجماعة في الفعل جعلت علامة للجمع في الأسماء(1\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "81",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6296",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلحاق النون بالأفعال الخمسة وأما إلحاق النون بعد حرف المد في هذه الأفعال الخمسة فحملت على الأسماء التي في معناها المجموعة جمع السلامة والمثناة نحو مسلمون ومسلمان وهي في تثنية الأسماء وجمعها عوضا عن التنوين كما ذكروا ثم شبهوا بها هذه الأمثلة الخمسة وألحقوا النون فيها في حال الرفع لأنها إذا كانت مرفوعة كانت واقعة موقع الاسم فاجتمع فيها وقوعها موقع الاسم ومضارعتها له في اللفظ لأن آخرها حرف مد ولين ومشاركتها له في المعنى فألحق فيها النون عوضا عن حركة الإعراب حملا على الأسماء كما حملت الأسماء عليها فجمعت بالواو والياء فالنون في تثنية الأسماء وجمعها أصل للنون في تثنية الأفعال وجمعها أعني علامة الإعراب هي أصل الحروف والمد في تثنية الأسماء وجمعها التي هي علامات إعراب وحروف إعراب كما تقدم فإن قيل فهلا أثبتوا هذه النون في حال النصب والجزم من الأمثلة الخمسة لعدم العلة المتقدمة وهي وقوعها موقع الاسم وأنت إذا أدخلت النواصب والجوازم لم تقع موقع الأسماء لأن الأسماء لا تكون بعد عوامل الأفعال فبعدت عن الأسماء ولم يبق فيها إلا مضارعتها لها في اتصال حروف المد بها مع الاشتراك في معنى الفعل فإن قيل فأين الإعراب فيها في حال النصب والجزم قلنا مقدر كما هو في كل اسم وفعل آخره حرف مد ولين سواء وسواء كان حرف المد زائدا أو أصليا ضميرا أو حرفا كيرمي القاضي وعصا ورمى وسكرى وغلامي إلا أنه مع هذه الياء مقدر قبلها أعني الإعراب وهو في يرمي ويخشى ونحوه مقدر في نفس الحرف لا قبله لأنه لا يتقدر إعراب اسم في غيره وإذا ثبت ذلك فقولك لن تفعلوا ولن تفعلي إعرابه مقدر قبل الضمير في لام الفعل كما هو كذلك في غلامي وليس زوال النون وحذفها هو الإعراب لأنه يستحيل أن يحول بين حرف الإعراب وبين إعرابه اسم فاعل أو غير فاعل مع أن العدم ليس بشيء فيكون إعرابا وعلامة لشيء في أصل الكلام ومفعوله وأما فعل جماعة النساء فكذلك أيضا إعرابه مقدر قبل علامة الإضمار كما هو مقدر قبل الياء من غلامي فعلامة الإضمار منعت من ظهوره لاتصالها بالفعل وأنها لبعض حروفه(1\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "82",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6297",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلا يمكن تعاقب الحركات على لام الفعل معها كما لم يمكن ذلك مع ضمائر الفاعلين المذكورين ولا مع الياء في غلامي ولا يمكن أيضا أن يكون الإعراب في نفس النون لأنها ضمير الفاعل فهي غير الفعل ولا يكون إعراب شيء في غيره ولا يمكن أيضا أن يكون بعدها فإنه مستحيل في الحركات وبعيد كل البعد في غير الحركات أن يكون إعرابا وبينه وبين حرف الإعراب اسم أو فعل فثبت أنه مقدر كما هو في جميع الأسماء والأفعال المعربة التي لا يقدر على ظهور الإعراب فيها لمانع كما تقدم فإن قيل: فقد أثبتم أن فعل جماعة المؤنث معرب وهذا خلاف لسيبويه ومن وافقه من النحويين فإنهم زعموا أنه مبني وإن اختلفوا في علة بنائه قلنا بل هو وفاق لهم لأنهم علمونا وأصلوا لنا أصلا صحيحا فلا ينبغي لنا أن ننقضه ونكسره عليهم وهو وجود المضارعة الموجبة للإعراب وهي موجودة في يفعلن وتفعلن فمتى وجدت الزوائد الأربع وجدت المضارعة وإذا وجدت المضارعة وجد الإعراب فإن قيل: فهلا عوضوا من حركة الإعراب في حال رفعه كما فعلوا في يفعلون لأنه أيضا واقع موقع الاسم قلنا قد تقدم ما في يفعلون ويفعلان من وجوه الشبه بينه وبين جمع السلامة في الأسماء فمنها الوقوع موقع الاسم ومنها المضارعة في اللفظ من جهة حروف المد واللين وهذا الشبه معدوم في يفعلن من جهة اللفظ لأنه ليس مثل لفظ فاعلين ولا فاعلات وإن كان واقعا موقعه في حال الرفع فائدة: أسماء الأيام لما كانت الأيام متماثلة لا يتميز يوم من يوم بصفة نفسية ولا معنوية لم يبق تمييزها إلا بالأعداد ولذلك جعلوا أسماء أيام الأسبوع مأخوذة من العدد نحو الإثنين والثلاثاء والأربعاء أو بالأحداث الواقعة فيها كيوم بعاث ويوم بدر ويوم الفتح ومنه يوم الجمعة وفيه قولان: أحدهما: لاجتماع الناس فيه للصلاة. والثاني: وهو الصحيح(1\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "83",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6298",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأنه اليوم الذي جمع فيه الخلق وكمل وهو اليوم الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين لفصل القضاء وأما يوم السبت فمن القطع كما تشعر به هذه المادة ومن السبات لانقطاع الحيوان فيه عن التحرك والمعاش والنعال السبتية التي قطع عنها الشعر وعلة السبات التي تقطع العليل عن الحركة والنطق ولم يكن يوما من أيام تخليق العالم بل ابتداء أيام التخليق الأحد وخاتمتها الجمعة هذا أصح القولين وعليه يدل القرآن وإجماع الأمة على أن أيام تخليق العالم ستة فلو كان أولها السبت لكان سبعة وأما حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم في صحيحه: quot;خلق الله التربة يوم السبت quot; رواه مسلم فقد ذكر البخاري في تاريخه أنه حديث معلول وأن الصحيح: quot;أنه قول كعبquot; وهو كما ذكر لأنه يتضمن أن أيام التخليق سبعة والقرآن يرده واعلم أن معرفة أيام الأسبوع لا يعرف بحس ولا عقل ولا وضع يتميز به الأسبوع عن غيره وإنما يعلم بالشرع ولهذا لا يعرف أيام الأسبوع إلا أهل الشرائع ومن تلقى ذلك عنهم وجاورهم وأما الأمم الذين لا يدينون بشريعة ولا كتاب فلا يتميز الأسبوع عندهم من غيره ولا أيامه بعضها من بعض وهذا بخلاف معرفة الشهر والعام فإنه بأمر محسوس فائدة: الأمس واليوم والغد هذا بحث في اليوم وأمس وغد وسبب اختصاص كل لفظ بمعناه اعلم أن أقرب الأيام إليك يومك الذي أنت فيه فيقال فعلت اليوم فذكر الاسم العام ثم عرف بأداة العهد ولا شيء أعرف من يومك الحاضر فانصرف إليه ونظيره الآن من آن وأما أمس وغد فلما كان كل واحد منهما متصلا بيومك اشتق له اسم من أقرب ساعة إليه الأمس فاشتق لليوم الماضي أمس الملاقي للمساء وهو أقرب إلى(1\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "84",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6299",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يومك من صباحه أعني صباح غد فقالوا: أمس وكذلك غد فقد اشتق الاسم من الغد وهو أقرب إلى يومك من مسائه أعني مساء غد وتأمل كيف بنو أمس وأعربوا غدا لأن أمس صيغ من فعل ماض وهو أمسى وذلك مبني فوضعوا أمس على وزن الأمر من أمسى يمسي وأما الغد فإنه لم يؤخذ من مبني إذ لا يمكن أن يقال هو مأخوذ من غدا كما يمكن أن يقال أمس من أمسى بل أقصى ما يمكن فيه أن يكون من الغدو والغدوة وليستا بمبنيتين وهذه العلة أحسن من علة النحاة أن أمس بني لتضمنه معنى اللام وأصله الأمس قالوا لأنهم يقولون أمس الدابر فيصفونه بذي اللام فدل على أنه معرفة ولا يمكن أن يكون معرفة إلا بتقدير اللام وهذا أولا منقوض بقولهم غد الآتي فيلزم على طرد علتهم أن يبنوا غدا وأيضا فإن أمس جرى مجرى الإعلام وهو والله أعلم بمنزلة أصمت وأطرق مما جاء منها بلفظ الأمر اسم علم لمكان يقول الرجل لصاحبه فقد اصمت إذا جاوزه فاصمت في المكان كأمس في الزمان ولعله أخذ من قولهم أمس بخير وأمس معنا ونحوه ولا يقال كيف يدعي فيهم العلمية مع شيوعه لأنا نقول علميته ليست كعلمية زيد وعمرو بل كعلمية أسامة وذؤالة وبرة وفجار وبابه مما جعل الجنس فيه بمنزلة الشخص في العلم الشخصي فإن قيل فما الفرق بينه وهو اسم الجنس إذا قيل هذا ما أعضل على كثير من النحاة حتى جعلوا الفرق بينهما لفظيا فقط وقالوا يظهر تأثيره في منع الصرف ووصفه بالمعرفة وانتصاب الحال عنه ونحو ذلك ولم يهتدوا لسر الفرق بين أن موضع اللفظ لواحد منهم منكر شائع في الجنس ولمسمى الجنس المطلق فهنا ثلاثة أمور تتبعها ثلاثة أوضاع أحدها معرف معين من الجنس له العلم الشخصي كزيد الثاني واحد منهم شائع في الجنس غير معرف فله الاسم النكرة كأسد من الأسد والثالث الجنس المتصور في الذهن المنطبق على كل فرد من أفراده وله علم الجنس كأسامة فنظير هذا أمس في الزمان ولهذا وصف بالمعرفة فأعلق بهذه الفائدة التي لا تجدها في شيء من كتب القوم والحمد لله الوهاب المان بفضله.(1\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "85",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6300",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: حذف لام يد ودم وغد المشهور عند النحاة أن حذف لام يد ودم وغد وبابه حذف اعتباطي لا سبب له لأنهم لم يروه جاريا على قياس الحذف وقد يظهر فيه معنى لطيف وهو أن الألفاظ أصلها المصادر الدالة على الأحداث فأصل مصدر غدا يغدو غدوا بوزن رمى وأصل دمي بوزن فرح مصدر دمي يدمى كبقي يبقى وأصل كذلك يدي من يديت إليه يديا ثم حذفوا فقالوا: يدا وكذلك سم أصله سمو من سما يسمو سموا كعلم يعلم علما فلما زحزحت على أصل موضوعاتها وبقى فيها من المعنى الأول ما يعلم أنها مشتقة منه حذفت منها لاماتها بإزاء ما نقص من معانيها ليكون النقص في اللفظ موازيا للنقص في المعنى فلا يستوفى حروف الكلمة بأسرها إلا عند حصول المعنى بأسره فائدة: دخول الزوائد على الحروف دخول الزوائد على الحروف الأصلية منبه على معان زائدة على معنى الكلمة التي وضعت الحروف الأصلية عبارة عنه فإن كان المعنى الزائد آخرا كانت الزيادة آخر كنحو التاء في فعلت لأنها تنبيء عما رتبته بعد الفعل وإن كان المعنى الزائد أولا كانت الزيادة الدالة عليه سابقة على حروف الكلمة كالزوائد الأربع فإنها تنبيء أن الفعل لم يحصل بعد لفاعله وأن بينه وبين تحصيله جزءا من الزمان وكان الحرف الزائد السابق للفظ مشيرا في اللسان إلى الجزء من الزمان مرتبا في البيان على حسب ترتب المعنى في الجنان وكذلك حكم جميع ما يرد(1\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "86",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6301",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليك في كلامهم فإن قيل: فهلا كانت الياء مكان التاء والهمزة قيل: أصل هذه الزوائد الياء بدليل كونها في الوضع الذي لا يحتاج فيه إلى الفرق بين ما مذكر ومؤنث وهو فعل جماعة النساء فإنك إذا قلت النسوة يقمن فالفرق حاصل بالنون وأيضا فأصل الزيادة لحروف المد واللين والواو لا تزاد أولا لئلا يشتبه بواو العطف والألف يتعذر أولا لسكونها فلم يبق إلا الياء فهي الأصل فلما أريد الفرق كانت الهمزة للمتكلم أولى لإشعارها بالضمير المستتر في الفعل إذ هي أول حروف ذلك الضمير إذا برز فلتكن مشيرة إليه إذا خفي وكانت النون لفعل المتكلم أولى لوجودها في أول لفظ الضمير الكامن في الفعل إذا ظهر فلتكن دالة عليه إذا خفي واستتر وكانت التاء من تفعل للمخاطب لكونها في الضمير المستتر فيه وإن لم تكن في أول اللفظ أعني أتت ولكنها في آخره ولم يخصوا بالدلالة عليه ما هو في أول لفظه أعني الهمزة لمشاركته للمتكلم فيها وفي النون فلم يبق من لفظ الضمير إلا التاء فجعلوها في أول الفعل علما عليه وإيماء إليه فإن قيل: فكان يلزم على هذا أن تكون الزيادة في فعل الغائب جاء لوجودها في لفظ ضمير الغائب إذا برز قيل لا ضمير في الغائب في أصل الكلام وأكثر مواضعه لأن الاسم الظاهر يغني عنه ولا يستتر ضمير الغائب حتى يتقدمه مذكور يعود عليه وليس كذلك فعل المتكلم والمخاطب والمخبرين عن أنفسهم فإنه لا يخلو أبدا عن ضمير ولا يجيء بعده اسم ظاهر يكون علامة ولا مضمرا أيضا إلا أن يكون توكيدا للمضمر المنطوي عليه الفعل ومن هاهنا ضارعت الأسماء حتى أعربت وجرت مجراها في دخول لام التوكيد وغير ذلك لأنها ضمنت معنى الأسماء بالحروف التي في أوائلها فهي من حيث دلت على الحدث والزمان فعل محض ومن حيث دلت بأوائلها على المتكلم والمخاطب وغير ذلك متضمنة معنى الاسم فاستحقت الإعراب الذي هو من خواص الاسم كما استحق الاسم المتضمن معنى الحرف البناء(1\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "87",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6302",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: فعل الحال. فعل الحال لا يكون مستقبلا وإن حسن فيه عد كما لا يكون المستقبل حالا أبدا ولا الحال ماضيا وأما جاءني زيد يسافر غدا فعلى تقدير الحكاية له إذا وقع وهي حال مقدرة ومنه قوله تعالى: ولو ترى إذ وقفوا والوقوف مستقبل لا محالة ولكن جاء بلفظ الماضي حكاية لحال يوم الحساب فيه لا يترتب على وقوف قد ثبت وكذلك: قال الذين حق عليهم القول وقال الذين في النار وهو كثير والوقت مستقبل والفعل بلفظ الماضي ونحوه: فوجد فيها رجلين يقتتلان حكاية للحال فكذلك يقوم زيد غدا هو على التقرير والتصوير لهيئته إذا وقع وهذا لأن الأصل أنه لا يحكم للفظين متغايرين بمعنى واحد إلا بدليل ولا للفظ واحد بمعنيين إلا بدليل فائدة: حروف المضارعة حروف المضارعة وإن كانت زوائد فقد صارت كأنها من أنفس الكلم وليست كذلك السين وسوف وإن كانوا قد شبهوهما بحروف المضارعة والحروف الملحقة بالأصول ولذلك تقول غدا يقوم زيد فتقدم الظرف على الفعل كما تفعل ذلك في الماضي الذي لا زيادة فيه نحو أمس قام زيد ولا يستقيم هذا في المقرون بالسين وسوف لا تقول غدا سيقوم زيد لوجوه منها أن السين تنبيء عن معنى الاستئناف والاستقبال للفعل وإنما يكون مستقبلا بالإضافة إلى ما قبله فإن كان قبله ظرف أخرجته السين عن الوقوع في الظرف فبقي الظرف لا عامل فيه فبطل الكلام فإذا قلت: سيقوم غدا دلت السين على أن الفعل مستقبل بالإضافة إلى ما قبله وليس قبله إلا حالة التكلم ودل لفظ غدا على استقبال اليوم فتطابقا(1\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "88",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6303",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصار ظرفا له الثاني: أن السين وسوف من حروف المعاني الداخلة على الجمل ومعناها في نفس المتكلم وإليه يسند لا إلى الاسم المخبر عنه فوجب أن يكون له صدر الكلام كحروف الاستفهام والنفي والنهي وغير ذلك ولذلك قبح زيد سأضرب وزيد سيقوم مع أن الخبر عن زيد إنما هو بالفعل لا بالمعنى الذي دلت عليه السين فإن ذلك المعنى مستند إلى المتكلم لا إلى زيد فلا يجوز أن يخلط بالخبر عن زيد فتقول زيد سيفعل فإذا دخلت أن على الاسم المبتدأ جاز دخول السين في الخبر لاعتماد الاسم على أن ومضارعتها للفعل فصارت في اللفظ مع اسمها كالجملة التامة فصلح دخول السين فيما بعدها وأما مع عدم أن فيقبح ذلك وهذا مذهب أبي الحسن شيخ السهيلي قال السهيلي: فقلت له: أليس قد قال الله تعالى: والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات فقال لي: اقرأ ما قبل الآية فقرأت إن الذين كفروا الآية فضحك وقال: قد كنت أفزعتني أليست هذه أن في الجملة المتقدمة وهذه الأخرى معطوفة بالواو عليها والواو تنوب مناب تكرار العامل فسلمت له وسلمت قال: ونظير هذه المسألة مسألة اللام في إن تقول إن زيدا لقائم ولا تقول زيد لقائم والمصحح لتقديم الظرف على الفعل الماضي أن معنى المضي مستفاد من لفظه لا من حرف زائد على الجملة منفصل عن الفعل كالسين وقد وأما فعل الحال فزوائده ملحقة بالأصل فإن أدخلت على الماضي قد التي للتوقع كانت بمنزلة السين التي للاستئناف وقبح حينئذ أمس قد قام زيد كما قبح غدا يقوم زيد والعلة حذو النعل بالنعل(1\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "89",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6304",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: السين تشبه حروف المضارعة السين تشبه حروف المضارعة ونقرر قبل ذلك مقدمة وهي لم تعمل في الفعل وقد اختصت به والجواب أنها فاصلة لهذا الفعل من فعل الحال كما فصلت الزوائد الأربع فعل الحال عن الماضي فأشبهتها وإن لم تكن مثلها في اتصالها ولحوقها بالأصل كما أشبهت لام التعريف العلمية في اتصالها وتعرف الاسم بها وإن لم تكن ملحقة بحروف الأصل فلما لم تعمل تلك اللام في الأسماء مع اختصاصها بها لم تعمل هذه في الأفعال مع استبدادها بها هذا تعليل الفارسي في بعض كتبه وابن السراج والسهيلي وهو يحتاج إلى بيان وإيضاح وتقريره أن الحرف إذا نزل منزلة الجزء من الكلمة لم يعمل فيها لأن أجزاء الكلمة لا يعمل بعضها في بعض ولام التعريف مع المعرف بمنزلة اسم علم فنزلت منزلته مع الماضي بمنزلة فعل الحال فنزلت منزلة جزئه وأما الزوائد الأربع فهي فاصلة لفعل الحال عن الماضي فصارت مع الفعل بمنزلة كلمة واحدة دالة على فعل الحال وكذلك السين مع الفعل فاصلة للمستقبل عن الحال فصارت مع الفعل بمنزلة كلمة واحدة دالة على فعل الاستقبال وهذا المعنى موجود في سوف أيضا فاختصاص الحرف شرط عمله ونزوله منزلة الجزء مانع عن العمل فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم ب أن المصدرية فإنها منزلة الجزء من الكلمة ولهذا يصير الفعل بها في تأويل كلمة مفردة ومع هذا فهي عاملة قيل: هذا لا ينقض ما أصلناه لأن هذا الحرف لم ينزل منزلة الجزء من الفعل وإنما صار به الفعل في تأويل الاسم فلم ينتقض ما ذكرناه وعلل السهيلي بطلان عمل سوف بعلة أخرى فقال وأما سوف فحرف ولكنه على لفظ السوف الذي هو الشم لرائحة ما ليس بحاضر وقد وجدت رائحته كما أن سوف هذه تدل على أن ما بعدها ليس بحاضر وقد علم وقوعه(1\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "90",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6305",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وانتظر إيابه ولا غرو أن يتقارب معنى الحرف من معنى الاسم المشتق المتمكن في الكلام فائدة: معنى ثم ثم حرف عطف ولفظها كلفظ الثم وهو زم الشيء بعضه إلى بعض كما قال: كنا أهل ثمة ورمة وأصله ثممت البيت إذا كان فيه فرج فسدد بالثمام والمعنى الذي في ثم العاطفة قريب من هذا لأنه ضم شيء إلى شيء بينهما مهلة كما أن ثم البيت ضم بين شيئين بينهما فرجة ومن تأمل هذا المعنى في الحروف والأسماء المضارعة لها ألفاه كثيرا فائدة بديعة: دخول أن على الفعل في دخول أن على الفعل دون الاكتفاء بالمصدر ثلاث فوائد أحدها: أن المصدر قد يكون فيما مضى وفيما هو آت وليس في صيغته ما يدل عليه فجاءوا بلفظ الفعل المشتق منه مع أن ليجتمع لهم الإخبار عن الحدث مع الدلالة على الزمان الثانية: أن تدل على إمكان الفعل دون الوجوب والاستحالة الثالثة: أنها تدل على مجرد معنى الحدث دون احتمال معنى زائد عليه ففيها تحصين من الإشكال وتخليص له من شوائب الإجمال بيانه أنك إذا قلت كرهت خروجك وأعجبني قدومك احتمل الكلام معاني منها أن يكون نفس القدوم هو المعجب لك دون صفة من صفاته وهيأته وإن كان لا يوصف في الحقيقة بصفات ولكنها عبارة عن الكيفيات واحتمل أيضا أنك تريد أنه أعجبك سرعته أو بطؤه(1\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "91",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6306",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو حالة من حالاته فإذا قلت أعجبني أن قدمت كانت أن على الفعل بمنزلة الطبايع والصواب من عوارض الإجمالات المتصورة في الأذهان وكذلك زادوا أن بعد لما في قولهم لما أن جاء زيد أكرمتك ولم يزيدوها بغير ظرف سوى لما وذلك أن لما ليست في الحقيقة ظرف زمان ولكنه حرف يدل على ارتباط الفعل الثاني بالأول وأن أحدهما كالعلة للآخر بخلاف الظرف إذا قلت حين قام زيد قام عمرو فجعلت أحدهما وقتا للآخر على اتفاق لا على ارتباط فلذلك زادوا أن بعدها صيانة لهذا المعنى وتخليصا له من الاحتمال العارض في الظرف إذ ليس الظرف من الزمان بحرف فيكون قد جاء لمعنى كما جاءت لما تركيب لما وقد زعم الفارسي أنها مركبة من لم وما وقال السهيلي: ولا أدري ما وجه قوله: وهي عندي من الحروف التي في لفظها شبه من الاشتقاق وإشارة إلى مادة هي مأخوذة منها نحو: ما تقدم في سوف وثم لأنك تقول لممت الشيء لما إذا ضممت بعضه إلى بعض وهذا نحو من هذا المعنى الذي سيقت إليه لأنه ربط فعل بفعل على جهة التسبيب أو التعقيب فإذا كان التسبيب حسن إدخال إن بعدها زائدة إشعارا بمعنى المفعول من أجله وإن لم يكن مفعولا من أجله نحو قوله: ولما جاءت رسلنا لوطا فلما أن جاء البشير ونحوه وإذا كان التعقيب مجردا من التسبب لم يحسن زيادة أن بعدها وتأمله في القرآن الكريم أن التفسيرية وأن المصدرية وأما أن التي للتفسير فليست مع ما بعدها بتأويل المصدر ولكنها تشارك أن التي تقدم ذكرها في بعض معانيها لأنها تحصين لما بعدها من الاحتمالات وتفسير لما قبلها من المصادر المجملة التي في معنى المقالات والإشارات فلا يكون تفسيرا إلا لفعل في معنى التراجم الخمسة الكاشفة عن كلام النفس لأن الكلام القائم في النفس والغائب عن الحواس في الأفئدة يكشفه للمخاطبين خمسة أشياء اللفظ والخط والإشارة والعقد والنصب وهي لسان الحال وهي أصدق من لسان المقال فلا تكون أن المفسرة إلا تفسيرا لما أجمل من هذه الأشياء كقولك كتبت إليه أن اخرج وأشرت إليه اذهب نودي أن بورك من في النار(1\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "92",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6307",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأوصيته أن اشكر وعقدت في يدي أن قد أخذت بخمسين وزريت على حائطي أن لا يدخلوه ومنه قول الله عز وجل: ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان هي هاهنا لتفسير النصبة التي هي لسان الحال وإذا كان الأمر فيها كذلك فهي بعينها التي تقدم ذكرها لأنها إذا كانت تفسيرا فإنما تفسر الكلام والكلام مصدر فهي إذا في تأويل مصدر إلا أنك أوقعت بعدها الفعل بلفظ الأمر والنهي وذلك مزيد فائدة ومزيد الفائدة لا تخرج الفعل عن كونه فعلا فلذلك لا تخرج عن كونها مصدرية كما لا يخرجها عن ذلك صيغة المضي والاستقبال بعدها إذا قلت يعجبني أن تقوم وأن قمت فكأنهم إنما قصدوا إلى ماهية الحدث مخبرا عن الفاعل لا الحدث مطلقا ولذلك لا تكون مبتدأة وخبرها في ظرف أو مجرور لأن المجرور لا يتعلق بالمعنى الذي يدل عليه أن ولا الذي من أجله صيغ الفعل واشتق من المصدر وإنما يتعلق المجرور بالمصدر نفسه مجردا من هذا المعنى كما تقدم فلا يكون خبرا عن أن المتقدمة وإن كانت في تأويل اسم وكذلك أيضا لا يخبر عنها بشيء مما هو من صفة للمصدر كقولك قيام سريع أو بطيء ونحوه لا يكون مثل هذا خبرا عن المصدر فإن قلت: حسن أن تقوم وقبح أن تفعل جاز ذلك لأنك تريد بها معنى المفعول كأنك تقول أستحسن هذا أو أستقبحه وكذلك إذا قلت لأن تقوم خير من أن تقعد جاز لأنه ترجيح وتفصيل فكأنك تأمره بأن يفعل ولست بمخبر عن الحدث بدليل امتناع ذلك في المضي فإنك لا تقول إن قمت خير من أن قعد ولا إن قام زيد خير من أن قعد وامتناع هذا دليل على ما قدمناه من أن الحدث هو الذي يخبر عنه وأما أن وما بعدها فإنها وإن كانت في تأويل المصدر فإن لها معنى زائدا ولا يجوز الإخبار عنه ولكنه يراد ويلزم يؤمر به فإن وجدتها مبتدأة ولها خبر فليس الكلام على ظاهره كما تقدم تركيب لن وأما لن فهي عند الخليل مركبة من لا ولن ولا يلزم ما اعترض عليه سيبويه من تقديم المفعول عليها لأنه يجوز في المركبات ما لا يجوز في(1\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "93",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6308",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البسائط واحتج الخليل بقول جابر الأنصاري وهو من شعراء الجاهلية فإن أمسك فإن العيش حلو ... إلي كأنه عسل مشوب يرجى المرء مالا أن يلاقي ... ويعرض دون أدناه الخطوب فإذا ثبت ذلك فمعناها نفي الإمكان ب لن كما تقدم وكان ينبغي أن تكون جازمة ك لم لأنها حرف نفي مختص بالفعل فوجب أن يكون عمله الجزم الذي هو نفي الحركة وانقطاع الصوت ليتطابق اللفظ والمعنى وقد فعل ذلك بعض العرب فجزم بها حين لحظ هذا الأسلوب النفي ولكن أكثرهم ينصب بها مراعاة ل أن المركبة فيها مع لا إذ هي من جهة الفعل وأقرب إلى لفظه فهي أحق بالمراعاة من معنى النفي فرب نفي لا يجزم الأفعال وذلك إذا لم يختص بها دون الأسماء والنفي في هذا الحرف إنما جاءه من قبل لا وهي غير عاملة لعدم اختصاصها فلذلك كان النصب بها أولى من الجزم على أنها قد ضارعت لم لتقارب المعنى واللفظ حتى قدم عليها معمول فعلها فقالوا زيدا لن أضرب كما قالوا: زيدا لم أضرب ومن خواصها تخليصها الفعل للاستقبال بعد أن كان محتملا للحال فأغنت عن السين وسوف وجل هذه النواصب تخلص الفعل للاستقبال ومن خواصها أنها تنفي ما قرب ولا يمتد معنى النفي فيها كامتداد معنى النفي في حرف لا إذا قلت: لا يقوم زيد أبدا وقد قدمنا أن الألفاظ مشاكلة للمعاني التي أرواحها يتفرس الفطن فيها حقيقة المعنى بطبعه وحسه كما يتعرف الصادق الفراسة صفات الأرواح في الأجساد من قوالبها بفطنته وقلت يوما لشيخنا أبي العباس بن تيمية قدس الله روحه قال ابن جني: مكثت برهة إذا ورد علي لفظ آخذ معناه من نفس حروفه وصفاتها وجرسه وكيفية تركيبه ثم أكشفه فإذا هو كما ظننته أو قريبا منه فقال لي رحمه الله: وهذا كثيرا ما يقع لي وتأمل حرف لا كيف تجدها لاما بعدها(1\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "94",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6309",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ألفا يمتد بها الصوت ما لم يقطعه ضيق النفس فآذن امتداد لفظها بامتداد معناها ولن يعكس ذلك فتأمله فإنه معنى بديع وانظر كيف جاء في أفصح الكلام كلام الله: ولا يتمنونه أبدا بحرف لا في الموضع الذي اقترن به حرف الشرط بالفعل فصار من صيغ العموم فانسحب على جميع الأزمنة وهو قوله عز وجل: إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت كأنه يقول: متى زعموا ذلك لوقت من الأوقات أو زمن من الأزمان وقيل لهم: تمنوا الموت فلا يتمنونه أبدا وحرف الشرط دل على هذا المعنى وحرف لا في الجواب بإزاء صيغة العموم لاتساع معنى النفي فيها وقال في سورة البقرة ولن يتمنونه فقصر من سعة النفي وقرب لأن قبله: قل إن كانت لكم الدار الآخرة لأن إن وكان هنا ليست من صيغ العموم لأن كان ليست بدالة على حدث وإنما هي داخلة على المبتدأ والخبر عبارة عن مضي الزمان الذي كان فيه ذلك الحدث فكأنه يقول عز وجل إن كان قد وجبت لكم الدار الآخرة وثبتت لكم في علم الله فتمنوا الموت الآن ثم قال في الجواب: ولن يتمنوه فانتظم معنى الجواب بمعنى الخطاب في الآيتين جميعا وليس في قوله: أبدا ما يناقض ما قلناه فقد يكون أبدا بعد فعل الحال تقول زيد يقوم أبدا قصور المعتزلة في فهم كلام الله ومن أجل ما تقدم من قصور معنى النفي في لن وطوله في لا يعلم الموفق قصور المعتزلة في فهم كلام الله تعالى حيث جعلوا لن تدل على النفي على الدوام واحتجوا بقوله: لن تراني وعلمت بهذا أن بدعتهم الخبيثة حالت بينهم وبين فهم كلام الله كما ينبغي وهكذا كل صاحب بدعة تجده محجوبا عن فهم القرآن وتأمل قوله تعالى: لا تدركه الأبصار كيف نفى فعل الإدراك ب لا الدالة على طول النفي ودوامه فإنه لا يدرك أبدا وإن رآه المؤمنون فأبصارهم لا تدركه تعالى عن أن يحيط به مخلوق وكيف نفى الرؤية ب لن فقال: لن تراني لأن النفي بها لا يتأبد وقد كذبهم الله في قولهم بتأبيد النفي ب لن بقوله وقالوا: يا مالك ليقض علينا ربك فهذا تمن للموت فلو اقتضت لن دوام(1\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "95",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6310",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النفي تناقض الكلام كيف وهي مقرونة بالتأبيد بقوله: ولن يتمنوه أبدا ولكن ذلك لا ينافي تمنيه في النار لأن التأبيد قد يراد به التأبيد المقيد والتأبيد المطلق فالمقيد كالتأبيد بمدة الحياة مقيد كقولك: والله لا أكلمه أبدا والمطلق كقولك والله لا أكفر بربي أبدا وإذا كان كذلك فالآية إنما اقتضت نفي تمني الموت أبد الحياة الدنيا ولم يتعرض للآخرة أصلا وذلك لأنهم لحبهم الحياة وكراهتهم للجزاء لا يتمنون وهذا منتف في الآخرة فهكذا ينبغي أن يفهم كلام الله لا كفهم المحرفين له عن مواضعه قال أبو القاسم السهيلي: على أني أقول إن العرب إنما تنفي ب لن ما كان ممكنا عند المخاطب مظنونا أنه سيكون فتقول له إن لن تكون لما ظن أنه يكون لأن لن فيها معنى أن وإذا كان الأمر عندهم على الشك لا على الظن كأنه يقول أيكون أم لا قلت في النفي لن يكون وهذا كله مقول لتركيبها من لا وإن وتبين لك وجه اختصاصها في القرآن الكريم بالمواضع التي وقعت فيها دون لا فائدة: إذا الظرفية الشرطية قولهم إذا أكرمك قال السهيلي: هي عندي إذا الظرفية الشرطية خلع منها معنى الاسمية كما فعلوا ذلك بإذ وبكاف الخطاب وبالضمائر المنفصلة وكذلك فعلوا ب إذا إلا أنهم زادوا فيها التنوين فذهبت الألف والقياس إذا وقفت عليها أن يرجع الألف لزوال العلة وإنما نونوها لما فصلوها عن الإضافة إذ التنوين علامة الانفصال كما فصلوها عن الإضافة إلى الجملة فيه فصار التنوين معاقبا للجملة إلا أن إذ في ذلك الموضع لم تخرج عن الاسمية في نحو قوله: ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون جعلها سيبويه هاهنا حرفا بمنزلة إن فإن قيل: ليس شيء من هذه الأشياء التي صيرت حروفا بعد أن كانت اسما إلا وقد بقي فيها معنى من معانيها كما بقي في كاف الخطاب معنى الخطاب وفي على معنى الاستعلاء فما بقي في إذا من معانيها في حال الاسمية(1\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "96",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6311",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجواب أنك إذا قلت سأفعل كذا إذا خرج زيد ففعلك مرتبط بالخروج مشروط به وكذلك إذا قال لك القائل قد أكرمتك فقلت إذا أحسن إليك ربطت إحسانك بإكرامه وجعلته جزاء له فقد بقي فيها طرف من معنى الجزاء وهي حرف كما كان فيها معنى الجزاء وهو اسم وأما إذ من قوله إذ ظلمتم ففيها معنى الاقتران بين الفعلين كما كان فيها ذلك في حال الظرفية تقول: لأضربن زيدا إذ شتمني فهي وإن لم تكن ظرفا ففيها معنى الظرف كأنك تنهه على أنك تجازيه على ما كان منه وقت الشتم فإن لم يكن الضرب واقعا في حال الشتم فله رد إليه وتنبيه عليه فقد لاح لك قرب ما بينها وبين أن التي هي للمفعول من أجله ولذلك شبهها سيبويه بها في شواذ كتابه وعجبا للفارسي: حيث غاب ذلك عنه وجعلها ظرفا ثم تحيل في إيقاع الفعل الذي هو النفع فيها وسوقه إليها وأما إذا فإذا كانت منونة فإنها لا تكون إلا مضافا إلى ما قبلها ليعتمد على الظرف المضاف إليها فلا يزول عنها معنى الظرفية كما زال عن أختها حين نونوها وفصلوها عن الفعل الذي كانت تضاف إليه والأصل في هذا أن إذ وإذا في غاية من الإبهام والبعد عن شبه الأسماء والقرب من الحروف لعدم الاشتقاق وقلة حروف اللفظ وعدم التمكن وغير ذلك فلولا إضافتها إلى الفعل الذي يبنى للزمان ويفتقر إلى الظروف لما عرف فيها معنى الاسم أبدا إذ لا تدل واحدة منهما على معنى في نفسها إنما جاءت لمعنى في غيرها فإذا قطعت عن ذلك المعنى تمخض معنى الحرف فيها إلا أن إذ لما ذكرنا من إضافة ما قبلها من الظرف إليها لم يفارقها معنى الاسم وليست الإضافة إليها في الحقيقة ولكن إلى الجملة التي عاقبها التنوين وأما إذا فلما لم يكن فيها بعد فصلها عن الإضافة ما يعضد معنى الاسمية فيها صارت حرفا لقربها من حروف الشرط في المعنى ولما صارت حرفا مختصا بالفعل مخلصا له للاستقبال لسائر النواصب للأفعال نصبوا الفعل بعده إذ ليس واقعا موقع الاسم فيستحق الرفع ولا غير واجب فيستحق الجزم فلم يبق إلا النصب ولما لم يكن العمل فيها أصليا لم تقو قوة إخوتها فألغيت تارة وأعملت أخرى وضعفت عن عوامل الأفعال فإن قيل فهلا فعلوا بها ما فعلوا ب إذ حين نونوها وحذفوا الجملة بعدها فيضيفوا(1\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "97",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6312",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليها ظروف الزمان كما يضيفونها إلى إذ في نحو يومئذ لأن الإضافة في المعنى إلى الجملة التي عاقبتها التنوين فالجواب أن إذ قد استعملت مضافة إلى الفعل في المعنى على وجه الحكاية للحال كما قال تعالى: ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب ولم يستعملوا إذا مضافة إلى الماضي بوجه ولا على الحال فلذلك استغنوا بإضافة الظروف إلى إذ وهم يريدون الجملة بعدها عن إضافتها إلى إذا مع أن إذ في الأصل حرفان وإذا ثلاثة أحرف فكان ما هو أقل حروفا في اللفظ أولى بالزيادة فيه وإضافة الأوقات إليه زيادة فيه لأن المضاف والمضاف إليه بمنزلة اسم واحد وأقوى من هذا أن إذا فيها معنى الجزاء وليس في إذ منه رائحته فامتنع إضافة ظرف الزمان إلى إذا لأن ذلك يبطل ما فيها من معنى الجزاء لأن المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد فلو أضيف إليه والحين إليهما لغلب عليهما حكمه لضعفهما عن درجة حرف الجزاء فتأمله فائدة: بديعة لام كي ولام الجحود لام كي والجحود حرفان ماضيان بإضمار أن إلا أن لام كي هي لام العلة فلا يقع فيها إلا فعل يكون علة لما بعدها فإن كان ذلك الفعل منفيا لم يخرجها عن أن تكون لام كي كما ذهب إليه الصيمري لأن معنى العلة فيها باق وإنما الفرق بين لام الجحود ولام كي وذلك من ستة أوجه أحدها: أن لام الجحود يكون قبلها كون منفي بشرط المضي إما ما كان أو لم يكن لا مستقبلا فلا تقول ما أكون لأزورك وتكون زمانية ناقصة لا تامة ولا يقع بعد اسمها ظرف ولا مجرور لا تقول ما كان زيد عندك ليذهب ولا أمس ليخرج فهذه أربعة فروق والذي يكشف لك قناع المعنى ويهجم بك على الغرض أن كان الزمانية عبارة عن زمان ماض فلا يكون علة لحادث ولا يتعدى إلى المفعول من أجله ولا إلى الحال وظروف(1\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "98",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6313",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المكان وفي تعديها إلى ظرف الزمان نظر وهذا الذي منعها أن تقع قبلها لام العلة أو يقع بعدها المجرور أو الظرف وأما الفرق الخامس بين اللامين فهو أن الفعل بعد لام الجحود لا يكون فاعله إلا عائدا على اسم كان لأن الفعل بعدها في موضع الخبر فلا تقول ما كان زيد ليذهب عمرو كما تقول يا زيد ليذهب عمرو أو لتذهب أنت ولكن تقول ما كان ليذهب وما كنت لأفعل والفرق السادس جواز إظهار أن بعد لام كي ولا يجوز إظهارها بعد لام الجحود لأنها جرت في كلامهم نفيا للفعل المستقبل بالسين أو سوف فصارت لام الجحود بإزائها فلم يظهر بعدها ما لا يكون بعدها وفي هذه النكتة مطلع على فوائد من كتاب الله ومرقاة إلى تدبره كقوله: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم فجاء بلام الجحود حيث كان نفيا لأمر متوقع وسبب مخوف في المستقبل ثم قال: وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون فجاء باسم الفاعل الذي لا يختص بزمان حيث أراد نفي وقوع العذاب بالمستغفرين على العموم في الأقوال لا يخص مضيا من استقبال ومثله: وما كان ربك ليهلك القرى ثم قال: وما كنا مهلكي القرى فلاحظ هذه الآية من مطلع الأخرى تجدها كذلك لام العاقبة أو لام الصيرورة وأما لام العاقبة ويسمونها لام الصيرورة في نحو: ليكون لهم عدوا فهي في الحقيقة لام كي ولكنها تتعلق بالخبر لقصد المخبر عنه وإرادته ولكنها تعلقت بإرادة فاعل الفعل على الحقيقة وهو الله سبحانه وتعالى أي فعل الله تعالى ذلك ليكون كذا وكذا وكذلك قولهم أعتق ليموت لم يعتق لقصد الموت ولم تتعلق اللام بالفعل وإنما المعنى قدر الله أنه يعتق ليموت فهي متعلقة بالمقدور وفعل الله ونظيره إني: quot;أنسى لا سنquot; ومن رواه أنسي بالتشديد فقد كشف قناع المعنى وسمعت شيخنا أبا العباس بن تيمية يقول: يستحيل دخول لام العاقبة في فعل الله فإنها حيث وردت في الكلام فهي لجهل الفاعل لعاقبة فعله كالتقاط آل فرعون لموسى فإنهم لم يعلموا عاقبته أو لعجز الفاعل عن دفع العاقبة نحو لدوا للموت وابنوا للخراب فأما في فعل من لا يعزب عنه مثقال ذرة ومن هو على كل شيء قدير(1\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "99",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6314",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلا يكون قط إلا لام كي وهي لام التعليل ولمثل هذه الفوائد التي لا تكاد توجد في الكتب يحتاج إلى مجالسة الشيوخ والعلماء فائدة: نفي الماضي ونفي المستقبل كما أن لن لنفي المستقبل كان الأصل أن تكون لا لنفي الماضي وقد استعملت فيه نحو: فلا اقتحم العقبة ونحو وأي عبد لك لا ألما ولكن عدلوا في الأكثر إلى نفي الماضي ب لم لوجوه منها أنهم خصوا المستقبل بلن فأرادوا أن يخصوا الماضي بحرف ولا لا تخص ماضيا من مستقبل ولا فعلا من اسم فخصوا نفي الماضي ب لم ومنها أن لا يتوهم انفصالها مما بعدها إذ قد تكون نافية لما قبلها ويكون ما بعدها في حكم الوجوب مثل لا أقسم حتى لقد قيل في قول عمر: لا نقضي ما تجانفنا لإثم إن لا رد لما قبلها ونقضي واجب لا منفي وقال بعض الناس في قوله صلى الله عليه وسلم: quot;لا ترآى ناراهما quot; صحيح أن لا رد وما بعدها واجب وهذا خطأ في الأثرين وتلبيس لا يجوز حمل النصوص عليه وكذلك: لا أقسم بيوم القيامة أيضا بل القول فيها أحد قولين إما أن يقال هي للقسم وهو ضعيف وإما أن يقال أقحمت أول القسم إيذانا بنفي القسم عليه وتوكيدا لنفيه كقول الصديق: quot;لاها الله تعمد إلى أسد من أسد اللهquot; الحديث ومما يدل على حرصهم على إيصال حرف النفي بما بعده قطعا لهذا التوهم إنما قلبوا لفظ الفعل الماضي بعد لم إلى لفظ المضارع حرصا على الاتصال وصرفا للوهم عن ملاحظة الانفصال فإن قيل: وأي شيء في لفظ المضارع مما يؤكد هذا المعنى أو ليسا سواء هو والماضي قلبا لا سواء فاعلم أن الأفعال مضارعة للحروف من حيث كانت عوامل في الأسماء ك هي ومن هناك استحقت البناء وحق العامل أن لا يكون مهيئا لدخول عامل آخر عليه قطعا للتسلسل الباطن(1\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "100",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6315",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والفعل الماضي بهذه الصورة وهو على أصله من البناء ومضارعة الحروف العوامل في الأسماء فليس يذهب الوهم عند النطق به إلا إلى انقطاعه عما قبله إلا بدليل يربطه وقرينة تجمعه إليه ولا يكون في موضع الحال البتة إلا مصاحبا لقيد ليجعل هذا الفعل في موضع الحال فإن قلت: فقد يكون في موضع الصفتين النكرة نحو مررت برجل ذهب قبل افتقار النكرة إلى الوصف وفرط احتياجها إلى التخصيص تكملة لفائدة الخبر هو الرابط بين الفعل وبينها بخلاف الحال فإنها تجيء بعد استغناء الكلام وتمامه وأما كونه خبرا للمبتدأ فلشدة احتياج المبتدأ إلى خبره جاز ذلك حتى أنك إذا أدخلت أن على المبتدأ بطل أن يكون الماضي في موضع الخبر إذ قد كان في خبرها اللام لما في الكلام من معنى الابتداء والاستئناف لما بعدها فاجتمع ذلك مع صيغة الماضي وتعاونا على منع الفعل الماضي من أن يكون خبرا لما قبلها وليس ذلك في المضارع وليس المضارع كالماضي لأن مضارعته للاسم هيأته لدخول العوامل عليه والتصرف بوجوه الإعراب كالاسم وأخرجته عن شبه العوامل التي لها صدر الكلام وصيرته كالأسماء المعمول فيها فوقع موقع الحال والوصف وموقع خبر المبتدأ وإن لم يقطعه دخول اللام عن أن يكون خبرا في باب إن كما قطع الماضي من حيث كانت صيغة الماضي لها صدر الكلام كما تقدم فإن قيل: فما وجه مضارعة الفعل المستقبل والحال قبل دخول الزوائد ملحقة بالحروف الأصلية متضمنة لمعاني الأسماء كالمتكلم والمخاطب فما تضمن معنى الاسم أعرب كما بني من الأسماء ما تضمن معنى الحرف ومع هذا فإن الأصل في دخول الزوائد شبه الأسماء وصلح فيها من الوجوه ما لا يصلح في الماضي(1\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "101",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6316",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: بديعة لام الأمر ولا الناهية لام الأمر ولا في النهي وحروف المجازاة داخلة على المستقبل فحقها أن لا يقع بعدها لفظ الماضي ثم لم يوجد ذلك إلا لحكمة أما حرف النهي فلا يكون فيه ذلك كي لا يلتبس بالنفس لعدم الجزم ولكن إذا كانت لا في معنى الدعاء جاز وقوع الفعل بعدها بلفظ: الماضي ثم قد يوجد بعد ذلك لوجوه منها أنهم أرادوا أن يجمعوا التفاؤل مع الدعاء في لفظ واحد فجاءوا بلفظ الفعل الحاصل في معرض الدعاء تفاؤلا بالإجابة فقالوا: لا خيبك الله وأيضا فالداعي قد تضمن دعاؤه القصد إلى إعلام السامع وإخبار المخاطب بأنه داع فجاءوا بلفظ الخبر إشعارا بما تضمنه من معنى الإخبار نحو أعزك الله وأكرمك ولا رحم فلانا جمعت بين الدعاء والإخبار فإنك داع ويوضح ذلك أنك لا تقول هذا في حال مناجاتك الله تعالى ودعائك لنفسك لا تقول رحمتني رب ورزقتني وغفرت لي كما تقول للمخاطب رحمك الله ورزقك وغفر لك إذ لا أحد في حال مناجاتك يقصد إخباره وإعلامه وإنما أنت داع وسائل محض فإن قيل: وكيف لم يخافوا اللبس كما خافوه في النهي قلنا للدعاء هيبة ترفع الالتباس وذكر الله مع الفعل ليس بمنزلة ذكر الناس فتأمله فإنه بديع في النظر والقياس فقد جاءت أشياء بلفظ الخبر وهي في معنى الأمر والنهي منها قول عمر صلى رجل في كذا وكذا من اللباس وقولهم أنجز حر ما وعد وقولهم اتقى الله امرؤ وهو كثير فجاء بلفظ الخبر الحاصل تحقيقا لثبوته وأنه مما ينبغي أن يكون واقعا ولا بد فلا يطلب من المخاطب إيجاده بل يخبر عنه به ليحققه خبرا صرفا كالإخبار عن سائر الموجودات وفيه طريقة أخرى وهي أفقه معنى من هذه وهو أن هذا إخبار محض عن وجوب ذلك واستقرار حسنه في العقل والشريعة والفطرة وكأنهم يريدون بقولهم: أنجز حر ما وعد أي ثبت ذلك في المروءة(1\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "102",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6317",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واستقر في الفطرة وقول عمر: quot;صلى رجل في إزار ورداءquot; الحديث رواه البخاري أي هذا مما وجب في الديانة وظهر وتحقق من الشريعة فالإشارة إلى هذه المعاني حسنت صرفه إلى صورة الخبر وإن كان أمرا زائدا لا يكاد يجيء الاسم بعده إلا نكرة لعموم هذا الحكم وشيوع النكرة في جنسها فلو جعلت مكان النكرة في هذه الأفعال أسماء معرفة تمخض فيها معنى الخبر وزال معنى الأمر فقلت اتقى الله زيد وأنجز عمر وما وعد فصار خبرا لا أمرا وهذا هو موضع المسألة المشهورة: quot;وهي مجيء الخبر بمعنى الأمرquot; مجيء الخبر بمعنى الأمر في القرآن في نحو قوله: والوالدات يرضعن والمطلقات يتربصن ونظائره فمن سلك المسلك الأول جعله خبرا بمعنى الأمر ومن سلك المسلك الثاني قال بل هو خبر حقيقة غير مصروف من جهة الخبرية ولكن هو خبر عن حكم الله وشرعه ودينه ليس خبرا عن الواقع ليلزم ما ذكروه من الإشكال وهو احتمال عدم وقوع مخبره فإن هذا إنما يلزم من الخبر عن الواقع وأما الخبر عن الحكم والشرع فهو حق مطابق لمخبره لا يقع خلافه أصلا وضد هذا مجيء الأمر بمعنى الخبر نحو قوله: quot; إذا لم تستح فاصنع ما شئت quot; رواه البخاري وأبو داود وابن ماجة فإن هذا صورته صورة الأمر ومعناه معنى الخبر المحض أي من كان لا يستحيي فإنه يصنع ما يشتهي ولكنه صرف عن جهة الخبرية إلى صورة الأمر لفائدة بديعة وهي أن العبد له من حيائه آمر يأمره بالحسن وزاجر يزجره عن القبيح ومن لم يكن من نفسه هذا الأمر لم تنفعه الأوامر وهذا هو واعظ الله في قلب العبد المؤمن الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم ولا تنفع المواعظ الخارجة إن لم تصادف هذا الواعظ الباطن فمن لم يكن له من نفسه واعظ لم تنفعه المواعظ فإذا فقد هذا الأمر الناهي بفقد الحياء فهو مطيع لا محالة لداعي الغي والشهوة طاعة لا انفكاك له منها فنزل منزلة المأمور وكأنه يقول إذا لم تأتمر لأمر الحياء فأنت مؤتمر لأمر الغي والسفه وأنت مطيعه لا محالة وصانع ما شئت لا محالة فأتى بصيغة الأمر تنبيها على هذا المعنى ولو أنه عدل عنها إلى صيغة الخبر المحض فقيل: إذا لم تستح صنعت ما شئت لم يفهم منها هذا المعنى اللطيف فتأمله وإياك والوقوف مع كثافة الذهن وغلظ الطباع فإنها تدعوك إلى إنكار هذه اللطائف وأمثالها فلا تأتمر لها وأما(1\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "103",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6318",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوع الفعل المستقبل بلفظ الأمر أما وقوع الفعل المستقبل بلفظ الأمر في باب الشرط نحو قم أكرمك أي إن تقم أكرمك فقيل حكمته أن صيغة الأمر تدل على الاستقبال فعدلوا إليها إيثارا للخفة وليست هذه العلة مطردة فإن الأفعال المختصة بالمستقبل لا يحسن إقامة لفظ الأمر مقام أكثرها نحو: سيقوم وسوف يقوم ولن تقوم وأريد أن يقوم ولكن أحسن ما ذكروه أن يقال في قوله: قم أكرمك فائدتان ومطلوبان: أحدهما: جعل القياس سببا للإكرام ومقتضيا له اقتضاء الأسباب لمسبباتها والثاني: كونه مطلوبا للآمر مرادا له وهذه الفائدة لا يدل عليها الفعل المستقبل فعدل عنه إلى لفظ الأمر تحقيقا له وهذا واضح جدا وقوع المستقبل بلفظ الماضي وأما وقوع المستقبل بعد حرف الجزاء بلفظ الماضي فقد علل بنحو هذه العلة وأن الإرادة لا تدل على الاستقبال فعدلوا إلى الماضي لأنه أخف وهي أيضا غير مطردة ولا مستقلة ولو لم ينقض عليهم إلا بسائر الأدوات التي لا يكون الفعل بعدها إلا مستقبلا ومع ذلك لا يقع بلفظ الماضي وأحسن مما ذكروه أن يقال عدل عن المستقبل هنا إلى صيغة الماضي إشارة إلى نكتة بديعة وهي تنزيل الشرط بالنسبة إلى الجزاء منزلة الفعل الماضي فإن الشرط لا يكون سابقا للجزاء متقدما عليه فهو ماض بالإضافة إليه ألا ترى أنك إذا قلت إن اتقيت الله أدخلك جنته فلا يكون إلا سابقا على دخول الجنة فهو ماض بالإضافة إلى الجزاء فأتوا بلفظ الماضي تأكيدا للجزاء وتحقيقا لأن الثاني لا يقع إلا بعد تحقق الأول ودخوله في الوجود وأنه لا يكتفي فيه بمجرد العزم وتوطين النفس عليه الذي في المستقبل بل لا سبيل إلى نيل الجزاء إلا بتقدم الشرط عليه وسبقه له فأتى الماضي لهذه النكتة البديعة مع أمنهم اللبس بتحصين أداة الشرط لمعنى الاستقبال فيهما يبقى أن يقال: فهذا تقرير حسن في فعل الشرط فما الذي حسن وقوع الجزاء المستقبل من كل وجه بلفظ الماضي إذا قلت إن قمت قيل: هذا سؤال حسن وجوابه أنهم أبرموا تلك الفائدة في فعل الشرط قصدوا معها تحسين اللفظ مشاكلة أوله لآخره وازدواجه واعتدال أجزائه فأتوا بالجزاء ماضيا لهذه الحكمة فإن لفظتي الشرط(1\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "104",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6319",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والجزاء كالأخوين الشقيقين وأنت تراهم يغيرون اللفظ عن جهته وما يستحقه لأجل المعادلة والمشاكلة فيقولون أتيته بالغدايا والعشايا ومأزورات غير مأجورات ونظائره ألا ترى كيف حسن إن تزرني أزرك وإن زرتني زرتك وقبح إن تزرني زرتك وتوسط إن زرتني أزرك فحسن الأولان للمشاكلة وقبح الثالث للمنافرة حتى منع منه أكثر النحاة وأجاز جماعة منهم أبو عبد الله بن مالك وغيره وهو الصواب لكثرة شواهده وصحة قياسه على الصورة الواقعة وادعى أنه أولى منها قال لأن المستقبل في هذا الباب هو الأصل والماضي فرع عليه فإذا أجزتم أن يكون الماضي أولا والمستقبل بعده فجواز الإتيان بالمستقبل الذي هو الأصل أولا والماضي بعده أولى والتقرير الذي قدمناه من كون الشرط سابقا على الجزاء فهو ماض بالنسبة إليه يدل على ترجيح قولهم وإن زرتني أزرك أولى بالجواز من إن تزرني زرتك والتقرير الذي قرره من جواز المستقبل هو الأصل في هذا الباب والماضي دخيل عليه فإذا قدم الأصل كان أولى بالجواز ترجح ما ذكره فالترجيحان حق ولا فرق بين الصورتين وكلاهما جائز هذا هو الإنصاف في المسألة والله أعلم ولكن هنا دقيقة تشير إلى ترجيح قول الجماعة وهي أن الفعل الواقع بعد حرف الشرط تارة يكون القصد إليه والاعتماد عليه فيكون هو مطلوب المعلق وجعل الجزاء باعثا ووسيلة إلى تحصيله وفي هذا الموضع يتأكد أو يتعين الإتيان فيه بلفظ المضارع الدال على أن المقصود منه أن يأتي به فيوقعه وظهور القصد المعنوي إليه أوجب تأثير العمل اللفظي فيه ليطابق المعنى اللفظ فيجتمع التأثيران اللفظي والمعنوي والذي يدل على هذا أنهم قلبوا لفظ الفعل الماضي إلى المستقبل في الشرط لهذا المعنى حتى يظهر تأثير الشرط فيه واقتضاؤه له وإذا كان الكلام معتمدا على الجزاء والقصد إليه والشرط جعل تابعا ووسيلة إليه كان الإتيان فيه بلفظ: الماضي حسنا أو أحسن من المستقبل فزن بهذه القاعدة ما يرد عليك من هذا الباب فمنه قوله تعالى: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين(1\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "105",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6320",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فانظر كيف جعل فعل الشرط ماضيا والجزاء مستقبلا لأن القصد كان إلى دخولهم المسجد الحرام وعنايتهم كلها مصروفة وهممهم معلقة به دون وقوع الأفعال بمشيئة الله تعالى فإنهم لم يكونوا يشكون في ذلك ولا يرتابون وأكد هذا المعنى تقديم الجزاء على الشرط وهو إما نفس الجزاء على أصح القولين دليلا كما تقدم تقريره وإما دال على الجزاء وهو محذوف مقدر تأخيره وعلى القولين فتقدم الجزاء أو تقديم ما يدل عليه اعتناء بأمره وتجريدا للقصد إليه ويدل عليه أيضا تأكيده باللام المؤذنة بالقسم المضمر كأنه قيل والله لتدخلن المسجد الحرام فهذا كله يدلك على أنه هو المقصود المعنى به ومثل هذا قوله تعال: لئن شكرتم لأزيدنكم ونحوه: ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ومثله: لئن اجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله وهذا أصل غير منخرم وفيه نكتة حسنة وهي اعتماد الكلام في هذا النوع على القسم كما رأيت فحسن الإتيان بلفظ الماضي إذ القسم أولى به لتحققه ولا يكون الإلغاء مستشنعا فيه لأنه مبني ولما كان الفعل بعد حرف الجزاء يقع بلفظ الماضي لما ذكرناه من الفائدة حسن وقوع المستقبل المنفي بلم بعدها نحو: وإن لم تنتهوا وهما جازمتان ولا يجتمع جازمان كما لا يجتمع في شيء من الكلام عاملان من جنس واحد ولكن لما كان الفعل بعدها ماضيا في المعنى وكانت متصلة به حتى كأن صيغته صيغة الماضي لقوة الدلالة عليه بلم جاز وقوعه بعد إن وكان العمل والجزم لحرف لم لأنها أقرب إلى الفعل وألصق به وكان المعنى في الاستقبال لحرف أن لأنها أولى وأسبق فكان اعتبارها في المعنى واعتبار لم في الجزم ولا ينكر إلغاء أن هنا لأن ما بعدها في حكم صيغة الفعل الماضي كما لا ينكر إلغاؤها قبله وقد أجازوا في إن النافية من وقوع المستقبل بعدها بلفظ الماضي ما أجازوا في إن التي للشرط كما قال تعالى: ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد ولو جعلت مكان إن هاهنا غيرها من حروف النفي لم يحسن فيه مثل هذا لأن الشرطية أصل للنافية كأن المجتهد في النفي إذا أراد توكيده يقول إن كان(1\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "106",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6321",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كذا وكذا فعلي كذا أو فأنا كذا ثم كثر هذا في كلامهم حتى حذف الجواب وفهم القصد فدخلت إن في باب النفي والأصل ما ذكرناه والله أعلم فائدة بديعة في ذكر المفرد والجمع وأسباب اختلاف العلامات الدالة على الجمع واختصاص كل محل بعلامته ووقوع المفرد موقع الجملة وعكسه وأين يحسن مراعاة الأصل وأين يحسن العدول عنه وهذا فصل نافع جدا يطلعك على سر هذه اللغة العظيمة القدر المفضلة على سائر لغات الأمم الأصل في الأسماء هو المفرد اعلم أن الأصل هو المعنى المفرد وأن يكون اللفظ الدال عليه مفردا لأن اللفظ قالب المعنى ولباسه يحتذي حذوه والمناسبة الحقيقية معتبرة بين اللفظ والمعنى طولا وقصرا وخفة وثقلا وكثرة وقلة وحركة وسكونا وشدة ولينا فإن كان المعنى مفردا أفردوا لفظه وإن كان مركبا ركبوا اللفظ وإن كان طويلا طولوه كالقطنط والعشنق للطويل فانظر إلى طول هذا اللفظ لطول معناه وانظر إلى لفظ بحتر وما فيه من الضم والاجتماع لما كان مسماه القصير المجتمع الخلق وكذلك لفظة الحديد والحجر والشدة والقوة ونحوها تجد في ألفاظها ما يناسب مسمياتها وكذلك لفظا الحركة والسكون مناسبتهما لمسمياتهما معلوم بالحس وكذلك لفظ الدوران والنزوان والغليان وبابه في لفظها من تتابع الحركة ما يدل على تتابع حركة مسماها وكذلك الدجال والجراح والضراب والأفاك في تكرر الحرف المضاعف منها ما يدل على تكرر المعنى وكذلك الغضبان والظمآن والحيران وبابه صيغ على هذا البناء الذي يتسع النطق به ويمتلئ الفم بلفظه لامتلاء حامله من هذه المعاني فكان الغضبان هو الممتلئ غضبا الذي قد اتسع غضبه حتى ملأ قلبه وجوارحه وكذلك بقيتها ولا يتسع المقام لبسط هذا فإنه يطول ويدق جدا حتى تسكع عنه أكثر الأفهام وتنبو عنه للطافته فإنه ينشأ(1\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "107",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6322",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من جوهر الحرف تارة وتارة من صفته ومن اقترانه بما يناسبه ومن تكرره ومن حركته وسكونه ومن تقديمه وتأخره ومن إثباته وحذفه ومن قلبه وإعلاله إلى غير ذلك من الموازنة بين الحركات وتعديل الحروف وتوخي المشاكلة والمخالفة والخفة والثقل والفصل والوصل وهذا باب يقوم من تتبعه سفر ضخم وعسى الله أن يساعد على إبرازه بحوله وقوته ورأيت لشيخنا أبي العباس بن تيمية فيه فهما عجيبا كان إذا انبعث فيه أتى بكل غريبة ولكن كان حاله فيه كما كان كثيرا يتمثل: تألق البرق نجديا فقلت له ... يا أيها البرق إني عنك مشغول ولنذكر من هذا الباب حال اللفظ في إفراده وتغييره عند زيادة معناه بالتثنية والجمع دون سائر مغيراته فنقول لما كان المفرد هو الأصل والتثنية والجمع تابعان له جعل لهما في الاسم علامة تدل عليهما وجعلت آخره قضاء لحق الأصالة فيه والتبعية فيهما والفرعية فالتزموا هذا في التثنية ولم ينخرم عليهم وأما الجمع فإنهم ذهبوا به كل مذهب وصرفوه كل مصرف فمرة جعلوه على حد التثنية وهو قياس الباب كالتثنية والنسب والتأنيث وغيرها وتارة اجتلبوا له علامة في وسطه كالألف في جعافر والياء في عبيد والواو في فلوس وتارة جعلوا اختصار بعض حروفه وإسقاطها علامة عليه نحو: عنكبوت وعناكب فإنه لما ثقل عليهم المفرد وطالت حروفه وازداد ثقلا بالجمع خففوه بحذف بعض حروفه لئلا يجمعوا بين ثقلين ولا يناقض هذا ما أصلوه من طول اللفظ لطول المعنى وقصره لقصره فإن هذا باب آخر من المعادلة والموازنة عارض ذلك الأصل ومنع من طرده ومنهم جمعهم فعيل وفعول وفعال على فعل كرغيف وعمود وقذال على رغف وعمد وقذل لثقل المفرد بالمدة فإن كان في واحده ياء التأنيث فإنها تحذف في الجمع فكرهوا أن يحذفوا المدة فيجمعوا عليه بين نقيضين فقلبوا المدة ولم يحذفوها كرسالة ورسائل وصحيفة وصحائف فجبروا النقص بالفرق لا أنهم تناقضوا(1\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "108",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6323",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتارة يقتصرون على تغيير بعض حركاته فيجعلونها علامة لجمعه كفلك وفللك وعبد وتارة يجتلبون له لفظا مستقلا من غير لفظ واحدة كخيل وأيم وقوم ورهط ونحوه وتارة يجعلون العلامة في التقدير والنية لا في اللفظ كفلك للواحد والجمع فإن ضمة الواحد في النية كضمة قفل وضمة الجمع كضمة رسل وكذلك هجان ودلاص وأسمال وأعشار مع أن غالب هذا الباب إنما يأتي في الباب لحصول التمييز والعلامة بموصوفاتها فلا يقع لبس ولا يكاد يجيء في غير الصفات إلا نادرا جدا ومع هذا فلا بد أن يكون لمفرده لفظ يغاير جمعه ويكون فيه لغتان لأنهم علموا أنه يثقل عليهم أما في الجر والنصب فلتوالي الكسرات وأما في الرفع فيثقل الخروج من الكسرة إلى الضمة فعدلوا إلى جمع تكسيره ولا يرد هذا عليهم في راحمين وراحمون لفصل الألف الساكنة ومنعها من توالي الحركات فهو كمسلمين وقائمين وكذلك عدلوا عن جمع فعل المضاعف من صفات العقلاء كفظ وبر فلم يجمعوه جمع سلامة ويقولون برون وفظون لئلا يشتبه بكلوب وسفود لأنه برائين فكسروه وقالوا أبرار فلما جاءوا إلى غير المضاعف كصعب جمعوه جمع تصحيح ولم يخافوا التباسا إذ ليس في الكلام فعلول وصعبون فتأمل هذا التفريق وهذا التصور الدال على أن أذهانهم قد فاقت أذهان الأمم كما فاقت لغتهم لغاتهم وتأمل كيف لم يجمعوا شاعرا جمع سلامة مع استيفائه وشروطه بل كسروه فقالوا: شعراء إيذانا منهم بأن واحده على زنة فعيل فجمعوه كرحيم ورحماء لما كان مقصودهم المبالغة في وصفهم بالشعور ثم انظر كيف لم ينطقوا بهذا الوجه المقدر كراهية منهم لمجيئه بلفظ شعير وهو الحب المعروف فأتوا بفاعل ولما لم يكن هذا المانع في الجمع قالوا شعرا فأما التثنية فإنهم ألزموها حالا واحدا فالتزموا فيها لفظ المفرد ثم زادوا عليه علامة التثنية وقد قدمنا أن ألف التثنية في الأسماء أصلها ألف الإثنين في فعلا وذكرنا الدليل على ذلك فجاءت الألف في التثنية في الأسماء كما كانت في فعلا علامة(1\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "109",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6324",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإثنين وكذلك الواو في جمع المذكر السالم علامة الجمع نظير واو فعلوا وتقدم أنك لا تجد الواو علامة للرفع في جميع الأسماء إلا في الأسماء المشتقة من الأفعال أو ما هو في حكمها ولما كانت الألف علامة الإثنين في ضمير من يعقل وغيره كانت علامة التثنية في العاقل وغيره وكانت الألف أولى بضمير الإثنين لقرب التثنية من الواحد وأرادوا أن لا يغيروا الفعل عن البناء على الفتح في الإثنين كما كان ذلك في الواحد للقرب المذكور ولما كانت الواو ضمير العاقلين خاصة في فعلوا خصوها بجمع العقلاء في نحو هم مسلمون وقائمون ولما كان في الواو من الضم والجمع ما ليس في غيرها خصوها بالدلالة على الجمع دون الألف وسر المسألة أنك إذا جمعت وكان القصد إلى تعيين آحاد الجموع وأنت معتمد الإخبار عن كل واحد منهم وسلم لفظ بناء الواحد في الجمع كما سلم معناه في القصد إليه فقلت: فعلوا وهم فاعلون وأكثر ما يكون هذا فيمن يعقل لأن جميع ما لا يعقل من الأجناس يجري مجرى الأسماء المؤنثة المفردة كالثلة والأمة والجملة فلذلك تقول الثياب بيعت وذهبت ولا تقول بيعوا وذهبوا لأنك تشير إلى الجملة من غير تعيين آحادها هذا هو الغالب فيما لا يعقل إلا ما أجرى مجرى العاقل وجاءت جموع التكسير معتبرا فيها بناء الواحد جارية في الإعراب مجراه حيث ضعف الإعتماد على كل واحد بعينه وصار الخبر كأنه عن الجنس الكبير الجاري في لفظه مجرى الواحد وكذلك جمعوا ما قل عدده من المؤنث جمع السلامة وإن كان ما لا يعقل نحو الثمرات والسمرات إلا أنهم لم يجعلوا المذكر منه وإن قل عدده إلا جمع تكسير لأنهم في المؤنث لم يزيدوا غير ألف فرقا بينه وبين الواحد وأما التاء فقد كانت موجودة في الواحدة وفي وصفها وإن كثر جمعوه جمع تكسير كالمذكر فإذا كانوا في الجمع القليل يسلمون لفظ الواحد من أجل الإعتماد في إسناد الخبر على إفراده فما ظنك به في الإثنين إذا ساغ لهم ذلك في الجمع الذي هو على حدها لقربه منها فلهذا لا تجد التثنية في العاقل وغيره إلا على حد واحد وكذلك ضمير الإثنين في الفعل تثنية الأسماء(1\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "110",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6325",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا علم هذا فحق العلامة في تثنية الأسماء أن يكون على حدها في علامة الإضمار وأن تكون ألفا في كل الأحوال وكذلك فعلت طوائف من العرب وهم خثعم وطيء وبنو الحرث بن كعب وعليه جاءت في قول محققي النحاة: إن هذان لساحران وأما أكثر العرب فإنهم كرهوا أن يجعلوه كالاسم المبني والمقصور من حيث كان الإعراب قد ثبت في الواحد والتثنية طارئة على الإفراد وكرهوا زوال الألف لاستحقاق التثنية لها فتمسكوا بالأمرين فجعلوا الياء علامة الجر وشركوا النصب معه لما علمت من تعليل النحاة فكان الرفع أجدر بالألف لا سيما وهي في الأصل علامة إضمار الفاعل وهي في تثنية الأسماء علامة رفع الفاعل أو ما ضارعه وقام مقامه وأما الواو فقد فهمت اختصاصها بالجمع واستحقاق الرفع لها بما قررناه في الألف ولكنهم حولوا إلى الياء في الجر لما ذكرنا في ألف التثنية ومتى انقلبت الواو ياء فكأنها إذ لم يفارقها المد واللين فكأنهما حرف واحد والانقلاب فيهما يعتبر حالا لا تبديلا ولهذا تجدهم يعبرون عن هذا المعنى بالقلب لا بالإبدال ويقولون في تاء تراث وتخمة وتجاه أنها بدل من الواو فإن قيل: فإذا كان بعض العرب قد جعل التثنية بالألف في كل حال فهلا جعلوا الجمع بالواو في جميع أحواله قيل: إن الألف منفردة في كثير من أحكامها عن الواو والياء والواو أختان فكأنهم لما قلبوها ياء في النصب لم يبعدوا عن الواو بخلاف الألف فإنهم إذا قلبوها ياء بعدوا عنها جمع سنين ومئين فإن قيل: فما بال جمعهما جاء على حد التثنية وليس على صفات العاقلين ولا أسمائهم قيل: إن هذا الجمع لا يوجد إلا فيما كملت فيه أربعة شروط أحدها أن يكون معتل اللام الثاني أن لا يكون المحذوف منه غير حرف مد ولين الثالث أن يكون مؤنثا الرابع أن لا يكون له مذكر فخرج من هذا الضابط شفه لأن محذوفها هاء وكذا شاه وعضه وخرج منه أمه لأن لها مذكرا وإن لم يكن على لفظها فقالوا: في جمعها أموات ولم يجمعوه جمع سنين كيلا يظن أنه جمع المذكر إذ كان له مذكر فجمعوا هذا الباب جمع سلامة من أجل أنه مؤنث والمؤنث يجمع(1\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "111",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6326",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جمع سلامة وإن لم يكن على هذا اللفظ فلما حصل فيه جمع السلامة بالقياس الصحيح وكانت عادتهم رد اللام المحذوفة في الجموع وكانت اللام المحذوفة واوا أو ياء أظهر في الجمع السالم لها ياء أو واو ولم يكن في الواحد وساق القياس إليها سوقا لطيفا حتى حصلت له بعد أخذها منه فما أشبه حال هذا الاسم بحال من أخذ الله تعالى منه شيئا وعوضه خيرا منه وأين الواو والياء الدالة على جمع أولي العلم من ياء أو واو لا تدل على معنى البتة فتأمل هذا النحو ما ألطفه وأغربه وأعزه في الكتب والألسنة ثم انظر كيف كسروا السين من سنين لئلا يلتبس بما هو على وزن فعول من أوزان المبالغة فلو قالوا: سنون بفتح السين لالتبس بفعول من سن يسن فكان كسر السين تحقيقا للجمع إذ ليس في الكلام اسم مفرد على وزن فعيل وفعول بكسر الفاء تثنية الأرض وجمعها فإن قيل: فما أنت صانع في الأرضين قيل ليست الأرض في الأصل كأسماء الأجناس مثل ماء وحجر وتمر ولكنها لفظة جارية مجرى المصدر فهي بمنزلة السفل والتحت وبمنزلة ما يقابلها كالفوق والعلو ولكنها وصف بها هذا المكان المحسوس فجرت مجرى امرأة زور وضيف ويدل على هذا قول الراجز ولم يقلب أرضها البيطار يصف قوائم فرس فأفرد اللفظ وإن كان يريد ما هو جمع في المعنى فإذا كانت بهذه المنزلة فلا معنى لجمعها كما لا يجمع الفوق والتحت والعلو والسفل فإن قصد المخبر إلى جزء من هذه الأرض الموطوءة وعين قطعة محدودة منها خرجت عن معنى السفل الذي هو في مقابلة العلو حيث عين جزءا محسوسا منها فجاز على هذا أن يثنى إذا ضممت إليه جزءا آخر فنقول رأيت أرضين ولا تقول للواحدة أرضة كما تقول في واحد التمر تمرة لأن الأرض ليس باسم جنس كما تقدم ولا يقال أيضا أرضة من حيث قلت: ضربة وجرحة لأنها في الأصل تجرى مجرى السفل والتحت ولا يتصور في العقول أن يقال سفلة وتحتة كما يتصور ذلك في بعض المصادر فلما لم يمكنهم أن يجمعوا أرضا على أرضات من حيث رفضوا أرضة ولا أمكنهم أن يقولوا: آرض ولا آراض من حيث لم يكن مثل أسماء الأجناس كصخر(1\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "112",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6327",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكلب وكانوا قد عينوا مجزوءا محدودا فقالوا: فيه أرض وفي تثنيته أرضان لم يستكثروا إذا أضافوا إلى الجزأين بالياء ورابعا أن يجمعوه على حد التثنية فقد تقدم السر في الجمع الذي على حد التثنية وأنه مقصود إلى آحاده على التعيين فإن أرادوا الكثرة والجمع الذي لا يتعين آحاده كأسماء الأجناس لم يحتاجوا إلى الجمع فإن لفظ أرض يأتي على ذلك كله لأنها كلها بالإضافة إلى السماء تحت وسفل فعبر عنها بهذا اللفظ الجاري مجرى المصدر لفظا ومعنى وكأنه وصف لذاتها لا عبارة عن عينها وحقيقتها إذ يصلح أن يعبر به عن كل ما له فوق وهو بالإضافة إلى ما يقابله سفل كما تقدم فسماء كل شيء أعلاه وأرضه أسفله وتأمل كيف جاءت مجموعة في قوله: quot; طوقه من سبع أرضين quot; رواه مسلم أحمد لما اعتمد الكلام على ذات الأرضين وأنفسها على التفضيل لآحادها دون الوصف لها بتحت أو سفل في مقابلة فوق وعلو فتأمله جمع السماء واشتقاقها فإن قلت: فلم جمعوا السماء فقالوا: سماوات وهلا راعوا فيها ما راعوا في الأرض فإنها مقابلة فما الفرق بينهما قيل: بينهما فرقان فرق لفظي وفرق معنوي أما اللفظي فإن الأرض على وزن ألفاظ المصادر الثلاثة وهو فعل كضرب وأما السماوات كان نظيرها في المصادر التلاء والجلاء فهي بأبنية الأسماء أشبه وإنما الذي يماثل الأرض في معناها ووزنها السفل والتحت وهما لا يثنيان ولا يجمعان وفي مقابلتهما الفوق والعلو وهما كذلك لا يجمعان على أنه قد قيل: إن السماوات ليس جمع سماء وإنما هي جمع سماوة وسماوة كل شيء أعلاه وأما جمع سماء فقياسه أسمية كأكسية وأغطية أو سموات وليس هذا بشيء فإن السماوة هي أعلى الشيء خاصة ليست باسم لشيء عال وإنما هي اسم لجزئه العالي وأما السماء فاسم لهذا السقف الرفيع بجملته فالسماوات جمعه لا جمع أجزاء عالية منه على أنه كل عال وأحسن من هذا الفرق أن يقال لو جمعوا أرضا على قياس جموع التكسير لقالوا آرض كأفلس أو آراض كأجمال أو أروض كفلوس فاستثقلوا هذا اللفظ إذ ليس فيه من الفصاحة والحسن والعذوبة ما في لفظ السماوات وأنت تجد السمع ينبو عنه بقدر ما يستحسن(1\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "113",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6328",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لفظ السماوات ولفظ السماوات يلج في السمع بغير استئذان لنصاعته وعذوبته ولفظ الأراضي لا يأذن له السمع إلا على كره ولهذا تفادوا من جمعه إذا أرادوه بثلاثة ألفاظ تدل على التعدد كما قال تعالى: خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن كل هذا تفاديا من أن يقال أراض وآرض الفرق المعنوي فإن الكلام متى اعتمد به على السماء المحسوسة التي هي السقف وقصد به إلى ذاتها دون معنى الوصف صح جمعها جمع السلامة لأن العدد قليل وجمع السلامة بالقليل أولى لما تقدم من قربه من التثنية القريبة من الواحد ومتى اعتمد الكلام على الوصف ومعنى العلى والرفعة جرى اللفظ مجرى المصدر الموصوف به في قولك: قول عدول وزور وأما الأرض فأكثر ما تجيء مقصودا بها معنى التحت والسفل دون أن يقصد ذواتها وأعدادها وحيث جاءت مقصودا بها الذات والعدد أتي بلفظ يدل على البعد كقوله: ومن الأرض مثلهن وفرق ثان وهو أن الأرض لها نسبة لا إلى السماوات وسعتها بل هي بالنسبة إليها كحصاة في صحراء فهي وإن تعددت وتكبرت فهي بالنسبة إلى السماء كالواحد القليل فاختير لها اسم الجنس وفرق ثالث أن الأرض هي دار الدنيا التي بالإضافة إلى الآخرة كما يدخل الإنسان إصبعه في اليم فما تعلق بها هو مثال الدنيا من الآخرة والله سبحانه لم يذكر الدنيا إلا مقللا لها محقرا لشأنها وأما السماوات فليست من الدنيا هذا على أحد القولين في الدنيا فإنه اسم للمكان فإن السماوات مقر ملائكة الرب تعالى ومحل دار جزائه ومهبط ملائكته ووحيه فإذا اعتمد التعبير عبر عنها بلفظ الجمع إذ المقصود ذواتها لا مجرد العلو والفوق وأما إذا أريد الوصف الشامل للسماوات وهو معنى العلو والفوق أفردوا ذلك بحسب ما يتصل به من الكلام والسياق فتأمل قوله: أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا كيف أفردت هنا لما كان المراد الوصف الشامل والفوق المطلق ولم يرد سماء معينة مخصوصة ولما لم تفهم الجهمية هذا المعنى أخذوا(1\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "114",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6329",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في تحريف الآية عن مواضعها إفراد السماء وجمعها وكذا قال الله تعالى: وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء بخلاف قوله في سبأ: عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض فإن قبلها ذكر سبحانه سعة ملكه ومحله وهو السماوات كلها والأرض ولما لم يكن في سورة يونس ما يقتضي ذلك أفردها إرادة للجنس وتأمل كيف أتت مجموعة في قوله تعالى: وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم فإنها أتت مجموعة هنا لحكمة ظاهرة وهي تعلق الظرف بما في اسمه تبارك وتعالى من معنى الإلهية فالمعنى وهو الإله وهو المعبود في كل واحدة من السماوات ففي كل واحدة من هذا الجنس هو المألوه المعبود فذكر الجمع هنا أبلغ وأحسن من الإقتصار على لفظ الجنس الواحد ولما عزب هذا المعنى عن فهم بعض المتسننة فسر الآية بما لا يليق بها فقال الوقف التام على السماوات ثم يبتديء بقوله وفي الأرض يعلم وغلط في فهم الآية وأن معناها ما أخبرتك به وهو قول محققي أهل التفسير وتأمل كيف جاءت مفردة في قوله: فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون إرادة لهذين الجنسين أي رب كل ما علا وكل ما سفل فلما كان المراد عموم ربوبيته أتى بالاسم الشامل لكل ما يسمى سماء وكل ما يسمى أرضا وهو أمر حقيقي لا يتبدل ولا يتغير وإن تبدلت عين السماء والأرض فانظر كيف جاءت مجموعة في قوله: يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض في جميع الصور لما كان المراد الإخبار عن تسبيح سكانها على كثرتهم وتباين مراتبهم لم يكن بد من جمع محلهم ونظير هذا جمعها في قوله: وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون وكذلك جاءت في قوله: تسبح له السماوات السبع مجموعة إخبارا بأنها تسبح له بذواتها وأنفسها على اختلاف عددها وأكد هذا المعنى بوصفها بالعدد ولم يقتصر على السماوات فقط بل قال: السبع وانظر كيف جاءت مفردة في قوله: وفي السماء رزقكم وما توعدون فالرزق المطر وما وعدنا به الجنة وكلاهما في هذه الجهة لا أنهما في كل واحدة واحدة من(1\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "115",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6330",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السماوات فكان لفظ الإفراد أليق بها ثم تأمل كيف جاءت مجموعة في قوله: قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله لما كان المراد نفي علم الغيب عن كل من هو في واحدة من السماوات أتى بها مجموعة وتأمل كيف لم يجيء في سياق الإخبار بنزول الماء منها إلا مفردة حيث وقعت لما لم يكن المراد نزوله من ذات السماء بنفسها بل المراد الوصف وهذا باب قد فتح الله ولك فلجه وانظر إلى أسرار الكتاب وعجائبه وموارد ألفاظه جمعا وإفرادا وتقديما وتأخيرا إلى غير ذلك من أسراره فلله الحمد والمنة لا يحصى أحد من خلقه ثناء عليه هل الرزق من السماء أو من السماوات فإن قيل: فهل يظهر فرق بين قوله تعالى: في سورة يونس: قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار وبين قوله في سورة سبأ: قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله قيل هذا من أدق هذه المواضع وأغمضها وألطفها فرقا فتدبر السياق تجده نقيضا لما وقع فإن الآيات التي في يونس سيقت مساق الاحتجاج عليهم بما أقروا به ولم يمكنهم إنكاره من كون الرب تعالى هو رازقهم ومالك أسماعهم وأبصارهم ومدبر أمورهم وغيرها ومخرج الحي من الميت والميت من الحي فلما كانوا مقرين بهذا كله حسن الاحتجاج به عليهم إن فاعل هذا هو الله الذي لا إله غيره فكيف يعبدون معه غيره ويجعلون له شركاء لا يملكون شيئا من هذا ولا يستطيعون فعل شيء منه ولهذا قال بعد أن ذكر ذلك من شأنه تعالى: فسيقولون الله أي لا بد أنهم يقرون بذلك ولا يجحدونه فلا بد أن يكون المذكور مما يقرون به والمخاطبون المحتج عليهم بهذه الآية إنما كانوا مقرين بنزول الرزق من قبل هذه السماء التي يشاهدونها بالحس ولم يكونوا مقرين ولا عالمين بنزول الرزق من سماء إلى سماء حتى تنتهي إليهم ولم يصل علمهم إلى هذا فأفردت لفظ السماء هنا فإنه لا يمكنهم إنكار مجيء الرزق منها لا سيما والرزق هاهنا إن كان هو المطر فمجيئه من السماء التي هي السحاب فإنه يسمى سماء لعلوه وقد أخبر سبحانه أنه بسط السحاب في السماء بقوله: الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء والسحاب إنما هو مبسوط في جهة العلو لا في نفس الفلك وهذا معلوم بالحس فلا يلتفت إلى غيره(1\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "116",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6331",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلما انتظم هذا بذكر الاحتجاج عليهم لم يصلح فيه إلا إفراد السماء لأنهم لا يقرون بما ينزل من فوق ذلك من الأرزاق العظيمة للقلوب والأرواح ولا بد من الوحي الذي به الحياة الحقيقية الأبدية وهو أولى باسم الرزق من المطر الذي به الحياة الفانية المنقضية فما ينزل من فوق ذلك من الوحي والرحمة والألطاف والموارد الربانية والتنزلات الإلهية وما به قوام العالم العلوي والسفلي من أعظم أنواع الرزق ولكن القوم لم يكونوا مقرين به فخوطبوا بما هو أقرب الأشياء إليهم بحيث لا يمكنهم إنكاره وأما الآية التي في سورة سبأ فلم ينتظم بها ذكر إقرارهم بما ينزل من السماوات ولهذا أمر رسوله بأن يتولى الجواب فيها ولم يذكر عنهم أنهم المجيبون المقرون فقال: قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله ولم يقل: سيقولون الله فأمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجيب بأن ذلك هو الله وحده الذي ينزل رزقه على اختلاف أنواعه ومنافعه من السماوات السبع وأما الأرض فلم يدع السياق إلى جمعها في واحدة من الإثنين إذ يقر به كل أحد مؤمن وكافر وبر وفاجر إفراد الرياح وجمعها ومن هذا الباب ذكر الرياح في القرآن جمعا ومفردة فحيث كانت في سياق الرحمة أتت مجموعة وحيث وقعت في سياق العذاب أتت مفردة وسر ذلك أن رياح الرحمة مختلفة الصفات والمهاب والمنافع وإذا هاجت منها ريح أنشأ لها ما يقابلها ما يكسر سورتها ويصدم حدتها فينشأ من بينهما ريح لطيفة تنفع الحيوان والنبات فكل ريح منها في مقابلها ما يعدلها ويرد سورتها فكانت في الرحمة ريحا وأما في العذاب فإنها تأتي من وجه واحد وحمام واحد لا يقوم لها شيء ولا يعارضها غيرها حتى تنتهي إلى حيث أمرت لا يرد سورتها ولا يكسر شرتها فتمتثل ما أمرت به وتصيب ما أرسلت إليه ولهذا وصف سبحانه الريح التي أرسلها على عاد بأنها عقيم فقال: أرسلنا عليهم الريح العقيم وهي التي لا تلقح ولا خير فيها والتي تعقم ما مرت عليه ثم تأمل كيف اطرد هذا إلا في قوله في سورة يونس: هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها(1\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "117",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6332",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ريح عاصف فذكر ريح الرحمة الطيبة بلفظ الإفراد لأن تمام الرحمة هناك إنما تحصل بوحدة الريح لا باختلافها فإن السفينة لا تسير إلا بريح واحدة من وجه واحد سيرها فإذا اختلفت عليها الرياح وتصادمت وتقابلت فهو سبب الهلاك فالمطلوب هناك ريح واحدة لا رياح وأكد هذا المعنى بوصفها بالطيب دفعا لتوهم أن تكون ريحا عاصفة بل هي مما يفرح بها لطيبها فلينزه الفطن بصيرته في هذه الرياض المونقة المعجبة التي ترقص القلوب لها فرحا ويتغذى بها عن الطعام والشراب والحمد لله الفتاح العليم فمثل هذا الفصل يعض عليه بالنواجذ وتثنى عليه الخناصر فإنه يشرف بك على أسرار عجائب تجتنيها من كلام الله والله الموفق للصواب مصطلحات بين الإفراد والجمع مما يدخل في هذا الباب جمع الظلمات وإفراد النور وجمع سبل الباطل وإفراد سبل الحق وجمع الشمائل وإفراد اليمين أما الأول فكقوله: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور وأما الثاني فكقوله: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله وأما الثالث فكقوله: يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل والجواب عنها يخرج من مشكاة واحدة وسر ذلك والله أعلم أن طريق الحق واحد وهو على الواحد للأحد كما قال تعالى: هذا صراط علي مستقيم قال مجاهد: quot;الحق طريقه على الله ويرجع إليه كما يقال طريقك عليquot; ونظيره قوله: وعلى الله قصد السبيل في أصح القولين: أي السبيل القصد الذي يوصل إلى الله وهي طريق عليه قال الشاعر: فهن المنايا أي واد سلكنه ... عليها طريقي أو علي طريقها وقد قررت هذا المعنى وبينت شواهده من القرآن وسر كون الصراط المستقيم على الله وكونه تعالى على الصراط المستقيم كما في قول هود: إن ربي على صراط مستقيم في كتاب التحفة المكية والمقصود أن طريق الحق واحد إذ مرده إلى الله الملك الحق وطرق الباطل متشعبة متعددة فإنها لا ترجع إلى شيء موجود ولا غاية لها يوصل إليها بل هي بمنزلة بنيات الطريق وطريق الحق بمنزلة الطريق(1\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "118",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6333",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الموصل إلى المقصود فهي وإن تنوعت فأصلها طريق واحد ولما كانت الظلمة بمنزلة طرق الباطل والنور بمنزلة طريق الحق فقد أفرد النور وجمعت الظلمات وعلى هذا جاء قوله: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات فوحد ولي الذين آمنوا وهو الله الواحد الأحد وجمع الذين كفروا لتعددهم وكثرتهم وجمع الظلمات وهي طرق الضلال والغي لكثرتها واختلافها ووحد النور وهو دينه الحق وطريقه المستقيم الذي لا طريق إليه سواه ولما كانت اليمين جهة الخير والفلاح وأهلها هم الناجون أفردت ولما كانت الشمال جهة أهل الباطل وهم أصحاب الشمال جمعت في قوله: عن اليمين والشمائل فإن قيل فهلا كذلك في قوله: وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال وما بالها جاءت مفردة قيل: جاءت مفردة لأن المراد أهل هذه الجهة ومصيرهم ومآلهم إلى جهة واحدة وهي جهة الشمال مستقر أهل النار والنار من جهة الشمال فلا يحسن مجيئها مجموعة لأن الطرق الباطلة وإن تعددت فغايتها المرد إلى طريق الجحيم وهي جهة الشمال وكذلك مجيئها مفردة في قوله: عن اليمين وعن الشمال قعيد لما كان المراد أن لكل عبد قعيدين قعيدا عن يمينه وقعيدا عن شماله يحصيان عليه الخير والشر فلكل عبد من يختص بيمينه وشماله من الحفظة فلا معنى للجمع هاهنا وهذا بخلاف قوله تعالى حكاية عن إبليس: ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم فإن الجمع هنا في مقابلة كثرة من يريد إغواءهم فكأنه أقسم أن يأتي كل واحد من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ولا يحسن هنا عن يمينهم وعن شمالهم بل الجمع هاهنا من مقابلة الجملة بالجملة المقتضى توزيع الأفراد ونظيره: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وقد قال بعض الناس: إن الشمال إنما جمعت في الظلال وأفرد اليمين لأن الظل حين ينشأ أول النهار يكون في غاية الطول يبدو كذلك ظلا(1\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "119",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6334",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحدا من جهة اليمين ثم يأخذ في النقصان وأما إذا أخذ في جهة الشمال فإنه يتزايد شيئا فشيئا والثاني منه غير الأول فلما زاد منه شيئا فهو غير ما كان قبله فصار كل جزء منه كأنه ظل فحسن جمع الشمائل في مقابلة تعدد الظلال وهذا معنى حسن المشرق والمغرب بين الجمع والتثنية والإفراد ومن هذا المعنى مجيء المشرق والمغرب في القرآن تارة مجموعين وتارة مثنيين وتارة مفردين لاختصاص كل محل بما يقتضيه من ذلك فالأول كقوله: فلا أقسم برب المشارق والمغارب والثاني كقوله: رب المشرقين ورب المغربين فبأي آلاء ربكما تكذبان والثالث كقوله: رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا فتأمل هذه الحكمة البالغة في تغاير هذه المواضع في الإفراد والجمع والتثنية بحسب موادها يطلعك على عظمة القرآن الكريم وجلالته وأنه تنزيل من حكيم حميد فحيث جمعت كان المراد بها مشارق الشمس ومغاربها في أيام السنة وهي متعددة وحيث أفردت كان المراد أفقي المشرق والمغرب وحيث ثنيا كان المراد مشرقي صعودها وهبوطها ومغربيهما فإنها تبتديء صاعدة حتى تنتهي إلى غاية أوجها وارتفاعها فهذا مشرق صعودها وينشأ منه فصلا الخريف والشتاء: فجعل مشرق صعودها بجملته مشرقا واحدا ومشرق هبوطها بجملته مشرقا واحدا ويقابلها مغرباها فهذا وجه اختلاف هذه في الإفراد والتثنية والجمع وأما وجه اختصاص كل موضع بما وقع فيه فلم أر أحدا تعرض له ولا فتح بابه وهو بحمد الله بين من السياق فتأمل وروده مثنى في سورة الرحمن لما كان مساق السورة مساق المثاني المزدوجات فذكر أولا نوعي الإيجاد وهما الخلق والتعظيم ثم ذكر سراجي العالم ومظهري نوره وهما الشمس والقمر ثم ذكر نوعي النبات ما قام منه على ساق وما انبسط منه على وجه الأرض وهما النجم والشجر ثم ذكر نوعي السماء المرفوعة والأرض الموضوعة وأخبر أنه رفع هذه ووضع هذه ووسط بينهما ذكر الميزان ثم ذكر العدل والظلم في الميزان فأمر بالعدل ونهى عن الظلم ذكر نوعي الخارج من الأرض وهما الحبوب والثمار ثم ذكر خلق نوعي المكلفين وهما نوع الإنسان ونوع الجان ثم ذكر نوعي المشرقين ونوعي المغربين ثم ذكر(1\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "120",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6335",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعد ذلك البحرين الملح والعذب فتأمل حسن تثنية المشرق والمغرب في هذه السورة وجلالة ورودهما لذلك وقدر موضعهما اللفظ مفردا ومجموعا تجد السمع ينبو عنه ويشهد العقل بمنافرته للنظم ثم تأمل ورودهما مفردين في سورة المزمل لما تقدمهما ذكر الليل والنهار فأمر رسوله علي الصلاة والسلام بقيام الليل ثم أخبره أن له في النهار سبحا طويلا فلما تقدم ذكر الليل وما أمر به فيه وذكر النهار وما يكون منه فيه عقب ذلك بذكر المشرق والمغرب اللذين هما مظهر الليل والنهار فكان ورودهما مفردين في هذا السياق أحسن من التثنية والجمع لأن ظهور الليل والنهار هما واحد فالنهار أبدا يظهر من المشرق والليل أبدا يظهر من المغرب ثم تأمل مجيئهما مجموعين في سورة المعارج في قوله: فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين لما كان هذا القسم في سياق سعة ربوبيته وإحاطة قدرته والمقسم عليه أرباب هؤلاء والإتيان بخير منهم ذكر المشارق والمغارب لتضمنهما انتقال الشمس التي هي أحد آياته العظيمة الكبيرة ونقله سبحانه لها وتصريفها كل يوم في مشرق ومغرب فمن فعل هذا كيف يعجزه أن يبدل هؤلاء وينقل إلى أمكنتهم خيرا منهم وأيضا فإن تأثير مشارق الشمس ومغاربها في اختلاف أحوال النبات والحيوان أمر مشهور وقد جعل الله تعالى ذلك بحكمته سببا لتبدل أجسام النبات وأحوال الحيوانات وانتقالها من حال إلى غيره ويبدل الحر بالبرد والبرد بالحر والصيف بالشتاء والشتاء بالصيف إلى سائر تبدل أحوال الحيوان والنبات والرياح والأمطار والثلوج وغير ذلك من التبدلات والتغيرات الواقعة في العالم بسبب اختلاف مشارق الشمس ومغاربها كان ذلك تقدير العزيز العليم فكيف لا يقدر مع ما يشهدونه من ذلك على أن يبدل خيرا منهم وأكد هذا المعنى بقوله وما نحن بمسبوقين فلا يليق بهذا الموضع سوى لفظة الجمع ثم تأمل كيف جاءت أيضا في سورة الصافات مجموعة في قوله: رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق لما جاءت مع جملة المربوبات المتعددة وهي السماوات والأرض وما بينهما كان(1\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "121",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6336",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأحسن مجيئها مجموعة لينتظم مع ما تقدم من الجمع والتعدد ثم تأمل كيف اقتصر على المشارق دون المغارب لاقتضاء الحال لذلك فإن المشارق مظهر الأنوار وأسباب انتشار الحيوان وحياته وتصرفه ومعاشه وانبساطه فهو إنشاء مشهود فقدمه بين يدي الرد على منكري البعث ثم ذكر تعجب بنيه من تكذيبهم واستبعادهم البعث بعد الموت ثم قدر الموت وحالهم فيه وكان الإقتصار على ذكر المشارق هاهنا في غاية المناسبة للغرض المطلوب والله أعلم. فائدة: إنما ظهرت علامة التثنية والجمع في الفعل دون علامة الواحد لأن الفعل يدل على فاعل مطلق ولا يدل على تثنية ولا جمع لأنهما طارئان على الإفراد وهو الأصل ففعل الواحد مستغن عن علامة الإضمار لعلم السامع أن له فاعلا ولا كذلك في التثنية والجمع لأن السامع لا يعلم أن الفاعل مثنى ولا مجموع استتار الضمير في الفعل فإن قيل: فما معنى استتار الضمير في الفعل وهو حروف مركبة من حركات اللسان فكيف يستتر فيها شيء أو يظهر قيل أكثر ألفاظ النحاة محمول على الاستعارة والتشبيه والتسامح إذ مقصودهم التقريب على المتعلمين والتحقيق أن الفاعل مضمر في نفس المتكلم ولفظ الفعل متضمن له دال عليه واستغني عن إظهاره لتقدم ذكره وعبر عنه بلفظ مضمر ولم يعبر عنه بمحذوف لأن المضمر هو المستتر فهو مضمر في النية مخفي في الخلد والإضمار هو الإخفاء فإن قيل: فهلا سموا ما حذفوه لفظا وأرادوا نيته مضمرا مثل الغاية في قولك الذي رأيت زيد وما الفرق بينهما وبين زيد قام قيل: الضمير في زيد قام لم ينطق به ثم حذف ولكنه مضمر في الإرادة ولا كذلك الضمير المحذوف للعلم به لأنه قد لفظ به في النطق ثم حذف تخفيفا فلما كان قد لفظ به ثم قطع من اللفظ تخفيفا عبر عنه بالحذف والحذف هو القطع من الشيء فهذا هو الفرق بينهما.(1\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "122",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6337",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة بديعة: لحاق علامة التثنية والجمع للفعل مقدما جاء في لغة قوم من العرب حرصا على البيان وتوكيدا للمعنى إذ كانوا يسمون بالتثنية والجمع نحو فلسطين وقنسرين وحمدان وسلمان مما يشبه لفظه لفظ المثنى والجمع فهذا ونحوه دعاهم إلى تقديم العلامة في قولهم أكلوني البراغيث وقد ورد في الحديث: quot; يتعاقبون فيكم ملائكةquot; رواه البخاري ومسلم وكما أن هذه العلامة ليست للفعل إنما هي للفاعلين وكذلك التاء في قامت هند ليست للفعل إذ هو حيث يذكر لا يلحقه تأنيث إلا في نحو: quot;ضربه وقتلهquot; والفعل لم يشتق من المصدر محدودا وإنما يدل عليه مطلقا فالتاء إذا بمنزلة علامة التثنية والجمع إلا أنها ألزم للفعل منها وقد ذكر النحاة في ذلك فروقا وعللا مشهورة فراجعها إلحاق علامة التأنيث للفعل قالوا إن الاسم المؤنث لو كان تأنيثه حقيقيا فلا بد من لحوق تاء التأنيث في الفعل وإن كان مجازيا لكنت بالخيار وزعموا أن التاء في: قالت الأعراب ونحوه لتأنيث الجماعة وهو غير حقيقي وقد كان على لحوق التاء في: وقال نسوة أولى لأن تأنيثهن حقيقي واتفقوا أن الفعل إذا تأخر عن فاعله المؤنث فلا بد من إثبات التاء وإن لم يكن التأنيث حقيقيا ولم يذكروا فرقا بين تقدم الفعل وتأخره ومما يقال لهم إذا لحقت التاء لتأنيث الجماعة فلم لا يجوز في جمع السلامة المذكر كما جازت في جمع التكسير ومما يقال لهم أيضا إذا كان لفظ الجماعة مؤنثا فلفظ الجمع مذكر فلم روعي لفظ التأنيث دون لفظ التذكير فإن قلت أنت مخير فإن راعيت لفظ التأنيث أنثت وإن راعيت لفظ التذكير ذكرت قيل لهم هذا باطل فإن أحدا من العرب لم يقل الهندان ذهب ولا الإعراب انطلق مراعاة للفظ الجمع فبطلت العلة فهذه عللهم قد انتقضت كما ترى فاسمع الآن سر المسألة وكشف قناعها الأصل في هذا الباب أن الفعل متى اتصل بفاعله ولم يحجز بينهما حاجز لحقت العلامة ولا نبالي(1\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "123",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6338",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أكان التأنيث حقيقيا أم مجازيا فتقول طابت الثمرة وجاءت هند إلا أن يكون الاسم المؤنث في معنى اسم آخر مذكر كالحوادث والحدثان والأرض فلذلك جاء فإن الحوادث أودى بها فإن الحوادث في معنى الحدثان وجاء ولا أرض أبقل إبقالها فإنه في معنى ولا مكان أبقل إبقالها وإذا فصلت الفعل عن فاعله فكلما بعد عنه قوي حذف العلامة وكلما قرب قوي إثباتها وإن توسط توسط ف حضر القاضي اليوم امرأة أحسن من حضرت وفي القرآن: وأخذ الذين ظلموا الصيحة ومن هنا كان إذا تأخر الفعل عن الفاعل وجب ثبوت التاء طال الكلام أم قصر لأن الفعل إذا تأخر كان فاعله مضمرا متصلا به اتصال الجزء بالكل فلم يكن بد من ثبوت التاء لفرط الاتصال وإذا تقدم الفعل متصلا بفاعله الظاهر فليس مؤخر الاتصال كهو مع المضمر لأن الفاعل الظاهر كلمة والفعل كلمة أخرى كان حذف التاء في تأنيث هند وطابت الثمرة أقرب إلى الجواز منه في قولك الثمرة طابت فإن حجز بين الفعل وفاعله حاجز كان حذف التاء حسنا وكلما كثرت الحواجز كان حذفها أحسن فإن كان الفاعل جمعا مكسرا دخلت التاء للتأنيث وحذفت لتذكير اللفظ لأنه بمنزلة الواحد في أن إعرابه كإعرابه ومجراه في كثير من الكلام مجرى اسم الجنس فإن كان الجمع مسلما فلا بد من التذكير لسلامة لفظ الواحدة فلا تقول قالت الكافرون كما لا تقول قالت الكافر لأن اللفظ بحاله لم يتغير بطرو الجمع عليه فإن قيل: فلم لا تقول الأعراب قال: كما تقوله مقدما قيل ثبوت التاء إنما كان مراعاة لمعنى الجماعة فإذا أردت ذلك المعنى أثبت التاء وإن تأخر الفعل لم يجز حذفه لاتصال الضمير وإن لم ترد معنى الجماعة حذفت التاء إذا تقدم الفعل ولم يحتج إليها إذا تأخر لأن ضمير الفاعلين لجماعة في المعنى وليسوا جمعا لأن الجمع مصدر جمعت أجمع فمن قال: إن التذكير في ذهب الرجال وقام الهندات مراعاة لمعنى الجمع فقد أخطأ وأما حذف التاء من وقال نسوة فلأنه اسم جمع كرهط وقوم ولولا أن فيه تاء التأنيث لفتحت التاء في فعله ولكنه قد يجوز أن تقول قالت نسوة كما تقول: سألت قبيلة ونسوة فإن قلت: إذا كانت النسوة باللام كان دخول التاء في الفعل أحسن كما كان ذلك في قالت الأعراب(1\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "124",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6339",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأن اللام للعهد وكان الاسم قد تقدم ذكره فأشبهت حال الفعل حاله إذا كان فيه ضمير يعود إلى مذكور من أجل الألف واللام فإنها ترد إلى معهود معنى الصيحة في القرآن الكريم فإذا قلت: فإذا استوى ذكر التاء وتركها في الفعل المتقدم وفاعله مؤنث غير حقيقي فما الحكمة في اختصاصها في قصة شعيب بالفعل وحذفها في قصة صالح وأخذ الذين ظلموا الصيحة قلت الصيحة في قصة صالح في معنى العذاب والخزي إذ كانت منتظمة بقوله سبحانه: ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز فصارت الصيحة عبارة عن ذلك الخزي وعن العذاب المذكور في الآية فقوي التذكير بخلاف قصة شعيب فإنه لم يذكر فيها ذلك هذا جواب السهيلي وعندي فيه جواب أحسن من هذا إن شاء الله وهو: أن الصيحة يراد بها المصدر بمعنى الصياح فيحسن فيها التذكير ويراد بها الواحدة من المصدر فيكون التأنيث أحسن وقد أخبر تعالى عن العذاب الذي أصاب به قوم شعيب بثلاثة أمور كلها مؤنثة اللفظ أحدها: الرجفة في قوله في الأعراف: فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين الثاني: الظلة بقوله: فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة الثالث: الصيحة: وأخذ الذين ظلموا الصيحة وجمع لهم بين الثلاثة فإن الرجفة بدأت بهم فأصحروا إلى الفضاء خوفا من سقوط الأبنية عليهم فصهرتهم الشمس بحرها ورفعت لهم الظلة فأهرعوا إليها يستظلون بها من الشمس فنزل عليهم منها العذاب وفيه الصيحة فكان ذكر الصيحة مع الرجفة والظلة أحسن من ذكر الصياح وكان ذكر التاء والله أعلم فإن قيل: فلم قلتم إن التاء حرف ولم تجعلوها بمنزلة الواو والألف في قاما وقاموا قيل: لإجماع العرب على قولهم الهندان قامتا بالتاء والضمير ولا يجوز أن يكون للفعل ضميران فاعلان فإن قيل: فما الفرق بين قوله: فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة وبين قوله: فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة قيل: الفرق من وجهين لفظي ومعنوي أما اللفظي فهو أن الحروف الحواجز بين الفعل والفاعل في قوله: حق عليهم الضلالة أكثر منها في قوله: حقت عليه وقد تقدم أن الحذف مع كثرة الحواجز أحسن وأما المعنوي فإن من في قوله: ومنهم من حقت عليه الضلالة واقعة على الأمة والجماعة وهي مؤنثة لفظا ألا تراه يقول: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا(1\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "125",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6340",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم قال: ومنهم من حقت عليه الضلالة أي من تلك الأمم أمم حقت عليهم الضلالة ولو قال: بدل ذلك ضلت لتعينت التاء ومعنى الكلامين واحد وإذا كان معنى الكلامين واحدا كان إثبات التاء أحسن من تركها لأنها ثابتة فيما هو في معنى الكلام الآخر وأما: فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة فالفريق مذكر ولو قال: فريقا ضلوا لكان بغير تاء وقولهم: حق عليهم الضلالة في معناه فجاء بغير تاء وهذا أسلوب لطيف من أساليب العربية تدع العرب حكم اللفظ الواجب له في قياس لغتها إذا كان في معنى كلمة لا يجب لها ذلك الحكم تراهم يقولون هو أحسن الفتيان وأجمله لأنه في معنى هو أحسن فتى وأجمله ونظيره تصحيحهم حول وعور لأنه في معنى أحول وأعور ونظائره كثيرة جدا فإذا حسن الحمل على المعنى فيما كان القياس لا يجوزه فما ظنك به حيث يجوزه القياس والإستعمال وأحسن من هذا أن يقول إنهم أرادوا أحسن شيء وأجمله فجعلوا مكان شيء قولهم الفتيان تنبيها على أنه أحسن شيء من هذا الجنس فلو اقتصروا على ذكر شيء لم يدل على الجنس المفضل عليه ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: quot;أحناه على ولد في صغره وأرعاه في ذات يده quot; رواه البخاري ومسلم وأحمد فهذا يدل على أن التقدير هناك أحسن شيء وأجمله لأنه أحسن فتى إذ لو كان التقدير أحسن فتى لكان نظيره هنا أحنى امرأة على ولد وكان يقال أحناها وأرعاها فلما عدل إلى التذكير دل على أنهم أرادوا أحسن شيء من هذا الجنس وأرعاه فائدة بديعة: قولك ضرب القوم بعضهم بعضا هذه المسألة مما لم يدخل تحت ضبط النحاة ما يجب تقديمه من الفاعلين فإن كلاهما ظاهر إعرابه وتقديم الفاعل متعين وسر ذلك وهو الضمير المحذوف فإن الأصل أن يقال: ضرب القوم بعضهم لأن حق البعض أن يضاف إلى الكل ظاهرا أو مقدرا فلما حذفوه من المفعول استغناء بذكره في الفاعل لم يجوزوا تأخير الفاعل فيقولوا: ضرب بعضا بعضهم لأن اهتمامهم بالفاعل قد(1\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "126",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6341",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوي وتضاعف لاتصاله بالضمير الذي لا بد منه فبعد أن كانت الحاجة إلى الفاعل مرة صارت الحاجة إليه مرتين فإن قلت: فما المانع من إضافة بعض المفعول إلى الضمير فتقول ضرب القوم بعضهم بعض أو ضرب القوم بعض بعضهم قلت الأصل أن يذكر الضميران منهما جميعا فلما أرادوا حذفه من أحدهما تخفيفا كان حذفه مع المفعول الذي هو كالفضلة في الكلام أولى من حذفه مع الفاعل الذي لا بد منه ولا غناء عنه كقولك خلطت القوم بعضهم ببعض لأن رتبة المفعول هاهنا التقدم على المجرور كما كانت رتبة الفاعل التقديم على المفعول فحق الضمير العائد على الكل أن يتصل بما هو أهم بالتقديم. فائدة: إذا قلت إنما يأكل زيد الخبز فحققت ما يتصل ومحقت ما ينفصل هذه عبارة بعض النحاة وهي عبارة أهل سمرقند يقولون في إنما وضعت لتحقيق المتصل وتمحيق المنفصل وتلخيص هذا الكلام أنها لنفي وإثبات فأثبتت لزيد أكل الخبز المتصل به في الذكر ونفت ما عداه فمعناه ما يأكل زيد إلا الخبز فإن قدمت المفعول فقلت إنما يأكل الخبز زيد انعكس المعنى والقصد فائدة بديعة: الوصلات في كلامهم التي وضعوها للتوصل بها إلى غيرها خمسة أقسام أحدها حروف الجر التي وضعوها ليتوصلوا بالأفعال إلى المجرور بها ولولاها لما نفذ الفعل إليها ولا باشرها الثاني حرف ها التي للتنبيه وضعت ليتوصل بها إلى نداء ذي الألف واللام الثالث ذو وضعوها وصلة إلى وصف النكرات بأسماء الأجناس غير المشتقة كرجل ذي مال(1\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "127",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6342",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرابع الذي وضعوه وصلة إلى وصف المعارف بالجمل ولولاها لما جرت صفاتها عليها الخامس الضمير الذي جعل وصلة إلى ارتباط الجمل بالمفردات خبرا وصفة وصلة وحالا فأتوا بالضمير وصلة إلى جريان الجمل على هذه المفردات أحوالا وأخبارا وصفات وصلات ولم يصفوا المعرفة بالجملة مع وجود هذه الوصلة المصححة كما وصفوا بها النكرة لوجهين أحدهما أن النكرة مفتقرة إلى الوصف والتبيين فعلم أن الجملة بعدها مبينة لها ومكملة لفائدتها الوجه الثاني أن الجملة تتنزل منزلة النكرة لأنها خبر ولا يخبر المخاطب إلا بما يجهله لا بما يعرفه فصلح أن يوصف بها النكرة بخلاف المعرفة فإنك لو قلت جاءني زيد قائم أبوه على وجه الوصف لما ارتبط الكلام بعضه ببعض لاستقلال كل واحد منهما بنفسه فجاءوا بالوصلة التي توصلوا بها إلى وصف النكرة باسم الجنس وهي ذو فقالوا جاءني زيد ذو قام أبوه وهي لغة طيء وهي الأصل ثم إن أكثر العرب لما رآها اسما قد وصف بها المعرفة أرادوا تعريفه ليتفق الوصف والموصوف في التعريف فأدخلوا الألف واللام عليه ثم ضاعفوا اللام كيلا يذهب لفظها بالإدغام وتذهب ألف الوصل في الدرج فلا يظهر التعريف فجاء منه هذا اللفظ تقديرا ل ذو فلما رأوا الاسم قد انفصل عن الإضافة حيث صار معرفة قلبوا الواو منه ياء إذ ليس في كلامهم واو متطرفة مضموم ما قبلها إلا وتنقلب ياء كأدل وأحق وإنما صحب الواو في قولهم: ذو لأنها كانت في حكم التوسط إذ المضاف مع المضاف إليه كالشيء الواحد في معنى ذو وبمعنى الذي طرف من معنى ذا التي للإشارة لأن كلا منهما يبين بأسماء الأجناس كقولك: هذا الغلام وهذا الرجل فيتصل بها على وجه البيان كما يتصل بها ذو على جهة الإضافة وكذلك قالوا في المؤنث من الذي التي بالتاء كما قالوا في المؤنث من هذا هاتان وهاتين إعراب الذي في حالة التثنية فإن قيل: فلم أعرب الذي في حالة التثنية قيل: لأن الألف التي فيه بعضها علامة الرفع في الأسماء المعربة فدار الأمر بين ثلاثة أمور أحدها أن يبنوه وفيه علامة الإعراب وهو مستشنع وصار بمنزلة من تعطل عن التصرف وفيه آلته الثاني أن يسقطوها منه ليعطوه حظه من البناء فيبطل(1\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "128",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6343",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معنى التثنية الثالث فإنه أسهل شيء عليهم وهو إعرابه فكان ترك مراعاة علة البناء أسهل عليهم من إبطال معنى التثنية ولهذه بعينها أعربوا اثني عشر وهذين وطرد هذا أن يكون هذان معربا وهو الصحيح وممن نص عليه السهيلي وأحسن ما بينا فإن الألف لا يكون علامة بناء بخلاف الضمير فإنها تكون للبناء ك حيث ومنذ فتأمل هذا الموضع فإن قلت: ينتقض عليك بالجمع فإنهم بنوه أعني الذين وهو على حد التثنية وفيه علامة الإعراب قلت الفرق بين الجمع والتثنية من وجهين أحدهما أن الجمع قد يكون إعرابه كإعراب الواحد بالحركات نعم وقد يكون الجمع اسما واحدا في اللفظ كقوم ورهط الثاني أن الجمع نصبه وخفضه يضارع لفظه لفظ الواحد من حيث كان آخره ياء مكسورا ما قبلها فجعلوا الرفع الذي هو أقل حالاته على النصب والخفض وغلبوا عليه البناء حيث كان لفظه في الإعراب في أغلب أحواله كلفظه في البناء وليس كذلك التثنية فإن ياءها مفتوح ما قبلها فلا يضارع لفظها في شيء من أحوالها لفظ الواحد وأما النون في الذين فلا اعتبار بها لأنها ليست في الجمع ركنا من أركان صيغته لسقوطها في الإضافة من الشعر كما قال الشاعر: وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد هذا تعليل السهيلي وعندي فيه علة ثانية: وهي أن التثنية في واللذين خاصة من خواص الاسم قاومت شبه الحرف فتقابل المقتضيان فرجع إلى أصله فأعرب بخلاف الذين فإن الجمع وإن كان من خواص الأسماء لكن هذه الخاصة ضعيفة في هذا الاسم لنقصان دلالته مجموعا عما يدل عليه مفردا فإن الذي يصلح للعاقل وغيره الذين لا يستعمل إلا للعقلاء خاصة فنقصت دلالته فضعفت خاصية الجمع فيه فبقي موجب بنائه على قوته وهذا بخلاف المثنى فإنه يقال على العاقلين وغيرهما فإنك تقول الرجلان اللذان لقيتهما والثوبان اللذان لبستهما ولا تقول الثياب الذين لبستهم وعلى هذا التعليل فلا حاجة بنا إلى ركوب ما تعسفه رحمه الله من مضارعة الجمع للواحد وشبهه به وتكلف الجواب عن تلك الإشكالات والله أعلم(1\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "129",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6344",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة بديعة: قول النحاة إن ما الموصولة بمعنى الذي إن أرادوا به أنها بمعناها من كل وجه فليس بحق وإن أرادوا أنها بمعناها من بعض الوجوه فحق والفرق بينهما أن ما اسم مبهم في غاية الإبهام حتى أنها تقع على كل شيء وتقع على ما ليس بشيء ألا تراك تقول إن الله يعلم ما كان وما لم يكن لفرط إبهامها لم يجز الإخبار عنها حتى توصل بما يوضحها وكل ما وصلت به يجوز أن يكون صلة ل الذي فهو يوافق الذي في هذا الحكم ويخالفها في إبهامها فلا تكون نعتا لما قبلها ولا منعوتة لأن صلتها بعينها غير النعت وأيضا فلو نعتت بنعت زائد على الصلة لارتفع إبهامها وفي ارتفاع الإبهام منها جملة بطلان حقيقتها وإخراجها عن أصل موضوعها وتفارق الذي أيضا في امتناعها من التثنية والجمع وذلك أيضا لفظ إبهامها فإذا ثبت الفرق بينهما فاعلم أنه لا يجوز أن توجد إلا موصولة لإبهامها وموصوفة ولا يجوز أن توجد إلا واقعة على جنس تتنوع منه أنواع لأنها لا تخلو من الإبهام أبدا ولذلك كان في لفظها ألف آخره لما في الألف من المد والاتساع في هواء الفم مشاكلة لاتساع معناها في الأجناس فإذا أوقعوها على نوع بعينه وخصوا به من يعقل وقصروها عليه أبدلوا الألف نونا ساكنة فذهب امتداد الصوت فصار قصر اللفظ موازنا لقصر المعنى وإذا كان أمرها كذلك وجب أن يكون ضميرها العائد عليها من الصلة التي لا بد للصلة منه ولولا هو لم ترتبط بموصول حتى تكون صلة له فيجب أن يكون ذلك الضمير بمنزلة ما يعود عليه في الإعراب والمعنى فإذا وقعت على ما هو فاعل في المعنى كان ضميرها فاعلا في المعنى واللفظ نحو كرهت ما أصابك ف ما مفعولة لكرهت في اللفظ وهي فاعلة لأصاب في المعنى فالضمير الذي في أصاب فاعل في اللفظ والمعنى وإذا وقعت على مفعول كان ضميرها مفعولا لفظا ومعنى نحو سرني ما أكلته وأعجبني ما لبسته فهي في المعنى مفعولة لأنها عبارة عن الملبوس فضميرها مفعول(1\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "130",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6345",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في اللفظ والمعنى وكذلك إذا وقعت على اللفظ كان ضميرها مجرورا ب في لأن الظرف كذلك في المعنى إلا أنها لا تقع على المصادر إلا على ما تختلف أنواعه للإبهام الذي فيها فإن قيل: فكيف وقعت على من يعقل كقوله: لما خلقت بيدي والسماء وما بناها ولا أنتم عابدون ما أعبد وأمثال ذلك قيل: هي في هذا كله على أصلها من الإبهام والوقوع على الجنس العام لما يراد بما ما يراد بمن من التعيين لما يعقل والاختصاص دون الشيوع ومن فهم حقيقة الكلام وكان له ذوق عرف هذا واستبان له وأما قوله تعالى: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي فهذا كلام ورد في معرض التوبيخ والتبكيت للعين على امتناعه من السجود ولم يستحق هذا التبكيت والتوبيخ حيث كان السجود لمن يعقل ولكن للمعصية والتكبر على ما لم يخلقه إذ لا ينبغي التكبر لمخلوق على مثله إنما التكبر للخالق وحده فكأنه يقول سبحانه: لم عصيتني وتكبرت على ما لم تخلقه وخلقته أنا وشرفته وأمرتك بالسجود له فهذا موضع ما لأن معناها أبلغ ولفظها أعم وهو في الحجة أوقع وللعذر والشبهة أقطع فلو قال: ما منعك أن تسجد لمن خلقت لكان استفهاما مجردا من توبيخ وتبكيت ولتوهم أنه وجب السجود له من حيث كان يعقل ولعله موجود في ذاته وعينه وليس المراد كذلك وإنما المراد توبيخه وتبكيته على ترك سجوده لما خلق الله وأمره بالسجود له ولهذا عدل عن اسم آدم العلم مع كونه أخص وأتى بالاسم الموصول الدال على جهة التشريف المقتضية لسجوده له كونه خلقه بيديه وأنت لو وضعت مكان ما لفظة من لما رأيت هذا المعنى المذكور في الصلة وأن ما جيء بها وصلة إلى ذكر الصلة فتأمل ذلك فلا معنى إذا للتعيين بالذكر إذ لو أريد التعيين لكان بالاسم العلم أولى وأحرى وكذلك قوله: والسماء وما بناها لأن القسم تعظيم للمقسم به واستحقاقه للتعظيم من حيث ما وأظهر هذا الخلق العظيم الذي هو السماء ومن حيث سواها وزينها بحكمته فاستحق التعظيم وثبتت قدرته فلو قال: ومن بناها لم يكن في اللفظ دليل على استحقاقه للقسم من حيث اقتدر على بنائها ولكان المعنى مقصورا على ذاته ونفسه دون الإيماء إلى أفعاله الدالة على عظمته المنبئة عن حكمته المفصحة باستحقاقه للتعظيم من خليقته وكذلك قولهم: سبحان(1\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "131",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6346",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما يسبح الرعد بحمدهquot; لأن الرعد صوت عظيم من جرم عظيم والمسبح به لا محالة أعظم فاستحقاقه للتسبيح من حيث يستحقه العظيمات من خلقه لا من حيث كان يعلم ولا تقل يعقل في هذا الموضع فإذا تأملت ما ذكرناه استبان لك قصور من قال أن ما مع الفعل في هذا كله سوى الأول في تأويل المصدر وأنه لم يقدر المعنى حق قدره فلا لصناعة النحو وفق ولا لفهم التفسير رزق وأنه تابع الحز وأخطأ المفصل وحام ولكن ما ورد المنهل فوائد سورة الكافرون وأما قوله عز وجل: لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد فإن ما على بابها لأنها واقعة على معبوده صلى الله عليه وسلم على الإطلاق لأن امتناعهم من عبادة الله تعالى ليس لذاته بل كانوا يظنون أنهم يعبدون الله تعالى ولكنهم كانوا جاهلين به فقوله: ولا أنتم عابدون ما أعبد أي لا أنتم تعبدون معبودي ومعبوده هو صلى الله عليه وسلم كان عارفا به دونهم وهم جاهلون به هذا جواب بعضهم قال آخرون: إنها هنا مصدرية لا موصولة أي لا تعبدون عبادتي ويلزم من تنزيههم عن عبادته تنزيههم عن المعبود لأن العبادة متعلقة به وليس هذا بشيء إذ المقصود براءته من معبوديهم وإعلامه أنهم بريئون من معبوده تعالى فالمقصود المعبود لا العبادة وقيل: إنهم كانوا يقصدون مخالفته صلى الله عليه وسلم حسدا له وأنفة من إتباعه فهم لا يعبدون معبوده لا كراهية لذات المعبود ولكن كراهية لاتباعه صلى الله عليه وسلم وحرصا على مخالفته في العبادة وعلى هذا فلا يصح في النظم البديع والمعنى الرفيع إلا لفظ ما لإبهامها ومطابقتها الغرض الذي تضمنته الآية وقيل في ذلك وجه رابع: وهو قصد ازدواج الكلام في البلاغة والفصاحة مثل قوله: نسوا الله فنسيهم و: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه فكذلك: لا أعبد ما تعبدون ومعبودهم لا يعقل ثم ازدوج مع هذا الكلام قوله: ولا أنتم عابدون ما أعبد فاستوى اللفظان وإن اختلف المعنيان ولهذا لا يجيء في الإفراد مثل هذا بل لا يجيء إلا من كقوله: أمن يهديكم قل من يرزقكم أمن يملك السمع أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر أمن يجيب المضطر إذا دعاه أمن يبدأ الخلق إلى أمثال ذلك وعندي فيه وجه خامس أقرب من(1\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "132",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6347",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا كله وهو أن المقصود هنا ذكر المعبود الموصوف بكونه أهلا للعبادة مستحقا لها فأتى ب ما الدالة على هذا المعنى كأنه قيل: ولا أنتم عابدون معبودي الموصوف بأنه المعبود الحق ولو أتى بلفظة من لكانت إنما تدل على الذات فقط ويكون ذكر الصلة تعريفا لا أنه هو جهة العبادة ففرق بين أن يكون كونه تعالى أهلا لأن يعبد تعريف محض أو وصف مقتضى لعبادته فتأمله فإنه بديع جدا وهذا معنى قول محققي النحاة: أن ما تأتي لصفات من يعلم ونظيره: فانكحوا ما طاب لكم من النساء لما كان المراد الوصف وأن هو السبب الداعي إلى الأمر بالنكاح وقصده وهو الطيب فتنكح المرأة الموصوفة به أتى بما دون من وهذا باب لا ينخرم وهو من ألطف مسالك العربية وإذ قد أفضى الكلام بنا إلى هنا فلنذكر فائدة ثانية: تكرير الأفعال في هذه السورة ثم فائدة ثالثة: كونه كرر الفعل في حق نفسه بلفظ المستقبل في الموضعين وأتى في حقهم بالماضي ثم فائدة رابعة: وهي أنه جاء في نفي عبادة معبودهم عنه بلفظ الفعل المستقبل وجاء في نفي عبادتهم معبوده باسم الفاعل ثم فائدة خامسة: وهي كون إيراده النفي هنا ب لا دون لن ثم فائدة سادسة: وهي أن طريقة القرآن في مثل هذا أن يقرن النفي بالإثبات فينفي عبادة ما سوى الله ويثبت عبادته وهذا هو حقيقة التوحيد والنفي المحض ليس بتوحيد وكذلك الإثبات بدون النفي فلا يكون التوحيد إلا متضمنا للنفي والإثبات وهذا حقيقة لا إله إلا الله فلم جاءت هذه السورة بالنفي المحض وما سر ذلك وفائدة سابعة: وهي ما حكمة تقديم نفي عبادته عن معبودهم ثم نفي عبادتهم عن معبوده وفائدة ثامنة: وهي أن طريقة القرآن إذا خاطب الكفار أن يخاطبهم بالذين كفروا والذين هادوا كقوله: يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله ولم يجيء يا أيها الكافرون إلا في هذا الموضع فما وجه هذا الاختصاص وفائدة تاسعة: وهي هل في قوله: لكم دينكم ولي دين معنى زائد على النفي المتقدم فإنه يدل على اختصاص كل بدينه ومعبوده وقد فهم هذا من النفي فما أفاد التقسيم المذكور وفائدة عاشرة: وهي تقديم ذكرهم ومعبودهم في هذا(1\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "133",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6348",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التقسيم والاختصاص وتقديم ذكر شأنه وفعله في أول السورة وفائدة حادية عشرة وهي أن هذه السورة قد اشتملت على جنسين من الأخبار أحدهما براءته من معبودهم وبراءتهم من معبوده وهذا لازم أبدا الثاني إخباره بأن له دينه ولهم دينهم فهل هذا متاركة وسكوت عنهم فيدخله النسخ بالسيف أو التخصيص ببعض الكفار أم الآية باقية على عمومها وحكمها غير منسوخة ولا مخصوصة وبعد فهذه عشر مسائل في هذه السورة ذكرنا منها مسألة واحدة وهي: وقوع ما فيها بدل من فنذكر المسائل التسع مستمدين من فضل الله مستعينين بحوله وقوته متبرئين إليه من الخطأ فما كان من صواب فمنه وحده لا شريك له وما كان من خطأ فمنا ومن الشيطان والله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بريئان منه وأما المسألة الثانية وهي: فائدة تكرار الأفعال فقيل فيه وجوه أحدها: أن قوله: لا أعبد ما تعبدون نفي للحال والمستقبل وقوله: ولا أنتم عابدون ما أعبد مقابلة أي لا تفعلون ذلك وقوله: ولا أنا عابد ما عبدتم أي لم يكن مني ذلك قط قبل نزول الوحي ولهذا أتى في عبادتهم بلفظ الماضي فقال ما عبدتم فكأنه قال: لم أعبد قط ما عبدتم وقوله: ولا أنتم عابدون ما أعبد مقابله أي لم تعبدوا قط في الماضي ما أعبده أنا دائما وعلى هذا فلا تكرار أصلا وقد استوفت الآيات أقسام النفي ماضيا وحالا ومستقبلا عن عبادته وعبادتهم بأوجز لفظ وأحضره وأبينه وهذا إن شاء الله أحسن ما قيل فيها فلنقتصر عليه ولا نتعداه غيره فإن الوجوه التي قيلت في مواضعها فعليك بها وأما المسألة الثالثة: وهي تكريره الأفعال بلفظ المستقبل حين أخبر عن نفسه وبلفظ الماضي حين أخبر عنهم ففي ذلك سر وهو الإشارة والإيماء إلى عصمة الله تعالى له عن الزيغ والانحراف عن عبادة معبوده والاستبدال به غيره وأن معبوده واحد في الحال والمال على الدوام لا يرضي به بدلا ولا يبغي عنه حولا بخلاف الكافرين فإنهم يعبدون أهواءهم ويتبعون شهواتهم في الدين وأغراضهم فهم بصدد أن يعبدوا اليوم معبودا وغدا غيره فقال: لا أعبد(1\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "134",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6349",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما تعبدون يعني الآن ولا أنتم عابدون ما أعبد أنا الآن أيضا ثم قال: ولا أنا عابد ما عبدتم يعني ولا أنا فيما يستقبل يصدر مني عبادة لما عبدتم أيها الكافرون وأشبهت ما هنا رائحة الشرط فلذلك وقع بعدها الفعل بلفظ الماضي وهو مستقبل في المعنى كما يجيء ذلك بعد حرف الشرط كأنه يقول مهما عبدتم من شيء فلا أعبده أنا فإن قيل: وكيف يكون فيها الشرط وقد عمل فيها الفعل ولا جواب لها وهي موصولة فما أبعد الشرط منها قلنا لم نقل أنها شرط نفسها ولكن فيها رائحة منه وطرف من معناه لوقوعها على غير معين وإيهامها في المعبودات وعمومها وأنت إذا ذقت معنى هذا الكلام وجدت معنى الشرط باديا على صفحاته فإذا قلت لرجل ما تخالفه في كل ما يفعل أنا لا أفعل ما تفعل ألست ترى معنى الشرط قائما في كلامك وقصدك وأن روح هذا الكلام مهما فعلت من شيء فإني لا أفعله وتأمل ذلك من مثل قوله تعالى: قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا كيف تجد معنى الشرطية فيه حتى وقع الفعل بعد من بلفظ الماضي والمراد به المستقبل وأن المعنى من كان في المهد صبيا فكيف نكلمه وهذا هو المعنى الذي حام حوله من قال من المفسرين والمعربين أنه كان نبيا بمعنى يكون لكنهم لم يأتوا إليه من بابه بل ألقوه عطلا من تقدير وتنزيل وعزب فهم غيرهم عن هذا للطفه ودقته فقالوا كان زائدة والوجه ما أخبرتك فخذه عفوا لك عزمه وعلى سواك غرمه إلا على من في الآية قد عمل فيها الفعل وليس لها جواب ومعنى الشرطية قائم فيها فكذلك في قوله ولا أنا عابد ما عبدتم وهذا كله مفهوم من كلام فحول النحاة كالزجاج وغيره فإذا ثبت هذا فقد صحت الحكمة التي من أجلها جاء الفعل بلفظ الماضي من قوله: ولا أنا عابد ما عبدتم بخلاف قوله: ولا أنتم عابدون ما أعبد لبعد ما فيها عن معنى الشرط تنبيها من الله على عصمة نبيه أن يكون له معبودا سواه وأن يتنقل في(1\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "135",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6350",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعبودات تنقل الكافرين أما المسألة الرابعة: وهي أنه لم يأت النفي في حقهم إلا باسم الفاعل وفي جهته جاء بالفعل المستقبل تارة وباسم الفاعل أخرى فذلك والله أعلم لحكمة بديعة وهي أن المقصود الأعظم براءته من معبوديهم بكل وجه وفي كل وقت فأتى أولا بصيغة الفعل الدالة على الحدوث والتجدد ثم أتى في هذا النفي بعينه بصيغة اسم الفاعل الدالة على الوصف والثبوت فأفاد في النفي الأول أن هذا لا يقع مني وأفاد في الثاني أن هذا ليس وصفي ولا شأني فكأنه قال: عبادة غير الله لا تكون فعلا لي ولا وصفا فأتى بنفيين لمنفيين مقصودين بالنفي وأما في حقهم فإنما أتى بالاسم الدال على الوصف والثبوت دون الفعل أي أن الوصف الثابت اللازم العائد لله منتف عنكم فليس هذا الوصف ثابتا لكم وإنما ثبت لمن خص الله وحده بالعبادة لم يشرك معه فيها أحدا وأنتم لما عبدتم غيره فلستم من عابديه وإن عبدوه في بعض الأحيان فإن المشرك يعبد الله ويعبد معه غيره كما قال أهل الكهف: وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله أي اعتزلتم معبودهم إلا الله فإنكم لم تعتزلوه وكذا قال المشركون عن معبودهم: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى فهم كانوا يعبدون الله ويعبدون معه غيره فلم ينتف عنهم الفعل لوقوعه منهم ونفي الوصف لأن من عبد غير الله لم يكن ثابتا على عبادة الله موصوفا بها فتأمل هذه النكتة البديعة كيف تجد في طيها أنه لا يوصف بأنه عابد الله وعبده المستقيم على عبادته إلا من انقطع إليه بكليته وتبتل إليه تبتيلا لم يلتفت إلى غيره لم يشرك به أحدا في عبادته وأنه وإن عبده وأشرك به غيره فليس عابدا لله ولا عبدا له وهذا من أسرار هذه السورة العظيمة الجليلة التي هي إحدى سورتي الإخلاص التي تعدل ربع القرآن كما جاء في بعض السنن وهذا لا يفهمه كل أحد ولا يدركه إلا من منحه الله فهما من عنده فلله الحمد والمنة وأما المسألة الخامسة: وهي أن النفي في هذه السورة أتى بأداة لا دون لن وذلك لأن النفي ب لا أبلغ منه ب لن وأن لا أدل على دوام النفي(1\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "136",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6351",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وطوله من لن وأنها للطول والمد الذي في نفيها طال النفي بها واشتد وأن هذا ضد ما فهمته الجهمية والمعتزلة من أن لن إنما تنفي المستقبل ولا تنفي الحال المستمر النفي في الاستقبال وقد تقدم تقرير ذلك بما لا تكاد تجده في غير هذا التعليق فالإتيان بلا متعين هنا والله أعلم وأما المسألة السادسة: وهي اشتمال هذه السورة على النفي المحض فهذا هو خاصة هذه السورة العظيمة فإنها سورة براءة من الشرك كما جاء في وصفها أنها براءة من الشرك فمقصودها الأعظم هو البراءة المطلوبة بين الموحدين والمشركين ولهذا أتى بالنفي في الجانبين تحقيقا للبراءة المطلوبة هذا مع أنها متضمنة للإثبات صريحا فقوله: لا أعبد ما تعبدون براءة محضة ولا أنتم عابدون ما أعبد إثبات أن له معبودا يعبده وأنتم بريئون من عبادته فتضمنت النفي والإثبات وطابقت قول إمام الحنفاء: إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني وطابقت قول فئة الموحدين: وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فانتظمت حقيقة لا إله إلا الله تعالى ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرنها بسورة قل هو الله أحد في سنة الفجر وسنة المغرب فإن هاتين السورتين سورتا الإخلاص صحيح وقد اشتملتا على نوعي التوحيد الذي لا نجاة للعبد ولا فلاح إلا بهما وهما توحيد العلم والاعتقاد المتضمن تنزيه الله عما لا يليق به من الشرك والكفر والولد والوالد وأنه إله أحد صمد لم يلد فيكون له فرع ولم يولد فيكون له أصل ولم يكن له كفوا أحد فيكون له نظير ومع هذا فهو الصمد الذي اجتمعت له صفات الكمال كلها فتضمنت السورة إثبات ما يليق بجلاله من صفات الكمال ونفي ما لا يليق به من الشريك أصلا وفرعا ونظيرا فهذا توحيد العلم والاعتقاد والثاني توحيد القصد والإرادة وهو أن لا يعبد إلا إياه فلا يشرك به في عبادته سواه بل يكون وحده هو المعبود وسورة قل يا أيها الكافرون مشتملة على هذا التوحيد فانتظمت السورتان نوعي التوحيد وأخلصتا له فكان صلى الله عليه وسلم يفتتح بهما النهار في سنة الفجر ويختم بهما في سنة المغرب وفي السنن أنه كان يوتر بهما فيكونان خاتمة عمل الليل كما كانا خاتمة عمل النهار ومن هنا تخريج جواب المسألة(1\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "137",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6352",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السابعة وهي تقديم براءته من معبودهم ثم أتبعها ببراءتهم من معبوده فتأمله وأما المسألة الثامنة وهي إثباته هنا بلفظ يا أيها الكافرون دون يا أيها الذين كفروا فسره والله أعلم إرادة الدلالة على أن من كان الكفر وصفا ثابتا لا لازما لا يفارقه فهو حقيق أن يتبرأ الله منه ويكون هو أيضا بريئا من الله فحقيق بالموحد البراءة منه فكان في معرض البراءة التي هي غاية البعد والمجانبة بحقيقة حاله التي هي غاية الكفر وهو الكفر الثابت اللازم في غاية المناسبة فكأنه يقول كما أن الكفر لازم لكم ثابت لا تنتقلون عنه فمجانبتكم والبراءة منكم ثابتة دائما أبدا ولهذا أتى فيها بالنفي الدال على الاستمرار مقابلة الكفر الثابت المستمر وهذا واضح المسألة التاسعة: وهي ما الفائدة في قوله: لكم دينكم ولي دين وهل أفاد هذا معنى زائدا على ما تقدم فيقال في ذلك من الحكمة والله أعلم أن النفي الأول أفاد البراءة وأنه لا يتصور منه ولا ينبغي له أن يعبد معبوديهم وهم أيضا لا يكونون عابدين لمعبوده وأفاد آخر السورة إثبات ما تضمنه النفي من جهتهم من الشرك والكفر الذي هو حظهم وقسمهم ونصيبهم فجرى ذلك مجرى من اقتسم هو وغيره أرضا فقال له لا تدخل في حدي ولا أدخل في حدك لك أرضك ولي أرضي فتضمنت الآية أن هذه البراءة اقتضت أنا اقتسمنا خطتنا بيننا فأصابنا التوحيد والإيمان فهو نصيبنا وقسمنا الذي نختص به لا تشركونا فيه وأصابكم الشرك بالله والكفر به فهو نصيبكم وقسمكم الذي تختصمون به لا نشرككم به فتبارك من أحيا قلوب من شاء من عباده بفهم كلامه وهذه المعاني ونحوها إذا تجلت للقلوب رافلة في حللها فإنها تسبى القلوب وتأخذ بمجامعها ومن لم يصادف من قلبه حياة فهي خود تزف إلى ضرير مقعد فالحمد لله على مواهبه التي لا تنتهي ونسأله إتمام نعمته وأما المسألة العاشرة: وهي تقديم قسمهم ونصيبهم على قسمه ونصيبه وفي أول السورة قدم ما يختص بهم فهذا من أسرار الكلام وبديع الخطاب الذي لا يدركه إلا فحول البلاغة وفرسانها فإن السورة لما اقتضت البراءة واقتسام ديني التوحيد والشرك بينه وبينهم ورضي كل بقسمه(1\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "138",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6353",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان المحق هو صاحب القسمة وقد برز النصيبين وميز القسمين وعلم أنهم راضون بقسمهم الدون الذي لا أردا منه وأنه هو قد استولى على القسم الأشراف والحظ الأعظم بمنزلة من اقتسم هو وغيره سما وشفاء فرضي مقاسمه بالسم فإنه يقول له لا تشاركني في قسمي ولا أشاركك في قسمك لك قسمك ولي قسمي فتقديم ذكر قسمه هاهنا أحسن وأبلغ كأنه يقول هذا هو قسمك الذي آثرته بالتقديم وزعمت أنه أشرف القسمين وأحقهما بالتقديم فكان في تقديم ذكر قسمه من التهكم به والنداء على سوء اختياره وقبح ما رضيه لنفسه من الحسن والبيان ما لا يوجد في ذكر تقديم قسم نفسه والحاكم في هذا هو الذوق والفطن يكتفي بأدنى إشارة وأما غليظ الفهم فلا ينجع فيه كثرة البيان ووجه ثان وهو أن مقصود السورة براءته صلى الله عليه وسلم من دينهم ومعبودهم هذا هو لبها ومغزاها وجاء ذكر براءتهم من دينه ومعبوده بالقصد الثاني مكملا لبراءته ومحققا لها فلما كان المقصود براءته من دينهم بدأ به في أول السورة ثم جاء قوله: لكم دينكم مطابقا لهذا المعنى أي لا أشارككم في دينكم ولا أوافقكم عليه بل هو دين تختصون أنتم به لا أشرككم فيه أبدا فطابق آخر السورة أولها فتأمله وأما المسألة الحادية عشرة: وهي أن هذا الإخبار بأن لهم دينهم وله دينه هل هو إقرار فيكون منسوخا أو مخصوصا أو لا نسخ في الآية ولا تخصيص فهذه مسألة شريفة من أهم المسائل المذكورة: وقد غلط في السورة خلائق وظنوا أنها منسوخة بآية السيف لاعتقادهم أن هذه الآية اقتضت التقرير لهم على دينهم وظن آخرون أنها مخصوصة بمن يقرون على دينهم وهم أهل الكتاب وكلا القولين غلط محض فلا نسخ في السورة ولا تخصيص بل هي محكمة عمومها نص محفوظ وهي من السور التي يستحيل دخول النسخ في مضمونها فإن أحكام التوحيد التي اتفقت عليه دعوة الرسل يستحيل دخول النسخ فيه وهذه السورة أخلصت التوحيد ولهذا تسمى سورة الإخلاص كما تقدم ومنشأ الغلط ظنهم أن الآية اقتضت إقرارهم على دينهم ثم رأوا أن هذا الإقرار زال بالسيف فقالوا:(1\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "139",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6354",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منسوخ وقالت طائفة: زال عن بعض الكفار وهم من لا كتاب لهم فقالوا هذا مخصوص ومعاذ الله أن تكون الآية اقتضت تقريرا لهم أو إقرارا على دينهم أبدا بل لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الأمر وأشده عليه وعلى أصحابه أشد على الإنكار عليهم وعيب دينهم وتقبيحه والنهي عنه والتهديد والوعيد كل وقت وفي كل ناد وقد سألوه أن يكف عن ذكر آلهتهم وعيب دينهم ويتركونه وشأنه فأبى إلا مضيا على الإنكار عليهم وعيب دينهم فكيف يقال إن الآية اقتضت تقريره لهم معاذ الله من هذا الزعم الباطل وإنما الآية اقتضت البراءة المحضة كما تقدم وأن ما هم عليه من الدين لا نوافقكم عليه أبدا فإنه دين باطل فهو مختص بكم لا نشرككم فيه ولا أنتم تشركوننا في ديننا الحق فهذا غاية البراءة والتنصل من موافقتهم في دينهم فأين الإقرار حتى يدعي النسخ أو التخصيص أفترى إذا جوهدوا بالسيف كما جوهدوا بالحجة لا يصح أن يقال: لكم دينكم ولي دين بل هذه آية قائمة محكمة ثابتة بين المؤمنين والكافرين إلى أن يظهر الله منهم عباده وبلاده وكذلك حكم هذه البراءة بين أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم أهل سنته وبين أهل البدع المخالفين لما جاء به الداعين إلى غير سنته إذا قال لهم خلفاء الرسول وورثته لكم دينكم ولنا ديننا لا يقتضي هذا إقرارهم على بدعتهم بل يقولون لهم هذه براءة منها وهم مع هذا منتصبون للرد عليهم ولجهادهم بحسب الإمكان فهذا ما فتح الله العظيم به من هذه الكلمات اليسيرة والنبذة المشيرة إلى عظمة هذه السورة وجلالتها ومقصودها وبديع نظمها من غير استعانة بتفسير ولا تتبع لهذه الكلمات من مظان توجد فيه بل هي استملاء مما علمه الله وألهمه بفضله وكرمه والله يعلم أني لو وجدتها في كتاب لأضفتها إلى قائلها ولبالغت في استحسانها وعسى الله المان بفضله الواسع العطاء الذي عطاؤه على غير قياس المخلوقين أن يعين على تعليق تفسير هذا النمط وهذا الأسلوب وقد كتبت على مواضع متفرقة من القرآن بحسب ما يسنح من هذا النمط وقت مقامي بمكة وبالبيت المقدس والله(1\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "140",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6355",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المرجو إتمام نعمته ولنذكر تمام الكلام على أقسام ما ومواقعها ما المصدرية فقد ذكرنا منها ما الموصولة ومن أقسامها المصدرية ومعنى وقوعها عليه أنها إذا دخلت على الفعل كان معها في تأويل المصدر هكذا أطلق النحاة وهنا أمور يجب التنبيه عليها والتنبه لها أحدها الفرق بين المصدر الصريح والمصدر المقدر مع ما والفرق بينهما أنك إذا قلت يعجبني صنعك فالإعجاب هنا واقع على نفس الحدث بقطع النظر عن زمانه ومكانه وإذا قلت يعجبني ما صنعت فالإعجاب واقع على صنع ماض وكذلك ما تصنع واقع على مستقبل فلم تتحد دلالة ما والفعل والمصدر الثاني أنه لا تقع مع كل فعل في تأويل المصدر وإن وقع المصدر في ذلك الموضع فإنك إذا قلت يعجبني قيامك كان حسنا فلو قلت يعجبني ما تقوم لم يكن كلاما حسنا وكذلك يعجبني ما تقوم وما تجلس أي قيامك وجلوسك ولو أتيت بالمصدر كان حسنا وكذلك إذا قلت يعجبني ما تذهب لم يكن في الجواز والاستعمال مثل يعجبني ذهابك قال أبو القاسم السهيلي الأصل في هذا أن ما لما كانت اسما مبهما لم يصح وقوعها إلا على جنس تختلف أنواعه فإن كان المصدر مختلف الأنواع جاز أن تقع عليه ويعبر بها عنه كقولك يعجبني ما صنعت وما عملت وما حكمت لاختلاف الصنعة والعلم والحكم فإن قلت يعجبني ما جلست وما قعدت وما انطلق زيد كان غثا من الكلام لخروج ما عن الإبهام ووقوعها على ما لا يتنوع من المعاني لأنه يكون التقدير يعجبني الجلوس الذي جلست والقعود الذي قعدت فيكون آخر الكلام مفسرا لأوله رافعا للإبهام فلا معنى حينئذ ل ما فأما قوله تعالى: ذلك بما عصوا فلأن المعصية تختلف أنواعها وقوله: بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون فهو كقولك: لأعاقبنك بما ضربت زيدا وبما شتمت عمرا أوقعتها على الذنب والذنب مختلف الأنواع ودل ذكر المعاقبة والمجازاة على ذلك وكأنك قلت لأجزينك بالذنب الذي هو ضرب زيد أو شتم عمرو ف ما على بابها غير خارجة عن بابها هذا كلامه وليس كما زعم رحمه الله فإنه لا يشترط في كونها مصدرية ما ذكر من الإبهام بل تقع على المصدر الذي لا تختلف أنواعه بل هو(1\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "141",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6356",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نوع واحد فإن إخلافهم ما وعد الله كان نوعا واحدا مستمرا معلوما وكذلك كذبهم وأصرح من هذا كله قوله تعالى: كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون فهذا مصدر معين خاص لا إبهام فيه بوجه وهو علم الكتاب ودرسه وهو فرد من أفراد العمل والصنع فهو كما منعه من الجلوس والقعود والانطلاق ولا فرق بينهما في إبهام ولا تعيين إذ كلاهما معين متميز غير مبهم ونظيره بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون [الأنعام 93] فاستكبارهم وقولهم على الله غير الحق مصدران معينان غير مبهمين واختلاف أفرادهما كاختلاف أفراد الجلوس والانطلاق ولو أنك قلت في الموضوع الذي منعه هذا بما جلست وهذا بما نطقت كان حسنا غير غث ولا مستكره وهو المصدر بعينه فلم يكن الكلام غثا بخصوص المصدر وإنما هو لخصوص التركيب فإن كان بقدر امتناعه واستكراهه إذا صنعته في تركيب آخر زالت الكراهية والغثاثة عنه كما رأيت ما الموصولة والتحقيق أن قوله يعجبني ما تجلس وما ينطلق زيد إنما استكره وكان غثا لأن ما المصدرية والموصولة يتعاقبان غالبا ويصلح أحدهما في الموضع الذي يصلح فيه الآخر وربما احتملها كلام واحد ولا يميز بينهما فيه إلا بنظر وتأمل فإذا قلت يعجبني ما صنعت فهي صالحة لأن تكون مصدرية أو موصولة وكذلك والله عليم بما يفعلون والله بصير بما يعملون فتأمله تجده كذلك ولدخول إحداهما على الأخرى ظن كثير من الناس أن قوله تعالى: والله خلقكم وما تعملون أنها مصدرية واحتجوا بها على خلق الأعمال وليست مصدرية وإنما هي موصولة والمعنى والله خلقكم وخلق الذي تعملونه وتنحتونه من الأصنام فكيف تعبدونه وهو مخلوق لله ولو كانت مصدرية لكان الكلام إلى أن يكون حجة لهم أقرب من أن يكون حجة عليهم إذ يكون المعنى أتعبدون ما تنحتون والله خلق عبادتكم لها فأي معنى في هذا وأي حجة عليهم والمقصود أنه كثيرا ما تدخل إحداهما على الأخرى ويحتملها الكلام سواء وأنت لو قلت يعجبني الذي يجلس لكان غثا من المقال إلا أن تأتي بموصوف يجري هذا صفة له فتقول يعجبني(1\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "142",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6357",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجلوس الذي تجلس وكذلك إذا قلت يعجبني الذي ينطلق زيد كان غثا فإذا قلت يعجبني الانطلاق الذي ينطلق زيد كان حسنا فمن هنا يعجبني ما ينطلق وما تجلس إذا أردت به المصدر وأنت لو قلت آكل ما يأكل كانت موصولة وكان الكلام حسنا فلو أردت بها المصدرية والمعنى آكل أكلك كان غثا حتى تأتي بضميمة تدل على المصدر فتقول آكل كما يأكل فعرفت أنه لم يكن الاستكراه الذي أشار إليه من جهة الإبهام والتعيين فتأمله وأما طالما يقوم زيد وقل ما يأتي عمرو ف ما هنا واقعة على الزمان والفعل بعدها متعد إلى ضميره بحرف الجر والتقدير طال زمان يقوم فيه زيد وقل زمان يأتينا فيه عمرو ثم حذف الضمير فسقط الحرف هذا تقدير طائفة من النحاة منهم السهيلي وغيره ويحتمل عندي تقديرين آخرين هما أحسن من هذا أحدهما أن تكون مصدرية وقتية والتقدير طال قيام زيد وقل إتيان عمرو وإنما كان هذا أحسن لأن حذف العائد من الصفة قبيح بخلاف حذفه إذا لم يكن عائدا على شيء فإنه أسهل وإذا جعلت مصدرية كان حذف الضمير حذف فضلة غير عائد على موصوف والتقدير الثاني وهو أحسنها أن ما هاهنا مهيأة لدخول الفعل على الفعل ليست مصدرية ولا نكرة وإنما أتى بها لتكون مهيأة لدخول طال على الفعل فإنك لو قلت طال يقوم زيد وقل يجني عمرو لم يجز فإذا أدخلت ما استقام الكلام وهذا كما دخلت على رب مهيأة لدخولها على الفعل نحو قوله: ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين وكما دخلت على إن مهيأة لدخولها على الفعل نحو: إنما يخشى الله من عباده العلماء فإذا عرفت هذا فقول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;صلوا كما رأيتموني أصلي quot; رواه البخاري ومسلم هو من هذا الباب ودخلت ما بين كاف التشبيه وبين الفعل مهيأة لدخولها عليه في كافة للخافض ومهيأة له أن تقع بعد الفعل وهذا قد خفي على أكثر النحاة حتى ظن كثير منهم أن ما هاهنا مصدرية وليس كما ظن فإنه لم يقع التشبيه بالرؤية وأنت لو صرحت بالمصدر هنا لم يكن كلاما صحيحا فإنه لو قيل صلوا كرؤيتكم صلاتي لم يكن مطابقا للمعنى المقصود فلو قيل إنها موصولة والعائد محذوف والتقدير صلوا كالتي رأيتموني أصلي أي كالصلوات التي رأيتموني أصليها كان أقرب من المصدرية على كراهته فالصواب ما ذكرته لك ونظير هذه المسألة(1\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "143",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6358",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله للصديق quot;كما أنت quot; رواه الطبراني فأنت مبتدأ والخبر محذوف فلا مصدر هنا إذ لا فعل فمن قال إنها مصدرية فقد غلط وإنما هي مهيأة لدخول الكاف على ضمير الرفع والمعنى كما أنت صانع أو كما أنت مصل فدم على حالتك ونظير ذلك أيضا وقوعها بين بعد والفعل نحو قوله تعالى: من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ليست مصدرية كما زعم أكثر النحاة بل هي مهيأة لدخول بعد على فعل كاد إذ لا يصاغ من كاد وما مصدر إلا أن يتجشم له فعل بمعناه يسبك منها ومن ذلك الفعل مصدر وعلى ما قررناه لا يحتاج إلى ذلك ويؤيد هذا قول الشاعر: أعلاقة أم الوليد بعدما ... أفنان رأسك كالثغام المخلس أفلا تراها هاهنا حيث لا فعل ولا مصدر أصلا فهي كقوله كما أنت مهيأة لدخول بعد على الجملة الابتدائية ولكن الخبر في البيت مذكور وهو في قوله كما أنت محذوف فإن قلت: فما بالهم لم يدخلوها في قبل كافة لها مهيأة لدخولها على الفعل والجملة قبلما يقوم زيد وقبل ما زيد قائم قلت لا تكون ما كافة لأسماء الإضافة وإنما تكون كافة للحروف وبعد أشد مضارعة للحروف من قبل لأن قبل كالمصدر في لفظها ومعناها تقول جئت قبل الجمعة تريد الوقت الذي تستقبل في الجمعة فالجمعة بالإضافة إلى ذلك الوقت قابله كما قال الشاعر: نحج معا قالت أعاما وقابله ... فإذا كان العام الذي بعد عامك يسمى قابلا فعامك الذي أنت فيه قبل ولفظه من لفظ قابل فقد بان لك من جهة اللفظ والمعنى أن قبل مصدر في الأصل والمصدر كسائر الأسماء لا يكف به ولا يهيأ لدخول الجمل بعد وإنما ذلك في بعض الحروف العوامل لا في شيء من الأسماء وأما بعد فهي أبعد عن شبه المصدر وإن كانت تقرب من لفظ بعد ومن معناه فليس قربها من لفظ المصدر كقرب قبل ألا ترى أنهم لم يستعملوا من لفظها اسم فاعل فيقولون للعام الماضي الباعد كما قالوا للمستقبل القابل فإن قلت: فما تقول في(1\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "144",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6359",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله: كما أرسلنا فيكم رسولا منكم وقوله: واذكروه كما هداكم وقوله: وأحسن كما أحسن الله إليك فإنها لا يمتنع فيها تقدير المصدر في هذه المواضع كلها فهل هي كافة مهيأة أو مصدرية قلت التحقيق أنها كافة لحرف التشبيه عن عمله مهيأة لدخوله على الفعل ومع هذا فالمصدر ملحوظ فيها وإن لم تكن مصدرية محضة ويدل على أن ما لا تقع مصدرية على حد أنك تجدها لا تصلح في موضع تصلح فيه أن فإذا قلت أريد أن تقوم كان مستقيما فلو قلت أريد ما تقوم لم يستقم وكذلك أحب أن تأتيني لا تقول موضعه أحب ما تأتيني وسر المسألة: أن المصدرية ملحوظ فيها معنى الذي كما تقدم بخلاف أن فإن قلت: فما تقول في كما قمت أكرمتك أمصدرية هنا أم كافة أم نكرة قلت هي هاهنا نكرة وهي ظرف زمان في المعنى والتقدير كل وقت تقوم فيه أكرمك فإن قلت: فهلا جعلتها كافة لإضافة كل إلى الفعل مهيأة لدخولها عليه قلت: ما أحراها بذلك لولا ظهور الظرف والوقت وقصده من الكلام فلا يمكن إلغاؤه مع كونه هو المقصود ألا ترى أنك تقول كل وقت يفعل كذا أفعل كذا فإذا قلت كلما فعلت وجدت معنى الكلامين واحدا وهذا قول أئمة العربية وهو الحق. فصل: قال أبو القاسم السهيلي: اعلم أن ما إذا كانت موصولة بالفعل الذي لفظه عمل أو صنع أو فعل وذلك الفعل مضاف إلى فاعل غير الباري سبحانه فلا يصح وقوعها إلا على مصدر لإجماع العقلاء من الأنام في الجاهلية والإسلام على أن أفعال الآدميين لا تتعلق بالجواهر والأجسام لا تقول عملت جملا ولا صنعت جبلا ولا حديدا ولا حجرا ولا ترابا فإذا قلت: أعجبني ما عملت وما فعل زيد فإنما يعني الحدث فعلى هذا لا يصح في تأويل قوله تعالى: والله خلقكم وما تعملون إلا قول أهل السنة أن المعنى والله خلقكم وأعمالكم ولا يصح قول المعتزلة من جهة المنقول ولا من جهة المعقول لأنه زعموا أن ما واقعة على الحجارة التي كانوا ينحتونها أصناما وقالوا: تقدير الكلام خلقكم والأصنام التي تعملون إنكارا منهم أن تكون أعمالنا مخلوقة لله(1\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "145",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6360",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبحانه واحتجوا بأن نظم الكلام يقتضي ما قالوا لأنه تقدم قوله: قال أتعبدون ما تنحتون فما واقعة على الحجارة المنحوتة ولا يصح غير هذا من جهة النحو ولا من جهة المعنى أما النحو فقد تقدم أن ما لا تكون مع الفعل الخاص مصدرا وأما المعنى فإنهم لم يكونوا يعبدون النحت وإنما كانوا يعبدون المنحوتات فلما ثبت هذا وجب أن تكون الآية التي هي رد عليهم وتقييد لهم واقعة على الحجارة المنحوتة والأصنام المعبودة ويكون التقدير تعبدون حجارة منحوتة والله خلقكم وتلك الحجارة التي تعملون هذا كله معنى قول المعتزلة وشرح ما شبهوا به والنظم على تأويل أهل الحق أبدع والحجة أقطع والذي ذهبوا إليه فاسد محال لأنهم أجمعوا معنا على أن أفعال العباد لا تقع على الجواهر والأجسام فإن قيل: فقد تقول عملت الصحيفة وصنعت الجفنة وكذلك الأجسام معمولة على هذا قلنا: لا يتعلق الفعل فيما ذكرتم إلا بالصورة التي هل التأليف والتركيب وهي نفس العمل وأما الجوهر المؤلف المركب فليس بمعمول لنا فقد رجع العمل والفعل إلى الأحداث دون الجواهر هذا إجماع منا ومنهم فلا يصلح حملهم على غير ذلك وأما ما زعموا من حسن النظم وإعجاز الكلام فهو ظاهر وتأويلنا معدوم في تأويلهم لأن الآية وردت في بيان استحقاق الخالق للعبادة لانفراده بالخلق وإقامة الحجة على من يعبد ما لا يخلق وهم يخلقون فقال: أتعبدون ما تنحتون أي من لا يخلق شيئا وهم يخلقون وتدعون عبادة من خلقكم وأعمالكم التي تعملون ولو لم يضف خلق الأعمال إليه في الآية وقد نسبها إليهم بالمجاز لما قامت له حجة من نفس الكلام لأنه كان يجعلهم خالقين لأعمالهم وهو خالق لأجناس أخرى فيشركهم معه في الخلق تعالى الله عن قول الزائغين ولا لعثرات المبطلين فما أدحض حجتهم وما أوهى قواعد مذهبهم وما أبين الحق لمن اتبعه جعلنا الله من أتباعه وحزبه وهذا الذي ذكرنا قاله أبو عبيد في قول حذيفة أن يخلق صانع الجرم وصنعته واستشهد بالآية وخالفه القتيبي في إصلاح الغلط فغلط أشد الغلط ووافق المعتزلة في تأويلها وإن لم يقل بقيلها هذا آخر كلام أبي القاسم ولقد بالغ في رد ما لا(1\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "146",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6361",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تحتمل الآية سواه أو ما هو أولى بحملها وأليق بها ونحن وكل محق مساعدوه على الله خالق العباد وأعمالهم وأن كل حركة في الكون فالله خالقها وعلى صحة هذا المذهب أكثر من ألف دليل من القرآن الكريم والسنة والمعقول والفطر ولكنه لا ينبغي أن تحمل الآية على غير معناها اللائق بها حرصا على جعلها عليهم حجة ففي سائر الأدلة غنية عن ذلك على أنها حجة عليهم من وجه آخر مع كون ما بمعنى الذي سنبينه إن شاء الله تعالى والكلام إن شاء الله تعالى في الآية في مقامين أحدهما في سلب دلالتها على مذهب القدرية والثاني في إثبات دلالتها على مذهب أهل الحق خلاف قولهم فهاهنا مقامان مقام إثبات ومقام سلب فأما مقام السلب فزعمت القدرية أن الآية حجة لهم في كونهم خالقين أعمالهم قالوا لأن الله سبحانه أضاف الأعمال إليهم وهذا يدل على أنهم هم المحدثون لها وليس المراد هاهنا نفس الأعمال بل الأصنام المعمولة فأخبر سبحانه أنه خالقهم وخالق تلك الأصنام التي عملوها والمراد مادتها وهي التي وقع الخلق عليها وأما صورتها وهي التي صارت بها أصناما فإنها بأعمالهم وقد أضافها إليهم فتكون بأحداثهم وخلقهم فهذا وجه احتجاجهم بالآية وقابلهم بعض المثبتين للقدر وأن الله هو خالق أفعال العباد فقالوا الآية صريحة في كون أعمالهم مخلوقة لله فإن ما هاهنا مصدرية والمعنى والله خلقهم وخلق أعمالهم وقرروه بما ذكره السهيلي وغيره ولما أورد عليهم القدرية كيف تكون ما مصدرية هنا وأي وجه يبقى للاحتجاج عليهم إذا كان المعنى والله خلقكم وخلق عبادتكم وهل هذا إلا تلقين لهم الاحتجاج بأن يقولوا فإذا كان الله قد خلق عبادتنا للأصنام فهي مرادة له فكيف ينهانا عنها وإذا كانت مخلوقة فكيف يمكننا تركها فهل يسوغ أن يحتج على إنكار عبادتهم أجابهم المثبتون بأن قالوا لو تدبرتم سياق الآية ومقصودها لعرفتم صحة الاحتجاج فإن الله سبحانه أنكر عليهم عبادة من لا يخلق شيئا أصلا وترك عبادة من هو خالق لذواتهم وأعمالهم فإذا كان الله خالقكم وخالق أعمالكم فكيف(1\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "147",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6362",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تدعون عبادته وتعبدون من لا يخلق شيئا لا ذواتكم ولا أعمالكم وهذا من أحسن الاحتجاج وقد تكرر في القرآن الإنكار عليهم أن يعبدوا ما لا يخلق شيئا وسوى بينه وبين الخالق لقوله: أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون وقوله: والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون وقوله: هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه إلى أمثال ذلك فصح الاحتجاج وقامت الحجة بخلق الأعمال مع خلق الذوات فهذا منتهى إقدام الطائفتين في الآية كما ترى والصواب أنها موصولة وأنها لا تدل على صحة مذهب القدرية بل هي حجة عليهم مع كونها موصولة وهذا يبين بمقدمة نذكرها قبل الخوض في التقرير وهي أن طريقة الحجاج والخطاب أن يجرد القصد والعناية بحال ما يحتج له وعليه فإذا كان المستدل محتجا على بطلان ما قد ادعى في شيء وهو يخالف ذلك فإنه يجرد العناية إلى بيان بطلان تلك الدعوى وأن ما ادعى له ذلك الوصف هو متصف بضده لا متصف به فإما أن يمسك عنه ويذكر وصف غيره فلا وإذا تقرر هذا فالله سبحانه أنكر عليهم عبادتهم الأصنام وبين أنها لا تستحق العبادة ولم يكن سياق الكلام في معرض الإنكار عليهم ترك عبادته وأن ما هو في معرض الإنكار عبادة من لا يستحق العبادة فلو أنه قال لا تعبدون الله وقد خلقكم وما تعملون لتعينت المصدرية قطعا ولم يحسن أن يكون بمعنى الذي إذ يكون المعنى كيف لا تعبدونه وهو الذي أوجدكم وأوجد أعمالكم فهو المنعم عليكم بنوعي الإيجاد والخلق فهذا وزان ما قرروه من كونها مصدرية فأما سياق الآية فإنه في معرض إنكاره عليهم عبادة من لا يستحق العبادة فلا بد أن يبين فيه معنى ينافي كونه معبودا فبين هذا المعنى بكونه مخلوقا له ومن كان مخلوقا من بعض مخلوقاته فإنه لا ينبغي أن يعبد ولا تليق به العبادة وتأمل مطابقة هذا المعنى لقوله: والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون كيف أنكر عليهم عبادة آلهة مخلوقة له سبحانه وهي غير خالقة فهذا يبين المراد من قوله: والله خلقكم(1\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "148",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6363",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما تعملون ونظيره قوله في سورة الأعراف: إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم أي هم عباد مخلوقون كما أنتم كذلك فكيف تعبدون المخلوق وتأمل طريقة القرآن لو أراد المعنى الذي ذكروه من حسن صفاته وانفراده بالخلق كقول صاحب يس: وما لي لا أعبد الذي فطرني فهنا لما كان المقصود إخبارهم بحسن عبادته واستحقاقه لها ذكر الموجب لذلك وهي كونه خالقا لعابده فاطرا له وهذا إنعام منه عليه فكيف يترك عبادته ولو كان هذا هو المراد من قوله: والله خلقكم وما تعملون كان يقتضي أن يقال: ألا يعبدون الله وهو خالقهم وخالق أعمالهم فتأمل فإنه واضح وقول أبي القاسم في تقرير حجة المعتزلة من الآية أنه لا يصح أن تكون مصدرية وهو باطل من جهة النحو وليس كذلك أما قوله إن ما لا تكون مع الفعل الخاص مصدرا فقد تقدم بطلانه إذ مصدريتها تقع مع الفعل الخاص المبهم لقوله تعالى: بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون وقوله: وأنتم تتلون الكتاب وقوله: بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون إلى أضعاف ذلك فإن هذه كلها أفعال خاصة وهي أخص من مطلق العمل فإذا جاءت مصدرية مع هذه الأفعال فمجيئها مصدرية مع العمل أولى وقولهم إنهم لم يكونوا يعبدون النحت وإنما عبدوا المنحوت حجة فاسدة فإن الكلام في ما المصاحبة للفعل دون المصاحبة لفعل النحت فإنها لا تحتمل غير الموصولة ولا يلزم من كون الثانية مصدرية كون الأولى كذلك فهذا تقرير فاسد وأما تقريره كونها مصدرية أيضا بما ذكره فلا حجة له فيه أما قوله: أفعال العباد لا تقع على الجواهر والأجسام فيقال: ما معنى عدم وقوعها على الجواهر والأجسام أتعني به أن أفعالهم لا تتعلق بإيجادها أم تعني به أنها لا تتعلق بتغييرها وتصويرها أم تعني به أعم من ذلك وهو المشترك بين القسمين فإن عنيت الأول فمسلم لكن لا يفيدك شيئا فإن كونها موصولة لا تستلزم ذلك فإن كون الأصنام معمولة لهم لا يقتضي أن تكون مادتها معمولة لهم بل هو على حد قولهم عملت بيتا وعملت بابا وعملت حائطا وعملت ثوبا وهذا(1\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "149",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6364",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إطلاق حقيقي ثابت عقلا ولغة وشرعا وعرفا لا يتطرق إليه رد فهذا ككون الأصنام معمولة سواء وإن عنيت أن أفعالهم لا تتعلق بتصويرها فباطل قطعا وإن عنيت القدر المشترك فباطل أيضا فإنه مشتمل على نفي حق وباطل فنفي الباطل صحيح ونفي الحق باطل ثم يقال إيقاع العمل منهم على الجواهر والأجسام يجوز أن يطلق فيه العمل الخاص وشاهده في الآية أتعبدون ما تنحتون فما هاهنا موصولة فقد أوقع فعلهم وهو النحت على الجسم وحينئذ فأي فرق بين إيقاع أفعالهم الخاصة على الجوهر والجسم وبين وإيقاع أفعالهم العامة عليه لا بمعنى أن ذاته مفعولة له بل بمعنى أن فعلهم هو الذي صار به صنما واستحق أن يطلق عليه اسمه كما أنه بعملهم صار منحوتا واستحق هذا الاسم وهذا بين وأما قوله: بجواب النقض ب عملت الصحيفة وصنعت الجفنة أن الفعل متعلق بالصورة التي هي التأليف والتركيب وهي نفس العمل فكذلك هو أيضا متعلق بالتصوير الذي صار الحجر به صنما منحوتا سواء وأما قوله الآية في بيان استحقاق الخالق للعبادة لانفراده بالخلق فقد تقدم جوابه وأن الآية وردت لبيان عدم استحقاق معبوديهم للعبادة لأنها مخلوقة لله وذكرنا شواهده من القرآن فإن قيل: كان يكفي في هذا أن يقال أتعبدون ما تنحتون والله خالقه فلما عدل إلى قوله: والله خلقكم وما تعملون علم أنه أراد الاحتجاج عليهم في ترك عبادته سبحانه وهو خالقهم وخالق أفعالهم قيل في ذكر خلقه سبحانه لآلهتهم ولعابديها من بيان تقبيح حالهم وفساد رأيهم وعقولهم في عبادتها دونه تعالى ما ليس في الاقتصار على ذكر خلق الآلهة فقط فإنه إذا كان الله تعالى هو الذي خلقكم وخلق معبوديكم فهي مخلوقة أمثالكم فكيف يعبد العاقل من هو مثله ويتألهه ويفرده بغاية التعظيم والإجلال والمحبة وهل هذا إلا أقبح الظلم في حق أنفسكم وفي حق ربكم وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى بقوله: إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ومن حق المعبود أن لا يكون مثل العابد فإنه إذا كان مثله كان عبدا مخلوقا(1\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "150",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6365",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمعبود ينبغي أن يكون ربا خالقا فهذا من أحسن الاحتجاج وأبينه فقد أسفر لك من المعنى المقصود بالسياق صحيحه ووضح لك شرحه وانجلى بحمد الله الإشكال وزال عن المعنى غطاء الإجمال وبان أن ابن قتيبة في تفسير الآية وفق للسداد كما وفق لموافقة أهل السنة في خلق أعمال العباد ولا تستطل هذا الفصل فإنه يحقق لك فصولا لا تكاد تسمعها في خلال المذكرات وتحصل لك قواعد وأصول لا تجدها في عامة المصنفات فإن قيل: فأين ما وعدتم به من الاستدلال بالآية على خلق الله لأعمال العباد على تقدير كون ما موصولة قيل نعم قد سبق quot;الوعدquot; بذلك وقد حان إنجازه وآن إبرازه ووجه الاستدلال بها على هذا التقدير أن الله سبحانه أخبر أنه خالقهم وخالق الأصنام التي عملوها وهي إنما صارت أصناما بأعمالهم فلا يقع عليها ذلك الاسم إلا بعد عملهم فإذا كان سبحانه هو الخالق اقتضى صحة هذا الإطلاق أن يكون خالقها بجملتها أعني مادتها وصورتها فإذا كانت صورتها مخلوقة لله كما أن مادتها كذلك لزم أن يكون خالقا لنفس عملهم الذي حصلت به الصورة لأنه متولد عن نفس حركاتهم فإذا كان الله خالقها كانت أعمالهم التي تولد عنها ما هو مخلوق لله مخلوقة له وهذا أحسن استدلالا وألطف من جعل ما مصدرية ونظيره من الاستدلال سواء قوله: وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون والأصح أن المثل المخلوق هنا هو السفن وقد أخبر أنها مخلوقة وهي إنما صارت سفنا بأعمال العباد وأبعد من قال إن المثل هاهنا هو سفن البر وهي الإبل لوجهين أحدهما: أنها لا تسمى مثلا للسفن لا لغة ولا حقيقة فإن المثلين ما سد أحدهما مسد الآخر: وحقيقة المماثلة أن يكون بين فلك وفلك لا بين جمل وفلك الثاني أن قوله: وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم عقب ذلك دليل على أن المراد الفلك التي إذا ركبوها قدرنا على إغراقهم فذكرهم بنعمه عليهم من وجهين أحدهما: ركوبهم إياها والثاني: أن يسلمهم عند ركوبها من الغرق ونظير هذا الاستدلال أيضا قوله تعالى: والله(1\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "151",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6366",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم والسرابيل التي يلبسونها وهي مصنوعة لهم وقد أخبر بأنه سبحانه هو جاعلها وإنما صارت سرابيل بعملهم ونظيره: والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا والبيوت التي من جلود الأنعام هي الخيام وإنما صارت بيوتا بعملهم فإن قلت: المراد من هذا كله المادة لا الصورة قلت: المادة لا تستحق هذه الأسماء التي أطلق الخلق عليها وإنما تستحق هذه الأسماء بعد عملها وقيام صورها بها وقد أخبر أنها مخلوقة له في هذه الحال والله أعلم. فائدة: الذي يدل على أن الضمير من يكرمني ونحوه هو الياء دون ما معها وجوه أحدها القياس على ضمير المخاطب والغائب في أكرمك وأكرمه والثاني: أن الضمير في قولك إني وأخواته هو الياء وحدها لسقوط النون اختيارا في بعضها وجوازا في أكثرها وسماعا في بعضها ولو كان الضمير هو الحرفين لم يسقطوا أحدهما والثالث: إدخالهم هذه النون في بعض حروف الجر وهي من وعن ولو كانت جزءا من الضمير لأطردت في إلى وفي وسائر حروف الجر فإن قلت: فما وجه اختصاصها ببعض الحروف والأسماء الجواب: أنهم أرادوا فصل الفعل والحروف المضارعة له من توهم الإضافة إلى الياء فألحقوها علامة للانفصال وهي في أكثر الكلام نون ساكنة وهو التنوين فإنه لا يوجد في الكلام إلا علامة لانفصال الاسم ولذلك ألحقوها في القوافي المعرفة باللام أبدا بإتمام البيت وانفصاله مما بعده نحو العتابا والزرافا ولذلك زادوها قبل علامة الإنكار حين(1\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "152",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6367",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أرادوا فصل الاسم من العلامة كي لا يتوهم أنها تمام الاسم أو علامة جمع ففصل بين الاسم وبينها بنون زائدة وأدخل عليها ألف الوصل لسكونها ثم حركها بالكسر لالتقاء الساكنين فلما كان من أصلهم تخصيص النون بعلامة الانفصال واجبا وأرادوا فصل الفعل وما ضارعه عن الإضافة إلى الياء جاءوا بهذه النون الساكنة ولولا سكون الياء لكانت ساكنة كالتنوين ولكنهم كسروها لالتقاء الساكنين. فائدة: السر في حذف الألف من ما الاستفهامية عند حرف الجر أنهم أرادوا مشاكلة اللفظ للمعنى فحذفوا الألف لأن معنى قولهم فيم ترغب في أي شيء وإلام تذهب إلى أي شيء وحتام لا ترجع حتى أي غاية تستمر ونحوه فحذفوا الألف مع الجار ولم يحذفوها في حال النصب والرفع كيلا تبقى الكلمة على حرف واحد فإذا اتصل بها حرف الجر أو اسم مضاف اعتمدت عليه لأن الخافض والمخفوض بمنزلة كلمة واحدة وربما حذفوا الألف في غير موضع الخفض ولكن إذا حذفوا الخبر فيقولون مه يا زيد أي ما الخبر وما الأمر فلما كثر الحذف في المعنى كثر في اللفظ ولكن لا بد من هاء السكت لتقف عليها ومنه قولهم مهيم كان الأصل ما هذا يا امرؤ فاقتصروا من كل كلمة على حرف وهذا غاية الاختصار والحذف والذي شجعهم على ذلك أمنهم من اللبس لدلالة حال المسئول والمسئول عنه على المحذوف فهم المخاطب من قوله مهيم ما يفهم من تلك الكلمات الأربع ونظير هذا قولهم إيش في أي شيء وم الله في يمين الله(1\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "153",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6368",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة بديعة: قوله عز وجل: ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا فالشيعة الفرقة التي شايع بعضها بعضا أي تابعه ومنه الأشياع أي الأتباع فالفرق بين الشيعة والأشياع أن الأشياع هم التبع والشيعة القوم الذين شايعوا أي تبع بعضهم بعضا وغالب ما يستعمل في الذم ولعله لم يرد في القرآن إلا كذلك كهذه الآية وكقوله: من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا وقوله: وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل وذلك والله أعلم لما في لفظ الشيعة من الشياع والإشاعة التي هي ضد الائتلاف والاجتماع ولهذا لا يطلق لفظ الشيع إلا على فرق الضلال لتفرقهم واختلافهم والمعنى لننزعن من كل فرقة أشدهم عتوا على الله وأعظمهم فسادا فنلقيهم في النار وفيه إشارة إلى أن العذاب يتوجه إلى السادات أولا ثم تكون الأتباع تبعا لهم فيه كما كانوا تبعا لهم في الدنيا وأيهم أشد للنحاة فيه أقوال أحدها: قول الخليل أنه مبتدأ وأشد خبره ولم يعمل لننزعن فيه لأنه محكي والتقدير الذي يقال فيه: أيهم أشد على الرحمن عتيا وعلى هذا فأي استفهامية الثاني: قول يونس أنه رفع على جهة التعليق للفعل السابق كما لو قلت علمت أنه أخوك فعلق الفعل عن الفعل كما تعلق أفعال القلوب الثالث: قول سيبويه إن أي هنا موصولة مبنية على الضم والمسوغ لبنائها حذف صدر صلتها وعنده أصل الكلام أيهم هو أشد فلما حذف صدر الصلة بنيت على الضم تشبيها لها بالغايات التي قد حذفت مضافاتها ك قبل وبعد وعلى كل واحد من الأقوال إشكالات نذكرها ثم نبين الصحيح إن شاء الله فأما قول الخليل: فقيل يلزمه ستة أمور الأول حذف الموصوف الثاني: حذف الصلة الثالث: حذف العائد لأن تقديره(1\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "154",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6369",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي يقال لهم إنهم أشد وهذا لا عهد لنا فيه باللغة وأما ما يحذف من القول فإنه إنما يكون قولا مجردا عن كونه صلة لموصول نحو قوله: والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم أي يقولون أو قائلين ومثله: والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى الرابع: أنه إذا قدر المحذوف هكذا لم يستقم الكلام فإنه يصير لننزعن من كل شيعة الذين يقال فيهم أيهم أشد وهذا فاسد فإن ذلك المنزوع لا يقال فيه: أيهم أشد بل هو نفسه أشد أو من أشد الشيعة على الرحمن فلا يقع عليه الاستفهام بعد نزعه فتأمله الخامس: أن الاستفهام لا يقع إلا بعد أفعال العلم والقول على الحكاية ولا يقع بعد غيره من الأفعال تقول علمت أزيد عندك أم عمرو ولو قلت ضربت أزيد أم عمرو لم يجز وننزعن ليس من أفعال العلم فإذا قلت: ضربت أيهم قام لم تكن إلا موصولة ولا يصح أن يقال ضربت الذي يقال فيه أيهم قام وإنما توهم مثل ذلك لكون اللفظ صالحا لجهة أخرى مستقيمة فيتوهم متوهم أن حمله على الجهة الأخرى يستقيم والذي يدل عليه أنه لو قدرت موضعه استفهاما صريحا ليس له جهة أخرى لم يجز فإذا قلت: ضرب أزيد عندك أم عمرو لم يجز بخلاف ضرب أيهم عندك فلو كان أيهم استفهاما لجاز الكلام مع الاستفهام الذي بمعناهما وإنما لم يقع الاستفهام إلا بعد أفعال العلم والقول أما القول فلأنه يحكي به كل جملة خبرية كانت أو إنشائية وأما أفعال العلم فإنما وقع بعدها الاستفهام لكون الاستفهام مستعلما به فكأنك إذا قلت: أزيد عندك أم عمرو كان معناه أعلمني وإذا قلت: علمت أزيد عندك أم عمرو كان معناه علمت ما يطلب استعلامه فلهذا صح وقوع الاستفهام بعد العلم لأنه استعلام ثم حمل الحسبان والظن عليهما لكونهما من بابه ووجه آخر وهو كثرة استعمال أفعال العلم فجعل شأن ليس لغيرها السادس: أن هذا الحذف الذي قدره في الآية حذف لا يدل عليه سياق فهو مجهول الوضع وكل حذف كان بهذه المنزلة كان تقديره من باب علم الغيب وأما قول يونس بن حبيب(1\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "155",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6370",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإشكاله ظاهر فإن التعليق إنما يكون في أفعال القلوب نحو العلم والظن والحسبان دون غيرها ولا يجوز أن تقول ضربت أيهم قام على أن تكون أيهم استفهاما وقد علق الفعل عن العمل فيه وأما قول سيبويه فإشكاله أنه بناء خارج عن النظائر ولم يوجد في اللغة شاهد له قال السهيلي ما ذكره سيبويه لو استشهد عليه بشاهد من نظم أو نثر أو وجدنا بعده في كلام فصيح شاهدا له لم نعدل به قولا ولا رأينا لغيره عنه طولا ولكنا لم نجز ما بين لمخالفته غيره لا سيما مثل هذه المخالفة فإنا لا نسلم أنه حذف من الكلام شيء وإن قال: إنه حذف ولا بد والتقدير أيهم هو أخوك فيقال: لم يبنوا في النكرة فيقولون مررت برجل أخوك أو رأيت رجلا أبوك أي هو أخوك وأبوك ولم خصوا أيا هذا دون سائر الأسماء أن يحذف من صلته ثم يبنى للحذف ومتى وجدنا شيئا من الجملة يحذف ثم يبنى الموصوف بالجملة من أجل ذلك الحذف وذلك الحذف لا نجعله متضمنا لمعنى الحرف ولا مضارعا له وهذه علة البناء وقد عدمت في أي قال والمختار قول الخليل ولكنه يحتاج إلى شرح وذلك أنه لم يرد بالحكاية ما يسبق إلى الفهم من تقدير معنى القول ولكنه أراد حكاية لفظ الاستفهام الذي هو أصل في أي كما يحكيه بعد العلم إذا قلت قد علمت من أخوك وأقام زيد أم قعد فقد تركت الكلام على حاله قبل دخول الفعل لبقاء معنى الاختصاص والتعيين في أي الذي كان موجودا فيها وهي استفهام لأن ذلك المعنى هو الذي وضعت له استفهاما كانت أو خبرا كما حكوا لفظ النداء في قولهم اللهم اغفر لي أيها الرجل وارحمنا أيتها العصابة فنحكي لفظ هذا إشعارا بالتعيين والاختصاص الموجود في حال النداء لوجود معنى الاختصاص والتعيين فيه قال وقول يونس: إن الفعل ملغي حق وإن لم يكن من أفعال القلب وعلة إلغائه ما قدمناه من حكاية لفظ الاستفهام للاختصاص فإذا أتممت العلة وقلت ضربت أيهم أخوك زالت مضارعة الاستفهام وغلب فيه معنى الخبر لوجود الصلة التامة بعده قال وأما قوله تعالى: وسيعلم الذين ظلموا(1\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "156",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6371",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أي منقلب ينقلبون وإجماعهم على أنها منصوبة بينقلبون لا ب سيعلم وقد كان يتصور فيها أن تكون منصوبة ب سيعلم على جهة الاستفهام ولكن تكون موصولة والجملة صلتها والعائد محذوف ولكن منع من هذا أصل أصلناه ودليل أقمناه على أن الاسم الموصول إذا عني به المصدر ووصل بفعل مشتق من ذلك المصدر لم يجز لعدم الفائدة المطلوبة من الصلة وهي إيضاح الموصول وتبيينه والمصدر لا يوضح فعله المشتق من لفظه لأنه كأنه هو لفظا ومعنى إلا في المختلف الأنواع كما تقدم قال ووجه آخر أقوى من هذا وهو أن أيا لا تكون بمعنى الذي حتى تضاف إلى معرفة فتقول لقيت أيهم في الدار إذ من المحال أن يكون بمعنى الذي وهو نكرة والذي لا ينكر وهذا أصل يبنى عليه في أي فصل: في تحقيق معنى أي وهو أن لفظ الألف والياء المكررة راجع في جميع الكلام إلى معنى التعيين والتمييز للشيء من غيره فمنه أياة الشمس لضوئها لأنه يبينها ويميزها من غيره ومنه الآية العلامة ومنه خرج القوم بآيهم أي بجماعتهم التي يتميزون بها عن غيرهم ومنه تأييت بالمكان أي تثبت لتبيين شيء أو تمييزه ومنه قول امريء القيس. قف بالديار وقوف حابس ... وتأي إنك غير يائس وقال الكميت: وتأي إنك غير صاغر ومنه إياك في المضمرات لأنه في أكثر الكلام مفعول مقدم والمفعول إنما يتقدم على فعله قصدا إلى تعيينه وحرصا على تمييزه عن غيره وصرفا للذهن عن الذهاب إلى غيره ولذلك تقدم في إياك نعبد إذ الكلام وارد في معرض الإخلاص(1\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "157",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6372",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتحقيق الوحدانية ونفي عوارض الأوهام عن التعلق بغيره ولهذا اختصت أي بنداء ما فيه الألف واللام تمييزا له وتعيينا وكذلك أي زيد ومنه إياك المراء والأسد أي ميز نفسك وأخلصها عنه ومنه وقوع أي تفسيرا كقولك عندي عهن أي صوف وأما وقوعها نفيا لما قبلها نحو مررت برجل أي رجل فأي تدرجت إلى الصفة من الاستفهام كان الأصل أي رجل هو على الاستفهام الذي يراد به التفخيم والتهويل وإنما دخله التفخيم لأنهم يريدون إظهار العجز والإحاطة لوصفه فكأنه مما يستفهم عنه بجهل كنهه فأدخلوه في باب الاستفهام الذي هو موضوع لما يجهل وكذلك جاء: القارعة ما القارعة الحاقة ما الحاقة أي أنها لا يحاط بوصفها فلما ثبت هذا اللفظ في باب التفخيم والتعظيم للشيء قرب من الوصف حتى أدخلوه في باب النعت وأخروه في الإعراب عما قبله ومنه قول:جاؤا بمذق هل رأيت الذئب قط أي كأنه في لون الذئب إن كنت رأيت الذئب ومنه مررت بفارس هل رأيت الأسد وهذا التقدير أحسن من قوله بعض النحويين أنه معمول ووصف مقدر وهو قول محذوف أي مقول فيه هل رأيت كذا وما ذكرته لك أحسن وأبلغ فتأمله. فائدة جليلة: ما يجري صفة أو خبرا على الرب تبارك وتعالى أقسام أحدها ما يرجع إلى نفس الذات كقولك ذات وموجود وشيء الثاني: ما يرجع إلى صفات معنوية كالعليم والقدير والسميع الثالث: ما يرجع إلى أفعاله نحو: الخالق والرزاق الرابع: ما يرجع إلى التنزيه المحض ولا بد من تضمنه ثبوتا إذ لا كمال في العدم المحض كالقدوس والسلام الخامس: ولم يذكره أكثر الناس وهو الاسم الدال على جملة(1\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "158",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6373",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أوصاف عديدة لا تختص بصفة معينة بل هو دال على معناه لا على معنى مفرد نحو المجيد العظيم الصمد فإن المجيد من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال ولفظه يدل على هذا فإنه موضوع للسعة والكثرة والزيادة فمنه استمجد المرخ والغفار وأمجد الناقة علفا ومنه ذو العرش المجيد صفة للعرش لسعته وعظمه وشرفه وتأمل كيف جاء هذا الاسم مقترنا بطلب الصلاة من الله على رسوله صلى الله عليه وسلم كما علمناه لأنه في مقام طلب المزيد والتعرض لسعة العطاء وكثرته ودوامه فأتى في هذا المطلوب باسم تقتضيه كما تقول: quot; اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم ولا يحسن إنك أنت السميع البصيرquot; فهو راجع إلى المتوسل إليه بأسمائه وصفاته وهو من أقرب الوسائل وأحبها إليه ومنه الحديث الذي في المسند والترمذي: quot;ألظوا بياذا الجلال والإكرام quot; ومنه quot; اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام quot; فهذا سؤال له وتوسل إليه وبحمده وأنه الذي لا إله إلا هو المنان فهو توسل إليه بأسمائه وصفاته وما أحق ذلك بالإجابة وأعظمه موقعا عند المسئول وهذا باب عظيم من أبواب التوحيد أشرنا إليه إشارة وقد فتح لمن بصره الله تعالى تفسر الاسم الإلهي العظيم والصمد ولنرجع إلى المقصود وهو وصفه تعالى بالاسم المتضمن لصفات عديدة فالعظيم من اتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال وكذلك الصمد قال ابن عباس هو السيد الذي كمل في سؤدده وقال ابن وائل هو السيد الذي انتهى سؤدده وقال عكرمة: الذي ليس فوقه أحد وكذلك قال الزجاج: الذي ينتهي إليه السؤدد فقد صمد له كل شيء وقال ابن الأنباري: quot;لا خلاف بين أهل اللغة أن الصمد السيد الذي ليس فوقه أحد الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم وأمورهمquot; واشتقاقه يدل على هذا فإنه من الجمع والقصد الذي اجتمع القصد نحوه واجتمعت فيه صفات السؤدد وهذا أصله في اللغة كما قال: ألا بكر الناعي بخير بني أسد ... بعمرو بن يربوع وبالسيد الصمد والعرب تسمي أشرافها بالصمد لاجتماع قصد القاصدين إليه واجتماع صفات(1\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "159",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6374",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السيادة فيه السادس: صفة تحصل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بالآخر وذلك قدر زائد على مفرديهما نحو الغني الحميد العفو القدير الحميد المجيد وهكذا عامة الصفات المقترنة والأسماء المزدوجة في القرآن فإن الغنى صفة كمال والحمد كذلك واجتماع الغنى مع الحمد كمال آخر فله ثناء من غناه وثناء من حمده وثناء من اجتماعهما وكذلك العفو القدير والحميد المجيد والعزيز الحكيم فتأمله فإنه من أشرف المعارف تسليط صفات السلب على أسماء الله تعالى وأما صفات السلب المحض فلا تدخل في أوصافه تعالى إلا أن تكون متضمنة لثبوت كالأحد المتضمن لانفراده بالربوبية والإلهية والسلام المتضمن لبراءته من كل نقص يضاد كماله وكذلك الإخبار عنه بالسلوب هو لتضمنها ثبوتا كقوله تعالى: لا تأخذه سنة ولا نوم فإنه متضمن لكمال حياته وقيوميته وكذلك قوله تعالى: وما مسنا من لغوب متضمن لكمال قدرته وكذلك قوله: وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة متضمن لكمال علمه وكذلك قوله: لم يلد ولم يولد متضمن لكمال صمديته وغناه وكذلك قوله: ولم يكن له كفوا أحد متضمن لتفرده بكماله وأنه لا نظير له وكذلك قوله تعالى: لا تدركه الأبصار متضمن لعظمته وأنه جل عن أن يدرك بحيث يحاط به وهذا مطرد في كل ما وصف به نفسه من السلوب ويجب أن تعلم هنا أمور. أحدها: أن ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته كالشيء والموجود والقائم بنفسه فإنه يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا. الثاني: أن الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه بل يطلق عليه منها كمالها وهذا كالمريد والفاعل والصانع فإن هذه الألفاظ لا تدخل في أسمائه ولهذا غلط من سماه بالصانع عند الإطلاق بل هو الفعال لما يريد فإن الإرادة والفعل والصنع منقسمة ولهذا إنما أطلق على نفسه من ذلك أكمله فعلا وخبرا.(1\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "160",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6375",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالث: أنه لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدا أن يشتق له منه اسم مطلق كما غلط فيه بعض المتأخرين فجعل من أسمائه الحسنى المضل الفاتن الماكر تعالى الله عن قوله فإن هذه الأسماء لم يطلق عليه سبحانه منها إلا أفعال مخصوصة معينة فلا يجوز أن يسمى بأسمائها المطلقة والله أعلم. الرابع: أن أسماءه عز وجل الحسنى هي أعلام وأوصاف والوصف بها لا ينافي العلمية بخلاف أوصاف العباد فإنها تنافي علميتهم لأن أوصافهم مشتركة فنافتها العلمية المختصة بخلاف أوصافه تعالى. الخامس: أن الاسم من أسمائه له دلالات دلالة على الذات والصفة بالمطابقة ودلالة على أحدهما بالتضمن ودلالة على الصفة الأخرى باللزوم. السادس: أن أسماءه الحسنى لها اعتباران اعتبار من حيث الذات واعتبار من حيث الصفات فهي بالاعتبار الأول مترادفة وبالاعتبار الثاني متباينة. السابع: أن ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفا كالقديم والشيء والموجود والقائم بنفسه فهذا فصل الخطاب في مسألة أسمائه هل هي توقيفية أو يجوز أن يطلق عليه منها بعض ما لم يرد به السمع. الثامن: أن الاسم إذا أطلق عليه جاز أن يشتق منه المصدر والفعل فيخبر به عنه فعلا ومصدرا ونحو السميع البصير القدير يطلق عليه منه السمع والبصر والقدرة ويخبر عنه بالأفعال من ذلك نحو: قد سمع الله فقدرنا فنعم القادرون هذا إن كان الفعل متعديا فإن كان لازما لم يخبر عنه به نحو الحي بل يطلق عليه الاسم والمصدر دون الفعل فلا يقال حي. التاسع: أن أفعال الرب تبارك وتعالى صادرة عن أسمائه وصفاته وأسماء المخلوقين صادرة عن أفعالهم فالرب تبارك وتعالى فعاله عن كماله والمخلوق كماله عن فعاله فاشتقت له الأسماء بعد أن كمل بالفعل فالرب لم يزل كاملا فحصلت(1\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "161",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6376",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أفعاله عن كماله لأنه كامل بذاته وصفاته فأفعاله صادرة عن كماله كمل ففعل والمخلوق فعل فكمل الكمال اللائق به العاشر: إحصاء الأسماء الحسنى والعلم بها أصل للعلم بكل معلوم فإن المعلومات سواه إما أن تكون خلقا له تعالى أو أمرا إما علم بما كونه أو علم بما شرعه ومصدر الخلق والأمر عن أسمائه الحسنى وهما مرتبطان بها ارتباط المقتضى بمقتضيه فالأمر كله مصدره عن أسمائه الحسنى وهذا كله حسن لا يخرج عن مصالح العباد والرأفة والرحمة بهم والإحسان إليهم بتكميلهم بما أمرهم به ونهاهم عنه فأمره كله مصلحة وحكمة ولطف وإحسان إذ مصدره أسماؤه الحسنى وفعله كله لا يخرج عن العدل والحكمة والمصلحة والرحمة إذ مصدره أسماؤه الحسنى فلا تفاوت في خلقه ولا عبث ولم يخلق خلقه باطلا ولا سدى ولا عبثا وكما أن كل موجود سواه فبإيجاده فوجود من سواه تابع لوجوده تبع المفعول المخلوق لخالقه فكذلك العلم بها أصل للعلم بكل ما سواه فالعلم بأسمائه وإحصاؤها أصل لسائر العلوم فمن أحصى أسماءه كما ينبغي للمخلوق أحصى جميع العلوم إذ إحصاء أسمائه أصل لإحصاء كل معلوم لأن المعلومات هي من مقتضاها ومرتبطة بها وتأمل صدور الخلق والأمر عن علمه وحكمته تعالى ولهذا لا تجد فيها خللا ولا تفاوتا لأن الخلل الواقع فيما يأمر به العبد أو يفعله إما أن يكون لجهله به أو لعدم حكمته وأما الرب تعالى فهو العليم الحكيم فلا يلحق فعله ولا أمره خلل ولا تفاوت ولا تناقض الحادي عشر: أن أسماءه كلها حسنى ليس فيها اسم غير ذلك أصلا وقد تقدم أن من أسمائه ما يطلق عليه باعتبار الفعل نحو الخالق والرازق والمحيي والمميت وهذا يدل على أن أفعاله كلها خيرات محض لا شر فيها لأنه لو فعل الشر لاشتق له منه اسم ولم تكن أسماؤه كلها حسنى وهذا باطل فالشر ليس إليه فكما لا يدخل في صفاته ولا يلحق ذاته لا يدخل في أفعاله فالشر ليس إليه لا يضاف إليه فعلا ولا وصفا وإنما يدخل في مفعولاته وفرق بين الفعل والمفعول فالشر قائم بمفعوله المباين(1\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "162",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6377",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له لا بفعله الذي هو فعله فتأمل هذا فإنه خفي على كثير من المتكلمين وزلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام وهدى الله أهل الحق لما اختلفوا فيه بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم الثاني عشر: في بيان مراتب إحصاء أسمائه التي من أحصاها دخل الجنة وهذا هو قطب السعادة ومدار النجاة والفلاح المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها المرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولها المرتبة الثالثة: دعاؤه بها كما قال تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وهو مرتبتان إحداهما: دعاء ثناء وعبادة والثاني: دعاء طلب ومسألة فلا يثنى عليه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وكذلك لا يسأل إلا بها فلا يقال يا موجود أو يا شيء أو يا ذات اغفر لي وارحمني بل يسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضيا لذلك المطلوب فيكون السائل متوسلا إليه بذلك الاسم ومن تأمل أدعية الرسل ولا سيما خاتمهم وإمامهم وجدها مطابقة لهذا وهذه العبارة أولى من عبارة من قال يتخلق بأسماء الله فإنها ليست بعبارة سديدة وهي منتزعة من قول الفلاسفة بالتشبه بالإله على قدر الطاقة وأحسن منها عبارة أبي الحكم بن برهان وهي التعبد وأحسن منها العبارة المطابقة للقرآن وهي الدعاء المتضمن للتعبد والسؤال فمراتبها أربعة أشدها إنكارا عبارة الفلاسفة وهي التشبه وأحسن منها عبارة من قال التخلق وأحسن منها عبارة من قال التعبد وأحسن من الجميع الدعاء وهي لفظ القرآن. الثالث عشر: اختلف النظار في الأسماء التي تطلق على الله وعلى العباد كالحي والسميع والبصير والعليم والقدير والملك ونحوها: فقالت: طائفة من المتكلمين هي حقيقة في العبد مجاز في الرب وهذا قول غلاة الجهمية وهو أخبث الأقوال وأشدها فسادا الثاني: مقابله وهو أنها حقيقة في الرب مجاز في العبد وهذا قول أبي العباس الناشئ الثالث: أنها حقيقة فيهما وهذا قول أهل السنة وهو الصواب واختلاف الحقيقتين فيهما لا يخرجها عن كونها حقيقة فيهما وللرب(1\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "163",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6378",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى منها ما يليق بجلاله وللعبد منها ما يليق به وليس هذا موضع التعرض لمأخذ هذه الأقوال وإبطال باطلها وتصحيح صحيحها فإن الغرض الإشارة إلى أمور ينبغي معرفتها في هذا الباب ولو كان المقصود بسطها لاستدعت سفرين أو أكثر. الرابع عشر: أن الاسم والصفة من هذا النوع له ثلاث اعتبارات: اعتبار من حيث هو مع قطع النظر عن تقييده بالرب تبارك وتعالى أو العبد اعتباره مضافا إلى الرب مختصا به اعتباره مضافا إلى العبد مقيدا به فما لزم الاسم لذاته وحقيقته كان ثابتا للرب والعبد وللرب منه ما يليق بكماله وللعبد منه ما يليق به وهذا كاسم السميع الذي يلزمه إدراك المسموعات والبصير الذي يلزمه رؤية المبصرات والعليم والقدير وسائر الأسماء فإن شرط صحة إطلاقها حصول معانيها وحقائقها للموصوف بها فما لزم هذه الأسماء لذاتها فإثباته للرب تعالى لا محذور فيه بوجه بل ثبتت له على وجه لا يماثله فيه خلقه ولا يشابههم فمن نفاه عنه لإطلاقه على المخلوق ألحد في أسمائه وجحد صفات كماله ومن أثبته له على وجه يماثل فيه خلقه فقد شبهه بخلقه ومن شبه الله بخلقه فقد كفر ومن أثبته له على وجه لا يماثل فيه خلقه بل كما يليق بجلاله وعظمته فقد بريء من فرث التشبيه ودم التعطيل وهذا طريق أهل السنة وما لزم الصفة لإضافتها إلى العبد وجب نفيه عن الله كما يلزم حياة العبد من النوم والسنة والحاجة إلى الغذاء ونحو ذلك وكذلك ما يلزم إرادته من حركة نفسه في جلب ما ينتفع به ودفع ما يتضرر به وكذلك ما يلزم علوه من احتياجه إلى ما هو عال عليه وكونه محمولا به مفتقرا إليه محاطا به كل هذا يجب نفيه عن القدوس السلام تبارك وتعالى وما لزم صفة من جهة اختصاصه تعالى بها فإنه لا يثبت للمخلوق بوجه كعلمه الذي يلزمه القدم والوجوب والإحاطة بكل معلوم وقدرته وإرادته وسائر صفاته فإن ما يختص به منها لا يمكن إثباته للمخلوق فإذا أحطت بهذه القاعدة خبرا وعقلتها كما ينبغي خلصت من الآفتين اللتين هما أصل بلاء المتكلمين آفة(1\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "164",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6379",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التعطيل وآفة التشبيه فإنك إذا وفيت هذا المقام حقه من التصور أثبت لله الأسماء الحسنى والصفات العلى حقيقة فخلصت من التعطيل ونفيت عنها خصائص المخلوقين ومشابهتهم فخلصت من التشبيه فتدبر هذا الموضع واجعله جنتك التي ترجع إليها في هذا الباب والله الموفق للصواب الخامس العشر: أن الصفة متى قامت بموصوف لزمها أمور أربعة أمران لفظيان وأمران معنويان فاللفظيان ثبوتي وسلبي فالثبوتي أن يشتق للموصوف منها الموصوف ويخبر بها عنه والسلبي أن لا يعود حكمها إلى غيره ولا يكون خبرا عنه وهي قاعدة عظيمة في معرفة الأسماء والصفات فلنذكر من ذلك مثالا واحدا وهو صفة الكلام فإنه إذا قامت بمحل كانت هو التكلم دون من لم تقم به وأخبر عنه بها وعاد حكمها إليه دون غيره فيقال قال وأمر ونهى ونادى وناجى وأخبر وخاطب وتكلم وكلم ونحو ذلك وامتنعت هذه الأحكام لغيره فيستدل بهذه الأحكام والأسماء على قيام الصفة به وسلبها عن غيره على عدم قيامها به وهذا هو أصل السنة الذي ردوا به على المعتزلة والجهمية وهو من أصح الأصول طردا وعكسا. السادس عشر: أن الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر ولا تحد بعدد فإن لله تعالى أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل كما في الحديث الصحيح: quot;أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو استأثرت به في علم الغيب عندكquot; صحيح على الراجح فجعل أسماءه ثلاثة أقسام: قسم سمى به نفسه فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم ولم ينزل به كتابه وقسم أنزل به كتابه فتعرف به إلى عباده وقسم استأثر به في علم غيبه فلم يطلع عليه أحد من خلقه ولهذا قال استأثرت به أي انفردت بعلمه وليس المراد انفراده بالتسمي به لأن هذا الإنفراد ثابت في الأسماء التي أنزل الله بها كتابه ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة: quot;فيفتح علي من محامده بما لا أحسنه الآن quot; رواه البخاري ومسلم وتلك المحامد تفي بأسمائه وصفاته ومنه قوله: quot;لا أحصي(1\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "165",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6380",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسكquot; رواه مسلم وأبو داود وغيرهما وأما قوله صلى الله عليه وسلم: quot;إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنةquot; رواه البخاري ومسلم فالكلام جملة واحدة وقوله: quot;ومن أحصاها دخل الجنة quot; صفة لا خبر مستقبل والمعنى له أسماء متعددة من شأنها أن من أحصاها دخل الجنة وهذا لا ينفي أن يكون له أسماء غيرها وهذا كما تقول لفلان مائة مملوك وقد أعدهم للجهاد فلا ينفي هذا أن يكون له مماليك سواهم معدون لغير الجهاد وهذا لا خلاف بين العلماء فيه. السابع عشر: أن أسماءه تعالى منها ما يطلق عليه مفردا ومقترنا بغيره وهو غالب الأسماء فالقدير والسميع والبصير والعزيز والحكيم وهذا يسوغ أن يدعى به مفردا ومقترنا بغيره فتقول: يا عزيز يا حليم يا غفور يا رحيم وأن يفرد كل اسم وكذلك في الثناء عليه والخبر عنه بما يسوغ لك الإفراد والجمع ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده بل مقرونا بمقابله كالمانع والضار والمنتقم فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله فإنه مقرون بالمعطي والنافع والعفو فهو المعطي المانع الضار النافع المنتقم العفو المعز المذل لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله لأنه يراد به أنه المنفرد بالربوبية وتدبير الخلق والتصرف فيهم عطاء ومنعا ونفعا وضرا وعفوا وانتقاما وأما أن يثنى عليه بمجرد المنع والانتقام والإضرار فلا يسوغ فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض فهي وإن تعددت جارية مجرى الاسم الواحد ولذلك لم تجيء مفردة ولم تطلق عليه إلا مقترنة فاعلمه فلو قلت: يا مذل يا ضار يا مانع وأخبرت بذلك لم تكن مثنيا عليه ولا حامدا له حتى تذكر مقابلها. الثامن عشر: أن الصفات ثلاثة أنواع: صفات كمال وصفات نقص وصفات لا تقتضي كمالا ولا نقصا وإن كانت القسمة التقديرية تقتضي قسما رابعا: وهو ما يكون كمالا ونقصا باعتبارين والرب تعالى منزه عن الأقسام الثلاثة وموصوف بالقسم الأول وصفاته كلها صفات كمال محض فهو موصوف من الصفات(1\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "166",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6381",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأكملها وله من الكمال أكمله وهكذا أسماؤه الدالة على صفاته هي أحسن الأسماء وأكملها فليس في الأسماء أحسن منها ولا يقوم غيرها مقامها ولا يؤدي معناها وتفسير الاسم منها بغيره ليس تفسيرا بمرادف محض بل هو على سبيل التقريب والتفهيم وإذا عرفت هذا فله من كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمه معنى وأبعده وأنزهه عن شائبة عيب أو نقص فله من صفة الإدراكات العليم الخبير دون العاقل الفقيه والسميع البصير دون السامع والباصر والناظر ومن صفات الإحسان البر الرحيم الودود دون الرفيق والشفوق ونحوهما وكذلك العلي العظيم دون الرفيع الشريف وكذلك الكريم دون السخي والخالق البارئ المصور دون الفاعل الصانع المشكل والغفور العفو دون الصفوح الساتر وكذلك سائر أسمائه تعالى يجري على نفسه منها أكملها وأحسنها وما لا يقوم غيره مقامه فتأكل ذلك فأسماؤه أحسن الأسماء كما أن صفاته أكمل الصفات فلا تعدل عما سمى به نفسه إلى غيره كما لا تتجاوز ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله إلى ما وصفه به المبطلون والمعطلون. التاسع عشر: أن من أسمائه الحسنى ما يكون دالا على عدة صفات ويكون ذلك الاسم متناولا لجميعها تناول الاسم الدال على الصفة الواحدة لها كما تقدم بيانه كاسمه العظيم والمجيد والصمد كما قال ابن عباس: فيما رواه عنه ابن أبي حاتم في تفسيره: quot;الصمد: السيد الذي قد كمل في سؤدده والشريف: الذي قد كمل في شرفه والعظيم: الذي قد كمل في عظمته والحليم الذي قد كمل في حلمه والعليم الذي قد كمل في علمه والحكيم الذي قد كمل في حكمته وهو الذي قد كمل في أنواع شرفه وسؤدده وهو الله سبحانه إسناده ضعيفquot; هذه صفته لا تنبغي إلا له ليس له كفوا أحد وليس كمثله شيء سبحان الله الواحد القهار هذا لفظه وهذا مما خفي على كثير ممن تعاطى الكلام في تفسير الأسماء الحسنى ففسر الاسم بدون معناه ونقصه من حيث لا يعلم فمن لم يحط بهذا علما بخس الاسم الأعظم حقه وهضمه معناه فتدبره.(1\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "167",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6382",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العشرون: وهي الجامعة لما تقدم من الوجوه وهي معرفة الإلحاد في أسمائه حتى لا يقع فيه قال تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون والإلحاد في أسمائه هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها وهو مأخوذ من الميل كما يدل عليه مادته ل ح د فمنه اللحد وهو الشق في جانب القبر الذي قد مال عن الوسط ومنه الملحد في الدين المائل عن الحق إلى الباطل قال ابن السكيت: quot;الملحد المائل عن الحق المدخل فيه ما ليس منهquot; ومنه الملتحد وهو مفتعل من ذلك وقوله تعالى: ولن تجد من دونه ملتحدا أي من تعدل إليه وتهرب إليه وتلتجئ إليه وتبتهل فتميل إليه عن غيره تقول العرب التحد فلان إلى فلان إذا عدل إليه إذا عرف هذا فالإلحاد في أسمائه تعالى أنواع أحدها: أن يسمى الأصنام بها كتسميتهم اللات من الإلهية والعزى من العزيز وتسميتهم الصنم إلها وهذا إلحاد حقيقة فإنهم عدلوا بأسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله كتسمية النصارى له أبا وتسمية الفلاسفة له موجبا بذاته أو علة فاعلة بالطبع ونحو ذلك وثالثها: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص كقول أخبث اليهود إنه فقير وقولهم إنه استراح بعد أن خلق خلقه وقولهم: يد الله مغلولة وأمثال ذلك مما هو إلحاد في أسمائه وصفاته ورابعها: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها كقول من يقول من الجهمية وأتباعهم إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني فيطلقون عليه اسم السميع والبصير والحي والرحيم والمتكلم والمريد ويقولون لا حياة له ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا إرادة تقوم به وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلا وشرعا ولغة وفطرة وهو يقابل إلحاد المشركين فإن أولئك أعطوا أسماءه وصفاته لآلهتهم وهؤلاء سلبوه صفات كماله وجحدوها وعطلوها فكلاهما ملحد في أسمائه ثم الجهمية وفروخهم متفاوتون في هذا الإلحاد فمنهم الغالي والمتوسط والمنكوب وكل من جحد شيئا عما وصف الله به نفسه(1\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "168",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6383",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو وصفه به رسوله فقد ألحد في ذلك فليستقل أو ليستكثر وخامسها: تشبيه صفاته بصفات خلقه تعالى الله عما يقول المشبهون علوا كبيرا فهذا الإلحاد في مقابلة إلحاد المعطلة فإن أولئك نفوا صفة كماله وجحدوها وهؤلاء شبهوها بصفات خلقه فجمعهم الإلحاد وتفرقت بهم طرقه وبرأ الله أتباع رسوله وورثته القائمين بسنته عن ذلك كله فلم يصفوه إلا بما وصف به نفسه ولم يجحدوا صفاته ولم يشبهوها بصفات خلقه ولم يعدلوا بها عما أنزلت عليه لفظا ولا معنى بل أثبتوا له الأسماء والصفات ونفوا عنه مشابهة المخلوقات فكان إثباتهم بريئا من التشبيه وتنزيههم خليا من التعطيل لا كمن شبه حتى كأنه يعبد صنما أو عطل حتى كأنه لا يعبد إلا عدما وأهل السنة وسط في النحل كما أن أهل الإسلام وسط في الملل توقد مصابيح معارفهم من: شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء فنسأل الله تعالى أن يهدينا لنوره ويسهل لنا السبيل إلى الوصول إلى مرضاته ومتابعة رسوله إنه قريب مجيب فهذه عشرون فائدة مضافة إلى القاعدة التي بدأنا بها في أقسام ما يوصف به الرب تبارك وتعالى فعليك بمعرفتها ومراعاتها ثم اشرح الأسماء الحسنى إن وجدت قلبا عاقلا ولسانا قائلا ومحلا قابلا وإلا فالسكوت أولى بك فجناب الربوبية أجل وأعز مما يخطر بالبال أو يعبر عنه المقال: وفوق كل ذي علم عليم حتى ينتهي العلم إلى من أحاط بكل شيء علما وعسى الله أن يعين بفضله على تعليق شرح الأسماء الحسنى مراعيا فيه أحكام هذه القواعد بريئا من الإلحاد في أسمائه وتعطيل صفاته فهو المان بفضله والله ذو الفضل العظيم.(1\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "169",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6384",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: المعنى المفرد لا يكون نعتا ونعني بالمفرد ما دل لفظه على معنى واحد نحو علم وقدرة لأنه لا رابط بينه وبين المنعوت لأنه اسم جنس على حياله فإذا قلت ذو علم وذو قدرة كان الرابط ذو فإذا قلت: عالم وقادر كان الرابط الضمير فكل نعت وإن كان مفردا في لفظه فهو دال على معلومين حامل ومحمول فالحامل هو الاسم المضمر والمحمول هو الصفة وإنما أضمر في الصفة ولم يضمر في المصدر وهو الصفة في الحقيقة لأن هذا الوصف مشتق من الفعل والفعل هو الذي يضمر فيه دون المصدر لأنه إنما صيغ من المصدر ليخبر به عن فاعل فلا بد له مما صيغ لأجله إما ظاهرا وإما مضمرا ولا كذلك المصدر لأنه اسم جنس فحكمه حكم سائر الأجناس ولذلك ينعت الاسم بالفعل لتحمله الضمير فإن قلت: فأيهما هو الأصل في باب النعت قلت: الاسم أصل للفعل في باب النعت والفعل أصل لذلك الاسم في غير باب النعت وإنما قلنا ذلك لأن حكم النعت أن يكون جاريا على المنعوت في إعرابه لأنه هو مع زيادة معنى ولأن الفعل أصله أن يكون له صدر الكلام لعمله في الاسم وحق العامل التقدم لا سيما إن قلنا إن العامل في النعت هو العامل في المنعوت وعلى هذا لا يتصور أن يكون الفعل أصلا في باب النعت لأن عوامل الأسماء لا تعمل في الأفعال فعلى هذا لا ينبغي أن ينعت النعت فتقول: مررت برجل عاقل كريم على أن يكون كريم صفة ل عاقل بل للرجل لأن النعت ينبئ عن الاسم المضمر وعن الصفة والمضمر لا ينعت ولأنه قد صار بمنزلة الجملة من حيث دل على الفعل والفاعل والجملة لا تنعت ولأنه يجري مجرى الفعل في رفع الأسماء والفعل لا ينعت قاله أبو الفتح ابن جني وبعد فلا يمتنع أن ينعت النعت إذا جرى النعت الأول مجرى(1\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "170",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6385",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاسم الجامد ولم يرد به ما هو جار على الفعل فصل: ولما علم من افتقاره إلى الضمير لا يجوز إقامة النعت مقام المنعوت لوجهين أحدهما احتماله الضمير فإذا حذفت المنعوت لم يبق للضمير ما يعود عليه الثاني عموم الصفة فلا بد من بيان الموصوف بها ما هو فإن أجريت الصفة مجرى الاسم مثل جاءني الفقيه وجالست العالم خرج عن الأصل الممتنع وصار كسائر الأسماء وإن جئت بفعل يختص بنوع من الأسماء وأعملته في نوع يختص بذلك النوع كان حذف المنعوت حسنا كقولك أكلت طيبا ولبست لينا وركبت فارها ونحوه أقمت طويلا وسرت سريعا لأن الفعل يدل على المصدر والزمان فجاز حذف المنعوت هاهنا لدلالة الفعل عليه وقريب منه قوله تعالى: ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين لدلالة الذرية على الموصوف بالصفة وإن كان في كلامك حكم منوط بصفة احتمل الكلام على تلك واستغنى عن ذكر الموصوف كقولك مؤمن خير من كافر وغني أحظى من فقير والمؤمن لا يفعل كذا ولعنة الله على الظالمين: quot;والمؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاءquot; رواه مسلم وقولهم: وأبيض كالمخراق البيت وقول الآخر: وأسمر خطي لأن الفخر والمدح إنما يتعلق بالصفة دون الموصوف فمضمون هذا الفصل ينقسم خمسة أقسام: نعت لا يجوز حذف منعوته كقولك لقيت سريعا وركبت خفيفا ونعت يجوز حذف منعوته على قبح نحو لقيت ضاحكا ورأيت جاهلا فجوازه لاختصاص الصفة بنوع واحد من الأسماء وقسم يستوي فيه الأمران نحو: أكلت(1\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "171",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6386",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طيبا وركبت فارها ولبست لينا وشربت عذبا لاختصاص الفعل بنوع من المفعولات وقسم يقبح فيه ذكر الموصوف لكونه حشوا في الكلام نحو أكرم الشيخ ووقر العالم وأرفق بالضعيف وارحم المسكين وأعط الفقير وأكرم البر وجانب الفاجر ونظائره لتعليق الأحكام بالصفات واعتمادها عليها بالذكر وقسم لا يجوز فيه البتة ذكر الموصوف كقوله دابة أبطح وأجرع وأبرق للمكان وأسود للحية وأدهم للقيد وأخيل للطائر فهذه في الأصول نعوت ولكنهم لا يجرونها نعتا على منعوت فنقف عند ما وقفوا وترك القياس إذا تركوا فائدة بديعة: إذا نعت الاسم بصفة هي كسببه ففيه ثلاثة أوجه. أحدها: وهو الأصل أن تقول مررت برجل حسن أبوه بالرفع لأن الحسن ليس صفة له فتجري عليه وإنما ذكرت الجملة ليميز بها بين الرجل وبين من ليس عنده أب كأبيه فلما تميز بالجملة من غيره صارت في موضع النعت وتدرجوا من ذلك إلى أن قالوا: حسن أبوه بالجر وأجروه نعتا على الأول وإن كان هو نعت الأب من حيث تميز وتخصص كما يتخصص بصفة نفسه والوجه الثالث مررت برجل حسن الأب فيصير نعتا للأول ويضمر فيه ما يعود عليه حتى كأن الحسن له وإنما فعلوا ذلك مبالغة وتقريبا للنسب وحذفا للمضاف وهو الأب وإقامة المضاف إليه مقامه وهو الهاء فلما قام الضمير مقام الاسم المرفوع(1\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "172",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6387",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صار ضميرا مرفوعا فاستتر في الفعل فقلت برجل حسن ثم أضفته إلى النسب الذي من أجله كان حسنا وهو الأب ودخول الألف واللام على النسب إنما هي لبيان الحسن وعلى هذا الوجه لا يجوز إلا في الموضع الذي يجوز فيه حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه وذلك غير مطرد الجواز وإنما يجوز حيث يقصدون المبالغة وتفخيم الأمر وإن بعد النسب كان الجواز أبعد كقولك نابح الكلب وصاهل فرس العبد وما امتنع في هذا الفصل فإنه يجوز في الفصل الذي قبله من حيث لم يقيموا فيه مضافا مقام المضاف إليه وإنما حكمنا باختلاف المعاني في هذه الوجوه الثلاثة من حيث اختلف اللفظ فيها لأن الأصل أن لا يختلف لفظان إلا لاختلاف المعنى ولا يحكم باتحاد المعنى مع اختلاف اللفظ إلا بدليل فمعنى الوجه الأول تمييز الاسم عن غيره بالجملة التي بعده ومعنى الوجه الثاني تمييز الاسم من غيره مع انجرار الوصف إليه بمدح أو ذم ومعنى الوجه الثالث نقل الصفة كلها إلى الأول على حذف المضاف مع تبيين السبب الذي صيره كذلك وأكثر ما يكون هذا الوجه فيما قرب سببه جدا نحو عظيم القدر وشريف الأب لأن شرف الأب شرف له وكذلك القدر والوجه وهاهنا يحسن حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. فائدة: إن قيل لم أكتسب المضاف التعرف من المضاف إليه ولم يكتسب المضاف إليه التنكير من المضاف وهو مقدم عليه في اللفظ لا سيما والتنكير أصل في الأسماء والتعريف فرع عليه قيل: الجواب من وجهين أحدهما: أنهم قد غلبوا حكم المعرفة على النكرة في غير هذا الموضع نحو هذا زيد ورجل ضاحكين(1\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "173",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6388",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على الحال ولا يجوز ضاحكان على النعت تغليبا لحكم المعرفة لأنهم رأوا الاسم المعرفة يدل على معنيين الرجل وتعيينه والشيء وتخصيصه من غيره والنكرة لا تدل إلا على مفرد فكان ما يدل على معنيين أقوى مما يدل على معنى واحد وهذا أصل نافع فحصله الثاني: أن المضاف إليه بمنزلة آلة التعريف فصار كالألف واللام ألا ترى أنك إذا قلت غلام زيد فهو بمنزلة قولك الغلام لمن تعرفه بذلك وكذلك إذا قلت كتاب سيبويه فهو بمنزلة قولك الكتاب وكذلك إذا قلت سلطان المسلمين فهو بمنزلة قولك السلطان فتعريفه باللام في أوله وتعريفه بالإضافة من آخره فإن قيل: فإذا اكتسب التعريف من المضاف إليه فكان ينبغي أن يعطى حكمه قيل: وإن استفاد منه التعريف لم يستفد منه خصوصية تعريفه وإنما اكتسب منه تعريفا آخر كما اكتسبه من لام التعريف ألا ترى أنه إذا أضيف إلى المضمر لم يكتسب منه الإضمار وإذا أضيف إلى المبهم لم يكتسب منه الإبهام فلا الأول اقتبس من الثاني خصوصية تعريفه ولا الثاني اقتبس من الأول تنكيره والمضاف إليه في ذلك كالآلة الداخلة على الاسم. فائدة: من كلام السهيلي الكلام هو تعبير عما في نفس المتكلم من المعاني فإذا أضمر ذلك المعنى في نفسه أي أخفاه ودل المخاطب عليه بلفظ خاص سمى ذلك اللفظ ضميرا تسمية له باسم مدلوله ولا يقال فكان ينبغي أن يسمى كل لفظ ضميرا على ما ذكرتم لأن هنا مراتب ثلاثة أحدها المعنى المضمر وهو حقيقة الرجل مثلا والثاني اللفظ المميز له عن غيره وهو زيد وعمرو والثالث اللفظ المعبر عن هذا الاسم الذي إذا أطلق كان المراد به ذلك الاسم بخلاف قولك:(1\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "174",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6389",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "زيد وعمرو فإنه ليس ثم إلا لفظ ومعنى فخصوا اسم الضمير بما ذكرناه أسرار أحكام المضمرات والمضمرات في كلامهم نحو ستين ضميرا وأحوالها معلومة لكن ننبه على أسرارها من أحكام المضمرات اعلم أن المتكلم لما استغنى عن اسم الظاهر في حال الإخبار لدلالة المشاهدة عليه جعل مكانه لفظا يومئ به إليه وذلك اللفظ مؤلف من همزة ونون أما الهمزة فلأن مخرجها من الصدر وهو أقرب مواضع الصوت إلى المتكلم إذ المتكلم في الحقيقة محله وراء حبل الوريد قال الله تعالى: ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ألا تراه يقول: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد يعني ما يلفظ المتكلم فدل على أن المتكلم أقرب شيء إلى حبل الوريد فإذا كان المتكلم على الحقيقة محله هناك وأردت من الحروف ما يكون عبارة عنه فأولاها بذلك ما كان مخرجه من جهته وأقرب المواضع إلى محله وليس إلا الهمزة أو الهاء والهمزة أحق بالمتكلم لقوتها بالجهر والشدة وضعف الهاء بالخفاء فكان ما هو أجهر أقوى وأولى بالتعبير عن اسم المتكلم الذي الكلام صفة له وهو أحق بالاتصاف به وأما اتصالها بالهاء مع النون فلما كانت الهمزة بانفرادها لا تكون اسما منفصلا كان أولى ما وصلت به النون أو بحرف المد واللين إذ هي أمهات الزوائد ولم يمكن حروف المد مع الهمزة لذهابها عند التقاء الساكنين نحو: أنا الرجل فلو حذف الحرف الثاني لبقيت الهمزة في أكثر الكلام منفردة مع لام التعريف فتلتبس بالألف التي هي أخت اللام فيختل أكثر الكلام فكان أولى ما قرن به النون لقربها من حرف المد واللين ثم ثبتوا النون لخفائها بالألف في حال السكت أو بهاء في لغة من قال أنه ثم لما كان المخاطب مشاركا للمتكلم في حال معنى الكلام إذ الكلام مبدأه من المتكلم ومنتهاه عند المخاطب ولولا المخاطب ما كان كلام المتكلم لفظا مسموعا ولا احتاج إلى التعبير عنه فلما اشتركا في المقصود بالكلام وفائدته اشتركا في اللفظ الدال على الاسم الظاهر وهو الألف والنون وفرق بينهما بالتاء خاصة وخصت التاء بالمخاطب لثبوتها(1\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "175",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6390",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "علامة الضمير في قمت فإن قلت: فهي علامة لضمير المتكلم في قمت فلم كان المخاطب أولى بها قلت: الأصل في التاء للمخاطب وإنما المتكلم دخيل عليه ولما كان دخيلا عليه خصوه بالضم لأن فيه من الجمع والإشارة إلى نفسه ما ليس في الفتحة وخصوا المخاطب بالفتح لأن في الفتحة من الإشارة إليه ما ليس في الضمة وهذا معلوم في الحس وأما ضمير المتكلم المخفوض فإنما كان ياء لأن الاسم الظاهر لما ترك لفظه استغناء ولم يكن بد من علامة دالة عليه كان أولى الحروف بذلك حرف من حروف الاسم المضمر وذلك لا يمكن لاختلاف أسماء المتكلمين وإنما أرادوا علامة تختص بكل متكلم في حال الخفض والأسماء مختلفة الألفاظ متفقة في حال الإضافة إلى الياء في الكسرة التي هي علامة الخفض إلا أن الكسرة لا تستقل بنفسها حتى تمكن فتكون ياء فجعلوا الياء علامة لكل متكلم مخفوض ثم شركوا النصب مع الحفظ في علامة الإضمار لاستوائها في المعنى إلا أنها زادوا نونا في ضمير المنصوب وقاية للفعل من الكسر وأما ضمير المتكلم المتصل فعلامته التاء المضمومة وأما المتكلمون فعلامتهم نافي الأحوال كلها وسرهم أنهم لما تركوا الاسم الظاهر وأرادوا من الحروف ما يكون علامة عليه أخذوا من الاسم الظاهر ما يشترك جميع المتكلمين فيه في حال الجمع والتثنية وهي النون التي في آخر اللفظ وهي موجودة في التثنية والجمع رفعا ونصبا وجرا فجعلوها علامة للمتكلمين جمعا كانوا أو تثنية وزادوا بعدها ألفا كيلا تشبه التنوين أو النون الخفيفة ولحكمة أخرى وهي القرب من لفظ أنا لأنها من ضمير المتكلمين فإنها ضمير متكلم فلم يسقط من لفظة أنا إلا الهمزة التي هي أصل في المتكلم الواحد وأما جمع المتكلم وتثنيته ففرع طار عن الأصل فلم تمكن فيه الهمزة التي تقدم اختصاصها بالمتكلم حتى خصت به في أفعل وخص المخاطب بالتاء في تفعل لما ذكرناه وأما ضمير المرفوع المتصل فإنما خص بالتاء لأنهم حين أرادوا حرفا يكون علامة على الاسم الظاهر المستغنى عن ذكره(1\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "176",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6391",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان أولى الحروف بذلك حرفا من الاسم وهو مختلف كما تقدم فأخذوا من الاسم ما لا تختلف الأسماء فيه في حال الرفع وهي الضمة وهي لا تستقل بنفسها ما لم تكن واوا ثم رأوا الواو لا يمكن تعاقب الحركات عليها لثقلها وهم يحتاجون إلى الحركات في هذا الضمير فرقا بين المتكلم والمخاطب المؤنث والمخاطب المذكر فجعلوا التاء مكان الواو لقربها من مخرجها ولأنها قد تبدل منها في كثير من الكلام كتراث وتجاه فاشترك ضمير المتكلم والمخاطب في التاء كما اشتركا في الألف والنون من أنا وأنت لأنهما شريكان في الكلام لأن الكلام من حيث كان للمخاطب كان لفظا ومن حيث للمتكلم كان معنى ثم وقع الفرق بين ضميريهما بالحركة دون الحرف لما تقدم وأما ضمير المخاطب نصبا وجرا فكان كافا دون الياء لأن الياء قد اختص بها المتكلم نصبا وخفضا فو أمكنت فيه الحركات أو وجد ما يقوم مقامها في البدل كما كانت التاء مع الواو اشترك المخاطب مع المتكلم في حال الخفض كما اشترك معه في الباقي حال الرفع فلما لم يكن ذلك ولم يكن بد من حروف تكون علامة إضمار كان الكاف أحق بهذا الموطن لأن المخاطبين وإن اختلف أسماؤهم الظاهرة فكل واحد منهم متكلم ومقصوده في الكلام الذي هو اللفظ ومن أجله احتيج إلى التعبير بالألفاظ عما في النفس فجعل الكلام المبدوء بها في لفظ الكلام علامة إضمار المخاطب ألا تراه لا يقع علامة إضمار له إلا بعد كلام كالفعل والفاعل نحو: أكرمتك لأنهما كلام والفعل وحده ليس كلاما فلذلك لم تكن علامة الضمير كافا إلا بعد كلام من فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر فإن قيل: فالمتكلم أيضا هو صاحب الكلام فهو أحق بأن تكون الكاف المأخوذة من لفظ الكلام علامة للاسم قيل: الكاف لفظ فهي أحق بالمخاطب لأن الكلام إنما لفظ به من أجله وأما ضمير الغائب المنفصل فهاء بعدها واو لأن الغائب لما كان مذكورا بالقلب واستغنى عن اسمه الظاهر بتقدمه كانت الهاء التي مخرجها من الصدر قريبا من محل الذكر أولى بأن تكون عبارة على(1\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "177",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6392",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مذكور بالقلب ولم تكن الهمزة لأنها مجهورة شديدة فكانت أولى بالمتكلم الذي هو أظهر والهاء لخفائها أولى بالغائب الذي هو أخفى وأبطن ثم وصلت بالواو لأنه لفظ يرمز به إلى المخاطب ليعلم ما في النفس من المذكور والرمز بالشفتين والواو مخرجها من هناك فخصت بذلك ثم طردوا أصلهم في ضمير الغائب المنفرد فجعلوه في جميع أحواله هاء إلا في الرفع وإنما فعلوا ذلك لأنهم رأوا الفرق بين الحالات واقعا باختلاف حال الضمير لأنه إذا دخل عليها حرف الجر كسرت الهاء وانقلبت واوه ياء وإذا لم يدخل عليه بقي مضموما على أصله وإذا كان في حال الرفع لم يكن له علامة في اللفظ لأن الاسم الظاهر قبل الفعل علم ظاهر يغني المخاطب عن علامة إضمار في الفعل بخلاف المتكلم والمخاطب لأنك تقول في الغائب زيد قائم فتجد الاسم الذي يعود عليه الضمير موجودا ظاهرا في اللفظ ولا تقول في المتكلم زيد قمت ولا في المخاطب زيد قمت فلما اختلفت أحوال الضمير الغائب لسقوط علامته في الرفع وتغير الهاء بدخول حروف الخفض قام ذلك عندهم مقام علامات الإعراب في الظاهر وما هو بمنزلتها في المضمر كالتاء المبدلة من الواو والياء المثبتة والكسرة والكاف المختصة بالمفعول والمجرور الواقعين بعد الكلام التام ولا يقع بعد الكلام إلا منصوب أو مجرور فكانت الكاف المأخوذة من لفظ الكلام علامة على المنصوب والمجرور إذا كان مخاطبا وأما نحن فضمير منفصل للمتكلمين تثنية وجمعا وخصت بذلك لما لم يمكنهم التثنية والجمع في المتكلم المضمر لأن حقيقة التثنية ضم شيء إلى مثله في اللفظ والجمع ضم شيء إلى أكثر منه مما يماثله في اللفظ فإذا قلت: زيدان فمعناه زيد وزيد وأنتم معناه أنت وأنت والمتكلم لا يمكنه أن يأتي باسم مثنى أو مجموعا في معناه لأنه لا يمكنه أن يقول أنا فيضم إلى نفسه مثله في اللفظ فلما عدم ذلك ولم يكن بد من لفظ يشير إلى ذلك المعنى وإن لم يكنه في الحقيقة جاءوا بكلمة تقع على الإثنين والجمع في هذا الموطن ثم كانت الكلمة آخرها نون وفي أولها إشارة(1\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "178",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6393",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى الأصل المتقدم الذي لم يمكنهم الإتيان به وهو تثنية أنا التي هي بمنزلة عطف اللفظ على مثله فإذا لم يمكنهم ذلك في اللفظ مثنى كانت النون المكررة تنبيها عليه وتلويحا عليه وخصت النون بذلك دون الهمزة لما تقدم من اختصاص ضمير الجمع بالنون وضمير المتكلم بالهمزة ثم جعلوا بين النون حاء ساكنة لقربها من مخرج الألف الموجودة في ضمير المتكلم قبل النون وبعدها ثم بنوها على الضم دون الفتح والكسر إشارة إلى أنه ضمير مرفوع وشاهده ما قلناه في الباب من دلالة الحروف المقطعة على المعاني والرمز بها إليها وقوع ذلك في منثور كلامهم ومنظومه فمنه قلت لها قفي قالت قاف ومنه ألاتا فيقول الآخر ألافا يعني ألا ترتحل فيقول ألا فارحل ومنه: بالخير خيراتا وإن شرافا ... وما أريد الشر إلا أن تشا وكقولهم مهيم في ما هذا يا امرؤ وإيش في أي شيء وم الله في أيمن الله ومن هذا الباب حروف التهجي في أوائل السور وقد رأيت لابن فورك نحو من هذا في اسم الله قال الحكمة في وجود الألف في أوله أنها من أقصى مخارج الصوت قريبا من القلب الذي هو محل المعرفة إليه ثم الهاء في آخره مخرجها من هناك أيضا لأن المبتدأ منه والمعاد إليه والإعادة أهون من الابتداء وكذلك لفظ الهاء أهون من لفظ الهمزة هذا معنى كلامه فلم يقل ما قلناه في المضمرات إلا اقتضابا من أصول أئمة النحاة واستنباطا من قواعد اللغة فتأمل هذه الأسرار ولا يزهدنك فيها نبو طباع أكثر الناس عنها واستغناؤهم بظاهر من الحياة الدنيا عن الفكر والتنبيه عليها فإني لم أفحص عن هذه الأسرار وخفي التعليل في الظواهر والإضمار إلا قصد التفكر والإعتبار في حكمة من خلق الإنسان علمه البيان فمتى لاح لك من هذه الأسرار وكشف لك عن مكنونها فكر فاشكر الواهب للنعمى قل رب زدني علما(1\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "179",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6394",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة بديعة: الاسم من هذا الذال وحدها دون الألف على أصح القولين بدليل سقوط الألف في التثنية والمؤنث وخصت الذال بهذا الاسم لأنها من طرف اللسان والمبهم مشار إليه فالمتكلم يشير نحوه بلفظه أو بيده ويشير مع ذلك بلسانه فإن الجوارح خدم القلب فإذا ذهب القلب إلى شيء ذهابا معقولا ذهبت الجوارح نحوه ذهابا محسوسا والعمدة في الإشارة في مواطن التخاطب على اللسان ولا يمكن إشارته إلا بحرف يكون مخرجه من عذبة اللسان التي هي آلة الإشارة دون سائر أجزائه فأما الذال أو التاء فالتاء مهموسة رخوة فالمجهور أو الشديد من الحروف أولى منها للبيان والذال مجهورة فخصت بالإشارة إلى المذكر وخصت التاء بالإشارة إلى المؤنث لأجل الفرق وكانت التاء به أولى لهمسها وضعف المؤنث ولأنها قد ثبتت علامة التأنيث في غير هذا الباب ثم بينوا حركة الذال بالألف كما فعلوا في النون من أنا وربما شركوا المؤنث مع المذكر في الذال فاكتفوا بالكسرة فرقا بينهما وربما اكتفوا بمجرد لفظ التاء في الفرق بينهما وربما جمعوا بين لفظ التاء والكسرة حرصا على البيان وأما في المؤنث الغائب فلا بد من لفظ التاء مع الكسرة لأنه أحوج إلى البيان لدلالة المشاهدة على الخاطر فتقول: تيك وربما زادوا اللام توكيدا كما زادوها في المذكر الغائب إلا أنهم سكنوها في المؤنث لئلا تتوالى الكسرات مع التاء وذلك ثقيل عليهم وكانت اللام أولى بهذا الموطن حين أرادوا الإشارة إلى البعيد فكثرت الحروف حين كثرت مسافة هذه الإشارة وقللوها حين قلت لأن اللام قد وجدت في كلامهم توكيدا وهذا(1\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "180",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6395",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الموطن موطن توكيد وقد وجدت بمعنى الإضافة للشيء وهذا الموطن شبيه بها لأنك إذا أومأت إلى الغائب بالاسم المبهم فأنت مشير إلى من يخاطب ويقبل عليه لينظر إلى من تشير إما بالعين وإما بالقلب وكذلك جئت بكاف الخطاب فكأنك تقول له لك أقول ولك أرمز بهذا الاسم ففي اللام طرف من هذا المعنى كما كان ذلك في الكاف وكما لم يكن الكاف هاهنا اسما مضمرا لم يكن اللام حرف جر وإنما كل منهما طرف من المعنى دون جميعه فلذلك خلعوا من المكان معنى الاسمية وأبقوا فيها معنى الخطاب واللام كذلك إنما اجتلبت لطرف من معناها الذي وضعت له في باب الإضافة وأما دخول هاء التنبيه فلأن المخاطب يحتاج إلى تنبيه على الاسم الذي يشير به إليه لأن للإشارة قرائن حال يحتاج إلى أن ينظر إليها فالمتكلم كأنه آمر له بالالتفات إلى المشار إليه أو منبه له فلذلك اختص هذا الموطن بالتنبيه وقلما يتكلمون به في المبهم الغائب لأن كاف الخطاب يغني عنها مع أن المخاطب مأمور بالالتفات بلحظه إلى المبهم الحاضر فكان التنبيه في أول الكلام أولى بهذا الموطن لأنه بمنزلة الأمر الذي له صدر الكلام وعندي أن حرف التنبيه بمنزلة حرف النداء وسائر حروف المعاني لا يجوز أن تعمل معانيها في الأحوال ولا في الظروف كما لا يعمل معنى الاستفهام والنفي في هل وما في ذلك ولا نعلم حرفا يعمل معناه في الحال والظرف إلا كان وحدها على أنها فعل فدع عنك ما شعبوا به في مسائل الحال في هذا الباب من قولهم هذا قائما زيد وقائما هذا زيد فإنه لا يصلح من ذلك إلا تأخير الحال عن الاسم الذي هو ذا لأن العامل فيه معنى الإشارة دون معنى التنبيه وكلاهما معنوي فإن قيل: لم جاز أن يعمل فيه معنى الإشارة دون معنى التنبيه وكلاهما معنوي قيل: معنى الإشارة تدل عليه قرائن الأحوال من الإيماء باللحظ واللفظ الخارج من طرف اللسان وهيئة المتكلم فقامت تلك الدلالة مقام التصريح بلفظ الإشارة لأن الدال على المعنى إما لفظ وإما إشارة(1\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "181",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6396",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإما لحظ فقد جرت الإشارة مجرى اللفظ فلتعمل فيما عمل فيه اللفظ وإن لم تقو قوته في جميع أحكام العمل وأصح من هذا أن يقال معنى الإشارة ليس هو العامل إذ الاسم الذي هو هذا ليس بمشتق من أشار يشير ولو جاز أن تعمل أسماء الإشارة لجاز أن تعمل علامات الإضمار لأنها أيضا إيماء وإشارة إلى مذكور وإنما العامل فعل مضمر تقديره انظر وأبصر لدلالة الحال عليه من التوجه واللفظ وقد قالوا: من الدار مفتوحا بابها فأعملوا في الحال معنى انظر وأبصر ودل عليه التوجه من المتكلم بوجهه نحوها وكذلك: وهذا بعلي شيخا وهو قوي في الدلالة لاجتماع اللفظ مع التوجه وإذا ثبت هذا فلا سبيل إلى تقديم الحال لأن العامل المعنوي خفي يدل عليه الدليل اللفظي أو التوجه أو ما شاكله فائدة: العامل في النعت هو العامل في المنعوت وكان سيبويه إلى هذا ذهب حين منع أن يجمع بين نعتين للاسمين إذا اتفق إعرابهما واختلف عاملاهما نحو جاء زيد وهذا عمرو العاقلان وذهب قوم إلى أن العامل في النعت معنوي وهو كونه في معنى الاسم المنعوت فإنما ارتفع أو انتصب من حيث كان هو الأول في المعنى لا من حيث كان الفعل عاملا فيه وكيف يعمل فيه وهو لا يدل عليه إنما يدل على فاعل أو مفعول أو مصدر دلالة واحدة من جهة اللفظ وأما الظروف فمن دليل آخر قال السهيلي وإلى هذا أذهب وليس فيه نقض لما منعه سيبويه من الجمع بين نعتي الاسمين المتفقين في الإعراب إذا اختلف العامل فيهما لأن العامل في النعت وإن كان هو المنعوت فلولا العامل في المنعوت لما صح رفع النعت ولا نصبه فكان الفعل هو العامل في النعت فامتنع اشتراك عاملين في معمول واحد(1\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "182",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6397",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن لم يكونا عاملين فيه في الحقيقة ولكنهما عاملان فيما هو في المعنى وإنما قوي عندنا هذا القول الثاني لوجوه منها امتناع تقديم النعت على المنعوت ولو كان الفعل عاملا فيه لما امتنع أن يليه معموله كما يليه المعمول تارة والفاعل أخرى وكما يليه الحال والظرف ولا يصح أن يليه ما عمل فيه غيره لو قلت: قام زيدا ضاربا تريد ضارب زيدا أو ضربت عمرا رجلا ضاربا تريد ضربت رجلا ضاربا عمرا لم يجز فلا يلي العامل إلا ما عمل فيه فكذلك لا يلي كان إلا ما عملت فيه ولذلك نقول خبر إن المرفوع ليس بمعمول ل إن وإنما هو على أصله في باب المبتدأ والخبر ولولا ذلك لجاز أن يليها وإنما وليها إذا كان مجرورا لأنها ممنوعة من العمل فيه بدخول حرف الجر مع أن المجرور رتبته التأخير فلم يبالوا بتقديمه في اللفظ إذ كان موضعه التأخير ولأن المجرور ليس هو بخبر على الحقيقة وإنما هو متعلق بالخبر والخبر منوي في موضعه أعني بعد الاسم المنصوب بأن فإن قيل: ولعل امتناع النعت من التقديم على المنعوت إنما هو من أجل الضمير الذي فيه والمضمر حقه أن يترتب بعد الاسم الظاهر قلت: هذا ليس بمانع لأن خبر المبتدأ حامل للضمير ويجوز تقديمه ورب مضمر يجوز تقديمه على الظاهر إذا كان موضعه التأخير فإن قيل: ولعل امتناع تقديم النعت إنما وجب من أجل أنه تبيين للمنعوت وتكملة لفائدته فصار كالصلة مع الموصول قلنا هذا باطل لأن الاسم المنعوت يستقل به الكلام ولا يفتقر إلى النعت افتقار الموصول إلى الصلة ومما يبين لك أن الفعل العامل في الاسم لا يعمل في نعته إذ النعت صفة للمنعوت لازمة له قبل وجود الفعل وبعده فلا تأثير للفعل فيه ولا تسلط له عليه وإنما التأثير فيه للاسم المنعوت إذ بسببه يرفع وينصب وإن لم يجز أن تكون الأسماء عوامل في الحقيقة وهذا بخلاف الحال لأنها وإن كانت صفة كالنعت وفيها ضمير يعود إلى الاسم فإنها ليست بصفة لازمة للاسم كالنعت وإنما هي صفة للاسم في حيز وجود الفعل خاصة فالفعل بها الاسم من الاسم فعمل فيه دونه فلما عمل فيها جاز(1\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "183",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6398",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تقديمها عليه نحو ضاحكا جاء زيد وجاء ضاحكا زيد وتأخيرها بعد الفاعل لأنها كالمفعول يعمل الفعل فيها والنعت بخلاف هذا كله وسنبين بعد هذا إن شاء الله فصلا عجيبا في أن الفعل لا يعمل بنفسه إلا بثلاثة أشياء الفاعل والمفعول به والمصدر أو ما هو صفة لأجل هذه الثلاثة في حيز وقوع الفعل ويخرج من هذا الفصل ظرفا المكان والزمان والنعوت والإبدال والتوكيدات وجميع الأسماء المعمول فيها ونقيم هنالك البراهين القاطعة على صحة هذه الدعوى. فائدة بديعة: حق النكرة إذا جاءت بعدها الصفة أن تكون جارية عليها ليتفق اللفظ وأما نصب الصفة على الحال فيضعف عندهم لاختلاف اللفظ من غير ضرورة وأورد بعض محققي النحاة هذا القول بالقياس والسماع قال أما القياس فكما جاز أن يختلف المعنى في نعت المعرفة والحال كما إذا قلت جاء زيد الكاتب وكاتبا بينهما من الفرق ما تراه فما المانع من الاختلاف كذلك في النكرة إذا قلت مررت برجل كاتب أو كاتبا لأن الحاجة قد تدعو إلى الحال من النكرة كما تدعو إلى الحال من المعرفة ولا فرق وأما السماع فأكثر من أن يحصر فمنه وصلى خلفه رجال قياما وأما نحو وقع أمر فجأة فحال من مصدر وقع لا من أمر وكذلك أقبل رجل مشيا حال من الإقبال وهذا صحيح ولكن الأكثر ما قاله النحاة إيثارا لاتفاق اللفظ ولتقارب ما بين المعنيين في النكرة ولتباعد ما بينهما في المعرفة لأن الصفة في النكرة مجهولة عند المخاطب حالا كانت أو نعتا وهي في المعرفة بخلاف ذلك ولو كانت الحال من النكرة ممتنعة لأجل تنكيرها لما اتفقت العرب على صحتها حالا إذا تقدمت عليها كما أنشده سيبويه لمية موحشا طلل وقوله(1\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "184",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6399",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتحت العوالي والقنا مستكنة ... ظباء أعارتها العيون الجآذر فإن قيل: حمل سيبويه وغيره على أن جعلوا موحشا حالا من طلل وقائما حالا من قولك فيها قائما رجل وهو لا يقول بقول الأخفش أن رجلا وطللا فاعل بالاستقرار الذي تعلق به الجار فلو قال بهذا القول كان عذرا له في جعلها حالا منه ولكن الاسم النكرة عنده مبتدأ وخبره في المجرور قبله ولا بد في خبر المبتدأ من ضمير يعود على المبتدأ تقدم الخبر أو تأخر فلم لا تكون هذه الحال من ذلك الضمير ولا تكون من النكرة وما الذي دعاهم إلى هذا قيل هذا سؤال حسن جدا يجب التقصي عنه والاعتناء به فقد كع عند أكثر الشارحين للكتاب والمؤلفين في هذا الباب وما رأيت أحدا منهم أشار فيه إلى جواب مقنع وأكثرهم لم ينتبه للسؤال ولا تعرض له والذي أقوله وبالله التوفيق: إن هذه المسألة في النحو بمنزلة مسائل الدور في الفقه ونضرب فيه مثالا فنقول رجل شهد مع آخر في عبد أنه حر فعتق العبد وقبلت شهادته ثم شهد ذلك الرجل مرة أخرى فأريد تجريحه فشهد العبد المعتق فيه بالجرحة فإن قبلت شهادته ثبت جرح الشاهد وبطل العتق وإذا بطل العتق سقطت الشهادة وإن سقطت شهادته لم يصح جرح الشاهد ودارت المسألة وهكذا وكل فرع يؤول إلى إسقاط أصله فهو أولى أن يسقط في نفسه وكذلك مسألة هذا الفصل فإنك إن جعلت الحال من قولك فيها قائما رجل من الضمير لم يصح تقدير المضمر إلا مع تقدير فعل يتضمنه ولا يصح تقدير فعل بعده مبتدأ لأن معنى الابتداء يبطل ويصير المبتدأ فاعلا وإذا صار فاعلا بطل أن يكون في الفعل ضمير لتقدم الفعل على الفاعل وإذا بطل وجود الضمير بطل وجود الحال منه وهذا بديع في النظر فإن قيل: إن المجرور ينوى به التأخير لأن خبر المبتدأ حقه أن يكون مؤخرا قيل: وإذا نويت به التأخير لم يصح وجود الحال مقدمة على المبتدأ لأنها لا تتقدم على عاملها إذا كان معنويا فبطل كون الحال من شيء غير الاسم النكرة الذي هو مبتدأ عند سيبويه وفاعل عند الأخفش وهذا السؤال لا يلزم الأخفش على مذهبه(1\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "185",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6400",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإنما يلزمه سيبويه ومن قال بقوله: ولولا الوحشة من مخالفة الإمام أبي بشر لنصرت قول الأخفش نصرا مؤزرا وجلوت مذهبه في منصب التحقيق مفسرا ولكن النفس إلى مذهب سيبويه أميل هذا كلام الفاضل وهو كما ترى كأنه سيل ينحط من صبب قلت: والكلام معه في ثلاثة مقامات أحدها: تحقيق مذهب الأخفش في أن قولك في الدار رجل ارتفاع رجل بالظرف لا بالابتداء والمقام الثاني: أن الحال من النكرة يمتنع أن يكون حالا من الضمير في الظرف والمقام الثالث: الكلام فيما ذكره من الدور في المسألة النحوية وأنه ليس مطابقا للدور في المسألة الفقهية فأما المقام الأول: فاعلم أن الأخفش مذهبه إذا تقدم الظرف على الاسم المرفوع نحو في الدار زيد كان مرفوعا ارتفاع الفاعل بفعله ومذهبه أيضا أن المبتدأ إذا كان نكرة لا يسوغ الابتداء به إلا بتقديم الخبر عليه وجب تقديمه عليه نحو في الدار رجل فإنه نص على هذا وهذا فلا ينبغي أن يبطل أحد كلاميه بالآخر ف في الدار رجل تقديم الظرف عنده واجب وجوب تقديم الخبر على المبتدأ به وعلى هذا فلا ضمير في الظرف بحال لو كان مذهبه أن المسألتين سواء في أن الاسم مرفوع بالظرف لم يلزم سيبويه أن يقول بقوله حتى يجعل الحال من النكرة وذلك أن قولك في الدار رجل ليس في الظرف ضمير فإنه ليس بمشتق ولا يتحمل ضميرا بوجه أقصى ما يقال إن عامله وهو الاستقرار يتضمن الضمير وهذا لا يقتضي رجوع حكم الضمير إلى الظرف حتى ينصب عنه الحال فإنه ليس واقعا موقعه ولا بدل من اللفظ به ألا ترى أنك لو صرحت بالعامل لم تستغن عن الظرف فلو قلت زيد مستقر لم تستغن عن قولك في الدار فعلم أنه إنما حذف حذفا مستقرا لمكان العلم به وليس الظرف نائبا عنه ولا واقعا موقعه ليصح تحمله الضمير فتأمله فإنه من بديع النحو وإذا كان كذلك فلا ضمير في الظرف فينصب عنه الحال بوجه فلم يبق معك ما يصح أن يكون صاحب الحال إلا تلك النكرة الموجودة فلهذا جعل الإمام أبو بشر وأئمة أصحابه الحال منها لا من غيرها وأما المقام الثاني: فاعلم أن(1\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "186",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6401",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الظرف إذا تقدم وقدرت فيه الضمير صار بمنزلة الفعل العامل فإنه لا يتحمل الضمير إلا وهو بمنزلة الفعل أو ما أشبهه وإذا صار بمنزلة الفعل وهو مقدم وجب أن يتجرد عن الضمير قضاء لحق التشبيه بالفعل وقيامه مقامه فتعدي الضمير فيه ينافي تقديره فإن قيل: إنما قدرنا فيه الضمير الذي كان يستحقه وهو خبر فلما قدم وفيه ما يستحقه من الضمير بخلاف ما إذا كان عاملا محضا قيل فهلا قدرت مثل هذا في زيد قام أنه يجوز أن يقدم قام وتقول قام زيد ويكون مبتدأ وخبرا فلما أجمع النحاة على امتناع ذلك وقالوا لا يجوز تقديم الخبر هنا لأنه لا يعرف هل المسألة من باب الابتداء والخبر أو من باب الفعل والفاعل وكذلك ينبغي في نائب الفعل من الظرف سواء فتأمله وأما المقام الثالث: وهو ما ذكره من الدور فالدور أربعة أقسام دور حكمي ودور علمي ودور معي ودور سبقي تقدمي فالحكمي توقف ثبوت حكمين كل منهما على الآخر من الجهة التي توقف الآخر منها وأخص من هذه العبارة توقف كل من الحكمين على الآخر من جهة واحدة والدور العلمي توقف العلم بكل من المعلومين على العلم بالآخر والإضافي المعي تلازم شيئين في الوجود لا يكون أحدهما إلا مع الآخر والدور السبقي التقدمي توقف وجود كل واحد منهما على سبق الآخر له وهذا المحال والإضافي واقع والدوران الآخران فيهما كلام ليس هذا موضعه وإذا عرف هذا فما ذكره من الصورتين الفقهية والنحوية ليس بدور إذ ليس فيه توقف كل من الشيئين في ثبوته على الآخر فإن قبول شهادة العبد موقوفة على قبول شهادة شاهد عتقه وليس شهادة شاهد العتق موقوفة على شهادته ولذلك تحمل الظرف للضمير موقوف على تقدير فعل يتضمنه وتقدير الفعل غير موقوف على تحمل الظرف للضمير فتأمله وإنما هذا من باب ما يقتضي إثباته إلى إسقاطه فهو من باب الفروع التي لا تعود على أصولها بالإبطال وإذا بطلت أصولها بطلت هي فهي موقوفة على صحة أصولها وصحة أصولها لا تتوقف عليها ولكن وجه الدور في هذا أنها لو أبطلت أصولها لتوقفت صحة أصولها على(1\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "187",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6402",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عدم إفسادها لها وهي متوقفة على اقتضاء أصولها لها فجاء الدور من هذا الوجه وكذلك نظائره. فائدة: النعت إذا كان تمييزا للمنعوت مثبتا له لم يقطع برفع ولا نصب لأنه من تمامه وإن كان غير تمييز له بل هي من أداة المدح له أو الذم المحض شاع قطعه تكررت النعوت أو لم تتكرر وإنما يشترط تكرر النعوت إذا كانت للتمييز والتبيين فيحصل الأتباع ببعضها ويسوغ قطع الباقي فتفطن لهذه النكتة والذي يدلك على ذلك قول سيبويه سمعت العرب يقولون الحمد لله رب العالمين فسألت عنها يونس فزعم أنها عربية وفائدة القطع من الأول أنهم إذا أرادوا تجديد مدح أو ذم جددوا الكلام لأن تجديد غير اللفظ الأول دليل على تجدد المعنى وكلما كثرت المعاني وتجدد المدح كان أبلغ. فائدة بديعة: القاعدة أن الشيء لا يعطف على نفسه لأن حروف العطف بمنزلة تكرار العامل لأنك إذا قلت قام زيد وعمرو فهي بمعنى قام زيد وقام عمرو والثاني غير الأول فإذا وجدت مثل قولهم كذبا ومينا فهو لمعنى زائد في اللفظ الثاني وإن خفي عنك ولهذا يبعد جدا أن يجيء في كلامهم جاءني عمر وأبو حفص ورضي الله عن أبي بكر وعتيقه فإن الواو إنما تجمع بين الشيئين لا بين الشيء الواحد فإذا كان في الاسم الثاني فائدة زائدة على معنى الاسم الأول كنت مخيرا في العطف(1\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "188",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6403",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتركه فإن عطفت فمن حيث قصدت تعداد الصفات وهي متغايرة وإن لم تعطف فمن حيث كان في كل منهما ضمير هو الأول فعلى الوجه الأول تقول زيد فقيه شاعر كاتب وعلى الثاني فقيه وشاعر وكاتب كأنك عطفت بالواو الكتابة على الشعر وحيث لم تعطف أتبعت الثاني الأول لأنه هو من حيث اتحد الحامل للصفات وأما في أسماء الرب تبارك وتعالى فأكثر ما يجيء في القرآن الكريم بغير عطف نحو السميع العليم العزيز الحكيم الغفور الرحيم الملك القدوس السلام إلى آخرها وجاءت معطوفة في موضعين أحدهما في أربعة أسماء وهي الأول والآخر والظاهر والباطن الحديد 3 والثاني في بعض الصفات بالاسم الموصول مثل قوله: الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى ونظيره: الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون والذي خلق الأزواج كلها فأما ترك العطف في الغالب فلتناسب معاني تلك الأسماء وقرب بعضها من بعض وشعور الذهن بالثاني منها شعوره بالأول ألا ترى أنك إذا شعرت بصفة المغفرة انتقل ذهنك منها إلى الرحمة وكذلك إذا شعرت بصفة السمع انتقل الذهن إلى البصر وكذلك: الخالق البارئ المصور وأما تلك الأسماء الأربعة فهي ألفاظ متباينة المعاني متضادة الحقائق في أصل موضوعها وهي متفقة المعاني متطابقة في حق الرب تعالى لا يبقى منها معنى بغيره بل هو أول كما أنه آخر وظاهر كما أنه باطن ولا يناقض بعضها بعضا في حقه فكان دخول الواو صرفا لوهم المخاطب قبل التفكر والنظر عن توهم المحال واحتمال الأضداد لأن الشيء لا يكون ظاهرا باطنا من وجه واحد وإنما يكون ذلك باعتبارين فكان العطف هاهنا أحسن من تركه لهذه الحكمة هذا جواب السهيلي وأحسن منه أن يقال لما كانت هذه الألفاظ دالة على معاني متباينة وأن الكمال في الاتصاف بها على تباينها أتى بحرف العطف الدال على التغاير بين المعطوفات إيذانا بأن هذه المعاني مع تباينها فهي ثابتة(1\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "189",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6404",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للموصوف بها ووجه آخر وهو أحسن منها وهو أن الواو تقتضي تحقيق الوصف المتقدم وتقريره يكون في الكلام متضمنا لنوع مع التأكيد من مزيد التقرير وبيان ذلك بمثال نذكره مرقاة إلى فهم ما نحن فيه إذا كان لرجل مثلا أربع صفات هي عالم وجواد وشجاع وغني وكان المخاطب لا يعلم ذلك أو لا يقر به ويعجب من اجتماع هذه الصفات في رجل فإذا قلت: زيد عالم وكان ذهنه استبعد ذلك فتقول وجواد أي وهو مع ذلك جواد فإذا قدرت استبعاده لذلك قلت وشجاع أي وهو مع ذلك شجاع وغني فيكون في العطف مزيد تقرير وتوكيد لا يحصل بدونه تدرأ به توهم الإنكار وإذا عرفت هذا فالوهم قد يعتريه إنكار لاجتماع هذه المقابلات في موصوف واحد فإذا قيل: هو الأول ربما سرى الوهم إلى أن كونه أولا يقتضي أن يكون الآخر غيره لأن الأولية والآخرية من المتضايفات وكذلك الظاهر والباطن إذا قيل هو ظاهر ربما سرى الوهم إلى أن الباطن مقابله فقطع هذا الوهم بحرف العطف الدال على أن الموصوف بالأولية هو الموصوف بالآخرية فكأنه قيل: هو الأول وهو الآخر وهو الظاهر وهو الباطن لا سواه فتأمل ذلك فإنه من لطيف العربية ودقيقها والذي يوضح لك ذلك أنه إذا كان للبلد مثلا قاض وخطيب وأمير فاجتمعت في رجل حسن أن تقول زيد هو الخطيب والقاضي والأمير وكان للعطف هنا مزية ليست للنعت المجرد فعطف الصفات هاهنا أحسن قطعا لوهم متوهم أن الخطيب غيره وأن الأمير غيره وأما قوله تعالى: غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو فعطف في الاسمين الأولين دون الآخرين فقال السهيلي: إنما حسن العطف بين الاسمين الأولين لكونهما من صفات الأفعالquot; وفعله سبحانه في غيره لا في نفسه فدخل حرف العطف للمغايرة الصحيحة بين المعنيين ولتنزلهما منزلة الجملتين لأنه يريد تنبيه العباد على أنه يفعل هذا ويفعل هذا ليرجوه ويؤملوهquot; ثم قال: شديد العقاب بغير واو لأن الشدة راجعة إلى معنى القوة والقدرة وهو معنى خارج عن صفات(1\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "190",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6405",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأفعال فصار بمنزلة قوله: العزيز العليم وكذلك قوله: ذي الطول لأن لفظ ذي عبارة عن ذاته هذا جوابه وهو كما ترى غير شاف ولا كاف فإن شدة عقابه من صفات الأفعال وطوله من صفات الأفعال ولفظة ذي فيه لا تخرجه عن كونه صفة فعل كقوله: عزيز ذو انتقام بل لفظ الوصف بغافر وقابل أدل على الذات من الوصف ب ذي لأنها بمعنى صاحب كذا فالوصف المشتق أدل على الذات من الوصف بها فلم يشف جوابه بل زاد السؤال سؤالا فاعلم أن هذه الجملة مشتملة على ستة أسماء كل اثنين منها قسم فابتدأها بالعزيز العليم وهما اسمان مطلقان وصفتان من صفات ذاته وهما مجردان عن العطف ثم ذكر بعدهما اسمين من صفات أفعاله فأدخل بينهما العاطف ثم ذكر اسمين آخرين بعدهما وجردهما من العاطف فأما الأولان فتجردهما من العاطف لكونهما مفردين صفتين جاريتين على اسم الله وهما متلازمان فتجريدهما عن العطف هو الأصل وهو موافق لبيان ما في الكتاب العزيز من ذلك كالعزيز العليم والسميع البصير والغفور الرحيم وأما: غافر الذنب وقابل التوب فدخل العاطف بينهما لأنهما في معنى الجملتين وإن كانا مفردين لفظا فهما يعطيان معنى يغفر الذنب ويقبل التوب أي هذا شأنه ووصفه في كل وقت فأتى بالاسم الدال على أن هذا وصفه ونعته المتضمن لمعنى الفعل الدال على أنه لا يزال يفعل ذلك فعطف أحدهما على الآخر على نحو عطف الجمل بعضها على بعض ولا كذلك الاسمان الأولان ولما لم يكن الفعل ملحوظا في قوله: شديد العقاب ذي الطول إذ لا يحسن وقوع الفعل فيهما وليس في لفظ ذي ما يصاغ منه فعل جرى مجرى المفردين من كل وجه ولم يعطف أحدهما على الآخر كما لم يعطف في العزيز العليم فتأمله فإنه واضح وأما العطف في قوله: الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى فلما كان المقصود الثناء عليه بهذه الأفعال وهي جملة دخلت الواو عاطفة جملة على جملة وإن كانت الجملة مع الموصول في تقدير المفرد فالفعل مراد مقصود والعطف يصير كلا منها جملة مستقلة مقصودة بالذكر بخلاف ما لو أتى بها(1\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "191",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6406",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في خبر موصول واحد فقيل: ألم نجعل الأرض مهادا نزل من السماء ماء خلق الأزواج كلها كانت كلها في حكم جملة واحدة فلما غاير بين الجمل بذكر الاسم الموصول مع كل جملة دل على أن المقصود وصفه بكل من هذه الجمل على حدتها وهذا قريب من باب قطع النعوت والفائدة هنا كالفائدة في ثم وقد تقدمت الإشارة إليها فراجعها بل قطع النعوت إنما كان لأجل هذه الفائدة فذلك المقدر في النعوت المقطوعة لهذا المحقق في النعوت المعطوفة فالحمد لله على ما من وأنعم فإنه ذو الطول والإحسان وقوع الشدة بين رحمتين. تتمة: تأمل كيف وقع الوصف بشديد العقاب بين صفة رحمة قبله وصفة رحمة بعده فقبله غافر الذنب وقابل التوب وبعده ذي الطول ففي هذا تصديق الحديث الصحيح وشاهد له وهو قوله صلى الله عليه وسلم: quot;إن الله كتب كتابا فهو موضوع عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبيquot; رواه البخاري ومسلم وفي لفظquot;: سبقت غضبي quot; وقد سبقت صفة الرحمة هنا وغلبت وتأمل كيف افتتح الآية بقوله: تنزيل الكتاب والتنزيل يستلزم علو المنزل من عنده لا تعقل العرب من لغتها بل ولا غيرها من الأمم السليمة الفطرة إلا ذلك وقد أخبر أن تنزيل الكتاب منه فهذا يدل على شيئين أحدهما علوه تعالى على خلقه والثاني أنه هو المتكلم بالكتاب المنزل من عنده لا غيره فإنه أخبر أنه منه وهذا يقتضي أن يكون منه قولا كما أنه منه تنزيلا فإن غيره لو كان هو المتكلم به لكان الكتاب من ذلك الغير فإن الكلام فإنما يضاف إلى المتكلم به ومثل هذا ولكن حق القول مني ومثله: قل نزله روح القدس من ربك ومثله: تنزيل من حكيم حميد فاستمسك بحرف من في هذه المواضع فإنه يقطع حجج شعب المعتزلة والجهمية وتأمل كيف قال: تنزيل من ولم يقل تنزيله فتضمنت الآية إثبات علوه ومكانه وثبوت الرسالة ثم قال: العزيز العليم فتضمن هذان الاسمان صفتي القدرة والعلم وخلق أعمال العباد(1\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "192",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6407",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحدوث كل ما سوى الله لأن القدرة هي قدرة الله كما قال أحمد بن حنبل: فتضمنت إثبات القدر ولأن عزته تمنع أن يكون في ملكه ما لا يشاؤه أو أن يشاء ما لا يكون فكانت عزته تبطل ذلك وكذلك كمال قدرته توجب أن يكون خالق كل شيء وذلك ينفي أن يكون في العالم شيء قديم لا يتعلق به خلقه لأن كمال قدرته وعزته يبطل ذلك ثم قال: غافر الذنب وقابل التوب والذنب مخالفة شرعه وأمره فتضمن هذان الاسمان إثبات شرعه وإحسانه وفضله ثم قال: شديد العقاب وهذا جزاؤه للمذنبين وذو الطول جزاؤه للمحسنين فتضمنت الثواب والعقاب ثم قال: لا إله إلا هو إليه المصير فتضمن ذلك التوحيد والمعاد فتضمنت الآيتان إثبات صفة العلو والكلام والقدرة والعلم والقدر وحدوث العالم والثواب والعقاب والتوحيد والمعاد وتنزيل الكتاب منه على لسان رسوله يتضمن الرسالة والنبوة فهذه عشرة قواعد الإسلام والإيمان تجلى على سمعك في هذه الآية العظيمة ولكن خود تزف إلى ضرير مقعد فهل خطر ببالك قط أن هذه الآية تتضمن هذه العلوم والمعارف مع كثرة قراءتك لها وسماعك إياها وهكذا سائر آيات القرآن فما أشدها من حسرة وأعظمها من غبنة على من أفنى أوقاته في طلب العلم ثم يخرج من الدنيا وما فهم حقائق القرآن ولا باشر قلبه أسراره ومعانيه فالله المستعان فائدة جليلة: العامل في المعطوف مقدر في معنى المعطوف عليه وحرف العطف أغنى عن إعادته وناب منابه وإنما قلنا ذلك للقياس والسماع أما القياس فإن ما بعد حرف العطف لا يعمل فيه ما قبله ولا يتعلق به إلا في باب المفعول معه لأنه قد أخذ معموله ولا يقتضي ما بعد حرف العطف ولا يصح تسليطه عليه بوجه فلا نقول(1\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "193",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6408",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ضربت وعمرا فكيف يقال إن عاملا يعمل في شيء لا يصح مباشرته إياه وأيضا فالنعت هو المنعوت في المعنى ولا واسطة بينه وبين المنعوت ومع ذلك فلا يعمل فيه ما يعمل في المنعوت على القول الذي نصرناه سالفا وهو الصحيح فكيف بالمعطوف الذي هو غير المعطوف عليه من كل وجه وأما السماع فإظهار العامل قبل المعطوف في مثل قوله: quot;بل بنو النجار إن لنا فيهم قتلى وإن ترهquot; يريد لنا فيهم قتلى وتره وهذا مطرد في سائر حروف العطف ما لم يمنع مانع كما منع في المعطوف على اسم لا يصح انفراده عنه نحو اختصم زيد وعمرو وجلست بين زيد وعمرو فإن الواو هنا تجمع بين الاسمين في العامل فكأنك قلت اختصم هذان واجتمع الرجلان في قولك اجتمع زيد وعمر الواو أصل تنبني عليه فروع ومعرفة هذه الواو أصل تنبني عليه فروع كثيرة فمنها أنك تقول رأيت الذي قام زيد وأخوه على أن تكون الواو جامعة وإن كانت عاطفة لم يجز لأن التقدير يصير قام زيد وقام أخوه فخلت الصلة من العائد ومنها قوله سبحانه: وجمع الشمس والقمر غلب المذكر على المؤنث لاجتماعهما ولو قلت: طلع الشمس والقمر لقبح ذلك كما يقبح قام هند وزيد إلا أن تريد الواو الجامعة لا العاطفة وأما في الآية فلا بد أن تكون الواو جامعة ولفظ الفعل يقتضي ذلك وأما الفاء فهي موضوعة للتعقيب وقد تكون للتسبيب والترتيب وهما راجعان إلى معنى التعقيب لأن الثاني بعدهما أبدا إنما يجيء في عقب الأول فالسبب نحو ضربته فبكى والترتيب: أهلكناها فجاءها بأسنا دخلت الفاء لترتيب اللفظ لأن الهلاك يجب تقديمه في الذكر لأن الاهتمام به أولى وإن كان مجيء البأس قبله في الوجود ومن هذا أن من ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد بعد ذلك جده دخلت ثم لترتيب الكلام لا لترتيب المعنى في الوجود وهذا معنى قول بعض النحاة: أنها تأتي للترتيب في الخبر لا في المخبر وعندي في الآية تقديران آخران أحسن من هذا أحدهما: أن يكون المراد بالإهلاك إرادة الهلاك وعبر بالفعل عن الإرادة وهو كثير فترتب مجيء البأس على الإرادة ترتب المراد على الإرادة والثاني وهو ألطف أن يكون الترتيب(1\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "194",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6409",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ترتيب تفصيل على جملة فذكر الإهلاك ثم فصله بنوعين أحدهما مجيء البأس بياتا أي ليلا والثاني مجيئه وقت القائلة وخص هذين الوقتين لأنهما وقت راحتهم وطمأنينتهم فجاءهم بأس الله أسكن ما كانوا وأروحه في وقت طمأنينتهم وسكونهم على عادته سبحانه في أخذ الظالم في وقت بلوغ آماله وكرمه وفرحه وركونه إلى ما هو فيه وكذلك قوله: حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا والمقصود أن الترتيب هنا ترتيب التفصيل على الجمل وهو ترتيب علمي لا خارجي فإن الذهن يشعر بالشيء جملة أولا ثم بطلب تفصيله بعد ذلك وأما في الخارج فلم يقع إلا مفصلا فتأمل هذا الموضع الذي خفي على كثير من الناس حتى ظن أن الترتيب في الآية كترتيب الإخبار أي إنا أخبرناكم بهذا قبل هذا وأما قوله تعالى: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم فعلى ما ذكرنا من التعبير عن إرادة الفعل بالفعل هذا هو المشهور وفيه وجه ألطف من هذا وهو أن العرب تعبر بالفعل عن ابتداء الشروع فيه تارة وتعبر عن انتهائه تارة فيقولون فعلت عند الشروع وفعلت عند الفراغ وهذا استعمال حقيقي وعلى هذا فيكون معنى قرأت في الآية ابتداء الفعل أي إذا شرعت وأخذت في القراءة فاستعذ فالاستعاذة مرتبة على الشروع الذي هو مبادئ الفعل ومقدمته وطليعته ومنه قوله: quot;فصلى الصبح حتى طلع الفجرquot; رواه مسلم والترمذي والنسائي أي أخذ في الصلاة عند طلوعه وأما قوله: quot;ثم صلاها من الغد بعد أن أسفر quot; فالصحيح أن المراد به الابتداء وقالت طائفة: المراد الانتهاء منهم السهيلي: وغلطوا في ذلك والحديث صريح في أنه قدمها في اليوم الأول وأخرها في اليوم الثاني ليبين أول الوقت وآخره وقوله في حديث جبريل عليه السلام: quot;صلى الظهر حين زالت الشمسquot; هذا ابتداؤها ليس إلا وقوله عليه الصلاة والسلام: quot;صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثلهquot; فذلك مراد به الابتداء وأما قوله: quot; وصلى الظهر من الغد حين صار ظل الرجل quot; مثله فقيل المراد به الفراغ منها أي فرغ منها في هذا الوقت وقيل المراد به الابتداء أي أخرها إلى هذا الوقت بيانا لا آخر الوقت(1\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "195",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6410",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعلى هذا فتمسك به أصحاب مالك في مسألة الوقت المشترك والكلام في هذه المسائل ليس هذا موضعه فصل: وأما حتى فموضوعة للدلالة على أن ما بعدها غاية لما قبلها وغاية كل شيء حده لذلك كان لفظها كلفظ الحد فإنها حاء قبل تاءين كما أن الحد جاء قبل دالين والدال كالتاء في المخرج والصفة إلا في الجهر فكانت لجهرها أولى بالاسم لقوته والتاء لهمسها أولى بالحرف لضعفه ومن حيث كانت حتى للغاية خفضوا بها كما يخفضون ب إلى التي للغاية والفرق بينهما: أن حتى غاية لما قبلها وهو منه وما بعد إلى ليس مما قبلها بل عنده انتهى ما قبل الحرف ولذلك فارقتها في أكثر أحكامها ولم تكن إلى عاطفة لانقطاع ما بعدها عما قبلها بخلاف حتى ومن ثم دخلت حتى في حروف العطف ولم يجز دخولها على المضمر المخفوض إذ كانت خافضة لا تقول قام القوم حتاك كما لا تقول قاموا وك ومن حيث كان ما بعدها غاية لما قبلها لم يجز في العطف قام زيد حتى عمرو ولا أكلت خبزا حتى تمرا لأن الثاني ليس بحد للأول ولا ظرف. تنبيه: ليس المراد من كون حتى لانتهاء الغاية وأن ما بعدها ظرفا أن يكون متأخرا في الفعل عما قبلها فإذا قلت مات الناس حتى الأنبياء وقدم الحجاج حتى المشاة لم يلزم تأخر موت الأنبياء عن الناس وتأخر قدوم المشاة عن الحجاج ولهذا قال بعض الناس: إن حتى مثل الواو لا تخالفها إلا في شيئين أحدهما أن يكون المعطوف من قبيل المعطوف عليه فلا تقول قدم الناس حتى الخيل بخلاف الواو(1\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "196",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6411",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني أن تخالفه بقوة أو ضعف أو كثرة أو قلة وأما أن يفهم منها الغاية والحد فلا والذي حمله على ذلك ما تقدم من المثالين ولكن فاته أن يعلم المراد بكون ما بعدها غاية وظرفا فاعلم أن المراد به أن يكون غاية في المعطوف عليه لا في الفعل فإنه يجب أن يخالفه في الأشد والأضعف والقلة والكثرة وإذا فهمت هذا فالأنبياء غاية للناس في الشرف والفضل والمشاة غاية للحجاج في الضعف والعجز وأنت إذا قلت: أكلت السمكة حتى رأسها فالرأس غاية لانتهاء السمكة وليس المراد أن غاية أكلك كان الرأس بل يجوز أن يتقدم أكلك للرأس وهذا مما أغفله كثير من النحويين لم ينبهوا عليه فائدة: أو وضعت للدلالة على أحد الشيئين المذكورين معها ولذلك وقعت في الخبر المشكوك فيه من حيث كان الشك ترددا بين أمرين من غير ترجيح لأحدهما على الآخر لا أنها وضعت للشك فقد تكون في الخبر الذي لا شك فيه إذا أبهمت على المخاطب ولم تقصد أن تبين له كقوله سبحانه: إلى مائة ألف أو يزيدون أي أنهم من الكثرة بحيث يقال فيهم هم مائة ألف أو يزيدون فأو دالة على أحد الشيئين إما مائة ألف بمجردها وإما مائة ألف مع زيادة والمخبر في كل هذا لا يشك وقوله: فهي كالحجارة أو أشد قسوة ذهب في هذه الزجاج كالتي في قوله: أو كصيب من السماء إلى أنها أو التي للإباحة أي أبيح للمخاطبين أن يشبهوا بهذا أو هذا وهذا فاسد فإن أو لم توضع للإباحة في شيء من الكلام ولكنها على بابها أما قوله: أو كصيب من السماء فإنه تعالى ذكر مثلين مضروبين للمنافقين في حالتين مختلفتين فهم لا يخلون من إحدى الحالتين فأو على بابها(1\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "197",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6412",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من الدلالة على أحد المعنيين وهذا كما تقول: زيد لا يخلو أن يكون في المسجد أو الدار ذكرت أو لأنك أردت أحد الشيئين وتأمل الآية بما قبلها وافهم المراد منها تجد الأمر كما ذكرت لك وليس المعنى أبحث لكم أن تشبهوهم بهذا وهذا وأما قوله: فهي كالحجارة أو أشد قسوة فإنه ذكر قلوبا ولم يذكر قلبا واحدا فهي على الجملة قاسية أو على التعيين لا تخلو من أحد أمرين: إما أن تكون كالحجارة وإما أن تكون أشد قسوة ومن هذا قول الشاعر: فقلت لهم شيئان لا بد منهما ... صدور رماح أشرعت أو سلاسل أي لا بد منهما في الجملة ثم فصل الإثنين بالرماح والسلاسل فبعضهم له الرماح قتلا وبعضهم له السلاسل أسرا فهذا على التفصيل والتعيين والأول على الجملة فالأمران واقعان جملة وتفصيلهما بما بعد أو وقد يجوز في قوله تعالى أو أشد قسوة مثل أن يكون مائة ألف أو يزيدون وأما أو التي للتخيير فالأمر فيها ظاهر وأما أو التي زعموا أنها للإباحة نحو جالس الحسن أو ابن سيرين فلم توجد الإباحة من لفظ أو ولا من معناها ولا تكون أو قط للإباحة وإنما أخذت من لفظ الأمر الذي هو للإباحة ويدل على هذا أن القائلين بأنها للإباحة يلزمهم أن يقولوا إنها للوجوب إذا دخلت بين شيئين لا بد من أحدهما نحو قولك للمكفر أطعم عشرة مساكين أو اكسهم فالوجوب هنا لم يوجد من أو وإنما أخذ من الأمر فكذا جالس الحسن أو ابن سيرين. فصل: فقال السهيلي: أصح القولين فيها أنها مركبة من لا وأن وكاف الخطاب في قول الكوفيين قال السهيلي: وما أراها إلا كاف التشبيه لأن المعنى يدل(1\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "198",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6413",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اعليها إذا قلت: ذهب زيد لكن عمرو مقيم تريد لا ينتقل عمرو فلا لتوكيد النفي عن الأول وأن لا يجاب الفعل الثاني وهو النفي عن الأول لأنك ذكرت الذاهب الذي هو ضده فدل على انتفائه به قلت وفي هذا من التعسف والبعد عن اللغة والمعنى ما لا يخفى وأي حاجة إلى هذا بل هي حرف شرط موضوع للمعنى المفهوم منها ولا تقع إلا بين كلامين متنافيين ومن هنا قال إنها ركبت من لا والكاف وإن إلا أنهم لما حذفوا الهمزة المذكورة كسروا الكاف إشعارا بها ولا بد بعدها من جملة إذا كان الكلام قبلها موجبا شددت نونها أو خففت فإن كان ما قبلها منفيا اكتفيت بالاسم المفرد بعدها إذا خففت النون منها لعلم المخاطب أنه لا يضاد النفي إلا الإيجاب فلما اكتفيت باسم مفرد وكانت إذا خففت نونها لا تعمل صارت كحروف العطف فألحقوها بها لأنهم حين استغنوا عن خبرها بما تقدم من الدلالة كان إجراء ما بعدها على ما قبلها أولى وأحرى ليتفق اللفظ كما اتفق المعنى فإن قيل: أليس مضادة النفي للوجوب بمثابة مضادة الوجوب للنفي وهي في كل حال لا تقع إلا بين كلامين متضادين فلم قالوا ما قام زيد لكن قام عمرو اكتفاء بدلالة النفي على نقيضه وهو الوجوب ولم يقولوا قام زيد لكن قام عمرو اكتفاء بدلالة الوجوب على نقيضه من النفي قيل إن الفعل الموجب قد تكون له معان تضاده وتناقض وجوده كالعلم فإنه يناقض وجود الشك والظن والغفلة والموت وأخص أضداده به الجهل فلو قلت قد علمت الخبر لكن زيد لم يدر ما أضفت إلى زيد أظن أم شك أم غفلة أم جهل فلم يكن بد من جملة قائمة بنفسها ليعلم ما تريد فإذا تقدم النفي نحو قولك ما علمت الخبر لكن زيد اكتفى باسم واحد لعلم المخاطب أنه لا يضاد نفي العلم إلا وجوده لأن النفي مشتمل على جميع أضداده المنافية للعلم فإن قيل: فلما إذا خففت وجب إلغاؤها بخلاف إن وأن وكأن فإنه يجوز فيها الوجهان مع التخفيف كما قال: كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم قيل: زعم أبو علي الفارسي أن القياس فيهن كلهن الإلغاء إذا خففهن فلذلك ألزموا لكن إذا خففت الإلغاء تنبيها على أن ذلك(1\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "199",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6414",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو الأصل في جميع الباب وهذا القول مع ما يلزم عليه من الضعف والوهن ينكسر عليه بأخواتها فيقال له فلم خصت لكن بذلك دون أن وإن ولا جواب له عن هذا قال السهيلي: وإنما الجواب عن ذلك أنها لما ركبت من لا وإن ثم حذفت الهمزة اكتفاء بكسر الكاف بقي عمل إن لبقاء العلة الموجبة للعمل وهي فتح آخرها وبذلك ضارعت الفعل فلما حذفت النون المفتوحة وقد ذهبت الهمزة للتركيب ولم يبق إلا النون الساكنة وجب إبطال حكم العمل بذهاب طرفها وارتفاع علة المضارعة للفعل بخلاف أخواتها إذا خففن فإن معظم لفظها باق فجاز أن يبقى حكمها على أن الأستاذ أبا القاسم الرماني قد حكى رواية عن يونس: أنه حكى الإعمال في لكن مع تخفيفها وكان يستغرب هذه الرواية واعلم أن لكن لا تكون حرف عطف مع دخول الواو عليها لأنه لا يجتمع حرفان من حروف العطف فمتى رأيت حرفا من حروف العطف مع الواو فالواو هي العاطفة دونه فمن ذلك إما إذا قلت إما زيد وإما عمرو وكذلك لا إذا قلت: ما قام زيد ولا عمرو ودخلت لا لتوكيد النفي ولئلا يتوهم أن الواو جامعة وأنك نفيت قيامهما في وقت واحد ولا تكون لا عاطفة إلا بعد إيجاب وشرط آخر وهو أن يكون الكلام قبلها يتضمن بمفهوم الخطاب نفي الفعل عما بعدها كقولك جاءني رجل لا امرأة ورجل عالم لا رجل جاهل ولو قلت مررت برجل لا زيد لم يجز وكذلك مررت برجل لا عاقل لأنه ليس في مفهوم الكلام ما ينفي الفعل عن الثاني وهي لا تدخل إلا لتوكيد نفي فإن أردت ذلك المعنى جئت بلفظ غير فتقول مررت برجل غير زيد ورجل غير عالم ولا تقول برجل غير امرأة ولا بطويل غير قصير لأن في مفهوم الخطاب ما يغنيك عن مفهوم النفي الذي في غير وذلك المعنى الذي دل عليه المفهوم حتى قلت بطويل لا قصير وأما إذا كانا اسمين معرفين نحو مررت بزيد لا عمرو فجائز هنا دخول غير لجمود الاسم العلم فإنه ليس له مفهوم خطاب عند الأصوليين بخلاف الأسماء المشتقة وما جرى مجراها كرجل فإنه(1\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "200",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6415",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بمنزلة قولك ذكر ولذلك دل بمفهومه على انتقال الخبر عن المرأة ويجوز أيضا مررت بزيد لا عمرو لأنه اسم مخصوص بشخص وكأنه حين خصصته بالذكر نفيت المرور عن عمرو ثم أكدت ذلك النفي ب لا وأما الكلام المنفي فلا يعطف عليه ب لا لأن نفيك الفعل عن زيد إذا قلت ما قام زيد لا يفهم منه نفيه عن عمرو فيؤكد ب لا فإن قلت أكد بها النفي المتقدم قيل لك وأي شيء يكون حينئذ إعراب عمرو وهو اسم مفرد ولم يدخل عليه عاطف يعطف على ما قبله فهذا لا يجوز إلا أن تجعله مبتدأ وتأتي بخبر فتقول ما قام زيد ولا عمرو وهو القائم أما إن أردت تشريكهما في النفي فلا بد من الواو إما وحدها وإما مع لا فلا تكون الواو عاطفة ومعها لا وأما قوله: غير المغضوب عليهم ولا الضالين فإن معنى النفي موجود في غير فإن قيل: فهلا قال: المغضوب عليهم ولا الضالين قيل في ذكر غير بيان للفضلة للذين أنعم عليهم وتحصيله لنفي صفة الضلال والغضب عنهم وأنهم الذين أنعم عليهم بالنبوة والهدى دون غيرهم ولو قال لا المغضوب عليهم ولا الضالين لم يكن في ذلك إلا تأكيد نفي إضافة الصراط إلى المغضوب عليهم كما تقول هذا غلام زيد لا عمرو أكدت نفي الإضافة عن عمرو بخلاف قولك هذا غلام الفقيه غير الفاسق ولا الخبيث وكأنك جمعت بين إضافة الغلام إلى الفقيه دون غيره وهي نفي الصفة المذمومة عن الفقيه فافهمه فإن قيل: وأي شيء أكدت لا حتى أدخلت عليها الواو وقد قلت إنها لا تؤكد المنفي المتقدم وإنما تؤكد نصبا يدل عليه اختصاص الفعل الواجب بوصف ما كقولك جاءني رجل عالم لا جاهل فالجواب أنك حين قلت ما جاءني زيد لم يدل الكلام على نفي المجيء عن عمرو كما تقدم فلما عطفت بالواو دل الكلام على انتفاء الفعل عن عمرو كما انتفى عن الأول لقيام الواو مقام تكرار حرف النفي فدخلت لا لتوكيد النفي عن الثاني.(1\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "201",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6416",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة بديعة: أم تكون على ضربين متصلة وهي المعادلة لهمزة الاستفهام وإنما جعلوها معادلة للهمزة دون هل ومتى وكيف لأن الهمزة هي أم الباب والسؤال بها استفهام بسيط مطلق غير مقيد بوقت ولا حال والسؤال بغيرها استفهام مركب مقيد إما بوقت ك متى وإما بمكان ك أين وإما بحال نحو كيف وإما بنسبة نحو هل زيد عندك ولهذا لا يقال كيف زيد أم عمرو ولا أين زيد أم عمرو ولا من زيد أم عمرو وأيضا فلأن الهمزة وأم يصطحبان كثيرا كقوله تعالى: سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ونحو قوله تعالى: أأنتم أشد خلقا أم السماء وأيضا فلأن اقتران أم بسائر أدوات النفي غير الهمزة يفسد معناها فإنك إذا قلت كيف زيد فأنت سائل عن حاله فإذا قلت أم عمرو كان خلفا من الكلام وكذلك إذا قلت من عندك فأنت سائل عن تعيينه فإذا قلت أم عمرو فسد الكلام وكذلك الباقي وأيضا فإنما عادلت الهمزة دون غيرها لأن الهمزة من بين حروف الاستفهام تكون للتقرير والإثبات نحو ألم أحسن إليك فإذا قلت أعندك زيد أم عمرو فأنت مقر بأن أحدهما عنده ومثبت لذلك وطالب تعيينه فأتوا بالهمزة التي تكون للتقرير دون هل التي لا تكون لذلك إنما يستقبل بها الاستفهام استقبالا quot;وسر المسألةquot; أن أم هذه مشربة معنى أي فإذا قلت أزيد عندك أم عمرو كأنك قلت أي هذين عندك ولذلك تعين الجواب بأحدهما أو بنفيهما أو بإثباتهما ولو قلت نعم أو لا كان خلفا من الكلام وهذا بخلاف أو فإنك إذا قلت أزيد عندك أم عمرو كنت سائلا عن كون أحدهما عنده بخبر معين فكأنك قلت أعندك أحدهما فيتعين الجواب ب نعم أو لا وتفصيل ذلك أن السؤال على أربع مراتب في هذا الباب الأول:(1\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "202",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6417",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السؤال بالهمزة منفردة نحو: أعندك شيء مما يحتاج إليه فتقول نعم فينتقل إلى المرتبة الثانية: فتقول ما هو فتقول متاع فينتقل إلى المرتبة الثالثة: بأي فتقول أي متاع فتقول ثياب فتنتقل إلى المرتبة الرابعة: فتقول أكتان هي أم قطن أم صوف وهذه أخص المراتب وأشدها طلبا التعيين فلا يحسن الجواب إلا بالتعيين وأشدها إبهاما السؤال الأول لأنه لم يدع فيه أن عنده شيئا ثم الثاني أقل إبهاما منه لأن فيه ادعاء شيء عنده وطلب ماهيته ثم الثالث أقل إبهاما وهو السؤال ب أي لأن فيه طلب تعيين ما عرف حقيقته ثم السؤال الرابع بأم أخص من ذلك كله لأن فيه طلب تعيين فرد من أفراد قد عرفها وميزها والثالث إنما فيه تعيين جنس عن غيره ولا بد في أم هذه من ثلاثة أمور تكون بها متصلة أحدها أن تعادل بهمزة الاستفهام الثاني أن يكون السائل عنده علم أحدها دون تعيينه الثالث أن لا يكون بعدها جملة من مبتدأ وخبر نحو قولك أزيد عندك أم عندك عمرو فقولك أم عندك عمرو يقتضي أن تكون منفصلة بخلاف ما إذا قلت أزيد عندك أم عمرو فإذا وقعت الجملة بعدها فعلية لم تخرجها عن الاتصال نحو أعطيت زيدا أم حرمته quot;وسر ذلك كلهquot; أن السؤال قام عن تعيين أحد الأمرين أو للأمر فإذا قلت أزيد عندك أم عمرو كأنك قلت أيهما عندك وإذا قلت أزيد عندك أم عندك عمرو كان كل واحد منهما جملة مستقلة بنفسها وأنت سائل هل عنده زيد أو لا ثم استأنفت سؤالا آخر هل عندك عمرو أم لا فتأمله فإنه من دقيق النحو وفقهه ولذلك سميت متصلة لاتصال ما بعدها بما قبلها وكونه كلاما واحدا وفي السؤال بها معادلة وتسوية فأما المعادلة فهي بين الاسمين أو الفعلين لأنك جعلت الثاني عديل الأول في وقوع الألف على الأول وأم على الثاني وأما التسوية فإن الشيئين المسئول عن تعيين أحدهما مستويان في علم السائل وعلى هذا فقوله تعالى: أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها هو على التقرير والتوبيخ والمعنى أي المخلوقين أشد خلقا وأعظم ومثله: أهم خير أم قوم تبع فإن قيل: هذا(1\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "203",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6418",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ينقض ما أصلتموه فإنكم ادعيتم أنها إنما يسأل بها عن تعيين ما علم وقوعه وهنا لا خير فيهم ولا في قوم تبع قيل: هذا لا ينقض ما ذكرناه بل يشده ويقويه فإن مثل هذا الكلام يخرج خطابا على تقرير دعوى المخاطب وظنه أن هناك خيرا ثم يدعي أنه هو ذلك المفصل فيخرج الكلام معه والتقريع والتوبيخ على زعمه وظنه أي ليس الأمر كما زعمتم وهذا كما تعاقب شخصا على ذنب لم يفعله مثله وتدعي أنك لا تعاقبه فتقول أنت خير أم فلان وقد عاقبته بهذا الذنب ولست خيرا منه. فصل: وأما أم التي للإضراب وهي المنقطعة فإنها قد تكون أم إضرابا ولكن ليس بمنزلة بل كما زعم بعضهم ولكن إذا مضى كلامك على اليقين ثم أدركك الشك مثل قولهم إنها لأبل أم شاء كأنك أضربت عن اليقين ورجعت إلى الاستفهام حين أدركك الشك ونظيره قول الزباء: عسى الغوير أبؤسا فتكلمت بعسى الغوير ثم أدركها اليقين فختمت كلامها بحكم ما غلب على ظنها لا بحكم عسى لأن عسى لا يكون خبرها اسما عن حدث فكأنها لما قالت عسى الغوير قالته متوقعة شرا تريد الإخبار بفعل مستقبل متوقع كما تقتضيه عسى ثم هجم عليها اليقين فعدلت إلى الإخبار باسم حدث يقتضي جملة ثبوتية محققة فكأنها قالت أصار الغوير أبؤسا فابتدأت كلامها على الشك ثم ختمته بما يقتضي اليقين والتحقيق فكذا أم إذا قلت إنها لأبل ابتدأت كلامك باليقين والجزم ثم أدركك الشك في أثنائه فأتيت ب أم الدالة على الشك فهو عكس طريقه عسى الغوير أبؤسا ولذلك قدرت ب بل لدلالتها على الإضراب فإنك أضربت عن الخبر الأول إلى الاستفهام والشك فإنك أخبرت أولا عما توهمت ثم أدركك الشك فأضربت(1\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "204",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6419",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن ذلك الإخبار وإذا وقع بعد أم هذه الاسم المفرد فلا بد من تقدير مبتدأ محذوف وهمزة استفهام فإذا قلت إنها لإبل أم شاء كان تقديره لإبل أهي شاء وليس الثاني خبرا ثبوتيا كما توهمه بعضهم وهو من أقبح الغلط والدليل عليه قوله تعالى: أم له البنات ولكم البنون وقوله تعالى: أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين وقوله تعالى: أم لهم إله غير الله أم لهم سلم يستمعون فيه أم لكم سلطان مبين أم خلقوا من غير شيء فهذا ونحوه يدلك على أن الكلام بعدها استفهام محض وأنه لا يقدر ب بل وحدها ولا يقدر أيضا ب الهمزة وحدها إذ لو قدر بالهمزة وحدها لم يكن بينه وبين الأول علاقة لأن الأول خبر وأم المقدرة بالهمزة وحدها لا تكون إلا بعد استفهام فتأمله رحمك الله تعالى هذا شرح كلام النحاة وتقريره في هذا الحرف والحق أن يقال إنها على بابها وأصلها الأول من المعادلة والاستفهام حيث وقعت وإن لم يكن قبلها أداة استفهام في اللفظ وتقديرها ب بل والهمزة خارج عن أصول اللغة العربية فإن أم للاستفهام وبل للإضراب ويا بعد ما بينهما والحروف لا يقوم بعضها مقام بعض على أصح الطريقتين وهي طريقة إمام الصناعة والمحققين من أتباعه ولو قدر قيام بعضها مقام بعض فهو فيما تقارب معناهما كمعنى على وفي ومعنى إلى ومع ونظائر ذلك وأما في مالا جامع بينهما فلا ومن هنا كان زعم من زعم أن لا قد تأتي بمعنى الواو باطلا لبعد ما بين معنييهما وكذلك أو بمعنى الواو فأين معنى الجمع بين الشيئين إلى معنى الإثبات لأحدهما وكذلك مسألتنا أين معنى أم من معنى بل فاسمع الآن فقه المسألة وسرها إعلم أن ورود أم هذه على قسمين أحدهما: ما تقدمه استفهام صريح بالهمزة وحكمها ما تقدم وهو الأصل فيها والأخية التي يرجع إليها ما خرج عن ذلك كله والثاني: ورودها مبتدأة مجردة من استفهام لفظي(1\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "205",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6420",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سابق عليها نحو قوله تعالى: أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا وقوله تعالى: أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون وقوله: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة أم لم يعرفوا رسولهم أم اتخذ مما يخلق بنات أم له البنات أم أنا خير من هذا الذي هو مهين أم أنزلنا عليهم سلطانا وهو كثير جدا تجد فيه أم مبتدءا بها ليس قبلها استفهام في اللفظ وليس هذا استفهام استعلام بل تقريع وتوبيخ وإنكار وليس بإخبار فهو إذا متضمن لاستفهام سابق مدلول عليه بقوة الكلام وسياقه ودلت أم عليه لأنها لا تكون إلا بعد تقدم استفهام كأنه يقول أيقولون صادق أم يقولون شاعر وكذلك أم يقولون تقوله أي أتصدقونه أم تقولون تقوله وكذلك أم حسبت أن أصحاب الكهف أي أبلغك خبرهم أم حسبت أنهم كانوا من آياتنا عجبا وتأمل كيف تجد هذا المعنى باديا على صفحات قوله تعالى: ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين كيف تجد المعنى أحضر أم كان من الغائبين وهذا يظهر كل الظهور فيما إذا كان الذي دخلت عليه أم له ضد وقد حصل التردد بينهما فإذا ذكر أحدهما استغني به عن ذكر الآخر لأن الضد يخطر بالقلب وهو عند شعوره بضده فإذا قلت: ما لي لا أرى زيدا أم هو في الأموات كان المعنى الذي لا معنى للكلام سواه أحي هو أم في الأموات وكذلك قوله تعالى: أم أنا خير من هذا الذي هو مهين معناه أهو خير مني أم أنا خير منه وكذلك قوله تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم هو استفهام إنكار معادل لاستفهام مقدر في قوة الكلام فإذا قلت لم فعلت هذا أم حسبت أن لا أعاقبك كان معناه أحسبت أن أعاقبك فأقدمت على العقوبة أم حسبت أني لا أعاقبك فجهلتها وكذلك قوله: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم أي أحسبتم أن تدخلوا الجنة بغير جهاد فتكونوا جاهلين أم لم تحسبوا ذلك فتكونوا مفرطين وكذلك إذا قلت أم حسبت أن تنال العلم بغير جد(1\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "206",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6421",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واجتهاد معناه أحسبت أن تناله بالبطالة والهوينا فأنت جاهل أم لم تحسب ذلك فأنت مفرط وكذلك: أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات أي أحسبوا هذا فهم مغترون أم لم يحسبوه فما لهم مقيمون على السيئات وعلى هذا سائر ما يرد عليك من هذا الباب وتأمل كيف يذكر سبحانه القسم الذي يظنونه ويزعمونه فينكره عليهم وأنه مما لا ينبغي أن يكون ويترك ذكر القسم الآخر الذي لا يذهبون إليه فتردد الكلام بين قسمين فيصرح بإنكار أحدهما وهو الذي سيق لإنكاره ويكتفي منه بذكر الآخر وهذه طريقة بديعة عجيبة في القرآن نذكرها في باب الأمثال وغيرها وهي من باب الإكتفاء عن غير الأهم بذكر الأهم لدلالته عليه فأحدهما مذكور صريحا والآخر ضمنا ولذلك أمثلة في القرآن يحذف منها الشيء للعلم بموضعه فمنها قوله تعالى: وإذ قلنا وإذ نجيناكم وإذ فرقنا وهو كثير جدا بواو العطف من غير ذكر عامل يعمل في إذ لأن الكلام في سياق تعداد النعم وتكرار الأقاصيص فيشير بالواو العاطفة إليها كأنها مذكورة في اللفظ لعلم المخاطب بالمراد ولما خفي هذا على بعض ظاهرية النحاة قال إن أو زائدة هنا وليس كذلك ومن هذا الباب الواو المتضمنة معنى رب فإنك تجدها في أول الكلام كثيرا إشارة منهم إلى تعداد المذكور بعدها من فخر أو مدح أو غير ذلك فهذه كلها معان مضمرة في النفس وهذه الحروف عاطفة عليها وربما صرحوا بذلك المضمر كقول ابن مسعود: quot;دع ما في نفسك وإن أفتوك عنه وأفتوكquot; ومن هذا الباب حذف كثير من الأجوبة في القرآن لدلالة الواو عليها لعلم المخاطب أن الواو عاطفة ولا يعطف بها إلا على شيء كقوله تعالى: فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وكقوله تعالى: حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وهذا الباب واسع في اللغة فهذا ما في هذه المسألة وكان قد وقع لي هذا بعينه أمام المقام بمكة وكان يجول في نفسي فأضرب عنه صفحا لأني لم أره في مباحث القوم(1\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "207",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6422",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم رأيته بعد لفاضلين من النحاة أحدهما حام حوله وما ورد ولا أعرف اسمه والثاني أبو القاسم السهيلي رحمه الله فإنه كشفه وصرح به وإذا لاحت الحقائق فكن أسعد الناس بها وإن جفاها الأغمار والله الموفق للصواب فائدة بديعة: لا يجوز إضمار حرف العطف خلافا للفارسي ومن تبعه لأن الحروف أدلة على معان في نفس المتكلم فلو أضمرت لاحتاج المخاطب إلى وحي يسفر له عما في نفس مكلمه وحكم حروف العطف في هذا حكم حروف النفي والتوكيد والترجي والتمني وغيرها اللهم إلا أن حروف الاستفهام قد يسوغ إضمارها في بعض المواطن لأن للمستفهم هيئة تخالف هيئة المخبر وهذا على قلته فإن قيل: فكيف تصنعون بقول الشاعر: كيف أصبحت كيف أمسيت مما ... يثبت الود في فؤاد الكريم أليس على إضمار حرف العطف وأصله كيف أصبحت وكيف أمسيت قيل ليس كذلك وليس حرف العطف مرادا هنا البتة ولو كان مرادا لانتقض الغرض الذي أراده الشاعر لأنه لم يرد انحصار الود في هاتين الكلمتين من غير مواظبة عليهما بل أراد أن تكرار هاتين الكلمتين دائما يثبت المودة ولولا حذف الواو لانحصر إثبات الود في هاتين الكلمتين من غير مواظبة ولا استمرار عليها ولم يرد الشاعر ذلك وإنما أراد أن يجعل أول الكلام ترجمة على سائر الباب يريد الاستمرار على هذا الكلام والمواظبة عليه كما تقول قرأت ألفا باء جمعت هذه الحروف ترجمة لسائر الباب وعنوانا للغرض المقصود ولو قلت قرأت ألفا وباء لأشعرت بانقضاء المقروء حيث عطفت الباء على الألف دون ما بعدها فكان(1\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "208",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6423",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مفهوم الخطاب أنك لم تقرأ غير هذين الحرفين وأحسن من هذا أن يقال دخول الواو هنا يفسد المعنى لأن المراد أن هذا اللفظ وحده يثبت الود وهذا وحده يثبته بحسب اللقاء فأيهما وجد مقتضيه وواظب عليه أثبت الود ولو أدخل الواو لكان لا يثبت الود إلا باللفظين معا ونظير هذا أن تقول أطعم فلانا شيئا فيقول ما أطعمه فيقول أطعمه تمرا أقطا زبيبا لحما لم ترد جمع ذلك بل أردت أطعمه واحدا من هذه أيهما تيسر ومنه الحديث الصحيح المرفوع quot;تصدق رجل من ديناره من درهمه من صاع بره quot; رواه مسلم والنسائي وأحمد ومنه قول عمر: quot;صلى رجل في إزاء ورداء في سراويل ورداء في تبانquot; ورداء الحديث يتعين ترك العطف في هذا كله لا المراد الجمع فإن قيل: فما تقولون في قولهم اضرب زيدا عمرا خالدا أليس على حذف الواو قيل ليس كذلك إذ لو كان على تقدير الواو لاختص الأمر بالمذكورين ولم يعدهم إلى سواهم وإنما المراد الإشارة بهم إلى غيرهم ومنه قولهم بوبت الكتاب بابا بابا وقسمت المال درهما درهما وليس على إضمار حرف العطف ولو كان كذلك لانحصر الأمر في درهمين وبابين وأما ما احتجوا به من قوله تعالى: ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه والذي دعاهم إلى ذلك أن جواب إذا هو قوله تعالى: تولوا وأعينهم تفيض من الدمع ولم يكن عندك ما تحملهم عليه تولوا يبكون فيكون الواو في قلت مقدرة لأنها معطوفة على فعل الشرط وهو أتوك هذا تقرير احتجاجهم ولا حجة فيه لأنه جواب إذا في قوله قلت لا أجد والمعنى إذا أتوك لتحملهم لم يكن عندك ما تحملهم عليه فعبر عن هذا بقوله قلت لا أجد ما أحملكم عليه لنكتة بديعة وهي الإشارة إلى تصديقهم له وأنهم اكتفوا من علمهم بعدم الإمكان بمجرد إخباره لهم بقوله: لا أجد ما أحملكم عليه بخلاف ما لو قيل لم يجدوا عندك ما تحملهم عليه فإنه يكون تبيين حزنهم(1\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "209",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6424",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خارجا عن إخباره وكذلك لو قيل لم تجد ما تحملهم عليه لم يؤد هذا المعنى فتأمله فإنه بديع فإن قيل فبأي شيء يرتبط قوله تولوا وأعينهم تفيض وهذا عطف على ما قبله فإنه ليس بمستأنف فالجواب أن ترك العطف هنا من بديع الكلام لشدة ارتباطه بما قبله ووقوعه منه موقع التفسير حتى كأنه هو وتأمل مثل هذا في قوله تعالى: أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين كيف لم يعطف فعل القول بأداة عطف لأنه كالتفسير لتعجبهم والبدل من قوله تعالى: أكان للناس عجبا فجرى مجرى قوله: ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا فلما كان مضاعفة العذاب بدلا وتفسيرا ل أثاما لم يحسن عطفه عليه وزعم بعض الناس أن من هذا الباب قول عمر رضي الله عنه في الحديث الصحيح لا يغرنك هذه التي أعجبها حسنها حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لها فقال: المعنى أعجبها حسنها وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس الأمر كذلك ولكن قوله حب رسول الله صلى الله عليه وسلم بدل من قوله هذه وهو من بدل الاشتمال والمعنى لا يغرنك حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه التي قد أعجبها حسنها ولا عطف هناك ولا حذف وهذا واضح بحمد الله. فائدة بديعة: quot;كلquot; لفظ دال على الإحاطة بالشيء وكأنه من لفظ الإكليل والكلالة والكلة مما هو في معنى الإحاطة بالشيء وهو اسم واحد في لفظه جمع في معناه ولو لم يكن معناه معنى الجمع لما جاز أن يؤكد به الجمع لأن التوكيد تكرار للمؤكد فلا يكون إلا مثله إن كان جمعا فجمع وإن كان واحدا فواحد وحقه أن يكون مضافا(1\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "210",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6425",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى اسم منكر شائع في الجنس من حيث اقتضى الإحاطة فإن أضفته إلى معرفة كقولك كل إخوتك ذاهب قبح إلا في الابتداء لأنه إذا كان مبتدأ في هذا الموطن كان خبره بلفظ الإفراد تنبيها على أن أصله أن يضاف إلى نكرة لأن النكرة شائعة في الجنس وهو أيضا يطلب جنسا يحيط به فإما أن تقول كل واحد من إخوتك ذاهب فيدل إفراد الخبر على المعنى الذي هو الأصل وهو إضافته إلى اسم مفرد نكرة فإن لم تجعله مبتدأ وأضفته إلى جملة معرفة كقولك رأيت كل إخوتك وضربت كل القوم لم يكن في الحسن بمنزلة ما قبله لأنك لم تضفه إلى جنس ولا معك في الكلام خبر مفرد يدل على معنى إضافته إلى جنس كما كان في قولهم كلهم ذاهب وكل القوم عاقل فإن أضفته إلى جنس معرف باللام نحو قوله تعالى: فأخرجنا به من كل الثمرات حسن ذلك لأن اللام للجنس لا للعهد ولو كانت للعهد لقبح كما إذا قلت خذ من كل الثمرات التي عندك لأنها إذا كانت جملة معرفة معهودة وأردت معنى الإحاطة فيها فالأحسن أن تأتي بالكلام على أصله فتؤكد المعرفة ب كل فتقول خذ من الثمرات التي عندك كلها لأنك لم تضطر عن إخراجها عن التوكيد كما اضطررت في النكرة حين قلت لقيت كل رجل لأن النكرة لا تؤكد وهي أيضا شائعة في الجنس كما تقدم فإن قيل: فإذا استوى الأمران كقولك كل من كل الثمرات وكل من الثمرات كلها فلم اختص أحد النظمين بالقرآن في موضع دون موضع قيل: هذا لا يلزم لأن كل واحد منه فصيح ولكن لا بد من فائدة في الاختصاص أما قوله تعالى: فأخرجنا به من كل الثمرات فمن هاهنا لبيان الجنس لا للتبعيض والمجرور في موضع المفعول لا في موضع الظرف وإنما تريد الثمرات نفسها إلا أنه أخرج منها شيئا وأدخل من لبيان الجنس كله ولو قال أخرجنا به من الثمرات كلها لذهب الوهم إلى أن المجرور في موضع ظرف وأن مفعول أخرجنا فيما بعد ولم يتوهم ذلك مع تقديم كل لعلم المخاطبين أن كلا إذا تقدمت تقتضي الإحاطة بالجنس وإذا تأخرت وكانت توكيدا اقتضت(1\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "211",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6426",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإحاطة بالمؤكد خاصة جنسا شائعا كان أو معهودا معروفا وأما قوله تعالى: كلي من كل الثمرات ولم يقل من الثمرات كلها ففيها الحكمة التي في الآية قبلها ومزيد فائدة وهو أنه تقدمها في النظم قوله تعالى: ومن ثمرات النخيل والأعناب فلو قال بعدها كلي من الثمرات كلها لذهب الوهم إلى أنه يريد الثمرات المذكورة قبل هذا أعني ثمرات النخيل والأعناب لأن اللام إنما تنصرف إلى المعهود فكان الابتداء بكل أحصن للمعنى وأجمع للجنس وأرفع للبس وأبدع في النظم فتأمله وإذا قطعت عن الإضافة وأخذ عنها فحقها أن تكون ابتداء ويكون خبرها جمعا ولا بد من مذكورين قبلها لأنها إن لم تذكر قبلها جملة ولا أضيف إلى جملة بطل معنى الإحاطة فيها ولم يعقل لها معنى وإنما وجب أن يكون خبرها جمعا لأنها اسم في معنى الجمع فتقول كل ذاهبون إذا تقدم ذكر قوم لأنك معتمد في المعنى عليهم وإن كنت مخبرا عن كل فصارت بمنزلة قولك الرهط ذاهبون والنفر منطلقون لأن الرهط والنفر اسمان مفردان ولكنهما في معنى الجمع والشاهد لما بيناه قوله سبحانه: وكل في فلك يسبحون كل إلينا راجعون وكل كانوا ظالمين وإن كانت مضافة إلى ما بعدها في اللفظ لم تجد خبرها إلا مفردا للحكمة التي قدمتها قبل وهي أن الأصل إضافتها إلى النكرة المفردة فتقول كل إخوتك ذاهب أي كل واحد منهم ذاهب ولم يلزم ذلك حين قطعتها عن الإضافة فقلت كل ذاهبون لأن اعتمادها إذا أفردت على المذكورين قبلها وعلى ما في معناها من معنى الجمع واعتمادها إذا أضيفتها على الاسم المفرد إما لفظا وإما تقديرا كقوله صلى الله عليه وسلم: quot;كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته quot; رواه البخاري ومسلم ولم يقل راعون ومسئولون ومنه كلكم سيروى ومنه قول عمر: quot;أو كلكم يجد ثوبينquot; ولم يقل تجدون ومثله قوله تعالى: كل من عليها فان وقال تعالى: كل له قانتون فجمع وقال تعالى: إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا فإن قيل: فقد ورد في القرآن كل يعمل على شاكلته كل كذب الرسل وهذا يناقض ما أصلتم(1\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "212",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6427",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل: إن في هاتين الآيتين قرينة تقتضي تخصيص المعنى بهذا اللفظ دون غيره أما قوله تعالى: قل كل يعمل على شاكلته فلأن قبلها ذكر فريقين مختلفين ذكر مؤمنين وظالمين فلو قال: يعملون وجمعهم في الإخبار عنهم لبطل معنى الاختلاف فكان لفظ الإفراد أدل على المعنى المراد كأنه يقول: كل فهو يعمل على شاكلته وأما قوله: كل كذب الرسل فلأنه ذكر قرونا وأمما وختم ذكرهم بذكر قوم تبع فلو قال كل كذبوا وكل إذا أفردت إنما تعتمد على أقرب المذكورين إليها فكان يذهب الوهم إلى أن الإخبار عن قوم تبع خاصة بأنهم كذبوا الرسل فلما قال: كل كذب علم أنه يريد كل فريق منهم لأن إفراد الخبر عن كل حيث وقع إنما يدل على هذا المعنى كما تقدم ومثله: كل آمن بالله وأما قولنا: في كل إذا كانت مقطوعة عن الإضافة فحقها أن تكون مبتدأة فإنما يريد أنها مبتدأة يخبر عنها أو مبتدأة باللفظ منصوبة بفعل بعدها لا قبلها أو مجرورة يتعلق خافضها بما بعدها نحو: وكلا وعد الله الحسنى وقول الشاعر: بكل تداوينا ويقبح تقديم الفعل العامل فيها إذا كانت مفردة كقولك ضربت كلا ومررت بكل وإن لم يقبح كلا ضربت وبكل مررت من أجل أن تقديم العامل عليها يقطعها عن المذكور قبلها في اللفظ لأن العامل اللفظي له صدر الكلام وإذا قطعتها عما قبلها في اللفظ لم يكن لها شيء تعتمد عليه قبلها ولا بعدها فقبح ذلك وأما إذا كان العامل معنويا نحو كل ذاهبون فليس بقاطع لها عما قبلها من المذكورين لأنه لا وجود له في اللفظ فإذا قلت ضربت زيدا وعمرا وخالدا وشتمت كلا وضربت كلا لم يجز ولم يعد بخبر لما قدمناه إذا عرفت هذا فقولك كل إخوتك ضربت سواء رفعت أو نصبت يقتضي وقوع الضرب بكل واحد منهم وإذا قلت كل إخوتك ضربني يقتضي أيضا أن كل واحد منهم ضربك فلو قلت كل إخوتي ضربوني وكل القوم جاءوني احتمل ذلك واحتمل أن يكونوا اجتمعوا في الضرب والمجيء لأنك أخبرت عن جملتهم بخبر واقع عن الجملة بخلاف قولك(1\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "213",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6428",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كل إخوانك جاءني فإنما هو إخبار عن كل واحد منهم وأن الإخبار بالمجيء عنهم جميعهم فتأمل على هذا قوله تعالى: قل كل يعمل على شاكلته كيف أفرد الخبر لأنه لم يرد اجتماعهم فيه وقال تعالى: كل إلينا راجعون فجمع لما أريد الاجتماع في المجيء وهذا أحسن مما تقدم من الفرق فتأمله ولا يرد على هذا قوله تعالى: له ما في السماوات والأرض كل له قانتون بل هو تحقيق له وشاهد لأن القنوت هنا هو العبودية العامة التي تشترك فيها أهل السموات والأرض لا يختص بها بعضهم عن بعض ولا يختص بزمان دون زمان وهي عبودية القهر فالقنوت هنا قنوت قهر وذل لا قنوت طاعة ومحبة وهذا بخلاف قوله تعالى كل من عليها فان فإنه أفرد لما لم يجتمعوا في الفناء ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم: quot;وكلكم مسئول عن رعيته quot; فإن الله يسأل كل راع بمفرده ومما جاء مجموعا لاجتماع الخبر قوله تعالى: كل في فلك يسبحون وما أفرد لعدم اجتماع الخبر قوله تعالى: كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب لأيكة أولئك الأحزاب إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب فأفرد لما لم يجتمعوا في التكذيب ونظيره في سورة ق: كل كذب الرسل فحق وعيد وتأمل كيف كشف قناع هذا المعنى وأوضحه كل الإيضاح بقوله تعالى: وكلهم آتيه يوم القيامة فردا كيف افرد آتيه لما كان المقصود الإشارة إلى أنهم وإن أتوه جميعا فكل واحد منهم منفرد عن كل فريق من صاحب أو قريب أو رفيق بل هو وحده منفرد فكأنه إنما أتاه وحده وإن أتاه مع غيره لانقطاع تبعيته للغير وانفراده بشأن نفسه فهذا عندي أحسن من الفرق بالإضافة وقطعها والفرق بذلك فرقه السهيلي رحمه الله تعالى فتأمل الفرقين وستقرأ الأمثلة والشواهد.(1\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "214",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6429",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: وأما مسألة كل ذلك لم يكن ولم يكن كل ذلك ولم أصنع كله وكله لم أصنعه فقد أطالوا فيها القول وفرقوا بين دلالتي الجملة الفعلية والاسمية وقالوا إذا قلت: كل ذلك لم يكن وكله لم أصنعه فهو نفي للكل بنفي كل فرد من أفراده فيناقض الإيجاب الجزئي وإذا قلت لم أصنع الكل ولم يكن كل ذلك فهو نفي للكلية دون التعرض لنفي الأفراد فلا يناقضه الإيجاب الجزئي ولا بد من تقرير مقدمة تبنى عليها هذه المسألة وأمثالها وهي أن الخبر لا يجوز أن يكون أخص من المبتدأ بل يجوز أن يكون أعم منه أو مساويا له إذ لو كان أخص منه لكان ثابتا لبعض أفراده ولم يكن خبرا عن جملته فإن الأخص إنما يثبت لبعض أفراد الأعم وأما إذا كان أعم منه فإنه لا يمتنع لأنه يكون ثابتا لجملة أفراد المبتدأ وغيرها وهذا غير ممتنع فإذا عرف ذلك فإذا كان المبتدأ لفظة كل الدال على الإحاطة والشمول وجب أن يكون الخبر المثبت حاصلا لكل فرد من أفراد كل والخبر المنفي مثبتا لكل فرد من أفراده سواء أضفت كلا أو قطعتها عن الإضافة فإن الإضافة فيها منوية معنى وإن سقطت لفظا فإذا قلت كلهم ذهب وكلكم سيروي أو كل ذهب وكل سيروى عم الحكم أفراد المبتدأ فإذا كان الحكم سلبا نحو كلهم لم يأت وكل لم يقم فكذلك ولهذا يصح مقابلته بالإيجاب الجزئي نحو قوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل: quot; أقصرت الصلاة أم نسيت فقال: كل ذلك لم يكن فقال: ذو اليدين بلى قد كان بعض ذلكquot; رواه مسلم ومن هذا ما أنشده سيبويه رحمه الله تعالى: قد أصبحت أم الخيار تدعي ... علي ذنبا كله لم أصنع أنشده برفع كل واستقبحه لحذف الضمير العائد من الخبر وغير سيبويه(1\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "215",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6430",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يمنعه مطلقا وينشد البيت منصوبا فيقول كله لم أصنع والصواب إنشاده بالرفع محافظة على النفي العام الذي أراده الشاعر وتمدح به عند أم الخيار ولو كان منصوبا لم يحصل له مقصوده من التمدح فإنه لم يفعل ذلك الذنب ولا شيئا منه بل يكون المعنى لم أفعل كل الذنب بل بعضه وهذا ينافي غرضه ويشهد لصحة قول سيبويه قراءة ابن عباس في سورة الحديد: أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى فهذا يدل على أن حذف العائد جائز وأنه غير قبيح ومن هذا على أحد القولين: قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون أجاز الزجاج أن تكون الجملة ابتدائية وقد حذف العائد من يستعجل وتقديره يستعجله منه المجرمون كما يحذف من الصلة والصفة والحال إذا دل عليه دليل ودعوى قبح حذفه من الخبر مما لا دليل عليها وللكلام في تقرير هذه المسألة موضع آخر والمقصود أن إنشاد البيت بالنصب محافظة على عدم الحذف إخلال شديد بالمعنى وأما إذا تقدم النفي وقلت لم أصنع كله ولم أضرب كلهم كأنك لم تتعرض للنفي عن كل فرد فرد وإنما نفيت فعل الجميع ولم تنف فعل البعض ألا ترى أن قولك لم أصنع الكل مناقض لقولك صنعت الكل والإيجاب الكلي يناقضه السلب الجزئي ألا ترى إلى قولهم لم أرد كل هذا فيما إذا فعل ما يريده وغيره فتقول لم أرد كل هذا ولا يصح أن تقول كل هذا لم أرده فتأمله فهذا تقرير هذه المسألة وقد أغناك عن ذلك التطويل المتعب القليل الفائدة. فصل: واعلم أن كلا من ألفاظ الغيبة فإذا أضفته إلى المخاطبين جاز لك أن تعيد المضمر عليه بلفظ الغيبة مراعاة للفظه وأن تعيده بلفظ الخطاب مراعاة لمعناه فتقول كلكم فعلتم وكلكم فعلوا(1\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "216",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6431",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قلت: أنتم كلكم فعلتم وأنتم كلكم بينكم درهم فإن جعلت أنتم مبتدأ وكلكم تأكيدا قلت أنتم كلكم فعلتم وبينكم درهم لتطابق المبتدأ وإن جعلت كلكم مبتدأ ثانيا جاز لك وجهان أحدهما أن تقول فعلوا وبينهم درهم مراعاة للفظ كل وأن تقول فعلتم وبينكم درهم عملا على المعنى لأن كلا في المعنى للمخاطبين. فائدة: اختلف الكوفيون والبصريون في كلا وكلتا فذهب البصريون إلى أنها اسم مفرد دال على الإثنين فيجوز عود الضمير إليه باعتبار لفظه وهو الأكثر ويجوز عوده باعتبار معناه وهو الأقل وألفها لام الفعل ليست ألف تثنية عندهم ولهم حجج منها أنها في الأحوال الثلاثة مع الظاهر على صورة واحدة والمثنى ليس كذلك وأما انقلابها ياء مع الضمير فلا يدل على أنها ألف تثنية كألف على وإلى ولدى هذا قول الخليل وسيبويه واحتجوا أيضا بقولهم كلاهما ذاهب دون ذاهبان وسيبويه لم يحتج بهذه الحجة لما تقدم من أنك إذا أضفت لفظ كل أفردت خبره مع كونه دالا على الجمع حملا على المعنى لأن قولك كلكم راع بمنزلة كل واحد منكم راع فكذا قولك كلاكما قائم أي كل واحد منكما قائم فإن قيل: بل أفرد الخبر عن كل وكلا لأنهما اسمان مفردان قيل هذا يبطل بتوكيد الجمع والتثنية بهما وكما لا ينعت الجمع والمثنى بالواحد فكذلك لا يؤكد به بطريق الأولى لأن التوكيد تكرار للمؤكد بعينه بخلاف النعت فإنه عينه بوجه والمعول عليه لمن نصر مذهب سيبويه على الحجة الأولى على ما فيها وعلى معارضتها بتوكيد الإثنين وكلا والمثنى لا يؤكد بالمفرد كما قررناه فإن قيل: الجواب عن هذا أن كلا اسم للمثنى فحسن التوكيد به وحصلت المطابقة باعتبار مدلوله وهو(1\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "217",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6432",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المقصود من الكلام فلا يضر إفراد اللفظ قيل هذا يمكن في الجمع أن يكون لفظه واحدا ومعناه جمعا نحو كل وأسماء الجموع ك رهط وقوم لأن الجموع قد اختلفت صورها أشد اختلاف فمذكر ومؤنث مسلم ومكسر على اختلاف ضروبه وما لفظه على لفظ واحد كما تقدم بيانه فليس ببدع أن يكون صورة اللفظ مفردا ومعناه جمعا وأما التثنية فلم تختلف قط بل لزمت طريقة واحدة أين وقعت فبعيد جدا بل ممتنع أن يكون منها اسم فرد معناه مثنى وليس معكم إلا القياس على الجمع وقد وضح الفرق بينهما فتعين أن تكون كلا لفظا مثنى ينقلب ألفه ياء مع المضمر دون المظهر لأنك إذا أضفته إلى ظاهر استغنيت عن قلب ألفه ياء بانقلابها في المضاف إليه لتنزله منزلة الجزئية لدلالة اللفظ على مدلول واحد لأن كلا هو نفس ما يضاف إليه بخلاف قولك ثوبا الرجلين وفرسا الزيدين فلو قلت مررت بكلا الرجلين جمعت بين علامتي تثنية فيما هو كالكلمة الواحدة لأنهما لا ينفصلان أبدا ولا تنفك هذه عن الإضافة بحال ألا ترى كيف رفضوا ضربت رأسي الزيدين وقالوا: رؤوسهما لما رأوا المضاف والمضاف إليه كاسم واحد هذا مع أن الرؤوس تنفصل عن الإضافة كثيرا وكذلك القلوب من قوله: صغت قلوبكما فإذا كانوا قد رفضوا علامة التثنية هناك مع أن الإضافة عارضة فما ظنك بهذا الموضع الذي لا تفارقه الإضافة ولا تنفك عنه فهذا الذي حملهم على أن ألزموها الألف على كل حال وكان هذا أحسن من إلزام طيء وخثعم وبني الحرث وغيرهم المثنى للألف في كل حال نحو: الزيدان والعمران فإذا أضافوه إلى الضمير قلبوا ألفه في النصب والجر لأن المضاف إليه ليس فيه علامة إعراب ولا يثنى بالياء ولكنه أبدا بالألف فقد زالت العلة التي رفضوها في الظاهر وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله كما ترى وإن كان سيبويه المعظم المقدم في الصناعة فمأخوذ من قوله ومتروك ومما يدل على صحة هذا القول أن كلا يفهم من لفظه ما يفهم من لفظ كل وهو موافق له في فاء الفعل وعينه وأما اللام فمحذوفة كما حذفت في كثير من الأسماء فمن ادعى أن لام(1\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "218",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6433",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفعل واو وأنه من غير لفظ كل فليس له دليل يعضده ولا اشتقاق يشهد له فإن قيل: فلم رجع الضمير إليها بلفظ الإفراد إذا كانت مثناة قيل: لما تقدم من رجوع الضمير على كل لذلك إيذانا بأن الخبر عن كل واحد واحد فكأنك قلت كل واحد من الرجلين قام وفيه نكتة بديعة وهي أن عود الضمير بلفظ الإفراد أحسن لأنه يتضمن صدور الفعل عن كل واحد منفردا به ومشاركا للآخر فإن قيل: فلم كسرت الكاف من كلا وهي من كل مضمومة قيل هذا لا يلزمهم لأنهم لم يقولوا إنها لفظة كل بعينها ولهم أن يقولوا كسرت تنبيها على معنى الإثنين كما يبتدئ لفظ الإثنين بالكسر ولهذا كسروا العين من عشرين إشعارا بتثنية عشر ومما يدل على صحة هذا القول أيضا أن كلتا بمنزلة قولك ثنتا ولا خلاف أن ألف ثنتا ألف تثنية فكذلك ألف كلتا ومن ادعى أن الأصل فيها كلواهما فقد ادعى ما تستبعده العقول ولا يقوم عليه برهان ومما يدل أيضا على صحته أنك تقول في التوكيد مررت بإخوتك ثلاثتهم وأربعتهم فتؤكد بالعدد فاقتضى القياس أن تقول أيضا في التثنية كذلك مررت بأخويك اثنيهما فاستغنوا عنه بكليهما لأنه في معناه وإذا كان كذلك فهو مثنى مثله فإن قيل فإنك تقول كلا أخويك جاء ولا تقول اثنا أخويك جاء فدل على أنه ليس في معناه قيل العدد الذي يؤكد به إنما يكون تأكيدا مؤخرا تابعا لما قبله فأما إذا قدم لم يجز ذلك لأنه في معنى الوصف والوصف لا يقدم على الموصوف فلا تقول ثلاثة إخوتك جاؤوني وهذا بخلاف كل وكلا وكلتا لأن فيها معنى الإحاطة فصارت كالحرف الداخل لمعنى فيما بعده فحسن تقديمهما في حال الإخبار عنها وتأخيرهما في حال التوكيد فهذا في هذا المذهب كما ترى.(1\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "219",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6434",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: لا يؤكد بأجمع المفرد مما يعقل ولا ما حقيقته لا تتبعض وهذا إنما يؤكد به ما يتبعض كجماعة من يعقل فجرى مجرى كل فإن قيل: فقد تقول رأيت زيدا أجمع إذا رأيته بارزا من طاقة ونحوه قيل: ليس هذا توكيدا في الحقيقة لزيد لأنك لا تريد حقيقته وذاته وإنما تريد به ما تدرك العين منه وأجمع هذه اسم معرفة بالإضافة وإن لم يكن مضافا في اللفظ لأن معنى قبضت المال أجمع أي كله فلما كان مضافا في المعنى تعرف وأكد به المعرفة وإنما استغنوا عن التصريح بلفظ المضاف إليه معه ولم يستغن عن لفظ المضاف مع كل إذا قلت قبضت المال كله لأن كلا تكون توكيدا وغير توكيد وتتقدم في أول الكلام نحو كلكم ذاهب فصار بمنزلة نفسه وعينه لأن كل واحد منهما يكون توكيدا وغير توكيد فإذا أكدته لم يكن بد من إضافته إلى ضمير المؤكد حتى يعلم أنه توكيد وليس كذلك أجمع لأنه لا يجيء إلا تابعا لما قبله فاكتفى بالاسم الظاهر المؤكد واستغنى به عن التصريح بضميره كما فعل بسحر حين أردته ليوم بعينه فإنه عرف بمعنى الإضافة واستغنى عن التصريح بالمضاف إليه اتكالا على ذكر اليوم قبله فإن قيل: ولم لم تقدم أجمع كما قدم كل قيل الجواب أن فيه معنى الصفة لأنه مشتق من جمعت فلم يكن يقع تابعا بخلاف كل ومن أحكامه أنه لا يثنى ولا يجمع على لفظه أما امتناع تثنيته فلأنه وضع لتأكيد جملة تتبعض فلو ثنيته لم يكن في قولك أجمعا توكيد لمعنى التثنية كما في كليهما لأن التوكيد تكرار المعنى المذكور إذا قلت درهمان أفدت أنهما اثنان فإذا قلت كلاهما كأنك قلت اثناهما ولا يستقيم ذلك في أجمعان لأنه بمنزلة من يقول أجمع وأجمع كالزيدان بمنزلة زيد وزيد فلم يفدك أجمعان(1\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "220",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6435",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تكرار معنى التثنية وإنما أفادك تثنية واحدة بخلاف كلاهما فإنه ليس بمنزلة قولك كل وكل وكذلك اثناهما المستغنى عنه بكليهما لا يقال فيهما اثن وإثن فإنما هي تثنية لا تنحل ولا تنفرد فلم يصلح لتأكيد معنى التثنية غيرها فلا ينبغي أن يؤكد معنى التثنية والجمع إلا بما لا واحد له من لفظه كيلا يكون بمنزلة الأسماء المفردة المعطوف بعضها على بعض بالواو وهذه علة امتناع الجمع فيه لأنك لو جمعته كان جمعا لواحد من لفظه ولا يؤكد معنى الجمع إلا بجمع لا ينحل إلى الواحد فإن قيل: هذا ينتقض بأجمعين وأكتعين فإن واحده أجمع وأكتع قيل سيأتي جوابه وإن شئت قلت: إن أجمع في معنى كل وكل لا يثنى ولا يجمع إنما يثنى ويجمع الضمير الذي يضاف إليه كل وأما قولهم في تأنيثه جمعاء فلأنه أقرب إلى باب أحمر وحمراء من باب أفضل وفضلى فلذلك لم يقولوا في تأنيثه جمعى ككبرى ودليل ذلك أنه لا يدخله الألف واللام ولا يضاف صريحا فكان أقرب إلى باب أفعل وفعلى وإن خالفه في غير هذا وأما أجمعون وأكتعون فليس بجمع ل أجمع وأكتع ولا واحد له من لفظه وإنما هو لفظ وضع لتأكيد الجمع بوزن الاسمين بمنزلة أثينون تصغير الاثنان فإنه جمع مسلم ولا واحد له من لفظه والدليل على ذلك أنه لو كان واحد أجمعين أجمع لما قالوا في المؤنث جمعاء لأن فعل بفتح العين لا يكون واحده فعلاء وجمعاء التي هي مؤنث أجمع لو جمعت لقيل جمعاوات أو جمع بوزن حمر وأما فعل بوزن كبر فجمع لفعلى وإنما جاء أجمعون على وزن أكرمون وأرذلون لأن فيه طرفا من معنى التفضيل كما في الأكرمين والأرذلين وذلك أن الجموع تختلف مقاديرها فإن كثر العدد احتج إلى كثرة التوكيد حرصا على التحقيق ورفعا للمجاز فإذا قلت: جاء القوم كلهم وكان العدد كثيرا توهم أنه قد شذ منهم البعض فاحتيج إلى توكيد أبلغ من الأول فقالوا: أجمعون أكتعون فمن حيث كان أبلغ من التوكيد الذي قبله دخله معنى التفضيل ومن حيث دخله معنى التفضيل جمع جمع السلامة كما يجمع أفعل الذي(1\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "221",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6436",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيه ذلك المعنى جمع السلامة كأفضلون ويجمع مؤنثه على فعل كما يجمع مؤنث ما فيه من التفضيل وأما أجمع الذي هو توكيد الاسم الواحد فليس فيه من معنى التفضيل شيء وكان كباب أحمر ولذلك استغنى أن يقال كلاهما أجمعان كما يقال كلهم أجمعون لأن التثنية أدنى من أن يحتاج إلى توكيدها إلى هذا المعنى فثبت أن أجمعون لا واحد له من لفظه لأنه توكيد لجمع من يعقل وأنت لا تقول فيمن يعقل جاءني زيد أجمع فكيف يكون جاءني الزيدون أجمعون جمعا له وهو غير مستعمل في الإفراد وسر هذا ما تقدم وهو أنهم لا يؤكدون مع الجمع والتثنية إلا بلفظ لا واحد له ليكون توكيدا على الحقيقة لأن كلا جمع ينحل لفظه إلى الواحد فهو عارض في معنى الجمع فكيف يؤكد به معنى الجمع والتوكيد تحقيق وتثبيت ورفع للبس والإبهام فوجب أن يكون مما يثبت لفظا ومعنى وأما حذف التنوين من جمع فكحذفه من سحر لأنه مضاف في المعنى فإن قيل: ونون الجمع محذوفة في الإضافة أيضا فهلا حذفت من أجمعين لأنه مضاف في المعنى قيل الإضافة المعنوية لا تقوى على حذف النون المتحركة التي هي كالعرض من الحركة والتنوين ألا ترى أن نون الجمع تثبت مع الألف واللام وفي الوقف والتنوين بخلاف ذلك فقويت الإضافة المعنوية على حذفه ولم تقو على حذف النون إلا الإضافة اللفطية فإن قيل: ولم كانت الإضافة اللفظية أقوى من المعنوية والعامل اللفظي أقوى من المعنوي قيل: اللفظي لا يكون إلا متضمنا لمعناه فإذا اجتمعا معا كان أقوى من المعنى المفرد عن اللفظ فوجب أن تكون أضعف وهذا ظاهر لمن عدل وأنصف.(1\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "222",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6437",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "المجلد الثاني",
        "content": "المجلد الثاني المجلد الثاني ... بدائع الفوائد لابن قيم الجوزية المجلد الثاني بسم الله الرحمن الرحيم فائدة بديعة: quot;العينquot; يراد بها حقيقة الشيء المدركة بالعيان أو ما يقوم مقام العيان وليست اللفظة على أصول موضوعها لأن أصلها أن يكون مصدرا وصفة لمن قامت به ثم عبر عن حقيقة الشيء بالعين كما عبر عن الوحش بالصيد وإنما الصيد في أصل موضوعه مصدر من صاد يصيد ومن هاهنا لم يرد في الشريعة عبارة عن نفس الباري سبحانه وتعالى لأن نفسه سبحانه غير مدركة بالعيان في حقنا اليوم وأما عين القبلة وعين الذهب وعين الميزان فراجعة إلى هذا المعنى وأما العين الجارية فمشبهة بعين الإنسان لموافقتها لها في كثير من صفاتها وأما عين الإنسان فمسماة بما أصله أن يكون صفة ومصدرا لأن العين في أصل الوضع مصدر كالدين والزين والبين والأين وما جاء على بنائه ألا تراهم يقولون رجل عيون وعاين ويقولون عنته أصبته بالعين وعاينته رأيته بالعين وفرقوا بين المعنيين وكأن عاينته من الرؤية أولى من عنته لأنه بمنزلة المفاعلة والمقابلة فقد تقابلتما وتعاينتما بخلاف عنته فإنك تفرد بإصابته العين من حيث لا يشعر ومما يدل على أنها مصدر في الأصل قوله تعالى: عين اليقين كما قال: علم اليقين حق اليقين فالعلم والحق مصدران مضافان إلى اليقين فكذلك العين هكذا قال السهيلي رحمه الله تعالى وفيه نظر لأن إضافة(2\/2)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "223",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6438",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عين إلى اليقين من باب قولهم نفس الشيء وذاته فعين اليقين نفس اليقين والعين التي هي عضو سميت عينا لأنها آلة ومحل لهذه الصفة التي هل العين وهذا من باب قولهم امرأة ضيف وعدل تسمية للفاعل باسم المصدر والعين التي هي حقيقة الشيء ونفسه من باب تسمية المفعول بالمصدر كصيد إضافة العين إلى الله قال السهيلي: quot;إذا علمت هذا فاعلم أن العين أضيفت إلى الباري تعالى كقوله: ولتصنع على عيني quot; حقيقة لا مجازا كما توهم أكثر الناس لأنه صفة في معنى الرؤية والإدراك وإنما المجاز في تسمية العضو بها وكل شيء يوهم الكفر والتجسيم فلا يضاف إلى الباري تعالى لا حقيقة ولا مجازا ألا ترى كيف كفر الرومية من النصارى حيث قالوا في عيسى إنه ولد على المجاز لا على الحقيقة فكفروا ولم يدروا ألا ترى كيف لم يضف سبحانه إلى نفسه ما هو في معنى عين الإنسان كالمقلة والحدقة حقيقة ولا مجازا نعم ولا لفظ الإبصار لأنه لا يعطي معنى البصر والرؤية مجردا ولكنه يقتضي مع معنى البصر معنى التحديق والملاحظة ونحوهما قلت كأنه رحمه الله غفل عن وصفه بالسميع البصير وغفل عن قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: quot;لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه quot; رواه مسلم وابن ماجه وأحمد وأما إلزامه التحديق والملاحظة ونحوها فهو كإلزام المعتزلة نظيره في الرؤية فهو منقول من هناك حرفا بحرف وجوبه من وجوه الأول ما تعني بالتحديق والملاحظة أمعنى البصر والإدراك أو قدرا زائدا عليهما غير ممتنع وصف الرب به أو معنى زائدا يمتنع وصفه به فإن عنيت الأولين منعنا انتفاء اللازم وإن عنيت الثالث منعنا الملازمة ولا سبيل إلى إثباتها بحال الثاني أن هذا التحديق والملاحظة إنما تلزم الصفة من جهة إضافتها إلى المخلوق لا تلزمها مضافة إلى الرب تعالى وهذا كسائر خصائص المخلوقين التي تطرقت الجهمية بها إلى نفي صفات الرب وهذا من جهلهم وتلبيسهم فإن خصائص صفات المخلوقين لا تلزم الصفة مضافة إلى الرب تعالى كما لا يلزم خصائص وجودهم وذاتهم وهذا مقرر في موضعه وهذا الأصل الذي فارق أهل السنة طائفتي(2\/3)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "224",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6439",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الضلال من المشبهة والمعطلة فعليك بمراعاته الثالث قوله لا يعطي الإبصار معنى البصر والرؤية مجرد كلام لا حاصل تحته ولا تحقيق فإنه قد تقرر عقلا ونقلا أن لله تعالى صفة البصر ثابتة كصفة السمع فإن كان لفظ الإبصار لا يعطى الرؤية مجردة فكذلك لفظ السمع وإن أعطى السمع إدراك المسموعات مجردا فكذلك البصر فالتفريق بينهما تحكم محض ثم نعود إلى كلامه قال وكذلك لا يضاف إليه سبحانه وتعالى من آلات الإدراك الأذن ونحوها لأنها في أصل الوضع عبارة عن الجارحة لا عن الصفة التي هي محلها فلم ينقل لفظها إلى الصفة أعني السمع مجازا ولا حقيقة إلا أشياء وردت على جهة المثل بما يعرف بأدنى نظر أنها أمثال مضروبة نحو الحجر الأسود يمين الله في الأرض ضعيف منكر وما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن صحيح مما عرفت العرب المراد به بأول وهلة قال: وأما اليد فهي عندي في أصل الوضع كالمصدر عبارة عن صفة لموصوف قال: يديت على ابن خضخاض بن عمرو ... بأسفل ذي الحداة يد الكريم فيديت فعل مأخوذ من مصدر لا محالة والمصدر صفة موصوف ولذلك مدح سبحانه بالأيدي مقرونة مع الأبصار في قوله: أولي الأيدي والأبصار ولم يمدحهم بالجوارح لأن المدح لا يتعلق إلا بالصفات لا بالجواهر قلت المراد بالأيدي والأبصار هنا القوة في أمر الله تعالى والبصر بدينه فأراد أنهم من أهل القوى في أمره والبصائر في دينه فليست من يديت إليه يدا فتأمله مذهب الأشعري قال وإذا ثبت هذا فصح قول أبي الحسن الأشعري رذي الله عنه: quot;إن اليد من قوله خلق آدم بيدهquot; إسناده حسن وقوله تعالى: لما خلقت بيدي صفة ورد رد بها الشرع ولم يقل إنها في معنى القدرة كما قال المتأخرون من أصحابه ولا في معنى النعم ولا قطع بشيء من التأويلات تحرزا منه عن مخالفة السلف وقطع بأنها صفة تحرزا عن مذهب المشبهة مفهوم الصفات عند العرب فإن قيل: وكيف خوطبوا بما لا يفهمون ولا يستعملون قلنا: ليس الأمر كذلك بل كان معناها مفهوما عند القوم الذين(2\/4)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "225",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6440",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نزل القرآن بلغتهم ولذلك لم يستفت واحد من المؤمنين عن معناها ولا خاف على نفسه توهم التشبيه ولا احتاج إلى شرح وتنبيه وكذلك الكفار لو كان عندهم لا تعقل إلا في الجارحة لتعلقوا بها في دعوى التناقض واحتجوا بها على الرسول صلى الله عليه وسلم ولقالوا له زعمت أن الله تعالى ليس كمثله شيء ثم تخبر أن له يدا كأيدينا وعينا كأعينا ولما لم ينقل ذلك عن مؤمن ولا كافر علم أن الأمر كان فيها عندهم جليا لا خفيا وأنها صفة سميت الجارحة بها مجازا ثم استمر المجاز فيها حتى نسيت الحقيقة ورب مجاز كثر واستعمل حتى نسي أصله وتركت حقيقته والذي يلوح في معنى هذه الصفة أنها قريب من معنى القدرة إلا أنها أخص منها معنى والقدرة أعم كالمحبة مع الإرادة والمشيئة وكل شيء أحبه الله فقد أراده وليس كل شيء أراده أحبه وكذلك كل شيء حادث فهو واقع بالقدرة وليس كل واقع بالقدرة واقعا باليد فاليد أخص من معنى القدرة ولذلك كان فيها تشريف لآدم قلت: أما قوله ليس كل شيء أراده فقد أحبه فهذا صحيح وهو أحد قولي الأشعري وقول المحققين من أصحابه وهذا الذي يدل عليه الكتاب والسنة والمعقول كما هو مقرر في موضعه وأما قوله: كل شيء أحبه فقد أراده فإن كان المراد أنه أراده بمعنى رضيه وأراده دينا فحق وإن كان المراد أنه أراده كونا فغير لازم فإنه سبحانه يحب طاعة عباده كلهم ولم يردها ويحب التوبة من كل عاص ولم يرد ذلك كله تكوينا إذ لو أراده لوقع فالمحبة والإرادة غير متلازمين فإنه يريد كون ما لا يحبه ويحب ويرضى بأشياء لا يريد تكوينها ولو أرادها لوقعت وهذا مقرر في غير هذا الموضع قال ومن فوائد هذه المسألة أن نسأل كيف وردت الآية الأولى ب على والآية الثانية بالياء الجواب لا بد أن نسأل عن المعنى الذي لأجله قال تعالى: ولتصنع على عيني بحرف على وقال تعالى: تجري بأعيننا و واصنع الفلك بأعيننا بحرف الباء وما الفرق إن الفرق أن الآية الأولى وردت في إظهار أمر كان خفيا وإبداء ما كان مكتوما فإن الأطفال إذ ذاك كانوا يغذون ويصنعون سرا فلما أراد أن يصنع موسى عليه السلام ويغذى(2\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "226",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6441",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويربى على حال أمن وظهور لا تحت خوف واستسرار دخلت على في اللفظ تنبيها على المعنى لأنها تعطي الإستعلاء والإستعلاء ظهور وإبداء فكأنه يقول سبحانه وتعالى ولتصنع على أمن لا تحت خوف وذكر العين لتضمنها معنى الرعاية والكلاءة وأما قوله تعالى: تجري بأعيننا واصنع الفلك بأعيننا فإنه إنما يريد برعاية منا وحفظ ولا يريد إبداء شيء ولا إظهاره بعد كتم فلم يحتج في الكلام إلى معنى على بخلاف ما تقدم هذا كلامه ولم يتعرض رحمه الله تعالى لوجه الإفراد هناك والجمع هنا وهو من ألطف معاني الآية والفرق بينهما يظهر من الإختصاص الذي خص به موسى في قوله تعالى: واصطنعتك لنفسي فاقتضى هذا الإختصاص الإختصاص الآخر في قوله: ولتصنع على عيني فإن هذه الإضافة إضافة تخصيص وأما قوله تعالى: تجري بأعيننا واصنع الفلك بأعيننا فليس فيه من الإختصاص ما في صنع موسى على عينه سبحانه وتعالى واصطناعه إياه لنفسه وما يسنده سبحانه إلى نفسه بصيغة ضمير الجمع قد يريد به ملائكته كقوله تعالى: فإذا قرأناه فاتبع قرآنه وقوله: نحن نقص عليك ونظائره فتأمله قال: وأما النفس فعلى أصل موضوعها إنما هي عبارة عن حقيقة الوجود دون معنى زائد وقد استعمل أيضا من لفظها النفاسة والشيء النفيس فصلحت للتعبير عنه سبحانه وتعالى بخلاف ما تقدم من الألفاظ المجازية وأما الذات فقد استهوى أكثر الناس ولا سيما المتكلمين القول فيها أنها في معنى النفس والحقيقة ويقولون ذات الباري هي نفسه ويعبرون بها عن وجوده وحقيقته ويحتجون في إطلاق ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: quot;في قصة إبراهيم ثلاث كذبات كلهن في ذات اللهquot; رواه البخاري ومسلم وقول خبيب وذلك في ذات الإله قال وليست هذه اللفظة إذا استقريتها في اللغة والشريعة كما زعموا ولو كان كذلك لجاز أن يقال عند ذات الله واحذر ذات الله كما قال تعالى: ويحذركم الله نفسه وذلك غير مسموع ولا يقال إلا بحرف في الجارة وحرف في للوعاء وهو معنى مستحيل على(2\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "227",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6442",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفس الباري تعالى إذا قلت جاهدت في الله تعالى وأحببتك في الله تعالى محال أن يكون هذا اللفظ حقيقة لما يدل عليه هذا الحرف من معنى الوعاء وإنما هو على حذف المضاف أي في مرضاة الله وطاعته فيكون الحرف على بابه كأنك قلت هذا محبوب في الأعمال التي فيها مرضاة الله وطاعته وأما أن تدع اللفظ على ظاهرة فمحال وإذا ثبت هذا فقوله في ذات الله أو في ذات الإله إنما يريد في الديانة والشريعة التي هي ذات الإله فذات وصف للديانة وكذلك هي في الأصل موضوعها نعت لمؤنث ألا ترى أن فيها تاء التأنيث وإذا كان الأمر كذلك فقد صارت عبارة عما تشرف بالإضافة إلى الله تعالى عز وجل لا عن نفسه سبحانه وهذا هو المفهوم من كلام العرب ألا ترى قول النابغة الذبياني: بجلتهم ذات الإله ودينهم فقد بان غلط من جعل هذه اللفظة عبارة عن نفس ما أضيف إليه وهذا من كلامه من المرقصات فإنه أحسن فيه ما شاء أصل لفظة ذات أصل هذه اللفظة هو تأنيث ذو بمعنى صاحب فذات صاحبة كذا في الأصل ولهذا لا يقال ذات الشيء إلا لما له صفات ونعوت تضاف إليه فكأنه يقول صاحبة هذه الصفات والنعوت ولهذا أنكر جماعة من النحاة منهم ابن برهان وغيره على الأصوليين قولهم الذات وقالوا لا مدخل للألف واللام هنا كما لا يقال الذو في ذو وهذا إنكار صحيح والاعتذار عنهم أن لفظة الذات في اصطلاحهم قد صارت عبارة عن الشيء نفسه وحقيقته وعينه فلما استعملوها استعمال النفس والحقيقة عرفوها باللام وجردوها ومن هنا غلطهم السهيلي فإن هذا الاستعمال والتجريد أمر اصطلاحي لا لغوي فإن العرب لا تكاد تقول رأيت الشيء لعينه ونفسه وإنما يقولون ذلك لما هو منسوب إليه ومن جهته وهذا كجنب الشيء إذا قالوا هذا في جنب الله لا يريدون إلا فيما ينسب إليه من سبيله ومرضاته وطاعته لا يريدون غير هذا البتة فلما اصطلح المتكلمون على إطلاق الذات على النفس والحقيقة ظن من ظن أن هذا هو المراد من قوله quot;ثلاث كذبات في ذات اللهquot; وقوله وذلك في ذات الإله فغلط(2\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "228",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6443",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واستحق التغليط بل الذات هنا كالجنب في قوله تعالى: يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال هاهنا فرطت في نفس الله وحقيقته ويحسن أن يقال فرط في ذات الله كما يقال فعل كذا في ذات الله وقتل في ذات الله تعالى وصبر في ذات الله فتأمل ذلك فإنه من المباحث العزيزة الغريبة التي يثنى على مثلها الخناصر والله الموفق المعين. فائدة: ما الفائدة في إبدال النكرة من المعرفة وتبيينها بها فإن كانت الفائدة في النكرة فلم ذكرت المعرفة وإن كانت في المعرفة فما بال ذكر النكرة قيل: هذا فيه نكتة بديعة وهي أن الحكم قد يعلق بالنكرة السابقة فتذكر ويكون الكلام في معرض أمر معين من الجنس مدحا أو ذما فلو اقتصر على ذكر المعرفة لاختص الحكم به ولو ذكرت النكرة وحدها لخرج الكلام عن التعرض لذلك المعين فلما أريد الجنس أتى بالنكرة ووضعت إشعارا بتعليق الحكم بالوصف ولما أتي بالمعرفة كان تنبيها على دخول ذلك المعين قطعا ومثال ذلك قوله تعالى: لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فإن الآية كما قيل: نزلت في أبي جهل ثم تعلق حكمها بكل من اتصف به فقال: لنسفعا بالناصية تعيينا ناصية كاذبة لعدمه وتنبيها ولذلك اشترط في النكرة في هذا الباب أن تكون منعوتة لتحصيل الفائدة المذكورة وليتبين المراد وأما قوله تعالى: ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ففيها قولان أحدهما: أن شيئا بدل من رزقه ورزقا أبين من شيئا لأنه أخص منه والأخص أبين من الأعم وجاز هذا من أجل تقدم النفي لأن النكرة إنما تفيد بالإخبار عنها بعد النفي فلما(2\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "229",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6444",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اقتضى النفي العام ذكر الاسم العام الذي هو أنكر النكرات ووقعت الفائدة به من أجل النفي صلح أن يكون بدلا من رزق ألا ترى أنك لو طرحت الاسم الأول واقتصرت على الثاني لم يكون إخلالا بالكلام والقول الثاني: أن شيئا هنا مفعول المصدر الذي هو الرزق وتقديره لا يملكون أن يرزقوا شيئا وهذا قول الأكثرين إلا أنه يرد عليهم أن الرزق هنا اسم لا مصدر لأنه بوزن الذبح والطحن للمذبوح والمطحون ولو أريد المصدر لجاء بالفتح نحو قول الشاعر يخاطب عمر بن عبد العزيز رحمه الله وعفا عنه: واقصد إلى الخير ولا توقه ... وارزق عيال المسلمين رزقه وقد يجاب عن هذا بأن الرزق من المصادر التي جاءت على فعل بكسر أوائلها كالفسق ويطلق على المصدر والاسم بلفظ واحد كالنسخ للمصدر والمنسوخ وبابه وهذا أحسن والبيت لا نسلم أن راءه مفتوحة وإنما هي مكسورة وهذا اللائق بحال عمر ابن عبد العزيز والشاعر فإنه طلب منه أن يرزق عيال المسلمين رزق الله الذي هو المال المرزوق لا أنه يرزقهم كرزق الله الذي هو المصدر هذا مما لا يخاطب به أحد ولا يقصده عاقل والله أعلم فائدة بديعة: قوله تعالى: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم فيها عشرون مسألة: أحدها: ما فائدة البدل في الدعاء والداعي مخاطب لمن لا يحتاج إلى البيان والبدل القصد به بيان الاسم الأول الثانية: ما فائدة تعريف(2\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "230",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6445",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصراط المستقيم باللام وهلا أخبر عنه بمجرد اللفظ دونها كما قال: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم الثالثة: ما معنى الصراط ومن أي شيء اشتقاقه ولم جاء على وزن فعال ولم ذكر في أكثر المواضع في القرآن الكريم بهذا اللفظ وفي سورة الأحقاف ذكر بلفظ الطريق فقال: يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم الرابعة: ما الحكمة في إضافته إلى قوله تعالى: الذين أنعمت عليهم بهذا اللفظ ولم يذكرهم بخصوصهم فيقول صراط النبيين والصديقين فلم عدل إلى لفظ المبهم دون المفسر الخامسة: ما الحكمة في التعبير عنهم بلفظ الذي مع صلتها دون أن يقال المنعم عليهم وهو أخصر كما قال: المغضوب عليهم وما الفرق السادسة: لم فرق بين المنعم عليهم والمغضوب عليهم فقال في أهل النعمة الذين أنعمت وفي أهل الغضب المغضوب بحذف الفاعل السابعة: لم قال: اهدنا الصراط المستقيم فعدى الفعل بنفسه ولم يعده بإلى كما قال تعالى: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم وقال تعالى: واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم الثامنة: أن قوله تعالى: الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم يقتضي أن نعمته مختصة بالأولين دون المغضوب عليهم ولا الضالين وهذا حجة لمن ذهب إلى أنه لا نعمة له على كافر فهل هذا استدلال صحيح أم لا التاسعة: أن يقال لم وصفهم بلفظ غير وهلا قال تعالى لا المغضوب عليهم كما قال والضالين وهذا كما تقول مررت بزيد لا عمرو وبالعاقل لا الأحمق العاشرة: كيف جرت غير صفة على الموصوف وهي لا تتعرف بالإضافة وليس المحل محل عطف بيان إذ بابه الإعلام ولا محل لذلك إذ المقصود في باب البدل هو الثاني والأول توطئة وفي باب الصفات المقصود الأول والثاني بيان وهذا شأن هذا الموضع فإن المقصود ذكر المنعم عليهم ووصفهم بمغايرتهم معنى الغضب والضلال الحادية عشرة: إذا ثبت ذلك في البدل فالصراط المستقيم مقصود الإخبار عنه بذلك وليس في نية الطرح فكيف جاء صراط الذين أنعمت عليهم بدلا منه وما فائدة البدل هنا الثانية عشرة: أنه قد ثبت في الحديث الذي رواه(2\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "231",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6446",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الترمذي والإمام أحمد وابن أبي حاتم: quot;تفسير المغضوب عليهم بأنهم اليهود والنصارى بأنهم الضالونquot; حسن فما وجه هذا التقسيم والاختصاص وكل من الطائفتين ضال مغضوب عليه الثالثة عشرة: لم قدم المغضوب عليهم في اللفظ على الضالين الرابعة عشرة: لم أتى في أهل الغضب بصيغة مفعول المأخوذة من فعل ولم يأت في أهل الضلال بذلك فيقال المضلين بل أتى فيهم بصيغة فاعل المأخوذة من فعل الخامسة عشرة: ما فائدة العطف ب لا هنا ولو قيل: المغضوب عليهم والضالين لم يختل الكلام وكان أوجز السادسة عشرة: إذ قد عطف بها فيأتي العطف بها مع الواو للمنفى نحو ما قام زيد ولا عمرو وكقوله تعالى: ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إلى قوله تعالى: ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم وأما بدون الواو فبابها الإيجاب نحو مررت بزيد لا عمرو السابعة عشرة: هل الهداية هنا هداية التعريف والبيان أو هداية التوفيق والإلهام الثامنة عشرة: كل مؤمن مأمور بهذا الدعاء أمرا لازما لا يقوم غيره مقامه ولا بد منه وهذا إنما نسأله في الصلاة بعد هدايته فما وجه السؤال لأمر حاصل وكيف يطلب تحصيل الحاصل التاسعة عشرة: ما فائدة الإتيان بضمير الجمع في اهدنا والداعي يسأل ربه لنفسه في الصلاة وخارجها ولا يليق به ضمير الجمع ولهذا يقول: quot;رب اغفر لي وارحمني وتب عليquot; العشرون: ما حقيقة الصراط المستقيم الذي يتصوره العد وقت سؤاله فهذه أربع مسائل حقها أن تقدم أولا ولكن جر الكلام إليها بعد ترتيب المسائل الست عشرة الجواب بعون الله وتعليمه أنه لا علم لأحد من عباده إلا ما علمه ولا قوة له إلا بإعانته فائدة البدل في الدعاء لقد وردت الآية في معرض التعليم للعباد والدعاء حق الداعي أن يستشعر عند دعائها ما يجب عليه اعتقاده مما لا يتم الإيمان إلا به إذ الدعاء مخ العبادة والمخ لا يكون إلا في عظم والعظم في لحم ودم فإذا وجب إحضار معتقدات الإيمان عند الدعاء وجب أن يكون(2\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "232",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6447",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطلب ممزوجا بالثناء فمن ثم جاء لفظ الطلب للهداية والرغبة فيها مشوبا بالخير تصريحا من الداعي بمعتقده وتوسلا منه بذلك الاعتقاد الصحيح إلى ربه فكأنه متوسل إليه بإيمانه واعتقاده أن صراط الحق هو الصراط المستقيم وأنه صراط الذين اختصهم بنعمته وحباهم بكرامته فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم والمخالفون للحق يزعمون أنهم على الصراط المستقيم أيضا والداعي يجب عليهم اعتقاد خلافهم وإظهار الحق الذي في نفسه فلذلك أبدل وبين لهم ليمرن اللسان على ما اعتقده الجنان ففي ضمن هذا الدعاء المهم الإخبار بفائدتين جليلتين إحداهما فائدة الخبر والفائدة الثانية فائدة لازم الخبر فأما فائدة الخبر فهي الإخبار عنه بالاستقامة وأنه الصراط المستقيم الذي نصبه لأهل نعمته وكرامته وأما فائدة لازم الخبر فإقرار الداعي بذلك وتصديقه وتوسله بهذا الإقرار إلى ربه فهذه أربع فوائد الدعاء بالهداية إليه والخبر عنه بذلك والإقرار والتصديق لشأنه والتوسل إلى المدعو إليه بهذا التصديق وفيه فائدة خامسة وهي أن الداعي إنما أمر بذلك لحاجته إليه وأن سعادته وفلاحه لا تتم إلا به فهو مأمور بتدبير ما يطلب وتصور معناه فذكر له من أوصافه ما إذا تصور في خلده وقام بقلبه كان أشد طلبا له وأعظم رغبة فيه وأحرص على دوام الطلب والسؤال له فتأمل هذه النكت البديعة. فصل: وأما المسألة الثانية وهي تعريف الصراط باللام اعلم أن الألف واللام إذا دخلت على اسم موصوف اقتضت أنه أحق بتلك الصفة من غيره ألا ترى أن قولك جالس فقيها أو عالما ليس كقولك جالس الفقيه أو العالم ولا قولك أكلت طيبا كقولك أكلت الطيب ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم: quot;أنت الحق ووعدك الحق(2\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "233",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6448",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقولك الحقquot; ثم قال: ولقاؤك الحق والجنة حق والنار حق quot; رواه البخاري ومسلم فلم يدخل الألف واللام على الأسماء المحدثة وأدخلها على اسم الرب تعالى ووعده وكلامه فإذا عرفت هذا فلو قال اهدنا صراطا مستقيما لكان الداعي إنما يطلب الهداية إلى صراط ما مستقيم على الإطلاق وليس المراد ذلك بل المراد الهداية إلى الصراط المعين الذي نصبه الله تعالى لأهل نعمته وجعله طريقا إلى رضوانه وجنته وهو دينه الذي لا دين له سواه فالمطلوب أمر معين في الخارج والذهن لا شيء مطلق منكر واللام هنا للعهد العلمي الذهني وهو أنه طلب الهداية إلى سر معهود قد قام في القلوب معرفته والتصديق به وتميزه عن سائر طرق الضلال فلم يكن بد من التعريف فإن قيل: لم جاء منكرا في قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ويهديك صراطا مستقيما وقوله تعالى: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم وقوله تعالى: واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم وقوله تعالى: قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم فالجواب عن هذه المواضع بجواب واحد وهو أنها ليست في مقام الدعاء والطلب وإنما هي في مقام الإخبار من الله تعالى عن هدايته إلى صراط مستقيم وهداية رسوله إليه ولم يكن للمخاطبين عهد به ولم يكن معروفا لهم فلم يجيء معرفا بلام العهد المشيرة إلى معروف في ذهن المخاطب قائم في خلده ولا تقدمه في اللفظ معهود تكون اللام معروفة إليه وإنما تأتي لام العهد في أحد هذين الموضعين أعني أن يكون لها معهود ذهني أو ذكر لفظي وإذ لا واحد منهما في هذه المواضع فالتنكير هو الأصل وهذا بخلاف قوله اهدنا الصراط المستقيم فإنه لما تقرر عند المخاطبين أن لله صراطا مستقيما هدي إليه أنبياءه ورسله وكان المخاطب سبحانه المسئول من هدايته عالما به دخلت اللام عليه فقال: اهدنا الصراط المستقيم وقال السهيلي: إن قوله تعالى: ويهديك صراطا مستقيما نزلت في صلح الحديبية وكان المسلمون قد كرهوا ذلك الصلح ورأوا أن الرأي خلافه وكان الله تعالى عما يقولون ورسوله صلى الله عليه وسلم أعلم فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فلم يرد صراطا مستقيما(2\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "234",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6449",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في الدين وإنما أراد صراطا في الرأي والحرب والمكيدة وقوله تبارك وتعالى: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم أي تهدي من الكفر والضلال إلى صراط مستقيم ولو قال في هذا الموطن إلى الصراط المستقيم لجعل للكفر وللضلال حظا من الإستقامة إذ الألف واللام تنبيء أن ما دخلت عليه من الأسماء الموصلة أحق بذلك المعنى مما تلاه في الذكر أو ما قرب به في الوهم ولا يكون أحق به إلا أن يكون في الآخر طرف منه وغير خاف ما في هذين الجوابين من الضعف والوهن أما قوله أن المراد بقوله: ويهديك صراطا مستقيما في الحرب والمكيدة فهضم لهذا الفضل العظيم والحظ الجزيل الذي امتن الله به على رسول صلى الله عليه وسلم وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية أحب إليه من الدنيا وما فيها ومتى سمى الله الحرب والمكيدة صراطا مستقيما وهل فسر هذه الآية أحد من السلف أو الخلف بذلك بل الصراط المستقيم ما جعله الله عليه من الهدى ودين الحق الذي أمره أن يخبر بأن الله تعالى هداه إليه في قوله: قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ثم فسره بقوله تعالى: دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ونصب دينا هنا على البدل من الجار والمجرور أي هداني دينا قيما أفتراه يمكنه هاهنا أن يقول إن الحرب والمكيدة فهذا جواب فاسد جدا وتأمل: ما جمع الله سبحانه لرسوله في آية الفتح من أنواع العطايا وذلك خمسة أشياء أحدها: الفتح المبين والثاني: مغفرة ما تقدم من ذنبه وما تأخر والثالث: هدايته الصراط المستقيم والرابع: إتمام نعمته عليه والخامس: إعطاء النصر العزيز وجمع سبحانه له بين الهدى والنصر لأن هذين الأصلين بهما كمال السعادة والفلاح فإن الهدى هو العلم بالله تعالى ودينه والعمل بمرضاته وطاعته فهو العلم النافع والعمل الصالح والنصر والقدرة التامة على تنفيذ دينه فالحجة والبيان والسيف والسنان فهو النصر بالحجة واليد وقهر القلوب المخالفين له بالحجة وقهر أبدانهم باليد وهو سبحانه كثيرا ما يجمع بين هذين الأصلين إذ بهما تمام الدعوة وظهور دينه على الدين كله كقوله تعالى: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق(2\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "235",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6450",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في موضعين في سورة براءة وفي سورة الصف وقال تعالى: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط فهذا الهدى ثم قال: وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد فهذا النصر فذكر الكتاب الهادي والحديد الناصر وقال تعالى: ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والأنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان فذكر إنزال الكتاب الهادي والفرقان وهو النصر الذي يفرق بين الحق والباطل وسر اقتران النصر بالهدى أن كلا منهما يحصل به الفرقان بين الحق والباطل ولهذا سمى تعالى ما ينصر به عباده المؤمنين فرقانا كما قال تعالى: إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان فذكر الأصلين ما أنزله على رسوله يوم الفرقان وهو يوم بدر وهو اليوم الذي فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل بنصر رسوله ودينه وإذلال أعدائه وخزيهم ومن هذا قوله تعالى: ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين فالفرقان نصره له على فرعون وقومه والضياء والذكر التوراة هذا هو معنى الآية ولم يصب من قال: إن الواو زائدة وإن ضياء منصوب على الحال كما بينا فساده في quot;الأمالي المكيةquot; فبين أن آية الفتح تضمنت الأصلين الهدى والنصر وأنه لا يصح فيها غير ذلك البتة وأما جوابه الثاني عن قوله: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم بأنه لو عرف لجعل للكفر والضلال حظا من الاستقامة فما أدري من أين جاء له هذا الفهم مع ذهنه الثاقب وفهمه البديع رحمه الله تعالى وما هي إلا كبوة جواد ونبوة صارم أفترى قوله تعالى: وآتيناهما الكتاب المستبين وهديناهما الصراط المستقيم يفهم منه أن لغيره حظا من الاستقامة وما ثم غيره إلا طرق الضلال وإنما الصراط المستقيم واحد وهو ما هدى الله تعالى إليه أنبياءه ورسله أجمعين وهو الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم وكذلك تعريفه في سورة الفاتحة هل يقال أنه يفهم منه أن لغيره حظا من الاستقامة بل يقال تعريفه ينبئ أن لا يكون لغيره حظ من الاستقامة فإن(2\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "236",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6451",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن التعريف في قوة الحصر فكأنه قيل الذي لا صراط مستقيم سواه وفهم هذا الاختصاص من اللفظ أقوى من فهم المشاركة فتأمله هنا وفي نظائره فصل: وأما المسألة الثالثة: وهي اشتقاق الصراط فالمشهور أنه من صرطت الشيء أصرطه إذا بلعته بلعا سهلا فسمي الطريق صراطا لأنه يسترط المارة فيه والصراط ما جمع خمسة أوصاف أن يكون طريقا مستقيما سهلا مسلوكا واسعا موصلا إلى المقصود فلا تسمي العرب الطريق المعوج صراطا ولا الصعب المشتق ولا المسدود غير الموصول ومن تأمل موارد الصراط في لسانهم واستعمالهم تبين له ذلك قال جرير: أمير المؤمنين على صراط ... إذا أعوج الموارد مستقيم وبنوا الصراط على زنة فعال لأنه مشتمل على سالكه اشتمال الحلق على الشيء المسروط وهذا الوزن كثير في المشتملات على الأشياء كاللحاف والخمار والرداء والغطاء والفراش والكتاب إلى سائر الباب يأتي لثلاثة معان أحدها: المصدر كالقتال والضراب والثاني: المفعول نحو الكتاب والبناء والغراس والثالث: أنه يقصد به قصد الآلة التي يحصل بها الفعل ويقع بها كالخمار والغطاء والسداد لما يخمر به ويغطى ويسد به فهذا آلة محضة والمفعول هو الشيء المخمر والمغطى والمسدود ومن هذا القسم الثالث إله بمعنى مألوه وأما ذكره له بلفظ الطريق في سورة الأحقاف خاصة فهذا حكاية الله تعالى لكلام مؤمني الجن أنهم قالوا لقومهم: إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم وتعبيرهم عنه هاهنا بالطريق فيه نكتة بديعة وهي أنهم قدموا قبله ذكر موسى وأن الكتاب الذي سمعوه مصدقا لما بين يديه من كتاب موسى وغيره فكان فيه كالنبأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لقومه: ما كنت بدعا من الرسل أي لم أكن أول(2\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "237",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6452",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول بعث إلى أهل الأرض بل قد تقدمت رسل من الله إلى الأمم وإنما بعثت مصدقا لهم بمثل ما بعثوا به من التوحيد والإيمان فقال مؤمنوا الجن: إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم أي إلى سبيل مطروق قد مرت عليه الرسل قبله وإنه ليس بدع كما قال في أول السورة نفسها فاقتضت البلاغة والإعجاز لفظ الطريق لأنه فعيل بمعنى مفعول أي مطروق مشت عليه الرسل والأنبياء قبل فحقيق على من صدق رسل الله وآمن بهم أن يؤمن به ويصدقه فذكر الطريق هاهنا إذا أولى لأنه أدخل في باب الدعوة والتنبيه على تعين أتباعه والله أعلم ثم رأيت هذا المعنى بعينه قد ذكره السهيلي فوافق فيه الخاطر الخاطر فصل: وأما المسألة الرابعة: وهي إضافته إلى الموصول المبهم دون أن يقول صراط النبيين والمرسلين ففيه ثلاث فوائد: إحداها: إحضار العلم وإشعار الذهن عند سماع هذا فإن استحقاق كونهم من المنعم عليهم هو بهدايتهم إلى هذا الصراط فبه صاروا من أهل النعمة وهذا كما يعلق الحكم بالصلة دون الاسم الجامد لما فيه من الإنعام باستحقاق ما علق عليها من الحكم بها وهذا كقوله تعالى: الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم وهذا الباب مطرد فالإتيان بالاسم موصولا على هذا المعنى من ذكر الاسم الخاص الفائدة الثانية: إشارة إلى أن نفي التقليد عن القلب واستشعار العلم بأن من هدى إلى هذا الصراط فقد أنعم عليه فالسائل مستشعر سؤاله الهداية وطلب الإنعام من الله عليه والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن الأول يتضمن الإخبار(2\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "238",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6453",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأن أهل النعمة هم أهل الهداية إليه والثاني يتضمن الطلب والإرادة وأن تكون منه الفائدة الثالثة: أن الآية عامة في جميع طبقات المنعم عليهم ولو أتى باسم خاص لكان لم يكن فيه سؤال الهداية إلى صراط جميع المنعم عليهم فكان في الإتيان بالاسم العام من الفائدة أن المسئول الهدى إلى جميع تفاصيل الطريق التي سلكها كل من أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهذا أجل مطلوب وأعظم مسئول ولو عرف الداعي قدر هذا السؤال لجعله هجيرا وقرنه بأنفاسه فإنه لم يدع شيئا من خير الدنيا والآخرة إلا تضمنه ولما كان بهذه المثابة فرضه الله على جميع عباده فرضا متكررا في اليوم والليلة لا يقوم غيره مقامه ومن ثم يعلم تعين الفاتحة في الصلاة وأنها ليس منها عوض يقوم مقامها فصل: وأما المسألة الخامسة وهي أنه قال: الذين أنعمت عليهم ولم يقل المنعم عليهم كما قال المغضوب عليهم فجوابها وجواب المسألة السادسة واحد وفيه فوائد عديدة إحداها أن هذا جاء على الطريقة المعهودة في القرآن الكريم وهي أن أفعال الإحسان والرحمة والجود تضاف إلى الله سبحانه وتعالى فيذكر فاعلها منسوبة إليه ولا يبني الفعل معها للمفعول فإذا جيء بأفعال العدل والجزاء والعقوبة حذف وبني الفعل معها للمفعول أدبا في الخطاب وإضافته إلى الله تعالى أشرف قسمي أفعاله فمنه هذه الآية فإنه ذكر النعمة فأضافها إليه ولم يحذف فاعلها ولما ذكر الغضب حذف الفاعل وبنى الفعل للمفعول فقال: المغضوب عليهم وقال في الإحسان الذين أنعمت عليهم ونظيره قول إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه: الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين فنسب الخلق والهداية والإحسان بالطعام والسقي إلى الله تعالى(2\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "239",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6454",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولما جاء إلى ذكر المرض قال وإذا مرضت ولم يقل أمرضني وقال فهو يشفين ومنه قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن: وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا فنسبوا إرادة الرشد إلى الرب وحذفوا فاعل إرادة الشر وبنوا الفعل للمفعول ومنه قول الخضر عليه الصلاة والسلام في السفينة: فأردت أن أعيبها فأضاف العيب إلى نفسه وقال في الغلامين: فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ومنه قوله تعالى: أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم فحذف الفاعل وبناه للمفعول وقال: وأحل الله البيع وحرم الربا لأن في ذكر الرفث ما يحسن منه أن لا يقترن بالتصريح بالفاعل ومنه: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وقوله: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا إلى آخرها ومنه وهو ألطف من هذا وأدق معنى قوله: حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم إلى آخرها ثم قال: وأحل لكم ما وراء ذلكم وتأمل قوله: فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم كيف صرح بفاعل التحريم في هذا الموضع وقال في حق المؤمنين: حرمت عليكم الميتة والدم الفائدة الثانية: أن الإنعام بالهداية يستوجب شكر المنعم بها وأصل الشكر ذكر المنعم والعمل بطاعته وكان من شكره إبراز الضمير المتضمن لذكره تعالى الذي هو أساس الشكر وكان في قوله: أنعمت عليهم من ذكره وإضافته النعمة إليه ما ليس في ذكر المنعم عليهم لو قاله فضمن هذا اللفظ الأصلين وهما الشكر والذكر المذكوران في قوله: فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون الفائدة الثالثة: أن النعمة بالهداية إلى الصراط لله وحده وهو المنعم بالهداية دون أن يشرك أحد في نعمته فاقتضى اختصاصه بها أن يضاف إليه بوصف الإفراد فيقال أنعمت عليهم أي أنت وحدك المنعم المحسن المتفضل بهذه النعمة وأما الغضب فإن الله سبحانه غضب على من لم يكن من أهل الهداية إلى هذا الصراط وأمر عباده المؤمنين بمعاداتهم وذلك يستلزم غضبهم عليهم موافقة لغضب ربهم عليهم فموافقته تعالى تقتضي أن يغضب على من(2\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "240",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6455",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غضب عليه ويرضى عمن رضي عنه فيغضب لغضبه ويرضى لرضاه وهذا حقيقة العبودية واليهود قد غضب الله عليهم فحقيق بالمؤمنين الغضب عليهم فحذف فاعل الغضب وقال المغضوب عليهم لما كان للمؤمنين نصيب من غضب الله عليه بخلاف الإنعام فإن لله وحده فتأمل هذه النكت البديعة الفائدة الرابعة: أن المغضوب عليهم في مقام الإعراض عنهم وترك الالتفات والإشارة إلى نفس الصفة التي لهم والاقتصار عليها وأما أهل النعمة فهم في مقام الإشارة إليهم وتعيينهم والإشادة بذكرهم وإذا ثبت هذا فالألف واللام في المغضوب وإن كانتا بمعنى الذين فليست مثل الذين في التصريح والإشارة إلى تعيين ذات المسمى فإن قولك: الذين فعلوا معناه القوم الذين فعلوا وقولك الضاربون والمضروبون ليس فيه ما في قولك الذين ضربوا أو ضربوا فتأمل ذلك فالذين أنعمت عليهم إشارة إلى تعريفهم بأعيانهم وقصد ذواتهم بخلاف المغضوب عليهم فالمقصود التحذير من صفتهم والإعراض عنهم وعدم الالتفات إليهم والمعول عليه من الأجوبة ما تقدم. فصل: المسألة السابعة: وهي تعدية الفعل هنا بنفسه دون حرف إلى فجوابها أن فعل الهداية يتعدى بنفسه تارة وبحرف إلى تارة وباللام تارة والثلاثة في القرآن فمن المعدى بنفسه هذه الآية وقوله: ويهديك صراطا مستقيما ومن المعدى ب إلى قوله: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم وقوله تعالى: قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ومن المعدى باللام قوله في قول أهل الجنة: الحمد لله الذي هدانا لهذا وقوله تعالى: إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم والفروق لهذه المواضع تدق جدا عن أفهام العلماء ولكن نذكر قاعدة تشير إلى الفرق وهي أن الفعل المعدى بالحروف المتعددة لا بد أن لا يكون له مع كل حرف معنى زائد على معنى الحرف(2\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "241",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6456",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الآخر وهذا بحسب اختلاف معاني الحروف فإن ظهر اختلاف الحرفين ظهر الفرق نحو: رغبت عنه ورغبت فيه وعدلت إليه وعدلت عنه وملت إليه وعنه وسعيت إليه وسعيت به وأن تفاوت معنى الأدوات عسر الفرق نحو قصدت إليه وقصدت له وهديته إلى كذا وهديته لكذا وظاهرية النحاة يجعلون أحد الحرفين بمعنى الآخر وأما فقهاء أهل العربية فلا يرتضون هذه الطريقة بل يجعلون للفعل معنى مع الحرف ومعنى مع غيره فينظرون إلى الحرف وما يستدعي من الأفعال فيشربون الفعل المتعدى به معناه هذه طريقة إمام الصناعة سيبويه رحمه الله تعالى وطريقة حذاق أصحابه يضمنون الفعل معنى الفعل لا يقيمون الحرف مقام الحرف وهذه قاعدة شريفة جليلة المقدار تستدعي فطنة ولطافة في الذهن وهذا نحو قوله تعالى: عينا يشرب بها عباد الله فإنهم يضمنون يشرب معنى يروي فيعدونه بالباء التي تطلبها فيكون في ذلك دليل على الفعلين أحدهما: بالتصريح به والثاني: بالتضمن والإشارة إليه بالحرف الذي يقتضيه مع غاية الاختصار وهذا من بديع اللغة ومحاسنها وكمالها ومنه قوله في السحاب شربن بماء البحر حتى روين ثم ترفعن وصعدن وهذا أحسن من أن يقال يشرب منها فإنه لا دلالة فيه على الري وأن يقال يروى بها لأنه لا يدل على الشرب بصريحه بل باللزوم فإذا قال يشرب بها دل على الشرب بصريحه وعلى الري بخلاف الباء فتأمله ومن هذا قوله تعالى: ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه وفعل الإرادة لا يتعدى بالباء ولكن ضمن معنى يهم فيه بكذا وهو أبلغ من الإرادة فكان في ذكر الباء إشارة إلى استحقاق العذاب عند الإرادة وإن لم تكن جازمة وهذا باب واسع لو تتبعناه لطال الكلام فيه ويكفي المثالان المذكوران فإذا عرفت هذا ففعل الهداية متى عدي ب إلى تضمن الإيصال إلى الغاية المطلوبة فأتى بحرف الغاية ومتى عدي باللام تضمن التخصيص بالشيء المطلوب فأتى باللام الدالة على الاختصاص والتعيين فإذا قلت هديته لكذا فهم معنى ذكرته له وجعلته له وهيأته ونحو هذا وإذا تعدى بنفسه تضمن المعنى الجامع(2\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "242",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6457",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لذلك كله وهو التعرف والبيان والإلهام فالقائل إذا قال: اهدنا الصراط المستقيم هو طالب من الله أن يعرفه إياه ويبينه له ويلهمه إياه ويقدره عليه فيجعل في قلبه علمه وإرادته والقدرة عليه فجرد الفعل من الحرف وأتى به مجردا معدي بنفسه ليتضمن هذه المراتب كلها ولو عدي بحرف تعين معناه وتخصص بحسب معنى الحرف فتأمله: فإنه من دقائق اللغة وأسرارها فصل: وأما المسألة الثامنة: وهي أنه خص أهل السعادة بالهداية دون غيرهم فهذه مسألة اختلف الناس فيها وطال الحجاج من الطرفين وهي أنه هل لله على الكافر نعمة أم لا فمن ناف محتج بهذه وبقوله: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا فخص هؤلاء بالإنعام فدل على أن غيرهم غير منعم عليه ولقوله لعباده المؤمنين ولأتم نعمتي عليكم وبأن الإنعام ينافي الانتقام والعقوبة فأي نعمة على من خلق للعذاب الأبدي ومن مثبت محتج بقوله وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها وقوله لليهود: يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وهذا خطاب لهم في حال كفرهم وبقوله في سورة النحل التي عدد فيها نعمه المشتركة على عباده من أولها إلى قوله: كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون وهذا نص صريح لا يحتمل صرفا واحتجوا بأن البر والفاجر والمؤمن والكافر كلهم يعيش في نعمة الله وكل أحد مقر لله تعالى بأنه إنما يعيش في نعمته وهذا معلوم بالاضطرار عند جميع أصناف بني آدم إلا من كابر وجحد حق الله تعالى وكفر بنعمته quot;وفصل الخطاب(2\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "243",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6458",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في المسألةquot; أن النعمة المطلقة مختصة بأهل الإيمان لا يشركهم فيها سواهم ومطلق النعمة عام للخليقة كلهم برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم فالنعمة المطلقة التامة هي المتصلة بسعادة الأبد وبالنعيم المقيم فهذه غير مشتركة ومطلق النعمة عام مشترك فإذا أراد النافي سلب النعمة المطلقة للكافر أخطأ وإن أراد إثبات مطلق النعمة أصاب وبهذا تتفق الأدلة ويزول النزاع ويتبين أن كل واحد من الفريقين معه خطأ وصواب والله الموفق للصواب. وأما قوله تعالى: يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم فإنما يذكرهم بنعمته على آبائهم ولهذا يعددها واحدة واحدة بأن أنجاهم من آل فرعون وأن فرق بهم البحر وأن وعد موسى أربعين ليلة فضلوا بعده ثم تاب عليهم وعفا عنهم وبأن ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى إلى غير ذلك من نعمه التي يعددها عليهم وإنما كانت لأسلافهم وآبائهم فأمرهم أن يذكروها ليدعوهم ذكرهم لها إلى طاعته والإيمان برسله والتحذير من عقوبته بما عاقب به من لم يؤمن برسوله ولم ينقد لدينه وطاعته وكانت نعمته على آبائهم نعمة منه عليهم تستدعي منهم شكرا فكيف تجعلون مكان الشكر عليها كفركم برسولي وتكذيبكم له ومعاداتكم إياه وهذا لا يدل على أن نعمته المطلقة التامة حاصلة لهم في حال كفرهم والله أعلم. فصل: المسألة التاسعة: وهي أنه قال غير المغضوب ولم يقل لا المغضوب عليهم فيقال لا ريب أن quot;لاquot; يعطف بها بعد الإيجاب كما تقول جاءني زيد لا عمرو وجاءني العالم لا الجاهل وأما غير فهي تابع لما قبلها وهي صفة ليس إلا كما سيأتي وإخراج الكلام هنا مخرج الصفة أحسن من إخراجه مخرج(2\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "244",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6459",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العطف وهذا إنما يعلم إذا عرف فرق ما بين العطف في هذا الموضع والوصف فتقول لو أخرج الكلام مخرج العطف وقيل: صراط الذين أنعمت عليهم لا المغضوب عليهم لم يكن في العطف بها أكثر من نفي إضافة الصراط إلى المغضوب عليهم كما هو مقتضى العطف فإنك إذا قلت: جاءني العالم لا الجاهل لم يكن في العطف أكثر من نفي المجيء عن الجاهل وإثباته للعالم وأما الإتيان بلفظ غير فهي صفة لما قبلها فأفاد الكلام معها وصفهم بشيئين أحدهما أنهم منعم عليهم والثاني: أنهم غير مغضوب عليهم فأفاد ما يفيد العطف مع زيادة الثناء عليهم ومدحهم فإنه يتضمن صفتين ثبوتية وهي كونهم منعما عليهم وصفة سلبية وهي كونهم غير مستحقين لوصف الغضب وأنهم مغايرون لأهله ولهذا لما أريد بها هذا المعنى جرت صفة على المنعم عليهم ولم تكن صفة منصوبة على الاستثناء لأنه يزول منها معنى الوصفية المقصود وفيها فائدة أخرى وهي أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى ادعوا أنهم هم المنعم عليهم دون أهل الإسلام فكأنه قيل لهم المنعم عليهم غيركم لا أنتم وقيل: للمسلمين المغضوب عليهم غيركم لا أنتم فالإتيان بلفظة غير في هذا السياق أحسن وأدل على إثبات المغايرة المطلوبة فتأمله وتأمل كيف قال المغضوب عليهم ولا الضالين ولم يقل اليهود والنصارى مع أنهم هم الموصوفون بذلك تجريدا لوصفهم بالغضب والضلال الذي به غايروا المنعم عليهم ولم يكونوا منهم بسبيل لأن الإنعام المطلق ينافي الغضب والضلال فلا يثبت لمغضوب عليه ولا ضال فتبارك من أودع كلامه من الأسرار ما يشهد بأنه تنزيل من حكيم حميد. فصل: وأما المسألة العاشرة: وهي جريان غير صفة على المعرفة وهي لا تتعرف بالإضافة ففيه ثلاثة أوجه أحدها أن غير هنا بدل لا صفة وبدل النكرة من(2\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "245",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6460",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعرفة جائز وهذا فاسد من وجوه ثلاثة أحدها أن باب البدل المقصود فيه الثاني والأول توطئة له ومهاد أمامه وهو المقصود بالذكر فقوله تعالى: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا المقصود هو أهل الاستطاعة خاصة وذكر الناس قبلهم توطئة وقولك أعجبني زيد علمه إنما وقع الإعجاب على علمه وذكرت صاحبه توطئة لذكره وكذا قوله يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه المقصود إنما هو السؤال عن القتال في الشهر الحرام لا عن نفس الشهر وهذا ظاهر جدا في بدل البعض وبدل الاشتمال ويراعى في بدل الكل من الكل ولهذا سمي بدلا إيذانا بأنه المقصود فقوله: لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة المقصود: لنسفعا بالناصية الكاذبة الخاطئة وذكر المبدل منه توطئة لها وإذا عرف هذا فالمقصود هنا ذكر المنعم عليهم وإضافة الصراط إليهم ومن تمام هذا المقصود وتكميله الإخبار بمغايرتهم للمغضوب عليهم فجاء ذكر غير المغضوب مكملا لهذا المعنى ومتمما ومحققا لأن أصحاب الصراط المسئول هدايته هم أهل النعمة فكونهم غير مغضوب عليهم وصف محقق وفائدته فائدة الوصف المبين للموصوف المكمل له وهذا واضح الوجه الثاني أن البدل يجري مجرى توكيد المبدل وتكريره وتثنيته ولهذا كان في تقدير تكرار العامل وهو المقصود بالذكر كما تقدم فهو الأول بعينه ذاتا ووصفا وإنما ذكر بوصف آخر مقصود بالذكر كقوله: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ولهذا يحسن الاقتصار عليه دون الأول ولا يكون مخلا بالكلام ألا ترى أنك لو قلت في غير القرآن لله حج البيت على من استطاع إليه السبيل لكان كاملا مستقيما لا خلل فيه ولو قلت في دعائك رب اهدني صراط من أنعمت عليه من عبادك لكان مستقيما وإذا كان كذلك فلو قدر الاقتصار على غير وما في حيزها لاختل الكلام وذهب معظم المقصود منه إذ المقصود إضافة الصراط إلى(2\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "246",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6461",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذين أنعم الله عليهم لا إضافته إلى غير المغضوب عليهم بل أتى بلفظ غير زيادة في وصفهم والثناء عليهم فتأمله الوجه الثالث: أن غير لا يعقل ورودها بدلا وإنما ترد استثناء أو صفة أو حالا وسر ذلك أنها لم توضع مستقلة بنفسها بل لا تكون إلا تابعة لغيرها ولهذا قلما يقال جاءني غير زيد ومررت بغير عمرو والبدل لا بدل أن يكون مستقلا بنفسه كما تبين أنه المقصود ونكتة الفرق أنك في باب البدل قاصد إلى الثاني متوجه إليه قد جعلت الأول سلما ومرقاة إليه فهو موضع قصدك ومحط إرادتك وفي باب الصفة بخلاف ذلك إنما أنت قاصد الموصوف موضح له بصفته فجعل هذه النكتة معيارا على باب البدل والوصف ثم زن بها غير المغضوب عليهم هل يصح أن يكون بدلا أو وصفا الجواب الثاني أن غير هاهنا صح جريانه صفة على المعرفة لأنها موصولة والموصول مبهم غير معين ففيه رائحة من النكرة لإبهامه فإنه غير دال على معين فصلح وصفه ب غير لقربه من النكرة وهذا جواب صاحب الكشاف فإن قلت: كيف صح أن يقع غير صفة للمعرفة وهو لا يتعرف وإن أضيف إلى المعارف قلت: الذين أنعمت عليهم لا توقيت فيه فهو كقوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت لا يعنيني ومعنى قوله: لا توقيت فيه أي لا تعيين لواحد من واحد كما تعين المعرفة بل هو مطلق في الجنس فجرى مجرى النكرة واستشهاده بالبيت معناه أن الفعل نكرة وهو يسبني وقد أوقعه صفة للئيم المعرفة باللام لكونه غير معين فهو في قوة النكرة فجاز أن ينعت بالنكرة وكأنه قال على لئيم يسبني وهذا استدلال ضعيف فإن قوله: يسبني حال منه لا وصف والعامل فيه فعل المرور المعني أمر على اللئيم سابا لي أي أمر عليه في هذه الحال فأتجاوزه ولا أحتفل بسبه الجواب الثالث: وهو الصحيح أن غير هاهنا قد تعرفت بالإضافة فأن المانع لها من تعريفها(2\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "247",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6462",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شدة إبهامها أو عمومها في كل مغاير للمذكور فلا يحصل بها تعيين ولهذا تجري صفة على النكرة فتقول رجل غيرك يقول كذا ويفعل كذا فتجري صفة للنكرة مع إضافتها إلى المعرفة ومعلوم أن هذا الإبهام يزول لوقوعها بين متضادين يذكر أحدهما ثم تضيفها إلى الثاني فيتعين بالإضافة ويزول الإبهام الذي يمنع تعريفها بالإضافة كما قال: نحن بنو عمرو الهجان الأزهر ... النسب المعروف غير المنكر أفلا تراه أجرى غير المنكر صفة على النسب كما أجرى عليه المعرف لأنهما صفتان معينتان فلا إبهام في غير لأن مقابلها المعروف وهو معرفة وضده المنكر متميز متعين كتعين المعرف أعني تعين الجنس وهكذا قوله صراط الذين أنعمت عليهم فالمنعم عليهم هم غير المغضوب عليهم فإذا كان الأول معرفة كانت غير معرفة لإضافتها إلى محصل متميز غير مبهم فاكتسب منه التعريف وينبغي أن تتفطن هاهنا لنكتة لطيفة في غير تكشف لك حقيقة أمرها ف أين تكون معرفة وأين تكون نكرة وهي أن غيرا هي نفس ما تكون تابعة له وضد ما هي مضافة إليه فهي واقعة على متبوعها وقوع الاسم المرادف على مرادفه فإن المعرف هو تفسير غير المنكر والمنعم عليهم هم غير المغضوب عليهم هذا حقيقة اللفظة فإذا كان متبوعها نكرة لم تكن إلا نكرة وإن أضيفت كما إذا قلت رجل غيرك فعل كذا وكذا وإذا كان متبوعها معرفة لم تكن إلا معرفة كما إذا قيل المحسن غير المسيء محبوب معظم عند الناس والبر غير الفاجر مهيب والعادل غير الظالم مجاب الدعوة فهذا لا تكون فيه غير إلا معرفة ومن ادعى فيها التنكير هنا غلط وقال ما لا دليل عليه إذ لا إبهام فيها بحال فتأمله فإن قلت: عدم تعريفها بالإضافة له سبب آخر وهي أنها بمعنى مغاير اسم فاعل من غاير كمثل بمعنى مماثل وشبه بمعنى مشابه وأسماء الفاعلين لا تعرف بالإضافة وكذا ما ناب عنها قلت اسم الفاعل إنما لا يتعرف بالإضافة إذا أضيف إلى معموله لأن الإضافة في تقدير(2\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "248",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6463",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الانفصال نحو هذا ضارب زيد غدا وليست غير بعاملة فيما بعدها عمل اسم الفاعل في المفعول حتى يقال الإضافة في تقدير الانفصال بل إضافتها إضافة محضة كإضافة غيرها من النكرات ألا ترى أن قولك غيرك بمنزلة قولك سواك ولا فرق بينهما والله أعلم. فصل: وأما المسألة الحادية عشرة: وهي ما فائدة إخراج الكلام في قوله: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم مخرج البدل مع أن الأول في نية الطرح quot;فالجوابquot; أن قولهم الأول في البدل في نية الطرح كلام لا يصح أن يؤخذ على إطلاقه بل البدل نوعان نوع يكون الأول فيه في نية الطرح وهو بدل البعض من الكل وبدل الاشتمال لأن المقصود هو الثاني لا الأول وقد تقدم ونوع لا ينوي فيه طرح الأول وهو بدل الكل من الكل بل يكون الثاني بمنزلة التذكير والتوكيد وتقوية النسبة مع ما تعطيه النسبة الإسنادية إليه من الفائدة المتجددة الزائدة على الأول فيكون فائدة البدل التوكيد والإشعار بحصول وصف المبدل للمبدل منه فإنه لما قال: اهدنا الصراط المستقيم فكأن الذهن طلب المعرفة ما إذا كان هذا الصراط مختصا بنا أم سلكه غيرنا ممن هداه الله فقال: صراط الذين أنعمت عليهم وهذا كما إذا دللت رجلا على طريق لا يعرفها وأردت توكيد الدلالة وتحريضه على لزومها وأن لا يفارقها فأنت تقول هذه الطريق الموصلة إلى مقصودك ثم تزيد ذلك عنده توكيدا وتقوية فتقول وهي الطريق التي سلكها الناس والمسافرون وأهل النجاة أفلا ترى كيف أفاد وصفك لها بأنها طريق السالكين الناجين قدرا زائدا على وصفك لها بأنها طريق موصلة وقريبة سهلة مستقيمة فإن النفوس مجبولة على التأسي والمتابعة فإذا ذكر لها من تتأسى به(2\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "249",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6464",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في سلوكها أنست واقتحمتها فتأمله فصل: وأما المسألة الثانية عشرة: وهي ما وجه تفسير المغضوب عليهم باليهود والضالين بالنصارى مع تلازم وصفي الغضب والضلال فالجواب أن يقال هذا ليس بتخصيص يقتضي نفي كل صفة عن أصحاب الصفة الأخرى فإن كل مغضوب عليه ضال وكل ضال مغضوب عليه لكن ذكر كل طائفة بأشهر وصفيها وأحقها به وألصقه بها وأن ذلك هو الوصف الغالب عليهما وهذا مطابق لوصف الله اليهود بالغضب في القرآن والنصارى بالضلال فهو تفسير للآية بالصفة التي وصفهم بها في ذلك الموضع أما اليهود فقال تعالى في حقهم: بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين وفي تكرار هذا الغضب هنا أقوال أحدها: أنه غضب متكرر في مقابلة تكرر كفرهم برسول صلى الله عليه وسلم الله والبغي عليه ومحاربته فاستحقوا بكفرهم غضبا وبالبغي والصد عنه غضبا آخر ونظيره قوله تعالى: الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب فالعذاب الأول بكفرهم والعذاب الذي زادهم إياه بصدهم الناس عن سبيله القول الثاني: أن الغضب الأول بتحريفهم وتبديلهم وقتلهم الأنبياء والغضب الثاني بكفرهم بالمسيح القول الثالث: أن الغضب الأول بكفرهم بالمسيح والغضب الثاني بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والصحيح في الآية أن التكرار هنا ليس المراد به التثنية التي تشفع الواحد بل المراد غضب بعد غضب بحسب تكرر كفرهم وإفسادهم وقتلهم الأنبياء وكفرهم بالمسيح وبمحمد صلى الله عليه وسلم ومعاداتهم لرسل الله إلى غير ذلك من الأعمال التي كل عمل منها يقتضي(2\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "250",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6465",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غضبا على حدته وهذا كما في قوله: فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين أي كرة بعد كرة لا مرتين فقط وقصد التعدد في قوله: فباءوا بغضب على غضب أظهر ولا ريب أن تعطيلهم ما عطلوه من شرائع التوراة وتحريفهم وتبديلهم يستدعي غضبا وتكذيبهم الأنبياء يستدعي غضبا آخر وقتلهم إياهم يستدعي غضبا آخر وتكذبيهم المسيح وطلبهم قتله ورميهم أمه بالبهتان العظيم يستدعي غضبا وتكذبيهم النبي صلى الله عليه وسلم يستدعي غضبا ومحاربتهم له وأذاهم لأتباعه يقتضي غضبا وصدهم من أراد الدخول في دينه عنه يقتضي غضبا فهم الأمة الغضبية أعاذنا الله من غضبه فهي الأمة التي باءت بغضب الله المضاعف المتكرر وكانوا أحق بهذا الاسم والوصف من النصارى وقال تعالى في شأنهم: قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت فهذا غضب مشفوع باللعنة والمسخ وهو أشد ما يكون من الغضب وقال تعالى: لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون وأما وصف النصارى بالضلال ففي قوله تعالى: قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل فهذا خطاب للنصارى لأنه في سياق خطابه معهم بقوله: لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إلى قوله: وضلوا عن سواء السبيل فوصفهم بأنهم قد ضلوا أولا ثم أضلوا كثيرا وهم أتباعهم فهذا قبل مبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم حيث ضلوا في أمر المسيح وأضلوا أتباعهم فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ازدادوا ضلالا آخر بتكذيبهم له وكفرهم به فتضاعف الضلال في حقهم هذا(2\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "251",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6466",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قول طائفة منهم الزمخشري وغيره وهو ضعيف فإن هذا كله وصف لأسلافهم الذين هم لهم تبع فوصفهم بثلاث صفات إحداها أنهم قد ضلوا من قبلهم والثانية: أضلوا أتباعهم والثالثة: أنهم ضلوا عن سواء السبيل فهذه صفات لأسلافهم الذين نهي هؤلاء عن اتباع أهوائهم فلا يصح أن يكون وصفا للموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم هم المنهيون أنفسهم لا المنهي عنهم فتأمله وإنما سر الآية أنها اقتضت تكرار الضلال في النصارى ضلالا بعد ضلال لفرط جهلهم بالحق وهي نظير الآية التي تقدمت في تكرار الغضب في حق اليهود ولهذا كان النصارى أخص بالضلال من اليهود ووجه تكرار هذا الضلال أن الضلال قد أخطأ نفس مقصوده فيكون ضالا فيه فيقصد ما لا ينبغي أن يقصده ويعبد من لا ينبغي أن يعبده وقد يصيب مقصودا حقا لكن يضل في طريق طلبة والسبيل الموصلة إليه فالأول ضلال في الغاية والثاني ضلال في الوسيلة ثم إذا دعا غيره إلى ذلك فقد أضله وأسلاف النصارى اجتمعت لهم الأنواع الثلاثة فضلوا عن مقصودهم حيث لم يصيبوه وزعموا أن إلههم بشر يأكل ويشرب ويبكي وأنه قتل وصلب وصفع فهذا ضلال في نفس المقصود حيث لم يظفروا به وضلوا عن السبيل الموصلة إليه فلا اهتدوا إلى المطلوب ولا إلى الطريق الموصل إليه ودعوا أتباعهم إلى ذلك فضلوا عن الحق وعن طريقه وأضلوا كثيرا فكانوا أدخل في الضلال من اليهود فوصفوا بأخص الوصفين والذي يحقق ذلك أن اليهود إنما أتوا من فساد الإرادة والحسد وإيثار ما كان لهم على قومهم من السحت والرياسة فخافوا أن يذهب بالإسلام فلم يؤتوا من عدم العلم بالحق فإنهم كانوا يعرفون أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم ولهذا لم يوبخهم الله تعالى ويقرعهم إلا بإراداتهم الفاسدة من الكبر والحسد وإيثار السحت والبغي وقتل الأنبياء ووبخ النصارى بالضلال والجهل الذي هو عدم العلم بالحق فالشقاء والكفر ينشأ من عدم معرفة الحق تارة ومن عدم إرادته والعمل بها أخرى يتركب منها(2\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "252",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6467",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكفر اليهود نشأ من عدم إرادة الحق والعمل به وإيثار غير عليه بعد معرفته فلم يكن ضلالا محضا وكفر النصارى نشأ من جهلهم بالحق وضلالهم فيه فإذا تبين لهم وآثروا الباطل عليه أشبهوا الأمة الغضبية وبقوا مغضوبا عليهم ضالين ثم لما كان الهدى والفلاح والسعادة لا سبيل إلى نيله إلا بمعرفة الحق وإيثاره على غيره وكان الجهل يمنع العبد من معرفته بالحق والبغي يمنعه من إرادته كان العبد أحوج شيء إلى أن يسأل الله تعالى كل وقت أن يهديه الصراط المستقيم تعريفا وبيانا وإرشادا وإلهاما وتوفيقا وإعانة فيعلمه ويعرفه ثم يجعله مريدا له قاصدا لاتباعه فيخرج بذلك عن طريقة المغضوب عليهم الذين عدلوا عنه على عمد وعلم والضالين الذين عدلوا عنه عن جهل وضلال كان السلف يقولون من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى وهذا كما قالوا فإن من فسد من العلماء فاستعمل أخلاق اليهود من تحريف الكلم عن مواضعه وكتمان ما أنزل الله إذا كان فيه فوات غرضه وحسد من آتاه الله من فضله وطلب قتله وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس ويدعونهم إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم إلى غير ذلك من الأخلاق التي ذم بها اليهود من الكفر واللي والكتمان والتحريف والتحيل على المحارم وتلبيس الحق بالباطل فهذا شبهه باليهود ظاهر وأما من فسد من العباد فعبد الله بمقتضى هواه لا بما بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم وغلا في الشيوخ فأنزلهم منزلة الربوبية وجاوز ذلك إلى نوع من الحلول أو الإتحاد فشبهه بالنصارى ظاهر فعلى المسلم أن يبعد من هذين الشبهين غاية البعد ومن تصور الشبهين والوصفين وعلم أحوال الخلق علم ضرورته وفاقته إلى هذا الدعاء الذي ليس للعبد دعاء أنفع منه ولا أوجب منه عليه وأن حاجته إليه أعظم من حاجته إلى الحياة والنفس لأن غاية ما يقدر بفوتهما موته وهذا يحصل له بفوته شقاوة الأبد فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين إنه قريب مجيب فصل تقديم المغضوب عليهم ولا الضالين والضالين .آمين إنه قريب مجيب.(2\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "253",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6468",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: وأما المسألة الثالثة عشرة: وهو تقديم المغضوب عليهم على الضالين فلوجوه أحدها أنهم متقدمون عليهم بالزمان الثاني أنهم كانوا هم الذين يلون النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتابين فإنهم كانوا جيرانه في المدينة والنصارى كانت ديارهم نائية عنه ولهذا تجد خطاب اليهود والكلام معهم في القرآن الكريم أكثر من خطاب النصارى كما في سورة البقرة والمائدة وآل عمران وغيرها من السور الثالث أن اليهود أغلظ كفرا من النصارى ولهذا كان الغضب أخص بهم واللعنة والعقوبة فإن كفرهم عن عناد وبغي كما تقدم فالتحذير من سبيلهم والبعد منها أحق وأهم بالتقديم وليس عقوبة من جهل كعقوبة من علم الرابع وهو أحسنها أنه تقدم ذكر المنعم عليهم والغضب ضد الإنعام والسورة هي السبع المثاني التي يذكر فيها الشيء ومقابله فذكر المغضوب عليهم مع المنعم عليهم فيه من الازدواج والمقابلة ما ليس في تقديم الضالين فقولك الناس منعم عليه ومغضوب عليه فكن من المنعم عليهم أحسن من قولك منعم عليه وضال فصل اسم المفعول في المغضوب واسم الفاعل في الضال. فصل: وأما المسألة الرابعة عشرة: وهي أنه أتى في أهل الغضب باسم المفعول وفي الضالين باسم الفاعل فجوابهما ظاهر فإن أهل الغضب من غضب الله عليهم وأصابهم غضبه فهم مغضوب عليهم وأما أهل الضلال فإنهم هم الذين ضلوا وآثروا الضلال واكتسبوه ولهذا استحقوا العقوبة عليه ولا يليق أن يقال ولا المضلين مبنيا للمفعول لما في رائحته من إقامة عذرهم وأنهم لم يكتسبوا الضلال من أنفسهم بل فعل فيهم ولا حجة في هذا للقدرية فإنا نقول إنهم هم الذين ضلوا وإن كان الله أضلهم بل فيه رد على الجبرية الذين لا ينسبون إلى العبد فعلا إلا على جهة(2\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "254",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6469",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المجاز لا الحقيقة فتضمنت الآية الرد عليهم كما تضمن قوله اهدنا الصراط المستقيم الرد على القدرية ففي الآية إبطال قول الطائفتين والشهادة لأهل الحق أنهم هم المصيبون وهم المثبتون للقدر توحيدا وخلقا والقدرة لإضافة أفعال العباد إليهم عملا وكسبا وهو متعلق الأمر والعمل كما أن الأول متعلق الخلق والقدرة فاقتضت الآية إثبات الشرع والقدر والمعاد والنبوة فإن النعمة والغضب هو ثوابه وعقابه فالمنعم عليهم رسله وأتباعهم ليس إلا وهدى أتباعهم إنما يكون على أيديهم فاقتضى إثبات النبوة بأقرب طريق وأبينهما وأدلها على عموم الحاجة وشدة الضرورة إليها وأنه لا سبيل للعبد أن يكون من المنعم عليهم إلا بهداية الله له ولا تنال هذه الهداية إلا على أيدي الرسل وأن هذه الهداية لها ثمرة وهي النعمة التامة المطلقة في دار النعيم ولخلافها ثمرة وهي الغضب المقتضي للشفاء الأبدي فتأمل كيف اشتملت هذه الآية مع وجازتها واختصارها على أهم مطالب الدين وأجلها والله الهادي إلى سواء السبيل وهو أعلم. فصل: وأما المسألة الخامسة عشرة: وهي ما فائدة زيادة لا بين المعطوف والمعطوف عليه ففي ذلك أربع فوائد أحدها: أن ذكرها تأكيد للنفي الذي تضمنه غير فلولا ما فيها من معنى النفي لما عطف عليها ب لا مع الواو فهو في قوة لا المغضوب عليهم ولا الضالين أو غير المغضوب عليهم وغير الضالين الفائدة الثانية: أن المراد المغايرة الواقعة بين النوعين وبين كل نوع بمفرده فلو لم يذكر لا وقيل: غير المغضوب عليهم والضالين أوهم أن المراد ما غاير المجموع المركب من النوعين لا ما غاير كل نوع بمفرده فإذا قيل ولا الضالين كان صريحا في أن المراد صراط غير هؤلاء وغير هؤلاء وبيان ذلك أنك إذا قلت: ما قام زيد وعمرو فإنما نفيت القيام عنهما ولا يلزم من ذلك نفيه عن كل واحد منهما بمفرده الفائدة الثالثة: رفع توهم أن الضالين وصف للمغضوب(2\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "255",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6470",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليهم وأنهما صنف واحد وصفوا بالغضب والضلال ودخل العطف بينهما كما يدخل في عطف الصفات بعضها على بعض نحو قوله تعالى: قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون إلى آخرها فإن هذه صفات المؤمنين ومثل قوله: سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى ونظائره فلما دخلت لا علم أنهما صنفان متغايران مقصودان بالذكر وكانت لا أولى بهذا المعنى من غير لوجوه أحدها: أنها أقل حروفا الثاني: التفادي من تكرار اللفظ الثالث: الثقل الحاصل بالنطق ب غير مرتين من غير فصل إلا بكلمة مفردة ولا ريب أنه ثقيل على اللسان الرابع: أن لا إنما يعطف بها بعد النفي فالإتيان بها مؤذن بنفي الغضب عن أصحاب الصراط المستقيم كما نفى عنهم الضلال وغير وإن أفهمت هذا فلا أدخل في النفي منها وقد عرف بهذا جواب المسألة السادسة عشرة وهي أن لا إنما يعطف بها في النفي. فصل: وأما المسألة السابعة عشرة: وهي أن الهداية هنا من أي أنواع الهدايات فاعلم أن أنواع الهداية أربعة أحدها الهداية العامة المشتركة بين الخلق المذكورة في قوله تعالى: قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى أي أعطى كل شيء صورته التي لا يشتبه فيها بغيره وأعطى كل عضو شكله وهيئته وأعطى كل موجود خلقه المختص به ثم هداه إلى ما خلقه له من الأعمال وهذه هداية الحيوان المتحرك بإرادته إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره وهداية الجمال المسخر لما خلق له فله هداية تليق به كما أن لكل نوع من الحيوان هداية تليق به وإن اختلفت أنواعها وصورها وكذلك كل عضو له هداية تليق به فهدى الرجلين للمشي واليدين للبطش والعمل واللسان للكلام والأذن للاستماع والعين لكشف المرئيات وكل عضو لما خلق له(2\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "256",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6471",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهدى الزوجين من كل حيوان إلى الازدواج والتناسل وتربية الولد وهدى الولد إلى التقام الثدي عند وضعه وطلبه مراتب هدايته سبحانه لا يحصيها إلا هو فتبارك الله رب العالمين وهدى النحل أن تتخذ من الجبال بيوتا ومن الشجر ومن الأبنية ثم تسلك سبل ربها مذللة لها لا تستعصي عليها ثم تأوي إلى بيوتها وهداها إلى طاعة يعسوبها واتباعه والائتمام به أين توجه بها ثم هداها إلى بناء البيوت العجيبة الصنعة المحكمة البناء ومن تأمل بعض هدايته المثبوتة في العالم شهد له بأنه الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم وانتقل من معرفة هذه الهداية إلى إثبات النبوة بأيسر نظر وأول وهلة وأحسن طريق وأخصرها وأبعدها من كل شبهة فإنه لم يهمل هذه الحيوانات سدى ولم يتركها معطلة بل هداها إلى هذه الهداية التي تعجز عقول العقلاء عنها كيف يليق به أن يترك النوع الإنساني الذي هو خلاصة الوجود الذي كرمه وفضله على كثير من خلقه مهملا وسدى معطلا لا يهديه إلى أقصى كمالاته وأفضل غاياته بل يتركه معطلا لا يأمره ولا ينهاه ولا يثبه ولا يعاقبه وهل هذا إلا مناف لحكمته ونسبته له مما لا يليق بجلاله ولهذا أنكر ذلك على من زعمه ونزه نفسه عنه وبين أنه يستحيل نسبة ذلك إليه وأنه يتعالى عنه فقال تعالى: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق فنزه نفسه عن هذا الحسبان فدل على أنه مستقر بطلانه في الفطر السليمة والعقول المستقيمة وهذا أحد ما يدل على إثبات المعاد بالعقل وأنه مما تظاهر عليه العقل والشرع وكما هو أصح الطريقين في ذلك ومن فهم هذا فهم سر اقتران قوله تعالى: وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون بقوله تعالى: وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون وكيف جاء ذلك في معرض جوابهم عن هذا السؤال والإشارة به إلى إثبات النبوة وأن من لم يهمل أمر كل دابة في الأرض ولا طائر(2\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "257",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6472",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يطير بجناحيه بل جعلها أمما وهداها إلى غاياتها ومصالحها وكيف لا يهديكم إلى كمالكم ومصالحكم فهذه أحد أنواع الهداية وأعمها النوع الثاني: هداية البيان والدلالة والتعريف لنجدي الخير والشر وطريقي النجاة والهلاك وهذه الهداية لا تستلزم الهدى التام فإنها سبب وشرط لا موجب ولهذا ينبغي الهدى معها كقوله تعالى: وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى أي بينا لهم وأرشدناهم ودللناهم فلم يهتدوا ومنها قوله: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم النوع الثالث: هداية التوفيق والإلهام وهي الهداية المستلزمة للاهتداء فلا يتخلف عنها وهي المذكورة في قوله: يضل من يشاء ويهدي من يشاء وفي قوله: إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له quot; رواه مسلم وأحمد والبيهقي وفي قوله تعالى: إنك لا تهدي من أحببت فنفى عنه هذه الهداية وأثبت له هداية الدعوة والبيان في قوله: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم النوع الرابع: غاية هذه الهداية وهي الهداية إلى الجنة والنار إذا سيق أهلهما إليهما قال تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم وقال أهل الجنة فيها: الحمد لله الذي هدانا لهذا وقال تعالى عن أهل النار: احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم إذا عرف هذا فالهداية المسئولة في قوله: الصراط المستقيم إنما تتناول المرتبة الثانية والثالثة خاصة فهي طلب التعريف والبيان والإرشاد والتوفيق والإلهام طلب التعريف والبيان والتوفيق فإن قيل: كيف يطلب التعريف والبيان وهو حاصل له وكذلك الإلهام والتوفيق قلنا: لقد أجيب عنها بأن المراد التثبيت ودوام الهداية واعلم أن العبد لا يحصل له الهدى التام المطلوب إلا بعد ستة أمور هو محتاج إليها حاجة(2\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "258",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6473",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا غنى له عنها الأمر الأول معرفته في جميع ما يأتيه ويذره بكونه محبوبا للرب تعالى مرضيا له فيؤثره وكونه مغضوبا له مسخوطا عليه فيجتنبه فإن نقص من هذا العلم والمعرفة شيء نقص من الهداية التامة بحسبه الأمر الثاني: أن يكون مريد الجميع ما يحب الله منه أن يفعله عازما عليه ومريدا لترك جميع ما نهى الله عازما على تركه بعد خطوره بالبال مفصلا وعازما على تركه من حيث الجملة مجملا فإن نقص من إرادته لذلك شيء نقص من الهدى التام بحسب ما نقص من الإرادة الأمر الثالث أن يكون قائما به فعلا وتركا فإن نقص من فعله شيء نقص من هداه بحسبه فهذه ثلاثة هي أصول في الهداية ويتبعها ثلاثة هي من تمامها وكمالها أحدها: أمور هدي إليها جملة ولم يهتد إلى تفاصيلها فهو محتاج إلى هداية التفصيل فيها الثاني: أمرو هدي إليها من وجه دون وجه فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها لتكمل له هدايتها الثالث: الأمور التي هدي إليها تفصيلا من جميع وجوهها فهو محتاج إلى الاستمرار إلى الهداية والدوام عليها فهذه أصول تتعلق بما يعزم على فعله وتركه الأمر السابع يتعلق بالماضي وهو أمور وقعت منه على غير جهة الاستقامة فهو محتاج إلى تداركها بالتوبة منها وتبديلها بغيرها وإذا كان كذلك فإنما يقال كيف يسأل الهداية وهي موجودة له ثم يجاب عن ذلك بأن المراد التثبيت والدوام عليها إذا كانت هذه المراتب حاصلة له بالفعل فحينئذ يكون سؤاله الهداية سؤال تثبيت ودوام فأما إذا كان ما يجهله أضعاف ما يعلمه وما لا يريده من رشده أكثر مما يريده ولا سبيل له إلى فعله إلا بأن يخلق الله فاعليه فيه فالمسئول هو أصل الهداية على الدوام تعليما وتوفيقا وخلقا للإرادة فيه وإقدارا له وخلقا للفاعلية وتثبيتا له على ذلك فعلم أنه ليس أعظم ضرورة منه إلى سؤال الهداية أصلها وتفصيلها علما وعملا والتثبيت عليها والدوام إلى الممات وسر ذلك أن العبد مفتقر إلى الهداية في كل نفس في جميع ما يأتيه ويذره أصلا وتفصيلا وتثبيتا ومفتقر إلى مزيد العلم بالهدى على الدوام فليس له أنفع ولا هو إلى شيء أحوج(2\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "259",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6474",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من سؤال الهداية فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم وأن يثبت قلوبنا على دينه. فصل: أما المسألة التاسعة عشرة: وهي الإتيان بالضمير في قوله: اهدنا الصراط ضمير جمع فقد قال بعض الناس في جوابه: إن كل عضو من أعضاء العبد وكل حاسة ظاهرة وباطنة مفتقرة إلى هداية خاصة به فأتى بصيغة الجمع تنزيلا لكل عضو من أعضائه منزلة المسترشد الطالب لهداه وعرضت هذا الجواب على شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه فاستضعفه جدا وهو كما قال: quot;فإن الإنسان اسم للجملة لا لكل جزء من أجزائه وعضو من أعضائهquot; والقائل إذا قال: quot;اغفر لي وارحمني واجبرني وأصلحني واهدنيquot; سائل من الله ما يحصل لجملته ظاهره وباطنه فلا يحتاج أن يستشعر لكل عضو مسألة تخصه يفرد لها لفظه فالصواب أن يقال هذا مطابق لقوله: إياك نعبد وإياك نستعين والإتيان بضمير الجمع في الموضعين أحسن وأفخم فإن المقام مقام عبودية وافتقار إلى الرب تعالى وإقرار بالفاقة إلى عبوديته واستعانته وهدايته فأتى به بصيغة ضمير الجمع أي نحن معاشر عبيدك مقرون لك بالعبودية وهذا كما يقول العبد للملك المعظم شأنه نحن عبيدك ومماليكك وتحت طاعتك ولا نخالف أمرك فيكون هذا أحسن وأعظم موقعا عند الملك من أن يقول أنا عبدك ومملوكك ولهذا لو قال أنا وحدي مملوكك استدعى مقته فإذا قال أنا وكل من في البلد مماليكك وعبيدك وجند لك كان أعظم وأفخم لأن ذلك يتضمن أن عبيدك كثير جدا وأنا واحد منهم وكلنا مشتركون في عبوديتك والاستعانة بك وطلب الهداية منك فقد تضمن(2\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "260",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6475",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك من الثناء على الرب بسعة مجده وكثرة عبيده وكثرة سائليه الهداية ما لا يتضمنه لفظ الإفراد فتأمله وإذا تأملت أدعية القرآن رأيت عامتها على هذا النمط نحو: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ونحو دعاء آخر البقرة وآخر آل عمران وأولها وهو أكثر أدعية القرآن الكريم. فصل: المسألة العشرون: وهي ما هو الصراط المستقيم فنذكر فيه قولا وجيزا فإن الناس قد تنوعت عباراتهم فيه وترجمتهم عنه بحسب صفاته ومتعلقاته وحقيقته شيء واحد وهو طريق الله الذي نصه لعباده على ألسن رسله وجعله موصلا لعباده إليه ولا طريق لهم إليه سواه بل الطرق كلها مسدودة إلا هذا وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسوله بالطاعة فلا يشرك به أحدا في عبوديته ولا يشرك برسوله أحدا في طاعته فيجرد التوحيد ويجرد متابعة الرسول وهذا معنى قول بعض العارفين: quot;إن السعادة والفلاح كله مجموع في شيئين صدق محبته وحسن معاملتهquot; وهذا كله مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فأي شيء فسر به الصراط فهو داخل في هذين الأصلين ونكتة ذلك وعقده أن تحبه بقلبك كله وترضيه بجهدك كله فلا يكون في قلبك موضع إلا معمور بحبه ولا تكون لك إرادة إلا متعلقة بمرضاته الأول يحصل بالتحقيق بشهادة أن لا إله إلا الله والثاني يحصل بالتحقيق بشهادة أن محمدا رسول الله وهذا هو الهادي ودين الحق وهو معرفة الحق والعمل له وهو معرفة ما بعث الله به رسله والقيام به فقل ما شئت من العبارات التي هذا أحسنها وقطب رحاها وهي معنى قول من قال علوم وأعمال ظاهرة وباطنة مستفادة من مشكاة النبوة ومعنى قول من قال: متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا علما وعملا(2\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "261",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6476",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومعنى قول من قال: الإقرار لله بالوحدانية والاستقامة على أمره وأما ما عدا هذا من الأقوال كقول من قال: الصلوات الخمس وقول من قال: حب أبي بكر وعمر وقول من قال: هو أركان الإسلام الخمس التي بني عليها فكل هذه الأقوال تمثيل وتنويع لا تفسير مطابق له بل هي جزء من أجزائه وحقيقته الجامعة ما تقدم والله أعلم. فائدة: في بدل البعض من الكل وبدل المصدر من الاسم وهما جميعا يرجعان في المعنى والتحصيل إلى بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة إلا أن البدل في هذين الموضعين لا بد من إضافته إلى ضمير المبدل منه بخلاف بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة أما اتفاقهم في المعنى فإنك إذا قلت: رأيت القوم أكثرهم أو نصفهم فإنما تكلمت بالعموم وأنت تريد الخصوص وهو كثير شائع فأردت بعض القوم وجعلت أكثرهم أو نصفهم تبيينا لذلك البعض وأضفته إلى ضمير القوم كما كان الاسم المبدل مضافا إلى القوم فقد آل الكلام إلى أنك أبدلت شيئا من شيء وهما لعين واحدة وكذلك بدل المصدر من الاسم لأن الاسم من حيث كان جوهرا لا يتعلق به المدح والذم والإعجاب والحب والبغض إنما متعلق ذلك ونحوه صفات وأعراض قائمة به فإذا قلت: نفعني عبد الله علمه دل أن الذي نفعك منه صفة وفعل من أفعاله ثم بينت ذلك الوصف فقلت علمه أو إرشاده أو رويته فأضفت ذلك إلى ضمير الاسم كما كان الاسم المبدل منه مضافا إليه في المعنى فصار التقدير نفعني صفة زيد أو خصلة من خصاله ثم بينتها بقولك علمه أو إحسانه أو لقاؤه فآل المعنى إلى بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة وإذا تقرر هذا فلا يصح في بدل الاشتمال أن يكون الثاني جوهرا لأنه لا يبدل جوهر من عرض ولا بد من(2\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "262",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6477",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إضافته إلى ضمير الاسم لأنه بيان لما هو مضاف إلى ذلك الاسم في التقدير والعجب من الفارسي يقول في قوله تعالى: النار ذات الوقود أنها بدل من الأخدود بدل اشتمال والنار جوهر قائم بنفسه ثم ليست مضافة إلى ضمير الأخدود وليس فيها شرط من شرائط الاشتمال وذهل أبو علي عن هذا وترك ما هو أصح في المعنى وأليق بصناعة النحو وهو حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه فكأنه قيل أصحاب الأخدود أخدود النار ذات الوقود فيكون من بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة كما قال الشاعر: رضيعي لبان ثدي أم تحالفا على رواية الجر في ثدي أم أراد لبان ثدي فحذف المضاف. فائدة بديعة: قوله تعالى: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا حج البيت مبتدأ وخبره في أحد المجرورين قبله والذي يقتضيه المعنى أن يكون في قوله على الناس لأنه وجوب والوجوب يقتضي على ويجوز أن يكون في قوله ولله لأنه يتضمن الوجوب والاستحقاق ويرجح هذا التقدير أن الخبر محط الفائدة وموضعها وتقديمه في هذا الباب في نية التأخير وكان الأحق أن يكون ولله ويرجح الوجه الأول بأن يقال قوله: quot;حج البيت على الناسquot; أكثر استعمالا في باب الوجوب من أن يقال حج البيت لله تعالى أي حق واجب لله فتأمله وعلى هذا ففي تقديم المجرور الأول وليس بخبر فائدتان إحداهما: أنه اسم للموجب للحج فكان أحق بالتقديم من ذكر الوجوب فتضمنت الآية ثلاثة أمور مرتبة بحسب الوقائع أحدها: الموجب لهذا الفرض فبديء بذكره والثاني: مؤدي الواجب وهو المفترض عليه وهم الناس والثالث: النسبة(2\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "263",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6478",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحق المتعلق به إيجابا وبهم وجوبا وأداء وهو الحج والفائدة الثانية: أن الاسم المجرور من حيث كان لله تعالى اسما سبحانه وجب الاهتمام بتقديمه تعظيما لحرمة هذا الواجب الذي أوجبه وتخويفا من تضييعه إذ ليس ما أوجبه الله سبحانه بمثابة ما أوجبه غيره وأما قوله: من فهي بدل وقد استهوى طائفة من الناس بأنها فاعل المصدر كأنه قال: quot;أن يحج البيت من استطاع إليه سبيلاquot; وهذا القول يضعف من وجوه منها أن الحج فرض عين ولو كان معنى الآية ما ذكره لأفهم فرض الكفاية لأنه إذا حج المستطيعون برئت ذمم غيرهم لأن المعنى يؤول إلى ولله على الناس أن يحج البيت مستطيعهم فإذا أدى المستطيعون الواجب لم يبق واجبا على غير المستطيعين وليس الأمر كذلك بل الحج فرض عين على كل أحد حج المستطيعون أو قعدوا ولكن الله سبحانه عذر غير المستطيع بعجزه عن أداء الواجب فلا يؤاخذه به ولا يطالبه بأدائه فإذا حج أسقط الفرض عن نفسه وليس حج المستطيعين بمسقط للفرض عن العاجزين وإن أردت زيادة إيضاح فإذا قلت: واجب على أهل هذه الناحية أن يجاهد منهم الطائفة المستطيعة للجهاد فإذا جاهدت تلك الطائفة انقطع تعلق الوجوب عن غيرهم وإذا قلت: واجب على الناس كلهم أن يجاهد منهم المستطيع كان الوجوب متعلقا بالجميع وعذر العاجز بعجزه ففي نظم الآية على هذا الوجه دون أن يقال ولله حج البيت على المستطيعين هذه النكتة البديعة فتأملها الوجه الثاني: أن إضافة المصدر إلى الفاعل إذا وجد أولى من إضافته إلى المفعول ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بدليل منقول فلو كان من هو الفاعل لأضيف المصدر إليه وكان يقال ولله على الناس حج البيت من استطاع وحمله على باب يعجبني ضرب زيدا عمرو مما يفصل به بين المصدر وفاعله المضاف إليه بالمفعول والظرف حمل على المكثور المرجوح وهي قراءة ابن عامر قتل أولادهم بفتح الدال شركائهم فلا يصار إليه وإذا ثبت أن من بدل بعض من كل وجب أن يكون في الكلام ضمير يعود(2\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "264",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6479",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى الناس كأنه قيل: من استطاع منهم وحذف هذا الضمير في أكثر الكلام لا يحسن وحسنه هاهنا أمور منها أن من واقعة على من يعقل كالاسم المبدل منه فارتبطت به ومنها: أنها موصولة بما هو أخص من الاسم الأول ولو كانت الصلة أعم لقبح حذف الضمير العائد ومثال ذلك إذا قلت: رأيت أخواتك من ذهب إلى السوق تريد من ذهب منهم لكان قبيحا لأن الذاهب إلى السوق أعم من الأخوة وكذلك لو قلت البس الثياب ما حسن وجمل تريد منها ولم تذكر الضمير لكان أبعد في الجواز لأن لفظ ما حسن أعم من الثياب وباب بدل البعض من الكل أن يكون أخص من المبدل منه فإذا كان أعم وأضفته إلى ضمير أو قيدته بضمير يعود إلى الأول ارتفع العموم وبقي الخصوص ومما حسن حذف الضمير في هذه الآية أيضا مع ما تقدم طول الكلام بالصلة والموصول وأما المجرور من قوله إليه فيحتمل وجهين أحدهما: أن يكون في موضع حال من سبيل كأنه نعت نكرة قدم عليها لأنه لو تأخر لكان في موضع النعت لسبيل والثاني أن يكون متعلقا بسبيل فإن قيل: كيف يتعلق به وليس فيه معنى الفعل قيل: السبيل كان هاهنا عبارة عن الموصل إلى البيت من قوت وزاد ونحوهما كان فيه رائحة الفعل ولم يقصد به السبيل الذي هو الطريق فصلح تعلق المجرور به واقتضى حسن النظم وإعجاز اللفظ تقديم المجرور وإن كان موضعه التأخير لأنه ضمير يعود على البيت والبيت هو المقصود به الاعتناء وهم يقدمون في كلامهم ما هم به أهم وببيانه أعنى هذا تعبير السهيلي وهو بعيد جدا بل الصواب في متعلق الجار والمجرور وجه آخر أحسن من هذين ولا يليق بالآية سواه وهو الوجوب المفهوم من قوله على الناس أي يجب على الناس الحج فهو حق واجب وأما تعليقه بالسبيل أو جعله حالا منها ففي غاية البعد فتأمله ولا يكاد يخطر بالبال من الآية وهذا كما يقول لله عليك الحج ولله عليك الصلاة والزكاة ومن فوائد الآية وأسرارها أنه سبحانه إذا ذكر ما يوجبه ويحرمه يذكره بلفظ الأمر(2\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "265",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6480",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنهي وهو الأكثر أو بلفظ الإيجاب والكتاب والتحريم نحو: كتب عليكم الصيام حرمت عليكم الميتة قل تعالوا أتل ما حرم ربكم نظم الآية وتأكد الوجوب وفي الحج أتى بهذا النظم الدال على تأكد الوجوب من عشرة أوجه أحدها: أن قدم اسمه تعالى وأدخل عليه لام الاستحقاق والاختصاص ثم ذكر من أوجبه عليهم بصيغة العموم الداخلة عليها حرف على ثم أبدل منه أهل الاستطاعة ثم نكر السبيل في سياق الشرط إيذانا بأنه يجب الحج على أي سبيل تيسرت من قوت أو مال فعلق الوجوب بحصول ما يسمى سبيلا ثم أتبع ذلك بأعظم التهديد بالكفر فقال: ومن كفر أي بعدم التزام هذا الواجب وتركه ثم عظم الشأن وأكد الوعيد بإخباره باستغنائه عنه والله تعالى هو الغني الحميد ولا حاجة به إلى حج أحد وإنما في ذكر استغنائه عنه هنا من الإعلام بمقته له وسخطه عليه وإعراضه بوجهه عنه ما هو من أعظم التهديد وأبلغه ثم أكد ذلك بذكر اسم العالمين عموما ولم يقل فإن الله غني عنه لأنه إذا كان غنيا عن العالمين كلهم فله الغنى الكامل التام من كل وجه عن كل أحد بكل اعتبار وكان أدل على عظم مقته لتارك حقه الذي أوجبه عليه ثم أكد هذا المعنى بأداة إن الدالة على التوكيد فهذه عشرة أوجه تقتضي تأكيد هذا الغرض العظيم وتأمل سر البدل في الآية المقتضى لذكر الإسناد مرتين مرة بإسناده إلى عموم الناس ومرة بإسناده إلى خصوص المستطيعين وهذا من فوائد البدل تقوية المعنى وتأكيده بتكرار الإسناد ولهذا كان فيه نية تكرار العامل وإعادته ثم تأمل ما في الآية من الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال وكيف تضمن ذلك إيراد الكلام في صورتين وحلتين اعتناء به وتأكيدا لشأنه ثم تأمل كيف افتتح هذا الإيجاب بذكر محاسن البيت وعظم شأنه بما يدعو النفوس إلى قصده وحجه وإن لم يطلب ذلك منها فقال: إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا فوصفه بخمس صفات أحدها: أنه أسبق بيوت العالم وضع في الأرض الثاني: أنه مبارك والبركة كثرة الخير ودوامه وليس في بيوت العالم(2\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "266",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6481",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبرك منه ولا أكثر خيرا ولا أدوم ولا أنفع للخلائق الثالث: أنه هدى وصفه بالمصدر نفسه مبالغة حتى كأنه هو نفس الهدى الرابع: ما تضمنه من الآيات البينات التي تزيد على أربعين آية الخامس: الأمن لداخله وفي وصفه بهذه الصفات دون إيجاب قصده ما يبعث النفوس على حجه وإن شطت بالزائرين الديار وتناءت بهم الأقطار ثم أتبع ذلك بصريح الوجوب المؤكد بتلك التأكيدات وهذا يدلك على الاعتناء منه سبحانه بهذا البيت العظيم والتنويه بذكره والتعظيم لشأنه والرفعة من قدره ولو لم يكن له شرف إلا إضافته إياه إلى نفسه بقوله: وطهر بيتي للطائفين لكفى بهذه الإضافة فضلا وشرفا وهذه الإضافة هي التي أقبلت بقلوب العالمين إليه وسلبت نفوسهم حبا له وشوقا إلى رؤيته فهو المثابة للمحبين يثوبون إليه ولا يقضون منه وطرا أبدا كلما ازدادوا له زيادة ازدادوا له حبا وإليه اشتياقا فلا الوصال يشفيهم ولا البعاد يسلبهم كما قيل: أطوف به والنفس بعد مشوقة ... إليه وهل بعد الطواف تداني وألثم منه الركن أطلب برد ما ... بقلبي من شوق ومن هيمان فو الله ما أزداد إلا صبابة ... ولا القلب إلا كثرة الخفقان فيا جنة المأوى ويا غاية المنى ... ويا منيتي من دون كل أمان أبت غلبات الشوق إلا تقربا ... إليك فما لي بالبعاد يدان وما كان صدى عنك صد ملالة ... ولي شاهد من مقلني ولساني دعوت اصطباري عنك بعدك والبكا ... فلبى البكا والصبر عنك عصاني وقد زعموا أن المحب إذا نأى ... سيبلى هواه بعد طول زمان ولو كان هذا الزعم حقا لكان ذا ... دواء الهوى في الناس كل أوان بل إنه يبلى التصبر والهوى ... على حاله لم يبله الملوان وهذا محب قاده الشوق والهوى ... بغير زمام قائد وعنان أتاك على بعد المزار ولو ونت ... مطيته جاءت به القدمان(2\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "267",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6482",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة بديعة: قوله تعالى: يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه من باب بدل الاشتمال والسؤال إنما وقع عن القتال فيه فلم قدم الشهر وقد قلتم إنهم يقدمون ما هم ببيانه أهم وهم به أعنى قيل السؤال لم يقع منهم إلا بعد وقوع القتال في الشهر وتشنيع أعدائهم عليهم وانتهاك حرمته فكان اعتناؤهم واهتمامهم بالشهر فوق اهتمامهم بالقتال فالسؤال إنما وقع من أجل حرمة الشهر فلذلك قدم في الذكر وكان تقديمه مطابقا لما ذكرنا من القاعدة فإن قيل: فما الفائدة في إعادة ذكر القتال بلفظ الظاهر وهلا اكتفى بضميره فقال قل هو كبير وأنت إذا قلت سألته عن زيد أهو في الدار كان أوجز من أن تقول أزيد في الدار قيل في إعادته بلفظ الظاهر نكتة بديعة وهي تعلق الحكم الخبري باسم القتال فيه عموما ولو أتى بالمضمر وقال هو كبير لتوهم اختصاص الحكم بذلك القتال المسئول عنه وليس الأمر كذلك وإنما هو عام في كل قتال وقع في شهر حرام ونظير هذه الفائدة قوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن الوضوء بماء البحر فقال: quot;هو الطهور ماؤه الحل ميتته quot; صحيح فأعاد لفظ الماء ولم يقتصر على قوله: quot;نعم توضئوا بهquot; لئلا يتوهم اختصاص الحكم بالسائلين لضرب من ضروب الاختصاص فعدل عن قوله: quot;نعم توضئواquot; إلى جواب عام يقتضي تعلق الحكم والطهور به بنفس مائه من حيث هو فأفاد استمرار الحكم على الدوام وتعلقه بعموم الآية وبطل توهم قصره على السبب فتأمله فإنه بديع فكذلك في الآية لما قال قتال فيه كبير فجعل الخبر بكبير واقعا على قتال فيه فيطلق الحكم به على العموم ولفظ المضمر لا يقتضي ذلك وقريب من هذا قوله تعالى: والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين ولم يقل(2\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "268",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6483",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أجرهم تعليقا لهذا الحكم بالوصف وهو كونهم مصلحين وليس في الضمير ما يدل على الوصف المذكور وقريب منه وهو ألطف معنى قوله تعالى: ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولم يقل فيه تعليقا لحكم الاعتزال بنفس الحيض وأنه هو سبب الاعتزال وقال تعالى: قل هو أذى ولم يقل الحيض لأن الآية جار: قل هو أذى فإنه إخبار بالواقع والمخاطبون يعلمون أن جهة كونه أذى هو نفس كونه حيضا بخلاف تعليق الحكم به فإنه إنما يعلم بالشرع فتأمله. فائدة: إنما امتنع مجيء الحال من المضاف إليه لأن الحال شبه الظرف والمفعول فلا بد لها من عامل ومعنى الإضافة أضعف من لامها ولامها لا تعمل في ظرف ولو مفعول فمعناها أولى بعدم العمل فإن قلت: فاجعل العامل فيها هو العامل في المضاف قلت: هو محال لا يجب اتحاد العامل في الحال وصاحبها فلو كان العامل فيها هو العامل في المضاف لكانت حالا منه دون المضاف إليه فتستحيل المسألة فأما إذا كان المضاف فيه معنى الفعل نحو: قولك هذا ضارب هند قائمة وأعجبني خروجها راكبة جاز انتصاب الحال من المضاف إليه لأن ما في المضاف من معنى الفعل واقع على المضاف إليه وعامل فيما هو حال منه وعلى هذا جاء قوله تعالى: قال النار مثواكم خالدين فيها وقوله: أولئك أصحاب النار خالدين فيها فإن ما في مثوى وأصحاب من معنى الفعل يصحح عمله في الحال بخلاف قولك: رأيت غلام هند راكبة فإنه ليس في الغلام شيء من رائحة الفعل وقد يجوز انتصاب الحال عن(2\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "269",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6484",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المضاف إليه إذا كان المضاف جزءه أو منزلا منزلة جزئه نحو رأيت وجه هند قائمة لأن البعض يجري عليه حكم الكل في اقتضاء العامل له فجاز أن يعمل في الحال ما يعمل في بعض صاحبها لتنزله منزلته وسريان حكم البعض إلى الكل لا ينكر لا لغة ولا شرعا ولا عقلا فاللغة نحو هذا ونحو قوله ذهبت بعض أصابعه وسرقت صدر القناة وتواصفت سور المدينة وهو كثير وأما الشرع فكسريان العتق في الشقص المشترك وأما العقل فإن الارتباط الذي بين الجزء والكل يقتضي أن يثبت لأحدهما ما يثبت للآخر وعلى هذا جاء قول الشاعر: كان حواء منه مدبرا وقول حبيب: والعلم في شهب الأرماح لامعة فائدة بديعة: إن قيل: كيف يضمرون الناصب في مثل ولبس عباءة وتقر عيني وبابه ولا يجوزون إضمار الخافض ولا الجازم ولا إضمار نواصب الأسماء وعوامل الأسماء عندكم أقوى من عوامل الأفعال قيل نحن لا نجيز إضمار أن الناصبة إلا بإحدى شرائط إما مع الواو العاطفة على مصدر نحو تقتضى لبانات وسيام سايم ولبس عباءة وتقر عيني ألا ترى أنك لو جعلت مكان اللبس والتقضي اسما غير مصدر فقلت: يعجبني زيد ويذهب عمرو لم يجز وإنما جاز هذا مع المصدر لأن الفعل المنصوب بأن مشتق من المصدر ودال عليه بلفظه فكأنك عطفت مصدرا على مصدر فإن قيل: فكان ينبغي أن يستغنى بمجرد لفظ الفعل عن ذكر المصدر وإضمار أن فيقال: ألبس عباءة وتقر عيني وأقضي لبانات وسيام سايم قيل: هذا سؤال حسن يستدعي جوابا قويا وقد أجيب عنه بأن الأول لو جعل فعلا مضارعا لكان مرفوعا فإذا عطفت عليه الثاني: شاركه في إعرابه وعامله ورافع المضارع ضعيف(2\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "270",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6485",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يقوى على العمل في الفعلين فإن العامل في المعطوف والمعطوف عليه واحد ولا يخفى فساد هذا الجواب فإنه منتقض بالطم والرم مما يعطف فيه المضارع على مثله كقوله: زيد يذهب ويركب وإنما يذهب ويخرج زيد وأمثال ذلك فالجواب الصحيح أن يقال المراد ما في المصدر من الدلالة على ثبوت نفس الحدث وتعليق الحكم به دون تقييده بزمان دون زمان فلو أتى الفعل المقيد بالزمان لفات الغرض ألا ترى أن قولها ولبس عباءة وتقر عيني المراد به حصول نفس اللبس مع كونها تقر عينها كل وقت شيئا بعد شيء فقرة العين مطلوب تجددها بحسب تجدد الأوقات وليس هذا مرادا في لبس العباءة وكذا قولك آكل الشعير وأكف وجهي عن الناس أحب إلى من أكل البر وأبذل وجهي لهم أفلا ترى تفضيل أكل الشعير على أكل البر ويدوم له كف وجهه عن الناس كما أن تلك فضلت لبس العباءة على لبس الشفوف وتدوم لها قرة العين فعلمت أن المقصود ماهية المصدر وحقيقته لا تقييده بزمان دون زمان ولما كانت أن والفعل تقع موقع المصدر ويؤولان به في الإخبار عنهما كما يخبر عن الاسم نحو قوله: وأن تصوموا خير لكم أي صيامكم أول المصدر ب أن والفعل في صحة عطف الفعل عليه وهذا من باب المقابلة والموازنة وقد جاء عطف الفعل على الاسم إذا كان فيه معنى الفعل نحو: صافات ويقبضن وإن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله تعالى ومنه وجيها ومن المقربين ويكلم الناس في المهد لأن الاسم المعطوف عليه لما كان حاملا للضمير صار بمنزلة الفعل ولو كان مصدرا لم يجز عطف الفعل عليه إلا بإضمار أن لأن المصادر لا تتحمل الضمائر فإن قيل: فلم جاز عطف الفعل على الاسم الحامل للضمير ولم يعطف الاسم على الفعل فتقول مررت برجل يقعد وقائم كما تقول قائم ويقعد قيل: هذا سؤال قوي ولما رأى بعض النحاة أنه لا فرق بينهما أجاز ذلك وهو الزجاج فإنه أجازه في معاني القرآن والصحيح أنه قبيح والفرق بينهما أنك إذا عطفت الفعل على الاسم المشتق منه رددت الفرع إلى الأصل لأن الاسم أصل الفعل والفعل متفرع عنه(2\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "271",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6486",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فجاز عطف الفعل عليه لأنه ثان والثواني فروع على الأوائل وإذا عطفت الاسم على الفعل كنت قد رددت الأصل فرعا وجعلته ثانيا وهو أحق بأن يكون مقدما لأصالته. وسر المسألة: أن عطف الفعل على الاسم في مثل قوله صافات ويقبضن ومررت برجل قائم ويقعد أن الاسم معتمد على ما قبله وإذا كان إسم الفاعل معتمدا عمل عمل الفعل وجرى مجراه والاعتماد أن يكون نعتا أو خبرا أو حالا والذي بعد الواو ليس بمعتمد بل هو اسم محض فيجري مجرى الفعل فائدة: لما كان الفعل اللازم هو الذي لزم فاعله ولم يجاوزه إلى غيره جاء مصدره مثقلا بالحركات إذ المثقل من صفة ما لزم محله ولم ينتقل عنه إلى غيره والخفة من صفة المنتقل من محله إلى غيره فكان خفة اللفظ في هذا الباب وثقله موازنا للمعنى فما لزم مكانه ومحله فهو الثقيل لفظا ومعنى وما جاوزه وتعداه فهو الخفيف لفظا ومعنى ومن هاهنا يرجح قول سيبويه أن دخلت الدار غير متعد لأن مصدره دخول فهو كالخروج والقعود وبابه إلا أن الفعل منه لم يجيء على فعل لأنه ليس بطبع في الفاعل ولا خصلة ثابتة فيه فإن كان الفعل عبارة عما هو طبع وخصلة ثابتة نقلوه بضم العين كظرف وكرم فهذا الباب ألزم للفاعل من باب قعد ودخل فكان أثقل منه لفظا وباب قعد وخرج ألزم للفاعل من الفعل المتعدي كضرب فكان أثقل منه مصدرا وإن اتفقا في لفظ الفعل ولزم مصدر فعل الذي هو طبع وخصلة وزن الفعال كالجمال والكمال والبهاء والسناء والجلال والعلاء هذا إذا كان المعنى عاما مشتملا على خصال لا تختص بخصلة واحدة فإن اختص المعنى بخصلة واحدة صار كالمحدود ولزمته تاء التأنيث لأنها تدل على نهاية(2\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "272",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6487",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما دخلت عليه كالضربة من الضرب وحذفها في هذا الباب وفي أكثر الأبواب يدل على انتفاء النهاية ألا ترى أن الضرب يقع على القليل والكثير إلى غير نهاية وإنما استحقت التاء ذلك لأن مخرجها منتهى الصوت وغايته فصلحت للغايات ولذلك قالوا: علامة ونسابة أي غاية في هذا الوصف فإذا عرفت هذا فالجمال والكمال كالجنس العام من حيث لم تكن فيه التاء المخصوصة بالتحديد والنهاية وقولك ملح ملاحة وفصح فصاحة هو على وزنه إلا في التاء لأن الفصاحة خصلة من خصال الكمال وكذلك الملاحة فحددت بالتاء لأنها ليست بجنس عام كالكمال والجمال فصارت كباب الضربة والثمرة من الضرب والثمر ألا ترى إلى قول خالد بن صفوان وقد قالت له امرأته إنك لجميل فقال أتقولين ذلك وليس عندي عمود الجمال ولا رداؤه ولا برنسه ولكن قولي إنك لمليح ظريف فجعل الملاحة خصلة من خصال الجمال فبان صحة ما قلناه وعلى هذا قالوا الحلاوة والأصالة والرجاحة والرزانة والمهابة وفي ضد ذلك السفاهة والوضاعة والحماقة والرذالة لأنها كلها خصال محدودة بالإضافة إلى السفال الذي هو في مقابلة العلاء والكمال لأنه جنس يجمع الأنواع التي تحته وهذا هو الأصل في هذا الباب فمتى شذ عنه منه شيء فلمانع وحكمة أخرى كقولهم شرف الرجل شرفا ولم يقولوا شرافا لأن الشرف رفعه في آبائه وهو شيء خارج عنه بخلاف كمل كمالا وجمل جمالا فإنه جماله وكماله وصف قائم به وهذا لأنه شرف مستعار من شرف الأرض وهو ما ارتفع منها فاستعير للرجل الرفيع في قومه كأن آباءه الذين ذكر بهم وارتفع بسببهم شرف له وكذلك قولهم في هذا الباب الحسب لأنه من باب القبص والنقص لا من باب المصادر لأن الحسب ما يحسبه الإنسان ويعده لنفسه من الخصال الحميدة والأخلاق الشريفة واستحق الاسم الشامل في هذا الباب اسم الفعال بفتح الفاء والعين وبعدهما ألف وهي فتح ليكون اللفظ الذي يتوالى فيه الفتح موازنا لانفتاح المعنى واتساعه ولذلك أطرد في الجمع الكثير(2\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "273",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6488",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نحو مفاعل وفعايل وبابه وأطرد في باب تفاعل نحو تقاتل وتخاصم وتمارض وتغافل وتناوم لأنه إظهار للأمر ونشر له ومن هذا الباب حلم فإنه يوافقه في وجه يخالفه في وجه لأنه يدل على إثبات الصفة فوافق شرف وكرم في الضم وخالفه في المصدر لمخالفته له في المعنى لأنه صفة تقتضي كف النفس وجمعها عن الانتقام والمعاقبة ولا يقتضي انتفاحا ولا انتشارا فقالوا: حلم لأنه من بناء الخصال والطبائع وقالوا: حلماء لأن الصفة صفة جمع النفس وضمها وعدم إرسالها في الانتقام فتأمله ومن هذا الباب كبر وصغر موافق لما قبله في الفعل مخالف له في المصدر لأن الكبر والصغر عبارة عن اجتماع أجزاء الجسم في قلة أو كثرة وليس من الصفات والأحداث المنتشرة وهذا تنبيه لطيف على ما هو أضعاف ذلك. فائدة: فعل المطاوعة هو الواقع مسببا عن سبب اقتضاء نحو كسرته فانكسر فزيدت النون في أوله قبل الحروف الأصلية ساكنة كيلا تتوالى الحركات ثم وصل إليه بهمزة الوصل وقد تقدم أن الزوائد في الأفعال والأسماء موازنة للمعاني الزائدة على معنى الكلمة فإن كان المعنى الزائد مترتبا قبل المعنى الأصلي كانت الحروف الزائدة قبل الحروف الأصلية كالنون في الفعل وكحروف المضارعة في بابها وإن كان المعنى الزائد في الكلمة آخرا كان الحرف الزائد على الحروف الأصلية آخرا كعلامة التأنيث وعلامة التثنية والجمع ومن هذا الباب تفعلل وتفاعل أما تفعل فلا يتعدى البتة لأن التاء فيه بمثابة النون في الفعل إلا أنهم خصوا الرباعي بالتاء وخصوا الثلاثي بالنون فرقا بينهما ولم تكن التاء هنا ساكنة كالنون لسكون عين الفعل فلم يلزم منها من توالي الحركات ما لزم هناك وأما تفاعل فقد توجد متعدية(2\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "274",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6489",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأنه لا يراد بها المطاوعة كما أريد بتفعلل وإنما هو فعل دخلته التاء زيادة على فاعل المتعدي فصار حكمه إن كان متعديا إلى مفعولين قبل دخول التاء أن يتعدى بعد دخول التاء إلى مفعول نحو نازعت زيدا الحديث ثم تقول وتنازعنا الحديث وإن كان متعديا إلى مفعول لم يتعد بعد دخول التاء إلى شيء نحو: خاصمت زيدا وتخاصمنا وهذا عكس دخول همزة التعدية على الفعل فإنها تزيده واحدا أبدا وإن كان لازما صيرته متعديا إلى مفعول وإن كان متعديا إلى واحد صيرته متعديا إلى اثنين وأما احمر واحمار ففعل مشتق من الاسم كانتعل من النعل وتمسكن من المسكن وتمدرع وتمندل وتمنطق وزعم الخطابي أن معنى احمر مخالف لمعنى احمار وبابه وذهب إلى أن افعل يقال فيما لم يخالطه لون آخر وافعال يقال لما خالطه لون آخر وهو ثقة في نقله والقياس يقتضي ما ذكر لأن الألف لم يزد في إضعاف حروف الكلمة إلا لدخول معنى زائد بين أضعاف معناها والذي قاله غيره أحسن من هذا وهو أن احمر يقال لما أحمر وهلة نحو: أحمر الثوب ونحوه وأما احمار فيقال لما يبدو فيه اللون شيئا بعد شيء على التدريج نحو احمار البسر واصفار ويدخل أفعل في هذا على أفعال فيقال احمر البسر إذا تكامل لون الحمرة فيه واحمار إذا ابتدأ صاعدا إلى كماله. فائدة: اختلفوا في المتعدي إلى مفعولين من باب كسا هل هو قياسي بالهمزة أم سماعي والثاني قول سيبويه وهو الصحيح فإنك لا تقول أكلت زيدا الخبز ولا آخذته الدراهم ولا أطلقت زيدا امرأته وأعتقته عبده ولكن ينبغي التفطن لضابط حسن وهو أنه ينظر إلى كل فعل حصل منه في الفاعل صفة ما فهو الذي(2\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "275",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6490",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يجوز فيه النقل لأنك إذا قلت أفعلته فإنما تعني جعلته على هذه الصفة وقلما ينكسر هذا الأصل في غير المتعدي إذا كان ثلاثيا نحو قعد وأقعدته وطال وأطلته وأما المتعدي فمنه ما يحصل للفاعل منه صفة في نفسه ولا يكون اعتماده في الثاني على المفعول فيجوز نقله مثل طعم زيد الخبز وأطعمته وكذلك جرع الماء وأجرعته وكذلك بلع وشم وسمع وذلك لأنها كلها تجعل في الفاعل منها صفة في نفسه غير خارجة عنه ولذلك جاءت أو أكثرها على فعل بكسر العين مشابهة لباب فزع وحذر وحزن ومرض إلى غير ذلك مما له أثر في باطن الفاعل وغموض معنى ولذلك كانت حركة العين كسرة لأن الكسرة خفض للصوت وإخفاء له فشاكل اللفظ المعنى ومن هذا لبس الثوب وألبسته إياه لأن الفعل وإن كان متعديا فحاصل معناه في نفس الفاعل كأنه لم يفعل بالثوب شيئا وإنما فعل بلابسه ولذلك جاء على فعل مقابلة عري وقالوا كسوته الثوب ولم يقولوا أكسيته إياه وإن كان اللازم منه كسى ومنه واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فهذا من كسي يكسي لا من كسا يكسو وسر ذلك أن الكسوة ستر للعورة فجاء على وزن سترته وحجبته فعدوه بتغيير الحركة لا بزيادة الهمزة وأما أكل وأخذ وضرب فلا ينقل لأن الفعل واقع بالمفعول ظاهر أثره فيه غير حاصل في الفاعل منه صفة فلا تقول أضربت زيدا عمرا وأقتلته خالدا لأنك لم تجعله على صفة في نفسك كما تقدم وأما أعطيته فمنقول من عطا يعطو إذا أشار للتناول وليس معناه الأخذ والتناول ألا تراهم يقولون عاط بغير أنواط أي يشير إلى التناول من غير شيء فنفوا أن يكون وقع هذا الفعل لشيء فلذلك نقل كما نقل المتعدي لقربه منه فقالوا: أعطيته أي جعلته عاطيا وأما أنلت من نال التعدية وهي بمنزلة عطا يعطو لا تبنى إلا عن وصول إلى المفعول دون تأثير فيه ولا وقوع ظاهر به ألا ترى إلى قوله سبحانه وتعالى: لن ينال الله لحومها ولو كان فعلا مؤثرا في مفعوله لم يجز هذا إنما هو شيء منبئ عن الوصول فقط أو ما(2\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "276",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6491",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أتيت المال زيدا فمنقول من أتى لأنها غير مؤثرة في المفعول وقد حصل منها في الفاعل صفة فإن قيل: يلزمك أن تجيز آتيت زيدا عمرا أو المدينة أي جعلته يأتيها قلت: بينهما فرق وهو أن إيتاء المال كسب وتمليك فلما اقترن به هذا المعنى صار كقوله: أكسبته مالا أو ملكته إياه وليس كقولك: آتى عمرا وأما شرب زيد الماء فلم يقولوا فيه أشربته الماء لأنه بمثابة الأكل والأخذ ومعظم أثره في المفعول وإن كان قد جاء على فعل ك بلع ولكنه ليس مثله إلا أن يريد أن الماء خالط أجزاء الشارب له وحصل من الشرب صفة في الشارب فيجوز حينئذ نحو قوله تعالى: وأشربوا في قلوبهم العجل وعلى هذا يقال أشربت الدهن الخبز لأن شرب الخبز الدهن ليس كشرب زيد الماء فتأمله وأما ذكر زيد عمرا فإن كان من ذكر اللسان لم ينقل لأنه بمنزلة شتم ولطم وإن كان من ذكر القلب نقل فقلت أذكرته الحديث بمنزلة أفهمته وأعلمته أي جعلته على هذه الصفة. فائدة: quot;اخترتquot; أصله أن يتعدى بحرف الجر لأنه يتضمن إخراج شيء من شيء وجاء محذوفا في قوله تعالى: واختار موسى قومه لتضمن الفعل معنى فعل غير متعد كأنه نخل قومه وميزهم وسبرهم ونحو ذلك فمن هاهنا والله أعلم أسقط حرف الجر كما سقط من أمرتك الخير أي ألزمتك وكلفتك لأن الأمر إلزام وتكليف ومنه تمرون الديار أي تعدونها وتجاوزونها ومنه رحبتك الديار أي وسعتك.(2\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "277",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6492",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: الاختيار تقديم المجرور في باب اخترت وتأخير المفعول المجرد عن حرف الجر فتقول اخترت من الرجال زيدا ويجوز فيه التأخير فإذا أسقطت الحرف لم يحسن تأخير ما كان مجرورا به في الأصل فيقبح أن تقول اخترت زيدا الرجال واخترت عشرة الرجال أي من الرجال لما يوهم من كون المجرور في موضع النعت للعشرة وأنه ليس في موضع المفعول الثاني وأيضا فإن الرجال معرفة فهو أحق بالتقديم للاهتمام به كما لزم في تقديم المجرور الذي هو خبر عن النكرة من قولك في الدار رجل لكون المجرور معرفة وكأنه المخبر عنه فإذا حذفت حرف الجر لم يكن بد من التقديم للاسم الذي كان مجرورا نحو اخترت الرجال عشرة والحكمة في ذلك أن المعنى الداعي الذي من أجله حذف حرف الجر هو معنى غير لفظ فلم يقو على حذف حرف الجر إلا مع اتصاله به وقربه منه ووجه ثان وهو أن القليل الذي اختير من الكثير إذا كان مما يتبعض ثم ولي الفعل الذي هو اخترت توهم أنه مختار منه أيضا لأن كل ما يتبعض يجوز فيه أن يختار وأن يختار منه فألزموه التأخير وقدموا الاسم المختار منه وكان أولى بذلك لما سبق من القول فإن كان مما لا يتبعض نحو زيد وعمرو فربما جاز على قلة في الكلام نحو قول الشاعر: ومنا الذي اختير الرجال سماحة وليس هذا كقولك اخترت فرسا الخيل لأن الفرس اسم جنس فقد يتبعض مثله ويختار منه وزيد من حيث كان جسما يتبعض ومن حيث كان علما على شيء بعينه لا يتبعض فتأمل هذا الموضع.(2\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "278",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6493",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة بديعة: قولهم استغفر زيد ربه ذنبه فيه ثلاث أوجه أحدها: هذا والثاني: استغفره من ذنبه والثالث: استغفر لذنبه وهذا موضع يحتاج إلى تدقيق نظر وأنه هل الأصل حرف الجر وسقوطه داخل عليه أو الأصل سقوطه وتعديه بنفسه وتعديته بالحرف مضمن هذا مما ينبغي تحقيقه قال السهيلي: quot;الأصل فيه سقوط حرف الجر وأن يكون الذنب نفسه مفعولا باستغفر غير متعد بحرف الجر لأنه من غفرت الشيء إذا غطيته وسترته مع أن الاسم الأول هو فاعل بالحقيقة وهو الغافرquot; ثم أورد على نفسه سؤالا فقال: quot;فإن قيل: فإن كان سقوط حرف الجر هو الأصل فيلزمكم أن تكون من زائدة كما قال الكسائيquot; وقد قال سيبويه والزجاج: quot;إن الأصل حرف الجر ثم حذف فنصب الفعل وأجاب بأن سقوط حرف الجر أصل في الفعل المشتق منه نحو غفر وأما استغفر ففي ضمن الكلام ما لا بد منه من حرف الجر لأنك لا تطلب عفوا مجردا من معنى التوبة والخروج من الذنب وإنما تريد بالاستغفار خروجا من الذنب وتطهيرا منه فلزمت من في هذا الكلام لهذا المعنى فهي متعلقة بالمعنى لا بنفس اللفظ فإن حذفتها تعدى الفعل فنصب وكان بمنزلة أمرتك الخير فإن قيل: فما قولكم في نحو قوله تعالى: يغفر لكم من ذنوبكم نغفر لكم خطاياكم قلنا هي متعلقة بمعنى الإنقاذ والإخراج من الذنوب فدخلت من لتؤذن بهذا المعنى ولكن لا يكون ذلك في القرآن إلا حيث يذكر الفاعل والمفعول الذي هو الذنب نحو قوله: (لكم) لأنه المنقذ المخرج من الذنوب بالإيمان ولو قلت: يغفر من ذنوبكم دون أن يذكر الاسم المجرور لم يحسن إلا على معنى التبعيض لأن الفعل الذي كان في ضمن(2\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "279",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6494",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكلام وهو الإنقاذ قد ذهب بذهاب الاسم الذي هو واقع عليه فإن قلت: فقد قال تعالى: وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وفي سورة الصف يغفر لكم ذنوبكم فما الحكمة في سقوطها هنا وما الفرق قلت: هذا إخبار عن المؤمنين الذين سبق لهم الإنقاذ من ذنوب الكفر بإيمانهم ثم وعدوا على الجهاد بغفران ما اكتسبوا في الإسلام من الذنوب وهي غير محبطة كإحباط الكفر المهلك للكافر فلم يتضمن الغفران معنى الإستنقاذ إذ ليس ثم إحاطة من الذنب بالمذنب وإنما يتضمن معنى الإذهاب والإبطال للذنوب لأن الحسنات يذهبن السيئات بخلاف الآيتين المتقدمتين فإنهما خطاب للمشركين وأمر لهم بما ينقذهم ويخلصهم مما أحاط بهم من الذنوب وهو الكفر ففي ضمن ذلك الإعلام والإشارة بأنهم واقعون في مهلكة قد أحاطت بهم وأن لا ينقذهم منها إلا المغفرة المتضمنة للإنقاذ الذي هو أخص من الإبطال والإذهاب وأما المؤمنون فقد أنقذوا وأما قوله تعالى: ويكفر عنكم من سيئاتكم فهي في موضع من التي للتبعيض لأن الآية في سياق ثواب الصدقة فإنه قال إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والصدقة لا تذهب جميع الذنوب ومن هذا النحو قوله صلى الله عليه وسلم: quot;فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير quot; رواه مسلم والترمذي وللبخاري نحوه فأدخل عن في الكلام إيذانا بمعنى الخروج عن اليمين لما ذكر الفاعل وهو الخارج فكأنه قال فليخرج بالكفارة عن يمينه ولما لم يذكر الفاعل المكفر في قوله: ذلك كفارة أيمانكم ولم يذكر من وأضاف الكفارة إلى الأيمان وذلك من إضافة المصدر إلى المفعول وإن كانت الأيمان لا تكفر وإنما يكفر الحنث والإثم ولكن الكفارة حل لعقد اليمين فمن هنالك أضيفت إلى اليمين كما يضاف الحل إلى العقد إذ اليمين عقد والكفارة حل له والله أعلم.(2\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "280",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6495",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: قولك ألبست زيدا الثوب ليس الثوب منتصبا بألبست كما هو السابق إلى الأوهام لما تقدم من أنك لا تنقل الفعل عن الفاعل ويصير الفاعل مفعولا حتى يكون الفعل حاصلا في الفاعل ولكن المفعول الثاني منتصب بما تضمنه ألبست من معنى لبس فهو منتصب بما كان منتصبا به قبل دخول الهمزة والنقل وذلك أنهم اعتقدوا طرحها حين كانت زائدة كما فعلوا في تصغير حميد وزهير ومنه قولهم أحببت حبيبا فجاءوا بحبيب على اعتقاد طرح الهمزة وهي لغة ومنه أدرست البيت فهو دارس على تقدير درسته ومنه: والله أنبتكم من الأرض نباتا فجاء المصدر على نبت ومما يوضح هذا أنهم أعلوا الفعل فقالوا أطال الصلاة وأقامها مراعاة لإعلاله قبل دخول الهمزة ولهذا حيث نقلوه في التعجب فاعتقدوا إثبات الهمزة لم يعدوه إلى مفعول ثان بل قالوا ما أضرب زيدا لعمرو باللام لأن التعجب تعظيم لصفة المتعجب منه وإذا كان الفعل صفة في الفاعل لم ينقل ومن ثم صححوه في التعجب فقالوا ما أقومه وأطوله حيث لم يعتقدوا سقوط الهمزة كما صححوا الفعل من استحوذ واستنوق الجمل حيث كانت الهمزة والزوائد لازمة غير عارضة والله أعلم. فائدة: حذف الباء من أمرتك الخير ونحوه إنما يكون بشرطين أحدهما اتصال الفعل بالمجرور فإن تباعد منه لم يكن بد من الباء نحو أمرت الرجل يوم الجمعة(2\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "281",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6496",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالخير لأن المعنى الذي من أجله حذفت الباء معنى وليس بلفظ وهو تضمنها معنى كلفتك فلم يقو على الحذف إلا مع القرب من الاسم كما كان ذلك في اخترت ألا ترى إلى قوله تعالى: قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم كيف أعاد حرف الجر في البدل لما طال بالصلة وكذلك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها على أحد القولين أي يخرج لنا من بقل الأرض وقثائها وقوله: مما تنبت توطئة وتمهيد والقول الثاني أنها متعلقة بقوله: تنبت أي: ما تنبت من هذا الجنس ف من الأولى لابتداء الغاية والثانية لبيان الجنس وهذا الثاني أظهر فإذا أعيد حرف الجر مع البدل لطول الاسم الأول فإثبات الحرف من نحو أمرتك الخير إذا طال الاسم أجدر الشرط الثاني أن يكون المأمور به حدثا فإن قلت: أمرتك بزيد لم يحذف لأن الأمر في الحقيقة ليس به وإنما هو على غيره كأنك قلت أمرتك بضربه أو إكرامه وأما نهيتك عن الشر فلا يحذف الحرف منه لأنه ليس في الكلام ما يتضمن الفعل الناصب لأن النهي عنه كف وزجر وإبعاد وهذه المعاني التي يتضمنها نهي تطلب من الحرف ما يطلبه نهي بخلاف أمر فإنه كلف وألزم لا تطلب الباء. فائدة بديعة: قولهم عرفت كذا أصل وضعها لتمييز الشيء وتعيينه حتى يظهر للذهن منفردا عن غيره وهذه المادة تقتضي العلو والظهور كعرف الشيء لأعلاه ومنه الأعراف ومنه عرف الديك وأما علمت فموضوعة للمركبات لا لتمييز المعاني المفردة ومعنى التركيب فيها إضافة الصفة إلى المحل وذلك أنك تعرف زيدا على حدته وتعرف معنى القيام على حدته ثم تضيف القيام إلى زيد فإضافة القيام إلى زيد(2\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "282",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6497",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو التركيب وهو متعلق العلم فإن قلت: علمت فمطلوبها ثلاثة معان محل وصفة وإضافة الصفة إلى المحل وهن ثلاث معلومات إضافة العلم لله لا المعرفة إذا عرفت هذا فقال بعض المتكلمين: لا يضاف إلى الله سبحانه إلا العلم لا المعرفة لأن علمه متعلق بالأشياء كلها مركبها ومفردها تعلقا واحدا بخلاف علم المحدثين فإن معرفتهم بالشيء المفرد وعلمهم به غير علمهم ومعرفتهم لشيء آخر وهذا بناء منه على أن الله تعالى يعلم المعلومات كلها بعلم واحد وأن علمه بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم هو عين علمه بكذب مسيلمة الكذاب والذي عليه محققو النظار خلاف هذا القول وأن العلوم متكثرة متغايرة بتكثر المعلومات وتغايرها فلكل معلوم علم يخصه ولإبطال قول أولئك وذكر الأدلة الراجحة على صحة قول هؤلاء مكان هو أليق به وعلى هذا فالفرق بين إضافة العلم إليه تعالى وعدم إضافة المعرفة لا ترجع إلى الإفراد والتركيب في متعلق العلم وإنما ترجع إلى نفس المعرفة ومعناها فإنها في مجاري استعمالها إنما تستعمل فيما سبق تصوره من نسيان أو ذهول أو عزوف عن القلب فإذا تصور وحصل في الذهن قيل عرفه أو وصف له صفته ولم يره فإذا رآه بتلك الصفة وتعينت فيه قيل عرفه ألا ترى أنك إذا غاب عنك وجه الرجل ثم رأيته بعد زمان فتبينت أنه هو قلت عرفته وكذلك عرفت اللفظة وعرفت الديار وعرفت المنزل وعرفت الطريق quot; وسر المسألةquot; أن المعرفة لتمييز ما اختلط فيه المعروف بغيره فاشتبه فالمعرفة تمييز له وتعيين ومن هذا قوله تعالى: يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فإنهم كان عندهم من صفته قبل أن يروه ما طابق شخصه عند رؤيته وجاء كما يعرفون أبناءهم من باب ازدواج الكلام وتشبيه أحد اليقينين بالآخر فتأمله وقد بسطنا هذا في كتاب التحفة المكية وذكرنا فيها من الأسرار والفوائد ما لا يكاد يشتمل عليه مصنف وأما ما زعموا من قولهم إن علمت قد يكون بمعنى عرفت واستشهادهم بنحو قوله تعالى: لا تعلمهم نحن نعلمهم وبقوله: وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم فالذي دعاهم إلى ذلك أنهم رأوا(2\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "283",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6498",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "علمت قد تعدت إلى مفعول واحد وهذا هو حقيقة العرفان فاستشهاد ظاهر على أنه قد قال بعض الناس أن تعدي فعل العلم في هذه الآيات وأمثالها إلي مفعول واحد لا يخرجها عن كونها علما على الحقيقة فإنها لا تتعدى إلى مفعول واحد على نحو تعدى عرفت ولكن على جهة الحذف والاختصار فقوله: لا تعلمهم نحن نعلمهم لا تنفي عنه معرفة أعيانهم وأسمائهم وإنما تنفي عنه العلم بعدوانهم ونفاقهم وما تقدم من الكلام يدلك على ذلك وكذلك قوله: وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم فربما كانوا يعرفونهم ولا يعلمونهم أعداء لهم فيتعلق العلم بالصفة المضافة إلى الموصوف لا بعينه وذاته قال هذا وإنما مثل من يقول إن علمت بمعنى عرفت من أجل أنها متعدية إلى مفعول واحد في اللفظ كمثل من يقول إن سألت يتعدى إلى غير العقلاء بقولهم: quot;سألت الحائط وسألت الدارquot; ويحتج بقوله: واسأل القرية قال: وإنما هذا جهل بالمجاز والحذف وكذلك ما تقدم وليس ما قاله هؤلاء بقوى فإن الله سبحانه نفى عن رسوله معرفة أعيان أولئك المنافقين هذا صريح اللفظ وإنما جاء نفي معرفة نفاقهم من جهة اللزوم فهو صلى الله عليه وسلم كان يعلم وجود النفاق في أشخاص معينين وهو موجود في غيرهم ولا يعرف أعيانهم وليس المراد أن أشخاصهم كانت معلومة له معروفة عنده وقد انطووا على النفاق وهو لا يعلم ذلك فيهم فإن اللفظ لم يدل على ذلك بوجه والظاهر بل المتعين أنه صلى الله عليه وسلم لو عرف أشخاصهم لعرفهم بسيماهم وفي لحن القول ولم يكن يخفى عليه نفاق من يظهر له الإسلام ويبطن عداوته وعداوة الله عز وجل والذي يزيد هذا وضوحا الآية الأخرى فإن قوله: ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم فيهم قولان أحدهما: أنهم الجن المظاهرون لأعدائهم من الإنس على محاربة الله ورسوله وعلى هذا فالآية نص في أن العلم فيها بمعنى المعرفة ولا يمكن أن يقال إنهم كانوا عارفين بأشخاص أولئك جاهلين عداوتهم كما أمكن مثله في الإنس والقول(2\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "284",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6499",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني: أنهم المنافقون وعلى هذا فقوله لا تعلمونهم إنما ينبغي حمله على معرفة أشخاصهم لا على معرفة نفاقهم لأنهم كانوا عالمين بنفاق كثير من المنافقين يعلمون نفاقهم ولا يشكون فيه فلا يجوز أن ينفي عنهم علم ما هم عالمون به وإنما ينفي عنهم معرفة أشخاص من هذا الضرب فيكون كقوله تعالى: لا تعلمهم نحن نعلمهم فتأمله ويزيده وضوحا أن هذه الأفعال لا يجوز فيها الاقتصار على أحد المفعولين بخلاف باب أعطى وكسا للعلة المذكورة هناك وهي تعلق هذه الأفعال بالنسبة فلا بد من ذكر المنتسبين بخلاف باب أعطى فإنه لم يتعلق بنسبة فيصح الاقتصار فيه على أحد مفعولين وهذا واضح كما تراه والله تعالى أعلم. وأما تنظيرهم ل سألت الحائط والدار فيما بعد ما بينهما فإن هذا سؤال بلسان الحال وهو كثير في كلامهم جدا على أنه لا يمتنع أن يكون سؤالا بلسان المقال صريحا كما يقول الرجل للدار الخربة ليت شعري ما فعل أهلك وليت شعري ما صيرك إلى هذه الحال وليس هذا سؤال استعلام بل سؤال تعجب وتفجع وتحزن وأما قوله واسأل القرية فالقرية إن كانت هنا اسما للسكان كما هو المراد بها في أكثر القرآن الكريم والكلام فلا مجاز ولا حذف وإن كان المراد بها المسكن فعلى حذف المضاف فأين التسوية والتنظير. تنبيه: قولهم علمت وظننت يتعدى إلى مفعولين ليس هنا مفعولان في الحقيقة وإنما هو المبتدأ والخبر وهو حديث إما معلوم وإما مظنون فكان حق الاسم الأول أن يرتفع بالابتداء والثاني بالخبر ويلغى الفعل لأنه لا تأثير له في الاسم إنما التأثير لعرفت الواقعة على الاسم المفرد تعيينا وتمييزا ولكن أرادوا تشبث علمت بالجملة التي هي الحديث كيلا يتوهم الانقطاع بين المبتدأ وبين ما قبله لأن(2\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "285",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6500",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الابتداء عامل في الاسم وقاطع له مما قبله وهم إنما يريدون إعلام المخاطب بأن هذا الحديث معلوم فكان إعمال علمت فيه ونصبه له إظهارا لتشبثها ولم يكن عملهما في أحد الاسمين أولى من الآخر فعملت فيهما جميعا وكذلك ظننت لأنه لا يتحدث بحديث حتى يكون عند المتكلم إما مظنونا وإما معلوما فإن كان مشكوكا فيه أو مجهولا عنده لم يسعه التحدث به فمن ثم لم يعملوا شككت ولا جهلت فيما عملت فيه ظننت لأن الشك تردد بين أمرين من غير اعتماد على أحدهما بخلاف الظن فإنه معتمد على أحد الأمرين وأما العلم فأنت فيه قاطع بأحدهما ومن ثم تعدى الشك بحرف في لأنه مستعار من شككت الحائط بالمسمار وشك الحائط إيلاج فيه من غير ميل إلى أحد الجانبين كما أن الشك في الحديث تردد فيه من غير ترجيح لأحد الجانبين إعمال كان ونظير إعمالهم علمت وأخواتها في المبتدأ والخبر إعمالهم كان وأخواتها في الجملة وإنما كان أصلها أن ترفع فاعلا واحدا نحو كان الأمر أي حدث فلما خلعوا منها معنى الحدث ولم يبق فيها إلا معنى الزمان ثم أرادوا أن يخبروا بها عن الحدث الذي هو زيد قائم أي زمان هذا الحدث ماض أو مستقبل أعملوها في الجملة ليظهر تشبثها بها ولئلا يتوهم انقطاعها عنها لأن الجملة قائمة بنفسها وكان كلمة يوقف عليها أو يكون خبرا عما قبلها فكان عملها في الجملة دليلا على تشبثها بها وأنها خبر عن هذا الحدث ولم تكن لتنصب الاسمين لأن أصلها أن ترفع ما بعدها ولم تكن لترفعهما معا فلا يظهر عملها ولذلك رفعت أحدهما ونصبت الآخر نعم ومنهم من يقول: كان زيد قائم فيجعل الحديث هو الفاعل لكان فيكون معمولها معنويا لا لفظيا كأنك قلت كان هذا الحديث وأضمرت الشأن والحديث ودلت عليه قرينة الحال والمسألة على حالها لأن الجملة حينئذ بدل من ذلك الضمير لأنها في معنى الحديث وذلك الحديث هو الأمر المضمر فهذا بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة ونظير هذا المعمول المعنوي الذي هو الحديث معمول علمت وظننت إذا ألغيت نحو: زيد ظننت قائم(2\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "286",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6501",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كأنك قلت ظننت هذا الحديث فلم تعملها لفظا وإنما أعملتها معنى إعمال إن وأخواتها ومن هذا الباب إعمالهم إن وأخواتها وإنما دخلت لمعان في الجملة والحدث ألا ترى إن وأخواتها كلمات يصح الوقف عليها لأن حروفها ثلاثة فصاعدا كما قال الشاعر: ليت شعري وأين مني ليت وقال حبيب: عسى وظن يدنو بهم ولعلما وإذا كان هذا حكمها فلو رفع بعدها على الأصل بالابتداء لم يظهر تشبثها بالحديث الذي دخلت لمعنى فيه فكان إعمالهم في الاسم المبتدأ إظهارا لتشبثها بالجملة كي لا يتوهم انقطاعها عنها وكان عملها نصبا لأن المعاني التي تضمنتها لو لفظ بها لنصبت نحو أؤكد وأترجى وأتمنى وليست هذه المعاني مضافة إلى الاسم المخبر عنه ولكن الحديث هو المؤكد والمتمنى والمترجى فكان عملها نصبا بها وبقي الاسم الآخر مرفوعا لم تعمل فيه حيث لم تكن أفعالا كعلمت وظننت فتعمل في الجملة كلها وأيضا أرادوا إظهار تشبثها بالجملة فاكتفوا بتأثيرها في الاسم الأول يدلك على أنها لم تعمل في الاسم الثاني أنه لا يليها لأنه لا يلي العامل ما عمل فيه غيره فلو عملت فيه لوليها كما يلي كان خبرها ويلي الفعل مفعوله نعم ومن العرب من أعملها في الاسمين جميعا وهو أقوى في القياس لأنها دخلت لمعان في الجملة فليس أحد الاسمين أولى بأن تعمل فيه من الآخر قال: إن العجوز حية حزوزا ... تأكل كل ليلة قفيزا وقال: كان أذنيه إذ تشوفا ... قادمة أو قلما محرفا وليس هذا من باب حذف فعل التشبيه كما قال بعضهم: فإن هذا لغة قائمة بنفسها معاني هذه الحروف واعلم أن معاني هذه الحروف لا تعمل في حال ولا ظرف ولا يتعلق بها مجرور لأنها معان في نفس المتكلم كالاستفهام والنفي والمعاني التي جعلت الحروف أمارات لها وليس لها وجود في اللفظ فإذا قلت هل زيد قائم فمعناه(2\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "287",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6502",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "استفهم عن هذا الحديث وكذلك لا معناها النفي وكذلك ليس ولذلك لما أرادوا تشبثها بالجملة لم ينصبوا بها الاسم الأول كما نصبوا ب أن حيث لم يكن معناها يقتضي نصبا إذا لفظ به كما يقتضي معنى أن ولعل إذا لفظ به اختلاف كأن عن أخواتها تختلف كأن عن أخواتها من جهة أنها تدل على التشبيه وهو معنى في نفس المتكلم واقع على الاسم الذي بعدها فكأنك تخبر عن الاسم أنه يشبه غيره فصار معنى التشبيه مسندا إلى الاسم بعدها كما أن معاني الأفعال مسندة إلى الأسماء بعدها فمن ثم عملت في الحال والظرف تقول كأن زيدا يوم الجمعة أمير فيعمل التشبيه في الظرف ومن ذلك قوله: كأنه خارجا من جنب صفحته ... سفود شرب نسوه عند مفتئد ومن ثم وقعت في موضع الحال والنعت كما تقع الأفعال المخبر بها عن الأسماء تقول: مررت برجل كأنه أسد وجاءني رجل كأنه أمير. وليس ذلك في أخواتها لأنها لا تكون في موضع نعت ولا في موضع حال بل لها صدر الكلام كما لحروف الشرط والاستفهام لأنها داخلة لمعان في الجمل فانقطعت عما قبلها وإنما كانت كأن مخالفة لأخواتها من وجه وموافقة من وجه من حيث كانت مركبة من كاف التشبيه وأن التي للتوكيد وكان أصلها أن زيدا الأسد أي مثل الأسد ثم أرادوا أن يبينوا أنه ليس هو بعينه فأدخلوا الكاف على الحديث المؤكد بأن لتؤذن أن الحديث مشبه به وحكم أن إذا أدخل عليها عامل أن تفتح الهمزة منها فصار اللفظ بها كأن زيدا الأسد فلما جاء في الكلمة من التشبيه المخبر به عن زيد صار زيد بمنزلة من أخبر عنه بالفعل فوقع موقع النعت والحال وعمل ذلك المعنى وتعلقت به المجرورات ومن حيث كان في الكلمة معنى أن دخلت في هذا الباب ووقع في خبرها الفعل نحو قولك كأن زيدا يقوم والجملة نحو: كأن زيدا أبوه أمير ولو لم يكن إلا مجرد التشبيه لم يجز هذا لأن الاسم(2\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "288",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6503",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يشبه بفعل ولا بجملة ولكنه حديث مؤكد بأن والكاف تدل على أن خبرا أشبه من خبر وذلك الخبر المشبه هو الذي عليه زيد فكان المعنى زيد قائم وكأنه قاعد وزيد أبوه وضيع وكأنه أبوه أمير فشبهت حديثا بحديث والذي يؤكد الحديث أن والذي يدل على التشبيه الكاف فلم يكن بد من اجتماعها. فصل: وكل هذه الحروف تمنع ما قبلها أن يعمل فيه ما بعدها لفظا أو معنى أما اللفظ فلأنه لا يجتمع عاملان في اسم واحد وهذه الحروف عوامل وأما المعنى فلا تقول سرني زيد قائم أي سرني هذا الحديث ولا كرهت زيد قائم أي كرهت هذا الحديث كما يكون ذلك في كان وليس لأنها ليست بفعل محض فجاز أن تقول كان زيد قائم أي كان هذا الحديث ولم يجز في سرني ولا بلغني فإن أدخلت ليت أو لعل أو إن المكسورة لم يجز أيضا لأن هذه المعاني ينبغي أن يكون لها صدر الكلام فلا يقع بعدها فعل يعمل ولا يلغى فإن جئت ب أن المفتوحة قلت بلغني أن زيدا منطلق فأعملت الفعل في معمول معنوي وهو الحديث لأن الجملة الملفوظ بها حديث في المعنى وإنما جاز هذا لامتناع الفعل أن يعمل فيما عملت فيه أن ولا بد له من معمول فتسلط على المعمول المعنوي وهو الحديث حيث لم يمكن أن يعمل في اللفظي الذي عملت فيه أن وكذلك كرهت أن زيدا منطلق المفعول هو الحديث وهو معنى لا لفظ فإن قيل: ولم لا جعلوا ل أن المفتوحة صدر الكلام كما جعلوا ل ليت ولعل ولجميع الحروف الداخلة على الجمل قيل: ليس في أن معنى زائدا على الجملة أكثر من التوكيد وتوكيد الشيء بمثابة تكراره لا بمثابة معنى زائد فيه فصح أن يكون الحديث المؤكد بها معمولا لما قبلها حيث منعت هي من عمل ما قبلها في اللفظ الذي بعدها فتسلط العامل(2\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "289",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6504",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي قبلها على الحديث ولم يكن له مانع في صدر الكلام يقطعه عنه كما لو كان ذلك في غيرها فتح همزة إن وكسرها فإن كسرت همزتها كان الكسر فيها إشعارا بتجريد المعنى الذي هو التوكيد عن توطئة الجملة للعمل في معناها فليس بين المكسورة والمفتوحة فرق في المعنى إلا أنهم أرادوا توطئة الجملة لأن يعمل الفعل الذي قبلها في معناها وإن صيروها في معنى الحديث فتحوا الهمزة وإذا أرادوا قطع الجملة مما قبلها وأن يعتمدوا على التوكيد اعتمادهم على الترجي والتمني كسروا الهمزة لتؤذن بالابتداء والانقطاع عما قبل وأنهم قد جعلوا التوكيد صدر الكلام لأنه معنى كسائر المعاني وإن لم يكن في الفائدة مثل غيره وكان الكسر في هذا الموطن أولى لأنه أثقل من الفتح والثقل أولى أن يعتمد عليه ويصدر الكلام به والفتح أولى بما جاء بعد الكلام لخفته وأن المتكلم ليس في عنفوان نشاطه وجمامه مع أن المفتوحة قد يليها الضم والكسر كقولك لأنك وعلمت أنك فلو كسرت لتوالى الثقل فإن قيل: فما المانع أن تكون هي وما بعدها في موضع الابتداء كما كانت في موضع الفاعل والمفعول والمجرور أليس قد صيرت الجملة في معنى الحديث فهلا تقول إنك منطلق يعجبني وما الفرق بينها وبين أن التي هي وما بعدها في تأويل الاسم نحو أن تقوم خير من أن تجلس فلم تكون تلك في موضع المبتدأ ولا تكون هذه كذلك قيل: إن المبتدأ يعمل فيه عامل معنوي والعامل المعنوي لولا أثره في المعمول اللفظي لما عقل وهذه الجملة المؤكدة ب أن إنما يصح أن تكون معمولا لعامل لفظي لأن المعمول معنى أيضا فهذا لا يفهمه المخاطب ولا يصل إلى علمه إلا بوحي فامتنع أن تكون هذه الجملة المؤكدة في موضع المبتدأ لأنه لا ظهور للعامل ولا للمعمول ومن ثم لم تدخل عليه عوامل الابتداء من كان وأخواتها وإن وأخواتها لأنها قد استغنت بظهور عملها في الجملة عن حرف يصير الجملة في معنى الحديث المعمول فيه فلا تقول كان أنك منطلق لا حاجة إلى أن مع عمل هذه الحروف في الجملة وجواب آخر وهو أنهم لو جعلوها في موضع الابتداء لم يسبق إلى الذهن إلا(2\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "290",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6505",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاعتماد على مجرد التوكيد دون توطئة الجملة عنها فكانت تكسر همزتها وقد تقدم أن الكسر إشعار بالانقطاع عما قبل واعتماد على المعنى الذي هو التوكيد فلم يتصور فتحها في الابتداء إلا بتقديم عامل لفظي يدل على المراد بفتحها لأن العامل اللفظي يطلب معموله فإن وجده لفظا غير ممنوع منه وإلا تسلط على المعنى والابتداء بخلاف هذا فإن قيل: فلم قالوا علمت أن زيدا منطلق وظننت أنه ذاهب هلا اكتفوا بعمل هذه الأفعال في الأسماء عن تصيير الجملة في معنى الحديث كما اكتفوا في باب كان وأن فقالوا كان زيد قائما ولم يقولوا كان أن زيدا قائما قيل: الفرق بينهما أن هذه الأفعال تدل على الحدث والزمان وليست بمنزلة كان وليس ولا بمنزلة إن وليت فجرت مجرى كرهت وأحببت فلذلك قالوا علمتك أنك منطلق كما قالوا أحببت أنك منطلق إلا أنها تخالف كرهت وسائر الأفعال لأنها لا تطلب إلا الحديث خاصة ولا تتعلق إلا به فمن ثم قالوا علمت زيدا منطلقا وزيد علمت منطلق ولم يقولوا كرهت زيدا أخاك لأنه لا متعلق لكرهت وسائر الأفعال بالحديث إنما متعلقها الأسماء ألا تمنعها أن من العمل في الأسماء فتصير متعلقة بالحديث فافهمه. فصل: فإن قيل: فما العامل في هذا الحديث المؤكد بأن من قولك لو أنك ذاهب فعلت لا سيما ولولا يقع بعدها إلا الفعل ولا فعل هاهنا فما موضع أن وما بعدها quot;فالجوابquot; أن أن في معنى التأكيد وهو تحقيق وتثبيت فذلك المعنى الذي هو التحقيق اكتفت به لو حتى كأنه فعل وليها ثم عمل ذلك المعنى في الحديث كأنك قلت لو ثبت أنك منطلق فصارت أن كأنها من جهة اللفظ عاملة في الاسم الذي هو لفظ ومن(2\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "291",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6506",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جهة المعنى عاملة في المعنى الذي هو الحديث فإن قيل: ألم يتقدم أنه لا يعمل عامل معنوي في معمول معنوي قيل: هذا في الابتداء حيث لا لفظ يسد مسد العامل اللفظي فأما هاهنا ف لو لشدة مقارنتها للفعل وطلبها له تقوم مقام اللفظ فالعامل الذي هو التحقيق والتثبيت التي دلت عليه أن بمعناها ومن ثم عمل حرف النفي المركب مع لو من قولك لولا زيد عمل المصدر فصار زيد فاعلا بذلك المعنى حتى كأنك قلت لو عدم زيد وفقد وغاب لكان كذا وكذا ولولا مقارنة لو لهذا الحرف لما جاز هذا لأن الحروف لا تعمل معانيها في الأسماء أصلا فالعامل في هذا الاسم الذي بعد لو كالعامل في هذا الاسم الذي هو الحديث من قولك لو أنك ذاهب لفعلت كذا وأما اختصاص لا بالتركيب معها في باب لولا زيد لزرتك فلأن لا قد تكون منفردة معنى عن الفعل إذا قيل لك هل قام زيد فتقول لا فقد أخبرت عنه بالقعود وإذا قيل هل قعد قلت لا فكأنك مخبر بالقيام وليس شيء من حروف النفي يكتفي به في الجواب حتى يكون بمنزلة الإخبار إلا هذا الحرف فمن ثم صلح للاعتماد عليه في هذا الباب وساغ تركيبه مع حرف لا يطلب إلا الفعل فصارت الكلمة بأسرها بمنزلة حرف وفعل وصار زيد بعدها بمنزلة الفاعل ولذلك قال سيبويه إنه مبني على لولا وهذا هو الحق لأن ما يهذون به من أنه مبتدأ وخبره محذوف لا يظهر وخامل لا يذكر هذا الفصل كله كلام السهيلي إلى آخره. فائدة: قول سيبويه: لا يجوز الإقتصار على المفعول الأول من باب أعلمت تأوله أصحابه بمعنى لا يحسن الإقتصار عليه قالوا: لأنه هو الفاعل في المعنى فإنه هو الذي علم ما أعلمته به من كون زيد قائما قالوا: والفاعل يجوز الإقتصار عليه لتمام الكلام(2\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "292",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6507",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به فهكذا ما في معناه بخلاف المفعول الأول من باب علمت فإنه ليس فاعلا لفظا ولا معنى هذا تقرير قولهم وقول إمام النحو هو الصواب ولا حاجة إلى تأويله هذا التأويل البارد وممن أنكر هذا التأويل السهيلي وقال: عندي أن قول سيبويه محمول على الظاهر لأنك لا تريد بقولك أعلمت زيدا أي جعلته عالما على الإطلاق هذا محال إنما تريد أعلمته بهذا الحديث فلا بد إذا من ذكر الحديث الذي أعلمته به فإن قيل: فهل يجوز أظننت زيدا عمرا قائما قيل: الصحيح امتناعه لأن الظن إن كان بعد علم ضروري فمحال أن ينقلب ظنا وإن كان بعد علم نظري لم يرجع العالم إلى الظن إلا بعد النسيان والذهول عن ركن من أركان النظر وهذا ليس من فعلك أنت به فلا تقول أظننته بعد أن كان عالما وإن كان قبل الظن شاكا أو جاهلا أو عاقلا لم يتصور أيضا أن تقول أظننته لأن الظن لا يكون عن دليل يوقفه عليه أو خبر صادق يخبره به كما يكون العلم لأن الدليل لا يقتضي ظنا ولا يقتضي أيضا شبهة كما بينه الأصوليون فثبت أن الظن لا تفعله أنت به ولا تفعل شيئا من أسبابه فلم يجز أظننته أي جعلته ظانا وكذلك يمتنع أشككته أي جعلته شاكا ولكنهم يقولون شككته إذا جذبته بحديث يصرفه عن حال الظن إلى حال الشك هذا كلام السهيلي وليس الأمر كما قال ولا فرق بين أعلمته وأظننته إلا من جهة السماع وأما الجواب مما ذكرناه فيقال ما المانع أن يكون أظننته أي جعلته ظانا بعد أن كان جاهلا أو شاكا مما ذكرته له من الأمارات والأدلة الظنية وقولك إن الظن لا يكون عن دليل يوقفه عليه أو خبر صادق يخبر به دعوى مجردة بل ظاهرة البطلان فإن الظن هو الرجحان فإذا ذكرت له أمارة ظاهرة لا توجب اليقين أفادته الرجحان وهو الظن وهذا كما إذا أخبرك من يثير خبره لك ظنا راجحا ولا ينتهي إلى قطع كالشاهد وغيره فدعوى أن الظن لا يكون عن دليل دعوى باطلة وإن أردت أنه لا يكون عن دليل قاطع لم يفدك شيئا فإنه يكون(2\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "293",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6508",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن أمارة تحصل له ولا يلزم من كون الدليل لا يقتضي الظن إلا تقتضيه الإمارة وقوله: فثبت أن الظن لا تفعله أنت ولا تفعل شيئا من أسبابه يقال وكذلك العلم لم تفعله أنت به ولا شيئا من أسبابه إن أردت أنك لم تحدثه فيه وإن أردت أنك لم تتسبب إلى حصوله فيه فباطل فإن ذكر الأمارات والأدلة الظنية سبب إلى حصول الظن له وهذا أظهر من أن يحتاج إلى تقريره ويدل عليه قولهم شككته فإن معناه أحدثت له شكا بما ذكرته له من الأمور التي تستلزم شكه فائدة: كل فعل يقتضي مفعولا ويطلبه ولا يصل إليه بنفسه توصلوا إليه بأداة وهي حرف الجر ثم أنهم قد يحذفون الحرف لتضمن الفعل معنى فعل متعد بنفسه كما تقدم لكن هنا دقيقة ينبغي التفطن لها وهي أنه قد يتعدى الفعل بنفسه إلى مفعول وإلى آخر بحرف الجر ثم يحذف المفعول الذي وصل إليه بنفسه لعلم السامع به ويبقى الذي وصل إليه بحرف الجر كما قالوا نصحت لزيد وكلت له ووزنت له وشكرت له المفعول في هذا كله محذوف والفعل واصل إلى الآخر بحرف الجر ولا يسمع قولهم أربعة أفعال تتعدى بنفسها تارة وبحرف الجر أخرى ويذكرون هذه فإنه كلام مجرد عن تحقيق بل المفعول في الحقيقة محذوف فإن قولك نصحت له مأخوذ من نصح الخياط الثوب إذا أصلحه وضم بعضه إلى بعض ثم استعير في الرأي فقالوا: نصحت له أي نصحت له رأيه أي أخلصته وأصلحته له والتوبة النصوح إنما هي من هذا فإن الذنب يمزق الدين فالتوبة النصوح بمنزلة نصح الخياط الثوب إذا أصلحه وضم أجزاءه ويقولون نصحت زيدا فيسقطون الحرف لأن النصيحة إرشاد فكأنك قلت أرشدته وكذلك شكرت إنما هو(2\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "294",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6509",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تفخيم للفعل وتعظيم له من شكر بطنه إذا امتلأ فالأصل شكرت لزيد إحسانه وفعله ثم تحذف المفعول فتقول شكرت لزيد ثم تحذف الحرف لأن شكرت متضمنة لحمدت أو مدحت وأما كلت لزيد ووزنت له فمفعولهما غير زيد لأن مطلوبها ما يكال أو يوزن فالأصل دخول اللام ثم قد يحذف لزيادة فائدة لأن كيل الطعام ووزنه يتضمن معنى المبايعة والمقاوضة إلا مع حرف اللام فإن قلت كلت لزيد أخبرت بكيل الطعام خاصة وإذا قلت كلت زيدا فقد أخبرت بمعاملته ومبايعته مع الكيل كأنك قلت بايعته بالكيل والوزن قال تعالى: وإذا كالوهم أو وزنوهم أي بايعوهم كيلا أو وزنا وأما قوله: اكتالوا على الناس فإنما دخلت على لتؤذن أن الكيل على البائع للمشتري ودخلت التاء في اكتالوا لأن افتعل في هذا الباب كله للأخذ لأنها زيادة على الحروف الأصلية تؤذن بمعنى زائد على معنى الكلمة لأن الأخذ للشيء كالمبتاع والمكتال والمشتري ونحو ذلك يدخل فعله من التناول والاجترار إلى نفسه والاحتمال إلى رحله ما لا يدخل فعل المعطي والمبايع ولهذا قال سبحانه: لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت يعني من السيئات لأن الذنوب يوصل إليها بواسطة الشهوة والشيطان والهوى والحسنة تنال بهبة الله من غير واسطة شهوة ولا إغراء عدو فهذا الفرق بينهما على ما قاله السهيلي وفيه فرق أحسن من هذا وهو أن الاكتساب يستدعي التعمل والمحاولة والمعاناة فلم يجعل على العبد إلا ما كان من هذا القبيل الحاصل بسعيه ومعاناته وتعمله وأما الكسب فيحصل بأدنى ملابسة حتى بالهم بالحسنة ونحو ذلك فخص الشر بالاكتساب والخير بأعم منه ففي هذا مطابقة للحديث الصحيح: quot;إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها وإن هم بسيئة فلا تكتبوها quot; رواه البخاري ومسلم وأما حديث: quot;الواسطة وعدمهاquot; فضعيف لأن الخير أيضا بواسطة الرسول والملك والإلهام والتوفيق فهذا في مقابلة وسائط الشرط فالفرق ما ذكرناه والله أعلم.(2\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "295",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6510",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: وأما سمع الله لمن حمده فقال السهيلي: مفعول سمع محذوف لأن السمع متعلق بالأقوال والأصوات دون غيرها فاللام على بابها إلا أنها تؤذن بمعنى زائد وهو الاستجابة المقارنة للسمع فاجتمع في الكلمة الإيجاز والدلالة على الزائد وهي الاستجابة لمن حمده وهذا مثل قوله عسى أن يكون ردف لكم ليست اللام لام المفعول كما زعموا ولا هي زائدة ولكن ردف فعل متعد ومعموله غير هذا الاسم كما كان مفعول سمع غير المجرور ومعنى ردف تبع وجاء على الأثر فلو حملته على الاسم المجرور لكان المعنى غير صحيح إذا تأملته ولكن المعنى ردف لكم استعجالكم وقولكم لأنهم قالوا: متى هذا الوعد ثم حذف المفعول الذي هو القول والاستعجال اتكالا على فهم السامع ودلت اللام على الحذف لمنعها الاسم الذي دخلت عليه أن يكون مفعولا وآذنت أيضا بفائدة أخرى وهي معنى عجل لكم فهي متعلقة بهذا المعنى فصار معنى الكلام قل عسى أن يكون عجل لكم بعض الذي تستعجلون فردف قولكم واستعجل لكم فدلت ردف على أنهم قالوا واستعجلوا ودلت اللام على المعنى الآخر فانتظم الكلام أحسن انتظام واجتمع مع الإيجاز معنى التمام قلت: فعل السمع يراد به أربعة معان أحدهما: سمع إدراك ومتعلقه الأصوات الثاني: سمع فهم وعقل ومتعلقه المعاني الثالث: سمع إجابة وإعطاء ما سئل الرابع: سمع قبول وانقياد فمن الأول: سمع الله قول التي تجادلك في زوجها و لقد سمع الله قول الذين قالوا ومن الثاني قوله: لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا ليس المراد سمع مجرد الكلام بل سمع الفهم والعقل ومنه سمعنا وأطعنا ومن الثالث سمع الله لمن حمده وفي الدعاء المأثور اللهم اسمع أي أجب وأعط ما سألتك ومن الرابع قوله تعالى: سماعون للكذب أي قابلون له ومنقادون غير(2\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "296",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6511",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منكرين له ومنه على أصح القولين: وفيكم سماعون لهم أي قابلون ومنقادون وقيل: عيون وجواسيس وليس بشيء فإن العيون والجواسيس إنما تكون بين الفئتين غير المختلطتين فيحتاج إلى الجواسيس والعيون وهذه الآية إنما هي في حق المنافقين وهم كانوا مختلطين بالصحابة بينهم فلم يكونوا محتاجين إلى عيون وجواسيس وإذا عرف هذا فسمع الإدراك يتعدى بنفسه وسمع القبول يتعدى باللام تارة وبمن أخرى وهذا بحسب المعنى فإذا كان السياق يقتضي القبول عدي ب من وإذا كان يقتضي الانقياد عدي باللام وأما سمع الإجابة فيتعدى باللام نحو سمع الله لمن حمده لتضمنه معنى استجاب له ولا حذف هناك وإنما هو مضمن وأما سمع الفهم فيتعدى بنفسه لأن مضمونه يتعدى بنفسه. فصل: ومما يتعلق بهذا قولهم قرأت الكتاب واللوح ونحوهما مما يتعدى بنفسه وأما قرأت بأم القرآن وقرأت بسورة كذا كقوله صلى الله عليه وسلم: quot;لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب quot; رواه البخاري ومسلم ففيه نكتة بديعة قل من يتفطن لها وهي أن الفعل إذا عدى بنفسه فقلت: رأت سورة كذا اقتضى اقتصارك عليها لتخصيصها بالذكر وأما إذا عدي بالباء فمعناه لا صلاة لمن لم يأت بهذه السورة في قراءته أو في صلاته أي في جملة ما يقرأ به وهي لا يعطى الإقتصار عليها بل يشعر بقراءة غيرها معها وتأمل قوله في الحديث كان يقرأ في الفجر بالستين إلى المائة كيف تجد المعنى أنه يقرأ فيما يقرأ به بعد الفاتحة بهذا العدد وكذلك قوله: quot;قرأ ب الأعراف إنما هي بعد الفاتحة وكذلك قرأ بسورة ق ونحو هذاquot; وتأمل كيف لم يأت بالباقي قوله: quot;قرأ سورة النجم فسجد وسجد معه المسلمون والمشركونquot; رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي فقال قرأ سورة النجم ولم يقل بها لأنه لم يكن في صلاة فقرأها وحدها وكذلك قوله: قرأ على الجن سورة الرحمنquot; حسن لغيره ولم يقل بسورة(2\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "297",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6512",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرحمن كذلك: quot;قرأ على أبي سورة لم يكنquot; رواه البخاري ومسلم والترمذي ولم يقل بسورة ولم تأت الباء إلا في قراءة في الصلاة كما ذكرت لك وإن شئت قلت: هو مضمن معنى صلى بسورة كذا وقام بسورة كذا وعلى هذا فيصح هذا الإطلاق وإن أتى بها وحدها وهذا أحسن من الأول وعلى هذا فلا يقال قرأ بسورة كذا إذا قرأها خارج الصلاة وألفاظ الحديث تتنزل على هذا فتدبرها. فصل: وأما كفى بالله شهيدا فالباء متعلقة بما تضمنه الخبر عن معنى الأمر بالاكتفاء لأنك إذا قلت كفى بالله أو كفاك الله زيدا فإنما تريد أن يكتفي هو به فصار اللفظ لفظ الخبر والمعنى معنى الأمر فدخلت الباء لهذا السبب فليست زائدة في الحقيقة وإنما هي كقولك حسبك بزيد ألا ترى أن حسبك مبتدأ وله خبر ومع الله فقد يجزم الفعل في جوابه فتقول حسبك ينم الناس فينم جزم على جواب الأمر الذي في ضمن الكلام حكى هذا سيبويه عن العرب. فائدة: تعدي الفعل إلى المصدر على ثلاثة أمور أحدها أن يكون مفعولا مطلقا لبيان النوع الثاني أن يكون توكيدا الثالث أن يكون حالا قال سيبويه: quot;وإنما تذكره لتبين أي فعل فعلت أو توكيداquot; وأما الحال فنحو: جاء زيد مشيا وسعيا تريد ماشيا وساعيا وفيه قولان أحدهما هذا والثاني أن الحال محذوف ومشيا معمولها أي يمشي مشيا وقد تقول مشيت ماشيا وقعدت قاعدا تجعلها حالا مؤكدة وقد تقول مشيت مشيا بطيئا ومسرعا فلك فيها وجهان أحدهما أن يكون المصدر(2\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "298",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6513",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حالا فيكون من باب قوله تعالى: لسانا عربيا وهي الحال الموطئة لأن الصفة وطأت الاسم الجامد أن يكون حالا فإن حذفت الاسم وبقيت الصفة وحدها لم يكن في الحال إشكال نحو: سرت شديدا ويبين ما قلناه إن قولك سرت شديدا هي حال من المصدر الذي دل عليه الفعل فإذا أردت بالمصدر هذا المعنى كان بمنزلة الحال ويجوز تقديمه وتأخيره إذا كان مفعولا مطلقا أو حالا ولا يجوز تقديمه على الفعل إذا كان توكيدا له لأن التوكيد لا يتقدم على المؤكد والعامل فيه إذا أردت معنى الحال الفعل نفسه والعامل فيه إذا كان مفعولا مطلقا ليس هو لفظ الفعل بنفسه وإنما هو ما يتضمنه من معنى فعل الذي هو فاء وعين ولام لأنك إذا قلت ضربا فالضرب ليس بمضروب ولكنك حين قلت: ضربت تضمن ضربت معنى فعلت لأن كل ضرب فعل وليس كل فعل ضربا فصار هذا بمنزلة تضمن الإنسان الحيوان وإذا كان كذلك فضربا منصوب بفعلت المدلول عليها بضربت حتى كأنك قلت: فعلت ضربا ولا يكون المصدر مفعولا مطلقا حتى يكون منعوتا أو في حكم المنعوت وإنما يكون توكيدا للفعل لأن الفعل يدل عليه دلالة مطلقة ولا يدل عليه محدودا ولا منعوتا وقد يكون مفعولا مطلقا وليس ثم نعت في اللفظ إذا كان في حكم المنعوت كأنك تريد ضربا تاما فلا يكون حينئذ توكيدا إذ لا يؤكد الشيء بما فيه معنى زائدا على معناه لأن التوكيد تكرار محض تكليم الله لموسى احتج بعض أهل السنة على القائلين من المعتزلة بأن تكليم الله لموسى عليه السلام مجاز بقوله: وكلم الله موسى تكليما فأكد الفعل بالمصدر ولا يصح المجاز مع التوكيد قال السهيلي: فذاكرت بها شيخنا أبا الحسن فقال: هذا حسن لولا أن سيبويه أجاز(2\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "299",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6514",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في مثل هذا أن يكون مفعولا مطلقا وإن لم يكن منعوتا في اللفظ فيحتمل على هذا أن يريد تكليما ما فلا يكون في الآية حجة قاطعة والحجج عليهم كثيرة الوحي وتفسيره قلت: وهذا ليس بشيء والآية صريحة في أن المراد بها تكليم أخص من الإيحاء فإنه ذكر أنه أوحى إلى نوح والنبيين من بعده وهذا الوحي هو التكليم العام المشترك ثم خص موسى باسم خاص وفعل خاص وهو كلم تكليما ورفع توهم إرادة التكليم العام عن الفعل بتأكيده بالمصدر وهذا يدل على اختصاص موسى بهذا التكليم ولو كان المراد تكليما ما لكان مساويا لما تقدم من الوحي أو دونه وهو باطل وأيضا فإن التأكيد في مثل هذا السياق صريح في التعظيم وتثبيت حقيقة الكلام والتكليم فعلا ومصدرا ووصفه بما يشعر بالتقليل مضاد للسياق فتأمله وأيضا فإن الله سبحانه قال لموسى: إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فلو كان التكليم الذي حصل له تكليما ما كان مشاركا لسائر الأنبياء فيه فلم يكن لتخصيصه بالكلام معنى وأيضا فإن وصف المصدر هاهنا مؤذن بقلته وإن نوعا من أنواع التكليم حصل له وهذا محال هاهنا فإن الإلهام تكليم ما ولهذا سماه الله تعالى وحيا والوحي تكليم ما فقال: وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه وإذ أوحيت إلى الحواريين ونظائره وقال عبادة بن الصامت: quot;رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في منامه. فكل هذه الأنواع تسمى تكليما ما وقد خص الله سبحانه موسى واصطفاه على البشر بكلامه له وأيضا فإن الله سبحانه حيث ذكر موسى ذكر تكليمه له باسم التكليم الخاص دون الاسم العام كقوله: ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني بل ذكر تكليمه له بأخص من ذلك وهو تكليم خاص كقوله: وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا فناداه وناجاه والنداء والنجاء أخص من التكليم لأنه تكليم خاص فالنداء تكليم من البعد يسمعه المنادي والنجاء تكليم من القرب وأيضا فإنه اجتمع في هذه الآية(2\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "300",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6515",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما يمتنع معه حملها على ما ذكره وهو أنه ذكر الوحي المشترك ثم ذكر عموم الأنبياء بعد محمد ونوح ثم ذكر موسى بعينه بعد ذكر النبيين عموما ثم ذكر خصوص تكليمه ثم أكده بالمصدر وكل من له أدنى ذوق في الألفاظ ودلالتها على معانيها يجزم بأن هذا السياق يقتضي تخصيص موسى بتكليم لم يحصل لغيره وأنه ليس تكليما ما فما ذكره أبو الحسن غير حسن بل باطل قطعا والذي غره ما اختاره سيبويه من حذف صفة المصدر وإرادتها وسيبويه لم يذكر هذا في كل مصدر كان هذا شأنه وإنما ذكر أن هذا مما يسوغ في الجملة فإذا كان في الكلام ما يدل على إرادة التأكيد دون الصفة لم يقل سيبويه ولا أحد أنه موصوف محذوف يدل على تقليله كما إذا قيل: صدقت الرسول تصديقا وآمنت به إيمانا أو قيل قاتل فلان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالا ونصره نصرا وبين الرسول لأمته تبينا وأرشدهم إرشادا وهداهم هدى فهل يقول سيبويه أو أحد أن هذا يجوز أن يكون موصوفا والمراد تصديقا وإيمانا ما وتبيينا ما وهدى ما فهكذا الآية والله تعالى الموفق للصواب. قال السهيلي: وسألته عن العامل في المصدر إذا كان توكيدا للفعل والتوكيد لا يعمل فيه المؤكد إذ هو هو في المعنى فما العامل فيه فسكت قليلا ثم قال ما سألني عنه أحد قبلك وأرى أن العامل فيه ما كان يعمل في الفعل قبله لو كان اسما لأنه لو كان اسما لكان منصوبا بفعلت المتضمنة فيه ثم عرضت كلامه على نفسي وتأملت الكتاب فإذا هو قد ذهل عما لوح إليه سيبويه في باب المصادر بل صرح وذلك أنه جعل المصدر المؤكد منصوبا بفعل هو التوكيد على الحقيقة واختزل ذلك الفعل وسد المصدر الذي هو معموله مسده كما سدت إياك وزيدا مسد العامل فيهما فصار التقدير ضربت ضربت ضربا فضربت الثانية: هي التوكيد على الحقيقة وقد سد ضربا مسدها وهو معمولها وإنما يقدر عملها فيه على أنه مفعول مطلق لا توكيد هذا معنى قول صاحب الكتاب مع زيادة شرح ومن تأمله هناك وجده كذلك والذي أقول به الآن(2\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "301",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6516",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قول الشيخ أبي الحسن لأن الفعل المختزل معنى والمعاني لا يؤكد بها وإنما يؤكد بالألفاظ وقولك ضربت فعل مشتق من المصدر فهو يدل عليه فكأنك قلت فعلت الضرب فضربت يتضمن المصدر ولذلك تضمره فتقول من كذب فهو شر له وتقيده بالحال نحو قمنا سريعا فسريعا حال من القيام فكما جاز أن تقيده بالحال وأن تكنى عنه جاز أيضا أن تؤكده بضربا كأنك قلت: ضربا ضربا أو نصب ضربا المتضمن ضربا المصرح به وبه يعمل في الثاني يعني فعلت كما كان ذلك في المفعول المطلق إذا قلت ضربت ضربا شديدا أي فعلت ضربا شديدا وليس المؤكد كذلك إنما ينتصب كما ينتصب زيد الثاني في قولك ضربت زيدا مكررا انتصب من حيث كان هو الأول لا أنك أضمرت له فعلا فتأمله. فصل: فيما يؤكد من الأفعال بالمصادر وما لا يؤكد: قد أشرنا إلى أن الفعل قسمان خاص وعام فالعام فعلت وعملت وفعلت أعم لأن عملت عبارة عن حركات الجوارح مع دأب ولذلك جاء على وزن فعل كتعب ونصب ومن ثم لم تجدها يخبر بها عن الله سبحانه إلا أن يراد به سمع فيحمل على المجاز المحض ويلتمس له التأويل قلت: وقد ورد قوله تعالى: أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما وقد تقدم له كلام أن اليد صفة أخص من القدرة والنعمة كما هو مذهب أبي الحسن الأشعري رحمه الله ونصر ذلك المذهب وارتضاه وعلى هذا فلا تأويل في الآية(2\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "302",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6517",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بل هي على حقيقتها على قوله: وأما الدأب والنصب وإثبات الجارحة فمن خصائص العبد والله تعالى منزه عن ذلك متعال عنه وخصائص المخلوقين لا يجوز إثباتها لرب العالمين بل الصفة المضافة إلى الله لا يلحقه فيها شيء من خصائصهم فإثباتها له كذلك لا يحتاج معه إلى تأويل فإن الله ليس كمثله شيء وقد تقدم أن خصائص المخلوقين غير داخلة في الاسم العام فضلا عن دخولها في الاسم الخاص المضاف إلى الرب تعالى وأنها لا يدل اللفظ عليها بوضعه حتى يكون نفيها عن الرب تعالى صرفا للفظ عن حقيقته ومن اغتفر دخولها في الاسم المضاف إلى الرب ثم توسل بذلك إلى نفي الصفة عنه فقد جمع بين التشبيه والتعطيل وأما من لم يدخلها في مسمى اللفظ الخاص ولا أثبتها للموصوف فقوله محض التنزيه وإثبات ما أثبت الله تعالى لنفسه فتأمل هذه النكتة ولتكن منك على ذكر في باب الأسماء والصفات فإنها تزيل عنك الاضطراب والشبهة والله تعالى الموفق للصواب. عاد كلامه قال: إذا ثبت هذا وما كان نحوها من الأحداث العامة الشائعة فإنها لا تؤكد بمصدر لأنها في الأفعال بمنزلة شيء وجسم في الأسماء فلا يؤكد لأنه لم يثبت له حقيقة معينة عند المخاطب وإنما يؤكد ما ثبت حقيقة والمخاطب أحوج إلى ذكر المفعول المطلق الذي تقع به الفائدة منه إلى توكيد فعلت فلو قلت له فعلت فعلت وأكدته بغاية ما يمكن من التوكيد ما كان الكلام إلا غير مفيد وكذلك لو قال: فعلت فعلا على التوكيد لأن المصدر الذي كنت تؤكد به لو أكدت قياسه أن يكون مفتوح الفاء لأنه ثلاثي والمصدر الثلاثي قياسه فتح فائه كما أن فعله كذلك قلت هذا ليس على إطلاقه فإن فعلت إذا أريد بها الفعل العام الذي لم تتحصل حقيقته عند المخاطب امتنع تأكيدها بل مثل هذا لا يقع في التخاطب وأما إذا أريد بها فعل خاص قد تحصلت حقيقته وتميزت عندهما كما إذا قال له أنت فعلت هذا وأشار إلى فعل معين فإنه إذا أكد الفعل وقال: فعلت فعلت كان الكلام مفيدا أبلغ فائدة وهذا إنما جاء من حيث كانت فعلت مرادا به الحدث الخاص وأكثر ما يجيء فعلت(2\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "303",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6518",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في الخطاب كذلك فتأمله قال: إذا ثبت هذا فلا يقع بعد فعلت إلا مفعول مطلق إما من لفظها فيكون عاما نحو فعلت فعلا حسنا ومن ثم جاء مكسور الفاء لأنه كالطحن والذبح ليس بمصدر اشتق منه الفعل بل هو مشتق من فعلت وإما أن يكون خاصا نحو فعلت ضربا فضربا أيضا مفعول مطلق من غير لفظ فعل فصار فعلت كطحنت طحنا وفعلت ضربا كطحنت دقيقا الاستغناء بالمفعول المطلق عن المصدر فإن قيل: ألم يجيزوا في ضربت ضربا وقتلت قتلا أن يكون مفعولا مطلقا فلم لم يكن مكسور الأول إذا كان مفعولا مطلقا ومفتوحا إذا كان مصدرا مؤكدا قيل ألم يقدم في أول الفائدة أنه لا يعمل في ضربا إذا كان مفعولا مطلقا إلا معنى فعلت لا لفظ ضربت فلو عمل فيه لفظ ضربت لقلت ضربا بالكسر كطحن وهو محال لأن الضرب لا يضرب ولكنك إذا شققت له اسما من فعلت التي هي عاملة فيه على الحقيقة فقلت: هو فعل وإن شققت له اسما من ضربت التي لا يعمل لفظها فيه لم يجز أن يجعلها كالطحن والذبح لأن الاسم القابل لصورة الفعل إنما يشتق لفظه من لفظ ما عمل فيه فثبت من هذا كله أن فعلت وعملت استغنى بمفعولها المطلق عن مصدرها لأنها لا تتعدى إلا إلى حدث وذلك الحدث يشتق له اسم من لفظها فيجتمع اللفظ والمعنى ويكون أقوى عند المخاطب من المصدر الذي يشتق منه الفعل ولذلك لم يقولوا صنعت صنعا بفتح الصاد ولا عملت عملا بسكون الميم ولا فعلت فعلا بفتح الفاء استغناء عن المصادر بالمفعولات المطلقة لأن العمل مثل القصص والنغص والصنع مثل الدهن والخبز والفعل مثل الطحن وكلها بمعنى المفعول لا بمعنى المصدر الذي اشتق منه الفعل وجميع هذه الأفعال العامة لا تتعدى إلى الجواهر والأجسام إلا أن يخبر بها عن خالقها وإنما تتعدى إلى الجواهر بعض الأفعال الخاصة تحت ضربت زيدا فهو مضروب على الإطلاق وإن اشتق له من لفظ فعلت مفعول به أي فعل به الضرب ولم يفعل هو جاز وأما حلمت في النوم حلما فهو بمنزلة فعلت وصنعت في اليقظة لأن جميع(2\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "304",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6519",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أفعال النوم تشتمل عليها حلمت وكان جميع أفعال اليقظة يشتمل عليها فعلت فمن ثم لم يقولوا حلما بوزن ضربا لأن حلمت مغنية عن المصدر كما كانت فعلت مغنية عنه وإنما مطلوب المخاطب معرفة المحلوم والمفعول فلذلك قالوا حلما ولذلك جمعوه على أحلام وحلوم لأن الأسماء هي التي تجمع وتثنى وأما الفعل أو ما فائدته كفائدة الفعل من المصادر فلا يجمع ولا يثنى وقولهم إنما جمعت الحلوم والأشغال لاختلاف الأنواع بل يقال لهم وهل اختلفت الأنواع إلا من حيث كانت بمثابة الأسماء المفعولة ألا ترى أن الشغل على وزن فعل كالدهن هو عبارة عما يشتغل المرء عنه فهو اسم مشتق من الفعل وليس الفعل مشتقا منه إنما هو مشتق من الشغل والشغل هو المصدر كما أن الجعل كذلك فعلى هذا ليس الاشتغال والأحلام بجمع المصدر بل هو جمع اسم المصادر على الحقيقة لا تجمع والمصدر على الحقيقة لا يجمع لأن المصادر كلها جنس واحد من حيث كانت عبارة عن حركة الفاعل والحركة تماثل الحركة ولا تخالفها بذاتها ولولا هاء التأنيث في الحركة ما ساغ جمعها فلو نطقت العرب بمصدر حلمت الذي استغنى عنه بالحلم وبمصدر شكرت الذي استغنى عنه بالشكر لما جاز جمعه لأن اختلاف الأنواع ليس راجعا إليه وإنما هو راجع إلى المفعول المطلق ألا ترى أن الشكر عبارة عما يكافأ به المنعم من ثناء أو فعل وكذلك نقيضه وهو الكفر عبارة عما يقابل به المنعم من جحد وقبح فعل فهو مفعول مطلق لا مصدر اشتق منه الفعل إلا أن الكفر يتعدى بالباء لتضمنه معنى التكذيب وشكرت يتعدى باللام التي هي لام الإضافة لأن المشكور في الحقيقة هي النعمة وهي مضافة إلى المنعم وكذلك المكفور في الحقيقة هي النعمة لكن كفرها تكذيب وجحد فلذلك قالوا كفر بالله وكفر نعمته وشكر له وشكر نعمته وإذا ثبت أن الشكر من قولك شكرت شكرا مفعول مطلق وهو مختلف الأنواع لأن مكافأة النعم تختلف جاز أن يجمع كما جمع الحلم والشغل فيحتمل قوله سبحانه حكاية عن المخلصين من عباده: لا نريد منكم جزاء ولا شكورا أن يكون جمعا لشكر وليس كالقعود(2\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "305",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6520",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والجلوس لأنه متعد ومصدر المتعدي لا يجيء على الفعول قلت الصحيح أنه مصدر جاء على الفعول لأن مقابله وهو الكفر والجحد والنفار تجيء مصادرها على الفعول نحو كفور وجحود ونفور ويبعد كل البعد أن يراد بالكفور جمع الكفر والكفر لا يعهد جمعه في القرآن قط ولا في الاستعمال فلا يعرف في التخاطب كفار أو كفور وإنما المعروف الكفر والكفران والكفور مصادر ليس إلا فحسن مجيء الشكور على الفعول حمله على مقابله وهو كثير في اللغة وقد تقدمت الإشارة إليه وحتى لو كان الشكور سائغا استعماله جمعا واحتمل الجمع والمصدر لكان الأليق بمعنى الآية المصدر لا الجمع لأن الله تعالى وصفهم بالإخلاص وأنهم إنما قصدوا بإطعام الطعام وجهه ولم يريدوا من المطعمين جزاء ولا شكورا ولا يليق بهذا الموضع أن يقول لا نريد منكم أنواعا من الشكر وأصنافا منه بل الأليق بهم وبإخلاصهم أن يقولوا لا نريد منكم شكرا أصلا فينفوا إرادة نفس هذه الماهية منهم وهو أبلغ في قصد الإخلاص من نفي الأنواع فتأمله فإنه ظاهر فلا يليق بالآية إلا المصدر وكذلك قوله تعالى: لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا إنما هو مصدر وليس بالمعهود البين جمع الشكر على الشكور واستعماله كذلك كما لو لم يعهد ذلك في الكفور الاستغناء بالمفعول المطلق عن المصدر عاد كلامه قال ويزيد هذا وضوحا قولهم أحببت حبا فالحب ليس بمصدر لأحببت إنما هو عبارة عن الشغل بالمحبوب ولذلك جاء على وزنه مضموم الأول ومن ثم جمع كما يجمع الشغل قال: ثلاثة أحباب فحب علاقة ... وحب تملاق وحب هو القتل فقد انكشف لك بقولهم أحببت حبا ولم يقولون إحبابا استغناء بالمفعول المطلق الذي هو أفيد عند المخاطب من الأحباب أن حلمت حلما وشكرت شكرا وكفر كفرا وصنع صنعا كلها واقعة على ما هو اسم للشيء المفعول وناصب له نصب المفعول المطلق وهو في هذه الأفعال أجدر أن يكون كذلك لأنها أعم من أحببت إذ الشكر واقع على أشياء مختلفة وكذلك الكفر والشغل والحلم وكلما كان الفعل(2\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "306",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6521",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أعم وأشيع لم يكن لذكر مصدره معنى وكان فعل ويفعل مغنيا عنه ولولا كشف الشاعر لاختلاف أنواع الحب ما كدنا نعرف ما فيه من العموم وأنه في معنى الشغل صار أحببت كشغلت وصار الحب كالشغل ولو قال إحبابا لكان بمنزلة شغلت شغلا بفتح الشين ألا ترى أنهم لا يجمعون من المصادر ما كان على وزن الإفعال نحو: الإكرام وعلى وزن الانفعال والافتعال والفعل ونحوها إلا أن يكون محددا كالتمرة من التمر وأما جمعه لاختلاف الأنواع فلا اختلاف للأنواع فيه إنما اختلاف الأنواع فيما كان اسما مشتقا من الفعل استغنى به عن المصدر لخصوصه وعموم المصدر وذلك لا تجده في الثلاثي إلا على وزن فعل وفعل ألا ترى أنهم لا يجمعون نحو الحذر والرمد والخدر والخفس والبرص والعمى وبابه قلت: فعل الحب فيه لغتان فعل وافعل وقد أنشدوا في الصحاح بيتين على اللغتين وهما: أحب أبا مروان من أجل تمره ... واعلم أن الحب بالمرء أرفق ووالله لولا تمره ما حببته ... وكان عياض منه أدنى ومشرق هكذا أنشده المبرد والذي في الصحاح ولا كان أدنى من عبيد ومشرق بالأقواء والبيتان quot;لغيلان بن شجاع النهشلي وهو عربيquot; فصيح وإذا ثبت أنهما لغتان في أحببته حبا فأنا له محب وهو محبوب على تداخل اللغتين فأتوا في المصدر الثلاثي كالشكر والشغل واستعملوا من الفعلين الرباعي في غالب كلامهم حتى كأنهم هجروا الثلاثي وأتوا بمصدره حتى كأنهم هجروا الرباعي فلما جاءوا إلى اسم الفاعل أتوا بالاسم من الرباعي حتى كأنهم لم ينطقوا بالثلاثي فقالوا محب ولو يقولوا حاب أصلا وجاءوا إلى المفعول فأتوا به من الفعل الثلاثي في الأكثر فقالوا: محبوب ولم يقولوا محب إلا نادرا كما قال: ولقد نزلت فلا تظنى غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم فهذا من أحببت كما أن المحبوب من حببت ثم استعملوا لفظ الحبيب في(2\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "307",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6522",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المحبوب أكثر من استعمالهم إياه في المحب مع أنه يطلق عليهما فمن مجيئه بمعنى المفعول قول ابن الدمينة: وإن الكثيب الفرد من جانب الحمى ... إلي وإن لم آته لحبيب أي: لمحبوب ومن مجيئه للفاعل قول المجنون: أتهجر ليلى للفراق حبيبها ... وما كان نفسا بالفراق تطيب فهذا بمعنى محبها وربما قالوا: للحبيب حب مثل خدن فخدن وخدين مثل حب وحبيب وإذا ثبت هذا فقوله رحمه الله: الحب ليس بمصدر لأحببت إنما هو عبارة عن الشغل بالمحبوب ليس الأمر كما قال بل هي مصدر للثلاثي أجروه على الفعل الرباعي استغناء عن مصدره وهذا لكثرة ولوع أنفسهم بالحب وألسنتهم به استعملوه منه أخف المصدرين استغناء به عن أثقلهما وأما مجيئه بالضم دون الفتح فكثير في ذلك وهو قوة هذا المعنى وتمكنه من نفس المحب وقهره وإذلاله إياه حتى إنه ليذل الشجاع الذي لا يذل لأحد فينقهر لمحبوبه ويستأسر له كما هو معروف في أشعارهم ونثرهم وكما يدل عليه الوجود فلما كان بهذه المثابة أعطوه أقوى الحركات وهي الضمة فإن حركة المحب أقوى الحركات فأعطوا أقوى حركات المتحرك أقوى الحركات اللفظية ليتشاكل اللفظ والمعنى فلهذا عدلوا عن قياس مصدره وهو الحب إلى ضمه وأيضا فإنهم كرهوا أن يجيئوا بمصدره على لفظ الحب الذي هو اسم جنس للمحبة ولم يكن بد من عدولهم إما إلى الضم أو إلى الكسر وكان الضم أولى لوجهين أحدهما: قوته وقوة الحب الثاني: أن في الضمة من الجمع ما يوازي ما في معنى الحب من جميع الهمة والإرادة على المحبوب فكأنهم دلوا السامع بلفظه وحركته وقوته على معناه اشتقاق الحب وتأمل كيف أتوا في هذا المسمى بحرفين أحدهما الحاء التي هي أقصى الحلق مبدأ الصوت ومخرجها قريب من مخرج الهمزة من أصل المصدر الذي هو معدن الحب وقراره ثم قرنوها(2\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "308",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6523",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالباء التي هي من الشفتين وهي آخر مخارج الصوت ونهايته فجمع الحرفان بداية الصوت ونهايته كما اشتمل معنى الحب على بداية الحركة ونهايتها فإن بداية حركة المحب من جهة محبوبه ونهايتها إلى الوصول إليه فاختاروا له حرفين هما بداية الصوت ونهايته فتأمل هذه النكت البديعة تجدها ألطف من النسيم ولا تعلق إلا بذهن يناسبها لطافة ورقة. فقل لكثيف الطبع ويحك ليس ذا ... بعشك فادرج سالما غير غانم واشتقاقه في الأصل من الملازمة والثبات من قولهم أحب البعير فهو محب إذ برك فلم يثر قال: حلت عليه بالقطيع ضربا ... ضرب بعير السود إذ حبا فلما كان المحب ملازما لذكر محبوبه ثابت القلب على حبه مقيما عليه لا يروم عنه انتقالا ولا يبغي عنه زوالا قد اتخذ له في سويداء قلبه وطنا وجعله له سكنا. تزول الجبال الراسيات وقلبه ... على العهد لا يلوي ولا يتغير فلذلك أعطوه هذا الاسم الدال على الثبات واللزوم ولما جاءوا إلى المحبوب أعطوه في غالب استعمالهم لفظ فعيل الدال على أن هذا الوصف وهو كون متعلق المحب أمر ثابت له لذاته وإن لم يحب فهو حبيب سواء أحبه غيره أم لا وهذا الوزن موضوع في الأصل لهذا المعنى الشريف وإن لم يشرفه غيره وهو من بناء الأوصاف الثابتة اللازمة كطويل وقصير وكريم وعظيم وحليم وجميل وبابه وهذا بخلاف مفعول فإن حقيقته لمن تعلق به الفعل ليس إلا مضروب لمن وقع عليه الضرب ومقتول ومأكول وبابه فهجروا في أكثر كلامهم لفظ محبوب لما يؤذن من أنه الذي تعلق به الحب فقط واختاروا له لفظ حبيب الدال على أنه حبيب في نفسه تعلق به الحب أم لا جاءوا إلى من قام به الحب فأعطوه لفظ محب دون حاب لوجهين أحدهما: أن الأصل هو الرباعي والنطق به أكثر فجاء على الأصل الثاني: أن حروفه أكثر من حروف حاب والمحل محل تكثير(2\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "309",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6524",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا محل تقليل فتأمل هذه المعاني التي لا تجدها في كتاب وإنما هي روضة أنف منح العزيز الوهاب فهمها وله الحمد والمنة وقد ذكرنا من هذا وأمثاله في كتاب التحفة المكية ما لو وجدناه لغيرنا لأعطيناه حقه من الاستحسان والمدح ولله تعالى الفضل والمنة أنواع الحب وأما جمع الشاعر له على ثلاثة أحباب لا يخرجه عن كونه مصدرا لأنه أراد أن الحب ثلاثة أنواع وثلاثة ضروب وهذا تقسيم للمصدر نفسه وهو تقسيم صحيح فإن للحب بداية وتوسطا ونهاية فذكر الشاعر الأقسام الثلاثة فحب البداية هو حب العلاقة ويسمى علاقة لتعلق القلب بالمحبوب قال الشاعر: أعلاقة أم الوليد بعدما ... أفنان رأسك كالثغام المخلس والحب المتوسط وهو حب التملق وهو التذلل والتواضع للمحبوب والانكسار له وتتبع مواقع رضاه وإيقاعها على ألطف الوجوه فهذا هو التملق وهو إنما يكون بعد تعلق القلب به والحب الثالث الذي هو يباشر القلب ويصطلم العقل ويذهب اللب ويمنع القرار وهذه المحبة تنقطع دونها العبارة وتمتنع إليها الإشارة ولي فيها من أبيات: وما هي إلا الموت أو هو دونها ... وفيها المنايا ينقلبن أمانيا فقد بان لك أن الشاعر إنما أراد جمع الحب الذي هو المصدر باعتبار أنواعه وضروبه ولنقطع الكلام في هذه المسألة فمن لم يشبع من هذه الكلمات ففي كتاب التحفة أضعاف ذلك والله الموفق. عاد كلامه قال فإن قيل: فقد قالوا سقم وأسقام والسقم مصدر سقم فهذا جمع لاختلاف الأنواع لأنه اسم كما ذكرت قيل: هذه غفلة أليس قد قالوا سقم بضم السين فهو عبارة عن الداء الذي يسقم الإنسان فصار كالدهن والشغل وهو في ذاته مختلف الأنواع فجمع وأما المرض فقد يكون عبارة عن السقم والعلة فيجمع على أمراض وقد يكون مصدرا كقولك مرض فلا يجمع(2\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "310",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6525",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنه قيل: تفريقك بين الأمرين دعوى فما دليلها قلنا: قولك عرق يعرق عرقا لا يخفى على أحد أنه مصدر عرق والعرق الذي هو جسم سائل مائع سائل من الجسد لا يخفى على أحد أنه غير العرق الذي هو المصدر وإن كان اللفظ واحدا فكذلك المرض يكون عبارة عن المصدر وعبارة عن السقم والعلة فعلى هذا تقول تصبب زيد عرقا ليكون له إعرابان تمييز إذا أردت المائع ومفعول من أجله أو مصدر مؤكد إذا أردت المصدر وكذلك دميت إصبعي دما إذا أردت المصدر فهي مثل العمى وإن أردت الشيء المائع فهو دم مثل يد وقد يسمى المائع بالمصدر قال: فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أعقابنا تقطر الدما فهذا مقصور كالعصا وعليه قول الآخر: جرى الدميان بالخبر اليقين فصل: ومن حيث امتنع أن يؤكد الفعل العام بالمصدر لشيوعه كما يمتنع توكيد النكرة لشيوعها وأنها لم تثبت لها عين لم يجز أن يخبر عنه كما لا يخبر عن النكرة لا تقول من فعل كان شرا له بخلاف من كذب كان شرا له لأن كذب فعل خاص فجاز الإخبار عما تضمنه من المصدر ومن ثم لم يقولوا فعلت سريعا ولا علمت طويلا كما قالوا سرت سريعا وجلست طويلا على الحال من المصدر كما يكون الحال من الاسم الخاص ولا يكون من النكرة الشائعة فإن قلت اجعله نعتا للمفعول المطلق كأنك قلت: فعلت فعلا سريعا وعملت عملا كثيرا قيل لا يجوز إقامة النعت مقام المنعوت إلا على شروط مذكورة في موضعها فليس قولهم سرت سريعا نعتا لمصدر نكرة محذوفة إنما هو حال من مصدر في حكم المعرفة بدلالة الفعل الخاص عليه فقد استقام الميسم للناظر في فصول هذه المسألة واستتب القياس(2\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "311",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6526",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيها من كل وجه فإن قيل: فما قولكم في علمت علما أليس هو مصدرا لعلمت فلم جاء مكسور الأول كالطحن والذبح قيل: العلم يكون عبارة عن المعلوم كما تقول فرأيت العلم وعبارة عن المصدر نفسه الذي اشتق منه علمت إلا أن ذلك المصدر مفعول لعلمت لأنه معلوم بنفس العلم لأنك إذا علمت الشيء فقد علمته وعلمت أنك علمته بعلم واحد فقد صار العلم معلوما بنفسه فلذلك جاء على وزن الطحن والذبح وليس له نظير في الكلام إلا قليل لا أعلم فعلا يتناول المفعول ويتناول نفسه إلا العلم والكلام لأنك تقول للمخاطب تكلم فيقول قد تكلمت فيكون صادقا وإن لم ينطق قبل ذلك ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي: quot;لما قال له يا ابن عبد المطلب قد أجبتكquot; رواه البخاري وأبو داود وكان قد أجبتك جوابا وخبرا عن الجواب فتناول القول نفسه ولذلك تعبدنا في التلاوة أن نقول قل هو الله أحد لأن قل أمر يتناول ما بعده ويتناول نفسه فمن ثم جاء مصدر القول على القيل كما جاء مصدر علمت على العلم وجاء أيضا على القال وهو على وزن القبض لأن القول قد يكون مقولا بنفسه وجاء أيضا على الأصل مفتوح الأول وأما العلم فلم يجيء إلا مكسورا مصدرا كان أو مفعولا لأنه لا يكون أبدا إلا معلوما بنفسه والقول بخلاف ذلك قد يتناول نفسه في بعض الكلام وقد لا يتناول إلا المفعول وهو الأغلب وأما الفكر فليس باسم عند سيبويه ولذلك منع من جمعه فقال: لا يجمع الفكر على أفكار حمله على المصادر التي لا تجمع وقد استهوى الخطباء والقصاص خلاف هذا وهو كالعلم لقربه منه في معناه ومشاركته له في محله وأما الذكر فبمنزلة العلم لأنه نوع منه. فصل: فيما يحدد من المصادر بالهاء وفيه بقايا من الفصل الأول فقد تقدم أن الفعل لا يدل على مصدره إلا مطلقا غير محدد ولا منعوت وإنك إذا قلت: ضربته ضربة فإنما هو مفعول مطلق لا توكيد لأن التوكيد لا يكون في معناه زيادة على المؤكد ومن(2\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "312",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6527",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم لا تقول سير بزيد سريعة حسنة تريد سيرة كذلك ولا قعدت طويلة لأن الفعل لا يدل بلفظه على المرة الواحدة ومن ثم بطل ما أجازه النحاس وغيره من قوله: زيد ظننتها منطلق تريد الظنة لأن الفعل لا يدل عليها وإذا ثبت هذا فالتحديد في المصادر ليس يطرد في جميعها ولكن فيما كان منها حركة للجوارح الظاهرة ففيه يقع التحديد غالبا لأنه مضارع للأجناس الظاهرة التي يقع الفرق بين الواحد منه والجنس بهاء التأنيث نحو تمرة وتمر ونخلة ونخل وكذلك تقول ضربة وضرب وأما ما كان من الأفعال الباطنة نحو علم وحذر وفرق ووجل أو ما كان سبعا نحو ظرف وشرف لا يقال في شيء من هذا فعلة لا يقال فهم فهمة ولا ظرف ظرفة وكذلك ما كان من الأفعال عبارة عن الكثرة والقلة نحو طال وقصر وكبر وصغر وقل وكثر لا نقول فيه فعلة وأما قولهم: الكبرة في الهرم فعبارة عن الصفة وليست بواحدة من الكبر وكذلك الكثرة ليست كالضربة من الضرب لأنك لا تقول كثر كثرا وأما حمدا فما أحسبه يقال في تحديده حمدة كما يقال: مدحة الفرق بين الحمد والمدح والفرق بينهما أن حمد يتضمن الثناء مع العلم بما يثنى به فإن تجرد عن العلم كان مدحا ولم يكن حمدا فكل حمد مدح دون العكس ومن حيث كان يتضمن العلم بخصال المحمود جاء فعله على حمد بالكسر موازنا لعلم ولم يجيء كذلك مدح فصار المدح في الأفعال الظاهرة كالضرب ونحوه ومن ثم في الكتاب والسنة حمد: ربنا فلانا ويقول مدح الله فلانا وأثنى على فلان ولا تقول حمد إلا لنفسه ولذلك قال سبحانه: الحمد لله بلام الجنس المفيدة للاستغراق فالحمد كله له إما ملكا وإما استحقاقا فحمده لنفسه استحقاق وحمد العباد له وحمد بعضهم لبعض ملك له فلو حمد هو غيره لم يسغ أن يقال في ذلك الحمد ملك له لأن الحمد كلامه ولم يسغ أن يضاف إليه على جهة الإستحاق وقد تعلق بغيره فإن قيل: أليس ثناؤه ومدحه لأوليائه إنما هو بما علم فلم لا يجوز أن يسمى حمدا قيل لا يسمى حمدا على الإطلاق إلا ما يتضمن العلم بالمحاسن على الكمال وذلك معدوم في غيره سبحانه فإذا مدح فإنما يمدح بخصلة هي ناقصة في حق العبد وهو أعلم(2\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "313",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6528",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بنقصانها وإذا حمد نفسه حمد بما علم من كمال صفاته قلت: ليس ما ذكره من الفرق بين الحمد والمدح باعتبار العلم وعدمه صحيحا فإن كل واحد منهما يتضمن العلم بما يحمد به غيره ويمدحه فلا يكون مادحا ولا حامدا من لم يعرف صفات المحمود والممدوح فكيف يصح قوله: إن تجرد عن العلم كان مادحا بل إن تجرد عن العلم كان كلاما بغير علم فإن طابق فصدق وإلا فكذب وقوله: ومن ثم لم يجيء في الكتاب والسنة حمد ربنا فلانا يقال وأين جاء فيهما مدح الله فلانا وقد جاء في السنة ما هو أخص من الحمد وهو الثناء الذي هو تكرار المحامد كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم لأهل قباء: quot;ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به quot; صحيح فإذا كان قد أثنى عليهم والثناء حمد متكرر فما يمنع حمده لمن شاء من عباده ثم الصحيح في تسمية النبي صلى الله عليه وسلم محمدا أنه الذي يحمده الله وملائكته وعباده المؤمنون وأما من قال: الذي يحمده أهل السموات وأهل الأرض فلا ينافي حمد الله بل حمد أهل السموات والأرض له بعد حمد الله له فلما حمده الله حمده أهل السموات والأرض وبالجملة فإذا كان الحمد ثناء خاصا على المحمود لم يمتنع أن يحمد الله تعالى من يشاء من خلقه كما يثني عليه فالصواب في الفرق بين الحمد والمدح أن يقال: الإخبار عن محاسن الغير إما أن يكون إخبارا مجردا من حب وإرادة أو مقرونا بحبه وإرادته فإن كان الأول فهو المدح وإن كان الثاني فهو الحمد فالحمد إخبار عن محاسن المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه ولهذا كان خبرا يتضمن الإنشاء بخلاف المدح فإنه خبر مجرد فالقائل إذا قال: الحمد لله أو قال: ربنا لك الحمد تضمن كلامه الخبر عن كل ما يحمد عليه تعالى باسم جامع محيط متضمن لكل فرد من أفراد الحمد المحققة والمقدرة وذلك يستلزم إثبات كل كمال يحمد عليه الرب تعالى ولهذا لا تصلح هذه اللفظة على هذا الوجه ولا ينبغي إلا لمن هذا شأنه وهو الحميد المجيد ولما كان هذا المعنى مقارنا للحمد لا تتقوم حقيقته إلا به فسره من فسره بالرضى والمحبة وهو تفسير له بجزء مدلوله بل هو رضاء ومحبة ومقارنة للثناء ولهذا السر(2\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "314",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6529",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والله أعلم جاء فعله على بناء الطبائع والغرائز فقيل: حمد لتضمنه الحب الذي هو بالطبائع والسجايا أولى وأحق من فهم وحذر وسقم ونحوه بخلاف الإخبار المجرد عن ذلك وهو المدح فإنه جاء على وزن فعل فقالوا: مدحه لتجرد معناه من معاني الغرائز والطبائع فتأمل هذه النكتة البديعة وتأمل الإنشاء الثابت في قولك ربنا لك الحمد وقولك الحمد لله كيف تجده تحت هذه الألفاظ ولذلك لا يقال موضعها المدح لله تعالى ولا ربنا لك المدح وسره ما ذكرت لك من الأخبار بمحاسن المحمود إخبارا مقترنا بحبه وإرادته وإجلاله وتعظيمه فإن قلت: فهذا ينقض قولكم إنه لا يمتنع أن يحمد الله تعالى من شاء من خلقه فإن الله تعالى لا يتعاظمه شيء ولا يستحق التعظيم غيره فكيف يعظم أحدا من عباده قلت: المحبة لا تنفك عن تعظيم وإجلال للمحبوب ولكن يضاف إلى كل ذات بحسب ما تقتضيه خصائص تلك الذات فمحبة العبد لربه تستلزم إجلاله وتعظيمه وكذلك محبة الرسول تستلزم توقيره وتعزيزه وإجلاله وكذلك محبة الوالدين والعلماء وملوك العدل وأما محبة الرب عبده فإنها تستلزم إعزازه لعبده وإكرامه إياه والتنويه بذكره وإلقاء التعظيم والمهابة له في قلوب أوليائه فهذا المعنى ثابت في محبته وحمده لعبده سمي تعظيما وإجلالا أو لم يسم ألا ترى أن محبته سبحانه لرسله كيف اقتضت أن نوه بذكرهم في أهل السماء والأرض ورفع ذكرهم على ذكر غيرهم وغضب على من لم يحبهم ويوقرهم ويجلهم وأحل به أنواع العقوبات في الدنيا والآخرة وجعل كرامته في الدنيا والآخرة لمحبيهم وأنصارهم وأتباعهم أولا ترى كيف أمر عباده وأولياءه بالصلاة التي هي تعظيم وثناء على خاتمهم وأفضلهم صلوات الله عليه وسلامه أفليس هذا تعظيما لهم وإعزازا وإكراما وتكريما فإن قيل: فقد ظهر الفرق بين الحمد والمدح واستبان صبح المعنى وأسفر وجهه فما الفرق بينهما وبين الثناء والمجد الفرق بين الحمد والمدح وبين الثناء والمجد قيل: قد تعدينا طورنا فيما نحن بصدده ولكن نذكر الفرق تكميلا للفائدة فنذكر تقسيما جامعا لهذه المعاني الأربعة أعني الحمد والمدح والثناء والمجد فنقول الإخبار عن(2\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "315",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6530",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محاسن الغير له ثلاث اعتبارات اعتبار من حيث المخبر به واعتبار من حيث الإخبار عنه بالخبر واعتبار من حيث حال المخبر فمن حيث الاعتبار الأول ينشأ التقسيم إلى الحمد والمجد فإن المخبر به إما أن يكون من أوصاف العظمة والجلال والسعة وتوابعها أو من أوصاف الجمال والإحسان وتوابعها فإن كان الأول فهو المجد وإن كان الثاني فهو الحمد وهذا لأن لفظ م ج د في لغتهم يدور على معنى الاتساع والكثرة فمنه قولهم أمجد الدابة علفا أي أوسعها علفا ومنه مجد الرجل فهو ماجد إذا كثر خيره وإحسانه إلى الناس قال الشاعر: أنت تكون ماجد نبيل ... إذا تهب شمأل بليل ومنه قولهم في شجر الغار واستمجد quot;المرخquot; quot;والعفارquot; أي كثرت النار فيهما ومن حيث اعتبار الخبر نفسه ينشأ التقسيم إلى الثناء والحمد فإن الخبر عن المحاسن إما متكرر أو لا فإن تكرر فهو الثناء وإن لم يتكرر فهو الحمد فإن الثناء مأخوذ من الثني وهو العطف ورد الشيء بعضه على بعض ومنه ثنيت الثوب ومنه التثنية في الاسم فالمثنى مكرر لمحاسن من يثنى عليه مرة بعد مرة ومن جهة اعتبار حال المخبر ينشأ التقسيم إلى المدح والحمد فإن المخبر عن محاسن الغير إما أن يقترن بإخباره حب له وإجلال أو لا فإن اقترن به الحب فهو الحمد وإلا فهو المدح فحصل هذه الأقسام وميزها ثم تأمل تنزيل قوله تعالى فيما رواه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يقول العبد: quot;الحمد لله رب العالمين فيقول الله حمدني عبدي فإذا قال الرحمن الرحيم قال أثنى علي عبدي لأنه كرر حمده فإذا قال مالك يوم الدين قال مجدني عبدي فإنه وصفه بالملك والعظمة والجلال quot; رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي فاحمد الله على ما ساقه إليك من هذه الأسرار والفوائد عفوا لم تسهر فيها عينك ولم(2\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "316",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6531",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يسافر فيها فكرك عن وطنه ولم تتجرد في تحصيلها عن مألوفاتك بل هي عرائس معان تجلى عليك وتزف إليك فلك لذة التمتع بها ومهرها على غيرك لك غنمها وعليه غرمها. فصل: فلنرجع إلى كلامه قال وكل ما حدد من المصادر تجوز تثنيته وجمعه وما لم يحدد فعلى الأصل الذي تقدم لا يثنى ولا يجمع وقولهم إلا أن تختلف أنواعه لا تختلف أنواعه إلا إذا كان عبارة عن مفعول مطلق اشتق من لفظ الفعل لا عن مصدر اشتق الفعل منه ولذلك تجده على وزن فعل بالكسر وعلى وزن فعل نحو عمل والذي هو مصدر حقيقة ما تجده على وزن فعل نحو ضرب وقتل وأما الشرب بالفتح والضم والكسر فالشرب بالفتح هو المصدر والشرب بالضم عبارة عن المشروب أو عن الحدث الذي هو مفعول مطلق في الأصل وربما اتسع فيه فأجرى مجرى المصدر الذي اشتق الفعل منه كما قال تعالى: فشاربون شرب الهيم بالضم والفتح قلت هذه كبوة من جواد ونبوة من صارم فإن الشرب بالضم هو المصدر وأما المشروب فهو الشرب بكسر الشين قال الله في الناقة: ها شرب ولكم شرب يوم معلوم فهذا هو المشروب كما تقول قسم من الماء وحظ ونصيب تشربه في يومها ولكم حظ وقسم تستوفونه في يومكم وهذا هو القياس في الباب كالذبح بمعنى المذبوح والطحن للمطحون والحب للمحبوب والحمل للمحمول والقسم للمقسوم والعرس للزوجة التي قد عرس بها ونظائره كثيرة جدا وأما الشرب بالفتح فقياسه أن يكون جمع شارب كصاحب وصحب وتاجر وتجر وهو يستعمل كذلك وإطلاق لفظ الجمع عليه جريا على عادتهم والصواب أنه اسم جمع فإن فعلا ليس من صيغ الجموع واستعمل أيضا مصدرا وقد قرئت(2\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "317",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6532",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الآية بالوجوه الثلاثة فمن قرأ بالضم أو الفتح فهو مصدر ومن قرأ بالكسر فهو بمعنى المشروب وعلى الأول يقع التشبيه بين الفعلين وهو المقصود بالذكر شبه شربهم من الحميم بشرب الإبل العطاش التي قد أصابها الهيام وهو داء تشرب منه ولا تروى وهو جمع أهيم وأصله هيم بضم الهاء كأحمر وحمر ثم قلبوا الضمة كسرة لأجل الياء فقالوا: هيم وأما قراءة الكسر فوجهها أنه شبه مشروبهم بمشروب الإبل الهيم في كثرته وعدم الري به والله تعالى أعلم. عاد كلامه قال فإن قيل: الفهم والعقل والوهم والظن مصادر ليست مما ذكرت وقد جمعت فقالوا أفهام وأوهام وعقول قيل: هذه مصادر في أصل وضعها ولكنها قد أجريت مجرى الأسماء حيث صارت عبارة عن صفة لازمة وعن حاسة ناطقة كالبصر ألا ترى أنك إذا قلت عقلت البعير عقلا لم يجز في هذا المصدر الجمع فإذا أردت به المعنى الذي استعير له وهو عقل الإنسان جاز جمعه إذ صار للإنسان كأنه حاسة ناطقة كالبصر ألا ترى أن البصر حيثما ورد في القرآن الكريم مجموع والسمع غير مجموع في أجود الكلام لبقاء السمع على أصله من بناء المصادر الثلاثة ولكون البصر على وزن فعل كالأسماء ولأنه يراد به الحاسة وقد يجوز في السمع على ضعف أن تجمعه إذا أردت به الحاسة دون المصدر كما تجمع الفهم على أفهام ولكن لا يكون ذلك إلا بشرط وهو أن تكون الأفهام والإسماع ونحوها مضافة إلى جمع نحو أفهام القوم وأسماع الزيدين ولو كان هذا الجمع إنما هو لاختلاف أنواع المصدر لما جاز أن تقول عرفت أفهام القوم في هذه المسألة وعرفت علومهم لأن الصفة لا تختلف عند اتحاد متعلقها بل هي مماثلة وإن اختلفت محالها فعلم زيد وعلم عمرو إذا تعلقا بشيء واحد فهما مثلان وعلم زيد بشيء واحد وعلمه بشيء آخر مختلفان لاختلاف المعلومين والمقصود أن الأفهام والعقول لا تجمع لاختلاف أنواعها لأنها قد تجمع حيث لا تختلف وهي(2\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "318",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6533",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عند اتفاق أفهام على مفهوم واحد وتجيء مفردة عند اختلافها نحو فهم زيد الحساب والنحو وغيرهما لا يقال فيه عرفت أفهام زيد بالعلوم ولكن تقول فهم زيد بالإفراد مع اختلاف متعلقه واختلاف متعلقه يوجب اختلافه وإذا ثبت هذا فلم يجمع الفهم على أفهام إلا من حيث كان بمنزلة حاسة ناطقة للإنسان فإذا أضيف إلى أكثرين جمع وإذا أضيف إلى واحد لم يجمع لأنه كالحاسة الواحدة وإن كان في أصله مصدرا فرب مصدر أجرى مجرى الأسماء كضيف وضيفان وعدل وعدول وصيد وصيود وأما رؤية العين فليست التاء فيها للتحذير بل هي لتأنيث الصفة كالقدرة والصفرة والحمرة وكان الأصل فيها رأيا ولكنهم إنما يستعملون هذا الأصل مضافا إلى العين نحو قوله تعالى: رأي العين فإذا لم تضف استعمل في الرأي المعقول واستعملت الرؤية في المعنى الآخر للفرق وأما الظن فمصدر لا يثنى ولا يجمع إلا أن تريد به الأمور المظنونة نحو ذلك قوله تعالى: وتظنون بالله الظنونا أي يظنون أشياء كاذبة والظنون على هذا مفعول مطلق لا عبارة عن الظن الذي هو المصدر في الأصل والله أعلم فائدة: سحر على قسمين أحدهما: يراد به سحر يوم بعينه معرفة كان اليوم أو نكرة وهو في هذا ظرف غير منون بشرط أن يكون اليوم ظرفا لا فاعلا ولا مفعولا وفيه وجهان أحدهما: أن تعريفه لما فيه من معنى الإضافة فإنك تريد سحر ذلك اليوم فحذف التنوين منه كما حذف في أجمع وأكتع لما كان مضافا في المعنى الوجه الثاني: وهو اختيار سيبويه أن تعريفه باللام المقدرة كأنك حين ذكرت يوما قبله وجعلته ظرفا ثم ذكرت سحر فكأنك أردت السحر الذي(2\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "319",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6534",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من ذلك اليوم فاستغنيت عن الألف واللام بذكر اليوم وهذا القول أصح للفرق الذي بين سحر وبين أجمع فإن أجمع توكيد بمنزلة كله ونفسه فهو مضاف في المعنى إلى ضمير المؤكد واستغنى عن إظهار الضمير بذكر المؤكد لأن أجمع لا يكون إلا تابعا له ولا يكون مخبرا عنه بحال وليس كذلك السحر لأنه بمنزلة الفرس والجمل فإن أضفته لم يكن بد من إظهار المضاف إليه وإنما هو معرف باللام كما قال سيبويه: quot;وهذا كله لما كان اليوم ظرفا لا مفعولاquot; فلو قلت: كرهت يوم السبت سحر كان بدلا كما تقول أكلت الشاة رأسها فإن قيل: فهلا قلتم أنه بدل إذا كان ما قبله ظرفا أيضا لأنه بعض اليوم فيكون بدل البعض من الكل كما كان ذلك إذا كان اليوم مفعولا قيل: الفرق بينهما أن البدل يعتمد عليه ويكون المبدل منه في حكم الطرح ويكون الفعل مخصوصا بالبدل بعدما كان عموما في المبدل منه فإذا قلت: أكلت السمكة رأسها لم يتناول الأكل إلا رأسها وخرج سائرها من أن يكون مأكولا وليس كذلك خرجت يوم الجمعة سحر لأن الظرف مقدر ب في وجعل سحر ظرفا لا يخرج اليوم عن أن يكون ظرفا بل يبقى على حاله لأنه ليس من شرط الظرف أن يملأه ما يوضع فيه فالكلام معتمد عليه كما كان قبل ذكر سحر نعم وما هو أوسع من اليوم في المعنى نحو الشهر والعام الذي فيه ذكر اليوم وما هو أوسع من العام كالزمان كل واحد من هذه ظرف للفعل الذي وقع في سحر بالذكر فذكر سحر لا يخرج شيء منها أن يكون ظرفا للفعل فلذلك اعتمد الكلام على اليوم واستغنى به عن تجديد آلة التعريف بخلاف كرهت يوم السبت سحرا أو السحر منه لا بد من البدل فيه فقد بان الفرق وبانت علة ارتفاع التنوين لأنه لا يجامع الألف واللام ولا معناها وإن كان في حكم المضاف كما زعم بعضهم فلذلك أيضا امتنع تنوينه وأما مانع تصرفه وتمكنه فإنك لما أردته ليوم هو ظرف فلو تمكن خرج عن أن يكون من ذلك اليوم لأن الظرفية كانت رابطة بينهما ومشعرة بأن السحر من ذلك اليوم فإذا قلت سير بزيد يوم الجمعة سحر(2\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "320",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6535",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجعلته مفعولا على السعة لم يجز لعدم الرابط بينه وبين اليوم فإن أردت هذا المعنى فقل سير بزيد يوم الجمعة سحر أو السحر منه حتى يرتبط به لأنك لا تقدر الألف واللام من غير أن يلفظ بهما إلا إذا كان في الكلام ما يغني عنهما وأما إذا كان اسما متمكنا كسائر الأسماء فلا بد من تعريفه بما تعرف به الأسماء أو تجعله نكرة فلا يكون من ذلك اليوم فإن قلت: فقد أجازوا سير بزيد يوم الجمعة سحر برفع اليوم ونصب سحر فلم لا يجوز أيضا يوم الجمعة سحر بنصب اليوم ورفع سحر قيل: لأن اليوم وإن اتسع فيه فهو ظرف في معناه وهو يشتمل على السحر ولا يشتمل السحر عليه فلا يجوز إذا أن يتعرف السحر تعريفا معنويا حتى يكون ظرفا بمنزلة اليوم الذي هو منه ليكون تقديم اليوم مع كونه ظرفا مغنيا عن آلة التعريف. فصل: وأما ضحوة وعشية ومساء ونحو ذلك فإنها مفارقة لسحر من حيث كانت منونة وإن أردتها ليوم بعينه وهي موافقة له في عدم التصرف والتمكن والفرق بينهما أن هذه أسماء فيها معنى الوصل لأنها مشتقة مما وصف به الأوقات التي هي ساعات اليوم فالعشي من العشاء والضحوة من قولك فرس أضحى وليلة إضحيان يريد البياض والصباح من الأصبح وهو لون بين لونين فإذا قلت خرجت اليوم عشاء وظلاما وضحى وبصرا حكاه سيبويه فإنما تريد خرجت اليوم في ساعة وصفها كذا وخرجت وقتا مظلما أو مبصرا ونحو ذلك فقد بان لك أنها أوصاف لنكرات وتلك النكرات هي أجزاء اليوم وساعاته ألا ترى أنك إذا قلت خرجت اليوم ساعة منه أو مشيت اليوم وقتا منه لم يكن إلا منونا إلا أن(2\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "321",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6536",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ساعة ووقتا غير معين وضحوة وعشية قد تخصصا بالصفة ولكنه لم يتعرف وإن كان ليوم بعينه لأنه غير معرف بالألف واللام كما كان سحر لأن سحر اسم جامد يتعرف كالأسماء ويخبر عنه وأما نعته فلا يكون كذلك لأن النعت لا يكون فاعلا ولا مفعولا ولا يقام مقام المنعوت إلا على شروط مخصوصة فإن قلت: أليست هذه الأوقات معروفة عند المخاطب من حيث كانت ليوم بعينه فلم لا تكون معرفة كما كان سحر إذا كان ليوم بعينه قيل إن سحر لم يتعرف بشيء إلا بمعنى الألف واللام لا من حيث كان ليوم بعينه فقد تعرف المخاطب الشيء بصفته كما تعرف بآلة التعريف فتقول رأيت رجلا من صفته كذا وكذا حتى يعرفه المخاطب فيسري إليه التعريف وهو مع ذلك نكرة وكذلك ضحوة وعشية وإنما استغني عن ذكر المنعوت بهذه الصفات لتقدم ذكر اليوم الذي هو مشتمل على الأوقات الموصوفة بهذه المعاني كما استغنى عن ذكر المنعوت إذا قلت زيد قائم ولا شك أن المعنى زيد رجل قائم ولكن ترك ذكر الرجل لأنه زيد وكذلك جاءني زيد صالحا أي رجلا صالحا ولكن زيد هو الرجل فأغناك عن ذكره وكذلك ما نحن بسبيله من هذه الأسماء التي هي في نفسها أوصاف لأوقات أغنى ذكر اليوم الذي هي له عن ذكرها لاشتمالها عليه ولم يكن ذلك في سحر ومن ثم أيضا لم تتمكن فتقول سير عليه يوم الجمعة ضحوة وعشية لأن تمكنها يخرجها إلى حيز الأسماء ويبطل منها معنى الصفة فلا ترتبط حينئذ باليوم الذي أردتها له وينضاف إلى هذه العلة علة أخرى قد تقدمت في فصل سحر وكذلك كل ما كان من الظروف نعتا في الأصل نحو ذا حاج وكلت مرة وأقمت طويلا وجلست قريبا لا يتمكن ولا يخرج من الظرف ويلحق بهذا الفصل نهارا إذا قلت خرجت اليوم نهارا لأنه مشتق من أنهر الدم بما تشتت تريد الانتشار والسعة ومنه النهر من الماء لأنه بالإضافة إلى موضع تفجره كالنهار بالإضافة إلى فجره لأن النهر ما ينتشر ويتسع فما انفجر من الماء والنهر بمنزلة ما انتشر واتسع من فجر الضياء واليوم أوسع من النهار في معناه(2\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "322",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6537",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصار قولك خرجت اليوم نهارا كقولك خرجت اليوم ظهرا وعشيا معنى الاشتقاق فيها كلها بين فجرت مجرى الأوصاف للنكرات في تنوينها وعدم تمكنها قلت: ولما كان النهار أوسع من النهر خص بالألف المعطية اتساع النطق وانفتاح الفم دون النهر. فصل: وأما غدوة وبكرة فهما اسما علم وعدم التنوين فيهما للتعريف والتأنيث والذي أخرجهما عن باب ضحوة وعشية وإن كان فيهما معنى الغدو والبكور كما كان في أخواتهما معاني الفعل أنهما قد بنيا بناء لا يكون عليه المصادر ولا النعوت وغيرها للعلمية كما غير عمارة وعمر وأشباههما وكما غير الدبران وفيه معنى الدبور إيذانا باللمية وتحقيقا لمعناها ألا ترى أن ضحوة على وزن صعبة من النعوت وضربة من المصادر والمصادر ينعت بها وضحى على وزن هدى وعلى وزن حطم من النعت وكذلك سائر تلك الأسماء وغدوة وبكرة بخلاف ذلك قد غيرتا عن لفظ الغدو والبكور تغييرا بينا ففارقتا الفصل المتقدم فإن قيل: فلعل امتناع التنوين فيهما بمثابة امتناعه في سحر ليوم بعينه قيل: كلام العرب يدل على خلاف ذلك لأنهم لا يكادون يقولون خرجت اليوم في الغدوة وللغدوة خير من أول الليل كما يقال السحر خير من أول الليل فالسحر كسائر الأجناس في تنكيره وتعريفه وغدوة وبكرة من اليوم بمنزلة رجب وصفر من العام فقد تبين مخالفتهما لسحر وضحوة وأخواتهما وأنهما بمنزلة أسماء الشهور الأعلام وأسماء الأيام الأعلام نحو السبت والجمعة وإذا ثبت هذا فهما اسمان متمكنان يجوز إقامتهما مقام الفاعل إذا قلت سير بزيد يوم الجمعة غدوة فلا يحتاج إلى إضافة ولا إلى لام تعريف وتقول سير به يوم الجمعة غدوة على الظرف فيهما جميعا لأنها بعض اليوم كما تقول سرت(2\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "323",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6538",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العام رجبا كله وتقول أيضا سير به يوم الجمعة غدوة برفعهما كأنهما بدل من اليوم ولا تحتاج أيضا إلى الضمير كما تحتاج في بدل البعض من الكل لأنها ظرف في المعنى ولو قلت كره يوم السبت غدوة على البدل لم يكن بد من إضافة غدوة إلى ضمير المبدل منه لأن اليوم ليس بظرف فيكون كقولك كرهت الخميس سحره إذا أردت البدل لأن المكروه هو السحر دون سائر اليوم وإنما يستغنى عن ضمير يعود على اليوم إذا تركته ظرفا على حاله لأن بعض اليوم إذا كان ظرفا لفعل كان جميع ذلك اليوم ظرفا لذلك الفعل الظرف الذي له اسم علم واعلم: أنه ما كان من الظروف له اسم علم فإن الفعل إذا وقع فيه تناول جميعه وكان الظرف مفعولا على سعة الكلام فإذا قلت: سرت غدوة فالسير وقع في الوقت كله وكذلك سرت السبت والجمعة وصفر والمحرم كله مفعول على سعة الكلام لا ظرف للفعل لأن هذه الأسماء لا يطلبها الفعل ولا هي في أصل موضوعها زمان إنما هي عبارة عن معان أخرى فإن أردت أن تجعل شيئا منها ظرفا ذكرت لفظ الزمان وأضفته إليه كقولك سرت يوم السبت وشهر المحرم فالسير واقع في الشهر ولا يتناول جميعه إلا بدليل والشهر ظرف وكذلك اليوم قال سيبويه ومما لا يكون الفعل إلا وقعا به كله سرت المحرم وصفر هذا معنى كلامه وإذا ثبت هذا فرجب ورمضان أسماء أعلام إذا أردتها لعام بعينه أو كان في كلامك ما يدل على عام تضيفها إليه فإن لم يكن كذلك صار الاسم نكرة تقول صمت رمضان ورمضانا آخر وصمت الجمعة وجمعة أخرى إنما أردت جمعة أسبوعك ورمضان عامك وإذا كان نكرة لم يكن إلا شهرا واحدا كما تكون النكرة من قولك ضربت رجلا إنما تريد واحدا وإذا كان معرفة يكون ما يدل على التمادي وتوالي الأعوام لم يكن حينئذ واحدا كقولك المؤمن يصوم رمضان فهو معرفة لأنك لا تريده لعام واحد بعينه إذ المعنى يصوم رمضان من كل عام على التمادي وذكر الإيمان قرينة تدل على أن المراد ولو لم يكن في الكلام ما يدل على هذا لم يكن محله إلا على العام(2\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "324",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6539",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي أنت فيه وإذا ثبت هذا فانظر إلى قوله تعالى: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وفي الحديث: quot;من صام رمضانquot; رواه مسلم وإذا دخل رمضان بدون لفظ الشهر ومحال أن يكون فعل ذلك إيجازا واختصارا لأن القرآن أبلغ إيجازا وأبين إعجازا ومحال أيضا أن يدع لفظ القرآن مع تحريه لألفاظه وما علم من عادته من الإقتداء به فيدع ذلك لغير حكمة بل لفائدة جسيمة ومعان شريفة اقتضت الفرق بين الموضعين وقد ارتبك الناس في هذا الباب فكرهت طائفة أن تقول صمت رمضان بل شهر رمضان واستهوى ذلك الكتاب اعتل بعضهم في ذلك برواية منحولة إلى ابن عباس: quot;رمضان اسم من أسماء اللهquot; قالوا: ولذلك أضيف إليه الشهر وبعضهم يقول: إن رمضان من الرمضاء وهو الحر وتعلق الكراهية بذلك وبعضهم يقول: إن هذا استحباب واقتداء بلفظ القرآن وقد اعتنى بهذه المسألة أبو عبد الرحمن النسائي لعلمه وحذقه فقال: quot;في السن: quot;باب جواز أن يقال دخل رمضان أو صمت رمضانquot; وكذلك فعل البخاري وأورد الحديث المتقدم quot;من صام رمضانquot; وإذا أردت معرفة الحكمة والتحقيق في هذه النكتة فقد تقدم أن الفعل إذا وقع على هذه الأسماء الأعلام فإنه يتناول جميعها ولا يكون ظرفا مقدرا ب في حتى يذكر لفظ الشهر أو اليوم الذي أصله أن يكون ظرفا وأما الاسم العلم فلا أصل له في الظرفية وإذا ثبت هذا فقول الله سبحانه: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن فيه فائدتان أو أكثر إحداهما أنه لو قال رمضان الذي أنزل فيه القرآن لاقتضى اللفظ وقوع الإنزال على جميعه كما تقدم من قول سيبويه وهذا خلاف المعنى لأن الإنزال كان في ليلة واحدة منه في ساعة منها فكيف يتناول جميع الشهر وكان ذكر الشهر الذي هو غير علم موافقا للمعنى كما تقول سرت في شهر كذا فلا يكون السير متناولا لجميع الشهر الفائدة الأخرى: أنه لو قال: رمضان الذي أنزل فيه القرآن الكريم لكان حكم المدح والتعظيم مقصورا على شهر بعينه إذ قد تقدم أن هذا الاسم وما هو مثله إذا لم تقترن به قرينة تدل على توالي الأعوام التي هو فيها(2\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "325",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6540",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يكن محله إلا العام الذي أنت فيه أو العام المذكور قبله فكان ذكر الشهر الذي هو الهلال في الحقيقة كما قال الشاعر: والشهر مثل قلامة الظفر يريد الهلال مقتضيا لتعليق الحكم الذي هو التعظيم بالهلال والشهر المسمى بهذا الاسم متى كان في أي عام كان مع أن رمضان وما كان مثله لا يكون معرفة في مثل هذا الموطن لأنه لم يرد لعام بعينه ألا ترى أن الآية في سورة البقرة وهي من آخر ما نزل وقد كان القرآن أنزل قبل ذلك بسنين ولو قلت رمضان حج فيه زيد تريد فيما سلف لقيل لك أي رمضان كان ولزمك أن تقول حج في رمضان من الرمضانيات حتى تريد عاما بعينه كما سبق وفائدة ثالثة: في ذكر الشهر وهو التبيين في الأيام المعدودات لأن الأيام تبين بالأيام وبالشهر ونحوه ولا تبين بلفظ رمضان لأن لفظه مأخوذ من مادة أخرى وهو أيضا علم فلا ينبغي أن يبين به الأيام المعدودات حتى يذكر الشهر الذي هو في معناها ثم تضاف إليه وأما قوله صلى الله عليه وسلم: quot;من صام رمضانquot; ففي حذف الشهر فائدة أيضا وهي: تناول الصيام لجميع الشهر فلو قال: من صام أو قام شهر رمضان لصار ظرفا مقدرا بفي ولم يتناول القيام والصيام جميعه فرمضان في الحديث مفعول على السعة نحو قوله: قم الليل لأنه لو كان ظرفا لم يحتج إلى قوله: إلا قليلا فإن قيل: فينبغي أن يكون قوله من قام رمضان مقصورا على العام الذي هو فيه لما تقدم من قولكم أنه إنما يكون معرفة علما إذا أردته لعامك أو لعام بعينه قيل قوله من صام رمضان على العموم خطاب لكل فرد ولأهل كل عام فصار بمنزلة قولك من صام كل عام رمضان كما تقول إن جئتني كل يوم سحر أعطيتك فقد مر قرينة تدل على التمادي تنوب مناب ذكر كل عام وقد اتضح الفرق بين الحديثين والآية quot;فإذاquot; فهمت فرق ما بينهما بعد تأمل هذه الفصول وتدبرها ثم لم تعدل عندك هذه الفائدة جميع الدنيا بأسرها فما قدرتها حق قدرها والله المستعان على واجب شكرها هذا نص كلام السهيلي بحروفه ثم قال:(2\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "326",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6541",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: الفعل لا يعمل في الحقيقة إلا فيما يدل عليه لفظه كالمصدر والفاعل والمفعول به أو فيما كان صفة لواحد من هذه نحو سرت سريعا وجاء زيد ضاحكا لأن الحال هي صاحب الحال في المعنى وكذلك النعت والتوكيد والبدل كل واحد من هذه هو الاسم الأول في المعنى فلم يعمل الفعل إلا فيما دل عليه لفظه لأنك إذا قلت ضرب اقتضى هذا اللفظ ضربا وضاربا ومضروبا وأقوى دلالته على المصدر لأنه هو الفعل في المعنى ولا فائدة في ذكره مع الفعل إلا أن تريد التوكيد أو تبيين النوع منه وإلا فلفظ الفعل مغن عنه ثم دلالة الفعل على الفاعل أقوى من دلالته على المفعول به من وجهين أحدهما أنه يدل على الفاعل بعمومه وخصوصه نحو: فعل زيد وعمل عمرو وأما الخصوص فنحو ضرب زيد عمرا ولا تقول فعل زيد عمرا إلا أن يكون الله هو الفاعل سبحانه الوجه الآخر أن الفعل هو حركة الفاعل والحركة لا تقوم بنفسها وإنما هي متصلة بمحلها فوجب أن يكون الفعل متصلا بفاعله لا بمفعوله ومن ثم قالوا ضرب زيد لعمرو وضرب زيدا عمرا فأضافوه إلى المفعول باللام تارة وبغير لام أخرى ولم يضيفوه إلى الفاعل باللام أصلا لأن اللام تؤذن بالانفصال ولا يصح انفصال الفعل عن الفاعل لفظا كما لا ينفصل عنه معنى قلت: وفي صحة قوله: ضرب زيد لعمرو نظر والمعروف الإتيان بهذه اللام إذا ضعف الفعل بالتأخير نحو قوله تعالى: إن كنتم للرؤيا تعبرون أو كان اسما نحو: أنا ضارب لزيد أو يعجبني ضربك لزيد لضعف العالم في هذه المواضع دعم باللام ولا يكادون يقولون شربت للماء وأكلت للخبز قال فإن قيل فإن الفعل لا يدل على الفاعل معينا ولا على المفعول معينا(2\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "327",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6542",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإنما يدل عليهما مطلقا لأنك إذا قلت: ضرب لم يدل على زيد بعينه وإنما يدل على ضارب وكذلك المضروب وكان ينبغي أن لا يعمل حتى تقول ضرب ضارب مضروبا بهذا اللفظ لأن لفظ زيد لا يدل عليه لفظ الفعل ولا يقتضيه قيل الأمر كما ذكرت ولكن لا فائدة عند المخاطب في الضارب المطلق ولا في المفعول المطلق لأن لفظ الفعل قد تضمنهما فوضع الاسم المعين مكان الاسم المطلق تبيينا له فيعمل فيه الفعل لأنه هو في المعنى وليس بغيره قلت: الواضع لم يضع هذه الألفاظ في أصل الخطاب مقتضية فاعلا مطلقا ومفعولا مطلقا وإنما جاء اقتضاء المطلق من العقل لا من الوضع والواضع إنما وضعها مقتضيات لمعين من فاعل ومفعول طالبة له فما لم يقترن بها المعين كان اقتضاؤها وطلبها بحاله لأن الأخبار والطلب إنما يقعان على المعين فإن قيل: فلو كانت قد وضعت مقتضية لمعين لم يصح إضافتها إلى غيره فلما صح نسبتها وإضافتها إلى كل معين علم أنها وضعت مقتضية للمطلق قيل: الفرق بين المعين على سبيل البدل والمعين على سبيل التعيين بحيث لا يقوم غيره مقامه والسؤال إنما يلزم أن لو قيل إنها مقتضية للثاني أما إذا كانت مقتضية لمعين من المعينات على سبيل البدل لم يلزم ذلك السؤال والله أعلم. قال: وإذا ثبت ما قلناه فما عدا هذه الأشياء فلا يصل إليه الفعل إلا بواسطة حرف نحو المفعول معه والظرف المكاني نحو قمت في الدار لأنه لا يدل عليه بلفظه وأما ظرف الزمان فكذلك أيضا لأن الفعل لا يدل عليه بلفظه ولا بنسبته وإنما يدل بنسبته على اختلاف أنواع الحدث وبلفظه على الحدث نفسه وهكذا قال سيبويه في أول الكتاب: quot;وإن تسامح في موضع آخر وأما الزمان فهو حركة الفلك فلا ارتباط بينه وبين حركة الفاعل إلا من جهة الإتفاق والمصاحبةquot; إلا أنهم قالوا: فعلت اليوم لأن اليوم ونحوه أسماء وضعت للزمان يؤرخ بها الفعل الواقع فيها فإذا سمعها المخاطب علم المراد منها واكتفى بصيغتها عن الحرف الجار فإن أضمرتها لم يكف لفظ الإضمار ولا أغنى عن الحرف لأن لفظ الإضمار يصلح(2\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "328",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6543",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للزمان ولغيره فقلت يوم الجمعة خرجت فيه وقد تقول خرجت في يوم الجمعة لأنها وإن كانت أسماء موضوعة للتاريخ فقد يخبر عن المكان إلا أن الإخبار عن المكان المحدود أكثر وأقوى لأن الأمكنة أشخاص كزيد وعمرو وظروف الزمان بخلاف ذلك فمن ثم قالوا سرت اليوم وسرت في اليوم ولم يقولوا جلست الدار. فصل: فإن كان الظرف مشتقا من فعل تعدى إليه بنفسه لأنه في معنى الصفة التي لا تتمكن ولا يخبر عنها وذلك كقبل وبعد وقريبا منك لأن في قبل معنى المقابلة وهي من لفظ قبل وبعد من لفظ بعد وهذا المعنى هو من صفة المصدر لأنك إذا قلت جلست قبل جلوس زيد فما في قبل معنى المقابلة فهو في صفة جلوسك ولم يمتنع الإخبار عن قبل وبعد من حيث كان غير محدود لأن الزمان والدهر قد يخبر عنهما وهما غير محدودين تقول قمت في الدهر مرة وإنما امتنع قمت في قبلك للعلة التي ذكرناها ومن هذا النحو ما تقدم في فصل غدوة وعشية من امتناع تلك الأسماء من التمكن لما فيها من معنى الوصف نحو خرجت بصرا وظلاما وعشاء وضحى وإن كنا قد قدمنا أن هذه المعاني أوصاف للأوقات فليس بمناقض لما قلناه آنفا لأن الأوقات قد توصف بهذه المعاني مجازا وأما في الحقيقة فالأوقات هي الفلك والحركة لا توصف بصفة معنوية لأن العرض لا يكون حاملا لوصف ومن هذا الفصل خرجت ذات يوم وذات مرة لأن ذات في أصل وضعها وصف للخرجة ونحوها كأنك قلت خرجت خرجة ذات يوم أي لم يكن إلا في يوم واحد فمن ثم لم يجز فيها إلا النصب ولم يجز دخول الجار عليها وكذلك ذا صباح وذا مساء في غير لغة خثعم فإن قيل: فلم أعربها النحويون ظرفا إذا كانت في الأصل(2\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "329",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6544",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مصدرا قيل لأنك إذا قلت ذات يوم علم أنك تريد يوما واحدا وقد اختزل المصدر ولم يبق إلا لفظ اليوم مع الذات فمن ثم أعربوه ظرفا وسر المسألة في اللغة ما تقدم وأما مرة فإن أردت بها فعلة واحدة من مرور الزمان فهي ظرف زمان وإن أردت بها فعلة واحدة من المصدر مثل قولك لقيته مرة أي لقية فهي مصدر وعبرت عنها بالمرة لأنك لما قطعت اللقاء ولم تصله بالدوام صار بمنزلة شيء مررت به ولم تقم عنده فإذا جعلت المرة ظرفا فاللفظ حقيقة لأنها من مرور الزمان وإذا جعلتها مصدرا فاللفظ مجاز إلا أن تقول مررت مرة فيكون حينئذ حقيقة. فصل: ومن هذا القبيل جلست خلفك وأمامك وفوق وتحت وعندك في معنى القرب لأنها من لفظ العند قال الراجز: وكل شيء قد يحب ولده ... حتى الحبارى فتطير عنده أي إلى جنبه وهذه الألفاظ غير خاف أنها مأخوذة من لفظ الفعل فخلف من خلفت وقدام من تقدمت وفوق من فقت وأمام من أممت أي قصدت وكذلك سائرها إلا أنهم لم يستعملوا فعلا من تحت ولكنها مصدر في الأصل أميت فعله وإذا كان الأمر فيها كذلك فقد صارت كقبل وبعد في الزمان وقريب وصار فيها كلها معنى الوصف فلذلك عمل الفعل فيها بنفسه كما يعمل فيما هو وصف للمصدر أو وصف للفاعل أو المفعول به لأن الوصف هو الموصوف في المعنى فلا يعمل الفعل إلا في هذه الثلاثة أو ما هو في معناها لأنها لا تدل بلفظها إلا عليها كما تقدم فقد بان لك أنه لم يمتنع الإخبار عنها ولا دخول الجار عليها من جهة الإبهام كما قالوه لأنه لا فرق بينهما وبين غير المبهم في انقطاع دلالة الفعل عنها إذ لا يدل(2\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "330",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6545",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفعل بلفظه على مبهمها ولا على محدودها ولا على حركة فلك وإنما يدل بلفظه على مصدره وفاعله إذا كان الفاعل مطلقا وعلي المفعول به كذلك فإن قيل: فأين لفظ الفعل في ميل وفرسخ وأي معنى للوصف فيه والفعل قد تعدى إليه بغير حرف وعمل فيه بلا واسطة قيل المراد بالميل والفرسخ تبيين مقدار المشي لا تبيين مقدار الأرض فصار الميل عبارة عن عدة خطى كأنك قلت: سرت خطى عدتها كيت كيت فلم يتعد الفعل في الحقيقة إلا إلى المصدر المقدر بعدد معلوم كقولك ضربت ألف ضربة ومشيت ألف خطوة ألا ترى أن الميل عبارة عن ثلاثة آلاف وخمس مائة خطوة والفرسخ أضعاف ذلك ثلاث مرات فلم ينكسر ما أصلناه من أن الفعل لا يتعدى إلا إلى ما ذكرنا وإنما سموا هذا المقدار من الخطى والأذرع ميلا لأنهم كانوا ينصبون في رأس ثلث كل فرسخ كهيئة الميل الذي يكتحل به إلا أنه كبير ثم يكتبون في رأسه عدد ما مشوه ومقدار ما تخطوه وذكر قاسم بن ثابت: quot;أن هشام بن عبد الملك مر في بعض أسفاره بميل فأمر أعرابيا أن ينظر في الميل كم فيه مكتوبا وكان الأعرابي أميا فنظر فيه ثم رجع إليه فقال: فيه محجن وحلقة وثالثة كأطباء الكلبة وهامة كهامة القطا فضحك هشام وقال: معناه خمسة أميالquot; فقد وضح لك أن الأميال مقادير المشي وهو مصدر فمن ثم عمل فيها الفعل ومن ثم عمل في المكان نحو جلست مكان زيد لأنه مفعل من الكون فهو في أصل وضعه مصدر عبر به عن الموضع والموضع أيضا من لفظ الوضع فلا يحتاج الفعل في شيء من هذا القبيل إلى حرف والذي قلناه في مكان أنه من الكون هو قول الخليل في كتاب العين إلا أنهم شبهوا الميم بالحرف الأصلي للزومها فقالوا في الجمع أمكنة حتى كأنه على وزن فعال وقد فعلوا ذلك في ألفاظ كثيرة شبهوا الزائد بالأصلي نحو تمدرع وتمسكن وأما جلست يمينك وشمالك فليس من هذا الفصل ولكنه مما حذف منه الجار لعلم السامع أرادوا عن يمينك(2\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "331",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6546",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعن شمالك أي الناحيتين ثم حذف الجار فتعدى الفعل فنصب فهو من باب أمرتك الخير وإنما حذف الحرف لما تضمنه الفعل من معنى الناصب لأنك إذا قلت جلست عن يمينك فمعنى الكلام قابلت يمينك وحاذيته ونحو ذلك فصل تعدي الفعل إلى الحال بنفسه ومن هذا الباب تعدي الفعل إلى الحال بنفسه ونعني بالحال صفة الفاعل التي فيها ضميره أو صفة المفعول أو صفة المصدر الذي عمل فيها لأن الصفة هي الموصوف من حيث كان فيها الضمير الذي هو الموصوف وذلك نحو سرت سريعا وجاء ضاحكا وضربته قائما فلم يعمل الفعل في هذا النحو من حيث كان حالا لأن الحال غير الاسم الذي نزل عليه الفعل ألا ترى أنك إن صرحت بلفظ الحال لم يعمل فيها الفعل إلا بواسطة الحرف نحو جاء زيد في حال ضحك ولا تقول جاء زيد حال ضحك لأن الحال غير زيد ولذلك لا تقول جاء زيد ضاحكا لأنه غيره وغير المجيء فلا يعمل جاء فيه إلا بواسطة فإذا قلت ضاحكا عمل فيه لأن الضاحك هو زيد وإذا قلت جاء مشيا عمل فيه أيضا لا من حيث كان صفة لزيد لأنه لا ضمير فيه يعود على زيد ولكن من حيث كان صفة للمصدر الذي هو المجيء فعمل فيه جاء كما يعمل في المصدر وأما عمله في المفعول من أجله فإنه لم يعمل فيه بلفظ عندي ولكنه دل على فعل باطن من أفعال النفس والقلب وإلا قلت آثار هذا الفعل الظاهر وصار ذلك الفعل الباطن عاملا في المصدر الذي هو المفعول من أجله في الحقيقة والفعل الظاهر دال عليه ولذلك لا يكون المفعول من أجله منصوبا إلا بثلاثة شرائط أن يكون مصدرا وأن لا يكون من أفعال الجوارح الظاهرة وأن يكون من فعل الفاعل المتقدم ذكره نحو جاء زيد خوفا مثلا ورغبة ولو قلت جاء قراءة للعلم وقتلا للكافر لم يجز لأنها أفعال ظاهرة فقد بان لك أن المجيء إنما يظهر ما كان باطنا خفيا حتى كأنك(2\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "332",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6547",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت جاء زيد مظهرا بمجيئه الخوف أو الرغبة أو الحرص أو أشباه ذلك فهذه الأفعال الظاهرة تبدى تلك الأفعال الباطنة فهي مفعولات في المعنى والظاهرة دالة على ما تتضمنها فإن جئت بمفعول من أجله من غير هذا القبيل الذي ذكرناه لم يصل الفعل إليه إلا بحرف نحو جئت لكذا أو من أجل كذا والله أعلم قلت: ما أدري أي ضرورة به إلى هذا التعسف والتكلف الظاهر الذي لا يصح لفظا ولا معنى أما اللفظ فإنه لو كان معمولا لعامل مقدر وهو قولك يظهر الخوف والمحبة ونحوه لتلفظوا به ولو مرة في كلامهم فإنه لا دليل عليه من سياق ولا قرينة ولا هو مقتضى الكلام فيصح إضماره فدعوى إضماره ممتنعة وأما فساده من جهة المعنى فمن وجوه عديدة منها أن المتكلم لا يخطر بباله هذا المعنى بحال فلا يخطر ببال القائل زرتك محبة لك وزرتك مظهرا لمحبتك ولا بقوله: تركت هذا خوفا من الله تركته مظهرا خوفي من الله وهذا أظهر من أن يحتاج إلى تقديره الثاني: أنه إذا كان التقدير ما ذكر خرج الكلام عن حقيقته ومقصوده إذ لا يبقى فيه دليل على أنه علة الفعل الباعثة عليه فإنه إذا قال خرجت مظهرا ابتغاء مرضاة الله مثلا لم يدل ذلك على أن الباعث له على الخروج ابتغاء مرضاة الله تعالى لأن قوله: مظهر كذا حال أي خرجت في هذه الحال فأين مسألة الحال من مسألة المفعول لأجله الثالث: أن المفعول له هو علة الفعل وهي إما علة فاعلية أو غائية وكلاهما ينتصب على المفعولية تقول فعلت ذلك خوفا وقعدت عن الحرب جبنا وأمسك عن الإنفاق شحا فهذه أسباب حاملة على الفعل والترك لا أنها هي الغايات المقصودة منه وتقول ضربته تأديبا وزرته إكراما وحبسته صيانة فهذه غايات مطلوبة من الفعل إذا ثبت هذا فالمعلل إذ ذكر الفعل طلب المخاطب منه الباعث عليه لما في النفوس من طلب الأسباب والغايات في الأفعال الاختيارية شاهدا أو غائبا فإذا ذكر الباعث أو الغاية وهو المراد من الفعل كان مخبرا بأن هذا هو مقصوده وغايته والباعث له على الفعل فكان اقتضاء الفعل اللفظي(2\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "333",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6548",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كاقتضاء الفعل الذي هو حدث له فصح نصبه له كما كان واقعا لأجله وهذا بحمد الله واضح. فصل: قال: إذا كانت الحال صفة لازمة للاسم كان حملها عليه على جهة النعت أولى بها وإذا كانت مساوية للفعل غير لازمة للاسم إلا في وقت الإخبار عنه بالفعل مع أن تكون حالا لأنها مشتقة من التحول فلا تكون إلا صفة يتحول عنها ولذلك لا تكون إلا مشتقة من فعل لأن الفعل حركة غير ثابتة وقد تجيء غير مشتقة لكن في معنى المشتق كقوله: quot;وأحيانا يتمثل لي الملك رجلاquot; رواه مسلم أي يتحول عن حاله ويعود متصورا في صورة الرجل فقوله: رجلا في قوة متصورا بهذه الصورة وأما قولهم: جاءني زيد رجلا صالحا فالصفة وطأت الاسم للحال ولولا صالحا ما كان رجلا حالا وكذلك قوله تعالى: لسانا عربيا قلت: وعلى هذا فيكون أقسام الحال أربعة مقيدة ومقدرة ومؤكدة وموطئة فإن قيل: وما فائدة ذكر الاسم الجامد في الموطئة وهلا اكتفى بالمشتق فيها قيل في ذكر الاسم موصوفا بالصفة في هذا الموطن دليل على لزوم هذه الحال لصاحبها وأنها مستمرة له وليس كقولك جاءني زيد صالحا لأن صالحا ليس فيه غير لفظ الفعل والفعل غير دائم وفي قولك رجلا صالحا لفظ رجل وهو دائم فلذلك ذكر فإن قيل كيف يصح في لسانا عربيا أن يكون حالا وليست وصفا منتقلا ولهذا لو قلت: جاءني زيد قرشيا أو عربيا لم يجز قيل: قوله: لسانا عربيا حال من الضمير في مصدق لا من كتاب لأنه نكره والعامل في الحال ما في مصدق من معنى الفعل فصار المعنى أنه مصدق لك في هذه الحال والاسم الذي هو صاحب الحال قديم وقد كان غير موصوف بهذه الصفة حين أنزل معناه لا لفظه على موسى وعيسى ومن خلا من الرسل وإنما كان عربيا حين أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم مصدقا لما بين يديه(2\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "334",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6549",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من الكتاب فقد أوضحت فيه معنى الحال وبرح الإشكال قلت: كلا بل زدت الإشكال إشكالا وليس معنى الآية ما ذهبت إليه وإنما لسانا عربيا حال من كتاب وصح انتصاب الحال عنه مع كونه نكرة لكونه قد وصف والنكرة إذا وصفت انتصب عنها الحال لتخصصها بالصفة كما يصح أن يبتدئ بها وأما قوله: إن المعنى مصدق لك فلا ريب أنه مصدق له ولكن المراد من الآية أنه مصدق لما تقدم من كتب الله تعالى كما قال: وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب وقال: ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وقال: وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه أفلا ترى كيف اطرد في القرآن وصف الكتاب بأنه مصدق لما بين يديه وقال: وباتفاق الناس أن المراد مصدق لما تقدمه من الكتب وبهذه الطريق يكون مصدقا للنبي صلى الله عليه وسلم ويكون أبلغ في الدليل على صدقه من أن يقال هذا كتاب مصدق لك فإنه إذا كانت الكتب المتقدمة تصدقها وتشهد بصحة ما فيها مما أنزله الله من غير مواطأة ولا اقتباس منها دل على أن الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق كما أن الذي جاء بها كذلك وأن مخرجهما من مشكاة واحدة ولهذا قال النجاشي حين قرئ عليه القرآن: quot;إن هذا والذي جاء به موسى يخرج من مشكاة واحدةquot; يعني فإذا كان موسى صادقا وكتابه حق فهذا كذلك إذ من المحال أن يخرج شيئان من مشكاة واحدة ويكون أحدهما باطلا محضا والآخر حقا محضا فإن هذا لا يكون إلا مع غاية التباين والتنافر فالقرآن صدق الكتب المتقدمة وهي بشرت به وبمن جاء به فقام الدليل على صدقه من الوجهين معا من جهة بشارة من تقدمه به ومن جهة تصديقه ومطابقته له فتأمله ولهذا كثيرا ما يتكرر هذا المعنى في القرآن إذ في ضمنه الاحتجاج على الكتابيين بصحة صلى الله عليه وسلم بهذه الطريق وهي حجة أيضا(2\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "335",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6550",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على غيرهم بطريق اللزوم لأنه إذا جاء بمثل ما جاءوا به من غير أن يتعلم منهم حرفا واحدا دل على أنه من عند الله تعالى وحتى لو أنكروا رسالة من تقدم لكان في مجيئه بمثل ما جاءوا به إثبات لرسالته ورسالة من تقدمه ودليل على صحة الكتابين وصدق الرسولين لأن الثاني قد جاء بأمر لا يمكن أن ينال بالتعليم أصلا ولا البعض منه فجاء على يدي أمي لا يقرأ كتابا ولا خطه بيمينه ولا عاشر أحدا من أهل الكتاب بل نشأ بينكم وأنتم شاهدون حاله حضرا وسفرا وظعنا وإقامة فهذا من أكبر الأدلة على أن ما جاء به ليس من عند البشر ولا في قدرتهم وهذا برهان بين من برهان الشمس وقد تضمن ما جاء به تصديق من تقدمه وتضمن ما تقدمه البشارة به فتطابقت حجج الله وبيناته على صدق أنبيائه ورسله وانقطعت المعذرة وثبتت الحجة فلم يبق لكافر إلا العناد المحض أو الإعراض والصد هل معاني الكتب المقدسة واحدة وقوله: إن الاسم الذي هو صاحب الحال قديم وكان غير موصوف بهذه الصفة حين أنزل معناه لا لفظه على موسى وعيسى وداود عليهم السلام هذا بناء منه على الأصل الذي انفردت به الكلابية عن جميع طوائف أهل الأرض من أن معاني التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وسائر كتب الله معنى واحد فالعين لا اختلاف فيها ولا تعدد وإنما تتعدد وتتكرر العبارات الدالة على ذلك المعنى الواحد فإن عبر عنه بالعربية كان قرآنا وهو نفس التوراة وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة وهو نفس القرآن وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا وهو أيضا نفس القرآن ونفس التوراة وكذلك سائر الكتب وهذا قول يقوم على بطلان تسعين برهانا لا تندفع quot;ذكرها شيخ الإسلام في الأجوبة المصريةquot; وكيف تكون معاني التوراة والإنجيل هي نفس معاني القرآن وأنت تجدها إذا عربت لا تدانيه ولا تقاربه فضلا عن أن تكون هي إياه وكيف يقال إن الله تعالى أنزل هذا القرآن على داود وسليمان وعيسى بعينه بغير هذه العبارات أم كيف يقال إن معاني كتب(2\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "336",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6551",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله كلها معنى واحد يختلف التعبير عنها دون المعنى المعبر عنه وهل هذا إلا دعوى يشهد الحس ببطلانها أم كيف يقال إن التوراة إذا عبر عنها بالعربية صارت قرآنا مع تميز القرآن عن سائر الكلام بمعانيه وألفاظه تميزا ظاهرا لا يرتاب فيه أحد وبالجملة فهذا الجواب منه بناء على ذلك الأصل والجواب الصحيح أن يقال: الحال المؤكدة لا يشترط فيها الاشتقاق والانتقال بل التنقل مما ينافي مقصودها فإنما أتى بها لتأكيد ما تقدمها وتقريره فلا معنى لوصف الاشتقاق والانتقال فيها أصلا وتسميتها حالا تعبير نحوي اصطلاحي وإلا فالعرب لم تقل لهذه حل حتى يقال كيف سميتموها حالا وهي وصف لازم وإنما النحاة سموها حالا فيا لله العجب من أن تكون تسميتهم الحادثة الاصطلاحية موجبة لاشتراط التنقل والاشتقاق فلو سماها مسم بغير هذا الاسم وقال هذه نصب على القطع من المعرفة إذا جاءت بعد معرفة أكان يلزمه هذا السؤال فقد بان لك ضعف ما اعتمده من الجواب وبالله التوفيق عاد كلامه قال وأما قوله: وهو الحق مصدقا فقد حكموا أنها حال مؤكدة ومعنى الحال المؤكدة أن يكون معناها كمعنى الفعل لأن التوكيد هو المؤكد في المعنى وذلك نحو قم قائما وأنا زيد معروفا هذه هي الحال المؤكدة في الحقيقة وأما وهو الحق مصدقا فليست بحال مؤكدة لأنه قال: مصدقا لما معهم وتصديقه لما معهم ليس في معنى الحق إذ ليس من شرط الحق أن يكون مصدقا لفلان ولا مكذبا له بل الحق في نفسه حق وإن لم يكن مصدقا لغيره ولكن مصدقا هنا حال من الاسم المجرور من قوله تعالى: ويكفرون بما وراءه وقوله: وهو الحق جملة في معنى الحال أيضا والمعنى كيف تكفرون بما وراءه وهو في هذه الحال أعني مصدقا لما معكم كما تقول لا تشتم زيدا وهو أمير محسنا إليك فالجملة حال ومحسنا حال بعدها والحكمة في تقديم الجملة التي في موضع الحال على قولك محسنا ومصدقا أنك لو أخرتها لتوهم أنها في موضع الحال من(2\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "337",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6552",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الضمير الذي في محسن ومصدق ألا ترى أنك لو قلت اشتم زيدا محسنا إليك وهو أمير لذهب الوهم إلى أنك تريد محسنا إليك في هذه الحال فلما قدمتها اتضح المراد وارتفع اللبس ووجه آخر يطرد في هذه الآية وفي الآية التي في سورة فاطر: والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه وهو أن يكون مصدقا هاهنا حالا يعمل فيها ما دلت عليه الإشارة المنبئة عنها الألف واللام لأن الألف واللام قد تنبيء عما تنبيء عنه أسماء الإشارة وحكى سيبويه: لمن الدار مفتوحا بابها فقولك مفتوحا بابها حال لا يعمل فيها الاستقرار الذي يتعلق به لمن لأن ذلك خلاف المعنى المقصود وتصحيح المعنى لمن هذا الدار مفتوحا بابها فقد استغنى بذكر الألف واللام وعلم المخاطب أنه مشير وتنبه المخاطب بالإشارة إلى النظر وصار ذلك المعنى المنبه عليه عاملا في الحال وكذلك قوله وهو الحق مصدقا كأنه يقول ذلك هو الحق مصدقا لأن الحق قديم ومعروف بالعقول والكتب المتقدمة فلما أشار نبهت الإشارة على العامل في الحال كما إذا قلت: هذا زيد قائما نبهت الإشارة المخاطب على النظر فكأنك قلت: انظر إلى زيد قائما لأن الاسم الذي هو زيد هو العامل ولكن مشعر ومنبه على المعنى العامل في الحال وذلك المعنى هو انظر ومما أغنت فيه الألف واللام عن الإشارة قولهم: اليوم قمت والساعة جئت والليلة فعلت والآن قعدت اكتفيت بالألف واللام عن أسماء الإشارة قلت: ليس المراد بقول النحاة حال مؤكدة ما يريدون بالتأكيد في باب التوابع فالتأكيد المبوب له هناك أخص من التأكيد المراد من الحال المؤكدة وإنما مرادهم بالحال المؤكدة المقررة لمضمون الجملة بذكر الوصف الذي لا يفارق العامل ولا ينفك عنه وإن لم يكن معنى ذلك الوصف هو معنى الجملة بعينه وهذا كقولهم زيد أبوك عطوفا فإن كونه عطوفا ليس معنى كونه أباه ولكن ذكر أبوته تشعر بما يلازمها من العطف وكذلك قوله: هو الحق مصدقا لما بين يديه فإن ما بين يديه حق والحق يلازمه تصديق بعضه بعضا وقوله:(2\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "338",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6553",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليس من شرط الحق أن يكون مصدقا لفلان يقال ليس هذا بنظير لمسألتنا بل الحق يلزمه لزوما لا انفكاك عنه تصديق بعضه بعضا فتصديق ما بين يديه من الحق هو من جهة كونه حقا فهذا معنى قولهم إنها حال مؤكدة فافهمه والمعنى أنه لا يكون إلا على هذه الصفة وهي مقررة لمضمون الجملة فإن كونه مصدقا للحق المعلوم الثابت مقررا ومؤكدا ومبينا لكونه حقا في نفسه وأما قوله إنها حال من المجرور في قوله: ويكفرون بما وراءه والمعنى يكفرون به مصدقا لما معهم فهذا المعنى وإن كان صحيحا لكن ليس هو معنى الحال في القرآن حيث وقعت بهذا المعنى وهب أن هذا يمكن دعواه في هذا الموطن فكيف يقول في قوله تعالى: والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه والكلام والنظم واحد وأيضا فالمعنى مع جعل مصدقا حال من قوله: وهو الحق أبلغ وأكمل منه إذا جعل حالا من المجرور فإنه إذا جعل حالا من المجرور يكون الإنكار قد توجه عليهم في كفرهم به حال كونه مصدقا لما معهم وحال كونه حقا فيكونان حالا من المجرور أي يكفرون به في هذه الحال وهذه الحال وإذ جعل حالا من مضمون قوله: وهو الحق كان المعنى يكفرون به حال كونه حقا مصدقا لما معهم فكفروا به في أعظم أحواله المستلزمة للتصديق والإيمان به وهو اجتماع كونه حقا في نفسه وتصديقه لما معهم فالكفر به عند اجتماع الوصفين فيه يكون أغلظ وأقبح وهذا المعنى والمبالغة لا تجده فيما إذا قيل يكفرون به حال كونه حقا وحال كونه مصدقا لما معهم فتأمله فإنه بديع جدا فصح قول النحاة والمفسرين في الآية والله أعلم.(2\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "339",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6554",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: قولهم: هذا بسرا أطيب منه رطبا فيها أسئلة عشرة أحدها: ما جهة انتصاب بسرا ورطبا أعلى الحال أم خبر كان الثاني: إذا كانا حالين فما هو صاحبهما الثالث: ما العامل في الحالين هل هو أفعل التفضيل أو اسم الإشارة أو غير ذلك الرابع: إنكم إذا جعلتم العامل أفعل التفضيل لزم تقديم معمول أفعل التفضيل عليه والاتفاق واقع على امتناع زيد منك أحسن وإذا لم يتقدم الحال الخامس: متى يجوز أن يعمل العامل الواحد في الحالين ومتى لا يجوز وما ضابط ذلك السادس: هل يجوز التقديم والتأخير في الحالين جميعا أم لا السابع: كيف تصورت الحال في غير المشتق الثامن: إلى أي شيء وقعت الإشارة بقولهم هذا التاسع: هلا قلتم إن بسرا ورطبا منصوبان على خبر كان وتخلصتم من هذا كله العاشر: هل يشترط في هذه المسألة أن يكون الاسمان المنصوبان اسمين لشيء واحد باعتبار صفتين أوهل يجوز أن يقع بين شيئين مختلفين نحو هذا بسرا أطيب منه عنبا فالجواب عن هذه المسائل. quot;أما السؤال الأولquot; فجهة انتصابه على الحال في أصح القولين وهو اختيار سيبويه ومحققي أصحابه خلافا لمن زعم أنه خبر كان وسيأتي إبطاله في جواب السؤال التاسع وإنما جعله سيبويه حالا لأن المعنى عليه فإن المخبر إنما يفضله على نفسه باعتبار حالين من أحواله لولا ذلك لما صح تفضيل الشيء على نفسه فالتفضيل إنما صح باعتبار الحالين فيه فكان جهة انتصابهما على(2\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "340",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6555",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحال لوجود شروط الحال وسيأتي الكلام على شرط الاشتقاق فلما كان هذا الباب لا يذكر إلا لتفضيل شيء في زمان أو على حال على نفسه في زمان أو على حال أخرى وسائر وجوه النصب متعذرة فيه إلا الحال أو كونه خبرا لكان وسيأتي بطلان الثاني فيتعين أن يكون حالا فإذا قلت فهلا جعلته تمييزا. قلت: يأبى ذلك أنه ليس من قسمي التمييز فإنه ليس من المقادير المنتصبة عن تمام الاسم ولا من التمييز المنتصب عن تمام الجملة فلا يصح أن يكون تمييزا فصل صاحب الحال وأما السؤال الثاني: وهو ما هو صاحب الحال هاهنا فجوابه أنه الاسم المضمر في أطيب الذي هو راجع إلى المبتدأ من خبره فبسرا حال من ذلك الضمير ورطبا حال من المضمر المجرور ب من هو المرفوع المستتر في أطيب من جهة المعنى ولكنه نزل منزلة الأجنبي ألا ترى أنك لو قلت زيد قائما أخطب من عمرو قاعدا لكان قاعدا حال من الاسم المخفوض بـ (من) وهو عمرو فكذلك رطبا حال من الاسم المجرور ب من هذا قول جماعة من البصريين وقال أبو على الفارسي صاحب الحال المضمر: quot;المستكن في كان المقدرة التامة. وأصل المسألة هذا إذا كان أي بسرا أطيب منه إذا كان أي وجد رطبا فبسرا ورطبا حالان من المضمر المستكن في كان وهذان القولان مبنيان على المسألة الثالثة وهو ما هو العامل في هذه الحال وفيه أربعة أقوال: أحدها: أنه ما في أطيب من معنى الفعل لأنك تريد أن طيبه في حال البسرية تزيد على طيبه في حال الرطبة فالطيب أمر واقع في هذه الحال القول الثاني: أن العامل فيها كان الثانية المقدرة وهذا اختيار أبي علي القول الثالث: أن العامل فيها ما في اسم الإشارة من معنى الفعل أي أشير إليه بسرا القول الرابع: أنه ما في حرف التنبيه من معنى الفعل والمختار القول الأول وهو العامل فيها ما في أطيب من معنى الفعل وإنما اخترناه لوجوه أحدها أنهم متفقون على جواز زيد قائما أحسن منه راكبا وثمر نخلتي بسرا أطيب منه رطبا والمعنى في هذا كالمعنى في الأول سواء وهو تفضيل الشيء على نفسه باعتبار حالين فانتفى اسم الإشارة وحرف التنبيه ودار الأمر بين القولين الباقيين أن يكون العامل كان مقدرة أو أطيب والقول بإضمار كان ضعيف فإنها لا تضمر إلا حيث كان في الكلام دليل عليها نحو قولهم إن خيرا فخير وبابه لأن الكلام هناك لا يتم إلا بإضمارها بخلاف هذا وأيضا فإن كان الزمانية ليس المقصود منها الحدث وإنما هي عبارة(2\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "341",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6556",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن الزمان والزمان لا يضمر وإنما يضمر الحدث إذا كان في الكلام ما يدل عليه وليس في الكلام ما يدل على الزمان الذي يقيد به الحدث إلا أن يلفظ به فإن لم يلفظ به لم يعقل فإن قلت فمن هاهنا قالوا إن كان هاهنا تامة غير ناقصة بل قد خلعوا منها الدلالة على الزمان وجردوها لنفس الحدث قلت هذا كلام من لم يحصل معنى كان التامة والناقصة كما ينبغي فإن كان الناقصة والتامة يرجعان إلى أصل واحد ولا يجوز إضمار واحد منهما وكشف ذلك يطول لكن نشير إلى بعض وهو أن القائل إذا قال كان برد مطر وكان مطر فهو بمنزلة وقع حدث وكذا غيرهما من الأفعال اللازمة والزمان جزء مدلول الفعل فلا يجوز أن يخلعه ويجرد عنه وإنما الذي خلع من كان التامة اقتضاؤها خبرا يقارن زمانها وبقيت تقتضيه مرفوعا يقارن زمانها كما كان يقارنه الخبر فلا فرق بينهما أصلا فإن الزمان الذي كان الخبر يقترن به هو بعينه الزمان الذي اقترن به مرفوعا وينزل مرفوعها في تمامها به بمنزلة خبرها إذا كانت ناقصة فتأمل هذا السر الذي أغفله كثير من النحاة ويبطل هذا المذهب أيضا بشيء آخر وهو كثرة الإضمار فإن القائل به يضمر ثلاثة أشياء إذا والفعل والضمير وهذا تعد لطور الإضمار وقول بلا دليل عليه الوجه الثاني من وجوه الترجيح أن العامل في الحال لو كان معنى الإشارة لكانت الإشارة إلى الحال لا إلى الجوهر وهذا باطل فإنه إنما يشير إلى ذات الجوهر ولهذا يصح إشارته إليه وإن لم يكن على تلك(2\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "342",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6557",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحال كما إذا أشار إلى تمر يابس وقال هذا بسرا أطيب منه رطبا فإنه يصح ولو كان العامل في الحال هو الإشارة لم تصح المسألة الوجه الثالث: أنه لو كان العامل معنى الإشارة لوجب أن يكون الخبر عن الذات مطلقا لأن تقييد المشار إليه باعتبار الإشارة إذا كان مبتدأ لا يوجب تقديم خبره إذا أخبرت عنه ولهذا تقول هذا ضاحكا أبي فالإخبار عنه بالأبوة غير مقيد بحال ضحكه بل التقييد للإشارة فقط والإخبار بالأبوة وقع مطلقا عن الذات فاعتصم بهذا الموضع فإنه ينفعك في كثير من المواضع وإذا عرف هذا وجب أن يكون الخبر بأطيب وقع عن المشار إليه مطلقا الوجه الرابع: أن العامل لو لم يكن هو أطيب لم تكن الأطيبية مقيدة بالبسرية بل تكون مطلقة وإذا لم تكن مقيدة فسد المعنى لأن الغرض تقييد الأطيبية بالبسرية مفضلة على الرطبية وهذا معنى العامل وإذا ثبت أن الأطيبية مقيدة بالبسرية وجب أن يكون بسرا معمولا لأطيب فإن قلت: فلأجل هذا قدرنا الظرف المقيد حتى يستقيم المعنى وقلنا تقديره هذا إذا كان بسرا أطيب منه إذا كان رطبا أي هذا في وقت بسريته أطيب منه في وقت رطبيته قلت: هذا يحتاج إليه إذا لم يكن في اللفظ ما يغني عنه ويقوم مقامه فأما إذا كان معنا ما يغني عنه فلا وجه لتكلف إضماره وتقديره العامل في الحالين فإن قلت: لو كان العامل هو أطيب لزم منه المحال لأنه يستلزم تقييده بحالين مختلفين وهذا ممتنع قلت الجواب: عن هذا أن العامل في الحالين وصاحبهما متعدد ليس متحدا أما العامل في الحال الأولى فهو ما في أطيب من معنى الفعل لأنك إذا قلت هذا أطيب من هذا تريد أنه طاب وزاد طيبه عليه والطيب أمر ثابت له في حال البسرية قال سيبويه: quot;هذا باب ما ينصب من الأسماء على أنها أحوال وقعت فيها الأمورquot; وأما الحال الثانية وهي رطبا فالعامل فيه معنى الفعل الذي هو متعلق الجار في قولك منه فإن منه متعلق بمعنى غير الطيب لأن طاب يطيب لا يتعدى بمن ولكن صيغة الفعل تقتضي التفضيل بين شيئين مشتركين في صفة واحدة إلا أن أحدهما متميز من(2\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "343",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6558",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الآخر منفصل منه بزيادة في تلك الصفة فمعنى التمييز والانفصال الذي تضمنه أفعل هو الذي تعلق به حرف الجر وهو الذي يعمل في الحالة الثانية كما عمل معنى الفعل الذي تعلق به حرف الجر من قولك زيد في الدار قائما في الحال التي هي قائما فإن قلت: فهلا أعملت فيهما جميعا ما في أطيب قلت لاستلزامه المحال المذكور لأن الفعل الواحد لا يقع في حالين كما لا يقع في ظرفين لا تقول زيد قائم يوم الجمعة يوم الخميس ولا جالس خلفك أمامك فإذا قلت: زيد يوم الجمعة أطيب منه يوم الخميس جاز لأن العامل في أحد اليومين غير العامل في اليوم الثاني لأنك فضلت حين قلت أطيب أو أصح أو أقوم صحة وقياما على صحة أخرى وقيام آخر وفضلت حال من حال بمزية وزيادة وكذلك حين قلت هذا بسرا أطيب منه رطبا ولا يجوز أن يعمل عامل واحد في حالين ولا ظرفين إلا أن يتداخلا ويصح الجمع بينهما نحو قولك زيد مسافر يوم الخميس ضحوة لأن الضحوة داخلة في اليوم وكذلك سرت راكبا مسرعا لدخول الإسراع في السير وتضمنه له ولو قلت: سرت مسرعا مبطئا لم يجز لاستحالة الجمع بينهما إلا على تقدير الواو أي مسرعا تارة ومبطئا أخرى وكذلك بسرا ورطبا يستحيل أن يعمل فيهما عامل واحد لأنهما غير متداخلين هذا هو الجواب الصحيح عندي وأجاب طائفة بأن قالوا: أفعل التفضيل في قوة فعلين لأن معناه حسن وزاد حسنه وطاب وزاد طيبه وإذا كان في قوة فعلين فهو عامل في بسرا باعتبار حسن وطاب وفي رطبا باعتبار زاد حتى لو فككت ذلك لقلت هذا زاد بسرا في الطيب على طيبه في حال كونه رطبا فاستقام المعنى المطلوب وهذا جواب حسن والأول أمتن فتأملهما.(2\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "344",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6559",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: تقديم معمول أفعل التفضيل عليه وأما السؤال الرابع وهو تقديم معمول أفعل التفضيل عليه فالجواب عنه من وجهين أحدهما: لا نسلم امتناع تقديم معموله عليه وقولكم الاتفاق واقع على امتناع زيد منك أحسن غير صحيح لا اتفاق في ذلك بل قد جوز بعض النحاة ذلك واستدل عليه بقول الشاعر: كأنه جنى النحل أو ... ما زودت منه أطيب قال هؤلاء: وأفعل التفضيل لما كان في قوة فعلين جاز تقديم معموله عليه قالوا: وتقديمه أقوى من قولك أنا لك محب وفيك راغب وعندك مقيم ولاستقصاء الحجج في هذه المسألة موضع آخر الوجه الثاني: سلمنا امتناع تقديم معموله ولا يقال زيد منك أحسن فهذا الأمر يختص بقولهم منك لا يتعدى إلى الحال والظرف وذلك لأن منك في معنى المضاف إليه بدليل أن قولهم زيد أحسن منك بمنزلة زيد أحسن الناس في قيام أحدهما مقام آخر وإنهم لا يجمعون بينهما فلما قام مقام المضاف إليه لكونه المفضل عليه في المعنى كرهوا تقديمه على المضاف لأنه خلاف لغتهم فلا يلزم من امتناع تقديم معمول هو كالمضاف إليه امتناع تقديم معمول ليس كهو وهذا بين وجواب ثالث وهو أنهم إذا فضلوا الشيء على نفسه باعتبار حالين فلا بد من تقديم أحدهما على العامل وإن كان مما لا يسوغ تقديمه لو لم يكن كذلك فإذا فضلوا ذاتا باعتبار حالين قدموا أحدهما: على العامل وأخروا الآخر عنه فقالوا: زيد قائما أحسن منه قاعدا وكذلك في التشبيه أيضا يقولون زيد قائما كعمرو قاعدا وإذا جاز تقديم هذا المعمول على الكاف التي هي أبعد في العمل من باب أحسن فتقديم معمول أحسن أجدر والغرض هنا بهذا الكلام تفضيل هذه الثمرة في حال كونها بسرا عليها في حال كونها رطبا فصل عمل العامل الواحد في حالين وأما السؤال الخامس وهو متى يجوز أن يعمل العامل الواحد في حالين فقد فرغنا من جوابه فيما تقدم وأن ذلك يجوز إذا كانت إحدى الحالين متضمنة للأخرى نحو جاء زيد راكبا مسرعا وكذلك يعمل في الظرفين إذا تضمن أحدهما الأخر نحو: سرت يوم الخميس بكرة.(2\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "345",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6560",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: وأما السؤال السادس: وهو هل يجوز التقديم والتأخير في الحالين أم لا فالجواب عنه أن الحال الأولى يجوز فيها ذلك لأن العامل فيها لفظي وهو ما في أطيب من معنى الفعل فلك أن تقول هذا بسرا أطيب منه رطبا وأن تقول هذا أطيب بسرا منه رطبا وهو الأصل فإن قلت إذا كان هذا هو الأصل فلم مثل سيبويه بها مقدمة وكان ذلك أحسن عنده من أن يؤخرها قلت: كأنه أراد تأكيد معنى الحال فيها لأنه ترجم عن الحال فلو أخرها لأشبهت التمييز لأنك إذا قلت هذا الرجل أطيب بسرا من فلان فبسرا لا محالة تمييز وإذا قدمت بسرا على أطيب من كذا فبسرا لا محالة حال ولا يصح أن يخبر بهذا الكلام عن رجل ولا عن شيء سوى التمر وما هو في معناه فإن قلت: هذا بسرا احتمل الكلام قبل تمامه وقبل النظر في قرائن أحواله أن يكون بسرا تمييزا وأن يكون حالا وبينهما في المعنى فرق عظيم فاقتضى تخصيص المعنى والحرص على البيان للمراد تقديم الحال الأولى على عاملها ولو أخرت لجاز وأما الحال الثانية: فلا سبيل إلى تقديمها على عاملها لأنه معنوي(2\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "346",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6561",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعامل المعنوي لا يتصور تقديم معموله عليه لأن العامل اللفظي إذا تقدم عليه منصوبه الذي حقه التأخير قلت: فيه مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى فقسمت العبارة بين اللفظ والمعنى فإن لم يكن للعامل وجود في اللفظ لم يتصور تقديم المعمول عليه لأنه لا بد من تأخير المعمول على عامله في المعنى فلا يوجد تعد وعامله متقدم عليه لأنه منوي غير ملفوظ به فلا تذهب النية والوهم إلى غير موضعه بخلاف اللفظي فإن محل اللفظ اللسان ومحل المعنى القلب فإذا ذهب اللسان باللفظ إلى غير موضعه لم يذهب القلب بالمعنى إلا إلى موضعه وهو التقديم. فصل: وأما السؤال السابع: وهو كيف يتصور الحال في غير المشتق فاعلم أنه ليس لاشتراط الاشتقاق حجة ولا يقوم على هذا الشرط دليل ولهذا كان الحذاق من النحاة على أنه لا يشترط بل كل ما دل على هيئة صح أن يقع حالا فلا يشترط فيها إلا أن تكون دالة على معنى متحول ولهذا سميت حالا كما قال: لو لم تحل ما سميت حالا ... وكل ما حال فقد زالا فإذا كان صاحب الحال قد أوقع الفعل في صفة غير لازمة للفعل فلا تبالي أكانت مشتقة أم غير مشتقة فقد جاء في الحديث يتمثل لي الملك رجلا فوقع رجلا هنا حالا لأن صورة الرجلية طارئة على الملك في حال التمثل وليست لازمة للملك إلا في وقت وقوع الفعل منه وهو التمثل فهي إذا حال لأنه قد تحول إليها ومثله: يخرجكم طفلا ومثله: هذه ناقة الله لكم آية ومثله: فتمثل لها بشرا ويقولون مررت بهذا العود شجرا ثم مررت به رمادا وهذا زيد أسدا وتأويل هذا كله بأنه معمول الحال والتقدير يشبه بعيد جدا وكذا تأويل ذلك كله بمشتق تعسف ظاهر(2\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "347",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6562",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتحقيق ما تقدم وأنها كلها أحوال وإن كانت جامدة لأنها صفات يتحول الفاعل إليها وليس يلزم في الصفات أن تكون كلها فعلية بل فيها نفسية ومعنوية وعدمية وهي صفة النفي وإضافية وفعلية ولا يكون من جميعها حالا إلا ما كان الفعل واقعا فيه وجاز خلوه عنها فأما ما كان لازما للاسم مما لا يجوز خلوه عنه فلا يكون حالا منتصبة بالفعل نحو قولك قرشي وعربي وحبشي وابن وبنت وأخ وأخت فكل هذه لا يتصور وقوعها أحوالا لأنها لا تتحول. فصل: وأما السؤال الثامن: وهو إلى أي شيء وقعت الإشارة بقولك هذا فالجواب أن متعلق الإشارة هو الشيء الذي تتعاقب عليه هذه الأحوال وهو ما تخرجه النخل من أكمامها فيكون بلحا ثم يكون سيابا ثم جدالا ثم بسرا إلى أن يكون رطبا فمتعلق الإشارة المحل الحامل لهذه الأوصاف فالإشارة إلى شيء ثالث غير البسر والرطب وهو حامل البسرية والرطبة وقد عرفت بهذا أنه لا ينبغي تخصيص الإشارة بقولهم إنها إلى البلح والطلع والجدال كل ذلك تمثيل والتحقيق أن الإشارة إلى الحقيقة الحاملة لهذه الصفات والذي يدل على هذا أنك تقول زيد قائما أخطب منه قاعدا وقال عبد الله بن سلام لعثمان: quot;أنا خارجا أنفع لك منيquot; داخلا فلا إشارة ولا مشار هنا وإنما هو إخبار عن الاسم الحامل للصفات التي منها القيام والقعود ولا يصح أن يكون متعلق الإشارة صفة البسرية(2\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "348",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6563",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا الجوهر بقيد تلك الصفة لأنك لو أشرت إلى البسرية وكان الجوهر يفيدها لم يصح تقييده بحال الرطبية فتأمله فلم تبق إلا أن تكون الإشارة إلى الجوهر الذي تتعاقب عليه الأحوال وقد تبين لك بطلان قول من زعم أن متعلق الإشارة في هذا هو العامل في بسر فإن العامل فيها إما ما تضمنه أطيب من الفعل وإما كان المقدرة وكلاهما لا يصح تعلق الإشارة به فصل: هل النصب على أنه خبر كان وأما السؤال التاسع وهو قوله هلا قلتم إنه منصوب على أنه خبر كان فجوابه إن كان لو أضمرت لأضمر ثلاثة أشياء الظرف الذي هو إذا وفعل كان ومرفوعها وهذا لا نظير له إلا حيث يدل عليه الدليل وقد تقدم ذلك وقد منع سيبويه من إضمار كان فقال لو قلت عبد الله المقتول تريد كان عبد الله المقتول لم يجز وقد تقدم ما يدل على امتناع إضمار كان فلا نطول بإعادته وإذا لم يجز إضمار كان على انفرادها فكيف يجوز إضمار إذ وإذا معا وأنت لو قلت آتيك جاء زيد تريد إذا جاء زيد كان خلفا من الكلام بإجماع وإذا كان كذلك كان الإضمار من هذا الموطن أبعد لأنه لا يدرى هاهنا إذ تريد أم إذا وفي قولك سآتيك لا يحتمل إلى أحدهما بخلاف قولك زيد قائما أخطب منه قاعدا وإذا بعد كل البعد إضمار الظرف هاهنا فإضماره مع كان أبعد ومن قدره من النحاة فإنما أشار إلى شرح المعنى بضرب من التقريب فإن قيل الذي يدل على أنه لا بد من إضمار كان أن هذا الكلام لا يذكر إلا لتفضيل شيء في زمان من أزمان على نفسه في زمان آخر ويجوز أن يكون الزمان المفضل فيه ماضيا وأن يكون مستقبلا ولا بد من إضمار ما يدل على المراد منهما فيضمر للماضي إذ وللمستقبل إذا وإذ وإذا يطلبان الفعل وأعم الأفعال وأشملها فعل الكون الشامل لكل كائن ولهذا كثيرا ما يضمرونه فلا بد من فعل يضاف إليه الظرف لاستحالة أن تقول هذا إذ بسرا أطيب منه إذ رطبا فتعين إضمار كان لتصحيح الكلام قيل هذا السؤال إنما يلزم إذ أضمرنا الظرف وأما إذا لم نضمره لم نحتج إلى كان ويكون وأما قولكم أنه يفضل الشيء على نفسه باعتبار زمانين وإذ وإذا للزمان فجوابه أن في التصريح بالحالين المفضل أحدهما على الآخر غنية عن ذكر الزمان وتقدير إضماره ألا ترى أنك إذا(2\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "349",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6564",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت هذا في حال بسريته أطيب منه في حال رطبيته استقام الكلام ولا إذ هنا ولا إذا لدلالة الحال على مقصود المتكلم من أن التفضيل باعتبار الوقتين وكذلك تقول هذا في حال شبوبيته أعقل منه في حال شيخوخته ونظائر ذلك مما يصح فيه التفضيل باعتبار زمانين من غير ذكر ظرف ولا تقديره فافهمه فصل اتحاد المفضل والمفضل عليه وأما السؤال العاشر وهو هل يشترط اتحاد المفضل والمفضل عليه بالحقيقة فجوابها أن وضعها كذلك ولا يجوز أن يقال هذا بسرا أطيب منه عنبا لأن وضع هذا الباب لتفضيل الشيء على نفسه باعتبارين وفي زمانين قال الأخفش كل ما لا يتحول إلى شيء فهو رفع نحو هذا بسر أطيب منه عنب فأطيب مبتدأ وعنب خبره وفي هذا التركيب إشكال وتوجيهه أن الكلام جملتان أحدهما قولك هذا بسر والثانية قولك أطيب منه عنب والمعنى العنب أطيب منه فقدرت خبرين أحدهما أنه بسر والثاني أن العنب أطيب منه ولو قلت هذا البسر أطيب منه عنب لاتضحت المسألة وانكشف معناها والله أعلم فهذا ما في هذه المسألة المشكلة من الأسئلة والمباحث علقتها صيدا لسوانح الخاطر فيها خشية أن لا يعود فليسامح الناظر فيها فإنها علقت على حين بعدى من كتبي وعدم تمكني من مراجعتها وهكذا غالب هذا التعليق إنما(2\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "350",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6565",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو صيد خاطر والله المستعان مسألة: سلام عليكم ورحمة الله في هذا التسليم ثمانية وعشرون سؤالا: السؤال الأول: ما معنى السلام وما حقيقته السؤال الثاني: هل هو مصدر أو اسم السؤال الثالث: هل قول المسلم سلام عليكم خبر أو إنشاء السؤال الرابع: ما معنى السلام المطلوب عند التحية وإذا كان دعاء وطلبا فما الحكمة في طلبه عند التلاقي والمكاتبة دون غيره من المعاني السؤال الخامس: إذا كان من السلامة فمعلوم أن الفعل منها لا يتعدى ب على فلا يقال سلامة عليك وسلمت عليك بكسر اللام وإنما يقال سلام لك كما قال تعالى: فسلام لك من أصحاب اليمين السؤال السادس: ما الحكمة في الابتداء في السلام مع كون الخبر جارا ومجرورا وقياس العربية تقديم الخبر في ذلك نحو في الدار رجل السؤال السابع: لم اختص المسلم بهذا النظم والراد بتقديم الجار والمجرور على السلام وهلا كان رده بتقديم السلام مطلقا كابتدائه السؤال الثامن: ما الحكمة في كون سلام المبتدئ بلفظ النكرة وسلام الراد عليه بلفظ المعرفة وكذلك ما الحكمة في ابتداء السلام في المكاتبة بالنكرة وفي آخرها بالمعرفة فيقال أولا سلام عليكم وفي انتهاء المكاتبة والسلام عليكم وهل هذا التعريف لأجل العهد وتقدم السلام أم لحكمة سوى ذلك السؤال التاسع: ما الفائدة في دخول الواو العاطفة في السلام الآخر فيقول أولا: سلام عليكم وفي الانتهاء والسلام عليكم وعلى أي شيء هذا العطف السؤال العاشر: ما السر في نصب السلام في تسليم الملائكة ورفعه في تسليم إبراهيم وهل هو كما تقول النحاة: أن سلام إبراهيم أكمل لتضمنه جملة اسمية دالة على الثبوت وتضمن سلام الملائكة صيغة جملة فعلية دالة على(2\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "351",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6566",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحدوث أم لسر غير ذلك السؤال الحادي عشر: ما السر في نصب السلام من قوله تعالى: وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ورفعه من قوله: وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم وما الفرق بين الموضعين السؤال الثاني عشر: ما الحكمة في تسليم الله على أنبيائه ورسله والسلام إنما هو طلب السلامة للمسلم عليه فكيف يتصور هذا المعنى في حق الله وهذا من أهم الأسئلة وأحسنها السؤال الثالث عشر: إذا ظهرت حكمة سلامه تعالى عليهم فما الحكمة في كونه سلم عليهم بلفظ النكرة وشرع لعباده أن يسلموا على رسوله بلفظ المعرفة فيقولون السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وكذلك سلامهم على أنفسهم وعلى عباد الله الصالحين السؤال الرابع عشر: ما السر في تسليم الله على يحيى بلفظ النكرة في قوله: وسلام عليه وتسليم المسيح على نفسه بلفظ المعرفة بقوله: والسلام علي وأي السلامين أتم وأعم السؤال الخامس عشر: ما الحكمة في تقييد هذين السلامين بهذه الأيام الثلاثة يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا خاصة مع أن السلام مطلوب في جميع الأوقات فلو أتى به مطلقا أما كان أعم فإن هذا التقييد خص السلام بهذه الأيام خاصة السؤال السادس عشر: ما الحكمة في تسليم النبي صلى الله عليه وسلم على من اتبع الهدى في كتاب هرقل بلفظ النكرة وتسليم موسى على من اتبع الهدى بلفظ المعرفة كما جاء في القرآن وهلا كان سلام النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ المعرفة ليطابق القرآن وما الفرق بينهما السؤال السابع عشر: قوله تعالى: قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى هل هذا سلام من الله فيكون الكلام قد تضمن جملتين طلبية وهي الأمر بقوله: قل الحمد لله وخبرية وهي سلامة تعالى على عباده وعلي هذا فيكون من باب عطف الخبر على الطلب أو هو أمر من الله بالسلام عليهم وعلى هذا فيكون قد أمر بشيئين أحدهما: قول الحمد لله والثاني: قول سلام على عباده الذين اصطفى ويكون كلاهما معمولا لفعل القول وأي المعنيين أليق بالآية السؤال الثامن عشر: روى أبو داود في سننه من حديث(2\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "352",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6567",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبي جري الهجيمي قال: quot;أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: عليك السلام يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الموتىquot; صحيح قال الترمذي حديث صحيح وقد صح عنه في السلام على الأموات فعلا وأمرا quot;السلام عليكم دار قوم مؤمنين quot; رواه مسلم فما وجه هذا الحديث وكيف الجمع بينه وبين الأحاديث الصحيحة السؤال التاسع عشر: ما وجه دخول الواو في قول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم quot; رواه البخاري ومسلم وقد استشكل كثير من الناس أمر هذه الواو حتى أنكر بعضهم من الحذاق أن تكون ثابتة قال: لأن الواو في مثل هذا تقتضي تقرير الأول وتصديقه كما إذا قلت زيد كاتب فقال: المخاطب وفقيه فإنه يقتضي إثبات الأول وزيادة وصف فقيه فكيف دخلت في هذا الموضوع وما وجهها السؤال العشرون: ما السر في اقتران الرحمة والبركة بالسلام دون غيرهما من الصفات كالمغفرة والبر والإحسان ونحو هذا السؤال الحادي والعشرون: لم كانت نهاية السلام عند قوله: quot;وبركاتهquot; ولم تشرع الزيادة عليها السؤال الثاني والعشرون: ما الحكمة في إضافة الرحمة والبركة إلى الله تعالى وتجريد السلام عن هذه الإضافة ولم لا أضيفت كلها أو ردت كلها السؤال الثالث والعشرون: ما الحكمة في إفراد السلام والرحمة وجمع البركة السؤال الرابع والعشرون: ما الحكمة في تأكيد الأمر بالسلام على النبي بالمصدر دون الصلاة في قوله تعالى: صلوا عليه وسلموا تسليما ولم يقل صلوا صلاة السؤال الخامس والعشرون: ما الحكمة في تقديم السلام عليه في الصلاة على الصلاة عليه وهلا وقعت البداءة بالصلاة عليه أولا ثم اتبعت بالسلام لتصح البداءة بما بدأ الله به من تقديم الصلاة على السلام السؤال السادس والعشرون: ما الحكمة في كون السلام عليه في الصلاة بصيغة خطاب المواجهة وأما الصلاة عليه فجاءت بصيغة الغيبة لذكره باسم العلم السؤال السابع والعشرون: وهو ما جر إليه طرد الكلام ما الحكمة في كون الثناء على الله ورد بصيغة في قولنا التحيات لله مع أنه سبحانه هو المناجي(2\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "353",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6568",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المخاطب الذي يسمع كلامنا ويرى مكاننا وجاء السلام على النبي صلى الله عليه وسلم بصيغة الخطاب مع أن الحال كان يقتضي العكس فما الحكمة في ذلك السؤال الثامن والعشرون: وهو خاتمة الأسئلة ما السر في كون السلام خاتمة الصلاة وهلا كان في ابتدائها وإذا كان كذلك فما السر في مجيئه معرفا وهلا جاء منكرا. quot;وأما السؤال الأول quot; وهو ما حقيقة هذه اللفظة فحقيقتها البراءة والخلاص والنجاة من الشر والعيوب وعلى هذا المعنى تدور تصاريفها فمن ذلك قولك: quot;سلمك الله وسلم فلان من الشر ومنه دعاء المؤمنين على الصراط رب سلم اللهم سلمquot; ومنه سلم الشيء لفلان أي خلص له وحده فخلص من ضرر الشركة فيه قال تعالى: ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل أي خالصا له وحده لا يملكه معه غيره ومنه السلم ضد الحرب قال تعالى: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها لأن كلا من المتحاربين يخلص ويسلم من أذى الآخر ولهذا يبنى منه على المفاعلة فيقال: المسالمة مثل المشاركة ومنه القلب السليم وهو النقي من الغل والدغل وحقيقته الذي قد سلم لله تعالى وحده فخلص من دغل الشرك وغله ودغل الذنوب والمخالفات بل هو المستقيم على صدق حبه وحسن معاملته فهذا هو الذي ضمن له النجاة من عذابه والفوز بكرامته ومنه أخذ الإسلام فإنه من هذه المادة لأنه الاستسلام والانقياد لله تعالى والتخلص من شوائب الشرك فسلم لربه وخلص له كالعبد الذي سلم لمولاه ليس فيه شركاء متشاكسون ولهذا ضرب سبحانه هذين المثلين للمسلم المخلص الخالص لربه والمشرك به ومنه السلم للسلف وحقيقته العوض المسلم فيه لأن من هو في ذمته قد ضمن سلامته لربه ثم سمى العقد سلما وحقيقته ما ذكرناه فإن قيل: فهذا ينتقض بقولهم للديغ سليما قيل: ليس هذا بنقض له بل طرد لما قلناه فإنهم سمعوه سليما باعتبار ما يهمه ويطلبه ويرجو أن يئول إليه حاله من السلامة فليس عنده أهم من السلامة ولا هو أشد طلبا منه لغيرها فسمى سليما لذلك وهذا من جنس تسميتهم المهلكة(2\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "354",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6569",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مفازة لأنه لا شيء أهم عند سالكها من فوزه منها أي نجاته فسميت مفازة لأنه يطلب الفوز منها وهذا أحسن من قولهم إنما سميت مفازة وسميت اللديغ سليما تفاؤلا وإن كان التفاؤل جزء هذا المعنى الذي ذكرناه وداخل فيه فهو أعم وأحسن فإن قيل: فكيف يمكنكم رد السلم إلى هذا الأصل قيل: ذلك ظاهر لأن الصاعد إلى مكان مرتفع لما كان متعرضا للهوي والسقوط طالبا للسلامة راجيا لها سميت الآلة التي يتوصل بها إلى غرضه سلما لتضمنها سلامته إذ لو صعد بتكلف من غير سلم لكان عطبه متوقعا فصح أن السلم من هذا المعنى ومنه تسمية الجنة بدار السلام وفي إضافتها إلى السلام ثلاثة أقوال أحدها أنها إضافة إلى مالكها السلام سبحانه الثاني أنها إضافة إلى تحية أهلها فإن تحيتهم فيها السلام الثالث أنها إضافة إلى معنى السلام أي دار السلام من كل آفة ونقص وشر والثلاثة متلازمة وإن كان الثالث أظهرها فإنه لو كانت الإضافة إلى مالكها لأضيفت إلى اسم من أسمائه غير السلام وكان يقال دار الرحمن أو دار الله أو دار الملك ونحو ذلك فإذا عهدت إضافتها إليه ثم جاء دار السلام حملت على المعهود وأيضا فإن المعهود في القرآن إضافتها إلى صفتها أو إلى أهلها أما الأول: فنحو دار القرار دار المجد جنة المأوى جنات النعيم جنات الفردوس وأما الثاني: فنحو دار المتقين ولم تعهد إضافتها إلى اسم من أسماء الله تعالى في القرآن فالأولى حمل الإضافة على المعهود في القرآن وكذلك إضافتها إلى التحية ضعيف من وجهين أحدهما: أن التحية بالسلام مشتركة بين دار الدنيا والآخرة وما يضاف إلى الجنة لا يكون إلا مختصا بها كالخلد والقرار والبقاء الثاني: أن من أوصافها غير التحية ما هو أكمل منها مثل كونها دائمة وباقية ودار الخلد والتحية فيها عارضة عند التلاقي والتزاور بخلاف السلامة من كل عيب ونقص وشر فإنها من أكمل أوصافها المقصودة على الدوام التي لا يتم النعيم فيها إلا به(2\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "355",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6570",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإضافتها إليه أولى وهذا ظاهر. فصل: وإذا عرفت هذان فإطلاق السلام على الله تعالى اسما من أسمائه هو أولى من هذا كله وأحق بهذا الاسم من كل مسمى به لسلامته سبحانه من كل عيب ونقص من كل وجد فهو السلام الحق بكل اعتبار والمخلوق سلام بالإضافة فهو سبحانه سلام في ذاته عن كل عيب ونقص يتخيله وهم وسلام في صفاته من كل عيب ونقص وسلام في أفعاله من كل عيب ونقص وشر وظلم وفعل واقع على غير وجه الحكمة بل هو السلام الحق من كل وجه وبكل اعتبار فعلم أن استحقاقه تعالى لهذا الاسم أكمل من استحقاق كل ما يطلق عليه وهذا هو حقيقة التنزيه الذي نزه به نفسه ونزهه به رسوله فهو السلام من الصاحبة والولد والسلام من النظير والكفء والسمي والمماثل والسلام من الشريك ولذلك إذا نظرت إلى أفراد صفات كماله وجدت كل صفة سلاما مما يضاد كمالها فحياته سلام من الموت ومن السنة والنوم وكذلك قيوميته وقدرته سلام من التعب واللغوب وعلمه سلام من عزوب شيء عنه أو عروض نسيان أو حاجة إلى تذكر وتفكر وإرادته سلام من خروجها عن الحكمة والمصلحة وكلماته سلام من الكذب والظلم بل تمت كلماته صدقا وعدلا وغناه سلام من الحاجة إلى غيره بوجه ما بل كل ما سواه محتاج إليه وهو غني عن كل ما سواه وملكه سلام من منازع فيه أو مشارك أو معاون مظاهر أو شافع عنده بدون إذنه وإلهيته سلام من مشارك له فيها بل هو الله الذي لا إله إلا هو وحلمه وعفوه وصفحه ومغفرته وتجاوزه سلام من أن تكون عن حاجة منه أو ذلك أو مصانعة كما يكون من غيره بل هو محض جوده وإحسانه وكرمه وكذلك عذابه وانتقامه وشدة بطشه وسرعة عقابه سلام من أن يكون ظلما أو تشفيا أو غلظة أو قسوة بل هو(2\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "356",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6571",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محض حكمته وعدله ووضعه الأشياء مواضعها وهو مما يستحق عليه الحمد والثناء كما يستحقه علي إحسانه وثوابه ونعمه بل لو وضع الثواب موضع العقوبة لكان مناقضا لحكمته ولعزته فوضعه العقوبة موضعها هو من عدله وحكمته وعزته فهو سلام مما يتوهم أعداؤه والجاهلون به من خلاف حكمته وقضاؤه وقدره سلام من العبث والجور والظلم ومن توهم وقوعه على خلاف الحكمة البالغة وشرعه ودينه سلام من التناقض والاختلاف والاضطراب وخلاف مصلحة العباد ورحمتهم والإحسان إليهم وخلاف حكمته بل شرعه كله حكمة ورحمة ومصلحة وعدل وكذلك عطاؤه سلام من كونه معاوضة أو لحاجة إلى المعطى ومنعه سلام من البخل وخوف الإملاق بل عطاؤه إحسان محض لا لمعاوضة ولا لحاجة ومنعه عدل محض وحكمة لا يشوبه بخل ولا عجز واستواؤه وعلوه على عرشه سلام من أن يكون محتاجا إلى ما يحمله أو يستوي عليه بل العرش محتاج إليه وحملته محتاجون إليه فهو الغنى عن العرش وعن حملته وعن كل ما سواه فهو استواء وعلو لا يشوبه حصر ولا حاجة إلى عرش ولا غيره ولا إحاطة شيء به سبحانه وتعالى بل كان سبحانه ولا عرش ولم يكن به حاجة إليه وهو الغني الحميد بل استواؤه على عرشه واستيلاؤه على خلقه من موجبات ملكه وقهره من غير حاجة إلى عرض ولا غيره بوجه ما ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا سلام مما يضاد علوه وسلام مما يضاد غناه وكماله سلام من كل ما يتوهم معطل أو مشبه وسلام من أن يصير تحت شيء أو محصورا في شيء تعالى الله ربنا عن كل ما يضاد كماله وغناه وسمعه وبصره سلام من كل ما يتخيله مشبه أو يتقوله معطل وموالاته لأوليائه سلام من أن تكون عن ذلك كما يوالي المخلوق المخلوق بل هي موالاة رحمة وخير وإحسان وبر كما قال: وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل فلم ينف أن يكون له ولي مطلقا(2\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "357",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6572",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بل نفي أن يكون له ولي من الذل وكذلك محبته لمحبيه وأوليائه سلام من عوارض محبة المخلوق للمخلوق من كونها محبة حاجة إليه أو تملق له أو انتفاع بقربه وسلام مما يتقوله المعطلون فيها وكذلك ما أضافه إلى نفسه من اليد والوجه فإنه سلام عما يتخيله مشبه أو يتقوله معطل فتأمل كيف تضمن اسمه السلام كل ما نزه عنه تبارك وتعالى وكم ممن حفظ هذا الاسم لا يدري ما تضمنه من هذه الأسرار والمعاني والله المستعان المسئول أن يوفق للتعليق على الأسماء الحسنى على هذا النمط إنه قريب مجيب ولنقطع هاهنا الكلام على السؤال الأول فصل: وأما السؤال الثاني: وهو هل السلام مصدر أو اسم مصدر فالجواب: أن السلام الذي هو التحية اسم مصدر من سلم ومصدره الجاري عليه تسليم كعلم تعليما وفهم تفهيما وكلم تكليما والسلام من سلم كالكلام من كلم فإن قيل: وما الفرق بين المصدر والاسم قلنا: بينهما فرقان لفظي ومعنوي أما اللفظي فإن المصدر هو الجاري على فعله الذي هو قياسه كالأفعال من أفعل والتفعيل من فعل والانفعال من انفعل والتفعلل من تفعلل وبابه وأما السلام والكلام فليسا بجاريين على فعليهما ولو جريا عليه لقيل تسليم وتكليم وأما الفرق المعنوي فهو أن المصدر دال على الحدث وفاعله فإذا قلت تكليم وتسليم وتعليم ونحو ذلك دل على الحدث ومن قام به فيدل التسليم على السلام والمسلم وكذلك التكليم والتعليم وأما اسم المصدر فإنما يدل على الحدث وحده فالسلام والكلام لا يدل لفظه على مسلم ولا مكلم بخلاف التكليم والتسليم وسر هذا الفرق أن المصدر في قولك سلم تسليما وكلم تكليما بمنزلة تكرار الفعل فكأنك قلت سلم سلم وتكلم تكلم والفعل لا يخلو عن فاعله أبدا وأما اسم المصدر(2\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "358",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6573",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنهم جردوه لمجرد الدلالة على الحدث وهذه النكتة من أسرار العربية فهذا السلام الذي هو التحية وأما السلام الذي هو اسم من أسماء الله ففيه قولان أحدهما: أنه كذلك اسم مصدر وإطلاقه عليه كإطلاق العدل عليه والمعنى أنه ذو السلام وذو العدل على حذف المضاف والثاني: أن المصدر بمعنى الفاعل هنا أي السالم كما سميت ليلة القدر سلاما أي سالمة من كل شر بل هي خير لا شر فيها وأحسن من القولين وأقيس في العربية أن يكون نفس السلام من أسمائه تعالى كالعدل وهو من باب إطلاق المصدر على الفاعل لكونه غالبا عليه مكررا منه كقولهم: رجل صوم وعدل وزور وبابه وأما السلام الذي هو بمعنى السلامة فهو مصدر نفسه وهو مثل الجلال والجلالة فإذا حذفت التاء كان المراد نفس المصدر وإذا أتيت بالثاء كان فيه إيذان بالتحديد بالمرة من المصدر كالحب والحبة فالسلام والجمال والجلال كالجنس العام من حيث لم يكن فيه تاء التحديد والسلامة والجلالة والملاحة والفصاحة كلها تدل على الخصلة الواحدة ألا ترى أن الملاحة خصلة من خصال الكمال والجلالة من خصال الجلال ولهذا لم يقولوا كمالة كما قالوا ملاحة وفصاحة لأن الكمال اسم جامع لصفات الشرف والفضل فلو قالوا كمالة لنقضوا الغرض المقصود من اسم الكمال فتأمله وعلى هذا جاءت الحلاوة والأصالة والرزانة والرجاحة لأنها خصلة من مطلق الكمال والجمال محدودة فجاءوا فيها بالتاء الدالة على التحديد وعكسه الحماقة والرقاعة والنذالة والسفاهة فإنها خصال محدودة من مطلق العيب والنقص فجاءوا في الجنس الذي يشمل الأنواع بغير تاء فجاءوا في أنواعه وأفراده بالتاء وقد تقدم تقرير هذا المعنى وأيضا فلا حاجة إلى إعادته فتأمل الآن كيف جاء السلام مجردا عن التاء إيذانا بحصول المسمى التام إذ لا يحصل المقصود إلا به فإنه لو سلم من آفة ووقع في آفة لم يكن قد حصل له السلام فوضح أن السلام لم يخرج عن المصدرية في جميع وجوهه فإن قيل: فما الحكمة في مجيئه اسم مصدر ولم يجيء على أصل المصدر(2\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "359",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6574",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل: هذا السر بديع وهو أن المقصود حصول مسمى السلامة للمسلم عليه على الإطلاق من غير تقييد بفاعل فلما كان المراد مطلق السلامة من غير تعرض لفاعل أتوا باسم المصدر الدال على مجرد الفعل ولم يأتوا بالمصدر الدال على الفعل والفاعل معا فتأمله. فصل: وأما السؤال الثالث: وهو أن قول المسلم سلام عليكم هل هو إنشاء أم خبر فجوابه: أن هذا ونحوه من ألفاظ الدعاء متضمن للإنشاء والإخبار فجهة الخبرية فيه لا تناقض جهة الإنشائية وهذا موضع بديع يحتاج إلى كشف وإيضاح فنقول الكلام له نسبتان نسبة إلى المتكلم به نفسه ونسبة إلى المتكلم فيه إما طلبا وإما خبرا وله نسبة ثالثة إلى المخاطب لا يتعلق بها هذا الغرض وإنما يتعلق تحقيقه بالنسبتين الأوليين فباعتبار تينك النسبتين نشأ التقسيم إلى الخبر والإنشاء ويعلم أين يجتمعان وأين يفترقان فله بنسبته إلى قصد المتكلم وإرادته لثبوت مضمونه وصف الإنشاء وله بنسبته إلى المتكلم فيه والإعلام بتحققه في الخارج وصف الإخبار ثم تجتمع النسبتان في موضع وتفترقان في موضع فكل موضع كان المعنى فيه حاصلا بقصد المتكلم وإرادته فقط فإنه لا يجامع فيه الخبر الإنشاء نحو قوله: بعتك كذا ووهبتكه وأعتقت وطلقت فإن هذه المعاني لم يثبت لها وجود خارجي إلا بإرادة المتكلم وقصده فهي إنشاءات وخبريتها من جهة أخرى وهي تضمنها إخبار المتكلم عن ثبوت هذه النسبة في ذهنه لكن ليست هذه هي الخبرية التي وضع لها لفظ الخبر وكل موضع كان المعنى حاصلا فيه من غير جهة المتكلم وليس للمتكلم إلا دعاؤه بحصوله ومحبته فالخبر فيه لا يناقض الإنشاء وهذا نحو سلام عليكم فإن السلامة المطلوبة لم تحصل بفعل المسلم وليس للمسلم إلا(2\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "360",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6575",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدعاء بها ومحبتها فإذا قال سلام عليكم تضمن الإخبار بحصول السلامة والإنشاء للدعاء بها وإرادتها وتمنيها وكذلك ويل له قال سيبويه: quot;هو دعاء وخبرquot; ولم يفهم كثير من الناس قول سيبويه على وجهه بل حرفوه عما أراده به وإنما أراد سيبويه هذا المعنى: quot;أنها تتضمن الإخبار بحصول الويل له مع الدعاء بهquot; فتدبر هذه النكتة التي لا تجدها محررة في غير هذا الموضع هكذا بل تجدهم يطلقون تقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء من غير تحرير وبيان لمواضع اجتماعهما وافتراقهما وقد عرفت بهذا أن قولهم سلام عليكم وويل له وما أشبه هذا أبلغ من إخراج الكلام في صورة الطلب المجرد نحو اللهم سلمه. فصل: وأما السؤال الرابع: وهو ما معنى السلام المطلوب عند التحية ففيه قولان مشهوران: أحدهما: أن المعنى اسم السلام عليكم والسلام هنا هو الله عز وجل ومعنى الكلام نزلت بركة اسمه عليكم وحلت عليكم ونحو هذا واختير في هذا المعنى من أسمائه عز وجل اسم السلامة دون غيره من الأسماء لما يأتي في جواب السؤال الذي بعده واحتج أصحاب هذا القول بحجج منها ما ثبت في الصحيح أنهم كانوا يقولون في الصلاة: quot;السلام على الله قبل عباده السلام على جبريل السلام على فلان فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام ولكن قولوا السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين quot; صحيح فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقولوا السلام على الله لأن السلام هو المسلم عليه دعاء له وطلب أن يسلم والله تعالى هو المطلوب منه لا المطلوب له وهو المدعو لا المدعو له فيستحيل أن يسلم عليه بل هو المسلم على عباده كما سلم عليهم في كتابه حيث(2\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "361",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6576",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقول: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين وقوله: سلام على إبراهيم سلام على نوح سلام على إل ياسين وقال في يحيى: وسلام عليه وقال لنوح: قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك ويسلم يوم القيامة على أهل الجنة كما قال تعالى: لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون سلام قولا من رب رحيم فقولا منصوب على المصدر وفعله ما تضمنه سلام من القول لأن السلام قول ومسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجة من حديث محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;بينما أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور من فوقهم فرفعوا رؤوسهم فإذا الجبار جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم وقال يا أهل الجنة سلام عليكم ثم قرأ قوله: سلام قولا من رب رحيم ثم يتوارى عنهم فتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهمquot; ضعيف وفي سنن ابن ماجة مرفوعا أول من يسلم عليه الحق يوم القيامة عمر ضعيف جدا وفيه نكارة وقال تعالى: تحيتهم يوم يلقونه سلام فهذا تحيتهم يوم يلقونه تبارك وتعالى ومحال أن تكون هذه تحية منهم له فإنهم أعرف به من أن يسلموا عليه وقد نهوا عن ذلك في الدنيا وإنما هذا تحية منه لهم والتحية هنا مضافة إلى المفعول فهي التحية التي يحيون بها لا التحية التي يحيونه هم بها ولولا قوله تعالى في سورة يس: سلام قولا من رب رحيم رحيم لاحتمل أن تكون التحية لهم من الملائكة كما قال الله: والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم ولكن هذا سلام الملائكة إذا دخلوا عليهم وهم في منازلهم من الجنة يدخلون مسلمين عليهم وأما التحية المذكورة في قوله: تحيتهم يوم يلقونه سلام فتلك تحية لهم وقت اللقاء كما يحيى الحبيب حبيبه إذا لقيه فماذا حرم المحجوبون عن ربهم يومئذ. يكفي الذي غاب عنك غيبته ... فذاك ذنب عقابه فيه والمقصود أن الله تعالى يطلب منه السلام فلا يمتنع في حقه أن يسلم على عباده ولا يطلب له فلذلك لا يسلم عليه وقوله صلى الله عليه وسلم: quot;إن الله هو السلامquot; صريح في(2\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "362",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6577",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كون السلام اسما من أسمائه قالوا فإذا قال المسلم سلام عليكم كان معناه اسم السلام عليكم ومن حججهم ما رواه أبو داود من حديث ابن عمر: quot;أن رجلا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليه حتى استقبل الجدار ثم تيمم ورد عليه وقال: إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهرquot; صحيح قالوا ففي هذا الحديث بيان أن السلام ذكر الله وإنما يكون ذكرا إذا تضمن اسما من أسمائه ومن حججهم أيضا أن الكفار من أهل الكتاب لا يبدؤون بالسلام فلا يقال لهم سلام عليكم ومعلوم أنه لا يكره أن يقال لأحدهم سلمك الله وما ذاك إلا أن السلام اسم من أسماء الله فلا يسوغ أن يطلب للكافر حصول بركة ذلك الاسم عليه فهذه حجج كما ترى قوية ظاهرة القول الثاني: أن السلام مصدر بمعنى السلامة وهم المطلوب المدعو به عند التحية ومن حجة أصحاب هذا القول أنه يذكر بلا ألف ولام بل يقول المسلم سلام عليكم ولو كان اسما من أسماء الله لم يستعمل كذلك بل كان يطلق عليه معرفة كما يطلق عليه سائر أسمائه الحسنى فيقال: السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر فإن التنكير لا يصرف اللفظ إلى معين فضلا عن أن يصرفه إلى الله وحده بخلاف المعرف فإنه ينصرف إليه تعيينا إذا ذكرت أسماؤه الحسنى ومن حججهم أيضا إن عطف الرحمة والبركة عليه في قوله سلام عليكم ورحمة الله وبركاته يدل على أن المراد به المصدر ولهذا عطف عليه مصدرين مثله ومن حججهم أيضا أنه لو كان السلام هنا اسما من أسماء الله لم يستقم الكلام إلا بإضمار وتقدير يكون به مقيدا ويكون المعنى بركة اسم السلام عليكم فإن الاسم نفسه ليس عليهم ولو قلت اسم الله عليك كان معناه بركة هذا الاسم ونحو ذلك من التقدير ومعلوم أن هذا التقدير خلاف الأصل ولا دليل عليه ومن حججهم أيضا أنه ليس المقصود من السلام هذا المعنى وإنما المقصود منه الإيذان بالسلامة خبرا ودعاء كما يأتي في جواب السؤال الذي بعد هذا ولهذا كان السلام أمانا(2\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "363",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6578",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لتضمنه معنى السلامة وأمن كل واحد من المسلم والراد عليه من صاحبه قالوا: فهذا كله يدل على أن السلام مصدر بمعنى السلامة وحذفت تاؤه لأن المطلوب هذا الجنس لا المرة الواحدة منه والتاء تفيد التحديد كما تقدم وفصل الخطاب في هذه المسألة: أن يقال الحق في مجموع القولين فلكل منهما بعض الحق والصواب في مجموعهما وإنما نبين ذلك بقاعدة قد أشرنا إليها مرارا وهي أن من دعا الله تعالى بأسمائه الحسنى أن يسأل في كل مطلوب ويتوسل إليه بالاسم المقتضي لذلك المطلوب المناسب لحصوله حتى كأن الداعي مستشفع إليه متوسل إليه به فإذا قال: quot;رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفورquot; فقد سأله أمرين وتوسل إليه باسمين من أسمائه مقتضيين لحصول مطلوبه وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة وقد سألته ما تدعو به إن وافقت ليلة القدر: quot;قولي اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنيquot; صحيح وكذلك قوله للصديق وقد سأله أن يعلمه دعاء يدعو به: quot;اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم quot; رواه البخاري ومسلم وهذا كثير جدا فلا نطول بإيراد شواهده وإذا ثبت هذا فالمقام لما كان مقام طلب السلامة التي هي أهم ما عند الرجل أتى في لفظها بصيغة اسم من أسماء الله وهو السلام الذي يطلب منه السلامة فتضمن لفظ السلام معنيين أحدهما: ذكر الله كما في حديث ابن عمر والثاني: طلب السلامة وهو مقصود المسلم فقد تضمن سلام عليكم اسما من أسماء الله وطلب السلامة منه فتأمل هذه الفائدة وقريب من هذا ما روي عن بعض السلف أنه قال في آمين أنه اسم من أسماء الله تعالى وأنكر كثير من الناس هذا القول وقالوا ليس في أسمائه آمين ولم يفهموا معنى كلامه فإنما أراد أن هذه الكلمة تتضمن اسمه تبارك وتعالى فإن معناها استجب وأعط ما سألناك فهي متضمنة لاسمه مع دلالتها على الطلب وهذا التضمن في سلام عليكم أظهر لأن السلام من أسمائه تعالى فهذا كشف سر المسألة.(2\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "364",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6579",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: إذا عرف هذا فالحكم في طلبه عند اللقاء دون غير من الدعاء أن عادة الناس الجارية بينهم أن يحيي بعضهم بعضا عند لقائه وكل طائفة لهم في تحيتهم ألفاظ وأمور اصطلحوا عليها وكانت العرب تقول في تحيتهم بينهم في الجاهلية أنعم صباحا وأنعموا صباحا فيأتون بلفظة أنعموا من النعمة بفتح النون وهي طيب العيش والحياة ويصلونها بقولهم صباحا لأن الصباح في أول النهار فإذا حصلت فيه النعمة استصحب حكمها واستمرت اليوم كله فخصوها بأوله إيذانا بتعجيلها وعدم تأخرها إلى أن يتعالى النهار وكذلك يقولون أنعموا مساء فإن الزمان هو صباح ومساء فالصباح في أول النهار إلى بعض انتصافه والمساء من بعد انتصافه إلى الليل ولهذا يقول الناس صبحك الله بخير ومساك الله بخير فهذا معنى أنعم صباحا ومساء إلا أن فيه ذكر الله وكانت الفرس يقولون في تحيتهم هزا رساله ميمايي أي تعيش ألف سنة وكل أمة لهم تحية من هذا الجنس أو ما أشبهه ولهم تحية يخصون بها ملوكهم من هيئات خاصة عند دخولهم عليهم كالسجود ونحوه وألفاظ خاصة تتميز بها تحية الملك من تحية السوقة وكل ذلك مقصودهم به الحياة ونعيمها ودوامها ولهذا سميت تحية وهي تفعلة من الحياة كتكرمة من الكرامة لكن أدغم المثلان فصار تحية فشرع الملك القدوس السلام تبارك وتعالى لأهل الإسلام تحية بينهم سلام عليكم وكانت أولى من جميع تحيات الأمم التي منها ما هو محال وكذب نحو قولهم تعيش ألف سنة وما هو قاصر المعنى مثل أنعم صباحا ومنها ما لا ينبغي إلا لله مثل السجود فكانت التحية بالسلام أولى من ذلك كله لتضمنها السلامة التي لا حياة ولا فلاح إلا بها فهي الأصل المقدم(2\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "365",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6580",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على كل شيء ومقصود العبد من الحياة إنما يحصل بشيئين بسلامته من الشر وحصول الخير كله والسلامة من الشر مقدمة على حصول الخير وهي الأصل ولهذا إنما يهتم الإنسان بل كل حيوان بسلامته أولا ثم غنيمته ثانيا على أن السلامة المطلقة تتضمن حصول الخير فإنه لو فاته حصل له الهلاك والعطب أو النقص والضعف ففوات الخير يمنع حصول السلامة المطلقة فتضمنت السلامة نجاته من كل شر وفوزه بالخير فانتظمت الأصلين الذين لا تتم الحياة إلا بهما مع كونها مشتقة من اسمه السلام ومتضمنة له وحذفت التاء منها لما ذكرنا من إرادة الجنس لا السلامة الواحدة ولما كانت الجنة دار السلامة من كل عيب وشر وآفة بل قد سلمت من كل ما ينغص العيش والحياة كانت تحية أهلها فيها سلام والرب يحييهم فيها بالسلام والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار فهذا سر التحية بالسلام عند اللقاء وأما عند المكاتبة فلما كان المراسلان كل منهما غائب عن الآخر ورسوله إليه كتابه يقوم مقام خطابه له استعمل في مكاتبه له من السلام ما يستعمله معه لو خاطبه لقيام الكتاب مقام الخطاب. فصل: وأما السؤال الخامس: وهو تعدية هذا المعنى ب على فجوابه بذكر مقدمة وهي ما معنى قوله: سلمت فإذا عرف معناها عرف أن حرف على أليق به فاعلم أن لفظ سلمت عليه وصليت عليه ولعنت فلانا موضوعها ألفاظ هي جمل طلبية وليس موضوعها معاني مفردة فقولك سلمت موضوعه قلت السلام عليك وموضوع صليت عليه قلت اللهم صل عليه أو دعوت له وموضوع لعنته قلت: اللهم العنه ونظير هذا: سبحت الله قلت: سبحان الله ونظيره وإن كان مشتقا من لفظ الجملة هلل إذا قال لا إله إلا الله وحمدل إذا قال الحمد لله وحوقل إذا قال لا حول(2\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "366",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6581",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا قوة إلا بالله وحيعل إذا قال حي على الصلاة وبسمل إذا قال بسم الله قال: وقد بسملت ليلى غداة لقيتها ... ألا حبذا ذاك الحبيب المبسمل وإذا ثبت هذا فقولك سلمت عليه أي ألقيت عليه هذا اللفظ وأوضعته عليه إيذانا باشتمال معناه عليه كاشتمال لباسه عليه وكان حرف على أليق الحروف به فتأمله وأما قوله تعالى: وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين فليس هذا سلام تحية ولو كان تحية لقال فسلام عليه كما قال: سلام على إبراهيم سلام على نوح ولكن الآية تضمنت ذكر مراتب الناس وأقسامهم عند القيامة الصغرى حال القدوم على الله فذكر أنهم ثلاثة أقسام مقرب له الروح والريحان وجنة النعيم ومقتصد من أصحاب اليمين له السلامة فوعده بالسلامة ووعد المقرب بالغنيمة والفوز وإن كان كل منهما سالما غانما وظالم بتكذيبه وضلاله فأوعده بنزل من حميم وتصلية جحيم فلما لم يكن المقام مقام تحية وإنما هو مقام إخبار عن حاله ذكر ما يحصل له من السلامة فإن قيل: فهذا فرق صحيح لكن ما معنى اللام في قوله لك ومن هو المخاطب بهذا الخطاب وما معنى حرف من في قوله: من أصحاب اليمين فهذه ثلاثة أسئلة في الآية قيل: قد وفينا بحمد الله تعالى بذكر الفرق بين هذا السلام في الآية وبين سلام التحية وهو الذي كان المقصود وهذه الأسئلة وإن كانت متعلقة بالآية فهي خارجة عن مقصودنا ولكن نجيب عنها إكمالا للفائدة بحول الله وقوته وإن كنا لم نر أحدا من المفسرين شفى في هذا الموضع الغليل ولا كشف حقيقة المعنى واللفظ بل منهم من يقول المعنى فمسلم لك إنك من أصحاب اليمين ومنهم من يقول غير ذلك مما هو حوم على معناها من غير ورود فأعلم أن المدعو به من الخير والشر مضاف إلى صاحبه بلام الإضافة الدالة على حصوله له ومن ذلك قوله تعالى: أولئك لهم اللعنة ولم يقل عليهم اللعنة إيذانا بحصول معناها وثبوته لهم وكذلك قوله: ولكم الويل(2\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "367",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6582",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يمما تصفون ويقول في ضد هذا لك الرحمة ولك التحية ولك السلام ومنه هذه الآية فسلام لك أي ثبت لك السلام وحصل لك وعلى هذا فالخطاب لكل من هو من هذا الضرب فهو خطاب للجنس أي فسلام لك يا من هو من أصحاب اليمين كما تقول هنيئا لك يا من هو منهم ولهذا والله أعلم أتى بحرف من في قوله: من أصحاب اليمين والجار والمجرور في موضع حال أي سلام لك كائنا من أصحاب اليمين كما تقول هنيئا لك من اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وحزبه أي كائنا منهم والجار والمجرور بعد المعرفة ينتصب على الحال كما تقول أحببتك من أهل الدين والعلم أي كائنا منهم فهذا معنى هذه الآية وهو وإن خلت عنه كتب أهل التفسير فقد حام عليه منهم من حام وما ورد ولا كشف المعنى ولا أوضحه فراجع ما قالوه والله تعالى الموفق المان بفضله. فصل: وأما السؤال السادس: وهو ما الحكمة في الابتداء بالنكرة هاهنا مع أن الأصل تقديم الخبر عليها فهذا سؤال قد تضمن سؤالين أحدهما: حكمة الابتداء بالنكرة في هذا الموضع الثاني: أنه إذ قد ابتدئ بها فهلا قدم الخبر على المبتدأ لأنه قياس الباب نحو: في الدار رجل والجواب عن السؤال الأول: أن يقال إن النحاة قالوا: إذا كان في النكرة معنى الدعاء مثل سلام لك وويل له جاز الابتداء بها لأن الدعاء معنى من معاني الكلام فقد تخصصت النكرة بنوع من التخصيص فجاز الابتداء بها وهذا كلام لا حقيقة تحته فإن الخبر أيضا نوع من أنواع الكلام ومع هذا فلا تكون جهة الخبر مسوغة للابتداء بالنكرة فكيف تكون جهة الدعاء مسوغة للابتداء بها وأما الفرق بين كون الدعاء نوعا والخبر نوعا والطلب نوعا وهلا يفيد ذلك تعيين مسمى النكرة حتى يصلح الإخبار عنها فإن(2\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "368",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6583",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المانع من الإخبار عنها ما فيها من الشياع والإبهام الذي يمنع من تحصيلها عند المخاطب في ذهنه حتى يستفيد نسبة الإسناد الخبري إليها ولا فرق في ذلك بين كون الكلام دعاء أو خبرا وقول من قال: إن الابتداء بالنكرة إنما امتنع حيث لا يفيد نحو رجل في الدنيا ورجل مات ونحو ذلك فإذا أفادت جاز الابتداء بها من غير تقييد بضابط ولا حصر بعد وأحسن من تقييد ذلك بكون الكلام دعاء أو في قوة الكلام آخر وغير ذلك من الضوابط المذكورة وهذه طريقة إمام النحو سيبويه فإنه في كتابه لم يجعل للابتداء بها ضابطا ولا حصره بعدد بل جعل مناط الصحة الفائدة وهذا هو الحق الذي لا يثبت عند النظر سواه وكل من تكلف ضابطا فإنه ترد عليه ألفاظ خارجة عنه فإما أن يتمحل لردها إلى ذلك الضابط وإما أن يفردها بضوابط أخرى حتى آل الأمر ببعض النحاة إلى أن جعل في الباب ثلاثين ضابطا وربما زاد غيره عليها وكل هذا تكلف لا حاجة إليه واسترحت من شر أهر ذا ناب وبابه قاعدة جامعة في الابتداء فإن قلت: فما عندك من الضابط إذا سلكت طريقتهم في ذلك قلت: اسمع الآن قاعدة جامعة في هذا الباب لا يكاد يشذ عنها شيء منه أصل المبتدأ أن يكون معرفة أو مخصوصا بضرب من ضروب التخصيص بوجه تحصل الفائدة من الإخبار عنه فإن انتفت عنه وجوه التخصيص بأجمعها فلا يخبر عنه إلا أن يكون الخبر مجرورا مفيدا معرفة مقدما عليه بهذه الشروط الأربعة لأنه إذا تقدم وكان معرفة صار كأن الحديث عنه وكأن المبتدأ المؤخر خبر عنه ومثال ذلك إذا قلت: على زيد دين فإنك تجد هذا الكلام في قوة قولك زيد مديان أو مدين فمحط الفائدة هو الدين وهو المستفاد من الإخبار فلا تنحس في قيود الأوضاع وتقول على زيد جار ومجرور فكيف يكون مبتدأ فأنت تراه هو المخبر عنه في الحقيقة وليس المقصود الإخبار عن الدين بل عن زيد بأنه مديان وإن كثف ذهنك عن هذا فراجع شروط المبتدأ وشروط الخبر وإن لم يكن الخبر مفيدا لم تفد المسألة شيئا وكان لا فرق بين(2\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "369",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6584",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تقديم الخبر وتأخيره كما إذا قلت: في الدنيا رجل كان في عدم الفائدة بمنزلة قولك رجل في الدنيا فهنا لم تمتنع الفائدة بتقديم ولا تأخير وإنما امتنعت من كون الخبر غير مفيد ومثل هذا قولك في الدار امرأة فإنه كلام مفيد لأنه بمنزلة قولك الدار فيها امرأة فأخبرت عن الدار بحصول المرأة فيها في اللفظ والمعنى فإنك لم ترد الإخبار عن المرأة بأنها في الدار ولو أردت ذلك لحصلت حقيقة المخبر عنه أولا ثم أسندت إليه الخبر وإنما مقصودك الإخبار عن الدار بأنها مشغولة بامرأة وأنها اشتملت على امرأة فهذا القدر هي الذي حسن الإخبار عن النكرة هاهنا فإنها ليست خبرا في الحقيقة وإنما هي في الحقيقة خبر عن المعرفة المتقدمة فهذا حقيقة الكلام وأما تقديره الإعرابي النحوي فهو أن المجرور خبر مقدم والنكرة مرفوعة بالابتداء يشترط للابتداء بالنكرة أن تكون موصوفة فإن قلت: فمن أين امتنع تقديم هذا المبتدأ في اللفظ فلا تقول امرأة في الدار ودين على زيد قلت لأن النكرة تطلب الوصف طلبا حثيثا فيسبق الوهم إلى أن الجار والمجرور وصف لها لا خبر عنها إذ ليس من عادتها الإخبار عنها إلا بعد الوصف لها فيبقى الذهن متطلعا إلى ورود الخبر عليه وقد سبق إلى سمعه ولكن لم يتيقن أنه الخبر بل يجوز أن يكون وصفا فلا تحصل به الفائدة بل يبقى في ألم الانتظار للخبر والترقب له فإذا قدمت الجار والمجرور عليها استحال أن يكون وصفا لها لأنه لا يتقدم موصوفه فذهب وهمه إلى أن الاسم المجرور المقدم هو الخبر والحديث عن النكرة وهو محط الفائدة إذا عرفت هذا فمن التخصصات المسوغة للابتداء بها أن تكون موصوفة نحو: ولعبد مؤمن خير من مشرك أو عامة نحو ما أحد خير من رسول الله وهل أحد عندك ومن ذلك أن تقع في سياق التفضيل نحو قول عمر: quot;تمرة خير من جرادةquot; فإن التفضيل نوع من التخصيص بالعموم إذ ليس المراد واحدة غير معينة من هذا الجنس بل المراد أن هذا الجنس خير من هذا الجنس وأتى بالتاء الدالة على الوحدة إيذانا بأن هذا التفضيل ثابت لكل فرد فرد(2\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "370",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6585",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من أفراد الجنس ومنه تأويل سيبويه في قوله تعالى: طاعة وقول معروف quot;فإنه قدره طاعة أمثل وقول معروف أشبه وأجدر بكم وهذا أحسنquot; من قول بعضهم: أن المسوغ للابتداء بها هاهنا العطف عليها لأن المعطوف عليها موصوف فيصح الابتداء به وإنما كان قول سيبويه أحسن لأن تقييد المعطوف بالصفة لا يقتضي تقييد المعطوف عليه بها ولو قلت طاعة أمثل لساغ ذلك وإن لم يعطف عليها ومنه وقوع النكرة في سياق تفصيل بعد إجمال كما إذا قلت اقسم هذه الثياب بين هؤلاء فثوب لزيد وثوب لعمرو وثوب لبكر فإن النكرة هاهنا تخصصت وتعينت وزال إبهامها وشياعها في جنس الثياب بل تخصصت بتلك الثياب المعينة فكأنك قلت ثوب منها لزيد وثوب منها لعمرو وهذا تقييد وتخصيص ومنه الابتداء بالنكرة إذا لم يكن الكلام خبرا محضا بل فيه معنى التزكية والمدح فمن ذلك قولهم أمت في الحجر لا فيك لأنهم لم يقولوا أمت في الحجر وسكتوا حتى قرنوه بقولهم لا فيك فصار معنى الكلام نسبة الأمت إلى الحجر أقرب من نسبته إليك والأمت بالحجر أليق به منك لأنهم أرادوا تزكية المخاطب ونفي العيب عنه ولم يريدوا الإخبار عن أمت بأنه في الحجر بل هو في حكم النفي عن الحجر وعن المخاطب معا إلا أن نفيه عن المخاطب أوكد وإذا دخل الحديث معنى النفي فلا غرو أن يبتدأ بالنكرة لما فيه من العموم والفائدة قولهم شر أهر ذا ناب ومن هذا قولهم شر أهر ذا ناب وفيه تقديران أحدهما: أنه على الوصف أي شر عظيم أو شر مخوف أهره والثاني: أنه في معنى كلام آخر وهو ما أهر ذا ناب إلا شر أو إنما أهره شر ولا ريب في في صحة المسألة على وجه الفاعلية فهكذا إذا كانت على وجه المبتدأ والخبر الذي في معناه ومنه قولهم شر ما جاء به لأن معنى الكلام ما جاء به إلا شر فأدت ما الزائدة هنا معنى شيئين النفي والإيجاب كما أدته في قولك إنما جاء به شر وفي قوله تعالى: فقليلا ما يؤمنون أي ما يؤمنون إلا قليلا وقليلا ما يذكرون وقوله: فبما(2\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "371",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6586",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نقضهم ميثاقهم لعناهم أي ما لعناهم إلا بنقضهم ميثاقهم ونحو: فبما رحمة من الله لنت لهم أي ما لنت لهم إلا برحمة من الله ولا تسمع قول من يقول من النحاة أن ما زائدة في هذه المواضع فإنه صادر عن عدم تأمل فإن قيل: فمن أين لكم أفادت ما هذه المعنيين المذكورين من النفي والإيجاب وهي لو كانت على حقيقتها من النفي الصريح لم تفد إلا معنى واحد وهو النفي فإذا لم يكن النفي صريحا فيها كيف تفيد معنيين قيل: نحن لم ندع أنها أفادت النفي والإيجاب بمجردها ولكن حصل ذلك منها ومن القرائن المحتفة بها في الكلام أما قولهم شر ما جاء بها فلما انتظمت مع الاسم النكرة والنكرة لا يبتدأ بها فلما قصد إلى تقديمها علم أن فائدة الخبر مخصوصة بها وأكد ذلك التخصيص ب ما فانتفى الأمر عن غير هذا الاسم المبتدأ ولم يكن إلا له حتى صار المخاطب يفهم من هذا ما يفهم من قوله ما جاء به إلا شر واستغنوا هنا ب ما هذه عن ما النافية وبالابتداء بالنكرة عن إلا وأما قولك إنما زيد قائم فقد انتظمت ب أن وامتزجت معها وصارتا كلمة واحدة وأن تعطى الإيجاب الذي تعطيه إلا وما تعطي النفي ولذلك جاز إنما يقوم أنا ولا تكون أنا فاعله إلا إذا فصلت من الفعل ب إلا تقول ما يقوم إلا أنا ولا تقول يقوم أنا فإذا قلت: إنما قام أنا صرت كأنك لفظت ما مع إلا قال: أدافع عن أعراض قومي وإنما ... يدافع عن أعراضهم أنا أو مثلي فإذا عرفت أن زيادتها مع أن واتصالها بها اقتضى هذا النفي والإيجاب فانقل هذا المعنى إلى اتصالها بحرف الجر من قوله: فبما رحمة من الله و فبما نقضهم ميثاقهم وتأمل كيف تجد الفرق بين هذا التركيب وبين أن يقال فبرحمة من الله وفبنقضهم ميثاقهم وإنك تفهم من تركيب الآية ما لنت لهم إلا برحمة من الله وما لعناهم إلا بنقضهم ميثاقهم وكذلك قوله: فقليلا ما يؤمنون دلت على النفي بلفظها وعلى الإيجاب بتقديم ما حقه التأخير من المعمول وارتباط ما به مع تقديم كما قرر في قولهم شر ما جاء به وقد بسطنا هذا في كتاب الفتح المكي وبينا هناك أنه ليس في القرآن حرف(2\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "372",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6587",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "زائد وتكلمنا على كل ما ذكر في ذلك وبينا أن كل لفظة لها فائدة متجددة زائدة على أصل التركيب ولا ينكر جريان القلم إلى هذه الغاية وإن لم يكن من غرضنا فإنها أهم من بعض ما نحن فيه وبصدده فلنرجع إلى المقصود فنقول: الذي صحح الابتداء بالنكرة في سلام عليكم إن المسلم لما كان داعيا وكان الاسم المبتدأ النكرة هو المطلوب بالدعاء صار هو المقصود المهتم به وينزل منزلة قولك اسأل الله سلاما عليكم واطلب من الله سلاما عليك فالسلام نفس مطلوبك ومقصودك ألا ترى أنك لو قلت: اسأل الله عليك سلاما لم يجز وهذا في قوته ومعناه فتأمله فإنه بديع جدا فإن قلت: فإذا كان في قوته فهلا كان منصوبا مثل سقيا ورعيا لأنه في معنى سقاك الله سقيا ورعاك رعيا قلت سيأتي جواب هذا في جواب السؤال العاشر: في الفرق بين سلام إبراهيم وسلام ضيفه إن شاء الله وأيضا فالذي حسن الابتداء بالنكرة هاهنا أنها في حكم الموصوفة لأن المسلم إذا قال سلام عليكم فإنما مراده سلام مني عليك كما قال تعالى: اهبط بسلام منا ألا ترى أن مقصود المسلم إعلام من سلم عليه بأن التحية والسلام منه نفسه لما في ذلك من حصول مقصود السلام من التحيات والتواد والتعاطف فقد عرفت جواب السؤالين لم ابتدئ بالنكرة ولم قدمت على الخبر بخلاف الباب في مثل ذلك والله أعلم. فصل: وأما السؤال السابع: وهو أنه لم كان في جانب المسلم تقديم السلام وفي جانب الراد تقديم المسلم عليه فالجواب عنه: أن في ذلك فوائد عديدة أحدها: الفرق بين الرد والابتداء فإنه لو وقال له في الرد السلام عليكم أو سلام عليكم لم يعرف أهذا رد لسلامه عليه أم ابتداء تحية منه فإذا قال عليك السلام عرف أنه قد رد عليه تحيته ومطلوب المسلم من المسلم عليه أن يرد عليه سلامه ليس مقصوده أن يبدأه بسلام كما ابتدأه به ولهذا السر والله أعلم نهى النبي صلى الله عليه وسلم المسلم عليه وهو أنه لم كان في جانب المسلم تقديم السلام وفي جانب الراد تقديم المسلم عليه فالجواب عنه: أن في ذلك فوائد عديدة أحدها: الفرق بين الرد والابتداء فإنه لو وقال له في الرد السلام عليكم أو سلام عليكم لم يعرف أهذا رد لسلامه عليه أم ابتداء تحية منه فإذا قال عليك السلام عرف أنه قد رد عليه تحيته ومطلوب المسلم من المسلم عليه أن يرد عليه سلامه ليس مقصوده أن يبدأه بسلام كما ابتدأه به ولهذا السر والله أعلم نهى النبي صلى الله عليه وسلم المسلم عليه(2\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "373",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6588",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بقوله عليك السلام عن ذلك فقال: quot;لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الموتى quot; صحيح وسيأتي الكلام على هذا الحديث ومعناه في موضعه أفلا ترى كيف نهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ابتداء السلام بصيغة الرد التي لا تكون إلا بعد تقديم سلام وليس في قوله: quot;فإنها تحية الموتى quot; ما يدل على أن المشروع في تحيات الموتى كذلك كما سنذكره وإذا كانوا قد اعتمدوا الفرق بين سلام المبتدئ وسلام الراد خصوا المبتدئ بتقديم السلام لأنه هو المقصود وخصوا الراد بتقديم الجار والمجرور الفائدة الثانية وهي أن سلام الراد يجري مجرى الجواب ولهذا يكتفي فيه بالكلمة المفردة الدالة على أختها فلو قال وعليك لكان متضمنا للرد كما هو المشروع في الرد على أهل الكتاب مع أنا مأمورون أن نرد على من حيانا بتحية مثل تحيته وهذا من باب العدل الواجب لكل أحد فدل على أن قول الراد وعليك مماثل لقول المسلم سلام عليك لكن اعتمد في حق المسلم إعادة اللفظ الأول بعينه تحقيقا للمماثلة ودفعا لتوهم المسلم عدم رده عليه لاحتمال أن يريد عليك شيئا آخر وأما أهل الكتاب فلما كانوا يحرفوا السلام ولا يعدلون فيه وربما سلموا سلاما صحيحا غير محرف ويشتبه الأمر في ذلك على الراد ندب إلى اللفظ المفرد المتضمن لرده عليهم نظير ما قالوه ولم تشرع له الجملة التامة لأنها إما أن تتضمن من التحريف مثل ما قالوا ولا يليق بالمسلم تحريف السلام الذي هو تحية أهل السلام ولا سيما وهو ذكر الله كما تقدم لأجل تحريف الكافر له وإما أن يرد سلاما صحيحا غير محرف مع كون المسلم محرفا للسلام فلا يستحق الرد الصحيح فكان العدول إلى المفرد وهو عليك هو مقتضى العدل والحكمة مع سلامته من تحريف ذكر الله فتأمل هذه الفائدة البديعة والمقصود أن الجواب يكفي فيه قولك وعليك وإنما كمل تكميلا للعدل وقطعا للتوهم الفائدة الثالثة: وهي أقوى مما تقدم أن المسلم لما تضمن سلامة الدعاء للمسلم عليه بوقوع السلامة عليه وحلولها عليه وكان الرد متضمنا لطلب أن يحل عليه من ذلك مثل ما دعا به فإنه إذا قال(2\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "374",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6589",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعليك السلام كان معناه وعليك من ذلك مثل ما طلبت لي كما إذا قال غفر الله تعالى لك فإنك تقول له ولك يغفر ويكون هذا أحسن من قولك وغفر لك وكذا إذا قال رحمة الله عليك تقول وعليك وإذا قال عفا الله عنك تقول وعنك وكذلك نظائره لأن تجريد القصد إلى مشاركة المدعو له للداعي في ذلك الدعاء لا إلى إنشاء دعاء مثل ما دعا به فكأنه قال ولك أيضا وعنك أيضا أي وأنت مشارك لي في ذلك مماثل لي فيه لا أنفرد به عنك ولا أختص به دونك ولا ريب أن هذا المعنى يستدعي تقديم المشارك المساوي فتأمله. فصل: وأما السؤال الثامن: وهو ما الحكمة في ابتداء السلام بلفظ النكرة وجوابه بلفظ المعرفة فتقول سلام عليكم فيقول الراد وعليك السلام فهذا سؤال يتضمن لمسألتين إحداهما: هذه والثانية: اختصاص النكرة بابتداء المكاتبة والمعرفة بآخرها والجواب عنها بذكر أصل نمهده ترجع إليه مواقع التعريف والتنكير في السلام وهو أن السلام دعاء وطلب وهم في ألفاظ الدعاء والطلب إنما يأتون بالنكرة إما مرفوعة على الابتداء أو منصوبة على المصدر فمن الأول: ويل له ومن الثاني: خيبة له وجدعا وعقرا وتربا وجندلا وهذا في الدعاء عليه وفي الدعاء له سقيا ورعيا وكرامة ومسرة فجاء سلام عليكم بلفظ النكرة كما جاء سائر ألفاظ الدعاء وسر ذلك أن هذه الألفاظ جرت مجرى النطق بالفعل ألا ترى أن سقيا ورعيا وخيبة جرى مجرى سقاك الله ورعاك وكذلك سلام عليك جار مجرى سلمك الله والفعل نكرة فأحبوا أن يجعلوا اللفظ الذي هو جار مجراه وكالبدل منه نكرة مثله وأما تعريف السلام في جانب الراد فنذكر أيضا أصلا يعرف به سره وحكمته وهو أن الألف واللام إذا دخلت على اسم(2\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "375",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6590",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السلام تضمنت أربع فوائد إحداها الإشعار بذكر الله تعالى لأن السلام المعرف من أسمائه كما تقدم تقريره الفائدة الثانية: إشعارها بطلب معنى السلامة منه للمسلم عليه لأنك متى ذكرت اسما من أسمائه فقد تعرضت به وتوسلت به إلى تحصيل المعنى الذي اشتق منه ذلك الاسم الفائدة الثالثة: إن الألف واللام يلحقها معنى العموم في مصحوبها والشمول فيه في بعض المواضع الفائدة الرابعة: أنها تقوم مقام الإشارة إلى المعين كما تقول: ناولني الكتاب واسقني الماء وأعطني الثوب لما هو حاضر بين يديك فإنك تستغني بها عن قولك هذا فهي مؤدية معنى الإشارة وإذا عرفت هذه الفوائد الأربع فقول الراد وعليك السلام بالتعريف متضمن للدلالة على أن مقصوده من الرد مثل ما ابتدئ به وهو هو بعينه فكأنه قال ذلك السلام الذي طلبته لي مردود عليك وواقع عليك فلو أتى بالرد منكرا لم يكن فيه إشعار بذلك لأن المعرف وإن تعدد ذكره واتحد لفظه فهو شيء واحد بخلاف المنكر ومن فهم هذا فهم معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم quot;لن يغلب عسر يسرين quot; مرسل وله طرق تعضده فإنه أشار إلى قوله تعالى: فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا فالعسر وإن تكرر مرتين فتكرر بلفظ المعرفة فهو واحد واليسر تكرر بلفظ النكرة فهو يسران فالعسر محفوف بيسرين يسر قبله ويسر بعده فلن يغلب عسر يسرين وفائدة ثانية: وهي أن مقامات رد السلام ثلاثة مقام فضل ومقام عدل ومقام ظلم فالفضل أن يرد عليه أحسن من تحيته والعدل أن ترد عليه نظيرها والظلم أن تبخسه حقه وتنقصه منها فاختير للراد أكمل اللفظين وهو المعرف بالأداة التي تكون للاستغراق والعموم كثيرا ليتمكن من الإتيان بمقام الفضل وفائدة ثالثة: وهي أنه قد تقدم أن المناسب في حقه تقديم المسلم عليه على السلام فلو نكره وقال عليك سلام لصار بمنزلة قولك عليك دين وفي الدار رجل فخرجه مخرج الخبر المحض وإذا صار خبرا بطل معنى التحية لأن معناها الدعاء والطلب فليس بمسلم من قال عليك سلام إنما المسلم من قال سلام عليك فعرف سلام الراد باللام إشعارا بالدعاء للمخاطب(2\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "376",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6591",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأنه راد عليه التحية طالب له السلامة من اسم السلام والله أعلم. فصل: وأما المسألة الثانية: وهي ابتداء السلام في المكاتبة بالنكرة واختتامها بالمعرفة فابتداؤها بالنكرة كما تقدم في ابتداء السلام النطقي بها سواء فإن المكاتبة قائمة مقام النطق وأما تعريفه في آخر المكاتبة ففيه ثلاث فوائد أحدها: أن السلام الأول قد وقع الأنس بينهما به وهو مؤذن بسلامه عليه خصوصا فكأنه قال سلام مني عليك كما تقدم وهذا أيضا من فوائد تنكر السلام الابتدائي للإيذان بأنه سلام مخصوص من المسلم فلما استقر ذلك وعلم في صدر الكتاب كان الأحسن أن يسلم عليه سلاما وهو أعم من الأول لئلا يبقى تكرارا محضا بل يأتي بلفظ يجمع سلامه وسلام غيره فيكون قد جمع له بين السلامين الخاص منه والعام منه ومن غيره ولهذه الفائدة استحسنوا أن يكون قول الكاتب وفلان يقرئك السلام وفلان في آخر المكاتبة بعد والسلام عليك لهذا الغرض الفائدة الثانية: أنه قد تقدم أن السلام المعرف اسم من أسماء الله وقد افتتح الكاتب رسالته بذكر الله فناسب أن يختمها باسم من أسمائه وهو السلام ليكون اسمه تعالى في أول الكتاب وآخره وهذه فائدة بديعة الفائدة الثالثة: ب ديعة جدا وهي جواب السؤال التاسع بعد هذا وهي أن دخول الواو العاطفة في قول الكاتب والسلام عليكم ورحمة الله فيها وجهان أحدهما: قول ابن قتيبة: أنها عطف على السلام المبدوء به فكأنه قال والسلام المتقدم عليكم. والقول الثاني: إنها لعطف فصول الكتاب بعضه على بعض فهي عطف لجملة السلام على ما قبلها من الجمل كما تدخل الواو في تضاعيف الفصول. وهذا أحسن من قول ابن قتيبة لوجوه منها: أن الكلام بين السلامين قد طال فعطف آخره بعد طوله على أوله قبيح غير مفهوم من السياق الوجه الثاني: أنه إذا حمله(2\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "377",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6592",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على ذلك كان السلام الثاني هو الأول بعينه فلم يفد فائدة متجددة وفي ذلك شح بسلام متجدد وإخلال بمقاصد المتكاتبين من تعداد الجمل والفصول واقتضاء كل جمله لفائدة غير الفائدة المتقدمة حتى أن قارئ الكتاب كلما قرأ جمله منها لفائدة غير الفائدة المتقدمة تطلعت نوازع قلبه إلى استفادة ما بعدها فإذا كررت له فائدة واحدة مرتين سئمتها نفسه فكان اللائق بهذا المقصود أن يجدد له سلاما غير الأول يسره به كما سره بالأول وهو السلام العام الشامل ولما فرغ الكاتب من فصول كتابه وختمها أتى بالواو العاطفة مع السلام المعرف فقال: والسلام عليكم أي وبعد هذا كله السلام عليكم وقد تقدم أن السلام إذا انبنى على اسم مجرور قبله وكان سلام رد لا ابتداء فإنه يكون معرفا نحو وعليك السلام ولما كان سلام المكاتب هاهنا ليس بسلام رد قدم السلام على المجرور فقال والسلام عليكم وأتى باللام لتفيد تجديد سلام آخر والله تعالى أعلم وهذه فصاحة غريبة وحكمة سلفية موروثة عن سلف الأمة وعن الصحابة في مكاتباتهم وهكذا كانوا يكتبون إلى نبيهم صلوات الله وسلامه عليه وقد فرغنا من جواب السؤال التاسع المتعلق بواو العطف. فصل: وأما السؤال العاشر: وهو السر في نصب سلام ضيف إبراهيم الملائكة ورفع سلامه فالجواب: أنك قد عرفت قول النحاة فيه أن سلام الملائكة تضمن جملة فعلية لأن نصب السلام يدل على سلمنا عليك سلاما وسلام إبراهيم تضمن جملة اسمية لأن رفعه يدل على أن المعنى سلام عليكم والجملة الاسمية تدل على الثبوت والتقرر والفعلية تدل على الحدوث والتجدد فكان سلامه عليهم أكمل من سلامهم عليه وكان له من مقامات الرد ما يليق بمنصبه صلى الله عليه وسلم وهو مقام الفضل إذ حياهم بأحسن من تحيتهم هذا تقرير ما قالوه(2\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "378",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6593",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعندي فيه جواب أحسن من هذا وهو أنه لم يقصد حكاية سلام الملائكة فنصب قوله سلاما مفعول القول المفرد كأنه قيل قالوا قولا سلاما وقالوا سدادا وصوابا ونحو ذلك فإن القول إنما تحكي به الجمل وأما المفرد فلا يكون محكيا به بل منصوب به انتصاب المفعول به ومن هذا قوله تعالى: وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ليس المراد أنهم قالوا هذا اللفظ المفرد المنصوب وإنما معناه قالوا قولا سلاما مثل سدادا وصوابا وسمي القول سلاما لأنه يؤدي معنى السلام ويتضمنه من رفع الوحشة وحصول الإستئناس وحكى عن إبراهيم لفظ سلامه فأتى به على لفظه مرفوعا بالابتداء محكيا بالقول ولولا قصد الحكاية لقال سلاما بالنصب لأن ما بعد القول إذا كان مرفوعا فعلى الحكاية ليس إلا فحصل من الفرق بين الكلامين في حكاية سلام إبراهيم ورفعه ونصب ذلك إشارة إلى معنى لطيف جدا وهو أن قوله سلام عليكم من دين الإسلام المتلقي عن إمام الحنفاء وأبي الأنبياء وأنه من ملة إبراهيم التي أمر الله بها وباتباعها فحكى لنا قوله ليحصل الإقتداء به والإتباع له ولم يحك قول أضيافه وإنما أخبر به على الجملة دون التفصيل والله أعلم فزن هذا الجواب والذي قبله بميزان غير جائر يظهر لك أقواهما وبالله التوفيق. فصل: وأما السؤال الحادي عشر: وهو نصب السلام من قوله تعالى: وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ورفعه في قوله حكاية عن مؤمني أهل الكتاب سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين فالجواب عنه أن الله سبحانه مدح عباده الذين ذكرهم في هذه الآيات بأحسن أوصافهم وأعمالهم فقال: وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما فسلاما هنا صفة لمصدر محذوف(2\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "379",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6594",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فضحه به فالرب تعالى يستره والشيطان يجهد في كشف ستره وفضيحته فيغتر العبد ويقول هذا ذنب لم يره إلا الله تعالى ولم يشعر بأن عدوه ساع في إذاعته وفضيحته وقل من يتفطن من الناس لهذه الدقيقة ومن شره أنه إذا نام العبد عقد على رأسه عقدا تمنعه من اليقظة كما في صحيح البخاري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot;ويعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقدة يضرب على كل عقدة مكانها عليك ليل طويل فارقد فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقده فإن توضأ انحلت عقدة فإن صلى انحلت عقدة كلها فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان quot; رواه البخاري ومسلم ومن شره أن يبول في أذن العبد حتى ينام إلى الصباح كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر عنده رجل نام ليله حتى أصبح قال: quot;ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه أو قال في أذنيهquot; رواه البخاري رواه البخاري ومن شره أنه قعد لابن آدم بطرق الخير كلها فما من طريق من طرق الخير إلا والشيطان مرصد عليه يمنعه بجهده أن يسلكه فإن خالفه وسلكه ثبطه فيه وعوقه وشوش عليه بالمعارضات والقواطع فإن عمله وفرغ منه قيض له ما يبطل أثره ويرده على حافرته ويكفي من شره أنه أقسم بالله ليقعدن لبني آدم صراطه المستقيم وأقسم ليأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولقد بلغ شره أن أعمل المكيدة وبالغ في الحيلة حتى أخرج آدم من الجنة ثم لم يكفه ذلك حتى استقطع من أولاده شرطة النار من كل ألف وتسعة وتسعين ثم لم يكفه ذلك حتى أعمل الحيلة في إبطال دعوة الله من الأرض وقصد أن تكون الدعوة له وأن يعبد من دون الله فهو ساع بأقصى جهده على إطفاء نور الله وإبطال دعوته وإقامة دعوة الكفر والشرك ومحو التوحيد وأعلامه من الأرض ويكفي من شره أنه تصدى لإبراهيم خليل الرحمن حتى رماه قومه بالمنجنيق في النار فرد الله تعالى كيده عليه وجعل النار على خليله بردا وسلاما وتصدى للمسيح صلى الله عليه وسلم حتى أراد اليهود قتله وصلبه فرد الله كيده وصان المسيح ورفعه إليه وتصدى لزكريا ويحيى(2\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "380",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6595",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا نبتغي الجاهلين فإنها وصف لطائفة من مؤمني أهل الكتاب قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة المكرمة فآمنوا به فغيرهم المشركون وقالوا: قبحتم من وفد بعثكم قومكم لتعلموا خبر الرجل ففارقتم دينكم وتبعتموه ورغبتم عن دين قومكم فأخبر عنهم بأنهم خاطبوهم خطاب متاركة وإعراض وهجر جميل فقالوا: لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين وكان رفع السلام متعينا لأنه حكاية ما قد وقع ونصب السلام في آية الفرقان متعينا لأنه تعليم وإرشاد لما هو الأكمل والأولى للمؤمن أن يعتمده إذا خاطبه الجاهل فتأمل هذه الأسرار التي أدناها يساوي رحلة والله تعالى المحمود وحده على ما من به وأنعم. وهي المواهب من رب العباد فما ... يقال لولا ولا هلا ولا فلما فصل: وأما السؤال الثاني عشر: وهو ما الحكمة في تسليم الله على أنبيائه ورسله والسلام هو طلب ودعاء فكيف يتصور من الله فهذا سؤال له شأن ينبغي الاعتناء به ولا يهمل أمره وقل من يدرك سره إلا من رزقه الله فهما خاصا وعناية وليس هذا من شأن أبناء الزمان الذين غاية فاضلهم نقلا أن يحكي قيلا وقالا وغاية فاضلهم بحثا أن يبدي احتمالا ويبرز إشكالا وأما تحقيق العلم كما ينبغي. فللحروب أناس قائمون بها ... وللدواوين كتاب وحساب وقد كان الأولى بنا الإمساك وكف عنان القلم وأن نجري معهم في ميدانهم ونخاطبهم بما يألفونه وأن لا نجلوا عرائس المعاني على ضرير ولا نزف خودها إلى عنين ولكن هذه سلعة وبضاعة لها طلا وعروس لها خطاب فستصير إلى أهلها وتهدي إلى بعلها ولا تستطل الخطابة فإنها نفثة مصدور فلنرجع إلى المقصود فنقول لا ريب أن الطلب يتضمن أمورا ثلاثة طالبا ومطلوبا ومطلوبا منه ولا تتقوم حقيقته إلا بهذه الأركان الثلاثة وتغاير هذه ظاهر إذا كان الطالب يطلب شيئا من غيره كما هو الطلب المعروف مثل من يأمر غيره وينهاه ويستفهمه وأما إذا كان طالبا من نفسه فهنا يكون الطالب هو المطلوب منه ولم يكن هنا إلا ركنان طالب ومطلوب والمطلوب منه هو الطالب نفسه فإن قيل: كيف يعقل اتحاد الطالب والمطلوب منه(2\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "381",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6596",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهما حقيقتان متغايرتان فكما لا يتحد المطلوب والمطلوب منه ولا المطلوب والطالب فكذلك لا يتحد الطالب والمطلوب منه فكيف يعقل طلب الإنسان من نفسه قيل هذا هو الذي أوجب غموض المسألة وإشكالها ولا بد من كشفه وبيانه فنقول الفرق بين الإرادة والطلب الطلب من باب الإرادات والمريد كما يريد من غيره أن يفعل شيئا فكذلك يريد من نفسه هو أن يفعله والطلب النفسي وإن لم يكن الإرادة فهو أخص منها والإرادة كالجنس له فكما يعقل أن يكون المريد يريد من نفسه فكذلك يطلب من نفسه وللفرق بين الطلب والإرادة وما قيل في ذلك مكان غير هذا والمقصود أن طلب الحي من نفسه أمر معقول يعلمه كل أحد من نفسه وأيضا فمن المعلوم أن الإنسان يكون آمرا لنفسه ناهيا لنفسه قال تعالى: إن النفس لأمارة بالسوء وقال: وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى وقال الشاعر: لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم وهذا أكثر من إيراد شواهده فإذا كان معقولا أن الإنسان يأمر نفسه وينهاها والأمر والنهي طلب مع أن فوقه آمرا وناهيا فكيف يستحيل ممن لا آمر فوقه ولا ناه أن يطلب من نفسه فعل ما يحبه وترك ما يبغضه وإذا عرف هذا عرف سر سلامه تبارك وتعالى على أنبيائه ورسله وأنه طلب من نفسه لهم السلامة فإن لم يتسع لهذا ذهنك فسأزيدك إيضاحا وبيانا وهو أنه قد أخبر سبحانه في كتابه أنه كتب على نفسه الرحمة وهذا إيجاب منه على نفسه فهو الموجب وهو متعلق الإيجاب الذي أوجبه فأوجب بنفسه على نفسه وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بما يوضحه كل الإيضاح ويكشف حقيقته بقوله في الحديث الصحيح: quot;لما قضى الله الخلق بيده على نفسه في كتاب فهو موضوع عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي: وفي لفظ quot;سبقت غضبيquot; رواه البخاري ومسلم والترمذي فتأمل: كيف أكد هذا الطلب والإيجاب(2\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "382",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6597",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بذكر فعل الكتاب وصفة اليد ومحل الكتابة وأنه كتاب وذكر مستقر الكتاب وأنه عنده فوق العرش فهذا إيجاب مؤكد بأنواع من التأكيد وهو إيجاب منه على نفسه ومنه قوله تعالى: وكان حقا علينا نصر المؤمنين فهذا حق أحقه على نفسه فهو طلب وإيجاب على نفسه بلفظ الحق ولفظ على ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لمعاذ quot; أتدري ما حق الله على عباده قلت: الله ورسوله أعلم قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك قلت: الله ورسوله أعلم قال: حقهم عليه أن لا يعذبهم بالنار quot; رواه البخاري ومسلم ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: في غير حديث quot;من فعل كذا وكذا كان حقا على الله أن يفعل به كذا وكذاquot; في الوعد والوعيد فهذا الحق هو الذي أحقه على نفسه ومنه الحديث الذي في المسند من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الماشي إلى الصلاة quot;أسألك بحق ممشاي هذا وبحق السائلين عليكquot; فهذا حق للسائلين عليه هو أحقه على نفسه لا أنهم هم أوجبوه ولا أحقوه بل أحق على نفسه أن يجيب من سأله كما أحق على نفسه في حديث معاذ أن لا يعذب من عبده فحق السائلين عليه أن يجيبهم وحق العابدين له أن يثيبهم والحقان هو الذي أحقهما وأوجبهما لا السائلون ولا العابدون بل هو سبحانه. ما للعباد عليه حق واجب ... كل ولا سعي لديه ضائع إن عذبوا فبعدله أو نعموا ... فبفضله وهو الكريم الواسع ومنه قوله تعالى: وعدا عليه حقا في التوراة والأنجيل والقرآن فهذا الوعد هو الحق الذي أحقه على نفسه وأوجبه ونظير هذا ما أخبر به سبحانه من قسمه ليفعلنه نحو: فوربك لنسألنهم أجمعين وقوله: فوربك لنحشرنهم والشياطين وقوله: نهلكن الظالمين وقوله: قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين وقوله: فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار وقوله: فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين إلى أمثال ذلك مما أخبر أن يفعله إخبارا مؤكدا(2\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "383",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6598",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالقسم والقسم في مثل هذا يقتضي الحض والمنع بخلاف القسم على ما فعله تعالى مثل قوله: يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين والقسم على ثبوت ما ينكره المكذبون فإنه توكيد للخبر وهو من باب القسم المتضمن للتصديق ولهذا يقول الفقهاء اليمين ما اقتضى حقا أو منعا أو تصديقا أو تكذيبا فالقسم الذي يقتضي الحض والمنع هو من باب الطلب لأن الحض والمنع طلب ومن هذا ما أخبر به لا بد أن يفعله لسبق كلماته به كقوله: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون وقوله: وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين وقوله: ولولا كلمة سبقت من ربك فهذا إخبار عما يفعله ويتركه أنه لسبق كلمته به فلا يتغير ومن هذا تحريمه سبحانه ما حرمه على نفسه كقوله فيما يرويه عن رسوله صلى الله علي: quot; يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما quot; رواه مسلم والترمذي فهذا التحريم نظير ذلك الإيجاب ولا يلتفت إلى ما قيل في ذلك من التأويلات الباطلة فإن الناظر في سياق هذه المواضع ومقصودها به يجزم ببعد المراد منها كقول بعضهم إن معنى الإيجاب والكتاب في ذلك كله هو إخباره به ومعنى كتب ربكم على نفسه الرحمة أخبر بها عن نفسه وقوله: quot;حرمت الظلم على نفسيquot; أي أخبرت أنه لا يكون ونحو ذلك مما يتيقن المرء أنه ليس هو المراد بالتحريم بل الإخبار هاهنا هو الإخبار بتحريمه وإيجابه على نفسه فمتعلق الخبر هو التحريم والإيجاب ولا يجوز إلغاء متعلق الخبر فإنه يتضمن إبطال الخبر ولهذا إذا قال القائل: أوجبت على نفسي صوما فإن متعلقه وجوب الصوم على نفسه فإذا قيل: إن معناه أخبرت بأني أصوم كان ذلك إلغاء وإبطالا لمقصود الخبر فتأمله وإذا كان معقولا من الإنسان أنه يوجب على نفسه ويحرم ويأمرها وينهاها مع كونه تحت أمر غيره ونهيه فالآمر الناهي الذي ليس فوقه آمر ولا ناه كيف يمتنع في حقه أن(2\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "384",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6599",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يحرم على نفسه ويكتب على نفسه وكتابته على نفسه سبحانه تستلزم إرادته لما كتبه ومحبته له ورضاه به وتحريمه على نفسه يستلزم بغضه لما حرمه وكراهته له وإرادة أن لا يفعله فإن محبته للفعل تقتضي وقوعه منه وكراهته لأن يفعله تمنع وقوعه منه وهذا غير ما يحبه سبحانه من أفعال عباده ويكرهه فإن محبة ذلك منهم لا تستلزم وقوعه وكراهته منهم لا تمنع وقوعه ففرق بين فعله هو سبحانه وبين فعل عباده الذي يقع مع كراهته وبغضه له ويتخلف مع محبته له ورضاه به بخلاف فعله هو سبحانه فهذا نوع وذاك نوع فتدبر هذا الموضع الذي هو منزلة أقدام الأولين والآخرين إلا من عصم الله وهداه إلى صراط مستقيم وتأمل أين تكون محبته وكراهته موجبة لوجود الفعل ومانعة من وقوعه وأين تكون المحبة منه والكراهة لا توجب وجود الفعل ولا تمنع وقوعه ونكتة المسألة هي الفرق بين ما يريد أن يفعله هو سبحانه وما لا يريد أن يفعله وبين ما يحبه من عبده أن يفعله العبد أو لا يفعله ومن حقق هذا المقام زالت عنه شبهات ارتبكت فيها طوائف من النظار والمتكلمين والله الهادي إلى سواء السبيل واعلم أن الناس في هذا المقام ثلاث طوائف فطائفة منعت أن يجب عليه شيء أو يحرم عليه شيء بإيجابه وتحريمه وهم كثير من مثبتي القدر الذين ردوا أقوال القدرية النفاة وقابلوهم أعظم مقابلة نفوا لأجلها الحكم والأسباب والتعليل وأن يكون العبد فاعلا أو مختارا الطائفة الثانية بإزاء هؤلاء أوجبوا على الرب وحرموا أشياء بعقولهم جعلوها شريعة له يجب عليه مراعاتها من غير أن يوجبها هو على نفسه ولا حرمها وأوجبوا عليه من جنس ما يجب على العباد وحرموا عليه من جنس ما يحرم عليهم ولذلك كانوا مشبهة في الأفعال والمعتزلة منهم جمعوا بين الباطلين تعطيل صفاته وجحد نعوت كماله والتشبيه له بخلقه فيما أوجبوه عليه وحرموه فشبهوا في أفعاله وعطلوا في صفات كماله فجحدوا بعض ما وصف به نفسه من صفات الكمال وسموه توحيدا وشبهوه بخلقه فيما يحسن منهم ويقبح من الأفعال وسموا ذلك عدلا وقالوا نحن أهل العدل والتوحيد فعدلهم إنكار قدرته ومشيئته العامة الشاملة التي لا يخرج(2\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "385",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6600",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنها شيء من الموجودات ذواتها وصفاتها وأفعالها وتوحيدهم إلحادهم في أسمائه الحسنى وتحريف معانيها عما هي عليه فكان توحيدهم في الحقيقة تعطيلا وعدلهم شركا وهذا مقرر في موضعه والمقصود أن هذه الطائفة مشبهة في الأفعال معطلة في الصفات وهدى الله الأمة الوسط لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فلم يقيسوه بخلقه ولم يشبهوه بهم في شيء من صفاته ولا أفعاله ولم ينفوا ما أثبته لنفسه من ذلك ولم يوجبوا عليه شيئا ولم يحرموا عليه شيئا بل أخبروا عنه بما أخبر عن نفسه وشهدت قلوبهم ما في ضمن ذلك الإيجاب والتحريم من الحكم والغايات المحمودة التي يستحق عليها كمال الحمد والثناء فإن العباد لا يحصون ثناء عليه أبدا بل هو كما أثنى على نفسه وهذا بين بحمد الله عند أهل العلم والإيمان مستقر في فطرهم ثابت في قلوبهم يشهدون انحراف المنحرفين في الطرفين وهم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء بل هم إلى الله تعالى ورسوله متحيزون وإلى محض سنته منتسبون يدينون دين الحق أنى توجهت ركائبه ويستقرون معه حيث استقرت مضاربه لا تستفزهم بدوات آراء المختلفين ولا تزلزلهم شبهات المبطلين فهم الحكام على أرباب المقالات والمميزون لما فيها من الحق والشبهات يردون على كل باطلة ويوافقونه فيما معه في الحق فهم في الحق سلمه وفي الباطل حربه لا يميلون مع طائفة على طائفة ولا يجحدون حقها لما قالته من باطل سواه بل هم ممتثلون قول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون المائدة 8 فإذا كان قد نهى عباده أن يحملهم بغضهم لأعدائه أن لا يعدلوا عليهم مع ظهور عداوتهم ومخالفتهم وتكذيبهم لله ورسوله فكيف يسوغ لمن يدعي الإيمان أن يحلمه بغضه لطائفة منتسبة إلى الرسول تصيب وتخطيء على أن لا يعدل فيهم بل يجرد لهم العداوة وأنواع الأذى ولعله لا يدري أنهم أولى بالله ورسوله وما(2\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "386",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6601",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جاء به منه علما وعملا ودعوة إلى الله على بصيرة وصبرا من قومهم على الأذى في الله وإقامة لحجة الله ومعذرة لمن خالفهم بالجهل لا كمن نصب معالمه صادرة عن آراء الرجال فدعا إليها وعاقب عليها وعادى من خالفها بالعصبية وحمية الجاهلية والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به وليكن هذا تمام الكلام في هذا السؤال فقد تعدينا به طوره وإن لم نقدره قدره. فصل: وأما السؤال الثالث عشر: وهو ما السر في كونه سلم عليهم بلفظ النكرة وشرع لعباده أن يسلموا على رسوله بلفظ المعرفة وكذلك تسليمهم على نفوسهم وعلى عباده الصالحين فقد تقدم بيان الحكمة في كون السلام ابتداء بلفظ النكرة ونزيد هنا فائدة أخرى وهي أنه قد تقدم أن في دخول اللام في السلام أربعة فوائد وهذا المقام مستغن عنها لأن المتكلم بالسلام هو الله تعالى فلم يقصد تبركا بذكر الاسم كما يقصد العبد فإن التبرك استدعاء البركة واستجلابها والعبد هو الذي يقصد ذلك ولا قصد أيضا تعرضا وطلبا على ما يقصده العبد ولا قصد العموم وهو أيضا غير لائق هنا لأن سلاما منه سبحانه كاف من كل سلام ومغن عن كل تحية ومقرب من كل أمنية فأدنى سلام منه ولا أدنى هناك يستغرق الوصف ويتم النعمة ويدفع البؤس ويطيب الحياة ويقطع مواد العطب والهلاك فلم يكن لذكر الألف واللام هناك معنى وتأمل قوله تعالى: وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر كيف جاء بالرضوان مبتدأ منكرا مخبرا عنه بأنه أكبر من كل ما وعدوا به فأيسر شيء من رضوانه أكبر الجنات وما فيها من المساكن الطيبة وما حوته ولهذا لما يتجلى لأوليائه في جنات عدن ويمنيهم أي(2\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "387",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6602",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شيء يريدون فيقولون ربنا وأي شيء نريد أفضل مما أعطيتنا فيقول تبارك وتعالى: quot;إن لكم عندي أفضل من ذلك أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداquot; وقد بان بهذا الفرق بين سلام الله على رسله وعباده وبين سلام العباد عليهم فإن سلام العباد لما كان متضمنا لفوائد الألف واللام التي تقدمت من قصد التبرك باسمه السلام والإشارة إلى طلب السلام له وسؤالها من الله باسم السلام وقصد عموم السلام كان الأحسن في حق المسلم على الرسول أن يقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وإن كان قد ورد سلام عليك فالمعرفة أكثر وأصح وأتم معنى فلا ينبغي العدول عنه ويشح في هذا المقام بالألف واللام والله أعلم. فصل: وقد عرفت بهذا جواب السؤال الرابع عشر وهو ما الحكمة في تسليم الله تعالى على يحيى بلفظ النكرة وتسليم المسيح على نفسه بلفظ المعرفة لا ما يقوله من لا تحصيل له أن سلام يحيى جرى مجرى ابتداء السلام في الرسالة والمكاتبة فنكر وسلام المسيح جرى مجرى السلام في آخر المكاتبة فعرف فإن السورة كالقصة الواحدة ولا يخفى فساد هذا الفرق فإنهما سلامان متغايران من مسلمين أحدهما: سلام الله تعالى على عباده والثاني: سلام العبد على نفسه فكيف يبني أحدهما على الآخر وكذلك قول من قال: إن الثاني عرف لتقدم ذكره في اللفظ فكانت الألف واللام فيه للعهد وهذا أقرب من الأول لإمكان أن يكون المسيح أشار إلى السلام الذي سلمه الله على يحيى فأراد أن لي من السلام في مثل هذه المواطن الثلاثة مثل ما حصل له والله أعلم.(2\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "388",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6603",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: وأما السؤال الخامس عشر: وهو ما الحكمة في تقييد السلام في قصتي يحيى والمسيح صلوات الله عليهما بهذه الأوقات الثلاثة فسره والله أعلم أن طلب السلامة يتأكد في المواضع التي هي مظان العطب ومواطن الوحشة وكلما كان الموضع مظنة ذلك تأكد طلب السلامة وتعلقت بها الهمة فذكرت هذه المواطن الثلاثة لأن السلامة فيها آكد وطلبها أهم والنفس عليها أحرص لأن العبد فيها قد انتقل من دار كان مستقرا فيها موطن النفس على صحبتها وسكناها إلى دار هو فيها معرض للآفات والمحن والبلاء فإن الجنين من حين خرج إلى هذه الدار انتصب لبلائها وشدائدها ولأوائها ومحنها وأفكارها كما أفصح الشاعر بهذا المعنى حيث يقول: تأمل بكاء الطفل عند خروجه ... إلى هذه الدنيا إذا هو يولد تجد تحته سرا عجيبا كأنه ... بكل الذي يلقاه منه مهدد وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأوسع مما كان فيه وأرغد ولهذا من حين خرج ابتدرته طعنة الشيطان في خاصرته فبكى لذلك ولما حصل له من الوحشة بفراق وطنه الأول وهو الذي أدركه الأطباء والطبائعيون وأما ما أخبر به الرسول فليس في صناعتهم ما يدل عليه كما ليس فيها ما ينفيه فكان طلب السلامة في هذه المواطن من آكد الأمور الموطن الثاني خروجه من هذه الدار إلى دار البرزخ عند الموت ونسبة الدنيا إلى تلك الدار كنسبة داره في بطن أمه إلى الدنيا تقريبا وتمثيلا وإلا فالأمر أعظم من ذلك وأكبر وطلب السلامة أيضا عند انتقاله إلى تلك الدار من أهم الأمور الموطن الثالث موطن يوم القيامة يوم يبعث الله تعالى الأحياء ولا نسبة لما قبله من الدور إليه وطلب السلامة فيه آكد من جميع ما قبله فإن عطبه لا يستدرك وعثرته لا تقال وسقمه لا يداوى وفقره لا يسد فتأمل(2\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "389",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6604",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كيف خص هذه المواطن بالسلام لشدة الحاجة إلى السلامة فيها واعرف قدر القرآن وما تضمنه من الأسرار وكنوز العلم والمعارف التي عجزت عقول الخلائق عن إحصاء عشر معشارها وتأمل ما في السلام مع الزيادة على السلامة من الأنس وذهاب الوحشة ثم نزل ذلك على الوحشة الحاصلة للعبد في هذه المواطن الثلاثة عند خروجه إلى عالم الإبتلاء وعند معاينته هول المطلع إذا قدم على الله وحيدا مجردا عن كل مؤنس إلا ما قدمه من صالح عمل وعند موافاته القيامة مع الجمع الأعظم ليصير إلى إحدى الدارين التي خلق لها واستعمل بعمل أهلها فأي موطن أحق بطلب السلامة من هذه المواطن فنسأل الله السلامة فيها بمنه وكرمه ولطفه وجوده وإحسانه. فصل: وأما السؤال السادس عشر: وهو ما الحكمة في تسليم النبي صلى الله عليه وسلم على من اتبع الهدى في كتابه إلى هرقل بلفظ النكرة وتسليم موسى عليهم بلفظ المعرفة فالجواب عنه أن تسليم النبي صلى الله عليه وسلم تسليم ابتدائي ولهذا صدر به الكتاب حيث قال من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى ففي تنكيره ما في تنكير سلام من الحكمة وقد تقدم بيانها وأما قول موسى والسلام على من اتبع الهدى فليس بسلام تحية فإنه لم يبتدئ به فرعون بل هو خبر محض فإن من اتبع الهدى له السلام المطلق دون من خالفه فإنه قال له: فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى أفلا ترى أن هذا ليس بتحية في ابتداء الكلام ولا خاتمته وإنما وقع متوسطا بين الكلامين إخبارا محضا عن وقوع السلامة وحلولها على من اتبع الهدي ففيه استدعاء لفرعون وترغيب له بما جبلت النفوس على حبه(2\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "390",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6605",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإيثاره من السلامة وأنه إن اتبع الهدى الذي جاءه به فهو من أهل السلام والله تعالى أعلم وتأمل حسن سياق هذه الجمل وترتيب هذا الخطاب ولطف هذا القول اللين الذي سلب القلوب حسنه وحلاوته مع جلالته وعظمته كيف ابتدأ الخطاب بقوله إنا رسول ربك وفي ضمن ذلك إنا لم نأتك لننازعك ملكك ولا لنشركك فيه بل نحن عبدان مأموران مرسلان من ربك إليك وفي إضافة اسم الرب إليه هنا دون إضافته إليهما استدعاء لسمعه وطاعته وقبوله كما يقول الرسول للرجل من عند مولاه أنا رسول مولاك إليك وأستاذك وإن كان أستاذهما معا ولكن ينبهه بإضافته إليه على السمع والطاعة له ثم إنهما طلبا منه أن يرسل معهما بني إسرائيل ويخلي بينهم وبينهما ولا يعذبهم ومن طلب من غيره ترك العدوان والظلم وتعذيب من لا يستحق العذاب فلم يطلب منه شططا ولم يرهقه من أمره عسرا بل طلب منه غاية النصف ثم أخبره بعد الطلب بثلاث إخبارات أحدها قوله تعالى: قد جئناك بآية من ربك فقد برئنا من عهدة نسبتك لنا إلى التقول والافتراء بما جئناك به من البرهان والدلالة الواضحة فقد قامت الحجة ثم بعد ذلك للمرسل إليه حالتان إما أن يسمع ويطيع فيكون من أهل الهدى والسلام على من اتبع الهدى وإما أن يكذب ويتولى فالعذاب على من كذب وتولى فجمعت الآية طلب الإنصاف وإقامة الحجة وبيان ما يستحق السامع المطيع وما يستحقه المكذب المتولي بألطف خطاب وأليق قول وأبلغ ترغيب وترهيب. فصل: وأما السؤال السابع عشر: وهو أن قوله: قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى هل السلام من الله تعالى فيكون المأمور به الحمد والوقف التام عليه أو هو داخل في القول والأمر بهما جميعا فالجواب عنه أن الكلام يحتمل الأمرين ويشهد لكل(2\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "391",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6606",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منهما ضرب من الترجيح فيرجح كونه داخلا في جملة القول بأمور منها اتصاله به وعطفه عليه من غير فاصل وهذا يقتضي أن يكون فعل القول واقعا على كل واحد منهما هذا هو الأصل ما لم يمنع منه مانع ولهذا إذا قلت الحمد لله وسبحان الله فإن التسبيح هنا داخل في المقول ومنها أنه إذا كان معطوفا على المقول كان عطف خبر على خبر وهو الأصل ولو كان منقطعا عنه كان عطفا على جملة الطلب وليس بالحسن عطف الخبر على الطلب ومنها أن قوله: قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ظاهر في أن المسلم هو القائل الحمد لله ولهذا أتى بالضمير بلفظ الغيبة ولم يقل سلام على عبادي ويشهد لكون السلام من الله تعالى أمور أحدها: مطابقته لنظائره في القرآن من سلامه تعالى بنفسه على عباده الذين اصطفى كقوله سلام على نوح في العالمين سلام على إبراهيم سلام على موسى وهارون سلام على آل ياسين ومنها أن عباده الذين اصطفى هم المرسلون والله سبحانه يقرن بين تسبيحه لنفسه وسلامه عليهم وبين حمده لنفسه وسلامه عليهم أما الأول فقال تعالى: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين وقد ذكر تنزيهه لنفسه عما لا يليق بجلاله ثم سلامه على رسله وفي اقتران السلام عليهم بتسبيحه لنفسه سر عظيم من أسرار القرآن يتضمن الرد على كل مبطل ومبتدع فإنه نزه نفسه تنزيها مطلقا كما نزه نفسه عما يقول خلقه فيه ثم سلم على المرسلين وهذا يقتضي سلامتهم من كل ما يقول المكذبون لهم المخالفون لهم وإذا سلموا من كل ما رماهم به أعداؤهم لزم سلامة كل ما جاءوا به من الكذب والفساد وأعظم ما جاءوا به التوحيد ومعرفة الله ووصفه بما يليق بجلاله مما وصف به نفسه على ألسنتهم وإذا سلم ذلك من الكذب والمحال والفساد فهو الحق المحض وما خالفه هو الباطل والكذب المحال وهذا المعنى بعينه في قوله: قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى فإنه يتضمن حمده بما له من نعوت الكمال وأوصاف الجلال والأفعال الحميدة والأسماء الحسنى وسلامة رسله من كل عيب ونقص(2\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "392",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6607",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذب وذلك يتضمن سلامة ما جاءوا به من كل باطل فتأمل هذا السر في اقتران السلام على رسله بحمده وتسبيحه فهذا يشهد لكون السلام هنا من الله تعالى كما هو في آخر الصافات وأما عطف الخبر على الطلب فما أكثره فمنه قوله تعالى: قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان وقوله: وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين وقوله: ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ونظائره كثيرة جدا وفصل الخطاب: في ذلك أن يقال الآية تتضمن الأمرين جميعا وتنتظمهما انتظاما واحدا فإن الرسول هو المبلغ عن الله كلامه وليس فيه إلا البلاغ والكلام كلام الرب تبارك وتعالى فهو الذي حمد نفسه وسلم على عباده وأمر رسوله بتبليغ ذلك فإذا قال الرسول الحمد لله وسلام على عباده الذي اصطفى كان قد حمد الله وسلم على عباده بما حمد به نفسه وسلم به هو على عباده فهو سلام من الله ابتداء ومن المبلغ بلاغا ومن العباد اقتداء وطاعة فنحن نقول كما أمرنا ربنا تبارك وتعالى: الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ونظير هذا قوله تعالى: قل هو الله أحد فهو توحيد منه لنفسه وأمر للمخاطب بتوحيده فإذا قال العبد قل هو الله أحد كان قد وحد الله بما وحد به نفسه وأتى بلفظة قل تحقيقا لهذا المعنى وأنه مبلغ محض قائل لما أمر بقوله والله أعلم وهذا بخلاف قوله: قل أعوذ برب الفلق و قل أعوذ برب الناس فإن هذا أمر محض بإنشاء الاستعاذة لا تبليغ لقوله: قل أعوذ برب الناس فإن الله لا يستعيذ من أحد وذلك عليه محال بخلاف قوله: قل هو الله أحد فإنه خبر عن توحيده وهو سبحانه يخبر عن نفسه بأنه الواحد الأحد فتأمل هذه النكتة البديعة والله المستعان. فصل: وأما السؤال الثامن عشر: وهو نهى النبي صلى الله عليه وسلم من قال له عليك السلام عن ذلك وقال:quot; لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الموتىquot; فما أكثر من(2\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "393",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6608",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذهب عن الصواب في معناه وخفي عليه مقصوده وسره فتعسف ضروبا من التأويلات المستنكرة الباردة ورد بعضهم الحديث وقال قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: في تحية الموتى quot;السلام عليكم دار قوم مؤمنينquot; رواه مسلم قالوا: وهذا أصح من حديث النهي وقد تضمن تقديم ذكر لفظ السلام فوجب المصير إليه وتوهمت طائفة أن السنة في سلام الموتى أن يقال عليكم السلام فرقا بين السلام على الأحياء والأموات وهؤلاء كلهم إنما أتوا ما أتوه من عدم فهمهم لمقصود الحديث فإن قوله صلى الله عليه وسلم: quot;عليك السلام تحية الموتىquot; ليس تشريعا منه وإخبارا عن أمر شرعي وإنما هو إخبار عن الواقع المعتاد الذي جرى على ألسنة الشعراء والناس فإنهم كانوا يقدمون اسم الميت على الدعاء كما قال قائلهم: عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما وقول الذي رثى عمر بن الخطاب رضي الله عنه: عليك سلام من أمير وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزق وهذا أكثر في أشعارهم من أن نذكره هاهنا والإخبار عن الواقع لا يدل على جوازه فضلا عن كونه سنة بل نهيه عنه مع إخباره بوقوعه يدل على عدم مشروعيته السنة في السلام تقديم لفظه على لفظ المسلم عليه وأن السنة في السلام تقديم لفظه على لفظ المسلم عليه في السلام على الأحياء وعلى الأموات فكما لا يقال في السلام على الأحياء عليكم السلام فكذلك لا يقال في سلام الأموات كما دلت السنة الصحيحة على الأمرين وكأن الذي تخيله القوم من الفرق أن المسلم على غيره لما كان يتوقع الجواب وأن يقال له وعليك السلام بدءوا باسم السلام على المدعو له توقعا لقوله وعليك السلام وأما الميت فما لم يتوقعوا منه ذلك قدموا المدعو له على الدعاء فقالوا: عليك السلام وهذا الفرق لو صح كان دليلا على التسوية بين الأحياء والأموات في السلام فإن المسلم على أخيه الميت يتوقع الجواب أيضا قال ابن عبد البر: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;ما من رجل يمر بقبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد(2\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "394",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6609",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه السلامquot; صحيح وبالجملة فهذا الخيال قد أبطلته السنة الصحيحة تشريع السلام على الأحياء والأموات وهنا نكتة بديعة ينبغي التفطن لها وهي أن السلام شرع على الأحياء والأموات بتقديم اسمه على المسلم عليهم لأنه دعاء بخير والأحسن في دعاء الخير أن يتقدم الدعاء به على المدعو له كقوله تعالى: رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت وقوله: سلام على إبراهيم سلام على نوح سلام على إل ياسين سلام عليكم بما صبرتم وأما الدعاء بالشر فيقدم فيه المدعو عليه المدعو به غالبا كقوله تعالى لإبليس: وإن عليك لعنتي وقوله: وإن عليك اللعنة وقوله: عليهم دائرة السوء وقوله: وعليهم غضب وسر ذلك والله أعلم أن في الدعاء بالخير قدموا اسم الدعاء المحبوب الذي تشتهيه النفوس وتطلبه ويلذ للسمع لفظه فيبدأ السمع بذكر الاسم المحبوب المطلوب ويبدأ القلب بتصوره فيفتح له القلب والسمع فيبقى السامع كالمنتظر لمن يحصل هذا وعلى من يحل فيأتي باسمه فيقول عليك أو لك فيحصل له من السرور والفرح ما يبعث على التحاب والتواد والتراحم الذي هو المقصود بالسلام وأما في الدعاء عليه ففي تقديم المدعو عليه إيذان باختصاصه بذلك الدعاء وأنه عليه وحده كأنه قيل له هذا عليك وحده لا يشركك فيه السامعون بخلاف الدعاء بالخير فإن المطلوب عمومه وكل ما عم به الداعي كان أفضل وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: quot;فضل عموم الدعاء على خصوصه كفضل السماء على الأرضquot; وذكر في ذلك حديثا مرفوعا عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم: مر به وهو يدعو فقال quot;يا علي عم فإن فضل العموم على الخصوص كفضل السماء على الأرضquot; وفيه فائدة ثانية أيضا وهي: أنه في الدعاء عليه إذا قال له عليك انفتح سمعه وتشوف قلبه إلى أي شيء يكون عليه فإذا ذكر له اسم المدعو به صادف قلبه فارغا متشوفا لمعرفته فكان أبلغ في نكايته ومن فهم هذا فهم السر في حذف الواو في قوله تعالى: وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها ففاجأهم وبغتهم عذابها وما أعد الله تعالى فيها فهم بمنزلة من وقف على باب(2\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "395",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6610",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يدري بما يفتح له من أنواع الشر إلا أنه متوقع منه شرا عظيما ففتح في وجهه وفاجأه ما كان يتوقعه وهذا كما تجد في الدنيا من يساق إلى السجن فإنه يساق إليه وبابه مغلق حتى إذا جاءه فتح الباب في وجهه ففاجأته روعته وألمه بخلاف ما لو فتح له قبل مجيئه وهذا بخلاف أهل الجنة فإنهم لما كانوا مساقين إلى دار الكرامة وكان من تمام إكرام المدعو الزائر أن يفتح له باب الدار فيجيء فيلقاه مفتوحا فلا يلحقه ألم الانتظار فقال في أهل الجنة حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وحذف الجواب تفخيما لأمره وتعظيما لشأنه على عادتهم في حذف الجوابات لهذا المقصد وهذه الطريقة تريحك من دعوى زيادة الواو ومن دعوى كونها واو الثمانية لأن أبواب الجنة ثمانية فإن هذا لو صح فإنما يكون إذا كانت الثمانية منسوقة في اللفظ واحدا بعد واحد فينتهون إلى السبعة ثم يستأنفون العدد من الثمانية بالواو وهنا لا ذكر للفظ الثمانية في الآية ولا عدها فتأمله على أن في كون الواو تجيء للثمانية كلام آخر قد ذكرناه في الفتح المكي وبينا المواضع التي ادعى فيها أن الواو للثمانية وأين يمكن دعوى ذلك وأين يستحيل فإن قيل فهذا ينتقض عليكم بأن سيد الخلائق صلى الله عليه وسلم يأتي باب الجنة فيلقاه مغلقا حتى يستفتحه قلنا هذا من تمام إظهار شرفه وفضله على الخلائق أن الجنة تكون مغلقة فلا تفتح لأهلها إلا على يديه فلو جاءها وصادقها مفتوحة فدخلها هو وأهلها لم يعلم الداخلون أن فتحها كان على يديه وأنه هو الذي استفتحها لهم ألا ترى أن الخلق إذا راموا دخول باب مدينة أو حصن وعجزوا ولم يمكنهم فتحه حتى جاء رجل ففتحه لهم أحوج ما كانوا إلى فتحه كان في ذلك من ظهور سيادته عليهم وفضله وشرفه ما لا يعلم لو جاء هو وهم فوجدوه مفتوحا وقد خرجنا عن المقصود وما أبعدنا ولا تستطل هذه النكت فإنك لا تكاد تجدها في غير هذا التعليق والله تعالى المان بفضله وكرمه.(2\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "396",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6611",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: وأما السؤال التاسع عشر: وهو دخول الواو في قوله صلى الله عليه وسلم: quot;إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم quot; رواه البخاري ومسلم فقد استشكلها كثير من الناس كما ذكر في السؤال وقالوا الصواب حذفها وأن يقال عليكم قال الخطابي يرويه عامة المحدثين بالواو وابن عيينة يرويه بحذفها وهو الصواب وذلك أنه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوا بعينه مردودا عليهم وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم والدخول فيما قالوه لأن الواو حرف العطف والاجتماع بين الشيئين قلت: معنى ما أشار إليه الخطابي أن الواو في مثل هذا تقتضي تقرير الجملة وزيادة الثانية عليها كما إذا قلت زيد كاتب فقال المخاطب وشاعر فإنه يقتضي إثبات الكتابة له وزيادة وصف الشعر وكذلك إذا قلت لرجل فلان محب لك فقال: ومحسن إلي عدة أصحاب الكهف ومن هنا استنبط السهيلي في الروض: quot;أن عدة أصحاب الكهف سبعة قال لأن الله تعالى عطف عليهم الكلب بحرف الواوquot; فقال: وثامنهم كلبهم ولم يذكر الواو فيما قبل ذلك من كلامهم والواو تقتضي تقرير الجملة الأولى وما استنبطه حسن غير أنه إنما يفيد إذا كان المعطوف بالواو ليس داخلا في جملة قولهم بل يكون قد حكى سبحانه أنهم قالوا سبعة ثم أخبر تعالى أن ثامنهم الكلب فحينئذ يكون ذلك تقريرا لما قالوه وإخبارا بكون الكلب ثامنا وأما إذا كان الإخبار عن الكلب من جملة قولهم وأنهم قالوا وهذا وهذا لم يظهر ما قاله ولا تقتضي الواو في ذلك تقريرا ولا تصديقا فتأمله وأما قوله المحدثون يروونه بالواو فهذا الحديث رواه عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال quot; إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم فإنما يقول السام عليكم فقولوا وعليكمquot; رواه البخاري ومسلم وأبو داود قال أبو داود: quot;وكذلك رواه مالك عن عبد الله بن دينار ورواه الثوري عن عبد الله بن دينار وقال فيه: quot;وعليكمquot; انتهى كلامه وأخرجه الترمذي والنسائي كذلك ورواه مسلم(2\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "397",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6612",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي بعض طرقه فقل: عليك ولم يذكر الواو وحديث مالك الذي ذكره أبو داود وأخرجه البخاري في صحيحه وحديث سفيان الثوري متفق عليه كلها بالواو وأما ما أشار إليه الخطابي من حديث ابن عيينة فرواه النسائي في سننه بإسقاط الواو وإذا عرف هذا فإدخال الواو في الحديث لا تقتضي محذورا البتة وذلك لأن التحية التي يحيون بها المسلمين غايتها الإخبار بوقوع الموت عليهم وطلبه لأن السام معناه الموت فإذا حيوا به المسلم فرده عليهم كان من باب القصاص والعدل وكان مضمون رده أنا لسنا نموت دونكم بل وأنتم أيضا تموتون فما تمنيتموه لنا حال بكم واقع عليكم وأحسن من هذا أن يقال ليس في دخول الواو تقرير لمضمون تحيتهم بل فيه ردها وتقريرها لهم أي ونحن أيضا ندعو عليكم بما دعوتم به علينا فإن دعاءهم قد وقع فإذا رد عليهم المجيب بقوله وعليكم كان في إدخال الواو سر لطيف وهو الدلالة على أن هذا الذي طلبتموه لنا ودعوتم به هو بعينه مردود عليكم لا تحية غيره فإدخال الواو مفيد لهذه الفائدة الجليلة وتأمل هذا في مقابلة الدعاء بالخير إذا قال غفر الله لك فقال له ولك المعنى أن هذه الدعوة بعينها مني لك ولو قلت غفر الله لك فقال لك لم يكن فيه إشعار بأن الدعاء الثاني هو الأول بعينه فتأمله فإنه بديع جدا وعلى هذا فيكون الصواب إثبات الواو كما هو ثابت في الصحيح والسنن فهذا ما ظهر لي في هذه اللفظة فمن وجد شيئا فليلحقه بالهامش فيشكر الله له وعباده سعيه فإن المقصود الوصول إلى الصواب فإذا ظهر وضع ما عداه تحت الأرجل وقد ذكرنا هذه المسألة مستوفاة بما أمكننا في كتاب تهذيب السنن.(2\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "398",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6613",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: وأما السؤال العشرون: وهو ما الحكمة في اقتران الرحمة والبركة بالسلام فالجواب عنه: أن يقال لما كان الإنسان لا سبيل له إلى انتفاعه بالحياة إلا بثلاثة أشياء أحدها سلامته من الشر ومن كل ما يضاد حياته وعيشه والثاني حصول الخير له والثالث دوامه وثباته له فإن بهذه الثلاثة يكمل انتفاعه بالحياة لقد شرعت التحية متضمنة للثلاثة فقوله: سلام عليكم يتضمن السلامة من الشر وقوله ورحمة الله يتضمن حصول الخير وقوله وبركاته يتضمن دوامه وثباته كما هو موضوع لفظ البركة وهو كثرة الخير واستمراره ومن هنا يعلم حكمة اقتران اسمه الغفور باسمه الرحيم في عامة القرآن ولما كانت هذه الثلاثة مطلوبة لكل أحد بل هي متضمنة لكل مطالبه وكل المطالب دونها ووسائل إليها وأسباب لتحصيلها جاء لفظ التحية دالا عليها بالمطابقة تارة وهو كمالها وتارة دالا عليها بالتضمن وتارة دالا عليها باللزوم فدلالة اللفظ عليها مطابقة إذا ذكرت بلفظها ودلالته بالتضمن إذا ذكر السلام والرحمة فإنهما يتضمنان الثالث ودلالته عليها باللزوم إذا اقتصر على السلام وحده فإنه يستلزم حصول الخير وثباته إذ لو عدم لم تحصل السلامة المطلقة فالسلامة مستلزمة لحصول الرحمة كما تقدم تقريره قد عرف بهذا فضل هذه التحية وكمالها على سائر تحيات الأمم ولهذا اختارها الله لعباده وجعلها تحيتهم بينهم في الدنيا وفي دار السلام وقد بان لك أنها من محاسن الإسلام وكماله فإذا كان هذا في فرع من فروع الإسلام وهو التحية التي يعرفها الخاص والعام فما ظنك بسائر محاسن الإسلام وجلالته وعظمته وبهجته التي شهدت بها العقول والفطر حتى أنها من أكبر الشواهد وأظهر البراهين الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وكمال دينه وفضله وشرفه على جميع الأديان وأن معزته في(2\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "399",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6614",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفس دعوته فلو اقتصر عليها كانت آية وبرهانا على صدقه وأنه لا يحتاج معها إلى خارق ولا آية منفصلة بل دينه وشريعته ودعوته وسيرته من أعظم معجزاته عند الخاصة من أمته حتى أن إيمانهم به إنما هو مستند إلى ذلك والآيات في حقهم مقويات بمنزلة تظاهر الأدلة ومن فهم هذا انفتح له باب عظيم من أبواب العلم والإيمان بل باب من أبواب الجنة العاجلة يرقص القلب فيه طربا ويتمنى أنه له بالدنيا وما فيها وعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيساعد على تعليق كتاب يتضمن ذكر بعض محاسن الشريعة وما فيها من الحكم البالغة والأسرار الباهرة التي هي من أكبر الشواهد على كمال علم الرب تعالى وحكمته ورحمته وبره بعباده ولطفه بهم وما اشتملت عليه من بيان مصالح الدارين والإرشاد إليها وبيان مفاسد الدارين والنهي عنها وأنه سبحانه لم يرحمهم في الدنيا برحمة ولم يحسن إليهم إحسانا أعظم من إحسانه إليهم بهذا الدين القيم وهذه الشريعة الكاملة ولهذا لم يذكر في القرآن لفظة المن عليهم إلا في سياق ذكرها كقوله: لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وقوله: يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين فهي محض الإحسان إليهم والرأفة بهم وهدايتهم إلى ما به صلاحهم في الدنيا والآخرة لا أنها محض التكليف والامتحان الخالي عن العواقب الحميدة والغايات التي لا سبيل إليها إلا بهذه الوسيلة فهي لغاياتها المجربة المطلوبة بمنزلة الأكل للشبع والشرب للري والجماع لطلب الولد وغير ذلك من الأسباب التي ربطت بها مسبباتها بمقتضى الحكمة والعزة فلذلك نصب هذا الصراط المستقيم وسيلة وطريقا إلى الفوز الأكبر والسعادة ولا سبيل إلى الوصول إليه إلا من هذه الطريق كما لا سبيل إلى دخول الجنة إلا بالعبور على الصراط فالشريعة هي حياة القلوب وبهجة النفوس ولذة الأرواح والمشقة الحاصلة فيها(2\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "400",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6615",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتكليف وقع بالقصد الثاني كوقوعه في الأسباب المفضية إلى الغايات المطلوبة لا أنه مقصود لذاته فضلا عن أن يكون هو المقصود لا سواه فتأمل هذا الموضع وأعطه حقه من الفكر في مصادرها ومواردها يفتح لك بابا واسعا من العلم والإيمان فتكون من الراسخين في العلم لا من الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون وكما أنها آية شاهدة له على ما وصف به نفسه من صفات الكمال فهي آية شاهدة لرسوله بأنه رسول حقا وأنه أعرف الخلق وأكملهم وأفضلهم وأقواهم إلى الله وسيلة وأنه لم يؤت عبد مثل ما أوتي فوالهفاه على مساعد على سلوك هذا الطريق واستفتاح هذا الباب والإفضاء إلى ما وراءه ولو بشطر كلمة بل فوالهفاه على من لا يتصدى لقطع الطريق والصد عن هذا المطلب العظيم ويدع المطي وحاديها ويعطي القوس باريها ولكن إذا عظم المطلوب قل المساعد وكثر المعارض والمعاند وإذا كان الاعتماد على مجرد مواهب الله وفضله يغنيه ما يتحمله المتحمل من أجله فلا يثنك شنآن من صد عن السبيل وصدق ولا تنقطع مع من عجز عن مواصلة السري ووقف فإنما هي مهجة واحدة فانظر فيما تجعل تلفها وعلى من تحتسب خلفها. أنت القتيل بكل من أحببته ... فانظر لنفسك في الهوى من تصطفي وأنفق أنفاسك فيما شئت فإن تلك النفقة مردودة بعينها عليك وصائرة لا سواها إليك وبين العبد وبين السعادة والفلاح صبر ساعة لله وتحمل ملامة في سبيل الله. وما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ويذهب هذا كله ويزول وقد أطلنا ولكن ما أمللنا فإن قلبا فيه أدنى حياة يهتز إذا ذكر الله ورسوله ويود أن لو كان المتكلم كله ألسنة تالية والسامع كله آذانا واعية ومن لم يجد قلبه ثم(2\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "401",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6616",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم فليشتغل بما يناسبه فكل ميسر لما خلق له وكل يعمل على شاكلته. وكل امريء يهفو إلى من يحبه وكل امريء يصبو إلى ما يناسبه فصل: وقد عرفت بهذا جواب السؤال الحادي والعشرين: أن كمال التحية عند ذكر البركات إذ قد استوعبت هذه الألفاظ الثلاث جميع المطالب من دفع الشر وحصول الخير وثباته وكثرته ودوامه فلا معنى للزيادة عليها ولهذا جاء في الأثر المعروف انتهى السلام إلى وبركاته فصل: وأما السؤال الثاني والعشرون: وهو ما الحكمة في إضافة الرحمة والبركة إلى الله تعالى وتجريد السلام عن الإضافة فجوابه أن السلام لما كان اسما من أسماء الله تعالى استغني بذكره مطلقا عن الإضافة إلى المسمى وأما الرحمة والبركة فلو لم يضافا إلى الله لم يعلم رحمة من ولا بركة من تطلب فلو قيل: عليكم ورحمة وبركة لم يكن في هذا اللفظ إشعار بالراحم المبارك الذي تطلب الرحمة والبركة منه فقيل: رحمة الله وبركاته وجواب ثان أن السلام يراد به قول المسلم سلام عليكم وهذا في الحقيقة مضاف إليه ويراد به حقيقة السلامة المطلوبة من السلام سبحانه وتعالى وهذا يضاف إلى الله فيضاف هذا المصدر إلى الطالب الذاكر تارة وإلى المطلوب منه تارة فأطلق ولم يضف وأما الرحمة والبركة فلا يضافان إلا إلى الله تعالى وحده ولهذا لا يقال رحمتي وبركتي عليكم ويقال سلام مني عليكم وسلام من فلان على فلان وسر ذلك أن لفظ السلام اسم للجملة القولية بخلاف الرحمة والبركة فإنهما اسمان لمعناهما دون لفظهما فتأمله فإنه بديع وجواب ثالث وهو أن الرحمة والبركة(2\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "402",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6617",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أتم من مجرد السلامة فإن السلامة تبعيد عن الشر وأما الرحمة والبركة فتحصيل للخير وإدامة له وتثبيت وتنمية وهذا أكمل فإنه هو المقصود لذاته والأول وسيلة إليه ولهذا كان ما يحصل لأهل الجنة من النعيم أكمل من مجرد سلامتهم من النار فأضيف إلى الرب تبارك وتعالى أكمل المعنيين وأتمهما لفظا وأطلق الآخر وفهمت إضافته إليه معنى من العطف وقرينة الحال فجاء اللفظ على أتم نظام وأحسن سياق. فصل: وأما السؤال الثالث والعشرين: وهو ما الحكمة في إفراد السلام والرحمة وجمع البركة فجوابه: أن السلام إما مصدر محض فهو شيء واحد فلا معنى لجمعه وإما اسم من أسماء الله تعالى فيستحيل أيضا جمعه فعلى التقديرين لا سبيل إلى جمعه وأما الرحمة فمصدر أيضا بمعنى العطف والحنان فلا تجمع أيضا والتاء فيها بمنزلتها في الخلة والمحبة والرقة ليست للتحديد بمنزلتها في ضربة وتمرة فكما لا يقال رقات ولا خلات ولا رأفات لا يقال رحمات وهنا دخول الجمع يشعر بالتحديد والتقييد بعدد وإفراده يشعر بالمسمى مطلقا من غير تحديد فالإفراد هنا أكمل وأكثر معنى من الجمع وهذا بديع جدا أن يكون مدلول المفرد أكثر من مدلول الجمع ولهذا كان قوله تعالى: قل فلله الحجة البالغة أعم وأتم معنى من أن يقال: فلله الحجج البوالغ وكان قوله: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها أتم معنى من أن يقال: وإن تعدوا نعم الله لا تحصوها وقوله: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة أتم معنى من أن يقال حسنات وكذا قوله: يستبشرون بنعمة من الله وفضل ونظائره كثيرة جدا وسنذكر سر هذا فيما بعد إن شاء الله تعالى وأما البركة فإنا لما كان مسماها كثرة الخير واستمراره شيئا بعد شيء كلما انقضى منه فرد(2\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "403",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6618",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خلفه فرد آخر فهو خير مستمر يتعاقب الإفراد على الدوام شيئا بعد شيء كان لفظ الجمع أولى بها لدلالته على المعنى المقصود بها ولهذا جاءت في القرآن كذلك في قوله تعالى: رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت فأفرد الرحمة وجمع البركة وكذلك في السلام في التشهد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. فصل: واعلم: أن الرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان أحدهما: مضاف إليه إضافة مفعول إلى فاعله والثاني: مضاف إليه إضافة صفة إلى الموصوف بها فمن الأول قوله في الحديث الصحيح: quot;احتجت الجنة والنار quot; فذكر الحديث وفيه quot;فقال: للجنة إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء quot; رواه مسلم وأحمد فهذه رحمة مخلوقة مضافة إليه إضافة المخلوق بالرحمة إلى الخالق تعالى وسماها رحمة لأنها خلقت بالرحمة وللرحمة وخص بها أهل الرحمة وإنما يدخلها الرحماء ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: quot; خلق الله الرحمة يوم خلقها مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض quot; رواه مسلم والحاكم وروى البخاري نحوه ومنه قوله تعالى: ولئن أذقنا الأنسان منا رحمة ومنه تسميته تعالى للمطر رحمة بقوله: وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وعلى هذا فلا يمتنع الدعاء المشهور بين الناس قديما وحديثا وهو قول الداعي: quot;اللهم اجمعنا في مستقر رحمتك وذكره البخاري في كتاب الأدب المفرد له عن بعض السلفquot; وحكى فيه الكراهة قال: quot;إن مستقر رحمته ذاتهquot; وهذا بناء على أن الرحمة صفة وليس مراد الداعي ذلك بل مراده الرحمة المخلوقة التي هي الجنة ولكن الذين كرهوا ذلك لهم نظر دقيق جدا وهو أنه إذا كان المراد بالرحمة الجنة نفسها لم يحسن إضافة المستقر إليها ولهذا لا يحسن أن يقال اجمعنا في مستقر جنتك فإن الجنة نفسها هي دار القرار وهي المستقر نفسه كما قال حسنت مستقرا ومقاما فكيف يضاف المستقر إليها والمستقر هو المكان الذي يستقر فيه الشيء ولا يصح أن يطلب الداعي الجمع في المكان الذي تستقر فيه(2\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "404",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6619",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجنة فتأمله ولهذا قال: quot;مستقر رحمته ذاتهquot; والصواب: أن هذا لا يمتنع حتى ولو قال صريحا اجمعنا في مستقر جنتك لم يمتنع وذلك أن المستقر أعم من أن يكون رحمة أو عذابا فإذا أضيف إلى أحد أنواعه أضيف إلى ما يبينه ويميزه من غيره كأنه قيل في المستقر الذي هو رحمتك لا في المستقر الآخر ونظير هذا أن يقال اجلس في مستقر المسجد أي المستقر الذي هو المسجد والإضافة في مثل ذلك غير ممتنعة ولا مستكرهة وأيضا فإن الجنة وإن سميت رحمة لم يمتنع أن يسمى ما فيها من أنواع النعيم رحمة ولا ريب أن مستقر ذلك النعيم هو الجنة فالداعي يطلب أن يجمعه الله ومن يحب في المكان الذي تستقر فيه تلك الرحمة المخلوقة في الجنة وهذا ظاهر جدا فلا يمتنع الدعاء بوجه والله أعلم وهذا بخلاف قول الداعي يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث فإن الرحمة هنا صفته تبارك وتعالى وهي متعلق الإستغاثة فإنه لا يستغاث بمخلوق ولهذا كان هذا الدعاء من أدعية الكرب لما تضمنه من التوحيد والإستغاثة برحمة أرحم الراحمين متوسلا إليه باسمين عليهما مدار الأسماء الحسنى كلها وإليهما مرجع معانيها جميعها وهو اسم الحي القيوم فإن الحياة مستلزمة لجميع صفات الكمال ولا يتخلف عنها صفة منها إلا لضعف الحياة فإذا كانت حياته تعالى أكمل حياة وأتمها استلزم إثباتها إثبات كل كمال يضاد نفي كمال الحياة وبهذا الطريق العقلي أثبت متكلمو أهل الإثبات له تعالى صفة السمع والبصر والعلم والإرادة والقدرة والكلام وسائر صفات الكمال وأما القيوم فهو متضمن كمال غناه وكمال قدرته فإنه القائم بنفسه لا يحتاج إلى من يقيمه بوجه من الوجوه وهذا من كمال غناه بنفسه عما سواه وهو المقيم لغيره فلا قيام لغيره إلا بإقامته وهذا من كمال قدرته وعزته فانتظم هذان الاسمان صفات الكمال والغنى التام والقدرة التامة فكأن المستغيث بهما مستغيث بكل اسم من أسماء الرب تعالى وبكل صفة من صفاته فما أولى الإستغاثة بهذين الاسمين أن يكونا في مظنة تفريج الكربات وإغاثة اللهفات وإنالة الطلبات والمقصود أن(2\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "405",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6620",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرحمة المستغاث بها هي صفة الرب تعالى لا شيء من مخلوقاته كما أن المستعيذ بعزته في قوله أعوذ بعزتك مستعيذ بعزته التي هي صفته لا بعزته التي خلقها يعز بها عباده المؤمنين وهذا كله يقرر قول أهل السنة إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;أعوذ بكلمات الله التامات quot; يدل على أن كلماته تبارك وتعالى غير مخلوقة فإنه لا يستعاذ بمخلوق وأما قوله تعالى حكاية عن ملائكته: ربنا وسعت كل شيء رحمة فهذه رحمة الصفة التي وسعت كل شيء كما قال تعالى: ورحمتي وسعت كل شيء وسعتها عموم تعلقها بكل شيء كما أن سعة علمه تعالى عموم تعلقه بكل معلوم. فصل: وأما البركة: فكذلك نوعان أيضا أحدهما: بركة هي فعله تبارك وتعالى والفعل منها بارك ويتعدى بنفسه تارة وبأداة على تارة وبأداة في تارة والمفعول منها: مبارك وهو ما جعل كذلك فكان مباركا بجعله تعالى والنوع الثاني: بركة تضاف إليه إضافة الرحمة والعزة والفعل منها تبارك ولهذا لا يقال لغيره ذلك ولا يصلح إلا له عز وجل فهو سبحانه المبارك وعبده ورسوله كما قال المسيح عليه السلام: وجعلني مباركا أين ما كنت فمن بارك الله فيه وعليه فهو المبارك وأما صفته تبارك فمختصة به تعالى كما أطلقها على نفسه بقوله: تبارك الله رب العالمين تبارك الذي بيده الملك فتبارك الله أحسن الخالقين وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون تبارك الذي نزل الفرقان على عبده تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك تبارك الذي جعل في السماء بروجا أفلا تراها كيف اطردت في القرآن جارية عليه مختصة به لا تطلق على غيره وجاءت على بناء السعة والمبالغة كتعالى وتعاظم ونحوهما فجاء بناء تبارك على بناء تعالى الذي هو دال على كمال العلو ونهايته فكذلك تبارك(2\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "406",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6621",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دال على كمال بركته وعظمها وسعتها وهذا معنى قوله من قال من السلف: quot;تبارك تعاظمquot; وقال آخرquot; معناه أن تجيء البركات من قبله فالبركة كلها منهquot; وقال غيره: quot;كثر خيره وإحسانه إلى خلقهquot; وقيل: quot;اتسعت رأفته ورحمته بهمquot; وقيل: quot;تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعالهquot; ومن هنا قيل: quot;معناه تعالى وتعاظمquot; وقيل: quot;تبارك تقدس والقدس الطهارةquot; وقيل: quot;تبارك أي باسمه يبارك في كل شيءquot; وقيل: quot;تبارك ارتفع والمبارك المرتفع ذكره البغويquot; وقيل: quot;تبارك أي البركة تكتسب وتنال بذكرهquot; وقال ابن عباس: quot;جاء بكل بركةquot; وقيل: quot;معناه ثبت ودام بما لم يزل ولا يزال ذكره البغوي أيضاquot; وحقيقة اللفظة: أن البركة كثرة الخير ودوامه ولا أحد أحق بذلك وصفا وفعلا منه تبارك وتعالى وتفسير السلف يدور على هذين المعنيين وهما متلازمان لكن الأليق باللفظة معنى الوصف لا الفعل فإنه فعل لازم مثل تعالى وتقدس وتعاظم ومثل هذه الألفاظ ليس معناها أنه جعل غيره عاليا ولا قدوسا ولا عظيما هذا مما لا يحتمله اللفظ بوجه وإنما معناها في نفس من نسبت إليه فهو المتعالي المتقدس فكذلك تبارك لا يصح أن يكون معناها بارك في غيره وأين أحدهما من الآخر لفظا ومعنى هذا لازم وهذا متعد فعلمت أن من فسر تبارك بمعنى ألقى البركة وبارك في غيره لم يصب معناها وإن كان هذا من لوازم كونه متباركا فتبارك من باب مجد والمجد كثرة صفات الجلال والسعة والفضل وبارك من باب أعطى وأنعم ولما كان المتعدي في ذلك يستلزم اللازم من غير عكس فسر من فسر من السلف اللفظة بالمتعدي لينتظم المعنيين فقال: مجيء البركة كلها من عنده أو البركة كلها من قبله وهذا فرع على تبارك في نفسه وقد أشبعنا القول في هذا في كتاب الفتح المكي وبينا هناك أن البركة كلها له تعالى ومنه فهو المبارك ومن ألقى عليه بركته فهو المبارك ولهذا كان كتابه مباركا وبيته مباركا والأزمنة والأمكنة(2\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "407",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6622",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التي شرفها واختصها عن غيرها مباركة فليلة القدر مباركة وما حول الأقصى مبارك وأرض الشام وصفها بالبركة في أربعة مواضع من كتابه أو خمسة وتدبر قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ثوبان الذي رواه مسلم في صحيحه عند انصرافه من الصلاة: quot;اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام quot; رواه مسلم وأبو داود وأحمد فتأمل هذه الألفاظ الكريمة كيف جمعت نوعي الثناء أعني ثناء التنزيه والتسبيح وثناء الحمد والتمجيد بأبلغ لفظ وأوجزه وأتمه معنى فأخبر أنه السلام ومنه السلام فالسلام له وصفا وملكا وقد تقدم بيان هذا في وصفه تعالى بالسلام وأن صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله وأسمائه كلها سلام وكذا الحمد كله له وصفا وملكا فهو المحمود في ذاته وهو الذي يجعل من يشاء من عباده محمودا فيهبه حمدا من عنده وكذلك العزة كلها له وصفا وملكا وهو العزيز الذي لا شيء أعز منه ومن عز من عباده فبإعزازه له وكذلك الرحمة كلها له وصفا وملكا وكذلك البركة فهو المتبارك في ذاته الذي يبارك فيمن شاء من خلقه وعليه فيصير بذلك مباركا فتبارك الله رب العالمين وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون وهذا بساط وإنما غاية معارف العلماء الدنو من أول حواشيه وأطرافه وأما ما وراء ذلك فكما قال أعلم الخلق بالله وأقربهم إلى الله وأعظمهم عنده جاها quot;لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك quot; رواه مسلم وقال: في حديث الشفاعة الطويل quot;فأخر ساجدا لربي فيفتح علي من محامده بما لا أحسنه الآنquot; رواه البخاري ومسلم وفي دعاء الهم والغم quot;أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندكquot; صحيح فدل على أن لله سبحانه وتعالى أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده دون خلقه لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل وحسبنا الإقرار بالعجز والوقوف عند ما أذن لنا فيه من ذلك فلا نغلو فيه ولا نجفو عنه وبالله التوفيق.(2\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "408",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6623",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: وأما السؤال الرابع والعشرون: وهو ما الحكمة في تأكيد الأمر بالسلام على النبي صلى الله عليه وسلم بالمصدر دون الصلاة عليه في قوله: صلوا عليه وسلموا تسليما فجوابه: أن التأكيد واقع على الصلاة والسلام وإن اختلفت جهة التأكيد فإنه سبحانه أخبر في أول الآية بصلاته عليه وصلاة ملائكته عليه مؤكدا لهذا الإخبار بحرف إن مخبرا عن الملائكة بصيغة الجمع المضاف إليه وهذا يفيد العموم والاستغراق فإذا استشعرت النفوس أن شأنه صلى الله عليه وسلم عند الله وعند ملائكته هذا الشأن بادرت إلى الصلاة عليه وإن لم تؤمر بها بل يكفي تنبيهها والإشارة إليها بأدنى إشارة فإذا أمرت بها لم تحتج إلى تأكيد الأمر بل إذا جاء مطلق الأمر بادرت وسارعت إلى موافقة الله وملائكته في الصلاة عله صلوات الله وسلامه عليه فلم يحتج إلى تأكيد الفعل بالمصدر ولما خلا السلام عن هذا المعنى وجاء في حيز الأمر المجرد دون الخبر حسن تأكيده بالمصدر ليدل على تحقيق المعنى وتثبيته ويقوم تأكيد الفعل مقام تكريره كما حصل التكرير في الصلاة خبرا وطلبا فكذلك حصل التكريم في السلام فعلا ومصدرا فتأمله فإنه بديع جدا والله أعلم وقد ذكرنا بعض ما في هذه الآية من الأسرار والحكم العجيبة في كتاب تعظيم شأن الصلاة والسلام على خير الأنام وأتينا فيه من الفوائد بما يساوي أدناها رحلة مما لا يوجد في غيره ولله الحمد فنقتصر على هذه النكتة الواحدة. فصل: وأما السؤال الخامس والعشرين: وهو ما الحكمة في تقديم السلام على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة قبل عليه وهلا وقعت البداءة بما بدأ الله به في الآية(2\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "409",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6624",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا سؤال أيضا له شأن لا ينبغي الإضراب عنه صفحا وتمشية والنبي صلى الله عليه وسلم كان شديد التحري لتقديم ما قدمه الله والبداءة بما بدأ به فلهذا بدأ بالصفا في السعي وقال: quot;نبدأ بما بدأ الله به quot; صحيح وبدأ بالوجه ثم اليدين ثم الرأس في الوضوء ولم يخل بذلك مرة واحدة بل كان هذا وضوءه إلى أن فارق الدنيا ثم يقدم منه مؤخرا ولم يؤخر منه مقدما قط ولا يقدر أحد أن ينقل عنه خلاف ذلك لا بإسناد صحيح ولا حسن ولا ضعيف ومع هذا فوقع في الصلاة والسلام عليه تقديم السلام وتأخير الصلاة وذلك لسر من أسرار الصلاة نشير إليه بحسب الحال إشارة وهو أن الصلاة قد اشتملت على عبودية جميع الجوارح والأعضاء مع عبودية القلب فلكل عضو منها نصيب من العبودية فجميع أعضاء المصلي وجوارحه متحركة في الصلاة عبودية لله وذلا وخضوعا فلما أكمل المصلي هذه العبودية وانتهت حركاته ختمت بالجلوس بين يدي الرب تعالى جلوس تذلل وانكسار وخضوع لعظمته عز وجل كما يجلس العبد الذليل بين يدي سيده وكان جلوس الصلاة أخشع ما يكون من الجلوس وأعظمه خضوعا وتذللا فأذن للعبد في هذه الحال بالثناء على الله تبارك وتعالى بأبلغ أنواع الثناء وهو التحيات لله والصلوات والطيبات وعادتهم إذا دخلوا على ملوكهم أن يحيوهم بما يليق بهم وتلك التحية تعظيم لهم وثناء عليهم والله أحق بالتعظيم والثناء من كل أحد من خلقه فجمع العبد في قوله التحيات والصلوات والطيبات أنواع الثناء على الله وأخبر أن ذلك له وصفا وملكا وكذلك الصلوات كلها لله فهو الذي يصلي له وحده لا لغيره وكذلك الطيبات كلها من الكلمات والأفعال كلها له فكلماته طيبات وأفعاله كذلك وهو طيب لا يصعد إليه إلا طيب والكلم الطيب إليه يصعد فكانت الطيبات كلها له ومنه وإليه له ملكا ووصفا ومنه مجيئها وابتداؤها وإليه مصعدها ومنتهاها والصلاة مشتملة على عمل صالح وكلم طيب والكلم الطيب إليه يصعد والعمل الصالح يرفعه فناسب ذكر هذا عند انتهاء الصلاة وقت رفعها إلى الله تعالى سر السلام على النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى بهذا الثناء على الرب(2\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "410",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6625",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التفت إلى شأن الرسول الذي حصل هذا الخير على يديه فسلم عليه أتم سلام معرف باللام التي للاستغراق مقرونا بالرحمة والبركة هذا هو أصح شيء في السلام عليه فلا تبخل عليه بالألف واللام في هذا المقام ثم انتقل إلى السلام على نفسه وعلى سائر عباد الله الصالحين وبدأ بنفسه لأنها أهم والإنسان يبدأ بنفسه ثم بمن يعول ثم ختم هذا المقام بعقد الإسلام وهو التشهد بشهادة الحق التي هي أول الأمر وآخره وعندها كل الثناء والتشهد ثم انتقل إلى نوع آخر وهو الدعاء والطلب فالتشهد يجمع نوعي الدعاء دعاء الثناء والخير ودعاء الطلب والمسألة والأول أشرف النوعين لأنه حق الرب ووصفه والثاني حظ العبد ومصلحته وفي الأثر من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين ضعيف لكن لما كانت الصلاة أتم العبادات عبودية وأكملها شرع فيه النوعين وقدم الأول منهما لفضله ثم انتقل إلى النوع الثاني وهو دعاء الطلب والمسألة فبدأ بأهمه وأجله وأنفعه له وهو طلب الصلاة من الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وهو من أجل أدعية العبد وأنفعها له في دنياه وآخرته كما ذكرناه في كتاب تعظيم شأن الصلاة على النبي وفيه أيضا أن الداعي جعله مقدمة بين يدي حاجته وطلبه لنفسه وقد أشار إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى في قوله ثم لينتخب من الدعاء أعجبه إليه وكذلك في حديث فضالة بن عبيد إذا دعا أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليدع فتأمل كيف جاء التشهد من أوله إلى آخره مطابقا لهذا منتظما له أحسن انتظام فحديث فضالة هذا هو الذي كشف لنا المعنى وأوضحه وبينه فصلوات الله وسلامه على من أكمل به لنا دينه وأتم برسالته علينا نعمته وجعله رحمة للعالمين وحسرة على الكافرين.(2\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "411",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6626",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: وأما السؤال السادس والعشرون: وهو ما الحكمة في كون السلام وقع بصيغة الخطاب والصلاة بصيغة الغيبة فجوابه: يظهر مما تقدم فإن الصلاة عليه طلب وسؤال من الله أن يصلي عليه فلا يمكن فيها إلا لفظ الغيبة إذ لا يقال اللهم صل عليك وأما السلام عليه فأتى بلفظ الحاضر المخاطب تنزيلا له منزلة المواجه لحكمة بديعة جدا وهي أنه صلى الله عليه وسلم لما كان أحب إلى المؤمن من نفسه التي بين جنبيه وأولى به منها وأقرب وكانت حقيقته الذهنية ومثاله العلمي موجودا في قلبه بحيث لا يغيب عنه إلا شخصه كما قال القائل: مثالك في عيني وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيب ومن كان بهذه الحال فهو الحاضر حقا وغيره وإن كان حاضرا للعيان فهو غائب عن الجنان فكان خطابه خطاب المواجهة والحضور بالسلام عليه أولى من سلام الغيبة تنزيلا له منزلة المواجه المعاين لقربه من القلب وحلوله في جميع أجزائه بحيث لا يبقى في القلب جزء إلا ومحبته وذكره فيه كما قيل: لو شق عن قلبي يرى وسطه ذكرك والتوحيد في سطر لا إله إلا الله محمد رسول الله ولا تستنكر استيلاء المحبوب على قلب المحب وغلبته عليه حتى كأنه يراه ولهذا تجدهم في خطابهم لمحبوبهم إنما يعتمدون خطاب الحضور والمشاهدة مع غاية البعد العياني لكمال القرب الروحي فلم يمنعهم بعد الأشباح عن محادثة الأرواح ومخاطبتها ومن كثفت طباعه فهو عن هذا كله بمعزل وإنه ليبلغ الحب ببعض أهله أن يرى محبوبه في القرب إليه بمنزلة روحه التي لا شيء أدنى إليه منها كما قيل: يا مقيما مدى الزمان بقلبي ... وبعيدا عن ناظري وعياني أنت روحي إن كنت لست راها ... فهي أدنى إلي من كل داني(2\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "412",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6627",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال آخر: يا ثاويا بين الجوانح والحشا ... مني وإن بعدت علي دياره وإنه ليلطف شأن المحبة حتى يرى أنه أدنى إليه وأقرب من روحه وهذه أبيات تلم بذلك: وأدنى إلى الصب من نفسه ... وإن كان عن عينه نائيا ومن كان مع حبه هكذا ... فأنى يكون له ساليا ثم يلطف شأنها ويقهر سلطانها حتى يغيب المحب بمحبوبه عن نفسه فلا يشعر إلا بمحبوبه ولا يشعر بنفسه ومن هنا نشأت الشطحات الصوفية التي مصدرها عن قوة الوارد وضعف التمييز فحكم صاحبها فيها الحال على العلم وجعل الحكم له وعزل علمه من البين وحكم المحفوظون فيها حاكم العلم على سلطان الحال وعلموا أن كل حال لا يكون العلم حاكما عليه فإنه لا ينبغي أن يغتر به ولا يسكن إليه إلا كما يساكن المغلوب المقهور لما يرد عليه مما يعجز عن دفعه وهذه حال الكمل من القوم الذين جمعوا بين نور العلم وأحوال من المعاملة فلم تطفئ عواصف أحوالهم نور علمهم ولم يقصر بهم علمهم عن الترقي إلى ما وراءه من مقامات الإيمان والإحسان فهؤلاء حكام على الطائفتين ومن عداهم فمحجوب بعلم لا نفوذ له فيه أو مغرور بحال لا علم له بصحيحه من فاسده والله تعالى المسؤول من فضله إنه قريب مجيب فالكامل من يحكم العلم على الحال فيتصرف في حاله بعلمه ويجعل العلم بمنزلة النور الذي يميز به الصحيح من الفاسد لا من يقدح في العلم بالحال ويجعل الحال معيارا عليه وميزانا فما وافق حاله من العلم قبله وما خالفه رده ونفاه فهذا أصل الضلال في هذا الباب بل الواجب تحكيم العلم والرجوع إلى حكمه وبهذا أوصى العارفون من شيوخ الطريق كلهم وحرضوا على العلم أعظم تحريض لعلمهم بما في الحال المجرد عنه من الغوائل والمهالك: والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .(2\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "413",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6628",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: وأما السؤال السابع والعشرون: وهو ما الحكمة في ورود الثناء على الله في التشهد بلفظ الغيبة مع كونه سبحانه هو المخاطب الذي يناجيه العبد والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الخطاب مع كونه غائبا فجوابه أن الثناء على الله عامة ما يجيء مضافا إلى أسمائه الحسنى الظاهرة دون الضمير إلا أن يتقدم ذكر الاسم الظاهر فيجيء بعده المضمر وهذا نحو قول المصلي: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وقوله في الركوع: quot;سبحان ربي العظيمquot; وفي السجود quot;سبحان ربي الأعلىquot; وفي هذا من السر أن تعليق الثناء بأسمائه الحسنى هو لما تضمنت معانيها من صفات الكمال ونعوت الجلال فأتى بالاسم الظاهر الدال على المعنى الذي يثنى به ولأجله عليه تعالى ولفظ الضمير لا إشعار له بذلك ولهذا إذا كان ولا بد من الثناء عليه بخطاب المواجهة أتى بالاسم الظاهر مقرونا بميم الجمع الدالة على جمع الأسماء والصفات نحو قوله في رفع رأسه من الركوع quot;اللهم ربنا لك الحمدquot; وربما اقتصر على ذكر الرب تعالى لدلالة لفظه على هذا المعنى فتأمله فإنه لطيف المنزع جدا وتأمل كيف صدر الدعاء المتضمن للثناء والطلب بلفظة quot;اللهم كما في سيد الاستغفار quot;اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدكquot; رواه البخاري والترمذي والنسائي الحديث وجاء الدعاء المجرد مصدرا بلفظ الرب نحو قول المؤمنين: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وقول آدم: ربنا ظلمنا أنفسنا وقول موسى: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي وقول نوح: رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بين السجدتين: quot;رب اغفر لي رب اغفر ليquot; صحيح وسر ذلك أن الله تعالى يسأل بربوبيته(2\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "414",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6629",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المتضمنة قدرته وإحسانه وتربيته عبده وإصلاح أمره ويثنى عليه بإلهيته المتضمنة إثبات ما يجب له من الصفات العلى والأسماء الحسنى وتدبر طريقة القرآن تجدها كما ذكرت لك فأما الدعاء فقد ذكرنا منه أمثلة وهو في القرآن حيث وقع لا يكاد يجيء إلا مصدرا باسم الرب وأما الثناء فحيث وقع فمصدر بالأسماء الحسنى وأعظم ما يصدر به اسم الله جل جلاله نحو: الحمد لله حيث جاء ونحو: فسبحان الله وجاء: سبحان ربك رب العزة ونحوه سبح لله ما في السموات وما في الأرض حيث وقعت ونحو: تبارك الله رب العالمين  فتبارك الله أحسن الخالقين : تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ونظائره وجاء في دعاء المسيح: اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء فذكر الأمرين ولم يجيء في القرآن سواه ولا رأيت أحدا تعرض لهذا ولا نبه عليه سر عجيب دال على كمال معرفة المسيح بربه وتعظيمه له فإن هذا السؤال كان عقيب سؤال قومه له: هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء فخوفهم الله وأعلمهم أن هذا مما لا يليق أن يسأل عنه وأن الإيمان يرده فلما ألحوا في الطلب وخاف المسيح أن يداخلهم الشك إن لم يجابوا إلى ما سألوا بدأ في السؤال باسم اللهم الدال على الثناء على الله بجميع أسمائه وصفاته ففي ضمن ذلك تصوره بصورة المثني الحامد الذاكر لأسماء ربه المثني عليه بها وأن المقصود من هذا الدعاء وقضاء هذه الحاجة إنما هو أن يثني على الرب بذلك ويمجده به ويذكر آلاءه ويظهر شواهد قدرته وربوبيته ويكون برهانا على صدق رسوله فيحصل بذلك من زيادة الإيمان والثناء على الله أمر يحسن معه الطلب ويكون كالعذر فيه فأتى بالاسمين اسم الله الذي يثني عليه به واسم الرب الذي يدعي ويسأل به لما كان المقام مقام الأمرين فتأمل هذا السر العجيب ولا يثب عنه فهمك فإنه من الفهم الذي يؤتيه الله من يشاء في كتابه وله الحمد وأما السلام على النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الخطاب فقد ذكرنا سره في الوجه الذي قبل هذا فالعهد به قريب.(2\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "415",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6630",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: أما السؤال الثامن والعشرون: فقد يتضمن ذلك سؤالين أحدهما: ما السر في كون السلام في آخر الصلاة والثاني: لم كان معرفا والجواب: أما اختتام الصلاة به فقد جعل الله تعالى لكل عبادة تحليلا منها فالتحليل من الحج بالرمي وما بعده وكذلك التحليل من الصوم بالفطر بعد الغروب فجعل السلام تحليلا من الصلاة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم quot;تحريمها التكبير وتحليلها التسليم quot; صحيح تحريمها هنا هو بابها الذي يدخل منه إليها وتحليلها بابها الذي يخرج به منها فجعل التكبير باب الدخول والتسليم باب الخروج لحكمة بديعة بالغة يفهمها من عقل عن الله وألزم نفسه بتأمل محاسن هذا الدين العظيم وسافر فكره في استخراج حكمه وأسراره وبدائعه وتغرب عن عالم العادة والألف فلم يقنع بمجرد الأشباح حتى يعلم ما يقوم به من الأرواح فإن الله تعالى لم يشرع شيئا سدى ولا خلوا من حكمة بالغة بل في طوايا ما شرعه وأمر به من الحكم والأسرار التي تبهر العقول ما يستدل به الناظر فيه على وراءه فيسجد القلب خضوعا وإذعانا فنقول وبالله التوفيق لما كان المصلي قد تخلى عن الشواغل وقطع جميع العلائق وتطهر وأخذ زينته وتهيأ للدخول على الله تعالى ومناجاته شرع له أن يدخل عليه دخول العبيد على الملوك فيدخل بالتعظيم والإجلال فشرع له أبلغ لفظ يدل على هذا المعنى وهو قول الله أكبر فإن في اللفظ من التعظيم والتخصيص والإطلاق في جانب المحذوف المجرور بمن ما لا يوجد في غيره ولهذا كان الصواب أن غير هذا اللفظ لا يقوم مقامه ولا يؤدي معناه ولا(2\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "416",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6631",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تنعقد الصلاة إلا به كما هو مذهب أهل المدينة وأهل الحديث فجعل هذا اللفظ واستشعار معناه والمقصود باب الصلاة الذي يدخل العبد على ربه منه فإنه إذا استشعر بقلبه أن الله أكبر من كل ما يخطر بالبال استحيا منه أن يشغل قلبه في الصلاة بغيره فلا يكون موفيا لمعنى الله أكبر ولا مؤديا لحق هذا اللفظ ولا أتى البيت من بابه بل الباب عنه مسدود وهذا بإجماع السلف أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها وحضره بقلبه وما أحسن ما قال أبو الفرج بن الجوزي في بعض وعظه: حضور القلب أول منزل من منازل الصلاة فإذا نزلته انتقلت إلى بادية المعنى فإذا رحلت عنها أنخت بباب المناجاة فكان أول قرى الضيف اليقظة وكشف الحجاب لعين القلب فكيف يطمع في دخول مكة من لا خرج إلى البادية وقد تبعث قلبك في كل واد فربما تفجأك الصلاة وليس قلبك عندك فتبعث الرسول وراءه فلا يصادفه فتدخل في الصلاة بغير قلب والمقصود أنه قبيح بالعبد أن يقول بلسانه الله أكبر وقد امتلأ قلبه بغير الله فهو قبلة قلبه في الصلاة ولعله لا يحضر بين يدي ربه في شيء منها فلو قضى حق الله أكبر وأتى البيت من بابه لدخل وانصرف بأنواع التحف والخيرات فهذا الباب الذي يدخل منه المصلى وهو التحريم وأما الباب الذي يخرج منه فهو باب السلام المتضمن أحد الأسماءا الحسنى فيكون مفتتحا لصلاته باسمه تبارك وتعالى ومختتما لها باسمه فيكون ذاكرا لاسم ربه أول الصلاة وآخرها فأولها باسمه وآخرها باسمه فدخل فيها باسمه وخرج منها باسمه مع ما في اسم السلام من الخاصية والحكمة المناسبة لانصراف المصلي من بين يدي الله تعالى فإن المصلي ما دام في صلاته بين يدي ربه فهو في حماه الذي لا يستطيع أحد أن يخفره بل هو في حمى من جميع الآفات والشرور فإذا انصرف من بين يديه تبارك وتعالى ابتدرته الآفات والبلايا والمحن وتعرضت له من كل جانب وجاءه الشيطان بمصائده وجنده فهو متعرض(2\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "417",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6632",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأنواع البلايا والمحن فإذا انصرف من بين يدي الله مصحوبا بالسلام لم يزل عليه حافظ من الله إلى وقت الصلاة الأخرى وكان من تمام النعمة عليه أن يكون انصرافه من بين يدي ربه بسلام يستصحبه ويدوم له ويبقى معه فتدبر هذا السر الذي لو لم يكن في هذا التعليق غيره لكان كافيا فكيف وفيه من الأسرار والفوائد ما لا يوجد عند أبناء الزمان والحمد في ذلك لله وحده فكما أن المنعم به هو الله وحده فالمحمود عليه هو الله وحده وقد عرف بهذا جواب السؤال الثاني وهو مجيء السلام هنا معرفا ليكون دالا على اسمه السلام وليكن هذا آخر الكلام في مسألة سلام عليكم فلولا قصد الاختصار لجاءت مجلدا ضخما هذا ولم تتعرض فيها إلى المسائل المسطورة في الكتب من فروع السلام ومسائله فإنها مملوءة منها فمن أرادها فليأخذها من هناك والحمد لله رب العالمين.(2\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "418",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6633",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تفسير المعوذتين: روى مسلم في صحيحه من حديث بن أبي حازم عن عقبة بن عامر قال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط أعوذ برب الفلق أعوذ برب الناس وفي لفظ آخر من رواية محمد بن إبراهيم التيمي عن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: quot;ألا أخبرك بأفضل ما تعوذ به المتعوذون قلت بلى: قال: قل أعوذ برب الفلق و قل أعوذ برب الناس quot; وفي الترمذي حدثنا قتيبة بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن علي بن رباح عن عقبة بن عامر قال: quot;أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ بالمعوذتين في دبر كل صلاة quot; إسناده فيه ضعف وهو صحيح لغيره قال: هذا حديث غريب وفي الترمذي والنسائي وسنن أبي داود عن عبد الله بن حبيب قال:quot; خرجنا في ليلة مطر وظلمة نطلب النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي لنا فأدركناه فقال: قل فلم أقل شيئا ثم قال: قل فلم أقل شيئا ثم قال: قل قلت: يا رسول الله ما أقول قال قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيءquot; صحيح قال الترمذي: حديث حسن صحيح وفي الترمذي أيضا من حديث الجريري عن أبي هريرة عن أبي سعيد الخدري قال: quot;كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان فلما نزلتا أخذهما وترك ما سواهما quot; حسن قال: وفي الباب عن أنس وهذا حديث غريب نفث النبي بالمعوذتين وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: quot; أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا(2\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "419",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6634",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "آوى إلى فراشه نفث في كفيه ب قل هو الله أحد والمعوذتين جميعا ثم يسمح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده قالت عائشة فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك بهquot; رواه البخاري ومسلم وأبو داود قلت: هكذا رواه يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة ذكره البخاري ورواه مالك عن الزهري عن عروة عنها: quot;أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عليه بيده رجاء بركتها quot; رواه البخاري ومسلم كذلك قال معمر عن الزهري عن عروة عنها: quot; أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث على نفسه في مرضه الذي قبض فيه بالمعوذات فلما ثقل كنت أنا أنفث عليه بهن وأمسح بيده نفسه لبركتها quot; فسألت ابن شهاب كيف كان ينفث قال: ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجههquot; رواه البخاري ذكره البخاري أيضا وهذا هو الصواب أن عائشة كانت تفعل ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرها ولم يمنعها من ذلك وأما أن يكون استرقى وطلب منها أن ترقيه فلا ولعل بعض الرواة رواه بالمعنى فظن أنها لما فعلت ذلك وأقرها على رقيته أن يكون مسترقيا فليس أحدهما بمعنى الآخر ولعل الذي كان يأمرها به إنما هو المسح على نفسه بيده فيكون هو الراقي لنفسه ويده لما ضعفت عن التنقل على سائر بدنه أمرها أن تنقلها على بدنه ويكون هذا غير قراءتها هي عليه ومسحها على يديه فكانت تفعل هذا وهذا والذي أمرها به إنما هو تنقل يده لا رقيته والله أعلم والمقصود الكلام على هاتين السورتين وبيان عظيم منفعتهما وشدة الحاجة بل الضرورة إليهما وأنه لا يستغني عنهما أحد قط وأن لهما تأثيرا خاصا في دفع السحر والعين وسائر الشرور وأن حاجة العبد إلى الاستعاذة بهاتين السورتين أعظم من حاجته إلى النفس والطعام والشراب واللباس فنقول والله المستعان قد اشتملت السورتان على ثلاثة أصول وهي أصول الاستعاذة أحدها:(2\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "420",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6635",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفس الاستعاذة والثانية: المستعاذ به والثالثة: المستعاذ منه فبمعرفة ذلك تعرف شدة الحاجة والضرورة إلى هاتين السورتين فلنعقد لهما ثلاثة فصول الفصل الأول: في الاستعاذة والثاني: في المستعاذ به والثالث: في المستعاذ منه. الفصل الأول: اعلم أن لفظ عاذ وما تصرف منها يدل على التحرز والتحصن والنجاة وحقيقة معناها الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه ولهذا يسمى المستعاذ به معاذا كما يسمى ملجأ ووزرا وفي الحديث: quot;أن ابنة الجون لما أدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليها قالت: أعوذ بالله منك فقال لها: قد عذت بمعاذ الحقي بأهلكquot; رواه البخاري فمعنى أعوذ ألتجئ وأعتصم وأتحرز وفي أصله قولان أحدهما: أنه مأخوذ من الستر والثاني: أنه مأخوذ من لزوم المجاورة فأما من قال: إنه من الستر قال: العرب تقول للبيت الذي في أصل الشجرة التي قد استتر بها عوذ بضم العين وتشديد الواو وفتحها فكأنه لما عاذ بالشجرة واستتر بأصلها وظلها سموه عوذا فكذلك العائد قد استتر من عدوه بمن استعاذ به منه واستجن به منه ومن قال: هو لزوم المجاورة قال العرب تقول للحم إذا لصق بالعظم فلم يتخلص منه عوذ لأنه اعتصم به واستمسك به فكذلك العائذ قد استمسك بالمستعاذ به واعتصم به ولزمه والقولان حق والاستعاذة تنتظمهما معا فإن المستعيذ مستتر بمعاذه متمسك به معتصم به قد استمسك قلبه به ولزمه كما يلزم الولد أباه إذا أشهر عليه عدوه سيفا وقصده به فهرب منه فعرض له أبوه في طريق هربه فإنه يلقي نفسه عليه ويستمسك به أعظم استمساك فكذلك العائذ قد هرب من عدوه الذي يبغي هلاكه إلى ربه ومالكه وفر إليه وألقى نفسه بين يديه واعتصم به واستجار به والتجأ إليه وبعد فمعنى الاستعاذة القائم بقلبه وراء هذه العبارات وإنما هي تمثيل وإشارة وتفهيم وإلا فما يقوم بالقلب حينئذ من(2\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "421",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6636",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الالتجاء والاعتصام والإنطراح بين يدي الرب والافتقار إليه والتذلل بين يديه أمر لا تحيط به العبارة ونظير هذا التعبير عن معنى محبته وخشيته وإجلاله ومهابته فإن العبارة تقصر عن وصف ذلك ولا تدرك إلا بالاتصاف بذلك لا بمجرد الصفة والخبر كما أنك إذا وصفت لذة الوقاع لعنين لم تخلق له شهوة أصلا فلو قربتها وشبهتها بما عساك أن تشبهها به لم تحصل حقيقة معرفتها في قلبه فإذا وصفتها لمن خلقت فيه وركبت فيه عرفها بالوجود والذوق وأصل هذا الفعل أعوذ بتسكين العين وضم الواو ثم أعل بنقل حركة الواو إلى العين وتسكين الواو فقالوا أعوذ على أصل هذا الباب ثم طردوا إعلاله فقالوا في اسم الفاعل عائذ وأصله عاوذ فوقعت الواو بعد ألف فاعل فقلبوها همزة كما قالوا قائم وخائف وقالوا في المصدر عياذا بالله وأصله عواذا كلواذ فقلبوا الواو ياء لكسرة ما قبلها ولم تحصنها حركتها لأنها قد ضعفت بإعلالها في الفعل وقالوا مستعيذ وأصله مستعوذ كمستخرج فنقلوا كسرة الواو إلى العين قبلها ثم قلبت الواو قبلها كسرة فقلبت ياء على أصل الباب فإن قلت: فلم دخلت السين والتاء في الأمر من هذا الفعل كقوله فاستعذ بالله ولم تدخل في الماضي والمضارع بل الأكثر أن يقال أعوذ بالله وعذت بالله دون أستعيذ واستعذت قلت: السين والتاء دالة على الطلب فقوله: أستعيذ بالله أي أطلب العياذ به كما إذا قلت أستخير الله أي أطلب خيرته وأستغفره أي أطلب مغفرته وأستقيله أي أطلب إقالته فدخلت في الفعل إيذانا لطلب هذا المعنى من المعاذ فإذا قال المأمور: أعوذ بالله فقد امتثل ما طلب منه لأنه طلب منه الالتجاء والاعتصام وفرق بين نفس الالتجاء والاعتصام وبين طلب ذلك فلما كان المستعيذ هاربا ملتجئا معتصما بالله أتى بالفعل الدال على ذلك دون الفعل الدال على طلب ذلك فتأمله وهذا بخلاف ما إذا قيل: أستغفر الله فقال: أستغفر الله فإنه طلب منه أن يطلب المغفرة من الله فإذا قال أستغفر الله كان ممتثلا لأن المعنى أطلب من الله تعالى أن يغفر لي وحيث أراد هذا المعنى في الاستعاذة فلا ضير أن يأتي بالسين فيقول(2\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "422",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6637",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أستعيذ بالله تعالى أي أطلب منه أن يعيذني ولكن هذا معنى غير نفس الاعتصام والالتجاء والهرب إليه فالأول: يخبر عن حاله وعياذه بربه وخبره يتضمن سؤاله وطلبه أن يعيذه والثاني: طالب سائل من ربه أن يعيذه كأنه يقول أطلب منك أن تعيذني فحال الأول أكمل مجيء امتثال هذا الأمر بلفظ الأمر ولهذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في امتثال هذا الأمر: quot;أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأعوذ بكلمات الله التامات وأعوذ بعزة الله وقدرته quot; دون أستعيذ بل الذي علمه الله إياه أن يقول أعوذ برب الفلق أعوذ برب الناس دون أستعيذ فتأمل هذه الحكمة البديعة فإن قلت فكيف جاء امتثال هذا الأمر بلفظ الأمر والمأمور به فقال: قل أعوذ برب الفلق و قل أعوذ برب الناس ومعلوم أنه إذا قيل: قل الحمد لله وقل سبحان الله فإن امتثاله أن يقول الحمد لله وسبحان الله ولا يقول قل سبحان الله قلت: هذا هو السؤال الذي أورده أبي بن كعب على النبي صلى الله عليه وسلم بعينه وأجابه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال البخاري في صحيحه حدثنا قتيبة ثنا سفيان عن عاصم وعبده عن زر قال: quot;سألت أبي بن كعب عن المعوذتين فقال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قيل لي فقلت فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلمquot; رواه البخاري ثم قال حدثنا علي بن عبد الله ثنا سفيان ثنا عبدة بن أبي لبابة عن زر بن حبيش وحدثنا عاصم عن زر قال: quot;سألت أبي بن كعب قلت أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا فقال: إني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قيل لي فقلت قل فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: مفعول القول محذوف وتقديره قيل لي قل أو قيل لي هذا اللفظ فقلت كما قيل لي وتحت هذا السر أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس له في القرآن إلا بلاغة لا أنه هو أنشأه من قبل نفسه بل هو المبلغ له عن الله وقد قال الله له: قل أعوذ برب الفلق فكان يقتضي البلاغ التام أن يقول: قل أعوذ برب الفلق كما قال الله وهذا هو المعنى الذي أشار النبي صلى الله عليه وسلم إليه(2\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "423",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6638",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بقوله: quot;قيل لي فقلتquot; أي إني لست مبتدئا بل أنا مبلغ أقول كما يقال لي وأبلغ كلام ربي كما أنزله إلي فصلوات الله وسلامه عليه لقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة وقال كما قيل له فكفانا وشفانا من المعتزلة والجهمية وإخوانهم ممن يقول هذا القرآن العربي وهذا النظم كلامه ابتدأ هو به ففي هذا الحديث أبين الرد لهذا القول وأنه صلى الله عليه وسلم بلغ القول الذي أمر بتبليغه على وجهه ولفظه حتى أنه لما قيل له قل لأنه مبلغ محض وما على الرسول إلا البلاغ. الفصل الثاني: المستعاذ به وهو الله وحده رب الفلق ورب الناس ملك الناس إله الناس الذي لا ينبغي الاستعاذة إلا به ولا يستعاذ بأحد من خلقه بل هو الذي يعيذ المستعيذين ويعصمهم ويمنعهم من شر ما استعاذوا من شره وقد أخبر الله تعالى في كتابه عمن استعاذ بخلقه أن استعاذته زادته طغيانا ورهقا فقال حكاية عن مؤمني الجن: وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا جاء في التفسير أنه كان الرجل من العرب في الجاهلية إذا سافر فأمسى في أرض قفر قال أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه فيبيت في أمن وجوار منهم حتى يصبح أي فزاد الإنس الجن باستعاذتهم بسادتهم رهقا أي طغيانا وإثما وشرا يقولون سدنا الإنس والجن والرهق في كلام العرب الإثم وغشيان المحارم فزادوهم بهذه الاستعاذة غشيانا لما كان محظورا من الكبر والتعاظم فظنوا أنهم سادوا الإنس والجن واحتج أهل السنة على المعتزلة في أن كلمات الله غير مخلوقة بأن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ بقوله: quot;أعوذ بكلمات الله التامات quot; رواه مسلم وهو لا يستعيذ بمخلوق أبدا ونظير ذلك قوله: quot; أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتكquot; رواه مسلم فدل على أن رضاه وعفوه من صفاته(2\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "424",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6639",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأنه غير مخلوق وكذلك قوله: quot;أعوذ بعزة الله وقدرتهquot; أخرجه مسلم وقوله: quot;أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلماتquot; إسناده قابل للتحسين وما استعاذ به النبي صلى الله عليه وسلم غير مخلوق فإنه لا يستعيذ إلا بالله أو صفة من صفاته وجاءت الاستعاذة في هاتين السورتين باسم الرب والملك والإله وجاءت الربوبية فيها مضافة إلى الفلق وإلى الناس ولا بد من أن يكون ما وصف به نفسه في هاتين السورتين يناسب الاستعاذة المطلوبة ويقتضي دفع الشر المستعاذ منه أعظم مناسبة وأبينها وقد قررنا في مواضع متعددة أن الله سبحانه يدعى بأسمائه الحسنى فيسأل لكل مطلوب باسم يناسبه باسم ويقتضيه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في هاتين السورتين أنه ما تعوذ المتعوذون بمثلها فلا بد أن يكون الاسم المستعاذ به مقتضيا للمطلوب وهو دفع الشر المستعاذ منه أو رفعه وإنما يتقرر هذا بالكلام في الفصل الثالث وهو الشيء المستعاذ منه فتتبين المناسبة المذكورة فنقول. الفصل الثالث: في أنواع الشرور المستعاذ منها: في هاتين السورتين الشر الذي يصيب العبد لا يخلو من قسمين: إما ذنوب وقعت منه يعاقب عليها فيكون وقوع ذلك بفعله وقصده وسعيه ويكون هذا الشر هو الذنوب وموجباتها وهو أعظم الشرين وأدومهما وأشدهما اتصالا بصاحبه وإما: شر واقع به من غيره وذلك الغير إما مكلف أو غير مكلف والمكلف إما نظيره وهو الإنسان أو ليس نظيره وهو الجني وغير المكلف مثل الهوام وذوات الحمى وغيرها فتضمنت هاتان السورتان الاستعاذة من هذه الشرور كلها بأوجز لفظ وأجمعه وأدله على المراد وأعمه استعاذة بحيث لم يبق شر من الشرور إلا دخل تحت الشر المستعاذ منه(2\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "425",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6640",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيهما فإن سورة الفلق تضمنت الاستعاذة من أمور أربعة أحدها: شر المخلوقات التي لها شر عموما الثاني: شر الغاسق إذا وقب الثالث: شر النفاثات في العقد الرابع: شر الحاسد إذا حسد فنتكلم على هذه الشرور الأربعة ومواقعها واتصالها بالعبد والتحرز منها قبل وقوعها وبماذا تدفع بعد وقوعها وقبل الكلام في ذلك لا بد من بيان الشر ما هو وما حقيقته فنقول الشر يقال على شيئين: على الألم وعلى ما يفضي إليه وليس له مسمى سوى ذلك فالشرور هي الآلام وأسبابها فالمعاصي والكفر والشرك وأنواع الظلم هي شرور وإن كان لصاحبها فيا نوع غرض ولذة لكنها شرور لأنها أسباب الآلام ومفضية إليها كإفضاء سائر الأسباب إلى مسبباتها فترتب الألم عليها كترتب الموت على تناول السموم القاتلة وعلى الذبح والإحراق بالنار والخنق بالحبل وغير ذلك من الأسباب التي تصيبه مفضية إلى مسبباتها ولا بد ما لم يمنع السببية مانع أو يعارض السبب ما هو أقوى منه وأشد اقتضاء لضده كما يعارض سبب المعاصي قوة الإيمان وعظمة الحسنات الماحية وكثرتها فيزيد في كميتها وكيفيتها على أسباب العذاب فيدفع الأقوى للأضعف وهذا شأن جميع الأسباب المتضادة كأسباب الصحة والمرض وأسباب الضعف والقوة والمقصود أن هذه الأسباب التي فيها لذة ما هي شر وإن نالت بها النفس مسرة عاجلة وهي بمنزلة طعام لذيذ شهي لكنه مسموم إذا تناوله الآكل لذا لآكله وطاب له مساغه وبعد قليل يفعل به ما يفعل فهكذا المعاصي والذنوب ولا بد حتى لو لم يخبر الشارع بذلك لكان الواقع والتجربة الخاصة والعامة من أكبر شهوده وهل زالت عن أحد قط نعمة إلا بشؤم معصيته فإن الله إذا أنعم على عبد بنعمة حفظها عليه ولا يغيرها عنه حتى يكون هو الساعي في تغييرها عن نفسه: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ومن تأمل ما قص الله تعالى في كتابه من أحوال الأمم الذين أزال نعمه عنهم وجد سبب(2\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "426",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6641",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك جميعه إنما هو مخالفة أمره وعصيان رسله وكذلك من نظر في أحوال أهل عصره وما أزال الله عنهم من نعمه وجد ذلك كله من سوء عواقب الذنوب كما قيل: إذا كنت في نعمة فارعها ... فإن المعاصي تزيل النعم فما حفظت نعمة الله بشيء قط مثل طاعته ولا حصلت فيها الزيادة بمثل شكره ولا زالت عن العبد بمثل معصيته لربه فإنها نار النعم التي تعمل فيها كما تعمل النار في الحطب اليابس ومن سافر بفكره في أحوال العالم استغنى عن تعريف غيره له والمقصود أن هذه الأسباب شرور ولا بد وأما كون مسبباتها شرورا فلأنها آلام نفسية وبدنية فيجتمع على صاحبها مع شدة الألم الحسي ألم الروح بالهموم والغموم والأحزان والحسرات ولو تفطن العاقل اللبيب لهذا حق التفطن لأعطاه حقه من الحذر والجد في الهرب ولكن قد ضرب على قلبه حجاب الغفلة ليقضي الله أمرا كان مفعولا فلو تيقظ حق التيقظ لتقطعت نفسه في الدنيا حسرات على ما فاته من حظه العاجل والآجل من الله وإنما يظهر له هذا حقيقة الظهور عند مفارقة هذا العالم والإشراف والإطلاع على عالم البقاء فحينئذ يقول: يا ليتني قدمت لحياتي و حسرتى على ما فرطت في جنب الله مدار المستعاذات على الآلام وأسبابها ولما كان الشر هو الآلام وأسبابها كانت استعاذات النبي صلى الله عليه وسلم جميعها مدارها على هذين الأصلين فكل ما استعاذ منه أو أمر بالاستعاذة منه فهو إما مؤلم وإما سبب يفضي إليه فكان يتعوذ في آخر الصلاة من أربع وأمر بالاستعاذة منهن وهي: quot;عذاب القبر وعذاب النار فهذان أعظم المؤلمات وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال quot; رواه البخاري ومسلم والنسائي وهذان سبب العذاب المؤلم فالفتنة سبب العذاب وذكر الفتنة خصوصا وعموما وذكر نوعي الفتنة لأنها إما في الحياة وإما بعد الموت ففتنة الحياة قد يتراخى عنها العذاب مدة وأما فتنة الموت فيتصل بها العذاب من غير تراخ فعادت الاستعاذة إلى الألم والعذاب وأسبابها وهذا من آكد أدعية الصلاة(2\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "427",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6642",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حتى أوجب بعض السلف والخلف الإعادة على من لم يدع به في التشهد الأخير وأوجبه ابن حزم في كل تشهد فإن لم يأت به بطلت صلاته استعاذة النبي من ثمانية أشياء ومن ذلك قوله: quot;اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجالquot; رواه البخاري ومسلم والنسائي فاستعاذ من ثمانية أشياء كل اثنين منها قرينان فالهم والحزن قرينان وهما من آلام الروح ومعذباتها والفرق بينهما أن الهم توقع الشر في المستقبل والحزن التألم على حصول المكروه في الماضي أو فوات المحبوب وكلاهما تألم وعذاب يرد على الروح فإن تعلق بالماضي سمي حزنا وإن تعلق بالمستقبل سمي هما والعجز والكسل قرينان وهما من أسباب الألم لأنهما يستلزمان فوات المحبوب فالعجز يستلزم عدم القدرة والكسل يستلزم عدم إرادته فتتألم الروح لفواته بحسب تعلقها به والتذاذها بإدراكه لو حصل والجبن والبخل قرينان لأنهما عدم النفع بالمال والبدن وهما من أسباب الألم لأن الجبان تفوته محبوبات ومفرحات وملذوذات عظيمة لا تنال إلا بالبذل والشجاعة والبخل يحول بينه دونها أيضا فهذان الخلقان من أعظم أسباب الآلام وضلع الدين وقهر الرجال قرينان وهما مؤلمان للنفس معذبان لها أحدهما قهر بحق وهو ضلع الدين والثاني قهر بباطل وهو غلبة الرجال وأيضا فضلع الدين قهر بسبب من العبد في الغالب وغلبة الرجال قهر بغير اختياره ومن ذلك تعوذه quot;من المأثم والمغرم quot; رواه البخاري فإنهما يسببان الألم العاجل ومن ذلك قوله: quot;أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتكquot; رواه مسلم فالسخط سبب الألم والعقوبة هي الألم فاستعاذ من أعظم الآلام وأقوى أسبابها فصل: والشر المستعاذ منه نوعان: أحدهما موجود يطلب رفعه والثاني: معدوم يطلب(2\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "428",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6643",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بقاؤه على العدم وأن لا يوجد كما أن الخير المطلق نوعان أحدهما: موجود فيطلب دوامه وثباته وأن لا يسلبه والثاني: معدوم فيطلب وجوده وحصوله مطالب العباد أربعة فهذه أربعة هي أمهات مطالب السائلين من رب العالمين وعليها مدار طلباتهم وقد جاءت هذه المطالب الأربعة في قوله تعالى حكاية عن دعاء عباده في آخر آل عمران في قولهم: ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا فهذا الطلب لدفع الشر الموجود فإن الذنوب والسيئات شر كما تقدم بيانه ثم قال: وتوفنا مع الأبرار فهذا طلب لدوام الخير الموجود وهو الإيمان حتى يتوفاهم عليه فهذان قسمان ثم قال: ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك فهذا طلب للخير المعدوم أن يؤتيهم إياه ثم قال: ولا تخزنا يوم القيامة فهذا طلب أن لا يوقع بهم الشر المعدوم وهو خزي يوم القيامة فانتظمت الآيتان للمطالب الأربعة أحسن انتظام مرتبة أحسن ترتيب قدم فيها النوعان اللذان في الدنيا وهما المغفرة ودوام الإسلام إلى الموت ثم اتبعا بالنوعين اللذين في الآخرة وهما أن يعطوا ما وعدوه على ألسنة رسله وأن لا يخزيهم يوم القيامة فإذا عرف هذا فقوله صلى الله عليه وسلم في تشهد الخطبة quot;ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالناquot; صحيح يتناول الاستعاذة من شر النفس الذي هو معدوم لكنه فيها بالقوة فيسأل دفعه وأن لا يوجد وأما قوله من سيئات أعمالنا ففيه قولان أحدهما أنه استعاذة من الأعمال السيئة التي قد وجدت فيكون الحديث قد تناول نوعي الاستعاذة من الشر المعدوم الذي لم يوجد ومن الشر الموجود فطلب دفع الأول ورفع الثاني والقول الثاني أن سيئات الأعمال هي عقوباتها وموجباتها السيئة التي تسوء صاحبها وعلى هذا يكون من استعاذة الدفع أيضا دفع المسبب والأول دفع السبب فيكون قد استعاذ من حصول الألم وأسبابه وعلى الأول يكون إضافة السيئات إلى الأعمال من باب إضافة النوع إلى جنسه فإن الأعمال جنس وسيئاتها نوع منها وعلى الثاني يكون من باب إضافة المسبب إلى(2\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "429",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6644",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سببه والمعلول إلى علته كأنه قال من عقوبة عملي والقولان محتملان فتأمل أيهما أليق بالحديث وأولى به فإن مع كل واحد منهما نوعا من الترجيح فيترجح الأول: بأن منشأ الأعمال السيئة من شر النفس فشر النفس يولد الأعمال السيئة فاستعاذ من صفة النفس ومن الأعمال التي تحدث عن تلك الصفة وهذان جماع الشر وأسباب كل ألم فمتى عوفي منها عوفي من الشر بحذافيره ويترجح الثاني: بأن سيئات الأعمال هي العقوبات التي تسوء العامل وأسبابها شر النفس فاستعاذ من العقوبات والآلام وأسبابها والقولان في الحقيقة متلازمان والاستعاذة من أحدهما تستلزم الاستعاذة من الآخر. فصل: ولما كان الشر له سبب هو مصدره وله مورد ومنتهى وكان السبب إما من ذات العبد وإما من خارجه ومورده ومنتهاه إما نفسه وإما غيره كان هنا أربعة أمور شر مصدره من نفسه ويعود على نفسه تارة وعلى غيره أخرى وشر مصدره من غيره وهو السبب فيه ويعود على نفسه تارة وعلى غيره أخرى جمع النبي صلى الله عليه وسلم هذه المقامات الأربعة في الدعاء الذي علمه الصديق أن يقوله إذا أصبح وإذا أمسى وإذا أخذ مضجعه quot;اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلمquot; صحيح فذكر مصدري الشر وهما: النفس والشيطان وذكر مورده ونهايتيه وهما: عوده على النفس أو على أخيه المسلم فجمع الحديث مصادر الشر وموارده في أوجز لفظه وأخصره وأجمعه وأبينه.(2\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "430",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6645",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: فإذا عرفت هذا فلنتكلم على الشرور المستعاذ منها في هاتين السورتين الشر الأول العام في قوله: من شر ما خلق وما هاهنا موصولة ليس إلا والشر مسند في الآية إلى المخلوق المفعول لا إلى خلق الرب تعالى الذي هو فعله وتكوينه فإنه لا شر فيه بوجه ما فإن الشر لا يدخل في شيء من صفاته ولا في أفعاله كما لا يلحق ذاته تبارك وتعالى فإن ذاته لها الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه وأوصافه كذلك لها الكمال المطلق والجلال التام ولا عيب فيها ولا نقص بوجه ما وكذلك أفعاله كلها خيرات محضة لا شر فيها أصلا ولو فعل الشر سبحانه لاشتق له منه اسم ولم تكن أسماؤه كلها حسنى ولعاد إليه منه حكم تعالى وتقدس عن ذلك وما يفعله من العدل بعباده وعقوبة من يستحق العقوبة منهم هو خير محض إذ هو محض العدل والحكمة وإنما يكون شرا بالنسبة إليهم فالشر وقع في تعلقه بهم وقيامه بهم لا في فعله القائم به تعالى ونحن لا ننكر أن الشر يكون في مفعولاته المنفصلة فإنه خالق الخير والشر ولكن هنا أمران ينبغي أن يكونا منك على باب أحدهما أن ما هو شر أو متضمن للشر فإنه لا يكون إلا مفعولا منفصلا لا يكون وصفا له ولا فعلا من أفعاله الثاني: أن كونه شرا هو أمر نسبي إضافي فهو خير من جهة تعلق فعل الرب وتكوينه به وشر من جهة نسبته إلى من هو شر في حقه فله وجهان هو من أحدهما: خير وهو الوجه الذي نسب منه إلى الخالق سبحانه وتعالى خلقا وتكوينا ومشيئة لما فيه من الحكمة البالغة التي استأثر بعلمها وأطلع من شاء من خلقه على ما شاء منها وأكثر الناس تضيق عقولهم عن مبادئ معرفتها فضلا عن حقيقتها فيكفيهم الإيمان المجمل بأن الله سبحانه هو الغني الحميد وفاعل الشر لا يفعله لحاجته المنافية لغناه أو لنقصه وعيبه(2\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "431",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6646",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المنافي لحمده فيستحيل صدور الشر من الغني الحميد فعلا وإن كان هو الخالق للخير والشر فقد عرفت أن كونه شرا هو أمر إضافي وهو في نفسه خير من جهة نسبته إلى خالقه ومبدعه فلا تغفل عن هذا الموضع فإنه يفتح لك بابا عظيما من معرفة الرب ومحبته ويزيل عنك شبهات حارث فيها عقول أكثر الفضلاء وقد بسطت هذا في كتاب التحفة المكية وكتاب الفتح القدسي وغيرهما الشر في أفعاله تعالى أمر نسبي وإذا أشكل عليك هذا فأنا أوضحه لك بأمثلة أحدها أن السارق إذا قطعت يده فقطعها شر بالنسبة إليه وخير محض بالنسبة إلى عموم الناس لما فيه من حفظ أموالهم ودفع الضرر عنهم وخير بالنسبة إلى متولي القطع أمرا وحكما لما في ذلك من الإحسان إلى عبيده عموما بإتلاف هذا العضو المؤذي لهم المضر بهم فهو محمود على حكمه بذلك وأمره به مشكور عليه يستحق عليه الحمد من عباده والثناء عليه والمحبة وكذلك الحكم بقتل من يصول عليهم في دمائهم وحرماتهم وجلد من يصول عليهم في أعراضهم فإذا كان هذا عقوبة من يصول عليهم في دنياهم فكيف عقوبة من يصول على أديانهم ويحول بينهم وبين الهدى الذي بعث الله به رسله وجعل سعادة العباد في معاشهم ومعادهم منوطة به أفليس في عقوبة هذا الصائل خير محض وحكمة وعدل وإحسان إلى العبيد وهي شر بالنسبة إلى الصائل الباغي فالشر ما قام به من تلك العقوبة وأما ما نسب إلى الرب منها من المشيئة والإرادة والفعل فهو عين الخير والحكمة فلا يغلظ حجابك عن فهم هذا النبأ العظيم والسر الذي يطلعك على مسألة القدر ويفتح لك الطريق إلى الله ومعرفة حكمته ورحمته وإحسانه إلى خلقه وأنه سبحانه كما أنه البر الرحيم الودود المحسن فهو الحكيم الملك العدل فلا تناقض حكمته رحمته بل يضع رحمته وبره وإحسانه موضعه ويضع عقوبته وعدله وانتقامه وبأسه موضعه وكلاهما مقتضى عزته وحكمته وهو العزيز الحكيم فلا يليق بحكمته أن يضع رضاه ورحمته موضع العقوبة والغضب ولا يضع غضبه وعقوبته موضع رضاه ورحمته ولا يلتفت(2\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "432",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6647",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى قول من غلظ حجابه عن الله تعالى أن الأمرين بالنسبة إليه على حد سواء ولا فرق أصلا وإنما هو محض المشيئة بلا سبب ولا حكمة وتأمل القرآن من أوله إلى آخره كيف تجده كفيلا بالرد على هذه المقالة وإنكارها أشد الإنكار وتنزيه نفسه عنها كقوله تعالى: أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون وقوله: أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون وقوله: أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار فأنكر سبحانه على من ظن هذا الظن ونزه نفسه عنه فدل على أنه مستقر في الفطر والعقول السليمة أن هذا لا يكون ولا يليق بحكمته وعزته وإلهيته quot;لا إله هو تعالى عما يقول الجاهلون علوا كبيراquot; وقد فطر الله عقول عباده على استقباح وضع العقوبة والانتقام في موضع الرحمة والإحسان ومكافأة الصنع الجميل بمثله وزيادة فإذا وضع العقوبة موضع ذلك استنكرته فطرهم وعقولهم أشد الاستنكار واستهجنته أعظم الاستهجان وكذلك وضع الإحسان والإكرام في موضع العقوبة والانتقام كما إذا جاء إلى من يسيء إلى العالم بأنواع الإساءة في كل شيء من أموالهم وحريمهم ودمائهم فأكرمه غاية الإكرام ورفعه وكرمه فإن الفطر والعقول تأبى استحسان هذا وتشهد على سفه من فعله هذه فطرة الله التي فطر الناس عليها فما للعقول والفطر لا تشهد حكمته البالغة وعزته وعدله في وضع عقوبته في أولى المحال بها وأحقها بالعقوبة وأنها لو أوليت النعم لم تحسن بها ولم تلق ولظهرت مناقضة الحكمة كما قال الشاعر: نعمة الله لا تعاب ولكن ... ربما استقبحت على أقوام فهكذا نعم الله لا تليق ولا تحسن ولا تجمل بأعدائه الصادين عن سبيله الساعين في خلاف مرضاته الذين يرضون إذا غضب ويغضبون إذا رضي ويعطلون ما حكم(2\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "433",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6648",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به ويسعون في أن تكون الدعوة لغيره والحكم لغيره والطاعة لغيره فهم مضادون في كل ما يريد يحبون ما يبغضه ويدعون إليه ويبغضون ما يحبه وينفرون عنه ويوالون أعداءه وأبغض الخلق إليه ويظاهرونهم عليه وعلى رسوله كما قال تعالى: وكان الكافر على ربه ظهيرا وقال: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو فتأمل ما تحت هذا الخطاب الذي يسلب الأرواح حلاوة وعقابا وجلالة وتهديدا كيف صدره بإخبارنا أنه أمر إبليس بالسجود لأبينا فأبى ذلك فطرده ولعنه وعاداه من أجل إبائه عن السجود لأبينا ثم أنتم توالونه من دوني وقد لعنته وطردته إذ لم يسجد لأبيكم وجعلته عدوا لكم ولأبيكم فواليتموه وتركتموني فليس هذا من أعظم الغبن وأشد الحسرة عليكم ويوم القيامة يقول تعالى أليس عدلا مني أن أولي كل رجل منكم ما كان يتولى في دار الدنيا فليعلمن أولياء الشيطان كيف حالهم يوم القيامة إذا ذهبوا مع أوليائهم وبقي أولياء الرحمن لم يذهبوا مع أحد فيتجلى لهم ويقول ألا تذهبون حيث ذهب الناس فيقولون فارقنا الناس أحوج ما كنا إليهم وإنما ننتظر ربنا الذي كنا نتولاه ونعبده فيقول هي بينكم وبينه علامة تعرفونه بها فيقولون نعم إنه لا مثل له فيتجلى لهم ويكشف عن ساق فيخرون له سجدا فيا قرة عيون أوليائه بتلك الموالاة ويا فرحهم إذا ذهب الناس مع أوليائهم وبقوا مع مولاهم الحق فسيعلم المشركون به الصادون عن سبيله أنهم ما كانوا أولياءه إن أولياءه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون ولا تستطل هذا البساط فما أحوج القلوب إلى معرفته وتعقله ونزولها منه منازلها فيا للدنيا لتنزل في جوار ربها في الآخرة الذين أنعم الله تعالى عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.(2\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "434",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6649",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: إذا عرفت هذا عرف معنى قوله في الحديث الصحيح quot;لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليكquot; صحيح وإن معناه أجل وأعظم من قول من قال والشر لا يتقرب به إليك وقول من قال والشر لا يصعد إليك وأن هذا الذي قالوه وإن تضمن تنزيهه عن صعود الشر إليه والتقرب به إليه فلا يتضمن تنزيهه في ذاته وصفاته وأفعاله عن الشر بخلاف لفظ المعصوم الصادق المصدق فإنه يتضمن تنزيهه في ذاته تبارك وتعالى عن نسبة الشر إليه بوجه ما لا في صفاته ولا في أفعاله ولا في أسمائه وإن دخل في مخلوقاته كقوله: قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق وتأمل طريقة القرآن في إضافة الشر تارة إلى سببه ومن قام به كقوله: والكافرون هم الظالمون وقوله: والله لا يهدي القوم الفاسقين وقوله: فبظلم من الذين هادوا وقوله: ذلك جزيناهم ببغيهم وقوله: وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين وهو في القرآن أكثر من أن يذكر هاهنا عشر معشاره وإنما المقصود التمثيل وتارة بحذف فاعله كقوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن: وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا فحذفوا فاعل الشر ومريده وصرحوا بمريد الرشد ونظيره في الفاتحة: صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين فذكر النعمة مضافة إليه سبحانه والضلال منسوبا إلى من قام به والغضب محذوفا فاعله ومثله قول الخضر في السفينة: فأردت أن أعيبها وفي الغلامين: فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ومثله قوله: ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان فنسب هذا التزيين المحبوب إليه وقال: زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين فحذف الفاعل المزين ومثله قول الخليل صلى الله عليه وسلم: الذي خلقني(2\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "435",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6650",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين فنسب إلى ربه كل كمال من هذه الأفعال ونسب إلى نفسه النقص منها وهو المرض والخطيئة وهذا كثير في القرآن الكريم ذكرنا منه أمثلة كثيرة في كتاب الفوائد المكية وبينا هناك السر في مجيء: الذين آتيناهم الكتاب : الذين أوتوا الكتاب والفرق بين الموضعين وأنه حيث ذكر الفاعل كان من آتاه الكتاب واقعا في سياق المدح وحيث حذفه كان من أوتيه واقعا في سياق الذم أو منقسما وذلك من أسرار القرآن الكريم ومثله: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا وقال: فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى وبالجملة فالذي يضاف إلى الله تعالى كله خير وحكمة ومصلحة وعدل والشر ليس إليه. فصل: وقد دخل في قوله تعالى: من شر ما خلق الاستعاذة من كل شر في أي مخلوق قام به الشر من حيوان أو غيره إنسيا كان أو جنيا أو هامة أو دابة أو ريحا أو صاعقة أي نوع كان من أنواع البلاء فإن قلت: فهل في ما هاهنا عموم قلت فيها عموم تقييدي وصفي لا عموم إطلاقي والمعنى من شر كل مخلوق فيه شر فعمومها من هذا الوجه وليس المراد الاستعاذة من شر كل ما خلقه الله تعالى فإن الجنة وما فيها ليس فيها شر وكذلك الملائكة والأنبياء فإنهم خير محض والخير كله حصل على أيديهم فالاستعاذة من: من شر ما خلق تعم شر كل مخلوق فيه شر وكل شر في الدنيا والآخرة وشر شياطين الإنس والجن وشر السباع والهوام وشر النار والهواء وغير ذلك وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات(2\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "436",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6651",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل منهquot; رواه مسلم روى أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فأقبل الليل قال: quot;يا أرض ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما خلق فيك وشر ما يدب عليك أعوذ بالله من أسد وأسود ومن الحية والعقرب ومن ساكن البلد ومن والد وما ولدquot; حسن على الراجح وفي الحديث الآخر: quot;أعوذ بكلمات الله التامة التي لا يجاوزها بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرا وبرا ومن شر ما نزل من السماء وما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن quot; صحيح. فصل: الشر الثاني: شر الغاسق إذا وقب فهذا خاص بعد عام وقد قال أكثر المفسرين أنه الليل قال عبد الله بن عباس الليل إذا أقبل بظلمته من الشرق ودخل في كل شيء وأظلم والغسق الظلمة يقال غسق الليل وأغسق إذا أظلم ومنه قوله تعالى: أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وكذلك قال الحسن ومجاهد: quot;الغاسق إذا وقب الليل إذا أقبل ودخل والوقوب الدخول وهو دخول الليل بغروب الشمسquot; وقال مقاتل: quot;يعني ظلمة الليل إذا دخل سواده في ضوء النهارquot; وفي تسمية الليل غاسقا قول آخر إنه من البرد والليل أبرد من النهار والغسق البرد وعليه حمل عبد الله بن عباس قوله تعالى: هذا فليذوقوه حميم وغساق وقوله: لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا قال: هو الزمهرير يحرقهم ببرده كما تحرقهم النار بحرها وكذلك قال مجاهد ومقاتل هو الذي انتهى برده ولا تنافي بين القولين فإن الليل بارد مظلم فمن ذكر برده فقط أو ظلمته فقط اقتصر على أحد وصفيه والظلمة في الآية أنسب لمكان الاستعاذة فإن الشر الذي يناسب الظلمة أولى بالاستعاذة من البرد الذي(2\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "437",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6652",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في الليل ولهذا استعاذ برب الفلق الذي هو الصبح والنور من شر الغاسق الذي هو الظلمة فناسب الوصف المستعاذ به للمعنى المطلوب بالاستعاذة كما سنزيده تقريرا عن قريب إن شاء الله فإن قيل: فما تقولون فيما رواه الترمذي من حديث ابن أبي ذئب عن الحرث بن عبد الرحمن عن أبي سلمة عن عائشة قالت: quot;أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي فنظر إلى القمر فقال: يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا فإن هذا هو الغاسق إذا وقب quot; صحيح قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وهذا أولى من كل تفسير فيتعين المصير إليه قيل: هذا التفسير حق ولا يناقض التفسير الأول بل يوافقه ويشهد بصحته فإن الله تعالى قال: وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة فالقمر هو آية الليل وسلطانه فهو أيضا غاسق إذا وقب كما غاسق إذا وقب والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن القمر بأنه غاسق إذا وقب وهذا خبر صدق وهو أصدق الخبر ولم ينف عن الليل اسم الغاسق إذا وقب وتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم له بالذكر لا ينفي شمول الاسم لغيره ونظير هذا قوله في المسجد الذي أسس على التقوى وقد سئل عنه فقال: quot;هو مسجدي هذاquot; رواه مسلم والنسائي والترمذي ومعلوم أن هذا لا ينفي كون مسجد قبا مؤسسا على التقوى مثل ذاك ونظيره أيضا قوله في علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين quot;اللهم هؤلاء أهل بيتيquot; رواه مسلم فإن هذا لا ينفي دخول غيرهم من أهل بيته في لفظ أهل البيت ولكن هؤلاء أحق من دخل في لفظ أهل بيته ونظير هذا قوله ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس شيئا ولا يفطن له فيتصدق عليه رواه البخاري ومسلم وهذا لا ينفي اسم المسكنة عن الطواف بل ينفي اختصاص الاسم به وتناول المسكين لغير السائل أولى من تناوله له ونظير هذا قوله: quot;ليس الشديد بالصرعة ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب quot; رواه البخاري ومسلم فإنه لا يقتضي نفي الاسم عن الذي يصرع الرجال ولكن يقتضي أن ثبوته للذي يملك نفسه عند الغضب(2\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "438",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6653",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أولى ونظيره الغسق والوقوب وأمثال ذلك فكذلك قوله في القمر هذا هو الغاسق إذا وقب لا ينفي أن يكون الليل غاسقا بل كلاهما غاسق فإن قيل: فما تقولون في القول الذي ذهب إليه بعضهم أن المراد به القمر إذا خسف واسود وقوله: وقب أي دخل في الخسوف أو غاب خاسفا قيل: هذا القول ضعيف ولا نعلم به سلفا والنبي صلى الله عليه وسلم لما أشار إلى القمر وقال: هذا الغاسق إذا وقب لم يكن خاسفا إذ ذاك وإنما كان وهو مستنير ولو كان خاسفا لذكرته عائشة وإنما قالت: نظر إلى القمر وقال: هذا هو الغاسق ولو كان خاسفا لم يصح أن يحذف ذلك الوصف منه فإن ما أطلق عليه اسم الغاسق باعتبار صفة لا يجوز أن يطلق عليه بدونها لما فيه من التلبيس وأيضا فإن اللغة لا تساعد على هذا فلا نعلم أحدا قال الغاسق القمر في حال خسوفه وأيضا فإن الوقوب لا يقول أحد من أهل اللغة أنه الخسوف وإنما هو الدخول من قولهم وقيت العين إذا غارت ومنه الوقب للثقب الذي يدخل فيه المحور وتقول العرب وقب يقب وقوبا إذا دخل فإن قيل: فما تقولون في القول الذي ذهب إليه بعضهم أن الغاسق هو الثريا إذا سقطت فإن الأسقام تكثر عند سقوطها وغروبها وترتفع عند طلوعها قيل إن أراد صاحب هذا القول اختصاص الغاسق بالنجم إذا غرب فباطل وإن أراد أن اسم الغاسق يتناول ذلك بوجه ما فهذا يحتمل أن يدل اللفظ عليه بفحواه ومقصوده وتنبيهه وأما أن يختص اللفظ به فباطل فصل: والسبب الذي لأجله أمر الله بالاستعاذة من شر الليل وشر القمر إذا وقب هو أن الليل إذا أقبل فهو محل سلطان الأرواح الشريرة الخبيثة وفيه تنتشر الشياطين وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الشمس إذا غربت انتشرت الشياطين ولهذا(2\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "439",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6654",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: quot; فاكتفوا صبيانكم واحبسوا مواشيكم حتى تذهب فحمة العشاء quot; رواه البخاري ومسلم وفي حديث آخر quot;فإن الله يبث من خلقه ما يشاءquot; والليل هو محل الظلام وفيه تتسلط شياطين الإنس والجن ما لا تتسلط بالنهار فإن النهار نور والشياطين إنما سلطانهم في الظلمات والمواضع المظلمة وعلى أهل الظلمة وروي أن سائلا سأل مسيلمة كيف يأتيك الذي يأتيك فقال في ظلماء حندس quot; وسأل النبي صلى الله عليه وسلم كيف يأتيك فقال: quot;في مثل ضوء النهار quot; فاستدل بهذا على نبوته وإن الذي يأتيه ملك من عند الله وأن الذي يأتي مسيلمة شيطان ولهذا كان سلطان السحر وعظم تأثيره إنما هو بالليل دون النهار فالسحر الليلي عندهم هو السحر القوي التأثير ولهذا كانت القلوب المظلمة هي محال الشياطين وبيوتهم ومأواهم والشياطين تجول فيها وتتحكم كما يتحكم ساكن البيت فيه وكلما كان القلب أظلم كان للشيطان أطوع وهو فيه أثبت وأمكن. فصل: ومن هاهنا تعلم السر في الاستعاذة برب الفلق في هذا الموضع فإن الفلق الصبح الذي هو مبدأ ظهور النور وهو الذي يطرد جيش الظلام وعسكر المفسدين في الليل فيأوي كل خبيث وكل مفسد وكل لص وكل قاطع طريق إلى سرب أو كن أو غار وتأوي الهوام إلى أحجرتها والشياطين التي انتشرت بالليل إلى أمكنتها ومحالها فأمر الله تعالى عباده أن يستعيذوا برب النور الذي يقهر الظلمة ويزيلها ويقهر عسكرها وجيشها ولهذا ذكر سبحانه في كل كتاب أنه يخرج عباده من الظلمات إلى النور ويدع الكفار في ظلمات كفرهم قال تعالى: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات وقال تعالى: أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها وقال في أعمار الكفار: أو كظلمات في(2\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "440",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6655",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور وقد قال قبل ذلك في صفات أهل الإيمان ونورهم الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء فالإيمان كله نور ومآله إلى نور ومستقره في القلب المضيء المستنير والمقترن بأهله الأرواح المستنيرة المضيئة المشرقة والكفر والشرك كله ظلمة ومآله إلى الظلمات ومستقره في القلوب المظلمة والمقترن بها الأرواح المظلمة فتأمل الاستعاذة برب الفلق من شر الظلمة ومن شر ما يحدث فيها ونزول هذا المعنى على الواقع يشهد بأن القرآن بل هاتان السورتان من أعظم أعلام النبوة وبراهين صدق رسالة محمد ومضادة لما جاء به الشياطين من كل وجه وإن ما جاء به ما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون فما فعلوه ولا يليق بهم ولا يتأتى منهم ولا يقدرون عليه وفي هذا أبين جواب وأشفاه لما يورده أعداء الرسول عليه من الأسئلة الباطلة التي قصر المتكلمون غاية التقصير في دفعها وما شفوا في جوابها وإنما الله سبحانه هو الذي شفى وكفى في جوابها فلم يحوجنا إلى متكلم ولا إلى أصولي ولا أنظار فله الحمد والمنة لا نحصي ثناء عليه. فصل: واعلم أن الخلق كله فلق وذلك أن فلقا فعل بمعنى مفعول كقبض وسلب وقنص بمعنى مقبوض ومسلوب ومقنوص والله عز وجل فالق الإصباح وفالق الحب والنوى وفالق الأرض عن النبات والجبال عن العيون والسحاب عن المطر والأرحام عن الأجنة والظلام عن الإصباح ويسمى الصبح المتصدع عن الظلمة فلقا وفرقا يقال هو(2\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "441",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6656",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبيض من فرق الصبح وفلقه وكما أن في خلقه فلقا وفرقا فكذلك أمره كله فرقان يفرق بين الحق والباطل فيفرق ظلام الباطل بالحق كما يفرق ظلام الليل بالإصباح ولهذا سمى كتابه الفرقان ونصره فرقانا لتضمنه الفرق بين أوليائه وأعدائه ومنه فلقة البحر لموسى وسماه فلقا فظهرت حكمة الاستعاذة برب الفلق في هذه المواضع وظهر بهذا إعجاز القرآن وعظمته وجلالته وأن العباد لا يقدرون قدره تنزيل من حكيم حميد . فصل: الشر الثالث: شر النفاثات في العقد وهذا الشر هو شر السحر فإن النفاثات في العقد هن السواحر اللاتي يعقدن الخيوط وينفثن على كل عقدة حتى ينعقد ما يردن من السحر والنفث هو النفخ مع ريق وهو دون التفل وهو مرتبة بينهما والنفث فعل الساحر فإذا تكيفت نفسه بالخبث والشر الذي يريده بالمسحور ويستعين عليه بالأرواح الخبيثة نفخ في تلك العقد نفخا معه ريق فيخرج من نفسه الخبيثة نفس ممازج للشر والأذى مقترن بالريق الممازج لذلك وقد تساعد هو والروح الشيطانية على أذى المسحور فيقع فيه السحر بإذن الله الكوني القدري لا الأمر الشرعي فإن قيل: فالسحر يكون من الذكور والإناث فلم خص الاستعاذة من الإناث دون الذكور قيل في جوابه: إن هذا خرج على السبب الواقع وهو أن بنات لبيد بن الأعصم سحر النبي صلى الله عليه وسلم هذا جواب أبي عبيدة وغيره وليس هذا بسديد فإن الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم هو لبيد بن الأعصم كما جاء في الصحيح والجواب المحقق إن النفاثات هنا هن الأرواح والأنفس النفاثات لا النساء النفاثات لأن تأثير السحر إنما هو من جهة الأنفس الخبيثة والأرواح الشريرة وسلطانه إنما يظهر منها فلهذا ذكرت النفاثات هنا بلفظ التأنيث دون(2\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "442",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6657",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التذكير والله أعلم ففي الصحيح عن هاشم بن عروة عن أبيه عن عائشة quot;أن النبي صلى الله عليه وسلم طب حتى إنه ليخيل إليه أنه صنع شيئا وما صنعه وأنها دعا ربه ثم قال أشعرت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه فقالت عائشة: وما ذاك يا رسول الله قال جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال أحدهما لصاحبه ما وجع الرجل قال الآخر مطبوب قال من طبه قال لبيد بن الأعصم قال له فبماذا قال في مشط ومشاطه وجف طلع ذكر قال فأين هو قال في ذروان بئر في بني زريق قالت عائشة رضي الله عنها: فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى عائشة رضي الله عنها فقال والله لكأن ماءها نقاعة الحناء ولكأن نخلها رءوس الشياطين قال فقلت له: يا رسول الله هلا أخرجته قال أما أنا فقد شفاني الله وكرهت أن أثير على الناس شرا فأمر بها فدفنتquot; رواه البخاري ومسلم قال البخاري وقال الليث وسفيان بن عيينة عن هشام في مشط ومشافة ويقال أن المشاطة ما يخرج من الشعر إذا مشط والمشاقة من مشاقة الكتان قلت: هكذا في هذه الرواية إنه لم يخرجه اكتفاء بمعافاة الله له وشفائه إياه وقد روى البخاري من حديث سفيان بن عيينة قال أول من حدثنا به ابن جريج يقول حدثني آل عروة عن عروة فسألت هشام عنه فحدثنا عن أبيه عن عائشة: quot;كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن قال سفيان وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا فقال يا عائشة أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال الذي عند رأسي للآخر ما بال الرجل قال مطبوب قال ومن طبه قال لبيد بن الأعصم رجل من بني زريق حليف ليهود وكان منافقا قال وفيم قال في مشط ومشاطة قال وأين قال في جف طلع ذكر تحت رعوفة في بئر ذروان قال فأتى البئر حتى استخرجه فقال هذه البئر التي أريتها وكأن ماءها نقاعة الحناء وكأن نخلها رءوس الشياطين قال فاستخرج أما الله فقد شفاني وأكره أن أثير على أحد من الناس شراquot; رواه البخاري ففي هذا الحديث أنه استخرجه وترجم البخاري عليه باب هل يستخرج(2\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "443",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6658",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السحر وقال قتادة قلت لسعيد بن المسيب: quot;رجل به طب ويؤخذ عن امرأته أيحل عنه وينشر قال: لا بأس بهquot; إنما يريدون به الإصلاح فأما ما ينفع الناس فلم ينه عنه فهذان الحديثان قد يظن في الظاهر تعارضهما فإن حديث عيسى عن هشام عن أبيه الأول فيه أنه لم يستخرجه وحديث ابن جريج عن هشام فيه أنه استخرجه ولا تنافي بينهما فإنه استخرجه من البئر حتى رآه وعلمه ثم دفنه بعد أن شفي وقول عائشة رضي الله عنها هلا استخرجته أي هلا أخرجته للناس حتى يروه ويعاينوه فأخبرها بالمانع له من ذلك وهو أن المسلمين لم يكونوا ليسكتوا عن ذلك فيقع الإنكار ويغضب للساحر قومه فيحدث الشر وقد حصل المقصود بالشفاء والمعافاة فأمر بها فدفنت ولم يستخرجها للناس فالاستخراج الواقع غير الذي سألت عنه عائشة والذي يدل عليه أنه صلى الله عليه وسلم إنما جاء إلى البئر ليستخرجها منه ولم يجيء إليه لينظر إليها ثم ينصرف إذ لا غرض له في ذلك والله أعلم وهذا الحديث ثابت عند أهل العلم بالحديث متلقى بالقبول بينهم لا يختلفون في صحته وقد اعتاض على كثير من أهل الكلام وغيرهم وأنكروه أشد الإنكار وقابلوه بالتكذيب وصنف بعضهم فيه مصنفا مفردا حمل فيه على هشام وكان غاية ما أحسن القول فيه أن قال غلط واشتبه عليه الأمر ولم يكن من هذا شيء قال لأن النبي لا يجوز أن يسحر فإنه يكون تصديقا لقول الكفار: إن تتبعون إلا رجلا مسحورا قالوا وهذا كما قال فرعون لموسى: إني لأظنك يا موسى مسحورا وقال قوم صالح له: إنما أنت من المسحرين وقال قوم شعيب له: إنما أنت من المسحرين قالوا فالأنبياء لا يجوز عليهم أن يسحروا فإن ذلك ينافي حماية الله لهم وعصمتهم من الشياطين وهذا الذي قاله هؤلاء مردود عند أهل العلم فإن هشاما من أوثق الناس وأعلمهم ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بما يوجب رد حديثه فما للمتكلمين وما لهذا الشأن وقد رواه غير هشام عن عائشة وقد اتفق أصحاب الصحيحين على تصحيح هذا الحديث ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة واحدة والقصة مشهورة عند أهل التفسير والسنن(2\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "444",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6659",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحديث والتاريخ والفقهاء وهؤلاء أعلم بأحوال رسول الله وأيامه من المتكلمين قال أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن يزيد بن حباب عن زيد ابن الأرقم قال: quot;سحر النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود فاشتكى لذلك أياما قال فأتاه جبريل فقال إن رجلا من اليهود سحرك وعقد لذلك عقدا فأرسل رسول الله عليا فاستخرجها فجاء بها فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة فقام رسول الله كأنما أنشط من عقال فما ذكر ذلك لليهودي ولا رآه في وجهه قطquot; رواه ابن أبي شيبة وقال ابن عباس وعائشة: quot;كان غلام من اليهود يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدنت إليه اليهود فلم يزالوا حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله عليه وسلم وعدة أسنان من مشطه فأعطاها اليهود فسحروه فيها وتولىquot; ذلك لبيد بن الأعصم رجل من اليهود فنزلت هاتان السورتان فيه قال البغوي: quot;وقيل كانت مغروزة بالدبر فأنزل الله عز وجل هاتين السورتين وهما أحد عشرة آية سورة الفلق خمس آيات وسورة الناس ست آيات فكلما قرأ آية انحلت عقدة حتى انحلت العقد كلها فقام النبي كأنما أنشط من عقال قال وروى أنه لبث فيه ستة أشهر واشتد عليه ثلاثة أيام فنزلت المعوذتان قالوا: والسحر الذي أصابه كان مرضا من الأمراض عارضا شفاه الله منه ولا نقص في ذلك ولا عيب بوجه ما فإن المرض يجوز على الأنبياء وكذلك الإغماء فقد أغمي عليه في مرضه ووقع حين انفكت قدمه وجحش شقهquot; رواه البخاري ومسلم وهذا من البلاء الذي يزيده الله به رفعة في درجاته ونيل كرامته وأشد الناس بلاء الأنبياء فابتلوا من أممهم بما ابتلوا به من القتل والضرب والشتم والحبس فليس ببدع أن يبتلى النبي صلى الله عليه وسلم من بعض أعدائه بنوع من السحر كما ابتلى بالذي رماه فشجه وابتلى بالذي ألقى على ظهره السلا وهو ساجد وغير ذلك فلا نقص عليهم ولا عار في ذلك بل هذا من كمالهم وعلو درجاتهم عند الله قالوا وقد ثبت في الصحيح(2\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "445",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6660",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن أبي سعيد الخدري: quot;أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اشتكيت فقال: نعم فقال: باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك بسم الله أرقيكquot; فعوذه جبريل من شر كل نفس وعين حاسد لما اشتكى فدل على أن هذا التعويذ مزيل لشكايته صلى الله عليه وسلم وإلا فلا يعوذه من شيء وشكايته من غيره قالوا وأما الآيات التي استدللتم بها لا حجة لكم فيها أما قوله تعالي عن الكفار أنهم قالوا: إن تتبعون إلا رجلا مسحورا وقوله قوم صالح له: إنما أنت من المسحرين فقيل: المراد به من له سحر وهي الرئة أي أنه بشر مثلهم يأكل ويشرب ليس بملك ليس المراد به السحر وهذا جواب غير مرض وهو في غاية البعد فإن الكفار لك يكونوا يعبرون عن البشر بمسحور ولا يعرف هذا في لغة من اللغات وحيث أرادوا هذا المعنى أتوا بصريح لفظ البشر فقالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا أنؤمن لبشر مثلنا أبعث الله بشرا رسولا وأما المسحور فلم يريدوا به ذا السحر وهي الرئة وأي مناسبة لذكر الرئة في هذا الموضع ثم كيف يقول فرعون لموسى: إني لأظنك يا موسى مسحورا أفتراه ما علم أنه له سحرا وأنه بشر ثم كيف يجيبه موسى بقوله: وإني لأظنك يا فرعون مثبورا ولو أراد بالمسحور أنه بشر لصدقه موسى وقال: نعم أنا بشر أرسلني الله إليك كما قالت الرسل لقومهم لما قالوا لهم: إن أنتم إلا بشر مثلنا فقالوا إن نحن إلا بشر مثلكم ولم ينكروا ذلك فهذا الجواب في غاية الضعف وأجابت طائفة منهم ابن جرير وغيره بأن المسحور هنا هو معلم السحر الذي قد علمه إياه غيره فالمسحور عنده بمعنى ساحر أي عالم بالسحر وهذا جيد إن ساعدت عليه اللغة وهو أن من علم السحر يقال له مسحور ولا يكاد هذا يعرف في الإستعمال ولا في اللغة وإنما المسحور من سحره غيره كالمطبوب والمضروب والمقتول وبابه: وأما من علم السحر فإنه يقال له ساحر بمعنى أنه عالم بالسحر وإن لم يسحره غيره كما قال قوم فرعون لموسى: إن هذا لساحر عليم ففرعون قذفه بكونه مسحورا وقومه قذفوه بكونه ساحرا فالصواب هو الجواب الثالث(2\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "446",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6661",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو جواب صاحب الكشاف وغيره إن المسحور على بابه وهو من سحر حتى جن فقالوا مسحور مثل مجنون زائل العقل لا يعقل ما يقول فإن المسحور الذي لا يتبع هو الذي فسد عقله بحيث لا يدري ما يقول فهو كالمجنون ولهذا قالوا فيه معلم مجنون فأما من أصيب في بده بمرض من الأمراض يصاب به الناس فإنه لا يمنع ذلك من اتباعه وأعداء الرسل لم يقذفوهم بأمراض الأبدان وإنما قذفوهم بما يحذرون به سفهاءهم من اتباعهم وهو أنهم قد سحروا حتى صاروا لا يعلمون ما يقولون بمنزلة المجانين ولهذا قال تعالى: انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا مثلوك بالشاعر مرة والساحر أخرى والمجنون مرة والمسحور أخرى فضلوا في جميع ذلك ضلال من يطلب في تيهه وتحيره طريقا يسلكه فلا يقدر عليه فإن أي طريق أخذها فهي طريق ضلال وحيرة فهو متحير في أمره لا يهتدي سبيلا ولا يقدر على سلوكها فهكذا حال أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم معه حتى ضربوا له أمثالا برأه الله منها وهو أبعد خلق الله منها وقد علم كل عاقل أنها كذب وافتراء وبهتان وأما قولكم إن سحر الأنبياء ينافي حماية الله تعالى لهم فإنه سبحانه كما يحميهم ويصونهم ويحفظهم ويتولاهم فيبتليهم بما شاء من أذى الكفار لهم ليستوجبوا كمال كرامته وليتسلى بهم من بعدهم من أممهم وخلفائهم إذا أوذوا من الناس فرأوا ما جرى على الرسل والأنبياء صبروا ورضوا وتأسوا بهم ولتمتلئ صاع الكفار فيستوجبون ما أعد لهم من النكال العاجل والعقوبة الآجلة فيمحقهم بسبب بغيهم وعداوتهم فيعجل تطهير الأرض منهم فهذا من بعض حكمته تعالى في ابتلاء أنبيائه ورسله بإيذاء قومهم وله الحكمة البالغة والنعمة السابغة لا إله غيره ولا رب سواه.(2\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "447",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6662",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: وقد دل قوله: ومن شر النفاثات في العقد وحديث عائشة المذكور: على تأثير السحر وأن له حقيقة وقد أنكر ذلك طائفة من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم وقالوا إنه لا تأثير للسحر البتة لا في مرض ولا قتل ولا حل ولا عقد قالوا وإنما ذلك تخيل لأعين الناظرين لا حقيقة له سوى ذلك وهذا خلاف ما تواترت به الآثار عن الصحابة والسلف واتفق عليه الفقهاء وأهل التفسير والحديث وأرباب القلوب من أهل التصوف وما يعرفه عامة العقلاء والسحر الذي يؤثر مرضا وثقلا وحلا وعقدا وحبا وبغضا وتزينا وغير ذلك من الآثار موجود تعرفه عامة الناس وكثير منهم قد علمه ذوقا بما أصيب به منه وقوله تعالى: من شر النفاثات في العقد دليل على أن هذا النفث يضر المسحور في حال غيبته عنه ولو كان الضرر لا يحصل إلا بمباشرة البدن ظاهرا كما يقوله هؤلاء لم يكن للنفث ولا للنفاثات شر يستعاذ منه وأيضا فإذا جاز على الساحر أن يسحر جميع أعين الناظرين مع كثرتهم حتى يروا الشيء بخلاف ما هو به مع أن هذا تغير في إحساسهم فما الذي يحيل تأثيره في تغيير بعض أعراضهم وقواهم وطباعهم وما الفرق بين التغيير الواقع في الرؤية والتغيير في صفة أخرى من صفات النفس والبدن فإذا غير إحساسه حتى صار يرى الساكن متحركا والمتصل منفصلا والميت حيا فما المحيل لأن يغير صفات نفسه حتى يجعل المحبوب إليه بغيضا والبغيض محبوبا وغير ذلك من التأثيرات وقد قال تعالى عن سحرة فرعون إنهم سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم فبين سبحانه أن أعينهم سحرت وذلك إما أن يكون لتغيير حصل في المرئي وهو الحبال والعصي مثل أن يكون السحرة استعانت بأرواح حركتها وهي الشياطين فظنوا أنها تحركت بأنفسها وهذا كما إذا جر من لا يراه(2\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "448",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6663",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حصيرا أو بساطا فترى الحصير والبساط ينجر ولا ترى الجار له مع أنه هو الذي يجره فهكذا حال الحبال والعصي التبستها الشياطين فقلبتها كتقلب الحية فظن الرائي أنها تقلبت بأنفسها والشياطين هم الذين يقلبونها وإما أن يكون التغيير حدث في الرائي حتى رأي الحبال والعصي تتحرك وهي ساكنة في أنفسها ولا ريب أن الساحر يفعل هذا وهذا فتارة يتصرف في نفس الرأي وإحساسه حتى يرى الشيء بخلاف ما هو به وتارة يتصرف في المرئي باستعانته بالأرواح الشيطانية حتى يتصرف فيها وأما ما يقوله المنكرون من أنهم فعلوا في الحبال والعصي ما أوجب حركتها ومشيها مثل الزئبق وغيره حتى سعت فهذا باطل من وجوه كثيرة فإنه لو كان كذلك لم يكن هذا خيالا بل حركة حقيقية ولم يكن ذلك سحرا لأعين الناس ولا يسمى ذلك سحرا بل صناعة من الصناعات المشتركة وقد قال تعالى: فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ولو كانت تحركت بنوع حيلة كما يقوله المنكرون: لم يكن هذا من السحر في شيء ومثل هذا لا يخفى وأيضا لو كان ذلك بحيلة كما قال هؤلاء لكان طريق إبطالها إخراج ما فيها من الزئبق وبيان ذلك المحال ولم يحتج إلى إلقاء العصا لابتلاعها وأيضا فمثل هذه الحيلة لا يحتاج فيها إلى الاستعانة بالسحرة بل يكفي فيها حذاق الصناع ولا يحتاج في ذلك إلى تعظيم فرعون للسحرة وخضوعه لهم ووعدهم بالتقريب والجزاء وأيضا فإنه لا يقال في ذلك إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فإن الصناعات يشترك الناس في تعلمها وتعليمها وبالجملة فبطلان هذا أظهر من أن يتكلف رده فلنرجع إلى المقصود. فصل: الشر الرابع: شر الحاسد إذا حسد وقد دل القرآن والسنة على أن نفس حسد الحاسد يؤذي المحسود فنفس حسده شر يتصل بالمحسود من نفسه وعينه وإن لم(2\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "449",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6664",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يؤذه بيده ولا لسانه فإن الله تعالى قال: ومن شر حاسد إذا حسد فحقق الشر منه عند صدور الحسد والقرآن ليس فيه لفظة مهملة ومعلوم أن الحاسد لا يسمى حاسدا إلا إذا قام به الحسد كالضارب والشاتم والقاتل ونحو ذلك ولكن قد يكون الرجل في طبعه الحسد وهو غافل عن المحسود لاه عنه فإن خطر على ذكره وقلبه انبعثت نار الحسد من قلبه إليه ووجهت إليه سهام الحسد من قبله فيتأذى المحسود بمجرد ذلك فإن لم يستعذ بالله ويتحصن به ويكون له أوراد من الأذكار والدعوات والتوجه إلى الله والإقبال عليه بحيث يدفع عنه من شره بمقدار توجهه وإقباله على الله وإلا ناله شر الحاسد ولا بد فقوله تعالى: إذا حسد بيان لأن شره إنما يتحقق إذا حصل منه الحسد بالفعل تأثير العين وقد تقدم في حديث أبي سعيد الخدري الصحيح رقية جبريل النبي صلى الله عليه وسلم وفيها: quot;بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيكquot; فهذا فيه الاستعاذة من شر عين الحاسد ومعلوم أن عينه لا تؤثر بمجردها إذ لو نظر إليه نظر لاه ساه عنه كما ينظر إلى الأرض والجبل وغيره لم يؤثر فيه شيئا وإنما إذا نظر إليه نظر من قد تكيفت نفسه الخبيثة واتسمت واحتدت فصارت نفسا غضبية خبيثة حاسدة أثرت بها تلك النظرة فأثرت في المحسود تأثيرا بحسب صفة ضعفه وقوة نفس الحاسد فربما أعطيه وأهلكه بمنزلة من فوق سهما نحو رجل عريان فأصاب منه مقتلا وربما صرعه وأمرضه والتجارب عند الخاصة والعامة بهذا أكثر من أن تذكر وهذه العين إنما تأثيرها بواسطة النفس الخبيثة وهي في ذلك بمنزلة الحية التي إنما يؤثر سمها إذا عضت واحتدت فإنها تتكيف بكيفية الغضب والخبث فتحدث فيها تلك الكيفية السم فتؤثر في الملسوع وربما قويت تلك الكيفية واشتدت في نوع منها حتى تؤثر بمجرد نظرة فتطمس البصر وتسقط الحبل كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الأبتر وذي الطفيتين منها: وقال:quot;اقتلوهما فإنهما يطمسان البصر ويسقطان الحبلquot; رواه البخاري ومسلم فإذا كان هذا في الحيات فما الظن في النفوس الشريرة الغضبية الحاسدة إذا تكيفت بكيفيتها الغضبية واتسمت وتوجهت(2\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "450",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6665",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى المحسود بكيفيتها فلله كم من قتيل وكم من سليب وكم من معافي عاد مضني على فراشه يقول طبيبه لا أعلم داءه ما هو فصدق ليس هذا الداء من علم الطبائع هذا من علم الأرواح وصفاتها وكيفياتها ومعرفة تأثيراتها في الأجسام والطبائع وانفعال الأجسام عنها عجائب الأرواح وتأثيراتها وهذا علم لا يعرفه إلا خواص الناس والمحجوبون منكرون له ولا يعلم تأثير ذلك وارتباطه بالطبيعة وانفعالها عنه إلا من له نصيب من ذوقه وهل الأجسام إلا كالخشب الملقى وهل الانفعال والتأثر وحدوث ما يحدث عنها من الأفعال العجيبة والآثار الغريبة إلا من الأرواح والأجسام آلتها بمنزلة آلة الصانع فالصنعة في الحقيقة له والآلات وسائط في وصول أثره إلى الصنع ومن له أدنى فطنة وتأمل أحوال العالم ولطفت روحه وشاهدت أحوال الأرواح وتأثيراتها وتحريكها الأجسام وانفعالها عنها كل ذلك بتقدير العزيز العليم خالق الأسباب والمسببات رأى عجائب في الكون وآيات دالة على وحدانية الله وعظمته وربوبيته وإن ثم عالما تجري عليه أحكام أخرى تشهد آثارها وأسبابها غيب عن الأبصار فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين الذي أتقن ما صنع وأحسن كل شيء خلقه ولا نسبة لعالم الأجسام إلى عالم الأرواح بل هو أعظم وأوسع وعجائبه أبهر وآياته أعجب وتأمل هذا الهيكل الإنساني إذا فارقته الروح كيف يصير بمنزلة الخشبة أو القطعة من اللحم فأين ذهبت تلك العلوم والمعارف والعقل وتلك الصنائع الغريبة وتلك الأفعال العجيبة وتلك الأفكار والتدبيرات كيف ذهبت كلها مع الروح وبقي الهيكل سواء هو والتراب وهل يخاطبك من الإنسان أو يراك أو يحبك أو يواليك أو يعاديك ويخف عليك ويثقل ويؤنسك ويوحشك إلا ذلك الأمر الذي وراء الهيكل المشاهد بالبصر فرب رجل عظيم الهيولي كبير الجثة خفيف على قلبك حلو عندك وآخر لطيف الخلقة صغير الجثة أثقل على قلبك من جبل وما ذاك إلا للطافة روح ذاك وخفتها وحلاوتها وكثافة هذا وغلظ روحه ومرارتها وبالجملة فالعلق والوصل التي بين الأشخاص والمنافرات والبعد إنما هي(2\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "451",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6666",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للأرواح أصلا والأشباح تبعا. فصل: والعاين والحاسد يشتركان في شيء ويفترقان في شيء فيشتركان في أن كل واحد منهما تتكيف نفسه وتتوجه نحو من يريد أذاه فالعائن تتكيف نفسه عند مقابلة المعين ومعاينته والحاسد يحصل له ذلك عند غيب المحسود وحضوره أيضا ويفترقان في أن العائن قد يصيب من لا يحسده من جماد أو حيوان أو زرع أو مال وإن كان لا يكاد ينفك من حسد صاحبه وربما أصابت عينه نفسه فإن رؤيته للشيء رؤية تعجب وتحديق مع تكيف نفسه بتلك الكيفية تؤثر في المعين وقد قال غير واحد من المفسرين في قوله تعالى: وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر إنه الإصابة بالعين فأرادوا أن يصيبوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إليه قوم من العائنين وقالوا ما رأينا مثله ولا مثل حجته وكان طائفة منهم تمر به الناقة والبقرة السمينة فيعينها ثم يقول لخادمه خذ المكتل والدرهم وآتنا بشيء من لحمها فما تبرح حتى تقع فتنحر وقال الكلبي: quot;كان رجل من العرب يمكث يومين أو ثلاثة لا يأكل ثم يرفع جانب خبائة فتمر به الإبل فيقول لم أر كاليوم إبلا ولا غنما أحسن من هذه فما تذهب إلا قليلا حتى يسقط منها طائفة فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعين ويفعل به كفعله في غيره فعصم الله تعالى رسوله وحفظه وأنزل عليه: وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم هذا قول طائفة وقالت طائفة أخرى منهم ابن قتيبة: ليس المراد أنهم يصيبونك بالعين كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه وإنما أراد أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن الكريم نظرا شديدا بالعداوة والبغضاء يكاد يسقطك قال الزجاج: quot;يعني من شدة العداوة يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن يصرعوكquot; وهذا مستعمل في الكلام(2\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "452",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6667",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقول القائل: نظر إلي نظر قد كان يصرعني قال: ويدل على صحة هذا المعنى أنه قرن هذا النظر بسماع القرآن الكريم وهم كانوا يكرهون ذلك أشد الكراهة فيحدون إليه النظر بالبغضاء النظر الذي يؤثر في المنظور قلت: النظر الذي يؤثر في المنظور قد يكون بسببه شده العداوة والحسد فيؤثر نظره في كما تؤثر نفسه بالحسد ويقوى تأثير النفس عند المقابلة فإن العدو إذا غاب عن عدوه قد يشغل نفسه عنه فإذا عاينه قبلا اجتمعت الهمة عليه وتوجهت النفس بكليتها إليه فيتأثر بنظره حتى إن من الناس من يسقط ومنهم من يحم ومنهم من يحمل إلى بيته وقد شاهد الناس من ذلك كثيرا وقد يكون سببه الإعجاب وهو الذي يسمونه بإصابة العين وهو أن الناظر يرى الشيء رؤية إعجاب به أو استعظام فتتكيف روحه بكيفية خاصة تؤثر في المعين وهذا هو الذي يعرفه الناس من رؤية المعين فإنهم يستحسنون الشيء ويعجبون منه فيصاب بذلك قال عبد الرزاق بن معمر عن هشام بن قتيبة قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;العين حقquot; رواه البخاري ومسلم quot;ونهى عن الوشمquot; رواه البخاري ومسلم وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن عروة عن عامر عن عبيد بن رفاعة أن أسماء بنت عميس قالت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;إن ابني جعفر تصيبهم العين أفتسترقي لهم قال: نعم فلو كان شيء يسبق القضاء لسبقته العينquot; صحيح فالكفار كانوا ينظرون إليه نظر حاسد شديد العدواة فهو نظر يكاد يزلقه لولا حفظ الله وعصمته فهذا أشد من نظر العائن بل هو جنس من نظر العائن فمن قال إنه من الإصابة بالعين أراد هذا المعنى ومن قال: ليس به أراد أن نظرهم لم يكن نظر استحسان وإعجاب فالقرآن الكريم حق وقد روى الترمذي من حديث أبي سعيد: quot;أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من عين الإنسانquot; صحيح فلولا أن العين شر لم يتعوذ منها وفي الترمذي من حديث علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير حدثني حابس بن حبة التميمي حدثني أبي quot;أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا شيء في الهام والعين حق quot; ضعيف لكن قوله quot;والعين حقquot; صحيح وفيه أيضا من حديث وهيب عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: quot; كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لو كان(2\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "453",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6668",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شيء سابق القدر لسبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا quot; رواه مسلم وفي الباب عن عبد الله بن عمر وهذا حديث صحيح والمقصود أن العائن حاسد خاص وهو أضر من الحاسد ولهذا والله أعلم إنما جاء في السورة ذكر الحاسد دون العائن لأنه أعم فكل عائن حاسد ولا بد وليس كل حاسد عائنا فإذا استعاذ من شر الحسد دخل فيه العين وهذا من شمول القرآن الكريم وإعجازه وبلاغته وأصل الحسد هو بغض نعمة الله على المحسود وتمني زوالها الساحر والحاسد فالحاسد عدو النعم وهذا الشر هو من نفس الحاسد وطبعها ليس هو شيئا اكتسبه من غيرها بل هو من خبثها وشرها بخلاف السحر فإنه إنما يكون باكتساب أمور أخرى واستعانة بالأرواح الشيطانية فلهذا والله أعلم قرن في السورة بين: شر الحاسد وشر الساحر لأن الاستعاذة من شر هذين تعم كل شر يأتي من شياطين الإنس والجن فالحسد من شياطين الإنس والجن والسحر من النوعين وبقي قسم ينفرد به شياطين الجن وهو الوسوسة في القلب فذكره في السورة الأخرى كما سيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى فالحاسد والساحر يؤذيان المحسود والمسحور بلا عمل منه بل هو أذى من أمر خارج عنه ففرق بينهما في الذكر في سورة الفلق والوسواس إنما يؤذي العبد من داخله بواسطة مساكنته له وقبوله منه ولهذا يعاقب العبد على الشر الذي يؤذيه به الشيطان من الوساوس التي تقترن بها الأفعال والعزم الجازم لأن ذلك بسعيه وإرادته بخلاف شر الحاسد والساحر فإنه لا يعاقب عليه إذ لا يضاف إلى كسبه ولا إرادته فلهذا أفرد شر الشيطان في سورة وقرن بين شر الساحر والحاسد في سورة وكثيرا ما يجتمع في القرآن الحسد والسحر للمناسبة ولهذا اليهود أسحر الناس وأحسدهم فإنهم لشدة خبثهم فيهم من السحر والحسد ما ليس في غيرهم وقد وصفهم الله تعالى في كتابه بهذا وهذا فقال: واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا(2\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "454",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6669",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون والكلام على أسرار هذه الآية وأحكامها وما تضمنته من القواعد والرد على من أنكر السحر وما تضمنته من الفرقان بين السحر وبين المعجزات الذي أنكره من أنكر السحر خشية الالتباس وقد تضمنت الآية أعظم الفرقان بينهما في موضع غير هذا إذ المقصود الكلام على أسرار هاتين السورتين وشدة حاجة الخلق إليهما وإن لا يقوم غيرهما مقامهما وأما وصفهم بالحسد فكثير في القرآن كقوله تعالى: أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله وفي قوله: ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق والشيطان يقارن الساحر والحاسد ويحادثهما ويصاحبها ولكن الحاسد تعينه الشياطين بلا استدعاء منه للشيطان لأن الحاسد شبيه بإبليس وهو في الحقيقة من أتباعه لأنه يطلب ما يحبه الشيطان من فساد الناس وزوال نعم الله عنهم كما أن إبليس حسد آدم لشرفه وفضله وأبى أن يسجد له حسدا فالحاسد من جند إبليس وأما الساحر فهو يطلب من الشيطان أن يعينه ويستعينه وربما يعبده من دون الله تعالى حتى يقضي له حاجته وربما يسجد له وفي كتب السحر والسر المكتوم من هذا عجائب ولهذا كلما كان الساحر أكفر وأخبث وأشد معاداة لله ولرسوله ولعباده المؤمنين كان سحره أقوى وأنفذ ولهذا كان سحر عباد الأصنام أقوى من سحر أهل الكتاب وسحر اليهود أقوى من سحر المنتسبين إلى الإسلام وهم الذين سحروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الموطأ عن كعب قال: quot;كلمات أحفظهن من التوراة لولاها لجعلتني يهود حمارا أعوذ بوجه الله العظيم الذي لا شيء أعظم منه وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر(2\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "455",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6670",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبأسماء الله الحسنى ما علمت منها وما لم أعلم من شر ما خلق وذرأ وبرأquot; رواه مالك ورجاله ثقات والمقصود أن الساحر والحاسد كل منهما قصده الشر لكن الحاسد بطبعه ونفسه وبغضه للمحسود والشيطان يقترن به ويعينه ويزين له حسده ويأمره بموجبه والساحر بعلمه وكسبه وشركه واستعانته بالشياطين. فصل: وقول: ومن شر حاسد إذا حسد يعم الحاسد من الجن والإنس فإن الشيطان وحزبه يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله تعالى من فضله كما حسد إبليس أبانا آدم وهو عدو لذريته كما قال تعالى: إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ولكن الوسواس أخص بشياطين الجن والحسد أخص بشياطين الإنس والوسواس يعمهما كما سيأتي بيانهما والحسد يعمهما أيضا فكلا الشيطانين حاسد موسوس فالاستعاذة من شر الحاسد تتناولهما جميعا فقد اشتملت السورة على الاستعاذة من كل شر في العالم وتضمنت شرورا أربعة يستعاذ منها شرا عاما وهو شر ما خلق وشر الغاسق إذا وقب فهذا نوعان ثم ذكر شر الساحر والحاسد وهي نوعان أيضا لأنهما من شر النفس الشريرة وأحدهما: يستعين بالشيطان ويعبده وهو الساحر وقلما يتأتى السحر بدون نوع عبادة للشيطان وتقرب إليه إما بذبح باسمه أو بذبح يقصد به هو فيكون ذبحا لغير الله وبغير ذلك من أنواع الشرك والفسوق والساحر وإن لم يسم هذا عبادة للشيطان فهو عبادة له وإن سماه بما سماه به فإن الشرك والكفر هو شرك وكفر لحقيقته ومعناه لا لاسمه ولفظه فمن سجد لمخلوق وقال: ليس هذا بسجود له هذا خضوع وتقبيل الأرض بالجبهة كما أقبلها بالنعم أو هذا إكرام لم يخرج بهذه الألفاظ عن كونه سجودا لغير الله فليسمه بما شاء وكذلك من ذبح للشيطان ودعاه واستعاذ به وتقرب(2\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "456",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6671",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليه بما يحب فقد عبده وإن لم يسم ذلك عبادة بل يسميه استخداما ما وصدق هو استخدام من الشيطان له فيصير من خدم الشيطان وعابديه وبذلك يخدمه الشيطان لكن خدمة الشيطان له ليست خدمة عبادة فإن الشيطان لا يخضع له ويعبده كما يفعل هو به والمقصود أن هذا عبادة منه للشيطان وإنما سماه استخداما قال تعالى: ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وقال تعالى: ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون فهؤلاء وأشباههم عباد الجن والشياطين وهم أولياؤهم في الدنيا والآخرة ولبئس المولى ولبئس العشير فهذا أحد النوعين والنوع الثاني: من يعينه الشيطان وإن لم يستعن به وهو الحاسد لأنه نائبه وخليفته لأن كليهما عدو نعم الله تعالى ومنغصها على عباده. فصل: وتأمل تقييده سبحانه شر الحاسد بقوله: إذا حسد لأن الرجل قد يكون عنده حسد ولكن يخفيه ولا يرتب عليه أذى بوجه ما لا بقلبه ولا بلسانه ولا بيده بل يجد في قلبه شيئا من ذلك ولا يعاجل أخاه إلا بما يحب الله فهذا لا يكاد يخلو منه أحد إلا من عصمه الله وقيل للحسن البصري: quot;أيحسد المؤمن قال: ما أنساك إخوة يوسفquot; لكن الفرق بين القوة التي في قلبه من ذلك وهو لا يطيعها ولا يأتمر بها بل يعصيها طاعة لله وخوفا وحياء منه وإجلالا له أن يكره نعمه على عباده فيرى ذلك مخالفة لله وبغضا لما يحب الله ومحبة لما يبغضه فهو يجاهد نفسه على دفع ذلك ويلزمها بالدعاء للمحسود وتمني زيادة الخير له بخلاف ما إذا حقق ذلك وحسد ورتب على حسده مقتضاه من الأذى بالقلب واللسان والجوارح فهذا الحسد(2\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "457",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6672",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المذموم هو كله حسد تمني الزوال وللحسد ثلاث مراتب أحدهما: هي هذه الثانية: وهي تمني استصحاب عدم النعمة فهو يكره أن يحدث الله لعبده نعمة بل يحب أن يبقى على حاله من جهله أو فقره أو ضعفه أو شتات قلبه عن الله أو قلة دينه فهو يتمنى دوام ما هو فيه من نقص وعيب فهذا حسد على شيء مقدر والأول حسد على شيء محقق وكلاهما حاسد عدو نعمة وعدو عباده وممقوت عند الله تعالى وعند الناس ولا يسود أبدا ولا يواسي فإن الناس لا يسودون عليهم إلا من يريد الإحسان إليهم فأما عدو نعمة الله عليهم فلا يسودونه باختيارهم أبدا إلا قهرا يعدونه من البلاء والمصائب التي ابتلاهم الله بها فهم يبغضونه وهو يبغضهم والحسد الثالث حسد الغبطة وهو تمني أن يكون له مثل حال المحسود من غير أن تزول النعمة عنه فهذا لا بأس به ولا يعاب صاحبه بل هذا قريب من المنافسة وقد قال تعالى: وفي ذلك فليتنافس المتنافسون خطأ يبحثها المحقق وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا وسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناسquot; رواه البخاري ومسلم فهذا حسد غبطة الحامل لصاحبه عليه كبر نفسه وحب خصال الخير والتشبه بأهلها والدخول في جملتهم وأن يكون من سباقهم وعليتهم ومصلهم لا من فساكلهم فتحدث له من هذه الهمة المنافسة والمسابقة والمسارعة مع محبته لمن يغبطه وتمني دوام نعمة الله عليه فهذا لا يدخل في الآية بوجه ما فهذه السورة من أكبر أدوية المحسود فإنها تتضمن التوكل على الله والالتجاء إليه والاستعاذة به من شر حاسد النعمة فهو مستعيذ بولي النعم وموليها كأنه يقول يا من أولاني نعمته وأسداها إلي أنا عائذ بك من شر من يريد أن يستلبها مني ويزيلها عني وهو حسب من توكل عليه وكافي من لجأ إليه وهو الذي يؤمن خوف الخائف ويجبر المستجير وهو نعم المولى ونعم النصير فمن تولاه واستنصر به وتوكل عليه وانقطع بكليته إليه تولاه وحفظه وحرسه وصانه ومن خافه واتقاه آمنه مما يخاف ويحذر وجلب إليه كل ما يحتاج إليه من المنافع: ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه(2\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "458",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6673",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه فلا تستبطئ نصره ورزقه وعافيته فإن الله تعالى بالغ أمره وقد جعل الله لكل شيء قدرا لا يتقدم عنه ولا يتأخر ومن لم يخفه أخافه من كل شيء وما خاف أحدا غير الله إلا لنقص خوفه من الله قال تعالى: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون وقال: إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين أي يخوفكم بأوليائه ويعظمهم في صدوركم فلا تخافوهم وأفردوني بالمخافة أكفكم إياهم. فصل: ويندفع شر الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب: أحدها: التعوذ بالله تعالى من شره واللجوء والتحصن به واللجوء إليه وهو المقصود بهذه السورة والله تعالى سميع لاستعاذته عليم بما يستعيذ منه والسمع هنا المراد به سمع الإجابة لا السمع العام فهو مثل قوله: quot;سمع الله لمن حمدهquot; وقول الخليل صلى الله عليه وسلم إن ربي لسميع الدعاء ومرة يقرنه بالعلم ومرة بالبصر لاقتضاء حال المستعيذ ذلك فإنه يستعيذ به من عدو يعلم أن الله تعالى يراه ويعلم كيده وشره فأخبر الله تعالى هذا المستعيذ أنه سميع لاستعاذته أي مجيب عليم بكيد عدوه يراه ويبصره لينبسط أمل المستعيذ ويقبل بقلبه على الدعاء وتأمل حكمة القرآن الكريم كيف جاء في الاستعاذة من الشيطان الذي نعلم وجوده ولا نراه بلفظ السميع العليم في الأعراف والسجدة وجاءت الاستعاذة من شر الإنس الذين يؤنسون ويرون بالإبصار بلفظ السميع البصير في سورة حم المؤمن فقال: إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه(2\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "459",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6674",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير لأن أفعال هؤلاء أفعال معاينة ترى بالبصر وأما نزع الشيطان فوساوس وخطرات يلقيها في القلب يتعلق بها العلم فأمر بالاستعاذة بالسميع العليم فيها وأمر بالاستعاذة بالسميع البصير في باب ما يرى بالبصر ويدرك بالرؤية والله أعلم السبب الثاني: تقوى الله وحفظه عند أمره ونهيه فمن اتقى الله تولى الله حفظه ولم يكله إلى غيره قال تعالى: وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس: quot;احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك quot; صحيح فمن حفظ الله حفظه الله ووجده أمامه أينما توجه ومن كان الله حافظه وأمامه فممن يخاف ولمن يحذر السبب الثالث: الصبر على عدوه وأن لا يقاتله ولا يشكوه ولا يحدث نفسه بأذاه أصلا فما نصر على حاسده وعدوه بمثل الصبر عليه والتوكل على الله ولا يستطل تأخيره وبغيه فإنه كلما بغى عليه كان بغيه جندا وقوة للمبغي عليه المحسود يقاتل به الباغي نفسه وهو لا يشعر فبغيه سهام يرميها من نفسه ولو رأي المبغي عليه ذلك لسره بغيه عليه ولكن لضعف بصيرته لا يرى إلا صورة البغي دون آخره ومآله وقد قال تعالى: من عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله فإذا كان الله قد ضمن فإذا كان الله قد ضمن له النصر مع أنه قد استوفى حقه أولا فكيف بمن لم يستوف شيئا من حقه بل بغى عليه وهو صابر وما من الذنوب ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم وقد سبقت سنة الله أنه لو بغى جبل على جبل جعل الباغي منهما دكا السبب الرابع: التوكل على الله ومن يتوكل على الله فهو حسبه والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم وهو من أقوى الأسباب في ذلك فإن الله حسبه أي كافية ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه ولا يضره إلا أذى لا بد منه كالحر والبرد والجوع والعطش وأما أن يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبدا وفرق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاء له وهو في الحقيقة إحسان إليه وإضرار بنفسه وبين الضرر الذي يتشفى به منه قال(2\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "460",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6675",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعض السلف جعل الله تعالى لكل عمل جزاء من جنسه وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده فقال: ومن يتوكل على الله فهو حسبه ولم يقل نؤته كذا وكذا من الأجر كما قال في الأعمال بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه فلو توكل العبد على الله تعالى حق توكله وكادته السموات والأرض ومن فيهن لجعل له مخرجا من ذلك وكفاه ونصره وقد ذكرنا حقيقة التوكل وفوائده وعظم منفعته وشدة حاجة العبد إليه في quot;كتاب الفتح القدسيquot; وذكرنا هناك فساد من جعله من المقامات المعلولة أنه من مقامات العوام وأبطلنا قوله من وجوه كثيرة وبينا أنه من أجل مقامات العارفين وأنه كلما علا مقام العبد كانت حاجاته إلى التوكل أعظم وأشد وأنه على قدر إيمان العبد يكون توكله وإنما المقصود هنا ذكر الأسباب التي يندفع بها شر الحاسد والعائن والساحر والباغي السبب الخامس: فراغ القلب من الاشتغال به والفكر فيه وأن يقصد أن يمحوه من باله كلما خطر له فلا يلتفت إليه ولا يخافه ولا يملأ قلبه بالفكر فيه وهذا من أنفع الأدوية وأقوى الأسباب المعينة على اندفاع شره فإن هذا بمنزلة من يطلبه عدوه ليمسكه ويؤذيه فإذا لم يتعرض له ولا تماسك هو وإياه بل انعزل عنه لم يقدر عليه فإذا تماسكا وتعلق كل منهما بصاحبه حصل الشر وهكذا الأرواح سواء فإذا علق روحه وشبثها به وروح الحاسد الباغي متعلقة به يقظة ومناما لا يفتر عنه وهو يتمنى أن يتماسك الروحان ويتشبثا فإذا تعلقت كل روح منهما بالأخرى عدم القرار ودام الشر حتى يهلك أحدهما: فإذا جبذ روحه عنه وصانها عن الفكر فيه والتعلق به وأن لا يخطره بباله فإذا خطر بباله بادر إلى محو ذلك الخاطر والاشتغال بما هو أنفع له وأولى به بقي الحاسد الباغي يأكل بعضه بعضا فإن الحسد كالنار فإذا لم تجد ما تأكله أكل بعضها بعضا وهذا باب عظيم النفع لا يلقاه إلا أصحاب النفوس الشريفة والهمم العالية وبين الكيس الفطن وبينه حتى يذوق حلاوته وطيبه ونعيمه كأنه يرى من أعظم عذاب القلب والروح اشتغاله بعدوه وتعلق(2\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "461",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6676",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "روحه به ولا يرى شيئا ألم لروحه من ذلك ولا يصدق بهذا إلا النفوس المطمئنة الوارعة اللينة التي رضيت بوكالة الله لها وعلمت أن نصره له خير من انتصارها هي لنفسها فوثقت بالله وسكنت إليه واطمأنت به وعلمت أن ضمانه حق ووعده صدق وأنه لا أوفى بعهده من الله ولا أصدق منه قيلا فعلمت أن نصره لها أقوى وأثبت وأدوم وأعظم فائدة من نصرها هي لنفسها أو نصر مخلوق مثلها لها ولا يقوى على هذا إلا بالسبب السادس: وهو الإقبال على الله والإخلاص له وجعل محبته وترضيه والإنابة إليه في محل خواطر نفسه وأمانيها تدب فيها دبيب الخواطر شيئا فشيئا حتى يقهرها ويغمرها ويذهبها بالكلية فتبقى خواطره وهواجسه وأمانيه كلها في محاب الرب والتقرب إليه وتملقه وترضيه واستعطافه وذكره كما يذكر المحب التام المحبة لمحبوبه المحسن إليه الذي قد امتلأت جوانحه من حبه فلا يجعل بيت إنكاره وقلبه معمورا بالفكر في حاسده والباغي عليه والطريق إلى الانتقام منه والتدبير عليه هذا ما لا يتسع له إلا قلب خراب لم تسكن فيه محبة الله وإجلاله وطلب مرضاته بل إذا مسه طيف من ذلك واجتاز ببابه من خارج ناداه حرس قلبه إياك وحمى الملك إذهب إلى بيوت الخانات التي كل من جاء حل فيها ونزل بها ما لك ولبيت السلطان الذي أقام عليه اليزك وأدار عليه الحرس وأحاطه بالسور قال تعالى حكاية عن عدوه إبليس أنه قال: قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال تعالى: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وقال: إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون وقال في حق الصديق: كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين فما أعظم سعادة من دخل هذا الحصن وصار داخل اليزك لقد آوى إلى حصن لا خوف على من تحصن به ولا ضيعة على من آوى إليه ولا مطمع للعدو(2\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "462",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6677",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في الدنو إليه منه و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم السبب السابع: تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه فإن الله تعالى يقول: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم وقال لخير الخلق وهم أصحاب نبيه دونه صلى الله عليه وسلم أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم فما سلط على العبد من يؤذيه إلا بذنب يعلمه أو لا يعلمه وما لا يعلمه العبد من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها وما ينساه مما علمه وعمله أضعاف ما يذكره وفي الدعاء المشهور quot;اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لم لا أعلمquot; فما يحتاج العبد إلى الاستغفار منه مما لا يعلمه أضعاف أضعاف ما يعلمه فما سلط عليه مؤذ إلا بذنب ولقي بعض السلف رجل فأغلظ له ونال منه فقال: له قف حتى أدخل البيت ثم أخرج إليك فدخل فسجد لله وتضرع إليه وتاب وأناب إلى ربه ثم خرج إليه فقال له: ما صنعت فقال: تبت إلى الله من الذنب الذي سلطك به علي وسنذكر إن شاء الله تعالى أنه ليس في الوجود شر إلا الذنوب وموجباتها فإذا عوفي من الذنوب عوفي من موجباتها فليس للعبد إذا بغي عليه وأوذي وتسلط عليه خصومه شيء أنفع له من التوبة النصوح وعلامة سعادته أن يعكس فكره ونظره على نفسه وذنوبه وعيوبه فيشغل بها وبإصلاحها وبالتوبة منها فلا يبقى فيه فراغ لتدبر ما نزل به بل يتولى هو التوبة وإصلاح عيوبه والله يتولى نصرته وحفظه والدفع عنه ولا بد فما أسعده من عبد وما أبركها من نازلة نزلت به وما أحسن أثرها عليه ولكن التوفيق والرشد بيد الله لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع فما كل أحد يوفق لهذا لا معرفة به ولا إرادة له ولا قدرة عليه ولا حول ولاقوة إلا بالله السبب الثامن: الصدقة والإحسان ما أمكنه فإن لذلك تأثيرا عجيبا في دفع البلاء ودفع العين وشر الحاسد ولو لم يكن في هذا إلا تجارب الأمم قديما وحديثا لكفى به فما يكاد العين والحسد والأذى يتسلط على محسن متصدق وإن أصابه شيء من(2\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "463",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6678",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك كان معاملا فيه باللطف والمعونة والتأييد وكانت له فيه العاقبة الحميدة فالمحسن المتصدق في خفارة إحسانه وصدقته عليه من الله جنة واقية وحصن حصين وبالجملة فالشكر حارس النعمة من كل ما يكون سببا لزوالها ومن أقوى الأسباب حسد الحاسد والعائن فإنه لا يفتر ولا يني ولا يبرد قلبه حتى تزول النعمة عن المحسود فحينئذ يبرد أنينه وتنطفيء ناره لا أطفأها الله فما حرس العبد نعمة الله تعالى عليه بمثل شكرها ولا عرضها للزوال بمثل العمل فيها بمعاصي الله وهو كفران النعمة وهو باب إلى كفران المنعم فالمحسن المتصدق يستخدم جندا وعسكرا يقاتلون عنه وهو نائم على فراشه فمن لم يكن له جند ولا عسكر وله عدو فإنه يوشك أن يظفر به عدوه وإن تأخرت مدة الظفر والله المستعان السبب التاسع: وهو من أصعب الأسباب على النفس وأشقها عليها ولا يوفق له إلا من عظم حظه من الله وهو إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه فكلما ازداد أذى وشرا وبغيا وحسدا ازددت إليه إحسانا وله نصيحة وعليه شفقة وما أظنك تصدق بأن هذا يكون فضلا عن أن تتعاطاه فاسمع الآن قوله عز وجل: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم وقال: أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرأون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون وتأمل حال النبي صلى الله عليه وسلم الذي حكى عنه نبينا صلى الله عليه وسلم quot;أنه ضربه قومه حتى أدموه فجعل يسلت الدم عنه ويقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمونquot; رواه البخاري ومسلم كيف جمع في هذه الكلمات أربع مقامات من الإحسان قابل بها إساءتهم العظيمة إليه أحدها: عفوه عنهم والثاني: استغفاره لهم الثالث: اعتذاره(2\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "464",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6679",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنهم بأنهم لا يعلمون الرابع: استعطافه لهم بإضافتهم إليه فقال اغفر لقومي كما يقول الرجل لمن يشفع عنده فيمن يتصل به هذا ولدي هذا غلامي هذا صاحبي فهبه لي واسمع الآن ما الذي يسهل هذا على النفس ويطيبه إليها وينعمها به اعلم أن لك ذنوبا بينك وبين الله تخاف عواقبها وترجوه أن يعفو عنها ويغفرها لك ويهبها لك ومع هذا لا يقتصر على مجرد العفو والمسامحة حتى ينعم عليك ويكرمك ويجلب إليك من المنافع والإحسان فوق ما تؤمله فإذا كنت ترجو هذا من ربك أن يقابل به إساءتك فما أولاك وأجدرك أن تعامل به خلقه وتقابل به إساءتهم ليعاملك الله هذه المعاملة فإن الجزاء من جنس العمل فكما تعمل مع الناس في إساءتهم في حقك يفعل الله معك في ذنوبك وإساءتك جزاء وفاقا فانتقم بعد ذلك أو اعف وأحسن أو اترك فكما تدين تدان وكما تفعل مع عباده يفعل معك فمن تصور هذا المعنى وشغل به فكره هان عليه الإحسان إلى ما أساء إليه هذا مع ما يحصل له بذلك من نصر الله ومعيته الخاصة كما quot;قال النبي صلى الله عليه وسلم للذي شكى إليه قرابته وأنه يحسن إليهم وهم يسيئون إليه فقال: quot;لا يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلكquot; رواه مسلم هذا مع ما يتعجله من ثناء الناس عليه ويصيرون كلهم معه على خصمه فإنه كل من سمع أنه محسن إلى ذلك الغير وهو مسيء إليه وجد قلبه ودعاءه وهمته مع المحسن على المسيء وذلك أمر فطري فطر الله عباده فهو بهذا الإحسان قد استخدم عسكرا لا يعرفهم ولا يعرفونه ولا يريدون منه إقطاعا ولا خبرا هذا مع أنه لا بد له مع عدوه وحاسده من إحدى حالتين إما أن يملكه بإحسانه فيستعبده وينقاد له ويذل له ويبقى من أحب الناس إليه وإما أن يفتت كبده ويقطع دابره إن أقام على إساءته إليه فإنه يذيقه بإحسانه أضعاف ما ينال منه بانتقامه ومن جرب هذا عرفه حق المعرفة والله هو الموفق المعين بيده الخير كله لا إله غيره وهو المسئول أن يستعملنا وإخواننا في ذلك بمنه وكرمه وفي الجملة ففي هذا المقام من الفوائد ما يزيد على مائة منفعة للعبد عاجلة وآجلة سنذكرها في(2\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "465",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6680",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "موضع آخر إن شاء الله تعالى السبب العاشر: وهو الجامع لذلك كله وعليه مدار هذه الأسباب وهو تجريد التوحيد والترحل بالفكر في الأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم والعلم بأن هذه آلات بمنزلة حركات الرياح وهي بيد محركها وفاطرها وبارئها ولا تضر ولا تنفع إلا بإذنه فهو الذي يحسن عبده بها وهو الذي يصرفها عنه وحده لا أحد سواه قال تعالى: وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: quot;واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك quot; صحيح فإذا جرد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله تعالى بل يفرد الله بالمخافة وقد أمنه منه وخرج من قلبه اهتمامه به واشتغاله به وفكره فيه وتجرد الله محبة وخشية وإنابة وتوكلا واشتغالا به عن غيره فيرى أن إعماله فكره في أمر عدوه وخوفه منه واشتغاله به من نقص توحيده وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل والله يتولى حفظه والدفع عنه فإن الله يدافع عن الذين آمنوا فإن كان مؤمنا فالله يدافع عنه ولا بد وبحسب إيمانه يكون دفاع الله عنه فإن كمل إيمانه كان دفع الله عنه أتم دفع وإن مزج مزج له وإن كان مرة ومرة فالله له مرة ومرة كما قال بعض السلف من أقبل على الله بكليته أقبل الله عليه جملة ومن أعرض عن الله بكليته أعرض الله عنه جملة ومن كان مرة ومرة فالله له مرة ومرة فالتوحيد حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين قال بعض السلف: quot;من خاف الله خافه كل شيء ومن لم يخف الله أخافه من كل شيءquot; فهذه عشرة أسباب يندفع بها شر الحاسد والعائن والساحر وليس له أنفع من التوجه إلى الله وإقباله عليه وتوكله عليه وثقته به وأن لا يخاف معه غيره بل يكون خوفه منه وحده ولا يرجوا سواه بل يرجوه وحده فلا يعلق قلبه بغيره ولا يستغيث بسواه ولا يرجو إلا إياه ومتى علق قلبه بغيره ورجاه وخافه وكل إليه وخذل من(2\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "466",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6681",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جهته فمن خاف شيئا غير الله سلط عليه ومن رجا شيئا سوى الله خذل من جهته وحرم خيره هذه سنة الله في خلقه: ولن تجد لسنة الله تبديلا . فصل: فقد عرفت بعض ما اشتملت عليه هذه السورة من القواعد النافعة الهامة التي لا غنى للعبد عنها في دينه ودنياه ودلت على أن نفوس الحاسدين وأعينهم لها تأثير وعلى أن الأرواح الشيطانية لها تأثير بواسطة السحر والنفث في العقد وقد افترق العالم في هذا المقام أربع فرق ففرقة أنكرت تأثير هذا وهذا وهم فرقتان: فرقة اعترفت بوجود النفوس الناطقة والجن وأنكرت تأثيرهما البتة وهذا قول طائفة من المتكلمين ممن أنكر الأسباب والتقوى والتأثيرات وفرقة أنكرت وجودهما بالكلية وقالت: لا وجود لنفس الآدمي سوى هذا الهيكل المحسوس وصفاته وأعراضه فقط ولا وجود للجن والشياطين سوى أعراض قائمة به وهذا قول كثير من ملاحدة الطبائعيين وغيرهم من الملاحدة المنتسبين إلى الإسلام وهو قول شذوذ من أهل الكلام الذين ذمهم السلف وشهدوا عليهم بالبدعة والضلالة الفرقة الثانية: أنكرت وجود النفس الإنسانية المفارقة للبدن وأقرت بوجود الجن والشياطين وهذا قول كثير من المتكلمين من المعتزلة وغيرهم الفرقة الثالثة: بالعكس أقرت بوجود النفس الناطقة المفارقة للبدن وأنكرت وجود الجن والشياطين وزعمت أنها غير خارجة عن قوى النفس وصفاتها وهذا قول كثير من الفلاسفة الإسلاميين وغيرهم وهؤلاء يقولون إنما يوجد في العالم من التأثيرات الغريبة والحوادث الخارقة فهي من تأثيرات النفس ويجعلون السحر والكهانة كله من تأثير النفس وحدها بغير واسطة شيطان منفصل وابن سينا وأتباعه على هذا القول حتى أنهم يجعلون معجزات الرسل من هذا الباب ويقولون إنما هي من تأثيرات النفس في هيولى(2\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "467",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6682",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العالم وهؤلاء كفار بإجماع أهل الملل وليسوا من أتباع الرسل جملة الفرقة الرابعة وهم أتباع الرسل وأهل الحق أقروا بوجود النفس الناطقة المفارقة للبدن وأقروا بوجود الجن والشياطين وأثبتوا ما أثبته الله تعالى من صفاتهما وشرهما واستعاذوا بالله تعالى منه وعلموا أنه لا يعيذهم منه ولا يجيرهم إلا الله تعالى فهؤلاء أهل الحق ومن عداهم مفرط في الباطل أو معه باطل وحق الله تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فهذا ما يسر الله تعالى من الكلام على سورة الفلق. وأما سورة الناس: فقد تضمنت أيضا استعاذة ومستعاذا به ومستعاذا منه فالاستعاذة تقدمت وأما المستعاذ به فهو الله تعالى برب الناس ملك الناس إله الناس فذكر ربوبيته للناس وملكه إياهم وإلهيته لهم ولا بد من مناسبة في ذكر ذلك في الاستعاذة من الشيطان الرجيم كما تقدم فنذكر أولا معنى هذه الإضافات الثلاث ثم وجه مناسبتها لهذه الاستعاذة الإضافة الأولى: إضافة الربوبية المتضمنة لخلقهم وتدبيرهم وتربيتهم وإصلاحهم وجلب مصالحهم وما يحتاجون إليه ودفع الشر عنهم وحفظهم مما يفسدهم هذا معنى ربوبيته لهم وذلك يتضمن قدرته التامة ورحمته الواسعة وإحسانه وعلمه بتفاصيل أحوالهم وإجابة دعواتهم وكشف كرباتهم الإضافة الثانية: إضافة الملك فهو ملكهم المتصرف فيهم وهم عبيده ومماليكه وهو المتصرف لهم المدبر لهم كما يشاء النافذ القدرة فيهم الذي له السلطان التام عليهم فهو ملكهم الحق الذي إليه مفزعهم عند الشدائد والنوائب وهو مستغاثهم ومعاذهم وملجؤهم فلا صلاح لهم ولا قيام إلا به وبتدبيره فليس لهم ملك غيره يهربون إليه إذا دهمهم العدو ويستصرخون به إذا نزل العدو بساحتهم الإضافة الثالثة: إضافة الإلهية فهو إلههم الحق ومعبودهم الذي لا إله لهم سواه ولا معبود لهم غيره فكما أنه وحده هو ربهم ومليكهم لم يشركه في ربوبيته ولا في ملكه أحد فكذلك هو وحده إلههم ومعبودهم فلا ينبغي أن يجعلوا معه شريكا في إلهيته كما لا شريك معه في ربوبيته وملكه وهذه طريقة(2\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "468",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6683",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القرآن الكريم يحتج عليهم بإقرارهم بهذا التوحيد على ما أنكروه من توحيد الإلهية والعبادة وإذا كان وحده هو ربنا ومالكنا وإلهنا فلا مفزع لنا في الشدائد سواه ولا ملجأ لنا منه إلا إليه ولا معبود لنا غيره فلا ينبغي أن يدعي ولا يخاف ولا يرجى ولا يحب سواه ولا يذل لغيره ولا يخضع لسواه ولا يتوكل إلا عليه لأن من ترجوه وتخافه وتدعوه وتتوكل عليه إما أن يكون مربيك والقيم بأمورك ومولي شأنك وهو ربك فلا رب سواه أو تكون مملوكه وعبده الحق فهو ملك الناس حقا وكلهم عبيده ومماليكه أو يكون معبودك وإلهك الذي لا تستغني عنه طرفة عين بل حاجتك إليه أعظم من حاجتك إلى حياتك وروحك وهو الإله الحق إله الناس الذي لا إله لهم سواه فمن كان ربهم وملكهم وإلههم فهم جديرون أن لا يستعيذوا بغيره ولا يستنصروا بسواه ولا يلجئوا إلى غير حماة فهو كافيهم وحسبهم وناصرهم ووليهم ومتولي أمورهم جميعا بربوبيته وملكه وإلهيته لهم فكيف لا يلتجئ العبد عند النوازل ونزول عدوه به إلى ربه ومالكه وإلهه فظهرت مناسبة هذه الإضافات الثلاث للاستعاذة من أعدى الأعداء وأعظمهم عداوة وأشدهم ضررا وأبلغهم كيدا ثم إنه سبحانه كرر الاسم الظاهر ولم يوقع المضمر موقعه فيقول رب الناس وملكهم وإلههم تحقيقا لهذا المعنى وتقوية له فأعاد ذكرهم عند كل اسم من أسمائه ولم يعطف بالواو لما فيهم من الإيذان بالمغايرة والمقصود الاستعاذة بمجموع هذه الصفات حتى كأنها صفة واحدة وقدم الربوبية لعمومها وشمولها لكل مربوب وأخر الإلهية لخصوصها لأنه سبحانه إنما هو إله من عبده ووحده واتخذه دون غيره إلها فمن لم يعبده ويوحده فليس بإلهه وإن كان في الحقيقة لا إله له سواه ولكن ترك إلهه الحق واتخذ إلها غيره ووسط صفة الملك بين الربوبية والإلهية لأن الملك هو المتصرف بقوله وأمره فهو المطاع إذا أمر وملكه لهم تابع لخلقه إياهم فملكه من كمال ربوبيته وكونه إلههم الحق من كمال ملكه فربوبيته تستلزم ملكه وتقتضيه وملكه يستلزم إلهيته ويقتضيها(2\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "469",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6684",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهو الرب الحق الملك الحق الإله الحق خلقهم بربوبيته وقهرهم بملكه استعبدهم بإلهيته فتأمل هذه الجلالة وهذه العظمة التي تضمنته هذه الألفاظ الثلاثة على أبدع نظام وأحسن سياق رب الناس ملك الناس إله الناس وقد اشتملت هذه الإضافات الثلاث على جميع قواعد الإيمان وتضمنت معاني أسمائه الحسنى أما تضمنها لمعاني أسمائه الحسنى فإن الرب هو القادر الخالق البارئ المصور الحي القيوم العليم السميع البصير المحسن المنعم الجواد المعطي المانع الضار النافع المقدم المؤخر الذي يضل من يشاء ويهدي من يشاء ويسعد من يشاء ويشقي ويعز من يشاء ويذل من يشاء إلى غير ذلك من معاني ربوبيته التي له منها ما يستحقه من الأسماء الحسنى وأما الملك فهو الآمر الناهي المعز المذل الذي يصرف أمور عباده كما يحب ويقلبهم كما يشاء وله من معنى الملك ما يستحقه من الأسماء الحسنى كالعزيز الجبار الحكم العدل الخافض الرافع المعز المذل العظيم الجليل الكبير الحسيب المجيد الوالي المتعالي مالك الملك المقسط الجامع إلى غير ذلك من الأسماء العائدة إلى الملك وأما الإله فهو الجامع لجميع صفات الكمال ونعوت الجلال فيدخل في هذا الاسم جميع الأسماء الحسنى ولهذا كان القول الصحيح أن الله أصله الإله كما هو قول سيبويه وجمهور أصحابه إلا من شذ منهم وأن اسم الله تعالى هو الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى والصفات العلى فقد تضمنت هذه الأسماء الثلاثة جميع معاني أسمائه الحسنى فكان المستعيذ بها جديرا بأن يعاذ ويحفظ ويمنع من الوسواس الخناس ولا يسلط عليه وأسرار كلام الله أجل وأعظم من أن تدركها عقول البشر وإنما غاية أولي العلم الاستدلال بما ظهر منها على ما وراء وإن باديه إلى الخافي يسير.(2\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "470",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6685",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: وهذه السورة مشتملة على الاستعاذة من الشر الذي هو سبب الذنوب والمعاصي كلها وهو الشر الداخل في الإنسان الذي هو منشأ العقوبات في الدنيا والآخرة فسورة الفلق تضمنت الاستعاذة من الشر الذي هو ظلم الغير له بالسحر والحسد وهو شر من خارج وسورة الناس تضمنت الاستعاذة من الشر الذي هو سبب ظلم العبد نفسه وهو شر من داخل فالشر الأول: لا يدخل تحت التكليف ولا يطلب منه الكف عنه لأنه ليس من كسبه والشر الثاني: في سورة الناس يدخل تحت التكليف ويتعلق به النهي فهذا شر المعائب والأول شر المصائب والشر كله يرجع إلى العيوب والمصائب ولا ثالث لهما فسورة الفلق تتضمن الاستعاذة من شر المصيبات وسورة الناس تتضمن الاستعاذة من شر العيوب التي أصلها كلها الوسوسة. فصل: إذا عرف هذا فالوسواس فعلال من وسوس وأصل الوسوسة الحركة أو الصوت الخفي الذي لا يحس فيحترز منه فالوسواس الإلقاء الخفي في النفس إما بصوت خفي لا يسمعه إلا من ألقي إليه وإما بغير صوت كما يوسوس الشيطان إلى العبد ومن هذا وسوسة الحلي وهو حركته الخفية في الأذن والظاهر والله تعالى أعلم إنها سميت وسوسة لقربها وشدة مجاورتها لمحل الوسوسة من شياطين الإنس وهو الأذن فقيل وسوسة الحلي لأنه صوت مجاور للأذن كوسوسة الكلام الذي يلقيه الشيطان في أذن من يوسوس له ولما كانت الوسوسة كلاما يكرره الموسوس ويؤكده(2\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "471",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6686",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عند من يلقيه إليه كرروا لفظها بإزاء تكرير معناها فقالوا وسوس وسوسة فراعوا تكرير اللفظ ليفهم منه تكرير مسماه ونظير هذا ما تقدم من متابعتهم حركة اللفظ بإزاء متابعة حركة معناه كالدوران والغليان والنزوان وبابه ونظير ذلك زلزل ودكدك وقلقل وكبكب الشيء لأن الزلزلة حركة متكررة وكذلك الدكدكة والقلقلة وكذلك كبكب الشيء إذا كبه في مكان بعيد فهو يكب فيه كبا بعد كب كقوله تعالى: فكبكبوا فيها هم والغاوون ومثله رضرضة إذا كرر رضه مرة بعد مرة ومثله ذرذره إذا ذره شيئا بعد شيء ومثله صرصر الباب إذا تكرر صريره ومثله مطمط الكلام إذا مطه شيئا بعد شيء ومثله كفكف الشيء إذا كرر كفه وهو كثير وقد علم بهذا أن من جعل هذا الرباعي بمعنى الثلاثي المضاعف لم يصب لأن الثلاثي لا يدل على تكرار بخلاف الرباعي المكرر فإذا قلت ذر الشيء وصر الباب وكف الثوب ورض الحب لم يدل على تكرار الفعل بخلاف ذرذر وصرصر ورضرض ونحوه فتأمله فإنه مطابق للقاعدة العربية في الحذو بالألفاظ حذو المعاني وقد تقدم التنبيه على ذلك فلا وجه لإعادته وكذلك قولهم عج العجل إذا صوت فإن تابع صوته قالوا عجعج وكذلك ثج الماء إذا صب فإن تكرر ذلك قيل ثجثج والمقصود أن الموسوس لما كان يكرر وسوسته ويتابعها قبل وسوس. فصل: إذا عرف هذا فاختلف النحاة في لفظ الوسواس هل هو وصف أو مصدر الجواب على قولين: ونحن نذكر حجة كل قول ثم نبين الصحيح من القولين بعون الله تعالى وفضله أما من ذهب إلى أنه مصدر فاحتج بأن الفعل منه فعلل والوصف من فعلل إنما هو مفعلل كمدحرج ومسرهف ومبيطر ومسيطر وكذلك هو من فعل بوزن مفعل كمقطع ومخرج وبابه فلو كان الوسواس صفة لقيل موسوس ألا ترى أن(2\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "472",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6687",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اسم الفاعل من زلزل مزلزل لا زلزال وكذلك من دكدك مدكوك وهو مطرد فدل على أن الوسواس مصدر وصف به على وجه المبالغة أو يكون على حذف مضاف تقديره ذو الوسواس قالوا والدليل عليه أيضا قول الشاعر: تسمع للحلي بها وسواسا فهذا مصدر بمعنى الوسوسة سواء قال أصحاب الرأي الآخر: الدليل على أنه وصف أن فعلل ضربان أحدهما: صحيح لا تكرار فيه كدحرج وسرهف بيطر وقياس مصدر هذه الفعللة كالدحرجة والسرهفة والبيطرة والفعلان بكسر الفاء كالسرهاف والدحراج والوصف منه مفعلل كمدحرج ومبيطر والثاني: فعلل الثنائي المكرر كزلزل ودكدك ووسوس وهذا فرع على فعلل المجرد عن التكرار لأن الأصل السلامة من التكرار ومصدر هذا النوع والوصف منه مساو لمصدر الأول ووصفه فمصدره يأتي على الفعللة كالوسوسة والزلزلة والفعلال كالزلزال وأقيس المصدرين وأولاهما بنوعي فعلل الفعلان لأمرين أحدهما أن فعلل مشاكل لأفعل في عدد الحروف وفتح الأول والثالث والرابع: وسكون الثاني فجعل أفعال مصدر أفعل وفعلال مصدر فعلل ليتشاكل المصدران كما يتشاكل الفعلان فكان الفعلان أولى بهذا الوزن من الفعللة الثاني: أن أصل المصدر أن يخالف وزنه وزن فعله ومخالفة فعلال لفعلل أشد من مخالفة فعللة له فكان فعلال أحق بالمصدرية من فعللة أو تساويا في الاطراد من أن فعللة أرجع في الاستعمال وأكثر هذا هو الأصل وقد جاءوا بمصدر هذا الوزن المكرر مفتوح الفاء فقالوا وسوس الشيطان وسواسا ووعوع الكلب وعواعا إذا عوى وعظعظ السهم عظعاظا والجاري على القياس فعلال بكسر الفاء أو فعللة وهذا المفتوح نادر لأن الرباعي الصحيح أصل للمتكرر ولم يأت مصدر الصحيح مع كونه أصلا إلا على فعللة وفعلال بالكسر فلم يحسن بالرباعي المكرر لفرعيته أن يكون(2\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "473",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6688",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مصدره إلا كذلك لأن الفرع لا يخالف أصله بل يحتذي فيه حذوه وهذا يقتضي أن لا يكون مصدره على فعلال بالفتح فإن شذ حفظ ولم يزد عليه قالوا وأيضا فإن فعلالا المفتوح الفاء قد كثر وقوعه صفة مصوغة من فعلل المكرر ليكون فيه نظير فعال من الثلاثي لأنهما متشاركان وزنا فاقتضى ذلك أن لا يكون لفعلال من المصدرية نصيب كما لم يكن لفعال فيها نصيب فلذلك استندروا وقوع وسواس ووعواع وعظعاظ مصادر وإنما حقها أن تكون صفات دالة على المبالغة في مصادر هذه الأفعال قالوا وإذا ثبت هذا فحق ما وقع منها محتملا للمصدرية والوصفية أن يحمل على الوصفية حملا على الأكثر الغالب وتجنبا للشاذ فمن زعم أن الوسواس مصدر مضاف إليه ذو تقديرا فقوله خارج عن القياس والاستعمال الغالب ويدل على فساد ما ذهب إليه أمران أحدهما: أن كل مصدر أضيف إليه ذو تقديرا فتجرده للمصدرية أكثر من الوصف به كرضي وصوم وفطر وفعلال المفتوح لم يثبت تجرده للمصدرية إلا في ثلاثة ألفاظ فقط وسواس ووعواع وعظعاظ على أن منع المصدرية في هذا ممكن لأن غاية ما يمكن أن يستدل به على المصدرية قولهم وسوس إليه الشيطان وسواسا وهذا لا يتعين للمصدرية لاحتمال أن يراد به الوصفية وينتصب وسواسا على الحال ويكون حالا مؤكدة فإن الحال قد يؤكد بها عاملها الموافق لها لفظا ومعنى كقوله تعالى: وأرسلناك للناس رسولا وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره نعم إنما تتعين مصدرية الوسواس بالسمع أعوذ بالله من وسواس الشيطان ونحو ذلك مما يكون الوسواس فيه مضافا إلى فاعله كما سمع ذلك في الوسوسة ولكن أين لكم ذلك فهاتوا شاهده فبذلك يتعين أن يكون الوسواس مصدرا بانتصابه بعد الفعل الوجه الثاني: من دليل فساد من زعم أن وسواسا مصدر مضاف إليه ذو تقديرا إن المصدر المضاف إليه ذكر تقديرا لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع بل يلزم طريقة واحدة ليعلم أصالته في المصدرية وأنه عارض الوصفية فيقال امرأة صوم وامرأتان صوم ونساء صوم لأن(2\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "474",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6689",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعنى ذات صوم وذاتا صوم وذوات صوم وفعلال الموصوف به ليس كذلك بل يثنى ويجمع ويؤنث فتقول رجل ثرثار وامرأة ثرثارة ورجال ثرثارون وفي الحديث quot;أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون quot; حسن وقالوا ريح رفرافة أي تحرك الأشجار وريح سفسافة أي تنخل التراب ودرع فضفاضة أي متسعة والفعل من ذلك كله فعلل والمصدر فعللة وفعلال بالكسر ولم ينقل في شيء من ذلك فعلال بالفتح وكذلك قالوا تمتام وفأفاء ولضلاض أي ماهر في الدلالة وفجفاج كثر الكلام وهرهار أي ضحاك وكهكاه ووطواط أي ضعيف وحشحاش وعسعاس أي خفيف وهو كثير ومصدره كله الفعللة والوصف فعلال بالفتح ومثله هفهاف أي خميص ومثله دحداح أي قصير ومثله بجباج أي جسيم وتختاج أي ألكن شمشام أي سريع وشيء خشخاش أي مصوت وقعقاع مثله وأسد فضفاض أي كاسر وحية نضناض تحرك لسانها فقد رأيت فعلال في هذا كله وصفا لا مصدرا فما بال الوسواس أخرج عن نظائره وقياس بابه فثبت أن وسواسا وصف لا مصدر كثرثار وتمتام ودحداح وبابه ويدل عليه وجه آخر وهو أنه وصفه بما يستحيل أن يكون مصدرا بل هو متعين الوصفية وهو الخناس فالوسواس والخناس وصفان لموصوف محذوف وهو الشيطان وحسن حذف الموصوف هاهنا غلبة الوصف حتى صار كالعلم عليه والموصوف إنما يقبح حذفه إذا كان الوصف مشتركا فيقع اللبس كالطويل والقبيح والحسن ونحوه فيتعين ذكر الموصوف ليعلم أن الصفة له لا لغيره فأما إذا غلب الوصف واختص ولم يعرض فيه اشتراك فإنه يجري مجرى الاسم ويحسن حذف الموصوف كالمسلم والكافر والبر والفاجر والقاصي والداني والشاهد والوالي ونحو ذلك فحذف الموصوف هنا أحسن من ذكره وهذا التفصيل أولى من إطلاق من منع حذف الموصوف ولم يفصل ومما يدل على أن الوسواس وصف لا مصدر أن الوصفية أغلب على فعلال من المصدرية كما تقدم فلو أريد المصدر لأتي بذو المضافة إليه ليزول اللبس وتتعين المصدرية فإن اللفظ إذا احتمل الأمرين على السواء فلا بد(2\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "475",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6690",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من قرينة تدل على تعيين أحدهما فكيف والوصفية أغلب عليه من المصدرية وهذا بخلاف صوم وفطر وبابهما فإنها مصادر لا تلبس بالأوصاف فإذا جرت أوصافا علم أنها على حذف مضاف أو تنزيلا للمصدر منزلة الوصف مبالغة على الطريقتين في ذلك فتعين أن الوسواس هو الشيطان نفسه وأنه ذات لا مصدر والله أعلم. فصل: وأما الخناس: فهو فعال من خنس يخنس إذا توارى واختفى ومنه قول أبي هريرة: quot;لقيني النبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة وأنا جنب فانخنست منه: وحقيقة اللفظ اختفاء بعد ظهور فليست لمجرد الاختفاء ولهذا وصفت بها الكواكب في قوله تعالى: فلا أقسم بالخنس قال قتادة: quot;هي النجوم تبدو بالليل وتخنس بالنهار فتختفي ولا ترىquot; وكذلك قال علي رضي الله عنه: quot;هي الكواكب تخنس بالنهار فلا ترىquot; وقالت طائفة: الخنس هي الراجعة التي ترجع كل ليلة إلى جهة المشرق وهي السبعة السيارةquot; قالوا: وأصل الخنوس الرجوع إلى وراءquot; والخناس مأخوذ من هذين المعنيين فهو من الاختفاء والرجوع والتأخر فإن العبد إذا غفل عن ذكر الله جثم على قلبه الشيطان وانبسط عليه وبذر فيه أنواع الوساوس التي هي أصل الذنوب كلها فإذا ذكر العبد ربه واستعاذ به انخنس وانقبض كما ينخنس الشيء ليتوارى وذلك الإنخناس والانقباض هو أيضا تجمع ورجوع وتأخر عن القلب إلى خارج فهو تأخر ورجوع معه اختفاء وخنس وانخنس يدل على الأمرين معا قال قتادة الخناس له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان فإذا ذكر العبد ربه خنس ويقال رأسه كرأس الحية وهو واضع رأسه على ثمرة القلب يمنيه ويحدثه فإذا ذكر الله تعالى خنس وإذا لم يذكره عاد ووضع رأسه يوسوس إليه ويمنيه وجيء من هذا الفعل بوزن فعال الذي للمبالغة دون الخانس(2\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "476",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6691",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمنخنس إيذانا بشدة هروبه ورجوعه وعظم نفوره عند ذكر الله وأن ذلك دأبه ودينه لا أنه يعرض له ذلك عند ذكر الله أحيانا بل إذا ذكر الله هرب وانخنس وتأخر فإن ذكر الله هو مقمعته التي يقمع بها كما يقمع المفسد والشرير بالمقامع التي تردعه من سياط وحديد وعصي ونحوها فذكر الله يقمع الشيطان ويؤلمه ويؤذيه كالسياط والمقامع التي تؤذي من يضرب بها ولهذا يكون شيطان المؤمن هزيلا ضئيلا مضنى مما يعذبه ويقمعه به من ذكر الله وطاعته وفي أثر عن بعض السلف أن المؤمن ينضي شيطانه كما ينضي الرجل بعيره في السفر لأنه كلما اعترضه صب عليه سياط الذكر والتوجه والاستغفار والطاعة فشيطانه معه في عذاب شديد ليس بمنزلة شيطان الفاجر الذي هو معه في راحة ودعة ولهذا يكون قويا عاتيا شديدا فمن لم يعذب شيطانه في هذه الدار بذكر الله تعالى وتوحيده واستغفاره وطاعته عذبه شيطانه في الآخرة بعذاب النار فلا بد لكل أحد أن يعذب شيطانه أو يعذبه شيطانه وتأمل كيف جاء بناء الوسواس مكررا لتكريره الوسوسة الواحدة مرارا حتى يعزم عليها العبد وجاء بناء الخناس على وزن الفعال الذي يتكرر منه نوع الفعل لأنه كلما ذكر الله انخنس ثم إذا غفل العبد عاوده بالوسوسة فجاء بناء اللفظين مطابقا لمعنييهما. فصل: وقوله: الذي يوسوس في صدور الناس صفة ثالثة للشيطان فذكر وسوسته أولا ثم ذكر محلها ثانيا وأنها في صدور الناس وقد جعل الله للشيطان دخولا في جوف العبد ونفوذا إلى قلبه وصدره فهو يجري منه مجرى الدم وقد وكل بالعبد فلا يفارقه إلى الممات وفي الصحيحين من حديث الزهري عن علي بن حسين عن صفية بنت حيي قالت: quot;كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفا(2\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "477",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6692",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأتيته أزوره ليلا فحدثته ثم قمت فانقلبت فقام معي ليقلبني وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا فقال النبي صلى الله عليه وسلم على رسلكما إنها صفية بنت حيي فقالا سبحان الله يا رسول الله فقال إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءا أو قال شيئاquot; رواه البخاري وفي الصحيح أيضا عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot; إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط فإذا قضى أقبل فإذا ثوب بها أدبر فإذا قضي أقبل حتى يخطر بين الإنسان وقلبه فيقول اذكر كذا اذكر كذا حتى لا يدري أثلاثا صلى أم أربعا فإذا لم يدر أثلاثا صلى أم أربعا سجد سجدتي السهوquot; رواه البخاري ومسلم ومن وسوسته ما ثبت وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا ومن خلق كذا حتى يقول من خلق الله فمن وجد ذلك فليستعذ بالله ولينتهquot; رواه البخاري ومسلم وفي الصحيح أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: quot;يا رسول الله إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به قال الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسةquot; صحيح ومن وسوسته أيضا أن يشغل القلب بحديثه حتى ينسيه ما يريد أن يفعله ولهذا يضاف النسيان إليه إضافته إلى سببه قال تعالى حكاية عن صاحب موسى إنه قال: فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره وتأمل حكمة القرآن الكريم وجلالته كيف أوقع الاستعاذة من شر الشيطان الموصوف بأنه الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس ولم يقل من شر وسوسته لتعم الاستعاذة شره جميعه فإن قوله: من شر الوسواس الخناس يعم كل شره ووصفه بأعظم صفاته وأشدها شرا وأقواها تأثيرا وأعمها فسادا وهي الوسوسة التي هي مبادئ الإرادة فإن القلب يكون فارغا من الشر والمعصية فيوسوس إليه ويخطر الذنب بباله فيصوره لنفسه ويمنيه ويشهيه فيصير شهوة ويزينها له ويحسنها ويخيلها له في خيال تميل نفسه إليه فيصير إرادة ثم لا يزال(2\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "478",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6693",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يمثل ويخيل ويمني ويشهي وينسى علمه بضررها ويطوي عنه سوء عاقبتها فيحول بينه وبين مطالعته فلا يرى إلا صورة المعصية والتذاذه بها فقط وينسى ما وراء ذلك فتصبر الإرادة عزيمة جازمة فيشتد الحرص عليها من القلب فيبعث الجنود في الطلب فيبعث الشيطان معهم مدادا لهم وعونا فإن فتروا حركهم وإن ونوا أزعجهم كما قال تعالى: ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا أي تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا كلما فتروا أو ونوا أزعجتهم الشياطين وأزتهم وأثارتهم فلا تزال بالعبد تقوده إلى الذنب وتنظم شمل الاجتماع بألطف حيلة وأتم مكيدة قد رضي لنفسه بالقيادة لفجرة بني آدم وهو الذي استكبر وأبى أن يسجد لأبيهم بتلك النخوة والكبر ولا يرضاه أن يصير قوادا لكل من عصى الله كما قال بعضهم: عجبت من إبليس في تيهه ... وقبح ما أظهر من نخوته تاه على آدم في سجدة ... وصار قوادا لذريته فأصل كل معصية وبلاء إنما هو الوسوسة فلهذا وصفه بها لتكون الاستعاذة من شرها أهم من كل مستعاذ منه وإلا فشره بغير الوسوسة حاصل أيضا فمن شره أنه لص سارق لأموال الناس فكل طعام أو شراب لم يذكر اسم الله تعالى عليه فله فيه حظ بالسرقة والخطف وكذلك يبيت في البيت إذا لم يذكر فيه اسم الله تعالى فيأكل طعام الإنس بغير إذنهم ويبيت في بيوتهم بغير أمرهم فيدخل سارقا ويخرج مغيرا ويدل على عوراتهم فيأمر العبد بالمعصية ثم يلقي في قلوب الناس يقظة ومناما إنه فعل كذا وكذا ومن هذا أن العبد يفعل الذنب لا يطلع عليه أحد من الناس فيصبح والناس يتحدثون به وما ذاك إلا أن الشيطان زينه له وألقاه في قلبه ثم وسوس إلى الناس بما فعل وألقاه فأوقعه في الذنب ثم(2\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "479",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6694",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فضحه به فالرب تعالى يستره والشيطان يجهد في كشف ستره وفضيحته فيغتر العبد ويقول هذا ذنب لم يره إلا الله تعالى ولم يشعر بأن عدوه ساع في إذاعته وفضيحته وقل من يتفطن من الناس لهذه الدقيقة ومن شره أنه إذا نام العبد عقد على رأسه عقدا تمنعه من اليقظة كما في صحيح البخاري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله قال ويعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقدة يضرب على كل عقدة مكانها عليك ليل طويل فارقد فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقده فإن توضأ انحلت عقدة فإن صلى انحلت عقدة كلها فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان رواه البخاري ومسلم ومن شره أن يبول في أذن العبد حتى ينام إلى الصباح كما ثبت عن النبي أنه ذكر عنده رجل نام ليله حتى أصبح قال ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه أو قال في أذنيه رواه البخاري رواه البخاري ومن شره أنه قعد لابن آدم بطرق الخير كلها فما من طريق من طرق الخير إلا والشيطان مرصد عليه يمنعه بجهده أن يسلكه فإن خالفه وسلكه ثبطه فيه وعوقه وشوش عليه بالمعارضات والقواطع فإن عمله وفرغ منه قيض له ما يبطل أثره ويرده على حافرته ويكفي من شره أنه أقسم بالله ليقعدن لبني آدم صراطه المستقيم وأقسم ليأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولقد بلغ شره أن أعمل المكيدة وبالغ في الحيلة حتى أخرج آدم من الجنة ثم لم يكفه ذلك حتى استقطع من أولاده شرطة النار من كل ألف وتسعة وتسعين ثم لم يكفه ذلك حتى أعمل الحيلة في إبطال دعوة الله من الأرض وقصد أن تكون الدعوة له وأن يعبد من دون الله فهو ساع بأقصى جهده على إطفاء نور الله وإبطال دعوته وإقامة دعوة الكفر والشرك ومحو التوحيد وأعلامه من الأرض ويكفي من شره أنه تصدى لإبراهيم خليل الرحمن حتى رماه قومه بالمنجنيق في النار فرد الله تعالى كيده عليه وجعل النار على خليله بردا وسلاما وتصدى حتى أراد اليهود قتله وصلبه فرد الله كيده وصان المسيح ورفعه إليه وتصدى لزكريا ويحيى(2\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "480",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6695",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حتى قتلا واستثار فرعون حتى زين له الفساد العظيم في الأرض ودعوى أنه ربهم الأعلى وتصدى للنبي صلى الله عليه وسلم وظاهر الكفار على قتله بجهده والله تعالى يكبته ويرده خاسئا وتفلت على النبي صلى الله عليه وسلم بشهاب من نار يريد أن يرميه به وهو في الصلاة فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول ألعنك بلعنة الله وأعان اليهود على سحرهم للنبي صلى الله عليه وسلم فإذا كان هذا شأنه وهمته في الشر فكيف الخلاص منه إلا بمعونة الله وتأييده وإعاذته ولا يمكن حصر أجناس شره فضلا عن آحادها إذ كل شر في العالم فهو السبب فيه ويكن ينحصر شره في ستة أجناس لا يزال بابن آدم حتى ينال منه واحدا منها أو أكثر الشر الأول: شر الكفر والشرك ومعاداة الله ورسوله فإذا ظفر بذلك من ابن آدم برد أنينه واستراح من تعبه معه وهو أول ما يريد من العبد فلا يزال به حتى يناله منه فإذا نال ذلك صيره من جنده وعسكره واستنابه على أمثاله وأشكاله فصار من دعاة إبليس ونوابه فإذا يئس منه من ذلك وكان ممن سبق له الإسلام في بطن أمه نقله إلى المرتبة الثانية من الشر: وهي البدعة وهي أحب إليه من الفسوق والمعاصي لأن ضررها في نفس الدين وهو ضرر متعد وهي ذنب لا يتاب منه وهي مخالفة لدعوة الرسل ودعا إلى خلاف ما جاءوا به وهي باب الكفر والشرك فإذا نال منه البدعة وجعله من أهلها بقي أيضا نائبه وداعيا من دعائه فإن أعجزه من هذه المرتبة وكان العبد ممن سبقت له من الله موهبة السنة ومعاداة أهل البدع والضلال نقله إلى المرتبة الثالثة من الشر: وهي الكبائر على اختلاف أنواعها فهو أشد حرصا على أن يوقعه فيها ولا سيما إن كان عالما متبوعا فهو حريص على ذلك لينفر الناس عنه ثم يشيع من ذنوبه ومعاصيه في الناس ويستنيب منهم من يشيعها ويذيعها تدينا وتقربا بزعمه إلى الله تعالى وهو نائب إبليس ولا يشعر فإن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم هذا إذا أحبوا إشاعتها وإذاعتها فكيف إذا تولوا هم إشاعتها وإذاعتها لا نصيحة منهم ولكن طاعة لإبليس ونيابة عنه كل ذلك لينفر(2\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "481",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6696",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الناس عنه وعن الانتفاع به وذنوب هذا ولو بلغت عنان السماء أهون عند الله من ذنوب هؤلاء فإنها ظلم منه لنفسه إذا استغفر الله وتاب إليه قبل الله توبته وبدل سيئاته حسنات وأما ذنوب أولئك فظلم للمؤمنين وتتبع لعورتهم وقصد لفضيحتهم والله سبحانه بالمرصاد لا تخفى عليه كمائن الصدور ودسائس النفوس فإن عجز الشيطان عن هذه المرتبة نقله إلى المرتبة الرابعة وهي الصغائر التي إذا اجتمعت فربما أهلكت صاحبها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم quot;إياكم ومحقرات الذنوب فإن مثل ذلك مثل قوم نزلوا بفلاة من الأرض quot; صحيح وذكر حديثا معناه أن كل واحد منهم جاء بعود حطب حتى أوقدوا نارا عظيمة فطبخوا واشتووا ولا يزال يسهل عليه أمر الصغائر حتى يستهين بها فيكون صاحب الكبيرة الخائف منها أحسن حالا منه فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة نقله إلى المرتبة الخامسة: وهي إشغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب بل عاقبتها فوت الثواب الذي ضاع عليه باشتغاله بها فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة وكان حافظا لوقته شحيحا به يعلم مقدار أنفاسه وانقطاعها وما يقابلها من النعيم والعذاب نقله إلى المرتبة السادسة: وهو أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه ليزيح عنه الفضيلة ويفوته ثواب العمل الفاضل فيأمره بفعل الخير المفضول ويحضه عليه ويحسنه له إذا تضمن ترك ما هو أفضل وأعلى منه وقل من يتنبه لهذا من الناس فإنه إذا رأى فيه داعيا قويا ومحركا إلى نوع من الطاعة لا يشك أنه طاعة وقربة فإنه لا يكاد يقول إن هذا الداعي من الشيطان فإن الشيطان لا يأمر بخير ويرى أن هذا خير فيقول هذا الداعي من الله وهو معذور ولم يصل علمه إلى أن الشيطان يأمر بسبعين بابا من أبواب الخير إما ليتوصل بها إلى باب واحد من الشر وإما ليفوت بها خيرا أعظم من تلك السبعين بابا وأجل وأفضل وهذا لا يتوصل إلى معرفته إلا بنور من الله يقذفه في قلب العبد يكون سببه تجريد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وشدة عنايته بمراتب الأعمال عند الله وأحبها إليه وأرضاها له وأنفعها للعبد وأعمها نصيحة لله تعالى ولرسوله ولكتابه ولعباده المؤمنين خاصتهم وعامتهم ولا يعرف هذا إلا من(2\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "482",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6697",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان من ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم ونوابه في الأمة وخلفائه في الأرض وأكثر الخلق محجوبون عن ذلك فلا يخطر بقلوبهم والله تعالى يمن بفضله على من يشاء من عباده فإن أعجزه العبد من هذه المراتب الست وأعيا عليه سلط عليه حزبه من الإنس والجن بأنواع الأذى والتكفير والتضليل والتبديع والتحذير منه وقصد إخماله وإطفائه ليشوش عليه قلبه ويشغل بحربه فكره وليمنع الناس من الانتفاع به فيبقى سعيه في تسليط المبطلين من شياطين الإنس والجن عليه ولا يفتر ولا يني فحينئذ يلبس المؤمن لأمة الحرب ولا يضعها عنه إلى الموت ومتى وضعها أسر أو أصيب فلا يزال في جهاد حتى يلقى الله فتأمل هذا الفصل وتدبر موقعه وعظيم منفعته واجعله ميزانك تزن به الناس وتزن به الأعمال فإنه يطلعك على حقائق الوجود ومراتب الخلق والله المستعان وعليه التكلان ولو لم يكن في هذا التعليق إلا هذا الفصل لكان نافعا لمن تدبره ووعاه. فصل: وتأمل السر في قوله تعالى: يوسوس في صدور الناس ولم يقل في قلوبهم والصدر هو ساحة القلب وبيته فمنه تدخل الواردات إليه فتجتمع في الصدر ثم تلج في القلب فهو بمنزلة الدهليز له ومن القلب تخرج الأوامر والإرادات إلى الصدر ثم تتفرق على الجنود ومن فهم هذا فهم قوله تعالى: وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم فالشيطان يدخل إلى ساحة القلب وبيته فيلقي ما يريد إلقاءه في القلب فهو موسوس في الصدر ووسوسته واصلة إلى القلب ولهذا قال تعالى: فوسوس إليه الشيطان ولم يقل فيه لأن المعنى أنه ألقى إليه ذلك وأوصله فيه فدخل في قلبه.(2\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "483",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6698",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: وقوله تعالى: من الجنة والناس اختلف المفسرون في هذا الجار والمجرور بم يتعلق فقال الفراء وجماعة هو بيان للناس الموسوس في صدورهم والمعنى يوسوس في صدور الناس الذين هم من الجن والإنس أي الموسوس في صدورهم قسمان إنس وجن فالوسواس يوسوس للجني كما يوسوس للإنسي وعلى هذا القول فيكون من الجنة والناس نصب على الحال لأنه مجرور بعد معرفة على قول البصريين وعلى قول الكوفيين نصب بالخروج من المعرفة هذه عبارتهم ومعناها أنه لما يصلح أن يكون نعتا للمعرفة انقطع عنها فكان موضعه نصبا والبصريون يقدرونه حالا أي كائنين من الجنة والناس وهذا القول ضعيف جدا لوجوه أحدها: أنه لم يقم دليل على أن الجني يوسوس في صدور الجن ويدخل فيه كما يدخل في الإنسي ويجري منه مجراه من الإنسي فأي دليل يدل على هذا حتى يصح حمل الآية عليه الثاني: أنه فاسد من جهة اللفظ أيضا فإنه قال: الذي يوسوس في صدور الناس فكيف يبين الناس بالناس فإن معنى الكلام على قوله: يوسوس في صدور الناس الذين هم أو كائنين من الجنة والناس أيجوز أن يقال في صدور الناس الذين هم من الناس وغيرهم هذا ما لا يجوز ولا هو استعمال فصيح الثالث: أن يكون قد قسم الناس إلى قسمين جنة وناس وهذا غير صحيح فإن الشيء لا يكون قسيم نفسه الرابع: أن الجنة لا يطلق عليهم اسم الناس بوجه لا أصلا ولا اشتقاقا ولا استعمالا ولفظهما يأبى ذلك فإن الجن إنما سموا جنا من الإجتنان وهو الاستتار فهو مستترون عن أعين البشر قسموا جنا لذلك من قولهم جنه الليل وأجنه إذا ستره وأجن الميت إذا ستره في الأرض قال: ولا تبك ميتا بعد ميت أجنه ... علي وعباس وآل أبي بكر(2\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "484",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6699",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يريد النبي صلى الله عليه وسلم ومنه الجنين لاستتاره في بطن أمه قال تعالى: وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم ومنه المجن لاستتار المحارب به من سلاح خصمه ومنه الجنة لاستتار داخلها بالأشجار ومنه الجنة بالضم لما بقي الإنسان من السهام والسلاح ومنه المجنون لاستتار عقله وأما الناس فبينه وبين الإنس مناسبة في اللفظ والمعنى وبينهما اشتقاق أوسط وهو عقد تقاليب الكلمة إلى معنى واحد والإنس والإنسان مشتق من الإيناس وهو الرؤية والإحساس ومنه قوله: آنس من جانب الطور نارا أي رآها ومنه: فإن آنستم منهم رشدا أي أحسستموه ورأيتموه فالإنسان سمي إنسانا لأنه يونس أي يرى بالعين والناس فيه قولان أحدهما: أنه مقلوب من أنس وهو بعيد والأصل عدم القلب والثاني هو الصحيح أنه من النوس وهو الحركة المتتابعة فسمي الناس ناسا للحركة الظاهرة والباطنة كما سمي الرجل حارث وهمام أصدق الأسماء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم صحيح لأن كل أحد له هم وإرادة وهي مبدأ وحرث وعمل هو منتهى فكل أحد حارث وهمام والحرث والهم حركتا الظاهر والباطن وهو حقيقة النوس وأصل ناس نوس تحركت الواو قبلها فصارت ألفا هذان هما القولان المشهوران في اشتقاق الناس وأما قول بعضهم أنه من النسيان وسمي الإنسان إنسانا لنسيانه وكذلك الناس سموا ناسا لنسيانهم فليس هذا القول بشيء وأين النسيان الذي مادته ن س ي إلى الناس الذي مادته ن وس وكذلك أين هو من الإنس الذي مادته ان س وأما إنسان فهو فعلان من أن س والألف والنون في آخره زائدان لا يجوز فيه غير هذا البتة إذ ليس في كلامهم أنس حتى لا يكون إنسانا إفعالا منه ولا يجوز أن يكون الألف والنون في أوله زائدتين إذ ليس في كلامهم انفعل فيتبين أنه فعلان من الأنس ولو كان مشتقا من نسي لكان نسيانا لا إنسانا فإن قلت: فهلا جعلته إفعلالا وأصله إنسيان كليلة إصحيان ثم حذفت الياء تخفيفا فصار إنسانا قلت: يأبى ذلك(2\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "485",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6700",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عدم افعلال في كلامهم وحذف الياء بغير سبب ودعوى ما لا نظير له وذلك كله فاسد على أن الناس قد قيل: إن أصله الأناس فحذفت الهمزة فقيل الناس واستدل بقول الشاعر: إن المنايا يطلعن على الأناس الغافلين ولا ريب أن أناسا فعال ولا يجوز فيه غير ذلك البتة فإن كان أصل ناس أناسا فهو أقوى الأدلة على أنه من أنس ويكون الناس كالإنسان سواء في الاشتقاق ويكون وزن ناس على هذا القول عال لأن المحذوف فاؤه وعلي القول الأول يكون وزنه فعل لأنه من النوس وعلى القول الضعيف يكون وزنه فلع لأنه من نسي فقلبت لامه إلى موضع العين فصار ناسا ووزنه فلعا والمقصود أن الناس إسم لبني آدم فلا يدخل الجن في مسماهم فلا يصح أن يكون من الجنة والناس بيانا لقوله: في صدور الناس وهذا واضح لا خفاء فيه فإن قيل لا محذور في ذلك فقد أطلق على الجن اسم الرجال كما في قوله تعالى: وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فإذا أطلق عليهم اسم الرجال لم يمتنع أن يطلق عليهم اسم الناس قلت: هذا هو الذي غر من قال إن الناس اسم للجن والإنس في هذه الآية وجواب ذلك أن اسم الرجال إنما وقع عليهم وقوعا مقيدا في مقابلة ذكر الرجال من الإنس ولا يلزم من هذا أن يقع اسم الناس والرجال عليهم مطلقا وأنت إذا قلت إنسان من حجارة أو رجل من خشب ونحو ذلك لم يلزم من ذلك وقوع اسم الرجل والإنسان عند الإطلاق على الحجر والخشب وأيضا فلا يلزم من إطلاق اسم الرجل على الجني أن يطلق عليه اسم الناس وذلك لأن الناس والجنة متقابلان وكذلك والإنس والجن فالله تعالى يقابل بين اللفظين كقوله: يا معشر الجن والأنس وهو كثير في القرآن وكذلك قوله: من الجنة والناس يقتضي أنهما متقابلان فلا يدخل أحدهما في الآخر بخلاف الرجال والجن فإنهما لم يستعملا متقابلين فلا يقال الجن والرجال كما يقال الجن والإنس وحينئذ فالآية أبين حجة عليهم في أن الجن لا يدخلون في لفظ الناس لأنه قابل بين الجنة(2\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "486",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6701",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والناس فعلم أن أحدهما لا يدخل في الآخر فالصواب القول الثاني وهو أن قوله: من الجنة والناس بيان للذي يوسوس وأنهما نوعان إنس وجن فالجني يوسوس في صدور الإنس والإنسي أيضا يوسوس إلى الإنسي فالموسوس نوعان إنس وجن فإن الوسوسة هي الإلقاء الخفي في القلب وهذا مشترك بين الجن والإنس وإن كان إلقاء الإنسي ووسوسته إنما هي بواسطة الأذن والجني لا يحتاج إلى تلك الواسطة لأنه يدخل في ابن آدم ويجري منه مجرى الدم على أن الجني قد يتمثل له ويوسوس إليه في أذنه كالإنسي كما في البخاري عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;إن الملائكة تحدث في العنان والعنان الغمام بالأمر يكون في الأرض فتسمع الشياطين الكلمة فتقرها في أذن الكاهن كما تقر القارورة فيزيدون معها مائة كذبة من عند أنفسهم quot; رواه البخاري والترمذي فهذه وسوسة وإلقاء من الشيطان بواسطة الأذن ونظير اشتراكهما في هذه الوسوسة اشتراكهما في الوحي الشيطاني قال تعالى: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا فالشيطان يوحي إلى الإنسي باطله ويوحيه الإنسي إلى إنسي مثله فشياطين الإنس والجن يشتركان في الوحي الشيطاني ويشتركان في الوسوسة وعلى هذا فتزول تلك الإشكالات والتعسفات التي ارتكبها أصحاب القول الأول وتدل الآية على الاستعاذة من شر نوعي الشياطين شياطين الإنس والجن وعلى القول الأول إنما تكون الاستعاذة من شر شياطين الجن فقط فتأمله فإنه بديع جدا فهذا ما من الله به من الكلام على بعض أسرار هاتين السورتين وله الحمد والمنة وعسى الله أن يساعد بتفسير على هذا النمط فما ذلك على الله بعزيز والحمد لله رب العالمين ونختم الكلام على السورتين بذكر.(2\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "487",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6702",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قاعدة نافعة: quot;فما يعتصم به العبد من الشيطان ويستدفع به شره ويحترز به منه quot; وذلك في عشرة أسباب: الحرز الأول: الاستعاذة بالله من الشيطان أحدهما: الاستعاذة بالله من الشيطان قال تعالى: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم وفي موضع آخر إنه سميع عليم وقد تقدم أن السمع المراد به هاهنا سمع الإجابة لا مجرد السمع التام وتأمل سر القرآن الكريم كيف أكد الوصف بالسميع العليم بذكر صيغة هو الدال على تأكيد النسبة واختصاصها وعرف الوصف بالألف واللام في سورة حم لاقتضاء المقام لهذا التأكيد وتركه في سورة الأعراف لاستغناء المقام عنه فإن الأمر بالاستعاذة في سورة حم وقع بعد الأمر بأشق الأشياء على النفس وهو مقابلة إساءة المسيء بالإحسان إليه وهذا أمر لا يقدر عليه إلا الصابرون ولا يلقاه إلا ذو حظ عظيم كما قال الله تعالى والشيطان لا يدع العبد يفعل هذا بل يريه أن هذا ذل وعجز ويسلط عليه عدوه فيدعوه إلى الانتقام ويزينه له فإن عجز عنه دعاه إلى الإعراض عنه وأن لا يسيء إليه ولا يحسن فلا يؤثر الإحسان إلى المسيء إلا من خالفه وآثر الله تعالى وما عنده على حظه العاجل فكان المقام مقام تأكيد وتحريض فقال فيه: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم وأما في سورة الأعراف فإنه أمره أن يعرض عن الجاهلين وليس فيها الأمر بمقابلة إساءتهم بالإحسان بل بالإعراض وهذا سهل على النفوس غير مستعص عليها فليس حرص الشيطان وسعيه في دفع هذا كحرصه على دفع المقابلة بالإحسان فقال: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم وقد تقدم ذكر الفرق بين هذين الموضعين وبين قوله في(2\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "488",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6703",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حم المؤمن: فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير وفي صحيح البخاري عن عدي بن ثابت عن سليمان بن صرد قال: quot; كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم ورجلان يستبان فأحدهما احمر وجهه وانتفخت أوداجه فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجدquot; رواه البخاري ومسلم الحرز الثاني: قراءة هاتين السورتين فإن لهما تأثيرا عجيبا في الاستعاذة بالله تعالى من شره ودفعه والتحصن منه ولهذا قال النبي ما تعوذ المتعوذون بمثلهما وقد تقدم أنه كان يعوذ بهما كل ليلة عند النوم وأمر عقبة أن يقرأ بهما دبر كل صلاة وتقدم قوله إن من قرأهما مع سورة الإخلاص ثلاثا حين يمسي وثلاثا حين يصبح كفته من كل شيء الحرز الثالث: قراءة أية الكرسي ففي الصحيح من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: quot;وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتى آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث فقال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي فإنه لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدقك وهو كذوب ذاك الشيطانquot; رواه البخاري وسنذكر إن شاء الله تعالى السر الذي لأجله كان لهذه الآية العظيمة هذا التأثير العظيم في التحرز من الشيطان واعتصام قارئها بها في كلام مفرد عليها وعلى أسرارها وكنوزها بعون الله تعالى وتأييده الحرز الرابع: قراءة سورة البقرة ففي الصحيح من حديث سهل عن عبد الله عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot;لا تجعلوا بيوتكم قبورا وأن البيت الذي تقرأ فيه البقرة لا يدخله الشيطان quot; رواه مسلم والترمذي حرز الخامس: قراءة خاتمة سورة البقرة فقد ثبت في الصحيح من حديث أبي موسى الأنصاري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه quot; رواه البخاري ومسلم وفي الترمذي عن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;إن الله كتب كتابا قبل أن(2\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "489",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6704",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يخلق الخلق بألفي عام أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة فلا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان quot; صحيح الحرز السادس: أول سورة حم المؤمن إلى قوله تعالى: إليه المصير مع آية الكرسي في الترمذي من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر عن ابن أبي مليكة عن زرارة بن مصعب عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;من قرأ حم المؤمن إلى إليه المصير وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبحquot; ضعيف وعبد الرحمن المليكي وإن كان قد تكلم فيه من قبل حفظه فالحديث له شواهد في قراءة آية الكرسي وهو محتمل على غرابته الحرز السابع: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ففي الصحيحين من حديث سمي مولى أبي بكر عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot;من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشرة رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر من ذلك quot; رواه البخاري ومسلم فهذا حرز عظيم النفع جليل الفائدة يسير سهل على من يسره الله تعالى عليه الحرز الثامن: كثرة ذكر الله وهو من أنفع الحروز من الشيطان ففي الترمذي من حديث الحارث الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot; إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها وأنه كاد يبطئ بها فقال عيسى: إن الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها فإما أن تأمرهم وإما أن آمرهم فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي أو أعذب فجمع الناس في بيت المقدس فامتلأ وقعدوا على الشرف فقال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وأمركم أن تعملوا بهن أولهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو(2\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "490",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6705",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورق فقال: هذه داري وهذا عملي فاعمل وأد إلي فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك وإن الله أمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت وأمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك فكلهم يعجب أو بعجبه ريحها وإن ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وأمركم بالصدقة فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فأوثقوا يده إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال: أنا أفديه منكم بالقليل والكثير ففدى نفسه منهم وأمركم أن تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعا حتى أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله قال النبي صلى الله عليه وسلم وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة فإن من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع ومن ادعى دعوى الجاهلية فإنه من حثاء جهنم فقال رجل: يا رسول الله وإن صلى وصام قال وإن صلى وصام quot; صحيح فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح وقال البخاري: الحارث الأشعري له صحبة وله غير هذا الحديث فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله وهذا بعينه هو الذي دلت عليه سورة: قل أعوذ برب الناس فإنه وصف الشيطان فيها بأنه الخناس والخناس الذي إذا ذكر العبد الله انخنس وتجمع وانقبض وإذا غفل عن ذكر الله تعالى التقم القلب وألقى إليه الوساوس التي هي مبادئ الشر كله فما أحرز العبد نفسه من الشيطان بمثل ذكر الله عز وجل الحرز التاسع: الوضوء والصلاة وهذا من أعظم ما يتحرز به منه ولا سيما عند توارد قوة الغضب والشهوة فإنها نار تغلي في قلب ابن آدم كما في الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot; ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أما رأيتم إلى حمرة(2\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "491",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6706",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عينيه وانتفاخ أوداجه فمن أحس بشيء من ذلك فليلصق بالأرض quot; صحيح وفي أثر آخر quot; إن الشيطان خلق من نار وإنما تطفأ النار بالماءquot; ضعيف فما أطفأ العبد جمرة الغضب والشهوة بمثل الوضوء والصلاة فإنها نار والوضوء يطفئها والصلاة إذا وقعت بخشوعها والإقبال فيها على الله أذهبت أثر ذلك كله وهذا أمر تجربته تغني عن إقامة الدليل عليه الحرز العاشر: إمساك فضول النظر والكلام والطعام ومخالطة الناس فإن الشيطان إنما يتسلط على ابن آدم وينال منه غرضه من هذه الأبواب الأربعة فإن فضول النظر يدعو إلى الاستحسان ووقوع صورة المنظور إليه في القلب والاشتغال به والفكرة في الظفر به فمبدأ الفتنة من فضول النظر كما في المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot; النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فمن غض بصره لله أورثه الله حلاوة يجدها في قلبه إلى يوم يلقاه quot; ضعيف جدا أو كما قال صلى الله عليه وسلم فالحوادث العظام إنما كلها من فضول النظر فكم نظرة أعقبت حسرات لا حسرة كما قال الشاعر: كل الحوادث مبداها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة فتكت في قلب صاحبها ... فتك السهام بلا قوس ولا وتر وقال الآخر: وكنت متى أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر وقال المتنبي: وأنا الذي جلب المنية طرفه ... فمن المطالب والقتيل القاتل ولي من أبيات: يا راميا بسهام اللحظ مجتهدا ... أنت القتيل بما ترمي فلا تصب وباعث الطرف يرتاد الشفاء له ... توقه إنه يرتد بالعطب ترجو الشفاء بأحداق بها مرض ... فهل سمعت ببرء جاء من عطب ومفنيا نفسه في إثر أقبحهم ... وصفا للطخ جمال فيه مستلب(2\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "492",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6707",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وواهبا عمره في مثل ذا سفها ... لو كنت تعرف قدر العمر لم تهب وبائعا طيب عيش ما له خطر ... بطيف عيش من الآلام منتهب عينت والله غبنا فاحشا فلو اس ... ترجعت ذا العقد لم تغبن ولم تخب وواردا صفو عيش كله كدر ... أمامك الورد صفوا ليس بالكذب وحاطب الليل في الظلماء منتصبا ... لكل داهية تدنو من العطب شاب الصبا والتصابي بعد لم يشب ... وضاع وقتك بين اللهو واللعب وشمس عمرك قد حان الغروب لها ... والضي في الأفق الشرقي لم يغب وفاز بالوصل من قد فاز وانقشعت ... عن أفقه ظلمات الليل والسحب كم ذات التخلف والدنيا قد ارتحلت ... ورسل ربك قد وافتك في الطلب ما في الديار وقد سارت ركائب من ... تهواه للصب من سكني ولا أرب فأفرش الخد ذياك التراب وقل ... ما قاله صاحب الأشواق في الحقب ما ربع مية محفوفا يطوف به ... غيلان أشهى له من ربعك الخرب ولا الخدود وإن أدمين من ضرج ... أشهى إلى ناظري من خدك الترب منازلا كان يهواها ويألفها ... أيام كان منال الوصل عن كثب فكلما جليت تلك الربوع له ... يهوى إليها هوي الماء في صب أحيا له الشوق تذكار العهود بها ... فلو دعا القلب للسلوان لم يجب هذا وكم منزل في الأرض يألفه ... وما له في سواها الدهر من رغب في الخيام أخو وجد يريحك إن ... بثثته بعض شأن الحب فاغترب وأسر في غمرات الليل مهتديا ... بنفحة الطيب لا بالنار والحطب وعاد كل أخي جبن ومعجزة ... وحارب النفس لا تلقيك في الحرب(2\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "493",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6708",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وخذ لنفسك نورا تستضيء به ... يوم اقتسام الورى الأنوار بالرتب فالجسر ذو ظلمات ليس بقطعه ... إلا بنور ينجي العبد في الكرب والمقصود أن فضول النظر أصل البلاء وأما فضول الكلام فإنها تفتح للعبد أبوابا من الشر كلها مداخل للشيطان فإمساك فضول الكلام يسد عنه تلك الأبواب كلها وكم من حرب جرتها كلمة واحدة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: quot; وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم quot; صحيح لغيره وفي الترمذي quot;أن رجلا من الأنصار توفي فقال بعض الصحابة: طوبى له فقال النبي صلى الله عليه وسلم فما يدريك فلعله تكلم بما لا يعنيه أو بخل بما لا ينقصهquot; ضعيف وأكثر المعاصي إنما تولدها من فضول الكلام والنظر وهما أوسع مداخل الشيطان فإن جارحتيهما لا يملأن ولا يسأمان بخلاف شهوة البطن فإنه إذا امتلأ لم يبق فيه إرادة للطعام وأما العين واللسان فلو تركا لم يفترا من النظر والكلام فجنايتهما متسعة الأطراف كثيرة الشعب عظيمة الآفات وكان السلف يحذرون من فضول النظر كما يحذرون من فضول الكلام وكانوا يقولون ما شيء أحوج إلى طول السجن من اللسان وأما فضول الطعام فهو داع إلى أنواع كثيرة من الشر فإنه يحرك الجوارح إلى المعاصي ويثقلها عن الطاعات وحسبك بهذين شرا فكم من معصية جلبها الشبع وفضول الطعام وكم من طاعة حال دونها فمن وقى شر بطنه فقد وقى شرا عظيما والشيطان أعظم ما يتحكم من الإنسان إذا ملأ بطنه من الطعام ولهذا جاء في بعض الآثار quot; ضيقوا مجاري الشيطان بالصوم quot; وقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنquot; ولو لم يكن في الامتلاء من الطعام إلا أنه يدعو إلى الغفلة عن ذكر الله ساعة واحدة جثم عليه الشيطان ووعده ومناه وشهاه وهام به في كل واد فإن النفس إذا شبعت تحركت وجالت وطافت على أبواب الشهوات وإذا جاعت سكنت وخشعت وذلت مخالطة الناس إن فضول المخالطة هي الداء العضال الجالب لكل شر وكم سلبت المخالطة والمعاشرة من نعمة وكم زرعت من عداوة وكم(2\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "494",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6709",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غرست في القلب من حزازات تزول الجبال الراسيات وهي في القلوب لا تزول ففضول المخالطة فيه خسارة الدنيا والآخرة وإنما ينبغي للعبد أن يأخذ من المخالطة بمقدار الحاجة ويجعل الناس فيها أربعة أقسام متى خلط أحد الأقسام بالآخر ولم يميز بينهما دخل عليه الشر أحدها: من مخالطته كالغذاء لا يستغنى عنه في اليوم والليلة فإذا أخذ حاجته منه ترك الخلطة ثم إذا احتاج إليه خالطه هكذا على الدوام وهذا الضرب أعز من الكبريت الأحمر وهم العلماء بالله تعالى وأمره ومكايد عدوه وأمراض القلوب وأدويتها الناصحون لله تعالى ولكتابه ولرسوله ولخلقه فهذا الضرب في مخالطتهم الربح كله القسم الثاني: من مخالطته كالدواء يحتاج إليه عند المرض فما دمت صحيحا فلا حاجة لك في خلطته وهم من لا يستغنى عنه مخالطتهم في مصلحة المعاش وقيام ما أنت محتاج إليه من أنواع المعاملات والمشاركات والاستشارة والعلاج للأدواء ونحوها فإذا قضيت حاجتك من مخالطة هذا الضرب بقيت مخالطتهم من القسم الثالث: وهم من مخالطته كالداء على اختلاف مراتبه وأنواعه وقوته وضعفه فمنهم من مخالطته كالداء العضال والمرض المزمن وهو من لا تربح عليه في دين ولا دنيا ومع ذلك فلا بد من أن تخسر عليه الدين والدنيا أو أحدهما فهذا إذا تمكنت مخالطته واتصلت فهي مرض الموت المخوف ومنهم من مخالطته كوجع الضرس يشتد ضربا عليك فإذا فارقك سكن الألم ومنهم من مخالطته حمى الروح وهو الثقيل البغيض العقل الذي لا يحسن أن يتكلم فيفيدك ولا يحسن أن ينصت فيستفيد منك ولا يعرف نفسه فيضعها في منزلتها بل إن تكلم فكلامه كالعصي تنزل على قلوب السامعين مع إعجابه بكلامه وفرحه به فهو يحدث من فيه كلما تحدث ويظن أنه مسك يطيب به المجلس وإن سكت فأثقل من نصف الرحى العظيمة التي لا يطاق حملها ولا جرها على الأرض ويذكر عن الشافعي رحمه الله أنه قال: quot;ما جلس إلى جانبي ثقيل إلا وجدت الجانب(2\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "495",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6710",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي هو فيه أنزل من الجانب الآخرquot; ورأيت يوما عند شيخنا قدس الله روحه رجلا من هذا الضرب والشيخ يحمله وقد ضعف القوى عن حمله فالتفت إلي وقال: quot;مجالسة الثقيل حمى الربع ثم قال: لكن قد أدمنت أرواحنا على الحمى فصارت لها عادةquot; أو كما قال وبالجملة فمخالطة كل مخالف حمى للروح فعرضية ولازمة ومن نكد الدنيا على العبد أن يبتلى بواحد من هذا الضرب وليس له بد من معاشرته ومخالطته فليعاشره بالمعروف حتى يجعل الله له فرجا ومخرجا القسم الرابع: من مخالطته الهلك كله ومخالطته بمنزلة أكل السم فإن اتفق لأكله ترياق وإلا فأحسن الله فيه العزاء وما أكثر هذا الضرب في الناس لا كثرهم الله وهم أهل البدع والضلالة الصادون عن سنة رسول الله الداعون إلى خلافها الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا فيجعلون البدعة سنة والسنة بدعة والمعروف منكرا والمنكر معروفا إن جردت التوحيد بينهم قالوا تنقصت جناب الأولياء والصالحين وإن جردت المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أهدرت الأئمة المتبوعين وإن وصفت الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير غلو ولا تقصير قالوا أنت من المشبهين وإن أمرت بما أمر الله به ورسوله من المعروف ونهيت عما نهى الله عنه ورسوله من المنكر قالوا: أنت من المفتنين وإن اتبعت السنة وتركت ما خالفها قالوا: أنت من أهل البدع المضلين وإن انقطعت إلى الله تعالى وخليت بينهم وبين جيفة الدنيا قالوا أنت من المبلسين وإن تركت ما أنت عليه واتبعت أهواءهم فأنت عند الله تعالى من الخاسرين وعندهم من المنافقين فالحزم كل الحزم التماس مرضاة الله تعالى ورسوله بإغضابهم وأن لا تشتغل بإعتابهم ولا باستعتابهم ولا تبالي بذمهم ولا بغضبهم فإن عين كمالك كما قال: وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل وقال آخر:(2\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "496",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6711",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد زادني حبا لنفسي أنني ... بغيض إلى كل امريء غير طائل فمن كان بواب قلبه وحارسه من هذه المداخل الأربعة التي هي أصل بلاء العالم وهي فضول النظر والكلام والطعام والمخالطة واستعمل ما ذكرناه من الأسباب التسعة التي تحرزه من الشيطان فقد أخذ بنصيبه من التوفيق وسد على نفسه أبواب جهنم وفتح عليها أبواب الرحمة وانغمر ظاهره وباطنه ويوشك أن يحمد عند الممات عاقبة هذا الدواء فعند الممات يحمد القوم التقي وعند الصباح يحمد القوم السرى والله الموفق لا رب غيره ولا إله سواه.(2\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "497",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6712",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "المجلد الثالث",
        "content": "المجلد الثالث المجلد الثالث ... بدائع الفوائد لابن قيم الجوزية المجلد الثالث بسم الله الرحمن الرحيم فصل: دعاء العبادة ودعاء المسألة قوله عز وجل: ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين . هاتان الآيتان مشتملتان على آداب نوعي الدعاء دعاء العبادة ودعاء المسألة فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة ويرادبه مجموعهما وهما متلازمان فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره أو دفعه وكل من يملك الضر والنفع فإنه هو المعبود حقا والمعبود لا بد أن يكون مالكا للنفع والضرر ولهذا أنكر الله تعالى على من عبد من دونه مالا يملك ضرا ولا نفعا وذلك كثير في القرآن كقوله تعالى: ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم وقوله تعالى: ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك وقوله تعالى: قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم وقوله تعالى: قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله وقوله تعالى: واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون وقوله تعالى: واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا وقال تعالى: ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا فنفى سبحانه عن هؤلاء المعبودين من دونه النفع والضر القاصر والمتعدي فلا يملكونه لأنفسهم ولا لعابديهم. وهذا في القرآن كثير بيد أن المعبود لا بد أن يكون مالكا للنفع(3\/2)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "498",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6713",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والضر فهو يدعى للنفع والضر دعاء المسألة ويدعى خوفا ورجاء دعاء العبادة فعلم أن النوعين متلازمان فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة وعلى هذا فقوله تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان يتناول نوعي الدعاء وبكل منهما فسرت الآية قيل أعطيه إذا سألني وقيل أثيبه إذا عبدني والقولان متلازمان وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما أو استعمال اللفظ في حقيقة ومجازه بل هذا استعمال له في حقيقةته الواحدة المتضمنة للأمرين جميعا فتأمله فإنه موضع عظيم النفع قل من يفطن له وأكثر ألفاظ القرآن الدالة على معنيين فصاعدا هي من هذا القبيل ومثال ذلك قوله: أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل فسر بالزوال وفسر الدلوك بالغروب وحكيا قولين في كتب التفسير وليسا بقولين بل اللفظ يتناولهما معا فإن الدلوك هو الميل ودلوك الشمس ميلها ولهذا الميل مبدأ ومنتهي فمبدأه الزوال ومنتهاه الغروب فاللفظ متناول لهما بهذا الاعتبار لا يتناول المشترك لمعنييه ولا اللفظ لحقيقته ومجازه. ومثاله أيضا ما تقدم من تفسير الغاسق بالليل والقمر وإن ذلك ليس باختلاف بل يتناولهما لتلازمهما فإن القمر آية الليل ونظائره كثيرة. ومن ذلك قوله عز وجل: قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم قيل لولا دعاؤكم إياه وقيل دعاؤه إياكم إلى عبادته فيكون المصدر مضافا إلى المفعول وعلى الأول مضافا إلى الفاعل وهو الأرجح من القولين وعلى هذا فالمراد به نوعا الدعاء وهو في دعاء العبادة أظهر أي ما يعبأ بكم ربي لولا أنكم تعبدونه وعبادته تستلزم مسألته فالنوعان داخلان فيه. ومن ذلك قوله تعالى: وقال ربكم ادعوني أستجب لكم فالدعاء يتضمن النوعين وهو في دعاء العبادة أظهر ولهذا عقبة بقوله: إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين فسر الدعاء في الآية بهذا وهذا وقد روى سفيان عن منصور عن ذر عن نسيع الكندي عن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله يقول على المنبر: quot;إن(3\/3)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "499",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6714",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدعاء هو العبادةquot; ثم قرأ ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين رواه الترمذي وقال: quot;حديث حسن صحيحquot;. وأما قوله تعالى: يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له  وقوله: إن يدعون من دونه إلا إناثا وقوله: وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وكل موضع ذكر فيه دعاء المشركين لأصنامهم وآلهتهم فالمراد به دعاء العبادة المتضمن دعاء المسألة فهو في دعاء العبادة أظهر لوجوه ثلاثة: أحدها: أنهم قالوا إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى فاعترفوا بأن دعاءهم إياهم هو عبادتهم لهم. الثاني: أن الله تعالى فسر هذا الدعاء في مواضع أخرى بأنه العبادة كقوله: وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون وقوله: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون وقوله: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون وهو كثير في القرآن فدعاؤهم لآلهتهم هو عبادتهم لها. الثالث: أنهم إنما كانوا يعبدونها ويتقربون بها إلى الله فإذا جاءتهم الحاجات والكربات والشدائد دعوا الله وحده وتركوها ومع هذا فكانوا يسألونها بعض حوائجهم ويطلبون منها وكان دعاؤهم لها دعاء عبادة ودعاء مسألة وقوله تعالى: فادعوا الله مخلصين له الدين هو دعاء العبادة والمعنى: اعبدوه وحده وأخلصوا عبادته لا تعبدوا معه غيره. وأما قول إبراهيم الخليل: إن ربي لسميع الدعاء فالمراد بالسمع هنا السمع الخاص وهو سمع الأجابة والقبول لا السمع العام لأنه سميع لكل مسموع وإذا كان كذلك فالدعاء هنا يتناول دعاء الثناء ودعاء الطلب وسمع الرب تبارك وتعالى له إثابته على الثناء وأجابته للطلب فهو سميع لهذا وهذا. وأما قول زكريا: ولم أكن بدعائك رب شقيا فقد قيل إنه دعاء المسألة والمعنى إنك عودتني أجابتك وإسعافك ولم تشقني بالرد والحرمان فهو توسل إليه تعالى بما سلف من أجابته وإحسانه كما حكى أن رجلا سأل رجلا وقال أنا الذي أحسنت إلى وقت كذا وكذا فقال مرحبا(3\/4)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "500",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6715",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بمن توسل إلينا بنا وقضي حاجته وهذا ظاهر ههنا ويدل عليه أنه قدم ذلك أمام طلبه الولد وجعله وسيلة إلى ربه فطلب منه أن يجاريه على عادته التي عوده من قضاء حوائجه إلى ما سأله قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن  فأما قوله تعالى: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الاسماء الحسنى فهذا الدعاء المشهور وأنه دعاء المسألة وهو سبب النزول قالوا: quot;كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوا ربه فيقول مرة quot;يا اللهquot; ومرة: quot;يا رحمنquot; فظن الجاهلون من المشركين أنه يدعوا إليهين فأنزل الله تعالى هذه الآية قال ابن عباس: quot;سمع المشركون النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في سجوده (يا رحمن يا رحيم) فقالوا: هذا يزعم أنه يدعوا واحدا وهو يدعوا مثنى مثنى فأنزل الله هذه الآية قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن . وقيل إن الدعاء ههنا بمعنى التسمية كقولهم: quot;دعوت ولدي سعيداquot; quot;وادعه بعبد اللهquot; ونحوه والمعنى: سموا الله أو أو سموا الرحمن فالدعاء ههنا بمعنى التسمية وهذا قول الزمخشري والذي حمله على هذا قوله: أيا ما تدعوا فله الاسماء الحسنى فإن المراد بتعدده معنى أي وعمومها ههنا تعدد الاسماء ليس إلا والمعنى أي اسم سميتموه به من أسماء الله تعالى إما الله إما الرحمن فله الاسماء الحسنى أي فللمسمي سبحانه الاسماء الحسنى والضمير في (له) يعود إلى المسمى فهذا الذي أوجب له أن يحمل الدعاء في الداء في هذه الآية على التسمية وهذا الذي قاله هو من لوازم المعنى المرادبالدعاء في الآية وليس هو عين المراد بل المراد بالدعاء معناه المعهود المطرد في القرآن وهو دعاء السؤال ودعاء الثناء ولكنه متضمن معنى التسمية فليس المراد مجرد التسمية الخالية عن العبادة والطلب بل التسمية الواقعة في دعاء الثناء والطلب فعلى هذا المعنى يصح أن يكون في (تدعوا) معنى تسموا فتأمله والمعنى أيا ما تسموا في ثنائكم ودعائكم وسؤالكم والله أعلم. وأما قوله تعالى: إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم فهذا دعاء العبادة المتضمن للسؤال رغبة ورهبة والمعنى إنا كنا من قبل نخلص له العبادة وبهذا استحقوا أن وقاهم عذاب السموم لا بمجرد السؤال المشترك بين الناجي وغيره فإن الله سبحانه يسأله من في السموات ومن في الأرض والفوز(3\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "501",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6716",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنجاة إنما هي بإخلاص العبادة لا بمجرد السؤال والطلب. وكذلك قول الفتية أصحاب الكهف ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها أي لن نعبد غيره وكذلك قوله تعالى: أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين . وأما قوله تعالى: وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون فهذا من دعاء المسألة يبكتهم الله عز وجل ويخزيهم يوم القيامة بإراءتهم أن شركاءهم لا يستجيبون لدعوتهم وليس المراد اعبدوهم. وهو نظير قوله تعالى: ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وهذا التقرير نافع في مسألة الصلاة وأنها هل نقلت عن مسماها في اللغة فصارت حقيقة شرعية منقولة أو استعملت في هذه العبادة مجازا للعلاقة بينها وبين المسمى اللغوي أو هي باقية على الوضع اللغوي وضم إليها أركان وشرائط وعلى ما قررناه ولا حاجة إلى شيء عبادة وثناء أو دعاء طلب ومسألة وهو في الحالين داع فما خرجت الصلاة عن حقيقة الدعاء فتأمله. إذا عرفت هذا فقوله: ادعوا ربكم تضرعا وخفية فإنه يتناول نوعي الدعاء لكنه ظاهر في دعاء المسألة متضمن دعاء العبادة ولهذا أمر بإخفائه وإسراره قال الحسن: quot;بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم وذلك أن الله تعالى يقول: ادعوا ربكم تضرعا وخفية وأن الله تعالى ذكر عبدا صالحا ورضي بفعله فقال: إذ نادى ربه نداء خفيا quot;. وفي إخفاء الدعاء فوائد عديدة: أحدها: أنه أعظم إيمانا لأن صاحبه يعلم أن الله تعالى يسمع دعاءه الخفي وليس كالذي قال أن الله يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا. ثانيها: أنه أعظم في الأدب والتعظيم ولهذا لا تخاطب الملوك ولا تسأل برفع الأصوات وإنما تخفض عندهم الأصوات ويخف عندهم الكلام بمقدار ما يسمعونه ومن رفع وصوته لديهم مقتوه ولله المثل الأعلى فإذا كان يسمع الدعاء الخفي فلا يليق بالأدب بين يديه إلا خفض الصوت به. ثالثها: أنه أبلغ في(3\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "502",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6717",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التضرع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبه ومقصوده فإن الخاشع الذليل الضارع إنما يسأل مسألة مسكين ذليل قد انكسر قلبه وذلت جوارحه وخشع صوته حتى إنه ليكاد تبلغ به ذلته ومسكنته وكسره وضراعته إلى أن ينكسر لسانه فلا يطاوله بالنطق فقلبه سائل طالب مبتهل ولسانه لشدة ذله وضراعته ومسكنته ساكت وهذه الحالة لا يتأتى معها رفع الصوت بالدعاء أصلا. رابعها: أنه أبلغ في الأخلاص. خامسها: أنه أبلغ في جمعه القلب على الله تعالى في الدعاء فإن رفع الصوت يفرقه ويشتته فكلما خفض صوته كان أبلغ في صمده وتجريد همته وقصده للمدعو سبحانه وتعالى. سادسها: وهو من النكت السرية البديعة جدا أنه دال على قرب صاحبه من الله وأنه لاقترابه منه وشدة حضوره يسأله مسألة أقرب شيء إليه فيسألة مسألة مناجاة للقريب لا مسألة نداء البعيد للبعيد ولهذا أثنى سبحانه على عبده زكريا بقوله: إذ نادى ربه نداء خفيا فكلما استحضر القلب قرب الله تعالى منه وإنه أقرب إليه من كل قريب وتصور ذلك أخفى دعاءه ما أمكنه ولم يتأت له رفع الصوت به بل يراه غير مستحسن كما أن من خاطب جليسا له يسمع خفي كلامه فبالغ في رفع الصوت استهجن ذلك منه ولله المثل الأعلى سبحانه وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بعينه بقوله في الحديث الصحيح لما رفع الصحابة أصواتهم بالتكبير وهم معه في السفر فقال: quot;اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصما ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا أقرب إلى أحدكم من عنق راحلتهquot; وقال تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان . وقد جاء أن سبب نزولها أن الصحابة قالوا: يا رسول الله ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه فأنزل الله عز وجل: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان  وهذا يدل على إرشادهم للمناجاة في الدعاء لا للنداء الذي هو رفع الصوت فإنهم عن هذا سألوا فأجيبوا بأن ربهم تبارك وتعالى قريب لا يحتاج في دعائه وسؤاله إلى النداء وإنما يسأل مسألة القريب(3\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "503",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6718",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المناجي لا مسألة البعيد المنادي وهذا القرب من الداعي هو قرب خاص ليس قربا عاما من كل أحد فهو قريب من داعيه وقريب من عابده, وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وهو أخص من قرب الإنابة وقرب الأجابة الذي لم يثبت أكثر المتكلمين سواه بل هو قرب خاص من الداعي والعابد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم راويا عن ربه تبارك وتعالى quot;من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعاquot; رواه البخاري ومسلم فهذا قربه من عابده وأما قربه من داعيه وسائله فكما قال تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان وقوله: ادعوا ربكم تضرعا وخفية فيه الإشارة والإعلام بهذا القرب وأما قربة تبارك وتعالى من محبه فنوع آخر وبناء آخر وشأن آخر كما قد ذكرناه في كتاب التحف المكية على أن العبارة تنبو عنه ولا تحصل في القلب حقيقة معناه أبدا لكن بحسب قوة المحبة وضعفها يكون تصديق العبد بهذا القرب وإياك ثم إياك أن تعبر عنه بغير العبارة النبوية أو يقع في قلبك غير معناها ومرادها فتزل قدم بعد ثبوتها وقد ضعف تمييز خلائق في هذا المقام وساء تعبيرهم فوقعوا في أنواع من الطامات والشطح وقابلهم من غلط حجابه فأنكر محبة العبد لربه جملة وقربه منه وأعاد ذلك إلى مجرد الثواب المخلوف فهو عنده المحبوب القريب ليس إلا وقد ذكرنا من طرق الرد على هؤلاء وهؤلاء في كتاب التحفة أكثر من مائة طريق. والمقصود ههنا الكلام علي هذه الآية. سابعها: أنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال فإن اللسان لا يمل والجوارح لا تتعب بخلاف ما إذا رفع صوته فإنه قد يكل لسانه وتضعف بعض قواه وهذانظير من يقرأويكرر رافعا صوته فإنه لا يطول له ذلك بخلاف من يخفض صوته. ثامنها: أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع والمشوشات والمضعفات فإن الداعي إذا أخفى دعاءه لم يدر به أحد فلا يحصل هناك تشويش ولا غيره وإذا جهر به تفطنت له الأرواح الشريرة والباطولية والخبيثة من الجن والأنس فشوشت عليه ولا بد ومانعته وعارضته ولو لم يكن إلا أن تعلقها به يفرق عليه همته فيضعف(3\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "504",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6719",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أثر الدعاء لكفى ومن له تجربة يعرف هذا فإذا أسر الدعاء وأخفاه أمن هذه المفسدة. تاسعها: إن أعظم النعم الإقبال على الله والتعبد له والانقطاع إليه والتبتل إليه ولكل نعمة حاسد على قدرها دقت أو جلت ولا نعمة أعظم من هذه النعمة فأنفس الحاسدين المنقطعين متعلقة بها وليس للمحسود أسلم من إخفاء نعمته عن الحاسد وأن لا يقصد إظهارها له وقد قال يعقوب ليوسف: لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين وكم من صاحب قلب وجمعية وحال مع الله قد تحدث بها وأخبر بها فسلبه إياها الأغيار فأصبح يقلب كفيه ولهذا يوصى العارفون والشيوخ بحفظ السر مع الله وأن لا يطلعوا عليه أحدا ويتكتمون به غاية التكتم كما أنشد بعضهم في ذلك: من سارروه فأبدي السر مجتهدا ... لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا وأبعدوه فلم يظفر بقربهم ... وأبدلوه مكان الأنس إيحاشا لا يأمنون مذيعا بعض سرهم ... حاشا ودادهم من ذلكم حاشا والقوم أعظم شيء كتمانا لأحوالهم مع الله وما وهب الله لهم من محبته والأنس به وجمعية القلب عليه ولا سيما للمبتدىء والسالك فإذا تمكن أحدهم وقوي وثبتت أصول تلك الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء في قلبه بحيث لا يخشي عليه من العواصف فإنه إذا أبدى حاله وشأنه مع الله ليقتدي به ويؤتم به لم يبال وهذا باب عظيم النفع وإنما يعرفه أهله. وإذا كان الدعاء المأمور بإخفائه يتضمن دعاء الطلب والثناء والمحبة والإقبال على الله فهو من أعظم الكنوز التي هي أحق بالإخفاء والستر عن أعين الحاسدين وهذه فائدة شريفة نافعة. عاشرها: أن الدعاء هو ذكر للمدعو سبحانه متضمن للطلب منه والثناء عليه بأسمائه وأوصافه فهو ذكر وزيادة كما أن الذكر سمي دعاء لتضمنه الطلب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم: quot;أفضل الدعاء: الحمد للهquot; فسمى الحمد لله دعاء وهو ثناء محض لأن الحمد يتضمن الحب والثناء والحب أعلى أنواع الطلب للمحبوب فالحامد طالب لمحبوبه فهو أحق أن(3\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "505",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6720",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يسمى داعيا من السائل الطالب من ربه حاجة ما فتأمل هذا الموضع ولا تحتاج إلى ما قيل إن الذاكر متعرض للنوال وإن لم يكن مصرحا بالسؤال فهو داع بما تضمنه ثناؤه من التعرض كما قال أمية بن أبي الصلت: أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء وعلى هذه الطريقة التي ذكرناها فنفس الحمد والثناء متضمن لأعظم الطلب وهو طلب المحب فهو دعاء حقيقة بل أحق أن يسمى دعاء من غيره من أنواع الطلب الذي هو دونه والمقصود أن كل واحد من الدعاء والذكر يتضمن الآخر ويدخل فيه وقد قال تعالى: واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول فأمر تعالى نبيه أن يذكره في نفسه قال مجاهد وابن جريج: quot;أمر أن يذكروه في الصدور بالتضرع والاستكانة دون رفع الصوت أو الصياحquot; وقد تقدم حديث أبي موسى: quot;كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم في سفر فارتفعت أصواتنا بالتكبير فقال: يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصما ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا أقرب إلى أحدكم من عنق راحلتهquot; رواه البخاري ومسلم. وتأمل كيف قال في آية الذكر واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة وفي آية الدعاء ادعوا ربكم تضرعا وخفية فذكر التضرع فيهما معا وهو التذلل والتمسكن والانكسار وهو روح الذكر والدعاء وخص الدعاء الخفيه لما ذكرنا من الحكم وغيرها وخص الذكر بالخفيه لحاجة الذاكر إلى الخوف فإن الذكر يستلزم المحبة ويثمرها ولا بد فمن أكثر من ذكر الله تعالى أثمر له ذلك محبته والمحبة ما لم تقرن بالخوف فإنها لا تنفع صاحبها بل قد تضره لأنها توجب الإدلال والانبساط وربما آلت بكثير من الجهال المغرورين إلى أنهم استغنوا بها عن الواجبات وقالوا المقصود من العبادات إنما هو عبادة القلب وإقباله على الله ومحبته له وتألهه له فإذا حصل المقصود فالاشتغال بالوسيلة باطل ولقد(3\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "506",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6721",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حدثني رجل إنه أنكر على رجل من هؤلاء خلوة له ترك فيها حضور الجمعة فقال له الشيخ: أليس الفقهاء يقولون: إذا خاف على شيء من ماله فإن الجمعة تسقط عنه فقال له: بلى فقال له: فقلب المريد أعز عليه من ضياع عشرة دراهم أو كما قال وهو إذا خرج ضاع قلبه فحفظه لقلبه عذر مسقط للجمعة في حقه فقال له: هذا غرور بل الواجب عليه الخروج إلى أمر الله وحفظ قلبه مع الله فالشيخ المربي العارف يأمر المريد بأن يخرج إلى الأمر ويراعى حفظ قلبه أو كما قال. فتأمل هذا الغرور العظيم كيف آل بهؤلاء إلى الانسلاخ عن الإسلام جملة فإن من سلك هذا المسلك انسلخ عن الإسلام العام كانسلاخ الحية من قشرها وهو يظن أنه من الخاصة أنواع العبادة سبب هذا اقتران الخوف من الله تعالى بحبه وإرادته ولهذا قال بعض السلف: quot;من عبد الله تعالى بالحب وحده فهو زنديق ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجي ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمنquot;, وقد جمع الله تعالى هذه المقامات الثلاثة بقوله: أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه فابتغاء الوسيلة هو محبته الداعية إلى التقرب إليه ثم ذكر بعدها الرجاء والخوف فهذه طريقة عبادة وأوليائه وربما آل الأمر بمن عبده بالحب المجرد إلى استحلال المحرمات ويقول المحب لا يضره ذنب. وصنف بعضهم في ذلك مصنفا وذكر فيه أثرا مكذوبا quot;إذا أحب الله العبد لم تضره الذنوبquot; وهذا كذب قطعا مناف للإسلام فالذنوب تضر بالذات لكل أحد كضرر السم للبدن ولو قدر أن هذا الكلام صح عن بعض الشيوخ وأما عن رسول الله فمعاذ الله من ذلك فله محمل وهو أنه إذا أحبه لم يدعه حبه إياه إلى أن يصر على ذنب لأن الإصرار على الذنب مناف لكونه محبا لله وإذا لم يصر على الذنب بل بادر إلى التوبة النصوح منه فإنه يمحو أثره ولا يضر الذنب وكلما أذنب وتاب إلى الله زال عنه أثر الذنب وضرره(3\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "507",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6722",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا المعنى صحيح والمقصود أن تجريد الحب والذكر عن الخوف يوقع في هذه المعاطب فإذا اقترن بالخوف جمعه على الطريق ورده إليها كلما شرد فكأن الخوف سوط يضرب به مطيته لئلا تخرج عن الدرب والرجاء حاد يحدوها يطيب لها السير والحب قائدها وزمامها الذي يسوقها فإذا لم يكن للمطية سوط ولا عصا يردها إذا حادت عن الطريق وتركت تركب التعاسيف خرجت عن الطريق وضلت عنها فما حفظت حدود الله ومحارمه ووصل الواصلون إليه بمثل خوفه ورجائه ومحبته فمتى خلا القلب عن هذه الثلاثة فسد فسادا لا يرجى صلاحه أبدا ومتى ضعف فيه شيء من هذه ضغف إيمانه بحسبه اقتران الخيفة والخفية بالذكر والدعاء. فتأمل أسرار القرآن الكريم وحكمته في هذا الاقتران فإنه قال: اذكر ربك في نفسك فلم يحتج بعدها أن يقول: (خفية) وقال في الدعاء: وادعوه خوفا وطمعا فلم يحتج أن يقول في الأول ادعوا ربكم تضرعا وخيفة فانتظمت كل واحدة من الآيتين للخيفة والخفية والتضرع أحسن أنتظام ودلت على ذلك أكمل دلالة. وذكر الطمع الذي هو الرجاء في آية الدعاء لأن الدعاء مبني عليه فإن الداعي ما لم يطمع في سؤله ومطلوبه لم تتحرك نفسه لطلبة إذ طلب ما لا طمع فيه ممتنع. وذكر الخوف في آية الذكر لشدة حاجة الخائف إليه كما تقدم فذكر في كل آية ما هو اللائق بها والأولى بها من الخوف والطمع فتبارك من أنزل كلامه شفاء لما في الصدور وهدي ورحمة للمؤمنين. فصل المقصود بقوله: إنه لا يحب المعتدين . وقوله تعالى: إنه لا يحب المعتدين قيل المراد أنه لا يحب المعتدين في الدعاء كالذي يسأل ما لا يليق به من منازل الأنبياء وغير ذلك وقد روى أبو داود(3\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "508",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6723",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في سنته من حديث حماد بن سلمة عن سعيد الجريري عن أبي نعامة quot;أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها فقال: يا بني سل الله الجنة وتعوذ به من النار فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot; إنه سيكون في هذه الآمة قوم يعتدون في الطهور quot;. وعلى هذا فالاعتداء بالدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من الإعانة على المحرمات وتارة بأن يسأل ما لا يفعله الله مثل أن يساله تخليده إلى يوم القيامة أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب أو يسأله أن يطلعه على غيبه أو يساله أن يجعله من المعصومين أو يسأله أن يهب له ولدا من غير زوجة ولا أمة ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء فكل سؤال يناقض حكمه الله أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره أو يتضمن خلاف ما أخبر به فهو اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله وفسر الاعتداء برفع الصوت أيضا في الدعاء قال ابن جريح: quot;من الاعتداء رفع الصوت في الدعاء والنداء في الدعاء والصياحquot; وبعد فالآية أعم من ذلك كله وإن كان الاعتداء في الدعاء مرادا بها فهو من جملة المراد والله لا يحب المعتدين في كل شيء دعاء كان أو غيره كما قال: ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وعلى هذا فيكون قد أمر بدعائه وعبادته وأخبر أنه لا يحب أهل العدوان وهم الذين يدعون معه غيره فهؤلاء أعظم المعتدين عدوانا فإن أعظم العدوان الشرك وهو وضع العبادة في غير موضعها فهذا العدوان لا بد أن يكون داخلا في قوله أنه لا يحب المعتدين ومن العدوان أن يدعوه غير متضرع بل دعاء مدل كالمستغني بما عنده المدل على ربه به وهذا من أعظم الاعتداء المنافي لدعاء الضارع الذليل الفقير المسكين من كل جهة في مجموع حالاته فمن لم يسأل مسألة مسكين متضرع خائف فهو معتد ومن الاعتداء أن تعبده بما لم يشرعه وتثني عليه بما لم يثن به على نفسه ولا أذن فيه فإن هذا اعتداء(3\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "509",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6724",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في دعاء الثناء والعبادة وهو نظير الاعتداء في دعاء المسألة والطلب وعلى هذا فتكون الآية دالة على شيئين: أحدهما محبوب للرب تبارك وتعالى مرض له وهو الدعاء تضرعا وخفية الثاني: مكروه له مبغوض مسخوط وهو الاعتداء فأمر بما يحبه الله وندب إليه وحذر مما يبغضه وزجر عنه بما هو أبلغ طرق الزجر والتحذير وهو أنه لا يحب فاعله ومن لم يحبه الله فأي خير يناله وفي قوله: إنه لا يحب المعتدين عقب قوله: ادعوا ربكم تضرعا وخفية دليل على أن من لم يدعه تضرعا وخفية فهو من المعتدين الذين لا يحبهم. فقسمت الآية الناس إلى قسمين: داع لله تضرعا وخفية, ومعتد بترك ذلك. فصل: وقوله تعالى: ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها قال أكثر المفسرين: quot;لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيره والشرك به هو أعظم فساد في الأرض بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك به ومخالفة أمره قال تعالى: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس وقال عطية في الآية: quot;ولا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر ويهلك الحرث بمعاصيكمquot; وقال غير واحد من السلف: quot;إذا قحط المطر فإن الدواب تلعن عصاة بني آدم وتقول: اللهم العنهم فبسببهم أجدبت الأرض وقحط المطرquot; وبالجملة فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره ومطاع متبع غير رسول الله هو أعظم الفساد في الأرض ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا أن يكون الله وحده هو المعبود والدعوة له لا لغيره والطاعة والأتباع لرسوله ليس إلا وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعة(3\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "510",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6725",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن الله أصلح الأرض برسوله ودينه وبالأمر بتوحيده ونهي عن إفسادها بالشرك به وبمخالفة رسوله. ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله وكل شر في العالم وفتنة وبلا وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير الله ورسوله. ومن تدبر هذا حق التدبر وتأمل أحوال العالم منذ قام إلى الآن وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين وجد هذا الأمر كذلك في خاصة نفسه وفي حق غيره عموما وخصوصا ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فصل: تكرار الأمر بالدعاء. وقوله تعالى: وادعوه خوفا وطمعا إنما كرر الأمر بالدعاء لما ذكر معه من الخوف والطمع فأمر أولا بدعائه تضرعا وخفية ثم أمر بأن يكون الدعاء أيضا خوفا وطمعا وفصل بين الجملتين إحداهما خبرية ومتضمنة للنهي وهي قوله: إنه لا يحب المعتدين والثانية طلبية وهي قوله: ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها والجملتان مقررتان مقويتان للجملة الأولى مؤكدتان لمضمونها. ثم لما ثم تقريرها تقدم وبيان ما يضادها ويناقضها أمر بدعائه خوفا وطمعا ثم قرر ذلك وأكد مضمونة بجملة خبرية وهي إن رحمت الله قريب من المحسنين فتعلق هذه الجملة بقوله وادعواه خوفا وطمعا كتعلق قوله: إنه لا يحب المعتدين بقوله: ادعوا ربكم تضرعا وخفية ولما كان قوله تعالى: وادعوه خوفا وطمعا مشتملا على جميع مقامات الإيمان والإحسان وهي الحب والخوف والرجاء عقبها بقوله: إن رحمت الله قريب من المحسنين أي إنما ينال من دعاة خوفا وطمعا فهو المحسن والرحمة قريب منه لأن مدار الإحسان على هذه الأصول الثلاثة ولما كان دعاء التضرع والخفية يقابله الاعتداء بعدم التضرع والخفية عقب ذلك بقوله:(3\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "511",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6726",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نه لا يحب المعتدين وجوب أنتصاب قوله: خوفا وطمعا إن أنتصاب قوله: تضرعا وخفية و خوفا وطمعا قيل هو على الحال أي ادعوه متضرعين مخفين خائفين طامعين وهذا هو الذي رجحه السهيلي وغيره وقيل هو نصب على المفعول له وهذا قول كثير من النحاة وقيل هو نصب على المصدر وفيه على هذا تقديران أحدهما أنه منصوب بفعل مقدر من لفظ المصدر والمعنى تضرعوا إليه تضرعا واخفوا خفية الثاني أنه منصوب بالفعل المذكور نفسه لأنه في معنى المصدر فإن الداعي متضرع في حصول مطلوبة خائف من فواته فكأنه قال تضرعوا تضرعا والصحيح في هذا أنه منصوب على الحال والمعنى عليه فإن المعنى ادعوا ربكم متضرعين إليه خائفين طامعين ويكون وقوع المصدر موقع الاسم على حد قوله: ولكن البر من آمن بالله وقولهم: رجل عدل ورجل صوم قال الشاعر: فإنما هي إقبال وإدبار وهو أحسن من أن يقال: (ادعوه متضرعين خائفين) والذي حسنه أن المأمور به هنا شيئان الدعاء الموصوف المقيد بصفة معينة وهي صفة التضرع والخوف والطمع فالمقصود تقييد المأمور به بتلك الصفة وتقييد الموصوف الذي هو صاحبها بها فأتى بالحال على لفظ المصدر لصلاحيته لأن يكون صفة للفاعل وصفة للفعل المأمور به فتأمل هذه النكتة فإنك إذا قلت: اذكر ربك تضرعا فإنك تريد اذكره متضرعا إليه واذكره ذكر تضرع فأنت مريد للأمرين معا ولذلك إذا قلت: ادعه طمعا أي ادعه دعاء طمع وادعه طامعا في فضله وكذلك إذا قلت ادعه رغبة ورهبة كقوله تعالى إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا كان المراد ادعه راغبا وراهبا وادعه دعاء رغبة ورهبة. فتأمل هذا الباب تجده كذلك فأتى فيه بالمصدر الدال على وصف المأمور به بتلك الصفة وعلى تقييد الفاعل بها تقييد صاحب الحال بالحال ومما يدل على هذا أنك تجد مثل هذا صالحا وقوعه جوابا لكيف فإذا قيل كيف أدعوه قيل تضرعا وخفية وتجد اقتضاء كيف لهذا أشد من اقتضاء لم ولو كان مفعولا له لكان جوابا ل لم ولا تحسن هنا ألا ترى أن المعنى ليس عليه فإنه لا يصح أن(3\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "512",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6727",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقال لم أدعوه فيقول تضرعا وخفية وهذا واضح ولا هو أنتصاب على المصدر المبين للنوع الذي لا يتقيد به الفاعل لما ذكرناه من صلاحيته جوابا لـ (كيف)  وبالجملة فالمصدرية في هذا الباب لا تنافي الحال بل الإتيان بالحال ههنا بلفظ المصدر يفيد ما يفيده المصدر مع زيادة فائدة الحال فهو أتم معنى ولا تنافي بينهما والله أعلمز فصل: حق العبد الرحمة وواجبه الإحسان وقوله تعالى: إن رحمت الله قريب من المحسنين فيه تنبيه ظاهر على أن فعل هذا المأمور به هو الإحسان المطلوب منكم ومطلوبكم أنتم من الله هو رحمته ورحمته قريب من المحسنين الذين فعلوا ما أمروا به من دعائه خوفا وطمعا فقرب مطلوبكم منكم وهو الرحمة بحسب أدائكم لمطلوبه منكم وهو الإحسان الذي هو في الحقيقة إحسان إلى أنفسكم فإن الله تعالى هو الغني الحميد وإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم. وقوله: إن رحمت الله قريب من المحسنين له دلالة بمنطوقه ودلالة بإيمائه وتعليله ودلالة بمفهومه فدلالته بمنطوقه على قرب الرحمة من أهل الإحسان ودلالته بتعليله وإيمائه على أن هذا القرب مستحق بالإحسان فهو السبب في قرب الرحمة منهم ودلالته بمفهومه على بعد الرحمة من غير المحسنين فهذه ثلاث دلالات لهذه الجملة. وإنما اختص أهل الإحسان بقرب الرحمة منهم لأنها إحسان من الله أرحم الراحمين وإحسانه تعالى إنما يكون لأهل الإحسان لأن الجزاء من جنس العمل فكما أحسنوا بأعمالهم أحسن إليهم برحمته وأما من لم يكن من أهل الإحسان فإنه لما بعد عن الإحسان بعدت عنه الرحمة بعدا ببعد وقربا بقرب فمن تقرب بالإحسان تقرب الله إليه برحمته ومن تباعد عن الإحسان تباعد الله عنه برحمته والله سبحانه يحب المحسنين وببغض من ليس من المحسنين ومن أحبه الله فرحمته أقرب شيء منه ومن أبغضه فرحمته أبعد شيء منه. والإحسان ههنا هو فعل المأمور به سواء كان إحسانا إلى الناس أو إلى نفسه(3\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "513",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6728",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأعظم الإحسان الإيمان والتوحيد والإنابة إلى الله والإقبال عليه والتوكل عليه وأن يعبد الله كأنه يراه إجلالا ومهابه وحياء ومحبة وخشية فهذا هو مقام الإحسان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم وقد سأله جبريل عن الإحسان فقال: quot;أن تعبد الله كأنك تراهquot; رواه مسلم الترمذي والنسائي وغيرهم. وإذا كان هذا هو الإحسان فرحمه الله قريب من صاحبه فإن الله إنما يرحم أهل توحيده المؤمنين به وإنما كتب رحمته للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون والذين يتبعون رسوله فهؤلاء هم أهل الرحمة كما أنهم هم المحسنون وكما أحسنوا جوزوا بالإحسان و هل جزاء الإحسان إلا الإحسان يعني هل جزاء من أحسن عبادة ربه إلا أن يحسن ربه إليه قال ابن عباس: quot;هل جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد إلا الجنةquot; وقد ذكر ابن أبي شيبة وغيره من حديث الزبير بن عدي عن أنس بن مالك قال: quot;قرأ رسول الله هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ثم قال: هل تدرون ما قال ربكم قالوا الله ورسوله أعلم قال: يقول هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة quot;. فصل: وأما الإخبار عن الرحمة وهي مؤنثة بالتاء بقوله (قريب) وهو مذكر ففيه اثنا عشر مسلكا نذكرها ونبين ما فيها من صحيح وسقيم ومقارب: المسلك الأول: أن فعيلا على ضربين: أحدهما يأتي بمعنى فاعل كقدير وسميع وعليم والثاني يأتي بمعنى مفعول كقتيل وجريح وكف خضيب وطرف كحيل وشعر دهين كله بمعنى مفعول فإذا أتى بمعنى فاعل فقياسه أن يجري مجراه في إلحاق التاء به مع المؤنث دون المذكر كجميل وجميلة وشريف وشريفة وصبيح وصبيه وصبي وصبية ومليح ومليحة فطويل وطويلة ونحوه وإذ أتى بمعنى مفعول فلا يخلو إما أن يكون يصحب الموصوف كرجل قتيل وامرأة قتيل أو يفرد عنه فإن(3\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "514",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6729",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صحب الموصوف استوى فيه المذكر والمؤنث كرجل قتيل وامرأة قتيل وإن لم يصحب الموصوف فإنه يؤنث إذا جرى على المؤنث نحو قتيلة بني فلان ومنه قوله تعالى: حرمت عليكم الميتة إلى قوله: والنطيحة هذا حكم فعيل وفعول قريب منه لفظا ومعنى فإنهما مشتبهان في الوزن والدلالة على المبالغة وورودها بمعنى فاعل ومفعول ولما كان فعيل أخف استغنى به عن فاعل في المضاعف كجليل وعزيز وذليل كراهية منهم لثقل التضعيف إذ قالوا جالل وعازز وذالل فأتوا بفعيل مفصولا فيه بين المثلين بالياء الساكنة ولم يأتوا في هذا بفعولا لأن فعيلا أخف منه ولخفته أيضا اطرد بناؤه من فعل كشريف وظريف وجميل ونبيل وليس لفعول بناء يطرد منه ولخفته أيضا كان في أسماء الله تعالى أكثر من فعول فإن الرحيم والقدير والحسيب والجليل والرقيب ونظائره أكثر من ألفاظ الرؤوف والغفور والشكور والصبور والودود والعفو ولا يعرف إلا هذه الألفاظ الستة وإذا ثبت التشابه بين وفعيل فعول فيما ذكرنا وكانوا قد خصوا فعولا الذي بمعنى فاعل بتجريده من التاء الفارقة بين المذكر والمؤنث وشركوا بينهما في لفظ المذكر فقالوا رجل صبور وشكور وامرأة صبور وشكور ونظائرهما وأما عدو وعدوة فشاذ فإن قصد بالتاء المبالغة لحقت المذكر والمؤنث كرجل ملولة وفروقة وامراة كذلك وإن كان فعول في معنى مفعول لحقته التاء في المؤنث كحلوبة وركوبة فإذا تقر فقريب في الآية هو فعيل بمعنى فاعل وليس المراد أنه بمعنى قارب بل بمعنى اسم الفاعل العام فكان حقه أن يكون بالتاء ولكنهم أجروه مجرى فعيل بمعنى مفعول فلم يلحقوه التاء كما جرى فعيل بمعنى مفعول مجرى فعيل بمعنى فاعل في إلحاقه التاء كما قالوا خصلة حميدة وفعله ذميمة بمعنى محموده ومذمومة فحملا على جميلة وشريفة في لحاق التاء فحملوا قريبا على امرأة قتيل وكف خضيب وعين كحيل في عدم إلحاق التاء حملا لكل من البابين على الآخر ونظيره قوله تعالى: قال من يحيي العظام وهي رميم فحمل رميما وهي بمعنى(3\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "515",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6730",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاعل على امرأة قتيل وبابه. فهذا المسلك هو من أقوى مسالك النحاة وعليه يعتمدون وقد اعترض عليه بثلاثة اعتراضات: أحدها: أن ذلك يستلزم التسوية بين اللازم والمتعدي فإن فعيلا بمعنى مفعول بابه الفعل المتعدى وفعيلا بمعنى فاعل بابه الفعل اللازم لأنه غالب ما يأتي من فعل المضموم العين فلو جرى على أحدهما حكم الآخر لكان ذلك تسوية بين اللازم والمتعدي وهو ممتنع. الاعتراض الثاني: إن هذا أن ادعى على وجه العموم فباطل وإن ادعى على سبيل الخصوص فما الضابط وما الفرق بين ما يسوغ فيه هذا الاستعمال وما لا يسوغ. الاعتراض الثالث: أن العرب قد نطقت في فعيل بالتاء وهو بمعنى مفعول وجردته من التاء وهو بمعنى فاعل قال جرير يرثي خالته: نعم القرين وكنت علق مضنه ... وأرى بنعق بلية الأحجار فجرد القرين من التاء وهو بمعنى فاعل وقال: فسقاك حيث حللت غير فقيدة ... هزج الرواح وديمة لا تقلع فقرن فقيدة بالتاء وهو فعيل بمعنى مفعول أي غير مفقودة وقال الفرزدق: فداويته عامين وهي قريبة ... أراها وتدنوا لي مرار وأرشف ويقولون: (امرأة فتين وسريح وهريت) فجردوه عن التاء وهو بمعنى فاعل وقالوا: (امرأة فروك وهلوك ورشوف وأنوف) فجردوه وهو بمعنى فاعل كصبور وقالوا: (امرأة عروب) فجردوه وهو بمعنى فاعل أيضا ودعوى أن التاء ههنا للمبالغة لا دليل عليها فقد رأيت اشتراك فعول وفعيل في الاقتران بالتاء والتجرد منها(3\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "516",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6731",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فدعوى أصالة المجرد منهما وشذوذ المقرون مقابلة بمثلها ومع مقابلها قياس اللغة في اقتران المؤنث وتجريد المذكور. وأما ما استشهدتم به من قوله تعالى: من يحيي العظام وهي رميم فهو على وفق قياس العربية فإن العظام جمع عظيم وهو مذكر ولكن جمعه جمع تكسير وجمع التكسير يجوز أن يراعى فيه تأنيث الجماعة وباعتباره قال وهي ولم يقل وهو ويراعى فيه معنى الواحد وباعتبار قال رميم كما يقال عظم رميم مع أن رميما يطلق على جمع المذكر مفردا وجمعا قال جرير: إلى المهلب جذ الله دابرهم ... أمسو رميما فلا أصل ولا طرف فهذا الاعتراض على هذا المسلك. فصل: المسلك الثاني أن قريبا في الآية من باب تأويل المؤنث بمذكر موافق له في المعنى كقول الشاعر: أرى رجلا منهم أسيفا كأنما ... يضم إلى كشحيه مخضبا فكف مؤنث ولكن تأويله بمعنى عضو وطرف فذكر صفته فكذلك تؤل الرحمة وهي مؤنثة بالإحسان فيذكر خبرها. قالوا وتأويل الرحمة أولى من تأويل الكف بعضو لوجهين: أحدهما أن الرحمة معنى قائم بالرحم والإحسان هو بر المرحوم ومعنى القرب في البر من المحسنين أظهر منه في الرحمة. الثاني أن ملاحظة الإحسان بالرحمة الموصوفة بالقرب من المحسنين هو مقابلة للإحسان الذي صدر منهم وباعتبار المقابلة ازداد المعنى قوة واللفظ جزالة حتى كأنه قال إن إحسان الله قريب من أهل الإحسان كما قال تعالى: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان فذكر قريبا ليفهم منه أنه صفة لمذكر وهو الإحسان فيفهم المقابلة المطلوبة قالوا ومن تأويل المؤنث بمذكر ماأنشده الفراء:(3\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "517",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6732",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقائع في مضر تسعة ... وفي وائل كانت العاشرة فتأول الوقائع وهي مؤنثة بأيام الحرب المذكرة فأنث العدد الجاري عليها فقال تسعة ولولا هذا التأويل لقال تسع لأن الوقائع مؤنثة قالوا وإذا جاز تأويل المذكر بمؤنث في قول من قال جاءته كتابي أي صحيفتي وفي قول الشاعر: يا أيها الراكب المزجي مطيته ... سائل بني أسد ما هذه الصوت أي ما هذه النصيحة مع أنه حمل أصل على فرغ فلأن يجوز تأويل مؤنث بمذكر لكونه حمل فرع على أصل أولى وأحرى وهذا وجه جيد وقد اعترض عليه باعتراضين فاسدين غير لازمين: أحدهما: أنه لو جاز تأويل المؤنث بمذكر يوافقه وعكسه لجاز أن يقال كلمتني زيد أكرمتني عمرو وكلمني هند وأكرمني زينب تأويلا لزيد وعمرو بالنفس والجثة وتأويلا لهند وزينب بالشخص والشيخ وهذا باطل وهذا الاعتراض غير لازم فإنهم لم يدعوا اطراد ذلك وإنما ادعوا أنه مما يسوغ أن يستعمل وفرق بين ما يسوغ في بعض الأحيان وبين ما يطرد كرفع الفاعل ونصب المفعول وهم لم يدعوا أنه من القسم الثاني ثم إن هذا الاعتراض مردود بكل ما يسوغ استعماله بمسوغ وهو غير مطرد وهو أكثر من أن يذكر ههنا ولا ينكره نحوى أصلا وهل هذا إلا اعتراض على قواعد العربية بالتشكيكات والمناقضات وأهل العربية لا يلتفتون إلى شيء من ذلك فلو أنهم قالوا يجوز تاويل كل مؤنث بمذكر يوافقه وبالعكس لصح النقض وأنما قالوا يسوغ أحيانا تاويل أحدهما بالآخر لفائدة يتضمنها التأويل كالفائدة التي ذكرناها من تأويل الرحمة بالإحسان. الاعتراض الثاني: أن حمل الرحمة على الإحسان إما أن يكون حملا على حقيقتة أو مجازة وهما ممتنعان فإن الرحمة والإحسان متغايران لا يلزم من أحدهما وجود الآخر لأن الرحمة قد توجد وافرة في حق من لا يتمكن من الإحسان كالوالدة العاجزة ونحوها وقد يوجد الإحسان ممن لا رحمة في طباعة كالملك القاسي فإنه قد يحسن إلى بعض أعدائه وغيرهم لمصلحة ملكه مع أنه(3\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "518",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6733",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا رحمة عنده وإذا تبين انفكاك أحدهما عن الآخر لم يجز إطلاقه عليه لا حقيقة ولا مجازا أما الحقيقة فظاهر وأما المجاز فإن شرطه خطور المعنى المجازي بالبال ليصح انتقال الذهن إليه فإذا كان منفكا عن الحقيقة لم يخطر بالذهن وهذا الاعتراض أفسد من الذي قبله وهو من باب التعنت والمناكدة وأين هذا من قول أكثر المتكلمين ولعل هذا المعترض منهم أنه لا معنى للرحمة غائبا إلا الإحسان المحض وأما الرقة التي في الشاهد فلا يوصف الله تعالى بها وإنما رحمته مجرد إحسانه ومع أنا لا نرتضي هذا القول بل تثبت لله تعالى الرحمة حقيقة كما أثبتها لنفسه منزهة مبراة عن خواص صفات المخلوقين كما نقوله في سائر صفاته من إرادته وسمعه وبصره وعلمه وحياته وعلمه وحياته وسائر صفات كماله فلم نذكره إلا لنبين فساد اعتراض هذا المعترض على قول أئمته ومن قال بقوله من المتكلمين ثم نقول الرحمة لا تنفك عن إرادة الإحسان فهي مستلزمة للإحسان أو إرادته استلزام الخاص للعام فكما يستحيل وجود الخاص بدون العام فكذلك الرحمة بدون الإحسان أو إرادته يستحيل وجودها وأما قضية الأم العاجزة فإنها وإن لم تكن تقدر على الإحسان بالفعل فهي محسنة بالإرادة فرحمتها لا تنفك عن إرادتها التامة للإحسان التي يقترن بها مقدورها إما بدعاء وإما بأيثار بما تقدر عليه ونحو ذلك فتخلف بعض الإحسان الذي لا تقدر عليه عن رحمتها لا يخرج رحمتها عن استلزامها للإحسان المقدور وهذا واضح وأما الملك القاسي إذا أحسن فإن إحسانه لا يكون رحمة فهذا لأن الإحسان أعم من الرحمة والأعم لا يستلزم الأخص وهم لم يدعوا ذلك فلا يلزمهم وأيضا فإن الإحسان قد يقال إنه يستلزم الرحمة وما فعله الملك المذكور فليس بإحسان في الحقيقة وإن كانت صورته(3\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "519",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6734",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صورة الإحسان وبالجملة فالعنت والمناكدة على هذا الاعتراض أبين من أن يتكلف معه رده وإبطاله. فصل: المسلك الثالث أن (قريبا) في الآية من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه مع الالتفات إلى المحذوف فكأنه قال إن مكان الرحمة قريب من المحسنين ثم حذف المكان وأعطى الرحمة إعرابه وتذكيره ومن ذلك قول الشاعر حسان: يسقون من ورد البريص عليهم ... بردي يصفق بالرحيف السلسل فقال يصفق بالياء وبردى هي مؤنث لأنه أراد ماء بردى ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد أخذ بيديه ذهبا وحريرا فقال: quot; هذان حرام على ذكور أمتيquot; فقال حرام بالإفراد والمخبر عنه مثنى كأنه قال استعمال هذين حرام وهذا المسلك ضعيف جدا لأن حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه لا يسوغ ادعاؤه مطلقا وإلا لالتبس الخطاب وفسد التفاهم وتعطلت الأدلة إذ ما من لفظ أمر أو نهي أو خبر متضمن مأمورا به ومنهيا عنه ومخبرا إلا ويمكن على هذا أن يقدر له لفظ مضاف يخرجه عن تعلق الأمر والنهي والخبرية فيقول الملحد في قوله: ولله على الناس حج البيت أي معرفة حج البيت و كتب عليكم الصيام أي معرفة الصيام وإذا فتح هذا الباب فسد التخاطب وتعطلت الأدلة وإنما يضمر المضاف حيث يتعين ولا يصح الكلام إلا بتقديره للضرورة كما إذا قيل أكلت الشاة فإن المفهوم من ذلك أكلت لحمها فحذف المضاف لا يلبس وكذلك إذا قلت أكل فلان كبد فلان إذا أكل ماله فإن المفهوم أكل ثمرة كبده فحذف المضاف هنا لا يلبس ونظائره كثيرة وليس منه واسأل القرية وإن كان أكثر الأصوليين يمثلون به فإن القرية اسم للسكان(3\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "520",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6735",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في مسكن مجتمع فإنما تطلق القرية باعتبار الأمرين كالكأس لما فيه من الشراب والذنوب للدلو الملآن ماء النهر والخوان للمائدة إذا كان عليها طعام ونظائره ثم إنهم لكثرة استعمالهم لهذه اللفظه ودورانها في كلامهم أطلقوها على السكان تارة وعلى المسكن تارة بحسب سياق الكلام وبساطه وإنما يفعلون هذا حيث لا لبس فيه فلا إضمار في ذلك ولا حذف فتأمل هذا الموضع الذي خفي على القوم مع وضوحه. وإذا عرفت هذا فقوله: إن رحمت الله قريب من المحسنين ليس في اللفظ ما يدل على إرادة موضع ولا مكان أصلا فلا يجوز دعوى إضماره بل دعوى إضمار خطأ قطعا لأنه يتضمن الإخبار بأن المتكلم أراد المحذوف ولم ينص على إرادته دليلا لا صريحا ولا لزوما فدعوى المدعي أنه أراده دعوى باطلة وأما قوله بردى يصفق فليس أيضا من باب حذف المضاف بل اراد ببردى النهر وهو مذكر فوصفه بصفة المذكر فقال يصفق فلم يذكر بناء على حذف المضاف وإنما ذكر بناء على أن بردى المراد به النهر فإن قلت فلا بد من حذف مضاف لأنهم إنما يسقون ماء بردى لا نفس النهر قلت هذا وإن كان مراد الشاعر فلم يلزم منه صحة ما ادعاه من أنه ذكر يصفق باعتبار الماء المحذوف فإن تذكيره إنما يكون باعتبار إرادة النهر وهو مذكر فلا يدل على ما ادعوه. وأما قوله: quot; هذان حرامquot; ففي إفراد الخبر سر بديع جدا وهو التنبيه والإشارة على أن كل واحد منهما بمفرده موصوف بأنه حرام فلو ثنى الخبر لم يكن فيه تنبيه على هذا المعنى فلهذا أفرد الخبر فكأنه قال وكل واحد من هذين حرام فدل إفراد الخبر على إرادة الإخبار عن كل واحد بمفرده فتأمله فإنه من بديع اللغة وقد تقدم بيانه في هذا التعليق في مسألة كلا وكلتا وإن قولهم: (كلاهما قائم) بالإفراد لا يدل على أن كلا مفرد كما ذهب إليه البصريون بل هو مثنى حقيقة وإنما أفردوا الخبر للدلالة على أن(3\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "521",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6736",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإخبار عن كل واحد منهما بالقيام وقد قررنا ذلك هناك بما فيه كفاية. فصل: المسلك الرابع: أنه من باب حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامة كأنه قال إن رحمة الله شيء قريب من المحسنين أو لطف قريب أو بر قريب ونحو ذلك وحذف الموصوف كثير فمنه قول الشاعر: قامت تبكيه على قبره ... من لي من بعدك يا عامر تركتني في الدار ذا غربة ... قد ذل من ليس له ناصر المعنى تركتني شخصا أو إنسانا ذا غربة ولولا ذلك لقالت تركتني ذات غربة ومنه قول الآخر: فلو أنك في يوم الرخاء سألتني ... فراقك لم أبخل وأنت صديق أراد وأنت شخص أو إنسان صديق وعلى هذا المسلك حمل سيبويه قولهم للمرأة حائض وطالق وطال فقال كأنهم قالوا شيء حائض وشيء طامث. وهذا المسلك أيضا ضعيف لثلاثة أوجه: أحدها: أن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقاومة إنما يحسن بشرطين أن تكون الصفة خاصة يعلم ثبوتها لذلك الموصوف بعينه لا لغيره. الثاني: أن تكون الصفة قد غلب استعمالها مفردة على الموصوف كالبر والفاجر والعالم والجاهل والمتقي والرسول والنبي صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك مما غلب استعمال الصفة فيه مجردة عن الموصوف فلا يكاد يجيء ذكر الموصوف معها كقوله تعالى: إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم وقوله: إن المتقين في جنات وعيون وقوله: إن المتقين في جنات وعيون وقوله: إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات وقوله: والكافرون هم الظالمون وهو كثير جدا في القرآن وكلام العرب وبدون ذلك لا يحسن الاقتصار على الصفة فلا يحسن أن تقول: جاءني طويل ورأيت جميلا أو قبيحا(3\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "522",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6737",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأنت تريد جاءني رجل طويل ورأيت رجلا جميلا أو قبيحا ولا تقول: سكت في قريب تريد في مكان قريب مع دلالة السكنى على المكان. الثاني: إن الشيء أعم المعلومات فإنه يشمل الواجب والممكن فليس في تقديره ولا في اللفظ به زيادة فائدة يكون الكلام بها فضلا عن أن يكون بها في أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة فأي فصاحة وبلاغة في قول القائل في حائض وطامث وطالق شيء حائض وشيء طامث وشىء طالق وهو لو صرح بهذا لاستهجنه السامع فكيف يقدر في الكلام مع أنه لا يتضمن فائدة أصلا إذ كونه شيئا أمر معلوم عام لا يدل على مدح ولا ذم ولا كمال ولا نقصان وينبغي أن يتفطن ههنا لأمر لا بد منه وهو أنه لا يجوز أن يحمل كلام الله عز وجل ويفسر بمجرد الاحتمال النحوى الاعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام ويكون الكلام به له معنى ما فإن هذا مقام غلط فيه أكثر المعربين للقرآن فإنهم يفسرون الآية ويعربونها بما يحتمله تركيب تلك الجملة ويفهم من ذلك التركيب أي معنى اتفق وهذا غلط عظيم يقطع السامع بأن مراد القرآن وإن احتمل ذلك التركيب هذا المعنى في سياق آخر وكلام آخر فإنه لا يلزم أن يحتمله القرآن مثل قول بعضهم في قراءة من قرأ: والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا بالجر أنه قسم ومثل قول بعضهم في قوله تعالى: وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام إن المسجد مجرور بالعطف على الضمير المجرور في به ومثل قول بعضهم في قوله تعالى: لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة إن المقيمين مجرور بواو القسم ونظائر ذلك أضعاف أضعاف ما ذكرنا وأوهي بكثير بل للقرآن عرف خاص ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها ولا يجوز تفسيره بغير عرفة والمعهود من معانيه فإن نسبة معانيه إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ بل أعظم فكما أن ألفاظه ملوك الألفاظ وأجلها وأفصحها ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي يعجز عنها قدر العالمين فكذلك معانية أجل المعاني وأعظمها وأفخمها(3\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "523",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6738",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلا يجوز تفسيره بغيرها من المعاني التي لا تليق به بل غيرها أعظم منها وأجل وأفخم فلا يجوز حمله على المعاني القاصرة بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي فتدبر هذه القاعدة ولتكن منك على بال فإنك تنتفع بها في معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزيفها وتقطع أنها ليست مراد المتكلم تعالى بكلامه وسنزيد هذا إن شاء الله تعالى بيانا وبسطا في الكلام على أصول التفسير فهذا أصل من أصوله بل هو أهم أصوله. الوجه الثالث: أن طالقا وحائضا وطامثا إنما حذفت تاؤه لعدم الحاجة إليها فإن التاء إنما دخلت للفرق بين المذكر والمؤنث في محل اللبس فإذا كانت الصفة خاصة بالمؤنث فلا لبس فلا حاجة إلى التاء هذا هو الصواب في ذلك وهو المذهب الكوفي. فإن قلت هذا خلاف مذهب سيبويه قلت فهل يرتضي محصل برد موجب الدليل الصحيح لكونه خلاف قول عالم معين هذه طريقة الخفافيش فأما أهل البصائر فإنهم لا يردون الدليل وموجبه بقول معين أبدا وقليل ما هم ولا ريب أن أبا بشر رحمة الله ضرب في هذا العلم بالقدح المعلى وأحرز من قصبات سبقه واستولى من أمده على ما لم يستول عليه غيره فهو المصلى في هذا المضمار ولكن لا يوجب ذلك أن يعتقد أنه أحاط بجميع كلام العرب وإن لا حق إلا ما قاله وكم لسيبويه من نص قد خالفه جمهور أصحابه فيه والمبرزون منهم ولو ذهبنا نذكر ذلك لطال الكلام به ولا تنس قوله في باب الصفة المشبهة مررت برجل حسن وجهه بأضافه حسن إلى الوجه والوجه إلى الضمير ومخالفة جميع البصريين والكوفيين في ذلك فسيبويه رحمة الله ممن يؤخذ من قوله ويترك وأما أن نعتقد صحة قوله في كل شيء فكلا وسنفرد إن شاء الله كتابا للحكومة بين البصريين والكوفيين فيما اختلفوا فيه وبيان الراجح من ذلك وبالله التوفيق والتأييد. فإن قلت يكفي في رد ما اخترتموه في طامث وحائض وطالق من المذهب الكوفي قوله تعالى: يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت فهذا وصف يختص به الإناث وقد جاء بالتاء قلت ليس في هذا(3\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "524",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6739",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولله الحمد رد لهذا المذهب ولا إبطال له فإن دخول التاء ههنا يتضمن فائدة لا تحصل بدونها فتعين الإتيان بها وهي أن المراد بالمرضعة فاعلة الرضاع فالمراد الفعل لا مجرد الوصف ولو أريد الوصف المجرد بكونها من أهل الأرضاع لقيل مرضع كحائض وطامث ألا ترى إلى قوله: quot;لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمارquot; فإن المراد به الموصوفة بكونها من أهل الحيض لا من يجري دمها فالحائض والمرضع وصف عام يقال على من لها ذلك وصفا وإن لم يكن قائما بها ويقال على من قام بها بالفعل فأدخلت التاء ههنا إيذانا بأن المراد من تفعل الرضاع فإنها تذهل عما ترضعه لشدة هول زلزلة الساعة وأكد هذا المعنى بقوله: عما أرضعت فعلم أن المراد المرضعة التي ترضع بالفعل لا بالقوة والتهيؤ وترجيح هذا المذهب له موضع غير هذا. فصل: المسلك الخامس أن هذا من باب اكتساب المضاف حكم المضاف إليه إذا كان صالحا للحذف والاستغناء عنه بالثاني كقول الشاعر: لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع وقال الآخر: مشين كما اهتزت رماح تسفهت ... أعاليها مر الرياح النواسم وقال الآخر بغي النفوس معيدة نعماءها ... نقما وإن عمهت وطال غرورها فأنت في الأول السور المضاف إلى المدينة وفي الثاني المر المضاف إلى الرياح وفي الثالث البغي المضاف إلى النفوس لتأنيث المضاف إليه مع أن التذكير أصل والتأنيث فرع فحمل الأصل على الفرع فلأن يجوز تذكير المؤنث لإضافته إلى غير(3\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "525",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6740",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مؤنث أولى لأنه حمل للفرع على الأصل ومن الأول أيضا قول الشاعر: وتشرق بالأمر الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدم فأنث الصدر لإضافته إلى القناة وأنشدني بعض أصحابنا لأبي محمد بن حزم في هذا المعنى بإسناد لا يحضرني: تجنب صديقا مثل ما واحذر الذي ... تراه كعمرو بين عرب وأعجم فإن صديق السوء يردي وشاهدي ... كما شرقت صدر القناة من الدم منه قول النابغة الذبياني: حتى استغن بأهل الملح ضاحية ... يركضن قد قلقت عقد الأطانيب وهذا المسلك وإن كان قد ارتضاه غير واحد من الفضلاء فليس بقوي لأنه إنما يعرف ومنه قول لبيد: فمضى وقدمها وكانت عادة ... منه إذا هي عردت أقدامها مجيئه في الشعر ولا يعرف في الكلام الفصيح منه إلا النادر كقولهم ذهبت بعض أصابعه والذي قواه ههنا شدة اتصال المضاف بالمضاف إليه وكونه جزؤه حقيقة فكأنه قال ذهبت إصبع وإصبعان من أصابعه وحمل القرآن على المكثور الذي خلافه أفصح منه ليس بسهل. فصل: المسلك السادس إن هذا من باب الاستغناء بأحد المذكورين عن الأخ لكونه تبعا له ومعنى من معانيه فإذا ذكر أغنى عن ذكره لأنه يفهم منه ومنه في أحد الوجوه قوله تعالى: إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين فاستغنى عن خبر الأعناق بالخبر عن أصحابها ومنه في أحد الوجوه قوله تعالى: والله ورسوله أحق أن يرضوه المعنى والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك(3\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "526",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6741",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاستغنى بإعادة الضمير إلى الله إذ إرضاؤه هو إرضاء رسوله فلم يحتج أن يقول يرضوهما فعلى هذا يكون الأصل في الآية: إن الله قريب من المحسنين وإن رحمة الله قريبة من المحسنين فاستغنى بخبر المحذوف عن خبر الموجود وسوغ ذلك ظهور المعنى وهذا المسلك مسلك حسن إذا كسي تعبيرا أحسن من هذا وهو مسلك لطيف المنزع دقيق على الأفهام وهو من أسرار القرآن والذي ينبغي أن يعبر عنه به أن الرحمة صفة من صفات الرب تبارك وتعالى والصفة قائمة بالموصوف لا تفارقه لأن الصفة لا تفارق موصوفها فإذا كانت قريبة من المحسنين فالموصوف تبارك وتعالى أولى بالقرب منه بل قرب رحمته تبع لقربه هو تبارك وتعالى من المحسنين. وقد تقدم في أول الآية أن الله تعالى قريب من أهل الإحسان بإثابته ومن أهل سؤاله بأجابته وذكرنا شواهد ذلك وأن الإحسان يقتضي قرب الرب من عبده كما أن العبد قرب من ربه بالإحسان وأن من تقرب منه شبرا تقرب الله منه ذراعا ومن تقرب منه ذراعا تقرب منه باعا فالرب تبارك وتعالى قريب من المحسنين ورحمته قريبة منهم وقربة يستلزم قرب رحمته ففي حذف التاء ههنا تنبيه على هذه الفائدة العظيمة الجليلة وأن الله تعالى قريب من المحسنين وذلك يستلزم القربين قربة وقرب رحمته ولو قال إن رحمة الله قريبة من المحسنين لم يدل على قربه تعالى منهم لأن قربة تعالى أخص من قرب رحمته والأعم لا يستلزم الأخص بخلاف قربة فإنه لما كان أخص استلزم الأعم وهو قرب رحمته فلا تستهن بهذا المسلك فإن له شأنا وهو متضمن لسر بديع من أسرار الكتاب وما أظن صاحب هذا المسلك قصد هذا المعنى ولا ألم به وإنما أراد أن الإخبار عن قرب الله تعالى من المحسنين كاف عن الإخبار عن قرب رحمته منهم فهو مسلك سابع في الآية وهو المختار وهو من أليق ما قيل فيها وإن شئت قلت قربة تبارك وتعالى من المحسنين وقرب رحمته منهم متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر فإذا كانت رحمته قريبة منهم فهو أيضا قريب منهم وإذا كان المعنيان متلازمين صح إرادة كل واحد منهما فكان في بيان قربه سبحانه من المحسنين من التحريض على الإحسان واستدعائه(3\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "527",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6742",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من النفوس وترغيبها فيه غاية حظ وأشرفه وأجله على الإطلاق وهو أفضل إعطاء أعطيه العبد وهو قربة تبارك وتعالى من عبده الذي هو غاية الأماني ونهاية الآمال وقرة العيون وحياة القلوب وسعادة العبد كلها فكان في العدول عن قريب إلى قريب من استدعاء الإحسان وترغيب النفوس فيه ما لا يتخلف بعده إلا من غلبت عليه شقاوته ولا قوة إلا بالله تعالى. فصل: المسلك الثامن إن الرحمة مصدر والمصادر كما لا تثنى ولا تجمع فحقها أن لا تؤنث وهذا المسلك ضعيف جدا فإن الله سبحانه حيث ذكر الرحمة أجرى عليها التأنيث كقوله: ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون وقوله فيما حكى عنه رسوله: quot;إن رحمتي غلبت أو سبقت غضبي quot; رواه البخاري ومسلم والترمذي ولو كان حذف التاء من الرحمة لكونها مصدرأ والمصادر لا حظ للتأنيث فيها لم يعد عليها الضمير إلا مذكرا وكذلك ما كان من المصادر بالتاء كالقدرة والإرادة والحكمة والهمة ونظائرها وفي بطلان ذلك دليل على بطلان هذا المسلك. فصل: المسلك التاسع أن القريب يراد به شيئان: أحدهما: النسب والقرابة فهذا بالتاء تقول فلانه قريبة لي. والثاني: قرب المكان وهذا بلا تاء تقول جلست فلانه قريبا مني ولا تقول قريبة منى وهذا مسلك الفراء رحمة الله وجماعة وهو أيضا ضعيف فإن هذا إنما هو إذا كان لفظ القريب ظرفا فإنه يذكر كما قال تقول جلست المرأة مني قريبا فأما إذا كان اسما محضا فلا.(3\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "528",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6743",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: المسلك العاشر: أن تأنيث الرحمة لما كان غير حقيقي ساغ فيه حذف التاء كما تقول طلع الشمس وطلعت وهذا المسلك أيضا فاسد فإن هذا إنما يكون إذا أسند الفعل إلى ظاهر المؤنث فإما إذا أسند إلى ضميره فلا بد من التاء كقولك الشمس طلعت وتقول الشمس طالعة ولا تقول طالع لأن في الصفة ضميرها فهي بمعنى الفعل في ذلك سواء. فصل: المسلك الحادي عشر: أن القريب مصدر لا وصف وهو بمنزلة النقيض فجرد من التاء لأنك إذا أخبرت عن المؤنث بالمصدر لم تلحقه التاء ولهذا تقول امرأة عدل ولا تقول عدلة وامرأة صوم وصلاة وصدق وبر ونظائره وهذا المسلك من أفسد ما قيل عن القريب فإنه لا يعرف استعماله مصدرا أبدا وإنما هو وصف والمصدر هو القرب لا القريب. فصل: المسلك الثاني عشر: إن فعيلا وفعولا مطلقا يستوي فيهما المذكر والمؤنث حقيقيا كان أو غير حقيقي كما قال امرؤ القيس: يرهرهه رودة رخصة ... كخرعوبة البانة المنقطر قطيع القيام فتور الكلام ... تفتر عن ذي عزوب خصر(3\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "529",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6744",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أيضا: له الويل إن أمسى ولا أم هاشم ... قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا وقال جرير: أتنفعك الحياة وأم عمرو ... قريب لا تزور ولا تزار وقال جرير أيضا: كأن لم نحارب يا بثين لو أنها ... تكشف غماها وأنت صديق وقال أيضا: دعون الهون ثم ارتهن قلوبنا ... بأسهم أعداء وهن صديق قالوا وشواهد ذلك كثيرة وفي هذا المسلك غنية عن تلك التعسفات والتأويلات. وهذا المسلك ضعيف أيضا ومما رده أبو عبد الله بن مالك فقال: هذا القول ضعيف لأن قائله إما أن يريد أن فعيلا في هذا الموضع وغيره يستحق ما يستحقه فعول من الجري على المذكر والمؤنث بلفظ واحد وإما أن يريد أن فعيلا في هذا الموضع خاصة محمول على فعول فالأول مردود لإجماع أهل العربية على التزام التاء في ظريفة وشريفة وأشباههما وزنا ودلالةquot; ولذلك احتاج علماؤهم أن يقولوا في قوله تعالى: وما كانت أمك بغيا وقوله: ولم أك بغيا أن الأصل هو يغوى على فعول فلذلك لم تلحقه التاء ثم أعل بأبدال الواو ياء والضمة كسرة فصار لفظه كلفظ فعيل ولو كان فعيلا أصلا للحقته التاء فقيل الم أك بغية والثاني أيضا مردود لأن لفعيل على فعول من المزايا ما لا يليق به أن يكون تبعا له بل العكس أولى أن يكون فعولا تبعا لفعيل ولأنه يتضمن حمل فعيل على فعول وهما مختلفان لفظا ومعنى أما اللفظ فظاهر وأما المعنى فلأن قريبا لا مبالغة فيه لأنه يوصف به كل ذي قرب وإن قل وفعول لا بد فيه من المبالغة وأيضا فإن الدال على المبالغة لا بد أن يكون له بنية لا مبالغة فيها ثم يقصد به المبالغة فتتغير بنيته كضارب وضروب وعالم وعليم وقريب ليس كذلك فلا مبالغة فيه. وأما بيت امرؤ القيس فلا حجة فيه لوجوه:(3\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "530",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6745",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها: أنه نادر فلا حكم له فلا كثرت صوره ولا جاء على الأصل كاستجوذ واستوثق البعير واغيمت السماء واغور واحول وما كان كذلك فلا حكم له. الثاني: أن يكون قد أراد قطيعة القيام ثم حذف التاء للأضافه فإنها تجوز بحذفها عند الفراء وغيره وعليه حمل قوله تعالى: وإقام الصلاة أي إقامتها لأن المعروف في ذلك إنما هو لفظ الإقامة ولا يقال إقام دون أضافه كما لا يقال أراد في أرادة ولا أقال في إقالة لأنهم جعلوا هذه التاء عوضا عن ألف إفعال أو عينه لأن أصل إقامة أقوام فنقلت حركة العين إلى الفاء فانقلبت ألفا فالتقت ألفان فحذفت إحداهما فجاءوا بالتاء عوضا فلزمت إلا مع الأضافه فإن حذفها جائز عند قوم قياسا وعند أخرين سماعا ومثلها في اللزوم تاء عدة وزنة وأصلهما وعد ووزن فحذفت الواو وجعلت التاء عوضا منها فلزمت وقد تحذف للأضافه كقول الشاعر: إن الخليط أجدوا البين وانجردوا ... وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا أي أخلفوك عدة الأمر فحذف التاء وعلى هذه اللغة قرأ بعض القراء ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة بالهاء أي عدته فحذف التاء. الثالث: أن يكون فعيل في قوله قطيع القيام بمعنى مفعول لأن صاحب المحكم حكى أنه قال مبينا على قطعه وأقطعه إذا بكته وأقطعه إذا بكته وقطع هو فهو قطيع القول فقطيع على هذا بمعنى مقطوع أي مبكت فحذف التاء على هذا التوجيه ليس مخالفا للقياس وإن جعل قطيعا مبنيا على قطع كسريع من سرع فحقه على ذلك أن يلحقه التاء عند جريه على المؤنث إلا أنه شبه بفعيل الذي بمعنى مفعول فأجرى مجراه. فهذا تمام اثني عشر مسلكا في هذه الآية أصحها المسلك المركب من السادس والسابع وباقيها ضعيف وواه ومحتمل والمبتدىء والمقلد لا يدرك هذه الدقائق والفاضل المنصف لا يخفى عليه قويها من ضعيفها وليكن هذا آخر الكلام على الآية والله أعلم.(3\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "531",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6746",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: خبر المبتدأ إما مفرد وإما جملة فإن كان جملة فإما أن يكون نفس المبتدأ أو غيره فإن كان نفس المبتدأ لم يحتج إلى رابط يربطها به إذ لا رابط أقوى من اتحادهما نحو قولي: (الحمد لله) وإن كانت غير المبتدأ فلا بد فيها من رابط يربطها بالمبتدأ لئلا يتوهم استقلالها وانقطاعها عن المبتدأ لأن الجملة كلام قائم تام بنفسه وذلك الرابط لا يتعين أن يكون ضميرا بل يجوز أن يكون ضميرا وهو الأكثر واسم إشارة كقوله تعالى: ولباس التقوى ذلك خير وقوله: والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ونظائره كثيرة واسما ظاهرا قائما مقام الضمير كقوله تعالى: والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين وقد يستغني عن الضمير إذا علم الرابط وعدم الاستقلال بالسياق وباب هذا التفصيل بعد الجملة ففيه يقع الاستغناء عن الضمير كثيرا كقولك المال لهؤلاء لزيد درهم ولعمرو درهمان ولخالد ثلاثة ومثله الناس واحد في الجنة وواحد في النار ولا حاجة إلى تقدير ضمير رابط محذوف تقديره لزيد منه درهم وواحد منهم في الجنة فإن تفصيل المبتدأ بالجملة بعده رابط أغنى عن الضمير فتأمله ومثله السمن منوان بدرهم وهذا بخلاف قولك زيد عمرو مسافر فإنه لا رابط بينهما بوجه فلذلك يحتاج أن يقول في حاجته ونحو ذلك ليفيد الإخبار. هذا حكم الجملة وأما المفرد فقد اشتهر على ألسنة النحاة أنه إن كان مشتقا فلا بد من ضمير يربطه بالمبتدأ وإن كان جامدا لم يحتج إلى ضمير وبعضهم يتكلف تأويله بالمشتق وهذا موضع لا بد من تحريره فنقول الخبر المفرد لما كان نفس المبتدأ كان اتحادهما أعظم رابط يمكن فلا وجه لاشتراط الرابط بعد هذا أصلا فإن المخاطب يعرف أن الخبر مسند(3\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "532",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6747",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى المبتدأ وأنه هو نفسه ومن هنا يعلم غلط المنطقيين في قولهم إنه لا بد من الرابط إما مضمرا وإما مظهرا وهذا كلام من هو بعيد من تصور المعاني وارتباطها بالألفاظ ولا تستنكر هذه العبارة في حق المنطقيين فإنهم من أفسد الناس تصورا ولا يصدق بهذا إلا من عرف قوانين القوم وعرف ما فيها من التخبيط والفساد وأما إن كان الخبر اسما مشتقا مفردا فلا بد فيه من ضمير ولكن ليس الجالب لذلك الضمير ربطه بالمبتدأ بل الجالب له أن المشتق كالفعل في المعنى فلا بد له من فاعل ظاهر أو مضمر فإن قيل وما الذي يدل على أن في الفعل ضميرا حتى يكون في ثانية ضمير فإذا قلت زيد قام فإن هذا اللفظ لا ضمير فيه يستمع فدعوى تحمله للضمير دعوى محضة قيل الذي يدل على أن فيه الضمير تأكيدهم له وعطفهم عليه وأبدالهم منه كقولك في التأكيد إن زيدا سيقوم نفسه برفع نفس وفي العطف كقوله تعالى سيصلى نارا ذات لهب وامرأته فامرأته رفع عطفا على الضمير في سيصلى وفي الأبدال قولك إن زيدا يعجبني علمه على أن يكون علمه بدل اشتمال لا فاعل فإذا كان المشتق مفردا كان الضمير الذي فيه فعلا كان أو اسما نحو زيد يذهب وزيد ذاهب وأما في التثنية والجمع فلا يكون ضميرا إلا في الأفعال نحو يذهبان ويذهبون وأما في الأسماء فإنه لا يكون فيها إذا ظهر إلا علامة لا ضميرا نحو ذاهبان وذاهبون فهما في الاسم حرفان وفي الفعل اسمان برهان ذلك انقلابهما في الاسم ياء في التثنية والجمع كما ينقلبان فيما لا يحتمل ضميرا كزيدين والزيدين ولو كان ضميرا ك هما في الفعل لبقيا على لفظ واحد كما تقول في الفعل هؤلاء رجال يذهبون ومررت برجال يذهبون ورأيت رجالا يذهبون وكذلك في التثنية سواء فلا يتغير لفظ الواو لأنها فاعل وليست علامة إعراب الفعل فثبت بهذا صحة دعوى النحاة على العرب أن الضمير المستتر في الاسم المشتق لا يظهر في تثنية ولا جمع وأن الضمير المستتر في الفعل يظهر في التثنية والجمع ولولا الدليل الذي ذكرناه لما عرف هذا أبدا لأن العرب لم تشافهنا بهذا مشافهة(3\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "533",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6748",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا أفصحت عن هذا القدر في هذا ونحوه إلا باستقراء كلامها والتتبع لأنحائها ومقاصدها الموصل إلى غرائب هذه اللغة وأسرارها وحكمها فإن قيل فقد عرفنا صحة ذلك فما هي الحكمة التي من أجلها فرقوا بين المواطنين فجعلوها ضمائر في الأفعال وحروفا في الأسماء قيل في ذلك حكمة بديعة وهي أن الأسماء لما كان أصلها الإعراب كانت أحوج إلى علامة إعراب منها إلى علامة إضمار والأفعال أصلها البناء ولم يكن لها بد من الفاعل ضرورة فكانت أحوج إلى علامة إضمار الفاعلين منها إلى علامة إعراب مع أن هذه العلامة في الأسماء علامة تثنية وجمع وحروف إعراب أيضا والأفعال لا تثنى ولا تجمع إذ هي مشتقة من المصدر وهو لا يثنى ولا يجمع لأنه يدل على القليل والكثير بلفظ واحد هذه علة النحاة. وفيه علة أخرى هي أصح من هذه وألطف وأدق قد تقدمت في أول هذا التعليق وإذا ثبت أن الأفعال لا تثنى ولا تجمع وعلامة التثنية والجمع حروف إعراب فلا يكون الواو والألف إلا علامة إضمار ولا يكون في الاسماء وإن احتملت الضمائر إلا علامة تثنية وجمع وحروف إعراب على قول سيبويه أي محل الأعراب أو هي الأعراب نفسها على قول قطرب وغيره بمنزلة الحركات في المفرد أو دليل إعراب على قول أبي الحسن الأخفش وأبي العباس المبرد. فصل: حكم الخبر إذا كان ظرفا أو جارا ومجرورا هذا حكم الخبر إذا كان مفردا أو جملة فأما إذا كان واقعا موقع الخبر وليس هو نفسه خبرا كالظرف والمجرور فإنه واقع موقع مشتق متحمل للضمير وهو إما مفرد وإما جملة وأكثر النحاة يقدرونه بمفرد مشتق نظرا إلى أن الأصل في الخبر أن يكون مفردا فتقديره كذلك موافق للأصل وأيضا فإنما قدر لضرورة صحة الكلام فإن الظرف والمجرور ليس هو نفس المبتدأ وما قدر للضرورة(3\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "534",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6749",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يتعدى به ما تقتضيه الضرورة وهي تزول بالمفرد فتقدير الجملة مستغنى عنه مع أنه خلاف الأصل وأيضا فإنه قدر للتعلق وهذا التعلق يكفي فيه المفرد وأيضا فإنه يقع في موضع لا يصح فيه تقدير الجملة كقولك أما عندك فزيد وأما في الدار فعمر فإن أما لا يليها إلا اسم مفرد فإذا تعين المفرد ههنا يرجح في الباقي ليجري الباب على سنن واحد ولا ينتقض هذا بوقوعه في صلة الموصول كقولك جاءني الذي في الدار إذ يتعين تقدير الجملة لأن كلامنا في التقدير في باب الخبر لا في التقدير في سائر الأبواب كالصلة والصفة والحال ولا يلزم من تعين الجملة في التقدير في الصلة تعينها ولا ترجيحها في باب المبتدأ وسأل أبو الفتح بن جني أبا علي عن هذه المسألة فلم يراجعه بجواب شاف أكثر من أن قال له: تقدير الاسم ههنا أولى لأن خبر المبتدأ في أغلب أحواله اسم. وكشف الغطاء عن هذه المسألة أن يقال الجار هنا لا يتصور تعليقه بفعل محض إذ الفعل المحض ما دل على حدث وزمان ودلالته على الزمان ببنيته فإذا لم يكن له وجود في اللفظ لم يكن له بنية تدل على الزمان مع أن الجار لا تعلق له بالزمان ولا يدل عليه إنما هو في أصل وضعه لتقييد الحدث وجره إلى الاسم على وجه ما من الأضافه فلا تعلق له إلا بالحدث والحدث الذي هو المصدر لا يمكن تقديره ههنا لأنه خبر المبتدأ والمبتدأ ليس هو الحدث فبطل أن يكون التقدير: زيد استقرار في الدار وبطل أيضا بما تقدم أن يكون التقدير: زيد استقر في الدار ألا ترى أن يقبح أن يقال: زيد في الدار أمس أو أول من أمس. وإذا بطل القسمان أعنى إضمار المصدر والفعل لم يبق إلا القسم الثالث وهو إضمار اسم الفاعل فتتضح الفائدتان: أحدهما أن يكون خبرا عن المبتدأ ويضمر فيه ما يعود عليه إذ لا يمكن ذلك في المصدر, والثانية أن يصبح تعلق الجار به إذ مطلوبة الحدث واسم الفاعل متضمن للحدث لا للزمان إذا عرف هذا فلا يصح ارتفاع الاسم بعد الظرف والمجرور بالاستقرار على أنه فاعل وإن كان في موضع خبر أو نعت وإنما يرتفع بالابتداء كما يرتفع في قولك قائم زيد بالابتداء لا بقائم(3\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "535",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6750",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خلافا للأخفش فإذا قلت في الدار زيد فارتفاع زيد بالابتداء لا بالاستقرار اسم الفاعل فإن قلت: أليس إذا قلت زيد قائم أبوه ورأيت رجلا قائما أبوه ومررت برجل قائم أبوه فترفع الاسم بقائم إذا كان معتمدا على مبتدأ أو منعوت أو ذي حال وكذلك إذا كان قبله استفهام أو نفي نحو أقائم زيد وما قائم زيد قيل اسم الفاعل مشتق وفيه لفظ الفعل ومعناه فإذا اقترن به ألف الاستفهام أو قرينة من القرائن التي ذكرت التي يقوي بها معنى الفعل عمل الفعل بخلاف قائم زيد فإنه لا قرينة معه تقتضي أن يعمل عمل الفعل فحمل على أصله من الابتداء والخبر فإن قيل فهلا قلت إن الظرف والمجرور إذا اعتمد كما يعتمد اسم الفاعل أنه يرفع الاسم كما هو معزى إلى سيبويه فإذا قلت: زيد في الدار أبوه كان أبوه مرفوعا بالظرف كما إذا قلت: زيد قائم أبوه قلت قد توهم قوم أن هذا مذهب سيبويه وأنك إذا قلت: مررت برجل معه صقر أن صقرا مرفوعا بالظرف لاعتماده على الموصوف وكنا نظن ذلك زمانا حتى تبين أن هذا ليس بمذهبه وأنه غلط عليه وقد بين أبو سعيد السيرافي مراد سيبويه من كلامه وشرح وجه الغلط عليه بما فيه كفاية فراجعه في كتابه. والفرق بين الظرف وبين اسم الفاعل ما تقدم أن اسم الفاعل مشتق وفيه لفظ الفعل ومعناه فإذا اعتمد أن اقترنت به قرينة جانب الفعلية فيه فعمل عمل الفعل وأما الظرف فلا لفظ للفعل فيه إنما هو معنى يتعلق به الفعل ويدل عليه ولم يكن في قوة القرينة التي يعتمد عليها أن تجعله كالفعل كما لم يكن في قوته إذا كان ملفوظا به دون قرينة أن يكون كالفعل فإذا اجتمع الاعتماد المقوي لمعنى الفعل مع اللفظ المشتق من الفعل عمل الاسم حينئذ عمل الفعل ووجه آخر من الفرق بين المسألتين أنك إذا قلت مررت برجل قائم أبوه فالقيام لا محالة مسند إلى الأب في المعنى وهو في اللفظ جار على رجل والكلام له لفظ معنى فقائم في اللفظ جار عل ما قبله وفي المعنى مسند إلى ما بعده وأما الظرف والمجرور فليس كذلك إنما هو(3\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "536",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6751",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معنى يتعلق به الجار وذلك المعنى مسند إلى الاسم المرفوع وخبر عنه فصح أنه مبتدأ والمجرور خبر عنه والجملة في موضع نعت أو خبر فإن قيل فليزمكم إذا قدمتم الظرف في موضع الخبر وقدرتم فيه ضميرا يعود على المبتدأ أن تجيزوا في الدار نفسه زيد وفيها أجمعون إخوتك وهذا لا يجوزه أحد وفي هذا حجة للأخفش ولمن قال بقوله في أن رفع الاسم بالظرف قيل إنما قبح توكيد المضمر إذا كان الظرف خبرا مقدما لأن الظرف في الحقيقة ليس هو الحامل للضمير إنما هو متعلق بالاسم الحامل للضمير وذلك الاسم غير موجود في اللفظ حتى يقال إنه مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى وإذا لم يكن ملفوظا به فهو في المعنى والرتبة بعد المبتدأ والمجرور المقدم قبل المبتدأ دال عليه والدال على الشيء غير الشيء فلذلك قبح فيها أجمعون الزيدون لأن التوكيد لا يتقدم على المؤكد ولذلك صح تقديم خبر إن على اسمها إذا كان ظرفا لأن الظرف ليس هو الخبر في الحقيقة إنما هو متعلق بالخبر والخبر منوي في موضعه مقدر في مكانه ولذلك لم ينكسر أصل الخليل في منعه تقديم خبر المبتدأ مع كثرة هذا النحو في الكلام أعني في الدار زيد ولذلك عدل سيبويه في قولهم فيها قائما رجل ولمية موحشا طلل إلى أن جعل الحال من النكرة ولم يجعلها حالا من الضمير الذي في الخبر لأن الخبر مؤخر في النية وهو العامل في الحال وهو منوي والحال لا يتقدم على العامل المنوي فهذا كله مما يبين أن الظرف والمجرور ليس هو الخبر في الحقيقة ولا الحامل للضمير ولا العامل في شيء من الأشياء لا في حال ولا في ظرف ولا في فاعل ومن جهة المفعول أن الدار إذا انفردت بلفظها لم يصح أن تكون خبرا عن زيد ولا عاملة ولا حاملة للضمير وكذلك في ومن وسائر حروف الجر لو انفردت لم يكن فيها شيء من ذلك فقد وضح أن الخبر غيرها وأنها واقعة موقعة والله أعلم. فإن قيل فما تقول فيما حكاه الزجاج عن بعض النحاة أنك إذا قلت قائم زيد أن قائما مبتدأ أو زيد فاعل به سد مسد الخبر قيل هذا وإن كان قد جوزه بعض النحاة فهو(3\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "537",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6752",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاسد في القياس لأن اسم الفاعل اسم محض واشتقاقه من الفعل لا يوجب له عمل الفعل كمسجد ومرقد ومروحة ومغرفة ولكن إنما يعمل إذا تقدم ما يطلب الفعل أو كان في موضع لا تدخل عليه العوامل اللفظية نحو النعت والخبر والحال فيقوى حينئذ معنى الفعل فيه ويعضد هذا من السماع أنهم لم يحكوا قائم الزيدان وذاهب إخوتك عن العرب إلا على الشرط الذي ذكرنا ولو وجد الأخفش ومن قال بقوله سماعا لاحتجوا به على الخليل وسيبويه فإذا لم يكن مسموعا وكان بالقياس مدفوعا فأحرى به أن يكون باطلا ممنوعا. فإن قلت فما تصنع في قول الشاعر: خبير بني لهب فلا تك ملغيا ... مقالة لهبي إذا الطير مرت فهذا صريح في أن خبير مبتدأ وبنو لهب فاعل به. وفي قول الآخر: فخير نحن عند الناس منكم ... إذا الداعي المثوب قال يالا قلت أما البيت الأول فعلى شذوذه وندرته لا يعرف قائله ولم يعرف أن متقدمي النحاة وأئمتهم استشهدوا به وما كان كذلك فإنه لا يحتج به باتفاق على أنه لو صح أن قائله حجة عند العرب لاحتمل أن يكون المبتدأ محذوفا مضافا إلى بني لهب وأصله كل بني لهب خبير وكل يخبر عنها بالمفرد كما تقدم في أول التعليق ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه فاستحق إعرابه ويدل على إرادة العموم عجز البيت وهو قوله فلا تك ملغيا مقالة لهبي أفلا ترى كيف يعطي هذا الكلام أن كل واحد من بني لهب خبير فلا تلغ مقالة لهبي وكذلك البيت الثاني فلا متعلق فيه أصلا لأن أفعل التفضيل إذا وقع خبرا عن غيره وكان مقترنا بمن كان مفردا على كل حال نحو الزيدون خير من العمرين. فصل: وجوه اسم الفاعل إذا ثبت هذا فيجوز في اسم الفاعل إذا اعتمد على ما قبله أو كان معه(3\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "538",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6753",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قرينة مقتضية للفعل وبعده اسم مرفوع وجهان: أحدهما: أن يكون خبرا مقدما والاسم بعده مبتدأ وأن يكون مبتدأ والمرفوع بعده فاعل نحو أقائم زيد وما قائم عمرو ونحوه إلا أن يمنع مانع من ذلك وذلك في ثلاث مسائل: أحدها: قولك زيد قائم أخواه فإن هذا يتعين فيه أن يكون أخواه فاعلا بقائم ولا يجوز أن يكون أخواه مبتدأ وقائم الخبر لعدم المطابقة. الثانية: قولك زيد قائمان أخواه فإن هذا يتعين فيه على الأفصح أن يكون مبتدأ وخبرا لو كان من باب الفعل والفاعل لقلت قائم أخواه كما تقول قام أخواه. الثالثة: قولك زيد قائم أنت إليه وزيد قائم هو إذا كان الفاعل ضميرا منفصلا فإن هذا لا يكون إلا مبتدأ وخبرا لأن الضمير المنفصل لا يكون فاعلا مع اتصاله بعامله إنما يكون فاعلا إذا لم يمكن اتصاله نحو ما قائم إلا أنت ونحو الضار به هو. فإذا عرفت ذلك فقوله في حديث المبعث: quot;أو مخرجي هم quot; رواه البخاري ومسلم والترمذي فمخرجي يتعين أن يكون خبرا مقدما وهم مبتدأ لأن الرواية اتفقت على تشديد مخرجي وكان أصله مخرجون لي فحذف اللام وأضيف مخرجون إلى الياء فسقط نون الجمع لأنها تسقط للأضافه فصار مخرجوي فاجتمع الواو والياء والسابق منهما ساكن فقلبت الواو ياء فصار مثلان فأدغم أحدهما في الآخر فجاء مخرجي ومثله ضاربي ومكرمي ولو أن لصفة ههنا رافعة للضمير لكانت مفردة وكان يقول أو مخرجي هم بالتخفيف كما تقول أضاربي إخوتك ولو جعلته مبتدأ خيرا لقلت أضاربي بالتشديد والله أعلم. فان قلت: ما هم بمخرجي تعين التشديد ليس إلا لأن الفاعل لا يتقدم فلو خففت لكانت المسألة من باب الفعل والفاعل والفاعل لا يتقدم عامله وإن أخرت الضمير جاز لك الوجهان كما تقدم. قولهم ظروف الزمان لا تكون إخبار عن الجثة ليس على إطلاقه بل فيه تفصيل يعرف من العلة في منع ذلك والعلة أن الزمان لما كان عبارة عن أوقات الحوادث وكانوا محتاجين إلى تقييد حوادثهم بأزمنة تقارنها معلومة عن المتكلم والمخاطب كما يقدرونها بالأماكن التي تقع فيها جعل الله(3\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "539",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6754",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبحانه وتعالى حركات الشمس والقمر وما يحدث بسببها من الليل والنهار والشهور والأعوام معيارا يعلم به العباد مقادير حوادث أفعالهم وتاريخها ومعيارها لشدة حاجتهم إلى ذلك في الآجال كالعدد والإجارات والسلم والديون المؤجلة ومعرفة مواقيت الحج والصيام وغيرها فصارت حركة الشمس والقمر تاريخا وتقييدا ومعيار للأفعال والحياة والموت والمولد وغير ذلك. فالزمان إذا عبارة عن مقارنة حادث لحادث مقارنة الحادث من الحركة العلوية للحادث من حركات العباد ومعيارا له ولهذا سماه النحاة ظرفا لأنه مكيال ومعيار يعلم به مقدار الحركة والفعل وتقدمه وتأخره وقربه وبعده وطوله وقصره وانقطاعه ودوامه. فإذا أخبرت أن فعلك قارن ذلك الحادث المعلوم من حركة الشمس والقمر يوقت له ويقيد به فسمي وقتا وهو في الأصل مصدر وقت الشيء أوقته حددته وقدرته حتى لو أمكن أن يقيد ويؤرخ بما يقارن الفعل من الحوادث غير الزمان استغنى عن الزمان نحو قمت عند خروج الأمير وعند قدوم الحاج وعند موت فلان لكن ذلك لا يشترك في علمه ومعرفته كالاشتراك في معرفة يوم الجمعة وشهر رمضان ونحوه ولا يطرد مع أنه أيضا توقيت وتاريخ بالزمان في الحقيقة فإن قولك عند خروج الأمير وقدوم الحاج إنما تريد به هذه الأوقات والأزمنة ولكن المعلوم عند جميع المخاطبين إنما هي أجزاء الزمان كالشهر والسنة واليوم وأبعاض ذلك. وإذا عرف ذلك فلا معنى لقولك زيد اليوم وعمرو غدا لأن الجثث ليست بأحداث فتحتاج إلى تقييدها بما يقارنها وإلى تاريخها بحدث معها فما ليس بحدث لا معنى لتقييده بالحدث الذي هو الزمان. وعلى هذا فإذا أردت حدوث الجثة ووجودها فهو أيضا حادث فيجوز أن يخبر عنه بالزمان إذا كان الزمان يسع مدتها تقول نحن في المائة الثامنة وكان الأوزاعي في المائة الثانية والإمام أحمد في المائة الثالثة ونحو هذا. وعلى هذا إذا قلت الليلة الهلال صح ولا حاجة بك إلى تكليف إضمار الليلة طلوع الهلال فإن المراد حدوث هلال ذلك الشهر فجرى مجرى الأحداث وكذلك(3\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "540",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6755",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تقول الورد في أيار وتقول الرطب في شهر كذا وكذا ومنه قول الشاعر: أكل عام نعم يحوونه ... يلقحه قوم وتنتجونه ومثله قولك البدر ليلة رابع عشرة ولا حاجة إلى تكلف طلوع البدر بل لا يصح هذا التقدير لأن السائل إذا سألك أي وقت البدر فإنه لم يسألك عن الطلوع إذ هو لا يجهله وإنما يسألك عن ذات البدر ونفسه فقولك هو ليلة أربع عشرة تريد به أن ليلة أربع عشرة هي ليلة كونه بدرا لا ليلة طلوعه فتأمله. وعلى هذا فلا يسوغ هذا الاستعمال حتى يكون الزمان يسع ما قيدته به من الحدث والجثة التي في معناه فلو كان الزمان أضيق من ذلك لم يجز التقييد به لأن الوقت لا يكون أقل من المؤنث فلا تقول نحن في يوم السبت وإن صح أن تقول نحن في المائة الثامنة ولا تقول الحجاج في يوم الخميس وتقول الحجاج في زمن بني أمية والله اعلم. إشكالات إعرابية: قوله عز وجل: إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون وقال تعالى: سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم وقوله تعالى: سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون مما أشكل إعرابه على فحول العربية واختلفت أقوالهم في ذلك: فقال صاحب الكشاف: quot;سواء اسم بمعنى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادرquot; ومنه قوله تعالى: تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم وقوله تعالى: في أربعة أيام سواء للسائلين بمعنى مستوية وارتفاعه على أنه خبر لأن أأنذرتهم أم لم تنذرهم في موضع رفع على الفاعلية كأنه قيل: إن للذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه كما تقول: إن زيدا مختصم أخوه وابن عمه أو يكون أأنذرتهم أم لم تنذرهم في موضع الابتداء وسواء خبرا مقدما بمعنى سواء عليهم إنذارك وعدمه والجملة خبر لـ (إن) . فإن قلت الفعل أبدا خبر لا مخبر عنه فكيف صح الإخبار عنه في هذا الكلام قلت هو من جنس الكلام المهجور فيه جانب اللفظ إلى جانب المعني وقد وجدنا العرب يميلون في مواضع من كلامهم مع المعاني ميلا بينا من ذلك قولهم: لا تأكل السمك(3\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "541",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6756",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتشرب اللبن معناه لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن وإن كان ظاهر اللفظ على ما لا يصح من عطف الاسم على الفعل والهمزة وأم مجردتان بمعنى الاستواء وقد انسلخ عنهما معنى الاستفهام رأسا قال سيبويه: quot;جرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء في قولك: (اللهم اغفر لنا أيتها العصابة) يعني أن هذا جرى على صورة الاستفهام ولا استفهام كما أن ذاك جرى على صورة النداء ولا نداء ومعنى الاستواء استواؤهما في علم المستفهم عنهما لأنه قد علم أن أحد الأمرين كائن إما الإنذار وإما عدمه ولكن لا بعينه وكلاهما معلوم بعلم غير معينquot;. قلت: هذا قوله وقول طائفة من النحاة وقد اعترض على ما ذكراه بأنه يلزم القائل به أن يجيز سواء قمت أم قعدت دون أن تقول علي أو عليك وأنه يجيز سيان أذهب زيد أم جلس ويتفقان أقام زيد أم قعد وما كان نحو هذا مما لا يجوز في الكلام ولا روي عن أحد لأن التقدير الذي قدروه منطبق على هذا. وقالت طائفة أخرى (سواء) ههنا مبتدأ والجملة الاستفهامية في موضع الخبر وإنما قالوا هذا وإن كان سواء نكرة لأن الجملة لا تكون في موضع المبتدأ أبدا ولا في موضع الفاعل وأورد عليهم أن الجملة إذا وقعت خبرا فلا بد فيها من ضمير يعود على المبتدأ فأين الضمير العائد على سواء ههنا فأجابوا عن هذا بأن (سواء) وإن كان مبتدأ في اللفظ فهو في المعنى خبر لأن المعنى سواء عليهم الإنذار وعدمه. قالوا ولا يلزم أن يعود من المبتدأ ضمير على الخبر فلما كان سواء خبر في المعنى دون اللفظ روعي المعنى ونظير هذا قولهم ضربي زيدا قائما فإنه لم يعد على ضربي ضمير من الحال التي سدت مسد الخبر لأن معناه اضرب زيدا أو ضربت زيدا والفعل لا يعود عليه ضمير فكذلك ما هو في معناه وقوته ونظيره أيضا أقائم أخوك لأن أخوك وإن سد مسد الخبر فإنه فاعل في المعنى وقائم معناه معنى الفعل الرافع للفاعل فروعيت هذه المعاني في هذه(3\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "542",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6757",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المواضع وهجر فيه جانب اللفظ إلى جانب المعنى وبقي حكم الابتداء مقتضيا للرفع لفظا والمبتدأ متضمن لمعنى يخالف معنى الابتداء فحكم لذلك المعنى فلم يعد على اللفظ ضمير وحكم للفظ المبتدأ بحكم الابتداء فارتفع. فهذا قول هذه الطائفة الأخرى واعترض عليه بعد الاعتراف بحسنه وقوته بأن العرب لم تنطق بمثل هذا في سواء حتى قرنته بالضمير المجرور ب على نحو سواء عليكم وسواء عليهم وسواء علي فإن طردوا ما أصلوه في سواء سواء قرن بـ (على) أم لم يقرن فليس كذلك وإن خصوه بالمقرون بـ (على) فلم يبينوا سر اختصاصه بذلك. وقالت طائفة ثالثة منهم السهيلي وهذا لفظه quot;لما كانت العرب لا تقول سيان أقمت أم قعدت ولا مثلان ولا شبيهان ولا يقولون ذلك إلا في سواء مع المجرور بـ (على) وجب البحث عن السر في ذلك وعن مقصد القوم في هذا الكلام وعن المساواة بين أي شيء هي وفي أي الصفات هي من الاسمين الموصوفين بالتساوى فوجدنا معنى الكلام ومقصوده إنما هو تساوي عدم المبالاة بقيام أو قعود أو إنذار أو ترك إنذار ولو أرادوا المساواة في صفة موجودة في الذات لقالوا سواء الإقامة والشخوص كما يقولون سواء زيد وعمرو وسيان ومثلان يعنى استواءهما في صفة ذاتيهما فإذا أردت أن تسوى بين أمرين في عدم المبالاة وترك الالتفات لهما وأنهما قد هانا عليك وخفا عليك قلت: سواء علي أفعل أم لم يفعل كما تقول: لا أبالي أفعل أم لم يفعل لأن المبالاة فعل من أفعال القلب وأفعال القلب تلغي إذا وقعت بعدها الجمل المستفهم عنها أو المؤكد باللام تقول: لا أدري أقام زيد أم قعد وقد وقعت بعدها ليقومن زيد ولكن لا تلغى هذه الأفعال القلبية حتى يذكر فاعلها في اللفظ أو في المعنى فتكون حينئذ في موضع المفعول بالعلمquot; ثم قال:(3\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "543",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6758",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: فإذا ثبت هذا فسواء مبتدأ في اللفظ و (على وعليكم أو عليهم) مجرور في اللفظ وهو فاعل في المعنى المضمون من مقصود الكلام إذ قولك سواء علي في معنى لا أبالي وفي أبالي فاعل وذلك الضمير الفاعل هو المجرور ب على في المعنى لان الأمرين إنما استويا عليك في عدم المبالاة فإن لم تبال بهما لم تلتفت بقلبك إليهما وإذا لم تلتفت فكأنك قلت: لا أدري أقمت أم قعدت فلما صارت الجملة الاستفهامية في معنى المفعول لفعل من أفعال القلب لم يلزم أن يكون فيها ضمير يعود على ما قبلها إذ لبس قبلها في الحقيقة إلا معنى فعل يعمل فيها من المفعول ضمير على عاملة ولولا قولك: (علي وعليكم) ما قوى ذلك المعنى ولا عمل في الجملة ولكن لما تعلق الجارية صار في حكم المنطوق به وصار المجرور هو الفاعل في المعنى كالفاعل في علمت ودريت وباليت ألا ترى كيف صار المجرور في قولهم: له صوت صوت غراب بمنزلة الفاعل في يصوت حتى كأنك نطقت بيصوت فنصب صوت غراب لذلك وإذا قلت: عليه نوح الحمام رفعت نوح الحمام لأن الضمير المخفوض بعلى ليس هو الفاعل الذي ينوح كما كان في قولك: له صوت صوت غراب وكذلك المجرور في سواء عليهم هو الفاعل الذي في قولك: لا يبالون ولا يلتفتون إذ المساواة إنما هي في عدم المبالاة والالتفات والمتكلم لا يريد غير هذا فصار الفاعل مذكورا والمبالاة مفعوله مقصوده فوقعت الجملة الاستفهامية مفعولا لهاquot;. قال: quot;ونظير هذه المسألة حذو القذة بالقذه قوله تعالى: ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين فبدا فعل ماض فلا بد له من فاعل والجملة المؤكدة باللام لا تكون في موضع فاعل أبدا وإنما تكون في موضع المفعول بـ (علمت) وأن لم يكن في اللفظ علموا ففي اللفظ ما هو معناه لأن(3\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "544",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6759",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قولهم: بدا ظهر للقلب لا للعين وإذا ظهر الشيء للقلب فقد علم والمجرور من قوله: (لهم) هو الفاعل فلما حصل معنى العلم وفاعله مقدما على الجملة المؤكدة باللام صارت الجملة مفعولا لذلك العلم كما تقول: علمت ليقومن زيد ولام الابتداء وألف الاستفهام يكون قبلها أفعال القلب ملغاة فكذلك: سواء عليهم أأنذرتهم رفعت الجملة الاستفهامية في المعنى بعد فعل من أفعال القلب وبعد فاعله كما تقدم بيان ذلك حين قدرناه بقولك لا يبالون فالواو في يبالون هو الفاعل والضمير في عليهم هو الفاعل في المعنى إلا ترى كيف اختص ب على من بين حروف الجر لأن المعنى إذا كان يرجع إلى عدم المبالاة فقد هان عليك الأمران وصار أخف شيء على من لا يبالهما ويلتفت إليهما فتأمله تجد المعاني صحيحة والفوائد كثيرة مزدحمة تحت هذا اللفظ الوجيز فلذلك نبت عنه كثير من الأفهام حتى تناقضت عليهم الأصول التي أصلوها واضطربوا في الجواب عن الاعتراضات التي التزموها مع ما غاب عنهم من فوائد هذه الآيات وإعجازها وسمانه هذه الكلمات على إيجازهاquot; ثم قال: فصل: فإن قيل ما بال الاستفهام في هذه الجملة والكلام خبر محض قلنا الاستفهام مع أم يعطي معنى التسوية فإذا قلت أقام زيد أم قعد فقد سويت بينهما في علمك فهذا جواب فيه مقنع وأما التحقيق في الجواب فأن تقول ألف الاستفهام لم يخلع منها ما وضعت له ولا عزلت عنه وإنما معناه علمت أقام زيد أم قعد أي علمت ما كنت أقول فيه هذا القول واستفهم عنه بهذا اللفظ فحكيت الكلام كما كان كما كان ليعلم المخاطب ما كان مستفهما عنه معلوم كما تقول قام زيد فترفعه لأنه فاعل ثم تقول ما قام زيد فيبقى الكلام كما كان وتبقى الجملة محكية على لفظها لتدل على أنه ما كان خبرا متوهما عند المخاطب(3\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "545",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6760",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهو الذي نفي بحرف النفي. ولهذا نظائر يطول ذكرها فكذلك قوله: سواء عليهم أأنذرتهم لما لم يبالوا بالإنذار ولا نفعهم ولا دخل في قلوبهم منه شيء صار في حكم المستفهم عنه أكان أم لم يكن فلا تسمى الألف ألف التسوية كما فعل بعضهم ولكن ألف الاستفهام بالمعنى الذي وضعت له ولم يزل عنه مجيء أنذرتهم وأدعوتهم بلفظ الماضي. فإن قيل: فلم جاء بلفظ الماضي أعني أنذرتهم وكذلك: أدعوتموهم أم أنتم صامتون وأقام زيد أم قعد ولم يجيء بلفظ الحال ولا المستقبل فالجواب من وجهين: أحدهما: أن في الكلام معنى الشرط والشرط يقع بعد المستقبل بلفظ الماضي تقول إن قام زيد غذا قمت وههنا يتعذر ذلك المعنى كأنك قلت إن قام زيد أو قعد لم أباله ولا ينتفع القوم إن أنذرتهم أم لم تنذرهم فلذلك جاء بلفظ الماضي وقد قال الفارسي قولا غير هذا ولكنه قريب منه في اللفظ قال إن ألف الاستفهام تضارع إن التي للجزاء لأن الاستفهام واجب كما أن الشرط ليس بحاصل إذا عدم المشروط فهذه العبارة فاسدة من وجوه يطول ذكرها ولو رأي المعنى الذي قدمناه لكان أشبه على أنه عندي مدخول أيضا لأن معنى الشرط يطلب الاستقبال خاصة دون الحال والماضي وقوله: سواء عليكم أدعوتموهم و سواء عليهم أأنذرتهم لا تختص بالاستقبال بل المساواة في عدم المبالاة موجودة في كل حال بل هي أظهر في فعل الحال ولا يقع بعد حرف الشرط فعل حال بوجه. والتحقيق في الجواب أن تقول قد أصلنا في نتائج الفكر أصلا وهو أن الفعل لم يشتق من المصدر مضافا إلا ليدل على كون الاسم مخبرا عنه أعني الفاعل الذي كان المصدر مضافا إليه ولم تختلف أبنيته بعدما اشتق من المصدر إلا لاختلاف أحوال الحدث من مضي أو استقبال فإن كان قصد المتكلم أن لا يقيد الحدث بزمان دون زمان ولا بحال استقبال دون حال مضي بل يجعله مطلقا جاء بلفظ الماضي الذي لا زوائد فيه ليكون أخف على اللسان وأقرب إلى لفظ الحدث المشتق منه ألا ترى أنهم يقولون (لا أفعله ما لاح برق وما طار طائر) بلفظ الماضي خاصة لما أرادوا مدة مطلقة غير(3\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "546",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6761",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مقيدة وأنه لا يفعل هذا الشيء في مدة لوح البرق وطيران الطائر ونحو ذلك فلم يجاوزوا لفظ الماضي لأنهم لا يريدون استقبالا ولا حالا على الخصوص فإن قلت ولا يريدون أيضا ماضيا فكيف جاء بلفظ الماضي قلنا قد قرن معه لا أكلمه ولا أفعله فدل على أن قوله ما لاح برق لا يريد به لوحا قد انقضى وانقطع إنما يريد مقارنة الفعل المنفي للفعل الآخر في المدة على الإطلاق والدوام فليس في قوله ما لاح برق إلا معنى اللوح خاصة غير أنه ترك لفظ المصدر ليكون البرق مخبرا عنه كما تقدم فمتى أردت هذا ولم ترد تقييدا بزمان فلفظ الماضي أحق وأولى وكذلك قوله تعالى: سواء عليهم أأنذرتهم أضاف الإنذار إلى المخاطب المخبر عنه فاشتق من الإنذار الفعل ليدل على أن المخاطب فاعل الإنذار وترك الفعل بلفظ الماضي لأنه مطلق في الزمان كله وأن القوم لم يبالوا بهذا ولا هم في حال مبالاة فلم يكن لإدخال الزوائد الأربع معنى إذ ليس المراد تقييد الفعل بوقت ولا تخصيصه بحال فإن قلت لفظ الماضي يخصصه بالانقطاع قلت حدث حديثين امرأة وفيما قدمناه ما يغني عن الجواب مع ما في قوله: سواء عليهم أأنذرتهم من ثبوت هذه الصفة فيهم وحصولها في الحال وفي المآل فلا تقول سواء ثوباك أو غلاماك إذا كان الاستواء فيما مضى وهما الآن مختلفان فهذه القرينة تنفي الانقطاع الذي يتوهم في لفظ المضي كما كان لفظ الحال في قولك: لا أكلمه ما دامت السموات والأرض بنفي الانقطاع المتوهم في دام وإذا أنتفى الانقطاع وانتفت الزوائد الأربع بقي الحدث مطلقا غير مقيد في المسألتين جميعا فتأمل هذا تجده صحيحيا. فصل: الكلام على واو الثمانية: قولهم إن الواو تأتي للثمانية ليس عليه دليل مستقيم(3\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "547",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6762",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد ذكروا ذلك في مواضع فلنتكلم عليها واحدا واحدا: الموضع الأول: قوله تعالى: التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر فقيل الواو في والناهون واو الثمانية لمجيئها بعد استيفاء الأوصاف السبعة وذكروا في الآية وجوها آخر منها أن هذا من التفنن في الكلام أن يعطف بعضه ويترك عطف بعضه ومنها أن الصفات التي قبل هاتين الصفتين صفات لازمة متعلقة بالعامل وهاتان الصفتان متعديتان متعلقتان بالغير فقطعتا عما قبلهما بالعطف ومنها أن المراد التنبيه على أن الموصوفين بالصفات المتقدمة هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر وكل هذه الأجوبة غير سديدة وأحسن ما يقال فيها أن الصفات إذا ذكرت في مقام التعداد فتارة يتوسط بينها حرف العطف لتغايرها في نفسها وللإيذان بأن المراد ذكر كل صفة بمفردها وتارة لا يتوسطها العاطف لاتحاد موصوفها وتلازمها في نفسها وللإيذان بأنها في تلازمها كالصفة الواحدة وتارة يتوسط العاطف بين بعضها ويحذف مع بعض بحسب هذين المقامين فإذا كان المقام مقام تعداد الصفات من غير نظر إلى جمع أو انفراد حسن إسقاط حرف العطف وإن أريد الجمع بين الصفات أوالتنبيه على تغايرها حسن إدخال حرف العطف فمثال الأول: التائبون العابدون الحامدون وقوله: مسلمات مؤمنات قانتات تائبات ومثال الثاني قوله تعالى: هو الأول والآخر والظاهر والباطن وتأمل كيف اجتمع النوعان في قوله تعالى: حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول فأتي بالواو في الوصفين الأولين وحذفها في الوصفين الآخرين لأن غفران الذنب وقبول التوب قد يظن أنهما يجريان مجرى الوصف الواحد لتلازمهما فمن غفر الذنب قبل التوب فكان في عطف أحدهما على الآخر مايدل على أنهما صفتان وفعلان متغايران ومفهومان مختلفان لكل منهما حكمه: أحدهما: يتعلق(3\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "548",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6763",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالإساءة والإعراض وهو المغفرة والثاني: يتعلق بالإحسان والإقبال على الله تعالى والرجوع إليه وهو التوبة فتقبل هذه الحسنة وتغفر تلك السيئة وحسن العطف ههنا هذا التغاير الظاهر وكلما كان التغاير أبين كان العطف أحسن ولهذا جاء العطف في قوله: هو الأول والآخر والظاهر والباطن وترك في قوله: الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن وقوله: الخالق البارئ المصور وأما: شديد العقاب ذي الطول فترك العطف بينهما لنكته بديعة وهي الدلالة على اجتماع هذين الأمرين في ذاته سبحانه وأنه حال كونه شديد العقاب فهو ذو الطول وطوله لا ينافى شدة عقابه بل هما مجتمعان له بخلاف الأول والآخر فإن الأولية لا تجامع الآخرية ولهذا فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء فأوليته أزليته وآخريته أبديته فإن قلت فما تصنع بقوله والظاهر والباطن فإن ظهوره تعالى ثابت مع بطونه فيجتمع في حقه الظهور والبطون والنبي صلى الله عليه وسلم الظاهر بأنه الذي ليس فوقه شيء والباطن بأنه الذي ليس دونه شيء وهذا العلو والفوقية مجامع لهذا القرب والدنو والإحاطة قلت هذا سؤال حسن والذي حسن دخوله الواو ههنا أن هذه الصفات متقابلة متضادة وقد عطف الثاني منها على الأول للمقابلة التي بينهما والصفتان الآخريان كالأوليين في المقابلة ونسبة الباطن إلى الظاهر كنسبة الآخر إلى الأول فكما حسن العطف بين الأوليين حسن بين الآخريين فإذا عرف هذا فالآية التي نحن فيها يتضح بما ذكرناه معنى العطف وتركه فيها لأن كل صفة لم تعطف على ما قبلها فيها كان فيه تنبيه على أنها في اجتماعها كالوصف الواحد لموصوف واحد فلم يحتج إلى عطف فلما ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما متلازمان مستمدان من مادة واحدة حسن العطف ليتبين أن كل وصف منهما قائم على حدته مطلوب تعيينه لا يكتفي فيه بحصول الوصف الآخر بل لا بد أن يظهر أمره بالمعروف بصريحة ونهيه عن المنكر بصريحة وأيضا فحسن العطف ههنا ما تقدم من التضاد فلما كان(3\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "549",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6764",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضدين أحدهما طلب الإيجاد والآخر طلب الإعدام كانا كالنوعين المتغايرين المتضادين فحسن لذلك العطف. الموضع الثاني: قوله تعالى: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات إلى قوله تعالى: ثيبات وأبكارا فقيل هذه واو الثمانية لمجيئها بعد الوصف السابع وليس كذلك ودخول الواو ههنا متعين لأن الأوصاف التي قبلها المراد اجتماعها في النساء وأما وصفا البكارة والثيوبة فلا يمكن اجتماعهما فتعين العطف لأن المقصود أنه يزوجه بالنوعين الثيبات والأبكار. الموضع الثالث: قوله تعالى: سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قيل المراد إدخال الواو ههنا لأجل الثمانية وهذا يحتمل أمرين: أحدهما: هذا والثاني: أن يكون دخول الواو ههنا إيذانا بتمام كلامهم عند قولهم سبعة ثم ابتدأ قوله وثامنهم كلبهم وذلك يتضمن تقرير قولهم سبعة كما إذا قال لك زيد فقيه فقلت ونحوي وهذا اختيار السهيلي وقد تقدم الكلام عليه وأن هذا إنما يتم إذا كان قوله وثامنهم كلبهم ليس داخلا في المحكي بالقول والظاهر خلافه والله أعلم. الموضع الرابع: قوله تعالى: وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها فأتى بالواو لما كانت أبواب الجنة ثمانية وقال في النار حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها لما كانت سبعة وهذا في غاية البعد ولا دلالة في اللفظ على الثمانية حتى تدخل الواو لأجلها بل هذا من باب حذف الجواب لنكتة بديعة وهي أن تفتيح أبواب النار كان حال موافاة أهلها ففتحت في وجوههم لأنه أبلغ في مفاجأة المكروه وأما الجنة فلما كانت ذات الكرامة وهي مأدبة الله وكان الكريم إذا دعا أضيافه إلى داره شرع لهم أبوابها ثم استدعاهم إليها مفتحة الأبواب أتى بالواو العاطفة ههنا الدالة على أنها جاءوها بعدما فتحت أبوابها وحذف الجواب تفخيما لشأنه وتعظيما لقدرة كعادتهم في حذف الأجوبة وقد(3\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "550",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6765",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أشبعنا الكلام على هذا فيما تقدم والله أعلم فصل: اتصال لولا بضمير متصل مذهب سيبويه أن لولا إذا اتصل بها الضمير المتصل نحو لولا هـ ولولاك كان مجرورا وخالفه الأخفش وقال الأخفش والكوفيون هذه الضمائر مما وقع المضمر المتصل موقع المنفصل كما وقع المنفصل موقع المتصل في قولهم ما أنا كأنت ولا أنت كأنا وقد وقع المتصل موقع المنفصل في قوله: وما نبالي إذا ما كنت جارتنا ... أن لا يجاورنا إلاك ديار وقال المبرد: quot;بقول الكوفيين فأما حجة سيبويه فهي الاستعمال قال الشاعر: وكم موطن لولاي طحت كما هوى ... بإجرامه من قلة النيق منهوي قال الآخر: لولاك هذا العام لم أحجج ... وقال آخر: لولاك لم يعرض لأحسابنا حسن ... واحتج سيبويه على أن الضمير هنا مجرور بأن هذه الضمائر التي هي الهاء والكاف والياء إما أن تكون ضمائر نصب أو ضمائر جر ومحال أن تكون ضمائر رفع ولا يجوز أن تكون ضمائر نصب لأن الحروف إذا اتصل بها ياء المتكلم وكانت في موضع نصب اتصل بها نون الوقاية نحو (إني وأنني وكأني وكأنني) فإن أدى ذلك إلى اجتماع مثلين جاز حذف نون الوقاية فيقال إني وكأني ولكني فلو كانت الياء ضمير نصب لقالوا لولاني كما قالوا ليتني ولم يأت ذلك فتعين أن تكون ضمير جر فإذا ثبت هذا في الياء فكذلك في الكاف والهاء وأما الكوفيين فاحتجوا بأن الظاهر لا يقع بعد هذه الحروف إلا مرفوعا فكذلك المضمر وقد وجد ذلك في المنفصل فيكون المتصل كذلك ولكن هذه الضمائر المتصلة وقعت موقع الضمائر المنفصلة كما يقع المنفصل موقع المتصل فهما يتعاقبان(3\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "551",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6766",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويتعاوضان فقالوا ما أنا كأنت فأوقعوا الرفع موقع ضمير الجر فلذلك قالوا لولاك فأوقعوا ضمير الجر موقع ضمير الرفع فالتغيير وقع في الصيغة لا في الإعراب قالوا وقد ثبت أن لولا لا تعمل في الظاهر فكيف تعمل في المضمر. وأجاب البصريون عن هذا بأن الأصل أن الضمائر لا يقع بعضها موقع بعض إلا للضرورة في الشعر وبأنه يستلزم مخالفة الأصل من وجهين: أحدهما: إيقاع المتصل موقع المنفصل. والثاني: إيقاع المجرور موقع المرفوع وهذا تغيير مرتين فالتغيير في لولا بكونها حرف جر في هذا الموضع أسهل قالوا وأما عملها في المضمر خاصة فليس بمستنكر عمل العامل في بعض الأسماء دون بعض فهذه لدن لا تعمل إلا في غدوة وحدها فإذا كان العامل يعمل في بعض الظاهرات دون بعض وهي جنس واحد فلأن يعمل في المضمر دون الظاهر وهما جنسان أولى وقد رد بعض النحاة هذا الاستعمال جملة وقال هو لحن واختلف على المبرد فقيل إن هذا مذهبه وقيل إن مذهبه قول الكوفيين والله أعلم. فصل: اختلف في المستثنى من أي شيء هو مخرج فذهب الكسائي إلى أنه مخرج من المستثنى منه وهو المحكوم عليه فقط فإذا قلت جاء القوم إلا زيدا فزيدا مخرج من القوم فكأنك أخبرت عن القوم الذين ليس فيهم زيد بالمجيء وأما هو فلم تخبر عنه بشيء بل سلبت الإخبار عنه لا أنك أخبرت عنه بسلب المجيء والفرق بين الأمرين واضح وعلى قوله فالإسناد وقع بعد الآخراج وذهب الفراء إلى أنه مخرج من الحكم نفسه وذهب الأكثرون إلى أنه مخرج منهما معا فله اعتباران أحدهما: كونه مستثنى وبهذا الاعتبار هو مخرج من الاسم المستثنى منه(3\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "552",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6767",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثاني: كونه محكوما عليه بضد حكم المستثنى منه وبهذا الاعتبار هو مخرج من حكمه والتحقيق في ذلك أنه مخرج من الاسم المقيد بالحكم فهو مخرج من اسم مقيد لا مطلق الاحتجاج لكل مذهب ونذكر هنا ما احتج به لهذه المذاهب وما تعقب به على الاحتجاج احتج الكسائي بقوله تعالى: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبي ووجه الاستدلال أن الاستثناء لو كان مخرجا من الحكم لكان قوله: (أبى) تكرار لأنه قد علم بالاستثناء وأجيب عن هذا بأنه تأكيد واعترض على هذا الجواب بأن المعاني المستفادة من الحروف لا تؤكد فلا يقال ما قام زيد نفيا وهل قام عمرو استفهاما ولكن قام زيد استدراكا ونحوه لأن الحرف وضع على الاختصار ولهذا عدل عن الفعل إليه فتأكيده بالفعل ينافي المقصود بوضعه. والتحقيق في الجواب أن (أبى) أفاد معنى زائدا وهو إن عدم سجوده أستند إلى إبائه وهو أمر وجودي اتصف به نشأ عنه الذنب فلم يكن ترك سجوده لعجز ولا لسهو ولا لغفلة بل كان إباء واستكبارا ومعلوم أن هذا لا يفهم من مجرد الاستثناء وإنما المفهوم منه عدم سجوده وأما الحامل على عدم السجود فلا يدل الاستثناء عليه فصرح بذكره ونظير هذا الاحتجاج والاعتراض والتقدير سواء قوله تعالى: ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين فإن نفي كونه من الساجدين أخص من نفي السجود عنه لأن نفي الكون يقتضي نفي الأهلية والاستعداد فهو أبلغ في الذم من أن يقال لم يسجد ثم الذي يدل على بطلان هذا المذهب وجوه منها أنه لو كان ما بعد إلا سكوتا عن حكمه لم يكن قولنا لا إله إلاالله توحيدا واللازم باطل فالملزوم مثله والمقدمتان ظاهرتان. ومنها: أن الاستثناء المنقطع لا يتصور الآخراج فيه من الاسم لعدم دخوله فيه فكذلك المتصل. ومنها: أنه لو كان الآخراج من الاسم وحده لما صح الاستثناء من مضمون الجملة كقولك زيد أخوك إلا أنه ناء عنك وعمرو صديقك إلا أنه يواد عدوك ونحو هذا. ومنها أنه لا يوجد في كلام العرب قام القوم إلا زيدا فإنه قام ولو كان الآخراج من الاسم وحده والمستثنى مسكوت عنه لجاز إثبات القيام له كما جاز(3\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "553",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6768",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفيه عنه فإن السكوت عن حكمه لا يفيد نفي القيام عنه ولا إثباته فلا يكون واحد منهما مناقضا للاسئثناء. وإذا تبين بطلان المذهبين صح مذهب مخرج من الحكم لا من الاسم وكذلك الباب كله وما أجيب عن ذلك بأن المستثنى داخل مع الاسم المحكوم عليه تقديرا إذ يقدر الأول شاملا بوجه ليصح الاستثناء ولمن نصر قول الكسائي أيضا أن يجيب بهذا الجواب. وإذا تبين بطلان المذهبين صح مذهب الجمهور أن الآخراج من الاسم والحكم معا فالاسم المستثنى مخرج من المستثنى منه وحكمه مخرج من حكمه وأن الممتنع إخراج الاسم المستثنى من المستثنى منه مع دخوله تحته في الحكم فإنه لا يعقل الآخراج حينئذ البتة فإنه لو شاركه في حكمه لدخل معه في الحكم والاسم جميعا فكان استثناؤه غير معقول ولا يقال إن معنى الاستثناء أن المتكلم تارك للإخبار عنه بنفي أو إثبات مع احتمال كل واحد منهما لأنا نقول هذا باطل من وجوه عديدة منها أنك إذا قلت ما قام إلا زيد وما ضربت إلا عمرا وما مررت إلا بزيد ونحوه من الاستثناءات المفرغات لم يشك أحد في أنك أثبت هذه الأحكام لما بعد إلا كما أنك سلبتها عن غيره بل إثباتها للمستثني أقوى من سلبها عن غيره ويلزم من قال إن حكم المستثنى مسكوت عنه أن لا يفهم من هذا إثبات القيام والضرب والمرور لزيد وهو باطل قطعا ومنها أنه لو كان مسكوتا عنه لم يدخل الرجل في الإسلام بقوله: (لا إله إلا الله) لأنه على هذا التقدير الباطل لم يثبت الإلهية لله وهذه أعظم كلمة تضمنت بالوضع نفي الإلهية عما سوى الله وإثباتها له بوصف الاختصاص فدلالتها على الإثبات أعظم من دلالة قولنا: (الله إله) ولا يستريب أحد في هذا البتة. ومنها أنه لو ادعى عليه بمائة درهم فقال له عندي مائة إلا ثلاثة دراهم فإنه ناف لثبوت المستثنى في ذمته ولو كان ساكتا عنه لكان قد أقر بالبعض ونكل عن الجواب عن البعض وهذا لم يقله عاقل ولو كان حكم المستثنى السكوت لكان هذا ناكلا. ومنها أن المفهوم من هذا عند أهل التخاطب نفي الحكم عن(3\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "554",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6769",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المستثنى وإثباته للمستثنى منه ولا فرق عندهم بين فهم هذا النفي وذلك الإثبات البتة وذلك جرى عندهم مجرى فهم الأمر والنهي النفي والاستفهام وسائر معاني الكلام فلا يفهم سامع من قول الله عز وجل: فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما أنه أخبر عن تسع مائة عام وخمسين عاما وسكت عن خمسين فلم يخبر عنها بشيء ولا يفهم أحد قط إلا أن الخمسين لم يلبثها فيهم وكذلك قوله تعالى: قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين لا يفهم منها إلا أن المخلصين لا يتمكن من إغوائهم وكذلك سائر الاستثناءات. ومنها أن القائل إذا قال قام القوم إلا زيدا لم يكن كلامه صدقا إلا بقيامهم وعدم قيام زيد ولهذا من أراد تكذيبه قال له كذبت بل قام زيد ولو كان زيد مسكوتا عنه لم يكن هذا تكذيبا له والعقلاء قاطبة يعدونه تكذيبا ويعدون خبره كاذبا حيث يعدون الإخبار بخلاف ما الشيء عليه كذبا. إذ عرف هذا فبه ينحل الإشكال الذي أورده بعض المتأخرين على الاستثناء وقال: الاستثناء مشكل التعقل قال لأنك إذا قلت جاء القوم إلا زيدا فإما أن يكون زيد داخلا في القوم أم لا فإن كان غير داخل لم يستقم الاستثناء لأنه إخراج وإخراج ما لم يدخل غير معقول وإن كان داخلا فيهم لم يستقم إخراجه للتناقض لأنك تحكم عليه بحكمين متناقضين. ولهذه الشبهة قال القاضي وموافقوه: إن عشرة إلا ثلاثة مرادف لسبعة فهما اسمان ركبا مع الحرف وجعلا بإزاء هذا العدد فإن أراد القاضي أن المفهوم منهما واحد فصحيح وإن أراد التركيب النحوى فباطل. والجواب عن هذا الإشكال أنه لا يحكم بالنسب إلا بعد كمال ذكر المفردات فالإسناد إنما وقع بعد الآخراج فالقائل إذا قال قام القوم إلا زيد افها هنا خمسة أمور: أحدها: القيام بمفردة. الثاني: القوم بمفردهم. الثالث: زيد بمفرده. الرابع: النسبة بين المفردين. الخامس: الأداة الدالة على سلب النسبة عن زيد فزيد دخل في القوم على تقدير عدم الإسناد وخرج منهم على تقدير الإسناد ثم أسند بعد إخراجه فدخوله وخروجه باعتبارين غير متنافيين فإنه دخل باعتبار الإفراد وخرج باعتبار النسبة(3\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "555",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6770",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهو من القوم غير محكوم عليهم وليس من القوم المقيدين بالحكم عليهم هذا إيضاح هذا الإشكال وحله والله الموفق. فصل: المستثني إذا جعل تابعا لما قبله فمذهب البصريين أنه بدل وقد نص عليه سيبويه ومذهب الكوفيين أنه عطف. فأما القول بالبدل فعليه إشكالان: أحدهما: أنه لو كان بدلا لكان بدل بعض إذ يمتنع أن يكون بدل كل من كل وبدل البعض لا بد فيه من ضمير يعود على المبدل منه نحو قبضت المال نصفه. الثاني: أن حكم البدل حكم المبدل منه لأنه تابع يشارك متبوعه في حكمه وحكم المستثنى ههنا مخالف لحكم المستثى منه فكيف يكون بدلا. وأجيب عن الأول بأن (إلا) وما بعدها من تمام الكلام الأول و (إلا) قرينة مفهمة أن الثاني قد كان تناوله الأول فمعلوم أنه بعض الأول فلا يحتاج فيه إلى رابط بخلاف قبضت المال نصفه وأجيب عنه أيضا بأن البدل في الاستثناء قسم على حدته ليس من تلك الأبدال التي تبينت في غير الاستثناء وأجيب عنه أيضا بأن البدل في الاستثناء إنما المراعى فيه وقوعه مكان المبدل منه فإذا قلت ما قام أحد إلا زيد ف إلا زيد هو البدل وهو الذي يقع موقع أحد فليس زيد وحده بدلا من أحد فإلا زيد هو الأحد الذي نفيت عنه القيام فقولك إلا زيد هو بيان ألأحد الذي عنيت وعلى هذا فالبدل في الاستثناء أشبه ببدل الشيء من الشيء من بدل البعض من الكل. وأما الإشكال الثاني فقال السيرافي مجيبا عنه: هو بدل منه في عمل العامل فيه وتخافهما بالنفي والإيجاب لا يمنع البدلية لأن مذهب البدلية أن يجعل الأول كأنه لم يذكر والثاني في موضعه وتتخالف الصفة والموصوف نفيا وإثباتا نحو مررت برجل لا كريم ولا(3\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "556",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6771",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لبيب. ومعنى هذا الجواب أنه إنما يشترط في البدل أن يحل محل الأول في العامل خاصة وأما أن يكون حكمهما واحدا فلا وأما القول الكوفي أنه عطف فإنهم جعلوا إلا من حروف العطف في هذا الباب خاصة والحامل لهم على ذلك وجود المخالفة المذكورة قال ثعلب: quot;كيف يكون بدلا وهو موجب ومتبوعة منفي والعطف توجد فيه المخالفة في المعنى كالمعطوف بـ (بل ولكن) وهذا ممكن خال من التكلف ولا يقال إنه يستلزم الاشتراك في الحروف وهو مذهب ضعيف لأنا نقول ليس هذا من الاشتراك في الحروف فإن (إلا) للإخراج على بابها وإنما سموا هذا النوع من الآخراج عطفا على نحو تسميتةم الآخراج بـ (بل ولكن) عطفا والاشتراك المردود قول من يقول إن (إلا) تكون بمعنى الواو لكن قد رد قولهم بالعطف بأن (إلا) لو كانت عاطفة لم تباشر العامل في نحو ما قام إلا زيد لأن حروف العطف لا تلي العوامل ويجاب عن هذا بأن (إلا) التي باشرت العامل ليست هي العاطفة فليس ههنا عطف ولا بدل البتة وإنما الكلام فيما إذا كان ما بعد (إلا) تابعا لما قبلهاquot; قال ابن مالك: quot;ولمقوي العطف أن يقول تخالف الصفة والموصوف كلا تخالف لأن نفي الصفتين إثبات لضديهما فإذا قلت مررت برجل لا كريم ولا شجاع فكأنك قلت بخيل جبان وليس كذلك تخالف المستثني والمستثنى منه فإن جعل زيد بدلا من أحد إذا قيل ما فيها أحد إلا زيد يلزم منه عدم النظير إذ لا يدل في غير محل النزاع إلا وتعلق العامل به مساو لتعلقه بالمبدل منه والأمر فيما قام أحد إلا زيد بخلاف ذلك فيضعف كونه بدلا إذ ليس في الأبدال ما يشبهه وإن جعل معطوفا لم يلزم من ذلك مخالف المعطوفات بل يكون نظير المعطوف بـ (لا وبل ولكن) فكان جعله معطوفا أولى من جعله بدلاquot;. قلت ويقوى العطف أيضا أنك تقول: لا أحد في الدار إلا عبد الله فعبد الله لا يصح أن يكون بدلا من أحد فإنه لا يحل محله فإن قيل هذا جائز على توهم ما فيها أحد إلا عبد الله إذ المعنى واحد فأمكن أن يحل أحدهما محل الآخر قيل هذا كاسمه وهم والحقائق(3\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "557",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6772",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا تبني على الأوهام وأجاب ابن عصفور عن هذا بأن قال: quot;لا يلزم أن يحل عبد الله محل أحد الواقع بعد (لا) لأن المبدل إنما يلزم أن يكون على نية تكرار العامل وقد حصل ذلك كله في هذه المسألة وأمثالها ألا ترى أن عبد الله بدل من موضع لا أحد فيلزم أن يكون العامل فيه الابتداء كما أن العامل في موضع لا أحد الابتداء وبلا شك أنك إذا أبدلته منه كان مبتدأ في التقدير وخبره محذوف وكذلك حرف النفي لدلالة ما قبله عليه والتقدير لا أحد فيها إلا عبد الله ثم حذف واختصرquot;. وهذا الجواب غير قوي إذ لو كان الأمر كما زعم لصح البدل مع الإيجاب نحو قام القوم إلا زيد لصحة تقدير العامل في الثاني وهم قد منعوا ذلك وعللوه بعدم صحة حلول الثاني محل الأول فدل على أنه مشترط. فصل: قوله تعالى: قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله . قال الزمخشري: quot;هو استثناء منقطع جاء على لغة تميم لأن الله تعالى وإن صح الإخبار عنه بأنه في السماوات والأرض فإنما ذلك على المجاز لأنه مقدس عن الكون في المكان بخلاف غيره فإن الإخبار عنه أنه في السماء أو في الأرض ليس بمجاز وإنما هو حقيقة ولا يصح حمل اللفظ في حال واحد على الحقيقة والمجازquot;. قلت: وقوله على لغة تميم يريد أن من لغتهم أن الاستثناء المنقطع يجوز إتباعه كالمتصل إن صح الاستثناء به عن المستثنى به وقد صح ههنا إذ يصح أن يقال لا يعلم الغيب إلا الله. قال ابن مالك: quot;والصحيح عندي أن الاستثناء في الآية متصل و (في) متعلقة بفعل غير استقر من الأفعال المنسوبة حقيقة إلى الله تعالى وإلى المخلوقين كذكر ويذكر ونحوه كأنه قيل: لا يعلم من يذكر في السموات والأرض الغيب إلا الله تعالىquot; قال: quot;ويجوز تعليق (في) باستقر مستند إلى مضاف حذف وأقيم المضاف إليه مقامه والأصل لا يعلم من(3\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "558",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6773",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "استقر ذكره في السماوات والأرض الغيب إلا الله ثم حذف الفعل والمضاف واستتر المضمر لكونه مرفوعا وهذا على تسليم امتناع إرادة الحقيقة والمجاز في حال واحد وليس عندي ممتنعا لقولهم القلم أحد اللسانين والخال أحد الأبوين وقوله تعالى: إن الله وملائكته يصلون على النبي وقوله صلى الله عليه وسلم: quot;الأيدي ثلاثة يد الله ويد المعطى ويد السائلquot; تم كلامه. فهذا كلام هذين الفاضلين في هذه الآية وأنت ترى ما فيه من التكلف الظاهر الذي لا حاجة بالآية إليه بل الأمر فيها أوضح من ذلك الصواب في الاستثناء في هذه الآية والصواب أن الاستثناء متصل وليس في الآية استعمال اللفظ في حقيقة ومجازة لأن من في السموات والأرض ههنا أبلغ صيغ العموم وليس المراد بها معينا فهي في قوة أحد المنفي بقولك: لا يعلم أحد الغيب إلا الله وأتى في هذا بذكر السموات والأرض أحد المنفي بقولك: لا يعلم أحد الغيب إلا الله وأتى في هذا بذكر السموات والأرض تحقيقا لإرادة العموم والإحاطة فالكلام مؤد معنى لا يعلم أحد الغيب إلا الله وإنما نشأ الوهم في ظنهم أن الظرف ههنا للتخصيص والتقييد وليس كذلك بل لتحقيق الاستغراق والإحاطة فهو نظير الصفة في قوله تعالى: ولا طائر يطير بجناحيه فإنها ليست للتخصيص والتقييد بل لتحقيق الطيران المدلول عليه بطائر فكذلك قوله: من في السماوات والأرض لتحقيق الاستغراق المقصود بالنفي ومن تأمل الآية علم أنه لم يقصد بها إلا ذلك وقد قيل أنه لا يمتنع أن يطلق عليه تعالى أنه في السموات كما أطلقه على نفسه وأطلق عليه رسوله قالوا ولا يلزم أن يكون هذا الإطلاق مجاز بل له منه الحقيقة التي تليق بجلاله ولا يشابهه فيها شيء من مخلوقاته وهذا كما يطلق عليه أنه سميع بصير عليم قدير حي مريد حقيقة ويطلق ذلك على خلقه حقيقة والحقيقة المختصة به لا تماثل الحقيقة التي لخلقه فتناول الإطلاق بطريق الحقيقة لهما لا يستلزم تماثلهما حتى يفر منه إلى المجاز. وأما قوله: quot;إن الظرف متعلق بفعل غير استقر من الأفعال المنسوبة إلى الله وإلى المخلوقين حقيقة كذكر ويذكرquot; إلى آخره فيقال: حذف عامل الظرف لا يجوز إلا إذا كان كونا عاما أو استقرارا(3\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "559",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6774",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عاما فإذا كان استقرار أو كونا خاصا مقيدا لم يجز حذفه وعلى هذا جاء مصرحا به في قوله تعالى فلما رآه مستقرا عنده لأن المراد به الاستقرار الذي هو الثبات واللزوم لا مطلق الحصول عنده فكيف يسوغ حذف عامل الظرف في موضع ليس بمعهود حذفه فيه وأبعد من هذا التقدير ما ذكره في التقدير الثاني أن عامل الظرف استقرار مضاف إلى ذكر محذوف استغنى به عن المضاف إليه والتقدير استقر ذكره فإن هذا لا نظير له وهو حذف لا دليل عليه والمضاف يجوز أن يستغنى به عن المضاف إليه بشرطين أن يكون مذكورا وأن يكون معلوم الوضع مدلولا عليه لئلا يلزم اللبس. وأما ادعاء أضافه شيء محذوف إلى شيء محذوف ثم يضاف المضاف إليه إلى شيء آخر محذوف من غير دلالة في اللفظ عليه فهذا مما يصان عنه الكلام الفصيح فضلا عن كلام رب العالمين. وأما قوله على أنه لا يمتنع إرادة الحقيقة والمجاز معا واستدلاله على ذلك بقولهم القلم أحد اللسانين فلا حاجة فيه لأن اللسانين اسم مثنى فهو قائم مقام النطق بإسمين أريد بأحدهما الحقيقة وبالآخر المجاز وكذلك الخال أحد الأبوين وكذلك الأيدي ثلاثة. وأما قوله تعالى: إن الله وملائكته يصلون على النبي فالاستدلال به أبعد من هذا كله فإن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم الله وملائكته حقيقة بلا ريب والحقيقة المضافة إلى الله من ذلك لا تماثل الحقيقة المضافة إلى الملائكة كما إذا قيل الله ورسوله والمؤمنون يعلمون أن القرآن كلام الله لم يجز أن يقال إن هذا استعمال اللفظ في حقيقتة ومجازه وإن كان العلم المضاف إلى الله غير مماثل للعلم المضاف إلى الرسول والمؤمنين فتأمل هذه النكت البديعة ولله الحمد والمنة. فصل: الاستثناء المنقطع المعروف عند النحاة أن الاستثناء المنقطع هو أن لا يكون المستثنى داخلا في المستثنى منه(3\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "560",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6775",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبروا عنه بأن لا يكون المستثنى من جنس المستثنى منه وهذا يحتمل شيئين: أحدهما: أن يكون المستثنى فردا من أفراد المستثنى منه. الثاني: أن لا يكون داخلا في ماهيته ومسماه فنحو جاء القوم إلا فرسا منقطع اتفاقا وجاءوا إلا زيدا متصل ورأيت زيدا إلا وجهه منقطع على الاعتبار الأول لأن الوجه ليس فردا من أفراد المستثنى منه ولكن لا أعلم أحدا من النحاة يقول ذلك ويلزم من ذلك أن يكون استثناء كل جزء من كل منقطعا ونحو قوله تعالى: لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى منقطع على التفسير الأول لعدم دخول الموتة الأولى في المستثنى منه متصل على التفسير الثاني لأنها من جنس الموت في الجملة وفي الاستثناء المنقطع عبارة أخرى وهي أن يكون منقطعا مما قبله إما في العمل إما في تناوله له فالمنقطع تناولا جاء القوم إلا حمارا والمنقطع عملا نحو قوله تعالى: لست عليهم بمصيطر إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر فهذا استثناء منقطع بجملة كذا قاله ابن خروف وغيره وجعلوا من مبتدأ ويعذبه خبره ودخلت الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط وجعل الفراء من هذا قوله تعالى: فشربوا منه إلا قليلا منهم على قراءة الرفع وقدره إلا قليل منهم لم يشربوا وقواه ابن خروف واستحسنه ومن هذا قولهم: quot;ما للشياطين من سلاح أبلغ في الصالحين من النساء إلا المتزوجون أولئك المطهرون المبرؤون من الخناءquot; وقيل إن من هذا قوله تعالى: فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم في قراءة الرفع ويكون امرأتك مبتدأ وخبره ما بعده وهذا التوجيه أولى من أن يجعل الاستثناء في قراءة من نصب من قوله: فأسر بأهلك وفي قراءة من رفع من قوله: ولا يلتفت منكم أحد ويكون الاستثناء على هذا من فأسر بأهلك رفعا ونصبا وإنما قلنا إنه أولى لأن المعنى عليه فإن الله تعالى أمره أن يسري بأهله إلا امرأته ولو كان الاستثناء من الالتفات لكان قد نهي المسري بهم عن الالتفات وأذن(3\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "561",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6776",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيه لامرأته وهذا ممتنع لوجهين: أحدهما: أنه لم يأمره أن يسرى بامرأته ولا دخلت في أهله الذين وعد بنجاتهم. والثاني أنه لم يكلفهم بعدم الالتفات ويأذن فيه للمرأة إذا عرف هذا فاختلف النحاة هل من شرط الاستثناء المنقطع تقدير دخوله في المستثني منه بوجه أو ليس ذلك بشرط فكثير من النحاة لم يشترطوا فيه ذلك وشرطه آخرون. قال ابن السراج: quot;إذا كان الاستثناء منقطعا فلا بد من أن يكون الكلام الذي قبل (إلا) قد دل على ما يستثنى فعلى الأول لا يحتاج إلى تقدير وعلى الثاني فلا بد من تقدير الرد ولنذكر لذلك أمثله: المثال الأول: قوله تعالى: ما لهم به من علم إلا اتباع الظن فمن لم يشترط التقدير أجراه مجرى المفرغ والمعنى ما عندهم أو ما لهم إلا اتباع الظن وليس اتباع الظن متعلقا بالعلم أصلا ومن اشترط التقدير قال المعنى ما لهم من شعور إلا اتباع الظن والظن وإن لم يدخل في العلم تحقيقا فهو داخل فيه تقدير إذ هو مستحضر بذكره وقائم مقامه في كثير من المواضع فكان في اللفظ إشعاره به صح به دخوله وإخراجه وهذا بعد تقريره فيه ما فيه فإن المستثنى هو اتباع الظن لا الظن نفسه فهو غير داخل في المستثنى منه تحقيقا ولا تقديرا فالأحسن فيه عندي أن يكون التقدير ما لهم به من علم فيتبعونه ويلقون به إن يتبعون إلا الظن فليس اتباع الظن مستثنى من العلم وإنما هو مستثنى من المقصود بالعلم والمراد به هو اتباعه فتأمله هذا على تقدير اشتراط التناول لفظا أو تقديرا وأما إذا لم يشترط وهو الأظهر فتكون فائدة الاستثناء ههنا كفائدة الاستدراك ويكون الكلام قد تضمن نفي العلم عنهم وإثبات ضده لهم وهو الظن الذي لا يغني من العلم شيئا ومثله قوله تعالى وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ليس المراد به نفي الحكم الجازم وإثبات الحكم الراجح بل المراد نفي العلم وإثبات ضده وهو الشك الذي لا يغنى عن صاحبه شيئا والمذكور من الأمثلة يزيد هذا وضوحا المثال الثاني قوله تعالى: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من(3\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "562",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6777",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اتبعك من الغاوين فهذا استثناء منقطع لأن اتباعه الغاوين لم يدخلوا في عبادة المضافين إليه وإن دخلوا في مطلق العباد فإن الإضافة فيها معنى التخصيص والتشريف كما لم تدخل الخانات والحمامات في بيوت الله قال تعالى: وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا إلى آخر الآيات وقال: عينا يشرب بها عباد الله فعباده المضافون إليه هم الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون قال تعالى: إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون وقال تعالى: يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ومن هذا قوله تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا فعباده ههنا الذين يغفر ذنوبهم جميعا هم المؤمنون التائبون والانقطاع في هذا قول ابن خروف وهو الصواب وقال الزمخشري: quot;هو متصل وجعل لفظ العباد عاماquot; وقد عرفت غلطه وعلي تقدير الانقطاع فإن لم يقدر دخوله في الأول فظاهر وإن قدرنا دخوله فقالوا تقديره إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ولا على غيرهم إلا من اتبعك من الغاوين ولا يخفى التكلف الظاهر عليه بل الأحسن أن يقال لما ذكر العباد وأضافهم إليه والأضافه يحتمل أن تكون إلى ربوبيته العامة فتكون أضافه ملك وأن تكون إلى الهيئة فتكون أضافه اختصاص ومحبة والغاووين داخلون في العباد عند التعميم والإطلاق لقوله تعالى: إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا فالأول متناول له بوجه فصح إخراجه. المثال الثالث: قوله تعالى: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم على أصح الوجوه في الآية فإنه تعالى لما ذكر العاصم استدعى معصوما مفهوما من السياق فكأنه قيل لا معصوم اليوم من أمره إلا من رحمة فإنه لما قال لا عاصم اليوم من أمره الله بقى الذهن طالبا للمعصوم فكأنه قيل فمن الذي يعصم فأجيب بأنه لا يعصم إلا من رحمة الله ودل هذا الفظ باختصاره وجلالته وفصاحته علي نفي كل عاصم سواه وعلى نفي كل معصوم سوى من رحمة الله فدل الاستثناء على أمرين على(3\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "563",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6778",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعصوم من هو وعلى العاصم وهو ذو الرحمة وهذا من أبلغ الكلام وأفصحه وأوجزه ولا يلتفت إلى ما قيل في الآية بعد ذلك وقد قالوا فيها ثلاثة أقوال آخر: أحدها: أن عاصما بمعنى معصوم كماء دافق وعيشة راضية والمعنى لا معصوم إلا من رحمة الله وهذا فاسد لأن كل واحد من اسم الفاعل واسم المفعول موضوع لمعناه الخاص به فلا يشاركه فيه الآخر وليس الماء الدافق بمنى المدفوق بل هو فاعل على بابه كما يقال ماء جار فدافق كجار فما الموجب للتكليف البارد وأما عيشة راضية فهي عند سيبويه على النسب كتامر ولابن أي ذات رضي وعند غيره كنهار صائم وليل قائم على المبالغة. والقول الثاني: أن من رحم فاعل لا مفعول والمعنى لا يعصم اليوم من أمر الله إلا الراحم فهو استثناء فاعل من فاعل وهذا وإن كان أقل تكلفا فهو أيضا ضعيف جدا وجزالة الكلام وبلاغته تأباه بأول نظر. والقول الثالث إن في الكلام مضافا محذوفا قام المضاف إليه مقامه والتقدير لا معصوم عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحمة الله وهذا من أنكر الأقوال وأشدها منافاة للفصاحة والبلاغة ولو صرح به لكان مستغثا. المثال الربع: قوله تعالى: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف فهذا من الاستثناء السابق زمان المستثنى فيه زمان المستثنى منه فهو غير داخل فيه فمن لم يشترط الدخول فلا يقدر شيئا ومن قال لا بد من دخوله قدر دخوله في مضمون الجملة الطلبية بالنهي لأن مضمون قوله تعالى: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم الإثم والمؤاخذة أي أن الناكح ما نكح أبوه آثم مؤاخذ إلا ما قد سلف قبل النهي وإقامة الحجة فإنه لا تتعلق به المؤاخذة وأحسن من هذا عندي أن يقال لما نهي سبحانه عن نكاح منكوحات الآباء أفاد ذلك أن وطأهن بعد التحريم لا يكون نكاحا البتة بل لا يكون إلا سفاحا فلا يترتب عليه أحكام النكاح من ثبوت الفراش ولحوق النسب بل الولد فيه يكون ولد زنية وليس هذا حكم ما سلف قبل التحريم فإن الفراش كان ثابتا فيه والنسب لاحق فأفادا الاستثناء فائدة جليلة عظيمة وهي أن ولد من(3\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "564",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6779",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نكح ما نكح أبوه قبل التحريم ثابت النسب وليس ولد زنا والله أعلم. المثال الخامس: قوله تعالى: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ومعلوم أن التقاة ليست بموالاة ولكن لما نهاهم عن موالاة الكفار اقتضي ذلك معاداتهم والبراءة منهم ومجهرتهم بالعدوان في كل حال إلا إذا خافوا من شرهم فأباح لهم التقية وليست التقية موالاة لهم والدخول ههنا ظاهر فهو إخراج من متوهم غير مراد. المثال السادس: قوله تعالى: لست عليهم بمصيطر إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر فهذا من المنقطع لا بالاعتبار الذي ذكره ابن خروف من كون المستثنى جملة مستقلة بل باعتبار آخر وهو أنه ليس المراد إثبات السيطرة على الكفار فإن الله سبحانه بعثه نذيرا مبلغا لرسالات ربه فمن أطاعة فله الجنة ومن عصاه فله النار قال تعالى: فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ وقال تعالى: قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل قال المفسرون: المعنى أنك لم ترسل مسلطا عليهم قاهرا لهم جبارا كالملوك بل أنت عبدي ورسولي المبلغ رسالاتي فمن أطاعك فله الجنة ومن عصاك فله النار ويوضح هذا أن المخاطبين بهذا الخطاب هم الكفار فلا يصح أن يكونوا هم المستثنين. المثال السابع: قوله تعالى: لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما وهذا فيه نفي لسماع اللغو والتأثيم وإثبات لضده وهو السلام المنافي لهما فالمقصود به نفي شيء وإثبات ضده وعلى هذا فلا حاجة إلى تكلف دخوله تحت المستثنى منه لأنه يتضمن زوال هذه الفائدة من الكلام ومن رده إلى الأول قال لما نفي عنهم سماع اللغو والتأثيم وهما مما يقال فكأن النفس تشوفت إلى أنه هل يسمع فيها شيء غيره فقال: إلا قيلا سلاما سلاما فعاد المعنى إلى لا يسمعون فيها شيئا إلا قيلا سلاما سلاما وأنت إذا تأملت هذين التقديرين رأيت الأول أصوب(3\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "565",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6780",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنه نفى سماع شيء وأثبت ضده وعلى الثاني نفى سماع كل شيء إلا السلام وليس المعنى عليه فإنهم يسمعون السلام وغيره فتأمله. المثال الثامن: قوله تعالى: لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى فهذا من الاستثناء السابق زمانه زمان المستثنى منه ولما كانت الموته الأولى من جنس الموت المنفى زعم بعضهم أنه متصل. وقال بعضهم: (إلا) بمعنى بعد والمعنى لا يذوقون بعد الموتة الأولى موتا في الجنة وهذا معنى حسن جدا يفتقر إلى مساعدة اللفظ عليه ويوضحه أنه ليس المراد إخراج الموته الأولى من الموت المنفي ولا ثم شيء متوهم يحتاج لأجله إلى الاستثناء وإنما المراد الإخبار بأنهم بعد موتتهم الأولى التي كتبها الله عليهم لا يذوقون غيرها وعلى هذا فيقال لما كان ما بعد إلا حكمه مخالف لحكم ما قبلها والحياة الدائمة في الجنة إنما تكون بعد الموته الأولى كانت أداة إلا مفهمة هذه البعدية وقد أمن اللبس لعدم دخولها في الموت المنفى في الجنة فتجردت لهذا المعنى فهذا من أحسن ما يقال في الآية فتأمله. المثال التاسع: قوله تعالى: لابثين فيها أحقابا لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا فهذا على عدم تقدير التناول يكون فيه نفي الشيء وإثبات ضده وهو أظهر وعلى تقدير التناول لما نفي ذوق البرد والشراب فربما توهم أنهم لا يذوقون غيرهما فقال إلا حميما وغساقا فيكون الاستثناء من عام مقدر. المثال العاشر: قوله تعالى: إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فعلى تقدير عدم الدخول نفى الخوف عن المرسلين وأثبته لمن ظلم ثم تاب وعلى تقدير الدخول يكون المعنى ولا غيرهم إلا من ظلم. وأما قول بعض الناس: إن (إلا) بمعنى الواو والمعنى: ولا من ظلم فخبط منه فإن هذا يرفع الأمان عن اللغة ويوقع اللبس في الخطاب والواو وإلا متنافيتان فإحداهما تثبت للثاني نظير حكم الأول والآخرى تنفى عن الثاني ذلك فدعوى تعاقبتهما دعوى باطلة لغة وعرفا والقاعدة أن الحروف لا ينوب بعضها عن بعض خوفا من اللبس وذهاب المعنى الذي قصد بالحرف وإنما يضمن ويشرب معنى فعل آخر يقتضي ذلك الحرف فيكون ذكر(3\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "566",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6781",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفعل مع الحرف الذي يقتضيه غيره قائما مقام الذكر الفعلين وهذا من بديع اللغة وكمالها ولو قدر تعاقب الحروف ونيابة بعضها عن بعض فإنما يكون ذلك إذا كان المعنى مكشوفا واللبس مأمونا فيكون من باب التفنن في الخطاب والتوسع فيه فإما أن يدعى ذلك من غير قرينة في اللفظ فلا يصح وسنشبع الكلام على هذا في فصل مفرد إن شاء الله تعالى والذي حملهم على دعوى ذلك أنهم لما رأوا الخوف منتفيا عن المذكور بعد إلا ظنوا أنها بمعنى الواو لكون المعنى عليه وغلطوا في ذلك فإن الخوف ثابت له حال ظلمه وحال تبديله الحسن بعد السوء أما حال ظلمه فظاهر وأما حال التبديل فلأنه يخاف أنه لم يقم بالواجب وأنه لم يقبل منه ما أتى به كما في الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت quot;قلت: يا رسول الله والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة هو الرجل يزني ويسرق ويخاف قال: يا بنت الصديق هو الرجل يصوم ويصلي ويخاف أن لا يقبل منهquot; فمن ظلم ثم تاب فهو أولى بالخوف وإن لم يكن خوف عليه. وقد يجيء الانقطاع في هذا الاستثناء من وجه آخر وهو أن ما بعد إلا جملة مستقلة بنفسها فهي منقطعة مما قبلها انقطاع الجمل بعضها عن بعض فسمى منقطعا بهذا الاعتبار كما تقدم نظيره والله أعلم. المثال الحادي عشر: قوله تعالى: بل الذين كفروا يكذبون والله أعلم بما يوعون فبشرهم بعذاب أليم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون فهذا يبعد تقدير دخوله فيما تقدم قبله جدا وإنما هو إخبار عن مال الفريقين فلما بشر الكافرين بالعذاب بشر المؤمنين بالأجر غير الممنون فهذا من باب المثاني الذي يذكر فيه الشيء وضده كقوله تعالى: إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم فليس هناك مقدر يخرج منه هذا المستثنى والله أعلم. المثال الثاني عشر: قوله تعالى: وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فمن آمن ليس داخلا في الأموال والأولاد ولكنه من الكلام المحمول على المعنى لأنه تعالى أخبر أن أموال العباد وأولادهم لا تقربهم إليه وذلك يتضمن أن أربابها ليسوا(3\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "567",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6782",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هم من المقربين إليه فاستثنى منهم من آمن وعمل صالحا أي لا قريب عنده إلا من آمن وعمل صالحا سواء كان له مال وولد أو لم يكن له والانقطاع فيه أظهر فإنه تعالى نفى قرب الناس إليه بأموالهم وأولادهم وأثبت قربهم عنده بإيمانهم وعملهم الصالح فتقدير لكن ههنا أظهر من تقدير الاتصال في هذا الاستثناء وإذا تأملت الكلام العربي رأيت كثيرا منه واردا على المعنى لوضوحه فلو ورد على قياس اللفظ مع وضوح المعنى لكان عيا وبهذه القاعدة تزول عنك إشكالات كثيرة ولا تحتاج إلى تكلف التقديرات التي إنما عدل عنها المتكلم لما في ذكرها من التكلف فقدر المتكلفون لنطقه ما فر منه وألزموه بما رغب عنه وهذا كثير في تقديرات النحاة التي لا تخطر ببال المتكلم أصلا ولا تقع في تراكيب الفصحاء ولو سمعوها لاستهجنوها وسنعقد إن شاء الله تعالى فصلا مستقلا. المثال الثالث عشر: قوله تعالى: لن يضروكم إلا أذى وتقدير الدخول في هذا أظهر إذ المعنى لن ينالوا منكم إلا أذى وأما الضرر فإنهم لن ينالوه منكم وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا فنفى لحوق ضرر كيدهم بهم مع أنهم لا يسلمون من أذى يلحقهم بكيدهم ولو أنه بالإرهاب والكلام وإلجائهم إلى محاربتهم وما ينالهم بها من الأذى والتعب ولكن ليس ذلك بضارهم ففرق بين الأذى والضرر. المثال الرابع عشر: قوله تعالى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم المشهور ظلم مبنى للمفعول وعلى هذا ففي الاستثناء قولان: أحدهما: أنه منقطع أي لكن من ظلم فإنه إذا شكا ظالمه وجهر بظلمه له لم يكن آثما وتقدير الدخول في الأول على هذا القول ظاهر فإن مضمون لا يحب كذا أنه يبغضه ويبغض فاعلة إلا من ظلم فإن جهره وشكايته لظالمه حلال له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم: quot;الواجد يحل عرضه وعقوبتهquot; فعرضه شكاية صاحب الحق له وقوله: ظلمني ومطلني ومنعني حقي وعقوبته ضرب الإمام له حتى يؤدي ما عليه في أصح القولين في مذهب أحمد وهو مذهب مالك وقيل هو حبسه وقيل هو استثناء متصل والجهر(3\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "568",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6783",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالسوء هو جهره بالدعاء أن يكشف الله عنه ويأخذ له حقه أو يشكوا ذلك إلى الإمام ليأخذ له بحق وعلى هذا التقدير فيجوز فيه الرفع بدلا من احد المدلول عليه بالجهر أي لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء إلا المظلوم ويجوز فيه النصب بدلا من الجهر والمعنى إلا جهر من ظلم وقرىء من ظلم بالفتح وعلى هذه القراءة فمنقطع ليس إلا أي لكن الظالم يجهر بالسوء من القول. المثال الخامس عشر: قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم فهذا استثناء منقطع تضمن نفي الأكل بالباطل وإباحة الأكل بالتجارة الحق ومن قدر دخوله في الأول قدر مستثنى منه عاما أي لا تأكلوا أموالكم بينكم بسبب من الأسباب إلا أن تكون تجارة أو يقدر بالباطل ولا بغيره إلا بالتجارة ولا يخفي التكلف على هذا التقدير بل هو فاسد إذا المراد بالنهي الأكل بالباطل وحده وقرىء برفع التجارة ونصبها فالرفع على التمام والنصب على أنها خبر كان الناقصة وفي اسمها على هذا وجهان: أحدهما: التقدير إلا أن يكون سبب الأكل أو المعاملة تجارة والثاني: إلا أن تكون أموال الناس تجارة. المثال السادس عشر: قوله تعالى: والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم وهذا من أشكل مواضع الاستثناء لأن مملوكته إذا كانت محصنة إحصان التزويج فهي حرام عليه والإحصان ههنا إحصان التزويج بلا ريب إذ لا يصح أن يراد به إحصان العفة ولا إحصان الحرية ولا إحصان الإسلام فهو إحصان التزويج قطعا فكيف يستثنى من المحرمات به لمملوكه فقال كثير من الناس الاستثناء ههنا منقطع والمعنى لكن ما ملكت أيمانكم فهن لكم حلال ورد هذا بأنه استثناء من موجب والانقطاع إنما يقع حيث يقع التفريغ ورد هذا الرد بأن الانقطاع يقع في الموجب وغيره قال تعالى: فبشرهم بعذاب أليم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات . وقالت طائفة: الاستثناء على بابه متصل و ما ملكت أيمانكم مستثنى من المزوجات ثم اختلفوا: فقالت طائفة من الصحابة منهم ابن(3\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "569",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6784",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عباس وغيره وبعض التابعين: أنه إذا زوج أمته ثم باعها كان بيعها طلاقا وتحل للسيد لأنها ملك يمينه واحتج لهم بالآية. ورد هذا المذهب بأمور: أحدها: أنه لو كان صحيحا لكان وطؤها حلالا لسيدها إذا زوجها لأنها ملك يمينه فكما اجتمع ملك سيدها لها وحلها للزوج فكذلك يجتمع ملك مشتريها لها وحلها للزوج وتناول اللفظ لهما واحد ما دامت مزوجة وينتقل إلى المشتري ما كان يملكه فملكها المشترى مسلوبة منفعة البضع. الثاني: أن المشتري خليفة البائع فانتقل إليه بعقد الشراء ما كان يملكه بائعها وهو كان يملك رقبتها مسلوبة منفعة البضع فإذا فارقها زوجها رجع إليه البضع كما كان يرجع إلى بائعها كذلك فهذا محض الفقه والقياس. الثالث: أنه قد ثبت في الصحيحين quot;أن عائشة رضي الله عنها اشترت بريرة وكانت مزوجة فعتقتها وخيرها النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلمquot; رواه البخاري ولو بطل النكاح بالشراء لم يخبرها وهذا مما أخذا الأئمة الأربعة وغيرهم فيه برواية ابن عباس وتركوا رأيه فإنه راوي الحديث وهو ممن يقول بيع الأمة طلاقها. وقالت طائفة أخرى: الآية مختصة بالسبايا قال أبو سعيد الخدري: quot;نزلت في سبايا أوطاسquot; قالوا: فأباح الله تعالى للمسلمين وطء ما ملكوه من السبي وإن كن محصنات. ثم اختلف هؤلاء متى يباح وطء المسبيه فقال الشافعي وأبو الخطاب وغيرهما: يباح وطؤها إذا تم استبراؤها سواء كان زوجها موجودا أو مفقودا واحتجوا بثلاث حجج: إحداها: أن الله سبحانه أباح وطء المسبيات بملك اليمين مستثنيا لهن من المحصنات الثانية ما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري quot;أن رسول الله حين بعث جيشا إلى أوطاس فلقي عدوا فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا فكأن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين فأنزل الله عز وجل في ذلك: والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم quot; أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن وفي الترمذي عن أبي سعيد: quot;أصبنا سبايا يوم أو طاس لهن أزواج في قومهن فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت:(3\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "570",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6785",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم وهذا صريح في إباحتهن في وإن كن ذوات أزواج وفي الترمذي ومسند أحمد من حديث العرباض بن سارية quot; أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهنquot; فهذا التحريم إلى غاية وهي وضع الحمل فلا بد أن يحصل الحل بعد الغاية ولو كان وجود أزواجهن مانعا من الوطء لكان له غايتان: إحداهما: عدم الزوج والثاني: وضع الحمل وهو خلاف ظاهر الحديث. قالوا: ولأن ملك الكافر الحربي البضع لم يبق له حرمة ولا عصمة إذ قد ملك المسلمون عليه ما كان يملكه فملكوا رقبة زوجته فكيف يقال ببقاء العصمة في ملك البضع لا سيما والمسلمون يستحقون ملك رقبته وأولاده وسائر أملاكه فما بال ملك البضع وحده باقيا على العصمة فهذا لا نص ولا قياس ولا معنى قالوا فقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم وطء السبايا بعد انقضاء عدتهن مطلقا ولو كان بقاء الزوج مانعا لم يأذن في وطئهن إلا بعد العلم بموته وهذا المذهب كما تراه قوة وصحة. وقال أصحابنا القاضي وغيره: quot;إنما يباح وطؤها إذا سبيت وحدها فلو سبيت مع زوجها فهما على نكاحهما ولا يباح وطؤها قالوا لأنها إذا سبيت وحدها فبقاء الزوج مجهول والمجهول كالمعدوم فنزلت منزلة من لا زوج لها فحل وطؤها ولا كذلك إذا كان زوجها معهاquot; ثم أوردوا على أنفسهم سؤالا وهو إذا سبيت وحدها وعلم بقاء زوجها في دار الحرب وهذا سؤال لا محيد لهم عنه ولا ينجيهم منه إلا قولهم بالحل وإن علم بقاء الزوج استنادا إلى زوال عصمة النكاح بالسبي فإنهم إذا أجابوا بالتزام التحريم خالفوا النصوص خلافا بينا وإن أجابوا بالحل مع تحقيق بقاء الزوج نقضوا أصلهم حيث أسندوا الحل إلى كون المسبية خالية من الزوج تنزيلا للمجهول منزلة المعدوم فقول أبي الخطاب أفقه وأصح وعليه تنزل الآية والأحاديث ويظهر به أن الاستثناء متصل وأن الله تعالى أباح من المحصنات من سباها المسلمون فإن قيل فعلى ما قررتموه يزول الإحصان بالسبي فلا تدخل في المحصنات فيجيء الانقطاع في الاستثناء قيل: لما كانت محصنة قبل(3\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "571",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6786",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السبي صح شمول الاسم لها فأخرجت الاستثناء. فإن قيل فما تقولون في الأمة المزوجة إذا بيعت محصنة قد ملكت نفسها فهل هي مخصوصة من هذا العموم أو غير داخلة فيه قيل: ههنا مسلكان للناس: أحدهما: أنها خصت من العموم بالأدلة على أن البيع لا يفسخ النكاح وأن الفرج لا يكون حلالا لشخصين في قت واحد. المسلك الثاني: أنها لم تدخل في المستثنى منه لأن السيد إذا زوجها فقد أخرج منفعة البضع عن ملكه فإذا باعها فقد أنتقل إلى المشتري ما كان للبائع فملكها المشتري مسلوبه منفعة البضع فلم تدخل هذه المنفعة في ملكه بعقد البيع فلم تتناولها الآية وهذا المسلك ألطف وأدق من الأول والله أعلم. فوائد شتى منقولة من خط القاضي أبي يعلي رحمه الله تعالى. فائدة: الجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء إسماعيل بن سعيد عن أحمد لا يجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء ويصلي صلاة الناس ليس فيها تكبير مثل تكبير العيدين وعند محمد بن الحكم والكوسج والمرزوي يجهر بالقراءة فيها لحديث عبد الله بن زياد قال أبو حفص: quot;يحتمل أن هذا القول هو المتأخر لأنه قد قيل إن إسماعيل بن سعيد سماعه قديمquot;.(3\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "572",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6787",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: صلاة الخوف ركعة قال أحمد: quot;لا تعجبني صلاة الخوف ركعة لما روى أبو عياش الزرقي عن النبي صلى الله عليه وسلم quot;أنه صلى بعسفان ويوم بنى سليمquot; وكذلك روى جابر رواه مسلم وابن عباس رواه البخاري وابن أبي خيثمة رواه البخاري في ذات الرقاع وكذلك أبو هريرة في عام نجد quot;أنه صلى ركعتينquot; وكذا روت عائشة وابن عمرو وأبو موسى رواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي. فائدة: الصلاة وقت الغارة ابن لحيان عن أحمد في القوم إذا أرادوا الغارة فخشوا أن يتبادرهم العدو يصلون على دوابهم أو يؤخرون الصلاة إلى طلوع الشمس قال: quot;أي ذلك شاءوا فعلواquot; والحجة فيه تأخير النبي صلى الله عليه وسلم أربع صلوات يوم الخندق وعنه أبو طالب إن كانوا منهزمين يصلون ركبانا يومئون ولا يؤخرون الصلاة على ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية نزلت بعدما صلى النبي صلى الله عليه وسلم والحجة قوله تعالى: فإن خفتم فرجالا أو ركبانا . فائدة: نقل محمد بن الحكم عن أحمد بن حنبل في رجل صلى ركعتين من فرض(3\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "573",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6788",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم أقيمت الصلاة قال: quot;إن شاء دخل مع الإمام فإذا صلى معه ركعتين سلم وأعجب إلى أن يقطع الصلاة ويدخل مع الإمامquot; قال القاضي: quot;وظاهر هذا الدخول من غير تحريمه غير انه اختار القطع والدخول بتحريمهquot;. فائدة: أبو طالب سألت أحمد عن الرجل يدخل المسجد يظن أنهم قد صلوا فيصلي ركعتين فتقام الصلاة قال: quot;قد اختلفوا فيها: بعضهم قال: يمضي لا يدخل فرض في فرض وبعضهم قال: يسلمquot; قلت: ما تقول قال: ما يبالي كيف قلت: يسلم ويدخل معه قال: نعمquot;. قال القاضي: quot;وظاهره هذا أنه منع من الدخول لأنه قال: quot;يستأنفquot; فإذا قلنا: لا يدخل معه فهل يمضي في صلاته أو يقطع على روايتين: محمد بن الحكم عنه quot;إن شاء دخل معه وأعجب إلي أن يقطعquot; أبو طالب: quot;يسلم ويدخل معهquot; والثانية: quot;يمضيquot; فعنه أبو الحارث. وقد سئل عن رجل دخل في مسجد فافتتح صلاة مكتوبة وهو يرى أن قد صلوا فلما صلى ركعة أو ركعتين أقيمت الصلاة قال: quot;يتم الصلاة التي افتتحها ثم إن شاء صلى مع القوم وإن شاء لم يدخل معهمquot; قال أبو حفص: quot;وكذلك نقول فيمن افتتح تطوعا ثم أقيمت الصلاة أنه لا يقطعها ولكن يتمها ووجهه قول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;تحليلها التسليم quot; فوجب أن لا يخرج منها بغير التسليم الذي بعد التمامquot; ابن مسعود: quot;من دخل في صلاة فلا يقطع حتى يفرغquot; ووجه الأخرى وأنه يخرج منها أن صلاة الجماعة واجبة فإن قلنا يمضي في صلاته ففرغ ثم أدرك الجماعة في المسجد فهل يدخل معهم أو يكون مخيرا في الدخول والانصراف(3\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "574",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6789",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على روايتين: إحداهما: يخير وهو المنصوص في رواية أبي الحارث والآخرى: يجب أن يصلي معهم إذا حضر في مسجد أهله يصلون وهو الأكثر في مذهبه وبه وردت السنة فإن أحرم بتطوع ثم أقيمت الصلاة فهل يقطعها ويدخل في الجماعة أو يتمها على روايتين ولا فرق بين ركعتي الفجر وغيرها كاختلاف قوليه فيمن انفرد بصلاة فريضة ثم أقيمت الصلاة فإن دخل في تطوع ثم ذكر أن عليه فريضة فعنه يعجبني أن ينصرف عن شفع ثم يقضي الفريضة قال أبو حفص: ويخرج عنه في هذه المسألة رواية أخرى كما ذكرنا فيمن دخل في تطوع ثم أقيمت الصلاة ووجهه قوله صلى الله عليه وسلم: quot;إذا ذكرها quot;. فائدة: إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة قال أبو الحارث: quot;سئل أحمد عن العشاء إذا وضع وأقيمت الصلاة قال: quot;قد جاءت أحاديث وكان القوم في مجاعة فأما اليوم فلو قام رجوتquot; وقال في روايةجماعة: quot;يبدأ بالطعامquot;. فإن قلنا يبدأ بالطعام فهل يتناول منه شيئا أويتم عشاءه حنبل عنه: quot;إذا كان الرجل قد أكل من طعامه لقمة أو نحو ذلك فلا بأس أن يقوم إلى الصلاة فيصلى ثم يرجع إلى العشاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعي إلى الصلاة وقد كان يجتز من كتف الشاة فألقى السكين وقامquot; رواه البخاري أحمد بن الحسين: quot;سألت أحمد إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة قال: أبدا بالعشاء قلت: أنال منه شيئا ثم أخرج إلى الصلاة قال: لا بل تعش قلت: أخاف أن تفوتني الصلاة جماعة قال: إن الرجل إذا تناول منه شيئا ثم تركه فكان في نفسه شغل من ترك الطعام إذا لم ينل منه حاجته قلت: فيأتي على ما يريد من الطعام ثم يصلي قال: نعم وإن خاف أن تفوته الصلاة ما دام في وقت حرب قلت لأحمد: الرجل يصلي بحضرة الطعام قال: إن كان قد أكل بعضه فأقيمت(3\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "575",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6790",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصلاة فإنه يتم أكله وإن كان لم يأكل فأحب إلي أن يصليquot; قال القاضي: quot;وظاهر هذا الفرق بين أن يكون ابتدأ فيستوفي طعامه وبين أن لا يبتدىء فيؤخرهquot;. فائدة: هل يجوز للجماعة أن يقوموا قبل رؤية الإمام إذا أقيمت الصلاة والإمام غير حاضر مثل أن يكون لم يخرج من بيته بعد أو هو المؤذن وهو في المنارة فعلى روايتين: روى جماعة لا يقوموا حتى يروه للحديث وروى الأثرم وغيره أنه جائز للمأمومين أن يقوموا قبل أن يروا الإمام لحديث أبي هريرة: quot;أقيمت الصلاة وصف الناس صفوفهم وخرج النبي صلى الله عليه وسلم مقامه ثم أومأ إليهم بيده أن مكانكمquot; راه البخاري ولم ينكر عليهم فدل على جوازه وروى جعفر بن محمد والمروزي وغيرهما عنه quot;أنه وسع العمل بالحديثين جميعا فإن شاءوا قاموا قبل أن يروه وإن شاءوا لم يقوموا حتى يروه. فائدة: أنتظار الإمام للمؤذن قال أحمد في رواية أبي طالب: quot;إن أنتظر الإمام المؤذن فلا بأس قد فعل ذلك عمر وإن لم ينتظره فلا بأس ووجهه قول بلال للنبي صلى الله عليه وسلم: quot;لا تسبقني بآمينquot; فدل على أنه لم ينتظره.(3\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "576",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6791",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: عبد الله والكوسج قالا: quot;كان أبو عبد الله أحمد بن حنبل يضع نعليه بين يديه ولا يجعلهما بين رجليهquot; يعنى في الصلاة إماما كان أو غير إمام قال عبد الله بن أحمد: quot;كان أبي يصلي الفريضة والتطوع ونعلة بين يديهquot; ونقل حنبل وأحمد بن علي يجعلهما عن يساره. وجه الأولى أنه لا يؤذي بهما أحدا وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في الحديث. ووجه الثانية أنه يوم الفتح بمكة فوضع نعليه عن يساره صحيح فائدة: الوقوف وراء الإمام. قال في رواية على بن سعيد في الرجل الجاهل يقوم خلف الإمام فيجيء من هو أعلم بالسنة منه فيؤخره أو يدفعه ويقوم في مقامه لا أرى ذلك فذكر له حديث قيس بن عباد حين أخره أبي بن كعب رضي الله عنهما فقال: quot;إنما كان غلاماquot; قال القاضي: quot;إنما لم يجز تأخيره لأنه كبير قد سبق إلى ذلك الموضعquot; وأجاب أحمد عن حديث أبي بأن قيسا كان غلاما. قلت: وقد يؤخذ من كلام أحمد جواز تأخير الصبي وصلاة الرجل مكانه وقد قال أحمد في رواية الميموني: quot;يلي الإمام الشيوخ وأصحاب القرآن ويؤخر الغلام والصبيانquot; وقال في رواية أبي طالب في الصف يكون طويلا فيكون في آخره صبي فيجيء رجل فيقوم خلف الصبي quot;لا بأس هو متصل بالصفquot; قال بعض أصحابنا: quot;وهذا يدل على أنه إذا كان في الصف خلل مقام(3\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "577",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6792",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجل لا يبطل الموقف لأن الصبي لا يضاف الرجل وقد حكم باتصاله بالصف فإن كان قد امتلأ الصف وفيه صبي فجاء رجل فللرجل إذا جاء أن يؤخره ويقوم مقامه لأنه أولى بالتقدمةquot;. فائدة: قال المروزي: quot;كان أبو عبد الله يقوم خلف الإمام فجاء يوما وقد تجافي الناس أن يصلي أحد في ذلك الموضع فاعتزل وقام في طرف الصف وقال: قد نهي أن يتخذ الرجل مصلاه مثل مربض البعيرquot;. فائدة: الجاهل يصلي برجل فيجعله عن يساره قال أحمد في رواية ابن عبد الله: quot;لو أن رجلا جاهلا صلى برجل فجعله عن يساره كان مخالفا للسنة ورد إليها وجازت صلاته وقال في رواية جعفر بن محمد في الرجل يقيم الصلاة وليس معه إلا غلام لا يؤمه في الفريضة وإنما quot;أم النبي صلى الله عليه وسلم عباس في تطوع صلاة الليلquot; رواه البخاري ومسلم وأبو داود. وكذلك حديث أنس إنما هو تطوع رواه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود وروى هذه أيضا عنه حرب وابن سندي قال بعض أصحابنا: quot;وجه ذلك أنه لا يصح أن يكون إماما في هذه الصلاة فلم تنعقد به كالمرأة والعبد في صلاة الجمعة ولا يلزم أنه إذا صلى بامرأة أن تنعقد الجماعة لأنها تصح أن تكون إمامة فيها في حق النساء.(3\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "578",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6793",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: علة منع البالغ من مصاففة الصبي اختلف أصحابنا في علة منع البالغ من مصاففة الصبي فقال أبو حفص: quot;يخشي أن لا يكون متطهراquot; يعنى فيصير البالغ فذا وقال غيره: quot;لما لم يجز أن يؤمه لم يجز أن يصافه كالمرأة وعكسه صلاة النافلة لما جاز أن يؤمه جاز أن يصافهquot; وإذا ثبت ذلك فالإمام مخير بأن يقف في وسطهما الرجل عن يمينه والصبي عن يساره وبين أن يقفا جميعا عن يمينه إن كانت الصلاة فرضا وإن كانت نافلة جاز أن يقفا خلفه نص عليه فقال: quot;إذا كان رجل وغلام لم يدرك في صلاة الفريضة فيقوم الرجل وسطهم بينهما كما فعل ابن مسعود في الفريضة قيل له حديث أنس quot;أمنا رسول الله قال ذلك في التطوعquot; قال أبو حفص: quot;واحتج أبو عبد الله في أن الرجل يقف على يمين الإمام والغلام عن يساره بما رواه حدثنا يعقوب ثنا أبي عن محمد بن إسحاق حدثني عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: quot;دخلت أنا وعمي علقمة على عبد الله بن مسعود بالهاجرةquot; قال: quot;فأقام لصلاة الظهر فقمنا خلفه فأخذ بيدي وبيد عمي ثم جعل أحدنا عن يمينه والآخر عن يساره ثم قام بيننا فصففنا صفا واحداquot; ثم قال: quot;هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع إذا كانوا ثلاثةquot; وحجته في التطوع أنهما يقفان خلف الإمام ما رواه أحمد ثنا عبد الرزاق عن مالك أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس فذكر الحديث وفيه فقمت أنا واليتيم وراءة قال أبو حفص على أن حديث أنس لم يقطع به أبو عبد الله قال في رواية عبد الله: quot;كان قلبي لا يجسر على حديث إسحاقquot; لأن حديث موسى يعنى خلافه ليس فيه ذكر لليتيم إنما فيه أن أنسا قام عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم قال أحمد ثنا حجاج ابن محمد قال شعبة قال سمعت عبد الله بن المختار عن موسى ابن أنس(3\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "579",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6794",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يحدث عن أنس quot;أنه كان هو ورسول الله وأمه وخالته خلفهماquot; قال شعبة وكان عبد الله بن المختار أشب مني. فائدة: صفوف الجماعة وترتيبها الأفضل إذا كانا رجلين أن يصليا خلفه نص عليه لحديث جابر وجبار فأما ما ذهب إليه ابن مسعود إذا كانوا ثلاثة يقوم وسطهم فإن أبا عبد الله قال: quot;لم يبلغ عبد الله هذه الأخبارquot; وقد سهل أبو عبد الله في ذلك قال: quot;وأرجوا أن يكون الإمام في الثلاثة واسعا وأحب إلى أن يتقدم كما فعل عمرquot; وروى عنه المروزي في الرجل يجيء والإمام في التشهد وإلى لزقه رجل هل يقوم معه أو يجذبه قال: quot;أعجب إلى أن يتقدم الإمام ويجذب الرجلquot; قال أبو حفص: quot;قوله يتقدم الإمام ليقل تأخر المأموم ويقرب الإمام من السترةquot; وقد أجاز جذب الرجل ليصح مقامه معه خلف الإمام وأكثر الروايات عنه أنه كره أن يجذب رجلا لأنه يؤخره عن موقفه فإن اختار هو ذلك وقال في رواية أبي طالب: quot;إذا صلى الإمام مع رجل وجلس وجاء رجل فليجلس عن يساره حتى يقوم لأن تأخير الجالس يثقلquot; وكون المأموم عن يسار الإمام إذا كان عن يمينه رجل موسع. فائدة: صلاة المأمومين على علو اختلف قول أحمد في صلاة المأمومين على علو فنقل عنه صالح أنه أجاز ذلك للضرورة إذا كان موضعا ضيقا وقال في الرجل يصلي فوق البيت بصلاة الإمام إن كان في موضع ضيق يوم الجمعة كما فعل أنس ونقل حرب وحنبل وأبو الحارث الجواز مطلقا أن يصلي المأموم وهو يسمع قراءة الإمام في دار أو فوق سطح أو في(3\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "580",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6795",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرحبة أو رجل منزله مع المسجد يصلي على سطحه بصلاة الإمام أو على سطح المسجد بصلاة الإمام أسفل وذكر الآثار بذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه وابن عمر وابن عباس. واختلف قوله: إذا كان بينهم نهر أو طريق أو حائط فنقل حرب عنه أنه أجاز للمرأة أنها تصلي فوق بيت بصلاة الإمام وبينهما وبين الإمام طريق ولفظه: quot;أرجو أن لا يكون به بأسquot; وذكر حديث أنس أنه كان يفعل ذلك فقيل: quot;إذا كان وحده قال: quot;لا من صلى خلف الصف وحده أعادquot; ونقل أبو طالب المنع فقال في الرجل يصلي فوق سطح بصلاة الإمام قال: quot;إذا كان بينهما طريق أو نهر فلاquot; قيل: أنس صلى قال أنس: quot;صلى يوم الجمعة في عرفة بعدما كبر ويوم الجمعة لا يكون طريق يمتلىء من الناسquot; ونقل ابن الحكم جواز ذلك للضرورة قال quot;إذا كان موضع ضرورة أجزأ عنه يروى عن أنسquot; فأما التراويح فتجوز فوق سطح وإن كان بينهما طريق نص عليه وقال: quot;ذلك تطوعquot; قال أبو حفص: quot;وجائز أن يصلي الناس يوم الجمعة في طاقات باب خراسان وخارج الطاقات نص عليهquot; قال أبو حفص: quot;إذا فعل الرجل مثل فعل أبي بكرة مع العلم بنهي النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكرة رواه البخاري فيه فروايتان إحداهما: يعيد وعنه أنه أجاز للرجل أن يكبر ويركع فيما دون الصف ثم يمشي حتى يدخل في الصف إذا علم أنه لا يدرك فقال في رجل كبر قبل أن يدخل في الصف وركع ثم مشي حتى دخل في الصف فقال: quot;يجوز له ذلك قد روي أن أبا بكرة ركع دون الصف ولم يأمره أن يعيدquot; وقد روى أيضا عن ابن مسعود وزيد أنهما ركعا دون الصف وقال في رواية إسحاق ابن إبراهيم: quot;أرى إذا علم أنه يدرك الركعة لم يركع دون الصف وإذا علم أنه لا يدرك ركع وإثنان أحب إلى أن يكبرا جميعا ويدبا إلى الصفquot; قال أبو حفص: quot;ووجه ذلك ما روى عبد الله بن أحمد رحمهما الله تعالى ثنا زكريا بن يحيى ثنا إبراهيم بن سعد الزهري عن قبيصة بن ذؤيب قال: quot;رأيت زيد ابن ثابت يدخل المسجد والقوم ركوع فيركع ثم يدب حتى يصل إلى الصفquot; وعن ابن مسعود مثله ابن جريج عن عطاء أنه سمع ابن الزبير على المنبر يقول للناس: quot;إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع فليركع حين يدخل(3\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "581",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6796",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم ليدب راكعا حتى يدخل في الصف فإن ذلك من السنةquot; قال عطاء: quot;وقد رأيته هو يفعل ذلكquot; قال أبو حفص البرمكي وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكرة: quot;لا تعدquot; نهي عن شدة السعي بدليل قول ابن الزبير فإن ذلك من السنة. فائدة: قال أحمد في رواية إسحق بن إبراهيم في رجل مكفوف دخل في الصف فلما أراد أن يركع التزق الذين كانوا معه في الصف بصف آخر وبقي هو وحده يعيد وقال في رواية مهنا في رجل صلى يوم الجمعة مع الإمام ركعة وسجدتين في الصف ثم زحموه فصلى الركعة الأخرى خلف الصف وحده يعيد الركعة التي الركعة التي صلى وحده قال في رواية الحسن بن محمد: quot;إذا ركع ركعة وسجد ثم دخل في الصف يعيد الركعة التي صلاها ولا يعيد الصلاة كلهاquot; وقال في رواية مهنا في رجل ركع ركعة وسجدتين دون الصف ثم جاء الناس فقاموا إلى جنبه في الثلاث ركعات يعيد الصلاة كلهاquot; ثم قال: quot;لو ركع ركعة وحدها ولم يسجد السجدتين لم يكن عليه إعادة لأن أبا بكرة ركع دون الصف ولم يسجدquot; قال أبو حفص: quot;اختلف قول أبي عبد الله في رجل يصلي خلف الصف ركعة كاملة ثم يدخل الصف أو ينضاف إليه قوم هل يعيد تلك الركعة وحدها أو الصلاة كلها. قال أبو حفص: quot;والأصح عندي أنه يعيد ما صلى خلف الصف حسب فيعيد الركعة أو الركعتين ولا يعيد ما صلى مع غيرهquot; قال: quot;لأن تكبيرة الإحرام لم تفسد لأنه لا يختلف قوله أنه إذا كبر وحده أنها صحيحةquot; قال القاضي: quot;وتحرير قول أبي حفص أنه صلى بعض الصلاة منفردا فلم تبطل جميعها كالتكبيرة والركوع من غير سجود ووجه البطلان أن القياس يقتضي بطلان الصلاة في التكبيرة(3\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "582",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6797",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والركوع لن ما يفسد جميع الصلاة يفسد بعضها كالحدث وإنما أجاز أحمد ذلك القدر لحديث أبي بكرة قال أحمد: quot;إذا صلى بين الصفين وحده يعيدها لأنه فذ وإن كان بين الصفينquot; وقال في الرجل ينتهي إلى الصف الأول وقد تم: quot;يدخل بين رجلين إذا علم أنه لا يشق عليهم وذلك أنهم قد أمروا أن لا يكون بينهم خلل ويكره أن يمد رجلا من الصف إليه نص عليهquot; قال: quot;أما أنا فأستقبح أن يمد رجلا يدخل مع القوم أو ينتزع رجلا من الصف فيركع معهquot; قال بعض أصحابنا: quot;ويقرب من هذه المسألة أنه يباح تخطي رقاب الناس إذ تركوا قدامه فرجة في رواية قال في رواية المروزي: quot;إذا جاء وليس يمكنه الدخول في الصف هل يمد رجلا يصلي معه قال: quot;لا ولكن يزاحم الصف ويدخلquot; وقال أبو حفص: quot;وقد ذكرنا عن أحمد جواز جر الرجلquot; في رواية المروزي فإن صح النقل كان في المسألة روايتان روي عن أبي أيوب قال: quot;تحريك الرجل من الصف ظلمquot; قلت: وفي المدونة قال مالك: quot;هو خطأ منهما وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ينكره أيضا ويقول: quot;يصلي خلف الصف فذا ولا يجذب غيرهquot; قال: quot;وتصح صلاته في هذه الحالة فذا لأن غاية المصافة أن تكون واجبة فتسقط بالعذر. فائدة: انفراج القدمين وضمهما قال مهنا: quot;رأيت أحمد إذا قام إلى الصلاة يفرج بين قدميه وإذا انحدر للسجود ضم قدميهquot; قال القاضي: quot;إنما قلنا يفرج بين قدميه لما روى حرب ثنا أبو حفص ثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر قال: quot;لا تقارب ولا تباعدquot; وكيع عن ابن عيينة عن ابن عبد الرحمن بن حوشب قال: quot;كنت مع أبي في المسجد يعنى مسجد البصرة فنظر إلى رجل قائما يصلي قد ضيق بين قدميه وألزق(3\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "583",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6798",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إحداهما بالأخرى فقال أبي: quot;لقد أدركت في هذا المسجد ثمانية عشر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيت أحدا منهم يصنع هكذاquot; ولأنه أمكن للقيام في الصلاة وضم القدمين عند الانحدار للسجود أمكن للانحدار قال في رواية حرب وقد سأله الرجل يصف بين قدميه أحب إليك أم يعتمد على هذه مرة وعلى هذه مرة قال: quot;يراوح بين قدميه أحب إلي يعتمد على هذه مرة وعلى هذه مرةquot; لما روى الأعمش عن المنهال عن أبي عبيدة قال: quot;رأى عبد الله رجلا يصلي صافا بين قدميه فقال: لو راوح هذا بين قدميه كان أفضلquot; ولأنه أروح للمصلى وقد رفع النبي صلى الله عليه وسلم المشقة عن المصلى بقوله: quot;أبردوا بالصلاة quot; وكان يتوقى بالثوب في الصلاة حر الأرض وبردها وقال حنبل: quot;رأيته يراوح بين قدميه في صلاة التطوع فإذا كانت المكتوبة قام منتصبا لا يتحرك منه شيءquot; وقال أحمد بن الحسين الترمذي: quot;رأيت أبا عبد الله إذا افتتح الصلاة رفع يديه قريبا من شحمه أذنيه ونشر أصابعهquot; وقال أبو داود سمعت أحمد بن حنبل سئل تذهب إلى نشر الأصابع إذا كبرت قال: quot;لاquot; قال أبو حفص: quot;لعل أبا عبد الله أراد بالنشر الذي لم يذهب إليه التفريق الذي كان يقول به أولا والنشر الذي ذهب إليه آخرا هو مد اليدينquot; وقد قال صالح سألت أبي عن رفع اليدين في التكبيرة الأولى فقال: quot;يا بني كنت أذهب إلى حديث أبي هريرة كان النبي صلى الله عليه وسلم quot; إذا كبر نشر أصابعه quot; فظننت أنه التفريق فكنت أفرق أصابعي فسألت أهل العربية فقالوا: هو الضم وهذا النشر ومد أبي أصابعه مدا مضمومة وهذا التفريق وفرق بين أصابعه قال أحمد حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير ثنا ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة quot; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مداquot;.وروى يحيي بن اليمان عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن سمعان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;كان إذا افتتح الصلاة فرج بين أصابعه quot;. وقد ضعفه أحمد فقال أحمد بن أثرم: quot;إن أبا عبد الله سئل عن ابن سمعان في الحديث فقال: quot;ليس بشيءquot; والحديث عنده حديث أبي هريرة quot;أنه كان يرفع(3\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "584",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6799",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يديه مداquot;. قال أحمد في رواية الفضل بن زيد وقد سأله عن رجل بلي بأرض ينكرون فيها رفع اليدين في الصلاة وينسبونه إلى النقص يجوز له ترك الرفع قال: quot;لا يترك ذلك يداريهمquot; إنما قال يداريهم لأنه لا طاقة له بهم وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرفق قال في رواية ابن مشيش: quot;رفع اليدين في الصلاة من السنةquot; وهذا يدل على أن الهيئات في الصلاة يطلق عليها اسم السنة قال أبو حفص: quot;فأما حديث أحمد بن يونس عن أبي بن بكر بن عياش عن حصين عن مجاهد عن ابن عمر quot;أنه كان لا يرفع يديهquot; فإن أبا عبد الله قيل له إن مجاهدا قال: quot;ما رأيت ابن عمر رفع يديه إلا في افتتاح الصلاةquot; قال: quot;هذا خطأ نافع وسالم أعلم بحديث ابن عمر وإن كان مجاهد أقدم فنافع أعلم منهquot; قال بعض أصحابنا: quot;وهذا من أحمد يدل على أصلين: أحدهما: أن رواية الأعلم مقدمة على رواية غيره. والثاني أن رواية من يختص بالصحبة أولى من غيره. فائدة: اختلف قول أحمد في رفع اليدين فيما عدا المواضع الثلاثة فأكثر الروايات عنه أنه لم ير الرفع عند الانحدار إلى السجود ولا بين السجدتين ولا عند القيام من الركعتين ولا فيما عدا المواضع الثلاثة في حديث ابن عمر ونقل عنه ابن الأثرم وقد سئل عن رفع اليدين فقال: quot;في كل خفض ورفعquot; قال ابن الأثرم: quot;ورأيت أبا عبد الله يرفع يديه في الصلاة في كل خفض ورفعquot; ونقل عنه جعفر بن محمد وقد سئل عن رفع اليدين فقال: quot;يرفع يديه في كل موضع إلا بين السجدتينquot; ونقل(3\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "585",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6800",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنه المروزي: quot;لا يعجبني أن يرفع يديه بين السجدتين فإن فعل فهو جائزquot; عمرو بن مرة عن أبي البحتري عن عبد الرحمن اليحصبي عن وائل بن حجر quot;أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه مع التكبيرquot; وقد حكى أحمد لفظ هذا الحديث في موضع آخر quot;أنه كان يرفع يديه كلما كبرquot; قال أبو حفص: quot;وظاهر هذا الحديث يأتي على جميع الصلاة في كل خفض ورفع أحمد عن ابن فضيل عن عاصم بن كليب عن محارب بن دثار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم quot;إذا نهض من الركعتين رفع يديهquot; رواه البخاري ومسلم والنسائي وغيرهم قال أحمد: quot;لا بأس بحديثهquot; يعنى عاصم ابن كليب رفدة بن قضاعة عن الأوزاعي عن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي عن أبيه عن جده قال: quot;كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه مع كل تكبير في الصلاة المكتوبةquot; قال أحمد ويحيى بن معين: quot;ليس بصحيح ولا يعرف عبيد بن عمير يحدث عن أبيه شيئا ولا عن جدهquot; قال أحمد: quot;لا أعرف رفدةquot;. وجه الثالث: حديث ابن عمر ولا يرفع بين السجدتين بعد ذكر المواضع الثلاثة. واختلف قوله في حد الرفع فعنه أنه اختار إلى منكبية وعنه فروع أذنيه وجه الأولى حديث ابن عمر ووجه الثانية حديث مالك بن الحويرث quot;أن النبي صلى الله عليه وسلم رفعيديه إلى فروع أذنيهquot; رواه مسلم والنسائي وغيرهما وكيع عن قطن عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه قال: quot;رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين افتتح الصلاة حتى جاوزت إبهاماه شحمة أذنيهquot; وكيع عن أبيه عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء ابن عازب قال: quot;كأني أنظر إلى إبهامي رسول الله صلى الله عليه وسلم حاذتا شحمة أذنيه في الصلاةquot; قال أبو حفص: quot;الأمر عند أبي عبد الله واسع إلى أي موضع رفع ما لم يتجاوز الأذنين ولم يقصر عن المنكبينquot; الحسين بن محمد الأنماطي quot;رأيت أبا عبد الله إذا رفع رأسه من الركوع لا يرفع يديه حتى يستتم قائماquot; والحجة فيه حديث أبي حميد فيقول: quot;سمع الله لمن حمده ثم يرفع يديهquot; أبو داود قلت لأحمد: أفتتح الصلاة ولم يرفع يديه أيعيد قال: لا حجته أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلمه للأعرابي رواه البخاري ومسلم والنسائي وغيرهم ولا نعلم أحدا قال بالإعادة إلا محمد بن سيرين فإن أحمد ذكر(3\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "586",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6801",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: وضع اليدين في الصلاة اختلف قوله في صفة وضع اليد على اليد فعنه أحمد بن أصرم المزني وغيره أنه يقبض بيمينه على رسغ يساره وعنه أبو طالب يضع يده اليمنى وضعا بعضها على ظهر كفة اليسرى وبعضها على ذراعه الأيسر للأولى حديث وائل quot;رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يضع اليمنى على اليسرى قريبا من الرسغquot; وفي حديث quot;ثم ضرب بيمينه على شماله فأمسكهاquot; وللثانية ما روى أنس أنه وضع يمينه على شماله على هذا الوصف وفي حديث وائل وفي طريق زائدة عن عاصم بن كليب قال: quot;ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه والرسغ والساعد quot; واختلف في موضع الوضع فعنه فوق السرة وعنه تحتها وعنه أبو طالب سألت أحمد أين يضع يده إذا كان يصلي قال: quot;على السرة أو أسفل وكل ذلك واسع عنده إن وضع فوق السرة أو عليها أو تحتهاquot; علي رضي الله عنه: quot;من السنة في الصلاة وضع الأكف على الأكف تحت السرةquot; عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس مثل تفسير علي إلا أنه غير صحيح والصحيح حديث علي قال في رواية المزني: quot;أسفل السرة بقليل ويكره أن يجعلهما على الصدر quot; وذلك لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهي عن التكفير وهو وضع اليد على الصدر. مؤمل عن سفيان عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل quot;أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده على صدره quot; فقد روى هذا الحديث عبد الله بن الوليد عن سفيان لم يذكر ذلك ورواه شعبة وعبد الواحد لم يذكرا خلاف سفيان قال في رواية صالح والكوسج: quot;إذا التفت في الصلاة قد أساء وما علمت أني سمعت فيه حديثاquot; أي أنه يعيد وقال في رواية أبي طالب: quot;الالتفات في الصلاة لا يقطع إنما كره لأنه يترك الخشوع والإقبال على صلاتهquot; قال: quot;هو اختلاس يختلسه الشيطان quot; الحديث رواه البخاري والنسائي وغيرهم فلو كلف الإعادة شق إذ المصلي لا يكاد يسلم من اختلاسه. فائدة: الاستفتاح في الصلاة قال في رواية حنبل: quot;كان ابن مسعود وأصحابه لا يعرفون الافتتاح يكبرون ولو فعل هذا رجل أجزأه وأهل المدينة لا يعرفون الافتتاحquot; وحجته في سقوط وجوب الافتتاح ما روى عن ابن مسعود لأن في الأخبار ضعفاء. قلت: ابن مسعود كان(3\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "587",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6802",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يذهب في الصلاة إلى أشياء خالفه فيها سائر الصحابة فمنها ترك الرفع فيما عدا الافتتاح ومنها التطبيق في الركوع ومنها قيام إمام الثلاثة في وسطهم ومنها ترك الافتتاح وأحمد لم يضعف أحاديث الافتتاح ولا أسقط وجوبه من أجل ضعفها ولا من أجل ترك ابن مسعود له وإنما لم يوجبه لعدم الأمر به فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآنquot; ولم يأمره بالاستفتاح روى حنبل عنه: quot;إذا أراد أن يبتدىء الصلاة يكبر ثم يستفتح استفتاح عمر ثم يتعوذ أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم ثم يقرأ ويبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم هذا كله يخافت به فإن جهر بها فهو سهو يسجد سجدتي السهو إذا جهر بهاquot; قال أبو حفص: quot;ليس السجود واجباquot;. حرب عنه: quot;لا يقرأ الإمام إلا بعد سكته حتى يقرأ من خلفه فاتحة الكتابquot; عبد الله عنه: quot;يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم هذا أعجب إليquot; وكذا نقل المروزي ثم قال: quot;والأمر سهلquot; الأصل فيه قوله تعالى: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم وقوله: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله وفي هذا جمع بين الأمرين وعن النبي صلى الله عليه وسلم قصة عائشة قال: quot; أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم إن الذين جاءوا بالإفك quot; روى أحمد بن إبراهيم بن هشام عن أبي عبد الله quot;أنه سئل عن بسم الله الرحمن الرحيم من فاتحة الكتاب فقال: quot;نعم هي إحدى آياتهاquot; قال أبو حفص: quot;ليست هذه الرواية في كتاب الخلال لكنها في سماعناquot; وروى أبو طالب: إذا نسي أن يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم يسجد سجدتي السهو قال: quot;لاquot; قال أبو حفص: quot;هذا على إحدى الروايتين إذا تركها عند قراءة السورةquot; وروى عنه الفضل وأبو الحارث وقد سئل عن الجهر بـ (آمين) قال: quot;اجهر بها فإنها سنة ذهبت من الناسquot; وهذا يدل على أن الهيئة سنة عند أحمد لأن الجهر هيئة في الكلام. وروى عنه إسحاق بن إبراهيم: quot;آمين أمر من النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمن القارىء فأمنواquot;. وهذا يدل على أن المندوب(3\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "588",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6803",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مأمور به عند أحمد وروى عنه حنبل: quot;يجهر بها في المكتوبة وغيرها لعموم الإخبارquot; ابن منصور عن أحمد وقد سأله عن قول أبي هريرة: quot;لا تسبقني بآمين quot; قال: quot;يتأيد حتى يجيء المؤذن لفضل التأمينquot;. نسيان القراءة أول الصلاة: وروى عنه الأثرم وقد سئل إذا كان خلف الإمام فقرأ خلفه فيما يجهر فيه أيقول آمين قال: quot;لا أدري ولا أعلم به بأساquot; اختلف قوله إذا لم يقرأ أول الصلاة هل يقضي فروى عنه عبد الله ابنه أنه إن ترك القراءة في الأولتين قرأ في الآخرتين وسجد سجدتي السهو قبل السلام وإن ترك القراءة في الثالثة ثم ذكر وهو في الرابعة فسدت صلاته واستأنف الصلاة وروى عنه إسماعيل بن سعيد فيمن ترك القراءة من صلاة الغداة أو في ركعتين من الظهر عمدا أو سهوا لا يعتد بتلك الركعة التي لم يقرأ فيها وبيني على صلاته ويقرأ وروى عنه ابن مشيش في إمام صلى بقوم الظهر فلما فرغ ذكر أنه لم يقرأ يعيد ويعيدون وهو الصحيح. وجه الأول ما روى أحمد ثنا وكيع ثنا عكرمة ابن عمار عن ضمضم بن جوس الهسفاني عن عبد الله بن حنظلة بن الراهب قال: quot;صلى بنا عمر المغرب فنسي أن يقرأ في الركعة الأولى فلما قام في الثانية قرأ بفاتحة الكتاب مرتين وسورتين فلما قضى الصلاة سجد سجدتينquot; ووجه الثانية قوله: quot;لا صلاة إلا بفاتحة الكتابquot; والركعة الواحدة صلاة وروى محمد بن أبي عدي عن الشعبي قال: quot;قال الأشعري صلى بنا عمر فدخل ولم يقرأ شيئا قال: فاتبعته حتى أتيت الإطناب فقلت يا أمير المؤمنين إنك لم تقرأ شيئا فقال: لقد رأيتني أجهز عيرا بكذا وأفعل كذا قال: فأمر المؤذنين فأذنوا وأقاموا فأعاد بنا الصلاةquot; قال القاضي: quot;إذا قلنا يعيد فإنه يعيد الأذانquot; قال أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد وقد سأله هل يعيدون الأذان والإقامة إذا كانوا على ذلك قال: quot;نعمquot; ووجهه حديث عمر ولأن فيه إعلام الناس ليجتمعوا للإعادة وروى عنه أحمد بن الحسين الترمذي وقد سئل عن حديث عمر quot;أنه صلى بالناس وهو جنب فأعاد ولم يعيدواquot; قال: quot;هكذا نقولquot;. قلت: فإن لم يقرأ الإمام الجنب والذي على غير طهر ومن خلفه(3\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "589",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6804",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: quot;يعيد ويعيدونquot; انتهى قلت: والفرق بين القراءة وترك الطهارة أن القراءة يتحملها الإمام عن المأموم فإذا لم يقرأ لم يكن ثم تحمل والطهارة لا يتحملها الإمام عن المأموم فلا يتعدى حكمها إلى المأموم بخلاف القراءة فإن حكمها يتعدى إليه فإن قيل كيف يتحمل الجنب القراءة عن المأموم وليس من أهل التحمل قيل كيف يتحمل الجنب القراءة وليس من أهل التحمل قيل لما كان معذورا بنسيانه حدثه نزل في حق المأموم منزلة الطاهر فلا يعيد المأموم وفي حق نفسه تلزمه الإعادة وهذا بخلاف المتعمد للصلاة محدثا أو جنبا فإنه لما لم يكن معذورا نزل فعله بالنسبة إلى المأموم منزلة العبث الذي لا يعتد به وأيضا لما كان هذا يكثر مع السهو لم يتعد بطلان صلاته إلى المأموم رفعا للمشقة والحرج ولما كان يندب مع التعمد تعدى فساد صلاته إليهم واختلف قوله في الصلاة بغير الفاتحة فروى حرب عنه فيمن نسي أن يقرأ بفاتحة الكتاب وقرأ قرآنا قال: quot;وما بأس بذلك أليس قد قرأ القرآنquot; قال: وسمعته مرة أخرى يقول: quot;كل ركعة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فإنها ليست بجائزة وعلى صاحبها أن يعيدهاquot;. قال الخلال: الذي رواه حرب قد رجع عنه أبو عبد الله وبين عنه خلف كثير أنه لا يجزئه إلا أن يقرأ في كل ركعة للثانية ما روى مالك عن وهب بن كيسان عن جابر قال: quot;من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن لم يصل إلا وراء إمامquot; وروى عنه أبو طالب: quot;من نسي أول ركعة ثم ذكر في آخر ركعة أنه لم يقرأ لا يعتد بالركعة التي لم يقرأ فيها ويصلي ركعة أخرى مكان تلك الركعة فإن ذكرها وقد سلم وتكلم أعادة الصلاة. قراءة القرآن في الفرائض: اختلف قوله في قراءة القرآن الكريم في الفرائض على التأليف على سبيل الدرس فروى عنه ابنه عبد الله أنه قال: سألت أبي عن الرجل يقرأا لقرآن كله في الصلاة الفريضة قال: quot;لا أعلم فعل هذاquot; وقد روى عن عثمان بن عفان رضي الله عنه quot;أنه كان يقرأ بعض القرآن سورا على التأليفquot; وروى عنه حرب في الرجل يقرأ على التأليف في الصلاة اليوم سورة الرعد وغدا التي تليها ونحو ذلك قال: quot;ليس في هذا شيء أنه يروى عن عثمان أنه فعل ذلك في المفصل وحدهاquot;(3\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "590",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6805",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروى عنه مهنا أنه رخص أن يقرأ في الفرائض حيث ينتهي سأل ابن قتيبة عن سهل بن أبي حذيفة عن ثابت عن أنس قال: quot;كانوا يقرؤون في الفريضة من أول القرآن إلى آخرهquot; وروى المروزي أن أحمد سئل عن حديث أنس هذا فقال: quot;هذا حديث منكرquot; روى حنبل عنه quot;إذا كان المسجد على قارعة الطريق أو طريق يسلك فالتخفيف أعجب إلي وإن كان مسجدا معتزلا أهله فيه ويرضون بذلك فلا أرى به بأسا وأرجو إن شاء اللهquot; وروى عنه أبو الحارث quot;إذا قرأ بفاتحة الكتاب وهو يحسن غيرها إن كان عامدا فلا أحب له ذلك وإن كان ساهيا فلا بأس صلاته تامةquot; وعنه محمد بن الحكم quot;هو عندي مسيء إذا عمد ذلكquot;. قلت يريد الاقتصار على الفاتحة وكلامه يدل على أحد أمرين: إما أن تكون السورة واجبة وإما أن يكون تارك سنة الصلاة مسيئا وروى الفضل بن زياد عنه وقد سئل الرجل يقرأ في المكتوبة في كل ركعة بالحمد لله وسورة قال: قد كان عمر يفعل قيل: فتراه قال: لا قد فعل النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا اقرأ في الأوليينquot; أنتهي. وروى عن علي وجابر قالا في الركعتين الآخريين بفاتحة الكتاب. وروى أبو طالب سألت أبا عبد الله عن الرجل يصلي بالناس المكتوبة فيقرأ في الأربع كلها بالحمد لله وسورة قال: quot;لا ينبغي أن يفعلquot; قلت: ساهيا قال: quot;يسجد سجدتينquot; وروى عنه أحمد بن هاشم وقد سئل عن رجل قرأ في الركعتين الآخريين بالحمد لله وسورة ناسيا هل عليه سجدتا السهو قال: quot;لاquot; وكذلك قال مهنا والميموني. وروى عنه أبو الحارث في إمام صلى بقوم فقرأ بفاتحة الكتاب ثم قرأ بعض السورة ولم يتمها ثم ركع لا بأس ثم قال أحمد ثنا عبد الله بن إدريس ثنا يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ابن أبزي قال: quot;صليت خلف عمرو فقرأ سورة يوسف حتى إذا بلغ وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم وقع عليه البكاء فركع ثم قرأ سورة النجم فسجد فيها ثم قام فقرأ (إذا زلزلت) وروى عنه صالح وقد سأله رجل عن رجل يصلي فيبدأ من أوسط السورة أو من آخرها قال: quot;أما(3\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "591",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6806",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "آخر السورة فأرجو وأما وسطها فلاquot; وروى عنه أحمد بن هشام الأنطاكي هل يجزىء مع قراءة الحمد آية قال: quot;إن كانت مثل آية الدين أو مثل آية الكرسيquot; وروى عنه محمد بن حبيب يكره أن يقرأ الرجل في صلاة الفجر بـ قل يا أيها الكافرون و (أرأيت) إلا أن يكون في سفرquot; محمد بن حبيب ثنا عمر والناقد ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعيد ثنا أبي عن إسحاق عن مسعر ومالك بن مغول عن الحكم عن عمرو بن ميمون عن عمر quot;أنه صلي بهم الفجر في طريق مكة فقرأ بـ قل يا أيها الكافرون و قل هو الله أحد وروى الميموني صلى بنا أبو عبد الله الفجر فقر أفي الأولى وفي الثانية بـ (الفجر) وكنا نصلي خلف أبي عبد الله بغلس فيقرأ بنا في الأولى (تبارك) ونحوها ويقرأ في الثانية (إذا الشمس كورت) وروى عنه أحمد بن الحسين بن حسان في إمام يقصر في الركعة الأولى ويطول في الأخيرة لا ينبغي هذا يطول في الأولى ويقصر في الآخرة قال أبو حفص: quot;وقد روى عن أنس أنه قرأ في الركعة الأولى: قل هو الله أحد وفي الثانية بـ قل يا أيها الكافرون وهذا يدل على جواز الإطالة في الثانية وليس ما ذكره بقوي ومن خطايا القاضي مما قال أنتقيته من كتاب الصيام لأبي حفص. من صام رمضان وهو ينوى التطوع نقل عبد الله قال: سألت أبي عمن صام رمضان وهو ينوى بها تطوعا قال: quot;لا يفعل هذا إنسان من أهل الإسلام لا يجزئه حتى ينوي لو أن رجلا قام فصلى أربع ركعات لا ينوى بها صلاة فريضة أكان يجزئهquot; ثم قال: quot;لا تجزئه صلاه فريضة حتى ينويهاquot; قال أبو حفص: quot;وقد قال الشافعي: ولو عقد رجل على أن غدا عنده من رمضان في يوم الشك ثم بان أنه من رمضان أجزأهquot; قال: quot;وهذا موافق لما قال أبو عبد الله في الغيمquot; قال عبد الله: قلت لأبي إذا صام شعبان كله قال: quot;لا بأس أن يصوم اليوم الذي يشك فيه إذا لم ينو أنه من رمضان لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصل شعبان برمضان فقد دخل ذلك اليوم في صومهquot; قال أبو حفص: quot;مراد أبي عبد الله(3\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "592",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6807",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في هذه المسألة إذا كان الشك في الصحو لما تقدم من مذهبه في الغيم. ومن خط القاضي أيضا مما ذكر أنه أنتقاه من كتاب حكم الوالدين في مال ولدهما: عتق الأب جارية ابنه: جمع أبي حفص البرمكي قال: quot;اختلف قول أبي عبد الله في عتق الأب جارية ابنه قبل قبضها فروى عنه بكر بن محمد أنه قال: quot;ويعتق الأب في ملك الابن وهو في ملك الابن حتى يعتق الأب أو يأخذ فيكون للأب ما أخذquot; وعنه المروزي ولو أن لابنه جارية فأعتقها كان جائزاquot; وعنه بكر بن محمد: quot;إذا كانت للابن جارية فأراد عتقها قبضها ثم أعتقها ولا يعتق من مال ابنه إلا أن يقبضهاquot; وكذا روى عنه عبد الله وغيره. قلت: الروايتان مأخذهما أن من ملك أن يملك بتصرف قبل تملكه هل ينفذ تصرفه فيه قولان وعلى هذا يخرج تصرف الزوج في نصف الصداق إذا طلق بعد الالإقباض وقبل الدخول وتصرف الموصى له إذا تصرف بعد الموت وقبل القبول على أن الذي تقتضيه قواعد أحمد وأصوله صحة التصرف ويجعل هذا قبولا واسترجاعا للصداق قد قارن التصرف ومن منع صحته قال: quot;إن غاية هذا التصرف أن يكون دالا على الرجوع والقبول الذي هو سبب الملك ولم يتقدم على التصرف والملك لا بد أن يكون سابقا للتصرف فكما لا يتأخر عنه لا يقارنهquot; ولمن نصر الأول أن يجيب عن هذا بأن المحذور أن يرد العقد على ما لا يملكه ولا يكون مأذونا له في التصرف فيه فإذا قارن العقد سبب التملك لم يرد العقد إلا على مملوك فقولكم لا بد أن يتقدم الملك العقد دعوى محل النزاع فمنازعوكم يجوزون مقارنة العقد لسبب التملك وهذه المسألة تشبه مسالة حصول الرجعة بالوطء فإنه بشروعه بالوطء تحصل الرجعة وإن لم يتقدم على الوطء فما وطأ إلا من ارتجعها وإن كانت رجعته مقارنة لوطئها فتأمله فإنه من أسرار الفقة. ونظير هذه المسألة الجارية مسألة الموهوبة للولد سواء قال أحمد في رواية أبي طالب: quot;إذا وهب لابنه جارية وقبضها الابن لم يجز للأب عتقها حتى يرجع فيها ويردها إليهquot; قال أبو حفص: quot;ويخرج في هذه المسألة(3\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "593",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6808",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رواية أخرى بصحة العتق والأول أصحquot; قال إسحاق بن إبراهيم: quot;سألت أبا عبد الله رحمه الله تعالى عن جارية وهبها رجل لابنه ثم قبضها الابن من الأب فأعتقها الأب بعدما قبضها الابن قال: quot;الجارية للابن وأعتق الأب ما ليس لهquot; قلت: فحديث النبي صلى الله عليه وسلم: quot; أنت ومالك لأبيكquot; قال: quot;من قال أن عتق الأب جائز يذهب إلى هذا فأما الحسن وابن أبي ليلى يقولان عتقه عليه جائز ولا أذهب إليهquot; قلت: إيش الحجة في هذا قال: quot;لا يجوز عتقه على ما وهبه الابن وأجازه. قبض الأب صداق ابنته: اختلف في قبض الأب صداق ابنته فروى عنه مهنا لا يبرأ الزوج بذلك وروى عنه المروزي وأبو طالب أنه يبرأ وأصل الروايتين عند أصحابنا إبراء الأب عن الصداق فإن فيه روايتين فإن قلنا يصح إبراؤه صح قبضه وإلا فلا كالأجنبي. قلت: وعندي أن الروايتين في القبض غير منيتين على رواية الإبراء بل لما ملك الأب الولاية على ابنته في هذا العقد ملك قبض عوضه فلما ملك تزويجها وهو كإقباض البضع وتمكين الزوج منه ملك قبل الصداق وهذه هي العادة بين الناس والرواية الأخرى لا يقبض لها إلا بإذنها فلا يبرأ الزوج بإقباضه كما لا يتصرف في مالها إلا بإذنها والله أعلم. يستقرض الرجل من مال أولاده ثم يوصي بما أخذ: روى المروزي عنه في الرجل يستقرض من مال أولاده ثم يوصي بما أخذ من ذلك قال: quot;ذلك إليه فإن فعل فلا بأسquot; وهذه الرواية تدل على أن الدين يثبت في ذمته وإن لم يملك الابن المطالبة به إذ لولا ثبوته في الذمة لم يملك الوصية به وكانت وصيته لوارث وقد روى عنه أبو الحارث في رجل له على أبيه دين فمات الأب قال: quot;يبطل دين الابنquot;. قلت: وهذه الرواية عندي تحتمل أمرين: أحدهما: بطلانه وسقوطه جملة وهو الظاهر. والثاني: بطلان المطالبة به فلا يختص به من التركة ثم يقسم الباقي فلو أوصى له به من غير مطالبة فله أخذه يقدم به من التركة موافقا لنصه الآخر في رواية المروزي والله أعلم. فإن قيل لو اشتغلت الذمة به لوجبت الوصية به كسائر الديون قلت: لما كان للأب من الاختصاص في مال ولده ما ليس لغيره فيملك أن يتملك عليه عين ماله فلذلك يملك أن يسقطه من ذمته نفسه وأن(3\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "594",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6809",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يوفيه إياه فتأمله أخذ الأب من مال ابنه ومات ووجده الابن فهل يأخذه اختلفت الرواية عن أحمد فيما أخذه الأب من مال ابنه ومات ووجده الابن بعينه هل يكون له أخذه على روايتين نقلهما أبو طالب في مسائله واحتج بجواز الأخذ بقول عمر قال أبو حفص: quot;ولأن قد بينا أن الحق في ذمته ولا يمتنع أن يسقط الرجوع إذا كان دينا ويملك إذا كان عينا كالمفلس بثمن المبيعquot; ووجه الأخرى أن الأب قد حازه فسقط الرجوع كما لو أتلفهquot; روى عنه أبو الحارث quot;كلما أحرزه الأب من مال ولده فهو له رضي أو كره يأخذ ما شاء من قليل وكثير والأم لا تأخذ إنما قال أنت ومالك لأبيك ولم يقل لأمكquot; وروى عنه إسحاق بن إبراهيم quot;لا يحل لها يعنى الأم أن تتصدق بشيء من غير علمهquot; قال أحمد: quot;أما الذي سمعنا أن المرأة تتصدق من بيت زوجها ما كان من رطب والشيء الذي تطعمه فأما الرجل فلا أحب له أن يتصدق بشيء إلا بإذنهاquot; وروى عنه حنبل في الرجل يقع على جارية أبيه أو ابنه أو أمه لا أراه يلزق به الولد عاهر إلا أن يحلها له قال أبو حفص البرمكي: quot;يحتمل أن يريد بقوله يحلها له أي بالهبة ويحتمل أن يريد لأنه بحل فرجها لأنه إذا أحل فرجها فوطئها لحقه الولد لأجل الشبهة إلا ترى أنا ندرأ عن المحصن الرجم في هذا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم في رواية بكر بن محمد في رجل له جارية يطؤها فوثب عليها ابنه فوطئها فحملت منه وولدت هي أمه تباع لأنه بمنزلة الغريب وهو أشد عقوبة من الغريب لا يثبت له نسب ولكن لو اعتقد الأب قوله وهو أشد عقوبة لوجهين: أحدهما وطؤه موطوءة أبيه والثاني: أنها محرمة عليه على التأبيد وإنما اختار عتقه لأنه من ماء ولده مخلوق ولم يوجبه لعدم ثبوت النسب. عبد الله ابنه: إذا دفع إليه ابنه مالا يعمل به فذهب الابن فاشترى جارية واعتقها وتزوج بها مضى عتقها وله أن يرجع على ابنه بالملك ويلحق به الولد وليس له الرجوع بالجارية. حنبل عنه قال: أرى أن من تصدق على ابنه بصدقة فقبضها الابن أو كان في حجر أبيه فأشهد على صدقته فليس له أن ينقض شيئا من ذلك لأنه لا يرجع في شيء من الصدقة وعنه المروزي: إذا وهب لابنه جارية فأراد أن يشتريها(3\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "595",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6810",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن كان وهبها على وجه المنفعة فلا بأس أن يأخذها بما تقوم وإذا جعل الجارية لله تعالى أو في السبيل أو أعطاها ابنه لم يعجبني أن يشتريها. أبو حفص: إذا وهبها على جهة المنفعة دون الصدقة جاز أن يشتريها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز الرجوع في هبة الولد وإن جعل الجارية صدقة على ابنته وقصد الدار الآخرة لم يجز له الرجوع لا بثمن ولا بغيره لقوله: quot;لا تعد في صدقتكquot; قال أبو حفص: quot;وتحصيل المذهب أنه لا يجوز له الرجوع فيما دفع إلى غير الولد هبة كان أو صدقة ويرجع فيما وهبه لابنه ولا يرجع فيما كان على وجه الصدقة وروى عنه مهنا إذا تصدق الرجل بشيء من ماله على بعض ولده ويدع بعضا قال أبو حفص: quot;لا فرق بين العطية للمنفعة وبين الصدقة للأجر لأن كلاهما عطية وإنما يختلف حكمها في رجوع الوالدquot;. اختلف قوله في قسمة الرجل ماله بين ولده في حياته فروي quot;إن شاء قسم وإن شاء لم يقسم إذا لم يفضلquot; وروى عنه محمد بن الحكم quot;أحب إلى أب لا يقسم ماله يدعه على فرائض الله لعله يولد لهquot; علي بن سعيد عن أحمد quot;إذا زوج بعض ولده وجهزه له ولد سواهم وهم عنده ينفق عليهم ويكسوهم فإن كان نفقته عليهم مما يجحف بماله ينبغي له أن يواسيهم وإن لم يجحف بماله وإنما هي نفقة فلا يكون عليه شيءquot; قال أبو حفص: quot;قوله يجحف بماله يعنى ينفق فوق الحاجة ينبغي أن يعطي الذين خرجوا من نفقته بإزاء ذلك لأن ما زاد على النفقة يجري مجرى النحلquot; وروى عنه أحمد بن الحسين في امرأة جعلت مالها لأحد بنيها إن هو حج بها دون أخويه quot;تعطيه أجرته وتسوي بين الولدquot; وروى عنه إسحاق بن إبراهيم في الأب يقول وهبت جاريتي هذه لابني إذا كان ذلك في صحة منه وأشهد عليه كان قبضه لها قبضا وهذه الرواية تدل على أن هبة الأب لابنه الصغير يجري فيها الإيجاب لأنه اعتبر في ذلك القبض وروى عنه يوسف بن موسى في الرجل يكون له الولد البار الصالح وآخر غير بار لا ينيل البار دون الآخر قال أبو حفص: quot;لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرق ولأنه كالبار في الميراثquot;(3\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "596",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6811",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروي عنه quot;للشاهد أن لا يشهد إذا جاء مثل هذا وعرف فيه الحيف في الوصيةquot; وروى عنه الحكم quot;لا يشهد إذا فضل ببيت ولدهquot; وروى عنه الفضل بن زياد في رجل كانت له بنت وأخ وله عشرة آلاف درهم لم يجز له أن يصالح الأخ منها على ألفي درهم ليس هذا بشيء قال أبو حفص: quot;لأنه هضم للحق فبطل ولأنه إنما يستحق بعد الموت فهو كإجازة الشريك لشريكه بيع نصبيه ثم له المطالبة بالشفعةquot;. قلت: هذا القياس غير صحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم على الشريك البيع قبل استئذان شريكه فقال: quot;لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق بالشفعةquot; فدل على أنه إذا أذن في البيع ولم يرد أخذ الشقص سقطت شفعته وعلى هذا موجب النص فسبب الشفعة إرادة البيع واستئذان الشريك فإذا طلبه الشريك وجب على شريكه بيعه إياه هذا مقتضي النص خالفه من خالفه وأما إسقاط الميراث فإسقاط أمر موهوم لا يدري أيحصل أم لا ولعله أن يموت هو قبله فهو جار مجرى إسقاط حقه من الغنيمة قبل الجهاد وتحرك العدو البتة وإسقاط حقه بما لعل الموصى أن يوصي له به وأمثال ذلك مما لا عبرة به والله أعلم. فائدة: أحكام الوالدين بالنسبة لأولادهما: إذا مات ولم يسو فهل يرد فيه روايتان منصوصتان رواية ابنه عبد الله وعمه حنبل وأبي طالب quot;أنه يردquot; وأصحابنا إنما نسبوا ذلك إلى أنه قول أبي حفص ولا ريب أنه اختياره في هذا الكتاب ونقله نصا عن أحمد رواية من سمينا وهو الأقيس نقل عنه حرب في مجوسي كان له ولد فنحل بعض ولده دون بعض وكان للمنحول ابن فمات وترك ابنه كيف حاله في هذا المال الذي ورث عن أبيه وكان الجد نحله قال: quot;لا بأس يأكله لأن هذا في الشركquot; قال أبو حفص: quot;هذا يجيء على القولين جميعا أما على القول الذي يمضيه بالموت فهو مثله(3\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "597",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6812",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما على القول بالرد بعد الموت فلأنه نحله في حال الشرك وهو مقبوض فيه فهو كما يثبت قبض المهر إذا كان خمرا أو خنزيرا وإن كان مرودا في الإسلامquot;. آخر ما أنتقاه القاضي من الكتاب المذكور. ومما أنتقاه من كتاب أحكام الملل لأبي حفص أيضا: أبو طالب عنه قال وسأله إسماعيل اليهودي والنصراني في أعمال المسلمين مثل الخراج قال: quot;لا يستعان بهم في شيءquot; وذكر أبو حفص الحديث إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;فلن أستعين بمشترك quot; قال: quot;وروى أبو معاوية حدثنا أبو حيان التيمي عن الزنباع عن أبي الدهقان قال قيل لعمر إن ههنا رجلا من أهل الحيرة له علم بالديوان أفنتخذه كاتبا فقال عمر: quot;لقد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنينquot; وكيع حدثنا إسرائيل عن سماك بن حرب عن عياض الأشعري عن أبي موسى قال قلت لعمران: quot;لي كاتب نصراني فقال: quot;ما لك قاتلك الله ما سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء وذكر الحديث قال أبو حفص: quot;احتج أبو عبد الله في جبر الكافر على الإسلام بذكر الشهادتين وإن لم يقل أنا بريء من الكفر الذي كنت فيه بقوله لعمه: quot; أدعوك إلى كلمة أن أقاتل الناس حتى يقولوا إلا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم quot; فإن قال: لم أرد الإسلام فهل تضرب عنقه أم لا اختلف قوله في ذلك فروى عنه حرب يضرب عنقه وروى عنه مهنا في يهودي أو نصراني أو مجوسي قال: quot;أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وقال: لم أنو الإسلام يجبر على الإسلام فإن أبي يحبسquot; فقلت: يقتل قال: quot;لا ولكن يحبسquot; ووجه الأولى أنه قد أتى بصريح الإسلام والاعتبار في الإسلام بالظاهر ووجه الثانية أنه يحتمل ما قاله وإن لم يقصد الإيمان فجاز أن(3\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "598",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6813",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يجعل ذلك شبهة في سقوط القتل والقتل سقط بالشبهة بدليل ما لو أعطي الأمان لواحد من أهل الحصن واشتبه علينا. ومما أنتقاه من خط أبي حفص البرمكي: بإسناده إلى أنس بن مالك قال: quot;رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد على كور عمامتهquot; وبإسناده إليه يرفعه: quot;إذا سمعت النداء فأجب وعليك السكينة فإن أصبت فرجة وإلا فلا تضيق على أخيك واقرأ ما تسمع أذنيك ولا تؤذ جارك وصل صلاة مودع quot; وبإسناده إلى ابن عمر يرفعه quot;ليصل أحدكم في المسجد الذي يليه ولا يتبع المساجد quot; وبإسناده عن أبي هريرة quot;يرفعه إذا دخل أحدكم المسجد فوجد الناس سجودا فليسجد ولا يقف كما يقف اليهودquot; وروى ابن بطة بإسناده إلى أبي أمامة quot;أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد جنازة وهو سابع سبعة فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفوا ثلاثة صفوف خلفه فصف ثلاثة واثنين وواحد صفا خلف صف فصلى على الميت ثم انصرفquot; وبإسناده عن سمرة بن جندب يرفعه quot;من كتم علي غال فهو غال مثلهquot; وبإسناده عن عائشة رضي الله عنها quot; سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشعر فقال: quot;هو كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح quot; وبإسناده عن جابر بن سمرة يرفعه quot;لأن يؤدب أحدكم ولده خير له من أن يتصدق بصاع كل يوم على مسكينquot; وبإسناده عن عائشة ترفعه quot;أعلنوا النكاح واجعلوه في المساجد وليولم أحدكم ولو بشاةquot; وبإسناده عن إبراهيم الحربي قال: quot;الناس كلهم عندي عدول إلا من عدله القاضيquot; قلت: ويروى عن ابن المبارك أنه قال: quot;الناس كلهم عدول إلا العدولquot; سمعته من شيخنا وبإسناده عن يحيى القطان quot;لم يكن يشهد عند الحاكم إلا القسام والذراع فأما المستورون وأهل العلم فلم يكونوا يشهدونquot; وبإسناده قال رجل لابن المبارك: يا أبا عبد الرحمن من السفل قال: quot;الذين يلبسون القلانس(3\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "599",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6814",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويأتون مجالس الحكامquot; وبإسناده عن أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;يأتي على الناس زمان يدعوا فيه المؤمن للعامة فيقول الله عز وجل: ادع لخاصة نفسك أستجب لك فأما العامة فإني عليهم ساخطquot; وبإسناده عن عبد الله بن محمد بن الفضل الصيداوي قال: قال أحمد بن حنبل: quot;إذا سلم الرجل على المبتدع فهو يحبهquot; قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكمquot; وبإسناده عن همام بن مسعود كان يقول: quot;لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاquot; وليت القاضي ذكر أسانيد هذه الأحاديث وكتبها لأكشف حالها. ومن خط القاضي أيضا: حكى عن عثمان بن منصور وعمرو بن معدي كرب أنهما كانا يقولان: quot;الخمر مناحة مباحة ويحتجان بقوله تعالى: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات قالا: quot;قد آمنا وعملنا الصالحات فلا جناح علينا فيما طعمناquot; فلم تكفرهما الصحابة بهذا القول وسؤالهما الحكم في ذلك لأنه لم يكن قد ظهرت أحكام الشريعة في ذلك الوقت ظهورا عاما ولو قال بعض المسلمين في وقتنا هذا لكفرناه لأنه قد ظهر تحريم ذلك. وسبب نزول هذه الآية ما قاله الحسن: quot;لما نزل تحريم الخمر قالوا كيف بإخواننا الذين ماتوا وهي في بطونهم وقد أخبر الله أنها رجس فأنزل الله ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا وكذلك قد قيل في مانعي الزكاة أنهم على ضربين منهم من حكم بكفره وهم من آمن بمسيلمة وطليحة والعنسي ومنهم من لم يحكم بكفره وهم من لم يؤمنوا بهم لكن منعوا الزكاة وتأولوا أنها كانت واجبة عليهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي عليهم وكانت صلاته سكنا لهم قالوا: وليس صلاة ابن أبي قحافة سكنا لنا فلم يحكم بكفرهم لأنه لم يكن قد أنتشرت أحكام الإسلام ولو منعها مانع في وقتنا حكم بكفره.(3\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "600",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6815",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن خطه أيضا من تعاليقه: عذاب القبر حق وقد وقيل ولا بد من انقطاعه لأنه من عذاب الدنيا والدنيا وما فيها فان منقطع فلا بد أن يلحقهم الفناء والبلاء ولا يعرف مقدار مدة ذلك يجوز أن يحشر الله العباد يوم القيامة عراة في وقت خروجهم من قبورهم يوم البعث ثم يكسو الله المؤمن حلل الجنان ويجعل على الكافر والعصاة سرابيل القطران والتعبد في الآخرة بترك التكشف زائل. المحشر هل هو في أرض الجنة أو في أرض من أراضي من أراضي الدنيا أو في موضع لا من الجنة ولا من النار فقد قيل: أول حشر الناس عند قيامهم من قبورهم في هذه الأرض التي ماتوا ودفنوا فيها ثم يحولون إلى الأرض التي تسمى الساهرة فهذا معنى قوله: فإذا هم بالساهرة والساهرة هي التي يحاسبون عليها فإذا فرغوا من الحساب وجازوا على الصراط وميز بين المجرمين والمؤمنين ضرب بينهم بسور فكان ما وراء السور مما يلي الجنة من أرض الجنة وصار ما دون السور مما يلي النار من أرض جهنم وموضع الحساب يصير من جهنم قوله تعالى: لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون المراد الأمر في الدنيا لأن الآخرة ليس فيها أمر ولا نهي على الملائكة ولا غيرهم لأن التعبد زائل, وفي البخاري عن علي: quot;اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عملquot;. قلت: هذا وهم منه رحمة الله تعالى فإن الله تعالى يأمر الملائكة يوم القيامة بأخذ الكفار والمجرمين إلى النار وسوقهم إليها وتعذيبهم فيها ويأمر عباده بالسجود له فيخرون سجدا إلا من منعه الله من السجود ويأمر المؤمنين فيعبرون الصراط ويأمر خزنة الجنة بفتحها لهم ويأمر خزنة النار بفتحها لأهلها ويأمر ملائكة السماوات بالنزول إلى الأرض ويأمر بشأن البعث كله وما بعده فالأمر يومئذ لله ولا يعصى الله في ذلك اليوم طرفة عين وأوامره ذلك اليوم للثواب والعقاب(3\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "601",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6816",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والشفاعة للملائكة والأنبياء وغيرهم تضبطها قدرة الخالق فكيف يقال: ليس في الآخرة أمر ولا نهي حتى يقال لا يعصون الله تعالى ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون في الدنيا أفترى الله عز وجل لا يأمرهم يوم القيامة في أمر النار بشيء فلا يعصون فيه ويفعلون ما يؤمرون فيه نعم ليست الآخرة دار حرث وإنما هي دار حصاد وأوامر الرب ونواهيه ثابتة في الدارين وكذلك أوامر التكليف ثابتة في البرزخ ويوم القيامة وحكاه أبو الحسن الأشعري في مقالاته عن أهل السنة في تكليف من لم تبلغه الدعوة في الدنيا أن يكلفوا يوم القيامة فقول القائل: الآخرة ليست دار تكليف ولا أمر ولا نهي قول باطل ودعوى فاسدة والله تعالى الموفق. تحقيق معنى الولاية: قال: ذكر بعضهم أنه يجوز أن يقول: أنا مؤمن ولا يقولك أنا ولي وفرق بينهما فإن الله تعالى أمر من ظهر منه الإيمان أن يسمى مؤمنا قال تعالى: فإن علمتموهن مؤمنات الآية ولم يأمر من ظهر منه ذلك أن يسمى وليا ولا فرق بينهما فإن الله قد وصف الولي بصفة المؤمن فقال: وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون وهذه صفة المؤمن ثم لا يجوز أن يصف نفسه بأنه ولي وكذلك المؤمن ولأنه إنما يكون وليا بتوليه لطاعات الله وقيامه بها كالمؤمن. قلت: هذه حجة من منع قول القائل: أنا مؤمن بدون استثناء كما لا يقول: أنا ولي ومن فرق بينهما أجاب بأنه لا يمكنه العلم بأنه ولي لأن الولاية هي القرب من الله عز وجل فولى الله هو القريب منه المختص به والولاء هو في اللغة القرب ولهذا علامات وأدلة وله أسباب وشروط وموجبات وله موانع وآفات وقواطع فلا يعلم العبد هل هو ولي الله أم لا وأما الإيمان فهو أن يؤمن بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله ولقائه ويلتزم أداء فرائضه وترك محارمه وهذا يمكن أن يعلمه من نفسه بل ويعلمه غيره منه. والذي يظهر لي من ذلك أن ولاية الله تعالى نوعان عامة وخاصة: فالعامة: ولاية كل مؤمن فمن كان مؤمنا لله تقيا كان له وليا وفيه من الولاية بقدر إيمانه وتقواه ولا يمتنع في هذه الولاية أن يقول:(3\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "602",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6817",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنا ولي إن شاء الله كما يقول: أنا مؤمن إن شاء الله. والولاية الخاصة: إن علم من نفسه أنه قائم لله بجميع حقوقه مؤثر له على كل ما سواه في جميع حالاته قد صارت مراضي الله ومحابة هي همه ومتعلق خواطره يصبح ويمسي وهمه مرضاة ربه وإن سخط الخلق فهذا إذا قال: أنا ولي الله كان صادقا. وقد ذهب المحققون في مسألة (أنا مؤمن) إلى هذا التفصيل بعينه فقالوا: له أن يقول آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه ولا يقول: أنا مؤمن لأن قوله: أنا مؤمن يفيد الإيمان المطلق الكامل الآتي صاحبه بالواجبات التارك للمحرمات بخلاف قوله: آمنت بالله فتأمله. وإذا دخل خارجي أو قاطع طريق إلى بلد وقد غصب الأموال وسبى الذراري هل يجوز معاملته نظرت فإن لم يكن معهم إلا ما أخذوه من الناس لم يجز معاملتهم وإن كان معهم حلال وحرام لم يجز أيضا إلا أن يبينوه كرجل كان عنده أربع إماء فأعتق واحدة منهن بعينها وعرض واحدة منهن وهو مدع لرقهن لم يجز الشراء منه حتى يبين التي أعتقها وكذلك إذا كان عنده ميتة ومذكاة لم يجز الشراء منه حتى يبين فأما الأموال التي في أيدي هؤلاء الغصبة من الخوارج واللصوص الذين لا يعرف لهم صناعة غير هذه الأموال المغصوبة عليهم فالعلم قد أحاط بأن جميع ما معهم حرام فلا يجوز البيع والشراء منهم ولكن يجوز للفقير أن يأخذ منهم ما يعطوه من جهة الفقر لأن إمام المسلمين لو ظفر بهذا الفاسق وبما معه من الأموال لوجب أن يصرف هذه الأموال في الفقراء وأما المستور فإنه يحكم له بما في يده لأنا لا نعلم أنه في دعواه مبطل. وكذلك لو أن رجلا من فساق المسلمين لا ينزع عن الزنا والقذف ونحوه وكان في يده مال حكم له به ويفارق هذا من يعرف بالغصب والظلم لأن الظاهر أن تلك الأموال حرام غصوب.(3\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "603",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6818",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن خط القاضي من جزء فيه تفسير آيات من القرآن عن الإمام أحمد: رواية المروزي عنه رواية أبي بكر أحمد بن عبد الخالق عنه رواية أبي بكر أحمد ابن جغفر بن سالم الحنبلي رواية أبي الحسين أحمد بن عبد الله السوسنجردي قال المروزي سمعت أبا عبد الله يقول لرجل: quot;اقعد اقرأ فجئته أنا بالمصحف فقعد فقرأ عليه فكان يمر بالآية فيقف أبو عبد الله فيقول له: ما تفسيرها فيقول: لا أدري فيفسرها لنا فربما خنقته العبرة فيردها. وكان إذا مر بالسجدة سجد الذي يقرأ وسجدنا معه فقرأ مرة فلم يسجد فقلت لأبي عبد الله لأي شيء لم تسجد قال: quot;لو سجد سجدنا معه قد قال ابن مسعود للذي قرأ: أنت إمامنا إن سجدت سجدناquot; وكان يعجبه أن يسلم فيها. وقال: ذهب إلى ابن سواء فكان يقرأ بنسخة لعبد الوهاب فكان يقرأ ويفسر قال ابن سواء: quot;كان يقرأ ويفسرquot; قال: quot;وكان قتادة يقرأ ويفسرquot; وقال لرجل: quot;لو قرأت فسمعنا ونحن يسير من العسكر فكان الرجل يقرأ وأبو عبد الله يسمع وربما زاد أبو عبد الله الحرف والآية فتفيض عيناهquot; وسمعته يفسر القرآن وقال: quot;قال مجاهد: quot;عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث مرات وقال: أعيتني الفرائض فما أحسنهاquot; وقرأ عليه لا شية فيها قال لا سواد فيها: عوان بين ذلك قال: quot;لا كبيرة ولا صغيرهquot; غير مدينين قال: quot;محاسبينquot; وقال: quot;يقرأ السجن والسجن أحب إلىquot; أيتها العير قال: quot;حمر تحمل الطعام كفرت بأنعم الله فإذاقها اللهquot; قال تعالى: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن قال: quot;هذه نسختها التي في البقرة والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا قال: quot;يفرض لكل حامل مطلقة كانت أو متوفى عنها زوجها لها النفقة حتى تضعquot; هكذا رأيت هذا التفسير ولا يخلوا من وهم إما من المروزي أو من(3\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "604",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6819",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الناقل وثيابك فطهر قال: quot;عملك فأصلحهquot; والرجز فاهجر قال: quot;الرجز عبادة الأوثانquot; ولا تمنن تستكثر قال: quot;تمنن بما أعطيت لتأخذ أكثر قل أعوذ برب الفلق قال: quot;واد في جهنمquot; (الغاسق) القمر وقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;هذا الغاسق قد طلعquot; يعني القمر النفاثات السحر و العقد الذين يعقدون السحر حاسد إذا حسد قال: quot;هو الحسد الذي يتحاسد الناسquot; قلت: إيش تفسير إذا وقب قال: quot;لا أدريquot; وقرىء عليه إرم ذات العماد قال:quot;لم تزلquot; جابوا الصخر بالواد قال: quot;نقبوا الصخر وجاءوا عليهم جلود النمار قد جابوها قد نقبوهاquot; عسعس أظلم: إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة قال: quot;هذه مدينه مروان قد مررت بها وهي قريبة من عبد الرزاق رأيتها سوداء حمراء أثر النار تبين فيها ليس فيها أثر زرع ولا خضرة إنما غدوا على أن يصرموها أو يجدوها وفيها حرث وكانوا قد أقسموا أن لا يدخلها مسكين فأصبحت كالصريم قد أكلتها النار حتى تركتها سوداء قال أوسطهم أعدلهم لا يلتكم من أعمالكم لا يظلمكم يوم تكون السماء كالمهل قال: quot;مثل دردري الزيتquot; ذات الرجع قال: quot;الرجع: المطرquot; والصدع: النبات ألم نجعل الأرض كفاتا يكفتون فيها الأحياء الشعر والدم وتدفنون فيها موتاكم قال المروزي وسمعته يقول: quot;يدفن فيها ثلاثة أشياء الأظافر والشعر والدمquot; ثم قال وأمواتا تدفن فيها الأموات ماء فراتا عذبا (الفراش المبثوث) قال: الفراش الذي يطير عند السراج فيحترق ونجني من فرعون وعمله قال: quot;مضاجعتهquot; بغير عمد ترونها قال: quot;كان ابن عباس يقول ترون السماوات ولا ترون العمد والنجم والشجر يسجدان قال: quot;الشجر ما كان إلى طول قائم والنجم النبات الذي على وجه الأرضquot; وقرىء عليه: خلقت بيدي قال: quot;مشددة مخالفة على الجهمية أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار قال: quot;أخلصوا بذكر الآخرةquot; فطفق مسحا بالسوق والأعناق قال: quot;ضرب أعناقهاquot; وآتيناه أجره في الدنيا قال: quot;الثناء يتولى إبراهيم الملل كلها يتسولونه ورد الله الذين كفروا بغيظهم قال: quot;جاءت ريح فقطعت(3\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "605",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6820",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أطناب الفساطيط فرجعواquot; لن تنالوا البر قال: quot;الجنةquot; اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة قال:quot; باعوهاquot; قلت يريد أبو عبد الله باعوا الآخرة لا أنه فسر الاشتراء بالبيع فإنهم لم يبيعوا الحياة الدنيا وإنما باعوا الآخرة واشتروا الدنيا فيها صر برد فضحكت حاضت بخس دراهم معدودة قال: quot;بعشرين درهماquot; قاصرات الطرف قال: quot;قصرن طرفهن على أزواجهن فلا يرين غيرهمquot; حور عين قال: quot;كثير بياض أعينهن شديد سواد الحدق والذين جاءوا من بعدهم قال: quot;العجمquot; يصرون على الحنث العظيم قال: quot;الكفرquot; شرب الهيم الإبل بالأحقاف الرمل سيل العرم قال: quot;السيل هو السيل والعرم هو مسناة البحرquot; قال المروزي حدثنا محمد بن جعفر ثنا شريك عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة في قوله: سيل العرم قال: quot;المسناة بلحن اليمنquot; قال أي شيء تفسير إن الإنسان لربه لكنود قلت: لكفور قال: نعمquot; بين الصدفين قال quot;الجبلينquot; عين القطر النحاس المذاب لا تأخذه سنة لا تأخذه نعسة فلما قضينا عليه الموت قال: quot;مكث على عصاة سنة فلما نخرت العصى وقعquot; ذواتي أكل خمط قال: quot;الأراكquot; وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه ما لم يكن فيه سرف أو تقتير وإني لهم التناوش قال: quot;التناول من مكان بعيدquot; ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك قال: quot;القرآنquot; ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم قال: quot;سجل من العذابquot; ذات الأكمام قال: quot;الطلعquot; قرىء عليه والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا قال: quot;الذي قال سفيان إذا اختلفتم في شيء فانظروا ما عليه أهل التقوىquot; يتأول الآية سوف أستغفر لكم ربي أخر دعاءه إلى السحر العشار عطلت لم تحلب ولم تصر ما أغنى عنه ماله وما كسب قال: quot;ما كسب ولدهquot; ثم لتسألن يومئذ عن النعيم قال: quot;نعيم الدنياquot; نسوق الماء إلى الأرض الجرز هي أرض لا يأتيها المطر إنما يساق إليها الماء وقد مررت بها بليل قلت وكان شيخنا أبو العباس أحمد بن تيمية يقول: quot;هي أرض مصر وهي أرض إيليز لا ينفعها المطر فلو أمطرت مطر العادة لم ينفعها ولم يروها ولو داوم عليها المطر لهدم البيوت وقطع المعايش فأمطر الله بلاد الحبشه والنوبة ثم ساق الماء إليهاquot; وعندي أن الآية عامة في الماء الذي يسوقه الله على متون الرياح في السحاب(3\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "606",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6821",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الماء الذي يسوقه وجه الأرض فمن قال هي مصر إنما أراد التمثيل لا التخصيص فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين قال أهل المدينة قنوان نضيج. قلت أهل المدينة أول من وكل بها ولمن بعدهم من الوكالة بحسب قيامة بها علما وعملا ودعوة إلى الله تعالى قال بعث شعيب إلى مدينتين قال عذبوا يوم الظلة قال فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين قال: quot;يقرأ صواع الملك وصواع وصواعب أصوبquot; قال وكان من ذهب هارون أخي اشدد به أزري قال: quot;أشركه معي يا رب قال افعل بنا قال هذا دعاء قال ومن قرأ أشدد به أزري قال موسى: أنا أشركه في أمري قال: quot;كلا الوجهين حسنquot; يعلم السر وأخفى قال: quot;السر ما كان في القلب يسره وأخفى الذي لم يكن بعد يعلمه هوquot; يعلم خائنة الأعين قال: quot;هو الرجل يكون في القوم فتمر به المرأة فليحظها بصره وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم نظرة الفجأة فقال: quot;اصرف بصرك عنهاquot; ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء قال: quot;كان ابن مسعود رضي الله عنه يقرأ حيث ما وجد لا يأت بخير قال: أحسن هذا الحرف وقرأه هو أكثر نفيرا قال: quot;رجالاquot; ولم يجعل له عوجا قيما قال: quot;إنما هو قيما ولم يجعل له عوجا. وقال: quot;ليس أحد من الأنبياء تمنى الموت غير يوسف توفني مسلما الآية أزكى طعاما أحل لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها قال: quot;عيسى والعزيزquot;. قلت هذا تفسير يحتاج إلى تفسير فإن كان أحمد قال هذا فلعله أراد الشياطين الذين عبدهم اليهود والنصارى وزعموا أنهما عيسى والعزيز وقال: يا أخت هارون قلت هو هارون أخو موسى قال: quot;نعم كان المشركون قد اختصموا على عهد رسول الله بين موسى وعيسى كذا وكذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;كان هذا بدعا بين الأنبياءquot; قال أبو عبد الله quot;استعمل عمر رضي الله عنه رجلا فأبى أن يدخل له في عمل فقال يعني عمر: يوسف قد سأل العمل فاستعمل على خزائن الأرضquot;. وقال: quot;في المائدة ثمانية عشرة فريضة حلال وحرام يعمل بها وليس فيها شيء لا يعمل به إلا آية: يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام قال: quot;هذه منسوخةquot; وقال: quot;آخر شيء نزل(3\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "607",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6822",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من القرآن المائدة وأول شيء نزل من القرآن اقرأ أحلت لكم بهيمة الأنعام قال: quot;كان ابن عباس يأخذ بذنب الجنين ويقول هذا من بهيمة الأنعامquot; وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;ذكاة الجنين ذكاة أمهquot; قال: quot;وأما أبو حنيفة فقال: quot;لا يؤكل تذبح نفس وتوكل نفسquot; فأنزل الله سكينته عليه قال على أبي بكر وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أنزلت عليه السكينة. قلت: وكان شيخنا أبو العباس بن تيمية قدس الله روحه يذهب إلى خلاف هذا ويقول: quot;الضمير عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى صاحبه تبعا له فهو الذي أنزلت عليه السكينة وهو الذي أيده الله بالجنود وسرى ذلك إلى صاحبهquot; انتهى وقال: quot;ما نزل بمكة والمدينة من القرآن أربع سور أنزلت بالمدينة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة يا أيها الذين آمنوا قال: quot;بالمدينة quot; يا أيها الناس قال: quot;بمكةquot;. قلت: لم يرد أحمد التخصيص ولا خلاق بين الأمة في أن الأنفال وبراءة والنور والمجادلة والحشر والممتحنة والصف والجمعة والمنافقين نزلن بالمدينة في سور أخرى وقوله: يا أيها الذين آمنوا بالمدينة صحيح و يا أيها الناس بمكة فمنه ما هو بالمدينة ومنه ما هو بمكة فالبقرة مدينة وفيها: يا أيها الناس جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس قال: quot;كان ابن عباس يقول: لو ترك الناس الحج سنة واحدة ماتوا طراquot; وما ذبح على النصب قال: quot;على الأصنامquot; قال: quot;وكل شيء يذبح على الأصنام لا يؤكلquot; تستقسموا بالأزلام قال: quot;كعاب فارس يقال لها النرد وأشباه ذلكquot; ومن يرد فيه بإلحاد بظلم قال: quot;لو أن رجلا بعدن هم بقتل رجل وهو في الحرام هذا قول الله نذقه من عذاب أليم هكذا قال ابن مسعود قال وقد خرج جابر من المدينة إلى مكة مجاورا أربعة أشهر وعشرا قال: quot;والعشر ليال أو أيامquot; ثم قال: quot;لو كانت ليالي كان يكون نقصان يوم لكنها وليال عشرةquot; قال: quot;وأهل مصر يقولون الشام باديتهمquot; قال يوسف وجاء بكم من البدو لا تثريب عليكم لا تعبير اذهبوا بقميصي قال: quot;شم ريحه من مسيرة سبعة أيامquot; فصبر جميل لا جزع فيه قلت: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحة مرارا يقول: quot;ذكر الله الصبر الجميل والصفح الجميل والهجر الجميل فالصبر الجميل الذي(3\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "608",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6823",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا شكوى معه والهجر الجميل الذي لا أذى معه والصفح الجميل الذي لا عتاب معهquot; انتهى شاهد من أهلها قال قد قال قوم: quot;حكيم من أهلهاquot; وقال قوم: quot;القميص الشاهدquot; وقال قوم: quot;الصبرquot; خلقنا الإنسان في كبد قال: quot;منتصبا وقال: القول الآخر أظهر وهو في مشقة وعناء يكابد أمر الدنيا والآخرةquot; قال الحسن: ما أجد من خلق الله تعالى يكابد ما يكابده ابن آدمquot; ماؤكم غورا قال: quot;لا يناله الرشاءquot; بماء معين قال: quot;على وجه الأرضquot; قلت: يحتمل تفسير أحمد أمرين: أحدهما أن يكون معينا فعيلا من أمعن في الأرض إذا ذهب فيها ويحتمل أن يكون مفعولا من العين أي مرئيا بالعين وأصله معيون ثم أعل إعلال مبيع وبابه أو قال قرأ زيد بن ثابت وانظر إلى العظام كيف ننشزها وهو أشبه إذا شاء أنشره وتعزروه وتوقروه وتسبحوه قال: quot;يعزروه النبي صلى الله عليه وسلم ويسبحوه الله تعالى على تخوف نقصان فيه يعصرون قال: quot;يحلبونquot; والبحر المسجور جهنم قلت: لم يرد أحمد المراد بالآية جهنم وإنما أراد أنه يكون جهنم أو موضعها والله أعلم البحار فجرت فاضت فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون قال: quot;كانوا يؤخرونها حتى يخرج الوقتquot; أو دما مسفوحا هو العبيط ولا يكاد أن يكون في اللحم الصفو فيغسل في ظلمات ثلاث البحر وحوت في حوت فنادى في الظلمات قلت: هذا تفسير فنادى في الظلمات وذكر في ظلمات ثلاث وهم فإن تلك الظلمات هي التي يخلق فيها الجنين لا مدخل لظلمه البحر ولا لظلمه الحوت فيها بل لظلمه الرحم وظلمة المشيمة وظلمة البطن والله أعلم. فمن ابتغى وراء ذلك قال الزنا لكم فيها منافع قال: اشترى ابن المنكدر بجميع ما كان معه بدنة وتأويل هذه الآية وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته إلى عذاب يوم عظيم قال: quot;هذه نزلت بمكة والباقي بالمدينةquot; ثم أنشأناه خلقا آخر قال: quot;نفخ فيه الروحquot; أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك قال: quot;هو أن ينظر قيل أن يرجع طرفه(3\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "609",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6824",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليه قال وإنما كان قد علم الاسم الذي يستجاب فدعا به سائق وشهيد قال: quot;يسوق إلى أمر الله والشهيد يشهد عليه بما عملquot; الماعون الفأس والقدر وأشباه ذلك وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح قال: quot;قدمه على نوح قال هذه حجة على القدريةquot; قلت: ولعل أحمد أراد القدرية المنكرة للعلم بالأشياء قبل كونها وهم غلاتهم الذين كفرهم السلف وإلا فلا تعرض فيها خلق الأعمال لا جناح عليكم إن طلقتم النساء إلى قوله: ومتعوهن قال: quot;هذه لها نصف الصداق وإن متعت فحسن وإن لم تمتع فحسنquot; قال ابن عباس: quot;تمتع بخادمquot; ابن عمر: quot;تمتع بدرع وإزار ونحو هذاquot; على الموسع قدره وعلى المقتر قدره يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن الآية قال: quot;هذه ليس عليها عدةquot; وقال سعيد بن جبير: quot;لكل مطلقة متاعquot; ابن المسيب: quot;ليس لها متاعquot; قال أبو عبد الله: quot;من متع فحسن ومن لم يمتع فحسنquot; الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج وقد قال قوم هو الولي فإذا عفا الرجل أعطاها المهر كاملا أن يعفون قال: quot;تكون المرأة تترك للزوج ما عليه فتكون قد عفتquot;. قلت: ونص أحمد في رواية أخرى أنه الأب وهو مذهب مالك واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وقد ذكرت على رجحانه بضعة عشر دليلا في موضع آخر الوحوش حشرت قال: quot;جمعتquot; وقال قوم: quot;ماتتquot; قال من قرأ: إن هذان لساحران قال: موسى وهارون ومن قرأ ساحران قالك هذان كتابان واحدا بعد واحد. قلت: هكذا رأيته وهو وهم وإنما هذا تفسير الآية التي في القصص أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا أراد موسى ومحمدا وقالوا إنا بكل كافرون وقرأ الكوفيون: سحران تظاهرا أرادوا التوراة والقرآن وأما آية طه فليس فيها إلا قراءة واحدة ومعنى واحد لساحران يريدون موسى وهارون فاشتبهت الآيتان على الناقل أو السامع نزاعة للشوى تأكل لحم الساقين قلت: في الآية تفسيران مشهوران أحدهما أن الشوى الأطراف التي ليست مقاتل كاليدين والرجلين تنزعها عن أماكنها ومنه قولهم quot;رمى الصيد فأشواهquot; إذا أصاب(3\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "610",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6825",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أطرافه دون مقاتلة فإن أصاب مقتله فمات موضعه قيل رماه فأصماه فإن حمل السهم وفر به ثم مات في موضع آخر قيل رماه فأنحاه قال الشاعر: فهو لا ينحى رمية ... ما له عد من نفره التفسير الثاني: أن الشوى جمع شواة وهي جلدة الرأس وفروته وتفسير أحمد لا يناقض هذا فلعله إنما ذكر لحم الساقين تمثيلا والله أعلم. ما زاغ البصر لم ينصرف يمينا ولا شمالا وما طغى لم ينظر إلى فوق وقال: quot;من قرأ (سال سائل) قال: سال واد ومن قرأ (سأل سائل) قال: دعاquot; قلت: هذا أحد القولين والثاني أن ذا الألف من السؤال أيضا لكنه قلبت الهمزة فيه ألفا ناشئة الليل قال قيام الليل من المغرب إلى طلوع الفجر والناشئة لا تكون إلا من بعد رقدة ومن لم يرقد لا يقال لها ناشئة هي أشد وطئا قال هي أشد تبيينا تفهم ما يقرأ وتعي أذنك وخر راكعا قال: quot;كان ابن مسعود لا يسجد فيها يقول هي توبة نبيquot; إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث قال: quot;قوينا قال هي أنطاكية وجاء الثالث وقد اجتمع الناس على الاثنين فقال: يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا قال أبو عبد الله: quot;قال ابن ادريس وددت أني قرأت أهل المدينة المنورةquot; قال: وقال ابن عيينة قال لي ابن جريح اقرأ علي حتى أفسر لك قال وكان ابن جريح قد كتب التفسير عن ابن عباس وعن مجاهد وقال: quot;رحم الله سفيان ما كان أفقهه في القرآن وكان له علمquot; وقال في النجم في آخرها يسجد ثم يقوم فيقرأ هذا في الإمام وقال: quot;النفاق لم يكن في المهاجرينquot;. وقال: quot;في القرآن اثنان وثمانون موضعا الصبر محمود وموضعان مذمومquot; قال: quot;المذموم: سواء علينا أجزعنا أم صبرنا أن امشوا واصبروا على آلهتكم أو قال: فما أصبرهم على النار المروزي شك وإبراهيم الذي وفى قال: quot;بلي بالذبح ذبح ابنه فوفى وبلى بحرق النار فوفى وذكر الثالثة فوفى فلم أحفظهquot; قلت لأبي عبد الله إيش تفسير ولا تركنوا إلى الذين ظلموا قال: quot;لا ترضوا أعمالهمquot; قال: وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا في الصلاة والخطبة يوم ندعو كل أناس بإمامهم قال: quot;هو في(3\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "611",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6826",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التفسير بكتابها قلت لأبي عبد الله في القرآن المحراب: كلما دخل عليها زكريا المحراب هو محراب مثل محاريبنا هذه قال: quot;لا أدري أي محراب هوquot; وفي بعض التفسير ذكر محراب داود وسئل عن قوله تعالى: قلوبنا غلف قال: quot;أوعيةquot;. قلت: هذا أحد القولين والقول الثاني وهو أرجح غلف أي في غشاوة لا نفقه عنك ما تقول نظيره قوله: وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يضعف قول من قال أوعية جدا وقال إنما هي جمع أغلف ويقال للقلب الذي في الغشا أغلف وجمعه غلف كما يقال للرجل غير المختون أقلف وجمعه قلف. وسئل عن صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة قال: quot;كملت للهدي ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام فأما أهل مكة فليس عليهم هدى ولا لمن كان بأطراف ما تقصر فيه الصلاةquot;. آخر ما وجد من خط القاضي رحمة الله تعالى. فوائد شتى من كلام ابن عقيل وفتاويه: سئل عمن قال إن برىء مريضي أو قدم غائبي صمت هل يكفي كونه نذرا أو يفتقر إلى أن يقول: لله علي فأجاب: يكفى نذرا لأنه ذكره على وجه المجازاة لأن الله هو يبرىء المرضى فاستغنى بدلالة الحال. وسئل عن رجل طعن بعض الناس فظنه لصا في لصوص هربوا فأجاب: عليه القود لأنه لو كان لصا فهرب لم يجز طعنه ووجب القود فكيف إذا لم يكن. وسئل لو قال منجم إن الشمس تكسف تحت الأرض في وقت كذا هل تصلي صلاة الكسوف فأجاب: لا لأن خبرهم لا يؤخذ به كما لو قالوا الهلال تحت الغيم فإن قيل فإذا قالوا قد زالت الشمس قلنا ذاك موقوف على تقدير ولهذا نقدره بالصنائع انتهى كلامه. ولا حاجة إلى هذا فإن الشمس لو كسفت ظاهرا ثم غابت كاسفة لم يصل للكسوف بعد غيبتها فكيف يصلي لها إذا لم يعاين كسوفها البتة. وذكر له حاكم طعن عليه بأنه يحكم بالفراسة وأنه ضرب بالجريد في إقرار بمال وأخذه منه فقال ابن عقيل: quot;ليس ذلك فراسة بل حكم(3\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "612",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6827",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالأمارات وإذا تأملتم الشرع وجدتموه يجوز التعويل على ذلك وقد ذهب مالك بن أنس رضي الله عنه إلى التوصل إلى الإقرار بما يراه الحاكم وذلك يستند إلى قوله: إن كان قميصه قد من قبل ومتى حكمنا بعقد الأزح وكثرة الخشب ومعاقد القمط في الحصن وما يصلح للمرأة والرجل يعنى في الدعاوي والدباغ والعطار إذا تحاكما في جلد والقيافة والنظر في الخنثى والنظر في أمارات القبلة وهل اللوث في القسامة إلا نحو هذا. أنتهي. قلت الحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات ودلائل الحال كفقهه في كليات الأحكام ضيع الحقوق فهاهنا فقهان لا بد للحاكم منهما فقه في أحكام الحوادث الكلية وفقه في الوقائع وأحوال الناس يميز به بين الصادق والكاذب والمحق والمبطل ثم يطبق بين هذا وهذا بين الواقع والواجب فيعطي الواقع حكمه من الواجب السياسة العادلة جزء من الشريعة ومن له ذوق في الشريعة واطلاع على كمالها وعدلها وسعتها ومصلحتها وأن الخلق لا صلاح لهم بدونها البتة علم أن السياسة العادلة جزء من أجزائها وفرع من فروعها وأن من أحاط علما بمقاصدها ووضعها لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة. فإن السياسة نوعان: سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر وهي من الشريعة علمها من علمها وخفيت على من خفيت عنه ولا تنس في هذا الموضع قول سليمان نبي الله للمرأتين اللتين ادعتا الولد فحكم به داود للكبرى فقال سليمان: ايتوني بالسكين أشقه بينهما فقالت الصغرى: لا تفعل هو ابنها فقضي به للصغرى لما دل عليه امتناعها من رحمة الأم ودل رضى الكبرى بذلك على الاسترواح إلى التأسي بمساواتها في فقد الولد. وكذلك قول الشاهد من أهل امرأة العزيز إن كان قميصه قد من قبل وإن كان قميصه قد من دبر فذكر الله تعالى ذلك مقررا له غير منكر على قائله بل رتب عليه العلم ببراءة يوسف عليه السلام وكذب المرأة عليه وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الزبير أن يقرر ابني أبي الحقيق بالتعذيب على إخراج الكنز فعذبهما حتى أقرا به. ومن ذلك قول علي للظعينة التي حملت كتاب حاطب وأنكرته فقال لها: quot;لتخرجن الكتاب أو(3\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "613",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6828",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لنجردنكquot; وهل تقتضي محاسن الشريعة الكاملة إلا هذا وهل يشك أحد في أن كثيرا من القرائن تفيد علما أقوى من الظن المستفاد من الشاهدين بمراتب عديدة فالعلم المستفاد من مشاهدة الرجل مكشوف الرأس وآخر هارب قدامه وبيده عمامة وعلى رأسه عمامة فالعلم بأن هذه عمامة المكشوف رأسه كالضروري فكيف تقدم عليه اليد التي إنما تفيد ظنا ما عند عدم المعارضة وأما مع هذه المعارضة فلا تفيد شيئا سوى العلم بأنها يد عادية فلا يجوز الحكم بها البتة ولم تأت الشريعة بالحكم لهذه اليد وأمثالها البتة. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يدفع اللقطة إلى واصفها وقد نص أحمد على اعتبار الوصف عند تنازع المالك والمستأجر في الدفين في الدار وهذه من محاسن مذهبه ونص على البلد يفتح فيوجد فيه أبواب مكتوب عليها بالكتابة القديمة أنها وقف أنه يحكم بذلك لقوة هذه القرينة وهل الحكم بالقافة إلا حكم بقرينة الشبه وكذلك اللوث في القسامة حتى أن مالكا وأحمد في إحدى الروايتين يقيدان بها وهو الصواب الذي لا ريب فيه وكذلك الحكم بالنكول إنما هو مستند إلى قوة القرينة الدالة على أن الناكل غير محق وبالجملة فالبينة اسم لكل ما يبن الحق ومن خصها بالشاهدين دعواه والشاهدان من البينة ولا ريب أن غيرهما من أنواع البينة قد تكون أقوى منهما وإنما أتت مرادا بها الحجة والدليل والبرهان مفردة ومجموعة وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;البينة على المدعيquot; المراد به بيان ما يصحح دعواه الشاهدان من البينة ولا ريب أن غيرها من أنواع البينة قد تكون أقوى منهما كدلالة الحال على صدق المدعى فإنها أقوى من دلالة إخبار الشاهد. والبينة والحجة والدلالة والبرهان والآية والتبصرة كالمترادفة لتقارب معانيها والمقصود أن الشرع لم يلغ القرائن ولا دلالات الحال بل من استقرأ مصادر الشرع وموارده وجده شاهدا لها بالاعتبار مرتبا عليها الأحكام. وقول ابن عقيل: quot;ليس هذا فراسةquot; يقال ولا ضير في تسميتة فراسة فإنها فراسة صادقة وقد مدح الله سبحانه وتعالى الفراسة وأهلها في مواضع من كتابه قال تعالى: إن في ذلك(3\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "614",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6829",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لآيات للمتوسمين وهم المتفرسون الذين يأخذون بالسيما وهي العلامة ويقال: توسمت فيك كذا أي تفرسته كأنك أخذت من السيما وهي فعلا من السمة وهي العلامة وقال تعالى: ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم وقال تعالى: يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم وفي الترمذي مرفوعا: quot;اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثم قرأ إن في ذلك لآيات للمتوسمين والله أعلم. ذكر مناظرة بين فقيهين في طهارة المني ونجاسته: قال مدعي الطهارة: المني مبدأ خلق بشر فكان طاهرا كالتراب. قال الآخر: ما أبعد ما اعتبرت فالتراب وضع طهورا ومساعدا للطهور في الولوغ ويرفع حكم الحدث على رأي والحدث نفسه على رأي فأين ما يتطهر به إلى ما يتطهر منه على أن الاستحالات تعمل عملها فأين الثواني من المبادىء وهل الخمر إلا ابنة العنب والمني إلا المتولد من الأغذية في المعدة ذات الإحالة لها إلى النجاسة ثم إلى الدم ثم إلى المني. قال المطهر: ما ذكرته في التراب صحيح وكون المني يتطهر منه لا يدل على نجاسته فالجماع الخالي من الإنزال يتطهر منه ولو كان التطهر منه لنجاسته لاختصت الطهارة بأعضاء الوضوء كالبول والدم وأما كون التراب طهورا دون المني فلعدم تصور التطهير بالمني وكذلك مساعدته في الولوغ فما أبعد ما اعتبرت من الفرق وأما دعواك أن الاستحالة تعمل عملها فنعم وهي تقلب الطيب إلى الخبيث كالأغذية إلى البول والعذرة والدم والخبيث إلى الطيب كدم الطمث ينقلب لبنا وكذلك خروج البن من بين الفرث والدم فالاستحالة من أكبر حجتنا عليك لأن المني دم قصرته الشهوة وأحالته النجسة وانقلابه عنها إلى عين أخرى فلو أعطيت الاستحالة حقها لحكمت بطهارته. قال مدعي النجاسة: المذي مبدأ المني وقد دل الشرع على نجاسته حيث أمر بغسل الذكر وما أصابه منه وإذا كان مبدؤه نجسا فكيف بنهايته ومعلوم أن المبدأ موجود في الحقيقة بالفعل.(3\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "615",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6830",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال المطهر: هذا دعوى لا دليل عليها ومن أين لك أن المذي مبدأ المني وهما حقيقتان مختلفتان في الماهية والصفات والعوارض والرائحة والطبيعة فدعواك أن المذي مبدأ المني وأنه مني لم تستحكم طبخه دعوى مجردة عن دليل نقلي وعقلي وحسي فلا تكون مقبولة ثم لو سلمت لك لم يفدك شيئا البتة فإن للمبادىء أحكاما تخالفها أحكام الثواني فهذا الدم مبدأ اللبن وحكمهما مختلف بل هذا المني نفسه مبدأ الآدمي طاهر العين ومبدأه عندك نجس العين فهذا من أظهر ما يفسد دليلك ويوضح تناقضك وهذا مما لا حيلة في دفعة فإن المني لو كان نجس العين لم يكن الآدمي طاهرا لأن النجاسة عندك لا تطهر بالاستحالة فلا بد من نقض أحد أصليك فإما أن تقول بطهارة المني أو تقول النجاسة تطهر بالاستحالة وإما أن تقول المني نجس والنجاسة لا تطهر بالاستحالة ثم تقول بعد ذلك بطهارة الآدمي فتناقض مالنا إلا النكير له. قال المنجس: لا ريب إن المني فضله مستحيلة عن الغذاء يخرج من مخرج البول فكانت نجسه كهو ولا يرد على البصاق والمخاط والدمع والعرق لأنها لا تخرج من مخرج البول. قال المطهر: حكمك بالنجاسة إما أن يكون للاستحالة عن الغذاء أو للخروج من مخرج البول أو لمجموع الأمرين فالأول باطل إذ مجرد استحالة الفضلة عن الغذاء لا يوجب الحكم بنجاستها كالدمع والمخاط والبصاق وإن كان لخروجه من مخرج البول فهذا إنما يفيدك أنه متنجس لنجاسة مجراه لا أنه نجس العين كما هو أحد الأقوال فيه وهو فاسد فإن المجرى والمقر الباطن لا يحكم عليه بالنجاسة وإنما يحكم بالنجاسة بعد الخروج والانفصال ويحكم بنجاسة المنفصل لخبثه وعينه لا لمجراه مقره وقد علم بهذا بطلان الاستناد إلى مجموع الأمرين والذي يوضح هذا أنا رأينا الفضلات المستحلة عن الغذاء تنقسم إلى طاهر كالبصاق والعرق والمخاط ونجس كالبول والغائط فدل على أن جهة الاستحالة غير مقتضية للنجاسة ورأينا أن النجاسة دارت مع الخبث(3\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "616",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6831",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجودا وعدما فالبول والغائط ذاتان خبيثتان منتنتان مؤذيتان متميزتان عن سائر فضلات الآدمى بزيادة الخبث والنتن والاستقذار تنفر منهما النفوس وتنأى عنهما وتباعدهما عنها أقصى ما يمكن ولا كذلك هذه الفضلة الشريفة التي هي مبدأ خيار عباد الله وساداتهم وهي من أشرف جواهر الإنسان وأفضل الأجزاء المنفصلة عنه ومعها من روح الحياة ما تميزت به عن سائر الفضلات فقياسها على العذرة أفسد قياس في العالم وأبعده عن الصواب والله تعالى أحكم من أن يجعل محال وحيه ورسالاته وقربه مبادئهم نجسه فهو أكرم من ذلك وأيضا فإن الله تعالى أخبر عنه هذا الماء وكرر الخبر عنه في القرآن ووصفه مرة بعد مرة وأخبر أنه دافق يخرج من بين الصلب والترائب وأنه استودعه في قرار مكين ولم يكن الله تعالى ليكرر ذكر شيء كالعذرة والبول ويعيده ويبديه ويخبر بحفظه في قرار مكين ويصفه بأحسن صفاته من الدفق وغيره ولم يصفه بالمهانة إلا لإظهار قدرته البالغة أنه خلق من هذا الماء الضعيف هذا البشر القوي السوي فالمهين ههنا الضعيف ليس هو النجس الخبيث وأيضا فلو كان المني نجسا وكل نجس خبيث لما جعله الله تعالى مبدأ خلق الطيبين من عبادة والطيبات ولهذا لا يتكون من البول والغائط طيب فلقد أبعد النجعة من جعل أصول بني آدم كالبول والغائط في الخبث والنجاسة والناس إذا سبوا الرجل قالوا أصله خبيث وهو خبيث الأصل فلو كانت أصول الناس نجسة وكل نجس خبيث لكان هذا السبب بمنزلة أن يقال أصله نطفة أو أصله ماء ونحو ذلك وإن كانوا إنما يريدون بخبث الأصل كون النطفة وضعت في غير حالها فذاك خبث على خبث ولم يجعل الله في أصول خواص عبادة شيئا من الخبث بوجه ما. قال المنجسون قد أكثرتم علينا من التشنيع بنجاسة أصل الآدمي وأطلتم القول وأغرضتم وتلك الشناعة مشتركة الإلزام بيننا وبينكم فإنه كما أن الله يجعل خواص عباده ظروفا وأوعية للنجاسة كالبول والغائظ والدم والمذي ولا يكون ذلك عائدا عليهم بالعيب والذم فكذلك خلقه لهم من المني النجس وما الفرق. قال(3\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "617",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6832",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المطهرون: لقد تعلقتم بما لا متعلق لكم به واستروحتم إلى خيال باطل فليسوا ظروفا للنجاسة البتة وإنما تصير الفضلة بولا وغائطا إذا فارقت محلها فحينئذ يحكم عليها بالنجاسة وإلا فما دامت في محلها فهي طعام وشراب طيب غير خبيث وإنما يصير خبيثا بعد قذفة وإخراجه وكذلك الدم إنما هو نجس إذا سفح وخرج فأما إذا كان في بدن الحيوان وعروقه فليس بنجس فالمؤمن لا ينجس ولا يكون ظرفا للخبائث والنجاسات. قالوا والذي يقطع دابر القول بالنجاسة أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن الأمة شديدة البلوى في أبدانهم وثيابهم وفرشهم ولحفهم ولم يأمرهم فيه يوما ما بغسل ما أصابه لا من بدن ولا من ثوب البتة ويستحيل أن يكون كالبول ولم يتقدم إليهم بحرف واحد في الأمر بغسله وتأخير البيان عن وقت الحاجة إليه ممتنع عليه. قالوا: ونساء النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الأمة بحكم هذه المسألة وقد ثبت عن عائشة أنها أنكرت على رجل أعارته ملحفة صفراء ونام فيها فاحتلم فغسلها فأنكرت عليه غسلها وقالت: quot;إنما كان يكفيه أن يفركه بإصبعه ربما فركته من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم بإصبعيquot; ذكره ابن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن همام قال نزل بعائشة ضيف فذكره وقال أيضا حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: quot;لقد رأيتني أجده في ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحته عنهquot; تعنى المني وهذا قول عائشة وسعد ابن أبي وقاص وعبد الله بن عباس قال ابن أبي شيبة ثنا هشيم عن حصين عن مصعب بن سعد عن سعد quot;أنه كان يفرك الجناية من ثوبهquot; ثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن مصعب ابن سعد عن سعد quot;أنه كان يفرك الجنابة من ثوبهquot; حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في المني قال: quot;امسحه بإذخرةquot; ثنا هشيم انبأنا حجاج وابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس في الجنابة تصيب الثوب قال: quot;إنما هو كالنخامة أو النخاعة أمطه عنك بخرقة أو بأذخرةquot;. قالوا: وقد روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: quot;كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلت المني من ثوبه(3\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "618",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6833",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعرق الإذخر ثم يصلي فيه ويحته من ثوبه يابسا ثم يصلى فيهquot; وهذا صريح في طهارته لا يحتمل تأويلا البتة. قالوا: وقد روى الدارقطني من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق ثنا شريك عن محمد ابن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: quot; سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن المني يصيب الثوب فقال: quot;إنما هو بمنزلة البصاق والمخاط وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرةquot; قالوا: هذا إسناد صحيح فإن إسحاق الأزرق حديثه مخرج في الصحيحين وكذلك شريك وإن كان قد علل بتفرد إسحاق الأزرق به فإسحاق ثقة يحتج به في الصحيحين وعندكم تفرد الثقة بالزيادة مقبول. قال المنجس: صح عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تغسله من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أمر بغسله قال أبو بكر ابن أبي شيبة حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: quot;إذا أجنب الرجل في ثوبه ورأى فيه أثرا فليغسله وإن لم ير فيه أثرا فلينضحهquot; ثنا عبد الاعلى عن معمر عن الزهري عن طلحة بن عبد الله بن عوف عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول في الجنابة في الثوب: quot;إن رأيت أثره فاغسله وإن علمت أنه قد أصابه وخفي عليك فاغسل الثوب مكانه وعلم أنه قد أصابه غسل الثوبquot; كله ثنا وكيع عن هشام عن أبيه عن زيد بن الصلت quot;أن عمر بن الخطاب غسل ما رأى ونضح ما لم ير وأعاد بعدما أضحى متمكناquot; ثنا وكيع عن السري بن يحيى عن عبد الكريم بن رشيد عن أنس في رجل أجنب في ثوبه فلم ير أثره قال: quot;يغسله كلهquot; ثنا جابر ثنا حفص عن أشعت عن الحكم أن ابن مسعود quot;كان يغسل أثر الاحتلام من ثوبهquot; ثنا حسين بن علي عن جعفر بن برقان عن خالد بن أبي عزة قال: سأل رجل عمر ابن الخطاب فقال: إني احتلمت على طنفسة فقال: quot;إن كان رطبا فاغسله وإن كان يابسا فاحككه وإن خفي عليك فارششهquot;. قالوا: وقد ثبت(3\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "619",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6834",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تسمية المني أذى كما سمي دم الحيض أذى والأذى هو النجس فقال الطحاوي ثنا ربيع الحيرى ثنا إسحاق ابن بكر بن مضر قال حدثني أبي عن جعفر بن ربيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سويد بن قيس عن معاوية بن حديج عن معاوية بن أبي سفيان أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في الثوب الذي يضاجعك فيه قالت: نعم إذا لم يصبه أذىquot; وفي هذا دليل من وجه آخر وهو ترك الصلاة فيه وقد روى محمد بن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت: quot;كان رسول الله يصلي في لحف نسائهquot;. قالوا وأما ما ذكرتم من الآثار على مسحه بأذخرة وفركه فإنما هي في ثياب النوم لا في ثياب الصلاة قالوا وقد رأينا الثياب النجسة بالغائط والبول والدم لا بأس بالنوم فيها ولا تجوز الصلاة فيها فقد يجوز أن يكون المني كذلك. قالوا: وإنما تكون تلك الآثار حجة علينا لو كنا نقول لا يصح النوم في الثوب النجس فإذا كنا نبيح ذلك ونوافق ما رويتم ما رويتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ونقول من بعد لا تصلح الصلاة في ذلك فلم يخالف شيئا مما روى في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. قالوا: وإذا كانت الآثار قد اختلفت في هذا الباب ولم يكن فيها دليل على حكم المني كيف هو اعتبرنا ذلك من طريق النظر فوجدنا خروج المني حدثا أغلظ الأحداث لأنه يوجب أكبر الطهارات فأردنا أن ننظر في الأشياء التي خروجها حدث كيف حكمها في نفسها فرأينا الغائط والبول خروجهما حدث وهما نجسان في أنفسهما وكذلك دم الحيض والاستحاضة هما حدث وهما نجسان في أنفسهما ودم العروق كذلك في النظر فلما ثبت بما ذكرنا أن كل ما خروجه حدث فهو نجس في نفسه وقد ثبت أن خروج المني حدث ثبت أيضا أنه في نفسه نجس فهذا هو النظر فيه. قال المطهر: ليس في شيء مما ذكرت دليل على نجاسته أما كون عائشة كانت تغسله من ثوب رسول الله فلا ريب أن الثوب يغسل من القذر والوسخ والنجاسة فلا يدل مجرد غسل الثوب منه على نجاسته فقد كانت تغسله تارة وتمسحه أخرى وتفركه أحيانا(3\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "620",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6835",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ففركه ومسحه دليل على طهارته وغسله لا يدل على النجاسة فلو أعطيتم الأدلة حقها لعلمتم توافقها وتصادقها لا تناقضها واختلافها وأما أمر ابن عباس بغسله فقد ثبت عنه أنه قال: quot;إنما هو بمنزله المخاط والبصاق فأمطه عنك ولو بإذخرةquot; وأمره بغسله للاستقذار والنظافة ولو قدر أنه للنجاسة عنده وأن الرواية اختلفت عنه فتكون مسألة خلاف عنه بين الصحابة والحجة تفضل بين المتنازعين على أنا لا نعلم عن صحابي ولا أحد أنه قال إنه نجس ألبته بل غاية ما يروونه عن الصحابة غسله فعلا وأمرا وهذا لا يستلزم النجاسة ولو أخذتم بمجموع الآثار عنهم لدلت على جواز الأمرين غسله للاستقذار والاجتزاء بمسحه رطبا وفركه يابسا كالمخاط وأما قولكم ثبت تسمية المني أذى فلم يثبت ذلك وقول أم حبيبة: quot;ما لم ير فيه أذىquot; لا يدل على أن مرادها بالأذى المني لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام فإنها إنما أخبرت بأنه يصلي في الثوب الذي يضاجعها فيه ما لم يصبه أذى ولم تزد. فلو قال قائل: المراد بالأذى دم الطمث لكان أسعد تفسيره منكم وكذلك تركه الصلاة في لحف نسائه لا يدل على نجاسة المني البتة فإن لحاف المرأة قد يصيبه من دم حيضها وهي لا تشعر وقد يكون الترك تنزها عنه وطلب الصلاة على ما هو أطيب منه وأنظف فأين دليل التنجيس. وأما حملكم الآثار الدالة على الاجتزاء بمسحه وفركه على ثياب النوم دون ثياب الطهارة فنصره المذاهب توجب مثل هذا فلو أعطيتهم الأحاديث حقها وتأملتم سياقها وأسبابها لجزمتم بأنها إنما سيقت لاحتجاج الصحابة بها على الطهارة وإنكارهم على من نجس المني قالت عائشة رضي الله عنها: quot;كنت أفركه من ثوب رسول الله فيصلي فيه quot; وفي حديث عبد الله بن عباس مرفوعا وموقوفا: quot;إنما هو كالمخاط والبصاق فأمطه عنك ولو بإذخرة quot; وبالجملة فمن المحال أن يكون نجسا والنبي صلى الله عليه وسلم شدة ابتلاء الأمة به في ثيابهم وأبدانهم ولا يأمرهم يوما من الأيام بغسله وهم يعلمون الاجتزاء بمسحه وفركه. وأما قولكم إن الآثار قد اختلفت في هذا الباب ولم يكن في المروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بيان حكم المني فاعتبرتم(3\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "621",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6836",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك من طريق النظر فيقال الآثار بحمد الله في هذا الباب متفقة لا مختلفة وشروط الاختلاف منتفية بأسرها عنها وقد تقدم أن الغسل تارة والمسح والفرك تارة جائز ولا يدل ذلك على تناقض ولا اختلاف البتة ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكل أمته في بيان حكم هذا الأمر المهم إلى مجرد نظرها وآرائها وهو يعلمهم كل شيء حتى التخلي وآدابه ولقد بينت السنة هذه المسألة بيانا شافيا ولله الحمد. وأما ما ذكرتم من النظر على تنجيسه فنظر أعشى لأنكم أخذتم حكم نجاسته من وجوب الاغتسال منه ولا ارتباط بينهما لا عقلا ولا شرعا ولا حسا وإنما الشارع حكم بوجوب الغسل على البدن كله عند خروجه كما حكم به عند إيلاج الحشفة في الفرج ولا نجاسة هناك ولا خارج وهذه الريح توجب غسل أعضاء الوضوء وليست نجسه ولهذا لا يستنجي منها ولا يغسل الإزار والثوب منها فما كل ما أوجب الطهارة يكون نجسا ولا كل نجس يوجب الطهارة أيضا فقد ثبت عن الصحابة أنهم صلوا بعد خروج دمائهم في وقائع متعددة وهم أعلم بدين الله من أن يصلوا وهم محدثون فظهر أن النظر لا يوجب نجاسته والآثار تدل على طهارته وقد خلق الله الأعيان على أصل الطهارة فلا ينجس منها إلا ما نجسه الشرع وما لم يرد تنجيسه من الشرع فهو على أصل الطهارة والله أعلم. فائدة: تعليق الطلاق على أمر: إذا علق الطلاق بأمر يعلم العقل استحالته عادة وأخبر من لا يعلم إلا من جهته بوقوعه وليس خبره مما قام الدليل على صدقه فقد قال كثير من الفقهاء بوقوع الطلاق عند خبره وقال محمد بن الحسن بعدم الوقوع وهو الصواب وهو اختيار ابن عقيل وغيره من أصحاب أحمد بن حنبل. وصورة المسألة إذا قال: إن كنت(3\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "622",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6837",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تحبين أن يعذبك الله في النار فأنت طالق فقالت: أنا أحب ذلك. قال الموقعون المحبة أمر لا يتوقف عليه ولا يعلم إلا من جهتها فإذا أخبرت به رجع إلى قولها الباطن اعترض على ذلك ابن عقيل فقال: quot;إذا كان عليه دلالة أمكن الاطلاع عليه ولا دلالة أكبر من العلم بأن طباع الحيوان لا تصبر على نفحات النار ولا تحبها وإذا علم هذا طبعا صار دعوى خلافه خرقا للعادة فهو كقوله أنت طالق إن صعدت السماء فغابت ثم ادعت الصعود فإنه لا يقع لاستحالته طبعا وعادة قالوا النعام يميل إلى النار فلا يمتنع أن تكون هذه صادقة لإخبارها عن نفسها أو دخل عليها داخل من برد استولى على جسدها فتمنت معه دخول النارquot;. قال ابن عقيل: quot;لا يستحيل الميل إلى النار من الحيوان الذي ذكرت لكن ذلك خرق للعادة في حق غيرها فلئن جاز أن يصدقها في ذلك لكونه لا يستحيل وجب أن يصدقها في صعود السماء فقد صعدت إليها الملائكة والجن والأنبياء بل يبنى الأمر على العادة دون خرقها وفي مسألتنا لم تقل أحب النار بل قالت: أحب أن يعذبني الله بالنار والنعام لا يتعذب فقد صرحت بحب أعظم الألم ولم يجتمع في حيوان حب وميل إلى ما يعذب به فقد صرحت بحب أعظم الألم ولم يجتمع في حيوان حب وميل إلى ما يعذب به بل طبعه النفور من كل مؤلم فأما تعلقهم بأن ما في قلبها لا يطلع عليه إلا من إخبارها فهذا شيء يرجع إلى ما يجوز أن يكون في قلبها من طريق العادة فأما المستحيل عادة فإنه كالمستحيل في نفسه ولو أنه قال لها إن كنت تعتقدين أن الجمل يدخل في خرم الإبرة فأنت طالق فقالت: أعتقده لم يقع الطلاق إذ لا عاقل يجوز ذلك فضلا عن أن يعتقدهquot;. انتهى كلامه وهو كما ترى قوة صحة. حادثة: مسجد عليه وقف خرب وليس في وقفه ما يفي بعمارته هل يجوز نقل ذلك إلى عمارة الجامع الذي لا غنى للقرية عنه قال جماعة يجوز وخالفهم ابن عقيل(3\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "623",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6838",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال quot;يجب صرف دخل وقف المسجد إلى عمارته بحسبها وقد كان سقف مسجد النبي صلى الله عليه وسلم سعفاquot; أنتهي. والتحقيق في المسألة أن المسجد إن تعطل بحيث أنتقل أهله عنه وبقى في مكان لا يصلى فيه فالصواب ما قاله الجماعة وإن كان جبرانه بحالهم وهو بصدد أن يصلى فيه فالصواب ما قاله ابن عقيل والله أعلم. وسئل عن رجل تزوج ضريرة ومعها جارية تخدمها فأنفق عليها مدة ثم قصر في النفقة وعلل ذلك بأنه في مقابلة ما كان أنفق على الجارية فقال هذا فإن من تزوج ضريرة فقد دخل على بصيرة أنه لا بد لها من خادم فتكون المؤونة عليه كمن تزوج امرأة ذات جلالة يلزمه إخدامها. وسئل عن رجل أدرك الناس ركوعا في صلاة الجمعة وسمع من المبلغين قول: (سمع الله لمن حمده) فهل يقدر ما يكون به تابعا للإمام أو يعتبر بمن يليه فقال: quot;بل يقدر ما يكون به حاكما تابعا للإمام في حال ركوعه لأنه قد يكون ركع والإمام قد رفع ولكن لبعد ما بين المبلغين وبين الإمام قد يكون الأواخر ركعا وذلك أن الشرع علق الإدراك بركوع الإمام فالوسائط لا عبرة بهم. حادثة: طلاق امرأة: رجل قال لامرأته أنت طالق لا كلمتك وأعاده فقال بعض أصحاب أحمد: إن قصد إفهامها بالثاني لم يقع وإن قصد الابتداء وقع المعلق بالثانيquot; قال ابن عقيل: quot;هذا خطأ لأن الثاني هو كلام لها على كل حال سواء قصد الإفهام أو الابتداء وإنما اشتبهت بمسألة إذا قال إن حلفت بطلاقك فأنت طالق وأعاده فإن التفصيل كما ذكرت فأما الكلام فهو على الإطلاق يتناول كل كلام مخصوص بخلاف الحلف فإنه لا يكون حلفا إلا بقصد وإذا كان قصده بالثاني إفهامها لما حلف به أولا لم يكن حلفا. قلت: والصواب القول الأول وهذا الفرق خيالي فإنه إذا قصد إفهامها فلم يرد إلا اليمين الأولى ولم يرد به الكلام المحلوف عليه فتحنيثه بما لم يرده البتة وبساط الكلام(3\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "624",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6839",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتبينه إنما يدل على أنه لا كلمتك بعد اليمين مفردة كانت أو مكررة فما كلمها الكلام الذي حلف عليه وإنما أفهمها يمينه فلا فرق بينهما وبين مسألة الحلف وأما قوله: إن الحلف لا يكون حلفا إلا بقصد فيقال: إن كان القصد شرطا في اعتبار المحلوف عليه لم يحنث في الموضعين وإن لم يكن شرط فيه فينبغي أن يحنث في الموضعين فأما أن يجعل القصد شرطا في أحدهما دون الآخر فلا وجه له والله أعلم. فائدة: الوصية لأهل البيت: استدل شيعي على الوصية لأهل البيت بقوله تعالى: قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى فأجيب بأن قيل هذه وصية بهم لا وصية إليهم فهي حجة على خلاف قول الشيعة لأن الأمر لو كان إليهم لأوصاهم ولم يوص بهم ونظير هذا الاحتجاج على أن الأمر في قريش لا في الأنصار بقول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;أوصيكم بالأنصار quot; فدل على أن الأمر في غيرهم. قلت: وهذا كله خروج عن معنى الآية وما أريد بها ولا دلالة فيها لواحد من الطائفتين فإن معنى الآية: لا أسالكم عليه أجرا إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة فإنه لم يكن بطن من قريش إلا وللنبي صلى الله عليه وسلم قرابة فقال: لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجرا ولكن صلوا ما بيني وبينكم من القرابة وليست هذه الصلة أجرا فالاستثناء منقطع فإن الصلة من موجبات الرحم فهي واجبة على كل أحد وهذا هو تفسير ابن عباس الذي ذكره البخاري عنه في صحيحه.(3\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "625",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6840",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: من العجب إنكار كون القرعة طريقا لإثبات الأحكام مع ورود السنة بها وإثبات حل الوطء بشهادة شاهدي زور يعلم الزوج الثاني أنهما شاهدا زور ومع هذا فيثبت الحل له بشهادتهما فمن يقول هذا في باب حل الأبضاع والفروج كيف يمنع القرعة. ومن العجب قولهم: إذا منع الذمي دينار من الجزية أنتقض عهده ولو جاهر بسب الله ورسوله ودينه أو حرق بيوت الله لم ينتقض عهده. ومن العجب إباحتهم القرآن بالعجمية ومنع رواية الحديث بالمعنى. ومن العجب قولهم الإيمان نفس التصديق وهو لا يتفاضل والأعمال ليست منه وتكفيرهم من يقول مسيجد وفقيه ومن يلتذ بالسماع ويصلي بلا وضوء ونحو ذلك. ومن العجب إسقاطهم الحد عمن استأجر امرأة لرضاع ولده فزنا بها أو أستأجرها ليزني بها وإيجابهم الحد على من وطىء امرأة في الظلمة بظنها امرأته فبانت أجنبية. ومن العجب تشددهم في المياه أعظم التشديد حتى نجسوا القناطير المقنطرة من الماء بمثل رأس الإبرة من البول ويجوزون الصلاة في ثوب ربعه متضمخ بالنجاسة. ومن العجب منعهم إلحاق النسب بالقيافة التي هي من أظهر الأدلة وقد اعتبرها النبي صلى الله عليه وسلم وعمل بها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وإلحاقهم النسب برجل تزوج امرأة بأقصى المشرق وهو بأقصى المغرب وبينهما ما لا يقطعه البشر وقال: تزوجت فلانة وهي طالق ثلاثا عقب القبول ثم جاءت بولد فقالت هو منه. ومن العجب إلحاقهم الولد في هذه الصورة وزعمهم أن الرجل إذا كانت له سرية وهو يطأها دائما فأتت بولد على فراشه لم يلحقه إلا أن يستحلفه. ومن العجب أنهم يقولون إذا شهد عليه أربعة بالزنا فقال: صدقوا في شهادتهم وقد فعلت سقط عنه الحد(3\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "626",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6841",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن اتهمهم وقال كذبوا علي حد. ومن العجب قولهم: لا يصح اسئجار دار لتجعل مسجدا يصلي فيه المسلمون ويصح استئجارها كنيسة يعبد فيها الصليب وبيتا تعبد فيه النار. ومن العجب قولهم: إذا قهقه في الصلاة أنتقض وضوؤه ولو غنى في صلاته وقذف المحصنات وأتى بأقبح السب والفحش فوضوؤه بحالة لم ينتقض. ومن العجب قولهم: إذا وقع في البئر نجاسة ينزح منه أدلاء معينة فإذا حصل الدلو الأول في البئر تنجس وغرف الماء نجسا فما أصاب حيطان البئر منه نجسها وكذلك ما بعده من الدلاء إلى الأخير فإنه ينزل نجسا ثم يصعد طاهرا يقشقش النجاسة من البئر قال الحافظ: quot;ما يكون أكرم أو أعقل من هذا الدلوquot;. ومن العجب قولهم: لو حلف لا يأكل فاكهة حنث بأكل الجوز ولو كان يابسا منذ سنين ولا يحنث بأكل الرطب والعنب والرمان. وأعجب من ذلك تعليلهم بأن هذه الثلاثة خيار الفاكهة فلا تدخل في الاسم المطلق ذكر الحكم والدليل الاسماقي في شرح الطحاوي. ومن العجب قولهم: لو حلف لا يشرب من النيل أو الفرات أو دجلة فشرب بكفه لم يحنث حتى ينكب ويكرع بفيه مثل البهائم. فائدة: قال جماعة من الناس إذا ماتت نصرانية في بطنها جنين مسلم نزل ذلك القبر نعيم وعذاب فالنعيم للابن والعذاب للأم ولا بعد فيما قالته كما لو دفن في قبر واحد مؤمن وفاجر فإنه يجتمع في القبر النعيم والعذاب.(3\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "627",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6842",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة قالت الامامية إن العتق لا ينفذ إلا إذا قصد به القربة لأنهم جعلوه عبادة والعبادة لا تصح إلا بالنية. قال ابن عقيل: quot;ولا بأس بهذا القول لا سيما وهم يقولون الطلاق لا يقع إلا إذا كان مصادقا للسنة مطابقا للأمر وليس بقربة فكيف بالعتق الذي هو قربةquot; قلت: وقد ذكر البخاري في صحيحه عن ابن عباس أنه قال: quot;الطلاق ما كان عن وطر والعتق ما ابتغى به وجه اللهquot;. فائدة: كثير من الناس يطلب من صاحبه بعد نيله درجة الرياسة الأخلاق التي كان يعامله بها قبل الرياسة فلا يصادفها فينتقض ما بينهما من المودة وهذا من جهل الصأحب الطالب للعادة وهو بمنزلة من يطلب من صاحبه إذا سكر أخلاق الصاحي وذلك غلط فإن الرياسه سكرة كسكرة الخمر أو أشد ولو لم يكن للرياسة سكرة لما اختارها صاحبها على الآخرة الدائمة الباقية فسكرتها فوق سكرة القهوة بكثير ومحال أن يرى من السكران أخلاق الصاحي وطبعه ولهذا أمر الله تعالى أكرم خلقه عليه بمخاطبة رئيس القبط بالخطاب اللين فمخاطبة الرؤساء بالقول اللين أمر مطلوب شرعا وعقلا وعرفا ولذلك تجد الناس كالمفطورين عليه وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب رؤساء العشائر والقبائل وتأمل امتثال موسى لما أمر به كيف قال لفرعون: هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى فأخرج الكلام معه مخرج السؤال والعرض(3\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "628",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6843",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا مخرج الأمر وقال: إلى أن تزكى ولم يقل إلى أن أزكيك فنسب الفعل إليه هو وذكر لفظ التزكي دون غيره لما فيه من البركة والخير والنماء ثم قال وأهديك إلى ربك أكون كالدليل بين يديك الذي يسير أمامك وقال إلى ربك استدعاء لإيمانه بربه الذي خلقه ورزقه ورباه بنعمه صغيرا ويافعا وكبيرا وكذلك قول إبراهيم الخليل لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا فابتدأ خطابه بذكر أبوته الدالة على توقيره ولم يسمه باسمه ثم اخرج الكلام معه مخرج السؤال فقال: لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ولم يقل لا تعبد ثم قال: يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فلم يقل له جاهل لا علم عندك بل عدل عن هذه العبارة إلى ألطف عبارة تدل على هذا المعنى فقال: جاءني من العلم ما لم يأتك ثم قال: فاتبعني أهدك صراطا سويا هذا ومثل قول موسى لفرعون: وأهديك إلى ربك ثم قال: يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا فنسب الخوف إلى نفسه دون أبيه كما يفعل الشفيق الخائف على من يشفق عليه وقال: (يمسك) فذكر لفظ المس الذي هو ألطف من غيره ثم نكر العذاب ثم ذكر الرحمن ولم يقل الجبار ولا القهار فأي خطاب ألطف وألين من هذا. ونظير هذا خطاب صاحب يس لقومه حيث قال: يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ونظير ذلك قول نوح لقومه: يا قوم إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى . وكذلك سائر خطاب الأنبياء لأمتهم في القرآن إذا تأملته وجدته ألين خطاب وألطفه بل خطاب الله لعباده وألطف خطاب وألينه كقوله تعالى: يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم الآيات وقوله تعالى: يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وقوله: يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور وتأمل(3\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "629",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6844",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما في قوله تعالى: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا من اللطف الذي سلب العقول وقوله تعالى: أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين على أحد التأويلين أي نترككم فلا ننصحكم ولا ندعوكم ونعرض عنكم إذا أعرضتم أنتم وأسرفتم وتأمل لطف خطاب نذر الجن لقومهم وقولهم يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم . فائدة: سئل ابن عقيل عن رجل له ماء يجري على سطح جاره فعلا داره هل يسقط حق الجري فقال: quot;لا لكنه إذا سلط الماء على عادته حفر سطح جاره لموضع العلو فينبغي أن يجعل جريه بحدته إلى ملكه ثم يخرجه بسهولة إلى سطح جارهquot;. فائدة: وسئل عن رجل قالت له زوجته: طلقني فقال: إن الله قد طلقك فقال: quot;يقع الطلاق لأنه كناية استندت إلى دلالة الحال وهي ذكر الطلاق وسؤالها إياهquot; وأجاب بعض الشافعية بأنه إن نوى وقع الطلاق وإلا لم يقعquot; قلت: وهذا هو الصواب إن قوله إن الله قد طلقك إن أراد به شرع طلاقك وأباحه لم يقع وإن أراد أن الله قد أوقع عليك الطلاق وأراده وشاءه فهذا يكون(3\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "630",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6845",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طلاقا لأن ضرورة صدقة أن يكون الطلاق واقعا وإذا احتمل الأمرين فلا يقع إلا بالنية. فائدة: وسئل عن رجل أوقف دابة في مكان فجاء رجل فضربها فرفسته فمات هل يضمن صاحب الدابة فقال: quot;إذا لم يكن متعديا في إيقافها بأن تكون في ملك الضارب فلا ضمان عليه وإن كان متعديا فالضمان عليهquot;. فائدة: حكى الطحاوي أن مذهب أبي يوسف جواز أخذ بني هاشم الفقراء الزكاة من بني هاشم الأغنياء قاله ابن عقيل قال: quot;وسألت قاضي القضاة عن ذلك يريد الدامغاني فقال: نعم هو مذهب أبي يوسف وهو مذهب الإماميةquot; قلت: وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنهم يجوزون لهم الأخذ من الزكاة مطلقا إذا منعوا حقهم من الخمس وأفتى به بعض الشافعية. فائدة: هل حجرة النبي صلى الله عليه وسلم أفضل أم الكعبة قال ابن عقيل: quot;سألني سائل أيما أفضل حجرة النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة فقلت: إن أردت مجرد الحجرة فالكعبة أفضل وإن أردت وهو فيها فلا والله ولا العرش(3\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "631",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6846",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحملته ولا جنه عدن ولا الأفلاك الدائرة لأن بالحجرة جسدا لو وزن بالكونين لرجح. وسئل عن حبس الطير لطيب نغمتها فقال: quot;سفه وبطر يكفينا أن نقدم على ذبحها للأكل فحسب لأن الهواتف من الحمام ربما هتفت نياحة على الطيران وذكر أفراخها أفيحسن بعاقل أن يعذب حيا ليترنم فيلتذ بنياحتهquot; وقد منع من هذا بعض أصحابنا وسموه سفها. فائدة: من دقيق الورع أن لا يقبل المبذول حال هيجان الطبع من حزن أو سرور فذلك كبذل السكران ومعلوم أن الرأي لا يتحقق إلا مع اعتدال المزاج ومتى بذل باذل في تلك الحال يعقبه ندم ومن هنا لا يقضي القاضي وهو غضبان وإذا أردت اختبار ذلك فاختبر نفسك في كل مواردك من الخير والشر فالبدار بالانتقام حال الغضب يعقب ندما وطالما ندم المسرور على مجازفته في العطاء وود أن لو كان اقتصر وقد ندم الحسن على تمثيله بابن ملجم. فائدة: في قول النبي صلى الله عليه وسلم لسائل عن مواقيت الصلاة: quot;صل معناquot; جواز البيان بالفعل وجواز تأخيره إلى وقت الحاجة إليه وجواز العدول عن العمل الفاضل إلى المفضول لبيان الجواز.(3\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "632",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6847",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: تفسير القيراط في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: قوله صلى الله عليه وسلم: quot;من صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان quot; سئل أبو نصر بن الصباغ عن القيراطين هل هما غير الأول أو به فقال: quot;بل القيراطان الأول وآخر معه بدليل قوله تعالى: مثنى وثلاث ورباع . قلت: ونظير هذا قوله صلى صلى الله عليه وسلم: quot;من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كلهquot; فهذا مع صلاة العشاء في جماعة قد جاء مصرحا به في جامع الترمذي كذلك quot;ومن صلى العشاء والفجر في جماعة فكأنما قام الليل كلهquot; ونظيره أيضا قوله تعالى: قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين فهي أربعة باليومين الأولين ولولا ذلك لكانت أيام التخليق ثمانية. فائدة: لم أزل حريصا على معرفة المراد بالقيراط في هذا الحديث وإلى أي شيء نسبته حتى رأيت لابن عقيل فيه كلاما قال: quot;القيراط نصف سدس درهم مثلا أو نصف دينار ولا يجوز أن يكون المراد هنا جنس الأجر لأن ذلك يدخل فيه ثواب الإيمان وأعماله كالصلاة والحج وغيره وليس في صلاة الجنازة ما يبلغ هذا فلم يبق إلا أن يرجع إلى المعهود وهو الأجر العائد إلى الميت ويتعلق بالميت(3\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "633",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6848",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أجر الصبر على المصاب فيه وأجر تجهيز وغسله ودفنه والتعزية به وحمل الطعام إلى أهله وتسليتهم وهذا مجموع الأجر الذي يتعلق بالميت فكان للمصلي والجالس إلى أن يقبر سدس ذلك أو نصف سدسه إن صلى وانصرفquot;. قلت: كان مجموع الأجر الحاصل على تجهيز الميت من حين الفراق إلى وضعه في لحده وقضاء حق أهله وأولاده وجبرهم دينار مثلا فللمصلي عليه قيراط من هذا الدينار والذي يتعارفه الناس من القيراط أنه نصف سدس فإن صلى عليه وتبعه كان له قيراطان منه وهما سدسه وعلى هذا فيكون نسبه القيراط إلى الأجر الكامل بحسب عظم ذلك الأجر الكامل في نفسه وكلما كان أعظم كان القيراط منه بحسبه فهذا بين ههنا. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: quot; من اقتنى كلبا إلا كلب ماشية أو زرع نقص من أجره أو من عمله كل يوم قيراطquot; فيحتمل أن يراد به هذا المعنى أيضا بعينه وهو نصف سدس أجر عمله ذلك اليوم ويكون صغر هذا القيراط وكبره بحسب قلة عمله وكثرته فإذا كانت له أربعة وعشرون ألف حسنة مثلا نقص منها كل يوم ألفا حسنة وعلى هذا الحساب والله أعلم بمراد رسوله وهذا مبلغ الجهد في فهم هذا الحديث. فائدة: قوله صلى الله عليه وسلم: quot;من عزى مصابا فله مثل أجرهquot; استشكله بعضهم وقال: مشقة المصيبة أعظم بكثير من مساواة تعزية المعزي لها مع برد قلبه فأجاب ابن عقيل رحمه الله بجواب بديع جدا فقال: quot;ليس مراده بعضهم لبعض نسأ الله في أجلك وتعيش أنت وتبقى وأطال الله عمرك وما أشبه ذلك بل المقصود من عمد إلى قلب قد أقلقه ألم المصاب وأزعجه وقد كاد يساكن السخط ويقول الهجر ويوقع الذنب فداوى ذلك القلب بآي الوعيد وثواب الصبر وذم الجزع(3\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "634",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6849",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حتى يزيل ما به أو يقلله فيتعزى فيصير ثواب المسلى كثواب المصاب لأن كلا منهما دفع الجزع فالمصاب كابده بالاستجابة والمعزي عمل في أسباب المداواة لألم الكآبة. فائدة: قوله صلى الله عليه وسلم: quot; أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود quot; قال ابن عقيل: quot;المراد بهم الذين دامت طاعاتهم وعدالتهم فزلت في بعض الأحايين أقدامهم بورطةquot;. قلت: ليس ما ذكره بالبين فإن النبي صلى الله عليه وسلم يعبر عن أهل التقوى والطاعة والعبادة بأنهم ذوو الهيئات ولا عهد بهذه العبارة في كلام الله ورسوله للمطيعين المتقين والظاهر أنهم ذوو الأقدار بين الناس من الجاه والشرف والسؤدد فإن الله تعالى خصهم بنوع التكريم وتفضيل على بني جنسهم فمن كان منهم مستورا مشهورا بالخير حتى كبا به جواده ونبا عصب صبره وأديل عليه شيطانه فلا تسارع إلى تأنيبه وعقوبته بل تقال عثرته ما لم يكن حدا من حدود الله فإنه يتعين استيفاؤه من الشريف كما يتعين أخذه من الوضيع فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها وقال: إنما هلك بنوا إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدquot;. وهذا باب عظيم من أبواب محاسن هذه الشريعة الكاملة وسياستها للعالم وانتظامها لمصالح العباد في المعاش والمعاد.(3\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "635",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6850",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: اعترض نفاة المعاني والحكم على مثبتيها في الشريعة بأن قالوا الشرع قد فرق بين المتماثلات فأوجب الحد بشرب الخمر ولم يحد بشرب الدم والبول وأكل العذرة وهي أخبث من الخمر وأوجب قطع اليد في سرقه ربع دينار ومنع قطعها في نهبه ألف دينار وأوجب الحد في رمي الرجل بالفاحشة ولم يوجبه في رميه بالكفر وهو أعظم منه ولم يرتب على الربا حدا مع كونه من الكبائر ورتب الحد على شرب الخمر والزنا وهما من الكبائر. فأجاب المثبتون بأن قالوا: هذا مما يدل على اعتبار المعاني الحكم ونصب الشرع بحسب مصالح العباد فإن الشارع ينظر إلى المحرم مفسدته ثم ينظر إلى وازعه وداعية فإذا عظمت مفسدته رتب عليها من العقوبة بحسب تلك المفسدة ثم إن كان في الطباع التي ركبها الله تعالى في بني آدم وازعا عنه اكتفى بذلك الوازع عن الحد فلم يرتب على شرب البول والدم والقيء وأكل العذرة حدا لما في طباع الناس من الامتناع عن هذه الأشياء فلا تكثر مواقعتها بحيث يدعو إلى الزجر بالحد بخلاف شرب الخمر والزنا والسرقة فإن الباعث عليها قوي فلولا ترتيب الحدود عليها لعمت مفاسدها وعظمت المصيبة بارتكابها وأما النهبة فلم يرتب عليها حدا إما لأن بواعث الطباع لا تدعوا إليها غالبا خوف الفضيحة والاشتهار وسرعة الأخذ وإما لأن مفسدتها تندفع بإغاثة الناس ومنعهم المنتهب وأخذهم على يده. وأما الربا فلم يرتب عليها حدا فقيل لأنه يقع في الأسواق وفي الملأ فوكلت إزالته إلى إنكار الناس بخلاف السرقة والفواحش وشرب الخمر فإنها إنما تقع غالبا سرا فلو وكلت إزالته إلى الناس لم تزل وأحسن من هذا أن يقال لما كان المرابي إنما يقضي له برأس ماله فقط فإن أخذ الزيادة(3\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "636",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6851",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قضى عليه بردها إلى غريمة وإن لم يأخذها لم يقض له بها كانت مفسدة الربا منتفيه بذلك فإن غريمة لو سأله لم يعطه إلا رأس ماله فحيث رضي بإعطائه الزيادة فقد رضي باستهلاكها وبذلها مجانا والأخذ لها رضي بأكل النار وأجود من هذين أن يقال ذنب الربا أكبر من أن يطهره الحد فإن المرابي محارب لله ورسوله آكل للجمر والحد إنما شرع طهرة وكفارة والمرابي لا يزول عنه إثم الربا بالحد لأن حرمته أعظم من ذلك فهو كحرمة مفطر رمضان عمدا من غير عذر ومانع الزكاة بخلا وتارك صلاة العصر وتارك الجمعة عمدا فإن الحدود كفارات وطهر فلا تعمل إلا في ذنب يقبل التكفير والطهر ومن هذا عدم إيجاب الحد بأكل أموال اليتامي لأن آكلها قد وجبت له النار فلا يؤثر الحد في إسقاط ما وجب له من النار وكذلك ترك الصلاة هو أعظم من أن يرتب عليه حد ونظير هذا اليمين الغموس هي أعظم إثما من أن يكون فيها حد أو كفارة. وإذا تأملت أسرار هذه الشريعة الكاملة وجدتها في غاية الحكمة ورعاية المصالح لا تفرق بين متماثلين البتة ولا تسوى بين مختلفين ولا تحرم شيئا لمفسدة وتبيح ما مفسدته مساوية لما حرمته أو رجحته عليه ولا تبيح شيئا لمصلحة وتحرم ما مصلحته تساويه لما إباحته البتة ولا يوجد فيما جاء به الرسول شيء من ذلك البتة ولا يلزمه الأقوال المستندة إلى آراء الناس وظنونهم واجتهاداتهم ففي تلك من التفريق بين المتماثلات والجمع بين المختلفات وإباحة الشيء وتحريم نظره وأمثال ذلك ما فيها. فائدة: سئل ابن عقيل عن كشف المرأة وجهها في الإحرام مع كثرة الفساد اليوم أهو أولى أم التغطية مع الفداء وقد قالت عائشة رضي الله عنها: quot;لو علم رسول الله(3\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "637",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6852",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما أحدث النساء لمنعهن المساجدquot; فأجاب: بأن الكشف شعار إحرامها ورفع حكم ثبت شرعا بحوادث البدع لا يجوز لأنه يكون نسخا بالحوادث ويفضي إلى رفع الشرع رأسا وأما قول عائشة فإنها ردت الأمر إلى صاحب الشرع فقالت لو رأى لمنع ولم تمنع هي وقد حبذ عمر السترة على الأمة وقال لا تشبهي بالحرائر ومعلوم أن فيهن من تفنن لكنه لما وضع كشف رأسها للفرق بين الحرائر والإماء جعله فرقا فما ظنك بكشف وضع بين النسك والإحلال وقد ندب الشرع إلى النظر إلى المرأة قبل النكاح وأجاز للشهود النظر فليس ببدع أن يأمرها بالكشف ويأمر الرجال بالغض ليكون أعظم للابتلاء كما قرب الصيد إلى الأيدي في الإحرام ونهي عنهquot; قلت: سبب هذا السؤال والجواب خفاء بعض ما جاءت به السنة في حق المرأة في الإحرام فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لها كشف الوجه في الإحرام ولا غيره وإنما جاء النص بالنهي عن النقاب خاصة كما جاء بالنهي عن القفازين وجاء النهي عن لبس القميص والسراويل ومعلوم أن نهيه عن لبس هذه الأشياء لم يرد أنها تكون مكشوفة لا تستر البتة بل قد أجمع الناس على أن المحرمة تستر بدنها بقميصها ودرعها وأن الرجل يستر بدنه بالرداء وأسافله بالإزار مع أن مخرج النهي عن النقاب والقفازين والقميص والسراويل واحد وكيف يزاد على موجب النص ويفهم منه أنه شرع لها كشف وجهها بين الملأ جهارا فأي نص اقتضى هذا أو مفهوم أو عموم أو قياس أو مصلحة بل وجه المرأة كبدن الرجل يحرم ستره بالمفصل على قدره كالنقاب والبرقع بل ويدها يحرم سترها بالمفصل على قدر اليد كالقفاز وأما سترها بالكم وستر الوجه بالملاءة والخمار والثوب فلم ينه عنه ألبته. ومن قال إن وجهها كرأس المحرم فليس معه بذلك نص ولا عموم ولا يصح قياسه على رأس المحرم لما جعل الله بينهما من الفرق. وقول من قال من السلف إحرام المرأة في وجهها إنما أراد به هذا المعنى أي لا يلزمها اجتناب اللباس كما يلزم الرجل بل يلزمها اجتناب النقاب فيكون وجهها كبدن الرجل ولو قدر أنه أراد وجوب(3\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "638",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6853",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كشفه فقوله ليس بحجة ما لم يثبت عن صاحب الشرع أنه قال ذلك وأراد به وجوب كشف الوجه ولا سبيل إلى واحد من الأمرين وقد قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: quot;كنا إذ مر بنا الركبان سدلت إحدانا الجلباب على وجههاquot; ولم تكن إحداهن تتخذ عودا تجعله بين وجهها وبين الجلباب كما قاله بعض الفقهاء ولا يعرف هذا عن امرأة من نساء الصحابة ولا أمهات المؤمنين البتة لا عملا ولا فتوى ومستحيل أن يكون هذا من شعار الإحرام ولا يكون ظاهرا مشهورا بينهن يعرفه الخاص والعام ومن آثر الإنصاف وسلك سبيل العلم والعدل تبين له راجح المذاهب من مرجوحها وفاسدها من صحيحها والله الموفق والهادي. فائدة: زكاة الحلي: قال ابن عقيل: quot;يخرج من رواية إيجاب الزكاة في حلي الكراء والمواشط أن يجب في العقار المعد للكراء وكل سلعة تؤجر وتعد للإجارةquot; قال: quot;وإنما خرجت ذلك عن الحلي لأنه قد ثبت من أصلنا أن الحلي لا يجب فيه الزكاة فإذا أعد للكراء وجبت جميع العروض التي لا تجب فيها الزكاة ينشىء إيجاب الزكاة يوضحه أن الذهاب والفضة عينان تجب الزكاة بجنسهما وعينهما ثم إن الصياغة والإعداد للباس والزينة والانتفاع غلبت على إسقاط الزكاة في عينه ثم جاء الإعداد للكراء فغلب على الاستعمال وإنشاء إيجاب الزكاة فصار أقوى مما قوى على إسقاط الزكاة فأولى أن يوجب الزكاة في العقار والأواني والحيوان التي لا زكاة في جنسها أن ينشيء فيها الإعداد للكراء زكاةquot;.(3\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "639",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6854",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: قال ابن عقيل: quot;جاءت فتوى أن حاكما قال بين يديه يهودي: لا ننكر أن محمدا بعث إلى العرب فقال له: وتقول إنه جاء بالحق فقال: نعم. فأفتى جماعة أنه قد أسلم وكتبت لا شك أن قوله: quot;إنه بعث إلى العربquot; قول طائفة منهم وقوله بعد هذا: quot;وأعتقد أنه جاء بالحقquot; يرجع إلى ما أقر به من أنه جاء رسولا إلى العرب فإذا احتمل أن يعود كلامه إلى هذا لم يخرج من دينه بأمر محتمل وكتب بذلك كيا والشاشي. فائدة: قال ابن عقيل في مسألة ما إذا ألقى في مركبهم نار واستوى الأمران عندهم فيه رويتان قال: quot;واعلموا أن التقسيم والتفصيل ما لم تمس النار الجسد فإن مسته فالإنسان بالطبع يتحرك إلى خارج منها لأن طبع الحيوان الهرب من المحس ويغلب الحس على التأمل والنظر في العاقبة فتصير النار دافعة له بالحس والبحر ليس محسوسا إذاه له لكن الغرق والمضرة معلومة والحس يغلب على العلم يبين هذا ما يشاهد من الضرب والوخز للإنسان الذي قد نصبت له خشبة ليصلب عليها أو حفر له بئر ليلقي فيها فإنه يتقدم إلى الخشبه والبئر لأن الضرر فيهما ليس بمحس والوخز بالإنسان والضرب محس فهو أضرار ناجز واقع وإذا أردت أن تعلم ذلك فانظر إلى وقوف الحي وجنوحه عن التحرك إذا تكافأ عنده الأمرين في الحس والعلم بيانه إنسان(3\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "640",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6855",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هجم عليه سبع على حرف نهر جار عميق وهو لا يحسن السباحة فإنه لا محالة يتحرك نحو الماء راميا نفسه لأجل إلجاء السبع له وهجومه عليه فلو هجم عليه من قبل وجهه سبع فالتفت فإذا وراءه سبع آخر وهما متساويان في الهجوم عليه لم يبق للطبع مهرب وتوازنت المكروهات فإنه يقف مستسلما صامدا للبلاء وكذلك تكافؤ كفة الميزانquot;. قلت: هذا صحيح من جهة الوهم والدهش وإلا فلو كان عقله حاضرا معه لتكافأ عنده الأمران المحسوس والمعلوم وكثيرا ما يحضر الرجل عقله إذ ذاك فيتكافأ عنده المحسوس والمعلوم فيستسلم لما لا صنع له فيه ولا يعين على نفسه ويحكم عقله على حسه ويعلم أنه أن صبر كان له أجر من قتل ولم يعن على نفسه وإن ألقى في الهلاك لم يكن من هذا الأجر على يقين بل ولا يستلزم ذلك للإيمان بالثواب بل إذا تصور حمد الناس له على صبره وعدم جزعه بإلقاء نفسه في الهلاك هربا مما لا بد له منه رأى الصبر أحمد عاقبة وأنفع له أجلا فمحكم العقل يقدم الصبر ومحكم الحس يهرب من التلف إلى التلف فليست الطباع هذا متكافئة والله أعلم. فائدة: يذكر عن كعب قال: quot;قرأت في بعض كتب الله تعالى الهدية تفقأ عين الحكمquot;. قال ابن عقيل: quot;معناه أن المحبة الحاصلة للمهدي إليه وفرحته بالظفر بها وميله إلى المهدي يمنعه من تحديق النظر إلى معرفة باطل المهدي وأفعاله الدالة على أنه مبطل فلا ينظر في أفعاله بعين ينظر منها إلى من لم يهد إليهquot; هذا معنى كلامه. قلت: وشاهده الحديث المرفوع الذي رواه أحمد في مسنده: quot;حبك الشيء يعمى ويصمquot; فالهدية إذا أوجبت له محبة المهدي ففقأت عين الحق وأصمت أذنه.(3\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "641",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6856",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: قال ابن عقيل: quot;الأموال التي يأخذها القضاة أربعة أقسام: رشوة وهدية وأجرة ورزق. فالرشوة حرام وهي ضربان: رشوة ليميل إلى أحدهما بغير حق فهذه حرام عن فعل حرام على الآخذ والمعطي وهما آثمان, ورشوة يعطاها ليحكم بالحق واستيفاء حق المعطي من دين ونحوه فهي حرام على الحاكم دون المعطي لأنها للاستنقاذ فهي كجعل الآبق وأجرة الوكلاء في الخصومة وأما الهدية فضربان: هدية كانت قبل الولاية فلا تحرم استدامتها وهدية لم تكن إلا بعد الولاية وهي ضربان: مكروهة وهي الهدية إليه ممن لا حكومة له وهدية ممن قد اتجهت له حكومة فهي حرام على الحاكم والمهدي. وأما الأجرة إن كان للحاكم رزق من الإمام من بين المال حرم عليه أخذ الأجرة قولا واحدا لأنه إنما أجرى له الرزق لأجل الاشتغال بالحكم فلا وجه لأخذ الأجرة من جهة الخصوم وإن كان الحاكم لا رزق له فعلى وجهين: أحدهما الإباحة لأنه عمل مباح فهو كما لو حكماه ولأنه مع عدم الرزق لا يتعين عليه الحكم فلا يمنع من أخذ الأجرة كالوصي وأمين الحاكم يأكلان من مال اليتيم بقدر الحاجة وأما الرزق من بيت المال فإن كان غنيا لا حاجة له إليه احتمل أن يكره لئلا يضيق على أهل المصالح ويحتمل أن يباح لأنه بذل نفسه لذلك فصار كالعامل في الزكاة والخراج. قلت: أصل هذه المسائل عامل الزكاة وقيم اليتيم فإن الله تعالى أباح لعامل الزكاة جزءا منها فهو يأخذه مع الفقر والغنى والنبي صلى الله عليه وسلم منعه من قبول الهدية وقال: quot;هلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر هل يهدي إليه أم لاquot; وفي هذا دليل على أن من أهدي إليه في بيته ولم يكن بسببيه العمل على الزكاة جاز له قبوله فيدل ذلك على أن الحاكم إذا أهدى إليه من(3\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "642",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6857",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان يهدي له قبل الحكم ولم تكن ولايته سبب الهدية فله قبولها. وأما ناظر اليتيم فالله تعالى أمره بالاستعفاف مع الغنى وأباح له الأكل بالمعروف مع الفقر وهو إما اقتراض أو إباحة على الخلاف فيه والحاكم فرع متردد بين أصلين عامل الزكاة وناظر اليتيم فمن نظر إلى عموم الحاجة إليه وحصول المصلحة العامة به ألحقه بعامل الزكاة فيأخذ الرزق مع الغني كما يأخذه عامل الزكاة ومن نظر إلى كونه راعيا منتصبا لمعاملة الرعية بأن لا حظ لهم أنهم ألحقه بولي اليتيم إن احتاج أخذ وإن استغنى ترك وهذا أفقه وهو مذهب الخلفيتين الراشدين قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: quot;إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة ولي اليتيم إن احتاج أكل بالمعروف وإن استغنى تركquot; والفرق بينه وبين عامل الزكاة أن عامل الزكاة مستأجر من جهة الإمام لجباية أموال المستحقين لها وجمعها فما يأخذه يأخذه بعمله كمن يستأجره الرجل لجباية أمواله, وأما الحاكم فإنه منتصب لإلزام الناس بشرائع الرب تبارك وتعالى وأحكامه وتبليغها إليهم فهو مبلغ عن الله تعالى عز وجل بفتياه ويتميز عن المفتى بالإلزام بولايته وقدرته والمبلغ عن الله تعالى الملزم للأمة بدينة لا يستحق عليهم شيئا فإن كان محتاجا فله من الفيء ما يسد حاجته وهذا لون وعامل الزكاة لون فالحاكم مفتي في خبره عن حكم الله ورسوله شاهد فيما ثبت عنده ملزم لمن توجه عليه الحق فيشترط له شروط المفتى والشاهد ويتميز بالقدرة على التنفيذ فهو في منصب خلافة من قال: لا أسألكم عليه أجرا فهؤلاء هم الحكام المقدر وجودهم في الأذهان المفقودون في الأعيان الذين جعلهم الله ظلالا يأوي إليها اللهفان ومناهل يردها الظمآن.(3\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "643",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6858",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: إذا قال إنسان انفذ لي كتابا فحلف الآخر أنه قد أنفذه أمس ثم بان أنه أنفذه قبله بيوم فمإذا يبني على ذلك قال ابن عقيل: quot;لا يحنث لا لأجل الخطأ والنسيان بل لأن قصده تصديق نفسه في الإنفاذ الذي هو مقصود الطالب وإذا بان أن المقصود قد حصل قبل أمس فقد بان أنه قد حصل أو في المقصود كما لو حلف قد أعطيتك دينارا فبان أنه أعطاه دينارينquot;. فائدة: إذا ماتت الحامل فصلي عليها هل ينوى الحمل قال ابن عقيل: quot;يحتمل أن لا يذكر سوى المرأة لأن الحمل غير متيقن ولهذا لا يلاعن عليه ولو قتلت لم تجب ديتهquot;. فإن قيل أليس يعزل له الإرث ولا تدفن في مقابر المشركين إذا كانت نصرانية ويتذكى بذكاة أمه قيل أما الإرث فهو الحجة لأنه لا يعطاه ولا يورث عنه حتى يتحقق وضعه عنه وأما دفنه فلظن وجوده وحكم الزكاة تلحقه إذا وضع. فائدة: إذا جب إنسان عبده ليزيد في ثمن عبده فهل تحل له الزيادة فأما على أصلنا وأصل مالك بن أنس رضي الله عنه في العتق بالمثلة فلا تفريع وأما من لم يعتقه بالمثلة فينبغي عنده أن لا تحرم الزيادة كما لو قطع له إصبعا زائدة فزاد ثمنه بقطعها فإن قيل فالمغنية إذا زادت(3\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "644",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6859",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيمتها لأجل الغناء حرمت الزيادة قيل الغناء منهي عنه حال دوامه فيقال لا يحل لك أن تغني ولا يؤخذ العوض عنه وأما الخصاء فهو أثر فعل قد انقضى ولا يتعلق النهي بدوامه فافترقا. فائدة: رجل سرق منديلا لا يساوى نصابا وفي طرفه دينار لم يعلم به قال ابن عقيل: quot;قياس قول أحمد فيمن سرق إناء من ذهب فيه خمر قال: إنه لا يقطع فكذلك ههنا لا يقطع لأنه جعل القصد للخمر علة لإسقاط القطع بالإناء فقال: لو لم يكن قصده الخمر أراقه. فائدة: رجل له على آخر قود في النفس والطرف فقطع الطرف فسرى إلى النفس هل يسقط حكم القود في النفس بالسراية قال ابن عقيل: يحتمل أن يكون مستوفيا للحق بالسراية لأن القطع قد صار قتلا وما صلح لاستيفاء الحقين حصل به استيفاؤهما كمن أعتق المكاتب عندنا في الكفارة حصل به مقصود المكاتب من العتق ومقصود السيد من التكفير وكمن أطعم المضطر طعاما قد وجب عليه بذلة لكون المضطر لا طعام له وكون صاحب الطعام غير محتاج إليه ونوي بإطعامه الكفارة فإنه يندفع به الحقين وكذا من دخل المسجد فصلى قضاء ناب عن القضاء والتحية. قلت: وكذلك إذا نذر صيام يوم يقدم فلان فقدم(3\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "645",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6860",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في نهار رمضان على قول الخرقي وكذلك المتمتع إذا دخل المسجد طاف طوافا واحدا هو طواف العمرة وطواف القدوم وكذلك إذا أخر طواف الزيارة إلى وقت الوداع وطاف طوافا واحدا كفاه عنهما وكذلك إذا سرق وقطع يدا معصومة فطلب القصاص قطعت يده حدا وقصاصا قال: quot;ويحتمل أن لا يقع موقعه ويكون فائدة وقوعه على الاحتمال الأول أنه لا يستحق الدية وإن قلنا الواجب أحد أمرين ويكون فائدة عدم وقوعه على الاحتمال الثاني أن تقع السراية هدرا لأنها غير مضمونه عندنا وإن لم تكن مضمونه لم يكن محتسبا بالسراية قتلا فإن الاحتساب بها عن القود الواجب له هو أحد الضمانين فإذا ثبت أنها لا تقع موقع القود كان له الدية على الرواية التي تقول إن الواجب أحد الأمرينquot;. فائدة: مذهب الإمام أحمد رحمه الله يؤخذ من الذمي التاجر إذا جاز علينا نصف العشر ومن الحربي المستأمن العشر ومذهب أبي حنيفة إن فعلوا ذلك بنا فعلنا بهم وإلا فلا, ومذهب الشافعي لا يجوز إلا بشرط أو تراض بينهم وبين الإمام قال ابن عقيل: quot;وهذا هو الصحيح من المذهب لأن عقد الذمة للذمي والأمان للحربي أوجب حفظ أموالهم وصيانتها بالعهد والجزية وأخذ ذلك يقع ظلما منا ونقصا لذمتهم الموجبة عصمة أموالهم ودمائهم فأورد عليهم ما يصنع بقضية عمر فقال: quot;هي محتملة أنه فعل ذلك لفعل كان منهم ويحتمل انه كان شرط على قوم منهم ذلك لمصلحة رآها وحاجة للمسلمين أوجبت ذلكquot; قال: quot;ودليلي مصرح بالحكم واضح لا يحتمل فاصرف ظاهر القصة إلى هذا الاحتمال بدليلي الواضحquot;.(3\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "646",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6861",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: قال ابن عقيل سئلت عن كتب المهر في ديباج فقلت: quot;إنما يقصد المباهاة وهي التي حرم لأجلها الحرير وهو الكبر والخيلاء قالوا: فهل يطعن ذلك في الحجة قلت: لا كما لو كتب في ورقة مغصوبة الكتب حرام والحجة ثابتة. فائدة: طلب في الزنا أربعة وفي الإحصان اكتفى باثنين لأن الزنا سبب وعلة والإحصان شرط وأبداء الشروط تقصر عن العلل والأسباب لأنها مصححة وليست موجبة ولهذا لا يكتفي بالإقرار مرة عندنا وعند الحنفية. فائدة: عطية الأولاد المشروع أن يكون على قدر موارثيهم لأن الله تعالى منع مما يؤدي إلى قطيعة الرحم والتسوية بين الذكر والأنثى مخالفة لما وضعه الشرع من التفصيل فيفضي ذلك إلى العداوة ولأن الشرع أعلم بمصالحنا فلو لم يكن الأصلح التفضيل بين الذكر والأنثى لما شرعه ولأن حاجة الذكر إلى المال أعظم من حاجة الأنثى ولأن الله تعالى جعل الأنثى على النصف من الذكر في الشهادات(3\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "647",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6862",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والميراث والديات وفي العقيقة بالسنة ولأن الله تعالى جعل الرجال قوامين على النساء فإذا علم الذكر أن الأب زاد الأنثى على العطية التي أعطاها الله وسواها بمن فضله الله عليها أفضى ذلك إلى العداوة والقطيعة كما إذا فضل عليه من سوى الله بينه وبينه فأي فرق بين أن يفضل من أمر الله بالتسوية بينه وبين أخيه ويسوى بين من أمر الله بالتفضيل بينهما واعترض ابن عقيل على دليل التفضيل وقال: quot;بناء العطية حال الحياة والصحة والمال لا حق لأحد فيه ولهذا لا يجوز له الهبات والعطايا للوارث وما زاد على الثلث للأجانب عبرة بحال صحته وقطعا له عن حال مرض الموت فضلا عن الموت وكذا تعطى الأخوات مع وجود الابن والأب وإن لم يكن لهم حق في الإرث وتلك عطية من الله على سبيل التحكم لا اختيار لأحد فيه وهذه عطية من مكلف غير محجور عليه فكانت على حسب اختياره من تفضيل وتسوية وهذا هو القول الصحيح عنديquot;. قلت: وهذه الحجة ضعيفة جدا فإنها باطلة بما سلمه من امتناع التفصيل بين الأولاد المتساوين في المذكورة والأنوثة وكيف يصح له قوله إنها عطية من مكلف غير محجور عليه فجازت على حسب اختياره وأنت قد حجرت عليه في التفصيل بين المتساويين. فائدة: قال ابن عقيل: الجري في جواز العمل في السلطنة الشرعية بالسياسة هو الحزم فلا يخلو منه إمامquot; قال الشافعي: quot;لا سياسة إلا ما وافق الشرعquot; قال ابن عقيل: quot;السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول ولا نزل به وحي فإن أردت بقولك إلا ما وافق الشرع أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح وإن أردت ما نطق به(3\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "648",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6863",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشرع فغلط وتغليظ للصحابة فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والمثل ما لا يجحده عالم بالسنن ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف كان رأيا اعتمدوا فيه على مصلحة وتحريق علي في الأخاديد وقال: إني إذا شاهدت أمرا منكرا ... أججت ناري ودعوت قنبرا ونفي عمر نصر بن حجاج. قلت: هذا موضع مزله أقدام وهو مقام ضنك ومعترك صعب فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود وضيعوا الحقوق وجرؤوا أهل الفجور على الفساد وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بها مصالح العباد وسدوا على نفوسهم طرقا عديدة من طرق معرفة الحق من الباطل بل عطلوها مع علمهم قطعا وعلم غيرهم بأنها أدلة حق ظنا منهم منافاتها لقواعد الشرع والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة الشريعة فلما رأى ولاة الأمر ذلك وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة أحدثوا لهم قوانين سياسية ينتظم بها أمر العالم فتولد من تقصير أولئك في الشريعة وإحداث ما أحدثوه من أوضاع سياستهم شر طويل وفساد عريض وتفاقم الأمر وتعذر استدراكه وأفرطت طائفة أخرى فسوغت منه ما ينافي حكم الله ورسوله وكلا الطائفتين أتت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي به قامت السماوات والأرض فإذا ظهرت أمارات العدل وتبين وجهة بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وعلاماته في شيء ونفي غيرها من الطرق التي هي مثلها أو أقوى منها بل بين ما شرعه من الطرق أن مقصودة إقامة العدل وقيام الناس بالقسط فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين لا يقال إنها مخالفة له فلا تقول إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع بل موافقة لما جاء به بل هي جزء من أجزائه ونحن نسميها سياسة تبعا لمصطلحكم وإنما هي شرع حق فقد حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم في نميمة وعاقب في تهمة لما ظهر أمارات الريبة على المتهم فمن(3\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "649",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6864",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أطلق كل متهم وخلى سبيله مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض ونقبه البيوت وكثرة سرقاته وقال: quot;لا آخذه إلا بشاهدي عدلquot; فقوله مخالف للسياسة الشرعية وكذلك منع النبي صلى الله عليه وسلم الغال من سهمه من الغنيمة وتحريق الخلفاء الراشدين متاعه وكذلك أخذه شطره مال مانع الزكاة وكذلك إضعافه الغرم على سارق ما لا يقطع فيه عقوبته بالجلد وكذلك إضعافه الغرم على كاتم الضالة وكذلك تحريق عمر حانوت الخمار وتحريقه قربه خمر وتحريقه قصر سعد بن أبي وقاص لما احتجب فيه عن الرعية وكذلك حلقه رأس نصر ابن حجاج ونفيه وكذلك ضربه صبيغا وكذلك مصادرته عماله وكذلك إلزامه الصحابة أن يقلوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشتغل الناس بالقرآن فلا يضيعوه إلى غير ذلك من السياسة التي ساس بها الأمة فصارت سنة إلى يوم القيامة وإن خالفها من خالفها ومن هذا تحريق الصديق رضي الله عنه للوطي ومن هذا تحريق عثمان رضي الله عنه للصحف المخالفة للسان قريش ومن هذا اختيار عمر رضي الله عنه للناس الإفراد بالحج ليعتمروا في غير أشهره فلا يزال البيت الحرام مقصودا إلى أضعاف أضعاف ذلك من سياسته التي ساسوا بها الأمة وهي بتأويل القرآن وسنته. وتقسيم الناس الحكم إلى شرعية وسياسية كتقسيم من قسم الطريقة إلى شريعة وحقيقة وذلك تقسيم باطل فالحقيقة نوعان: حقيقة: هي حق صحيح فهي لب الشرعية لا قسيمتها وحقيقة باطلة فهي مضادة للشريعة كمضادة الضلال للهدى. وكذلك السياسة نوعان: سياسة عادلة فهي جزء من الشريعة وقسم من أقسامها لا قسيمتها وسياسة باطلة فهي مضادة للشريعة مضادة الظلم للعدل. ونظير هذا تقسيم بعض الناس الكلام في الدين إلى الشرع والعقل هو تقسيم باطل بل المعقول قسمان: قسم يوافق ما جاء به الرسول فهو معقول وإنما هي خيلات وشبه باطلة لظن صاحبه أنه معقولات وإنما هي خيالات وشبهات قسم يخالفه هي خيالات وشبه باطلة لظن صاحبها أنها معقولات وإنما هي خيالات وشبهات وكذلك القياس(3\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "650",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6865",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والشرع فالقياس الصحيح هو معقول النصوص والقياس الباطل المخالف للنصوص مضاد للشرع فهذا الفصل هو فرق ما بين ورثه الأنبياء وغيرهم وأصله مبني على حرف واحد وهو عموم رسالته بالسنة إلى كل ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم التي بها صلاحهم في معاشهم ومعادهم وأنه لا حاجة إلى أحد سواه البتة وإنما حاجتنا إلى من يبلغنا عنه ما جاء به فمن لم يستقر هذا في قلبه لم يرسخ قدمه في الإيمان بالرسول بل يجب الإيمان بعموم رسالته في ذلك كما يجب الإيمان بعموم رسالته بالنسبة إلى المكلفين فكما لا يخرج أحد من الناس عن رسالته البتة فكذلك لا يخرج حق من العلم به والعمل عما جاء به فما جاء به هو الكافي الذي لا حاجة بالأمة إلى سواه وإنما يحتاج إلى غيره من قبل نصيبه من معرفته وفهمه فبحسب قلة نصيبه من ذلك تكون حاجته وإلا فقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا وقد ذكر للأمة منه علما وعلمهم كل شيء حتى آداب التخلي وآداب الجماع والنوم والقعود والأكل والشرب والركوب والنزول ووصف لهم وآداب العرش والكرسي والملائكة والجنة والنار ويوم القيامة وما فيه حتى كأنه رأي عين وعرفهم بربهم ومعبودهم أتم تعريف حتى كأنهم يرونه بما وصفه لهم به من صفات كماله ونعوت جلاله وعرفهم الأنبياء وأممهم وما جرى لهم معهم حتى كأنهم كانوا بينهم وعرفهم من طرق الخير والشر دقيقها وجليلها ما لم يعرفه نبي لأمته قبله وعرفهم من أحوال الموت وما يكون بعده في البرزخ وما يحصل فيه من النعيم والعذاب للروح والبدن ما جلى لهم ذلك حتى كأنهم يعاينوه وكذلك عرفهم من أدلة التوحيد والنبوة والمعاد والرد على جميع طوائف أهل الكفر والضلال ما ليس لمن عرفه إلى كلام أحد من الناس البتة وكذلك عرفهم من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرق الظفر به ما لو علموه وفعلوه لم يقم لهم عدوا أبدا وكذلك عرفهم من مكائد إبليس طرقه التي يأتيهم منها ويحترزون به من كيده ومكره وما يدفعون(3\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "651",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6866",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به شره مالا مزيد عليه وبذلك أرشدهم في معاشهم إلى ما لو فعلوه لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة وبالجملة فقد جاءهم رسول الله بخير الدنيا والآخرة بحذافيره ولم يجعل الله بهم حاجة إلى أحد سواه ولهذا ختم الله به ديوان النبوة فلم يجعل بعده رسولا لاستغناء الأمة به عمن سواه فكيف يظن أن شريعته الكاملة المكملة محتاجة إلى سياسة خارجه عنها أو إلى حقيقة خارجه عنها أو إلى قياس خارج عنها أو إلى معقول خارج عنها فمن ظن ذلك فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعده وسبب هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك قال تعالى: أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون وقال تعالى: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين وقال تعالى: إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم وقال تعالى: يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين وكيف يشفى ما في الصدور كتاب لا يفي بعشر معشار ما الناس محتاجون إليه على زعمهم الباطل. ويا لله العجب كيف كان الصحابة والتابعون قبل وضع هذه القوانين واستخراج هذه الآراء والمقاييس والأقوال أهل كانوا مهتدين بالنصوص أم كانوا على خلاف ذلك حتى جاء المتأخرون أعلم منهم وأهدي منهم هذا ما لا يظنه من به رمق من عقل أو حياء نعوذ بالله من الخذلان ولكن من أوتي فهما في الكتاب وأحاديث الرسول استغنى بهما عن غيرهما بحسب ما أوتيه من الفهم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وهذا الفصل لو بسط كما ينبغي لقام منه عدة أسفار ولكن هذه لفظات تشير إلى ما وراءها.(3\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "652",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6867",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: قال ابن عقيل: quot;يحرم خلوه النساء بالخصيان والمجبوبين إذ غاية ما تجد فيهم عدم العضو أو ضعفه ولا يمنع ذلك لإمكان الاستمتاع بحسبهم من القبلة واللمس والاعتناق والخصي يقرع قرع الفحل والمجبوب يساحق ومعلوم أن النساء لو عرض فيهن حب السحاق ومنعنا خلوة بعضهن ببعض فأولى أن يمنع خلوة من هو في الأصل على شهوته للنساء. فائدة: عزى بعض العلماء رجلا بطفلة فقال له: quot;قد دخل بعضك الجنة فاجتهد أن لا تتخلف بقيتك عنهاquot;. قلت: وفي جواز هذه الشهادة ما فيها فإنا وإن لم نشك أن أطفال المؤمنين في الجنة لا نشهد به لمعين أنه فيها كما نشهد لعموم المؤمنين بالجنة ولا نشهد بها لمعين سوى من شهد له النص وعلى هذا يحمل حديث عائشة رضي الله عنها وقد شهدت للطفل من الأنصار بأنه عصفور من عصافير الجنة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: quot; وما يدريك..quot; وهكذا نقول لهذا المعزي وما يدريك أن بعض المعزي دخل الجنة. وسر المسألة الفرق بين المعين والمطلق في الأطفال والبالغين والله أعلم.(3\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "653",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6868",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: قوله في حديث الجمعة: quot; وطويت الصحف quot; أي صحف الفضل فأما صحف الفرض فإنها لا تطوى لأن الفرض يسقط بعد ذلك. فائدة: عن أحمد في الصيد إذا أوجبه والشاة إذا ذبحها ثم سقطت في ماء هل تباح على روايتين وسئل بعض أصحابنا عن هؤلاء الشوائين يذبحون الدجاج ويرمون به في ماء السمط وهو يضطرب فخرجه على هاتين الروايتين وصحح الإباحة قال لأن ذلك الاضطراب ليس له حكم الحياة. فائدة: استدل على تفضيل النكاح على التخلي لنوافل العبادة بأن الله تعالى عز وجل اختار النكاح لأنبيائه ورسله فقال تعالى: ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وقال في حق آدم: وجعل منها زوجها ليسكن إليها واقتطع من زمن كليمة عشر سنين في رعاية الغنم مهر الزوجة ومعلوم مقدار هذه السنين العشر في نوافل العبادات واختار لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأشياء فلم يحب له(3\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "654",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6869",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ترك النكاح بل زوجة بتسع فما فوقهن ولا هدي فوقه هدية ولو لم يكن فيه إلا سرور النبي صلى الله عليه وسلم يوم المباهاة بأمته ولو لم يكن فيه إلا أنه بصدد أنه لا ينقطع عمله بموته ولو لم يكن فيه إلا أنه يخرج من صلبه من يشهد بالله بالوحدانية ولرسوله بالرسالة ولو لم يكن فيه إلا غض بصره وإحصان فرجه عن التفاته إلى ما حرم الله تعالى ولو لم يكن فيه إلا تحصين امرأة يعفها الله به ويثيبه على قضاء وطره ووطرها فهو في لذاته وصحائف حسناته تتزايد ولو لم يكن فيه إلا ما يثاب عليه من نفقته على امرأته وكسوتها ومسكنها ورفع اللقمة إلى فيها ولو لم يكن فيه إلا تكثير الإسلام وأهله وغيظ أعداء الإسلام ولو لم يكن فيه إلا ما يترتب عليه من العبادات التي لا تحصل للمتخلي للنوافل ولو لم يكن فيه إلا تعديل قوته الشهوانية الصارفة له عن تعلق قلبه بما هو أنفع له في دينه ودنياه فإن تعلق القلب بالشهوة أو مجاهدته عليها تصده عن تعلقه بما هو أنفع له فإن الهمة متي انصرفت إلى شيء انصرفت عن غيره ولو لم يكن فيه إلا تعرضه لبنات إذا صبر عليهن وأحسن إليهن كن له سترا من النار ولو لم يكن فيه إلا أنه إذا قدم له فرطين لم يبلغا الحنث أدخله الله بهما الجنة ولو لم يكن فيه إلا استجلابه عون الله له فإن في الحديث المرفوع quot;ثلاثة حق على الله عونهم الناكح يريد العفاف والمكاتب يريد الأداء والمجاهدquot;. فائدة: استدل على وجوب الجماعة بأن الجمع بين الصلاتين شرع في المطر لأجل تحصيل الجماعة مع أن إحدى الصلاتين قد وقعت خارج الوقت والوقت واجب فلم لم تكن الجماعة واجبة لما ترك لها الوقت الواجب. اعترض على ذلك بأن(3\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "655",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6870",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الواجب قد يسقط لغير الواجب بك لغير المستحب فإن شطر الصلاة يسقط لسفر الفرجة والتجارة ويسقط غسل الرجلين لأجل لبس الخف وغايته أن يكون مباحا. وهذا الاعتراض فاسد فإن فرض المسافر ركعتين قلم يسقط الواجب لغير الواجب وأيضا فإنه لا محذور في سقوط الواجب لأجل المباح وليس الكلام في ذلك وإنما المستحيل أن يراعى في العبادة أمر مستحب يتضمن فوات الواجب فهذا هو الذي لا عهد لنا في الشريعة بمثله البتة وبذلك خرج الجواب عن سقوط غسل الرجلين لأجل الخف. واستدل على وجوبها بان الله تعالى أمر بها في صلاة الخوف التي هي محل التخفيف وسقوط ما لا يسقط في غيرها واحتمال ما لا يحتمل في غيرها فما الظن بصلاة الآمن المقيم. فاعترض على ذلك بأن المقصود الاجتماع في صلاة الخوف فقصد اجتماع المسلمين وإظهار طاعتهم وتعظيم شعار دينهم ولا سيما حيث كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان المقصود أن يظهروا للعدو طاعة المسلمين له وتعظيمهم لشأنه حتى أنهم في حال الخوف الذي لا يبقى أحد مع أحد يتبعونه ولا يتفرقون عنه ولا يفارقونه بحال وهذا كما جرى لهم في عمرة القضاء معه حتى قال عروة بن مسعود: quot;لقد وفدت على الملوك كسرى وقيصر فلم أر ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم محمدا أصحابهquot; والذي يدل على هذا أنا رأينا الجماعة تسقط عند المطر الذي يبل النعال فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي quot;ألا صلوا في رحالكم quot; والجمعة تسقط بخشية فوات الخبز الذي في التنور مع كون الجماعة شرطا فيها وتسقط خشية مصادفة غريم يؤذيه ومعلوم أن عذر الحرب ومواقفة الكفار أعظم من هذا كله ومع هذا فأقيم شعارها في تلك الحال فدل على أن المقصود ما ذكرنا. قلت ونحن لا ننكر أن هذا مقصود أيضا مضموم إلى مقصود الجماعة فلا منافاة بينه وبين وجوب الجماعة بل إذا كان هذا أمرا مطلوبا فهو من أدل الدلائل على وجوب الجماعة في تلك الحال ومع أن هذا مقصود أيضا في اجتماع المسلمين في الصلاة وراء إمامهم وأسباب العبادات التي شرعت(3\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "656",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6871",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تلك العبادات بل تلك العبادات تستقر وتدوم وإن زالت أسباب مشروعيتها وهذا كالرمل في الطواف والسعي بين الصفا والمروة. ونظير هذا اعتراضهم على أحاديث الأمر بفسخ الحج إلى العمرة بأن المقصود بها الإعلام بجواز العمرة في أشهر الحج مخالفة للكفار فقيل لهم وهذا من أدل الدلائل على استحبابه ودوام مشروعيته فإن ما شرع من المناسك قصدا لمخالفة الكفار فإنه دائم المشروعية إلى يوم القيامة كالوقوف بعرفة فإن النبي صلى الله عليه وسلم خالفهم ووقف بها وكانوا يقفون بمزدلفة فقال خالف هدينا هدي المشركين وكالدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس فإنهم كانوا لا يدفعون منها حتى تشرق الشمس فقصد مخالفتهم وصارت سنة إلى يوم القيامة وهذه قاعدة من قواعد الشرع أن الأحكام المشروعة لهذه الأسباب في الأصل لا يشترط في ثبوتها قيام تلك الأسباب فلو كان ما ذكرتم من الأسباب في كون الجماعة مأمورا بها في صلاة الخوف هو الواقع لم يلزم منه سقوط الأمر بها عند زوال تلك الأسباب وفتح هذا الباب يفضي إلى إسقاط كثير من السنن وذلك باطل. فائدة: الخلاف في كون عائشة أفضل من فاطمة أو فاطمة أفضل إذا حرر محل التفضيل صار وفاقا فالتفضيل بدون التفصيل لا يستقيم فإن أريد بالفضل كثرة الثواب عند الله عز وجل فذلك أمر لا يطلع عليه إلا بالنص لأنه بحسب تفاضل أعمال القلوب لا بمجرد أعمال الجوارح وكم من عاملين أحدهما أكثر عملا بجوارحه والآخر أرفع درجة منه في الجنة وإن أريد بالتفضيل التفضل بالعلم فلا ريب أن عائشة أعلم وأنفع للأمة وأدت إلى الأمة من العلم ما لم يؤد غيرها واحتاج إليها خاص الأمة وعامتها وإن أريد بالتفضيل شرف الأصل وجلالة النسب فلا ريب أن فاطمة أفضل فإنها(3\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "657",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6872",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بضعة من النبي صلى الله عليه وسلم وذلك اختصاص لم يشركها فيه غير إخواتها وإن أريد السيادة ففاطمة سيدة نساء الأمة وإذا ثبتت وجوه التفضيل وموارد الفضل وأسبابه صار الكلام بعلم وعدل. وأكثر الناس إذا تكلم في التفضيل لم يفصل جهات الفضل ولم يوازن بينهما فيبخس الحق وإن انضاف إلى ذلك نوع تعصيب وهوي لمن يفضله تكلم بالجهل والظلم مسائل متنوعة في التفضيل. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن مسائل عديدة من مسائل التفضيل فأجاب فيها بالتفصيل الشافي فمنها: أنه سئل عن تفضيل الغني الشاكر على الفقير الصابر أو العكس فأجاب بما يشفي الصدور فقال: quot;أفضلهما أتقاهما لله تعالى فإن استويا في التقوى استويا في الدرجةquot;. ومنها أنه سئل عن عشر ذي الحجة والعشر الأواخر من رمضان أيهما أفضل فقال: quot;أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان والليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجةquot; وإذا تأمل الفاضل اللبيب هذا الجواب وجده شافيا كافيا فإنه ليس من أيام العمل فيها أحب إلى الله من أيام عشر ذي الحجة وفيهما يوم عرفة ويوم النحر ويوم التروية وأما ليالي عشر رمضان فهي ليالي الإحياء التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحييها كلها وفيها ليلة خير من ألف شهر فمن أجاب بغير هذا التفصيل لم يمكنه أن يدلي بحجة صحيحة. ومنها أنه سئل عن ليلة القدر وليلة الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم أيهما أفضل فأجاب بأن ليلة الإسراء أفضل في حق النبي صلى الله عليه وسلم وليلة القدر أفضل بالنسبة إلى الأمة فحظ النبي صلى الله عليه وسلم الذي اختص به ليلة المعراج منها أكمل من حظه من ليلة القدر وحظ الأمة من ليلة القدر أكمل من حظهم من ليلة المعراج وإن كان لهم فيها أعظم حظ لكن الفضل والشرف والرتبة العليا إنما حصلت فيها لمن أسرى بهquot;. ومنها أنه سئل عن يوم الجمعة ويوم النحر فقال: quot;يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع ويوم النحر أفضل أيام العام وغير هذا الجواب لا يسلم صاحبه من الاعتراض الذي لا حيلة له في دفعه. ومنها أنه سئل عن خديجة وعائشة أمي المؤمنين أيهما أفضل فأجاب بأن سبق خديجة وتأثيرها في أول(3\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "658",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6873",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإسلام ونصرها وقيامها في الدين لم تشركها فيه عائشة ولا غيرها من أمهات المؤمنين وتأثير عائشة في آخر الإسلام وحمل الدين وتبليغه إلى الأمة وإدراكها من العلم ما لم تشركها فيه خديجة ولا غيرها مما تميزت به غيرها فتأمل هذا الجواب الذي لو جئت بغيره من التفضيل مطلقا لم تخلص من المعارضة. ومنها أنه سئل عن صالحي بني آدم والملائكة أيهما أفضل فأجاب: بأن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية والملائكة أفضل باعتبار البداية فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى منزهين عما يلابسه بنو آدم مستغرقون في عبادة الرب ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير حال صالحي البشر أكمل من حال الملائكةquot;. وبهذا التفصيل يتبين سر التفضيل وتتفق أدلة الفريقين ويصالح كل منهم على حقه فعلى المتكلم في هذا الباب أن يعرف أسباب الفضل: أولا: ثم درجاتها ونسبة بعضها إلى بعض والموازنة بينها. ثانيا: ثم نسبتها إلى من قامت به. ثالثا: كثرة وقوة ثم اعتبار تفاوتها بتفاوت محلها. رابعا: قرب صفة هي كمال لشخص وليست كمالا لغيره بل كمال غيره بسواها فكمال خالد بن الوليد بشجاعته وحروبه وكمال ابن عباس بفقهه وعلمه وكمال أبي ذر بزهده وتجرده عن الدنيا. فهذه أربع مقامات يضطر إليها المتكلم في درجات التفضيل وتفضيل الأنواع على الأنواع أسهل من تفضيل الأشخاص على الأشخاص وأبعد من الهوى والغرض وههنا نكتة خفية لا ينتبه لها إلا من بصره الله وهي أن كثيرا ممن يتكلم في التفضيل يستشعر نسيته وتعلقه بمن يفضله ولو على بعد ثم يأخذ في تقريظه وتفضيله وتكون تلك النسبة والتعلق مهيجة له على التفضيل والمبالغة فيه واستقصاء محاسن المفضل والإعضاء عما سواها ويكون نظره في المفضل عليه بالعكس. ومن تأمل كلام أكثر الناس في هذا الباب رأى غالبه غير سالم من هذا وهذا مناف لطريقة العلم والعدل التي لا يقبل الله سواها ولا يرضي غيرها ومن هذا تفضيل كثير من أصحاب المذاهب والطرائق واتباع الشيوخ كل منهم(3\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "659",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6874",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لمذهبه وطريقته أو شيخه وكذلك الأنساب والقبائل والمدائن والحرف والصناعات فإن كان الرجل ممن لا يشك في علمه وورعه خيف عليه من جهة أخرى وهو أنه يشهد حظه نفعه المتعلق بتلك الجهة ويغيب عن نفع غيره بسواها لأن نفعه مشاهد له أقرب إليه من علمه بنفع غيره فيفضل ما كان نفعه وحظه من جهته باعتبار شهوده ذلك وغيبته عن سواه فهذه نكت جامعة مختصرة إذا تأملها المنصف عظم أنتفاعه بها واستقام له نظره ومناظرته والله الموفق فائدة: اختلف ابن قتيبة وابن الأنباري في السمع والبصر أيهما أفضل ففضل ابن قتيبة السمع ووافقه طائفة واحتج بقوله تعالى: ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون قال: quot;فلما قرن بذهاب السمع ذهاب العقل ولم يقرن بذهاب النظر إلا ذهاب البصر كان دليلا على أن السمع أفضلquot; قال ابن الأنباري: quot;هذا غلط وكيف يكون السمع أفضل وبالبصر يكون الإقبال والإدبار والقرب إلى النجاة والبعد من الهلاك وبه جمال الوجه وبذهابه شينة وفي الحديث: quot;من ذهبت كريمتيه فصبر واحتسب لم أرض له ثوابا دون الجنة quot;. وأجاب عما ذكره ابن قتيبة بأن الذي نفاه الله تعالى مع السمع بمنزلة الذي نفاه عن البصر إذا كأنه أراد إبصار القلوب ولم يرد إبصار العيون والذي يبصره القلب هو الذي يعقله لأنها نزلت في قوم من اليهود كانوا يستمعون كلام النبي صلى الله عليه وسلم فيقفون على صحته ثم يكذبونه فأنزل في الله فيهم أفأنت تسمع الصم أي المعرضين ولو كانوا لا يعقلون ومنهم من ينظر إليك بعين نقص أفأنت تهدي العمي أي المعرضين ولو كانوا لا يبصرون قال:(3\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "660",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6875",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;ولا حجة في تقديم السمع على البصر هنا فقد أخبر في قوله تعالى: مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع . قلت: واحتج مفضلو السمع بأن به ينال غاية السعادة من سمع كلام الله وسماع كلام رسوله قالوا وبه حصلت العلوم النافعة قالوا وبه يدرك الحاضر والغائب والمحسوس والمعقول فلا نسبة لمدرك البصر إلى مدرك السمع قالوا ولهذا يكون فاقده أقل علما من فاقد البصر بل قد يكون فاقد البصر أحد العلماء الكبار بخلاف فاقد صفة السمع فإنه لم يعهد من هذا الجنس عالم البتة. قال مفضلو البصر أفضل النعيم النظر إلى الرب تعالى وهو يكون بالبصر والذي يراه البصر لا يقبل الغلط بخلاف ما يسمع فإنه يقع فيه الغلط والكذب والوهم فمدرك البصر أتم وأكمل. قالوا وأيضا فمحله أحسن وأكمل وأعظم عجائب من محل السمع وذلك لشرفه وفضله قال شيخنا: quot;والتحقيق أن السمع له مزية والبصر له مزية فمزية السمع العموم والشمول ومزية البصر كمال الإدراك وتمامه فالسمع أعم وأشمل والبصر أتم وأكمل فهذا أفضل من جهة شمول إدراكه وعمومه وهذا أفضل من جهة كمال إدراكه وتمامهquot;. فائدة: إذا تزوجها على خمر أو خنزير صح النكاح واستحقت مهر المثل ولو خالعها على خمر أو خنزير صح الخلع ولم تستحق عليه شيئا في أحد القولين والفرق بينهما عند بعض الأصحاب أن البضع متقوم في دخوله إلى ملك الزوج ولا يتقوم في خروجه عن ملكه أما تقومه داخلا فلتعلق أحكام المقومات به من استقرار المهر بالدخول ووجوب المهر بوطء الشبهة ولهذا يزوج الأب ابنه الصغير ولا يخلع ابنته الصغيرة بشيء من مالها ولا فرق بينهما إلا أن الابن حصل في ملكه(3\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "661",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6876",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما له قيمة والبنت أخرج ما لها في مقابلة ما لا قيمة له في خروجه إليها ولو كان خروج البضع من ملك الزوج متقوما لكان قد بذل ما لها فيما له قيمة وذلك لا يمتنع ويدل عليه أنه لو طلق زوجته في مرض موته لم يعتبر من الثلث ولو كان بخروج البضع قيمة لاعتبر من الثلث وأيضا لو خالعها في مرض موته بدون مهر مثلها صح الخلع ولو كان خروجه متقوما لكان بمثابة ما لو باع سلعة بدون ثمنها فإنه محاباة محسوبة من الثلث ويدل عليه أيضا أنه يطلق عليه القاضي في الإيلاء والعنت والإعسار بالنفقة وغير ذلك مجانا ولا عهد لنا في الشريعة بمتقوم يخرج عن ملك مالكه قهرا بغير عوض ويدل عليه أنه لو كان بخروجه قيمة لجاز للأب أن يخرجه عن ابنته الصغيرة بشيء من مالها كما يشترى لها عقارا أو غيرها بمالها. قلت: وكان شيخنا أبو العباس بن تيمية رحمه الله ورضي عنه يضعف هذا القول جدا ويذهب إلى خروج البضع من ملكه متقوم ويحتج عليه بالقرآن قال لأن الله تعالى أمر المسلمين أن يردوا إلى من ذهبت امرأته إلى الكفار مهره إذا أخذوا من الكفار مالا بغنيمة أو غيرها فقال تعالى: وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ومعنى (عاقبتم) أصبتم منهم عقبى وهي الغنيمة هذا قول المفسرين والمقصود أنه قال (فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا) وهو المهر وقال تعالى في هذه القصة: واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم فأمر المسلمين أن يسألوا مهور نسائهم ويسأل الكفار مهور نسائهم اللاتي هاجرن وأسلمن ولولا أن خروج البضع متقوم لم يكن لأحد الفريقين على الآخر مهرا واختلف أهل العلم في رد مهر من أسلم من النساء إلى أزواجهن في هذه القصة هل كان واجبا أو مندوبا على قولين: أصلهما أن الصلح هل كان قد وقع على رد النساء أم لا والصحيح أن الصلح كان عاما على رد من جاء مسلما مطلقا ولم يكن فيه تخصيص بل وقع بصيغة من المتناولة للرجال والنساء ثم أبطل الله(3\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "662",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6877",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منه رد النساء وعوض منه رد مهورهن وهذه شبهة من قال إن حكم هذه الآية منسوخ ولم ينسخ منه إلا رد النساء خاصة وكان رد المهور مأمورا به والظاهر أنه كان واجبا لأن الله تعالى قال: واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم فثبت أن رد المهور حق لمن يسأله فيجب رده إليه قال الزهري: quot;ولولا الهدنة والعهد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش يوم الحديبية لأمسك النساء ولم يرد الصداق وكذلك كان يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد فلما نزلت هذه الآية أقر المسلمون بحكم الله تعالى وأدوا ما أمروا به من نفقات المشركين على نسائهم وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله تعالى فيما أمر من رد نفقات المسلمين إليهم فأنزل الله تعالى وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا فهذا ظاهر القرآن يدل على أن خروج البضع من ملك الزوج متقوم. قلت ويدل عليه أن الشارع كما جعله متقوما في دخوله فكذلك في خروجه لأنه لم يدخله إلى ملك الزوج إلا بقيمة وحكم الصحابة رضي الله عنهم في المفقود بما حكموا به من رد صداق امرأته إليه بعد دخول الثاني بها دليل على أنه متقوم في خروجه وهذا ثابت عن خمسة من الصحابة منهم عمر وعلي قال أحمد: quot;أي شيء يذهب من خالفهم فهذا القرآن والسنة وأقوال الخلفاء الراشدين دالة على تقويمه ولو لم يكن له قيمة لما صح بذل نفائس الأموال فيه بل قيمته عند الناس من أغلى القيم ورغبتم فيه من أقوى الرغبات وخروجه عن ملك الرجل من أعظم المغارم حتى يعده غرما أعظم من غرم المالquot;. قلت لشيخنا: لو كان خروجه من ملكه متقوما عليه لكانت المرأة إذا وطئت بشبهة يكون المهر للزوج دونها فحيث كان المهر لها دل على أن الزوج لم يملك البضع وإنما يملك الاستمتاع فإذا خرج البضع عنه لم يخرج عنه شيء كان مالكه فقال لي: quot;الزوج إنما ملك البضع ليستمتع به ولم يملكه ليعاوض عليه فإذا حصل لها بوطء الشبهة عوض كان لها لأن عقد النكاح لم يقتض ملكش(3\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "663",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6878",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الزوج المعاوضة عن بضع امرأته فصار ما يحصل لها بجناية الواطىء بمثابة ما يحصل لها بغيره من أروش الجناياتquot;. قلت له: فما تقول في خلع المريض بدون مهر المثل فقال: quot;هو يملك إخراج البضع مجانا بالطلاق فإذا أخذ منها شيئا فقد زاد الورثة خيراquot; قال: quot;ونحن إنما منعناه من المحاباة فيما ينتقل إلى الورثة لأنه يفوته عليهم وبضع الزوجة لا حق للورثة فيه البتة ولا ينتقل إليهم فإذا أخرجه بدون مهر المثل لم يفوتهم حقا ينتقل إليهمquot; أنتهي. قلت: وأما منع الأب من خلع ابنته بشيء من مالها فليست مسألة وفاق بل فيها قولان مشهوران ونحن إذا قلنا أن الذي بيده عقدة النكاح هو الأب وأن له أن يعفو عن صداق ابنته قبل الدخول وهو الصحيح لبضعه عشر دليلا قد ذكرتها في موضع آخر فكذلك خلعها بشيء من مالها بل هو أولى لأنه إذا ملك إسقاط مالها مجانا فلأن يملك إسقاطه ليخلصها من رق الزوج وأسره ويزوجها بمن هو خير لها منه أولى وأحرى. وهذه رواية عن أحمد ذكرها أبو الفرج في مبهجه وغيره واختاره شيخنا. وأما قولكم إنه يخرج من ملكه قهرا بغير عوض فيما إذا طلق عليه الحاكم لإعسار أو عنت أو غيرها فجوابه أن الشارع إنما ملكه البضع بالمعروف وإنما ملكه بحقه فإذا لم يستمتع به بالمعروف الذي هو حقه أخرجه الشارع عنه قال تعالى: وعاشروهن بالمعروف وقال: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وقال: فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان فأوجب الله تعالى الزوج أحد الأمرين إما أن يمسك بمعروف وإما أن يسرح بإحسان فإذا لم يمسك بمعروف ولم يسرح بإحسان سرح الحاكم عليه قهرا. قلت لشيخنا: فلو قتلت الزوجة لم يجب للزوج المهر على قاتلها مع كونه قد أخرج البضع عن ملكه وفوته إياه فلو كان خروجه متقوما لوجب له على القاتل المهر فقال: quot;النكاح معقود على مدة الحياة فإذا قتلت زال وقت النكاح وانقضى أمده فلا يجب للزوج شيء بعد ذلك كما لو ماتتquot; قلت له: فلو أفسد مفسد نكاحها بعد الدخول لاستقر المهر على الزوج ولم يرجع على المفسد فضعف هذا(3\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "664",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6879",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القول. وقال: عندي أنه يرجع به وهو المنصوص عن أحمد وهو مبنى على هذا الأصل فإذا ثبت أن خروج البضع من ملكه متقوم فله قيمته على من أخرجه من ملكه. قلت: ويرد عليه ما لو أفسدت نكاح نفسها بعد الدخول فإن مهرها لا يسقط قولا واحدا ولم أسأله عن ذلك وكان يمنع ذلك ويختار سقوط المهر ويثبت الخلاف في المذهب ولا فرق بين ذلك وبين إفساد الأجنبي فطرد قول من طرد هذا الأصل وقال بالتقويم في حال الخروج أن يسقط إذا أفسدته هي ولو قيل إن مهرها لا يسقط بذلك قولا واحدا وإن قلنا بأن خروج البضع متقوم فيجب لها مهرها المسمى في العقد وعليها مهر المثل وقت الإفساد لأن اعتبار خروجه من ملكه حينئذ لكان متوجها ولكن يشكل على هذا أن الله سبحانه وتعالى اعتبر في خروج البضع ما أنفق الزوج وهو المسمى لا مهر المثل وكذلك الصحابة حكموا للمفقود بالمسمى الذي أعطاها لا بمهر المثل فطرد هذه القاعدة أن مهرها يسقط بإفسادها وهو الذي كان شيخنا يذهب إليه. فإن قيل: فما تقولون في شهود الطلاق إذا رجعوا قبل الدخول أو بعده قيل أما قبل الدخول فيلزمه نصف المهر ويرجع به على الشهود وفيها مأخذان: أحدهما: أنه يقوم عليه في دخوله بنصف المهر الذي غرمه فيقوم عليه في خروجه بنظيره والثاني: أنهم ألجأوه إلى غرمه وكان بصدد السقوط جملة بأن ينسب الزوجة إلى إسقاطه ورجح هذا المأخذ بأنه لو كان الغرم لأجل التقويم للزمهم نصف مهر المثل لأنه هو القيمة لا المسمى وقد تقدم أن الشارع إنما اعتبر تقويمه في الخروج بالمسمى لا بمهر المثل وكذلك خلفاؤه الراشدون. فإن قيل لو كان الغرم لأجل التقويم للزم الشهود جميع المهر لأنهم أخرجوا البضع كله من ملكه قيل هو متقوم عليه بما بذله فلما كان من المبذول نصف المهر كان هو الذي رجع به ولا ريب أن خروج البضع قبل الدخول دون خروجه بعد الدخول فإن المقصود بالنكاح لم يحصل إلا بالدخول فإذا دخل استقر له ملك البضع واستقر عليه الصداق وأما(3\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "665",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6880",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا رجع الشهود بعد الدخول فكذلك يقول يجب عليهم غرم المهر الذي بذله الزوج وهو إحدى الراويتين عن أحمد رضي الله عنه. فإن قيل فما في مقابلة المهر قد استوفاه بوطئه فلم يفت عليه شيء قيل: ليس كذلك لأنه إنما بذل المهر في مقابلة بضع يسلم له الاستمتاع به فإذا لم يسلم له رجع بما بذله ويدل عليه حكم الله عز وجل في المهاجرات وحكم الصحابة في امرأة المفقود. فإن قيل فما تقولون فيما إذا أفسدت امرأة نكاحه برضاع قيل: إن أفسدته قبل الدخول غرمت نصف المهر وفيه مأخذان: أحدهما: أنها قررته عليه وهذا مأخذ كثير من الأصحاب لظنهم أنه لو كان لأجل التقويم لغرمت كمال المهر بعد الدخول. والثاني: وهو الصحيح أنها إنما غرمت لأنه متقوم في خروجه وقد يقوم بنصف المهر وهو الذي بذله فهو الذي يرجع به وعلى هذا فإذا كان الإفساد بعد الدخول رجع عليها بكمال المهر هذا منصوص الإمام أحمد رحمه الله تعالى وفي رواية أبي القاسم. وقال بعض أصحابه: لا يرجع بشيء والمنصوص هو الأقوى دليلا ومذهبا والله تعالى أعلم. فائدة: إذا خاف على نفسه الهلاك وأبى صاحب الطعام أن يبذله إلا بعقد ربا فهل يباح أخذه منه على هذا الوجه أو يغالبه ويقاتله قال بعض أصحاب أحمد: الربا عقد محظور لا تبيحه الضرورة والمغالبة والمقاتلة للمانع طريق إباحة الشرع فينبغي له أن يغلبه على قدر ما يحتاج إليه ولا يدخل في الربا فإن لم يقدر دخل معه في العقد ملافظة وعزم بقلبه على أن لا يتمم عقد الربا بل إن كان نسيئا عزم على أن يجعل العوض الثابت في الذمة قرضا. ولو قيل إن له أن يظهر معه صورة الربا(3\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "666",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6881",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يغالبه ولا يقاتله ويكون بمنزلة المكره فيعطيه من عقد الربا صورته لا حقيقتة لكان أقوى من مقاتلة فلو اتفق مثل هذا لامرأة فأبى صاحب الطعام أن يبذله لها إلا بالفخور بها فهل يباح لها ذلك إذا خافت الهلاك قال بعض أصحابنا: لها أن تبذل نفسها ويجرى ذلك مجرى التهديد بقتلها من قادر فإن المنع في هذه الحال قتل ولهذا يجب القود على صاحب الطعام إذا منع المضطر حتى مات. قال: وغاية ما يمكنها مما يبعدها عن الزنا يجب فعله بأن تقول قدم عقد زوجية على أرخص المذاهب ولو بمتعة ولا تمكنه تمكينا بغير عقد رأسا مع إمكان أن يرغب إليه في عقد على قول بعض أهل الإسلام فلو اتفق مثل هذا لصبي صبر لحكم الله ولقائه ولم يجز له التمكين من نفسه بحال لأن الضرر اللاحق له بتمكينه أعظم فسادا من الضرر اللاحق له بفوات الحياة والله أعلم. فائدة: رجل له على ذمي دين فباع الذمي خمرا وقضاه من ثمنه فأبى أن يأخذه قال الإمام أحمد رضي الله عنه: quot;ليس له إلا أن يأخذه أو يبرئهquot;. فائدة: إذا غصب إنسان مالا وبنى به رباطا أو مسجدا أو قنطرة فهل ينفعه ذلك أو يكون الثواب للمغصوب منه قال ابن عقيل: quot;لا ثواب على ذلك لواحد منهما أما الغاصب(3\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "667",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6882",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعليه العقوبة وجميع تصرفاته في مال الغير آثام متكررة وأما صاحب المال فلا وجه لثوابه لأن ذلك البناء لم يكن له فيه نية ولا حسبة وما لم يكن للمكلف فيه عمل ولا نية فلا يثاب عليه وإنما يطالب غاصبة يوم القيامة فيؤخذ من حسناته بقدر ماله. قلت: في هذا نظر لأن النفع الحاصل للناس متولد من مال هذا وعمل هذا والغاصب وإن عوقب على ظلمه وتعدية واقتص المظلوم من حسناته فما تولد من نفع الناس بعمله له وغصب المال عليه وهو لو غصبه وفسق به لعواقب عقوبتين فإذا غصبه وتصدق به أو بنى به رباطا أو مسجدا أو أفتك به أسيرا فإنه قد عمل خيرا وشرا فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره. وأما ثواب صاحب المال فإنه وإن لم يقصد ذلك فهو متولد من مال اكتسبه فقد تولد الخير وأيضا فإن أخذ ماله مصيبة فإذا أنفق في خير فقد تولد له من المصيبة خير والمصائب إذا ولدت خيرا لم يعدم صاحب منه ثوابا وكما أن الأعمال إذا ولدت خيرا أثيب عليه وإن لم يقصده فالمصائب إذا ولدت خيرا لم يمنع أن يثاب عليه وإن لم يقصده والله أعلم. فائدة: رجل مات وترك دينا فورثه ولده ولم يستوفه فهل المطالبة به في الآخرة له أو لولده قال بعض أصحاب أحمد: quot;المطالبة للابن لأن الإرث أنتقل عن الأب إلى الابن فصار الحق له. قلت: وفي هذا نظر وينبغي التفصيل فإذا كان الموروث قد عجز عن استيفائه وتعذر عليه فقد وجب أجره له وله حق المطالبة لا للابن لأن الإرث أنتقل عن الأب إلى يوم القيامة والحقوق الآخروية لا تورث وإن أمكنه(3\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "668",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6883",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المطالبة به فلم يطالب به حتى مات أنتقل إلى الولد فإذا لم يوفه إياه كان حق المطالبة به للولد. وقد قال بعض الناس: إنه إذا لم يوف الميت ولا وارثه حتى مات الوارث وورثه آخر ثبتت المطالبة لكل واحد منهم وتضاعفت عليه المطالبة لاستحقاق كل واحد منهم ذلك الحق عليه. فائدة: تأمل سر: ألم كيف اشتملت على هذه الحروف الثلاثة فالألف إذا بدىء بها أولا كانت همزة وهي أول المخارج من أقصى الصدر واللام من وسط مخارج وهي أشد الحروف اعتمادا على اللسان والميم آخر الحروف ومخرجها من الفم وهذه الثلاثة هي أصول مخارج الحروف أعني الحلق واللسان والشفتين وترتيب في التنزيل من البداية إلى الوسط إلى النهاية. فهذه الحروف معتمد المخارج الثلاثة التي تتفرع منها ستة عشر مخرجا فيصير منها تسعة وعشرون حرفا عليها دار كلام الأمم الأولين والآخرين مع تضمنها سرا عجيبا وهو أن للألف البداية واللام التوسط والميم النهاية فاشتملت الأحرف الثلاثة على البداية والنهاية والواسطة بينهما وكل سورة استفتحت بهذه الأحرف الثلاثة فهي مشتملة على بدء الخلق ونهايته وتوسطه فمشتملة على تخليق العالم وغايته وعلى التوسط بين البداية والنهاية من التشريع والأوامر فتأمل ذلك في البقرة وآل عمران وتنزيل السجدة وسورة الروم. وتأمل اقتران الطاء بالسين والهاء في القرآن فإن الطاء جمعت من صفات الحروف خمس صفات لم يجمعها غيرها وهي الجهر والشدة والاستعلاء والإطباق والسين مهموس رخو مستفل صفيري منفتح فلا يمكن أن يجمع إلى الطاء حرف يقابلها كالسين والهاء فذكر الحرفين اللذين جمعا صفات الحروف وتأمل السور التي(3\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "669",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6884",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اشتملت على الحروف المفردة كيف تجد السورة مبنية على كلمة ذلك الحرف فمن ذلك (ق) والسورة مبنية على الكلمات القافية من ذكر القرآن وذكر الخلق وتكرير القول ومراجعته مرارا والقرب من ابن آدم وتلقي الملكين قول العبد وذكر الرقيب وذكر السائق والقرين والإلقاء في جهنم والتقدم بالوعيد وذكر المتقين وذكر القلب والقرون والتنقيب في البلاد وذكر القيل مرتين وتشقق الأرض وإلقاء الرواسي فيها وبسوق النخل والرزق وذكر القوم وحقوق الوعيد ولو لم يكن إلا تكرار القول والمحاورة وسر آخر وهو أن كل معاني هذه السورة مناسبة لما في حرف القاف من الشدة والجهر والعلو والانفتاح. وإذا أردت زياة إيضاح هذا فتأمل ما اشتملت عليه سورة (ص) من الخصومات المتعددة فأولها خصومة الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم أجعل الآلهة لها واحد إلى أخر كلامهم ثم اختصام الخصمين عند داود ثم تخاصم أهل النار ثم اختصم الملأ الأعلى في العلم وهو الدرجات والكفارات ثم مخاصمة إبليس واعتراضه على ربه في أمره بالسجود لآدم ثم خصامة ثانيا في شأن بنيه حلفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم فليتأمل اللبيب الفطن هل يليق بهذه السورة غير (ص) وسورة (ق) غير حرفها وهذه قطرة من بحر من بعض أسرار هذه الحروف والله أعلم. فوائد: من السياسة الشرعية نص عليه الإمام أحمد قال في رواية المروزي(3\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "670",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6885",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وابن منصور: quot;المخنث ينفي لأنه لا يقع منه إلا الفساد والتعرض له وللإمام نفيه إلى بلد يأمن فساد أهله وإن خاف عليه حبسهquot;. ونقل حنبل عنه quot;فيمن شرب خمرا في نهار رمضان أو أتى شيئا نحو هذا أقيم عليه الحد وغلط عليه مثل الذي قتل في الحرم دية وثلثquot;. ونقل حرب عنه إذا أتت المرأة تعاقبان وتؤديان وقال أصحاب أحمد: quot;إذا رأى الإمام تحريق اللوطي بالنار فله ذلك إذا رأى لأن خالد ابن الوليد كتب إلى أبي بكر أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة فاستشار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وكان أشدهم قولا فقال: quot;إن هذا الذنب لم تعص به أمة من الأمم إلا واحدة فصنع الله بهم ما قد علمتهم أرى أن يحرقوا بالنارquot; فأجمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يحرقوا بالنار فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يحرقوا ثم حرقهم ابن الزبير ثم حرقهم هشام بن عبد الملك ونص أحمد فيمن طعن في الصحابة على أنه قد وجب على السلطان عقوبته وليس للسلطان أن يعفوا عنه بل يعاقبه ويستتيبه فإن تاب وإلا أعاد عليه العقوبة. فائدة: قال ابن عقيل: quot;شهد شيخنا ومعلمنا المناظرة أن أبا إسحاق الفيروزبادي لا يخرج شيئا إلى فقير إلا أحضر النية ولا يتكلم في مسألة إلا قدم الاستعانة بالله وإخلاص القصد في نصرة الحق دون التزين والتحسين للخلق ولا صنف مسالة إلا بعد أن صلى ركعات فلا جرم شاع اسمه واشتهرت تصانيفه شرقا وغربا هذه بركات الإخلاصquot;.(3\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "671",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6886",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: عوتب ابن عقيل في تقبيل يد السلطان حين صافحه فقال: quot;أرأيتم لو كان والدي فعل ذلك فقبلت يده أكان خطأ أم واقعا موقعه قالوا: بلى قال: فالأب يربي ولده تربية خاصة والسلطان يربي العالم تربية عامة فهو بالإكرام أولىquot; ثم قال: quot;وللحال الحاضرة حكم من لابسها وكيف يطلب من المبتلى بحال ما يطلب من الخالي عنها. فائدة: أورد شيخنا الهراسي سؤالا على القول بكفر تارك الصلاة وزعم أنه لا جواب عنه فقال: quot;إذا أراد هذا الرجل معاودة الإسلام فبمإذا يسلم فإنه لم يترك كلمة الإسلام فأجابه ابن عقيل بأن قال: إنما كان كفره بترك الصلاة لا بترك الكلمة فهو إذا عاود فعل الصلاة صارت معاودته للصلاة إسلاما فإن الدال على إسلام الكافر الكلمة أو الصلاةquot;. قلت: وهذا الذي ذكره شيخنا يرد عليه في كل من كفر بشيء من الأشياء مع إتيانه بالشهادتين وتلك صور عديدة. فائدة: سأل سائل فقال: إذا كانت الجنة لا موت فيها فكيف يأكلون فيها لحم الطير وهو حيوان قد فارقته الروح فأجيب بأنه يجوز أن لا يكون ميتا. وهذا جواب(3\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "672",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6887",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في غايه الغثاثة. قال ابن عقيل: quot;وما الذي أحوجه إلى هذا والجنة دار لا يخلق فيها أذى ولا نصب لا مطلقا بل لا يدخل الدخل إليها ذلك على طريق الإكرام كما قال تعالى: إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى وذلك مشروط بالطاعة فإذا جاز ذلك في حق آدم علم أنه ليس بواجب في حق الطير ولا يمتنع في قدرة الله تعالى أن يكون هذا الطائر مشوبا لا عن روح خرجت منه أو عن روح خرجت خارج الجنة وولج الجنة وهو لحم مشوي. قلت: وما الذي أوجب هذا التكلف كله فالجنة دار الخلود لأهلها وسكانها وأما الطير فهو نوع من أنواع الأطعمة التي يحدثها الله لهم شيئا بعد شيء فهو دائم النوع وإن آحاده متصرمة كالفاكهة وغيرها وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم quot;أن المؤمنين ينحر لهم يوم القيامة ثور الجنة الذي كان يأكل منها فيكون نزلهمquot; فهذا حيوان قد كان يأكل من الجنة فينحر نزلا لأهلها والله أعلم. فائدة: quot;الدنيا سجن المؤمنquot; فيه تفسيران صحيحان: أحدهما: أن المؤمن قيده إيمانه عن المحظورات والكافر مطلق التصرف. الثاني: أن ذلك باعتبار العواقب فالمؤمن لو كان أنعم الناس فذلك بالأضافه إلى مآله في الجنة كالسجن والكفار عكسه فإنه لو كان أشد الناس بوسا فذلك بالنسبة إلى النار جنته.(3\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "673",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6888",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: سأل تلميذ أستاذه أن يمدحه في رقعة إلى رجل ويبالغ في مدحه بما هو فوق رتبته فقال: quot;لو فعلت ذلك لكنت عند المكتوب إليه إما مقصرا في الفهم حيث أعطيتك فوق حقك أو متهما في الإخبار فأكون كذابا وكلا الأمرين يضرك لأني شاهدك وإذا قدح في الشاهد بطل حق المشهود لهquot;. فائدة: قال قائل أراني إذا دعيت باسمي دون لقبي شق ذلك علي جدا بخلاف السلف فإنهم كانوا يدعون بأسمائهم فقيل له هذا لمخالفة العادات لأن أنس النفوس بالعادة طبيعة ثابتة ولأن الاسم عن السلف لم يكن عندهم دالا على قلة رتبة المدعو واليوم صارت المنازل في القلوب تعلم بأمارة الاستدعاء فإذا قصر دل على تقصير رتبته فيقع السخط لما وراء الاستدعاء فلما صارت المخاطبات موازين المقادير شق على المحطوط من رتبته قوة كما يشق عليه فعلا. فائدة: سمع بعض أهل العلم رجلا يدعوا بالعافية فقال له: quot;يا هذا استعمل الأدوية وادع بالعافية فإن الله تعالى إذا كان قد جعل إلى العافية طريقا وهو التداوي ودعوته(3\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "674",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6889",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالعافية ربما كان جوابه قد عافيتك بما جعلته ووضعته سببا للعافية وما هذا إلا بمثابة من بين زرعه وبين الماء ثلمة يدخل منها الماء يسقي زرعه فجعل يصلي ويستسقي لزرعه ويطلب المطر مع قدرته على فتح تلك الثلمة لسقي زرعة فإن ذلك لا يحسن منه شرعا ولا عقلا ولم يكن ذلك إلا لأنه سبق بإعطاء الأسباب فهو إعطاء بأحد الطريقين وله أن يعطي بسبب وبغير سبب وبالسبب ليتبين به ما أفاض من صنعه وما أودع في مخلوقاته من القوى والطبائع والمنافع وإعطاؤه لغير سبب ليتبين للعباد أن القدرة غير مفتقرة إلى واسطة في فعله فإذا دعوته بالعافية فاستنقذ ما أعطاك من العتائد والأرزاق فإن وصلت بها وإلا فاطلب طلب من أفلس من مطلوبه فرغب إلى المعدن كما قال سيد الخلائق: quot;اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملكquot;. قلت: هذا كلام حسن وأكمل منه أن يبذل الأسباب ويسأل سؤال من لم يدل بشيء البتة والناس في هذا المقام أربعة أقسام: - فأعجزهم من لم يبذل السبب ولم يكثر الطلب فذاك أمهن الخلق. - والثاني: مقابلة وهو أحزم الناس من أدلى بالأسباب التي نصبها الله تعالى مفضية إلى المطلوب وسأل سؤال من لم يدل بسبب أصلا بل سؤال مفلس بائس ليس له حيلة ولا وسيلة. - والثالث: من استعمل الأسباب وصرف همته إليها وقصر نظره عليها فهذا وإن كان له حظ مما رتبه الله تعالى عليها لكنه منقوص منقطع نصب الآفات والمعارضات لا يحصل له إلا بعد جهد فإذا حصل فهو وشيك الزوال سريع الانتقال غير معقب له توحيدا ولا معرفة ولا كان سببا لفتح الباب بينه وبين معبوده. - الرابع: مقابلة وهو رجل نبذ الأسباب وراء ظهره وأقبل على الطلب والدعاء والابتهال فهذا يحمد في موضع ويذم في موضع ويشينه الأمر في موضع فيحمد عند كون تلك الأسباب غير مأمور بها إذ فيها مضرة عليه في دينه فإذا تركها وأقبل على السؤال والابتهال والتضرع لله كان محمودا ويذم حيث كانت الأسباب مأمورا بها فتركها وأقبل على الدعاء كمن حصره العدو وأمر بجهاده(3\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "675",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6890",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فترك جهاده وأقبل على الدعاء والتضرع أن يصرفه الله عنه وكمن جهده العطش وهو قادر على تناول الماء فتركه وأقبل يسأل الله تعالى أن يرويه وكمن أمكنه التداوي الشرعي فتركه وأقبل يسأل العافية ونظائر هذا. ويشتبه الأمر في الأسباب التي لا يتبين له عواقبها وفيها بعض الاشتباه ولها لوازم قد يعجز عنها وقد يتولد عنها ما يعود بنقصان دينه فهذا موضع اشتباه وخطر والحاكم في ذلك كله الأمر فإن خفي فالاستخارة وأمر الله وراء ذلك. فائدة: قال أحمد: quot;إذا تزوج العبد الحرة عتق نصفه ومعنى هذا أن أولاده يكونون أحرارا وهم فرعه فالأصل عبد وفرعه حر والفرع جزء من الأصل. فائدة: حذار حذار من أمرين لهما عواقب سوء: أحدهما: رد الحق لمخالفته هواك فإنك تعاقب بتقليب القلب ورد ما يرد عليك من الحق رأسا ولا تقبله إلا إذا برز في قالب هواك قال تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة فعاقبهم على رد الحق أول مرة بأن قلب أفئدتهم وأبصارهم بعد ذلك. والثاني: التهاون بالأمر إذا حضر وقته فإنك إن تهاونت به ثبطك الله وأقعدك عن مراضيه وأوامره عقوبة لك قال تعالى: فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي(3\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "676",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6891",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين . فمن سلم من هاتين الآفتين والبليتين العظيمتين فليهنه السلامة. فائدة: وقعت حادثة في أيام ابن جرير وهي أن رجلا تزوج امرأة فأحبها حبا شديدا وأبغضته بغضا شديدا فكانت تواجهه بالشتم والدعاء عليه فقال لها يوما: أنت طالق ثلاثا لا تخاطبيني بشيء إلا خاطبتك بمثله فقالت له في الحال: أنت طالق ثلاثا بتاتا فأبلس الرجل ولم يدر ما يصنع فاستفتى جماعة من الفقهاء فكلهم قال: لا بد أن تطلق فإنه إن أجابها بمثل كلامها طلقت وان لم يجبها حنث وطلقت فإن بر طلقت وإن حنث طلقت. فأرشد به إلى ابن جرير فقال لها: quot;امض ولا تعاود الأيمان وأقم على زوجتك بعد أن تقول لها: أنت طالق ثلاثا إن أنا طلقتك فتكون قد خاطبتها بمثل خطابها لك فوفيت بيمينك ولم تطلق منك لما وصلت به الطلاق من الشرطquot; فذكر ذلك لابن عقيل فاستحسنه وقال: quot;وفيه وجه آخر لم يذكره ابن جرير وهو أنها قالت له: أنت طالق ثلاثا بفتح التاء وهو خطاب تذكير فإذا قال لها أنت بفتح التاء لم يقع به طلاقquot;. قلت: وفيه وجه آخر أحسن من الوجهين وهو جار على أصول المذهب وهو تخصيص اللفظ العام بالنية كما إذا حلف لا يتغدى ونيته غذاء يومه قصر عليه وإذا حلف لا يكلمه ونيته تخصيص الكلام بما يكرهه لم يحنث إذا كلمه بما يحبه ونظائره كثيرة وعلى هذا فنياط الكلام صريح أو كالصريح في أنه إنما أراد لا تكلم بشتم أو سب أو دعاء أو ما كان من هذا الباب إلا كلمها بمثله ولم يرد أنها قالت له اشتر لي مقنعة أو ثوبا أن يقول لها اشترى لي ثوبا أو مقنعة(3\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "677",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6892",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا قالت له لا تشتر لي كذا فإني لا أحبه أن يقول لها مثله هذا مما يقطع أن الحالف لم يرده فإذا لم يخاطبها بمثله لم يحنث وهكذا يقطع بأن هذه الصورة المسؤول عنها لم يردها ولا كان بساط الكلام يقتضيها ولا خطرت بباله وإنما أراد ما كان من الكلام الذي هيج يمينه وبعثه على الحلف ومثل هذا يعتبر عندنا في الأيمان. فائدة: قرأ قارىء إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت وإذا الجبال سيرت وفي الحاضرين أبو الوفاء بن عقيل فقال له قائل: يا سيدي هب أنه أنشر الموتى للبعث والحساب وزوج النفوس بقرنائها بالثواب والعقاب فلم هدم الابنية وسير الجبال ودك الأرض وفطر السماء ونثر النجوم وكور الشمس فقال: quot;إنما بني لهم الدار للسكنى والتمتع وجعلها وجعل ما فيها للاعتبار والتفكر والاستدلال عليه بحسن التأمل والتذكر فلما انقضت مدة السكنى وأجلاهم من الدار خربها لانتقال الساكن منها فأراد أن يعلمهم بأن الكونين كانت معمورة بهم وفي إحالة الأحوال وإظهار تلك الأهوال وبيان المقدرة بعد بيان العزة وتكذيب لأهل الإلحاد وزنادقة المنجمين وعباد الكواكب والشمس والقمر والأوثان فيعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين فإذا رأوا آلهتهم قد انهدمت وأن معبوداتهم قد أنتثرت وانفطرت ومحالها قد تشققت ظهرت فضائحهم وتبين كذبهم وظهر أن العالم مربوب محدث مدبر له رب يصرفه كيف يشاء تكذيبا لملاحدة الفلاسفة القائلين بالقدم فكم لله تعالى من حكمة في هدم هذه الدار ودلالة على عظم عزته وقدرته وسلطانه وانفراده بالربوبية وانقياد المخلوقات بأسرها لقهره وإذعانها لمشيئته فتبارك الله رب العالمين.(3\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "678",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6893",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: الدليل على حشر الوحوش وجوه: الأول: قوله تعالى: وإذا الوحوش حشرت . الثاني: قوله تعالى: وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون . الثالث: حديث مانع صدقه الإبل والبقر والغنم وأنها تجيء يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطأه بأظلافها وهو متفق على صحته. الرابع: حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه quot; أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شاتين ينتطحان فقال: يا أبا ذر أتدري فيم ينتطحان قال: قلت لا قال: لكن الله يدري وسيقضي بينهماquot; رواه أحمد بن حنبل رضي الله عنه في مسنده الخامس: الآثار الواردة في قوله تعالى: يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا وأن الله تعالى يجمع الوحوش ثم يقتص من بعضها لبعض ثم يقول لها: كوني ترابا فتكون ترابا فعندها يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا . فائدة: تأمل الحكمة في التشديد في أول التكليف ثم التيسير في أخره بعد توطين النفس على العزم والامتثال فيحصل للعبد الأمران الأجر على عزمه وتوطين نفسه على الامتثال والتيسير والسهولة بما خفف الله عنه. فمن ذلك أمر الله تعالى رسوله بخمسين صلاة ليلة الإسراء ثم خففها وتصدق بجعلها خمسا. ومن ذلك انه أمر أولا بصبر الواحد إلى العشرة ثم خفف عنهم ذلك إلى الاثنين. ومن(3\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "679",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6894",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك أنه حرم عليهم في الصيام إذا نام أحدهم أن يأكل بعد ذلك أو يجامع ثم خفف عنهم. ومن ذلك أنه أوجب عليهم تقديم الصدفة بين يدي مناجاة رسوله فلما وطنوا له أنفسهم على ذلك خففه عنهم بإباحة ذلك عنهم إلى الفجر. ومن ذلك تخفيف الاعتداد بالحول بأربعة اشهر وعشرا وهذا كما قد يقع في الابتلاء بالأوامر فقد يقع في الابتلاء بالقضاء والقدر يشدد على العبد أولا ثم يخفف عنه وحكمه تسهيل الثاني بالأول وتلقى الثاني بالرضي وشهود المنة والرحمة. وقد يفعل الملوك ببعض رعاياهم قريبا من هذا فهؤلاء المصادرون يطلب منهم الكثير جدا الذي ربما عجزوا عنه ثم يحطون إلى ما دونه لتطوع لهم أنفسهم بذلة ويسهل عليهم وقد يفعل بعض الحمالين قريبا من هذا فيزيدون على الحمل شيئا لا يحتاجون إليها ثم يحط تلك الأشياء فيسهل حمل الباقي عليهم. والمقصود أن هذا باب من الحكمة خلقا وأمرا ويقع في الأمر والقضاء والقدر أيضا ضد هذا فينقل عباده بالتدريج من اليسير إلى ما هو أشد منه لئلا يفجأ هذا التشديد بغتة فلا تحمله ولا تنقاد له. وهذا كتدريجهم في الشرائع شيئا بعد شيء دون أن يؤمروا بها كلها وهلة واحدة. وكذلك المحرمات ومن هذا أنهم أمروا بالصلاة أولا ركعتين ركعتين فلما ألفوها زيد فيها ركعتين أخريين في الحضر. ومن هذا أنهم أمروا أولا بالصيام وخيروا فيه بين الصوم عينا وبين التخيير بينه وبين الفدية فلما ألفوه أمروا بالصوم عينا. ومن هذا أنهم أذن لهم بالجهاد أولا من غير أن يوجبه عليهم فلما توطنت عليه نفوسهم وباشروا حسن عاقبته وثمرته أمروا به فرضا. وحكمة هذا التدريج التربية على قبول الأحكام والإذعان لها والانقياد لها شيئا فشيئا وكذلك يقع مثل هذا في قضائه وقدره مقدر على عبده بل لا بد منه اقتضاه حمده وحكمته فيبتليه بالأخف أولا ثم يرقيه إلى ما هو فوقه حتى يستكمل ما كتب عليه منه ولهذا قد يسعى العبد في أول البلاء في دفعه وزواله ولا يزداد إلا شدة لأنه كالمرض في أوله وتزايده فالعاقل يستكين له أولا وينكسر ويذل لربه(3\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "680",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6895",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويمد عنقه خاضعا ذليلا لعزته حتى إذا مر به معظمه وغمرته وأذن ليله بالصباح فإذا سعى في زواله ساعدته الأسباب ومن تأمل هذا في الخلق أنتفع به أنتفاعا عظيما ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى. فائدة: رجل قالت له زوجته أريد منك أن تطلقني فقال لها إن كنت تريدين أن أطلقك فأنت طالق فهل يقع الطلاق بهذا أو لا بد من إخبارها عن إرادة مستقبلة وقال بعض الفقهاء: quot;لا بد من إرادة مستقبلة عملا بمقتضى الشرط وأن تأثيره إنما هو في المستقبلquot;. قال بعضهم: quot;بل تطلق بذلك اكتفاء بدلالة الحال على أنه إنما أراد بذلك أجابتها إلى ما سألته من طلاقها المراد لها فأوقعه معلقا له بإرادتها التي أخبرته بها هذا هو المفهوم من الكلام لا يفهم الناس غيرهquot;. وقال ابن عقيل: quot;ظاهر الكلام ووضعه يدل على إرادة مستقبلة ودلالة الحال تدل على أنه أراد إيقاعه لأجل الإرادة التي أخبرته بها ولم يزدquot;. قلت: وكأنه ترجيح منه للوقوع اكتفاء بدلالة الحال على ما هو المعهود من قواعد المذهب ولفظ الشرط في مثل هذا لا يستلزم الاستقبال وقد جاء مرادا به المشروط المقارن للتعليق وهو كثير في أفصح الكلام كقوله تعالى: وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين  وقوله: واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون  وقوله تعالى: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين وقول مريم: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا وهو كثير جدا. ولما كان ما يتلو أداة الشرط في هذا لا يراد به المستقبل بل يراد الحال والماضي قال بعض النحاة: إن فيه بمعنى إذا التي تكون للماضي وقال غيره: إنها للتعليل والتحقيق فيها أنها(3\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "681",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6896",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للشرط على بابها والشرط في ذلك داخل الكون المستمر المطلوب دوامه واستمراره دون تقيده بوقت دون وقت فتأمله. فائدة: استدل على أن النية لا تشترط في طهارة الماء بأن الماء خلق على صفات وطبيعة لا يحتاج في حصول أثرها إلى النية وخلق طهورا وخلق مرويا وخلق مبردا سائلا كل ذلك طبعه ووصفه الذي جعل عليه فكما أنه لا يحتاج إلى النية في حصول الري والتبريد به فكذلك في حصول التطهير يوضحه أنه خلق طاهرا أو طهورا وطاهريته لا تتوقف على نية فكذلك طهوريته. يزيده إيضاحا أن عمله في أقوى الطهارتين وهي طهارة الخبث لا تتوقف على نية فعدم توقف عمله على النية في الطهارة الأخرى أولى وإنما قلنا إنها أقوى الطهارتين لأن سببها وموجبها أمر حسي وخبث مشاهد ولأنه لا بدل لها من التراب فقد ظهرت قوتها حسا وشرعا. يزيده بيانا قوله صلى الله عليه وسلم: quot;خلق الماء طهوراquot; صريح في أنه مخلوق على هذه الصفة وطهورا منصوب على الحال أي خلق على هذه الحالة من كونه طهورا وإن كانت حالا لازمة فهي كقولهم: خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها فهذه الصفة وهي الطهورية مخلوقة معه نويت أو لم تنو. والاستدلال بهذا قريب من الاستدلال بقوله تعالى: وأنزلنا من السماء ماء طهورا يوضح ذلك أيضا أن النية إن اعتبرت بجريان الماء على الأعضاء فهو حاصل نوى أو لم ينو وإن اعتبر حصول الوضاءة والنظافة فكذلك لا يتوقف حصولها على نية وإن اعتبرت لإزالة الحدث المتعلق بالأعضاء فقد بينا أن الخبث المتعلق بها أقوى من الحدث وزوال هذا الأقوى لا يتوقف على النية فكيف للأضعف. يوضحه أيضا أنا رأينا الشريعة قد قسمت أفعال(3\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "682",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6897",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المكلفين إلى قسمين: - قسم يحصل مقصوده والمراد منه بنفس وقوعه فلا يعتبر في صحته نية كأداء الديون ورد الأمانات والنفقات الواجبة وإقامة الحدود وإزالة النجاسات وغسل الطيب عن المحرم واعتداد المفارقة وغير ذلك فإن مصالح هذه الأفعال حاصلة بوجودها ناشئة من ذاتها فإذا وجدت حصلت مصالحها فلم تتوقف صحتها على نية. القسم الثاني: ما لا يحصل مراده ومقصوده منه بمجرده بل لا يكفي فيه بمجرد صورته العارية عن النية كالتلفظ بكلمة الإسلام والتلبية في الإحرام وكصورة التيمم والطواف حول البيت والسعي بين الصفا والمروة والصلاة والاعتكاف والصيام ولما كان إزالة الخبث من القسم الأول اكتفى فيه بصورة الفعل لحصول مقصودة. وقد عللنا أن المراد من الوضوء النظافة والوضاءة وقيام العبد بين يدي الرب تبارك وتعالى على أكمل أحواله مستور العورة متجنبا للنجاسة نظيف الأعضاء وضيئها وهذا حاصل بإتيانه بهذه الأفعال نواها أو لم ينوها. يوضحه أن الوضوء غير مراد لنفسه بل مراد لغيره والمراد لغيره لا يجب أن ينوي لأنه وسيلة وإنما تعتبر النية في المراد لنفسه إذ هو المقصود المراد ولهذا كانت نية قطع المسافة في الحج والجمعة غير واجبة ولا تتوقف الصحة عليها وكذلك نية شراء الماء وشراء العبد في عتق الكفار وشراء الطعام فيها غير واجبة إذ هذه وسائل مرادة لغيرها. وكذلك الوضوء وسيلة تراد للصلاة فهي كطهارة المكان والثياب اعتبار النية في العبادات. يوضحه أن النية لو اعتبرت في الوضوء لاعتبرت في سائر شروط الصلاة كستر العورة وإزالة النجاسة وغيرهما ولا أرى منازعي القوم يتمكنون من الجواب عن هذه الكلمات بجواب شاف هذه أجوبتهم في طريقهم فعليك بمراجعتها ونحن لا ترتضي هذا الرأي ولكن لم نر استدلال منازعتهم وأجوبتهم لهم أقوى من هذه الأدلة وما ذاك لضعف المسألة من جانبهم ولكن لأن الكلام في مسألة النية شديد الارتباط بأعمال القلوب ومعرفة مراتبها وارتباطها بأعمال الجوارح وبنائها عليها وتأثيرها فيها صحة وفسادا وإنما هي الأصل المراد المقصود وأعمال(3\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "683",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6898",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجوارح تبع ومكملة ومتممة وأن النية بمنزلة الروح والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء الذي إذا فارق الروح فموات وكذلك العمل إذا لم تصحبه النية فحركة عابث. فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح إذ هي أصلها وأحكام الجوارح متفرعة عليها. وكذلك أيضا لا يتحقق الكلام في المسألة إلا بعد معرفة حقيقة النية وهل هي من جنس المعلوم والتصورات أو من جنس الإرادات والعزوم أو حقيقتها مركبة من الأمرين وأما من قبيل انبساطها وانقسامها على حروف معينة لكل حرف منها جزء من أجزاء النية فلم يحصل معنى النية فضلا عن أن يتمكن من رد قول منازعه في اعتبارها. وكذلك من ظن أنها لا تتحقق إلا بجريان ألفاظ من اللسان يخبر بها عنها لم يحصل أيضا معناها فيجب أن نعلم حقيقتها أولا ومنزلتها من أعمال القلوب وأنه مستحيل عليها الانبساط والانقسام وأنه لا مدخل للألفاظ البتة ويفرق بين النية المتعلقة بالمعبود التي هي من لوازم الإسلام وموجباته بل هي روحه وحقيقته التي لا يقبل الله من عامل عملا بدونها البتة وبين النية المتعلقة بنفس العمل التي وقع فيها النزاع في بعض المواضع ثم يعرف ارتباطها بالعمل وكيف قصد به تمييز العبادة عن العادة إذ كانا في الصورة واحدا وإنما يتميزان بالنية فإذا عدمت النية كان العمل عاديا لا عباديا والعادات لا يتقرب بها إلى بارىء البريات وفاطر المخلوقات فإذا عري العمل عن النية كان كالأكل والشرب والنوم الحيواني البهيمي الذي لا يكون عبادة بوجه فضلا أن يؤمر به ويرتب عليه الثواب والعقاب والمدح والذم وما كان هذا سبيله لم يكن من المشروع للتقرب به إلى الرب تبارك وتعالى ولذلك يقصد بها تمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض فيميز فرضها عن نفلها ومراتبها بعضها عن بعض وهذه أمور لا تحقق لها إلا بالنية ولا قوام لها بدونها البتة وهي مرادة للشارع بل هي وظائف العبودية فكيف يؤدي وظائف العبودية من لا يخطر بباله التمييز بين العبادات والعادات ولا التمييز بين مراتب تلك الوظائف ومنازلها(3\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "684",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6899",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من العبودية هذا أمر ممتنع عادة وعقلا وشرعا فالنية هي سر العبودية وروحها ومحلها من العمل محل الروح من الجسد ومحال أن يعتبر في العبودية عمل الأرواح له معه بل هو بمنزلة الجسد الخراب وهذا معنى الأثر المروى موقوفا على أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: quot;لا عمل لمن لا نية له ولا أجر لمن لا حسبة لهquot;. وقد قال تعالى: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين فنهي سبحانه أن يكون أمر عباده بغير العبادة التي قد أخلص عاملها له فيها النية ومعلوم أن إخلاص النية للمعبود أصل لنية أصل العبادة فإذا لم يأمرهم إلا بعمل هو عبادة قد أخلص عاملها النية فيها لربه عز وجل ومعلوم أن النية جزء من العبادة بل هي روح العبادة كما تبين علم أن العمل الذي لم ينو ليس بعبادة ولا مأمور به فلا يكون فاعله متقربا إلى الله تعالى وهذا مما لا يقبل نزاعا. ومن نكت المسألة أن يفرق بين الأفعال التي لا تقع إلا منوية عادة وبين الأفعال التي تقع منوية وغير منوية فالأولى كالوضوء المرتب عضوا بعد عضو فإنه لا يكاد يتصور وقوعه من غير نية فإن علم الفاعل بما يفعله وقصده له هو النية والعاقل المختار لا يفعل فعلا إلا مسبوقا بتصوره وإرادته وذلك حقيقة النية فليست النية أمرا خارجا عن تصور الفاعل وقصده لما يريد أن يفعله وبهذا يعلم غلط من ظن أن الملتفظ مدخلا في تحصيل النية فإن القائل إذا قال نويت صلاة الظهر أو نويت رفع الحدث إما أن يكون مخبرا أو منشأ فإن كان مخبرا فإما أن يكون إخباره لنفسه أو لغيره وكلاهما عبث لا فائدة فيه لأن الإخبار إنما يفيد إذا تضمن تعريف المخبر ما لم يكن عارفا به وهذا محال في إخباره لنفسه وإن كان إخبارا لغيره بالنية فهو عبث محض وهو غير مشروع ولا مفيد وهو بمثابة إخباره له بسائر أفعاله من صومه وصلاته وحجه وزكاته بل بمنزلة إخباره له إيمانه عن حبه وبغضه بل قد يكون في هذا الإخبار فائدة وأما إخبار المأمومين أو الإمام أو غيرهما بالنية فعبث محض ولا يصح أن يكون ذلك إنشاء فإن اللفظ لا ينشىء وجود النية وإنما إنشاؤها(3\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "685",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6900",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إحضار حقيقتها في القلب لا إنشاء اللفظ الدال عليها. فعلم بهذا أن التلفط بها عبث محض فتأمل هذه النكتة البديعة والمقصود أن مثل هذه الأفعال المرتبة التي لا تقع إلا عن علم وقصد لا تكون إلا منوية وهذا بخلاف الاغتسال مثلا فإنه قد يقع لتنظيف أو تبريد ونحوهما فإن لم يقصد به رفع حدثه لم يكن منويا وكذلك أفعال الصلاة المرتبة التي يتبع بعضها بعضا لا تقع إلا منوية ولو تكلف الرجل أن يصلى أو يتوضأ بغير نية لتعذر عليه ذلك بل يمكن تصوره فيما إذا قصد تعليم غيره ولم يقصد العبادة أو صلى وتوضأ مكرها وأما عاقل مختار عالم بما يفعله يقع فعله وفق قصده فهذا لا يكون إلا منويا فالنية هي القصد بعينه ولكن بينها وبين القصد فرقان: أحدهما أن القصد معلق بفعل الفاعل نفسه وبفعل غيره والنية لا تتعلق إلا بنفسه فلا يتصور أن ينوى الرجل فعل غيره ويتصور أن يقصده ويريده الفرق الثاني: أن القصد لا يكون إلا بفعل مقدور يقصده الفاعل وأما النية فينوي الإنسان ما يقدر عليه وما يعجز عنه ولهذا في حديث أبي كبشة الأنماري الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;إنما الدنيا لأربعة نفر عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي في ماله ربه ويصل فيه رحمة ويعلم لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل عند الله وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته وأجرهما سواء وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما ذلك شر منزلة عند الله quot; ثم قال: quot;وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته وهما في الوزر سواءquot;. فالنية تتعلق بالمقدور عليه والمعجوز عنه بخلاف القصد والإرادة فإنما لا يتعلقان بالمعجوز عنه لا من فعله ولا من فعل غيره وإذا عرف حقيقة النية ومحلها من الإيمان وشرائعه تبين الكلام في المسألة نفيا وإثباتا بعلم وإنصاف. ولنذكر كلامهم وما فيه من مقبول ومردود فأما قولهم: إن الماء خلق بطبعه مبردا ومرويا وسائلا ومطهرا وحصول هذه الآثار منه لا تفتقر إلى نية إلى آخره. فيقال: إن أردتم بكونه(3\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "686",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6901",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مطهرا بطبعه أنه منظف لمحل التطهير فمسلم ولكن نزاعنا في أمر وراءه وإن أردتم أنه يفتتح به الصلاة ويرفع المانع الذي جعله الشارع صادا عن الدخول فيها بطبعه من غير اعتبار نيه فدعوى مجردة لا يمكنهم تصحيحها ألبته بل هي بمثابة قول القائل: استعماله عبادة بمجرد طبعه فحصول التعبد والثواب به لا يحتاج إلى نية وهذا بين البطلان وهذا حرف المسألة وهو أن التعبد به مقصود وهو متوقف على النية والمقدمتان معلومتان مغنيتان عن تقدير. وقد أجابهم بعض الناس بان منع أن يكون في الماء قوة أو طبع وقال هذا مبني على إثبات القوى والطبائع في المخلوقات وأهل الحق ينكرونه. وهذا جواب فاسد يرغب طالب الحق عن مثله وهو باطل طبعا وحسا وشرعا وعقلا وأهل الحق هم المتبعون للحق أين كان والقرآن والسنة مملوءان من إثبات الأسباب والقوى والعقلاء قاطبة على إثباتها سوي طائفة من المتكلمين حملهم المبالغة في إبطال قول القدرة والنفاة على إنكارها جملة. والذي يكشف سر المسألة أن التبريد والري والتنظيف حاصل بالماء ولو لم يرده وحتى لو أراد أن لا يكون وأما التعبد لله بالوضوء فلا يحصل إلا بنية التعبد فقياس أحد الأمرين على الآخر من أفسد القياس فالحاصل بطبع الماء أمر غير التعبد الذي هو مقوم لحقيقة الوضوء الذي لا يكون وضوءا إلا به وبهذا خرج الجواب عن قولهم إن عمله في رفع الخبث لم يتوقف على نية فان لا يتوقف رفعه للحدث أولى فإن رفع الخبث أمر حسي مشاهد لا يستدعي أن يكون رافعة من أهل العبادة بل هو بمنزلة كنس الدار وتنظيف الطرقات وطرح المميتات والخبائث. نوضحه إن زوال النجاسة لا يفتقر إلى فعل من المكلف البتة بل لو أصابها المطر فأزال عينها طهر المحل بخلاف الطهارة من الخبث فإن الله أمر بأفعال متميزة لا يكون المكلف مؤديا ما أمر به إلا بفعلها الاختياري الذي هو مناط التكليف وبهذا خرج الجواب عن قولهم النية إن اعتبرت لجريان الماء على الأعضاء أو لحصول الوضاءة لم يفتقر إلى نية إلى آخره. قولهم: الشريعة قسمت الأفعال إلى قسمين:(3\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "687",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6902",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قسم يحصل منه مقصوده بمجرد من غير نية وقسم لا يحصل إلا بالنية فمسلم. قولهم: إن الوضوء من القسم الأول دعوى محل النزاع فلا يقبل قولهم في تقريرها لمقصود الوضاءة أن الوضوء والنظافة وقيام العبد بين يدي ربه على أكمل أحواله. فجوابه أن لله على العبد عبوديتين عبودية باطنة وعبودية ظاهرة فله على قلبه عبودية وعلى لسانه وجوارحه عبودية فقيامه بسورة العبودية الظاهرة مع تعريه عن حقيقة العبودية الباطنة مما لا يقربه إلى ربه ولا يوجب له الثواب وقبول عمله فإن المقصود امتحان القلوب وابتلاء السرائر فعمل القلب هو روح العبودية ولبها فإذا خلا عمل الجوارح منه كان كالجسد الموات بلا روح. والنية هي عمل القلب الذي هو ملك الأعضاء والمقصود بالأمر والنهي فكيف يسقط واجبة ويعتبر واجب رعيته وجنده واتباعه اللاتي إنما شرعت واجباتها لأجله ولأجل صلاحه وهل هذا إلا عكس القضية وقلب الحقيقة والمقصود بالأعمال كلها ظاهرها وباطنها إنما هو صلاح القلب وكماله وقيامه بالعبودية بين يدي ربه وقيومه وإلهه ومن تمام ذلك قيامه هو وجنوده في حضرة معبوده وربه فإذا بعث جنوده ورعيته وتغيب هو عن الخدمة والعبودية فما أجدر تلك الخدمة بالرد والمقت وهذا مثل في غاية المطابقة. وهل الأعمال الخالية عن عمل القلب إلا بمنزلة حركات العابثين وغايتها أن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب. ولما رأى بعض أرباب القلوب طريقة هؤلاء انحرف عنها إلى أن صرف همه إلى عبودية القلب وعطل عبودية الجوارح وقال: المقصود قيام القلب بحقيقة الخدمة والجوارح تبع. والطائفتان متقابلتان أعظم تقابل هؤلاء لا التفات لهم إلى عبودية جوارحهم ففسدت عبودية قلوبهم وأولئك لا التفات لهم إلى عبودية قلوبهم ففسدت عبودية جوارحهم. والمؤمنون العارفون بالله وبأمره قاموا له بحقيقة العبودية ظاهرا وباطنا وقدموا قلوبهم في الخدمة وجعلوا الأعضاء تبعا لها فأقاموا الملك وجنوده في خدمة المعبود وهذا هو حقيقة العبودية. ومن المعلوم أن هذا هو مقصود الرب تعالى بإرساله رسله وإنزاله كتبه وشرعه شرائعه فدعوى(3\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "688",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6903",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المدعي أن المقصود من هذه العبودية حاصل وإن لم يصحبها عبودية القلب من أبطل الدعاوي وأفسدها والله الموفق. ومن تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب وأنها لا تنفع بدونها وأن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح وهل يميز المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كل واحد منهما من الأعمال التي ميزت بينهما وهل يمكن أحد الدخول في الإسلام إلا بعمل قلبه قبل جوارحه وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم فهي واجبة في كل وقت ولهذا كان الإيمان واجب القلب على الدوام والإسلام واجب الجوارح في بعض الأحيان فمركب الإيمان القلب ومركب الإسلام الجوارح فهذه كلمات مختصرة في هذه المسألة لو بسطت لقام منها سفر ضخم وإنما أشير إليها إشارة. وحرف المسألة أن أعمال الجوارح إنما تكون عبادة بالنية والوضوء عبادة في نفسه مقصود مرتب عليه الثواب وعلى تركه العقاب وكما يجب في العبادات إفراد المعبود تعالى عن غيره بالنية والقصد فيكون وحده المقصود المراد فكما أنه يجب في العبادات إفراد المعبود تعالى بها لا سواه فكذلك يجب فيها تمييز العبادة عن العادة ولا يقع التمييز بين النوعين اتحاد صورة العملين إلا بالنية فعمل لا يصحبه إرادة المعبود غير المقبول ولا يعتد به وكذلك عمل لا تصحبه إرادة التعبد له والتقرب إليه غير مقبول ولا معتقد به بل نية التقرب والتعبد جزء من نية الإخلاص ولا قوم لنية الإخلاص للمعبود إلا بنية التعبد فإذا كانت نية الإخلاص شرطا في صحة كل أداء العبادة فاشتراط نية التعبد أولى وأحرى ولا جواب عن هذا البتة إلا بإنكار أن يكون الوضوء عبادة وكذلك يلتحق بإنكار المعلوم من الشرع بالضرورة وهو بمنزلة إنكار كون الصوم والزكاة والحج والجهاد وغيرها عبادات والله الموفق للصواب.(3\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "689",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6904",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: ذكر أحمد بن مروان المالكي عن ابن عباس أنه سئل عن ميت مات ولم يوجد له كفن قال: quot;يكب على وجهه ولا يستقبل بوجهه القبلةquot; قلت: هذا بعيد الصحة من عبد الله بن عباس بل هو باطل والصواب أنه يستر بحاجز من تراب ويوضع في لحده على جنبه مستقبل القبلة كما ينام العريان الذي نشر عليه ملاءة أو غيرها وإذا كان عليه حاجز من تراب وهو مستقبل القبلة كان بمنزلة من عليه ثيابه. فائدة وذكر أيضا عن مجاهد قال: quot;جلست إلى عبد الله بن عمر وهو يصلي فخفف ثم سلم وأقبل إلي ثم قال: إن حقا علي أو سنة إذا جلس الرجل إلى الرجل وهو يصلي التطوع أن يخفف ويقبل إليهquot; وذكر أيضا عن ابن عباس قال: quot;ما من يوم إلا ليلته قبله إلا يوم عرفة فإن ليلته بعدهquot;. قلت: هذا مما اختلف فيه وحكى عن طائفة أن ليلة اليوم بعده والمعروف عند الناس أن ليلة اليوم قبله ومنهم من فصل بين الليلة المضافة إلى اليوم كليلة الجمعة والسبت والأحد وسائر الأيام والليلة المضافة إلى مكان أو حال أو فعل كليلة عرفة وليلة النفر ونحو ذلك فالمضافة إلى اليوم قبله والمضافة إلى غيره بعده واحتجوا له بهذا الأثر المروي عن ابن عباس ونقض عليهم بليلة العيد والذي فهمه الناس قديما وحديثا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام ولا ليلة الجمعة بقيام من بين اللياليquot; أنها الليلة التي(3\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "690",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6905",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تسفر صبيحتها عن يوم الجمعة فإن الناس يسارعون إلى تعظيمها وكثرة التعبد فيها عن سائر الليالي فنهاهم تخصيصها بالقيام كما نهاهم عن تخصيص يومها بالصيام والله أعلم. قال أبو عبد الله الحاكم في كتابه الجامع لذكر أئمة الأمصار المزكين لرواة الأخبار سمعت أبا تراب المذكور يقول: سمعت إبراهيم بن عبد الرحمن بن سهل يقول: سمعت العباس بن محمد الهاشمي يقول: دخل يحيى بن معين مصر فاستقبلته هدايا أبي صالح كاتب الليث وجارية ومائة دينار فقبلها ودخل مصر فلما تأمل حديثه قال: quot;لا تكتبوا عن أبي صالحquot; قال الحاكم: quot;هذه من أجل فضائل يحيى إذ لم يحاب أبا صالح وهو في بلده ونعمتهquot;. أنا إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني ناجدي سمعت علي بن المدني يقول: كان أبو الجعد والد سالم بن أبي الجعد إذا تغذى جمع بنيه فكانوا ستة اثنان مرجئان واثنان شيعيان واثنان خارجيان فكان أبو الجعد يقول: quot;لقد جمع الله بين أيديكم وفرق بين أهوائكمquot;. قرأت على قاضي القضاة أبي الحسن محمد بن صالح الهاشمي ثنا عبد الله ابن الحسين بن موسى نا عبد الله بن علي بن المديني قال: سمعت أبي يقول: quot;خمسة أحاديث يروونها ولا أصل لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث: quot;لو صدق السائل ما افلح من رده quot; وحديث quot;لا وجع إلا وجع العين ولا غم إلا غم الدين quot; وحديث quot;إن الشمس ردت لعلى بن أبي طالبquot; وحديث quot;أنا أكرم على الله من أن يدعني تحت الأرض مائتي عام quot; وحديث quot; أفطر الحاجم والمحجوم إنهما كانا يغتابانquot; قال كاتبه: ونظير هذا قول الإمام أحمد: quot;أربعة أحاديث تدور في الأسواق لا أصل لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;من آذى ذميا فكأنما إذاني quot; وحديث quot;من بشرني بخروج إذار ضمنت له على الله الجنة quot; وحديث quot; للسائل حق وإن جاء على فرسquot; وحديث quot;يوم صومكم يوم نحركم يوم رأس سنتكمquot;. قال الحاكم: سمعت الأستاذ أبا سهل محمد بن سليمان يقول: سمعت أبا العباس محمد بن إسحاق الثقفي يقول: شاهدت محمد بن إسماعيل البخاري(3\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "691",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6906",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رحمه الله تعالى ودفع إليه كتابا من محمد ابن كرام يسأله عن أحاديث منها سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;الإيمان لا يزيد ولا ينقص quot; ومعمر عن الزهري مثله فكتب البخاري رحمه الله تعالى على ظهر كتابه: quot;من حدث بها استوجب الضرب الشديد والحبس الطويل سمعت أبا الخير محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعت أبا العباس الدغولي يقول: قلت لأبي حاتم الرازي: هل تعرف في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه أحمد قال: لا أعلمه قلت: فهل تعلم في الصحابة رضي الله عنهم من اسمه إسماعيل قال: لا غير الأغر المزني أسيد قال: لا أعلمه قلت: فهل كان فيهم من اسمه أيمن قال: لا أعلم. قلت: أفكان فيهم من اسمه أشعث قال: لا غير أشعت بن قيس الكندي قلت: فهل كان فيهم من اسمه أمية قال: صحابي واحد يقال له أمية بن مخشي الخزاعي قلت: فهل كان فيهم من اسمه أسلم قال: واحد أسلم أبو رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم فهل كان غير أهبان بن صيفي قال: أهبان بن أوس قلت: فهل كان فيهم أبيض غير ابن حمال فقال: لا أعلمه قلت: فهل كان فيهم أغر غير الأغر المزني قال: لا أعلمه قلت: فهل كان فيهم من اسمه أرقم قال: نعم أرقم بن أبي الأرقم قلت: فهل كان فيهم من اسمه إبراهيم قال: نعم إبراهيم اسم قديم قد تسمى به رجل قد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم المكيون عن عطاء بن إبراهيم عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;قابلوا بين النعالquot;. قال كاتبه: وفي كتاب ابن حبان في ترجمة الصحابة أسلم آخر غير أبي رافع قال أسلم بن عبدل لما أسلم أسلمت اليهود بإسلامه لم يزد تم الانتقاء يا جامع المال ما أعددت للحفر ... هل يغفل الزاد من أضحى على سفر أفنيت عمرك في اللذات تطلبها ... واخيبة السعي بل واضيعة العمر قف في ديار بني اللذات معتبرا ... وانظر إليها ولا تسال عن الخبر ففي الذي فعلت أيدي الشتات بهم ... من بعد ألفتهم معنى لمعتبر(3\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "692",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6907",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال غيره: قد عرف المنكر واستنكر ... المعروف في أيامنا الصعبة صار أهل العلم في وهدة ... وصار أهل الجهل في رتبة فقلت للأبرار أهل التقى ... والدين لما اشتدت الكربة لا تنكروا أحوالكم قد أتت ... نوبتكم في زمن الغربة وقال غيره: اقنع بأيسر ميسور من الزمن ... واشكر لربك ما أولاك من منن واذكر ملابس من عدن تخص بها ... ذوي التقي واهجروا الأبراد من عدن إن شئت أن تدخل الجنات مجتنبا ... قطوفها فتفوق النار بالجنن وباشر الناس بالمعروف مجتهدا ... وراقب الله في سر وفي علن حديث: روى البيهقي من حديث أبي بكر الحنفي ثنا سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه quot; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد مريضا فرآه يصلي على وسادة فأخذها فرمى بها فأخذ عودا ليصلي عليه فأخذه فرمى به وقال: صل على الأرض إن استطعت وإلا فأومىء إيماء واجعل سجودك أخفض من ركوعك quot; قال البيهقي: quot;هذا الحديث يعد في أفراد أبي بكر الحنفي عن الثوريquot; تم كلامه. وقال ابن أبي حاتم في كتاب العلل: سألت أبي عن هذا الحديث فقال: إن هذا خطأ إنما هو عن جابر. قوله: quot;أنه دخل على مريض قيل لهquot; فإن أبا أسامة قد رواه عن الثوري مرفوعا قال: quot;ليس بشيء هو موقوفquot; تم كلامه رحمه الله تعالى. ورواه يحيى بن أبي طالب ثنا عبد الوهاب بن عطاء ثنا الثوري فذكره بمثله ورواه البيهقي فهؤلاء ثلاثة رفعوه أبو أسامة وعبد الوهاب بن عطاء وأبو بكر الحنفي فأما أبو أسامة فالعلم المشهور وأما أبو بكر الحنفي من رجال الصحيحين وقواه ووثقه أحمد وأما عبد الوهاب بن عطاء فاحتج به مسلم والظاهر أن الحديث موقوف كما ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه والله أعلم. والآثار في ذلك معروفة عن(3\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "693",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6908",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصحابة كما روى مالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: quot;إذا لم يستطع المريض السجود أومأ برأسه إيماء ولم يرفع إلى جبهته شيئاquot; وقد رفعه عبد الله بن عامر الأسلمي عن نافع وقد ضعفه أحمد وأبو زرعة والصواب وقفه. وروى شعبة عن أبي الحق السبيعي عن زيد مولى ابن معاوية عن علقمة قال: quot;دخلت مع عبد الله بن مسعود على أخيه يعوده وهو مريض فرأى معه مروحة يسجد عليها فانتزعها منه عبد الله وقال: اسجد على الأرض فإن لم تستطع فأومىء إيماء واجعل السجود أخفض من الركوعquot;. وزيد هذا ثقة. حديث قال حنبل: قال أحمد في حديث حجاج المصيصي عن شريك عن إبراهيم بن حزم عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: quot; كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء أتيته بماء فاستنجى ثم مسح بيده على الأرض ثم توضأ quot; فقال أحمد: quot;هذا حديث منكر إنما هو عن أبي الأحوص عن عبد الله ولم يرفعهquot;. فائدة: قال بعضهم: قول العامة نسيات ليس بلحن لأن الجوهري حكاه وكأنه جمع نسية بتصغير نسوة. قلت: وعلى هذا فلا يقال إلا على جماعات متعددة منهن لأنه جمع الجمع والعامة تطلقه على الجماعة الواحدة منهن. فائدة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;من لعب بالنرد فكأنما صيغ يده في لحم خنزير ودمه quot;. سر هذا التشبيه والله أعلم أن اللاعب بها لما كان مقصوده بلعبه أكل المال بالباطل(3\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "694",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6909",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي هو حرام كحرمة لحم الخنزير وتوصل إليه بالقمار وظن أنه يفيده حل المال كان كالمتوصل إلى أكل لحم الخنزير بذكاته والنبي صلى الله عليه وسلم شبه اللاعب بها بغامس يده في لحم الخنزير ودمه إذ هو مقدمة الأكل كما أن اللعب بها مقدمة أكل المال فإن أكل بها المال كان كأكل لحم الخنزير والتشبه إنما وقع في مقدمة هذا بمقدمة هذا والله أعلم. فائدة: تفسير النبي صلى الله عليه وسلم البقر التي رآها في النوم تنحر بالنفر الذين أصيبوا من أصحابه يوم أحد قيل: وجه هذا التأويل أن البقر والنفر مشتركان في صورة الخط ويمتاز أحدهما عن الآخر بالنقط وهذه جهة من جهات التعبير. وهذا قول فاسد جدا ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدرك شيئا من الخط أصلا ولا هذه جهة صحيحة من جهات التأويل فلا يؤل النرد بالبرد ولا الزيد بالزند ولا العين بالغين ولا الحية بالجنة وأمثال ذلك. وقيل وجه الشبة أن البقر معها أسلحتها التي تقاتل بها وهي قرونها وكانت العرب تستعمل الصياصي والقرون في الرماح عند عدم الأسنة وهذا أقرب من الأول ولكنه مشترك بين المسلمين والكفار فإن كل طائفة معها سلاحها. أجود من هذين أن يقال وجه التشبيه أن الأرض لا تعمر ولا تفلح إلا بالبقر فهم عمارة الأرض وبها صلاح العالم وبقاء معيشتهم وقوام أمرهم وهكذا المؤمنون بهم إصلاح الأرض وأهلها وهم زينتها وأنفع أهل الأرض للناس كما أن البقر أنفع الدواب للأرض ومن وجه آخر وهو أن البقر تثير الأرض وتهيئها لقبول البذر وإنباته وهكذا أهل العلم والإيمان يثيرون القلوب ويهيئونها لقبول بذر الهدى فيها ونباته وكماله والله أعلم.(3\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "695",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6910",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;رأى عيسى رجلا يسرق فقال: سرقت قال: كلا والذي لا إله إلا هو فقال عيسى: آمنت بالله وكذبت بصريquot; قيل هو استفهام من المسيح لا أنه إخبار والمعنى: أسرقت فلما حلف له صدقه. ويرد هذا قوله: quot;وكذبت بصريquot;. وقيل: لما رآه المسيح أخذ المال بصورة السارق فقال: quot;سرقت quot; قال: كلا أي ليس بسرقة إما لأنه ماله أو له فيه حق أو لأنه أخذه ليقلبه ويعيده والمسيح عليه السلام أحال على ظاهر ما رأى فلما حلف له قال: quot;آمنت بالله وكذبت نفسيquot; في ظني أنها سرقة لا أنه كذب نفسه في أخذه المال عيانا فالتكذيب واقع على الظن لا على العيان وهكذا الرواية quot;كذبت نفسيquot; ولا تنافي بينها وبين رواية quot;وكذبت بصريquot; لأن البصر ظن أن ذلك الأخذ سرقة فأنا كذبته في ظن أنه رأى سرقة ولعله إنما رأى أخذا ليس بسرقة. وفي الحديث معنى ثالث ولعله أليق به وهو أن المسيح عليه السلام لعظمة وقار الله في قلبه وجلاله ظن أن هذا الحالف بوحدانية الله تعالى صادقا عمله إيمانه بالله على تصديقه وجوز أن يكون بصره قد كذبه وأراه ما لم ير فقال: quot;آمنت بالله وكذبت بصريquot; ولا ريب أن البصر يعرض له الغلط ورؤية بعض الأشياء بخلاف ما هي عليه ويخيل ما لا وجود له في الخارج فإذا حكم عليه العقل تبين غلطه والمسيح صلوات الله عليه وسلامه حكم إيمانه على بصره ونسب الغلط إليه والله أعلم.(3\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "696",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6911",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;الأنبياء أولاد علات quot; وفي لفظ: quot;إخوة من علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد quot;. قال الجوهري: quot;بنو العلات هم أولاد الرجل من نسوة شتى سميت بذلك لأن الذي تزوجها على أولى كانت قبلها ثم عل من الثانية العلل الشرب الثاني يقال له علل بعد نهل وعله يعله إذا سقاه السقية الثانيةquot;. وقال غيره: quot;سموا بذلك لأنهم أولاد ضرائر والعلات الضرائر. وهذا الثاني أظهر. وأما وجه التسمية فقال جماعة منهم القاضي عياض وغيره: معناه أن الأنبياء مختلفون في أزمانهم وبعضهم بعيد الوقت من بعض فهم أولاد علات إذ لم بجمعهم زمان واحد كما لم يجمع أولاد العلات بطن واحد وعيسى لما كان قريب الزمان من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن بينهما نبي كانا كأنهما في زمان واحد فقال: quot;أنا أولى الناس بعيسى بن مريم عليه السلام قالوا: كيف يا رسول الله فقال: الأنبياء إخوة من علات quot; الحديث. وفيه وجه آخر أحسن من هذا وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم شبه دين الأنبياء الذين اتفقوا عليه من التوحيد وهو عبادة الله وحده لا شريك له والإيمان به وبملائكته وكتبه ورسله ولقائه بالأب الواحد لاشتراك جميعهم فيه وهو الدين الذي شرعه الله لأنبيائه كلهم فقال تعالى: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه وقال البخاري في صحيحه: quot;باب ما جاء أن دين الأنبياء واحدquot; وذكر هذا الحديث وهذا هو دين الإسلام الذي أخبر الله أنه دين أنبيائه ورسله من أولهم نوح إلى خاتمهم محمد فهو بمنزلة الأب الواحد وأما شرائع الأعمال والمأمورات فقد تختلف فهي بمنزلة الأمهات الشتى التي كان لقاح تلك الأمهات(3\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "697",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6912",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من أب واحد كما أن مادة تلك الشرائع المختلفة من دين واحد متفق عليه. فهذا أولى المعنيين بالحديث وليس في تباعد أزمنتهم ما يوجب أن يشبه زمانهم بأمهاتهم ويجعلون مختلفي الأمهات لذلك وكون الأم بمنزلة الشريعة والأب بمنزله الدين وأصالة هذا وتذكيره وفرعية الأم وتأنيثها واتحاد الأب وتعدد الأم ما يدل على أنه معنى الحديث والله أعلم. فائدة: في قوله تعالى: أسرى بعبده دون بعث بعبده وأرسل به ما يفيد مصأحبته له في مسراه فإن الباء هنا للمصأحبة كالهاء في قوله: هاجر بأهله وسافر بغلامه وليست للتعدية فإن أسرى يتعدى بنفسه يقال سري به وأسراه وهذا لأن ذلك السري كان أعظم أسفاره والسفر يعتمد الصأحب ولهذا كان المسافر يقول: quot;اللهم أنت الصأحب في السفرquot;. فإن قيل: فهذا المعنى يفهم من الفعل الثلاثي لو قيل سري بعبده فما فائدة الجمع بين الهمزة والباء ففيه أجوبة: أحدها: أنهما بمعنى وأن أسرى لازم كسرى تقول سرى زيد وأسرى بمعنى واحد هذا قول جماعة. الثاني: أن أسرى متعد ومفعوله محذوف أي أسرى بعبده البراق هذا قول أبي القاسم السهيلي وغيره ويشهد للقول الأول قول الصديق أسرينا ليلتنا كلها ومن الغد حتى قام قائم الظهيرة. الجواب الصحيح أن الثلاثي المتعدي بالباء يفهم منه شيئان: أحدهما: صدور الفعل من فاعله. الثاني: مصأحبته لما دخلت عليه الباء. فإذا قلت سريت بزيد وسافرت به كان قد وجد منك السري والسفر مصأحبا لزيد فيه كما قال: ولقد سريت على الظلام بمعشر ... ومنه الحديث: quot;أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها quot; وأما المتعدي(3\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "698",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6913",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالهمزة فيقتضي إيقاع الفعل بالمفعول فقط كقوله تعالى: والله أخرجكم من بطون أمهاتكم فأخرجناهم من جنات وعيون ونظائره فإذا قرن هذا المتعدي بالهمزة أفاد إيقاع الفعل على المفعول مع المصأحبة المفهومة من الباء ولو أتى فيه بالثلاثي فهم منه معنى المشاركة في مصدره وهو ممتنع فتأمله. فائدة: كانت كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم مفاجأة من غير ميعاد ليحمل عنه ألم الانتظار ويفاجأ بالكرامة بغتة وكرامة موسى بعد أنتظار أربعين ليلة. فائدة: لما سافر موسى إلى الخضر وجد في طريقة مس الجوع والنصب فقال لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا فإنه سفر إلى مخلوق. ولما واعده ربه ثلاثين ليلة وأتمها بعشر فلم يأكل فيها لم يجد مس الجوع ولا النصب فإنه سفر إلى ربه تعالى. وهكذا سفر القلب وسيره إلى ربه لا يجد فيه من الشقاء والنصب ما يجده في سفره إلى بعض المخلوقين. فائدة: تسخير البراق لحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة واحدة مسيرة شهرين ذهابا وإيابا(3\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "699",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6914",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أعظم من تسخير الريح لسليمان مسيرة شهرين في يوم واحد ذهابا وإيابا فإن الريح سريعة الحركة طبعها الإسراع بما تحمله وأما البراق فالآية فيه أعظم. فائدة: شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم بتطهير قلبه وحشوه إيمانا وحكمة دليل على أن محل العقل القلب وهو متصل بالدماغ واستدل بعض الفقهاء بغسل قلبه الطست من الذهب على جواز تحلية المصاحف بالذهب والمساجد وهو في غايه البعد فإن ذلك كان قبل النبوة ولم يكن ذلك من ذهب الدنيا وكان كرامة أكرم بها من فعل الملائكة بأمر الله وهم ليسوا داخلين تحت تكاليف البشر. وأبعد منه احتجاج من احتج به على جواز أنتفاع الرجل بالحرير تبعا لامرأته كالفراش واللحاف والمخدة قال: لأن الملك لا حرج عليه والنبي صلى الله عليه وسلم أنتفع بذلك تبعا وقد أبعد هذا القائل النجعة وأتى بغير دليل. فائدة: الفعل إن كان منشأ المفسدة الخالصة أو الراجحة فهو المحرم فإن ضعفت تلك المفسدة فهو المكروه ومراتبه في الكراهة بحسب ضعف المفسدة هذا إذا كان منشأ للمفسدة وأما إن كان مفضيا إليها فإن كان الإفضاء قريبا فهو حرام أيضا كالخلوة بالأجنبية والسفر بها ورؤية محاسنها فهذا القسم يسلب عنه اسم الإباحة وحكمها وإن كان الإفضاء بعيدا جدا لم يسلب اسم الإباحة ولا حكمها كخلوة ذي رحم المحرم بها وسفره معها(3\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "700",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6915",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكنظر الخاطب الذي مقصوده الإفضاء إلى المصلحة الراحجة فإن قرب الإفضاء قربا ما فهو الورع وهو في المراتب على قدر قرب الإفضاء وبعده وكلما قرب الإفضاء كان أولى بالكراهة والورع حتى ينتهي إلى درجة التحريم. فائدة: قول الملائكة للنبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء: quot;مرحبا بهquot; أصل في استعمال هذه الألفاظ وما ناسبها عند اللقاء نحو (أهلا وسهلا ومرحبا وكرامة وخير مقدم وأيمن مورد) ونحوها ووقع الاقتصار منها على لفظ مرحبا وحدها لاقتضاء الحال لها فإن الترحيب هو السعة وكان قد أفضى إلى واسع الأماكن ولم يطلق فيها سهلا لأن معناه وطئت مكانا سهلا والنبي صلى الله عليه وسلم محمولا إلى السماء. فائدة: قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى: quot;والله لا أحملكم ولا عندي ما أحملكم عليهquot; يحتمل وجهين: - أحدهما: أن يكون جملة واحدة والواو واو الحال والمعنى لا أحملكم في حال ليس عندي فيها ما أحملكم عليه ويؤيد هذا جوابه صلى الله عليه وسلم حيث قال: quot;ما أنا حملتكم الله حملكمquot; وعلى هذا فلا تكون هذه اليمين محتاجة إلى تكفير. - ويحتمل أن تكون جملتين حلف من إحداهما أنه لا يحملهم وأخبر في الثانية أنه ليس عنده ما يحملهم عليه. ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث لما قيل له إنك حملتنا وقد حلفت فقال إني quot; لا أحلف على يمين فأرى غيرها(3\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "701",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6916",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خيرquot;. ولمن نصر الاحتمال الأول أن يجيب عن هذا بجوابين: أحدهما: أن هذا استئناف لقاعدة كان سببها اليمين ليبين فيها للأمة حكم اليمين لا أنه حنث في تلك اليمين وكفرها. والجواب الثاني أن هذا كلام خرج على التقدير أي ولو حنثت لكفرت عن يمين وأتيت الذي هو خير والله أعلم. فائدة: قول النبي صلى الله عليه وسلم عن يوسف quot;أوتى شطر الحسن quot; قالت طائفة المراد منه أن يوسف أوتي شطر الحسن الذي أوتيه محمد فالنبي صلى الله عليه وسلم بلغ الغاية في الحسن ويوسف بلغ شطر تلك الغاية قالوا ويحقق ذلك ما رواه الترمذي من حديث قتادة عن أنس قال: quot;ما بعث الله نبيا إلا حسن الوجه حسن الصوت وكان نبيكم أحسنهم وجها وأحسنهم صوتاquot;. والظاهر أن معناه أن يوسف عليه السلام اختص على الناس بشطر الحسن واشترك الناس كلهم في شطره فانفرد عنهم بشطره وحده وهذا ظاهر اللفظ فلمإذا يعدل عنه واللام في الحسن للجنس لا للحسن المعين والمعهود المختص بالنبي صلى الله عليه وسلم أدري ما الذي حملهم علي العدول عن هذا إلى ما ذكروه وحديث أنس لا ينافى هذا بل يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الأنبياء وجها وأحسنهم صوتا ولا يلزم من كونه أحسنهم وجها أن لا يكون يوسف اختص عن الناس بشطر الحسن واشتركوا هم في الشطر الآخر ويكون النبي صلى الله عليه وسلم شارك يوسف فيما اختص به من الشطر وزاد عليه بحسن آخر من الشطر الثاني والله أعلم.(3\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "702",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6917",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة quot; لأن اللعن إساءة بل من أبلغ الإساءة والشفاعة إحسان فالمسيء في هذه الدار باللعن سلبه الله الإحسان في الأخرى بالشفاعة فإن الإنسان إنما يحصد ما يزرع والإساءة مانعة من الشفاعة التي هي إحسان. وأما منع اللعن من الشهادة فإن اللعن عداوة وهي منافية للشهادة ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم سيد الشفعاء وشفيع الخلائق لكمال إحسانه ورأفته ورحمته بهم. فائدة: السر والله أعلم في خروج الخلافة عن أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر وعمر وعثمان إن عليا لو تولى الخلافة بعد موته لأوشك أن يقول المبطلون إنه ملك ورث ملكه أهل بيته فصان الله منصب رسالته ونبوته عن هذه الشبهة. وتأمل قول هرقل لأبي سفيان: هل كان في آبائه من ملك قال: لا فقال له: quot;لو كان في آبائه ملك لقلت رجل يطلب ملك آبائهquot; فصان الله منصبه العلي من شبهة الملك في آبائه وأهل بيته وهذا والله أعلم هو السر في كونه لم يورث هو والأنبياء قطعا لهذه الشبهة لئلا يظن المبطل أن الأنبياء طلبوا جمع الدنيا لأولادهم وورثتهم كما يفعله الإنسان من زهده في نفسه وتوريثه ماله لولده وذريته فصانهم الله عن ذلك ومنعهم من توريث ورثتهم شيئا من المال لئلا تتطرق التهمة إلى حجج الله ورسله فلا يبقى في نبوتهم ورسالتهم شبهة(3\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "703",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6918",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصلا ولا يقال فقد وليها علي وأهل بيته لأن الأمر لما سبق أنها ليست بملك موروث وإنما هي خلافة نبوة تستحق بالسبق والتقدم كان علي في وقته هو سابق الأمة وأفضلها ولم يكن فيهم حين وليها أولى بها منه ولا خير منه فلم يحصل لمبطل بذلك شبهة والحمد الله تعالى. فائدة: في شراء رجل مسجد المدينة من اليتيمين وجعلها مسجدا من الفقه دليل على جواز بيع عقار اليتيم وإن لم يكن محتاجا إلى بيعه للنفقة إذا كان في البيع مصلحة للمسلمين عامة لبناء مسجد أو سور أو نحوه. ويؤخذ من ذلك أيضا بيعه إذا عوض عنه بما هو خير له منه. وفي نبش قبور المشركين من الأرض وجعلها مسجدا دليل على طهارة المقبرة فإن الصلاة فيها لم ينه عنها لنجاستها وإنما هو صيانة للتوحيد وسدا لذريعة الشرك بالقبور الذي هو أصل عبادة الأصنام كما قال ابن عباس وغيره. فائدة: في استئجار النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أريقط الدؤلي هاديا في وقت الهجرة وهو كافر دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطب والكحل والأدوية والكتابة والحساب والعيوب ونحوها ما لم يكن ولاية تتضمن عدالة ولا يلزم من مجرد كونه كافرا أن لا يوثق به في شيء أصلا فإنه لا شيء أخطر من الدلالة في الطريق ولا سيما في مثل طريق الهجرة.(3\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "704",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6919",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: في حديث عبد الله بن جحش quot;أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب له كتابا وأمره أن لا يقرأه حتى يسير يومين وأن عبد الله امتثل أمره ففتح الكتاب بعد اليومين فقرأه..quot; الحديث. فيه من الفقه: - جواز الشهادة على الكتاب الذي لا يدري ما فيه بل إذا قال: هذا كتاب فاشهد علي بما فيه جازت الشهادة وهي مسألة خلاف مشهورة وتسمى شهادة التقليد ويدل عليها أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم يبعث كتبه إلى الملوك والنواحي ولا يقرؤها على من يبعثها معه بل يقول هذا كتابي فأوصله إلى فلان وكذلك عمل به خلفاؤه من بعده. - وفيه جواز تراخي القبول عن الإيجاب فإن في هذا الكتاب quot;أن اقرأه ولا تكره أحدا فمن أجابك فامض به حتى تنزل نخلةquot;. - وفيه مسألة بديعة وهي جواز العقد والتولية على أمر مجهول حال العقد يتبين في ثاني الحال. فائدة: قول النبي صلى الله عليه وسلم لما أنشدته قتيلة بنت الحارث شعرها المعروف ترثي به أخاها النضر quot;لو سمعت هذا قبل قتله لم أقتلهquot; ليس فيه الندم على قتله فإنه لم يقتله إلا بالحق ولكن كان رحيما يقبل الشفاعة ويمن على الجاني فمعناه لو شفعت عندي بما قالت قبل أن اقتله لقبلت شفاعتها وتركته. وقريب من هذا قوله: quot;لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدى ولجعلتها متعة quot; ليس فيها ندامة على أفضل مما أتى به من النسك فإن الله لم يكن ليختار له إلا أفضل الأنساك وأعلاها ولكن(3\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "705",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6920",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان لمحبة تآلف قلوب أصحابه وموافقتهم وتطييب نفوسهم بأن يفعل كما فعلوا ود لو أنه أحل كما أحلوا ولكن منعه سوق الهدي وعلى هذا فيكون الله تعالى قد اختار له أفضل الأنساك بفعله وأعطاه ما تمناه من موافقة أصحابه وتآلف قلوبهم بنيته ومناه فجمع له بين الأمرين وهذا هو اللائق به صلوات الله تعالى وسلامة عليه. فائدة: استشكل الناس من حديث قتل كعب بن الأشرف استئذان الصحابة أن يقولوا في النبي صلى الله عليه وسلم وذلك ينافي الإيمان وقد أذن لهم فيه. وأجيب عنه بأجوبة: أحدها: بأن الإكراه على التكلم بكلمة الكفر يخرجها عن كونها كفرا مع طمأنينة القلب وبالإيمان وكعب قد اشتد في أذى المسلمين وبالغ في ذلك فكان يحرض على قتالهم وكان في قتله خلاص المسلمين من ذلك فكان إكراه الناس على النطق بما نطقوا به ألجأهم إليه فدفعوا عن أنفسهم بألسنتهم مع طمأنينة قلوبهم بالإيمان وليس هذا بقوي. الجواب الثاني: أن ذلك القتل والكلام لم يكن صريحا بما يتضمن كفرا بل تعريضا وتورية فيه مقاصد صحيحة موهمة موافقة في غرضه وهذا قد يجوز في الحرب الذي هو خدعة. الجواب الثالث: إن هذا الكلام والنيل كان بإذنه والحق له وصأحب الحق إذا أذن في حقه لمصلحة شرعية عامة لم يكن ذلك محظورا.(3\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "706",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6921",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: قوله صلى الله عليه وسلم: quot;لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن ينزعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه quot;. احتج به من يقول إن النوافل تلزم بالشروع وأن الشروع فيها جار مجرى التزامها بالنذر فإن الشروع التزام بالفعل والنذر التزام بالقول والالتزام بالفعل أقوى لأنه الغاية. وفي الاستدلال بالحديث شيء فإن فيه الإشارة إلى الاختصاص بقوله: quot;ما ينبغي لنبيquot; ولم يقل ما ينبغي لأحد ولا ما ينبغي لكم فدل على مخالفة حكم غيره له في هذا وأنه من خواصه ويدل عليه أنه كان إذا عمل عملا أثبته وداوم عليه ولهذا لما قضى سنة الظهر بعد العصر أثبتها وداوم عليها. وقولهم الشروع التزام بالفعل يقال تعنون بالالتزام إيجابه إياه على نفسه أم تعنون به دخوله فيه: الأول: محل النزاع والثاني: لا يفيد وبه خرج الجواب عن قولكم الالتزام بالفعل أقوى. وسر المسألة أن الشارع في النافلة لم يلتزمها التزام الواجبات بل شرع فيها نية تكميلها فعلها فعل سائر النوافل وأما الناذر لها فنذره قد التزم أداءها كما يؤدي الواجبات فافترقا. فائدة: عتبة بن أبي وقاص الذي كسر رباعية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد قال بعض العلماء بالأخبار أنه استقرى نسله فلا يبلغ أحد منهم الحلم إلا أبخر وأهتم يعرف ذلك فيهم من شؤم الآباء على الابناء. واختلف فيما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم من(3\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "707",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6922",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا ونحوه فقيل هو قبل نزول قوله: والله يعصمك من الناس وقيل العصمة الموعود بها عصمة النفس من القتل لا عصمته من إذاهم بالكلية بل أبقى الله تعالى لرسوله ثواب ذلك الأذى ولأمته حسن التأسي به إذا أوذي أحدهم نظر إلى ما جرى عليه وصبر وللمؤذين الأشقياء الأخذة الرابية. فائدة: قيل إنما فدا النبي صلى الله عليه وسلم سعدا بأبويه لما ماتا عليه وأما الأبوان المسلمان فلا يجوز أن يفدي بهما ولهذا لا يحتاج إليه فإن التفدية نقلت بالعرف عن وضعها الأول وصارت علامة على الرضى والمحبة وكأنه قال أفعل كذا مغبوطا مرضيا عنك. فائدة: في حديث أبا لبابه لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ارتباطه قال: quot;لو أتاني لاستغفرت له وإذا فعل فلست أطلقه حتى يطلقه اللهquot; فأنزل الله تعال: وآخرون اعترفوا بذنوبهم إلى قوله: عسى الله أن يتوب عليهم فأطلقه النبي صلى الله عليه وسلم. وفي هذا ما يدل على صحة قول المفسرين إن (عسى) من الله واجب. وفيه أن فاطمة جاءت تحله فقال: quot;لا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلمquot; فقال: quot;فاطمة بضعة مني quot;. فإن قيل فهل يبر الحالف بمثل هذا لو اتفق اليوم قيل: لا إما لأنه مختص بالنبي صلى الله عليه وسلم لأن فاطمة بضعة منه قطعا والله أعلم.(3\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "708",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6923",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: اختلف الناس في جواز إطلاق السيد على البشر فمنعه قوم ونقل عن مالك واحتجوا بأنه قيل له: quot;يا سيدنا قال: إنما السيد اللهquot; وجوزه قوم واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;قوموا إلى سيدكمquot; وهذا أصح من الحديث الأول. قال هؤلاء السيد أحد ما يضاف الله فلا يقال لتميمي أنه سيد كندة ولا يقال لمالك أنه سيد البشر قال وعلى هذا فلا يجوز أن يطلق على الله هذا الاسم. وفي هذا نظر فإن السيد إذا أطلق عليه تعالى فهو بمعنى المالك والمولى والرب لا بالمعنى الذي يطلق علي المخلوق والله سبحانه وتعالى أعلم. فائدة: وأخلاق كأخلاق الزجاج ... دققت بها فصارت كالزجاج إلى أن عدن لي علا وماء ... كذلك يكون عاقبة العلاج الأول جمع زج وهو نصل الرمح والثاني القوارير ما أنت أول سار غرة قمر ... ورائد أعجبته خضرة الدمن فاربأ بنفسك عني إنني رجل ... مثل المعيدي فاسمع بي ولا ترنى وقال غيره: إذا اشتاقت الخيل المناهل أعرضت ... عن الماء فاشتاقت إليها المناهل تحاما الرزايا كل خف ومنسم ... وتلقى رداهن الذرى والكواهل وترجع أعقاب الرماح سليمة ... وقد حطمت في الدار عين العوامل(3\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "709",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6924",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من أراد من العمال أن ينظر قدره عند السلطان فلينظر مإذا يوليه. وحدث زيد وما رأى الرسول وكفر ابن أبي وقد صلى معه القبلتين. لما تقدم اختبار الطين المنهبط صعد على النار المرتفعة فكانت الغلبة لآدم في حرب إبليس. سبق العلم بنبوة موسى وإيمان آسية فسبق تابوته إلى بيتها فجاء طفل بلا أم إلى امرأة بلا ولد. يا من هو من جملة عسكر الرسول أيحسن بك كل يوم هزيمة. الحيوانات تذل في طلب القوت والفيل يتملق حتى يأكل. إن كان يوجب صبري رحمتي فرضى ... بسوء حالي وحل للضنا بدني منحتك القلب لا أبغي به ثمنا ... إلا رضاك ووافقري إلى الثمن وقال: أحسن بأطراف النهار صبابة ... وبالليل يدعوني الهوى فأجيب وقال غيره: سأتعب نفسي أو أصادف راحة ... فإن هوان النفس أكرم للنفس يا من هو من أرباب الخبرة هل عرفت قيمة نفسك إنما خلقت الأكوان كلها لك يا من غذي بلبان البر وقلب بأيدي الألطاف كل الأشياء شجرة وأنت الثمرة صورة وأنت المعنى وصدف وأنت الدر ومخيض وأنت الزبد. منشور اختيارنا لك واضح الخط ولكن استخراجك ضعيف. متى رمت طلبي فاطلبني عندك. ويحك لو عرفت قدر نفسك ما أهنتها بالمعاصي إنما ابعدنا إبليس لأنه لم يسجد لك وأنت في صلب أبيك فواعجبا كيف صالحته وتركتنا: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا . لو كان في قلبك محبة لبان أثرها على جسدك. quot;عجب ربنا من رجل ثار عن وطائه ولحافه إلى صلاتهquot; تأمل معنى ثار ولم يقل قام لأن القيام قد يقع بفتور فأما الثوران فلا يكون إلا بإسراع. حذرا من فائت ما. أنتفع آدم في بلية وعصى بكمال وعلم ولا رد عنه عز اسجدوا(3\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "710",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6925",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإنما خلصة ذل ربنا ظلمنا أنفسنا . لما عشقت للبلاء به الشجر تعلقت طلبا للعناق فقيل لها مع الكثافة لا يمكن فرضيت بالتحول والتفت. تلق قلبي فقد أرسلته عجلا ... إلى لقائك والأشواق تقدمه ولا تكلني على بعد الديار إلى ... صبري الضعيف فصبري أنت تعلمه وقال الشاعر: إذا لم يكن بيني وبينك مرسل ... فريح الصبا مني إليك رسول ملؤوا مراكب القلوب متاعا لا ينفق إلا على الملك فلما هبت رياح السحر أقلعت تلك المراكب قطعوا بادية الهوى بأقدام الجد فما كان إلا القليل حتى قدموا من السفر فاعتنقتهم الراحة في طريق التلقي فدخلوا بلد الوصل وقد حازوا ربح الأبد. فرغ القوم قلوبهم من الشواغل فضربت فيها سرادقات المحبة فأقاموا العيون تحرس تارة وترسق الأرض أخرى. سرادق المحبة لا تضرب إلا في قاع فارغ نزه. فرغ لي بيتا اسكنه أعرف مقدار ما ضاع منك وابك بكاء من يدري مقدار الفائت. لو تخيلت قرب الأحباب لأقمت المآثم على بعدك. لو استنشقت ريح الاسحار لأفاق قلبك المخمور. من استطال الطريق ضعف مشيه. وما أنت بالمشتاق إن قلت بيننا ... طوال الليالي أو بعيد المفاوز أما علمت أن الصادق إذا هم ألقى بين عينيه عزمة. إذا نزل آب في القلب سكن إذار في العين. من قبل فم اللذة لا ينكر عض أسنان الندامة. هان سهر الحراس لما علموا أن أصواتهم بمسع الملك. فيقك قيسي وأنت يماني. إذا كنت كلما لاحت لك شهوة طفيل العرائس فانتظر قبله وضاح اليمن. من لاح له كمال الآخرة هان عليه فراق الدنيا. إذا لاح للباشق الصيد نسي مألوف الكف. يا أقدام الصبر احملى بقي القليل. تذكر حلاوة الوصال يهين عليك مر المجاهدة.(3\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "711",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6926",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قد علمت أين المنزل فأحد لها تسر. قال أبو يزيد: quot;ما زلت أسوق نفسي إلى الله وهي تبكى حتى سقتها إليه وهي تضحكquot;. الهمة العلية من استعد صاحبها للقاء الحبيب وقدم التقادم بين يدي الملتقي فاستبشر عند القدوم: وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه . الجنة ترضى منك بأداء الفرائض والنار تندفع عنك بترك المعاصي والمحبة لا تقنع منك إلا ببذل لروح: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم . بدم المحب يباع وصلهم. فمن الذي يبتاع بالثمن. لله ما أحلى زيارة تسعى بها أقدام الرضا على أرض الاشتياق. زرناك شوقا ولو أن النوى بسطت ... فرش الفلا بيننا جمرا لزرناك ما سافر الخليل سفرا ولا سلك طريقا أطيب من الفلاة التي دخلها حين خرج من كفة المنجنيق. رآه جبريل قد ودع بلد العادة فظن ضعف التوكل فعرض عليه زاد quot;ألك حاجةquot; فرده بأنفه quot;أما إليك فلاquot; لما تكامل وفاؤه ما أمر به جاءته خلعته: وإبراهيم الذي وفى . قالت لطيف خيال زارها ومضى ... بالله صفة ولا تنقص ولا تزد فقال خلفته لو مات من ظمأ ... وقلت قف عن ورود الماء لم يرد قالت صدقت الوفا في الحب شيمته ... يا برد ذاك الذي قالت علي كبدي وقال غيره: إن قومي بانوا فرقوا بينه وبيني ... فإذا كنت أنا الرهن فمن يقبض ديني وقال غيره: وكم مغرم بين تلك الخيا ... م تحسبه بعض إطنابها للنفس حظ وعليها حق فلا تميلوا كل الميل وزنوا بالقسطاس المستقيم وإن رأيتم منها فتورا فاضربوها بسوط الهجر في المضاجع فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ارفقوا بمطايا الأبدان فقد ألفت الترف وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن quot; إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق quot;. ولا تحملوا على النفوس فوق الطاقة إلى أن(3\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "712",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6927",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تتمكن المحبة فلها حينئذ حكمها. شراب الهوى حلو ولكنه يورث الشوق. من تذكر خنق الفخ هان عليه هجران الحبة. يا معرقلا في شرك الهوى حموة عزم وقد خرقت الشبكة لا بد من نفوذ القدر فاجنح للسلم أي تصرف بقى لك في قلبك وهو بين إصبعين. يا منقطعين عن القوم سيروا في بادية الدجى وافتحوا بوادي الذل فإذا فتح باب للواصلين فدونكم فاهجموا هجوم اللوانين وابسطوا أكف وتصدق علينا لعل هاتف الرحمة يقول لا تثريب. لله ملك السموات والأرض. واستقرض منك حبة فبخلت بها وخلق سبعة أبحر واستقرض دمعة فقحطت عينك بها. إطلاق البصر ينقش في القلب صورة المنظور والقلب كعبة وما يرضى المعبود بمزاحمه الأصنام. لذات الدنيا كسوداء وقد غلبت عليك والحور العين يعجبن من سوء اختيارك عليهن غير أن زوبعة الهوى إذا ثارت سفت في عين البصيرة فخفيت الجادة. تدور عينك على المحرمات كأنه قد ضاع منك شيء. وراحل همتك في الهوى ما تحمل لها قتب إن قهر نفسك حب الفاني فذكرها العيش الباقي فإن أبت إلا ببيع الغبن فاحجر عليها حجر السفيه وغط بصر باشقك إلى أن ينسى ما رأى واغسل باطن عينيك بطهور المدامع وكلما تذكرت ما أبصرت فاطرق بدمعة لعل فرط البكاء يدفع فساد البصر فيصلح لرؤية الحبيب. وكيف ترى ليلى بعين ترى بها ... سواها وما طهرتها المدامع وتسمع منها لفظة بعدما جرى ... حديث سواها في خروق المسامع وقال غيره: إذا لم أنل منكم حديثا ونظرة ... إليكم فما نفعى بسمعي وناظري تزينت الجنة للخطاب فجدوا في تحصيل المهور. تعرف رب العزة للمحبين فعملوا على اللقاء وأنت مشغول بالجيف. ما يساوى ربع الدينار خجل الفضيحة فكيف بألم القطع. المعرفة بساط لا يطأ عليه إلا مقرب والمحبة نشيد لا يطرب(3\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "713",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6928",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليها إلا محب مغرم والحب غدير في صحراء ليس عليه جادة فلهذا قل وراده. المحب يهرب إلى العزلة والخلوة بمحبوبة والتعلق بذكره كهرب الحوت إلى الماء والطفل إلى أمه. وأخرج من بين البيوت لعلني ... أحدث عنك النفس بالسر خاليا لو رأيت المحبين في الدجى تمر عليهم زمر النجوم مر الوصائف إلى أن تقبل هوادج هل من سائل فينثرون عليه الأرواح نثر الفراش على النار. ليس للعابدين مستراح إلا تحت شجرة طوبى ولا للمحبين قرار إلا يوم المزيد فمثل لقلبك الاستراحة تحت شجرة طوبى يهن عليك النصب واستحضر يوم المزيد يهن عليك ما تتحمل من أجله. كنوز الجواهر مودعة في مصر الليل فتتبع آثار المحبين لعلك تظفر بكنز. أنت طفل في حجر العادة مشدود بقماط الهوى فما لك ولمزاحمة الرجال. أين أنت والمحبة وأنت أسير الحبة. تمسكت بالدنيا تمسك الرضيع بالظئر والقوم ما أعاروها الطرف. أف لبدوي لا يطربه ذكر حاجر. انقسم الصالحون عند السباق: فمنهم من أخذه القلق فكان يقول quot;ويل لي إن لم يغفرها أنا أمضي إلى النار أو يغفرquot; ومنهم من غلبه عليه الرجاء كبلال الحبشي كانت زوجته تقول: quot;واحزناهquot; وهو يقول: quot;واطرباه غدا ألقى الأحبة محمدا وحزبهquot; واها لبلال علم أن الإمام لا ينسى المؤذن. اشتغل به في الحياة يكفك ما بعد الموت. دق كؤوس الرحيل فسار الركب وتأهبوا للمسير وعكمت أحمال الزاد وسار رفقة المجدين وأنت في الرقدة الأولى بعد كيف تطيق السهر مع الشيع أم كيف تزاحم أهل العزائم بمناكب الكسل. هيهات ما وصل القوم إلى المنزل إلا بعد مواصلة السرى ولا عبروا إلى مقر الراحة إلا على جسر التعب. وأطيب الأرض ما للقلب فيه هوى ... سم الخياط مع المحبوب ميدان لو رأيت أهل القبور في وثاق الأسر فلا يستطيعون الحركة إلى نجاة وحيل(3\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "714",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6929",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بينهم وبين ما يشتهون . يا منفقا بضاعة العمر في مخالفة حبيبه والبعد منه ليس في أعدائك أشد شرا عليك منك. ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه وقال غيره: هذا المحب لديك فانظر هل ترى ... قلبا فإن صادفت قلبا فاعذل غاية العاذل إيصال اللوم إلي الأذن فأما القلب فلا سبيل له إليه. سفر الليل لا يطيقه إلا مضمر المجاعة. تمر النجائب في الأول وحاملات الزاد في الآخر ولو وردت ماء مدين لوجدت عليه أمة من الناس يسقون. إقبال الليل عند المحبين كقميص يوسف في أجفان يعقوب. لو أحببت المخدوم حضر قلبك في خدمته. فيا دارها بالحزن إن مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال العروس تلبس عند العرض تحت الثياب شعار الخوف من الرد وفوق الثياب حلة الانكسار وحمرة الخجل تغنيها عن تخمير مستعار لأنها لا تدري على مإذا تقدم فكيف يسكن من لا يعرف العواقب. مداراة قيس ممكن ولكن لا مع ذكر ليلى. انقسم العباد ثلاثة: أقسام: فمنهم من لاحظ الحصاد فزاد في البذر ومنهم من رأى حق المخدوم فقام بأدائه ومنهم من خدم حبا وشوقا فتلذذ بالخدمة وهذه الخدمة لا ثقل لها لان محركها الحب وغيرها ثقيل على البدن. نوق أبدان المحبين لا تحس بالنصب وأسماعها مشغولة بصوت الحادي وقلوبها معلقة بالمنزل. من عبده خوفا أمنه ومن عبده رجاء أعطاه أمله ومن عبده حبا فلا تعلم نفس ما أخفي لها. يراها بعين الشوق قلبي على النوى ... فتحظى ولكن من لعيني برؤياها وهبكم منعتم أن يراها بعينه ... فهل تمنعون القلب أن يتمناها كم دخل المجلس عاص في باطنه باطية خمر فما زالت تعمل فيها حدة شمس التذكير حتى انقلبت خلا فحلت. يكون أجاجا دونكم فإذا أنتهي ... إليكم تلقى نشركم فيطيب(3\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "715",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6930",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: حلي الشيء في عيني وحلي في فمي الحذف بالعصا والخذف بالحصا حسر عن رأسه وسفر عن وجهه وافتر عن نابه وكشر عن أسنانه وأبدى عن ذراعيه وكشف عن ساقيه مائدة لما عليها الطعام وخوان لما لا طعام عليه عرق العظم عليه اللحم وعراق جمعه وبدون اللحم عظم كأس لما فيه شراب وبدونه زجاجة وإناء وقدح كوز لذي العروة وبدونها كوب رضاب للريق في الفم فإذا انفصل فبصاق أريكة السرير عليه قبة وبدونا سرير خدر للخباء فيه المرأة وبدونها ستر ظعينة للمرأة في الهودج قلم للمبرى وبدون بريه أنبوب عهن للصوف المصبوغ وبدون صبغه صوف وقود للحطب المشتعل نارا وبدونها حطب ركية للبئر ذي الماء وراوية للإبل حاملات الماء سجل للدلو فيها الماء فإذا ملئت فهي ذنوب ودلو بدونهما نفق إذا كان له منفذ وبدونه سرب نعش للسرير عليه الميت وبدونه سرير خاتم لذي الفص وبدونه حلقة رمح لذي الزج وبدونها قناة لطيمة الإبل التي تحمل الطيب والبز خاصة وحمولة لحاملات الأمتعه وبدنة للمهداة هضبة للحمراء من التلول غيث للمطر في إبانه وإلا فمطر الفرق البغض بين الزوجين خاصة الشيم نظير البرق وحده الناعية الصائحة على الميت خاصة والإباق هرب العبد خاصة القتار ريح الشواء خاصة القذف الشتم بالزنا خاصة لا يؤوبه به وله وأما إليه فمن لحن الخاصة ينفل بالكسر والضم ويفسق مثله آسيتك وواكلتك وآخيتك وحكى أبو عبيد واسيتك بالواو فيهن وليس إذا من لحن الخاصة وله وجه في العربية فإنهم يقولون أواسيه بقلب الهمزة واوا في المستقبل فأعطوها ذلك في الماضي لا يقال أقلبه إلا في موضع واحد قلبت الخبز إذا حان وقت قلبها القوة الماسكة ليس بغلط كما زعم طائفة لأنه قد ورد مسك(3\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "716",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6931",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثلاثي تعس بفتح العين ما أعطي أحد النصف فأباه إلا أخذ أقل منه. أعجبني الشيء يراد به معنيان: أحدهما سرني وهو من الإعجاب والثاني بمعنى دعاني إلى التعجب منه فتقول عجب يعجب معدي بالهمزة قال كعب بن زهير لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعي الفتى وهو مخبوء له القدر فأعجبني هنا من العجب لا من الإعجاب فتقول أعجبني وما أعجبني بالاعتبارين. يتحدر في قراءته يسرع ويهدر يهتاج في قراءته مع علو صوته فيها من قولهم هدر الفحل إذا هاج وهدر الحمام وهدرت الضفادع فليس من لحن العامة إذا حلت الشمس بالشرطين بفتح الشين والراء وضمهما لحن يقال عنيت في كذا فأنا عان فيه وعنيت بالضم بها وعنيت بالفتح أي قصدت تقول عنيت كذا أي قصدته غير معدي بالباء فهذا من القصد وأما من العنا فإنما يقال معنى وأما من العناية فإنما يقال عني به مبني للمفعول فصل: أسماء بعض الرجال وأسماء آبائهم بلال بن حمامة وأبوه رباح ابن أم مكتوم وأبوه عمرو بشر بن الحصاصة وأبوه معبد الحارث بن الرضا وأبوه مالك خفاف بن ندية وأبوه عمير شرحبيل بن حسنة وأبوه مالك مالك بن نميلة وأبوه ثابت معاذ ومعوذ ابني عفرا وأبوهما الحارث يعلى بن منبه وأبوه أمية عبد الله بن بحينة وأبوه مالك. فصل: إسماعيل بن علية وأبوه إبراهيم منصور بن صفية وأبوه عبد الرحمن محمد بن عائشة وأبوه حفص إبراهيم بن هراشة وأبوه سلمة محمد بن عثمة وأبوه خالد.(3\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "717",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6932",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: عطاء عن أبي هريرة quot; في كل صلاة قراءة quot; وعطاء مرفوعا quot; لا يجتمع حب هؤلاء الأربعة إلا في قلب مؤمن quot; فذكر الخلفاء الأربعة وعطاء عنه مرفوعا quot;إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة quot; وعطاء عنه quot; أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في: اقرأ باسم ربك وعطاء عنه مرفوعا quot;إذا مضى ثلث الليل يقول الله تعالى: ألا داع quot; فالأول ابن أبي رباح والثاني الخراساني والثالث ابن يسار والرابع ابن ميناء والخامس مولى أم صفية. عمرة أنها دخلت مع أمها على عائشة فسألتها ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الفرار من الطاعون قالت: سمعته يقول: quot;كالفرار من الزحفquot; وعمرة عن عائشة quot; سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهي عن الوصالquot;. الأولى بنت عبد الرحمن الثانية بنت قيس العدوية الثالثة بنت أرطأة الرابعة يقال لها الصاحية. حماد عن ثابت عن أنس quot;سمع النبي صلى الله عليه وسلم في النخل صوتاquot; الحديث حماد عن ثابت عن أنس quot;رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الرحمن صفرةquot; الحديث حماد عن ثابت عن أنس يرفعه quot;مثل أمتي كالمطرquot; الأول ابن سلمة الثاني ابن زيد الثالث الأشج. قتادة يروي عن عكرمة مولي ابن عباس وعن عكرمة بن خالد ضعيف. وكيع يروي عن النضر بن عدي ثقة وعن النضر بن عبد الرحمن ضعيف. حفص ابن غياث يروى عن أشعث بن عبد الرحمن ثقة وعن أشعث بن سوار ضعيف. موسى بن عبيدة الزبدي كان أخوه عبد الله بن عبيدة أسن منه بثمانين سنة طالب أسن من عقيل بعشر سنين وعقيل أسن من جعفر بعشر وجعفر أسن من علي بعشر. يزيد وزياد ومدرك بنو المهلب بن أبي صفرة ولدوا في عام واحد وقتلوا في عام(3\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "718",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6933",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحد وعاش كل منهم ثمانيا وأربعين سنة. أربعة أنفس ولد كل منهم مائة ولد أنس بن مالك وعبد الله بن عمر الليثي وخليفة السعدي وجعفر بن سليمان الهاشمي علي بن الحسين وعلي بن عبد الله بن عباس وعلي بن عبد الله جعفر بنو عم ولكل منهم ابن اسمه محمد والكل أشراف والكل علماء والكل أخيار فصل: الله سبحانه مهد الأرض لآدم وذريته قبل خلقه فقال: إني جاعل في الأرض خليفة وقضى أن يعرفه قدر المخالفة وأقام عذره بقوله: فأزلهما الشيطان وتداركه برحمة بقوله: ثم اجتباه ربه يا آدم لا تجزع من كأس خطا كان سبب كيسك فقد استخرج منك داء العجب وألبسك رداء العبودية quot;لو لم تذنبواquot; لا تحزن بقولي لك اهبطوا منها فلك خلقتها ولكن اخرج إلى مزرعة المجاهدة واجتهد في البذر واسق شجرة الندم بساقية الدمع فإذا عاد العود أخضر فعد لما كان منصب الخلة وهو منصب لا يقبل المزاحمة بغير المحبوب وأخذ الولد شعبة من شعاب القلب غار الحبيب على خليله أن يسكن غيره في شعبة من شعاب قلبه فأمره بذبحه فلما أسلم للامتثال خرجت تلك المزاحمة وخلصت المحبة لأهلها فجاءته البشرى وفديناه بذبح عظيم ليس المراد أن يعذب ولكن يبتلى ليهذب ليس العجب من أمر الخليل بذبح الولد إنما العجب من مباشرة الذبح بيده ولولا الاستغراق في حب الأمر لما هان مثل هذا المأمور فلذلك جعلت آثارها مثابة للقلوب تحن إليها أعظم من حنين الطيور إلى أوكارها. قول لوط لقومه: يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد يجمع أنواعا من الاستعطاف: أحدها: خطابهم بخطاب الناصح المشفق بقوله: يا قوم ولم يقل يا هؤلاء. الثاني: عرضه بناته عليهم بقوله: هؤلاء بناتي .(3\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "719",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6934",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالث: تنجيز ذلك بالإشارة بلفظ الحضور. الرابع: ترغيبه فيهن لطهارتهن وطيبهن. الخامس: تذكيرهم بالله تعالى بقوله: فاتقوا الله . السادس: المطالبة بحفظ الذمام وترك الأذى بقوله: ولا تخزون . السابع: التوبيخ الشديد بقوله: أليس منكم رجل رشيد . حكم ومواعظ وعبر: لما تمكن الحسد من قلوب إخوة يوسف عليه السلام أرى المظلوم مآل الظالم في مرآة إني رأيت أحد عشر كوكبا . شكرك لا يساوي قدر قوتك. لا كانت دابة لا تعمل بعلفها.. متى رأيت العقل يؤثر الفاني على الباقي فاعلم أنه قد مسخ. ومتى رأيت القلب قد ترحل عنه حب الله والاستعداد للقائه وحل فيه حب المخلوق والرضا بالحياة الدنيا والطمأنينة بها فالعلم أنه قد خسف به. ومتى أقحطت العين من البكاء من خشية الله تعالى فاعلم أن قحطها من قسوة القلب وأبعد القلوب من الله القلب القاسي. ومتى رأيت نفسك تهرب من الأنس به إلى الأنس بالخلق ومن الخلوة مع الله إلى الخلوة مع الأغيار فاعلم أنك لا تصلح له. ومتى رأيته يستزيد غيرك وأنت لا تطلب ويستدني سواك وأنت لا تقرب. فإن تحركت لك قدم في الزيارة تخلف قلبك في المنزل فاعلم أنه الحجاب والعذاب مزاج الإيمان منحرف عن الصحة ونبض الهوى شديد الخفقان. تحكمت أخلاط الشهوات في أعضاء الكسل فثبطت عن الحركة فتولدت الأمراض المختلفة هذا وما يسهل عليك شرب مسهل فإن تداركت المرض وإلا قتل. لو احتميت ساعة لم تحتج إلى معالجة الدواء مدة. من ركب ظهر التفريط والتواني نزل به دار العسرة والندامة. ربك يحب حياة نفسك وأنت تريد قتلها. يريد بك اليسر وأنت تريد العسر. يريد بها الكرامة وأنت جاهد في إهانتها: ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه من أدلج في غياهب الليل على نجائب الصبر صبح منزل السرور. ومن نام على فراش الكسل أصبح ملقى بوادي الأسف. الجد كله حركة والكسل كله سكون. فتورك عن السعي في طلب الفضائل دليل على تأنيث العزم. إذا أردت أن تعرف الديك من الدجاجة وقت خروجه من البيضة فعلقه بمنقارة فإن تحرك فديك وإلا فدجاجة.(3\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "720",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6935",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدنيا كامرأة بغي لا تثبت مع زوج فلذلك عيب عشاقها. ميزت بين جمالها وفعالها ... فإذا الملاحة بالقباحة لا تفي حلفت لنا أن لا تخون عهودها ... فكأنما حلفت لنا أن لا تفي ما حظي الدينار بنقش اسم الملك فيه حتى صبرت سبيكته على الترداد على النار فنفت عنها كل خبث ثم صبرت علي تقطيعها دنانير ثم صبرت على ضربها على السكة فحينئذ يظهر عليها رقم النقش فكيف يطمع في نقش كتب في قلوبهم الإيمان من كله خبث. مكابدة البادية تهون عند ذكر البيت المضحي بوادي الجوع والمعشي بوادي السهر إلى أن تلوح أعلام المنزل. إذا ونت الركاب في السير فبثوا حداة الغزم في نواحيها يطيب لها السرى. إذا حال غيم الهوى بين القلوب وبين شمس الهدى تحير السالك. الحيوان البهيم يتأمل العواقب وأنت لا ترى إلا الحاضر. ما تكاد تهتم بمؤونة الشتاء حتى يقوى البرد ولا بمؤونه الصيف حتى يقوى الحر والذر يدخر الزاد من الصيف لأيام الشتاء. وهذا الطائر إذا علم أن الأنثى قد حملت أخذ ينقل العيدان لبناء العش قبل الوضع أفتراك ما علمت قرب رحيلك إلى القبر فهلا بعثت فراش من عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون. وهذا اليربوع لا يتخذ بيتا إلا في موضع صلب ليسلم من الحافز ويكون مرتفعا ليسلم من السيل ويكون عند أكمه أو صخرة لئلا يضل عنه ثم يجعل له أبوابا ويرقق بعضها فلا ينقذه فإذا أتى من باب مفتوح دفع برأسه ما رق من التراب وخرج منه وأنت قد ضيقت على نفسك الخناق فما أبقيت للنجاة موضعا. النفس كالعدو إن عرفت صوله الجد منك استأسرت لك وإن أنست عنك المهانة أسرتك أتمنعها ملذوذ مباحاتها ليقع الصلح على ترك الحرام فإذا احتجت لطلب المباح فإما منا بعد وإما فداء. الدنيا والشيطان عدوان خارجان عنك والنفس عدو بين جنبيك. من سنة الجهاد قاتلوا الذين يلونكم. أليس المبارك بالمحاربة كالكمين الذي يطلع عليك من حيث لا تشعر. أقل ما تفعل النفس معك أنها تمزق العمر بكف(3\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "721",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6936",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التبذير والبطاله اخل معها في بيت الفكر سويعة ثم انظر هل هي معك أو عليك ثم عاملها بما تعامل به واحدا منهما. من لم تبك الدنيا عليه لم تضحك الآخرة إليه. سينقشع غيم التعب عن فجر الآخرة. كم صبر بشر عن شهوة حتى سمع كل يا من لم يأكل. يامن حسد سجاف نعم العبد على قبة ووهبنا له حتى وصل على قدر إنا وجدناه صابرا. كيف يفلح من يشكو الليل إلى ربه من طول يومه والنهار من قبيح فعله. كيف يفلح من هو جيفة بالليل قطرب بالنهار ينصب بميزان البخس ومكيال التطفيف والقدر ثالثة الأثافي. لو فكر الطائر في الذبح ما حام حول القمح. لولا صبر المضمرات على قلة العلف ما قيل لها سوابق. مما أضر بأهل العشق أنهم ... هووا وما عرفوا الدنيا وما فطنوا تفنى نفوسهم شوقا وأعينهم ... في إثر كل قبيح وجهه حسن تحمل حميلكم كل رابحة ... فكل بين على اليوم مؤتمن ما في هوادجكم من مهجتي عوض ... إن مت شوقا ولا فيها لها ثمن سهرت بعد رحيل وحشة لكم ... ثم استمر مريري وارعوى الوسن لا تلق دهرك إلا غير مكترث ... ما دام تصحب فيه روحك البدن فما يديم سرورا قد سررت به ... لا يرد عليك الغائب الحزن إذا لم تكن من أنصار الرسول فتناول الحرب فكن من حراس الخيام فإن لم تفعل فكن من نظارة الحرب الذين يتمنون الظفر للمسلمين ولا تكن الرابعة فتهلك. إذا رأيت الباب مسدودا في وجهك فاقنع بالوقوف خارج الدار مستقبلا الباب سائلا مستعطيا فعسى ولكن لا تول ظهرك وتقول ما حيلتي وقد سد الباب دوني. لما نادي منادي الأفضال من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها سارت نجائب الأعمال قام الجزاء يصيح بالدليل ولولا أن ثبتناك فقال: quot; ما منكم من ينجيه عمله quot;. إن لم تقدر على مشارع أرباب العزائم فرد باقي الحياض. فمن لم يكن(3\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "722",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6937",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنده ابن لبون قبلت منه ابنة مخاض. لا تحتقر معصية فكم أحرقت شررة. أما عرفت سر: ولا تقربا هذه الشجرة . لو قنع آدم لاكتفى ولكن المحنة كانت في الشرة. الخلوة شرك لصيد المؤانسة. أخفى الصيادين شخصا وأقلهم حركة أكثرهم التقاط للصيد. ما صاد هرنوا أي صوت. أبدا نفوس العاشقين ... إلى ربوعكم تحن وكذا القلوب بذكركم ... بعد المخافة تطمئن وقال غيره: طلولي إذا يشكو إليها متيم ... شكا غير ذي نطق إلى غير ذي فهم وقال غيره: وأنما عمر الفتى سوق له ... يصدر عنه غانمأ أو خاسرا قال غيره: تراع إذا الجنائز قابلتنا ... ونلهو حين تخفي ذاهبات كروعة ثلة لظهور ذئب ... فلما غاب عادت راتعات خذ نفسك بالعزائم لا ترخص. حائط الباطن خراب فعلام إذا تجصص. العلم والعمل توأمان أمهما علو الهمة. الجهل والبطالة توأمان أمهما إيثار الكسل. أيها المعلم تثبت على المبتدى وقدر في السر فللعالم رسوخ وللمتعلم قلق. ويا أيها الطالب تواضع في الطلب فإن التراب بيننا هو تحت الأخمص صار طهورا للوجه. تجلى عليك عروس المعرفة ولكن علي غير كفؤ. وإنما يحل النظر إذا كان العقد جائزا. فغض الطرف إنك من نمير. ليس العالم شخصا واحدا العالم عالم تصانيف. العالم أولاده المخلدون دون أولاده. من خلق للعلم شف جوهره من الصغر. طول الشهر مفض إلى طيب المرقد والهوان في ظل الهوينا كامن. وجلالة الأخطار في ركوب الأخطار. مياه المعاني مخزونة في قلب العالم يفتح منها للسقي سيحا بعد سيح ويدخر أصفاها لأهل الصفا فإذا تكاثرت عليه نادى للسبيل فيبقي علمه سيح ولهذا يتضاعف(3\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "723",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6938",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه زكاة الشكر. كل وقت تسافر بضائع فكره من مدينة قلبه إلى قلوب الطالبين فينادي عليها دلال لسانه وهو يعرضها في مواسم النصح على تجار الطلب والإرادة من يشترى حكمه وعلما بتخيير الثمن فيا من يرى علو تلك المرتبة لا تنس الدرج. كم خاض بحرا ملحا حتى وقع بالعذب وكم تاه في مهمه قفر حتى سمى بالدليل وكم أنض مراكب الجسم وفض شهوات الحس وواصل السرى ليلا ونهارا وأوقد نار الصبر في دياجي الهوى فإن وثقتم بأمانته فهذا تخبير السرى. الدنيا تفوق سهامها نحو بنيها وتقول خذوا حذركم فلهذا دم قتلاها هدر. غاب الهدهد عن سليمان ساعة فتوعده فيا من أطال الغيبة عن ربه هل أمنت غضبه تخلف الثلاثة عن الرسول في غزوة واحدة فجرى لهم ما سمعت فكيف بمن عمره في التخلف عنه. إذا سكر الغراب بشراب الحرص تنقل بالجيف فإذا صحا من خماره ندم على الطلل خالف موسى الخضر في طريق الصحبة ثلاث مرات فحل عقدة الوصال بيد هذا فراق بيني وبينك أفما تخاف يا من لم يف لربه قط أن تقول في بعض زلاتك هذا فراق بيني وبينك. أعظم عذاب أهل جهنم جهلهم بالمعذب. لو صحت معرفتهم بما لمالك هنالك لما استغاثوا بمالك يا مالك. وقع بينهم شخص ليس من الجنس كان في باطنه ذرة من المعرفة فكلما حملت عليه النار اتقاها بدرع يا حنان يا منان. كان موته في المعاصي سكن فقبر في جهنم فلما تحرك الروح في الباطن أخرج من القبر. حرص العصفور يخنقه وقنع العنكبوت في زاوية الضعف يسوق إليها الذباب قوتا لها. رب ساع لقاعد. أرسلت قلبك مع كل مطلوب من الهوى ثم تبعث وراءه وقت الصلاة فربما لا يلقاه الرسول فتصلي بلا قلب. خلفت قلبك في الأظغان إذ نزلت ... بالمازمين غداة النفر بالنفر ورحت تطلب في أرض العراق ضحى ... ما ضاع عند مني فاعجب لذا الخبر لما طرقنا مني كان الفؤاد معي ... فضل عني بين الضال والسمر(3\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "724",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6939",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأرجل العيس تنبيك الرمال فما ... أمشي بوجدي غذا إلا على الأثر يا من فقد قلبه لا تيأس من عوده فقد يجمع الله الشتيتين بعدما ... يظنان كل الظن أن لا تلاقيا الهوى قاطن والصواب خاطر وطرد القاطن صعب وإمساك الخاطر أصعب. إنك لم تزل في حبس فأول الحبوس صلب الأب والثاني بطن الأم والثالث القماط والمهد والرابع المكتب والخامس الكد على العيال والسادس مرض الموت والسابع القبر فإن وقعت في الثامن نسيت مرارة كل حبس تقدم. ادخل حبس التقوى باختيارك أياما ليحصل لك الإطلاق على الدوام ولا تؤثر إطلاق نفسك فيما تحب فإنه يؤثر حبس الأبد. العذل على حمل العشق علاوة ومريخ قطب الشم يوجده فروى له خبر التعذيب فعرضا متى تركت المعصية وما حللت عقد الإصرار لم يفد شيئا كما لو سكن المرض من غير استفراغ فإنه على حاله إن لم يتحقق قصد القلب لم يؤثر النطق شيئا. يمين المكره لا تنعقد ويحك نفسك سلعتك وقد استامها المشترى بأفخر الثمن فاجهد في إصلاح عيوبها لعلة يرضي بها. منام المنى أضغاث ورائد الأمال كذوب ومرتع الشهوات وخيم. العجز شريك الحرمان التفريط مصائب الكسل. قفل قلبك رومي ما يقع عليه غش. متى خامر من جنود عزمك عليك واحد لم يأمن قلبك الهزيمة عليه. وإذا كان في الأنابيب خلف وقع الطيش في رؤوس الصعاد. كمن قيما على جوارحك ورعيتك إذا وفيتها الحظوظ فاستوف منها الحقوق. تأمل قوله تعالى: فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى كيف شرك بينهما في الخروج وخص الذكر بالشقاء لاشتغاله بالكسب والمعاش والمرأة في خدرها تزود من الماء القراح فلن يرى ... بوادي الغضا ماء نقاحا ولا بردا فهل من نسيم البان والرند نفحة ... فهيهات واد ينبت البان والرندا وكر إلى نجد بطرفك إنه ... متى تسر لا تنظر عقيقا ولا نجدا(3\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "725",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6940",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "انظر يمنه فهل ترى محنة ثم اعطف يسرة فهل ترى إلا حسرة أم الربع العامر فدرس وأما أسر الممات فغرس وأما الراكب فكبت به الفرس ساروا في ظلم ظلامتهم فما عندهم قبس وقفت بهم سفن نجاتهم لأن البحر يبس وانقلبت تلك الدور كلها في تعس وجاء منكر بآخر سبأ ونكير بأول عبس أفلا يقوم لنجاته من طال ما قد جلس. يا نفس ما هي إلا صبر أيام ... كأن مدتها أضغاث أحلام يا نفس جودي عن الدنيا ولذتها ... وخل عنها فإن العيش قدامي ألا يصبر طائر الهوى عن حبة مجهوله العاقبة وإنما هي ساعة ويصل إلى برج أمنة وكم فيه من حبة. وإن حننت للحمى وروضة ... فبالغضا ماء وروضات أخر حامل الكتب من الطير أقوى عزيمة فلعل وضعك على غير الاعتدال. لا تكون الروح الصافية إلا في بدن معتدل ولا الهمة العالية إلا في نفس نفيسة. إذا حمل الطائر الرسالة صابر العزيمة ولازم بطون الأوديه فإن خفيت عليه الطريق تنسم الرياح وتلمح قرص الشمس وتستر وهو مع شدة جوعه يحذر الحب الملقى خوفا من دفينة فخ توجب تعرقل الجناح ويضيع ما حمل فإذا بلغ الرسالة اطلق نفسه في أغراضها داخل البرج. فيا حاملي كتب الأمانه أكثركم على غير الجادة وما يستدل منكم من قد راقه الحب فنزل بما حمل فارتهن وربح فيسلم تعرقل جناحه وينتظر الذبح فلا الحبة حصلت ولا الرسالة وصلت. قطاة غرها شرك فباتت ... تجاذبه وقد علق الجناح فلا في الليل نالت ما تمنت ... ولا في الصبح كان لها سراح لو صابرتم مشقة الطريق لانتهي السفر فتوطنتم مستريحين في جنات عدن يا مهملين النظر في العواقب أسلفوا في وقت الرخص فما يؤمن تغير الأسعار لا ترم بسهام النظر فإنها والله فيك تقع رب راع مقلة أهملها فأغير على السرح.(3\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "726",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6941",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كل الحوادث مبدأها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة فعلت قلب ناظرها ... فعل السهام بلا قوس ولا وتر وقال غيره: وأرى السهام نام من يرمي بها ... فعلام سهم للخط يصمى من رمي اعرف قدر لطفه بل وحفظه لك. إنما نهاك عن المعاصي حماية لك وصيانة لك لا بخلا منه عليك وإنما أمرك بالطاعة رحمة وإحسانا. لا حاجة منه إليك لما عرفته بالعقل حرم ما يزيله وهو الخمر صيانة لبيت المعرفة. يا متناولا للمسكر لا تفعل يكفيك سكر جهلك فلا تجمع بين سكرين. سلعة وإني لغفار لا تبذل إلا بثمن لمن تاب. يا خارجا من سبيلة وأمن عن سكة وعمل صالحا. من داري ضرب ثم اهتدى إن لم تقدر على الجد في العمل فقف على باب الطلب. تعرض لنفحة من نفحات الرب ففي لحظة أفلح السجرة. لا تجزعن من كل خطب عرى ... ولا ترى الأعداء ما يشمت واصبر فبالصبر تنال المنى ... إذا لقيتم فئة فاثبتوا ثمن المعالي الجد والفتور داء أمر من السلوة. أفي عينيك آيات وآثار إذا ما برد القلب فما تسخنه النار. الوجود بحر والعلماء جواهره والزهاد عنبره والتجار حيتانه والأشرار تماسيحه والجهال على ظهره كالزبد. لو كشفت لك الدنيا ما تحت نقابها لرأيت المعشوقة عجوزا وما ترضى إلا بقتل عشاقها وكم تدللت عليهم بالنشوز إذاقتهم برد كانون الأماني وإذا هم في وسط تموز. تطلب مشاركة الغانمين وما شهدت الحرب تحل الغنيمة لمن شهد الوقعة. البلايا تظهر جواهر الرجال وما أسرع ما يفتضح المدعي. تنام عيناك وتشكو الهوى ... لو كنت صبا لم تكن هكذا يا مؤثرا ما يفنى على ما يبقى هذا رأي هواك فهلا استشرت العقل لتعلم أنصحهما لك. لا تحقرن يسير المعصية كالعشب الضعيف يفتل منه حبال تجر السفن. أو(3\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "727",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6942",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما نفذت في سد سبأ حيلة جرد العمر ثوب غير مكفوف وكل نفس خيط يسل منه. أنت أجير وعليك عمل فأخر ثياب الراحة إلى انقضاء العمل. كم غرقت سفينة في بحر شوق ساروا وما يسألون ما فعل الفجر ولا كيف مالت الشهب عودهم هجرهم مطالبة الراحات أن يظفروا بما طلبوا. الشجاع يلبس القلب على الدرع والجبان يلبس الدرع علىالقلب. أعظم البلايا تردد الركب إلى بلد الحبيب يودعون الدمن. ومعال لو ادعاها سواهم ... لزمته جناية السراق نالوا السماء وحطوا من نفوسهم ... إن الكرام إذا انحطوا فقد صعدوا لو صدق عزمك قذفتك ديار الكسل إلى بيداء الطلب. الناقد يخاف دخول المبهرج عليه واختلاطه بماله والبهرج آفته. هذا الصديق يمسك بلسانه ويقول هذا أوردني الموارد. وعمر يناشد حذيفة هل أنا منهم والمخلط على بساط الأمن. إذا جن الليل وقع الحرب بين النوم والسهر فكان الشوق والخوف في مقدمة عسكر اليقظة وصار الكسل والتواني في كتيبة الغفلة فإذا حمل الغريم حملة صادقة هزم جنود الفتور والنوم فحصل الظفر والغنيمة فما يطلع الفجر إلا وقد قسمت السهمان وما عند النائمين خبر. قام المتهجدون على اقدام الجد تحت ستر الدجى يبكون على زمن ضاع في غير الوصال. ما زالت مطايا السهر تذرع بيداء الدجى وعيون آمالها لا ترى إلا المنزل وحادى العزم يقول: يا رفقة الليل طاب السير فاغتنموا ... المسرى فمن نام طول الليل لم يصل إلى أن هب نسيم السحر فقام الصادح يبغي ظلام الليل فلما هم بالرحيل تشبث القوم بأذياله يبكون على فراق المحبوب فلما طلع الفجر حدا حاديهم. عند الصباح يحمد القوم السرى. يا من يستعظم أحوال القوم تنقل في المراقي تصل. من جمع بين العلم بالسنة ومتابعتها أنتحاله المعاني البديعة فهي تنادي على رؤوس الأشهاد ولدت من نكاح لا من سفاح ومن قرن بين البدعة والهوى أنتحاله ضروب الهذيان فهي تنادي على رؤوس الأشهاد أيها الفطن لا تغتر إذا فتحت الوردة عينها فرأت الشوك حولها فلتصبر على(3\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "728",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6943",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مجاورته قليلا فوحدها تقصد وتقبل وتشم إذا تكلم من يريد الدنيا بكلامه فإنه كلما حفر في قليب قلبه وأمعن في الاستنباط انهار عليه تراب الطمع فطمه إذا رأيت سربال الدنيا قد تقلص عنك فاعلم أنه لطف بك لأن المنعم لم يقبضه بخلا أن يتمزق ولكن رفقا بالساعي أن يتعثر فتش على القلب الضائع قبل الشروع فحضور القلب أول منزل من منازل الصلاة فإذا نزلته أنتقلت إلى بادية المعنى فإذا رحلت عنها أنخت بباب المناجاة فكان أول قرى ضيف اليقظة كشف الحجاب لعين القلب فكيف يطمع في دخول مكة من لا خرج إلى البادية بعد. إذا كانت مشاهدة مخلوق يوم أخرج عليهن استغرقت إحساس الناظرات فقطعن أيديهن وما شعرن فكيف بالحال يوم المزيد. لو أحببت العبود لحضر قلبك في عبادته قيل لعامر بن عبد القيس أما تسهو في صلاتك قال أو حديث أحب إلى من القرآن حتى استغل به. وكان مسلم بن يسار لا يلتفت في صلاته حتى انهدمت ناحية من نواحي المسجد فزع لها أهل السوق فما التفت وكان إذا دخل منزله سكت أهل بيته فإذا قام يصلي تكلموا وضحكوا علما منهم بالغيبة. وقيل لبعضهم إنا لنوسوس في صلاتنا قال بأي شيء بالجنة أو الحور العين والقيامة قالوا لا بل بالدنيا فقال لأن تختلف في الأسنة أحب إلي من ذلك تقف في صلاتك بجسدك وقد وجهت وجهك إلى القبلة ووجهت قلبك إلى قطر آخر ويحك ما تصلح هذه الصلاة مهرا للجنة فكيف تصلح ثمنا للمحبة.. رأت فأرة جملا فأعجبها فجرت خطامه فتبعها فلما وصلت إلى باب بيتها وقف فنادى بلسان الحال إما أن تتخذي دارا تليق بمحبوبك أو محبوبا يليق بدارك وهكذا أنت إما أن تصلي صلاة تليق بمعبودك وإما أن تتخذ معبودا يليق بصلاتك. تعاهد قلبك فإن رأيت الهوى قد أمال أحد الحملين فاجعل في الجانب الآخر ذكر الجنة والنار ليعتدل الحمل فإن غلبك الهوى فاستعنت بصأحب القلب يعينك على الحمل فإن تأخرت الأجابة فابعث رائد الانكسار خلفها تجده عند المنكسرة قلوبهم اللطف مع الضعف أكثر(3\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "729",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6944",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتضاعف ما أمكنك. لما كانت الدجاجة لا تحنو على الولد اخرج كاسبا. لما كانت النملة ضعيفة البصر أعينت بقوة الشم فهي تجد ريح المطعوم من البعد. ولما كانت الخلد عمياء ألهمت وقت الحاجة إلى القوت أن تفتح الذباب فيسقط فيه فتناول منه حاجتها. الأطيار تترنم طول النهار فقيل للضفدع ما لك لا تنطقين فقالت مع صوت المزمار يستبشع صوتي ولكن الليل أجمل بي. لا تنس العناية بالسحرة جاءوا يحاربونه ويحاربون رسله وخلع الصلح قد فصلت وتيجان الرضى قد وضعت وشراب الوصال مروق فمدوا أيديهم إلى ما اعتصروا من خمر الهوى فإذا بها قد انقلبت خلا فأقطروا عليه فسكروا بشراب المحبة فلما عربدت عليهم المحبة صلبوا في جذوع النخل. واعجبا لعزمات ما ثناها لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف. سجدوا له سجدة واحدة فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا منازلهم من الجنة فغلبهم الوجد وتمكن منهم الشوق فقالوا اقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا. تمر الصبا بساكن ذي الغضا ... ويصدع قلبي أن يهب هبوبها قريبة عهد بالحبيب وإنما ... هوى كل نفس أين حل حبيبها قطعت نياق جدهم بادية الليل ولم تجد مس التعب فالطريق إلى المحبوب لا تطول. بعيد على كسلان أو ذي ملالة ... وأما علي المشتاق فهو قريب يا حاضرين معنا بنية النزهة لستم معنا عودوا إلى أوكار الكسل فالحرب طعن وضرب ويا مودعين ارجعوا فقد عبرنا العذيب وعن قريب تأتيكم أخبارنا بعد قليل ويا أيها الحادث عرس بالخيف من منى تعلمك الدموع كيف ترمى حصا الجمار. ضيف المحبة ما له قرى إلا المهج. إذا رأيت محبا ولم تدر لمن وضع يدك على نبضه وسم له من تطبه به فإن النبض ينزعج عند ذكره. المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم. حر الخوف صيف الذوبان وبرودة الرجاء(3\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "730",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6945",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شتاء العطلة ومن لطف به فزمانه كله فصل الربيع. عين تسر إذا رأتك وأختها ... تبكى لطول تباعد وفراق فاحفظ لواحدة دوام سرورها ... وعد التي أبكيتها بتلاق إذا رزقت يقظة فصنها في بيت عزلة فإن أيدي المعاشرة نهاية واحذر معاشرة البطالين فإن الطبع لص لا تصادقن فاسقا ولا تثق إليه فإن من خان اول منعم عليه لا يفى لك. يا فرح التوبة لازم ذكر الخلوة فإن هر الهوي صيود. إياك والتقرب من طرف الوكر والخروج من بيت العزلة حتى تتكامل نيات الحوافي وإلا كنت رزق الصائد. الأنس بالخلوة دبق أول ما يعلق جناج الطير والمخالطة توجب التخليط وأيسرها تشتيت الهمة وضعف العزيمة أقل ما في سقوط الذئب في غنم ... إن لم يصب بعضها أن تنفر الغنم إن لم تكن من جملة المستحقين للميراث فكن من رفقة إذا حضر القسمة أولوا القربى ويحك لا تحقر نفسك فالتائب حبيب والمنكر صحيح. إقرارك بالإفلاس عين الغنى. تنكيس رأسك بالندم هو الرفعة. اعترافك بالخطأ نفس الإصابة عرضت سلعة العبودية في سوق البيع فبذلت الملائكة نقد ونحن تسبح بحمدك فقال آدم ما عندي إلا فلوس الإفلاس نقشها ربنا ظلمنا أنفسنا فقيل هذا الذي ينفق على خزانة الخاص. أنين المذنبين أحب إلينا من زجل المسبحين. إن كان يأجوج الطبع ومأجوج الهوى قد كانوا في أرض القلوب فأفسدوا فيها فأعينوا الملك بقوة يجعل بينكم وبينهم ردما. أجمعوا له من العزائم ما يشابه زبر الحديد ثم تفكروا فيما أسلفتم ليثور صعد الأسف فلا يحتاج إلى أن يقول لكم انفخوا. شدوا بنيان العزم بهجر المألوفات والعوائد وقد استحكم البناء فحينئذ أفرغوا عليه قطر الصبر وهكذا بنى الأولياء قبلكم فجاء العدو فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا ضاقت أيام الموسم فأسرعوا بالإبل لا تفتكم الوقفة. لا تحد وما لك بعير. لا تمد القوس وما لها وتر كم بذل(3\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "731",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6946",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفسه مراء ليمدحه الخلق فذهبت نفسه فانقلب المدح ذما. ولو بذلها لله لبقيت ما بقى الدهر. عمل الرائي بصلة كلها قشور المرائي يحشو جراب الزوادة رملا يثقله في الطريق وما ينفعه. ريح الرياء جيفه تجافاها مشام القلوب لما أخذ دود القز ينسج أقبلت العنكبوت تشبهه وقالت لك نسج ولي نسج فقالت دودة القز ولكن نسيجي أردية الملوك ونسجك شبكة الذباب وعند مس الحاجة يتبين الفرق إذا اشتبكت دموع في خدود ... تبين من بكا ممن تباكا شجرة الصنوبر تثمر في ثلاثين سنه وشجرة الدباء تصعد في أسبوعين فتقول للصنوبرة إن الطريق التي قطعتها في ثلاثين سنة قطعتها في أسبوعين ويقال لي شجرة ولك شجرة فقالت لها الصنوبرة مهلا حتى تهب رياح الخريف فإن ثبت لها تم فخرك. كان التصوف والفقر في مواطن القلوب فصار في ظواهر الثياب كان خرقة فصار حرفه. غير زيك أيها المرائي فإنه يصبح بك خذوني. السيف والدرع لتزين هيئتك فضيحة البهرج تبين عند المحك. لو أبصرت طلائع الصديقين في أوائل الركب أو سمعت استغاثة المحبين في وسط الركب أو شاهدت ساقة المستغفرين في آخر الركب لعلمت انك قد انقطعت تحت شجر أم غيلان. واحسرتا لمنقطع دون الركب يعد المنازل. أعد الليالي ليلة بعد ليلة ... وقد عشت دهرا لا أعد اللياليا وقد يجمع الله الشتيتين بعدما ... يظنان كل الظن أن لا تلاقيا إلام الرواح في الهوى والتفليس وحتام السعي في صحبة إبليس وكم بهرجة في العمل وتدليس. أين أقرنك هل تسمع لهم من حسيس أعلمت أنهم اشتد ندمهم وحسرتهم على إيثار الخسيس تالله لقد ودوا أن لو كانوا طلقوا الدنيا قبل المسيس. عين المنية تغضي غير مطرقة ... وطرف مطلوبها مذ كان وسنان جهلا تمكن منه حين مولده ... فالنطق صاح ولب المرء سكران(3\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "732",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6947",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا تنفع الرياضة إلا في نجيب. لو سقى الحنظل بماء السكر لم يخرج إلا مرا. شجر الأثل والصفصاف والحور ونحوها ولو دام الماء في عروقها لا تثمر أبدا سحاب الهوى قد طبق بيداء الأكوان وأمطر مشارق الأرض ومغربها ولكن قيعان أرض قلبك قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ومع هذا فلا تيأس فقد يستحيل الخمر خلا ولكن إنما ذلك لطيب العنصر. خلا الفكر في القلب في بيت التلاوة فجرى ذكر الحبيب وأوصافه فنهض الشوق على قدم السعي يا من لم يشاهد جمال يوسف لم يعرف ما الذي ألم قلب يعقوب. من لم يبت والحب حشوة فؤاده ... لم يدر كيف تفتت ألأكباد يا من هبت على قلبه جنوب المجانبة فتكاثفت عليه غيوم الغفلة فأظلم أفق المعرفة لا تيأس فالشمس تحت الغيم. لو تصاعد منك نفس أسف استحالت شمالا فتقطع السحاب فبانت الشمس تحته. لما كان رزق الطائر اختلاسا لم يجعل له أسنان لأن زمن الانتهاب لا يحتمل المضغ وجعل له حوصلة كالمخلاة ينقل إليها ما يسلب ثم تنقله إلى القاضة في زمن الإمكان فإن كانت له أفراخ أسهمهم قبل النقل. كلما طالت ساق الحيوان طال عنقه ليمكنه تناول الأطعمة من الأرض. رميت صخرة الهوى على ينبوع الفطنة فاحتبس الماء فإن لم تطق رفعها فانقب حولها لعل ينابيع الماء تنفجر. لو بعت لحظة من إقبالك على الله بمقدار عمر نوح في ملك قارون لكنت مغبونا في العقد. عشاق الدنيا بين مقتول ومأسور فمنهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر. يا طالبي العلم قد كتبتم ودرستم فلو طلبكم العلم في بيت العمل فلستم وإن ناقشكم على الإخلاص أفلستم. شجرة الإخلاص أصلها ثابت لا يضرها زعازع أين شركائي الذي كنتم تزعمون وأما شجرة الدباء فإنها تجتث عند نسمة من كان يعبد شيئا فليتبعه. رياء المرائين صير مسجد الضرار مزبلة وخربة لا تقم فيه أبدا وإخلاص المخلصين رفع قدر التفث. رب أشعث أغبر قلب من ترائيه بيد من أعرضت عنه يصرفه عنك غلى غيرك فلا على ثواب المخلصين(3\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "733",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6948",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حصلت ولا إلى ما قصدته بالرياء وصلت وفات الأجر والمدح فلا هذا ولا هذا. لا تنقش على الدرهم الزائف اسم الملك فإنه لا يدخل الخزانة إلا بعد النقد. المخلص يتبهرج على الخلق بستر حاله وببهرجته يصح له النقد والمرائي يتبرطل على باب الملك يوهم أنه من الخواص وهو غريب فسله عن أسرار الملك يفتضح فإن خفي عليك فانظر حاله مع خاصة الملك. يا من لم يصبر عن الهوى صبر يوسف يتعين عليه بكاء يعقوب فإن لم يطق فذل إخواته يوم تصدق علينا. إذا طاب لبث الطين على الأنهار تكامل ربه فإذا نضب عنه الماء استلبت الشمس ما فيه من الرطوبة فيشتد شوقه إلى الماء فلو وضعت منه قطعة على لسانك لأمسكه وعلق به شوقا إلى الورد فيا من نضب ماء معاملته هل أحسست بالعطش وقالوا: يعود الماء في البئر بعدما ... كانت بالحجاز لنا ليال ... نهبناهن من أيدي الزمان ولا تنصب خيامك في محل ... فإن النازلين على ارتحال مداراة الضعفاء باللطف فإذا قووا شدد عليهم. مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم على تركها لعشر. كان الإسلام في بدايته كالنطفة فاقتنع بكلمة التوحيد فلما نفخ فيه الروح احتاج إلى الغذاء ففرضت الصلاة فلما تحرك وجبت الهجرة فلما اشتد وجبت الزكاة فلما قربت الولادة لزم الحج فلما ظهر طفلا حبا بلطف يريد الله بكم اليسر فلما خاف من الزلل والعقاب جاءت بشارة لا تقنطوا فلما ترعرع قال المؤدب من يعمل سوءا يجز به فلما بلغ أشده واستوى جاء ويحذركم الله نفسه. المتعبدون بالليل يقربون إلى نوق الأبدان خيط الرقاد فإذا تناولت سد الفاقة رفعت رؤوسها فإذا الدليل على الجادة فتأخذ في السير. من النجوم الجواري مؤذن ومنها مقيم فأرباب العزائم يؤذن في محلتهم بليل ويقام لهم أول الوقت ومن دونهم يصلون في أول الوقت وأهل الفتور في آخرة. إذا هجمت جنود الرقاد على العيون صاح حارس اليقظة بالمتعبدين الصلاة خير من النوم وهتف رقيب المعاتبة كذب من ادعى محبتي حتى إذا جنة الليل نام عني فيصيح المشتاق(3\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "734",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6949",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سلوا الليل عني مذ تناءت دياركم ... هل اكتحلت بالغمض لي فيه أجفان ثم تمر بالمجتهدين سيارة النجوم فيبعثون مع كل فيج رسالة فتسلم أخباره إلى ركب السحر فتهب لمجيئها رياح الأسحار فيقول المنتظر إني لأجد ريح يوسف. سبحان من أنعم على الموجودات بإيجادها من غير طلب فلما وجدت بسطت اكف السؤال لطلب تكميلها فالأجنة في بطون الأمهات تطلب تكميل الخلق والبذر تحت التراب يطلب قوته من الري ومخ الثمار ينتظر من فضله كمال نضجه ومراكب البحار تحريكها بالرياح وأصحاب البضائع ينتظرون وجود الأرباح عليهم وطلاب العلم يسالون فتح منغلق الفهم وأهل المجاهدة يرومون المعاونة على الطبع والمظلوم يترقب طلوع فجر النصر والمريض يتململ بين يديه طلبا للطفه والمكروب ينتظر كشف ما به والخائف يترقب بريد الأمن والأبدان المتمزقة في اللحود تنتظر جمع الشمل بعد الشتات وعرائس الجنان يسألن سلامة بعولتهن وتعجيل اللقاء فإذا قام الخلق من أطباق التراب بإنعاش البعث نكس صاحب الزلل رأس الندم طلبا للعفو ومد العابد يد التقاضي بالمسلم فيه عند حلول الأجل وحدق الزاهد إلى جزاء الصبر واشرف المحب على أطلال الشوق إلى الحبيب وصاح العارف بلسان الوجد إذ لم يبق وقت للصمت لي عندكم دين فواعجبا ... الدين لي وفؤادي الرهن من شاء باهلتي باهلته بهم ... وبعد عند ورود الحوض نستبق وقال غيره: عدمت دوائي بالعراق وربما ... وجدت بنجد لي طبيبا مداويا ويا جبل الريان إن تعر منهم ... فإني سأكسوك الدموع الجواريا ومن جذري لا أسأل الركب عنهم ... وأغلاق وجدي باقيات كما هيا ومن يسال الركبان عن كل غائب ... فلا بد أن يلقى بشيرا وناعيا(3\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "735",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6950",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: من له غرض في دقائق المعاني يتجاوز نظره قالب اللفظ إلى لب المعنى والواقف مع الألفاظ مقصود على الزينة اللفظية فتأمل قوله تعالى: إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى كيف قابل الجوع بالعرى والظمأ بالضحى والواقف مع القالب ربما يخيل إليه أن الجوع يقابل بالظمأ والعري بالضحى والداخل إلى بلد المعنى يرى هذا الكلام في أعلى الفصاحة والجلالة لأن الجوع ألم الباطن والعري ألم الظاهر فهما متناسبان في المعنى وكذلك الظمأ مع الضحى لأن الظمأ موجب لحرارة الباطن والضحى موجب لحرارة الظاهر فاقتضت الآية نفي جميع الآفات ظاهرا وباطنا. وفي هذا الباب حكاية مشهورة وهي أن ابن حمدان قال يوما للمتنبي قد أنتقد عليك قولك: وقفت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضاح وثغرك باسم قالوا: ركبت صدر كل بيت على عجز الآخر وكان الأولى أن تقول: وقفت وما في الموت شك لواقف ... ووجهك وضاح وثغرك باسم تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنك في جفن الردى وهو نائم فليتم المعنى حينئذ لأن انبساط الوجد ووضوحه مع الوقوف في موقف الموت أشبه بأوصاف الكماة والسلامة من الردى مع مرور الأبطال كلمى هزيمة أعجب في حصول النجاة وهذا كما أنتقد على امرىء القيس قوله: كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أبتطن كاعبا ذات خلخال(3\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "736",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6951",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال فلو قال: كأني لم أركب جوادا ولم أقل ... لخليلي كري كرة بعد إجفال ولم أسبأ الزق الروي للذة ... ولم أبتطن كاعبا ذات خلخال كان أشبه بالمعنى لأن ركوب الخيل أشبه بالكر على الأبطال وسبأ الزق أليق بتبطن الكواعب. فقال المتنبه يعني قائل الشعر المدعو بالمتنبي الكذاب: أعلم أن القزاز أعلم بالثوب من البزاز لأن القزاز يعلم أوله وآخره والبزاز لا يرى منه إلا ظاهره. وهذا الانتقاد غير صحيح فإني قلت: وقفت وما في الموت شك لواقف ... ... ... ... ... فذكرت الموت وتحقق وقوعه في صدر البيت ثم تممت المعنى بقولي: ... ... ... ... ... كأنك في جفنالردى وهو نائم والردى الموت بعينه فكأني قلت: وقفت في مواضع الموت ولم تمت كأن الموت نائم عنك فحصل المعنى مناسبا للقصد ثم قلت: تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ... ... ... ... ومن شأن المكلوم والمنهزم أن يكونا كاشحي الوجوه عابسيها خائبي الأمل فقلت: ... ... ... ... ... ووجهك وضاح وثغرك باسم لتحصل المطابقة بين عبوس الوجه وقطوبه ونضارته وشحوبه وإن لم تكن ظاهره في اللفظ فهي في المعنى يفهمها من له في إدراك دقائق المعاني قدم راسخ وأما قول امرىء القيس: كأني لم اركب جودا للذة ... ... ... ... فإنه لما ذكر الركوب في البيت الأول تممه بما يشبهه ويناسبه من ركوب الكواعب ليحصل لذة ركوب مهر الحرب وركوب مهر اللذة. وأما البيت الثاني فمن شأن الشارب إذا أنتشي أن تتحرك كوامن صدره ويثور ما في نفسه من كوامن الأخلاق إلى الخارج فلما ذكر الشرب وحالة وتخيل نفسه كذلك فتحرك كامن خلقه من الحماسة والشجاعة فأردفه بما يليق به ثم ذكر الآية وتكلم عليها بنحو ما تقدم. إذا ظفرت من الدنيا بقربكم ... فكل ذنب جناه الحب مغفور(3\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "737",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6952",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: حكم ومواعظ وعبر من نبت جسمه على الحرام فمكاسبه كبريت به يوقد عليه الحجر المغصوب في البناء أساس الخراب. أتراهم نسوا طي الليالي لمن تقدمهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فما هذا الاغترار وقد خلت من قبلهم المثلات فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم من لهم إذا طلبوا العودة فحيل بينهم وبين ما يشتهون. سبحان الله كم بكت في تنعم الظالم عين أرملة واحترقت كبد يتيم وجرت دمعة مسكين كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون : ولتعلمن نبأه بعد حين . ما ابيض لون رغيفهم حتى اسود لون ضعيفهم وما سمنت أجسامهم حتى أنتحلت أجسام ما استأثروا عليه. لا تحتقر دعاء المظلوم فشرر قلبه محمول بعجيج صوته إلى سقف بيتك. ويحك نبال أدعيته مصيبة وإن تأخر الوقت قوسه قلبه المقروح ووتره سواد الليل وأستاذه صاحب لأنصرنك ولو بعد حين وقد رأيت ولكن لست تعتبر. احذر عداوة من ينام وطرفه باك يقلب وجهه في السماء يرمي سهاما ما لها غرض سوى الأحشاء منك فربما ولعلها إذا كانت راحة اللذة تثمر ثمرة العقوبة لم يحسن تناولها. ما تساوي لذة سنة غم ساعة فكيف والأمر بالعكس. كم في يم الغرور من تمساح فاحذر يا غائص ستعلم أيها الغريم قصتك عند علق الغرماء بك إذا التقى كل ذي دين وماطلة ... ستعلم ليلى أي دين تداينت من لم يتتبع بمنقاش العدل شوك الظلم من أيدي التصرف أثر ما لا يؤمن تعديه إلى القلب. يا أرباب الدول لا تعربدوا في سكر القدرة فصأحب الشرطة بالمرصاد سليمان الحكم قد حبس عاصف العقوبة في حصن فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا وأجرى رحا الرخا لئلا يكون للناس على الله حجة فلو هبت سموم الجزاء من(3\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "738",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6953",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مهب ولئن مستهم نفحة قلعت سكرى أنما نملي لهم فإذا طوفان التلف ينادي فيهم لا عاصم اليوم من أمر الله فالحذر أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وأنت أيها المظلوم فتذكر من أين أتيت فإنك لا تلقى كدرا إلا من طريق جناية إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم كان يشوب الماء باللبن فجاء سيل فذهب بالغنم فجعل يبكي فهتف به هاتف اجتمعت تلك القطرات فصارت سيلا ولسان الجزاء يناديه: يداك أوقدتا وفوك نفخ اذكر غفلتك عن الأمر والأمر وقت الكسب ولا تنس اطراح التقوى عند معاملة الخلق فإذا انقض غاصب فسمعت صوت سوطه يضرب عقد المكسب جزاء لخيانته العقود فلا تستعظم ذاك فأنت الجاني والبادي أظلم. فائدة: ما يقول الفقيه أيده الله ... وما زال عنده إحسان في فتى علق الطلاق بشهر ... قبل ما قبل قبله رمضان في هذا البيت ثمانية أوجه: أحدها: هذا. والثاني: بعدما بعد بعده. والثالث: قبل ما بعد بعده. والرابع: بعد ما قبل قبله. فهذه أربعة متقابلة. والخامس: قبل ما بعد قبله. والسادس: بعد ما قبل بعده. والسابع: بعد ما بعد قبله. والثامن: قبل ما قبل بعده. وتلخيصها إنك إن قدمت لفظه بعد جاء أربعة أحدها بعدات كلها والثانية بعدان وقبل والثالثة بعد وقبلان والرابعة بعد وقبل ثم بعد وإن قدمت لفظه قبل جاءت أربعة كذلك. فإذا عرفت هذا فضابط الجواب عن هذه الأقسام الثمانية أنه إذا اتفقت الألفاظ فإن كانت قبلا فيكون هذا الشهر الذي تقدمه رمضان بثلاثة أشهر فيقع الطلاق في ذي الحجة فكأنه قال:(3\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "739",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6954",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;أنت طالق في شهر ذي الحجة لأن المعنى أنت طالق في شهر رمضان قبل قبل قبله فلو قال رمضان قبله طلقت في شوال ولو قال قبل قبله لطلقت في ذي القعدة فإن قال قبل قبل قبله طلقت في ذي الحجة وإن كانت الألفاظ بعدات طلقت في جمادي الآخرة لأن المعنى أنت طالق في شهر يكون رمضان بعد بعد بعده ولو قال رمضان بعده طلقت في شعبان ولو قال بعد بعده طلقت في رجب فإن قال بعد بعد بعده طلقت في جمادى الآخرة وإن اختلفت الألفاظ وهي في ست مسائل فضابطها أن كل ما اجتمع فيه قبل وبعد فألفهما نحو قبل بعده وبعد قبله واعتبر الثالث فإذا قال قبل بعد بعده أو بعد قبل قبله فألغ اللفظين الأولين يصير كأنه قال في الأول بعده رمضان فيكون شعبان وفي الثاني كأنه قال قبله رمضان فيكون شوال وتقرير هذا أن كل شهر واقع قبل ما هو بعده وبعد ما هو قبله وإن توسطت لفظه بين مضادين لها نحو قبل بعد قلبه وبعد قبل بعده فالغ اللفظين الأولين ويكون شوالا وإذا قال بعد بعد قبله أو قبل قبل بعده وهما تمام الثمانية طلقت في الأولى في شعبان كأنه قال بعده رمضان في الصورة الأولى كأنه قال في شهر رمضان وشعبان في الثانية كأنه قال بعده رمضان وفي الثانية في شوال كأنه قال قبله رمضان. فائدة: قال بعض الفضلاء بيتا من الشعر يشتمل على أربعين ألف وثلاث مائة وعشرين بيتا من الشعر وهو لزين الدين المقري: لقلبي حبيب مليح ظريف ... بديع جميل رشيق لطيف وبيان ذلك أن هذا البيت ثمانية أجزاء يمكن أن ينطق بكل جزء من أجزائه(3\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "740",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6955",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مع الجزء الآخر فتنتقل كل كلمة ثمانية انتقالات فالجزءان الأولان لقلبي حبيب يتصور منهما صورتان بالتقديم والتأخير ثم خذ الجزء الثالث فيحدث منه مع الأولين ست صور لأن له ثلاثة أحوال تقديمه عليهما وتأخيره وتوسطه ولهما حالان فاضرب أحواله في الحالين يكن ستة ثم خذ الجزء الرابع وله أربعة أحوال فاضربها في الصور المتقدمة وهي الستة التي لما قبله تكن أربعة وعشرين ثم خذ الخامس تجد له خمسة أحوال فاضربها في الصور المتقدمة وهي أربعة وعشرون تكن مائة وعشرين ثم خذ السادس تجد له ستة أحوال فاضربها في مائة وعشرين تكن سبع مائة وعشرين ثم خذ السابع تجد له سبعة أحوال فاضربها في سبع مائة وعشرين تكن خمسة آلاف وأربعين ثم خذ الثامن تجد أحواله ثمانية فاضربها في خمسة آلاف وأربعين تكن أربعين ألفا وثلاث مائة وعشرين بيتا فامتحنها تجدها كذلك ومثله لي قلته في القدس: محب صبور غريب فقير ... وحيد ضعيف كتوم حمول فائدة: في دخول الشرط على الشروط وهو صور: أحدها: إن خرجت ولبست فأنت طالق لا يحنث إلا بهما كيفما كانا. الثانية: إن لبست فخرجت لم يحنث إلا بخروج بعد لبس. الثالثة: إن لبست ثم خرجت لا يحنث إلا بخروجها بعد لبسها لا معه ويكون متراخيا هذا البناء على ظاهر اللفظ وأما قصده فيراعي ولا يلتفت إلى هذا. الرابعة: إن خرجت لا إن لبست يحنث بالخروج وحده ولا يحنث باللبس ويحتمل هذا التعليق أمرين: أحدهما: أن يجعل الخروج شرطا ويبقى(3\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "741",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6956",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن يكون اللبس شرطا فحكمه ما ذكرنا. الثاني: أن يجعل الخروج مع عدم اللبس شرطا فلا يحنث بخروج معه لبس ويكون المعنى إن خرجت لا لابسه أو غير لابسة فإن خرجت لابسة لم يحنث. الخامسة: إن خرجت بل إن لبست فلا يحنث إلا باللبس دون الخروج ويحتمل هذا التعليق أيضا أمرين: أحدهما: هذا. والثاني: أن يكون كل منهما شرطا فيحنث بأيهما وجد ويكون الإضراب إضراب اقتصار لا إضراب إلغاء فكأنه يقول: لا أقتصر على جعل الأول وحده شرطا بل أيهما وجد فهو شرط فعلى التقدير الأول يكون إضراب إلغاء ورجوع وعلى الثاني إضراب اقتصار وإفراد. السادسة: إن خرجت أو إن لبست يحنث بأيهما وجد. السابعة: إن لبست لكن إن خرجت فالشرط الثاني قد لغا الأول بـ (لكن) لأنها للاستدراك. الثامنة: وهي أشكلها إن لبست إن خرجت وهذه مسألة دخول الشرط على ويحتمل التعليق في ذلك أمرين: أحدهما: أن يجعل كل واحد منهما شرطا مستقلا فيكون كالمعطوف بالواو سواء ولا إشكال. والثاني: أن يجعل أحدهما شرطا في الآخر. واختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة فقال أصحاب مالك هو تعليق للتعليق ففي هذا الكلام تعليقان: أحدهما إن لبست فأنت طالق ثم علق هذه الجملة المعلقة بالخروج فكأنه قال شرط نفوذ هذا التعليق الخروج فعلى هذا لا يحنت حتى يوجد الخروج بعد اللبس وممن نص عليها ابن شاش في الجواهر وقال أبو إسحاق في المهذب وقد صور المسألة: quot;إن كلمت زيدا إن دخلت الدار فأنت طالق ثم كلمت زيدا طلقت وإن كلمت زيدا أولا ثم دخلت الدار لم تطلق لأنه جعل دخول الدار شرطا في كلام زيد فوجب تقديمه عليهquot; وهكذا عكس قول المالكية ورجح أبو المعالي قول المالكية في نهايته. وقد وقع هذا التعليق في كتاب الله عز وجل في مواضع: أحدها: قوله -حكاية عن نوح-: ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم وهذا ظاهر في أن الشرط الثاني شرط في الشرط الأول والمعنى إن أراد الله أن يغويكم لم ينفعكم نصحي إن(3\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "742",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6957",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أردته وهذا يشهد لصحة ما قال الشيخ أبو إسحاق. الموضع الثاني: قوله تعالى: وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك قالوا فهذه الآية ظاهرة في قول المالكية لأن إرادة رسول الله صلى الله عليه وسلم متأخرة عن هبتها فإنها تجري مجرى القبول في هذا العقد والإيجاب هو هبتها. ونظير هذا أن يقول: إن وهب لي شيئا إن أردت قبوله أخذته فإرادة القبول متأخرة عن الهبة فلا يكون شرطا فيها قال الأولون: يجوز أن تكون إرادة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فهمت المرأة منه ذلك وهبت نفسها له فيكون كالآية الأولى. وهذا غير صحيح والقصة تأباه فإن المرأة قامت وقالت: يا رسول الله إني وهبت لك نفسي فصعد فيها النظر وصوبه ثم لم يتزوجها وزوجها غيره. الموضع الثالث: قوله تعالى: فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين المعنى: فلولا ترجعونها أي تردون الروح إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مربوبين مملوكين إن كنتم صادقين وهنا الثاني شرط للأول والمعنى إن كنتم صادقين في قولكم فهلا تردونها إن كنتم غير مدينين ويدل عليه قول الشاعر أنشده عبد الله بن مالك: إن تستغيثوا بنا أن تذعروا وتجدوا ... منا معاقل عز زانها الكرم ومعلوم أن الاستغاثة إنما تكون بعد الذعر فالذعر شرط فيها ومن هذا قول الدريدي فإن عثرت بعدها أن والت ... نفسي من هاتا فقولا لا لعا ومعلوم أن العثور مرة ثانية إنما يكون بعد النجاة من الأولى فوالت شرط في الشرط الثاني وعلى هذا فإذا ذكرت الشرطين وأتيت بالجواب كان جوابا للأول خاصة والثاني جرى معه مجرى الفضلة والتتمة كالحال وغيرها من الفضلات قاله ابن مالك. وأحسن من هذا أن يقال ليس الكلام بشرطين يستدعيان جوابين بل هو شرط واحد وتعليق واحد اعتبر في شطره قيد خاص جعل(3\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "743",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6958",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شرطا فيه وصار الجواب للشرط المقيد فهو جواب لهما معا بهذا الاعتبار وإيضاحه أنك إذا قلت إن كلمت زيدا إن رأيته فأنت طالق جعلت الطلاق جزاء على كلام مقيد بالرؤية لا على كلام مطلق وكأنه قال إن كلمته ناظرة إليه فأنت طالق وهذا يبين لك حرف المسألة ويزل عنك إشكالها جملة وبالله التوفيق. فائدة: قولهم: الأعم لا يستلزم الأخص عينا وإنما يستلزم مطلق الأخص ضرورة وقوعه في الوجود ولا بد في هذا من تفصيل وهو أن الحقيقة العامة تارة تقع في رتب متساوية فهذه تستلزم الأخص عينا ولا بد كما إذا قال أفعل كذا فإنه أعم من مرة ومرات وهو يستلزم المرة الواحدة عينا وأنفق مالا يستلزم اقل القليل عينا وتارة يقع في رتب غير متساوية كالحيوان والعدد فإنهما لا يستلزمان أحد أنواعهما عينا والله سبحانه وتعالى أعلم. فائدة: حمل المطلق على المقيد في الكلي شيء وحمل المطلق على المقيد في الكلية شيء آخر فالأول كقوله تعالى: فتحرير رقبة وقيدها بالإيمان في مكان آخر فهذا إذا حمل المطلق على المقيد فيه لم يكن متضمنا لمخالفة أحدهما بل هو عمل بهما وتوفيه بمقتضاهما ولو عمل بالمطلق دون المقيد لخالف ولا بد أما الثاني فكما إذا كان الإطلاق في العام كقوله: quot; في كل أربعين شاة وشاة quot; فإذا قيل في الغنم السائمة في كل أربعين(3\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "744",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6959",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شاة شاة فليس هذا من باب حمل المطلق على المقيد فإن اللفظ العام متناول لجميع أفراده فحمله على التخصيص إخراج لبعض مدلوله والفرق بين إخراج بعض مدلول اللفظ وبين تقييد سلب عنه اللفظ الأول رافع لموجب الخطاب والثاني رافع لموجب الاستصحاب وإنما يرجع هذا إلى أصل آخر وهو تخصيص العموم بالمفهوم فتأمله. فائدة: وعلى هذا فلا ينبغي أن يقال يحمل المطلق على المقيد مطلقا بل يفرق بين الأمر والنهي فإن المطلق إذا كان في الأمر لم يكن عاما فحمله على المقيد لا يكون مخالفة لظاهره ولا تخصيصا وإذا كان الإطلاق في النهي فإنه يعم ضرورة عموم النكرة في سياق النهي وإذا حمل عليه مقيد آخر كان تخصيصا ومثاله قوله صلى الله عليه وسلم: quot;لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينهquot; فهذا عام في الإمساك وقت البول ووقت الجماع وغيرهما وقال: quot;لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبولquot; فهذا مقيد بحالة البول فحمل الأول عليه تخصيص محض. فائدة: حمل المطلق على المقيد مشروط بأن لا يقيد بقيدين متنافيين فإن قيد بقيدين متنافيين امتنع الحمل وبقى على إطلاقه سبع مرات وعلم أن القيدين تمثيل لا تقييد مثاله قوله صلى الله عليه وسلم في ولوغ الكلب: quot;فليغسله سبع مرات إحداهن بالترابquot; مطلق(3\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "745",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6960",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي لفظ quot;أولاهن quot; وهذا مقيد بالأول وفي لفظ: quot; أخراهن quot; وهذا مقيد بالآخرة فلا يحمل على أحدهما بل يبقى على إطلاقه. فائدة: إنما يحمل المطلق على المقيد إذا لم يستلزم حمله تأخير البيان عن وقت الحاجة فإن استلزمه على إطلاقه وله مثالان: أحدهما: قوله صلى الله عليه وسلم بعرفات: quot;من لم يجد نعلين فليلبس خفين quot; ولم يشترط قطعا وقال بالمدينة على المنبر لمن سأله ما يلبس المحرم quot;من لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من كعبيه quot; فهذا مقيد ولا يحمل عليه ذلك المطلق لأن الحاضرين معه بعرفات من أهل اليمن ومكة والبوادي لم يشهدوا خطبته بالمدينة فلو كان القطع شرطا لبينه لهم لعدم علمهم به ولا يمكن اكتفاؤهم بما تقدم من خطبته بالمدينة ومن هنا قال أحمد ومن تابعه: quot;إن القطع منسوخ بإطلاقه بعرفات اللبس ولم يأمر بقطع في أعظم أوقات الحاجةquot; المثال الثاني: قوله لمن سألته عن دم الحيض: quot; حتيه ثم اغسليه quot; ولم يشترط عددا مع أنه وقت حاجة فلو كان العدد شرطا لبينه لها ولم يحملها على غسل ولوغ الكلب فإنها ربما لم تسمعه ولعله لم يكن شرع الأمر بغسل ولوغه. فائدة: نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه ونهي عن بيع ما لم يقبض في حديث حكيم بن حزام وزيد بن ثابت فقال أصحاب مالك: quot;النهي مخصوص(3\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "746",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6961",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالطعام دون غيرهquot; فمنهم من قال هو من باب حمل المطلق على المقيد وهو فاسد كما تقدم فإنه عام وخاص ولفظه: quot;إذا اشتريت شيئا فلا تبعه حتى تقبضهquot; ومنهم من قال خاص وعام تعارضا فقدم الخاص على العام وهو أفسد من الأول إذ لا تعارض بين ذكر الشيء بحكم وذكر بعضه به بعينه ومنهم من قال هو من باب تخصيص العموم بالمفهوم وهذا المأخذ أقرب لكنه ضعيف هنا لأن الطعام هنا وإن كان مشتقا فاللقبية أغلب عليه حيث لم يلج معنى يقتضي اختصاص النهي به دون الشراب واللباس والأمتعة فالصواب التعميم. فائدة: قوله صلى الله عليه وسلم: quot;جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا quot; وفي لفظ quot;وترابها طهور quot; فقيل تخصيص الطهور بالتراب حملا للمطلق على المقيد وهو ضعيف لأنه من باب الخاص والعام. وقيل هو من باب التخصيص بالمفهوم واعترض عليه بثلاثة أمور: أحدها: أن دلالة العموم أقوى لأنها لفظية متفق عليها. الثاني: أنه مفهوم لقب وهو أضعف المفهومات. الثالث: أن التخصيص بالتربة خرج لكونه غالب أجزاء الأرض والتخصيص إذا كان له سبب لم يعتبر بمفهومه. وأجيب بأن ذكر التربة الخاصة بعد ذكر لفظ الأرض عاما في مقام بيان ما اختص به وامتن الله عليه وعلى الأمة به دليل ظاهر على اختصاص الحكم باللفظ الخاص فإن عدوله عن عطفه على اللفظ العام إلى اسم خاص بعده يتضمن زيادة اللفظ والتفريق بين الحكمين وأن الطهور متعلق بالتربة وكونها مسجدا متعلق بمسمى الأرض يفهم تقييد كل حكم بما نسب إليه وتخصيصه بما جعل خبرا عنه وهذا واضح.(3\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "747",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6962",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: استشكل جمهور الفقهاء مذهب مالك فيمن قال لنسائه: quot;إحداكن طالقquot; فإن الجميع يحرمن عليه بالطلاق وقالوا هذا إلزام بالطلاق لمن لم يطلقها وهو باطل قالوا ويلزم من هذا خلاف الإجماع ولا بد لأن الله تعالى أوجب إحدى خصال الكفارة فأضافه الحكم لأحد الأمور إن اقتضى التعميم وجب أن يوجبوا جميع الخصال وهو خلاف الإجماع وإن لم يقتض العموم وجب أن لا يقتضيه في قوله إحداكن طالق لأنه لو عم لعم بغير مقتض وهو باطل بالإجماع ولكن لقوله رضي الله عنه غور وهو الفرق بين إيجاب القدر المشترك وتحريم القدر المشترك فالإيجاب في الكفارة إيجاب لقدر مشترك وهو مسمى احد الخصال وذلك لا يقتضي العموم كما إذا أوجب عتق رقبة وهي مشتركة بين الرقاب لم يعم سائرها وأما تحرير القدر المشترك فيلزم منه العموم لأن التحريم من باب النهي وإذا نهي عن القدر المشترك كان نهيا عن كل فرد من أفراده بطريق العموم وإذا ثبت هذا فالطلاق تحريم لأنه رافع لحل النكاح فإذا وقع في القدر المشترك وهو إحدى نسائه عم جميعهن كما لو قال: quot;والله لا قربت إحداكن شهراquot; وأما أصحاب أحمد فإنهم قالوا إذا قال: quot;عبدي حر وامرأتي طالقquot; عتق عليه جميع عبيده وطلق جميع نسائه ولكن ليس بناء منهم على هذا المأخذ بل لأن عندهم المفرد المضاف يعم كالجمع المضاف وأما أصحاب أبي حنيفة والشافعي فلم يقولوا بالعموم في واحدة من الصورتين وقال أصحاب مالك: quot;إذا قال لعبيده: (أحدكم حر) كان له أن يختار من شاء منهم فيعينه للعتق ولا يعتق الجميعquot; قالوا: quot;لأن العتق قربة وطاعة لا تحريم فهو إيجاب للقدر المشترك وإن لزم منه التحريم ولهذا ولو قال: (لله على أن أعتق أحدكم) لزمه عتق(3\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "748",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6963",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحد دون الجميعquot; فيقال لا فرق بين الطلاق والعتق في ذلك وقول الجمهور أصح وقولكم إن الطلاق تحريم ليس كذلك بل هو كاسمه إطلاق وإرسال للمرأة ويلزم منه التحريم كما أن العتق إرسال للأمة ويلزم منه التحريم فهما سواء ويدل عليه أنه إن قال: (إن كلمت زيدا فلله علي أن أطلق واحدة منكن أو إحداكن) لم يلزمه طلاق جميعهن عند من يعين عليه الوفاء عينا دون الكفارة ومعلوم قطعا أن القائل لنسائه (إحداكن طالق) غير مطلق لبقيتهن لا بلفظه ولا بقصده فكيف يطلقن جميعا فلو طلقن بغير مقتض لطلاقهن ويدل على أن الطلاق ليس بتحريم أن الله تعالى أباحه ولم يبح قط تحريم الحلال والتحريم ليس إلى العبد إنما إليه الأسباب والتحليل والتحريم يتبعها فهو كالعتق سواء وقد قال تعالى: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ثم فرض تحلة اليمين في تحريم الحلال وقد طلق صلى الله عليه وسلم حفصة ولم يكن ذلك تحريما لها ولو كان الطلاق تحريما لشرعت فيه الكفارة كما شرعت في تحريم الحلال وكما شرعت في الظهار الذي هو تحريم فإن قيل فما تقولون إذا قال لنسائه: (إحداكن علي حرام) فإن هذا تحريم للمشترك فينبغي أن يعم قيل هذا السؤال غير مسموع منكم فإن التحريم عندكم طلاق فهو كقوله: (إحداكن طالق) وأما من يجعله تحريما تزيله الكفارة كالظهار كقول أحمد ومن وافقه فعندهم لا يعم لأنه مطلق في إثبات فهو كقوله: (حرمت واحدة منكن) بخلاف ما إذا أراد المطلق في نفي كقوله (والله لا قربت واحدة منكن) أو في نهي كقوله: (لا تقرب واحدة منهن) فإنه يعم. فائدة: ارتفاع الواقع شرعا محال أي ارتفاعه في الزمن الماضي وأما تقدير ارتفاعه(3\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "749",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6964",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مع وجوده ممكن وله أمثله: أحدهما: أن من يقول الفسخ رفع للعقد من أصله فيستتبع الولد والثمرة والكسب نقول بقدر ارتفاعه من أصله واقعا لا أنا نقول برفعه من أصله. الثاني: إذا قال لامرأته إن قدم زيد آخر الشهر فأنت طالق أوله وقلنا تطلق أول الشهر بقدومه آخره فإنا نقدر ارتفاع تلك الإباحة قبل قدومه لا أنا نرفعها ونجعل الوطء حراما بل نقدر أن تلك الإباحة في حكم العدم تنزيلا للموجود بمنزلة المعدوم. الثالث: أنا ننزل المجهول كالمعدوم في باب اللقطة فننقل الملك بعد الحول إلى الملتقط مع بقاء المالك تنزيلا له بمنزلة المعدوم. الرابع: أنا في المفقود نزلنا الزوج الذي فقد منزلة المعدوم فأبحنا لامرأته أن تعتد وتتزوج كما قضى فيه الصحابة. الخامس: إن من مات ولا يعرف له قرابة كان ماله لبيت المال تنزيلا للمجهول منزلة المعدوم ولا نقول نوقفه حتى يتبين له قرابة وكذلك لو علمنا له وارثا واحدا وشككنا في غيره دفعنا إلى المعلوم ميراثه ولم نوقفه إلا إن تيقن أنه كان له وارث وشككنا في عدمه فإنه ينبني على تقدير وجوده لأنه الأصل. وعكس هذا تنزيل المعدوم منزلة الموجود تقديرا لا تحقيقا وله أمثله: أحدها: أن المقتول خطأ تورث عنه ديته المستحقة بعد موته تنزيلا لحياته المعدومة وقت ثبوت الدية منزلة الحياة الموجودة ليثبت له الملك ثانيها: لو أعتق عبده عن غيره فإنا نقدر الملك المعدوم للمعتق عنه بمنزلة الموجود الثابت له ليقع العتق عنه ثالثها: الأجزاء التي لم تخلق بعد في بيع الثمار بعد بدو صلاحها فإنها تنزل بمنزلة الموجود حتى يكون موردا للعقد رابعه ا: المنافع المعدومة في الإجازة فإنها تنزل منزلة الموجود ونظائر القاعدتين كثيرة. فائدة: القياس وأصول الشرع يقتضي أنه لا يصح رفض شيء من الأعمال بعد(3\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "750",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6965",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفراغ منه وأن نية رفضه وإبطاله لا تؤثر شيئا فإن الشارع لم يجعل ذلك إليه ولو صح ذلك لتمكن المكلف من إسقاط جميع أعماله الحسنة والقبيحة في الزمن الماضي فيقصد إبطال ما مضي من حجة وجهاده وهجرته وزكاته وسائر أعماله الحسنة والقبيحة فيقصد إبطال زناه وسرقته وشربه وقتله ورباه وأكله أموال اليتامى وغير ذلك فما بال الوضوء والصلاة والصوم والحج دون سائر الأعمال خرج فيها الخلاف فالمشهور في مذهب مالك صحة الرفض في الصلاة والصوم وفي الحج والطهارة خلاف وفي الطهارة خاصة وجهان لأصحابنا وليس في هذه المسائل نص ولا إجماع ولا فرق صحيح بينها وبين سائر الأعمال بل المعلوم من قاعدة الشرع أن إبطال ما وقع من الأعمال إنما يكون بأسباب نصيبه الله تعالى مبطلات لتلك الأعمال كالردة المبطلة للإيمان والحدث المبطل للوضوء والإسلام المبطل للكفر والتوبة المبطلة لآثار الذنوب وقريب منه المن والأذى المبطل للصدقة وفي الرياء اللاحق بعد العمل خلاف فهذه الأسباب جعلها الشارع مبطلات لآثار الأعمال وأما الرفض فلا دليل في الشرع يدل على أنه مبطل ولا يمكن طرده وليس له أصل يقاس عليه بل قد يقترن بالعمل أمور تمنع صحته وترتب أثره عليه كالرياء والسمعة وغيرهما وليس هذا إبطالا لما صح وإنما هو مانع من الصحة. فائدة: الأسباب الفعلية أقوى من الأسباب القولية ولهذا تصح الفعلية من المحجور عليه دون القولية فلو استولد ثبت استيلاده ولو عتق كان لغوا ولو تملك مالا بالشراء كان لغوا ولو تملكه باصطياد أو احتطاب ونحوه ملكه وكذلك لو أحياه(3\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "751",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6966",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ملكه بالإحياء ثم قيل الفرق بينهما احتياجه إلى الفعل دون القول فإنا لو منعناه من وطئه أمته أضررنا بها ولا حاجة به إلى عتقها وهذا غير طائل فإنه قد يحتاج إلى القول أيضا كالشراء والنكاح والإقرار ولكن الفرق أن أقواله يمكن إلغاؤها فإنها مجرد كلام لا يترتب عليه شيء وأما الأفعال فإذا وقعت لا يمكن إلغاؤها فلا يمكن أن يقال إنه لم يسرق ولم يقتل ولم يستولد ولم يتلف وقد وجدت منه هذه الأفعال فجرى مجرى المكره في إلغاء أقواله ومجرى المأذون له في صحة أفعاله والله اعلم. فائدة: الحائض إذا انقطع دمها فهي كالجنب فيما يجب عليها ويحرم فيصح صومها وغسلها وتجب عليها الصلاة ولها أن تتوضأ وتجلس في المسجد ويجوز طلاقها على أحد القولين إلا في مسألة واحدة فإنها تخالف الجنب فيها وهي جواز وطئها فإنه يتوقف على الاغتسال والفرق بينها وبين الجنب في ذلك أن حدث الحيض أوجب تحريم الوطء وحدثه لا يزول إلا بالغسل بخلاف حدث الجنابة فإنه لا يوجب تحريم الوطء ولا يمكن ذلك فيه البتة. واستثنى بعض الفقهاء مسألة أخرى وهي نقض الشعر للغسل فإنه يجب على الحائض في أحد القولين دون الجنب ولا حاجة إلى هذا الاستثناء فتأمله.(3\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "752",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6967",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قاعدة: في المسائل التي يتعلق بها الاحتياط الواجب وترك ما لا بأس به حذرا مما به البأس ومدارها على ثلاثة قواعد: - قاعدة في اختلاط المباح بالمحظور حسا. - وقاعدة في اشتباه أحدهما بالآخر والتباسه به على المكلف. - وقاعدة في الشك في العين الواحدة هل هي قسم من المباح أم قسم من المحظور فهذه القواعد الثلاث هي معاقد هذا الباب. فأما القاعدة الأولى وهي اختلاط المباح بالمحظور حسا فهي قسمان: أحدهما: أن يكون المحظور محرما لعينه كالدم والبول والخمر والميتة. والثاني: أن يكون محرما لكسبه لأنه حرام في عينه كالدرهم المغصوب مثلا فهذا القسم الثاني لا يوجب اجتناب الحلال ولا تحريمه البتة بل إذا خالط ماله درهم حرام أو أكثر منه أخرج مقدار الحرام وحل له الباقي بلا كراهة سواء كان المخرج عين الحرام أو نظيره لأن التحريم لم يتعلق بذات الدرهم وجوهره وإنما تعلق بجهة الكسب فيه فإذا خرج نظيره من كل وجه لم يبق لتحريم ما عداه معنى هذا هو الصحيح في هذا النوع ولا تقوم مصالح الخلق إلا به. وأما القسم الأول: وهو الحرام لعينه كالدم والخمر ونحوهما فهذا إذا خالط حلالا وظهر أثره فيه حرم تناول الحلال ولا نقول أنه صير الحلال حراما فإن الحلال لا ينقلب حراما البتة ما دام وصفه باقيا وإنما حرم تناوله لأنه ما تعذر الوصول إليه إلا بتناول الحرام فلم يجز تناوله وهذه العلة بعينها منصوصة للإمام أحمد وقد سئل بأي شيء يحرم الماء إذا ظهرت فيه النجاسة فأجاب بهذا وقال: quot;حرم الله تعالى الميتة والدم ولحم الخنزير فإذا خالطت هذه الماء فمتناوله كأنه قد تناول هذه الأشياءquot; هذا معنى كلامه. هذا إذا ظهر أثر المخالط فلو استهلك ولم يظهر أثره فهنا معترك(3\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "753",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6968",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النزال وتلاطم أمواج الأقوال وهي مسألة الماء والمائع إذا خالطته النجاسة فاستهلكت ولم يظهر لها فيه أثر البتة والمذاهب فيها لا تزيد على اثني عشر مذهبا نذكرها في غير هذا الموضع إن شاء الله أصحها مذهب الطهارة مطلقا مائعا كان ما خالطته أو جامدا ماء أو غيره قليلا أو كثيرا لبراهين كثيرة قطعية أو تكاد تذكر هناك إن شاء الله وعلى هذا فإذا وقعت قطرة من لبن في ماء فاستهلكت وشربه الرضيع لم تنتشر الحرمة ولو كانت قطرة خمر فاستهلكت في الماء البتة لم يحد بشربه ولو كانت قطرة بول لم يغير ويشربه وهذا لأن الحقيقة لما استهلكت امتنع ثبوت الاسم الخاص بها فنفى الاسم والحقيقة للغالب فيتعين ثبوت أحكامه لأن الأحكام تتبع الحقائق والاسماء وهذا أحد البراهين في المسألة. فصل: وأما القاعدة الثانية: وهي اشتباه المباح بالمحظور إن كان له بدل لا اشتباه فيه أنتقل إليه وتركه وإن لم يكن له بدل ودعت الضرورة إليه اجتهد في المباح واتقى الله ما استطاع فإذا اشتبه الماء الطاهر بالنجس أنتقل إلى بدله وهو التيمم ولو اشتبها عليه في الشرب اجتهد في أحدهما وشربه وكذلك لو اشتبهت ميتة بمذكاة أنتقل إلى غيرهما ولم يتحر فيهما فإن تعذر عليه الانتقال ودعته الحاجة اجتهد ولو اشتبهت أخته بأجنبية أنتقل إلى نساء لم يشتبه فيهن فإن كان بلدا كبيرا تحرى ونكح ولو اشتبه ثوب طاهر بنجس أنتقل إلى غيرهما فإن لم يجد فقيل يصلي في كل ثوب صلاة ليؤدي الفرض في ثوب متيقن الطهارة وقيل بل يجتهد في أحد الثوبين ويصلي وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية قال: quot;لأن اجتناب النجاسة من باب الترك ولهذا لا تشترط له النيةquot; ولو صلى في ثوب لا يعلم نجاسته ثم علمها بعد الصلاة لم يعد فإن اجتهد فقد صلى في ثوب يغلب على ظن(3\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "754",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6969",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طهارته وهذا هو الواجب عليه لا غير. قلت: وهذا كما لو اشترى ثوبا لا يعلم حاله جاز له أن يصلي فيه اعتمادا على غلبة ظنه وإن كان نجسا في نفس الأمر فكذلك إذا أداه اجتهاده إلى طهارة أحد الثوبين وغلب على ظنه جاز أن يصلي فيه وإن كان نجسا في نفس الأمر فالمؤثر في بطلان العلم بنجاسة الثوب لا نجاسته المجهولة بدليل ما لو جهلها في الصلاة ثم علمها بعد الصلاة لم يعد الصلاة فهذا القول ظاهر جدا وهو قياس المذهب وقيل يراعى في ذلك جانب المشقة فإذا كثرت الثياب اجتهد في أحدها وإن قلت صلى بعدد الثياب النجسة وزاد صلاة وهو اختيار ابن عقيل المني أو المذي ومن هذا الباب ما لو استيقظ فرأى في ثوبه بللا واشتبه عليه أمني هو أم مذي ففي هذه المسألة قولان في كل مذهب من المذاهب الأربعة إلا أن أصحاب الإمام أحمد رضي الله عنه قالوا إن سبق منه سبب يمكن إحالة كونه مذيا عليه مثل القبلة والملاعبة والفكر مع الانتشار فهو مذي إذ الظاهر أن الذكر بعد ذلك إنما انكسر به فهو المتيقن وما زاد عليه فمشكوك فيه فلا يجب عليه غسل بالشك وإن لم يتقدم منه شيء من ذلك فهو مني في الحكم إذ هو الغالب على النائم ولم يتقدم سبب يعأرضه والنوم في مظنة الاحتلام وقد قام شاهد المظنة ظاهر القياس بموجب شهادته وقوة هذا المسلك مما لا يخفي على منصف اشتباه جهة القبلة. ومن هذا الباب إذا اشتبهت عليه جهة القبلة ففيها ثلاثة أقوال: أحدها: يجتهد ويصلي صلاة واحدة هذا أصح الأقوال في المذاهب الأربعة وهو المشهور. الثاني: أنه يصلي أربع صلوات إلى أربع جهات ليؤدي مسيتقنا كما قالوا في الثياب النجسة وكما قالوا فيمن فاتته صلاة من يوم لا يعلم عينها صلى خمس صلوات. والقول الثالث: أنه قد سقط عنه فرض الاستقبال في هذه الحال فيصلي حيث شاء وهذا مذهب أبي محمد بن حزم واحتج بأن الله إنما فرض الاستقبال على العالم بجهة الكعبة القادر على التوجه إليها فأما العاجز عنها فلم يفرض الله عليه التوجه إليها قط فلا يجوز أن يلزم بما لا يلزمه الله ورسوله به وإذا لم يكن التوجه واجبا(3\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "755",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6970",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه لأن وجوبه مشروط بالقدرة صلى إلى أي جهة شاء كالمسافر المتطوع والزمن الذي لا يمكنه التوجه إلى جهة القبلة. قلت: وهذا القول أرجج وأصح من القول بوجوب أربع صلوات عليه فإنه إيجاب ما لم يوجبه الله ورسوله ولا نظير له في إيجابات الشارع البتة ولم يعرف في الشريعة موضع واحد أوجب الله على العبد فيه أن يوقع الصلاة ثم يعيدها مرة أخرى إلا لتفريط في فعلها أولا كتارك الطمأنينة والمصلى بلا وضوء ونحوه وأما أن يأمره بصلاة فيصليها بأمره ثم يأمره بإعادتها بعينها فهذا لم يقع قط وأصول الشريعة ترده. وقياس هذه المسألة على مسألة الثياب وناسي صلاة من يوم قياس لمختلف فيه على مثله ولعل الكلام إلا في تينك المسألتين أيضا فلو أن حكمهما ثبت بكتاب أو سنة أو إجماع لكان في قياس عليها ما فيه بل لم يكن صحيحا لأن جهة الفرق إما مساوية لجهة الجمع أو أظهر وعلى التقديرين فالقياس منتف بقي النظر في ترجيح أحد قولي الاجتهاد والتخيير في مسألة القبلة على الآخر فمن نصر التخيير احتج بما في الترمذي وسنن ابن ماجة عن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: quot;كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجل على حياله فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزل فأينما تولوا فثم وجه الله quot; قال الترمذي: quot;هذا حديث حسن إلا أنه من حديث أشعث السمان وفيه ضعفquot; وروى الدارقطني من حديث عطاء عن جابر قال: quot; كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسير فأصابنا غيم فتحيرنا فاختلفنا في القبلة فصلى كل رجل منا على حدة وجعل أحدنا يخط بين يديه لنعلم أمكنتنا فذكرنا ذلك للنبي فلم يأمرنا بالإعادة فقال: quot;قد أجزأتكم صلاتكمquot; قال الدارقطني: quot;رواه محمد ابن سالم عن عطاء قال: quot;ويروى أيضا عن محمد بن عبد الله العرزمي عن عطاء وكلاهما ضعيفquot;. وقال العقيلي: quot;لا يروى متن هذا الحديث من وجه يثبت. واحتجوا أيضا بما تقدم حكايته أن الله لم يأمر بالاستقبال إلا من كان عالما به وقادرا عليه وأما العاجز الجاهل فساقط عنه فرض(3\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "756",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6971",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاستقبال فلا يكلف به ومن نصر الاجتهاد احتج بأن الله تعالى أوجب على العبد أن يتقيه ما استطاع وهذا مقتضي وجوب الاجتهاد عليه في تقوى ربه تعالى والتقوى هي فعل ما أمر وترك ما نهي قالوا وأيضا فإنه من المعلوم أنه إذا قام إلى الصلاة لم يجز له أن يستقبل أي جهة شاء ابتداء بل ينظر إلى مطالع الكواكب ومساقطها وسمت جهة القبلة حتى إذا علم جهتها استقبلها وهذا نوع اجتهاد وأدلة الجهة متفاوتة الخفاء والظهور فيجب على كل أحد فعل مقدوره من ذلك فإن لم يصبها قطعا أصابها ظنا وهو الذي يقدر عليه فمتى ترك مقدوره لم يكن قد اتقى الله تعالى بحسب استطاعته. وقولكم إن الله إنما أوجب الاستقبال على القادر عليه العالم به قلنا الله سبحانه وتعالى أوجب على كل عبد ما تؤديه إليه استطاعته من طاعته فإذا عجز عن هذا اليقين وأدلة الجهة سقط عنه ولكن من أين يسقط عنه بذل وسعه ومقدوره اللائق به. فصل: ومن هذا الباب لو طلق إحدى امرأتيه بعينها ثم اشتبهت عليه بالآخرى فقيل يجب عليه اعتزالها ويوقف الأمر حتى يتبين الحال وعليه نفقتهما وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين وهي اختيار صاحب المغنى. وقيل يقرع بينهما كما لو أبهم الطلاق في واحدة لا بعينها وهذا هو المشهور في المذهب وهذا اختيار عامة أصحاب أحمد ونص عليه الخرقي في المختصر فقال: quot;ولو طلق واحدة من نسائه ونسيها أخرجت بالقرعةquot; قال المانعون من القرعة في هذه الصورة اشتبهت عليه زوجته بأجنبية فلا تحل له إحداهما بالقرعة كما لو اشتبهت أخته بأجنبية لم يكن له أن يعقد على إحداهما بالقرعة. قالوا: ولأن القرعة لا تزيل التحريم من المطلقة ولا ترفع الطلاق عمن وقع عليه ولا تزيل احتمال كون المطلقة(3\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "757",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6972",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غير من وقعت عليها القرعة بدليل أن التحريم لو ارتفع بالقرعة لما عاد إذا ذكرها فلما عاد التحريم بالذكر دل على أن القرعة لم ترفع تحريم المطلقة. قالوا: وأيضا القرعة لا يؤمن وقوعها على غير المطلقة وعدولها عن المطلقة وذلك يتضمن مفسدتين تحريم المحللة له بلا سبب وتحليل المحرمة عليه مع جواز كونها المطلقة. قالوا: وأيضا فلو حلف لا يأكل تمرة بعينها ثم وقعت في تمر فإنها لا تخرج بالقرعة ولو حلف لا يكلم إنسانا بعينه ثم اختلط في آخرين لم يخرج بالقرعة إلى أمثال ذلك من الصور فهكذا قالوا وأيضا فلا نعلم سلفا باستعمال القرعة في مثل هذه الصورة قالوا وأيضا لو حلف لا يأكل تمرة فوقعت في تمر فأكل منه واحدة فقد قال الخرقي: quot;لا تحل له امرأته حتى يعلم أنها ليست التي وقعت اليمين عليها فحرمها مع أن الأصل بقاء النكاح ولم يعأرضه يقين التحريم فهاهنا أولىquot; قالوا وأيضا فقد قال الخرقي فيمن طلق امرأته ولم يدر أواحدة طلق أو ثلاثا: quot;اعتزلها وعليه نفقتها ما دامت في العدة فإن راجعها في العدة لم يطأها حتى يتيقن كم الطلاق فلم يبح له وطؤها لاحتمال كون الطلاق ثلاثا والأصل عدمه واحتمال كون غير من خرجت عليها القرعة هي المطلقة كاحتمال كون هذه مطلقة ثلاثا بل هو هناك أقوى فإن في صورة الشك في عدد الطلاق لم يتيقن تحريما يرفع النكاح والأصل بقاء الحل وفي المنسية قد تيقنا ارتفاع النكاح جملة عن إحداهما وأنها أجنبية وحصل الشك في تعيينها. قالوا ولا يصح قياس هذه الصورة على ما إذا طلق واحدة مبهمة فقال: واحدة منكن طالق جاز له أن يعينها بالقرعة لان الطلاق ههنا لم يثبت لواحدة بعينها فإذا عينتها القرعة تعينت لان الشارع جعل القرعة صالحة للتعيين منشئة له وفي مسألتنا المطلقة معينة في نفسها لا محالة والقرعة لا ترفع الطلاق عنها ولا توقعه على غيرها كما تقدم. وسر المسألة أن القرعة إنما تعمل في إنشاء التعيين الذي لم يكن لا في إظهار تعيين كائن قد نسي فهذا ما احتج به من نصر هذا القول وأما من نصر القول بالقرعة فقالوا الشارع جعل القرعة معينة في كل موضع تتساوى فيه الحقوق ولا يمكن التعيين إلا(3\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "758",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6973",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بها إذ لولاها لزم أحد باطلين إما الترجيح بمجرد الاختيار والشهوة وهو باطل في تصرفات الشارع وإما التعطيل ووقف الأعيان وفي ذلك تعطيل الحقوق وتضرر المكلفين بما لا تأتي به الشريعة الكاملة بل ولا السياسة العادلة فإن الضرر الذي في تعطيل الحقوق أعظم من الضرر المقدر في القرعة بكثير ومحال أن تجيء الشريعة بالتزام أعظم الضرر لدفع أدناهما. وإذا عرف هذا فالحق إذا كان لواحد غير معين فإن القرعة تعينه فيسعد الله بها من يشاء ويكون تعيين القرعة له هو غاية ما يقدر عليه المكلف فالتعيين بها تعيين لتعلق حكم لما عينته فهي دليل من أدلة الشرع واجب العمل به وإن كان نفس الأمر بخلافه كالبينة والإقرار والنكول فإنها أدلة منصوبة من الشارع لفصل النزاع وإن كانت غير مطابقة لمتعلقها في بعض الصور فلهذا نصب الشارع القرعة معينة للمستحق قاطعة للنزاع وإن تعلقت بغير صاحب الحق في نفس الأمر فإن جماعة المستحقين إذا استووا في سبب الاستحقاق لم تكن القرعة ناقله لحق أحدهم ولا مبطلة له بل لما لم يمكن تعميمهم كلهم ولا حرمانهم كلهم وليس أحدهم أولى بالتعيين من الآخرين جعلت القرعة فاصلة بينهم معينة لأحدهم فكأن المقرع يقول: اللهم قد ضاق الحق عن الجميع وهم عبيدك فخص بها من تشاء منهم به ثم تلقى فيسعد الله بها من يشاء ويحكم بها على من يشاء وهذا سر القرعة في الشرع وبهذا علم بطلان قول من شبهها بالقمار الذي هو ظلم وجور وكيف يلحق غاية الممكن من العدل والمصلحة بالظلم والجور هذا من أفسد القياس وأظهره بطلانا وهو كقياس البيع على الربا فإن الشريعة فرقت بين القرعة والقمار كما فرقت بين الربا والبيع فأحل الله البيع وحرم الربا وأحل الشارع القرعة وحرم القمار وقد قال تعالى وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون وقال تعالى -إخبارا عن ذي النور-: فساهم فكان من المدحضين . وقد احتج الأئمة بشرع من قبلنا جاء ذلك منصوصا عنهم في مواضع وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم quot;أنه كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن(3\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "759",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6974",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خرج سهمها خرج بها معهquot; وثبت عنه في الصحيح أيضا quot; أن رجلا أعتق ستة مملوكين لا مال له سواهم فجزأهم النبي صلى الله عليه وسلم أجزاء وضرب عليهم بسهمي رق وسهم حربة فأعتق اثنين وأرق أربعة quot;. وكل ما ذكروه في الطلاق فهو منتقض عليهم بهذه الصورة بل القرعة في الطلاق أولى لأن القرعة ههنا إنما هي لجمع الحرية في بعضهم وقد كان في الممكن أن يعتق من كل واحد سدسه وليستسعى في بقية نفسه كما يقول أبو حنيفة أو يترك رقيقا ومع هذا فاقرع بينهم لجمع الحرية في اثنين منهم وعين بها عبدين من الستة مع تشوفه إلى العتق وحكمه به في السراية في ملكه وملك شريكه فما الظن بالطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى الله ورسوله ولأنا لو لم نستعمل القرعة في المنسية لزم احد محذورين: إما إيقاع الطلاق على الأربع إذ أنسيت بينهن وهذا باطل لأنه يتضمن تحريم من لم يطلقها ولا حرمها الله عليه وأما أن يعطل أنتفاعه بهن ويتركهن معلقات أبدا إلى الممات ومع هذا نوجب عليه نفقتهن وكسوتهن وإسكانهن ونقول لا يحل لك قربان واحدة منهن وعليك القيام بجميع حقوقهن فهذا لو جاء به الشارع لقوبل بالسمع والطاعة ولكن حكمة شرعه ورحمته تأبياه ولا شاهد له يرد إليه ويعتبر به وأما القول بالقرعة فقد ذكرنا من أصول شرعه ما يدل عليه وأنه أولى الأقوال في المسألة. وقد روى البخاري في صحيحه quot; أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض على قوم اليمين فأسرعوا فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلفquot;. وفي السنن والمسند عن أبي هريرة quot;أن رجلين تداعيا في دابة ليس لواحد منهما بينة فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستهما على اليمين أحبا أو كرهاquot;. وفي المسند والسنن أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;إذا كره الاثنان اليمين أو استحباها فليستهما عليها quot;. وفي السنن عن أم سلمة أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواريث بينهما قد درست ليس بينهما بينه فقال: quot; إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له(3\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "760",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6975",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قطعة من النار يأتي بها أسطاما في عنقه يوم القيامة quot; فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقي لأخي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;إذا قلتما فاذهبا فاقتسما ثم توخيا الحق ثم استهما عليه ثم ليتحلل كل منكما صاحبهquot;. وأقرع سعد يوم القادسية بين المؤذنين فهذه قرعة في الحضانة وفي تخفيف السفينة وفي السفر بالزوجة والبداءة بها في القسم وفي الحلف على الحق وفي تعيين الحق المتنازع فيه وفي الأذان وفي العتق وجمع الحرية وتكميلها في رقبة كاملة. وصح عن علي رضي الله عنه quot;أنه سئل عن رجل له أربع نسوة طلق إحداهن ونكح ثم مات لا يدري الشهود أيتهن طلق فقال: أقرع بين الأربع وأنذر منهن واحدة وأقسم بينهن الميراثquot; فهذه قرعة يدري الشهود فهذه قرعة إما في الطلاق وإما في الاستحقاق للمال وأيا ما كان فالموانع التي ذكروها في الطلاق بعينها قائمة في استحقاق المال سواء بسواء فأي فرق بين تحريم مال أحله الله تعالى وبين تحريم فرج أحله الله فإن كانت القرعة تتضمن أحد الفسادين فهي متضمنة للآخر قطعا وإن لم تتضمن الآخر لم تتضمن ذلك وقولكم المال فهي أسهل لا ينفعكم في دفع هذا الإلزام والله أعلم. قالوا: ونحن نجيب عن كلماتكم: أما قولكم اشتبهت عليه زوجته بأجنبية فلم يحل المشتبه بالقرعة كما لو اشتبهت قبل العقد أخته بأجنبية فجوابه: أن الأصل قبل العقد التحريم وقد شككنا في دفعة والأصل بقاؤه فمنعنا ثم أصل مستصحب لا يجوز تركه إلا بسبب يزيله ولا كذلك في مسألتنا إذ ثبت الحل قطعا فنحن إذا أخرجنا المطلقة بالقرعة بقيت الأخرى على الحل المستصحب قبل الطلاق وقد شككنا في إصابة الطلاق لها فنتمسك بالأصل حتى يثبت ما يزيله وهذا واضح وقد اتفق على هذا الأصل أعنى استصحاب ما ثبت حتى ثبت رفعه. وأما قولكم القرعة لا تزيل التحريم من المطلقة ولا ترفع الطلاق عمن وقع عليه ولا تزيل احتمال كون المطلقة غير التي وقع عليها القرعة فجوابه أنه منقوض بالعتق وما كان جوابكم عن العتق فهو جوابنا بعينه ومنقوض بالقرعة في الملك المطلق فحق المالك في ملك المال كحقه في ملك(3\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "761",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6976",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البضع والعتق بالقرعة متضمن إرقاق رقبة من ثبت له الحرية وسقوط الحج والجهاد عنه وثبوت أحكام العبيد له على تقدير كونه هو المعتق في نفس الأمر وإن كانت امة يضمن إباحة فرجها لغير مالكها ومع هذا فالقرعة معينة للمعتق فتعينها للمطلقة كذلك أولى. وجواب آخر وهو أن القرعة لم تزل تحريما ثابتا في المطلقة وإنما عينت حكما لم يكن لنا سبيل إلى تعيينه إلا بالقرعة واحتمال كون غير التي خرجت لها القرعة هي المطلقة في نفس الأمر كما لم يكلفنا به الشارع لتعذر الوصول إلى علمه فنزل منزلة المعدوم وهذا كما أن احتمال كون غير الأمة التي خرجت لها القرعة هي الحرة في نفس الأمر ساقطا عنا لتعذر علمنا به فتنزل منزل المعدوم وكذلك كون مالك المال الضائع موجودا في نفس الأمر لا يمتنع من نقله عنه إلى الملتقط بعد حول التعريف لتعذر معرفته فنزل منزلة المعدوم وكذلك حكم الصحابة عمر وغيره في المفقود تتزوج امرأته وإن كان باقيا حيا على وجه الأرض وقد أبيح فرج زوجته لغيره من غير طلاق منه ولا وفاة لتعذر معرفته فنزل في منزلة المعدوم. قولكم لو ارتفع التحريم بالقرعة لما عاد إذا ذكرها قلنا ارتفاع التحريم مشروط باستمرار النيسان وإذا زال النسيان زال شرط الارتفاع والقرعة إنما صرنا إليها للضرورة ولا ضرورة مع التذكر. قولكم القرعة لا يؤمن وقوعها على غير المطلقة وعدولها عن المطلقة وذلك يتضمن مفسدتين إلى آخره. قلنا منقوض بالعتق وبالملك المطلق وأيضا لما كان ذلك مجهولا معجوزا عن علمه نزل منزلة المعدوم ولم يضر كون المستحق في نفس الأمر غير المستحق بالقرعة كما قدمنا من النظائر فلسنا مؤاخذين بما في نفس الأمر ما لم نعلم به وهذه قاعدة من قواعد الشرع وهي أن المؤاخذة وترتب الأحكام على المكلف إنما هي على علمه لا على ما في نفس الأمر إذا لم يعلمه وعليها جل الشريعة في الطهارات والنجاسات والمعاملات والمناكحات والأحكام والشهادات فإن الشاهد إذا عرف أن لزيد قبل عمرو حقا وجب عليه أن يشهد به وإن كان قد برىء إليه(3\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "762",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6977",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منه ويحكم به الحاكم فالشريعة غير منكر فيها ذلك وهل تتم مصالح العباد إلا بذلك. قولكم لو حلف لا يأكل تمرة ولا يكلم إنسانا ثم اختلط المحلوف عليه بغيره لم يخرج بالقرعة فيقال هذه المسألة ليست منصوصا عليها ولا يعلم فيها إجماع البتة فإن كانت مثل مسألتنا سواء فالصواب التسوية بينهما وإن كان بينهما فرق بطل الإلحاق فبطل الإلزام بها على التقديرين نعم غاية ما يفيدكم إلزام الفرق بينهما وإن كان بينهما فرق بطل التقديران بالتناقض وأنه يجب عليه التسوية بينهما في الحكم وهذا ليس بدليل يثبت لكم حكم المسألة إذ منازعكم يقول تناقض في الفرق بين المسألتين ليس بدليل على صحة ما ذهبتم إليه فإن كان التفريق باطلا جاز أن يكون الباطل في عدم القول بالقرعة في مسألة الإلزام ولا يتعين أن يكون الباطل القول بها في المسألة المتنازع فيها فهذا جواب إجمالي كاف فكيف والفرق بينهما في غاية الظهور فإنه إذا حلف لا يأكل تمرة بعينها ثم وقعت في تمر فأكل منه واحدة فإنه لا يحنث حتى يأكل الجميع أو ما يعلم به أنه أكلها وما لم يتيقن أكلها لم يتيقن حنثه فلا حاجة إلى القرعة. وكذلك مسألة كلام رجل بعينه فإن قيل فهل يأمرونه بالإقدام على الأكل مع الاختلاط قيل الورع أن لا يقدم على الأكل فإن أكل لم يحنث حتى يتيقن أكله لها. قولكم لا سلف بالقرعة في هذه الصورة فيقال سبحان الله تعالى وأي سلف معكم يوقف الرجل عن جميع زوجاته وجعلهن معلقات لا مزوجات ولا مطلقات إلى الموت مع وجوب نفقتهن وكسوتهن وسكناهن عليه وينبغي أن يعلم أن القول الذي لا سلف به الذي يجب إنكاره أن المسألة وقعت في زمن السلف فأفتوا فيها بقول أو أكثر من قول فجاء بعض الخلف فأفتى فيها بقول لم يقله فيها احد منهم فهذا هو منكر فأما إذا لم تكن الحادثة قد وقعت بينهم وإنما وقعت بعدهم فإذا أفتى المتأخرون فيها بقول لا يحفظ عن السلف لم يقل أنه لا سلف لكم في المسألة اللهم إلا أن يفتوا في نظيرها سواء بخلاف ما أفتى به المتأخرون فيقال حينئذ أنه لا سلف لكم بهذه الفتوى(3\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "763",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6978",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وليس هذا موضع بسط الكلام في هذا الموضع فإنه يستدعي تحريرا أكثر من هذا. وأما قولكم لو حلف لا يأكل تمرة قد وقعت في تمر فأكل منه واحدة فإن الخرقي يحرم عليه امرأته حتى يعلم أنها ليست التي وقعت عليها اليمين مع أن الأصل بقاء النكاح فهنا أولى. قلت: الخرقي لم يصرح بالتحريم بل أفتى بأنه لا يقرب زوجته حتى يتبين الحال وهذا لا ينهض للتحريم ولفظ الخرقي في مختصره هذا وإذا حلف بالطلاق أن لا يأكل تمرة فوقعت في تمر فإن أكل منه واحدة منع من وطء زوجته حتى يعلم أنها ليست التي وقعت عليها اليمين ولا يتحقق حنثه حتى يأكل التمر كله هذا لفظه وآخر كلامه يدل على أن منعه من وطئها إنما هو على سبيل الورع فإنه لا يحرمها عليه بحنث مشكوك فيه وهذا ظاهر. وأما مسألة من طلق ولم يدر أواحدة طلق أم ثلاثا فالاحتجاج بها في غاية الضعف وكذلك الإلزام بها فإن الخرقي بناها على كون الرجعية محرمة ولهذا صرح في المختصر بذلك في تعليل المسألة فقال: quot;وإذا طلق فلم يدر أواحدة طلق أم ثلاثا اعتزلها وعليه نفقتها ما دامت في العدة فإن راجعها في العدة لم يطأها حتى يتيقن كم الطلاق لأنه متيقن للتحريم شاك في التحليلquot; فالخرقي يقول هذا قد تيقن وقوع الطلاق وشك هل الرجعة رافعة له أم لا وغيره ينازعه في إحدى المقدمتين ويستفصل في الأخرى فيقول: لا نسلم أن الرجعية محرمة فلم يتيقن تحريما البتة وعلى تقدير أن تكون محرمة فالتحريم المتيقن أي تحريم يعنون به تحريما تزيله الرجعة أو تحريما لا تزيله الأول مسلم ولا يفيدكم شيئا والثاني ممنوع وعلى التقديرين فلا حجة لكم في هذه المسألة ولا إلزام فإنها ليست منصوصة ولا متفق عليها ولا ملزمة أيضا فإنه بناها على أصله من كون الرجعية محرمة فقد تيقن تحريمها وشك في رفع هذا التحريم بالرجعة ولا كذلك فيمن خرجت على سواها فإنه لم يتيقن تحريمها وإزالة التحريم بالقرعة فافترقا. وأما قولكم لا يصح قياسها على ما إذا طلق واحدة مبهمة حيث يعينها بالقرعة لأن الطلاق لم يثبت لواحدة بعينها(3\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "764",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6979",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتعيينها بالقرعة بخلاف المنسية. قلت: لا ريب أن بين المسألتين فرقا ولكن الشأن في تأثيره ومنعه من إلحاق إحداهما بالآخرى فإن صح تأثير الفرق بطل هذا الدليل المعين ولا يلزم من بطلان دليل معين بطلان الحكم إلا أن لا يكون لهم دليل سواه ونحن لم نحتج بهذا الدليل أصلا حتى يلزم بطلان ما ذكرناه وإن بطل تأثير الفرق وجب إلحاق إحدى الصورتين بالآخرى ونحن نبين بحمد الله أن هذا الفرق ملغى فنقول: إذا قال لنسائه إحداكن طالق فإما أن ينفذ الطلاق على واحدة منهن عقب إيقاعه أو لا يقع إلا بتعيينه والثاني باطل لأن التعيين ليس بسبب صالح للتطليق فلا يصح أضافه الطلاق إليه فيتعين أن الطلاق استند إلى واحدة في إيقاعه أولا فقد وقع بواحدة منهن ولا بد والأقوال هنا ثلاثة: أحدها: أنه يملك تعيين المطلقة فيمن شاء وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة. القول الثاني: أنه تطلق عليه الجميع وهذا قول مالك ومن وافقه. القول الثالث: أنه يخرج المطلقة بالقرعة وهذا مذهب أحمد وهو قول علي وابن عباس ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة وبه قال الحسن البصري وأبو ثور وغيرهما وهو الصحيح من الأقوال فإن طلاق الأربع مع كون اللفظ غير صالح له والإرادة غير متناوله له مخالفة للأصول وإيقاع الطلاق من غير سببه وقد تقدم الكلام على مأخذ هذا القول وما فيه فلا نعيده وعلى هذا القول فلا قرعة ولا تعيين وإنما الكلام على قولي القرعة والتعيين فنقول: القول بالقرعة أصح وإذا كان القول بها أصح في هذه المسألة فالقول بها في مسألة المنسية أولى فهذان مقامان بهما يتم الكلام في المسألة فأما المقام الأول فيدل عليه أن القرعة قد ثبت لها اعتبار في الشرع كما قدمناه وهي أقرب إلى العدل وأطيب للقلوب وأبعد عن تهمة الغرض والميل بالهوى إذ لولاها لزم أحد الأمرين إما الترجيح بالميل والغرض وإما التوقف وتعطيل الانتفاع وفي كل منهما من الضرر ما لا خفاء به فكانت القرعة من محاسن هذه الشريعة وكمالها وعموم مصالحها. وأما تعيين(3\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "765",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6980",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المطلقة بعد إبهامها وانتظار ما يعينه النصيب والقسمة التي لا تتطرق إليها تهمة ولا ظن فليس ذلك إلى المكلف بل إليه إنشاء الطلاق ابتداء في واحدة منهن وأما أن يكون إليه تعيين من جعل طريق تعيينه خارجا عن مقدوره وموكولا إلى ما يأتي به القدر ويخرجه النصيب المقسوم المغيب عن العباد فكلا. وسر المسألة أن العبد له التعيين ابتداء وأما تعيين ما أبهمه أولا فلم يجعل إليه ولا ملكه الشارع إياه والفرق بينهما أن التعيين الابتدائي تعلق به إرادته وباشره بسبب الحكم فتعين بتعيينه وبمباشرته بالسبب وأما التعيين بعد الإبهام فلم يجعل إليه لأنه لم يباشره بالسبب والسبب كان قاصرا عن تناوله معينا وإنما تناوله مبهما والمكلف كان مخيرا بين أن يوقع الحكم معينا فيتعين بتعيينه أو يوقعه مهما فيصير تعيينه إلى الشارع. وسر ذلك أن الحكم قد تعلق في المبهم بالمشترك فلا بد من حاكم منزه عن التهمة يعين ذلك المشترك في فرد من أفراده والمكلف ليس بمنزه عن التهمة فكانت القرعة هي المعينة وأما إذا عينه ابتداء فلم يتعلق الحكم بمشترك بل تعلق بما اقتضاه تعيينه وغرضه فأنفذه الشارع عليه فهذا مما يدلك على دقة فقه الصحابة رضي الله عنهم وبعد غور مداركهم ولهذا أفتى علي وابن عباس بالقرعة ولم يجعلا التعيين إليه ولا نحفظ عن صحابي خلافهما. وإذا ثبت أن القرعة في هذه الصورة راجحة على تعيين المكلف تبين بذلك تقرير المقام الثاني وهو أن القول بها في مسألة المنسية أولى لأنها إذا علمت في محل قد يعلق الحكم فيه بالمشترك وهو أحد الزوجات إذ كل واحدة منهن يصدق عليها أنها أحدها وهذا هو مأخوذ من عمم الوقوع فلأن يعمل في محل تعلق الحكم فيه ببعض أفراده أولى فإن الحكم في الأول كان صالحا لجميع الأفراد لتعلقه بالقدر المشترك ومع هذا فالقرعة قطعت هذه الصلاحية وخصتها بفرد بعينه والحكم في الثانية إنما تعلق بفرد بعينه لكنه جهل فاستفيد علمه من القرعة ولما جهل صار كالمعدوم إذ المجهول المطلق في الشريعة كالمعدوم وليس(3\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "766",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6981",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لنا طريق إلى اعتباره موجودا إلا بالقرعة فإذا قطعت القرعة الحق المشترك من غير المعين فلأن يعين مجهولا لا سبيل إلى تعينها إلا بها أولى وأحرى. فإن شئت قلت إخراج المجهول أيسر من تعيين المبهم وأوسع طريقا وأقل مانعا لأن المبهم لا تثبت له حقيقة معينه بعد ولا سيما إذا كان مشتركا بين أفراد تقتضيه اقتضاء واحد فليس ثبوت التعيين لفرد أولى من ثبوته لغيره والمجهول قد ثبتت له الحقيقة أولا ثم جهلت فيكفي في الدلالة عليها أي دليل وجد وأي علامة أمكنت فإنها علامة ودليل على وجودها لا علة لأنيتها وبغير المبهم ليس دليلا محضا بل هو كالعلة لانيتها وثبوته فإذا صلحت القرعة لتعيين المبهم فلان تصلح للدلالة على المجهول بطريق الأولى ونحن لا ندعي ولا عاقل أن القرعة تجعل المخرج بها هو متعلق الحكم في نفس الأمر بل نقول إن القرعة تجعل المخرج بها متعلق الحكم ظاهرا وشرعا وهو غاية ما يقدر عليه المكلف ولم يكلفه الله علم الغيب ولا موافقة ما في نفس الأمر بل القرعة عندنا لا تزيد على البينة والنكول والأمارات الظاهرة التي هي طرق لفصل النزاع والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل: وأما القاعدة الثالثة وهي قاعدة الشك ينبغي أن يعلم أنه ليس في الشريعة شيء مشكوك فيه البتة وإنما يعرض الشك للمكلف بتعارض أمارتين فصاعدا عده فتصير المسألة مشكوكا فيها بالنسبة إليه فهي شكية عنده وربما تكون ظنية لغيره أوله في وقت آخر وتكون قطعيه عند آخرين فكون المسألة شكية أو ظنية أو قطعية ليس وصفا ثابتا لها بل هو أمر يعرض لها عند إضافتها إلى حكم المكلف. وإذا عرف هذا فالشك الواقع في المسائل نوعان: أحدهما: شك سببه تعارض الأدلة والأمارات كقولهم في سؤر البغل والحمار مشكوك فيه فنتوضأ ونتيمم فهذا(3\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "767",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6982",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشك لتعارض دليلي الطهارة والنجاسة وإن كان النجاسة لا يقاوم دليل الطهارة فإنه لم يقم على تنجيس سؤرهما دليل وغاية ما احتج به لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحمر الأهلية: quot;إنها رجسquot; والرجس هو النجس وهذا لا دليل فيه لأنه إنما نهاهم عن لحومها وقال: quot;إنها رجس quot; ولا ريب أن شحومها ميتة لا تعمل الذكاة فيها فهي رجس ولكن من أين يلزم أن تكون نجسة في حياتها حتى يكون سؤرها نجسا وليس هذا موضع هذه المسألة. ومن هذا قولهم للدم الذي تراه المرأة بين الخمسين سنة إلى الستين أنه مشكوك فيه فتصوم وتصلي وتقضي فرض الصوم لتعارض دليلي الصحة والفساد وإن كان الصحيح أنه حيض ولا معارض لدليل كونه حيضا أصلا لا من كتاب ولا من سنة ولا إجماع ولا معقول فليس هذا مشكوكا فيه والمقصود التمثيل. القسم الثاني: الشك العارض للمكلف بسبب اشتباه أسباب الحكم عليه وخفائها لنسيانه وذهوله أو لعدم معرفته بالسبب القاطع للشك فهذا الحكم واقع كثيرا في العيان والأفعال وهو المقصود لذكر القاعدة التي تضبط أنواعه. والضابط فيه أنه إن كان للمشكوك فيه حال قبل الشك استصحبها المكلف وبني عليها حتى يتيقن الانتقال عنها هذا ضابط مسائله. فمن ذلك إذا شك في الماء هل أصابته نجاسة أم لا بني علي يقين الطهارة ولو تيقن نجاسته ثم شك هل زالت أم لا بنى على يقين النجاسة. الثالثة: إذا أحدث ثم شك هل توضأ أم لا بنى على يقين الحدث ولو توضأ وشك في الحدث بنى على يقين الطهارة وفروع المسألة مبنية على هذا الأصل. الرابعة: إذا شك الصائم في غروب الشمس لم يجز له الفطر ولو أكل أفطر ولو شك في طلوع الفجر جاز له الأكل ولو أكل لم يفطر. الخامسة: لو شك هل صلى ثلاثة أو أربعا وهو منفرد بنى على اليقين إذ الأصل بقاء الصلاة في ذمته وإن كان إماما فعلى غالب ظنه لأن المأموم ينبهه فقد عارض الأصل هنا ظهور تنبيه المأموم على الصواب وقال الشافعي ومالك: quot;يبني على اليقين مطلقا لأنه الأصلquot;. السادسة: إذا رمى صيدا فوقع في ماء فشك(3\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "768",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6983",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هل كان موته بالجرح أو بالماء لم يأكله لأن الأصل تحريمه وقد شك في السبب المبيح وكذلك لو خالط كلابا أخرى ولم يدر أصاده كلبه أو غيره لم يأكله لأنه لم يتيقن شروط الحل في غير كلبه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;إنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيرهquot;. السابعة: إذا شك هل طاف ستا أو سبعا أو رمى ست حصيات أو سبعا بنى على اليقين: الثامنة: إذا شك هل عم الماء بدنه وهو جنب أم لا لزمه يقين تعميمه ما لم يكن ذلك وسواسا. التاسعة: إذا اشترى ثوبا جديدا أو لبيسا وشك هل هو طاهر أو نجس فيبني الأمر على الطهارة ولم يلزمه غسله. العاشرة: إذا أصابه بلل ولم يدر ما هو لم يجب عليه أن يبحث عنه ولا يسأل من أصابه به ولو سأله لم يجب عليه أجابته على الصحيح وعلى هذا لو أصاب ذيله رطوبة بالليل أو بالنهار لم يجب عليه شمها ولا تعرفها فإذا تيقنها عمل بموجب يقينهز الحادية عشر: إذا كان عليه حق لله عز وجل من صلاة أو زكاة أو كفارة أو عتق أو صيام وشك هل أتى به أم لا لزمه الإتيان به. الثانية عشرة: إذا شك هل مات مورثه فيحل له ماله أو لم يمت لم يحل له المال حتى يتيقن موته. الثالثة عشرة: إذا شك في الشاهد هل هو عدل أو لا لم يحكم بشهادته لأن الغالب في الناس عدم العدالة. وقول من قال: quot;الأصل في الناس العدالةquot; كلام مستدرك بل العدالة طارئة متجددة والأصل عدمها فإن خلاف العدالة مستنده جهل الإنسان وظلمه والإنسان خلق جهولا ظلوما فالمؤمن يكمل بالعلم والعدل وهما جماع الخير وغيره يبقى على الأصل أي فليس الأصل في الناس العدالة ولا الغالب. الرابعة عشرة: إذا شك هل صلى ثلاثا أو أربعا بنى علي اليقين وألغى المشكوك فيه واستثنى من هذا موضعين: أحدهما: أن يقع الشك بعد الفراغ من الصلاة لم يلتفت إليه. الثاني: أن يكون إماما فيبني على غالب ظنه. فأما الموضع الأول فهو مبني على قاعدة الشك في العبادة بعد الفراغ منها فإنه لا يؤثر شيئا وفي الوضوء خلاف فمن ألحقه بهذه القاعدة نظر إلى أنه قد انقضى بالفراغ منه ومن نظر إلى بقاء حكمه(3\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "769",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6984",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعمله وأنه لم يفعل المقصود به ألحقه بالشك في العبادة قبل انقطاعها والفراغ منها. وأما الموضع الثاني فإنما استثنى لظهور قطع الشك والرجوع إلى الصواب بتنبيه المأموم له فسكوتهم وإقرارهم دليل على الصواب هذا ظاهر المذهب عند الإمام أحمد. ومذهب الشافعي أنه يبني على اليقين مطلقا إماما كان أو منفردا ولا يلتفت إلى قول غيره. ومذهب مالك أنه يبنى على اليقين إلا أن يكون مستنكحا بالشك فلا يلتفت إليه ويلهي عنه فإن لم يمكنه أن يلهي عنه بنى على خواطره. ومذهب أبي حنيفة أنه إن عرض له ذلك في أول صلاته أعادها وإن عرض له فيما بعدها بنى على اليقين. الخامسة عشرة: إذا شك هل دخل وقت الصلاة أو لا لم يصل حتى يتيقن دخوله فإن صلى مع الشك ثم بان له أنه صلى في الوقت فقد قالوا إنه يعيد صلاته وعلى هذا إذا صلى وهو يشك هل هو محدث أو متطهر ثم تيقن أنه كان متطهرا فإنه يعيدها أيضا وكذلك إذا صلى إلى جهة وشك هل هي القبلة أو غيرها ثم تبين لها أنها جهة القبلة ولا كذلك إذ شك في طهارة الثوب والبدن والمكان فصلى فيه ثم تيقن أن ذلك كان طاهرا لأن الأصل هنا الطهارة وقد تيقنه آخرا فتوسط الشك بين الأصل واليقين لا يؤثر بخلاف المسائل الأولى لأن الأصل فيها عدم الشك فالشك فيها مستند إلى أصل يوجب عليه حكما لم يأت به. والذي يقتضيه أصول الشرع وقواعد الفقه في ذلك هو التفرقة بين المعذور والقادر فالمعذور لا يجب عليه الإعادة إذا لم ينسب إلى تفريط وقد فعل ما أداه إليه اجتهاده وأصاب فهو كالمجتهد المصيب. وعلى هذا فإذا تحرى الأسير وفعل جهده وصام شهرا يظنه رمضان وهو يشك فيه فبان رمضان أو ما بعده أجزأه مع كونه شاكا فيه وكذلك المصلي إذا كان معذورا محتاجا إلى تعجيل الصلاة في أول الوقت إما لسفر لا يمكنه النزول في الوقت ولا الوقوف أو لمرض يغمى عليه فيه أو لغير ذلك من الأعذار فتحرى الوقت وصلى فيه مع شكه ثم تبين له أنه أوقع الصلاة في الوقت لم يجب عليه الإعادة بل الذي يقوم عليه الدليل في مسألة الأسير أنه(3\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "770",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6985",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لو وافق شعبان لم يجب عليه الإعادة وهو قول الشافعي لأنه فعل مقدوره ومأموره والواجب على مثله صوم شهر يظنه من رمضان وإن لم يكنه والفرق بين الواجب على القادر المتمكن والعاجز. فإن قيل فما تقولون في مسألة الصلاة إذا بان أنه صلاها قبل الوقت قيل: الفرق بين المسألتين أن الصوم قابل لإيقاعه في غير الوقت للعذر كالمريض أو المسافر والمرضع والحبلى فإن هؤلاء يسوغ لهم تأخيره ونقله إلى زمن آخر نظرا لمصلحتهم ولم يسوغ لأحد منهم تأخير الصلاة عن وقتها البتة. فإن قيل فقد يسوغ تأخيرها للمسافر والمريض والممطور من وقت إحداهما إلى وقت الأخرى قيل: ليس بتأخير من وقت إلى وقت وإنما جعل الشارع وقت العبادتين في حق المعذور وقتا واحدا فهو يصلي الصلاة في وقتها المشروع الذي جعله الشارع وقتا لها بالنسبة إلى أهل الأعذار فهو كالنائم والناسي إذا استيقظ وذكر فإنه يصلي الصلاة حينئذ لكون ذلك وقتها بالنسبة إليهما وإن لم يكن وقتا بالنسبة إلى الذاكر المستيقظ على أن للشافعي قولين في المسألتين والله أعلم. فصل: مدح العلماء العاملين ابن عيينة عن محمد بن المنكدر قال: quot;إن العالم بين الله وبين خلقه فلينظر كيف يدخل بينهمquot;. وقال سهل بن عبد الله: quot;من أراد أن ينظر إلى محاسن الأنبياء فلينظر إلى محاسن العلماء يجيء الرجل فيقول: يا فلان إيش تقول في رجل حلف على امرأته بكذا وكذا فيقول: طلقت امرأته وهذا مقام للأنبياء فاعرفوا لهم ذلكquot;. قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: quot;أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم المسألة فيردها هذا إلى(3\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "771",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6986",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول ما منهم من أحد إلا ود أن أخاه كفاه الفتياquot;. وقال ابن مسعود: quot;من أفتى الناس في كل ما يستفتونه فهو مجنونquot; عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقال حصين الأسدي: quot;إن أحدكم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدرquot; وعن الحسن والشعبي مثله. وقال الحاكم: سمعت أبا عبد الله الصفار يقول: سمعت عبد الله ابن أحمد يقول: سمعت أبي: يقول سمعت الشافعي يقول: سمعت مالك ابن أنس يقول: سمعت محمد بن عجلان يقول: quot;إذا أخطأ العالم لا أدري أصيبت مقاتلهquot; وروى ذلك بنحوه عن ابن عباس. وذكر أبو عمر عن القاسم بن محمد أنه جاءه رجل فسأله عن شيء فقال القاسم: quot;لا أحسنه فجعل الرجل يقول إني دفعت إليك لا أعرف غيرك فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي والله لا أحسنه فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي الزمها فوالله ما رأيت في مجلس أبيك مثل اليوم فقال القاسم: والله لئن يقطع لساني أحب إلي من أن أتكلم بما لا أعلمquot;. وذكر أبو عمر عن ابن عيينة وسحنون: quot;أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماquot;. وكان مالك بن أنس يقول: quot;من أجاب في مسألة فينبغي من قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة أو النار وكيف يكون خلاصه في الآخرةquot;. سئل عن مسألة فقال: quot;لا أدريquot; فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة فغضب وقال: quot;ليس في العلم شيء خفيف ألم تسمع قوله جل ثناؤه: إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا فالعلم كله ثقيل وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة. وقال: quot;كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تصعب عليهم المسائل ولا يجيب أحدهم في مسألة حتى يأخذ رأي صاحبه مع ما رزقوا من السداد والتوفيق مع الطهارة فكيف بنا الذين غطت الخطايا والذنوب قلوبناquot;. وقال عبد الرحمن بن مهدي: جاء رجل إلى مالك يسأله عن شيء أياما ما يجيبه فقال: يا أبا عبد الرحمن إني أريد الخروج وقد طال التردد إليك فأطرق طويلا ثم رفع رأسه وقال:(3\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "772",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6987",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;ما شاء الله يا هذا إني إنما أتكلم فيما أحتسب فيه الخير ولست أحسن مسألتك هذهquot;. وسئل الشافعي عن مسألة فسكت فقيل له ألا تجيب يرحمك الله فقال: quot;حتى أدري الفضل في سكوتي أو في الجوابquot;. وكان سعيد بن المسيب لا يكاد يفتى فتيا ولا يقول شيئا إلا قال: quot;اللهم سلمني وسلم منيquot;. وقال سحنون: quot;أشقى الناس من باع آخرته بدنياه وأشقى منه من باع آخرته بدنيا غيره فقال: تفكرت فيه وجدته المفتى يأتيه الرجل قد حنث في امرأته ورقيقته فيقول له: لا شيء عليك فيذهب الحانث فيستمتع بامراته ورقيقته وقد باع المفتي دينه بدنيا هذاquot;. وجاء رجل إلى سحنون يسأله عن مسألة فأقام يتردد إليه ثلاثة أيام فقال: مسألتي أصلحك الله اليوم ثلاثة أيام فقال له: quot;وما أصنع بمسألتك مسألتك معضلة وفيها أقاويل وأنا متحير في ذلك فقال: وأنت أصلحك الله لكل معضلة فقال سحنون: هيهات يا ابن أخي ليس بقولك هذا أبذل لحمي ودمي للنار وما أكثر ما لا أعرف إن صبرت رجوت أن تنقلب بمسألتك وإن أردت أن تمضي إلى غيري فامض تجاب في مسألتك في ساعة فقال: إنما جئت إليك ولا استفتي غيرك قال: فاصبر ثم أجابه بعد ذلكquot;. وقيل له: إنك تسأل عن المسألة لو سئل عنها أحد من أصحابك لأجاب فيها فتتوقف فيها فقال: quot;إن فتنة الجواب بالصواب أشد من فتنه المالquot;. وقال بعض العلماء: quot;قل من حرص على الفتوى وسابق إليها وثابر عليها إلا قل توفيقه واضطرب في أمره وإن كان كارها لذلك غير مختار له ما وجد مندوحة عنه وقدر أن يحيل بالأمر فيه إلى غيره كانت المعونة له من الله أكثر والصلاح في جوابه وفتاويه أغلبquot;. وقال بشر الحافي: quot;من أحب أن يسأل فليس بأهل أن يسألquot;. وذكر أبو عمر عن مالك quot;أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة فوجده يبكي فقال: ما يبكيك أمصيبة دخلت عليك وارتاع لبكائه فقال: quot;لا ولكن استفتي من لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيمquot;. قال ربيعة: quot;ولبعض من يفتى ههنا أحق بالحبس من السراقquot;.(3\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "773",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6988",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن مسائل إسحاق الكوسج لأحمد: قلت: يتوضأ الرجل في المسجد قال: quot;فعل ذلك قوم إسحاق هو حسن ما لم يستنج فيهquot;. قلت: إذا عطس الرجل يوم الجمعة قال: quot;لا تشمتهquot;. قلت: يقاتل اللص قال: quot;إذا كان مقبلا فقاتله وإذا ولى لا تقاتلquot;. قال إسحاق: quot;كما قال ويناشده في الإقبال ثلاثا فإن أبي وإلا يقاتلهquot;. قلت: quot;الضالة المكتومة قال: quot;الذي يكتمها إذا زالت القطع فغرامة مثلها عليهquot;. قال إسحاق: quot;كما قال سنة مسنونةquot;. قلت: سئل سفيان عن صبي افتض صبية قال: quot;لها مهر مثلها في مالهquot; قال أحمد: quot;يكون على عاقلته إذا بلغ الثلثquot; قال إسحاق: quot;كما قال سفيان في مالهquot;. قلت: قال سفيان: quot;استفتي يوسف بن عمر بن أبي ليلى في هذه فقال: لها مهر مثلها في مالهquot; قال أحمد: quot;لا بل على عاقلتهquot; قال إسحاق: quot;كما قال ابن أبي ليلىquot;. قلت: كأنه أراد والله أعلم أرش البكارة فسماه مهرا أو يقال أن استيفاء هذه المتعة منه تجري مجرى جنايته عليها فإذا أوجبت مالا كان على من يحمل جنايته ولا ريب أن الوطء يجرى مجرى الجناية إذ لا بد فيه من عفو أو عقوبة وجناية الصبي على النفوس والأعضاء والمنافع على عاقلته وهذه جناية على منفعة الصبية فتكون على عاقلته وهذا أصوب الاحتمالين ولم أر أصحابنا تعرضوا لهذا النص ولا وجهوه. قلت: أيقطع في الطير قال: quot;لا يقطع في الطيرquot; قال إسحاق: quot;كما قالquot;. قلت: لعله أراد به الطير إذا تفلت من قفصه فصاده وهو خلاف ظاهر كلامه إذ يقال الطير لا تستقر عليه اليد ولا يثبت في الحرز ولا سيما إذا اعتاد الخروج والمجيء كالحمام. وأجود من هذين المأخذين أن يقال إذا أخذه فهو بمنزلة من فتح القفص عنه حتى ذهب ثم صاده من الهواء فإن ملك صاحبه عليه في الحالين واحد وهو لو تفلت من قفصه ثم جاء إلى دار إنسان فأخذه لم يقطع ولو صاده من الهواء لم يقطع فكذلك إذا فتح قفصه وأخذه منه والقاضي تأول هذا النص على الكير غير المملوك ولا يخفى فساد هذا التأويل والذي عندي فيه أن أحمد ذهب إلى قول(3\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "774",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6989",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبي يوسف في ذلك والله أعلم. قلت: رجل زوج جاريته ثم وقع عليها قال أحمد: quot;أما الرجم فادرأ عنه لكن أضربه الحد محصنا كان أو غير محصنquot; قال إسحاق: quot;كما قال يجلد مائة جلدة نكالا كما قال عمرquot;. قلت لعله سمى التعزير حدا وبلغ به مائة أو لما سقط عنه الرجم حده حد الزاني غير المحصن. قلت: سئل سفيان عن رجل قال لرجل ما كان فلان ليلد مثلك قال: quot;ما أرى في هذا شيئاquot; فقال أحمد: quot;هو تعريض شديد فيه الحدquot; قلت: سئل سفيان عن رجل قال لرجل أنت أكثر زنا من فلان وقد ضرب فلان في الزنا قال: quot;ما أرى الحد بينا أرى أن يعزرquot; قال أحمد: quot;هذا تعريض يضرب الحدquot; قال إسحاق: quot;كما قال أحمد فقد نص على وجوب الحد بالتعريض وهو الصواب بلا ريب فإنه أنكى وأوجع من التصريح وهو ثابت عن عمرquot; قلت: قال سفيان: quot;من رمى الجمرتين ولم يقم عندهما فليذبح شاة أو ليتصدق بصاعquot; قال أحمد: quot;لا أعلم عليه شيئا ويتقرب إلى الله تعالى بما شاء وقد أساء. قال إسحاق: quot;كما قال أحمدquot;. قلت: الحائك يدفع إليه ثوبا على الثلث والربع قال: quot;كل شيء من هذا الغزل والدار والدابة وكل شيء يدفع إلى الرجل يعمل فيه على الثلث والربع فعلى قصة خيبرquot; قال إسحاق: quot;كما قال أحمدquot; قلت: من بنى في فناء قوم بإذنهم أو بغير إذنهم قال: quot;إذا كان بإذنهم فله عليهم نفقته وإن كان بغير إذنهم قلع بناءه وأحب إلى إذا كان البناء ينتفع به هنا أن يعطيه النفقة ولا يقلع بناءهquot; قال إسحاق: quot;كما قال سواءquot; قلت: رجل ضل بعير له أعجف فوجده في يد رجل قد أنفق عليه حتى سمن قال: quot;هو بعيره يأخذه من أمر هذا أن يأخذه قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;دعها فإن معها حذاءها وسقاءهاquot; قال إسحق: quot;إذا كان أخذه في دار مضيعة فأنفق عليه ليرده إلى الأول ويأخذ النفقة كان له ذلكquot;. قلت: ولا يناقض هذا قاعدته فيمن أدى عن غيره واجبا بغير إذنه أنه يرجع عليه لأن هذا متعد بأخذ البعير حيث نهاه الشارع عن أخذه والله تعالى أعلم.(3\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "775",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6990",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "المجلد الرابع",
        "content": "المجلد الرابع المجلد الرابع ... بدائع الفوائد لابن القيم الجوزية المجلد الرابع بسم الله الرحمن الرحيم فصول: في أصول الفقه والجدل وآدابه والإرشاد إلى المنافع كما جاء في القرآن والسنة: فصل: النكرة في سياق النفي تعم مستفاد من قوله تعالى: ولا يظلم ربك أحدا : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين وفي الاستفهام من قوله: هل تعلم له سميا الشرط من قوله: فإما ترين من البشر أحدا وإن أحد من المشركين استجارك وفي النهي من قوله: ولا يلتفت منكم أحد وفي سياق الإثبات بعموم العامة والمقتضى كقوله: علمت نفس ما أحضرت وإذا أضيف إليها كل نحو: وجاءت كل نفس ومن عمومها بعموم المقتضى: ونفس وما سواها . فصل: ويستفاد عموم المفرد المحلى باللام من قوله: ونفس وما سواها وقوله: وسيعلم الكفار وعموم المفرد المضاف من قوله: وصدقت بكلمات ربها وكتبه وقوله: هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق والمراد جميع الكتب التي أحصيت فيها أعمالهم وعموم الجمع المحلى باللام من قوله: وإذا الرسل أقتت وقوله: وإذ أخذنا(4\/2)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "776",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6991",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من النبيين ميثاقهم وقوله: إن المسلمين والمسلمات إلى آخرها. والمضاف من قوله: كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وعموم أدوات الشرط الاسماء من قوله: ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما وقوله: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره وما تفعلوا من خير يعلمه الله أينما تكونوا يدرككم الموت وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم هذا إذا كان الجواب طلبا مثل هاتين الآيتين فإن كان خبرا ماضيا لم يلزم العموم كقوله: وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله وإن كان مستقبلا فأكثر موارده للعموم كقوله: وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون وإذا مروا بهم يتغامزون وقوله: إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون وقد لا تعم كقوله: وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم . فصل: ويستفاد كون الأمر المطلق للوجوب من ذمه لمن خالفه وتسميتة إياه عاصيا وترتيبه عليه العقاب العاجل أو الآجل. ويستفاد كون النهي للتحريم من ذمه لمن ارتكبه وتسميته عاصيا وترتيبه العقاب على فعله. ويستفاد الوجوب بالأمر تارة وبالتصريح بالإيجاب والفرض والكتب ولفظة (علي) ولفظة (حق على العباد وعلى المؤمنين) وترتيب الذم والعقاب على الترك وأحباط العمل بالترك وغير ذلك. ويستفاد التحريم من النهي والتصريح بالتحريم والحظر والوعيد على الفعل وذم الفاعل وإيجاب الكفارة بالفعل وقوله (لا ينبغي) فإنها في لغة القرآن والرسول للمنع عقلا أو شرعا ولفظة (ما كان لهم كذا ولم يكن لهم) وترتيب الحد على الفعل(4\/3)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "777",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6992",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولفظة (لا يحل ولا يصلح) ووصف الفعل بأنه فساد وأنه من تزيين الشيطان وعمله وإن الله لا يحبه وأنه لا يرضاه لعباده ولا يزكي فاعله ولا يكلمه ولا ينظر إليه ونحو ذلك. وتستفاد الإباحة من الإذن والتخيير والأمر بعد الحظر ونفي الجناح والحرج والإثم والمؤاخذة والإخبار بأنه معفو عنه وبالإقرار على فعله في زمن الوحي وبالإنكار على من حرم الشيء والإخبار بأنه خلق لنا كذا وجعله لنا وامتنانه علينا به وإخباره عن فعل من قبلنا له غير ذام لهم عليه فإن اقترن بإخباره مدح فاعله لأجله دل على رجحانه استحبابا أو وجوبا. فصل: وكل فعل عظمه الله ورسوله ومدحه أو مدح فاعله لأجله أو فرحه به أو أحبه أو أحب فاعله أو رضي به أو رضي عن فاعله أو وصفه بالطيب أو البركة أو الحسن أو نصبه سببا لمحبته أو لثواب عاجل أو آجل أو نصبه سببا لذكره لعبده أو لشكره له أو لهدايته إياه أو لإرضاء فاعله أو لمغفرة ذنبه وتكفير سيئاته أو لقبوله أو لنصرة فاعله أو بشارة فاعله بالطيب أو وصف الفعل بكونه معروفا أو نفي الحزن والخوف عن فاعله أو وعده بالأمن أو نصبه سببا لولايته أو أخبر عن دعاء الرسل بحصوله أو وصفه بكونه قربة أو أقسم به أو بفاعله كالقسم بخيل المجاهدين وإغارتها أو ضحك الرب جل جلاله من فاعله أو عجبه به فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب. فصل: وكل فعل طلب الشارع تركه أو ذم فاعله أو عتب عليه أو لعنه أو مقته أو مقت فاعله أو نفى محبته إياه أو محبة فاعله أو نفى الرضى به أو الرضاء عن فاعله أو شبه(4\/4)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "778",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6993",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاعله بالبهائم أو بالشياطين أو جعله مانعا من الهدى أو من القبول أو وصفه بسوء كراهة أو استعاذ الأنبياء منه أو أبغضوه أو جعل سببا لنفي الصلاح لعذاب عاجل أو آجل أو لذم أو لوم أو لضلالة أو معصية أو وصف بخبث أو رجس أو نجس أو بكونه فسقا أو أسما أو سببا لإثم أو رجس أو لعن أو غضب أو زوال نعمة أو حلول نقمة أو حد من الحدود أو قسوة أو خزي أو ارتهان نفس أو لعداوة الله أو لمحاربته أو للاستهزاء به وسخريته أو جعله الرب سببا لنسيانه لفاعله أو وصف نفسه بالصبر عليه أو بالحلم والصفح عنه أو دعا إلى التوبة منه أو وصف فاعله بخبث أو احتقار أو نسبة إلى عمل الشيطان وتزيينه أو تولى الشيطان لفاعله أو وصفه بصفة ذم مثل كونه ظلما أو بغيا أو عدوانا أو إثما أو تبرأ الأنبياء منه أو فاعله أو شكوا إلى الله من فاعله أو جاهروا فاعله بالعداوة أو نصب سببا لخيبة فاعله عاجلا أو آجلا أو ترتب عليه حرمان الجنة أو وصف فاعله بأنه عدو لله وأن الله عدوه أو أعلم فاعله بحرب من الله ورسوله أو حمل فاعله إثم غيره أو قيل فيه (لا ينبغي هذا ولا يصلح) أو أمر بالتقوى عند السؤال عنه أو أمر بفعل يضاده أو هجر فاعله أو تلاعن فاعلوه في الآخرة وتبرأ بعضهم من بعض أو وصف فاعله بالضلالة أو أنه ليس من الله في شيء من الرسول وأصحابه أو قرن بمحرم ظاهر التحريم في الحكم والخبر عنهما بخبر واحد أو جعل اجتنابه سببا للفلاح أو فعله سببا لإيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين أو قيل لفاعله هل أنت منته أو نهي الأنبياء عن الدعاء لفاعله أو رتب عليه إبعادا وطردا ولفظة قتل من فعله أو قاتل الله من فعله أو أخبر أن فاعله لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وإن الله لا يصلح عمله ولا يهدي كيده وأن فاعله لا يفلح ولا يكون يوم القيامة من الشهداء ولا من الشفعاء أو أن الله يغار من فعله أو منه على وجه المفسدة فيه أو أخبر أنه لا يقبل من فاعله صرفا ولا عدلا أو أخبر أن من فعله قيض له شيطان فهو له قرين أو جعل الفعل سببا لإزاغة الله قلب فاعله(4\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "779",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6994",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو صرفه عن آياته وفهم كلامه أو سؤال الله تعالى عن علة الفعل لم فعل نحو لم تصدون عن سبيل الله لم تلبسون الحق بالباطل ما منعك أن تسجد لم تقولون ما لا تفعلون ما لم يقترن به جواب من المسؤول فإن اقترن به جواب كان بحسب جوابه. فهذا ونحوه يدل على المنع من الفعل ودلالته على التحريم أطرد من دلالته على مجرد الكراهة وأما لفظة يكرهه الله تعالى ورسوله أو مكروه فأكثر ما تستعمل في المحرم وقد يستعمل في كراهة التنزيه وأما لفظة أما أنا فلا أفعل فالمتحقق من الكراهة كقوله: quot;أما أنا فلا آكل متكئا quot; وأما لفظة ما يكون لك وما يكون لنا فاطرد استعمالها في المحرم نحو فما يكون لك أن تتكبر فيها وما يكون لنا أن نعود فيها ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق . فصل: وتستفاد الإباحة من لفظ الإحلال ورفع الجناح والإذن والعفو وإن شئت فافعل وإن شئت فلا تفعل من الامتنان بما في الأعيان من المنافع وما يتعلق بها من الأفعال نحو ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ونحو وبالنجم هم يهتدون ومن السكوت عن التحريم ومن الإقرار على الفعل في زمن الوحي وهو نوعان إقرار الرب تبارك وتعالى وإقرار رسوله صلى الله عليه وسلم إذا علم الفعل. فمن إقرار الرب تعالى قول جابر: quot;كنا نعزل والقرآن ينزلquot; ومن إقرار رسوله صلى الله عليه وسلم قول حسان لعمر: quot;كنت أنشد وفيه من هو خير منكquot;.(4\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "780",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6995",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: قوله تعالى: يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين جمعت أصول أحكام الشريعة كلها فجمع الأمر والنهي والإباحة والخبر. فائدة: تقديم العتاب على الفعل من الله تعالى لا يدل على تحريمه وقد عاتب الله تعالى نبيه في خمسة مواضع من كتابه في الأنفال وبراءة والأحزاب وسورة التحريم وسورة عبس خلافا لأبي محمد بن عبد السلام حيث جعل العتب من أدلة النهي. فائدة: لا يصح الامتنان بممنوع منه خلافا لمن زعم أنه يصح ويصرف الامتنان إلى خلقه للصبر عنه.(4\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "781",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6996",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: قوله تعالى: قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا جمعت بين التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة والحض على فعل الخير والزجر عن فعل الشر إذ قوله: ولا تظلمون فتيلا يتضمن حثهم على كسب الخير وزجرهم عن كسب الشر. فائدة: التعجب كما يدل على محبة الله لفعل نحو quot;عجب ربك من شاب ليست له صبوةquot; quot;ويعجب ربك من رجل ثار من فراشه ووطائه إلى الصلاةquot; ونحو ذلك وقد يدل على بعض الفعل نحو قوله: وإن تعجب فعجب قولهم وقوله: بل عجبت ويسخرون : كيف تكفرون بالله وقوله: وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وقد يدل على امتناع الحكم وعدم حسنه نحو: كيف يكون للمشركين عهد وقد يدل على حسن المنع منه وأنه لا يليق به فعله نحو: كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم . فائدة: نفي التساوي في كتاب الله تعالى قد يأتي بين الفعلين كقوله تعالى: أجعلتم سقاية(4\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "782",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6997",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله وقد يأتي بين الفاعلين نحو: لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله وقد يأتي بين الجزئين كقوله: لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة وقد جمع الله بين الثلاثة في آية واحدة وهي قوله تعالى: وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات فالأعمى والبصير الجاهل والعالم والظلمات والنور الكفر والإيمان والظل والحرور والجنة والنار الأحياء والأموات والمؤمنون والكفار. فائدة: ضرب الأمثال في القرآن يستفاد منه أمور التذكير والوعظ والحث والزجر والاعتبار والتقرير وتقريب المراد للعقل وتصويره في صورة المحسوس بحيث يكون نسبته للعقل كنسبة المحسوس إلى الحس. وقد تأتي أمثال القرآن مشتملة على بيان تفاوت الأجر على المدح والذم وعلى الثواب والعقاب وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره وعلى تحقيق أمر وإبطال أمر والله أعلم. فائدة: السياق يرشد إلى تبيين المجمل وتعيين المحتمل والقطع بعدم احتمال غير المراد وتخصيص العام وتقييد المطلق وتنوع الدلالة. وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم فمن أهمله غلط في نظره وغالط في مناظرته فانظر إلى قوله تعالى:(4\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "783",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6998",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذق إنك أنت العزيز الكريم كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير. فائدة: إخبار الرب تبارك وتعالى عن المحسوس الواقع له عدة فوائد: - منها: أن يكون توطئة وتقدمه لإبطال ما بعده. - ومنها أن يكون موعظة وتذكير. - ومنها أن يكون شاهدا على ما أخبر به من توحيده وصدق رسوله وإحياء الموتى. - ومنها أن يذكر في معرض الامتنان. - ومنها أن يذكر في معرض اللوم والتوبيخ. - ومنها أن يذكر في معرض المدح والذم. - ومنها أن يذكر في معرض الإخبار عن إطلاع الرب عليه وغير ذلك من الفوائد. فائدة: قوله تعالى: وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين هو من أحسن النظم وأبدعه فإنه ثنى أولا إذ كان موسى وهارون هما الرسولان المطاعان ويجب على بنى إسرائيل طاعة كل واحد منهما سواء وإذا تبوءا البيوت لقومهما فهم تبع لهما ثم جمع الضمير فقال: وأقيموا الصلاة لأن إقامتها فرض على الجميع ثم وحده في قوله: وبشر المؤمنين أن موسى هو الأصل في الرسالة وأخوه ردءا ووزيرا وكما أرسلا برسالة واحدة كانا رسولا واحدا كقوله تعالى: إني رسول رب العالمين فهذا الرسول هو الذي قيل له: وبشر المؤمنين .(4\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "784",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "6999",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: الفقهاء يقولون عدم المانع شرط في ثبوت الحكم لأن الحكم يتوقف عليه ولا يلزم من تحقق عدم المانع ثبوت الحكم وهذا حقيقة الشرط واعترض على هذا الشهاب القرافي وزعم أنه غير صحيح بأن قال: quot;المشكوك فيه ملغى في الشريعة فإذا شككنا في الشرط أو في السبب لم يترتب الحكم وإذا شككنا في المانع رتبنا الحكم كما إذا شككنا في ردة زيد قبل وفاته أو في طلاقه لامرأته لم يمنع ذلك ترتيب الميراثquot; ثم قال: quot;فلو كان عدم المانع شرطا لاجتمع النقيضان فيما إذا شككنا في طريان المانع لأن الشك في أحد النقيضين يوجب الشك في النقيض الآخر فإذا شككنا في وجود المانع شككنا في عدمه ضرورة فلو كان عدمه شرطا لكنا قد شككنا في الشرط والشك في الشرط يمنع ترتب الحكم والشك في المانع لا يمنع ترتب الحكم فيجتمع النقيضانquot;. قلت: وهذا الاعتراض في غاية الفساد فإن الشك في عدم المانع إنما لم يؤثر إذا كان عدمه مستصحبا بالأصل فكون الشك في وجوده ملغى بالأصل فلا يؤثر الشك ولا فرق بينه وبين الشرط في ذلك لو شككنا في إسلام الكافر وعتق العبد عند الموت لم نورث قريبة المسلم منه إذ الأصل بقاء الكفر والرق وقد شككنا في ثبوت شرط التوريث. وهكذا إذا شككنا في الردة أو الطلاق لم يمنع الميراث لأن الأصل عدمهما ولا يمنع كون عدمها شرطا ترتب الحكم مع الشك فيه لأنه مستند إلى الأصل كما لم يمنع الشك في إسلام الميت الذي هو شرط التوريث منه لأن بقاءه مستند إلى الأصل فلا يمنع الشك فيه من ترتب الحكم فالضابط أن الشك في بقاء الوصف على أصله أو خروجه عنه لا يؤثر في الحكم استنادا إلى الأصل سواء كان شرط أو عدم مانع فكما لا يمنع الشك في بقاء الشرط من ترتب الحكم فكذلك لا يمنع الشك استمرار عدم(4\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "785",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7000",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المانع من ترتب الحكم فإذا شككنا هل وجد مانع الحكم أم لا لم يمنع من ترتب الحكم ولا من كون عدمه شرطا لأن استمراره على النفي الأصلي يجعله بمنزلة العدم المحقق في الشرع وإن أمكن بطلانه كما أن استمرار الشرط على ثبوته الأصلي يجعله بمنزلة الثابت المحقق شرعا وإن أمكن خلافه فعلم أن إطلاق الفقهاء صحيح واعتراض هذا المعترض فاسد. ومما يبين لك الأمر اتفاق الناس على أن الشرط ينقسم إلى وجودي وعدمي بمعنى أن وجود كذا شرط فيه وعدم كذا شرط فيه وهذا متفق عليه بين الفقهاء والأصوليين والمتكلمين وسائر الطوائف وما كان عدمه شرطا فوجوده مانع كما أن ما وجوده شرط فعدمه مانع فعدم الشرط مانع من موانع الحكم وعدم المانع شرط من شروطه وبالله التوفيق. فائدة: الحاكم محتاج إلى ثلاثة أشياء لا يصح له الحكم إلا بها: معرفة الأدلة والأسباب والبينات فالأدلة تعرفه الحكم الشرعي الكلي والأسباب تعرفه ثبوته في هذا المحل المعين أو أنتفاءه عنه والبينات تعرفه طريق الحكم عند التنازع ومتى أخطأ في واحد من هذه الثلاثة أخطأ في الحكم وجميع خطأ الحكام مداره على الخطأ فيها أو في بعضها. مثال ذلك: إذا تنازع عنده اثنان في رد سلعة مشتراة بعيب فحكمه موقوف على العلم بالدليل الشرعي الذي يسلط المشتري على الرد وهو إجماع الأمة المستند إلى حديث المصراة وغيره وعلى العلم بالسبب المثبت بحكم الشارع في هذا البيع المعين وهو كون هذا الوصف عيبا يسلط على الرد أم ليس بعيب وهذا لا يتوقف العلم به على الشرع بل على الحس أو العادة والعرف أو الخبر ونحو ذلك وعلى البينة التي هي طريق الحكم بين المتنازعين وهي كل ما تبين له صدق أحدهما يقينا أو ظنا من إقرار أو شهادة(4\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "786",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7001",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أربعة عدول أو ثلاثة في دعوى الإعسار بتلف ماله على أصح القولين أو شاهدين أو رجل وامرأتين أو شاهد ويمين أو شهادة رجل واحد وهو الذي يسميه بعضهم الإخبار ويفرق بينه وبين الشهادة مجرد اللفظ أو شهادة امرأة واحدة كالقابلة والمرضعة أو شهادة النساء منفردات حيث لا رجل معهن كالحمامات والأعراس على الصحيح الذي لا يجوز القول بغيره أو شهادة الصبيان على الجراح إذا لم يتفرقوا أو شهادة الأربع من النسوة أو المرأتين أو القرائن الظاهرة عند الجمهور كمالك وأحمد وأبي حنيفة كتنازع الرجل وامرأته في ثيابهما وكتب العلم ونحو ذلك وكتنازع النجار والخياط في القدوم والجلم والإبرة والذراع وكتنازع الوراق والحداد في الدواة والمسطرة والقلم والمطرقة والكلبتين والسندان ونحو ذلك مما يقضي فيه أكثر أهل العلم لكل واحد من المنتازعين بآلة صنعته بمجرد دعواه. والشافعي يقسم الخف بين الرجل والمرأة ويقسم الكتاب الذي يقرأ فيه بينهما وكذلك طيلسانه وعمامته أو الشاهد واليمين أو اليمين المردودة أو النكول المجرد أو القسامة أو التعان الزوج ونكول الزوجة أو شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر أو شهادة بعضهم على بعض أو الوصف للقطة أو شهادة الدار أو الحبل في ثبوت زنا التي لا زوج لها أو رائحة المسكر أو قيئه أو وجود المسروق عند من ادعى عليه سرقته على أصح القولين أو وجود الآجر ومعاقد القمط وعقد الأزج عند من يقول بها فهذه كلها داخلة في اسم البينة فإنها اسم لما يبين الحق ويوضحه وقد أرشد الله سبحانه إليها في كتابه حيث حكى عن شاهد يوسف اعتباره قد القميص وحكى عن يعقوب وبنيه أخذهم البضائع التي باعوا بها بمجرد وجودهم لها في رحالهم اعتمادا على القرائن الظاهرة بأنها وهبت لهم ممن ملك التصرف فيها وهم لم يشاهدوا ذلك ولا علموا به ولكن اكتفوا بمجرد القرينة الظاهرة وكذلك سليمان بن داود عليهما السلام حكم للمرأة بالولد بقرينة رحمتها له لما(4\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "787",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7002",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: quot;إيتوني بالسكين أشقه بينهما فقالت الصغرى: لا تفعل هو ابنها فقضى به لهاquot; وهذا من أحسن القرائن وألطفها. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتعذيب أحد ابني الحقيق اليهودي ليدله على كنز حيي ابن أخطب وقد ادعى ذهابه فقال: quot;هو أكثر من ذلك والعهد قريبquot;. فاستدل بهذه القرينة الظاهرة على كذبه في دعواه فأمر الزبير أن يعذبه حتى يقر به فإذا عذب الوالي المتهم إذا ظهر له كذبه ليقر بالسرقة لم يخرج عن الشريعة إذا ظهرت له ريبة بل ضربه له في هذه الحال من الشرع. وقد حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم في تهمة وقد عزم علي والزبير على تجريد المرأة التي معها الكتاب وتفتيشها لما تيقنا أن الكتاب معها. فإذا غلب على ظن الحاكم أن المال المسروق أو غيره في بيت أو غيره في بيت المدعى عليه أو معه فأمر بتفتيشه حتى يظهر المال لم يكن بذلك خارجا عن الشرع وقد قال النعمان بن بشير للمدعي على قوم بسرقة مال لهم: quot;إن شئتم أن أضربهم فإن ظهر متاعكم عندهم وإلا أخذت من ظهوركم مثلهquot; يعنى مثل ضربهم فقالوا: هذا حكمك قال: بل هذا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلمquot;. والرجوع إلى القرائن في الأحكام متفق عليه بين الفقهاء بل بين المسلمين كلهم وقد اعتمد الصحابة على القرائن في الحدود فرجموا بالحبل وجلدوا في الخمر بالقيء والرائحة وأمر النبي صلى الله عليه وسلم باستنكاه المقر بالسكر وهو اعتماد على الرائحة. والأمة مجمعة على جواز وطء الزوج للمرأة التي تهديها إليه النساء ليلة العرس ورجوعه إلى دلالة الحال أنها هي التي وقع عليها العقد وإن لم يرها ولم يشهد بتعيينها رجلان. ومجمعة على جواز أكل الهدية وإن كانت من فاسق أو كانت من صبي ومن نازع في ذلك لم يمكنه العمل بخلافه وإن قاله بلسانه. ومجمعة على جواز شراء ما بيد الرجل اعتمادا على قرينة كونه في يده وإن جاز أن يكون مغصوبا وكذلك يجوز إنفاق النقد إذا أخبر بأنه صحيح رجل واحد ولو كان ذميا فالعمل بالقرائن ضروري في الشرع والعقل والعرف.(4\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "788",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7003",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: الفرق بين دليل مشروعية الحكم وبين دليل وقوع الحكم فالأول متوقف على الشارع والثاني يعلم بالحس أو الخبر أو الزيادة. فالأول: الكتاب والسنة ليس إلا وكل دليل سواهما يستنبط منهما. والثاني: مثل العلم بسبب الحكم وشروطه وموانعه فدليل مشروعيته يرجع فيه إلى أهل العلم بالقرآن والحديث ودليل وقوعه يرجع فيه إلى أهل الخبرة بتلك الأسباب والشروط والموانع. ومن أمثله ذلك بيع المغيب في الأرض من السلجم والجزر والقلقاس وغيره فدليل المشروعية أو منعها موقوف على الشارع لا يعلم إلا من جهته. ودليل سبب الحكم أو شروطه أو مانعه يرجع فيه إلى أصله فإذا قال المانع من الصحة هذا غرر لأنه مستور تحت الأرض قيل كون هذا غررا أو ليس بغرر يرجع إلى الواقع لا يتوقف على الشرع فإنه من الأمور العادية المعلومة بالحس أو العادة مثل كونه صحيحا أو سقيما وكبارا أو صغارا ونحو ذلك فلا يستدل على وقوع أسباب الحكم بالأدلة الشرعية كما لا يستدل على شرعيته بالأدلة الحسية فكون الشيء مترددا بين السلامة والعطب وكونه مما يجهل عاقبته وتطوى مغبته أو ليس كذلك يعلم بالحس أو العادة لا يتوقف على الشرع ومن استدل على ذلك بالشرع فهو كمن استدل على أن هذا الشراب مسكر بالشرع وهذا ممتنع بل دليل إسكاره الحس ودليل تحريمه الشرع. فتأمل هذه الفائدة ونفعها ولهذه القاعدة عبارة أخرى وهي أن دليل سببية الوصف غير دليل ثبوته فيستدل على سببيته بالشرع وعلى ثبوته بالحس أو العقل أو العادة فهذا شيء وذلك شيء.(4\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "789",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7004",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: الأمر المطلق والجرح المطلق والعلم المطلق والترتيب المطلق والبيع المطلق والماء المطلق والملك المطلق غير مطلق الأمر والجرح والعلم إلى آخرها والفرق بينهما من وجوه: أحدها: أن الأمر المطلق لا ينقسم إلى أمر الندب وغيره فلا يكون موردا للتقسيم ومطلق الأمر ينقسم إلى أمر إيجاب وأمر ندب فمطلق الأمر ينقسم والأمر المطلق غير منقسم. الثاني: أن الأمر المطلق فرد من أفراد مطلق الأمر ولا ينعكس. الثالث: أن نفي مطلق الأمر يستلزم نفي الأمر المطلق دون العكس. الرابع: أن ثبوت مطلق الأمر لا يستلزم ثبوت الأمر المطلق دون العكس. الخامس: أن الأمر المطلق نوع لمطلق الأمر ومطلق الأمر جنس للأمر المطلق. السادس: أن الأمر المطلق مقيد بالإطلاق لفظا مجرد عن التقييد معنى ومطلق الأمر مجرد عن التقييد لفظا مستعمل في المقيد وغيره معنى. السابع: أن الأمر المطلق لا يصلح للمقيد ومطلق الأمر يصلح للمطلق والمقيد. الثامن: أن الأمر المطلق هو المقيد بقيد الإطلاق فهو متضمن للإطلاق والتقييد ومطلق الأمر غير مقيد وإن كان بعض أفراده مقيدا. التاسع: أن من بعض أمثلة هذه القاعدة الإيمان المطلق ومطلق الإيمان فالإيمان المطلق لا يطلق إلا على الكامل الكمال المأمور به ومطلق الإيمان يطلق على الناقص والكامل ولهذا نفى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان المطلق عن الزاني وشارب الخمر والسارق ولم ينف عنه مطلق الإيمان لئلا يدخل في قوله: والله ولي المؤمنين ولا في قوله: قد أفلح المؤمنون ولا في قوله: إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم إلى آخر الآيات ويدخل في قوله: فتحرير رقبة مؤمنة وفي قوله: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا وفي قوله: quot;لا يقتل مؤمن بكافر quot; وأمثال ذلك. فلهذا كان(4\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "790",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7005",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله تعالى: قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا نفيا للإيمان المطلق لا لمطلق الإيمان لوجوه: منها أنه أمرهم أو أذن لهم أن يقولوا أسلمنا والمنافق لا يقال له ذلك. ومنها أنه قال: قالت الأعراب ولم يقل قال المنافقون. ومنها أن هؤلاء الجفاة الذين نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات ورفعوا أصواتهم فوق صوته غلظة منهم وجفاء لا نفاقا وكفرا. ومنها أنه قال ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ولم ينف دخول الإسلام في قلوبهم ولو كانوا منافقين لنفى عنهم الإسلام كما نفى الإيمان. ومنها أن الله تعالى قال: وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا أي لا ينقصكم والمنافق لا طاعة له. ومنها أنه قال: يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم فأثبت لهم إسلامهم ونهاهم أن يمنوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو لم يكن إسلاما صحيحا لقال لم تسلموا بل أنتم كاذبون كما كذبهم في قولهم: نشهد إنك لرسول الله لما لم تطابق شهادتهم اعتقادهم. ومنها أنه قال: بل الله يمن عليكم ولو كانوا منافقين لما من عليهم. ومنها أنه قال: أن هداكم للإيمان ولا ينافي هذا قوله: قل لم تؤمنوا فإنه نفى الإيمان المطلق ومن عليهم بهدايتهم إلى الإسلام الذي هو متضمن لمطلق الإيمان. ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قسم القسم قال له سعد: أعطيت فلانا وتركت فلانا وهو مؤمن فقال: quot;أو مسلم ثلاث مراتquot; وأثبت له الإسلام دون الإيمان. وفي الآية أسرار بديعة ليس هذا موضعها والمقصود الفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان فالإيمان المطلق يمنع دخول النار ومطلق الإيمان يمنع الخلود فيها. العاشر: إنك إذا قلت الأمر المطلق فقد أدخلت اللام على الأمر وهي تفيد العموم والشمول ثم وصفته بعد ذلك بالإطلاق بمعنى أنه لم يقيد بقيد يوجب تخصيصه من شرط أو صفة وغيرهما فهو عام في كل فرد من الأفراد التي هذا شأنها وأما مطلق الأمر فالأضافه فيه ليست للعموم بل للتمييز فهو قدر مشترك مطلق لا عام فيصدق بفرد من أفراده وعلى هذا فمطلق البيع جائز والبيع المطلق ينقسم إلى جائز وغيره والأمر المطلق للوجوب ومطلق الأمر ينقسم إلى(4\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "791",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7006",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الواجب والمندوب والماء المطلق طهور ومطلق الماء ينقسم إلى طهور وغيره والملك المطلق هو الذي يثبت للحر ومطلق الملك يثبت للعبد. فإذا قيل العبد هل يملك أم لا يملك كان الصواب إثبات مطلق الملك له دون الملك المطلق. وإذا قيل هل الفاسق مؤمن أم غير مؤمن فهو على هذا التفصيل والله تعالى أعلم. فبهذا التحقيق يزول الإشكال في مسألة المندوب هل هو مأمور به أم لا وفي مسألة الفاسق هل هو مؤمن أم لا. فائدة: نص الشافعي على أن البيع لا ينعقد إلا بالإيجاب والقبول وخرج ابن شريح له قولا أنه ينعقد بالمعاطاة واختلف أصحابه من أين خرجه فقال بعضهم: خرجه من قوله في الهدي: quot;إذا عطب قبل المحل فإن المهدي ينحره ويغمس نعله في دمه ويخلي بينه وبين المساكين ولا يحتاج إلى لفظ بل القرينة كافيةquot;. واعترض على هذا التخريج بأن ذلك من باب الإباحات وهي مبنية على المسامحات يغتفر فيها ما لا يغتفر في غيرها كتقديم الطعام للضيف والبيع من باب المعاوضات التي تعقد على المسامحة ويطلب الشارع قطع النزاع والخصومة بكل طريق. وقال بعضهم: هو مخرج عن مسألة الغسال والطباخ ونحوهما فإنه يستحق الأجرة مع انه لم يسم شيئا. واعترض على ذلك بأنه لا نص للشافعي فيها إلا عدم الاستحقاق وإنما قال بعض أصحابه يستحق الأجرة. وقال بعضهم: هو مخرج من مسألة الخلع إذا قال لها أنت طالق إن أعطيتني ألفا فوضعتها بين يديه فإنها تطلق ويملك الألف مع أنه لم يصدر منها لفظ يدل على التمليك. وحكى أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام كان يرجع التخريج من ههنا واعترض عليه بأن في الخلع شائبة التعلق(4\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "792",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7007",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمعاوضة وأما البيع فمعاوضة محضة ولهذا يصح الخلع بالمجهول دون البيع. فائدة: ما علق جواز البدل فيه على فقد المبدل فإذا فقدا معا فهل يجب عليه تحصيل المبدل أو يتخير بينه وبين البدل فيه خلاف وعليه إذا وجب عليه بنت مخاض فعدمها فابن لبون فإن عدمه فقولان: أحدهما: متخير بينهما في الشراء. والثاني: أنه يتعين شراء الأصل. ومنها أنه لو ملك مائتين من الإبل وقلنا يخرج أربع حقاق فعدمها فهل يجوز أن يشترى خمس بنات لبون فيه خلاف. فائدة: ثلاثة من الصحابة جمعوا بين كونهم أنصارا ومهاجرين ذكرهم ابن إسحاق في سيرته: - أحدهم ذكوان بن عبد قيس من بنى الخزرج قال ابن إسحاق: quot;كان خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معه بمكة المكرمة ثم هاجر منها إلى المدينة وكان يقال له مهاجري أنصاري شهدا بدرا وقتل بأحد شهيداquot;. - والعباس بن عبادة بن نضلة من بني الخزرج أيضا قال ابن إسحاق: quot;كان فيمن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة المكرمة فأقام معه بها قتل يوم أحد شهيدا. - وعقبة بن وهب خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة المنورة إلى مكة وكان يقال له مهاجري أنصاري حليف لبني الخزرج.(4\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "793",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7008",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: إذا قال الحاكم المولى: كنت حكمت بكذا قبل قوله عند أحمد والشافعي والجمهور وعند مالك لا يقبل قوله. قال الجمهور هو يملك للإنشاء فيملك الإقرار كولي المجبرة إذا قال زوجتها من فلان قبل قوله اتفاقا. قال أصحاب مالك الفرق بينهما أن ولي المجبرة غير متهم بخلعها لكمال شفقته وكمال رعايته لمصالح ابنته بخلاف الحاكم. قال أصحاب القول: وكذلك نحن إنما نقبل قول الحاكم: quot;حكمتquot; حيث تنتفي التهمة فأما إذا كان تهمة لم يقبل. قال أصحاب مالك: هذا نفسه في مظنة التهمة فوجب رده كما يرد حكمه لنفسه وحكمه بعلمه فمظنة التهمة كافيه وأما الأب فهو في مظنة كمال الشفقة ورعاية مصلحة ابنته فافترقا وهذا فقه ظاهر ومأخذ حسن والإنصاف أولى من غيره. فائدة: إذا حلف على شيء بالطلاق الثلاث أنه لا يفعله ثم خلع ولم يفعله ثم تزوجها فقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: quot;الصحيح أنه لا يعود الحنثquot; فذكر له اختيار الشيخ أبي إسحاق في كتاب الطلاق فقال: quot;ذلك غلطquot; قال: quot;ومأخذنا في هذه المسألة أنه لو عاد الحنث في النكاح الثاني تملك بالعقد الواحد أكثر من ثلاث تطليقاتquot; بيانه أن النكاح يملك به ثلاثا والتنجيز كالتعليق فإنه يملك بالعقد الطلاق المنجز والمعلق ولا يزيد ذلك على ثلاث فلو عاد الحنث لملك ثلاثا بالعقد لو نجزها لوقعت(4\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "794",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7009",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وملك المعلق بتقدير عود الحنث وهو محال. فائدة: ربما يظن بعض الناس أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر ليال فإذا طلع فجر الليلة العاشرة انقضت العدة. ووقع في التنبيه: quot;وإن كانت أمة اعتدت بشهرين وخمس ليالquot; ويقوي هذا الوهم حذف التاء من العشر وإنما يحذف مع المؤمن نحو سبع ليال وثمانية أيام. وجواب هذا أن المعدود إذا ذكر مع عدده فالأمر كما ذكر تحذف التاء مع المؤنث وتثبت مع المذكر وإذا ذكر العدد دون معدوده المذكر جاز فيه الوجهان حذف التاء وذكرها حكاه الفراء وابن السكيت وغيرهما وعلي هذا جاء قوله: quot;من صام رمضان واتبعه بست من شوالquot; ولم يقل: quot;بستةquot; وقوله تعالى: يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا فهذه أيام بدليل ما بعدها وعلى هذا فلا تنقضي العدة حتى تغيب شمس اليوم العاشر وما وقع في التنبيه فغلط والله تعالى أعلم. ووقع له هذا في باب العدد وباب الاستبراء. فائدة: المرضع من لها ولد ترضعه والمرضعة من ألقمت الثدي للرضيع وعلى هذا فقوله تعالى: يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت أبلغ من مرضع في هذا المقام فإن المرأة قد تذهل عن الرضيع إذا كان غير مباشر للرضاعة فإذا التقم الثدي واشتغلت برضاعه لم تذهل عنه إلا لأمر أعظم عندها من اشتغالها(4\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "795",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7010",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالرضاع. وتأمل - رحمك الله تعالى - السر البديع في عدوله سبحانه عن كل حامل إلى قوله: ذات حمل فإن الحامل قد تطلق على المهيأة للحمل وعلى من هي في أول حملها ومبادئه فإذا قيل ذات حمل لم يكن إلا لمن ظهر حملها وصلح للوضع كاملا أو سقطا كما يقال ذات ولد فأتى في المرضعة بالتاء التي تحقق فعل الرضاعة دون التهيؤ لها وأتى في الحامل بالسبب الذي يحقق وجود الحمل وقبوله للوضع والله تعالى أعلم. فائدة: قال الشيخ تاج الدين: quot;سئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام عن معنى قول الفقهاء للمطلق الطلاق الرجعي (قل راجعت زوجتي إلى نكاحي) ما معناه وهي لم تخرج من النكاح فإنها زوجة في جميع الأحكام فقلت له: معناه إنها رجعت إلى النكاح الكامل الذي لم تكن فيه صائرة إلى بينونة بانقضاء زمان وبالطلاق صارت إلى بينونة بانقضاء العدةquot; فقال: quot;أحسنتquot;. فائدة: القاضي والمفتى مشتركان في أن كلا منهما يجب عليه إظهار حكم الشرع في الواقعة ويتميز الحاكم بالإلزام به وإمضائه فشروط الحاكم ترجع إلى شروط الشاهد والمفتى والوالي فهو مخبر عن حكم الشارع بعلمه مقبول بعدالته منفذ بقدرته.(4\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "796",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7011",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: كان الشيخ عز الدين يستشكل مذهب الشافعي في أن حجر الصبي يستمر بمجرد الفسق والسفه في الدين وقال: quot;قد اتفق الناس على أن المجهول يسمع الحاكم دعواه والدعوى عليه فالغالب في الناس وجودا عدم الرشد في الدين فلو كان الصلاح في الدين شرطا في كل الحجر لزم أن لا يسمع دعوى المجهول ولا إقراره وذلك خلاف الإجماع المستمر عليه العملquot;. فائدة: اختلف الناس هل السماء أشرف من الأرض أم الأرض أشرف من السماء فالأكثرون على الأول. واحتج من فضل الأرض بأن الله تعالى أنشأ منها أنبياءه ورسله وعباده المؤمنين وبأنها مساكنهم ومحله أحياء وأمواتا وبأن الله سبحانه وتعالى لما أراد إظهار آدم للملائكة قال: إني جاعل في الأرض خليفة فأظهر فضله عليهم بعلمه واستخلافه في الأرض وبأن الله سبحانه وتعالى وضعها بأن جعلها محل بركاته عموما وخصوصا فقال: وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ووصف الشام بالبركة في ست آيات ووصف بعضها بأنها مقدسة ففيها الأرض المباركة والمقدسة والوادي المقدس وفيها بيته الحرام ومشاعر الحج والمساجد التي هي بيوته سبحانه والطور الذي كلم عليه كليمه ونجيه وبإقسامه سبحانه بالأرض عموما وخصوصا أكثر من إقسامه بالسماء فإنه أقسم بالطور والبلد الأمين والتين والزيتون ولما أقسم بالسماء أقسم بالأرض معها وبأنه سبحانه خلقها قبل خلق(4\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "797",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7012",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السماء كما دلت عليه سورة (حم السجدة) وبأنها مهبط وحيه ومستقر كتبه ورسله ومحل أحب الأعمال إليه وهو الجهاد والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومغايظة أعدائه ونصر أوليائه وليس في السماء من ذلك شيء وبأن ساكنيها من الرسل والأنبياء والمتقين أفضل من سكان السماء من الملائكة كما هو مذهب أهل السنة فمسكنهم أشرف من مسكن الملائكة وبأن ما أودع فيها من المنافع والأنهار والثمار والمعارف والأقوات والحيوان والنبات ما هو من بركاتهم لم يودع في السماء مثله وبأن الله سبحانه قال: وفي الأرض آيات للموقنين ثم قال: وفي السماء رزقكم وما توعدون فجعل الأرض محل آياته والسماء محل رزقه ولو لم يكن له فيها إلا بيته وبيت خاتم أنبيائه ورسله حيا وميتا وبأن الأرض جعلها الله قرارا وبساطا ومهادا وفراشا وكفاتا ومادة للساكن لملابسه وطعامه وشرابه ومراكبه وجميع آلاته ولا سيما إذا أخرجت بركتها وازينت وأنبتت من كل زوج بهيج. قال المفضلون للسماء على الأرض: يكفي في فضلها أن رب العالمين سبحانه فيها وأن عرشه وكرسيه فيها وأن الرفيق الأعلى الذي أنعم الله عليه فيها وأن دار كرامته فيها وانها مستقر أنبيائه ورسله وعباده المؤمنين يوم الحشر وأنها مطهرة مبرأة من كل شر وخبث ودنس يكون في الأرض ولهذا لا تفتح أبوابها للأرواح الخبيثة ولا يلج ملكوتها ولأنها مسكن من لا يعصون الله طرفة عين فليس فيها موضع أربع أصابع إلا وملك ساجد أو قائم وبأنها أشرف مادة من الأرض وأوسع وأنور وصفى وأحسن خلقه وأعظم آيات وبأن الأرض محتاجة في كمالها إليها ولا تحتاج هي إلى الأرض ولهذا جاءت في كتاب الله في غالب المواضع مقدمة على الأرض وجمعت وأفردت الأرض فبشرفها وفضلها أتى بها مجموعة وأما الأرض فلم يأت بها إلا مفردة وحيث أريد تعدادها قال: ومن الأرض وهذا القول هو الصواب والله سبحانه وتعالى أعلم.(4\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "798",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7013",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: فرق النكاح عشرون فرقة: الأولى: فرقة الطلاق الثانية: الفسخ للعسرة بالمهر الثالثة: الفسخ للعسر عن النفقة الرابعة: فرقة الإيلاء الخامسة: فرقة الخلع السادسة: تفريق الحكمين السابعة: فرقة العنين الثامنة: فرقة اللعان التاسعة: فرقة العتق تحت العبد العاشرة: فرقة الغرور الحادية عشر: فرقة العيوب الثانية عشرة: فرقة الرضاع الثالثة عشر: فرقة وطء الشبهة حيث تحرم الزوجة الرابعة عشر: فرقة إسلام أحد الزوجين الخامسة عشر: فرقة ارتداد أحدهما السادسة عشر: فرقة إسلام الزوج وعنده اختان أو أكثر من أربع أو امرأة وعمتها أو امرأة وخالتها السابعة عشر: فرقة السبا الثامنة عشر: فرقة ملك أحد الزوجين صاحبة التاسعة عشر: فرقة الجهل بسبق أحد النكاحين العشرون: فرقة الموت. فهذه الفروق منها إلى المرأة وحدها فرقة الحرية والغرور والعيب ومنها إلى الزوج وحده الطلاق والغرور والعيب أيضا ومنها ما للحاكم فيه مدخل وهو فرقة العنين والحكمين والإيلاء والعجز عن النفقة والمهر ونكاح الوليين ومنها ما لا يتوقف على أحد الزوجين ولا الحاكم هو اللعان والردة والوطء بالشبهة وإسلام أحدهما وملك احد الزوجين صاحبة والرضاع. وهذه الفرق منها ما لا يتلافى إلا بعد زوج وإصابة وهو استيفاء الثلاث ومنها ما لا يتلافى أبدا وهو فرقة اللعان والرضاع والوطء بشبهة ومنها مالا يتلافى في العدة خاصة وهي فرقة الردة وإسلام احد الزوجين الطلاق الرجعي ومنها ما يتلافى بعقد جديد وهي فرقة الخلع والإعسار بالمهر والنفقة وفرقة الإيلاء والعيوب والغرور وكلها فسخ إلا الطلاق وفرقة الإيلاء والفرقة بالحكمين.(4\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "799",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7014",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: حيث أطلق الفقهاء لفظ الشك فمرادهم به التردد بين وجود الشيء وعدمه سواء تساوى الاحتمالان أو رجح أحدهما كقوله: إذا شك في نجاسة الماء أو طهارته أو أنتقاض الطهارة أو حصولها أو فعل ركن في الصلاة أو شك هل طلق واحدة أو أكثر أو شك هل غربت الشمس أم لا ونحو ذلك بنى على اليقين ويدل على صحة قوله صلى الله عليه وسلم: quot; وليطرح الشك وليبن على ما أستيقن quot;. وقال أهل اللغة: الشك خلاف اليقين وهذا ينتقض بصور: منها أن الإمام متى تردد في عدد الركعات بنى على الأغلب من الاحتمالين. ومنها أنه إذا شك في الأولى بنى على الأغلب في ظنه عندما يجوز له التحري. ومنها أنه إذا شك في القبلة بنى على غالب ظنه في الجهات. ومنها أنه إذا شك في دخول وقت الصلاة جاز له أن يصلى إذا غلب على ظنه دخول الوقت. ومنها أنه إذا غلب على ظنه عدالة الراوي والشاهد عمل بها ولم يقف على اليقين. ومنها إذا شك في المال هل هو نصاب أم لا وغلب على ظنه أنه نصاب فإنه يزكيه كما لو أخبره خارص واحد بأنه نصاب. ومنها لو وجد في بيته طعاما وغلب على ظنه أنه أهدى له جاز له الأكل وإن لم يتيقن كما لو أخبره بد ولده أو امرأته. ومنها أنه لو شك في مال زيد هل هو حلال أم حرام وغلب على ظنه أنه حرام فإنه لا يجوز له الأكل منه. ونظائر ذلك كثيرة جدا فما ذكر من القاعدة ليس بمطرد.(4\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "800",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7015",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: إذا تزاحم حقان في محل أحدهما متعلق بذمة من هو عليه والآخر متعلق بعين من هي له قدم الحق المتعلق بالعين على الآخر لأنه يفوت بفواتها بخلاف الحق الآخر وعلى ذلك مسائل: أحدها: إذا جنى العبد المرهون قدم المجنى عليه بموجب جنايته على المرتهن لاختصاص حقه بالعين خلاف المرتهن. الثانية: إذا جنى عبد المدين قدم المجنى عليه على الغرماء كذلك. الثالثة: إذا تشاح البائع والمشتري في المبتدىء بالتسليم فإن كانا عينين جعل بينهما عدل وإن كان الثمن في الذمة أجبر البائع على تسليم المبيع أولا لتعلق حقه بعين المبيع بخلاف المشتري فإن حقه متعلق بذمة البائع. قاعدة: فرق بين ما ثبت ضمنا وبين ما ثبت أصالة بأنه يغتفر في الثبوت الضمني ما لا يغتفر في الأصل وعلى ذلك مسائل: ومنها لو أقر المريض بمال لوارث لم يقبل إقراره ولو اقر بوارث قبل إقراره واستحق ذلك المال وغيره. ومنها لو اشترى منه سلعة فخرجت مستحقة رجع عليه بدرك المبيع وقد تضمن شراؤه منه إقراره له بالملك وقد أقر له بالملك صريحا ثم اشتراها فخرجت مستحقة لا يرجع عليه بالدرك. ومنها لو قال الكافر لمسلم أعتق عبدك المسلم عنى وعلى ثمنه فإنه يصح في أحد الوجهين ونظيره إذا أعتق الكافر الموسر شركا له في عبد مسلم عتق عليه(4\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "801",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7016",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جميعه في أحد الوجهين ولو قال للمسلم يعني عبدك المسلم حتى أعتقه لم يصح بيعه. قاعدة: ما تبيحه الضرورة يجوز الاجتهاد فيه حال الاشتباه وما لا تبيحه الضرورة فلا وعلى هذه مسائل: أحدها: إذا اشتبهت أخته بأجنبية لم يجز له الاجتهاد في أحدهما. الثانية: طلق إحدى امرأتيه واشتبهت عليه لم يجز له أن يجتهد في إحداهما. الثالثة: اشتبه عليه الطاهر بالنجس لم يجب عليهم أن يتحرى في أحدهما وهذا بخلاف ما لو اشتبهت ميتة بمذكاة أو طاهر بنجس للشرب عند الضرورة تبيحه وتبيح ترك القبلة في حال المسايفة وغيرها. قاعدة: ما بطل حكمه من الأبدال بحصول مبدله لم يبق متعبدا به بحال فإن وجود المبدل بعد الشروع فيه كوجوده قبل الشروع فيه وما لم يبطل حكمه رأسا بل بقى معتبرا في الجملة لم يبطل وجود المبدل بعد الشروع فيه وعلى هذا مسائل: إحداهما: المعتدة بالأشهر إذا صارت من ذوات القرء قبل انقضاء عدتها أنتقلت إليها لبطلان اعتبار الأشهر حال الحيض. الثانية: المتيمم إذا قدر على الماء بعد التيمم سواء شرع في الصلاة أولم يشرع فيها بطل تيممه. الثالثة: إذا شرع في صوم الكفارة ثم قدر على الإطعام أو العتق لم يلزمه الانتقال عنه إليهما لأن الصوم(4\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "802",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7017",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يبطل اعتباره بالقدرة على الطعام بل هو معتبر في كونه عبادة وقربة وقد شرع فيه كذلك ولم يبطل تقربه وتعبده به. الرابعة: المتمتع إذا شرع في الصوم ثم قدر على الهدي لم يلزمه الانتقال لذلك وفرق ثان أن الاعتبار في الكفارات بحال وجوبها على المكلف لأنه حال استقرار الواجب في ذمته فالواجب عليه أداؤها كما وجبت في ذمته ولهذا لو قدر على الطعام بعد الحنث وقبل الصوم لم يلزمه الانتقال إليه كذلك بخلاف العدة والصلاة فإن الواجب عليه أداء الصلاة على أكمل الأحوال وإنما أبيح له ترك ذلك للضرورة وما أبيح بشرط الضرورة فهو عدم عند عدمها وكذلك العدة سواء. قاعدة: المكلف بالنسبة إلى القدرة والعجز في الشيء المأمور به والآلات المأمور بمباشرتها من البدن له أربعة أحوال: إحداهما: قدرته بهما فحكمه ظاهر كالصحيح القادر على الماء والحر القادر علىالرقبة الكاملة الثانية: عجزه عنهما كالمريض العادم للماء والرقيق العادم للرقبة فحكمه أيضا ظاهر الثالثة: قدرته ببدنه وعجزه عن المأمور به كالصحيح العادم للماء والعاجز عن الرقبة في الكفارة فحكمه الانتقال إلى بدله إن كان له بدل يقدر عليه كالتيمم أو الصيام في الكفارة ونحو ذلك فإن لم يكن له بدل سقط عنه وجوبه كالعريان العاجز عن ستر عورته في الصلاة فإنه يصلى ولا يعيد الرابعة: عجزه ببدنه وقدرته على المأمور أو بدنه فهو مورد الإشكال في هذه الأقسام وله صور: إحداها: المغصوب الذي لا يستمسك على الراحلة وله مال يقدر أن يحج به عنه فالصحيح وجوب الحج عليه بماله لقدرته على المأمور به وإن عجز عن مباشرته هو بنفسه(4\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "803",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7018",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا قول الأكثرين ونظيره القادر على الجهاد بماله العاجز ببدنه يجب عليه الجهاد بماله في أصح قولي العلماء وهما رويتان منصوصتان عن أحمد رحمه الله تعالى الصورة الثانية: الشيخ الكبير العاجز عن الصوم القادر على الإطعام فهذا يجب عليه الإطعام عن كل يوم مسكينا في اصح أقوال العلماء الصورة الثالثة: المريض العاجز عن استعمال الماء فهذا حكمه حكم العادم وينتقل إلى بدله كالشيخ العاجز عن الصيام ينتقل إلى الإطعام. وضابط هذا أن المعجوز عنه في ذلك كله إن كان له بدل أنتقل إلى بدله وإن لم يكن له بدل سقط عنه وجوبه. فإذا تمهدت هذه القاعدة ففرق بين العجز ببعض البدن والعجز عن بعض الواجب فليسا سواء بل متى عجز ببعض البدن لم يسقط عنه حكم البعض الآخر وعلى هذا إذا كان بعض بدنه جريحا وبعضه صحيحا غسل الصحيح وتيمم للجريح على المذهب الصحيح كما دل عليه حديث الجريح. ونظيره إذا ملك المعتق بعض ما يتمكن به من عتق واجب لزمه الإعتاق. ونظيره إذا ذهب بعض أعضاء وضوئه وجب عليه غسل الباقي وأما إذا عجز عن بعض الواجب فهذا معترك الإشكال حيث يلزمه به مرة ولا يلزمه به مرة ويخرج الخلاف مرة فمن قدر على إمساك بعض اليوم دون إتمامه لم يلزمه اتفاقا ومن قدر على بعض مناسك الحج وعجز عن بعضها لزم فعل ما يقدر عليه ويستناب عنه فيما عجز عنه ولو قدر بعض رقبة وعجز عن كاملة لم يلزمه عتق البعض ولو قدر على بعض ما يكفيه لوضوئه أو غسله لزمه استعماله في الغسل وفي الوضوء وجهان: أحدهما: يلزمه والثاني: له أن ينتقل إلى التيمم ولا يستعمل الماء. وضابط الباب أن ما لم يكن جزؤه عبادة مشروعة لا يلزمه الإتيان به كإمساك بعض اليوم وما كان جزؤه عبادة مشروعة لزمه الإتيان به كتطهير الجنب بعض أعضائه فإنه يشرع كما عند النوم والأكل والمعاودة يشرع له الوضوء تخفيفا للجنابة. وعلى هذا جوز الإمام أحمد للجنب أن يتوضأ ويلبث في المسجد كما كان الصحابة يفعلونه وإذا ثبت(4\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "804",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7019",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تخفيف الحدث الأكبر في بعض البدن فكذلك الأصغر. يبقى أن يقال: فهذا ينتفض عليكم بالقدرة على عتق بعض العبد فإنه مشروع ومع هذا فلا يلزمونه به. قيل: الفرق بينه وبين القدرة على بعض الطهارة أن الله سبحانه وتعالى إنما نقل المكلف إلى البدن عند عدم ما يسمى ماء فقال تعالى: فلم تجدوا ماء فتيمموا وبعض ماء الطهارة ماء لا يتيمم مع وجوده. وأما في العتق فإن الله سبحانه وتعالى نقله إلى الإطعام والصيام عند استطاعه إعتاق الرقبة فقال: فمن لم يستطع لا ريب فيه أن المعنى فمن لم يستطع فتحرير رقبة ولا يحتمل الكلام غير هذا البتة والقادر على بعض الرقبة غير مستطيع تحرير رقبة والله سبحانه وتعالى أعلم. فهذا ما ظهر لي في هذه القاعدة. فائدة: من وجب عليه شيء وأمر بإنشائه فامتنع فهل يفعله الحاكم عنه أو يجبره عليه فيه خلاف مأخذه أن الحاكم نصب نائبا ووكيلا من جهة الشارع لصاحب الحق حتى يستوفيه له أو مجبرا وملزما لمن هو عليه حتى يؤديه فإذا اجتمع الأمران في حكم فهل يغلب وصف الإلزام والإجبار أو وصف الوكالة والنيابة هذا سر المسألة وعلى هذا مسائل: إحداها: المولى إذا امتنع من الفيئة والطلاق فهل يطلق الحاكم عليه أو يجبره على الطلاق فيه خلاف. الثانية: إذا امتنع من الإنفاق على رقيقة أو على بهيمته لإعساره كلف بيع البعض للإنفاق على الباقي فإذا امتنع فهل يجبره عليه أو يبيع الحاكم عليه فيه خلاف أيضا. الثالثة: إذا اشترى عبدا بشرط العتق وامتنع من عتقه وقلنا لا نجبر البائع بين الفسخ والإمضاء فهل يجبر على العتق أو يعتق الحاكم فيه خلاف.(4\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "805",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7020",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: الشافعي رضي الله عنه يبالغ في رد الاستحسان وقد قال به في المسائل: الأولى: أنه استحسن في المتعة في حق الغني أن يكون خادما وفي حق الفقير مقنعة وفي حق المتوسط ثلاثين درهما. الثانية: استحسن التحليف بالمصحف. الثالثة: أنه استحسن في خيار الشفعة أن تكون ثلاثة أيام. الرابعة: أنه نص في أحد أقواله أنه يبدأ في النضال بمخرج السبق اتباعا لعادة الرماة قال: quot;أصحابه هو استحسانquot;. فائدة: من أصول مالك اتباع عمل أهل المدينة وإن خالف الحديث وسد الذرائع وإبطال الحيل ومراعاة المقصود والنيات في العقود واعتبار القرائن وشواهد الحال في الدعاوى والحكومات والقول بالمصالح والسياسة الشرعية. ومن أصول أبي حنيفة الاستحسان وتقديم القياس وترك القول بالمفهوم ونسخ الخاص المتقدم بالعام المتأخر والقول بالحيل. ومن أصول الشافعي مراعاة الألفاظ والوقوف معها وتقديم الحديث على غيره. ومن أصول أحمد الأخذ بالحديث ما وجد إليه سبيلا فإن تعذر فقول الصحابي ما لم يخالف فإن اختلف أخذ من أقوالهم بأقواها دليلا وكثيرا ما يختلف قوله عند اختلاف أقوال الصحابة فإن تعذر عليه ذلك كله أخذ بالقياس عند الضرورة وهذا قريب من أصول الشافعي بل هما عليه متفقان.(4\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "806",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7021",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: شرط العمل بالظنيات الترجيح عند التعارض فإن وقع التساوي ففيه قولان التخيير والتوقف فإن كان طريق التقليد فهل يشترط الترجيح في أعيان من يقلده فيه وجهان فإن كان طريق العمل اليقين فلا مدخل للترجيح هناك إذ الترجيح إنما يكون بين متعارضين ولا تعارض في اليقينيات وهل تسمع المعارضة فيها فيه لأهل الجدل قولان منهم من يسمعها ومنهم من لا يسمعها والحق التفصيل أنها إن كانت معارضة في مقدمة قطعية لم تسمع بحال وإن كانت معارضة في غيرها سمعت. فائدة: الحقوق المالية الواجبة لله تعالى أربعة أقسام: أحدها: حقوق المال كالزكاة فهذا يثبت في الذمة بعد التمكن من أدائه فلو عجز عنه بعد ذلك لم يسقط ولا يثبت في الذمة إذا عجز عنه وقت الوجوب وألحق بهذا زكاة الفطر. القسم الثاني: ما يجب بسبب الكفارة ككفارة الأيمان والظهار والوطء في رمضان وكفارة القتل فإذا عجز عنها وقت انعقاد أسبابها ففي ثبوتها في ذمته إلى الميسرة أو سقوطها قولان مشهوران في مذهب الشافغي وأحمد. القسم الثالث: ما فيه معنى ضمان المتلف كجزاء الصيد وألحق به فدية الحلق والطيب واللباس في الإحرام فإذا عجز عنه وقت وجوبه ثبت في ذمته تغليبا لمعنى الغرامة وجزاء المتلف وهذا في الصيد ظاهر(4\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "807",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7022",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما في الطيب وبابه فليس كذلك لأنه ترفه لا إتلاف إذ الشعر والظفر ليسا بمتلفين ولم تجب الفدية في إزالتها في مقابلة الإتلاف لأنها لو وجبت لكونها إتلافا لتقيدت بالقيمة ولا قيمة لها وإنما هي من باب الترفه المحض كتغطيه الرأس واللباس فأي إتلاف ههنا وعلى هذا فالراجح من الأقوال أن الفدية لا تجب مع النسيان والجهل. القسم الرابع: دم النسك كالمتعة والقرآن فهذه إذا عجز عنها وجب عنها بدلها من الصيام فإن عجز عنها ترتب في ذمته أحدهما فمتى قدر عليه لزمه وهل الاعتبار بحال الوجوب أو بأغلظ الأحوال فيه خلاف. وأما حقوق الآدميين فإنها لا تسقط بالعجز عنها لكن إن كان عجزه بتفريط منه في أدائها بها الآخرة وأخذ لأصحابها في حسناته وإن كان عجزه بغير تفريط كمن احترق ماله أو غرق أو كان الإتلاف خطأ مع عجزه عن ضمانه ففي إشغال ذمته به وأخذ أصحابها من حسناته نظر ولم أقف على كلام شاف للناس في ذلك والله تعالى أعلم. فائدة: قولهم من ملك الإنشاء لعقد ملك الإقرار به ومن عجز عن إنشائه عجز عن الإقرار به غير مطرد ولا منعكس فأما اختلال طرده ففي مسائل: أحدها: ولي المرأة غير المجبرة يملك إنشاء العقد عليها دون الإقرار به الثانية: الوكيل في الشراء إذا أنه اشترى ما وكل فيه وأنكره الموكل لم يقبل إقراره عليه مع ملكه لإنشائه الثالثة: الوكيل بالبيع إذا أقر به وأنكر الموكل فالقول قول الموكل وأما اختلال عكسه ففي مسائل: الأولى: أن العاقل لا يملك إنشاء إرقاق نفسه ولو أقر به قبل فهذا عاجز عن الإنشاء قادر على الإقرار. الثانية: المرأة عاجزة عن إنشاء النكاح ولو أقرت به قبل إقرارها. الثالثة: لو أقر العبد المأذون بعد الحجر عليه بدين قبل إقراره ولم يملك الإنشاء. الرابعة: لو(4\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "808",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7023",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أقر المريض لأجنبي أنه كان وهبه في الصحة ما يزيد على الثلث قبل إقراره في أصح الروايتين ولم يملك الإنشاء. الخامسة: الحاكم إذا بعد قال العزل كنت حكمت في ولايتي لفلان على فلان بكذا قبل قوله وحده وإن لم يملك الإنشاء وكذلك لو قال القاضي المعزول عن مال في يد أمين أقر أنه تسلمه منه هو لفلان وقال الأمين بل هو لفلان قبل قول القاضي دون الأمين. وهذه المسألة مما يعيا بها وهي رجلان في يد أحدهما مال وهو أمين عليه والآخر ليس المال في يده ولا له حكم ولا هو أمين عليه يقبل إقرار هذا الثاني في المال دون الأمين من كان يعلم أن الموت مدركه ... والقبر مسكنه والبعث مخرجه وأنه بين جنات ستبهجه ... يوم القيامة أو نار ستنضجه فكل شيء سوى التقوى به سمج ... وما أقام عليه منه أسمجه ترى الذي اتخذ الدنيا له وطنا ... لم يدر أن المنايا سوف تزعجه تظل على أكتاف أبطالها القنا ... وهاتيك في أغمارهن المناصل تحامى الرزايا ضف ومنسم ... وتلقى رداهن الذرى والكواهل وترجع أعقاب الرماح سليمة ... وقد حطمت في الدارعين العوامل فإن كنت تبغي العيش فاقنع توسطا ... فعند التناهي يقصر المتطاول مسائل: هل يجوز للحاكم أن يسمع شهادة أبية وابنه ويحكم بها أجاب أبو الخطاب يجوز له سماع شهادتهما لغيره ويحكم بها. جواب ابن عقيل يجوز إذا لم يتعلق عليهما من ذلك تهمة ولم يوجب لهما بقبول شهادته ريبة لم تثبت بطريق التزكية. إذا سأل الحاكم الشهود عن مستند شهادتهم فقالوا أخبرنا جماعة أجاب أبو(4\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "809",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7024",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخطاب: quot;تقبل شهادتهم في ذلك ويحكم فيه بشهادة الاستفاضةquot; وأجاب ابن عقيل quot;إن صرحا بالاستفاضة أو استفاض بين الناس قبل في الوفاة والنسب جميعاquot;. من فتاوى أبي الخطاب وابن عقيل وابن الزاغوني: هل للذمي أن يصلى بإذن المسلم أجاب أبو الخطاب لا يجوز له أذن المسلم أو لم يأذن لأنه حق لله تعالى لله تعالى وأجاب ابن عقيل مثله. هل يصح أن توقف على المسجد ستور أجاب أبو الخطاب يصح وقفها على المسجد ويبيعها وينفق أثمانها على عمارته ولا ستر حيطانه بخلاف الكعبة الشريفة فإنها خصت بذلك كما خصت بالطواف حولها وأجاب ابن عقيل لا ينعقد هذا الوقف رأسا لأنه بدعة وهو على حكم الميراث. إذا وجد لقطه فخاف إذا عرفها أن ينتزعها منه ظالم أجاب أبو الخطاب لا يكون معذورا في ترك التعريف ولا يملكها إلا بعد تعريفها أجاب ابن عقيل التعريف يراد به حفظها على مالكها وهذا التعريف يفضي إلى تضييعها فيدعها أبدا في يده إلى أن يجد فسحة وأمنا فيعرفها حولا. إذا وجد في البرية شاة فذبحها وجب عليه ضمانها إذا جاء مالكها وفي المصر يعرفها لأن الظاهر أنها خرجت من دار أهل المحلة بخلاف البرية هذا جواب أبي الخطاب وجواب ابن عقيل لا يجوز له ذبحها أوان ذبحها ثم ولزمه ضمان قيمتها. إذا صادر السلطان إنسانا وعنده وديعة هل يضمن أجاب أبو الخطاب عليه الإثم والضمان إذا فرط فيها فإن تحقق أنه يتأذى في نفسه كان عليه الضمان من غير إثم فإن استدعى السلطان المودع إذا لم يدله عليها وأخذت بغير اختياره فلا ضمان عليه جواب ابن عقيل إذا غلب على ظنه أنه يأخذها منه بإقراره وكان ذلك دلالة عليها وعليه الضمان. إذا كان عنده وديعة فاعترض السلطان لها ظلما أجاب أبو الخطاب إن حلف وورى عنها وتأول كان مثابا مثل أن يحلف أنه لم يودعني في المسجد الحرام أو بموضع لم يسلكاه أو في زمان كرمضان ونحوه فإن لم يحلف وأخذها السلطان من حرزه لم يضمن فإن طلب منه أن يحلف بالطلاق فدفعها إليه أو دله على مكانها ضمن وأجاب ابن عقيل لا يسقط الضمان بخوفه(4\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "810",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7025",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من وقوع الطلاق بل يضمن بدفعها إليه لأنه افتدى بها عن ضرره بوقوع الطلاق إذا كان كلب المسلم قد علمه مجوسي فهل يجوز أن يصطاد به أجاب أبو الخطاب وابن عقيل بالإيجاب. هل يجوز كتابة المصحف بالذهب وهل تجب فيه الزكاة فإن وجبت فهل يجوز حكه لمعرفة قدره أجاب أبو الخطاب تجب فيه الزكاة إن كان نصابا ويجوز له حكه وأخذه وسأل عنها ابن عقيل بن الزاغوني فأجاب إن كتابة القرآن بالذهب حرام لأنه من جملة زخرفة المصاحف ويؤمر بحكه ورفعه وإن كان مما إذا حك اجتمع منه شيء يتمول وجبت فيه الزكاة لأنه ينزل منزلة الأواني المحرمة وإن كان إذا حك لا يجتمع منه شيء كان بمنزلة التالف فلا شيء فيه. إذا أجرت امرأة نفسها للرضاع فكان الصوم ينقص من لبنها أو يغيره فطالبها أهل الصبي بالفطر في رمضان لأجل ذلك هل يجوز لها الفطر فإن لم يجز هل يثبت لأهل الصبي الخيار وما المانع من جوازه وقد قلنا يجوز للأم أن تفطر أجاب أبو الخطاب إذا كانت قد أجرت نفسها إجارة صحيحة جاز لها الإفطار إذا نقص لبنها أو تغير بحيث يتأذى بذلك المرتضع وإذا امتنعت لزمها ذلك فإن لم تفعل كان لأهل الصبي الخيار في الفسخ أجاب ابن الزاغوني وقد سئل عنها يجوز لها أن تؤجر نفسها للرضاع لولدها ولغير ولدها سواء وجد غيرها أو لم يوجد فإذا أدركها الصوم الفرض فإن كان لا يلحقها المشقة ولا يلحق الصبي الضرر لم يجز لها الفطر وإن لحقها المشقة في خاصتها دون الصبي جاز لها الفطر وتقضي ولا فدية عليها وإن لحقها ولحق الصبي المشقة والضرر جاز لها الفطر ووجب عليها مع القضاء الفدية وإن أبت الفطر مع تغيير اللبن ونقصانه بالصوم فمستأجرها لرضاع الصبي بالخيار في المقام على العقد وفي الفسخ فإن قصدت بالصوم الإضرار بالصبي أثمت وعصت وكان للحاكم إلزامها الفطر إذا طلب ذلك. إذا علم قردا أن يدخل دور الناس ويخرج المتاع فهل يقطع بذلك صاحبه أجاب أبو الخطاب: لا يلزمه القطع وأجاب ابن عقيل لاحكم لفعل القرد في نفسه ولا(4\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "811",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7026",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قطع على صاحبه وإنما عليه الرد لما أخذه والغرم لما أتلفه. وسئل ابن الزاغوني عن هذه المسألة بعينها وقيل له ما الفرق بينها وبين لو أمر صبيا لا يعقل بالقتل فإنه يجب القود على الآمر. فأجاب بأنه لا قطع ويجب الرد والضمان. وأما إذا أمر صبيا أو أعجميا فإنه يتعلق به الضمان لأن فعل الصبي أو الأعجمي مضمون في الخطأ على عاقلته. وقد قال قوم من الفقهاء للصبي عمل في القتل ولم يقل أحد في فعل القرد مثل ذلك. قلت: لو قيل بالقطع لكان أولى لأن القرد آلته فهو ككلابه وخطافته وكما لو رمي حبلا فيه دبق فعلق به المتاع ولا يقوى الفرق بين هذه الصورة ومسألة القرد. وقد قالوا لو أرسل عليه حية أو سبعا اقتله افتداه نزلوا الحية والسبع منزلة سلاحه فتنزيل القرد هنا منزلة آلته وعدته التي يتناول بها المتاع منه أولى فهذه الأسباب التي يخرج بها المسروق من الحرز لا يمكن الاحتراز منها غالبا وأسباب القتل يمكن التحرز منها غالبا. وأيضا فجناية القرد حصلت بتعليم صاحبه وجناية الحية والسبع لم يحصل بتعليم من أنهشها والله أعلم. إذا وطىء ميتة هل عليه إعادة غسلها أجاب ابن الزاعوني ينظر فيه فإن كان صلى عليها فلا غسل عليها لأن الغسل طهارتها لأجل الصلاة عليها وإن لم يكن صلى عليها أعيد غسلها. وقد اختلف أصحابنا في وطء الميتة هل يوجب الحد وينشر الحرمة على وجهين: أحدهما: يوجب الحد وينشر الحرمة فعلى هذا إيجاب الغسل أولى. والثاني: لا يجب الحد ولا ينشر الحرمة فعلى هذا يكون الأمر على التفصيل المتقدم. وأجاب أبو الخطاب عن هذه المسألة بأن قال: quot;يجب غسلها بعد الوطء كذا الظاهر عندي ولا أعرف فيه روايةquot;.(4\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "812",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7027",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فوائد شتى: قال القاضي: quot;نص أحمد على أن الإسراء كان يقظة وحكي له أن موسى بن عقبة قال: quot;أحاديث الإسراء منامquot; فقال: quot;هذا كلام الجهميةquot;. ونقل حنبل أن الرؤية منام ونقل الأثرم وغيره أنه رآه ولا يطلق سوى ذلك وقال أبو بكر النجار: quot;رآه إحدى عشرة مرة بالسنة تسع مرات ليلة المعراج حين كان يتردد بين موسى وبين ربه عز وجل ومرتين بالكتابquot;. فائدة: قال القاضي: quot;صنف المروزي كتابا في فضيلة النبي صلى الله عليه وسلم وذكر فيه إقعاده على العرشquot; قال القاضي: quot;وهو قول أبي داود وأحمد بن أصرم ويحيى بن أبي طالب وأبى بكر بن حماد وأبى جعفر الدمشقي وعياش الدوري وإسحاق بن راهوية وعبد الوهاب الوراق وإبراهيم الأصبهإني وإبراهيم الحربي وهارون بن معروف ومحمد بن إسماعيل السلمي ومحمد بن مصعب بن العابد وأبي بن صدقة ومحمد بن بشر بن شريك وأبى قلابة وعلي بن سهل وأبى عبد الله بن عبد النور وأبي عبيد والحسن بن فضل وهارون بن العباس الهاشمي وإسماعيل بن إبراهيم الهاشمي ومحمد بن عمران الفارسي الزاهد ومحمد بن يونس البصري وعبد الله ابن الإمام والمروزي وبشر الحافيquot;. انتهى. قلت: وهو قول ابن جرير الطبري وإمام هؤلاء كلهم مجاهد إمام التفسير وهو قول أبي الحسن الدارقطني ومن شعره فيه(4\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "813",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7028",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حديث الشفاعة عن أحمد ... إلى أحمد المصطفى مسنده وجاء حديث بإقعاده ... على العرش أيضا فلا نجحده أمروا الحديث على وجهه ... ولا تدخلوا فيه ما يفسده ولا تنكروا أنه قاعده ... ولا تنكروا أنه يقعده فائدة: سئل القاضي عن مسائل عديدة وردت عليه من مكة وكان منها: - ما تقول في قول الإنسان إذا عثر: (محمد أو علي)  فقال: إن قصد الاستعانة فهو مخطىء لأن الغوث من الله تعالى فقال وهما ميتان فلا يصح الغوث منهما ولأنه يجب تقديم الله على غيرهquot;. - إذا قال القاضي أفضل الناس بعد رسول الله الخلفاء ثم طلحة ثم الزبير ثم سعد إلى آخر العشرة فأجاب: الأولى العطف على الأربعة بالواو لأن ثم تقتضي الترتيب فيقتضى تقديم طلحة على الزبير والزبير على عبد الرحمن ولا يمكن لأنه ليس فيه نقل يرجع إليه وعمر رضي الله عنه أمرهم أن يختاروا للخلافة واحدا من ستة ولم ينص على واحد منهم وظاهره التساوي. - ومنها وقد سئل عن حركة اللسان بالقرآن الكريم فقال: quot;لا يجوز أن يقال إنها قديمة بل حركة اللسان بالقرآن الكريم محدثةquot; - ومنها في البدريين أنهم أفضل في الجملة من غيرهم ولا تفضل آحادهم على غيرهم لأنه قد يكون في غيرهم من هو أفضل من آحادهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;خيركم القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهمquot; فخاير بين القرون في الجملة لأنه قد يكون في التفضيل من غيره أفضل منه ولهذا يعلم أن أحمد أفضل من يزيد ويزيد في عصر التابعين لما جرى من يزيد بما عاد في القدح في عدالته. - ومنها هل يجوز أن يقال إن الله يرحم الكافر قال: quot;لا يجوز أن يقال إن الله يرحم الكافر(4\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "814",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7029",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأن فيه رد الخبر الصادق إن الله لا يغفر أن يشرك به لا يخفف عنهم العذاب إلى أمثاله بل يقال: يخفف عذاب بعضهم قال تعالى: أدخلوا آل فرعون أشد العذاب و آتهم ضعفين من العذاب . فائدة: قال ابن عقيل: quot;قولهم: إن الله تعالى جعل للمرأة شهوة تزيد على شهوة الرجل بسبعة أجزاء قال: لو كان كذلك ما جعل الله للرجل أن يتزوج بأربع ويتسرى بما شاء من الإماء وضيق على المرأة فلا تزيد على رجل ولها من القسم الربع وحاشا حكمته أن تضيق على الأحرج وتوسع على من دونه في الحرجquot;. أجابه حنبلي آخر فقال: quot; إن ذلك إنما كان لعارض راجح وهو خوفه اشتباه الأنساب وأيضا ففي التوسعة للرجل يكثر النسل الذي هو من أهم مقاصد النكاح وأيضا فإن الرجل والمرأة لما اشتركا في التذاذ كل منهما بصاحبه وقضاء وطره منه وخص الرجل بالنفقة والكسوة وكلفة المرأة عوض بأن أطلق له الاستمتاع بغيرها وأيضا فإن المرأة مقصورة في الخدر لا تدخل ولا تخرج إلا لحاجة حتى أن صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد لم يقع نظرها من الرجال على ما يقع نظر الرجل عليه فحاجته إلى أكثر من واحدة أشد من حاجتها وأيضا فإن طبيعة الذكر الحرارة وطبيعة الأنثى البرودة وصأحب الحرارة يحتاج من الجماع فوق ما يحتاج إليه صاحب البرودة وأيضا فإن الله فضل الذكر على الأنثى في الميراث والدية والشهادة والعقيقة وغير ذلك ولهذا قال تعالى: ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله فكان من تفضيله الذكر على الأنثى أن خص بجواز نكاح أكثر من واحدة والله أعلم.(4\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "815",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7030",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: سئل ابن عقيل هل يجوز أن يتخذ النساء السفر والمطارح والمخاد وغير ذلك حريرا فقال: quot;لا بل ملابس فقطquot;. فائدة: سئل أحمد بن حنبل رضي الله عنه عن رجل سمع مؤذنا يقول: أشهد أن محمدا رسول الله فقال: كذبت هل يكفر فقال: quot;لا لا يكفر لجواز أن يكون قصده تكذيب القائل فيما قال لا في أصل الكلمة فكأنه قال: أنت لا تشهد هذه الشهادة كقوله: والله يشهد إن المنافقين لكاذبون . فائدة: قال الخلال: حدثنا العباس بن أحمد اليمامي بطرسوس ثنا أو انبأ عبد الله رجل عن الحديث الذي يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم quot;يكفر أحد من أهل التوحيد بذنب quot; فقال: quot;موضوع لا أصل لهquot; فكيف بحديث النبي صلى الله عليه وسلم quot;من ترك الصلاة فقد كفرquot; فقال له: يورث بالملة فقال: quot;لا يورث ولا يرثquot;.(4\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "816",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7031",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: قال ابن الجوزي في آخر منتخب الفنون مما بلغه عن ابن عقيل من غير الفنون قال سمعت أبا يعلى بن الفراء يقول: quot;من قال إن بينه وبين الله سرا فقد كفر وأي وصلة بينه وبين الإله وإنما ثم ظواهر الشرع فإن عنى بالسر ظاهر الشرع فقد كذب لأنه ليس بسر وإن شيئا وراء ذلك فقد كفرquot;. وقال في قول المتوسلين بالميت: (اللهم إني أسلك بالسر الذي بينك وبين فلان) أي سر بين العبد وبين ربه لولا حماقة هذا القائل قال ابن الجوزي معترضا عليه: quot;إنما يعنى المتوسل بذلك العبادات المستورة عن الخلقquot;. فائدة: سئل رجل عن رجل تزوج أم رجل وأختيه فقال: quot; صورة المسألة رجلان وطئا أمة في طهر واحد فأتت بولد فتداعياه فأرى القافة فألحقوه بهما على مذهب من يرى ذلك وكان للرجلين بنتان فجاء رجل أجنبي فتزوج بالأمة بعد عتقها وتزوج بنتي الواطئين لأنه ليس إحداهما أختا للأخرى وإن كانتا أختين للولد الملحق بالواطئين فقد جمع هذا الرجل الأجنبي بين أم ذلك الولد وأختيه من الواطئين فأمه ليست أمهما.(4\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "817",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7032",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: استدل على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد بتخصيص آية الميراث بقوله: quot; لا نورث ما تركناه صدقة quot; والصديق أول من خصصه. قال ابن عقيل: quot;وهذه بلاهة من هذا المستدل فإن الصديق لم يخصصه إلا بما سمعه شفاها من النبي صلى الله عليه وسلم قطعي وليس النزاع فيه. فائدة: قال ابن عقيل في مناظرته لبعض المعتزلة: quot;أنتم اعتمدتم في نفي التثنية على دليل التمانع وهو بعينه ينقلب عليكم في خلق الأفعال لأنا إذا قدرنا أنه تعالى أراد تحريك جسم وأراد العبد تسكينه فلا يخلوا إلى آخره وفعل الله لا يدخل تحت مقدور العبد وفعل العبد لا يدخل تحت مقدور الله عندكم فلا انفكاك لكم البتة عن هذا السؤال فأين توحيدكم!. فائدة: جعفر بن محمد سألت أبا عبد الله عن رجل ينقد للناس مائة دينار بدرهم فخرج في نقده دينار ردىء قال: quot;وجب عليه أن يرد من أجرته من مائة(4\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "818",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7033",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من درهمquot; قال القاضي: quot;إنما صحت هذه الإجارة وإن لم يشاهد الدنانير لأنه لا تفاوت بين الدنانير في النقد فصحت الإجارةquot;:. انتهى. فعلى هذا إذا استأجره ليكيل له مائة مكوك من طعام في بيت لم يره صحت الإجارة للعلة التي ذكرناها وإنما رجع عليه بجزء من مائة جزء من الدرهم لأن العمل لا يتفاوت في كل واحد منها كما لو كان له مائة مكوك إلا مكوكا واحدا. إذا رأى إنسانا يغرق فلا يمكنه تخليصه إلا بأن يفطر هل يجوز له الفطر أجاب أبو الخطاب يجوز له الفطر إذا تيقن تخليصه من الغرق ولم يمكنه الصوم مع التخليص. وأجاب ابن الزاغوني عنها إذا كان يقدر على تخليصه وغلب على ظنه ذلك لزمه الإفطار وتخليصه ولا فرق بين أن يفطر بدخول الماء في حلقه وقت السباحة أو كان يجد من نفسه ضعفا عن تخليصه لأجل الجوع حتى يأكل لأنه يفطر للسفر المباح فلأن يفطر للواجب أولى. قلت: أسباب الفطر أربعة: السفر والمرض والحيض والخوف على هلاك من يخشى عليه بصوم كالمرضع والحامل إذا خافتا على ولديهما ومثله مسألة الغريق وأجاز شيخنا ابن تيمية الفطر للتقوي على الجهاد وفعله وأفتى به لما نازل العدو دمشق في رمضان فأنكر عليه بعض المتفقهين وقال: quot;ليس سفرا طويلاquot; فقال الشيخ: quot;هذا فطر للتقوي على جهاد العدو وهو أولى من الفطر للسفر يومين سفرا مباحا أو معصية والمسلمون إذا قاتلوا عدوهم وهم صيام لم يمكنهم النكاية فيهم وربما أضعفهم الصوم عن القتال فاستباح العدو بيضة الإسلام وهل يشك فقيه أن الفطر ههنا أولى من فطر المسافر وقد أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح بالإفطار ليتقووا على عدوهمquot; فعلل ذلك للقوة على العدو لا للسفر والله أعلم. قلت: إذا جاز فطر الحامل والمرضع لخوفهما على ولديهما وفطر من يخلص الغريق ففطر المقاتلين أولى بالجواز ومن جعل هذا من المصالح المرسلة فقد غلط بل هذا أمر من باب قياس الأولى ومن باب دلالة النص وإيمائه. إذا وطء ميتة هل يجب إعادة غسلها أجاب ابن الزاغوني: quot;ينظر فيه فإن كان صلى عليها فلا غسل عليها لأن الغسل طهارتها لأجل الصلاة عليها وقد سقط فرض(4\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "819",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7034",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصلاة عنها بالأولى غير أنه يمنع من إعادة الصلاة عليها بعد ذلك وإن لم يكن صلى عليها أعيد غسلها وقد اختلف أصحابنا في وطء الميتة هل يوجب الحد وينشر الحرمة فعلى هذا إيجاب الغسل أولى والثاني لا يجب الحد ولا ينشر الحرمة فعلى هذا يكون الأمر على التفصيل المتقدمquot;. وأجاب أبو الخطاب عن هذه المسألة بأن قال يجب غسلها بعد الوطء كذا الظاهر عندي ولا أعرف فيه روايةquot;. إذا صلى سهوا خلف المرأة أجاب أبو الخطاب تلزمه الإعادة إذا علم وتجوز إمامة المرأة بالنساء ويجوز على رواية عن أحمد أن تصلي بالرجال نافلة وتكون وراءهم وهي بعيدة. قلت: إن كان أميا وهي قارئة لم تلزمه الإعادة وإن كان قارئا مثلها ففي وجوب الإعادة نظر إذ غاية ذلك أن يكون كرجل صلى خلف محدث لا يعلم حدثه فإنه لا تلزمه الإعادة وهنا أولى لأن صلاة المرأة في نفسها صحيحة بخلاف المحدث وأجاب ابن الزاغوني إذا علم ذلك حكم ببطلان صلاته والإعادة ولم يجوز إمامنا أحمد أن يتابع رجل امرأة في الصلاة مفترضا فأما في النفل فإنه أجازه في موضع وهو إذا كانت امرأة تحفظ القرآن فإنه يجوز للأمي أن يتابعها في النافلة كصلاة التروايح وتكون صفوف الرجال بين يديها وهي والنساء خلفهم. إذا امتنع من صلاة الجمعة وقال أنا أصلي الظهر هل يقتل أم لا أجاب أبو الخطاب يستتاب فإن تاب وإلا قتل زاد ابن عقيل في جوابه إذا لم يكن على وجه قد اعتقد اعتقاد بعض المجتهدين في أنها لا تتعقد في القرايا. جواب ابن الزاغوني الجمعة تفعل في موضعين: أحدهما: متفق على وجوبه فيه وهو البلد الكبير الواسع مع إذن الإمام في إقامتها فهذا متى ترك الجمعة في هذه الحالة قتل كما يقتل في سائر. والموضع الثاني: ما اختلف الفقهاء في وجوبها معه كالأرباض والقرى وإذا لم يأذن الإمام وأمثال ذلك فهذا إن ترك الجمعة متأولا قول أحد من الفقهاء فإنه يكون معذورا بذلك ولا يعترض(4\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "820",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7035",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه. إذا كانت للأخرس إشارة مفهومة فأشار بها في صلاته فهل تبطل أجاب ابن الزاغوني أما الإشارة برد السلام فلا تبطل الصلاة من الآخرس والمتكلم وأما غير ذلك فإنه يجري منهما مجرى العمل في الصلاة إن كان يسيرا عفي عنه وإن كان كثيرا أبطل الصلاة وجواب أبي الخطاب إذا كثر ذلك منه بطلت صلاته وجواب ابن عقيل إشارته المفهومة تجري مجرى الكلام فإن كانت برد السلام خاصة لم تبطل صلاته وما سوى ذلك تبطل. قلت: إشارة الآخرس منزلة كلامه مطلقا وأما تنزيلها منزلة الكلام في غير رد السلام خاصة فلا وجه له وإنما كان رد السلام من الناطق بالإشارة غير مبطل في أصح قولي العلماء كما دل على النص أن إشارته لم تنزل منزلة كلامه بخلاف الآخرس فإن إشارته المفهومة ككلام الناطق في سائر الأحكام. إذا توضأ بماء زمزم هل يجوز أم لا أجاب ابن الزاغوني لا يختلف المذهب أنه منهي عن الوضوء منه والأصل في النهي قول العباس: quot;لا أحلها لمغتسل وهي لشارب حل وبلquot;. واختلف في السبب الذي لأجله ثبت النهي وفيه طريقان: أحدهما: أنه اختيار الواقف وشرطه وهو قول العباس. وقد اختلف أصحابنا في مسألة مثل هذه وهي أن رجلا لو سبل ماء للشرب فهل يجوز لأحد أن يأخذ منه ما يتوضأ به قال بعضهم: يجوز ويكره فعلى هذا يكون النهي عنها كراهة تنزيه لا تحريم. وقال آخرون من أصحابنا: لا يجوز له الوضوء به لأنه خلاف مراد الواقف فعلى هذا لا يجوز الوضوء بماء زمزم فأما الطريق الآخر أن سببه الكرامة والتعظيم. فإن قلنا ما يتحدر عن أعضاء المتوضىء طاهر غير مطهر كأشهر الروايات كره الوضوء بماء زمزم وإن قلنا بالرواية الثانية أنه يحكم بنجاسة ما ينفصل من أعضاء الوضوء حرام الوضوء به وإن قلنا بالرواية الثالثة أن المنفصل طاهر مطهر لم يحرم الوضوء به ولم يكره لأنه لم يؤثر الوضوء فيه بما يوجب رفع التعظيم عنه فأما إن أزال به نجاسة وتغير كان فعله محرما وإن لم يتغير وكان في الغسلة السابعة فهل يحرم أو يكره على روايتين وإن قلنا إن الماء لا ينجس إلا بالتغير فمتى انفصل(4\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "821",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7036",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غير متغير في أي الغسلات كان كره ولم يحرم. قلت وطريقة شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية كراهة الغسل به دون الوضوء وفرق بأن غسل الجناية يجرى إزالة النجاسة من وجه ولهذا عم البدن كله لما صار كله جنبا ولأن حدثها أغلظ ولأن العباس إنما حجرها على المغتسل خاصة. وجواب أبي الخطاب وابن عقيل يصح الوضوء به رواية واحدة وهل تكره على روايتين. فوائد شتى من خط القاضي أبي يعلى: أبو الفرج الهمداني سمعت المروزي يقول: سئل أحمد عما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;إن الله احتجر التوبة عن صاحب بدعة وحجب التوبةquot; إيش معناه فقال أحمد: quot;لا يوفق ولا يسير صاحب بدعة لتوبة وقال النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآية: إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;أهل الأهواء والبدع ليست لهم توبةquot;. فوائد: من مسائل أبي جعفر محمد بن أبي حرب الجرجاني بخط القاضي أبي يعلى: قيل لأبي عبد الله: الرجل يحفر إلى جنب قناة الرجل ولا يضر بها أله أن يمنعه قال: quot;له يروى عن الزهري أنه قال: quot;حريم العيون خمس مائة ذراعquot; كأنه ذهب إليه. قيل لأبي عبد الله: فإن حفر على أكثر من خمس مائة ذراع فأضر به هل له أن يمنعه قال: quot;ليس أن يمنعه إذا جاوز حريمه أضر به أو لم يضر بهquot; قيل لأبي عبد الله: رجل عمل في قناة رجل بغير إذنه فاستخرج الماء فجاء صاحب(4\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "822",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7037",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القناة فقال: quot;لهذا الذي عمل نفقته إذا عمل ما يكون منفعة لصاحب القناةquot;. في الحاشية بخط القاضي: quot;إنما رجع بنفقته لأن الآبار كالأعيان ولو عمل في ملك غيره عملا له فيه أعيان رجع بها كذلك في الآبار هذا كلام القاضيquot;. وفيه نظر. قيل لأبى عبد الله: الرجل يسبق إلى دكاكين السوق قال: quot;إذا لم يكن لأحد ولم يحجز أخذه فمن سبق إليه عدوة فهو له إلى الليلquot; قال: quot;وكان هذا في سوق المدينة فيما مضىquot;. قيل: أيكره بيع الطعام وأن تكون تجارة الرجل كلها في الطعام قال: quot;إذا لم يرد الحكرة فلا بأس هذا ضيق بالمدينة ومكة فأما ههنا فربما كان خيراquot; ثم قال: quot;إنما ههنا شبه البحر. قيل: من أحق بالسوم قال: quot;البائعquot;. قلت له: فإن أوقد نارا في السفينة فقال: quot;لا بد له من أن يطبخquot; وكأنه لم يرد عليه. قيل له: رجل اشترى من رجل حائطا على أن يعمل له فيه سنة أو سنتين قال: quot;لا بأسquot;. وكتبت إلى أبي عبد الله أسأله قلت: بنت أخ لي خطبها ابن أخت لي فقير وأمها تقر ذلك قال: quot;لا تفعل فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;وأمروا النساء في بناتهنquot; وما ذكرت من أمر الفقر فزوج فإن الفقر والغنى إلى الله فزوجت الفقير فلم أر إلا خيراquot;. وسألته عن الرجل يشترى البقر للأكار فكرهه. قلت: يأخذ الرجل يحج عن الرجل قال: quot;لا يأخذquot;. قلت: فيأخذ الفرس أو لا يأخذ في السبيل قال: quot;يأخذ لم يزل الناس يأخذون فإذا بلغ مغزاه فهو كسائر مالهquot;. وسئل عن الطواف فقال: quot;ثلاثة واجبة طواف القدوم وطواف الزيارة وطواف الصدر وأما طواف الزيارة فلا بد منه ولو أنسية الرجل حتى يرجع إلى مدينته على أن يأتي به. قيل له: كيف يصنع قال: يدخل معتمرا فيطوف بعمرة ثم يطوف للزيارة بعد ذلك. وسئل عن المحرم يغسل بدنه بالمحلب قال: quot;أراه يكرهه وكره الأشنانquot;. وسئل عن الخضاب للمحرم فقال: quot;ليس هو بمنزلة الطيب ولكنه زينةquot;. وسئل عن صيد الليل فقال: quot;لا أعلم فيه شيئاquot;. حديث ثابت روى فيه حديث ابن عباس ثم ذكر تفسيره أراه عن نافع أو غيره قال: quot;كانوا في الجاهلية إذا خرجوا يطيرون الطير من مكانه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; أقروه في(4\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "823",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7038",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مكانهquot; يعنى أنه لا يضر ولا ينفع ولم ير به باساquot;. وسئل عن أكل الكراث والبصل في السفر قال: quot;إن كان من علة فأرجوا وإن كان من غير ذلك فلا يؤكل وأما الكراث فليس له كبير شيء وهو أهون من البصلquot;. قيل له فالثوم قال: quot;إنما جاءت الكراهة في الثوم والبصل فلا تأكلquot;. وسألته عن أكل الجبن هل سمعت في كراهيته شيئا ثبت قال: quot;لا وكأنه لم يكرهه ولم يتكلم فيهquot; وسألته عن شراء الأرض بالثغور فقال: quot;هو أيسر من غيره لأنهم بإزاء العدو وهم يدفعون عن المسلمينquot;. فوائد: من مسائل أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي لأحمد سمعت أبا عبد الله يقول: السائمة التي ترعى والسائبة التي تسيب وليس لها رعاء وفي السائمة الزكاة وقال رجل لأحمد: بلغني أن نصارى يكتبون المصاحف فهل يكون ذلك قال: quot;نعم نصارى الحيرة كانوا يكتبون المصاحف وإنما كانوا يكتبون لقلة من كان يكتبها فقال رجل: يعجبك ذلك فقال: quot;لا يعجبنيquot;. وسئل عن رجل أعطى رجلا درهما يشترى له شيئا فخلطه مع دراهمه فضاع قال: quot;ليس عليه شيءquot;. وسئل عن رجل أوصى أن يشترى بألف درهم فرسا للجهاد ومائة للنفقة قال: quot;يشترى له مثل ما أوصى لا يزاد على ذلك شيء قال: فإن أصيبا بأقل من ألف بخمسين أو أكثر قال: يزاد على نفقتهquot;. إذا قال: بعتك هذه السلعة ولم يسم الثمن أجاب أبو الخطاب: quot;لا يصح البيع وإذا قبض السلعة فهي مضمونة عليهquot;. وجواب ابن الزاغوني: quot;أما البيع من غير ذكر العوض فإبطال وإذا اقتض السلعة عند هذا العقد فله ردها فإن تلفت تحت يده وجب عليه ضمانها في المشهور من المذهب لأنها تجرى مجرى المقبوضة على وجه السومquot;. وقد روي عن أحمد في المقبوض على وجه السوم إذا(4\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "824",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7039",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تلف من غير تفريط فلا ضمان فيه ومثله ههنا. وجواب شيخنا ابن تيمية صحة البيع بدون تسمية الثمن فانصرافه إلى ثمن المثل كالنكاح والإجازة كما في دخول الحمام ودفع الثوب إلى القصار والغسال واللحم إلى الطباخ ونظائره. قال: فالمعاوضة بثمن المثل ثابتة بالنص والإجماع في النكاح وبالنص في إجارة المرضع في قوله تعالى: فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وعمل الناس قديما وحديثا عليه في كثير من عقود الإجارة وكذلك البيع بما ينقطع به السعر وهو بيع بثمن المثل وقد نص أحمد على جوازه وعمل الأمة وعليه. قلت: والمحرمون له لا يكادون يخلصون منه فإن الرجل يعامل اللحام والخباز والبقال ويأخذ كل يوم ما يحتاج إليه من أحدهم من غير تقدير ثمن الذي ينقطع به وكذلك جرايات الفقهاء وغيرها فحاجة الناس إلى هذه المسألة تجرى مجرى الضرورة وما كان هكذا لا يجيء الشرع بالمنع منه البتة كيف وقد جاء بجوازهن في العقد الذي الوفاء بموجبه أكثر تأكيدا من غيره من العقود وهو النكاح وتفريقهم بينه وبين البيع بأن الصداق داخل فيه لا يصح بل هو ركن فيه يبطل العقد بنفيه كما نص عليه صاحب الشرع في الشغار وجاء بجوازه أيضا في عقد الإجارة الذي تقديره العوض فيها أكثر تأكيدا من تقديره في البيع لأن قيمة العين في البيع أقل اختلافا في المنفعة لأنها تتجدد بتجدد الأوقات فتختلف باختلافها غالبا فإذا جازت الإجارة بعوض المثل فالبيع بثمن المثل وما ينقطع به السعر أولى ولو فرعنا على بطلان العقد فالمقبوض به يضمن بنظيره وهو إما مثله وإما قيمته ولا يصح إلحاقه للمقبوض على وجه السوم فإن القابض هناك لم يدخل على أنه ضامن بل مختبر مقلب للمقبوض والقابض ههنا دخل على أنه ضامن بثمن المثل لم يقبضه على أنه مستام مقلب بل مالك له بعوضه فإذا تلف ضمنه فإن قيل هو لم يملكه بهذا العقد الفاسد قلنا دخل على أنه مالك ضامن فلا وجه لإسقاط الضمان عنه وكونه لم يملكه في نفس الأمر لا يوجب سقوط الضمان عنه(4\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "825",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7040",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كالمستعار والمقبوض بالعقود الفاسدة والمغصوب وأما إذا فرعنا على صحة العقد فالضمان يكون بثمن المثل وهو القيمة لا بالمثل نفسه والله أعلم. كم مقدار التراب المعتبر في الولوغ جواب أبي الخطاب: quot;ليس له حد وإنما هو بحيث تمر أجزاء التراب مع الماء على جميع الإناءquot;. وأجاب ابن عقيل: quot;يكون بحيث تظهر صفته ويغير صفة الماءquot;. وأجاب ابن الزاغوني فقال: النجاسات على ضربين: - نجاسة لا تزول عن محلها إلا بالحت والفرك والتراب الذي يظهر أثره فهذا الحت والقرص والتراب في إزالتها واجب. الثاني: ما يكفى فيها فراغ الماء ففي وجوب التراب فيها لأصحابنا وجهان: أحدهما: وجوبه عينا وهو اختيار أبي بكر. والثاني: مستحب غير واجب. والقائلون بوجوبه إذا كان المغسول مما لا يضره التراب الكثير فلا بد أن يطرح في الغسل ما يؤثر وإن كان مما يضره التراب كالثوب ونحوه فهل يجرى ما يقع عليه اسم التراب وإن لم يظهر أثره فيه أيضا عن أصحابنا وجهان: أحدهما: لا يجزئه إلا ما يظهر أثره. الثاني: يجزئه ما يقع على الاسم وإن لم يظهر أثره وهل ينوب عنه الصابون والأشنان وأمثال ذلك مما يضره التراب فيه عن أصحابنا وجهان. إذا قلنا الواجب التوجه إلى عين القبلة وكان الصف طويلا يزيد على سمت الكعبة اختلف كلام أحمد في ذلك على روايتين: إحداهما: أن طول الصف مع البعد الكثير لا يؤثر ذلك ميلا عن الكعبة إلا قدرا يخفى أمره ويعسر اعتباره لا سيما فيما هو مأخوذ بالاجتهاد فعفي عنه. والرواية الثانية: أنه إذا طال الصف من جانبي الإمام انحرف الطرفان إلى ما يلي الإمام انحرافا يسيرا يجمع به توجيه الجميع إلى العين ولا يشبه هذا خلاف المجتهدين لأن كل واحد من المجتهدين يعتقد خطأ صاحبه في اجتهاده وفي مسألتنا قد اتفقا في الاجتهاد. قلت: الصواب أنه مع كثرة البعد يكثر المحاذي للعين فإن قيل هذا إنما يكون مع التقوس كالدائرة حول نقطة قلنا نعم ولكن الدائرة إذا عظمت واتسعت جدا فإن(4\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "826",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7041",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التقوس لا يظهر في جوانب محيطها إلا خفيفا فيكون الخط الطويل متقوسا نحو شعرة وهذا لا يظهر للحس. إذا وطىء الصبي هل يجب عليه الغسل أجاب ابن الزاغوني: quot;هذا لا نسميه جنبا لأن الجنب اسم لمن أنزل الماء والصبي لا ماء له وهل يجب عليه الغسل لالتقاء الختانين ينظر فيه فإن كان مراهقا وهو أن يجد الشهوة في ذلك وجب عليه الاغتسال وإن لم يجد ذلك فلا اغتسال عليه لكن يؤمر به تمرينا وعادةquot;. وهكذا أجاب ابن عقيل عن هذه المسألة في صبي وطىء مثله قال: quot;إن كان له شهوة لزمه الغسل وإن كان ذلك على سبيل اللعب لغير شهوة فلا غسل عليهquot;. إذا سجد على شيء مرتفع لعذر فهل يجوز أجاب ابن الزاغوني: quot;إذا كانت الأرض ذات صعود وهبوط فلا يضر إن سجد على الأعلى ويجلس في المنهبط فأما إذا كان متخذا كالدرجة والضفة وأمثال ذلك ولا حاجة تدعوه إلى السجود عليها فإنه لا يجوز له ذلك وإن كان مريضا لم يجز له أن يعتمد مثل ذلك بل يومىء بركوعه وسجوده ولا ينزل تحت جبهته شيئا دون الأرض يسجد عليه فأما إذا زحم ولم يقدر إلا أن يسجد على ظهر أخيه سجد على ظهر أخيه وأجزأهquot;. وأجاب أبو الخطاب quot;إن كان ارتفاعه بحيث يخرج به عن صفة السجود لم يجزئه وإن فعل ذلك لعذر جازquot; هل يجوز له أن يحدث حماما يتأذى به الجيران أجاب أبو الخطاب: quot;لا يجوز له فعل ما يتأذى به عقار الجيران وأبنيتهم ويؤذيهم في أجسامهمquot;. وأجاب ابن عقيل quot;إذا كان ذلك في خاصة ملكه بحيث لا يتزلزل حيطانهم بالرحا ولا يتعدى دخان نار حمامه ولا ينزو ماؤه إلى جدار جاره جازquot;. وأجاب ابن الزاغوني: quot;لا يجوز له أن يتصرف في ملكه على وجه يضر بجيرانه بزلزال حائط أو حر نار أو ماء ينزل في بالوعة أو غير ذلك مما به ضرر عليهم إلا بإذنهمquot;. إذا قال القاضي لشاهدين اعلمكما أني حكمت(4\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "827",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7042",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بكذا وكذا هل يجوز أن يقولا أشهدنا أنه حكم على نفسه بكذا وكذا أجاب ابن الزاغوني: quot;الشهادة على الحاكم تكون في وقت حكمه فأما بعد ذلك فإنه مخبر لهما بحكمه فيقول الشاهد أخبرني أو أعلمني أنه حكم بكذا في وقت كذاquot;. وأجاب أبو الخطاب وأبن عقيل بأنه لا يجوز أن يقولا أشهدنا وإنما يقولان أخبرنا وأعلمنا. قلت: الصواب المقطوع به أنه يجوز أن يقولا أشهدنا كما يقولان أعلمنا وأخبرنا لأن الخبرة شهادة وكل مخبر شاهد قال تعالى: وشهد شاهد من أهلها ثم ذكر شهادته فقال: إن كان قميصه قد من قبل قال ابن عباس: quot;شهد عندي رجال مرضيون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصرquot; الحديث وقال علي بن المديني: quot;أقول إن العشرة في الجنة ولا أشهد بذلكquot; فقال الإمام أحمد: quot;متى قلت هم في الجنة فقد شهدتquot;. قال شيخنا: quot;وهذا صريح من أحمد أن لفظ الشهادة ليس بشرطquot; قال:quot; وهو الصحيحquot;. قلت: عن أحمد ثلاث روايات منصوصات حكاها أبو عبد الله بن تيمية في ترغيبه: - الاشتراط وهي المعروفة عند متأخري أصحابنا. - الثانية عدم الاشتراط اختارها شيخنا. الثالث: الفرق بين الأقوال والأفعال فإن شهد على الفعل لم يشترط لفظ الشهادة بل يكفيه أن يقول: رأيت وشاهدت وتيقنت ونحوه وإن شهد على القول فلا بد من لفظ الشهادة إذا عرف هذا. فإذا قال الحاكم أعلمكما أو أخبركما أو قال شاهد الأصل لشاهدي الفرع يعلمكما أو يخبركما بأنا نشهد بكذا وكذا ساغ أن يقولا اشهدنا كما ساغ أن يقولا أخبرنا وأعلمنا ولا فرق بينهما البتة لا في اللفظ ولا في المعنى ولا في الشرع ولا في الحقيقة فالتفريق بينهما تفريق بين المتماثلين. قلت: والشريعة تأباه وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفع كتبه إلى رسله ينفذونها إلى المكتوب إليه ولم يقل لأحد منهم أشهدك أو هذا كتابي وكان الرسول يدفع كتابه إلى المرسل إليه ولا يقول أشهد أن هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أشهدني على ما فيه ولو سئل الشهادة لشهد(4\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "828",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7043",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قطعا وقال أشهد أنه كتابه. مما يدل على أن لفظ الشهادة غير مشترط قوله تعالى: قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ومعلوم قطعا أنه لم ينكر عليهم إلا مجرد قولهم إن الله حرم هذا لم يخص الإنكار بقول من قال يشهد أن الله تعالى حرمه ولا نهى رسول الله يتلفظ بالشهادة على التحريم بل هو نهي له أن يقول إن الله حرمه. فوائد: من مسائل شتى من جامع الأنباري سألته عن رجل مالا وديعة فمات الرجل الذي أودعه وله صبي فكان أوسع له أن يدفع المستودع المال إلى رجل مستور ينفق عليه. قال القاضي: quot;ومعنى هذا إذا لم يكن وصي ولا حكامquot;. وسئل عن الرجل يكون له الجاه عند السلطان فيسأل له الماء فاستقى منه إذا لم يكن تركه له يرد على من قد سئل عنه أو نحوا مما قلت له فأجاز لي ذلك إذا أخذت بقدر حاجتي وذهب في الشفعة أن لا يحلف للذي يطالبه وإن قدمه إلى الحاكم فأخرجه خرج ورأى أن ما كان في النطفة والعلقة أنه لا يكون نفاسا وما كان في حد المضغة أنه نفاس وودعته غير مرة فقال أحسن الله لك الصحابة وطوى لك البعيد. قلت له: كيف الحديث الذي جاء في المعاريض في الكلام قال: المعاريض لا تكون في الشراء والبيع وتصلح بين الناس. وسألته عن الأذان الذي يوجب علي من كان خارجا من المصر أن يشهد الجمعة هو الأذان الذي على المنارة أو الأذان بين يدي المنبر قال: quot;هو الذي في المنارةquot;. وسألته عن كتابه الحديث بالأجرة فلم ير به بأسا وكتابه القرآن أيضا. وسألته عن رجل اشترى من(4\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "829",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7044",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجل شيئا بدنانير أو دراهم فدفعها إليه فقال: quot;اذهب فانتقدها وزن حقك ورد علي الباقي فضاعت فرأى أنها من مال المشترى إلا أنه يقول هذا حقك فخذه ورد على الباقي فكان معنى قوله يكون من مال البائع إذا ضاعت. الرجل يوجد ميتا مخضوبا أقلف فرأى الصلاة عليه. قلت: فإن وجد ميتا أقلف فرأى دفنه ولم ير الصلاة عليه. وكنت على باب أحمد فجاء رجل يسأل عن رجل أراد أن يتصدق يعنى بمال اشترى به موضع غلته أو يتصدق به فخرج إليه الجواب أنه لا يدري من يقوم بها وقال: إن كان له قرابة محتاجون تصدق عليهم. قلت له: ما تقول فيمن باع دابة بنساء هل يشتريها من صاحبها إذا حل ماله بأقل مما باعها إذا كان قد هزلها وعمل عليها فقال: quot;فيه اختلاف ولم يجزه ولم يعدل عنده أن يكون مثل من باع ما يكال فيأخذ ما يكال فذكرت له الشراء عند الضرورة فلم يكرهه. قلت: ما تقول إذا ضرب رجل بحضرتي أو شتمه فأرادني أن أشهد له عليه عند السلطان فقال: quot;إن خاف أن يتعدى عليه لم يشهد وإن لم يخف شهدquot;. ولم يعجبه أن يكون في الكفن ثوب رقيقا قال: quot;وكانوا يكرهون الرقيقquot;. ومن مسائل البرزاطي: بخط القاضي أنتقاه من خط ابن بطة حديث ابن عمر: quot;مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حيا مجموعا فهو من مال المبتاعquot;. قال ابن بطة: quot;أنا أقول هذا الحديث مرفوع ويدخل في المسند لقوله: quot;مضت السنةquot;. مسجد فيه نخلة: أفترى لجيران المسجد أن يأكلوا من ثمرتها فقال: quot;إن كانت في أرض لرجل فجعلها مسجدا والنخلة فيه لا بأس أن يأكلوا منها وإن كانت غرست بعد أن صار مسجدا وصلى فيه فهذه غرست بغير حق والذي غرسها ظالم غرس فيما لا يملك قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;ليس لعرق ظالم حق quot;. فلا أحب الأكل منها والتوقي منها(4\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "830",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7045",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسئل عن رجل تيمم في السفر لسجود القرآن أو للقراءة في المصحف وصلى به فريضة قال: quot;يعيد ما صلى من الفريضة بذلك التيممquot;. قلت: يخرج الرجل من الصف ويقيم أباه في موضعه قال: quot;ما يعجبني هو يقدر أن يبر أباه بغير هذاquot;. رجل تيمم في السفر وصلى على جنازة ثم جيء بجنازة أخرى فصلى عليها بذلك التيمم فقال: quot;إن جيء بالآخرى حين سلم من الأولى صلى عليها بذلك التيمم وإن كان بينهما مقدار ما يمكنه التيمم لم يصل على الأخرى حتى يعيد التيممquot;. قال القاضي: quot;قد ذكر هنا يتيمم لكل صلاةquot; وقال في الفوائت: quot;يصليها بتيمم واحد فتخرج الجميع على روايتين قوله إن جيء بالآخرى حين يسلم صلى بذلك التيمم لأحد وجهين: أحدهما: أن وقت الأولى إلى تمام فعلها فإذا جاء بعد ذلك فقد خرج الوقت والتيمم يقدر بالوقت. والثاني: أنه إذا جاءت الثانية عقيب الأولى لحقته المشقة في التيمم لتفاوت الزمان وإذا تراخى لم يشق ويجب أن تكون المسألة محمولة على أنه تعين عليه الصلاة عليها فأما إن لم يتعين عليه جاز أن يصلي بتيمم واحد كالنوافل تجمع بتيمم واحد ولو قيل إنه يصلى عليها بتيمم واحد مع التعين وجها واحدا. وفي الفوائت على روايتين لأن الجنازة إذا تعينت فهي فرض على الكفاية فهي أخف وتلك فرض على الأعيان فهي آكدquot; انتهى كلام القاضي. وعدنا إلى مسائل البرزاطي: الرجل يتوضأ بفضل وضوء المرأة وسؤرها قال: quot;أكره ذلكquot;. قلت: فإن توضأ وصلى قال: quot;لا آمرهم بالإعادةquot;. رجل في سوقة مسجد لا يصلي فيه إلا الظهر والعصر ويسأله أهل سوقه أن يصلي بهم فيه هاتين الصلاتين قال: quot;أحب لهم أن يخرج يصلي مع الناس في مساجد الجماعة التي يصلي فيها الصلوات الخمسquot;. مسجد في بعضه غصب قال: quot;إذا كان موقف الإمام منه في الغصب أعاد الإمام ومن صلى خلفه وإذا لم يكن موقف الإمام في الغصب أعاد من صلى في الغصبquot;. قلت: رجل دخل المسجد ورجلان(4\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "831",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7046",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقرءان سورتين فيهما سجدة فسجدا جميعا قال: quot;إذا سمعها جميعا يقرآن السجدة وقد سجدا سجد الرجل سجدتينquot;. سألت أحمد عن رجل يعمل القلانس ويبيعها فربما خلط القطن العتيق بالقطن الجديد أو بشيء من الصوف وحشي القلانس به قال: quot;هذا من الغش وأكره له ذلك إلا أن يعرف من يشتريها أن القطن فيه عتيق وفيه صوف. سالت أحمد عن رجل مات وخلف أولادا صغارا وخلف لهم مالا ولهم والدة أترى لها أن تأكل من مالهم قال: quot;لا أحب لها أن تأكل من مالهم إذا كان لها مالquot;. قلت: إنها تكفلهم وتحضنهم وتقوم عليهم ألا يجوز لها أن تأكل من مالهم قال: quot;لا إلا من ضرورة وحاجة ولا تجد إلا ذلك أو تصير إلى الحاكم حتى يفرض لها من مالهم حق الحضانة لمثلهاquot;. سألت أحمد عن الرجل يرهن الثوب عند التاجر فلما رام انفكاكه أخرج المرتهن الثوب إليه فقال الراهن ليس هذا ثوبي قال المرتهن هذا ثوبك الذي رهنته قال: quot;القول قول الراهن مع يمينه أن هذا ثوبك وأنه ما خرج من يده إلى يد غيره منذ أخذه إلى يوم أخرجه إليهquot;. وفي الحاشية بخط القاضي قوله: quot; (القول قول الراهن) سهو من الراويquot; ومعناه المرتهن لأن كلامه فيما بعد يدل عليه وهو قوله: (يمينك) وإن هذا ثوبك ما خرج من يده إلى يد غيره منذ أخذه لأنه غارم ولأنه أمين. قلت لأحمد ماتت زوجته وقد حكم عليه القاضي أن يدفع صبيانه إلى جدتهم لتحضنهم وهي في قرية بعيدة عن قريته قال: quot;إن كانت بحيث يمكن أن يراهم في كل يوم ويرونه فلا بأس بذلك قد مضى أبو بكر على عمر أن يدفع ابنه لجدته وهي بقبا وعمر بالمدينةquot;. سألت عن معنى quot;نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن منع نفع البئرquot; قال: quot;هو الرجل تكون له الأرض وليس فيها بئر ولجاره بئر في أرضه فليس له أن يمنع جاره أن يسقي أرضه من بئرهquot;. سألته عن إجارة بيت الرحى الذي يديره الماء قال: quot;الإجارة على البيت والأحجار والحديد والخشب فأما الماء فإنه يزيد وينقص ويذهب فلا تقع عليه إجارةquot; قلت: إذا قال لعبده: أنت حر وقال: إنما أردت من هذه الصنعة قال: quot;هو حر ونيته فيما وبينه وبين اللهquot;. وسألته عن رجل(4\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "832",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7047",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يزعم أنه يعالج المجنون من الصرع بالرقى والعزائم ويزعم أنه يخاطب الجن ويكلمهم وفيهم من يحدثه فترى أنه يدفع إليه الرجل المجنون ليعالجه قال: quot;ما أدري ما هذا ما سمعت في هذا شيئا ولا أحب لأحد أن يفعله وتركه أحب إليquot;. وسئل عن رجل مات وخلف ألف درهم وعليه للغرماء ألفا درهم وليس له وارث غير ابنه فقال ابنه لغرمائه: اتركوا هذه الألف في يدي وأخروا لي حقوقكم ثلاث سنين حتى أوفيكم جميع حقوقكم ترى هذا جائزا قال: quot;إذا كانوا قد استحقوا قبض هذه الألف وإنما يؤخرون لأجل تركها في يديه فهذا لا يؤخر فيه إلا أن يقبضوا الألف منه ويؤخرونه بالباقي ما شاءواquot;. قلت: وجه هذا الألف قد انتقلت إلى ملكهم وليس له في ذمة الابن شيء فإذا أخروا قبضها استوفوها ألفين صار كالنسيئة بزيادة وبعد فلا يخلوا ذلك من نظر فإنهم لو أخروا فبض الألف اتفاقا لا لأجل الزيادة ثم اتجر الولد بالتركة وربح فيها ما يقوم بوفائهم لاستوفوا حقهم كله ولا يكون هذا من باب عمل الإنسان في مال غيره فإنهم لا يستحقون الربح كله وإنما يستحقون منه تمام حقهم وحق الغرماء وإن تعلق بالتركة فهو كتعلق الرهن لا أنهم يملكون التركة بمجرد موت الغريم ولو وفاهم الورثة من غيرها لم يكن أن يمتنعوا من الاستيفاء وهذا على قولنا إن الدين لا يمنع انتقال التركة إلى الورثة أظهر فإن التركة تنتقل إليهم وتبقى ديون الغرماء على نفس التركة فلو ربحت لاستحقوا من الربح بقدر ديونهم وليس هذا من الربا في شيء فإن الغريم يستحق الألفين استحقاقا صحيحا بوجه لا ربا فيه وإنما يؤخر قبض بعض حقه ليستوفيه كاملا فليس هذا من باب الزيادة على رأس ماله لأجل الأجل في شيء وهذا حقيقة الربا وإنما هذا صبر منه يستوفي ما وجب له بأصل العقد كما لو كان الغريم حيا وأفلس ولم يسع ما له لوفاء ما عليه فصبر الغرماء ليستوفوا حقهم كاملا ولا يعنى الفرق أن ذمة الميت قد خرجت بالموت وذمة المعسر باقية لوجهين أحدهما المنع بل الدين باقي في ذمة الميت كما هو باقي في ذمة الحي وإنما تعذرت المطالبة(4\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "833",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7048",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالموت والذمة مشغولة مرتهنة بالدين وتعذرت مطالبته كتعذر مطالبة الغريم إذا سقط عنه التكليف بالجنون وذلك غير مانع من التأخير بتمام الاستيفاء وكذا في الموت وهذا على أصول أبي عبد الله وقواعده والله تعالى أعلم. رجل قال لعبده: إذا فرغت من هذا العمل فأنت حر وقال: أردت أنك حر من العمل أجاب ابن عقيل وأبو الخطاب وابن الزاغوني: quot;لا يقبل قوله في ظاهر الحكم وأما بينه وبين الله فيحتملquot;. قلت: أما التوقف لكونه يدين فلا وجه له فإنه إذا أراد بلفظه ما يحتمله ولم يخطر بقلبه العتق وليس هنالك قرينة ظاهرة تكذبه فهو أعلم بنيته ومراده وقد قال أحمد في رواية بشر بن موسى في الرجل يكتب إلى أخيه أعتق جاريتي فلانة ويريد أن يهددها بذلك وينوي التصحيف أكره ذلك لا بخبر وهو عبث فيهددها ويسعه فيما بينه وبين الله أن يبيعها والقاضي يفرق بينهما. قلت: مراده بالتصحيف التعريض وكأنه تصحيف للمعنى وهو العدول باللفظ عن معناه الموضوع له وقد قال في رواية أبي الحارث إذا قال: أنت طالق وهو يريد طالق من عقال إذا كانت قد سألته الطلاق أو كان بينهما غضب لم يقبل قوله وهذا يدل على قبوله عند عدم القرينة الدالة على الطلاق فعلى هذا إذا قال له عبده أعتقني لله فقال: إذا فرغت من هذا العمل فأنت حر لم يقبل قوله. وأما إذا قال أرحني من هذا العمل واستعملني في غيره أو اعتقني من هذا العمل فقال إذا فرغت منه فأنت حر وأراد من هذا العمل قبل قوله فالمراتب ثلاثة بما يبعد معه صرف اللفظ عن غرضه لما هنالك من القرائن فلا يقبل قوله وبما يعرف معه الصرف كقرائن تحف به فيقبل قوله وما يكون تجردا عن الأمرين فهو محل تردد. إذا لقي امرأة في الطريق فقال تنحي يا حرة فإذا هي جاريته فأجاب ابن الزاغوني بأن قال: quot;اختلف أصحابنا فيما إذا لقي امرأة في الطريق فقال: تنحي يا طالق فإذا هي امرأته فهل تطلق على وجهين قال: quot;والعتق مثلهquot;. قلت: وقوع العتق في هذه الصورة بعيد إذ من عادة الناس في خطابهم في الطرقات وغيرها(4\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "834",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7049",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إطلاق هذا اللفظ ولا يريد به المخاطب إنشاء العتق هذا عرف مستقر وأمر معلوم وأيضا فإنما يريدون حرية الأفعال وحرية العفة لا حرية العتق ولم تجر العادة بأن تخاطب المرأة الأجنبية بالطلاق فلا يلزم من الحكم بوقوع الطلاق في مثل هذا الحكم بوقوع العتق. إذا علم الحاكم من حال الشاهدين أنهم لا يفترقان بين أن يشهدا بما يذكر أن الشهادة قديمة به وبين أن يعتمدا على معرفة الخط من غير ذكر هل يجوز إذا شهدا الشهادة قديمة أن يسألهما هل يعتمدان على الخط أو هما ذاكران للشهادة أجاب ابن الزاغوني: quot;إذا علم الحاكم أنهما يجوزان بذلك صار حكمهما في ذلك حكم المغفلين أو المحرفين إذا علم أنهما يحرفان ومن هذه صفته لا يجوز له قبول شهادتهما بحال فإذا كان يتوهم ذلك من غير تحقيق لم يجز له أن يسألهما عن ذلك ولا يجب عليهما أن يخبراه بالصفة. أجاب أبو الخطاب: quot;لا يلزم الحاكم سؤالهما عن ذلك ولا يلزم جوابه إذا قالا نشهد من حيث جاز لنا الشهادة وإذا علم تجوزهما في الشهادة صارا كالمغفلين فلا يجوز له قبول شهادتهما. إذا شهدا أنا لا نعلم لفلان وارثا إلا هذا فدفع إليه الحاكم الملك ثم عاد وشهد الآخر أنه وارثه معه فهل يشارك الأول أجاب ابن الزاغوني: quot;ليس بين الشهادتين تناقض لأنه يعلم الإنسان بعض المعلوم في وقت ويعلم في وقت آخر ما بقي وإذا ثبت هذا وجب أن يشارك الثاني الأول وأجاب أبو الخطاب يقبل قولهما وتقسم التركة بينهماquot;. وأجاب ابن عقيل quot;الشهادة الأولى لا تنافي الثانية ولا تناقض بينهما وأن نفي العلم في حال لا ينافى ثبوته بطريقة فيما بعد فيرثان جميعاquot;. إذا حكم الحاكم بشهادة شاهدين ثم بان له فسقهما أو كذبهما وقت الشهادة أجاب أبو ألخطاب ينقضي الحكم الأول ولا يجوز تنفيذه. أجاب ابن عقيل quot;لا يقبل قوله بعد الحكم فإن قال كنت عالما بفسقهما قبل قولهquot; وجواب ابن الزاغوني quot;لا يخلو قبوله لشهادة الشاهدين إما أن يكون لعدالة ثبتت عنده بعلمه أو بعدالة(4\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "835",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7050",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثبتت بتعديل مزك أو بظاهر عدالة الإسلام فإن كان لعدالة ثبتت عنده بعلمه فالأمر في ذلك مبني على الحاكم هل يجوز له أن يحكم بعلمه وفي ذلك عن أحمد رويتان: إحداهما: أنه لا يحكم بعلمه فعلى هذا قد أخبر بأنه حكم على وجه لا يجوز له الحكم به فنقض حكمه. والرواية الثانية: أنه يجوز له الحكم بعلمه فعلى هذه الرواية لا ينتقض حكمه لأنه متهم في نقضه وذلك بأنه أتى بقولين مختلفين يضيفهما إلى نفسه لعمل يكون على الأول دون الثاني. وإن كان حكم بعدالتهما لشاهدة مزكى بعدالتهما لم يجز له أن ينقض حكمه إذا أضافه إلى علمه وهل يقتصر في حكمه إلى شاهدين غيره يشهدان بفسقهما أو يكتفى معه بشاهد واحد فيه وجهان ذكرهما أبو علي ابن أبي موسى من أصحابنا فإن حكم بشهادتهما لظاهر عدالة الإسلام فهل يجوز له ذلك. فيه عن أحمد روايتان: إحداهما: لا يجوز الحكم بشهادة شاهد حتى يعلم عدالته باطنا وظاهرا فتعلى هذا ينقض حكمه. والرواية الثانية: أنه لا يجوز له ذلك فعلى هذا يجوز له أن ينقض حكمه يحتمل وجهين: إحدهما: لا يجوز له ذلك إلا أن يثبت عنده ببينة. والثاني: يجوزله نقض الحكم لأنه قد تظهر بالإسلام عدالة من ولو كشفت حاله لم يكن عدلا وكان قوله محتملا يبعد عن التهمة ثم ينظر بعد هذا فإن وافقه المشهود له على ما ذكر وجب عليه رد ما أخذ فإن كان ما نقض الحكم بنفسه دون الحاكم وإن خالفه فيه فإن أوجبه دون غرامه لزمت الحاكم إذا قال المشهود عليه أشهدت على نفسي بما في هذا الكتاب ولم أعلم ما فيه ولم يقرأعلى وليس في الكتاب أنه قرىء عليه هل يمنع ذلك الحكم به وهل يجوز للشاهد أن يقول للمشهود عليه اشهد عليك بجميع ما نسب إليك في هذا الكتاب من غير أن يعرفه ما به ويشهد به أجاب ابن الزاغوني: quot;لا يجوز للشاهد أن يشهد على المشهود عليه إلا بأن يقرأ عليه الكتاب ويقول المشهود عليه قد قرىء علي أو يقول قد فهمت جميع ما فيه وعرفته فإذا اقر بذلك عند الشهود شهدوا عليه به وإذا شهد الشاهدان عند الحاكم أنه قد أقر عندهم بفهم جميع ما في الكتاب لم(4\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "836",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7051",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يلتفت إلى إنكار المشهود عليهquot;. وأجاب أبو الخطاب: quot;إذا قال المشهود عليه أشهدتم على نفسي بما في هذا الكتاب لا يشهد الشاهدان إلا أن يقولا له نشهد عليك بجميع ما في هذا الكتاب وقد فهمته أو قرىء عليك فيقول نعم أو يقرأعليه فإذا وجد ذلك لم يقبل قوله لم أعلم ما فيه ولزمه الحكم في الظاهرquot;. قلت: وعلى هذا فكثير من كتب هذه الأوقاف المطولة التي واقفها امرأة أو أعجمي أو تركي أو عامي لا يعرف مقاصد الشروط لا يجب القيام بكثير من الشروط التي تضمنته لأن الواقف لم يقصدها ولا فهمها وقد صرح كثير من الواقفين بذلك بعد الوقف وعلى هذا فيصير كالوقف الذي لا نعلم شروطه. ومن مسائل أبي جعفر محمد بن علي الوراق: قيل له: قال: حج عني قال: quot;يحج عنه يعنى يفرد الحج. قيل له: قال: وما فضل فهو لك كيف ترى قال: quot;إذا قال فأرجو أن يطيب لهquot; صلى بنا أبو عبد الله يوم جمعة صلاة الفجر فقرأ تنزيل السجدة وعبس فسها أن يقرأ السجدة فجاوزها فسجد سجدتي السهو قبل التسليم قيل له لم سجدت سجدتي السهو قال: quot;لا يضره وذكر حديث ابن عباس quot;إن استطعت أن لا تصلي صلاة إلا سجدت بعدها سجدتينquot; أما رأيتني ما صنعت يقول إني لم أقرأ السجدة. قلت: هذه الرواية في غاية الإشكال لأن سجدة يوم الجمعة ليست من سنن صلاة الفجر ولهذا لا يستحب أن يتعمد قراءة آية سجدة من هذه السورة ولا من غيرها في فجر الجمعة وإنما المقصود قراءة هاتين السورتين (تنزيل وهل أتى) وذلك لما فيهما من بدء خلق الإنسان وذكر القيامة فإنها في يوم الجمعة فإن آدم خلق يوم الجمعة وفي يوم الجمعة تقوم الساعة فاستحب قراءة هاتين السورتين في هذا اليوم تذكيرا للأمة بما كان فيه ويكون والسجدة جاءت تبعا غير مقصود فلا يستحب لمن لم يقرا سورة تنزيل أن يتعمد(4\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "837",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7052",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قراءة آية سجدة من غيرها لاسيما وقد آل هذا بخلق كثير إلى اعتقادهم أن يوم الجمعة خص بزيادة سجدة فيشتد إنكارهم على من لم يسجد ذلك اليوم وربما يعيدون الصلاة وينسبونه مع سعة علمه وفقهه إلى أنه لا يحسن يصلي ولهذا والله أعلم كرهها مالك وأبو حنيفة وغيرها فالسجدة ليست من سنن الصلاة فلا يستحب سجود السهو لتركها وهذا إن كان قد صح عن أحمد فالظاهر والله أعلم أنه رجع عن ذلك فلم يستقر مذهبه عليه وقول ابن عباس: quot;إن استطعت أن لا تصلي صلاة إلا سجدت بعدها سجدتينquot; إنما أراد به ابن عباس الركعتين بعد الفريضة جابرين بما يكون من الفريضة من خلل والركعة تسمى سجدة وقال ابن عمر: quot;حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدتين قبل الصبح وسجدتين قبل الظهر وسجدتين بعدهاquot; الحديث. وهو كثير في ألأحاديث والآثار إطلاق اسم السجدتين على الركعتين. وقد ذهبت طائفة من الزيدية إلى أنه يشرع لكل مصل أن يسجد سجدتين للسهو في آخر كل صلاة ولعلهم فهموا ذلك من قول ابن عباس والله أعلم. ولا أعلم للوراق متابعا على هذه الرواية والمذهب على خلافها عدنا إلى مسائله. قال: قلت: الإمام إذا ختم يقرأ المعوذتين ثم يقرأ بفاتحة الكتاب ويبتدى بالقراءة قال: quot;لا أدري ما سمعت في هذا بشيءquot;. قلت: تجزىء العمامة في الكسوة في كفارة اليمين فقال لي: quot;تجزىء القلنسوة ثم قال: لا إلا الثوب أو القميص وإن كسا امرأة فقميص ومقنعة لأنه لا يجوز للمرأة أن تصلي إلا في قميص ومقنعة الكسوة فيما تجوز فيه الصلاةquot;. وسأله رجل عن مسألة فقال: quot;لا أدري فردها الرجل عليه فقال: أكل العلم نحسنه نحن! قال: فاذهب إلى هؤلاء فاسألهم يعنى أصحاب الرأي فقال: لا أنظر إلى من يذهب إلى رأي أهل المدينة. وسمعت أحمد يقول: quot;كان الحجاج بن أرطاة يقول: لا تقولوا من حدثك ولا من أخبرك قولوا: من ذكره قيل له كان يدلس قال: نعمquot;. ومن مسائل أبي العباس أحمد بن محمد البزي: قلت: إذا تلاعن الزوجان ما أمرهما فسخ أو طلاق بتفريق الحاكم وكيف يكون حال المرأة(4\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "838",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7053",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا ارتدت عن الإسلام والخلع وما أشبه هذا فقال: quot;هذه مسألة أنا فيها منذ ثلاثين سنة لم يتضح الأمر فيها فلا أدري اللعان فيها أو لاquot;. ومن مسائل زياد الطوسي: سألته عن العقيقة فقال: quot;ليست بواجبه وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عق عن الحسن والحسينquot;. قال زياد: وأخبرني أبو عبد الله أنه قال: تعطي القابلة الراحل كذا بخط القاضي بحاء مهملة وهو سهو منه وصوابه الرجل بالجيم. وروى أحمد بإسناده quot;أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يبعثوا إلى القابلة برجل quot; يعني من العقيقة ذكره الخلال في جامعه. قال: وسمعت أحمد يقول: quot;لا يعجبنا أن يقول مؤمن حقا ولا يكفر من قالهquot; وقال: quot;وسمعته يقول: لا تسمى في التشهد إلا ما روي عن عبد الله quot;التحياتquot;. ومن مسائل بكر بن أحمد: سألت أبا عبد الله إذا فاتتني أول صلاة الإمام فأدركت معه ركعة من آخر صلاته فقال لي: quot;تقرأ فيما تقضي يعني الحمد لله وسورة وفي القعود على ابتداء صلاتكquot;. ومن مسائل الفضل بن زياد: قال: سمعت أبا عبد الله قيل له: ما تقول في التزويج في هذا الزمان فقال: quot;مثل هذا الزمان ينبغي للرجل أن يتزوج ليت أن الرجل إذا تزوج اليوم ثنتينquot;. فقلت:(4\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "839",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7054",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;ما يأمن أحدكم أن ينظر النظر فيحبط عملهquot;. قلت له: كيف يصنع من أين يطعمهم فقال: quot;أرزاقهم على الله عز وجلquot;. ومن مسائل عبد الملك الميموني: قال: quot;الزكاة أهون من الصدقة لأن الله قال فيها وابن السبيل وهو حين يأخذ الزكاة فيخرج من منزلة تلك الساعة هو ابن السبيلquot;. قال القاضي: quot;قوله: (حين يأخذ الزكاة يخرج من منزلة تلك الساعة هو ابن السبيل) يدل علىأن ابن السبيل هوالمنشىء للسفر وعنه خلاف وأنه المختارquot; انتهى الكلام. ولم يفسر قول أحمد الزكاة أهون من الصدقة وأراه قد خفي عليه معنى كلام أحمد ولم يرد أحمد ما فهم القاضي. وقال الميموني: quot;قلت: يعتق من زكاته قال: quot;نعمquot;. قلنا له فإن جنى جناية أو أحدث حدثا أليس يرجع عليه قال: quot;بلىquot;. قلنا له فميراثه له قال: quot;لاquot;. قلنا: ولم قال: إن ذا لله فإذا ورث منه شيئا جعله في مثله قلت: يعقل عنه ويؤخذ بجريرته في جنايته فإذا مات ذهب ميراثه قال: quot;هو أراده وضيعه بنفسهquot;. وسألته عن الحب يجمع قال: quot;مسألة فيها اختلافquot;. قلت: إذا كنا نذهب في الذهب والفضة إلى أن لا نجمعها لم لا تشبه الحبوب بها قال: quot;هذه يقع عليها اسم طعام واسم حبوبquot; قال: ورأيت أبا عبد الله في الحبوب يحب جمعها ومذهبه في الذهب والفضة والبقر والغنم أن يزكى كل واحد منها على حدة ولا يجمع بعضها إلى بعض. وسألته عن الرجل من أهل الكتاب لي عليه اليمين أستحلفه قال: quot;نعم إلا أن من الناس من يقول استحلفه بالكنيسة ويغلظ عليه بأيمانهم ومنهم من يقول يستحلفه باللهquot;. قلت: فإن استحلفه بالله أو بالكنيسة أليس ترى ذلك جائزا قال: quot;بلى وإذا رفع إلى الحاكم استحلفه بالكنيسة ويغلظ عليه أو بالله عز وجلquot; في(4\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "840",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7055",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحاشية بخط القاضي قوله: quot;أو بالكنيسة يحتمل أن يريد به يستحلفه بالله في الكنيسة ولم يرد أن يحلفه بها ويحتمل أن يريد يستحلفه بالله ويضم إليه وهدم الله الكنيسةquot;. قلت: ما تقول في الصفي قال: quot;ذلك شيء للنبي صلى الله عليه وسلم خاصةquot; قلت: قال الله عز وجل: لله وللرسول الآية أن جعلها رجل في صنف واحد أجزأ عنه قال لي: quot;ما علمت أن أحدا قال بذا يجعل في الأصناف كلهاquot; وقال: quot;أرأيت إن كان عنده عشرة آلاف وعليه عشرة آلاف لا يحج ما تقول في حج هذا إذا حج قلت: على القياس حجه فاسد على قول من قال ليس له أن يحج من هذا المال فقال لي: quot;ما يرى هذا إلا شنيعquot;. قلت: هذا القياس غير صحيح لأنه وإن كان دينه بقدر ما بيده فهو لم يحج بمال حرام حتى تكون مسألة الحج بالمال الحرام وإنما حج بماله نفسه ولكنه أثم بتأخير قضاء الدين من هذا المال ولو أنه اكتسب في هذا المال ونما لكان نماؤه لم يختص به ولو تصدق منه لكان ثوابه له فلا يصح قياسها على ما لو سرق مالا لغيره وحج به. عدنا إلى المسائل: قلت: وتخرج صدقة قوم من بلد إلى بلد قال: quot;لا إلا أن يكون فيها فضل عنهمquot; قلت: كيف يكون عن فضل قال: quot;يعطيهم ما يكفيهم ويخرج الفضل عنهم لأن الذي كان يجىء المدينة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بكر وعمر إنما من فضل عنهمquot;. وقال لي أبو عبد الله: quot;إذا بيت فإصاب نساءهم فليس عليه كفارة وليس عليه شيء وإذا عمد فليس عليه أيضا لا دية ولا كفارة ولكن لا يقتل لا يدخل في نهي النبي صلى الله عليه وسلمquot;. وقال أبو عبد الله: quot;إنما الجهر بالقراءة في الجماعة أرأيت إن صلى وحده عليه أن يجهر إنما الجهر في الجماعة إذا صلىquot;. وسألوه عن الجرح يكون بالإنسان يخاف عليه كيف يمسح عليه قال: quot;ينزع الخرقة ثم يمسح على الجرح نفسهquot;. قلت: هذا النص خلاف المشهور عند الأصحاب فإنهم يقولون إذا كان مكشوفا لم يمسح عليه حتى يستره فإن لم يكن مستورا تيمم(4\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "841",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7056",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له ونص أحمد صريح في أنه يكشف الخرقة ثم يباشر الجرح بالمسح وهذا يدل على أن مسح الجرح البارز أولى من مسح الجبيرة وأنه خير من التيمم. وهذا هو الصواب الذي لا ينبغي العدول عنه وهو المحفوظ عن السلف من الصحابة والتابعين ولا ريب أنه بمقتضى القياس فإن مباشرة العضو بالمسح الذي هو بعض الغسل المأمور به أولى من مباشرة غير ذلك العضو بالتراب ولم أزل أستبعد هذا حتى رأيت نص أحمد هذا بخلافه. ومعلوم أن المسح على الحائل إنما جاء لضرورة المشقة بكشفة فكيف يكون أولى من المسح على الجرح نفسه بغير حائل فالقياس والآثار تشهد بصحة هذا النص والله أعلم. وقد ذكرت في الكتاب الكبير الجامع بين السنن والآثار من قال بذلك من السلف وذكرت الآثار عنهم بذلك وكان شيخنا أبو العباس بن تيمية رحمة الله يذهب إلى هذا ويضعف القول بالتيمم بدل المسح. رجعنا إلى المسائل: وقال: quot;إذا كان الإمام من أئمة الأحياء يسكر هذا لا تقبل صلاته أربعين يوما كيف أصلي خلف هذا لي أن أختار ليس هو والي المسلمين والصلاة خلف الولاة لا بد والصلاة خلف أئمة الأحياء لنا أن نختارquot;. قال أبو عبد الله: quot;لم ترث بنات عم من مواليه شيئاquot;. ومن مسائل الفضل بن زياد القطان: سمعت أحمد وسئل عن الرجل يختن نفسه فقال: quot;إذا قوي على ذلكquot;. قلت: من أقرأهم قال: quot;أحفظهمquot;. سألت أحمد عن المتطوع جالسا هل يتربع قال: quot;إن كان يطيل القراءة تربع وإن كان يكثر الركوع والسجود لم يتربعquot;. وسألت أحمد رضي الله عنه عن الرجل يصلي تطوعا فيصير بعض ذلك عن والديه فقال: quot;أما الطواف فقد سمعنا وأما الصلاة فما أدري أحتاج أن انظر فيهquot;. وسمعته يسأل عن القنوت قبل الركوع أو بعد فقال:(4\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "842",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7057",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;كل حسن إلا أني أختار بعد الركوعquot;. وسألته إذا قنت الرجل في الوتر يكبر ثم يقنت فقال: quot;إذا قنت قبل الركوع ففرغ من القراءة كبر ثم قنت وإن قنت بعد الركوع فرفع رأسه من الركوع قال: اللهم إنا نستعينك ونستهديك ولم يكبرquot;. وسألته عن قدر القيام في القنوت فقال: quot;كقنوت عمرquot;. وسمعته وسئل عن الإمام يقنت ويؤمن من خلفه قال: quot;ما أحسنه إلا أنا نحن ندعوا جميعاquot;. سألت أحمد قلت: أختم القرآن أجعله في الوتر أو في التراويح قال: quot;إجعله في التراويح قلت: كيف أصنع قال: إذا فرغت من آخر القرآن فارفع يديك قبل أن تركع وادع بنا ونحن في الصلاة وأطل القيامquot;. وسألت أحمد عن إمام قوم إذا آخر ليلة من الشهر أقبل على الناس ووعظ وذكر وحمد الله وأثنى عليه ودعا قال: quot;حسن قد كان عامة البصريين يفعلون هذاquot;. أخبرنا أحمد ثنا عبد الرزاق انبأ عقيل عن معقل بن وهب بن منبه عن جابر بن عبد الله quot;أن النبي صلى الله عليه وسلم عن النشرة فقال: quot;هي من الشيطانquot;. كتبت إلى أبي عبد الله أسأله عن حديث ابن عباس quot;إياكم والغلوquot; ما معنى الغلو فأتاني الجواب: quot;يغلوا في كل شيء في الحب والبغضquot;. صافحت أبا عبد الله كثيرا فصافحني وابتدأني بالمصافحة غير مرة ورأيته يصافح الناس كثيرا. أخبرنا أبو طالب عن أبي عبد الله قال: قلت: هؤلاء إذا قلنا لهم يهديكم الله يصلح بالكم قالوا إنما يقال هذا لليهود أليس بقرآن: اهدنا الصراط المستقيم قلت: أليس دعاء النبي صلى الله عليه وسلم quot;اهدني فيمن هديتquot; قال: quot;بلى الفضلquot;. قال أبو طالب: سألته عن اليهود والنصارى من أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال: لا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: quot;أمتي أمتي quot; يقع على اليهودي والنصارى. وسألت أبا عبد الله عن الرجل يشتري الأضحية ثم يبدوا له أن يشترى خيرا منها قال: quot;إذا سماها فلا يبيعها إلا لمن يريد أن يضحى بهاquot;. وسألت عن الإزار تحت السرة أعجب إليك أم فوق السرة فقال: quot;تحت السرةquot;. وسمعت يسأل عن معنى quot;لا تراءى نارهماquot; فقال: quot;لا ينزل من المشركين في موضع إذا أوقدت رأوا فيه نارك وإذا أوقدوا رأيت فيه نارهم ولكن تباعد عنهمquot;. وسألته عن طواف الزيارة(4\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "843",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7058",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كم هو قال: quot;واحد وعشرون طوافا ثلاثة أسابيع لذلك أعجب إليناquot;. قلت: يريد أحمد أن أكمل الطواف ثلاثة أسابيع سبعة للقدوم وسبعة للإفاضة وسبعة للوداع فأجاب السائل عن سؤاله وغيره وقد صرح بهذا في مواضع أخرى. وسمعته يقول لقوم قدموا من مكة quot;يبارك الله لكم في مقدمكم وتقبل منكمquot;. وسمعته وقد سئل عن المرأة تلبس الحلي وهي محرمة فقال: quot;لا بأس بهquot;. وسمعته وقد سئل عن محرم أحرم من خرسان فلما صار ببغداد مات أوصى أن يحج عنه يحرم عنه من بغداد أو من المواقيت قال: quot;من المواقيتquot;. وسألته عن المحرم يستظل قال: quot;لا يستظلquot;. قلت: عليه دم فقال: quot;الدم عندي كثيرquot;. وكتبت إليه أسأله عن رجل له قرابات محاويج لا يعرفون شرائع الإسلام ولا يتعلمونه أيضع زكاته فيهم أو في من يعرف شرائع من غير القرابات فأتى الجواب: quot;ينبغي له أن يعلمهم ويضعها فيهم ويعطيهم من غير الزكاةquot;. وكتبت أسأله عن الحديث quot;من أقر بالخراج وهو قادر على أن لا يقر به فعليه لعنة اللهquot; فأتى الجواب: quot;ما سمعت بهذا هو حديث منكر وقد روى عن ابن عمر quot;أنه كان يكره الدخول في الخراجquot; وإنما كان الخراج على عهد عمر. وسألته عن الرجل يكتب عن الرجل ولا يراه فقال: quot;كتبت عن علي بن هشام ولم أرهquot;. نافع عن ابن عمر قال: quot;كان يبعث بها قبل الفطر باليومين والثلاثة إلى المجمع وكان عطاء يعطي عن أبوية صدقة الفطر حتى مات قيل لأبى عبد الله يعجبك هذا قال: quot;هذا تبرع ما أحسن هذاquot; سمعت أبا عبد الله يقول: quot;أكذب الناس القصاص والسؤالquot; وسمعت يرد على السائل إذا وقف ببابه quot;أعاننا الله وإياكquot; كتبت إليه أسأله عن رجل يعمل الخوص قوته ليس يصيب منه أكثر من ذلك هل يقدم على التزويخ فأتاني الجواب quot;يقدم على التزويج فإن الله يأتي برزقه ويتزوج ويستقرضquot; وسألته عن رجل تزوج امرأة على ألف درهم فبعث إليها بقيمته متاعا وثيابا ولم يخبرهم أنه من الصداق فلما دخل بها سألته الصداق فقال أبو عبد الله: quot;لها ذلكquot; قلت: فإنه قال لها إني قد بعثت إليك بهذا المتاع واحتسبته(4\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "844",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7059",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من الصداق فقالت المرأة: إنما صداقي دراهم فقال ابن عبد الله: quot;صدقتquot; قلت: كيف يصنع بهذا قال: quot;ترد عليه الثياب والمتاع وترجع المرأة عليه بصداقهاquot; وسئل عن رجل قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا إن لبست من غزلك وعليه من غزلها يلقى ما عليه من غزلها ساعة وقعت اليمين قيل له فإن هو نسي وذكر بعد قال: quot;يلقيه عنه ساعة ذكرquot; قيل له: فإن مشى خطوات وهو ذاكر له يقول الساعة ألقيه أخشى أن يكون قد حنث قلت: هذا منصوص أحمد ههنا وفي مسألة الحمل إذا قال إن حملت فأنت طالق فبانت حاملا طلقت وقال صاحب المحرر: quot;وعندي أنها لا تطلق إلا بحمل متجدد وقد أوافق أبو البركات على مسألة اللبس فقال: إذا حلف لا يلبس ثوبا هو لابسه أو لا يسكن دارا هو ساكنها أو لا يساكن فلانا وهو مساكنه فاستدام ذلك حنث وكذلك إذا حلف أن لا يتسرى فوطىء أمة له قال يحنثquot; ثم قال: quot;وإن حلف لا يتطيب وهو متطيب أولا يتطهر وهو متطهر أو لا يتزوج وهو متزوج فاستدام ذلك لم يحنثquot; ثم قال: quot;وإن حلف لا يدخل دارا هو فيها فهل يحنث بالاستدامة إذا لم تكن له نية فعلى وجهين. وهذه المسألة تحتاج إلى فرق صحيح ويعسر أو يتعذر إبداؤه فأما إن اعتبرنا النية فالجميع سواء وإن تعذر اعتبار النية لم يظهر فرق البتة بين أن يحلف أن لا يتسرى أو أن يحلف أن لا يتزوج فيحنث بوطء أمته بخلاف التزوج فإن وطء الزوجة لا يقال له تزوج وهذا الفرق ليس بشيء فإن التزوج أيضا مأخوذ من ضم الزوج إلى زوجة ولكن عند الإطلاق لا يفهم من التسري والتزوج إلا تجديد فراش أمته أو زوجه فإن كان استدامة فراش الأمة يعد تسريا فاستدامه فراش الزوجة يعد زواجا وبالجملة فلا يظهر لي في هذه المسائل فرق يعتمد عليه. عدنا وسئل عن امرأة اختلعت من زوجها في مرضه فمات وهي في العدة لا ترثه ليس هي مثل الطلاق ابتداء والخلع هو من قبلها حديثا أبو طالب عن أبي عبد الله أنه سأله عن الأمة إذا فقدت(4\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "845",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7060",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "زوجها تتربص سنتين على النصف من الحرة سمعت أحمد يقول في حديث أبي هريرة quot;من حمل جنازة فليتوضأ quot; فقال: quot;كأنه يقول لا يحملها حتى يتوضأquot; أو كما قال وسألته عن قوم مات فيهم ميت وليس عندهم ماء فقال: quot;يتيممquot; قلت: فإنهم يمحوه وصلوا عليه وأصابوا الماء قال: quot;لا أدري ما هذا لم أسمع في هذا بشيءquot; وكتبت إليه أسأله عن زائر القبر يقف قائما أو يجلس فأتى الجواب quot;أرجوا أن لا يكون به بأسquot; ومن مسائل أحمد بن أحرم بن خزيمة بن عباد بن عبد الله ابن حسان بن عبد الله بن المغفل المزني الصحابي: سمعته وقال له رجل: (جمعنا الله تعالى وإياك في مستقر رحمته) فقال: quot;لا تقل هكذاquot;. قلت: اختلف السلف في هذه الدعوة وذكرها البخاري في كتاب الأدب المفرد له وحكى عن بعض السلف أنه كرهها وقال: quot;مستقر رحمته ذاتهquot; هذا معنى كلامه وحجة من أجازها ولم يكرهها الرحمة هنا المراد الرحمة المخلوقة ومستقرها الجنة وكان شيخنا يميل إلى هذا القول انتهى. وسئل عن رجل استأجر أجيرا على أن يحتطب له على حمارين كل يوم ينقل عليهما وكان الأجير ينقل على الحمارين وعلى حمار رجل آخر في نوبة هذا أو يأخذ منه الأجر فقال: quot;إن كان يدخل عليه فيه ضررا رجع عليه بالقيمةquot; أو قال كلاما هذا معناه. قلت: وشبيه بهذه المسألة إذ أخذ من رجل مالا مضاربة ثم ضارب لغيره وعلى الأول ضرر في ذلك فإنه يرد حصته من الربح في شركة الأول ووجه هذا أن منافعه صارت مستحقة للمستأجر والمضارب فإذا بذلها لغيره بعوض كان العوض لمستحقها. وسأله رجل أن والدي توفي وترك عليه دينا أفأقضيه من زكاة مالي قال: quot;لاquot;.(4\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "846",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7061",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسئل عن رجل أسلم في طعامه إلى أجل مسمى فإذا حل الأجل يشترى منه عقارا أو دارا فقال: quot;نعم يشترى منه مالا يكال ولا يوزنquot; وسمعته سئل عن رجل حلف أن لا يلبس من غزل امرأته فخاط الخياط من غزلها فلم يجب فيه شيء وسئل عن امرأة رميت فأقرت على نفسها ثم ولدت فبلغ زوجها فطلقها قال: quot;الولد للفراش حتى يلاعنquot; وسئل عن رجل أسلم من أهل حرب في دار الحرب ثم دخل دار الإسلام وليس له ولى في دار الإسلام فقتله رجل من المسلمين خطأ أيلزم المسلم الدية مع الرقبة قال: quot;الذي أذهب إليه أنه ليس عليه دية وعليه رقبةquot;. وسئل عمن طاف وراء المقام وقيل له روى عن عطاء أنه قال: quot;من لم يمكنه الطواف إلا خلف المقام جلسquot; كأن عطاء كره الطواف خلف المقام فقال: quot;من روى هذا ليس هذا بشيء الذي يكره من هذا أكثر لتعبه وأعظم لأجرهquot; قيل له: طاف من وراء السقاية قال: quot;نعم هو أكثر لتعبهquot; قيل له: تذهب إلى حديث عبد الله بن حكيم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب quot; قال: quot;نعمquot; قيل له: وقد رواه خالد الحذاء عمن سمع عبد الله بن عكيم قال: quot;قد رواه شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن عبد الله بن عكيم أصح من هذا وقد رواه عباد ورواه شعبة عن الحكم كأنه صححه من غير حديث خالد. ومن مسائل الفضل بن زياد القطان: كتبت إلى أبي عبد الله أسأله عن حديث النعمان بن بشير quot;من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضهquot; ما الشبهات فأتاني الجواب quot;هي منزلة بين الحلال والحرام إذا استبرأ لدينه لم يقع فيهاquot;. أحمد رضي الله عنه حدثنا عبد الأعلى عن هشام عن محمد يعنى ابن واسع أنه كان يكره أن يشترى بالدنانير إلا العتق وبالدراهم التي فيها(4\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "847",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7062",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كتاب الله أن يشترى بها أو يبيع. وقال أحمد: quot;سمعت من معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: quot;كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجرون في البحر منهم طلحة بن عبد الله وسعيد بن زيدquot;. سمعت أبا عبد الله وقد سئل عن بيع الجزاف فقال: quot;إذا استوى علمهما فلا بأسquot; يعنى إذا جهلا به فإذا علم أحدهما وجهل الآخر فلا وسألته قلت: القطن يبيعه فيرفع ظرفه العدل خمسة أمنان قلت نعم وربما زاد فيحسبه المشترى فرخص فيه ولم ينكره على طريق الصلح قلت: فإنا نبيع بيعا آخر نبيع القطن في الكساء فقال: quot;هذا أحب إلى من ذلك لأنه يكون بمنزلة التمر في جلالته وقواصره ما زال هذا يباع في الإسلامquot; قلت: فإنهم يحملونا على أن نكشفه فقال: quot;هذا ضرورة ليس عليكم هذاquot; قال القاضي: quot;إنما لم يشترط كشفه على الرواية التي أجاز بيع الجرب قبل حلها وقوله نبيعه بظرفه أحب إلى من أن يحتسب بوزن الظرف لأنهم ربما اختلفوا في وزنهquot; انتهى. قلت: قول أحمد نبيع القطن في الكساء أحب إلي وقوله لأنه ربما يكون بمنزلة التمر في جلاله وقواصره ما زال هذا يباع في الإسلام يؤخذ منه بيع المغيبات في الأرض كالجزر والقلقاس والسلجم ونحوها بل أولى وما زال هذا يباع في الإسلام ويتعذر عليهم بيع المزارع إلا هكذا وعلمهم بما في الأرض أتم من علم المشترى بما في الجرب والإعدال لأنهم يعرفونه بورقه ولا يكاد تخلو معرفتهم به بل ربما كان اختلاف ما في الجرب والإعدال أكثر من اختلاف المغيب في الأرض والعسر فيه أكثر لأنه بحسب دواعي البسر وما في الأرض لا صنع لهم فيه فالغالب تساويه وبالجملة فلم يزل ذلك يباع في الإسلام. وهذه قاعدة من قواعد الشرع عظيمة النفع أن كل ما يعلم أنه لا غنى بالأمة عنه ولم يزل يقع في الإسلام ولم يعلم من النبي صلى الله عليه وسلم تغييره ولا إنكاره ولا من الصحابة فهو من الدين وهذا كإجارة الاقطاع وبيع المعاطاة وقرض الخبز والخمير ورد أكثر منه وأصغر وأكل الصيد من غير تفريز محل أنياب الكلب ولا غسله وصلاة المسلمين(4\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "848",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7063",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في جراحاتهم كما قال البخاري: quot;لم يزل المسلمون يصلون في جراحاتهم ومسحهم سيوفهم من غير غسل وصلاتهم وهم حاملوهاquot; ولو غسلت السيوف لفسدت ولا يعرف في الإسلام غسل السيوف ولا إلقاؤها وقت الصلاة وكذلك صلاة النساء في ثياب الرضاعة أمر مستمر في ألإسلام مع أن الصبيان لا يزال لعابهم يسيل على الأمهات وهم يتقيئون ولا تغسل أفواههم وكذلك البيع والشراء بالسعر لم يزل واقعا في الإسلام حتى أن من أنكره لا يجد منه بدا فإنه يأخذ من اللحام والخباز وغيرهما كل يوم ما يحتاج إليه من غير أن يساومه على كل حاجة ثم يحاسبه في الشهر أو العام ويعطيه ثمن ذلك فما يأخذه كل يوم إنما يأخذه بالسعر الواقع من غير مساومة وكذلك الإجارة بالسعر في مثل دخول الحمام وغسل الغسال وطبخ الطباخ والخباز وغيرهم لم يزل الناس يفعلون ذلك من غير تقدير إجارة اكتفاء منهم بإجارة المثل وقد نص الله على جواز النكاح من غير تسمية وحكم النبي صلى الله عليه وسلم المثل فإذا كان هذا في النكاح ففي سائر العقود من البيوع والإجارات أولى وأحرى وقول القائل: الصداق في النكاح دخيل غير مقصود ولا ركن كلام لا تحقيق وراءه بل هو عوض مقصود تنكح عليه المرأة وترد بالعيب وتطالب به وتمنع نفسها من التسليم قبل قبضه حيث يكون لها ذلك وهو أحق أن يوفى به من ثمن المبيع وعوض الإجارة فهو في هذا العقد أدخل من ثمن المبيع وعوض الإجارة فيهما ولأن منافع الإجارة والأعيان المباعة قد تستباح بغير عوض بل تباح بالبدل بخلاف منفعة البضع والمرأة لم تبذل بضعها إلا في مقابلة المهر وبضعها أعز عليها من مالها فكيف يقال إن الصداق عارية في النكاح غير دخيل في العقد أنهم رأوا النكاح يصح بدون تسمية فدلت على أنه ليس ركنا في العقد فهذا هو الذي دعاهم إلى هذا القول. وجواب هذا أن النكاح لم ينعقد بدونه البتة وإنما انعقد عند الإطلاق بصداق المثل فوجب صداق المثل بنفس العقد حتى صار كالمسمى(4\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "849",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7064",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجعل الشارع سكوتهم عنه بمنزلة الرضي به وتسميتة فلم ينعقد النكاح بغير صداق وإنما بغير تسمية صداق وفرق بين الأمرين. والمقصود أن الشارع جوز أن يكون أعراض المبيعات والمنافع في الإجارات ومنفعة البضع منصرفة عند الإطلاق إلى عوض المثل وإن لم يسم عند العقد وليس هذا موضع تقرير هذه المسائل وإنما أشرنا إليها إشارة. قال: وسألته عن الرجل يشتري الثوب بدينار ودرهم فقال: quot;لا بأس بهquot; قلت: فإنه اشتراه بدينار غير درهم قال: quot;لا يجوز هذاquot; وسمعت أنه سئل عن المكحلة قال: quot;لا يشترى بها شيئا ولكن إذا كان لك على رجل دراهم فأعطاك مكحلة فخذ منه كأنك أخذت دون حقكquot; ورأيته يشدد في الشريعة جدا وسئل عن رجل كان ساكنا فقال له صاحب الدار: تحول فقال الساكن: قد دفنت في دارك شيئا فقال صاحب الدار: ليس ذلك لك فقال أبو عبد الله: quot;ينبش كل واحد منهما ما دفن فكل من أصاب الوصف كان ذلك لهquot; أو نحو هذا قلت: هذا له ثلاثة أصول أحدها: وصف اللقطة فإنه يوجب أو يسوغ على القول الآخر دفعها إلى الواصف الثاني: الدعوى المؤيدة بالظاهر والعادة الثالث: إن العلم المستفاد من وصف أحدهما له بصدقة أقوى من العلم المستفاد بالشاهد الواحد واليمين أو نكول الخصم وهذا ما لا سبيل للنفس إلى دفعه ومحال أن يحكم بالأضعف ويلغى حكم ما هو أقوى منه والذي منع منه الشرع أن المدعى لا يعطي بدعوى مجردة لا دليل معها شيئا فإذا تميزت بدليل لم يحكم له بدعوى مجردة ولهذا يحكم له بالشاهدين تارة وبالمرأة تارة وبالنكول تارة وبالقرائن الظاهرة وبالصفة وبالشبه وهذا كله أمر زائد على مجرد الدعوى فلم يحكم له بدعوى مجردة وأين يقع معاقد القمط ووجوه الآجر والجص من الصفة ههنا وفي اللقطة والله الموفق. قال أحمد: quot;إذا دعى أحدهما الدار أجمع وقال الآخر لي نصفها فهي بينهما نصفان وقد يقول بعض الناس هي بينهما ثلاثة أرباع لمدعى(4\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "850",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7065",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجميع وللآخر الربعquot;. قلت وجه هذا أن مدعى النصف قد اعترف أن النصف الآخر لا حق له فيه فلا منازع لخصمه فيه فينفرد به وخصمه ينازعه في هذا النصف المدعى وكلاهما يدعيه فهما فيه سواء. ووجه المنصوص وهو القياس أن أيديهما على الدار سواء فلكل واحد نصفها ومدعى الكل يدعي النصف الذي للآخر وهو ينكره فلو أعطى منه شيئا لأعطي بمجرد دعواه وهو باطل فإن خصمه إنما يقر له بالنصف فلأي شيء يعطي نصف ما بيد خصمه بمجرد الدعوى فهذا القول ضعيف جدا وقولهم إنه يقر لخصمه بالنصف فينفرد به وهما متداعيان للنصف الآخر فيقسم بينهما فجوابه أن استحقاق خصمه للنصف لم يكن مستندا إلى إقراره له به بل النصف له سواء أقر له به خصمه أو نازعه فإقراره إنما زاد تأكيدا ويد كل منهما مثبتة لنصف المدعى واحدة ما يقول لصاحبه ليست يدك يد عدوان والآخر يقول لمدعى النصف يدك يد عدوان فلو قضينا له بشيء بيد خصمه لقضينا له بمجرد قوله ودعواه وهذا لا نص ولا قياس والله أعلم. وقال له رجل: أكرى نفسي لرجل ألزم له الغرماء قال: quot;غير هذا أعجب إلىquot; وسمعته يقول: quot;ما أقل بركة بيع العقار إذا بيع وقيل له ما تقول في رجل اكترى من رجل دارا فوجد فيها كناسة فقال صاحب الدار لم يكن هذا في دارى وقال الساكن بل قد كان في دارك فقال: quot;هو على صاحب الدارquot;. سألت أبا عبد الله عن الصائغ يغسل الفضة بدردي الخمر قال: quot;هذا غش يغسل الفضة تكون سوداء فتبيضquot; أملى على أبو عبد الله إنما على الناس اتباع الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحها من سقيمها ثم بعد ذلك قول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن قول بعضهم لبعض مخالفا فإن اختلف نظر في الكتاب فأي قولهم كان أشبه بالكتاب أخذ به أو بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم به فإذا لم يأتي عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نظر في قول التابعين فأي قولهم كان أشبه بالكتاب والسنة أخذ به وترك ما أحدث الناس بعدهم. سمعت أبا عبد الله وقد سئل عن الرجل يسأل عن الشيء(4\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "851",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7066",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من المسائل فيرشد صاحب المسألة إلى الرجل يسأله قال له: quot;إذا كان رجلا متبعا أرشده إليه فلا بأسquot;. وقال ابن أبي ذئب: quot;ما رأينا بعد أصلح في تدينه وأورع وأقوم بالحق من مالك عن السلاطينquot; فدخل ابن أبي ذئب على أبي جعفر فلم يهمله أن قال له بالحق وكان يشبه ابن أبي ذئب بسعيد بن المسيب في زمانه. قلت رجل يقرىء رجلا مائتي آية ويقرىء آخر مائة آية قال: quot;ينبغي له أن ينصف بين الناسquot;. قلت: إنه يأخذ على هذا مائتي آية لأنه يرجو أن يكون عاملا به ويأخذ على هذا أقل لأنه لم يكن يبلغ مبلغ هذا في العمل قال: quot;ما أحسن هذا الإنصاف في كل شيءquot;. وسمعت أبا عبد الله وذكر عنده أبو الوليد فقال: quot;هو شيخ الإسلامquot;. أبو عبد الله عن عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة عن أبي خالد قال وذكر له أن موسى لما أخذ الألواح قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم الأولون والآخرون السابقون قال قتادة: quot;هم الأولون في العرض يوم القيامة وهم الآخرون في الخلق السابقون في دخول الجنة اجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد قال: إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرأونها قال قتادة: quot;وكان من قبلكم إنما يقرأون كتبهم نظرا فإذا رفعوها لم يعوها ولم يحفظوها وأن الله أعطى هذه الأمة من الحفظ ما لم يعط الأمم قبلهاquot; وذكره إلى آخره وسألت أبا عبد الله عن الطعام في أرض العدو إلى متى يأكلون فقال: quot;إذا بلغوا الدرب ألقوا ما معهمquot; قال ابن هانىء سألت أبا عبدا لله عن الرجل يأخذ من عارضيه قال: quot;يأخذ من اللحية بما فضل عن القبضةquot; قلت له: فحديث النبي صلى الله عليه وسلم quot;احفوا الشوارب واعفوا عن اللحىquot; قال: quot;يأخذ من طولها ومن تحت حلقهquot;. ورأيت أبا عبد الله يأخذ من عارضيه من تحت حلقه قال: ورأيت أبا عبد الله يأخذ حاجبه بالمقراض. قال: وسألته عن خاتم الحديد فقال: quot;لا تلبسهquot;. وسئل عن جلود الثعالب قال: quot;إلبسه ولا تصل فيهquot;. وسئل عن السراويل أحب إليك أم المئرز فقال: quot;السراويل محدث ولكنه أسترquot;. قال ابن هانىء خرج أبو عبد الله على قوم في المسجد فقاموا له فقال: quot;لا تقوموا لأحد فإنه مكروهquot; قال: وكنت مع أبي عبد الله(4\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "852",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7067",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في مسجد الجامع فصلينا ثم رجعنا فقعدنا واستراح وأنا معه فجاء رجل كأنه محموم فقال يا أبا عبد الله إني كنت شارب مسكر فتكلمت فيك بشيء فاجعلني في حل فقال: quot;أنت في حل إن لم تعدquot;. قلت: يا أبا عبد الله لم قلت له لعله يعود قال: quot;ألم تر إلى ما قلت له إن لم يعد فقد اشترطت عليهquot; ثم قال: quot;ما أحسن الشرط إذا أراد أن يعود فلا يعود إن كان له دينquot;. قلت: وهذا صريح في جواز تعليق الإبراء على الشرط وهو الصواب. وقال إسحاق بن هانىء قال رجل لأبي عبد الله أوصني فقال: quot;أعز أمر الله حيث كنت يعزك اللهquot;. وقال لي: quot;يا إسحاق ما هو أهون الدنيا على الله عز وجلquot;. قال الحسن: quot;أهينوا الدنيا فوالله إني لأهنأ ما يكون حين تهانquot; وقيل له ما معنى الحديث quot;لا يقم أحد لأحدquot; فقال: quot;إذا كان على جهة الدنيا مثل ما روى معاوية فلا يعجبني قيل له يكون الرجل حاجا فيأتيه الناس وفيهم المشايخ أيقوم لهم قال قد قام النبي صلى الله عليه وسلم لجعفر في المعانقة احتج بحديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم عانقه. وسألته عن الرجل يلقى الرجل أيعانقه قال: quot;نعم قد فعله أبو الدرداءquot;. ومحوت قدامه لوحا بثوبي فقال: quot;لا تملأ ثيابك سوادا امح اللوح برجلكquot;. وجئته بكتاب من خراسان فإذا عنوانه لأبي عبد الله أبقاه الله فأنكره وقال إيش هذا. قال ابن هانىء: دفع إلى أبو عبد الله يوما في المسجد الجامع ثلاث قطع فيها قريب من دانقين أعطيها وأشار إلى رجل فجاء معي حتى وقف عليه فدفعها إليه وهو ينظر إلى فلما أن دخل المسجد وصلينا الفريضة إذا نحن بالسائل يقول والله ما دفع إلى اليوم شيء ولا وقع بيدي اليوم شر من حرماني الطريق قال لي أبو عبد الله ألم تر ذلك السائل ويمينه بالله عز وجل يروي عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم إن صح: quot; لو صدق السائل ما أفلح من ردهquot;. وقال لي أبو عبد الله: quot;يكذبون خير لنا لو صدقوا ما وسعنا حتى نواسيهم بما معناquot;. وما رأيته تصدق في مسجد الجامع غير تلك المرة. ففي هذا جواز الصدقة على سؤال المساجد فيها ووجوب المواساة عند الحاجة وجواز رواية الحديث الضعيف فقلنا باشتراط الصحة.(4\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "853",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7068",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: إذا سبح أحد في مسألة فإن كان السائل عن تحريمها أو كراهتها فهو تقرير لما سأله عنه لقول ابن منصور له يكره التحريش بين البهائم قال: quot;سبحان الله أي لعمريquot; وإن سبح جوابا للسائل فإن كان قرينة ظاهرة في التحريم حمل عليه وإلا احتمل وجهي التحريم والكراهة وإن قال لا ينبغي فهو للتحريم وإن قال ينبغي ذلك فهل هو للوجوب أو الاستحباب على وجهين والصواب النظر إلى القرينة. قال إسحاق بن منصور قلت لأحمد رضي الله عنه: المتمتع كم يسعى بين الصفا والمروة قال: quot;إن طاف طوافين فهو أجود وإن طاف طوافا واحدا فلا بأسquot; قلت: كيف هذا قال: quot;أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما رجعوا من منى لم يطوفوا بين الصفا والمروةquot; وكذلك قال لي في رواية ابن عبد الله إلا أنه لم يزل يذكر الدليل وكذلك نقل عنه ابن مشيش. وقال ابن منصور قلت لأحمد: إذا علم من الرجل الفجور أيخبر به الناس قال: quot;ربك يستر عليه إلا أن يكون داعيةquot; وزاد ابن منصور quot;يخبر به عند الحاجة في تعديل أو تجريح أو تزويجquot; قلت: يكره الخضاب بالسواد قال: quot;أي والله مكروهquot;. قال ابن منصور كما قال شديدا إلا أن يريد به قريبا لأهله ولا يغر به امرأة. قلت: يكره أن يقول الرجل للرجل فداك أبي وأمي قال: quot;يكره أن تقول جعلني الله فداك ولا بأس أن يقول فداك أبي وأميquot;. قال ابن منصور كما قال. قال حرب: باب من تزوج امرأة ولم يدخل بها فجاءت بولد قال أحمد في رجل تزوج امرأة فلم يدخل بها وإنها ولدت ولدا أنه لا يلزمه. قال ابن منصور قلت لأحمد: في كم تعطي الدية قال: quot;لا أعرف فيه حديثا إلا إذا كانت العاقلة تقدر أن تحملها في سنة فلا أرى به بأسا ويعجبني ذلكquot; قال ابن منصور: quot;في ثلاث سنين كل سنة ثلث لأنه وإن لم يكن الإسناد متصلا عن عمر فهو أقوى من غيرهquot;.(4\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "854",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7069",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن مسائل ابن بدينا محمد بن الحسين: سمعت أبا عبد الله سئل نحضر الجمعة والجنازة ونخاف الفوت فبأيهما نبدأ قال: quot;نبدأ بالجنازةquot; كذا فيه وهو غلط من الكاتب وإنما الصواب quot;نبدأ بالجمعةquot;. حدثني أبو بكر الأشرم قال قلت لأبي عبد الله روى شعبة عن قتادة عن أنس أنه كره إذا أعتق الأمة أن يتزوجها قال: quot;نعم إذا أعتقها لوجه الله كره له أن يرجع في شيء منها فأما إن أعتقها ليس لوجه الله إنما اعتقها ليكون عتقها صداقها فجائزquot;. وروى بإسناده عن صهيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;من تزوج امرأة ونوى أن يذهب بصداقها لقي الله وهو زانquot;. ومن مسائل أبي علي الحسن بن ثوبان: قال قلت: الرجل يقال له اشهد أن هذه فلانة قال: quot;إذا كانت ممن قد عرف اسمها ودعيت فذهبت وجاءت فليشهد وإن كان لا يعلم ما اسمها فلا يشهدquot;. قلت ولا يجوز أن يقول الرجل للرجل اشهد إذا كان عنده ثقة أن هذه فلانة فيشهد على شهادة ذلك الرجل قال: quot;إذا عرفت فاشهدquot;. قلت رجلا زنى بامرأة أبيه تحرم عليه امرأته قال: quot;نعمquot; ومعنى هذا القول أن يكون رجل تزوج امرأة وابنة بنتها ثم وطىء الابن أم زوجته. قلت رجل حفر بئرا قال: quot;إن كان ما أخذه به السلطان فلا(4\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "855",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7070",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يضمن وإن كان مما أراد بها النفع لداره أو ليحدث فيها الشيء ضمن وضمن الحفار معه إذا جاء به إلى الطريق وهو يعلم مثله لا يكون ملكا له محفر له شاركه في الضمانquot; قلت: فإن كان حفر نصفها في حده ونصفها في فنائه فوقع فيها رجل قال: quot;يضمن ولا يضمن الحفارquot; قلت: فإن أخذ الحفار قال: quot;إن علم أن هذا الذي حفر لم يكن له ضمن وإن قال جئت إلى شيء أظن أنه ملك لهذا فليس عليه شيءquot;. قيل له: فما ترى في رجل حفر بئرا قامة فجاء آخر فحفرها حتى وصل الماء فوقع فيها رجل لمن يلزم الضمان قال: quot;بينهماquot;. قلت: ما ترى في المرأة تحج أو تسافر في غير محرم قال: quot;أعوذ باللهquot; قلت: ترى إن حجت من غير محرم يبطل قال: quot;أعوذ بالله تعالى إن حجها جائز لها ولكنها أتت غير ما أمرها النبى صلى الله عليه وسلمquot;. قلت: ما تقول في رجل مملوك له أب حر وأولاد أحرار من امرأة حرة مات العبد ولاء ولده لمن قال: quot;لموالي أمهquot; قلت: إن بعضهم يزعم أن الجد يجر ولاءهم قال: quot;ليس هذا ذاك الذي يجر الجد ولاءهم إنما ذلك في رجل مملوك وله أب مملوك وأولاد أحرار مات الرجل المملوك والجد مملوك ثم إن الرجل عتق فهو يجر ولاءهم لأنه عتق بعد موت ابنهquot;. قيل له: ما ترى في رجل حفر في داره بئرا فجاء آخر فحفر في داره بئرا إلى الحائط الذي بينه وبينه فجرت هذه البئر بماء تلك البئر قال: quot;لا تسد هذه من أجل تلك هذه في ملك صاحبهاquot;. ومن مسائل أبي بكر بن محمد بن صدقة: قال سمعت أبا عبد الله وقد سئل عن رجل قال بسم الله التحيات فقال: quot;لا تقل بسم التحيات ولكن لتقل التحيات للهquot;. وسئل عن الرجل يشهد وهو رديء اللفظ قال: quot;يكتبه هو عندهquot; فقال: فإن ودعت الشهادة أصلا أتم ثم قال: quot;إن كان يضر بأهل القرية ومثله يحتاج إليه فلا يفعلquot;. وسئل عن مسجد إلى جنب رجل ومسجد آخر(4\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "856",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7071",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان أبوه يؤذن فيه أترى أن أصلى في المسجد الذي إلى جنبي قال: quot;إن كان عهد جميعا فكلما بعد فهو خيرquot;. وسئل عن حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;لا إغرار في الصلاة ولا تسليمquot; قال: quot;الإغرار عندنا أن يسلم منها ولا يكملها وأما التسليم فلا أدريquot;. قيل له حديث ابن عمر quot;أنه كان يحتجم ولا يتوضأquot; قال: quot;لا يصح لأن عمر كان يتوضأ من الرعافquot; وسئل عن الرجل يعطي أخاه أو أخته من الزكاة فقال: quot;نعم إذا كان لا يخاف مذمتهم وإن كان قد عودتهم فأعطهمquot; وسئل عن رجل توضأ بأقل من مد واغتسل بأقل من صاع فقال: quot;ما سمعنا بأقل من مد النبي صلى الله عليه وسلم بالصاع وتوضأ بالمدquot;. وسئل عن رجل يموت يقول: وارثي فلان فقال له: quot;كيف هذا وارثك فلان وفلان أقرب إليك منه ببطنquot; قال: ليس ذاك مرادي فلان جده كان داعيا وينكر ذلك أهل القرية والجيران وفي السامع المستفاض أن هذا الذي زعم أنه جده دعي وارث وأقرب إليه يقبل قوله قال: quot;لا يقبل قوله الولد للفراشquot;. وسئل عن المجوسيه تكون تحت أخيها أو أبيها فيطلقها قال أو يموت عنها فيرفعان إلى المسلمين ألها مهر قال أحمد: quot;لم يسلما قال لا فليس لها مهرquot;. وسئل عن الدرهم إذا رأيته مطروحا هل آخذه قال: quot;لا تأخذه فإن أخذه يعرفه سنة للخبرquot; وسئل عن أحاديث وهب بن منبه عن جابر كيف هي قال: quot;أرجو ولم يكن إسماعيل يحدث بها ونحن ثمة وكتبت أنا عن إبراهيم بن عقيل بن معقل شيخا كبيرا حديثين منها ولم يكن إسماعيل يحدث وأرجوا وعقيل بن معقل أحب إلي من عبد الصمدquot; وسئل عن رجل حلف بصدقة ما يملك فقال: quot;هذه يمين فقيل له ثلاثين حجة قال لا أفتي فيه بشيءquot; وسئل عن الرجل يعزي الرجل يصافحه قال: quot;ما أذكره ما سمعتquot; وسئل عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم quot;لا تأتوا النساء طروقا quot; قال: quot;نعم يؤذيهن قال بكتاب قال نعمquot;. والله لما بلغ المقابر خلع نعليه ورأيته لما حثى التراب على الميت انصرف ولم يجلس. قال أحمد في رواية المروزي: quot;من اشترى ما يكاله وكاله البائع فوجده المشترى زائدا فقد يتغابن الناس بالقليل فإن كان كثيرا رده إليهquot; قيل له: في القفيز قال: quot;هذا فاحش يرده قيل فكيلحة(4\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "857",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7072",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونحوه قال: هذا قد يتغابن الناس بمثلهquot; قال في رواية أحمد بن الحسين الترمذي: quot;العينة عندنا أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبعه إلا بنسيئة فإن باع بنقد ونسيئة فلا بأسquot;. وقال في رواية صالح بن القاسم: quot;أكره للرجل أن لا يكون له عادة غير العينة لا يبيع بنقدquot;. وقال في رواية صالح في الذي يبيع الشيء على حد الضرورة كأنه يوكل به السلطان لأخذ خراج فيبيع فيودي quot;لا يعجبني أن يشترى منهquot;. قال في رواية حنبل: quot;يكره بيع المضطر الذي يظلمه السلطان وكل بيع يكون على هذا المعنى فأحب أن يتوفاه لأنه يبيع ما يسوى كذا بكذا من الثمن الدونquot;. وقال في رواية الميموني: quot;ولا بأس بالعربونquot; وفي رواية الأشرم وقد قيل له نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن العربان فقال: quot;ليس بشيءquot;. واحتج أحمد بما روى نافع عن عبد الحارث أنه اشترى لعمر دارا بشجرة فإن رضي عمر وإلا له كذا وكذا قال الأشرم فقلت لأحمد: فقد يقال هذا قال أي شيء أقول هذا عمر رضي الله عنه. وقال حرب قيل لأحمد: ما تقول في رجل اشترى ثوبا وقال لآخر انقد عني وأنت شريكي قال: quot;إن لم يرد منفعة ولم يكن قرض جر نفعا فلا بأسquot;. قال حرب وسئل أحمد عن دار بين ثلاثة اشترى أحدهم ثلثها بمائة والآخر الثلث الآخر بمائتين والآخر بثلاث مائة ثم باعوها بغير تعيين مساومة قال: quot;الثمن بينهم بالسوية لأن أصل الدار بينهم أثلاثاquot;. وسئل أحمد مرة أخرى عن ثوب بين رجلين قوم نصفه على أحدهما بعشرين ونصفه على أحدهما بثلاثين فباعاه مساومة فقال قال ابن سيرين: quot;الثمن بينهما نصفينquot;. قال حرب: quot;وهو مذهب أحمدquot; قيل: لم قال إن لكل واحد منهما نصفه قلت: وإن كان عبدا قال وإن كان عبدا وكل شيء بهذه المنزلةquot; انتهى. قلت: فإن باعوه مرابحة فالثمن بينهم على قدر رؤوس أموالهم لأن الربح تابع لرأس المال فإن كان الربح عشرة في مائة فقد قابل عشرة درهما فيقسم الثمن بينهم كما يقسم الربح وقال صاحب المغني نص أحمد على أنهما إذا باعاه مرابحة فالثمن بينهما نصفان وعنه رواية أخرى حكاها أبو بكر أنها على قدر رؤوس أموالهم قال حرب: وسمعت أحمد يقول: quot;يأخذ(4\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "858",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7073",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرجل من مال ولده ما شاءquot; قلت: وإن كان الأب غنيا قال: quot;نعمquot;. قيل: فإن كان للابن فرج شبه الأمة قال: quot;أما الفرج فلا وذهب إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم quot;أنت ومالك لأبيك quot; وحديث عائشة quot;إن أولادكم من كسبكمquot; والله أعلم. فصل: قال أحمد في رواية أبي طالب فيمن عنده رهون لا يعرف صاحبها quot;يبيعها ويتصدق بها ولا يأخذ ما على الرهن إذا باعه فإن جاء صاحبها غرمهاquot;. قال ابن عقيل: quot;ولا أعرف لقوله ولا يأخذ ما على الرهن وجها مع تجويز بيعها فإن كان المنع لأجل جهالة صاحبها فيجب أن يمنع البيع والصدقة بالثمن كما منع من اقتضاء الدين وإن لم يمنع من الصدقة والبيع فلا وجه لمنع اقتضاء الدين ونقل أبو الحارث في ذلك ويتصدق يبيعه بالفضل فإذا جاء صاحبها كان بالخيار بين الأخذ أو الثمنquot;. قلت: فقد اختلفت الرواية عنه في جواز أخذه حقه من تحت يده قال ابن عقيل: quot;وأصل هاتين الروايتين جواز شراء الوكيل من نفسهquot; وفيه روايتان كذلك أخذه من تحت يده يخرج عليهما وقد تضمن نصاه جواز البيع وإن لم يستأذن الحاكم وتأولهما القاضي على ما إذا تعذر إذن الحاكم قال: quot;وأما إذا أمكن فلا يجوز له ذلك لأنه لا ولاية له على مال الغائب لا بولاية عامة ولا خاصة ومجرد كون مال الغير في يده لا يوجب الولايةquot; قال: quot;قد نص أحمد في رواية أبي طالب إذا كان عنده رهن وصاحبه غائب وخاف فساده كالصوف ونحوه يأتي إلي السلطان ليأمره ببيعه ولا بيعه بغير إذن السلطان فهذا النص منه يقضي على ذلك الإطلاقquot; قلت: والصواب تقرير النصين والفرق بين المسألتين ظاهر فإن في الثانية صاحب الرهن موجود ولكنه غائب فليس له أن يتصرف في مال الغائب بغير وكالة أو ولاية ولا يأمن شكايته(4\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "859",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7074",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومطالبته إذا قدم وهذا بخلاف ما إذا جهل صاحب المال أو ليس من معرفته فإن المعنى الذي في حق الغائب الموجود مفقود في حق هذا والله أعلم. ومن مسائل أحمد بن خالد البرائي: قال سألت أبا عبد الله فقلت: إذا فاتتني أول صلاة الإمام فأدركت معه من آخر صلاته فما أعتد به أول صلاتي فقال: quot;تقرأ فيما مضي يعني الحمد وسورة وفي العقود تقعد على ابتداء صلاتكquot; ومن خط القاضي أيضا نقل مهنا عن أحمد في أسير في أيدي الروم مكث ثلاث سنين يصوم شعبان وهو يرى أنه رمضان يعيد قيل له كيف قال: quot;شهرا على أثر شهر كما يعيد الصلواتquot;. ونقل عبد الله عنه في الرجل يكبر تكبيرة الافتتاح قبل الإمام هذا ليس مع الإمام يعيد الصلاة إنما أمره بالإعادة ولم يجعله منفردا بالصلاة لأنه يرى الائتمام بمن ليس بإمام لأنه إذا كبر قبله فليس بإمام له ولم تصح صلاة الانفراد لأن النية قد بطلت فإن صلى نفسان ينوي كل واحد منهما أنه يأتم بصاحبه لم تصح صلاتهما لأنه ائتم بغير إمام فإن صلى نفسان كل واحد منهما أنه نوى أته إمام صاحبه لم تصح صلاتهما أيضا لأنه نوي الإمامة بمن لا يأتم به فهو كما لو نوى الائتمام بغير إمام. نقل الحسن ب علي بن الحسن سالت أبا عبد الله عن الرجل يكبر خلف الإمام يخافت أو يعلن به قال: quot;لا نعرف فيه شيئا إنما الحديث إذا كبر فكبرواquot; قال القاضي: quot;ظاهر كلامه التوقف عن جهر المأموم بذلك ويجب أن يكون السنة في ذلك الإخفات في حقه كسائر الأذكار في حقه ولأن الإمام إنما يجهر ليعلم المأموم بدخوله في الصلاة وركوعه وإلا فالسنة الإخفات لسائر الأذكار غير القراءةquot; انتهى.(4\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "860",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7075",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من خط القاضي أبي يعلى مما انتقاه من شرح مسائل الكوسج لأبى حفص البرمكي قال أبو حفص: quot;إذا ترك التشهد أن صلاته تجزئه ولا فرق عنده بين التشهد الأول والثاني إن تركهما عامدا أعاد الصلاة وإن تركهما ناسيا فصلاته جائزة وعليه سجود السهوquot;. قال: quot;ومن الأبدال عندنا ما يكون غير واجب وإن كان مبدله واجبا مثل النكاح واجب وجعل النبي صلى الله عليه وسلم منه الصيام وهو غير واجب: يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين فبدأ بالسجود قيل ذلك في غير شريعتنا لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولأن الركوع يسمى سجودا والسجود ركوعا وبدليل حديث عائشة quot;صلى النبي صلى الله عليه وسلم الكسوف ركعتين في كل ركعة سجدتين يريد ركوعينquot; وفي حديث أبي هريرة مquot;ن أدرك من العصر سجدة يريد ركعةquot; وقال تعالى: وخر راكعا وأناب يريد ساجدا. قال أحمد: quot;وإن انغمس في المياه لا يجزئه حتى يتوضأquot; قال أبو حفص: quot;إن كان اغتساله لغيره الجنابة لا يجزئه من وضئه وإن نوى الوضوء ليس عليه الترتيب وإذا خرج من الماء أخرجه رأسه قبل وجهه ولأن الغسل لا يقوم مقام المسح والمغمس في الماء غير ماسح بل غاسل فلا يجزئه وإن ربت الأعضاء في جوف الماء فإن مسح برأسه وغسل رجليه بعد أن خرج رأسه من الماء ويكون قد تمضمض واستنشق أولا الوضوء لنفسه لأن أبا داود روي عنه إذا علم رجلا الوضوء ونوى أجزأه لأن عثمان وعليا رضي الله عنهما جلسا يعلمان الناس وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان لهما طهورا. عن أحمد ثلاث روايات في الجنب هل يحتاج إلى وضوء إحداهن يجزئه الغسل بلا وضوء الثانية يجزئه الغسل عن الوضوء إذا نواه الثالثة لا يجزئه حتى يتوضأ. قلت: قد استشكل بعض الأصحاب الرواية الأولى وهي الصحيحة دليلا لأن حكم الحدث الأصغر قد اندرج في الأكبر وصار جزءا منه فلم ينفرد بحكم لا سيما وكل ما يجب غسله من الحدث الأصغر يجب غسله في الأكبر وزيادة فهذه الرواية هي الصحيحة وبهذه الطريق كان(4\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "861",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7076",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصحيح أن العمرة ليست بفريضة لدخولها في الحج والنبي صلى الله عليه وسلم الطهر بإفاضة الماء على جميع الجسد ولم يشترط وضوءا وفعله النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الغسل. قال أبو حفص: quot;إن قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد المضمضة والاستنشاق بالذكر عن الوجه فقال: quot;إن العبد إذا تمضمض واستنشق خرجت ذنوبه من فيه ومنخريه فإذا غسل وجههquot; الحديث قيل لا يمنع ذلك أن يكونا من الوجه كما قال: يطوفون بينها وبين حميم آن فلم يمنع تمييزه بين الحميم وبين جهنم أن يكون من جهنم ولأنه أفردهما لأنه خص الوجه بمعنى آخر هو خطايا النظر ولأنه يمكن فعلهما في الحال فجمع بينهما في الذكر ولا يمكن جمعهما مع الوجه في الاستعمال فأفردا بالذكر وإنما لم يجب غسل باطن العينين لأنه يورث العمى فسقط للمشقة وفيهما في الغسل روايتان: إحداهما لا يجب للمشقة والأخرى يجب لعدم التكرار. واختلف أصحابنا في المبالغة في الاستنشاق فقال ابن أبي علي: quot;هي غير واجبة لأنها تسقط في صوم التطوعquot; وقال أبو إسحاق: quot;هي واجبة ولا يدل سقوطها في الصوم على سقوط فرضها في غيره لأن سفر التطوع يسقط الجمعة ولا تسقط في غير السفرquot; وأجاب أبو حفص بأن الجمعة فيها بدل وليس من المبالغة بدل وأجاب أبو إسحاق بأنه قد يسقط الفرض بالتطوع ولا بدل كالسفر يسقط بعض الصلاة. قال إن قيل يلزم أن يجعل ما خلف الأذن من البياض من الرأس قيل يقول: إنه منه قيل يلزم أن يجوز الاقتصار من التقصير من شعر الأذن قيل عندنا يلزم استيعاب الرأس بالأخذ من جميع شعره والمرأة تقصر من طرف شعرها أنملة لأن شعرها منسبل فهو يأتي على شعرها قيل يلزم أن يجوز الاقتصار بالمسح عليهما في الوضوء قيل في المسح روايتان إحداهما استيعاب الجميع والأخرى البعض ولا يجوز الاقتصار على الأذنين إجماعا وقال: صفة مسح المرأة أن تمسح من وسط رأسها إلى مقدمة ثم من وسط رأسها إلى مؤخره على استواء الشعر وكذا الرجل إذا كان له شعر وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم quot;أنه مسح من مقدمه إلى مؤخرهquot;. يجزىء في المذي النضح لأنه ليس بنجس لقوله صلى الله عليه وسلم: quot;ماء الفحل ولكل(4\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "862",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7077",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فحل ماءquot; فلما كان ماء الفحل طاهرا وهو المني وكان هذا مثله لأنهما ينشآن من الشهوة. قال قوله: quot;إذا قام أحدكم من منامه إشارة إلى نوم الليل لأن المنام المطلق إشارة إلى الليل ولأنه قال باتت يده والبيتوتة لا تكون إلا بالليل كقوله تعالى: أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون فخص البيات بالليل ثم ذكر النهارquot;. قال أحمد: quot;بئس الدرهم الأبيض على غيرا وضوء وأرجو يحتمل أن يكون سهلا لحاجة الناس إلى المعاملة به وتقليبهquot;. قال أحمد في الرجل يجامع أهله في السفر وليس معه ماء quot;لا أكره له ذلك قد فعله بن عباسquot;. روي أنه تيمم وصلى بمتوخئين ثم التفت إليهم فقال: quot;إني أصبت من جارية رومية ثم تيممت وصليت بكمquot; واحتج للتيمم لا يجوز بغير تراب بقوله تعالى: فتيمموا صعيدا طيبا قال فإن قيل النبي صلى الله عليه وسلم سمى المدينة طيبة وطابة وكانت سبخة قيل سماها طيبة لأنها طابت له وبه لا أن هذا الاسم استحقته الأرض. قال في الدم أكثر الروايات أن الفاحش ما يستفحشه الإنسان في نفسه وقد قال ههنا بالذراع والشبر ولا يدل ذلك على أن ما دونه ليس بفاحش لأنه قال في مسائل المروزي خمس بصاقات من دم وإنما لم يوقت في ذلك لأن التوقيت لم يأت عمن تقدم. روى عن ابن عمر quot;أنه تيمم والماء منه على غلوة أو غلوتين ثم دخل المصر وعليه وقت أي غسلquot; روى وهب بن الأجدع عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;لا صلاة بعد العصر إلا أن تكون الشمس بيضاء نقية quot; قيل يحتمل أنه يعنى وقت العصر لأنه روي أنه نهي عن الصلاة بعد العصر أي فعل الصلاة قوله: quot; اسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر quot;.فيه ضعف ويريد بذلك الإسفار في نفس الصلاة فيكون قد ابتدأها بعدها طلع الفجر وأسفر بها بتطويل القراءة. أبو بكر قرأ بهم البقرة في الفجر وقال: quot;لو طلعت ما وجدتنا غافلينquot;. قلت للناس في هذا الحديث أربع طرق: إحداها: تضعيفه وهي طريقة أبي حفص وغيره. الثانية: حمله على الإسفار بها ليالي الغيم والليالي المقمرة خشية الصلاة قبل الوقت. الثالثة: أن الإسفار المأمور به هوا لإسفار(4\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "863",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7078",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بها استدامة وتطويلا لا ابتداء وهذه أصح الطرق ولا يجوز حمل الحديث على غيرها إذ من المحال أن يكون تأخيرها إلى وقت إسفار أفضل وأعظم للأجر والنبي صلى الله عليه وسلم يواظب على خلافة هو وخلفاؤه الراشدون من بعده وتفسير هذا الحديث يؤخذ من فعله وفعل خلفائه وأصحابه فإنهم كانوا يسفرون باستدامتها لابابتدائها وهو حقيقة اللفظ فإن قوله: أسفروا بها الباء للمصاحبة أي أطيلوها إلى وقت الإسفار وفهم هذا المعنى من اللفظ أقوى من فهم معنى آخر احتمالا مساويا لم يجز حمله على معنى المخالف لعمله وعمل خلفائه الراشدين والله أعلم. الطريقة الرابعة: أن تأخيرها أفضل وحملوا الإسفار بها على تأخرها إلى وقت الإسفار. قال: دليل الجمع للمطير روى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع قال: quot;كان أهل المدينة إذ جمعوا بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة صلى معهم ابن عمر وروى عن ابن الزبير مثله قال: وروى عن أحمد الشفق الحمرة حضرا وسفرا وعنه البياض سفرا وحضرا. قال: احتج من قال بطهارة الكلب بقوله تعالى: والله خلق كل دابة من ماء وإطلاق الماء يقتضي الطهرة. وقيل لا يمنع أن يقلب الله عينها إلى النجاسة كالعصير يتخمر والماء ينقل بولا. سئل أحمد عن جيران المسجد قال: quot;كل من سمع النداءquot;. سئل يؤم الرجل أباه قال: quot;أي والله يؤم القوم أقرؤهمquot; واحتج أبو حفص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;ورأيتني في جماعة من الأنبياءquot; إلى أن ذكر إبراهيم قال: quot;فصليت بهم quot;. عن أحمد في النفخ قال: quot;أكرهه شديدا إلا أني لا أقول بقطع الصلاة وليس هو بكلام وعنه أن النفخ يقطع الصلاة وعلى الروايتن هو مكروهquot;. صلاة الضحى قيل عثمان وما أحد يسبحها قيل وليس في ترك الصحابة ما يمنع من فعلها فقد فعلها وتركها وقتا وهذا اختيار أحمد أن لا يداوم عليها. قال: إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة وجب أن يقوم الإمام ولا يسبقوه ثم يقوموا وإذا لم يكن في المسجد أيضا قاموا فانتظروه قياما وقد روى(4\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "864",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7079",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبو هريرة قال: quot;أقيمت الصلاة وصف الناس صفوفهم فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوله: quot;ثم ذكر أنه لم يغتسل فقال بيده للناس مكانكم quot; وأما قوله: quot;لا تقوموا حتى تروني quot; فنقول quot;إذا لم يكن في المسجد جاز أن يقوموا إذا قال: قد قامت الصلاة ينتظرونه قياما لحديث أبي هريرة quot;وإذا كان في المسجد قاموا ولم يتقدموهquot; لأنه قال: quot;حتى ترونيquot; أي قائما. اختار أحمد حديث عمر في الاستفتاح وقد روى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس بصحيح لأن رواية علي بن علي الرقاعي عن أبي المتوكل الباجي عن أبي سعيد وقد قال أحمد: quot;علي بن علي لا يعبأ به شيئاquot; حديث البراء quot;أنه كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه ثم لا يعودquot; قال أحمد: quot;لم يعد من كلام وكيعquot; قال: quot;لا يختلف المذهب في اللحن الذي هو مخالفة الإعراب لا يبطل الصلاةquot;. واختلف قوله إذا ختم آية رحمة بآية عذاب على روايتين إحداهما عليه الإعادة الثانية لا ووجهها ما روى قابوس بن أبي ظبيان أبي ظبيان عن ابن عباس قال: quot;:صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطرت منه كلمة فسمعها المنافقون قال: فأكثروا فقال: إن له قلبين ألا تسمعون إلى قوله والآية في الصلاةquot;. قال ابن عباس: quot;لا يؤم الغلام حتى يحتلمquot;. وإن قيل يلزم عليك إمامته إذا كان ابن عشر لأنه خوطب بالصلاة عندك قيل الخبر ألزم ذلك في النظر إن قيل أم عمرو بن سلمة وهو غلام قيل سمى غلاما وهو بالغ ورواية أنه كان له سبع سنين فيه رجل مجهول فهو غير صحيح. الكوسج قلت: يؤم القوم وفيهم من يكره ذلك قال: quot;إذا كان رجلا أو رجلين فلا حتى يكونوا جماعة ثلاثة فما فوقهquot;. قال أبو حفص: quot;جعل الحكم للكثير في الكراهة لأن الحكم للأغلبquot;. روى أنس quot;صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم أنا ويتيم لنا وأم سليم خلفناquot; يحتمل أن يكون كان بالغا ويحتمل أن يكونا صبيين أما إذا كان أحدهما بالغا فعلى حديث عبد الله بن مسعود quot;أنه صلى بعلقمة والأسود واحدة ما غير بالغ فأقام غير بالغ فأقام أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره ورفع إلى النبي صلى الله عليه وسلمquot;. الكوسج قلت: إذا دخل والإمام راكع يركع قبل أن يصل إلى الصف قال: quot;إذا كان وحده وظن أنه يدرك فعلquot;.(4\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "865",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7080",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحتج أبو حفص بحديث أبي بكرة. فإن قيل فقد نهاه قيل نهاه عن شدة السعي. قلت: الإشارة في الصلاة قال: قد أشار النبي صلى الله عليه وسلم اجلسوا إذا كان يفهمهم شيئا أمر صلاتهم. الصلاة لغير القبلة وهو لا يعلم ثم علم قال: quot;يستديرquot; قلت: يعيد ما صلى قال: quot;لاquot;. أبو حفص دليلة أهل قبا قوله صلى الله عليه وسلم: quot; فليصل إلي سترة وليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاتهquot; إن قيل فقد روي أنه خنق شيطانا وهو يصلي قيل: يحتمل أن خنقه يمنه أو يسرة قال أحمد: quot;لا يعجبني أن ينقص وترهquot; وعنه الجواز لحديث عثمان وابن عباس وأسامة رخصا فيه. قلت: إن رجلا قال يا رسول الله إني أعمل العمل أسره فيطلع عليه فيعجبني قال لما أسر العمل فأظهر الله له الثناء الحسن فأعجبه فلم يعب ذلك أن الرجل يعجبه أن يقال فيه الخير لا بأس أن يعجب الإنسان ما قيل عنه من الخير إذا كان مقصده في عمله الله لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;المؤمن تسره حسنة quot;. وقوله: quot;إذا نسي أحدكم صلاة فليصلها إذا ذكرها لوقتها من الغد quot;. محمول على النسخ بحديث عمران بن حصين quot;سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلمquot; فذكره إلى قوله: quot; فصلى بنا رسول الله فقلنا: يا رسول الله نقضيها لميقاتها من الغد قال: لا ينهاكم ربكم عن الربا ويقبله منكم quot;. قال ابن مسعود: quot;لا يقصر إلا حاج أو غازquot; يحمل على ما شاهده من الرسول لأن أسفاره لم تكن إلا في حج أو غزو واختلفت الرواية في صلاة النائم فروي عنه على جنب وعنه مستلقيا ورجلاه إلى القبلة. تجب الصلاة على الصبي عند تكامل العشر لا كما يقول مخالفنا عند تكامل الخمس عشرة. قلت: رجل وضع يديه على فخديه في الركوع أو وضع إحدى يديه على ركبتيه ولم يضع الأخرى قال أحمد: quot;أرجو أن يجزئهquot;. قال أبو حفص: quot;معنى هذه المسألة إذا كان ذلك من علة أما من غير علة فلا لما روى عن سعد كنا نطبق ثم أمرنا أن نضع الأيدي على الركب وابن مسعود لم يبلغه ذا وكان يطبق ولو أن رجلا لم يبلغه فعمل بالمنسوخ كابن مسعود لم تبطل صلاته ولزمه ذلك منذ وقت علم. إذا سها في صلاته عشرين مرة يكفيه سجدتان لحديث عمران بن حصين فإنه(4\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "866",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7081",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حصل منه سهو كثير واكتفى بسجدتين من ذلك أنه جلس في الثالثة ساهيا وسلم ساهيا وسؤالهم له ساهيا ودخوله الحجرة ساهيا. إذا أدرك إحدى سجدتي السهو يقضي السجدة ثم يقوم فيقضي ما فاته إنما لم يجز تأخيرها إلى آخر صلاته بل يقضيها معه لقوله: quot;وما فاتكم فاقضوا quot; وقد فاتته سجدة فيجب أن يسجدها لا زيادة عليها. رجلان نسى أحدهما الظهر أمس والآخر أول أمس قال أحمد: quot;يجمعان جميعا من يوم واحد وأيام متفرقةquot; وعنه في رواية صالح أنهما لا يجمعان من أيام متفرقة وجه رواية الكوسج أن صلاتهما يجمعهما اسم ظهر وليس بينهما اختلاف هذا قول أبي حفص وجه رواية صالح ما ذكره الشريف أبو جعفر من أن ظهر يوم واحد في حكم الجنس الواحد ومن يومين في حكم الجنسين بدليل أنه قد سقط ظهر أحدهما بما لا يسقط به ظهر الآخر وهو ظهر يوم الجمعة وبقية الأيام تسقط بظهر مثلها وهذا معدوم في اليوم الواحد وهذا فرق صحيح وقد ذكرناه بعينه إذا كان عليه كفارتان من جنسين أنه يفتقر إلى التعيين. قال في رجلين صليا جميعا ائتم كل واحد منهما بصاحبه يعيدان جميعا والدليل عليه أنه لم يصل واحد منهما معتقدا للإمامة قال: quot;ولو أن رجلا ائتم برجل ولم ينو ذلك الرجل أن يكون إمامه يجزى للإمام ويعيد هو دليله أن الإمامة لا تصح إلا بنية فإن قيل عبد الله بن عباس ائتم النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل وكان قد ابتدأها لنفسه قيل النبي صلى الله عليه وسلم ليس كغيره وهو إمام كيف تصرفت أحواله إلا أن ينقل نفسه فيصير مأموما. قال إسحاق الكوسج: قلت يكره لهؤلاء الخياطين الذين في المساجد قال: لعمري شديد دليله عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى رجلين يتبايعان في المسجد فقال: quot;هذا سوق الآخرة فاخرجا إلى سوق الدنياquot;. قضاء الركعتين بعد العصر خصوصا له النبي صلى الله عليه وسلم بدليل حديث أم سلمة يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنقضيها إذا فاتتنا قال: quot;لاquot;. الفرق بين الإسلام يصح في الأرض المغصوبة دون الصلاة لأن الإسلام لا يفتقر إلى مكان بخلاف الصلاة. المسلم إذا أعتق عبده النصراني فهل عليه جزية على روايتين وجه سقوطها أن ذمته ذمة سيده. كراهته للمعتكف أن يعتكف في خيمة إلا أن يكون بردا لأن الخيمة تضيق المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم اعتكف في زمان بارد في قبة وخيمة يدل عليه قوله: quot;إني رأيتني(4\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "867",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7082",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أسجد في صبيحتها في ماء وطين quot; فعلم أن الزمان بارد لوجود المطر. في إتيان المستحاضة قال: quot;لا يأتيها إلا أن يطول ذلك بهاquot; وليس أنه أباح ذلك إذا طال ومنع ذلك إذا قصر ولكنه أراد أنه إذا طال علمت أيام حيضها من أيام استحاضتها يقينا وهذا لا تعلمه إذا قصر بذلك. وقوله في المرأة تشرب دواء يقطع الدم عنها قال: quot;إذا كان دواء يعرف فلا بأسquot;. قال أبو حفص: quot;معناه عندي إذا ابتليت بالاستحاضة الشديدة فهو مرض لا بأس بشرب الدواء أما الحيض فلا لأن الحيض كتبه الله على بنات آدم وإنما تلد إذا كان حيضها موجودا ولا جائز أن يتعرض لما يقطع الولدquot;. في إتيان الحائض قال أحمد: quot;لو صح الحديث كنا نرى عليه الكفارةquot; وقال أبو حفص: quot;إن لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد صح عن ابن عباس ومذهب أحمد الحكم بقول الصحابي إذا لم يخالفquot; قال: quot;واختياري ما قال الكوسج أنه مخير في الدينار أو النصف دينارquot;. قوله: في أكثر الحيض أكثر ما سمعنا سبعة عشر يوما يحتمل أن يكون ذكره لأنه قوله ويمكن أن يكون على طريق الحكاية والأشبه عندي أن يكون قوله لا يختلف أنه خمسة عشر يوما وإنما أخبر عن السبع عشرة أنه سمعه لا أنه يقلده قوله في الطهر أنه على قدر ما يكون فليس عنده أن لأقله حدا كما ليس لأكثره حد وكل شيء لأكثره حد ليس لأقله حد فإن قيل ينبغي إن كان ليس لأقله حد لو ادعت انقضاء عدتها في أربعة أيام تباح للأزواج قيل العدة ليس من هذا لأن قوله: ثلاثة قروء يريد الإقراء الكاملة وأقل الكاملة أن تكون في شهر لحديث علي مع شريح. وقوله في الصبي لا يزوج لا يكون وليا حتى يحتلم وعنه ابن عشر يزوج ويتزوج. آخر المنتقى من خط القاضي مما انتقاه من شرح مسائل الكوسج لأبي حفص قال: quot;ومبلغه ستة أجزاءquot;.(4\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "868",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7083",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: قال أحمد في رواية الحسن بن ثوبان: quot;إذا كان الرهن غلاما فاستعمله المرتهن أو ثوبا فلبسه وضع عنه قدر ذلكquot; قال أصحابنا: quot;يعني أنه يضع من دين الرهن بقدر ما أنتفع من الرهنquot; ونقله عنه أيضا إذا كان الرهن دارا فقال المرتهن أنا أسكنها بكرائها وهي وثيقة بحقي تنتقل فتصير دينا وتتحول عن الرهن وهذا نص منهم على أن الراهن إذا أجر العين المرهونة للمرتهن خرجت عن الرهن وبقي دينه بلا رهن هذا معنى قوله تنتقل فتصير دينا أي يبقى حقه في الذمة فقط ولا يتعلق برقبة الدار وتخرج الدار عن كونها رهنا. ونقل عنه بكر بن محمد quot;إذا رهن جارية فسقت ولد المرتهن وضع عنه بقدر ذلك يعنى وضع عن الراهن من الدين بقدر أجرة لرضاع ولد المرتهن. فصل: إذا قال الراهن للمرتهن إن جئت بحقك إلى كذا وإلا فالرهن لك بالدين الذي أخذته منك فقد فعله الإمام أحمد في حجته ومنع منه أصحابه وقالوا نص في رواية حرب على خلافه فقال: quot;باب الرهن يكتب شراءquot;. قيل لأحمد المتبايعان بينهما رهن فيكتبان شراء فكرهه كراهة شديدة وقال: quot;أول شيء أنه يكذب هو رهن يكتب شراء فكرهه جداquot; قال ابن عقيل: quot;ومعنى هذا أن المرتهن يكتب شراء لموافقة بينه وبين الراهن وإن لم يأته بالحق إلى وقت كذا يكون الرهن مبيعا فهو باطل من حيث تعليق البيع على الشرط وحرام من حيث أنه كذب واكل مال بالباطلquot;. قلت: وهذا لا يناقض فعله وهذا شيء وما فعله شيء فإن الراهن والمرتهن قد اتفقا على أنه رهن ثم كتبا أنه عقد تبايع في الحال وتواطئا(4\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "869",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7084",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على أنه رهن فهو شراء في الكتابة رهن في الباطن فأين هذا من قولهما ظاهرا وباطنا إن جئتك بحقك في محله وإلا فهو لك بحقك ألا ترى أن أحمد قال: quot;هذا كذبquot; ومعلوم أن العقد إذا وقع على جهة الشرط فليس بكذب وليس في الأدلة الشرعية ولا القواعد الفقهية ما يمنع تعليق البيع بالشرط والحق جوازه فإن المسلمين على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا وهذا لم يتضمن واحدا من الأمرين فالصواب جواز هذا العقد وهو اختيار شيخنا على عادته حمل ذلك وفعل إمامنا. قال أحمد في رواية أبي طالب: quot;إذا ضاع الرهن عند المرتهن لزمهquot;. قال ابن عقيل: quot;وهذه الرواية بظاهرها تعطي أن الرهن مضمون إلا أن شيخنا علي عادته حمل ذلك على التعدي لأجل نصوص أحمد على أن الرهن أمانة وعادته تأويل الرواية الشاذة لأجل الروايات الظاهرة وهذا عندي لا يجوز إلا بدلالة فأما صرف الكلام عن ظاهره بغير دلالة تدل فلا يجوز كما لا يجوز في كلام صاحب الشرعquot; انتهى كلامه. فصل: إذا قدر الرجل على التزوج أو التسري حرم عليه الاستمناء بيده قال ابن عقيل: quot;وأصحابنا وشيخنا لم يذكروا سوى الكراهة لم يطلقوا التحريمquot; قال: quot;وإن لم يقدر على زوجة ولا سرية ولا شهوة له تحمله على الزنا حرم عليه الاستمناء لأنه استمتاع بنفسه والآية تمنع منه وإن كان متردد الحال بين الفتور والشهوة ولا زوجه له وله أمة ولا يتزوج به كره ولم يحرم وإن كان مغلوبا على شهوته يخاف العنت كالأسير والمسافر والفقير جاز له ذلك نص عليه أحمد رضي الله عنه وروي أن الصحابة كانوا يفعلونه في غزواتهم وأسفارهم وإن كانت امرأة لا زوج لها واشتدت غلمتها فقال بعض أصحابنا: يجوز لها اتخاذ الاكرنبج وهو شيء(4\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "870",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7085",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعمل من جلود على صورة الذكر فتستدخله المرأة أو ما أشبه ذلك من قثاء وقرع صغار. والصحيح عندي أنه لا يباح لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أرشد صاحب الشهوة إذا عجز عن الزواج إلى الصوم ولو كان هناك معنى غيره لذكره وإذا كان غائبا عنها لأن الفعل جائز ولا يحرم من توهمه وتخيل وإن كان غلاما أو أجنبية كره له ذلك لأنه إغراء لنفسه بالحرام وحث لها عليه وإن قور بطيخة أو عجينا أو أديما أو نجشا في صنم إليه فأولج فيه فعلى ما قدمنا من التفصيل قلت: وهو أسهل من استمنائه بيده وقد قال أحمد فيمن به شهوة الجماع غالبا لا يملك نفسه ويخاف أن تنشق أنثياه أطعم وهذا لفظ منا حكاه عنه في المغني ثم قال: quot;أباح له الفطر لأنه يخاف على نفسه فهو كالمريض يخاف على نفسه من الهلاك لعطش ونحوه وأوجب الإطعام بدلا من الصيام وهذا محمول على من لا يرجو إمكان القضاء فإن رجا ذلك فلا فدية عليه والواجب انتظار القضاء وفعله إذا قدر عليه لقوله: فمن كان منكم مريضا الآية وإنما يصار إلى الفدية عند اليأس من القضاء فإن أطعم مع يأسه ثم قدر على الصيام احتمل أن لا يلزمه لأن ذمته قد برئت بأداء الفدية التي كانت هي الواجب فلم تعد إلى الشغل بما برئت منه واحتمل أن يلزمه القضاء لأن الإطعام بدل إياس وقد تبينا ذهابه فأشبه المعتدة بالشهور لليأس إذا حاضت في أثنائها. في الفصول روى عن أحمد في رجل خاف أن تنشق مثانته من الشبق أو تنشق انثياه لحبس الماء في زمن رمضان يستخرج الماء ولم يذكر بأي شيء يستخرجه قال: quot;وعندي أنه يستخرجه بما لا يفسد صوم غيره كاستمنائه بيده أو ببدن زوجته أو أمته غير الصائمة فإن كان له أمة طفلة أو صغيرة استمنى بيدها وكذلك الكافرة ويجوز وطؤها فيما دون الفرج فإن أراد الوطء في الفرج مع إمكان إخراج الماء بغيره فعندي أنه لا يجوز لأن الضرورة إذا رفعت حرام ما وراءها(4\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "871",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7086",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كالشبع مع الميتة بل ههنا آكد لأن باب الفروج آكد في الحظر من الأكلquot;. قلت: وظاهر كلام أحمد جواز الوطء لأنه أباح له الفطر والإطعام فلو اتفق مثل هذا في حال الحيض لم يجز له الوطء قولا واحدا فلو اتفق ذلك لمحرم أخرج ماءه ولم يجز له الوطء. فصل: فإن كان شبق الصائم مستداما جميع الزمان سقط القضاء وعدل إلى الفدية كالشيخ والشيخة وإن كان يعتريه في زمن الصيف أو الشتاء قضي في الزمن الآخر ولا فدية هنا لأنه عذر غير مستدام فهو كالمريض ذكر ذلك في الفصول. فائدة: وقوله في المقنع: quot;وإن جاءت وهو جالس لم يقم لها يعنى الجنازة لم أر هذا في كلام أحمد رضي الله عنه وقد قال: quot;وإن قام لم أعبه وإن قعد فلا بأسquot; وقال الميموني في مسائله سمعته يقول: quot;إذا تبع الجنازة فلا يجلس حتى توضع كذا قال أبو هريرة وأبو سعيد وإذا رآها قامquot; قال: quot;كان هذا أكثر في الخبر من عشرة من أصحاب رسول الله يروونهquot; ثم قال الميموني: quot;تسمية من يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا رأى جنازة قام لها عثمان بن عفان سعيد بن زيد عامر بن ربيعة قيس بن سعد سهل بن حنيف زيد بن ثابت أخو زيد بن ثابت أبو سعيد الخدري أبو هريرة أبو موسى الأشعري ابن عباس حسن وحسين فهؤلاء اثنا عشر من الصحابة رضي الله عنهم ثم ساق الميموني أحاديثهم كلها بإسناده. وقال حرب في مسائله: قلت(4\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "872",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7087",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأحمد يري الجنازة أيقوم لها فقال: quot;قد روى عن علي quot;أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ثم قعدquot; وكان ابن عمر يقوم وسهل أبو عبد الله فيه. وقال أبو داود في مسائله سمعت أحمد بن حنبل سئل عن القيام إذا رأى الجنازة قال: quot;إن لم يقم أرجو وإن قام أرجوquot; قيل القيام أفضل عندك قال: quot;لاquot; وقال في رواية إسحاق بن هانىء: quot;إذا رأى الجنازة فقام فلا بأس وإن لم يقم فلا بأسquot;. قال إسحاق بن هانىء وسئل يعنى أحمد بن حنبل رضي الله عنه عن الرجل يموت فيوصي أن يدفن في داره قال: quot;يدفن في مقابر المسلمين وإن دفن في داره أضر بالورثة والمقابر مع المسلمين أعجب إليquot; وقال في روايته: quot;أكره أن يجعل على القبر ترابا من غيره تغسيل الميتquot;. قال: وسئل عن الحائض تغسل المرأة الميتة قال: quot;لا يعجبني أن تغسل الحائض شيئا من الميت والجنابة أيسر من الحيضquot;. قال: وسئل عمن غسل الميت أعليه غسل أم وضوء قال: quot;يتوضأ وقد أجزأهquot;. قال: وسألته هل على من غسل الميت غسل قال: quot;عليه الوضوء فقطquot; واتبع أحمد في ذلك آثار الصحابة فإنه صح عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة الأمر بالوضوء منه ولا يحفظ عن صحابي خلافهم وهو قول حذيفة وعلى أيضا. وقال الجوزجاني حدثنا يزيد بن هارون أنا مبارك بن فضالة عن بكر عن عبد الله المزنى عن علقمة بن عبد الله المزني قال: quot;غسل أباكquot; يعنى أبا بكر بن عبد الله أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن بايع نبي الله تحت الشجرة فما زادوا على أن شمروا أكمتهم وجعلوا قمصهم تحت حجرهم وتوضأوا ولم يغتسلواquot;. وفي الموطأ مالك عن عبد الله بن أبي بكر أن أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر غسلت أبا بكر الصديق حين توفي ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين والأنصار فقالت: إني صائمة وإن هذا اليوم شديد البرد فهل علي من غسل قالوا: لا. قال إسماعيل بن سعيد قلت لأحمد بن حنبل أرأيت إن كان الميت كافرا قال: quot;عليه الغسل لحديث عليquot; يعنى على غاسله الغسل وهو قول أبي أيوب. قال الجوزجاني: quot;وأقول أن هذا وهم منهما وذلك أنه ليس في حديث على أنه غسل أبا طالبquot;.(4\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "873",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7088",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: قال أحمد في الرجل يعمل الخير ويجعل النصف لأبيه أو لأمه quot;أرجوquot; وقال: quot;الميت يصل إليه كل شيء من الخير لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot; إن من البر بعد البر أن تصلى لهما مع صلاتك وأن تصوم مع صومك وأن تتصدق لهما مع صدقتكquot; انتهى. ولا يشترط تسمية المهدي إليه باسمه بل يكفي النية نص عليه في رواية ابنه عبد الله لا بأس أن يحج عن الرجل ولا يسميه. فصل: قال إسحاق الكوسج قلت لأحمد رضي الله عنه قال الحسن في الرجل يقول لامرأته أنت طالق إن شاء الله تعالى كان يلزمه فقال أحمد: quot;أما أنا فلا أقول فيه شيئاquot; قلت: لم قال: quot;الطلاق ليس هو يمينquot; قلت: وكذلك العتق قال: quot;نعمquot;. فصول: في أحكام الوطء في الدبر: فمنها أنه من الكبائر ومنها أنه يوجب القتل إذا كان من غلام نص عليه أحمد في إحدى الروايتين والثانية حده حد الزاني كقول مالك والشافعي فإن كان من زوجه أو امة أوجب التعزير وفي الكفارة وجهان أحدهما عليه كفارة من وطىء حائضا اختاره ابن عقيل والثاني لا كفارة فيه وهو قول أكثر الأصحاب ومنها أن للزوجة أن تفسخ النكاح به وذكره غير واحد من أصحابنا وإن كان من امرأة أجنبية فاختلف أصحابنا في حده فالذي(4\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "874",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7089",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قاله أبو البركات وأبو محمد وغيرهما حده حد الزاني وقال ابن عقيل في فصوله: quot;فإن كان الوطء في الدبر في حق أجنبية وجب الحد الذي أوجبناه في اللواط وعلى هذا فحده القتل بكل حال وإن كان في مملوكه فذهب بعض أصحابنا أنه يعتق عليه وأجراه مجرى المثلة الظاهرة وهو قول بعض السلف. قال النسائي في سننه الكبير: quot;الإباحة للحاكم أن يقول للمدعى عليه احلف قبل أن يسأله المدعى أنبأ هناد بن السري عن أبي معاوية عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان quot; فقال الأشعت في والله كان ذلك كان بيني وبين رجل من اليهود دار فجحدني فقدمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;ألك بينه فقلت: لا فقال: لليهودي احلف فقلت: والله إذا يحلف فيذهب حقي فأنزل الله: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا الآية قال النسائي: quot;لا نعلم أحدا تابع أبا معاوية على قوله: quot;فقال لليهودي احلفquot; انتهى. ويسوغ للحاكم أن يقول له احلف إذا قصد به الزجر والتخويف أو كان يعلم أن المدعى قاصدا لتحليفه أو كان يعلم أن المدعى عليه بريء من الدعوى فإنه في قصده الصور الثلاث قد أعان على البر والتقوى وظهور الحق وأكثر أوضاع الحكام ورسومهم لا أصل لها في الشريعة والله المستعان. فصل: مسائل فقهية في مذهب أحمد إذا كانت داية ترضع ولد غيرها هل يجوز لها الإفطار كما لو كان ولدها قال ابن عقيل في فصوله: quot;جارية جاءت إلى الشيخ أبي نصر بن الصباغ وأنا حاضر فتحصل من الجواب أنها تستبيح الإفطار لأن أكثر ما فيه أنه نوع ضرر لأجل المشاق كإفطار المسافر في المضاربة يستبيح كالمسافر بمال نفسه وفارق العمل في الصنائع الشاقة لأنها إذا بلغ فيها الجهد إلى حد يبيح في حق نفسه إباحة في عمل(4\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "875",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7090",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غيره وإن لم تبلغ المشقة إلى حد إباحة الإفطار لم يبح في حقه ولا حق غيرهquot;. قال أحمد في رواية ابن ماهان: quot;لا بأس للعبد أن يتسرى إذا أذن له سيده فإن رجع السيد فليس له أن يرجع إذا أذن له مرة وتسرىquot; فتأوله القاضي قال: quot;يحتمل أنه أراد بالتسري ههنا التزويج وسماه تسريا مجازا ويكون للسيد الرجوع فيما ملكه عبده وهذا نظير تأويل الشيخ أبي محمد النكاح بالتسري في مسألة تزويج عبده بأمتهquot;. وقد قال أحمد في رواية جعفر بن محمد وحرب ليس للسيد أن يأخذ سرية العبد إذا أذن له في التسري فإن تسري بغير إذنه أخذها منه وإذا باع العبد وله سرية فهي لسيده ولا يفرق بينهما لانها بمنزلة المرأةquot; انتهى كلامه. وهذا يرد قول الأصحاب إن التسري مبني على الملك وأنه إذا لم يملك لم يتسر ويرد قولهم إن للسيد انتزاع سريته منه ويرد قولهم إنه إذا باعه رجعت السرية إلى سيده ولا يطأها العبد. قال أحمد في رواية ابن هانىء وحرب ويعقوب بن لحيان: quot;إذا زوج عبده من أمته ثم أعتقها لا يجوز أن يجتمعا حتى يجدد النكاحquot; فاستشكل معنى هذه الرواية فقال وعن أحمد: quot;إن عتقا معا انفسخ النكاحquot; ومعناه والله أعلم أنه إذا وهب لعبده سرية أو اشترى له سرية وأذن له في التسري بها ثم أعتقها جميعا صارا حرين وخرجت من ملك العبد فلم يكن له إصابتها إلا بنكاح جديد هكذا روى جماعة من أصحابه فيمن وهب لعبده السرية أو اشترى له سرية ثم أعتقها لا يقربها إلا بنكاح جديد واحتج على ذلك بما روى نافع عن ابن عمر أن عبدا له كان له سريتان فأعتقهما فنهاه أن يقربهما إلا بنكاح جديد. قلت: وهذا تأويل بعيد جدا من لفظ أحمد فإن هؤلاء الثلاثة إنما رووا المسألة عنه بلفظ واحد وهو أنه زوج عبده أمته ثم قوله حتى يجدد النكاح مع قوله زوج صريح في أنه نكاح لا تسر وعنه في هذه المسألة ثلاث روايات هذه إحداهن والثانية لهما الخيار نص عليه في رواية الأثرم والثالثة أنهما على نكاحهما نص عليه في رواية محمد بن حبيب وحكاه أبو بكر في زاد المسافر ثلاث روايات منصوصات(4\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "876",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7091",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في مسألة التزويج وللبطلان وجه دقيق وهو أنه إنما زوجها بحكم ملكه لهما وقد زال ملكه بخلاف تزويجها بعبد غيره وبين المسألتين فرق ولهذا في وجوب المهر في هذه المسألة نزاع فقيل لا يجب بحال وقيل يجب ويسقط والمنصوص إنه يجب ويتبع به بعد العتق بخلاف تزويجها بعبد الغير والله أعلم. قوله في المقنع: quot;وإن باعه السلعة برقمها أو بألف دينار ذهبا وفضة أو بما ينقطع به السعر أو بما باع به فلان أو بدينار مطلق وفي البلد نقود لم يصح أما الرقم فقد نص علي صحة البيع به فقال حرب سألت أحمد عن بيع الرقم فلم ير به بأسا وأما البيع بالسعر فقد اختلفت الرواية عنه فيه فقال في رواية ابن منصور في الرجل يأخذ من الرجل السلعة يقول أخذتها منك على سعر ما تبيع لم يجز ذلك. وحكى شيخنا عنه الجواز نصا وأما البيع بدينار مطلق وفي البلد نقود فقال في رواية الأثرم في رجل باع ثوبا بكذا وكذا درهما أو أكثرى دابة بكذا وكذا واختلفا في النقد فقال له نقد الناس بينهم قيل له نقد الناس بينهم مختلف قال له قال ابن عقيل: quot;فظاهر هذا جواز البيع بثمن مطلق مع كون النقود مختلفة وإنما يكون لهم أدناهاquot; وقال الأثرم: quot;باب الرجل يأخذ من الرجل المتاع ولا يقاطعه على سعره سئل أبو عبد الله عن الرجل يأخذ من البقال الأوقية من كذا والرطل من كذا ثم يحاسبه أيجوز له أن يقول اكتب ثمنه علي ولا يعطيه على المكان قال: quot;أرجو أن يجوز لأنه ساعة أخذه إنما أخذه على معنى الشراء ليس على معنى السلف إنما يكره إذا كان على معنى السلف فإذا قاطعه بقيمته يوم أخذهquot; قيل له فإن لم يدرك قيمته يوم أخذه قال: quot;يتحرى ذلكquot; وسألته مرة أخرى فقلت: رجل أخذ رطلا من كذا ومن كذا ولم يقاطعه على سعره ولم يعطه ثمنا أيجوز هذا قال: quot;ليس على معنى البيع أخذه قلت: بلى قال: فلا بأس ولكنه إذا حاسبه أعطاه على السعر يوم أخذه لا يوم حاسبهquot;. قال إسحاق بن هانىء: سألت أبا عبد الله عن رجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها قال: quot;لا يتزوجها حتى يعلم أنها قد تابت لأنه لا يدري لعلها تعلق عليه ولدا(4\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "877",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7092",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من غيره قلت: وما علمه أنها قد تابت قال: يريدها على ما كان أرادها عليه فإن امتنعت فهي تائبةquot;. قلت: وهذا التفاوت من أحمد إلى القرائن ودلائل الحال وجواز إيهام غير الحق قولا وفعلا ليعلم به الحق وهذه اقتداء بنبي الله سليمان بن داود حيث قال في الحكومة بين المرأتين في الصبي: quot;ائتوني بالسكين أشقه بينكماquot; ومن تراجم النسائي على حديثه هذا التوسعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله افعل ليستبين به الحق وهذا الذي قاله أحمد اتبع فيه ابن عمر فإنه قال يريدها على نفسها فإن طاوعته لم تتب وإن أبت فقد تابت وأنكر الشيخ في المغنى هذا جدا وقال: quot;لا ينبغي لمسلم أن يدعوا امرأة إلى الزنا ويطلبه منها ولأن طلبه ذلك إنما يكون في خلوة ولا تحل الخلوة بأجنبية ولو كان في تعليمها القرآن فكيف يحل في مراودتها على الزنا ثم لا يأمن إن أجابته إلى ذلك أن يعود إلى المعصية فلا يحل التعرض بمثل هذا ولأن التوبة من سائر الذنوب بالنسبة إلى سائر الأحكام وفي حق سائر الناس على غير هذا الوجه فكذا هذا قول ابن عمر لأحمد أفقه فإن التوبة لما كانت شرطا في صحة النكاح لم يكن بد من تحقيقها ولا سبيل له إلى العلم بها إلا بذلك أو بأن يأمر غيره بمراودتها ولا ريب أن المفاسد المذكورة أقرب إلى الغير إذا لا غرض له في نكاحها بخلاف الخاطب فإن أرادته لنكاحها وعزمه عليه يمنعه من معاودة ما يعود على مقصوده بالإبطال. فائدة: الذي وقع في صحيح البخاري وأكثر كتب الحديث quot;وابعثه مقاما محمودا الذي وعدتهquot; ووقع في صحيح ابن خزيمة والنسائي بإسناد الصحيحين من(4\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "878",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7093",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رواية جابر quot;وابعثه المقام المحمودquot; ورواه ابن خزيمة عن موسى بن سهل الرملي وصدقه أبو حاتم الرازي وباقي الإسناد شرطهما ورواه النسائي عن عمر بن منصور عن علي بن عباس والصحيح ما في البخاري لوجوده: أحدها اتفاق أكثر الرواة عليه. الثاني: موافقته للفظ القرآن. الثالث: إن لفظ التنكير فيه مقصود به التعظيم لقوله: كتاب أنزلناه إليك مبارك وقوله: وهذا ذكر مبارك أنزلناه وقوله وهذا كتاب مصدق ونظائره. الرابع: أن دخول اللام يعينه ويخصه بمقام معين وحذفها يقتضي إطلاقا وتعددا كما في قوله: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ومقاماته المحمودة في الموقف متعددة كما دلت عليه الأحاديث فكان في التنكير من الإطلاق والإشاعة ما ليس في التعريف. الخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحافظ على ألفاظ القرآن تقديما وتأخيرا وتعريفا وتنكيرا كما يحافظ على معانيه وعنه ومنه قوله وقد بدأ بالصفا quot;أبدأ بما بدأ الله بهquot; تقدم تخريجه ومنه بداءته في الوضوء بالوجه ثم اليدين باتباعا للفظ القرآن ومنه قوله في حديث البراء ابن عازب: quot;آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت quot; موافقة لقوله: يا أيها النبي إنا أرسلناك وعلى هذا فالذي وعدته إما بدل وإما خبر مبتدأ محذوف وإما مفعول فعل محذوف وإما صفة لكون مقاما محمودا قريبا من المعرفة لفظا ومعنى فتأمله. قال أحمد في رواية بن هانىء: quot;لا تجوز شهادة من أيسر ولم يحج وليس به زمانة ولا أمر يحبسه عنهquot; وقال: quot;لا يجوز شهادة الوالد لولده ولا الولد لوالده إذا كانوا يجرون الشيء لأنفسهمquot; وقال: quot;تجوز شهادة الغلام إذا كان ابن اثني عشر سنة أو عشر سنين وأقام شهادته جازت شهادتهquot; وقال ابن هانىء: سمعت أبا عبد الله يقول: quot;لا يعجبني أن يعدل القاضي لأن الناس يتغيرون ولا يدري ما يحدثquot; وسئل عن الرجل يعدل الرجل فقال: quot;ما يقضي يعدله لأنه لا يدري ما يحدث والناس يتغيرونquot;. وسئل متى يعدل الرجل فقال قال إبراهيم: quot;إذا لم تظهر منه ريبة يعدلquot;. ولأصحابه فيما إذا سئل(4\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "879",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7094",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن مسألة فأجاب فيها بحكاية قول من بعد الصحابة وجهان أحدهما أن يكون مذهبا له والثاني لا. فائدة: الفرق بين الشك والريب من وجوه: أحدها: أنه يقال شك مريب لا يقال ريب مشكك. الثاني: أن يقال رابني أمر كذا ولا يقال شككني. الثالث: أنه يقال رابه يريبه إذا أزعجه وأقلقه ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد مر بظني خافت في أصل شجرة quot;لا يريبه أحدquot; ولا يحسن هنا لا يشككه أحد. الرابع: أنه لا يقال للشاك في طلوع الشمس أو في غروبها أو دخول الشهر أو وقت الصلاة هو مرتاب في ذلك وأن كان شاكا فيه. الخامس: إن الريب ضد الطمأنينة واليقين فهو قلق واضطراب وانزعاج كما أن اليقين والطمأنينة ثبات واستقرار. السادس: يقال رابني مجيئه وذهابه وفعله ولا يقال شككني فالشك سبب الريب فإنه يشك أولا فيوقعه شكه في الريب فالشك مبتد االريب كما أن العلم مبتدأ اليقين الاستنجاء. ومما أنتقاه القاضي من شرح أبي حفص لمبسوط أبي بكر الخلال أحمد في رواية أحمد بن الحسين يغسل يده ثلاثا ثم يستنجي ثم يغسل يده ثم يتوضأ قال أبو حفص قد بينا عن أبي عبد الله غسل اليد في الطهارة في ثلاثة مواضع أحدها قبل الاستنجاء والثاني غسل اليد اليسرى بعد الاستنجاء والثالث عند ابتداء الوضوء الاستجمار. وقال في الرجل يستجمر ويعرق في سراويله quot;إذا استجمر ثلاثة فلا بأسquot; يحتمل أن يحمل على ظاهرها فيكون الموضع قد طهر بالاستجمار ولا يضر العرق ويحتمل أن يأول على أنه عرق غير موضع الحدث أو عرق فلم يصب ذلك الموضع(4\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "880",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7095",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سراويله وهذا القول أولى لأن الموضع عفى عنه تخفيفا فإذا نال الموضع رطوبة وجب إزالة الأثر كما تجب إزالة العين ونجس ما لاقاها كالعين. قلت: اختلف أصحابنا في أثر الاستجمار هل هو نجس معفو عنه أو طاهر على وجهين وعلى ما اختاره أبو حفص تصير المسألة على ثلاثة أوجه وقوله الذي اختاره ضعيف جدا مذهبا ودليلا وعملا فإن الصحابة لم يكن أكثرهم يستنجي بالماء وإنما كانوا يستجمرون صيفا وشتاء والعادة جارية بالعرف في الإزار ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بغسله وهو يعلم موضعه ولا كانوا هم يفعلونه مع أنهم خير القرون وأتقاهم لله ولا أعلم أحدا من أصحابنا اختار ما اختاره أبو حفص وهو خلاف نص أحمد والله أعلم. واختلف قوله إذا لم يجمع المستنجي بين الأحجار والماء أيهما أولى بالاستعمال فنقل الشالنجي أنه قال: quot;عمر كان لا يمس ذكره بالماءquot; وروى أبو عبد الله عن أحب إسماعيل بن أمية عن نافع قال: quot;إن لم يكن مع الأحجار ماء فالأحجار أحب إليquot; والوجه فيه أن ابن عمر كان لا يمس ذكره بالماء وروى أبو عبد الله عن إسماعيل بن أمية عن نافع قال: quot;كان ابن عمر لا يغسل أثر المبالquot; واستعمال الحجارة أتت في الأخبار روى حرب الكرماني والحسن بن ثوبان تضعيف الأخبار في الاستنجاء بالماء وقال في حديث معاذ عن عائشة عن قتادة لم يرفعه ولأن المستجمر لا تلاقي يده النجاسة وعنه هما سواء وعنه الماء أفضل جاء في البول من التغليظ ما لم يأت في الكلب. اختلف قوله إذا لم يقدروا أن يصلوا في السفينة قياما جماعة وأمكنهم الصلاة فرادى قياما فهل يصلون جماعة وعنه في رواية حرب quot;يصلي كل إنسان على حدتهquot; وقال في رواية الفضل بن زياد quot;تصلى وحدك قائماquot; ووجهه أن القيام آكد لأنه لو صلى قاعدا مع قدرته على القيام لم يجزئه ولو صلى منفردا مع قدرته على الجماعة أجزأ والقول الآخر تخريجا على قوله: quot;إن الأمام إذا صلى جالسا يصلي من خلفه جلوساquot; فقد أجاز للمأموم الصلاة جالسا لأجل الجماعة قال القاضي: قلت أنا ولأنا أسقطنا القيام لعدم الستارة فكذا الجماعةquot;. واختلف قوله في صفه جلوس العريان في صلاته فعنه يجعل قيامه تربعا قال(4\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "881",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7096",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القاضي: quot;قلت أنا كالمريض والمننفل وعنه يتضامون لأنهم إذا تضاموا كان أستر لعوراتهم والمتربع يفضي بفرجه إلى السماء ولا يمكنه وضع يده على فرجه لئلا تنتقض طهارتهquot;. واختلف قوله إذا توارى بعضهم عن بعض فصلوا قياما فعنه quot;لا بأسquot; وعنه أنه قال: quot;يصلي العريان قاعدا يجعل قيامه متربعا فقد ذكر عريانا واحدا أن يصلى قاعدا وهذا أصح في مذهبه لأن ستر العورة آكد عنده من القيام لأن مذهبة في العراة يصلون جلوسا ولأن ستر العورة يراد للصلاة ألا ترى أنه لا يجوز للخالي أن يصلى مكشوف العورة ولا إذا كان جيبه واسعا ينظر إلى عورته ولحيته تحول بينه وبين النظر. فائدة: حديث quot; يا رسول الله عندي دينار قال أنفقه على بيتكquot; إلى الخامس قال: quot; أنت أبصر quot; قيل لعله أشار إلى أنه قبل الخامس في حكم الفقير فلما أخبره أن معه خامسا والدينار كان عندهم اثنا عشر درهما فقد ملك قيمة خمسين درهما من الذهب وزاد عليها ففوض الأمر إليه في الصدقة في الخامس دون ما قبله فهذا يؤيد حديث من سأل وله ما يغنيه قيل وما يعنيه قال: quot;خمسون درهماquot;الحديث والله أعلم. قال أبو حفص: quot;واختلف قوله في الاستدارة في المحمل فروى محمد بن الحكم عنه من صلى في محمل فإنه لا يجزئه إلا أن يستقبل القبلة لأنه يمكنه أن يدور وصاحب الراحلة والدابة لا يمكنه والحجة أمر الله تعالى باستقبال القبلة حيث كان المصلى وذلك ممكن في المحمل كما في السفينة بخلاف الدابة تسقط لعدم الإمكان وروى عنه أبو طالب أنه قال: quot;الاستدارة في المحمل شديدة يصلي حيث كان وجهه لأن الاستدارة في المحمل شديدة على الجمل فجاز تركها(4\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "882",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7097",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كما جاز في الراحلة لأجل المشقة على الراكب السجود في المحملquot;. اختلف قوله في السجود في المحمل فروى عنه عبد الله ابنه أنه قال: quot;وإن كان محملا فقدر أن يسجد في المحمل سجدquot; وروى عنه الميموني quot;إذا صلى على المحمل أحب إلى أن يسجد لأنه يمكنهquot; وعن الفضل بن زياد quot;يسجد في المحمل إذا أمكنهquot; ووجهه أنه تعالى أمر بالسجود وإنما سقط عن المصلى على الراحلة لعدم الإمكان. وروى عنه جعفر بن محمد السجود على المرفقة إذا كان المحمل ربما اشتد على البعير ولكن يومىء ويجعل السجود أخفض من الركوع وكذا روى عنه أبو داود ووجهه المشقة على البعير قلت: الذي أوجب هذا أن الصحابة لم يكن سفرهم ولا حجهم في المحامل وإنما حدث في زمن الحجاج فالصلاة فيها دائرة الشبه بين الصلاة في السفينة والصلاة على الراحلة فمن راعى شبهها بالسفينة أوجب الاستقبال لأن المحمل بيت سائر في البر كما أن السفينة بيت سائر في البحر ومن راعى مشقة الاستدارة على المصلى والبعير أسقط الاستقبال وهو الأقيس والله أعلم. مسألة: قال المروزي: quot;كان أبو عبد الله إذا سلم من المكتوبة ركع ركعتين قبل التراويحquot; وجهه ما روى عن على رضي الله عنه quot;كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على أثر كل صلاة مكتوبة ركعتين إلا الفجر والعصرquot;. ظاهره العموم في رمضان وغيره ولا يترك ذلك لأجل التراويح لأن كلا منهما مقصود. وروى أحمد بن الحسين quot;صليت مع أبي عبد الله في شهر رمضان التراويح فكان إذا صلى العتمة لا يصلي حتى يقوم إلى التراويحquot;. قال الخلال: quot;لم يضبط هذا وإن كان قد ضبط ما رواه فوجهه أنه جعل التراويح أو الركعتين قبل ركعة الوتر موضع الركعتين بعد المكتوبةquot;. قال حنبل: quot;كان أبو عبد الله يصلي معنا فإذا فرغنا من الترويحة جلس وجلسنا وربما تحدث ويسأل عن الشيء فيجيب ثم(4\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "883",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7098",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقوم فيصلي ثم يدعو بعد الصلاة بدعوات ثم يوتر ثم ينصرفquot;. وقال الفضل: quot;رأيت أحمد يقعد بين التراويح ويردد هذا الكلام (لا إله إلا الله وحده لا شريك له أستغفر الله الذي لا إله إلا هو) وجلوس أبي عبد الله للاستراحة لأن القيام إنما سمي تراويح لما يتخلله من الاستراحة بعد كل ترويحةquot;. واختلف قوله في تأخير التراويح إلى آخر الليل فعنه إن أخروا القيام إلى آخر الليل فلا بأس به كما قال عمر: quot;فإن الساعة التي تنامون عنا أفضلquot; ولأنه يحصل قيام بعد رقدة وقال الله تعالى: إن ناشئة الليل الآية وروى عنه أبو داود quot;لا يؤخر القيام إلى آخر الليل سنة المسلمين أحب إليquot; وجهه فعل الصحابة ويحمل قول عمر على الترغيب في الصلاة آخر الليل ليواصلوا قيامهم إلى آخر الليل لا أنهم يؤخرونها ولهذا أمر عمر من يصلي بهم أول الليل. قال القاضي: quot;قلت ولأن في التأخير تعريضا بأن يفوت كثيرا من الناس هذه الصلاة لغلبة النوم القيام ليلة العيدquot; واختلف قوله في القيام ليلة العيد فروى عنه حنبل: quot;أما قيام ليلة الفطر فما يعجبني ما سمعنا أحدا فعل ذلك إلا عبد الرحمن وما أراه لأن رمضان قد مضى وهذه ليلة ليست منه ما أحب أن أفعله وما بلغنا من سلفنا أنهم فعلوه وكان أبو عبد الله يصلي ليلة الفطر المكتوبة ثم ينصرف ولم يصلها معه قط وكان يكرهه للجماعةquot;. الفضل بن زياد: quot;شهدت أحمد ليلة الفطر وقد اختلف الناس في الهلال فصلى المكتوبة وركع أربع ركعات وجلس يستخبر خبر الهلال فبعث رسولا فقال: اذهب نحو أبي إسحاق فاستخبر خبر الهلال فلم يزل جالسا ونحن معه حتى رجع الرسول فقال: قد رؤي الهلال فانتقل أحمد ثم قام فدخل منزلهquot; وعنه أبو طالب أنه قال في الجماعة يقومون ليلة العيد إلى الصباح يجمعون قال: quot;من فعل ذلك هو زيادة خير كان عبد الرحمن بن الأسود يعتكف فيقوم ليلة العيد إلى الصباح من فعله فحسن ومن لم يفعله فليس عليه شيءquot;. انتهى. لما روى مالك بن دينار عن سالم عن ابن عمر quot;كان يحيي ليلة العيد عبد الرحمن بن الأسود كان يصلي بقومه في شهر رمضان يقرأ بهم القرآن كل ليلة الوترquot;. قال أبو عبد الله في الرجل(4\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "884",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7099",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يصلي شهر رمضان يقوم فيوتر بهم وهو يريد يصلي بقوم آخرين quot;يشتغل بينهم بشيء بأكل أو شرب أو يجلسquot; رواه المروزي وذلك لأنه يكره أن يوصل بوتره صلاة فيشتغل بينهم بشيء ليكون فصلا بين وتره وبين الصلاة الثانية وهذا إذا كان يصلي بهم في موضعه أما في موضع آخر فذهابه فصل ولا يعيد الوتر ثانية quot;لا وتران في ليلةquot;. وقال أبو عبد الله في الرجل يجيء والإمام يوتر في شهر رمضان المبارك فيلحق معه ركعة quot;إن كان الإمام يفصل بينهم بسلام أجزأته الركعة التي لحق وإذا كان لا يسلم في الثنتين يقضي مثل ما صلى ثلاثا إذا فرغ قام يقضي ولا يقنتquot;. قوله: (ولا يقنت) يحتمل لأنه قد قنت مع الإمام فلا يقنت كما لو سجد للسهو معه لا يسجد آخر صلاته ويحتمل لأنه أدرك آخر صلاته فلا يقنت في أولها. محمد بن بحر رأيت أبا عبد الله في شهر رمضان وقد جاء فضل بن زياد القطان فصلى بأبي عبد الله التراويح وكان حسن القراءة فاجتمع المشايخ وبعض الجيران حتى امتلأ المسجد فخرج أبو عبد الله فصعد درجة المسجد فنظر إلى الجمع فقال: quot;ما هذا تدعون مساجدكم وتجيئون إلى غيرهاquot; فصلى بهم ليالي ثم صرفه كراهية لما فيه يعني من إخلاء المساجد وعلى جار المسجد أن يصلي في مسجده. قال أحمد رضي الله عنه في الرجل يترك الوتر متعمدا: quot;هذا رجل سوء يترك سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا ساقط العدالة إذا ترك الوتر متعمداquot; روى هذا المسألة هارون بن عبد الله البزاز ونقل أبو طالب وصالح quot;من ترك الوتر متعمدا هذا رجل سوء وذلك لقول الله تعالى: فليحذر الذين يخالفون عن أمره وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم. واختلف قوله إذا أوتر بعد طلوع الفجر هل يوتر بواحدة أو بثلاث فعنه الميموني قال: quot;إذا استيقظ وقد طلع الفجر ولم يكن تطوع ركع ركعتين ثم يوتر بواحدة لأن الركعتين من وترهquot; ونحوه الأثرم وأبو داود ووجهه أن الوتر اسم الثلاث لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر بها ولأنه وقت لفعل الوتر وكان وقتا للثلاث ونقل يوسف بن موسى يوتر بواحدة وذلك نقل أحمد بن الحسين في الرجل يفجؤه الصبح ولم يكن صلى قبل العتمة ولا بعدها شيئا يوتر بواحدة ولا يصلي قبلها شيئا ووجهه قوله صلى الله عليه وسلم: quot;صلاة الليل(4\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "885",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7100",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدةquot; فجعل ما قبلها من صلاة الليل وأمره بالمبادرة بواحدة ولأن ما بعد طلوع الفجر لا يجوز فيه إلا ركعتا الفجر وإنما أجزنا الوتر لتأكده. واختلف قوله في اختياره الوتر فروى عنه أبو بكر بن حماد أنه قال أذهب إلى حديث أبي هريرة quot;أوصاني خليلي بثلاث quot; الحديث وعنه الميموني quot;لست أنام إلا على وترquot;. وعنه الفضل بن زياد قال: quot;آخره أفضل فإن خاف رجل أن ينام أوتر أول الليلquot; قال أبو حفص: quot;وإنما يكون الوتر آخر الليل أفضل في غير شهر رمضان فأما في شهر رمضان فالوتر أول الليل تبع للإمام أفضل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;من صلى مع إمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلةquot;. قال أحمد: quot;إذا كان يقنت قبل الركوع افتتح القنوت بتكبيرةquot; رواه أبو داود والفضل بن زياد ودليله ابن مسعود quot;كان يقنت في الوتر إذا فرغ من القراءة كبر ورفع يديه ثم قنت قدر القيام في القنوتquot;. اختلف قوله في قدر القيام في القنوت فعنه بقدر: إذا السماء انشقت أو نحو ذلك وقد روى أبو داود وسمعت أحمد سئل عن قول إبراهيم القنوت قدر: إذا السماء انشقت قال: quot;هذا قليل يعجبني أن يزيدquot; وعنه كقنوت عمر وعنه كيف شاء وجه: الأولى: أنه وسط من القيام. والثانية: فعل عمر. والثالثة: أن طريقة الاستحباب فسقط التوقيت فيه نقل يوسف بن موسى عنه لا بأس أن يدعو الرجل في الوتر بحاجته وروى عنه علي بن أحمد الأنماطي أنه قال: quot;يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء القنوتquot; قال أحمد: quot;يدعو الإمام ويؤمن من خلفهquot; وعنه أبو داود quot;إذا لم يسمع صوت الإمام يدعواquot; أبو حفص: quot;لأن التأمين لما يسمعون قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;إذا أمن الإمام فأمنواquot; وعنه quot;إذا دعا وأمنوا فجيد وإن دعا ودعوا فلا بأس كل موسعquot; وجهه أن المؤمن داع قال تعالى: قال قد أجيبت دعوتكما وكان هارون مؤمنا قال: quot;يجهر الإمام بالقنوت ولم ير أن بخافت إذا قنت البتة لما روى quot;أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر بالقنوتquot; بدليل أن أصحابه كانوا يؤمنون. وروى أبو عبد الله حدثنا محمد بن جعفر ثنا سعيد عن جعفر عن أبي عثمان quot;صليت خلف عمر(4\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "886",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7101",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بن الخطاب فقنت بعد الركوع ورفع يديه في قنوته ورفع صوته بالدعاء حتى سمع من وراء الحائطquot;. وعن أبي أنه جهر بالقنوت وعن معاذ القارىء أنه جهر. المروزي: quot;كان أبو عبد الله في دعاء الوتر لم يكن يسمع دعاءه من يليه هذا يدل على أنه كان مأموما والمأموم لا يجهرquot;. مهنا سئل أحمد عن الرجل يقنت في بيته أيعجبك يجهر بالدعاء في القنوت أو يسره قال: quot;يسره وذلك أن الإمام إنما يجهر ليؤمن المأمومquot;. عبد الله قلت: لأبي يمسح بهما وجهه قال: quot;أرجو أن لا يكون به بأسquot;. وكان الحسن إذا دعا مسح وجهه وقال سئل أبي عن رفع الأيدي في القنوت ويمسح بهما وجهه قال: quot;لا بأس يمسح بهما وجههquot; وقال أبي عن رفع الأيدي في القنوت ويمسح بهما وجهه قال: quot;لا بأس يمسح بهما وجههquot;. قال عبد الله: quot;ولم أر أبي يمسح بهما وجهه فقد سهل أبو عبد الله في ذلك وجعله بمنزلة مسح الوجه في غير الصلاة لأنه عمل قليل ومنسوب إلى الطاعة واختيار أبي عبد الله تركهquot; قال حنبل: قلت لأبي عبد الله ما أحب إليك ما يتقرب به العبد من العمل إلى الله قال: quot;كثرة الصلاة والسجود وأقرب ما يكون العبد من الله إذا عفر وجهه له ساجداquot;. يعنى بهذا إذا سجد لله على التراب في هذا بيان أن الصلاة أفضل أعمال الخير وروى عنه المروزي أنه قال: quot;كل تسبيح في القرآن صلاة إلا موضع واحد قال: وإدبار النجوم ركعتين قبل الفجر وأدبار السجود ركعتين بعد المغرب. قال أبو حفص: quot;والحجة في تفضيل الصلاة على سائر أعمال القرب قوله تعالى: واستعينوا بالصبر والصلاة : وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها وكان حذيفة إذا أحزنه أمر صلى وقال: quot;أعني على نفسك بكثرة السجودquot; وقال: quot;أفضل الأعمال الصلاة لأول وقتهاquot; وقال: quot; جعلت قرة عيني في الصلاة quot; ولأنها تختص بجمع الهمة وحضور القلب والانقطاع عن كل شيء سواها بخلاف غيرها من الطاعات ولهذا كانت ثقيلة على النفس. نقل عنه محمد بن الحكم في الرجل يفوته ورده من الليل لا يقرأ به في ركعتي الفجر كان النبي صلى الله عليه وسلم لكن يقرأ إذا أصبح أرجو أن يحسب له بقيام الليل. اختلفت الرواية في الركعتين بعد الظهر فعنه الأثرم quot;يصليهما في المسجدquot; ووجهه حديث أم(4\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "887",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7102",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سلمة في الركعتين بعد العصر ظاهرة أنهم شغلوه عن صلاة الركعتين في المسجد. الفضل بن زياد رأيت أحمد لا يصلي بعد المكتوبة شيئا في المسجد إلا مرة بعد الظهر كان يوما نادرا ووجهه حديث عائشة quot;كان يصلي قبل الظهر أربعا في بيتي ثم يخرج فيصلي بالناس ثم يرجع إلى بيتي فيصلي ركعتينquot;. والله أعلم. مسألة: أبو الصقر عنه quot;لا بأس أن يجهر الرجل بالقراءة بالليل ولا يجهر بالنهار في التطوعquot; وقال في الرجل يصلي بقوم صلاة الفريضة فمرت به آيات العذاب فقال: أستجير بالله مضت صلاته ولا يعيد الصلاة وقال في الرجل يصلى ويأتي على ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة قال: quot;إن كان تطوعا صلى عليه وإن كان الفريضة فلا صلاة الضحىquot;. واختلف قوله في المداومة على صلاة الضحى فعنه قال: quot;ما أحب أن أداوم عليها وقد صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتحquot; وقال: quot;ربما صليت وربما لم أصل ووجهه ما روى أبو هريرة قال: quot;ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم الضحى قط إلا مرةquot; قال الميموني قال أحمد: quot;ما سمعناه إلا من وكيعquot; وإسناده جيد وروي عنه موسي بن هارون الخطاب قال: quot;مر بي أحمد بن حنبل ومعه المروزي وأنا في المسجد قبل الزوال أصلى الضحى لأني كنت شغلت عنها فوقف علي فقال: ما هذه الصلاة وليس هذا إلى وقت الظهر قال: قلت يا أبا عبد الله هذه ركعات كنت أصليها ضحى فشغلت عنها إلى هذا الوقت قال: quot;لا تتركها ولو ذكرتها بعد العتمةquot;. ووجهه قوله صلى الله عليه وسلم: quot;أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل quot;. قال في رواية مهنا وعبد الله: quot;صلاة التسبيح لم يثبت عندي فيها حديثquot; وقال في رواية أبي الحارث quot;صلاة التسبيح حديث ليس لها أصل ما يعجبني أن يصليها يصلي غيرهاquot; وقال علي بن سعيد ذكرت لأبي عبد الله حديث عبد الله بن مرة من رواية المستمر بن الريان فقال: quot;المستمر شيخ ثقةquot; وكأنه أعجبه. أحمد بن الأثرم في الركعتين قبل المغرب قال: quot;أحاديث(4\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "888",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7103",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جياد أو قال صحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين فمن شاء صلى بين الأذان والإقامةquot;. وعنه الفضل بن زياد quot;ما فعلته قط إلا مرة فلم أر الناس عليه فتركتهاquot; وقال في رواية حنبل: quot;السنة أن يصلي الرجل الركعتين بعد المغرب في بيتهquot; كذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال السائب بن يزيد: quot;لقد رأيت الناس في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا انصرفوا من المغرب انصرفوا جميعا حتى لا يبقى في المسجد أحد كان لا يصلون بعد المغرب يعني حتى يصيروا إلى أهلهمquot; فإن صلى الركعتين في المسجد هل يجزئه اختلف قوله روى عبد الله أنه قال: بلغني عن رجل سماه أنه قال: quot;لو أن رجلا صلى الركعتين في المسجد بعد المغرب ما أجزأهquot; وقال: quot;ما أحسن ما قال هذا الرجل وما أجود ما أسرعquot; ووجهه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة في البيوت وقال له المروزي: من صلى ركعتين بعد المغرب في المسجد يكون عاصيا قال: quot;ما أعرف هذاquot;. قلت له يحكى عن أبي ثور أنه قال: quot;هو عاصquot; قال: quot;لعله ذهب إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;فاجعلوها في بيوتكمquot; ووجهه أنه لو صلى الفرض في البيت وترك المسجد أجزأه فكذا السنة في المسجد. قلت ليس هذا وجهه عند أحمد وإنما وجهه أن السنن لا يشترط لها مكان معين ولا جماعة فتفعل في المسجد والبيت والله أعلم. قال في رواية الميموني والمروزي: quot;يستحب أن لا يكون قبل الركعتين بعد المغرب إلى أن تصلهما كلامquot;. وقال الحسن بن محمد: quot;رأيت أحمد سلم الإمام من صلاة المغرب قام ولم يتكلم ولم يركع في المسجد وتكلم قبل أن يدخل الدارquot; وجه الكراهة قول مكحول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;من صلى ركعتين بعد المغرب يعنى قبل أن يتكلم رفعت صلاته في عليينquot; ولأنه يصل النفل بالفرض. وقال أحمد في رواية حرب ويعقوب وإبراهيم بن هانىء: quot;إن ترك ركعتي المغرب لا يعيدهما إنما هما تطوعquot;. المروزي رأيت أبا عبد الله يركع فيما بين المغرب والعشاء. المروزي عنه في رجل يريد سفرا فيقصر يوما ثم يبدو له فيرجع فيتم وجاءه رسول الخليفة رده من بعض الطريق في الليل فأتم الصلاة فقيل له أليس نحن مسافرون قال: quot;أما الساعة فلاquot; وكان نحوا من سبع فراسخ محمد بن الحكم عنه في الرجل يخرج إلى بعض البلدان يتنزه أو إلى(4\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "889",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7104",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بلد يتلذذ فيه ليس يطلب فيه حجا ولا عمرة ولا تجارة quot;ما يعجبني أن يقصر الصلاةquot; والوجه فيه أن الأصل الإتمام فلا يجوز أن ينقص الفرض لطلب النزهة والله أعلم. مسألة: إن لم يكن مع الملاح أهله وكان يسافر ويرجع إلى أهله قصر الصلاة قال في رواية حرب إن لم يتم المكاري في أهله ما يقضي رمضان يقضي في السفر وذلك أن هذه حال ضرورة والقضاء عليه فرض. اختلف قوله في المسافر يرد على أهله لا يريد المقام فروي عنه عبد الله لو أن مسافرا ورد على أهله أمسك عن الطعام وأتم الصلاة إلا أن يكون مارا وكذا نقل إسحاق الكوسج في رجل خرج مسافر فبدا في حاجة إلى بيته ليأخذها فأدركته الصلاة وهو مسافر ويقصر إذا لم يكن له أهل وهو أهون لأنه على نية السفر فوروده على أهله لم يخرجه عن حكم السفر. عنه صالح في رجل خرج مسافرا فبدا له فرجع في حاجة إلى بيته فأدركته الصلاة يتم لأن ابن عباس قال: quot;إذا قدمت على أهل أو ماشية فأتمquot; والوجه فيه حديث ابن عباس ولا يصح حمله على ما إذا نوى المقام لأنه إذا نوى المقام في غير أهله لزمه الإتمام ولأنه لو أنشأ السفر من بلده يجز له القصر حتى يفارق منزله كذا بعد رجوعه لحاجة عنه المروزي ركعتا الفجر والمغرب لا يدعهما في السفر عنه صالح والكوسج إذا نوى المسافر المقام وهو في الصلاة يتم وإن قعد في الركعتين حتى يخرج بتسليم ووجهه أنه قد صار مقيما. مسألة: الأثرم عنه إذا أجمع أن يقيم إحدى وعشرين صلاة مكتوبة قصر فإذا عزم على أن يقيم أكثر من ذلك أتم واحتج بحديث جابر وابن عباس قدم النبي صلى الله عليه وسلم لصبح رابعة وكذا نقل ابن الحكم. ونقل المروزي quot;إذا عزم على مقام إحدى وعشرين فليتم لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الغداة يوم التروية بمكة وكذلك نقل حرب quot;إذا دخل إلى قرية نوى أن يقيم أربعة أيام وزيادة صلاة أتمquot;. وكذا نقل ابن أصرم وصالح والكوسج إذا أزمع على إقامة(4\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "890",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7105",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أربعة أيام وزيادة صلاة يتم في أول يوم واحتج بحديث جابر. قال أبو حفص: quot;هذه الرواية ليست مستقصاة والأدلة مستقصاة أنه لا يلزمه الإتمام بالعزيمة على إقامة أربعة أيام وزيادة صلاة حتى ينوى أكثر من ذلك فكيف يقول إذا أزمع على إقامة أربع وزيادة صلاة أتم ويحتج بحديث جابر في هذا المقدار وقد كشف هذا في رواية الفضل بن عبد الصمد قيل له يا أبا عبد الله يحكون أنك تقول: quot;إذا أجمع على إقامة أكثر من أربعة وصلاة أتمquot; فقال: quot;لا يفهمون النبي صلى الله عليه وسلم أجمع على أقامة أربع وصلاة فقصرquot;. ونقل عنه أيوب بن إسحاق بن سافري أنه قال: quot;إن أزمع على إقامة خمسة أيام يتم وما دون ذلك يقصرquot; قال أبو حفص: quot;ليس في هذا خلاف لذلك لأنه إذا أوجب الإتمام بإقامة أكثر من أربعة أيام وزيادة صلاة فبخمسة أيام أولى أن يوجب الإتمام وقوله ما دون ذلك يقصر يحتمل أن يكون أراد به الأربعة أيام وزيادة صلاة لأنها دون الخمسة أيام ويحتمل أن يكون ذكره لليوم الخامس لأن الصلاتين بعد الأربعة أيام من اليوم الخامس لا أنه أراد إكمال اليوم الخامسquot;. وقد بين ذلك في رواية طاهر بن محمد التميمي فقال: quot;إذا نوى أربعة أيام وأكثر من صلاة من اليوم الخامس أتمquot;. فقد بين مراده من ذكر اليوم الخامس أنه بعضه لأنه أكثر من مقام النبي صلى الله عليه وسلم الذي قصر فيه الصلاةquot;. قال القاضي: quot;وظاهر كلام أبي حفص هذا أن المسألة على رواية واحدة وأن مدة الإقامة ما زاد على أحدى وعشرين صلاة وتأول بقية الروايات واحتج في ذلك بحديث جابر quot;أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة صبح رابعة فصلى بها الغداة وخامسة وسادسة وسابعة أربعة أيام كوامل وزاد صلاة لأنه صلى الغداة يوم التروية بمكة بالأبطح وخرج يوم الخامس إلى منى فصلى الظهر بمنى وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام وقد أجمع على إقامتهاquot;. ويجوز أن يحمل كلام أحمد على ظاهره فيكون في قدر الإقامة ثلاث روايات: إحداها: ما زاد على إحدى وعشرين اختارها الخرقي وأبو حفص. الثانية:(4\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "891",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7106",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما زاد على أربعة أيام ولو بصلاة لأنها مدة تزيد على الأربعة فكان بها مقيما دليلة إذا نوى زيارة على إحدى وعشرين. الثالثة: ما نقص عن خمسة أيام ولو بوقت صلاة لأنها مدة تنقص عن خمس أيام فكان في حكم السفر دليلة مدة إحدى وعشرين أو عشرين صلاة الكسوف. اختلف قوله في صلاة الكسوف بغير إذن الإمام فروى عنه يعقوب بن حسان quot;لا بأس بهquot;. وقال المروزي: قلت لأبي عبد الله بن مهدي عن حماد بن يزيد قال: quot;بلغ أيوب أن سليمان التيمي لما انكسفت الشمس صلى في مسجده فبلغ أيوب فأنكر عليه فقال: quot;إنما هذا للأئمةquot; فقال أبو عبد الله: quot;إلى هذا نذهب في كسوف الشمس الأئمة يفعلون ذلكquot; وعنه محمد بن الحكم يستحب العتاقة في صلاة الكسوف الاستسقاء. اختلف في خروج الناس للاستسقاء بغير إمام فعنه أحمد بن القاسم quot;إن لم يخرج الإمام لا تخرجواquot; وعنه الميموني quot;إن أخرجهم الإمام خرجوا وإلا فيخرجون لأنفسهم يستسقون لا بأس بذلكquot;. فإن قلنا يخرجون بغير إمام فهل يصلون جماعة أو يستسقون وينصرفون فعنه الميموني quot;يخرجون لأنفسهم يستسقون ما يعجبني يصلي بهم بعضهمquot; وعنه حرب أنه قال في أهل قرية ليس فيها وال خرجوا يستسقون يصلي بهم إمامهم جماعة قال: quot;أرجو أن لا يضيقquot;. هذا آخر ما وجدته من هذا المنتقى. فائدة: لا يكون الجحد إلا بعد الاعتراف بالقلب واللسان ومنه قوله تعالى: وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ومنه ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون عقيب قوله: فإنهم لا يكذبونك ومنه وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون  وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون وعلى هذا لا يحسن استعمال الفقهاء لفظ الجحود في مطلق(4\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "892",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7107",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإنكار في باب الدعاوى وغيرها لأن المنكر قد يكون محقا فلا يسمى جاحدا. فائدة: قال إسحاق بن هانىء: quot;تعشيت مرة أنا وأبو عبد الله وقرابة لنا فجعلنا نتكلم وهو يأكل وجعل يمسح عند كل لقمة بيده بالمنديل وجعل يقول عند كل لقمة: quot;الحمد لله وبسم اللهquot; ثم قال لي: quot;أكل وحمد خير من أكل وصمتquot;. فائدة: منع كثير من النحاة أن يقال البعض والكل لأنهما اسمان لا يستعملان إلا مضافان ووقع في كلام الزجاج وغيره بدل البعض من الكل. وجوز أبو عبيدة أن يكون بمعنى الكل كما جوز ذلك في الأكثر فالأول كقوله:: يصبكم بعض الذي يعدكم والثاني كقوله: وأكثرهم كاذبون ولا دليل له في ذلك لأن قوله: بعض الذي يعدكم من خطاب التلطف والقول اللين وأما وأكثرهم كاذبون فلا يمتنع أن يكون فيهم من يصدق في كثير من أقواله. إذا عرف هذا فقالت طائفة البعض للجزء القليل والكثير والمساوي وفي هذا نظر إذ إطلاق لفظ بعض العشرة على التسعة مما يحتاج إلى نقل واستعمال والظاهر أنه قريب من البعض معنى كما هو قريب منه لفظا وليس في عرف اللغة والتخاطب إذا قال خذ بعض هذه الصبرة أن يأخذها كلها إلا حفنة منها ولا لمن يجيئك في أيام الشهر كلها إلا يوما واحدا هو يجيء في بعض أيام الشهر مسائل فقهية عن الإمام أحمد قال أحمد في رواية حنبل حديث عائشة(4\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "893",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7108",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رضي الله عنها quot;لا طلاق ولا عتاق في إغلاق quot; يريد الغضبquot;. وقال في رواية أبي داود: quot;حديث ركانة لا يثبت أنه طلق امراته البتة لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن ركانة طلق امرأته ثلاثا وأهل المدينة يسمون ثلاثا البتةquot;. وقال في رواية أحمد بن أصرم أن أبا عبد الله سئل عن حديث ركانة في البتة فقال: quot;ليس بشيءquot; وقال في رواية أبي الحارث في رجل غصب رجلا على امراته فأولدها ثم رجعت إلى زوجها وقد أولدها quot;لا يلزم زوجها الأولاد وكيف يكون الولد للفراش في مثل هذا وقد علم أن هذه في منزل رجل أجنبي وقد أولدها في منزلة إنما يكون الولد للفراش إذا ادعاه الزوج وهذا لا يدعى فلا يلزمهquot;. قال أحمد في رواية إسحاق بن منصور: quot;إذا زوج السيد عبده من أمته ثم باعها يكون بيعها طلاقها كقول ابن عباس ورواية أكثر أصحابه عنه لا يكون طلاقاquot; قال أحمد في رواية أبي طالب: quot;لا أعلم شيئا يدفع قول ابن عباس وابن عمر وأحد عشر من التابعين منهم عطاء ومجاهد وأهل السنة وأهل المدينة على تسري العبد فمن احتج بهذه الآية: والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم وأي ملك للعبد فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;من اشترى عبدا وله مال فالمال للسيدquot; جعل له مالا هذا يقوي التسريquot;. وابن عباس وابن عمر أعلم بكتاب الله ممن احتج بهذه الآية لأنهم أصحاب رسول الله وانزل القرآن على رسول الله يعلمون فيما أنزل قالوا بتسري العبد. إذا ثبت هذا فقد قال في رواية إسحاق بن إبراهيم: quot;يتسرى العبد في ماله هو ما لم يأخذه سيده منهquot;. وقال في رواية جعفر بن محمد وحرب: quot;ليس للسيد أن يأخذ سرية العبد إذا أذن له في التسري فإن تسري بغير إذنه أخذها منه وإذا باع العبد وله سرية هي لسيده ولا يفرق بينهما لأنها بمنزلة المرأة فقد فرق أحمد بين أن يتبع العبد فتكون السرية للسيد ولا يفرق بينهما وبين العبد وعلل بأنها بمنزلة الزوجة وبين أن يبقى العبد على ملكه فليس له أخذ السرية منه إذا أذن له كما لو أذن له في التزويج ليس له أن يفرق بينه وبين امرأته وعلى(4\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "894",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7109",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كلا النصين مشكل وله فقه دقيقquot;. وقال في رواية ابن منصور: quot;إذا تزوج الحرة على الأمة يكون طلاقا للأمة لحديث ابن عباسquot;. قال أبو بكر: quot;مسألة ابن منصور مفردةquot; وقال في رواية أبي الحارث quot;إذا تزوج امرأة فشرط أن لا يبيت عندها إلا ليلة الجمعة فإن طالبته كان لها المقاسمة وإن أعطته مالا واشترطت عليه أن لا يتزوج عليها يرد عليها المال إذا تزوج ولو دفع إليها مالا على أن لا تتزوج بعد موته فتزوجت ترد المال إلى ورثتهquot;. وقال في رواية أحمد بن القاسم: quot;الأمة إذا كان زوجها حرا فعتقت فلا خيار لها لأن الحديث عندنا أن زوج بريرة كان عبدا فاجعل الرواية هكذا ولا أزيل النكاح إلا في الموضع الذي أزالته السنة وهذا ابن عباس وعائشة يقولون إنه عبد وعليه أهل المدينة وعلمهم وإذا روى أهل المدينة حديثا وعملوا به فهو أصح ما يكون وليس يصح أن زوج بريرة كان حرا إلا عن الأسود وحده وأما غيره فيقول إنه عبدquot;. وقال أحمد في رواية حنبل: quot;لا يكنى ولده بأبي القاسم لأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عنهquot;. وقال في رواية علي بن سعيد وقد سأله عن الحديث quot;تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي quot; هو أن يجمع ببن اسمه وكنيته أو يفرد أحدهما فقال: quot;آخر الحديث quot;تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتيquot; وهذا موافق لرواية حنبل وقال ابن منصور: قلت لأحمد تكنى المرأة قال: نعم عائشة كناها النبي صلى الله عليه وسلم أم عبد اللهquot;. وقال في روايته أيضا عمر كره يكنى بأبي عيسى وقال في رواية حنبل: quot;لا بأس أن يكنى الصبي قال النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا عمير وكان صغيرا وقال في رواية الأثرم وسئل عن الرجل يعرف بلقبه قال: quot;إذا لم يعرف إلا بهquot; قال أحمد الأعمش: quot;إنما يعرفه الناس هكذا فسهل في مثل هذا إذا كان قد شهر بهquot;. وقال ابن منصور: قلت لأحمد رجل نذر أن يذبح نفسه قال: quot;يفدي نفسه إذا حنث يذبح كبشاquot; قال إسحاق كما قال وقال أيضا: قلت لأحمد: من مات ولم يحج فهو من جميع المال قال: quot;إذا كان له مال كثير واجب على الورثة أن ينفذوا ذاك وأما إذا كان مال قليل فإنما هو شيء ضيعه ليس هذا مثل الزكاةquot;.(4\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "895",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7110",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أيضا قلت له: طواف المكي قبل المغرب قال أحمد: quot;لا يخرج من مكة حتى يودع البيتquot; وقال أحمد في رواية ابن منصور: quot;يكره أن يقول للرجل جعلني الله فداك ولا بأس أن يقول فداك أبي وأميquot;. وقال في رواية ابن منصور: quot;يكره الجلوس بين الشمس والظل أليس قد نهي عنه وقال إسحاق ابن راهوية: quot;قد صح الخبر فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لو ابتدأ وجلس فيه كان أهونquot; وقال في رواية أبي طالب وسألته: يكنى الرجل أهل الذمة فقال: quot;قد كنى النبي صلى الله عليه وسلم نجران وعمرquot;. قال: quot;يا أبا حسان لا بأس فيهquot; وقال في رواية يعقوب بن لحيان وسأله عن النورة والحجامة والأربعاء فكرهها قال: quot;وبلغني عن رجل أنه تنور واحتجم فأصابه المرض قلت كأنه تهاون قال: quot;نعمquot; وقال في رواية مهنا في الرجل تأتيه المرأة المسحورة فيطلق عنها السحر قال: quot;لا بأسquot;. وحدثنا إسماعيل بن علية عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: سألت سعيد ابن المسيب عن المرأة تأتي الرجل فيطلق عنها السحر فقال: quot;لا بأسquot; فقلت لأحمد: أحدث بهذا عنك قال: quot;نعمquot; وقال في رواية المروزي: quot;حممت فكتب لي في الحمى بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله وبالله ومحمد رسول الله قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل إشف صاحب هذا الكتاب بحولك وقوتك وجبروتك إله الحق آمينquot; وقال في رواية عبد الله: quot;يكتب للمرأة إذا عسر عليها الولادة في جام أو شيء نظيف لا إلة إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ثم تسقي وينضح بما بقى دون سرتها وقال في رواية الكوسج: quot;يكره التفل في الرقية ولا بأس بالنفخquot; وقال في رواية صالح: quot;الحقنة إذا كانت لضرورة فلا(4\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "896",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7111",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأسquot; وقال في المروزي: quot;الحقنة إن اضطر إليها فلا بأسquot; قال المروزي: quot;ووصف لأبي عبد الله ففعلquot; وقال إسحاق بن هانىء: quot;رأيت أبا عبد الله إذا كان يوم الجمعة يصلي حتى يعلم أن الشمس قد قاربت أن تزول فإذا قاربت أمسك عن الصلاة حتى يؤذن فإذا أخذ في الأذان قام فصلى ركعتين أو أربعا يفصل بينهما بالسلام فإذا صلى الفريضة انتظر في المسجد ثم يخرج منه فيأتي بعض المساجد التي بحضرة الجامع فيصلى فيها ركعتين ثم يجلس وربما صلى أربعا ثم يجلس ثم يقوم فيصلى ركعتين ثم يجلس وربما صلى أربعا ثم يجلس ثم يقوم فيصلى ركعتين أخريين فتلك ست ركعات على حديث على رضي الله عنهquot;. فائدة: ظن بعض الفقهاء أن الوفاء إنما يحصل باستيفاء الدين بسبب أن الغريم إذا قبض المال صار في ذمته للمدين مثله ثم يقع التقاضي منهما والذي أوجب لهم هذا إيجاب المماثلة بين الواجب ووفائه ليكون قد وفى الدين بالدين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: quot;وهذا تكلف أنكره جمهور الفقهاء وقالوا بل نفس المال الذي قبضه يحصل به الوفاء ولا حاجة إلى أن يقدروا في ذمة المستوفي دينا والدين في الذمة من جنس المطلق الكلي والعين من جنس العين الجزئي فإذا ثبت في ذمته دين مطلق كلي كان المقصود منه الأعيان الشخصية الجزئية فأي معين استوفاه حصل به مقصوده لمطابقته للكل مطابقة الأفراد الجزئية.(4\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "897",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7112",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: قال أحمد في رواية صالح في المضارب إذا خالف فاشترى غير ما أمر به صاحب المال فالربح لصاحب المال ولهذا أجرة مثله إلا أن يكون الربح محيطا بأجرة مثله فيذهب قال وكنت أذهب إلى الربح لصاحب المال ثم استحسنتquot;. وقال في رواية الميموني: quot;استحسن أن يتمم لكل صلاة ولكن القياس أنه بمنزلة الماء حتى يحدث أو يجد الماءquot; وقال في رواية المروزي: quot;يجوز شراء أرض السواد ولا يجوز بيعها فقيل له كيف تشترى ممن لا يملك فقال: القياس كما يقول ولكن هو استحسانquot; واحتج بأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في شراء المصاحف وكرهوا بيعها وهذا يشبه ذاك وقال في رواية بكر بن محمد فيمن غصب أرضا وزرعها quot;الزرع لرب الأرض وعليه النفقة وليس هذا شيئا يوافق القياسquot; استحسن أن يدفع إليه نفقته وقال في رواية أبي طالب quot;أصحاب أبي حنيفة إذا قالوا شيئا خلاف القياس قالوا نستحسن هذا وندع القياس فيدعون الذين يزعمون أن الحق بالاستحسانquot; قال: quot;وأنا أذهب إلى كل حديث جاء ولا أقيس عليهquot; فقال القاضي: quot;ظاهر هذا يقضي إبطال القول بالاستحسان وأنه لا يجوز قياس المنصوص عليه على المنصوص عليه وجعل المسألة على روايتين ونصر هو وأتباعه رواية القول بالاستحسانquot; ونازعهم شيخنا في مراد أحمد من كلامه وقال: quot;مراده أني استعمل النصوص كلها ولا أقيس على أحد النصين قياسا يعارض النص الآخر كما يفعل من ذكره حيث يقيسون على أحد النصين ثم يستثنون موضع الاستحسان إما لنص أو لغيره والقياس عندهم موجب العلة فينقضون العلة التي يدعون صحتها مع تساويها في محالها وهذا من أحمد بين أنه يوجب طرد العلة الصحيحة وأن انتقاضها مع تساويها(4\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "898",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7113",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ينقصه النص الآخرquot;. وهذا مثل حديث أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;إذا أراد أحدكم أن يضحى ودخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا من بشرته شيئاquot; مع حديث عائشة: quot;كنت أفتل قلائد هدي النبي صلى الله عليه وسلم ثم نبعث به وهو مقيم لا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم quot; والناس في هذا على ثلاثة أقوال منهم من يسوى بين الهدى والأضحية في المنع ويقول إذا بعث الحلال هديا صار محرما ولا يحل حتى ينجر كما روى عن ابن عباس وغيره ومنهم من يسوى بينهما في الأذن ويقولك بل المضحى لا يمنع عن شيء كما لا يمنع باعث الهدى فيقيسون على أحد النصين ما يعارض الآخر وفقهاء الحديث كيحيى بن سعيد وأحمد بن حنبل وغيرهما عملوا بالنصين ولم يقيسوا أحدهما على الآخر وكذلك عند أحمد وغيره من فقهاء الحديث لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الناس قعودا إذا صلى إمامهم قاعدا ثم لما افتتحوا الصلاة قياما أتمها بهم قياما فعمل بالحديثين ولم يقس على أحدهم قياسا ينقص الآخر ويجعله منسوخا كما فعل غيره. قلت: وكذلك فعل في حديث الأمر بالوضوء من لحوم الإبل وترك الوضوء مما مست النار عمل بهما ولم يقس على أحدهما قياسا يبطل الآخر ويجعله منسوخا وكذلك فعل في أحاديث المستحاضة ونظائرها ثم القائلون بالاستحسان منهم من يقول هو ترك الحكم إلى حكم أولى منه ومنهم من يقول هو أولى القياسين. وقال القاضي: quot;الحجة التي نرجع إليها في الاستحسان هي الكتاب تارة والسنة تارة والإجماع تارة والاستدلال يترجح بعض الأصول على بعض فالاستحسان لأجل الكتاب كما في شهادة أهل الذمة على المسلمين في الوصية في السفر إذا لم يجد مسلما ومما قلنا فيه بالاستحسان السنة فيمن غصب أرضا وزرعها الزرع لرب الأرض وعلى صاحب الأرض النفقة لحديث رافع بن خديج والقياس أن يكون الزرع لزارعة ومما فيه قلنا بذلك الإجماع جواز سلم الدراهم والدنانير في الموزونات والقياس أن لا يجوز ذلك لوجود الصفة المضمونة إلى الجنس وهي الوزن إلا أنهم استحسنوا(4\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "899",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7114",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيه الإجماعquot; انتهى. قال شيخنا: quot;ومن ذلك أن نفقة الصغير وأجرة مرضعته على أبيه دون أمة بالنص والإجماعquot;. قلت: إلا خلافا شاذا في مذهب أبي حنيفة وغيره بإيجابها على الأبوين كالجد والجدة. وكذلك يقولون إجارة الظئر ثابتة بالنص والإجماع على خلاف القياس والاستحسان يقول يرجع إلى تخصيص العلة بل هو نفسه كما قاله الحسن البصري والرازي وغيرهما والمشهور عن الشافعية منع تخصيصها وعن الحنفية القول بتخصيصها ولأصحاب أحمد قولان وحكينا روايتان عن أحمد وحكى تخصيص العلة مذهب الأئمة الأربعة وهو الصواب والقاضي وابن عقيل يمنعون تخصيص العلة مع قولهم بالاستحسان وأبو الخطاب يختار تخصيص العلة مع قوله بالاستحسان. وفرق القاضي بين التخصيص والاستحسان بأن التخصيص منع العلة عملها في حكم خاص والاستحسان ترك قياس الأصول للنصوص أي مخالفة القياس لأجل النص كما في شهادة أهل الذمة وإجارة الظئر وإعطاء الزرع لمالك الأرض ونظائره كحمل العاقلة دية الخطأ. فصول عظيمة النفع جدا: في إرشاد القرآن والسنة إلى طريق المناظرة وتصحيحها وبيان العلل المؤثرة والفروق المؤثرة وإشارتها إلى إبطال الدور والتسلسل بأوجز لفظ وأبينه وذكر ما تضمناه من التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين والأجوبة عن المعارضات وإلغاء ما يجب إلغاؤه من المعاني التي لا تأثير لها واعتبار ما ينبغي اعتباره وإبداء تناقض المبطلين في دعاويهم وحججهم وأمثال ذلك وهذا من كنوز القرآن التي ضل عنها أكثر المتأخرين فوضعوهم لهم شريعة جدلية فيها حق وباطل ولو أعطوا القرآن حقه لرأوه وافيا بهذا المقصود كافيا فيه مغنيا عن غيره والعالم عن الله من آتاه الله فهما في(4\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "900",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7115",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كتابه والنبي صلى الله عليه وسلم أول من بين العلل الشرعية والمآخذ والجمع والفرق والأوصاف المعتبرة والأوصاف الملغاة وبين الدور والتسلسل وقطعهما فانظر إلى قوله سئل عن البعير يجرب فتجرب لأجله الإبل فقال quot; من أعدى الأولquot; كيف اشتملت هذه الكلمة الوجيزة المختصرة البينة على إبطال الدور التسلسل وطالما تفيهق الفيلسوف وتشدق المتكلم وقرب ذلك بعد اللتيا والتي في عدة ورقات فقال: من أوتى جوامع الكلم فمن أعدى الأول ففهم السامع مع هذا أن اعداء الأول إن كان من اعداء غيره له فإنه لم ينته إلى غاية فهو التسلسل في المورثات وهو باطل بصريح العقل وإن انتهى إلى غاية وقد استفادت الجرب من اعداء من جرب به له فهو الدور الممتنع. وتأمل قوله في قصة ابن اللتبية quot;أفلا جلس في بيت أبيه وأمه وقال: هذا أهدى ليquot; كيف يجد تحت هذه الكلمة الشريفة أن الدوران يفيد العلية والأصولي ربما كد خاطره حتى قرر ذلك بعد الجهد فدلت هذه الكلمة النبوية على أن الهدية لما دارت مع العمل وجودا وعدما كان العمل سببها وعلتها لأنه لو جلس في بيت أبيه وأمه لانتفت الهدية وإنما وجدت بالعمل فهو علتها. وتأمل قوله: اللقطة وقد سئل عن لقطة الغنم فقال: quot;إنما هي لك أو لأخيك أو للذئبquot; فلما سئل عن لقطة الإبل غضب وقال: quot;ما لك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وترعى الشجرةquot; ففرق بين الحكمين باستغناء الإبل واستقلالها بنفسها دون أن يخاف عليها الهلكة في البرية واحتياج الغنم إلى راع وحافظ وإنه إن غاب عنها فهي عرضة للسباع بخلاف الإبل فهكذا تكون الفروق المؤثرة في الأحكام لا الفروق المذهبية التي إنما يفيد ضابط المذهب وكذلك قوله في اللحم الذي تصدق به على بريرة quot; هو عليها صدقة ولنا هديةquot; ففرق في الذات الواحدة وجعل لها حكمين مختلفين باختلاف الجهتين إذ جهة الصدقة عليها غير جهة الهدية منها وكذلك الرجلان اللذان عطسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر فلما سئل عن(4\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "901",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7116",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفرق أجاب بأن هذا حمد الله والآخر لم يحمده فدل على أن تفريقه في الأحكام لافتراقها في العلل المؤثرة فيها. وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم في الميتة quot;إنما حرم منها أكلها quot; كيف تضمن التفرقة بين أكل اللحم واستعمال الجلد وبين أن النص إنما تناول تحريم الأكل وهذا تحته قاعدتان عظيمتان: إحداهما: بيان أن التحليل والتحريم المضافان إلى الأعيان غير مجمل وأنه غير مراد به من كل عين ما هي مهيأة له وفي ذلك الرد على من زعم أن ذلك يتضمن لمضمر عام وعلى من زعم أنه مجمل. والثانية: قطع إلحاق استعمال الجلد بأكل اللحم وأنه لا يصح قياسه عليه فلو أن قائلا قال وإن دلت الآية على تحريم الأكل وحده فتحريم ملابسة الجلد قياسا عليه كان قياسه باطلا بالنص إذ لا يلزم من تحريم الملابسة الباطنية بالتعدي تحريم ملابسة الجلد ظاهرا بعد الدباغ ففي هذا الحديث بيان المراد من الآية وبيان فساد إلحاق الجلد باللحم. وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم للنعمان بن بشير وقد خص ابنه بالنحل quot;أتحب أن يكونوا في البر سواءquot; كيف تجده متضمنا لبيان الوصف الداعي إلى شرع التسوية بين الأولاد وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض فكما أنك تحب أن يستووا في برك وأن لا ينفرد أحدهم ببرك وتحرمه من الآخر فكيف ينبغي أن تفرد أحدهما بالعطية وتحرمها الآخر وتأمل قوله لعمر وقد استأذنه في قتل حاطب فقال: quot;وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكمquot; كيف تجده متضمنا لحكم القاعدة التي اختلف فيها أرباب الجدل والأصوليون وهي أن التعليل بالمانع هل يفتقر إلى قيام المقتضي فعلل النبي صلى الله عليه وسلم عصمة دمه شهود بدرا دون الإسلام العام فدل على أن مقتضى قتله كان قد وجد وعارض سبب العصمة وهو الجس على رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن عارض هذا المقتضي مانع منع من تأثيره وهو شهوده بدرا وقد سبق من الله مغفرته لمن شهدها وعلى هذا فالحديث حجة لمن رأى قتل الجاسوس لأنه ليس ممن شهد بدرا وإنما امتنع قتل حاطب لشهوده بدرا ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم(4\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "902",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7117",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لعمر سأله عن القبلة للصائم فقال: quot;أرأيت لو تمضمضت quot; الحديث فتحت هذا إلغاء الأوصاف التي لا تأثير لها في الأحكام وتحته تشيبه الشيء بنظيره وبإلحاقه به وكما أن الممنوع منه الصائم إنما هو الشرب لا مقدمته وهو وضع الماء في الفم فكذلك الذي منع إنما هو الجماع لا مقدمته وهي القبلة فتضمن الحديث قاعدين عظمتين كما ترى. ومن ذلك قوله وقد سئل عن الحج عن الميت فقال للسائل: quot;أرأيت لو كان عليه دين أكنت قاضية قال: نعم قال: فدين الله أحق بالقضاءquot; فتضمن هذا الحديث بيان قياس الأولى وأن دين المخلوق إذا كان يقبل الوفاء مع شحه وضيقه فدين الواسع الكريم تعالى أحق بأن يقبل الوفاء ففي هذا أن الحكم إذا ثبت في محل الأمر وثم محل آخر أولى بذلك الحكم فهو أولى بثبوته فيه ومقصود الشارع في ذلك التنبيه على المعاني والأوصاف المقتضية لشرع الحكم والعلل المؤثرة وإلا فما الفائدة في ذكر ذلك والحكم ثابت بمجرد قوله. ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ألحق الولد في قصة وليدة زمعة بعبد ابن زمعة عملا بالفراش القائم وأمر سودة أن تحتجب منه عملا بالشبه المعارض له فرتب على الوصفين حكميهما وجعله أخا من وجه دون وجه وهذا من ألطف مسالك الفقه ولا يهتدي إليه ألا خواص أهل العلم والفهم عن الله تعالى ورسوله. وتأمل قوله في التشهد وقد علمهم أن يقولوا: quot;السلام علينا وعلى عباد الله الصالحينquot; ثم قال: quot; فإذا قلتم ذلك أصابت كل عبد صالح لله في السماء والأرضquot; كيف قرر بهذا عموم اسم الجمع المضاف وأغنانا عن طريق الأصوليين وتعسفها كذلك قوله تعالى وقد سئل عن زكاة الحمر فقال: لم ينزل علي إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره فسمى الآية جامعة أي عامة شاملة باعتبار اسم الشرط فدل على أن أدوات الشرط العموم وهذا في مخاطبته ومحاورته أكثر من أن يذكر وإنما يجهله من كلامه من لم يحط به علما. وتأمل قوله للرجل الذي استفتاه عن امرأته وقد ولدت غلاما أسود فأنكر ذلك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: quot;ألك إبل قال: نعم قال: فما لونها قال: سود(4\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "903",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7118",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: هل فيها من أورق قال: نعم قال: فأنى له ذلك قال: عسى أن يكون نزعه عرق قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرقquot; كيف تضمن إلغاء هذا الوصف الذي لا تأثير له في الحكم وهو مجرد اللون ومخالفة الولد للأبوين فيه وإن مثل هذا لا يوجب ريبة وأن نظيره في المخلوقات مشاهد بالحس والله تعالى خالق الإبل وخالق بنى آدم وهو الخلاق العليم فكما أن الجمل الأورق قد يتولد من بين أبوين أسودين فكذلك الولد الأسود قد يتولد من بين أبوين أبيضين وإن ما جوز به من سبب ذلك في الإبل هو بعينه قائم في بنى آدم. فهذا من أصح المناظرات والإرشاد إلى اعتبار ما يجب من الأوصاف وإلغاء ما يجب إلغاؤه منها وإن حكم الشيء حكم نظيره وإن العلل والمعاني حق شرعا وقدرا. فصل: وإذا تأملت القرآن وتدبرته وأعرته فكرا وافيا اطلعت فيه من أسرار المناظرات وتقرير الحجج الصحيحة وإبطال الشبه الفاسدة وذكر النقض والفرق والمعارضة والمنع على ما يشفي ويكفي لمن بصره الله وأنعم عليه بفهم كتابه فمن ذلك قوله تعالى: وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون فهذه مناظرة جرت بين المؤمنين والمنافقين فقال لهم المؤمنون: لا تفسدوا في الأرض فأجابهم المنافقون بقولهم: إنما نحن مصلحون فكأن المناظرة انقطعت بين الفريقين ومنع المنافقون ما ادعى عليهم أهل الإيمان من كونهم مفسدين وأن ما نسبوهم إليه إنما هو صلاح لا فساد فحكم العزيز الحكيم بين الفريقين بأن سجل على المنافقين أربع إسجالات: أحدها: تكذيبهم. والثاني الإخبار بأنهم مفسدون. والثالث: حصر الفساد فيهم بقوله: هم المفسدون . والرابع: وصفهم بغاية الجهل وهو أنه لا شعور لهم البتة بكونهم(4\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "904",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7119",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مفسدين. وتأمل كيف نفى الشعور عنهم في هذا الموضع ثم نفى العلم في قولهم: أنؤمن كما آمن السفهاء فقال: ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون فنفى علمهم بسفههم وشعورهم بفسادهم وهذا أبلغ ما يكون من الذم والتجهيل أن يكون الرجل مفسدا ولا شعور له بفساده البتة مع أن أثر فساده مشهور في الخارج مرئي لعباد الله وهو لا يشعر به وهذا يدل على استحكام الفساد في مداركه وطرق علمه وكذلك كونه سفيها والسفه غاية الجهل وهو مركب من عدم العلم بما يصلح معاشه ومعاده وإرادته بخلافه فإذا كان بهذه المنزلة وهو لا يعلم بحاله كان من أشقى النوع الإنساني فنفي العلم عنه بالسفه الذي هو فيه متضمن لإثبات جهله ونفى الشعور عنه بالفساد الواقع منه متضمن لفساد آلات إدراكه فتضمنت الآيتان الإسجال عليهم بالجهل وفساد آلات الإدراك بحيث يعتقدون الفساد صلاحا والشر خيرا. وكذلك المناظرة الثانية معهم أيضا فإن المؤمنين قالوا لهم: آمنوا كما آمن الناس فأجابهم المنافقون بقولهم: أنؤمن كما آمن السفهاء وتقرير المناظرة من الجانبين أن المؤمنين دعوهم إلى الإيمان الصادر من العقلاء بالله ورسوله وأن العاقل يتعين عليه الدخول فيما دخل فيه العقلاء الناصحون لأنفسهم ولا سيما إذا قامت أدلته وصحت شواهده فأجابهم المنافقون بما مضمونه أنا إنما يجب علينا موافقة العقلاء وأما السفهاء الذي لا عقل لهم يميزون به بين النافع والضار فلا يجب علينا موافقتهم فرد الله تعالى عليهم وحكم للمؤمنين وأسجل على المنافقين بأربعة أنواع: أحدها: تسفيههم. الثاني: حصر السفه فيهم. الثالث: نفي العلم عنهم. الرابع: تكذيبهم فيما تضمنه جوابهم من دعواهم التنزيه من السفه ومن ذلك قوله تعالى: يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون إلى قوله تعالى: فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت(4\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "905",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7120",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للكافرين فهذا استدلال في غاية الظهور ونهاية البيان على جميع مطالب أصول الدين من إثبات الصانع وصفات كماله من قدرته وعلمه وإرادته وحياته وحكمته وأفعاله وحدوث العالم وإثبات نوعى توحيده تعالى توحيد الربوبية المتضمن أنه وحده الرب الخالق الفاطر وتوحيد الإلهية المتضمن أنه وحده الإله المعبود المحبوب الذي لا تصلح العبادة والذل والخضوع والحب إلا له ثم قرر تعالى بعد ذلك إثبات نبوة رسوله محمد أبلغ تقرير وأحسنه وأتمه وأبعده عن المعارض فثبت بذلك صدق رسوله في كل ما يقوله وقد أخبر عن المعاد والجنة والنار فثبت صحة ذلك ضرورة. فقررت هذه الآيات هذه المطالب كلها على أحسن وجه فصدرها تعالى بقوله: يا أيها الناس وهذا خطاب لجميع بني آدم يشتركون كلهم في تعلقه بهم ثم قال: اعبدوا ربكم فأمرهم بعبادة ربهم وفي ضمن هذه الكلمة البرهان القطعي على وجوب عبادته لأنه إذا كان ربنا الذي يربينا بنعمة وإحسانه وهو مالك ذواتنا ورقابنا وأنفسنا وكل ذرة من العبد فمملوكه له ملكا خالصا حقيقيا وقد رباه بإحسانه إليه وإنعامه عليه عبادته له وشكره إياه واجب عليه ولهذا قال: اعبدوا ربكم ولم يقل إلهكم والرب هو السيد والمالك والمنعم والمربي والمصلح والله تعالى هو الرب بهذه الاعتبارات كلها فلا شيء أوجب في العقول والفطر من عبادة من هذا شأنه وحده لا شريك له. ثم قال: الذي خلقكم فنبه بهذا أيضا على وجوب عبادته وحده وهو كونه أخرجهم من العدم إلى الوجود وأنشأهم واخترعهم وحده بلا شريك باعترافهم وإقرارهم كما قال في غير موضع من القرآن ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله فإذا كان هو وحده الخالق فكيف لا يكون وحده المعبود وكيف يجعلون معه شريكا في العبادة وأنتم مقرون بأنه لا شريك له في الخلق. وهذه طريقة القرآن يستدل بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية ثم قال: والذين من قبلكم فنبه بذلك على أنه وحده الخالق لكم ولآبائكم ومن تقدمكم وإنه لم يشركه أحد في خلق من قبلكم ولا في خلقكم وخلقه تعالى لهم(4\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "906",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7121",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "متضمن لكمال قدرته وإرادته وعلمه وحكمته وحياته وذلك يستلزم لسائر صفات كماله ونعوت جلاله فتضمن ذلك إثبات صفاته وأفعاله ووحدانيته في صفاته فلا شبيه له فيها ولا في أفعاله فلا شريك له فيها ثم ذكر المطلوب من خلقهم وهو أن يتقوه فيطيعونه ولا يعصونه ويذكرونه فلا ينسونه ويشكرونه ولا يكفرونه فهذه حقيقة تقواه وقوله تعالى: لعلكم تتقون قيل إنه تعليل للأمر وقيل تعليل للخلق وقيل المعنى اعبدوه لتتقوه بعبادته وقيل المعنى خلقكم لتتقوه وهو أظهر لوجوه: أحدها: أن التقوى هي العبادة والشيء لا يكون علة لنفسه. الثاني: أن نظيره قوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون . الثالث: أن الخلق أقرب في اللفظ إلى قوله: لعلكم تتقون من الأمر. ولمن نصر الأول أن يقول لا يمتنع أن يكون قوله لعلكم تتقون تعليلا للأمر بالعبادة ونظيره قوله تعالى: كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون فهذا تعليل لكتب الصيام ولا يمتنع أن يكون تعليلا للأمرين معا وهذا هو الأليق بالآية والله أعلم. ثم قال تعالى: الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فذكر تعالى دليلا آخر متضمنا للاستدلال بحكمته في مخلوقاته فالأول متضمن لأصل الخلق والإيجاد ويسمى دليل الاختراع والإنشاء والثاني متضمن للحكم المشهودة في خلقه ويسمى دليل العناية والحكمة وهو تعالى كثيرا ما يكرر هذين النوعين من الاستدلال في القرآن ونظيره قوله تعالى: الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار فذكر خلق السموات والأرض ثم ذكر منافع المخلوقات وحكمها ونظيره قوله تعالى: أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون أمن جعل الأرض(4\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "907",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7122",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا إلى آخر الآيات على أن في هذه الآيات من الأسرار والحكم بما بحسب عقول العالمين أن يفهموه ويدركوه ولعله أن يمر بك إن شاء الله التنبيه على رائحة يسيرة من ذلك. ونظير ذلك أيضا قوله تعالى: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون وهذا كثير في القرآن لمن تأمله. وذكر سبحانه في سورة البقرة قرار العالم وهو الأرض وسقفه وهو السماء وأصول منافع العباد وهو الماء الذي انزله من السماء فذكر المسكن والساكن وما يحتاج إليه من مصالحه ونبه تعالى بجعله للأرض فراشا على تمام حكمته في أن هيأها لاستقرار الحيوان عليها فجعلها فراشا ومهادا وبساطا وقرارا وجعل سقفها بناء محكما مستويا لا فطور فيه ولا تفاوت ولا عيب ثم قال: فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون فتأمل هذه النتيجة وشدة لزومها لتلك المقدمات قبلها وظفر العقل بها بأول وهلة وخلوصها من كل شبهة وريبة وقادح وإن كل متكلم ومستدل ومحاج إذا بالغ في تقرير ما يقرره وأطاله وأعرض القول فيه فغايته إن صح ما يذكره أن ينتهي إلي بعض ما في القرآن فتأمل ما تحت هذه الألفاظ من البرهان الشافي في التوحيد أي إذا كان الله وحده هو الذي فعل هذه الأفعال فكيف يجعلون له أندادا وقد علمتم أنه لا ند له يشاركه في فعله إعجاز القرآن في بلاغته. فلما قرر نوعي التوحيد انتقل إلى النبوة فقال: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين إن حصل لكم ريب في القرآن الكريم وصدق من جاء به وقلتم إنه مفتعل فأتوا بسورة واحدة تشبهه وهذا خطاب لأهل الأرض أجمعهم ومن المحال أن يأت واحد منهم بكلام يفتعله ويختلقه من تلقاء نفسه ثم يطالب أهل الأرض بجمعهم أن يعارضوه في أيسر جزء منه(4\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "908",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7123",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكون مقداره ثلاث آيات من عدة ألوف ثم تعجز الخلائق كلهم عن ذلك حتى أن الذين راموا معارضته كان ما عارضوه من أقوى الأدلة على صدقه فإنهم أتوا بشيء يستحي العقلاء من سماعه ويحكمون بسماجته وقبح ركاكته وخسته فهو كمن أظهر طيبا لم يشم احد مثل ريحه قط وتحدى الخلائق ملوكهم وسوقتهم بأن يأتوا بذرة طيب مثله فاستحى العقلاء وعرفوا عجزهم وجاء الحمقاء بعذرة منتنة خبيثة وقالوا قد جئنا بمثل ما جئت به فهل يزيد هذا ما جاء به إلا قوة وبرهانا وعظمة وجلالة وأكد تعالى هذا التوبيخ والتقريع والتعجيز بأن قال: وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين كما يقول المعجز لمن يدعى مقاومته أجهد علي بكل من تقدر عليه من أصحابك وأعوانك وأوليائك ولا تبق منهم أحدا حتى تستعين به فهذا لا يقدم عليه إلا أجهل العالم وأحمقه وأسخفه عقلا إن كان غير إن كان غير واثق بصحة ما يدعيه أو أكملهم وأفضلهم وأصدقهم وأوثقهم بما يقوله والنبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية وأمثالها على أصناف الخلائق أميهم وكتابيهم وعربهم وعجمهم ويقول لن تستطيعوا ذلك ولن تفعلوه أبدا فيعدلون معه إلى الحرب والرضى بقتل ألأحباب فلو قدروا على الإتيان بسورة واحدة لم يعدلوا عنها إلى اختيار المحاربة وأيتام الأولاد وقتل النفوس والإقرار بالعجز عن معارضته. وتقرير النبوة بهذه الآية وجوه متعددة: هذا أحدها. وثانيها: إقدامه هذا الأمر وإسجاله على الخلائق إسجالا عاما إلى يوم القيامة أنهم لن يفعلوا ذلك أبدا فهذا لا يقدم عليه ويخبر به إلا عن علم لا يخالجه شك مستند إلى وحي من الله تعالى وإلا فعلم البشر وقدرته يضعفان عن ذلك. وثالثها: النظر إلى نفس ما تحدى به وما اشتمل عليه من الأمور التي تعجز قوى البشر على الإتيان بمثله الذي فصاحته ونظمه وبلاغته فرد من أفراد إعجازه. وهذا الوجه يكون معجزة لمن سمعه وتأمله وفهمه وبالوجهين الأولين يكون معجزة لكل من بلغة خبره ولو لم يفهمه ولم يتأمله فتأمل هذا الموضع من إعجاز القرآن تعرف فيه قصور كثير من المتكلمين وتقصيرهم في بيان إعجازه وأنهم(4\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "909",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7124",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لن يوفوه عشر معشار حقه حتى قصر بعضهم الإعجاز على صرف الدواعي عن معارضته مع القدرة عليها وبعضهم قصر الإعجاز على مجرد فصاحته وبلاغته وبعضهم على مخالفة أسلوب نظمه لأساليب نظم الكلام وبعضهم على ما اشتمل عليه من الإخبار بالغيوب إلى غير ذلك من الأقوال القاصرة التي لا تشفي ولا تجدي وإعجازه فوق ذلك ووراء ذلك كله فإذا ثبتت النبوة بهذه الحجة القاطعة فقد وجب على الناس تصديق الرسول في خبره وطاعة أمره وقد أخبر عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وعن المعاد والجنة والنار فثبت صحة ذلك يقينا فقال تعالى: فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار الآية فاشتملت الآيات على تقرير مهمات أصول الدين من إثبات خالق العالم وصفاته ووحدانيته ورسالة رسوله والمعاد الأكبر ومن ذلك قوله تعالى: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها الآية وهذا جواب اعتراض اعترض به الكفار على القرآن وقالوا إن الرب أعظم من أن يذكر الذباب والعنكبوت ونحوها من الحيوانات الخسيسة فلو كان ما جاء به محمد كلام الله لم يذكر فيه الحيوانات الخسيسة فأجابهم الله تعالى بأن قال: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فإن ضرب الأمثال بالبعوضة فما فوقها إذا تضمن تحقيق الحق وإيضاحه وإبطال الباطل وإدحاضه كان من أحسن الأشياء والحسن لا يستحيا منه فهذا جواب الاعتراض فكأن معترضا اعترض على هذا الجواب أو طلب حكمه ذلك فأخبر تعالى عما له في ضرب تلك الأمثال من الحكمة وهي إضلال من شاء وهداية من شاء ثم كأن سائلا سأل عن حكمة الإضلال لمن يضله بذلك فأخبر تعالى عن حكمته وعدله وأنه إنما يضل به الفاسقين: الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض فكانت أعمالهم هذه القبيحة التي ارتكبوها سببا لأن أضلهم وأعماهم عن الهدى. ومن ذلك قوله تعالى: كيف(4\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "910",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7125",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون فهذا استدلال قاطع على أن الإيمان بالله تعالى أمر مستقر في الفطر والعقول وأنه لا عذر لأحد في الكفر به البتة. فذكر تعالى أربعة أمور ثلاثة منها مشهودة في هذا العالم والرابع منتظر موعود به وعد الحق: الأول: كونهم كانوا أمواتا لا أرواح فيهم بل نطفا وعلقا ومضغة مواتا لا حياة فيها. الثاني: أنه تعالى أحياهم بعد هذه الإماتة. الثالث: أنه تعالى يميتهم بعد هذه الحياة. الرابع: أنه يحييهم بعد هذه الإماتة فيرجعون إليه فما بال العاقل يشهد الثلاثة الأطوار الأول ويكذب بالرابع وهل الرابع إلا طور من أطوار التخليق فالذي أحياكم بعد أن كنتم مواتا ثم أماتكم بعد أن أحياكم ما الذي يعجزه عن إحيائكم بعد ما يميتكم وهل إنكاركم ذلك إلا كفر مجرد بالله تعالى فكيف يقع منكم بعد ما شاهدتموه ففي ضمن هذه الآية الاستدلال على وجود الخالق وصفاته وأفعاله على المعاد ومن ذلك قوله تعالى: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون فهذه كالمناظرة من الملائكة والجواب عن سؤالهم كأنهم قالوا إن استخلفت في الأرض خليفة كان منه الفساد وسفك الدماء وحكمتك تقتضي أن لا تفعل ذلك وإن جعلت فيها فتجعل فيها من يسبح بحمدك ويقدس لك ونحن نفعل ذلك فأجابهم تعالى عن هذا السؤال بأن له من الحكمة في جعل هذا الخليفة في الأرض ما لا تعلمه الملائكة وإن وراء ما زعمتم من الفساد مصالح وحكما لا تعلمونها أنتم وقد ذكرنا منها قريبا من أربعين حكمة في كتاب التحفة المكية فاستخرج تعالى من هذا الخليفة(4\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "911",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7126",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذريته الأنبياء والرسل والأولياء والمؤمنين وعمر بهم الجنة وميز الخبيث من ذريته من الطيب فعمر بهم النار. وكان في ضمن ذلك من الحكم والمصالح ما لم يكن للملائكة تعلمه ثم إنه سبحانه أظهر فضل الخليفة عليهم بما خص به من العلم الذي لم تعلمه الملائكة وأمرهم بالسجود له تكريما له وتعظيما له وإظهار لفضله. وفي ضمن ذلك من الحكم ما لا يعلمه إلا الله فمنها امتحانهم بالسجود لمن زعموا أنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء فأسجدهم له وأظهر فضله عليهم لما أثنوا على أنفسهم وذموا الخليفة كما فعل سبحانه ذلك بموسى لما أخبر عن نفسه أنه أعلم أهل الأرض فامتحنه بالخضر وعجزه معه في تلك الوقائع الثلاث وهذه سنته تعالى في خليقته وهو الحكيم العليم. ومنها خبره لهذا الخليفة وابتداؤه له بالإكرام والإنعام لما علم مما يحصل له من الانكسار والمصيبة والمحنة فابتدأه بالجبر والفضل ثم جاءت المحنة والبلية والذل وكانت عاقبتها إلى الخبر والفضل والإحسان فكانت المصيبة التي لحقته محفوفة بإنعامين إنعام قبلها وبعدها ولذريته المؤمنين نصيب مما لأبيهم فإن الله تعالى أنعم عليهم بالإيمان ابتداء وجعل العاقبة لهم فما أصابهم بين ذلك من الذنوب والمصائب فهي محفوفة بإنعام قبلها وإنعام بعدها فتبارك الله رب العالمين. ومنها استخراجه تعالى ما كان كامنا في نفس عدوه إبليس من الكبر والمعصية الذي ظهر عند أمره بالسجود فاستحق اللعنة والطرد والإبعاد على ما كان كامنا في نفسه عند إظهاره والله تعالى كان يعلم منه ولم يكن ليعاقبه ويلعنه على علمه فيها بل على وقوع معلومة فكان أمره بالسجود له مع الملائكة مظهرا للخبث والكفر الذي كان كامنا فيه ولم تكن الملائكة تعلمه فأظهر لهم سبحانه ما كان يعلمه وكان خافيا عنهم من أمره فكان في الأمر بالسجود له تكريما لخليفته الذي أخبرهم بجعله في الأرض وجبرا له وتأديبا للملائكة وإظهارا لما كان مستخفيا في نفس إبليس وكان ذلك سببا لتمييز الخبيث من الطيب وهذا من بعض حكمه تعالى في إسجادهم لآدم ثم إنه سبحانه لما(4\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "912",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7127",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "علم أدم ما علمه ثم امتحن الملائكة بعلمه فلم يعلموه فأنبأهم به آدم وكان في طي ذلك جوابا لهم عن كون هذا الخليفة لا فائدة في جعله في الأرض فإنه يفسد فيها ويسفك الدماء فأراهم من فضله وعلمه خلاف ما كان في ظنهم فصل مناظرة إبليس في آدم. في ذكر مناظرة إبليس عدو الله في شأن آدم وإنائه من السجود له وبيان فسادها وقد كرر الله تعالى ذكرها في كتابه وأخبر فيها أن امتناع إبليس من السجود كان كبرا منه وكفرا ومجرد إباء وإنما ذكر الشبهة تعنتا وإلا فسبب معصيته الاستكبار والإباء والكفر وإلا فليس في أمره بالسجود لآدم ما يناقض الحكمة بوجه وأما شبهته الداحضة وهي أن أصله وعنصره النار وأصل آدم وعنصره التراب ورتب علي ذلك أنه خير من آدم ثم رتب على هاتين المقدمين أنه لا يحسن منه الخضوع لمن هو فوقه وخير منه فهي باطلة من وجوه عديدة منها أن دعواه كونه خيرا من آدم دعوى كاذبة باطلة واستدلاله عليها بكونه مخلوقا من نار وآدم من طين استدلال باطل وليست النار خيرا من الطين والتراب بل التراب خير من النار وأفضل عنصرا من وجوه: أحدها: أن النار طبعها الفساد وإتلاف ما تعلقت به بخلاف التراب. الثاني: أن طبعها الخفة والحدة والطيش والتراب طبعه الرزانة والسكون والثبات الثالث: أن التراب يتكون فيه ومنه أرزاق الحيوان وأقواتهم ولباس العباد وزينتهم والآت معايشهم ومساكنهم والنار لا يتكون فيها شيء من ذلك الرابع: أن التراب ضروري للحيوان لا يستغني عنه البتة ولا عن ما يتكون فيه ومنه والنار يستغني عنها الحيوان البهيم مطلقا وقد يستغنى عنها الإنسان الأيام والشهور فلا تدعوه إليها الضرورة فأين انتفاع الحيوان كله بالتراب إلى انتفاع الإنسان بالنار في بعض(4\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "913",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7128",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأحيان. الخامس: أن التراب إذا وضع فيه القوت أخرجه أضعاف أضعاف ما وضع فيه فمن بركته يؤدي إليك ما تستودعه فيه مضاعفا ولو استودعته النار لخانتك وأكلته ولم تبق ولم نذر. السادس: أن النار لا تقوم بنفسها بل هي مفتقرة إلى محل تقوم به فيكون حاملا لها والتراب لا يفتقر إلى حامل فالتراب أكمل منها السابع: أن النار مفتقرة إلى التراب وليس بالتراب فقر إليها فإن المحمل الذي تقوم به النار لا يكون إلا مكونا من التراب أو فيه فهي الفقيرة إلى التراب وهو الغني عنها الثامن: أن المادة الإبليسية هي المارج من النار وهو ضعيف يتلاعب به الهوى فيميل معه كيفما مال ولهذا غلب الهوى على المخلوق منه فأسره وقهره ولما كانت المادة الآدمية التراب وهو قوي لا يذهب مع الهوى أينما ذهب وقهر هواه وأسره ورجع إلى ربه فاجتباه واصطفاه فكان الهوى الذي مع المادة الآدمية عارضا سريع الزوال فزال وكان الثبات والرزانة أصليا له فعاد إليه وكان إبليس بالعكس من ذلك فرجع كل من الأبوين إلى أصله وعنصر آدم إلي أصله الطيب الشريف واللعين إلى أصله الردىء. التاسع: أن النار وإن حصل بها بعض المنفعة والمتاع فالشر فيها لا يصدها عنه إلا قسرها وحبسها ولولا القاسر والحابس لها لأفسدت الحرث والنسل وأما التراب فالخير والبر والبركة كامن فيه كلما أثير وقلب ظهرت بركته وخيره وثمرته فأين أحدهما من الآخر. العاشر: أن الله تعالى أكثر ذكر الأرض في كتابه وأخبر عن منافعها وخلقها وأنه جعلها مهادا وفراشا وبساطا وقرارا وكفاتا للأحياء والأموات ودعا عباده إلى التفكر فيها والنظر في آياتها وعجائب ما أودع فيها ولم يذكر النار إلا في معرض العقوبة والتخويف والعذاب إلا موضعا أو موضعين ذكرها فيه بأنها تذكرة ومتاع للمقوين تذكرة بنار الآخرة ومتاع لبعض أفراد الإنسان وهم المقوون النازلون بالأرض الخالية إذا نزلها المسافر تمتع بالنار في منزلة فأين هذا من أوصاف الأرض في القرآن. الحادي عشر: أن الله تعالى وصف الأرض بالبركة في غير موضع من كتابه خصوصا وأخبر أنه بارك فيها عموما فقال: أإنكم(4\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "914",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7129",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين فهذه بركة عامة وأما البركة الخاصة ببعضها فكقوله: ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين وقوله: وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقوله: ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وأما النار فلم يخبر أنه جعل فيها بركة أصلا بل المشهور أنها مذهبة للبركة ما حقه لها فأين المبارك في نفسه المبارك فيما وضع فيه إلى مزيل البركة وما حقها. الثاني عشر: أن الله تعالى جعل الأرض محل بيوته التي يذكر فيها اسمه ويسبح له فيها بالغدو والآصال عموما وبيته الحرام الذي جعله قياما للناس مباركا فيه وهدى للعالمين خصوصا ولو لم يكن في الأرض إلا بيته الحرام لكفاها ذلك شرفا وفضلا على النار. الثالث عشر: أن الله تعالى أودع في الأرض من المنافع والمعادن والأنهار والعيون والثمرات والحبوب والأقوات وأصناف الحيوانات وأمتعتها والجبال والجنان والرياض والمراكب البهية والصور البهيجة ما لم يودع في النار شيئا منه فأي روضة وجدث في النار أو جنة أو معدن أو صورة أو عين فوارة أو نهر مطرد أو ثمرة لذيذة أو زوجة حسنة أو لباس وسترة. الرابع عشر: أن غاية النار أنها وضعت خادمة لما في الأرض فالنار إنما محلها محل الخادم لهذه الأشياء المكمل لها فهي تابعة لها خادمة فقط إذا استغنت عنها طردتها وأبعدتها عن قربها وإذا احتاجت إليها استدعتها استدعاء المخدوم لخادمة ومن يقضي حوائجه. الخامس عشر: أن اللعين لقصور نظره وضعف بصيرته رأى صورة الطين ترابا ممتزجا بماء فاحتقره ولم يعلم أن الطين مركب من أصلين الماء الذي جعل الله تعالى منه كل شيء حي والتراب الذي جعله خزانة المنافع والنعم هذا وكم يجىء من الطين من المنافع وأنواع الأمتعة فلو تجاوز نظره صورة الطين إلى مادته ونهايته لرأى أنه خير من النار وأفضل وإذا استقريت الوجوه التي تدلك على أن التراب أفضل من النار وخير(4\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "915",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7130",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منها وجدتها كثيرة جدا وإنما أشرنا إليها إشارة ثم لو سلم بطريق الفرض الباطل أن النار خير من الطين لم يلزمه من ذلك أن يكون المخلوق منها خيرا من المخلوق من الطين فإن القادر على كل شيء يخلق من المادة المفضولة من هو خير ممن خلقه من المادة الفاضلة والاعتبار بكمال النهاية لا ينقص المادة فاللعين لم يتجاوز نظره محل المادة ولم يعبر منها إلى كمال الصورة ونهاية الخلقة فأين الماء المهين الذي هو نطفة ومضغة واستقذار النفوس له إلى كمال الصورة الإنسانية التامة المحاسن خلقا وخلقا وقد خلق الله تعالى الملائكة من نور وآدم من تراب ومنه ذرية آدم من هو خير من الملائكة وإن كان النور أفضل من التراب فهذا وأمثاله مما يدلك على ضعف مناظرة اللعين وفساد نظره وإدراكه وأن الحكمة كانت توجب عليه خضوعه لآدم فعارض حكمه الله وأمره برأيه الباطل ونظره الفاسد فقياسه باطل نصا وعقلا وكل من عارض نصوص الأنبياء بقياسه ورأيه فهو من خلفائه وأتباعه فنعوذ بالله من الخذلان ونسأله التوفيق والعصمة من هذا البلاء الذي ما رمي العبد بشر منه ولأن يلقي الله بذنوب الخلائق كلها ما خلا الإشراك به أسلم له من أن يلقي الله وقد عارض نصوص أنبيائه برأيه ورأي بنى جنسه وهل طرد الله تعالى إبليس ولعنه وأحل عليه سخطه وغضبه إلا حيث عارض النص بالرأي والقياس ثم قدمه عليه والله يعلم أن شبه عدو الله مع كونها داحضة باطلة أقوى من كثير من شبه المعارضين لنصوص الأنبياء بآرائهم وعقولهم فالعالم يتدبر سر تكرير الله تعالى لهذه القصة مرة بعد مرة وليحذر أن يكون له نصيب من هذا الرأي والقياس وهو لا يشعر فقد أقسم عدو الله أنه ليغوين بنى آدم أجمعين إلا المخلصين منهم وصدق تعالى ظنه عليهم وأخبر أن المخلصين لا سبيل له عليهم والمخلصون هم الذين أخلصوا العبادة والمحبة والإجلال والطاعة لله والمتابعة والانقياد لنصوص الأنبياء فيجرد عبادة الله عن عبادة ما سواه ويجرد متابعة رسوله وترك ما خالفه لقوله دون متابعة غيره فليزن العاقل نفسه بهذا الميزان قبل أن يوزن يوم القدوم(4\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "916",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7131",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على الله والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى. فصل: ومن ذلك قوله تعالى: وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون فهذا مطالبته لهم بتصحيح دعواهم وترديد لهذه المطالبة بين أمرين لا بد من واحد منهما وقد تعين بطلان أحدهما فلزم ثبوت الآخر فإن قولهم: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة خبر عن غيب لا يعلم إلا بالوحي فإما أن يكون قولا على الله بلا علم فيكون كاذبا وإما أن يكون مستندا إلى وحي من الله وعهد عهده إلى المخبر وهذا منتف قطعا فتعين أن يكون خبرا كاذبا قائله كاذب على الله تعالى. فصل: ومن ذلك قوله تعالى: وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فهذه حجة من الله احتج بها على أهل الكتاب فإنه كان قد أخذ عليهم الميثاق أن لا يقتل بعضهم بعضا ولا يجليه عن دياره وأن يفدي بعضهم بعضا من الأسر فهذه ثلاث عهود خالفوا منها عهدين وأخذوا بالثالث فقتل بعضهم بعضا وأخرجه من دياره ثم فادوا أسراهم لأن الله أمرهم بذلك فإن كنتم قد فاديتم الأسارى لأن الله أمركم بفدائهم فلم قتلتم بعضكم بعضا وأخرجتموهم(4\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "917",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7132",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من ديارهم والله وقد نهاكم عن ذلك والأخذ ببعض الكتاب يوجب عليكم الأخذ بجميعه فكيف تكفرون ببعض الكتاب وتؤمنون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما يعملون. فصل: ومن ذلك قوله تعالى: أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون فهذا هو الذي تسميه النظار والفقهاء التشهي والتحكم فيقول أحدهم لصاحبه لا حجة لك على ما ادعيت سوى التشهي والتحكم الباطل فإن جاءك ما لا تشتهيه دفعته ورددته وإن كان القول موافقا لما تهواه وتشتهيه إما من تقليد من تعظمه أو موافقة ما تريده قبله وأجزته فترد ما خالف هواك وتقبل ما وافق هواك وهذا الاحتجاج والذي قبله مفحمان للخصم لا جواب له وعليهما البتة فإن الأخذ ببعض الكتاب يوجب الأخذ بجميعه والتزام بعض شرائعه يوجب التزام جميعها ولا تجوز أن تكون الشرائع تابعة للشهوات إذ لو كان الشرع تابعا للهوى والشهوة لكان في الطباع ما يغني عنه وكانت شهوة كل أحد وهواه شرعا له ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن. فصل: ومن ذلك قوله تعالى: ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين فهذه حجة أخرى على اليهود في تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم(4\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "918",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7133",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنهم كانوا يحاربون جيرانهم من العرب في الجاهلية ويستنصرون عليهم بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل ظهوره فيفتح لهم وينصرون فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم كفروا به وجحدوا نبوته فاستفتاحهم به وجحد نبوته مما لا يجتمعان فإن كان استفتاحهم به لأنه نبي كان جحد نبوته محالا وإن كان جحد نبوته كما يزعمون حقا كان استفتاحهم به باطلا فإن كان استفتاحهم به حقا فنبوته حق وإن كانت نبوته كما يقولون باطلا فاستفتاحهم به باطل وهذا مما لا جواب لأعدائه عنه البتة ويمكن تقريرها على صورة عديدة: منها: أن يقال قد أقررتم قبل ظهوره باستفتاحكم به فتعين عليكم الإقرار بها بعد ظهوره الثانية: أن يقال كنتم تستفتحون به وذلك إقرار منكم بنبوته قبل ظهوره استناد إلى ما عندكم من العلم بظهوره فلما شاهدتموه وصار المعلوم معاينا بالرؤية فالتصديق به حينئذ يكون أولى فكفرتم به عند كمال المعرفة وآمنتم به حين كانت غيبا لم تكمل فآمنتم به على تقدير وجوده وكفرتم به عند تحقق وجوده فأي تناقض وعناد أبلغ من هذا. الثالثة: أن يقال إيمانكم به لازم لاستفتاحكم به ووجود الملزوم بدون لازمه محال الرابعة: أن يقال استفتاحكم به هل كان عن دليل أولا عن دليل فلا بد أن يقولوا كان عن دليل وحينئذ يجب طرد الدليل والقول بموجبه حيث وجد فأما أن يقال بموجبه في موضع ويجحد موجبه في موضع أقوى منه فمن أبطل الباطل. الخامسة: أن يقال إن كان الاستفتاح به تصديقا للنبي الذي أخبر بظهوره وقامت البراهين على صدقه فالإيمان به متعين تصديقا للنبي الأول أيضا وإن كان ترك الإيمان قبل ظهوره تكذيبا للنبي الأول فترك الإيمان به بعد ظهوره أشد تكذيبا فأنتم في كفركم به مكذبون للنبي الأول والثاني وهذا من أحسن الوجوه. السادسة: أن يقال إن كان الاستفتاح به حقا لما ظهر على يد النبي صلى الله عليه وسلم المبشر به من المعجزات فالإيمان به عند ظهوره يكون أقوى لانضمام المعجزات التي ظهرت على يده وهي تستلزم لصدقه إلى المعجزات التي ظهرت على يد النبي صلى الله عليه وسلم المبشر به فقويت أدلة الصدق وتظافرت براهينه. السابع: أن يقال أحد الأمرين لازم(4\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "919",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7134",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا بد إما خطؤكم في استفتاحكم به وإما في كفركم وتكذيبكم به فإنهما لا يمكن اجتماعهما فأيهما كان خطأ كان الآخر صوابا لكن استفتاحكم به مستند إلى الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم الأول فهو مستند إلى حق فتعين أن يكون كفرهم به هو الباطل ولا يمكن أن يقال إن التكذيب به هو الحق والاستفتاح به كان باطلا لأنه يستلزم تكذيب من أقررتم بصدقة ولا بد. الثامنة: أن يقال التصديق به قبل ظهوره من لوازم التصديق بالنبي صلى الله عليه وسلم الأول والتكذيب به حينئذ كفر فالتصديق به بعد ظهوره كذلك وإن كان تكذيب به قبل ظهوره مستلزما للكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم الأول فهو بعد ظهوره أشد استلزاما فلا يجتمع التكذيب به والإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم الأول أبدا لا قبل ظهوره ولا بعده أما قبل ظهوره فباعترافكم وإما بعد ظهوره فلأن دلالة صدقه حينئذ أظهر وأقوى كما تقدم بيانه. التاسعة: أن يقال الاستفتاح به تصديق وإقرار بنبوته وتكذيبه جحد وكفر بها والإيمان والتصديق برسالة الرجل الواحد والتكذيب والجحد بها مستلزم للكفر ولا بد فإنه يستلزم أحد الأمرين إما التصديق بنبوة من ليس بنبي وإما جحد نبوة من هو نبي وأيهما كان فهو كفر وقد أقررتم على أنفسكم بالكفر ولا بد فلعنه الله على الكافرين. العاشرة: تقرير الاستدلال بطريقة استسلاف المقدمات المؤاخذة بالاعتراف فيقال لهم ألستم كنتم تستفتحون به فيقولون بلى فيقال أليس الاستفتاح به إيمان به فلا بد من الاعتراف بذلك فيقال أفليس ظهور من كنتم تؤمنون به قبل وجوده موجبا عليكم الإيمان به فلا بد من الاعتراف أو العناد الصريح وليس لأعداء الله على هذا الوجوه اعتراض البتة سوى أن قالوا هذا كله حق ولكن ليس هذا الموجود بالذي كنا نستفتح به وهذا من أعظم البهت والعناد وإن الصفات والعلامات التي فيه طابقت ما كانت عندهم مطابقة المعلوم لعلمه فإنكار أن يكون هو إنما يكون جحدا للحق وإنكارا له باللسان والقلب يعرفه ولهذا قال تعالى: فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين فأغني عن هذه الوجوه والتقريرات كلها قوله تعالى: ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم(4\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "920",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7135",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين والمادة الحق يمكن إبرازها في الصورة المتعددة وفي أي قالب أفرغت وصورة أبرزت ظهرت صحيحة وهذا شأن مواد براهين القرآن في أي صورة أبرزتها ظهرت في غاية الصحة والبيان والحمد لله المان بالهدى على عباده المؤمنين. فصل: وتأمل قوله تعالى في هذه الآية: ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم كيف تجد تحته برهانا عظيما على صدقه وهو مجيء الرسول الثاني بما يطابق ما جاء به الرسول الأول ويصدقه مع تباعد زمانها وشهادة أعدائه وإقرارهم له بأنه لم يتلقه من بشر ولهذا كانوا يمتحنونه بأشياء يعلمون أنه لا يخبر بها إلا بني أو من أخذ عنه وهم يعلمون أنه لم يأخذ عن أحد البتة ولو كان ذلك لوجد أعداؤه السبيل إلى الطعن عليه ولعارضوه بمثل ما جاء به إذ من الممكن أن لو كان ما جاء به مأخوذا عن بشر أن يأخذوهم عن ملك أو عن نظيره فيعارضوا ما جاء به والمقصود أن مطابقة ما جاء به لما أخبر به الرسول الأول من غير مواطأة ولا تشاعر ولا تلقي منه ولا ممن أخذ عنه دليل قاطع على صدق الرسولين معا. ونظير هذا أن يشهد رجل بشهادة فيخبر فيها بما يقطع به أنه صادق في شهادته صدقا لا يتطرق إليه شبهة فيجيء آخر من بلاد أخرى لم يجتمع بالأول ولم يتواطأ معه فيخبر بنظير تلك الشهادة سواء مع القطع بأنه لم يجتمع به ولا تلقاها عن أحد اجتمع به فهذا يكفى في صدقه إذا تجرد الأخبار فكيف إذا اقترن بأدلة يقطع بها بأنه صادق أعظم من الأدلة التي اقترنت بخبر الأول فيكفي في العلم بصدق الثاني مطابقة خبره لخبر الأول فكيف إذا بشر به الأول فكيف إذا أقترن بالثاني من البراهين الدالة على(4\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "921",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7136",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صدقة نظير ما اقترن بالأول وأقوى منها والله أعلم. فصل: ومن ذلك قوله تعالى: وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين هذه حكاية مناظرة بين الرسول وبين اليهود لما قال لهم آمنوا بما أنزل الله تعالى فأجابوه بأن قالوا نؤمن بما أنزل علينا ومرادهم بهذا التخصيص أن نؤمن بالمنزل علينا دون غيره فظهرت عليهم الحجة بقولهم هذا من وجهين دل عليهما قوله تعالى: ويكفرون بما وراءه وهو الحق إلى آخر الآية. قال إن كنتم قد آمنتم بما أنزل عليكم لأنه حق فقد وجب عليكم أن تؤمنوا بما جاء به محمد لأنه حق مصدق لما معكم وحكم الحق الإيمان به أين كان ومع من كان فلزمكم الإيمان بالحقين جميعا أو الكفر الصراح وفي وقوله: ويكفرون بما وراءه وهو الحق نكتة بديعة جدا وهي أنهم لما كفروا به وهو حق لم يكن إيمانهم بما انزل عليهم لأجل أنه حق فإذا لم يتبعوا الحق فيما أنزل عليهم ولا فيما جاء به محمد لأنهم لو آمنوا بالمنزل عليهم أنه حق لآمنوا بالحق الثاني وأعطوا الحق حقه من الإيمان ففي ضمن هذه الشهادة عليهم بأنهم لم يؤمنوا بالحق الأول ولا بالثاني وهكذا الحكم في كل من فرق الحق فآمن ببعضه وكفر ببعضه كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض وكمن آمن ببعض الأنبياء وكفر ببعض لم ينفعه إيمانه بما كفر به حتى يؤمن بالجميع. ونظير هذا التفريق من يرد آيات الصفات وأخبارها ويقبل آيات الأوامر والنواهي فإن ذلك لا ينفعه لأنه آمن ببعض الرسالة وكفر ببعض فإن كانت الشبهة التي عرضت لمن كفر ببعض الأنبياء غير نافعة له فالشبهة التي عرضت لمن رد بعض ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم أولى أن لا تكون نافعة وإن كانت هذه عذرا له فشبهة من كذب بعض الأنبياء(4\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "922",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7137",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مثلها وكما أنه لا يكون مؤمنا حتى يؤمن بجميع الأنبياء ومن كفر بنبي من الأنبياء فهو كمن كفر بعضه ورد بجميعهم فكذلك لا يكون مؤمنا حتى يؤمن بجميع ما جاء به الرسول فإذا آمن ببعضه فهو كمن كفر به كله. فتأمل هذا الموضع واعتبر به الناس على اختلاف طوائفهم يتبين لك أن أكثر من يدعى الإيمان برىء من الإيمان ولا حول ولا قوة إلا بالله. الوجه الثاني من النقض قوله: فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ووجه النقض أنكم إن زعمتم أنكم تؤمنون بما أنزل إليكم وبالأنبياء الذين بعثوا فيكم فلم قتلتموهم من قبل وفيم أنزل إليكم الإيمان بهم وتصديقهم فلا آمنتم بما انزل إليكم ولا بما أنزل على محمد ثم كأنه توقع منهم الجواب بأنا لم نقتل من ثبتت نبوته ولم نكذب به فأجيبوا على تقدير هذا الجواب الباطل منهم بأن موسى قد جاءكم بالبينات وما لا ريب في صحة نبوته ثم عبدتم بعد غيبته عنكم وأشركتم بالله وكفرتم به وقد علمتم نبوة موسى وقيام البراهين على صدقة فقال: ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون فهكذا تكون الحجج والبراهين ومناظرات الأنبياء لخصومهم ومن ذلك قوله تعالى: قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين كانوا يقولون نحن أحباء الله ولنا الدار الآخرة خالصة من دون الناس وإنما يعذب منا من عبد العجل مدة ثم يخرج من النار وذلك مدة عبادتهم له فأجابهم تبارك وتعالى عن قولهم إن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة بالمطالبة وتقسيم الأمر بين أن يكون لهم عند الله تعالى عهد عهده إليهم وبين أن يكونوا قد قالوه عليه ما لا يعلمون ولا سبيل لهم إلى ادعاء العهد فتعين الثاني وقد تقدم ثم أجابهم عن دعواهم خلوص الآخرة لهم بقوله: فتمنوا الموت إن كنتم صادقين لأن الحبيب لا يكره لقاء حبيبة والابن لا يكره لقاء أبيه لا سيما إذا علم أن كرامته ومثوبته مختصة به بل أحب شيء إليه لقاء حبيبه وأبيه فحيث لم يحب ذلك ولم يتمنه فهو كاذب في قوله مبطل في دعواه. ونظير هذا قوله(4\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "923",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7138",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في سورة المائدة ردا عليهم قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم يعني أن الأب لا يعذب ابنه والحبيب لا يعذب حبيبه. وههنا نكتة لطيفة جدا قل من ينتبه لها نحن نقررها بسؤال وجواب فإن قيل معلوم أن الأب قد يؤدب ولده إذا أذنب والحبيب قد يهجر حبيبه إذا رأى منه بعض ما يكره قيل لو تأملت أيها السائل قوله: قل فلم يعذبكم بذنوبكم لعلمت الفرق بين هذا التعذيب وبين الهجران والتأديب فإن التعذيب بالذنب ثمرة الغضب المنافي للمحبة فلو كانت المحبة قائمة كما زعموا لم يكن هناك ذنوب يستوجبون عليها العذاب من المسخ قردة وخنازير وتسلط أعدائهم عليهم يستبيحونهم يستعبدونهم ويخربون متعبداتهم ويسبون ذراريهم فالمحب لا يفعل هذا بحبيبه ولا الأب بابنه ومعلوم أن الرحمن الرحيم لا يفعل هذا بأمه إلا بعد فرط إجرامها وعتوها على الله واستكبارها عن طاعته وعبادته وذلك ينافى كونهم أحبابه فلو أحبوه لما ارتكبوا من غضبه وسخطه ما أوجب لهم ذلك ولو أحبهم لأدبهم ولم يعذبهم فالتأديب شيء والتعذيب شيء والتأديب يراد به التهذيب والرحمة والإصلاح والتعذيب للعقوبة والجزاء على القبائح فهذا لون وهذا لون وفي ضمن هذه المناظرة معجزة باهرة للنبي وهي أنه في مقام المناظرة مع الخصوم الذين هم أحرص الناس على عداوته وتكذيبه وهو يخبرهم خبرا جزما أنهم لن يتمنوا الموت أبدا ولو علموا من نفوسهم أنهم يتمونه لوجدوا طريقا إلى الرد عليه بل ذلوا وغلبوا وعلموا صحة قوله وإنما منعهم من تمنى الموت معرفته بما لهم عند الله تعالى من الخزي والعذاب الأليم بكفرهم بالأنبياء وقتلهم لهم وعداوتهم لرسول الله. فإن قيل فهلا أظهروا التمني وإن كانوا كاذبين فقالوا فنحن نتمناه قيل وهذا أيضا معجزة أخرى وهي أن الله تعالى حبس عن تمنيه قلوبهم وألسنتهم فلم ترده قلوبهم ولم تنطق به ألسنتهم تصديقا لقوله: ولن يتمنوه أبدا ومن ذلك قوله تعالى: وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم(4\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "924",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7139",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن كنتم صادقين هذه دعوى من كل واحد من الطائفتين أنه لن يدخل الجنة إلا من كان منهما فقالت اليهود لا يدخلها إلا من كان هودا وقالت النصارى لا يدخلها إلا من كان نصرانيا فاختصر الكلام أبلغ اختصار وأوجزه مع أمن اللبس ووضوح المعنى فطالبهم الله تعالى بالبرهان على صحة الدعوى فقال: قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين وهذا هو المسمى سؤال المطالبة بالدليل فمن ادعى دعوى بلا دليل يقال له هات برهانك إن كنت صادقا فيما ادعيت ويحتج بهذه الآية من يقول بلزوم النافي الدليل كما يلزم المثبت وحكوا في ذلك ثلاث مذاهب ثالثها يلزمه في الشرعيات دون العقليات واستدلالهم بالآية لا يصح لأن الله تعالى لم يطالبهم بدليل النفي المجرد بل ادعوا دعوى مضمونها إثبات دخولهم الجنة وإن غيرهم لم يدخلها فطولبوا بالدليل الدال على هذه الدعوى المركبة من النفي والإثبات وصاحب هذه الدعوى يلزمه الدليل باتفاق الناس وإنما الخلاف في النفي المجرد ولو استدل هؤلاء بقوله تعالى: وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة لكان أقرب مع كونه متضمنا للنفي والإثبات لكن الدعوى فيه إنما توجهت إلى النفي ومقصود الكلام إنا لا نعذب بعد تلك الأيام فلم ينكر عليهم اعترافهم بالتعذيب تلك الأيام بل دعواهم أنهم لا يعذبون بعدها وذلك نفي محض فلذلك قلنا إن الاستدلال بها أقرب من هذه الآية. وبعد فالتحقيق في مسألة النافي هل عليه دليل أن النفي نوعان: - نوع مستلزم لإثبات ضد المنفي فهذا يلزم النافي فيه الدليل كمن نفي الإباحة فإنه يطالب بالدليل قطعا لأن نفيها يستلزم ثبوت ضد من أضدادها ولا بد من دليل وكذلك نفي التعذيب بالنار بعد ألأيام المعدودة يستلزم دخول الجنة والفوز بالنعيم ولا بد له من دليل. - النوع الثاني نفي لا يستلزم ثبوتا كنفي صحة عقد من العقود أو شرط وعبادة في الشرعيات ونفي إمكان شيء ما من الأشياء في العقليات فالنافي إن نفي العلم به لم يلزمه دليل وإن نفى المعلوم نفسه وادعى أنه منتف في نفس الأمر فلا(4\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "925",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7140",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بد له من دليل الحجة الأولى ومن ذلك قوله تعالى: وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه إلى قوله: كن فيكون فرد عليهم سبحانه دعواهم له اتخاذ الولد ونزه نفسه عنه ثم ذكر أربع حجج على استحالة اتخاذه الولد: أحدها: كون ما في السموات والأرض ملكا له وهذا ينافي أن اتخاذ الولد فيهما ولد له لأن الولد بعض الوالد وشريكه فلا يكون مخلوقا له مملوكا له لأن المخلوق مملوك مربوب عبد من العبيد والابن نظير الأب فكيف يكون عبده تعالى ومخلوقه ومملوكه بعضه ونظيره فهذا من أبطل الباطل وأكد مضمون هذه الحجة بقوله: كل له قانتون فهذا تقرير لعبوديتهم له وأنهم مملوكون مربوبون ليس فيهم شريك ولا نظير ولا ولد فإثبات الولد لله تعالى من أعظم الإشراك به فإن المشرك به جعل له شريكا من مخلوقاته مع اعترافه بأنه مملوك كما كان المشركون يقولون في تلبيتهم quot;لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملكquot; فكانوا يجعلون من أشركوا به مملوكا له عبدا مخلوقا والنصارى جعلوا له شريكا هو نظير وجزء من أجزائه كما جعل بعض المشركين الملائكة بناته فقال تعالى: وجعلوا له من عباده جزءا فإذا كان له ما في السموات والأرض عبيد قانتون مربوبون مملوكون استحال أن يكون له منهم شريك وكل من أقر بأن الله تعالى ما في السموات وما في الأرض لزمه أن يقوله بالتوحيد ولا بد ولهذا يحتج سبحانه على المشركين بإقرارهم بذلك كقوله: قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد بيان لهذا في موضعه. الحجة الثانية: قوله تعالى: بديع السماوات والأرض هذه من أبلغ الحجج على استحالة نسبة الولد إليه ولهذا قال في سورة الأنعام بديع السموات والأرض أني يكون له ولد أي من أين يكون لبديع السموات والأرض ولد ووجه تقرير هذه الحجة أن من اخترع هذه السموات والأرض مع عظمهما وآياتهما وفطرهما وابتدعهما فهو قادر على اختراع ما هو دونهما ولا نسبة له إليهما البتة فكيف يخرجون هذا الشخص بالعين عن قدرته وإبداعه ويجعلونه نظيرا وشريكا وجزءا مع أنه تعالى بديع العالم العلوي والسفلي وفاطره ومخترعه(4\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "926",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7141",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبارئه فكيف يعجزه أن يوجد هذا الشخص من غير أب حتى يقولوا إنه ولده فإذا كان قد ابتدع العالم علوية وسفلية فما يعجزه ويمنعه عن إبداع هذا العبد وتكوينه وخلقه بالقدرة التي خلق بها العالم العلوي والسفلي فمن نسب الولد لله فما عرف الرب تعالى ولا آمن به ولا عبده فظهر أن هذه الحجة من أبلغ الحجج على استحالة نسبة الولد إليه وإن شئت أن تقرر الاستدلال بوجه آخر وهو أن يقال إذ كانت نسبة السموات والأرض وما فيهما إليه إنما هي بالاختراع والخلق والإبداع أنشأ ذلك وأبدعه من العدم إلى الوجود فكيف يصح نسبة شيء من ذلك إليه بالنبوة وقدرته على اختراع العالم وما فيه لم تزل ولم يحتج فيها إلى معاون ولا صاحب ولا شريك. وإن شئت أن تقررها بوجه آخر فتقول النسبة إليه بالنبوة تستلزم حاجته وفقره إلى محل الولادة وذلك ينافى غناه وانفراده بإبداع السموات والأرض وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى بقوله: وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض فكمال قدرته وكمال غناه وكمال ربوبيته يجعل نسبة الولد إليه ونسبته إليه تقدح في كمال ربوبيته وكمال غناه وكمال قدرته. ولذلك كانت نسبة الولد إليه مسبة له تبارك وتعالى كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;يقول الله تعالى: شتمني عبدي ابن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك أما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد وأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادتهquot; وقال عمر بن خطاب رضي الله عنه في النصارى: quot;أذلوهم ولا تظلموهم فلقد سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد من البشرquot; قال تعالى: وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم الآية وأخبر تعالى تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا وما ذاك إلا لتضمنه شتم الرب تبارك وتعالى والتنقص به ونسبة ما يمنع كمال ربوبيته وقدرته وغناه إليه. الحجة الثالثة: قوله تعالى:(4\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "927",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7142",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وتقرير هذه الحجة أن من كانت قدرته تعالى كافية في إيجاد ما يريد إيجاده بمجرد أمره وقوله (كن) فأي حاجة به إلى ولد وهو لا يتكثر به من قلة ولا يتعزر به ولا يستعين به يعجز عن خلق ما يريد خلقه وإنما يحتاج إلى الولد من لا يخلق ولا إذا أراد شيئا قال له كن فيكون. وهذا المخلوق العاجز المحتاج الذي لا يقدر على تكوين ما أراد وقد ذكر تعالى حججا أخرى على استحالة نسبة الولد إليه فنذكرها في هذا الموضع. الحجة الرابعة: كما علمه وعموم خلقه لكل شيء واستحالة نسبة الصاحبة إليه فقال تعالى في سورة الأنعام: بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة الآية فأما منافاة عموم خلقه لنسبه الولد إليه فظاهر فإنه لو كان له ولد لم يكن مخلوقا بل جزءا وهذا ينافي كونه خالق كل شيء وبهذا يعلم أن الفلاسفة الذين يقولون بتولد العقول والنفوس عنه بواسطة أو بغير واسطة شر من النصارى وأن من زعم أن العالم قديم فقد أخرجه عن كونه مخلوقا لله وقوله أخبث من قول النصارى لأن النصارى أخرجوا عن عموم خلقه شخصا واحدا أو شخصين ومن قال بقدم العالم فقد أخرج العالم العلوي والسفلي والملائكة عن كونه مخلوقا لله والنصارى لم يصل كفرهم إلى هذا الحد وأما منافاة عدم المصاحبة للولد فظاهر أيضا لأن الولد إنما يتولد من أصلين فاعل ومحل قابل يتصلان اتصالا خاصا فينفصل من أحدهما جزء في الآخر يكون منه الولد فمن ليس له صاحبة كيف يكون له ولد ولذلك لما فهم عوام النصارى أن الابن يستلزم الصاحبة لم يستنكفوا من دعوى كون مريم آلهة وأنها والدة الإله عيسى فيقول عوامهم يا والدة الإله اغفري لي ويصرح بعضهم بأنها زوجة الرب ولا ريب أن القول بالإيلاد يستلزم ذلك أو إثبات إيلاد لا يعقل ولا يتوهم فخواص النصارى في حيرة وضلال وعوامهم لا يستنكفون أن يقولوا بالزوجة والإيلاد المعقول تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا والقوم في هذا المذهب الخبيث أضل خلق(4\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "928",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7143",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله فهم كما وصفهم الله بأنهم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل . الحجة الخامسة: وأما منافاة عموم علمه تعالى للولد فيحتاج إلى فهم خاص وتقريره أن يقال لو كان له ولد لعلمه لأنه بكل شيء عليم وهو تعالى لا يعلم له ولد فيستحيل أن يكون له ولد لا يعلمه وهذا استدلال بنفي علمه للشيء على نفيه في نفسه إذ لو كان لعلمه فحيث لم يعلمه فهو غير كائن ونظير هذا قوله تعالى: ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم الآية فهذا نفي لما ادعوه من الشفعاء بنفي علم الرب تعالى بهم المستلزم لنفي المعلوم ولا يمكن أعداء الله المكابرة وأن يقولوا قد علم الله وجود ذلك لأنه تعالى إنما يعلم وجود ما أوجده وكونه ويعلم أنه سيوجد ما يريد إيجاده فهو يعلم نفسه وصفاته ويعلم مخلوقاته التي دخلت في الوجود وانقطعت والتي دخلت في الوجود وبقيت والتي لم توجد بعد وأما شيء آخر غير مخلوق له ولا مربوب فالرب تعالى لا يعلمه لأنه مستحيل في نفسه فهو يعلمه مستحيلا لا يعلمه واقعا إذ لو علمه واقعا لكان العلم به عين الجهل وذلك من أعظم المحال. فهذه حجج الرب تبارك وتعالى على بطلان ما نسبه إليه أعداؤه والمفترون عليه فوازن بينها وبين حجج المتكلمين الطويلة العريضة التي هي كالضريع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع فإذا وازنت بينهما ظهرت لك المفاضلة إن كنت بصيرا ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا فالحمد لله الذي أغنى عباده المؤمنين بكتابه وما أودعه من حججه وببيانه عن شقاشق المتكلمين وهذيانات المتهوكين فلقد عظمت نعمة الله تعالى على عبد أغناه بفهم كتابه عن الفقر إلى غيره أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون . فصل: ومن ذلك قوله تعالى: وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا فأجيبوا عن هذه الدعوى بقوله: قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين وهذا الجواب(4\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "929",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7144",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مع اختصاره قد تضمن المنع والمعارضة: أما المنع: مما تضمنه حرف بل من الإضراب أي ليس الأمر كما قالوا. وأما المعارضة: ففي قوله: ملة إبراهيم حنيفا أي أتتبع أو يتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وفي ضمن هذه المعارضة إقامة الحجة على أنها أولى بالصواب مما دعوتم إليه من اليهودية والنصرانية لأنه وصف صاحب الملة بأنه حنيف غير مشرك ومن كانت ملته الحنيفية والتوحيد فهو أولى بأن يتبع ممن ملته اليهودية والنصرانية فإن الحنيفية والتوحيد هي دين جميع الأنبياء الذي لا يقبل الله من أحد دينا وسواه وهو الفطرة التي فطر عليها عباده فمن كان عليها فهو المهتدي لأن من كان يهوديا أو نصرانيا فإن الحنيفية تتضمن الإقبال على الله بالعبادة والإجلال والتعظيم والمحبة والذل. والتوحيد يتضمن إفراده بهذا الإقبال دون غيره فيعبد وحده ويحب وحده ويطاع وحده ولا يجعل معه إلها آخر فمن أولى بالهداية صاحب هذه الملة أو ملة اليهودية والنصرانية ولا يبقى بعد هذا للخصوم إلا سؤال واحد وهو أن يقولوا فنحن على ملته أيضا لم نخرج عنها وإبراهيم وبنوه كانوا هودا أو نصارى فأجيبوا عن هذا السؤال بأنهم كاذبون فيه وأن الله تعالى قد علم أنه لم يكن يهوديا ولا نصرانيا فقال تعالى: أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى الآية وقرر تعالى هذا الجواب في سورة آل عمران بقوله: ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا إلى قوله: والله ولي المؤمنين فإن قالوا فهب أن إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا فنحن على ملته وإن انتحلنا هذا الاسم فأجيبوا عن هذا بقوله تعالى: قولوا آمنا بالله إلى قوله: ونحن له مسلمون فهذه للمؤمنين قال: فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن أتوا من الإيمان بمثل ما أتيتم به فهم على ملة إبراهيم وهم مهتدون وإن لم يأتوا بإيمان مثل إيمانكم فليسوا من إبراهيم وملته في شيء وإنما هم في شقاق وعداوة فإن ملة إبراهيم الإيمان بالله وكتبه ورسله وأن لا يفرق بين أحد منهم فيؤمن ببعضهم ويكفر ببعضهم فمن لم يأت بمثل هذا الإيمان فهو بريء من ملة إبراهيم مشاق لمن هو على ملته. وقوله تعالى: قل أأنتم أعلم أم الله(4\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "930",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7145",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أي الله تعالى يعلم ما كان عليه إبراهيم والنبي صلى الله عليه وسلمون من الملل وأنهم لم يكونوا يهودا ولا نصارى فالله تعالى يعلم ذلك فلو كانوا يهودا أو نصارى والله تعالى لا يعلم ذلك لكنتم أعلم من الله بهم هذا مع أن عندكم شهادة وبينه من الله تعالى بما كان عليه إبراهيم وبأن هذا النبي صلى الله عليه وسلم على ملته ولكنكم كتمتم هذه الشهادة عن أتباعكم فلم تؤدوها إليهم مع تحققكم لها ولا أظلم ممن كتم شهادة استشهده الله بها فهي عنده من الله إلا أنه كتمها من الله فالمجرور متعلق بما تضمنه الظرف الذي هو عنده من الكون والحصول. فصل: ومن ذلك قوله تعالى: سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم هذا سؤال من السفهاء أورده على المؤمنين ومضمونه أن القبلة الأولى إن كانت حقا فقد تركتم الحق وإن كانت باطلا فقد كنتم على باطل ولفظ الآية وإن لم يدل على هذا فالسفهاء المجادلون في القبلة قالوه. فأجاب الله تعالى عنه بجواب شاف بعد أن ذكر قبله مقدمات تقرره وتوضحه والسؤال من جهة الكفار أوردوه على صور متعددة ترجع إلى شيء واحد فقالوا ما تقدم وقالوا لو كان نبيا ما ترك قبلة الأنبياء قبله وقالوا لو كان نبيا ما كان يفعل اليوم شيئا وغدا خلافه. قال المشركون: قد رجع إلى قبلتكم فيوشك أن يرجع إلى دينكم وقال أهل الكتاب: ولو كان نبيا ما فارق قبله الأنبياء. وكثر الكلام وعظمت المحنة على بعض الناس كما قال تعالى: وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وتأمل حكمه العزيز الحكيم ولطفه وإرشاده في هذه القصة لما علم أن هذا التحويل أمر كبير كيف وطأه ومهده وذلله بقواعد قبله فذكر النسخ وأنه إذا نسخ شيئا أتى بمثله أو خير منه وأنه قادر على ذلك فلا يعجزه ثم قرر التسليم للرسول وأنه لا ينبغي أن يعترض عليه ويسأل تعنتا كما(4\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "931",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7146",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جرى لموسى مع قومه ثم ذكر البيت الحرام وتعظيمه وحرمته وذكر بانيه وأثنى عليه وأوجب اتباع ملته فقرر في النفوس بذلك توجهها إلى البيت بالتعظيم والإجلال والمحبة وإلى بانيه بالاتباع والموالاة والموافقة وأخبر تعالى أنه جعل البيت مثابة للناس يثوبون إليه ولا يقضون منه وطرا فالقلوب عاكفة على محبته دائمة الاشتياق إليه متوجهة إليه حيث كانت ثم أخبر أنه أمر إبراهيم وإسماعيل بتطهيره للطائفين والقائمين والمصلين وأضافه إليه بقوله: أن طهرا بيتي وهذه الإضافة هي التي أسكنت في القلوب من محبته والشوق إليه ما أسكنت وهي التي أقبلت بأفئدة العالم إليه فلما استقرت هذه الأمور في قلوب أهل الإيمان وذكروا بها فكأنها نادتهم أن استقبلوه في الصلاة ولكن توقفت على ورود الأمر من رب البيت فلما برز مرسوم فول وجهك شطر المسجد الحرام تلقاه رسول الله والراسخون في الإيمان بالبشرى والقبول وكان عيدا عندهم لأن رسول الله كان كثيرا ما يقلب وجهه في السماء ينتظر أن يحول الله عن قبلة أهل الكتاب فولاه الله القبلة التي يرضاها وتلقى ذلك الكفار بالمعارضة وذكر الشبهات الداحضة وتلقاه الضعفاء من المؤمنين بالإغماض والمشقة فذكر تعالى أصناف الناس عند الأمر باستقبال الكعبة وابتداء ذلك بالتسلية لرسوله وللمؤمنين عما يقول السفهاء من الناس فلا تعبأوا بقولهم فإنه قول سفيه ثم قال: قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فأخبر تعالى أن المشرق والمغرب له أنه رب ذلك فأيا ما تعبد له عبادة بأمره إلى أي جهة كانت فهم مطيعون له كما قال: ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله فلم يصل مستقبل الجهات بأمره إلا له تعالى فإذا كنتم تصلون إلى غير الكعبة بأمره ثم أمركم أن تصلوا إليها فما صليتم إلا له أولا وآخرا وكنتم على حق في الاستقبال الأول والآخر لأن كليهما كان بأمره ورضاه فانتقلتم من رضاه ثم نبه على فضل الجهة التي أمرهم بالاستقبال إليها ثانيا بأنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم كما هداكم للقبلة التي جعلها قبلتكم وشرعا لكم ورضيها(4\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "932",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7147",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولكن أمركم باستقبال غيرها أولا لحكمة في ذلك وهو أن يعلم سبحانه من يتبع الرسول ويدور معه حيثما دار ويأتمر بأوامره كيف تصرفت وهو العالم بكل شيء ولكن شاء أن يعلم معلومه الغيبي عيانا مشاهدا فتميز بذلك الراسخ في الإيمان المسلم للرسول المنقاد له ممن يعبد الله تعالى على حرف فينقلب على عقبة بأدنى شبهة. فهذا من بعض حكمه في أن جعل القبلة الأولى غير الكعبة فلم يشرع ذلك سدى ولا عبثا ثم أخبر سبحانه أنه كما جعل لهم أوسط الجهات قبلة بتعبدهم فكذلك جعلهم أمة وسطا فاختار القبلة الوسط في الجهات للأمة الوسط في الأمم ثم ذكر أن هذا التفضيل والاختصاص ليستشهدهم على الأمم فيقبل شهادتهم على الخلائق يوم القيامة ثم أجاب تعالى عما سأل عنه المؤمنون من صلاتهم إلى القبلة الأولى وصلاة من مات من إخوانهم قبل التحويل فقال: وما كان الله ليضيع إيمانكم وفيه قولان: أحدهما: ما كان ليضيع صلاتكم إلى بيت المقدس بل يجازيكم عليها لأنها كانت بأمره ورضاه والثاني: ما كان ليضيع إيمانكم بالقبلة الأولى وتصديقكم بأن الله شرعها ورضيها وأكثر السلف والخلف على القول الأول وهو مستلزم للقول الآخر الحكمة في نسخ الاستقبال لبيت المقدس. ثم ذكر منته على رسوله واطلاعه على حرصه على تحويله عن قبلته الأولى فقال: قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ثم أخبر تعالى عن أهل الكتاب بأنهم يعلمون أنه الحق من ربهم ولم يذكر للضمير مفسرا غير ما في السياق وهو الأمر باستقبال المسجد الحرام وأن أهل الكتاب عندهم من علامات هذا النبي صلى الله عليه وسلم أن يستقبل بيت الله الذي بناه إبراهيم في صلاته. ثم أخبر تعالى عن شدة كفر أهل الكتاب بأنهم لو أتاهم الرسول بكل آية ما تبعوا قبلته ففي ذلك التسلية له وتركهم وقبلتهم ثم برأه من قبلتهم فقال: وما أنت بتابع قبلتهم ثم ذكر اختلافهم في القبلة وأن كل طائفة منهم لا تتبع الطائفة الأخرى لأن القبلة من خواص الدين وأعلامه وشعائره الظاهرة فأهل كل دين لا يفارقون قبلتهم إلا أن يفارقوا دينهم فأخبر تعالى في هذه(4\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "933",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7148",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجمل الثلاث بثلاث إخبارات تتضمن براءة كل طائفة من قبله الطائفة الأخرى وتتضمن الأخبار بأن أهل الكتاب لو رأوا كل آية تدل على صدق الرسول لما تبعوا قبلته عنادا وتقليدا لآبائهم وأنهم إن اشتركوا في خلاف القبلة الحق منهم مختلون مختلفون في باطلهم فلا تتبع طائفة قبلة الأخرى فهم متفقون على خلاف الحق في اختيار الباطل وفي هذه الآية أيضا ثبيت للرسول والمؤمنين على لزوم قبلتهم وأنه لا يشتغل بما يقوله أهل الكتاب ارجعوا إلى قبلتنا فنتبعكم على دينكم فإن هذا خداع ومكر منهم فإنهم لو رأوا كل آية تدل على صدقك ما تبعوا قبلتك لأن الكفر قد تمكن من قلوبهم فلا مطمع للحق فيها ولست أيضا بتابع قبلتهم فليقطعوا مطامعهم من موافقتك لهم وعودك إلى قبلتهم وكذلك هم أيضا مختلفون فيما بينهم فلا يتبع أحد منهم قلبة الآخر فهم مختلفون في القبلة ولستم أيها المؤمنون موافقين لأحد منهم في قبلته بل أكرمكم الله بقبلة غير قبلة هؤلاء المختلفين اختارها الله لكم ورضيها وأكد تعالى هذا المعنى بقوله: ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين فهذا كله تثبيت وتحذير من موافقتهم في القبلة وبراءة من قبلتهم كما هم براء من قبلتك وكما بعضهم بريء من قبله بعض فأنتم أيها المؤمنون أولى بالبراءة من قبلتهم التي أكرمكم الله تعالى بالتحويل عنها ثم أكد ذلك بقوله: الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ثم أخبر تعالى عن اختصاص كل أمة بقبلتهم فقال: ولكل وجهة هو موليها وأصح القولين أن المعنى هو متوجه إليها أي موليها وجهه فالضمير راجع إلى كل وقيل إلى الله اي الله موليها إياه وليس بشيء لأن الله لم يول القبلة الباطلة أبدا ولا أمر النصارى باستقبال الشرق قط بل هم تولوا هذه القبلة من تلقاء أنفسهم وولوها وجوههم وقوله: فاستبقوا الخيرات مشعر بصحة هذا القول أي إذا كان أهل الملل قد تولوا الجهات فاستقبوا أنتم الخيرات وبادروا إلى ما اختاره الله لكم ورضيه وولاكم إياه ولا تتوقفوا فيه أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا يجمعكم من الجهات المختلفة(4\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "934",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7149",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والأقطار المتباينة إلى موقف القيامة كما تجتمعون من سائر الجهات إلى جهة القبلة التي تؤمونها فهكذا تجتمعون من سائر أقطار الأرض إلى جهة الموقف الذي يؤمه الخلائق وهذا نظير قوله تعالى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات المرجع إلى الله تعالى. وأخبر أن مرجعهم إليه عند إخباره بتعدد شرائعهم ومنها هجم كما ذكر ذلك بعينه عند إخباره بتعدد وجهتهم وقبلتهم فقال: ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا وتحت هذا سر بديع يفهمه من يفهمه وهو أنه عند الاختلاف في الطرائق والمذاهب والشرائع والقبل يكون أقربها إلى الحق ما كان أدل على الله وأوصل إليه لأن مرجع الجميع إليه يوم القيامة وحده وإن اختلفت أحوالهم وأزمنتهم وأمكنتهم فمرجعهم إلى رب واحد وإله واحد فهكذا ينبغي أن يكون مرد الجميع ورجوعهم كلهم إليه وحده في الدنيا فلا يعبدون غيره ولا يدينون بغير دينه إذ هو إلههم الحق في الدنيا والآخرة فإذا كان أكثر الناس قد أبي ذلك إلا كفورا وذهابا في الطرق الباطلة وعبادة غيره وإن دانوا غير دينه فاستبقوا أنتم أيها المؤمنين للخيرات وبادروا إليها ولا تذهبوا مع الذين يسارعون في الباطل والكفر فتأمل هذا السر البديع في السورتين يوم الفصل والبعث. وفي قوله: فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون سر آخر أيضا وهو أن هذا الاختلاف دليل على يوم الفصل وهو اليوم الذي يفصل الله تعالى فيه بين الخلائق ويبين لهم حقيقة ما اختلفوا فيه فنفس الاختلاف دليل على يوم الفصل والبعث وقد أوضح ذلك قوله تعالى في سورة النحل: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين فذكر تعالى حكمتين بالغتين في بعثة الأموات بعدما أماتهم: إحداهما: أن يبين للناس الذي اختلفوا فيه وهذا بيان عياني تشترك فيه الخلائق كلهم والذي حصل في الدنيا بيان إيماني اختص به بعضهم. الحكمة الثانية: علم المبطل بأنه كان كاذبا وإن كان على باطل وأن نسبة أهل الحق إلى الباطل من افترائه وكذبه وبهتانه(4\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "935",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7150",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيخزيه ذلك أعظم خزي فتأمل أسرار كلام الرب تعالى وما تضمنته آيات الكتاب المجيد من الحكمة البالغة الشاهدة بأنه كلام رب العالمين والشاهدة لرسوله بأنه الصادق المصدوق وهذا كله من مقتضى حكمته وحمده تعالى وهو معنى كونه خلق السموات والأرض وما بينهما بالحق ولم يخلق ذلك باطلا بل خلقه خلقا صادرا عن الحق آيلا إلى الحق مشتملا على الحق فالحق سابق لخلقها مقارن له غاية له ولهذا أتى بالباء الدالة على هذا المعنى دون اللام المفيدة لمعنى الغاية وحدها فالباء مفيدة معنى اشتمال خلقها على الحق السابق والمقارن والغاية فالحق السابق صدور ذلك عن علمه وحكمته فمصدر خلقه تعالى وأمره عن كمال علمه وحكمته وبكمال هاتين الصفتين يكون المفعول الصادر عن الموصوف بهما حكمه كله ومصلحة وحقا ولهذا قال تعالى: وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم فأخبر أن مصدر التلقي عن علم المتكلم وحكمته وما كان كذلك كان صدقا وعدلا وهدى وإرشادا وكذلك قالت الملائكة لامرأة إبراهيم حين قالت: أألد وأنا عجوز عقيم قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم وهذا راجع إلى قوله وخلقه وهو خلق الولد لها على الكبر وأما مقارنة الحق لهذه المخلوقات فهو ما اشتملت من الحكم والمصالح والمنافع والآيات الدالة للعباد على الله ووحدانيته وصفاته وصدق رسله وأن لقاءه حق لا ريب فيه ومن نظر في الموجودات ببصيرة قلبه رآها كالأشخاص الشاهدة الناطقة بذلك بل شهادتها أتم من شهادة الخبر المجرد لأنها شهادة حال لا يقبل كذبا فلا يتأمل العاقل المستبصر مخلوقا حق تأمله إلا وجده دالا على فاطره وبارئه وعلى وحدانيته وعلى كمال صفاته وأسمائه وعلى صدق رسله وعلى أن لقاءه حق لا ريب فيه وهذه طريقة القرآن في إرشاده الخلق إلى الاستدلال بأصناف المخلوقات وأحوالها على إثبات الصانع وعلى التوحيد والمعاد والنبوات فمرة يخبر أنه لم يخلق خلقه باطلا ولا عبثا ومرة يخبر أنه خلقهم بالحق ومرة يخبرهم وينبههم على وجوه الاعتبار والاستدلال بها على صدق ما أخبرت(4\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "936",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7151",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به رسله حتى يبين لهم أن الرسل إنما جاؤوهم بما يشاهدون أدلة صدقة وبما لو تأملوه لرأوه مركوزا في فطرهم مستقرا في عقولهم وأن ما يشاهدونه من مخلوقاته شاهد بما أخبرت به رسله عنه من أسمائه وصفاته وتوحيده ولقائه ووجود ملائكته وهذا باب عظيم من أبواب الإيمان إنما يفتحه الله على من سبقت له منه سابقة السعادة وهذا أشرف علم يناله العبد في هذه الدار. وقد بينت في موضع آخر أن كل حركة تشاهد علىاختلاف أنواعها فهي دالة على التوحيد والنبوات والمعاد بطريق سهلة واضحة برهانية وكذلك ذكرت في رسالة إلى بعض الأصحاب بدليل واضح أن الروح مركوز في أصل فطرتها وخلقتها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن الإنسان لو استقصى التفتيش لوجد ذلك مركوزا في نفس روحه وذاته وفطرته فلو تأمل العاقل الروح وحركتها فقط لاستخرج منها الإيمان بالله تعالى وصفاته والشهادة بأنه لا إله إلا هو والإيمان برسله وملائكته ولقائه وإنما يصدق بهذا من أشرقت شمس الهداية على أفق قلبه وانجابت عنه سحائب غيبه وانكشف عن قلبه حجاب إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون فهنالك يبدو له سر طال عنه اكتتامه ويلوح له صباح هو ليلة وظلامه فقف الآن عند كل كلمة من قوله تعالى: إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون ثم تأمل وجه كونها آية وعلى ماذا جعلت آية أعلى مطلوب واحد أم مطالب متعددة وكذلك سائر ما في القرآن الكريم من هذا النمط كآخر سورة آل عمران وقوله في سورة الروم: ومن آياته إلى آخرها وقوله في سورة النمل: الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى إلى آخر الآيات وأضعاف ذلك في القرآن الكريم وكقوله في سورة الذاريات وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون(4\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "937",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7152",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا كله من الحق الذي خلقه به السموات والأرض وما بينهوما وهو حق لوجود هذه المخلوقات مسطور في صفحاتها يقرؤه كل موفق كاتب وغير كاتب كما قيل: تأمل سطور الكائنات فإنها ... من الملأ الأعلى إليك رسائل وقد خط فيها لو تأملت خطها ... ألا كل شيء ما خلا الله باطل وأما الحق الذي هو غاية خلقها فهو غاية تراد من العباد وغاية تراد بهم فالتي تراد منهم أن يعرفوا الله تعالى وصفات كماله عز وجل وأن يعبدوه لا يشركوا به شيئا فيكون هو وحده إلههم ومعبودهم ومطاعهم ومحبوبهم قال تعالى: الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما فأخبر أنه خلق العالم ليعرف عباده كمال قدرته وإحاطة علمه وذلك يستلزم معرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وتوحيده وقال تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون فهذه الغاية هي المرادة من العباد وهي أن يعرفوا ربهم ويعبدوه وحده وأما الغاية المرادة بهم فهي الجزاء بالعدل والفضل والثواب والعقاب قال تعالى: ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى قال تعالى: إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى وقال تعالى: ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين قال تعالى: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون فتأمل الآن كيف أشتمل خلق السموات والأرض وما بينهما على الحق أولا اوآخرا ووسطا وأنها خلقت بالحق وللحق وشاهدة بالحق وقد أنكر تعالى على من زعم خلاف ذلك فقال: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا(4\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "938",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7153",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا ترجعون ثم نزه نفسه عن هذا الحسبان المضاد لحكمته وعلمه وحمده فقال فتعالى الله الملك الحق وتأمل ما في هذين الاسمين وهما الملك الحق من إبطال هذا الحسبان الذي ظنه أعداؤه إذ هو مناف لكمال ملكه ولكونه الحق إذ الملك الحق هو الذي يكون له الأمر والنهي فيتصرف في خلقه بقوله وأمره وهذا هو الفرق بين الملك والمالك إذ المالك هو المتصرف بفعله والملك هو المتصرف بفعله وأمره والرب تعالى مالك الملك فهو المتصرف بفعله وأمره فمن ظن أنه خلق خلقه عبثا لم يأمرهم ولم ينههم فقد طعن في ملكه ولم يقدره حق قدره كما قال تعالى: وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء فمن جحد شرع الله وأمره ونهيه وجعل الخلق بمنزلة الأنعام المهملة فقد طعن في ملك الله ولم يقدره حق قدره وكذلك كونه تعالى إله الخلق يقتضي كمال ذاته وصفاته وأسمائه ووقوع أفعاله على أكمل الوجوه وأتمها فكما أن ذاته الحق فقوله الحق ووعده الحق وأمره الحق وأفعاله كلها حق وجزاؤه المستلزم لشرعه ودينه ولليوم الآخر حق فمن أنكر شيئا من ذلك فما وصف الله بأنه الحق المطلق من كل وجه وبكل اعتبار فكونه حقا يستلزم شرعه ودينه وثوابه وعقابه فكيف يظن بالملك الحق أن يخلق خلقه عبثا وأن يتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يثيبهم ولا يعاقبهم كما قال تعالى: أيحسب الإنسان أن يترك سدى قال الشافعي رحمه الله: quot;مهملا لا يؤمر ولا ينهىquot; وقال غيره: quot;لا يجزي بالخير والشر ولا يثاب ولا يعاقبquot; والقولان متلازمان فالشافعي ذكر سبب الجزاء والثواب والعقاب وهو الأمر والنهي والآخر ذكر غاية الأمر والنهي ذكر سبب الجزاء والثواب والعقاب ثم تأمل قوله تعالى بعد ذلك: ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فمن لم يتركه وهو نطفة سدى بل قلب النطفة وصرفها حتى صارت أكمل مما هي وهي العلقة ثم قلب العلقة حتى صارت أكمل مما هي حتى خلقها فسوى خلقها فدبرها بتصريفه وحكمته في أطوار كمالاتها حتى انتهى كمالها بشرا سويا فكيف يتركه سدى لا يسوقه(4\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "939",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7154",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى غاية كماله الذي خلق له. فإذا تأمل العاقل البصير أحوال النطفة من مبدئها إلى منتهاها دلته علىالمعاد والنبوات كما تدله على إثبات الصانع وتوحيده وصفات كماله فكما تدل أحوال النطفة من مبدئها إلى غايتها على كمال قدرة فاطر الإنسان وبارئه فكذلك تدل على كمال حكمته وعلمه وملكه وأنه الملك الحق المتعالى عن أن يخلقها عبثا ويتركها سدى بعد كمال خلقها وتأمل كيف لما زعم أعداؤه الكافرون أنه لم يأمرهم ولم ينههم على ألسنة رسله وأنه لا يبعثهم للثواب والعقاب كيف كان هذا الزعم منهم قولا بأن خلق السموات والأرض باطل فقال تعالى: وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار فلما ظن أعداؤه أنه لم يرسل إليهم رسولا ولم يجعل لهم أجلا للقائه كان ذلك ظنا منهم أنه خلق خلقه باطلا ولهذا أثنى تعالى على عباده المتفكرين في مخلوقاته بأن أوصلهم فكرهم فيها إلى شهادتهم بأنه تعالى لم يخلقها باطلا وأنهم لما علموا ذلك وشهدوا به علموا أن خلقها يستلزم أمره ونهيه وثوابه وعقابه فذكروا في دعائهم هذين الأمرين فقالوا ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار فلما علموا أن خلق السموات والأرض يستلزم الثواب والعقاب تعوذوا بالله من عقابه ثم ذكروا الإيمان الذي أوقعهم عليه فكرهم في خلق السموات والأرض فقالوا ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا فكانت ثمرة فكرهم في خلق السموات والأرض الإقرار به تعالى وبوحدانيته وبدينه وبرسله وبثوابه وعقابه فتوسلوا إليه بإيمانهم الذي هو من أعظم فضله عليهم إلى مغفرة ذنوبهم وتكفير سيئاتهم وإدخالهم مع الإبرار إلى جنته التي وعدهموها وذلك تمام نعمته عليهم فتوسلوا بإنعامه عليهم أولا إلى إنعامه عليهم آخرا وتلك وسيلة بطاعته إلى كرامته وهو إحدى الوسائل إليه وهي الوسيلة التي أمرهم بها في قوله: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وأخبر عن خاصة عبادهم أنهم يبتغون الوسيلة إليه إذ يقول تعالى: أولئك(4\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "940",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7155",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب على أن في هاتين الآيتين أسرارا بديعة ذكرتها في كتاب التحفة المكية في بيان الملة الإبراهيمية فأثمر لهم فكرهم الصحيح في خلق السموات والأرض أنه لم يخلقها باطلا وأثمر لهم الإيمان بالله ورسوله ودينه وشرعه وثوابه وعقابه والتوسل إليه بطاعته والإيمان به وهذا الذي ذكرناه في هذا الفصل قطرة من بحر لا ساحل له فلا تستطله فإنه كنز من كنوز العلم لا يلائم كل نفس ولا يقبله كل محروم والله يختص برحمته من يشاء ولنرجع إلى ما كنا بصدده من الكلام في ذكر محاجه أهل الباطل للمسلمين في القبلة ونصر الله لهم بالحجة عليهم وقد رأيت لأبي القاسم السهيلي في الكلام على هذه الآيات فصلا اذكره بلفظه قال في قول النبي صلى الله عليه وسلم للبراء بن معرور: quot;قد كنت على قبلة لو صبرت عليهاquot; يعنى لما صلى إلى الكعبة المشرفة قبل الأمر بالتوجه إليها ولم يأمره بالإعادة لأنه كان متأولا. قلت: ونظير هذا أنه لم يأمر من أكل في نهار رمضان بالإعادة لما ربط الخيطين في رجليه وأكل حتى يتبينا له لأجل التأويل. ونظيره أنه لم يأمر أبا ذر بإعادة ما ترك من الصلاة مع الجنابة إذ لم يعرف شرع التيمم للجنب فقال: يا رسول الله إني تصيبني الجنابة فأمكث الشهر والشهرين لا أصلي يعني في البادية فقال: quot;أين أنت عن التيممquot;. ونظيره أيضا أنه لم بأمر المستحاضة بالإعادة وقد قالت: إني أستحاض حيضة شديدة وقد منعني الصوم والصلاة فأمرها أن تجلس أيام الحيض ثم تصلي ولم يأمرها بإعادة ما تركت. ونظيره أيضا أنه لم يأمر المسىء في صلاته بإعادة ما تقدم له من الصلوات التي لم تكن صحيحة وإنما بالإعادة في الوقت لأنه لم يؤد فرض وقته مع بقائه بخلاف ما تقدم له. ونظيره أيضا أنه لم يأمر المتمعك في التراب كما تتمعك الدابة لأجل التيمم بالإعادة مع أنه لم يصب فرض التيمم. ونظيره أيضا أنه لم يأمر معاوية بن الحكم السلمي بإعادة الصلاة وقد تكلم فيها بكلام أجنبي ليس من مصلحتها. ونظيره أيضا أنه لم يضمن أسامة قتيله بعد إسلامه بقصاص ولا دية ولا كفارة. ولا تجد هذه النظائر مجموعة في موضع فالتأويل والاجتهاد في إصابة الحق منع في هذه المواضع من(4\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "941",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7156",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإعادة والتضمين ثبوت الأحكام في حق العبد. وقاعدة هذه الباب أن الأحكام إنما تثبت في حق العبد بعد بلوغه هو وبلوغها إليه فكما لا يترتب في حقه قبل بلوغه وهو كذلك لا يترتب في حقه قبل بلوغها إليه وهذا مجمع عليه في الحدود أنها لا تقاوم إلا على من بلغه تحريم أسبابها وما ذكرناه من النظائر يدل على ثبوت ذلك في العبادات والحدود ويدل عليه أيضا في المعاملات قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإمرهم تعالى أن يتركوا ما بقي من الربا وهو ما لم يقبض ولم يأمرهم برد المقبوض لأنهم قبضوه قبل التحريم فأقرهم عليه بل أهل قبا صلوا إلي القبلة المنسوخة بعد بطلانها ولم يعيدوا ما صلوا بل استداروا في صلاتهم واتموها لأن الحكم لم يثبت في حقهم إلا بعد بلوغه إليهم. وفي هذا الأصل ثلاثة أقوال للفقهاء وهي لأصحاب أحمد هذا أحدها: وهو أصحها وهو اختيار شيخنا رضي الله عنه. الثاني: أن الخطاب إذا بلغ طائفة ترتب في حق غيرهم ولزمهم كما لزم من بلغه وهذا اختيار كثير من اصحاب الشافعي وغيرهم. الثالث: الفرق بين الخطاب الابتدائي والخطاب الناسخ فالخطاب الابتدائي يعم ثبوته من بلغه وغيره والخطاب الناسخ لا يترتب في حق المخاطب إلا بعد بلوغه والفرق بين الخطابين أنه في الناسخ مستصحب لحكم مشروع مأمور به بخلاف الخطاب الابتدائي ذكره القاضي أبو يعلي في بعض كتبه ونصوص القرآن والسنة تشهد للقول الأول وليس هذا موضع استقصاء هذه المسألة وإنما أشرنا إليها إشارة قال أبو القاسم: quot;وفي الحديث دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس وهو قول ابن عباس يعني قوله للبراء: quot;لقد كنت على قبلةquot; وقالت طائفة: quot;ما صلى إلى بيت المقدس إلا منذ قدم المدينة سبعة عشر شهرا أو ستة عشر شهرا فعلى هذا يكون في القبلة نسخان نسخ سنة بسنة ونسخ سنة بقرآن وقد بين حديث ابن عباس منشأ الخلاف في هذه المسألة فروى عنه من طرق صحاح quot;أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى بمكة استقبل بيت المقدس وجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدسquot; فلما كان يتحرى القبلتين جميعا لم يبن توجهه إلى بيت(4\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "942",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7157",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المقدس للناس حتى خرج من مكة ولذلك والله أعلم قال الله تعالى في الآية الناسخة: ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام أي من أي جهة جئت إلى الصلاة وخرجت إليها فاستقبل الكعبة كنت متسدبرا بيت المقدس أو لم تكن لأنه كان بمكة يتحرى في استقباله بيت المقدس أن تكون الكعبة بين يديه. قال: quot;تدبر قوله: ومن حيث خرجت فول وجهك وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ولم يقل حيث ما خرجتم وذلك لأنه كان إمام المسلمين فكان يخرج إليهم في كل صلاة ليصلي بهم وكان ذلك واجبا عليه إذ كان الإمام المقتدي به فأفاد ذكر الخروج في خاصته هذا المعنى ولم يكن حكم غيره هكذا يقتضي الخروج ولا سيما النساء ومن لا جماعة عليهquot;. قلت: ويظهر في هذا معنى آخر وهو أن قوله وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره خطاب عام له ولأمته يقتضي أمرهم بالتوجه إلى المسجد الحرام في أي موضع كانوا من الأرض وقوله: ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام خطاب بصيغة الإفراد والمراد هو الأمة كقوله: يا أيها النبي اتق الله ونظائره وهو يفيد الأمر باستقبالها من اي جهة ومكان خرج منه وقوله: وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره يفيد الأمر باستقبالها في أي موضع استقر فيه وهو تعالى لم يقيد الخروج بغاية بل أطلق غايته كما عم مبدأة فمن حيث خرج إلى أي مخرج كان من صلاة أو غزو أو حج أو غير ذلك فهو مأمور باستقبال المسجد الحرام هو والأمة وفي أي بقعة كانوا من الأرض فهو مأمور هو والأمة باستقباله فتناولت الآيتان أحوال الأمة كلها في مبدأ تنقلهم من حيث خرجوا وفي غايته إلى حيث أنتهوا وفي حال اسقرارهم حيث ما كانوا فأفاد ذلك عموم الأمر بالاستقبال في الأحوال الثلاث التي لا ينفك منها العبد فتأمل هذا المعنى ووازن بينه وبين ما أبداه أبو القاسم يتبين لك الرجحان والله أعلم بما أراد من كلامه وإنما هو كد أفهام أمثالنا من القاصرين فقوله من حيث خرجت يتناول مبدأ الخروج وغايته له وللأمة(4\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "943",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7158",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان أولى بهذا الخطاب لأن مبدأ التوجه كان على يديه وكان شديد الحرص على التحويل. وقوله: وحيث ما كنتم يتناول أماكن الكون كلها له وللأمة وكانوا أولى بهذا الخطاب لتعدد أماكن أكوانهم وكثرتها بحسب كثرتهم واختلاف بلادهم وأقطارهم واستدارتها حول الكعبة شرقا وغربا ويمنا وعراقا فكان الأحسن في حقهم أن يقال لهم وحيث ما كنتم أي من أقطار الأرض في شرقها وغربها وسائر جهاتها ولا ريب أنهم أدخل في هذا الخطاب منه. فتأمل هذه النكت البديعة فلعلك لا تظفر بها في موضع غير هذا والله أعلم. قال أبو القاسم: quot;وكرر الباري تعالى الأمر بالتوجه إلي بيت الحرام في ثلاث آيات لأن المنكرين لتحويل القبلة كانوا ثلاثة أصناف من الناس اليهود لأنهم لا يقولون بالنسخ في أصل مذهبهم وأهل الريب والنفاق اشتد إنكارهم له لأنه كان أول نسخ نزل وكفار قريش قالوا ندم محمد على فراق ديننا فسيرجع إليه كما رجع إلى قبلتنا وكانوا قبل ذلك يحتجون عليه فيقولون يزعم محمد أنه يدعونا إلى ملة إبراهيم وإسماعيل وقد فارق قبله إبراهيم وإسماعيل وآثر عليها قبلة اليهود فقال الله له حين أمره بالصلاة إلى الكعبة لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم على الاستثناء المنقطع أي لكن الذين ظلموا منهم لا يرجعون ولا يهتدون وقال: الحق من ربك فلا تكونن من الممترين أي من الذين شكوا وامتروا ومعنى الحق من ربك أي الذي أمرتك به من التوجه إلى بيت الحرام هوالحق الذي كان عليه الأنبياء قبلك فلا تمتر في ذلك فقال: وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وقال: وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون أي يكتمون ما علموا أن الكعبة هي قبلة الأنبياء ثم ساق من طريق أبي داود في كتاب الناسخ والمنسوخquot;. قال حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عنبسة عن يونس عن ابن شهاب قال: quot;كان سليمان بن عبد الملك لا يعظم إيليا كما يعظمها أهل بيته قال: فسرت معه وهو ولي عهد قال: ومعه خالد بن يزيد بن معاوية فقال سليمان وهو جالس فيه: quot;والله إن في هذه القبلة التي صلى إليها(4\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "944",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7159",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المسلمون والنصارى لعجبا كذا رأيته. والصواب اليهود قال خالد بن يزيد: quot;أما والله إني لأقرأ الكتاب الذي انزله الله على محمد فلم تجدها اليهود في الكتاب الذي أنزله الله عليهم ولكن تابوت السكينة كان على الصخرة فلما غضب الله عز وجل على بني إسرائيل رفعه فكانت صلاتهم إلى الصخرة عن مشاورة منهمquot;. وروى أبو داود أيضا أن يهوديا خاصم أبا العالية في القبلة فقال أبو العالية: quot;إن موسى كان يصلي عند الصخرة ويستقبل البيت الحرام فكانت الكعبة قبلته وكانت الصخرة بين يديه وقال اليهودي: بيني وبينك مسجد صالح النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو العالية: فإني صليت في مسجد صالح وقبلته الكعبةquot;. انتهى. قلت: وقد تضمن هذا الفصل فائدة جليلة وهي أن استقبال أهل الكتاب لقبلتهم لم يكن من جهة الوحي والتوقيف من الله بل كان عن مشورة منهم واجتهاد أما النصارى فلا ريب أن الله لم يأمرهم في الإنجيل ولا في غيره باستقبال المشرق أبدا وهم مقرون بذلك ومقرون أن قبله المسيح كانت قبلة بني إسرائيل وهي الصخرة وإنما وضع لهم شيوخهم وأسلافهم هذه القبلة وهم يعتذرون عنهم بأن المسيح فوض إليهم التحليل والتحريم وشرع الأحكام وأن ما حللوه وحرموه فقد حلله هو وحرمه في السماء فهم مع اليهود متفقون على أن الله لم يشرع استقبال المشرق على لسان رسوله أبدا والمسلمون شاهدون عليهم بذلك وأما قبلة اليهود فليس في التوراة الأمر باستقبال الصخرة البتة وإنما كانوا ينصبون التابوت ويصلون إليه من حيث خرجوا فإذا قدموا نصبوه على الصخرة وصلوا إليه فلما رفع صلوا إلى موضعه وهو الصخرة. وأما السامرة فإنهم يصلون إلى طور لهم بأرض الشام ويعظمونه ويحجون إليه ورأيته أنا وهو في بلد نابلس وناظرت فضلاءهم في استقباله وقلت هو قبلة باطلة مبتدعة فقال مشار إليه في دينهم هذه هي القبلة الصحيحة واليهود أخطأوها لأن الله تعالى أمر في التوراة باستقباله عينا ثم ذكر نصا يزعمه من التوراة في استقباله فقلت له هذا خطأ قطعا على التوراة لأنها إنما أنزلت على بني إسرائيل فهم المخاطبون بها وأنتم فرع عليهم فيها وإنما(4\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "945",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7160",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تلقيتموها عنهم وهذا النص ليس في التوراة التي بأيديهم وأنا رأيتها وليس هذا فيها فقال لي: صدقت إنما هو في توراتنا خاصة قلت: له فمن المحال أن يكون أصحاب التوراة المخاطبون بها وهم الذين تلقوها عن الكليم وهم متفرقون في أقطار الأرض قد كتموا هذا النص وأزالوه وبدلوا القبلة التي أمروا بها وحفظتموها أنتم وحفظتم النص بها فلم يرجع إلى الجواب. قلت وهذا كله مما يقوى أن يكون الضمير في قوله تعالى: ولكل وجهة هو موليها راجعا إلى كل أي هو موليها وجهه ليس المراد أن الله موليه إياها لوجوه هذا أحدها. الثاني: أنه لم يتقدم لاسمه تعالى ذكر يعود الضمير عليه في الآية وإن كان مذكورا فيما قبلها ففي إعادة الضمير إليه تعالى دون كل رد الضمير إلى غير من هو أولى به ومنعه من القريب منه اللاحق به. الثالث: أنه لو عاد الضمير عليه تعالى لقال هو موليه إياها هذا وجه الكلام كما قال تعالى: نوله ما تولى فوجه الكلام أن يقال ولاه القبلة لا يقال ولى القبلة إياه فتأمله. وقول أبي القاسم أنه تعالى كرر ذكر الأمر باستقبالها ثلاثا ردا على الطوائف الثلاث ليس بالبين ولا في اللفظ إشعار بذلك والذي يظهر فيه إنه أمر به في كل سياق لمعنى يقتضيه فذكره أول مرة ابتداء للحكم ونسخا للاستقبال الأول فقال قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ثم ذكر أن أهل الكتاب يعلمون أن هذا هو الحق من ربهم حيث يجدونه في كتبهم كذلك ثم أخبر عن عبادتهم وكفرهم وأنه لو أتاهم بكل آية ما تبعوا قبلته ولا هو أيضا بتابع قبلتهم ولا بعضهم بتابع قبلة بعض ثم حذره من اتباع أهوائهم ثم كرر معرفة أهل الكتاب به كمعرفتهم بأبنائهم وأنهم ليكتمون الحق عن علم ثم أخبر أن هذا هو الحق من ربه فلا يلحقه فيه امتراء ثم أخبر أن لكل من الأمم وجهة هو مستقبلها وموليها وجهة فاستبقوا أنتم أيها المؤمنون الخيرات ثم أعاد الأمر باستقبالها من حيث خرج في ضمن هذا السياق الزائد على مجرد النسخ ثم أعاد الأمر به غير(4\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "946",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7161",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مكرر له تكررا محضا بل في ضمنه أمرهم باستقبالها حيثما كانوا كما أمرهم باستقبالها أولا حيثما كانوا عند النسخ وابتداء شرع لحكم فأمرهم باستقبالها حيثما كانوا عند شرع الحكم وابتدائه وبعد المحاجة والمخاصمة والحكم لهم وبيان عنادهم ومخالفتهم مع علمهم فذكر الأمر بذلك في كل موطن لاقتضاء السياق له فتامله والله أعلم. وقوله: (إن الاستثناء في قوله إلا الذين ظلموا منهم منقطع) قد قاله أكثر الناس ووجهة أن الظالم لا حجة له فاستثناؤه مما ذكر قبله منقطع وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: quot;ليس الاستثناء بمنقطع بل هو متصل على بابه وإنما أوجب لهم أن حكموا بانقطاعه حيث ظنوا أن الحجة ههنا المراد بها الحجة الصحيحة الحق والحجة في كتاب الله يراد بها نوعان: أحدهما: الحجة الحق الصحيحة كقوله: وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه وقوله: قل فلله الحجة البالغة . ويراد بها مطلق الاحتجاج بحق أو بباطل كقوله: فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله وقوله: وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين وقوله: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه وقوله: والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وإذا كانت الحجة إسما لما يحتج به من الحق أو باطل صح استثناء حجة الظالمين من قوله: لئلا يكون للناس عليكم حجة وهذا في غاية التحقيق والمعنى أن الظالمين يحتجون عليك بالحجة الباطلة الداحضة فلا تخشوهم واخشوني. ومن ذلك قوله تعالى: وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون فهذه مناظرة حكاها الله بين المسلمين والكفار فإن الكفار لجأوا إلى تقليد الآباء وظنوا أنه منجيهم لإحسانهم ظنهم بهم فحكم الله بينهم بقوله: أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون وفي موضع آخر أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير وفي موضع آخر قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم فأخبر عن بطلان هذه الحجة وأنها لا تنجني من عذاب الله تعالى لأنها تقليد من ليس عنده علم ولا(4\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "947",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7162",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هدى من الله والمعنى ولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير يقلدونهم ولو كانوا لا علم عندهم ولا هدى يقلدونهم أيضا وهذا شأن من لا غرض له في الهدى ولا في اتباع الحق إن غرضه بالتقليد إلا دفع الحق والحجة إذا لزمته لأنه لو كان مقصوده الحق لاتبعه إذا ظهر له وقد جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم فلو كنتم ممن يتبع الحق لأتبعتم ما جئتكم به فأنتم لم تقلدوا الآباء لكونهم على حق فقد جئتكم أهدى مما وجدتموهم عليه وإنما جعلتم تقليدهم جنة لكم تدفعون بها الحق الذي جئتكم به. فائدة: ليس من شرط الدليل اندراجه تحت قضية كلية تكن بها جزءا من قياس شمولي ولا استلزامه نظيرا يكون به قياس تمثيل بل يجوز كونه معينا مستلزما لثبوت معين وإنما شرطه اللزوم فيما كان بينهما تلازم شرعا أو عقلا أو عادة استدل فيه بثبوت الملزوم على ثبوت لازمه وبنفي اللازم على نفي ملزومه فكل ملزوم دليل على لازمه والعلم بدلالته متوقف على العلم به وعلى العلم بلزومه ولهذا كانت أدلة التوحيد والمعاد والنبوات التي في القرآن آيات ودلالات معينات مستلزمة لمدلولها بنفسها من غير احتياج إلى اندراجها تحت قضية كلية فالمخلوقات جميعها وما تضمنته من التخصيصات والحكم والغايات مستلزمة لخالق سبحانه عينا بخلاف ما يزعم كثير من النظار أنه دليل لقولهم كل ممكن مفتقر إلى واجب وكل محدث مفتقر إلى محدث فإن هذه القضية الكلية بعد تعبهم في تقريرها ودفع ما يعأرضها لا يدل على مطلوب معين وخالق معين إنما يدل على واجب ومحدث ما وأما آياته سبحانه وأدلة توحيده وما أخبر به من المعاد وما نصته من الأدلة لصدق رسله فلا يفتقر(4\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "948",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7163",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في كونها آيات إلى قياس شمولي ولا تمثيلي وهي مستلزمة لمدلولها عينا والعلم بها مستلزم للعلم بالمدلول لا يختلف عنه فانتقال الذهن منها إلى المدلول انتقال بين في غاية البيان وهو كانتقال الذهن من رؤية الدخان إلى أن تحته نارا ومن رؤية الجسم المتحرك قسرا إلى ان له محركا ومن رؤية شعاع الشمس إلى العلم بطلوعها ونظائر ذلك فالعلم بمفردات هذه القضايا الكلية أسبق إلى الذهن والحركة من القضية الكلية بل لا تتوقف دلالتها على القضية الكلية البته وعلم العقل بمدلول الآية المعينة الحسية كعلم الحس بتلك الآية لا فرق في العلم بينهما إلا أن الآية تدرك بالحس ومدلولها بالعقل فعلم العقل بثبوت التوحيد والمعاد والنبوات وجزمه بها كجزم الحس بما يشاهده من آياتها المشهودة. فائدة: الفعل بالنسبة إلى التكليف نوعان: أحدهما: اتفق الناس على جوازه ووقوعه واختلفوا في نسبة إطلاق القول عليه بأنه لا يطاق. والثاني: اتفق الناس على أنه لا يطاق وتنازعوا في جواز الأمر به ولم يتنازعوا في عدم وقوعه ولم يثبت بحمد الله تعالى أمر اتفق المسلمون على أنه لا يطاق وقالوا إنه يكلف به العبد ولا اتفق المسلمون على فعل كلف به العبد وأطلقوا القول عليه بأنه لا يطاق. وللمسألة ثلاثة مآخذ: أحدها: أن الاستطاعة مع الفعل أو قبله والصواب أنها نوعان نوع قبله وهي المصححة للتكليف التي هي شرط فيه ونوع مقارن له فليست شرطا في التكليف. المأخذ الثاني: إن تعلق علم الله سبحانه بعدم وقوع الفعل هل يخرجه عن كونه مقدورا للعبد فمن أخرجه عن كونه مقدورا قال الأمر به أمر بما لا يطاق ومن لم يخرجه عن كونه مقدورا لم يطلق عليه ذلك والصواب أنه لا يخرجه عن كونه مقدروا(4\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "949",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7164",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القدرة المصححة التي هي مناط التكليف وشرط فيه وإن أخرجه عن كونه مقدورا القدرة الموجبة للفعل المقارنة له. المأخذ الثالث: أن ما تعلق علم الله بأنه لا يكون من أفعال المكلفين نوعان: أحدهما: أن يتعلق بأنه لا يكون لعدم القدرة عليه فهذا لا يكون ممكنا مقدورا ولا مكلفا به. والثاني: ما تعلق بأنه لا يكون لعدم إرادة العبد له فهذا لا يخرج بهذا العلم عن الإمكان ولا عن جواز الأمر به ووقوعه. المأخذ الرابع: وهو من أدقها وأغمضها وهو أن علم الله أنه لا يكون لعدم مشيئته له ولو شاء للعبد لفعله هل يخرجه عدم مشيئة الرب تعالى له عن كونه مقدورا ويجعل الأمر به أمرا بما لا يطاق. والصواب أن عدم مشيئة الرب له لا يخرجه عن كونه ممكنا في نفسه كما أن عدم مشيئته لما هو قادر عليه من أفعاله لا يخرجه عن كونه مقدورا له وإنما يخرج الفعل عن الإمكان إذا كان بحيث لو أراده الفاعل لم يمكنه فعله وأما امتناعه لعدم مشيئته فلا يخرجه عن كونه مقدورا ويجعله محالا. فإن قيل هو موقوف على مشيئة الله وهي غير مقدورة للعبد والموقوف على غير المقدور غير مقدور قيل إنما يكون غير مقدور إذا كان بحيث لو أراده العبد لم يقدر عليه فيكون عدم وقوعه لعدم قدرة العبد عليه فأما إذا كان عدم وقوعه لعدم مشيئته له فهذا لا يخرجه عن كونه مقدورا له وإن كانت مشيئته موقوفة على مشيئة الرب تعالى كما أن عدم وقوع الفعل من الله لعدم مشيئته له لا يخرجه عن كونه مقدورا له وإن كانت مشيئته تعالى موقوفة على غيرها من صفاته كعلمه وحكمته فالنزاع في هذا الأصل يتنوع إلى النظر إلى المأمور به وإلى النظر إلى جواز الأمر به ووقوعه. ومن جعل القسمين واحدا وادعى جواز الأمر به مطلقا لوقوع بعض الأقسام التي يظنها مما لا يطاق وقاس عليها النوع الذي اتفق الناس على أنه لا يطاق وأن وقوع ذلك النوع يستلزم لوقوع القسم المتفق على أنه لا يطاق أو على جوازه فقد أخطأ خطأ بينا فإن من قاس الصحيح المتمكن من الفعل القادر عليه الذي لو أراده لفعله على العاجز عن الفعل إما لاستحالته في نفسه أو لعجزه عنه لجامع ما يشتركان فيه من كون الاستطاعة مع الفعل ومن تعلق علم الرب تعالى بعدم وقوع الفعل منهما فقد جمع بين ما علم(4\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "950",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7165",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفرق بينهما عقلا وشرعا وحسا وهذا منافسد القياس وأبطله والعبد مأمور من جهة الرب تعالى ومنهي. وعند هؤلاء أن أوامره تكليف لما يطاق فهي غير مقدورة للعبد وهو مجبور على ما فعله من نواهيه فتركها غير مقدور له فلا هو قادر على فعل ما أمر به ولا على ترك ما ارتكبه مما نهي عنه بل هو مجبر في باب النواهي مكلف بما لا يطيقه في باب الأوامر وبإزاء هؤلاء القدرية الذين يقولون إن فعل العبد لا يتوقف على مشيئة الله ولا هو مقدور له سبحانه وأنه يفعله بدون مشيئة الله لفعله وتركه بدون مشيئة الله لتركه فهو الذي جعل نفسه مؤمنا وكافرا وبرا وفاجرا ومطيعا وعاصيا والله لم يجعله كذلك ولا شاء منه أفعاله ولا خلقها ولا يوصف بالقدرة عليها. وقول هؤلاء شر من قول أولئك من وجه وقول أولئك شر من قول هؤلاء من وجه وكلاهما ناكب عن الحق حائد عن الصراط المستقيم. فائدة: قوله تعالى: وابعث في المدائن حاشرين هي جمع مدينة وفيها قولان: أحدهما: أنها فعيله واشتقاقها من مدن وعلى هذا فتهمز لأنها فعائل كعقائل وظرائف وابه. الثاني: أنها مفعلة واشتقاقها من دان يدين وأصلها مديونة مفعولة من دان أي مملوكة مذللة لملكها منقادة له وفعل بها ما فعل بمبيوع حتى صار مبيعا فعند الخليل أنك ألقيت ضمه الياء على الباء فسكنت الياء التي هي عين الفعل وبعدها واو مفعول وهي ساكنة فاجتمع ساكنان فحذفت واو مفعول لأنها زائدة فهي أولى بالحذف من العين. قال أبو الحسن الأخفش: quot;المحذوف عين الفعل والباقية هي واو(4\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "951",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7166",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مفعول وإنما صارت ياء لأنهم لما ألقوا ضمة الياء على الباء انضمت الباء وبعدها ياء ساكنة فأبدلت الضمة كسرة للياء التي بعدها ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنه مع الواو واو مفعول بعد أن ألزمت الفاء الكسرة التي حدثت لأجل الياء فصادفت واو مفعول ساكنة فقلبتها ياء ورجح قول الخليل بأنهم قالوا ماء مشيب وارض مميت عليها إي ممات عليها وغار منيل وهو الذي ينال ما فيه من النوال. وأصل هذه الكلمات مشيوب ومميوت ومنيول فحذفوا واو مفعول وبقوا عين الفعل ولا يجوز أن تكون المحذوفة اللام وواو مفعول هي الباقية المنقلبة ياء لأن واو مفعول إنما تقلب ياء إذا اعتلت لام الفعل كمرمى ومقضي مقضي عليه وإلا فإذا كانت لام الفعل صحيحة بقيت واو مفعول على حالها كمضروب ومقتول ورجح قول الأخفش بأن واو مفعول جاءت لمعنى فحذفها مخل بما جاءت لإجله ألا ترى أنهم يقولون مررت بقاض يحذفون الياء الأصلية ويبقون التنوين لأنه جاء لمعنى. ورجح أيضا بأن العين قد أعلت في قال وباع وقيل وبيع ومبيع ومقول فلما اعتلت بالإسكان والقلب اعتلت بالحذف وواو مفعول لم ينقلب من شيء ولم يعتل في الفعل فكان إبقاؤها وحذف المعتل أوجب وايضا فإن العين في مقول ومبيع حذفت في قولهم قل وبع فلما حذفت ههنا كانت أولى بالحذف في مقول ومبيع ولمن نصر قول الخليل أن يقول الساكنان إذا التقيا في كلمة واحدة حرك الثاني منهما فكذلك إذا حذف أحد الساكنين من كلمة يحذف الآخر منهما. ولمن نصر قول الأخفش أن يقول هذا الدليل نقلبه عليكم فنقول: quot;إذا التقى الساكنان في كلمة واحدة حذف أولهما كخف وقل وبع وقياس الحذف على الحذف أقرب من قياس الحذف على الحركة وأيضا فكما اعتلت العين بالقلب مع ألف فاعل كقائم وقائل اعتلت بالحذف مع واو مفعولquot;. قالت الخليلية: quot;الميم في أول مفعول دالة على أنه اسم مفعول فتبقى الواو زائدة محضة فتكون أولى بالحذف من الحرف الأصليquot;. قالت الأخفشية: quot;الميم لا تستقل بالدلالة على المفعولية فإن مبيعا يشبه مسيرا أو مقيلا من(4\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "952",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7167",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المصادر ولا يتميزان إلا بواو مفعول فلا سبيل إلى حذفها فصار في المدينة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها فعلية من مدن. والثاني: مفعولة وعينها محذوفة. والثالث: مفعلة وواو المفعول محذوفة فإن كانت المدائن فعائل تعين همزها كصحائف لأن المدة وقعت بعد ألف الجمع وإن كانت فهي مفعلة كمعيشة فلا تهمز لأنها ليست بمدة. فإن قلت فما تقول في قراءة من قرأ معائش بالهمز وهي جمع معيشة وياؤها ليست زائدة بل أصلها الحركة إما مفعلة وإما مفعلة وكذلك ما تقول في همزهم مصائب وهي جمع مصيبة. قلت: أما معائش فكدرت عيش أهل التصريف حتى قال فيها أبو عثمان في تصريفه: quot;وأما قراءة أهل المدينة معائش بالهمز فهي خطأ فلا يلتفت إليها فإنما أخذت عن نافع بن أبي نعيم ولم يكن يدري ما العربية وله أحرف يقرؤها لحنا نحوا من هذا وأما مصائب فلقد أصيبوا منها بمصائبquot;. قال المازني: quot;وقد قالت العرب مصائب فهمزوا وهو من الغلط قالوا حلاب السويق وكأنهم توهموا أن مصيبة فعيلة فهمزوها حتى جمعوها كما همزوا شقائق وإنما مصيبة مفعلة من أصاب يصيب فأصلها مصوبة فألقوا حركة الواو علىالصاد فانكسرت الصاد وبعدها واو ساكنة فأبدلت ياء وأكثر العرب يقول: مصاوب فيجيء بها على القياس وما ينبغي فيقال: ومن المصائب تخطئه العرب وأهل المدينة ونحن إنما نجهد أنفسنا في استخراج المقاييس لنوافقهم فيما تكلموا به فإذا كان ما ثبت عنهم خطأ ولحنا وخالفناهم فيه لم نكن تابعين لهم ولا قاصدين لنهج كلامهم ولا ريب أن المهموز في هذا الجمع هو ما كانت حروف العلة في واحدة مدة زائدة كصحيفة ورسالة وعجوز فإذا همزوا ما كان حرف العلة فيه اصليا في بعض المواضع تشبيها له بما هو فيه بمدة زائدة فأي خطأ يلزمهم وأي غلط يسجل به عليهم وطالما يخرجون الشيء من كلامهم عن أصله لغرض ما من تشبيه أو تخفيف أو تنبيه على أنه كان ينبغي أن يكون كذا ولأغراض عديدة أفتراهم لما صححوا استحوذ فصححوا ما حقه الإعلال كانوا مخطئين. وكذلك لما صححوا استنوق(4\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "953",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7168",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهلا قلتم إن القوم لما القوا الهمزة بعد ألف مفاعل فيها حرف العلة مدة في واحدة لم يستنكروها في معايش ومصايب لأن الموضع موضع همز فليست الهمزة بشديدة الغربة في هذا الموضع ويا للعجب كم في اللغة من قلب وأبدال وحذف غير مقيس بل هو مسموع سماعا مجردا ولو تكلم بغيره لكان غلطا وخطأوإن كان مقتضى القياس. وقد ذكر ابن جني من الأمثلة التي زعم أنها وقعت غلطا في كلامهم ثم قال وإنما يجوز مثل هذا لغلط عليهم لما يستهويهم من الشبه لأنهم ليست لهم قياسات يعتصمون بها وإنما يخلدون إلى بدائعهم وأين هذا من كلام الإمام المقدم سيبويه حيث يقول وليس شيء مما يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجها وهذا من النحاة شبيه من رد الجهمية نصوص الصفات لمخالفتها أقيستهم ومن رد أحاديث الأحكام عند مخالفتها الرأي والمقصود بالأقيسة والاستنباطات فهم المنقول لا تخطئته والله الموفق. فائدة: استطاع استفعل من طاع يطوع ولم ينطق به وإنما نطقوا بالرباعي منه فيقال أطاعة وقالوا طوع له أي حسنة وزينة وكأنه جعل نفسه مطيعة لداعية فالهمزة من أطاعه همزة التعدية والنقل من اللزوم إلىالتعدي والتضعيف في طوع لكونه في معنى حسن وزين وأما السين والتاء في استطاع فإما أن تكون للوجود أي وجدته طوعا لي كاستجدته أي وجدته جيدا واستصوبت كلامه أي وجدته صوابا واستعظمته أي وجدته عظيما وأما أن تكون للطلب أي طلبت أن يطيعني إذا امرته ولا يستعصي علي بل يكون طوع قدرتي وقد يأتي هذا البناء بمعنى فعل كقر واستقر ومر واستمر وقد يأتي بمعنى الصيرورة كاستنوق البعير واستحجر(4\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "954",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7169",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطين وبابهما الفعل اللازم وقد يأتي موافق تفعل كتعظم واستعظم وأما استعتبت فهو للطلب أي طلب الاعتاب فهو لطلب مصدر الرباعي الذي هو أعتب أي ازال عتبه لا لطلب الثلاثي الذي هو العتب فقوله تعالى وإن يستعبوا فما هم من المعتبين أي إن يطلبوا إعتابنا وإزالة عتبنا عليهم ويقال عتب عليه إذا أعرض عنه وغضب عليه ثم يقال استعتب السيد عبده أي طلب منه أن يزيل عتب نفسه عنه بعوده إلى رضاه فأعتبته عبده اي أزال عتبه بطاعته ويقال استعتب العبد سيده أي طلب منه أن يزيل غضبه وعتبه عنه فأتبعه سيده أي فأزال عتب نفسه عنه وعلى هذا فقوله تعالى وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين أي وإن يطلبوا إعتابنا وهو إزالة عتبنا عنهم فما هم من المزال عتبهم لأن الآخرة لا تقال فيها عثراتهم ولا يقبل فيها توبتهم. وقوله: ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون أي لا يطلب منهم إعتابنا وإعتبابه تعالى إزالة عتبة بالتوبة والعمل الصالح فلا يطلب منهم يوم القيامة أن يعتبوا ربهم فيزيلوا عتبه بطاعته واتباع رسله وكذلك قوله: فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون وقول النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الطائف: quot;لك العتبىquot; هو اسم من الإعتاب لا من العتب أي أنت المطلوب إعتابه ولك علي أن أعتبك وأرضيك بطاعتك فافعل ما ترضى به عني وما يزول به عتبك علي فالعتب منه على عبده والعتبي والإعتاب له من عبده فههنا أربعة أمور: الأول: العتب وهو من الله تعالى فإن العبد لا يعتب على ربه فإنه المحسن العادل فلا يتصور أن يعتب عليه عبده إلا والعبد ظالم ومن ظن من المفسرين خلاف ذلك غلط أقبح غلط. الثاني: الإعتاب وهو من الله ومن العبد باعتبارين فإعتاب الله عبده إزالة عتب نفسه عن عبده وإعتاب العبد ربه إزالة عتب الله عليه والعبد لا قدرة له على ذلك إلا بتعاطي الأسباب التي يزول بها عتب الله تعالى عليه. الثالث: استعتاب وهو من الله أيضا ومن العبد بالاعتبارين فالله تعالى يستعتب عباده أي يطلب منهم أن يعتبوه ويزيلوا عتبة عليهم ومنه قول ابن مسعود وقد وقعت الزلزلة بالكوفة إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه والعبد يستعتب ربه أي يطلب(4\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "955",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7170",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منه إزالة عتبه. الرابع: العتبي وهي اسم الإعتاب فاشدد يديك بهذا الفضل الذي يعصمك من تخبيط كثير من المفسدين لهذه المواضع ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل لهquot; فأما محسن فلعله أن يزداد وإما مسيء فلعله أن يستعتب أي يطلب من ربه إعتابه إياه بتوفيقه للتوبة وقبولها منه فيزول عتبة عليه والاستعتاب نظير الاسترضاء وهو طلب الرضى وفي الأثر quot;إن العبد ليسترضي ربه فيرضى عنهquot; وإن الله ليسترضي فيرضى لكن الاسترضاء فوق الاستعتاب فإنه طلب رضوان الله تعالى والاستعتاب طلب إزالة غضبه وعتبه وهما متلازمان. رجعنا إلى (استطاع) وفيها خمس لغات هذه إحداها. الثانية: اسطاع بحذف تاء استفعال تخفيفا ومنه قوله تعالى: فما اسطاعوا أن يظهروه . الثالثة: اصطاع بالصاد وفيه أمران أحدهما حذف التاء والثاني إبدل السين صادا لأجل مجاورتها الطاء. الرابعة: اسطاع بإدغام التاء في الطاء وهو إدغام على خلاف القياس لأن فيه التقاء الساكنين على غير حدهما. الخامسة: اسطاع بقتح الهمزة وقطعها وهي أشكلها فقال سيبويه: quot;السين عوض عن ذهاب حركة العين لأن أصله أطوع فنقلت فتحه الواو إلى الطاء ثم أعل بقلب واوه ألفا لتحركها أصلا وانتفاح ماقبلها لفظا فزيدت السين عوضا من ذهاب حركة السينquot;. وتعقب المبرد هذا على سيبويه وقال: quot;إنما يعوض من الشيء إذا فقد وذهب فأما إذا كان موجودا في اللفظ فلا وحركة العين منقولة إلى الفاء فلم تعدمquot;. وأجيب عن هذا بأن العين لما سكنت وهنت وتهيأت للحذف عند سكون اللام نحو لم يطع وأطعت فلو بقيت حركتها فيها لما تطرق إليها الحذف بل كنت تقول لم يطوع وأطوعت فزيدت السين ليكون عوضا من هذا الإعلال المتضمن لثلاثة أمور نقل حركة المتحرك ووهنه بالسكون وتعريضه للحذف عند سكون ما بعده فجبروا هذا الإعلال هذا بزيادة السين في أوله سواء قولهم اهراق فإن أصله أراق فقلبت عينه ألفا بعد تسكينها فصارت عرضة للحذف كقولك لم يرق وارقت فأعل بالنقل والقلب والحذف فعرضت الهاء في أوله جبرا لإعلاله(4\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "956",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7171",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما أراق فعلى الأصل وأما هراق فعلى أبدال الهمزة هاء لمجاورتها في المخرج ونظيره أيضا قولهم اهراح في أراح يريح هذا قول البصريينquot; وقال الفراء: quot;أصله استطاع ثم حذفوا التاء فعرضوا منها فتح الهمزة وقطعها وهذا الذي قاله اقل عملا وأبعد من التكلفquot;. ورد عليه بأنهم قالوا (اسطاع) بكسر الهمزة ووصلها مع حذف التاء فلو كان حذف التاء يوجب الفتح والقطع لما عدلوا عنه وهذا ظلم للفراء فإنه لم يدع لزوم ذلك وإنما ذكر ان هذا الحذف مسوغ للفتح والقطع ويقال ولو كان ما ذكرتم من الإعلال مسوغ لزيادة السين والهاء طراد في أقام وأنام وأجاد وأقال وما لا يحصى وليس نقضكم عليه بأقل من نقوضه فعلم أن هذه مسوغات لا موجباتquot;. فائدة: يقال مجنون ومغبون ومهروع مخفوع ومعتوه وممتوه وممته وممسوس وبه لمص ومصاب في عقله فهذه عشرة ألفاظ وأما مخروع فصحفها العامة من مهروع. فائدة: دلالة الاقتران تظهر قوتها في موطن وضعفها في موطن وتساوى الأمرين في موطن فإذا جمع المقترنين لفظ اشتركا في إطلاقه وافتراقا في تفصيله قويت الدلالة كقوله: quot;الفطرة خمس quot; وفي مسلم: quot;عشر من الفطرةquot; ثم فصلها فإذا جعلت الفطرة بمعنى السنة والسنة هي المقابلة للواجب ضعف الاستدلال بالحديث على وجوب الختان. لكن تلك(4\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "957",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7172",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المقدمتان ممنوعتان فليست الفطرة بمرادفة للسنة ولا السنة في لفظ النبي صلى الله عليه وسلم هي المقابلة للواجب بل ذلك إصطلاح وضعي لا يحمل عليه كلام الشارع ومن ذلك قوله: quot;على كل مسلم أن يغتسل يوم الجمعة ويستاك ويمس من طيب بيتهquot; فقد اشترك الثلاثة في اطلاق لفظ الحق عليه إذا كان حقا مستحبا في اثنين منها كان في الثالث مستحبا وأبين من هذا قوله: quot; وبالغ في الاستنشاق quot; فإن اللفظ تضمن الاستنشاق والمبالغة فإذا كان أحدها مستحبا فالآخر كذلك. ولقائل أن يقول اشتراك المستحب والمفروض في لفظ عام لا يقتضي تساويها لا لغة ولا عرفا فإنهما إذا اشتركا في شيء لم يمتنع افتراقهما في شيء فإن المختلفات تشترك في لازم واحد فيشتركان في أمر عام ويفترقان بخواصهما فالاقتران كما لا يثبت لأحدهما خاصية لا ينفيها عنه فتأمله وإنما يثبت لهما الاشتراك في أمر عام فقط وأما الموضع الذي يظهر ضعف دلالة الاقتران فيه فعند تعدد الجمل واستقلال كل واحدة منهما بنفسها كقوله: quot;لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من جنابة quot; وقوله: quot;لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهدهquot; فالتعرض لدلالة الاقتران ههنا في غاية الضغف والفساد فإن كل جملة مفيدة لمعناها وحكمها وسببها وغايتها منفردة به عن الجملة الأخرى واشتراكهما في مجرد العطف لا يوجب اشتراكهما فيما وراءه وإنما يشترك حرف العطف في المعنى إذا عطف مفردا على مفرد فإنه يشترك بينهما في العامل كقام زيد وعمرو وأما نحو اقتل زيدا وأكرم بكرا فلا اشتراك في معنى وأبعد من ذلك ظن من ظن أن تقييد الجملة السابقة بظرف أو حال أو مجرور يستلزم تقييد الثانية وهذا دعوى مجردة بل فاسدة قطعا. ومن تأمل تراكيب الكلام العربي جزم ببطلانها وأما موطن التساوى فحيث كان العطف ظاهرا في التسوية وقصد المتكلم ظاهرا في الفرق فيتعارض ظاهر اللفظ وظاهر القصد فإن غلب ظهور أحدهما اعتبر وإلا طلب الترجيح والله أعلم.(4\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "958",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7173",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: رضي لامه واو من الرضوان وانقلبت واوه ياء لانكسار ما قبلها وقالوا في الماضي المسند إلى اثنين رضيا بالياء وجاءوا إلى المضارع فقالوا يرضيان بالياء والقياس يرضوان إذ لا موجب لقلب الواو ياء ولكن حملوا يرضيان على رضيا كما حملوا أعطيا على يعطيان ولم يقولوا اعطوا وذلك ليجري الباب على سنن واحد ولا يختلف عليهم. فائدة: إنما امتنعوا من النطق بأفعال ويله وويحه وويسه وويبه لأنه لفيف مقرون فلو وضعوا له فعلا لوقعت الواو بعد حرف المضارعة وذلك يوجب إعلالها بالحذف ك يعد ويزن ويثق ووقعت العين وهي حرفة علة أيضا ثالثة وذلك يوجب نقل حركتها إلى الساكن قبلها وإعلالها بالإسكان كيبيع ويحيد فيتوالي عليهم إعلالات في كلمة واحدة وهم لا يسمحون بذلك فرفضوا الفعل رأسا. فائدة: قوله تعالى لإبليس: اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا(4\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "959",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7174",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أعاد الضمير بلفظ الخطاب وإن كان من تبعك يقتضي الغيبة لأنه اجتمع مخاطب وغائب فغلب المخاطب وجعل الغائب تبعا له كما كان تبعا له في المعصية والعقوبة فحسن أن يجعل تبعا له في اللفظ وهذا من حسن ارتباط اللفظ بالمعنى واتصاله به وانتصب جزاء موفورا عند ابن مالك على المصدر وعامله عنده المصدر الأول قال والمصدر يعمل في المصدر تقول عجبت من قيامك قياما ويعمل فيه الفعل نحو قيام قياما واسم الفاعل كقوله: فأصبحت لا أقرب الغانيا ... ت مزدجرا عن هواها ازدجارا واسم المفعول هو مطلوب طلبا وبعد ففي نصب جزاء قولان آخران: أحدهما: أنه منصوب بما في معنى فإن جهنم جزاؤكم من الفعل فإنه متضمن لتجازون وهو الناصب جزاء. الثاني: أنه حال وساغ وقوع المصدر حالا ههنا لأنه موصوف. ذكر الزمخشري هذين القولين وهذا كما تقول خذ عطاءك عطاء موفورا. والذي يظهر في الآية أن جزاء ليس بمصدر وإنما هو اسم للحظ والنصيب فليس مصدر جزيته جزاء بل هو كالعطاء والنصيب ولهذا وصفه بأنه موفورا اي تام لا نقص فيه وعلى هذا فنصبه على الاختصاص وهو يشبه نصب الصفات المقطوعة وهذا كما قال الزمخشري وغيره في قوله تعالى: للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب إلى قوله: نصيبا مفروضا قال: نصبه على الاختصاص أي أعني نصيبا مفروضا ويجوز أن ينتصب انتصاب المصادر المؤكدة كقوله تعالى: فريضة من الله . فائدة: المسك مذكر بدليل قولهم أذفر وقد ظن بعضهم تأنيثه محتجا بقوله: مرت بنا ما بين أترابها ... والمسك من أردانها ناقحة(4\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "960",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7175",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يثبت التأنيث بمثل ذلك لأنه خبر عن مضاف محذوف أي رائحة المسك وهذا يجوز عند أمن اللبس. فائدة: من كليات النحو كل صفة نكرة قدمت عليها انقلبت حالا لا ستحالة كونها صفة تابعة مع تقدمها فجعلت حالا ففارقها لفظ الصفة لا معناها فإن الحال صفة في المعنى. وكل صفة علم قدمت عليه انقلب الموصوف عطف بيان نحو مررت بالكريم زيد وكذلك غير العلم كقولك مررت بالكريم أخيك لأن الثاني تابع له مبين له وكل تابع صلح للبدلية وعطف البيان نظرت فيه فإن تضمن زيادة بيان فجعله عطفا أولى من جعله بدلا وإن لم يتضمن ذلك فجعله بدلا أولى مثال الأول قوله تعالى: أو كفارة طعام مساكين وقوله من شجرة مباركة زيتونة وقوله إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا . فائدة: الأفعال ثلاثة ماض ومضارع وأمر فالأمر لا يكون إلا للاستقبال ولذلك فلا يقترن به ما يجعله لغيره وأما وروده لمن هو ملتبس بالفعل فلا يكون المطلوب منه إلا أمرا متجددا وهو إما الاستدامة وإما تكميل المأمور به نحو يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله وأما الماضي فيصرف إلى الاستقبال بعد أدوات الشرط وفي الوعد والإنشاء ونحوه لا في الخبر كقوله تعالى: إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين وكقوله: إن كنت قلته فقد علمته وكقوله النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: quot;إن كنت(4\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "961",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7176",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ألمت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليهquot; ونظائره كثيرة جدا. ولا يخفى فساد تأويل ذلك بأن المعنى إن ثبت في المستقبل وقوع ذلك في الماضي أفترى المسيح يقول لربه إن ثبت في المستقبل أني قلته في الماضي فقد علمته وهل هذا إلا فاسد في الكلام ممتنع من العاقل إطلاقه وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة إنما أراد إن كان وجد فيما مضى ذنب فتداركيه بالتوبة التغيير في لفظ الفعل وصرفه إلى معنى آخر وأما ما يصير به الماضي مستقبلا فكقولك: إن قمت أكرمتك وإن زرتني أحسنت إليك فهذا ماضي اللفظ مستقبل المعنى وللنحاة ههنا مسلكان: أحدهما: أن التغيير وقع في لفظ الفعل وكان الموضع للمستقبل فغير إلى لفظ الماضي والأداة هي التي تصرفت في تغييره وهذا اختيار أبي العباس المبرد. والثاني: أن التغيير إنما هو في المعنى والأداة وردت على فعل ماض فغيرت معناه إلى الاستقبال وهذا هو الصواب لأن الأدوات المغيرة للكلم إنما تغيره معانيها دون ألفاظها كالاستفهام المغير لمعنى ما بعده من الخبر إلى الطلب وكالتمنى والترجي والطلب والنفي ونظائره ويتصرف إلى الحال بقرينة الإنشاء كتزوجت وبعتك وطلقتك على أحد القولين في هذه الصيغ ومن جعلها أخبارا عما قام بالنفس فهي ماضية على بابها. والتحقيق أنها إنشاء للخارج إخبار عما في النفس فجهة الخبر فيها لا ينافي جهة الإنشاء وينصرف إلى الاستقبال بقرينة الطلب والدعاء كقولك: غفر الله لك وأدخلك الجنة وأعاذك من النار ونحو عزمت عليك إلا فعلت ويتصرف إليه أيضا بالوعد عند بعضهم مستشهدا بقوله تعالى: إنا أعطيناك الكوثر وأشرقت الأرض بنور ربها و أتى أمر الله ونحوه وفيه نظر ظاهر للمتأمل وينصرف أيضا إلى الاستقبال بعطفه على ما علم استقباله كقوله تعالى: يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وينصرف إلى الاستقبال أيضا بالنفي بـ (لا) وإن بعد القسم كقوله تعالى: ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده وكقول الشاعر: ردوا فوالله لا زدناكم أبدا ... ما دام في مائنا ورد لنزال(4\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "962",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7177",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويحتمل المضي والاستقبال بعد همزة التسوية نحو سواء على أقمت أم قعدت والصواب أن المراد هنا المصدر المدلول بالفعل وهو أعم من الحال والاستقبال فلم يجيء الاحتمال من جهة الهمزة بل من جهة القصد إلى المصدر. فإن قلت: فلو اقترن الفعل الواقع بعد أم بلم فهل يصلح الماضي للحال والاستقبال أم يتعين الماضي. قلت: ذهب صاحب التسهيل إلى تعيين المضي واحتج بقوله تعالى: سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون والصواب أنه لا يتعين المضي فإن المعنى سواء عليهم الإنذار وعدمه فلا فرق بين ذلك وبين أن يقال سواء عليهم أأنذرت أم تركت الإنذار. وكذلك لو كان بعد أم جملة إسمية لم يتعين المضي في الفعل كقوله تعالى: سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون وإذا وقع الماضي بعد حرف التحضيض صلح أيضا للماضي والمستقبل كقوله تعالى: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم والصواب أن الماضي ههنا باق على وضعه لم يتغير عنه كقوله تعالى: فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ويقول: هلا اتقيت الله تعالى فيما أتيت والآية إنما نزلت في غزوة تبوك في سياق ذم المتخلفين عن رسول الله فأخبر تعالى أن المؤمنين لم يكونوا لينفروا كافة ثم وبخهم توبيخا متضمنا للحض على أن ينفر بعضهم ويقعد بعضهم. وأصح القولين أنه ينفر منهم طائفة في السرايا والبعوث وتقعد طائفة تتفقه في الدين فتنذر القاعدة الطائفة النافرة إذا رجعت إليهم وتخبرهم بما نزل بعدهم من الحلال والحرام والأحكام لوجوه: أحدها: أن الآية هي في سياق النفير في الجهاد وتوبيخ القاعدين عنه. الثاني: أن النفير إنما يكون في الغزو ولا يقال لمن سافر في طلب العلم أنه نفر ولا استنفر ولا يقال للسفر فيه نفير. الثالث: أن الآية تكون قد اشتملت على بيان حكم النافرين والقاعدين وعلى بيان اشتراكهم في الجهاد والعلم فالنافرون أهل الجهاد والقاعدون أهل التفقه والدين إنما يتم بالجهاد والعلم فإذا اشتغلت طائفة بالجهاد وطائفة بالتفقه في الدين ثم يعلم أهل الفقه للمجاهدين إذا رجعوا إليهم حصلت المصلحة بالعلم(4\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "963",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7178",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والجهاد وهذا الأليق بالآية والأكمل لمعناها وأما إذا جعل النفير فيها نفيرا لطلب العلم لم يكن فيها تعرض للجهاد مع إخراج النفير عن موضعه. والذي أوجب لهم دعوى أن النفير في طلب العلم أنهم رأوا الضمير إنما يعود على المذكور القريب فالمنذرون هم النافرون وهم المتفقهون وجواب هذا الضمير إنما يرجع إلىالأقرب عند سلامته من معارض يقتضي الأبعد وقد بينا أن السياق يقتضي أن القاعد هو المتفقة المنذر للنافر الراجع. والمقصود أن نفر في الآية ماض وإنما يفهم منه الاستقبال لأن التحضيض يؤذن به والتحقيق في هذا الموضع أن لفظه لولا وهلا إن تجرد للتوبيخ لم يتغير الماضي عن وضعه وإن تجرد للتحضيض تغير إلى الاستقبال وإن كان توبيخا مشربا معنى التحضيض صلح للأمرين وإن وقع بعد كلما جاز أن يراد به المضي كقوله تعالى: كل ما جاء أمة رسولها كذبوه وإن يراد به الاستقبال كقوله كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها وقد ظن صاحب التسهيل أنه إذا وقع صلة للموصول جاز أن يراد به الاستقبال محتجا بقوله تعالى إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم وهذا وهم منه رحمة الله والفعل ماضي لفظا ومعنى والمراد إلا الذين تقدمت توبتهم القدرة عليهم فخلوا سبيلهم والاستقبال الذي لحظه رحمه الله إنما هو لما تضمنه الكلام من معنى الشرط ففيه معنى من تاب قبل أن تقدروا عليه فخلوا سبيله فلم يجيء هذا من قبل الصلة ولو تجردت الصلة عن معنى الشرط لم يكن الفعل إلا ماضيا وضعا ومعنى كقوله تعالى: الذين قال لهم الناس وأما قوله صلى الله عليه وسلم: quot;نضر الله امرءا سمع مقالتي quot; فقال صاحب التسهيل: quot;إن الاستقبال في (سمع) جاء من كونه وقع صفة لنكرة عامة وهذا وهم أيضا فإن ذلك لا يوجب استقبالا بحال تقول: كم من مال أنفقته وكم رجل لقيته وكم نعمة كفرها أبو جهل وكم مشهد شهده علي مع رسول الله جاء الاستقبال من جهة ما تضمنه الكلام من الشرط فهو في قوة من سمع مقالتي فوعاها نضره الله فتأمله وكذلك إذا(4\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "964",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7179",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقع مضافا إليه حيث صلح للاستقبال إذا تضمنت معنى الشرط كقوله تعالى: ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره فلم يأت الاستقبال ههنا من قبل حيث كما ظنه وإنما جاء من قبل ما تضمنه الكلام من الشرط ولهذا لو تجرد من الشرط لم يكن إلا للمضي كقولك: اذهب حيث ذهب فلان وأما قول الشاعر: وإني لآتيكم بذكر ما مضى ... من الأمر واستحباب ما كان في غد فلم تكن كان ههنا مستقبلة المعنى لكونها في صلة الموصول بدليل وقوعها للمضي في قوله ما مضى من الأمر وإنما جاء الاستقبال من جهة الظرف الذي جعل وقتا للفعل. فصل: وإذا نفي المضارع بـ (لا) فهل يختص في الاستقبال أو يصلح له وللحال مذهبان للنحاة: مذهب الأخفش صلاحيته لهما ووافقه بن مالك وزعم أنه لازم لسيبويه محتجا بإجماعهم على صحة قام القوم لا يكون زيد فهو بمعنى إلا زيدا. ومن ذلك قولهم أتحبه أم لا تحبه وأتظن ذلك أم لا تظنه لا ريب أنه بمعنى الحال وقولهم: ما لك لا تقبل وأراك لا تبالي قال تعالى: وما لنا لا نؤمن بالله و ما لكم لا ترجون لله وقارا ما لي لا أرى الهدهد و وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون وزعم الزمخشري أنه يتخلص بها للاستقبال اخذا من قول سيبويه وإذا قال هو يفعل ولم يكن الفعل واقعا فإن نفيه لا يفعل وهذا ليس صريحا في اختصاصه بالمستقبل فإن لا تنفى الحال والاستقبال وهو لم يقل لا تنفى الحال وإنما أراد سيبويه أن يفرق بين نفي الفعل بـ (ما) ونفيه بـ (لا) في أكثر الأمر فقال: وإذا قال هو يفعل أي هو في حال فعل كان نفيه ما يفعل وإذا قال هو يفعل ولم يكن الفعل واقعا فإن نفيه لا يفعل ومعلوم أن ما لا يخلص الفعل المنفي بها للحال وسيبويه قد(4\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "965",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7180",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جعلها في فعل الحال كـ (لا) في فعل الاستقبال فعلم أنه إنما اراد الأكثر من استعمال الحرفين. وتأمل كيف جاء نفي المضارع وهو مرفوع بما ولا وهما لا يزيلان رفعه لتشاكل المنفي بالمثبت ويقابل مرفوع بمرفوع والمشاكلة مهمة في كلامهم حتى يغيروا بها بعض الألفاظ كقولهم: أخذه ما قدم وما حدث والغدايا والعشايا ونظائره وترجع الحال بدخول لام الابتداء عليه نحو إني لأحبك وأما قوله تعالى حكاية عن يعقوب: إني ليحزنني أن تذهبوا به ذهابهم مستقبل وهو فاعل الحزن ويمتنع أن يكون الفاعل مستقبلا والفعل حالا فزعم صاحب التسهيل أن هذا دليل على أن اللام لا تخلص للحالية واحتج أيضا بقوله: وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة . ولقائل أن يقول: التخلص إنما يكون باللام المجردة وأما إذا اقترن بالفعل قرينة تخلصه للاستقبال لم تكن اللام للحال وهذا كسوف كما في قوله تعالى: ولسوف يعطيك ربك فترضى فلولا هذه القرائن لتخلص للحال وهذا كان مع لم كقوله تعالى: وإن لم ينتهوا فإن منعت اقتضاء لم للمضي واما الآن وآنفا والساعة فمخلصة للحال خلافا لبعضهم واحتج بقوله تعالى: فالآن باشروهن والأمر إنما يكون للمستقبل وقد عمل في الآن. وأجيب عن ذلك بأن (الآن) هنا هو الزمن المتصل أوله بالحال مستمرا في الاستقبال فعبر عنه بالآن اعتبارا بأوله كقوله تعالى: فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا والصواب أن الآن في الآية ظرف للأمر والإباحة لا لفعل المأمور به والمعنى فالآن أبحث لكم مباشرتهن لا أن المعنى فالآن مدة وقوع المباشرة منكم وترجع الحالية بنفيه بـ (ما) وليس وإن كقوله: وما أدري ما يفعل بي ولا بكم وكقوله: وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون . مثال نفيه بـ (ليس) قول الشاعر: ولست وبيت الله أرضي بمثلها ... ولكن من يمشي سيرضى بما ركب وأما قوله: فما مثله فيهم ولا كان قبله ... وليس يكون الدهر ما دام بدل فإنما جاء للاستقبال من تقسيم النفي إلى ماض وحال ومستقبل وقال ابن مالك:(4\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "966",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7181",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;لا يخلصه النفي بذلك للاستقبالquot; واحتج بهذا البيت وبقوله: والمرء ساع لأمر ليس يدركه ... والعيش شح وإشفاق وتأميل وبقول أبي ذؤيب: أودى بني وأودعوني حسرة ... عند الرقاد وعبرة ما تقلع وبقول النابغة الذبياني يمدح النبي صلى الله عليه وسلم: له نافلات ما يغب نوالها ... وليس عطاء اليوم مانعه غدا وبقوله تعالى: قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي والتحقيق في ذلك ان هذه الأدوات تنفي الفعل المبتدىء من الحال مستمر النفي في الاستقبال فلا تنفيه في الحال نفيا منقطعا عن التعرض للمستقبل ولا تنفيه في المستقبل مع جواز التلبس به في الحال فتأمله. وتتخلص للاستقبال بعشرة أشياء: حرف تسويف أو مصأحبة ناصب أو أداة ترج أو إشفاق كلعل أو مجازاة أو نوني التوكيد أو لو المصدرية كقوله تعالى: ودوا لو تدهن فيدهنون ومثال الإشفاق قول الشاعر: فأما كيس فنجا ولكن ... عسى يغتر بي حمق لئيم فائدة: قوله في الحديث الصحيح: quot;إنما كنت خليلا من وراء وراء quot; يجوز فيه وجهان: الأول: فتحهما معا وهو الأشهر والأفصح وهما مبنيان على الفتح للتركيب المتضمن للحرف كقولهم: هو جاري بيت بيت والمعنى بيته إلى بيتي ومنه قولهم همزة بين بين وفلان يأتيك صباح مساء ويوم يوم وتركوا البلاد حيث بيث وحاث بات ووقعوا في حيص بيض بيض وأصل هذا كله خمسة عشر وبابه فإن أصله قبل التركيب العطف فركب وبني لتضمنه معنى حرف العطف ولا كذلك بعلبك وبابه لأن(4\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "967",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7182",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاسمين في خمسة عشر مقصود دلالتهما قبل التركيب بخلاف بعلبك. الوجه الثاني: بناء وراء وراء على الضم كالظروف المقطوعه عن الإضافه ورجح هذا بعض المتأخرين محتجا بما أنشده الجوهري في صحاحه بالضم: إذا أنا لمن اومن عليك ولم يكن ... لقاؤك إلا من وراء وراء هكذا أنشده بالضم وعلى هذا فوراء الأولى بنيت كبناء قبل وبعد إذا قطعنا وفي الثانية أربعة أوجه: الأول: أن يكون بناؤها كذلك أيضا على تقدير من فيها أي من وراء من وراء حذفت من اكتفاء بالأولى. الثاني: أن تكون تأكيدا لفظيا للأولى وتبعتها في حركة البناء لقوتها ولأن لها أصلا في الإعراب وبناؤها عارض فهي كحركة المنادي المفرد كقولك يا زيد زيد. الثالث: أن يكون بدلا منها. الرابع: أن يكون عطف بيان كقوله: إني واسطار سطرا ... لقائل يا نصر نصر نصرا وهذان الوجهان عند التحقيق لا شيء لأن الشيء لا يبدل بنفسه إلا باختلاف ما في تعريف وتنكير أو إظهار أو إضمار ومع الاتحاد من كل وجه لا يبدل أحدهما من الآخر لخلو هذا الأبدال عن الفائدة وكذلك عطف البيان فإن الشيء لا يتبين بنفسه ولا يفهم حقيقة عطف البيان بين لفظين متساويين من جميع الوجوه وعلىالوجه الأول وهو فتحهما ففيهما وجهان: أحدهما البناء كما تقدم تقريره والثاني: الإعراب وتكون فتحة وراء فتحة إعراب ولكنه غير منصرف وتقريره أن وراء لما لم يقصد بها قصد مضاف بعينه صارت كأنها اسم مستقل بنفسه وهو علم جنسي لمطلق الخلفية والكلمة مؤنثة فاجتمع فيها التأنيث والعلمية فمنعت الصرف وعلى هذا ففي وراء الثانية الأوجه الأربعة التي تقدمت في المضمومة ويدل على صحة ما ذكرنا ما وقع في بعض روايات الحديث من وراء من وراء بتكرار من في الموضعين وفتح وراء وهذا ينفي التركيب فيتعين به الإعراب ومنع الصرف والدليل على تأنيث الكلمة أن الجوهري نص في كتابه على تأنيثها فقال: quot;وهي(4\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "968",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7183",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مؤنثة لأنهم قالوا في تصغيرها وريئةquot;. قلت: ولكن ليس تأنيثها بالهمزة الممدودة بل تأنيثها معنوي لا علامة له لكن ما تأنيثه بالهمزة إذا صغر لم تقع الهمزة في حشوة كحمراء فلما قالوا وريئة علم أن همزتها ليست للتأنيث بل تأنيثها كتأنيث قوس وإذن ونحوهما وقد حكيت في هاتين الكلمتين أربعة أوجه أخرى: أحدها: من وراء وراء بكسر الهمزة فيهما وهي كسرة بناء. الثانية: من وراء وراء بفتح الأولى وضم الثانية ووجه إضافه الأولى إلى الثانية فأعربت الأولى وبنيت الثانية على الضم قالوا فتكون الأولى ظرفا منصوبا والثانية غاية مقطوعة. قلت: وتصحيح هذا يستلزم أن يكون وراء صفة لمحذوف ليصح تقدير الظرفية فيه فيكون تقديره من مكان وراء وإلا فمع مباشرة من لا ينتصب ظرفا. الثالثة: من وراء وراء بالنصب فيهما علىالظرفية ووجهة ما أشرنا إليه من تقدير موصوف محذوف أي من مكان وراء وراء. الرابعة: من وراء وراء بكسر الأولى وفتح الثانية فتجر الأولى بإضافتها وتعرب الثانية إعراب غير المنصرف كقولك: من أحجر عثمان وموضوع هذه الكلمة كخلف وضد أمام. وذهب بعض المفسرين واللغوين إلى أنها قد تأتي بمعني أمام فتكون مشتركة بينهما واحتج بأمرين: الأول قوله تعالى: من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد وجهنم إنما هي أمام الكافر وكذلك قوله: ومن ورائه عذاب غليظ وإنما العذاب الغليظ أمامه وفيما يستقبله الثاني قوله تعالى: أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك أي أمامهم بدليل قراءة عبد الله بن عباس وكان إمامهم ملك وهذا المذهب ضعيف ووراء لا يكون أماما كما لا يكون أمام وراء إلا بالنسبة إلى شيئين فيكون أمام الشيء وراء لغيره ووراء الشي أماما لغيره فهذا الذي يعقل فيها وأما أن يكون وراء زيد بمعنى أمامه فكلا. وأما ما استدلوا به فلا حجة فيه فأما قوله تعالى: من ورائه جهنم فالمعنى أنه ملاق جهنم بعد موته فهي من بعده أي بعد مفارقته الدنيا فهي لما كانتبعد حياته كانت وراءه لأن وراء كبعد فكما(4\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "969",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7184",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يكون بعد قبل فلا يكون وراء أمام وأنت لو قلت جهنم بعد موت الكافر لم يكن فيها معنى قبل بوجه فوراء ههنا زمان لا مكان فتأمله رحمك الله تعالى فهي خلف زمان حياته وبعده وهي أمامه ومستقبلته فكونها خلفا وأماما باعتبارين وإنما وقع الاشتباه لأن بعدية الزمان إنما يكون فيما يستقبل أمامك كقولك: بعد غد وورائية المكان فيما تخلف وراء ظهرك فمن ورائه جهنم ورائية زمان لا مكان وهي إنما تكون في المستقبل الذي هو أمامك فلما كان معنى الأمام لازم لها ظن من ظن أنها مشتركة ولا اشتراك فيها وكذلك قوله: ومن ورائه عذاب غليظ وكذلك: من ورائه جهنم وأما قوله: وكان وراءهم ملك فإن صحت قراءة وكان أمامهم ملك فلها معنى لا يناقض القراءة العامة وهو أن الملك كان خلف ظهورهم وكان مرجعهم عليه فهو وراءهم في ذهابهم وأمامهم في مرجعهم فالقراءتان بالاعتبارين والله سبحانه وتعالى أعلم. فائدة: قولهم: البدل في نية تكرار العامل إن أريد به أن العامل فيه غير العامل في متبوعه فلا بد من إعادته إما ظاهرا وأما مقدرا كما هو مذهب ابن خروف وغيره فضعيف جدا وهو مخالف لمذهب سيبويه فإن الذي دل عليه كلامه أن العامل فيهما هو الأول ويتعين هذا لأن من المبدلات ما يبدل من مجرور ومجزوم ولا يعاد عامله فلو كان العامل مقدرا لزم اطراد إضمار الجار في الجازم في الأبدال من المجرور والمجزوم وهو ممتنع والذي أوجب لهم ما ادعوه أمران: أحدهما: أنهم رأوا البدل كثيرا ما يعاد معه العامل كقوله تعالى: قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم ولم يروه معادا مع غيره من التوابع إلا نادرا. الثاني: أن البدل(4\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "970",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7185",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو المقصود بالذكر والأول في نية الإطراح فلما كان هو المقصود كانت مباشرته بالعامل أولى بخلاف بقية التوابع فإن المقصود في النعت وعطف البيان والتأكيد هو الأول والثاني توضيح وتبيين وأما عطف النسق وإن قصد فيه التابع والمتبوع فالمعطوف فيه ثان تابع لمقصود فاكتفى فيه بالعامل الأول ولا حجة في شيء من ذلك أما الأول فمجيء البدل خاليا من تكرار العامل أكثر من اقترانه بإعادة العامل وإنما أعيدت اللامم في الآية لمزيد البيان والاختصاص وأن القول من المستكبرين إنما كان للمؤمنين المستضعفين خاصة ونظير إعادة اللام ههنا إعادتها في قوله تعالى: تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وإذا كانوا يزيدون اللام في قولهم لا أبا لك مع شدة ارتباط المضاف بالمضاف إليه لقصد الاختصاص والتببين فالإتيان بها في مثل هذه الآية أولى واقوى ولهذا لم يعد في قوله تعالى: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا وفي قوله: لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة . وفي قوله: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين ولا في قوله: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي الآية ولا في قوله: ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب ولا في وقوله: إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا فنظائره أكثر من أن تذكر. وأما استدلالهم بأن المبدل منه في نية الطرح والمقصود مباشرة العامل للمبدل فغير صحيح فإن الأول مقصود أيضا ولكن ذكر توطئة للمبدل منه ولم يقصد طرحه ويدل عليه قول الشاعر: إن السيوف عدوها وروحها ... تركت هوازن مثل قرن الأعصب فجعل الخبر للسيوف وألغى البدل وجعله كالمطروح إذ لو لم يلغه لقال تركا وإنما يكون الأول في نية الطرح في نوعين من البدل وهما بدل الغلط والأكثر فيهما أن يقعا بعد بل والله أعلم.(4\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "971",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7186",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: البدل والمبدل إما أن يتحدا في المفهوم أولا فإن اتحدا فهو المسمى بدل الكل من الكل وأحسن من هذه التسمية أن يقال بدل العين من العين وبعضهم يقول بدل الموافق من الموافق لأن هذا البدل يجرى فيما لا يقبل التبعيض والكل كقوله تعالى: إلى صراط العزيز الحميد وقوله: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله ونحوه وإن لم يتحدا في المفهوم فإما ان يكون الثاني جزءا من الأول أولا فإن كان جزءا منه فهو بدل البعض من الكل وإن لم يكن جزءه فإما أن يصح الاستغناء بالأول عن الثاني أولا فإن صح فهو بدل الاشتمال بملابس إما وصف أو فعل أو طرف أو مجاور أو مقصود من العين أو يكون مظروفا للأول فالأول كقولك أعجبني زيد حسنه والثاني كقولك أعجبني زيد صلاته والثالث أعجبني زيد داره والرابع أعجبني زيد ثيابه والخامس دعي زيد للطعام أكله والسادس: يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه وهل الأول مشتمل على الثاني أو الثاني على الأول أو العامل مشتمل عليهما ثلاثة أقوال لا طائل تحتها وكلها صحيحة لأن الملابسة حاصلة بين الأول والثاني وهي المرادة من الاشتمال وأما اشتمال العامل عليهما وإن عم سائر أقسام البدل فسمى هذا النوع به لأن كل واحد من الأنواع اختص باسمه فأعطى الاسم العام لهذا النوع من البدل وإن لم يصح الاستغناء بالأول فإما أن يكون المتكلم قد قصده ثم أراد إطراحه أو لم يقصده فإن كان قصده فهو بدل البدا وإن لم يقصده فهو بدل الغلط. فمثال الأول أن تقول: أعط السائل رغيفا ثم ترق عليه فتقول دينارا ومثال الثاني أن تقول أكلت لحما ثم تذكر فتقول خبزا.(4\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "972",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7187",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: قد تبدل الجملة من الجملة كبدل الفعل من الفعل والجملة من المفرد كقولك عرفت زيدا أبو من هو. قال ابن جني ومنه قول الشاعر: إلى الله أشكو بالمدينة حاجة ... وبالشام أخرى كيف يتلقيان قال فكيف يلتقيان بدل من حاجة كأنه قال إلى الله أشكو هاتين الحاجتين تعذر التقاؤهما ويبدل المفرد من المفرد. وأما بدل المفرد من الجملة فلا يتصور إلا أن تكون الجملة في تأويل المفرد فيصح أبدال المفرد من معناها لا من لفظها كقولك أزورك يوم يعافيك الله تعالى يوم السرور. فائدة: لا يشترط في بدل النكرة من المعرفة اتحاد اللفظين وشرطه الكوفيون محتجين لقوله تعالى: بالناصية ناصية واحتج البصريون بقول الشاعر: فلا وأبيك خير منك إني ... ليؤذيني التحمحم والصهيل(4\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "973",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7188",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: يشترك المصدر واسم الفاعل في عملهما عمل الفعل ويفترقان في عشرة أحكام: الأول: أن اسم الفاعل يتحمل ضميرا مستترا نحو هذا ضارب زيد والمصدر لا يتحمله فإذا قلت يعجبني أكل الخبز لم يكن في أكل ضمير فقيل لأنه ليس بمشتق والضمير إنمايحمله المشتقات. الثاني: أن المصدر يعمل بمعنى المضي والحال والاستقبال لأنه أصل الفعل واسم الفاعل يختص عمله بما إذا كان في معنى الحال والاستقبال لأنه يتحمله لشبهه بالفعل المضارع الذي لا يكون إلا لأحدهما. الثالث: أن المصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول كما يسلط الفعل عليهما واسم الفاعل لا يضاف إلى الفاعل لاستحالة إضافته إلى نفسه. الرابع: أن اسم الفاعل يعمل فيما قبله والمصدر لا يعمل فيما قبله وسر الفرق أن المصدر في تقدير أن والفعل فمعموله من صلته فلا يتقدم عليه بخلاف اسم الفاعل. الخامس: أن أضافه اسم الفاعل لا يفيد التعريف إلا إذا كان بمعنى المضي وأضافه المصدر تفيد التعريف مطلقا. السادس: أن الألف واللام إذا دخلت على اسم الفاعل كانت موصولة وإذا دخلت على المصدر لم تكن موصولة ومن الفرق عود الضمير عليها من اسم الفاعل دون المصدر. السابع: أن المصدر ينعقد منه ومن معموله كلام تام لا يفتقر إلي شيء قبله نحو ضربا زيدا واسم الفاعل لا ينعقد منه ومن معمولة كلام تام حتى يعتمد على شيء قبله نحو هذا ضارب زيدا وجاءني مكرم عمرا. الثامن: أن جهة عمل المصدر كونه أصلا للفعل وجهة عمل أسم الفاعل كونه فرعا على الفعل. التاسع: أن أضافه المصدر لا يمنع من نصبه مفعوله وأضافه أسم الفاعل تمنع من نصبه مفعوله إلا أن يتعدي فعله إلى أكثر من واحد فينتصب حينئذ ما عدا(4\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "974",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7189",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المفعول الأول. العاشر: أن الألف واللام إذا دخلت على المصدر أذهبت عمله فلم أنكل عن الضرب مسمعا شاذ نادر وإذا دخلت على اسم الفاعل قوت عمله ولهذا لا يعمل بمعنى المضي فإن اقترنت به الألف واللام عمل تقول هذا الضارب زيدا أمس وسر الفرق أن الألف واللام فيه موصولة تقوى جانب الفعلية فيه بخلافها في المصدر. فائدة: (إما) لا تكون من حروف العطف لأربعة أوجه: أحدها: أنك تقول ضربت إما زيدا وإما عمرا فتذكره قبل معمول الفعل فلو كانت إما من حروف العطف لكنت قد عطفت معمول الفعل عليه وهو ممتنع فلما وقعت إما بين الفعل ومعموله علم أنها ليست بعاطفة. الثاني: أنك تقول جاءني إما زيد وإما عمروا فتقع إما بين الفعل والفاعل ومعلوم أن الفاعل كالجزء من الفعل فلا يصح الفصل بينهما بالعاطف. الثالث: أن تقول وإما عمرو فتدخل الواو عليه ولو كانت حرف عطف لم يدخل عليها حرف عطف آخر كما لا تقول ضربت زيدا أو عمرا. الرابع: أن العطف لا بد أن يكون عطف جملة على جملة أو مفرد على مفرد وإذا قلت ضربت إما زيدا وإما عمرا فإما الأولى لم تعطف زيدا علىمفرد ولا يصح عطفه على الجملة بوجه فالصواب أن حروف العطف تسعة لا عشرة.(4\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "975",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7190",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: إذا قلت: جاءني زيد بل عمرو فله معنيان: أحدهما: أنك نفيت المجيء عن زيد وأثبته لعمرو وعلى هذا فيكون إضراب نفي. والثاني: أنك أثبت لعمرو المجيء كما أثبته لزيد وأتيت بـ (بل) لنفي الاقتصار على الأول لا لنفي الإسناد إليه بل لنفي الاقتصار على الإسناد إليه ويسمى إضراب اقتصار وهذا أكثر استعمالا في القرآن وغيره كقوله تعالى: بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر وكقوله: بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون ونظائره ويسمى هذا إضرابا وخروجا من قصة إلى قصة. وإذا قلت: ما جاءني زيد بل عمرو فله معنيان: أحدهما: أنك نفيت المجيء عن زيد وأثبته لعمرو وهذا قول الأكثرين. والثاني: أنك نفيت المجيء عنهما معا فنسبت إلى الثاني حكم الأول وأنت حكمت على الأول بالنفي ثم نسبت هذا الحكم إلى الثاني. والتحقيق في أمر هذا الحرف أنه يذكر لتقرير ما بعده نفيا كان أو إثباتا فالنظر فيه في أمرين فيما قبله فيما بعده ولما لم يفصل كثير من النحاة بين هذين النظرين وقع في كلامهم تخليط كثير في معناه فنقول أما حكم ما بعده فالتقرير والتحقيق وهو شبيه بمصحوب قد وتجريد العناية بالكلام إلي ما بعده أهم عندهم من الاغتناء بما قبله فقوله تعالى: بل تؤثرون الحياة الدنيا المقصود تقرير هذه الجملة لا الإضراب عن قوله: قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى وكذلك قوله: كلا بل لا تكرمون اليتيم المقصود تقرير هذا النفي وتحقيقه لا الإضراب عن قوله: وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما وكذلك إذا وقعت بين جملتين متضادتين أفادت تقرير كل واحدة منهما كقوله: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم فالمقصود تقرير الطلب والخبر وكذلك(4\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "976",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7191",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قولك لا تضرب زيدا بل اضرب عمرا وكذلك ما قام زيد بل قام عمرو فهي في ذلك كله لتقرير جملتين وكذلك قوله تعالى: أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون المعنى أنكم إذا نزل بكم هذا الأمر العظيم لا تدعون غير الله بل تدعونه وحده فهو تقرير لترك دعائهم الهتهم ولدعائهم الإله الحق وحده فيدخل في مثل ذلك على مقرر بعد مقرر والأول تارة يكون تقريره توطئة للثاني كقوله تعالى: أولئك كالأنعام بل هم أضل وتارة لا يكون توطئة كقوله تعالى: ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا وتارة يدخل على كلام مقرر بعد كلام مردود كقوله تعالى: وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون وفي مثل هذا يظهر معنى الإضراب وليس المراد بهم إضراب عن الذكر بل الإضراب عن المذكور ونفيه وإبطاله وتارة يأتي لتقرير كلام بعد كلام قد رجع عنه المتكلم إما لغلط أو لظهور رأى أو لعروض نسيان وذلك كله إما في الإخبار وإما في المخبر به فمثال الأول أن تقول: أنت عبدي بل سيدي ومثال الثاني لاح برق بل ضوء نار ومثال الثالث خذ هذا بل هذا ومثال الرابع شربت عسلا بل لبنا وتأتي مع التكرار لقصد ما بعدها بالإولوية والذكر دون نفي ما قبلها كقوله تعالى: بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فهم لم يقصدوا إبطال ما قبل كل واحدة بل قصدوا أولوية المتأخر بالقصد إليه والاعتماد عليه مع ثبوت ما قبله وكذلك قوله تعالى: وما يشعرون أيان يبعثون بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون فليس القصد نفي إدراك علمهم في الآخرة ولا نفي شكهم فيها فتأمله ومن مواردها مجيئها بعد قسم لم يذكر جوابه فيتضمن تحقيق ما بعدها وتقريره ويتضمن ذلك مع القسم تحقيق ما قصده بالقسم وتقريره.(4\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "977",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7192",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: احتمال اللفظ للمعنى شيء ودلالته عليه شيء فالمطلق بالنسبة إلى المقيدات محتمل غير دال والعام بالنسبة إلى الأفراد دال. فائدة: حمل اللفظ على المعنى يراد به صلاحيته له تارة ووضعه له تارة فإن أريد بالحمل الإخبار بالوضع طولب مدعيه بالنقل وأن أريد صلاحيته لم يكف ذلك في حمله عليه لأنه لا يلزم من الصلاحية له أن يكون مرادا به ذلك المعنى هذا إن أريد بالحمل الإخبار عن مراد المتكلم وإن أريد به إنشاء معنى يدعيه صاحب الحمل ثم يحمل عليه الكلام فإن ذلك يكون وضعا جديدا فليتأمل هذا من قولهم يحمل اللفظ على كذا وكذا فكثير من النظار أطلق ذلك ولا يحصل معناها. فائدة: تجرد اللفظ عن جميع القرائن الدالة على مراد المتكلم ممتنع في الخارج وإنما يقدره الذهن ويفرضه وإلا فلا يمكن استعماله إلا مقيدا بالمسند والمسند إليه ومتعلقاتهما وأخواتهما الدالة على مراد المتكلم فإن كان كل مقيد مجازا استحال أن يكون في الخارج لفظ(4\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "978",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7193",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حقيقة وإن كان بعض المقيدات مجازا وبعضها حقيقة فلا بد من ضابط للقيود التي تجعل اللفظ مجازا والقيود التي لا تخرجه عن حقيقته ولن يجد مدعو المجاز إلى ضابط مستقيم سبيلا البتة فمن كان لديه شيء فليذكره. فائدة: منع الدلالة شيء ومنع عليه شيء فالثاني مستلزم للأول من غير عكس فمن منع الدلالة مع تسليم للمدلول عليه فانتقل عنه منازعة إلى دليل آخر كان انقطاعا وإن منع المدلول فانتقل عنه المنازع إلى دليل آخر لم يكن انقطاعا كما إذا طعن الخصم في شهود المدعي فأقام بينة أخرى غير مطعون فيها فله ذلك فينبغي التفطن في المناظرة لذلك. فائدة: من ادعى صرف لفظ عن ظاهره إلى مجازه لم يتم له ذلك إلا بعد أربع مقامات: أحدها: بيان امتناع إرادة الحقيقة. الثاني: بيان صلاحية اللفظ لذلك المعنى الذي عينه وإلا كان مفتريا على اللغة. الثالث: بيان تعيين ذلك المجمل إن كان له عدة مجازات. الرابع: الجواز عن الدليل الموجب لإرادة الحقيقة. فما لم يقم بهذه الأمور الأربعة كانت دعواه صرف اللفظ عن ظاهره ولم يعين له مجملا لزمه أمران: أحدهما: بيان الدليل الدال على امتناع إرادة الظاهر. والثاني: جوابه عن المعارض.(4\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "979",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7194",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: صرف اللفظ عن حقيقتة إلى مجازه مدعى صرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته إلى مجازه يتضمن دعواه الإخبار عن مراد المتكلم ومراد الواضع. أما المتكلم فكونه أراد ذلك المعنى الذي عينه الصارف وأما الواضع فكونه وضع اللفظ المذكور دالا على هذا المعنى فإن لم تكن دعواه مطابقة كان كاذبا على المتكلم بخلاف مدعي الحقيقة فإنه إذا تضمنت دعواه إرادة المتكلم للحقيقة وإرادة الواضع كان صادقا أما صدقة على الواضع فظاهر وأما صدقة على المتكلم معرفة مراد المتكلم إنما يحصل بإعادته من كلامه وأنه إنما يخاطب غيره للتفهيم والبيان فمتى عرف ذلك من عادته وخاطبنا لما هو المفهوم من ذلك الخطاب علمنا أنه مراده منه وهذا بحمد بين لاخفاء فيه. فائدة: دلالة اللفظ على مدعى المستدل شيء ودلالته على بطلان قول منازعه شيء آخر وهما ملازمان إن كان القولان متقابلين تقابل التناقض فللمستدل حينئذ تصحيح قوله بأي الطريقين شاء وإن تقابلا تقابل النضاد لم يلزم من إقامته الدليل على بطلان مذهب منازعه صحة مذهبه هو بجواز بطلان المذهبين وكون الحق في ثالث وإن أقام دليلا على صحة قوله لزم منه بطلان قول منازعه لاستحالة جمع الضدين.(4\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "980",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7195",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: الاستدلال شيء والدلالة شيء آخر فلا يلزم من الغلط في أحدهما الغلط في الآخر فقد يغلط في الاستدلال والدلالة صحيحة كما يستدل بنص منسوخ أو مخصوص على حكم فهو دال عليه تناولا والغلط في الاستدلال لا في الدلالة وعكسه كما إذا استدللنا بالحيضة الظاهرة على براءة الرحم فحكمنا بحلها للزوج ثم بانت حاملا فالغلط هنا وقع في الدلالة نفسها لا في الاستدلال فتأمل هذه الفروق. فائدة: تسليم موجب الدليل لا يستلزم تسليم المدعى إلا بشرطين: أحدهما: أن يكون موجبه هو المدعى بعينه أو ملزوم المدعى. الثاني: أن لا يقوم دليل راجح أو مساو على نقيض المدعى ومع وجود هذا المعارض لا يكون تسليم موجب الدليل الذي قد عورض تسليما للمدعى إذ غايته أن يعترف له منازعه بدلالة دليله على المدعى وليس في ذلك تعرض للجواب عن المعارض ولا يتم مدعاه إلا بأمرين جميعا.(4\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "981",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7196",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: ما يذكره المجتهد العالم بالله من موضوع اللفظ لغة شيء وما يعين له مجملا خاصا في بعض موارده من جملة محامله شيء فالأول حكم قوله فيه حكم قول أئمة اللغة فيقيد بشرطه والثاني حكم قوله فيه حكم ما يفتى به فيطلب له الدليل مثاله: قوله الباء في فامسحوا بوجوهكم للتبعيض فهذا حمل منه للباء على التبعيض في هذا المورد وليس هو كقوله ابن السبيل هوالمسافر الذي انقطع عن أهله ووطنه. ونظائره ذلك فهذا نقل محض اللغه والأول استنباط وحمل ومن لم يفرق بين الأمرين غلط في نظره وغالط في مناظرته والله أعلم. فائدة: قوله تعالى: بمثل ما آمنتم به وليس له مثل والجواب من أوجه: الأول: أن المراد به التبكيت والمعنى حصلوا دينا آخر مثله وهو لا يمكن. الثاني: أن المثل صلة. الثالث: أنكم آمنتم بالفرقان من غير تصحيف ولا تحريف فإن آمنوا بالتوراة من غير تصحيف ولا تحريف فقد اهتدوا. الرابع: أن المراد أن آمنوا بمثل ما صرتم به مؤمنين روى ابن جرير أن ابن عباس قال: quot;قولوا فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به قال عبد الجبار: quot;ولا يجوز ترك القراءة المتواترةquot;.(4\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "982",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7197",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: قوله تعالى: فله عشر أمثالها أنث عدد الأمثال لتأويلها بحسنات ومثله قراءة أبي العالية: لا ينفع نفسا إيمانها بالتاء والفعل مسند إلى الإيمان لكنه طاعة وإثابة في المعنى. فائدة: الجهل قسمان: - بسيط: وهو عبارة عن عدم المعرفة مع عدم تلبس بضد. - ومركب وهو جهل أرباب الاعتقادات الباطلة والقسم الأول هو الذي يطلب صاحبه العلم أما صاحب الجهل المركب فلا يطلبه. فائدة: الأجداث القبور وفيها لغتان بالثاء والفاء أهل العالية تقوله بالثاء وأهل السافلة بالفاء. فائدة: في النوم فائدتان: إحداهما: انعكاس الحرارة إلى البطن فينهضم الطعام. الثانية: استراحة الأعضاء التي قد كلت بالأعمال. فائدة: في صحيح البخاري ما انفرد به من رواية عمران بن حصين أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الرجل قاعدا قال: quot;إن صلى قائما فهو أفضل ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعدquot;. قلت: اختلف العلماء هل قوله: quot;من صلى قاعداquot; في الفرض أو النفل فقالت(4\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "983",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7198",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طائفة: هذا في الفرض وهو قول كثير من المحدثين واختيار شيخنا فورد على هذا أن من صلى الفرض قاعدا مع قدرته على القيام فصلاته باطلة وإن كان مع عجزه فأجر القاعد مساو لأجر القائم لقوله صلى الله عليه وسلم: quot;إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيماquot; فقال لي شيخنا: quot;وضع صلاة القاعد على النصف مطلقا وإنما كمل الأجر بالنية للعجزquot;. قلت: ويرد على كون هذا في الفرض قوله: quot;إن صلى قائما فهو أفضلquot; وهذا لا يكون في الفرض مع القدرة لأن صلاته قائما لا مساواة بينها وبين صلاته قاعدا لأن صلاته قاعدا والحالة هذه باطلة فهذه قرينة تدل على أن ذلك في النفل كما قاله طائفة أخرى لكن يرد عليه أيضا قوله: quot;ومن صلى نائماquot; فإنه يدل على جواز التطوع للمضطجع وهو خلاف قول الأئمة الأربعة مع كونه وجها في مذهب أحمد والشافعي. وقال الخطابي: quot;تأولت الحديث في شرح البخاري على النافلة إلا أن قوله: quot;من صلى نائماquot; يبطل هذا التأويل لعدم جواز التطوع نائماquot;. وقال في شرح أبي داود: أنا الآن أتأوله على الفرض وأحمله على من كان القيام مشقا عليه فإذا صلى قاعدا مع إمكان القيام ومشقته فله نصف أجر القائمquot;. وقال ابن عبد البر: quot;أجمعوا على أنه لا يجوز التنفل مضطجعاquot;. قلت: في الترمذي جوازه عن الحسن البصري وروى الترمذي بإسناده عن الحسن قال: quot;إن شاء صلى صلاة التطوع وجالسا قائما ومضطجعاquot; والله أعلم. فائدة: قوله تعالى: كل من عليها فان ولم يقل فيها لأن عند الفناء ليس الحال حال القرار والتمكين.(4\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "984",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7199",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: إن قيل لم كان عاشوراء يكفر سنة ويوم عرفة يكفر سنتين قيل فيه وجهان: أحدهما: أن يوم عرفة في شهر حرام وقبله شهر حرام وبعده شهر حرام بخلاف عاشوراء. الثاني: أن صوم يوم عرفة من خصائص شرعنا بخلاف عاشوراء فضوعف ببركات المصطفى صلى الله عليه وسلم والله أعلم. منتخب من الفوائد المنتقية من الرقوم الشرقية. فائدة: من كتاب المجمل لابن فارس quot;السبت من الأيام والجمع أسبت وسبوت. والسبت الدهر والسبت الراحة والسبت السير السهل والسبت حلق الرأس والسبت الحيرة والمسبت المتحير والسبت ضرب العنق والسبت الغلام العارمquot;. قال: quot;يصبح سهلان ويمسى مسبتا والسبت جلود مدبوغة بقرظquot;. فائدة: روي أنا لما حضرت الحطيئة الوفاة قال: quot;لكل جديد لذة غير أنني وجدت جديد الموت غير لذيذquot;.(4\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "985",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7200",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: في (إبراهيم) ست لغات: أحدها: إبراهيم وهي اللغة الفاشية والثانية: إبراهم والثالثة: إبراهم والرابعة: إبراهيم والخامسة: إبراهام والسادسة: أبرهم. قال عبد المطلب: عذت بما عاذ به إبراهم ... مستقبل الكعبة وهو قائم وقال أيضا: نحسن آل الله في كعبة ... لم يزل ذاك على عهد إبراهم فائدة: قال ابن الأثير في النهاية: quot;وقد تكرر ذكر الموالي في الحديث وهو اسم يقع على جماعة كثيرة فهو: الرب والمالك والسيد والمنعم والمعتق والناصر والمحب والتابع والجار وابن العم والحليف والعقيد والصهر والعبد والمعتق والمنعم عليهquot;. قال في النهاية أيضا: quot;القنوت في الحديث ويرد بمعان متعددة كالطاعة والخشوع والصلاة والدعاء والعبادة والقيام وطول القيام والسكوتquot;. فائدة: العلوم التابعة هي الانفعالية والمتقدمة هي الفعلية وعلوم الله تعالى فعلية والانفعالي عليه محال. قال الشيخ: قلت العلم الفعلي هو الذي يتبعه الفعل كمن(4\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "986",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7201",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعلم مصلحة فيفعلها والعلم الانفعالي هو الذي ينشأ عن الأسباب كما إذا أمر زيد بين يديك فحصل لك العلم بمروره وقد يكون علما خاليا عن القسمين كعلمنا بوجود السماء. فائدة: القبلة عربية والبوس فارسي. فائدة: قال الراغب: quot;الأشياء ثلاثة أقسام: - واجب والعقل يقتضيه. - وممتنع والعقل ينفيه. - وجائز والعقل يتوقف فيه. فائدة: قال المارزي: quot;المعنى في قول الإنسان: (سبحانك اللهم وبحمدك) أي بحمدك سبحانكquot;.(4\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "987",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7202",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: عشر حقائق لا تتعلق إلا بمعدوم: الشرط وجزاؤه والأمر والنهي والدعاء والوعد والوعيد والترجي والتمنى والإباحة. فائدة: قال في المحرر: quot;الربا محرم إلا بين مسلم وحربي لا أمان بينهما ولم يذكر هذه المسألة في المغني وذكر تحريم الربا مطلقا وقال أبو حنيفة: quot;لا يحرم الربا في دار الحربquot;. قال الشيخ: قلت رأيت في تحريم الربا بين المسلم والحربي الذي لا أمان بينهما روايتين منصوصتين. فائدة: قال تعالى: فمنهم من يمشي على بطنه وكذا على أربع يدل على استعمال من فيمن لا يعقل وفيه وجهان: أحدهما: أن صدر الآية قوله تعالى: والله خلق كل دابة من ماء فاجتمع جميع الدواب ومنهم العالمون كالإنس وغير العالمين كالبهائم. والقاعدة: إذا اجتمع من يعقل وغيره غلب من يعقل فلما وقع التفصيل وقع تفصيلا للعقلاء فقط. الوجه الثاني: أنه قابل من يمشي في قوله: ومنهم من يمشي على رجلين فعدل عن الأصل للمقابلة المطلوبة وقيل ما للعالمين أيضا كقوله:(4\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "988",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7203",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا أعبد ما تعبدون وأجيب بأن (ما) هنا مصدرية تقديره: ولا أنتم عابدون عبادتي ولا أنا عابد عبادتكم فما عبر بها إلا عمن لا يعقل وكذلك أجابوا عن قوله: ونفس وما سواها غير أنه أشكل عليهم الضمير في قوله تعالى: فألهمها فجورها وتقواها و (ما) المصدرية حرف لا تعود عليها الضمائر والتزم بعضهم عود الضمير عليها أعنى المصدرية وهو ضعيف ومما أول قوله تعالى: وما خلق الذكر والأنثى ومما عسر تأويله قوله تعالى: فانكحوا ما طاب لكم من النساء والنساء يعقلن. قال الشيخ: قلت ذكر أبو البقاء وغيره أنه إنما قيل: ونفس وما سواها لأن من لم يعقل ولا يوصف الله تعالى بهذا الإطلاق وإنما يوصف بالعلم فأتي بـ (ما) الدالة على مسمى شيء سواها وأما قوله: ما طاب لكم فهي لصفات من يعقل والصفات لا تعقل فهي على أصلها وأما قوله تعالى: ما خلقت بيدي فقال جماعة من النحاة: يعبر بها عن نوع من يعقل كقوله: لما خلقت بيدي ولا يعبر بها عن شخص من يعقل فلا يقال: جاءنى ما عندك. قال الشيخ: قلت وهذا ضعيف لأن آدم -عليه السلام- شخص لا نوع وإنما أتى بما في حقه ليكون اللائمة إلى ترك السجود بمجرد مخالفة الأمر من غير تعلق بغيرها. مسألة: إذا قال: يا مخنث فليس فيه حد نص عليه. قال الشيخ: قلت لأن مدلول هذا ليس صريحا في عمل الفاحشة بل في زيادة التشبه بالنساء ومنه الحديث كان يدخل عليهن مخنث.(4\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "989",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7204",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: قال أبو بكر عبد العزيز: غلام الخلال سمعت بعض شيوخنا يقول إنما امتنع سائر الأنبياء من الشفاعة لأنهم عوتبوا قبل الغفران فأحجمهم عن الهجوم عليه ونبينا عليه السلام غفر له قبل العتاب. فائدة: الحلولات ثلاثة أقسام: - حلول الإحاطة: كحلول الماء في الكوز. - وحلول السريان: كحلول السواد في الجوهر. - وحلول الغاية والظرفية: كحلول النقطة في الخط. قال الشيخ: قلت حلول الروح في البدن قد يشبه حلول الإحاطة بمعنى أن البدن محيط بالروح لأنه ليس بحلول السريان ولا بحلول الغاية فإن لم يكن من حلول الماء في الظرف فهو نوع آخر من الحلول. فائدة: إذا شرب في رمضان زيد الحد عشرين تعزيزا كما فعله علي بالنجاشي نص عليه. وقال أبو بكر: quot;يجلد خمسين أربعين للشرب وعشرة لرمضانquot;.(4\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "990",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7205",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة: لما توفى العباس أحجم الناس عن تعزية ولده عبد الله إجلالا له وتعظيما حتى قدم رجل من البادية فأنشده: إصبر نكن بك صابرين وإنما ... صبر الرعية عند صبر الراس خير من العباس صبرك بعده ... والله خير منك للعباس قال: فسرى عنه وأقبل الناس على تعزيته. فائدة: قال أبو عمر غلام شعبة: سأل أبو موسى أبا العباس يعنى ثعلبا هل بين يتفرقان ويفترقان خلاف قال: quot;نعم أخبرنا ابن الأعرابي عن المفضل قال: يقال افترقا بالكلام وتفرقا بالإجسام. فائدة: في الحديث quot;أصحابي كالنجومquot; فهذا عام وفي الصحيح quot;لا تسبوا أصحابي quot; وهو عموم أيضا وفي المأثور quot;إن الله اختارني واختار لي أصحاباquot; وهو عام أيضا وفي مسند الترمذي وصححه quot;عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعديquot; فخص(4\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "991",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7206",
        "book_id": "qym_3964",
        "book_name": " بدائع الفوائد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأربعة وروى الشافعي وغيره quot;اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمرquot; فهذا خصوص من خصوص وفي الصحيح quot;أنه قال للمرأة: فإن لم تجديني فأتي أبا بكرquot; وهذا خاص من خاص من خاص في الدرجة الثالثة. فائدة عزيزة الوجود: احتج المعتزلة على مخلوقية القرآن بقوله تعالى: خالق كل شيء ونحو ذلك من الآيات. فأجاب الأكثرون بأنه عام مخصوص يخص محل النزاع كسائر الصفات من العلم ونحوه قال ابن عقيل في الإرشاد: quot;ووقع لي أن القرآن لا يتناوله هذا الإخبار ولا يصلح لتناولهquot; قال: quot;لأن به حصل عقد الإعلام بكونه خالقا لكل شيء وما حصل به عقد الإعلام والإخبار لم يكن داخلا تحت الخبرquot; قال: quot;ولو أن شخصا قال: لا أتكلم اليوم كلاما إلا كان كذبا لم يدخل إخباره بذلك تحت ما أخبر بهquot;. قلت: ثم تدبرت هذا فوجدته مذكورا في قوله تعالى: في قصة مريم فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا وإنما أمرت بذلك لئلا تسأل عن ولدها فقولها فلن أكلم اليوم إنسيا به حصل إخبار بأنها لاتكلم الإنس ولم يكن ما أخبرت به داخلا تحت الخبر وإلا كان قولها هذا مخالفا لنذرها. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.(4\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "992",
        "book_number": "18",
        "slug": " -qym_3964"
    },
    {
        "id": "7207",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله العلي العظيم الحليم الكريم الغفور الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين أظهر خلق الإنسان من سلالة من طين ثم جعله نطفة في قرار مكين ثم خلق النطفة علقة سوداء للناظرين ثم خلق العلقة مضغة وهي قطعة لحم بقدر أكلة الماضغين ثم خلق المضغة عظاما مختلفة المقادير والأشكال والمنافع أساسا يقوم عليه هذا البناء المبين ثم كسا العظام لحما هو لها كالثوب للابسين ثم أنشأه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين فسبحان من شملت قدرته كل مقدور وجرت مشيئته في خلقه بتصاريف الأمور وتفرد بملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور الشورى 49 وتبارك العلي العظيم الحليم الكريم السميع البصير العليم هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم آل عمران 3(1\/3)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7208",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له إلها جل عن المثيل والنظير وتعالى عن الشريك والظهير وتقدس عن شبه خلقه فليس كمثله شيء وهو السميع البصير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمنيه على وحيه وحجته على عباده أرسله رحمة للعالمين وقدوة للعاملين ومحجة للسالكين وحجة على العباد أجمعين فهدى من الضلالة وعلم به من الجهالة وكثر به بعد القلة وأعز به بعد الذلة وأغنى به بعد العيلة وفتح برسالته أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة حتى وضحت شرائع الأحكام وظهرت شرائع الإسلام وعز حزب الرحمن وذل حزب الشيطان فأشرق وجه الدهر حسنا واصبح الظلام ضياء واهتدى كل حيران فصلى الله وملائكته وأنبياؤه ورسله وعباده المؤمنون عليه كما وجه الله وعرف به ودعا إليه وعليه السلام ورحمة الله وبركاته أما بعد فان الله سبحانه نوع أحكامه على الإنسان من حين خروجه إلى هذه الدار إلى حين يستقر في دار القرار وقبل ذلك وهو في الظلمات(1\/4)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7209",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثلاث كانت أحكامه القدرية جارية عليه ومنتهية إليه فلما انفصل عن أمه تعلقت به أحكامه الأمرية وكان المخاطب بها الأبوين أو من يقوم مقامهما في تربيته والقيام عليه فلله سبحانه فيه أحكام قيمه بها ما دام تحت كفالته فهو المطالب بها دونه حتى إذا بلغ حد التكليف تعلقت به الأحكام وجرت عليه الأقلام وحكم له بأحكام أهل الكفر وأهل الإسلام وأخذ في التأهب لمنازل السعداء أو دار الأشقياء فتطوى به مراحل الأيام والليالي إلى الدار التي كتب من أهلها ويسر في مراحله تلك لأسبابها واستعمل بعملها فإذا انتهى به السير إلى آخر مرحلة أشرف منها على المسكن الذي عمر له قبل إيجاده إما منزل شقوته وإما منزل سعادته فهناك يضع عصا السفر عن عاتقه ويستقر نواه وتصير دار العدل مأواه أو دار السعادة مثواه فصل  وهذا كتاب قصدنا فيه ذكر أحكام المولود المتعلقة به بعد ولادته ما دام صغيرا من عقيقته وأحكامها وحلق رأسه وتسميته وختانه وبوله وثقب أذنه وأحكام تربيته وأطواره من حين كونه نطفة إلى مستقره في الجنة أو النار فجاء كتابا نافعا في معناه مشتملا من الفوائد على ما لا يكاد يوجد بسواه من نكت بديعة من التفسير وأحاديث تدعو(1\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7210",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحاجة إلى معرفتها وعللها والجمع بين مختلفها ومسائل فقهية لا يكاد الطالب يظفر بها وفوائد حكمية تشتد الحاجة إلى العلم بها فهو كتاب ممتع لقارئه معجب للناظر فيه يصلح للمعاش والمعاد ويحتاج إلى مضمونه كل من وهب له شيء من الأولاد ومن الله أستمد السداد وأسأله التوفيق لسبل الرشاد انه كريم جواد وسميته تحفة المودود بأحكام المولود  والله سبحانه المسؤول أن يجعله خالصا لوجهه الكريم انه حسبنا ونعم الوكيل وجعلته سبعة عشر بابا 1 - الباب الأول في استحباب طلب الأولاد 2 - الباب الثاني في كراهة تسخط ما وهب الله له من البنات 3 - الباب الثالث في استحباب بشارة من ولد له ولد 4 - الباب الرابع في استحباب الأذان والإقامة في أذنه 5 - الباب الخامس في استحباب تحنيكه 6 - الباب السادس في العقيقة وأحكامها وذكر الاختلاف في وجوبها وحجة التابعين(1\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7211",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "7 - الباب السابع في حلق رأسه والتصدق بزنة شعره 8 - الباب الثامن في ذكر تسميته ووقتها ووجوبها 9 - الباب التاسع في ختان المولود وأحكامه 10 - الباب العاشر في ثقب أذن الذكر والأنثى وحكمه 11 - الباب الحادي عشر في حكم بول الغلام والجارية قبل أكلهما الطعام 12 - الباب الثاني عشر في حكم ريق الرضيع ولعابه وهل هو طاهر أو نجس لأنه لا يغسل فمه مع كثرة قيئه 13 - الباب الثالث عشر في جواز حمل الأطفال في الصلاة وان لم يعلم حال ثيابهم 14 - الباب الرابع عشر في استحباب تقبيل الأطفال والأهل 15 - الباب الخامس عشر في وجوب تأديب الأولاد وتعليمهم والعدل بينهم 16 - الباب السادس عشر في ذكر فصول نافعة في تربية الأطفال 17 - الباب السابع عشر في أطوار الطفل من حين كونه نطفة إلى وقت دخوله الجنة أو النار(1\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7212",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الأول  في استحباب طلب الولد قال الله تعالى فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم البقرة 187 فروى شعبة عن الحكم عن مجاهد قال هو الولد وقاله الحكم وعكرمة والحسن البصري والسدي والضحاك وأرفع ما فيه ما رواه محمد بن سعد عن أبيه حدثني عمي حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قال هو الولد وقال ابن زيد هو الجماع وقال قتادة ابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم وعن ابن عباس رواية أخرى قال ليلة القدر(1\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7213",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتحقيق أن يقال لما خفف الله عن الأمة بإباحة الجماع ليلة الصوم إلى طلوع الفجر وكان المجامع يغلب عليه حكم الشهوة وقضاء الوطر حتى لا يكاد يخطر بقلبه غير ذلك أرشدهم سبحانه إلى أن يطلبوا رضاه في مثل هذه اللذة ولا يباشروها بحكم مجرد الشهوة بل يبتغوا بها ما كتب الله لهم من الأجر والولد الذي يخرج من أصلابهم يعبد الله لا يشرك به شيئا ويبتغوا ما أباح الله لهم من الرخصة بحكم محبته لقبول رخصه فإن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته ومما كتب لهم ليلة القدر وأمروا أن يبتغوها لكن يبقى أن يقال فما تعلق ذلك بإباحة مباشرة أزواجهم فيقال فيه إرشاد إلى أن لا يشغلهم ما أبيح لهم من المباشرة عن طلب هذه الليلة التي هي خير من ألف شهر فكأنه سبحانه يقول اقضوا وطركم من(1\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7214",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نساءكم ليلة الصيام ولا يشغلكم ذلك عن ابتغاء ما كتب الله لكم من هذه الليلة التي فضلكم الله بها والله أعلم وعن انس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهيا شديدا ويقول ((تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة)) رواه الإمام أحمد وأبو حاتم في صحيحة وعن معقل بن يسار قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إنى(1\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7215",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصبت امرأة ذات حسن وجمال وإنها لا تلد أفأتزوجها قال لا ثم أتاه الثانية فنهاه ثم أتاه الثالثة فقال تزوجوا الولود فإني مكاثر بكم رواه أبو داود والنسائي وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنكحوا أمهات الأولاد فإني أباهي بكم يوم القيامة رواه الإمام أحمد وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم النكاح من سنتي ومن لم يعمل بسنتي فليس مني وتزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة وقد روى حماد بن سلمة عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن العبد لترفع له الدرجة فيقول أي رب أنى لي هذا فيقول باستغفار ولدك لك من بعدك(1\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7216",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل  ومما يرغب في الولد ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي حسان قال توفي ابنان لي فقلت لأبي هريرة سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا تحدثناه تطيب به أنفسنا عن موتانا قال نعم صغارهم دعاميص الجنة يتلقى أحدهم أباه أو قال أبويه فيأخذ بناحية ثوبه أو يده كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا فلا يتناهى حتى يدخله الله وأباه الجنة وقال أحمد حدثنا وكيع حدثنا شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه أن رجلا كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ابن له فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أتحبه فقال يا رسول الله أحبك الله كما أحبه ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما فعل ابن فلان قالوا يا رسول الله مات فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبيه أما تحب أن لا تأتي بابا من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك(1\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7217",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه فقال رجل أله خاصة يا رسول الله أو لكلنا قال بل لكلكم قال أحمد وحدثنا عبد الله حدثنا عبد ربه بن بارق الحنفي حدثنا أبو زميل الحنفي قال سمعت ابن عباس يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من كان له فرطان من أمتي دخل الجنة فقالت عائشة رصي الله عنها بأبي أنت وأمي فمن كان له فرط فقال ومن كان له فرط يا موفقة قالت فمن لم يكن له فرط في أمتك قال فأنا فرط أمتي لم يصابوا بمثلي وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للنساء ما منكن امرأة يموت لها ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجابا من النار فقالت امرأة واثنان فقال صلى الله عليه وسلم واثنان وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة نحوه ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ابن مسعود وأبو بزرة الأسلمي وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما من(1\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7218",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث فتمسه النار إلا تحلة القسم وفي صحيح البخاري من حديث أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال أتت امرأة بصبي لها فقالت يا نبي الله أدع الله له فلقد دفنت ثلاثة فقال دفنت ثلاثة قالت نعم قال لقد احتظرت بحظار شديد من النار فالولد انه إن عاش بعد أبويه نفعهما وان مات قبلهما نفعهما وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له(1\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7219",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فان قيل ما تقولون في قوله عز وجل وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا النساء 3 قال الشافعي إن لا تكثر عيالكم فدل على أن قلة العيال أولى قيل قد قال الشافعي رحمه الله ذلك وخالفه جمهور المفسرين من السلف والخلف وقالوا معنى الآية ذلك أدنى أن لا تجوروا ولا تميلوا فانه يقال عال الرجل يعول عولا إذا مال وجار ومنه عول الفرائض لأن سهامها إذا زادت دخلها النقص ويقال عال يعيل عيلة إذا احتاج قال تعالى وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم التوبة 28 وقال الشاعر (وما يدري الفقير متى غناه ... وما يدري الغني متى يعيل)(1\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7220",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أي متى يحتاج ويفتقر وأما كثرة العيال فليس من هذا ولا من هذا ولكنه من أفعل يقال أعال الرجل يعيل إذا كثر عياله مثل ألبن وأتمر إذا صار ذا لبن وتمر هذا قول أهل اللغة قال الواحدي في بسيطه ومعنى تعولوا تميلوا وتجوروا عن جميع أهل التفسير واللغة وروي ذلك مرفوعا روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ذلك أن لا تعولوا قال أن لا تجوروا وروي أن لا تميلوا قال وهذا قول ابن عباس والحسن وقتادة والربيع والسدي وأبي مالك وعكرمة والفراء والزجاج وابن قتيبة وابن الأنبا ري قلت ويدل على تعين هذا المعنى من الآية وان كان ما ذكره الشافعي رحمه الله لغة حكاها الفراء عن الكسائي أنه قال ومن الصحابة(1\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7221",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من يقول عال يعول إذا كثر عياله قال الكسائي وهو لغة فصيحة سمعتها من العرب لكن يتعين الأول لوجوه أحدها أنه المعروف في اللغة الذي لا يكاد يعرف سواه ولا يعرف عال يعول إذا كثر عياله إلا في حكاية الكسائي وسائر أهل اللغة على خلافه الثاني أن هذا مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان من الغرائب فانه يصلح للترجيح الثالث أنه مروي عن عائشة وابن عباس ولم يعلم لهما مخالف من المفسرين وقد قال الحاكم أبو عبد الله تفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع الرابع أن الأدلة التي ذكرناها على استحباب تزوج الولود وأخبار النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكاثر بأمته الأمم يوم القيامة يرد هذا التفسير الخامس أن سياق الآية إنما هو في نقلهم مما يخافون الظلم والجور فيه إلى غيره فإنه قال في أولها وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع النساء 4 فدلهم سبحانه(1\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7222",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على ما يتخلصون به من ظلم اليتامى وهو نكاح ما طاب لهم من النساء البوالغ وأباح لهم منه ثم دلهم على ما يتخلصون به من الجور والظلم في عدم التسوية بينهن فقال فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم النساء 4 ثم أخبر سبحانه أن الواحدة وملك اليمين أدنى إلى عدم الميل والجور وهذا صريح في المقصود السادس أنه لا يلتئم قوله فإن خفتم ألا تعدلوا في الأربع فانكحوا واحدة أو تسروا ما شئتم بملك اليمين فان ذلك أقرب إلى أن لا تكثر عيالكم بل هذا أجنبي من الأول فتأمله السابع أنه من الممتنع أن يقال لهم إن خفتم أن ألا تعدلوا بين الأربع فلكم أن تتسروا بمائة سرية وأكثر فانه أدنى أن لا تكثر عيالكم الثامن أن قوله ذلك أدنى ألا تعولوا تعليل لكل واحد من الحكمين المتقدمين وهما نقلهم من نكاح اليتامى إلى نكاح النساء البوالغ ومن نكاح الأربع إلى نكاح الواحدة أو ملك اليمين ولا يليق تعليل ذلك بعلة العيال التاسع أنه سبحانه قال فإن خفتم ألا تعدلوا ولم يقل وان خفتم أنا تفتقروا أو تحتاجوا ولو كان المراد قلة العيال لكان الأنسب أن يقول ذلك(1\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7223",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العاشر أنه سبحانه إذا ذكر حكما منهيا عنه وعلل النهي بعلة أو أباح شيئا وعلل عدمه بعلة فلا بد أن تكون العلة مصادفة لضد الحكم المعلل وقد علل سبحانه إباحة نكاح غير اليتامى والاقتصار على الواحدة أو ما ملك اليمين بأنه أقرب إلى عدم الجور ومعلوم أن كثرة العيال لا تضاد عدم الحكم المعلل فلا يحسن التعليل به(1\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7224",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الثاني  في كراهة تسخط البنات قال الله تعالى لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير الشورى 49 50 فقسم سبحانه حال الزوجين إلى أربعة أقسام اشتمل عليها الوجود وأخبر أن ما قدره بينهما من الولد فقد وهبهما إياه وكفى بالعبد تعرضا لمقته أن يتسخط ما وهبه وبدأ سبحانه بذكر الإناث فقيل جبرا لهن لأجل استثقال الوالدين لمكانهن وقيل وهو أحسن إنما قدمهن لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء لا ما يشاء الأبوان فان الأبوين لا يريدان إلا الذكور غالبا وهو سبحانه قد أخبر أنه يخلق ما يشاء فبدأ بذكر الصنف الذي يشاء ولا يريده الأبوان وعندي وجه آخر وهو أنه سبحانه قدم ما كانت تؤخره الجاهلية(1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7225",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من أمر البنات حتى كانوا يئدوهن أي هذا النوع المؤخر عندكم مقدم عندي في الذكر وتأمل كيف نكر سبحانه الإناث وعرف الذكور فجبر نقص الأنوثة بالتقديم وجبر نقص التأخير بالتعريف فإن التعريف تنويه كأنه قال ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم ثم لما ذكر الصنفين معا قدم الذكور إعطاء لكل من الجنسين حقه من التقديم والتأخير والله أعلم بما أراد من ذلك والمقصود أن التسخط بالإناث من أخلاق الجاهلية الذين ذمهم الله تعالى في قوله وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون النحل 58 59 وقال وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم الزخرف 17 ومن هاهنا عبر بعض المعبرين لرجل قال له رأيت كأن وجهي أسود فقال ألك امرأة حامل قال نعم قال تلد لك أنثى وفي صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(1\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7226",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو هكذا وضم إصبعيه وروى عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت جاءت امرأة ومعها ابنتان لها تسألني فلم تجد عندي شيئا غير تمرة واحدة فأعطيتها إياها فأخذتها فشقتها بين ابنتيها ولم تأكل منها شيئا ثم قامت فخرجت هي وابنتاها فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على تفيئة ذلك فحدثته حديثها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترا من النار رواه ابن المبارك عن معمر عن الزهري عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن عروة وهو في الصحيح والحديث في مسند أحمد وفيه أيضا من حديث أيوب بن بشير الأنصاري عن أبي سعيد(1\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7227",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكون لأحد ثلاث بنات أو ثلاث أخوات أو بنتان أو أختان فيتقي الله فيهن ويحسن إليهن إلا دخل الجنة ورواه الحميدي عن سفيان عن سهيل بن أبي صالح عن أيوب بن بشير عن سعيد الأعشى عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم من كان له ثلاث بنات أو أخوات أو بنتان أو أختان فأحسن صحبتهن وصبر عليهن واتقى الله فيهن دخل الجنة وقال محمد بن عبد الله الأنصاري عن ابن جريج حدثني أبو الزبير عن عمر بن نبهان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من كان له ثلاث بنات فصبر على لأوائهن وعلى ضرائهن دخل الجنة وفي رواية فقال رجل يا رسول الله واثنتين قال واثنتين قال يا رسول الله وواحدة قال وواحدة(1\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7228",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال البيهقي حدثنا أحمد بن الحسن حدثنا الأصم حدثنا الحسن بن مكرم حدثنا عثمان بن عمر أنبأ النهاس عن شداد أبي عمار عن عوف بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من كان له ثلاث بنات ينفق عليهن حتى بين أو يمتن كن له حجابا من النار وقال علي بن المديني حدثنا يزيد بن زريع حدثنا النهاس بن قهم حدثنا شداد أبو عمار عن عوف بن مالك الأشجعي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من عبد يكون له ثلاث بنات فينفق عليهن حتى يبن أو يمتن إلا كن له حجابا من النار فقالت امرأة يا رسول الله وابنتان قال وابنتان قال وقال أبو عمار عن عوف بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين في الجنة(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7229",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروى فطر بن خليفة عن شرحبيل بن سعد عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مسلم يكون له ابنتان فيحسن إليهما ما صحبهما وصحبتاه إلا أدخلتاه الجنة وقال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ابن المنكدر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كان له ثلاث بنات أو أخوات فكفهن وآواهن وزوجهن دخل الجنة قالوا وابنتان قال وابنتان حتى ظننا أنهم لو قالوا أو واحدة قال أو واحدة هذا مرسل وقال عبد الله بن المبارك عن حرملة بن عمران قال سمعت أبا عشانة قال سمعت عقبة بن عامر الجهني يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من كانت له ثلاث بنات فصبر عليهن فأطعمهن وسقاهن وكساهن من(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7230",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جدته كن له حجابا من النار رواه الإمام أحمد في مسنده وقد قال تعالى في حق النساء فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا النساء 19 وهكذا البنات أيضا قد يكون للعبد فيهن خير في الدنيا والآخرة ويكفي في قبح كراهتهن أن يكره ما رضيه الله وأعطاه عبده وقال صالح بن أحمد كان أبي إذا ولد له ابنة يقول الأنبياء كانوا آباء بنات ويقول قد جاء في البنات ما قد علمت وقال يعقوب بن بختان ولد لي سبع بنات فكنت كلما ولد لي ابنة دخلت على أحمد بن حنبل فيقول لي يا أبا يوسف الأنبياء آباء بنات فكان يذهب قوله همي(1\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7231",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الثالث  في استحباب بشارة من ولد له ولد وتهنئته قال الله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب إلى قوله فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط هود 69 74 وقال تعالى في سورة الصافات فبشرناه بغلام حليم الصافات 101 وقال في الذاريات وبشروه بغلام عليم الذاريات 28 وقال في سورة الحجر ونبئهم عن ضيف إبراهيم إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون الحجر 57 - 52 وقال تعالى يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا مريم 7(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7232",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا آل عمران 39 ولما كانت البشارة تسر العبد وتفرحه استحب للمسلم أن يبادر إلى مسرة أخيه وإعلامه بما يفرحه 0 ولما ولد النبي صلى الله عليه وسلم بشرت به ثويبة عمه أبا لهب وكان مولاها وقالت قد ولد الليلة لعبد الله ابن فأعتقها أبو لهب سرورا به فلم يضيع الله ذلك له وسقاه بعد موته في النقرة التي في أصل إبهامه فان فاتته البشارة استحب له تهنئته والفرق بينهما إن البشارة إعلام له بما يسره والتهنئة دعاء له بالخير فيه بعد أن علم به(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7233",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولهذا لما أنزل الله توبة كعب بن مالك وصاحبيه ذهب إليه البشير فبشره فلما دخل المسجد جاء الناس فهنؤوه وكانت الجاهلية يقولون في تهنئتهم بالنكاح بالرفاء والبنين والرفاء الالتحام والاتفاق أي تزوجت زواجا يحصل به الاتفاق والالتحام بينكما والبنون فيهنؤون بالبنين سلفا وتعجيلا ولا ينبغي للرجل أن يهنىء بالابن ولا يهنىء بالبنت بل يهنىء بهما أو يترك التهنئه ليتخلص من سنة الجاهلية فان كثيرا منهم كانوا يهنئون بالابن وبوفاة البنت دون ولادتها وقال أبو بكر بن المنذر في الأوسط روينا عن الحسن البصري أن رجلا جاء إليه وعنده رجل قد ولد له غلام فقال له يهنك الفارس فقال له الحسن ما يدريك فارس هو أو حمار قال فكيف نقول قال قل بورك لك في الموهوب وشكرت الواهب وبلغ رشده ورزقت بره والله اعلم(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7234",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الرابع  في استحباب التأذين في أذنه اليمنى والإقامة في أذنه اليسرى وفي هذا الباب أحاديث أحدها ما رواه أبو عبد الله الحاكم حدثنا أبو جعفر محمد بن دحيم حدثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة حدثنا عبيد الله بن موسى أنا سفيان بن سعيد الثوري عن عاصم بن عبيد الله أخبرني عبيد الله بن أبي رافع عن أبي رافع قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة رواه أبو داود والترمذي وقال حديث صحيح الثاني ما رواه البيهقي في الشعب من حديث الحسن بن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى رفعت عنه أم الصبيان(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7235",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثالث ما رواه أيضا من حديث أبي سعيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في أذن الحسن بن علي يوم ولد وأقام في أذنه اليسرى قال وفي إسنادهما ضعف وسر التأذين والله أعلم أن يكون أول ما يقرع سمع الإنسان كلماته المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته والشهادة التي أول ما يدخل بها في الإسلام فكان ذلك كالتلقين له شعار الإسلام عند دخوله إلى الدنيا كما يلقن كلمة التوحيد عند خروجه منها وغير مستنكر وصول أثر التأذين إلى قلبه وتأثيره به وان لم يشعر مع ما في ذلك من فائدة أخرى وهي هروب الشيطان من كلمات الأذان وهو كان يرصده حتى يولد فيقارنه للمحنة التي قدرها الله وشاءها فيسمع شيطانه ما يضعفه ويغيظه أول أوقات تعلقه به وفيه معنى آخر وهو أن تكون دعوته إلى الله وإلى دينه الإسلام وإلى عبادته سابقة على دعوة الشيطان كما كانت فطرة الله التي فطر عليها سابقة على تغيير الشيطان لها ونقله عنها ولغير ذلك من الحكم(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7236",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الخامس  في استحباب تحنيكه وفي الصحيحين من حديث أبي بردة عن أبي موسى قال ولد لي غلام فأتيت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسماه إبراهيم وحنكه بتمرة زاد البخاري ودعا له بالبركة ودفعه ألي وكان اكبر ولد أبي موسى وفي الصحيحين من حديث انس بن مالك قال كان ابن لأبي طلحة يشتكي فخرج أبو طلحة فقبض الصبي فلما رجع أبو طلحة قال ما فعل الصبي قالت أم سليم هو أسكن مما كان فقربت إليه العشاء فتعشى ثم أصاب منها فلما فرغ قالت واروا الصبي فلما أصبح أبو طلحة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال أعرستم الليلة قال نعم قال اللهم بارك لهما فولدت غلاما فقال لي أبو طلحة احمله حتى تأتي به النبي صلى الله عليه وسلم وبعثت به بتمرات فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فقال أمعه شيء قالوا نعم تمرات فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم فمضغها ثم أخذها من فيه فجعلها(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7237",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في في الصبي ثم حنكه وسماه عبد الله وروى أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أسماء أنها حملت بعبد الله ابن الزبير بمكة قال فخرجت وأنا متم فأتيت المدينة فنزلت بقباء فولدته بقباء ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعته في حجره فدعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ثم حنكه بالتمرة ثم دعا له وبرك عليه وكان أول مولود ولد في الإسلام للمهاجرين بالمدينة قالت ففرحوا به فرحا شديدا وذلك انهم قيل لهم إن اليهود قد سحرتكم فلا يولد لكم وقال الخلال أخبرني محمد بن علي قال سمعت أم ولد أحمد بن حنبل تقول لما أخذ بي الطلق كان مولاي نائما فقلت له يا مولاي هو ذا أموت فقال يفرج الله فما هو إلا أن قال يفرج الله حتى ولدت سعيدا فلما ولدته قال هاتوا ذلك التمر لتمر كان عندنا من تمر مكة فقلت لأم علي إمضغي هذا التمر وحنكيه ففعلت والله أعلم(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7238",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب السادس  في العقيقة وأحكامها وفيه اثنان وعشرون فصلا  1 - الفصل الأول في بيان مشروعيتها 2 - الفصل الثاني قي ذكر حجة من ذكرها 3 - الفصل الثالث في أدلة الاستحباب 4 - الفصل الرابع في الجواب عما أحتجوا به 5 - الفصل الخامس في اشتقاق اسمها ومن أي شيء أخذ 6 - الفصل السادس هل تكره تسميتها عقيقة أم لا 7 - الفصل السابع في ذكر الخلاف في وجوبها واستحبابها وحجج الفريقين 8 - الفصل الثامن في الوقت الذي تستحب فيه العقيقة 9 - الفصل التاسع في أنها افضل من الصدقة 10 - الفصل العاشر في تفاضل الذكر والأنثى فيها 11 - الفصل الحادي عشر في ذكر الغرض من العقيقة وحكمها وفوائدها واحياء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7239",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "12- الفصل الثاني عشر في أن طبخ لحمها أفضل من التصدق به نيئا 13 - الفصل الثالث عشر في كراهة كسر عظمها 14 - الفصل الرابع عشر في السن المجزىء فيها 15 - الفصل الخامس عشر في أنه لا يجزىء عن الرأس إلا الرأس ولا يصح اشتراك السبعة فيها في البدنه والبقرة 16 - الفصل السادس عشر هل تجزىء العقيقة بغير النعم من الابل والبقر 17 - الفصل السابع عشر في بيان مصرفها وما يتصدق به منها ويهديه واستحباب الهدية منها للقابلة 18 - الفصل الثامن عشر في حكم اجتماع العقيقة والأضحية وهل يجزىء أحدهما عن الآخر أم لا 19 - الفصل التاسع عشر في حكم من لم يعق عنه أبواه هل يعق عن نفسه إذا بلغ 20 - الفصل العشرون في حكم جلدها وسواقطها هل يجوز بيعه أم حكمه حكم الأضحية 21 - الفصل الحادي والعشرون فيما يقال عن ذبح العقيقة 22 - الفصل الثاني والعشرون في حكمة اختصاصها باليوم السابع والرابع عشر والحادي والعشرين(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7240",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل الأول - في بيان مشروعيتها قال مالك هذا الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا وقال يحيى بن سعيد الأنصاري أدركت الناس وما يدعون العقيقة عن الغلام والجارية قال ابن المنذر وذلك أمر معمول به بالحجاز قديما وحديثا يستعمله العلماء وذكر مالك أنه الأمر الذي لا اختلاف فيه عندهم قال وممن كان يرى العقيقة عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعائشة أم المؤمنين وروينا ذلك عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن بريدة الأسلمي والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح والزهري وأبي الزناد وبه قال مالك وأهل المدينة والشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور وجماعة يكثر عددهم من أهل العلم متبعين في ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا ثبتت السنة وجب القول بها ولم يضرها من عدل عنها قال وأنكر أصحاب الرأي أن تكون العقيقة سنة وخالفوا في ذلك الأخبار الكائنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه وعمن روي عنه ذلك من التابعين انتهى  الفصل الثاني - في ذكر حجج من كرهها قالوا روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7241",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سئل عن العقيقة فقال لا أحب العقوق قالوا ولأنها من فعل أهل الكتاب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن اليهود تعق عن الغلام ولا تعق عن الجارية ذكره البيهقي قالوا وهي من الذبائح التي كانت الجاهلية تفعلها فأبطلها الإسلام كالعتيرة والفرع قالوا وقد روى الإمام أحمد من حديث أبي رافع رضي الله عنه أن الحسن بن علي لما ولد أرادت أمه فاطمة أن تعق عنه بكبشين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعقي ولكن احلقي شعر رأسه فتصدقي بوزنه من الورق ثم ولد حسين بعد ذلك فصنعت مثل ذلك(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7242",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل الثالث  في أدلة الاستحباب فأما أهل الحديث قاطبة وفقهاؤهم وجمهور أهل العلم فقالوا هي من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتجوا على ذلك بما رواه البخاري في صحيحه عن سلمان بن عمار الضبي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى وعن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه رواه أهل السنن كلهم وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة رواه الإمام أحمد والترمذي وقال حديث صحيح وفي لفظ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نعق عن الجارية شاة وعن(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7243",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الغلام شاتين رواه الإمام أحمد في مسنده وعن أم كرز الكعبية أنها سألت الرسول صلى الله عليه وسلم عن العقيقة فقال عن الغلام شاتان وعن الأنثى واحدة ولا يضركم ذكرانا كن أو إناثا رواه أحمد والترمذي وقال هذا حديث صحيح وقال الضحاك بن مخلد أنبأ أبو حفص سالم بن تميم عن أبيه عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن اليهود تعق عن الغلام ولا تعق عن الجارية فعقوا عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة ذكره البيهقي(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7244",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا رواه أبو داود والنسائي ولفظ النسائي بكبشين كبشين وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول صلى الله عليه وسلم أمر بتسمية المولود يوم سابعه ووضع الأذى عنه والعق قال الترمذي هذا حديث حسن غريب وعن بريدة الأسلمي قال كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران رواه أبو داود وروى ابن المنكدر من حديث يحيى بن يحيى أنبأنا هشيم عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه أن أبا بكرة ولد له ابنه عبد الرحمن وكان أول مولود ولد بالبصرة فنحر عنه جزورا فأطعم أهل البصرة وأنكر بعضهم ذلك وقال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاتين عن الغلام وعن الجارية بشاة وعن الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في العقيقة كل غلام مرتهن(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7245",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويدمى قال أبو داود فكان قتادة إذا سئل عن الدم كيف يصنع به قال إذا ذبحت العقيقة أخذت منها صوفة واستقبلت بها أوداجها ثم توضع على يافوخ الصبي حتى يسيل على رأسه مثل الخيط ثم يغسل رأسه ويحلق قال أبو داود وهذا وهم من همام بن يحيى يعني ويدمى ثم ساقه من طريق أخرى قال كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمى قال أبو داود ويسمى أصح وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة وقال الترمذي حديث حسن صحيح وهذا الحديث قد سمعه الحسن من سمرة فذكره البخاري في صحيحه عن حبيب بن الشهيد قال قال لي ابن سيرين سئل الحسن ممن سمع حديث العقيقة فسألته فقال من سمرة بن جندب وقد ذكر البيهقي عن سلمان بن شرحبيل حدثنا يحيى بن حمزة قال(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7246",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت لعطاء الخرساني ما مرتهن بعقيقته قال يحرم شفاعة ولده وقال اسحق بن هانيء سألت أبا عبد الله عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم الغلام مرتهن بعقيقته ما معناه قال نعم سنة النبي صلى الله عليه وسلم أن يعق عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة فإذا لم يعق عنه فهو محتبس بعقيقته حتى يعق عنه وقال الأثرم قال أبو عبد الله ما في هذه الأحاديث أوكد من هذا يعني في العقيقة كل غلام مرتهن بعقيقته وقال يعقوب بن بختان سئل أبو عبد الله عن العقيقة فقال ما أعلم فيه شيئا أشد من هذا الحديث الغلام مرتهن بعقيقته وقال حنبل قال أبو عبد الله ولا أحب لمن أمكنه وقدر أن لا يعق عن ولده ولا يدعه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال الغلام مرتهن بعقيقته وهو أشد ما روي فيه وإنما كره النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك الاسم وأما الذبح فالنبي صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك وقال أحمد بن القاسم قيل لأبي عبد الله العقيقة واجبة هي فقال أما واجبة فلا أدري لا أقول واجبة ثم قال أشد شيء فيه أن الرجل مرتهن بعقيقته وقد قال أحمد في موضع آخر مرتهن عن الشفاعة لوالديه(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7247",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما قوله ويدمى فقد اختلف في هذه اللفظة فرواها همام عن يحيى عن قتادة فقال ويدمى وفسرها قتادة بما تقدم حكايته وخالفه في ذلك أكثر أهل العلم وقالوا هذا من فعل أهل الجاهلية وكرهه الزهري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق قال أحمد أكره أن يدمى رأس الصبي هذا من فعل الجاهلية وقال عبد الله بن أحمد سألت أبي عن العقيقة أيذبح ويدمى رأس الصبي أو الجارية فقال أبي ولا يدمى وقال الخلال أخبرني العباس بن أحمد أن أبا عبد الله سئل عن تلطيخ رأس الصبي بالدم فقال لا أحبه انه من فعل الجاهلية قيل له فان هماما كان يقول يدميه فذكر أبو عبد الله عن رجل قال كان يقول يسميه ولا أحب قول همام في هذا وأخبرنا أحمد بن هاشم الأنطاكي قال قال أحمد اختلف همام وسعيد في العقيقة قال أحدهما يدمى وقال الآخر يسمى وعن أحمد رواية أخرى أن التدمية سنة قال الخلال أخبرني عصمة بن عصام قال حدثنا حنبل قال سمعت أبا عبد الله في الصبي يدمى رأسه قال هذه سنة ومذهبه الذي رواه عنه كافة أصحابه الكراهية قال الخلال وأخبرني عصمة بن عصام في موضع آخر حدثنا حنبل قال سمعت أبا عبد الله يقول يحلق رأس الصبي وأخبرني محمد بن علي حدثنا صالح وأنبأ أحمد بن محمد(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7248",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن حازم حدثنا إسحاق كلهم يذكر عن أبي عبد الله قال الدم مكروه لم يرو إلا في حديث سمرة أخبرني محمد بن الحسين أن الفضل حدثهم أنه قال لأبي عبد الله فيحلق رأسه قال نعم قلت فيدمى قال لا هذا من فعل الجاهلية قلت فحديث قتادة عن الحسن كيف هو ويدمى فقال أما همام فيقول ويدمى وأما سعيد فيقول ويسمى وقال في رواية الأثرم قال ابن أبي عروبة يسمى وقال همام ويدمى وما أراه إلا خطأ وقد قال أبو عبد الله ابن ماجة في سننه حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب حدثنا عبد الله بن وهب حدثني عمرو بن الحارث عن أيوب بن موسى أنه حدثه عن يزيد بن عبد المزني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يعق عن الغلام ولا يمس رأسه بدم وقد تقدم حديث بريدة كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها فلما جاء الإسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران وقد روى البيهقي وغيره من حديث ابن جريج عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت كان أهل الجاهلية يجعلون قطنة في دم العقيقة ويجعلونه على رأس الصبي فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل مكان(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7249",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدم خلوقا قال ابن المنذر ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أهريقوا عليه دما وأميطوا عنه الأذى والدم أذى فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمرنا بإماطة الأذى عنه والدم أذى وهو من أكبر الأذى فغير جائز أن ينجس رأس الصبي بالدم  الفصل الرابع في الجواب عن حجج من كرهها قال الإمام أحمد في رواية حنبل وقد حكي عن بعض من كرهها أنها من أمر الجاهلية قال هذا لقلة علمهم وعدم معرفتهم بالأخبار والنبي صلى الله عليه وسلم قد عق عن الحسن والحسين وفعله أصحابه وجعلها هؤلاء من أمر الجاهلية والعقيقة سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال الغلام مرتهن بعقيقته وهو \/\/ إسناد جيد \/\/ يرويه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال في رواية(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7250",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأثرم في العقيقة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مسندة وعن أصحابه وعن التابعين وقال هؤلاء هي من عمل الجاهلية وتبسم كالمعجب وقال الميموني قلت لأبي عبد الله يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في العقيقة شيء فقال أي والله غير حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة قلت له فتلك الأحاديث التي يعترض فيها فقال ليست بشيء لا يعبأ بها وأما أحاديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا أحب العقوق فسياق الحديث من أدلة الاستحباب فان لفظه هكذا سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العقيقة فقال لا أحب العقوق وكأنه كره الاسم فقالوا يا رسول الله إنما نسألك عن أحدنا يولد له ولد فقال من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة وأما حديث أبي رافع فلا يصح وقد قال الإمام أحمد في هذه الأحاديث المعارضة لأحاديث العقيقة ليست بشيء لا يعبأ بها وقد استفاضت الأحاديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين فروى أبو أيوب عن عكرمة عن(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7251",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا ذكره أبو داود وقد ذكر جرير بن حازم عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين كبشين وذكر يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت عق رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين يوم السابع ولو صح قوله لا تعقي عنه لم يدل ذلك على كراهة العقيقة لأنه صلى الله عليه وسلم أحب أن يتحمل عنها العقيقة فقال لها لا تعقي عق هو صلى الله عليه وسلم وكفاها المؤنة وأما قولهم إنها من فعل أهل الكتاب فالذي من فعلهم تخصيص الذكر بالعقيقة دون الأنثى كما دل عليه لفظ الحديث فانه قال إن اليهود تعق عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة  الفصل الخامس في اشتقاقها ومن أي شيء أخذت قال أبو عمرو فأما العقيقة في اللغة فذكر أبو عبيد عن الأصمعي وغيره(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7252",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن أصلها الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد وإنما سميت الشاة التي تذبح عنه عقيقة لأنه يحلق عنه ذلك الشعر عند الذبح قال ولهذا قال أميطوا عنه الأذى يعني بذلك الشعر قال أبو عبيد وهذا مما قلت لك انهم ربما سموا الشيء باسم غيره إذا كان معه أو من سببه فسميت الشاة عقيقة لعقيقة الشعر وكذلك كل مولود من البهائم فإن الشعر الذي يكون عليه حين يولد عقيقة وعقة قال زهير يذكر حمار وحش (أذلك أم أقب البطن جأب ... عليه من عقيقته عفاء) قال يعني صغار الوبر وقال ابن الرقاع يصف حمارا (تحسرت عقة عنه فأنسلها ... واجتاب أخرى جديدا بعدما ابتقلا) قال يريد أنه لما فطم من الرضاع وأكل البقل ألقى عقيقته واجتاب أخرى قال أبو عبيدة العقيقة والعقة في الناس والحمر ولم يسمع في غير(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7253",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك انتهى كلام أبي عبيد وقد أنكر الامام أحمد تفسير أبي عبيد هذا للعقيقة وما ذكره عن الأصمعي وغيره في ذلك وقال إنما العقيقة الذبح نفسه وقال ولا وجه لما قال أبو عبيد قال أبو عمرو واحتج بعض المتأخرين لأحمد بن حنبل في قوله هذا بأن ما قال أحمد من ذلك فمعروف في اللغة لأنه يقال عق إذا قطع ومنه عق والدية إذا قطعهما قال أبو عمرو ويشهد لقول أحمد بن حنبل قول الشاعر (بلاد بها عق الشباب تمائمه ... وأول أرض مس جلدي ترابها) يريد أنه لما شب قطعت عنه تمائه ومثل هذا قول ابن ميادة (بلاد بها نيصت علي تمائمي ... وقطعن عني حين أدركني عقلي) قال أبو عمرو وقول أحمد في معنى العقيقة في اللغة أولى من قول أبي عبيد وأقرب وأصوب والله أعلم انتهى كلام أبي عمرو وقال الجوهري عق عن ولده يعق عقا إذا ذبح يوم أسبوعه وكذلك إذا حلق عقيقته فجعل العقيقة لأمرين وهذا أولى والله أعلم وأما قوله في الحديث لا أحب العقوق فهو تنبيه على كراهة ما تنفر عنه(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7254",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القلوب من الأسماء وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الكراهة لذلك جدا حتى كان يغير الاسم القبيح بالحسن ويترك النزول في الأرض القبيحة الاسم والمرور بين الجبلين القبيح اسمهما وكان يحب الاسم الحسن والفأل الحسن وفي الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للقحة من يحلب هذه فقام رجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اسمك فقال له الرجل مرة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اجلس ثم قال من يحلب هذه فقام رجل آخر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اسمك فقال حرب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اجلس ثم قال من يحلب هذه فقام رجل فقال له صلى الله عليه وسلم ما اسمك فقال يعيش فقال له النبي صلى الله عليه وسلم احلب رواه مرسلا في موطئه وأسنده ابن وهب في جامعه فقال حدثني ابن لهيعة عن الحارث ابن يزيد عن عبد الرحمن بن جبير عن يعيش الغفاري قال دعا النبي صلى الله عليه وسلم يوما بناقة فقال من يحلبها فقام رجل فقال ما اسمك قال مرة قال اقعد فقام آخر فقال ما اسمك قال جمرة قال اقعد ثم قام رجل فقال ما اسمك قال يعيش قال احلبها(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7255",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أبو عمر هذا من باب الفأل الحسن لا من باب الطيرة وعندي فيه وجه آخر وهو أن بين الاسم والمسمى علاقة ورابطة تناسبه وقلما يتخلف ذلك فالألفاظ قوالب للمعاني والأسماء أقوال المسميات (وقل إن أبصرت عيناك ذا لقب ... إلا ومعناه إن فكرت في لقبه) فقبح الاسم عنوان قبح المسمى كما أن قبح الوجه عنوان قبح الباطن ومن هاهنا والله أعلم أخذ عمرو بن الخطاب رضي الله عنه ما ذكره مالك أنه قال لرجل ما اسمك فقال جمرة فقال ابن من قال ابن شهاب قال ممن قال من الحرقة قال أين مسكنك قال بحرة النار قال بأيتها قال بذات لظى فقال عمر أدرك أهلك فقد احترقوا فكان كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد ذكر ابن أبي خيثمة من حديث بريدة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتطير فركب بريدة في سبعين راكبا من أهل بيته من بني أسلم فلقي النبي صلى الله عليه وسلم ليلا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم من أنت قال أنا بريدة فالتفت إلى أبي بكر(1\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7256",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال يا أبا بكر برد أمرنا وصلح ثم قال ممن قلت من أسلم قال لأبي بكر الآن سلمنا ثم قال ممن قال من سهم قال خرج سهمك ولما رأى سهيل بن عمرو مقبلا يوم صلح الحديبية قال سهل أمر كم وانتهى في مسيره إلى جبلين فسأل عن اسمهما فقال مخز وفاضح فعدل عنهما ولم يسلك بينهما وغير اسم عاصية بجميلة واسم أصرم بزرعة قال أبو داود في السنن وغير النبي صلى الله عليه وسلم اسم العاص وعزيز وعتلة وشيطان والحكم وغراب وشهاب فسماه هشاما وسمى حربا أسلم وسمى المضطجع المنبعث وأرض عفرة سماها خضرة وشعب الضلالة سماه شعب الهدى وبنو الزينة سماهم بني الرشدة وهذا باب عجيب من أبواب الدين وهو العدول عن الاسم الذي تستقبحه(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7257",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العقول وتنفر منه النفوس إلى الاسم الذي هو أحسن منه والنفوس إليه أميل وكان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الاعتناء بذلك حتى قال لا يقل أحدكم خبثت نفسي ولكن ليقل لقست نفسي فلما كان اسم العقيقة بينه وبين العقوق تناسب وتشابه كرهه صلى الله عليه وسلم وقال إن الله لا يحب العقوق ثم قال من ولد له مولود فأحب إن ينسك عنه فليفعل  الفصل السادس - هل تكره تسميتها عقيقة اختلفت فيه - فكرهت ذلك طائفة واحتجوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره الاسم فلا ينبغي أن يطلق على هذه الذبيحة الاسم الذي كرهه قالوا فالواجب بظاهر هذا الحديث أن يقال لها نسيكة ولا يقال لها عقيقية وقالت طائفة أخرى لا يكره ذلك ورأوا إباحته واحتجوا بحديث سمرة الغلام مرتهن بعقيقته وبحديث سلمان بن عامر مع الغلام عقيقته ففي هذين الحديثين لفظ العقيقة فدل على الإباحة لا على الكراهة قال أبو عمر فدل ذلك على الكراهة في الاسم وعلى هذا كتب الفقهاء في كل الأمصار ليس فيها إلا العقيقة لا النسيكة قال على أن حديث مالك هذا(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7258",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليس فيه التصريح بالكراهة وكذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إنما فيهما كأنه كره الاسم وقال من أحب أن ينسك عن ولده فليفعل قلت ونظير هذا اختلافهم في تسمية العشاء بالعتمة وفيه روايتان عن الامام أحمد والتحقيق في الموضعين كراهة هجر الاسم المشروع من العشاء والنسيكة والاستبدال به اسم العقيقة والعتمة فأما إذا كان المستعمل هو الاسم الشرعي ولم يهجر وأطلق الاسم الآخر أحيانا فلا بأس بذلك وعلى هذا تتفق الأحاديث وبالله التوفيق  الفصل السابع - في ذكر الخلاف في وجوبها واستحبابها وحجج الطائفتين قال ابن المنذر اختلفوا في وجوب العقيقة فقالت طائفة واجبة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك وأمره على الفرض روينا عن الحسن البصري أنه قال في رجل لم يعق عنه قال يعق عن نفسه وكان لا يرى على الجارية عقيقة قال وروي عن بريدة أن الناس يعرضون على العقيقة يوم القيامة كما يعرضون على الصلوات الخمس قال اسحاق بن راهويه حدثنا يعلى بن عبيد قال حدثنا صالح بن حبان عن ابن بريدة عن أبيه أن الناس يعرضون يوم القيامة على العقيقة كما يعرضون على الصلوات الخمس فقلت لابن بريدة وما العقيقة قال المولود يولد في الاسلام ينبغي أن يعق عنه(1\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7259",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو الزناد العقيقة من أمر المسلمين الذين كانوا يكرهون تركه قال وروينا عن الحسن البصري أنه قال العقيقة عن الغلام واجبة يوم سابعه وقال أبو عمر وأما اختلاف العلماء في وجوبها فذهب أهل الظاهر إلى أن العقيقة واجبة فرضا منهم داود وغيره قالوا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر وعمل بها قال الغلام مرتهن بعقيقته ومع الغلام عقيقته وقال عن الجارية شاة وعن الغلام شاتان ونحو هذا من الأحاديث وكان بريدة الأسلمي يوجبها ويشبهها بالصلاة وكان الحسن البصري يذهب إلى أنها واجبة عن الغلام يوم سابعه فإن لم يعق عنه عق عن نفسه وقال الليث بن سعد يعق عن المولود أيام سابعه في أيها شاؤوا فإن لم يتهيأ لهم العقيقة في سابعه فلا بأس أن يعق عنه بعد ذلك وليس بواجب أن يعق عنه بعد سبعة أيام فكان الليث بن سعد يذهب إلى أنها واجبة في السبعة الأيام وكان مالك يقول هي سنة واجبة يجب العمل بها وهو قول الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبي ثور والطبري هذا كلام أبي عمر قلت والسنة والواجبة هند أصحاب مالك ما تأكد استحبابه وكره تركه فيسمونه واجبا وجوب السنن ولهذا قالوا غسل الجمعة سنة واجبة والأضحية سنة واجبة والعقيقة سنة واجبة وقد حكى أصحاب أحمد عنه في وجوبها(1\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7260",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "روايتين وليس عنه نص صريح في الوجوب ونحن نذكر نصوصه قال الخلال في الجامع ذكر استحباب العقيقة وأنها غير غير واجبة أخبرنا سليمان بن الأشعث قال سمعت أبا عبد الله سئل عن العقيقة ما هي قال الذبيحة وأنكر قول الذي يقول هي حلق الرأس أخبرني محمد بن الحسين أن الفضل حدثهم قال سألت أبا عبد الله عن العقيقة واجبة هي قال لا ولكن من أحب أن ينسك فلينسك قال وسألت أبا عبد الله عن العقيقة أتوجبها قال لا ثم ذكر عن أحمد بن القاسم أن أبا عبد الله قيل له في العقيقة واجبة هي قال أما واجبة فلا أدري ولا أقول واجبة ثم قال أشد شيء فيه أن الرجل مرتهن بعقيقته وقال الأثرم قلت لأبي عبد الله العقيقة واجبة قال لا وأشد شيء روي فيها حديث الغلام مرتهن بعقيقته هو أشدها وقال حنبل قال أبو عبد الله لا أحب لمن أمكنه وقدر أن لا يعق عن ولده ولا يدعه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال الغلام مرتهن بعقيقته فهو أشد ما روي في العقيقة(1\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7261",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الحارث سألت أبا عبد الله عن العقيقة واجبة هي عن الغني والفقير إذا ولد له أن يعق عنه قال أبو عبد الله قال الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم كل غلام رهينة بعقيقته حتى يذبح عنه يوم سابعه ويحلق رأسه هذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآني لأحب أن تحيى هذه السنة أرجو أن يخلف الله عليه وقال إسحاق بن إبراهيم سألت أبا عبد الله عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم ما معناه الغلام مرتهن بعقيقته قال نعم سنة النبي صلى الله عليه وسلم أن يعق عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة فإذا لم يعق عنه فهو محتبس بعقيقته حتى يعق عنه وقال جعفر بن محمد قيل لأبي عبد الله في العقيقة فان لم تكن عنده قال ليس عليه شيء وقال الحارث قيل لأبي عبد الله في العقيقة فان لم يكن عنده يعني ما يعق قال إن استقرض رجوت أن يخلف الله عليه أحيا سنة وقال صالح قلت لأبي يولد للرجل وليس عنده ما يعق أحب إليك أن يستقرض ويعق عنه أم يؤخر ذلك حتى يوسر فقال أشد ما سمعت(1\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7262",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في العقيقة حديث الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم كل غلام رهينة بعقيقته وإني لأرجو إن استقرض أن يعجل الله له الخلف لأنه أحيا سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبع ما جاء به فهذه نصوصه كما ترى ولكن أصحابه فرعوا على القول بالوجوب ثلاثة فروع أحدها هل هي واجبة على الصبي في ماله أو على أبيه الثاني هل تجب الشاة على الذكر أو الشاتان الثالث إذا لم يعق عنه أبوه هل تسقط أو يجب أن يعق عن نفسه إذا بلغ فأما الفرع الأول فحكموا فيه وجهين أحدهما يجب على الأب وهو المنصوص عن أحمد قال إسماعيل بن سعيد الشالنجي سألت أحمد عن الرجل يخبره والده أنه لم يعق عنه هل يعق عن نفسه قال ذلك على الأب والثاني في مال الصبي وحجة من أوجبها على الأب أنه هو المأمور بها كما تقدم واحتج من أوجبها على الصبي بقوله الغلام مرتهن بعقيقته وهذا الحديث يحتج به الطائفتان فان أوله الإخبار عن ارتهان الغلام بالعقيقة وآخره الأمر بأن يراق عنه الدم قال الموجبون ويدل على الوجوب قوله عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة وهذا يدل على الوجوب لأن المعنى يجزىء عن الجارية شاة وعن الغلام شاتان(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7263",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحتجوا بحديث البخاري عن سلمان بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مع الغلام عقيقته فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى قالوا وهذا يدل على الوجوب من وجهين أحدهما قوله مع الغلام عقيقته وهذا ليس إخبارا عن الواقع بل عن الواجب ثم أمرهم أن يخرجوا عنه هذا الذي معه فقال أهريقوا عنه دما قالوا ويدل عليه أيضا حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بتسمية المولود يوم سابعه ووضع الأذى عنه والعق قالوا وروى الترمذي حدثنا يحيى ابن خلف حدثنا بشر بن المفضل حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن يوسف بن ماهك أنهم دخلوا على حفصة بنت عبد الرحمن فسألوها عن العقيقة فأخبرتهم أن عائشة رضي الله عنها أخبرتها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح(1\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7264",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة حدثنا عبد الله ابن عثمان بن خثيم عن يوسف بن ماهك عن حفصة بنت عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها قالت أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نعق عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة قال أبو بكر حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب حدثنا عبد الله بن وهب قال حدثني عمرو بن الحارث عن أيوب بن موسى أنه حدثه أن يزيد بن عبد المزني حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يعق عن الغلام ولا يمس رأسه بدم قالوا وهذا خبر بمعنى الأمر قال أبو بكر وحدثنا ابن فضيل عن يحيى بن سعيد عن محمد بن ابراهيم قال كان يؤمر بالعقيقة ولو بعصفور فصل  قال القائلون بالاستحباب لو كانت واجبة لكان وجوبها معلوما من الدين(1\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7265",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأن ذلك مما تدعو الحاجة إليه وتعم به البلوى فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين وجوبها للأمة بيانا عاما كافيا تقوم به الحجة وينقطع معه العذر قالوا وقد علقها بمحبة فاعلها فقال من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فليفعل قالوا وفعله صلى الله عليه وسلم لها لا يدل على الوجوب وإنما يدل على الاستحباب قالوا وقد روى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العقيقة فقال لا يحب الله العقوق كأنه كره الاسم وقال من ولد له ولد وأحب أن ينسك عنه فليفعل عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة وهذا مرسل وقد رواه مرة عن عمرو عن أبيه قال أراه عن جده وروى مالك عن زيد بن أسلم عن رجل من بني ضمرة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن العقيقة فقال لا أحب العقوق وكأنه إنما كره الاسم وقال من أحب أن ينسك عن ولده فليفعل قال البيهقي وإذا انضم إلى الأول قويا قلت وحديث عمرو بن شعيب قد جوده عبد الرزاق فقال أخبرنا داود بن قيس قال سمعت عمرو بن شعيب يحدث عن أبيه عن جده قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن العقيقة فذكر الحديث(1\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7266",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل الثامن - في الوقت الذي تستحب فيه العقيقة قال أبو داود في كتاب المسائل سمعت أبا عبد الله يقول العقيقة تذبح يوم السابع وقال صالح بن أحمد قال أبي في العقيقة تذبح يوم السابع فإن لم يفعل ففي أربع عشرة فإن لم يفعل ففي إحدى وعشرين وقال الميموني قلت لأبي عبد الله متى يعق عنه قال أما عائشة فتقول سبعة أيام وأربعة عشرة ولأحد وعشرين وقال أبو طالب قال أحمد تذبح العقيقة لأحد وعشرين يوما انتهى والحجة على ذلك حديث سمرة المتقدم الغلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم السابع ويسمى قال الترمذي حديث صحيح وقال عبد الله ابن وهب أخبرني محمد بن عمرو عن ابن جريج عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة قالت عق رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حسن وحسين يوم السابع وسماهما وأمر أن يماط عن رؤوسهما الأذى وقال أبو بكر بن المنذر حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ قال حدثني أبو جعفر الرازي حدثنا أبو زهير عبد الرحمن بن مغراء حدثنا محمد بن اسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال أمرنا رسول الله(1\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7267",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلى الله عليه وسلم حين سابع المولود بتسمية وعقيقته ووضع الأذى عنه وهذا قول عامة أهل العلم ونحن نحكي ما بلغنا من أقوالهم وأرفع من روي عنه ذلك عائشة أم المؤمنين كما حكاه احمد عنها في رواية الميموني وكذلك قال الحسن البصري وقتادة يعق عنه يوم سابعه وقال أبو عمر وكان الحسن البصري يذهب إلى أنها واجبة عن الغلام يوم سابعه فإن لم يعق عنه عق عن نفسه وقال الليث بن سعد يعق عن المولود في أيام سابعه فان لم يتهيأ لهم العقيقة في سابعه فلا بأس أن يعق عنه بعد ذلك وليس بواجب أن يعق عنه بعد سبعة أيام قال أبو عمر وكان الليث يذهب إلى أنها واجبة في السبعة الأيام وقال عطاء إن اخطأ هم أمر العقيقة يوم السابع أحببت أن يؤخره إلى اليوم السابع الآخر وكذلك قال احمد وإسحاق والشافعي ولم يزد مالك على السابع الثاني وقال ابن وهب لا بأس أن يعق عنه في السابع الثالث وهو قول عائشة وعطاء واحمد وإسحاق قال مالك ولا يعد اليوم الذي ولد فيه إلا أن يولد قبل الفجر من ليلة ذلك اليوم والظاهر أن التقييد بذلك استحباب وإلا فلو ذبح عنه في الرابع أو الثامن أو العاشر أو ما بعده أجزأت والاعتبار بالذبح لا بيوم الطبخ والأكل  الفصل التاسع في بيان أن العقيقة افضل من التصدق بثمنها ولو زاد قال الخلال باب ما يستحب من العقيقة وفضلها على الصدقة اخبرنا(1\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7268",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سليمان بن الأشعث قال سئل أبو عبد الله وأنا اسمع عن العقيقة أحب إليك أو يدفع ثمنها للمساكين قال العقيقة وقال في رواية الحارث وقد سئل عن العقيقة إن استقرض رجوت أن يخلف الله عليه أحيا سنة وقال له صالح ابنه الرجل يولد له وليس عنده ما يعق أحب إليك أن يستقرض ويعق عنه أم يؤخر ذلك حتى يوسر قال أشد ما سمعنا في العقيقة حديث الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم كل غلام رهينة بعقيقته وإني لأرجو إن استقرض أن يعجل الله الخلف لأنه أحيا سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبع ما جاء عنه انتهى وهذا لأنه سنة ونسيكة مشروعة بسبب تجدد نعمة الله على الوالدين وفيها سر بديع موروث عن فداء إسماعيل بالكبش الذي ذبح عنه وفداه الله به فصار سنة في أولاده بعده أن يفدي أحدهم عند ولادته بذبح ولا يستنكر أن يكون هذا حرزا له من الشيطان بعد ولادته كما كان ذكر اسم الله عند وضعه في الرحم حرزا له من ضرر الشيطان ولهذا قل من يترك أبواه العقيقة عنه إلا وهو في تخبيط من الشيطان وأسرار الشرع أعظم من(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7269",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا ولهذا كان الصواب أن الذكر والأنثى يشتركان في مشروعية العقيقة وإن تفاضلا في قدرها وأما أهل الكتاب فليست العقيقة عندهم للأنثى وإنما هي للذكر خاصة وقد ذهب إلى ذلك بعض السلف قال أبو بكر بن المنذر وفي هذا الباب قول ثالث قاله الحسن وقتادة كانا لا يريان عن الجارية عقيقة وهذا قول ضعيف لا يلتفت إليه والسنة تخالفه من وجوه كما سيأتي في الفصل الذي بعد هذا فكان الذبح في موضعه أفضل من الصدقة بثمنه ولو زاد كالهدايا والأضاحي فإن نفس الذبح وإراقة الدم مقصود فإنه عبادة مقرونة بالصلاة كما قال تعالى فصل لربك وانحر وقال قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين الأنعام 162 ففي كل ملة صلاة ونسيكة لا يقوم غيرهما مقامهما ولهذا لو تصدق عن دم المتعة والقران بأضعاف أضعاف القيمة لم يقم مقامه وكذلك الأضحية والله أعلم  الفصل العاشر في تفاضل الذكر والأنثى فيها واختلاف الناس في ذلك وفيه مسألتان المسألة الأولى العقيقة سنة عن الجارية كما هي سنة عن الغلام هذا قول جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وقد تقدم ما حكاه ابن المنذر عن الحسن وقتادة أنهما كانا لا يريان عن الجارية(1\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7270",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عقيقة ولعلهما تمسكا بقوله مع الغلام عقيقته وهذا الحديث رواه الحسن وقتادة من حديث سمرة والغلام اسم الذكر دون الأنثى ويرد هذا القول حديث أم كرز أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العقيقة فقال عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة لا يضر كم ذكرانا كن أم إناثا وهو حديث صحيح صححه الترمذي وغيره وحديث عائشة أمرنا صلى الله عليه وسلم أن نعق عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة رواه ابن أبي شيبة وقد تقدم إسناده وقال أبو عاصم حدثنا سالم بن تميم عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن اليهود تعق عن الغلام ولا تعق عن الجارية فعقوا عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة رواه البيهقي من هذا الطريق وقال مالك يذبح عن الغلام شاة واحدة وعن الجارية شاة والذكر والأنثى في ذلك سواء واحتج لهذا القول بما رواه أبو داود في سننه حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين كبشا(1\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7271",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كبشا كبشا قال أبو عمر وروى جعفر عن محمد عن أبيه أن فاطمة ذبحت عن الحسن والحسين كبشا كبشا قال وكان عبد الله بن عمر يعق عن الغلمان والجواري من ولده شاة شاة وبه قال أبو جعفر محمد بن علي بن حسين رضي الله عنهم أجمعين كقول مالك سواء قال أبو عمر وقال ابن عباس وعائشة وجماعة من أهل الحديث عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة ثم ذكر طرف حديث أم كرز وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرفعه من أحب أن ينسك عن ولده فليفعل عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة ولا تعارض بين أحاديث التفضيل بين الذكر والأنثى وبين حديث ابن عباس في عقيقة الحسن والحسين فإن حديثه قد روي بلفظين أحدهما أنه عق عنهما كبشا كبشا والثاني أنه عق عنهما كبشين ولعل الراوي أراد كبشين عن كل واحد منهما فاقتصر على قوله كبشين ثم روي بالمعنى كبشا كبشا وذبحت أمهما عنهما كبشين والحديثان كذلك رويا فكان أحد الكبشين من النبي صلى الله عليه وسلم والثاني من فاطمة واتفقت جميع الأحاديث(1\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7272",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذه قاعدة الشريعة فإن الله سبحانه فاضل بين الذكر والأنثى وجعل الأنثى على النصف من الذكر في المواريث والديات والشهادات والعتق والعقيقة كما رواه الترمذي وصححه من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أيما امرىء مسلم أعتق مسلما كان فكاكه من النار يجزىء كل عضو منه عضوا منه وأيما امرىء مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار يجزىء كل عضو منهما عضوا منه وفي مسند الامام أحمد من حديث مرة بن كعب السلمي عن النبي صلى الله عليه وسلم أيما رجل أعتق رجلا مسلما كان فكاكه من النار يجزىء بكل عضو من أعضائه عضوا من أعضائه وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار يجزىء بكل عضو من أعضائها عضوا من أعضائها رواه أبو داود في السنن فجرت المفاضلة في العقيقة هذا المجرى لو لم يكن فيها سنة كيف والسنن الثابتة صريحة بالتفضيل(1\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7273",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل الحادي عشر في ذكر الغرض من العقيقة وحكمها وفوائدها قال الخلال في جامعه باب ذكر الغرض في العقيقة وما يؤمل لإحياء السنة من الخلف ثم ذكر رواية الحارث أنه قال لأبي عبد الله في العقيقة فإن لم يكن عنده ما يعق قال إن استقرض رجوت أن يخلف الله عليه أحيا سنة ومن رواية صالح عن أبيه إني لأرجو إن استقرض أن يجعل الله له الخلف أحيا سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبع ما جاء عنه ومن فوائدها أنها قربان يقرب به عن المولود في أول أوقات خروجه إلى الدنيا والمولود ينتفع بذلك غاية الانتفاع كما ينتفع بالدعاء له وإحضاره مواضع المناسك والإحرام عنه وغير ذلك ومن فوائدها أنها تفك رهان المولود فإنه مرتهن بعقيقته قال الامام أحمد مرتهن عن الشفاعة لوالديه وقال عطاء بن أبي رباح مرتهن بعقيقته قال يحرم شفاعة ولده ومن فوائدها أنها فدية يفدى بها المولود كما فدى الله سبحانه إسماعيل الذبيح بالكبش وقد كان أهل الجاهلية يفعلونها ويسمونها عقيقة ويلطخون رأس الصبي بدمها فأقر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذبح وأبطل اسم العقوق ولطخ رأس الصبي بدمها فقال لا أحب العقوق وقال لا يمس رأس(1\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7274",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المولود بدم وأخبر صلى الله عليه وسلم أن ما يذبح عن المولود إنما ينبغي أن يكون على سبيل النسك كالأضحية والهدي فقال من أحب أن ينسك عن ولده فليفعل فجعلها على سبيل الأضحية التي جعلها الله نسكا وفداء لإسماعيل عليه السلام وقربه إلى الله عز وجل وغير مستبعد في حكمة الله في شرعه وقدره أن يكون سببا لحسن إنبات الولد ودوام سلامته وطول حياته في حفظه من ضرر الشيطان حتى يكون كل عضو منها فداء كل عضو منه ولهذا يستحب أن يقال عليها ما يقال على الأضحية قال أبو طالب سألت أبا عبد الله إذا أراد الرجل أن يعق كيف يقول قال يقول باسم الله ويذبح على النية كما يضحي بنيته يقول هذه عقيقة فلان بن فلان ولهذا يقول فيها اللهم منك ولك ويستحب فيها ما يستحب في الأضحية من الصدقة وتفريق اللحم فالذبيحة عن الولد فيها معنى القربان والشكران والفداء والصدقة وإطعام الطعام عند حوادث السرور العظام شكرا لله وإظهار لنعمته التي هي غاية المقصود من النكاح فإذا شرع الإطعام للنكاح الذي هو وسيلة إلى حصول هذه النعمة فلأن يشرع عند الغاية المطلوبة أولى وأحرى وشرع بوصف الذبح المتضمن لما ذكرناه من الحكم فلا أحسن ولا أحلى في القلوب من مثل هذه الشريعة في المولود وعلى نحو هذا جرت سنة الولائم(1\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7275",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في المناكح وغيرها فإنها إظهار للفرح والسرور بإقامة شرائع الإسلام وخروج نسمه مسلمة يكاثر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمم يوم القيامة تعبدا لله ويراغم عدوه ولما أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم العقيقة في الإسلام وأكد أمرها وأخبر أن الغلام مرتهن بها نهاهم أن يجعلوا على رأس الصبي من الدم شيئا وسن لهم أن يجعلوا عليه شيئا من الزعفران لأنهم في الجاهلية إنما كانوا يلطخون رأس المولود بدم العقيقة تبركا به فإن دم الذبيحة كان مباركا عندهم حتى كانوا يلطخون منه آلهتهم تعظيما لها وإكراما فأمر بترك ذلك لما فيه من التشبه بالمشركين وعوضوا عنه بما هو أنفع للأبوين وللمولود وللمساكين وهو حلق رأس الطفل والتصدق بزنة شعره ذهبا أو فضة وسن لهم أن يلطخوا الرأس بالزعفران الطيب الرائحة الحسن اللون بدلا عن الدم الخبيث الرائحة النجس العين والزعفران من أطيب الطيب وألطفه وأحسنه لونا وكان حلق رأسه إماطة الأذى عنه وإزالة الشعر الضعيف ليخلفه شعر أقوى وأمكن منه وأنفع للرأس ومع ما فيه من التخفيف عن الصبي وفتح مسام الرأس ليخرج البخار منها بيسر وسهولة وفي ذلك تقوية بصره وشمه وسمعه وشرع في المذبوح عن الذكر أن يكون شاتين إظهار لشرفه وإباحة(1\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7276",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لمحله الذي فضله الله به على الأنثى كما فضله في الميراث والدية والشهادة وشرع أن تكون الشاتان مكافئتين قال أحمد في رواية أبي داود مستويتان أو متقاربتان وقال في رواية الميموني مثلان في رواية جعفر بن الحارث تشبه إحداهما الأخرى لأن كل شاة منهما كانت بدلا وفداء وجعلت الشاتان مكافئتين في الجنس والسن فجعلتا كالشاة الواحدة والمعنى أن الفداء لو وقع بالشاة الواحدة لكان ينبغي أن تكون فاضلة كاملة فلما وقع بالشاتين لم يؤمن أن يتجوز في إحداهما ويهون أمرها إذ كان قد حصل الفداء بالواحدة والأخرى كأنها تتمه غير مقصود فشرع أن تكونا متكافئتين دفعا لهذا التوهم وفي هذا تنبيه على تهذيب العقيقة من العيوب التي لا يصح بها القربان من الأضاحي وغيرها ومنها فك رهان المولود فإنه مرتهن بعقيقته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وقد اختلف في معنى هذا الحبس والارتهان فقالت طائفة هو محبوس مرتهن عن الشفاعة لوالديه كما قال عطاء وتبعه عليه الامام أحمد وفيه نظر لا يخفى فإن شفاعة الولد في الوالد ليست بأولى من العكس وكونه والدا له ليس للشفاعة فيه وكذا سائر القرابات والارحام وقد قال تعالى يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا(1\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7277",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ") لقمان 33 وقال تعالى واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة البقرة 48 وقال تعالى من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة البقرة 254 فلا يشفع أحد لأحد يوم القيامة إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى فإذنه سبحانه في الشفاعة موقوف على عمل المشفوع له من توحيده وإخلاصه ومن الشافع من قربه عند الله ومنزلته ليست مستحقة بقرابة ولا بنوة ولا أبوة وقد قال سيد الشفعاء وأوجههم عند الله لعمه ولعمته وابنته لا أغني عنكم من الله شيئا وفي رواية لا أملك لكم من الله شيئا وقال في شفاعته العظمى لما يسجد بين يدي ربه ويشفع فيحد لي حدا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة فشفاعته في حد محدود يحدهم الله سبحانه له لا يجاوزهم شفاعته فمن أين يقال إن الولد يشفع لوالده فإذا لم يعق عنه حبس عن الشفاعة له ولا يقال لمن لم يشفع لغيره إنه مرتهن ولا في اللفظ ما يدل على ذلك(1\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7278",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والله سبحانه يخبر عن ارتهان العبد بكسبه كما قال الله تعالى كل نفس بما كسبت رهينة المدثر 38 وقال تعالى أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا الأنعام 70 فالمرتهن هو المحبوس إما بفعل منه أو فعل من غيره وأما من لم يشفع لغيره فلا يقال له مرتهن على الإطلاق بل المرتهن هو المحبوس عن أمر كان بصدد نيله وحصوله ولا يلزم من ذلك أن يكون بسبب منه بل يحصل ذلك تارة بفعله وتارة بفعل غيره وقد جعل الله سبحانه النسيكة عن الولد سببا لفك رهانه من الشيطان الذي يعلق به من حين خروجه إلى الدنيا وطعن في خاصرته فكانت العقيقة فداء وتخليصا له من حبس الشيطان له وسجنه في أسره ومنعه له من سعيه في مصالح آخرته التي إليها معاده فكأنه محبوس لذبح الشيطان له بالسكين التي أعدها لأتباعه وأوليائه وأقسم لربه أنه ليستأصلن ذرية آدم إلا قليلا منهم فهو بالمرصاد للمولود من حين يخرج إلى الدنيا فحين يخرج يبتدره عدوه ويضمه إليه ويحرص على أن يجعله في قبضته وتحت أسره ومن جملة أوليائه وحزبه فهو أحرص شيء على هذا وأكثر المولودين من أقطاعه وجنده كما قال تعالى وشاركهم في الأموال والأولاد الإسراء 64 وقال ولقد صدق عليهم إبليس ظنه(1\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7279",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبأ 20 فكان المولود بصدد هذا الارتهان فشرع الله سبحانه للوالدين أن يفكا رهانه بذبح يكون فداه فإذا لم يذبح عنه بقي مرتهنا به فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم الغلام مرتهن بعقيقته فأريقوا عنه الدم وأميطوا عنه الأذى فأمر بإراقة الدم عنه الذي يخلص به من الارتهان ولو كان الارتهان يتعلق بالأبوين لقال فأريقوا عنكم الدم لتخلص إليكم شفاعة أولادكم فلما أمر بإزالة الأذى الظاهر عنه وإراقة الدم الذي يزيل الأذى الباطن بارتهانه علم أن ذلك تخليص للمولود من الأذى الباطن والظاهر والله أعلم بمراده ورسوله  الفصل الثاني عشر في استحباب طبخها دون إخراج لحمها نيئا قال الخلال في جامعه باب ما يستحب من ذبح العقيقة أخبرني عبد الملك الميموني أنه قال لأبي عبد الله العقيقة تطبخ قال نعم وأخبرني محمد بن علي قال حدثنا الأثرم أن أبا عبد الله قال في العقيقة تطبخ جداول وأخبرني أبو داود أنه قال لأبي عبد الله تطبخ العقيقة قال نعم قيل له إنه يشتد عليهم طبخه قال يتحملون ذلك(1\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "73",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7280",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأخبرني محمد بن الحسين أن الفضل بن زياد حدثهم أن أبا عبد الله قيل له في العقيقة تطبخ بماء وملح قال يستحب ذلك قيل له فإن طبخت بشيء آخر قال ما ضر ذلك وهذا لأنه إذا طبخها فقد كفى المساكين والجيران مؤنة الطبخ وهو زيادة في الإحسان وشكر هذه النعمة ويتمتع الجيران والأولاد والمساكين بها هنيئة مكفية المؤنة فإن من أهدي له لحم مطبوخ مهيأ للأكل مطيب كان فرحه وسروره به أتم من فرحه بلحم نيء يحتاج إلى كلفة وتعب فلهذا قال الإمام أحمد يتحملون ذلك وأيضا فإن الأطعمة المعتادة التي تجري مجرى الشكران كلها سبيلها الطبخ ولها أسماء متعددة 1  فالقرى طعام الضيفان 2  والمأدبة طعام الدعوة 3  والتحفة طعام الزائر 4  والوليمة طعام العرس 5  والخرس طعام الولادة 6  والعقيقة الذبح عنه يوم حلق رأسه في السابع 7  والغديرة طعام الختان 8  والوضيمة طعام المأتم 9  والنقيعة طعام القادم من سفره 10  والوكيرة طعام الفراغ من البناء فكان الإطعام عند هذه الأشياء أحسن من تفريق اللحم(1\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "74",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7281",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل الثالث عشر في كراهة كسر عظامها قال الخلال في جامعه باب كراهة كسر عظم العقيقة وأن تقطع آرابا أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد أنه سمع أبا عبد الله يقول في العقيقة لا يكسر عظمها ولكن يقطع كل عظم من مفصله فلا تكسر العظام أخبرنا عبد الله بن أحمد قال قلت لأبي كيف يصنع بالعقيقة قال تفصل أعضاؤها ولا يكسر لها عظم ثم ذكر عن صالح وحنبل والفضل بن زياد وأبي الحارث وأبي طالب أن أبا عبد الله قال في العقيقة تفصل تفصيلا ولا يكسر لها عظم وتفصل جداول وقد ذكر أبو داود في كتاب المراسيل عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في العقيقة التي عقتها فاطمة عن الحسن والحسين أن ابعثوا إلى القابلة منها برجل وكلوا وأطعموا ولا تكسروا منها عظما وذكر البيهقي من حديث عبد الوارث عن عامر الأحول عن عطاء(1\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "75",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7282",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن أم كرز قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة وكان عطاء يقول تقطع جدولا ولا يكسر لها عظم أظنه قال وتطبخ ورواه ابن جريح عن عطاء وقال تقطع آرابا وتطبخ بماء وملح وتهدى في الجيران وروي في ذلك عن جابر بن عبد الله قوله وعن عائشة أم المؤمنين فروى ابن المنذر عن عطاء عن أبي كرز وأم كرز قالا قالت امرأة من أهل عبد الرحمن بن أبي بكر لما ولدت امرأة عبد الرحمن نحرنا جزورا فقالت عائشة لا بل السنة شاتان مكافئتان يتصدق بهما عن الغلام وشاة عن الجارية ولا يكسر لها عظم فتأكل وتطعم وتتصدق ويكون ذلك في السابع فإن لم يفعل ففي الرابع عشر فإن لم يفعل ففي إحدى وعشرين(1\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "76",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7283",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ابن المنذر وقال الشافعي العقيقة سنة واجبة ويتقى فيها من العيوب ما يتقى في الضحايا ولا يباع لحمها ولا إهابها ولا يكسر لها عظم ويأكل أهلها منها ويتصدقون ولا يمس الصبي بشيء من دمها قال أبو عمر وقول مالك مثل الشافعي إلا أنه قال يكسر عظامها ويطعم منها الجيران ولا يدعى الرجال كما يفعل بالوليمة قال وقال ابن شهاب لا بأس بكسر عظامها وهو قول مالك والذين رأوا تكسير عظامها قالوا لم يصح في المنع من ذلك ولا في كراهته سنة يجب المصير إليها وقد جرت العادة بكسر عظام اللحم وفي ذلك مصلحة أكله وتمام الانتفاع به ولا مصلحة تمنع من ذلك والذين كرهوا عظامها تمسكوا بالآثار التي ذكرناها عن الصحابة والتابعين وبالحديث المرسل الذي رواه أبو داود وذكروا في ذلك وجوها في الحكمة أحدها إظهار شرف هذا الإطعام وخطره إذا كان يقدم للآكلين ويهدى إلى الجيران ويطعم للمساكين فاستحب أن يكون قطعا كل قطعة تامة في نفسها لم يكسر من عظامها شيء ولا نقص العضو منها شيئا ولا ريب أن هذا أجل موقعا وأدخل في باب الجود من القطع الصغار المعنى الثاني أن الهدية إذا شرفت وخرجت عن حد الحقارة وقعت موقعا حسنا عند المهدى إليه ودلت على شرف نفس المهدي وكبر همته(1\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "77",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7284",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان في ذلك تفاؤلا بكبر نفس المولود وعلو همته وشرف نفسه المعنى الثالث أنها لما جرت مجرى الفداء استحب أن لا تكسر عظامها تفاؤلا بسلامة أعضاء المولود وصحتها وقوتها وبما زال من عظام فدائه من الكسر وجرى كسر عظامها عند من كرهه مجرى تسميتها عقيقة فهذه الكراهة في الكسر نظير تلك الكراهة في الاسم والله أعلم  الفصل الرابع عشر في السن المجزىء فيها قال الخلال في الجامع باب ما يستحب من الأسنان في العقيقة ثم ذكر مسائل أبي طالب أنه سأل أبا عبد الله عن العقيقة تجزىء بنعجة أو حمل كبير قال فحل خير وقد روي ذكرانا وإناثا فإن كانت نعجة فلا بأس قلت فالحمل قال الأسن خير وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم من ولد له مولود فأحب أن ينسك عنه فليفعل فالدليل على أنه إنما يجزىء في النسك سواء من الضحايا والهدايا ولأنه ذبح مسنون إما وجوبا وإما استحبابا يجري مجرى الهدي والأضحية في الصدقة والهدية والأكل والتقرب إلى الله فاعتبر فيها السن الذي يجزىء فيهما ولأنه(1\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "78",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7285",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شرع بوصف التمام والكمال ولهذا شرع في حق الغلام شاتان وشرع أن تكونا مكافئتين لا ينقص إحداهما عن الأخرى فاعتبر أن يكون سنهما سن الذبائح المأمور بها ولهذا جرت مجراها في عامة أحكامها قال أبو عمر بن عبد البر وقد أجمع العلماء أنه لا يجوز في العقيقة إلا ما يجوز في الضحايا من الأزواج الثمانية إلا من شذ ممن لا يعد قوله خلافا وأما ما رواه مالك في الموطأ عن ربيعة بن عبد الرحمن عن محمد بن إبراهيم التيمي أنه قال سمعت أبي يقول تستحب العقيقة ولو بعصفور فإنه كلام خرج على التقليل والمبالغة كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر في الفرس لا تأخذه ولو أعطاكه بدرهم وكقوله في الجارية إذا زنت فبيعوها ولو بضفير وقال مالك العقيقة بمنزلة النسك والضحايا ولا يجوز فيها عوراء ولا عجفاء ولا مكسورة ولا مريضة ولا يباع من لحمها شيء ولا جلدها ويكسر عظامها ويأكل أهلها منها ويتصدقون(1\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "79",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7286",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل الخامس عشر أنه لا يصح الاشتراك فيها ولا يجزىء الرأس إلا عن رأس هذا مما تخالف فيه العقيقة الهدي والأضحية قال الخلال في جامعه باب حكم الجزور عن سبعة اخبرني عبد الملك ابن عبد الحميد أنه قال لأبي عبد الله تعق جزورا فقال أليس قد عق بجزور قلت يعق بجزور عن سبعة قال لم أسمع في ذلك بشيء ورأيته لا ينشط بجزور عن سبعة في العقوق قلت لما كانت هذه الذبيحة جارية مجرى فداء المولود كان المشروع فيه دما كاملا لتكون نفس فداء نفس وأيضا فلو صح فيها الاشتراك لما حصل المقصود من إراقة الدم عن الولد فإن إراقة الدم تقع عن واحد ويحصل لباقي الأولاد إخراج اللحم فقط والمقصود نفس الإراقة عن الولد وهذا المعنى بعينه هو الذي لحظة من منع الاشتراك في الهدي والأضحية ولكن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق وأولى أن تتبع وهو الذي شرع الاشتراك في الهدايا وشرع في العقيقة عن الغلام دمين مستقلين لا يقوم مقامهما جزور ولا بقرة والله أعلم  الفصل السادس عشر هل تشرع العقيقة بغير الغنم كالإبل والبقر أم لا وقد اختلف الفقهاء هل يقوم غير الغنم مقامها في العقيقة قال ابن المنذر(1\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "80",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7287",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واختلفوا في العقيقة بغير الغنم فروينا عن أنس بن مالك أنه كان يعق عن ولده الجزور وعن أبي بكرة أنه نحر عن ابنه عبد الرحمن جزورا فأطعم أهل البصرة ثم ساق عن الحسن قال كان أنس بن مالك يعق عن ولده الجزور ثم ذكر من حديث يحيى بن يحيى أنبانا هشيم عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه أن أبا بكرة ولد له ابنه عبد الرحمن وكان أول مولود ولد في البصرة فنحر عنه جازورا فأطعم أهل البصرة وأنكر بعضهم ذلك وقال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاتين عن الغلام وعن الجارية بشاة ولا يجوز أن يعق بغير ذلك روينا عن يوسف بن ماهك أنه دخل مع ابن أبي مليكة على حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر وولدت للمنذر بن الزبير غلاما فقلت هلا عقيت جزورا فقالت معاذ الله كانت عمتي تقول عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة وقال مالك الضأن في العقيقة أحب إلي من البقر والغنم أحب إلي من الإبل والبقر والإبل في الهدي أحب إلي من الغنم والإبل في الهدي أحب إلي من البقر(1\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "81",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7288",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ابن المنذر ولعل حجة من رأى أن العقيقة تجزىء بالإبل والبقر قول النبي صلى الله عليه وسلم مع الغلام عقيقته فأهريقوا عنه دما ولم يذكر دما دون دم فما ذبح عن المولود على ظاهر هذا الخبر يجزيء قال ويجوز أن يقول قائل إن هذا مجمل وقول النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة مفسر والمفسر أولى من المجمل  الفصل السابع عشر في بيان مصرفها قال الخلال في جامعه في باب ذكر ما يتصدق به من العقيقة ويهدى أخبرنا عبد الله بن أحمد أن أباه قال العقيقة تؤكل ويهدى منها أخبرنا عصمة بن عصام حدثنا حنبل قال سمعت أبا عبد الله يسأل عن العقيقة كيف يصنع بها قال كيف شئت قال وكان ابن سيرين يقول اصنع ما شئت قيل له يأكلها أهلها قال نعم ولا تؤكل كلها ولكن يأكل ويطعم وكذلك قال في رواية الأثرم وقال في رواية أبي الحارث وصالح ابنه يأكل ويطعم جيرانه وقال له ابنه عبد الله كم يقسم من العقيقة قال ما أحب وقال الميموني سألت أبا عبد الله أيؤكل من العقيقة قال نعم يؤكل منها قلت كم قال لا أدري أما الأضاحي فحديث ابن مسعود وابن عمر ثم قال لي ولكن العقيقة يؤكل منها قلت يشبهها(1\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "82",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7289",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في أكل الأضحية قال نعم يؤكل منها وقال الميموني قال أبو عبد الله يهدي ثلث الأضحية إلى الجيران قلت الفقراء من الجيران قال بلى فقراء الجيران قال تشبه العقيقه به قال نعم من شبه به فليس ببعيد قال الخلال وأخبرني محمد بن علي حدثنا الأثرم أن عبد الله قيل له في العقيقة يدخر منها مثل الأضاحي قال لا أدري أخبرني منصور أن جعفرا حدثهم قال سمعت أبا عبد الله يسأل عن العقيقة قيل يبعث منها إلى القابلة بشيء أراه قال نعم وأخبرني عبد الملك أنه سمع أبا عبد الله يقول ويهدى إلى القابلة منها يحكى أنه أهدى إلى القابلة حين عق عن الحسين يعني النبي صلى الله عليه وسلم قال الخلال أخبرنا محمد بن أحمد قال حدثني أبي حدثنا حفص بن غياث حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يبعثوا إلى القابلة برجل من العقيقة ورواه البيهقي من حديث حسين بن زيد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر فاطمة فقال زني شعر الحسين وتصدقي بوزنه فضة وأعطي القابلة رجل العقيقة رواه الحميدي عن حسين بن زيد عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا أعطى القابلة رجل العقيقة(1\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "83",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7290",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واختلف هل يدعى إليها الناس كما يفعل بالوليمة أو يهدي ولا يدعو الناس إليها فقال أبو عمر بن عبد البر قول مالك إنه يكسر عظامها ويطعم منها الجيران ولا يدعى الرجال كما يفعل بالوليمة ولا أعرف غيره كره ذلك والله أعلم  الفصل الثامن عشر في حكم اجتماع العقيقة والأضحية قال الخلال باب ما روي أن الأضحية تجزىء عن العقيقة أخبرنا عبد الملك الميموني أنه قال لأبي عبد الله يجوز أن يضحى عن الصبي مكان العقيقة قال لا أدري ثم قال غير واحد يقول به قلت من التابعين قال نعم وأخبرني عبد الملك في موضع آخر قال ذكر أبو عبد الله أن بعضهم قال فإن ضحى أجزأ عن العقيقة وأخبرنا عصمة ابن عصام حدثنا حنبل أن أبا عبد الله قال أرجو أن تجزىء الأضحية عن العقيقة إن شاء الله تعالى لمن لم يعق وأخبرني عصمة بن عصام في موضع آخر قال حدثنا حنبل أن أبا عبد الله قال فإن ضحى عنه أجزأت عنه الضحية من العقوق قال ورأيت أبا عبد الله اشترى أضحية ذبحها عنه وعن أهله وكان ابنه عبد الله ضغيرا فذبحها أراه أراد بذلك العقيقة والأضحية وقسم اللحم وأكل منها(1\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "84",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7291",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أخبرنا عبد الله بن أحمد قال سألت أبي عن العقيقة يوم الأضحى تجزىء أن تكون أضحية وعقيقة قال إما أضحية وإما عقيقة على ما سمى وهذا يقتضي ثلاث روايات عن أبي عبد الله إحداها إجزاؤها عنهما والثانية وقوعها عن أحدهما والثالثة التوقف ووجه عدم وقوعها عنهما أنهما ذبحان بسببين مختلفين فلا يقوم الذبح الواحد عنهما كدم المتعة ودم الفدية ووجه الإجزاء حصول المقصود منها بذبح واحد فإن الأضحية عن المولود مشروعة كالعقيقة عنه فإذا ضحى ونوى أن تكون عقيقة وأضحية وقع ذلك عنهما كما لو صلى ركعتين ينوي بهما تحية المسجد وسنة المكتوبة أو صلى بعد الطواف فرضا أو سنة مكتوبة وقع عنه وعن ركعتي الطواف وكذلك لو ذبح المتمتع والقارن شاة يوم النحر أجزأه عن دم المتعة وعن الأضحية والله أعلم  الفصل التاسع عشر في حكم من لم يعق عنه أبواه هل يعق عن نفسه إذا بلغ قال الخلال باب ما يستحب لمن لم يعق عنه صغيرا أن يعق عن نفسه كبيرا ثم ذكر من مسائل إسماعيل بن سعيد الشالنجي قال سألت أحمد عن الرجل يخبره والده أنه لم يعق عنه هل يعق عن نفسه قال ذلك على الأب ومن مسائل الميموني قال قلت لأبي عبد الله إن لم يعق عنه صغيرا(1\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "85",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7292",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعق عنه كبيرا فذكر شيئا يروى عن الكبير ضعفه ورأيته يستحسن إن لم يعق عنه صغيرا أن يعق عنه كبيرا وقال أن فعله إنسان لم أكرهه قال وأخبرني عبد الملك في موضع آخر أنه قال لأبي عبد الله فيعق عنه كبيرا قال لم أسمع في الكبير شيئا قلت أبوه كان معسرا ثم أيسر فأراد أن لا يدع ابنه حتى يعق عنه قال لا أدري ولم أسمع في الكبير شيئا ثم قال ومن فعله فحسن ومن الناس من يوجبه قال الخلال أخبرني أبو المثنى العنبري أن أبا داود حدثهم قال سمعت أحمد يحدث بحديث الهيثم بن جميل عن عبد الله بن المثنى عن ثمانة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه قال أحمد عبد الله بن المحرر عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه منكر وضعف عبد الله بن محرر قال الخلال أنبأنا محمد بن عوف الحمصي حدثنا الهيثم بن جميل حدثنا عبد الله بن المثنى عن رجل من آل أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد ما جاءته النبوة في مصنف عبد الرزاق أنبأنا عبد الله بن محرر عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة قال عبد الرزاق إنما تركوا ابن محرر لهذا الحديث(1\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "86",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7293",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل العشرون في حكم جلدها وسواقطها قال الخلال أخبرني عبد الملك الميموني أن أبا عبد الله قال له إنسان في العقيقة الجلد والرأس والسقط يباع ويتصدق به قال يتصدق به وقال عبد الله بن أحمد حدثنا أبي حدثنا يزيد حدثنا هشام عن الحسن أنه قال يكره أن يعطي جلد العقيقة والأضحية على يعمل به قلت معناه يكره أن يعطى في أجرة الجازر والطباخ وقد تقدم قوله في رواية حنبل اصنع بها ما شئت وقوله في رواية عبد الله يقسم منها ما أحب وقال أبو عبد الله بن حمدان في رعايته ويجوز بيع جلودها وسواقطها ورأسها والصدقة بثمن ذلك نص عليه وقيل يحرم البيع ولا يصح وقيل ينقل حكم الأضحية إلى العقيقة وعكسه فيكون فيهما روايتان بالنقل والتخريج والتفرقة أشهر وأظهر قلت النص الذي ذكره هو ما ذكرناه من مسائل الميموني وهو محتمل لما ذكره ومحتمل لعكسه أنه يتصدق به دون ثمنه فتأمله إلا أن يكون عنه نص آخر صريح بالبيع وقد قال في رواية جعفر بن محمد وقد سئل عن جلد البقرة في الأضحية فقال وقد روي عن ابن عمر أنه قال يبيعه ويتصدق به وهو مخالف لجلد الشاة يتخذ منه مصلى وهذا لا ينتفع به في البيت قال إن جلد البقرة يبلغ كذا(1\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "87",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7294",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الخلال وأخبرني عبد الملك بن عبد الحميد أن أبا عبد الله قال إن ابن عمر باع جلد بقرة وتصدق بثمنه قال وهكذا لا يباع لأن البعير والبقرة ليس ينتفع به أحد يتخذه في البيت يجلس عليه ولا يصلح هاهنا لشيء إنما يباع ويتصدق بثمنه وجلد الشاة يتخذ لضروب وقال الأثرم سمعت أبا عبد الله وذكر قول ابن عمر أنه كان يقول في جلد البقرة يباع ويتصدق به وكأنه يذهب إلى أن ثمنه كثير وقال أبو الحارث سئل أبو عبد الله عن جلد البقرة إذا ضحى بها فقال ابن عمر ويروى عنه يبيعه ويتصدق به وقال اسحاق بن منصور قلت لأبي عبد الله جلود الأضاحي ما يصنع بها قال ينتفع بها ويتصدق بثمنها قلت تباع ويتصدق بثمنها قال نعم حديث ابن عمر وقال المروزي مذهب أبي عبد الله أن لا تباع جلود الأضاحي وأن يتصدق بها واحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أن يتصدق بجلودها وأجلتها وقال في روية حنبل لا بأس أن يتخذ من جلود الأضحية وطاء يقعد عليه ولا يباع إلا أن يتصدق به فقال لا ينتفع بجلود الأضاحي قيل له يأخذه لنفسه ينتفع به قال ما كان واجبا أو كان عليه نذرا وما أشبه هذا فإنه يبيعه ويتصدق بثمنه وما كان تطوعا فإنه ينتفع به في منزله إن(1\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "88",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7295",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شاء قال وقال في رواية جعفر بن محمد يتصدق بجلد الأضحية ويتخذ منه في البت إهابا ولا يبيعه وفي رواية أبي الحارث يتصدق به ويتخذ منه إهابا أو مصلى في البيت وفي رواية ابن منصور يتصدق بجلودها وينتفع بها ولا يبيعها وفي رواية الميموني لا يباع ويتصدق به قالوا له فيبيعه ويتصدق بثمنه قال لا - يتصدق به كما هو وقال أحمد بن القاسم إن أبا عبد الله قال في جلد الأضحية يستحب أن يكون ثمنها في المنخل أو الشيء مما يستعمل في البيت ولا يعطى الجزار قال أبو طالب سألت أبا عبد الله عن جلود الأضاحي قال الشعبي وإبراهيم يقولان لا يبتاع به غربال أو منخل قال يقولون يبتاع بالجلد غربال أو منخل ولا يبيعه ويشتري به قلت يعاوض به قال نعم قلت يعجبك هذا قال إنما يجعله لله ولا يبيعه لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا أن يتصدق بالجلال والجلود قلت فيعطي الذي يذبح قال لا قلت(1\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "89",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7296",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبيعه وأتصدق به قال لا كان ابن عمر يدفعه إليهم فيبيعونه لأنفسهم قلت أبيعه بثلاثة دراهم وأعطيه ثلاثة مساكين قال اجمعهم وادفعه إليهم قال وكان مسروق وعلقمة يتخذونه مصلى أو شيئا في البيت هذا أرخص ما يكون فيه أن يتخذه في بيته وقال حرب قلت لأحمد رجل أخذ جلد أضحية فقومه وتصدق بثمنه وحبس الجلد قال لا بأس أن يبيع جلد الأضحية وقال الخلال باب استحبابه لبيع جلد البقرة ويتصدق بثمنه أخبرني منصور بن الوليد أن جعفر بن محمد حدثهم أن أبا عبد الله قيل له جلد البقرة قال قد روي عن ابن عمر أنه قال يبيعه ويتصدق به وهو مخالف لجلد الشاة يتخذ منه مصلى وهذا لا ينتفع به في البيت قال إن جلد البقرة يبلغ كذا وقال أبو الحارث إن أبا عبد الله سئل عن جلد البقرة إذا ضحى بها قال ابن عمر يروى عنه أنه قال يبيعه ويتصدق به وقال مهنا سألت أحمد عن الرجل يشتري البقرة يضحي بها يبيع جلدها بعشرين درهما وأكثر من عشرين فيشتري بثمن الجلد أضحية يضحي بها ما ترى في ذلك فقال يروى فيه عن ابن عمر مثل هذا وقال إسحاق بن منصور قلت لأبي عبد الله جلود الأضاحي ما يصنع بها قال ينتفع بها ويتصدق بها وتباع ويتصدق بثمنها قلت تباع ويتصدق بثمنها قال نعم(1\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "90",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7297",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حديث ابن عمر فهذه نصوصه في جلود العقيقة والأضحية وفي الواجب والمستحب كما ترى والله أعلم  الفصل الحادي والعشرون فيما يقال عند ذبحها قال ابن المنذر ذكر تسمية من يعق عنه حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا أبي حدثنا هشام عن ابن جريج عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت قال النبي صلى الله عليه وسلم اذبحوا على اسمه فقولوا بسم الله اللهم لك وإليك هذه عقيقة فلان قال ابن المنذر وهذا حسن وإن نوى العقيقة ولم يتكلم به أجزأه إن شاء الله وقال الخلال باب ما يقال عند ذبح العقيقة حدثنا أحمد بن محمد بن مطر وزكريا بن يحيى أن أبا طالب حدثهم أنه سأل أبا عبد الله إذا أراد الرجل أن يعق كيف يقول قال يقول بسم الله ويذبح على النية كما يضحي بنيته يقول هذه عقيقة(1\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "91",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7298",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلان بن فلان وظاهر هذا أنه اعتبر النية واللفظ جميعا كما يلي ويحرم عن غيره بالنية واللفظ فيقول لبيك اللهم عن فلان أو إحرامي عن فلان ويؤخذ من هذا أنه إذا أهدى له ثواب عمل أن ينويه عنه ويقول اللهم هذا عن فلان أو اجعل ثوابه لفلان وقد قال بعضهم ينبغي أن يعلقه بالشرط فيقول اللهم إن كنت قبلت مني هذا العمل فاجعل ثوابه لفلان لأنه لا يدري اقبل منه أم لا وهذا لا حاجة إليه والحديث يرده فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لمن سمعه يلبي عن شبرمة قل اللهم إن كنت قبلت إحرامي فاجعله عن شبرمة ولا قال لأحد ممن سأله أن يحج عن قريبه ذلك ولا في حديث واحد ألبتة وهدية أولى ما اتبع ولا يحفظ عن أحد من السلف ألبتة أنه علق الإهداء والضحية والعقيقة عن الغير بالشرط بل المنقول عنهم اللهم هذا عن فلان بن فلان وهذا كاف فإن الله سبحانه إنما يوصل إليه ما قبله من العمل شرطه المهدي أو لم يشرطه والله أعلم  الفصل الثاني والعشرون في حكم اختصاصها بالأسابيع ها هنا أربعة أمور تتعلق بالسابع عقيقته وحلق رأسه وتسميته وختانه فالأولان مستحبان في اليوم السابع اتفاقا وأما تسميته وختانه فيه فمختلف فيهما كما سنذكره إن شاء الله تعالى وقد تقدمت الآثار بذبح العقيقة يوم السابع وحكمة هذا والله اعلم أن الطفل حين يولد يكون أمره(1\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "92",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7299",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مترددا بين السلامة والعطب ولا يدري هل هو من أهل الحياة أم لا إلى أن تأتي عليه مدة يستدل بما يشاهد من أحواله فيها على سلامة بنيته وصحة خلقته وأنه قابل للحياة وجعل مقدار تلك المدة أيام الأسبوع فإنه دور يومي كما أن السنة دور شهري هذا هو الزمان الذي قدره الله يوم خلق السماوات والأرض وهو سبحانه خص أيام تخليق العالم بستة أيام وكنى كل يوم منها اسما يخصه به وخص كل يوم منها بصنف من الخليقة أو جده فيها وجعل يوم إكمال الخلق واجتماعه وهو يوم اجتماع الخليقة مجمعا وعيدا للمؤمنين يجتمعون فيه لعبادته وذكره والثناء عليه وتحميده وتمجيده والتفرغ من أشغال الدنيا لشكره والإقبال على خدمته وذكر ما كان في ذلك اليوم من المبدإ وما يكون فيه من المعاد وهو اليوم الذي استوى فيه الرب تبارك وتعالى على عرشه واليوم الذي خلق الله فيه أبانا آدم واليوم الذي أسكنه فيه الجنة واليوم الذي أخرجه فيه منها واليوم الذي ينقضي فيه أجل الدنيا وتقوم الساعة وفيه يجيء الله سبحانه وتعالى ويحاسب خلقه ويدخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم والمقصود أن هذه الأيام أول مراتب العمر فإذا استكملها المولود(1\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "93",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7300",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "انتقل إلى المرتبة الثانية وهي الشهور فإذا استكملها انتقل إلى الثالثة وهي السنين فما نقص عن هذه الأيام فغير مستوف للخليقة وما زاد عليها فهو مكرر يعاد عند ذكره اسم ما تقدم من عدده فكانت الستة غاية لتمام الخلق وجمع في آخر اليوم السادس منها فجعلت تسمية المولود وإماطة الأذى عنه وفديته وفك رهانه في اليوم السابع كما جعل الله سبحانه اليوم السابع من الأسبوع عيدا لهم يجتمعون فيه مظهرين شكره وذكره فرحين بما آتاهم الله من فضله من تفضيله لهم على سائر الخلائق المخلوقة في الأيام قبله فإن الله سبحانه أجرى حكمته بتغير حال العبد في كل سبعة أيام وانتقاله من حال إلى حال فكان السبعة طورا من أطواره وطبقا من أطباقه ولهذا تجد المريض تتغير أحواله في اليوم السابع ولا بد إما إلى قوة وإما إلى انحطاط ولما اقتضت حكمته سبحانه ذلك شرع لعباده كل سبعة أيام يوما يرغبون فيه إليه يتضرعون إليه ويدعونه فيكون ذلك من أعظم الأسباب في صلاحهم وفي معاشهم ومعادهم ودفع كثير من الشرور عنهم فسبحان من بهرت حكمته العقول في شرعه وخلقه والله أعلم(1\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "94",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7301",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب السابع  في حلق رأسه والتصدق بوزن شعره قال أبو عمر بن عبد البر أما حلق رأس الصبي عند العقيقة فإن العلماء كانوا يستحبون ذلك وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حديث العقيقة ويحلق رأسه ويسمى وقال الخلال في الجامع ذكر رأس الصبي والصدقة بوزن شعره أخبرني محمد بن علي حدثنا صالح أن أباه قال يستحب أن يحلق يوم سابعه وروى الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يحلق رأسه وروى سلمان بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم أميطوا عنه الأذى قال وسئل الحسن عن قوله صلى الله عليه وسلم أميطوا عنه الأذى قال يحلق رأسه وقال حنبل سمعت أبا عبد الله يقول يحلق رأس الصبي وقال الفضل بن زياد قلت لأبي عبد الله يحلق رأس الصبي قال نعم قلت فيدمى قال لا هذا من فعل الجاهلية وقال صالح بن أحمد قال أبي إن فاطمة رضي الله عنها حلقت رأس الحسن والحسين وتصدقت بوزن شعرهما ورقا وقال حنبل سمعت أبا عبد الله قال لا بأس أن يتصدق بوزن شعر الصبي وقد روى مالك في موطئه عن جعفر بن محمد عن(1\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "95",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7302",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبيه قال وزنت فاطمة شعر حسن وحسين وزينب وأم كلثوم فتصدقت بزنة ذلك فضة وفي الموطأ أيضا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن محمد بن علي بن حسين أنه قال وزنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شعر حسن وحسين فتصدقت بزنته فضة وقال يحيى بن بكير حدثنا ابن لهيعة عن عمارة ابن عزية عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر برأس الحسن والحسين يوم سابعهما فحلقا وتصدق بوزنه فضة وقال عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال سمعت محمد بن علي يقول كانت فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يولد لها ولد إلا أمرت بحلق رأسه وتصدقت بوزن شعره ورقا(1\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "96",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7303",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أبو عمر قال عطاء يبدأ بالحلق قبل الذبح قلت وكأنه والله أعلم قصد بذلك تمييزه عن مناسك الحاج وأن لا يشبه به فإن السنة في حقه أن يقدم النحر على الحلق ولا أحفظ عن غير عطاء في ذلك شيئا وقد ذكر ابن اسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن محمد بن علي ابن الحسين عن علي قال عق رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسن شاة وقال يا فاطمة احلقي رأسه وتصدقي بزنة شعره فضة فوزناه فكان وزنه درهما أو بعض درهم وقد ذكر البيهقي من حديث ابن عقيل عن ابن أبي الحسين عن أبي رافع أن حسنا حين ولدته أمه أرادت أن تعق عنه بكبش عظيم فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لا تعقي عنه بشيء ولكن احلقي شعر رأسه ثم تصدقي بوزنه من الورق في سبيل الله أو على ابن السبيل وولدت الحسين من العام المقبل فصنعت مثل ذلك قال البيهقي إن صح فكأنه أراد أن يتولى العقيقة عنها بنفسه كما روينا(1\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "97",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7304",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل  ويتعلق بالحلق مسألة القزع وهي حلق بعض رأس الصبي وترك بعضه وقال أخرجاه في الصحيحين من حديث عبيد الله بن عمر عن عمر بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القزع والقزع أن يحلق بعض رأس الصبي ويدع بعضه قال شيخنا وهذا من كمال محبة الله ورسوله للعدل فإنه أمر به حتى في شأن الانسان مع نفسه فنهاه أن يحلق بعض رأسه ويترك بعضه لأنه ظلم للرأس حيث ترك بعضه كاسيا وبعضه عاريا ونظير هذا أنه نهى عن الجلوس بين الشمس والظل فإنه ظلم لبعض بدنه ونظيره نهى أن يمشي الرجل في نعل واحدة بل إما أن ينعلهما أو يحفيهما والقزع أربعة أنواع أحدها أن يحلق من رأسه مواضع من ها هنا وها هنا مأخوذ من تقزع السحاب وهو تقطعه الثاني أن يحلق وسطه ويترك جوانبه كما يفعله شمامسة النصارى الثالث أن يحلق جوانبه ويترك وسطه كما يفعله كثير من الأوباش والسفل الرابع أن يحلق مقدمه ويترك مؤخره وهذا كله من القزع والله أعلم(1\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "98",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7305",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الثامن  في ذكر تسميته وأحكامها ووقتها وفيه عشرة فصول 1 - الفصل الأول في وقت التسمية 2 - الفصل الثاني فيما يستحب من الأسماء وما يحرم منها وما يكره 3 - الفصل الثالث في استحباب تغير الاسم إلى غيره لمصلحة 4 - الفصل الرابع في جواز تكنية المولود بأبي فلان 5 - الفصل الخامس في أن التسمية حق للأب دون الأم 6 - الفصل السادس في الفرق بين الاسم والكنية واللقب 7 - الفصل السابع في حكم التسمية باسم نبينا صلى الله عليه وسلم والتكني بكنيته إفرادا وجمعا وذكر الأحاديث في ذلك 8 - الفصل الثامن في جواز التسمية بأكثر من اسم واحد 9 - الفصل التاسع في بيان ارتباط معنى الاسم بالمسمى والمناسبة التي بينهما 10 - الفصل العاشر في بيان أن الخلق يدعون يوم القيامة بآبائهم لا بأمهاتهم(1\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "99",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7306",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل الأول في وقت التسمية قال الخلال في جامعه باب ذكر تسمية الصبي أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد قال تذاكرنا لكم يسمى الصبي فقال لنا أبو عبد الله أما ثابت فروى عن أنس أنه يسمى لثلاثة وأما سمرة فيسمى يوم السابع يعني حديث سمرة فيقتضي التسمية يوم السابع أخبرني جعفر بن محمد أن يعقوب بن بختان حدثهم أن أبا عبد الله قال حديث أنس يسمى لثلاثة وحديث سمرة قال يسمى يوم سابعه حدثنا محمد بن علي حدثنا صالح أن أباه قال كان يستحب أن يسمى يوم السابع وذكر حديث سمرة وقال ابن المنذر في الأسط ذكر تسمية المولود يوم سابعه جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أن يسمى المولود يوم سابعه وقد ذكرنا إسناده من حديث عبد الله بن عمرو قلت أراد حديث أبي إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سابع المولود بتسميته وعقيقته ووضع الأذى عنه وقد تقدم ذكره 000 وذكر حديث(1\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "100",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7307",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سمرة وقال البيهقي في سننه باب تسمية المولود حين يولد وهو أصح من السابع ثم روى من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال ذهبت بعبد الله بن أبي طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يهنأ بعيرا له فقال له هل معك تمر قلت نعم فناولته تمرات فألقاهن في فيه فلا كهن ثم فغر فا الصبي فمجه في فيه فجعل الصبي يتلمظه فقال النبي صلى الله عليه وسلم حب الأنصار التمر أخرجاه في الصحيحين من حديث أنس بن سيرين عن أنس بن مالك وذكر حديث بريد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى قال ولد لي غلام فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فسماه إبراهيم وحنكه بتمرة قلت وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد الساعدي قال أتي بالمنذر بن أبي أسيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولد فوضعه النبي صلى الله عليه وسلم(1\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "101",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7308",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على فخذه وأبو أسيد جالس فلهى النبي صلى الله عليه وسلم بشيء بين يديه فأمر أبو أسيد بابنه فاحتمل من على فخذ النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الصبي فقال أبو أسيد قلبناه يا رسول الله فقال ما أسمه قال فلان قال لا ولكن اسمه المنذر وفي صحيح مسلم من حديث سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم وذكر باقي الحديث في قصة موته وقال أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب ولدت له مارية القبطية سريته إبراهيم في ذي الحجة سنة ثمان وذكر الزبير عن أشياخه أن أم إبراهيم ولدت بالعالية وعق عنه بكبش يوم سابعه وحلق رأسه حلقه أبو هند فتصدق بزنة شعره فضة(1\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "102",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7309",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على المساكين وأمر بشعره فدفن في الأرض وسماه يومئذ هكذا قال الزبير وسماه يوم سابعه والحديث المرفوع أصح من قوله وأولى ثم ذكر حديث أنس وكانت قابلتها سلمى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجت إلى زوجها أبي رافع فأخبرته أن مارية ولدت غلاما فجاء أبو رافع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبشره فوهب له عبدا قلت وفي قصة مارية وإبراهيم أنواع من السنن أحدها استحباب قبول الهدية الثاني قبول هدية أهل الكتاب الثالث قبول هدية الرقيق الرابع جواز التسري الخامس البشارة لمن ولد له مولود بولده السادس استحباب إعطاء البشير بشراه السابع العقيقة عن المولود الثامن كونها يوم سابعه التاسع حلق رأسه العاشر التصدق بزنة شعره ورقا الحادي عشر دفن الشعر في الأرض ولا يلقى تحت الأرجل الثاني عشر تسمية المولود يوم ولادته الثالث عشر جواز دفع الطفل إلى غير أمه ترضعه وتحضنه الرابع عشر عيادة الوالد ولده الطفل فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع بوجعه انطلق إليه يعوده في بيت أبي سيف القين فدعا به وضمه إليه وهو يكبد بنفسه فدمعت عيناه وقال تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضى الرب وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون(1\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "103",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7310",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخامس عشر جواز البكاء على الميت بالعين وقد ذكر في مناقب الفضيل ابن عياض أنه ضحك يوم مات ابنه علي فسئل عن ذلك فقال إن الله تعالى قضى بقضاء فأحببت أن أرضى بقضائه وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل وأفضل فإنه جمع بين الرضى بقضاء ربه تعالى وبين رحمة الطفل فإنه لما قال له سعد بي عبادة ما هذا يا رسول الله قال هذه رحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحماء والفضيل ضاق عن الجمع بين الأمرين فلم يتسع للرضا بقضاء الرب وبكاء الرحمة للولد هذا جواب شيخنا سمعته منه السادس عشر جواز الحزن على الميت وأنه لا ينقص الأجر ما لم يخرج إلى قول أو عمل لا يرضي الرب أو ترك قول أو عمل يرضيه السابع عشر تغسيل الطفل فإن أبا عمر وغيره ذكروا أن مرضعته أم بردة امرأة أبي سيف غسلته حملته من بيتها على سرير صغير إلى لحده الثامن عشر الصلاة على الطفل قال أبو عمر وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر عليه أربعا هذا قول جمهور أهل العلم وهو الصحيح وكذلك قال الشعبي مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ستة عشر شهرا فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وروى ابن اسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن(1\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "104",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7311",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفن ابنه إبراهيم ولم يصل عليه قال وهذا غير صحيح لأن الجمهور قد أجمعوا على الصلاة على الأطفال اذا استهلوا وراثة وعملا مستفيضا عن السلف والخلف ولا أعلم أحدا جاء عنه غير هذا إلا عن سمرة بن جندب قال وقد يحتمل أن يكون معنى حديث عائشة أنه لم يصل عليه في جماعة وأمر أصحابه فصلوا عليه ولم يحضرهم فلا يكون مخالفا لما عليه العلماء في ذلك وهو أولى ما حمل عليه انتهى وقد قال غيره إنه اشتغل عن الصلاة عليه بأمر الكسوف وصلاته فإن الشمس كسفت يوم موته فشغل بصلاة الكسوف فإن الناس قالوا كسفت الشمس لموت ابراهيم فخطب النبي صلى الله عليه وسلم خطبة الكسوف وقال فيها إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن يخوف الله بهما عباده وقد قال أبو داود في سننه باب الصلاة على الطفل ثم ساق حديث عائشة من طريق محمد بن إسحاق قال مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمانية عشر شهرا فلم يصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم 000 ثم ساق في الباب عن البهي قال لما مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في(1\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "105",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7312",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المقاعد وهذا مرسل والبهي هو أبو محمد عبد الله بن يسار مولى مصعب بن الزبير تابعي ثم ذكر بعده عن عطاء بن أبي رباح أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على ابنه إبراهيم وهو ابن سبعين ليلة وهذا مرسل أيضا وكأنه وهم والله أعلم في مقدار عمره وقال البيهقي هذه الآثار وإن كانت مراسيل فهي تشبه الموصول ويشد بعضها بعضا وقد أثبتوا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنه إبراهيم وذلك أولى من رواية من روى أنه لم يصل عليه والموصول الذي أشار إليه هو حديث البراء بن عازب قال صلى رسول الله على ابنه إبراهيم ومات وهو ابن ستة عشر شهرا وقال إن في الجنة مرضعا تتم رضاعه وهو صديق وهذا حديث لا يثبت لأنه من رواية جابر الجعفي ولا يحتج بحديثه ولكن هذا الحديث مع مرسل البهي وعطاء والشعبي يقوي بعضها بعضا وكان بعض الناس يقول إنما ترك الصلاة عليه لاستغنائة عنها بأبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استغنى الشهداء عنها بشهادتهم وهذا من أفسد(1\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "106",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7313",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأقوال وأبعدها عن العلم فإن الله سبحانه شرع الصلاة على الأنبياء والصديقين وقد صلى الصحابة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والشهيد إنما تركت الصلاة عليه لأنها تكون بعد الغسل وهو لا يغسل التاسع عشر إن الشمس كسفت يوم موته فقال الناس كسفت لموت إبراهيم فخطب النبي صلى الله عليه وسلم خطبة الكسوف وقال إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته وفيه رد على من قال إنه مات يوم عاشر المحرم فإن الله سبحانه وتعالى أجرى العادة التي أوجبتها حكمته بأن الشمس إنما تكسف ليالي السرار كما أن القمر إنما يكسف في الأبدار كما أجرى العادة بطلوع الهلال أول الشهر وإبداره في وسطه وامحاقه في آخره العشرون أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن له مرضعا تتم رضاعة في الجنة وهذا يدل على أن الله تعالى يكمل لأهل السعادة من عبادة بعد موتهم النقص الذي كان في الدنيا وفي ذلك آثار ليس هذا موضعها حتى قيل إن من مات وهو طالب للعلم كما له حصوله بعد موته وكذلك من مات وهو يتعلم القرآن والله أعلم(1\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "107",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7314",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحادي والعشرون أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بالقبط خيرا وقال إن لهم ذمة ورحما فإن سريتي الخليلين الكريمين إبراهيم ومحمد صلوات الله عليهما وسلامه كانتا منهم وهما هاجر ومارية فأما هاجر فهي أم إسماعيل أبي العرب فهذا الرحم وأما الذمة فما حصل من تسري النبي صلى الله عليه وسلم بمارية وإيلادها إبراهيم وذلك ذمام يجب على المسلمين رعايته ما لم تضيعه القبط والله اعلم وقد روى البخاري في صحيحه عن السدي قال سالت انس بن مالك كم كان بلغ إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان قد ملأ مهده ولو بقي لكان نبيا ولكن لم يكن ليبقى لأن نبيكم آخر الأنبياء وقد روى عيسى بن يونس عن ابن أبي خالد قال قلت لابن أبي أوفى أرأيت إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم قال مات وهو صغير ولو قدر أن يكون بعد محمد نبي لعاش ولكنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم قال ابن عبد البر ولا أدري ما هذا وقد ولد نوح عليه السلام من ليس بنبي وكما يلد غير النبي نبيا فكذلك يجوز أن يلد النبي غير نبي(1\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "108",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7315",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولو لم يلد النبي إلا نبيا لكان كل أحد نبيا لأنه من ولد نوح وآدم نبي مكلم ما أعلم في ولده لصلبه نبيا غير شيث والله أعلم وهذا فصل معترض يتعلق بوقت تسمية المولود ذكرناه استطرادا فلنرجع إلى مقصود الباب فنقول إن التسمية لما كانت حقيقتها تعريف الشيء المسمى لأنه إذا وجد وهو مجهول الاسم لم يكن له ما يقع تعريفه به فجاز تعريفه يوم وجوده وجاز تأخير التعريف إلى ثلاثة أيام وجاز إلى يوم العقيقة عنه ويجوز قبل ذلك وبعده والأمر فيه واسع  الفصل الثاني فيما يستحب من الأسماء وما يكره منها عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وبأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم رواه أبو داود بإسناد حسن وعن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أحب أسمائكم إلى الله عز وجل عبد الله وعبد الرحمن رواه مسلم في صحيحه(1\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "109",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7316",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعن جابر قال ولد لرجل منا غلام فسماه القاسم فقلنا لا نكنيك أبا القاسم ولا كرامة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال سم ابنك عبد الرحمن \/\/ متفق عليه وعن أبي وهب الجشمي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تسموا بأسماء الأنبياء وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام وأقبحها حرب ومرة قال أبو محمد بن حزم اتفقوا على استحسان الأسماء المضافة إلى الله كعبد الله وعب الرحمن وما أشبه ذلك فقد اختلف الفقهاء في أحب الأسماء إلى الله فقال الجمهور أحبها إليه عبد الله وعبد الرحمن قال سعيد بن المسيب أحب الأسماء إليه أسماء الأنبياء والحديث الصحيح يدل على أن أحب الأسماء إليه عبد الله وعبد الرحمن(1\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "110",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7317",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وأما المكروه منها والمحرم فقال أبو محمد بن حزم اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله كعبد العزى وعبد هبل وعبد عمرو وعبد الكعبة وما أشبه ذلك حاشا عبد المطلب انتهى فلا تحل التسمية ب عبد علي ولا عبد الحسين ولا عبد الكعبة وقد روى ابن أبي شيبة حديث يزيد بن المقدام بن شريح عن المقدام بن شريح عن أبيه عن جده هانىء بن يزيد قال وفد على النبي صلى الله عليه وسلم قوم فسمعهم يسمون عبد الحجر فقال له ما اسمك فقال عبد الحجر فقال له رسول صلى الله عليه وسلم إنما أنت عبد الله فإن قيل كيف يتفقون على تحريم الاسم المعبد لغير الله وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة تعس عبد القطيفة وصح أنه قال (أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب)(1\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "111",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7318",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ودخل عليه رجل وهو جالس بين أصحابه فقال أيكم ابن عبد المطلب فقالوا هذا وأشاروا إليه فالجواب أما قوله تعس عبد النار فلم يرد به الاسم وإنما أراد به الوصف والدعاء على من يعبد قلبه الدينار والدرهم فرضي بعبوديتها عن عبودية ربه تعالى وذكر الأثمان والملابس وهما جمال الباطن والظاهر أما قوله أنا ابن عبد المطلب فهذا ليس من باب إنشاء التسمية بذلك وإنما هو باب الإخبار بالاسم الذي عرف به المسمى دون غيره والأخبار بمثل ذلك على وجه تعريف المسمى لا يحرم ولا وجه لتخصيص أبي محمد بن حزم ذلك بعبد المطلب خاصة فقد كان الصحابة يسمون بني عبد شمس وبني عبد الدار بأسمائهم ولا ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فباب الإخبار أوسع من باب الإنشاء فيجوز ما لا يجوز في الإنشاء فصل  ومن المحرم التسمية بملك الملوك وسلطان السلاطين وشاهنشاه فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك وفي رواية أخنى بدل أخنع وفي رواية لمسلم أغيظ رجل عند الله يوم القيامة وأخبثه رجل كان يسمى(1\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "112",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7319",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ملك الأملاك لا ملك إلا الله ومعنى أخنع وأخنى أوضع وقال بعض العلماء وفي معنى ذلك كراهية التسمية بقاضي القضاء وحاكم الحكام فان حاكم الحكام في الحقيقة هو الله وقد كان جماعة من أهل الدين والفضل يتورعون عن إطلاق لفظ قاضي القضاة وحاكم الحكام قياسا على ما يبغضه الله ورسوله من التسمية بملك الأملاك وهذا محض القياس وكذلك تحرم التسمية بسيد الناس وسيد الكل كما يحرم سيد ولد آدم فان هذا ليس لأحد إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحده فهو سيد ولد آدم فلا يحل لأحد أن يطلق على غيره ذلك فصل  ومن الأسماء المكروهة ما رواه مسلم في صحيحه عن سمرة بن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسمين غلامك يسارا ولا رباحا ولا نجاحا ولا أفلح فانك تقول أثم هو فلا يكون فيقول لا إنما هن أربع لا تزيدن علي وهذه الجملة الأخيرة ليست من كلام رسول الله(1\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "113",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7320",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلى الله عليه وسلم وإنما هي من كلام الراوي وفي سنن أبي داود من حديث جابر بن عبد الله قال أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينهى أن يسمى ب يعلى وبركة وأفلح ويسار ونافع وبنحو ذلك ثم رأيته سكت بعد عنها فلم يقل شيئا ثم قبض ولم ينه عن ذلك ثم أراد عمر أن ينهى عن ذلك ثم تركه وقال أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن عبيد عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن عشت إن شاء الله أنهى أمتي أن يسموا نافعا وأفلح وبركة قال الأعمش لا أدري أذكر نافعا أم لا وفي سنن ابن ماجة من حديث أبي الزبير عن جابر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن عشت إن شاء الله لأنهين أمتي أن يسموا رباحا ونجيحا وأفلح ويسارا قلت وفي معنى هذا مبارك ومفلح وخير وسرور ونعمة وما أشبه ذلك فإن المعنى الذي كره له النبي صلى الله عليه وسلم التسمية بتلك الأربع موجود فيها فانه يقال أعندك خير(1\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "114",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7321",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أعندك سرور أعندك نعمة فيقول لا فتشمئز القلوب من ذلك وتتطير به وتدخل في باب المنطق المكروه وفي الحديث أنه كره أن يقال خرج من عند برة مع أن فيه معنى آخر يقتضي النهي وهو تزكية النفس بأنه مبارك ومفلح وقد لا يكون كذلك كما روى أبو داود في سننه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يسمى برة وقال لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم وفي سنن ابن ماجة عن أبي هريرة أن زينب كان اسمها برة فقيل تزكي نفسها فسماها النبي صلى الله عليه وسلم زينب فصل ومنها التسمية بأسماء الشياطين كخنزب والولهان والأعور والأجدع قال الشعبي عن مسروق لقيت عمر بن الخطاب فقال من أنت قلت مسروق بن الأجدع فقال عمر رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الأجدع شيطان(1\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "115",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7322",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي سنن ابن ماجة وزيادات عبد الله في مسند أبيه من حديث أبي بن ابن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماء وشكي إليه عثمان بن أبي العاص من وسواسه في الصلاة فقال ذلك شيطان يقال له خنزب وذكر أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حميد بن عبد الرحمن عن هشام عن أبيه أن رجلا كان اسمه الحباب فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله وقال الحباب شيطان فصل  ومنها أسماء الفراعنة والجبابرة كفرعون وقارون وهامان والوليد قال عبد الرزاق في الجامع أخبرنا معمر عن الزهري قال أراد رجل أن يسمي ابنا له الوليد فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال انه سيكون رجل يقال له الوليد يعمل في أمتي بعمل فرعون في قومه(1\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "116",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7323",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل  ومنها كأسماء الملائكة كجبرائيل وميكائيل وإسرافيل فإنه يكره تسمية الآدميين بها قال أشهب سئل مالك عن التسمي بجبريل فكره ذلك ولم يعجبه وقال القاضي عياض قد استظهر بعض العلماء التسمي بأسماء الملائكة وهو قول الحارث بن مسكين قال وكره مالك التسمي بجبريل وياسين وأباح ذلك غيره قال عبد الرزاق في الجامع عن معمر قال قلت لحماد بن أبي سليمان كيف تقول في رجل تسمى بجبريل وميكائيل فقال لا بأس به قال البخاري في تاريخه قال أحمد بن الحارث حدثنا أبو قتادة الشامي ليس بالحراني مات سنة أربع وستين ومائة حدثنا عبد الله بن جراد قال صحبني رجل من مزينة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وأنا معه فقال يا رسول الله ولد لي مولود فما خير الأسماء قال إن خير الأسماء لكم الحارث وهمام ونعم الاسم عبد الله وعبد الرحمن وتسموا بأسماء الأنبياء ولا تسموا بأسماء الملائكة قال(1\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "117",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7324",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وباسمك قال وباسمي ولا تكنوا بكنيتي وقال البيهقي قال البخاري في غير هذه الرواية في إسناده نظر فصل  ومنها الأسماء التي لها معان تكرهها النفوس ولا تلائمها كحرب ومرة وكلب وحية وأشبهاهها وقد تقدم الأثر الذي ذكره مالك في موطئه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للقحة من يحلب هذه فقام رجل فقال أنا فقال ما اسمك قال الرجل مرة فقال له اجلس ثم قال من يحلب هذه فقام رجل آخر فقال له ما اسمك قال حرب فقال له اجلس ثم قال من يحلب هذه فقام رجل فقال أنا قال ما اسمك قال يعيش فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم احلب فكره مباشرة المسمى بالاسم المكروه لحلب الشاة وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يشتد عليه الاسم القبيح ويكرهه جدا من الأشخاص والأماكن والقبائل والجبال حتى انه مر في مسيرله بين جبلين فسأل عن اسمهما فقيل له فاضح ومخز فعدل عنهما ولم يمر بينهما وكان صلى الله عليه وسلم شديد الاعتناء بذلك ومن تأمل السنة وجد معاني في الأسماء مرتبطة بها حتى كأن معانيها مأخوذة منها وكأن الأسماء مشتقة من معانيها فتأمل قوله(1\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "118",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7325",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلى الله عليه وسلم أسلم سالمها الله وغفار غفر الله لها وعصية عصت الله وقوله لما جاء سهيل بن عمرو يوم الصلح سهل أمركم وقوله لبريدة لما سأله عن اسمه فقال بريدة قال يا أبا بكر برد أمرنا ثم قال ممن أنت قال من أسلم فقال لأبي بكر سلمنا ثم قال ممن قال من سهم قال خرج سهمك ذكره أبو عمر في استذكاره حتى انه كان يعتبر ذلك في التأويل فقال رأيت كأنا في دار عقبة بن رافع فأتينا برطب من رطب ابن طالب فأولت العاقبة لنا في الدنيا والرفعة وأن ديننا قد طاب وإذا أردت أن تعرف تأثير الأسماء في مسمياتها فتأمل حديث سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده قال أتيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما اسمك قلت حزن فقال أنت سهل قال لا أغير اسما سمانيه أبي قال ابن المسيب فما زالت تلك الحزونة فينا بعد رواه البخاري في صحيحه والحزونة الغلظة ومنه أرض حزنة وأرض سهلة وتأمل ما رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لرجل(1\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "119",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7326",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما اسمك قال جمرة قال ابن من قال ابن شهاب قال ممن قال من الحرقة قال أين مسكنك قال بحرة النار قال بأيتها قال بذات لظى قال عمر أدرك أهلك فقد احترقوا فكان كما قال عمر هذه رواية مالك ورواه الشعبي فقال جاء رجل من جهينة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال ما اسمك قال شهاب قال ابن من قال ابن ضرام قال ممن قال من الحرقة منزلك قال قال أين بحرة النار قال ويحك أدرك منزلك وأهلك فقد أحرقتهم قال فأتاهم فألفاهم قد احترق عامتهم وقد استشكل هذا من لم يفهمه وليس بحمد الله مشكلا فإن مسبب الأسباب جعل هذه المناسبات مقتضيات لهذا الأثر وجعل اجتماعها على هذا الوجه الخاص موجبا له وأخر اقتضاءها لأثرها إلى أن تكلم به من ضرب الحق على لسانه ومن كان الملك ينطق على لسانه فحينئذ كمل اجتماعها وتمت فرتب عليها الأثر ومن كان له في هذا الباب فقه نفس انتفع به غاية الانتفاع فإن البلاء موكل بالمنطق قال أبو عمر وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم(1\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "120",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7327",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البلاء موكل بالقول ومن البلاء الحاصل بالقول قول الشيخ البائس الذي عاده النبي صلى الله عليه وسلم فرأى عليه حمى فقال لا بأس طهور إن شاء الله فقال بل حمى تفور على شيخ كبير تزيره القبور فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فنعم إذا وقد رأينا من هذا عبرا فينا وفي غيرنا والذي رأيناه كقطرة في بحر وقد قال المؤمل الشاعر ) شف المؤمل يوم النقلة النظر ... ليت المؤمل لم يخلق له البصر) فلم يلبث أن عمي وفي جامع ابن وهب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بغلام فقال ما سميتم هذا قالوا السائب فقال لا تسموه السائب ولكن عبد الله قال فغلبوا على اسمه فلم يمت حتى ذهب عقله فحفظ المنطق وتحيز الأسماء من توفيق الله للعبد وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من تمنى أن يحسن أمنيته وقال إن أحدكم لا يدري ما يكتب له من أمنيته أي ما يقدر له منها وتكون أمنيته سبب حصول ما تمنهاه أو بعضه وقد بلغك(1\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "121",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7328",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو رأيت أخبار كثير من المتمنين أصابتهم أمانيهم أو بعضها وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يتمثل بهذا البيت (احذر لسانك أن يقول فتبتلى ... إن البلاء موكل بالمنطق) ولما نزل الحسين وأصحابه بكربلاء سأل عن أسمها فقيل كربلاء فقال كرب وبلاء ولما وقفت حليمة السعدية على عبد المطلب تسأله رضاع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها من أنت قال امرأة من بني سعد قال فما اسمك قالت حليمة فقال بخ بخ سعد وحلم هاتان خلتان فيهما غناء الدهر وذكر سليمان بن أرقم عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال بعث ملك الروم إلى النبي صلى الله عليه وسلم رسولا وقال انظر أين تراه جالسا ومن إلى جنبه وانظر إلى ما بين كتفيه قال فلما قدم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا على نشز واضعا قدميه في الماء عن يمينه أبو بكر فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال تحول فانظر ما أمرت به فنظر إلى الخاتم ثم رجع إلى صاحبه فأخبره الخبر فقال ليعلمون أمره وليملكن ما تحت قدمي فينال بالنشز العلو وبالماء الحياة وقال عوانة بن الحكم لما دعا ابن الزبير إلى نفسه قام عبد الله بن مطيع ليبايع فقبض عبد الله بن الزبير يده وقال لعبيد الله علي بن أبي طالب(1\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "122",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7329",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قم فبايع فقال عبيد الله قم يا مصعب فبايع فقام فبايع فقال الناس أبى أن يبايع ابن مطيع وبايع مصعبا ليجدن في أمره صعوبة وقال سلمة ابن محارب نزل الحجاج دير قرة ونزل عبد الرحمن بن الأشعث دير الجماجم فقال الحجاج استقر الأمر في يدي وتجمجم به أمره والله لأقتلنه وهذا باب طويل عظيم النفع نبهنا عليه أدنى تنبيه والمقصود ذكر الأسماء المكروهة والمحبوبة فصل  ومما يمنع تسمية الإنسان به أسماء الرب تبارك وتعالى فلا يجوز التسمية بالأحد والصمد ولا بالخالق ولا بالرازق وكذلك سائر الأسماء المختصة بالرب تبارك وتعالى ولا تجوز تسمية الملوك بالقاهر والظاهر كما لا يجوز تسميتهم بالجبار والمتكبر والأول والآخر والباطن وعلام الغيوب وقد قال أبو داود في سننه حدثنا الربيع بن نافع عن يزيد بن المقدام ابن شريح عن أبيه عن جده شريح عن أبيه هانىء أنه لما وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مع قومه سمعهم يكنونه بأبي الحكم فدعاه صلى الله عليه وسلم فقال إن الله هو الحكم وإليه الحكم فلم تكنى أبا الحكم فقال إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحسن هذا فما لك من الولد قال لي شريح(1\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "123",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7330",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومسلمة وعبد الله قال فمن أكبرهم قلت شريح قال فأنت أبو شريح وقد تقدم ذكر الحديث الصحيح أغيظ رجل على الله رجل تسمى بملك الأملاك وقال أبو داود حدثنا مسدد حدثنا بشر بن المفضل حدثنا أبو سلمة سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال قال أبي انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا أنت سيدنا فقال السيد الله قلنا وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا فقال قولوا بقولكم أو ببعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان ولا ينافي هذا قوله صلى الله عليه وسلم أنا سيد ولد آدم فإن هذا إخبار منه عما أعطاه الله من سيادة النوع الإنساني وفضله وشرفه عليهم وأما وصف الرب تعالى بأنه السيد فذلك وصف لربه على الإطلاق فإن سيد الخلق هو مالك أمرهم الذي إليه يرجعون وبأمره يعلمون وعن قوله يصدرون فإذا كانت الملائكة والإنس والجن خلقا له سبحانه وتعالى وملكا له ليس لهم غنى عنه طرفة عين وكل رغباتهم إليه وكل حوائجهم اليه كان هو سبحانه وتعالى السيد على(1\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "124",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7331",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحقيقة قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير قول الله الصمد قال السيد الذي كمل سؤدده والمقصود أنه لا يجوز لأحد أن يتسمى بأسماء الله المختصة به وأما الأسماء التي تطلق عليه وعلى غيره كالسميع والبصير والرؤوف والرحيم فيجوز أن يخبر بمعانيها عن المخلوق ولا يجوز أن يتسمى بها على الإطلاق بحيث يطلق عليه كما يطلق على الرب تعالى فصل  ومما يمنع منه التسمية بأسماء القرآن وسوره مثل طه ويس وحم وقد نص مالك على كراهة التسمية ب يس ذكره السهلي وأما يذكره العوام أن يس وطه من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم فغير صحيح ليس ذلك في حديث صحيح ولا حسن ولا مرسل ولا أثر عن صاحب وإنما هذه الحروف مثل الم وحم والر ونحوها فصل  واختلف في كراهة التسمي بأسماء الأنبياء على قولين أحدهما أنه لا يكره وهذا قول الأكثرين وهو الصواب والثاني يكره قال أبو بكر بن أبي شيبة في باب ما يكره من الأسماء حدثنا الفضل بن دكين(1\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "125",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7332",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن أبي جلدة عن أبي العالية تفعلون شرا من ذلك تسمون أولادكم أسماء الأنبياء ثم تلعنونهم وأصرح من ذلك ما حكاه أبو القاسم السهيلي في الروض فقال وكان من مذهب عمر بن الخطاب كراهة التسمي بأسماء الأنبياء قلت وصاحب هذا القول قصد صيانة أسمائهم عن الابتذال وما يعرض لها من سوء الخطاب عند الغضب وغيره وقد قال سعيد بن المسيب أحب الأسماء إلى الله أسماء الأنبياء وفي تاريخ ابن أبي خيثمة أن طلحة كان له عشرة من الولد كل منهم اسم نبي وكان للزبير عشرة كلهم تسمى باسم شهيد فقال له طلحة أنا أسميهم بأسماء الأنبياء وأنت تسمي بأسماء الشهداء فقال له الزبير فإني أطمع أن يكون بني شهداء ولا تطمع أن يكون بنوك أنبياء وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى قال ولد لي غلام فأتيت به النبي فسماه إبراهيم وحنكه بتمرة وقال البخاري في صحيحه باب من تسمى بأسماء الأنبياء حدثنا ابن أيمن حدثنا ابن بشر حدثنا اسماعيل قال قلت لابن أبي أوفى رأيت إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم مات صغيرا ولو قضي أن يكون بعد محمد(1\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "126",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7333",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نبي عاش ابنه ولكن لا نبي بعده ثم ذكر حديث البراء لما مات إبراهيم قال النبي صلى الله عليه وسلم إن له مرضعا في الجنة وفي صحيح مسلم باب التسمي بأسماء الأنبياء والصالحين ثم ذكر حديث المغيرة بن شعبة قال لما قدمت نجران سألوني فقالوا إنكم تقرؤون يا أختا هارون وموسى قبل عيسى بكذا وكذا فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن ذلك فقال إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم  الفصل الثالث في تغيير الاسم باسم آخر لمصلحة تقتضيه عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم غير اسم عاصية وقال أنت جميلة وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة أن زينب كان اسمها برة فقيل تزكي نفسها فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب وفي سنن أبي داود من(1\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "127",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7334",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حديث سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما اسمك قال حزن قال أنت سهل قال لا السهل يوطأ ويمتهن قال سعيد فظننت أنه سيصيبنا بعده حزونة وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بالمنذر بن أبي أسيد حين ولد فوضعه على فخذه فأقاموه فقال أين الصبي فقال أبو أسيد أقلبناه يا رسول الله قال ما اسمه قال فلان قال ولكن اسمه المنذر وروى أبو داود في سننه عن أسامة بن أخدري أن رجلا كان يقال له أصرم كان في النفر الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اسمك قال أصرم قال بل أنت زرعة قال أبو داود وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم اسم العاص وعزيز وعتلة وشيطان والحكم وغراب وشهاب وحباب فسماه هاشما وسمى حربا سلما وسمى المضطجع المنبعث وأرضا يقال لها عفرة خضرة وشعب الضلالة سماه شعب الهدى وبنو الزينة سماهم بني الرشدة(1\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "128",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7335",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسمي بني مغوية بني رشدة قال أبو داود تركت أسانيدها للاختصار وفي سنن البيهقي من حديث الليث بن سعيد عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي قال توفي صاحب لي غريبا فكنا على قبره أنا وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وكان اسمي العاص واسم ابن عمر العاص واسم ابن عمرو العاص فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم انزلوا فاقبروه وأنتم عبيد الله قال فنزلنا فقبرنا أخانا وصعدنا من القبر وقد أبدلت أسماؤنا \/\/ وإسناده جيد إلى الليث ولا أدري ما هذا فإنه لا يعرف تسمية عبد الله بن عمر ولا ابن عمرو بالعاص وقد قال ابن أبي شيبة في مصنفه حدثنا محمد بن بشر حدثنا زكريا عن الشعبي قال لم يدرك الإسلام من عصاة قريش غير مطيع وكان اسمه العاصي فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم مطيعا وقال أبو بكر بن المنذر حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا أبو نعيم حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن هانيء بن هانيء عن علي رضي الله عنه قال لما ولد الحسن سميته حربا قال(1\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "129",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7336",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال أروني ابني ما سميتموه قلنا حربا قال بل هو حسن فلما ولد الحسين سميته حربا فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال أروني ابني ما سميتموه قلنا حربا قال بل هو حسين قال فلما ولد الثالث سميته حربا فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال أروني ابني ما سميتموه قلنا حربا قال بل هو محسن ثم قال إني سميتهم بأسماء ولد هارون شبر وشبير ومشبر وفي مصنف ابن أبي شيبة حدثنا محمد بن فضيل عن العلاء بن المسيب عن خيثمة قال كان اسم أبي في الجاهلية عزيزا فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن وقال البخاري في كتاب الأدب حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا زيد بن الحباب قال حدثني ابن عبد الرحمن بن سعيد المخزومي وكان اسمه الصرم فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم سعيدا حدثنا محمد بن سنان حدثنا عبد الله بن الحارث بن أبزى قال حدثتني رائطة بنت مسلم عن أبيها قال شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا فقال لي ما اسمك قلت غراب قال لا بل أنت مسلم(1\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "130",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7337",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل  وكما أن تغيير الاسم يكون لقبحه وكراهته فقد يكون لمصلحة أخرى مع حسنه كما غير اسم برة بزينب كراهة التزكيه وأن يقال خرج من عند برة أو يقال كنت عند برة فيقول لا كما ذكر في الحديث فصل  وغير النبي صلى الله عليه وسلم اسم المدينة وكان يثرب فسماها طابة كما في الصحيحين عن أبي حميد قال أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك حتى أشرفنا على المدينة فقال هذه طابة وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله سمى المدينة طابة ويكره تسميتها يثرب كراهة شديدة وإنما حكى الله تسميتها يثرب عن المنافقين فقال وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا الأحزاب 12  13(1\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "131",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7338",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي سنن النسائي من حديث مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال سمعت أبا الحباب سعيد بن يسار يقول سمعت أبا هريرة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أمرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد  الفصل الرابع في جواز تكنية المولود بأبي فلان في الصحيحين من حديث أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا وكان لي أخ يقال له أبو عمير وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاء يقول له يا أبا عمير ما فعل النغير نغير كان يلعب به قال الراوي أظنه كان فطيما وكان أنس يكنى قبل أن يولد له يأبي حمزة وأبو هريرة كان يكنى بذلك ولم يكن له ولد إذ ذاك وأذن النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة أن تكنى بأم عبد الله وهو عبد الله بن الزبير وهو ابن أختها أسماء بنت أبي بكر هذا هو الصحيح لا الحديث الذي روي أنها أسقطت من النبي صلى الله عليه وسلم سقطا فسماه عبد الله وكناها به فإنه حديث لا يصح ويجوز تكنية الرجل الذي له أولاد بغير أولاده ولم يكن لأبي بكر ابن اسمه بكر ولا لعمر ابن اسمه حفص ولا لأبي ذر ابن المنذر ابن اسمه ذر ولا لخالد ابن اسمه سليمان وكان يكنى أبا سليمان وكذلك أبو سلمة وهو أكثر من أن يحصى فلا يلزم من جواز التكنية أن يكون له ولد ولا أن يكنى باسم ذلك الولد والله أعلم(1\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "132",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7339",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتكنية نوع تكثير وتفخيم للمكنى وإكرام له كما قال (أكنيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقبه والسوأة اللقب)  الفصل الخامس في أن التسمية حق للأب لا للأم هذا مما لا نزاع فيه بين الناس وأن الأبوين إذا تنازعا في تسمية الولد فهي للأب والأحاديث المتقدمة كلها تدل على هذا وهذا كما أنه يدعى لأبيه لا لأمه فيقال فلان ابن فلان قال تعالى ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله الأحزاب 5 والولد يتبع أمه في الحرية والرق ويتبع أباه في النسب والتسمية تعريف النسب والمنسوب ويتبع في الدين خير أبويه دينا فالتعريف كالتعليم والعقيقة وذلك إلى الأب لا إلى الأم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ولد لي الليلة مولود فسميته باسم أبي إبراهيم وتسمية الرجل ابنه كتسمية غلامه  الفصل السادس في الفرق بين الاسم والكنية واللقب هذه الثلاثة وإن اشتركت في تعريف المدعو بها فأنها تفترق في أمر آخر وهو أن الاسم إما أن يفهم مدحا أو ذما أو لا يفهم واحد منهما فإن(1\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "133",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7340",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أفهم ذلك فهو اللقب وغالب استعماله في الذم ولهذا قال الله تعالى ولا تنابزوا بالألقاب الحجرات 11 ولا خلاف في تحريم تلقيب الإنسان بما يكرهه سواء كان فيه أو لم يكن وأما إذا عرف بذلك واشتهر به كالأعمش والأشتر والأصم والأعرج فقد اضطرد استعماله على ألسنة أهل العلم قديما وحديثا وسهل فيه الإمام أحمد قال أبو داود في مسائله سمعت أحمد بن حنبل سئل عن الرجل يكون له اللقب لا يعرف إلا به ولا يكرهه قال أليس يقال سليمان الأعمش وحميد الطويل كأنه لا يرى به بأسا قال أبو داود سألت أحمد عنه مرة أخرى فرخص فيه قلت كان أحمد يكره أن يقول الأعمش قال الفضيل يزعمون كان يقول سليمان وإما أن لا يفهم مدحا ولا ذما فإن صدر بأب وأم فهو الكنية كأبي فلان وأم فلان وإن لم يصدر بذلك فهو الاسم كزيد وعمرو وهذا هو الذي كانت تعرفه العرب وعليه مدار مخاطباتهم وأما فلان الدين وعز الدين وعز الدولة وبهاء الدولة فإنهم لم يكونوا يعرفون ذلك وإنما أتى هذا من قبل العجم  الفصل السابع في حكم التسمية باسم نبينا صلى الله عليه وسلم والتكني بكنيته إفرادا وجمعا ثبت في الصحيحين من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال(1\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "134",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7341",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي وقال البخاري في صحيحه باب قول النبي صلى الله عليه وسلم تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي قاله أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا مسدد حدثنا خالد عن حصين عن جابر قال ولد لرجل منا غلام فسماه القاسم فقالوا لا تكنه حتى تسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان سمعت بن المنكدر سمعت جابر بن عبد الله يقول ولد لرجل منا غلام فسماه القاسم فقلنا لا نكنيك بأبي القاسم ولا ننعمك عينا فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فقال اسم ابنك عبد الرحمن وفي صحيح مسلم من حديث إسحاق بن راهويه أخبرنا جرير عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن جابر قال ولد لرجل منا غلام(1\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "135",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7342",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فسماه محمدا فقال له قومه لا ندعك تسمي باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق بابنه حامله على ظهره فقال يا رسول الله ولد لي غلام فسميته محمدا فقال لي قومي لا ندعك تسمي باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي فإنما أنا قاسم أقسم بينكم وفي صحيحه من حديث أبي كريب عن مروان الفزاري عن حميد عن أنس قال نادى رجل رجلا بالبقيع يا أبا القاسم فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني لم أعنك إنما دعوت فلانا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي فاختلف أهل العلم في هذا الباب بعد أجماعهم على جواز التسمي به صلى الله عليه وسلم فعن أحمد روايتان إحداهما يكره الجمع بين اسمه وكنيته فإن أفرد أحدهما لم يكره والثانية يكره التكني بكنيته سواء جمعها إلى الاسم أو أفرادها قال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب يقول سمعت الربيع بن سليمان يقول سمعت الشافعي يقول(1\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "136",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7343",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يحل لأحد أن يتكنى بأبي القاسم كان اسمه محمدا أو غيره وروي معنى قوله هذا عن طاوس قال السهيلي وكان ابن سيرين يكره أن يكني أحدا أبا القاسم كان اسمه محمدا أو لم يكن وقالت طائفة هذا النهي على الكراهة لا على التحريم قال وكيع عن ابن عون قلت لمحمد أكان يكره أن يكنى الرجل بأبي القاسم وإن لم يكن اسمه محمدا قال نعم وقال ابن عون عن ابن سيرين كانوا يكرهون أن يكنى الرجل أبا القاسم وأن لم يكن اسمه محمدا قال نعم وسفيان حمل النهي على الكراهة جمعا بينه وبين أحاديث الإذن في ذلك وقالت طائفة أخرى بل ذلك مباح وأحاديث النهي منسوخة واحتجوا بما رواه أبو داود في سننه حدثنا النفيلي حدثنا محمد بن عمران الحجبي عن جدته صفية بنت شيبة عن عائشة رضي الله عنها قالت جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني قد ولدت غلاما فسميته محمدا وكنيته أبا القاسم فذكر لي أنك تكره ذلك فقال ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي أو ما الذي حرم كنيتي وأحل اسمي(1\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "137",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7344",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ابن أبي شيبة حدثنا محمد بن الحسن حدثنا أبو عوانة عن مغيرة عن إبراهيم قال كان محمد بن الأشعث ابن أخت عائشة وكان يكنى أبا القاسم وقال ابن أبي خيثمة حدثنا الزبير بن بكار حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأودي قال حدثني أسامة بن حفص مولى لآل هشام ابن زهرة عن راشد بن حفص قال أدركت أربعة من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كل منهم يسمى محمدا ويكنى أبا القاسم محمد بن طلحة ابن عبيد الله ومحمد بن أبي بكر ومحمد بن علي بن أبي طالب ومحمد ابن سعد بن أبي وقاص قال وحدثنا أبي حدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال كان محمد ابن علي يكنى أبا القاسم وكان محمد بن الأشعث يكنى بها ويدخل على عائشة فلا تنكر ذلك قال السهيلي وسئل مالك عمن اسمه محمد ويكنى بأبي القاسم فلم ير به بأسا فقيل له أكنيت ابنك أبا القاسم واسمه محمد فقال ما كنيته بها ولكن أهله يكنونه بها ولم أسمع في ذلك نهيا ولا أرى بذلك بأسا وقالت طائفة أخرى لا يجوز الجمع بين الكنية والاسم ويجوز إفراد كل واحد منهما واحتجت هذه الفرقة بما رواه أبو داود في سننه حدثنا(1\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "138",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7345",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من تسمى باسمي فلا يتكنى بكنيتي ومن تكنى بكنيتي فلا يتسمى باسمي وقال أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن سفيان عن عبد الكريم الجزري عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن عمه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي وقال ابن أبي خيثمة وقيل إن محمد بن طلحة لما ولد أتى طلحة النبي صلى الله عليه وسلم فقال اسمه محمد أكنيه أبا القاسم فقال لا تجمعهما له هو أبو سليمان(1\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "139",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7346",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالت طائفة أخرى النهي عن ذلك مخصوص بحياته لأجل السبب الذي ورد النهي لأجله وهو دعاء غيره بذلك فيظن أنه يدعوه واحتجت هذه الفرقة بما رواه أبو داود في سننه حدثنا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة قالا حدثنا أبو أسامة عن فطر عن منذر عن محمد بن الحنفية قال قال علي رضي الله عنه يا رسول الله إن ولد لي بعدك ولد أسميه باسمك وأكنيه بكنيتك قال نعم وقال حميد بن زنجوية في كتاب الأدب سألت ابن أبي أويس ما كان مالك يقول في رجل يجمع بين كنية النبي صلى الله عليه وسلم واسمه فأشار إلى شيخ جالس معنا فقال هذا محمد بن مالك سماه محمدا وكناه أبا القاسم وكان يقول إنما نهى عن ذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كراهية أن يدعى أحد باسمه وكنيته فيلتفت النبي صلى الله عليه وسلم فأما اليوم فلا بأس بذلك قال حميد بن زنجوية إنما كره أن يدعى أحد بكنيته في حياته ولم يكره أن يدعى باسمه لأنه لا يكاد أحد يدعوه باسمه فلما قبض ذهب ذلك ألا ترى أنه أذن لعلي إن ولد له ولد بعده أن يجمع له الاسم والكنية وإن نفرا من أبناء وجوه الصحابة جمعوا بينهما منهم محمد بن أبي بكر(1\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "140",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7347",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومحمد بن جعفر بن أبي طالب ومحمد بن سعد بن أبي وقاص ومحمد بن حاطب ومحمد بن المنذر وقال ابن أبي خيثمة في تاريخه حدثنا ابن الأصبهاني حدثنا علي ابن هاشم عن فطر عن منذر عن ابن الحنفية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه سيولد لك بعدي ولد فسمه باسمي وكنه بكنيتي فكانت رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي وللكراهة ثلاثة مآخذ أحدها إعطاء معنى الاسم لغير من يصلح له وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه العلة بقوله إنما أنا قاسم أقسم بينكم فهو صلى الله عليه وسلم يقسم بينهم ما أمر ربه تعالى بقسمته لم يكن يقسم كقسمة الملوك الذين يعطون من شاؤوا ويحرمون من شاؤوا والثاني خشية الالتباس وقت المخاطبة والدعوة وقد أشار إلى هذه العلة في حديث أنس المتقدم حيث قال الداعي لم أعنك فقال تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي والثالث أن في الاشتراك الواقع في الاسم والكنية معا زوال مصلحة الاختصاص والتمييز بالاسم والكنية كما نهى أن ينقش أحد على خاتمه كنقشه فعلى المأخذ الأول يمنع الرجل من في حياته وبعد موته وعلى المأخذ الثاني يختص المنع بحال حياته وعلى المأخذ الثالث يختص المنع بالجمع بين(1\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "141",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7348",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكنية والاسم دون إفراد أحدهما والأحاديث في هذا الباب تدور على هذه المعاني الثلاثة والله أعلم  الفصل الثامن في جواز التسمية بأكثر من اسم واحد لما كان المقصود بالاسم التعريف والتمييز وكان الاسم الواحد كافيا في ذلك كان الاقتصار عليه أولى ويجوز التسمية بأكثر من اسم واحد كما يوضع له اسم وكنية ولقب وأما أسماء الرب تعالى وأسماء كتابه وأسماء رسوله فلما كانت نعوتا دالة على المدح والثناء لم تكن من هذا الباب بك من باب تكثير الاسماء لجلالة المسمى وعظمته وفضله قال الله تعالى ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وفي الصحيحين من حديث جبير بن مطعم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي(1\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "142",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7349",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الامام أحمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا أبو بكر عن عاصم ابن بهدلة عن أبي وائل عن حذيفة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أنا محمد وأحمد ونبي الرحمة ونبي التوبة والحاشر والمقفي ونبي الملاحم قال أحمد وحدثنا يزيد بن هارون حدثنا المسعودي عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن أبي موسى قال سمى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه أسماء منها ما حفظناه ومنها ما لم نحفظه قال أنا محمد وأحمد والمقفي والحاشر ونبي التوبة ونبي الملاحم رواه مسلم في صحيحه وذكر أبو الحسن بن فارس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة وعشرين اسما محمد وأحمد والماحي والعاقب والمقفي ونبي الرحمة ونبي التوبة ونبي الملاحم والشاهد والمبشر والنذير والضحوك والقتال والمتوكل والفاتح والأمين والخاتم والمصطفى والرسول والنبي والأمي والقاسم والحاشر(1\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "143",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7350",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل التاسع في بيان ارتباط معنى الاسم بالمسمى وقد تقدم ما يدل على ذلك من وجوه أحدهما قول سعيد بن المسيب ما زالت فينا تلك الحزونة وهي التي حصلت من تسمية الجد بحزن وقد تقدم قول عمر لجمرة بن شهاب أدرك أهلك فقد احترقوا ومنع النبي صلى الله عليه وسلم من كان اسمه حربا أو مرة أن يحلب الشاة تلك التي أراد حلبها وشواهد ذلك كثيرة جدا فقل أن ترى اسما قبيحا إلا وهو على مسمى قبيح كما قيل (وقل ما أبصرت عيناك ذا لقب ... إلا ومعناه إن فكرت في لقبه) والله سبحانه بحكمته في قضائه وقدره يلهم النفوس أن تضع الأسماء على حسب مسمياتها لتناسب حكمته تعالى بين اللفظ ومعناه كما تناسبت بين الأسباب ومسبباتها قال أبو الفتح ابن جني ولقد مر بي دهر وأنا أسمع الاسم لا أدري معناه فآخذ معناه من لفظه ثم أكشفه فإذا هو ذلك بعينه أو قريب منه فذكرت ذلك لشيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله فقال وأنا يقع لي ذلك كثيرا وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم أسلم سالمها الله وغفار غفر الله لها وعصية عصت الله ورسوله ولما أسلم وحشي قاتل حمزة وقف بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم(1\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "144",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7351",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكره اسمه وفعله وقال غيب وجهك عني وبالجملة فألاخلاق والأعمال والأفعال القبيحة تستدعي أسماء تناسبها وأضدادها تستدعي أسماء تناسبها وكما أن ذلك ثابت في أسماء الأوصاف فهو كذلك في أسماء الأعلام وما سمي رسول الله صلى الله عليه وسلم محمدا وأحمد إلا لكثرة خصال الحمد فيه ولهذا كان لواء الحمد بيده وأمته الحمادون وهو أعظم الخلق حمدا لربه تعالى ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحسين الأسماء فقال حسنوا أسماءكم فإن صاحب الاسم الحسن قد يستحي من اسمه وقد يحمله اسمه على فعل ما يناسبه وترك ما يضاده ولهذى ترى أكثر السفل أسماؤهم تناسبهم وأكثر العلية أسماؤهم تناسبهم وبالله التوفيق  الفصل العاشر في بيان أن الخلق يدعون يوم القيامة بآبائهم لا بأمهاتهم هذا الصواب الذي دلت عليه السنة الصحيحة الصريحة ونص عليه الأئمة كالبخاري وغيره فقال في صحيحه باب يدعى الناس يوم القيامة بآبائهم لا بأمهاتهم ثم ساق في الباب حديث ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع الله لكل(1\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "145",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7352",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غادر لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان بن فلان وفي سنن أبي داود بإسناد جيد عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فحسنوا أسماءكم فزعم بعض الناس أنهم يدعون بأمهاتهم واحتجوا في ذلك بحديث لا يصح وهو في معجم الطبراني من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا مات أحد ما إخوانكم فسو يتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل يا فلان بن فلانة فإنه يسمعه ولا يجيبه ثم يقول يا فلان بن فلانة فإنه يقول أرشدنا يرحمك الله الحديث وفيه فقال رجل يا رسول الله فإن لم يعرف اسم أمه قال فلينسبه إلى أمه حواء يا فلان ابن حواء قالوا وأيضا فالرجل قد لا يكون نسبه ثابتا من(1\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "146",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7353",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبيه كالمنفي باللعان وولد الزنى فكيف يدعى بأبيه والجواب أما الحديث فضعيف باتفاق أهل العلم بالحديث واما من انقطع نسبه من جهة أبيه فإنه يدعى بما يدعى به في الدنيا فالعبد يدعى في الآخرة بما يدعى به في الدنيا من أب أو أم والله أعلم(1\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "147",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7354",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب التاسع  في ختان المولود وأحكامه وفيه أربعة عشر فصلا 1 - الفصل الأول في معنى الختان واشتقاقه ومسماه 2 - الفصل الثاني في ختان ابراهيم الخليل والأنبياء من بعده 3 - الفصل الثالث في مشروعيته وأنه من أصل الفطرة 4 - الفصل الرابع في اختلاف أهل العلم في وجوبه 5 - الفصل الخامس في وقت الوجوب 6 - الفصل السادس في اختلافهم في الختان في السابع من الولادة هل هو مكروه أم لا وحجة الفريقين 7 - الفصل السابع في أحكام الختان وفوائده 8 - الفصل الثامن في بيان القدر الذي يؤخذ في الختان 9 - الفصل التاسع في أن حكمه يعم الذكر والأنثى 10 - الفصل العاشر في حكم جناية الخاتن وسراية الجناية(1\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "148",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7355",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "11 - الفصل الحادي عشر في أحكام الأقلف في طهارته وصلاته وإمامته وذبيمته وشهادته 12 - الفصل الثاني عشر في المسقطات لوجوبه 13 - الفصل الثالث عشر في ختان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والاختلاف فيه هل ولد مختونا أو ختن بعد الولادة ومتى ختن 14 - الفصل الرابع عشر في حكمه التي لأجلها يبعث الناس يوم القيامة غرلا غير مختونين(1\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "149",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7356",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل الأول في بيان معناه واشتقاقه الختان اسم لفعل الخاتن وهو مصدر كالنزال والقتال ويسمى به موضع الختن أيضا ومنه الحديث إذا التقى الختانان وجب الغسل ويسمى في حق الأنثى خفضا يقال ختنت الغلام ختنا وخفضت الجارية خفضا ويسمى في الذكر إعذارا أيضا وغير المعذور يسمى أغلف وأقلف وقد يقال الإعذار لهما أيضا قال في الصحاح قال أبو عبيدة عذرت الجارية والغلام أعذرهما عذرا ختنتهما وكذلك أعذرتهما قال والأكثر حفضت الجارية والقلفة والغرلة هي الجلدة التي تقطع قال وتزعم العرب أن الغلام إذا ولد في القمر فسنمت قلفته فصار كالمختون فختان الرجل هو الحرف المستدير على أسفل الحشفة وهو الذي ترتبت الأحكام على تغييبه في الفرج فيترتب عليه أكثر من ثلاثمائة حكم وقد جمعها بعضهم فبلغت أربعمائة إلا ثمانية أحكام وأما ختان المرأة فهي جلدة كعرف الديك فوق الفرج فإذا غابت الحشفة في الفرج حاذى ختانه ختانها فإذا تحاذيا فقد التقيا كما يقال(1\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "150",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7357",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التقى الفارسان إذا تحاذيا وإن لم يتضاما والمقصود أن الختان اسم للمحل وهي الجلدة التي تبقى بعد القطع واسم للفعل وهو فعل الخاتن ونظير هذا السواك فإنه اسم للآلة التي يستاك بها وقد يطلق الختان على الدعوة إلى وليمته كما تطلق العقيقة على ذلك أيضا  الفصل الثاني في ذكر ختان إبراهيم الخليل والأنبياء بعده صلى الله عليهم أجميعن في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اختتن إبراهيم صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم قال البخاري القدوم مخففة وهو اسم موضع وقال المروزي سئل أبو عبد الله هل ختن إبراهيم عليه السلام نفسه بقدوم قال بطرف القدوم وقال أبو داود وعبد الله بن أحمد وحرب إنهم سألوا أحمد عن قوله اختتن بالقدوم قال هو موضع وقال غيره هو اسم للآلة واحتج بقول الشاعر (فقلت أعيروني القدوم لعلني ... أخط به قبرا لأبيض ماجد)(1\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "151",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7358",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالت طائفة من رواه مخففا فهو اسم الموضع ومن رواه مثقلا فهو اسم الآلة وقد رويت قصة ختان الخليل بألفاظ يوهم بعضها التعارض ولا تعارض فيها بحمد الله ونحن نذكرها ففي صحيح البخاري من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم وفي لفظ اختتن إبراهيم بعد ثمانين سنة بالقدوم مخففة وفي حديث يحيى بن سعيد عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة مثله وقال يحيى والقدوم الفأس وقال النضر بن شميل قطعه بالقدوم فقيل له يقولون قدوم قرية بالشام فلم يعرفه وثبت على قوله قال الجوهري القدوم الذي ينحت به مخفف قال ابن السكيت ولا تقل قدوم بالتشديد قال والقدوم أيضا اسم موضع مخفف والصحيح أن القدوم في الحديث الآلة لما رواه البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا أبو عبد الرحمن المقري حدثنا موسى بن علي قال سمعت أبي يقول إن إبراهيم(1\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "152",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7359",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخليل أمر أن يختن وهو ابن ثمانين سنة فعجل فاختتن بقدوم فاشتد عليه الوجع فدعا ربه فأوحى الله إليه إنك عجلت قبل أن نأمرك بالآلة قال يا رب كرهت أن أؤخر أمرك قال وختن إسماعيل وهو ابن ثلاث عشرة سنة وختن إسحاق وهو ابن سبعة أيام وقال حنبل حدثنا عاصم حدثنا أبو أويس قال حدثني أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إبراهيم أول من اختتن وهو ابن مائة وعشرين سنة اختتن بالقدوم ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة ولكن هذا حديث معلول رواه يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قوله ومع هذا فهو من رواية أبي أويس عبد الله ابن عبد الله المدني وقد روى له مسلم في صحيحه محتجا به وروى له أهل السنن الأربعة وقال أبو داود وهو صالح الحديث واختلفت الرواية فيه عن ابن معين فروى عنه الدوري في حديثه ضعف وروى عنه توثيقه ولكن المغيرة بن عبد الرحمن وشعيب بن أبي حمزة وغيرهما رووا عن أبي الزناد خلاف ما رواه أبو أويس وهو ما رواه أصحاب الصحيح أنه اختتن وهو(1\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "153",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7360",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن ثمانين سنة وهذا أولى بالصواب وهو يدل على ضعف المرفوع والموقوف وقد أجاب بعضهم بأن قال الروايتان صحيحتان ووجه الجمع بين الحديثين يعرف من مدة حياة الخليل فإنه عاش مائتي سنة منها ثمانون غير مختون ومنها عشرون ومائة سنة مختونا فقوله اختتن لثمانين سنة مضت من عمره والحديث الثاني اختتن لمائة وعشرين سنة بقيت من عمره في هذا الجمع نظر لا يخفى فإنه قال أول من اختتن إبراهيم وهو ابن مائة وعشرين سنة ولم يقل اختتن لمائة وعشرين سنة وقد ذكرنا رواية يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة موقوفا عليه أنه اختتن وهو ابن مائة وعشرين سنة والرواية الصحيحة المرفوعة عن أبي هريرة تخالف هذا على أن الوليد بن مسلم قد قال أخبرني الأوزاعي عن يحيى ابن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة يرفعه قال اختتن إبراهيم وهو ابن عشرين ومائة سنة ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة وهذا حديث معلول فقد رواه جعفر بن عون وعكرمة بن إبراهيم عن يحيى بن سعيد عن أبي هريرة قوله والمرفوع الصحيح أولى منه والوليد بن مسلم معروف بالتدليس قال هيثم بن خارجة قلت للوليد بن مسلم قد أفسدت حديث(1\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "154",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7361",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأوزاعي قال كيف قلت تروي عن الأوزاعي عن نافع وعن الأوزاعي عن الزهري وعن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد وغيرك يدخل بين الأوزاعي وبين نافع عبد الله بن عامر الأسلمي وبينه وبين الزهري إبراهيم بن ميسرة وقرة وغيرهما فما يحملك على هذا قال أنبل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء قلت فإذا روى الأوزاعي عن هؤلاء وهؤلاء ضعاف أصحاب أحاديث مناكير فأسقطتهم أنت وصيرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات ضعفت الأوزاعي فلم يلتفت إلى قولي وقال أبو مسهر كان الوليد بن مسلم يحدث بأحاديث الأوزاعي عن الكذابين ثم يدلسها عنهم وقال الدارقطني الوليد بن مسلم يروي عن الأوزاعي أحاديث هي عند الأوزاعي عن شيوخ ضعفاء عن شيوخ قد أدركهم الأوزاعي مثل نافع وعطاء والزهري فيسقط أسماء الضعفاء ويجعلها عن الأوزاعي عن عطاء وقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله كان الوليد رفاعا وفي رواية المروزي هو كثير الخطأ وقد روى هذا الحديث من غير هذا الطريق من نسخة نبيط بن شريط عن النبي صلى الله عليه وسلم أول من أضاف الضيف إبراهيم(1\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "155",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7362",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأول من لبس السراويل إبراهيم وأول من اختتن إبراهيم بالقدوم وهو ابن عشرين ومائة سنة وهذه النسخة ضعفها أئمة الحديث وبالجملة فهذا الحديث ضعيف معلول لا يعارض ما ثبت في الصحيح ولا يصح تأويله بما ذكره هذا القائل لوجوه أحدها أن لفظه لا يصلح له فإنه قال اختتن وهو ابن عشرين ومائه سنة الثاني أنه قال ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة الثالث أن الذي يحتمله على تفسير واستكراه قوله اختتن لمائة وعشرين سنة ويكون المراد بقيت من عمره لا مضت والمعروف في مثل هذا الاستعمال إنما هو إذا كان الباقي أقل من الماضي فإن المشهور من استعمال العرب في خلت وبقيت أنه من أول الشهر إلى نصفه يقال خلت وخلون ومن نصفه إلى آخره بقيت وبقين فقوله لمائة وعشرين بقيت من عمره مثل أن يقال لاثنتين وعشرين ليلة بقيت من الشهر وهذا لا يسوغ وبالله التوفيق والختان كان من الخصال التي ابتلى الله سبحانه بها إبراهيم خليله فأتمهن وأكملهن فجعله إماما للناس وقد روى أنه أول من اختتن كما تقدم والذي في الصحيح اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة واستمر الختان بعده في الرسل وأتباعهم حتى في المسيح فأنه اختتن والنصارى تقر بذلك ولا(1\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "156",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7363",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تجحده كما تقر بأنه حرم لحم الخنزير وحرم كسب السبت وصلى إلى الصخرة ولم يصم خمسين يوما وهو الصيام الذي يسمونه الصوم الكبير وفي جامع الترمذي ومسند الإمام أحمد من حديث أبي أيوب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع من سنن المرسلين الحياء والتعطر والسواك والنكاح قال الترمذي هذا حديث حسن غريب واختلف في ضبطه فقال بعضهم الحياء بالياء والمد وقال بعضهم الحناء بالنون وسمعت شيخنا أبا الحجاج الحافظ المزي يقول وكلاهما غلط وإنما هو الختان فوقعت النون في الهامش فذهبت فاختلف في اللفظة قال وكذلك رواه المحاملي عن الشيخ الذي روى عنه الترمذي بعينه فقال الختان قال وهذا أولى من الحياء والحناء فإن الحياء خلق والحناء ليس من السنن ولا ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في خصال الفطرة ولا ندب أليه بخلاف الختان(1\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "157",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7364",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل في ختان الرجل نفسه بيده  قال المروزي سئل أبو عبد الله عن الرجل يختن نفسه فقال إن قوي وقال الخلال أخبرني عبد الكريم بن الهيثم قال سمعت أبا عبد الله وسئل عن الرجل يختن نفسه قال إن قوي على ذلك قال وأخبرني محمد بن هارون أن إسحاق حدثهم أن أبا عبد الله سئل عن المرأة يدخل عليها زوجها لم تختتن يجب عليها الختان فقال الختان سنة حسنة وذكر نحو مسألة المروزي في ختان نفسها قيل له فإن قويت على ذلك قال ما أحسنه وسئل عن الرجل يختن نفسه قال إذا قوي عليه فهو حسن وهي سنة حسنة  الفصل الثالث في مشروعيته وأنه من خصال الفطرة وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله الفطرة خمس الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط فجعل الختان رأس خصال الفطرة وإنما كانت هذه الخصال من الفطرة لأن الفطرة هي الحنيفية ملة إبراهيم وهذه الخصال(1\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "158",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7365",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أمر بها إبراهيم وهي من الكلمات التي ابتلاه ربه بهن كما ذكر عبد الرزاق عن معمر عن طاوس عن أبيه عن ابن عباس في هذه الآية قال ابتلاه بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد خمس في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس وفي الجسد تقليم الأظافر وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل أثر الغائط والبول بالماء والفطرة فطرتان فطرة تتعلق بالقلب وهي معرفة الله ومحبته وإيثاره على ما سواه وفطرة عملية وهي هذه الخصال فالأولى تزكي الروح وتطهر القلب والثانية تطهر البدن وكل منهما تمد الأخرى وتقويها وكان رأس فطرة البدن الختان لما سنذكره في الفصل السابع إن شاء الله وفي مسند الإمام أحمد من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفطرة أو الفطرة المضمضة والاستنشاق وقص الشارب والسواك وتقليم الأظافر وغسل البراجم ونتف الإبط والاستحداد والاختتان والانتضاح وقد اشتركت خصال الفطرة(1\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "159",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7366",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في الطهارة والنظافة وأخذ الفضلات المستقذرة التي يألفها الشيطان ويجاورها من بني آدم وله بالغرلة اتصال واختصاص ستقف عليه في الفصل السابع إن شاء الله وقال غير واحد من السلف من صلى وحج واختتن فهو حنيف فالحج والختان شعار الحنيفة وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها قال الراعي يخاطب أبا بكر رضي الله عنه (أخليفة الرحمن إنا معشر ... حنفاء نسجد بكرة وأصيلا) (عرب نرى لله في أموالنا ... حق الزكاة منزلا تنزيلا)  الفصل الرابع في الاختلاف في وجوبه واستحبابه اختلف الفقهاء فقال الشعبي وربيعة والأوزاعي ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك والشافعي وأحمد هو واجب وشدد فيه مالك حتى قال من لم يختتن لم تجز إمامته ولم تقبل شهادته ونقل كثير من الفقهاء عن مالك أنه سنة حتى قال القاضي عياض الاختتان عند مالك وعامة العلماء سنة ولكن السنة عندهم يأثم بتركها فهم يطلقونها على مرتبة بين الفرض(1\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "160",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7367",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفرض وبين الندب وإلا فقد صرح مالك بأنه لا تقبل شهادة الأقلف ولا تجوز إمامته وقال الحسن البصري وأبو حنيفة لا يجب بل هو سنة وكذلك قال ابن أبي موسى من أصحاب أحمد هو سنة مؤكدة ونص أحمد في رواية أنه لا يحب على النساء واحتج الموجبون له بوجوه أحدها قوله تعالى ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا النحل 123 والختان من ملته لما تقدم الوجه الثاني ما رواه الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرت عن عثيم بن كليب عن أبيه عن جده أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال قد أسلمت قال ألق عنك شعر الكفر يقول احلق وأخبرني آخر معه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لآخر الق عنه شعر الكفر واختتن ورواه أبو داود عن مخلد بن خالد عن عبد الرزاق وحمله على الندب في إلقاء الشعر لا يلزم منه حمله عليه في الآخر الوجه الثالث قال حرب في مسائلة عن الزهري قال قال رسول الله(1\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "161",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7368",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلى الله عليه وسلم من أسلم فليختتن وإن كان كبيرا وهذا وإن كان مرسلا فهو يصلح للاعتضاد الوجه الرابع ما رواه البيهقي عن موسى بن إسماعيل بن جعفر بن محمد ابن علي بن حسين بن علي عن آبائه واحدا بعد واحد عن علي رضي الله عنه قال وجدنا في قائم سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيفة أن الأقلف لا يترك في الاسلام حتى يختتن ولو بلغ ثمانين سنة قال البيهقي هذا حديث ينفرد به أهل البيت بهذا الاسناد الوجه الخامس ما رواه ابن المنذر من حديث أبي برزة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأغلف لا يحج بيت الله حتى يختتن وفي لفظ سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل أقلف يحج بيت الله قال لا حتى يختتن ثم قال لا يثبت لأن إسناده مجهول الوجه السادس ما رواه وكيع عن سالم أبي العلاء المرادي عن عمرو ابن هرم عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال الأقلف لا تقبل له صلاة ولا تؤكل ذبيحته وقال الإمام أحمد حدثنا محمد بن عبيد عن سالم المرادي عن عمرو(1\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "162",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7369",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن هرم عن جابر بن زيد عن ابن عباس لا تؤكل ذبيحة الأقلف وقال حنبل في مسائلة حدثنا أبو عمر الحوضي حدثنا همام عن قتادة عن عكرمة قال لا تؤكل ذبيحة الأقلف قال وكان الحسن لا يرى ما قال عكرمة قال وقيل لعكرمة أله حج قال لا قال حنبل قال أبو عبد الله لا تؤكل ذبيحته ولا صلاة له ولا حج حتى يطهر وهو من تمام الإسلام قال حنبل وقال أبو عبد الله الأقلف لا يذبح ولا تؤكل ذبيحته ولا صلاة له وقال عبد الله بن أحمد حدثني أبي حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال الأقلف لا تحل له صلاة ولا تؤكل له ذبيحة ولا يجوز له الشهادة قال قتادة وكان الحسن لا يرى ذلك الوجه السابع أن الختان من أظهر الشعائر التي يفرق بها بين المسلم والنصراني فوجوبه أظهر من وجوب الوتر وزكاة الخيل ووجوب الوضوء على من قهقه في صلاته ووجوب الوضوء على من احتجم أو تقيأ أو رعف ووجوب التيمم إلى المرفقين ووجوب الضربتين على الأرض وغير ذلك مما وجوب الختان أظهر من وجوبه وأقوى حتى إن المسلمين لا يكادون(1\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "163",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7370",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعدون الأقلف منهم ولهذا ذهب طائفة من الفقهاء إلى أن تكبير يجب عليه أن يختتن ولو أدى الى تلفة كما سنذكره في الفصل الثاني عشر إن شاء الله تعالى الوجه الثامن أنه قطع شرع الله لا تؤمن من سرايته فكان واجبا كقطع يد السارق الوجه التاسع أنه لا يجوز كشف العورة له لغير ضرورة ولا مداواة فلو لم يجب لما جاز لأن الحرام لا يلتزم للمحافظة على المسنون الوجه العاشر أنه لا يستغنى فيه عن ترك واجبين وارتكاب محظورين أحدهما كشف العورة في جانب المختون والنظر الى عورة الأجنبي في جانب الخاتن فلو لم يكن واجبا لما كان قد ترك له واجبان وارتكب محظوران الوجه الحادي عشر ما احتج به الخطابي قال أما الختان فإنه وإن كان مذكورا في جملة السنن فإنه عند كثير من العلماء على الوجوب وذلك أنه شعار الدين وبه يعرف المسلم من الكافر وإذا وجد المختون بين جماعة قتلى غير مختونين صلى عليه ودفن في مقابر المسلمين(1\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "164",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7371",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثاني عشر أن الولي يؤلم فيه الصبي ويعرضه للتلف بالسراية ويخرج من ماله أجرة الخاتن وثمن الدواء ولا يضمن سرايته بالتلف ولو لم يكن واجبا لما جاز ذلك فإنه لا يجوز إضاعة ماله وإيلامه الألم البالغ وتعريضه للتلف بفعل ما لا يجب فعله بل غايته أن يكون مستحبا وهذا ظاهر بحمد الله الوجه الثالث عشر أنه لو لم يكن واجبا لما جاز للخاتن الإقدام عليه وإن أذن فيه المختون أو وليه فإنه لا يجوز له الإقدام على قطع عضو لم يأمر الله ورسوله بقطعه ولا أوجب قطعه كما لو أذن له في قطع أذنه أو إصبعه فإنه لا يجوز له ذلك ولا يسقط الإثم عنه بالإذن وفي سقوط الضمان عنه نزاع الوجه الرابع عشر أن الأقلف معرض لفساد طهارته وصلاته فإن القلفة تستر الذكر كله فيصيبها البول ولا يمكن الاستجمار لها فصحة الطهارة والصلاة موقوفة على الختان ولهذا منع كثير من السلف والخلف إمامته وإن كان معذورا في نفسه فإنه بمنزلة من به سلس البول ونحوه فالمقصود بالختان التحرز من احتباس البول في القلفة فتفسد الطهارة والصلاة ولهذا قال ابن عباس فيما رواه الإمام أحمد وغيره لا تقبل له صلاة ولهذا يسقط بالموت لزوال التكليف بالطهارة والصلاة(1\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "165",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7372",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الخامس عشر أنه شعار عباد الصليب وعباد النار الذين تميزوا به عن الحنفاء والختان شعار الحنفاء في الأصل ولهذا أول من اختتن إمام الحنفاء وصار للختان شعار الحنيفية وهو مما توارثه بنو إسماعيل وبنو إسرائيل عن إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم فلا يجوز موافقة عباد الصليب القلف في شعار كفرهم وتثليثهم فصل  قال المسقطون لوجوبه قد صرحت السنة بأنه سنة كما في حديث شداد ابن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الختان سنة للرجال مكرمة للنساء رواه الإمام أحمد قالوا وقد قرنه صلى الله عليه وسلم بالمسنونات دون الواجبات وهي الاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط قالوا وقال الحسن البصري قد أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس(1\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "166",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7373",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأسود والأبيض والرومي والفارسي والحبشي فما فتش أحدا منهم أو ما بلغني أنه فتش أحدا منهم وقال الإمام أحمد حدثنا المعتمر عن سلم ابن أبي الذيال قال سمعت الحسن يقول يا عجبا لهذا الرجل يعني أمير البصرة لقي أشياخا من أهل كيكر فقال ما دينكم قالوا مسلمين فأمر بهم ففتشوا فوجدوا غير مختونين فختنوا في هذا الشتاء وقد بلغني أن بعضهم مات وقد أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم الرومي والفارسي والحبشي فما فتش أحدا منهم قالوا وأما استدلالكم بقوله تعالى ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا النحل 123 فالملة هي الحنيفية وهي التوحيد ولهذا بينها بقوله حنيفا وما كان من المشركين وقال يوسف الصديق أني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء يوسف 37 و 38 وقال تعالى قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين آل عمران 95 فالملة في هذا كله هي أصل الايمان من التوحيد والإنابة إلى(1\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "167",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7374",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله وإخلاص الدين له وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين قالوا ولو دخلت الأفعال في الملة فمتابعته فيها أن تفعل على الوجه الذي فعله فإن كان فعلها على سبيل الوجوب فاتباعه أن يفعلها كذلك وان كان فعلها على وجه الندب فاتباعه أن يفعلها على وجه الندب فليس معكم حينئذ إلا مجرد فعل إبراهيم والفعل هل هو على الوجوب أو الندب فيه النزاع المعروف والأقوى أنه إنما يدل على الندب إذا لم يكن بيانا لواجب فمتى فعلناه على وجه الندب كنا قد اتبعناه قالوا وأما حديث عثيم ابن كليب عن أبيه عن جده ألق عنك شعر الكفر واختتن فابن جريج قال فيه أخبرت عن عثيم بن كليب قال أبو أحمد بن عدي هذا الذي قال ابن جريج في هذا الإسناد أخبرت عن عثيم بن كليب أنما حدثه ابراهيم بن أبي يحيى فكنى عن اسمه وإبراهيم هذا متفق على ضعفه بين أهل الحديث ما خلا الشافعي وحده قالوا وأما مرسل الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم من أسلم فليختتن وأن كان كبيرا فمرسيل الزهري عندهم من أضعف المراسيل لا تصلح للاحتجاج. .(1\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "168",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7375",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سنان قال مكان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئا ويقول هو بمنزلة الريح وقرىء على عباس الدوري عن يحيى بن معين قال مراسيل الزهري ليست بشيء قالوا وأما حديث موسى بن إسماعيل بن جعفر عن آبائه فحديث لا يعرف ولم يروه أهل الحديث ومخرجه من هذا الوجه وحده تفرد به موسى بن إسماعيل عن آبائه بهذا السند فهو نظير أمثاله من الأحاديث التي تفرد بها غير الحفاظ المعروفين بحمل الحديث قالوا وأما حديث أبي برزة فقال ابن المنذر حدثنا يحيى بن محمد حدثنا أحمد بن يونس حدثتنا أم الأسود عن منية عن جدها أبي برزة فذكره قال ابن المنذر هذا إسناد مجهول لا يثبت قالوا وأما استدلالكم بقول ابن عباس الأقلف لا تؤكل ذبيحته ولا تقبل له صلاة فقول صحابي تفرد به قال أحمد وكان يشدد فيه وقد خالفه الحسن البصري وغيره وأما قولكم إنه من الشعائر صحيح لا نزاع فيه ولكن ليس كل ما كان من الشعائر يكون واجبا فالشعائر منقسمة إلى واجب كالصلوات الخمس والحج والصيام والوضوء وإلى مستحب كالتلبية وسوق الهدي(1\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "169",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7376",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتقليده وإلى مختلف فيه كالأذان والعيدين والأضحية والختان فمن أين لكم أن هذا من قسم الشعائر الواجبة وأما قولكم أنه قطع شرع الله لا تؤمن سرايته فكان واجبا كقطع يد السارق من أبرد الأقيسة فأين الختان من قطع يد اللص فيا بعد ما بينهما ولقد أبعد النجعة من قاس أحدهما على الآخر فالختان إكرام المختون وقطع يد السارق عقوبة له وأين باب العقوبات من أبواب الطهارات والتنظيف وأما قولكم يجوز كشف العورة له لغير ضرورة ولا مداواة فكان واجبا لا يلزم من جواز كشف العورة وجوبه فإنه يجوز كشفها لغير الواجب إجماعا كما يكشف لنظر الطبيب ومعالجته وإن جاز ترك المعالجة وأيضا فوجه المرأة عورة في النظر ويجوز لها كشفه في المعاملة التي لا يجب ولتحمل الشهادة عليها حيث لا تجب وأيضا فإنهم جوزوا لغاسل الميت حلق عانته وذلك يستلزم كشف العورة أو لمسها لغير واجب وأما قولكم إن به يعرف المسلم من الكافر حتى إذا وجد المختون بين جماعة قتلى غير مختونين صلي عليه دونهم ليس كذلك فإن بعض الكفار يختتنون وهم اليهود فالختان لا يميز بين المسلم والكافر إلا إذا كان في محل لا يختتن فيه إلا المسلمون وحينئذ فيكون فرقا بين المسلم والكافر ولا(1\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "170",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7377",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يلزم من ذلك وجوبه كما لا يلزم وجوب سائر ما يفرق بين المسلم والكافر وأما قولكم إن الولي يؤلم فيه الصبي ويعرضه للتلف بالسراية ويخرج من ماله أجرة الخاتن وثمن الدواء فهذا لا يدل على وجوبه كما يؤلمه بضرب التأديب لمصلحته ويخرج من ماله أجرة المؤدب والمعلم وكما يضحى عنه قال الخلال باب الأضحية عن اليتيم أخبرني حرب بن اسماعيل قال قلت لأحمد يضحى عن اليتيم قال نعم إذا كان له مال وكذلك قال سفيان الثوري قال جعفر بن محمد النيسابوري سمعت أبا عبد الله يسئل عن وصي يتيمة يشتري لها أضحية قال لها مال قال نعم قال يشتري لها قوله لو لم يكن واجبا لما جاز للخاتن الإقدام عليه إلى آخره ينتقض بإقدامه على قطع السلعة والعضو التالف وقلع السن وقطع العروق وشق الجلد للحجامة والتشريط فيجوز الإقدام على ما يباح للرجل قطعه فضلا عما يستحب له ويسن وفيه مصلحة ظاهرة وقولكم إن الأقلف معرض لفساد طهارته وصلاته فهذا إنما يلام عليه إذا كان باختياره وما خرج عن اختياره وقدرته ولم يلم عليه ولم تفسد طهارته كسلس البول والرعاف وسلس المذي فإذا فعل ما يقدر عليه من الاستجمار والاستنجاء لم يؤاخذ بما عجز عنه(1\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "171",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7378",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قولكم إنه من شعار عباد الصلبان وعباد النيران فموافقتهم فيه موافقة في شعار دينهم جوابه أنهم لم يتميزوا عن الحنفاء بمجرد ترك الختان وإنما امتازوا بمجموع ما هم عليه من الدين الباطل وموافقة المسلم في ترك الختان لا يستلزم موافقتهم في شعار دينهم الذي امتازوا به عن الحنفاء قال الموجبون الختان علم الحنيفية وشعار الإسلام ورأس الفطرة وعنوان الملة وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال من لم يأخذ شار به فليس منا فكيف من عطل الختان ورضي بشعار القلف عباد الصلبان ومن أظهر ما يفرق بين عباد الصلبان وعباد الرحمن الختان وعليه استمر عمل الحنفاء من عهد إمامهم إبراهيم إلى عهد خاتم الأنبياء فبعث بتكميل الحنيفية وتقريرها لا بتحويلها وتغيرها ولما أمر الله به خليله وعلم أن أمره المطاع وإنه لا يجوز أن يعطل ويضاع بادر إلى امتثال ما أمر به الحي القيوم وختن نفسه بالقدوم مبادرة إلى الامتثال وطاعة لذي العزة والجلال وجعله فطرة باقية في عقبة إلى أن يرث الأرض ومن عليها ولذلك دعا جميع الأنبياء من ذريته أممهم إليها حتى عبد الله ورسوله وكلمته ابن العذراء البتول فإنه اختتن متابعة لإبراهيم(1\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "172",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7379",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخليل والنصارى تقر بذلك وتعترف أنه من أحكام الإنجيل ولكن اتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل حتى لقد أذن عالم أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عباس أذانا سمعه الخاص والعام أن من لم يختتن فلا صلاة له ولا تؤكل ذبيحته فأخرجه من جملة أهل الإسلام ومثل هذا لا يقال لتارك أمر هو بين تركه وفعله بالخيار وإنما يقال لما علم وجوبه علما يقرب من الاضطرار ويكفي في وجوبه أنه رأس خصال الحنيفية التي فطر الله عباده عليها ودعت جميع الرسل إليها فتاركه خارج عن الفطرة التي بعث الله رسله بتكميلها وموضع في تعطيلها مؤخر لما استحق التقديم راغب في ملة أبيه إبراهيم ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين البقرة 131 - 132 فكما أن الإسلام رأس الملة الحنيفية وقوامها فالاستسلام لأمره كمالها وتمامها فصل  وأما قوله في الحديث الختان سنة للرجال مكرمة للنساء فهذا حديث يروى عن ابن عباس بإسناد ضعيف والمحفوظ أنه موقوف عليه ويروى أيضا عن الحجاج بن أرطاة وهو ممن لا يحتج به عن أبي المليح(1\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "173",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7380",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن أسامة عن أبيه عنه وعن مكحول عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره ذكر ذلك كله البيهقي ثم ساق عن ابن عباس أنه لا تؤكل ذبيحة الأقلف ولا تقبل صلاته ولا تجوز شهادته ثم قال وهذا يدل على أنه كان يوجبه وأن قوله الختان سنة أراد به سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة وأمر به فيكون واجبا انتهى والسنة هي الطريقة يقال سننت له كذا أي شرعت فقوله الختان سنة للرجال أي مشروع لهم لا أنه ندب غير واجب فالسنة هي الطريقة المتبعة وجوبا واستحبابا لقوله صلى الله عليه وسلم من رغب عن سنتي فليس مني وقوله عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وقال ابن عباس من خالف السنة كفر وتخصيص السنة بما يجوز تركه اصطلاح حادث وإلا فالسنة ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته من واجب(1\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "174",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7381",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومستحب فالسنة هي الطريقة وهي الشريعة والمنهاج والسبيل وأما قولكم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرنه بالمسنونات فدلالة الاقتران لا تقوى على معارضة أدلة الوجوب ثم إن الخصال المذكورة في الحديث منها ما هو واجب كالمضمضة والاستنشاق والاستنجاء ومنها ما هو مستحب كالسواك وأما تقليم الأظفار فإن الظفر إذا طال جدا بحيث يجتمع تحته الوسخ وجب تقليمه لصحة الطهارة وأما قص الشارب فالدليل يقتضى وجوبه إذا طال وهذا الذي يتعين القول به لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم به ولقوله صلى الله عليه وسلم من لم يأخذ شاربه فليس منا وأما قول الحسن البصري قد أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فما فتش أحدا منهم فجوابه أنهم استغنوا عن التفتيش بما كانوا عليه من الختان فإن العرب قاطبة كلهم كانوا يختتنون واليهود قاطبة تختتن ولم يبق إلا النصارى وهم فرقتان فرقة تختتن وفرقة لا تختتن وقد علم كل من دخل في الإسلام منهم ومن غيرهم أن شعار الإسلام الختان فكانوا يبادرون اليه بعد الإسلام كما يبادرون إلى الغسل ومن كان منهم كبيرا يشق عليه ويخاف التلف سقط عنه وقد سئل الإمام أحمد عن ذبيحة الأقلف(1\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "175",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7382",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر له حديث ابن عباس لا تؤكل فقال ذلك عندي إذا ولد بين أبوين مسلمين فكبر ولم يختتن وأما الكبير إذا أسلم وخاف على نفسه الختان فله عندي رخصة وأما قولكم إن الملة هي التوحيد فالملة هي الدين وهي مجموعة أقوال وأفعال واعتقاد ودخول الأعمال في الملة كدخول الإيمان فالملة هي الفطرة وهي الدين ومحال أن يأمر الله سبحانه باتباع إبراهيم في مجرد الكلمة دون الأعمال وخصال الفطرة وإنما أمر بمتابعه في توحيده وأقواله وأفعاله وهو صلى الله عليه وسلم اختتن امتثالا لأمر ربه الذي أمره به وابتلاه به فوفاه كما أمر فإن لم نفعل كما فعل لم نكن متبعين له وأما قولكم في حديث عثيم بن كليب عن أبيه عن جده بأنه من رواية إبراهيم بن أبي يحيى فالشافعي كان حسن الظن به وغيره يضعفه فحديثه يصلح للاعتضاد بحيث يتقوى به وإن لم يحتج به وحده وكذلك الكلام في مرسل الزهري فإذا لم يحتج به وحده فإن هذه المرفوعات والموقوفات والمراسيل يشد بعضها بعضا وكذلك الكلام في حديث موسى بن إسماعيل وشبهه(1\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "176",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7383",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما قولكم إن ابن عباس تفرد بقوله في الأقلف لا تؤكل ذبيحته ولا صلاة له فهذا قول صحابي وقد احتج الأئمة الأربعة وغيرهم بأقوال الصحابة وصرحوا بأنها حجة وبالغ الشافعي في ذلك وجعل مخالفتها بدعة كيف ولم يحفظ عن صحابي خلاف ابن عباس ومثل هذا التشديد والتغليظ لا يقوله عالم مثل ابن عباس في ترك مندوب يخير الرجل بين فعله وتركه وأما قولكم إن الشعائر تنقسم إلى مستحب وواجب فالأمر كذلك ولكن مثل هذا الشعار العظيم الفارق بين عباد الصليب وعباد الرحمن الذي لا تتم الطهارة إلا به وتركه شعار عباد الصليب لا يكون إلا من أعظم الواجبات وأما قولكم أين باب العقوبات من باب الختان فنحن لم نجعل ذلك أصلا في وجوب الختان بل اعتبرنا وجوب أحدهما بوجوب الآخر فإن أعضاء المسلم وظهره ودمه حمى إلا من حد أو حق وكلاهما يتعين إقامته ولا يجوز تعطيله وأما كشف العورة له فلو لم تكن مصلحته أرجح من مفسدة كشفها والنظر إليها ولمسها لم يجز ارتكاب ثلاث مفاسد عظيمة لأمر مندوب يجوز فعله وتركه وأما المداواة فتلك من تمام الحياة وأسبابها التي(1\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "177",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7384",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا بد للبنية منها فلو كان الختان من باب المندوبات لكان بمنزلة كشفها لما لا تدعو الحاجة إليه وهذا لا يجوز وأما قولكم إن الولي يخرج من مال الصبي أجرة المعلم والمؤدب فلا ريب أن تعليمه وتأديبه حق واجب على الولي فما أخرج ما له إلا فيما لا بد له من صلاحه في دنياه وآخرته منه فلو كان الختان مندوبا محصنا لكان إخراجه بمنزلة الصدقة التطوع عنده وبذله لمن يحج عنه حجة التطوع ونحو ذلك وأما الأضحية عنه فهي مختلف في وجوبها فمن أوجبها لم يخرج ماله إلا في واجب ومن رآها سنة قال ما يحصل بها من جبر قلبه والإحسان إليه وتفريحه أعظم من بقاء ثمنها في ملكه  الفصل الخامس في وقت وجوبه ووقته عند البلوغ لأنه وقت وجوب العبادات عليه ولا يجب قبل ذلك وفي صحيح البخاري من حديث سعيد بن جبير قال سئل ابن عباس رضي الله عنهما مثل من أنت حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنا يومئذ مختون وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك وقد اختلف في سن ابن عباس عند(1\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "178",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7385",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فقال الزبير والواقدي ولد في الشعب قبل خروج بني هاشم منه قبل الهجرة بثلاث سنين وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وله ثلاث عشرة سنة وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشر سنين وقد قرأت المحكم يعني المفصل قال أبو عمر روينا ذلك عنه من وجوه قال وقد روي عن ابن إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ختين أو مختون ولا يصح قلت بل هو أصح شيء في الباب وهو الذي رواه البخاري في صحيحه كما تقدم لفظه وقال عبد الله ابن الإمام أحمد حدثنا أبي حدثنا سليمان بن داود حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس قال توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن خمس عشرة سنة قال عبد الله قال أبي وهذا هو الصواب قلت وفي الصحيحين عنه قال أقبلت راكبا على أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار فمررت بين يدي بعض الصف 0000 الحديث والذي عليه أكثر أهل السير(1\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "179",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7386",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والأخبار أن سنه كان يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة فإنه ولد في الشعب وكان قبل الهجرة بثلاث سنين وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة عشرا وقد أخبر أنه كان يومئذ مختونا قالوا ولا يجب الختان قبل البلوغ لأن الصبي ليس أهلا لوجوب العبادات المتعلقة بالأبدان فما الظن بالجرح الذي ورد التعبد به ولا ينتقض هذا بالعدة التي تجب على الصغيرة فإنها لا مؤونة عليها فيها إنما هي مضي الزمان قالوا فإذا بلغ الصبي وهو أقلف أو المرأة غير مختونة ولا عذر لهما ألزمهما السلطان به وعندي أنه يجب على الولي أن يختن الصبي قبل البلوغ بحيث يبلغ مختونا فإن ذلك لا يتم الواجب إلا به وأما قول ابن عباس كانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك أي حتى يقارب البلوغ كقوله تعالى فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف البقرة 65 وبعد بلوغ الأجل لا يتأتى الإمساك وقد صرح ابن عباس أنه كان يوم موت النبي صلى الله عليه وسلم مختونا وأخبر في حجة الوداع التي عاش بعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة وثمانين يوما أنه كان قد ناهز الاحتلام وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الآباء أن يأمروا أولادهم بالصلاة لسبع وأن يضربوهم على تركها لعشر فكيف يسوغ لهم ترك ختانهم حتى يجاوزوا البلوغ والله أعلم(1\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "180",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7387",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل السادس في الاختلاف في كراهية يوم السابع وقد اختلف في ذلك على قولين هما روايتان عن الإمام أحمد قال الخلال باب ذكر ختان الصبي أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد أنه ذاكر أبا عبد الله ختاننه الصبي لكم يختتن قال لا أدري لم أسمع فيه شيئا فقلت إنه يشق على الصغير ابن عشر يغلظ عليه وذكرت له ابني محمدا أنه في خمس سنين فأشتهي أن أختنه فيها ورأيته كأنه يشتهي ذلك ورأيته يكره العشرة لغلظه عليه وشدته فقال لي ما ظننت أن الصغير يشتد عليه هذا ولم أره يكره للصغير للشهر أو السنة ولم يقل في ذلك شيئا إلا أني رأيته يعجب من أن يكون هذا يؤذي الصغير قال عبد الملك وسمعته يقول كان الحسن يكره أن يختتن الصبي يوم سابعه أخبرنا محمد بن علي السمسار قال حدثنا مهنا قال سألت أبا عبد الله عن الرجل يختن ابنه لسبعة أيام فكرهه وقال هذا فعل اليهود وقال لي أحمد بن حنبل كان الحسن يكره أن يختن الرجل ابنه لسبعة أيام فقلت من ذكره عن الحسن قال بعض البصريين وقال لي أحمد بلغني أن سفيان الثوري سأل سفيان بن عيينة في كم يختن الصبي فقال سفيان لو قلت له في كم ختن ابن عمر بنيه فقال لي أحمد ما كان أكيس سفيان بن عيينة يعني حين قال لو قلت له في كم ختن ابن عمر بنيه(1\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "181",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7388",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أخبرني عصمة بن عصام حدثنا حنبل أن أبا عبد الله قال وإن ختن يوم السابع فلا بأس وإنما كرهه الحسن كيلا يتشبه باليهود وليس في هذا شيء أخبرني محمد بن علي حدثنا صالح أنه قال لأبيه يختن الصبي لسبعة أيام قال يروى عن الحسن أنه قال فعل اليهود قال وسئل وهب بن منبه عن ذلك فقال إنما يستحب ذلك في اليوم السابع لخفته على الصبيان فإن المولود يولد وهو خدر الجسد كله لا يجد ألم ما أصابه سبعا وإذا لم يختتن لذلك فدعوه حتى يقوى وقال ابن المنذر في ذكر وقت الختان وقد اختلفوا في وقت الختان فكرهت طائفة أن يختن الصبي يوم سابعه كره ذلك الحسن البصري ومالك بن أنس خلافا على اليهود وقال الثوري هو خطر قال مالك والصواب في خلاف اليهود قال وعامة ما رأيت الختان ببلدان إذا أثغر وقال أحمد بن حنبل لم أسمع في ذلك شيئا وقال الليث بن سعد الختان للغلام ما بين السبع سنين إلى العشرة قال وقد حكي عن مكحول أو غيره أن إبراهيم خليل الرحمن ختن ابنه إسحاق لسبعة أيام وختن ابنه إسماعيل لثلاث عشرة سنة وروي عن أبي جعفر أن فاطمة كانت تختن ولدها يوم السابع قال ابن المنذر ليس في هذا الباب نهي يثبت وليس لوقوع الختان خبر يرجع إليه ولا سنة(1\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "182",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7389",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تستعمل فالأشياء على الإباحة ولا يجوز حظر شيء منها إلا بحجة ولا نعلم مع من منع أن يختن الصبي لسبعة أيام حجة وفي سنن البيهقي من حديث زهير بن محمد عن محمد بن المنكدر عن جابر قال عق رسول الله النبي صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين وختنهما لسبعة أيام وفيها من حديث موسى بن علي بن رباح عن أبيه أن إبراهيم ختن إسحاق وهو ابن سبعة أيام قال شيخنا ختن إبراهيم إسحاق لسبعة أيام وختن إسماعيل عند بلوغه فصار ختان إسحاق سنة في بنيه وختان إسماعيل سنة في بنيه والله أعلم  الفصل السابع في حكمة الختان وفوائده الختان من محاسن الشرائع التي شرعها الله سبحانه لعباده ويجمل بها محاسنهم الظاهرة والباطنة فهو مكمل للفطرة التي فطرهم عليها ولهذا كان من تمام الحنيفبة ملة إبراهيم وأصل مشروعية الختان لتكميل الحنيفية فإن الله عز وجل لما عاهد إبراهيم وعده أن يجعله للناس إماما ووعده أن يكون أبا لشعوب كثيرة وأن يكون الأنبياء والملوك من صلبه وأن يكثر نسله وأخبره أنه جاعل بينه وبين نسله علامة العهد أن يختنوا كل مولود منهم ويكون عهدي هذا ميسما في أجسادهم فالختان علم للدخول في ملة إبراهيم وهذا(1\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "183",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7390",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "موافق لتأويل من تأول قوله تعالى صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة البقرة 138 على الختان فالختان للحنفاء بمنزلة الصبغ والتعميد لعباد الصليب فهم يطهرون أولادهم بزعمهم حين يصبغونهم في المعمودية ويقولون الآن صار نصرانيا فشرع الله سبحانه للحنفاء صبغة الحنيفية وجعل ميسمها الختان فقال صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة البقرة 138 وقد جعل الله سبحانه السمات علامة لمن يضاف منها إليه المعلم بها ولهذا الناس يسمون دوابهم ومواشيهم بأنواع السمات حتى يكون ما يضاف منها إلى كل إنسان معروفا بسمته ثم قد تكون هذه السمة متوارثة في أمة بعد أمة فجعل الله سبحانه الختان علما لمن يضاف اليه وإلى دينه وملته وينسب اليه بنسبة العبودية والحنيفية حتى إذا جهلت حال إنسان في دينه عرف بسمة الختان ورنكه وكانت العرب تدعى بأمة الختان ولهذا جاء في حديث هرقل إني أجد ملك الختان قد ظهر فقال له أصحابه لا يهمنك هذا فإنما تختتن اليهود فاقتلهم فبينما هم على ذلك وإذا برسول رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء بكتابه فأمر به أن يكشف وينظر هل هو مختون فوجد مختونا(1\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "184",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7391",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلما أخبره أن العرب تختتن قال هذا ملك هذه الأمة ولما كانت وقعة أجنادين بين المسلمين والروم جعل هشام بن العاص يقول يا معشر المسلمين إن هؤلاء القلف لا صبر لهم على السيف فذكرهم بشعار عباد الصليب ورنكهم وجعله مما يوجب إقرام الحنفاء عليهم وتطهير الأرض منهم والمقصود أن صبغة الله هي الحنيفية التي صبغت القلوب بمعرفته ومحبته والإخلاص له وعبادته وحده لا شريك له وصبغت الأبدان بخصال الفطرة من الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط والمضمضة والاستنشاق والسواك والاستنجاء فظهرت فطرة الله على قلوب الحنفاء وأبدانهم قال محمد بن جرير قي قوله تعالى صبغة الله يعني بالصبغة صبغة الإسلام وذلك أن النصارى إذا أرادت أن تنصر أطفالهم جعلتهم في ماء لهم تزعم أن ذلك لها تقديس بمنزلة غسل الجنابة لأهل الإسلام وأنه صبغة لهم في النصرانية فقال الله جل ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم لما قال اليهود والنصارى كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين إلى قوله صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة البقرة 135 - 138(1\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "185",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7392",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال قتادة إن اليهود تصبغ أبناءها يهودا والنصارى تصبغ أبناءها نصارى وإن صبغة الله الإسلام فلا صبغة أحسن من الإسلام ولا أطهر وقال مجاهد صبغة الله فطرة الله وقال غيره دين الله هذا مع ما في الختان من الطهارة والنظافة والتزيين وتحسين الخلقة وتعديل الشهوة التي إذا أفرطت ألحقت الإنسان بالحيوانات وإن عدمت بالكلية ألحقته بالجمادات فالختان يعدلها ولهذا تجد الأقلف من الرجال والقلفاء من النساء لا يشبع من الجماع ولهذا يذم الرجل ويشتم ويعير بأنه ابن القلفاء إشارة الى غلمتها وأي زينة أحسن من أخذ ما طال وجاوز الحد من جلدة القلفة وشعر العانة وشعر الإبط وشعر الشارب وما طال من الظفر فإن الشيطان يختبىء تحت ذلك كله ويألفه ويقطن فيه حتى إنه ينفخ في إحليل الأقلف وفرج القلفاء ما لاينفخ في المختون ويختبىء في شعر العانة وتحت الأظفار فالغرلة أقبح في موضعها من الظفر الطويل والشارب الطويل والعانة الفاحشة الطول ولا يخفى على ذي الحس السليم قبح الغرلة وما في إزالتها من التحسين والتنظيف والتزيين ولهذا لما ابتلى الله خليله إبراهيم بإزالة هذه الأمور فأتمهن(1\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "186",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7393",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جعله إماما للناس هذا مع ما فيه من بهاء الوجه وضيائه وفي تركه من الكسفة التي ترى عليه وقد ذكر حرب في مسائله عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت للخاتنة إذا خفضت فأشمي ولا تنهكي فإنه أسرى للوجه وأحظى لها عند زوجها وروى أبو داود عن أم عطية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ختانه تختن فقال إذا ختنت فلا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب للبعل ومعنى هذا أن الخافضة إذا استأصلت جلدة الختان ضعفت شهوة المرأة فقلت حظوتها عند زوجها كما أنها إذا تركتها كما هي لم تأخذ منها شيئا ازدادت غلمتها فإذا أخذت منها وأبقت كان في ذلك تعديلا للخلقة والشهوة هذا مع أنه لا ينكر أن يكون قطع هذه الجلدة علما على العبودية فإنك تجد قطع طرف الأذن وكي الجبهة ونحو ذلك في كثير من الرقيق علامة لرقهم وعبوديتهم حتى إذا أبق رد إلى مالكه بتلك العلامة فما ينكر أن يكون قطع هذا الطرف علما على عبودية صاحبه لله سبحانه حتى يعرف الناس أن من كان كذلك فهو من عبيد الله الحنفاء فيكون الختان علما لهذه السنة التي(1\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "187",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7394",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا أشرف منها مع ما فيه من الطهارة والنظافة والزينة وتعديل الشهوة وقد ذكر في حكمة خفض النساء أن سارة لما وهبت هاجر لإبراهيم أصابها فحملت منه فغارت سارة فحلفت لتقطعن منها ثلاثة أعضاء فخاف إبراهيم أن تجدع أنفها وتقطع أذنها فأمرها بثقب أذنيها وختانها وصار ذلك سنة في النساء بعد ولا ينكر هذا كما كان مبدأ السعي سعي هاجر بين جبلين تبتغي لابنها القوت وكما كان مبدأ الجمار حصب إسماعيل للشيطان لما ذهب مع أبيه فشرع الله سبحانه لعباده تذكرة وإحياء لسنة خليله وإقامة لذكره وإعظاما لعبوديته والله أعلم  الفصل الثامن في بيان القدر الذي يؤخذ من الختان قال أبو البركات في كتابه الغاية ويؤخذ في ختان الرجل جلدة الحشفة وإن اقتصر على أخذ أكثرها جاز ويستحب لخافضة الجارية أن لا تحيف نص عليه وحكي عن عمر أنه قال للخاتنة أبقي منه إذا خفضت وقال الخلال في جامعه ذكر ما يقطع في الختان أخبرني محمد بن الحسين أن الفضل بن زياد حدثهم قال سئل أحمد كم يقطع في الختانة قال حتى تبدو الحشفة وأخبرني عبد الملك الميموني قال قلت يا أبا عبد الله مسألة سئلت(1\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "188",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7395",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنها ختان ختن صبيا فلم يستقص فقال إذا كان الختان قد جاز نصف الحشفة إلى فوق فلا يعتد به لأن الحشفة تغلظ وكلما غلظت هي ارتفعت الختانة ثم قال لي إذا كانت دون النصف أخاف قلت له فإن الإعادة عليه شديدة جدا ولعله قد يخاف عليه الإعادة قال لي إيش يخاف عليه ورأيت سهولة الإعادة إذا كانت الختانة في أقل من نصف الحشفة إلى أسفل وسمعته يقول هذا شيء لا بد أن تتيسر فيه الختانة وقال ابن الصباغ في الشامل الواجب على الرجل أن يقطع الجلدة التي على الحشفة حتى تنكشف جميعها وأما المرأة فلها عذرتان إحداهما بكارتها والأخرى هي التي يجب قطعها وهي كعرف الديك في أعلى الفرج بين الشفرين وإذا قطعت يبقى أصلها كالنواة وقال الجويني في نهايته المستحق في الرجال قطع القلفة وهي الجلدة التي تغشى الحشفة والغرض أن تبرز ولو فرض مقدار منه على الكمرة لا ينبسط على سطح الحشفة فيجب قطعه حتى لا تبقى الجلدة متدلية وقال ابن كج عندي يكفي قطع شيء من القلفة وإن قل بشرط أن يستوعب القطع تدوير رأسها وقال الجويني القدر المستحق من النساء ما ينطلق عليه الاسم قال في الحديث ما يدل على الأمر بالإقلال قال صلى الله عليه وسلم أشمي ولا تنكهي أي اتركي الموضع أشم والأشم المرتفع وقال(1\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "189",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7396",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الماوردي والسنة أن يستوعب القلفة التي تغشى الحشفة بالقطع من أصلها وأقل ما يجزئ فيه أن لا يتغشى بها شيء من الحشفة وأما خفض المرأة فهو قطع جلدة في الفرج فوق مدخل الذكر ومخرج البول على أصل كالنواة ويؤخذ منه الجلدة المستعلية دون أصلها وقد بان بهذا أن القطع في الختان ثلاثة أقسام سنة وواجب وغير مجزئ على ما تقدم والله أعلم  الفصل التاسع في أن حكمه يعم الذكر والأنثى قال صالح بن أحمد إذا جامع الرجل امرأته ولم ينزل قال إذا التقى الختانان وجب الغسل قال أحمد وفي هذا أن النساء كن يختتن وسئل عن الرجل تدخل عليه امرأته فلم يجدها مختونة أيجب عليها الختان قال الختان سنة قال الخلال وأخبرني أبو بكر المروزي وعبد الكريم الهيثم ويوسف بن موسى دخل كلام بعضهم في بعض أن أبا عبد الله سئل عن المرأة تدخل على زوجها ولم تختتن أيجب عليها الختان فسكت والتفت إلى أبي حفص فقال تعرف في هذا شيئا قال لا فقيل له إنها أتى عليها ثلاثون أو أربعون سنة فسكت قيل له فإن قدرت على أن تختتن قال حسن قال وأخبرني محمد بن يحيى الكحال قال سألت أبا عبد الله عن المرأة تختتن فقال قد خرجت فيه أشياء ثم قال فنظرت فإذا خبر النبي صلى الله عليه وسلم(1\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "190",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7397",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حين يلتقي الختانان ولا يكون واحدا إنما هو اثنان قلت لأبي عبد الله فلا بد منه قال الرجل أشد وذلك أن الرجل إذا لم يختتن فتلك الجلدة مدلاة على الكمرة فلا يبقى مأثم والنساء أهون قلت لا خلاف في استحبابه للأنثى واختلف في وجوبه وعن أحمد في ذلك روايتان إحداهما يجب على الرجال والنساء والثانية يختص وجوبه بالذكور وحجة هذه الرواية حديث شداد بن أوس الختان سنة للرجال مكرمة للنساء ففرق فيه بين الذكور والإناث ويحتج لهذا القول بأن الأمر به إنما جاء للرجال كما أمر الله سبحانه به خليله عليه السلام ففعله امتثالا لأمره وأما ختان المرأة فكان سببه يمين سارة كما تقدم قال الإمام أحمد لا تحيف خافضة المرأة لأن عمر قال لختانه ابقي منه شيئا إذا خفضت وذكر الإمام أحمد عن أم عطية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ختانه تختن فقال إذا ختنت فلا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب للبعل والحكمة التي ذكرناها في الختان تعم الذكر والأنثى وإن كانت في الذكر أبين والله أعلم(1\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "191",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7398",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل العاشر في حكم جناية الخاتن وسراية الختان قال الله تعالى ما على المحسنين من سبيل التوبة 91 وفي السنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن أما جناية يد الخاتن فمضمونه عليه أو على عاقلته كجناية غيره فإن زادت على ثلث الدية كانت على العاقلة وإن نقصت عن الثلث فهي في ماله وأما ما تلف بالسراية فإن لم يكن من أهل العلم بصناعته ولم يعرف بالحذق فيها فإنه يضمنها لأنها سراية جرح لم يجز الإقدام عليه فهي كسراية الجناية مضمونة واختلفوا فيما عداها فقال أحمد ومالك لا تضمن سراية مأذون فيه حدا كان أو تأديبا مقدرا كان أو غير مقدر لأنها سراية مأذون فيه فلم يضمن كسراية استيفاء منفعة النكاح وإزالة البكارة وسراية الفصد والحجامة والختان وبط الدمل وقطع السلعة المأذون فيه لحاذق لم يتعد وقال الشافعي لا يضمن(1\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "192",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7399",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سراية المقدر حدا كان أو قصاصا ويضمن سراية غير المقدر كالتعزيز والتأديب لأن التلف به دليل على التجاوز والعدوان وقال أبو حنيفة لا يضمن سراية الواجب خاصة ويضمن سراية القود لأنه إنما أبيح له استيفاؤه بشرط السلامة والسنة الصحيحة تخالف هذا القول وإن كان الخاتن عارفا بالصناعة وختن المولود في الزمن الذي يختتن في مثله وأعطى الصناعة حقها لم يضمن سراية الجرح اتفاقا كما لو مرض المختون من ذلك ومات فإن أذن له أن يختنه في زمن حر مفرط أو برد مفرط أو حال ضعف يخاف عليه منه فإن كان بالغا عاقلا لم يضمنه لأنه أسقط حقه بالإذن فيه وإن كان صغيرا ضمنه لأنه لا يعتبر إذنه شرعا وإن أذن فيه وليه فهو موضع نظر هل يجب الضمان على الولي أو على الخاتن ولا ريب أن الولي المتسبب والخاتن مباشر فالقاعدة تقتضي تضمين المباشر لأنه يمكن الإحالة عليه بخلاف ما إذا تعذر تضمينه فهذا تفصيل القول في جناية الخاتن وسراية ختانه والله أعلم  الفصل الحادي عشر في أحكام الأقلف من طهارته وصلاته وذبيحته وشهادته وغير ذلك قال الخلال أخبرني محمد بن إسماعيل حدثنا وكيع عن سالم بن العلاء(1\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "193",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7400",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المرادي عن عمرو بن هرم عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال الأقلف لا تقبل له صلاة ولا تؤكل ذبيحته قال وكيع الأقلف إذا بلغ فلم يختتن لم تجز شهادته أخبرني عصمة بن عصام حدثنا حنبل قال حدثني أبو عبد الله حدثنا محمد بن عبيد عن سالم المرادي عن عمرو بن هرم عن جابر بن زيد عن ابن عباس لا تؤكل ذبيحة الأقلف قال حنبل سمعت أبا عبد الله قال لا يعجبني أن يذبح الأقلف وقال حنبل في موضع آخر حدثنا أبو عمرو الحوضي حدثنا همام عن قتادة عن عكرمة قال لا تؤكل ذبيحة الأقلف قال وكان الحسن لا يرى ما قاله عكرمة قال قيل لعكرمة أله حج قال لا قال حنبل قال أبو عبد الله لا تؤكل ذبيحته ولا صلاة له ولا حج له حتى يتطهر هو من تمام الإسلام وقال حنبل في موضع آخر قال أبو عبد الله الأقلف لا يذبح ولا تؤكل ذبيحته ولا صلاة له وقال عبد الله بن أحمد حدثني أبي حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال الأقلف لا تحل له صلاة ولا تؤكل ذبيحته ولا تجوز له شهادة قال قتادة وكان الحسن لا يرى ذلك وقال إسحاق بن منصور قلت لأبي عبد الله ذبيحة الأقلف قال لا بأس بها وقال أبو طالب سألت أبا عبد(1\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "194",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7401",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله عن ذبيحة الأقلف فقال ابن عباس شدد في ذبيحته جدا وقال الفضل بن زياد سألت أبا عبد الله عن ذبيحة الأقلف فقال يروى عن إبراهيم والحسن وغيرهما أنهم كانوا لا يرون بها بأسا إلا شيئا يروى عن جابر بن زيد عن ابن عباس أنه كرهه قال أبو عبد الله وهذا يشتد على الناس فلو أن رجلا أسلم وهو كبير فخافوا عليه الختان أفلا تؤكل ذبيحته وذكر الخلال عن أبي السمح أحمد بن عبد الله بن ثابت قال سمعت أحمد بن حنبل وسئل عن ذبيحة الأقلف وذكر له حديث ابن عباس لا تؤكل ذبيحته فقال أحمد ذاك عندي إذا كان الرجل يولد بين أبوين مسلمين فكيف لا يختتن فأما الكبير إذا أسلم وخاف على نفسه الختان فله عندي رخصة ثم ذكر قصة الحسن مع أمير البصرة الذي ختن الرجال في الشتاء فمات بعضهم قال فكان أحمد يقول إذا أسلم الكبير وخاف على نفسه فله عندي عذر  الفصل الثاني عشر في المسقطات لوجوبه وهي أمور أحدها أن يولد الرجل ولا قلفة له فهذا مستغن عن الختان إذا لم يخلق له ما يجب ختانه وهذا متفق عليه لكن قال بعض المتأخرين(1\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "195",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7402",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يستحب إمرار الموسى على موضع الختان لأنه ما يقدر عليه من المأمور به وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وقد كان الواجب أمرين مباشرة الحديدة والقطع فإذا سقط القطع فلا أقل من استحباب مباشرة الحديدة والصواب أن هذا مكروه لا يتقرب إلى الله به ولا يتعبد بمثله وتنزه عنه الشريعة فإنه عبث لا فائدة فيه وإمرار الموسى غير مقصود بل هو وسيلة إلى فعل المقصود فإذا سقط المقصود لم يبق للوسيلة معنى ونظير هذا ما قال بعضهم إن الذي يخلق على رأسه شعر يستحب له في النسك أن يمر الموسى على رأسه ونظير قول بعض المتأخرين من أصحاب أحمد وغيرهم أن الذي لا يحسن القراءة بالكلية ولا الذكر أو أخرس يحرك لسانه حركة مجردة قال شيخنا ولو قيل إن الصلاة تبطل بذلك كان أقرب لأنه عبث ينافي الخشوع وزيادة عمل غير مشروع والمقصود أن هذا الذي ولد ولا قلفة له كانت العرب تزعم أنه إذا ولد في القمر تقلصت قلفته وتجمعت ولهذا يقولون ختنه القمر وهذا غير مطرد ولا هو أمر مستمر فلم يزل الناس يولدون في القمر والذي يولد بلا قلفة نادر جدا ومع هذا فلا يكون زوال القلفة تاما بل يظهر رأس الحشفة بحيث يبين مخرج البول ولهذا لا بد من ختانه ليظهر تمام(1\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "196",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7403",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحشفة وأما الذي يسقط ختانه فأن تكون الحشفة كلها ظاهرة وأخبرني صاحبنا محمد بن عثمان الخليلي المحدث ببيت المقدس أنه ممن ولد كذلك والله أعلم فصل الثاني من مسقطاته ضعف المولود عن احتماله بحيث يخاف عليه من التلف ويستمر به الضعف كذلك فهذا يعذر في تركه إذ غايته أنه واجب فيسقط بالعجز عنه كسائر الواجبات فصل  الثالث أن يسلم الرجل كبيرا ويخاف على نفسه منه فهذا يسقط عنه عند الجمهور ونص عليه الإمام أحمد في رواية جماعة من أصحابه وذكر قول الحسن أنه قد أسلم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرومي والحبشي والفارسي فما فتش أحدا منهم وخالف سحنون بن سعيد الجمهور فلم يسقطه عن الكبير الخائف على نفسه وهو قول في مذهب أحمد حكاه ابن تميم وغيره فصل  وظاهر كلام أصحابنا أنه يسقط وجوبه فقط عند خوف التلف(1\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "197",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7404",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والذي ينبغي أن يمنع من فعله ولا يجوز له وصرح به في شرح الهداية فقال يمنع منه ولهذا نظائر كثيرة منها الاغتسال بالماء البارد في حال قوة البرد والمرض وصوم المريض الذي يخشى تلفه بصومه وإقامة الحد على المريض والحامل وغير ذلك فإن هذه الأعذار كلها تمنع إباحة الفعل كما تسقط وجوبه فصل  الرابع الموت فلا يجب ختان الميت باتفاق الأمة وهل يستحب فجمهور أهل العلم على أنه لا يستحب وهو قول الأئمة الأربعة وذكر بعض الأئمة المتأخرين أنه مستحب وقاسه على أخذ شاربه وحلق عانته ونتف إبطه وهذا مخالف لما عليه عمل الأمة وهو قياس فاسد فإن أخذ الشارب وتقليم الظفر وحلق العانة من تمام طهارته وإزالة وسخه ودرنه وأما الختان فهو قطع عضو من أعضائه والمعنى الذي لأجله شرع في الحياة قد زال بالموت فلا مصلحة في ختانه وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يبعث يوم القيامة بغرلته غير مختون فما الفائدة أن يقطع منه عند الموت عضو يبعث به يوم القيامة وهو من تمام خلقه في النشأة الأخرى(1\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "198",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7405",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل  ولا يمنع الإحرام من الختان نص عليه الإمام أحمد وقد سئل عن المحرم يختتن فقال نعم فلم يجعله من باب إزالة الشعر وتقليم الظفر لا في الحياة ولا بعد الموت  الفصل الثالث عشر في ختان النبي صلى الله عليه وسلم وقد اختلف فيه على أقوال أحدها أنه ولد مختونا والثاني أن جبريل ختنه حين شق صدره الثالث أن جده عبد المطلب ختنه على عادة العرب في ختان أولادهم ونحن نذكر قائلي هذه الأقوال وحججهم فأما من قال ولد مختونا فاحتجوا بأحاديث أحدها ما رواه أبو عمر بن عبد البر فقال وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد مختونا من حديث عبد الله بن عباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب قال ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم مختونا مسرورا يعني مقطوع السرة فأعجب ذلك جده عبد المطلب وقال ليكونن لابني هذا شأن عظيم ثم قال ابن عبد البر ليس إسناد حديث العباس هذا بالقائم قال وقد روي موقوفا على ابن عمر ولا يثبت أيضا قلت حديث ابن عمر رويناه من طريق أبي نعيم حدثنا أبو الحسن أحمد ابن محمد بن خالد الخطيب حدثنا محمد بن محمد بن سليمان حدثنا عبد الرحمن ابن أيوب الحمصي حدثنا موسى بن أبي موسى المقدسي حدثنا خالد بن سلمة(1\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "199",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7406",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن نافع عن ابن عمر قال ولد النبي صلى الله عليه وسلم مسرورا مختونا ولكن محمد بن سليمان هذا هو الباغندي وقد ضعفوه وقال الدارقطني كان كثير التدليس يحدث بما لم يسمع وربما سرق الحديث ومنها ما رواه الخطيب بإسناده من حديث سفيان بن محمد المصيصي حدثنا هشيم عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كرامتي على الله أني ولدت مختونا ولم ير سوءتي أحد قال الخطيب لم يروه فيما يقال غير يونس عن هشيم وتفرد به سفيان بن محمد المصيصي وهو منكر الحديث قال الخطيب أخبرني الأزهري قال سئل الدارقطني عن سفيان ابن محمد المصيصي وأخبرني أبو الطيب الطبري قال قال لنا الدارقطني شيخ لأهل المصيصة يقال له سفيان بن محمد الفزاري كان ضعيفا سيء الحال وقال صالح بن محمد الحافظ سفيان بن محمد المصيصي لا شيء وقد رواه أبو القاسم بن عساكر من طريق الحسن بن عرفة حدثنا هشيم عن يونس عن الحسن عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كرامتي على ربي عز وجل أني ولدت مختونا لم ير أحد سوءتي وفي إسناده إلى الحسن بن عرفة عدة مجاهيل قال أبو القاسم بن عساكر وقد سرقه ابن الجارود وهو كذاب(1\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "200",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7407",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فرواه عن الحسن بن عرفة ومما احتج به أرباب هذا القول ما ذكره محمد ابن علي الترمذي في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم فقال ومنها أن صفية بنت عبد المطلب قالت أردت أن أعرف أذكر هو أم أنثى فرأيته مختونا وهذا الحديث لا يثبت وليس له إسناد يعرف به وقد قال أبو القاسم عمر بن أبي الحسن بن هبة الله بن أبي جرادة في كتاب صنفه في ختان الرسول صلى الله عليه وسلم يرد به على محمد بن طلحة في تصنيف صنفه وقرر فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد مختونا وهذا محمد بن علي الترمذي الحكيم لم يكن من أهل الحديث ولا علم له بطرقه وصناعته وإنما كان فيه الكلام على إشارات الصوفية والطرائق ودعوى الكشف على الأمور الغامضة والحقائق حتى خرج في الكلام على ذلك عن قاعدة الفقهاء واستحق الطعن عليه بذلك والإزراء وطعن عليه أئمة الفقهاء والصوفية وأخرجوه بذلك عن السيرة المرضية وقالوا إنه أدخل في علم الشريعة ما فارق به الجماعة فاستوجب بذلك القدح والشناعة وملأ كتبه بالأحاديث الموضوعة وحشاها بالأخبار التي ليست بمروية ولا مسموعة وعلل فيها خفي الأمور الشرعية التي لا يعقل معناها بعلل ما أضعفها وما أوهاها ومما ذكره في كتاب له وسمه بالاحتياط أن يسجد عقب كل صلاة يصليها سجدتي السهو وإن لم يكن سها فيها وهذا مما لا يجوز فعله بالإجماع(1\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "201",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7408",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفاعله منسوب إلى الغلو والابتداع وما حكاه عن صفية بقولها فرأيته مختونا يناقض الأحاديث الأخر وهو قوله لم ير سوءتي أحد فكل حديث في هذا الباب يناقض الآخر ولا يثبت واحد منها ولو ولد مختونا فليس من خصائصه صلى الله عليه وسلم فإن كثيرا من الناس يولد غير محتاج إلى الختان قال وذكر أبو الغنائم النسابة الزيدي أن أباه القاضي أبا محمد الحسن ابن محمد بن الحسن الزيدي ولد غير محتاج إلى الختان قال ولهذا لقب بالمطهر قال وقال فيما قرأته بخطه خلق أبو محمد الحسن مطهرا لم يختن وتوفي كما خلق وقد ذكر الفقهاء في كتبهم أن من ولد كذلك لا يختن واستحسن بعضهم أن يمر الموسى على موضع الختان ختان القمر يشيرون في ذلك إلى أن النمو في خلقة الإنسان يحصل في زيادة القمر ويحصل النقصان في الخلقة عند نقصانه كما يوجد في ذلك الجزر والمد فينسبون النقصان الذي حصل في القلفة إلى نقصان القمر قال وقد ورد في حديث رواه سيف بن محمد ابن أخت سفيان الثوري عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن صياد(1\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "202",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7409",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولد مسرورا مختونا وسيف مطعون في حديثه وقيل إن قيصر ملك الروم الذي ورد عليه امرؤ القيس ولد كذلك ودخل عليه امرؤ القيس الحمام فرآه كذلك فقال يهجوه (إني حلفت يمينا غير كاذبة ... لأنت أغلف إلا ما جنى القمر) يعيره أنه لم يختتن وجعل ولادته كذلك نقصا وقيل إن هذا البيت أحد الأسباب الباعثة لقيصر على أن سم امرء القيس فمات وأنشد ابن الأعرابي فيمن ولد بلا قلفة (فداك نكس لا يبض حجره ... مخرق العرض حديد ممصره) (في ليل كانون شديد خصره ... عض بأطراف الزبانى قمره) يقول هو أقلف ليس بمختون إلا ما قلص منه القمر وشبه قلفته بالزبانى وهي قرنا العقرب وكانت العرب لا تعتد بصورة الختان من غير ختان وترى الفضيلة في الختان نفسه وتفخر به قال وقد بعث الله نبينا صلى الله عليه وسلم من صميم العرب وخصه بصفات الكمال من الخلق والنسب فكيف يجوز أن يكون ما ذكره من كونه مختونا مما يميز به النبي صلى الله عليه وسلم ويخصص وقيل إن الختان من الكلمات التي ابتلى الله بها خليله صلى الله عليه وسلم فأتمهن وأكملهن وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل وقد عد النبي صلى الله عليه وسلم الختان من الفطرة ومن المعلوم أن الابتلاء به مع الصبر(1\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "203",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7410",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مما يضاعف ثواب المبتلى به وأجره والأليق بحال النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يسلب هذه الفضيلة وأن يكرمه الله بها كما أكرم خليله فإن خصائصه أعظم من خصائص غيره من النبيين وأعلى وختن الملك إياه كما رويناه أجدر من أن يكون من خصائصه وأولى هذا كله كلام ابن العديم ويريد بختن الملك ما رواه من طريق الخطيب عن أبي بكرة أن جبريل ختن النبي صلى الله عليه وسلم حين طهر قلبه وهو مع كونه موقوفا على أبي بكرة لا يصح إسناده فإن الخطيب قال فيه أنبأنا أبو القاسم عبد الواحد بن عثمان بن محمد البجلي أنبأنا جعفر بن محمد بن نصير حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان حدثنا عبد الرحمن بن عيينة البصري حدثنا علي بن محمد المدائني حدثنا مسلمة بن محارب بن سليم بن زياد عن أبيه عن أبي بكرة وليس هذا الإسناد مما يحتج به وحديث شق الملك قلبه صلى الله عليه وسلم قد روي من وجوه متعددة مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وليس في شيء منها أن جبريل ختنه إلا في هذا الحديث فهو شاذ غريب قال ابن العديم وقد جاء في بعض الروايات أن جده عبد المطلب ختنه في اليوم السابع قال وهو على ما فيه أشبه بالصواب وأقرب إلى الواقع(1\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "204",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7411",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم ساق من طريق ابن عبد البر حدثنا أبو عمرو أحمد بن محمد بن أحمد قراءة مني عليه أن محمد بن عيسى حدثه قال حدثنا يحيى بن أيوب بن زياد العلاف حدثنا محمد بن أبي السري العسقلاني حدثنا الوليد بن مسلم عن شعيب بن أبي حمزة عن عطاء الخراساني عن عكرمة عن ابن عباس أن عبد المطلب ختن النبي صلى الله عليه وسلم يوم سابعه وجعل له مأدبة وسماه محمدا قال يحيى بن أيوب ما وجدنا هذا الحديث عند أحد إلا عند ابن أبي السري وهو محمد بن المتوكل بن أبي السري والله أعلم  الفصل الرابع عشر في الحكمة التي لأجلها يعاد بنو آدم غرلا لما وعد الله سبحانه وهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده أنه يعيد الخلق كما بدأهم أول مرة كان من صدق وعده أن يعيده على الحالة التي بدأه عليها من تمام أعضائه وكمالها قال الله تعالى يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين الأنبياء 104 وقال تعالى كما بدأكم تعودون الأعراف 29 وأيضا فإن الختان إنما شرع في الدنيا لتكميل الطهارة والتنزه من البول وأهل الجنة لا يبولون ولا يتغوطون فليس هناك نجاسة تصيب الغرلة فيحتاج إلى(1\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "205",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7412",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التحرز منها والقلفة لا تمنع لذة الجماع ولا تعوقه هذا إن قدر استمرارهم على تلك الحالة التي بعثوا عليها وإلا فلا يلزم من كونهم يبعثون كذلك أن يستمروا على تلك الحالة التي بعثوا عليها فإنهم يبعثون حفاة عراة بهما ثم يكسون ويمد خلقهم ويزاد فيه بعد ذلك يزاد في خلق أهل الجنة والنار وإلا فوقت قيامهم من القبور يكونون على صورتهم التي كانوا عليها في الدنيا وعلى صفاتهم وهيئاتهم وأحوالهم فيبعث كل عبد على ما مات عليه ثم ينشئهم الله سبحانه كما يشاء وهل تبقى تلك الغرلة التي كملت خلقهم في القبور أو تزول يمكن هذا وهذا ولا يعلم إلا بخبر يجب المصير إليه والله سبحانه وتعالى أعلم(1\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "206",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7413",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب العاشر في ثقب أذن الصبي والبنت أما أذن البنت فيجوز ثقبها للزينة نص عليه الإمام أحمد ونص على كراهته في حق الصبي والفرق بينهما أن الأنثى محتاجة للحلية فثقب الأذن مصلحة في حقها بخلاف الصبي وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة في حديث أم زرع كنت لك كأبي زرع لأم زرع مع قولها أناس من حلي أذني أي ملأها من الحلي حتى صار ينوس فيها أي يتحرك ويجول وفي الصحيحين لما حرض النبي صلى الله عليه وسلم النساء على الصدقة جعلت المرأة تلفي خرصها الحديث والخرص هو الحلقة الموضوعة في الأذن ويكفي في جوازه علم الله ورسوله بفعل الناس له وإقرارهم على ذلك فلو كان مما ينهى عنه لنهى القرآن أو السنة فإن قيل فقد أخبر الله سبحانه عن عدوه إبليس أنه قال ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام النساء 119 أي يقطعونها وهذا يدل على أن قطع الأذن وشقها وثقبها من أمر الشيطان فإن البتك هو القطع وثقب الأذن قطع لها فهذا ملحق بقطع أذن الأنعام(1\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "207",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7414",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل هذا من أفسد القياس فإن الذي أمرهم به الشيطان أنهم كانوا إذا ولدت لهم الناقة خمسة أبطن فكان البطن السادس ذكرا شقوا أذن الناقة وحرموا ركوبها والانتفاع بها ولم تطرد عن ماء ولا عن مرعى وقالوا هذه بحيرة فشرع لهم الشيطان في ذلك شريعة من عنده فأين هذا من نخس أذن الصبية ليوضع فيها الحلية التي أباح الله لها أن تتحلى بها وأما ثقب الصبي فلا مصلحة له فيه وهو قطع عضو من أعضائه لا مصلحة دينية ولا دنيوية فلا يجوز ومن أعجب ما في هذا الباب ما قال الخطيب في تاريخه أنا الحسن بن علي الجوهري ثنا محمد بن العباس الخزاز حدثنا أبو عمرو عثمان بن جعفر المعروف بابن اللبان ثنا أبو الحسن علي بن إسحاق بن راهويه قال ولد أبي من بطن أمه مثقوب الأذنين قال فمضى جدي راهويه إلى الفضل بن موسى السيناني فسأله عن ذلك وقال ولد لي ولد خرج من بطن أمه مثقوب الأذنين فقال يكون ابنك رأسا إما في الخير وإما في الشر فكأن الفضل بن موسى والله أعلم تفرس فيه أنه لما تفرد عن المولودين كلهم بهذه الخاصة أن ينفرد عنهم بالرياسة في الدين أو الدنيا وقد كان رحمه الله رأس أهل زمانه في العلم والحديث والتفسير والسنة والجلالة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكسر الجهمية وأهل(1\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "208",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7415",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البدع ببلاد خراسان وهو الذي نشر السنة في بلاد خراسان وعنه انتشرت هناك وقد كان له مقامات محمودة عند السلطان يظفره الله فيها بأعدائه ويخزيهم على يديه حتى تعجب منه السلطان والحاضرون حتى قال محمد بن أسلم الطوسي لو كان الثوري حيا لاحتاج إلى إسحاق فأخبر بذلك أحمد بن سعيد الرباطي فقال والله لو كان الثوري وابن عيينة والحمادان في الحياة لاحتاجوا إلى إسحاق فأخبر بذلك محمد بن يحيى الصفار فقال والله لو كان الحسن البصري حيا لاحتاج إلى إسحاق في أشياء كثيرة وكان الإمام أحمد يسميه أمير المؤمنين وسنذكر هذا وأمثاله في كتاب نفرده لمناقبه إن شاء الله تعالى ونذكر حكاية عجيبة يستدل بها على أنه كان رأس أهل زمانه قال الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور أخبرني أبو محمد بن زياد قال سمعت أبا العباس الأزهري قال سمعت علي بن سلمة يقول كان إسحاق عند عبد الله ابن طاهر وعنده إبراهيم بن صالح فسأل عبد الله بن طاهر إسحاق عن مسألة فقال إسحاق السنة فيها كذا وكذا وأما النعمان وأصحابه فيقولون بخلاف هذا فقال إبراهيم لم يقل النعمان بخلاف هذا فقال إسحاق حفظته من كتاب جدك وأنا وهو في كتاب واحد فقال إبراهيم للأمير أصلحك الله كذب إسحاق على جدي فقال إسحاق ليبعث الأمير إلى جزء كذا(1\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "209",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7416",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذا من الجامع فليحضره فأتى بالكتاب فجعل الأمير يقلب الكتاب فقال إسحاق عد من أول الكتاب إحدى وعشرين ورقة ثم عد تسعة أسطر ففعل فإذا المسألة على ما قال إسحاق فقال عبد الله بن طاهر ليس العجب من حفظك إنما العجب بمثل هذه المشاهدة فقال إسحاق ليوم مثل هذا لكي يخزي الله على يدي عدوا للسنة مثل هذا وقال له عبد الله بن طاهر قيل لي إنك تحفظ مائة ألف حديث فقال له مائة ألف لا أدري ما هو ولكني ما سمعت شيئا قط إلا حفظته ولا حفظت شيئا قط فنسيته والمقصود صحة فراسة الفضل بن موسى فيه وأنه يكون رأسا في الخير والله أعلم(1\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "210",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7417",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الحادي عشر في حكم بول الغلام والجارية قبل أن يأكلا الطعام ثبت في الصحيحين والسنن والمسانيد عن أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه عليه ولم يغسله وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بول الغلام الرضيع ينضح وبول الجارية يغسل قال قتادة هذا ما لم يطعما فإذا طعما غسلا جميعا رواه الإمام أحمد والترمذي وقال حديث حسن وصححه الحاكم وقال هو على شرط الشيخين(1\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "211",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7418",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعن عائشة رضي الله عنها قالت أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي يحنكه فبال عليه فأتبعه الماء رواه البخاري ومسلم وزاد مسلم ولم يغسله وعن أم كرز الخزاعية قالت أتي النبي صلى الله عليه وسلم بغلام فبال عليه فأمر به فنضح وأتي بجارية فبالت عليه فأمر به فغسل رواه الإمام أحمد وفي سنن ابن ماجة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن أم كرز أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بول الغلام ينضح وبول الجارية يغسل وعن أم الفضل لبابة بنت الحارث قالت بال الحسين بن علي في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله أعطني ثوبك والبس ثوبا غيره حتى أغسله فقال إنما ينضح من بول الذكر وبغسل من بول الأنثى رواه الإمام أحمد وأبو داود وقال الحاكم هو صحيح(1\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "212",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7419",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي صحيح الحاكم من حديث عبد الرحمن بن مهدي حدثنا يحيى بن الوليد حدثني محل بن خليفة حدثني أبو السمح قال كنت خادم النبي صلى الله عليه وسلم فجيء بالحسن والحسين فبالا على صدره فأرادوا أن يغسلوه فقال رشوه رشا فإنه يغسل بول الجارية ويرش بول الغلام قال الحاكم هو صحيح ورواه أهل السنن وذهب إلى القول بهذه الأحاديث جمهور أهل العلم من أهل الحديث والفقه حتى ذهب داود إلى طهارة بول الغلام قال لأن النص إنما ورد بنضحه ورشه دون غسله والنضح والرش لا يزيله وقال فقهاء العراق لا يجزئ فيه إلا الغسل فيهما جميعا هذا قول النخعي والثوري وأبي حنيفة وأصحابه لعموم الأحاديث الواردة بغسل البول وقياسا على سائر النجاسات وقياسا لبول الغلام على بول الجارية والسنة قد فرقت بين البولين صريحا فلا يجوز التسوية بين ما صرحت به السنة بالفرق بينهما وقالت طائفة منهم الأوزاعي ومالك في رواية الوليد بن مسلم عنه ينضح بول الغلام والجارية دفعا للمشقة لعموم الابتلاء بالتربية والحمل لهما وهذا(1\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "213",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7420",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القول يقابل من قال يغسلان والتفريق هو الصواب الذي دلت عليه السنة الصحيحة الصريحة قال أبو البركات ابن تيمية والتفريق بين البولين إجماع الصحابة رواه أبو داود عن علي بن أبي طالب ورواه سعيد بن منصور عن أم سلمة وقال إسحاق بن راهويه مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يرش بول الصبي الذي لم يطعم الطعام ويغسل بول الجارية طعمت أو لم تطعم قال وعلى ذلك كان أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم قال ولم يسمع عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عمن بعده إلى زمان التابعين أن أحدا سوى الغلام والجارية انتهى كلامه والقياس في مقابلة السنة مردود وقد فرق بين الغلام والجارية في المعنى بعدة فروق أحدها أن بول الغلام يتطاير وينشر هاهنا وهاهنا فيشق غسله وبول الجارية يقع في موضع واحد فلا يشق غسله الثاني أن بول الجارية أنتن من بول الغلام لأن حرارة الذكر أقوى وهي تؤثر في إنضاج البول وتخفيف رائحته الثالث أن حمل الغلام أكثر من حمل الجارية لتعلق القلوب به كما تدل عليه المشاهدة فإن صحت هذه الفروق وإلا فالمعول على تفريق السنة قال الأصحاب وغيرهم النضح أن يغرقه بالماء وإن لم يزل عنه وليس(1\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "214",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7421",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا بشرط بل النضح الرش كما صرح به في اللفظ الآخر بحيث يكاثر البول بالماء ولا يبطل حكم النضح بتعليق الغسل والشراب والتحنيك ونحوه لئلا تتعطل الرخصة فإنه لا يخلو من ذلك مولود غالبا ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان من عادته تحنيك الأطفال بالتمر عند ولادتهم وإنما يزول حكم النضح إذا أكل الطعام وأراده واشتهاه تغذيا به والله أعلم(1\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "215",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7422",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الثاني عشر في حكم ريقه ولعابه هذه المسألة مما تعم به البلوى وقد علم الشارع أن الطفل يقيء كثيرا ولا يمكن غسل فمه ولا يزال ريقه ولعابه يسيل على من يربيه ويحمله ولم يأمر الشارع بغسل الثياب من ذلك ولا منع من الصلاة فيها ولا أمر بالتحرز من ريق الطفل فقالت طائفة من الفقهاء هذا من النجاسة التي يعفى عنها للمشقة والحاجة كطين الشوارع والنجاسة بعد الاستجمار ونجاسة أسفل الخف والحذاء بعد دلكهما بالأرض وقال شيخنا وغيره من الأصحاب بل ريق الطفل يطهر فمه للحاجة كما كان ريق الهرة مطهرا لفمها وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها ليست بنجس مع علمه بأكلها الفأر وغيره وقد فهم من ذلك أبو قتادة طهارة فمها وريقها وكذلك أصغى لها الإناء حتى شربت وأخبرت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصغي إلى الهرة ماء حتى تشرب ثم يتوضأ بفضلها واحتمال ورودها على ماء كثير فوق القلتين في المدينة في غاية البعد حتى ولو كانت بين مياه كثيرة لم يكن هذا الاحتمال مزيلا لما علم من نجاسة فمها لولا تطهير الريق له فالريق مطهر فم الهرة وفم(1\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "216",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7423",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطفل للحاجة وهو أولى بالتطهير من الحجر في محل الاستجمار ومن التراب لأسفل الخف والحذاء والرجل الحافية على أحد القولين في مذهب مالك وأحمد وأولى بالتطهير من الشمس والريح وأولى بالتطهير من الخل وغيره من المائعات عند من يقول بذلك وأولى بالتطهير من مسح السيف والمرآة والسكين ونحوها من الأجسام الصقيلة بالخرقة ونحوها كما كان الصحابة يمسحون سيوفهم ولا يغسلونها بالماء ويصلون فيها ولو غسلت السيوف لصدئت وذهب نفعها وقد نظر النبي صلى الله عليه وسلم في سيفي ابني عفراء فاستدل بالأثر الذي فيهما على اشتراكهما في قتل أبي جهل لعنه الله تعالى ولم يأمرهما بغسل سيفيهما وقد علم أنهما يصليان فيهما والله أعلم(1\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "217",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7424",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الثالث عشر في جواز حمل الأطفال في الصلاة وإن لم يعلم حال ثيابهم ثبت في الصحيحين عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي لأبي العاص بن الربيع فإذا قام حملها وإذا سجد وضعها ولمسلم حملها على عنقه ولأبي داود بينما نحن ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر أو العصر وقد دعاه بلال إلى الصلاة إذ خرج إلينا وأمامة بنت أبي العاص بنت زينب على عنقه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصلاه وقمنا خلفه وهي في مكانها الذي هي فيه فكبرنا حتى إذا أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركع أخذها فوضعها ثم ركع وسجد حتى إذا فرغ من سجوده ثم قام أخذها فردها في مكانها فما زال(1\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "218",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7425",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع بها ذلك في كل ركعة حتى فرغ من صلاته صلى الله عليه وسلم وهذا صريح أنه كان في الفريضة وفيه رد على أهل الوسواس وفيه أن العمل المتفرق في الصلاة لا يبطلها إذا كان للحاجة وفيه الرحمة بالأطفال وفيه تعليم التواضع ومكارم الأخلاق وفيه أن مس الصغير لا ينقض الوضوء(1\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "219",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7426",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الرابع عشر في استحباب تقبيل الأطفال في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن ابن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالس فقال الأقرع إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحدا منهم فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من لا يرحم لا يرحم وفي الصحيحين أيضا من حديث عائشة رضي الله عنها قالت قدم ناس من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا تقبلون صبيانكم فقالوا نعم فقالوا والله لكنا ما نقبل فقال أو أملك إن كان الله نزع من قلوبكم الرحمة وفي المسند من حديث أم سلمة قالت بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي يوما(1\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "220",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7427",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذ قالت الخادم إن فاطمة وعليا رضي الله عنهما بالسدة قالت فقال لي قومي فتنحي عن أهل بيتي قالت فقمت فتنحيت في البيت قريبا فدخل علي وفاطمة ومعهم الحسن والحسين وهما صبيان صغيران فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره فقبلهما واعتنق عليا بإحدى يديه وفاطمة باليد الأخرى فقبل فاطمة وقبل عليا وأغدف عليهما خميصة سوداء وقال اللهم إليك لا إلى النار أنا وأهل بيتي قالت فقلت وأنا يا رسول الله فقال وأنت وفي طريق أخرى نحوه وقال إنك إلى حين(1\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "221",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7428",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الخامس عشر في وجوب تأديب الأولاد وتعليمهم والعدل بينهم قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة التحريم 6 قال علي رضي الله عنه علموهم وأدبوهم وقال الحسن مروهم بطاعة الله وعلموهم الخير وفي المسند وسنن أبي داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع ففي هذا الحديث ثلاثة آداب أمرهم بها وضربهم عليها والتفريق بينهم في المضاجع وقد روى الحاكم عن أبي النضر الفقيه ثنا محمد بن حموية ثنا أبي ثنا النضر بن محمد عن الثوري عن إبراهيم بن مهاجر عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال افتحوا على صبيانكم أول كلمة بلا إله إلا الله ولقنوهم عند الموت لا إله إلا الله(1\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "222",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7429",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي تاريخ البخاري من رواية بشر بن يوسف عن عامر بن أبي عامر سمع أيوب بن موسى القرشي عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما نحل والد ولدا أفضل من أدب حسن قال البخاري ولم يصح سماع جده من النبي صلى الله عليه وسلم وفي معجم الطبراني من حديث سماك عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن يؤدب أحدكم ولده خير له من أم يتصدق كل يوم بنصف صاع على المساكين وذكر البيهقي من حديث محمد بن الفضل بن عطية وهو ضعيف عن أبيه عن عطاء عن ابن عباس قال قالوا يا رسول الله قد علمنا ما حق الوالد فما حق الولد قال أن يحسن اسمه ويحسن أدبه قال سفيان الثوري ينبغي للرجل أن يكره ولده على طلب الحديث فإنه مسؤول عنه وقال إن هذا الحديث عز من أراد به الدنيا وجدها ومن أراد به الآخرة وجدها وقال عبد الله بن عمر أدب ابنك فإنك مسؤول عنه ماذا أدبته وماذا علمته وهو مسؤول عن برك وطواعيته لك(1\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "223",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7430",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر البيهقي من حديث مسلم بن إبراهيم حدثنا شداد بن سعيد عن الجريري عن أبي سعيد وابن عباس قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ولد له ولد فليحسن اسمه وأدبه فإذا بلغ فليزوجه فإن بلغ ولم يزوجه فأصاب إثما فإنما إثمه على أبيه وقال سعيد بن منصور حدثنا حزم قال سمعت الحسن وسأله كثير ابن زياد عن قوله تعالى ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين الفرقان 74 فقال يا أبا سعيد ما هذه القرة الأعين أفي الدنيا أم في الآخرة قال لا بل والله في الدنيا قال وما هي قال والله أن يري الله العبد من زوجته من أخيه من حميمه طاعة الله لا والله ما شيء أحب إلى المرء المسلم من أن يرى ولدا أو والدا أو حميما أو أخا مطيعا لله عز وجل وقد روى البخاري في صحيحه من حديث نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالأمير راع على الناس وهو مسؤول عن رعيته والرجل راع على أهل بيته وامرأة الرجل راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته(1\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "224",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7431",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومن حقوق الأولاد العدل بينهم في العطاء والمنع  ففي السنن ومسند أحمد وصحيح ابن حبان من حديث النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اعدلوا بين أبنائكم اعدلوا بين أبنائكم وفي صحيح مسلم أن امرأة بشير قالت له انحل ابني غلاما وأشهد لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن ابنة فلان سألتني أن أنحل ابنها غلامي قال له إخوة قال نعم قال أفكلهم أعطيت مثل ما أعطيته قال لا قال فليس يصلح هذا وإني لا أشهد إلا على حق ورواه الإمام أحمد وقال فيه لا تشهدني على جور إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم وفي الصحيحين عن النعمان بن بشير أن أباه أتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي فقال رسول صلى الله عليه وسلم أكل ولدك(1\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "225",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7432",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نحلت مثل هذا فقال لا فقال أرجعه وفي رواية لمسلم فقال افعلت هذا بولدك كلهم قال لا قال اتقوا الله واعدلوا في أولادكم فرجع أبي في تلك الصدقة وفي الصحيح أشهد على هذا غيري وهذا أمر تهديد لا إباحة فإن تلك العطية كانت جورا بنص الحديث ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأذن لأحد أن يشهد على صحة الجور ومن ذا الذي كان يشهد على تلك العطية وقد أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشهد عليها وأخبر أنها لا تصلح وأنها جور وأنها خلاف العدل ومن العجب أن يحمل قوله اعدلوا بين أولادكم على غير الوجوب وهو أمر مطلق مؤكد ثلاث مرات وقد أخبر الآمر به أن خلافه جور وأنه لا يصلح وأنه ليس بحق وما بعد الحق إلا الباطل هذا والعدل واحب في كل حال فلو كان الأمر به مطلقا لوجب حمله على الوجوب فكيف وقد اقترن به عشرة أشياء تؤكد وجوبه فتأملها في ألفاظ القصة وقد ذكر البيهقي من حديث أبي أحمد بن عدي حدثنا القاسم بن مهدي حدثنا يعقوب بن كاسب حدثنا عبد الله بن معاذ عن معمر عن الزهري(1\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "226",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7433",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن أنس أن رجلا كان جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم فجاء بني له فقبله وأجلسه في حجره ثم جاءت بنية فأخذها فأجلسها إلى جنبه فقال النبي صلى الله عليه وسلم فما عدلت بينهما وكان السلف يستحبون أن يعدلوا بين الأولاد في القبلة وقال بعض أهل العلم إن الله سبحانه يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة قبل أن يسأل الولد عن والده فانه كما أن للأب على أبنه حقا فللابن على أبيه حق فكما قال تعالى ووصينا الإنسان بوالديه حسنا العنكبوت 8 قال تعالى قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة التحريم 6 قال علي بن أبي طالب علموهم وأدبوهم وقال تعالى واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى النساء 36 وقال النبي صلى الله عليه وسلم اعدلوا بين أولادكم فوصية الله للآباء بأولادهم سابقة على وصية الأولاد بآبائهم قال الله تعالى ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق الاسراء 31 فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى فقد أساء إليه غاية الإساءة وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه فأضاعوهم صغارا فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كبارا كما عاتب بعضهم ولده على العقوق فقال يا أبت إنك عققتني صغيرا فعققتك كبيرا وأضعتني وليدا فأضعتك شيخا(1\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "227",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7434",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب السادس عشر في فصول نافعة في تربية الأطفال تحمد عواقبها عند الكبر فصل  ينبغي أن يكون رضاع المولود من غير أمه بعد وضعه يومين أو ثلاثة وهو الأجود لما في لبنها ذلك الوقت من الغلظ والأخلاط بخلاف لبن من قد استقلت على الرضاع وكل العرب تعتني بذلك حتى تسترضع أولادها عند نساء البوادي كما استرضع النبي صلى الله عليه وسلم في بني سعد فصل  وينبغي أن يمنع حملهم والطواف بهم حتى يأتي عليهم ثلاثة أشهر فصاعدا لقرب عهدهم ببطون الأمهات وضعف أبدانهم فصل وينبغي أن يقتصر بهم على اللبن وحده إلى نبات أسنانهم لضعف معدتهم وقوتهم الهاضمة عن الطعام فإذا نبتت أسنانه قويت معدته وتغذى بالطعام(1\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "228",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7435",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن الله سبحانه أخر إنباتها إلى وقت حاجته إلى الطعام لحكمته ولطفه ورحمة منه بالأم وحلمة ثديها فلا يعضه الولد بأسنانه فصل وينبغي تدريجهم في الغذاء فأول ما يطعمونهم الغذاء اللين فيطعمونهم الخبز المنقوع في الماء الحار واللبن والحليب ثم بعد ذلك الطبيخ والأمراق الخالية من اللحم ثم بعد ذلك ما لطف جدا من اللحم بعد إحكام مضغه أو رضه رضا ناعما فصل فإذا قربوا من وقت التكلم وأريد تسهيل الكلام عليهم فليدلك ألسنتهم بالعسل والملح الاندراني لما فيهما من الجلاء للرطوبات الثقيلة المانعة من الكلام فإذا كان وقت نطقهم فليلقنوا لا إله إلا الله محمد رسول الله وليكن أول ما يقرع مسامعهم معرفة الله سبحانه وتوحيده وأنه سبحانه فوق عرشه ينظر إليهم ويسمع كلامهم وهو معهم أينما كانوا وكان بنو إسرائيل كثيرا ما يسمون أولادهم ب عمانويل ومعنى هذه الكلمة إلهنا معنا(1\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "229",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7436",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولهذا كان أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن بحيث إذا وعى الطفل وعقل علم أنه عبد الله وأن الله هو سيده ومولاه فصل  فإذا حضر وقت نبات الأسنان فينبغي أن يدلك لثاهم كل يوم بالزبد والسمن ويمرخ خرز العنق تمريخا كثيرا ويحذر عليهم كل الحذر وقت نباتها إلى حين تكاملها وقوتها من الأشياء الصلبة ويمنعون منها كل المنع لما في التمكن منها من تعريض الأسنان لفسادها وتعويجها وخللها فصل  ولا ينبغي أن يشق على الأبوين بكاء الطفل وصراخه ولا سيما لشربه اللبن إذا جاع فإنه ينتفع بذلك البكاء انتفاعا عظيما فإنه يروض أعضاءه ويوسع أمعاءه ويفسح صدره ويسخن دماغه ويحمي مزاجه ويثير حرارته الغريزية ويحرك الطبيعة لدفع ما فيها من الفضول ويدفع فضلات الدماغ من المخاط وغيره فصل  وينبغي أن لا يهمل أمر قماطه ورباطه ولو شق عليه إلى أن يصلب بدنه وتقوى أعضاؤه ويجلس على الأرض فحينئذ يمرن ويدرب على الحركة والقيام قليلا قليلا إلى أن يصير له ملكة وقوة يفعل ذلك بنفسه(1\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "230",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7437",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل  وينبغي أن يوقى الطفل كل أمر يفزعه من الأصوات الشديدة الشنيعة والمناظر الفظيعة والحركات المزعجة فإن ذلك ربما أدى إلى فساد قوته العاقلة لضعفها فلا ينتفع بها بعد كبره فإذا عرض له عارض من ذلك فينبغي المبادرة إلى تلافيه بضده وإيناسه بما ينسيه إياه وأن يلقم ثديه في الحال ويسارع إلى رضاعه ليزول عنه ذلك المزعج له ولا يرتسم في قوته الحافظة فيعسر زواله ويستعمل تمهيده بالحركة اللطيفة إلى أن ينام فينسى ذلك ولا يهمل هذا الأمر فإن في إهماله إسكان الفزع والروع في قلبه فينشأ على ذلك ويعسر زواله ويتعذر فصل  ويتغير حال المولود عند نبات أسنانه ويهيج به التقيء والحميات وسوء الأخلاق ولا سيما إذا كان نباتها في وقت الشتاء والبرد أو في وقت الصيف وشدة الحر وأحمد أوقات نباتها الربيع والخريف ووقت نباتها لسبعة أشهر وقد تنبت في الخامس وقد تتأخر إلى العاشر فينبغي التلطف في تدبيره وقت نباتها وأن يكرر عليه دخول الحمام وأن يغذى غذاء يسيرا فلا يملأ بطنه من الطعام وقد يعرض له انطلاق البطن فيعصب بما يكفيه مثل عصابة صوف عليها كمون ناعم وكرفس وأنيسون وتدلك لثته بما(1\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "231",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7438",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تقدم ذكره ومع هذا فانطلاق بطنه في ذلك الوقت خير له من اعتقاله فإن كان بطنه معتقلا عند نبات أسنانه فينبغي أن يبادر إلى تليين طبيعته فلا شيء أضر على الطفل عند نبات أسنانه من اعتقال طبيعته ولا شيء أنفع له من سهولتها باعتدال وأحمد ما تلين به عسل مطبوخ يتخذ منه فتائل ويحمل بها أو حبق مسحوق معجون بعسل يتخذ منه فتائل كذلك وينبغي للمرضع في ذلك الوقت تلطيف طعامها وشرابها وتجتنب الأغذية المضرة فصل في وقت الفطام  قال الله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف البقرة 233 فدلت الآية على عدة أحكام أحدها أن تمام الرضاع حولين وذلك حق للولد إذا احتاج إليه ولم يستغن عنه وأكدهما بكاملين لئلا يحمل اللفظ على حول وأكثر(1\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "232",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7439",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وثانيها أن الأبوين إذا أرادا فطامه قبل ذلك بتراضيهما وتشاورهما مع عدم مضرة الطفل فلهما ذلك وثالثها أن الأب إذا أراد أن يسترضع لولده مرضعة أخرى غير أمه فله ذلك وإن كرهت الأم إلا أن يكون مضارا بها أو بولدها فلا يجاب إلى ذلك ويجوز أن تستمر الأم على رضاعه بعد الحولين إلى نصف الثالث أو أكثر وأحمد أوقات العظام إذا كان الوقت معتدلا في الحر والبرد وقد تكامل نبات أسنانه وأضراسه وقويت على تقطيع الغذاء وطحنه ففطامه عند ذلك الوقت أجود له ووقت الاعتدال الخريفي أنفع في الطعام من وقت الاعتدال الربيعي لأنه في الخريف يستقبل الشتاء والهواء يبرد فيه والحرارة الغريزية تنشأ فيه وتنمو والهضم يزداد قوة وكذلك الشهوة فصل  وينبغي للمرضع إذا أرادت فطامه أن تفطمه على التدريج ولا تفاجئه بالفطام وهلة واحدة بل تعوده إياه وتمرنه عليه لمضرة الانتقال عن الإلف والعادة مرة واحدة كما قال بقراط في فصوله استعمال الكبير بغتة مما يملأ البدن أو يستفرغه أو يسخنه أو يبرده أو يحركه بنوع آخر من الحركة(1\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "233",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7440",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أي نوع كان فهو خطر وكلما كان كثيرا فهو معاد للطبيعة وكلما كان قليلا فهو مأمون فصل  ومن سوء التدبير للاطفال أن يمكنوا من الامتلاء من الطعام وكثرة الأكل والشرب ومن أنفع التدبير لهم أن يعطوا دون شبعهم ليجود هضمهم وتعتدل أخلاطهم وتقل الفضول في أبدانهم وتصح أجسادهم وتقل أمراضهم لقلة الفضلات في المواد الغذائية قال بعض الأطباء وأنا أمدح قوما ذكرهم حيث لا يطعمون الصبيان إلا دون شبعهم ولذلك ترتفع قاماتهم وتعتدل أجسامهم ويقل فيهم ما يعرض لغيرهم من الكزاز ووجع القلب وغير ذلك قال فإن أحببت أن يكون الصبي حسن الجسد مستقيم القامة غير منحدب فقه كثيرة الشبع فإن الصبي إذا امتلأ وشبع فإنه يكثر النوم من ساعته ويسترخي ويعرض له نفخة في بطنه ورياح غليظة فصل وقال جالينوس ولست أمنع هؤلاء الصبيان من شرب الماء البارد أصلا(1\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "234",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7441",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لكني أطلق لهم شربة تعقب الطعام في أكثر الأمر وفي الأوقات الحارة في زمن الصيف إذا تاقت أنفسهم إليه قلت وهذا لقوة وجود الحار الغريزي فيهم ولا يضرهم شرب الماء البارد في هذه الأوقات ولا سيما عقيب الطعام فإنه يتعين تمكينهم منه بقدر لضعفهم عن احتمال العطش باستيلاء الحرارة فصل  ومما ينبغي أن يحذر أن يحمل الطفل على المشي قبل وقته لما يعرض في أرجلهم بسبب ذلك من الانفتال والاعوجاج بسبب ضعفها وقبولها لذلك واحذر كل الحذر أن تحبس عنه ما يحتاج إليه في قيء أو نوم أو طعام أو شراب أو عطاس أو بول أو إخراج دم فإن لحبس ذلك عواقب رديئه في حق الطفل والكبير فصل في وطء المرضع وهو الغيل  عن جذامة بنت وهب الأسدية قالت حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس وهو يقول لقد هممت أن أنهى عن الغيلة فنظرت في الروم(1\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "235",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7442",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر أولادهم ذلك شيئا ثم سألوه عن العزل فقال ذلك الوأد الخفي 000 وهي وإذا الموؤودة سئلت (التكوير 6) رواه مسلم في الصحيح وروى في صحيحه أيضا عن أسامة بن زيد أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني أعزل عن امرأتي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تفعل ذلك فقال الرجل أشفق على ولدها أو على أولادها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان ذلك ضارا ضر فارس والروم وعن أسماء بنت يزيد قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تقتلوا أولادكم سرا فو الذي نفسي بيده ليدرك الفارس فيدعثره قالت قلت ما يعني قالت الغيلة يأتي الرجل امرأته وهي ترضع(1\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "236",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7443",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رواه الإمام أحمد أبو داود وقد أشكل الجمع بين هذه الأحاديث على غير واحد من أهل العلم فقالت طائفة قوله صلى الله عليه وسلم لقد هممت أن أنهى عن الغيل أي أحرمه وأمنع منه فلاتنافي بين هذا وبين قوله في الحديث الآخر ولا تقتلوا أولادكم سرا فإن هذا النهي كالمشورة عليهم والإرشاد لهم إلى ترك ما يضعف الولد ويقتله قالوا والدليل عليه أن المرأة المرضع إذا باشرها الرجل حرك منها دم الطمث وأهاجه للخروج فلا يبقى اللبن حينئذ على اعتداله وطيب رائحته وربما حبلت الموطوءة فكان ذلك من شر الأمور وأضرها على الرضيع المغتذي بلبنها وذلك أن جيد الدم حينئذ ينصرف في تغذية الجنين الذي في الرحم فينفذ في غذائه فإن الجنين لما كان ما يناله ويجتذبه مما لا يحتاج إليه ملائما له لأنه متصل بأمه أتصال الغرس بالأرض وهو غير مفارق لها ليلا ولا نهارا وكذلك ينقص دم الحامل ويصير رديئا فيصير اللبن المجتمع في ثديها يسيرا رديئا فمتى حملت المرضع فمن تمام تدبير الطفل أن يمنع منها فإنه متى شرب من ذلك اللبن الرديء قتله أو أثر في ضعفه تأثيرا يجده في كبره فيدعثره عن فرسه فهذا وجه المشورة عليهم(1\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "237",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7444",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والإرشاد إلى تركه ولم يحرمه عليهم فإن هذا لا يقع دائما لكل مولود وإن عرض لبعض الأطفال فأكثر الناس يجامعون نساءهم وهن يرضعن ولو كان هذا الضرر لازما لكل مولود لاشترك فيه أكثر الناس وهاتان الأمتان الكبيرتان فارس والروم تفعله ولا يعم ضرره أولادهم وعلى كل حال فالأحوط إذا حبلت المرضع أن يمنع منها الطفل ويلتمس مرضعا غيرها والله أعلم فصل  ومما يحتاج إليه الطفل غاية الاحتياج الاعتناء بأمر خلقه فإنه ينشأ على ما عوده المربي في صغره من حرد وغضب ولجاج وعجلة وخفة مع هواه وطيش وحدة وجشع فيصعب عليه في كبره تلافي ذلك وتصير هذه الأخلاق صفات وهيئات راسخة له فلو تحرز منها غاية التحرز فضحته ولا بد يوما ما ولهذا تجد أكثر الناس منحرفة أخلاقهم وذلك من قبل التربية التي نشأ عليها وكذلك يجب أن يتجنب الصبي إذا عقل مجالس اللهو والباطل والغناء وسماع الفحش والبدع ومنطق السوء فإنه إذا علق بسمعه عسر عليه مفارقته في الكبر وعز على وليه استنقاذه منه فتغيير(1\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "238",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7445",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العوائد من أصعب الأمور يحتاج صاحبه إلى استجداد طبيعة ثانية والخروج عن حكم الطبيعة عسر جدا وينبغي لوليه أن يجنبه الأخذ من غيره غاية التجنب فإنه متى اعتاد الأخذ صار له طبيعة ونشأ بأن يأخذ لا بأن يعطي ويعوده البذل والإعطاء وإذا أراد الولي أن يعطي شيئا أعطاه إياه على يده ليذوق حلاوة الإعطاء ويجنبه الكذب والخيانة أعظم مما يجنبه السم الناقع فإنه متى سهل له سبيل الكذب والخيانة أفسد عليه سعادة الدنيا والآخرة وحرمه كل خير ويجنبه الكسل والبطالة والدعة والراحة بل يأخذه بأضدادها ولا يريحه إلا بما يجم نفسه وبدنه للشغل فإن الكسل والبطالة عواقب سوء ومغبة ندم وللجد والتعب عواقب حميدة إما في الدنيا وإما في العقبى وإما فيهما فأروح الناس أتعب الناس وأتعب الناس أروح الناس فالسيادة في الدنيا والسعادة في العقبى لا يوصل إليها إلا على جسر من التعب قال يحيى بن أبي كثير لا ينال العلم براحة الجسم ويعوده الانتباه آخر الليل فإنه وقت قسم الغنائم وتفريق الجوائز فمستقل ومستكثر ومحروم فمتى اعتاد ذلك صغيرا سهل عليه كبيرا فصل  ويجنبه فضول الطعام والكلام والمنام ومخالطة الأنام فإن الخسارة(1\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "239",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7446",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في هذه الفضلات وهي تفوت على العبد خير دنياه وآخرته ويجنبه مضار الشهوات المتعلقة بالبطن والفرج غاية التجنب فإن تمكينه من أسبابها والفسح له فيها يفسده فسادا يعز عليه بعده صلاحه وكم ممن أشقى ولده وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله وترك تأديبه وإعانته له على شهواته ويزعم أنه يكرمه وقد أهانه وأنه يرحمه وقد ظلمه وحرمه ففاته انتفاعه بولده وفوت عليه حظه في الدنيا والآخرة وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد رأيت عامته من قبل الآباء فصل  والحذر كل الحذر من تمكينه من تناول ما يزيل عقله من مسكر وغيره أو عشرة من يخشى فساده أو كلامه له أو الأخذ في يده فإن ذلك الهلاك كله ومتى سهل عليه ذلك فقد استسهل الدياثة ولا يدخل الجنة ديوث فما أفسد الأبناء مثل تغفل الآباء وإهمالهم واستسهالهم شرر النار بين الثياب فأكثر الآباء يعتمدون مع أولادهم أعظم ما يعتمد العدو الشديد العداوة مع عدوه وهم لا يشعرون فكم من والد حرم والده خير الدنيا والآخرة وعرضه لهلاك الدنيا والآخرة وكل هذا عواقب تفريط الآباء في حقوق الله وإضاعتهم لها وإعراضهم عما أوجب الله عليهم من العلم النافع والعمل(1\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "240",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7447",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصالح حرمهم الانتفاع بأولادهم وحرم الأولاد خيرهم ونفعهم لهم هو من عقوبة الآباء فصل  ويجنبه لبس الحرير فإنه مفسد له ومخنث لطبيعته كما يخنثه اللواط وشرب الخمر والسرقة والكذب وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم يحرم الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم والصبي وإن لم يكن مكلفا فوليه مكلف لا يحل له تمكينه من المحرم فإنه يعتاده ويعسر فطامه عنه وهذا أصح قولي العلماء واحتج من لم يره حراما عليه بأنه غير مكلف فلم يحرم لبسه للحرير كالدابة وهذا من أفسد القياس فإن الصبي وإن لم يكن مكلفا فإنه مستعد للتكليف ولهذا لا يمكن من الصلاة بغير وضوء ولا من الصلاة عريانا ونجسا ولا من شرب الخمر والقمار واللواط فصل  ومما ينبغي أن يعتمد حال الصبي وما هو مستعد له من الأعمال ومهيأ له(1\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "241",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7448",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منها فيعلم أنه مخلوق له فلا يحمله على غيره ما كان مأذونا فيه شرعا فإنه إن حمله على غير ما هو مستعد له لم يفلح فيه وفاته ما هو مهيأ له فإذا رآه حسن الفهم صحيح الإدراك جيد الحفظ واعيا فهذه من علامات قبوله وتهيئه للعلم لينقشه في لوح قلبه ما دام خاليا فإنه يتمكن فيه ويستقر ويزكو معه وإن رآه بخلاف ذلك من كل وجه وهو مستعد للفروسية وأسبابها من الركوب والرمي واللعب بالرمح وأنه لا نفاذ له في العلم ولم يخلق له مكنه من أسباب الفروسية والتمرن عليها فإنه أنفع له وللمسلمين وإن رآه بخلاف ذلك وأنه لم يخلق لذلك ورأى عينه مفتوحة إلى صنعة من الصنائع مستعدا لها قابلا لها وهي صناعة مباحة نافعة للناس فليمكنه منها هذا كله بعد تعليمه له ما يحتاج إليه في دينه فإن ذلك ميسر على كل أحد لتقوم حجة الله على العبد فإن له على عباد الحجة البالغة كما له عليهم النعمة السابغة والله أعلم(1\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "242",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7449",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب السابع عشر  في أطوار ابن آدم من وقت كونه نطفة إلى استقراره في الجنة أو النار قال الله تعالى ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون المؤمنون 12  16 فاستوعب سبحانه ذكر أحوال ابن آدم قبل كونه نطفة بل ترابا وماء إلى حين بعثه يوم القيامة فأول مراتب خلقه أنه سلالة من طين ثم بعد ذلك سلالة من ماء مهين وهي النطفة التي استلت من جميع البدن فتمكث كذلك أربعين يوما ثم يقلب الله سبحانه تلك النطفة علقة وهي قطعة سوداء من دم فتمكث كذلك أربعين يوما أخرى ثم يصيرها سبحانه مضغة وهي قطعة لحم أربعين يوما وفي هذا الطور تقدر أعضاؤه وصورته وشكله وهيئته واختلف في أول ما يتشكل ويخلق من أعضائه(1\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "243",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7450",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال قائلون هو القلب وقال آخرون إنه الدماغ وقال آخرون هو الكبد وقال آخرون فقار الظهر فاحتج أرباب القول الأول بأن القلب هو العضو والأساس الذي هو معدن الحرارة الغريزية الذي هو مركب الحياة فوجب أن يكون هو المقدم في الخلق قالوا وقد أخبر المشرحون أنهم وجدوا في النطفة عند كمال انعقادها نقطة سوداء واحتج من قال إنه الدماغ بأن الدماغ من الحيوان هو العضو الرئيسي من الإنسان وهو مجمع الحواس وأن الأمر المختص بالحيوان هو الحس والحركة الإرادية وأصل ذلك من الدماغ ومنه ينبعث وإذا كان الخاص بالحيوان هو الحس والحركة الإرادية وكانا عن هذا العضو كان هو المقدم في الإيجاد والتكوين واحتج من قال إنه الكبد بأنه العضو الذي منه النمو والاغتذاء الذي به قوام الحيوان قالوا فالنظام الطبيعي يقتضي أن يكون أول متكون الكبد ثم القلب ثم الدماغ لأن أول فصل الحيوان هو النمو وليس به في هذا الوقت حاجة إلى حس ولا إلى حركة إرادية لأنه يعد بمنزلة النبات فلا حاجة به حينئذ إلى غير النمو ولهذا إنما تصير له قوة الحس والإرادة عند تعلق النفس به وذلك في الطور الرابع من أطوار تخليقه فكان أول الأعضاء خلقا فيه هو آلة النمو وذلك الكبد والذي شاهده(1\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "244",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7451",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أرباب التشريح حتى إنهم متفوقون عليه أنه أول ما يتبين في خلق جثة الحيوان ثلاث نقط متقاربة بعضها من بعض يتوهم أنها رسم الكبد والقلب والدماغ ثم يزداد بعضها من بعض بعدا على امتداد أيام الحمل فهذا القدر هو الذي عند المشرحين فأما أن هذه النقط أقدم وأسبق فليس عندهم عليه دليل إلا الأخلق والأولى والقياس والله أعلم فصل  ثم تقدر مفاصل أعضائه وعظامه وعروقه وعصبه ويشق له السمع والبصر والفم ويفتق حلقه بعد أن كان رتقا فيركب فيه اللسان ويخطط شكله وصورته وتكسى عظامه لحما ويربط بعضها إلى بعض أحكم ربط وأقواه وهو الأسر الذي قال فيه نحن خلقناهم وشددنا أسرهم الإنسان: 28 ومنه الإسار الذي يربط به ومنه الأسير قال الإمام أحمد حدثنا روح بن عبادة حدثنا أبو هلال حدثنا ثابت عن صفوان بن محرز قال كان نبي الله داود عليه السلام إذا ذكر عذاب الله تخلعت أوصاله ما يمسكها إلا الأسر فإذا ذكر رحمة الله رجعت فصل  قال بقراط في المقالة الثالثة من كتاب الأجنة أنا أحدثك رأيت المني ينشأ كانت لامرأة من الأهل جارية نفيسة ولم تكن تحب أن تحبل لئلا(1\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "245",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7452",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ينقص ثمنها فسمعت الجارية النساء يقلن إن المرأة إذا أرادت أن تحمل لم يخرج منها مني الرجل بل يبقى محتبسا ففهمت ذلك وجعلت ترصده من نفسها فأحست في بعض الأوقات أنه لم يخرج منها فبلغني الخبر فأمرتها أن تطفر إلى خلفها فطفرت سبع طفرات فسقط منها المني بوجبة شبيها بالبيضة غير مطبوخة قد قشر عنها القشر الخارج وبقيت رطوبتها في جوف الغشاء قال وأنا أقول أيضا إنه يجري من الأم فضول الرحم ليتغذى بها الجنين وقال إن الذي تظهر هي الأعصاب الدقاق البيض وهي التي رأيت في وسط السرة وليست في موضع آخر غير السرة لأن الروح إنما يشق طريقا للنفس هناك ثم قال وأقول شيئا آخر ظاهرا يعرفه كل من يرغب في العلم وأوضحه بقياسات وأقول إن المني هو في الحجاب وإنه يغتذي من الدم الذي يجتمع من المرأة وينزل إلى الرحم وقال إن المني يجتذب الهواء فيتنفس فيه في هذه الحجب في الأسباب التي ذكرنا ويربو من الدم الذي ينحدر من المرأة وقال إن الطمث لا ينحدر ما دامت المرأة حاملا إن كان طفلها صحيحا وذلك منذ أول شهر من حبلها إلى الشهر التاسع ولكن جميع ما ينزل من الدم من البدن كله يجتمع حول الجنين على الحجاب الأعلى مع اجتذاب النفس والسرة طريق وصوله إلى الجنين فيدخل الغذاء إليه فيغذيه ويزيد في تربيته وقال إذا أقام المني حينا خلقت له حجب(1\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "246",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7453",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أخر فتمتد داخلا من الحجاب الأول وتكون مختلفة الأنواع كثيرة وأما كونها فمثل الحجاب الأول وقال إن الحجب منها ما يخلق أولا ومنها ما يخلق من بعد الشهر الثاني ومنها ما يخلق في الشهر الثالث وكلها لا تظهر منافعها أول ما يخلق ولكن بعضها يمتد على المني فتظهر منافعها أولا وبعضها لا يظهر إلا أخيرا فلذلك يخلق بعضها في الشهر الأول وبعضها في الشهر الثاني وبعضها في الثالث وهي السرة كأنها مربوط بعضها ببعض في وسط الحجب تكون السرة التي يتنفس منها ويتربى وإذا نزل الدم واغتذى الجنين منه حالت الحجب بينه وبين الجنين ولهذا يقول تعالى يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث الزمر 6 فإن كل حجاب من هذه الحجب له ظلمة تخصه فذكر سبحانه أطوار خلقه ونقله فيها من حال إلى حال وذكر ظلمات الحجب التي على الجنين فقال أكثر المفسرين هي ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة فإن كل واحد من هذه حجاب على الجنين وقال آخرون هي ظلمة أصلاب الآباء وظلمة بطون الأمهات وظلمة المشيمة وأضعف من هذا القول قول من قال ظلمة الليل وظلمة البطن وظلمة الرحم فإن الليل والنهار بالنسبة إلى الجنين سواء(1\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "247",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7454",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال بقراط إن المرأة إذا حبلت لم تألم من اجتماع الدم الذي ينزل ويجتمع حول رحمها ولا تحس بضعف كما تحس إذا انحدر الطمث لأنها لا يثور دمها في كل شهر لكنه ينزل إلى الرحم في كل يوم قليلا قليلا نزولا ساكنا من غير وجع فإذا أتى إلى الرحم اغتذى منه الجنين ونما ثم قال وعلى غير بعيد من ذلك إذا خلق للجنين لحم وجسد تكون الحجب وإذا كبر كبرت الحجب أيضا وصار لها تجويف خارج من الجنين فإذا نزل الدم من الأم جذبه الجنين واغتذى به فيزيد في لحمه والرديء من الدم الذي لا يصلح للغذاء ينزل إلى مجاري الحجب وكذلك تسمى الحجب التي إذا صار لها تجويف يقبل الدم المشيمة وقال إذا تم الجنين وكملت صورته واجتذب الدم لغذائه بالمقدار اتسعت الحجب وظهرت المشيمة التي تكون من الآلات التي ذكرنا فإن اتسع داخلها اتسع خارجها لأنه أولى بذلك لأن له موضعا يمتد إليه قلت ومن ها هنا لم تحض الحامل بل ما تراه من الدم يكون دم فساد ليس دم الحيض المعتاد هذه إحدى الروايتين عن عائشة رضي الله عنها وهو المشهور من مذهب أحمد الذي لا يعرف أصحابه سواه وهو مذهب أبي حنيفة وذهب الشافعي في رواية عن عائشة والإمام أحمد في رواية عنه اختارها شيخنا إلى أن ما تراه من الدم في وقت عادتها يكون حيضا وحجة هذا القول(1\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "248",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7455",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ظاهرة وهي عموم الأدلة الدالة على ترك المرأة الصوم والصلاة إذا رأت الدم المعتاد في وقت الحيض ولم يستثن الله ورسوله حالة دون حالة وأما كون الدم ينصرف إلى غذاء الولد فمن المعلوم أن ذلك لا يمنع أن يبقى منه بقية يخرج في وقت الحيض تفضل عن غذاء الولد فلا تنافي بين غذاء الولد وبين حيض الأم وأصحاب القول الآخر يحتجون بقوله صلى الله عليه وسلم لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة فجعل الحيضة دليلا على عدم الحمل فلو حاضت الحامل لم تكن الحيضة علما على براءة حملها والآخرون يحبيبون عن هذا بأن الحيضة علم ظاهر فإذا ظهر بها الحمل تبينا أنه لم يكن دليلا ولهذا يحكم بانقضاء العدة بالحيض ظاهرا ثم تبين المرأة حاملا والنبي صلى الله عليه وسلم قسم النساء إلى قسمين امرأة معلومة الحمل وامرأة مظنون أنها حامل فجعل استبراء الأولى بوضع الحمل والثانية بالحيضة وهذا هو الذي دل عليه الحديث لم يدل على أن ما تراه الحامل من الدم في وقت عادتها تصوم معه وتصلي(1\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "249",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7456",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل قال بقراط إن العظام تصلب من الحرارة لأن الحرارة تصلب العظام وتربط بعضها ببعض مثل الشجرة التي ترتبط بعضها ببعض وقال إن العصب جعل داخلا وخارجا وجعل الرأس بين العاتقين والعضدان والساعدان في الجانبين وفرج ما بين الرجلين أيضا وجعل في كل مفصل من المفاصل عصب بوثقه ويشده قلت وهو الأسر الذي شد به الإنسان قال وجعل الفم ينفتح من تلقاء نفسه وركب الأنف والأذنان من اللحم وثقبت الأذنان ثم العينان بعد ذلك وملئتا رطوبة صافية وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في سجوده سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره والواو وإن لم تقتض ترتيبا فتقديم السمع في اللفظ يناسب تقدمه في الوجود ثم تتسع الأمعاء بعد ذلك ويصير لها تجويف وترتبط المفاصل ويرتفع النفس إلى الفم والأنف ويدخل الاستنشاق في الفم والأنف وينفتح البطن والأمعاء ويخرج النفس إلى الفم بدل السرة فإذا تم ما ذكرنا حضر وقت خروج الجنين ونزلت فضول من معدته وأمعائه إلى المثانة ويكون لها طريق من المعدة والأمعاء إلى المثانة(1\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "250",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7457",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها إلى مجرى البول وإنما تنفتح هذه كلها ويتسع تجويفها بالاستنشاق وبه ينفصل بعضها عن بعض على قدر أشكالها وقال اذا اتسع البطن وتبين تجويف الأمعاء صار فيها طريق الى المثانة والإحليل اضطرارا قال والمني اذا تركب يجتمع كل شيء منه الى صاحبه العظام الى العظام والعصب الى العصب وكذلك جميع الأعضاء ثم يركب الجنين ثم قال إنا قد رأينا كثيرا من النساء قد فسدت الأجنة فيهن ثم خرجت بعد ثلاثين يوما ثم قال ألا ترى أنه اذا سقط الجنين بعد ثلاثين يوما رأيت مفاصله مركبة وقال يدرك هذا بالنظر الى السقط لأنه اذا سقط ليس يسقط من حيلنا بل من قبل نفسه ثم قال اذا تركب الجنين وأتلفت مفاصله وكبرت أعضاؤه وصلبت عظامه وتحركت جذبت من البدن دما دسما ويحتبس ذلك ويتحرك في رؤوس العظام مثل تحرك رؤوس الشجر قال وكذلك الجنين ويتقلب فصل  وقال في المقالة الثانية من كتابه هذا ثم يتركب الجنين ويتم الذكر الى اثنين وثلاثين يوما والانثى إلى اثنين وأربعين يوما وربما زاد على هذه(1\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "251",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7458",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأيام قليلا وربما نقص قليلا وقال إن الجنين يتم ويتصور إن كان ذكرا في اثنين وثلاثين يوما وان كان أنثى ففي اثنين وأربعين يوما وقال إنا نرى ذلك من نقاء المرأة لأنها إن ولدت أنثى فإنها تنفى في اثنين وأربعين يوما وهو أكثر ما تحتبس المرأة الى أن تنقى في اثنين وأربعين يوما عند ولادة الأنثى وربما كان في الفرد وتنقى في خمسة وثلاثين يوما فإذا ولدت ذكرا فإنها تنقى في اثنين ووثلاثين يوما اذا احتبست كثيرا وربما بقيت في الفرد في خمسة وعشرين يوما وقال إن دم الطمث يخرج من حيث يخرج الجنين وكما أن الذكر يتصور في اثنين وثلاثين يوما كذلك يكون نقاء أمه من بعد ولاده في اثنين وثلاثين يوما وتنقى المرأة اذا ولدت أنثى في اثنين وأربعين يوما بعدد الأيام التي تركيبها فيها ثم قال انما يجري الدم من النفساء بعد ولادها أياما كثيرة لأنها اذا حملت لم يحتج الجنين أول ما يخلق الى غذاء كثير حتى يتم فإذا تم له اثنان وأربعون يوما اغتذى كما ينبغي وما اجتمع في الأيام الأربعين من الدم الذي ينزل الى الجنين بقي إلى ولاد المرأة فإذا ولدت نزل أربعين يوما قلت في هذا الفصل حديثان صحيحان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نذكرهما(1\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "252",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7459",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونذكر تصديق أحدهما للآخر ثم نتعقب كلام بقراط ونبين ما فيه بحول الله وقوته وتوفيقه وتعليمه وإرشاده ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها وفي طريق أخرى أن خلق ابن آدم يجمع في بطن أمه أربعين وفي أخرى أربعين ليلة وقال البخاري أربعين يوما وأربعين ليلة وفي بعض طرقه ثم يبعث الله ملكا بأربع كلمات فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح 000 الحديث(1\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "253",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7460",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي صحيح مسلم من حديث حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة فيقول يا رب أشقي أو سعيد فيكتبان فيقول إي رب أذكر أم أنثى فيكتبان ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزداد فيها ولا ينقص وقال الإمام أحمد حدثني سفيان عن عمرو عن أبي الطفيل عن حذيفة ابن أسيد الغفاري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين ليلة فيقول يا رب أشقي أم سعيد فيقول الله عز وجل فيكتبان فيقولان أذكر أم أنثى فيقول الله عز وجل فيكتبان فيكتب عمله وأثره ومصيبته ورزقه ثم تطوى الصحيفة فلا يزداد على ما فيها ولا ينقص وفي صحيح مسلم عن عامر بن واثلة أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره فأتى رجلا من أصحاب رسول الله يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري فحدثه بذلك(1\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "254",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7461",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من قول ابن مسعود فقال وكيف يشقى رجل بغير عمل فقال له الرجل أتعجب من ذلك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال يا رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول يا رب أجله فيقضي ربك ما شاء فيكتب الملك ثم يقول يا رب رزقه فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص وفي لفظ آخر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني هاتين يقول إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الملك قال زهير حسبته قال الذي يخلقها فيقول يا رب أذكر أم أنثى فيجعله الله ذكرا أو أنثى فيقول يا رب أسوي أم غير سوي فيجعله الله سويا أو غير سوي ثم يقول يا رب ما رزقه وما أجله وما خلقه ثم يجعله الله شقيا أو سعيدا(1\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "255",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7462",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي لفظ آخر أن ملكا موكلا بالرحم إذا أراد الله عز وجل أن يخلق شيئا بإذن الله لبضع وأربعين ليلة ثم ذكر الحديث فاتفق حديث ابن مسعود وحديث حذيفة بن أسيد على حدوث شأن وحال النطفة بعد الأربعين وحديث حذيفة مفسر صريح بأن ذلك يكتب بعد الأربعين قبل نفخ الروح كما تقدم في رواية البخاري وأما حديث ابن مسعود فأحد ألفاظه موافق لحديث حذيفة وإن كان ذلك التقدير والكتابة بعد الأربعين قبل نفخ الروح فيه كما تقدم من رواية البخاري ولفظه ثم يبعث الله إليه ملكا بأربع كلمات فيكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح فهذا صريح أن الكتابة وسؤال الملك قبل نفخ الروح فيه وهو موافق لحديث حذيفة في ذلك وأما لفظه الآخر فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات فليس بصريح إذ الكلمات المأمور بها بعد نفخ الروح فإن هذه الجملة معطوفة بالواو ويجوز أن تكون معطوفة على الجملة التي تليها ويجوز أن تكون معطوفة على جملة الكلام المتقدم أي يجمع خلقه في هذه الأطوار ويؤمر الملك بكتب رزقه وأجله وعمله ووسط بين الجمل قوله ثم ينفخ فيه(1\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "256",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7463",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الروح بيانا لتأخر نفخ الروح عن طور النطفة والعلقة والمضغة وتأمل كيف أتى ب ثم في فصل نفخ الروح وبالواو في قوله ويؤمر بأربع كلمات فاتفقت سائر الأحاديث بحمد الله وبقي أن يقال فحديث حذيفة يدل على أن ابتداء التخليق عقيب الأربعين الأولى وحديث ابن مسعود يدل على أنه عقيب الأربعين الثالثة فيكيف يجمع بينهما قيل أما حديث حذيفة فصريح في كون ذلك بعد الأربعين وأما حديث ابن مسعود فليس فيه تعرض لوقت التصوير والتخليق وإنما فيه بيان أطوار النطفة وتنقلها بعد كل أربعين وأنه بعد الأربعين الثالثة ينفخ فيه الروح وهذا لم يتعرض له حديث حذيفة بل اختص به حدثنا بن مسعود فاشترك الحديثان في حدوث أمر بعد الأربعين الأولى واختص حديث حذيفة بأن ابتداء تصويرها وخلقها بعد الأربعين الأولى واختص حديث ابن مسعود بأن نفخ الروح فيه بعد الأربعين الثالثة واشترك الحديثان في استئذان الملك ربه سبحانه في تقدير شأن المولود في خلال ذلك فتصادقت كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق بعضها بعضا وحديث ابن مسعود فيه أمران أمر النطفة وتنقلها وأمر كتابة الملك ما يقدر الله فيها والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بالأمرين في الحديث قال الإمام(1\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "257",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7464",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحمد حدثنا هشيم أنبأنا علي بن زيد قال سمعت أبا عتبة بن عبد الله يحدث قال قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن النطفة تكون في الرحم أربعين يوما على حالها لا تتغير فإذا مضت له أربعون صارت علقة ثم مضغة كذلك ثم عظاما كذلك فإذا أراد أن يسوي خلقه بعث الله اليه الملك فيقول الملك الذي يليه أي رب أذكر أم أنثى أشقي أم سعيد أقصير أم طويل أناقص أم زائد قوته وأجله أصحيح أم سقيم قال فيكتب ذلك كله فهذا الحديث فيه الشفاء وإن الحادث بعد الأربعين الثالثة تسوية الخلق عند نفخ الروح فيه ولا ريب أنه عند نفخ الروح فيه وتعلقها به يحدث له في خلقه أمور زائدة على التخليق الذي كان بعد الأربعين الأولى فالأول كان مبدأ التخليق وهذا تسويته وكمال ما قدر له كما أنه سبحانه خلق الأرض قبل السماء ثم خلق السماء ثم سوى الأرض بعد ذلك ومهدها وبسطها وأكمل خلقها فذلك فعله في السكن وهذا فعله في الساكن على أن التخليق والتصوير ينشأ في النطفة بعد الأربعين على التدريج شيئا فشيئا كما ينشأ النبات فهذا مشاهد في الحيوان والنبات كما إذا تأملت حال الفروج في(1\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "258",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7465",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البيضة فإنما يقع الإشكال من عدم فهم كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فالإشكال في أفهامنا لا في بيان المعصوم والله المستعان وقد أغناك هذا بحمد الله عن تكلف الشارحين فتأمله ووازن بينه وبين هذا الجمع وبالله التوفيق فصل  وقد قال بقراط في كتاب الغذاء تصوير الجنين يكون في خمسة وثلاثين يوما وحركته في سبعين صباحا وكماله في مائة وعشرة أيام ويتصور أجنة أخر في خمسين صباحا ويتحركون التحرك الأول في مائة صباح ويكملون في ثلاثمائة ويتصور أجنة أخر في أربعين صباحا ويتحركون في ثمانين صباحا ويولدون في مائتين وأربعين صباحا ويتصور أجنة أخر في خمسة وأربعين صباحا ويتحركون في تسعين صباحا ويولدون في مائتين وسبعين صباحا قال فأما الولادة فتكون في الشهر السابع والثامن والتاسع والعاشر قلت الحركة حركتان حركة طبيعية غير أرادية فهذه تكون قبل تعلق الروح به وأما الحركة الإرادية فلا تكون إلا بعد نفخ الروح ولهذا فرق بقراط بين التحرك الأول والثاني قلت الذي دل عليه الوحي الصادق عن خلاق البشر أن الخلق ينتقل في كل أربعين يوما إلى طور آخر فيكون أولا نطفة أربعين يوما ثم علقة كذلك ثم مضغة كذلك ثم ينفخ فيه الروح بعد مائة وعشرين يوما(1\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "259",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7466",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا كأنك تشاهده عيانا وما خالفه فليس مع المخبر به عيان وغاية ما معه قياس فاسد وتشريح لا يحيط علما بمبدإ ما شاهده منه أو تقليد لواحد غير معصوم وكل ما جاء به مشى خلفه فيه فيعتقد فيه المعتقد أن هذا أمر متفق عليه بين الطبائعيين وأصله كله واحد أخطأ فيه ثم قلده من بعده والقوم لم يشاهدوا ما أخبروا به من ذلك وغاية ما معهم أنهم شرحوا الحاكين أحياء وأمواتا فوجدوا الجنين في الرحم على الصفة التي أخبروا بها ولكن لاعلم لهم بما وراء ذلك من مبدإ الحمل وتغير أحوال النطفة فإن ضيق مقلدهم الفرض وقال نفرض أنهم اعتبروا بكرا من حيث وطئت ثم جعلوا يعدون أيامها إلى أن بلغت ما ذكروه ثم شرحوها فوجدوا الأمر على الصفة التي أخبروا بها فهذا غاية الكذب والبهت فإن القوم لم يدعوا ذلك وكيف يمكنهم دعواهم وهم يخبرون أن بعد ذلك بكذا وكذا يوما يصير شأن الحمل كذا وكذا وإنما مع القوم كليات وأقيسة وينبغي أن يكون كذا وكذا والنظام الطبيعي يقتضي كذا وكذا وكثير منهم يأخذ ذلك من حركات القمر وزيادته ونقصانه ومن حركات الشمس ومن التثليث والتربيع والتسديس والمقابلة ورد عليهم آخرون منهم وأبطلوا ذلك عليهم من وجوه وأحال به على الأخلق والأولى(1\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "260",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7467",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والأنسب وأحال به آخرون على أيام البحارين وتغير الطبيعة فيها ورد بعض هؤلاء على بعض وأبطل قوله بما تركناه مخافة التطويل وأصح ما بأيديهم التشريح والاستقراء التام الذي لا يخرم ونحن لا ننكر ذلك ولكن ليس فيه ما يخالف الوحي عن خلاف الأجنة أبدا ومما يدل على أن القوم لم يخبروا في ذلك عن مشاهدة قولهم إن الجنين الذي يولد في الشهر السابع يصير ديديا في تسعة أيام ودمويا في ثمانية أيام أخر ولحميا في تسعة أيام أخر ويقبل الصورة في أثنى عشر يوما أخر فإذا اجتمعت هذه الأيام صارت خمسة وثلاثين يوما فجعلوه مضغة في الأربعين الأولى وهذا كذب ظاهر قطعا وإنما يصير لحميا بعد الثمانين ومثل هذا لا يدرك إلا بوحي أو مشاهدة وكلاهما مفقود عندهم وإنما بأيديهم قياس اعتبروا به أحوال الأجنة من شهور ولادها فحكموا على كل جنين ولد في شهر من شهور الولادة على أنه ينبغي أن يكون ديديا أي نطفة كذا وكذا ودمويا أي علقة كذا وكذا يوما ولحميا أي مضغة كذا وكذا يوما ثم أضعفوا ذلك العدد وجعلوه وقت تحرك الجنين وكذبوا في ذلك على الخلاق العليم في خلقه كما كذبوا عليه في صفاته وأسمائه فإن القوم لم يكن لهم نصيب من العلم الذي جاءت به الرسل بل كانوا كما قال اله تعالى فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم النساء 83(1\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "261",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7468",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما غاية مل يناله المنكر المعرض عما جاءت به الرسل وغاية ما نالوا به علما بأمور طبيعية فيها الحق والباطل وأمور رياضية كثيرة التعب قليلة الجدوى وأمور الهيئة باطلها أضعاف أضعاف حقها فأين العلم المتلقى من الوحي النازل إلى الظن المأخوذ عن الرأي الزائل وأين العلم المأخوذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن الله عز وجل إلى الظن المأخوذ عن رأي رجل لم يستنر قلبه بنور الوحي طرفة عين وإنما معه حدسه وتخمينه ونسبه ما يدركه العقلاء قاطبة بعقولهم إلى ما جاءت به الرسل كنسبة سراج ضعيف إلى ضوء الشمس ولا تجدو ولو عمرت عمر نوح مسألة واحدة أصلا اتفق فيها العقلاء كلهم على خلاف ما جاءت به الرسل في أمر من الأمور البتة فالأنبياء لم تأت بما يخالف صريح العقل البتة وإنما جاءت بما لا يدركه العقل فما جاءت به الرسل مع العقل ثلاثة أقسام لا رابع لها البتة قسم شهد به العقل والفطرة وقسم يشهد بجملته ولا يهتدى لتفصيله وقسم ليس في العقل قوة إدراكه وأما القسم الرابع وهو ما يحيله العقل الصريح ويشهد ببطلانه فالرسل بريئون منه وإن ظن كثير من الجهال المدعين للعلم والمعرفة أن بعض ما جاءت به الرسل يكون من هذا القسم فهذا إما لجهله بما جاءت به وإما لجهله بحكم العقل أو لهما(1\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "262",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7469",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل  في مقدار زمان الحمل واختلاف الأجنة في ذلك  قال الله تعالى ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا الأحقاف 15 فأخبر تعالى أن مدة الحمل والفطام ثلاثون شهرا وأخبر في آية البقرة أن مدة تمام الرضاع حولين كاملين فعلم أن الباقي يصلح مدة للحمل وهو ستة أشهر فاتفق الفقهاء كلهم على أن المرأة لا تلد لدون ستة أشهر إلا أن يكون سقطا وهذا أمر تلقاه الفقهاء عن الصحابة رضي الله عنهم فذكر البيهقي وغيره عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي أن عمر أتي بامرأة قد ولدت لستة أشهر فهم عمر برجمها فبلغ ذلك عليا رضي الله عنه فقال ليس عليها رجم فبلغ ذلك عمر فأرسل إليه فسأله فقال والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة البقرة 233 وقال وحمله وفصاله ثلاثون شهرا الأحقاف 15 فستة أشهر حمله وحولان تمام الرضاعة لا حد عليهما فخلى عنها(1\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "263",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7470",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي موطأ مالك أنه بلغه أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أتي بامرأة قد ولدت في ستة أشهر فأمر بها أن ترجم فقال علي ليس ذلك عليها قال الله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وقال وفصاله في عامين فأمر بها عثمان أن ترد فوجدها قد رجمت وذكر داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان يقول إذا ولدت المرأة لتسعة أشهر كفاها من الرضاع أحد وعشرون شهرا وإذا وضعت لسبعة أشهر كفاها من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرا وإذا وضعت لستة أشهر كفاها من الرضاع أربعة وعشرون شهرا كما قال تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا انتهى كلامه(1\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "264",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7471",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الله تعالى الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد الرعد 8 قال ابن عباس وما تغيض الأرحام ما تنقص عن تسعة أشهر وما تزداد وما تزيد عليها ووافقه على هذا أصحابه كمجاهد وسعيد ابن جبير وقال مجاهد أيضا إذا حاضت المرأة على ولدها كان ذلك نقصانا من الولد وما تزداد قال إذا زادت على تسعة أشهر كان ذلك تماما لما نقص من ولدها وقال أيضا الغيض ما رأت الحامل من الدم في حملها وهو نقصان من الولد والزيادة ما زاد على التسمة أشهر وهو تمام النقصان وقال الحسن ما تغيض الأرحام ما كان من سقط وما تزداد المرأة تلد لعشرة أشهر وقال عكرمة تغيض الأرحام الحيض بعد الحمل فكل يوم رأت فيه الدم حاملا ازداد به في الأيام طاهرا فما حاضت يوما إلا ازدادت في الحمل يوما وقال قتادة الغيض السقط وما تزداد فوق التسعة أشهر وقال سعيد بن جبير إذا رأت المرأة الدم على الحمل فهو الغيض للولد فهو نقصان في غذاء الولد وزيادة في الحمل تغيض وتزداد فعلان متعديان مفعولهما محذوف وهو العائد على ما الموصولة والغيض النقصان ومنه وغيض الماء (هود 44) وضده الزياده(1\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "265",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7472",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتحقيق في معنى الآية أنه يعلم مدة الحمل وما يعرض فيها من الزيادة والنقصان فهو العالم بذلك دونكم كما هو العالم بما تحمل كل أنثى هل هو ذكر أو أنثى وهذا أحد أنواع الغيب التي لا يعلمها إلا الله كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله لا يعلم متى تجيء الساعة إلا الله ولا يعلم ما في غد إلا الله ولا يعلم متى يجيء الغيث إلا الله ولا يعلم ما في الأرحام إلا الله ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله فهو سبحانه المنفرد بعلم ما في الرحم وعلم وقت إقامته فيه وما يزيد من بدنه وما ينقص وما عدا هذا القول فهو من توابعه ولوازمه كالسقط والتام ورؤية الدم وانقطاعه والمقصود ذكر مدة إقامة الحمل في البطن وما يتصل بها من زيادة ونقصان فصل وأما أقصاها فقال ابن المنذر اختلف أهل العلم في ذلك فقالت طائفة أقصى مدته سنتان وروي هذا القول عن عائشة وروي عن الضحاك(1\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "266",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7473",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهرم بن حيان أن كل واحد منهما أقام في بطن أمه سنتين وهذا قول سفيان الثوري وفيه قول ثان وهو أن مدة الحمل قد تكون ثلاث سنين روينا عن الليث بن سعد أنه قال حملت مولاة لعمر بن عبد الله ثلاث سنين وفيه قول ثالث أن أقصى مدته أربع سنين هكذا قال الشافعي رحمه الله قلت وعن الإمام أحمد رحمه الله روايتان أنه أربع سنين والثانية سنتان قال واختلف فيه عن مالك فالمشهور عنه عند أصحابه مثل ما قال الشافعي وحكى ابن الماجشون عنه ذلك ثم رجع لما بلغه قصة المرأة التي وضعت لخمس سنين وفيه قول آخر أن مدة الحمل قد تكون خمس سنين حكي عن عباد بن العوام أنه قال ولدت امرأة معنا في الدار لخمس سنين قال فولدته وشعره يضرب إلى ها هنا وأشار إلى العنق قال ومر به طير فقال هش وقد حكي عن ابن عجلان أن امرأته كانت تحمل خمس سنين وفيه قول خامس قال الزهري أن المرأة تحمل ست سنين وسبع سنين فيكون ولدها مخشوشا في بطنها قال وقد أتى سعيد بن مالك بامرأة حملت سبع سنين وقالت فرقة لا يجوز في هذا الباب التحديد والتوقيت بالرأي لأنا(1\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "267",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7474",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجدنا لأدنى الحمل أصلا في تأويل الكتاب وهو الأشهر الستة فنحن نقول بهذا ونتبعه ولم نجد لآخره وقتا وهذا قول أبي عبيد ودفع بهذا حديث عائشة وقال المرأة التي روته عنها مجهولة وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن المرأة إذا جاءت بولد لأقل من ستة أشهر من يوم تزوجها الرجل أن الولد غير لا حق به فان جاءت به لستة أشهر من يوم نكحها فالولد له وهذا وأمثاله يدل على أن الطبيعة التي هي منتهى سير الطبائعيين لها رب قاهر قادر يتصرف فيها بمشيئته وينوع فيها خلقه كما يشاء ليدل من له عقل على وجوده ووحدانيته وصفات كماله ونعوت جلاله وإلا فمن أين في الطبيعة المجردة هذا الاختلاف العظيم والتباين الشديد ومن أين في الطبيعة خلق هذا النوع الإنساني على أربعة أضرب أحدهما لا من ذكر ولا من أنثى كآدم صلى الله عليه وسلم الثاني من ذكر بلا أنثى كحواء صلوات الله عليها الثالث من أنثى بلا ذكر كالمسيح صلى الله عليه وسلم الرابع من ذكر وأنثى كسائر النوع ومن أين في الطبيعة والقوة هذا التركيب والتقدير والتشكيل وهذه الأعضاء والرباطات والقوى والمنافذ والعجائب التي ركبت في هذه النطفة المهينة لولا بدائع صنع الله ما وجدت تلك العجائب في مستقذر الماء يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك(1\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "268",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7475",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الانفطار 6  8 إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم آل عمران 5 و 6 لقد دل سبحانه على نفسه أوضح دلالة بما أشهده كل عبد على نفسه من حاله وحدوثه وإتقان صنعه وعجائب خلقه وآيات قدرته وشواهد حكمته فيه ولقد دعا سبحانه الإنسان إلى النظر في مبدإ خلقه وتمامه فقال تعالى فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب الطارق 6  7 وقال يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا الحج 5 وقال تعالى وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون الذاريات 20  21 وهذا في القرآن كثير لمن تدبره وعقله وهو شاهد منك عليك فمن أين للطبيعة والقوة المحصورة هذا الخلق والإتقان والإبداع وتفصيل تلك العظام وشد بعضها ببعض على اختلاف أشكالها ومقاديرها ومنافعها وصفاتها ومن جعل في النطفة(1\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "269",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7476",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تلك العروق واللحم والعصب ومن فتح لها تلك الأبواب والمنافذ ومن شق سمعها وبصرها ومن ركب فيها لسانا تنطق به وعينين تبصر بهما وأذنين تسمع بهما وشفتين ومن أودع فيها الصدر وما حواه من المنافع والآلات التي لو شاهدتها لرأيت العجائب ومن جعل هناك حوضا وخزانة يجتمع فيها الطعام والشراب وساق إليه مجاري وطرقا ينفذ فيها فيسقي جميع أجزاء البدن كل جزء يشرب من مجراه الذي يختص به لا يتعداه قد علم كل أناس مشربهم البقرة 60 ومن أخذ منها تلك القوى التي بها تمت مصالحها ومنافعها ومن أودع فيها العلوم الدقيقة والصنائع العجيبة وعلمها ما لم تكن تعلم وألهمها فجورها وتقواها ونقلها في أطوار التخليق طورا بعد طور وطبقا بعد طبق إلى أن صارت شخصا حيا ناطقا سميعا بصيرا عالما متكلما آمرا ناهيا مسلطا على طير السماء وحيتان الماء ووحوش الفلوات عالما بما لا يعلمه غيره من المخلوقات قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره عبس 22 - 15 فصل  وقد زعم طائفة ممن تكلم في خلق الإنسان أنه إنما يعطى السمع والبصر بعد ولادته وخروجه من بطن أمه واحتج بقوله تعالى والله أخرجكم(1\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "270",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7477",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) النحل 77 واحتج أنه في بطن الأم لا يرى شيئا ولا يسمع صوتا فلم يكن لإعطائه السمع والبصر هناك فائدة وليس ما قاله صحيحا ولا حجة له في الآية لأن الواو لا ترتيب فيها بل الآية حجة عليه فإن فؤاده مخلوق وهو في بطن أمه وقد تقدم حديث حذيفة بن أسيد والصحيح إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وهذا وإن كان المراد به العين والأذن فالقوة السامعة والباصرة مودوعة فيها وأما الإدراك بالفعل فهو موقوف على زوال الحجاب المانع منه فلما زال بالخروج من البطن عمل المقتضى عمله والله أعلم فصل  في ذكر أحوال الجنين بعد تحريكه وانقلابه عند تمام نصف السنة يعرض للجنين في هذا الوقت أن يهتك غشاؤه والحجب التي عليه وأن ينتقل عن مكانه نحو فم الرحم فإن كان الجنين قويا وكانت أغشيته التي تغشيه وسرته أضعف تم الولاد وإن كان الجنين ضعيفا وأغشيته وسرته أقوى فإما أن يهتكها بعض الهتك ولا يولد فيبقى مريضا أربعين يوما إلى تمام آخر الشهر الثامن(1\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "271",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7478",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن ولد في هذه الأربعين يوما مات ولم يمكن تربيته ولا بقاؤه وإن هو هتك أغشيته كل الهتك حتى يمكن تلافي ذلك ولم يولد مات فإن لم يسقط والا قتل الحامل به وإن تهتك أغشيته هتكا يمكن تلافيه بقي ولم يمت ومكث في موضعه الذي تحرك نحوه وانقلب إليه عند فم الفرج وإنما يعرض لهم المرض في هذه الأربعين يوما إذا لم يولدوا بعد تحركهم لأنهم ينقلبون عن مكانهم الذي نشؤوا فيه وتتغير مواضعهم وانخلاع السرة بانتقاله ولأن أمهاتهم يعرض لهن أن يمرضن عند ذلك لتمدد الأغشية وانخلاع السرة المتصلة بالرحم منهن ولأن الجنين إذا انحل رباطه ثقل على أمه فصل  في سبب الشبه للأبوين أو أحدهما وسبب الإذكار والإيناث وهل لهما علامة وقت الحمل أم لا  تقدم ذكر قوله تعالى هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء آل عمران 6 وثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن أم سليم سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل فقال صلى الله عليه وسلم إذا رأت المرأة ذلك فلتغتسل فقال أم سليم واستحيت من ذلك وهل يكون(1\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "272",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7479",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم نعم فمن أين يكون الشبه ماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه وفي صحيح مسلم عن عائشة أن المرأة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم هل تغتسل المرأة إذا حملت فأبصرت الماء فقال نعم فقالت لها عائشة تربت يداك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعيها وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه وفي صحيح مسلم عن ثوبان قال كنت قائما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء حبر من أحبار اليهود فقال السلام عليك يا محمد فدفعته دفعة كاد يصرع منها فقال لم تدفعني فقلت ألا تقول يا رسول الله فقال اليهودي إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمي محمد الذي سماني به أهلي فقال اليهودي جئت أسألك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أينفعك شبى إن حدثتك فقال أسمع بأذني(1\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "273",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7480",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فنكت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود معه فقال سل فقال اليهودي أين يكون الناس حين تبدل الأرض غير الأرض والسماوات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هم في الظلمة دون الجسر فقال فمن أول الناس إجازة يوم القيامة قال فقراء المهاجرين قال اليهودي فما تحفتهم حين يدخلون الجنة قال زيادة كبد النون قال فما غذاؤهم على إثرها قال ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها قال فما شرابهم عليه قال عينا فيها تسمى سلسبيلا قال صدقت قال أردت أن أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان قال ينفعك إن حدثتك قال أسمع بأذني قال جئت أسألك عن الولد قال ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكر بإذن الله وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله تعالى فقال اليهودي لقد صدقت وإنك لنبي ثم انصرف فذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد سألني عن الذي سألني عنه ومالي علم بشيء منه حتى أتاني الله عز وجل به وفي مسند الإمام أحمد من حديث القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه(1\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "274",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7481",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن عبد الله هو ابن مسعود قال مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث أصحابه فقال رجل من قريش يا يهودي إن هذا يزعم أنه نبي فقال لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي فجاء حتى جلس ثم قال يا محمد مم يخلق الإنسان قال يا يهودي من كل يخلق من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة فأما نطفة الرجل فنطفة غليظة منها العظم والعصب وأما نطفة المرأة نطفة المرأة فنطفة رقيقة منها اللحم والدم فقام اليهودي فقال هكذا كان يقول من قبلك فتضمنت هذه الأحاديث أمورا أحدها أن الجنين يخلق من ماء الرجل وماء المرأة خلافا لمن يزعم من الطبائعيين أنه إنما يخلق من ماء الرجل وحده وقد قال تعالى فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب الطارق 7 - 5 قال الزجاج قال أهل اللغة التربية موضع القلادة من الصدر والجمع ترائب وقال أبو عبيدة الترائب معلق الحلي من الصدر وهو قول جميع أهل اللغة وقال عطاء عن ابن عباس يريد صلب الرجل وترائب المرأة وهو موضع قلادتها(1\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "275",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7482",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا قول الكلبي ومقاتل وسفيان وجمهور أهل التفسير وهو المطابق لهذه الأحاديث وبذلك أجرى الله العادة في أيجاد ما يوجده من بين أصلين كالحيوان والنبات وغيرهما من المخلوقات فالحيوان ينعقد من ماء الذكر وماء الأنثى كما ينعقد النبات من الماء والتراب والهواء ولهذا قال الله تعالى بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة الأنعام 1: 1 فإن الولد لا يتكون إلا من بين الذكر وصاحبته ولا ينتقض هذا بآدم وحواء أبوينا ولا بالمسيح فإن الله سبحانه مزج تراب آدم بالماء حتى صار طينا ثم أرسل عليه الهواء والشمس حتى صار كالفخار ثم نفخ فيه الروح وكانت حواء مستلة منه وجزءا من أجزائه والمسيح خلق من ماء مريم ونفخة الملك وكانت النفخة له كالأب لغيره فصل  الأمر الثاني إن سبق أحد المائين سبب لشبه السابق ماؤه وعلو أحدهما سبب لمجانسة الولد للعالي ماؤه فها هنا أمران سبق وعلو وقد يتفقان وقد يفترقان فإن سبق ماء الرجل ماء المرأة وعلاه كان الولد ذكرا والشبه للرجل وإن سبق ماء المرأة وعلا ماء الرجل كانت أنثى والشبه للأم وإن سبق أحدهما وعلا الآخر كان الشبه للسابق ماؤه والإذكار والإيناث لمن علا ماؤه(1\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "276",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7483",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويشكل على هذا أمران أحدهما أن الإذكار والإيناث ليس له سبب طبيعي وإنما هو مستند إلى مشيئة الخالق سبحانه ولهذا قال في الحديث الصحيح فيقول الملك يا رب أذكر أم أنثى فما الرزق فما الأجل شقي أم سعيد فيقضي الله ما يشاء ويكتب الملك فكون الولد ذكر أو أنثى مستند إلى تقدير الخلاق العليم كالشقاوة والسعادة والرزق والأجل وأما حديث ثوبان فانفرد به مسلم وحده والذي في صحيح البخاري إنما هو الشبه وسببه علو ماء أحدهما أو سبقه ولهذا قال فمن أيهما علاأو سبق يكون الشبه له الأمر الثاني أن القافة مبناها على شبه الواطئ لا على شبه الأم ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في ولد الملاعنة انظروها فإن جاءت به على نعت كذا وكذا فهو لشريك بن السمحاء يعني الذي رميت به وإن جاءت به على نعت كذا وكذا فهو لهلال بن أمية فاعتبر شبه الواطئ ولم يعتبر شبه الأم ويجاب عن هذين الإشكالين أما الأول فإن الله سبحانه قدر ما قدره من أمر النطفة من حين وضعها في الرحم إلى آخر أحوالها بأسباب قدرها حتى الشقاوة والسعادة(1\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "277",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7484",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والرزق والأجل والمصيبة كل ذلك بأسباب قدرها ولا ينكر أن يكون للإذكار والإيناث أسباب كما للشبه أسباب لكون السبب غير موجب لمسببه بل إذا شاء الله جعل فيه اقتضاءه وإذا شاء سلبه اقتضاءه وإذا شاء رتب عليه ضد ما هو سبب له وهو سبحانه يفعل هذا تارة وهذا تارة وهذا تارة فالموجب مشيئة الله وحده فالسبب متصرف فيه لا متصرف محكوم عليه لا حاكم مدبر ولا مدبر فلا تضاد بين قيام سبب الإذكار والإيناث وسؤال الملك ربه تعالى أي الأمرين يحدثه في الجنين ولهذا أخبر سبحانه أن الإذكار والإيناث وجمعهما هبة محضه منه سبحانه راجع إلى مشيئه وعلمه وقدرته فإن قيل فقول الملك يا رب أذكر أم أنثى مثل قوله ما الرزق وما الأجل وهذا لا يستند إلى سبب من الواطئ وإن كان يحصل بأسباب غير ذلك قيل نعم لا يستند الإذكار والإيناث إلى سبب موجب من الوطء وغاية ما هناك أن ينعقد جزء من أجزاء السبب تمام السبب من أمور خارجة عن الزوجين ويكفي في ذلك أنه إن لم يأذن الله باقتضاء السبب لمسببه لم يترتب عليه فاستناد الإذكار والإيناث إلى مشيئته سبحانه لا ينافي حصول السبب وكونهما بسبب لا ينافي استنادهما إلى المشيئة ولا يوجب الاكتفاء بالسبب وحده(1\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "278",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7485",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما تفرد مسلم بحديث ثوبان فهو كذلك والحديث صحيح لا مطعن فيه ولكن في القلب من ذكر الإيناث والإذكار فيه شيء هل حفظت هذه اللفظة أو هي غير محفوظة والمذكور إنما هو الشبه كما ذكر في سائر الأحاديث المتفق على صحتها فهذا موضع نظر كما ترى والله أعلم فصل  وأما الأمر الثالث وهو اعتبار القائف لشبه الأب دون الأم فذلك لأن كون الولد من الأم أمر محقق لا يعرض فيه اشتباه سواء أشبهها أو لم يشبهها وإنما يحتاج إلى القافة في دعوى الآباء ولهذا يلحق بأبوين عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر فقهاء الحديث ولا يلحق بأمين فإذا ادعاه أبوان أري القافة فألحق بمن كان الشبه له إذا لم يكن ثم فراش فإن كان هناك فراش لم يلتفت إلى مخالفة الشبه له فالشبه دليل عند عدم معارضة ما هو أقوى منه من الفراش والبينة نعم لو ادعاه امرأتان أري القافة فألحق بمن كان أشبه بها منهما فعملنا بالشبه في الموضعين ونص الأمام أحمد على اعتبار القافة في حق المرأتين فسئل عن يهودية ومسلمة ولدتا فادعت اليهودية ولد المسلمة فقيل له يكون في هذه القافة قال ما أحسنه وهذا أصح الوجهين للشافعية(1\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "279",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7486",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالوا في الوجه الآخر لا تعتبر القافة ها هنا لإمكان معرفة الأم يقينا بخلاف الاب والصحيح اعتبار القافة في حق المرأتين لأنه اعتبار لشبه الأم والولد يأخذ الشبه من الأم تارة ومن الأب تارة بدليل ما ذكرنا من حديث عائشة وأم سلمة وعبد الله بن سلام وأنس بن مالك وثوبان رضي الله عنهم وإمكان معرفة الأم يقينا لا يمنع اعتبار القافة عند عدم اليقين كما نتعبرها بالشبه إلى الرجلين عند عدم الفراش وقد روى سليمان بن حرب عن حماد عن هشام بن حسان عن محمد ابن سيرين قال حج بنا الوليد ونحن سبعة ولد سيرين فمر بنا إلى المدينة فلما دخلنا على زيد بن ثابت رضي الله عنه قيل له هؤلاء بنو سيرين قال فقال زيد هذان لأم وهذان لأم وهذان لأم فما أخطأ وقد قال بقراط في كتاب الأجنة وإذا كان مني الرجل أكثر من مني المرأة أشبه الطفل أباه وإذا كان مني المرأة أكثر من مني الرجل أشبه الطفل أمه وقال المني ينزل من أعضاء البدن كلها ويجري من الصحيحة صحيحا ومن السقيمة سقيما وقال إن الصلع يلدون صلعا والشهل يلدون شهلا والحول حولا وقال أما اللحم فإنه يربو ويزداد مع اللحم ويخلق فيه مفاصل ويكون كل شيء من الجنين شبيها بما يخرج منه وقال قد يتولد مرارا كثيرة من العميان ومن به شامة أو أثر ومن به علامات أخر ممن(1\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "280",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7487",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به علامة مثلها وكثيرا ما يولد أبناء يشبهون أجدادهم أو يشبهون آباءهم وقال الذكور في الأكثر يشبهون آباءهم والإناث يشبهن أمهاتهن فصل  وقد يكون قبح المولود وحسنه من أسباب أخر منها أن أفكار الوالدين وخاصة الوالدة إذا جالت عند المباضعة وبعدها إلى وقت خلق الجنين في الأشخاص التي تشاهدها وتعاينها وتتذكرها وتشتاقها لأنها تحبها وتودها فإذا دامت الفكرة فيه والأشتياق إليه أشبه الجنين وتصور بصورته فإن الطبيعة نقالة واستعدادها وقبولها أمر يعرفه كل أحد وحدثني رئيس الأطباء بالقاهرة قال أجلست ابن أخي يكحل الناس فما مكث إلا يسيرا حتى جاء وبه رمد فلما برأ منه عاد فعاوده الرمد فعلمت أنه من فتح عينيه في أعين الرمد والطبيعة نقالة وقد ذكر الأطباء أن إدمان الحامل على أكل السفرجل والتفاح مما يحسن وجه المولود ويصفي لونه وكرهوا للحامل رؤية الصور الشنيعة والألوان الكمدة والبيوت الوحشة الضيقة وأن ذلك كله يؤثر في الجنين فصل  وقال بقراط في كتاب الأجنة إذا حصل مني الرجل داخل الرحم(1\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "281",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7488",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عند الجماع ولم يسل إلى خارج ولكنه مكث في فم الرحم وانضم فمه علقت المرأة وإذا انضم فم الرحم اختلط المنيان في جوفه وتم الحبل فإذا توافق إنزال الرجل وإنزال المرأة في وقت واحد واختلط الماءان وثبتا في الرحم واشتمل عليهما وانضم علقت المرأة وتدبير ذلك يكون في ثلاثة أوقات قبل المباضعة ومعها وبعدها بإعداد الرحم لقبول النطفة ومعها بإيصال النطفة إلى مستقرها في الرحم واتفاق الإنزالين وبعدها بثبات النطفة في الرحم وإمساكه عليها وحفظها من الخروج والفساد قلت السبب المذكور غير موجب وإنما الموجب مشيئة الله وحده كما بينا والله أعلم فصل  وإذا تكون الجنين وصوره الخالق البارىء المصور خلق ورأسه إلى فوق ورجلاه إلى أسفل فعندما يأذن الله بخروجه ينقلب ويصير رأسه إلى أسفل فيتقدم رأسه سائر بدنه هذا باتفاق من الأطباء والمشرحين وهذا من تمام العناية الإلهية بالجنين وأمه لأن رأسه إذا خرج أولا كان خروج سائر بدنه أسهل من غير أن يحتاج شيء منها إلى أن ينثني فإن الجنين لو خرجت رجلاه أولا لم يؤمن أن ينشب في الرحم عند يديه وإن خرجت رجله الواحدة لم يؤمن أن يعلق وينشب في الرحم عند إدراكه وإن خرجت اليدان لم يؤمن أن ينشب عند رأسه إما أنه يلتوي إلى خلف وإما(1\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "282",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7489",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأن السرة تلتوي إلى عنقه أو كتفه لأن الجنين إذا انحدر فصار إلى موضع فيه السرة ممتدة التوت هناك على عنقه وكتفه فيعرض من ذلك إما أن يجاذب السرة فتألم الأم غاية الألم ثم إن الجنين إما أن يموت وإما أن يصعب خروجه ويخرج وهو عليل متورم فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن ينقلب في البطن فيخرج رأسه أولا ثم يتبع الرأس باقي البدن فصل  في السبب الذي لأجله لا يعيش الولد إذا ولد لثمانية أشهر ويعيش إذا ولد لسبعة أشهر وتسعة وعشرة  إذا أتم الجنين سبعة أشهر عرض له حركة قوية يتحركها بالطبع للانقلاب والخروج فإن كان الجنين قويا من الأطفال الذين لهم بالطبع قوة شديدة في تركيبهم وجبلتهم حتى يقدر بحركته على أن يهتك ما يحيط به من الأغشية المحيطة به المتصلة بالرحم حتى ينفذ ويخرج منها خرج في الشهر السابع وهو قوي صحيح سليم لم تؤلمه الحركة ولم يمرضه الانقلاب وإن كان ضعيقا عن ذلك فهو إما أن يعطب بسب ما يناله من الضرر والألم بالحركة للانقلاب فيخرج ميتا وإما أن يبقى في البطن فيمرض ويلبث في مرضه نحوا من أربعين يوما حتى يبرأ وينتعش ويقوى فإذا ولد في حدود الشهر الثامن ولد وهو مريض لم يتخلص من ألمه فيعطب ولا يسلم ولا يتربى(1\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "283",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7490",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن لبث في الرحم حتى يجوز هذه الأربعين يوما إلى الشهر التاسع وقوي وصح وانتعش وبعد عهده بالمرض كان حريا أن يسلم وأولاهم بأن يسلم أطولهم بعد الانقلاب لبثا في الرحم وهم المولودون في الشهر العاشر وأما من ولد بين العاشر والتاسع فحالهم في ذلك بحسب القرب والبعد وقال غيره العلة في أنه لا يمكن أن يعيش المولود لثمانية أشهر أنه يتوالى عليه ضربان من الضرر أحدهما انقلابه في الشهر السابع في جوف الرحم للولادة والثاني تغير الحال عليه بين مكانه في الرحم وبين مكانه في الهواء وإن كان قد يعرض ذلك التغيير لجميع الأجنة لكن المولود لسبعة أشهر ينجو من الرحم قبل أن يناله الضرر الذي من داخل بعقب الانقلاب والأمراض التي تعرض في جوف الرحم فالمولود لسبعة أشهر وعشرة أشهر يلبث في الرحم حتى يبرأ وينجو من تلك الأمراض فليس يتوالى عليه الضرران معا والمولود لثمانية أشهر يتوالى عليه الضرران معا وكذلك لا يمكن أن يعيش وجميع الأجنة في الشهر الثامن يعرض لهم المرض ويدلك على ذلك أنك تجد جميع الحوامل والحبالى في الشهر الثامن أسوأ حالا وأثقل منهن في مدة الشهور التي قبل هذا الشهر وبعده وأحوال الأمهات متصلة بأحوال الأجنة(1\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "284",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7491",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل  وبكاء الطفل ساعة ولادته يدل على صحته وقوته وشدته وإذا وضع الطفل يده أو إبهامه أو إصبعه على عضو من أعضائه فهو دليل على ألم ذلك العضو وكل الحيوان بالطبع يشير إلى ما يؤلمه من بدنه إما بيده أو بفمه أو برأسه أو بذنبه فلما كان الطفل عادما للنطق أشار بأصبعه أو يده إلى موضع ألمه كالحيوان البهيم فصل  في أن الأطفال وهم حمل في الرحم أقوى منهم بعد ولادهم وأصبر وأشد احتمالا لما يعرض لهم وكذلك تكون العناية بهم بعد ولادهم آكد والحذر عليهم أشد فإن أغصان الشجرة وفروعها ما دامت لاصقة بالشجرة ومتصلة بها لا تكاد الرياح العواصف تزعزعها ولا تقتلعها فإذا فصلت عنها وغرست في مواضع أخر نالتها الآفة ووصلت إليها بأدنى ريح تهب حتى تقتلعها وكذلك الجنين ما دام في الرحم فهو يقوى ويصبر على ما يعرض له ويناله من سوء التدبير والأذى على ما لا يصبر على اليسير منه بعد ولادته وانفصاله عن الرحم وكذلك الثمرة على الشجرة أقوى منها وأثبت بعد قطعها منها(1\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "285",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7492",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولما كان مفارقة كل معتاد ومألوف بالانتقال عنه شديدا على من رامه ولا سيما إذا كان الانتقال دفعة واحدة فالجنين عند مفارقته للرحم ينتقل عما قد ألفه واعتاده في جميع أحواله دفعة واحدة وشدة ذلك الانتقال عليه أكثر من شدة الانتقال بالتدريج ولذلك قال بقراط قد يعلم بأهون سعي وأيسره أن التدبير الرديء من المطعم والمشرب إذا كان يجري مع رداءته على أمر واحد يشبه بعضه بعضا دائما فهو أوثق وأحرز وأبعد عن الخطر في التماس الصحة للأبدان من أن ينقل الرجل تدبيره دفعة واحدة إلى غذاء أفضل منه فالجنين ينتقل عما ألفه واعتاده في غذائه وتنفسه ومداخله وما يكتنفه وهلة واحدة وهذه أول شدة يلقاها في الدنيا ثم تتوافر عليها الشدائد حتى يكون آخرها الشدة العظمى التي لا شدة فوقها أو الراحة العظمى التي لا تعب دونها ولذلك لا يبكي عند ورود هذه الشدة عليه مع ما يلقاه من وكز الشيطان وطعنه في خاصرته فصل  والجنين في الرحم كان يغتذي بما يلائمه وكان يجتذب بالطبع المقدار الذي يلائمه من دم أمه وبعد خروجه يجتذب من اللبن ما يلائمه أيضا لكنه يجتذب بشهوته وإرادته فيزيد على مقدار ما يحتاج إليه مع كون اللبن(1\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "286",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7493",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكون رديئا ومعلولا كما يكون صحيحا وكذلك يعرض له القيء والغثيان ويجتذب أخلاط بدنه وتعرض له الآلام والأوجاع والآفات التي لم تعرض له في البطن وقد كان عليه من الأغشية والحجب ما يمنع وصول الأذى اليه فلما ولد هيىء له أغشية وحجب أخر لم يكن يألفها ويعتادها وربما صحى للحر والبرد والهواء وكان يجتذبه من سرته وهو ألطف شيء معتدل صحيح قد يصح قلب الأم وعروقها الضوارب فهو شبيه بما يجتذبه من هو داخل الحمام من الهواء اللطيف المعتدل ثم يخرج منه وهلة واحدة عريانا إلى الهواء العاصف المؤذي وبالجملة فقد انتقل عن مألوفه وما اعتاده وهلة واحدة إلى ما هو أشد عليه منه وأصعب وهذا من تمام حكمة الخلاق العليم ليمرن عبده على مفارقة عوائده ومألوفاته إلى ما هو أفضل منها وأنفع وأوفق له وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله لتركبن طبقا عن طبق الانشقاق 19 أي حالا بعد حال فأول أطباقة كونه نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم جنينا ثم مولودا ثم رضيعا ثم فطميا ثم صحيحا أو مريضا غنيا أو فقيرا معافى أو مبتلى إلى جميع أحوال الإنسان المختلفة عليه إلى أن يموت ثم يبعث ثم يوقف بين يدي الله تعالى ثم يصير إلى الجنة أو النار فالمعنى لتركبن حالا بعد حال ومنزلا بعد منزل وأمرا بعد أمر(1\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "287",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7494",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال سعيد بن جبير وابن زيد لتكونن في الآخرة بعد الأولى ولتصيرن أغنياء بعد الفقر وفقراء بعد الغنى وقال عطاء شدة بعد شدة والطبق والطبقة الحال ولهذا يقال كان فلان على طبقات شتى قال عمرو بن العاص لقد كنت على طبقات ثلاث أي أحوال ثلاث قال ابن الأعرابي الطبق الحال على اختلافها وقد ذكرنا بعض أطباق الجنين في البطن من حين كونه نطفة إلى وقت ولاده ثم نذكر أطباقه بعد ولادته إلى آخرها فنقول الجنين في الرحم بمنزلة الثمرة على الشجرة في اتصالها بمحلها اتصالا قويا فإذا بلغت الغاية لم يبق إلا انفصالها لثقلها وكمالها وانقطاع العروق الممسكة لها فكذا الجنين تنهك عنه تلك الأغشية وتنفصل العروق التي تمسكه بين المشيمة والرحم وتصير تلك الرطوبات المزلفة فتعينه بإزلاقها وثقله وانتهاك الحجب وانفصال العروق على الخروج فينفتح الرحم انفتاحا عظيما جدا ولا بد من انفصال بعض المفاصل العظيمة ثم تلتئم في أسرع زمان وقد اعترف بذلك حذاق الأطباق والمشرحين وقالوا لا يتم ذلك إلا بعناية إلهية وتدبير يعجز عقول الناس عن إدراك كيفيته فتبارك الله أحسن الخالقين(1\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "288",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7495",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا انفصل الجنين بكى ساعة انفصاله لسبب طبيعي وهو مفارقة إلفه ومكانه الذي كان فيه وسبب منفصل عنه وهو طعن الشيطان في خاصرته فإذا انفصل وتم انفصاله مد يده إلى فيه فإذا تم له أربعون يوما تجد له أمر آخر على نحو ما كان يتجدد له وهو في الرحم فيضحك عند الأربعين وذلك أول ما يعقل نفسه فإذا تم له شهران رأى المنامات ثم ينشأ معه التمييز والعقل على التدريج شيئا فشيئا إلى سن التمييز وليس له سن معين بل من الناس ما يميز لخمس كما قال محمود بن الربيع عقلت من النبي صلى الله عليه وسلم مجة مجها في وجهي من دلو في بئرهم وأنا ابن خمس سنين ولذلك جعلت الخمس سنين حدا لحدة سماع الصبي وبعضهم يميز لأقل منها ويذكر أمورا جرت له وهو دون الخمس سنين وقد ذكرنا عن إياس بن معاوية أنه قال اذكر يوم ولدتني أمي فإني خرجت من ظلمة إلى ضوء ثم صرت إلى ظلمة فسئلت أمه عن ذلك فقالت صدق لما انفصل مني لم يكن عندي ما ألفه به فوضعت عليه قصعة وهذا من أعجب الإشياء وأندرها فإذا صار له سبع سنين دخل في سن التمييز وأمر بالصلاة كما في المسند والسنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال(1\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "289",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7496",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين وأضربوهم عليها لعشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع وقد خير النبي صلى الله عليه وسلم ابنة فطيما بين أبويها كما روى أبو داود في سننه من حديث عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن رافع بن سنان الأنصاري قال أخبرني أبي عن جدي رافع بن سنان أنه أسلم فأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ابنتي وهي فطيم أو شبهه وقال نافع ابنتي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقعد ناحية وقال لها اقعدي ناحية فأقعد الصبية بينهما ثم قال ادعواها فمالت إلى أمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم اهدها فمالت إلى أبيها فأخذها ولا أحسن من هذا الحكم ولا أقرب إلى النظر والعدل وعند النسائي في رواية عن عبد الحميد بن جعفر الأنصاري عن أبيه أن جده أسلم وأبت امرأته أن تسلم فجاء بابن له صغير ولم يبلغ فأجلس النبي صلى الله عليه وسلم الأب هاهنا والأم ها هنا ثم خيره وقال اللهم اهده فذهب إلى أبيه(1\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "290",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7497",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي المسند من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير غلاما بين أبيه وأمه وأما تقيد وقت التخيير بسبع فليس في الأحاديث المرفوعة اعتباره وإنما ذكر فيه أثر عن علي وأبي هريرة قال عمارة الجرمي خيرني علي بين أمي وعمي وكنت ابن سبع سنين أو ثمان سنين وهذا لا يدل على أن من دون ذلك لا يخير بل اتفق أن ذلك الغلام المخير كان سنه ذلك وفي السنن من حديث أبي هريرة جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة وقد نفعني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيدأيهما شئت فأخذ بيد أمه فانطلقت به ولم يسأل عن سنه وظاهر أمره أن غاية ما وصل إليه أنه سقاها من البئر فليس في أحاديث التخيير مرفوعها وموقوفها تقييد بالسبع والذي دلت عليه أنه متى ميز بين أبيه وأمه خير بينهما والله أعلم وكذلك صحة إسلامه لا تتوقف على السبع بل متى عقل الإسلام(1\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "291",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7498",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ووصفه صح إسلامه واشترط الخرقي أن يكون ابن عشر سنين وقد نص أحمد على ذلك في الوصية فإنه قال في رواية ابنيه صالح وعبد الله وعمه أبي طالب وإسحاق بن ابراهيم وأبي داود وابن منصور على اشتراط العشر سنين لصحة وصيته وقال له أبو طالب فإن كان دون العشرة قال لا واحتج في رواية إسحاق بن ابراهيم بأنه يضرب على الصلاة لعشر وأما إسلامه فقال في المغنى أكثر المصححين لإسلامه لم يشترطوا العشر ولم يحدوا له حدا وحكاه ابن المنذر عن أحمد لأن المقصود حصل لا حاجة الى زيادة عليه وروي عن أحمد إذا كان ابن سبع سنين فإسلامه إسلام لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال مروهم بالصلاة لسبع فدل على أن ذلك حد لأمرهم وصحة عباداتهم فيكون حدا لصحة إسلامهم وقال ابن أبي شيبة إذا أسلم وهو ابن خمس سنين جعل إسلامه إسلاما لأن عليا أسلم وهو ابن خمس سنين وقال أبو أيوب أجيز إسلام ابن ثلاث سنين من أصاب الحق من صغيرأو كبير أجزناه وهذا لايكاد يعقل الإسلام ولا يدري ما يقول ولا يثبت لقوله حكم فإن وجد ذلك منه ودلت أقواله وأفعاله على معرفة الإسلام وعقاله إياه صح منه كغيره انتهى كلامه فقد صرح الشيخ بصحة إسلام ابن ثلاث سنين إذا عقل الإسلام(1\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "292",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7499",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد قال الميموني قلت لأبي عبد الله الغلام يسلم وهو ابن عشر سنين ولم يبلغ الحنث قال أقبل إسلامه قلت بأي شيء تحتج فيه قال أنا أضربه على الصلاة ابن عشر وأفرق بينهم في المضاجع وقال الفضل بن زيادة سألت أحمد عن الصبي النصراني يسلم كيف تصنع به قال إذا بلغ عشرا أجبرته على الإسلام لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال علموا أولادكم الصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر فهذه رواية وعنه رواية أخرى يصح إسلام ابن سبع سنين قال أبو الحارث قيل لأبي عبد الله إن غلاما صغيرا أقر بالإسلام وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وصلى وهو صغير لم يدرك ثم رجع عن الإسلام يجوز إسلامه وهو صغير قال نعم إذا أتى له سبع سنين ثم أسلم أجبر على الإسلام لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال علموهم الصلاة لسبع فكان حكم الصلاة قد وجب إذ أمر أن يعلموهم الصلاة لسبع وقال صالح قال أبي إذا بلغ اليهودي والنصراني سبع سنين ثم أسلم أجبر على الإسلام لأنه إذا بلغ سبعا أمر بالصلاة قلت وإن كان ابن ست قال لا فصل فإذا صار ابن عشر ازداد قوة وعقلا واحتمالا للعبادات فيضرب على ترك(1\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "293",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7500",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصلاة كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وهذا ضرب تأديب وتمرين وعند بلوغ العشر يتجدد له حال أخرى يقوى فيها تمييزه ومعرفته ولذلك ذهب كثير من الفقهاء إلى وجوب الإيمان عليه في هذا الحال وأنه يعاقب على تركه وهذا اختيار أبي الخطاب وغيره وهو قول قوي جدا وإن رفع عنه قلم التكليف بالفروع فإنه قد أعطي آلة معرفة الصانع والإقرار بتوحيده وصدق رسله وتمكن من نظر مثله واستدلاله كما هو متمكن من فهم العلوم والصنائع ومصالح دنياه فلا عذر له في الكفر بالله ورسوله مع أن أدلة الإيمان بالله ورسوله أظهر من كل علم وصناعة يتعلمها وقد قال تعالى وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ الأنعام 19 أي ومن بلغه القرآن فكل من بلغه القرآن وتمكن من فهمه فهو منذر به والأحاديث التي رويت في امتحان الأطفال والمعتوهين والهالك في الفترة إنما تدل على امتحان من لم يعقل الإسلام فهؤلاء يدلون بحجتهم أنهم لم تبلغهم الدعوة ولم يعقلوا الاسلام ومن فهم دقائق الصناعات والعلوم لا يمكنه أن يدلي على الله بهذه الحجة وعدم ترتيب الأحكام عليهم في الدنيا قبل البلوغ لا يدل على عدم ترتيبها عليهم في الآخرة وهذا القول هو المحكي عن أبي حنيفة وأصحابه وهو في غاية القوة(1\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "294",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7501",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل  ثم بعد العشر إلى سن البلوغ يسمى مراهقا ومناهزا للاحتلام فإذا بلغ خمس عشرة سنة عرض له حال آخر يحصل معه الاحتلام ونبات الشعر الخشن حول القبل وغلظ الصوت وانفراق أرنبة أنفه والذي اعتبره الشارع من ذلك أمران الاحتلام والإنبات أما الاحتلام فقال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات ثم قال وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم النور 59 وقال النبي صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ وقال لمعاذ خذ من كل حالم دينارا رواهما أحمد وأبو داود وليس لوقت الاحتلام سن معتاد بل من الصبيان من يحتلم لاثنتي عشرة سنة ومنهم من يأتي عليه خمس عشرة وست عشرة سنة وأكثر من ذلك ولا يحتلم واختلف الفقهاء في السن الذي يبلغ به مثل هذا فقال الأوزاعي وأحمد والشافعي وأبو يوسف ومحمد متى كمل خمس عشرة سنة حكم(1\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "295",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7502",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ببلوغه ولأصحاب مالك ثلاثة أقوال أحدها سبع عشرة والثاني ثماني عشرة والثالث خمس عشرة وهو المحكي عن مالك وعن أبي حنيفة روايتان إحداهما سبع عشرة والأخرى ثماني عشرة والجارية عند سبع عشرة وقال داود وأصحابه لا حد له بالسن إنما هو الاحتلام وهذا قول قوي وليس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السن حد البتة وغاية ما احتج به من قيده بخمس عشرة سنة بحديث ابن عمر حيث عرض على النبي صلى الله عليه وسلم في القتال وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه ثم عرض عليه وهو ابن خمس عشرة فأجازه وهذا الحديث وإن كان متفقا على صحته فلا دليل فيه على أنه أجازه لبلوغه بل لعله استصغره أولا ولم يره مطيقا للقتال فلما كان له خمس عشرة سنة رآه مطيقا للقتال فأجازه ولهذا لم يسأله هل احتملت أو لم تحتلم والله سبحانه إنما علق الأحكام بالاحتلام وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يأت عنه في السن حديث واحد سوى ما حكاه ابن عمر من إجازته ورده ولهذا اضطربت أقوال الفقهاء في السن الذي يحكم ببلوغ الصبي له وقد نص الإمام أحمد أن الصبي لا يكون محرما للمرأة حتى يحتلم فاشترط الاحتلام(1\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "296",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7503",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل  وأما الإنبات فهو نبات الشعر الخشن حول قبل الصبي والبنت ولا اعتبار بالزغب الضعيف وهذا مذهب أحمد ومالك وأحد قولي الشافعي وقال في الآخر هو علم في حق الكفار دون المسلمين لأن أولاد المسلمين يمكن معرفة بلوغهم بالبينة وقبول قول البالغ منهم بخلاف الكافر وقال أبو حنيفة لا اعتبار به بحال كما لا يعتبر غلظ الصوت وانفراق الأنف واحتج من جعله بلوغا بما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة فحكم بأن تقتل مقاتلهتم وتسبى ذراريهم وأمر بأن يكشف عن مؤتزرهم فمن أنبت فهو من المقاتلة ومن لم ينبت ألحق بالذرية قال عطية فشكوا في فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ينظروا الي هل أنبت بعد فنظروا في فلم يجدوني أنبت فالحقوني بالذرية واستمر على هذا عمل الصحابة رضي الله عنهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم فكتب عمر الى عامله أن لا تأخذ الجزية الا ممن جرت عليه الموسى وذكر البيهقي من حديث ابن علية عن اسماعيل بن أمية عن محمد بن يحيى بن حبان أن عمر رفع اليه غلام ابتهر جارية في شعره فقال انظروا اليه فلم يوجد أنبت فدرأ عنه الحد قال أبو عبيد والابتهار أن يقذفها بنفسه ويقول فعلت بها كاذبا وذكر عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه أتي بغلام قد سرق فقال(1\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "297",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7504",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "انظروا الى مؤتزره فنظروا فلم يجدوه أنبت الشعر فلم يقطعه وذكر عن ابن عمر اذا أصاب الغلام الحد فارتيب فيه هل احتلم أم لا فانظر الى عانته وفي هذا بيان أن الإنبات علم على البلوغ وعلى أنه علم في حق أولاد المسلمين والكفار وعلى أنه يجوز النظر الى عورة الأجنبي للحاجة من معرفة البلوغ وغيره وأما ما ذكره بعض المتأخرين أنه يكشف ويستدبره الناظر ويستقبلان جميعا المرآة وينظر اليها الناظر فيرى الإنبات فشيء قاله من تلقاء نفسه لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة ولا اعتبره أحد من الأئمة قبله فصل  فإذا تيقن بلوغه جرى عليه قلم التكليف وثبت له جميع أحكام الرجل ثم يأخذ في بلوغ الأشد قال الزجاج الأشد من نحو سبع عشرة سنة الى نحو الأربعين وقال ابن عباس في رواية عطاء عنه الأشد الحلم وهو اختيار يحيى بن يعمر والسدي وروى مجاهد عنه ستا وثلاثين سنة وروى عنه أيضا ثلاثين وقال الضحاك عشرين سنة وقال مقاتل ثمان عشرة وقد أحكم الزهري تحكيم اللفظة فقال بلوغ الأشد يكون من وقت بلوغ الإنسان مبلغ الرجال الى أربعين(1\/300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "298",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7505",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سنة قال فبلوغ الأشد محصور الأول محصور النهاية غير محصور ما بين ذلك فبلوغ الأشد مرتبة بين البلوغ وبين الأربعين ومعنى اللفظة من الشدة وهي القوة والجلادة والشديد الرجل القوي فالأشد القوي قال الفراء واحدها شدة في القياس ولم أسمع لها بواحد وقال أبو الهيثم واحدها شدة كنعمة وأنعم وقال بعض أهل اللغة واحدها شدة بضم الشين وقال آخرون منهم هو اسم مفرد كالآنك وليس بجمع حكاهما ابن الأنباري فصل  ثم بعد الأربعين يأخذ في النقصان وضعف القوى على التدريج كما أخذ في زيادتها على التدريج قال الله تعالى الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة الروم 54 فقوته بين ضعفين وحياته بين موتين فهو أولا نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم جنينا ما دام في البطن فإذا خرج فهو وليد فما لم يستتم سبعة أيام فهو صديغ بالغين المعجمة لأنه لم يشتد صدغه ثم ما دام يرضع فهو رضيع فإذا قطع عنه اللبن فهو فطيم فإذا دب ودرج فهو دارج قال الراجز (يا ليتني قد زرت غير خارج ... أم صبي قد حبا ودارج)(1\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "299",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7506",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا بلغ طوله خمسة أشبار فهو خماسي فإذا سقطت أسنانه فهو مثغور وقد ثفر فإذا نبتت بعد سقوطها فهو مثغر بوزن مدكر بالتاء والثاء معا فإذا بلغ السبع وما قاربها فهو مميز فإذا بلغ العشر فهو مترعرع وناشئ فإذا قارب الحلم فهو يافع ومراهق ومناهز للحلم فإذا بلغ فهو بالغ فإذا اجتمعت قوته فهو حزور واسمه في جميع ذلك غلام ما لم يخضر شاربه فإذا اخضر شاربه وأخذ عذاره في الطلوع فهو باقل وقد بقل وجهه بالتخفيف ثم هو ما بين ذلك وبين تكامل لحيته فتى وشارخ بحصول شرخ الشباب له قال الجوهري الفتى الشاب والفتاة الشابة ويطلق الفتى على المملوك وإن كان شيخا كبيرا ومنه الحديث لا يقل أحدكم عبدي وأمتي وليقل فتاي وفتاتي ويقال الفتى على السخي الكريم فإذا اجتمعت لحيته فهو شاب إلى الأربعين ثم يأخذ في الكهولة إلى الستين ثم يأخذ في الشيخوخة فإذا أخذ شعره في البياض قيل شاب فإذا ازداد قيل وخطه الشيب فإذا زاد قيل شمط فإذا غلب شيبه فهو أغثم فإذا اشتعل رأسه ولحيته شيبا فهو متقعوس فإذا انحط قواه فهو هرم فإذا تغيرت أحواله وظهر نقصه فقد رد إلى أرذل العمر فالموت أقرب إليه من اليد إلى الفم(1\/302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "300",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7507",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل  فإذا بلغ الأجل الذي قدر له واستوفاه جاءته رسل ربه عز وجل ينقلونه من دار الفناء إلى دار البقاء فجلسوا منه مد البصر ثم دنا منه الملك الموكل بقبض الأرواح فاستدعى بالروح فإن كانت روحا طيبة قال اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان فتخرج من بدنه كما تخرج القطرة من في السقاء فإذا أخذها لم يدعها الرسل في يديه طرفة عين فيحنطونها ويكفنونها بحنوط وكفن من الجنة ثم يصلون عليها ويوجد لها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض ثم يصعد بها للعرض الأول على أسرع الحاسبين فينتهي بها إلى سماء الدنيا فيستأذن لها فيفتح لها أبواب السماء ويصلي عليها ملائكتها ويشيعها مقربوها إلى السماء الثانية فيفعل بها كذلك ثم الثالثة ثم الرابعة إلى أن ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل فتحيي ربها تبارك وتعالى بتحية الربوبية اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام فإن شاء الله أذن لها بالسجود ثم يخرج لها التوقيع بالجنة فيقول الرب جل جلاله اكتبوا كتاب عبدي في عليين ثم أعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى ثم ترجع روحه إلى الأرض فتشهد غسله وتكفينه وحمله وتجهيزه(1\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "301",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7508",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويقول قدموني قدموني فإذا وضع في لحده وتولى عنه أصحابه دخلت الروح معه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم على الأرض فأتاه حينئذ فتانا القبر فيجلسانه ويسألانه من ربك وما دينك ومن نبيك فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد فيصدقانه ويبشرانه بأن هذا الذي عاش عليه ومات عليه وعليه يبعث ثم يفسح له في قبره مد بصره ويفرش له خضر ويقيض له شاب حسن الوجه طيب الرائحة فيقول أبشر بالذي يسرك فيقول من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير فيقول أنا عملك الصالح ثم يفتح له طاقة إلى النار يقال أنظر ما صرف الله عنك ثم يفتح له طاقة إلى الجنة ويقال انظر ما أعد الله لك فيراهما جميعا وأما النفس الفاجرة فبالضد من ذلك كله إذا أذنت بالرحيل نزل عليها ملائكة سود الوجوه معهم حنوط من نار وكفن من نار فجلسوا منه مد البصر ثم دنا الملك الموكل بقبض النفوس فاستدعى بها وقال اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث أبشر بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج فيتطاير في بدنه فيجتذبها من أعماق البدن فتنقطع معها العروق والعصب كما ينتزع الشوك من الصوف المبلول فإذا أخذها لم يدعها في يده طرفة عين(1\/304)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "302",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7509",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويوجد لها كأنتن رائحة جيفة على وجه الأرض فتحنط بذلك الحنوط وتلف في ذلك الكفن ويلعنها كل ملك بين السماء والأرض ثم يصعد بها إلى السماء فيستفتح لها فلا يفتح لها أبواب السماء ثم يجيء النداء من رب العالمين اكتبوا كتابه في سجين وأعيدوه إلى الأرض فتطرح روحه طرحا فتشهد بتجيهزه وتكفينه وحمله وتقول وهي على السرير يا ويلها إلى أين تذهبون بها فإذا وضع في اللحد أعيدت إليه وجاءه الملكان فسألاه عن ربه ودينه ونبيه فيتلجلج ويقول لا أدري فيقولان له دريت ولا تليت ثم يضربانه ضربة يصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين ثم يضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ثم يفرش له نار ويفتح له طاقة إلى الجنة فيقال انظر إلى ما صرف الله عنك ثم يفتح له طاقة الى النار فيقال انظر الى مقعدك من النار فيراهما جميعا ثم يقيض له أعمى أصم أبكم فيقول من أنت فوجهك الوجه يجيء بالشر فيقول أنا عملك السيء ثم ينعم المؤمن في البرزخ على حسب أعماله ويعذب الفاجر فيه على حسب أعماله ويختص كل عضو بعذاب يليق بجناية ذلك العضو فتقرض شفاه المغتابين الذين يمزقون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم بمقاريض من نار وتسجر بطون أكلة أموال اليتامى بالنار ويلقم أكلة الربا بالحجارة(1\/305)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "303",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7510",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويسبحون في أنهار الدم كما سبحوا في الكسب الخبيث وترض رؤوس النائمين عن الصلاة المكتوبة بالحجر العظيم ويشق شدق الكذاب الكذبة العظيمة بكلاليب الحديد قفاه ومنخره الى قفاه وعينه الى قفاه كما شقت كذبته النواحي وتعلق النساء الزوانى بثديهن وتحبس الزناة والزواني في التنور المحمى عليه فيعذب محل المعصية منهم وهو الأسافل وتسلط الهموم والغموم والأحزان والآلام النفسانيه على النفوس البطالة التي كانت مشغونة باللهو واللعب والبطالة فتصنع الآلام في نفوسهم كما يصنع الهوام والديدان في لحومهم حتى يأذن الله سبحانه بانقضاء أجل العالم وطي الدنيا فتمطر الأرض مطرا غليظا أبيض كمني الرجال أربعين صباحا فينبتون من قبورهم كما تنبت الشجرة والعشب فإذا تكاملت الأجنة وأقربت الأم وكان وقت الولادة أمر الله سبحانه إسرافيل فنفخ في الصور نفخة البعث وهي الثالثة وقبلها نفخة الموت وقبلها نفخة الفزع فتشققت الأرض عنهم فإذا هم قيام ينظرون يقول المؤمن الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا واليه النشور ويقول الكافر يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون يس 53 فيساقون الى المحشر حفاة عراة غرلا بهما مع كل نفس سائق يسوقها وشهيد يشهد عليها وهم بين مسرور ومثبور وضاحك وباك(1\/306)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "304",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7511",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وباك وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة حتى إذا تكاملت عدتهم وصاروا جميعا على وجه الأرض تشققت السماء وانتثرت الكواكب ونزلت ملائكة السماء فأحاطت بهم ثم نزلت ملائكة السماء الثانية فأحاطت بملائكة السماء الدنيا ثم كل سماء كذلك فبينما هم كذلك إذ جاء رب العالمين سبحانه لفصل القضاء فأشرقت الأرض بنوره وتميز المجرمون من المؤمنين ونصب الميزان وأحضر الديوان واستدعي بالشهود وشهدت يومئذ الأيدي والألسن والأرجل والجلود ولا تزال الخصومة بين يدي الله سبحانه حتى يختصم الروح والجسد فيقول الجسد إنما كنت ميتا لا اعقل ولا أسمع ولا أبصر وأنت كنت السميعة المبصرة العاقلة وكنت تصرفينني حيث أردت فتقول فتقول الروح وأنت الذي فعلت وباشرت المعصية وبطشت فيرسل الله سبحانه اليهما ملكا يحكم بينهما فيقول مثلكما مثل بصير مقعد وأعمى صحيح دخلا بستانا فقال المقعد أنا أرى الثمار ولا أستطيع أن أقوم اليها وقال الأعمى أنا أستطيع القيام ولكن لا أرى شيئا فقال له المقعد احملني حتى أصل الى ذلك ففعلا فعلى من تكون العقوبة فيقولان عليهما فيقول فكذلك أنتما فيحكم الله سبحانه بين عباده بحكمة الذي يحمده عليه جميع أهل السماوات(1\/307)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "305",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7512",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والأرض وكل بر وفاجر ومؤمن وكافر وتوفى كل نفس ما عملت فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ثم ينادي مناد لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فيذهب أهل الأوثان مع أوثانهم وأهل الصليب مع صليبهم وكل مشرك مع إلهه الذي كان يعبد لا يستطيع التخلف عنه فيتساقطون في النار ويبقى الموحدون فيقال لهم ألا تنطلقون حيث انطلق الناس فيقولون فارقنا الناس أحوج ما كنا اليهم وإن لنا ربا ننتظره فيقال وهل بينكم وبينه علامة تعرفونه بها فيقولون نعم إنه لا مثل له فيتجلى لهم سبحانه في غير الصورة التي يعرفونه فبقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيتجلى لهم في صورته التى رأوه فيها أول مرة ضاحكا فيقول أنا ربكم فيقولون نعم أنت ربنا ويخرون له سجدا إلا من كان لا يصلي في الدنيا أو يصلي رياء فإنه يحال بينه وبين السجود ثم ينطلق سبحانه ويتبعونه ويضرب الجسر ويساق الخلق اليه وهو دحض مزلة مظلم لا يمكن عبوره إلا بنور فإذا انتهوا اليه قسمت بينهم الأنوار على حسب نور إيمانهم وإخلاصهم وأعمالهم في الدنيا فنور(1\/308)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "306",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7513",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كالشمس ونور كالنجم ونور كالسراج في قوته وضعفه وترسل الأمانة والرحم على جنبتي الصراط فلا يجوزه خائن ولا قاطع رحم ويختلف مرورهم عليه بحسب اختلاف استقامتهم على الصراط المستقيم في الدنيا فمار كالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل وساع وماش وزاحف وحاب حبوا وينصب على جنبتيه كلاليب لا يعلم قدر عظمها إلا الله عز وجل تعوق من علقت به عن العبور على حسب ما كانت تعوقه الدنيا عن طاعة الله ومرضاته وعبوديته فناج مسلم ومخدوش مسلم ومقطع بتلك الكلاليب ومكدوس في النار وقد طفىء نور المنافقين على الجسر أحوج ما كانوا اليه كما طفىء في الدنيا من قلوبهم وأعطوا دون الكفار نورا في الظاهر كما كان إسلامهم في الظاهر دون الباطن فيقولون للمؤمنين قفوا لنا نقتبس من نوركم وما نجوز به فيقول المؤمنون والملائكة ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا قيل المعنى ارجعوا إلى الدنيا فخذوا من الإيمان نورا تجوزون به كما فعل المؤمنون وقيل ارجعوا وراءكم حيث قسمت الأنوار فالتمسوا هناك نورا تجوزن به ثم ضرب بينهم وبين أهل الإيمان بسور له باب باطنه الذي يلي المؤمنين(1\/309)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "307",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7514",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيه الرحمة وظاهره الذي يليهم من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير الحديد 15 - 13 فإذا جاوز المؤمنون الصراط ولا يجوزه إلا مؤمن أمنوا من دخول النار فيحبسون هناك على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في دار الدنيا حتى إذا هذبوا أذن لهم في دخول الجنة فإذا استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار أني بالموت في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار ثم يقال يا أهل الجنة فيطلعون وجلين ثم يقال يا أهل النار فيطلعون مستبشرين فيقال هل تعرفون هذا فيقولون نعم وكلهم قد عرفه فيقال هذا الموت فيذبح بين الجنة والنار ثم يقال يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ولا موت فهذا آخر أحوال هذه النطفة التي هي مبدأ الإنسان وما بين هذا المبدإ وهذه الغاية أحوال وأطباق قدر العزيز العليم تنقل الإنسان فيها وركوبة لها طبقا بعد طبق حتى يصل إلى غايته من السعادة والشقاوة قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره(1\/310)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "308",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7515",
        "book_id": "qym_4060",
        "book_name": " تحفة المودود بأحكام المولود",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره كلا لما يقض ما أمره) عبس 23 - 17 فنسأل الله العظيم أن يجعلنا من الذين سبقت لهم منه الحسنى ولا يجعلنا من الذين غلبت عليهم الشقاوة فخسروا في الدنيا والآخرة إنه سميع الدعاء وهو حسبنا ونعم الوكيل آمين آمين آمين والحمد لله رب العالمين وصلواته على خير خلقه محمد خاتم النبين وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم(1\/311)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "309",
        "book_number": "19",
        "slug": " -qym_4060"
    },
    {
        "id": "7516",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام لابن قيم الجوزية(1\/1)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7517",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة المؤلف رب يسر وأعن وصلى الله على محمد وآله وسلم قال الشيخ الإمام العالم العلامة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الحنبلي إمام الجوزية رحمه الله هذا كتاب سميته  جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام وهو خمسة أبواب وهو كتاب فرد في معناه لم يسبق إلى مثله في كثرة فوائده وغزارتها بينا فيه الأحاديث الواردة في الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم وصحيحها من حسنها ومعلولها وبينا ما في معلولها من العلل بيانا شافيا ثم أسرار هذا الدعاء وشرفه وما اشتمل عليه من الحكم والفوائد ثم في مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ومحالها ثم الكلام في مقدار الواجب منها واختلاف أهل العلم فيه وترجيح الراجح وتزييف المزيف ومخبر الكتاب فوق وصفه والحمد لله رب العالمين(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7518",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "- صلى الله عليه وسلم  - الباب الأول ما جاء في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري رضي الله عنه قال أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس سعد بن عبادة رضي الله عنه فقال له بشير بن سعد رضي الله عنه أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد والسلام كما قد علمتم رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي والترمذي وصححه ولأحمد في لفظ آخر نحوه فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7519",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكلام على هذا الباب في فصول الفصل الأول فيمن روى أحاديث الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عنه رواها أبو مسعود الأنصاري البدري وكعب بن عجرة وأبو حميد الساعدي وأبو سعيد الخدري وطلحة بن عبيد الله وزيد بن حارثة ويقال ابن خارجة وعلي بن أبي طالب وأبو هريرة وبريدة بن الحصيب وسهل بن سعد الساعدي وابن مسعود وفضالة بن عبيد وأبو طلحة الأنصاري وأنس بن مالك وعمر بن الخطاب وعامر بن ربيعة وعبد الرحمن بن عوف وأبي بن كعب وأوس بن أوس والحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم والبراء بن عازب ورويفع بن ثابت الأنصاري وجابر بن عبد الله وأبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن أبي أوفى وأبو أمامة الباهلي وعبد الرحمن بن بشير بن مسعود وأبو بردة بن نيار وعمار بن ياسر وجابر بن سمرة وأبو أمامة بن سهل بن حنيف ومالك بن الحويرث وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي وعبد الله بن عباس وأبو ذر وواثلة بن الأسقع وأبو بكر الصديق وعبد الله ابن عمرو وسعيد بن عمير الأنصاري عن أبيه عمير وهو من البدريين وحبان بن منقذ رضي الله عنهم أجمعين فأما حديث أبي مسعود فحديث صحيح رواه مسلم في(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7520",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صحيحه عن يحيى بن يحيى وأبو داود عن القعنبي كلاهما عن مالك والترمذي عن إسحاق بن موسى عن معن عن مالك والنسائي عن أبي سلمة والحارث بن مسكين كلاهما عن ابن القاسم عن مالك عن نعيم بن عبد الله المجمر عن محمد بن عبد الله بن زيد وأما زيادة أحمد فيه إذا نحن صلينا في صلاتنا فرواه بهذه الزيادة عن يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق قال حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري عن أبي مسعود قال أقبل رجل حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن عنده فقال يا رسول الله أما السلام عليك فقد عرفناه فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا صلى الله عليك قال فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحببنا أن الرجل لم يسأله فقال إذا أنتم صليتم علي فقولوا اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وذكر الحديث ورواه ابن خزيمة والحاكم في صحيحيهما بذكر هذه الزيادة وقال الحاكم فيه على شرط مسلم وفي هذا نوع مساهلة منه فإن مسلما لم يحتج بابن إسحاق في الأصول وإنما أخرج له في المتابعات والشواهد وقد أعلت هذه الزيادة بتفرد ابن إسحاق بها ومخالفة سائر(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7521",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرواة في تركهم ذكرها وأجيب عن ذلك بجوابين أحدهما أن ابن إسحاق ثقة لم يجرح بما يوجب ترك الاحتجاج به وقد وثقه كبار الأئمة وأثنوا عليه بالحفظ والعدالة اللذين هما ركنا الرواية والجواب الثاني أن ابن إسحاق إنما يخاف من تدليسه وهنا قد صرح بسماعه للحديث من محمد بن إبراهيم التيمي فزالت تهمة تدليسه وقد قال الدارقطني في هذا الحديث وقد أخرجه من هذا الوجه كلهم ثقات هذا قوله في كتاب السنن وأما في العلل فقد سئل عنه فقال يرويه محمد بن إبراهيم التيمي عن محمد بن عبد الله بن زيد عن أبي مسعود حدث به عنه محمد بن إسحاق ورواه نعيم المجمر عن محمد بن عبد الله بن زيد أيضا واختلف عن نعيم فرواه مالك بن أنس عن نعيم عن محمد عن أبي مسعود حدث به عنه كذلك القعنبي ومعن وأصحاب الموطأ ورواه حماد بن مسعدة عن مالك عن نعيم فقال عن محمد بن زيد عن أبيه ووهم فيه ورواه داود بن قيس الفراء عن نعيم عن أبي هريرة خالف فيه مالكا وحديث مالك أولى بالصواب قلت وقد اختلف على ابن إسحاق في هذه الزيادة فذكرها عنه إبراهيم بن سعد كما تقدم ورواه زهير بن معاوية عن ابن إسحاق بدون ذكر الزيادة كذلك قال عبد بن حميد في مسنده(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7522",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن أحمد بن يونس والطبراني في المعجم عن عباس بن الفضل عن أحمد بن يونس عن زهير والله أعلم قال عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي في نسب الأنصار أبو مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة البدري نزل بماء بدر أو سكنه فسمي البدري لذلك ولم يشهد بدرا عند جمهور أهل العلم بالسير وقد قيل إنه شهدها واتفقوا على أنه شهد العقبة وولاه علي رضي الله عنه علي الكوفة لما خرج إلى صفين وكان يستخلفه على ضعفة الناس فيصلي بهم العيد في المسجد قيل مات بعد الأربعين وقيل بعد الستين قلت ذكر أربعة من الأئمة أنه شهد بدرا البخاري وابن إسحاق والزهري واما حديث كعب بن عجرة فقد رواه أهل الصحيح وأصحاب السنن والمسانيد من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه وهو حديث لا مغمز فيه بحمد الله تعالى ولفظ الصحيحين فيه عن ابن أبي ليلى قال لقيني كعب بن عجرة فقال ألا أهدي لك هدية خرج علينا رسول(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7523",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله صلى الله عليه وسلم فقلنا قد عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد وله حديث آخر رواه الحاكم في  المستدرك  من حديث محمد بن إسحاق هو الصغاني حدثنا ابن أبي مريم حدثنا محمد بن هلال حدثني سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن أبيه عن كعب بن عجرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احضروا فحضرنا فلما ارتقى الدرجة قال آمين ثم ارتقى الدرجة الثانية فقال آمين ثم ارتقى الدرجة الثالثة فقال آمين فلما نزل عن المنبر قلنا يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئا ما كنا نسمعه فقال إن جبريل عرض لي فقال بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له فقلت آمين فلما رقيت الثانية قال بعد من ذكرت عنده فلم يصل عليك فقلت آمين فلما رقيت الثالثة قال بعد من أدرك أبوية الكبر أو أحدهما فلم يدخل الجنة فقلت آمين(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7524",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الحاكم صحيح الإسناد وكعب بن عجرة أنصاري سلمى كنيته فيما قيل أبو إسحاق عداده في بني سالم أخي عمرو بن عوف وهو قوقل ويعرف بنوه بالقواقلة لأن عوفا هذا كان له عز ومنعه وكان إذا جاء خائف إليه يقول له قوقل حيث شئت أي أنزل فإنك آمن وقال ابن عبد البر كعب بن عجرة بن أمية بن عدي بن عبيد بن الحارث البلوي ثم السوادي من بني سواد حليف للأنصار قيل حليف لبنى حارثة بن الحارث بن الخزرج وقيل حليف لبنى عوف بن الخزرج وقيل حليف لبنى سالم من الأنصار وقال الواقدي ليس بحليف للأنصار ولكنه من أنفسهم وقال ابن سعد طلبت اسمه في نسب الأنصار فلم أجده يكنى أبا محمد وفيه نزلت ففدية من صيام أو صدقة أو نسك البقرة 18(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7525",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نزل الكوفة ومات بالمدينة سنة ثلاث أو إحدى أو اثنتين وخمسين وهو ابن خمس وسبعين سنة روى عنه أهل المدينة وأهل الكوفة وأما حديث أبي حميد الساعدي فرواه البخاري وأبو داود عن القعنبي عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن عمرو بن سليم الزرقي أخبرني أبو حميد الساعدي أنهم قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ورواه مسلم عن ابن نمير عن روح بن عبادة وعبد الله بن نافع الصائغ ورواه أبو داود أيضا عن ابن السرح أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو عن ابن وهب والنسائي عن الحارث بن(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7526",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مسكين عن محمد بن مسلمة كلاهما عن ابن القاسم وابن ماجة عن عمار بن طالوت عن عبد الملك بن الماجشون خمستهم عن مالك كما تقدم وأبو حميد الساعدي قال ابن عبد البر اختلف في اسمه فقيل المنذر ابن سعد بن المنذر وقيل عبد الرحمن بن سعد بن المنذر وقيل عبد الرحمن ابن عمرو بن سعد بن المنذر وقيل عبد الرحمن بن سعد بن مالك وقيل عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة يعد في أهل المدينة توفي في آخر خلافة معاوية روى عنه من الصحابة جابر ومن التابعين عروة بن الزبير والعباس بن سهل بن سعد ومحمد بن عمرو بن عطاء وخارجة بن زيد بن ثابت وجماعة من تابعي أهل المدينة وأما حديث أبي أسيد وأبي حميد فرواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن سليمان بن بلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري قال سمعت أبا حميد وأبا أسيد يقولان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل أحدكم المسجد فليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليقل اللهم إني أسألك من فضلك(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7527",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قلنا يا رسول الله هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك قال قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على آل إبراهيم فرواه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن يوسف عن الليث بن سعد وعن إبراهيم بن حمزة عن عبد العزيز بن أبي حازم وعبد العزيز الدراوردي ثلاثتهم عن ابن الهاد عن عبد الله بن خباب عن أبي سعيد ورواه النسائي عن قتيبة عن بكر بن مضر عن ابن الهاد ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن خالد بن مخلد عن عبد الله بن جعفر عن ابن الهاد وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك بن سنان وهو مشهور بكنيته قال ابن عبد البر أول مشاهده الخندق وغزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة غزوة وكان ممن حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سننا كثيرة وروى عنه علما جما وكان من نجباء الأنصار وعلمائهم وفضلائهم توفي سنة أربع وسبعين روى عنه جماعة من الصحابة وجماعة من التابعين(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7528",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث طلحة بن عبيد الله فقال الإمام أحمد في المسند حدثنا محمد بن بشر حدثنا مجمع بن يحيى الأنصاري حدثني عثمان بن موهب عن موسى بن طلحة عن أبيه قال قلت يا رسول الله كيف الصلاة عليك قال قل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد \/\/ إسناده صحيح \/\/ ورواه النسائي عن عبيد الله بن سعد عن عمه يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن شريك عن عثمان بن موهب عن موسى بن طلحة عن أبيه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال كيف نصلي عليك يا نبي الله قال قولوا اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد أخبرني إسحاق بن إبراهيم أنا محمد بن بشر حدثنا مجمع بن يحيى عن عثمان بن موهب عن موسى بن طلحة عن أبيه قال قلنا يا رسول الله كيف الصلاة عليك قال قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد واحتج الشيخان بعثمان بن عبد الله بن موهب عن موسى بن طلحة(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7529",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث زيد بن خارجة فرواه الإمام أحمد عن علي بن بحر حدثنا عيسى بن يونس حدثنا عثمان بن حكيم حدثنا خالد بن سلمة أن عبد الحميد بن عبد الرحمن دعا موسى بن طلحة حين عرس على ابنه فقال يا أبا عيسى كيف بلغك في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فقال موسى سألت زيد بن خارجة فقال أنا سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف الصلاة عليك فقال صلوا واجتهدوا ثم قولوا اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد \/\/ إسناده صحيح \/\/ ورواه النسائي عن سعيد بن يحيى الأموي عن أبيه عن عثمان به ورواه إسماعيل بن إسحاق في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عن علي بن عبيد الله حدثنا مروان بن معاوية حدثنا عثمان بن حكيم عن خالد بن سلمة عن موسى بن طلحة أخبرني زيد بن حارثة أخو بني الحارث بن الخزرج قال قلت يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك فذكر نحوه فقال زيد بن حارثة وقال الحافظ أبو عبد الله بن مندة في كتاب الصحابة روى عبد الواحد بن زياد عن عثمان بن حكيم عن خالد بن سلمة قال سمعت موسى بن طلحة وسأله عبد الحميد كيف الصلاة(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7530",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على النبي صلى الله عليه وسلم فقال سألت زيد بن خارجة الأنصاري فذكره وأما زيد بن حارثة هذا فهو زيد بن ثابت بن الضحاك بن حارثة بن زيد بن ثعلبة من بني سلمة ويقال ابن خارجة الخزرجي الأنصاري ذكره ابن مندة في الصحابة والصواب زيد بن خارجة وهو ابن أبي زهير الأنصاري الخزرجي شهد بدرا توفي في خلافة عثمان رضي الله عنه وهو الذي تكلم بعد الموت قاله أبو نعيم وابن مندة وابن عبد البر وقيل بل هو خارجة بن زيد والأول أصح والله أعلم وأما حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه فرواه الترمذي عن يحيى بن موسى وزياد بن أيوب حدثنا أبو عامر العقدي عن سليمان بن بلال عن عمارة بن غزية عن عبد الله بن حسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن حسين بن علي عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7531",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البخيل الذي من ذكرت عنده فلم يصل علي قال الترمذي هذا حديث صحيح غريب وفي بعض النسخ حديث غريب ورواه النسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم في  المستدرك  وروى الحسن بن عرفة عن الوليد بن بكير عن سالم الخزاز عن أبي إسحاق السبيعي عن الحسن بن علي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من دعاء إلا بينه وبين السماء والأرض حجاب حتى يصلى على محمد صلى الله عليه وسلم فإذا صلي على النبي صلى الله عليه وسلم انخرق الحجاب واستجيب الدعاء وإذا لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم لم يستجب الدعاء ولكن للحديث ثلاث علل إحداها أنه من رواية الحارث الأعور عن علي(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7532",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العلة الثانية أن شعبة قال لم يسمع أبو إسحاق السبيعي من الحارث إلا أربعة أحاديث فعدها ولم يذكر هذا منها وقاله العجلي أيضا العلة الثالثة أن الثابت عن أبي إسحاق وقفه على علي رضي الله عنه وروى النسائي في مسنده عن أبي الأزهر حدثنا عمرو بن عاصم حدثنا حبان بن يسار الكلابي عن عبد الرحمن بن طلحة الخزاعي عن محمد بن علي عن محمد بن الحنفية عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل اللهم اجعل صلواتك وبركاتك على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد وحبان بن يسار وثقه ابن حبان وقال البخاري إنه اختلط في آخر عمره وقال أبو حاتم الرازي ليس بالقوي ولا بالمتروك وقال ابن عدي حديثه فيه ما فيه لأجل الاختلاط الذي ذكر عنه قلت لهذا الحديث علة وهي أن موسى بن إسماعيل التبوذكي خالف عمرو بن عاصم فيه فرواه عن حبان بن يسار حدثني أبو المطرف الخزاعي حدثني محمد بن عطاء الهاشمي عن نعيم المجمر عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى فذكره ورواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل به(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7533",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وله علة أخرى وهي أن عمرو بن عاصم قال أخبرنا حبان بن يسار عن عبد الرحمن بن طلحة الخزاعي وقال موسى بن إسماعيل عبيد الله بن طلحة بن عبيد الله بن كريز وهكذا هو في تاريخ البخاري وكتاب ابن أبي حاتم والثقات لابن حبان وتهذيب الكمال لشيخنا أبي الحجاج المزي فإما أن يكون عمرو بن عاصم وهم في اسمه وإما أن يكونا اثنين ولكن عبد الرحمن هذا مجهول لا يعرف في غير هذا الحديث ولم يذكره أحد من المتقدمين وعمرو بن عاصم وإن كان روى عنه البخاري ومسلم واحتجا به فموسى بن إسماعيل أحفظ منه والحديث له أصل من رواية أبي هريرة بغير هذا السند والمتن ونحن نذكره قال محمد بن إسحاق السراج أخبرني أبو يحيى وأحمد بن محمد البرتي قالا أنبأنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب أنبأنا داود بن قيس عن نعيم بن عبد الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نصلي عليك قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد والسلام كما قد علمتم وهذا الإسناد إسناد صحيح على شرط الشيخين رواه عبد الوهاب بن مندة عن الخفاف عنه(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7534",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الشافعي أنبأنا إبراهيم بن محمد أخبرنا صفوان بن سليم عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنه قال يا رسول كيف نصلي عليك يعني في الصلاة قال تقولون اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم ثم تسلمون علي إبراهيم هذا هو ابن محمد بن أبي يحيى الأسلمي كان الشافعي يرى الاحتجاج به على عجره وبجره وكان يقول لأن يخر إبراهيم من السماء أحب إليه من أن يكذب وقد تكلم فيه مالك والناس ورموه بالضعف والترك وصرح بتكذيبه مالك وأحمد ويحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين والنسائي وقال ابن عقدة الحافظ نظرت في حديث إبراهيم بن أبي يحيى كثيرا وليس بمنكر الحديث وقال أبو أحمد بن عدي هو كما قال ابن عقدة وقد نظرت أنا في حديثه الكثير فلم أجد فيه منكرا إلا عن شيوخ يحتملون يعني أن يكون الضعف منهم ومن جهتهم ثم قال ابن عدي وقد نظرت في أحاديثه وتبحرتها وفتشت الكل فليس فيها حديث منكر وقد وثقه محمد بن سعيد الأصبهاني مع الشافعي ولأبي هريرة أيضا أحاديث في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم منها ما رواه العشاري من حديث محمد بن موسى عن الأصمعي حدثني محمد بن مروان السدي عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7535",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من صلى على عند قبري وكل الله به ملكا يبلغني وكفي أمر دنياه وآخرته وكنت له يوم القيامة شهيدا أو شفيعا لكن محمد بن موسى هذا هو محمد بن يونس بن موسى الكديمي متروك الحديث ومنها حديث صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جلس قوم مجلسا فلم يذكروا الله تعالى ولم يصلوا على نبيه صلى الله عليه وسلم إلا كان مجلسهم عليهم ترة يوم القيامة إن شاء عفا عنهم وإن شاء أخذهم(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7536",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن صالح بن أبي صالح وقال فيه حديث حسن ورواه عن يوسف بن يعقوب حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال سمعت الأغر أبا مسلم قال أشهد على أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر مثله ورواه إسماعيل بن إسحاق في كتاب فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من حديث محمد بن كثير عن سفيان عن صالح ورواه أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه من رواية سهيل عن أبيه عن أبي هريرة وهو على شرط مسلم ورواه ابن حبان أيضا من حديث شعبة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه ولفظه ما قعد قوم مقعدا لا يذكرون الله فيه ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة وإن دخلوا الجنة للثواب وهذا الإسناد على شرط الشيخين وأخرجه الحاكم في مستدركه من رواية ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحاكم صحيح على شرط البخاري وفيما قاله نظر فإن إبراهيم بن الحسن بن يزيد رواية عن(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7537",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "آدم بن أبي إياس ضعيف متكلم فيه وعلته أن أبا إسحاق الفزاري رواه عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة \/\/ موقوفا وصالح مولى التوأمة كان شعبة لا يروي عنه وينهي عنه وقال مالك ليس بثقة فلا تأخذن عنه شيئا وقال يحيى ليس بالقوي في الحديث وقال مرة لم يكن ثقة وقال السعدي تغير وقال النسائي ضعيف قلت للحفاظ في صالح هذا ثلاثة أقوال ثالثها أحسنها وهو أنه ثقة في نفسه ولكن تغير بأخرة فمن سمع منه قديما فسماعه صحيح ومن سمع منه أخيرا ففي سماعه شيء فممن سمع منه قديما ابن أبي ذئب وابن جريج وزياد بن سعد وأدركه مالك والثوري بعد اختلاطه وهذا منصوص الإمام أحمد رحمه الله فإنه قال ما أعلم بأسا بمن سمع منه قديما ثم إن هذا الحديث قد رواه سليمان بن بلال عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة ولكن لم يذكر فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وتابعه ابن أبي أويس عن عبد العزيز بن أبي حازم عن سهيل وقال إسماعيل في كتاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا سليمان بن حرب حدثنا سعيد بن زيد عن ليث عن كعب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوا علي فإن صلاتكم علي زكاة لكم قال واسألوا الله لي الوسيلة قال فإما حدثنا وإما سألنا قال الوسيلة أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل وأرجو أن أكون أنا ذلك الرجل \/\/ ضعيف \/\/(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7538",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا معتمر عن ليث فذكره بإسناده ولفظه ورواه ابن أبي شيبة في مسنده وقال إسماعيل أيضا حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا عمر بن هارون عن موسى بن عبيدة عن محمد بن ثابت عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلوا على أنبياء الله ورسله فإن الله بعثهم كما بعثني صلوات الله وسلامه عليهم قلت سعيد بن زيد هذا هو أخو حماد بن زيد ضعفه يحيى بن سعيد جدا وقال السعدي يضعفون حديثه وليس بحجة وقال النسائي ليس بالقوي وروى له مسلم وأما الإمام أحمد فكان حسن القول فيه قال ليس به بأس وقال يحيى بن معين ثقة وقال البخاري ثقة وعمر بن هارون وموسى بن عبيدة ومحمد بن ثابت وإن لم يكونوا بحجة فالحديث له شواهد ومثله يصلح للاستشهاد ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضا في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ما رواه الترمذي عن الدورقي حدثنا ربعي بن(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7539",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إبراهيم عن عبد الرحمن ابن إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة \/\/ صحيح \/\/ قال الترمذي وفي الباب عن جابر وأنس وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه وربعي بن إبراهيم هو أخو إسماعيل بن إبراهيم وهو ثقة وهو ابن علية ويروى عن بعض أهل العلم قال إذا صلى الرجل على النبي صلى الله عليه وسلم مرة في المجلس أجزأ عنه ما كان في ذلك المجلس ورواه الحاكم في المستدرك وعبد الرحمن بن إسحاق احتج به مسلم وقال فيه أحمد بن حنبل صالح الحديث وتكلم فيه بعضهم وقال فيه أبو داود ثقة إلا أنه قدري ورواه إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا أبو ثابت حدثنا عبد العزيز ابن أبي حازم عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رقى المنبر فقال آمين آمين آمين فقيل له يا رسول الله ما كنت تصنع هذا فقال قال لي جبريل رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ولم يغفر له فقلت آمين ثم قال رغم أنف عبد أدرك أبويه أو أحدهما الكبر لم يدخل الجنة فقلت آمين ثم رغم أنف عبد ذكرت عنده فلم يصل عليك فقلت آمين \/\/ إسناده حسن \/\/(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7540",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كثير بن زيد وثقه ابن حبان وقال أبو زرعة صدوق وقد تكلم فيه ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة فذكره وقال فيه من ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله قل آمين فقلت آمين ومحمد بن عمرو هذا أخرج له البخاري ومسلم في المتابعات ووثقه ابن معين ويصحح له الترمذي ورغم بكسر الغين المعجمة أي لصق بالتراب وهو الرغام وقال ابن الأعرابي هو بفتح الغين ومعناه ذل ومن حديثه أيضا ما رواه مسلم في صحيحه من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من صلى على واحدة صلى الله عليه عشرا ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه وقال الترمذي حديث \/\/ حسن صحيح \/\/(1\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7541",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي بعض ألفاظه من صلى على مرة واحدة كتب له بها عشر حسنات ذكرها ابن حبان ومن حديث أبي هريرة ما روى ابن خزيمة في صحيحه حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو بكر الحنفي حدثنا الضحاك بن عثمان حدثنا سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك فإذا خرج فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل اللهم أجرني من الشيطان ورواه ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن محمد عن إسحاق بن إبراهيم عن أبي بكر الحنفي به ومنها ما رواه الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن فيل صاحب الجزء المعروف عن مسلم بن عمرو حدثنا عبد الله بن نافع عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم \/\/ سنده حسن \/\/ ومن حديثه أيضا ما رواه مسلم بن إبراهيم حدثنا عبد السلام ابن عجلان حدثنا أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة رضي الله(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7542",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله سيارة من الملائكة إذا مروا بحلق الذكر قال بعضهم لبعض اقعدوا فإذا دعا القوم أمنوا على دعائهم فإذا صلوا على النبي صلى الله عليه وسلم صلوا معهم حتى يفرغوا ثم يقول بعضهم لبعض طوبى لهؤلاء يرجعون مغفورا لهم رواه أبو سعيد القاص في فوائده ومن حديثه أيضا ما رواه الإمام أحمد وأبو داود قال احمد حدثنا عبد الله بن يزيد حدثنا حيوة حدثنا أبو صخر أن يزيد بن عبد الله ابن قسيط أخبره عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله إلي روحي حتى أرد إليه السلام \/\/ إسناده حسن \/\/ أبو صخر اسمه حميد بن زياد ورواه أبو داود عن محمد بن عوف عن عبد الله بن يزيد المقرئ وقد صح إسناد هذا الحديث وسألت شيخنا عن سماع يزيد بن عبد الله من أبي هريرة فقال ما كأنه أدركه وهو ضعيف ففي سماعه منه نظر(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7543",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو الشيخ في  كتاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا عبد الرحمن بن أحمد الأعرج حدثنا الحسن بن الصباح حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى على عند قبري سمعته ومن صلى علي من بعيد أعلمته وهذا الحديث غريب جدا ومن حديثه أيضا ما رواه أبو نعيم عن الطبراني حدثنا عبيد الله بن محمد العمري حدثنا أبو مصعب حدثنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مسلم يسلم علي في شرق ولا في غرب إلا أنا وملائكة ربي نرد عليه السلام فقال له قائل يا رسول الله ما بال أهل المدينة قال وما يقال لكريم في جيرته وجيرانه إنه مما أمر به من حفظ الجوار وحفظ الجيران \/\/ ضعيف \/\/ قال محمد بن عثمان الحافظ هذا وضعه العمري وهو كما قال فإن هذا الإسناد لا يحتمل هذا الحديث وأما حديث بريدة بن الحصيب فرواه الحسن بن شاذان عن عبد الله ابن إسحاق الخراساني حدثنا الحسن بن مكرم حدثنا يزيد بن هارون حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن أبي داود عن بريدة قال قلنا يا رسول الله قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك قال قولوا اللهم أجعل صلواتك ورحمتك على(1\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7544",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محمد وعلى آل محمد كما جعلتها على إبراهيم إنك حميد مجيد وأبو داود هو نفيع بن الحارث الأعمى وإن كان متروكا مطرح الحديث فالعمدة على ما تقدم ولا يضر إخراج حديثه في الشواهد دون الأصول وأما حديث سهل بن سعد الساعدي فرواه الطبراني في المعجم عن عبد الرحمن بن معاوية العتبي حدثنا عبيد الله بن محمد بن المنكدر حدثنا ابن أبي فديك عن أبي بن عباس بن سهل عن أبيه عن جده سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ولا صلاة لمن لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم ولا صلاة لمن لا يحب الأنصار رواه ابن ماجة من حديث عبد المهيمن بن عباس أخي أبي بن عباس فأما أبي بن عباس فقد احتج به البخاري في صحيحه وضعفه أحمد ويحيى بن معين وغيرهما وأما أخوه عبد المهيمن فمتفق على تركه واطراح حديثه فإن كان عبد المهيمن قد سرقه من أخيه فلا يضر الحديث شيء ولا ينزل عن درجة(1\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7545",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحديث الحسن وإن كان ابن أبى فديك أو من دونه غلط من عبد المهيمن إلى أخيه أبي وهو الأشبه والله أعلم لأن الحديث معروف بعبد المهيمن فتلك علة قوية فيه وله حديث آخر رواه عبد الله بن محمد البغوي حدثنا محمد بن حبيب حدثنا ابن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أنا بأبي طلحة فقام إليه فتلقاه فقال بأبي أنت وأمي يا رسول الله إني لأرى السرور في وجهك قال أجل إنه أتاني جبريل آنفا فقال يا محمد من صلى عليك مرة أو قال واحدة كتب الله له بها عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات ورفع له بها عشر درجات قال ابن حبيب ولا أعلمه إلا قال وصلت عليه الملائكة عشر مرات وهذا الحديث بمسند سهل أولى منه بمسند أبي طلحة وأما حديث ابن مسعود فرواه الحاكم في المستدرك من حديث الليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن يحيى بن السباق عن رجل من آل الحارث عن ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل اللهم صل على محمد وعلى آل(1\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7546",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محمد كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد رواه البيهقي في السنن هكذا وفي تصحيح الحاكم لهذا الحديث نظر ظاهر فإن يحيى بن السباق وشيخه غير معروفين بعدالة ولا جرح وقد ذكر أبو حاتم بن حبان يحيى بن السباق في كتاب الثقات وقد روى الدارقطني من حديث عبد الوهاب بن مجاهد حدثني مجاهد حدثني ابن أبي ليلى أو أبو معمر قال علمني ابن مسعود التشهد وقال علمنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يعلمنا السورة من القرآن التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل على محمد وعلى آل بيت محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم صل علينا معهم اللهم بارك على محمد وعلى أهل بيته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك علينا معهم صلوات الله وصلوات المؤمنين على محمد النبي الأمي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قال وكان مجاهد يقول إذا سلم فبلغ وعلى عباد الله الصالحين لقد سلم على أهل السماء والأرض(1\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7547",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعلة هذا الحديث أنه من رواية عبد الوهاب بن مجاهد وقد ضعفه يحيى بن معين والدارقطني وغيرهما وقال فيه الحاكم يروي عن أبيه أحاديث موضوعه وله علة أخرى وهي أن ابن مسعود المحفوظ عنه في التشهد إلى أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم روي عنه موقوفا ومرفوعا فإذ قلت هذا فقد تمت صلاتك فإن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد والموقوف أشبه وأصح ومن حديث ابن مسعود أيضا ما رواه محمد بن حمدان المروزي حدثنا عبد الله بن خبيق حدثنا يوسف بن أسباط عن سفيان الثوري عن رجل عن زر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يصل علي فلا دين له وروي الترمذي في جامعه من حديث موسى بن يعقوب الزمعي عن عبد الله بن كيسان عن عبد الله بن شداد عن ابن(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7548",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة قال الترمذي \/\/ حديث حسن غريب \/\/ ورواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه من حديث خالد بن مخلد عن موسى بن يعقوب وقال فيه عن عبد الله بن شداد عن أبيه عن ابن مسعود وهو في مسند البزار والترمذي عنده عن ابن شداد عن ابن مسعود وعند أبي حاتم عن ابن شداد عن أبيه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وكذلك رواه البغوي عن أبي بكر بن أبي شيبة حدثنا خالد بن مخلد حدثنا موسى فذكره وقال عن ابن شداد عن أبيه عن ابن مسعود وقد روى ابن ماجة في سننه من حديث المسعودي عن عون بن عبد الله عن أبي فاختة عن الأسود بن يزيد عن عبد الله بن مسعود قال إذا صليتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه قال فقالوا له فعلمنا قال قولوا اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون والآخرون(1\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7549",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ومن حديثه أيضا ما رواه النسائي من حديث سفيان عن عبد الله ابن السائب عن زاذان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام وهذا \/\/ إسناد صحيح \/\/ ورواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه عن أبي يعلي عن أبى خيثمة عن وكيع عن سفيان به(1\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7550",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث فضالة بن عبيد رضي الله عنه  فقال الإمام أحمد حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ قال حدثنا حيوة بن شريح قال أخبرني أبو هانئ حميد بن هانئ أن أبا علي عمرو بن مالك الجنبي حدثه أنه سمع فضالة بن عبيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته لم يمجد الله ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عجل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه والثناء عليه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو بعد بما شاء فرواه الإمام أحمد وأبو داود وهذا لفظه والنسائي والترمذي وقال \/\/ حديث صحيح \/\/ فرواه الترمذي عن محمود بن غيلان عن المقرئ والنسائي عن محمد بن سلمة عن ابن وهب عن حيوة وابن خزيمة في(1\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7551",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صحيحه عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب عن عمه عن أبي هانئ قال أبو عبد الله المقدسي وأظن سقط من روايته حيوة وعن بكر بن إدريس بن الحجاج ابن هارون المصري عن أبي عبد الرحمن ورواه ابن حبان في صحيحه عن محمد بن إسحاق السراج(1\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7552",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه  فقال الإمام أحمد في المسند حدثنا شريح حدثنا أبو معشر عن إسحاق بن كعب بن عجرة عن أبي طلحة الأنصاري قال أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما طيب النفس يرى في وجهه البشر قالوا يا رسول الله أصبحت اليوم طيب النفس يرى في وجهك البشر قال أجل أتاني آت من ربي عز وجل فقال من صلى عليك من أمتك صلاة كتب الله له بها عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات ورد عليه مثلها \/\/ حديث صحيح \/\/ حدثنا أبو كامل حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن سلمان مولى الحسن بن علي عن عبد الله بن أبى طلحة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ذات يوم والسرور يرى في وجهه فقالوا يا رسول الله إنا لنرى السرور في وجهك فقال إنه أتاني الملك فقال يا محمد أما يرضيك أن ربك عز وجل يقول إنه لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا ولا يسلم عليك(1\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7553",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرا قال بلى ورواه النسائي من حديث ابن المبارك وعفان عن حماد ورواه ابن حبان في صحيحه أيضا من حديث حماد(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7554",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث أنس بن مالك رضي الله عنه  فقال النسائي أخبرنا محمد بن المثنى عن أبي داود حدثنا أبو سلمة وهو المغيرة بن مسلم الخراساني عن أبي إسحاق عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من ذكرت عنده فليصل علي ومن صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا يحيى بن آدم حدثنا يونس بن أبي إسحاق حدثني بريد بن أبي مريم عن أنس أنه سمعه يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحط عنه بها عشر سيئات ورفعه بها عشر درجات \/\/ حديث صحيح \/\/ ورواه الإمام أحمد في المسند عن أبي نعيم عن يونس(1\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7555",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورواه ابن حبان في صحيحه عن محمد بن الحسن بن الخليل عن أبي كريب عن محمد بن بشر العبدي عن يونس وعلته ما أشار إليه النسائي في كتابه الكبير أن مخلد بن يزيد رواه عن يونس بن أبي إسحاق عن بريد بن أبي مريم عن الحسن عن أنس وهذه العلة لا تقدح فيه شيئا لأن الحسن لا شك في سماعه من أنس وقد صح سماع بريد بن أبي مريم من أنس أيضا هذا الحديث ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك من حديث يونس بن أبي إسحاق عن بريد بن أبي مريم قال سمعت أنس بن مالك فذكره ولعل بريدا بن أبي الحسن ثم سمعه من أنس فحدث به على الوجهين فإنه قال كنت أزامل الحسن في محمد فقال حدثنا أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره ثم إنه حدثه به أنس فرواه عنه كما تقدم لكن يبقى أن يقال يحتمل أن يكون هذا هو حديث أبى طلحة بعينه أرسله أنس عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ويدل عليه ما رواه إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن عبد الله بن عمر عن ثابت البناني قال قال أنس بن مالك قال أبو طلحة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم يوما يعرفون البشر في وجهه فقالوا إنا نعرف الآن البشر في وجهك فذكر حديث(1\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7556",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبي طلحة المتقدم والله أعلم وروى العشاري من حديث الحكم بن عطية عن ثابت عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى على في يوم ألف مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة \/\/ إسناده ضعيف \/\/ قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لا أعرفه إلا من حديث الحكم بن عطية قال الدارقطني حدث عن ثابت أحاديث لا يتابع عليها وقال الإمام أحمد لا بأس به إلا أن أبا داود الطيالسي روى عنه أحاديث منكرة وقال وروي عن يحيى بن معين أنه قال هو ثقة وقال جعفر الفريابي حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا الفضل ابن دكين حدثنا سلمة بن وردان قال سمعت أنسا يقول ارتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فرقى درجة فقال آمين ثم ارتقى درجة فقال آمين ثم ارتقى الثالثة فقال آمين ثم استوى فجلس فقال أصحابه أي نبي الله علام آمنت فقال أتاني جبريل فقال رغم أنف امرئ أدرك أبوية الكبر أو أحدهما لم يدخل الجنة فقلت آمين ورغم أنف امرئ أدرك رمضان فلم يغفر له قلت آمين قال ورغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك فقلت آمين \/\/ حديث صحيح \/\/(1\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7557",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رواه أبو بكر الشافعي عن معاذ بن معاذ حدثنا القعنبي حدثنا سلمة بن وردان فذكره وسلمة هذا لين الحديث قد تكلم فيه وليس ممن يطرح حديثه ولا سيما حديث له شواهد وهو معروف من حديث غيره ومن حديث أنس أيضا ما رواه أبو يعلى الموصلي حدثنا شباب خليفة بن خياط حدثنا درست بن حمزة عن مطر الوراق عن قتادة عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من عبدين متحابين يستقبل أحدهما صاحبه ويصليان على النبي صلى الله عليه وسلم لم يتفرقا حتى تغفر لهما ذنوبهما ما تقدم منها وما تأخر ومن حديث أنس أيضا ما رواه ابن أبي عاصم حدثنا الحسن ابن الزار حدثنا شبابة حدثنا المغيرة بن مسلم عن أبي إسحاق عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوا علي فإن الصلاة علي كفارة لكم فمن صلى علي صلى الله عليه ومن حديثه أيضا ما رواه ابن شاهين حدثنا محمد بن أحمد بن البراء حدثنا محمد بن عبد العزيز الدينوري حدثنا(1\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7558",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قرة بن حبيب القشيري حدثنا الحكم بن عطية عن ثابت عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى علي في يوم ألف مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة وتقدم هذا الحديث من طريق آخر(1\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7559",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه  فقال إسماعيل بن إسحاق حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا سلمة بن وردان قال سمعت أنس بن مالك قال خرج النبي صلى الله عليه وسلم يتبرز فلم يجد أحدا يتبعه ففزع عمر فاتبعه بمطهرة يعني إداوة فوجده ساجدا في شربة فتنحى عمر فجلس وراءه حتى رفع رأسه قال فقال أحسنت يا عمر حين وجدتني ساجدا فتنحيت عني إن جبريل أتاني فقال من صلى عليك واحدة صلى الله عليه عشرا ورفعه عشر درجات \/\/ إسناده صحيح \/\/ وهذا الحديث يحتمل أن يكون في مسند أنس وأن يكون في مسند عمر وجعله في مسند عمر أظهر لوجهين أحدهما أن سياقه يدل على أن أنسا لم يحضر القصة وأن الذي حضرها عمر(1\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7560",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني أن القاضي إسماعيل قال حدثنا يعقوب بن حميد حدثني أنس بن عياض عن سلمة بن وردان حدثني مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال خرج النبي صلى الله عليه وسلم يتبرز فاتبعته بإداوة من ماء فوجدته ساجدا في شربة فتنحيت عنه فلما فرغ رفع رأسه فقال أحسنت يا عمر حين تنحيت عني إن جبريل أتاني فقال من صلى عليك صلاة صلى الله عليه عشرا ورفعه عشر درجات فإن قيل فهذا الحديث الثاني علة للحديث الأول لأن سلمة بن وردان أخبر أنه سمعه من مالك بن أوس بن الحدثان قيل ليس بعلة له فقد سمعه سلمة بن وردان منهما قال أبو بكر الإسماعيلي في كتاب مسند عمر حدثني عبد الرحمن بن عبد المؤمن أنبأنا أبو موسى الفروي حدثني أبو ضمرة عن سلمة بن وردان قال سمعت أنس بن مالك يقول خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عمر بن الخطاب بإداوة وحجارة فوجده قد فرغ ووجده ساجدا في شربة فتنحى عمر وذكر الحديث حدثنا عمران بن موسى حدثنا ابن كاسب حدثنا أنس بن عياض عن سلمة بن وردان حدثني مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر وحدثني أنس بن مالك ثم ساقه من حديث الفضل بن دكين حدثنا سلمة بن وردان سمعت أنس بن مالك ومالك بن أوس بن الحدثان فذكره(1\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7561",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ابن شاهين حدثني العباس بن العباس بن المغيرة حدثنا عبيد الله بن ربيعة قال سمعت عبد الله بن شريك عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا فليقل عبد بعد علي من الصلاة أو ليكثر ومن حديث عمر رضي الله عنه في الباب ما رواه الترمذي في جامعه من حديث النضر بن شميل عن أبي قرة الأسدي عن سعيد بن المسيب عن عمر رضي الله تعالى عنه قال إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك صلى الله عليه وسلم هكذا رواه موقوفا وكذلك رواه الإسماعيلي في مسند عمر من حديث النضر أتم من هذا قال أخبرني الحسن حدثنا محمد بن قدامة وإسحاق بن إبراهيم قالا أخبرنا النضر عن أبي قرة سمعت سعيد بن المسيب يقول قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما من امرئ مسلم يأتي فضاء من الأرض فيصلي به الضحى ركعتين ثم يقول اللهم أصبحت عبدك على عهدك ووعدك خلقتني ولم أك شيئا أستغفرك لذنبي فإني قد أرهقتني ذنوبي وأحاطت بي إلا(1\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7562",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن تغفرها فأغفر لي يا رحمن إلا غفر الله له في ذلك المقعد ذنبه وإن كان مثل زبد البحر وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذكر لي أن الدعاء يكون بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك صلى الله عليه وسلم قال وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذكر لي أن الأعمال تتباهى فتقول الصدقة أنا أفضلكن وقال عمر ما من امرئ مسلم يتصدق بزوجين من ماله إلا ابتدرته حجبة الجنة قال الإسماعيلي الأول في صلاة الضحى موقوف وكذلك الصدقة بزوجين من ماله موقوف والباقي سواء قلت يريد أن حديث الصلاة وحديث تباهي الأعمال يحتمل الرفع ويحتمل الوقف على السواء قلت روي حديث الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من حديث معاذ بن الحارث عن أبي قرة مرفوعا لكنه لا يثبت والموقوف أشبه والله أعلم وحديث أنس بن مالك عنه المتقدم قد روي بطريق آخر قال الطبراني حدثنا محمد بن عبد الرحيم بن بحير بمصر حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق حدثنا يحيى بن أيوب حدثني عبيد الله بن عمر عن الحكم بن عتيبة عن إبراهيم النخعي عن(1\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7563",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأسود بن يزيد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته فلم يجد أحدا يتبعه ففزع عمر فأتاه بمطهرة من خلفه فوجد النبي صلى الله عليه وسلم ساجدا في شربة فتنحى عنه من خلفه حتى رفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه وقال أحسنت يا عمر حين وجدتني ساجدا فتنحيت عني إن جبريل أتاني فقال من صلى عليك من أمتك واحدة صلى الله عليه عشرا ورفعه بها عشر درجات قال الطبراني لم يروه عن عبيد الله بن عمر إلا يحيى بن أيوب تفرد به عمرو بن طارق \/\/ إسناده حسن \/\/ وأما حديث عامر بن ربيعة فقال أحمد في مسنده حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عاصم بن عبيد الله قال سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر ويقول من صلى علي صلاة لم تزل الملائكة تصلي عليه ما صلى علي فليقل عبد من ذلك أو ليكثر ورواه ابن ماجة عن بكير بن خلف عن خالد بن الحارث عن شعبة ورواه عبد الرزاق عن عبد الله بن عمر العمري عن(1\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7564",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبد الرحمن بن القاسم عن عبد الله بن عامر عن أبيه ولفظه من صلى على صلاة صلى الله عليه فأكثروا أو أقلوا وعاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبد الله بن عمر العمري وإن كان حديثهما فيه بعض الضعف فرواية هذا الحديث من هذين الوجهين المختلفين يدل على أن له أصلا وهذا لا ينزل عن وسط درجات الحسن والله أعلم(1\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7565",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه  فقال الإمام أحمد في مسنده حدثنا أبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي ويونس قالا حدثنا ليث عن يزيد بن الهاد عن عمرو بن أبي عمرو عن أبي الحويرث عن محمد بن جبير بن مطعم عن عبد الرحمن بن عوف قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعته حتى دخل نخلا فسجد فأطال السجود حتى خفت أو خشيت أن يكون الله قد توفاه أو قبضه قال فجئت أنظر فرفع رأسه فقال ما لك يا عبد الرحمن قال فذكرت ذلك له قال فقال إن جبريل قال لي ألا أبشرك إن الله عز وجل يقول من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا سليمان بن بلال حدثنا عمرو بن أبي عمرو عن عبد الواحد بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الرحمن بن عوف فذكره وقال فيه فسجدت لله شكرا(1\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7566",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورواه الحاكم في المستدرك من رواية سليمان بن بلال عن عمرو وقال \/\/ صحيح الإسناد \/\/ ورواه ابن أبي الدنيا عن يحيى بن جعفر حدثنا زيد بن الحباب أخبرني موسى بن عبيدة أخبرني قيس بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن جده عبد الرحمن بن عوف قال سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدة فأطالها فقلت له في ذلك فقال إني سجدت هذه السجدة شكرا لله عز وجل فيما أبلاني في أمتي فإنه من صلى على صلاة صلى الله عليه بها عشرا وموسى بن عبيدة وإن كان في حديثه بعض الضعف فهو شاهد لما تقدم وقال المخلص حدثنا البغوي حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا خالد ابن مخلد عن سليمان بن بلال حدثنا عمرو بن أبي عمرو عن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الرحمن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقيني جبريل فبشرني إن الله عز وجل يقول لك من صلى عليك صلاة صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه فسجدت لذلك(1\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7567",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث أبي بن كعب رضي الله عنه  فقال عبد بن حميد في مسنده حدثنا قبيصة بن عقبة حدثنا سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطفيل بن أبي عن أبي بن كعب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام فقال يا أيها الناس اذكروا الله اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه جاء الموت بما فيه قال أبي بن كعب قلت يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي قال ما شئت قلت الربع قال ما شئت وإن زدت فهو خير قلت النصف قال ما شئت وإن زدت فهو خير قلت الثلثين قال ما شئت وإن زدت فهو خير قال قلت أجعل لك صلاتي كلها قال إذا تكفى همك ويغفر لك ذنبك \/\/ إسناده حسن \/\/ وأخرجه الترمذي عن هناد عن قبيصة به وأخرجه الإمام أحمد في  المسند  عن وكيع عن سفيان به وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال الترمذي حديث حسن صحيح وعبد الله بن(1\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7568",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محمد بن عقيل احتج به الأئمة الكبار كالحميدي وأحمد وإسحاق وغيرهم والترمذي يصحح هذه الترجمة تارة ويحسنها تارة وسئل شيخنا أبو العباس عن تفسير هذا الحديث فقال كان لأبي بن كعب دعاء يدعو به لنفسه فسأل النبي صلى الله عليه وسلم هل يجعل له منه ربعه صلاة عليه صلى الله عليه وسلم فقال إن زدت فهو خير لك فقال له النصف فقال إن زدت فهو خير لك إلى أن قال أجعل لك صلاتي كلها أي أجعل دعائي كله صلاة عليك قال إذا تكفي همك ويغفر لك ذنبك لأن من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم صلاة صلى الله عليه بها عشرا ومن صلى الله عليه كفاه همه وغفر له ذنبه هذا معنى كلامه رضي الله عنه(1\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7569",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث أوس بن أوس رضي الله عنه  قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي قالوا يا رسول الله كيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت يعني وقد بليت فقال إن الله عز وجل حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء \/\/ إسناده صحيح \/\/ قال الإمام أحمد في المسند حدثنا حسين بن علي الجعفي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أبي الأشعث الصنعاني عن أوس فذكره ورواه أبو داود عن هارون بن عبد الله(1\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7570",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنسائي عن إسحاق بن منصور وابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة ثلاثتهم عن حسين الجعفي ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك أيضا من حديث حسين الجعفي وقد أعله بعض الحفاظ بأن حسينا الجعفي حدث به عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أبي الأشعث الصنعاني عن أوس بن أوس قال ومن تأمل هذا الإسناد لم يشك في صحته لثقة رواته وشهرتهم وقبول الأئمة أحاديثهم وعلته أن حسينا الجعفي لم يسمع من عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وإنما سمع من عبد الرحمن بن يزيد بن تميم وعبد الرحمن بن يزيد بن تميم لا يحتج به فلما حدث به حسين الجعفي غلط في اسم الجد فقال ابن جابر وقد بين ذلك الحفاظ ونبهوا عليه فقال البخاري في التاريخ الكبير عبد الرحمن بن يزيد بن تميم السلمي الشامي عن مكحول سمع منه الوليد بن مسلم عنده مناكير ويقال هو الذي روى عنه أبو أسامة وحسين الجعفي وقالا هو ابن يزيد بن جابر وغلطا في نسبه ويزيد بن تميم أصح وهو \/\/ ضعيف الحديث \/\/ وقال الخطيب روى الكوفيون أحاديث عبد الرحمن بن يزيد بن تميم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ووهموا في ذلك والحمل عليهم في تلك الأحاديث وقال موسى بن هارون الحافظ روى أبو أسامة عن(1\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7571",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وكان ذلك وهما منه هو لم يلق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وإنما لقي عبد الرحمن بن يزيد بن تميم فظن أنه ابن جابر نفسه ابن تميم ضعيف وقد أشار غير واحد من الحفاظ إلى ما ذكره هؤلاء الأئمة وجواب هذا التعليل من وجوه أحدها أن حسين بن علي الجعفي قد صرح بسماعه له من عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال ابن حبان في صحيحه حدثنا ابن خزيمة حدثنا أبو كريب حدثنا حسين بن علي حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر فصرح بالسماع منه وقولهم إنه ظن أنه ابن جابر وإنما هو ابن تميم فغلط في اسم جده بعيد فإنه لم يكن يشتبه على حسين هذا بهذا ما نقده وعلمه بهما وسماعه منهما فإن قيل فقد قال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب العلل سمعت أبي يقول عبد الرحمن بن يزيد بن جابر لا أعلم أحدا من أهل العراق يحدث عنه والذي عندي أن الذي يروي عنه أبو أسامة وحسين الجعفي واحد وهو عبد الرحمن بن يزيد بن تميم لأن أبا أسامة روى عن عبد الرحمن بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة خمسة أحاديث أو ستة أحاديث منكرة لا يحتمل أن يحدث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر مثله ولا أعلم أحدا من أهل الشام روى عن ابن جابر من هذه الأحاديث شيئا وأما حسين الجعفي فإنه روى عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أبي الأشعث عن أوس بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم في(1\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7572",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يوم الجمعة أنه قال أفضل الأيام يوم الجمعة فيه الصعقة وفيه النفخة وفيد كذا وهو حديث منكر لا أعلم أحدا رواه غير حسين الجعفي وأما عبد الرحمن بن يزيد بن تميم فهو ضعيف الحديث وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر ثقة تم كلامه قيل قد تكلم في سماع حسين الجعفي وأبي أسامة من ابن جابر فأكثر أهل الحديث أنكروا سماع أبي أسامة منه قال شيخنا في التهذيب قال ابن نمير وذكر أبا أسامة فقال الذي يروي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر نرى أنه ليس بابن جابر المعروف وذكر لي أنه رجل يسمى باسم ابن جابر قال يعقوب صدق هو عبد الرحمن بن فلان بن تميم فدخل عليه أبو أسامة فكتب عنه هذه الأحاديث فروى عنه وإنما هو إنسان يسمى باسم ابن جابر قال يعقوب وكأني رأيت ابن نمير يتهم أبا أسامة أنه علم ذلك وعرف ولكن تغافل عن ذلك قال وقال لي ابن نمير أما ترى روايته لا تشبه سائر حديثه الصحاح الذي روى عنه أهل الشام وأصحابه وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم سألت محمد بن عبد الرحمن ابن أخي حسين الجعفي عن عبد الرحمن بن يزيد فقال قدم الكوفة عبد الرحمن بن يزيد بن تميم وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر ثم قدم عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بعد ذلك بدهر والذي يحدث عنه أبو أسامة ليس هو ابن(1\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7573",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جابر هو ابن تميم وقال ابن أبي داود سمع أبو أسامة من ابن المبارك عن ابن جابر وجميعا يحدثان عن مكحول وابن جابر أيضا دمشقي فلما قدم هذا قال أنا عبد الرحمن بن يزيد الدمشقي وحدث عن مكحول فظن أبو أسامة أنه ابن جابر الذي روى عنه ابن المبارك وابن جابر ثقة مأمون يجمع حديثه وابن تميم ضعيف وقال أبو داود متروك الحديث حدث عنه أبو أسامة وغلط في اسمه قال حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الشامي وكل ما جاء عن أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد فإنما هو ابن تميم وأما رواية حسين الجعفي عن ابن جابر فقد ذكره شيخنا في التهذيب وقال روى عنه حسين بن علي الجعفي وأبو أسامة حماد بن أسامة إن كان محفوظا فجزم برواية حسين عن ابن جابر وشك في رواية حماد فهذا ما ظهر في جواب هذا التعليل ثم بعد أن كتب ذلك رأيت الدارقطني قد ذكر ذلك أيضا فقال في كلامه على كتاب أبي حاتم في الضعفاء قوله حسين الجعفي روى عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم خطأ الذي يروي عنه حسين هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وأبو أسامة يروي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم فيغلط في اسم جده تم كلامه وللحديث علة أخرى وهي أن عبد الرحمن بن يزيد لم يذكر سماعه من أبي الأشعث قال علي بن المديني حدثنا الحسين بن(1\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7574",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "علي بن الجعفي حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر سمعته يذكر عن أبي الأشعث الصنعاني عن أوس بن أوس فذكره وقال إسماعيل بن إسحاق في كتابه حدثنا علي بن عبد الله فذكره وليست هذه بعلة قادحة فإن للحديث شواهد من حديث أبي هريرة وأبي الدرداء وأبي أمامة وأبي مسعود الأنصاري وأنس بن مالك والحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا فأما حديث أبي هريرة فرواه مالك عن ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أهبط وفيه تيب عليه وفيه مات وفيه تقوم الساعة وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس وفيها ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه \/\/ إسناده صحيح \/\/ فهذا الحديث الصحيح مؤيد لحديث أوس بن أوس دال على مثل معناه وأما حديث أبي الدرداء ففي الثقفيات أخبرنا أبو بكر بن محمد بن إبراهيم بن علي بن المقرئ أخبرنا أبو العباس محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني حدثنا حرملة حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن سعيد عن أبي هلال عن زيد بن أيمن(1\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7575",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن عبادة بن نسي عن أبي الدرداء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة وإن أحدا لا يصلي علي إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها قال قلت وبعد الموت قال إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء فنبي الله حي يرزق وسيأتي في حديث أبي الدرداء بإسناد آخر من الطبراني ورواه ابن ماجة أيضا \/\/ إسناده لا يصح \/\/ وأما حديث أبي أمامة فقال البيهقي حدثنا علي بن أحمد بن عبدان أنبأنا أحمد بن عبيد حدثنا الحسين بن سعيد حدثنا إبراهيم بن الحجاج حدثنا حماد بن سلمة عن برد بن سنان عن مكحول الشامي عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثروا من الصلاة في كل يوم جمعة فإن صلاة أمتي تعرض علي في كل يوم جمعة فمن كان أكثرهم علي صلاة كان أقربهم مني منزلة لكن لهذا الحديث علتان إحداهما أن برد بن سنان قد تكلم فيه وقد وثقه يحيى بن معين وغيره العلة الثانية أن مكحولا قد قيل إنه لم يسمع من أبي أمامة والله أعلم وأما حديث أنس فقال الطبراني حدثنا محمد بن علي الأحمر حدثنا نصر بن علي حدثنا النعمان بن عبد السلام حدثنا(1\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7576",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبو ظلال عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة فإنه أتاني جبريل آنفا عن ربه عز وجل فقال ما على الأرض من مسلم يصلي عليك مرة واحدة إلا صليت أنا وملائكتي عليه عشرا وقال محمد بن إسماعيل الوراق حدثنا جبارة بن مغلس حدثنا أبو إسحاق خازم عن يزيد الرقاشي عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة فإن صلاتكم تعرض علي وهذان وإن كانا ضعيفين فيصلحان للاستشهاد ورواه ابن أبي السري حدثنا داود بن الجراح حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة وكان الصحابة رضي الله عنهم يستحبون إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة قال محمد بن يوسف العابد عن الأعمش عن زيد بن وهب قال لي ابن مسعود رضي الله عنه يا زيد بن وهب لا تدع إذا كان يوم الجمعة أن تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ألف مرة تقول اللهم صل على محمد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم وأما حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما(1\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7577",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال أبو يعلى في مسنده حدثنا موسى بن محمد حبان حدثنا أبو بكر الحنفي حدثنا عبد الله بن نافع أخبرنا العلاء بن عبد الرحمن قال سمعت الحسن بن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا ولا تتخذوا بيتي عيدا صلوا علي وسلموا فإن صلاتكم وسلامكم يبلغني أينما كنتم وعلة هذا الحديث أن مسلم بن عمرو رواه عن عبد الله بن نافع عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم وهذا أشبه وقال الطبراني في المعجم الكبير حدثنا أحمد بن رشدين المصري حدثنا سعيد بن إبراهيم حدثنا محمد بن جعفر أخبرنا حميد بن أبي زينب عن حسين بن حسن بن علي بن أبى طالب عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حيثما كنتم فصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني وأما حديث الحسين أخيه رضي الله عنه فقال الطبراني في المعجم حدثنا يوسف بن الحكم الضبي حدثنا محمد بن بشير الكندي حدثنا عبيد بن حميد حدثني فطر بن خليفة عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين عن أبيه عن جده حسين بن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذكرت عنده فخطئ الصلاة علي خطئ طريق الجنة \/\/ حديث حسن \/\/(1\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7578",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعلته أن ابن أبي عاصم رواه عن أبي بكر هو ابن أبي شيبة حدثنا حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ورواه عمرو بن حفص بن غياث عن أبيه عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه إسماعيل بن إسحاق عن إبراهيم بن الحجاج حدثنا وهيب عن جعفر ابن محمد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ورواه علي بن المديني حدثنا سفيان قال قال عمرو عن محمد بن علي بن حسين عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ثم قال سفيان قال رجل بعد عمرو سمعت محمد بن علي يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سمى سفيان الرجل فقال هو بسام وهو الصيرفي ذكره إسماعيل عن علي وقال حدثنا سليمان بن حرب وعارم قالا حدثنا حماد بن زيد عن عمرو عن محمد بن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسل(1\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7579",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وله شاهد من حديث عبد الله بن عباس سيأتي إن شاء الله تعالى وقال النسائي أخبرنا سليمان بن عبيد الله حدثنا أبو عامر حدثنا سليمان عن عمارة بن غزية عن عبد الله بن علي بن حسين عن علي بن حسين عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال البخيل من ذكرت عنده ولم يصل علي أنا أحمد بن الخليل حدثنا خالد وهو ابن مخلد القطواني حدثنا سليمان بن بلال حدثني عمارة بن غزية به ورواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما من حديث خالد بن مخلد والترمذي في جامعه وقال حديث حسن صحيح غريب وزاد في سنده عن علي بن أبي طالب قلت وله علة ذكرها النسائي في سننه الكبير فقال رواه عبد العزيز بن محمد عن عمارة بن غزية عن عبد الله بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن البخيل الذي إذا ذكرت عنده لم يصل علي قال إسماعيل بن إسحاق في كتابه اختلف يحيى(1\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7580",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحماني وأبو بكر ابن أبي أويس في إسناد هذا الحديث فرواه أبو بكر عن سليمان عن عمرو بن أبي عمرو ورواه الحماني عن سليمان بن بلال عن عمارة بن غزية وهذا حديث مشتهر عن عمارة بن غزية وقد رواه عنه خمسة سليمان بن بلال وعمرو بن الحارث وعبد العزيز الدراوردي وإسماعيل بن جعفر وعبد الله ابن جعفر والد علي ثم ساقها كلها ورواه عن إسماعيل بن أبي أويس حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن عمرو بن أبي عمرو عن علي بن حسين عن أبيه فذكره(1\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7581",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث فاطمة رضي الله عنها  فقال أبو العباس الثقفي حدثنا أبو رجاء حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز هو ابن محمد عن عبد الله بن الحسن عن أمه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة ابنته رضي الله عنها إذا دخلت المسجد فقولي بسم الله والحمد لله اللهم صل على محمد وسلم اللهم أغفر لي وسهل لي أبواب رحمتك وإذا خرجت من المسجد فقولي كذلك إلا أنه قال وسهل لي أبواب رزقك ورواه الترمذي عن علي بن حجر عن إسماعيل بن إبراهيم عن ليث عن عبد الله بن الحسين عن أمه فاطمة بنت الحسين رضي الله عنه عن جدتها فاطمة الكبرى قال إسماعيل فلقيت عبد الله بن الحسين بمكة فسألته عن هذا الحديث فحدثني به قال وليس إسناده بمتصل فاطمة بنت الحسين رضي الله عنها لم تدرك فاطمة الكبرى(1\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7582",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورواه ابن ماجة عن أبي بكر عن ابن علية وأبي معاوية عن ليث نحوه(1\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7583",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث البراء بن عازب رضي الله عنه  فقال أحمد بن عمرو بن أبي عاصم حدثنا يعقوب بن حميد حدثنا حاتم بن إسماعيل عن محمد بن عبيد الله عن مولى البراء بن عازب عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من صلي علي كتب له عشر حسنات ومحي عنه بها عشر سيئات ورفعه بها عشر درجات وكن له عدل عشر رقاب \/\/ إسناده صحيح \/\/(1\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7584",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه  فقال النسائي في سننه الكبير حدثنا أحمد بن عبد الله بن سويد بن منجوف حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا يزيد بن إبراهيم التستري عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اجتمع قوم ثم تفرقوا عن غير ذكر الله عز وجل وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إلا قاموا عن أنتن من جيفة قال أبو عبد الله المقدسي هذا عندي على شرط مسلم وقال أحمد بن عمرو بن أبي عاصم حدثنا أحمد بن عصام حدثنا أبو عاصم عن موسى بن عبيدة عن إبراهيم بن محمد عن أبيه عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تجعلوني كقدح الراكب إن الراكب يملأ قدحه فإذا فرغ وعلق معاليقه فإن كان فيه ماء شرب منه حاجته أو الوضوء توضأ وإلا أهراق القدح فاجعلوني في أول الدعاء وفي أوسطه ولا تجعلوني في آخره لفظ ابن أبي عاصم(1\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7585",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الطبراني حدثنا إسحاق الدبري أنبأنا عبد الرزاق عن الثوري عن موسى بن عبيدة عن محمد بن إبراهيم عن أبيه عن جابر فذكر نحوه إلا أنه قال فاجعلوني في أول الدعاء وفي أوسطه وفي آخره \/\/ الحديث ضعيف \/\/(1\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7586",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم  فقال الطبراني حدثنا نصر بن عبد الملك السنجاري بمدينة سنجار سنة ثمان وسبعين ومائتين حدثنا معمر بن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع صاحب النبي صلى الله عليه وسلم قال حدثني أبي محمد عن أبيه عبيد الله بن أبي رافع عن أبي رافع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طنت أذن أحدكم فليذكرني وليصل علي قال الطبراني لا يروى عن أبي رافع إلا بهذا الإسناد تفرد به معمر بن محمد وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى الحساني حدثنا معمر بن محمد بن عبيد الله بن علي بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أخبرني أبي محمد(1\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7587",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن أبيه عبيد الله عن أبي رافع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طنت أذن أحدكم فليذكرني وليصل علي وليقل ذكر الله من ذكرني بخير(1\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7588",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه  فقال الترمذي في جامعه حدثنا علي بن عيسى بن يزيد البغدادي حدثنا عبد الله بن بكر السهمي وحدثنا عبد الله بن منير عن عبد الله بن بكر عن فائد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن أبي أوفى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كانت له إلى الله حاجة أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ فليحسن الوضوء ثم ليصل ركعتين ثم ليثن على الله عز وجل وليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليقل لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والغنيمة من كل بر والسلامة من كل إثم لا تدع لي ذنبا إلا غفرته ولا هما إلا فرجته ولا حاجة هي لك رضا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين قال الترمذي هذا حديث غريب وفي إسناده مقال(1\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "73",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7589",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفائد بن عبد الرحمن يضعف في الحديث وفائد هو أبو الورقاء وقال الإمام أحمد بن حنبل فائد متروك الحديث وقال يحيى بن معين ضعيف وقال أبو حاتم بن حبان كان ممن يروي المناكير عن المشاهير ويأتي عن ابن أوفى بالمعضلات ولا يجوز الاحتجاج به ورواه الحاكم في المستدرك وقال إنما أخرجته شاهدا وفائد مستقيم الحديث كذا قال(1\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "74",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7590",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث رويفع بن ثابت رضي الله عنه  فقال الطبراني في المعجم الكبير حدثنا عبد الملك بن يحيى بن بكير المصري حدثنا أبي حدثنا ابن لهيعة عن بكر بن سوادة عن زياد بن نعيم عن وفاء بن شريح الحضرمي عن رويفع بن ثابت الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال اللهم صل على محمد وأنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة وجبت له شفاعتي \/\/ إسناده حسن \/\/ ورواه إسماعيل بن إسحاق في كتابه عن يحيى حدثنا زيد بن الحباب أخبرني ابن لهيعة حدثني بكر بن سوادة المعافري عن زياد بن نعيم الحضرمي عن ابن شريح قال حدثني رويفع الأنصاري فذكره \/\/ إسناده ضعيف \/\/(1\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "75",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7591",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث أبي أمامة رضي الله عنه  فقال الطبراني حدثنا محمد بن إبراهيم بن عوف حدثنا سعيد ابن عمرو الحضرمي حدثنا إسماعيل بن عياش عن يحيى بن الحارث عن القاسم عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من قوم جلسوا مجلسا ثم قاموا منه ولم يذكروا الله تعالى ولم يصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم إلا كان ذلك المجلس عليهم ترة \/\/ إسناده قوي \/\/ وقال الطبراني في المعجم الكبير حدثنا الحسين بن محمد بن مصعب الأشناني حدثنا محمد بن عبيد المحاربي حدثنا موسى بن عمير عن مكحول عن أبي أمامة قال قال(1\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "76",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7592",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى على صلى الله عليه عشرا بها ملك موكل بها حتى يبلغنيها وأما حديث عبد الرحمن بن بشير بن مسعود رضي الله عنه  فقال إسماعيل بن إسحاق في كتابه حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد عن عبد الرحمن بن بشير بن مسعود قال قيل يا رسول الله أمرتنا أن نسلم عليك وأن نصلي عليك فقد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك قال تقولون اللهم صل على آل محمد كما صليت على آل إبراهيم اللهم بارك على آل محمد كما باركت على آل إبراهيم \/\/ إسناده صحيح \/\/(1\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "77",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7593",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا ابن عون عن محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن بشر بن مسعود فذكره حدثنا نصر بن علي حدثنا عبد الأعلى حدثنا هشام عن محمد عن عبد الرحمن بن بشير بن مسعود رضي الله عنه قال قلنا أو قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نصلي عليك ونسلم فأما السلام فقد عرفناه ولكن كيف نصلي عليك قال تقولون اللهم صل على محمد كما صليت على آل إبراهيم فذكره بمثله سواء وعبد الرحمن هذا معدود في الصحابة ذكره ابن منده وقال ابن بشير وقال ابن عبد البر ابن بشير ويقال ابن بشر روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل علي روى عنه الشعبي وروى عنه محمد بن سيرين عن النبي صلى الله عليه وسلم قالوا يا رسول الله قد عرفنا السلام عليك الحديث(1\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "78",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7594",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث أبي بردة بن نيار رضي الله عنه  فقال النسائي أخبرني زكريا بن يحيى حدثنا أبو كريب حدثنا أبو أسامة عن سعيد بن سعيد بن عمير بن عقبة بن نيار عن عمه أبي بردة بن نيار قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى على من أمتي صلاة مخلصا من قلبه صلى الله عليه بها عشر صلوات ورفعه بها عشر درجات وكتب له بها عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات لكن علة هذا الحديث أن وكيعا رواه عن سعيد بن سعيد عن سعيد بن عمير الأنصاري عن أبيه وكان بدريا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى علي فذكره قال النسائي أنا الحسين بن حريث حدثنا وكيع فذكره فقد أختلف فيه أبو أسامة ووكيع(1\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "79",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7595",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الحافظ أبو قريش محمد بن جمعة سألت أبا زرعة يعني الرازي عن اختلاف هذين الحديثين فقال حديث أبي أسامة أشبه وقال الطبراني في المعجم الكبير حدثنا عبيد بن غنام حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة عن سعيد بن سعيد أبى الصباح حدثنا سعيد بن عمير بن عقبة بن نيار الأنصاري عن عمه أبي بردة بن نيار فذكره ورواه ابن أبي عاصم في كتاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة عن سعيد بن سعيد به(1\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "80",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7596",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه  فقال أبو الشيخ الأصبهاني أنا إسحاق بن أحمد الفارسي حدثنا أبو كريب حدثنا قبيصة عن نعيم بن ضمضم قال قال لي عمران بن حميري ألا أحدثك عن خليلي عمار بن ياسر رضي الله عنه قلت بلى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله تبارك وتعالى ملكا أعطاه أسماع الخلائق فهو قائم على قبري إذا مت فليس أحد يصلي علي صلاة إلا قال يا محمد صلى عليك فلان بن فلان قال فيصلي الرب تبارك وتعالى على ذلك الرجل بكل واحدة عشرا وقال الطبراني في المعجم الكبير حدثنا محمد بن(1\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "81",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7597",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عثمان بن أبي شيبة حدثنا أبو كريب حدثنا قبيصة بن عقبة عن نعيم بن ضمضم عن ابن الحميري قال قال لي عمار بن ياسر يا ابن الحميري ألا أحدثك عن حبيبي نبي الله صلى الله عليه وسلم قلت بلى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عمار إن لله ملكا أعطاه أسماع الخلائق كلها وهو قائم على قبري إذا مت إلى يوم القيامة فليس أحد من أمتي يصلي علي صلاة إلا سماه باسمه واسم أبيه قال يا محمد صلى عليك فلان بن فلان كذا وكذا فيصلي الرب عز وجل على ذلك الرجل بكل واحدة عشرا حدثنا أحمد بن داود المكي حدثنا عبد الرحمن بن صالح الكوفي حدثنا نعيم بن ضمضم عن خال له يقال له عمران الحميري قال سمعت عمار بن ياسر يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن لله ملكا أعطاه سماع العباد فليس من أحد يصلي علي صلاة إلا أبلغنيها وإني سألت ربي أن لا يصلي علي عبد صلاة إلا صلى الله عليه عشر أمثالها رواه الروياني في مسنده عن أبي كريب عن قبيصة عن نعيم بن ضمضم(1\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "82",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7598",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف رضي الله عنه  فقال الشافعي في مسنده أخبرني مطرف بن مازن عن معمر عن الزهري قال أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف أنه أخبره رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ فاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات ولا يقرأ في شيء منهن ثم يسلم سرا في نفسه وقال إسماعيل بن إسحاق حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الأعلى حدثنا معمر عن الزهري قال سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف يحدث سعيد بن المسيب قال إن السنة في صلاة الجنازة أن يقرأ فاتحة الكتاب ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يخلص الدعاء للميت حتى يفرغ ولا يقرأ إلا مرة واحدة ثم يسلم في نفسه \/\/ إسناده صحيح \/\/(1\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "83",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7599",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورواه النسائي في سننه وهذا \/\/ إسناده صحيح \/\/ وأبو أمامة بن سهل بن حنيف بن واهب الأنصاري من بني عمرو بن عوف بن مالك اسمه أسعد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم جده أبي أمه أسعد بن زرارة وكناه بكنيته ودعا له وبرك عليه وعده أبو عمر وغيره في الصحابة قال ابن عبد البر توفي سنة مائة وهو ابن نيف وتسعين سنة قال وروى الليث بن سعد عن يونس عن ابن شهاب قال أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف وكان ممن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم لكن قد اختلف في هذا الحديث فقال مطرف بن مازن عن معمر عن الزهري عن أبي أمامة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من السنة وقال عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن أبي أمامة من السنة ورواه الشافعي بالوجهين وليس هذا بعلة قادحة فيه فإن جهالة الصحابي لا تضر وقول الصحابي من السنة اختلف فيه فقيل هو في حكم المرفوع وقيل لا يقضي له بالرفع والصواب التفصيل كما هو مذكور في غير هذا الموضع(1\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "84",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7600",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه  فقال الدقيقي حدثنا إسماعيل بن أبان الوراق الكوفي حدثني قيس بن الربيع عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر فقال آمين آمين فقيل يا رسول الله ما كنت تصنع هذا فقال قال لي جبريل فذكر الحديث وقال فيه يا محمد من ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله قل آمين قلت آمين وقيس بن الربيع صدوق سيئ الحفظ كان شعبة يثني عليه وقال أبو حاتم محلة الصدق وليس بالقوي وقال ابن عدي عامة رواياته مستقيمة وهذا الأصل قد روي من حديث أبي هريرة ومن حديث كعب بن عجرة ومن حديث ابن عباس ومن حديث أنس ومن حديث مالك بن الحويرث ومن حديث عبد الله بن الحارث بن جزء(1\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "85",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7601",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الزبيدي ومن حديث جابر بن سمرة رضي الله عنهم فأما حديث أبي هريرة وجابر بن سمرة وكعب بن عجرة وأنس بن مالك فقد تقدمت(1\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "86",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7602",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه  فقال أبو حاتم البستي في صحيحه حدثنا عبد الله بن صالح المحاربي ببغداد حدثنا الحسن بن علي الحلواني حدثنا عمران بن أبان حدثنا ابن الحسن بن مالك بن الحويرث عن أبيه عن جده قال صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فلما رقى عتبتة قال آمين ثم رقى عتبة أخرى فقال آمين ثم رقى عتبة ثالثة وقال آمين ثم قال أتاني جبريل وقال يا محمد من أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده الله قلت آمين قال ومن أدرك والديه أو أحدهما فدخل النار فأبعده الله فقلت آمين فقال ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك فأبعده الله قل آمين قلت آمين(1\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "87",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7603",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث عبد الله بن جزء الزبيدي رضي الله عنه  فقال جعفر الفرياني حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا ابن لهيعة عن عبد الله بن يزيد الصدفي عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فصعد المنبر فلما صعد أول درجة قال آمين ثم صعد الثانية فقال آمين ثم صعد الثالثة فقال آمين فلما نزل قيل له رأيناك صنعت شيئا ما كنت تصنعه فقال إن جبريل تبدي لي في أول درجة فقال يا محمد من أدرك أحد والديه فلم يدخلاه الجنة فأبعده الله ثم أبعده قال فقلت آمين ثم قال في الثانية من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له أبعده الله فقلت آمين وقال في الثالثة من ذكرت عنده فلم يصل عليك فأبعده الله ثم أبعده الله فقلت آمين \/\/ إسناده صحيح \/\/(1\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "88",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7604",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما  فقال الطبراني في المعجم حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا ليث بن هارون العكلي حدثنا محمد بن فضيل عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال بينما النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر إذ قال آمين ثلاث مرات فسئل عن ذلك فقال أتاني جبريل فقال من ذكرت عنده فلم يصل عليك فأبعده الله قل آمين فقلت آمين قال ومن أدرك والديه أو أحدهما فمات ولم يغفر له فأبعده الله قل آمين فقلت آمين ومن أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده الله قل آمين فقلت آمين ومن حديث ابن عباس رضي الله عنهما أيضا في ذلك ما رواه محمد بن الحسن الهاشمي حدثني سليمان بن الربيع حدثنا كادح بن رحمة حدثنا نهشل بن سعيد عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى على في كتاب لم تزل الصلاة جارية له ما دام اسمي في ذلك الكتاب(1\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "89",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7605",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكادح هذا ونهشل غير ثقتين وقد اتهما بالكذب لكن لم يرو في هذا الأصل إلا هذا الحديث وحديث آخر من رواية ابن الجارود حدثنا محمد بن عاصم حدثنا بشير بن عبيد حدثنا محمد بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن عبد الله عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره وقد روي موقوفا من كلام جعفر بن محمد وهو أشبه يرويه محمد بن حمير عنه قال من صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب صلت عليه الملائكة غدوة ورواحا ما دام اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الكتاب وقال أحمد بن عطاء الروذباري سمعت أبا صالح عبد الله بن صالح يقول رؤي بعض أصحاب الحديث في المنام فقيل له ما فعل الله بك فقال غفر لي فقيل بأي شيء فقال بصلاتي في كتبي على النبي صلى الله عليه وسلم ومن حديثه أيضا ما رواه الطبراني في معجمه عن عبدان بن أحمد حدثنا جبارة بن مغلس حدثنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله(1\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "90",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7606",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسي الصلاة علي خطئ طريق الجنة ورواه ابن ماجة في سننه عن جبارة بن مغلس وجبارة هذا كان ممن وضع له الحديث حدث به وهو لا يشعر وهذا المعنى قد روي من حديث أبى هريرة وحسين بن علي ومحمد بن الحنفية وابن عباس فأما حديث حسين بن علي وابن عباس فقد تقدما(1\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "91",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7607",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واما حديث محمد بن الحنفية رضي الله عنه  فقال ابن أبي عاصم في كتاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا أبو بكر حدثنا حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذكرت عنده فنسي الصلاة علي خطئ طريق الجنة \/\/ إسناده جيد \/\/(1\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "92",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7608",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه  فقال عبد الخالق بن الحسن السقطي حدثنا محمد بن سليمان بن الحارث حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثني أبي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسي الصلاة علي خطئ طريق الجنة(1\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "93",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7609",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث أبي ذر رضي الله عنه  فقال إسماعيل بن إسحاق في كتاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا حجاج بن المنهال حدثنا حماد بن سلمة عن معبد بن هلال العنزي قال حدثني رجل من أهل دمشق عن عوف بن مالك عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصل علي صلى الله عليه وسلم وقال ابن أبي عاصم في كتاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا عمر بن عثمان حدثنا محمد بن شعيب بن شابور عن عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن أبي ذر رضي الله عنه قال خرجت ذات يوم فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ألا أخبركم بأبخل الناس قالوا بلى يا رسول الله قال من ذكرت عنده فلم يصل علي فذلك أبخل الناس \/\/ إسناده ضعيف \/\/(1\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "94",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7610",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا من رواية الصحابي عن مثله وهذا الأصل قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث علي بن أبي طالب وابنه الحسين رضي الله عنهما وقد ذكرا(1\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "95",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7611",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه  فقال ابن منيع في مسنده حدثنا يوسف بن عطية الصفار عن العلاء بن كثير عن مكحول عن واثلة بن الأسقع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما قوم جلسوا في مجلس ثم تفرقوا قبل أن يذكروا الله ويصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم كان ذلك المجلس عليهم ترة يوم القيامة يعني حسرة وهذا الأصل قد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أبو سعيد الخدري وأبو هريرة رضي الله عنهما(1\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "96",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7612",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه  فقال ابن شاهين حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث حدثنا علي بن الحسين المكتب حدثنا إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله التيمي حدثنا فطر بن خليفة عن أبي الطفيل عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من صلى على كنت شفيعة يوم القيامة وقال ابن أبي داود أيضا حدثنا علي بن الحسين حدثنا إسماعيل بن يحيى حدثنا فطر بن خليفة عن أبي الطفيل عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يقول إن الله عز وجل قد وهب لكم ذنوبكم عند الاستغفار فمن استغفر بنية صادقة غفر له ومن قال لا إله إلا الله رجح ميزانه ومن صلى علي كنت شفيعة يوم القيامة(1\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "97",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7613",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث عائشة رضي الله عنها  فقال إبراهيم بن رشيد بن مسلم حدثنا عمر بن حبيب القاضي حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من عبد صلى علي صلاة إلا عرج بها ملك حتى يجيء بها وجه الرحمن عز وجل فيقول ربنا تبارك وتعالى أذهبوا بها إلى قبر عبدي تستغفر لصاحبها وتقر بها عينه وقال أبو نعيم أخبرنا عبد الله بن جعفر أخبرنا إسماعيل بن عبد الله حدثنا عبد الرحمن بن هانئ حدثنا أبو مالك هو عبد الملك بن حسين عن عاصم بن عبيد الله عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى على صلاة صلت عليه الملائكة ما صلى علي فليكثر عبد أو يقل(1\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "98",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7614",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما  فقال أبو داود في سننه حدثنا محمد يعني ابن سلمة حدثنا ابن وهب عن ابن لهيعة وحيوة وسعيد بن أبي أيوب عن كعب بن علقمة عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة ورواه مسلم عن محمد بن سلمة وله حديث آخر موقوف ذكره عبد الله بن أحمد حدثنا أبي حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة عن عبد الله وفي نسخة عبد الرحمن بن شريح الخولاني قال(1\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "99",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7615",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سمعت أبا قيس مولى عمرو بن العاص يقول سمعت عبد الله بن عمر يقول من صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة صلى الله عليه وملائكته بها سبعين صلاة فليقل من ذلك أو ليكثر كذا رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى موقوفا ذكره أبو نعيم عن أحمد بن جعفر عن عبد الله عن أبيه وله حديث آخر موقوف رواه الحافظ أبو موسى المديني من حديث محمد بن أبي العوام عن أبيه حدثنا إبراهيم بن سليمان أبو إسماعيل المؤدب عن سعيد بن معروف عن عمرو بن قيس أو ابن أبي قيس عن أبي الجوزاء عن عبد الله بن عمرو قال من كانت له إلى الله حاجة فليصم الأربعاء والخميس والجمعة فإذا كان يوم الجمعة تطهر وراح إلى المسجد فتصدق بصدقة قلت أو كثرت فإذا صلى الجمعة قال اللهم إني أسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم الذي ملأت عظمته السماوات والأرض الذي عنت له الوجوه وخشعت له الأصوات ووجلت القلوب من خشيته أن تصلي على محمد صلى الله عليه وسلم وأن تعطيني حاجتي وهي كذا وكذا فإنه يستجاب له إن شاء الله تعالى قال وكان يقال لا تعلموه سفهاءكم لئلا يدعوا به في مأثم أو قطيعة رحم(1\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "100",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7616",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث أبي الدرداء رضي الله عنه  فقال الطبراني في المعجم الكبير حدثنا محمد بن علي بن حبيب الطرائفي حدثنا محمد بن علي بن ميمون حدثنا سليمان بن عبد الله الرقي حدثنا بقية بن الوليد عن إبراهيم بن محمد بن زياد قال سمعت خالد بن معدان يحدث عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى على حين يصبح عشرا وحين يمسي عشرا أدركته شفاعتي قال الطبراني حدثنا يحيى بن أيوب العلاف حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا يحيى بن أيوب عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة ليس من عبد يصلي علي إلا بلغني صوته حيث كان قلنا وبعد وفاتك قال وبعد وفاتي إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء(1\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "101",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7617",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث سعيد بن عمير الأنصاري عن أبيه عمير البدري فقال عبد الباقي بن قانع حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله بن صالح بن شيخ بن عميرة قال حدثني محمد بن هشام حدثنا محمد بن ربيعة الكلابي عن أبي الصباح البهري حدثنا سعيد بن عمير عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى علي صادقا من نفسه صلى الله عليه عشر صلوات ورفعه عشر درجات وكتب له بها عشر حسنات(1\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "102",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7618",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "- صلى الله عليه وسلم  - الباب الثاني - صلى الله عليه وسلم  - في المراسيل والموقوفات  فمنها ما رواه إسماعيل في كتابه حدثنا عبد الرحمن بن واقد العطار حدثنا هشيم حدثنا حصين بن عبد الرحمن عن يزيد الرقاشي قال إن ملكا موكل يوم الجمعة من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن فلانا من أمتك يصلي عليك هذا موقوف وقال إسماعيل حدثنا مسلم حدثنا مبارك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أكثروا علي الصلاة يوم الجمعة وقال إبراهيم بن الحجاج حدثنا وهيب عن أيوب قال بلغني والله أعلم أن ملكا موكل بكل من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم حتى يبلغه النبي صلى الله عليه وسلم(1\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "103",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7619",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حدثنا إبراهيم بن حمزة حدثنا عبد العزيز بن محمد عن سهيل قال جئت أسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وحسن بن حسين يتعشى في بيت عند النبي صلى الله عليه وسلم فدعاني فجئته فقال ادن فتعش قال قلت لا أريده قال مالي رأيتك وقفت قال وقفت أسلم على النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا دخلت المسجد فسلم عليه ثم قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلوا في بيوتكم ولا تجعلوا بيوتكم مقابر لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم \/\/ إسناده صحيح \/\/ حدثنا سليمان بن حرب حدثنا جرير بن حازم قال سمعت الحسن يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسب امرئ من البخل أن أذكر عنده فلا يصلي علي صلى الله عليه وسلم حدثنا سلم بن سليمان الضبي حدثنا أبو حرة عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كفى به شحا أن يذكرني قوم فلا يصلون علي صلى الله عليه وسلم حدثنا عارم حدثنا جرير بن حازم عن الحسن رفعه أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة(1\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "104",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7620",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حدثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثنا سليمان بن بلال عن جعفر عن أبيه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم من نسي الصلاة علي خطئ طريق الجنة حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان قال قال عمرو عن محمد بن علي بن حسين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسي الصلاة علي خطئ طريق الجنة قال سفيان قال رجل بعد عمرو سمعت محمد بن علي يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذكرت عنده فلم يصل علي خطئ طريق الجنة ثم سمى سفيان الرجل فقال هو بسام وهو الصيرفي حدثنا سليمان بن حرب وعارم قالا حدثنا حماد بن زياد عن عمرو عن محمد بن علي يرفعه من نسي الصلاة علي خطئ طريق الجنة حدثنا إبراهيم بن الحجاج حدثنا وهيب عن جعفر عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ذكرت عنده فلم يصل علي فقد خطئ طريق الجنة(1\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "105",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7621",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا عمر بن علي عن أبي بكر الجشمي عن صفوان بن سليم عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى على أو سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة حدثنا سعيد الجريري عن يزيد بن عبد الله أنهم كانوا يستحبون أن يقولوا اللهم صل على محمد النبي الأمي عليه السلام حدثنا عاصم بن علي حدثنا المسعودي عن عون بن عبد الله عن أبي فاختة عن الأسود عن عبد الله أنه قال إذا صليتم على النبي صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه قالوا فعلمنا قال قولوا اللهم أجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون والآخرون اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد(1\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "106",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7622",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حدثنا يحيى الحماني حدثنا هشيم حدثنا أبو بلج حدثنا يونس مولى بني هاشم قال قلت لعبد الله بن عمرو أو ابن عمر كيف الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فقال اللهم اجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك إمام الخير وقائد الخير اللهم ابعثه يوم القيامة مقاما محمودا يغبطه الأولون والآخرون وصل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم حدثنا محمود بن خداش أخبرنا جرير عن مغيرة عن أبي معشر عن إبراهيم قال قالوا يا رسول الله قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك قال قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد حدثنا سليمان بن حرب حدثنا السري بن يحيى قال سمعت الحسن قال لما نزلت إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما الأحزاب 56 قالوا يا رسول الله هذا السلام قد علمنا كيف هو فكيف تأمرنا أن نصلي عليك قال تقولون اللهم اجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد حدثنا سليمان بن حرب حدثنا عمرو بن مسافر حدثني(1\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "107",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7623",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شيخ من أهلي قال سمعت سعيد بن المسيب يقول ما من دعوة لا يصلي علي النبي صلى الله عليه وسلم قبلها إلا كانت معلقة بين السماء والأرض وفي الترمذي من حديث النضر بن شميل عن أبي قرة الأسدي عن سعيد بن المسيب عن عمر رضي الله عنه قال إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك صلى الله عليه وسلم وقد روي مرفوعا والموقوف أصح وروى عبد الكريم بن عبد الرحمن الخزاز عن أبي إسحاق السبيعي عن الحارث عن علي رضي الله عنه أنه قال ما من دعاء إلا بينه وبين السماء حجاب حتى يصلى على محمد صلى الله عليه وسلم فإذا صلي على النبي صلى الله عليه وسلم انخرق الحجاب واستجيب الدعاء وإذا لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم لم يستجب الدعاء هذا هو الصواب موقوف ورفعه سلام الخزاز وعبد الكريم بن مالك الخزاز عن أبي إسحاق عن الحارث وقال القاضي إسماعيل حدثنا محمد بن المثنى حدثنا(1\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "108",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7624",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن عبد الله بن الحارث أن أبا حليمة معاذا كان يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت حدثنا معاذ بن أسد حدثنا عبد الله بن المبارك أنا ابن لهيعة حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن نبيه بن وهب أن كعبا دخل على عائشة رضي الله عنها فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كعب ما من فجر يطلع إلا ونزل سبعون ألفا من الملائكة حتى يحفوا بالقبر يضربون بأجنحتهم القبر ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط سبعون ألفا حتى يحفوا بالقبر يضربون بأجنحتهم فيصلون على النبي صلى الله عليه وسلم سبعون ألفا بالليل وسبعون ألفا بالنهار حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفا من الملائكة يزفون حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام الدستوائي حدثنا حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن علقمة أن ابن مسعود وأبا موسى وحذيفة خرج عليهم الوليد بن عقبة قبل العيد يوما فقال لهم إن هذا العيد قد دنا فكيف التكبير فيه قال عبد الله تبدأ(1\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "109",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7625",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة وتحمد ربك وتصلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك ثم تكبر وتفعل مثل ذلك ثم تكبر وتفعل مثل ذلك ثم تقرأ ثم تكبر وتركع ثم تقوم فتقرأ وتركع وتحمد ربك وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك ثم تكبر وتفعل مثل ذلك ثم تكبر وتفعل مثل ذلك ثم تركع فقال حذيفة وأبو موسى صدق أبو عبد الرحمن حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن عبد الله بن أبي بكر قال كنا بالخيف ومعنا عبد الله بن أبي عتبة فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا بدعوات ثم قام فصلى بنا حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب حدثنا عبد الله بن عبد الله الأموي عن صالح بن محمد بن زائدة قال سمعت القاسم بن محمد يقول كان يستحب للرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم(1\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "110",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7626",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حدثنا يحيى بن عبد الحميد حدثنا سيف بن عمر التيمي عن سليمان العبسي عن علي بن حسين قال قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه إذا مررتم بالمساجد فصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال سمعت سعيد بن ذي حدان قال قلت لعلقمة ما أقول إذا دخلت المسجد قال تقول صلى الله وملائكته على محمد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته حدثنا عارم بن الفضل حدثنا عبد الله بن المبارك حدثنا زكريا عن الشعبي عن وهب بن الأجدع قال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول إذا قدمتم فطوفوا بالبيت سبعا وصلوا عند المقام ركعتين ثم ائتوا الصفا فقوموا عليه من حيث ترون البيت فكبروا سبع تكبيرات بين كل تكبيرتين حمد لله وثناء عليه وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ومسألة لنفسك وعلى المروة مثل ذلك حدثنا عبد الرحمن بن واقد العطار حدثنا هشيم أخبرنا العوام بن حوشب حدثني رجل من بني أسد عن عبد الرحمن بن(1\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "111",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7627",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عمرو قال من صلي على النبي صلى الله عليه وسلم كتب الله له عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان عن يعقوب بن زيد بن طلحة التيمي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني آت من ربي فقال ما من عبد يصلي عليك صلاة إلا صلى الله عليه بها عشرا فقام إليه رجل فقال يا رسول الله أجعل نصف دعائي لك قال إن شئت قال أجعل ثلثي دعائي لك قال إن شئت قال أجعل دعائي كله لك قال إذن يكفيك الله هم الدنيا وهم الآخرة فقال شيخ كان بمكة يقال له منيع سفيان عمن أسنده فقال لا أدري حدثنا عبد الرحمن بن واقد العطار حدثنا هشيم حدثنا حصين بن عبد الرحمن عن يزيد الرقاشي قال إن ملكا موكل يوم الجمعة بمن صلى على النبي صلى الله عليه وسلم يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن فلانا من أمتك يصلي عليك وقال علي بن المديني حدثنا سفيان حدثني معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول اللهم تقبل شفاعة محمد الكبرى وارفع درجته العليا(1\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "112",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7628",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأعطه سؤله في الآخرة والأولى كما آتيت إبراهيم وموسى عليهما الصلاة والسلام وقال إسماعيل حدثنا عاصم بن علي وحفص بن عمر وسليمان بن حرب قالوا حدثنا شعبة عن سليمان عن ذكوان عن أبي سعيد قال ما من قوم يقعدون ثم يقومون لا يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم إلا كان عليهم يوم القيامة حسرة وإن دخلوا الجنة يرون الثواب وهذا لفظ الحوضي(1\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "113",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7629",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "- صلى الله عليه وسلم  - الباب الثالث - صلى الله عليه وسلم  - في بيان معنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة على آله وتفسير الآل ووجه تشبيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة على إبراهيم وآله من بين سائر الأنبياء وختم الصلاة بالاسمين الخاصين وهما الحميد المجيد وفي بيان معنى السلام عليه والرحمة والبركة ومعنى اللهم ومعنى اسمه محمد صلى الله عليه وسلم فهذه عشر فصول(1\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "114",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7630",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل الأول  في افتتاح صلاة المصلي بقول اللهم ومعنى ذلك  لا خلاف أن لفظة اللهم معناها يا الله ولهذا لا تستعمل إلا في الطلب فلا يقال اللهم غفور رحيم بل يقال اللهم أغفر لي وارحمني واختلف النحاة في الميم المشددة من آخر الاسم فقال سيبويه زيدت عوضا من حرف النداء ولذلك لا يجوز عنده الجمع بينهما في اختيار الكلام فلا يقال يا اللهم إلا فيما ندر كقول الشاعر (إني إذا ما حدث ألما ... أقول يا اللهم يا اللهما) ويسمى ما كان من هذا الضرب عوضا إذ هو في غير محل المحذوف فإن كان في محله سمي بدلا كالألف في قام وباع فإنها بدل عن الواو والياء ولا يجوز عنده أن يوصف هذا الاسم أيضا فلا يقال يا اللهم الرحيم ارحمني ولا يبدل منه والضمة التي على الهاء ضمة الاسم المنادى المفرد وفتحت(1\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "115",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7631",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الميم لسكونها وسكون الميم التي قبلها وهذا من خصائص هذا الاسم كما اختص بالتاء في القسم وبدخول حرف النداء عليه مع لام التعريف وبقطع همزة وصله في النداء وتفخيم لامه وجوبا غير مسبوقة بحرف إطباق هذا ملخص مذهب الخليل وسيبويه وقيل الميم عوض عن جملة محذوفة والتقدير يا الله أمنا بخير أي اقصدنا ثم حذف الجار والمجرور وحذف المفعول فبقي في التقدير يا الله أم ثم حذفوا الهمزة لكثرة دوران هذا الاسم في الدعاء على ألسنتهم فبقي يا اللهم وهذا قول الفراء وصاحب هذا القول يجوز دخول يا عليه ويحتج بقول الشاعر (وما عليك أن تقولي كلما صليت أو سبحت ... يا اللهما اردد علينا شيخنا مسلما) وبالبيت المتقدم وغيرهما ورد البصريون هذا بوجوه أحدها أن هذه تقادير لا دليل عليها ولا يقتضيها القياس فلا يصار إليها بغير دليل الثاني أن الأصل عدم الحذف فتقدير هذه المحذوفات الكثيرة خلاف الأصل الثالث أن الداعي بهذا قد يدعو بالشر على نفسه وعلى غيره فلا يصح هذا التقدير فيه(1\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "116",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7632",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تجمع بين يا واللهم ولو كان أصله ما ذكره الفراء لم يمتنع الجمع بل كان استعماله فصيحا شائعا والأمر بخلافه الخامس أنه لا يمتنع أن يقول الداعي اللهم أمنا بخير ولو كان التقدير كما ذكره لم يجز الجمع بينهما لما فيه من الجمع بين العوض والمعوض السادس أن الداعي بهذا الاسم لا يخطر ذلك بباله وإنما تكون غايته مجردة إلى المطلوب بعد ذكر الاسم السابع أنه لو كان التقدير ذلك لكان اللهم جملة تامة يحسن السكوت عليها لاشتمالها على الاسم المنادى وفعل الطلب وذلك باطل الثامن أنه لو كان التقدير ما ذكره لكتب فعل الأمر وحده ولم يوصل بالاسم المنادى كما يقال يا الله قه ويا زيد عه ويا عمرو فه لأن الفعل لا يوصل بالاسم الذي قبله حتى يجعلا في الخط كلمة واحدة هذا لا نظير له في الخط وفي الاتفاق على وصل الميم باسم الله دليل على أنها ليست بفعل مستقل التاسع أنه لا يسوغ ولا يحسن في الدعاء أن يقول العبد اللهم أمني بكذا بل هذا مستكره اللفظ والمعنى فإنه لا يقال اقصدني بكذا إلا لمن كان يعرض له الغلط والنسيان فيقول له اقصدني وأما من لا يفعل إلا بإرادته ولا يضل ولا ينسى فلا يقال اقصد كذا العاشر أنه يسوغ استعمال هذا اللفظ في موضع لا يكون بعده دعاء كقوله صلى الله عليه وسلم في الدعاء اللهم لك الحمد وإليك(1\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "117",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7633",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك وقوله صلى الله عليه وسلم اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك وقوله تعالى قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء آل عمران 26 الآية وقوله تعالى قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون الزمر 46 وقول النبي صلى الله عليه وسلم في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم أغفر لي فهذا كله لا يسوغ فيه التقدير الذي ذكروه والله أعلم(1\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "118",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7634",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقيل زيدت الميم للتعظيم والتفخيم كزيادتها في زرقم لشديد الزرقة وابنم في الابن وهذا القول صحيح ولكن يحتاج إلى تتمة وقائله لحظ معنى صحيحا لا بد من بيانه وهو أن الميم تدل على الجمع وتقتضيه ومخرجها يقتضي ذلك وهذا مطرد على أصل من أثبت المناسبة بين اللفظ والمعنى كما هو مذهب أساطين العربية وعقد له أبو الفتح بن جني بابا في الخصائص وذكره عن سيبويه واستدل عليه بأنواع من تناسب اللفظ والمعنى ثم قال ولقد كنت برهة يرد علي اللفظ لا أعلم موضوعه وآخذ معناه من قوة لفظه ومناسبة تلك الحروف لذلك المعنى ثم أكشفه فأجده كما فهمته أو قريبا منه فحكيت لشيخ الإسلام هذا عن ابن جني فقال وأنا كثيرا ما يجري لي ذلك ثم ذكر لي فصلا عظيم النفع في التناسب بين اللفظ والمعنى ومناسبة الحركات لمعنى اللفظ وأنهم في الغالب يجعلون الضمة التي هي أقوى الحركات للمعنى الأقوى والفتحة الخفيفة للمعنى الخفيف والمتوسطة للمتوسط فيقولون عز يعز بفتح العين إذا صلب وأرض عزاز صلبة ويقولون عز يعز بكسرها إذا امتنع والممتنع فوق الصلب فقد يكون الشيء صلبا ولا يمتنع على كاسره ثم يقولون عزه يعزه إذا غلبه قال الله تعالى في قصة داود عليه السلام وعزني في الخطاب ص 23 والغلبة أقوى من الامتناع إذ قد يكون الشيء ممتنعا في نفسه متحصنا من عدوه ولا يغلب غيره فالغالب أقوى من الممتنع فأعطوه أقوى(1\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "119",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7635",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحركات والصلب أضعف من الممتنع فأعطوه أضعف الحركات والممتنع المتوسط بين المرتبتين فأعطوه حركة الوسط ونظير هذا قولهم ذبح بكسر أوله للمحل المذبوح وذبح بفتح أوله لنفس الفعل ولا ريب أن الجسم أقوى من العرض فأعطوا الحركة القوية للقوي والضعيفة للضعيف وهو مثل قولهم نهب ونهب بالكسر للمنهوب وبالفتح للفعل وكقولهم ملء وملء بالكسر لما يملأ الشيء وبالفتح للمصدر الذي هو الفعل وكقولهم حمل وحمل فبالكسر لما كان قويا مرئيا مثقلا لحامله على ظهره أو رأسه أو غيرهما من أعضائه والحمل بالفتح لما كان خفيفه غير مثقل لحامله كحمل الحيوان وحمل الشجرة به أشبه ففتحوه وتأمل كونهم عكسوا هذا في الحب والحب فجعلوا المكسور الأول لنفس المحبوب ومضمومه للمصدر إيذانا بخفة المحبوب على قلوبهم ولطف موقعه في أنفسهم وحلاوته عندهم وثقل حمل الحب ولزومه للمحب كما يلزم الغريم غريمه ولهذا يسمى غراما ولهذا كثر وصفهم لتحمله بالشدة والصعوبة وإخبارهم بأن أعظم المخلوقات وأشدها من الصخر والحديد ونحوهما لو حمله لذاب ولم يستقل به كما هو كثير في أشعار المتقدين والمتأخرين وكلامهم فكان الأحسن أن يعطوا المصدر هنا الحركة القوية والمحبوب الحركة التي هي أخف منها ومن هذا قولهم قبض بسكون وسطه للفعل وقبض بتحريكه للمقبوض والحركة أقوى من السكون والمقبوض أقوى من المصدر ونظيره سبق بالسكون للفعل وسبق بالفتح للمال المأخوذ في هذا العقد وتأمل قولهم دار دورانا وفارت القدر(1\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "120",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7636",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فورانا وغلت غليانا كيف تابعوا بين الحركات في هذه المصادر لتتابع حركة المسمى فطابق اللفظ المعنى وتأمل قولهم حجر وهواء كيف وضعوا للمعنى الثقيل الشديد هذه الحروف الشديدة ووضعوا للمعنى الخفيف هذه الحروف الهوائية التي هي من أخف الحروف وهذا أكثر من أن يحاط به وإن مد الله في العمر وضعت فيه كتابا مستقلا إن شاء الله تعالى ومثل هذه المعاني يستدعي لطافة ذهن ورقة طبع ولا تتأتى مع غلظ القلوب والرضى بأوائل مسائل النحو والتصريف دون تأملها وتدبرها والنظر إلى حكمة الواضع ومطالعة ما في هذه اللغة الباهرة من الأسرار التي تدق على أكثر العقول وهذا باب ينبه الفاضل على ما وراءه ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور النور 40 وانظر إلى تسميتهم الغليظ الجافي بالعتل والجعظري والجواظ كيف تجد هذه الألفاظ تنادي على ما تحتها من المعاني وانظر إلى تسميتهم الطويل بالعشنق وتأمل اقتضاء هذه الحروف ومناسبتها لمعنى الطويل وتسميتهم القصير بالبحتر وموالاتهم بين ثلاث فتحات في اسم الطويل وهو العشنق وإتيانهم بضمتين بينهما سكون في البحتر كيف يقتضي اللفظ الأول انفتاح الفم وانفراج آلات النطق وامتدادها وعدم ركوب بعضها بعضا وفي اسم البحتر الأمر بالضد وتأمل قولهم طال الشيء فهو طويل وكبر فهو كبير فإن زاد طوله قالوا طوالا وكبارا فأتوا بالألف التي هي أكثر مدا وأطول من الياء في المعنى الأطول فإن زاد كبر الشيء وثقل موقعه من النفوس ثقلوا اسمه فقالوا كبارا بتشديد الباء(1\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "121",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7637",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولو أطلقنا عنان القلم في ذلك لطال مداه واستعصى على الضبط فلنرجع إلى ما جرى الكلام بسببه فنقول الميم حرف شفهي يجمع الناطق به شفتيه فوضعته العرب علما على الجمع فقالوا للواحد أنت فإذا جاوزوه إلى الجمع قالوا أنتم وقالوا للواحد الغائب هو فإذا جاوزوه إلى الجمع قالوا هم وكذلك في المتصل يقولون ضربت وضربتم وإياك وإياكم وإياه وإياهم ونظائره نحو به وبهم ويقولون للشيء الأزرق أزرق فإذا اشتدت زرقته واستحكمت قالوا زرقم ويقولون للكبير الأست ستهم وتأمل الألفاظ التي فيها الميم كيف تجد الجمع معقودا بها مثل لم الشيء يلمه إذا جمعه ومنه لم الله شعثه أي جمع ما تفرق من أموره ومنه قولهم دار لمومة أي تلم الناس وتجمعهم ومنه أكلا لما الفجر 19 جاء في تفسيرها يأكل نصيبه ونصيب صاحبه وأصله من اللم وهو الجمع كما يقال لفه يلفه ومنه ألم بالشيء إذا قارب الاجتماع به والوصول إليه ومنه اللمم وهو مقاربة الاجتماع بالكبائر ومنه الملمة وهي النازلة التي تصيب العبد ومنه اللمة وهي الشعر الذي قد اجتمع وتقلص حتى جاوز شحمة الأذن ومنه تم الشيء وما تصرف منها ومنه بدر التم إذا كمل واجتمع نوره ومنه التوأم للولدين المجتمعين في بطن ومنه الأم وأم الشيء أصله الذي تفرع منه فهو الجامع له وبه سميت مكة أم القرى والفاتحة أم القرآن واللوح المحفوظ أم الكتاب قال الجوهري أم الشيء أصله ومكة أم القرى وأم(1\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "122",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7638",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مثواك صاحبة منزلك يعني التي تأوي إليها وتجتمع معها وأم الدماغ الجلدة التي تجمع الدماغ ويقال لها أم الرأس وقوله تعالى في الآيات المحكمات هن أم الكتاب آل عمران 7 والأمة الجماعة المتساوية في الخلقة والزمان قال تعالى وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم الأنعام 38 وقال النبي صلى الله عليه وسلم لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها ومنه الإمام الذي يجتمع المقتدون به على اتباعه ومنه أم الشيء يؤمه إذا اجتمع قصده وهمه إليه ومنه رم الشيء يرمه إذا أصلحه وجمع متفرقة قيل ومنه سمي الرمان لاجتماع حبه وتضامه ومنه ضم الشيء يضمه إذا جمعه ومنه هم الإنسان وهمومه وهي إرادته وعزائمه التي تجتمع في قلبه ومنه قولهم للأسود أحم وللفحمة السوداء حممة وحمم رأسه إذا اسود بعد حلقه كل هذا لأن السواد لون جامع للبصر لا يدعه يتفرق ولهذا يجعل على عيني الضعيف البصر لوجع أو غيره شيء أسود من شعر أو خرقة ليجمع عليه بصره فتقوى القوة(1\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "123",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7639",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباصرة وهذا باب طويل فلنقتصر منه على هذا القدر وإذا علم هذا من شأن الميم فهم ألحقوها في آخر هذا الاسم الذي يسأل الله سبحانه به في كل حاجة وكل حال إيذانا بجميع أسمائه وصفاته فالسائل إذا قال اللهم إني أسألك كأنه قال أدعو الله الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى بأسمائه وصفاته فأتى بالميم المؤذنة بالجمع في آخر هذا الاسم إيذانا بسؤاله تعالى بأسمائه كلها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ما أصاب عبدا قط هم ولا حزن فقال اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحا قالوا يا رسول الله أفلا نتعلمهن قال بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن \/\/ إسناده صحيح \/\/ فالداعي مندوب إلى أن يسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته كما في الاسم الأعظم اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت الحنان المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم \/\/ إسناده صحيح \/\/(1\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "124",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7640",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذه الكلمات تتضمن الأسماء الحسنى كما ذكر في غير هذا الموضع والدعاء ثلاثة أقسام أحدها أن يسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها الأعراف 180 والثاني أن تسأله بحاجتك وفقرك وذلك فتقول أنا العبد الفقير المسكين البائس الذليل المستجير ونحو ذلك والثالث أن تسأل حاجتك ولا تذكر واحدا من الأمرين فالأول أكمل من الثاني والثاني أكمل من الثالث فإذا جمع الدعاء الأمور الثلاثة كان أكمل وهذه عامة أدعية النبي صلى الله عليه وسلم وفي الدعاء الذي علمه صديق الأمة رضي الله عنه ذكر الأقسام الثلاثة فإنه قال في أوله ظلمت نفسي ظلما كثيرا وهذا حال السائل ثم قال وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وهذا حال المسؤول ثم قال فاغفر لي فذكر حاجته وختم الدعاء باسمين من الأسماء الحسنى تناسب المطلوب وتقتضيه وهذا القول الذي اخترناه جاء عن غير واحد من السلف قال الحسن البصري اللهم مجمع الدعاء وقال أبو رجاء(1\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "125",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7641",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العطاردي إن الميم في قوله اللهم فيها تسعة وتسعون اسما من أسماء الله تعالى وقال النضر بن شميل من قال اللهم فقد دعا الله بجميع أسمائه وقد وجه طائفة هذا القول بأن الميم هنا بمنزلة الواو الدالة على الجمع فإنها من مخرجها فكأن الداعي بها يقول يا الله الذي اجتمعت له الأسماء الحسنى والصفات العلى قال ولذلك شددت لتكون عوضا عن علامتي الجمع وهي الواو والنون في مسلمون ونحوه وعلى الطريقة التي ذكرناها أن نفس الميم دالة على الجمع لا يحتاج إلى هذا يبقى أن يقال فهلا جمعوا بين يا وبين هذه الميم على المذهب الصحيح فالجواب أن القياس يقتضي عدم دخول حرف النداء على هذا الاسم لمكان الألف واللام منه وإنما احتملوا ذلك فيه لكثرة استعمالهم دعاءه واضطرارهم إليه واستغاثتهم به فإما أن يحذفوا الألف واللام منه وذلك لا يسوغ للزومهما له وإما أن يتوصلوا إليه ب أي وذلك لا يسوغ لأنها لا يتوصل بها إلا إلى نداء اسم الجنس المحلى بالألف واللام كالرجل والرسول والنبي وأما في الأعلام فلا فخالفوا قياسهم في هذا الاسم لمكان الحاجة فلما أدخلوا الميم المشددة في آخره عوضا عن جميع الأسماء جعلوها عوضا عن حرف النداء فلم يجمعوا بينهما والله أعلم(1\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "126",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7642",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل الثاني  في بيان معنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم  وأصل هذه اللفظة في اللغة يرجع إلى معنيين أحدهما الدعاء والتبريك والثاني العبادة فمن الأول قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم التوبة 103 وقوله تعالى في حق المنافقين ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره التوبة 84 وقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا دعي أحدكم إلى الطعام فليجب فإن كان صائما فليصل فسر بهما قيل فليدع لهم بالبركة وقيل يصلي عندهم بدل أكله وقيل إن الصلاة في اللغة معناها الدعاء والدعاء نوعان دعاء عبادة ودعاء مسألة والعابد داع كما أن السائل داع وبهما فسر قوله تعالى وقال ربكم ادعوني أستجب لكم غافر 60 قيل أطيعوني أثبكم وقيل سلوني أعطكم وفسر بهما قوله تعالى وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان البقرة 186 والصواب أن الدعاء يعم النوعين وهذا لفظ متواطئ لا(1\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "127",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7643",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اشتراك فيه فمن استعماله في دعاء العبادة قوله تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض سبأ 22 وقوله تعالى والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون النحل 20 وقوله تعالى قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم الفرقان 77 والصحيح من القولين لولا أنكم تدعونه وتعبدونه أي أي شيء يعبأ بكم لولا عبادتكم إياه فيكون المصدر مضافا إلى الفاعل وقال تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا الأعراف 55 56 وقال تعالى إخبارا عن أنبيائه ورسله إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا الأنبياء 90 وهذه الطريقة أحسن من الطريقة الأولى ودعوى الاختلاف في مسمى الدعاء وبهذا تزول الإشكالات الواردة على اسم الصلاة الشرعية هل هو منقول عن موضعه في اللغة فيكون حقيقة شرعية أو مجازا شرعيا فعلى هذا تكون الصلاة باقية على مسماها في اللغة وهو الدعاء والدعاء دعاء عبادة ودعاء مسألة والمصلي من حين تكبيره إلى سلامه بين دعاء العبادة ودعاء المسألة فهو في صلاة حقيقية لا مجازا ولا منقولة لكن خص اسم الصلاة بهذه العبادة المخصوصة كسائر الألفاظ التي يخصها أهل اللغة والعرف ببعض مسماها كالدابة والرأس ونحوهما فهذا غايته تخصيص اللفظ وقصره على بعض موضوعه ولهذا لا يوجب نقلا ولا خروجا عن موضوعه الأصلي والله أعلم(1\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "128",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7644",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  هذه صلاة الآدمي وأما صلاة الله سبحانه على عبده فنوعان عامة وخاصة أما العامة فهي صلاته على عباده المؤمنين قال تعالى هو الذي يصلي عليكم وملائكته الأحزاب 43 ومنه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة على آحاد المؤمنين كقوله اللهم صل على آل أبي أوفى وفي حديث آخر أن امرأة قالت له صل علي وعلى زوجي قال صلى الله عليك وعلى زوجك وسيأتي ذكر هذا الحديث وما شابهه إن شاء الله تعالى(1\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "129",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7645",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النوع الثاني صلاته الخاصة على أنبيائه ورسله خصوصا على خاتمهم وخيرهم محمد صلى الله عليه وسلم فاختلف الناس في معنى الصلاة منه سبحانه على أقوال أحدها أنها رحمته قال إسماعيل حدثنا نصر بن علي حدثنا محمد بن سواء عن جويبر عن الضحاك قال صلاة الله رحمته وصلاة الملائكة الدعاء \/\/ سنده ضعيف \/\/ وقال المبرد أصل الصلاة الرحم فهي من الله رحمة ومن الملائكة رقة واستدعاء للرحمة من الله وهذا القول هو المعروف عند كثير من المتأخرين والقول الثاني أن صلاة الله مغفرته قال إسماعيل ثنا محمد بن أبي بكر ثنا محمد بن سواء عن جويبر عن الضحاك هو الذي يصلي عليكم قال صلاة الله مغفرته وصلاة الملائكة الدعاء \/\/ ضعيف جدا \/\/ وهذا القول من جنس الذي قبله وهما ضعيفان لوجوه أحدها أن الله سبحانه فرق بين صلاته على عباده ورحمته فقال تعالى وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون البقرة 157 فعطف الرحمة على الصلاة فاقتضى ذلك تغايرهما هذا أصل العطف وأما قولهم (وألفى قولها كذبا ومينا ... )(1\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "130",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7646",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهو شاذ نادر لا يحمل عليه أفصح الكلام مع أن المين أخص من الكذب الوجه الثاني أن صلاة الله سبحانه خاصة بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين وأما رحمته فوسعت كل شيء فليست الصلاة مرادفة للرحمة لكن الرحمة من لوازم الصلاة وموجباتها وثمراتها فمن فسرها بالرحمة فقد فسرها ببعض ثمرتها ومقصودها وهذا كثيرا ما يأتي في تفسير ألفاظ القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم يفسر اللفظة بلازمها وجزء معناها كتفسير الريب بالشك والشك جزء مسمى الريب وتفسير المغفرة بالستر وهو جزء مسمى المغفرة وتفسير الرحمة بإرادة الإحسان وهو لازم الرحمة ونظائر ذلك كثيرة قد ذكرناها في أصول التفسير الوجه الثالث أنه لا خلاف في جواز الترحم على المؤمنين واختلف السلف والخلف في جواز الصلاة على الأنبياء على ثلاثة أقوال سنذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى فعلم أنهما ليسا بمترادفين الوجه الرابع أنه لو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقامت مقامها في امتثال الأمر وأسقطت الوجوب عند من أوجبها إذا قال اللهم ارحم محمدا وآل محمد وليس الأمر كذلك الوجه الخامس أنه لا يقال لمن رحم غيره ورق عليه فأطعمه أو سقاه أو كساه أنه صلى عليه ويقال إنه قد رحمه الوجه السادس أن الإنسان قد يرحم من يبغضه ويعاديه فيجد في قلبه له رحمة ولا يصلي عليه(1\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "131",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7647",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه السابع أن الصلاة لا بد فيها من كلام فهي ثناء من المصلي على من يصلي عليه وتنويه به وإشارة لمحاسنه ومناقبه وذكره ذكر البخاري في صحيحه عن أبي العالية قال صلاة الله على رسوله ثناؤه عليه عند الملائكة \/\/ سنده قابل للتحسن \/\/ وقال إسماعيل في كتابه حدثنا نصر بن علي حدثنا خالد بن يزيد عن أبي جعفر عن الربيع بن أنس عن أبي العالية إن الله وملائكته يصلون على النبي الأحزاب 56 قال صلاة الله عز وجل ثناؤه عليه وصلاة الملائكة عليه الدعاء الوجه الثامن أن الله سبحانه فرق بين صلاته وصلاة ملائكته وجمعهما في فعل واحد فقال إن الله وملائكته يصلون على النبي وهذه الصلاة لا يجوز أن تكون هي الرحمة وإنما هي ثناؤه سبحانه وثناء ملائكته عليه ولا يقال الصلاة لفظ مشترك ويجوز أن يستعمل في معنييه معا لأن في ذلك محاذير متعددة أحدها أن الاشتراك خلاف الأصل بل لا يعلم أنه وقع في اللغة من واضع واحد كما نص على ذلك أئمة اللغة منهم المبرد وغيره وإنما يقع وقوعا عارضا اتفاقيا بسبب تعدد الواضعين ثم تختلط اللغة فيقع الاشتراك الثاني أن الأكثرين لا يجووزون استعمال اللفظ المشترك في معنييه لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز وما حكي عن(1\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "132",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7648",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشافعي رحمه الله من تجويزه ذلك فليس بصحيح عنه وإنما أخذ من قوله إذا أوصى لمواليه وله موال من فوق ومن أسفل تناول جميعهم فظن من ظن أن لفظ المولى مشترك بينهما وأنه عند التجرد يحمل عليهما وهذا ليس بصحيح فإن لفظ المولى من الألفاظ المتواطئة فالشافعي في ظاهر مذهبه وأحمد يقولان بدخول نوعي الموالي في هذا اللفظ وهو عنده عام متواطئ لا مشترك واما ما حكي عن الشافعي رحمه الله أنه قال في مفاوضة جرت له في قوله أو لامستم النساء وقد قيل له قد يراد بالملامسة المجامعة قال هي محمولة على الجس باليد حقيقة وعلى الوقاع مجازا فهذا لا يصح عن الشافعي ولا هو من جنس المألوف من كلامه وإنما هذا من كلام بعض الفقهاء المتأخرين وقد ذكرنا على إبطال استعمال اللفظ المشترك في معنييه معا بضعة عشر دليلا في مسألة القرء في  كتاب التعليق على الأحكام  فإذا كان معنى الصلاة هو الثناء على الرسول والعناية به وإظهار شرفه وفضله وحرمته كما هو المعروف من هذه اللفظة لم يكن لفظ الصلاة في الآية مشتركا محمولا على معنييه بل قد يكون مستعملا في معنى واحد وهذا هو الأصل وسنعود إلى هذه المسألة إن شاء الله تعالى في الكلام على تفسير قوله تعالى إن الله وملائكته يصلون على النبي الأحزاب 56 الوجه التاسع أن الله سبحانه أمر بالصلاة عليه عقب إخباره بأنه وملائكته يصلون عليه والمعنى أنه إذا كان الله وملائكته(1\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "133",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7649",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يصلون على رسوله فصلوا أنتم عليه فأنتم أحق بأن تصلوا عليه وتسلموا تسليما لما نالكم ببركة رسالته ويمن سفارته من شرف الدنيا والآخرة ومن المعلوم أنه لو عبر عن هذا المعنى بالرحمة لم يحسن موقعه ولم يحسن النظم فينقض اللفظ والمعنى فإن التقدير يصير إلى أن الله وملائكته ترحم ويستغفرون لنبيه فادعوا أنتم له وسلموا وهذا ليس مراد الآية قطعا بل الصلاة المأمور بها فيها هي الطلب من الله ما أخبر به عن صلاته وصلاة ملائكته وهي ثناء عليه وإظهار لفضله وشرفه وإرادة تكريمه وتقريبه فهي تتضمن الخبر والطلب وسمي هذا السؤال والدعاء منا نحن صلاة عليه لوجهين أحدهما أنه يتضمن ثناء المصلي عليه والإشادة بذكر شرفه وفضله والإرادة والمحبة لذلك من الله تعالى فقد تضمنت الخبر والطلب والوجه الثاني أن ذلك سمي منا صلاة لسؤالنا من الله أن يصلي عليه فصلاة الله عليه ثناؤه وإرادته لرفع ذكره وتقريبه وصلاتنا نحن عليه سؤالنا الله تعالى أن يفعل ذلك به وضد هذا في لعنة أعدائه الشانئين لما جاء به فإنها تضاف إلى الله وتضاف إلى العبد كما قال تعالى إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون البقرة 159 فلعنه الله تعالى لهم تتضمن ذمه وإبعاده وبغضه لهم ولعنة العبد تتضمن سؤال الله تعالى أن يفعل ذلك بمن هو أهل للعنته وإذا ثبت هذا فمن المعلوم أنه لو كانت الصلاة هي(1\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "134",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7650",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرحمة لم يصح أن يقال لطالبها من الله مصليا وإنما يقال له مسترحما له كما يقال لطالب المغفرة مستغفرا له ولطالب العطف مستعطفا ونظائره ولهذا لا يقال لمن سأل الله المغفرة لغيره قد غفر له فهو غافر ولا لمن سأله العفو عنه قد عفا عنه وهنا قد سمي العبد مصليا فلو كانت الصلاة هي الرحمة لكان العبد راحما لمن صلى عليه وكان قد رحمه برحمة ومن رحم النبي صلى الله عليه وسلم مرة رحمه الله بها عشرا وهذا معلوم البطلان فإن قيل ليس معنى صلاة العبد عليه صلى الله عليه وسلم رحمته وإنما معناها طلب الرحمة له من الله قيل هذا باطل من وجوه أحدها أن طلب الرحمة مطلوب لكل مسلم وطلب الصلاة من الله يختص رسله صلوات الله وسلامه عليهم عند كثير من الناس كما سنذكره إن شاء الله تعالى الثاني أنه لو سمي طالب الرحمة مصليا لسمي طالب المغفرة غافرا وطالب العفو عافيا وطالب الصفح صافحا ونحوه فإن قيل فأنتم قد سميتم طالب الصلاة من الله مصليا قيل إنما سمي مصليا لوجود حقيقة الصلاة منه فإن حقيقتها الثناء وإرادة الإكرام والتقريب وإعلاء المنزلة وهذا حاصل من صلاة العبد لكن العبد يريد ذلك من الله عز وجل والله سبحانه وتعالى يريد ذلك من نفسه أن يفعله برسوله صلى الله عليه وسلم وأما على الوجه الثاني وأنه سمي مصليا لطلبه ذلك من الله فلأن الصلاة نوع من الكلام الطلبي والخبري والإرادة وقد وجد ذلك من المصلي بخلاف الرحمة والمغفرة فإنها أفعال لا تحصل من الطالب وإنما تحصل من المطلوب منه والله أعلم(1\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "135",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7651",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه العاشر أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا وأنه سبحانه وتعالى قال له إنه من صلى عليك من أمتك مرة صليت عليه بها عشرا وهذا موافق للقاعدة المستقرة في الشريعة أن الجزاء من جنس العمل فصلاة الله على المصلي على رسوله جزاء لصلاته هو عليه ومعلوم أن صلاة العبد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست هي رحمة من العبد لتكون صلاة الله عليه من جنسها وإنما هي ثناء على الرسول صلى الله عليه وسلم وإرادة من الله تعالى أن يعلي ذكره ويزيده تعظيما وتشريفا والجزاء من جنس العمل فمن أثنى على رسول صلى الله عليه وسلم جزاه الله من جنس عمله بأن يثني عليه ويزيد تشريفه وتكريمه فصح ارتباط الجزاء بالعمل ومشاكلته له ومناسبته له كقوله من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة ومن نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة ومن سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار \/\/ حديث صحيح \/\/ ومن صلى علي النبي صلى الله عليه وسلم مرة صلى الله عليه بها عشرا ونظائره كثيرة(1\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "136",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7652",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الحادي عشر أن أحدا لو قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمه الله أو قال رسول الله رحمه الله بدل صلى الله عليه وسلم لبادرت الأمة إلى الإنكار عليه وسموه مبتدعا غير موقر للنبي صلى الله عليه وسلم ولا مصل عليه ولا مثن عليه بما يستحقه ولا يستحق أن يصلي الله عليه بذلك عشر صلوات ولو كانت الصلاة من الله الرحمة لم يمتنع شيء من ذلك الوجه الثاني عشر أن الله سبحانه وتعالى قال لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا النور 63 فأمر سبحانه ألا يدعى رسوله بما يدعو الناس بعضهم بعضا بل يقال يا رسول الله ولا يقال يا محمد وإنما كان يسميه باسمه وقت الخطاب الكفار وأما المسلمون فكانوا يخاطبونه يا رسول الله وإذا كان هذا في خطابه فهكذا في مغيبه لا ينبغي أن يجعل ما يدعى به له من جنس ما يدعو به بعضنا لبعض بل يدعى له بأشرف الدعاء وهو الصلاة عليه ومعلوم أن الرحمة يدعى بها لكل مسلم بل ولغير الآدمي من الحيوانات كما في دعاء الاستسقاء اللهم ارحم عبادك وبلادك وبهائمك الوجه الثالث عشر أن هذه اللفظة لا تعرف في اللغة الأصلية بمعنى الرحمة أصلا والمعروف عند العرب من معناها(1\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "137",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7653",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنما هو الدعاء والتبريك والثناء قال (وإن ذكرت صلى عليها وزمزما ... ) أي برك عليها ومدحها ولا تعرف العرب قط صلى عليه بمعنى الرحمة فالواجب حمل اللفظة على معناها المتعارف في اللغة الوجه الرابع عشر أنه يسوغ بل يستحب لكل أحد أن يسأل الله تعالى أن يرحمه فيقول اللهم ارحمني كما علم النبي صلى الله عليه وسلم الداعي أن يقول اللهم أغفر لي وارحمني وعافني وارزقني فلما حفظها قال أما هذا فقد ملأ يديه من الخير ومعلوم أنه لا يسوغ لأحد أن يقول اللهم صل علي بل الداعي بهذا معتد في دعائه والله لا يحب المعتدين بخلاف سؤال الرحمة فإن الله تعالى يحب أن يسأله عبده مغفرته ورحمته فعلم أنه ليس معناهما واحدا الوجه الخامس عشر أن أكثر المواضع التي تستعمل فيها الرحمة لا يحسن أن تقع فيها الصلاة كقوله تعالى ورحمتي وسعت كل شيء الأعراف 156 وقوله إن رحمتي سبقت غضبي(1\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "138",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7654",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله إن رحمة الله قريب من المحسنين الأعراف 56 وقوله وكان بالمؤمنين رحيما الأحزاب 43 وقوله إنه بهم رؤوف رحيم التوبة 117 وقول النبي صلى الله عليه وسلم لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها وقوله ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء \/\/ الحديث صحيح \/\/ وقوله من لا يرحم لا يرحم وقوله لا تنزع الرحمة إلا من شقي \/\/ سنده حسن \/\/ وقوله والشاة إن رحمتها رحمك الله \/\/ إسناده صحيح \/\/(1\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "139",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7655",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فمواضع استعمال الرحمة في حق الله وفي حق العباد لا يحسن أن تقع الصلاة في كثير منها بل في أكثرها فلا يصح تفسير الصلاة بالرحمة والله أعلم وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما إن الله وملائكته يصلون على النبي قال يباركون عليه وهذا لا ينافي تفسيرها بالثناء وإرادة التكريم والتعظيم فإن التبريك من الله يتضمن ذلك ولهذا قرن بين الصلاة عليه والتبريك عليه وقالت الملائكة لإبراهيم رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت هود 73 وقال المسيح وجعلني مباركا أين ما كنت مريم 31 قال غير واحد من السلف معلما للخير أينما كنت وهذا جزء المسمى فالمبارك كثير الخير في نفسه الذي يحصله لغيره تعليما وإقدارا ونصحا وإرادة واجتهادا ولهذا يكون العبد مباركا لأن الله بارك فيه وجعله كذلك والله تعالى متبارك لأن البركة كلها منه فعبده مبارك وهو المتبارك تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا الفرقان 1 وقوله تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الملك 1 وسنعود إلى هذا المعنى عن قريب إن شاء الله تعالى وقد رد طائفة من الناس تفسير الصلاة من الله بالرحمة بأن قال الرحمة معناها رقة الطبع وهي مستحيلة في حق الله سبحانه وتعالى كما أن الدعاء منه سبحانه مستحيل وهذا الذي(1\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "140",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7656",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قاله هذا عرق عرق جهمي ينضح من قلبه على لسانه وحقيقته إنكار رحمة الله جملة وكان جهم يخرج إلى الجذمى ويقول أرحم الراحمين يفعل هذا إنكارا لرحمته سبحانه وهذا الذي ظنه هذا القائل هو شبهة منكري صفات الرب سبحانه وتعالى فإنهم قالوا الإرادة حركة النفس لجلب ما ينفعها ودفع ما يضرها والرب تعالى يتعالى عن ذلك فلا إرادة له والغضب غليان دم القلب طلبا للانتقام والرب منزه عن ذلك فلا غضب له وسلكوا هذا المسلك الباطل في حياته وكلامه وسائر صفاته وهو من أبطل الباطل فإنه أخذ في مسمى الصفة خصائص المخلوق ثم نفاها جملة عن الخالق وهذا في غاية التلبيس والإضلال فإن الخاصة التي أخذها في الصفة لم يثبت لها لذاتها وإنما يثبت لها بإضافتها إلى المخلوق الممكن ومعلوم أن نفي خصائص صفات المخلوقين عن الخالق لا يقتضي نفي أصل الصفة عنه سبحانه ولا إثبات أصل الصفة له يقتضي إثبات خصائص المخلوق له كما أن ما نفي عن صفات الرب تعالى من النقائص والتشبيه لا يقتضي نفيه عن صفة المخلوق ولا ما ثبت لها من الوجوب والقدم والكمال يقتضي ثبوته للمخلوق ولا إطلاق الصفة على الخالق والمخلوق وهذا مثل الحياة والعلم فإن حياة العبد تعرض لها الآفات المضادة لها من المرض والنوم والموت وكذلك علمه يعرض له النسيان والجهل المضاد له وهذا محال في حياة الرب وعلمه فمن نفى علم الرب وحياته لما يعرض فيهما للمخلوق فقد أبطل وهو نظير نفي من نفى رحمة الرب وعلمه فمن نفى رحمة الرب عنه لما يعرض في رحمة المخلوق من رقة(1\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "141",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7657",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطبع وتوهم المتوهم أنه لا تعقل رحمة إلا هكذا نظير توهم المتوهم أنه لا يعقل علم ولا حياة ولا إرادة إلا مع خصائص المخلوق وهذا الغلط منشؤه إنما هو توهم صفة المخلوق المقيدة به أولا وتوهم أن إثباتها لله هو مع هذا القيد وهذان وهمان باطلان فإن الصفة الثابتة لله مضافة إليه لا يتوهم فيها شيء من خصائص المخلوقين لا في لفظها ولا في ثبوت معناها وكل من نفى عن الرب تعالى صفة من صفاته لهذا الخيال الباطل لزمه نفي جميع صفات كماله لأنه لا يعقل منها إلا صفة المخلوق بل ويلزمه نفي ذاته لأنه لا يعقل من الذوات إلا الذوات المخلوقة ومعلوم أن الرب سبحانه وتعالى لا يشبهه شيء منها وهذا الباطل قد التزمه غلاة المعطلة وكلما أوغل النافي في نفيه كان قوله أشد تناقضا وأظهر بطلانا ولا يسلم على محك العقل الصحيح الذي لا يكذب إلا ما جاءت به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم كما قال تعالى سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين الصافات 159 فنزه سبحانه وتعالى عما يصفه به كل أحد إلا المخلصين من عباده وهم الرسل ومن تبعهم كما قال في الآية الأخرى سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين الصافات 180 182 فنزه نفسه عما يصفه به الواصفون وسلم على المرسلين لسلامة ما وصفوه به من كل نقص وعيب وحمد نفسه إذ هو الموصوف بصفات الكمال التي يستحق لأجلها الحمد ومنزه عن كل نقص ينافي كمال حمده(1\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "142",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7658",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل الثالث  في معنى اسم النبي صلى الله عليه وسلم واشتقاقه  هذا إلا سم هو أشهر أسمائه صلى الله عليه وسلم وهو اسم منقول من الحمد وهو في الأصل اسم مفعول من الحمد وهو يتضمن الثناء على المحمود ومحبته وإجلاله وتعظيمه هذا هو حقيقة الحمد وبني على زنة مفعل مثل معظم ومحبب ومسود ومبجل ونظائرها لأن هذا البناء موضوع للتكثير فإن اشتق منه اسم فاعل فمعناه من كثر صدور الفعل منه مرة بعد مرة كمعلم ومفهم ومبين ومخلص ومفرج ونحوها وإن اشتق منه اسم مفعول فمعناه من كثر تكرر وقوع الفعل عليه مرة بعد أخرى إما استحقاقا أو وقوعا فمحمد هو كثر حمد الحامدين له مرة بعد أخرى أو الذي يستحق أن يحمد مرة بعد أخرى ويقال حمد فهو محمد كما يقال علم فهو معلم وهذا علم وصفة اجتمع فيه الأمران في حقه صلى الله عليه وسلم وإن كان علما محضا في حق كثير ممن تسمى به غيره وهذا شأن أسماء الرب تعالى وأسماء كتابه وأسماء نبيه هي أعلام دالة على معان هي بها أوصاف فلا تضاد فيها العلمية الوصف بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين فهو الله الخالق(1\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "143",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7659",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البارئ المصور القهار فهذه أسماء دالة على معان هي صفاته وكذلك القرآن والفرقان والكتاب المبين وغير ذلك من أسمائه وكذلك أسماء النبي صلى الله عليه وسلم محمد وأحمد والماحي وفي حديث جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن لي أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الأسماء مبينا ما خصه الله به من الفضل وأشار إلى معانيها وإلا فلو كانت أعلاما محضة لا معنى لها لم تدل على مدح ولهذا قال حسان رضي الله عنه (وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد) وكذلك أسماء الرب تعالى كلها أسماء مدح ولو كانت ألفاظا مجردة لا معاني لها لم تدل على المدح وقد وصفها الله سبحانه بأنها حسنى كلها فقال ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون الأعراف 18 فهي لم تكن حسنى لمجرد اللفظ بل لدلالتها على أوصاف الكمال ولهذا لما سمع بعض العرب قارئا يقرأ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله المائدة 38 والله غفور رحيم قال ليس هذا كلام الله تعالى فقال القارئ أتكذب بكلام الله تعالى فقال لا ولكن ليس هذا بكلام الله فعاد إلى حفظه وقرأ والله عزيز حكيم فقال الأعرابي(1\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "144",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7660",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صدقت عز فحكم فقطع ولو غفر ورحم لما قطع ولهذا إذا ختمت آية الرحمة باسم عذاب أو بالعكس ظهر تنافر الكلام وعدم انتظامه وفي السنن من حديث أبي بن كعب قراءة القرآن على سبعة أحرف ثم قال ليس منهن إلا شاف كاف إن قلت سميعا عليما عزيزا حكيما ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب \/\/ إسناده صحيح \/\/ ولو كانت هذه الأسماء أعلاما محضة لا معنى لها لم يكن فرق بين ختم الآية بهذا أو بهذا وأيضا فإنه سبحانه يعلل أحكامه وأفعاله بأسمائه ولو لم يكن لها معنى لما كان التعليل صحيحا كقوله تعالى استغفروا ربكم إنه كان غفارا نوح 10 وقوله تعالى للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم البقرة 226 227 فختم حكم الفيء الذي هو الرجوع والعود إلى رضى الزوجة والإحسان إليها بأنه غفور رحيم يعود على عبده بمغفرته ورحمته إذا رجع إليه والجزاء من جنس العمل فكما رجع إلى التي هي أحسن رجع الله إليه بالمغفرة والرحمة وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم فإن الطلاق لما كان لفظا يسمع ومعنى يقصد عقبه باسم السميع للنطق به العليم بمضمونه وكقوله تعالى ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم(1\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "145",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7661",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ") البقرة 235 فلما ذكر سبحانه وتعالى التعريض بخطبة المرأة الدال على أن المعرض في قلبه رغبة فيها ومحبة لها وأن ذلك يحمله على الكلام الذي يتوصل به إلى نكاحها ورفع الجناح عن التعريض وانطواء القلب على ما فيه من الميل والمحبة ونفي مواعدتهن سرا فقيل هو النكاح والمعنى لا تصرحوا لهن بالتزويج إلا أن تعرضوا تعريضا وهو القول المعروف وقيل هو أن يتزوجها في عدتها سرا فإذا انقضت العدة أظهر العقد ويدل على هذا قوله ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله وهو انقضاء العدة ومن رجح القول الأول قال دلت الآية على إباحة التعريض بنفي الجناح وتحريم التصريح بنفي المواعدة سرا وتحريم عقد النكاح قبل انقضاء العدة فلو كان معنى مواعدة السر هو إسرار العقد كان تكرارا ثم عقب ذلك بقوله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه أن تتعدوا ما حد لكم فإنه مطلع على ما تسرون وما تعلنون ثم قال واعلموا أن الله غفور حليم لولا مغفرته وحلمه لعنتم غاية العنت فإنه سبحانه مطلع عليكم يعلم ما في قلوبكم ويعلم ما تعملون فإن وقعتم في شيء مما نهاكم عنه فبادروا إليه بالتوبة والاستغفار فإنه الغفور الحليم وهذه طريقة القرآن يقرن بين أسماء الرجاء وأسماء المخافة كقوله تعالى اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم(1\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "146",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7662",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ") المائدة 98 وقال أهل الجنة الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور سبأ 34 لما صاروا إلى كرامته بمغفرته ذنوبهم وشكره إحسانهم قالوا إن ربنا لغفور شكور وفي هذا معنى التعليل أي بمغفرته وشكره وصلنا إلى دار كرامته فإنه غفر لنا السيئات وشكر لنا الحسنات وقال تعالى ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما النساء 147 فهذا جزاء لشكرهم أي إن شكرتم ربكم شكركم وهو عليم بشكركم لا يخفى عليه من شكره ممن كفره والقرآن مملوء من هذا والمقصود التنبيه عليه وأيضا فإنه سبحانه يستدل بأسمائه على توحيده ونفي الشرك عنه ولو كانت أسماء لا معنى لها لم تدل على ذلك كقول هارون لعبدة العجل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن طه 90 وقوله سبحانه في القصة إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما طه 98 وقوله تعالى وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم البقرة 163 وقوله سبحانه في آخر سورة الحشر هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون الحشر 22 23 فسبح نزه نفسه عن شرك المشركين به عقب تمدحه بأسمائه الحسنى المقتضية لتوحيده واستحالة إثبات شريك له(1\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "147",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7663",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن تدبر هذا المعنى في القرآن هبط به على رياض من العلم حماها الله عن كل أفاك معرض عن كتاب الله واقتباس الهدى منه ولو لم يكن في كتابنا هذا إلا هذا الفصل وحده لكفى من له ذوق ومعرفة والله الموفق للصواب وأيضا فإن الله تعالى يعلق بأسمائه المعمولات من الظروف والجار والمجرور وغيرهما ولو كانت أعلاما محضة لم يصح فيها ذلك كقوله والله بكل شيء عليم الحجرات 16 والله عليم بالظالمين الجمعة 7 فإن الله عليم بالمفسدين آل عمران 63 و وكان بالمؤمنين رحيما الفرقان 43 إنه بهم رؤوف رحيم التوبة 117 والله على كل شيء قدير آل عمران 189 والله محيط بالكافرين البقرة 19 وكان الله بهم عليما النساء 49 وكان الله على كل شيء مقتدرا الكهف 45 (إنه بما يعملون خبير) هود 111 والله بصير بما تعملون الحجرات 18 إنه بعباده خبير بصير الشورى 27 ونظائره كثيرة وأيضا فإنه سبحانه يجعل أسماءه دليلا على ما ينكره الجاحدون من صفات كماله كقوله تعالى ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير الملك 14 وقد اختلف النظار في هذه الأسماء هل هي متباينة نظرا إلى تباين معانيها وأن كل اسم يدل على غير ما يدل عليه الآخر أم هي مترادفة لأنها تدل على ذات واحدة فمدلولها لا تعدد فيه وهذا شأن المترادفات والنزاع لفظي في ذلك(1\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "148",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7664",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتحقيق أن يقال هي مترادفة بالنظر إلى الذات متباينة بالنظر إلى الصفات وكل اسم منها يدل على الذات الموصوفة بتلك الصفة بالمطابقة وعلى أحدهما وحده بالتضمن وعلى الصفة الأخرى بالالتزام(1\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "149",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7665",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  إذا ثبت هذا فتسميته صلى الله عليه وسلم بهذا الاسم لما اشتمل عليه من مسماه وهو الحمد فإنه صلى الله عليه وسلم محمود عند الله ومحمود عند ملائكته ومحمود عند إخوانه من المرسلين ومحمود عند أهل الأرض كلهم وإن كفر به بعضهم فإن ما فيه من صفات الكمال محمودة عند كل عاقل وإن كابر عقله جحودا أو عنادا أو جهلا باتصافه بها ولو علم اتصافه بها لحمده فإنه يحمد من اتصف بصفات الكمال ويجهل وجودها فيه فهو في الحقيقة حامد له وهو صلى الله عليه وسلم اختص من مسمى الحمد بما لم يجتمع لغيره فإن اسمه محمد وأحمد وأمته الحمادون يحمدون الله على السراء والضراء وصلاة أمته مفتتحة بالحمد وخطبته مفتتحة بالحمد وكتابه مفتتح بالحمد هكذا عند الله في اللوح المحفوظ أن خلفاءه وأصحابه يكتبون المصحف مفتتحا بالحمد وبيده صلى الله عليه وسلم لواء الحمد يوم القيامة ولما يسجد بين يدي ربه عز وجل للشفاعة ويؤذن له فيها يحمد ربه بمحامد يفتحها عليه حينئذ وهو صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون قال تعالى ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا الإسراء 79(1\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "150",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7666",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على معنى المقام المحمود فليقف على ما ذكره سلف الأمة من الصحابة والتابعين فيه في تفسير هذه السورة كتفسير ابن أبي حاتم وابن جرير وعبد بن حميد وغيرها من تفاسير السلف وإذا قام في المقام حمده حينئذ أهل الموقف كلهم مسلمهم وكافرهم أولهم وآخرهم وهو محمود صلى الله عليه وسلم بما ملأ الأرض من الهدى والإيمان والعلم النافع والعمل الصالح وفتح به القلوب وكشف به الظلمة عن أهل الأرض واستنقذهم من أسر الشيطان ومن الشرك بالله والكفر به والجهل به حتى نال به أتباعه شرف الدنيا والآخرة فإن رسالته وافت أهل الأرض أحوج ما كانوا إليها فإنهم كانوا بين عباد أوثان وعباد صلبان وعباد نيران وعباد الكواكب ومغضوب عليهم قد باؤوا بغضب من الله وحيران لا يعرف ربا يعبده ولا بماذا يعبده والناس يأكل بعضهم بعضا من استحسن شيئا دعا إليه وقاتل من خالفه وليس في الأرض موضع قدم مشرق بنور الرسالة وقد نظر الله سبحانه حينئذ إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا على آثار من دين صحيح فأغاث الله به البلاد والعباد وكشف به تلك الظلم وأحيا به الخليقة بعد الموت فهدى به من الضلالة وعلم به من الجهالة وكثر بعد القلة وأعز به بعد الذلة وأغنى به بعد العيلة وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا فعرف الناس ربهم ومعبودهم غاية ما يمكن أن تناله قواهم من المعرفة وأبدا وأعاد واختصر وأطنب في ذكر أسمائه وصفاته وأفعاله حتى تجلت معرفته سبحانه في قلوب عباده المؤمنين وانجابت سحائب الشك والريب(1\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "151",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7667",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنها كما ينجاب السحاب عن القمر ليلة إبداره ولم يدع لأمته حاجة في هذا التعريف لا إلى من قبله ولا إلى من بعده بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عن كل من تكلم في هذا الباب أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون العنكبوت 51 روى أبو داود في مراسيله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى بيد بعض أصحابه قطعة من التوراة فقال كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتابا غير كتابهم الذي أنزل على نبيهم فأنزل الله عز وجل تصديق ذلك أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون العنكبوت 51 فهذا حال من أخذ دينه عن كتاب منزل على غير النبي صلى الله عليه وسلم فكيف بمن أخذه عن عقل فلان وفلان وقدمه على كلام الله ورسوله وعرفهم الطريق الموصل لهم إلى ربهم ورضوانه ودار كرامته ولم يدع حسنا إلا أمرهم به ولا قبيحا إلا نهى عنه كما قال صلى الله عليه وسلم ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد أمرتكم به ولا من شيء يقربكم من النار إلا وقد نهيتكم عنه قال أبو ذر رضي الله عنه لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علما وعرفهم حالهم بعد القدوم على ربهم أتم تعريف فكشف(1\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "152",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7668",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأمر وأوضحه ولم يدع بابا من العلم النافع للعباد المقرب لهم إلى ربهم إلا فتحه ولا مشكلا إلا بينه وشرحه حتى هدى الله به القلوب من ضلالها وشفاها به من أسقامها وأغاثها به من جهلها فأي بشر أحق بأن يحمد منه صلى الله عليه وسلم وجزاه عن أمته أفضل الجزاء وأصح القولين في قوله تعالى وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين الأنبياء 107 أنه على عمومه وفيه على هذا التقدير وجهان أحدهما أن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته أما أتباعه فنالوا به كرامة الدنيا والآخرة وأما أعداؤه فالمحاربون له عجل قتلهم وموتهم خير لهم من حياتهم لأن حياتهم زيادة لهم في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة وهم قد كتب عليهم الشقاء فتعجيل موتهم خير لهم من طول أعمارهم في الكفر وأما المعاهدون له فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته وهم أقل شرا بذلك العهد من المحاربين له وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الإيمان به حقن دمائهم وأموالهم وأهلهم واحترامها وجريان أحكام المسلمين عليهم في التوارث وغيره وأما الأمم النائية عنه فإن الله سبحانه رفع برسالته العذاب العام عن أهل الأرض فأصاب كل العالمين النفع برسالته الوجه الثاني أنه رحمة لكل أحد لكن المؤمنون قبلوا هذه الرحمة فانتفعوا بها دنيا وأخرى والكفار ردوها فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمة لهم لكن لم يقبلوها كما يقال هذا دواء(1\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "153",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7669",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لهذا المرض فإذا لم يستعمله المريض لم يخرج عن أن يكون دواء لذلك المرض ومما يحمد عليه صلى الله عليه وسلم ما جبله الله عليه من مكارم الأخلاق وكرائم الشيم فإن من نظر في أخلاقه وشيمه صلى الله عليه وسلم علم أنها خير أخلاق الخلق وأكرم شمائل الخلق فإنه صلى الله عليه وسلم كان أعلم الخلق وأعظمهم أمانة وأصدقهم حديثا وأحلمهم وأجودهم وأسخاهم وأشدهم احتمالا وأعظمهم عفوا ومغفرة وكان لا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما كما روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة محمد عبدي ورسولي سميته المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله وأفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا وأرحم الخلق وأرأفهم بهم وأعظم الخلق نفعا لهم في دينهم ودنياهم وأفصح خلق الله وأحسنهم تعبيرا عن المعاني الكثيرة بالألفاظ الوجيزة الدالة على المراد وأصبرهم في مواطن الصبر وأصدقهم في مواطن اللقاء وأوفاهم بالعهد والذمة وأعظمهم مكافأة على الجميل بأضعافه وأشدهم تواضعا وأعظمهم إيثارا على نفسه وأشد الخلق ذبا عن أصحابه وحماية(1\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "154",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7670",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لهم ودفاعا عنهم وأقوم الخلق بما يأمر به وأتركهم لما ينهي عنه وأوصل الخلق لرحمه فهو أحق بقول القائل (برد على الأدنى ومرحمة ... وعلى الأعادي مارن جلد) قال علي رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس صدرا وأصدقهم لهجة وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم فقوله كان أجود الناس صدرا أراد به بر الصدر وكثرة خيره وأن الخير يتفجر منه تفجيرا وأنه منطو على كل خلق جميل وكل خير كما قال بعض أهل العلم ليس في الدنيا كلها محل كان أكثر خيرا من صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جمع الخير بحذافيره وأودع في صدره صلى الله عليه وسلم وقوله أصدق الناس لهجة هذا مما أقر له به أعداؤه المحاربون له ولم يجرب عليه أحد من أعدائه كذبة واحدة قط دع شهادة أوليائه كلهم له به فقد حاربه أهل الأرض بأنواع المحاربات مشركوهم وأهل الكتاب منهم وليس أحد منهم يوما من الدهر طعن فيه بكذبة واحدة صغيرة ولا كبيرة قال المسور بن مخرمة قلت لأبي جهل وكان خالي يا خال هل كنتم تتهمون محمدا بالكذب قبل أن يقول مقالته فقال والله يا ابن أختي لقد كان محمد وهو شاب يدعى فينا الأمين فلما وخطه الشيب لم يكن(1\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "155",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7671",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليكذب قلت يا خال فلم لا تتبعونه فقال يا ابن أختي تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف فأطعموا وأطعمنا وسقوا وسقينا وأجاروا وأجرنا فلما تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا منا نبي فمتى نأتيهم بهذه أو كما قال وقال تعالى يسليه ويهون عليه قول أعدائه قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين الأنعام 33 34 وقوله ألينهم عريكة يعني سهل لين قريب من الناس مجيب لدعوة من دعاه قاض لحاجة من استقضاه جابر لقلب من قصده لا يحرمه ولا يرده خائبا إذا أراد أصحابه منه أمرا وافقهم عليه وتابعهم فيه وإن عزم على أمر لم يستبد دونهم بل يشاورهم ويؤامرهم وكان يقبل من محسنهم ويعفو عن مسيئهم وقوله أكرمهم عشرة يعني أنه لم يكن يعاشر جليسا له إلا أتم عشرة وأحسنها وأكرمها فكان لا يعبس في وجهه ولا يغلظ له في مقاله ولا يطوي عنه بشره ولا يمسك عليه فلتات لسانه ولا يؤاخذه بما يصدر منه من جفوة ونحوها بل يحسن إلى عشيره غاية الإحسان ويحتمل غاية الاحتمال فكانت عشرته لهم احتمال أذاهم وجفوتهم جملة لا يعاقب أحدا منهم ولا يلومه ولا يباديه بما يكره من خالطه يقول أنا أحب الناس إليه لما يرى من لطفه به وقربه منه وإقباله عليه واهتمامه بأمره وتضحيته له وبذل(1\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "156",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7672",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إحسانه إليه واحتمال جفوته فأي عشرة كانت أو تكون أكرم من هذه العشرة قال الحسين رضي الله عنه سألت أبي عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في جلسائه فقال كان النبي صلى الله عليه وسلم دائم البشر سهل الخلق لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مداح يتغافل عما لا يشتهي ولا يؤيس منه راجيه ولا يخيب فيه قد ترك نفسه من ثلاث المراء والإكثار وترك ما لا يعنيه كان لا يذم أحدا ولا يعيبه ولا يطلب عورته ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه وإذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير فإذا سكت تكلموا لا يتنازعون عنده الحديث ومن تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ حديثهم عند حديث أولهم يضحك مما يضحكون منه ويتعجب مما يتعجبون منه ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم ويقول إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأرفدوه ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام وقوله من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه وصفه بصفتين خص الله بهما أهل الصدق والإخلاص وهما الإجلال والمحبة وكان قد ألقى عليه هيبة منه ومحبة فكان كل من يراه يهابه ويجله ويملأ قلبه تعظيما وإجلالا وإن كان عدوا له فإذا خالطه وعاشره كان أحب إليه من كل مخلوق فهو المجل المعظم المحبوب المكرم وهذا كمال المحبة أن تقرن بالتعظيم والهيبة فالمحبة(1\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "157",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7673",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بلا هيبة ولا تعظيم ناقصة والهيبة والتعظيم من غير محبة كما تكون للغادر الظالم نقص أيضا والكمال أن تجتمع المحبة والود والتعظيم والإجلال وهذا لا يوجد إلا إذا كان في المحبوب صفات الكمال التي يستحق أن يعظم لأجلها ويحب لأجلها ولما كان الله سبحانه وتعالى أحق بهذا من كل أحد كان المستحق لأن يعظم ويكبر ويهاب ويحب ويود بكل جزء من أجزاء القلب ولا يجعل له شريك في ذلك وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله سبحانه أن يسوي بينه وبين غيره في هذا الحب قال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله البقرة 165 فأخبر أن من أحب شيئا غير الله مثل حبه لله كان قد اتخذه ندا وقال أهل النار في النار لمعبودهم تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين الشعراء 97 98 ولم تكن تسويتهم بالله في كونهم خلقوا السماوات والأرض أو خلقوهم أو خلقوا آباءهم وإنما سووهم برب العالمين في الحب لهم كما يحب الله فإن حقيقة العبادة هي الحب والذل وهذا هو الإجلال والإكرام الذي وصف به نفسه في قوله سبحانه وتعالى تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام الرحمن 78 وأصح القولين في ذلك أن الجلال هو التعظيم والإكرام هو الحب وهو سر قول العبد لا إله إلا الله والله أكبر ولهذا جاء في مسند الإمام أحمد من حديث أنس رضي الله(1\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "158",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7674",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام \/\/ حديث صحيح \/\/ أي الزموها والهجوا بها وفي مسند أبي يعلى الموصلي عن بعض الصحابة أنه طلب أن يعرف اسم الله الأعظم فرأى في منامه مكتوبا في السماء بالنجوم يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام وكل محبة وتعظيم للبشر فإنما تجوز تبعا لمحبة الله وتعظيمه كمحبة رسوله وتعظيمه فإنها من تمام محبة مرسله وتعظيمه فإن أمته يحبونه لحب الله له ويعظمونه ويجلونه لإجلال الله له فهي محبة لله من موجبات محبة الله وكذلك محبة أهل العلم والإيمان ومحبة الصحابة رضي الله عنهم وإجلالهم تابع لمحبة الله ورسوله لهم والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم ألقى الله سبحانه وتعالى عليه منه المهابة والمحبة ولكل مؤمن مخلص حظ من ذلك قال الحسن البصري رحمه الله إن المؤمن رزق حلاوة ومهابة يعني يحب ويهاب ويجل بما ألبسه الله سبحانه من ثوب الإيمان المقتضي لذلك ولهذا لم يكن بشر أحب إلى بشر ولا أهيب وأجل في صدره من رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر الصحابة رضي الله عنهم قال عمرو بن العاص قبل إسلامه أنه لم يكن شخص أبغض إلي منه فلما أسلم لم يكن شخص أحب إليه منه ولا أجل في عينه منه قال ولو سئلت أن أصفه لكم لما أطقت لأني لم أكن(1\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "159",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7675",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أملأ عيني منه إجلالا له وقال عروة بن مسعود لقريش يا قوم والله لقد وفدت على كسرى وقيصر والملوك فما رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا صلى الله عليه وسلم والله ما يحدون النظر إليه تعظيما له وما تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فيدلك بها وجهه وصدره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتملا على ما يقتضي أن يحمد عليه مرة بعد مرة سمي محمدا وهو اسم موافق لمسماه ولفظ مطابق لمعناه والفرق بين لفظ أحمد ومحمد من وجهين أحدهما أن محمدا هو المحمود حمدا بعد حمد فهو دال على كثرة حمد الحامدين له وذلك يستلزم كثرة موجبات الحمد فيه وأحمد أفعل تفضيل من الحمد يدل على أن الحمد الذي يستحقه أفضل مما يستحقه غيره فمحمد زيادة حمد في الكمية وأحمد زيادة في الكيفية فيحمد أكثر حمد وأفضل حمد حمده البشر والوجه الثاني أن محمدا هو المحمود حمدا متكررا كما تقدم وأحمد هو الذي حمده لربه أفضل من حمد الحامدين غيره فدل أحد الاسمين وهو محمد على كونه محمودا ودل الاسم(1\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "160",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7676",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني وهو أحمد على كونه أحمد الحامدين لربه وهذا هو القياس فإن أفعل التفضيل والتعجب عند جماعة البصريين لا يبنيان إلا من فعل الفاعل لا يبنيان من فعل المفعول بناء منهم على أن أفعل التعجب والتفضيل إنما يصاغان من الفعل اللازم لا من المتعدي ولهذا يقدرون نقله من فعل وفعل إلى بناء فعل بضم العين قالوا والدليل على هذا أنه يعدى بالهمزة إلى المفعول فالهمزة التي فيه للتعدية نحو ما أظرف زيدا وأكرم عمرا وأصلهما ظرف وكرم قالوا لأن المتعجب منه فاعل في الأصل فوجب أن يكون فعله غير متعد قالوا وأما قولهم ما أضرب زيدا لعمرو وفعله متعد في الأصل قالوا فهو منقول من ضرب إلى وزن فعل اللازم ثم عدي من فعل بهمزة التعدية قالوا والدليل على ذلك مجيئهم باللام فيقولون ما أضرب زيدا لعمرو ولو كان باقيا على تعديه لقيل ما أضرب زيدا عمرا لأنه متعد إلى واحد بنفسه وإلى الآخر بهمزة التعدية فلما عدي إلى المفعول بهمزة التعدية عدي إلى الآخر باللام فعلم أنه لازم فهذا هو الذي أوجب لهم أن قالوا لا يصاغ ذلك إلا من فعل الفاعل لا من الفعل الواقع على المفعول ونازعهم في ذلك آخرون وقالوا يجوز بناء فعل التعجب والتفضيل من فعل الفاعل ومن الواقع على المفعول تقول(1\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "161",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7677",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العرب ما أشغله بالشيء وهذا من شغل به على وزن سئل فالتعجب من المشغول بالشيء لا من الشاغل وكذا قولهم ما أولعه بكذا من أولع به مبني للمفعول لأن العرب التزمت بناء هذا الفعل للمفعول ولم تبنه للفاعل وكذلك قولهم ما أعجبه بكذا هو من أعجب بالشيء وكذا قولهم ما أحبه إلي هو تعجب من فعل المفعول وكذا قولهم ما أبغضه إلي وأمقته إلي وهنا مسألة مشهورة ذكرها سيبويه وهي أنك تقول ما أبغضني له وما أحبني له وما أمقتني له إذا كنت أنت المبغض الكاره والمحب الماقت فيكون تعجبا من فعل الفاعل وتقول ما أبغضني إليه وما أمقتني إليه وما أحبني إليه إذا كنت أنت المبغض الممقوت أو المحبوب فيكون تعجبا من الفعل الواقع على المفعول فما كان باللام فهو للفاعل وما كان بإلى فهو للمفعول وكذلك تقول ما أحبه إلي إذا كان هو المحبوب وما أبغضه إلي إذا كان هو المبغض وأكثر النحاة لا يعللون هذا والذي يقال في علته والله أعلم أن اللام تكون للفاعل في المعنى نحو قولك لمن هذا الفعل فتقول لزيد فتأتي باللام وأما إلى فتكون للمفعول في المعنى لأنه يقول إلى من يصل هذا الفعل فتقول إلى زيد وسر ذلك أن اللام في الأصل للملك أو الاختصاص والاستحقاق والملك والاستحقاق إنما يستحقه الفاعل الذي يملك ويستحق وإلى لانتهاء الغاية والغاية منتهى ما يقتضيه الفعل فهي بالمفعول أليق لأنه تمام مقتضى الفعل(1\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "162",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7678",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن التعجب من فعل المفعول قول كعب بن زهير في النبي صلى الله عليه وسلم (فلهو أخوف عندي إذ أكلمه ... وقيل إنك محبوس ومقتول) (من ضيغم من ضراء الأسد مخدره ... ببطن عثر غيل دونه غيل) فأخوف هنا من خيف لا من خاف وهو نظير أحمد من محمد كسئل لا من حمد كعلم وتقول ما أجنه من جن فهو مجنون قال البصريون هذا كله شاذ لا يعول عليه قال الآخرون هذا قد كثر في كلامهم جدا وحمله على الشذوذ غير جائز لأن الشاذ ما خالف استعمالهم ومطرد كلامهم وهذا غير مخالف لذلك قالوا وأما تقديركم لزوم الفعل ونقله إلى بناء فعل المضموم فمما لا يساعد عليه دليل وأما ما تمسكتم به من التعدية بالهمزة فليس كما ذكرتم والهمزة هنا ليست للتعدية وإنما هي للدلالة على معنى التعجب والتفضيل كألف فاعل وميم مفعول وتاء الافتعال والمطاوعة ونحوها من الحروف التي تلحق الفعل الثلاثي لبيان ما لحقه من الزيادة على مجرد مدلوله فهذا هو السبب الجالب لهذه الألف لا مجرد تعدية الفعل قالوا والذي يدل على هذا أن الفعل الذي يعدى بالهمزة(1\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "163",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7679",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يجوز أن يعدى بحرف الجر وبالتضعيف تقول أجلست زيدا وجلسته وجلست به وأقمته وقومته وقمت به وأنمته ونومته ونمت به ونظائر ذلك وهنا لا يقوم مقام الهمزة غيرها فبطل أن تكون للتعدية الثاني أنها تجامع باء التعدية فتقول أكرم به وأحسن به والمعنى ما أكرمه وما أحسنه والفعل لا تجمع عليه بين معديين معا الثالث أنهم يقولون ما أعطى زيدا للدراهم وما أكساه للثياب وهذا من أعطى وكسا المتعدي ولا يصح تقدير نقله إلى عطو إذا تناول ثم أدخلت عليه همزة التعدية كما تأوله بعضهم لفساد المعنى فإن التعجب إنما وقع من إعطائه لا من عطوه وهو تناوله والهمزة فيه همزة التعجب والتفضيل وحذفت همزته التي في فعله فلا يصح أن يقال هي للتعدية قالوا وأما قولكم إنه عدي باللام في قولهم ما أضربه لزيد ولولا أنه لازم لما عدي باللام فهذا ليس كما ذكرتم من لزوم الفعل وإنما هو تقوية له لما ضعف بمنعه من الصرف وألزم طريقة واحدة خرج عن سنن الأفعال وضعف عن مقتضاه فقوي باللام وهذا كما يقوى باللام إذا تقدم معموله عليه وحصل له بتأخره نوع وهن جبروه باللام كما قال تعالى إن كنتم للرؤيا تعبرون يوسف 43 وكما يقوى باللام إذا كان اسم فاعل كما تقول أنا محب لك ومكرم لزيد ونحوه فلما ضعف هذا الفعل بمنعه من الصرف قوي باللام هذا المذهب هو الراجح كما تراه والله أعلم(1\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "164",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7680",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلنرجع إلى المقصود وهو أنه صلى الله عليه وسلم سمي محمدا وأحمد لأنه يحمد أكثر مما يحمد غيره وأفضل مما يحمد غيره فالاسمان واقعان على المفعول وهذا هو المختار وذلك أبلغ في مدحه وأتم معنى ولو أريد به معنى الفاعل لسمي الحماد وهو كثير الحمد كما سمي محمدا وهو المحمود كثيرا فإنه صلى الله عليه وسلم كان أكثر الخلق حمدا لربه فلو كان اسمه باعتبار الفاعل لكان الأولى أن يسمى حمادا كما أن اسم أمته الحمادون وأيضا فإن الاسمين إنما اشتقا من أخلاقه وخصائله المحمودة التي لأجلها استحق أن يسمى محمدا وأحمد فهو الذي يحمده أهل الدنيا وأهل الآخرة ويحمده أهل السماء والأرض فلكثرة خصائله المحمودة التي تفوت عد العادين سمي باسمين من أسماء الحمد يقتضيان التفضيل والزيادة في القدر والصفة والله أعلم(1\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "165",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7681",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  وقد ظن طائفة منهم أبو القاسم السهيلي وغيره أن تسميته صلى الله عليه وسلم ب أحمد كانت قبل تسميته بمحمد فقالوا ولهذا بشر به المسيح باسمه أحمد وفي حديث طويل في حديث موسى لما قال لربه جل وعلا إني أجد أمة من شأنها كذا وكذا فاجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد يا موسى فقال اللهم اجعلني من أمة أحمد قالوا وإنما جاء تسميته بمحمد في القرآن خاصة لقوله تعالى والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد محمد 8 وقوله محمد رسول الله الفتح 29 وبنوا على ذلك أن اسمه أحمد تفضيل من فعل الفاعل أي أحمد الحامدين لربه ومحمد هو المحمود الذي تحمده الخلائق وإنما يترتب على هذا الاسم بعد وجوده وظهوره فإنه حينئذ حمده أهل السماء والأرض ويوم القيامة يحمده أهل الموقف فلما ظهر إلى الوجود وترتب على ظهوره من الخيرات ما ترتب حمده الخلائق حمدا مكررا فتأخرت تسميته بمحمد على تسميته بأحمد(1\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "166",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7682",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي هذا الكلام مناقشة من وجوه أحدها أنه قد سمي بمحمد قبل الإنجيل كذلك اسمه في التوراة وهذا يقر به كل عالم من مؤمني أهل الكتاب ونحن نذكر النص الذي عندهم في التوراة وما هو الصحيح في تفسيره قال في التوراة في إسماعيل قولا هذه حكايته وعن إسماعيل سمعتك ها أنا باركته وأيمنته مما باد وذكر هذا بعد أن ذكر إسماعيل وأنه سيلد اثني عشر عظيما منهم عظيم يكون اسمه مماد باد وهذا عند العلماء المؤمنين من أهل الكتاب صريح في اسم النبي صلى الله عليه وسلم محمد ورأيت في بعض شروح التوراة ما حكايته بعد هذا المتن قال الشارح هذان الحرفان في موضعين يتضمنان اسم السيد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لأنك إذا اعتبرت حروف اسم محمد وجدتها في الحرفين المذكورين لأن ميمي محمد ودالة بإزاء الميمين من الحرفين وإحدى الدالين وبقية اسم محمد وهي الحاء فبإزاء بقية الحرفين وهي الباء والألفان والدال الثانية قلت يريد بالحرفين الكلمتين قال لأن للحاء من الحساب ثمانية من العدد والباء لها اثنان وكل ألف لها واحد والدال بأربعة فيصير المجموع ثمانية وهي قسط الحاء من العدد الجملي فيكون الحرفان معنى الكلمتين وهما مماد باد قد تضمنا بالتصريح ثلاثة أرباع اسم محمد صلى الله عليه وسلم وربعه الآخر قد دل عليه بقية الحرفين بالكتابة بالطريق التي أشرت إليها قال الشارح فإن قيل فما مستندكم في هذا التأويل قلنا(1\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "167",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7683",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مستندنا فيه مستند علماء اليهود في تأويل أمثاله من الحروف المشكلة التي جاءت في التوراة كقوله تعالى يا موسى قل لبني إسرائيل أن يجعل كل واحد منهم في طرف ثوبه خيطا أزرق له ثمانية أرؤس ويعقد فيه خمس عقد ويسميه صيصيت قال علماء اليهود تأويل هذا وحكمته أن كل من رأى ذلك الخيط الأزرق وعدد أطرافه الثمانية وعقده الخمس وذكر اسمه ذكر ما يجب عليه من فرائض الله سبحانه وتعالى لأن الله تعالى افترض على بني إسرائيل ستمائة وثلاث عشرة شريعة لأن الصادين والياءين بمائتين والتاء بأربعمائة فيصير مجموع الاسم ستمائة والأطراف والعقد ثلاثة عشر كأنه يقول بصورته واسمه اذكر فرائض الله عز وجل قال هذا الشارح وأما قول كثير من المفسرين إن المراد بهذين الحرفين جدا جدا لكون لفظ ماد قد جاءت مفردة في التوراة بمعنى جدا قال فهذا لا يصح لأجل الباء المتصلة بهذا الحرف فإنه ليس من الكلام المستقيم قول القائل أنا أكرمك بجدا فلما نقل هذا الحرف من التوراة الأزلية التي نزلت في ألواح الجوهر على الكليم بالخط الكينوني وهذا الحرف فيها موصولا بالباء علم أن المراد غير ما ذهب إليه من قال هي بمعنى جدا إذ لا تأويل يليق بها غير هذا التفسير بدليل قوله تعالى في غير هذا الموضع لإبراهيم عن ولده إسماعيل إنه يلد اثني عشر شريفا ومن شريف منهم يكون شخص اسمه مما باد فقد صرحت التوراة أن هذين الحرفين اسم علم لشخص شريف معين من ولد إسماعيل فبطل قول من قال إنه بمعنى المصدر للتوكيد فإن التصريح بكونه(1\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "168",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7684",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اسم عين يناقض من يدعي أنه اسم معنى والله أعلم تم كلامه وقال غيره لا حاجة إلى هذا التعسف في بيان اسمه صلى الله عليه وسلم في التوراة بل اسمه فيها أظهر من هذا كله وذلك أن التوراة هي باللغة العبرية وهي قريبة من العربية بل هي أقرب لغات الأمم إلى اللغة العربية وكثيرا ما يكون الاختلاف بينهما في كيفية أداء الحروف والنطق بها من التفخيم والترقيق والضم والفتح وغير ذلك واعتبر هذا بتقارب ما بين مفردات اللغتين فإن العرب يقولون لا والعبرانيين تقول لو فيضمون اللام ويأتون بالألف بين الواو والألف وتقول العرب قدس ويقول العبرانيون قدش وتقول العرب أنت ويقول العبرانيون أنا وتقول العرب يأتي كذا ويقول العبرانيون يوتى فيضمون الياء ويأتون بالألف بعدها بين الواو والألف وتقول العرب قدسك ويقول العبرانيون قد شحا وتقول العرب منه ويقول العبرانيون ممنو وتقول العرب من يهوذا ويقول العبرانيون مهوذا وتقول العرب سمعتك ويقول العبرانيون شمعيخا وتقول العرب من ويقول العبرانيون مي وتقول العرب يمينه ويقول العبرانيون مينو وتقول العرب له ويقول العبرانيون لو بين الواو والألف وكذلك تقول العرب أمة ويقول العبرانيون أموا وتقول العرب أرض ويقول العبرانيون إيرص وتقول العرب واحد ويقول العبرانيون إيحاد وتقول العرب عالم ويقول العبرانيون عولام وتقول العرب كيس ويقول العبرانيون كييس وتقول العرب يأكل ويقول العبرانيون يوخل وتقول العرب تين ويقول العبرانيون تيين وتقول العرب إله ويقول العبرانيون(1\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "169",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7685",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أولوه وتقول العرب إلهنا ويقول العبرانيون ألوهينو وتقول العرب أبانا ويقول العبرانيون أبوتينا ويقولون باصباع إلوهيم يعنون أصبع الإله ويقولون مابنم يعنون الابن ويقولون حاليب بمعنى حلوب فإذا أرادوا يقولون لا تأكل الجدي في حليب أمه قالوا لو تدخل لذي ما حالوب أمو ويقولون لو توخلوا أي لا تأكلوا ويقولون للكتب المشنا ومعناها بلغة العرب المثناة التي تثنى أي تقرأ مرة بعد مرة ولا نطيل بأكثر من هذا في تقارب اللغتين وتحت هذا سر يفهمه من فهم تقارب ما بين الأمتين والشريعتين واقتران التوراة بالقرآن في غير موضع من الكتاب كقوله تعالى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين القصص 48 49 وقوله في سورة الأنعام ردا على من قال ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس الأنعام 91 ثم قال تعالى وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه الأنعام 92(1\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "170",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7686",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال في آخر السورة ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون الأنعام 154 155 وقال تعالى في أول سورة آل عمران ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس آل عمران 1 4 وقال تعالى ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون الأنبياء 48 50 ولهذا يذكر سبحانه وتعالى قصة موسى ويعيدها ويبديها ويسلي رسوله صلى الله عليه وسلم ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يناله من أذى الناس لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم إنه كائن في أمتي ما كان في بني إسرائيل حتى لو كان فيهم من أتى أمه علانية لكان في هذه الأمة من يفعله(1\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "171",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7687",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتأمل هذا التناسب بين الرسولين والكتابين والشريعتين أعني الشريعة الصحيحة التي لم تبدل والأمتين واللغتين فإذا نظرت في حروف محمد وحروف مماد باد وجدت الكلمتين كلمة واحدة فإن الميمين فيهما والهمزة والحاء من مخرج واحد والدال كثيرا ما تجد موضعها ذالا في لغتهم يقولون إيحاذ للواحد ويقولون قوذش في القدس والدال والذال متقاربتان فمن تأمل اللغتين وتأمل هذين الاسمين لم يشك أنهما واحد ولهذا نظائر في اللغتين مثل موسى فإنه في اللغة العبرانية موشى بالشين وأصله الماء والشجر فإنهم يقولون للماء مو وشا هو الشجر وموسى التقطه آل فرعون من بين الماء والشجر فالتفاوت الذي بين موسى وموشى كالتفاوت بين محمد ومماد باد وكذا إسماعيل هو في لغتهم يشماعيل بياء بدل الألف وبشين بدل السين فالتفاوت بينهما كالتفاوت بين محمد ومماد باد وكذلك العيص وهو أخو يعقوب يقولون له عيسى وهو عيص ونظير هذا في غير الأعلام مما تقدم قوله يشماعون يعنون يسمعون ويقولون آقيم بمد الهمزة مع ضمها أي أقيم ويقولون مي قارب أي من قارب ووسط أخيهيم أي إخوتهم وهذا مما يعترف به كل مؤمن عالم من علماء أهل الكتاب والمقصود أن اسم النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة محمد كما هو في القرآن وأما المسيح فإنما سماه أحمد كما حكاه الله عنه في القرآن فإذن تسميته بأحمد وقعت متأخرة عن تسميته محمدا في التوراة ومتقدمة على تسميته محمدا في القرآن فوقعت بين(1\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "172",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7688",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التسميتين محفوفة بهما وقد تقدم أن هذين الاسمين صفتان في الحقيقة والوصفية فيهما لا تنافي العلمية وأن معناهما مقصود فعرف عند كل أمة بأعرف الوصفين عندها فمحمد مفعل من الحمد وهو الكثير الخصال التي يحمد عليها حمدا متكررا حمدا بعد حمد وهذا إنما يعرف بعد العلم بخصال الخير وأنواع العلوم والمعارف والأخلاق والأوصاف والأفعال التي يستحق تكرار الحمد عليها ولا ريب أن بني إسرائيل هم أولو العلم الأول والكتاب الذي قال الله تعالى فيه وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء الأعراف 45 ولهذا كانت أمة موسى أوسع علوما ومعرفة من أمة المسيح ولهذا لا تتم شريعة المسيح إلا بالتوراة وأحكامها فإن المسيح عليه السلام وأمته محالون في الأحكام عليها والإنجيل كأنه مكمل لها متمم لمحاسنها والقرآن جامع لمحاسن الكتابين فعرف النبي صلى الله عليه وسلم عند هذه الأمة باسم محمد الذي قد جمع خصال الخير التي يستحق أن يحمد عليها حمدا بعد حمد وعرف عند أمة المسيح ب أحمد الذي يستحق أن يحمد أفضل مما يحمد غيره وحمده أفضل من حمد غيره فإن أمة المسيح أمة لهم من الرياضات والأخلاق والعبادات ما ليس لأمة موسى ولهذا كان غالب كتابهم مواعظ وزهد وأخلاق وحض على الإحسان والاحتمال والصفح حتى قيل إن الشرائع ثلاثة شريعة عدل وهي شريعة التوراة فيها الحكم والقصاص وشريعة فضل وهي شريعة الإنجيل مشتملة على العفو ومكارم الأخلاق والصفح والإحسان كقوله من أخذ رداءك فأعطه ثوبك ومن لطمك على(1\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "173",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7689",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر ومن سخرك ميلا فامش معه ميلين وشريعة نبينا جمعت هذا وهذا وهي شريعة القرآن فإنه يذكر العدل ويوجبه والفضل ويندب إليه كقوله تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين الشورى 40 فجاء اسمه عند هذه الأمة بأفعل التفضيل الدال على الفضل والكمال كما جاءت شريعتهم بالفضل المكمل لشريعة التوراة وجاء في الكتاب الجامع لمحاسن الكتب قبله بالاسمين معا فتدبر هذا الفصل وتبين ارتباط المعاني بأسمائها ومناسبتها لها والحمد لله المان بفضله وتوفيقه وقول أبي القاسم إن اسم محمد صلى الله عليه وسلم إنما ترتب بعد ظهوره إلى الوجود لأنه حينئذ حمد حمدا مكررا فكذلك أن يقال محمد أيضا سواء وقوله في اسمه أحمد إنه تقدم لكونه أحمد الحامدين لربه وهذا يقدم على حمد الخلائق له فبناء منه على أنه تفضيل من فعل الفاعل وأما على القول الآخر الصحيح فلا يجيء هذا وقد تقدم تقرير ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم(1\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "174",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7690",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل الرابع  في معنى الآل واشتقاقه وأحكامه  وفيه قولان أحدهما أن أصله أهل ثم قلبت الهاء همزة فقيل أأل ثم سهلت على قياس أمثالها فقيل آل قالوا ولهذا إذا صغر رجع إلى أصله فقيل أهيل قالوا ولما كان فرعا عن فرع خصوه ببعض الأسماء المضاف إليها فلم يضيفوه إلى أسماء الزمان ولا المكان ولا غير الأعلام فلا يقولون آل رجل وآل امرأة ولا يضيفونه إلى مضمر فلا يقال آله وآلي بل لا يضاف إلا إلى معظم كما أن التاء لما كانت في القسم بدلا عن الواو وفرعا عليها والواو فرعا عن فعل القسم خصوا التاء بأشرف الأسماء وأعظمها وهو اسم الله تعالى وهذا القول ضعيف من وجوه أحدها أنه لا دليل عليه الثاني أنه يلزم منه القلب الشاذ من غير موجب مع مخالفة الأصل الثالث أن الأهل تضاف إلى العاقل وغيره والآل لا تضاف إلا إلى عاقل الرابع أن الأهل تضاف إلى العلم والنكرة والآل لا يضاف(1\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "175",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7691",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلا إلى معظم من شأنه أن غيره يؤول إليه الخامس أن الأهل تضاف إلى الظاهر والمضمر والآل من النحاة من منع إضافته إلى المضمر ومن جوزها فهي شاذة قليلة السادس أن الرجل حيث أضيف إلى آله دخل فيه هو كقوله تعالى أدخلوا آل فرعون أشد العذاب غافر 46 وقوله تعالى إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين آل عمران 33 وقوله تعالى إلا آل لوط نجيناهم بسحر القمر 34 وقول النبي صلى الله عليه وسلم اللهم صل على آل أبي أوفى) وهذا إذا لم يذكر معه من أضيف إليه الآل وأما إذا ذكر معه فقد يقال ذكر مفردا وداخلا في الآل وقد يقال ذكره مفردا أغنى عن ذكره مضافا والأهل بخلاف ذلك فإذا قلت جاء أهل زيد لم يدخل فيهم وقيل بل أصله أول وذكره صاحب الصحاح في باب الهمزة والواو واللام قال وآل الرجل أهله وعياله وآله أيضا أتباعه وهو عند هؤلاء مشتق من آل يؤول إذا رجع فآل الرجل هم الذين يرجعون إليه ويضافون إليه ويؤولهم أي يسوسهم فيكون مآلهم إليه ومنه الإيالة وهي السياسة فآل الرجل هم الذين يسوسهم ويؤولهم ونفسه أحق بذلك من غيره فهو أحق بالدخول في آله ولكن لا يقال إنه مختص بآله بل هو داخل فيهم وهذه المادة موضوعة لأصل(1\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "176",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7692",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشيء وحقيقته ولهذا سمي حقيقة الشيء تأويله لأنها حقيقته التي يرجع إليها ومنه قوله تعالى هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق الأعراف 53 فتأويل ما أخبرت به الرسل هو مجيء حقيقته ورؤيتها عيانا ومنه تأويل الرؤيا وهو حقيقتها عيانا ومنه تأويل الرؤيا الخارجية التي ضربت للرائي في عالم المثال ومنه التأويل بمعنى العاقبة كما قيل في قوله تعالى فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا النساء 59 قيل أحسن عاقبة فإن عواقب الأمور هي حقائقها التي تؤول إليها ومنه التأويل بمعنى التفسير لأن تفسير الكلام هو بيان معناه وحقيقته التي يراد منه قالوا ومنه الأول لأنه أصل العدد ومبناه الذي يتفرع منه ومنه الآل بمعنى الشخص نفسه قال أصحاب هذا القول والتزمت العرب إضافته فلا يستعمل مفردا إلا في نادر الكلام كقول الشاعر (نحن آل الله في بلدتنا ... لم نزل آلا على عهد إرم) والتزموا أيضا إضافته إلى الظاهر فلا يضاف إلى مضمر إلا قليلا وعد بعض النحاة إضافته إلى المضمر لحنا كما قال أبو عبد الله بن مالك والصحيح أنه ليس بلحن بل هو من كلام العرب لكنه قليل ومنه قول الشاعر (أنا الفارس الحامي والدي ... وآلي فما يحمي حقيقة آلكا)(1\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "177",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7693",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال عبد المطلب في الفيل وأصحابه (وانصر على آل الصلي ... ب وعابديه اليوم آلك) فأضافه إلى الياء والكاف وزعم بعض النحاة أنه لا يضاف إلا إلى علم من يعقل وهذا الذي قاله هو الأكثر وقد جاءت إضافته إلى غير من يعقل قال الشاعر (نجوت ولم يمنن علي طلاقه ... سوى ربد التقريب من آل أعوجا) وأعوج علم فرس قالوا ومن أحكامه أيضا أنه لا يضاف إلا إلى متبوع معظم فلا يقال آل الحائك ولا آل الحجام ولا آل رجل وأما معناه فقالت طائفة يقال آل الرجل له نفسه وآل الرجل لمن يتبعه وآله لأهله وأقاربه فمن الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه أبو أوفى بصدقته اللهم صل على آل أبي أوفى وقوله تعالى سلام على إل ياسين الصافات 130 وقوله صلى الله عليه وسلم اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم فآل إبراهيم هو إبراهيم لأن الصلاة المطلوبة للنبي صلى الله عليه وسلم هي الصلاة على إبراهيم نفسه وآله تبع له فيها ونازعهم في ذلك آخرون وقالوا لا يكون الآل إلا الأتباع والأقارب وما ذكرتموه من الأدلة فالمراد بها الأقارب وقوله(1\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "178",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7694",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كما صليت على آل إبراهيم آل إبراهيم هنا هم الأنبياء والمطلوب من الله سبحانه أن يصلي على رسوله صلى الله عليه وسلم كما صلى على جميع الأنبياء من ذرية إبراهيم لا إبراهيم وحده كما هو مصرح به في بعض الألفاظ من قوله على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وأما قوله تعالى سلام على إل ياسين الصافات 130 فهذه فيها قراءتان إحداهما إلياسين بوزن إسماعيل وفيه وجهان أحدهما أنه اسم ثان للنبي إلياس وإلياسين كميكال وميكائيل والوجه الثاني أنه جمع وفيه وجهان أحدهما أنه جمع إلياس وأصله إلياسيين بيائين كعبرانيين ثم خففت إحدى اليائين فقيل إلياسين والمراد أتباعه كما حكى سيبويه الأشعرون ومثله الأعجمون والثاني أنه جمع إلياس محذوف الياء والقراءة الثانية سلام على إل ياسين وفيه أوجه أحدها أن ياسين أسم لأبيه فأضيف إليه الآل كما يقال آل إبراهيم والثاني أن آل ياسين هو إلياس نفسه فيكون آل مضافة إلى يس والمراد بالآل يس نفسه كما ذكر الأولون(1\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "179",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7695",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثالث أنه على حذف ياء النسب فيقال يس وأصله ياسيين كما تقدم وآلهم أتباعهم على دينهم والرابع أن يس هو القرآن وآله هم أهل القرآن والخامس أنه النبي صلى الله عليه وسلم وآله أقاربه وأتباعه كما سيأتي وهذه الأقوال كلها ضعيفة والذي حمل قائلها عليها استشكالهم إضافة آل إلى يس واسمه إلياس وإلياسين ورأوها في المصحف مفصولة وقد قرأها بعض القراء آل ياسين فقال طائفة منهم له أسماء يس وإلياسين وإلياس وقالت طائفة يس اسم لغيره ثم اختلفوا فقال الكلبي يس محمد صلى الله عليه وسلم سلم الله على آله وقالت طائفة هو القرآن وهذا كله تعسف ظاهر لا حاجة إليه والصواب والله أعلم في ذلك أن أصل الكلمة آل ياسين كآل إبراهيم فحذفت الألف واللام من أوله لاجتماع الأمثال ودلالة الاسم على موضع المحذوف وهذا كثير في كلامهم إذا اجتمعت الأمثال كرهوا النطق بها كلها فحذفوا منها ما لا إلباس في حذفه وإن كانوا لا يحذفونه في موضع لا تجتمع فيه الأمثال ولهذا لا يحذفون النون من إني وأني وكأني ولكني ولا يحذفونها من ليتني ولما كانت اللام في لعل شبيهة بالنون حذفوا النون معها ولا سيما عادة العرب في استعمالها للاسم الأعجمي وتغييرها له فيقولون مرة إلياسين ومرة إلياس ومرة ياسين وربما قالوا ياس ويكون على إحدى القراءتين قد وقع على المسلم عليه وعلى القراءة الأخرى على آله(1\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "180",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7696",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعلى هذا ففصل النزاع بين أصحاب القولين في الآل أن الآل إن أفرد دخل فيه المضاف إليه كقوله تعالى أدخلوا آل فرعون أشد العذاب غافر 46 ولا ريب في دخوله في آله هنا وقوله تعالى ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين الأعراف 130 ونظائره وقول النبي صلى الله عليه وسلم اللهم صل على آل أبي أوفى ولا ريب في دخول أبي أوفى نفسه في ذلك وقوله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم هذه أكثر روايات البخاري وإبراهيم هنا داخل في آله ولعل هذا مراد من قال آل الرجل نفسه وأما إن ذكر الرجل ثم ذكر آله لم يدخل فيهم ففرق بين المجرد والمقرون فإذا قلت أعط لزيد وآل زيد لم يكن زيد هنا داخلا في آله وإذا قلت أعطه لآل زيد تناول زيدا وآله وهذا له نظائر كثيرة قد ذكرناها في غير هذا الموضع وهي أن اللفظ تختلف دلالته بالتجريد والاقتران كالفقير والمسكين هما صنفان إذا قرن بينهما وصنف واحد إذا أفرد كل منهما ولهذا كانا في الزكاة صنفين وفي الكفارات صنف واحد وكالإيمان والإسلام والبر والتقوى والفحشاء والمنكر والفسوق والعصيان ونظائر ذلك كثيرة ولا سيما في القرآن(1\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "181",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7697",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  واختلف في آل النبي صلى الله عليه وسلم على أربعة أقوال فقيل هم الذين حرمت عليهم الصدقة وفيهم ثلاثة أقوال للعلماء أحدها أنهم بنو هاشم وبنو المطلب وهذا مذهب الشافعي وأحمد في رواية عنه والثاني أنهم بنو هاشم خاصة وهذا مذهب أبي حنيفة والرواية الثانية عن أحمد واختيار ابن القاسم صاحب مالك والثالث أنهم بنو هاشم ومن فوقهم إلى غالب فيدخل فيهم بنو المطلب وبنو أمية وبنو نوفل ومن فوقهم إلى بني غالب وهذا اختيار أشهب من أصحاب مالك حكاه صاحب  الجواهر  عنه وحكاه اللخمي في التبصرة عن أصبغ ولم يحكه عن أشهب وهذا القول في الآل أعني أنهم الذين تحرم عليهم الصدقة هو منصوص الشافعي وأحمد والأكثرين وهو اختيار جمهور أصحاب أحمد والشافعي والقول الثاني أن آل النبي صلى الله عليه وسلم هم ذريته وأزواجه خاصة حكاه ابن عبد البر في التمهيد قال في(1\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "182",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7698",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "باب عبد الله بن أبي بكر في شرح حديث أبي أحمد حميد الساعدي استدل قوم بهذا الحديث على أن آل محمد هم وأزواجه وذريته خاصة لقوله في حديث مالك عن نعيم المجمر وفي غير ما حديث اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وفي هذا الحديث يعني حديث أبي حميد اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته قالوا فهذا تفسير ذلك الحديث ويبين أن آل محمد هم أزواجه وذريته قالوا فجائز أن يقول الرجل لكل من كان من أزواج محمد صلى الله عليه وسلم ومن ذريته صلى الله عليك إذا واجهه وصلى الله عليه إذا غاب عنه ولا يجوز ذلك في غيرهم قالوا والآل والأهل سواء وآل الرجل وأهله سواء وهم الأزواج والذرية بدليل هذا الحديث والقول الثالث أن آله صلى الله عليه وسلم أتباعه إلى يوم القيامة حكاه ابن عبد البر عن بعض أهل العلم وأقدم من روي عنه هذا القول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ذكره البيهقي عنه ورواه عنه سفيان الثوري وغيره واختاره بعض أصحاب الشافعي حكاه عنه أبو الطيب الطبري في تعليقة ورجحه الشيخ محيي الدين النواوي في شرح مسلم واختاره الأزهري والقول الرابع أن آله صلى الله عليه وسلم هم الأتقياء من أمته حكاه القاضي حسين والراغب وجماعة(1\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "183",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7699",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  في ذكر حجج هذه الأقوال وتبيين ما فيها من الصحيح والضعيف فأما القول الأول وهو أن الآل من تحرم عليهم الصدقة على ما فيهم من الاختلاف فحجته من وجوه أحدها ما رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالنخل عند صرامه فيجيء هذا بتمرة وهذا بتمرة حتى يصير عنده كوم من تمر فجعل الحسن والحسين يلعبان بذلك التمر فأخذ أحدهما تمرة فجعلها في فيه فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجها من فيه فقال أما علمت أن آل محمد لا يأكلون الصدقة ورواه مسلم وقال إنا لا تحل لنا الصدقة الثاني ما رواه مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطيبا فينا بماء يدعى خما بين مكة(1\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "184",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7700",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمدينة فحمد الله تعالى وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال أما بعد ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي عز وجل وإني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله عز وجل فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه وقال وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي فقال حصين بن سبرة ومن أهل بيته يا زيد أليس نساؤه من أهل بيته قال إن نساءه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده قال ومن هم قال هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس قال أكل هؤلاء حرم عليهم الصدقة قال نعم وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الصدقة لا تحل لآل محمد الدليل الثالث ما في الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن فاطمة رضي الله عنها أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر رضي الله عنه أن رسول الله قال لا نورث ما تركنا صدقة إنما يأكل آل محمد من هذا المال يعني مال الله ليس لهم أن يزيدوا على المأكل فآله صلى الله عليه وسلم لهم خواص منها حرمان الصدقة ومنها أنهم(1\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "185",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7701",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يرثونه ومنها استحقاقهم خمس الخمس ومنها اختصاصهم بالصلاة عليهم وقد ثبت أن تحريم الصدقة واستحقاق خمس الخمس وعدم توريثهم مختص ببعض أقاربه صلى الله عليه وسلم فكذلك الصلاة على آله الدليل الرابع ما رواه مسلم من حديث ابن شهاب عن عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي أن عبد المطلب بن ربيعة أخبره أن أباه ربيعة بن الحارث قال لعبد المطلب بن ربيعة وللفضل بن العباس رضي الله عنهما ائتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولا له استعملنا يا رسول الله على الصدقات فذكر الحديث وفيه فقال لنا إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد الدليل الخامس ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد فذكر الحديث وقال فيه فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الكبش فأضجعه ثم ذبحه ثم قال بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد ثم ضحى به(1\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "186",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7702",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هكذا رواه مسلم بتمامه وحقيقة العطف المغايرة وأمته صلى الله عليه وسلم أعم من آله قال أصحاب هذا القول وتفسير الآل بكلام النبي صلى الله عليه وسلم أولى من تفسيره بكلام غيره(1\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "187",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7703",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  وأما القول الثاني أنهم ذريته وأزواجه خاصة فقد تقدم احتجاج ابن عبد البر له في حديث أبي حميد اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته وفي غيره من الأحاديث اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وهذا غايته أن يكون الأول منهما قد فسره اللفظ الآخر واحتجوا أيضا بما في الصحيحين من حديث أبى هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا ومعلوم أن هذه الدعوة المستجابة لم تنل كل بني هاشم ولا بني المطلب لأنه كان فيهم الأغنياء وأصحاب الجدة وإلى الآن وأما أزواجه وذريته صلى الله عليه وسلم فكان رزقهم قوتا وما كان يحصل لأزواجه بعده من الأموال كن يتصدقن به ويجعلن رزقهن قوتا وقد جاء عائشة رضي الله عنها مال عظيم فقسمته كله في قعدة واحدة فقالت لها الجارية لو خبأت لنا درهما نشتري به لحما فقالت لها لو ذكرتني فعلت(1\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "188",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7704",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحتجوا أيضا بما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز مأدوم ثلاثة أيام حتى لحق بالله عز وجل قالوا ومعلوم أن العباس وأولاده وبني المطلب لم يدخلوا في لفظ عائشة ولا مرادها قال هؤلاء وإنما دخل الأزواج في الآل وخصوصا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تشبيها لذلك بالسبب لأن اتصالهن بالنبي صلى الله عليه وسلم غير مرتفع وهن محرمات على غيره في حياته وبعد مماته وهن زوجاته في الدنيا والآخرة فالسبب الذي لهن بالنبي صلى الله عليه وسلم قائم مقام النسب وقد نص صلى الله عليه وسلم على الصلاة عليهن ولهذا كان القول الصحيح وهو منصوص الإمام أحمد رحمه الله إن الصدقة تحرم عليهم لأنها أوساخ الناس وقد صان الله سبحانه ذلك الجناب الرفيع وآله من كل أوساخ بني آدم ويا لله العجب كيف يدخل أزواجه في قوله صلى الله عليه وسلم اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا وقوله في الأضحية اللهم هذا عن محمد وآل محمد وفي قول عائشة رضي الله عنها ما شبع آل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز بر وفي قول المصلي اللهم صل على محمد وعلى آل(1\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "189",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7705",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محمد ولا يدخلن في قوله إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد مع كونها من أوساخ الناس فأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالصيانة عنها والبعد منها فإن قيل لو كانت الصدقة حراما عليهم لحرمت على مواليهن كما أنها لما حرمت على بني هاشم حرمت على مواليهم وقد ثبت في الصحيح أن بريرة تصدق عليها بلحم فأكلته ولم يحرمه النبي صلى الله عليه وسلم وهي مولاة لعائشة رضي الله عنها قيل هذا هو شبهة من أباحها لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وجواب هذه الشبهة أن تحريم الصدقة على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليس بطريق الأصالة وإنما هو تبع لتحريمها عليه صلى الله عليه وسلم وإلا فالصدقة حلال لهن قبل اتصالهن به فهن فرع في هذا التحريم والتحريم على المولى فرع التحريم على سيده فلما كان التحريم على بني هاشم أصلا استتبع ذلك مواليهم ولما كان التحريم على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تبعا لم يقو ذلك على استتباع مواليهن لأنه فرع عن فرع قالوا وقد قال الله تعالى يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها(1\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "190",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7706",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة) الأحزاب 30 34 فدخلن في أهل البيت لأن هذا الخطاب كله في سياق ذكرهن فلا يجوز إخراجهن في شيء منه(1\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "191",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7707",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  وأما القول الثالث وهو أن آل النبي صلى الله عليه وسلم أمته وأتباعه إلى يوم القيامة فقد احتج له بأن آل المعظم المتبوع هم أتباعه على دينه وأمره قريبهم وبعيدهم قالوا واشتقاق هذه اللفظة تدل عليه فإنه من آل يؤول إذا رجع ومرجع الأتباع إلى متبوعهم لأنه إمامهم وموئلهم قالوا ولهذا كان قوله تعالى إلا آل لوط نجيناهم بسحر القمر 34 المراد به أتباعه وشيعته المؤمنون به من أقاربه وغيرهم وقوله تعالى أدخلوا آل فرعون أشد العذاب غافر 46 المراد به أتباعه واحتجوا أيضا بأن واثلة بن الأسقع روى أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا حسنا وحسينا فأجلس كل واحد منهما على فخذه وأدنى فاطمة رضي الله عنها من حجره وزوجها ثم لف عليهم ثوبه ثم قال اللهم هؤلاء أهلي قال واثلة فقلت يا رسول الله وأنا من(1\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "192",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7708",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أهلك فقال وأنت من أهلي رواه البيهقي \/\/ بإسناد جيد \/\/ قالوا ومعلوم أن واثلة بن الأسقع من بني ليث بن بكر بن عبد مناة وإنما هو من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم(1\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "193",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7709",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  وأما أصحاب القول الرابع أن آله الأتقياء من أمته فاحتجوا بما رواه الطبراني في معجمه عن جعفر بن إلياس بن صدقة حدثنا نعيم بن حماد حدثنا نوح بن أبي مريم عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من آل محمد فقال كل تقي وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أولياؤه إلا المتقون الأنفال 38 قال الطبراني لم يروه عن يحيى إلا نوح تفرد به نعيم وقد رواه البيهقي من حديث عبد الله بن أحمد بن يونس حدثنا نافع أبو هرمز عن أنس فذكره ونوح هذا ونافع لا يحتج بهما أحد من أهل العلم وقد رميا بالكذب واحتج لهذا القول أيضا بأن الله عز وجل قال لنوح عن ابنه إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح هود 46 فأخرجه بشركه أن يكون من أهله فعلم أن آل الرسول صلى الله عليه وسلم هم أتباعه وأجاب عنه الشافعي رحمه الله بجواب جيد وهو أن(1\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "194",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7710",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المراد أنه ليس من أهلك الذين أمرنا بحملهم ووعدناك نجاتهم لأن الله سبحانه قال له قبل ذلك احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول هود 40 فليس ابنه من أهله الذين ضمن نجاتهم قلت ويدل على صحة هذا أن سياق الآية يدل على أن المؤمنين به قسم غير أهله الذين هم أهله لأنه قال سبحانه احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن فمن آمن معطوف على المفعول بالحمل وهم الأهل والاثنان من كل زوجين واحتجوا أيضا بحديث واثلة بن الأسقع المتقدم قالوا وتخصيص واثلة بذلك أقرب من تعميم الأمة به وكأنه جعل واثلة في حكم الأهل تشبيها بمن يستحق هذا الاسم فهذا ما احتج به أصحاب كل قول من هذه الأقوال والصحيح هو القول الأول ويليه القول الثاني وأما الثالث والرابع فضعيفان لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد رفع الشبهة بقوله إن الصدقة لا تحل لآل محمد وقوله إنما يأكل آل محمد من هذا المال وقوله اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا وهذا لا يجوز أن يراد به عموم الأمة قطعا فأولى ما حمل عليه الآل في الصلاة الآل المذكورون في سائر ألفاظه ولا يجوز العدول عن ذلك وأما تنصيصه على الأزواج والذرية فلا يدل على اختصاص الآل بهم بل هو حجة على عدم الاختصاص بهم لما روى أبو داود من حديث نعيم المجمر عن أبي هريرة رضي الله عنه في(1\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "195",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7711",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصلاة علي النبي صلى الله عليه وسلم اللهم صل على محمد النبي الأمي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم فجمع بين الأزواج والذرية والأهل وإنما نص عليهم بتعيينهم ليبين أنهم حقيقيون بالدخول في الآل وأنهم ليسوا بخارجين منه بل هم أحق من دخل فيه وهذا كنظائره من عطف الخاص على العام وعكسه تنبيها على شرفه وتخصيصا له بالذكر من بين النوع لأنه من أحق أفراد النوع بالدخول فيه وهنا للناس طريقان أحدهما أن ذكر الخاص قبل العام أو بعده قرينة تدل على أن المراد به بالعام ما عداه والطريق الثاني أن الخاص ذكر مرتين مرة بخصوصه ومرة بشمول الاسم العام له تنبيها على مزيد شرفه وهذا كقوله تعالى وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم الأحزاب 7 وقوله تعالى من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين البقرة 98 وأيضا فإن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حق له ولآله دون سائر الأمة ولهذا تجب عليه وعلى آله عند الشافعي رحمه الله وغيره كما سيأتي وإن كان عندهم في الآل اختلاف ومن لم يوجبها فلا ريب أنه يستحبها عليه وعلى آله ويكرهها أو لا يستحبها لسائر المؤمنين أو لا يجوزها على غير النبي صلى الله عليه وسلم وآله فمن قال إن آله في الصلاة كل الأمة فقد أبعد غاية الإبعاد(1\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "196",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7712",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم شرع في التشهد السلام والصلاة فشرع في السلام تسليم المصلي على الرسول صلى الله عليه وسلم أولا وعلى نفسه ثانيا وعلى سائر عباد الله الصالحين ثالثا وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فإذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح في السماء والأرض وأما الصلاة فلم يشرعها إلا عليه وعلى آله فقط فدل على أن آله هم أهله وأقاربه وأيضا فإن الله سبحانه أمرنا بالصلاة عليه بعد ذكر حقوقه وما خصه به دون أمته من حل نكاحه لمن تهب نفسها له ومن تحريم نكاح أزواجه على الأمة بعده ومن سائر ما ذكر مع ذلك من حقوقه وتعظيمه وتوقيره وتبجيله ثم قال تعالى وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما الأحزاب 53 ثم ذكر رفع الجناح عن أزواجه في تكليمهن آباءهن وأبناءهن ودخولهم عليهن وخلوتهم بهن ثم عقب ذلك بما هو حق من حقوقه الأكيدة على أمته وهو أمرهم بصلاتهم عليه وسلامهم مستفتحا ذلك الأمر بإخباره بأنه هو وملائكته يصلون عليه فسأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أي صفة يؤدون هذا الحق فقال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد فالصلاة على آله هي من تمام الصلاة عليه وتوابعها لأن ذلك(1\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "197",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7713",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مما تقر به عينه ويزيده الله به شرفا وعلوا صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما وأما من قال إنهم الأتقياء من أمته فهؤلاء هم أولياؤه فمن كان منهم من أقربائه فهو من أوليائه ومن لم يكن منهم من أقربائه فهم من أوليائه لا من آله فقد يكون الرجل من آله وأوليائه كأهل بيته والمؤمنين به من أقاربه ولا يكون من آله ولا من أوليائه وقد يكون من أوليائه وإن لم يكن من آله كخلفائه في أمته الداعين إلى سنته الذابين عنه الناصرين لدينه وإن لم يكن من أقاربه وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء إن أوليائي المتقون أين كانوا ومن كانوا وغلط بعض الرواة في هذا الحديث وقال إن آل أبي بياض والذي غر هذا أن في الصحيح إن آل أبي ليسوا لي بأولياء وأخلى بياضا بين أبي وبين ليسوا فجاء بعض النساخ فكتب على ذلك الموضع بياض يعني أنه كذا وقع فجاء آخر فظن أن بياض هو المضاف إليه فقال أبي بياض ولا يعرف في العرب أبو بياض والنبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر ذلك وإنما سمى قبيلة كبيرة من قبائل قريش والصواب لمن قرأها في ذلك النسخ أن يقرأها إن آل(1\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "198",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7714",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبي بياض بضم الضاد من بياض لا بجرها والمعنى وثم بياض أو هنا بياض ونظير هذا ما وقع في كتاب مسلم في حديث جابر الطويل ونحن يوم القيامة أي فوق كذا انظر وهذه الألفاظ لا معنى لها هنا أصلا وإنما هي من تخليط النساخ والحديث بهذا السند والسياق في مسند الإمام أحمد ونحن يوم القيامة على كوم أو تل فوق الناس فاشتبه على الناسخ التل أو الكوم ولم يفهم ما المراد فكتب على الهامش انظر وكتب هو أو غيره كذا فجاء آخر فجمع بين ذلك كله وأدخله في متن الحديث سمعته من شيخنا أبي العباس أحمد بن تيمية رحمه الله والمقصود أن المتقين هم أولياء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولياؤه هم أحب إليه من آله قال الله تعالى وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير التحريم 4 وسئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس أحب إليك قال عائشة(1\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "199",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7715",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رضي الله عنها قيل من الرجال قال أبوها رضي الله عنه \/\/ متفق عليه \/\/ وذلك أن المتقين هم أولياء الله كما قال تعالى ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون يونس 62 63 وأولياء الله سبحانه وتعالى أولياء لرسوله صلى الله عليه وسلم وأما من زعم أن الآل هم الأتباع فيقال لا ريب أن الأتباع يطلق عليهم لفظ الآل في بعض المواضع بقرينة ولا يلزم من ذلك أنه حيث وقع لفظ الآل يراد به الأتباع لما ذكرنا من النصوص والله أعلم(1\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "200",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7716",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  وأما الأزواج فجمع زوج وقد يقال زوجة والأول أفصح وبها جاء القرآن قال تعالى يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة البقرة 35 وقال تعالى في حق زكريا عليه السلام وأصلحنا له زوجه الأنبياء 90 ومن الثاني قول ابن عباس رضي الله عنهما في عائشة رضي الله عنها إنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة وقال الفرزدق (وإن الذي يبغي ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها) وقد يجمع على زوجات وهذا إنما هو جمع زوجة وإلا فجمع زوج أزواج قال تعالى هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون يس 56(1\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "201",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7717",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال تعالى أنتم وأزواجكم تحبرون الزخرف 70 وقد وقع في القرآن الإخبار عن أهل الإيمان بلفظ الزوج مفردا وجمعا كما تقدم وقال تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم الأحزاب 6 وقال تعالى يا أيها النبي قل لأزواجك الأحزاب 59 والإخبار عن أهل الشرك بلفظ المرأة قال تعالى تبت يدا أبي لهب إلى قوله وامرأته حمالة الحطب المسد 1 4 وقال تعالى ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط التحريم 10 فلما كانتا مشركتين أوقع عليهما اسم المرأة وقال في فرعون وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون التحريم 11 لما كان هو المشرك وهي مؤمنة لم يسمها زوجا له وقال في حق آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وقال للنبي صلى الله عليه وسلم إنا أحللنا لك أزواجك الأحزاب 50 وقال في حق المؤمنين ولهم فيها أزواج مطهرة البقرة 25 فقالت طائفة منهم السهيلي وغيره إنما لم يقل في حق هؤلاء الأزواج لأنهن لسن بأزواج لرجالهم في الآخرة ولأن التزويج حلية شرعية وهو من أمر الدين فجرد الكافرة منه كما جرد منها امرأة نوح وامرأة لوط(1\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "202",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7718",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم أورد السهيلي على نفسه قول زكريا عليه السلام وكانت امرأتي عاقرا مريم 5 وقوله تعالى عن إبراهيم فأقبلت امرأته في صرة الذاريات 29 وأجاب بأن ذكر المرأة أليق في هذه المواضع لأنه في سياق ذكر الحمل والولادة فذكر المرأة أولى به لأن الصفة التي هي الأنوثة هي المقتضية للحمل والوضع لا من حيث كانت زوجا قلت ولو قيل إن السر في ذكر المؤمنين ونسائهم بلفظ الأزواج أن هذا اللفظ مشعر بالمشاكلة والمجانسة والاقتران كما هو المفهوم من لفظه فإن الزوجين هما الشيئان المتشابهان المتشاكلان أو المتساويان ومنه قوله تعالى احشروا الذين ظلموا وأزواجهم الصافات 22 قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أزواجهم أشباههم ونظراؤهم وقاله الإمام أحمد أيضا ومنه قوله تعالى وإذا النفوس زوجت التكوير 7 أي قرن بين كل شكل وشكله في النعيم والعذاب قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذه الآية الصالح مع الصالح في الجنة والفاجر مع الفاجر في النار وقاله الحسن وقتادة والأكثرون وقيل زوجت أنفس المؤمنين بالحور العين وأنفس الكافرين بالشياطين وهو راجع إلى القول الأول(1\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "203",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7719",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال تعالى ثمانية أزواج الأنعام 143 ثم فسرها من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الأبل اثنين ومن البقر اثنين الأنعام 143 144 فجعل الزوجين هما الفردان من نوع واحد ومنه قولهم زوجا خف وزوجا حمام ونحوه ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى قطع المشابهة والمشاكلة بين الكافر والمؤمن قال تعالى لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة الحشر 20 وقال تعالى في حق مؤمني أهل الكتاب وكافرهم ليسوا سواء من أهل الكتاب الآية آل عمران 113 وقطع المقارنة سبحانه بينهما في أحكام الدنيا فلا يتوارثان ولا يتناكحان ولا يتولى أحدهما صاحبه فكما انقطعت الوصلة بينهما في المعنى انقطعت في الاسم فأضاف فيها المرأة بلفظ الأنوثة المجرد دون لفظ المشاكلة والمشابهة وتأمل هذا المعنى تجده أشد مطابقة لألفاظ القرآن ومعانيه ولهذا وقع على المسلمة امرأة الكافر وعلى الكافرة امرأة المؤمن لفظ المرأة دون الزوجة تحقيقا لهذا المعنى والله أعلم وهذا أولى من قول من قال إنما سمى صاحبة أبي لهب امرأته ولم يقل لها زوجته لأن أنكحة الكفار لا يثبت لها حكم الصحة بخلاف أنكحة أهل الإسلام فإن هذا باطل بإطلاقه اسم المرأة على امرأة نوح وامرأة لوط مع صحة ذلك النكاح(1\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "204",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7720",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتأمل في هذا المعنى في آية المواريث وتعليقه سبحانه التوارث بلفظ الزوجة دون المرأة كما في قوله تعالى ولكم نصف ما ترك أزواجكم النساء 12 إيذانا بأن هذا التوارث إنما وقع بالزوجية المقتضية للتشاكل والتناسب والمؤمن والكافر لا تشاكل بينهما ولا تناسب فلا يقع بينهما التوارث وأسرار مفردات القرآن ومركباته فوق عقول العالمين(1\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "205",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7721",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  وهذاأليق المواضع بذكر أزواجه صلى الله عليه وسلم وأولاهن خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزي بن قصي بن كلاب تزوجها صلى الله عليه وسلم بمكة وهو ابن خمس وعشرين سنة وبقيت معه إلى أن أكرمه الله برسالته فآمنت به ونصرته فكانت له وزير صدق وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين في الأصح وقيل بأربع وقيل بخمس ولها خصائص رضي الله عنها منها أنه صلى الله عليه وسلم لم يتزوج عليها غيرها ومنها أن أولاده صلى الله عليه وسلم كلهم منها إلا إبراهيم عليه السلام فإنه من سريته مارية ومنها أنها خير نساء الأمة واختلف في تفضيلها على عائشة رضي الله عنها على ثلاثة أقوال ثالثها الوقف وسألت شيخنا ابن تيمية رحمه الله فقال اختص كل واحدة منها بخاصة فخديجة كان تأثيرها في أول الإسلام وكانت تسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتثبته وتسكنه وتبذل دونه(1\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "206",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7722",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مالها فأدركت عزة الإسلام واحتملت الأذى في الله وفي رسوله وكانت نصرتها للرسول صلى الله عليه وسلم في أعظم أوقات الحاجة فلها من النصرة والبذل ما ليس لغيرها وعائشة رضي الله عنها تأثيرها في آخر الإسلام فلها من التفقه في الدين وتبليغه إلى الأمة وانتفاع نبيها بما أدت إليهم من العلم ما ليس لغيرها هذا معنى كلامه قلت ومن خصائصها أن الله سبحانه بعث إليها السلام مع جبريل عليه السلام فبلغها رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك قال البخاري في صحيحه حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا محمد بن فضيل عن عمارة عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فأقرأ عليها السلام من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب وهذه لعمر الله خاصة لم تكن لسواها وأما عائشة رضي الله عنها فإن جبريل عليه السلام سلم عليها على لسان النبي صلى الله عليه وسلم(1\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "207",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7723",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال البخاري حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب قال أبو سلمة إن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام فقالت وعليه السلام ورحمة الله وبركاته ترى ما لا أرى تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن خواص خديجة رضي الله عنها أنها لم تسؤه قط ولم تغاضبه ولم ينلها منه إيلاء ولا عتب قط ولا هجر وكفى به منقبة وفضيلة ومن خواصها أنها أول امرأة آمنت بالله ورسوله من هذه الأمة(1\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "208",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7724",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  فلما توفاها الله سبحانه وتعالى تزوج بعدها سودة بني زمعة رضي الله عنها وهي سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس ابن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي كبرت عنده وأراد طلاقها فوهبت يومها لعائشة رضي الله عنها فأمسكها وهذا من خواصها أنها آثرت بيومها حب رسول الله صلى الله عليه وسلم تقربا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبا له وإيثارا لمقامها معه فكان يقسم لنسائه ولا يقسم لها وهي راضية بذلك مؤثرة لرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها وتزوج الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما وهي بنت ست سنين قبل الهجرة بسنتين وقيل بثلاث وبنى بها بالمدينة أول مقدمه في السنة الأولى وهي بنت تسع(1\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "209",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7725",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة وتوفيت بالمدينة ودفنت بالبقيع وأوصت أن يصلي عليها أبو هريرة رضي الله عنه سنة ثمان وخمسين ومن خصائصها أنها كانت أحب أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه كما ثبت عنه ذلك في البخاري وغيره وقد سئل أي الناس أحب إليك قال عائشة قيل فمن الرجال قال أبوها ومن خصائصها أيضا أنه لم يتزوج امرأة بكرا غيرها ومن خصائصها أنه كان ينزل عليه الوحي وهو في لحافها دون غيرها ومن خصائصها أن الله عز وجل لما أنزل عليه آية التخيير بدأ بها فخيرها فقال ولا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك فقالت أفي هذا أستأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة فاستن بها بقية أزواجه صلى الله عليه وسلم وقلن كما قالت ومن خصائصها أن الله سبحانه برأها مما رماها به أهل الإفك وأنزل في عذرها وبراءتها وحيا يتلى في محاريب المسلمين وصلواتهم إلى يوم القيامة وشهد لها بأنها من الطيبات ووعدها(1\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "210",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7726",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المغفرة والرزق الكريم وأخبر سبحانه أن ما قيل فيها من الإفك كان خيرا لها ولم يكن ذلك الذي قيل فيها شرا لها ولا عائبا لها ولا خافضا من شأنها بل رفعها الله بذلك وأعلى قدرها وأعظم شأنها وصار لها ذكرا بالطيب والبراءة بين أهل الأرض والسماء فيا لها من منقبة ما أجلها وتأمل هذا التشريف والإكرام الناشئ عن فرط تواضعها واستصغارها لنفسها حيث قالت ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بوحي يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا يبرئني الله بها فهذه صديقة الأمة وأم المؤمنين وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تعلم أنها بريئة مظلومة وأن قاذفيها ظالمون لها مفترون عليها قد بلغ أذاهم إلى أبويها وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا كان احتقارها لنفسها وتصغيرها لشأنها فما ظنك بمن صام يوما أو يومين أو شهرا أو شهرين وقام ليلة أو ليلتين فظهر عليه شيء من الأحوال ولاحظوا بعين استحقاق الكرامات والمكاشفات والمخاطبات والمنازلات وإجابة الدعوات وأنهم ممن يتبرك بلقائهم ويغتنم صالح دعائهم وأنهم يجب على الناس احترامهم وتعظيمهم وتعزيرهم وتوقيرهم فيتمسح بأثوابهم ويقبل ثرى أعتابهم وأنهم من الله بالمكانة التي ينتقم لهم لأجلها ممن تنقصهم في الحال وأن يؤخذ ممن أساء الأدب عليهم من(1\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "211",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7727",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غير إمهال وأن إساءة الأدب عليهم ذنب لا يكفره شيء إلا رضاهم ولو كان هذا من وراء كفاية لهان ولكن من وراء تخلف وهذه الحماقات والرعونات نتائج الجهل الصميم والعقل غير المستقيم فإن ذلك إنما يصدر من جاهل معجب بنفسه غافل عن جرمه وذنوبه مغتر بإمهال الله تعالى له عن أخذه بما هو فيه من الكبر والإزراء على من لعله عند الله عز وجل خير منه نسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة وينبغي للعبد أن يستعيذ بالله أن يكون عند نفسه عظيما وهو عند الله حقير ومن خصائصها رضي الله عنها أن الأكابر من الصحابة رضي الله عنهم كان إذا أشكل عليهم أمر من الدين استفتوها فيجدون علمه عندها ومن خصائصها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتها وفي يومها وبين سحرها ونحرها ودفن في بيتها ومن خصائصها أن الملك أرى صورتها للنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يتزوجها في سرقة حرير فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن يكن هذا من عند الله يمضه(1\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "212",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7728",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن خصائصها أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يومها من رسول الله صلى الله عليه وسلم تقربا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيتحفونه بما يحب في منزل أحب نسائه إليه صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهن أجمعين وتكنى أم عبد الله وروى أنها أسقطت من النبي صلى الله عليه وسلم سقطا ولا يثبت ذلك وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وكانت قبله عند خنيس بن حذافة وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وممن شهد بدرا توفيت سنة سبع وقيل ثمان وعشرين ومن خصائصها ما ذكره الحافظ أبو محمد المقدسي في مختصره في السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم طلقها فأتاه جبريل فقال إن الله يأمرك أن تراجع حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة وقال الطبراني في المعجم الكبير حدثنا أحمد بن طاهر بن حرملة بن يحيى حدثنا جدي حرملة حدثنا ابن وهب حدثني عمرو بن صالح الحضرمي عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة فبلغ ذلك(1\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "213",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7729",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عمر بن الخطاب رضي الله عنه فوضع التراب على رأسه وقال ما يعبأ الله بابن الخطاب بعد هذا فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر رضي الله تعالى عنه وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان واسمها رملة بنت صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى أرض الحبشة فتنصر بالحبشة وأتم الله لها الإسلام وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بأرض الحبشة وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار \/\/ إسناده صحيح \/\/ وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي يخطبها وولى نكاحها عثمان بن عفان وقيل خالد بن سعيد بن العاص وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عكرمة بن عمار عن أبي زميل عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه قال كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه فقال للنبي صلى الله عليه وسلم ثلاث خلال أعطنيهن قال نعم قال عندي أحسن(1\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "214",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7730",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها قال نعم قال ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك قال نعم وتؤمرني أن أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين قال نعم قال أبو زميل ولولا أنه طلب ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ما أعطاه ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يسأل شيئا إلا قال نعم وقد أشكل هذا الحديث على الناس فإن أم حبيبة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل إسلام أبي سفيان كما تقدم زوجها إياه النجاشي ثم قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم أبوها فكيف يقول بعد الفتح أزوجك أم حبيبة فقالت طائفة هذا الحديث كذب لا أصل له قال ابن حزم كذبه عكرمة بن عمار وحمل عليه واستعظم ذلك آخرون وقالوا أنى يكون في صحيح مسلم حديث موضوع وإنما وجه الحديث أنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجدد له العقد على ابنته ليبقى له وجه بين المسلمين وهذا ضعيف فإن في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم وعده وهو الصادق الوعد ولم ينقل أحد قط أنه جدد العقد على أم حبيبة ومثل هذا لو كان لنقل ولو نقل واحد عن واحد فحيث لم ينقله أحد قط علم أنه لم يقع ولم يزد القاضي عياض على استشكاله فقال والذي وقع في مسلم من هذا غريب جدا عند أهل الخبر وخبرها مع أبي سفيان عند وروده إلى المدينة بسبب تجديد الصلح ودخوله عليها مشهور(1\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "215",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7731",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالت طائفة ليس الحديث بباطل وإنما سأل أبو سفيان النبي صلى الله عليه وسلم إن يزوجه ابنته الأخرى عزة أخت أم حبيبة قالوا ولا يبعد أن يخفى هذا على أبي سفيان لحداثة عهده بالإسلام وقد خفي هذا على ابنته أم حبيبة حتى سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوجها فقال إنها لا تحل لي فأراد أن يزوج النبي صلى الله عليه وسلم ابنته الأخرى فاشتبه على الراوي وذهب وهمه إلى أنها أم حبيبة وهذه التسمية من غلط بعض الرواة لا من قول أبي سفيان لكن يرد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال نعم وأجابه إلى ما سأل فلو كان المسؤول أن يزوجه أختها لقال إنها لا تحل لي كما قال ذلك لأم حبيبة ولولا هذا لكان التأويل في الحديث من أحسن التأويلات وقالت طائفة لم يتفق أهل النقل على أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج أم حبيبة رضي الله تعالى عنها وهي بأرض الحبشة بل قد ذكر بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها بالمدينة بعد قدومها من الحبشة حكاه أبو محمد المنذري وهذا من أضعف الأجوبة لوجوه أحدها أن هذا القول لا يعرف به أثر صحيح ولا حسن ولا حكاه أحد ممن يعتمد على نقله الثاني أن قصة تزويج أم حبيبة وهي بأرض الحبشة قد جرت مجرى التواتر كتزويجه صلى الله عليه وسلم خديجة بمكة وعائشة بمكة وبنائه بعائشة بالمدينة وتزويجه حفصة بالمدينة وصفية عام خيبر وميمونة في عمرة القضية ومثل هذه الوقائع شهرتها عند أهل العلم موجبة لقطعهم بها فلو جاء سند ظاهره الصحة يخالفها عدوه غلطا ولم يلتفتوا إليه ولا يمكنهم مكابرة نفوسهم في ذلك الثالث أنه من المعلوم عند أهل العلم بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم(1\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "216",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7732",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأحواله أنه لم يتأخر نكاح أم حبيبة إلى بعد فتح مكة ولا يقع ذلك في وهم أحد منهم أصلا الرابع أن أبا سفيان لما قدم المدينة دخل على ابنته أم حبيبة فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه فقال يا بنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني قالت بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم قال والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر وهذا مشهور عند أهل المغازي والسير الخامس أن أم حبيبة كانت من مهاجرات الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش ثم تنصر زوجها وهلك بأرض الحبشة ثم قدمت هي على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحبشة وكانت عنده ولم تكن عند أبيها وهذا مما لا يشك فيه أحد من أهل النقل ومن المعلوم أن أباها لم يسلم إلا عام الفتح فكيف يقول عندي أجمل العرب أزوجك إياها وهل كانت عنده بعد هجرتها وإسلامها قط فإن كان قال له هذا القول قبل إسلامه فهو محال فإنها لم تكن عنده ولم يكن له ولاية عليها أصلا وإن كان قاله بعد إسلامه فمحال أيضا لأن نكاحها لم يتأخر إلى بعد الفتح فإن قيل بل يتعين أن يكون نكاحها بعد الفتح لأن الحديث الذي رواه مسلم صحيح وإسناده ثقات حفاظ وحديث نكاحها وهي بأرض الحبشة من رواية محمد بن إسحاق مرسلا والناس مختلفون في الاحتجاج بمسانيد ابن إسحاق فكيف بمراسيله فكيف بها إذا خالفت المسانيد الثانية وهذه طريقة لبعض المتأخرين في تصحيح حديث ابن عباس هذا(1\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "217",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7733",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالجواب من وجوه أحدها أن ما ذكره هذا القائل إنما يمكن عند تساوي النقلين فيرجح بما ذكره وأما مع تحقيق بطلان أحد النقلين وتيقنه فلا يلتفت إليه فإنه لا يعلم نزاع بين اثنين من أهل العلم بالسير والمغازي وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن نكاح أم حبيبة لم يتأخر إلى بعد الفتح ولم يقله أحد منهم قط ولو قاله قائل لعلموا بطلان قوله ولم يشكوا فيه الثاني أن قوله إن مراسيل ابن إسحاق لا تقاوم الصحيح المسند ولا تعارضه فجوابه أن الاعتماد في هذا ليس على رواية ابن إسحاق وحده لا متصلة ولا مرسلة بل على النقل المتواتر عند أهل المغازي والسير وذكرها أهل العلم واحتجوا على جواز الوكالة في النكاح قال الشافعي في رواية الربيع في حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا نكح الوليان فالأول أحق قال فيه دلالة على أن الوكالة في النكاح جائزة مع توكيل النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري فزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان وقال الشافعي في كتابه الكبير أيضا رواية الربيع ولا يكون الكافر وليا لمسلمة وإن كانت بنته قد زوج ابن سعيد بن العاص النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان وأبو سفيان حي لأنها كانت مسلمة وابن سعيد مسلم ولا أعلم مسلما أقرب لها منه(1\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "218",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7734",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولم يكن لأبي سفيان فيها ولاية لأن الله قطع الولاية بين المسلمين والمشركين والمواريث والعقل وغير ذلك وابن سعيد هذا الذي ذكره الشافعي هو خالد بن سعيد بن العاص ذكره ابن إسحاق وغيره وذكر عروة والزهري أن عثمان بن عفان رضي الله عنه هو الذي ولي نكاحها وكلاهما ابن عم أبيها لأن عثمان هو ابن عفان بن أبي العاص بن أمية وخالد هو ابن سعيد بن العاص بن أمية وأبو سفيان هو ابن حرب بن أمية والمقصود أن أئمة الفقه والسير ذكروا أن نكاحها كان بأرض الحبشة وهذا يبطل وهم من توهم أنه تأخر إلى بعد الفتح اغترارا منه بحديث عكرمة ابن عمار الثالث أن عكرمة بن عمار راوي حديث ابن عباس هذا قد ضعفه كثير من أئمة الحديث منهم يحيى بن سعيد الأنصاري قال ليست أحاديثه بصحاح وقال الإمام أحمد أحاديثه ضعاف وقال أبو حاتم عكرمة هذا صدوق وربما وهم وربما دلس وإذا كان هذا حال عكرمة فلعله دلس هذا الحديث عن غير حافظ أو غير ثقة فإن مسلما في صحيحه رواه عن عباس بن عبد العظيم عن النضر بن محمد عن عكرمة بن عمار عن أبي زميل عن ابن عباس هكذا معنعنا ولكن قد رواه الطبراني في معجمه فقال حدثنا محمد بن محمد الجذوعي حدثنا العباس ابن عبد العظيم حدثنا النضر بن محمد حدثنا عكرمة بن عمار حدثنا أبو زميل قال حدثني ابن عباس فذكره وقال أبو الفرج بن الجوزي في هذا الحديث هو وهم من بعض الرواة لا شك فيه ولا تردد وقد اتهموا به عكرمة بن عمار(1\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "219",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7735",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "راوي الحديث قال وإنما قلنا إن هذا وهم لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبيد الله بن جحش وولدت له وهاجر بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة ثم تنصر وثبتت أم حبيبة على دينها فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي يخطبها عليه فزوجه إياها وأصدقها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف درهم وذلك في سنة سبع من الهجرة وجاء أبو سفيان في زمن الهدنة فدخل عليها فثنت بساط رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يجلس عليه ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان ولا يعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا سفيان آخر كلامه وقال أبو محمد بن حزم هذا حديث موضوع لا شك في وضعه والآفة فيه من عكرمة بن عمار ولم يختلف في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها قبل الفتح بدهر وأبوها كافر فإن قيل لم ينفرد عكرمة بن عمار بهذا الحديث بل قد توبع عليه فقال الطبراني في معجمه حدثنا على بن سعيد الرازي حدثنا محمد بن حليف بن مرسال الخثعمي قال حدثني عمي إسماعيل بن مرسال عن أبي زميل الحنفي قال حدثني ابن عباس قال كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يفاتحونه فقال يا رسول الله ثلاث أعطنيهن الحديث فهذا إسماعيل بن مرسال قد رواه عن أبي زميل كما رواه عنه عكرمة بن عمار فبرئ عكرمة من عهدة التفرد(1\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "220",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7736",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل هذه المتابعة لا تفيده قوة فإن هؤلاء مجاهيل لا يعرفون بنقل العلم ولا هم ممن يحتج بهم فضلا عن أن تقدم روايتهم على النقل المستفيض المعلوم عند خاصة أهل العلم وعامتهم فهذه المتابعة إن لم تزده وهنا لم تزده قوة وبالله التوفيق وقالت طائفة منهم البيهقي والمنذري رحمهما الله تعالى يحتمل أن تكون مسألة أبي سفيان النبي صلى الله عليه وسلم إن يزوجه أم حبيبة وقعت في بعض خرجاته إلى المدينة وهو كافر حين سمع نعي زوج أم حبيبة بأرض الحبشة والمسألة الثانية والثالثة وقعتا بعد إسلامه فجمعها الراوي وهذا أيضا ضعيف جدا فإن أبا سفيان إنما قدم المدينة آمنا بعد الهجرة في زمن الهدنة قبيل الفتح وكانت أم حبيبة إذ ذاك من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقدم أبو سفيان قبل ذلك إلا مع الأحزاب عام الخندق ولولا الهدنة والصلح الذي كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم لم يقدم المدينة فمتى قدم وزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة فهذا غلط ظاهر وأيضا فإنه لا يصح أن يكون تزويجه إياها في حال كفره إذ لا ولاية له عليها ولا تأخر ذلك إلى بعد إسلامه لما تقدم فعلى التقديرين لا يصح قوله أزوجك أم حبيبة وأيضا فإن ظاهر الحديث يدل على أن المسائل الثلاثة وقعت منه في وقت واحد وأنه قال ثلاث أعطنيهن الحديث ومعلوم أن سؤاله تأميره واتخاذ معاوية كاتبا إنما يتصور بعد إسلامه فكيف يقال بل سأل بعض ذلك في حال كفره وبعضه وهو مسلم وسياق الحديث يرده(1\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "221",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7737",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالت طائفة بل يمكن حمل الحديث على محمل صحيح يخرج به عن كونه موضوعا إذ القول بأن في صحيح مسلم حديثا موضوعا مما ليس يسهل قال وجهه أن يكون معنى أزوجكها أرضى بزواجك بها فإنه كان على رغم مني وبدون اختياري وإن كان نكاحك صحيحا لكن هذا أجمل وأحسن وأكمل لما فيه من تأليف القلوب قال وتكون إجابة النبي صلى الله عليه وسلم ب نعم كانت تأنيسا ثم أخبره بعد بصحة العقد فإنه لا يشترط رضاك ولا ولاية لك عليها لاختلاف دينكما حالة العقد قال وهذا مما لا يمكن دفع احتماله وهذا مما لا يقوى أيضا ولا يخفى شدة بعد هذا التأويل من اللفظ وعدم فهمه منه فإن قوله عندي أجمل العرب أزوجكها لا يفهم منه أحد أن زوجتك التي هي عصمة نكاحك أرضى بزواجك بها ولا يطابق هذا المعنى أن يقول له النبي صلى الله عليه وسلم نعم فإنه إنما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أمرا تكون الإجابة إليه من جهته صلى الله عليه وسلم فأما رضاه بزواجه بها فأمر قائم بقلبه هو فكيف يطلبه من النبي صلى الله عليه وسلم ولو قيل طلب منه أن يقره على نكاحه إياها وسمى إقراره نكاحا لكان مع فساده أقرب إلى اللفظ وكل هذه تأويلات مستكرهة في غاية المنافرة للفظ ولمقصود الكلام وقالت طائفة كان أبو سفيان يخرج إلى المدينة كثيرا فيحتمل أن يكون جاءها وهو كافر أو بعد إسلامه حين كان النبي صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه شهرا واعتزلهن فتوهم أن ذلك الإيلاء طلاق كما توهمه عمر رضي الله عنه فظن وقوع الفرقة به فقال هذا القول للنبي صلى الله عليه وسلم متعطفا له ومتعرضا لعله يراجعها فأجابه(1\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "222",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7738",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النبي صلى الله عليه وسلم ب نعم على تقدير إن امتد الإيلاء أو وقع طلاق فلم يقع شيء من ذلك وهذا أيضا في الضعف من جنس ما قبله ولا يخفى أن قوله عندي أجمل العرب وأحسنه أزوجك إياها أنه لا يفهم منه ما ذكر من شأن الإيلاء ووقوع الفرقة به ولا يصح أن يجاب ب نعم ولا كان أبو سفيان حاضرا وقت الإيلاء أصلا فإن النبي صلى الله عليه وسلم اعتزل في مشربة له حلف أن لا يدخل على نسائه شهرا وجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاستأذن عليه في الدخول مرارا فأذن له في الثالثة فقال أطلقت نساءك فقال لا فقال عمر الله أكبر واشتهر عند الناس أنه لم يطلق نساءه وأين كان أبو سفيان حينئذ ورأيت للشيخ محب الدين الطبري كلاما على هذا الحديث قال في جملته يحتمل أن يكون أبو سفيان قال ذلك كله قبل إسلامه بمدة تتقدم على تاريخ النكاح كالمشترط ذلك في إسلامه ويكون التقدير ثلاث إن أسلمت تعطينيهن أم حبيبة أزوجكها ومعاوية يسلم فيكون كاتبا بين يديك وتؤمرني بعد إسلامي فأقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين وهذا باطل أيضا من وجوه أحدها قوله كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا(1\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "223",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7739",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقاعدونه فقال يا نبي الله ثلاث أعضيهن فيا سبحان الله هذا يكون قد صدر منه وهو بمكة قبل الهجرة أو بعد الهجرة وهو يجمع الأحزاب لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو وقت قدومه المدينة وأم حبيبة عند النبي صلى الله عليه وسلم لا عنده فما هذا التكلف البارد وكيف يقول وهو كافر حتى أقاتل المشركين كما كنت أقاتل المسلمين وكيف ينكر جفوة المسلمين له وهو جاهد في قتالهم وحربهم وإطفاء نور الله وهذه قصة إسلام أبي سفيان معروفة لا اشتراط فيها ولا تعرض لشيء من هذا وبالجملة فهذه الوجوه وأمثالها مما يعلم بطلانها واستكراهها وغثاثتها ولا تفيد الناظر فيها علما بل النظر فيها والتعرض لإبطالها من منارات العلم والله تعالى أعلم بالصواب فالصواب أن الحديث غير محفوظ بل وقع فيه تخليط والله أعلم وهي التي أكرمت فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يجلس عليه أبوها لما قدم المدينة وقالت إنك مشرك ومنعته من الجلوس عليه وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسد توفيت سنة اثنين وستين ودفنت بالبقيع وهي آخر أزواج(1\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "224",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7740",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم موتا وقيل بل ميمونة ومن خصائصها أن جبريل دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهي عنده فرأته في صورة دحية الكلبي ففي صحيح مسلم عن أبي عثمان قال انبئت أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أم سلمة قال فجعل يتحدث ثم قام فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة من هذا أو كما قال قالت هذا دحية الكلبي قالت وايم الله ما حسبته إلا إياه حتى سمعت خطبة نبي الله صلى الله عليه وسلم يخبر خبر جبريل أو كما قال قال سليمان التيمي فقلت لأبي عثمان ممن سمعت هذا الحديث قال من أسامة بن زيد وزوجها ابنها عمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم وردت طائفة ذلك بأن ابنها لم يكن له من السن حينئذ ما يعقل به التزويج ورد الإمام أحمد ذلك وأنكر على من قاله ويدل على صحة قوله ما روى مسلم في صحيحه أن عمر بن أبي سلمة ابنها سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القبلة للصائم فقال سل هذه يعني أم سلمة فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله فقال يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال(1\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "225",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7741",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم إما والله إني أتقاكم لله واخشاكم له أو كما قال ومثل هذا لا يقال لصغير جدا وعمر ولد بأرض الحبشة قبل الهجرة وقال البيهقي وقول من زعم أنه كان صغيرا دعوى ولم يثبت صغره بإسناد صحيح وقول من زعم أنه زوجها البنوة مقابل بقول من قال إنه زوجها بأنه كان من بني أعمامها ولم يكن لها ولي هو أقرب منه إليها لأنه عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وأم سلمة هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وقد قيل إن الذي زوجها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا ابنها لأن في غالب الروايات قم يا عمر فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب هو كان الخاطب ورد بأن في النسائي فقالت لابنها عمر قم فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجاب شيخنا أبو الحجاج الحافظ المزي بأن الصحيح في هذا قم يا عمر فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما لفظ ابنها فوقعت من بعض الرواة لأنه لما كان اسم ابنها عمر وفي الحديث قم يا عمر فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ظن الراوي أنه ابنها وأكثر الروايات في المسند وغيره قم يا عمر من غير ذكر ابنها قال ويدل(1\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "226",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7742",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على ذلك أن ابنها عمر كان صغير السن لأنه قد صح عنه قال كنت غلاما في حجر النبي صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك وهذا يدل على صغر سنه حين كان ربيب النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم وذكر ابن إسحاق إن الذي زوجها ابنها سلمة بن أبي سلمة والله أعلم وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش من بني خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر وهي بنت عمته أميمة بنت عبد الملطب وكانت قبل عند مولاه زيد بن حارثة وطلقها فزوجها الله تعالى اياه من فوق سبع سماوات وأنزل عليه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها الأحزاب 37 فقام فدخل عليها بلا استئذان وكانت تفخر بذلك على سائر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماواته وهذا من خصائصها توفيت بالمدينة سنة عشرين ودفنت بالبقيع رضي الله عنها وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة الهلالية وكانت(1\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "227",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7743",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تحت عبد الله بن جحش تزوجها سنة ثلاث من الهجرة وكانت تسمى أم المساكين لكثرة إطعامها المساكين ولم تلبث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يسيرا شهرين أو ثلاثة وتوفيت رضي الله عنها وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث من بني المصطلق وكانت سبيت في غزوة بني المصطلق فوقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابتها وتزوجها سنة ست من الهجرة وتوفيت سنة ست وخمسين وهي التي أعتق المسلمون بسببها مائة أهل بيت من الرقيق وقالوا أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ذلك من بركتها على قومها رضي الله عنها \/\/ إسناده صحيح \/\/(1\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "228",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7744",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي من ولد هارون بن عمران أخي موسى سنة سبع فإنها سبيت من خيبر وكانت قبله تحت كنانة بن أبي الحقيق فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم توفيت سنة ست وثلاثين وقيل سنة خمسين ومن خصائصها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقها وجعل عتقها صداقها قال أنس أمهرها نفسها وصار ذلك سنة للأمة إلى يوم القيامة انه يجوز للرجل أن يجعل عتق جاريته صداقها وتصير زوجته على منصوص الإمام أحمد رحمه الله قال الترمذي حدثنا إسحاق بن منصور وعبد بن حميد قالا حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ثابت عن أنس قال بلغ صفية أن حفصة قالت صفية بنت يهودي فبكت فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي فقال ما يبكيك قالت قالت لي حفصة إني ابنة يهودي فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنك لابنة نبي وإن عمك لنبي وإنك لتحت نبي فبم تفخر عليك ثم قال اتق الله يا حفصة قال الترمذي هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه(1\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "229",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7745",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا من خصائصها رضي الله عنها وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث الهلالية تزوجها بسرف وبنى بها بسرف وماتت بسرف وهو على سبعة أميال من مكة وهي آخر من تزوج من أمهات المؤمنين توفيت سنة ثلاث وستين وهي خالة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فإن أمه أم الفضل بنت الحارث وهي خالة خالد بن الوليد أيضا وهي التي اختلفت في نكاح النبي صلى الله عليه وسلم هل نكحها حلالا أو محرما فالصحيح أنه تزوجها حلالا كما قال أبو رافع السفير في نكاحها وقد بينت وجه غلط من قال نكحها محرما وتقديم حديث من(1\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "230",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7746",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال تزوجها حلالا على عشرة أوجه مذكورة في غير هذا الموضع فهؤلاء جملة من دخل بهن من النساء وهن إحدى عشرة قال الحافظ أبو محمد المقدسي وغيره وعقد على سبع ولم يدخل بهن فالصلاة على أزواجه تابعة لاحترامهن وتحريمهن على الأمة وأنهن نساؤه صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة فمن فارقها في حياتها ولم يدخل بها لا يثبت لها أحكام زوجاته اللاتي دخل بهن ومات عنهن صلى الله عليه وسلم وعلى أزواجه وذريته وسلم تسليما(1\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "231",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7747",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  وأما الذرية فالكلام فيها في مسألتين المسألة الأولى في لفظها وفيها ثلاثة أقوال أحدها أنها من ذرأ الله الخلق أي نشرهم وأظهرهم إلا أنهم تركوا همزها استثقالا فأصلها ذريئة بالهمز فعيلة من الذرء وهذا اختيار صاحب الصحاح وغيره والثاني أن أصلها من الذر وهو النمل الصغار وكان قياس هذه النسبة ذرية بفتح الذال وبالياء لكنهم ضموا أوله وهمزوا آخره وهذا من باب تغيير النسب وهذا القول ضعيف من وجوه منها مخالفة باب النسب ومنها إبدال الراء ياء وهو غير مقيس ومنها أن لا اشتراك بين الذرية والذر إلا في الذال والراء وأما في المعنى فليس مفهوم أحدهما مفهوم الآخر ومنها أن الذر من المضاعف والذرية من المعتل أو المهموز فأحدهما غير الآخر والقول الثالث أنها من ذرا يذرو إذا فرق من قوله تعالى(1\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "232",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7748",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تذروه الرياح الكهف 45 وأصلها على هذا ذريوه فعلية من الذرو ثم قلبت الواو ياء لسبق إحداهما بالسكون والقول الأول أصح لأن الاشتقاق والمعنى يشهدان له فإن أصل هذه المادة من الذرء قال الله تعالى جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه الشورى 11 وفي الحديث أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ وقال تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والأنس الاعراف 179 وقال تعالي وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه النحل 13 فالذرية فعلية منه بمعنى مفعولة أي مذروءة ثم أبدلوا همزها فقالوا ذرية المسألة الثانية في معنى هذه اللفظة ولا خلاف بين أهل اللغة أن الذرية تقال على الأولاد الصغار وعلى الكبار أيضا قال تعالى وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي(1\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "233",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7749",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ") البقرة 124 وقال تعالى إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض آل عمران 134 وقال تعالى ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم الأنعام 87 وقال تعالى (وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل أن لا تتخذوا من دوني وكيلا ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا) الإسراء 2 3 وهل تقال الذرية على الأباء فيه قولان أحدهما أنهم يسمون ذرية أيضا احتجوا على ذلك بقوله تعالى وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون يس 41 وأنكر ذلك جماعة من أهل اللغة وقالوا لا يجوز هذا في اللغة والذرية كالنسل والعقب لا تكون إلا للعمود الأسفل ولهذا قال تعالى ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم فذكر جهات النسب الثلاث من فوق ومن أسفل ومن الأطراف قالوا وأما الآية التي استشهدتم بها فلا دليل لكم فيها لأن الذرية فيها لم تضف إليهم إضافة نسل وإيلاد وإنما أضيفت إليهم بوجه ما والإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص وإذا كان الشاعر قد أضاف الكوكب في قوله (إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة ... سهيل أذاعت غزلها في القرائب)(1\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "234",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7750",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأضاف اليها الكوكب لأنها كانت تغزل إذا لاح وظهر والاسم قد يضاف بوجهين مختلفين إلى شيئين وجهة إضافته إلى أحدهما غير جهة إضافته إلى الأخر قال أبو طالب في النبي صلى الله عليه وسلم (لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعزى لقول الأباطل) فأضاف نبوته اليه بجهة غير جهة إضافته إلى أبيه عبد الله وهكذا لفظة رسول الله فإن الله سبحانه يضيفه إليه تارة كقوله قد جاءكم رسولنا المائدة 15 وتارة إلى المرسل إليهم كقوله أم لم يعرفوا رسولهم المؤمنون 69 فأضافه سبحانه إليه إضافة رسول إلى مرسله واضافه إليهم إضافة رسول إلى مرسل إليهم وكذا لفظ كتابه فإنه يضاف إليه تارة فيقال كتاب الله ويضاف إلى العباد تارة فيقال كتابنا القرآن وكتابنا خير الكتب وهذا كثير فهكذا لفظ الذرية أضيف إليهم بجهة غير الجهة التي أضيف بها إلى آبائهم(1\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "235",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7751",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالت طائفة بل المراد جنس بني آدم ولم يقصد الإضافة إلى الموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما أريد ذرية الجنس وقالت طائفة بل المراد بالذرية نفسها وهذا أبلغ في قدرته وتعديد نعمه عليهم أن حمل ذريتهم في الفلك في أصلاب آبائهم والمعنى أنا حملنا الذين هم ذرية هؤلاء وهم نطف في أصلاب الآباء وقد أشبعنا الكلام على ذلك في  كتاب الروح والنفس  إذا ثبت هذا فالذرية الأولاد واولادهم وهل يدخل فيها أولاد البنات فيه قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد إحداهما يدخلون وهو مذهب الشافعي والثانية لا يدخلون وهو مذهب أبي حنيفة واحتج من قال بدخولهم بأن المسلمين مجمعون على دخول أولاد فاطمة رضي الله عنها في ذرية النبي صلى الله عليه وسلم المطلوب لهم من الله الصلاة لأن أحدا من بناته لم يعقب غيرها فمن انتسب إليه صلى الله عليه وسلم من أولاد ابنته فإنما هو من جهة فاطمة خاصة ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحسن ابن ابنته إن ابني هذا سيد فسماه ابنه ولما أنزل الله سبحانه آية المباهلة فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة وحسنا وحسينا وخرج للمباهلة(1\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "236",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7752",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا وأيضا فقد قال تعالى في حق إبراهيم عليه السلام ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس الأنعام 84 85 ومعلوم أن عيسى لم ينسب إلى إبراهيم إلا من جهة أمه مريم عليها السلام وأما من قال بعدم دخولهم فحجته أن ولد البنات إنما ينتسبون إلى آبائهم حقيقة ولهذا إذا ولد الهذلي أو التيمي أو العدوي هاشمية لم يكن ولدها هاشميا فإن الولد في النسب يتبع أباه وفي الحرية والرق أمه وفي الدين خيرهما دينا ولهذا قال الشاعر (بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد) ولو وصى أو وقف على قبيلة لم يدخل فيها أولاد بناتها من غيرها قالوا واما دخول أولاد فاطمة رضي الله عنها في ذرية النبي صلى الله عليه وسلم فلشرف هذا الأصل العظيم والوالد الكريم الذي لا يدانيه أحد من العالمين سرى ونفذ إلى أولاد البنات لقوته وجلالته وعظم قدره ونحن نرى من لا نسبة له إلى هذا الجناب العظيم من العظماء والملوك وغيرهم تسري حرمة ايالدهم وأبوتهم إلى أولاد بناتهم فتلحظهم العيون بلحظ أبنائهم ويكادون يضر بون عن ذكر آبائهم صفحا فما الظن بهذا الإيلاد العظيم قدره الجليل خطره قالوا وأما تمسككم بدخول المسيح في ذرية إبراهيم فلا(1\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "237",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7753",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حجة لكم فيه فإن المسيح لم يكن له أب فنسبه من جهة الأب مستحيل فقامت أمه مقام أبيه ولهذا ينسبه الله سبحانه إلى امه كما ينسب غيره من ذوي الاباء إلى أبيه وهكذا كل من انقطع نسبه من جهة الأب إما بلعان أو غيره فأمه في النسب تقوم مقام أبيه وأمه ولهذا تكون في هذه الحال عصبته في أصح الأقوال وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد وهو مقتضى النصوص وقول ابن مسعود رضي الله عنه وغيره والقياس يشهد له بالصحة لأن النسب في الأصل للأب فإذا انقطع من جهته عاد إلى الأم فلو قدر عوده من جهة الأب رجع من الأم إليه وهكذا كما اتفق الناس عليه في الولاء أنه لموالي الاب فإذا تعذر رجوعه إليهم صار لموالي الأم فإذا أمكن عوده إليهم رجع من موالي الأم إلى معدنه وقراره ومعلوم أن الولاء فرع على النسب يحتذى فيه حذوه فإذا كان عصبات الأم من الولاء عصبات لهذا المولى الذي انقطع تعصيبه من جهة موالي أبيه فلأن تكون عصبات الأم من النسب عصبات لهذا الولد الذي انقطع تعصيبه من جهة أبيه بطريق الأولى وإلا فكيف يثبت هذا الحكم في الولاء ولا يثبت في النسب الذي غايته أن يكون مشبها به مفرعا عليه وهذا مما يدل على أن القياس الصحيح لا يفارق النص أصلا ويدلك على عمق علم الصحابة رضي الله عنهم وبلوغهم في العلم إلى غاية يقصر عن نيلها السباق وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم(1\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "238",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7754",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل الخامس  في ذكر إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم  وهذا الاسم من النمط المتقدم فإن إبراهيم بالسريانية معناه أب رحيم والله سبحانه جعل إبراهيم الأب الثالث للعالم فإن أبانا الأول آدم والأب الثاني نوح وأهل الأرض كلهم من ذريته كما قال تعالى وجعلنا ذريته هم الباقين الصافات 77 وبهذا يتبين كذب المفترين من العجم الذين يزعمون أنهم لا يعرفون نوحا ولا ولده ولا ينسبون إليه وينسبون ملوكهم من آدم إليهم ولا يذكرون نوحا في أنسابهم وقد أكذبهم الله عز وجل في ذلك فالأب الثالث أبو الآباء وعمود العالم وإمام الحنفاء الذي اتخذه الله سبحانه وتعالى خليلا وجعل النبوة والكتاب في ذريته ذاك خليل الرحمن وشيخ الأنبياء كما سماه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فإنه لما دخل الكعبة وجد المشركين قد صورا فيها صورته وصورة إسماعيل ابنه وهما يستقسمان بالأزلام فقال قاتلهم الله لقد علموا أن شيخنا لم يكن يستقسم بالأزلام ولم يأمر الله سبحانه(1\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "239",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7755",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول صلى الله عليه وسلم أن يتبع ملة أحد من الأنبياء غيره فقال تعالى ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين النحل 123 وأمر أمته بذلك فقال تعالى هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل الحج 78 وملة منصوب على إضمار فعل أي اتبعوا والزموا ملة ابيكم ودل على المحذوف ما تقدم من قوله وجاهدوا في الله حق جهاده الحج 78 وهذا هو الذي يقال له الإغراء وقيل منصوب انتصاب المصادر والعامل فيه مضمون ما تقدم قبله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه إذا أصبحوا إذا أمسوا أن يقولوا أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين وتأمل هذه الألفاظ كيف جعل الفطرة للإسلام فإنه فطرة الله التي فطر الناس عليها وكلمة الإخلاص هي شهادة أن لا إله إلا الله والملة لإبراهيم فإنه صاحب الملة وهي التوحيد وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له ومحبته فوق كل محبة والدين للنبي صلى الله عليه وسلم وهو دينه الكامل وشرعه التام الجامع لذلك كله وسماه سبحانه إماما وأمة وقانتا وحنيفا قال تعالى وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين البقرة 124 فأخبر(1\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "240",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7756",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبحانه أنه جعله إماما للناس وأن الظالم من ذريته لا ينال ربتة الإمامة والظالم هو المشرك وأخبر سبحانه أن عهده بالإمامة لا ينال من أشرك به وقال تعالى إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين النحل 120 122 فالأمة هو القدوة المعلم للخير والقانت المطيع لله الملازم لطاعته والحنيف المقبل على الله المعرض عما سواه ومن فسره بالمائل فلم يفسره بنفس موضوع اللفظ وإنما فسره بلازم المعنى فإن الحنف هو الإقبال ومن أقبل على شيء مال عن غيره والحنف في الرجلين هو إقبال إحداهما على الأخرى ويلزمه ميلها عن جهتها قال تعالى فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها الروم 30 فحنيفا هو حال مقررة لمضمون قوله فأقم وجهك للدين ولهذا فسرت مخلصا فتكون الآية قد تضمنت الصدق والإخلاص فإن إقامة الوجه للدين هو إفراد طلبه بحيث لا يبقى في القلب إرادة لغيره والحنيف المفرد لا يريد غيره فالصدق أن لا ينقسم طلبك والافراد أن لا ينقسم مطلوبك الأول توحيد الطلب والثاني توحيد المطلوب والمقصود أن إبراهيم عليه السلام هو أبونا الثالث وهو امام الحنفاء ويسميه أهل الكتاب عمود العالم وجميع أهل الملل متفقة على تعظيمه وتوليه ومحبته وكان خير بنيه سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم يجله ويعظمه ويبجله ويحترمه(1\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "241",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7757",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ففي الصحيحين من حديث المختار بن فلفل عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا خير البرية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك إبراهيم وسماه شيخه كما تقدم وثبت في صحيح البخاري من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال انكم محشورون حفاة عراة غرلا ثم قرأ كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين الأنبياء 104 أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه الخلق به كما في الصحيحين عنه قال رأيت إبراهيم فإذا أقرب الناس شبها به صاحبكم يعني نفسه صلى الله عليه وسلم وفي لفظ آخر واما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم وكان صلى الله عليه وسلم يعوذ أولاد ابنته حسنا وحسينا بتعويذ إبراهيم لإسماعيل وإسحاق ففي صحيح البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس(1\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "242",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7758",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين ويقول إن أباكما كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة وكان صلى الله عليه وسلم أول من قرى الضيف أول من اختتن أول من رأى الشيب فقال ما هذا يا رب قال وقار قال رب زدني وقارا وتأمل ثناء الله سبحانه عليه في اكرام ضيفه من الملائكة حيث يقول سبحانه هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون الذاريات 23 27 ففي هذا الثناء على إبراهيم من وجوه متعددة أحدها أنه وصف ضيفه بأنهم مكرمون وهذا على أحد القولين أنه إكرام إبراهيم لهم أنهم المكرمون عند الله ولا تنافي بين القولين فالآية تدل على المعنيين الثاني قوله تعالى إذ دخلوا عليه فلم يذكر استئذانهم ففي هذا دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان قد عرف بإكرام الضيفان واعتياد قراهم فبقي منزله مضيفة مطروقا لمن ورده لا يحتاج إلى الاستئذان بل استئذان الداخل دخوله وهذا غاية ما يكون من الكرم(1\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "243",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7759",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالث قوله لهم سلام بالرفع وهم سلموا عليه بالنصب والسلام بالرفع أكمل فإنه يدل على الجملة الاسمية الدالة على الثبوت والتجدد والمنصوب يدل على الفعلية الدالة على الحدوث والتجدد فإبراهيم حياهم أحسن من تحيتهم فإن قولهم سلاما يدل على سلمنا سلاما وقوله سلام أي سلام عليكم الرابع أنه حذف من قوله قوم منكرون فإنه لما أنكرهم ولم يعرفهم احتشم من مواجهتهم بلفظ ينفر الضيف لو قال أنتم قوم منكرون فحذف المبتدأ هنا من ألطف الكلام الخامس أنه بنى الفعل للمفعول وحذف فاعله فقال منكرون ولم يقل إني أنكركم وهو أحسن في هذا المقام وأبعد من التنفير والمواجهة بالخشونة السادس أنه راغ إلى أهله ليجيئهم بنزلهم والروغان هو الذهاب في اختفاء بحيث لا يكاد يشعر به الضيف وهذا من كرم رب المنزل المضيف أن يذهب في اختفاء بحيث لا يشعر به الضيف فيشق عليه ويستحي فلا يشعر به إلا وقد جاءه بالطعام بخلاف من يسمع ضيفه ويقول له أو لمن حضر مكانكم حتى آتيكم بالطعام ونحو ذلك مما يوجب حياء الضيف واحتشامه السابع أنه ذهب إلى أهله فجاء بالضيافة فدل على أن ذلك كان معدا عندهم مهيئا للضيفان ولم يحتج أن يذهب إلى غيرهم من جيرانه أو غيرهم فيشتريه أو يستقرضه الثامن قوله تعالى فجاء بعجل سمين دل على خدمته للضيف بنفسه ولم يقل فأمر لهم بل هو الذي ذهب وجاء به بنفسه ولم يبعثه مع خادمه وهذا أبلغ في إكرام الضيف(1\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "244",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7760",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التاسع أنه جاء بعجل كامل ولم يأت ببضعة منه وهذا من تمام كرمه صلى الله عليه وسلم العاشر إنه سمين لا هزيل ومعلوم أن ذلك من أفخر أموالهم ومثله يتخذ للاقتناء والتربية فآثر به ضيفانه الحادي عشر أنه قربه إليهم بنفسه ولم يأمر خادمه بذلك الثاني عشر أنه قربه ولم يقربهم إليه وهذا أبلغ في الكرامة أن يجلس الضيف ثم يقرب الطعام إليه ويحمله إلى حضرته ولا يضع الطعام في ناحية ثم يأمر الضيف بأن يتقرب إليه الثالث عشر أنه قال ألا تأكلون وهذا عرض وتلطف في القول وهو أحسن من قوله كلوا أو مدوا ايديكم وهذا مما يعلم الناس بعقولهم حسنه ولطفه ولهذا يقولون بسم الله أو ألا تتصدق أو ألا تجبر ونحو ذلك الرابع عشر أنه إنما عرض عليهم الأكل لأنه رآهم لا يأكلون ولم يكن ضيوفه يحتاجون معه إلى الإذن في الأكل بل كان إذا قدم إليهم الطعام أكلوا وهؤلاء الضيوف لما امتنعوا من الأكل قال لهم ألا تأكلون ولهذا أوجس منهم خيفة أي أحسها وأضمرها في نفسه ولم يبدها لهم وهو الوجه الخامس عشر فإنهم لما امتنعوا من آكل طعامه خاف منهم ولم يظهر لهم ذلك فلما علمت الملائكة منه ذلك قالوا لا تخف وبشروه بالغلام فقد جمعت هذه الآية آداب الضيافة التي هي أشرف الآداب وما عداها من التكلفات التي هي تخلف وتكلف إنما هي(1\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "245",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7761",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من أوضاع الناس وعوائدهم وكفى بهذه الآداب شرفا وفخرا فصلى الله على نبينا وعلى إبراهيم وعلى آلهما وعلى سائر النبيين وقد شهد الله سبحانه بأنه وفى ما أمر به فقال تعالى أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى النجم 36 37 قال ابن عباس رضي الله عنهما وفى جميع شرائع الإسلام ووفى ما أمر به من تبليغ الرسالة وقال تعالى وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما البقرة 124 فلما أتم ما أمر به من الكلمات جعله الله إماما للخلائق يأتمون به وكان صلى الله عليه وسلم كما قيل قلبه للرحمن وولده للقربان وبدنه للنيران وماله للضيفان ولما اتخذه ربه خليلا والخلة هي كمال المحبة وهي مرتبة لا تقبل المشاركة والمزاحمة وكان قد سأل ربه أن يهب له ولدا صالحا فوهب له إسماعيل فأخذ هذا الولد شعبة من قلبه فغار الخليل على قلب خليله أن يكون فيه مكان لغيره فامتحنه بذبحه ليظهر سر الخلة في تقديمه محبة خليله على محبة ولده فلما استسلم لأمر ربه وعزم على فعله وظهر سلطان الخلة في الإقدام على ذبح الولد إيثارا لمحبة خليله على محبته نسخ الله ذلك عنه وفداه بالذبح العظيم لأن المصلحة في الذبح كانت ناشئة من العزم وتوطين النفس على ما أمر به فلما حصلت هذه المصلحة عاد(1\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "246",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7762",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذبح مفسدة فنسخ في حقه فصارت الذبائح والقرابين من الهدايا والضحايا سنة في أتباعه إلى يوم القيامة وهو الذي فتح للأمة باب مناظرة المشركين وأهل الباطل وكسر حججهم وقد ذكر الله سبحانه مناظراته في القرآن مع إمام المعطلين ومناظرته مع قومه المشركين وكسر حجج الطائفتين بأحسن مناظرة وأقربها إلى الفهم وحصول العلم قال تعالى وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء الأنعام 83 قال زيد بن أسلم وغيره بالحجة والعلم ولما غلب أعداء الله معه بالحجة وظهرت حجته عليهم وكسر أصنامهم فكسر حججهم ومعبودهم هموا بعقوبته وإلقائه في النار وهذا شأن المبطلين إذا غلبوا وقامت عليهم الحجة همو بالعقوبة كما قال فرعون لموسى عليه السلام وقد أقام عليه الحجة لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين الشعراء 29 فأضرموا له النار وألقوه في المنجنيق فكانت تلك السفرة من أعظم سفرة سافرها وأبركها عليه فإنه ما سافر سفرة أبرك ولا أعظم ولا أرفع لشأنه وأقر لعينه منها وفي تلك السفرة عرض له جبريل بين السماء والأرض فقال يا إبراهيم ألك حاجة قال أما إليك فلا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل آل عمران 172 قالها نبيكم وقالها(1\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "247",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7763",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إبراهيم حين ألقي في النار فجعل الله سبحانه عليه النار بردا وسلاما وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أم شريك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ وقال كانت تنفح على إبراهيم وهو الذي بنى بيت الله وأذن في الناس بحجه فكل من حجه واعتمره حصل لإبراهيم من مزيد ثواب الله وكرامته بعدد الحجاج والمعتمرين قال تعالى وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى البقرة 125 فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم وأمته أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى تحقيقا للاقتداء به وإحياء آثاره صلى الله عليه وسلم على نبينا عليه وسلم ومناقب هذا الإمام الأعظم والنبي الاكرام أجل من أن يحيط بها كتاب وإن مد الله في العمر أفردنا كتابا في ذلك يكون قطرة في بحر فضائله أو أقل جعلنا الله ممن ائتم به ولا جعلنا ممن عدل عن ملته بمنه وكرمه وقد روى لنا عنه النبي صلى الله عليه وسلم حديثا وقع لنا متصل الرواية إليه(1\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "248",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7764",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رويناه في كتاب الترمذي وغيره من حديث القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال يا محمد اقرئ امتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر قال الترمذي هذا حديث حسن(1\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "249",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7765",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل السادس  في ذكر المسألة المشهورة بين الناس وبيان ما فيها  وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من إبراهيم فكيف طلب له من الصلاة ما لإبراهيم مع أن المشبه به أصله أن يكون فوق المشبه فكيف الجمع بين هذين الأمرين المتنافيين ونحن نذكر ما قاله الناس في هذا وما فيه من صحيح وفاسد فقالت طائفة هذه الصلاة علمها النبي صلى الله عليه وسلم أمته قبل أن يعرف أنه سيد ولد آدم ولو سكت قائل هذا لكان أولى به وخيرا له فإن هذه هي الصلاة التي علمهم النبي صلى الله عليه وسلم إياها لما سألوه عن تفسير إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما الأحزاب 56 فعلمهم هذه الصلاة وجعلها مشروعة في صلوات الأمة إلى يوم القيامة والنبي صلى الله عليه وسلم لم يزل أفضل ولد آدم قبل أن يعلم بذلك وبعده وبعد أن علم بذلك لم يغير نظم الصلاة التي علمها أمته ولا أبدلها بغيرها ولا روى عنه أحد خلافها فهذا من أفسد جواب يكون وقالت طائفة أخرى هذا السؤال والطلب شرع ليتخذه الله خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا(1\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "250",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7766",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد اجابه الله إلى ذلك كما ثبت عنه في الصحيح ألا وإن صاحبكم خليل الرحمن يعني نفسه وهذا الجواب من جنس ما قبله فإن مضمونه أنه بعد أن اتخذه الله خليلا لا تشرع الصلاة عليه على هذا الوجه وهذا من أبطل الباطل وقالت طائفة أخرى إنما هذا التشبيه راجع إلى المصلي فيما يحصل له من ثواب الصلاة عليه فطلب من ربه ثوابا وهو أن يصلي عليه كما صلى على آل إبراهيم لا بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن المطلوب لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة أجل وأعظم مما هو حاصل لغيره من العالمين وهذا من جنس ما قبله وافسد فإن التشبيه ليس فيما يحصل للمصلي بل فيما يحصل للمصلى عليه وهو النبي صلى الله عليه وسلم فمن قال إن المعنى اللهم أعطني من ثواب صلاتي عليه كما صليت على آل إبراهيم فقد حرف الكلم وأبطل في كلامه ولولا أن هذه الوجوه وأمثالها قد ذكرها بعض الشرح وسودوا بها الطروس وأوهموا الناس أن فيها تحقيقا لكان الإضراب عنها صفحا أولى من ذكرها فإن العالم يستحي من التكلم على هذا والاشتغال برده وقالت طائفة أخرى التشبيه عائد إلى الآل فقط وتم الكلام عند قوله اللهم صل على محمد ثم قال وعلى آل محمد كما(1\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "251",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7767",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صليت على آل إبراهيم فالصلاة المطلوبة لآل محمد هي المشبهة بالصلاة الحاصلة لآل إبراهيم وهذا نقله العمراني عن الشافعي رحمه الله وهو باطل عليه قطعا فإن الشافعي أجل من أن يقول مثل هذا ولا يليق هذا بعلمه وفصاحته فإن هذا في غاية الركاكة والضعف وقد تقدم في كثير من أحاديث الباب اللهم صل على محمد كما صليت على آل إبراهيم وقد تقدمت الأحاديث بذلك وأيضا فإنه لا يصح من جهة العربية فإن العامل إذا ذكر معموله وعطف عليه غيره ثم قيد بظرف أو جار ومجرور أو مصدر أو صفة مصدر كان ذلك راجعا إلى المعمول وما عطف عليه هذا الذي لا تحتمل العربية غيره فإذا قلت جاءني زيد وعمرو يوم الجمعة كان الظرف مقيدا لمجيئهما لا لمجيء عمرو وحده وكذلك إذا قلت ضربت زيدا وعمرا ضربا مؤلما أو أمام الأمير أو سلم علي زيد وعمرو يوم الجمعة ونحوه فإن قلت هذا متوجه إذا لم يعد العامل فأما إذا أعيد العامل حسن ذلك تقول سلم على زيد وعلى عمرو إذا لقيته لم يمتنع أن يختص ذلك بعمرو وهنا قد أعيد العامل في قوله وعلى آل محمد قيل هذا المثال ليس بمطابق لمسألة الصلاة وإنما المطابق أن تقول سلم على زيد وعلى عمرو كما تسلم على المؤمنين ونحو ذلك وحينئذ فادعاء أن التشبيه لسلامه على عمرو وحده دون زيد دعوى باطلة(1\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "252",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7768",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالت طائفة أخرى لا يلزم أن يكون المشبه به أعلى من المشبه بل يجوز أن يكونا متماثلين وأن يكون المشبه أعلى من المشبه به قال هؤلاء والنبي صلى الله عليه وسلم أفضل من إبراهيم عليه الصلاة والسلام من وجوه غير الصلاة وإن كانا متساويين في الصلاة قالوا والدليل على أن المشبه قد يكون أفضل من المشبه به قول الشاعر (بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد) وهذا القول أيضا ضعيف من وجوه أحدها أن هذا خلاف المعلوم من قاعدة تشبيه الشيء بالشيء فإن العرب لا تشبه الشيء إلا بما هو فوقه الثاني أن الصلاة من الله تعالى من أجل المراتب وأعلاها ومحمد صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق فلا بد أن تكون الصلاة الحاصلة له أفضل من كل صلاة تحصل لكل مخلوق فلا يكون غيره مساويا له فيها الثالث أن الله سبحانه أمر فيها بعد أن أخبر أنه وملائكته يصلون عليه وأمر بالصلاة والسلام عليه وأكده بالتسليم وهذا الخبر والأمر لم يثبتهما في القرآن لغيره من المخلوقين الرابع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله وملائكته يصلون على معلم الناس الخير وهذا لأن بتعليمهم الخير قد أنقذوهم من شر(1\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "253",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7769",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدنيا والآخرة وتسببوا بذلك إلى فلاحهم وسعادتهم وذلك سبب دخولهم في جملة المؤمنين الذين يصلي عليهم الله وملائكته فلما تسبب معلمو الخير إلى صلاة الله وملائكته على من يعلم منهم صلى الله عليهم وملائكته ومن المعلوم أنه لا أحد من معلمي الخير أفضل ولا أكثر تعليما من النبي صلى الله عليه وسلم ولا أنصح لأمته ولا أصبر على تعليمه منه ولهذا نال أمته من تعليمه لهم ما لم تنله أمة من الأمم سواهم وحصل للأمة من تعليمهم من العلوم النافعة والأعمال الصالحة ما صارت به خير امة اخرجت للعالمين فكيف تكون الصلاة على هذا الرسول المعلم للخير مساوية للصلاة على من لم يماثله في هذا التعليم وأما استشهادهم بقول الشاعر على جواز كون المشبه به أفضل من المشبه فلا يدل على ذلك لان قوله بنونا بنو أبنائنا إما إن يكون المبتدأ فيه مؤخرا والخبر مقدما ويكون قد شبه بني أبنائه ببنيه وجاز تقديم الخبر هنا لظهور المعنى وعدم وقوع اللبس وعلى هذا فهو جار على أصل التشبيه وإما أن يكون من باب عكس التشبيه كما يشبه القمر بالوجه الكامل في حسنه ويشبه الأسد بالكامل في شجاعته والبحر بالكامل في جوده تنزيلا لهذا الرجل منزلة الفرع المشبه وهذا يجوز إذا تضمن عكس التشبيه مثل هذا المعنى وعلى هذا فيكون هذا الشاعر قد نزل بني ابنائه منزلة بنيه وأنهم فوقهم عنده ثم شبه بنيه بهم وهذا قول طائفة من أهل المعاني(1\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "254",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7770",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والذي عندي فيه أن الشاعر لم يرد ذلك وإنما أراد التفريق بين بني بنيه وبني بناته فأخبر أن بني بناته تبع لآبائهم ليسوا بأبناء لنا وإنما أبناؤنا بنو ابنائنا لا بنوا بناتنا فلم يرد تشبيه بني بنيه ببنيه ولا عكسه وإنما أراد ما ذكرنا من المعنى وهذا ظاهر وقالت طائفة أخرى إن النبي صلى الله عليه وسلم له من الصلاة الخاصة به التي لا يساويها صلاة ما لم يشركه فيها أحد والمسؤول له إنما هو صلاة زائدة على ما أعطيه مضافا إليه ويكون ذلك الزائد مشبها بالصلاة على إبراهيم وليس بمستنكر أن يسأل للفاضل فضيلة أعطيها المفضول منضما إلى ما اختص به هو من الفضل الذي لم يحصل لغيره قالوا ومثال ذلك أن يعطي السلطان رجلا مالا عظيما ويعطي غيره دون ذلك المال فيسأل السلطان أن يعطي صاحب المال الكثير مثل ما أعطى من هو دونه لينضم ذلك إلى ما أعطيه فيحصل له من مجموع العطاءين أكثر مما يحصل من الكثير وحده وهذا أيضا ضعيف لأن الله تعالى أخبر أنه وملائكته يصلون عليه ثم أمر بالصلاة عليه ولا ريب أن المطلوب من الله هو نظير الصلاة المخبر بها لا ما هو دونها وهو أكمل الصلاة عليه وأرجحها لا الصلاة المرجوحة المفضولة وعلى قول هؤلاء إنما يكون الطلب لصلاة مرجوحة لا راجحة وإنما تصير راجحة بانضمامها إلى صلاة لم تطلب ولا ريب في فساد ذلك فإن الصلاة التي تطلبها الأمة له من ربه هي أجل صلاة وأفضلها(1\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "255",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7771",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالت طائفة أخرى التشبيه المذكور إنما هو في أصل الصلاة لا في قدرها ولا في كيفيتها فالمسؤول إنما هو راجع إلى الهيئة لا إلى قدر الموهوب وهذا كما تقول للرجل أحسن إلى ابنك كما أحسنت إلى فلان وأنت لا تريد بذلك قدر الإحسان وإنما تريد به أصل الإحسان وقد يحتج لذلك بقوله تعالى وأحسن كما أحسن الله إليك القصص 77 ولا ريب أنه لا يقدر أحد أن يحسن بقدر ما أحسن الله إليه وإنما أريد به أصل الإحسان لا قدره ومنها قوله تعالى إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده النساء 163 وهذا التشبيه في أصل الوحي لا في قدره وفضل الموحى به وقوله تعالى فليأتنا بآية كما أرسل الأولون الأنبياء 5 إنما مرادهم جنس الآية لا نظيرها وقوله تعالى وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم النور 55 ومعلوم أن كيفية الاستخلاف مختلفة وأن ما لهذه الأمة أكمل مما لغيرهم وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم البقرة 183 والتشبيه إنما هو في أصل الصوم لا في عينة وقدره وكيفيته وقال تعالى كما بدأكم تعودون الاعراف 29 ومعلوم تفاوت ما بين النشأة الأولى وهي المبدأ والثانية وهي المعاد(1\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "256",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7772",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال تعالى إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا المزمل 15 ومعلوم أن التشبيه في أصل الارسال لا يقتضي تماثل الرسولين وقال النبي صلى الله عليه وسلم لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا فالتشبيه هنا في أصل الرزق لا في قدره ولا كيفيته ونظائر ذلك وهذا الجواب ضعيف أيضا لوجوه منها أن ما ذكروه يجوز أن يستعمل في الأعلى والأدنى والمساوي فلو قلت أحسن إلى أبيك وأهلك كما أحسنت إلى مركوبك وخادمك ونحوه جاز ذلك ومن المعلوم أنه لو كان التشبيه في أصل الصلاة لحسن أن تقول اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل أبي أوفى أو كما صليت على أحاد المؤمنين ونحوه أو كما صليت على آدم ونوح وهود ولوط فإن التشبيه عند هؤلاء إنما هو واقع في أصل الصلاة لا في قدرها ولا صفتها ولا فرق في ذلك بين كل من صلى عليه وأي ميزة وفضيلة في ذلك لإبراهيم وآله صلى الله عليه وسلم وما الفائدة حينئذ في ذكره وذكر آله وكان الكافي في ذلك أن تقول اللهم صل على محمد وعلى آل محمد فقط(1\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "257",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7773",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني أن ما ذكروه من الأمثلة ليس بنظير الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فإن هذه الأمثلة نوعان خبر وطلب فما كان منها خبرا فالمقصود بالتشبيه به الاستدلال والتقريب إلى الفهم وتقرير ذلك الخبر وأنه مما لا ينبغي لعاقل إنكاره كنظير المشبه به فكيف تنكرون الإعادة وقد وقع الاعتراف بالبداءة وهي نظيرها وحكم النظير ولهذا يحتج سبحانه بالمبدأ على المعاد كثيرا قال تعالى كما بدأكم تعودون الاعراف 29 وقال تعالى كما بدأنا أول خلق نعيده الأنبياء 104 وقال تعالى وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم يس 78 79 وهذا كثير في القرآن وكذلك قوله تعالى إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا المزمل 15 أي كيف يقع الإنكار منكم وقد تقدم قبلكم رسل مني مبشرين ومنذرين وقد علمتم حال من عصى رسلي كيف أخذتهم أخذا وبيلا وكذلك قوله تعالى إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين الاية النساء 163 أي لست أول رسول طرق العالم بل قد تقدمت قبلك رسل أوحيت إليهم كما أوحيت إليك كما قال تعالى قل ما كنت بدعا من الرسل الاحقاف 9 فهذا رد وإنكار على من أنكر رسالة النبي صلى الله عليه وسلم مع مجيئه بمثل ما جاءت به الرسل قبله من الآيات بل أعظم منها فكيف تنكر رسالته وليست من الأمور(1\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "258",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7774",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التي تطرق العالم بل لم تخل الأرض من الرسل وآثارهم فرسولكم جاء على منهاج من تقدمه من الرسل في الرسالة لم يكن بدعا وكذلك قوله تعالى وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم النور 55 إخبار عن عادته سبحانه في خلقة وحكمته التي لا تبديل لها أن من آمن وعمل صالحا مكن له في الأرض واستخلفه فيها ولم يهلكه ويقطع دابره كما أهلك من كذب رسله وخالفهم وقطع دابره فأخبرهم سبحانه عن حكمته ومعاملته لمن آمن برسله وصدقهم وأنه يفعل بهم كما فعل بمن قبلهم من أتباع الرسل وهكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير إخبار بأنه سبحانه يرزق المتوكلين عليه من حيث لا يحتسبون وأنه لا يخليهم من رزق قط كما ترون ذلك في الطير فإنها تغدو من أوكارها خماصا فيرزقها سبحانه حتى ترجع بطانا من رزقه وأنتم أكرم على الله من الطير وسائر الحيوانات فلو توكلتم عليه لرزقكم من حيث لا تحتسبون ولم يمنع أحدا منكم رزقه هذا من قبيل الإخبار واما في قسم الطلب والأمر فالمقصود منه التنبيه على العلة وأن الجزاء من جنس العمل فإذا قلت علم كما علمك الله وأحسن كما أحسن الله إليك القصص 77 واعف كما عفا الله عنك ونحوه كان في ذلك تنيبه للمأمور على شكر النعمة التي أنعم الله بها عليه وأنه حقيق أن يقابلها بمثلها ويقيدها بشكرها فإن جزاء تلك النعمة من جنسها ومعلوم أنه يمتنع خطاب الرب سبحانه بشيء من ذلك(1\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "259",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7775",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يحسن في حقه فيصير ذكر التشبيه لغوا لا فائدة فيه وهذا غير جائز الثالث أن قوله كما صليت على آل إبراهيم صفة لمصدر محذوف وتقديره صلاة مثل صلاتك على آل إبراهيم وهذا الكلام حقيقته أن تكون الصلاة مماثلة للصلاة المشبهة بها فلا يعدل عن حقيقة الكلام ووجهه وقالت طائفة أخرى أن هذا التشبيه حاصل بالنسبة إلى كل صلاة من صلوات المصلين فكل مصل صلي على النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصلاة فقد طلب من الله أن يصلي على رسوله صلى الله عليه وسلم صلاة مثل الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم ولا ريب أنه إذا حصل له من كل مصل طلب من الله له صلاة مثل صلاته على آل إبراهيم حصل له من ذلك أضعاف مضاعفة من الصلاة لا تعد ولا تحصى ولم يقاربه فيها أحد فضلا عن أن يساويه أو يفضله صلى الله عليه وسلم ونظير هذا أن يعطي ملك لرجل ألف درهم فيسأله كل واحد من رعيته أن يعطى لرجل آخر أفضل منه نظير تلك الألف فكل واحد قد سأله أن يعطيه ألفا فيحصل له من الألوف بعدد كل سائل وأورد أصحاب هذا القول على أنفسهم سؤالا وهو أن التشبيه حاصل بالنسبة إلى أصل هذه الصلاة المطلوبة وكل فرد من أفرادها فالإشكال وارد كما هو وتقريره أن العطية التي يعطاها الفاضل لا بد أن تكون أفضل(1\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "260",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7776",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من العطية التي يعطاها المفضول فإذا سئل له عطية دون ما يستحقه لم يكن ذلك لائقا بمنصبه وأجابوا عنه بأن هذا الاشكال إنما يرد إذا لم يكن الأمر للتكرار فأما إذا كان الأمر للتكرار فالمطلوب من الأمة أن يسألوا الله له صلاة بعد صلاة كل منها نظير ما حصل لابراهيم عليه الصلاة والسلام فيحصل له من الصلوات ما لا يحصى مقداره بالنسبة إلى الصلاة الحاصلة لإبراهيم عليه السلام وهذا أيضا ضعيف فإن التشبيه هنا إنما هو واقع في صلاة الله عليه لا في معنى صلاة المصلي ومعنى هذا الدعاء اللهم أعطه نظير ما أعطيت إبراهيم فالمسؤول له صلاة مساوية للصلاة على إبراهيم وكلما تكرر هذا السؤال كان هذا معناه فيكون كل مصل قد سأل الله أن يصلي عليه صلاة دون التي يستحقها وهذا السؤال والأمر به متكرر فهل هذا إلا تقوية لجانب الإشكال ثم إن التشبيه واقع في أصل الصلاة وأفرادها ولا يغني جوابكم عنه بقضية التكرار شيئا فإن التكرار لا يجعل جانب المشبه به أقوى من جانب المشبه كما هو مقتضى التشبيه فلو كان التكرار يجعله كذلك لكان الاعتذار به نافعا بل التكرار يقتضى زيادة تفضيل المشبه وقوته فكيف يشبه حينئذ بما هو دونه فظهر ضعف هذا الجواب وقالت طائفة أخرى آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس في آل محمد مثلهم فإذا طلب للنبي صلى الله عليه وسلم ولآله من الصلاة مثل ما لإبراهيم وآله وفيهم الأنبياء حصل لآل النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ما يليق(1\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "261",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7777",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بهم فإنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء وتبقى الزيادة التي للأنبياء وفيهم إبراهيم لمحمد صلى الله عليه وسلم فيحصل له بذلك من المزية ما لم يحصل لغيره وتقرير ذلك أن يجعل الصلاة الحاصلة لإبراهيم ولآله وفيهم الأنبياء جملة مقسومة على محمد صلى الله عليه وسلم وآله ولا ريب أنه لا يحصل لآل النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما حصل لآل إبراهيم وفيهم الأنبياء بل يحصل لهم ما يليق بهم فيبقى قسم النبي صلى الله عليه وسلم والزيادة المتوفرة التي لم يستحقها آله مختصة به صلى الله عليه وسلم فيصير الحاصل له من مجموع ذلك أعظم وأفضل من الحاصل لإبراهيم وهذا احسن من كل ما تقدمه وأحسن منه أن يقال محمد صلى الله عليه وسلم هو من آل إبراهيم بل هو خير آل إبراهيم كما روى علي بن أبي طلحة عن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين آل عمران 33 قال ابن عباس رضي الله عنهما محمد من آل إبراهيم وهذا نص فإنه إذا دخل غيره من الأنبياء الذين هم من ذرية إبراهيم في آله فدخول رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى فيكون قولنا كما صليت على آل إبراهيم متناولا للصلاة عليه وعلى سائر النبيين من ذرية إبراهيم ثم قد أمرنا الله أن نصلي عليه وعلى آله خصوصا بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عموما وهو فيهم ويحصل لآله من ذلك ما يليق بهم ويبقى الباقي كله له صلى الله عليه وسلم(1\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "262",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7778",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتقرير هذا أنه يكون قد صلى عليه خصوصا وطلب له من الصلاة ما لآل إبراهيم وهو داخل معهم ولا ريب أن الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم أكمل من الصلاة الحاصلة له دونهم فيطلب له من الصلاة هذا الأمر العظيم الذي هو أفضل مما لإبراهيم قطعا وتظهر حينئذ فائدة التشبيه وجريه على أصله وأن المطلوب له من الصلاة بهذا اللفظ أعظم من المطلوب له بغيره فإنه إذا كان المطلوب بالدعاء إنما هو مثل المشبه به وله أوفر نصيب منه صار له من المشبه المطلوب أكثر مما لإبراهيم وغيره وانضاف إلى ذلك مما له من المشبه به من الحصة التي لم تحصل لغيره فظهر بهذا من فضله وشرفه على إبراهيم وعلى كل من آله وفيهم النبيون ما هو اللائق به وصارت هذه الصلاة دالة على هذا التفضيل وتابعة له وهي من موجباته ومقتضياته ف صلى الله عليه وسلم وعلى آله تسليما كثيرا وجزاه عنا أفضل ما جزى نبيا عن أمته اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد(1\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "263",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7779",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل السابع  في ذكر نكتة حسنة في هذا الحديث المطلوب فيه الصلاة عليه وعلى آله كما صلى على إبراهيم وعلى آله  وهي أن أكثر الأحاديث الصحاح والحسان بل كلها مصرحة بذكر النبي صلى الله عليه وسلم وبذكر آله وأما في حق المشبه به وهو إبراهيم وآله فإنما جاءت بذكر آل إبراهيم فقط دون ذكر إبراهيم أو بذكره فقط دون ذكر آله ولم يجيء حديث صحيح فيه لفظ إبراهيم وآل إبراهيم كما تظاهرت على لفظ محمد وآل محمد ونحن نسوق الأحاديث الواردة في ذلك ثم نذكر ما يسره الله تعالى في سر ذلك فنقول هذا الحديث في الصحيح من أربعة أوجه أشهرها حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال لقيني(1\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "264",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7780",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كعب بن عجرة فقال ألا أهدي لك هدية خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا قد عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك وفي لفظ وبارك على محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد رواه البخاري ومسلم وابو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد بن حنبل في  المسند  وهذا لفظهم إلا الترمذي فإنه قال اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم فقط وكذا في ذكر البركة ولم يذكر الآل وهي رواية لأبي داود وفي رواية كما صليت على آل إبراهيم بذكر الآل فقط كما باركت على إبراهيم بذكره فقط وفي الصحيحين من حديث أبي حميد الساعدي قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد هذا هو اللفظ المشهور وقد روي فيه كما صليت على إبراهيم وكما باركت على إبراهيم بدون لفظ الآل في الموضعين(1\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "265",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7781",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قلنا يا رسول الله هذا السلام عليك فكيف الصلاة عليك قال قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم وفي صحيح مسلم عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك قال فسكت رسول صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا أنه لم يسأله ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد والسلام كما قد علمتم وقد روي هذا الحديث بلفظ آخر كما صليت على إبراهيم وكما باركت على إبراهيم لم يذكر الآل فيهما وفي رواية أخرى كما صليت على إبراهيم وكما باركت على آل إبراهيم بذكر إبراهيم وحده في الأولى والآل فقط في الثانية(1\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "266",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7782",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذه هي الألفاظ المشهورة في هذه الاحاديث المشهور في أكثرها لفظ آل إبراهيم في الموضعين وفي بعضها لفظ إبراهيم فيهما وفي بعضها لفظ إبراهيم في الأول والآل في الثاني وفي بعضها عكسه وأما الجمع بين إبراهيم وآل إبراهيم فرواه البيهقي في سننه من حديث يحيى بن السباق عن رجل من بني الحارث عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد وارحم محمدا وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وهذا إسناد ضعيف ورواه الدارقطني من حديث ابن إسحاق حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن محمد بن عبد الله بن يزيد بن عبد ربه عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه فذكر الحديث وفيه اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ثم قال هذا إسناد حسن متصل وفي النسائي من حديث موسى بن طلحة عن أبيه قال قلنا(1\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "267",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7783",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يا رسول الله كيف الصلاة عليك قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد ولكن رواه هكذا ورواه مقتصرا فيه على ذكر إبراهيم في الموضعين وقد روى ابن ماجة حديثا آخر موقوفا على ابن مسعود فيه إبراهيم وآل إبراهيم قال في السنن حدثنا الحسين بن بيان حدثنا زياد بن عبد الله حدثنا المسعودي عن عون بن عبد الله عن أبي فاختة عن الأسود بن يزيد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال إذا صليتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه قال فقالوا له فعلمنا قال قولوا اللهم أجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المسلمين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون والآخرون اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وهذا موقوف وعامة الأحاديث في الصحاح والسنن كما ذكرنا أولا(1\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "268",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7784",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالاقتصار على الآل أو إبراهيم في الموضعين أو الآل في أحدهما وإبراهيم في الآخر وكذلك في حديث أبي هريرة المتقدم في أول الكتاب وغيره من الأحاديث فحيث جاء ذكر إبراهيم وحده في الموضعين فلأنه الأصل في الصلاة المخبر بها وآله تبع له فيها فدل ذكر المتبوع على التابع واندرج فيه وأغنى عن ذكره وحيث جاء ذكر آله فقط فلأنه داخل في آله كما تقدم تقريره فيكون ذكر آل إبراهيم مغنيا عن ذكره وذكر آله بلفظين وحيث جاء في أحدهما ذكره فقط وفي الآخر ذكر آله فقط كان ذلك جمعا بين الأمرين فيكون قد ذكر المتبوع الذي هو الأصل وذكر أتباعه بلفظ يدخل هو فيهم يبقى أن يقال فلم جاء ذكر محمد بالاقتران دون الاقتصار على أحدهما في عامة الأحاديث وجاء الاقتصار على إبراهيم وآله في عامتها وجواب ذلك أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله ذكرت في مقام الطلب والدعاء وأما الصلاة على إبراهيم فإنما جاءت في مقام الخبر وذكر الواقع لأن قوله صلى الله عليه وسلم اللهم صل على محمد وعلى آل محمد جملة طلبية وقوله كما صليت على آل إبراهيم جملة خبرية والجملة الطلبية إذا وقعت موقع الدعاء والسؤال كان بسطها وتطويلها أنسب من اختصارها وحذفها ولهذا يشرع تكرارها وإبداؤها وإعادتها فإنها دعاء والله يحب الملحين في الدعاء ولهذا تجد كثيرا من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم فيها من بسط الألفاظ وذكر كل معنى بصريح لفظه دون الاكتفاء بدلالة(1\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "269",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7785",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اللفظ الآخر عليه ما يشهد لذلك كقوله صلى الله عليه وسلم في حديث علي رضي الله عنه الذي رواه مسلم في صحيحه اللهم أغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت ومعلوم أنه لو قيل اغفر لي كل ما صنعت كان أوجز ولكن ألفاظ الحديث في مقام الدعاء والتضرع وإظهار العبودية والافتقار واستحضار الأنواع التي يتوب العبد منها تفصيلا أحسن وأبلغ من الإيجاز والاختصار وكذلك قوله في الحديث الآخر اللهم أغفر لي ذنبي كله دقه وجله سره وعلانيته اوله وآخره وفي الحديث اللهم أغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي وهذا كثير في الأدعية المأثورة فإن الدعاء عبودية لله تعالى(1\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "270",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7786",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وافتقار إليه وتذلل بين يديه فكلما كثره العبد وطوله وأعاده وأبداه ونوع جمله كان ذلك أبلغ في عبوديته وإظهار فقره وتذلله وحاجته وكان ذلك أقرب له من ربه وأعظم لثوابه وهذا بخلاف المخلوق فإنك كلما كثرت سؤاله وكررت حوائجك إليه أبرمته وثقلت عليه وهنت عليه وكلما تركت سؤاله كان أعظم عنده وأحب إليه والله سبحانه وتعالى كلما سألته كنت أقرب إليه وأحب إليه وكلما ألححت عليه في الدعاء أحبك ومن لم يسأله يغضب عليه (فالله يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يسأل يغضب) فالمطلوب يزيد بزيادة الطلب وينقص بنقصانه وأما الخبر فهو خبر عن أمر قد وقع وانقضى لا يحتمل الزيادة والنقصان فلم يكن في زيادة اللفظ فيه كبير فائدة ولا سيما ليس المقام مقام إيضاح وتفهيم للمخاطب ليحسن معه البسط والإطناب فكان الإيجاز فيه والاختصار أكمل وأحسن فلهذا جاء فيه بلفظ إبراهيم تارة وبلفظه آله أخرى لأن كلا اللفظين يدل على ما يدل عليه الآخر من الوجه الذي قدمناه فكان المراد باللفظين واحدا مع الإيجاز والاختصار وأما في الطلب فلو قيل صل على محمد لم يكن في هذا ما يدل على الصلاة على آله إذ هو طلب ودعاء ينشأ بهذا اللفظ ليس خبرا عن أمر قد وقع واستقر ولو قيل صل على آل محمد لكان النبي صلى الله عليه وسلم إنما يصلى عليه في العموم فقيل على محمد وعلى آل محمد(1\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "271",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7787",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنه يحصل له بذلك الصلاة عليه بخصوصه والصلاة عليه بدخوله في آله وهنا للناس طريقان في مثل هذا أن يقال هو داخل في آله مع اقترانه بذكره فيكون قد ذكر مرتين مرة بخصوص ومرة في اللفظ العام وعلى هذا فيكون قد صلى عليه مرتين خصوصا وعموما وهذا على أصل من يقول إن العام إذا ذكر بعد الخاص كان متناولا له أيضا ويكون الخاص قد ذكر مرتين مرة بخصوصه ومرة بدخوله في اللفظ العام وكذلك في ذكر الخاص بعد العام كقوله تعالى من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين البقرة 98 وكقوله تعالى وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم الأحزاب 7 الطريقة الثانية أن ذكره بلفظ الخاص يدل على أنه غير داخل في اللفظ العام فيكون ذكره بخصوصه مغنيا عن دخوله في اللفظ العام وعلى هذه الطريقة فيكون في ذلك فوائد منها أنه لما كان من أشرف النوع العام أفرد بلفظ دال عليه بخصوصه كأنه باين النوع وتميز عنهم بما أوجب أن يتميز بلفظ يخصه فيكون ذلك تنبيها على اختصاصه ومزيته عن النوع الداخل في اللفظ العام الثانية أنه يكون فيه تنبيه على أن الصلاة عليه أصل(1\/300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "272",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7788",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والصلاة على آله تبع له إنما نالوها بتبعيتهم له الثالثة أن إفراده بالذكر يرفع عنه توهم التخصيص وأنه لا يجوز أن يكون مخصوصا من اللفظ العام بل هو مراد قطعا(1\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "273",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7789",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل الثامن  في قوله اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد  وذكر البركة وحقيقتها الثبوت واللزوم والاستقرار فمنه برك البعير إذا استقر على الأرض ومنه المبرك لموضع البروك قال صاحب الصحاح وكل شيء ثبت وأقام فقد برك والبرك الإبل الكثيرة والبركة بكسر الباء كالحوض والجمع البرك ذكره الجوهري قال ويقال سميت بذلك لإقامة الماء فيها والبراكاء الثبات في الحرب والجد فيها قال الشاعر (ولا ينجي من الغمرات إلا ... براكاء القتال أو الفرار) والبركة النماء والزيادة والتبريك الدعاء بذلك ويقال باركه الله وبارك فيه وبارك عليه وبارك له وفي(1\/302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "274",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7790",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القرآن أن بورك من في النار ومن حولها النمل 8 وفيه وباركنا عليه وعلى إسحاق الصافات 113 وفيه باركنا فيها الاعراف 37 وفي الحديث وبارك لي فيما أعطيت \/\/ إسناده صحيح \/\/ وفي حديث سعد بارك الله لك في أهلك ومالك المبارك الذي قد باركه الله سبحانه كما قال المسيح عليه السلام وجعلني مباركا أين ما كنت مريم 31 وكتابه مبارك كما قال تعالى وهذا ذكر مبارك أنزلناه الأنبياء 50 وقال تعالى كتاب أنزلناه إليك مبارك ص 29 وهو(1\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "275",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7791",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحق أن يسمى مباركا من كل شيء لكثرة خيره ومنافعه ووجوه البركة فيه والرب سبحانه وتعالى يقال في حقه تبارك ولا يقال مبارك ثم قالت طائفة منهم الجوهري إن تبارك بمعنى بارك مثل قاتل وتقاتل قال إلا أن فاعل يتعدى وتفاعل لا يتعدى وهذا غلط عند المحققين وإنما تبارك تفاعل من البركة وهذا الثناء في حقه تعالى إنما هو لوصف رجع إليه كتعالى فإنه تفاعل من العلو ولهذا يقرن بين هذين اللفظين فيقال تبارك وتعالى وفي دعاء القنوت تباركت وتعاليت وهو سبحانه أحق بذلك وأولى من كل أحد فإن الخير كله بيديه وكل الخير منه صفاته كلها صفات كمال وأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وخيرات لا شرور فيها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم والشر ليس إليك وإنما يقع الشر في مفعولاته ومخلوقاته لا في فعله سبحانه فإذا كان العبد وغيره مباركا لكثرة خيره ومنافعه واتصال أسباب الخير فيه وحصول ما ينتفع به الناس منه فالله تبارك وتعالى أحق أن يكون متباركا وهذا ثناء يشعر بالعظمة والرفعة والسعة كما يقال تعاظم وتعالى ونحوه فهو دليل على عظمته وكثرة خيره ودوامه واجتماع صفات الكمال فيه وأن كل نفع في العالم كان ويكون فمن نفعه سبحانه وإحسانه(1\/304)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "276",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7792",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويدل هذا الفعل أيضا في حقه على العظمة والجلال وعلو الشأن ولهذا إنما يذكره غالبا مفتتحا به جلاله وعظمته وكبرياءه قال تعالى إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين الاعراف 54 وقال تعالى تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا الفرقان 1 وقال تعالى تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا الفرقان 61 و وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون الزخرف 85 تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الملك 1 وقال تعالى عقب خلق الإنسان في أطواره السبعة فتبارك الله أحسن الخالقين المؤمنون 14 فقد ذكر تبارك سبحانه في المواضع التي أثنى فيها على نفسه بالجلال والعظمة والأفعال الدالة على ربوبيته وإلهيته وحكمته وسائر صفات كماله من إنزال الفرقان وخلق العالمين وجعله البروج في السماء والشمس والقمر وانفراده بالملك وكمال القدرة ولهذا قال أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما(1\/305)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "277",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7793",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تبارك بمعنى تعالى وقال أبو العباس تبارك ارتفع والمبارك المرتفع وقال ابن الأنباري تبارك بمعنى تقدس وقال الحسن تبارك تجيء البركة من قبله وقال الضحاك تبارك تعظم وقال الخليل بن أحمد تمجد وقال الحسين بن الفضل تبارك في ذاته وبارك من شاء من خلقه وهذا أحسن الأقوال فتباركه سبحانه وصف ذات له وصفة فعل كما قال الحسين بن الفضل والذي يدل على ذلك أيضا أنه سبحانه يضيف التبارك إلى اسمه كما قال تعالى تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام الرحمن 78 وفي حديث الاستفتاح تبارك اسمك وتعالى جدك فدل هذا على أن تبارك ليس بمعنى بارك كما قاله الجوهري وأن تبريكه سبحانه جزء مسمى اللفظ لا كمال معناه وقال ابن عطية معناه عظم وكثرت بركاته ولا يوصف بهذه اللفظة إلا الله سبحانه وتعالى ولا تتصرف هذه اللفظة في لغة العرب لا يستعمل منها مضارع ولا أمر قال وعلة ذلك أن تبارك لما لم يوصف به غير الله لم يقتض مستقبلا إذ الله سبحانه وتعالى قد تبارك في الأزل قال وقد غلط أبو علي القالي فقيل(1\/306)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "278",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7794",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له كيف المستقبل من تبارك فقال يتبارك فوقف على أن العرب لم تقله وقال ابن قتيبة تبارك اسمك تفاعل من البركة كما يقال تعالى اسمك من العلو يراد به أن البركة في اسمك وفيما سمي عليه وقال وأنشدني بعض أصحاب اللغة بيتا حفظت عجزه (إلى الجذع النخلة المتبارك ... ) فقوله يراد به أن البركة في اسمك وفيما سمي عليه يدل على أن ذلك صفة لمن تبارك فإن بركة الاسم تابعة لبركة المسمى ولهذا كان قوله تعالى فسبح باسم ربك العظيم الواقعة 74 و 96 والحاقة 52 دليلا على أن الأمر بتسبيح الرب بطريق الأولى فإن تنزيه الاسم من توابع تنزيه المسمى وقال الزمخشري فيه معنيان أحدهما تزايد خيره وتكاثر أو تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله قلت ولا تنافي بين المعنيين كما قال الحسين بن الفضل وغيره وقال النضر بن شميل سألت الخليل بن أحمد عن تبارك فقال تمجد ويجمع المعنيين مجده في ذاته وإفاضته البركة على خلقه فإن هذا هو حقيقة المجد فإنه السعة ومنه مجد الشيء إذا اتسع واستمجد والعرش المجيد لسعته وقال بعض المفسرين يمكن أن يقال هو من البروك فيكون تبارك ثبت ودام أزلا وأبدا فيلزم أن يكون واجب الوجود(1\/307)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "279",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7795",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأن ما كان وجوده من غيره لم يكن أزليا وهذا قد يقال إنه جزء المعنى فتباركه سبحانه يجمع هذا كله دوام وجوده وكثرة خيره ومجده وعلوه وعظمته وتقدسه ومجيء الخيرات كلها من عنده وتبريكه على من شاء من خلقه وهذا هو المعهود من ألفاظ القرآن كلها أنها تكون دالة على جملة معان فيعبر هذا عن بعضها وهذا عن بعضها واللفظ يجمع ذلك كله وقد ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع والمقصود الكلام على قوله وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم فهذا الدعاء يتضمن إعطاءه من الخير ما أعطاه لآل إبراهيم وإدامته وثبوته له ومضاعفته وزيادته هذا حقيقة البركة وقد قال تعالى في إبراهيم وآله وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق الصافات 112 و 113 وقال تعالى فيه وفي أهل بيته رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد هود 73 وتأمل كيف جاء في القرآن وباركنا عليه وعلى إسحاق ولم يذكر إسماعيل وجاء في التوراة ذكر البركة على إسماعيل ولم يذكر إسحاق كما تقدم حكايته وعن إسماعيل سمعتك هانا باركته فجاء في التوراة ذكر البركة في إسماعيل إيذانا بما حصل لبنيه من الخير والبركة لا سيما خاتمة بركتهم وأعظمها وأجلها برسول الله صلى الله عليه وسلم فنبههم بذلك على ما يكون في بنيه من هذه البركة العظيمة الموافية على(1\/308)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "280",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7796",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لسان المبارك صلى الله عليه وسلم وذكر لنا في القرآن بركته على إسحاق منبها لنا على ما حصل في أولاده من نبوة موسى عليه السلام وغيره وما اتوه من الكتاب والعلم مستدعيا من عباده الإيمان بذلك والتصديق به وأن لا يهملوا معرفة حقوق هذا البيت المبارك وأهل النبوة منهم ولا يقول القائل هؤلاء أنبياء بني إسرائيل لا تعلق لنا بهم بل يجب علينا احترامهم وتوقيرهم والإيمان بهم ومحبتهم وموالاتهم والثناء عليهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولما كان هذا البيت المبارك المطهر أشرف بيوت العالم على الإطلاق خصهم الله سبحانه وتعالى منه بخصائص منها أنه جعل فيه النبوة والكتاب فلم يأت بعد إبراهيم عليه السلام نبي إلا من أهل بيته ومنها أنه سبحانه جعلهم أئمة يهدون بأمره إلى يوم القيامة فكل من دخل الجنة من أولياء الله بعدهم فإنما دخل من طريقهم وبدعوتهم ومنها أنه سبحانه اتخذ منهم الخليلين إبراهيم ومحمدا صلى الله عليه وسلم عليهما وقال تعالى واتخذ الله إبراهيم خليلا النساء 125 وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا وهذا من خواص البيت(1\/309)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "281",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7797",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها أنه سبحانه جعل صاحب هذا البيت إماما للعالمين كما قال تعالى وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما البقرة 124 ومنها أنه أجرى على يديه بناء بيته الذي جعله قياما للناس وقبلة لهم وحجا فكان ظهور هذا البيت من أهل هذا البيت الأكرمين ومنها أنه أمر عباده بأن يصلوا على أهل هذا البيت كما صلى على أهل بيتهم وسلفهم وهم إبراهيم وآله وهذه خاصة لهم ومنها أنه أخرج منهم الأمتين المعظمتين اللتين لم تخرجا من أهل بيت غيرهم وهم أمة موسى وأمة محمد صلى الله عليه وسلم عليهما وأمة محمد صلى الله عليه وسلم تمام سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الله ومنها أن الله سبحانه أبقى عليهم لسان صدق وثناء حسنا في العالم فلا يذكرون إلا بالثناء عليهم والصلاة والسلام عليهم قال تعالى وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين الصافات 108 و 110 ومنها جعل أهل هذا البيت فرقانا بين الناس فالسعداء ابتاعهم ومحبوهم ومن تولاهم والأشقياء من أبغضهم وأعرض عنهم(1\/310)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "282",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7798",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعاداهم فالجنة لهم ولأتباعهم والنار لأعدائهم ومخالفيهم ومنها أنه سبحانه جعل ذكرهم مقرونا بذكره فيقال إبراهيم خليل الله ورسوله ونبيه ومحمد رسول الله وخليله ونبيه وموسى كليم الله ورسوله قال تعالى لنبيه يذكره بنعمته عليه ورفعنا لك ذكرك الانشراح 4 قال ابن عباس رضي الله عنهما إذا ذكرت ذكرت معي فيقال لا إله إلا الله محمد رسول الله في كلمة الإسلام وفي الأذان وفي الخطب وفي التشهدات وغير ذلك ومنها أنه سبحانه جعل خلاص خلقة من شقاء الدنيا والآخرة على أيدي أهل هذا البيت فلهم على الناس من النعم ما لا يمكن إحصاؤها ولا جزاؤها ولهم المنن الجسام في رقاب الأولين والآخرين من أهل السعادة والأيادي العظام عندهم التي يجازيهم عليها الله عز وجل ومنها أن كل ضر ونفع وعمل صالح وطاعة لله تعالى حصلت في العالم فلهم من الأجر مثل أجور عامليها فسبحان من يختص بفضله من يشاء من عباده ومنها أن الله سبحانه وتعالى سد جميع الطرق بينه وبين العالمين وأغلق دونهم الأبواب فلم يفتح أحد قط من طريقهم وبابهم وقال الجنيد رحمه الله يقول الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم وعزتي وجلالي لو أتوني من كل طريق أو استفتحوا من كل باب لما فتحت لهم حتى يدخلوا خلفك ومنها أنه سبحانه خصهم من العلم بما لم يخص به أهل بيت سواهم من العالمين فلم يطرق العالم أهل بيت أعلم بالله(1\/311)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "283",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7799",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأسمائه وصفاته وأحكامه وأفعاله وثوابه وعقابه وشرعه ومواقع رضاه وغضبه وملائكته ومخلوقاته منهم فسبحان من جمع لهم علم الأولين والآخرين ومنها أنه سبحانه خصهم من توحيده ومحبته وقربه والاختصاص به بما لم يختص به أهل بيت سواهم ومنها أنه سبحانه مكن لهم في الأرض واستخلفهم فيها واطاع أهل الأرض لهم ما لم يحصل لغيرهم ومنها أنه سبحانه أيدهم ونصرهم وأظفرهم بأعدائه وأعدائهم بما لم يؤيد غيرهم ومنها أنه سبحانه محا بهم من آثار أهل الضلال والشرك ومن الآثار التي يبغضها ويمقتها ما لم يمحه بسواهم ومنها أنه سبحانه غرس لهم من المحبة والإجلال والتعظيم في قلوب العالمين ما لم يغرسه لغيرهم ومنها أنه سبحانه جعل آثارهم في الأرض سببا لبقاء العالم وحفظه فلا يزال العالم باقيا ما بقيت آثارهم فإذا ذهب آثارهم من الأرض فذاك أوان خراب العالم قال الله تعالى جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد المائدة 97 قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها لو ترك الناس كلهم الحج لوقعت السماء على الأرض وقال لو ترك الناس كلهم الحج لما نظروا(1\/312)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "284",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7800",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن في آخر الزمان يرفع الله بيته من الأرض وكلامه من المصاحف وصدور الرجال فلا يبقى له في الأرض بيت يحج ولا كلام يتلى فحينئذ يقرب خراب العالم وهكذا الناس اليوم إنما قيامهم بقيام آثار نبيهم وشرائعه بينهم وقيام امورهم حصول مصالحهم واندفاع أنواع البلاء والشر عنهم بحسب ظهورها بينهم وقيامها وهلاكهم وعنتهم وحلول البلاء والشر بهم عند تعطلها والإعراض عنها والتحاكم إلى غيرها واتخاذ سواها ومن تأمل تسليط الله سبحانه على من سلطه على البلاد والعباد من الأعداء علم أن ذلك بسبب تعطيلهم لدين نبيهم وسننه وشرائعه فسلط الله عليهم من أهلكهم وانتقم منهم حتى إن البلاد التي لآثار الرسول صلى الله عليه وسلم وسننه وشرائعه فيها ظهور دفع عنها بحسب ظهور ذلك بينهم وهذه الخصائص وأضعاف أضعافها من آثار رحمة الله وبركاته على أهل هذا البيت فلهذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نطلب له من الله تعالى أن بارك عليه وعلى آله كما بارك على هذا البيت المعظم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ومن بركات أهل هذا البيت أنه سبحانه أظهر على أيديهم(1\/313)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "285",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7801",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من بركات الدنيا والآخرة ما لم يظهره على يدي أهل بيت غيرهم ومن بركاتهم وخصائصهم أن الله سبحانه أعطاهم من خصائصهم ما لم يعط غيرهم فمنهم من اتخذه خليلا ومنهم الذبيح ومنهم من كلمه تكليما وقربه نجيا ومنهم من آتاه شطر الحسن وجعله من أكرم الناس عليه ومنهم من أتاه ملكا لم يؤته أحدا غيره ومنهم من رفعه مكانا عليا ولما ذكر سبحانه وتعالى هذا البيت وذريته أخبر أن كلهم فضله على العالمين ومن خصائصهم وبركاتهم على أهل الأرض أن الله سبحانه رفع العذاب العام عن أهل الأرض بهم وببعثتهم وكانت عادته سبحانه في أمم الأنبياء قبلهم أنهم إذا كذبوا أنبياءهم ورسلهم أهلكهم بعذاب يعمهم كما فعل بقوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط فلما أنزل الله سبحانه وتعالى التوراة والإنجيل والقرآن رفع بها العذاب العام عن أهل الأرض وأمر بجهاد من كذبهم وخالفهم فكان ذلك نصرة لهم بأيديهم وشفاء لصدورهم واتخاذ الشهداء منهم وإهلاك عدوهم بأيديهم لتحصيل محابه سبحانه على ايديهم وحق بأهل بيت هذا بعض فضائلهم أن لا تزال الألسن رطبة بالصلاة عليهم والسلام والثناء والتعظيم والقلوب ممتلئة من تعظيمهم ومحبتهم وإجلالهم وأن يعرف المصلي عليهم أنه لو أنفق أنفاسه كلها في الصلاة عليهم ما وفى القليل من حقهم فجزاهم الله عن بريته أفضل الجزاء وزادهم في الملأ الأعلى تعظيما وتشريفا وتكريما وصلى عليهم صلاة دائمة لا انقطاع لها وسلم تسليما(1\/314)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "286",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7802",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل التاسع  في اختتام هذه الصلاة بهذين الاسمين من أسماء الرب سبحانه وتعالى وهما الحميد والمجيد  فالحميد فعيل من الحمد وهو بمعنى محمود وأكثر ما يأتي فعيلا في أسمائه تعالى بمعنى فاعل كسميع وبصير وعليم وقدير وعلي وحكيم وحليم وهو كثير وكذلك فعول كغفور وشكور وصبور وأما الودود ففيه قولان أحدهما أنه بمعنى فاعل وهو الذي يحب أنبياءه ورسله وأولياءه وعباده المؤمنين والثاني أنه بمعنى مودود وهو المحبوب الذي يستحق أن يحب الحب كله وأن يكون أحب إلى العبد من سمعه وبصره وجميع محبوباته وأما الحميد فلم يأت إلا بمعنى المحمود وهو أبلغ من المحمود فإن فعيلا إذا عدل به عن مفعول دل على أن تلك الصفة قد صارت مثل السجية والغريزة والخلق اللازم إذا قلت فلان ظريف وشريف وكريم ولهذا يكون هذا البناء غالبا من فعل بوزن(1\/315)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "287",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7803",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شرف هذا البناء من أبنية الغرائز والسجايا اللازمة ككبر وصغر وحسن ولطف ونحو ذلك ولهذا كان حبيب أبلغ من محبوب لان الحبيب الذي حصلت فيه الصفات والأفعال التي يحب لأجلها فهو حبيب في نفسه وإن قدر أن غيره لا يحبه لعدم شعوره به أو لمانع منعه من حبه وأما المحبوب فهو الذي تعلق به حب المحب فصار محبوبا بحب الغير له وأما الحبيب فهو حبيب بذاته وصفاته تعلق به حب الغير أو لم يتعلق وهكذا الحميد والمحمود فالحميد هو الذي له من الصفات وأسباب الحمد ما يقتضي أن يكون محمودا وإن لم يحمده غيره فهو حميد في نفسه والمحمود من تعلق به حمد الحامدين وهكذا المجيد والممجد والكبير والمكبر والعظيم والمعظم والحمد والمجد إليهما يرجع الكمال كله فإن الحمد يستلزم الثناء والمحبة للمحمود فمن أحببته ولم تثن عليه لم تكن حامدا له حتى تكون مثنيا عليه محبا له وهذا الثناء والحب تبع للأسباب المقتضية له وهو ما عليه المحمود من صفات الكمال ونعوت الجلال والإحسان إلى الغير فإن هذه هي أسباب المحبة وكلما كانت هذه الصفات أجمع وأكمل كان الحمد والحب أتم وأعظم والله سبحانه له الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه ما والإحسان كله له ومنه فهو أحق بكل حمد وبكل حب من كل جهة فهو أهل أن يحب لذاته ولصفاته ولأفعاله ولأسمائه ولإحسانه ولكل ما صدر منه سبحانه وتعالى(1\/316)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "288",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7804",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما المجد فهو مستلزم للعظمة والسعة والجلال والحمد يدل على صفات الإكرام والله سبحانه وتعالى ذو الجلال والإكرام وهذا معنى قول العبد لا إله إلا الله والله اكبر ف لا إله إلا الله دال على ألوهيته وتفرده فيها فألوهيته تستلزم محبته التامة والله أكبر دال على مجده وعظمته وذلك يستلزم تعظيمه وتمجيده وتكبيره ولهذا يقرن سبحانه بين هذين النوعين في القرآن كثيرا كقوله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد هود 73 وقوله تعالى وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا الإسراء 111 فأمر بحمده وتكبيره وقال تعالى تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام الرحمن 78 وقال تعالى ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام الرحمن 27 وفي المسند وصحيح أبي حاتم وغيره من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ألظوا بياذا الجلال والإكرام حديث صحيح يعني الزموها وتعلقوا بها فالجلال والإكرام هو الحمد والمجد(1\/317)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "289",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7805",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونظير هذا قوله تعالى فإن ربي غني كريم النمل 40 وقوله تعالى فإن الله كان عفوا قديرا النساء 149 وقوله تعالى والله قدير والله غفور رحيم الممتحنة 7 وقوله تعالى وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد البروج 14 15 وهو كثير في القرآن وفي الحديث الصحيح حديث دعاء الكرب لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم فذكر هذين الاسمين الحميد المجيد عقيب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله مطابق لقوله تعالى رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد هود 73 ولما كانت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وهي ثناء الله تعالى عليه وتكريمه والتنويه به ورفع ذكره وزيادة حبه وتقريبه كما تقدم كانت مشتملة على الحمد والمجد فكأن المصلي طلب من الله تعالى أن يزيد في حمده ومجده فإن الصلاة عليه هي نوع حمد له وتمجيد هذا حقيقتها فذكر في هذا المطلوب الاسمين المناسبين له وهما أسماء الحميد والمجيد وهذا كما تقدم أن الداعي يشرع له أن يختم دعاءه باسم من الأسماء الحسنى مناسب لمطلوبه أو يفتتح دعاءه به وتقدم أن هذا من قوله ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها الاعراف 180(1\/318)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "290",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7806",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال سليمان عليه السلام في دعائه ربه رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ص 35 وقال الخليل وابنه اسماعيل عليهما السلام في دعائهما ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم البقرة 28 وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور مائة مرة في مجلسه \/\/ إسناده صحيح \/\/ وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها وقد سألته إن وافقت ليلة القدر ما أدعو به قال قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني \/\/ سنده صحيح \/\/ وقال صلى الله عليه وسلم للصديق رضي الله عنه وقد سأله أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته قال قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم وهذا كثير قد ذكرناه في  كتاب الروح والنفس  وما قاله الناس في قول المسيح صلى الله عليه وسلم إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم(1\/319)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "291",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7807",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ") المائدة 118 ولم يقل الغفور الرحيم وقول الخليل عليه السلام فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم إبراهيم 36 فلما كان المطلوب للرسول صلى الله عليه وسلم حمدا ومجدا بصلاة الله عليه ختم هذا السؤال باسمي الحميد والمجيد وأيضا فإنه لما كان المطلوب للرسول حمدا ومجدا وكان ذلك حاصلا له ختم ذلك بالإخبار عن ثبوت ذنيك الوصفين للرب بطريق الأولى إذ كل كمال في العبد غير مستلزم للنقص فالرب أحق به وأيضا فإنه لما طلب للرسول حمدا ومجدا بالصلاة عليه وذلك يستلزم الثناء عليه ختم هذا المطلوب بالثناء على مرسلة بالحمد والمجد فيكون هذا الدعاء متضمنا لطلب الحمد والمجد للرسول صلى الله عليه وسلم والإخبار عن ثبوته للرب سبحانه وتعالى(1\/320)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "292",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7808",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل العاشر  في ذكر قاعدة في هذه الدعوات والأذكار التي رويت بأنواع مختلفة كأنواع الاستفتاحات وانواع التشهدات في الصلاة وانواع الادعية التي اختلفت الفاظها وانواع الاذكار بعد الاعتدالين من الركوع والسجود  ومنه هذه الألفاظ التي رويت في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قد سلك بعض المتأخرين في ذلك طريقة في بعضها وهو أن الداعي يستحب له أن يجمع بين تلك الألفاظ المختلفة ورأى ذلك أفضل ما يقال فيها فرأى أنه يستحب للداعي بدعاء الصديق رضي الله عنه أن يقول اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا كبيرا ويقول المصلي على النبي صلى الله عليه وسلم اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وعلى أزواجه وذريته وارحم محمدا وآل محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وكذلك في البركة والرحمة ويقول في دعاء الاستخارة اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر(1\/321)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "293",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7809",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة امري وآجله \/\/ حديث صحيح \/\/ ونحو ذلك قال ليصيب ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم يقينا فيما شك فيه الراوي ولتجتمع له الأدعية الأخر فيما اختلفت ألفاظها ونازعه في ذلك آخرون وقالوا هذا ضعيف من وجوه أحدها أن هذه طريقة محدثة لم يسبق إليها أحد من الأئمة المعروفين الثاني أن صاحبها إن طردها لزمه أن يستحب للمصلي أن يستفتح بجميع أنواع الاستفتاحات وأن يتشهد بجميع أنواع التشهدات وأن يقول في ركوعه وسجوده جميع الأذكار الواردة فيه وهذا باطل قطعا فإنه خلاف عمل الناس ولم يستحبه أحد من أهل العلم وهو بدعة وإن لم يطردها تناقض وفرق بين متماثلين الثالث أن صاحبها ينبغي له أن يستحب للمصلي والتالي أن يجمع بين القراءات المتنوعة في التلاوة في الصلاة وخارجها قالوا ومعلوم أن المسلمين متفقون على أنه لا يستحب ذلك للقارئ في الصلاة ولا خارجها إذا قرأ قراءة عبادة وتدبر وإنما يفعل ذلك القراء أحيانا ليمتحن بذلك حفظ القارئ لأنواع القراءات وإحاطته بها واستحضاره إياها والتمكن من استحضارها عند طلبها فذلك تمرين وتدريب لا تعبد يستحب لكل تال وقارئ ومع هذا ففي ذلك للناس كلام ليس هذا موضعه بل(1\/322)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "294",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7810",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المشروع في حق التالي أن يقرأ بأي حرف شاء وإن شاء أن يقرأ بهذا مرة وبهذا مرة جاز ذلك وكذا الداعي إذا قال ظلمت نفسي ظلما كثيرا مرة ومرة قال كبيرا جاز ذلك وكذلك إذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم مرة بلفظ هذا الحديث ومرة باللفظ الأخر وكذلك إذا تشهد فإن شاء تشهد بتشهد ابن مسعود وان شاء تشهد بتشهد ابن عباس وإن شاء بتشهد عمر وإن شاء بتشهد عائشة وكذلك في الاستفتاح إن شاء استفتح بحديث علي وإن شاء بحديث أبي هريرة وإن شاء باستفتاح عمر رضي الله عنهم اجمعين وإن شاء فعل هذا مرة وهذا مرة وهذا مرة وكذلك إذا رفع رأسه من الركوع إن شاء قال اللهم ربنا لك الحمد وإن شاء قال ربنا لك الحمد وإن شاء قال ربنا ولك الحمد ولا يستحب له أن يجمع بين ذلك وقد احتج غير واحد من الأئمة منهم الشافعي على جواز الأنواع المأثورة في التشهدات ونحوها بالحديث الذي رواه أصحاب الصحيح والسنن وغيرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أنزل القرآن على سبعة أحرف فجوز النبي صلى الله عليه وسلم القراءة بكل حرف من تلك الأحرف وأخبر أنه شاف كاف ومعلوم أن المشروع في ذلك أن يقرأ بتلك الأحرف على سبيل البدل لا على سبيل الجمع كما كان الصحابة يفعلون الرابع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع بين تلك الألفاظ المختلفة(1\/323)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "295",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7811",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في آن واحد بل إما أن يكون قال هذا مرة وهذا مرة كألفاظ الاستفتاح والتشهد وأذكار الركوع والسجود وغيرها فاتباعه صلى الله عليه وسلم يقتضي أن لا يجمع بينها بل يقال هذا مرة وهذا مرة وإما أن يكون الراوي قد شك في أي الألفاظ قال فإن ترجح عند الداعي بعضها صار إليه وإن لم يترجح عنده بعضها كان مخيرا بينها ولم يشرع له الجمع فإن هذا نوع ثالث لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم فيعود الجمع بين تلك الألفاظ في آن واحد على مقصود الداعي بالإبطال لأنه قصد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ففعل ما لم يفعله قطعا ومثال ما يترجح فيه أحد الألفاظ حديث الاستخارة فإن الراوي شك هل قال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم أنت كنت تعلم أن هذا خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال وعاجل أمري وآجله بدل وعاقبة أمري والصحيح اللفظ الأول وهو قوله وعاقبة أمري لأن عاجل الأمر وآجله هو مضمون قوله ديني ومعاشي وعاقبة أمري فيكون الجمع بين المعاش وعاجل الأمر وآجله تكرارا بخلاف ذكر المعاش والعاقبة فإنه لا تكرار فيه فإن المعاش هو عاجل الأمر والعاقبة آجله ومن ذلك ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من قرأ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال \/\/ رواه مسلم \/\/ واختلف فيه فقال بعض الرواة من أول سورة الكهف(1\/324)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "296",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7812",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال بعضهم من آخرها وكلاهما في الصحيح لكن الترجيح لمن قال من أول سورة الكهف لأن في صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان في قصة الدجال فإذا رأيتموه فاقرؤوا عليه فواتح سورة الكهف ولم يختلف في ذلك وهذا يدل على أن من روى العشر من أول السورة حفظ الحديث ومن روى من آخرها لم يحفظه الخامس أن المقصود إنما هو المعنى والتعبير عنه بعبارة مؤدية له فإذا عبر عنه بإحدى العبارتين حصل المقصود فلا يجمع بين العبارات المتعددة السادس أن أحد اللفظين بدل عن الآخر فلا يستحب الجمع بين البدل والمبدل معا كما لا يستحب ذلك في المبدلات التي لها أبدال والله تعالى أعلم(1\/325)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "297",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7813",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "- صلى الله عليه وسلم  - الباب الرابع - صلى الله عليه وسلم  - في مواطن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم التي يتأكد طلبها إما وجوبا واما استحبابا مؤكدا  الموطن الأول وهو اهمها اكدها في الصلاة في آخر التشهد وقد أجمع المسلمون على مشروعيته واختلفوا في وجوبه فيها فقالت طائفة ليس يواجب فيها ونسبوا من أوجبه إلى الشذوذ ومخالفة الإجماع منهم الطحاوي والقاضي عياض والخطابي فإنه قال ليست بواجبة في الصلاة وهو قول جماعة الفقهاء إلا الشافعي ولا أعلم له قدوة وكذلك ابن المنذر ذكر أن الشافعي تفرد بذلك واختار عدم الوجوب واحتج أرباب هذا القول بأن قالوا واللفظ لعياض والدليل على أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليست من فروض الصلاة عمل السلف الصالح قبل الشافعي وإجماعهم عليه وقد شنع الناس عليه المسألة جدا وهذا تشهد ابن مسعود رضي الله عنه الذي اختاره الشافعي وهو الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم إياه ليس فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك كل من روى التشهد عن النبي صلى الله عليه وسلم كأبي هريرة وابن عباس وجابر وابن عمر وأبي سعيد الخدري وأبي موسى الأشعري وعبد الله بن الزبير رضي الله(1\/327)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "298",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7814",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله عنهم لم يذكروا فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال ابن عباس وجابر كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن ونحوه عن أبي سعيد وقال ابن عمر كان أبو بكر يعلمنا التشهد على المنبر كما تعلمون الصبيان في الكتاب وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعلمه أيضا على المنبر يعني وليس في شيء من ذلك أمرهم فيه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عبد البر في التمهيد ومن حجة من قال بأن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليست فرضا في الصلاة حديث الحسن بن الحر عن القاسم بن مخيمرة اخذ علقمة بيدي فقال إن عبد الله أخذ بيدي كما أخذت بيدك فعلمني التشهد فذكر الحديث إلى قوله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله قال فإذا أنت قلت ذلك فقد قضيت الصلاة فإن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد قالوا ففي هذا الحديث ما يشهد لمن لم ير الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد واجبة ولا سنة مسنونة وأن من تشهد فقد تمت صلاته إن شاء قام وإن شاء قعد قالوا لأن ذلك لو كان واجبا أو سنة في التشهد لبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وذكره وقالوا أيضا فقد روى أبو داود والترمذي والطحاوي من حديث عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من آخر السجود فقد مضت صلاته إذا هو أحدث واللفظ(1\/328)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "299",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7815",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لحديث الطحاوي وعندكم لا تمضي صلاته حتى يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا وقد روى عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه إذا جلس مقدار التشهد ثم أحدث فقد تمت صلاته ومن حجتهم أيضا حديث الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود في التشهد وقال ثم ليتخير ما احب من الكلام يعني ولم يذكر الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ومن محجتهم أيضا حديث فضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يدعو في صلاته ولم يحمد الله ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم عجل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد ربه والثناء عليه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو بما شاء \/\/ إسناده حسن \/\/ قالوا ففي حديث فضالة هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر هذا المصلي الذي ترك الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم بالإعادة لأنها لو كانت فرضا لأمره بإعادة الصلاة كما أمر الذي لم يتم ركوعه ولا سجوده بالإعادة واحتج هؤلاء أيضا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمها المسيء في صلاته ولو كانت من فروض الصلاة التي لا تصح إلا بها لعلمه إياها كما علمه القراءة والركوع والسجود والطمأنينة في الصلاة واحتجوا أيضا بأن الفرائض إنما تثبت بدليل صحيح لا(1\/329)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "300",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7816",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معارض له من مثله أو بإجماع ممن تقوم الحجة بإجماعهم فهذا جل ما احتج به النفاة وعمدتهم ونازعهم آخرون في ذلك نقلا واستدلالا وقالوا أما نسبتكم الشافعي ومن قال بقوله في هذه المسألة إلى الشذوذ ومخالفة الإجماع فليس بصحيح فقد قال بقوله جماعة من الصحابة ومن بعدهم فمنهم عبد الله بن مسعود فإنه كان يراها واجبة في الصلاة ويقول لا صلاة لمن لم يصل فيها على النبي صلى الله عليه وسلم ذكره ابن عبد البر عنه في التمهيد وحكاه غيره أيضا ومنهم أبو مسعود البدري روى عثمان بن أبي شيبة وغيره عن شريك بن جابر الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي عن أبي مسعود قال ما أرى أن صلاة لي تمت حتى أصلي فيها على محمد وعلى آل محمد ومنهم عبد الله بن عمر ذكره الحسن بن شبيب المعمري حدثنا علي بن ميمون حدثنا خالد بن حسان عن جعفر بن برقان عن عقبة بن نافع عن ابن عمر أنه قال لا تكون صلاة إلا بقراءة وتشهد وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فإن نسيت شيئا من ذلك فاسجد سجدتين بعد السلام وقال حدثنا عثمان ابن أبي شيبة حدثنا شريك عن أبي جعفر قال قال أبو مسعود البدري ما أرى أن صلاة لي تمت لا أصلي فيها على محمد صلى الله عليه وسلم(1\/330)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "301",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7817",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن التابعين أبو جعفر محمد بن علي والشعبي ومقاتل بن حيان ومن أرباب المذاهب المتبوعين إسحاق بن راهويه قال إن تركها عمدا لم تصح صلاته وإن تركها سهوا رجوت أن تجزئه قلت عن إسحاق في ذلك روايتان ذكرهما عنه حرب في مسائله قال باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد قال سألت إسحاق قلت الرجل إذا تشهد فلم يصل علي النبي صلى الله عليه وسلم قال أما أنا فأقول إن صلاته جائزة وقال الشافعي لا تجوز صلاته ثم قال أنا أذهب إلى حديث الحسن بن الحر عن القاسم بن مخيمرة فذكر حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال حرب سمعت أبا يعقوب يعني إسحاق يقول إذا فرغ من التشهد إماما كان أو مأموما صلى على النبي صلى الله عليه وسلم لا يجزئه غير ذلك لقول أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد عرفنا السلام عليك يعني في التشهد والسلام فيها فكيف الصلاة فأنزل الله سبحانه وتعالى إن الله وملائكته يصلون على النبي الأحزاب 56 وفسر النبي صلى الله عليه وسلم كيف هي فأدنى ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة عليه يكفيه فليقله بعد التشهد والتشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الجلسة الاخيرة عملان هما عدلان لا يجوز أحد أن يترك واحدا منهما عمدا وإن كان ناسيا رجونا أن تجزئه مع أن بعض علماء الحجاز قال لا يجزئه ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وإن تركه أعاد الصلاة تم كلامه وأما الإمام أحمد فاختلفت الرواية عنه ففي مسائل(1\/331)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "302",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7818",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المروزي قيل لأبي عبد الله إن ابن راهوية يقول لو أن رجلا ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد بطلت صلاته قال ما أجترئ أن أقول هذا وقال مرة هذا شذوذ وفي مسائل أبي زرعة الدمشقي قال أحمد كنت أتهيب ذلك ثم تبينت فإذا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة وظاهر هذا أنه رجع عن قوله بعدم الوجوب وأما قولكم الدليل على عدم وجوبها عمل السلف الصالح قبل الشافعي وإجماعهم عليه فجوابه أن استدلالكم إما أن يكون بعمل الناس في صلاتهم وإما بقول أهل الإجماع إنها ليست بواجبة فإن كان الاستدلال بالعمل فهو من أقوى حججنا عليكم فإنه لم يزل عمل الناس مستمرا قرنا بعد قرن وعصرا بعد عصر على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في آخر التشهد إمامهم ومأمومهم ومنفردهم ومفترضهم ومتنفلهم حتى لو سئل كل مصل هل صليت على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة لقال نعم وحتى لو سلم من غير صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلم المأمومون منه ذلك لأنكروا ذلك عليه وهذا أمر لا يمكن إنكاره فالعمل أقوى حجة عليكم فكيف يسوغ لكم أن تقولوا عمل السلف الصالح قبل الشافعي ينفي الوجوب أفترى السلف الصالح كلهم ما كان أحد منهم قط يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته وهذا من أبطل الباطل وأما إن كان احتجاجكم بقول أهل الإجماع أيضا إنها ليست(1\/332)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "303",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7819",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بفرض فهذا مع أنه لا يسمى عملا لم يعلمه أهل الإجماع وإنما هو مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما وغايته أنه قول كثير من أهل العلم وقد نازعهم في ذلك آخرون من الصحابة والتابعين وأرباب المذاهب كما تقدم فهذا ابن مسعود وابن عمر وأبو مسعود والشعبي ومقاتل بن حيان وجعفر بن محمد وإسحاق بن راهويه والإمام أحمد في آخر قوليه يوجبون الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في التشهد فأين إجماع المسلمين مع خلاف هؤلاء وأين عمل السلف الصالح وهؤلاء من أفاضلهم رضي الله عنهم ولكن هذا شأن من لم يتتبع مذاهب العلماء ويعلم مواقع الإجماع والنزاع وأما قوله قد شنع الناس على الشافعي المسألة جدا فيا سبحان الله أي شناعة عليه في هذه المسألة وهل هي إلا من محاسن مذهبه ثم لا يستحي المشنع عليه مثل هذه المسألة من المسائل التي شنعتها ظاهرة جدا يعرفها من عرفها من المسائل التي تخالف النصوص أو تخالف الإجماع السابق أو القياس أو المصلحة الراجحة ولو تتبعت لبلغت مئين وليس تتبع المسائل المستشنعة من عادة أهل العلم فيقتدى بهم في ذكرها وعدها والمنصف خصم نفسه فأي كتاب خالف الشافعي في هذه المسألة أم أي سنة أم أي إجماع ولأجل أن قال قولا اقتضته الأدلة وقامت على صحته وهو من تمام الصلاة بلا خلاف أما إتمام واجباتها أو تمام مستحباتها فهو رحمه الله رأى أنه من تمام واجباتها بالأدلة التي سنذكرها فيما بعد ذلك فلا إجماعا(1\/333)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "304",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7820",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خرقه ولا نصا خالفه فمن أي وجه يشنع عليه وهل الشناعة إلا بمن شنع عليه أليق وبه ألحق وأما قوله وهذا تشهد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه الذي اختاره الشافعي وهو الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم إياه إلى آخره فهكذا رأيته في النسخة الذي اختاره الشافعي والشافعي إنما اختار تشهد ابن عباس أما تشهد ابن مسعود رضي الله عنه فأبو حنيفة وأحمد اختاراه ومالك اختار تشهد عمر وبالجملة فجواب ذلك من وجوه أحدها أنا نقول بموجب هذا الدليل فإن مقتضاه وجوب التشهد ولا ينفي وجوب غيره فإنه لم يقل أحد إن هذا التشهد هو جميع الواجب من الذكر في هذه القعدة فإيجاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بدليل آخر لا يكون معارضا بترك تعليمه في أحاديث التشهد الثاني أنكم توجبون السلام من الصلاة ولم يعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم إياه في أحاديث التشهد فإن قلتم إنما اوجبنا السلام بقوله صلى الله عليه وسلم تحريمها التكبير وتحليلها التسليم \/\/ سنده حسن \/\/ قيل لكن ونحن أوجبنا الصلاة على النبي(1\/334)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "305",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7821",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلى الله عليه وسلم بالأدلة المقتضية لها فإن كان تعليم التشهد وحده مانعا من إيجاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كان مانعا من إيجاب السلام وإن لم يمنعه لم يمنع وجوب الصلاة الثالث أن النبي صلى الله عليه وسلم كما علمهم التشهد عملهم الصلاة عليه فكيف يكون تعليمه للتشهد دالا على وجوبه وتعليمه الصلاة لا يدل على وجوبها فإن قلتم التشهد الذي علمهم إياه هو تشهد الصلاة ولهذا قال فيه فإذا جلس أحدكم فليقل التحيات لله وأما تعليم الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم فمطلق قلنا والصلاة التي علمهم إياها عليه صلى الله عليه وسلم هي في الصلاة أيضا لوجهين أحدهما حديث محمد بن إبراهيم التيمي وقوله كيف نصلي عليك إذا نحن جلسنا في صلاتنا وقد تقدم في الباب الأول الثاني إن الصلاة التي سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمهم إياها نظير السلام الذي علموه لأنهم قالوا هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك ومن المعلوم أن السلام الذي علموه هو قولهم في الصلاة السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته فوجب أن تكون الصلاة المقرونة به هي في الصلاة وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام تقرير ذلك الرابع أنه لو قدر أن أحاديث التشهد تنفي وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لكانت أدلة وجوبها مقدمة على تلك لأن نفيها ينبني على استصحاب البراءة الأصلية ووجوبها ناقل عنها والناقل(1\/335)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "306",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7822",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مقدم على المنفي فكيف ولا تعارض فإن غاية ما ذكرتم تعليم التشهد أدلة ساكتة عن وجوب غيره وما سكت عن وجوب شيء لا يكون معارضا لما نطق بوجوبه فضلا عن أن يقدم عليه الخامس أن تعليمهم التشهد كان متقدما بل لعله من حين فرضت الصلاة وأما تعليمهم الصلاة عليه فإنه كان بعد نزول قوله تعالى إن الله وملائكته يصلون على النبي الأحزاب 56 ومعلوم أن هذه الآية نزلت في الأحزاب بعد نكاحه صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش بعد تخييره أزواجه فهي بعد فرض التشهد فلو قدر أن فرض التشهد كان نافيا لوجوب الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم لكان منسوخا بأدلة الوجوب فإنها متأخرة والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن هذا يقتضي تقديم أدلة الوجوب لتأخرها والذي قبله يقتضي تقديمها لرفعها البراءة الأصلية من غير نظر إلى تقدم ولا تأخر والذي يدل على تأخر الأمر بالصلاة عن التشهد قولهم هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك ومعلوم أن السلام عليه مقرون بذكر التشهد لم يشرع في الصلاة وحده بدون ذكر التشهد والله أعلم وأما قوله ومن حجة من لم يرها فرضا في الصلاة حديث الحسن بن الحر عن القاسم بن مخيمرة فذكر حديث ابن مسعود رضي الله عنه وفيه فإذا قلت ذلك فقد قضيت الصلاة فإن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد ولم يذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم(1\/336)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "307",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7823",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فجوابه من وجوه أحدها أن هذه الزيادة مدرجة في الحديث وليست من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ذلك الأئمة الحفاظ قال الدارقطني في كتاب العلل رواه الحسن بن الحر عن القاسم بن مخيمرة عن علقمة عن عبد الله حدث به عنه محمد بن عجلان وحسين الجعفي وزهير بن معاوية وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان فأما ابن عجلان وحسين الجعفي فاتفقا على لفظه وأما زهير فزاد عليهما في آخره كلاما أدرجه بعض الرواة عن زهير في حديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو قوله إذا قضيت هذا أو فعلت هذا فقد قضيت صلاتك إن شئت أن تقوم فقم ورواه شبابة بن سوار عن زهير ففصل بين لفظ النبي صلى الله عليه وسلم وقال فيه عن زهير قال ابن مسعود هذا الكلام وكذلك رواه ابن ثوبان عن الحسن بن الحر وبينه وفصل كلام النبي صلى الله عليه وسلم من كلام ابن مسعود وهو الصواب وقال في كتاب السنن وقد ذكر حديث زهير عن الحسن بن الحر هذا وذكر الزيادة ثم قال أدرجه بعضهم عن زهير في الحديث ووصله بكلام النبي صلى الله عليه وسلم وفصله شبابة عن زهير وجعله من كلام عبد الله رضي الله عنه وهو أشبه بالصواب من قول من أدرجه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لأن ابن ثوبان رواه عن الحسن بن الحر كذلك وجعل آخره من قول ابن مسعود ولاتفاق حسين الجعفي وابن عجلان ومحمد بن أبان في روايتهم عن الحسن بن الحر على ترك ذكره في آخر الحديث مع اتفاق كل من روى التشهد عن علقمة وعن غيره عن عبد الله بن(1\/337)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "308",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7824",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مسعود على ذلك ثم ذكر رواية شبابة وفصله كلام عبد الله من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال شبابة ثقة وقد فصل آخر الحديث جعله من قول عبد الله بن مسعود وهو أصح من رواية من أدرج في كلام النبي صلى الله عليه وسلم وقد تابعه غسان بن الربيع وغيره فرواه عن ابن ثوبان عن الحسن بن الحر كذلك وجعله آخر الحديث من كلام ابن مسعود لم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر أبو بكر الخطيب هذا الحديث في كتاب الفصل للوصل له وقال قول من فصل كلام النبي صلى الله عليه وسلم من كلام ابن مسعود وبين أن الصواب أن هذه الزيادة مدرجة فإن قيل فأنتم قد رويتم عن ابن مسعود رضي الله عنه أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة في الصلاة وهذا الذي ساعدكم على أنه من قول ابن مسعود رضي الله عنه يبطل ما رويتم عنه فإن كان الحديث من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فهو نص في عدم وجوبها وإن كان من كلام ابن مسعود رضي الله عنه فهو مبطل لما رويتموه عنه فهذا سؤال قوي وقد أجيب عنه بأجوبة أحدها قال القاضي أبو الطيب قوله فإذا قلت فقد قضيت صلاتك معناه أنها قاربت التمام والدليل على ذلك أنا أجمعنا على أن الصلاة لم تتم وهذا جواب ضعيف لأنه قال فإن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد وعند من يوجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لا يخير بين القيام والقعود حتى يأتي بها(1\/338)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "309",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7825",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجواب الثاني أن هذا حديث خرج على معنى في التشهد وذلك أنهم كانوا يقولون في الصلاة السلام على الله فقيل لهم إن الله هو السلام ولكن قولوا كذا فعلمهم التشهد ومعنى قوله إذا قلت ذلك فقد تمت صلاتك يعني إذا ضم إليها ما يجب فيها من ركوع وسجود وقراءة وتسليم وسائر أحكامها ألا ترى أنه لم يذكر التسليم من الصلاة وهو من فرائضها لأنه قد وقفهم على ذلك فاستغنى عن إعادة ذلك عليهم قالوا ومثل حديث ابن مسعود هذا قوله صلى الله عليه وسلم في الصدقة إنها تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم أي ومن ضمن إليهم وسمي معهم في القرآن وهم الثمانية الأصناف قالوا ومثل ذلك قوله في حديث المسيء في صلاته ارجع فصل فإنك لم تصل ثم أمره بفعل ما رآه لم يأت به أو لم يقمه من صلاته فقال إذا قمت إلى الصلاة فذكر الحديث وسكت عن التشهد والتسليم وقد قام الدليل من غير هذا الحديث على وجوب التشهد ووجوب التسليم عليه صلى الله عليه وسلم بما علمهم من ذلك كما يعلمهم السورة من القرآن وأعلمهم أن ذلك في صلاته وقام الدليل أيضا في المسألة بأنه إنما يتحلل من الصلاة به لا بغيره من غير هذا(1\/339)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "310",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7826",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحديث فكذلك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مأخوذة من غير ذلك الحديث قالوا وكما جاز لمن جعل التشهد فرضا لحديث ابن مسعود رضي الله عنه هذا ورد من خالفه وقال إذا قعد بمقدار التشهد فقد تمت صلاته وإن لم يتشهد وعلى من قال إذا رفع رأسه من السجدة الآخرة فقد تمت صلاته بأن ابن مسعود رضي الله عنه إنما علق التمام في حديثه بالتشهد جاز لمن أوجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إن يحتج بالأحاديث الموجبة لها وتكون حجته منها على من نفى وجوبها كالحجة من حديث ابن مسعود رضي الله عنه على من نفي وجوب التشهد أو وجوب القعدة معه قالوا واستدلالنا أقوى من استدلالكم فإنه استدلال بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعمل الأمة قرنا بعد قرن فإن لم يكن ذلك أقوى من الاستدلال على وجوب التشهد لم يكن دونه وإن كان من الفقهاء من ينازعنا في هذه المسألة فهو كمن ينازعكم من الفقهاء في وجوب التشهد والحجة في الدليل أين كان ومع من كان الجواب الثالث أنه لا يمكن أحدا ممن ينازعنا أن يحتج علينا بهذا الأثر لا مرفوعا ولا موقوفا يقال لمن احتج به لا يخلو إما إن يكون قوله إذا قلت هذا فقد تمت صلاتك مقتصرا عليه أو مضافا إلى سائر واجباتها والأول محال وباطل والثاني حق ولكنه لا ينفي وجوب شيء مما تنازع فيه الفقهاء من واجبات الصلاة فضلا عن نفيه وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا كان التسليم من تمام الصلاة وواجباتها عند(1\/340)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "311",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7827",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مالك وكذا الجلوس للتشهد ولم يذكره وكذا إن كان عليه سهو واجب فإنه لا تتم الصلاة إلا به ولم يذكره يوضحه الجواب الرابع أن عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن التشهد ليس بفرض بل إذا جلس مقدار التشهد فقد تمت صلاته تشهد أو لم يتشهد والحديث دليل على أن الصلاة لا تتم إلا بالتشهد فإن كان استدلالكم بأنه علق على التمام بالتشهد فلا تجب الصلاة بعده صحيحا فهو حجة عليكم في قولكم بعدم وجوب التشهد لأنه علق به التمام وبطل قولكم بنفي فريضة التشهد وإن لم يكن الاستدلال به صحيحا بطل معارضة أدلة الوجوب به وبطل قولكم بنفي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فبطل قولكم على التقديرين فإن قلتم نحن نجيب عن هذا بأن قوله فإذا قلت هذا فقد تمت صلاتك المراد به تمام الاستحباب وتمام الواجب قد انقضى بالجلوس قيل لكم هذا فاسد على قول من نفي الصلاة وعلى قول من أوجبها لأن من نفى وجوبها لا ينازع في أن تمام الاستحباب موقوف عليها وأن الصلاة لا تتم التمام المستحب إلا بها ومن أوجبها يقول لا تتم التمام الواجب إلا بها فعلى التقديرين لا يمكنكم الاستدلال بالحديث أصلا قوله روى أبو داود والترمذي حديث عبد الله بن عمرو وفيه إذا رفع رأسه من السجدة فقد مضت صلاته جوابه من وجوه(1\/341)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "312",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7828",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها أن الحديث معلول وبيان تعليله من وجوه أحدها أن الترمذي قال ليس إسناده بالقوي وقد اضطربوا في إسناده الثاني أنه من رواية عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي وقد ضعفه غير واحد من الأئمة الثالث أنه من رواية بكر بن سوادة عن عبد الله بن عمرو ولم يلقه فهو منقطع الرابع أنه مضطرب الإسناد كما ذكره الترمذي الخامس انه مضطرب المتن فمرة يقول إذا رفع رأسه من السجدة فقد مضت صلاته ولفظ أبي داود والترمذي غير هذا وهو إذا أحدث الرجل وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته وهذا غير لفظ الطحاوي ورواه الطحاوي أيضا بلفظ آخر فقال إذا قضى الإمام الصلاة فقعد فأحدث هو أو أحد ممن ائتم بالصلاة معه قبل أن يسلم الإمام فقد تمت صلاته فلا يعود فيها فهذا معناه غير معنى الأول قال الطحاوي وقد روى بلفظ آخر إذا رفع المصلي رأسه(1\/342)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "313",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7829",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من آخر صلاته وقضى تشهده ثم أحدث فقد تمت صلاته وكلها مدارها على الإفريقي ويوشك أن يكون هذا من سوء حفظه والله أعلم قوله وقال علي رضي الله عنه إذا جلس مقدار التشهد تمت صلاته جوابه أن علي بن سعيد قال في مسائله سألت أحمد بن حنبل عمن ترك التشهد فقال يعيد قلت فحديث علي رضي الله عنه من قعد مقدار التشهد فقال لا يصح وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف حديث علي وعبد الله بن عمر وقوله وروى الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قصة التشهد وقال ثم ليختر من الكلام ما شاء ولم يذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكون معارضا لأحاديث الوجوب كما تقدم تقريره قوله وحديث فضالة عن عبيد يدل على نفي الوجوب جوابه أن حديث فضالة حجة لنا في المسألة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالصلاة عليه في التشهد وأمره للوجوب فهو نظير أمره بالتشهد وإذا كان الأمر متناولا لهما فالتفريق بين المأمورين تحكم فإن قلتم التشهد عندنا ليس بواجب قلنا الحديث حجة لنا عليكم في المسألتين والواجب إتباع الدليل قوله النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر هذا المصلي بإعادة الصلاة ولو(1\/343)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "314",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7830",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كانت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فرضا لأمره بإعادتها كما أمر المسيء في صلاته جوابه من وجوه أحدها أن هذا كان غير عالم بوجوبها معتقدا أنها غير واجبة فلم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة وأمره في المستقبل أن يقولها فأمره بقولها في المستقبل دليل على وجوبها وترك أمره بالإعادة دليل على أنه يعذر الجاهل بعدم الوجوب وهذا كما لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم المسيء في الصلاة بإعادة ما مضى من الصلوات وقد أخبره أنه لا يحسن غير تلك الصلاة عذرا له بالجهل فإن قيل فلم أمره أن يعيد تلك الصلاة ولم يعذره بالجهل قلنا لأن الوقت باق وقد علم أركان الصلاة فوجب عليه أن يأتي بها فإن قيل فهلا أمر تارك الصلاة عليه بإعادة تلك الصلاة كما أمر المسيء قلنا أمره صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليه فيها محكم ظاهر في الوجوب ويحتمل أن الرجل لما سمع ذلك الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم بادر إلى الإعادة من غير أن يأمره النبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن تكون الصلاة نفلا لا تجب عليه إعادتها ويحتمل غير ذلك فلا يترك الظاهر من الأمر وهو دليل محكم لهذا المشتبه المحتمل والله سبحانه وتعالى أعلم فحديث فضالة إما مشترك الدلالة على السواء فلا حجة لكم فيه وإما راجح الدلالة من جانبنا كما ذكرناه فلا حجة لكم فيه أيضا فعلى التقديرين سقط احتجاجكم به(1\/344)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "315",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7831",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله لم يعلمها النبي صلى الله عليه وسلم المسيء في الصلاة ولو كانت فرضا لعلمها إياه جوابه من وجوه أحدها أن حديث المسيء هذا قد جعله المتأخرون مستندا لهم في نفي كل ما ينفون وجوبه وحملوه فوق طاقته وبالغوا في نفي ما اختلف في وجوبه به فمن نفى وجوب الفاتحة احتج به ومن نفى وجوب التسليم احتج به ومن نفى وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم احتج به ومن نفى وجوب أذكار الركوع والسجود وركني الاعتدال احتج به ومن نفى وجوب تكبيرات الانتقالات احتج به وكل هذا تساهل واسترسال في الاستدلال وإلا فعند التحقيق لا ينفي وجوب شيء من ذلك بل غايته أن يكون قد سكت عن وجوبه ونفيه فإيجابه بالأدلة الموجبة له لا يكون معارضا به فإن قيل سكوته عن الأمر بغير ما أمره به يدل على أنه ليس بواجب لأنه في مقام البيان وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز قيل هذا لا يمكن أحد أن يستدل به على هذا الوجه فإنه يلزمه أن يقول لا يجب التشهد ولا الجلوس له ولا السلام ولا النية ولا قراءة الفاتحة ولا كل شيء لم يذكره في الحديث وطرد هذا أنه لا يجب عليه استقبال القبلة ولا الصلاة في الوقت لأنه لم يأمره بهما وهذا لا يقوله أحد فإن قلتم إنما علمه ما أساء فيه وهو لم يسيء في ذلك قيل لكم فاقنعوا بهذا الجواب من منازعيكم في كل ما نفيتم وجوبه بحديث المسيء هذا الثاني ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من أجزاء الصلاة دليل ظاهر(1\/345)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "316",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7832",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في الوجوب وترك أمره للمسيء به يحتمل أمورا منها انه لم يسىء فيه ومنها أنه وجب بعد ذلك ومنها أنه علمه معظم الأركان وأهمها واحال بقية تعميمه على مشاهدته صلى الله عليه وسلم في صلاته أو على تعليم بعض الصحابة له فإنه صلى الله عليه وسلم كان يأمرهم بتعليم بعضهم بعضا فكان من المستقر عندهم أنه دلهم في تعليم الجاهل وإرشاد الضال وأي محذور في أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم علمه البعض وعلمه أصحابه البعض الآخر وإذا احتمل هذا لم يكن هذا المشتبه المجمل معارضا لأدلة وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيرها من واجبات الصلاة فضلا عن أن يقدم عليها فالواجب تقديم الصريح المحكم على المشتبه المجمل والله أعلم قوله الفرائض إنما تثبت بدليل صحيح لا معارض له من مثله أو بإجماع قلنا اسمعوا أدلتنا الآن على الوجوب فلنا عليه أدلة الدليل الأول قوله تعالى إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما الأحزاب 56 ووجه الدلالة أن الله سبحانه أمر المؤمنين بالصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره المطلق على الوجوب ما لم يقم دليل على خلافه وقد ثبت أن أصحابه رضي الله عنهم سألوه عن كيفية هذه الصلاة المأمور بها فقال قولوا اللهم صل على محمد الحديث(1\/346)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "317",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7833",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد ثبت أن السلام الذي علموه هو السلام عليه في الصلاة وهو سلام التشهد فمخرج الأمرين والتعليمين والمحلين واحد يوضحه أنه علمهم التشهد آمرا لهم به فيه وفيه ذكر التسليم عليه صلى الله عليه وسلم فسألوه عن الصلاة عليه فعلمهم إياها ثم شبهها بما علموه من التسليم عليه وهذا يدل على أن الصلاة والتسليم المذكورين في الحديث هما الصلاة والتسليم عليه في الصلاة يوضحه أنه لو كان المراد بالصلاة والتسليم عليه خارج الصلاة لا فيها لكان كل مسلم منهم إذا سلم علهي يقول له السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ومن المعلوم أنهم لم يكونوا يتقيدون في السلام عليه بهذه الكيفية بل كان الداخل منهم يقول السلام عليكم وربما قال السلام على رسول الله وربما قال السلام عليك يا رسول الله ونحو ذلك وهم لم يزالوا يسلمون عليه من أول الإسلام بتحية الإسلام وإنما الذي علموه قدر زائد عليها وهو السلام عليه في الصلاة يوضحه حديث أبي إسحاق كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا وقد صحح هذه اللفظة جماعة من الحفاظ منهم ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي وقد تقدم في أول الكتاب وما أعلت به والجواب عن ذلك وإذا تقرر أن الصلاة المسؤول عن كيفيتها هي الصلاة عليه في نفس الصلاة وقد خرج ذلك مخرج البيان المأمور به منها في القرآن ثبت أنها على الوجوب ويضاف إلى ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها ولعل هذا وجه ما أشار إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى بقوله كنت اته(1\/347)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "318",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7834",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك ثم تبينت فإذا هي واجبة وقد تقدم حكاية كلامه وعلى هذا الاستدلال أسئلة أحدها أن قوله صلى الله عليه وسلم والسلام كما علمتم يحتمل أمرين أحدهما أن يراد به السلام عليه في الصلاة والثاني أن يراد به السلام من الصلاة نفسها قاله ابن عبد البر الثاني أن غاية ما ذكرتم إنما يدل دلالة اقتران الصلاة بالسلام والسلام واجب في التشهد فكذا الصلاة ودلالة الاقتران ضعيفة الثالث أنا لا نسلم وجوب السلام ولا الصلاة وهذا الاستدلال منكم إنما يتم بعد تسليم وجوب السلام عليه صلى الله عليه وسلم والجواب عند هذه الأسئلة أما الأول ففاسد جدا فإن في نفس الحديث ما يبطله وهو أنهم قالوا هذا السلام عليك يا رسول الله قد عرفناه فكيف الصلاة عليك لفظ البخاري في حديث أبي سعيد رضي الله عنه وأيضا فإنهم إنما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن كيفية الصلاة والسلام المأمور بهما في الآية لا عن كيفية السلام من الصلاة وأما السؤال الثاني فسؤال من لم يفهم وجه تقرير الدلالة فإنا لم نحتج بدلالة الاقتران وإنما استدللنا بالأمر بها في القرآن وبينا أن الصلاة التي سألوا النبي صلى الله عليه وسلم إن يعلمهم إياها إنما هي الصلاة التي في الصلاة وأما السؤال الثالث ففي غاية الفساد فإنه لا يعترض على(1\/348)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "319",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7835",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأدلة من الكتاب والسنة بخلاف المخالف فكيف يكون خلافكم في مسألة قد قام الدليل على قول منازعيكم فيها مبطلا لدليل صحيح لا معارض له في مسألة أخرى وهل هذا إلا عكس طريقة أهل العلم فإن الأدلة هي التي تبطل ما خالفها من الأقوال ويعترض بها على من خالف موجبها فتقدم على كل قول اقتضى خلافها لا أن أقوال المجتهدين تعارض بها الأدلة وتبطل مقتضاها وتقدم عليها ثم إن الحديث حجة عليكم في المسألتين فإنه دليل على وجوب التسليم والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم فيجب المصير اليه الدليل الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك في التشهد وأمرنا أن نصلي كصلاته وهذا يدل على وجوب فعل ما فعل في الصلاة إلا ما خصه الدليل فهاتان مقدمتان أما المقدمة الأولى فبيانها ما روى الشافعي في مسنده عن إبراهيم بن محمد حدثني سعد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في الصلاة اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد وهذا وإن كان فيه إبراهيم بن أبي يحيى فقد وثقه جماعة منهم الشافعي رحمه الله وابن الأصبهاني وابن عدي وابن عقدة وضعفه آخرون(1\/349)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "320",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7836",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أما المقدمة الثانية فبيانها ما روى البخاري في صحيحه عن مالك بن الحويرث قال أتينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين ليلة فظن أنا اشتقنا إلى أهلنا وسألنا عمن تركنا في أهلنا فأخبرناه وكان رفيقا رحيما فقال ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم ومروهم وصلوا كما رأيتموني أصلي وإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكبركم وعلى هذا الاستدلال من الأسئلة والاعتراضات ما هو مذكور في غير هذا الموضع الدليل الثالث حديث فضالة بن عبيد فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أو لغيره إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه والصلاة ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليدع بما شاء وقد تقدم رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى وأهل السنن وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم واعترض عليه بوجوه أحدها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر هذا المصلي بالإعادة وقد تقدم جوابه الثاني أن هذا الدعاء كان بعد انقضاء الصلاة لا فيها بدليل ما روى الترمذي في جامعه من حديث رشدين في هذا بينا(1\/350)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "321",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7837",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد إذ دخل رجل فصلى فقال اللهم أغفر لي وارحمني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيها المصلي إذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو أهله وصل علي ثم ادعه وجواب هذا من وجوه أحدها أن رشدين ضعفه أبو زرعة وغيره فلا يكون حجة مع استقلاله فكيف إذا خالف الثقات الإثبات لأن كل من روى هذا الحديث قال فيه سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته الثاني أن رشدين لم يقل في حديثه إن هذا الداعي دعا بعد انقضاء الصلاة ولا يدل لفظه على ذلك بل قال فصلى فقال اللهم اغفر لي وهذا لا يدل على أنه قال بعد فراغه من الصلاة ونفس الحديث دليل على ذلك فإنه قال إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله ومعلوم أنه لم يرد بذلك الفراغ من الصلاة بل الدخول فيها ولا سيما فإن عامة أدعية النبي صلى الله عليه وسلم إنما كانت في الصلاة لا بعدها لحديث أبي هريرة وعلي وأبي موسى وعائشة وابن عباس وحذيفة وعمار وغيرهم ولم ينقل أحد منهم أنه صلى الله عليه وسلم كان يدعو به في صلاته في حديث صحيح ولما سأله الصديق دعاء يدعو به في صلاته لم يقل ادع به خارج الصلاة ولم يقل لهذا الداعي ادع به بعد سلامك من الصلاة لا سيما والمصلي مناج ربه مقبل عليه فدعاؤه ربه تعالى في هذه الحال أنسب من دعائه له بعد انصرافه عنه وفراغه من مناجاته الثالث أن قوله صلى الله عليه وسلم فاحمد الله بما هو أهله إنما أراد(1\/351)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "322",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7838",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به التشهد في القعود ولهذا قال إذا صليت فقعدت يعني في تشهدك فأمره بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم الاعتراض الثالث أن الذي أمره أن يصلي فيه ويدعو بعد تحميد الله غير معين فلم قلتم إنه بعد التشهد وجواب هذا أنه ليس في الصلاة موضع يشرع فيه الثناء على الله ثم الصلاة على رسوله ثم الدعاء إلا في التشهد آخر الصلاة فإن ذلك لا يشرع في القيام ولا الركوع ولا السجود اتفاقا فعلم أنه إنما أراد به آخر الصلاة حال جلوسه في التشهد الاعتراض الرابع أنه أمره فيه بالدعاء عقب الصلاة عليه والدعاء ليس بواجب فكذا الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم وجواب هذا أنه لا يستحيل أن يأمر بشيئين فيقوم الدليل على عدم وجوب أحدهما فيبقى الأخر على أصل الوجوب الثاني أن هذا المذكور من الحمد والثناء هو واجب قبل الدعاء فإنه هو التشهد وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم به وأخبر الصحابة أنه فرض عليهم ولم يكن اقتران الأمر بالدعاء به مسقطا لوجوبه فكذا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم الثالث أن قولكم الدعاء لا يجب باطل فإن من الدعاء ما هو واجب وهو الدعاء بالتوبة والاستغفار من الذنوب والهداية والعفو وغيرها وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من لم يسأل الله يغضب عليه \/\/ حديث حسن \/\/ والغضب لا يكون إلا على ترك واجب أو فعل محرم(1\/352)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "323",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7839",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاعتراض الخامس أنه لو كانت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فرضا في الصلاة لم يؤخر بيانها إلى هذا الوقت حتى يرى رجلا لا يفعلها فيأمره بها ولكان العلم بوجوبها مستفادا قبل هذا الحديث وجواب هذا أنا لم نقل إنها وجبت على الأمة إلا بهذا الحديث بل هذا المصلي كان قد تركها فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بما هو مستقر معلوم من شرعه وهذا كحديث المسيء في صلاته فإن وجوب الركوع والسجود والطمأنينة على الأمة لم يكن مستفادا من حديثه وتأخير بيان النبي صلى الله عليه وسلم لذلك إلى حين صلاة هذا الأعرابي وإنما أمره أن يصلي الصلاة التي شرعها لأمته قبل هذا الاعتراض السادس أن أبا داود والترمذي قالا في هذا الحديث حديث فضالة فقال له أو لغيره بحرف أو ولو كان هذا واجبا على كل مكلف لم يكن ذلك له أو لغيره وهذا اعتراض فاسد من وجوه أحدها أن الرواية الصحيحة التي رواها ابن خزيمة وابن حبان فقال له ولغيره بالواو وكذا رواه الإمام أحمد والدارقطني والبيهقي وغيرهم الثاني أن أو هنا ليست للتخيير بل للتقسيم والمعنى أن أي مصل صلى فليقل ذلك هذا أو غيره كما قال تعالى فلا(1\/353)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "324",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7840",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تطع منهم آثما أو كفورا) الدهر 34 ليس المراد التخيير بل المعنى أن أيهما كان فلا تطعه إما هذا وإما هذا الثالث أن الحديث صريح في العموم بقوله إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله فذكره الرابع أن في رواية النسائي وابن خزيمة علمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره وهذا عام الدليل الرابع ثلاثة أحاديث كل منها لا تقوم الحجة به عند انفراده وقد يقوي بعضها بعضا عند الاجتماع أحدها ما رواه الدارقطني من حديث عمرو بن شمر عن جابر هو الجعفي عن ابن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بريدة إذا صليت في صلاتك فلا تتركن التشهد والصلاة على فإنها زكاة الصلاة وسلم على جميع أنبياء الله ورسله وسلم على عباد الله الصالحين الثاني ما رواه الدارقطني أيضا من طريق عمرو بن شمر عن جابر قال قال الشعبي سمعت مسرو بن الأجدع يقول قالت عائشة رضي الله عنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول(1\/354)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "325",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7841",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يقبل الله صلاة إلا بطهور وبالصلاة علي لكن عمرو بن شمر وجابر لا يحتج بحديثهما وجابر أصلح من عمرو الثالث ما رواه الدارقطني من حديث عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا صلاة لمن لم يصل على نبيه \/\/ إسناده ضعيف \/\/ صلى الله عليه وسلم رواه الطبراني من حديث أبى بن عباس عن أبيه عن جده وعبد المهيمن ليس بحجة وأبي أخوه وإن كان ثقة احتج به البخاري فالحديث المعروف فيه إنما هو من رواية عبد المهيمن ورواه الطبراني بالوجهين ولا يثبت الدليل الخامس أنه قد ثبت وجوبها عن ابن مسعود وابن عمر وأبي مسعود الأنصاري وقد تقدم ذلك ولم يحفظ عن أحد من الصحابة أنه قال لا تجب وقول الصحابي إذا لم يخالفه غيره حجة ولا سيما على أصول أهل المدينة والعراق الدليل السادس أن هذا عمل الناس من عهد نبيهم إلى الآن ولو كانت الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم غير واجبة لم يكن اتفاق الأمة في سائر الأمصار والأعصار على قولها في التشهد وترك الإخلال بها وقد قال مقاتل بن حيان في تفسيره في قوله عز وجل الذين يقيمون الصلاة المائدة 55 قال إقامتها المحافظة عليها وعلى أوقاتها والقيام فيها والركوع والسجود والتشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير وقد قال الإمام احمد الناس عيال في التفسير على مقاتل(1\/355)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "326",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7842",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا فالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة من إقامتها المأمور بها فتكون واجبة وقد تمسك أصحاب هذا القول بأقيسة لا حاجة إلى ذكرها قالوا ثم نقول لمنازعينا ما منكم إلا من أوجب في الصلاة أشياء بدون هذه الأدلة هذا أبو حنيفة يقول بوجوب الوتر وأين أدلة وجوبه من أدلة وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ويوجب الوضول على من قهقه في صلاته بحديث مرسل لا يقاوم أدلتنا في هذه المسألة ويوجب الوضوء من القيء والرعاف والحجامة ونحوها بأدلة لا تقاوم أدلة هذه المسألة ومالك يقول إن في الصلاة أشياء بين الفرض والمستحب ليست بفرض وهي فوق الفضيلة والمستحبة يسميها أصحابه سننا كقراءة سورة مع الفاتحة وتكبيرات الانتقال والجلسة الأولى والجهر والمخافتة ويوجبون السجود في تركها على تفصيل لهم فيه وأحمد يسمي هذه واجبات ويوجب السجود لتركها سهوا(1\/356)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "327",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7843",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإيجاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إن لم يكن أقوى من إيجاب كثير من هذه فليست دونها فهذا ما احتج به الفريقان في هذه المسألة والمقصود أن تشنيع المشنع فيها على الشافعي باطل فإن مسألة فيها من الأدلة والآثار مثل هذا كيف يشنع على الذاهب إليها والله أعلم(1\/357)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "328",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7844",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن الثاني من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول  وهذا قد اختلف فيه فقال الشافعي رحمه الله في الأم يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول هذا هو المشهور من مذهبه وهو الجديد لكنه يستحب وليس بواجب وقال في القديم لا يزيد على التشهد وهذه رواية المزني عنه وبهذا قال احمد أبو حنيفة ومالك وغيرهم واحتج لقول الشافعي بما رواه الدارقطني من حديث موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد التحيات الطيبات الزاكيات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم \/\/ إسناده ضعيف جدا \/\/ وروى الدارقطني أيضا من حديث عمرو بن شمر عن جابر عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(1\/358)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "329",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7845",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يا بريدة إذا جلست في صلاتك فلا تتركن الصلاة علي فإنها زكاة الصلاة وقد تقدم قالوا وهذا يعم الجلوس الأول والآخر واحتج له أيضا بأن الله تعالى أمر المؤمنين بالصلاة والتسليم على رسوله صلى الله عليه وسلم فدل على أنه حيث شرع التسليم عليه شرعت الصلاة عليه ولهذا سأله الصحابة عن كيفية الصلاة عليه وقالوا قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك فدل على أن الصلاة عليه مقرونة بالسلام عليه صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن المصلي يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فيشرع له أن يصلي عليه قالوا ولأنه مكان شرع فيه التشهد والتسليم على النبي صلى الله عليه وسلم فشرع فيه الصلاة عليه كالتشهد الأخير قالوا ولأن التشهد الأول محل يستحب فيه ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم فاستحب فيه الصلاة عليه لأنه أكمل في ذكره قالوا ولأن في حديث محمد بن إسحاق كيف نصلي عليك إذا نحن جلسنا في صلاتنا وقال الآخرون ليس التشهد الأول بمحل لذلك وهو القديم من قولي الشافعي وهو الذي صححه كثير من أصحابه لأن التشهد الأول تخفيفه مشروع وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس فيه كأنه على الرضف ولم يثبت عنه أنه كان يفعل ذلك فيه ولا علمه(1\/359)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "330",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7846",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للأمة ولا يعرف أن أحدا من الصحابة استحبه ولأن مشروعية ذلك لو كانت كما ذكرتم من الأمر لكانت واجبة في هذا المحل كما في الأخير لتناول الأمر لهما ولأنه لو كانت الصلاة مستحبة في هذا المومضع لاستحب فيه الصلاة على آله صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرد نفسه دون آله بالأمر بالصلاة عليه بل أمرهم بالصلاة عليه وعلى آله في الصلاة وغيرها ولأنه لو كانت الصلاة عليه في هذه المواضع مشروعة لشرع فيها ذكر إبراهيم وآل إبراهيم لأنها هي صفة الصلاة المأمور بها ولأنها لو شرعت في هذه المواضع لشرع فيها الدعاء بعدها لحديث فضالة ولم يكن فرق بين التشهد الأول والأخير قالوا وأما ما استدللتم به من الأحاديث فمع ضعفها بموسى بن عبيدة وعمرو بن شمر وجابر الجعفي لا تدل لأن المراد بالتشهد فيها هو الأخير دون الأول بما ذكرناه من الأدلة والله أعلم(1\/360)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "331",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7847",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن الثالث من مواطن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عليه آخر القنوت  استحبه الشافعي ومن وافقه واحتج لذلك بما رواه النسائي عن محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن يحيى بن عبد الله بن سالم عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن علي عن الحسن بن علي قال علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الكلمات في الوتر قال قل اللهم اهدني فيمن هديت وبارك لي فيما أعطيت وتولني فيمن توليت وقني شر ما قضيت انك تقضي ولا يقضى عليك وانه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت وصلى الله على النبي وهذا إنما هو في قنوت الوتر وإنما نقل إلى قنوت الفجر قياسا كما نقل أصل هذا الدعاء إلى قنوت الفجر وقد رواه أبو إسحاق عن يزيد عن أبي الجوزاء قال قال الحسن بن علي(1\/361)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "332",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7848",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رضي الله عنهما علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر فذكره ولم يذكر في الصلاة وهو مستحب في قنوت رمضان قال ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال أخبرني عروة بن الزبير أن عبد الرحمن بن عبد القاري وكان في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع عبد الله بن الأرقم على بيت المال قال إن عمر خرج ليلة في رمضان فخرج معه عبد الرحمن بن عبد القاري فطاف في المسجد وأهل المسجد أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر رضي الله عنه والله إني لأظن لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد يكون أمثل ثم عزم عمر على ذلك وأمر أبي ابن كعب أن يقوم بهم في رمضان فخرج عليهم والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال عمر رضي الله عنه نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل وكان الناس يقومون اوله وكانوا يلعنون الكفرة في النصف يقولون اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ولا يؤمنون بوعدك وخالف بين كلمتهم وألق في قلوبهم الرعب وألق عليهم رجزك وعذابك إله الحق ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو للمسلمين ما استطاع من خير ثم يستغفر للمؤمنين قال وكان يقول إذا فرغ من لعنه الكفرة وصلاته على النبي صلى الله عليه وسلم واستغفاره للمؤمنين ومسألته اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد أن عذابك لمن عاديت ملحق ثم يكبر ويهوي ساجدا(1\/362)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "333",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7849",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال إسماعيل بن إسحاق حدثنا محمد بن المثنى حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن عبد الله بن الحارث أن أبا حليمة معاذا كان يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت \/\/ إسناده صحيح \/\/(1\/363)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "334",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7850",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن الرابع من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم صلاة الجنازة بعد التكبيرة الثانية  لا خلاف في مشروعيتها فيها واختلف في توقف صحة الصلاة عليها فقال الشافعي وأحمد في المشهور من مذهبهما إنها واجبة في الصلاة لا تصح إلا بها ورواه البيهقي عن عبادة بن الصامت وغيره من الصحابة وقال مالك وأبو حنيفة تستحب وليست بواجبة وهو وجه لاصحاب الشافعي الدليل على مشروعيتها في صلاة الجنازة ما روى الشافعي في مسنده أخبرنا مطرف بن مازن عن معمر عن الزهري قال أخبرني أبو أمامة بن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات لا يقرأ في شيء منهن ثم يسلم سرا في نفسه وقال إسماعيل بن إسحاق في كتاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الأعلى حدثنا(1\/364)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "335",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7851",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معمر عن الزهري قال سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف يحدث سعيد بن المسيب قال إن السنة في صلاة الجنازة أن يقرأ بفاتحة الكتاب ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يخلص الدعاء للميت حتى يفرغ ولا يقرأ إلا مرة واحدة ثم يسلم في نفسه \/\/ إسناده صحيح \/\/ وأبو أمامة هذا صحابي صغير وقد رواه عن صحابي آخر كما ذكره الشافعي وقال صاحب المغنى يروى عن ابن عباس رضي الله عنه أنه صلى على جنازة بمكة فكبر ثم قرأ وجهر وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم دعا لصاحبه فأحسن ثم انصرف وقال هكذا ينبغي أن تكون الصلاة على الجنازة وفي موطأ يحيى بن بكير حدثنا مالك بن أنس عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه أنه سأل أبا هريرة كيف نصلي على الجنازة فقال أبو هريرة رضي الله عنه أنا لعمر الله أخبرك أتبعها من أهلها فإذا وضعت كبرت وحمدت الله تعالى وصليت على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم أقول اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك(1\/365)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "336",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7852",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك وأنت أعلم به اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده وقال أبو ذر الهروي أخبرنا أبو الحسن بن أبي سهل السرخسي أخبرنا أبو علي أحمد بن محمد بن رزين حدثنا علي بن خشرم حدثنا أنس بن عياض عن إسماعيل بن رافع عن رجل قال سمعت إبراهيم النخعي يقول كان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه إذا أتي بجنازة استقبل الناس وقال يا أيها الناس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لكل مائة أمة ولم يجتمع مائة لميت فيجتهدون له في الدعاء إلا وهب الله ذنوبه لهم وإنكم جئتم شفعاء لأخيكم فاجتهدوا في الدعاء ثم يستقبل القبلة فإن كان رجلا قام عند وسطه وإن كانت امرأة قام عند منكبها ثم قال اللهم عبدك وابن عبدك أنت خلقته وأنت هديته للإسلام وأنت قبضت روحه وأنت أعلم بسريرته وعلانيته جئنا شفعاء له اللهم إنا نستجير بحبل جوارك له فإنك ذو وفاء وذو رحمة أعذه من فتنة القبر وعذاب جهنم اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته اللهم نور له في قبره وألحقه بنبيه قال يقول هذا كلما كبر وإذا كانت التكبيرة الاخيرة قال مثل ذلك ثم يقول اللهم صل على محمد وبارك(1\/366)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "337",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7853",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم صل على أسلافنا وأفراطنا اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ثم ينصرف قال إبراهيم كان ابن مسعود يعلم هذا في الجنائز وفي المجلس قال وقيل له اكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على القبر إذا فرغ منه قال نعم كان إذا فرغ منه وقف عليه ثم قال اللهم نزل بك صاحبها وخلف الدنيا وراء ظهره ونعم المنزول به اللهم ثبت عند المسألة منطقه ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به اللهم نور له في قبره وألحقه بنبيه صلى الله عليه وسلم كلما ذكر إذا تقرر هذا فالمستحب أن يصلي عليه صلى الله عليه وسلم في الجنازة كما يصلي عليه في التشهد لأن النبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك أصحابه لما سألوه عن كيفية الصلاة عليه وفي مسائل عبد الله بن أحمد عن أبيه قال يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويصلي على الملائكة المقربين قال القاضي فيقول اللهم صل على ملائكتك المقربين وانبيائك المرسلين وأهل طاعتك أجمعين من أهل السماوات والأرضين إنك على كل شيء قدير(1\/367)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "338",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7854",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن الخامس من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في الخطبة  وقد اختلف في اشتراطها لصحة الخطبة فقال الشافعي وأحمد في المشهور من مذهبهما لا تصح الخطبة إلا بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم وقال أبو حنيفة ومالك تصح بدونها وهو وجه في مذهب أحمد واحتج لوجوبها في الخطبة بقوله تعالى ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك الشرح 1 4 قال ابن عباس رضي الله عنهما رفع الله له ذكره فلا يذكر إلا ذكر معه وفي هذا الدليل نظر لأن ذكره صلى الله عليه وسلم مع ذكر ربه هو الشهادة له بالرسالة إذا شهد لمرسله بالوحدانية وهذا هو الواجب في الخطبة قطعا بل هو ركنها الأعظم وقد روى أبو داود وأحمد وغيرهما من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء \/\/ إسناده قوي \/\/(1\/368)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "339",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7855",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واليد الجذماء المقطوعة فمن أوجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة دون التشهد فقوله في غاية الضعف وقد روى يونس عن شيبان عن قتادة ورفعنا لك ذكرك قال رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ابتدأها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وقال عبد بن حميد أخبرني عمرو بن عون عن هشيم عن جويبر عن الضحاك ورفعنا لك ذكرك قال إذا ذكرت ذكرت معي ولا يجوز خطبة ولا نكاح إلا بذكرك وقال عبد الرزاق عن ابن عيينة عن ابن نجيح عن مجاهد ورفعنا لك ذكرك قال لا أذكر إلا ذكرت معي ولا يجوز خطبة ولا نكاح إلا بذكرك وقال عبد الرازق عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ورفعنا لك ذكرك قال لا أذكر إلا ذكرت معي الأذان أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله \/\/ إسناده صحيح \/\/ فهذا هو المراد من الآية وكيف لا يجب التشهد الذي هو عقد الإسلام في الخطبة وهو أفضل كلماتها وتجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيها(1\/369)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "340",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7856",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والدليل على مشروعية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة ما رواه عبد الله بن أحمد حدثنا منصور بن أبي مزاحم حدثنا خالد حدثني عون بن أبي جحيفة قال كان أبي من شرط علي وكان تحت المنبر فحدثني أنه صعد المنبر يعني عليا رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وقال خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر والثاني عمر وقال يجعل الله الخير حيث شاء \/\/ إسناده حسن \/\/ وقال محمد بن الحسن بن جعفر الأسدي حدثنا أبو الحسن علي بن محمد الحميري حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي قال سمعت أبي يذكر عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله أنه كان يقول بعدما يفرغ من خطبة الصلاة ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون اللهم بارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وأزواجنا وقلوبنا وذرياتنا وروى الدارقطني من طريق ابن لهيعة عن يحيى بن هاني المعافري قال ركبت أنا ووالدي إلى صلاة الجمعة فذكر حديثا وفيه فقام عمرو بن العاص على المنبر فحمد الله وأثنى عليه حمدا موجزا وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ووعظ الناس فأمرهم ونهاهم(1\/370)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "341",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7857",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الباب حديث ضبة بن محيصن أن أبا موسى كان إذا خطب فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا لعمر قبل الدعاء لأبي بكر رضي الله عنهما فرفع ذلك إلى عمر رضي الله عنه فقال لضبة أنت أوفق منه وأرشد فهذا دليل على أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الخطب كان أمرا مشهورا معروفا عند الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وأما وجوبها فيعتمد دليلا يجب المصير إليه وإلى مثله(1\/371)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "342",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7858",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن السادس من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم الصلاة عليه بعد إجابة المؤذن وعند الإقامة  لما روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة وقال الحسن بن عرفة حدثني محمد بن يزيد الواسطي عن العوام بن حوشب عن منصور بن زادان عن الحسن قال من قال مثل ما يقول المؤذن فإذا قال المؤذن قد قامت الصلاة قال اللهم رب هذه الدعوة الصادقة والصلاة القائمة صل على محمد عبدك ورسولك وأبلغه درجة الوسيلة في الجنة دخل في شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم(1\/372)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "343",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7859",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال يوسف بن أسباط بلغني أن الرجل إذا أقيمت الصلاة فلم يقل الله رب هذه الدعوة المستمعة المستجاب لها صل على محمد وعلى آل محمد وزوجنا من الحور العين قلن الحور العين ما أزهدك فينا في إجابة المؤذن خمس سنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اشتمل حديث عبد الله بن عمرو على ثلاثة منها والرابعة أن يقول ما رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا غفر له ذنبه والخامسة أن يدعو الله بعد إجابة المؤذن وصلاته على رسوله صلى الله عليه وسلم وسؤاله له الوسيلة لما في سنن أبي داود والنسائي من حديث عبد الله بن عمرو أن رجلا قال يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قل كما يقولون فإذا انتهيت فسل تعطه \/\/ إسناده صحيح \/\/ وفي  المسند  من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قال حين ينادي المنادي اللهم(1\/373)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "344",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7860",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رب هذه الدعوة القائمة والصلاة النافعة صل على محمد وارض عني رضى لا سخط بعده استجاب الله له دعوته وفي المستدرك للحاكم من حديث أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع المؤذن قال اللهم رب هذه الدعوة المستجاب لها دعوة الحق وكلمة التقوى توفنا عليها واحينا عليها واجعلنا من صالح أهلها احياء وامواتا فهذه خمسة وعشرون سنة في اليوم والليلة لا يحافظ عليها إلا السابقون(1\/374)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "345",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7861",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن السابع من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند الدعاء  وله ثلاثة مراتب إحداها أن يصلي عليه قبل الدعاء وبعد حمد الله تعالى والمرتبة الثانية أن يصلي عليه في أول الدعاء وأوسطه وآخره والثالثة أن يصلي عليه في أوله وآخره ويجعل حاجته متوسطة بينهما فأما المرتبة الأولى فالدليل عليها حديث فضالة عن عبيد وقول النبي صلى الله عليه وسلم فيه إذا دعا أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو بما شاء وقد تقدم وقال الترمذي حدثنا محمود بن غيلان حدثنا يحيى بن آدم حدثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن زر عن عبد الله قال كنت أصلي والنبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر معه فلما جلست بدأت بالثناء على الله تعالى ثم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم دعوت لنفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم سل تعطه سل تعطه \/\/ حديث حسن صحيح \/\/(1\/375)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "346",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7862",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال إذا أراد أحدكم أن يسأل الله تعالى فليبدأ بحمده والثناء عليه بما هو أهله ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسأل بعد فإنه أجدر أن ينجح أو يصيب ورواه شريك عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله نحوه واما المرتبة الثانية فقال عبد الرزاق عن الثوري عن موسى بن عبيدة عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تجعلوني كقدح الراكب فذكر الحديث وقال اجعلوني في وسط الدعاء وفي أوله وفي آخره وقد تقدم حديث علي ما من دعاء إلا بينه وبين الله حجاب حتى يصلى على محمد صلى الله عليه وسلم فإذا صلي على النبي صلى الله عليه وسلم انخرق الحجاب واستجيب الدعاء وإذا لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم لم يستجب الدعاء وتقدم قول عمر رضي الله عنه الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك صلى الله عليه وسلم(1\/376)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "347",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7863",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أحمد بن علي بن شعيب حدثنا محمد بن حفص حدثنا الجراح بن يحيى حدثني عمرو بن عمرو قال سمعت عبد الله بن بسر يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء كله محجوب حتى يكون أوله ثناء على الله عز وجل وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو يستجاب لدعائه وعمرو بن عمرو هذا هو الأحموشي له عن عبد الله بن بسر حديثان هذا أحدهما والأخر رواه الطبراني في معجمه الكبير عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم من استفتح أول نهاره بخير وختمه بالخير قال الله عز وجل لملائكته لا تكتبوا عليه ما بين ذلك من الذنوب والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم للدعاء بمنزلة الفاتحة من الصلاة وهذه المواطن التي تقدمت كلها شرعت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيها امام الدعاء فمفتاح الدعاء الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كما أن مفتاح الصلاة الطهور فصلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما وقال أحمد بن أبي الحواري سمعت أبا سليمان الداراني يقول من أراد أن يسأل الله حاجته فليبدأ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وليسأل حاجته وليختم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فإن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مقبولة والله أكرم أن يرد ما بينهما(1\/377)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "348",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7864",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن الثامن من مواطن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند دخول المسجد وعند الخروج منه  لما روى ابن خزيمة في صحيحه وأبو حاتم بن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل اللهم أجرني من الشيطان الرجيم وفي المسند والترمذي وسنن ابن ماجة من حديث فاطمة بنت الحسين عند جدتها فاطمة الكبرى قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قال اللهم صل على محمد وسلم اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج قال مثل ذلك إلا أنه يقول أبواب فضلك ولفظ الترمذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم وقد تقدم الكلام على هذا الحديث(1\/378)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "349",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7865",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن التاسع من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم على الصفا والمروة  لما روى إسماعيل بن إسحاق في كتابه ثنا هدبة ثنا همام بن يحيى ثنا نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر على الصفا ثلاثا يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو ويطيل القيام والدعاء ثم يفعل على المروة مثل ذلك وهذا من توابع الدعاء أيضا \/\/ إسناده صحيح \/\/ وروى جعفر بن عون عن زكريا عن الشعبي عن وهب بن الأجدع قال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخطب الناس بمكة يقول إذا قدم الرجل منكم حاجا فليطف بالبيت سبعا وليصل عند المقام ركعتين ثم يستلم الحجر الأسود ثم يبدأ بالصفا فيقوم عليها ويستقبل البيت فيكبر سبع تكبيرات بين كل تكبيرتين حمد الله تعالى وثناء عليه عز وجل وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ومسألة لنفسه وعلى المروة مثل ذلك(1\/379)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "350",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7866",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رواه أبو ذر عن زاهر عن محمد بن المسيب عن عبد الله بن خبيق عن جعفر ورواه البزار عن عبد الله بن سليمان عن عبد الله بن محمد بن المسور عن سفيان بن سعيد عن فراس عن الشعبي عن وهب به(1\/380)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "351",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7867",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  المواطن العاشر من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند اجتماع القوم قبل تفوقهم  وقد تقدمت الأحاديث بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه قال ما جلس قوم مجلسا ثم تفرقوا ولم يذكروا الله ولم يصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم إلا كان عليهم من الله تره إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم وغيرهما وقد روى عبد الله بن إدريس الأودي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت زينوا مجالسكم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم \/\/ موقوف صحيح \/\/ ويذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه(1\/381)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "352",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7868",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن الحادي عشر من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند ذكره  وقد اختلف في وجوبها كلما ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم فقال أبو جعفر الطحاوي وأبو عبد الله الحليمي تجب الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم كلما ذكر اسمه وقال غيرهما إن ذلك مستحب وليس بفرض يأثم تاركه ثم اختلفوا فقالت فرقة تجب الصلاة عليه في العمر مرة واحدة لأن الأمر المطلق لا يقتضي تكرارا والماهية تحصل بمرة وهذ محكي عن أبي حنيفة ومالك والثوري والأوزاعي قال عياض وابن عبد البر وهو قول جمهور الأمة وقالت فرقة بل تجب في كل صلاة تشهدها الأخير كما تقدم وهو قول الشافعي وأحمد في آخر الروايتين عنه وغيرهما وقالت طائفة الأمر بالصلاة أمر استحباب لا أمر إيجاب وهذا قول ابن جرير وطائفة وادعى ابن جرير فيه الإجماع وهذا على أصله فإنه إذا رأى الأكثرين على قول جعله إجماعا يجب اتباعه والمقدمتان هنا باطلتان واحتج الموجبون بحجج الحجة الأولى حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي صححه(1\/382)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "353",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7869",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحاكم وحسنه الترمذي ورغم أنفه دعاء عليه وذم له وتارك المستحب لا يذم ولا يدعى عليه الحجة الثانية حديث أبي هريرة أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صعد المنبر فقال آمين آمين آمين فذكر الحديث المتقدم في أول الكتاب وقال فيه من ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله قل آمين فقلت آمين رواه ابن حبان في صحيحه وقد تقدمت الأحاديث في هذا المعنى من رواية أبي هريرة وجابر بن سمرة وكعب بن عجرة ومالك بن الحويرث وأنس بن مالك وكل منها حجة مستقلة ولا ريب أن الحديث بتلك الطرق المتعددة يفيد الصحة الحجة الثالثة ما رواه النسائي عن محمد بن المثنى عن أبي داود عن المغيرة بن مسلم عن أبي إسحاق السبيعي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذكرت عنده فليصل علي فإنه من صلى على مرة صلى الله عليه عشرا صلى الله عليه وسلم وهذا \/\/ إسناد صحيح \/\/ والأمر ظاهر الوجوب الحجة الرابعة ما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن علي بن حسين عن علي بن حسين عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي ورواه الحاكم في مستدركه والنسائي والترمذي قال ابن حبان هذا أشبه شيء روي عن الحسين بن علي وكان الحسين(1\/383)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "354",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7870",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رضي الله عنه حيث قبض النبي صلى الله عليه وسلم ابن سبع سنين إلا أشهرا وذلك أنه ولد لليال خلون من شعبان سنة أربع وابن ست سنين وأشهر إذا كانت لغته العربية يحفظ الشيء بعد الشيء وقد تقدمت الأحاديث في هذا المعنى والكلام عليها قال أبو نعيم حدثنا أحمد بن عبد الله حدثنا الحارث بن محمد حدثنا عبيد الله بن عائشة حدثنا حماد عن أبي هلال العنزي قال حدثني رجل في مسجد دمشق عن عوف بن مالك الأشجعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قعد أو قعد أبو ذر فذكر حديثا طويلا وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصل علي وقال قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي حدثنا نعيم بن حماد حدثنا عبد الله بن المبارك حدثنا جرير بن حازم قال سمعت الحسن يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسب المؤمن من البخل أن أذكر عنده فلم يصل علي \/\/ إسناده صحيح \/\/ وقال سعيد بن منصور ثنا هشيم بن أبي حرة عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كفى بن شحا أن أذكر عند(1\/384)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "355",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7871",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجل فلا يصلي علي صلى الله عليه وسلم قالوا فإذا ثبت أنه بخيل فوجه الدلالة به من وجهين أحدهما أن البخل اسم ذم وتارك المستحب لا يستحق اسم الذم قال الله تعالى والله لا يحب كل مختال فخور الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل الحديد 23 24 فقرن البخل بالاختيال والفخر والأمر بالبخل وذم على المجموع فدل على أن البخل صفة ذم وقال النبي صلى الله عليه وسلم وأي داء أدوأ من البخل \/\/ إسناده صحيح \/\/ الثاني أن البخيل هو مانع ما وجب عليه فمن أدى الواجب عليه كله لم يسم بخيلا وإنما البخيل مانع ما يستحق عليه إعطاؤه وبذله(1\/385)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "356",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7872",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحجة الخامسة أن الله سبحانه وتعالى أمر بالصلاة والتسليم عليه والأمر المطلق للتكرار ولا يمكن أن يقال التكرار هو كل وقت فإن الأوامر المكررة إنما تتكرر في أوقات خاصة أو عند شروط واساليب تقتضي تكرارها وليس وقت أولى من وقت فتكرر المأمور بتكرار ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أولى لما تقدم من النصوص فهنا ثلاث مقدمات الأولى أن الصلاة مأمور بها أمرا مطلقا وهذه معلومة المقدمة الثانية أن الأمر المطلق يقتضي التكرار وهذا مختلف فيه فنفاه طائفة من الفقهاء والأصوليين وأثبته طائفة وفرقت طائفة بين الأمر المطلق والمعلق على شرط أو وقت فأثبتت التكرار في المعلق دون المطلق والأقوال الثلاثة في مذهب احمد والشافعي وغيرهما ورجحت هذه الطائفة التكرار بأن عامة أوامر الشرع على التكرار كقوله تعالى آمنوا بالله ورسوله آل عمران 136 ادخلوا في السلم كافة البقرة 20 وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) النساء 59 واتقوا الله البقرة 194 وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة البقرة 34 وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون آل عمران 200 وقوله تعالى وخافون آل عمران 175 واخشوني البقرة 150 واعتصموا بالله الحج 78 واعتصموا بحبل الله جميعا آل عمران 103 وأوفوا بعهد الله النحل 91 و (أوفوا بالعقود) المائدة 1 وأوفوا بالعهد الإسراء 34 وقوله تعالى في اليتامى وارزقوهم فيها واكسوهم النساء 5 وقوله إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع(1\/386)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "357",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7873",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ") الجمعة 9 وقوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم إلى قوله وإن كنتم جنبا فاطهروا إلى قوله فلم تجدوا ماء فتيمموا النساء 43 والمائدة 6 وقوله تعالى استعينوا بالصبر والصلاة البقرة 45 وقوله تعالى وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا الأنعام 153 وقوله تعالى وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه الأنعام 151 وذلك في القرآن أكثر من أن ينحصر وإذا كانت أوامر الله ورسوله على التكرار حيث وردت إلا في النادر علم أن هذا عرف خطاب الله ورسوله للأمة والأمر وإن لم يكن في لفظه المجرد ما يؤذن بتكرار ولا فور فلا ريب أنه في عرف خطاب الشارع للتكرار فلا يحمل كلامه إلا على عرفه والمألوف من خطابه وإن لم يكن ذلك مفهوما من أصل الوضع في اللغة وهذا كما قلنا إن الأمر يقتضي الوجوب والنهي يقتضي الفساد فإن هذا معلوم من خطاب الشارع وإن كان لا تعرض لصحة المنهي ولا فساده في أصل موضوع اللغة وكذا خطاب الشارع لواحد من الأمة يقتضي معرفة الخاص أن يكون اللفظ متناولا له ولأمثاله وإن كان موضوع اللفظ لغة لا يقتضي ذلك فإن هذا لغة صاحب الشرع وعرفه في مصادر كلامه وموارده وهذا معلوم بالاضطرار من دينه قبل أن يعلم صحة القياس واعتباره وشروطه وهكذا فالفرق بين اقتضاء اللفظ وعدم اقتضائه لغة وبين اقتضائه في عرف الشارع وعادة خطابه(1\/387)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "358",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7874",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المقدمة الثالثة أنه إذا تكرر المأمور به فإنه لا يتكرر إلا بسبب أو وقت وأولى الاسباب المقتضية لتكرار ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم لإخباره برغم أنف من ذكر عنده فلم يصل عليه وللإسجال عليه بالبخل واعطائه اسمه وقالوا ومما يؤيد ذلك أن الله سبحانه أمر عباده المؤمنين بالصلاة عليه عقب إخباره لهم بأنه وملائكته يصلون عليه ومعلوم أن الصلاة من الله وملائكته عليه لم يكن مرة وانقطعت بل هي صلاة متكررة ولهذا ذكرها مبينا بها فضله وشرفه وعلو منزلته عنده ثم أمر المؤمنين بها فتكرارها في حقهم أحق وآكد لأجل الأمر قالوا ولأن الله تعالى أكد السلام بالمصدر الذي هو التسليم وهذا يقتضي المبالغة والزيادة في كميته وذلك بالتكرار قالوا ولأن لفظ الفعل المأمور به يدل على التكثير وهو صلى وسلم فإن فعل المشدد يدل على تكرار الفعل كقولك كسر الخبز وقطع اللحم وعلم الخير وبين الأمر وشدد في كذا ونحوه قالوا ولأن الأمر بالصلاة عليه في مقابلة إحسانه إلى الأمة وتعليمهم وإرشادهم وهدايتهم وما حصل لهم ببركته من سعادة الدنيا والآخرة ومعلوم أن مقابلة مثل هذا النفع العظيم لا يحصل بالصلاة عليه مرة واحدة في العمر بل لو صلى العبد عليه بعدد أنفاسه لم يكن موفيا لحقه ولا مؤديالنعمته فجعل ضابط شكر هذه النعمة بالصلاة عليه عند ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم(1\/388)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "359",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7875",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا ولهذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بتسميته من لم يصل عليه عند ذكر اسمه بخيلا لأن من أحسن إلى العبد الإحسان العظيم وحصل له به الخير الجسيم ثم يذكر عنده ولا يثني عليه ولا يبالغ في مدحه وحمده وتمجيده ويبدي ذلك ويعيده ويعتذر من التقصير في القيام بشكره وحقه عده الناس بخيلا لئيما كفورا فكيف بمن أدنى إحسانه إلى العبد يزيد على أعظم إحسان المخلوقين بعضهم لبعض الذي بإحسانه حصل للعبد خير الدنيا والآخرة ونجا من شر الدنيا والآخرة الذي لا تتصور القلوب حقيقة نعمته وإحسانه فضلا عن أن يقوم بشكره أليس هذا المنعم المحسن أحق بأن يعظم ويثنى عليه ويستفرغ الوسع في حمده ومدحه إذا ذكر بين الملأ فلا أقل من أن يصلى عليه مرة إذا ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم قالوا ولهذا دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم برغم أنفه وهو أن يلصق أنفه بالرغام وهو التراب لأنه لما ذكر عنده فلم يصل عليه استحق أن يذله الله تعالى ويلصق أنفه بالتراب قالوا ولأن الله سبحانه نهى الأمة أن يجعلوا دعاء الرسول بينهم كدعاء بعضهم بعضا فلا يسمونه إذا خاطبوه باسمه كما يسمي بعضهم بعضا بل يدعونه برسول الله ونبي الله وهذا من تمام تعزيره وتوقيره وتعظيمه فهكذا ينبغي أن يخص باقتران اسمه بالصلاة عليه ليكون ذلك فرقا بينه وبين ذكر غيره كما كان الأمر بدعائه بالرسول والنبي فرقا بينه وبين خطاب غيره فلو كان عند ذكره لا تجوز الصلاة عليه كان ذكره كذكر غيره في ذلك هذا على أحد التفسيرين في الآية وأما على التفسير الآخر وهو أن المعنى لا(1\/389)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "360",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7876",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تجعلوا دعاءه إياكم دعاء بعضكم بعضها فتؤخروا الإجابة بالاعتذار والعلل التي يؤخر بها بعضكم إجابة بعض ولكن بادروا إليه إذا دعاكم بسرعة الإجابة ومعالجة الطاعة حتى لم يجعل اشتغالهم بالصلاة عذرا لهم في التخلف في إجابته والمبادرة إلى طاعته فإذا لم تكن الصلاة التي فيها شغل عذرا يستباح بها تأخير إجابته فكيف ما دونها من الأسباب والأعذار فعلى هذا يكون المصدر مضافا إلى الفاعل وعلى القول الأول يكون مضافا إلى المفعول وقد يقال وهو أحسن من القولين إن المصدر هنا لم يضف إضافته إلى فاعل ولا مفعول وإنما أضيف إضافة الأسماء المحضة ويكون المعنى لا تجعلوا الدعاء المتعلق بالرسول المضاف إليه كدعاء بعضكم بعضا وعلى هذا فيعم الأمرين معا ويكون النهي عن دعائهم له باسمه كما يدعو بعضهم بعضا وعن تأخير إجابته صلى الله عليه وسلم وعلى كل تقدير فكما أمر الله سبحانه بأن يميز عن غيره في خطابه ودعائه اياهم قياما للأمة بما يجب عليهم من تعظيمه وإجلاله فتمييزه بالصلاة عليه عند ذكر اسمه من تمام الصلاة قالوا وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم إن من ذكر عنده فلم يصل عليه خطئ طريق الجنة هكذا رواه البيهقي وهو من مراسيل محمد بن الحنفية وله شواهد قد ذكرناها في أول الكتاب فلولا أن الصلاة عليه واجبة عند ذكره لم يكن تاركها مخطئا لطريق الجنة قالوا وأيضا فمن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أو ذكر عنده فلم يصل(1\/390)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "361",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7877",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه فقد جفاه ولا يجوز لمسلم جفاؤه صلى الله عليه وسلم فالدليل على المقدمة الأولى ما رواه أبو سعيد بن الاعرابي حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجفاء أن أذكر عند الرجل فلا يصلي علي صلى الله عليه وسلم ولو تركنا وهذا المرسل وحده لم نحتج به ولكن له أصول وشواهد قد تقدمت من تسمية تارك الصلاة عليه عند ذكره بخيلا وشحيحا والدعاء عليه بالرغم وهذا من موجبات جفائه والدليل على المقدمة الثانية أن جفاءه مناف لكمال حبه وتقديم محبته على النفس والأهل والمال وأنه أولى بالمؤمن من نفسه فإن العبد لا يؤمن حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه ومن ولده ووالده والناس أجمعين كما ثبت عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال يا رسول الله والله لأنت أحب إلى من كل شيء إلا من نفسي قال لا يا عمر حتى أكون احب إليك من نفسك قال فو الله لأنت الآن أحب من نفسي قال الآن يا عمر وثبت عنه في الصحيح أنه قال لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين(1\/391)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "362",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7878",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فذكر في هذا الحديث أنواع المحبة الثلاثة فإذا المحبة إما محبة إجلال وتعظيم كمحبة الوالد وإما محبة تحنن وود ولطف كمحبة الولد وإما محبة لأجل الإحسان وصفات الكمال كمحبة الناس بعضهم بعضا ولا يؤمن العبد حتى يكون حب الرسول صلى الله عليه وسلم عنده أشد من هذه المحاب كلها ومعلوم أن جفاءه صلى الله عليه وسلم ينافي ذلك قالوا فلما كانت محبته وكانت توابعها من الإجلال والتعظيم والتوقير والطاعة والتقديم على النفس وإيثاره بنفسه بحيث يقي نفسه بنفسه فرضا كانت الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم إذا ذكر من لوازم هذه الأحبية وتمامها قالوا وإذا ثبت بهذه الوجوه وغيرها وجوب الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم على من ذكر عنده فوجوبها على الذاكر نفسه أولى ونظير هذا أن سامع السجدة إذا أمر بالسجود إما وجوبا أو استحبابا فوجوبها على التالي أولى والله أعلم(1\/392)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "363",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7879",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  قال نفاة الوجوب الدليل على قولنا وجوه أحدها أنه من المعلوم الذي لا ريب فيه أن السلف الصالح الذين هم القدوة لم يكن أحدهم كلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يقرن الصلاة عليه باسمه وهذا في خطابهم للنبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أن يذكر فإنهم كانوا يقولون يا رسول الله مقتصرين على ذلك وربما كان يقول أحدهم صلى الله عليك وهذا في الأحاديث ظاهر كثير فلو كانت الصلاة عليه واجبة عند ذكره لأنكر عليهم تركها الثاني أن الصلاة عليه لو كانت واجبة كلما ذكر لكان هذا من أظهر الواجبات ولبينه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته بيانا يقطع العذر وتقوم به الحجة الثالث أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم هذا القول ولا تعرف أن احدا منهم قال به وأكثر الفقهاء بل قد حكي الإجماع على أن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ليست من فروض الصلاة وقد نسب القول بوجوبها إلى الشذوذ ومخالفة الإجماع السابق كما تقدم فكيف تجب خارج الصلاة الرابع أنه لو وجبت الصلاة عليه عند ذكره دائما لوجب(1\/393)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "364",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7880",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على المؤذن أن يقول أشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا لا يشرع له في الأذان فضلا أن يجب عليه الخامس أنه كان يجب على من سمع النداء وأجابه أن يصلي عليه صلى الله عليه وسلم وقد أمر صلى الله عليه وسلم السامع أن يقول كما يقول المؤذن وهذا يدل على جواز اقتصاره على قوله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فإن هذا مثل ما يقول المؤذن السادس أن التشهد الأول ينتهي عند قوله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اتفاقا واختلف هل يشرع أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله فيه على ثلاثة أقوال أحدها لا يسرع ذلك إلا في الأخير والثاني يشرع والثالث تشرع الصلاة عليه خاصة دون آله ولم يقل أحد بوجوبها في الأول عند ذكر النبي صلى الله عليه وسلم السابع أن المسلم إذا دخل في الإسلام بتلفظه بالشهادتين لم يحتج أن يقول أشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم الثامن أن الخطيب في الجمع والأعياد وغيرهما لا يحتاج أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في نفس التشهد ولو كانت الصلاة واجبة عليه عند ذكره لوجب عليه أن يقرنها بالشهادة ولا يقال تكفي الصلاة عليه في الخطبة فإن تلك الصلاة لا تنعطف على ذكر(1\/394)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "365",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7881",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اسمه عند الشهادة ولا سيما مع طول الفصل والموجبون يقولون تجب الصلاة عليه كلما ذكر ومعلوم أن ذكره ثانيا غير ذكره أولا التاسع أنه لو وجبت الصلاة عليه كلما ذكر لوجبت على القارئ كلما مر بذكر اسمه أن يصلي عليه ويقطع لذلك قراءته ليؤدي هذا الواجب وسواء كان في الصلاة أو خارجها فإن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم لا تبطل الصلاة وهي واجب قد تعين فلزم أداؤه ومعلوم أن ذلك لو كان واجبا لكان الصحابة والتابعون أقوم وأسرع إلى أدائه وترك إهماله العاشر أنه لو وجبت الصلاة عليه كلما ذكر لوجب الثناء على الله عز وجل كلما ذكر اسمه فكان يجب على من ذكر اسم الله أن يقرنه بقوله سبحانه وتعالى أو عز وجل أو تبارك وتعالى أو جلت عظمته أو تعالى جده ونحو ذلك بل كان ذلك اولى واحرى فإن تعظيم الرسول وإجلاله ومحبته وطاعته تابع لتعظيم مرسله سبحانه اجلاله ومحبته وطاعته فمحال أن تثبت المحبة والطاعة والتعظيم والإجلال للرسول صلى الله عليه وسلم دون مرسله بل إنما يثبت ذلك له تبعا لمحبة الله وتعظيمه وإجلاله ولهذا كانت طاعة الرسول طاعة لله فمن يطع الرسول فقد أطاع الله ومبايعته لله إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم الفتح 10 ومحبته محبة لله قال الله تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله آل عمران 31 وتعظيمه تعظيم لله ونصرته نصرة لله فإنه رسوله وعبده الداعي إليه وإلى طاعته ومحبته وإجلاله(1\/395)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "366",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7882",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتعظيمه وعبادته وحده لا شريك له فكيف يقال تجب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه وهي ثناء وتعظيم كما تقدم ولا يجب الثناء والتعظيم للخالق سبحانه وتعالى كلما ذكر اسمه هذا محال من القوم الحادي عشر أنه لو جلس إنسان ليس له هجير إلا قوله محمد رسول الله صل على محمد وبشر كثير يسمعونه فإن قلتم تجب على كل أولئك السامعين أن يكون هجيراهم الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ولو طال المجلس ما طال كان ذلك حرجا ومشقة وتركا لقراءة قارئهم ودراسة دارسهم وكلام صاحب الحاجة منهم ومذاكرته في العلم وتعليمه القرآن وغيره وإن قلتم لا تجب عليهم الصلاة عليه في هذه الحال نقضتم مذهبكم وإن قلتم تجب عليه مرة أو أكثر كان تحكما بلا دليل مع أنه مبطل لقولكم الثاني عشر أن الشهادة له بالرسالة أفرض وأوجب من الصلاة عليه بلا ريب ومعلوم أنه لا يدخل في الإسلام إلا بها فإذا كانت لا تجب كلما ذكر اسمه فكيف تجب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه وليس من الواجبات بعد كلمة الإخلاص أفرض من الشهادة له بالرسالة فمتى أقر له بوجوبها عند ذكر اسمه تذكر العبد الإيمان وموجبات هذه الشهادة فكان يجب على كل من ذكر اسمه أن يقول محمد رسول الله ووجوب ذلك أظهر بكثير من وجوب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه ولكل فرقة من هاتين الفرقتين أجوبة عن حجج الفرقة(1\/396)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "367",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7883",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "المنازعة لها بعضها ضعيف جدا وبعضها محتمل وبعضها قوي ويظهر ذلك لمن تأمل حجج الفريقين والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب فصل  الموطن الثاني عشر من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند الفراغ من التلبية  قال الدارقطني ثنا محمد بن مخلد ثنا علي بن زكريا التمار ثنا يعقوب ابن حميد ثنا عبد الله بن عبد الله الأموي قال سمعت صالح بن محمد بن زائدة يحدث عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله تعالى مغفرته ورضوانه واستعاذ برحمته من النار قال صالح سمعت القاسم بن محمد يقول كان يستحب للرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم قلت وهذا أيضا من نوابع الدعاء والله أعلم(1\/397)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "368",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7884",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن الثالث عشر من مواطن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند استلام الحجر  قال أبو ذر الهروي ثنا محمد بن بكران أخبرنا أبو عبد الله بن مخلد حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ثنا عون بن سلام أنبأنا محمد بن سلام ثنا محمد بن مهاجر عن نافع قال كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا أراد أن يستلم الحجر قال اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم ويستلمه وقد تقدم أن من مواطن الصلاة عليه على الصفا والمروة صلى الله عليه وسلم(1\/398)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "369",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7885",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن الرابع عشر من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند الوقوف على قبره  قال سحنون ثنا عبد الرحمن بن القاسم عن مالك عن عبد الله بن دينار قال رأيت عبد الله بن عمر يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ذكره مالك في الموطأ وقال مالك أيضا عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا أراد سفرا أو قدم من سفر جاء قبر النبي صلى الله عليه وسلم فصلى عليه ودعا ثم انصرف وقال ابن نمير ثنا محمد بن بشير ثنا عبد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا قدم من سفر بدأ بقبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي عليه ولا يمس القبر ثم يسلم على أبي بكر رضي الله عنه ثم يقول السلام عليك يا أبت(1\/399)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "370",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7886",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن الخامس عشر من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم إذا خرج إلى السوق أو إلى دعوة أو نحوها  قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان حدثنا محمد بن بشر حدثنا مسعر حدثنا عامر بن شقيق عن أبي وائل قال ما رأيت عبد الله جلس في مأدبة ولا جنازة ولا غير ذلك فيقوم حتى يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو بدعوات وإن كان يخرج إلى السوق فيأتي أغفلها مكانا فيجلس فيحمد الله ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو بدعوات(1\/400)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "371",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7887",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن السادس عشر من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم إذا قام الرجل من نوم الليل  قال النسائي في سننه الكبير أخبرني علي بن محمد بن علي حدثنا خلف يعني ابن تميم حدثنا أبو الأحوص حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عند عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال يضحك الله عز وجل إلى رجلين رجل لقي العدو وهو على فرس من أمثل خيل أصحابه فانهزموا وثبت فإن قتل استشهد وإن بقي فذلك الذي يضحك الله إليه ورجل قام في جوف الليل لا يعلم به أحد فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم حمد الله ومجده وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم واستفتح القرآن فذلك الذي يضحك الله إليه يقول انظروا إلى عبدي قائما لا يراه أحد غيري وقال عبد الرزاق حدثنا معمر عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود أنه قال رجلان يضحك الله إليهما فذكره بنحوه(1\/401)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "372",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7888",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن السابع عشر من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عقب ختم القرآن  وهذا لأن المحل محل دعاء وقد نص الإمام أحمد رحمه الله تعالى على الدعاء عقيب الختمة فقال في رواية أبي الحارث كان أنس إذا ختم القرآن جمع أهله ولده وقال في رواية يوسف بن موسى وقد سئل عن الرجل يختم القرآن فيجتمع اليه قوم فيدعون قال نعم رأيت معمرا يفعله إذا ختم وقال في رواية حرب استحب إذا ختم الرجل القرآن أن يجمع أهله ويدعو وروى ابن أبي داود في فضائل القرآن عن الحكم قال أرسل الي مجاهد وعنده ابن أبي لبابة أرسلنا إليك إنا نريد أن نختم القرآن وكان يقال إن الدعاء يستجاب عند ختم القرآن ثم دعوا بدعوات وروى أيضا في كتابه عن ابن مسعود أنه قال من ختم القرآن فله دعوة مستجابة وعن مجاهد قال تنزل الرحمة عند ختم القرآن(1\/402)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "373",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7889",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروى أبو عبيد في كتاب فضائل القرآن عن قتادة قال كان بالمدينة رجل يقرأ القرآن من أوله إلى آخره على أصحاب له فكان ابن عباس رضي الله عنهما يضع الرقباء فإذا كان عند الختم جاء ابن عباس رضي الله عنهما فشهده ونص أحمد رحمه الله تعالى على استحباب ذلك في صلاة التراويح قال حنبل سمعت أحمد يقول في ختم القرآن إذا فرغت من قراءتك قل أعوذ برب الناس الناس 1 فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع قلت إلى أي شيء تذهب في هذا قال رأيت أهل مكة يفعلونه وكان سفيان بن عيينة يفعله معهم بمكة قال عباس بن عبد العظيم وكذلك أدركت الناس بالبصرة وبمكة ويروي أهل المدينة في هذا أشياء وذكر عن عثمان بن عفان رضي الله عنه وقال الفضل بن زياد سألت أبا عبد الله أختم القرآن أجعله في التراويح أو في الوتر قال أجعله في التراويح حتى يكون لنا دعاء بين اثنين قلت كيف أصنع قال إذا فرغت من آخر القرآن فارفع يديك قبل أن تركع وادع بنا ونحن في الصلاة وأطل القيام قلت بم أدعو قال بما شئت قال ففعلت كما أمرني وهو خلفي يدعو قائما ويرفع يديه وإذا كان هذا من أكد مواطن الدعاء وأحقها بالإجابة فهو من أكد مواطن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم(1\/403)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "374",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7890",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن الثامن عشر من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة  وقد تقدم فيه حديث أوس بن أوس عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أكثروا علي من الصلاة في كل يوم جمعة فإن صلاة أمتي تعرض علي في كل يوم جمعة فمن كان أكثرهم علي صلاة كان أقربهم مني منزلة صلى الله عليه وسلم رواه البيهقي وقد تقدم وروي أيضا عن أبي مسعود الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإنه ليس أحد يصلي علي يوم الجمعة إلا عرضت علي صلاته وفيه إسماعيل بن رافع قال يعقوب بن سفيان يصلح حديثه للشواهد والمتابعات وقال ابن عدي حدثنا إسماعيل بن موسى الحاسب حدثنا جبارة بن مغلس حدثنا أبو إسحاق الخميسي عن يزيد الرقاشي عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة فإن صلاتكم تعرض علي وهذا وإن كان إسناده ضعيفا فهو محفوظ في الجملة ولا يضر ذكره في الشواهد(1\/404)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "375",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7891",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد تقدم في مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة وقال ابن وضاح حدثنا أبو مروان البزار حدثنا ابن المبارك عن ابن شعيب قال كتب عمر بن عبد العزيز أن انشروا العلم يوم الجمعة فإن غائلة العلم النسيان وأكثروا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة(1\/405)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "376",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7892",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن التاسع عشر من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند القيام من المجلس  قال عبد الرحمن بن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان حدثنا عثمان بن عمر قال سمعت سفيان بن سعيد ما لا أحصي إذا أراد القيام يقول صلى الله وملائكته على محمد وعلى أنبياء الله وملائكته هذا الدي رأيته من الأثر في هذا الموطن والله أعلم(1\/406)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "377",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7893",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن العشرون من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند المرور على المساجد ورؤيتها  قال القاضي إسماعيل في كتابه حدثنا يحيى بن عبد الحميد حدثنا سيف بن عمر التميمي عن سليمان العبسي عن علي بن حسين قال قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا مررتم بالمسجد فصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم \/\/ إسناده موقوف ضعيف \/\/(1\/407)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "378",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7894",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن الحادي والعشرون من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند الهم والشدائد وطلب المغفرة  لحديث الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه جاء الموت بما فيه قال أبي قلت يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي فقال ما شئت قال قلت الربع قال ما شئت فإن زدت فهو خير لك قلت النصف قال ما شئت فإن زدت فهو خير لك قال قلت فالثلثين قال ما شئت فإن زدت فهو خير لك قال أجعل لك صلاتي كلها قال إذا تكفى همك ويغفر لك ذنبك رواه الترمذي من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطفيل عن أبيه وقال \/\/ حديث حسن \/\/ وروى من حديث محمد بن عقيل أيضا عن الطفيل عن أبيه حديثا آخر وصححه وهو حديث مثلي ومثل النبيين من قبلي كمثل رجل بنى دارا الحديث رواه ابن أبي شيبة في مسنده(1\/408)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "379",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7895",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واختصره فقال عن أبي قال رجل يا رسول الله أرأيت إن جعلت صلاتي كلها صلاة عليك قال إذا يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين(1\/409)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "380",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7896",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن الثاني والعشرون من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند كتابة اسمه صلى الله عليه وسلم  قال أبو الشيخ حدثنا أسيد بن عاصم حدثنا بشر بن عبيد حدثنا محمد بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن عبد الله عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نم صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة يستغفرون له ما دام اسمي في ذلك الكتاب قال أبو موسى رواه غير واحد عن أسيد كذلك قال ورواه إسحاق بن وهب العلاف عن بشر بن عبيد فقال عن حازم بن بكر عن يزيد بن عياض عن الأعرج ويروى من غير هذين الوجهين أيضا عن الأعرج وفي الباب عن أبي بكر الصديق وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم وروى سليمان بن الربيع حدثنا كادح بن رحمة حدثنا نهشل بن سعيد عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى على في كتاب لم تزل الصلاة جارية له ما دام اسمي في ذلك الكتاب \/\/ ضعيف \/\/(1\/410)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "381",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7897",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروي من طريق جعفر بن علي الزعفراني قال سمعت خالي الحسن بن محمد يقول رأيت أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في النوم فقال لي يا أبا علي لو رأيت صلاتنا على النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب كيف تزهر بين أيدينا وقال أبو الحسن بن علي الميموني رأيت الشيخ أبا علي بن الحسن بن عيينة في المنام بعد موته وكان على أصابع يديه شيئا مكتوبا بلون الذهب أو بلون الزعفران فسألته عن ذلك وقلت يا أستاذ ارى على أصابعك شيئا مليحا مكتوبا ما هو قال يا بني هذا لكتابتي لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال لكتابتي صلى الله عليه وسلم في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الخطيب حدثنا مكي بن علي حدثنا أبو سليمان الحراني قال قال رجل من جواري يقال له أبو الفضل وكان كثير الصوم والصلاة كنت أكتب الحديث ولا أصلي على النبي صلى الله عليه وسلم فرأيته في المنام فقال إذا كتبت أو ذكرت فلم لا تصلي علي ثم رأيته مرة من الزمان فقال لي بلغني صلواتك علي فإذا صليت علي أو ذكرت فقل صلى الله عليه وسلم وقال سفيان الثوري لو لم يكن لصاحب الحديث فائدة إلا الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يصلي عليه ما دام في ذلك الكتاب صلى الله عليه وسلم وقال محمد بن أبي سليمان رأيت أبي في النوم فقلت يا أبت ما فعل الله بك قال غفر لي فقلت بماذا قال بكتابتي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم(1\/411)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "382",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7898",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال بعض أهل الحديث كان لي جار فمات فرئي في المنام فقيل له ما فعل الله بك قال غفر لي قيل بماذا قال كنت إذا كتبت ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث كتبت صلى الله عليه وسلم وقال سفيان بن عيينة حدثنا خلف صاحب الخلقان قال كان لي صديق يطلب معي الحديث فمات فرأيته في منامي وعليه ثياب خضر يجول فيها فقلت ألست كنت معي تطلب الحديث قال بلى قلت فما الذي صيرك إلى هذا قال كان لا يمر حديث فيه ذكر محمد صلى الله عليه وسلم إلا كتبت في أسفلة صلى الله عليه وسلم فكافأني ربي هذا الذي ترى علي وقال عبد الله بن عبد الحكم رأيت الشافعي رحمه الله في النوم فقلت ما فعل الله بك قال رحمني وغفر لي وزفني إلى الجنة كما يزف بالعروس ونثر علي كما ينثر على العروس فقلت بم بلغت هذه الحال فقال لي قائل يقول لك بما في كتاب الرسالة من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قلت فكيف ذلك قال وصلى الله على محمد عدد ما ذكره الذاكرون وعدد ما غفل عن ذكره الغافلون قال فلما اصبحت نظرت إلى الرسالة فوجدت الأمر كما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وقال الخطيب أنبأ بشير بن عبد الله الرومي قال سمعت الحسين بن محمد بن عبيد العسكري يقول سمعت أبا اسحاق الدارمي المعروف بنهشل يقول كنت أكتب الحديث في تخريجي للحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم تسليما قال فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وكأنه قد أخذ شيئا مما أكتبه فنظر فيه فقال هذا جيد(1\/412)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "383",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7899",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال عبد الله بن عمرو حدثني بعض إخواني ممن أثق به قال رأيت رجلا من أهل الحديث في المنام فقلت ماذا فعل الله بك قال رحمني وغفر لي قلت وبم ذاك قال إني كنت إذا أتيت على اسم النبي صلى الله عليه وسلم كتبت صلى الله عليه وسلم ذكرها محمد بن صالح عن ثوابة عن سعيد بن مروان عنه وقد روى الحافظ أبو موسى في كتابه عن جماعة من أهل الحديث أنهم رؤوا بعد موتهم وأخبروا أن الله تعالى غفر لهم بكتابتهم الصلاة على النبي في كل حديث وقال ابن سنان سمعت عباسا العنبري وعلي بن المديني يقولان ما تركنا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كل حديث سمعناه وربما عجلنا فنبيض الكتاب في كل حديث حتى نرجع إليه(1\/413)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "384",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7900",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن الثالث والعشرون من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند تبليغ العلم إلى الناس عند التذكير والقصص والقاء الدرس وتعليم العلم في أول ذلك وآخره  قال إسماعيل بن إسحاق في كتابه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حسين بن علي هو الجعفي عن جعفر بن برقان قال كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله أما بعد فإن أناسا من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة وإن من القصاص من قد أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدل صلاتهم على النبي صلى الله عليه وسلم فإذا جاءك كتابي هذا فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين ودعاؤهم للمسلمين عامة ويدعوا ما سوى ذلك والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموطن لأنه موطن لتبليغ العلم الذي جاء به ونشره في أمته وإلقائه إليهم ودعوتهم إلى سنته وطريقته صلى الله عليه وسلم وهذا من أفضل الأعمال وأعظمها نفعا للعبد في الدنيا والآخرة(1\/414)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "385",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7901",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال تعالى ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين فصلت 33 وقال تعالى قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني يوسف 108 وسواء كان المعنى أنا ومن اتبعني يدعو إلى الله على بصيرة أو كان الوقف عند قوله أدعو إلى الله ثم يبتدئ على بصيرة أنا ومن اتبعني فالقولان متلازمان فإنه أمره سبحانه أن يخبر أن سبيله الدعوة إلى الله فمن دعا إلى الله تعالى فهو على سبيل رسوله صلى الله عليه وسلم وهو على بصيرة وهو من أتباعه ومن دعا إلى غير ذلك فليس على سبيله ولا هو على بصيرة ولا هو من أتباعه فالدعوة إلى الله تعالى هي وظيفة المرسلين وأتباعهم وهم خلفاء الرسل في أممهم والناس تبع لهم والله سبحانه قد أمر رسوله أن يبلغ ما أنزل إليه وضمن له حفظه وعصمته من الناس وهكذا المبلغون عنه من أمته لهم من حفظ الله وعصمته إياهم بحسب قيامهم بدينه وتبليغهم لهم وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ عنه ولو آية ودعا لمن بلغ عنه ولو حديثا وتبليغ سنته إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدو لأن ذلك التبليغ يفعله كثير من الناس وأما تبليغ السنن فلا تقوم به إلا ورثة الأنبياء وخلفاؤهم في أممهم جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه وهم كما قال فيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خطبته التي ذكرها ابن وضاح في كتاب الحوادث والبدع له قال الحمد لله الذي أمتن على العباد بأن جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى(1\/415)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "386",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7902",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويصبرون منهم على الأذى ويحيون بكتاب الله أهل العمى كم من قتيل لإبليس قد أحيوه وضال تائه قد هدوه بذلوا دماءهم وأموالهم دون هلكة العباد فما أحسن أثرهم على الناس واقبح أثر الناس عليهم يقبلونهم في سالف الدهر وإلى يومنا هذا فما نسيهم ربك وما كان ربك نسيا مريم 64 وجعل قصصهم هدى وأخبر عن حسن مقالتهم فلا تقصر عنهم فإنهم في منزلة رفيعة وان أصابتهم الوضيعة وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليا من أوليائه يذب عنها وينطق بعلاماتها فاغتنموا حضور تلك المواطن وتوكلوا على الله ويكفي في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم وقوله صلى الله عليه وسلم من أحيا شيئا من سنتي كنت أنا وهو في الجنة كهاتين وضم بين أصبعيه وقوله صلى الله عليه وسلم من دعا إلى هدى فاتبع عليه كان له مثل أجر من تبعه إلى يوم القيامة(1\/416)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "387",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7903",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فمتى يدرك العامل هذا الفضل العظيم والحظ الجسيم بشيء من عمله وإنما ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم فحقيق بالمبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أقامه الله سبحانه في هذا المقام أن يفتتح كلامه بحمد الله تعالى والثناء عليه وتمجيده والاعتراف له بالوحدانية وتعريف حقوقه على العباد ثم بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمجيده والثناء عليه أن يختمه أيضا بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم تسليما(1\/417)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "388",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7904",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن الرابع والعشرون من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم أول النهار وآخره  قال الطبراني حدثنا حفص بن عمر الصباح حدثنا يزيد بن عبد ربه الجرجسي حدثنا بقية بن الوليد حدثني إبراهيم بن محمد بن زياد الألهاني قال سمعت خالد بن معدان يحدث عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى علي حين يصبح عشرا وحين يمسي عشرا أدركته شفاعتي يوم القيامة قال أبو موسى المديني رواه عن بقية غير واحد ويزيد بن عبد ربه كان يسكن بحمص قرب كنيسة جرجس فنسب إليها(1\/418)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "389",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7905",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن الخامس والعشرون من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عقب الذنب إذا أراد أن يكفر عنه  قال ابن أبي عاصم في  كتاب الصلاة على النبي  حدثنا الحسن بن البزار حدثنا شبابة حدثنا مغيرة بن مسلم عن أبي إسحاق عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوا علي فإن الصلاة علي كفارة لكم فمن صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا وقال ابن أبي عاصم في كتابه حدثنا يونس بن محمد حدثنا الفضل بن عطاء عن الفضل بن شعيب عن أبي منظور عن ابن معاذ عن أبي كاهل قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا كاهل من صلى على كل يوم ثلاث مرات وكل ليلة ثلاث مرات حبا وشوقا إلي كان حقا على الله أن يغفر له ذنوبه تلك الليلة وذلك اليوم وقال أبو الشيخ في  كتاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم  حدثنا(1\/419)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "390",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7906",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبد الله بن محمد بن نصر حدثنا إسماعيل بن يزيد قال حدثنا الحسين بن حفص حدثنا إبراهيم بن طهمان عن ليث بن أبي سليم عن نافع بن كعب المدني عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوا علي فإن الصلاة علي زكاة لكم ورواه ابن أبي شيبة عن ابن فضيل عن ليث بن كعب عن أبي هريرة فهذا فيه الأخبار بأن الصلاة زكاة للمصلي على النبي صلى الله عليه وسلم والزكاة تتضمن النماء والبركة والطهارة والذي قبله فيه أنها كفارة وهي تتضمن محو الذنب فتضمن الحديثان أن بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم تحصل طهارة النفس من رذائلها ويثبت لها النماء والزيادة في كمالاتها وفضائلها والى هذين الأمرين يرجع كمال النفس فعلم أنه لا كمال للنفس إلا بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم التي هي من لوازم محبته ومتابعته وتقديمه على كل من سواه من المخلوقين صلى الله عليه وسلم(1\/420)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "391",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7907",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن السادس والعشرون من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند إلمام الفقر أو خوف وقوعه  قال أبو نعيم حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر حدثنا محمد بن الحسن بن سماعة حدثنا أبو نعيم حدثنا فطر بن خليفة عن جابر بن سمرة السوائي عن أبيه قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال يا رسول الله ما أقرب الأعمال إلى الله عز وجل قال صدق الحديث وأداء الأمانة قلت يا رسول الله زدنا قال صلاة الليل وصوم الهواجر قلت يا رسول الله زدنا قال كثرة الذكر والصلاة علي تنفي الفقر قلت يا رسول الله زدنا قال من أم قوما فليخفف فإن فيهم الكبير والعليل والضعيف وذا الحاجة(1\/421)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "392",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7908",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن السابع والعشرون من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند خطبة الرجل المرأة في النكاح  قال إسماعيل بن أبي زياد عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى إن الله وملائكته يصلون على النبي الاية الأحزاب 56 قال يعني أن الله تعالى يثني على نبيكم ويغفر له وأمر الملائكة بالاستغفار له يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه أثنوا عليه في صلاتكم وفي مساجدكم وفي كل موطن وفي خطبة النساء فلا تنسوه(1\/422)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "393",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7909",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن الثامن والعشرون من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند العطاس  قال الطبراني حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا سهل بن صالح الأنطاكي حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن نافع قال رأيت ابن عمر رضي الله عنهما وقد عطس رجل إلى جنبه فقال الحمد لله والسلام على رسول الله فقال ابن عمر وأنا أقول السلام على رسول الله ولكن ليس هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نقول إذا عطسنا الحمد لله على كل حال قال الطبراني لم يروه عن سعيد إلا الوليد تفرد به سهل ورواه الترمذي عن حميد مسعدة حدثنا زياد بن الربيع حدثنا حضرمي مولى آل الجارود عن نافع أن رجلا عطس إلى جنب ابن عمر فقال الحمد لله والسلام على رسول الله قال ابن عمر وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله وليس هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا أن نقول الحمد لله على كل حال قال الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث زياد ابن الربيع(1\/423)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "394",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7910",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أبو موسى المديني وروي عن نافع أيضا عن ابن عمر رضي الله عنهما خلاف ذلك ثم ساق من طريق عبد الله بن أحمد حدثنا عباد بن زياد الأسدي حدثنا زهير عن أبي إسحاق عن نافع قال عطس رجل عند ابن عمر فقال له ابن عمر لقد بخلت هلا حمدت الله تعالى وصليت على النبي صلى الله عليه وسلم فذهب إلى هذا جماعة منهم أبو موسى المديني وغيره ونازعهم في ذلك آخرون وقالوا لا تستحب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند العطاس وإنما هو موضع حمد الله تعالى وحده ولم يشرع النبي صلى الله عليه وسلم عند العطاس إلا حمد الله تعالى والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كانت من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى فلكل ذكر موطن يخصه لا يقوم غيره مقامه فيه قالوا ولهذا لا تشرع الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في الركوع ولا السجود ولا قيام الاعتدال من الركوع وتشرع في التشهد الأخير إما مشروعية وجوب أو استحباب ورووا حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تذكروني عند ثلاث عند تسمية الطعام وعند الذبح وعند العطاس وهذا الحديث لا يصح فإنه من حديث سليمان بن عيسى السجزي عن عبد الرحيم بن زيد العمي عن كثير عن عويد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره وله ثلاث علل إحداها تفرد سليمان بن عيسى به(1\/424)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "395",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7911",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال البيهقي وهو في عداد من يضع الحديث الثانية ضعف عبد الرحيم العمي الثالثة انقطاعه قال البيهقي وقد روينا في الصلاة عند العطاس ما أخبرنا أبو طاهر الفقيه أخبرنا أبو عبد الله الصفار حدثنا عبد الله الصفار حدثنا عبد الله بن أحمد حدثنا عباد بن زياد فذكر الحديث المتقدم(1\/425)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "396",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7912",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن التاسع والعشرون من مواطن الصلاة صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من الوضوء  قال أبو الشيخ في كتابه حدثنا محمد بن عبد الرحيم بن شبيب حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل حدثنا محمد بن جابر عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ أحدكم من طهوره فليقل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ثم ليصل علي فإذا قال ذلك فتحت له أبواب الرحمة هذا حديث مشهور له طرق عن عمر بن الخطاب وعقبة بن عامر وثوبان وانس رضي الله عنهم ليس في شيء منها ذكر الصلاة إلا في هذه الرواية \/\/ حديث ضعيف \/\/ وقال ابن أبي عاصم في كتابه حدثنا دحيم حدثنا ابن أبي فديك حدثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده يرفعه ولا وضوء لمن لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم وعبد المهيمن لا يحتج به وقد تقدم الحديث(1\/426)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "397",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7913",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن الثلاثون من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند دخول المنزل ذكره الحافظ أبو موسى المديني  وروى فيه من حديث أبى صالح بن المهلب عن أبي بكر بن عمران حدثني محمد بن العباس بن الوليد حدثني عمرو بن سعيد حدثنا ابن أبي ذئب حدثني محمد بن عجلان عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه الفقر وضيق العيش أو المعاش فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخلت منزلك فسلم إن كان فيه أحد أو لم يكن فيه أحد ثم سلم علي واقرأ قل هو الله أحد الإخلاص 1 مرة واحدة ففعل الرجل فأدر الله عليه الرزق حتى افاض على جيرانه وقراباته(1\/427)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "398",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7914",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن الحادي والثلاثون من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في كل موطن يجتمع فيه لذكر الله تعالى  لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن لله سيارة من الملائكة إذا مروا بحلق الذكر قال بعضهم لبعض اقعدوا فإذا دعا القوم أمنوا على دعائهم فإذا صلوا على النبي صلى الله عليه وسلم صلوا معهم حتى يفرغوا ثم يقول بعضهم لبعض طوبى لهؤلاء يرجعون مغفورا لهم وأصل الحديث في مسلم وهذا سياق مسلم بن إبراهيم الكشي حدثنا عبد السلام بن عجلان حدثنا أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة فذكره(1\/428)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "399",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7915",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن الثاني والثلاثون من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم إذا نسي الشيء أو أراد ذكره  ذكره أبو موسى المديني وروى فيه من طريق محمد بن عتاب المروزي ثنا سعدان بن عبدة أبو سعيد المرزوي ثنا عبد الله بن عبد الله العتكي أنبأ أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نسيتم شيئا فصلوا علي تذكروه إن شاء الله قال الحافظ وقد ذكرناه من غيرها هذا الطريق في كتاب الحفظ والنسيان(1\/429)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "400",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7916",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن الثلاث والثلاثون من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند الحاجة تعرض للعبد  قال أحمد بن موسى الحافظ حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم قال ثنا عبد الله بن أحمد بن محمد بن أسيد حدثنا إسماعيل بن يزيد حدثنا إبراهيم بن الأشعث الخراساني حدثنا عبد الله بن سنان بن عقبة بن أبي عائشة المدني عن أبي سهل بن مالك عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى على مائة صلاة حين يصلي الصبح قبل أن يتكلم قضى الله له مائة حاجة عجل له منها ثلاثين الله حاجة وأخر له سبعين وفي المغرب مثل ذلك قالوا وكيف الصلاة عليك يا رسول الله قال إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما الأحزاب 56 اللهم صل عليه حتى تعد مائة مرة وقال إبراهيم بن الجنيد ثنا اسماعيل بن إسماعيل بن حديج بن معاوية عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال إذا أردت أن تسأل حاجة فابدأ(1\/430)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "401",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7917",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالمدحة والتحميد والثناء على الله عز وجل بما هو أهله ثم صل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ادع بعد فإن ذلك أحرى أن تصيب حاجتك وقال الطبراني حدثنا سهل بن موسى حدثنا زريق بن السحت حدثنا عبد الوهاب بن عطاء حدثنا فائد أبو الورقاء حدثنا عبد الله بن أبي أوفى قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من كان له إلى الله عز وجل حاجة فليتوضأ وليحسن الوضوء وليركع ركعتين وليثن على الله عز وجل وليصل على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش الكريم والحمد لله رب العالمين أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والغنيمة من كل بر والسلامة من كل ذنب لا تدع لي هما إلا فرجته ولا ذنبا إلا غفرته ولا حاجة هي لك رضى إلا قضيتها يا أرحم الراحمين وقال ابن مندة الحافظ حدثنا عبد الصمد العاصمي أخبرنا إبراهيم بن أحمد المستملي حدثنا محمد بن درستويه حدثنا سهل بن متويه حدثنا محمد بن عبيد حدثنا عباس بن بكار حدثنا أبو بكر الهذلي حدثنا محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى على في كل يوم مائة مرة قضى الله له مائة حاجة سبعين منها لأخرته وثلاثين منها(1\/431)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "402",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7918",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لديناه قال الحافظ أبو موسى المديني هذا حديث حسن قلت قد تقدم حديث فضالة بن عبيد وأبي بن كعب في ذلك(1\/432)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "403",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7919",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن الرابع والثلاثون من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند طنين الأذن  ذكره أبو موسى وغيره قال ابن عاصم في كتابه حدثنا ابوالربيع قال حدثنا حسان بن عدي قال حدثنا محمد بن عبيد الله بن أبى رافع عن أخيه عبد الله عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طنت أذن أحدكم فليصل علي وليقل ذكر الله بخير من ذكرني ورواه معمر بن محمد بن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده لم يذكر عبد الله في الإسناد وفي رواية ذكر الله من ذكرني بخير(1\/433)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "404",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7920",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن الخامس والثلاثون من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عقيب الصلوات  ذكره الحافظ أبو موسى وغيره ولم يذكروا في ذلك سوى حكاية ذكرها أبو موسى المديني من طريق عبد الغني بن سعيد قال سمعت إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل الحاسب قال أخبرني أبو بكر محمد بن عمر قال كنت عند أبي بكر بن مجاهد فجاء الشبلي فقام إليه أبو بكر بن مجاهد فعانقه وقبل بين عينيه فقلت له يا سيدي يفعل هذا بالشبلي وأنت وجميع من ببغداد يتصورونه أنه مجنون فقال لي فعلت به كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل به وذلك أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وقد أقبل الشبلي فقام إليه وقبل بين عينيه فقلت يا رسول الله أتفعل هذا بالشبلي فقال هذا يقرأ بعد صلاته لقد جاءكم رسول من أنفسكم التوبة 128 إلى آخرها ويتبعها بالصلاة علي وفي رواية أنه لم يصل صلاة فريضة إلا ويقرأ خلفها لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى آخر السورة ويقول ثلاث مرات صلى الله عليك يا محمد قال فلما دخل الشبلي سألته عما يذكر بعد الصلاة فذكر مثله(1\/434)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "405",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7921",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن السادس والثلاثون من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند الذبيحة  وقد اختلف في هذه المسألة فاستحبها الشافعي رحمه الله قال والتسمية على الذبيحة بسم الله فإن زاد بعد ذلك شيئا من ذكر الله تعالى فالزيادة خير ولا أكره مع تسميته على الذبيحة أن يقول صلى الله على رسول الله بل أحبه له وأحب أن يكثر الصلاة على كل الحالات لأن ذكر الله بالصلاة عليه إيمان بالله وعبادة له يؤجر عليها أن شاء الله تعالى من قالها وقد ذكر عبد الرحمن بن عوف أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فتقدمه النبي صلى الله عليه وسلم فتبعه عبد الرحمن ساجدا فوقف ينتظره فأطال ثم رفع فقال عبد الرحمن لقد خشيت أن يكون الله قبض روحك في سجودك فقال يا عبد الرحمن إني لما كنت حيث رأيت لقيني جبريل عليه السلام فأخبرني عن الله أنه قال من صلى عليك صليت عليه فسجدت لله شكرا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسي الصلاة علي خطئ به طريق الجنة وبسط رحمه الله الكلام في هذا ونازعه في ذلك آخرون منهم أصحاب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى فإنهم كرهوا الصلاة في هذا الموطن ذكره(1\/435)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "406",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7922",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صاحب المحيط وعلله بأنه قال لأن فيه الإهلال لغير الله تعالى واختلف أصحاب الإمام أحمد رحمه الله تعالى فكرهها القاضي وأصحابه وذكر الكراهة أبو الخطاب في رؤوس المسائل وقال ابن شاقلا تستحب كقول الشافعي واحتج من كرهها بأن قالوا روى أبو محمد الخلال بإسناده عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال موطئان لا حظ لي فيهما عند العطاس والذبح واحتجوا بحديث سليمان بن عيسى السجزي عن عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه وقد تقدم الكلام على هذا الحديث وأنه غير ثابت(1\/436)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "407",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7923",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن السابع والثلاثون من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في الصلاة في غير التشهد  بل في حال القراءة إذا مر بذكره أو بقوله تعالى إن الله وملائكته يصلون على النبي الأحزاب 56 الآية ذكره أصحابنا وغيرهم قالوا متى مر بذكره في القراءة وقف وصلى عليه وقال إسماعيل بن إسحاق حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا بشر بن منصور عن هشام عن الحسن قال إذا مر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فليقف وليصل عليه في التطوع ونص الإمام أحمد رحمه الله تعالى على ذلك فقال إذا مر المصلي بآية فيها ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فإن في كان نفل صلى الله عليه صلى الله عليه وسلم(1\/437)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "408",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7924",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الموطن الثامن والثلاثون من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في بدل الصدقة  لمن لم يكن له مال فتجزئ الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عن الصدقة للمعسر قال ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما رجل لم يكن عنده صدقة فليقل في دعائه اللهم صل على محمد عبدك ورسولك وصل على المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات فإنها له زكاة رواه عنه ابن أخيه وهارون بن معروف(1\/438)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "409",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7925",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن التاسع والثلاثون من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند النوم  قال أبو الشيخ في كتابه حدثنا إسحاق بن إسماعيل البرمكي حدثنا آدم أبي إياس حدثنا محمد بن نشر حدثنا محمد بن عامر قال قال أبو قرصافة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أوى إلى فراشه ثم قرأ تبارك الذي بيده الملك الملك 1 ثم قال اللهم رب الحل والحرم ورب البلد الحرام ورب الركن والمقام ورب المشعر الحرام بحق كل آية أنزلتها في شهر رمضان بلغ روح محمد صلى الله عليه وسلم مني تحية وسلاما أربع مرات وكل الله تعالى بها الملكين حتى يأتي محمدا صلى الله عليه وسلم فيقولان له يا محمد إن فلان بن فلان يقرأ عليك السلام ورحمة الله فيقول وعلى فلان مني السلام ورحمة الله وبركاته قال الحافظ أبو موسى نشر والد محمد بفتح النون قلت وأبو قرصافة ذكره ابن عبد البر في كتابه الصحابة وقال اسمه جندرة من بني كنانة له صحبة سكن فلسطين(1\/439)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "410",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7926",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقيل كان يسكن تهامة ولكن محمد بن نشر هذا هو المدني قال فيه الأزدي متروك الحديث مجهول وقلت وعلة الحديث أنه معروف من قول أبي جعفر الباقر وهذا أشبه والله أعلم(1\/440)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "411",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7927",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن الأربعون من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند كل كلام ذي بال  فإنه يبتدئ بحمد الله والثناء عليه ثم بالصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم ثم يذكر كلامه بعد ذلك أما ابتداؤه بالحمد فلما في مسند الإمام احمد وسنن أبي داود من حديث أبى هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال كل كلام لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فروى أبو موسى المديني من حديث إسماعيل بن أبي زياد عن يونس بن يزيد عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل كلام لا يذكر الله فيه فيبدأ به وبالصلاة علي فهو أقطع ممحوق من كل بركة \/\/ إسناده ضعيف \/\/(1\/441)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "412",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7928",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  الموطن الحادي والأربعون من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في أثناء صلاة العيد  فإنه يستحب أن يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم قال إسماعيل بن إسحاق حدثنا مسلم بن إبراهيم هشام الدستوائي حدثنا حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن علقمة أن ابن مسعود وأبا موسى وحذيفة خرج عليهم الوليد بن عقبة قبل العيد يوما فقال لهم إن هذا العيد قد دنا فكيف التكبير فيه قال عبد الله تبدأ فتكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة وتحمد ربك وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك ثم تكبر وتفعل مثل ذلك ثم تقرأ ثم تكبر وتكرع ثم تقوم وتقرأ وتحمد ربك وتصلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم ثم تدعو وتفعل مثل ذلك ثم تكبر وتفعل مثل ذلك ثم تكبر وتفعل ذلك ثم تركع فقال حذيفة وأبو موسى صدق أبو عبد الرحمن \/\/ إسناده حسن \/\/ وفي هذا الحديث الموالاة بين القراءتين وهي مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد وفيه تكبيرات العيد الزوائد ثلاثا ثلاثا وهو مذهب أبي حنيفة وفيه حمد الله والصلاة على(1\/442)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "413",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7929",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسوله بين التكبيرات وهو مذهب الشافعي وأحمد فأخذ أبو حنيفة به في عدد التكبيرات والموالاة بين القراءتين وأخذ به أحمد والشافعي في استحباب الذكر بين التكبيرات وأبو حنيفة ومالك يستحبان سرد التكبيرات من غير ذكر بينهما ومالك لم يأخذ به في هذا ولا في هذا والله سبحانه وتعالى اعلم(1\/443)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "414",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7930",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "- صلى الله عليه وسلم  - الباب الخامس - صلى الله عليه وسلم  - في الفوائد والثمرات الحاصلة بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم  الأولى امتثال أمر الله سبحانه وتعالى الثانية موافقته سبحانه في الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم وإن اختلفت الصلاتان فصلاتنا عليه دعاء وسؤال وصلاة الله تعالى عليه ثناء وتشريف كما تقدم الثالثة موافقة ملائكته فيها الرابعة حصول عشر صلوات من الله على المصلي مرة الخامسة أنه يرفع عشر درجات السادسة أنه يكتب له عشر حسنات السابعة أنه يمحى عنه عشر سيئات الثامنة أنه يرجى إجابة دعائه إذا قدمها أمامه فهي تصاعد الدعاء إلى عند رب العالمين التاسعة أنها سبب لشفاعته صلى الله عليه وسلم إذا قرنها بسؤال الوسيلة له أو أفردها كما تقدم حديث رويفع بذلك العاشرة أنها سبب لغفران الذنوب كما تقدم الحادية عشرة أنها سبب لكفاية الله العبد ما أهمه الثانية عشرة أنها سبب لقرب العبد منه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة(1\/445)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "415",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7931",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد تقدم حديث ابن مسعود رضي الله عنه بذلك الثالثة عشرة أنها تقوم مقام الصدقة لذي العسرة الرابعة عشرة أنها سبب لقضاء الحوائج الخامسة عشرة أنها سبب لصلاة الله على المصلي وصلاة ملائكته عليه السادسة عشرة أنها زكاة للمصلي وطهارة له السابعة عشرة أنها سبب لتبشير العبد بالجنة قبل موته ذكره الحافظ أبو موسى في كتابه وذكر فيه حديثا الثامنة عشرة أنها سبب للنجاة من أهوال يوم القيامة ذكره أبو موسى وذكر فيه حديثا التاسعة عشرة أنها سبب لرد النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة والسلام على المصلي والمسلم عليه العشرون أنها سبب لتذكر العبد ما نسيه كما تقدم الحادية والعشرون أنها سبب لطيب المجلس وأن لا يعود حسرة على أهله يوم القيامة الثانية والعشرون أنها سبب لنفي الفقر كما تقدم الثالثة والعشرون أنها تنفي عن العبد اسم البخل إذا صلى عليه عند ذكره صلى الله عليه وسلم الرابعة والعشرون أنها ترمي صاحبها على طريق الجنة وتخطئ بتاركها عن طريقها الخامسة والعشرون أنها تنجي من نتن المجلس الذي لا يذكر فيه الله ورسوله ويحمد ويثنى عليه فيه ويصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم(1\/446)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "416",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7932",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السادسة والعشرون أنها سبب لتمام الكلام الذي ابتدئ بحمد الله والصلاة على رسوله السابعة والعشرون أنها سبب لوفور نور العبد على الصراط وفيه حديث ذكره أبو موسى وغيره الثامنة والعشرون أنه يخرج بها العبد عن الجفاء التاسعة والعشرون أنها سبب لإبقاء الله سبحانه الثناء الحسن للمصلي عليه بين أهل السماء والأرض لأن المصلي طالب من الله أن يثني على رسوله ويكرمه ويشرفه والجزاء من جنس العمل فلا بد أن يحصل للمصلي نوع من ذلك الثلاثون أنها سبب البركة في ذات المصلي وعمله وعمره وأسباب مصالحه لأن المصلي داع ربه يبارك عليه وعلى آله وهذا الدعاء مستجاب والجزاء من جنسه الحادية والثلاثون أنها سبب لنيل رحمة الله له لأن الرحمة إما بمعنى الصلاة كما قاله طائفة وإما من لوازمها وموجباتها على القول الصحيح فلا بد للمصلي عليه من رحمة تناله الثانية والثلاثون أنها سبب لدوام محبته للرسول صلى الله عليه وسلم وزيادتها وتضاعفها وذلك عقد من عقود الإيمان الذي لا يتم إلا به لأن العبد كلما أكثر من ذكر المحبوب واستحضاره في قلبه واستحضار محاسنه ومعانيه الجالبة لحبه تضاعف حبه وتزايد شوقه إليه واستولى على جميع قلبه وإذا أعرض عن ذكره وإحضار محاسنه بقلبه نقص حبه من قلبه ولا شيء أقر لعين المحب من رؤية محبوبه ولا أقر لقلبه من ذكره وإحضار محاسنه فإذا قوي(1\/447)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "417",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7933",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا في قلبه جرى لسانه بمدحه والثناء عليه وذكر محاسنه وتكون زيادة ذلك ونقصانه بحسب زيادة الحب ونقصانه في قلبه والحس شاهد بذلك حتى قال بعض الشعراء في ذلك (عجبت لمن يقول ذكرت حبي ... وهل أنسى فأذكر من نسيت) فتعجب هذا المحب ممن يقول ذكرت محبوبي لأن الذكر يكون بعد النسيان ولو كمل حب هذا لما نسي محبوبه وقال آخر (أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل) فهذا أخبر عن نفسه أن محبته لها مانع له من نسيانها وقال آخر (يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل) فأخبر أن حبهم وذكرهم قد صار طبعا له فمن أراد منه خلاف ذلك أبت عليه طباعه أن تنتقل عنه والمثل المشهور من أحب شيئا أكثر من ذكره وفي هذا الجناب الأشرف أحق ما أنشد (لو شق قلبي ففي وسطه ... ذكرك والتوحيد في سطر) فهذا قلب المؤمن توحيد الله وذكر رسوله مكتوبان فيه لا يتطرق إليهما محو ولا إزالة ولما كانت كثرة ذكر الشيء موجبة لدوام محبته ونسيانه سببا لزوال محبته أو اضعافها وكان سبحانه هو المستحق من عباده نهاية الحب مع نهاية التعظيم بل الشرك الذي لا يغفره الله تعالى هو أن يشرك به في الحب والتعظيم فيحب غيره ويعظم من المخلوقات غيره كما يحب الله تعالى ويعظمه قال(1\/448)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "418",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7934",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله البقرة 165 فأخبر سبحانه أن المشرك يحب الند كما يحب الله تعالى وأن المؤمن أشد حبا لله من كل شيء وقال أهل النار في النار تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين الشعراء 97 98 ومن المعلوم أنهم إنما سووهم به سبحانه في الحب والتأله والعبادة وإلا فلم يقل أحد قط إن الصنم أو غيره من الأنداد مساو لرب العالمين في صفاته وفي أفعاله وفي خلق السماوات والأرض وفي خلق عباده أيضا وإنما كانت السوية في المحبة والعبادة وأضل من هؤلاء وأسوأ حالا من سوى كل شيء بالله سبحانه في الوجود وجعله وجود كل موجود كامل أو ناقص فإذا كان الله قد حكم بالضلال والشقاء لمن سوى بينه وبين الأصنام في الحب مع اعتقادههم تفاوت ما بين الله وبين خلقه في الذات والصفات والأفعال فكيف بمن سوى الله بالموجودات في جميع ذلك وزعم أنه ما عبد غير الله في كل معبود(1\/449)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "419",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7935",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمقصود أن دوام الذكر لما كان سببا لدوام المحبة وكان الله سبحانه أحق بكمال الحب والعبودية والتعظيم والإجلال كان كثرة ذكره من أنفع ما للعبد وكان عدوه حقا هو الصاد له عن ذكر ربه وعبوديته ولهذا أمر الله سبحانه بكثرة ذكره في القرآن وجعله سببا للفلاح فقال تعالى واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون الجمعة 10 وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا الجمعة 41 وقال تعالى والذاكرين الله كثيرا والذاكرات الأحزاب 35 وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون المنافقون 9 وقال تعالى فاذكروني أذكركم البقرة 152 وقال النبي صلى الله عليه وسلم سبق المفردون قالوا يا رسول الله وما المفردون قال الذاكرون الله كثيرا والذاكرات وفي الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ألا أدلكم على خير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا بلى يا رسول الله قال ذكر الله تعالى \/\/ إسناده صحيح \/\/ وهو(1\/450)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "420",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7936",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في الموطأ موقوف على أبي الدرداء قال معاذ بن جبل ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله وذكر رسوله صلى الله عليه وسلم تبع لذكره والمقصود أن دوام الذكر سبب لدوام المحبة فالذكر للقلب كالماء للزرع بل كالماء للسمك لا حياة له إلا به وهو أنواع ذكره بأسمائه وصفاته والثناء عليه بها الثاني تسبيحه وتحميده وتكبيره وتهليله وتمجيده والغالب من استعمال لفظ الذكر عند المتأخرين هذا الثالث ذكره بأحكامه وأوامره ونواهيه وهو ذكر العالم بل الأنواع الثلاثة هي ذكرهم لربهم ومن أفضل ذكره ذكره بكلامه قال تعالى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى طه 124 فذكره هنا كلامه الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم وقال تعالى الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب الرعد 28 ومن ذكره سبحانه دعاؤه واستغفاره والتضرع إليه فهذه خمسة أنواع من الذكر(1\/451)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "421",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7937",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفائدة الثالثة والثلاثون أن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم سبب لمحبته للعبد فإنها إذا كانت سببا لزيادة محبة المصلى عليه له فكذلك هي سبب لمحبته هو للمصلي عليه صلى الله عليه وسلم الرابعة والثلاثون أنها سبب لهداية العبد وحياة قلبه فإنه كلما أكثر الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم وذكره واستولت محبته على قلبه حتى لا يبقى في قلبه معارضة لشيء من أوامره ولا شك في شيء مما جاء به بل يصير ما جاء به مكتوبا مسطورا في قلبه لا يزال يقرؤه على تعاقب أحواله ويقتبس الهدى والفلاح وأنواع العلوم منه وكلما ازداد في ذلك بصيرة وقوة ومعرفة ازدادت صلاته عليه صلى الله عليه وسلم ولهذا كانت صلاة أهل العلم العارفين بسنته وهديه المتبعين له على خلاف صلاة العوام عليه الذين حظهم منها إزعاج أعضائهم بها رفع أصواتهم وأما أتباعه العارفون بسنته وهديه المتبعين له على خلاف العوام عليه الذين حظهم منها إزعاج أعضائهم بها ورفع أصواتهم وأما أتباعه العارفون بسنته العالمون بما جاء به فصلاتهم عليه نوع آخر فكلما ازدادوا فيما جاء به معرفة ازدادوا له محبة ومعرفة بحقيقة الصلاة المطلوبة له من الله تعالى وهكذا ذكر الله سبحانه كلما كان العبد به أعرف وله أطوع وإليه أحب كان ذكره غير ذكر الغافلين اللاهين وهذا أمر إنما يعلم بالخبر لا بالخبر وفرق بين من يذكر صفات محبوبه الذي قد ملك حبه جميع قلبه ويثني عليه وبها ويمجده بها وبين من يذكرها إما أمارة وإما لفظا لا يدري ما معناه لا يطابق فيه قلبه لسانه كما أنه فرق بين بكاء النائحة وبكاء الثكلى فذكره صلى الله عليه وسلم وذكر ما جاء به وحمد الله سبحانه على إنعامه علينا ومنته بإرسالة هو حياة الوجود وروحه كما قيل (روح المجالس ذكره وحديثه ... وهدى لكل ملدد حيران)(1\/452)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "422",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7938",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(وإذا اخل في مجلس ... فأولئك الأموات في الحيان) الخامسة والثلاثون أنها سبب لعرض اسم المصلي عليه صلى الله عليه وسلم وذكره عنده كما تقدم قوله إن صلاتكم معروضة علي وقوله صلى الله عليه وسلم إن الله وكل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام وكفى بالعبد نبلا أن يذكر اسمه بالخير بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قيل في هذا المعنى (ومن خطرت منه خطرة ... حقيق بأن يتقدما) وقال الآخر (أهلا بما لم أكن أهلا لموقعه ... قول المبشر بعد اليأس بالفرج) لك البشارة فاخلع ما عليك فقد ... ذكرت ثم على ما فيك من عوج) السادسة والثلاثون أنها سبب لتثبيت القدم على الصراط والجواز عليه لحديث عبد الرحمن بن سمرة الذي رواه عنه سعيد بن المسيب في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم وفيه ورأيت رجلا من امتي يزحف على الصراط ويحبو أحيانا ويتعلق احيانا فجاءته علي فأقامته على قدميه وأنقذته رواه أبو موسى المديني وبنى عليه كتابه في  الترغيب والترهيب  وقال هذا حديث حسن جدا السابعة والثلاثون أن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم أداء لأقل القليل من حقه وشكر له على نعمته التي أنعم الله بها علينا مع أن الذي يستحقه من ذلك لا يحصى علما ولا قدرة ولا إرادة ولكن الله سبحانه لكرمه رضي من عباده باليسير من شكره وأداء حقه الثامنة والثلاثون أنها متضمنة لذكر الله تعالى وشكره ومعرفة إنعامه على عبيده بإرساله فالمصلي عليه صلى الله عليه وسلم قد تضمنت(1\/453)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "423",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7939",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلاته علي ذكر الله وذكر رسوله وسؤاله أن يجزيه بصلاته عليه ما هو أهله كما عرفنا ربنا وأسماءه وصفاته وهدانا إلى طريق مرضاته وعرفنا مالنا بعد الوصول إليه والقدوم عليه فهي متضمنة لكل الإيمان بل هي متضمنة للإقرار بوجوب الرب المدعو وعلمه وسمعه وقدرته وارادته وحياته وكلامه وإرسال رسوله وتصديقه في أخباره كلها وكمال محبته ولا ريب أن هذه هي أصول الإيمان فالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم متضمنة لعلم العبد ذلك وتصديقه به ومحبته له فكانت من أفضل الاعمال التاسع والثلاثون أن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم من العبد هي دعاء ودعاء العبد وسؤاله من ربه نوعان أحدهما سؤاله حوائجه ومهماته وما ينوبه في الليل والنهار فهذا دعاء وسؤال وإيثار لمحبوب العبد ومطلوبه والثاني سؤاله أن يثني على خليله وحبيبه ويزيد في تشريفه وتكريمه وإيثاره ذكره ورفعه ولا ريب أن الله تعالى يحب ذلك ورسوله يحبه فالمصلي عليه صلى الله عليه وسلم قد صرف سؤاله ورغبته وطلبه إلى محاب الله ورسوله وآثر ذلك على طلبه حوائجه ومحابه هو بل كان هذا المطلوب من أحب الأمور إليه وآثرها عنده فقد آثر ما يحبه الله ورسوله على ما يحبه هو فقد آثر الله ومحابه على ما سواه والجزاء من جنس العمل فمن آثر الله على غيره آثره الله على غيره واعتبر هذا بما تجد الناس يعتمدونه عند ملوكهم ورؤسائهم إذا أرادوا التقرب اليهم والمنزلة عندهم فإنهم يسألون المطاع أن ينعم على من يعلمونه أحب رعيته إليه وكلما سألوه أن يزيد في حبائه وإكرامه وتشريفه علت منزلتهم عنده وازداد قربهم(1\/454)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "424",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7940",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منه وحظوا بهم لديه لأنهم يعلمون منه إرادة الإنعام والتشريف والتكريم لمحبوبه فأحبهم إليه أشدهم له سؤالا ورغبة أن يتم عليه إنعامه وإحسانه هذا أمر مشاهد بالحس ولا تكون منزلة هؤلاء ومنزلة المطاع حوائجه هو وهو فارغ من سؤاله تشريف محبوبه والإنعام عليه واحدة فكيف بأعظم محب وأجله لأكرم محبوب وأحقه بمحبة ربه له ولو لم يكن من فوائد الصلاة عليه إلا هذا المطلوب وحده لكفى المؤمن به شرفا وها هنا نكتة حسنة لمن علم أمته دينه وما جاء به ودعاهم إليه وحضهم عليه وصبر على ذلك وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم له من الأجر الزائد على أجر عمله مثل أجور من اتبعه فالداعي إلى سنته ودينه والمعلم الخير للأمة إذا قصد توفير هذا الحظ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصرفه إليه وكان مقصوده بدعاء الخلق إلى الله التقرب إليه بإرشاد عباده وتوفير أجور المطيعين له على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع توفيتهم أجورهم كاملة كان له من الأجر في دعوته وتعليمه بحسب هذه النية وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم(1\/455)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "425",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7941",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "- صلى الله عليه وسلم  - الباب السادس - صلى الله عليه وسلم  - في الصلاة على غير النبي وآله صلى الله عليه وسلم تسليما  أما سائر الأنبياء والمرسلين فيصلي عليهم ويسلم قال تعالى عن نوح عليه السلام وتركنا عليه في الآخرين سلام على نوح في العالمين إنا كذلك نجزي المحسنين الصافات 78 80 وقال تعالى عن إبراهيم خليله وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم الصافات 108 و 109 وقال تعالى في موسى وهارون وتركنا عليهما في الآخرين سلام على موسى وهارون الصافات 119 و 120 وقال تعالى سلام على إل ياسين الصافات 130 فالذي تركه سبحانه على رسله في الآخرين هو السلام عليهم المذكور وقد قال جماعة من المفسرين منهم مجاهد وغيره وتركنا عليهم في الآخرين الثناء الحسن ولسان الصدق للأنبياء كلهم وهذا قول قتادة أيضا ولا ينبغي أن يحكى هذا قولين للمفسرين كما يفعله من له بحكاية الأقوال بل هما قول واحد فمن قال إن المتروك هو السلام عليهم في الآخرين نفسه فلا ريب أن قوله(1\/457)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "426",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7942",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سلام على نوح جملة في موضع نصب ب تركنا والمعنى أن العالمين يسلمون على نوح ومن بعده من الأنبياء ومن فسره بلسان الصدق والثناء الحسن نظر إلى لازم السلام وموجبة وهو الثناء عليهم وما جعل لهم من لسان الصدق الذي لأجله إذا ذكروا سلم عليهم وقد زعمت طائفة منهم ابن عطية وغيره أن من قال تركنا عليه ثناء حسنا ولسان صدق كان سلام على نوح في العالمين جملة ابتدائية لا محل لها من الإعراب وهو سلام من الله سلم به عليه قالوا فهذا السلام من الله أمنة لنوح في العالمين أن يذكره أحد بشر قاله الطبري وقد يقوي هذا القول أنه سبحانه أخبر أن المتروك عليه هو في الآخرين وأن السلام عليه في العالمين وبأن ابن عباس رضي الله عنهما قال أبقى الله عليه ثناء حسنا وهذا القول ضعيف لوجوه أحدها أنه يلزم منه حذف المفعول ل تركنا ولا يبقى في الكلام فائدة على التقدير فإن المعنى يؤول إلى أنا تركنا عليه في الآخرين امرا مالا ذكر له في اللفظ لأن السلام عند هذا القائل منقطع مما قبله لا تعلق له بالفعل الثاني أنه لو كان المفعول محذوفا كما ذكروه لذكره في موضع واحد ليدل على المراد منه حذفه ولم يطرد في جميع من أخبر أنه ترك عليه في الآخرين الثناء الحسن وهذه طريقة القرآن بل وكان فصيح أن يذكر الشيء في موضع ثم يحذفه في موضع آخر لدلالة المذكور على المحذوف وأكثر ما تجده مذكورا(1\/458)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "427",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7943",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحذفه قليل وأما أن يحذف حذفا مطردا ولم يذكره في موضع واحد ولا في اللفظ ما يدل عليه فهذا لا يقع في القرآن الثالث أن في قراءة ابن مسعود \/ lt; وتركنا عليه في الآخرين سلاما gt; \/ بالنصب وهذا وهذا يدل على إن المتروك هو السلام نفسه الرابع أنه لو كان السلام منقطعا مما قبله لأخل ذلك بفصاحة الكلام وجزالته ولما حسن الوقوف على ما قبله وتأمل هذا بحال السامع إذا سمع قوله وتركنا عليه في الآخرين كيف يجد قلبه متشوقا متطلعا إلى تمام الكلام واجتناء الفائدة منه ولا يجد فائدة الكلام انتهت وتمت ليطمئن عندها بل يبقى طالبا لتمامها وهو المتروك فالوقف على الآخرين ليس بوقف تام فإن قيل فيجوز حذف المفعول من هذا الباب لأن ترك هنا بمعنى أعطى لأنه اعطاه ثناءا حسنا أبقاه عليه في الآخرين ويجوز في باب أعطى ذكر المفعولين وحذفهما والاقتصار على أحدهما وقد وقع ذلك في القرآن كقوله إنا أعطيناك الكوثر فذكرهما وقال تعالى فأما من أعطى الليل 5 فحذفهما وقال تعالى ولسوف يعطيك ربك الضحى فحذف الثاني واقتصر على الأول وقال يؤتون الزكاة فحذف الأول واقتصر على الثاني قيل فعل الإعطاء فعل مدح فلفظه دليل على أن المفعول المعطى قد ناله عطاء المعطى والإعطاء إحسان ونفع وبر فجاز ذكر المفعولين وحذفهما والاقتصار على أحدهما بحسب الغرض المطلوب من الفعل فإن كان المقصود إيجاد ماهية الإعطاء(1\/459)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "428",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7944",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المخرجة للعبد من البخل والشح والمنع المنافي للإحسان ذكر الفعل مجردا كما قال تعالى فأما من أعطى واتقى ولم يذكر ما أعطى ولا من أعطى وتقول فلان يعطي ويتصدق ويهب ويحسن وقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت لما كان المقصود بهذا تفرد الرب سبحانه بالعطاء والمنع لم يكن لذكر المعطى ولا لحظ المعطى معنى بل المقصود أن حقيقة العطاء والمنع إليك لا إلى غيرك بل أنت المتفرد بها لا يشركك فيها أحد فذكر المفعولين هنا يخل بتمام المعنى وبلاغته وإذا كان المقصود ذكرهما ذكرا معا كقوله تعالى إنا أعطيناك الكوثر الكوثر 1 فإن المقصود إخباره لرسوله صلى الله عليه وسلم بما خصه به وأعطاه إياه من الكوثر ولا يتم هذا إلا بذكر المفعولين وكذا قوله تعالى ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا الإنسان 8 وإذا كان المقصود أحدهما فقط اقتصر عليه كقوله تعالى ويؤتون الزكاة المقصود به أنهم يفعلون هذا الواجب عليهم ولا يهملونه فذكره لانه هو المقصود وقوله عن أهل النار لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين المدثر 43 44 لما كان المقصود الإخبار عن المستحق للإطعام أنهم بخلوا عنه ومنعوه حقه من الإطعام وقست قلوبهم عنه كان ذكره هو المقصود دون المطعوم وتدبر هذه الطريقة في القرآن وذكره للأهم المقصود وحذفه(1\/460)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "429",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7945",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لغيره يطلعك على باب من أبواب إعجازه وكمال فصاحته وأما فعل الترك فلا يشعر بشيء من هذا ولا يمدح به فلو قلت فلان يترك لم يكن مفيدا فائدة أصلا بخلاف قولك يطعم ويعطي ويهب ونحوه بل لا بد أن تذكر ما يترك ولهذا لا يقال فلان تارك ويقال معط ومطعم ومن أسمائه سبحانه المعطي فقياس ترك على أعطى من أفسد القياس و سلام على نوح في العالمين الصافات 79 جملة محكية قال الزمخشري وتركنا عليه في الآخرين الصافات 78 من الأمم هذه الكلمة وهي سلام على نوح يعني يسلمون عليه تسليما ويدعون له وهو من الكلام المحكي كقولك قرأت سورة أنزلناها الخامس أنه قال سلام على نوح في العالمين فأخبر سبحانه أن هذا السلام عليه في العالمين ومعلوم أن هذا السلام فيهم هو سلام العالمين عليه كلهم يسلم عليه ويثني عليه ويدعو له فذكره بالسلام عليه فيهم وأما سلام الله سبحانه وتعالى عليه فليس مقيدا بهم ولهذا لا يشرع أن يسأل الله تعالى مثل ذلك فلا يقال السلام على رسول الله في العالمين ولا اللهم صل وسلم على رسولك في العالمين ولو كان هذا هو سلام الله لشرع أن يطلب من الله على الوجه الذي سلم به وأما قولهم إن الله سلم عليه في العالمين وترك عليه في الآخرين فالله سبحانه وتعالى أبقى على أنبيائه ورسله سلاما وثناء حسنا فيمن تأخر بعدهم جزاء على صبرهم وتبليغهم رسالات ربهم(1\/461)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "430",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7946",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحتمالهم للأذى من أممهم في الله وأخبر أن هذا المتروك على نوح هو عام في العالمين وأن هذه التحية ثابتة فيهم جميعا لا يخلون منها فأدامها عليه في الملائكة والثقلين طبقا بعد طبق وعالما بعد عالم مجازاة لنوح عليه السلام بصبره وقيامه بحق ربه وبأنه أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض وكل المرسلين بعده بعثوا بدينه كما قال تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا الشورى 13 وقولهم إن هذا قول ابن عباس فقد تقدم أن ابن عباس وغيره إنما أرادوا بذلك أن السلام عليه من الثناء الحسن ولسان الصدق فذكروا معنى السلام عليه وفائدته والله سبحانه أعلم وأما الصلاة عليهم فقال إسماعيل بن إسحاق في كتابه حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا عمر بن هارون عن موسى بن عبيدة عن محمد بن ثابت عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلوا على أنبياء الله ورسله فإن الله بعثهم كما بعثني صلى الله عليه وسلم تسليما رواه الطبراني عن الدبري عن عبد الرزاق عن الثوري عن موسى وقال الطبراني حدثنا ابن أبي مريم حدثنا الفريابي حدثنا سفيان عن موسى بن عبيدة عن محمد بن عمرو بن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صليتم علي فصلوا على أنبياء الله فإن الله بعثهم كما بعثني \/\/ إسناده ضعيف \/\/(1\/462)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "431",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7947",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الباب عن أنس وقيل عن أنس عن أبي طلحة قال الحافظ أبو موسى المديني وبلغني بإسناد عن بعض السلف أنه رأى آدم عليه الصلاة والسلام في المنام كأنه يشكو قلة صلاة بنيه عليه صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وموسى وإن كان ضعيفا فحديثه يستأنس به وقد حكى غير واحد الإجماع على أن الصلاة على جميع النبيين مشروعة منهم الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله وغيره قد حكي عن مالك رضي الله عنه رواية أنه لا يصلى على غير نبينا صلى الله عليه وسلم ولكن قال اصحابه هي مؤولة بمعنى أنا لم نتعبد بالصلاة على غيره من الأنبياء كما تعبدنا الله بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم(1\/463)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "432",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7948",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  وأما من سوى الأنبياء فآل النبي صلى الله عليه وسلم يصلى عليهم بغير خلاف بين الأمة واختلف موجبو الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في وجوبها على آله على قولين مشهورين لهم وهي طريقتان للشافعية إحداهما أن الصلاة واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم وفي وجوبها على الآل قولان للشافعي هذه طريقة إمام الحرمين والغزالي والطريقة الثانية أن في وجوبها على الآل وجهين وهي الطريقة المشهورة عندهم والذي صححوه أنها غير واجبة عليهم واختلف أصحاب أحمد في وجوب الصلاة على آله صلى الله عليه وسلم وفي ذلك وجهان لهم وحيث أوجبوها فلو أبدل لفظ الآل بالأهل فقال اللهم صل على محمد وعلى أهل محمد ففي الاجراء وجهان وحكى بعض أصحاب الشافعي الإجماع على أن الصلاة على الآل مستحبة لا واجبة ولا يثبت في ذلك إجماع(1\/464)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "433",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7949",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  وهل يصلي على آله منفردين عنه فهذه المسألة على نوعين أحدهما أن يقال اللهم صل على آل محمد فهذا يجوز ويكون صلى الله عليه وسلم داخلا في آله فالإفراد عنه وقع في اللفظ لا في المعنى الثاني أن يفرد واحد منهم بالذكر فيقال اللهم صل على علي أو على حسن أو حسين أو فاطمة ونحو ذلك فاختلف في ذلك وفي الصلاة على غير آله صلى الله عليه وسلم من الصحابة ومن بعدهم فكرة ذلك مالك وقال لم يكن ذلك من عمل من مضى وهو مذهب أبي حنيفة أيضا وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري وبه قال طاووس وقال ابن عباس لا ينبغي الصلاة إلا على النبي صلى الله عليه وسلم قال إسماعيل بن إسحاق حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب قال حدثنا عبد الرحمن بن زياد حدثني عثمان بن حنيف عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال لا تصلح الصلاة على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات بالإستغفار(1\/465)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "434",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7950",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز قال أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حسين بن علي عن جعفر بن برقان قال كتب عمر بن عبد العزيز أما بعد فإن ناسا من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة وإن القصاص قد أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدل صلاتهم على النبي صلى الله عليه وسلم فإذا جاءك كتابي فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين ودعاؤهم للمسلمين عامة ويدعو ما سوى ذلك وهذا مذهب أصحاب الشافعي ولهم ثلاثة أوجه أحدها أنه منع تحريم والثاني وهو قول الأكثرين انه منع كراهية تنزيه والثالث أنه من باب ترك الأولى وليس بمكروه حكاها النووي في الأذكار قال والصحيح الذي عليه الاكثرون أنه مكروه كراهة تنزيه ثم اختلفوا في السلام هل هو في معنى الصلاة فيكره أن يقال السلام على فلان أو قال فلان عليه السلام فكرهه طائفة منهم أبو محمد الجويني ومنع أن يقال عن علي عليه السلام وفرق آخرون بينه وبين الصلاة فقالوا السلام يشرع في حق كل مؤمن حي وميت وحاضر وغائب فإنك تقول بلغ فلانا مني السلام وهو تحية أهل الإسلام بخلاف الصلاة فإنها من حقوق الرسول صلى الله عليه وسلم ولهذا يقول المصلي السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ولا يقول الصلاة علينا وعلى عباد الله الصالحين فعلم الفرق(1\/466)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "435",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7951",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحتج هؤلاء بوجوه أحدها قول ابن عباس وقد تقدم الثاني أن الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم وآله قد صارت شعار أهل البدع وقد نهينا عن شعارهم ذكره النووي قلت ومعنى ذلك أن الرافضة إذا ذكروا ائمتهم يصلون عليهم بأسمائهم ولا يصلون على غيرهم ممن هو خير منهم وأحب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فينبغي أن يخالفوا في هذا الشعار الثالث ما احتج به مالك رحمه الله أن هذا لم يكن من عمل من مضى من الأمة ولو كان خيرا لسبقونا إليه الرابع أن الصلاة قد صارت مخصوصة في لسان الأمة بالنبي صلى الله عليه وسلم تذكر مع ذكر اسمه كما صار عز وجل وسبحانه وتعالى مخصوصا بالله عز وجل يذكر مع ذكر اسمه ولا يسوغ أن يستعمل ذلك لغيره فلا يقال محمد عز وجل ولا سبحانه وتعالى فلا يعطى المخلوق مرتبة الخالق فهكذا لا ينبغي أن يعطى غير النبي صلى الله عليه وسلم مرتبته فيقال قال فلان صلى الله عليه وسلم الخامس أن الله سبحانه قال لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا النور 63 فأمر سبحانه إلا يدعى باسمه كما يدعى غيره باسمه فكيف يسوغ أن تجعل الصلاة عليه كما تجعل على غيره في دعائه والاخبار عنه هذا مما لا يسوغ أصلا السادس أن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته في التشهد أن يسلموا(1\/467)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "436",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7952",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على عباد الله الصالحين ثم يصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فعلم أن الصلاة عليه حقه الذي لا يشركه في أحد السابع أن الله سبحانه ذكر الأمر بالصلاة عليه في معرض حقوقه وخواصه التي خصه بها من تحريم نكاح أزواجه وجواز نكاحه لمن وهبت نفسها له ايجاب اللعنة لمن آذاه وغير ذلك من حقوقه وأكدها بالأمر بالصلاة عليه والتسليم فدل على أن ذلك حق له خاصة وآله تبع له فيه الثامن أن الله سبحانه شرع للمسلمين أن يدعو بعضهم لبعض ويستغفر بعضهم لبعض ويترحم عليه في حياته وبعد موته وشرع لنا أن نصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد موته فالدعاء حق للمسلمين والصلاة حق لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يقوم أحدهما مقام الآخر ولهذا في صلاة الجنازة إنما يدعى للميت ويترحم عليه ويستغفر له ولا يصلي عليه بدل ذلك فيقال اللهم صل عليه وسلم وفي الصلوات يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ولا يقال بدله اللهم اغفر له وارحمه ونحو ذلك بل يعطى كل ذي حق حقه التاسع أن المؤمن أحوج الناس إلى أن يدعى له بالمغفرة والرحمة والنجاة من العذاب وأما النبي صلى الله عليه وسلم فغير محتاج أن يدعى له بذلك فالصلاة عليه زيادة في تشريف الله له وتكريمه ورفع درجاته وهذا حاصل له صلى الله عليه وسلم وإن غفل عن ذكره الغافلون فالأمر بالصلاة عليه إحسان من الله للأمة ورحمة بهم لينيلهم كرامته بصلاتهم على رسوله صلى الله عليه وسلم بخلاف غيره من الأمة فإنه يحتاج إلى من يدعو له ويستغفر له ويترحم عليه ولهذا جاء الشرع بهذا في محله وهذا في محله(1\/468)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "437",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7953",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العاشر أنه لو كانت الصلاة على غيره صلى الله عليه وسلم سائغة فإما أن يقال باختصاصها ببعض الأمة أو يقال تجوز على كل مسلم فإن قيل باختصاصها فلا وجه له وهو تخصيص من غير مخصص وإن قيل بعدم الاختصاص وانها تسوغ لكل من يسوغ الدعاء له فحينئذ تسوغ الصلاة على المسلم وإن كان من أهل الكبائر فكما يقال اللهم تب عليه اللهم اغفر له يقال اللهم صل عليه وهذا باطل وإن قيل تجوز على الصالحين دون غيرهم فهذا مع أنه لا دليل عليه ليس له ضابط فإن كون الرجل صالحا أو غير صالح وصف يقبل الزيادة والنقصان وكذلك كونه وليا لله وكونه متقيا وكونه مؤمنا كل ذلك يقبل الزيادة والنقصان فما ضابط من يصلي عليه من الأمة ومن لا يصلى عليه قالوا فعلم بهذه الوجوه العشرة اختصاص الصلاة بالنبي صلى الله عليه وسلم وآله وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا تجوز الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم وآله قال القاضي أبو الحسين بن الفراء في رؤوس مسائله وبذلك قال الحسن البصري وخصيف ومجاهد ومقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان وكثير من أهل التفسير قال وهو قول الإمام احمد نص عليه في رواية أبي داود وقد سئل أينبغي أن يصلي على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم قال أليس قال علي لعمر رضي الله عنهما صلى الله عليك قال وبه قال إسحاق بن راهويه وأبو ثور ومحمد بن جرير الطبري وغيرهم وحكى أبو(1\/469)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "438",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7954",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بكر بن أبي داود عن أبيه ذلك قال أبو الحسين وعلى هذا العمل واحتج هؤلاء بوجوه أحدها قوله سبحانه وتعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم التوبة 103 فأمر سبحانه أن يأخذ الصدقة من الأمة وأن يصلي عليهم ومعلوم أن الأئمة بعده يأخذون الصدقة كما كان يأخذها فيشرع لهم أن يصلوا على المتصدق كما كان يصلي عليه النبي صلى الله عليه وسلم الثاني في الصحيحين من حديث شعبة عن عمرو عبن عبد الله بن أبي أوفى قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال اللهم صل على آل فلان فأتاه أبي بصدقته فقال اللهم صل على آل أبي أوفى والأصل عدم الاختصاص وهذا ظاهر في أنه هو المراد من الآية الثالث ما رواه حجاج عن أبي عوانة عن الأسود بن قيس عن نبيه العنزي عن جابر بن عبد الله إن امرأة قالت يا رسول الله صل علي وعلى زوجي فقال صلى الله عليك وعلى زوجك \/\/ إسناده قوي \/\/ رواه أحمد وأبو داود في السنن الرابع ما رواه ابن سعد في كتاب الطبقات من حديث ابن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله إن عليا دخل(1\/470)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "439",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7955",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على عمر وهو مسجى فلما انتهى إليه قال صلى الله عليك ما أحد ألقى إلى الله بصحيفته أحب إلى من هذا المسجى بينكم الخامس ما رواه إسماعيل بن إسحاق حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا نافع بن عبد الرحمن أبي نعيم القارئ عن نافع عن ابن عمر أنه كان يكبر على الجنازة ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يقول اللهم بارك فيه وصل عليه واغفر له وأورده حوض نبيك \/\/ إسناده صحيح \/\/ السادس أن الصلاة هي الدعاء وقد أمرنا بالدعاء بعضنا لبعض احتج بهذه الحجة أبو الحسين السابع ما رواه مسلم في صحيحه من حديث حماد بن زيد عن بديل عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة قال إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدانها قال حماد فذكر من طيب ريحها وذكر المسك قال ويقول أهل السماء روح طيبة جاءت من قبل الأرض صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه وذكر الحديث هكذا قال مسلم عن أبي هريرة موقوفا وسياقه يدل على أنه مرفوع فإنه قال بعده وأن الكافر إذا خرجت روحه قال حماد وذكر من نتنها وذكر لعنا ويقول أهل السماء روح خبيثة جاءت من قبل الأرض قال فيقال انطلقوا به إلى آخر الأجل قال أبو هريرة فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ريطة كانت على أنفه هكذا(1\/471)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "440",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7956",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم بالحديث وقد رواه جماعة عن أبي هريرة مرفوعا منهم أبو سلمة وعمر بن الحكم وإسماعيل السدي عن أبيه عن أبي هريرة وسعيد بن يسار وغيرهم وقد استوفيت الكلام على هذا الحديث وأمثاله في  كتاب الروح  قالوا فإذا كانت الملائكة تقول للمؤمن صلى الله عليك جاز ذلك للمؤمنين بعضهم لبعض الثامن قوله صلى الله عليه وسلم إن الله وملائكته يصلون على معلم الناس الخير \/\/ حديث حسن صحيح \/\/ وقد قال تعالى هو الذي يصلي عليكم وملائكته الأحزاب 43 التاسع ما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف وفي حديث آخر عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله(1\/472)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "441",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7957",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف وقد تقدم في أول الكتاب صلاة الملائكة على من صلي على النبي صلى الله عليه وسلم العاشر ما احتج به القاضي أبو يعلى ورواه بإسناد من حديث مالك بن يخامر عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا أنه قال اللهم صل على أبي بكر فإنه يحب الله ورسوله اللهم صل على علي فإنه يحب الله ورسوله اللهم صل على عمرو بن العاص فإنه يحب الله ورسوله الحادي عشر ما رواه يحيى بن يحيى في موطئه عن مالك عن عبد الله بن دينار قال رأيت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما هذا لفظ يحيى بن يحيى الثاني عشر أنه قد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على أزواجه في الصلاة وقد تقدم قالوا وهذا على أصولكم ألزم فإنكم لم تدخلوهن في آله الذي تحرم عليهم الصدقة فإذا جازت الصلاة عليهن جازت على غيرهن من الصحابة رضي الله عنهم الثالث عشر أنكم قد قلتم بجواز الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم وآله تبعا له فقلتم بجواز أن يقال اللهم صل على محمد وعلى آل محمد واصحابه وأزواجه وذريته وأتباعه قال أبو زكريا النووي واتفقوا على جواز جعل غير الأنبياء تبعا لهم في الصلاة ثم ذكر هذه الكيفية وقال للأحاديث(1\/473)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "442",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7958",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصحيحة في ذلك وقد أمرنا به في التشهد ولم يزل السلف عليه خارج الصلاة أيضا قلت ومنه الأثر المعروف عن بعض السلف اللهم صل على ملائكتك المقربين وأنبيائك والمرسلين وأهل طاعتك أجمعين من أهل السماوات والأرضين الرابع عشر ما رواه أبو يعلى الموصلي عن ابن زنجويه حدثنا أبو المغيرة حدثنا أبو بكر بن أبي مريم حدثنا ضمرة بن حبيب بن صهيب عن أبي الدرداء عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دعاه وأمره أن يتعاهد به أهله كل يوم قال قل حين تصبح لبيك اللهم لبيك لبيك وسعديك والخير في يديك ومنك وإليك اللهم ما قلت من قول أو نذرت من نذر أو حلفت من حلف فمشيئتك بين يديه ما شئت منه كان وما لم تشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلا بك أنت على كل شيء قدير اللهم وما صليت من صلاة فعلى من صليت وما لعنت من لعن فعلى من لعنت أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين \/\/ إسناده ضعيف \/\/ ووجه الاستدلال أنه لو لم تشرع الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم ما صح الاستثناء فيها فإن العبد لما كان يصلي على من ليس بأهل للصلاة ولا يدري استثنى من ذلك كما استثنى في حلفه ونذره(1\/474)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "443",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7959",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الأولون الجواب عما ذكرتم من الأدلة أنها نوعان نوع منها صحيح وهو غير متناول لمحل النزاع فلا يحتج به ونوع غير معلوم الصحة فلا يحتج به أيضا وهذا إنما يظهر بالكلام على كل دليل دليل أما الدليل الأول وهو قوله تعالى وصل عليهم فهذا في غير محل النزاع لأن كلامنا في انه هل يسوغ لأحدنا أن يصلي على غير النبي صلى الله عليه وسلم وآله أم لا وأما صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على من صلى عليه فتلك مسألة أخرى فأين هذه من صلاتنا عليه التي أمرنا بها قضاء لحقه هل يجوز أن يشرك معه غيره فيها أم لا يؤكده الوجه الثاني أن الصلاة عليه حق له صلى الله عليه وسلم يتعين على الأمة أداؤه والقيام به وأما هو صلى الله عليه وسلم فيخص من أراد ببعض ذلك الحق وهذا كما تقول في شاتمه ومؤذيه إن قتله حق لرسول الله صلى الله عليه وسلم يجب على الأمة القيام به واستيفاؤه وإن كان صلى الله عليه وسلم يعفو عنه حتى كان يبلغه ويقول رحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر وبهذا حصل الجواب عن الدليل الثاني أيضا وهو قوله اللهم صل على آل أبي أوفي وعن الدليل الثالث أيضا وهو صلاته على تلك المرأة وزوجها وأما دليلكم الرابع وهو قول علي لعمر صلى الله عليك فجوابه من وجوه(1\/475)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "444",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7960",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها أنه قد اختلف على جعفر بن محمد في هذا الحديث فقال أنس بن عياض عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا لما غسل عمر وكفن وحمل على سريره وقف عليه فأثنى عليه وقال والله ما على الأرض رجل أحب إلي أن القى بصحيفته من هذا المسجى بالثوب وكذلك رواه محمد ويعلى ابنا عبيد عن حجاج الواسطي عن جعفر ولم يذكر هذه اللفظة ورواه ورقاء عن عمرو عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر عن علي ولم يذكر لفظه الصلاة بل قال رحمك الله وكذلك رواه عارم بن الفضل عن حماد بن زيد عن أيوب وعمرو بن دينار وأبي جهضم قالوا لما مات عمر فذكروا الحديث دون لفظ الصلاة وكذلك رواه قيس بن الربيع عن قيس بن مسلم عن ابن الحنفية الثاني أن الحديث الذي فيه الصلاة لم يسنده ابن سعد بل قال في الطبقات أخبرنا بعض أصحابنا عن سفيان بن عيينة أنه سمع منه هذا الحديث عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن عبد الله فذكره وقال لما انتهى إليه فقال له صلى الله عليك وهذا المبهم لعله لم يحفظه فلا يحتج به الثالث أنه معارض بقول ابن عباس لا ينبغي الصلاة على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم قالوا وأما دليلكم الخامس وهو قول ابن عمر في صلاة الجنازة اللهم صل عليه فجوابه من وجوه أحدها أن نافع بن أبي نعيم ضعيف عندهم في الحديث(1\/476)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "445",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7961",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن كان في القراءة إماما قال الإمام أحمد يؤخذ عنه القرآن وليس في الحديث بشيء والذي يدل على أن هذا ليس بمحفوظ عن ابن عمر أن مالكا في موطئه لم يروه عن ابن عمر وإنما روى أثرا عن أبي هريرة فلو كان هذا عند نافع مولاه لكان مالك أعلم به من نافع بن أبي نعيم الثاني أن قول ابن عباس يعارض ما نقل عن ابن عمر وأما دليلكم السادس أن الصلاة دعاء وهو مشروع لكل مسلم فجوابه من وجوه أحدها أنه دعاء مخصوص مأمور به في حق الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا لا يدل على جواز أن يدعى به لغيره لما ذكرنا من الفروق بين الدعاء وغيره مع الفرق العظيم بين الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره فلا يصح الإلحاق به لا في الدعاء ولا في المدعو له صلى الله عليه وسلم الثاني أنه كما لا يصح أن يقاس عليه دعاء غيره لا يصح أن يقاس على الرسول صلى الله عليه وسلم غيره فيه الثالث أنه ما شرع في حق الرسول صلى الله عليه وسلم لكونه دعاء بل لأخص من مط بل لأخص من مط لق الدعاء وهو كونه صلاة متضمنة لتعظيمه وتمجيده والثناء عليه كما تقدم تقريره وهذا أخص من مطلق الدعاء وأما دليلكم السابع وهو قول الملائكة لروح المؤمن صل الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه فليس بمتناول لمحل النزاع فإن النزاع إنما هو هل يسوغ لأحدنا أن يصلى على غير الرسول وآله صلى الله عليه وسلم وأما الملائكة فليسوا بداخلين تحت أحكام تكاليف البشر حتى يصح قياسهم عليه فيما يقولونه ويفعلونه فأين أحكام(1\/477)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "446",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7962",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الملك من أحكام البشر فالملائكة رسل الله في خلقه وأمره يتصرفون بأمره لا بأمر البشر وبهذا خرج الجواب عن كل دليل فيه صلاة الملائكة وأما قولكم إن الله يصلي على المؤمنين وعلى معلم الناس الخير جوابه أنه في غير محل النزاع وكيف يصح قياس فعل العبد على فعل الرب وصلاة العبد دعاء وطلب وصلاة الله على عبده ليست دعاء وإنما هي إكرام وتعظيم ومحبة وثناء وأين هذا من صلاة العبد وأما دليلكم العاشر وهو حديث مالك بن يخامر وفيه صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر وعمر ومن معهما فجوابه من وجوه أحدها أنه لا علم لنا بصحة هذا الحديث ولم تذكروا إسناده لننظر فيه الثاني أنه مرسل الثالث أنه في غير محل النزاع كما تقدم وأما دليلكم الحادي عشر أن ابن عمر كان يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي عليه وعلى أبي بكر وعمر فجوابه من وجوه أحدها أن ابن عبد البر قال أنكر العلماء على يحيى بن يحيى ومن تابعه في الرواية عن مالك عن عبد الله بن دينار رأيت ابن عمر يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم(1\/478)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "447",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7963",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعلى أبي بكر وعمر وقالوا إنما الرواية لمالك وغيره عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه كان يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي على النبي ويدعو لأبي بكر وعمر وكذلك رواه ابن القاسم والقعنبي وابن بكير وغيرهم عن مالك ففرقوا بما وصفت لك بين ويدعو لأبي بكر وعمر وبين فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت الصلاة قد تكون دعاء لما خص به صلى الله عليه وسلم من لفظ الصلاة قلت وكذلك هو في موطأ ابن وهب لفظ الصلاة مختص بالنبي صلى الله عليه وسلم والدعاء لصاحبيه الثاني أن هذا من باب الاستغناء عن أحد الفعلين بالأول منهما وإن كان غير واقع على الثاني كقول الشاعر (علفتها تبنا وماءباردا ... حتى غدت همالة عيناها) وقول الآخر (ورأيت زوجك قد غدا ... متقلدا سيفا ورمحا) وقول الآخر (وزججن الحواجب والعيونا ... )(1\/479)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "448",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7964",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلما كان الفعل الأول موافقا للفعل الثاني في الجنس العام اكتفى به منه لأن العلف موافق للسقي في التغذية وتقلد السيف موافق لحمل الرمح في معنى الحمل وتزجيج الحواجب موافق لكحل العيون في الزينة وهكذا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم موافقة للدعاء لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما في معنى الدعاء والطلب الثالث أن ابن عباس قد خالفه كما تقدم وأما دليلكم الثاني عشر بالصلاة على أزواجه صلى الله عليه وسلم ففاسد لأنه إنما صلى عليهن لإضافتهن إليه ودخولهن في آله وأهل بيته فهذه خاصة له وأهل بيته وزوجاته تبع له فيها صلى الله عليه وسلم وأما قولكم إنه ألزم على أصولنا فإنا لا نقول بتحريم الصدقة عليهن فجوابه أن هذا وإن سلم دل على أنهن لسن من الآل الذين تحرم عليهم الصدقة لعدم القرابة التي يثبت بها التحريم لكنهن من أهل بيته الذين يستحقون الصلاة عليهم ولا منافاة بين الأمرين وأما دليلكم الثالث عشر وهو جواز الصلاة على غيره صلى الله عليه وسلم تبعا وحكايتكم الاتفاق على ذلك فجواه من وجهين أحدهما أن هذا الاتفاق غير معلوم الصحة والذين منعوا الصلاة على غير الأنبياء منعوها مفردة وتابعة وهذا التفصيل وإن كان معروفا عن بعضهم فليس كلهم يقوله الثاني أنه لا يلزم من جواز الصلاة على أتباعه تبعا للصلاة عليه جواز إفراد المعين أو غيره بالصلاة عليه استقلالا(1\/480)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "449",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7965",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله للأحاديث الصحيحة في ذلك فليس في الأحاديث الصحيحة الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم وآله وأزواجه وذريته ليس فيها ذكر أصحابه ولا أتباعه في الصلاة وقوله أحرنا بها في التشهد فالمأمور به في التشهد الصلاة على آله وأزواجه لا على غيرهما وأما دليلكم الرابع عشر وهو حديث زيد بن ثابت الذي فيه اللهم ما صليت من صلاة فعلى من صليت ففيه أبو بكر بن أبي مريم ضعفه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي والسعدي وقال ابن حبان كان من خيار أهل الشام ولكنه كان رديء الحفظ يحدث بشيء فيهم وكثر ذلك حتى استحق الترك وفصل الخطاب في هذه المسألة إن الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم إما أن يكون آله وأزواجه وذريته أو غيرهم فإن كان الأول فالصلاة عليهم مشروعة مع الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وجائزة مفردة وأما الثاني فإن كان الملائكة وأهل الطاعة عموما الذين يدخل فيهم الأنبياء وغيرهم جاز ذلك أيضا فيقال اللهم صل على ملائكتك المقربين وأهل طاعتك أجمعين وإن كان شخصا معينا أو طائفة معينة كره أن يتخذ الصلاة عليه شعارا لا يخل به ولو قيل بتحريمه لكان له وجه ولا سيما إذا جعلها شعارا له ومنع منها نظيره أو من هو خير منه وهذا كما تفعل الرافضة بعلي رضي الله عنه فإنهم حيث ذكروه قالوا عليه الصلاة والسلام ولا يقولون ذلك فيمن هو خير منه فهذا ممنوع لا سيما(1\/481)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "450",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7966",
        "book_id": "qym_4067",
        "book_name": " جلاء الأفهام",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا اتخذ شعارا لا يخل به فتركه حينئذ متعين وأما إن صلى عليه أحيانا بحيث لا يجعل ذلك شعارا كما صلى على دافع الزكاة وكما قال ابن عمر للميت صلى الله عليه وكما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على المرأة وزوجها وكما روي عن علي من صلاته على عمر فهذا لا بأس به وبهذا التفصل تتفق الأدلة وينكشف وجه الصواب والله الموفق(1\/482)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "451",
        "book_number": "20",
        "slug": " -qym_4067"
    },
    {
        "id": "7967",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "مقدمة",
        "content": "مقدمة ... حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ابن قيم الجوزية بسم الله الرحمن الرحيم وبه الإعانة الحمد لله الذي جعل جنة الفردوس لعباده المؤمنين نزلا ويسرهم للأعمال الصالحة الموصلة إليها فلم يتخذوا سواها شغلا, وسهل لهم طرقها فسلكوا السبيل الموصلة إليها ذللا خلقها لهم قبل أن يخلقهم وأسكنهم إياها قبل إن يوجدهم وحفها بالمكاره وأخرجهم إلى دار الامتحان ليبلوهم أيهم أحسن عملا وجعل ميعاد دخولها يوم القدوم عليه وضرب مدة الحياة الفانية دونه أجلا وأودعها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وجلاها لهم حتى عاينوها بعين البصيرة التي هي أنفذ من رؤية البصر وبشرهم بما أعد لهم فيها على لسان رسوله فهي خير البشر على لسان خير البشر وكمل لهم البشرى بكونهم خالدين فيها لا يبغون عنها حولا. والحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا وباعث الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل إذ لم يخلقهم عبثا ولم يتركهم سدى ولو يغفلهم هملا بل خلقهم لأمر عظيم وهيأهم لخطب جسيم وعمر لهم دارين فهذه لمن أجاب الداعي ولم يبغ سوى ربه الكريم بدلا وهذه لمن لم يجب دعوته ولم يرفع بها رأسا ولم يعلق بها أملا. والحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل وأفاض عليهم النعمة وكتب على نفسه الرحمة وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته سبقت غضبه دعا عباده إلى دار السلام فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلا وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنة وفضلا فهذا عدله وحكمته وهو العزيز الحكيم وذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة عبده وابن عبده وابن(1\/3)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7968",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أمته ومن لا غنى به طرفة عين فضله ورحمته ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته. وأشهد أن محمد عبده ورسوله وأمينة على وحيه وخيرته من خلقه أرسله رحمة للعالمين وقدوة للعاملين ومحجة للسالكين وحجة على العباد أجمعين بعثه للإيمان مناديا وإلى دار السلام داعيا وللخليقة هاديا ولكتابه تاليا وفي مرضاته ساعيا وبالمعروف آمرا وعن المنكر ناهيا أرسله على حين فترة من الرسل فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل وافترض على العباد طاعته ومحبته وتعزيزه وتوقيره والقيام بحقوقه وسد إلى الجنة جميع الطرق فلم يفتحها لأحد إلا من طريقه فلو أتوا من كل طريق واستفتحوا من كل باب لما فتح لهم حتى يكونوا خلفه من الداخلين وعلى منهاجه وطريقته من السالكين. فسبحان من شرح له صدره ووضع عنه وزره ورفع له ذكره وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره فدعا إلى الله وإلى جنته سرا وجهارا وأذن بذلك بين أظهر الأمة ليلا ونهارا إلى أن طلع فجر الإسلام وأشرقت شمس الإيمان وعلت كلمة الرحمن وبطلت دعوة الشيطان وأضاءت بنور رسالته الأرض بعد ظلماتها وتألفت به القلوب بعد تفرقها وشتاتها فأشرق وجه الدهر حسنا وأصبح الظلام ضياء واهتدى كل حيران فلما كمل الله به دينه وأتم به نعمته ونشر به على الخلائق رحمته فبلغ رسالات ربه ونصح عباده وجاهد في الله حق جهاده خيره بين المقام في الدنيا وبين لقائه والقدوم عليه فاختار لقاء ربه محبة له وشوقا إليه فاستأثر به ونقله إلى الرفيق الأعلى والمحل الأرفع الأسنى وقد ترك أمته على الواضحة الغراء والمحجة البيضاء فسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم وعدل الراغبون عن هديه إلى طرق الجحيم: ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم . فصلى الله وملائكته وأنبياؤه ورسله وعباده المؤمنون عليه كما وحد الله وعبده وعرفنا به ودعا إليه.(1\/4)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7969",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أما بعد فإن الله سبحانه وتعالى لم يخلق خلقه عبثا ولم يتركهم سدى بل خلقهم لأمر عظيم وخطب جسيم عرض على السماوات والأرض والجبال فأبين وأشفقن منه إشفاقا ووجلا وقلن ربنا إن أمرتنا فسمعا وطاعة وان خيرتنا فعافيتك نريد لا نبغي بها بدلا وحمله الإنسان على ضعفه وعجزه عن حمله وباء به على ظلمه وجهله فألقى أكثر الناس الحمل عن ظهورهم لشدة مؤنته عليهم وثقله فصحبوا الدنيا صحبة الأنعام السائمة لا ينظرون في معرفة موجدهم وحقه عليهم ولا في المراد من إيجادهم وإخراجهم إلى هذه الدار التي هي طريق ومعبر إلى دار القرار ولا يتفكرون في قلة مقامهم في الدنيا الفانية وسرعة رحيلهم إلى الآخرة الباقية فقد ملكهم باعث الحس وغاب عنهم داعي العقل وشملتهم الغفلة وغرتهم الأماني الباطلة والخدع الكاذبة فخدعهم طول الأمل وران على قلوبهم سوء العمل فهمهم في لذات الدنيا وشهوات النفوس كيف حصلت حصولها ومن أي وجه لاحت أخذوها إذا بدا لهم حظ من الدنيا بآخرتهم طاروا إليه زرافات ووحدانا وإذا عرض لهم عاجل من الدنيا لم يؤثروا عليه ثوابا من الله ولا رضوانا: يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون . والعجب وكل العجب من غفلة من لحظاته معدودة عليه وكل نفس من أنفاسه لا قيمة له إذا ذهب لم يرجع إليه فمطايا الليل والنهار تسرع به ولا يتفكر إلى أين يحمل ويسار به أعظم من سير البريد ولا يدري إلى أي الدارين ينقل فإذا نزل به الموت أشتد قلقه لخراب ذاته وذهاب لذاته لا لما سبق من جناياته وسلف من تفريطه حيث لم يقدم لحياته فإذا خطرت له خطرة عارضة لما خلق له دفعها باعتماده على العفو وقال قد أنبئنا أنه هو الغفور الرحيم وكأنه لم ينبأ أن عذابه هو العذاب الأليم.(1\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7970",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ولما علم الموفقون ما خلقوا له وما أريد بإيجادهم رفعوا رؤوسهم فإذا علم الجنة قد رفع لهم فشمروا إليه وإذا صراطها المستقيم قد وضح لهم فاستقاموا عليه ورأوا من أعظم الغبن بيع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر في أبدلا يزول ولا ينفذ بصبابة عيش إنما هو كأضغاث أحلام أو كطيف زار في المنام مشوب بالنغص ممزوج بالغصص إن أضحك قليلا أبكى كثيرا وإن سر يوما أحزن شهورا ألآمه تزيد على لذاته وأحزانه أضعاف مسراته وله مخاوف وآخره متآلف فيا عجبا من سفيه في صورة حليم ومعتوه في مسلاخ عاقل آثر الحظ الفاني الخسيس على الحظ الباقي النفيس وباع جنة عرضها السماوات والأرض بسجن ضيق بين أرباب العاهات والبليات ومساكن طيبة في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار بأعطان ضيقة آخرها الخراب والبوار وأبكارا عرابا أترابا كأنهن الياقوت والمرجان بقذرات دنسات سيئات الأخلاق مسافحات أو متخذات أخدان وحورا مقصورات في الخيام بخبيثات مسيبات بين الأنام وأنهارا من خمر لذة للشاربين بشراب نجس مذهب للعقل مفسد للدنيا والدين ولذة النظر إلى وجه العزيز الرحيم بالتمتع برؤية الوجه القبيح الذميم وسماع الخطاب من الرحمن بسماع المعازف والغناء والألحان والجلوس على منابر اللؤلؤ والياقوت والزبرجد يوم المزيد بالجلوس في مجالس الفسوق مع كل شيطان مريد ونداء المنادي يا أهل الجنة إن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا وتحيوا فلا تموتوا وتقيموا فلا تظعنوا وتشبوا فلا تهرموا بغناء المغنين: وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم وإنما يظهر الغبن الفاحش في هذا البيع يوم القيامة وإنما يتبين سفه بائعه يوم الحسر والندامة إذا حشر المتقون إلى الرحمن وفدا وسيق المجرمون إلى جهنم وردا ونادى المنادي على رؤوس الأشهاد ليعلمن أهل الموقف من أولي بالكرم(1\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7971",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من بين العباد فلو توهم المتخلف عن هذه الرفقة ما أعد الله لهم من الإكرام وادخر لهم من الفضل والإنعام وما أخفى لهم من قرة أعين لم يقع على مثلها بصر ولا سمعته أذن ولا خطر على قلب بشر لعلم أي بضاعة أضاع وأنه لا خير له في حياته وهو معدود من سقط المتاع وعلم أن القوم قد توسطوا ملكا كبيرا لا تعترية الآفات ولا يلحقه الزوال وفازوا بالنعيم المقيم في جوار الكبير المتعال. فهم في روضات الجنة يتقلبون وعلى أسرتها تحت الحجال يجلسون وعلى الفرش التي بطائنها من إستبرق يتكئون وبالحور العين يتنعمون وبأنواع الثمار يتفكهون يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعلمون يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون تالله لقد نودي عليها في سوق الكساد فما قلب ولا استام! إلا أفراد من العباد فواعجبا لها كيف نام طالبها وكيف لم يسمح بمهرها خاطبها وكيف طاب العيش في هذه الدار بعد سماع أخبارها وكيف قر للمشتاق القرار دون معانقة أبكارها وكيف قرت دونها أعين المشتاقين وكيف صبرت عنها أنفس الموقنين وكيف صدفت عنها قلوب أكثر العالمين وبأي شيء تعوضت عنها نفوس المعرضين. شعر في وصف الجنة: وما ذاك إلا غيرة أن ينالها ... سوى كفئها والرب بالخلق أعلم وإن حجبت عنا بكل كريهة ... وحفت بما يؤذي النفوس ويؤلم فلله ما في حشوها من مسرة ... وأصناف لذات بها يتنعم ولله برد العيش بين خيامها ... وروضاتها والثغر في الروض يبسم ولله واديها الذي هو موعد المز ... يد لوفد الحب لو كنت منهم بذيالك الوادي يهيم صبابة ... محب يري أن الصبابة مغنم ولله أفراح المحبين عندما ... يخاطبهم من فوقهم ويسلم(1\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7972",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولله أبصار ترى الله جهرة ... فلا الضيم يغشاها ولا هي تسأم فيا نظرة أهدت إلى الوجه نضرة ... أمن بعدها يسلو المحب المتيم ولله كم من خيرة إن تبسمت ... أضاء لها نور من الفجر أعظم فيا لذة الأبصار إن هي أقبلت ... ويا لذة الأسماع حين تكلم ويا خجلة الغصن الرطيب إذا انثنت ... ويا خجلة الفجرين حين تبسم فإن كنت ذا قلب عليل بحبها ... فلم يبق إلا وصلها لك مرهم ولا سيما في لثمها عند ضمها ... وقد صار منها تحت جيدك معصم تراه إذا أبدت له حسن وجهها ... يلذ به قبل الوصال وينعم تفكه منها العين عند إجتلائها ... فواكه شتى طلعها ليس يعدم عناقيد من كرم وتفاح جنة ... ورمان أغصان به القلب مغرم وللورد ما قد ألبسته خدودها ... وللخمر ما قد ضمه الريق والفم تقسم منها الحسن في جمع واحد ... فيا عجبا من واحد يتقسم لها فرق شتى من الحسن أجمعت ... بجملتها إن السلو محرم تذكر بالرحمن بمن هو ناظر ... فينطق بالتسبيح لا يتلعثم إذا قابلت جيش الهموم بوجهها ... تولي على أعقابه الجيش يهزم فيا خاطب الحسناء إن كنت راغبا ... فهذا زمان المهر فهو المقدم ولما جرى ماء الشاب بغصنها ... تيقن حقا انه ليس يهرم وكن مبغضا للخائنات لحبها ... فتحظى بها من دونهن وتنعم وكن أيما ممن سواها فإنها ... لمثلك في جنات عدن تأيم وصم يومك الأدنى لعلك في غد ... تفوز بعيد الفطر والناس صوم وأقدم ولا تقنع بعيش منغص ... فما فاز باللذات من ليس يقدم وأن ضاقت الدنيا عليك بأسرها ... ولم يك فيها منزل لك يعلم فحي على جنات عدن فأنها ... منازلها الأولى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلم(1\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7973",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد زعموا أن الغريب إذا نأى ... وشطت به أوطانه فهو مغرم وأي اغتراب فوق غربتنا التي ... لها أضحت الأعداء فينا تحكم وحي على السوق الذي فيه يلتقي ... المحبون ذاك السوق للقوم تعلم فما شئت خذ منه بلا ثمن له ... فقد أسلف التجار فيه واسلموا وحي على يوم المزيد الذي به ... زيارة رب العرش فاليوم موسم وحي على واد هنالك أفيح ... وتربته من إذفر المسك أعظم منابر من نور هناك وفضة ... ومن خالص العقيان لا تتقصم وكثبان مسك قد جعلن مقاعدا ... لمن دون أصحاب المنابر يعلم فبينا هموا في عيشهم وسرورهم ... وأرزاقهم تجري عليهم ونقسم ذاهم بنور ساطع أشرقت له ... بأقطارها الجنات لا يتوهم تجلى لهم رب السماوات جهرة ... فيضحك فوق العرش ثم يكلم سلام عليكم يسمعون جميعهم ... بآذانهم تسليمه إذ يسلم يقول سلوني ما أشتهيتم فكل ما ... تريدون عندي أنني أنا أرحم فقالوا جميعا نحن نسألك الرضا ... فأنت الذي تولى الجميل وترحم فيعطيهم هذا ويشهد جميعهم ... عليه تعالى الله فالله أكرم فيا بائعا هذا ببخس معجل ... كأنك لا تدري بلى سوف تعلم فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم فصل وهذا كتاب اجتهدت في جمعه وترتيبه وتفصيله وتبويبه فهو للمحزون سلوة وللمشتاق إلى تلك العرائس جلوة محرك للقلوب إلى أجل مطلوب وحاد للنفوس إلى مجاورة الملك القدوس ممتع لقارئه مشوق للناظر فيه لا يسأمه الجليس ولا يمله الأنيس مشتمل من بدائع الفوائد وفرائد القلائد على ما لعل المجتهد في الطلب لا يظفر به فيما سواه من الكتب مع تضمينه(1\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7974",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لجملة كثيرة من الأحاديث المرفوعات والآثار الموقوفات والأسرار المودعة في كثير من الآيات والنكت البديعات وإيضاح كثير من المشكلات والتنبيه على أصول من الأسماء والصفات إذا نظر فيه الناظر زاده إيمانا وجلى عليه الجنة حتى كأنه يشاهدها عيانا فهو مثير ساكن العزمات إلى روضات الجنات وباعث الهمم العليات إلى العيش الهني في تلك الغرفات. وسميته حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح فإنه اسم يطابق مسماه ولفظ يوافق معناه والله يعلم ما قصدت وما بجمعه وتأليفه أردت فهو عند لسان كل عبد وقلبه وهو المطلع على نيته وكسبه وكان جل المقصود منه بشارة أهل السنة بما أعد الله لهم في الجنة فإنهم! المستحقون للبشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ونعم الله عليهم باطنة وظاهرة وهم أولياء الرسول وحزبه ومن خرج عن سنته فهم أعداؤه وحربه لا تأخذهم في نصرة سنته ملامة اللوام ولا يتركون ما صح عنه لقول أحد من الأنام والسنة أجل في صدورهم من أن يقدموا عليها رأيا فقهيا أو بحثا جدليا أو خيالا صوفيا أو تناقضا كلاميا أو قياسا فلسفيا أو حكما سياسيا فمن قدم عليها شيئا من ذلك فباب الصواب عليه مسدود وهو عن طريق الرشاد مصدود. فيا أيها الناظر فيه لك غنمه وعلى مؤلفه غرمه ولك صفوه وعليه كدره وهذه بضاعته المزجاة تعرض عليك وبنات أفكاره تزف إليك فإن صادفت كفؤا كريما لم تعدم منه إمساكا بمعروف أو تسريحا بإحسان وإن كان غيره فالله المستعان فما كان من صواب فمن الواحد المنان وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان والله برئ منه ورسوله. وقد قسمت الكتاب سبعين بابا(1\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7975",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "الباب الأول: في بيان وجود الجنة الآن",
        "content": "الباب الأول: في بيان وجود الجنة الآن لم يزل أصحاب رسول الله والتابعون وتابعوهم وأهل السنة والحديث قاطبة وفقهاء الإسلام وأهل التصوف والزهد على اعتقاد ذلك وإثباته مستندين في ذلك إلى نصوص الكتاب والسنة وما علم بالضرورة من أخبار الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم فإنهم دعوا الأمم إليها وأخبروا بها إلى أن نبغت نابغة من القدرية والمعتزلة فأنكرت أن تكون مخلوقة الآن وقالت بل الله ينشئها يوم القيامة وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة فيما يفعله الله وأنه ينبغي له أن يفعل كذا ولا ينبغي له أن يفعل كذا وقاسوه على خلقه في أفعالهم فهم مشبهة في الأفعال ودخل التجهم فيهم فصاروا مع ذلك معطلة في الصفات وقالوا خلق الجنة قبل الجزاء عبث فإنها تصير معطلة مددا متطاولة ليس فيها سكانها. قالوا ومن المعلوم أن ملكا لو أتخذ دارا وأعد فيها ألوان الأطعمة والآلات والمصالح وعطلها من الناس ولم يمكنهم من دخولها قرونا متطاولة لم يكن ما فعله واقعا على وجه الحكمة ووجد العقلاء سبيلا إلى الاعتراض عليه فحجروا على الرب تعالى بعقولهم الفاسدة وآرائهم الباطلة وشبهوا أفعاله بأفعالهم وردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب أو حرفوها عن مواضعها وضللوا وبدعوا من خالفهم فيها والتزموا فيها لوازم أضحكوا عليهم فيها العقلاء. ولهذا يذكر السلف في عقائدهم أن الجنة والنار مخلوقتان ويذكر من صنف في المقالات أن هذه مقالة أهل السنة والحديث قاطبة لا يختلفون. فيها قال أبو الحسن الأشعري في كتاب مقالات الإسلاميين واختلاف المضلين:(1\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7976",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله لا يردون من ذلك شيئا وأن الله تعالى إله واحد فرد صمد لم يتخذ صاحبه ولا ولدا وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة حق وأن النار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأن الله تعالى على عرشه كما قال: الرحمن على العرش استوى وأن له يدين بلا كيف كما قال: خلقت بيدي وكما قال: بل يداه مبسوطتان وأن له عينين بلا كيف كما قال: تجري بأعيننا وأن له وجها كما قال: ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام وأن أسماء الله تعالى لا يقال إنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج وأقروا أن لله علما كما قال: أنزله بعلمه وكما قال: وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وأثبتوا السمع والبصر ولم ينفوا ذلك عن الله كما تعتقد المعتزلة وأثبتوا لله القوة كما قال: أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وقالوا إنه لا يكون في الأرض من خير ولا شر إلا ما شاء الله وأن الأشياء تكون بمشيئة الله كما قال تعالى: وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله وكما قال المسلمون ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وقالوا إن أحدا لا يستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله أو يكون أحد يقدر أن يخرج عن علم الله أو أن يفعل شيئا علم الله أنه لا يفعله وأقروا أنه لا خالق إلا الله تعالى وأن أفعال العباد يخلقها الله تعالى وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئا وأن الله تعالى وفق المؤمنين لطاعته وخذل الكافرين ولطف بالمؤمنين ونظر لهم وأصلحهم وهداهم ولم يلطف بالكافرين ولا أصلحهم ولا هداهم ولو أصلحهم لكانوا صالحين ولو هداهم لكانوا مهتدين وأن الله تعالى يقدر أن يصلح(1\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7977",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكافرين ويلطف بهم حتى يكونوا مؤمنين ولكنه أراد أن يكونوا كافرين كما علم وخذلهم وأضلهم وطبع على قلوبهم وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره ويؤمنون بقضاء الله وقدره خيره وشره وحلوه ومره ويؤمنون أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله كما قال ويلجئون أمرهم إلى الله ويثبتون الحاجة إلى الله في كل وقت والفقر إلى الله في كل حال. ويقولون إن القرآن كلام الله غير مخلوق والكلام في الوقف واللفظ فمن قال باللفظ أو بالوقف فهو مبتدع عندهم لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق ولا يقال غير مخلوق ويقولون إن الله تعالى يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر ويراه المؤمنون ولا يراه الكافرون لأنهم عن الله تعالى محجوبون قال الله تعالى: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون وأن موسى عليه السلام سال الله سبحانه وتعالى الرؤية في الدنيا وإن الله تعالى تجلى للجبل فجعله دكا فأعلمه بذلك أنه لا يراه في الدنيا بل يراه في الآخرة ولا يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه كنحو الزنا والسرقة وما أشبه ذلك من الكبائر. وهم بما معهم من الإيمان مؤمنون وإن ارتكبوا الكبائر والإيمان عندهم هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره حلوه ومره وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم وأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم والإسلام هو أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله كما جاء في الحديث والإسلام عندهم غير الإيمان ويقرون بأن الله مقلب القلوب ويقرون بشفاعة رسول الله وأنها لأهل الكبائر من أمته وبعذاب القبر وأن الحوض حق والصراط حق والبعث بعد الموت حق والمحاسبة من الله لعباده حق والوقوف بين يدي الله تعالى حق ويقرون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ولا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق. ويقولون أسماء الله هي الله تعالى ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر(1\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7978",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالنار ولا يحكمون بالجنة لأحد من الموحدين حتى يكون الله تعالى ينزلهم حيث شاء ويقولون أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم ويؤمنون بأن الله تعالى يخرج قوما من الموحدين من النار على ما جاءت به الروايات عن رسول الله وينكرون الجدال والمرآء في الدين والخصومة في القدر والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل ويتنازعون فيه من دينهم بالتسليم للروايات الصحيحة ولما جاءت به الآثار التي رواها الثقات عدلا عن عدل حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ولا يقولون كيف ولا لم لأن ذلك بدعة. ويقولون إن الله تعالى لم يأمر بالشر بل نهى عنه وأمر بالخير ولم يرض بالشرك وأن كان مريدا له ويعرفون حق السلف الذين اختارهم الله تعالى لصحبه نبيه صلى الله عليه وسلم ويأخذون بفضائلهم ويمسكون عما شجر بينهم صغيرهم وكبيرهم ويقدمون أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليا رضي الله عنهم ويقرون بأنهم الخلفاء الراشدين المهديون وأنهم أفضل الناس كلهم بعد رسول الله ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله أن الله:quot;ينزل إلى السماء الدنيا فيقول هل من مستغفرquot; كما جاء في الحديث عن رسول الله ويأخذون بالكتاب والسنة كما قال تعالى: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول . ويرون اتباع من سلف من أئمة الدين وان لا يتبعوا في دينهم ما لم يأذن به الله ويقرون أن الله تعالى يجيء يوم القيامة كما قال: وجاء ربك والملك صفا صفا وأن الله تعالى يقرب من خلقه كيف شاء كما قال: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد . ويرون العيدين والجمعة والجماعة خلف كل إمام بر أو فاجر ويثبتون المسح على الخفين سنة ويرونه في الحضر والسفر ويثبتون فرض الجهاد للمشركين منذ(1\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7979",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعث الله نبيه إلى آخر عصابة تقاتل الدجال وبعد ذلك يرون الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح وأن لا يخرج عليهم بالسيف وأن لا يقاتلوا في الفتنة ويصدقون بخروج الدجال وأن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام يقتله ويؤمنون بمنكر ونكير والمعراج والرؤيا في المنام وأن الدعاء لموتى المسلمين والصدقة عنهم بعد موتهم تصل إليهم ويصدقون أن في الدنيا سحرة وأن الساحر كافر كما قال الله تعالى وأن السحر كان موجود في الدنيا. ويرون الصلاة على كل من مات من أهل القبلة مؤمنهم وفاجرهم ويقرون أن الجنة والنار مخلوقتان وأن من مات مات بأجله وكذلك من قتل قتل بأجله وإن الأرزاق من قبل الله تعالى يرزقها عباده حلالا كانت أو حراما وأن الشيطان يوسوس للإنسان ويشككه ويخبطه وأن الصالحين قد يجوز أن يخصهم الله تعالى بآيات تظهر عليهم وأن السنة لا تنسخ بالقرآن وأن الأطفال أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء فعل بهم ما أراد وأن الله تعالى عالم ما العباد عاملون وكتب أن ذلك يكون وأن الأمور بيد الله تعالى. ويرون الصبر على حكم الله والأخذ بما أمر الله تعالى والإنتهاء عمى نهى الله عنه وإخلاص العمل لله والنصيحة للمسلمين ويدينون بعبادة الله في العابدين والنصيحة لجماعة المسلمين واجتناب الكبائر والزنا وقول الزور والمعصية والفخر والكبر والازدراء على الناس والعجب. ويرون مجانبة كل داع إلى بدعة والتشاغل بقراءة القرآن وكتابة الآثار والنظر في الفقه مع التواضع والاستكانة وحسن الخلق وبذل المعروف وكف الأذى وترك الغيبة والنميمة والسعاية وتفقد المآكل والمشارب فهذه جملة ما يأمرون به ويستعملونه وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب وما توفيقنا إلا بالله وهو حسبنا ونعم الوكيل وبه نستعين وعليه نتوكل وإليه المصير. والمقصود حكايته عن جميع أهل السنة والحديث أن الجنة والنار مخلوقتان(1\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7980",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسقنا جملة كلامه ليكون الكتاب مؤسسا على معرفة من يستحق البشارة المذكورة وأن أهل هذه المقالة هم أهلها وبالله التوفيق. وقد دل على ذلك من القرآن قوله تعالى: ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم سدرة المنتهى ورأى عندها جنة المأوى كما في الصحيحين من حديث أنس في قصة الإسراء وفي آخره: quot;ثم أنطلق بي جبريل حتى انتهى إلى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدرى ما هي قال ثم دخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسكquot;. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot; أن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله تعالى يوم القيامةquot;. وفي المسند وصحيح الحاكم وابن حبان وغيرهم من حديث البراء ابن عازب قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فذكر الحديث بطوله وفيه quot;فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة, قال: فيأتيه من روحها وطيبها quot; وذكر الحديث. وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; أن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم قال فيأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل قال فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله قال فيقولان له أنظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا في الجنة quot; قال نبي الله صلى الله عليه وسلم quot; فيراهما جميعا quot;.(1\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7981",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي صحيح أبي عوانة الاسفرايني وسنن أبي داود من حديث البراء بن عازب الطويل في قبض الروح quot;ثم يفتح له باب من الجنة وباب من النار فيقال هذا كان منزلك لو عصيت الله تعالى أبدلك الله به هذا فإذا رأى ما في الجنة قال رب عجل قيام الساعة كيما أرجع إلى أهلي ومالي فيقال أسكنquot;. وفي مسند البزار وغيره من حديث أبي سعيد قال شهدنا مع النبي صلى الله عليه وسلم جنازة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:quot; أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا دفن الإنسان وتفرق عنه أصحابه جاءه ملك في يده مطراق فأقعده فقال ما تقول في هذا الرجل يعني محمدا صلى الله عليه وسلم فإن كان مؤمنا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده رسوله فيقولون له صدقت ثم يفتح له باب إلى النار فيقولون هذا كان منزلك لو كفرت بربك فأما إذا آمنت به فهذا منزلك فيفتح له باب إلى الجنة فيريد أن ينهض إلى الجنة فيقولون له اسكن quot;. وذكر الحديث. وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت خسفت الشمس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت الحديث إلى أن قالت ثم قام فخطب الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: quot; إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة quot;. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:quot;رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم حتى لقد رأيتني آخذ قطعا من الجنة حين رأيتموني أقدم ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها حين رأيتموني تأخرت quot;. وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن عبد الله بن عباس قال: انخسفت الشمس على عهد رسول الله فذكر الحديث وفيه قال: quot;إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله quot;. فقالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيناك تناولت شيئا في مقامك ثم رأيناك تكعكعت فقال:quot;إني رأيت الجنة وتناولت عنقودا ولو أصبته لأكلتم(1\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7982",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منه ما بقيت الدنيا ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء:. قالوا بم يا رسول قال: quot; بكفرهنquot; قيل: أيكفرن بالله قال:quot; يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قطquot;. وفي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخسوف قال: quot; قد دنت مني الجنة حتى لو اجترأت عليها لجئتكم بقطاف من قطافها ودنت مني النار حتى قلت أي رب وأنا معهم فإذا امرأة حسبت أنه قال تخدشها هرة قلت ما شأن هذه قالوا حبستها حتى ماتت جوعا لا أطعمتها ولا أرسلتها تأكلquot;. وفي صحيح مسلم من حديث جابر في هذه القصة قال: quot; عرضت على كل شيء تولجونه فعرضت على الجنة حتى تناولت منها قطفا فقصرت يدي عنه وعرضت على النار فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذب في هرة لها quot;. وذكر الحديث. وفي صحيح مسلم عنه في هذا الحديث quot;ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه لقد جيء بالنار وذلك حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها وحتى رأيت فيها صاحب المحجن يجر قصبة في النار وكان يسرق الحاج بمحجنه فإذا فطن له قال إنما تعلق بمحجني وإن غفل عنه ذهب به وحتى رأيت فيها صاحبة الهرة التي ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت جوعا ثم جيء بالجنة وذلكم حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي ولقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه ثم بدا لي أن لا أفعل فما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذهquot;. وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والنسائي من حديث عبد الله بن عمرو وفي هذه القصة quot;والذي نفس محمد بيده لقد أدنيت الجنة حتى لو بسطت يدي(1\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7983",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لتعاطيت من قطوفها ولقد أدنيت النار منى حتى لقد جعلت أتقيها خشية أن تغشاكم quot; وذكرالحديث. وفي صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ أقيمت الصلاة فقال: quot; يا أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا ترفعوا رؤسكم فإني أراكم من أمامي ومن خلفي وأيم الذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا قالوا وما رأيت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رأيت الجنة والنار quot;. وفي الموطأ والسنن من حديث كعب ابن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجر الجنة حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة quot; وهذا صريح في دخول الروح الجنة قبل يوم القيامة ومثله حديث كعب بن مالك أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم quot; أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق في ثمر الجنة أو شجر الجنة quot; رواه أهل السنن وصححه الترمذي. وسيأتي في آخر هذا الكتاب في الباب الذي يذكر فيه دخول أرواح المؤمنين الجنة قبل يوم القيامة تمام هذه الأحاديث أن شاء الله تعالى وذكر دلالة القرآن على ما دلت عليه السنة من ذلك. وفي صحيح مسلم والسنن والمسند من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot;لما خلق الله تعالى الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة فقال أذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها فذهب فنظر إلى ما أعد الله لأهلها فيها فرجع فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها فأمر الجنة فحفت بالمكاره فقال فارجع فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها قال فنظر إليها ثم رجع فقال وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد قال: ثم أرسله إلى النار قال أذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها قال فنظر إليها فإذا هي يركب بعضها بعضا ثم رجع فقال وعزتك وجلالك لا يدخلها أحد سمع بها فأمر بها فحفت بالشهوات ثم قال اذهب فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها فذهب(1\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7984",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فنظر إليها فرجع فقال وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها quot; قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة quot;حجبت الجنة بالمكاره وحجبت النار بالشهواتquot; وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالquot; اختصمت الجنة والنار فقالت الجنة يا رب ما لها إنما يدخلها ضعفاء الناس وسقطهم وقالت النار يا رب ما لها يدخلها الجبارون والمتكبرون فقال أنت رحمتي أصيب بك من أشاء وأنت عذأبي أصيب بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤهاquot;. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلمquot; أنه قال اشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيفquot; وروى الليث بن سعد عن معاوية ابن صالح عن عبد الملك بن بشير ورفع الحديث قال:quot; ما من يوم إلا والجنة والنار يسألان تقول الجنة يا رب قد طاب ثمري واطردت أنهاري واشتقت إلى أوليائي فعجل إلي بأهلي وتقول النار أشتد حري وبعد قعري وعظم جمري فعجل علي بأهليquot;. وفي صحيح البخاري من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:quot; بينما أنا أسير في الجنة وإذا بنهر في الجنة حافتاه قباب الدر المجوف قال قلت ما هذا يا جبريل قال هذا الكوثر الذي أعطاك ربك فضرب الملك بيده فإذا طينه المسك الأذفرquot;. وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot; دخلت الجنة فرأيت فيها قصرا ودارا فقلت لمن هذا فقيل لرجل من قريش فرجوت أن أكون أنا هو فقيل لعمر بن الخطاب فلولا غيرتك(1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7985",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يا أبا حفص لدخلته quot; قال فبكى عمر وقال: أويغار عليك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وسيأتي حديث بلال وقول النبي صلى الله عليه وسلم quot;ما دخلت الجنة إلا سمعت خشخشتك بين يدي quot; وغير ذلك من الأحاديث التي تأتي إن شاء الله تعالى. وقال عبد الله بن وهب أنبأنا معاوية بن صالح عن عيسى بن عاصم عن زر بن حبيش عن أنس بن مالك قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم صلاة الصبح ثم مد يده ثم أخرها فلما سلم قيل له يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد صنعت في صلاتك شيئا لم تصنعه في غيرها قال: quot; أني رأيت الجنة فرأيت فيها دالية قطوفها دانية حبها كالدباء فأردت أن أتناول منها فأوحي إليها أن استأخري فستأخرت ثم رأيت النار فيما بيني وبينكم حتى لقد رأيت ظلي وظلكم فأومأت إليكم أن استأخروا فأوحى إلي أقرهم فإنك أسلمت وأسلموا وهاجرت وهاجروا وجاهدت وجاهدوا فلم أر لي عليكم فضلا إلا بالنبوةquot;. فإن قيل فما منعكم عن الاحتجاج على وجودها الآن بقصد آدم ودخوله الجنة وإخراجه منها بأكله من الشجرة والاستدلال بها في غاية الظهور قيل الاستدلال بذلك وإن كان عند العامة في غاية الظهور فهو في غاية الغموض لاختلاف الناس في الجنة التي أسكنها آدم هل كانت جنة الخلد التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة أو كانت جنة في الأرض في شرفها ونحن نذكر من قال بهذا ومن قال بهذا وما احتج به كل فريق على قولهم وما رد به الفريق الآخر عليهم بحول الله وقوته.(1\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7986",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "الباب الثاني: في اختلاف الناس في الجنة التي أسكنها آدم عليه الصلاة والسلام وأهبط منها هل هي جنة الخلد أو جنة أخرى غيرها في موضع عال من الأرض؟",
        "content": "الباب الثاني: في اختلاف الناس في الجنة التي أسكنها آدم عليه الصلاة والسلام وأهبط منها هل هي جنة الخلد أو جنة أخرى غيرها في موضع عال من الأرض قال منذر ابن سعيد في تفسير قوله تعالى: اسكن أنت وزوجك الجنة فقالت طائفة أسكن الله آدم جنة الخلد التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة وقال آخرون هي جنة غيرها جعلها الله له وأسكنه إياها ليست جنة الخلد قال وهذا قول تكثر الدلائل الشاهدة له والموجبة للقول به وقال أبو الحسن الماوردي في تفسيره: quot;واختلف الناس في الجنة التي أسكناها على قولين: أحدهما أنها جنة الخلد الثاني: أنها جنة أعدها الله تعالى لهما وجعلها ابتلاء وليست هي جنة الخلد التي جعلها دار جزاءquot; ومن قال بهذا اختلفوا فيه قولين: أحدهما: أنها في السماء لأنه أهبطهما منها وهذا قول الحسن الثاني: أنها في الأرض لأنه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نهيا عنها دون غيرها من الثمار وهذا قول ابن بحر وكان ذلك بعد أن أمر إبليس بالسجود لآدم عليه الصلاة والسلام والله أعلم بصواب ذلك هذا كلامه. وقال ابن الخطيب في تفسيره المشهور واختلفوا في الجنة المذكورة في هذه الآية هل كانت في الأرض أو في السماء وبتقدير أنها كانت في السماء فهل هي الجنة التي هي دار الثواب وجنة الخلد أو جنة أخرى فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصبهاني: quot;هذه الجنة في الأرضquot; وحملا الإهباط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله: اهبطوا مصرا واحتجا عليه بوجوه. القول الثاني وهو قول الجبائي أن تلك الجنة التي كانت في السماء السابعة.(1\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7987",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والقول الثالث: وهو قول جمهور أصحابنا أن هذه الجنة هي دار الثواب وقال أبو القاسم الراغب في تفسيره واختلف في الجنة التي أسكنها آدم فقال بعض المتكلمين كان بستانا جعله الله تعالى له امتحانا ولم يكن جنة المآوى وذكر بعض الاستدلال على القولين. وممن ذكر الخلاف أيضا أبو عيسى الرماني في تفسيره واختار أنها جنة الخلد ثم قال والمذهب الذي اخترناه قول الحسن وعمرو وواصل وأكثر أصحابنا وهو قول أبي علي وشيخنا أبي بكر وعليه أهل التفسير واختار ابن الخطيب التوقف في المسألة وجعله قولا رابعا فقال: والقول الرابع: أن لكل ممكن والأدلة متعارضة فوجب التوقف وترك القطع قال منذر بن سعيد والقول بإنها جنة في الأرض ليست جنة الخلد قول أبي حنيفة وأصحابه قال: وقد رأيت أقواما نهضوا لمخالفتنا في جنة آدم عليه السلام بتصويب مذهبهم من غير حجة إلا الدعاوى والأماني ما أتوا بحجة من كتاب ولا سنة ولا أثر عن صاحب ولا تابع ولا تابع التابع ولا موصولا ولا شاذا مشهورا. وقد أوجدناهم أن فقيه العراق ومن قال بقوله قالوا أن جنة آدم ليست جنة الخلد وهذه الدواوين مشحونة من علومهم ليسوا عند أحد من الشاذين بل بين رؤساء المخالفين وإنما قلت هذا ليعلم أني لا أنصر مذهب أبي حنيفة وإنما أنصر ما قام لي عليه الدليل من القرآن والسنة هذا ابن زيد المالكي يقول في تفسيره سألت ابن نافع عن الجنة أمخلوقة هي فقال السكوت عن الكلام في هذا أفضل وهذا ابن عيينة يقول في قوله عز وجل: إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى قال يعني في الأرض وابن نافع وإمام وابن عيينة إمام وهو لا يأتوننا بمثلهما ولا من يضاد قوله قولهما. وهذا ابن قتيبة ذكر في كتاب المعارف بعد ذكره خلق الله لآدم وزوجه قال:(1\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7988",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم تركهما وقال أثمروا وأكثروا وأملؤا الأرض وتسلطوا على أنوان البحور وطير السماء والأنعام وعشب الأرض وشجرها وثمرها فأخبر أن في الأرض خلقه وفيها أمره ثم قال ونصب الفردوس فانقسم على أربعة أنهار سيحون وجيحون ودجلة والفرات ثم ذكر الحية فقال وكانت أعظم دواب البر فقالت للمرأة أنكما تموتان إن أكلتما من هذه الشجرة. ثم قال بعد كلام ثم أخرجه من مشرق جنة عدن إلى الأرض التي منها أخذ ثم قال قال وهب وكان مهبطه حين أهبط من جنة عدن في شرقي أرض الهند قال واحتمل قأبيل أخاه حتى أتى به واديا من أودية اليمن في شرقي عدن فكمن فيه وقال غيره فيما نقل أبو صالح عن ابن عباس في قوله أهبطوا هو كما يقال هبط فلان أرض كذا وكذا. قال منذر بن سعيد فهذا وهب بن منبه يحكي أن آدم عليه السلام خلق في الأرض وفيها سكن وفيها نصب له الفردوس وإنه كان بعدن وإن أربعة أنهار أنقسمت من ذلك النهر الذي كان يسمى فردوس آدم وتلك الأنهار بقيت في الأرض لاختلاف بين المسلمين في ذلك فاعتبروا يا أولي الألباب وأخبر أن الحية التي كلمت آدم كانت من أعظم دواب البر ولم يقل من أعظم دواب السماء فهم يقولون إن الجنة لم تكن في الأرض وإنما كانت فوق السماء السابعة. ثم قال وأخرجه من مشرق جنة عدن وليس في جنة المآوى مشرق ولا مغرب لأنه لا شمس فيها. ثم قال وأخرجه إلى الأرض التي اخذ منها يعني أخرجه من الفردوس الذي نصب له في عدن في شرقي أرض الهند وهذه الأخبار التي حكى ابن قتيبة إنما تنبئ عن أرض اليمن وعن عدن وهي من أرض اليمن وأخبر أن الله نصب الفردوس لآدم عليه السلام بعدن ثم أكد ذلك بأن قال: التي أربعة الأنهار التي ذكرناها منقسمة عن النهر الذي كان يسمى فردوس آدم.(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7989",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال منذر وقال ابن قتيبة عن ابن منبه عن أبي هريرة قال واشتهى آدم عند موته قطفا من الجنة التي كان فيها بزعمهم على ظهر السماء السابعة وهو في الأرض فخرج أولاده يطلبون ذلك له حتى بلغتهم الملائكة موته فأولاد آدم كانوا مجانين عندكم إن كان ما نقله ابن قتيبة حقا يطلبون لأبيهم ثمر جنة الخلد في الأرض. قال ونحن لم نقل غير ما قال هؤلاء ولو كانت جنة الخلد الخلد فيها ونحن استدللنا من القرآن وغيرنا قطع وادعى بما ليس له عليه برهان. فهذا ذكر بعض أقوال من حكى الخلاف في هذه المسئلة ونحن نسوق حجج الفريقين إن شاء الله تعالى ونبين لهم ما لهم وما عليهم.(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7990",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "الباب الثالث: في سياق حجج من اختار أنها جنة الخلد التي يدخلها الناس يوم القيامة",
        "content": "الباب الثالث: في سياق حجج من اختار أنها جنة الخلد التي يدخلها الناس يوم القيامة قالوا قولنا هذا هو الذي فطر الله عليه الناس صغيرهم وكبيرهم لم يخطر بقلوبهم سواه وأكثرهم لا يعلم في ذلك نزاعا. قالوا وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك عن أبي حازم عن أبي هريرة وأبي مالك عن ربعي عن حذيفة قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; يجمع الله تعالى الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة فيأتون آدم عليه السلام فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكمquot;. وذكر الحديث. قالوا وهذا يدل على أن الجنة التي أخرج منها هي بعينها التي يطلب منه أن يستفتحها. وفي الصحيحين حديث احتجاج آدم وموسى وقول موسى أخرجتنا ونفسك من الجنة ولو كانت في الأرض فهم قد خرجوا من بساتين فلم يخرجوا من الجنة وكذلك قول آدم للمؤمنين يوم القيامة وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم وخطيئته لم تخرجهم من جنات الدنيا. قالوا وقد قال تعالى في سورة البقرة: وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين(1\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7991",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا يدل على أن هبوطهم كان من الجنة إلى الأرض من وجهين أحدهما من لفظة اهبطوا فإنه نزول من علو إلى سفل والثاني ولكم في الأرض مستقر عقب قوله اهبطوا فدل على أنهم لم يكونوا قبل ذلك في الأرض ثم أكد هذا بقوله في سورة الأعراف قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ولو كانت الجنة في الأرض لكانت حياتهم فيها قبل الإخراج وبعده. قالوا وقد وصف سبحانه جنة آدم بصفات لا تكون إلا في جنة الخلد فقال: إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى وهذا لا يكون في الدنيا أصلا فإن الرجل ولو كان أطيب منازلها لا بد أن يعرض له شيء من ذلك وقابل سبحانه بين الجوع والظمأ والعري والضحى فإن الجوع ذل الباطن والعري ذل الظاهر والظمأ حر الباطن والضحى حر الظاهر فنفى عن سكانها ذل الظاهر والباطن وحر الظاهر والباطن وذلك احسن من المقابلة بين الجوع والعطش والعري والضحى وهذا شأن ساكن جنة الخلد. قالوا وأيضا فلو كانت تلك الجنة في الدنيا لعلم آدم كذب إبليس في قوله: هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فإن آدم كان يعلم أن الدنيا منقضية فانية وأن ملكها يبلى. قالوا وأيضا هذه القصة في سورة البقرة ظاهرة جدا في أن الجنة التي أخرج منها فوق السماء فإنه سبحانه قال: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7992",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتكونا من الظالمين فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم فهذا إهباط آدم وحواء وإبليس من الجنة فلهذا أتى فيه بضمير الجمع وقد قيل إن الخطاب لهما وللحية وهذا ضعيف جدا إذ لا ذكر للحية في شيء من قصة آدم ولا في السياق ما يدل عليها وقيل الخطاب لآدم وحواء وأتى فيه بضمير الجمع كقوله وكنا لحكمهم شاهدين وهما داود وسليمان وقيل لآدم وحواء وذريتهما. وهذه الأقوال ضعيفة غير الأول لأنها قول لا دليل عليه بين ما يدل اللفظ على خلافه فثبت أن إبليس داخل في هذا الخطاب وأنه من المهبطين فإذا تقرر هذا فقد ذكر سبحانه الإهباط ثانيا بقوله: قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والظاهر أن هذا الإهباط الثاني في غير الأول وهو إهباط من السماء إلى الأرض والأول إهباط من الجنة وحينئذ فتكون الجنة التي إهبط منها أولا فوق السماء جنة الخلد وقد ظن الزمخشري أن قوله اهبطوا منها جميعا خطاب لآدم وحواء خاصة وعبر عنهما بالجمع لاستتباعهما ذرياتهما قال والدليل عليه قوله تعالى: قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو قال ويدل على ذلك قوله: فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم. ومعنى قوله بعضكم لبعض عدو ما عليه الناس من التعادي والتباغي(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7993",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتضليل بعضهم بعضا وهذا الذي اختاره أضعف الأقوال في الآية فإن العداوة التي ذكرها الله تعالى إنما هي بين آدم وإبليس وذريتهما كما قال الله تعالى: إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا وهو سبحانه قد أكد أمر العداوة بين الشيطان والإنسان وأعاد وأبدى ذكرها في القرآن لشدة الحاجة إلى التحرز من هذا العدو وأما آدم وزوجته فإنه إنما أخبر في كتابه أنه خلقها ليسكن إليها وجعل بينهما مودة ورحمة فالمودة والرحمة بين الرجل وامرأته والعداوة بين الإنسان والشيطان. وقد تقدم ذكر آدم وزوجه وإبليس وهو ثلاثة فلماذا يعود الضمير على بعض المذكور مع منافرته لطريق الكلام دون جميعه مع أن اللفظ والمعنى يقتضيه فلم يصنع الزمخشري شيئا وأما قوله تعالى في سورة طه: قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو وهذا خطاب لآدم وحواء وقد جعل بعضهم لبعض عداوا فالضمير في قوله اهبطا منها أما أن يرجع إلى آدم وزوجته أو إلى آدم وإبليس ولم يذكر الزوجة لأنها تبع له وعلى هذا فالعداوة المذكورة للمتخاطبين بالإهباط وهما آدم وإبليس فالأمر ظاهر وأما على الأول فتكون الآية قد اشتملت على أمرين: أحدهما: أمره تعالى لآدم وزوجه بالهبوط. والثاني: إخباره بالعداوة بين آدم وزوجته وبين إبليس ولهذا أتى الضمير الجمع في الثاني دون الأول ولا بد أن يكون إبليس داخلا في حكم هذه العداوة قطعا كما قال تعالى: إن هذا عدو لك ولزوجك وقال للذرية(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7994",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا . وتأمل كيف اتفقت المواضع التي فيها ذكر العداوة على ضمير الجمع دون التثنية وأما الإهباط فتارة يذكره بلفظ الجمع وتارة بلفظ التثنية وتارة بلفظ الأفراد كقوله في سورة الأعراف قال اهبط منها وكذلك في سورة ص وهذا لإبليس وحده وحيث ورد بصيغة الجمع فهو لآدم وزوجه وإبليس إذ مدار القصة عليهم وحيث ورد بلفظ التثنية فأما أن يكون لآدم وزوجه إذ هما اللذان باشرا الأكل من الشجرة وأقدما على المعصية وإما أن يكون لآدم وإبليس إذ هما أبوا الثقلين وأصلا الذرية فذكر حالهما ومآل أمرهما ليكون عظة وعبرة لأولادهما وقد حكيت القولين في ذلك. والذي يوضح أن الضمير في قوله اهبطا منها جميعا لآدم وإبليس إن الله سبحانه لما ذكر المعصية أفرد بها آدم دون زوجه فقال: وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى قال قال اهبطا منها جميعا وهذا يدل على أن المخاطب بالإهباط هو آدم ومن زين له المعصية ودخلت الزوجة تبعا فإن المقصود إخبار الله تعالى للثقلين بما جرى على أبويهما من شؤم المعصية ومخالفة الأمر فذكر أبويهما أبلغ في حصول هذا المعنى من ذكر أبوي الإنس فقط. وقد أخبر سبحانه عن الزوجة بأنها أكلت مع آدم وأخبر أنه أهبطه وأخرجه من الجنة بتلك الأكلة فعلم أن حكم الزوجة كذلك وأنها صارت إلى ما صار إليه آدم وكان تجريد العناية إلى ذكر حال أبوي الثقلين أولى من تجريده إلى ذكر أبي الإنس وأمهم فتأمله. قالوا وأيضا فالجنة جاءت معرفة بلام التعريف في جميع المواضع كقوله: اسكن أنت وزوجك ونظائره ولا جنة يعهدها المخاطبون ويعرفونها إلا جنة الخلد التي وعد الرحمن عباده بالغيب فقد صار هذا الاسم علما عليها بالغلبة(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7995",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كالمدينة والنجم والبيت والكتاب ونظائرها فحيث ورد لفظها معرفا انصرف إلى الجنة المعهودة المعلومة في قلوب المؤمنين وأما أن أريد به جنة غيرها فإنها تجيء منكرة أو مقيدة بالإضافة أو مقيدة من السياق بما يدل على أنها جنة في الأرض: فالأول كقوله: جنتين من أعناب. والثاني: كقوله ولولا إذ دخلت جنتك. والثالث كقوله: إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة . قالوا: ومما يدل على أن جنة آدم هي جنة المآوى ما روى هوذة بن خليفة عن عوف عن قسامة بن زهير عن أبي موسى الأشعري قال إن الله تعالى لما أخرج آدم من الجنة زوده من ثمار الجنة وعلمه صنعة كل شيء فثماركم هذه من ثمار الجنة غير إن هذه تتغير وتلك لا تتغير قالوا. وقد ضمن الله سبحانه وتعالى له إن تاب إليه وأناب أن يعيده إليها كما روى المنهال عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه قال يا رب ألم تخلقني بيدك قال بلى قال أي رب ألم تنفخ في من روحك قال بلى قال أي رب ألم تسكني جنتك قال بلى قال أي رب ألم تسبق رحمتك غضبك قال بلى قال أرأيت أن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة قال بلى قال فهو قوله تعالى فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه وله طرق عن ابن عباس وفي بعضها كان آدم قال لربه إذ عصاه رب إن أنا تبت وأصلحت فقال له ربه إني راجعك إلى الجنة فهذا بعض ما احتج به القائلون بأنها جنة الخلد ونحن نسوق حجج الآخرين.(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7996",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "الباب الرابع: في سياق حجج الطائفة التي قالت ليست جنة الخلد وإنما هي جنة في الأرض",
        "content": "الباب الرابع: في سياق حجج الطائفة التي قالت ليست جنة الخلد وإنما هي جنة في الأرض. قالوا هذا قول تكثر الدلائل الموجبة للقول به فنذكر بعضها قالوا قد أخبر الله سبحانه على لسان جميع رسله أن جنة الخلد أنما يكون الدخول إليها يوم القيامة ولم يأت زمن دخولها بعد وقد وصفها الله سبحانه وتعالى لنا في كتابه بصفاتها ومحال أن يصف الله سبحانه وتعالى شيئا بصفة ثم يكون ذلك الشيء بغير تلك الصفة التي وصفه بها. قالوا فوجدنا الله تعالى وصف الجنة التي أعدت للمتقين بإنها دار المقامة فمن دخلها أقام بها ولم يقم آدم بالجنة التي دخلها ووصفها بإنها جنة الخلد وآدم لم يخلد فيها ووصفها بأنها دار ثواب وجزاء لا دار تكليف وأمر ونهى ووصفها بأنها دار سلامة مطلقة لا دار ابتلاء وامتحان وقد ابتلى آدم فيها بأعظم الابتلاء ووصفها بأنها دار لا يعصي الله فيها أبدا وقد عصى آدم ربه في جنته التي دخلها ووصفها بأنها ليست دار خوف ولا حزن وقد حصل للأبوين فيها من الخوف والحزن ما حصل وسماها دار السلام ولم يسلم فيها الأبوان من الفتنة ودار القرار ولم يستقر فيها وقال في داخلها: وما هم منها بمخرجين وقد أخرج منها الأبوان وقال: لا يمسهم فيها نصب وقد ند فيها آدم هاربا فارا وطفق يخصف ورق الجنة على نفسه وهذا النصب بعينه وأخبر أنه لا لغو فيها ولا تأثيم وقد سمع فيها آدم لغو إبليس وإثمه وأخبر أنه لا يسمع فيها لغو ولا كذاب وقد سمع فيها آدم عليه السلام كذب إبليس. وقد سماها الله سبحانه وتعالى مقعد صدق وقد كذب فيها إبليس وحلف على كذبه وقد قال تعالى للملائكة وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ولم يقل إني جاعل في جنة المأوى فقالت الملائكة: قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ومحال أن يكون هذا في جنة المأوى.(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7997",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد أخبر الله تعالى عن إبليس إنه قال لآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فإن كان الله سبحانه وتعالى قد أسكن آدم جنة الخلد والملك الذي لا يبلى فكيف لم يرد عليه ويقول له كيف تدلني على شيء أنا فيه وقد أعطيته ولم يكن الله سبحانه وتعالى قد أخبر آدم إذ أسكنه الجنة أنه فيها من الخالدين ولو علم أنها دار الخلد لما ركن إلى قول إبليس ولا مال إلى نصيحته ولكنه لما كان في غير دار خلود غره بما أطعمه فيه من الخلد. قالوا ولو كان أدم أسكن جنة الخلد وهي دار القدس التي لا يسكنها إلا طاهر مقدس فكيف توصل إليها إبليس الرجس النجس المذموم المدحور حتى فتن فيها آدم عليه السلام ووسوس له وهذه الوسوسة إما أن تكون في قلبه وإما أن تكون في أذنه وعلى التقديرين فكيف توصل اللعين إلى دخول دار المتقين وأيضا فبعد أن قيل له اهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها أيفسح له أن يرقى إلى جنة المأوى فوق السماء السابعة بعد السخط عليه والإبعاد له والزجر والطرد بعتوه واستكباره وهل هذا يلائم قوله: فما يكون لك أن تتكبر فإن كانت مخاطبته لآدم بما خاطبه به وقاسمه عليه ليست تكبرا فما التكبر بعد هذا. فإن قلتم فلعل وسوسته وصلت إلى الأبوين وهو في الأرض وهما فوق السماء في عليين فهذا غير معقول لغة ولا حسا ولا عرفا وإن زعمتم أنه دخل في بطن الحية حتى أوصل إليهما الوسوسة فأبطل وأبطل إذ كيف يرتقي بعد الإهباط إلى أن يدخل الجنة ولو في بطن الحية وإذا قلتم إنه دخل في قلوبهما ووسوس إليهما فالمحذور قائم وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى حكى مخاطبته لهما كلاما سمعاه شفاها فقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة وهذا دليل على مشاهدته لهما وللشجرة ولما كان آدم خارجا من الجنة وغير ساكن فيها قال الله تعالى له: ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ولم يقل عن هذه الشجرة فعندما قال لهما: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة لما أطعمهما(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7998",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في ملكها والخلود في مقرها أتى باسم الإشارة بلفظ الحضور تقريبا لها وإحضارا لها عندهما وربهما تعالى قال لهما: ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ولما أراد إخراجهما منها فأتى باسم الإشارة بلفظ البعد والغيبة كأنهما لم يبق لهما من الجنة حتى ولا مشاهدة الشجرة التي نهيا عنها وأيضا فإنه سبحانه قال: إليه يصعد الكلم الطيب ووسوسة اللعين من أخبث الكلم فلا تصعد إلى محل القدس. قال منذر وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلمquot; أن آدم عليه السلام نام في جنتهquot; وجنة الخلد لا نوم فيها بالنص وإجماع المسلمين فإن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أينام أهل الجنة قال: quot; لا النوم أخو الموت والنوم وفاة quot; وقد نطق به القرآن والوفاة تقلب حال ودار السلام مسلمة من تقلب الأحوال والنائم ميت أو كالميت. قلت الحديث الذي أشار إليه المعروف أنه موقوف من رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد قال خلقت حواء من قصيري آدم وهو نائم. وقال أسباط عن السدي أسكن آدم عليه السلام الجنة وكان يمشي فيها وحشا ليس له زوج يسكن إليها فنام نومة فاستيقظ فإذا عند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه فسألها ما أنت قالت امرأة قال ولم خلقت قالت لتسكن إلي. وقال ابن إسحاق عن ابن عباس ألقى الله على آدم عليه السلام السنة ثم أخذ ضلعا من أضلاعه من شقه الأيسر ولأم مكانه لحما وآدم نائم لم يهب من نومته حتى خلق الله من ضلعه تلك زوجته حواء فسواها امرأة يسكن إليها فلما كشف عنه السنة وهب من نومته رآها إلى جنبه فقال لحمي ودمي وروحي فسكن إليها. قالوا ولا نزاع إن الله سبحانه وتعالى خلق آدم في الأرض ولم يذكر في موضع واحد أصلا أنه نقله إلى السماء بعد ذلك ولو كان قد نقله ذلك إلى السماء لكان هذا أولى بالذكر لأنه من أعظم الآيات ومن أعظم النعم عليه فإنه كان معراجا ببدنه وروحه من الأرض إلى فوق السماوات.(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "7999",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا وكيف ينقله سبحانه ويسكنه فوق السماء وقد أخبر ملائكته أنه جاعله في الأرض خليفة وكيف يسكنه دار الخلد التي من دخلها خلد فيها ولا يخرج منها قال تعالى: وما هم منها بمخرجين قالوا ولم يكن معنا في المسألة إلا أن الله سبحانه أهبط إبليس من السماء حين امتنع من السجود لآدم عليه السلام وهذا أمر تكوين لا يمكن وقوع خلافه ثم أدخل آدم عليه السلام الجنة بعد هذا فإن الأمر بالسجود كان عقب خلقه من غير فصل فلو كانت الجنة فوق السموات لم يكن لإبليس سبيل إلى صعوده إليها وقد أهبط منها. وأما تلك التقادير التي قدرتموها فتكلفات ظاهرة كقول من قال يجوز أن يصعد إليها صعودا عارضا لا مستقرا وقول من قال أدخلته الحية وقول من قال دخل في أجوافها وقول من قال يجوز أن تصل وسوسته إليها وهو في الأرض وهما فوق السماء ولا يخفى ما في ذلك من التعسف الشديد والتكلف البعيد وهذا بخلاف قولنا فإنه سبحانه لما أهبطه من ملكوت السماء حيث لم يسجد لآدم عليه السلام أشرب عداوته فلما أسكنه جنته حسده عدوه وسعى بكيده وغروره في إخراجه منها والله أعلم. قالوا ومما يدل على أن جنة آدم لم تكن جنة الخلد التي وعد المتقون أن الله سبحانه لما خلقه أعلمه أن لعمره أجلا ينتهي إليه وأنه لم يخلقه للبقاء كما روى الترمذي في جامعه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot; لما خلق الله آدم عليه السلام ونفخ فيه الروح عطس فقال الحمد لله فحمد الله بإذنه فقال ربه يرحمك الله يا آدم اذهب إلى أولئك الملائكة إلى ملأ منهم جلوس فقال السلام عليكم قالوا وعليك السلام..الخquot; ثم رجع إلى ربه فقال إن هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم فقال الله له ويداه مقبوضتان أختر أيهما شئت فقال أخترت يمين ربي وكلتا يديه يمين مباركة ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته فقال يا رب ما هؤلاء قال هؤلاء ذريتك فإذا كل إنسان مكتوب بين عينيه عمره فإذا فيهم رجل أضوؤهم قال يا رب من هذا قال هذا ابنك داود قد كتبت له عمرا أربعين سنة قال يا رب زده في عمره قال ذلك الذي كتبت له قال أي رب فإني قد جعلت له من عمري(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8000",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ستين سنة قال أنت وذلك قال ثم أسكن الجنة ما شاء الله ثم أهبط منها فكان آدم عليه السلام يعد لنفسه قال فأتاه ملك الموت فقال له آدم قد عجلت قد كتبت لي ألف سنة قال بلى ولكنك جعلت لابنك داود ستين سنة فجحد فجحدت ذريته ونسي فنسيت ذريته قال فمن يومئذ أمر بالكتاب والشهود quot; قال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه وقد روى من غير وجه عن أبي هريرة. قالوا فهذا صريح في أن آدم عليه السلام لم يخلق في دار البقاء التي لا يموت من دخلها وإنما خلق في دار الفناء التي جعل الله تعالى لها ولسكانها أجلا معلوما وفيها أسكن. فإن قيل فإذا كان آدم عليه السلام قد علم أن له عمرا مقدرا وأجلا ينتهي إليه وإنه ليس من الخالدين فكيف لم يعلم كذب إبليس في قوله هل أدلك على شجرة الخلد وقوله أو تكونا من الخالدين فالجواب من وجهين: أحدهما أن الخلد لا يستلزم الدوام والبقاء بل هو المكث الطويل كما سيأتي. الثاني أن إبليس لما حلف له وغره وأطمعه في الخلود نسي ما قدر له من عمره. قالوا وأيضا فمن المعلوم الذي لا ينازع فيه مسلم أن الله سبحانه خلق آدم عليه السلام من تربة هذه الأرض وأخبر أنه خلقه من سلالة من طين وأنه خلقه من صلصال من حمأ مسنون فقيل هو الذي له صلصلة ليبسة وقيل هو الذي تغيرت رائحته من قولهم صل اللحم إذا تغير والحمأ الطين الأسود المتغير والمسنون المصبوب وهذه كلها أطوار للتراب الذي هو مبدؤه الأول كما أخبر عن أطوار خلق الذرية من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ولم يخبر سبحانه وتعالى أنه رفعه من الأرض إلى فوق السماوات لا قبل التخليق ولا بعده فأين الدليل الدال على إصعاد مادته أو إصعاده هو بعد خلقه وهذا ما لا دليل لكم عليه ولا هو لازم من لوازم ما أخبر الله به(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8001",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا من المعلوم أن ما فوق السماوات ليس بمكان للطين الأرضي المتغير الرائحة الذي قد أنتن من تغيره وإنما محل هذه الأرض التي هي محل المتغيرات الفاسدات وأما ما فوق الأفلاك فلا يلحقه تغير ولا نتن ولا فساد ولا استحالة فهذا أمر لا يرتاب فيه العقلاء. قالوا وقد قال الله تعالى: وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ . فأخبر سبحانه أن عطاء الجنة الخلد غير مجذوذ. قالوا: فإذا جمع ما أخبر به سبحانه من أنه خلقه من الأرض وجعله خليفة في الأرض وأن إبليس وسوس إليه في مكانه الذي أسكنه فيه بعد أن أهبطه من السماء بامتناعه من السجود له وأنه أخبر ملائكته أنه جاعل في الأرض خليفة وأن دار الخلد دار جزاء وثواب على الامتحان والتكاليف وأنه لا لغو فيها ولا تأثيم ولا كذاب وأن من دخلها لا يخرج منها ولا ييأس ولا يحزن ولا يخاف ولا ينام وأن الله حرمها على الكافرين وإبليس رأس الكفر فإذا جمع ذلك بعضه إلى بعض وفكر فيه المنصف الذي رفع له علم الدليل فشمر إليه بنفسه عن حضيض التقليد تبين له الصواب والله الموفق. قالوا: ولو لم يكن في المسألة إلا أن الجنة ليست دار تكليف وقد كلف الله سبحانه الأبوين بينهما عن الأكل من الشجرة فدل على أنها دار تكليف لا جزاء وخلد فهذا أيضا بعض ما احتجت به هذه الفرقة على قولها والله أعلم.(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8002",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "الباب الخامس: في جواب أرباب هذا القول لأصحاب القول الأول",
        "content": "الباب الخامس: في جواب أرباب هذا القول لأصحاب القول الأول. قالوا أما قولكم إن قولنا هو الذي فطر الله عليه عباده بحيث لا يعرفون سواه فالمسألة سمعية لا تعرف إلا بأخبار الرسل ونحن وأنتما إنما تلقينا هذا من القرآن لا من المعقول ولا من الفطرة فالمتبع فيه ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ونحن نطالبكم بصاحب واحد أو تابع أو أثر صحيح أو حسن بأنها جنة الخلد التي أعدها الله للمؤمنين بعينها ولن تجدوا إلى ذلك سبيلا وقد أوجدناكم من كلام السلف ما يدل على خلافه ولكن لما وردت الجنة مطلقة في هذه القصة ووافقت اسم الجنة التي أعدها الله لعباده في إطلاقها وبعض أوصافها فذهب كثير من الأوهام إلى أنها بعينها فإن أردتم بالفطرة هذا القدر لم يفدكم شيئا وإن أردتم أن الله فطر الخلق على ذلك كما فطرهم على حسن العدل وقبح الظلم وغير ذلك من الأمور الفطرية فدعوى باطلة ونحن إذا رجعنا إلى فطرنا لم نجد علمها بذلك كعلمها بوجوب الواجبات واستحالة المستحيلات. وأما استدلالكم بحديث أبي هريرة رضي الله عنه وقول آدم quot;وهل أخرجكم منها إلا خطيئة أبيكمquot; فأنما يدل على تأخر آدم عليه السلام عن الاستقباح للخطيئة التي قد تقدمت منه في دار الدنيا وأنه بسبب تلك الخطيئة حصل له الخروج من الجنة كما في اللفظ الآخر إني نهيت عن أكل الشجرة فأكلت منها فأين في هذا ما يدل على أنها جنة المأوى بمطابقة أو تضمن أو استلزام وكذلك قول موسى له أخرجتنا ونفسك من الجنة فإنه لم يقل له أخرجتنا من جنة الخلد. وقولكم أنهم خرجوا إلى بساتين من جنس الجنة التي في الأرض فاسم الجنة وإن أطلق على تلك البساتين فبينها وبين جنة آدم ما لا يعلمه إلا الله وهي كالسجن بالنسبة إليها واشتراكهما في كونهما في الأرض لا ينفي تفاوتهما أعظم تفاوت في جميع الأشياء.(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8003",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما استدلالكم بقوله تعالى: وقلنا أهبطوا عقيب إخراجهم من الجنة فلفظ الهبوط لا يستلزم النزول من السماء إلى الأرض غايته أن يدل على النزول من مكان عال إلى أسفل منه وهذا غير منكر فإنها كانت جنة في أعلى الأرض فأهبطوا منها إلى الأرض. وقد بينا أن الأمر كان لآدم عليه السلام وزوجه وعدوهما فلو كانت الجنة في السماء لما كان عدوهما متمكنا منها بعد إهباطه الأول لما أبى السجود لآدم عليه السلام فالآية أيضا من أظهر الحجج عليكم ولا تغني عنكم وجوه التعسفات والتكلفات التي قدرتموها وقد تقدمت. وأما قوله تعالى ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين فهذا لا يدل على أنهم لم يكونوا قبل ذلك في الأرض فإن الأرض اسم جنس وكانوا في أعلاها وأطيبها وأفضلها في محل لا يدركهم فيه جوع ولا عرى ولا ظمأ ولا ضحى فاهبطوا إلى أرض يعرض فيها ذلك كله وفيها حياتهم وموتهم وخروجهم من القبور والجنة التي أسكناها لم تكن دار نصب ولا تعب ولا أذى والأرض التي أهبطوا إليها هي محل التعب والنصب والأذى وأنواع المكاره وأما قولكم إنه سبحانه وتعالى وصفها بصفات لا تكون في الدنيا فجوابه إن تلك الصفات لا تكون في الأرض التي أهبطوا إليها فمن أين لكم أنها لا تكون في الأرض التي أهبطوا منها وأما قولكم إن آدم عليه السلام كان يعلم إن الدنيا منقضية فانية فلو كانت الجنة فيها لعلم كذب إبليس في قوله: هل أدلك على شجرة الخلد . فجوابه من وجهين: أحدهما: أن اللفظ أنما يدل على الخلد وهو أعم من الدوام الذي انقطاع له فإنه في اللغة المكث الطويل ومكث كل شيء بحسبه ومنه قولهم رجل مخلد إذا أسن وكبر ومنه قولهم لأثافي الصخور خوالد لطول بقائها بعد دروس الأطلال قال: إلا رمادا هامدا دفعت ... عنه الرياح خوالد سحم(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8004",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونظير هذا إطلاقهم القديم على ما تقادم عهده وإن كان له أول كما قال تعالى: كالعرجون القديم إنك لفي ضلالك القديم و إفك قديم وقد أطلق تعالى الخلود في النار على عذاب بعض العصاة كقاتل النفس وأطلقه النبي صلى الله عليه وسلم على قاتل نفسه. الوجه الثاني: أن العلم بانقطاع الدنيا ومجئ الآخرة أنما يعلم الوحي ولم يتقدم لآدم عليه الصلاة والسلام نبوة يعلم بها ذلك وهو وأن نباه الله سبحانه وتعالى وأوحى إليه وأنزل عليه صحفا كما في حديث أبي ذر لكن هذا بعد إهباطه إلى الأرض بنص القرآن قال تعالى: قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى وكذلك في سورة البقرة: قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى . وأما قولكم: إن الجنة وردت معرفة باللام غير مراد بها جنة الخلد قطعا كقوله تعالى: إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين وقولكم: إن السياق ها هنا دل على أنها جنة في الأرض. قلنا: والأدلة التي ذكرناها دلت على أن جنة آدم عليه السلام في الأرض فلذلك صرنا إلى موجبها إذ لا يجوز تعطيل دلالة الدليل الصحيح. وأما استدلالكم بأثر أبي موسى أن الله أخرج آدم عليه السلام من الجنة وزوده من ثمارها فليس فيه زيادة على ما دل عليه القرآن إلا تزوده منها وهذا لا يقتضي أن تكون جنة الخلد. وقولكم: إن هذه تتغير وتلك لا تتغير فمن أين لكم أن الجنة التي أسكنها آدم كان التغير يعرض لثمارها كما يعرض لهذه الثمار وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم أي لم يتغير ولم ينتن وقد أبقىالله سبحانه وتعالى في هذا العالم طعام العزيز وشرابه مئة سنة لم يتغير.(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8005",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما قولكم: إن الله سبحانه وتعالى ضمن لآدم عليه السلام إن تاب أن يعيده إلى الجنة. فلا ريب أن الأمر كذلك ولكن ليس يعلم أن الضمان إنما يتناول عوده إلى تلك الجنة بعينها بل إذا أعاده إلى جنة الخلد فقد وفى سبحانه بضمانه حق الوفاء ولفظ العود لا يستلزم الرجوع إلى عين الحالة الأولى ولا زمانها ولا مكانها بل ولا إلى نظيرها كما قال شعيب لقومه قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا وقد جعل الله سبحانه المظاهر عائدا بإرادته الوطء ثانيا أو بنفس الوطء أو بالإمساك وكل منها غير الأول لا عينه فهذا ما أجابت به هذه الطائفة لمن نازعها.(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8006",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب السادس في جواب من زعم أنها جنة الخلد عما احتج به منازعوهم قالوا: أما قولكم: إن الله سبحانه أخبر أن جنة الخلد إنما يقع الدخول إليها يوم القيامة ولم يأت زمن دخولها بعد فهذا حق في الدخول المطلق الذي هو دخول استقرار ودوام وأما الدخول العارض فيقع قبل يوم القيامة. وقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم الجنة ليلة الإسراء وأرواح المؤمنين والشهداء في البرزخ في الجنة وهذا غير الدخول الذي اخبر الله به في يوم القيامة فدخول الخلود إنما يكون يوم القيامة فمن أين لكم أن مطلق الدخول لا يكون في الدنيا وبهذا خرج الجواب عن استدلالكم بكونها دار المقامة ودار الخلد قالوا وأما احتجاجكم بسائر الوجوه التي ذكرتموها في الجنة وأنها لم توجد في جنة آدم عليه السلام من العري والنصب والحزن واللغو والكذب وغيرها فهذا كله حق لا ننكره نحن ولا أحد من أهل الإسلام. ولكن هذا إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة كما يدل عليه سياق الآيات كلها فإن نفي ذلك مقرون بدخول المؤمنين إياها وهذا لا ينفي أن يكون فيها بين أبوي الثقلين ما حكاه الله سبحانه وتعالى من ذلك ثم يصير الأمر عند دخول المؤمنين إياها إلى ما أخبر الله عنها فلا تنافي بين الأمرين. وأما قولكم: إنها دار جزاء وثواب لا دار تكليف وقد كلف الله سبحانه آدم بالنهي عن الأكل من تلك الشجرة فدل على أن تلك الجنة دار تكليف لا دار خلود فجوابه من وجهين: أحدهما: أنه إنما تمتنع أن تكون دار تكليف إذا دخلها المؤمنين يوم القيامة فحينئذ ينقطع التكليف وأما وقوع التكليف فيها دار الدنيا فلا دليل(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8007",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على امتناعه البتة كيف وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:quot; دخلت البارحة الجنة فرأيت امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت لمن أنت quot; الحديث. وغير ممتنع أن يكون فيها من يعمل بأمر الله ويعبد الله قبل يوم القيامة بل هذا هو الواقع فإن من فيها الآن مؤتمرون بأوامر من قبل ربهم لا يتعدونها سواء سمى ذلك تكليفا أو لم يسم. الوجه الثاني: أن التكليف فيهالم يكن بالأعمال التي يكلف بها الناس في الدنيا من الصيام والصلاة والجهاد ونحوها وإنما كان حجرا عليهما في شجرة واحدة من جملة أشجارها إما واحدة بالعين أو بالنوع وهذا القدر لا يمتنع وقوعه في دار الخلد كما أن كل واحد محجور عليه أن يقرب أهل غيره فيها فإن أردتم بكونها ليست دار تكليف امتناع وقوع مثل هذا فيها في وقت من الأوقات فلا دليل عليه وإن أردتم أن تكاليف الدنيا منتفية عنها فهو حق ولكن لا يدل على مطلوبكم. وأما استدلالكم بنوم آدم فيها والجنة لا ينام أهلها فهذا أن ثبت النقل بنوم آدم فإنما ينفي النوم عن أهلها يوم دخول الخلود حيث لا يموتون وأما قبل ذلك فلا. وأما استدلالكم بقصة وسوسة إبليس له بعد إهباطه وإخراجه من السماء فلعمر الله إنه لمن أقوى الأدلة وأظهرها على صحة قولكم وتلك التعسفات لدخوله الجنة وصعوده إلى السماء بعد إهباط الله له منها لا يرتضيها منصف ولكن لا يمتنع أن يصعد إلى هنالك صعودا عارضا لتمام الابتلاء والامتحان الذي قدره الله تعالى وقدر أسبابه وإن لم يكن ذلك المكان مقعدا له مستقرا كما كان وقد أخبر الله سبحانه عن الشياطين أنهم كانوا قبل مبعث رسول الله صلىالله عليه وسلم يقعدون من السماء مقاعد للسمع فيستمعون الشيء من الوحي وهذا صعود إلى هناك ولكنه صعود عارض لا يستقرون في المكان الذي يصعدون إليه مع قوله تعالى اهبطوا بعضكم لبعض عدو فلا تنافي بين هذا الصعود وبين الأمر بالهبوط فهذا محتمل والله أعلم وأما استدلالكم بأن الله سبحانه أعلم آدم عليه السلام مقدار أجله وما ذكرتم من الحديث وتقرير الدلالة منه(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8008",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فجوابه أن إعلامه بذلك لا ينافي إدخاله جنة الخلد وإسكانه فيها مدة وأما إخباره سبحانه إن داخلها لا يموت وإنه لا يخرج منها فهذا يوم القيامة وأما احتجاجكم بكونه خلق من الأرض فلا ريب في ذلك ولكن من أين لكم أنه كمل خلقه فيها وقد جاء في بعض الآثار أن الله سبحانه ألقاه على باب الجنة أربعين صباحا فجعل إبليس يطوف به ويقول لأمر ما خلقت فلما رآه أجوف علم أنه خلق لا يتمالك فقال لئن سلطت عليه لأهلكنه ولئن سلط علي لا عصينه مع أن قوله سبحانه وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون يدل على أنه كان معهم في السماء حيث أنبأهم بتلك الأسماء وإلا فهم لم ينزلوا كلهم إلى الأرض حتى سمعوا منه ذلك ولو كان خلقه قد كمل في الأرض لم يمتنع أن يصعده سبحانه الى السماء لأمر دبره وقدره ثم يعيده إلى الأرض فقد أصعد المسيح إلى السماء ثم ينزله إلى الأرض قبل يوم القيامة وقد أسرى ببدن رسول الله وروحه إلى فوق السموات فهذا جواب القائلين بأنها جنة الخلد لمنازعيهم والله أعلم.(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8009",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "الباب السابع: في ذكر شبه من زعم أن الجنة لم تخلق بعد",
        "content": "الباب السابع: في ذكر شبه من زعم أن الجنة لم تخلق بعد قالوا لو كانت الجنة مخلوقة الآن لوجب اضطرار أن تفنى يوم القيامة وأن يهلك كل ما فيها ويموت لقوله تعالى هو كل شيء هالك إلا وجهه و كل نفس ذائقة الموت فتموت الحور العين التي فيها والولدان وقد أخبر سبحانه أن الدار دار خلود ومن فيها مخلدون لا يموتون فيها وخبره سبحانه لا يجوز عليه خلف ولا نسخ قالوا وقد روى الترمذي في جامعه من حديث ابن مسعود قال قال رسول الله:quot;لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال يا محمد أقريء أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر quot; قال هذا حديث حسن غريب وفيه أيضا من حديث أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنةquot; قال هذا حديث حسن صحيح قالوا فلو كانت الجنة مخلوقة مفروغا منها لم تكن قيعانا ولم يكن لهذا الغرس معنى قالوا وقد قال تعالى عن امرأة فرعون إنها قالت: رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ومحال أن يقول قائل لمن نسج له ثوبا أو بنى له بيتا أنسج لي ثوبا وابن لي بيتا وأصرح من هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنةquot; متفق عليه وهذه جملة مركبة من شرط وجزاء تقتضي وقوع الجزاء بعد الشرط بإجماع أهل العربية وهذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وعمرو بن عنبسة(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8010",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا وقد جاءت آثار بأن الملائكة تغرس فيها وتبني للعبد ما دام يعمل فإذا فتر فتر الملك عن العمل قالوا وقد روى ابن حبان في صحيحه والإمام أحمد في مسنده من حديث أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله: quot;إذا قبض الله ولد العبد قال يا ملك الموت قبضت ولد عبدي قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده قال نعم قال فما قال قال حمدك واسترجع قال ابنوا له بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد quot; وفي المسند من حديثه أيضا قال قال رسول الله: quot;من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة سوى الفريضة بنى الله له بيتا في الجنةquot; قالوا وليس هذا من أقوال أهل البدع والاعتزال كما زعمتم فهذا ابن مزين قد ذكر في تفسيره عن ابن نافع وهو من أئمة السنة أنه سئل عن الجنة أمخلوقة هي فقال: quot;السكوت عن هذا أفضلquot; والله أعلم.(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8011",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "الباب الثامن: في الجواب عما احتجت به هذه الطائفة",
        "content": "الباب الثامن: في الجواب عما احتجت به هذه الطائفة قد تقدم في الباب الأول من ذكر الأدلة الدالة على وجود الجنة الآن ما فيه كفاية فنقول ما تعنون بقولكم إن الجنة لم تخلق بعد أتريدون أنها الآن عدم محض لم تدخل إلى الوجود بعد بل هي بمنزلة النفخ في الصور وقيام الناس من القبور فهذا قول باطل يرده المعلوم بالضرورة من الأحاديث الصريحة الصحيحة التي تقدم بعضها وسيأتي بعضها وهذا قول لم يقله أحد من السلف ولا أهل السنة وهو باطل قطعا أم تريدون أنها لم تخلق بكمالها وجميع ما أعد الله فيها لأهلها وأنها لا يزال الله يحدث فيها شيئا بعد شيء وإذا دخلها المؤمنون أحدث الله فيها عند دخولهم أمورا أخر فهذا حق لا يمكن رده وأدلتكم هذه إنما دلت على هذا القدر وحديث ابن مسعود الذي ذكرتموه وحديث أبي الزبير عن جابر صريحان في أن أرضها مخلوقة وأن الذكر ينشىء الله سبحانه لقائله منه غراسا في تلك الأرض وكذا بناء البيوت فيها بالأعمال المذكورة والعبد كلما وسع في أعمال البر وسع له في الجنة وكلما عمل خيرا غرس له به هناك غراس وبنى له بناء وأنشئ له من عمله أنواع مما يتمتع به فهذا القدر لا يدل على أن الجنة لم تخلق بعد ولا يسوغ إطلاق ذلك وأما احتجاجكم بقوله تعالى: كل شيء هالك إلا وجهه فإنما أتيتم من عدم فهمكم معنى الآية واحتجاجكم بها على عدم وجود الجنة والنار الآن نظيرا احتجاج إخوانكم بها على فنائهما وخرابهما وموت أهلهما فلا أنتم وفقتم لفهم معناها ولا إخوانكم وإنما وفق لفهم معناها السلف وأئمة الإسلام ونحن نذكر بعض كلامهم في الآية(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8012",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال البخاري في صحيحه:quot; يقال كل شيء هالك إلا وجهه إلا ملكه ويقال إلا ما أريد به وجهه وقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله:quot; فأما السماء والأرض فقد زالتا لأن أهلهما صاروا إلى الجنة وإلى النار وأما العرش فلا يبيد ولا يذهب لأنه سقف الجنة والله سبحانه وتعالى عليه فلا يهلك ولا يبيدquot; وأما قوله تعالى: كل شيء هالك إلا وجهه فذلك أن الله سبحانه وتعالى أنزل كل من عليها فان فقالت الملائكة هلك أهل الأرض وطمعوا في البقاء فأخبر الله تعالى عن أهل السموات وأهل الأرض أنهم يموتون فقال: كل شيء هالك يعني ميت إلا وجهه لأنه حي لا يموت فأيقنت الملائكة عند ذلك بالموت انتهى كلامه وقال في رواية أبي العباس أحمد بن جعفر ابن يعقوب الاصطخري ذكره أبو الحسين في كتاب الطبقات قال قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل:quot;هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروتها المعروفين بها والمقتدى بهم فيها من لدن أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها فمن خالف شيئا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحقquot; وساق أقوالهم إلى أن قال:quot; وقد خلقت الجنة وما فيها وخلقت النار وما فيها وخلقهما الله عز وجل وخلق الخلق لهما ولا يفنيان ولا يفنى ما فيهما أبداquot; فإن احتج مبتدع أو زنديق بقول الله عز وجل كل شيء هالك إلا وجهه وبنحو هذا من متشابه القرآن قيل له كل شيء مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء ولا للهلاك وهما من الآخرة لا من الدنيا والحور العين لا يمتن عند قيام الساعة ولا عند النفخة ولا أبدا لأن الله عز وجل خلقهن للبقاء لا للفناء ولم يكتب عليهن الموت(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8013",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فمن قال خلاف هذا فهو مبتدع وقد ضل عن سواء السبيل وخلق سبع سموات بعضها فوق بعض وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض وبين الأرض العليا والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام وبين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة عام والماء فوق السماء العليا السابعة وعرش الرحمن عز وجل فوق الماء وأن الله عز وجل على العرش والكرسي موضع قدميه وهو يعلم ما في السموات والأرضين السبع وما بينهما وما تحت الثرى وما في قعر البحر ومنبت كل شعرة وشجرة وكل زرع وكل نبات ومسقط كل ورقة وعدد كل كلمة وعدد الحصا والتراب والرمل ومثاقيل الجبال وأعمال العباد وآثارهم وكلامهم وأنفاسهم ويعلم كل شيء لا يخفى عليه من ذلك شيء وهو على العرش فوق السماء السابعة ودونه حجب من نار ونور وظلمة وما هو أعلم بها فإن احتج مبتدع ومخالف بقول الله عز وجل: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد وقوله وهو معكم أينما كنتم وقوله إلا هو معهم أينما كانوا وقوله ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ونحو هذا من متشابه القرآن فقل إنما يعني بذلك العلم لأن الله عز وجل على العرش فوق السماء السابعة العليا يعلم ذلك كله وهو بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان وقال في رواية أبي جعفر الطائي محمد بن عوف بن سفيان الحمصي قال الخلال حافظ إمام في زمانه معروف بالتقدم في العلم والمعرفة كان أحمد بن حنبل يعرف له ذلك ويقبل منه ويسأله عن الرجال من أهل بلده قال أملى على أحمد بن حنبل فذكر رسالة في السنة ثم قال في أثنائها وأن الجنة والنار مخلوقتان قد خلقتا كما جاء الخبر قال النبي صلى الله عليه وسلم صلىالله عليه وسلم quot;دخلت الجنة فرأيت فيها قصرا ورأيت الكوثر واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها كذا وكذا....quot; فمن زعم أنهما لم يخلقا فهو مكذب برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالقرآن كافر بالجنة والنار يستتاب فإن تاب وإلا قتل(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8014",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال في رواية عبندوس بن مالك العطار وذكر رسالة في السنة قال فيها والجنة والنار مخلوقتان قد خلقتا كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم quot; أطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها كذا وكذا وأطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها كذا وكذاquot; فمن زعم أنهما لم يخلقا فهو مكذب بالقرآن وأحاديث رسول الله ولا أحسبه يؤمن بالجنة والنار فتأمل هذه الأبواب وما تضمنته من النقول والمباحث والنكت والفوائد التي لا تظفر بها في غير هذا الكتاب البتة ونحن اختصرنا الكلام في ذلك ولو بسطناه لقام منه سفر ضخم والله المستعان وعليه التكلان وهو الموفق للصواب.(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8015",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "الباب التاسع: في ذكر عدد أبواب",
        "content": "الباب التاسع: في ذكر عدد أبواب الجنة قال الله تعالى وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين وقال في صفة النار حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها بغير واو فقالت طائفة هذه واو الثمانية دخلت في أبواب الجنة لكونها ثمانية وأبواب النار سبعة فلم تدخلها الواو وهذا قول ضعيف لا دليل عليه ولا تعرفه العرب ولا أئمة العربية وإنما هو من استنباط بعض المتأخرين وقالت طائفة أخرى الواو زائدة والجواب الفعل الذي بعدها كما هو في الآية الثانية وهذا أيضا ضعيف فإن زيادة الواو غير معروف في كلامهم ولا يليق بأفصح الكلام أن يكون فيه حرف زائد لغير معنى ولا فائدة وقالت طائفة ثالثة الجواب محذوف وقوله quot;وفتحت أبوابهاquot; عطف على قوله جاؤها وهذا اختيار أبي عبيدة والمبرد والزجاج وغيرهم قال المبرد:quot; وحذف الجواب أبلغ عند أهل العلمquot; قال أبو الفتح بن جني:quot; وأصحابنا يدفعون زيادة الواو ولا يجيزونه ويرون أن الجواب محذوف للعلم به بقي أن يقال فما السر في حذف الجواب في آية أهل الجنة وذكره في آية أهل النار فيقال هذا أبلغ في الموضعين فإن الملائكة تسوق أهل النار إليها وأبوابها مغلقة حتى إذا وصلوا إليها فتحت في وجوههم ففجأهم العذاب بغتة فحين انتهوا(1\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8016",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليها فتحت أبوابها بلا مهلة فإن هذا شأن الجزاء المرتب على الشرط أن يكون عقيبه فإنها دار الإهانة والخزي فلم يستأذن لهم في دخولها ويطلب إلى خزنتها أن يمكنوهم من الدخول وأما الجنة فإنها دار الله ودار كرامته ومحل خواصه وأوليائه فإذا انتهوا إليها صادفوا أبوابها مغلقة فيرغبون إلى صاحبها ومالكها أن يفتحها لهم ويستشفعون إليه بأولي العزم من رسله وكلهم يتأخر عن ذلك حتى تقع الدلالة على خاتمهم وسيدهم وأفضلهم فيقول:quot; أنا لهاquot; فيأتي إلى تحت العرش ويخر ساجدا لربه فيدعه ما شاء الله أن يدعه ثم يأذن له في رفع رأسه وأن يسأل حاجته فيشفع إليه سبحانه في فتح أبوابها فيشفعه ويفتحها تعظيما لخطرها وإظهارا لمنزلة رسوله وكرامته عليه وإن مثل هذه الدار هي دار ملك الملوك ورب العالمين إنما يدخل إليها بعد تلك الأهوال العظيمة التي أولها من حين عقل العبد في هذه الدار إلى أن انتهى إليها وما ركبه من الأطباق طبقا بعد طبق وقاساه من الشدائد شدة بعد شدة حتى أذن الله تعالى لخاتم أنبيائه ورسله وأحب خلقه إليه أن يشفع إليه في فتحها لهم وهذا أبلغ وأعظم في تمام النعمة وحصول الفرح والسرور مما يقدر عليه بخلاف ذلك ولئلا يتوهم الجأهل أنها بمنزلة الخان الذي يدخله من شاء فجنة الله عالية غالية بين الناس وبينها من العقبات والمفاوز والأخطار مالا تنال إلا به فما لمن أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ولهذه الدار فليعد عنها إلى ما هو أولى به وقد خلق له وهيئ له وتأمل ما في سوق الفريقين إلى الدارين زمرا من فرحة هؤلاء بإخوانهم وسيرهم معهم كل زمرة على حده كل مشتركين في عمل متصاحبين فيه على زمرتهم وجماعتهم مستبشرين أقوياء القلوب كما كانوا في الدنيا وقت اجتماعهم على الخير كذلك يؤنس بعضهم بعضا ويفرح بعضهم ببعض وكذلك أصحاب الدار الأخرى يساقون إليها زمرا يلعن بعضهم بعضا ويتأذى بعضهم ببعض وذلك أبلغ في الخزي والفضيحة والهتيكة من أن يساقوا واحدا واحدا فلا تهمل تدبر قوله:quot;زمراquot;(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8017",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال خزنة أهل الجنة لأهلها quot;سلام عليكمquot; فبدؤهم بالسلام المتضمن للسلامة من كل شر ومكروه أي سلمتم فلا يلحقكم بعد اليوم ما تكرهون ثم قال لهم quot;طبتم فادخلوها خالدينquot; أي سلامتكم ودخولها بطيبكم فإن الله حرمها إلا على الطيبين فبشروهم بالسلامة والطيب والدخول والخلود وأما أهل النار فإنهم لما انتهوا إليها على تلك الحال من الهم والغم والحزن وفتحت لهم أبوابها وقفوا عليها وزيدوا على ما هم عليه توبيخ خزنتها وتبكيتهم لهم بقولهم: ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم هذا فاعترفوا وقالوا بلى فبشروهم بدخولها والخلود فيها وإنها بئس المثوى لهم وتأمل قول خزنة الجنة لأهلها أدخلوها وقول خزنة النار لأهلها أدخلوا أبواب جهنم تجد تحته سرا لطيفا ومعنى بديعا لا يخفى على المتأمل وهو أنها لما كانت دار العقوبة وأبوابها أفظع شيء وأشده حرا وأعظمه عما يستقبل فيها الداخل من العذاب ما هو أشد منها ويدنوا من الغم والخزي والحزن والكرب بدخول الأبواب فقيل ادخلوا أبوابها صغارا لهم وإذلالا وخزيا ثم قيل لهم لا يقتصر بكم على مجرد دخول الأبواب الفظيعة ولكن وراءها الخلود في النار وأما الجنة فهي دار الكرامة والمنزل الذي أعده الله لأوليائه فبشروا من أول وهلة بالدخول إلى المقاعد والمنازل والخلود فيها وتأمل قوله سبحانه: جنات عدن مفتحة لهم الأبواب متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب كيف تجد تحته معنى بديعا وهو أنهم إذا دخلوا الجنة لم تغلق أبوابها عليهم بل تبقى مفتحة كما هي وأما النار فإذا دخلها أهلها أغلقت عليهم أبوابها كما قال تعالى إنها عليهم مؤصدة أي مطبقة ومنه سمي الباب وصيدا وهي مؤصدة في عمد ممددة قد جعلت العمد ممسكة للأبواب من خلفها كالحجر العظيم الذي يجعل خلف الباب(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8018",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال مقاتل يعني أبوابها عليهم مطبقة فلا يفتح لها باب ولا يخرج منها غم ولا يدخل فيها روح آخر الأبد وأيضا فإن في تفتيح الأبواب لهم إشارة إلى تصرفهم وذهابهم وإيابهم وتبوئهم في الجنة حيث شاؤا ودخول الملائكة عليهم كل وقت بالتحف والألطاف من ربهم ودخول ما يسرهم عليهم كل وقت وأيضا إشارة إلى أنها دار أمن لا يحتاجون فيها إلى غلق الأبواب كما كانوا يحتجون إلى ذلك في الدنيا وقد اختلف أهل العربية في الضمير العائد من الصفة على الموصوف في هذه الجملة فقال الكوفيون التقدير مفتحة لهم أبوابها والعرب تعاقت بين الألف واللام والإضافة فيقولون مررت برجل حسن العين أي عينه ومنه قوله تعالى: فإن الجحيم هي المأوى أي مأواه وقال بعض البصريين التقدير مفتحة لهم الأبواب منها فحذف الضمير وما اتصل به وقال هذا التقدير في العربية أجود من أن تجعل الألف واللام بدلا من الهاء والألف لأن معنى الألف واللام ليس من معنى الهاء والألف في شيء لأن الهاء والألف اسم والألف واللام دخلتا للتعريف ولا يبدل حرف من اسم ولا ينوب عنه قالوا وأيضا لو كانت الألف واللام بدلا من الضمير لوجب أن يكون في مفتحة ضمير الجنات ويكون معنى quot;مفتحةquot; هي ثم أبدل منها الأبواب ولو كان كذلك لوجب نصب الأبواب لكون quot;مفتحةquot; قد رفع ضمير الفاعل فلا يجوز أن يرفع به اسم آخر لامتناع ارتفاع فاعلين بفعل واحد فلما ارتفع quot;الأبوابquot; دل على أن quot;مفتحةquot; خال من ضمير وquot;الأبوابquot; مرتفعة به وإذا كان في الصفة ضمير تعين نصب الثاني كما تقول مررت برجل حسن الوجه ولو رفعت الوجه ونونت حسنا لم يجز فالألف واللام إذا للتعريف(1\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8019",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليس إلا فلا بد من ضمير يعود على الموصوف الذي هو جنات عدن ولا ضمير في اللفظ فهو محذوف تقديره quot;الأبوابquot; منها وعندي أن هذا غير مبطل لقول الكوفيين فإنهم لم يريدوا بالبدل إلا أن الألف واللام خلف وعوض عن الضمير تغني عنه وإجماع العرب على قولهم حسن الوجه وحسن وجهه شاهد بذلك وقد قالوا إن التنوين بدل من الألف واللام بمعنى أنهما لا يجتمعان وكذلك المضاف إليه يكون بدلا من التنوين والتنوين بدل من الإضافة بمعنى التعاقب والتوارد ولا يريدون بقولهم هذا بدل من هذا أن معنى البدل معنى المبدل منه بل قد يكون في كل منهما معنى لا يكون في الآخر فالكوفيون أرادوا أن الألف واللام في الأبواب أغنت عن الضمير لو قيل أبوابها وهذا صحيح فإن المقصود الربط بن الصفة والموصوف بأمر يجعلها له لا مستقلة فلما كان الضمير عائدا على الموصوف نفي توهم الاستقلال وكذلك لام التعريف فإن كلا من الضمير واللام يعين صاحبه هذا يعين مفسره وهذا يعين ما دخل عليه وقد قالوا في زيد نعم الرجل إن الألف واللام أغنت عن الضمير والله أعلم وقد أعرب الزمخشري هذه الآية أعرابا أعترض عليه فيه فقال: quot;جنات عدنquot; معرفة كقوله: جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب وانتصابها على أنها عطف بيان لحسن مآب ومفتحة حال والعامل فيها ما في المتقين من معنى الفعل وفي مفتحة ضمير الجنات والأبواب بدل من الضمير تقديره مفتحة هي الأبو اب كقولهم ضرب زيد اليد والرجل وهو من بدل الاشتمال هذا إعرابه فاعترض عليه بأن جنات عدن ليس فيها ما يقتضي تعريفها وأما قوله التي وعد الرحمن عباده فبدل لا صفة وبأن جنات عدن لا يسهل أن تكون عطف بيان لحسن مآب على قوله لأن جريان المعرفة على النكرة عطف بيان لا قائل به فإن القائل قائلان: أحدهما أنه لا يكون إلا في المعارف كقول البصريين(1\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8020",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثاني أنه يكون في المعارف والنكرات بشرط المطابقة كقول الكوفيين وأبي علي الفارسي وقوله أن في مفتحة ضمير الجنات فالظاهر خلافه وأن الأبواب مرتفع به ولا ضمير فيه وقوله أن الأبواب بدل اشتمال فبدل الاشتمال قد صرح هو وغيره أنه لا بد فيه من الضمير وإن نازعهم فيه آخرون ولكن يجوز أن يكون الضمير ملفوظا به وأن يكون مقدرا وهنا لم يلفظ به فلا بد من تقديره أي الأبواب منها فإذا كان التقدير مفتحة لهم هي الأبواب منها كان فيه تكثير للإضمار وتقليله أولى وفي الصحيحين من حديث أبي حازم عن سهل بن سعد أن رسول الله قال: quot;في الجنة ثمانية أبواب باب منها يسمى الريانquot; لا يدخله إلا الصائمونquot; وفي الصحيحين من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله quot; من أنفق زوجين في شيء من الأشياء في سبيل الله دعى من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دعى من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعى من باب الجهاد ومن كان من أهل الصدقة دعى من باب الصدقة ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريانquot; فقال أبو بكر بأبي أنت وأمي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها فقال نعم وأرجوا أن تكون منهمquot; وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال quot;ما منكم من أحد يتوضأ فيبالغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاءquot; زاد الترمذي بعد التشهد quot;اللهم اجعلني من التوأبين واجعلني من المتطهرينquot;(1\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8021",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "زاد أبو داود والإمام أحمد quot;ثم رفع نظره إلى السماء فقال quot; وعند الإمام أحمد من رواية أنس يرفعه quot;من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال ثلاث مرات أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فتح له أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل quot; وعن عتبة بن عبد الله السلمي قال سمعت رسول الله يقول quot;ما من مسلم يتوفى له ثلاثا من الولد لم يبلغوا الحنث إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل quot; رواه ابن ماجه وعبد الله بن أحمد عن ابن نمير ثنا إسحق بن سليمان ثنا جرير بن عثمان عن شرحبيل بن شفعة عن عتبة.(1\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8022",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "الباب العاشر: في ذكر سعة أبوابها",
        "content": "الباب العاشر: في ذكر سعة أبوابها عن أبي هريرة قال وضعت بين يدي رسول الله قصعة من ثريد ولحم فتناول الذراع وكان أحب الشاة إليه فنهش نهشة وقال: quot;أنا سيد الناس يوم القيامة ثم نهش أخرى وقال أنا سيد الناس يوم القيامة فلما رأى أصحابه لا يسألونه قال ألا تقولون كيفquot; قالوا كيف يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يقوم الناس لرب العالمين فيسمعهم الداعي وينفذهم البصرquot; فذكر حديث الشفاعة بطوله وقال في آخره quot;فانطلق فأتي تحت العرش فاقع ساجدا لربي فيقيمني رب العالمين مقاما لم يقمه أحدا قبلي ولن يقيمه أحد بعدي فأقول يا رب أمتي أمتي فيقول يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصارع الجنة لكما بين مكة وهجرا أوهجر ومكةquot; وفي لفظ quot;لكما بين مكة وهجرquot; أو quot;كما بين مكة وبصرىquot; متفق على صحته وفي لفظ خارج الصحيح بإسناده إن ما بين عضادتي الباب لكما بين مكة وهجر وعن خالد بن عمير العدوي قال خطبنا عتبة بن غزوان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن الدنيا قد أذنت بصرم وولت حذاء ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يصطبها صاحبها وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها فانتقلوا بخير ما بحضرتكم ولقد ذكر لنا أن مصراعين من مصاريع الجنة بينهما مسيرة أربعين سنة وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام فهذا موقوف والذي قبله مرفوع فإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذاكر له كان هذا ما بين باب(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8023",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من أبوابها ولعله الباب الأعظم وإن كان الذاكر لهم ذلك غير رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقدم على حديث أبي هريرة المتقدم ولكن قد روى الإمام أحمد في مسنده من طريق حماد بن سلمة الجريري يحدث عن حكيم بن معاوية عن أبيه أن رسول الله قال quot;أنتم توفون سبعين أمة أنتم آخرها وأكرمها على الله وما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عاما وليأتين عليه يوم وإنه لكظيظ quot; وقد رواه ابن أبي داود أنبأنا إسحاق بن شاهين أنبأنا خالد عن الجريري عن حكيم بن معاوية عن أبيه يرفعه quot;ما بين كل مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة سبع سنينquot; وروينا في مسند عبد بن حميد أنبأنا الحسن بن موسى أنبأنا ابن لهيعة أنبأنا دراج أبو السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله قال ما من مصراعين في الجنة لمسيرة أربعين سنة وحديث أبي هريرة أصح وهذه النسخة ضعيفة والله أعلم وروى أبو الشيخ أنبأنا جعفر بن أحمد بن فارس أنبأنا يعقوب بن حميد أنبأنا معن حدثنا خالد بن أبي بكر عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;الباب الذي يدخل منه أهل الجنة مسيرة الراكب المجود ثلاثا ثم انهم ليضطغطون عليه حتى تكاد مناكبهم تزولquot; رواه أبو نعيم عنه وهذا مطابق للحديث المتفق عليه quot;إن ما بين المصراعين كما بين مكة وبصرىquot; فإن الراكب الموجد غاية الإجادة على أسرع هجين لا يفتر ليلا ولا نهارا يقطع هذه المسافة في هذا القدر أو قريب منه وأما حديث حكيم بن معاوية فقد اضطرب رواته فحماد بن سلمة ذكر عن الجريري التقدير بإربعين عاما وخالد ذكر عنه التقدير بسبع سنين وحديث أبي سعيد المرفوع فيه التقدير بأربعين عاما على طريقة دراج عن أبي الهيثم(1\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8024",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الإمام أحمد أحاديث دراج مناكير وقال أبو حاتم الرازي ضعيف, وقال النسائي, ليس بالقوي, فالصحيح المرفوع السالم عن الاضطراب والشذوذ والعلة حديث أبي هريرة المتفق على صحته على أن حديث حكيم بن معاوية ليس التقدير فيه بظاهر الرفع ويحتمل أنه مدرج في الحديث موقوف فيكون كحديث عتبة بن غزوان.(1\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8025",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "الباب الحادي عشر: في صفة أبوابها وأنها ذات حلق",
        "content": "الباب الحادي عشر: في صفة أبوابها وأنها ذات حلق روى الوليد بن مسلم عن خليد عن الحسن مفتحة لهم الأبواب قال أبواب ترى وذكرا أيضا عن خليد عن قتادة قال أبواب يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها تتكلم وتكلم وتفهم ما يقال لها انفتحي انغلقي وقال أبو الشيخ أنبأنا محمد بن عبد الله بن محمد القيسي أنبأنا محمد بن إسحاق أنبأنا أحمد بن أبي الحواري أنبأنا عبد الله بن غياث عن الفزاري قال لكل مؤمن في الجنة أربعة أبواب فباب يدخل عليه منه زواره من الملائكة وباب يدخل عليه منه أزواجه من الحور العين وباب مقفل فيما بينه وبين أهل النار يفتحه إذا شاء ينظر إليهم لتعظم النعمة عليه وباب فيما بينه وبين دار السلام يدخل منه على ربه إذا شاء وقد روى سهيل بن أبي صالح عن زياد النمري عن أنس بن مالك قال قال رسول الله quot;أنا أول من يأخذ بحلقة باب الجنة ولا فخرquot; وفي حديث الشفاعة الطويل من رواية ابن عيينة عن علي بن زيد عن انس قال قال رسول الله quot;فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعهاquot; وهذا صريح في أنها حلقة حسية تحرك وتقعقع وروى سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال quot;آخذ بحلقة باب الجنة فيؤذن لي quot; ويذكر عن علي رضي الله عنه quot;من قال لا إله الله الملك الحق المبين في كل يوم مائة مرة كان له أمان من الفقر ومن وحشة القبر واستجلب به الغني واستقرع به باب الجنةquot;(1\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8026",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ولما كانت الجنات درجات بعضها فوق بعض كانت أبوابها كذلك وباب الجنة العالية فوق باب الجنة التي تحتها وكلما علت الجنة اتسعت فعاليها أوسع مما دونه وسعة الباب بحسب وسع الجنة ولعل هذا وجه الاختلاف الذي جاء في مسافة ما بين مصراعي الباب فإن أبوابها بعضها أعلى من بعض ولهذه الأمة باب مختص بهم يدخلون منه دون سائر الأمم كما في المسند من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال quot;باب أمتي الذي يدخلون منه الجنة عرض مسيرة الراكب الجواد ثلاثا ثم أنهم ليضغطون حتى تكاد مناكبهم تزولquot; وفيه من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;أتاني جبريل فأخذ بيدي فأراني باب الجنة الذي تدخل منه أمتيquot; الحديث وسياتي بتمامه إن شاء الله تعالى وقال خلف بن هشام البزار ثنا أبو شهاب عن عمرو بن قيس الملائي عن أبي إسحاق عن عاصم بن حمزة عن علي بن أبي طالب قال إن أبواب الجنة هكذا بعضها فوق بعض ثم قرأ حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها إذا هم عندها بشجرة في أصلها عينان تجريان فيشربون من إحداهما فلا يترك في بطونهم قذى ولا أذى إلا رمته ويغتسلون من الأخرى فتجري عليهم نضرة النعيم فلا تشعث رؤسهم ولا تغير أبشارهم بعد هذا أبدا ثم قرأ طبتم فادخلوها خالدين فيدخل الرجل وهو يعرف منزله ويتلقاها الولدان فيستبشرون برؤيتهم كما يستبشر(1\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8027",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأهل بالحميم يقدم من الغيبة فينطلقون إلى أزواجهم فيخبرونهم بمعاناتهم فنقول أنت رايته فيقوم إلى الباب فيدخل إلى بيته فيتكيء على سريره فينظر إلى أساس بيته فإذا هو قد أسس على اللؤلؤ ثم ينظر في أخضر وأحمر وأصفر ثم يرفع رأسه إلى سماء بيته فلولا أنه خلق له لا لتمع بصره فيقول الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله والله أعلم.(1\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8028",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "الباب الثاني عشر: في ذكر مسافة ما بين الباب والباب",
        "content": "الباب الثاني عشر: في ذكر مسافة ما بين الباب والباب روينا في معجم الطبراني أنبأنا مصعب بن إبراهيم بن حمزة الزبيري وعبد الله بن الصقر العسكري قالا أنبأنا إبراهيم بن المنذر الحرامي ثنا عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حرام حدثني عبد الرحمن بن عياش الأنصاري حدثنا دلهم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن المنتفق قال دلهم وحدثنيه أيضا أبو الأسود عن عاصم بن لقيط أن لقيط بن عامر أخرج وافد إلى الرسول الله صلى الله عليه وسلم قال قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فما الجنة والنار قال: لعمر إلهك أن للنار سبعة أبواب ما منهن بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما وإن للجنة ثمانية أبواب ما منهن بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاماquot; وذكر الحديث بطولة وهذا الظاهر منه أن هذه المسافة بين الباب والباب لأن ما بين مكة وبصرى لا يحتمل التقدير بسبعين عاما ولا يمكن حمله على باب معين لقوله ما منهن بابان والله أعلم.(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8029",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "الباب الثالث عشر: في مكان الجنة وأين هي",
        "content": "الباب الثالث عشر: في مكان الجنة وأين هي قال الله تعالى: ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى وقد ثبت أن سدرة المنتهى فوق السماء وسميت بذلك لأنها ينتهي إليها ما ينزل من عند الله فيقبض منها وما يصعد إليه فيقبض منها وقال تعالى: وفي السماء رزقكم وما توعدون قال ابن أبي نجيح عن مجاهد:quot; هو الجنة quot;وكذلك تلقاه الناس عنه وقد ذكر ابن المنذر في تفسيره وغيره أيضا عن مجاهد قال:quot; هو الجنة والنارquot; وهذا يحتاج إلى تفسير فإن النار في أسفل السافلين ليست في السماء ومعنى هذا ما قاله في رواية ابن أبي نجيح عنه وقاله أبو صالح عن ابن عباس الخير والشر كلاهما يأتي من السماء وعلى هذا فالمعنى أسباب الجنة والنار بقدر ثابت في السماء من عند الله وقال الحارث بن أبي أسامة حدثنا عبد العزيز بن أبان حدثنا مهدي ابن ميمون حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب عن بشر بن شغاف قال سمعت عبد الله بن سلام يقول: quot;أن أكرم خليقة الله أبو القاسم صلى الله عليه وسلم وإن الجنة في السماءquot; رواه ابو نعيم عنه قال ورواه معمر بن راشد عن محمد بن أبي يعقوب مرفوعا ثم ساقه من طريق ابن منيع قال ثنا عمرو الناقد ثنا عمرو بن عثمان ثنا موسى بن أعين عن معمر به مرفوعا ثم ساق من طريق محمد بن فضيل ثنا محمد بن عبد الله عن عطية عن ابن عباس أنه قال: quot;الجنة في السماء السابعة ويجعلها الله حيث شاء يوم القيامة وجهنم في الأرض السابعةquot; وقال ابن منده ثنا أحمد بن إسحاق قال ثنا أبو أحمد الزبيري ثنا محمد(1\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8030",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بن عبد الله عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء عن عبد الله قال: quot;الجنة في السماء الرابعة فإذا كان يوم القيامة جعلها الله حيث يشاء والنار في الأرض السابعة فإذا كان يوم القيامة جعلها الله حيث يشاءquot;. وقال مجاهد قلت لابن عباس أين الجنة قال فوق سبع سماوات قلت فأين النار قال تحت سبعة أبحر مطبقة رواه ابن منده عن أحمد بن إسحاق عن الزبيري عن إسرائيل عن ابن أبي يحيى عن مجاهد وأما الأثر الذي رواه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عيسى بن يونس عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن عمرو قال الجنة مطوية معلقة بقرون الشمس تنتشر في كل عام مرة وإن أرواح المؤمنين في طير كالزرازير يتعارفون ويرزقون من ثمر الجنة فهذا قد يظهر منه التناقض بين أول كلامه وآخره ولا تناقض فيه فإن الجنة المعلقة بقرون الشمس ما يحدثه الله سبحانه وتعالى بالشمس في كل سنة مرة من أنواع الثمار والفواكه والنبات جعله الله تعالى مذكرا بتلك الجنة وآية دالة عليها كما جعل هذه النار مذكرة بتلك وإلا فالجنة التي عرضها السموات والأرض ليست معلقة بقرون الشمس وهي فوق الشمس أكبر منها وقد ثبت في الصحيحين عنه أنه قال: quot;الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرضquot; وهذا يدل على أنها في غاية العلو والارتفاع والله أعلم والحديث له لفظان هذا أحدهما والثاني quot;إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيلهquot; وشيخنا يرجح هذا اللفظ وهو لا ينفي أن يكون درج الجنة أكبر من ذلك ونظير هذا قوله في الحديث الصحيح quot;إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنةquot; أي من جملة أسمائه هذا القدر فيكون الكلام جملة واحدة في الموضعين ويدل على صحة هذا أن منزلة نبينا فوق هذا كله في درجة في الجنة ليس فوقها درجة(1\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8031",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتلك المائة ينالها آحاد أمته بالجهاد والجنة مقببة أعلاها وأوسعها ووسطها هو الفردوس وسقفه العرش كما قال في الحديث الصحيح quot;إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة فوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنةquot; قال شيخنا أبو الحجاج المزي: quot;والصواب رواية من رواه وفوقه بضم القاف على أنه أسم لا ظرف أي وسقفه عرش الرحمن فإن قيل فالجنة جميعها تحت العرش والعرش سقفها فإن الكرسي وسع السموات والأرض والعرش أكبر منه قيل: لما كان العرش أقرب إلى الفردوس مما دونه من الجنات بحيث لا جنة فوقه دون العرش كان سقفا له دون ما تحته من الجنات ولعظم سعة الجنة وغاية ارتفاعها يكون الصعود من أدناها إلى أعلاها بالتدريج شيئا فشيئا درجة فوق درجة كما يقال لقاريء القرآن quot;اقرأ وارق فإن منزلتك عند آخر آية تقرأهاquot; وهذا يحتمل شيئين أن تكون منزلته عند آخر حفظه وأن تكون عند آخر تلاوته لمحفوظة والله أعلم.(1\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8032",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "الباب الرابع عشر: في مفتاح الجنة",
        "content": "الباب الرابع عشر: في مفتاح الجنة قال الحسن بن عرفة: ثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسن عن شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;مفتاح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله quot; رواه الإمام أحمد في مسنده ولفظه: quot; مفتاح الجنة شهادة أن لا إله إلا اللهquot; وذكر البخاري في صحيحه عن وهب بن منبه أنه قيل له: quot;أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله قال: بلى ولكن ليس من مفتاح إلا وله أسنان فإن أتيت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتحquot; وروى أبو نعيم من حديث أبان عن أنس قال قال: أعرابي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مفتاح الجنة قال: quot;لا إله إلا اللهquot; وذكر أبو الشيخ من حديث الأعمش عن مجاهد عن يزيد بن سخيرة قال:quot;إن السيوف مفاتيح الجنةquot; وفي المسند من حديث معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:quot; ألا أدلك على باب من أبواب الجنةquot; قلت: بلى قال:quot;لا حول ولا قوة إلا باللهquot; وقد جعل الله سبحانه لكل مطلوب مفتاحا يفتح به فجعل مفتاح الصلاة الطهور كما قال مفتاح الصلاة الطهارة ومفتاح الحج الإحرام ومفتاح البر الصدق ومفتاح الجنة التوحيد ومفتاح العلم حسن السؤال حسن الإصغاء ومفتاح النصر والظفر الصبر ومفتاح المزيد الشكر ومفتاح الولاية المحبة والذكر ومفتاح الفلاح التقوى ومفتاح التوفيق الرغبة والرهبة ومفتاح الإجابة الدعاء ومفتاح الرغبة في الآخرة الزهد في الدنيا ومفتاح الإيمان التفكر فيما دعا الله عباده إلى التفكر فيه ومفتاح الدخول على الله إسلام القلب وسلامته له والإخلاص(1\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8033",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له في الحب والبغض والفعل والترك ومفتاح حياة القلب تدبر القرآن والتضرع بالأسحار وترك الذنوب ومفتاح حصول الرحمة الإحسان في عبادة الخالق والسعي في نفع عبيده ومفتاح الرزق السعي مع الاستغفار والتقوى ومفتاح العز طاعة الله ورسوله ومفتاح الاستعداد للآخرة قصر الأمل ومفتاح كل خير الرغبة في الله والدار الآخرة ومفتاح كل شر حب الدنيا وطول الأملquot; وهذا باب عظيم من أنفع أبواب العلم وهو معرفة مفاتيح الخير والشر لا يوفق لمعرفته ومراعاته إلا من عظم حظه وتوفيقه فإن الله سبحانه وتعالى جعل لكل خير وشر مفتاحا وبابا يدخل منه إليه كما جعل الشرك والكبر والأعراض عما بعث الله به رسوله والغفلة عن ذكره والقيام بحقه مفتاحا للنار وكما جعل الخمر مفتاح كل إثم وجعل الغنى مفتاح الزنا وجعل إطلاق النظر في الصور مفتاح الطلب والعشق وجعل الكسل والراحة مفتاح الخيبة والحرمان وجعل المعاصي مفتاح الكفر وجعل الكذب مفتاح النفاق وجعل الشح والحرص مفتاح البخل وقطيعة الرحم وأخذ المال من غير حله وجعل الأعراض عما جاء به الرسول مفتاح كل بدعة وضلالة وهذه الأمور لا يصدق بها إلا كل من له بصيرة صحيحة وعقل يعرف به ما في نفسه وما في الوجود من الخير والشر فينبغي للعبد أن يعتني كل الإعتناء بمعرفة المفاتيح وما جعلت المفاتيح له والله ومن وراء توفيقه وعدله له الملك وله الحمد وله النعمة والفضل لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون.(1\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8034",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الخامس عشر في توقيع الجنة ومنشورها الذي يوقع به لأصحابها بعد الموت وعند دخولها قال تعالى كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون فأخبر الله تعالى أن كتابهم كتاب مرقوم تحقيقا لكونه مكتوبا كتابة حقيقية وخص تعالى كتاب الأبرار بإنه يكتب ويوقع لهم به بمشهد المقربين من الملائكة والنبي صلى الله عليه وسلمين وسادات المؤمنين ولم يذكر شهادة هؤلاء لكتاب الفجار تنويها بكتاب الأبرار وما وقع لهم به وإشهارا له وإظهارا بين خواص خلقه كما تكتب الملوك تواقيع من تعظمه بين الأمراء وخواص أهل المملكة تنويها باسم المكتوب له وإشادة بذكره وهذا نوع من صلاة الله سبحانه وتعالى وملائكته على عبده وروى الإمام أحمد في مسنده وابن حبان وأبو عوانة الإسفرايني في صحيحهما من حديث المنهال عن زاذان عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على القبر وجلسنا حوله كأن على رؤسنا الطير وهو يلحد له فقال: quot;أعوذ بالله من عذاب القبر ثلاث مرات ثم قال إن المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا تنزلت إليه الملائكة كأن على وجوههم الشمس مع كل واحد منهم حنوط وكفن فجلسوا منه مد بصره ثم يجئ ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان قال فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض قال فيصعدون بها فلا يمرون بها يعني(1\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8035",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الطيب فيقولون فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح لهم ويشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل فيقول الله عز وجل اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فأنى منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى قال فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول ربي الله فيقولان له ما دينك فيقول ديني الإسلام فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هو رسول الله فيقولان له وما علمك فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت قال فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة والبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة قال فيأتيه من روحها وطيبها ويفسحله في قبره مد بصره قال ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول له من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير فيقول أنا عملك الصالح فيقول رب أقم الساعة رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي قال وان العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب قال فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الخبيث فيقولون فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي إلى سماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط فيقول الله عز وجل اكتبوا في سجين في الأرض السفلى وتطرح روحه طرحا(1\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8036",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول ها هاه لا أدري فينادي من السماء أن كذب عبدي فأفرشوه من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول له أبشر بالذي يسوءك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر فيقول أنا عملك الخبيث فيقول رب لا تقم الساعة quot; ورواه أبو داود بطوله بنحوه فهذا التوقيع والمنشور الأول. فصل وأما المنشور الثاني فقال الطبراني في معجمه حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عطاء بن يسار عن سلمان الفارسي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;لا يدخل الجنة أحد إلا بجواز بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله لفلان بن فلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانيةquot;. وأخبرنا سليمان بن حمزة الحاكم أنبأنا محمد بن عبد الواحد المقدسي أنبأنا زاهر الثقفي أن عبد السلام بن محمد بن عبد الله أخبرهم أنبأنا المطهر بن عبد الواحد البراقي حدثنا محمد بن إسحاق بن منده أنبأنا محمد بن علي البلخي حدثنا محمد بن خشنام حدثنا العباس بن زياد ثقة ثنا سعدان بن سعيد ثنا سليمان التميمي عن أبي عثمان(1\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8037",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النهدي عن سليمان الفارسي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;يعطي المؤمن جوازا على الصراط بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لفلان بن فلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية quot; قلت: وقع المؤمن في قبضة أصحاب اليمين يوم القبضتين ثم كتب من أهل الجنة يوم نفخ الروح فيه ثم يكتب في ديوان أهل الجنة يوم موته ثم يعطي هذا المنشور يوم القيامة فالله المستعان.(1\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8038",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "الباب السادس عشر: في توحد طريق الجنة وأنه ليس لها إلا طريق واحد",
        "content": "الباب السادس عشر: في توحد طريق الجنة وأنه ليس لها إلا طريق واحد هذا مما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم صلوات الله وسلامه عليهم وأما طرق الجحيم فأكثر من أن تحصى ولهذا يوحد سبحانه سبيله ويجمع سبل النار كقوله تعالى وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله وقال وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر أي ومن السبيل جائر عن القصد وهي سبيل الغي وقال قال هذا صراط علي مستقيم وقال ابن مسعود quot; خط لنا رسول الله خطا وقال هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه وعن يساره ثم قال هذه سبل وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل الآيةquot; فأن قيل فقد قال الله تعالى قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام قيل: هي سبل تجمع في سبيل واحد وهي بمنزلة الجواد والطرق في الطريق الأعظم فهذه هي شعب الأيمان يجمعها الإيمان وهو شعبة كما يجمع ساق الشجرة أغصانها وشعبها وهذه السبل هي إجابة داعي داعي الله بتصديق خبره وطاعة أمره وطريق الجنة هي إجابة الداعي إليها ليس إلا وروى البخاري في صحيحه عن جابر قال جاءت ملائكة إلى النبي(1\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8039",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم quot;أنه نائم وقال بعضهم العين نائمة والقلب يقظانquot; فقالوا quot;أن لصاحبكم هذا مثلا فاضربوا له مثلاquot; فقالوا quot;مثله مثل رجل بني دارا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبةquot; فقالوا: quot;أولوها له يفقههاquot; فقال بعضهم:quot;إن العين نائمة والقلب يقظان الدار الجنة والداعي محمد فمن أطاع محمدا فقد أطاع الله ومن عصى محمدا فقد عصى الله ومحمد فرق بين الناسquot; ورواه الترمذي عنه ولفظه خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: quot;إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه أضرب له مثلا فقال أسمع سمعت أذنك واعقل عقل قلبك إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك أتخذ دارا ثم بنى فيها بيتا ثم جعل مائدة ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه فالله هو الملك والدار الإسلام والبيت الجنة وأنت يا محمد الرسول فمن أجابك دخل الإسلام ومن دخل الإسلام دخل الجنة ومن دخل الجنة أكل ما فيهاquot; وصحح الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود قال: صلى رسول الله العشاء ثم انصرف فأخذ بيدي حتى خرج بي إلى بطحاء مكة فأجلسني ثم خط على خطا ثم قال لا تبرحن خطك فإنه سينتهي إليك رجال فلا تكلمهم فإنهم لا يكلمونك ثم مضى رسول الله حيث أراد فبينا أنا جالس في خطي إذا أتاني رجال أنهم الزط أشعارهم وأجسامهم لا أرى عورة ولا أرى قشرا وينتهون إلى لا يجاوزون الخط ثم يصدرون إلى رسول الله حتى إذا كان آخر الليل لكن رسول الله قد جاءني وأنا جالس فقال: لقد رآني منذ الليلة ثم دخل على في خطي فتوسد فخذي فرقد وكان رسول الله إذا رقد نفخ فبينا أنا قاعد ورسول الله صلى الله عليه وسلم متوسد فخذي إذا برجال عليهم ثياب بيض الله أعلم ما بهم من الجمال فانتهوا إلى مجلس طائفة منهم عند راس رسول الله وطائفة منهم عند رجليه ثم قالوا ما رأينا عبدا قد أوتى مثل ما أوتى هذا النبي صلى الله عليه وسلم إن عينيه تنامان(1\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "73",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8040",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقلبه يقظان اضربوا له مثلا مثل سيد بنى قصرا ثم جعل مأدبة فدعا الناس إلى طعامه وشرابه فمن أجابه أكل من طعامه وشرب من شرابه ومن لم يجبه عاقبه أو قال عذبه ثم ارتفعوا واستيقظ رسول الله عند ذلك فقال سمعت ما قال هؤلاء وهل تدري من هم قلت الله ورسوله أعلم قال هم الملائكة فتدري ما المثل الذي ضربوه قلت الله ورسوله أعلم قال الرحمن بني الجنة ودعا إليها عباده فمن أجابه دخل الجنة ومن لم يجبه عذبه quot;.(1\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "74",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8041",
        "book_id": "qym_3936",
        "book_name": " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح",
        "title": "الباب السابع عشر: في درجات الجنة",
        "content": "الباب السابع عشر: في درجات الجنة قال تعالى لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما . ذكر ابن جرير عن هشام ابن حسان عن جبلة بن عطية عن ابن محيريز قال: quot;فضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منهquot; قال:quot; هي سبعون درجة ما بين الدرجتين عدو الفرس الجواد المضمر سبعين عاماquot; وقال ابن المبارك: أنبأنا سلمة بن نبيط عن الضحاك في قوله تعالى لهم درجات عند ربهم قال بعضهم أفضل من بعض فيرى الذي قد فضل به فضله ولا يرى الذي هو أسفل منه أنه فضل عليه أحد من الناس وتأمل قوله كيف أوقع التفضيل أولا بدرجة ثم أوقعه ثانيا بدرجات فقيل الأول بين القاعد المعذور والمجاهد والثاني بين القاعد بلا عذر والمجاهد وقال تعالى أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون وقال تعالى إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم(1\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "75",
        "book_number": "21",
        "slug": " -qym_3936"
    },
    {
        "id": "8042",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بسم الله الرحمن الرحيم  الله المسؤول المرجو الإجابة أن يحسن إلى الأخ علاء الدين في الدنيا والآخرة وينفع به ويجعله مباركا أينما كان فإن بركة الرجل تعليمه للخير حيث حل ونصحه لكل من اجتمع به قال الله تعالى إخبارا عن المسيح وجعلني مباركا أين ما كنت أي معلما للخير داعيا إلى الله مذكرا به مرغبا في طاعته فهذا من بركة الرجل ومن خلا من هذا فقد خلا من البركة ومحقت بركة لقائه والاجتماع به بل تمحق بركة من لقيه واجتمع به فإنه يضيع الوقت في الماجريات ويفسد القلب وكل آفة تدخل على العبد فسببها ضياع الوقت وفساد القلب وتعود بضياع حظه من الله ونقصان درجته ومنزلته عنده ولهذا وصى بعض الشيوخ فقال احذروا(1\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8043",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مخالطة من تضيع مخالطته الوقت وتفسد القلب فإنه متى ضاع الوقت وفسد القلب انفرطت على العبد أموره كلها وكان ممن قال الله فيه ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ومن تأمل حال هذا الخلق وجدهم كلهم إلا أقل القليل ممن غفلت قلوبهم عن ذكر الله تعالى واتبعوا أهواءهم وصارت أمورهم ومصالحهم فرطا أي فرطوا فيما ينفعهم ويعود بصلاحهم واشتغلوا بما لا ينفعهم بل يعود بضررهم عاجلا وآجلا وهؤلاء قد أمر الله سبحانه رسوله ألا يطيعهم فطاعة الرسول لاتتم إلا بعدم طاعة هؤلاء فإنهم إنما يدعون إلى ما يشاكلهم من اتباع الهوى والغفلة عن ذكر الله والغفلة عن الله والدار الآخرة متى تزوجت باتباع الهوى تولد ما بينهما كل شر وكثيرا ما يقترن أحدهما بالآخرة ولا يفارقه(1\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8044",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن تأمل فساد أحوال العالم عموما وخصوصا وجده ناشئا عن هذين الأصلين فالغفلة تحول بين العبد وبين تصور الحق ومعرفته والعلم به فيكون من الضالين واتباع الهوى يصده عن قصد الحق وإرادته واتباعه فيكون من المغضوب عليهم وأما المنعم عليهم فهم الذين من الله عليهم بمعرفة الحق علما وبالانقياد إليه وإيثاره على ما سواه عملا وهؤلاء هم الذين على سبيل النجاة ومن سواهم على سبيل الهلاك ولهذا أمرنا الله سبحانه أن نقول كل يوم وليلة عدة مرات اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين فإن العبد مضطر كل الاضطرار إلى أن يكون عارفا بما ينفعه في معاشه ومعاده وأن يكون مؤثرا مريدا لما ينفعه مجتنبا لما يضره فبمجموع هذين يكون قد هدي إلى الصراط المستقيم فإن فاته معرفة ذلك سلك سبيل الضالين وإن فاته قصده واتباعه سلك سبيل(1\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8045",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المغضوب عليهم وبهذا يعرف قدر هذا الدعاء العظيم وشدة الحاجة إليه وتوقف سعادة الدنيا والآخرة عليه والعبد مفتقر إلى الهداية في كل لحظة ونفس في جميع ما يأتيه ويذره فإنه بين أمور لا ينفك عنها أحدها أمور قد أتاها على غير وجه الهداية جهلا فهو محتاج إلى أن يطلب الهداية إلى الحق فيها أو يكون عارفا بالهداية فيها فأتاها على غير وجهها عمدا فهو محتاج إلى التوبة منها أو أمور لم يعرف وجه الهداية فيها علما ولا عملا ففاتته الهداية إلى علمها ومعرفتها وإلى قصدها وإرادتها وعملها أو أمور قد هدي إليها من وجه دون وجه فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها أو أمور قد هدي إلى أصلها دون تفاصيلها فهو محتاج إلى هداية التفصيل(1\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8046",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو طريق قد هدي أليها وهو محتاج إلى هداية أخرى فيها فالهداية إلى الطريق شيء والهداية في نفس الطريق شيء آخر ألا ترى أن الرجل يعرف أن طريق البلد الفلاني هو طريق كذا وكذا ولكن لا يحسن أن يسلكه فإن سلوكه يحتاج إلى هداية خاصة في نفس السلوك كالسير في وقت كذا دون وقت كذا وأخذ الماء في مفازة كذا مقدار كذا والنزول في موضع كذا دون كذا فهذه هداية في نفس السير قد يهملها من هو عارف بأن الطريق هي هذه فيهلك وينقطع عن المقصود وكذلك أيضا ثم أمور هو محتاج إلى أن يحصل له فيها من الهداية في المستقبل مثل ما حصل له في الماضي وأمور هو خال عن اعتقاد حق أو باطل فيها فهو محتاج إلى هداية الصواب فيها وأمور يعتقد أنه فيها على هدى وهو على ضلالة ولا يشعر فهو محتاج إلى انتقاله عن ذلك الاعتقاد بهداية من الله وأمور قد فعلها على وجه الهداية وهو محتاج إلى أن يهدي غيره إليها ويرشده وينصحه فإهماله(1\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8047",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك يفوت عليه من الهداية بحسبه كما أن هدايته للغير وتعليمه ونصحه يفتح له باب الهداية فإن الجزاء من جنس العمل فكلما هدى غيره وعلمه هداه الله وعلمه فيصير هاديا مهديا كما في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الترمذي وغيره اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين سلما لأوليائك حربا لأعدائك نحب بحبك من أحبك ونعادي بعداوتك من خالفك(1\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8048",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد أثنى الله سبحانه على عباده المؤمنين الذين يسألونه أن يجعلهم أئمة يهتدى بهم فقال تعالى في صفات عباده والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما قال ابن عباس يهتدى بنا في الخير وقال أبو صالح يقتدى بهدانا وقال مكحول أئمة في التقوى يقتدي بنا المتقون وقال(1\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8049",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مجاهد اجعلنا مؤتمين بالمتقين مقتدين بهم وأشكل هذا التفسير على من لم يعرف قدر فهم السلف وعمق علمهم وقال يجب أن تكون الآية على هذا القول من باب المقلوب على تقدير واجعل المتقين لنا أئمة ومعاذ الله أن يكون شيء مقلوبا على وجهه وهذا من تمام فهم مجاهد رحمه الله فإنه لا يكون الرجل إماما للمتقين حتى يأتم بالمتقين فنبه مجاهد على هذا الوجه الذي ينالون به هذا المطلوب وهو اقتداؤهم بالسلف المتقين من قبلهم فيجعلهم الله(1\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8050",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أئمة للمتقين من بعدهم وهذا من أحسن الفهم في القرآن وألطفه ليس من باب القلب في شيء فمن ائتم بأهل السنة قبله ائتم به من بعده ومن معه ووحد سبحانه لفظ إماما ولم يقل واجعلنا للمتقين أئمة فقيل الإمام في الآية جمع آم نحو صاحب وصحاب وهذا قول الأخفش وفيه بعد وليس هو من اللغة المشهورة المستعملة المعروفة حتى يفسر بها كلام الله وقال آخرون الإمام هنا مصدر لا اسم يقال أم إماما نحو صام صياما وقام قياما أي اجعلنا ذوي إمام وهذا أضعف من الذي قبله(1\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8051",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الفراء إنما قال إماما ولم يقل أئمة على نحو قوله إنا رسول رب العالمين ولم يقل رسولا وهو من الواحد المراد به الجمع لقول الشاعر (يا عاذلاتي لا تردن ملامتي ... إن العواذل ليس لي بأمير) أي ليس لي بأمراء(1\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8052",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "فصل",
        "content": "وهذا أحسن الأقوال غير أنه يحتاج إلى مزيد بيان وهو أن المتقين كلهم على طريق واحد ومعبودهم واحد وأتباع كتاب واحد ونبي واحد وعبيد رب واحد فدينهم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد ومعبودهم واحد فكأنهم كلهم إمام واحد لمن بعدهم ليسو كالأئمة المختلفين الذين قد اختلفت طرائقهم ومذاهبهم وعقائدهم فالائتمام إنما هو بماهم عليه وهو شيء واحد وهو الإمام في الحقيقة فصل  وقد أخبر سبحانه أن هذه الإمامة إنما تنال بالصبر واليقين فقال تعالى وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون(1\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8053",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين فقيل بالصبر عن الدنيا وقيل بالصبر على البلاء وقيل بالصبر عن المناهي والصواب أنه بالصبر عن ذلك كله بالصبر على أداء فرائض الله والصبر عن محارمه والصبر على أقداره وجمع سبحانه بين الصبر واليقين إذ هما سعادة العبد وفقدهما يفقده سعادته فإن القلب تطرقه طوارق الشهوات المخالفة لأمر الله وطوارق الشبهات المخالفة لخبره فبالصبر يدفع الشهوات وباليقين يدفع الشبهات فإن الشهوة والشبهة مضادتان للدين من كل وجه فلا ينجو من(1\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8054",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عذاب الله إلا من دفع شهواته بالصبر وشبهاته باليقين ولهذا أخبر سبحانه عن حبوط أعمال أهل الشهوات والشبهات فقال تعالى كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا فهذا الاستمتاع بالخلاق هو استمتاعهم بنصيبهم من الشهوات ثم قال وخضتم كالذي خاضوا وهذا هو الخوض بالباطل في دين الله وهو خوض أهل الشبهات ثم قال أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون فعلق سبحانه حبوط الأعمال والخسران باتباع الشهوات الذي هو الاستمتاع بالخلاق وباتباع الشبهات الذي هو الخوض بالباطل(1\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8055",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  وكما أنه سبحانه علق الإمامة في الدين بالصبر واليقين فالآية متضمنة لأصلين آخرين أحدهما الدعوة إلى الله وهداية خلقه الثاني هدايتهم بما أمر به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم لا بمقتضى عقولهم وآرائهم وسياساتهم وأذواقهم وتقليد أسلافهم بغير برهان من الله لأنه قال يهدون بأمرنا فهذه أربعة أصول تضمنتها هذه الآية أحدها الصبر وهو حبس النفس عن محارم الله وحبسها على فرائضه وحبسها عن التسخط والشكاية لأقداره الثاني اليقين وهو الإيمان الجازم الثابت الذي لا ريب فيه ولا تردد ولا شك ولا شبهة بخمسة أصول ذكرها سبحانه في قوله تعالى ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين(1\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8056",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ") وفي قوله ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا وفي قوله آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والإيمان بالله واليوم الآخر داخل في الإيمان بالكتب والرسل وجمع بينهما النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمر في قوله الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فهذه الأصول الخمس من لم يؤمن بها فليس بمؤمن واليقين أن يقوم الإيمان بها حتى تصير كأنها معاينة للقلب مشاهدة له نسبتها إلى البصيرة كنسبة الشمس(1\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8057",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والقمر إلى البصر ولهذا قال من قال من السلف اليقين الإيمان كله الثالث هداية الخلق ودعوتهم إلى الله ورسوله  قال تعالى ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين قال الحسن البصري هذا حبيب الله هذا ولي الله أسلم لله وعمل بطاعته ودعا الخلق إليه فهذا النوع أفضل أنواع الإنسان وأعلاهم درجة عند الله يوم القيامة(1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8058",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهم ثنية الله سبحانه من الخاسرين قال تعالى والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر فأقسم سبحانه على خسران نوع الإنسان إلا من كمل نفسه بالإيمان والعمل الصالح وكمل غيره بوصيته له بهما ولهذا قال الشافعي رحمه الله لو فكر الناس كلهم في سورة العصر لكفتهم ولا يكون من أتباع الرسول على الحقيقة إلا من دعا إلى الله على بصيرة قال الله تعالى قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني فقوله أدعو إلى الله تفسير لسبيله التي هو عليها فسبيله وسبيل أتباعه الدعوة إلى الله فمن لم يدع إلى الله فليس على سبيله(1\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8059",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله على بصيرة قال ابن الأعرابي البصيرة الثبات في الدين وقيل البصيرة العبرة كما يقال أليس لك في كذا بصيرة أي عبرة قال الشاعر (في الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر) والتحقيق العبرة ثمرة البصيرة فإذا تبصر اعتبر فمن عدم العبرة فكأنه لا بصيرة له وأصل اللفظ من الظهور والبيان فالقرآن بصائر أي أدلة وهدى وبيان يقود إلى الحق ويهدي إلى الرشد(1\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8060",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولهذا يقال للطريقة من الدم التي يستدل بها على الرمية بصيرة فدلت الآية أيضا على أن من لم يكن على بصيرة فليس من أتباع الرسول وأن أتباعه هم أولو البصائر ولهذا قال أنا ومن اتبعني فإن كان المعنى أدعوا إلى الله أنا ومن اتبعني ويكون ومن اتبعني معطوفا على الضمير المرفوع في ادعوا وحسن العطف لأجل الفصل فهو دليل على أن أتباع الرسول هم الذين يدعون إلى الله وإلى رسوله وإن كان معطوفا على الضمير المجرور في سبيلي أي هذه سبيلي وسبيل من اتبعني فكذلك وعلى التقديرين فسبيله وسبيل أتباعه الدعوة إلى الله(1\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8061",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأصل الرابع قوله يهدون بأمرنا وفي ذلك دليل على اتباعهم ما أنزل الله على رسوله وهدايتهم به وحده دون غيره من الأقوال والآراء والنحل والمذاهب بل لا يهدون إلا بأمره خاصة فحصل من هذا أن أئمة الدين الذين يقتدون بهم هم الذين جمعوا بين الصبر واليقين والدعوة إلى الله بالسنة والوحي لا بالآراء وبالبدع فهؤلاء خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في أمته وهم خاصته وأولياؤه ومن عاداهم أو حاربهم فقد عادى الله سبحانه وآذنه بالحرب قال الإمام أحمد رحمه الله في خطبة كتابه في الرد على الجهمية الحمد لله الذي جعل في كل زمان(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8062",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "فصل",
        "content": "فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من ضال تائه قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة فهم يختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتن المضلين فصل  ومما ينبغي الاعتناء به علما ومعرفة وقصدا وإرادة العلم بأن كل إنسان بل كل حيوان إنما يسعى فيما يحصل له اللذة والنعيم وطيب العيش ويندفع به عنه أضداد ذلك وهذا مطلوب صحيح يتضمن ستة أمور(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8063",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها معرفة الشيء النافع للعبد الملائم له الذي بحصوله لذته وفرحه وسروره وطيب عيشه الثاني معرفة الطريق الموصلة إلى ذلك الثالث سلوك تلك الطريق الرابع معرفة الضار المؤذي المنافر الذي ينكد عليه حياته الخامس معرفة الطريق التي إذا سلكها أفضت به إلى ذلك السادس تجنب سلوكها فهذه ستة أمور لا تتم لذة العبد وسروره وفرحه وصلاح حاله إلا باستكمالها وما نقص منها عاد بسوء حاله وتنكيد حياته وكل عاقل يسعى في هذه الأمور لكن أكثر الناس غلط في تحصيل هذا المطلوب المحبوب النافع إما في عدم تصوره ومعرفته وإما في عدم معرفته الطريق الموصلة إليه فهذان غلطان سببهما الجهل ويتخلص منهما بالعلم وقد يحصل له العلم بالمطلوب والعلم بطريقه لكن في قلبه إرادات وشهوات تحول بينه وبين قصد هذا المطلوب النافع وسلوك طريقه فكلما أراد ذلك اعترضته(1\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8064",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تلك الشهوات والإرادات وحالت بينه وبينه وهو لا يمكنه تركها وتقديم هذا المطلوب عليها إلا بأحدأمرين إما حب متعلق وإما فرق مزعج فيكون الله ورسوله والدار الآخرة والجنة ونعيمها أحب إليه من هذه الشهوات ويعلم أنه لا يمكنه الجمع بينهما فيؤثر أعلى المحبوبين على أدناهما وإما أن يحصل له علم ما يترتب على إيثار هذه الشهوات من المخاوف والآلام التي ألمها أشد من ألم فوات هذه الشهوات وأبقى فإذا تمكن من قلبه هذان العلمان أنتجا له إيثار ما ينبغي إيثاره وتقديمه على ما سواه فإن خاصية العقل إيثار أعلى المحبوبين على أدناهما واحتمال أدنى المكروهين ليتخلص به من أعلاهما وبهذا الأصل تعرف عقول الناس وتميز بين العاقل وغيره ويظهر تفاوتهم في العقول فأين عقل من آثر لذة عاجلة منغصة منكدة إنما هي(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8065",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كأضغاث أحلام أو كطيف يمتع به من زائره في المنام على لذة هي من أعظم اللذات وفرحة ومسرة هي من أعظم المسرات دائمة لا تزول ولا تفنى ولا تنقطع فباعها بهذه اللذة الفانية المضمحلة التي حشيت بالآلام وإنما حصلت بالآلام وعاقبتها الآلام فلو قايس العاقل بين لذتها وألمها ومضرتها ومنفعتها لاستحيا من نفسه وعقله كيف يسعى في طلبها ويضيع زمانه في اشتغاله بها فضلا عن إيثارها على ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وقد اشترى سبحانه من المؤمنين أنفسهم وجعل ثمنها جنته وأجرى هذا العقد على يد رسوله وخليله وخيرته من خلقه فسلعة رب السموات والأرض(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8066",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "فصل",
        "content": "مشتريها والتمتع بالنظر إلى وجهه الكريم وسماع كلامه منه في داره ثمنها ومن جري العقد على يد رسوله كيف يليق بالعاقل أن يضيعها ويهملها ويبيعها بثمن بخس في دار زائلة مضمحلة فانية وهل هذا إلا من أعظم الغبن وإنما يظهر له هذا الغبن الفاحش يوم التغابن إذا ثقلت موازين المتقين وخفت موازين المبطلين فصل  إذا عرفت هذه المقدمة فاللذة التامة والفرح والسرور وطيب العيش والنعيم إنما هو في معرفة الله وتوحيده والأنس به والشوق إلى لقائه واجتماع القلب والهم عليه فإن أنكد العيش عيش من قلبه مشتت وهمه مفرق فليس لقلبه مستقر يستقر عنده ولا حبيب يأوي إليه ويسكن إليه كما أفصح القائل عن ذلك بقوله (وما ذاق طعم العيش من لم يكن له ... حبيب إليه يطمئن ويسكن)(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8067",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالعيش الطيب والحياة النافعة وقرة العين في السكون والطمأنينة إلى الحبيب الأول ولو تنقل القلب في المحبوبات كلها لم يسكن ولم يطمئن إلى شيء منها ولم تقر به عينه حتى يطمئن إلى إلهه وربه ووليه الذي ليس له من دونه ولي ولا شفيع ولا غنى له عنه طرفة عين كما قال القائل (نقل فؤادك حيث. . شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول) (كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل) فاحرص أن يكون همك واحدا وأن يكون هو الله وحده فهذا غاية سعادة العبد وصاحب هذه الحال في جنة معجلة قبل جنة الآخرة وفي نعيم عاجل كما قال بعض الواجدين إنه ليمر بالقلب أوقات أقول إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب وقال(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8068",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "آخر إنه ليمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربا وقال آخر مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ... ما فيها قيل له وما أطيب ما فيها قال معرفة الله ومحبته والأنس بقربه والشوق إلى لقائه وليس في الدنيا نعيم يشبه نعيم أهل الجنة إلا هذا ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة فأخبر أنه حبب إليه من الدنيا شيئان النساء والطيب ثم قال وجعلت قرة عيني في الصلاة وقرة العين فوق المحبة فإنه ليس كل محبوب تقر به العين وإنما تقر العين بأعلى المحبوبات(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8069",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي يحب لذاته وليس ذلك إلا الله الذي لا إله إلا هو وكل ما سواه فإنما يحب تبعا لمحبته فيحب لأجله ولا يحب معه فإن الحب معه شرك والحب لأجله توحيد فالمشرك يتخذ ... من دون الله أندادا يحبهم كحب الله والموحد إنما يحب من يحبه لله ويبغض من يبغضه في الله ويفعل ما يفعله لله ويترك ما يتركه لله ومدار الدين على هذه القواعد الأربعة وهي الحب والبغض ويترتب عليهما الفعل والترك والعطاء والمنع فمن استكمل أن يكون هذا كله لله استكمل الإيمان وما نقص منها أن يكون لله عاد ينقص إيمان العبد(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8070",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمقصود أن ما تقر به العين أعلى من مجرد ما يحبه فالصلاة قرة عيون المحبين في هذه الدنيا لما فيها من مناجاة من لا تقر ... العيون ولا تطمئن القلوب ولا تسكن النفوس إلا إليه والتنعم بذكره والتذلل والخضوع له والقرب منه ولا سيما في حال السجود وتلك الحال أقرب ما يكون العبد من ربه فيها ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم يا بلال أرحنا بالصلاة فأعلم بذلك أن راحته صلى الله عليه وسلم في الصلاة كما أخبر أن قرة عينه فيها فأين هذا من قول القائل نصلي ونستريح من الصلاة فالمحب راحته وقرة عينه في الصلاة والغافل المعرض ليس له نصيب من ذلك بل الصلاة كبيرة شاقة عليه إذا قام فيها كأنه على الجمر حتى يتخلص منها وأحب الصلاة إليه أعجلها وأسرعها فإنه(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8071",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليس له قرة عين فيها ولا لقلبه راحة بها والعبد إذا قرت عينه بشيء واستراح قلبه به فأشق ما عليه مفارقته والمتكلف الفارغ القلب من الله والدار الآخرة المبتلى بمحبة الدنيا أشق ما عليه الصلاة وأكره ما إليه طولها مع تفرغه وصحته وعدم اشتغاله ومما ينبغي أن يعلم أن الصلاة التي تقر بها العين ويستريح بها القلب هي التي تجمع ستة مشاهد المشهد الأول الإخلاص وهو أن يكون الحامل عليها والداعي إليها رغبة العبد في الله ومحبته له وطلب مرضاته والقرب منه والتودد إليه وامتثال أمره بحيث لا يكون الباعث له عليها حظا من حظوظ الدنيا ألبتة بل يأتي بها ابتغاء وجه ربه الأعلى محبة له وخوفا من عذابه ورجاء لمغفرته وثوابه المشهد الثاني مشهد الصدق والنصح وهو أن يفرغ قلبه لله فيها ويستفرغ جهده في إقباله فيها على الله وجمع قلبه عليها وإيقاعها على أحسن الوجوه وأكملها ظاهرا وباطنا فإن الصلاة لها ظاهر وباطن(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8072",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فظاهرها الأفعال المشاهدة والأقوال المسموعة وباطنها الخشوع والمراقبة وتفريغ القلب لله والإقبال بكليته على الله فيها بحيث لا يلتفت قلبه عنه إلى غيره فهذا بمنزلة الروح لها والأفعال بمنزلة البدن فإذا خلت من الروح كانت كبدن لا روح فيه أفلا يستحي العبد أن يواجه سيده بمثل ذلك ولهذا تلف كما يلف الثوب الخلق ويضرب بها وجه صاحبها وتقول ضيعك الله كما ضيعتني والصلاة التي كمل ظاهرها وباطنها تصعد ولها نور وبرهان كنور الشمس حتى تعرض على الله فيرضاها ويقبلها وتقول حفظك الله كما حفظتني(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8073",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "فصل",
        "content": "فصل  المشهد الثالث مشهد المتابعة والاقتداء وهو أن يحرص كل الحرص على الاقتداء في صلاته بالنبي صلى الله عليه وسلم ويصلي كما كان يصلي ويعرض عما أحدث الناس في الصلاة من الزيادة والنقصان والأوضاع التي لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء منها ولا عن أحد من أصحابة ولا يقف عند أقوال المرخصين الذين يقفون مع أقل ما يعتقدون وجوبه ويكون غيرهم قد نازعهم في ذلك وأوجب ما أسقطوه ولعل الأحاديث الثابتة والسنة النبوية من جانبه ولا يلتفتون إلى ذلك ويقولون نحن مقلدون لمذهب فلان وهذا لا يخلص عند الله ولا يكون عذرا لمن تخلف عما علمه من السنة عنده فإن الله سبحانه إنما أمر بطاعة رسوله واتباعه وحده ولم يأمر باتباع غيره وإنما يطاع غيره إذا أمر بما أمر به الرسول وكل أحد سوى الرسول صلى الله عليه وسلم فمأخوذ من قوله ومتروك وقد أقسم الله سبحانه بنفسه الكريمة أنا لا نؤمن حتى نحكم الرسول فيما شجر بيننا وننقاد لحكمه ونسلم(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8074",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تسليما فلا ينفعنا تحكيم غيره والانقياد له ولا ينجينا من عذاب الله ولا يقبل منا هذا الجواب إذا سمعنا نداءه سبحانه يوم القيامة ماذا أجبتم المرسلين فإنه لا بد أن يسألنا عن ذلك ويطالبنا بالجواب قال تعالى فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين وقال النبي صلى الله عليه وسلم أوحي إلي أنكم بي تفتنون وعني تسألون يعني المسألة في القبر فمن(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8075",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "فصل",
        "content": "انتهت إليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركها لقول أحد من الناس فسيرد يوم القيامة ويعلم فصل  المشهد الرابع مشهد الإحسان وهو مشهد المراقبة وهو أن يعبد الله كأنه يراه وهذا المشهد إنما ينشأ من كمال الإيمان بالله وأسمائه وصفاته حتى كأنه يرى الله سبحانه فوق سمواته مستويا على عرشه يتكلم بأمره ونهيه ويدبر أمر الخليقة فينزل الأمر من عنده ويصعد إليه وتعرض أعمال العباد وأرواحهم عند الموافاة عليه فيشهد ذلك كله بقلبه ويشهد أسماءه وصفاته ويشهد قيوما حيا سميعا بصيرا عزيزا حكيما آمرا ناهيا يحب ويبغض ويرضى ويغضب ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وهو فوق عرشه لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد ولا أقوالهم ولا بواطنهم بل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ومشهد الإحسان أصل أعمال القلوب كلها فإنه يوجب الحياء والإجلال والتعظيم والخشية والمحبة والإنابة والتوكل والخضوع لله سبحانه والذل له(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8076",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "فصل",
        "content": "ويقطع الوسواس وحديث ... النفس ويجمع القلب والهم على الله فحظ العبد من القرب من الله على قدر حظه من مقام الإحسان وبحسبه تتفاوت الصلاة حتى يكون بين صلاة الرجلين من الفضل كما بين السماء والأرض وقيامهما وركوعهما وسجودهما واحد فصل  المشهد الخامس مشهد المنة وهو أن يشهد أن المنة لله سبحانه كونه أقامه في هذا المقام وأهله له ووفقه لقيام قلبه وبدنه في خدمته فلولا الله سبحانه لم يكن شيء من ذلك كما كان الصحابة يحدون بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فيقولون(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8077",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا) قال الله تعالى يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين فالله سبحانه هو الذي جعل المسلم مسلما والمصلي مصليا كما قال الخليل صلى الله عليه وسلم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وقال رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي فالمنة لله وحده في أن جعل عبده قائما بطاعته وكان هذا من أعظم نعمه عليه(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8078",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال تعالى وما بكم من نعمة فمن الله وقال ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون وهذا المشهد من أعظم المشاهد وأنفعها للعبد وكلما كان العبد أعظم توحيدا كان حظه من هذا المشهد أتم وفيه من الفوائد أنه يحول بين القلب وبين العجب بالعمل ورؤيته فإنه إذا شهد أن الله سبحانه هو المان به الموفق له الهادي إليه شغله شهود ذلك عن رؤيته والإعجاب به وأن يصول به على الناس فيرفع من قلبه فلا يعجب به ومن لسانه فلا يمن به ولا يتكثر به وهذا شأن العمل المرفوع(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8079",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "فصل",
        "content": "ومن فوائده أنه يضيف الحمد إلى وليه ومستحقه فلا يشهد لنفسه حمدا بل يشهده كله لله كما يشهد النعمة كلها منه والفضل كله له والخير كله في يديه وهذا من تمام التوحيد فلا يستقر قدمه في مقام التوحيد إلا بعلم ذلك وشهوده فإذا علمه ورسخ فيه صار له مشهدا وإذا صار لقلبه مشهدا أثمر له من المحبة والأنس بالله والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره وطاعته ما لا نسبة بينه وبين أعلى نعيم الدنيا ألبتة وما للمرء خير في حياته إذا كان قلبه عن هذا مصدودا وطريق الوصول إليه عنه مسدودا بل هو كما قال تعالى ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون فصل  المشهد السادس مشهد التقصير وأن العبد لو اجتهد في القيام بالأمر غاية الاجتهاد وبذل وسعه(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8080",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهو مقصر وحق الله سبحانه عليه أعظم والذي ينبغي له أن يقابل به من الطاعة والعبودية والخدمة فوق ذلك بكثير وأن عظمته وجلاله سبحانه يقتضي من العبودية ما يليق بها وإذا كان خدم الملوك وعبيدهم يعاملونهم في خدمتهم بالإجلال لهم والتعظيم والاحترام والتوقير والحياء والمهابة والخشية والنصح بحيث يفرغون قلوبهم وجوارحهم لهم فمالك الملوك ورب السموات والأرض أولى أن يعامل بذلك بل بأضعاف ذلك وإذا شهد العبد من نفسه أنه لم يوف ربه في عبوديته حقه ولا قريبا من حقه علم تقصيره ولم يسعه مع ذلك غير الاستغفار والاعتذار من تقصيره وتفريطه وعدم القيام بما ينبغي له من حقه وأنه إلى أن يغفر له العبودية ويعفو عنه فيها أحوج منه إلى أن يطلب منه عليها ثوابا وهو لو وفاها حقها كما ينبغي لكانت مستحقة عليه بمقتضى العبودية فإن عمل العبد وخدمته لسيده مستحق عليه بحكم كونه عبده ومملوكه فلو طلب منه الأجرة على عمله وخدمته لعده الناس(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8081",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحمق وأخرق هذا وليس ... هو عبده ولا مملوكه على الحقيقة وهو عبد الله ومملوكه على الحقيقة من كل وجه لله سبحانه فعمله وخدمته مستحق عليه بحكم كونه عبده فإذا أثابه عليه كان ذلك مجرد فضل ومنة وإحسان إليه لا يستحقه العبد عليه ومن ههنا يفهم معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل وقال أنس بن مالك رضي الله عنه يخرج للعبد يوم القيامة ثلاثة دواوين ديوان فيه حسناته وديوان فيه سيئاته وديوان النعم التي أنعم الله عليه بها فيقول الرب تعالى لنعمه خذي حقك من حسنات عبدي فيقوم أصغرها فتستنفذ حسناته ثم تقول وعزتك ما استوفيت حقي(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8082",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعد فإذا أراد الله أن يرحم عبده وهبه نعمه عليه وغفر له سيئاته وضاعف له حسناته وهذا ثابت عن أنس وهو أدل شيء على كمال علم الصحابة بربهم وحقوقه عليهم كما أنهم أعلم الأمة بنبيهم وسنته ودينه فإن في هذا الأثر من العلم والمعرفة ما لا يدركه إلا أولو البصائر العارفون بالله وأسمائه وصفاته وحقه ومن هنا يفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو داود والإمام أحمد من حديث زيد بن ثابت وحذيفة وغيرهما إن الله لو عذب(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8083",
        "book_id": "qym_4063",
        "book_name": " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه",
        "title": "فصل",
        "content": "أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم فصل  وملاك هذا الشأن أربعة أمور نية صحيحة وقوة عالية يقارنهما رغبة ورهبة فهذه الأربعة هي قواعد هذا الشأن ومهما دخل على العبد من النقص في إيمانه وأحواله وظاهره وباطنه فهو من نقصان هذه الأربعة أو نقصان بعضها فليتأمل اللبيب هذه الأربعة الأشياء وليجعلها سيره وسلوكه ويبني عليها علومه وأعماله وأقواله وأحواله فما نتج من نتج إلا منها ولا تخلف من تخلف إلا من فقدها والله أعلم والله المستعان وعليه التكلان وإليه الرغبة وهو المسؤول بأن يوفقنا وسائر إخواننا من أهل السنة لتحقيقها علما وعملا إنه ولي ذلك والمان به وهو حسبنا ونعم الوكيل(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "22",
        "slug": " -qym_4063"
    },
    {
        "id": "8084",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "مقدمة",
        "content": "مقدمة ... روضةالمحبين ونزهة المشتاقين لابن قيم الجوزية بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر يا كريم الحمد لله الذي جعل المحبة إلى الظفر بالمحبوب سبيلا ونصب طاعته والخضوع له على صدق المحبة دليلا وحرك بها النفوس إلى أنواع الكمالات إيثارا لطلبها وتحصيلا وأودعها العالم العلوي السفلي لإخراج كماله من القوة إلى الفعل إيجادا وإمدادا وقبولا وأثار بها الهمم السامية والعزمات العالية إلى أشرف غاياتها تخصيصا لها وتأهيلا فسبحان من صرف عليها القلوب كما يشاء ولما يشاء بقدرته واستخرج بها ما خلق له كل حي بحكمته وصرفها أنواعا وأقساما بين بريته وفصلها تفصيلا فجعل كل محبوب لمحبه نصيبا مخطئا كان في محبته أو مصيبا وجعله بحبه منعما أو قتيلا فقسمها بين محب الرحمن ومحب الأوثان ومحب النيران ومحب الصلبان ومحب الأوطان ومحب الإخوان ومحب النسوان ومحب الصبيان ومحب الأثمان ومحب الإيمان ومحب الألحان ومحب القرآن وفضل أهل محبته ومحبة كتابه ورسوله على سائر المحبين تفضيلا فبالمحبة وللمحبة وجدت الأرض والسموات وعليها فطرت المخلوقات ولها تحركت الأفلاك الدائرات وبها وصلت الحركات إلى غاياتها واتصلت بداياتها بنهاياتها وبها ظفرت النفوس بمطالبها وحصلت على نيل مآربها وتخلصت من معاطبها واتخذت إلى ربها سبيلا وكان لها دون غيره مأمولا وسولا وبها نالت الحياة الطيبة وذاقت طعم الإيمان لم رضيت بالله ربا(1\/3)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8085",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالإسلام دينا وبمحمد رسولا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مقر بربوبيته شاهد بوحدانيته منقاد إليه لمحبته مذعن له بطاعته معترف بنعمته فار إليه من ذنبه وخطيئته مؤمل لعفوه ورحمته طامع في مغفرته بريء إليه من حوله وقوته لا يبتغي سواه ربا ولا يتخذ من دونه وليا ولا وكيلا عائذ به ملتج إليه لا يروم عن عبوديته انتقالا ولا تحويلا وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده أقرب الخلق إليه وسيلة وأعظمهم عنده جاها وأسمعهم لديه شفاعة وأحبهم إليه وأكرمهم عليه أرسله للإيمان مناديا وإلى الجنة داعيا وإلى صراطه المستقيم هاديا وفي مرضاته ومحابه ساعيا وبكل معروف آمرا وعن كل منكر ناهيا رفع له ذكره وشرح له صدره ووضع عنه وزره وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره وأقسم بحياته في كتابه المبين وقرن اسمه باسمه فإذا ذكر الله ذكر معه كما في الخطب والتشهد والتأذين فلا يصح لأحد خطبة ولا تشهد ولا أذان حتى يشهد أنه عبده ورسوله شهادة اليقين أغر عليه للنبوة خاتم ... من الله ميمون يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي إلى اسمه ... إذ قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد أرسله على حين فترة من الرسل فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل وافترض على العباد محبته وطاعته وتوقيره والقيام بحقوقه وسد إلى الجنة جميع الطرق فلم يفتح لأحد إلا من طريقه فلا مطمع في الفوز بجزيل الثواب(1\/4)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8086",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنجاة من وبيل العقاب إلا لمن كان خلفه من السالكين ولا يؤمن عبد حتى يكون احب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين فصلى الله وملائكته وأنبياؤه ورسله وجميع عباده المؤمنين عليه كما وحد الله وعرف أمته به ودعا إليه صلاة لا تروم عنه انتقالا ولا تحويلا وعلى آله الطيبين وصحبه الطاهرين وسلم تسليما كثيرا أما بعد فإن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه جعل هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها للخير والرشاد وشرها أوعاها للغي والفساد وسلط عليها الهوى وامتحنها بمخالفته لتنال بمخالفته جنة الماؤى ويستحق من لا يصلح للجنة بمتابعته نارا تلظى وجعله مركب النفس الأمارة بالسوء وقوتها وغذاها وداء النفس المطمئنة ومخالفته دواها ثم أوجب سبحانه وتعالى على العبد في هذه المدة القصيرة التي هي بالإضافة إلى الآخرة كساعة من نهار أو كبلل ينال الأصبع حين يدخلها في بحر من البحار عصيان النفس الأمارة ومجانبة هواها وردعها عن شهواتها التي في نيلها رداها منعها من الركون إلى لذاتها ومطالبة ما استدعته العيون الطامحة بلحظاتها لتنال نصيبها من كرامته وثوابه موفرا كاملا وتلتذ آجلا بأضعاف ما تركته لله عاجلا وأمرها بالصيام عن محارمه ليكون فطرها عنده يوم لقائه وأخبرها أن معظم نهار الصيام قد ذهب وأن عيد اللقاء قد اقترب فلا يطول عليها الأمد باستبطائه كما قيل فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ويذهب هذا كله ويزول(1\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8087",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هيأها لأمر عظيم وأعدها لخطب جسيم وادخر لها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من النعيم المقيم واقتضت حكمته البالغة أنها لا تصل إليه إلا من طريق المكاره والنصب ولا تعبر إليه إلا على جسر المشقة والتعب فحجبه بالمكروهات صيانة له عن الأنفس الدنيات المؤثرة للرذائل والسفليات وشمرت إليه النفوس العلويات والهمم العليات امتطت في السير إليه ظهور العزمات فسارت في ظهورها إلى أشرف الغايات وركب سروا والليل مرخ رواقه ... على كل مغبر الموارد قائم حدوا عزمات ضاعت الأرض بينها ... فصار سراهم في ظهور العزائم أرتهم نجوم الليل ما يطلبونه ... على عاتق الشعرى وهام النعائم فأموا حمى لا ينبغي لسواهم ... وما أخذتهم فيه لومة لائم أجابوا منادى الحبيب لما أذن لهم حي على الفلاح وبذلوا نفوسهم في مرضاته بذل المحب بالرضا والسماح وواصلوا السير إليه بالغدو والرواح فحمدوا عند الوصول مسراهم وإنما يحمد القوم السرى عند الصباح تعبوا قليلا فاستراحوا طويلا وتركوا حقيرا واعتاضوا عظيما وضعوا اللذة العاجلة والعاقبة الحميدة في ميزان العقل فظهر لهم التفاوت فرأوا من أعظم السفه بيع الحياة الطيبة الدائمة في النعيم المقيم بلذة ساعة تذهب شهوتها وتبقى شقوتها(1\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8088",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا وإن من أيام اللذات لو صفت للعبد من أول عمره إلى آخره لكانت كسحابة صيف تتقشع عن قليل وخيال طيف ما استتم الزيارة حتى آذن بالرحيل قال الله تعالى أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ومن ظفر بمأموله من ثواب الله فكأنه لم يوتر من دهره بما كان يحاذره ويخشاه وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتمثل بهذا البيت من الشعر كأنك لم توتر من الدهر مرة ... إذا أنت أدركت الذي أنت طالبه فصل وهذا ثمرة العقل الذي به عرف الله سبحانه وتعالى وأسماؤه وصفات كماله ونعوت جلاله وبه آمن المؤمنون بكتبه ورسله ولقائه وملائكته وبه عرفت آيات ربوبيته وأدلة وحدانيته ومعجزات رسله وبه امتثلت أوامره واجتنبت نواهيه وهو الذي تلمح العواقب فراقبها وعمل بمقتضى مصالحها وقاوم الهوى فرد جيشه مفلولا وساعد الصبر حتى ظفر به بعد أن كان بسهامه مقتولا وحث على الفضائل ونهى عن الرذائل وفتق المعاني وأدرك الغوامض وشد أزر العزم فاستوى على سوقه وقوى أزر الحزم حتى حظى من الله بتوفيقه فاستجلب ما يزين ونفى ما يشين فإذا نزل وسلطانه أسر جنود الهوى فحصرها في حبس من ترك لله شيئا عوضه الله خيرا منه ونهض بصاحبه إلى منازل الملوك إذا صير الهوى الملك بمنزلة العبد المملوك فهي شجرة(1\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8089",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مما يمرنه ويعده للظفر وكذلك هوى الكبر والفخر والخيلاء مأذون فيه بل مستحب في محاربة أعداء الله وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم أبا دجانة سماك بن خرشة الأنصاري يتبختر بين الصفين فقال إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن وقال إن من الخيلاء ما يحبها الله ومنها ما يبغض الله فالتي يحبها اختيال الرجل في الحرب وعند الصدقة وذكر الحديث فما حرم الله على عباده شيئا إلا عوضهم خيرا منه كما حرم عليهم الاستقسام بالأزلام وعوضهم منه دعاء الاستخارة وحرم عليهم الربا وعوضهم منه التجارة الرابحة وحرم عليهم القمار وأعاضهم منه أكل المال بالمسابقة النافعة في الدين بالخيل والإبل والسهام وحرم عليهم الحرير وأعاضهم منه أنواع الملابس الفاخرة من الصوف والكتان والقطن وحرم عليهم الزنا واللواط وأعاضهم منهما بالنكاح والتسري بصنوف النساء الحسان وحرم عليهم شرب المسكر وأعاضهم عنه بالأشربة اللذيذة النافعة للروح والبدن وحرم عليهم سماع آلات اللهو من المعازف والمثاني وأعاضهم عنها بسماع القرآن والسبع المثاني وحرم عليهم الخبائث من المطعومات وأعاضهم عنها بالمطاعم الطيبات ومن تلمح(1\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8090",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا وتأمله هان عليه ترك الهوى المردي واعتاض عنه بالنافع المجدي وعرف حكمة الله ورحمته وتمام نعمته على عباده فيما أمرهم به ونهاهم عنه وفيما أباحه لهم وأنه لم يأمرهم بما أمرهم به حاجة منه إليهم ولا نهاهم عنه بخلا منه تعالى عليهم بل أمرهم بما أمرهم إحسانا منه ورحمة ونهاهم عما نهاهم عنه صيانة لهم وحمية فلذلك وضعنا هذا الكتاب وضع عقد الصلح بين الهوى والعقل وإذا تم عقد الصلح بينهما سهل على العبد محاربة النفس والشيطان والله سبحانه المستعان وعليه التكلان فما كان فيه من صواب فمن الله فهو الموفق له والمعين عليه وما كان فيه من خطإ فمني ومن الشيطان والله ورسوله من ذلك بريئان وقد جعلته تسعة وعشرين بابا الباب الأول في أسماء المحبة الباب الثاني في اشتقاق هذه الأسماء ومعانيها الباب الثالث في نسبة هذه الأسماء بعضها إلى بعض الباب الرابع في أن العالم العلوي والسفلي إنما وجد بالمحبة ولأجلها الباب الخامس في دواعي المحبة ومتعلقها الباب السادس في أحكام النظر وغائلته وما يجني على صاحبه الباب السابع في ذكر مناظرة بين القلب والعين الباب الثامن في ذكر الشبه التي احتج بها من أباح النظر إلى من لا يحل له الاستمتاع به وأباح عشقه الباب التاسع في الجواب عما احتجت به هذه الطائفة وما لها وما عليها في هذا الاحتجاج الباب العاشر في ذكر حقيقة العشق وأوصافه وكلام الناس فيه(1\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8091",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الحادي عشر في العشق وهل هو اضطراري خارج عن الاختيار أو أمر اختياري واختلاف الناس في ذلك وذكر الصواب فيه الباب الثاني عشر في سكرة العشاق الباب الثالث عشر في أن اللذة تابعة للمحبة في الكمال والنقصان الباب الرابع عشر فيمن مدح العشق وتمناه وغبط صاحبه على ما أوتيه من مناه الباب الخامس عشر فيمن ذم العشق وتبرم به وما احتج به كل فريق على صحة مذهبه الباب السادس عشر في الحكم بين الفريقين وفصل النزاع بين الطائفتين الباب السابع عشر في استحباب تخير الصور الجميلة للوصال الذي يحبه الله ورسوله الباب الثامن عشر في أن دواء المحبين في كمال الوصال الذي أباحه رب العالمين الباب التاسع عشر في ذكر فضيلة الجمال وميل النفوس إليه على كل حال الباب العشرون في علامات المحبة وشواهدها الباب الحادي والعشرون في اقتضاء المحبة إفراد الحبيب بالمحب وعدم التشريك بينه وبين غيره فيه الباب الثاني والعشرون في غيرة المحبين على أحبابهم الباب الثالث والعشرون في عفاف المحبين مع أحبابهم الباب الرابع والعشرون في ارتكاب سبل الحرام وما يفضي إليه من المفاسد والآلام(1\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8092",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عرقها الفكر في العواقب وساقها الصبر وأغصانها العلم وورقها حسن الخلق وثمرها الحكمة ومادتها توفيق من أزمة الأمور بيديه وابتداؤها منه وانتهاؤها إليه وإذا كان هذا وصفه فقبيح أن يدال عليه عدوه فيعزله عن مملكته ويحطه عن رتبته ويستنزله عن درجته فيصبح أسيرا بعد أن كان أميرا ومحكوما بعد أن كان حاكما وتابعا بعد أن كان متبوعا ومن صبر على حكمه أرنعه في رياض الأماني والمنى ومن خرج عن حكمه أورده حياض الهلاك والردى قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لقد سبق إلى جنات عدن أقوام ما كانوا بأكثر الناس صلاة ولا صياما ولا حجا ولا اعتمارا لكنهم عقلوا عن الله مواعظه فوجلت منه قلوبهم واطمأنت إليه نفوسهم وخشعت له جوارحهم ففاقوا الناس بطيب المنزلة وعلو الدرجة عند الناس في الدنيا وعند الله في الآخرة وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر ولكنه الذي يعرف خير الشرين وقالت عائشة رضي الله عنها قد أفلح من جعل الله له عقلا وقال ابن عباس رضي الله عنهما ولد لكسرى مولود فأحضر بعض المؤدبين ووضع الصبى بين يديه وقال ما خير ما أوتي هذا المولود قال عقل يولد معه قال فإن لم يكن قال فأدب حسن يعيش به في الناس قال فإن لم يكن قال فصاعقة تحرقه وقال بعض أهل العلم لما أهبط الله تبارك وتعالى آدم إلى الأرض أتاه جبريل عليه السلام بثلاثة أشياء الدين والخلق والعقل فقال إن الله يخيرك بين هذه الثلاثة فقال يا جبريل ما رأيت أحسن من هؤلاء(1\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8093",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجنة ومد يده إلى العقل فضمه إلى نفسه فقال للآخرين اصعدا فقالا أمرنا أن نكون مع العقل حيث كان فصارت الثلاثة إلى آدم عليه السلام وهذه الثلاثة أعظم كرامة أكرم الله بها عبده وأجل عطية أعطاه إياها وجعل لها ثلاثة أعداء الهوى والشيطان والنفس الأمارة والحرب بينهما دول وسجال وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم وقال وهب بن منبه قرأت في بعض ما أنزل الله تعالى إن الشيطان لم يكابد شيئا أشد عليه من مؤمن عاقل وإنه ليسوق مائة جاهل فيستجرهم حتى يركب رقابهم فينقادون له حيث شاء ويكابد المؤمن العاقل فيصعب عليه حتى ينال منه شيئا من حاجته قال وإزالة الجبل صخرة صخرة أهون على الشيطان من مكابدة المؤمن العاقل فإذا لم يقدر عليه تحول إلى الجاهل فيستأسره ويتمكن من قياده حتى يسلمه إلى الفضائح التي يتعجل بها في الدنيا الجلد والرجم والقطع والصلب والفضيحة وفي الآخرة العار والنار والشنار وإن الرجلين ليستويان في البر ويكون بينهما في الفضل كما بين المشرق والمغرب بالعقل وما عبد الله بشيء أفضل من العقل وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه لو أن العاقل أصبح وأمسى وله ذنوب بعدد الرمل كان وشيكا بالنجاة والتخلص منها ولو أن الجاهل أصبح وأمسى وله من الحسنات وأعمال البر عدد الرمل لكان وشيكا أن لا يسلم له منها مثقال ذرة قيل وكيف ذلك قال إن العاقل إذا زل تدارك ذلك بالتوبة والعقل الذي رزقه والجاهل بمنزله الذي يبني ويهدم فيأتيه من جهله ما يفسد صالح عمله وقال الحسن لا يتم دين الرجل حتى(1\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8094",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يتم عقله وما أودع الله امرأ عقلا إلا استنقذه به يوما وقال بعض الحكماء من لم يكن عقله أغلب الأشياء عليه كان حتفه وهلاكه في أحب الأشياء إليه وقال يوسف بن أسباط العقل سراج ما بطن وزينة ما ظهر وسائس الجسد وملاك أمر العبد ولا تصلح الحياة إلا به ولا تدور الأمور إلا عليه وقيل لعبد الله بن المبارك ما أفضل ما أعطي الرجل بعد الإسلام قال غريزة عقل قيل فإن لم يكن قال أدب حسن قيل فإن لم يكن قال أخ صالح يستشيره قيل فإن لم يكن قال صمت طويل قيل فإن لم يكن قال موت عاجل وفي ذلك قيل ما وهب الله لامرئ هبة ... أحسن من عقله ومن أدبه هما جمال الفتى فإن فقدا ... ففقده للحياة أجمل به فصل وإذا كانت الدولة للعقل سالمه الهوى وكان من خدمه وأتباعه كما أن الدولة إذا كانت للهوى صار العقل أسيرا في يديه محكوما عليه ولما كان العبد لا ينفك عن الهوى ما دام حيا فإن هواه لازم له كان له الأمر بخروجه عن الهوى بالكلية كالممتنع ولكن المقدور له والمأمور به أن يصرف هواه عن مراتع الهلكة إلى مواطن الأمن والسلامة مثاله أن الله سبحانه وتعالى لم يأمره بصرف قلبه عن هوى النساء جملة بل أمره بصرف ذلك الهوى إلى نكاح ما طاب له منهن من واحدة إلى أربع ومن الإماء ما شاء فانصرف مجرى الهوى من محل إلى محل وكانت الريح دبورا فاستحالت صبا وكذلك هو الظفر والغلبة والقهر لم يأمر بالخروج عنه بل أمر بصرفه إلى الظفر والقهر والغلبة للباطل وحزبه وشرع له من أنواع المغالبات بالسباق وغيره(1\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8095",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الخامس والعشرون في رحمة المحبين والشفاعة لهم إلى أحبابهم في الوصال الذي يبيحه الدين الباب السادس والعشرون في ترك المحبين أدنى المحبوبين رغبة في أعلاهما الباب السابع والعشرون فيمن ترك محبوبه حراما فبذل له حلالا أو أعاضه الله خيرا منه الباب الثامن والعشرون فيمن آثر عاجل العقوبة والآلام على لذة الوصال الحرام الباب التاسع والعشرون في ذم الهوى وما في مخالفته من نيل المني وسميته روضة المحبين ونزهة المشتاقين والمرغوب إلى من يقف على هذا الكتاب أن يعذر صاحبه فإنه علقه في حال بعده عن وطنه وغيبته عن كتبه فما عسى أن يبلغ خاطره المكدود وسعيه المجهود مع بضاعته المزجاة التي حقيق بحاملها أن يقال فيه تسمع بالمعيدي خير من أن تراه وها هو قد نصب نفسه هدفا لسهام الراشقين وغرضا لأسنة الطاعنين فلقاريه غنمه وعلى مؤلفه غرمه وهذه بضاعته تعرض عليك وموليته تهدى إليك فإن صادفت كفؤا كريما لها لن تعدم منه إمساكا بمعروف أو تسريحا بإحسان وإن صادفت غيره فالله تعالى المستعان وعليه التكلان وقد رضي من مهرها بدعوة خالصة إن وافقت قبولا واستحسانا وبرد جميل إن كان حظها احتقارا واستهجانا والمنصف يهب(1\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8096",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خطأ المخطىء لإصابته وسيئاته لحسناته فهذه سنة الله في عباده جزاء وثوابا ومن ذا الذي يكون قوله كله سديدا وعمله كله صوابا وهل ذلك إلا المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ونطقه وحي يوحى فما صح عنه فهو نقل مصدق عن قائل معصوم وما جاء عن غيره فثبوت الأمرين فيه معدوم فإن صح النقل لم يكن القائل معصوما وإن لم يصح لم يكن وصوله إليه معلوما فصل وهذا الكتاب يصلح لسائر طبقات الناس فإنه يصلح عونا على الدين وعلى الدنيا ومرقاة للذة العاجلة ولذة العقبى وفيه من ذكر أقسام المحبة وأحكامها ومتعلقاتها وصحيحها وفاسدها وآفاتها وغوائلها وأسبابها وموانعها وما يناسب ذلك من نكت تفسيرية وأحاديث نبوية ومسائل فقهية وآثار سلفية وشواهد شعرية ووقائع كونية ما يكون ممتعا لقاريه مروحا للناظر فيه فإن شاء أوسعه جدا وأعطاه ترغيبا وترهيبا وإن شاء أخذ من هزله وملحه نصيبا فتارة يضحكه وتارة يبكيه وطورا يبعده من أسباب اللذة الفانية وطورا يرغبه فيها ويدنيه فإن شئت وجدته واعظا ناصحا وإن شئت وجدته بنصيبك من اللذة والشهوة ووصل الحبيب مسامحا وهذا حين الشروع في الأبواب والله سبحانه الفاتح من الخير كل باب وهو المسؤول سبحانه أن يجعله خالصا لوجهه الكريم مدنيا من رضاه والفوز بجنات النعيم والله متولي سريرة العبد وكسبه وهو سبحانه عند لسان كل قائل وقلبه وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون(1\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8097",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "الباب الأول: في أسماء المحبة",
        "content": "الباب الأول: في أسماء المحبة لما كان الفهم لهذا المسمى أشد وهو بقلوبهم أعلق كانت أسماؤه لديهم أكثر وهذا عادتهم في كل ما اشتد الفهم له أو كثر خطوره على قلوبهم تعظيما له أو اهتماما به أو محبة له فالأول كالأسد والسيف والثاني كالداهية والثالث كالخمر وقد اجتمعت هذه المعاني الثلاثة في الحب فوضعوا له قريبا من ستين اسما وهي المحبة والعلاقة والهوى والصبوة والصبابة والشغف والمقة والوجد والكلف والتتيم والعشق والجوى والدنف والشجو والشوق والخلابة والبلابل والتباريح والسدم والغمرات والوهل والشجن واللاعج والاكتئاب والوصب والحزن والكمد واللذع والحرق والسهد والأرق واللهف والحنين والاستكانة والتبالة واللوعة والفتون والجنون واللمم والخبل والرسيس والداء المخامر والود والخلة والخلم والغرام والهيام والتدليه والوله والتعبد وقد ذكر له أسماء غير هذه وليست من أسمائه وإنما هي من موجباته وأحكامه فتركنا ذكرها(1\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8098",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "الباب الثاني: في اشتغال هذه الأسماء ومعانيها",
        "content": "الباب الثاني: في اشتغال هذه الأسماء ومعانيها ... لباب الثاني: في اشتقاق هذه الأسماء ومعانيها فأما المحبة فقيل أصلها الصفاء لأن العرب تقول لصفاء بياض الأسنان ونضارتها حبب الأسنان وقيل مأخوذة من الحباب وهو ما يعلو الماء عند المطر الشديد فعلى هذا المحبة غليان القلب وثورانه عند الاهتياج إلى لقاء المحبوب وقيل مشتقة من اللزوم والثبات ومنه أحب البعير إذا برك فلم يقم قال الشاعر حلت عليه بالفلاة ضربا ... ضرب بعير السوء إذ أحبا فكأن المحب قد لزم قلبه محبوبه فلم يرم عنه انتقالا وقيل بل هي مأخوذة من القلق والاضطراب ومنه سمي القرط حبا لقلقه في الأذن واضطرابه قال الشاعر تبيت الحية النضناض منه ... مكان الحب تستمع السرارا وقيل بل هي مأخوذة من الحب جمع حبة وهو لباب الشيء وخالصه وأصله فإن الحب أصل النبات والشجر وقيل بل هي مأخوذة من الحب الذي هو إناء واسع يوضع فيه الشيء فيمتلئ به بحيث لا يسع غيره(1\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8099",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا من أفعل وأما حبيب فأكثر استعمالهم له بمعنى المحبوب قال الشاعر وما زرت ليلى أن تكون حبيبة ... إلي ولا دين لها أنا طالبه وقد استعملوه بمعنى المحب قال الشاعر وما هجرتك النفس أنك عندها ... قليل ولا أن قل منك نصيبها ولكنهم يا أحسن الناس أولعوا ... بقول إذا ما جئت هذا حبيبها فهذا يحتمل أن يكون بمعنى المحبوب وأن يكون بمعنى المحب وأما الحب بكسر الحاء فلغة في الحب وغالب استعماله بمعنى المحبوب قال في الصحاح الحب المحبة وكذلك الحب بالكسر والحب أيضا الحبيب مثل خدن وخدين قلت وهذا نظير ذبح بمعنى مذبوح ونهب بمعنى منهوب ورشق بمعنى مرشوق ومنه السب ويشترك فيه الفاعل والمفعول قال أبو عبيد السب بالكسر الكثير السباب قال الجوهري وسبك الذي يسابك قال حسان لا تسبنني فلست بسبي ... إن سبي من الرجال الكريم والصواب أنه عبد الرحمن بن حسان وقد يشترك فيه المصدر والمفعول نحو رزق وفي إعطائهم ضمة الحاء للمصدر سر لطيف فإن الكسرة أخف من الضمة والمحبوب أخف على قلوبهم من نفس الحب فأعطوا الحركة الخفيفة للأخف والثقيلة للأثقل ويقال أحبه حبا ومحبة والمحبة أم باب هذه الأسماء فصل وأما كلام الناس في حدها فكثير فقيل هي الميل الدائم بالقلب الهائم وقيل إيثار المحبوب على جميع المصحوب وقيل موافقة الحبيب(1\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8100",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في المشهد والمغيب وقيل اتحاد مراد المحب ومراد المحبوب وقيل إيثار مراد المحبوب على مراد المحب وقيل إقامة الخدمة مع القيام بالحرمة وقيل استقلال الكثير منك لمحبوبك واستكثار القليل منه إليك وقيل استيلاء ذكر المحبوب على قلب المحب وقيل حقيقتها أن تهب كلك لمن أحببته فلا يبقى لك منك شيء وقيل هي أن تمحو من قلبك ما سوى المحبوب وقيل هي الغيرة للمحبوب أن تنتقص حرمته والغيرة على القلب أن يكون فيه سواه وقيل هي الإرادة التي لا تنقص بالجفاء ولا تزيد بالبر وقيل هي حفظ الحدود فليس بصادق من ادعى محبة من لم يحفظ حدوده وقيل هي قيامك لمحبوبك بكل ما يحبه منك وقيل هي مجانبة السلو على كل حال كما قيل ومن كان من طول الهوى ذاق سلوة ... فإني من ليلي لها غير ذائق وأكثر شيء نلته من وصالها ... أماني لم تصدق كلمعة بارق وقيل نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب وقيل ذكر المحبوب على عدد الأنفاس كما قيل يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل وقيل عمى القلب عن رؤية غير المحبوب وصممه عن سماع العذل فيه وفي الحديث حبك للشيء يعمي ويصم رواه الإمام أحمد وقيل ميلك إلى المحبوب بكليتك ثم إيثارك له على نفسك وروحك(1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8101",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومالك ثم موافقتك له سرا وجهرا ثم علمك بتقصيرك في حبه وقيل هي بذلك المجهود فيما يرضى الحبيب وقيل هي سكون بلا اضطراب واضطراب بلا سكون فيضطرب القلب فلا يسكن إلا إلى محبوبه فيضطرب شوقا إليه ويسكن عنده وهذا معنى قول بعضهم هي حركة القلب على الدوام إلى المحبوب وسكونه عنده وقيل هي مصاحبة المحبوب على الدوام كما قيل ومن عجب أني أحن إليهم ... وأسأل عنهم من لقيت وهم معي وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي وقيل هي أن يكون المحبوب أقرب إلى المحب من روحه كما قيل يا مقيما في خاطري وجناني ... وبعيدا عن ناظري وعياني أنت روحي إن كنت لست أراها ... فهي أدنى إلي من كل داني وقيل هي حضور المحبوب عند المحب دائما كما قيل خيالك في عيني وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيب وقيل هي أن يستوي قرب دار المحبوب وبعدها عند المحب كما قيل يا ثاويا بين الجوانح والحشى ... مني وإن بعدت علي دياره عطفا على صب يحبك هائم ... إن لم تصله تصدعت أعشاره لا يستفيق من الغرام وكلما ... حجبوك عنه تهتكت أستاره(1\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8102",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقيل هي ثبات القلب على أحكام الغرام واستلذاذ العذل فيه والملام كما قيل وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم وأهنتني فأهنت نفسي جاهدا ... ما من يهون عليك ممن يكرم أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كان حظي منك حظي منهم أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم فصل: وأما العلاقة وتسمى العلق بوزن الفلق فهي من أسمائها قال الجوهري والعلق أيضا الهوى يقال نظرة من ذي علق قال الشاعر ولقد أردت الصبر عنك فعلقني ... علق بقلبي من هواك قديم وقد علقها بالكسر وعلق حبها بقلبه أي هويها وعلق بها علوقا وسميت علاقة لتعلق القلب بالمحبوب قال الشاعر أعلاقة أم الوليد بعدما ... أفنان رأسك كالثغام المخلس فصل وأما الهوى فهو ميل النفس إلى الشيء وفعله هوي يهوى هوى مثل عمي يعمى عمى وأما هوى يهوي بالفتح فهو السقوط ومصدره الهوي(1\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8103",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالضم ويقال الهوى أيضا على نفس المحبوب قال الشاعر إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها ويقال هذا هوى فلان وفلانة هواه أي مهويته ومحبوبته وأكثر ما يستعمل في الحب المذموم كما قال الله تعالى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ويقال إنما سمى هوى لأنه يهوي بصاحبه وقد يستعمل في الحب الممدوح استعمالا مقيدا ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما ئت به وفي الصحيحين عن عروة قال كانت خولة بنت حكيم من اللائي وهبن أنفسهم للنبي فقالت عائشة رضي الله عنها أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل فلما نزلت ترجي من تشاء منهن قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرى ربك إلا يسارع في هواك وفي قصة أسارى بدر قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر رضي الله عنه ولم يهو ما قلت وذكر الحديث وفي السنن أن أعرابيا قال للنبي جئت أسألك عن الهوى فقال المرء مع من أحب(1\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8104",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: وأما الصبوة والصبا فمن أسمائها أيضا قال في الصحاح والصبا من الشوق يقال منه تصابا وصبا يصبو صبوة وصبوا أي مال إلى الجهل وأصبته الجارية وصبي صباء مثل سمع سماعا أي لعب مع الصبيان قلت أصل الكلمة من الميل يقال صبا إلى كذا أي مال إليه وسميت الصبوة بذلك لميل صاحبها إلى المرأة الصبية والجمع صبايا مثل مطية ومطايا والتصابي هو تعاطي الصبوة مثل التمايل وبابه والفرق بين الصبا والصبوة والتصابي أن التصابي هي تعاطي الصبا وأن تفعل فعل ذي الصبوة وأما الصبا فهو نفس الميل وأما الصبوة فالمرة من ذلك مثل الغشوة والكبوة وقد يقال على الصفة اللازمة مثل القسوة وقد قال يوسف الصديق عليه السلام وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فصل وأما الصبابة فقال في الصحاح هي رقة الشوق وحرارته يقال رجل صب عاشق مشتاق وقد صببت يا رجل بالكسر قال الشاعر ولست تصب إلىالظاعنين ... إذا ما صديقك لم يصبب قلت والصبابة من المضاعف من صب يصب والصبا والصبوة من المعتل وهم كثيرا ما يعاقبون بينهما فبينهما تناسب لفظي ومعنوي قال الشاعر تشكى المحبون الصبابة ليتني ... تحملت ما يلقون من بينهم وحدي(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8105",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويقال رجل صب وامرأة صب كما يقال رجل عدل وامرأة عدل فصل وأما الشغف فمن أسمائها أيضا قال الله تعالى قد شغفها حبا قال الجوهري وغيره والشغاف غلاف القلب وهو جلدة دونه كالحجاب يقال شغفه الحب أي بلغ شغافه وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما قد شغفها حبا ثم قال دخل حبه تحت الشغاف فصل وأما الشعف بالعين المهملة ففي الصحاح شعفه الحب أي أحرق قلبه وقال أبو زيد أمرضه وقد شعف بكذا فهو مشعوف وقرأ الحسن قد شعفها حبا قال بطنها حبا فصل وأما المقة فهي فعلة من ومق يمق والمقة المحبة والهاء عوض من الواو كالعظة والعدة والزنة فإن أصلها فعل فحذفوا الفاء فعوضوا منها تاء التأنيث جبرا للكلمة وتعويضا لما سقط منها والفعل ومقه يمقه بالكسر فيهما أي أحبه فهو وامق فصل وأما الوجد فهو الحب الذي يتبعه الحزن وأكثر ما يستعمل الوجد في الحزن يقال منه وجد وجدا بالفتح ونحن نذكر هذه المادة وتصاريفها يقال وجد مطلوبه يجده وجودا فإن تعلق ذلك بالضالة سموه وجدانا(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8106",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ووجد عليه في الغضب موجدة ووجد في الحزن وجدا بالفتح ووجد في المال أي صار واجدا وجدا ووجدا ووجدا بالفتح والضم والكسر وجدة إذا استغنى وأما إطلاق اسم الوجد على مجرد مطلق المحبة فغير معروف وإنما يطلق على محبة معها فقد يوجب الحزن فصل وأما الكلف فهو من أسماء الحب أيضا يقال كلفت بهذا الأمر أي أولعت به فأنا كلف به قال الشاعر فتعلمي أن قد كلفت بكم ... ثم اصنعي ما شئت عن علم وأصل اللفظة من الكلفة والمشقة يقال كلفه تكليفا إذا أمره بما يشق قال الله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ومنه تكلفت الأمر تجشمته والكلفة ما يتكلف من نائبة أو حق والمتكلف المتعرض لما لا يعنيه قال الله تعالى قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين وقيل هو مأخوذ من الأثر وهو شيء يعلو الوجه كالسمسم والكلف أيضا لون بين السواد والحمرة وهي حمرة كدرة تعلو الوجه والاسم الكلفة فصل وأما التتيم فهو التعبد قال في الصحاح تيم الله أي عبد الله وأصله(1\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8107",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ".. من قولهم تيمه الحب إذا عبده وذلله فهو متيم ويقال تامته المرأة قال لقيط بن زرارة تامت فؤادك لو يحزنك ما صنعت ... إحدى نساء بني ذهل بن شيبانا فصل وأما العشق فهو أمر هذه الأسماء وأخبثها وقل ما ولعت به العرب وكأنهم ستروا اسمه وكنوا عنه بهذه الأسماء فلم يكادوا يفصحوا به ولا تكاد تجده في شعرهم القديم وإنما أولع به المتأخرون ولم يقع هذا اللفظ في القرآن ولا في السنة إلا في حديث سويد بن سعيد وسنتكلم عليه إن شاء الله تعالى وبعد فقد استعملوه في كلامهم قال الشاعر وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا ... سوى أن يقولوا إنني لك عاشق نعم صدق الواشون أنت حبيبة ... إلي وإن لم تصف منك الخلائق قال في الصحاح العشق فرط الحب وقد عشقها عشقا مثل علم علما وعشقا أيضا عن الفراء قال رؤبة ولم يضعها بين فرك وعشق قال ابن السراج إنما حركه ضرورة وإنما لم يحركه بالكسر إتباعا للعين كأنه كره الجمع بين كسرتين فإن هذا عزيز في الأسماء ورجل عشيق مثل فسيق أي كثير العشق والتعشق تكلف العشق قال الفراء يقولون امرأة محب لزوجها وعاشق وقال ابن سيده العشق عجب المحب بالمحبوب يكون في عفاف الحب ودعارته يعني في العفة والفجور وقيل العشق الاسم(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8108",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعشق المصدر وقيل هو مأخوذ من شجرة يقال لها عاشقة تخضر ثم تدق وتصفر قال الزجاج واشتقاق العاشق من ذلك وقال الفراء عشق عشقا وعشقا إذا أفرط في الحب والعاشق الفاعل والمعشوق المفعول والعشيق يقال لهذا ولهذا وامرأة عاشق وعاشقة قال ولذ كطعم الصرخدي طرحته ... عشية خمس القوم والعين عاشقه وقال الفراء العشق نبت لزج وسمي العشق الذي يكون من الإنسان للصوقه بالقلب وقال ابن الأعرابي العشقة اللبلابة تخضر وتصفر وتعلق بالذي يليها من الأشجار فاشتق من ذلك العاشق وقد اختلف الناس هل يطلق هذا الاسم في حق الله تعالى فقالت طائفة من الصوفية لا بأس بإطلاقه وذكروا فيه أثرا لا يثبت وفيه فإذا فعل ذلك عشقني وعشقته وقال جمهور الناس لا يطلق ذلك في حقه سبحانه وتعالى فلا يقال إنه يعشق ولا يقال عشقه عبده ثم اختلفوا في سبب المنع على ثلاثة أقوال أحدها عدم التوقيف بخلاف المحبة الثاني أن العشق إفراط المحبة ولا يمكن ذلك في حق الرب تعالى فإن الله تعالى لا يوصف بالإفراط في الشيء ولا يبلغ عبده ما يستحقه من حبه فضلا أن يقال أفرط في حبه الثالث أنه مأخوذ من التغير(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8109",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كما يقال للشجرة المذكورة عاشقة ولا يطلق ذلك على الله سبحانه وتعالى فصل وأما الجوى ففي الصحاح الجوى الحرقة وشدة الوجد من عشق أو حزن تقول منه جوي الرجل بالكسر فهو جو مثل دو ومنه قيل للماء المتغير المنتن جو قال الشاعر ثم كان المزاج ماء سحاب ... لا جو آجن ولا مطروق فصل وأما الدنف فلا تكاد تستعمله العرب في الحب وإنما ولع به المتأخرون وإنما استعملته العرب في المرض قال في الصحاح الدنف بالتحريك المرض الملازم رجل دنف أيضا يعني بفتح النون وامرأة دنف وقوم دنف يستوي فيه المذكر والمؤنث والتثنية والجمع فإن قلت رجل دنف بكسر النون قلت امرأة دنفة أنثت وثنيت وجمعت وقد دنف المريض بالكسر ثقل وأدنف بالألف مثله وأدنفه المرض يتعدى ولا يتعدى فهو مدنف ومدنف قلت وكأنهم استعاروا هذا الاسم للحب اللازم تشبيها له به والله أعلم فصل وأما الشجو فهو حب يتبعه هم وحزن قال في الصحاح الشجو الهم والحزن يقال شجاه يشجوه شجوا إذا أحزنه وأشجاه يشجيه إشجاء(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8110",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا أغصه تقول منها جميعا شجي بالكسر يشجى شجى قال الشاعر لا تنكروا القتل وقد سبينا ... في حلقكم عظم وقد شجينا أراد حلوقكم واشجى ما ينشب في الحلق من عظم أو غيره ورجل شج أي حزين وامرأة شجية على فعلة فأطلق هذا الاسم على الحب للزومه كالشجى الذي يعلق بالحلق وينشب فيه فصل وأما الشوق فهو سفر القلب إلى المحبوب وقد وقع هذا الاسم في السنة ففي المسند من حديث عمار بن ياسر أنه صلى صلاة فأوجز فيها فقيل له أوجزت يا أبا اليقظان فقال لقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بهن اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسألك نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لا تنقطع وأسألك الرضا بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين وجاء في أثر إسرائيلي طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إلى لقائهم أشوق وقد قال الله تعالى من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت قال بعض العارفين(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8111",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لما علم الله شوق المحبين إلى لقائه ضرب لهم موعدا للقاء تسكن به قلوبهم وبعد فهذه اللفظة من أسماء الحب قال في الصحاح الشوق والاشتياق نزاع النفس إلى الشيء يقال شاقني الشيء يشوقني فهو شائق وأنا مشوق وشوقني فتشوقت إذا هيج شوقك قال الراجز يا دار مية بالدكاديك البرق ... سقيا لقد هيجت شوق المشتأق يريد المشتاق قال سيبويه همز ما ليس بمهموز ضرورة فصل واختلف في الفرق بين الشوق والاشتياق أيهما أقوى فقالت طائفة الشوق أقوى فإنه صفة لازمة والاشتياق فيه نوع افتعال كما يدل عليه بناؤه كالاكتساب ونحوه وقالت فرقة الاشتياق أقوى لكثرة حروفه وكلما قوي المعنى وزاد زادوا حروفه وحكمت فرقة ثالثة بين القولين وقالت الاشتياق يكون إلى غائب وأما الشوق فإنه يكون للحاضر والغائب والصواب أن يقال الشوق مصدر شاقه يشوقه إذا دعاه إلى الاشتياق إليه فالشوق داعية الاشتياق ومبداه والاشتياق موجبه وغايته فإنه يقال شاقني فاشتقت فالاشتياق فعل مطاوع لشاقني واختلف أرباب الشوق هل يزول الشوق بالوصال أو يزيد فقالت طائفة يزول فإن الشوق سفر القلب إلى المحبوب فإذا وصل إليه انتهى السفر وألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8112",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا ولأن الشوق إنما يكون لغائب فلا معنى له مع الحضور ولهذا إنما يقال للغائب أنا إليك مشتاق وأما من لم يزل حاضرا مع المحب فلا يوصف بالشوق إليه وقالت طائفة بل يزيد بالقرب واللقاء واستدلوا بقول الشاعر وأعظم ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الخيام من الخيام قالوا ولأن الشوق هو حرقة المحبة والتهاب نارها في قلب المحب وذلك مما يزيده القرب والمواصلة والصواب أن الشوق الحادث عند اللقاء والمواصلة غير النوع الذي كان عند الغيبة عن المحب قال ابن الرومي أعانقها والنفس بعد مشوقة ... إليها وهل بعد العناق تداني وألثم فاها كي تزول صبابتي ... فيشتد ما ألقى من الهيمان ولم يك مقدار الذي بي من الجوى ... ليشفيه ما ترشف الشفتان كأن فؤادي ليس يشفي غليله ... سوى أن يرى الروحين تمتزجان فصل وأما الخلابة فهي الحب الخادع وهو الحب الذي وصل إلى الخلب وهو الحجاب الذي بين القلب وسواد البطن وسمى الحب خلابة لأنه يخدع ألباب أربابه والخلابة الخديعة باللسان يقال خلبه يخلبه بالضم واختلبه مثله وفي المثل إذا لم تغلب فاخلب أي فاخدع والخلبة الخداعة من النساء قال الشاعر أودى الشباب وحب الخالة الخلبة ... وقد برئت فما بالقلب من قلبه(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8113",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ابن السكيت رجل خلاب أي خداع كذاب ومنه البرق الخلب الذي لا غيث فيه كأنه خادع ومنه قيل لمن يعد ولا ينجز إنما أنت برق خلب والخلب أيضا السحاب الذي لا مطر فيه ومنه الحديث إذا بايعت فقل لا خلابة أي لا خديعة والحب أحق ما يسمى بهذا الاسم لأنه يعمي ويصم ويخدع لب المحب وقلبه فصل وأما البلابل فجمع بلبلة يقال بلابل الحب وبلابل الشوق وهي وساوسه وهمه قال في الصحاح البلبلة والبلبال الهم ووسواس الصدر فصل وأما التباريح فيقال تباريح الحب وتباريح الشوق وتباريح الجوى وبرح به الحب والشوق إذا اصابه منه البرح وهو الشدة قال في الصحاح لقيت منه برحا بارحا أي شدة وأذى قال الشاعر أجد هذا عمرك الله كلما ... دعاك الهوى برح لعينيك بارح ولقيت منه بنات برح وبني برح ولقيت منه البرحين والبرحين بكسر الباء وضمها أي الشدائد والدواهي فصل وأما السدم بالتحريك فهو الحب الذي يتبعه ندم وحزن قال في الصحاح السدم بالتحريك الندم والحزن وقد سدم بالكسر ورجل نادم سادم وندمان سدمان وهو إتباع وما له هم ولا سدم إلا ذاك(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8114",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وأما الغمرات فهي جمع غمرة والغمرة ما يغمر القلب من حب أو سكر أو غفلة قال الله تعالى قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون أي في غفلة قد غمرت قلوبهم وقال تعالى فذرهم في غمرتهم حتى حين منه الماء الغمر الكثير الذي يغطي من دخل فيه ومنه غمرات الموت أي شدائده وكذلك غمرات الحب وهو ما يغطي قلب المحب فيغمره ومنه قولهم رجل غمر الرداء كناية عن السخاء لأنه يغمر العيوب أي يغطيها فلا يظهر مع السخاء عيب قال غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا ... غلقت لضحكته رقاب المال وقال القطامي يصف سفينة نوح إلى الجودي حتى صار حجرا ... وكان لذلك الغمر انحسار أي لذلك الماء الذي غمر الأرض ومن عليها فصل: وأما الوهل فهو بتحريك الهاء وأصله الفزع والروع يقال وهل يوهل وهو وهل ومستوهل قال القطامي يصف إبلا(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8115",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وترى لجيضتهن عند رحيلنا ... وهلا كأن بهن جنة أولق وإنما كان الوهل من أسماء الحب لما فيه من الروع ومنه يقال جمال رائع فإن قيل ما سبب روعة الجمال ولأي شيء إذا رأى المحب محبوبه فجأة يرتاع لذلك ويصفر لونه ويبهت قال الشاعر وما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى لا أكاد أجيب وكثير من الناس يرى محبوبه فيصفر ويرتعد قيل هذا مما خفي سببه على أكثر المحبين فلا يدرون ما سببه فقيل سببه أن الجمال سلطان على القلوب وإذا بدا راع القلوب بسلطانه كما يروعها الملك ونحوه ممن له سلطان على الأبدان فسلطان الجمال والمحبة على القلوب وسلطان الملوك على الأبدان فإذا كان السلطان الذي على الأبدان يروع إذا بدا فكيف بالسلطان الذي هو أعظم منه قالوا وأيضا فإن الجمال يأسر القلب فيحس القلب بأنه أسير ولا بد لتلك الصورة التي بدت له فيرتاع كما يرتاع الرجل إذا أحس بمن يأسره ولهذا إذا أمن الناظر من ذلك لم تحصل له هذه الروعة قال الشاعر علامة من كان الهوى بفؤاده ... إذا ما رأى محبوبه يتغير فصل وأما الشجن فهو من أسمائه فإن الشجن الحاجة حيث كانت وحاجة المحب أشد شيء إلى محبوبه قال الراجز(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8116",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إني سأبدي لك فيما أبدي ... لي شجنان شجن بنجد وشجن لي ببلاد السند ... والجمع شجون قال والنفس شتى شجونها ويجمع على أشجان قال الشاعر تحمل أصحابي ولم يجدوا وجدي ... وللناس أشجان ولي شجن وحدي قد شجنتني الحاجة تشجنني شجنا إذا حبستك ووجه آخر أيضا وهو أن الشجن الحزن والجمع أشجان وقد شجن بالكسر فهو شاجن وأشجنه غيره وشجنه أي أحزنه والحب فيه الأمران هذا وهذا فصل وأما اللاعج فهو اسم فاعل من قولهم لعجه الضرب إذا آلمه وأحرق جلده قال الهذلي ضربا أليما بسبت يلعج الجلدا ويقال هو لاعج لحرقة الفؤاد من الحب فصل وأما الاكتئاب فهو افتعال من الكآبة وهي سوء الحال والانكسار من الحزن وقد كئب الرجل يكأب كأبة وكآبة كرأفة ورآفة ونشأة(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8117",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونشاءة فهو كئيب وامرأة كئيبة وكأباء أيضا قال الراجز أو أن ترى كأباء لم تبر نشقي واكتأب الرجل مثله ورماد مكتئب اللون إذا ضرب إلى السواد كما يكون وجه الكئيب والكآبة تتولد من حصول الحب وفوت المحبوب فتحدث بينهما حالة سيئة تسمى الكآبة فصل وأما الوصب فهو ألم الحب ومرضه فإن أصل الوصب المرض وقد وصب الرجل يوصب فهو وصب وأوصبه الله فهو موصب والموصب بالتشديد الكثير الأوجاع وفي الحديث الصحيح لا يصيب المؤمن من هم ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ووصب الشيء يصب وصوبا إذا دام تقول وصب الرجل على الأمر إذا داوم عليه قال الله تعالى ولهم عذاب واصب قال تعالى وله الدين واصبا ي الطاعة دائمة فصل وأما الحزن فقد عد من أسماء المحبة والصواب أنه ليس من أسمائها وإنما هو حالة تحدث للمحب وهي ورود المكروه عليه وهو خلاف المسرة ولما كان الحب لا يخلو من ورود مالا يسر على قلب المحب كان الحزن من لوازمه(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8118",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول quot; اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجالquot; استعاذ من ثمانية أشياء كل شيئين منهما قرينان فالهم والحزن قرينان فإن ورود المكروه على القلب إنكان لما مضى فهو الحزن وإن كان لما يستقبل فهو الهم والعجز والكسل قرينان فإن تخلف العبد عن كماله إن كان من عدم القدرة فهو العجز وإن كان من عدم الإرادة فهو الكسل والجبن والبخل قرينان فإن الرجل يراد منه النفع بماله أو ببدنه فالجبان لا ينفع ببدنه والبخيل لا ينفع بماله وضلع الدين وغلبة الرجال قرينان فإن قهر الناس نوعان نوع بحق فهو ضلع الدين ونوع بباطل فهو غلبة الرجال وقد نفى الله سبحانه وتعالى عن أهل الجنة الخوف والحزن فلا يحزنون على ما مضى ولا يخافون مما يأتي ولا يطيب العيش إلا بذلك والحب يلزمه الخوف والحزن فصل وأما الكمد فمن أحكام المحبة في الحقيقة وليس من أسمائها ولكن المتكلمون في هذا الباب لا يفرقون بين اسم الشيء ولازمه وحكمه والكمد الحزن المكتوم تقول منه كمد الرجل فهو كمد وكميد والكمدة تغير اللون وأكمد القصار الثوب إذا لم ينقه فصل وأما اللذع فهو من أحكام المحبة أيضا وأصله من لذع النار يقال(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8119",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لذعته النار لذعا أحرقته ثم شبهوا لذع اللسان بلذع النار فقالوا لذعه بلسانه أي أحرقه بكلامه يقال أعوذ بالله من لواذعه فصل وأما الحرق فهي أيضا من عوارض الحب وآثاره والحرقة تكون من الحب تارة ومنه قولهم مالك حرقة على هذا الأمر وتكون من الغيظ ومنه في الحديث تركتهم يتحرقون عليكم فصل وأما السهد فهو أيضا من آثار المحبة ولوازمها فالسهاد الأرق وقد سهد الرجل بالكسر يسهد سهدا والسهد بضم السين والهاء القليل النوم قال أبو كبير الهذلي فأتت به حوش الجنان مبطنا ... سهدا إذا ما نام ليل الهوجل وسهدته أنا فهو مسهد فصل وأما الأرق فهو أيضا من آثار المحبة ولوازمها فإنه السهر وقد أرقت بالكسر أي سهرت وكذلك ائترقت على افتعلت فأنا أرق وأرقني كذا تأريقا أي سهرني فصل وأما اللهف فمن أحكامها وآثارها أيضا يقال لهف بالكسر يلهف(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8120",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لهفا أي حزن وتحسر وكذلك التلهف على الشيء وقولهم يا لهف فلان كلمة يتحسر بها على ما فات واللهفان المتحسر واللهيف المضطر فصل وأما الحنين فقال في الصحاح الحنين الشوق وتوقان النفس تقول منه حن إليه يحن حنينا فهو حان والحنان الرحمة تقول منه حن عليه يحن حنانا ومنه قوله تعالى وحنانا من لدنا وتحنن عيه ترحم والعرب تقول حنانك يا رب وحنانيك بمعنى واحد أي رحمتك قال امرؤ القيس ويمنحها بنو شمجى بن جرم ... معيزهم حنانك ذا الحنان وقال طرفة أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض وفي الحقيقة الحنين من آثار الحب وموجباته وحنين الناقة صوتها في نزاعها إلى ولدها وحنة الرجل امرأته قال وليلة ذات دجى سريت ... ولم تضرني حنة وبيت قلت سميت حنة لأن الرجل يحن إليها أين كان فصل وأما الاستكانة فهي أيضا من لوازم الحب وأحكامه لا من أسمائه المختصة(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8121",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به وأصلها الخضوع قال الله تعالى فما استكانوا لربهم وما يتضرعون وقال تعالى فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا وأصلها استفعل من الكون وهذا الاشتقاق والتصريف يطابق اللفظ وأما المعنى فالمستكن ساكن خاشع ضد الطائش ولكن لا يوافق السكون تصريف اللفظة فإنه إن كان افتعل كان ينبغي أن يقال استكن لأنه ليس في كلامهم افتعال والحق أنه استفعل من الكون فنقلوا حركة الواو إلى الكاف قبلها فتحركت الواو أصلا وانفتح ما قبلها تقديرا فقلبت ألفا كاستقام والكون الحالة التي فيها إنابة وذل وخضوع وهذا يحمد إذا كان لله ويذم إذا كان لغيره ومنه الحديث أعوذ بك من الحور بعد الكور أي الرجوع عن الاستقامة بعد ما كنت عليها فصل وأما التبالة فهي فعالة من تبله إذا أفناه قال الجوهري تبلهم الدهر وأتبلهم إذا أفناهم قال الأعشى أأن رأت رجلا أعشى أضر به ... ريب الزمان ودهر متبل خبل أي يذهب بالأهل والولد وتبله الحب أي أسقمه وأفسده قلت ومنه قول كعب بن زهير بن أبي سلمى بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم عندها لم يفد مكبول(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8122",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وأما اللوعة فقال في الصحاح لوعة الحب حرقته وقد لاعه الحب يلوعه والتاع فؤاده أي احترق من الشوق ومنه قولهم أتان لاعة الفؤاد إلى جحشها قال الأصمعي أي لائعة الفؤاد وهي التي كأنها ولهى من الفزع فصل وأما الفتون فهو مصدر فتنه يفتنه فتونا قال الله تعالى وفتناك فتونا أي امتحناك واختبرناك والفتنة يقال على ثلاثة معان أحدها الامتحان والاختبار ومنه قوله تعالى إن هي إلا فتنتك أي امتحانك واختبارك والثاني الافتتان نفسه يقال هذه فتنة فلان أي افتتانه ومنه قوله تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة يقال أصابته الفتنة وفتنته الدنيا وفتنته المرأة وأفتنته قال الأعشى لئن فتنتني ولهى بالأمس أفتنت ... سعيدا فأضحى قد قلى كل مسلم وأنكر الأصمعي أفتنته والثالث المفتون به نفسه يسمى فتنة قال الله تعالى إنما أموالكم وأولادكم فتنة وأما قوله تعالى ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين أي لم تكن عاقبة شركهم إلا أن تبرأوا منه وأنكروه وأما قوله تعالى يوم هم على النار(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8123",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يفتنون ذوقوا فتنتكم فقيل المعنى يحرقون ومنه فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته ودينار مفتون قال الخليل والفتن الإحراق قال الله تعالى يوم هم على النار يفتنون وورق فتين أي فضة محرقة وافتتن الرجل وفتن إذا اصابته فتنة فذهب ماله أو عقله وفتنته المرأة إذا ولهته وقوله تعالى فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم أي لا تفتنون على عبادته إلا من سبق في علم الله أنه يصلى الجحيم فذلك الذي يفتن بفتنتكم إياه وأما قوله تعالى فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون فقيل الباء زائدة وقيل المفتون مصدر كالمعقول والميسور والمحلوف والمعسور والصواب أن يبصر مضمن معنى يشعر ويعلم قال الله تعالى أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر فعدى فعل الرؤية بالباء وفي الحديث المؤمن أخو المؤمن يسعهما الماء والشجر ويتعاونان على الفتان يروى بفتح الفاء وهو واحد وبضمها وهو جمع فاتن كتاجر وتجار والمقصود أن الحب موضع الفتون فما فتن من فتن إلا بالمحبة فصل وأما الجنون فمن الحب ما يكون جنونا ومنه قوله(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8124",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالت جننت بمن تهوى فقلت لها ... ألعشق أعظم مما بالمجانين العشق لا يستفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين وأصل المادة من الستر في جميع تصاريفها ومنه أجنه الليل وجن عليه إذا ستره ومنه الجنين لاستتاره في بطن أمه ومنه الجنة لاستتارها بالأشجار ومنه المجن لاستتار الضارب به والمضروب ومنه الجن لاستتارهم عن العيون بخلاف الإنس فإنهم يؤنسون أي يرون ومنه الجنة بالضم وهي ما استترت به واتقيت ومنه قوله تعالى اتخذوا أيمانهم جنة وأجننت الميت واريته في القبر فهو جنين والحب المفرط يستر العقل فلا يعقل المحب ما ينفعه ويضره فهو شعبة من الجنون فصل وأما اللمم فهو طرف من الجنون ورجل ملموم أي به لمم ويقال أيضا أصابت فلانا من الجن لمة وهو المس والشيء القليل قاله الجوهري قلت وأصل اللفظة من المقاربة ومنه قوله تعالى الذين يجتنبون كبائر الأثم والفواحش إلا اللمم وهي الصغائر قال ابن عباس رضي الله عنهما ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة رضي الله عنه إن العين تزني وزناها النظر واليد تزني وزناها البطش والرجل تزني وزناها المشي والفم يزني وزناه القبل ومنه ألم بكذا أي قاربه ودنا منه وغلام ملم أي قارب(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8125",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البلوغ وفي الحديث إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم أي يقرب من ذلك وبالجملة فلا يستبين كون اللمم من أسماء الحب وإن كان قد ذكره جماعة إلا أن يقال إن المحبوب قد ألم بقلب المحب أي نزل به ومنه ألمم بنا أي انزل بنا ومنه قوله متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأججا فصل وأما الخبل فمن موجبات العشق وآثاره لا من أسمائه وإن ذكر من أسمائه فإن أصله الفساد وجمعه خبول والخبل بالتحريك الجن يقال به خبل أي شيء من أهل الأرض وقد خبله وخبله واختبله إذا أفسد عقله أو عضوه ورجل مخبل وهو نوع من الجنون والفساد فصل وأما الرسيس فقد كثر في كلامهم رسيس الهوى والشوق ورسيس الحب فظن من أدخله في أماء الحب أنه منها وليس كذلك بل الرسيس الشيء الثابت فرسيس الحب ثباته ودوامه ويمكن أن يكون من رس الحمى ورسيسها وهو أول مسها فشبهوا رسيس الحب بحرارته وحرقته برسيس الحمى وكان الواجب على هؤلاء أن يجعلوا الأوار من أسماء الحب لأنه يضاف إليه قال الشاعر(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8126",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا وجدت أوار الحب في كبدي ... أقبلت نحو سقاء القوم أبترد هبني بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتقد وقد وقع إضافة الرسيس إلى الهوى في شعر ذي الرمة حيث يقول إذا غير النأي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح وفيه إشكال نحوي ليس هذا موضعه فصل وأما الداء المخامر فهو من أوصافه وسمي مخامرا لمخالطته القلب والروح يقال خامره قال الجوهري والمخامرة المخالطة وخامر الرجل المكان إذا لزمه وقد يكون أخذ من قولهم استخمر فلان فلانا إذا استعبده وكأن العشق داء مستعبد للعاشق ومنه حديث معاذ من استخمر قوما أي أخذهم قهرا وتملك عليهم فالحب داء مخالط مستعبد فصل وأما الود فهو خالص الحب وألطفه وأرقه وهو من الحب بمنزلة الرأفة من الرحمة قال اجلوهري وددت الرجل أوده ودا إذا أحببته والود والود والود المودة تقول بودي أن يكون كذا وأما قول الشاعر أيها العائد المسائل عنا ... وبوديك أن ترى أكفاني فإنما أشبع كسرة الدال ليستقيم له البيت فصارت ياء والود الوديد بمعنى المودود والجمع أود مثل قدح وأقدح وذئب وأذؤب وهما يتوادان وهم أوداء والودود المحب ورجال ودداء يستوي فيه المذكر والمؤنث لكونه وصفا(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8127",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "داخلا على وصف للمبالغة قلت الودود من صفات الله سبحانه وتعالى أصله من المودة واختلف فيه على قولين فقيل هو ودود بمعنى واد كضروب بمعنى ضارب وقتول بمعنى قاتل ونؤوم بمعنى نائم ويشهد لهذا القول أن فعولا في صفات الله سبحانه وتعالى فاعل كغفور بمعنى غافر وشكور بمعنى شاكر وصبور بمعنى صابر وقيل بل هو بمعنى مودود وهو الحبيب وبذلك فسره البخاري في صحيحه فقال الودود الحبيب والأول أظهر لاقترانه بالغفور في قوله وهو الغفور الودود وبالرحيم في قوله إن ربي رحيم ودود وفيه سر لطيف وهو أنه يحب التوابين وأنه يحب عبده بعد المغفرة فيغفر له ويحبه كما قال إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين فالتائب حبيب الله فالود أصفى الحب وألطفه فصل وأما الخلة فتوحيد المحبة فالخليل هو الذي توحد حبه لمحبوبه وهي رتبة لا تقبل المشاركة ولهذا اختص بها في العالم الخليلان إبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما كما قال الله تعالى واتخذ الله إبراهيم خليلا وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا وفي الصحيح عنه لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الرحمن وفي الصحيح أيضا إني أبرأ إلى كل خليل(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8128",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ".. من خلته ولما كانت الخلة مرتبة لا تقبل المشاركة امتحن الله سبحانه إبراهيم الخليل بذبح ولده لما أخذ شعبة من قلبه فأراد سبحانه أن يخلص تلك الشعبة له ولا تكون لغيره فامتحنه بذبح ولده والمراد ذبحه من قلبه لا ذبحه بالمدية فلما أسلما لأمر الله وقدم محبة الله تعالى على محبة الولد خلص مقام الخلة وفدى الولد بالذبح وقيل إنما سميت خلة لتخلل المحبة جميع أجزاء الروح قال قد تخللت مسلك الروح مني ... وبذا سمي الخليل خليلا والخلة الخليل يستوي فيه المذكر والمؤنث لأنه في الأصل مصدر قولك خليل بين الخلة والخلولة قال ألا أبلغا خلتي جابرا ... بأن خليلك لم يقتل ويجمع على خلال مثل قلة وقلال والخل الود والصديق والخلال أيضا مصدر بمعنى الخالة ومنه قوله تعالى لا بيع فيه ولا خلال وقال في الآية الأخرى لا بيع فيه ولا خلة قال امرؤ القيس ولست بمقلي الخلال ولا قالي والخليل الصديق والأنثى خليلة والخلالة والخلالة والخلالة بكسر الخاء وفتحها وضمها الصداقة والمودة قال وكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8129",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد ظن بعض من لا علم عنده أن الحبيب أفضل من الخليل وقال محمد حبيب الله وإبراهيم خليل الله وهذا باطل من وجوه كثيرة منها إن الخلة خاصة والمحبة عامة فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين وقال في عباده المؤمنين يحبهم ويحبونه ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى أن يكون له من أهل الأرض خليل وأخبر أن أحب النساء إليه عائشة ومن الرجال أبوها ومنها أنه قال إن الله اتخذني وخليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ومنها أنه قال لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أخوة الإسلام ومودته فصل وأما الخلم فهو مأخوذ من المخالمة وهي المصادقة والمودة والخلم الصديق والأخلام الأصحاب قال الكميت إذا ابتسر الحرب أخلامها ... كشافا وهيجت الأفحل فصل وأما الغرام فهو الحب اللازم يقال رجل مغرم بالحب أي قد لزمه الحب وأصل المادة من اللزوم ومنه قولهم رجل مغرم من الغرم أو الدين قال في الصحاح والغرام الولوع وقد أغرم بالشيء أي أولع به والغريم(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8130",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ".. الذي عليه الدين يقال خذ من غريم السوء ما سنح ويكون الغريم أيضا الذي له الدين قال كثير عزة قضى كل ذي دين فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها ومن المادة قوله تعالى في جهنم إن عذابها كان غراما والغرام الشعر! الدائم اللازم والعذاب قال بشر ويوم النسار ويوم الجفا ... ركانا عذابا وكانا غراما وقال الأعشى إن يعاقب يكن غراما وإن يع ... ط جزيلا فإنه لا يبالي وقال أبو عبيدة إن عذابها كان غراما كان هلاكا ولزاما لهم وللطف المحبة عندهم واستعذابهم لها لم يكادوا يطلقون عليها لفظ الغرام وإن لهج به المتأخرون فصل وأما الهيام قال في الصحاح هام على وجهه يهيم هيما وهيمانا ذهب من العشق أو غيره وقلب مستهام أي هائم والهيام بالضم أشد العطش والهيام كالجنون من العشق والهيام داء يأخذ الإبل فتهيم لا ترعى يقال ناقة هيماء قال والهيام بالكسر الإبل العطاش الواحد هيمان وناقة هيمى(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8131",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ".. مثل عطشان وعطشى وقوم هيم أي عطاش وقد هاموا هياما وقوله تعالى فشاربون شرب الهيم هي الإبل العطاش قلت جمع أهيم هيم مثل أحمر وحمر وهو جمع فعلاء أيضا كصفراء وصفر فصل وأما التدليه ففي الصحاح التدليه ذهاب العقل من الهوى يقال دلهه الحب أي حيره وأدهشه ودله هو يدله قال أبو زيد الدلوه الناقة لا تكاد تحن إلى إلف ولا ولد وقد دلهت عن إلفها وعن ولدها تدله دلوها فصل وأما الوله فقال في الصحاح الوله ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد ورجل واله وامرأة واله ووالهة قال الأعشى فأقبلت والها ثكلى على عجل ... كل دهاها وكل عندها اجتمعا وقد وله يوله ولها وولهانا وتوله واتله وهو افتعل أدغم قال الشاعر واتله الغيور والتوليه أن يفرق بين الأم وولدها وفي الحديث لا توله والدة(1\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8132",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بولدها أي لا تجعل والها وذلك في السبايا وناقة واله إذااشتد وجدها على ولدها والميلاه التي من عادتها أن يشتد وجدها على ولدها صارت الواو يا لكسرة ما قبلها وماء موله وموله أرسل في الصحراء فذهب وقول رؤبة به تمطت غول كل ميلة ... بنا حراجيج المهارى النفة أراد البلاد التي توله الإنسان أي تحيره فصل وأما التعبد فهو غاية الحب وغاية الذل يقال عبده الحب أي ذلله وطريق معبد بالأقدام أي مذلل وكذلك المحب قد ذلله الحب ووطأه ولا تصلح هذه المرتبة لأحد غير الله عز وجل ولا يغفر الله سبحانه لمن أشرك به في عبادته ويغفر ما دون ذلك لمن شاء فمحبة العبودية هي أشرف أنواع المحبة وهي خالص حق الله على عباده وفي الصحيح عن معاذ أنه قال كنت سائرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا معاذ فقلت لبيك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعديك قال ثم سار ساعة ثم قال يا معاذ قلت لبيك رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعديك ثم سار ساعة فقال يا معاذ قلت لبيك رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعديك قال أتدري ما حق الله على عباده قلت الله ورسوله أعلم قال حقه عليهم أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا أتدري ما حق العباد على الله إذا(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8133",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعلوا ذلك أن لا يعذبهم بالنار وقد ذكر الله سبحانه رسوله بالعبودية في أشرف مقاماته وهي مقام التحدي ومقام الإسراء ومقام الدعوة فقال في التحدي وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وقال في مقام الإسراء سبحان الذي أسرى بعيده ليلا من المسجد الحرام وقال في مقام الدعوة وأنه لما قام عبد الله يدعوه وإذا تدافع أولو العزم الشفاعة الكبرى يوم القيامة يقول المسيح لهم اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فنال ذلك المقام بكمال العبودية لله وكمال مغفرة الله له فأشرف صفات العبد صفة العبودية وأحب أسمائه إلى الله اسم العبودية كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام وأقبحها حرب ومرة وإنما كان حارث وهمام أصدقها لأن كل أحد لا بد له من هم وإرادة وعزم ينشأ عنه حرثه وفعله وكل أحد حارث وهمام وإنما كان أقبحها حرب ومرة لما في مسمى هذين الإسمين من الكراهة ونفور العقل عنهما وبالله التوفيق(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8134",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الثالث في نسبة هذه الأسماء بعضها إلى بعض هل هي بالترادف أو التباين فالأسماء الدالة على مسمى واحد نوعان أحدهما أن يدل عليه باعتبار الذات فقط فهذا النوع هو المترادف ترادفا محضا وهذا كالحنطة والقمح والبر والإسم والكنية واللقب إذا لم يكن فيه مدح ولا ذم وإنما أتي به لمجرد التعريف والنوع الثاني أن يدل على ذات واحده باعتبار تباين صفاتها كأسماء الرب تعالى وأسماء كلامه وأسماء نبيه وأسماء اليوم الآخر فهذا النوع مترادف بالنسبة إلى الذات متباين بالنسبة إلى الصفات فالرب والرحمن والعزيز والقدير والملك يدل على ذات واحدة باعتبار صفات متعددة وكذلك البشير والنذير الحاشر والعاقب والماحي وكذلك يوم القيامة ويوم البعث ويوم الجمع ويوم التغابن ويوم الآزفة ونحوها وكذلك القرآن والفرقان والكتاب والهدى ونحوها وكذلك أسماء السيف فإن تعددها بحسب أوصاف وإضافات مختلفة كالمهند والعضب الصارم ونحوها وقد عرفت تباين الأوصاف في أسماء المحبة وقد أنكر كثير من الناس الترادف في اللغة وكأنهم أرادوا هذا المعنى وأنه ما من إسمين لمسمى واحد إلا وبينهما فرق في صفة أو نسبة أو إضافة سواء علمت لنا أو لم تعلم وهذا الذي قالوه صحيح باعتبار الواضع الواحد ولكن قد يقع الترادف باعتبار واضعين مختلفين بسمى أحدهما المسمى باسم ويسميه الواضع الآخر باسم غيره ويشتهر الوضعان عند القبيلة الواحدة وهذا كثير ومن ههنا يقع الاشتراك أيضا فالأصل في اللغة هو التباين وهو أكثر اللغة والله أعلم(1\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8135",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "الباب الرابع: في أن العالم العلوي والسفلي إنما وجد بالمحبة ولأجلها وأن حركات الأفلاك والشمس والقمر والنجوم وحركات الملائكة والحيوانات وحركة كل متحرك إنما وجدت بسبب الحب",
        "content": "الباب الرابع: في أن العالم العلوي والسفلي إنما وجد بالمحبة ولأجلها وأن حركات الأفلاك والشمس والقمر والنجوم وحركات الملائكة والحيوانات وحركة كل متحرك إنما وجدت بسبب الحب وهذا باب شريف من أشرف أبواب الكتاب وقبل تقريره لا بد من بيان مقدمة وهي أن الحركات ثلاث حركة إرادية وحركة طبيعية وحركة قسرية وبيان الحصر أن مبدأ الحركة إما أن يكون من المتحرك أو من غيره فإن كان من المتحرك فإما أن يقارنها شعوره وعلمه بها أولا فإن قارنها الشعور والعلم فهي الإرادية وإن لم يقارنها الشعور والعلم فهي الطبيعية وإن كانت من غيره فهي القسرية وإن شئت أن تقول المتحرك إما أن يتحرك بإرادته أو لا فإن تحرك بإرادته فحركته إرادية وإن تحرك بغير إرادته فإما أن تكون حركته إلى نحو مركزه أولا فإن تحرك إلى جهة مركزه فحركته طبيعية وإن تحرك إلى غير جهة مركزه فحركته قسرية إذا ثبت هذا فالحركة الإرادية تابعة لإرادة المتحرك والمراد إما أن يكون مرادا لنفسه أو لغيره ولا بد أن ينتهي المراد لغيره إلى مراد لنفسه دفعا للدور والتسلسل الإرادة إما أن تكون لجلب منفعة ولذة إما للمتحرك وإما لغيره أو دفع ألم ومضرة إما عن المتحرك أو عن غيره والعاقل لا يجلب لغيره منفعة ولا يدفع عنه مضرة إلا لما له في ذلك من اللذة ودفع الألم فصارت حركته الإرادية تابعة لمحبته بل هذا حكم كل حي متحرك وأما الحركة الطبيعية فهي حركة الشيء إلى مستقره ومركزه وتلك تابعة للحركة التي اقتضت خروجه عن مركزه وهي القسرية التي إنما تكون بقسر قاسر أخرجه عن مركزه إما باختياره كحركة الحجر إلى اسفل إذا رمى به(1\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8136",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى جهة فوق وإما بغير اختيار محركه كتحريك الرياح للأجسام إلى جهة مهابها وهذه الحركة تابعة للقاسر وحركة القاسر ليست منه بل مبدؤها من غيره فإن الملائكة موكلة بالعالم العلوي والسفلي تدبره بأمر الله عز وجل كما قال الله تعالى فالمدبرات أمرا وقال فالمقسمات أمر وقال تعالى والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا وقال والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا وقد وكل الله سبحانه بالأفلاك والشمس والقمر ملائكة تحركها ووكل بالرياح ملائكة تصرفها بأمره وهم خزنتها قال الله تعالى وأما عاد فأ وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية وقال غير واحد من السلف عتت على الخزان فلم يقدروا على ضبطها ذكره البخاري في صحيحه ووكل بالقطر ملائكة وبالسحاب ملائكة تسوقه إلى حيث أمرت به وقد ثيت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال quot; بينا رجل بفلاة من الأرض إذ سمع صوتا في سحابة يقول اسق حديقة فلان فتتبع السحابة حتى انتهت إلى حديقة فأفرغت ماءها فيها فنظر فإذا رجل في الحديقة يحول الماء بمسحاة فقال له ما اسمك يا عبد الله فقال فلان الإسم الذي سمعه في السحابة فقال إني سمعت قائلا يقول في هذه السحابة اسق حديقة فلان فما تصنع في هذه الحديقة فقال إنى أنظر ما يخرج منها فأجعله ثلاثة أثلاث(1\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8137",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثلث أتصدق به وثلث انفقه على عيالي وثلث أرده فيها ووكل الله سبحانه بالجبال ملائكةquot; وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جاءه ملك الجبال يسلم عليه ويستأذنه في هلاك قومه إن أحب فقال quot; بل أستأني لهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا ووكل بالرحم ملكا يقول يا رب نطفة يا رب علقة يا رب مضغة يا رب ذكر أم أنثى فما الرزق فم الأجل وشقي أم سعيد ووكل بكل عبد أربعة من الملائكة في هذه الدنيا حافظان عن يمينه وعن شماله يكتبان أعماله ومعقبات من بين يديه ومن خلفه أقلهم اثنان يحفظونه من أمر الله ووكل بالموت ملائكة ووكل بمساءلة الموتى ملائكة في القبور ووكل بالرحمة ملائكة وبالعذاب ملائكة وبالمؤمن ملائكة يثبتونه ويؤزونه إلى الطاعات أزا ووكل بالنار ملائكة يبنونها ويوقدونها ويصنعون أغلالها وسلاسلها ويقومون بإمرها ووكل بالجنة ملائكة يبنونها ويفرشونها ويصنعون أرائكها وسررها وصحافها ونمارقها وزرابيها فأمر العالم العلوي والسفلي والجنة والنار بتدبير الملائكة بإذن ربهم تبارك وتعالى وأمره لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون و لا يعصون الله ما أمرهم(1\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8138",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويفعلون ما يؤمرون فأخبر أنهم لا يعصونه في أمره وأنهم قادرون على تنفيذ أوامره ليس بهم عجز عنها بخلاف من يترك ما أمر به عجزا فلا يعصى الله ما أمره وإن لم يفعل ما أمره به وكذلك البحار قد وكلت بها ملائكة تسجرها وتمنعها أن تفيض على الأرض فتغرق أهلها وكذلك أعمال بني آدم خيرها وشرها قد وكلت بها ملائكة تحصيها وتحفظها وتكتبها ولهذا كان الإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الذي لا يتم إلا به وهي خمس الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وإذا عرف ذلك عرف أن كل حركة في العالم فسببها الملائكة وحركتهم طاعة الله بأمره وإرادته فيرجع الأمر كله إلى تنفيذ مراد الرب تعالى شرعا وقدرا والملائكة هم المنفذون ذلك بأمره ولذلك سموا ملائكة من الألوكة وهي الرسالة فهم رسل الله في تنفيذ أوامره والمقصود أن حركات الأفلاك وما حوته تابعة للحركة الإرادية المستلزمة للمحبة فالمحبة والإرادة أصل كل فعل ومبداه فلا يكون الفعل إلا عن محبة وإرادة حتى دفعه للأمور التي يبغضها ويكرهها فإنما يدفعها بإرادته ومحبته لأضدادها واللذة التي يجدها بالدفع كما يقال شفى غيظه وشفى صدره والشفاء والعافية يكون للمحبوب وإن كان كريها مثل شرب الدواء الذي يدفع به ألم المرض فإنه وإن كان مكروها من وجه فهو محبوب لما فيه من زوال المكروه وحصول المحبوب وكذلك فعل الأشياء المخالفة للهوى فإنها وإن كانت مكروهة فإنما تفعل لمحبة وإرادة وإن لم تكن محبوبة لنفسها فإنه(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8139",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مستلزمة للمحبوب لنفسه فلا يترك الحي ما يحبه ويهواه إلا لما يحبه ويهواه ولكن يترك أضعفهما محبة لأقواهما محبة ولذلك كانت المحبة والإرادة أصلا للبغض والكراهة فإن البغيض المكروه ينافي وجود المحبوب والفعل إما أن يتناول وجود المحبوب أو دفع المكروه المستلزم لوجود المحبوب فعاد الفعل كله إلى وجود المحبوب والحركة الاختيارية أصلها الإرادة والقسرية والطبيعية تابعتان لها فعاد الأمر إلى الحركة الإرادية فجميع حركات العالم العلوي والسفلي تابعة للإرادة والمحبة وبها تحرك العالم ولأجلها فهي العلة الفاعلية والغائية بل هي التي بها ولأجلها وجد العالم فما تحرك في العالم العلوي والسفلي حركة إلا والإرادة والمحبة سببها وغايتها بل حقيقة المحبة حركة نفس المحب إلى محبوبه فالمحبة حركة بلا سكون وكمال المحبة هو العبودية والذل والخضوع والطاعة للمحبوب وهو الحق الذي به وله خلقت السموات والأرض والدنيا والآخرة قال تعالى وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وقال الله تعالى وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا وقال تعالى أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا والحق الذي خلق به ولأجله الخلق هو عبادة الله وحده التي هي كمال محبته والخضوع والذل له ولوازم عبوديته من الأمر والنهى والثواب والعقاب ولأجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب وخلق الجنة والنار والسموات والأرض إنما قامت بالعدل الذي هو صراط الله الذي هو عليه وهو أحب(1\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8140",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأشياء إلى الله تعالى قال الله تعالى حاكيا عن نبيه شعيب عليه السلام إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم فهو على صراط مستقيم في شرعه وقدره وهو العدل الذي به ظهر الخلق والأمر والثواب والعقاب وهو الحق الذي به وله خلقت السموات والأرض وما بينهما ولهذا قال المؤمنون في عبادتهم ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فنزهوا ربهم سبحانه أن يكون خلق السموات عبثا لغير حكمة ولا غاية محمودة وهو سبحانه يحمد لهذه الغايات المحمودة كما يحمد لذاته وأوصافه فالغايات المحمودة في أفعاله هي الحكمة التي يحبها ويرضاها وخلق ما يكره لاستلزامه ما يحبه وترتب المحبوب له عليه ولذلك يترك سبحانه فعل بعض ما يحبه لما يترتب عليه من فوات محبوب له أعظم منه أو حصول مكروه أكره إليه من ذلك المحبوب وهذا كما ثبط قلوب أعدائه عن الأيمان به وطاعته لأنه يكره طاعاتهم ويفوت بها ما هو أحب إليه منها من جهادهم وما يترتب عليه من الموالاة فيه والمعاداة وبذل أوليائه نفوسهم فيه وإيثار محبته ورضاه على نفوسهم ولأجل هذا خلق الموت والحياة وجعل ما على الأرض زينة لها قال تعالى الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وقال إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا(1\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8141",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال تعالى وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء لبلوكم أيكم أحسن عملا فأخبر سبحانه عن خلق العالم والموت والحياة وتزيين الأرض بما عليها أنه للابتلاء والامتحان ليختبر خلقه أيهم أحسن عملا فيكون عمله موافقا لمحاب الرب تعالى فيوافق الغاية التي خلق هو لها وخلق لأجلها العالم وهي عبوديته المتضمنة لمحبته وطاعته وهي العمل الأحسن وهو مواقع محبته ورضاه وقدر سبحانه مقادير تخالفها بحكمته في تقديرها وامتحن خلقه بين أمره وقدره ليبلوهم أيهم أحسن عملا فانقسم الخلق في هذاالابتلاء فريقين فريقا داروا مع أوامره ومحابه ووقفوا حيث وقف بهم الأمر وتحركوا حيث حركهم الأمر واستعملوا الأمر في القدر وركبو سفينة الأمر في بحر القدر وحكموا الأمر على القدر ونازعوا القدر بالقدر امتثالا لأمره واتباعا لمرضاته فهؤلاء هم الناجون والفريق الثاني عارضوا بين الأمر والقدر وبين ما يحبه ويرضاه وبين ما قدره وقضاه ثم افترقوا أربع فرق فرقة كذبت بالقدر محافظة على الأمر فأبطلت الأمر من حيث حافظت على القدر فإن الإيمان بالقدر أصل الإيمان بالأمر وهو نظام التوحيد فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه إيمانه وفرقة ردت الأمر بالقدر وهؤلاء من أكفر الخلق وهم الذين حكى الله قولهم في القرآن إذ قالوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا(1\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8142",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من شيء وقالوا أيضا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء وقالوا ايضا لو شاء الرحمن ما عبدناهم وقالوا أيضا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه فجعلهم الله سبحانه وتعالى بذلك مكذبين خارصين ليس لهم علم وأخبر أنهم في ضلال مبين وفرقة دارت مع القدر فسارت بسيره ونزلت بنزوله ودانت به ولم تبال وافق الأمر أو خالفه بل دينها القدر فالحلال ما حل بيدها قدرا والحرام ما حرمته قدرا وهم مع من غلب قدرا من مسلم أو كافر برا كان أو فاجرا وخواص هؤلاء وعبادهم لما شهدوا الحقيقة الكونية القدرية صاروا مع الكفار المسلطين بالقدر وهم خفراؤهم فهؤلاء أيضا كفار وفرقة وقفت مع القدر مع اعترافها بأنه خلاف الأمر ولم تدن به ولكنها استرسلت معه ولم تحكم عليه الأمر وعجزت عن دفع القدر بالقدر اتباعا للأمر فهؤلاء مفرطون وهم بين عاجز وعاص لله وهؤلاء الفرق كلهم مؤتمون بشيخهم إبليس فإنه أول من قدم القدر على الأمر وعارضه به وقال قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين وقال قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم فرد أمر الله بقدره واحتج على ربه بالقدر وانقسم أتباعه أربع فرق كما رأيت فإبليس(1\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8143",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجنوده أرسلوا بالقدر إرسالا كونيا فالقدر دينهم قال الله تعالى ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا فدينهم القدر ومصيرهم سقر فبعث الله الرسل بالأمر وأمرهم أن يحاربوا به أهل القدر وشرع لهم من أمره سفنا وأمرهم أن يركبوا فيها هم وأتباعهم في بحر القدر وخص بالنجاة من ركبها كما خص بالنجاة أصحاب السفينة وجعل ذلك آية للعالمين فأصحاب الأمر حرب لأصحاب القدر حتى يردوهم إلى الأمر وأصحاب القدر يحاربون أصحاب الأمر حتى يخرجوهم منه فالرسل دينهم الأمر مع إيمانهم بالقدر وتحكيم الأمر عليه وإبليس وأتباعه دينهم القدر ودفع الأمر به فتأمل هذه المسألة في القدر والأمر وانقسام العالم فيها إلى هذه الأقسام الخمسة وبالله التوفيق فحركات العالم العلوي والسفلي وما فيهما موافقة للأمر إما الأمر الديني الذي يحبه الله ويرضاه وإما الأمر الكوني الذي قدره وقضاه وهو سبحانه لم يقدره سدى ولا قضاه عبثا بل لما فيه من الحكمة والغايات الحميدة وما يترتب عليه من أمور يحب غاياتها وإن كره أسبابها ومادئها فإنه سبحانه وتعالى يحب المغفرة وإن كره معاصي عباده ويحب الستر وإن كره ما يستر عبده عليه ويحب العتق وإن كره السبب الذي يعتق عليه من النار ويحب العفو كما في الحديث (أللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) وإن كره ما يعفو عنه من الأوزار ويحب التوابين وتوبتبهم وإن كره معاصيهم(1\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8144",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التي يتوبون إليه منها منها ويحب الجهاد وأهله بل هم أحب خلقه إليه وإن كره أفعال من يجاهدونه وهذا باب واسع قد فتح لك فادخل منه يطلعك على رياض من المعرفة مونقة مات من فاتته بحسرتها وبالله التوفيق وهذا موضع يضيق عنه عدة أسفار واللبيب يدخل إليه من بابه وسر هذا الباب أنه سبحانه كامل في أسمائه وصفاته فله الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه ما وهو يحب أسماءه وصفاته ويحب ظهور آثارها في خلقه فإن ذلك من لوازم كماله فإنه سبحانه وتر يحب الوتر جميل يحب الجمال عليم يحب العلماء جواد يحب الأجواد قوي والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف حيي يحب أهل الحياء وفي يحب أهل الوفاء شكور يحب الشاكرين صادق يحب الصادقين محسن يحب المحسنين فإذا كان يحب العفو والمغفرة والحلم والصفح والستر لم يكن بد من تقديره للأسباب التي تظهر آثار هذه الصفات فيها ويستدل بها عباده على كما أسمائه وصفاته ويكون ذلك أدعى لهم إلى محبته وحمده وتمجيده والثناء عليه بما هو أهله فتحصل الغاية التي خلق لها الخلق وإن فاتت من بعضهم فذلك لفوات سبب لكمالها وظهورها فتضمن ذلك الفوات المكروه له أمرا هو أحب إليه من عدمه فتأمل هذا الموضع حق التأمل وهذا ينكشف يوم القيامة للخليفة بأجمعهم حين يجمعهم في صعيد واحد ويوصل إلى كل نفس ما ينبغي إيصاله إليها من الخير والشر واللذة والألم حتى مثقال الذرة ويوصل كل نفس إلى غاياتها التي تشهد هي أنها أولى بها فحينئذ ينطق الكون(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8145",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأجمعه بحمده تبارك وتعالى قالا وحالا كما قال سبحانه وتعالى وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين فحذف فاعل القول لأنه غير معين بل كل أحد يحمده على ذلك الحكم الذي حكم فيه فيحمده أهل السموات وأهل الأرض والأبرار والفجار والإنس والجن حتى أهل النار قال الحسن أو غيره لقد دخلوا النار وإن حمده لفي قلوبهم ما وجدوا عليه سبيلا وهذا والله أعلم هو السر الذي حذف لأجله الفاعل في قوله يل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها وقوله وقيل ادخلا النار مع الداخلين كأن الكون كله نطق بذلك وقاله لهم والله تعالى أعلم بالصواب(1\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8146",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الخامس:في دواعي المحبة ومتعلقها الداعي قد يراد به الشعور الذي تتبعه الإرادة والميل فذلك قائم بالمحب وقد يراد به السبب الذي لأجله وجدت المحبة وتعلقت به وذلك قائم بالمحبوب ونحن نريد بالداعي مجموع الأمرين وهو ما قام بالمحبوب من الصفات التي تدعو إلى محبته وما قام بالمحب من الشعور بها والموافقة التي بين المحب والمحبوب وهي الرابطة بينهما وتسمى بين المخلوق والمخلوق مناسبة وملاءمة فها هنا أمور وصف المحبوب وجماله وشعور المحب به والمناسبة وهي العلاقة والملاءمة التي بين المحب والمحبوب فمتى قويت الثلاثة وكملت قويت المحبة واستحكمت ونقصان المحبة وضفعها بحسب ضعف هذه الثلاثة أو نقصها فمتى كان المحبوب في غاية الجمال وشعور المحب بجماله أتم شعور والمناسبة التي بين الروحين قوية فذلك الحب اللازم الدائم وقد يكون الجمال في نفسه ناقصا لكن هو في عين المحب كامل فتكون قوة محبته بحسب ذلك الجمال عنده فإن حبك للشيء يعمي ويصم فلا يرى المحب أحدا أحسن من محبوبه كما يحكى أن عزة دخلت على الحجاج فقال لها يا عزة والله ما أنت كما قال فيك كثير فقالت أيها الأمير إنه لم يرني بالعين التي رأيتني بها ولا ريب أن المحبوب أحلى في عين محبه وأكبر في صدره من غيره وقد أفصح بهذا القائل في قوله فوالله ما أدري أزيدت ملاحة ... وحسنا على النسوان أم ليس لي عقل(1\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8147",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد يكون الجمال موفرا لكنه ناقص الشعور به فتضعف محبته لذلك فلو كشف له عن حقيقته لأسر قلبه ولهذا أمر النساء بستر وجوههن عن الرجال فإن ظهور الوجه يسفر عن كمال المحاسن فيقع الافتتان ولهذا شرع للخاطب أن ينظر إلى المخطوبة فإنه إذا شاهد حسنها وجمالها كان ذلك أدعى إلى حصول المحبة والألفة بينهما كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله إذا أراد أحدكم خطبة امرأة فلينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فإنه أحرى أن يؤدم بينهما أي يلأم ويوافق ويصلح ومنه الأدام الذي يصلح به الخبز وإذا وجد ذلك كله وانتفت المناسبة والعلاقة التي بينهما لم تستحكم المحبة وربما لم تقع البتة فإن التناسب الذي بين الأرواح من أقوى أسباب المحبة فكل امرىء يصبو إلى ما يناسبه وهذه المناسبة نوعان أصلية من أصل الخلقة وعارضة بسبب المجاورة أو الاشتراك في أمر من الأمور فإن من ناسب قصدك قصده حصل التوافق بين روحك وروحه فإذا اختلف القصد زال التوافق فأما التناسب الأصلي فهو اتفاق أخلاق وتشاكل أرواح وشوق كل نفس إلى مشاكلها فإن شبه الشيء ينجذب إليه بالطبع فتكون الروحان متشاكلتين في أصل الخلقة فتنجذب إليه بالطبع فتكون الروحان متشاكلتين في أصل الخلقة فتنجذب كل منهما إلى الأخرى بالطبع وقد يقع الانجذاب والميل(1\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8148",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالخاصية وهذا لا يعلل ولا يعرف سببه كانجذاب الحديد إلى الحجر المغناطيس ولا ريب أن وقوع هذا القدر بين الأرواح أعظم من وقوعه بين الجمادات كما قيل محاسنها هيولى كل حسن ... ومغناطيس أفئدة الرجال وهذا الذي حمل بعض الناس على أن قال إن العشق لا يقف على الحسن والجمال ولا يلزم من عدمه عدمه وإنما هو تشاكل النفوس وتمازجها في الطباع المخلوقة كما قيل وما الحب من حسن ولا من ملاحة ... ولكنه شيء به الروح تكلف قال هذا القائل فحقيقته انه مرآة يبصر فيها المحب طباعة ورقته في صورة محبوبة ففي الحقيقة لم يحب إلا نفسه وطباعه ومشاكله قال بعضهم لمحبوبه صادفت فيك جوهر نفسي ومشاكلتها في كل أحوالها فانبعثت نفسي نحوك وانقادت إليك وإنما هويت نفسي وهذا صحيح من وجه فإن المناسبة علة الضم شرعا وقدرا وشاهد هذا بالاعتبار أن أحب الأغذية إلى الحيوان ما كان أشبه بجوهر بدنه وأكثر مناسبة له وكلما قويت المناسبة بين الغاذي والغذاء كان ميل النفس إليه أكثر وكلما بعدت المناسبة حصلت النفرة عنه ولا ريب أن هذا قدر زائد على مجرد الحسن(1\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8149",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والجمال ولهذا كانت النفوس الشريفة الزكية العلوية تعشق صفات الكمال بالذات فأحب شيء إليها العلم والشجاعة والعفة والجود والإحسان والصبر والثبات لمناسبة هذه الأوصاف لجوهرها بخلاف النفوس اللئيمة الدنية فإنها بمعزل عن محبة هذه الصفات وكثير من الناس يحمله على الجود والإحسان فرط عشقه ومحبته له واللذة التي يجدها في بذله كما قال المأمون لقد حبب إلي العفو حتى خشيت أن لا أؤجر عليه وقيل للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى تعلمت هذا العلم لله فقال أما لله فعزيز ولكن شيء حبب إلي ففعلته وقال آخر إني لأفرح بالعطاء وألتذ به أكثر وأعظم مما يفرح الآخذ بما يأخذه مني وفي هذا قيل في مدح بعض الكرماء من أبيات وتأخذه عند المكارم هزة ... كما اهتز عند البارح الغصن الرطب وقال شاعر الحماسة تراه إذا ماجئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله وكثير من الأجواد يعشق الجود أعظم عشق فلا يصبر عنه مع حاجته إلى ما يجود به ولا يقبل فيه عذل عاذل ولا تأخذه فيه لومة لائم وأما عشاق العلم فأعظم شغفا به وعشقا له من كل عاشق بمعشوقه وكثير منهم لا يشغله عنه أجمل صورة من البشر وقيل لامرأة الزبير بن بكار أو غيره هنيئا لك إذ ليست لك ضرة فقالت والله لهذه الكتب أضر علي من عدة ضرائر(1\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8150",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحدثني أخو شيخنا عبد الرحمن بن تيمية عن أبيه قال كان الجد إذا دخل الخلاء يقول لي اقرأ في هذا الكتاب وارفع صوتك حتى اسمع وأعرف من أصابه مرض من صداع وحمى وكان الكتاب عند رأسه فإذا وجد إفاقة قرأ فيه فإذا غلب وضعه فدخل عليه الطبيب يوما وهو كذلك فقال إن هذا لا يحل لك فإنك تعين على نفسك وتكون سببا لفوات مطلوبك وحدثني شيخنا قال ابتدأني مرض فقال لي الطبيب إن مطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض فقلت له لا أصبر على ذلك وأنا أحاكمك إلى علمك أليست النفس إذا فرحت وسرت قويت الطبيعة فدفعت المرض فقال بلى فقلت له فإن نفسي تسر بالعلم فتقوى به الطبيعة فأجد راحة فقال هذا خارج عن علاجنا أو كما قال فعشق صفات الكمال من أنفع العشق وأعلاه وإنما يكون بالمناسبة التي بين الروح وتلك الصفات ولهذا كان أعلى الأرواح وأشرفها أعلاها وأشرفها معشوقا كما قيل أنت القتيل بكل من أحببته ... فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي فإذا كانت المحبة بالمشاكلة والمناسبة ثبتت وتمكنت ولم يزلها إلا مانع أقوى من السبب وإذا لم تكن بالمشاكلة فإنما هي محبة لغرض من الأغراض تزول عند انقضائه وتضمحل فمن أحبك لأمر ولى عند انقضائه فداعى المحبة وباعثها إن كان غرضا للمحب لم يكن لمحبته بقاء وإن كان أمرا قائما بالمحبوب سريع الزوال والانتقال زالت محبته بزواله وإن كان صفة لازمة فمحبته باقية ببقاء داعيها مالم يارضه يعارضه يوجب زوالها وهو إما تغير حال في المحب أو أذى من المحبوب فإن الأذى إما أن يضعف المحبة أو يزيلها(1\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8151",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الشاعر خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب فإني رأيت الحب في القلب والأذى ... إذ اجتمعا لم يلبث الحب يذهب وهذا موضع انقسم المحبون فيه قسمين ففرقة قالت ليس بحب صحيح ما يزيله الأذى بل علامة الحب الصحيح أنه لا ينقص بالجفوة ولا يذهبه أذى قالوا بل المحب يلتذ بأذى محبوبه له كما قال أبو الشيص وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم وأهنتني فأهنت نفسي جاهدا ... ما من يهون عليك ممن يكرم أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كن حظي منك حظي منهم أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم فهذا هو الحب على الحقيقة فإنه متضمن لغاية الموافقة بحيث قد اتخذ مراده ومراد محبوبه من نفسه فأهان نفسه موافقة لإهانة محبوبه له وأحب أعداءه لما أشبههم محبوبه في أذاه وهذا وإن كانت الطباع تأباه لكنه موجب الحب التام ومقتضاه وقالت فرقة بل الأذى مزيل للحب فإن الطباع مجبولة على كراهة من يؤذيها كما أن القلوب مجبولة على حب من يحسن إليها وما ذكره أولئك فدعوى منهم والإنصاف أن يقال يجتمع في القلب بغض أذى الحبيب وكراهته ومحبته من وجه آخر فيحبه ويبغض أذاه وهذا هو الواقع والغالب منها يوارى(1\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8152",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المغلوب ويبقى الحكم له وقد كشف عن بعض هذا المعنى الشاعر في قوله ولو قلت طأ في النار أعلم أنه ... رضا لك أو مدن لنا من وصالك لقدمت رجلى نحوها فوطئتها ... هدى منك لي أو ضلة من ضلالك وإن ساءني أن نلتني بمساءة ... فقد سرني أني خطرت ببالك فهذا قد أنصف حيث أخبر أنه يسوؤه أن يناله محبوبه بمساءة ويسره خطوره بباله لا كمن ادعى انه يلتذ بأذى محبوبه له فإن هذا خارج عن الطباع اللهم إلا أن يكون ذلك الأذى وسيلة إلى رضى المحبوب وقربه فإنه يلتذ به إذا لاحظ غايته وعاقبته فهذا يقع وقد أخبرني بعض الأطباء قال إني ألتذ بالدواء الكريه إذا علمت ما يحصل به من الشفاء وأضعه على لساني وأترشفه محبة له ومن هذا التذاذ المحبين بالمشاق التي توصلهم إلى وصال محبوبهم وقربه وكلما ذكروا روح الوصال وأن ما هم فيه طريق موصل إليه لذ لهم مقاساته وطاب لهم تحمله كما قال الشاعر لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد لها بوجهك نور تستضيء به ... ومن حديثك في أعقابها حادي إذا شكت من كلال السير أوعدها ... روح اللقاء فتقوى عند ميعاد والمقصود أن المحبة تستدعي مشاكلة ومناسبة وقد ذكر الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في مسنده من حديث عائشة رضي الله عنها أن امرأة(1\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8153",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كانت تدخل على قريش فتضحكهم فقدمت المدينة فنزلت على امرأة تضحك الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم على من نزلت فلانة فالت على فلانة المضحكة فقال الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف وأصل الحديث في الصحيح وذكر لبقراط رجل من أهل النقص يحبه فاغتم لذلك وقال ما أحبني إلا وقد وافقته في بعض أخلاقه وأخذا المتنبي هذا المعنى فقلبه وأجاد فقال وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل وقال بعض الأطباء العشق امتزاج الروح بالورح لما بينهما من التناسب والتشاكل فإذا امتزج الماء بالماء امتنع تخليص بعضه من بعض ولذلك تبلغ المحبة بين الشخصين حتى يتألم أحدهما بتألم الآخر ويسقم بسقمه وهو لا يشعر ويذكر أن رجلا كان يحب شخصا فمرض فدخل عليه أصحابه يعودونه فوجدوا به خفة فانبسط معهم وقال من أين جئتم قالوا من عند فلان عدناه فقال أو كان عليلا قالوا نعم وقد عوفي فقال والله لقد أنكرت علتي هذه ولم أعرف لها سببا غير أني توهمت أن ذلك لعلة نالت بعض من أحب ولقد وجدت في يومي هذا راحة ففرحت طمعا أن يكون الله سبحانه وتعالى شفاه ثم دعا بدواة فكتب إلى محبوبه(1\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8154",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إني حممت ولم أشعر بحماك ... حتى تحدث عوادي بشكواك فقلت ما كانت الحمى لتطرقني ... من غير ما سبب إلا لحماك وخصلة كنت فيها غير متهم ... عافاني الله منها حين عافاك حتى اتفقت نفسي ونفسك في ... هذا وذاك وفي هذا وفي ذاك ويحكى أن رجلا مرض من يحبه فعاده المحب فمرض من وقته فعوفي محبوبه فجاء يعوده فلما رآه عوفي من وقته وأنشد مرض الحبيب فعدته ... فمرضت من حذري عليه وأتى الحبيب يعودني ... فبرئت من نظري إليه وأنت إذا تأملت الوجود لا تكاد تجد اثنين يتحابان إلا وبينهما مشاكلةأو اتفاق في فعل أو حال أو مقصد فإذا تباينت المقاصد والأوصاف والأفعال والطرائق لم يكن هناك إلا النفرة والبعد بين القلوب ويكفي في هذا الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر فإنقيل فهذا الذي ذكرتم يقتضي أنه إذا أحب شخص شخصا أن يزن الآخر يحبه فيشتركان في المحبة والواقع يشهد بخلافه فكم من محب غير محبوب بل بسيف البغض مضروب قيل قد اختلف الناس في جواب هذا السؤال فأما أبو محمد بن حزم فإنه قال الذي أذهب إليه أن العشق اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخلقة في أصل عنصرها الرفيع لا على(1\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8155",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما حكاه محمد بن داود عن بعض أهل الفلسفة أن الأرواح أكر مقسومة لكن على سبيل مناسبة قواها في مقر عالمها العلوي ومجاورتها في هيئة تركيبها وقد علمنا أن سر التمازج والتباين في المخلوقات إنما هو الاتصال والانفصال فالشكل إنما يستدعي شكله والمثل إلى مثله ساكن وللمجانسة عمل محسوس وتأثير مشاهد والتنافر في الأضداد والموافقة في الأنداد والنزاع فيما تشابه موجود بيننا فكيف بالنفس وعالمها العالم الصافي الخفيف وجوهرها الجوهر الصعاد المعتدل وسنخها المهيأ لقبول الاتفاق والميل والتوق والانحراف والشهوة والنفار والله تعالى يقول هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فجعل علة السكون أنها منه ولو كان علة الحب حسن الصورة الجسدية لوجب أن لا يستحسن الأنقص من الصور ونحن نجد كثيرا ممن يؤثر الأدنى ويعلم فلضل غيره ولا يجد محيدا لقلبه عنه ولو كان للموافقة في الأخلاق لما أحب المرء من لا يساعده ولا يوافقه فعلمنا أنه شيء في ذات النفس وربما كانت المحبة لسبب من الأسباب وتلك تفنى بفناء سببها قال ومما يؤكد هذا القول أننا قد علمنا أن المحبة ضروب فأفضلها محبة المتحابين في الله عز وجل إما لاجتهاد في العمل وإما لاتفاق في أصل المذهب وإما لفضل علم يمنحه الإنسان ومحبة القرابة ومحبة الألفة والاشتراك في المطالب ومحبة التصاحب والمعرفة ومحبة لبر يضعه المرء عند أخيه ومحبة لطمع في جاه المحبوب ومحبة المتحابين لسر يجتمعان عليه يلزمهما ستره(1\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8156",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومحبة لبلوغ اللذة وقضاء الوطر ومحبة العشق التي لا علة لها إلا ما ذكرنا من اتصال النفوس وكل هذه الأجناس فمنقضية مع انقضاء عللها وزائدة بزيادتها وناقصة بنقصانها متأكدة بدنوها فاترة ببعدها حاشا محبة العشق الصحيح المتمكن من النفس ثم أورد هذا السؤال قال والجواب أن نفس الذي لا يحب من يحبه مكتنفة الجهات ببعض الأعراض الساترة والحجب المحيطة بها من الطبائع الأرضية فلم تحس بالجزء الذي كان متصلا بها قبل حلولها حيث هي ولو تخلصت لاستويا في الاتصال والمحبة ونفس المحب متخلصة عالمة بمكان ما كان يشركها في المجاورة طالبة له قاصدة إليه باحثة عنه مشتهية لملاقاته جاذبة له لو أمكنها كالمغناطيس والحديد وكالنار في الحجر وأجابت طائفة أخرى أن الأرواح خلقت على هيئة الكرة ثم قسمت فأي روحين تلاقيتا هناك وتجاورتا تألفتا في هذا العالم وتحابتا وإن تنافرتا هناك تنافرتا هنا وإن تألفتا من وجه وتنافرتا من وجه كانتا كذلك ها هنا وهذا الجواب مبني على الأصل الفاسد الذي أصله هؤلاء أن الأرواح موجودة قبل الأجساد وأنها كانت متعارفة متجاورة هناك تتلاقى وتتعارف وهذا خطأ بل الصحيح الذي دل عليه الشرع والعقل أن الأرواح مخلوقة مع الأجساد وأن الملك الموكل بنفخ الروح في الجسد ينفخ فيه الروح إذا مضى(1\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "73",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8157",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على النطفة أربعة أشهر ودخلت في الخامس وذلك أول حدوث الروح فيه ومن قال إنها مخلوقة قبل ذلك فقد غلط وأقبح منه قول من قال إنها قديمة أو توقف في ذلك بل الصواب في الجواب أن يقال إن المحبة كما تقدم قسمان محبة عرضية غرضية فهذه لا يجب الاشتراك فيها بل يقارنها مقت المحبوب وبغضه للمحب كثيرا إلا إذا كان له معه غرض نظير غرضه فإنه يحبه لغرضه منه كما يكون بين الرجل والمرأة اللذين لكل منهما غرض مع صاحبه والقسم الثاني محبة روحانية سببها المشاكلة والاتفاق بين الروحين فهذه لا تكون إلا من الجانبين ولا بد فلو فتش المحب المحبة الصادقة قلب المحبوب لوجد عنده من محبته نظير ما عنده أو دونه أو فوقه فصل وإذا كانت المحبة من الجانبين استراح بها كل واحد من المحبين وسكن ذلك بعض ما به وعده نوعا من الوصال وقالت امرأة من العرب حججت ولم أحجج لذنب عملته ... ولكن لتعديني على قاطع الحبل ذهبت بعقلي في هواه صغيره ... وقد كبرت سني فرد به عقلي وإلا فسو الحب بيني وبينه ... فإنك يا مولاي توصف بالعدل وقال آخر فيا رب أشغلها بحبي كما بها ... شغلت فؤادي كي يخف الذي بيا وقالت امرأة تعاتب بعلها أسأل الذي قسم بين العباد معايشهم أن يقسم الحب بيني وبينك ثم أنشدت(1\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "74",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8158",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أدعو الذي صرف الهوى ... مني إليك ومنك عني أن يبتليك بما ابتلا ... ني أو يسل الحب مني وقال آخر فيا رب إن لم تقسم الحب بيننا ... بشطرين فاجعلني على هجرها جلدا وأعقبني السلوان عنها ورد لي ... فؤادي من سلمى أثبك به حمدا وقال أبو الهذيل العلاف لا يجوز في دور الفلك ولا في تركيب الطبائع ولا في الواجب ولا في الممكن أن يكون محب ليس لمحبوبه إليه ميل وإلى هذا المذهب ذهب أبو العباس الناشىء حيث يقول عيناك شاهدتان أنك من ... حر الهوى تجدين ما أجد بك ما بنا لكن على مضض ... تتجلدين وما بنا جلد وقال أبو عيينه تبيت بنا تهذي وأهذى بذكرها ... كلانا يقاسي الليل وهو مسهد وما رقدت إلا رأتني ضجيعها ... كذاك أراها في الكرى حين أرقد تقر بذنبي حين أغفو ونلتقي ... وأسألها يقظان عنه فتجحد كلانا سواء في الهوى غير أنها ... تجلد أحيانا وما لي تجلد وقال عروة بن أذينة إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها فبك الذي زعمت بها فكلاكما ... أبدى لصاحبه الصبابة كلها فإذا تشاكلت النفوس وتمازجت الأرواح وتفاعلت تفاعلت عنها الأبدان وطلبت نظير الامتزاج والجوار الذي بين الأرواح فإن البدن آلة الروح ومركبه وبهذا ركب الله سبحانه شهوة الجماع بين الذكر والأنثى طلبا(1\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "75",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8159",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ".. للامتزاج والاختلاط بين البدنين كما هو بين الروحين ولهذا يسمى جماعا وخلاطا ونكاحا وإفضاء لأن كل واحد منهما يفضي إلى صاحبه فيزول الفضاء بينهما فإن قيل فهذا يوجب تأكد الحب بالجماع وقوته به والواقع خلافه فإن الجماع يطفىء نار المحبة ويبرد حرارتها ويسكن نفس المحب قيل الناس مختلفون في هذا فمنهم من يكون بعد الجماع أقوى محبة وأمكن وأثبت مما قبله ويكون بمنزلة من وصف له شيء ملائم فأحبه فلما ذاقه كان له اشد محبة وإليه أشد اشتياقا وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عروج الملائكة إلى ربهم أنه سبحانه يسألهم عن عباده وهو أعلم بهم فيقولون إنهم يسبحونك ويحمدونك ويقدسونك فيقول وهل رأوني فيقولون لا فيقول فكيف لو رأوني تقول الملائكة لو رأوك لكانوا أشد تسبيحا وتقديسا وتمجيدا ثم يقولون ويسألونك الجنة فيقول وهل رأوها فيقولون لا فيقول فكيف لو رأوها فتقول الملائكة لو رأوها لكانوا أشد لها طالبا وذكر الحديث ومعلوم أن محبة من ذاق الشيء الملائم وعدم صبره عنه أقوى من محبة من لم يذقه بل نفسه مفطومة عنه والمودة التي بين الزوجين والمحبة بعد الجماع أعظم من التي كانت قبله والسبب الطبيعي أن شهوة القلب ممتزجة بلذة العين فإذا رأت العين اشتهى القلب فإذا باشر الجسم الجسم اجتمع شهوة القلب ولذة العين ولذة المباشرة فإذا فارق هذه الحال كان نزاع نفسه إليها أشد وشوقه إليها أعظم كما قيل وأكثر ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الديار من الديار(1\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "76",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8160",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولذلك يتضاعف الألم والحسرة على من راى محبوبه أو باشره ثم حيل بينه وبينه فتضاعف ألمه وحسرته في مقابلة مضاعفة لذة من عاوده وهذا في جانب المرأة أقوى فإنها إذا ذاقت عسيلة الرجل ولا سيما أول عسيلة لم تكد تصبر عنه بعد ذلك قال أيمن بن خريم يميت العتاب ط خلاالنساء ... ويحي اجتناب الخلاط العتابا وتزوج زهير بن مسكين الفهري جارية ولم يكن عنده ما يرضيها به فلما أمكنته من نفسها لم تر عنده ما ترضى به فذهبت ولم تعد فقال في ذلك أشعارا كثيرة منها تقول وقد قبلتها ألف قبلة ... كفاك أما شيء لديك سوى القبل فقلت لها حب على القلب حفظه ... وطول بكاء تستفيض له المقل فقالت لعمر الله ما لذة الفتى ... من الحب في قول يخالفه الفعل وقال آخر رأت حبي سعاد بلا جماع ... فقالت حبلنا حبل انقطاع ولست أريد حبا ليس فيه ... متاع منك يدخل في متاعي فلو قبلتني ألفا وألفا ... لما أرضيت إلا بالجماع إذا ما الصب لم يك ذا جماع ... يرى المحبوب كالشيء المضاع جماع الصب غاية كل أنثى ... وداعية لأهل العشق داعي فقلت لها وقد ولت تعالي ... فإنك بعد هذا لن تراعي وإنك لو سألت بقاء يوم ... خلي عن جماعك لن تطاعي(1\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "77",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8161",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقالت مرحبا بفتى كريم ... ولا أهلا بذي الخنع اليراع إذا ما البعل لم يك ذا جماع ... يرى في البيت من سقط المتاع وقال آخر ولما شكوت الحب قالت كذبتني ... فكم زورة مني قصدتك خاليا فما حل فيها من إزار للذة ... قعدت وحاجات الفؤاد كما هيا وهل راحة للمرء في ورد منهل ... ويرجع بعد الورد ظمآن صاديا وقال العباس بن الأحنف لم يصف وصل لمعشوقين لم يذقا ... وصلا يجل على كل اللذاذات وقال هدبة بن الخشرم والله ما يشفي الفؤاد الهائما ... نفث الرقى وعقدك التمائما ولا الحديث دون أن تلازما ... ولا اللزام دون أن تفاعما ولا الفعام دون أن تفاقما ... وتعلو القوائم القوائما وقال آخر قولا لعاتكة التي ... في نظرة قضت الوطر(1\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "78",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8162",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إني أريدك للنكاح ... ولا أريدك للنظر لو كان هذا مقنعي ... لقنعت عنها بالقمر وقال آخر دواء الحب تقبيل وشم ... ووضع للبطون على البطون ورهز تذرف العينان منه ... وأخذ بالمناكب والقرون وقالت امرأة وقد طلبت منها المحادثة ليس بهذا أمرتني أمي ... ولا بتقبيل ولا بشم لكن جماعا قد يسلي همي ... يسقط منه خاتمي في كمي وقد كشف الشاعر سبب ذلك حيث يقول لو ضم صب إلفه! ألفا لما ... أجدى وزادت لوعة وغرام أرواحهم من قبل ذاك تألفت ... فتألفت من بعدها الأجسام وقال المؤلف سألت فقيه الحب عن علة الهوى ... وقلت له أشكو إلى الشيخ حاليا فقال دواء الحب أن تلصق الحشا ... بأحشاء من تهوى إذا كنت خاليا وتتحدا من بعد ذاك تعانقا ... وتلثمه حتى يرى لك ناهيا فتقضي حاجات الفؤاد بأسرها ... على الأمن ما دام الحبيب مؤاتيا إذا كان هذا في حلال فحبذا ... وصالبه الرحمن تلقاه راضيا وإن كان هذا في حرام فإنه ... عذاب به تلقى العنا والمكاويا قال هؤلاء ولا يستحكم الحب إلا بعد أن يشق الرجل رداءه وتشق المرأة المعشوقة برقعها كما قال الشاعر(1\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "79",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8163",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا شق برد شق بالبرد برقع ... دواليك حتى كلنا غير لانس فكم قد شققنا من رداء محبر ... ومن برقع عن طفلة غير عانس ولما بلغ بعض الظرفاء قول المأمون ما الحب إلا قبلة الأبيات قال كذب المأمون ثم قال وباض الحب في قلبي ... فوا ويلا إذا فرخ وما ينفعني حبي ... إذا لم أكنس البربخ وإن لم يضع الأصل ... ع خرجيه على المطبخ وقال ابن الرومي أعانقها والنفس بعد مشوقة ... إليها وهل بعد العناق تداني وألثم فاها كي تزول صبابثي ... فيشتد ما ألقى من الهيمان ولم يك مقدار الذي بي من الجوى ... ليشفيه ما ترشف الشفتان كأن فؤادي ليس يشفي غليله ... سوى أن أرى الروحين تمتزجان وقال الطبراني في معجمه الأوسط حدثنا بكر بن سهل حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا يتيمة قد خطبها(1\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "80",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8164",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجلان موسر ومعسر وهي تهوى المعسر ونحن نهوى الموسر فقال لم ير للمتحابين مثل التزويج قال أبو القاسم الطبراني لم يروه عن طاوس إلا إبراهيم ولا رواه عن إبراهيم إلا محمد بن مسلم وسفيان الثوري تفرد به مؤمل بن إسماعيل عن الثوري انتهى وقد رواه أبو الفرج بن الجوزي من حديث حسان بن بشر حدثنا أحمد بن حرب حدثنا ابن عيينة حدثنا عمرو عن جابر فذكره وقال المعافى بن عمران حدثنا إبراهيم بن يزيد عن سليمان بن موسى عن عمرو عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما وحدثنا علي بن حرب الطائي حدثنا ابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس وذكره الدارقطني في كتاب الغرائب وقالتفرد به يزيد ابن مروان عن عمرو بن هرون عن عثمان بن الأسود المكي عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس وقالت هند بنت المهلب ما رأيت لصالحي النساء وشرارهن خيرا من إلحاقهن بمن يسكن إليه من الرجال ولرب مسكون إليه غير طائل والسكن على كل حال أوفق وذكر الحاكم في تاريخ نيسابور من حديث أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه أربع لا يشبعن من أربع أرض من مطر وأنثى من ذكر وعين من نظر وعالم من علم وهذا باطل قطعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كثير عن أبي هريرة رضي الله عنه وذكر الطبراني في معجمه(1\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "81",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8165",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأوسط من حديث ابن عمر يرفعه فضل ما بين لذة المرأة ولذة الرجل كأثر المخيط في الطين إلا أن الله سترهن بالحياء وقال لم يروه عن ليث إلا أبو المسيب سلم بن سلام عن سويد عن عبد الله بن أسامة عن يعقوب ابن خالد عن عطاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قلت وهذا أيضا لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسناده مظلم لا يحتج بمثله فصل ورأت طائفة أن الجماع يفسد العشق ويبطله أو يضعفه واحتجت بأمور منها أن الجماع هو الغاية التي تطلب بالعشق فما دام العاشق طالبا فعشقه ثابت فإذا وصل إلى الغاية قضى وطره وبردت حرارة طلبه وطفئت نار عشقه قالوا وهذا شأن كل طالب لشيء إذا ظفر به كالظمآن إذا روي والجائع إذا شبع فلا معنى للطلب بعد الظفر ومنها أن سبب العشق فكري وكلما قوي الفكر زاد العشق وبعد الوصول لا يبقى الفكر ومنها أنه قبل الظفر ممنوع والنفس مولعة بحب ما منعت منه كما قال وزادني كلفا في الحب أن منعت ... أحب شيء إلى الإنسان ما منعا وقال الآخر لولا طراد الصيد لم تك لذة ... فتطاردي لي بالوصال قليلا قالوا وكانت الجاهلية الجهلاء في كفرهم لا يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا وكانوا يصونون العشق عن الجماع كما ذكر أن أعرابيا علق امرأة فكان(1\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "82",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8166",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يأتيها سنين وما جرى بينهما ريبة قال فرأيت ليلة بياض كفها في ليلة ظلماء فوضعت يدي على يدها فقالت مه لا تفسد ما صلح فإنه ما نكح حب إلا فسد فأخذ ذلك المأمون فقال ما الحب إلا نظرة ... وغمز كف وعضد أو كتب فيها رقى ... أجل من نفث العقد ما الحب إلا هكذا ... إن نكح الحب فسد من كان هذا حبه ... فإنما يبغي الولد وهوي آخر امرأة فدام الحال بينهما في اجتماع وحديث ونظر ثم إنه جامعها فقطعت الوصل بينهما فقال لو لم أواقع دام لي وصلها ... فليتني لا كنت واقعتها وقيل لآخر شكا فراق محبوبة له أكثرت من وطئها والوطء مسأمة ... فارفق بنفسك إن الرفق محمود وذكر عمر بن شبة عن بعض علماء أهل المدينة قال كان الرجل يحب الفتاة فإذا ظفر بها بمجلس تشاكيا وتناشدا الأشعار واليوم يشير إليها وتشير إليه فيعدها وتعده فإذا التقيا لم يشك حبا ولم ينشد شعرا وقام إليها كأنه أشهد على نكاحها أبا هريرة رضي الله عنه لم يخط من داخل الدهليز منصرفا ... إلا وخلخالها قد قارب الساقا قال الأصمعي قلت لأعرابية ما تعدون العشق فيكم قالت العناق والضمة والغمزة والمحادثة(1\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "83",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8167",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم قالت يا حضري فكيف هو عندكم قلت يقعد بين شعبها الأربع ثم يجهدها قالت يا ابن أخي ما هذا عاشق هذا طالب ولد وسئل أعرابي عن ذلك فقال مص الريق ولثم الشفة والأخذ من أطايب الحديث فكيف هو فيكم أيها الحضري فقال العفس الشديد والجمع بين الركبة والوريد ورهز يوقظ النائم ويشفي القلب الهائم فقال بالله ما يفعل هذا العدو الشديد فكيف الحبيب الودود وقال بعضهم الحب يطيب بالنظر ويفسد بالغمز قال هؤلاء والحب الصحيح يوجب إعظام المحبوب وإجلاله والحياء منه فلا تطاوع نفسه أن يلقي جلباب الحياء عند محبوبه وأن يلقيه عنه ففي ذلك غاية إذلاله وقهره كما قيل إذا كان حظ المرء ممن يحبه ... حراما فحظي ما يحل ويجمل حديث كماء المزن بين فصوله ... عتاب به حسن الحديث يفصل ولثم فم عذب اللثات كأنما ... جناهن شهد فت فيه القرنفل وما العشق إلا عفة ونزاهة ... وأنس قلوب أنسهن التغزل وإني لأستحيي الحبيب من التي ... تريب وأدعى للجميل فأحمل وزعم بعضهم أنه كان يشرط بين العشيقة والعاشق أن له من نصفها الأعلى إلى سرتها ينال منه ما يشاء من ضم وتقبيل ورشف والنصف الأسفل يحرم عليه وفي ذلك قال شاعر القوم فللحب شطر مطلق من عقاله ... وللبعل شطر ما يرام منيع(1\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "84",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8168",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الآخر لها شطر فمن حل وبل ... ونصف كالبحيرة ما يهاج وهذا كان من دين الجاهلية فأبطلته الشريعة وجعلت الشطرين كليهما للبعل والشعراء قاطبة لا يرون بالمحادثة والنظر للأجنبيات بأسا وهو مخالف للشرع العقل فإن فيه تعريضا للطبع لما هو مجبول على الميل إليه والطبع يسرق ويغلب وكم من مفتون بذلك في دينه ودنياه فإن قيل فقد أنشد الحاكم في مناقب الشافعي له يقولون لا تنظر وتلك بلية ... ألا كل ذي عينين لا بد ناظر وليس اكتحال العين بالعين ريبة ... إذا عف فيما بين ذاك الضمائر فإن صحت عن الشافعي فإنما أراد النظر الذي لا يدخل تحت التكليف كنظرة الفجأة أو النظر المباح وقد ذهب أبو بكر محمد بن داود الأصفهاني إلى جواز النظر إلى من لا يحل له كما سيأتي كلامه إن شاء الله تعالى قال أبو الفرج بن الجوزي وأخطأ في ذلك وجر عليه خطؤه اشتهاره بين الناس وافتضاحه وذهب أبو محمد بن حزم إلى جواز العشق للأجنبية من غير ريبة وأخطأ في ذلك خطأ ظاهرا فإن ذريعة العشق أعظم من ذريعة النظر وإذا(1\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "85",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8169",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان الشرع قد حرم النظر لما يؤدي إليه من المفاسد كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى فكيف يجوز تعاطي عشق الرجل لمن لا يحل له والمقصود أن هذه الفرقة رأت أن الجماع يفسد العشق فغارت عليه مما يفسده وإن لم تتركه ديانة وقيل لبعض الأعراب ما ينال أحدكم من عشيقته إذا خلي بها قال اللمس والقبل وما يشاكلها قال فهل يتطاولان إلى الجماع فقال بأبي وأمي ليس هذا بعاشق هذا طالب ولد ويحكى أن رجلا عشق امرأة فقالت له يوما أنت صحيح الحب غير سقيمه وكانوا يسمون الحب على الخنا الحب السقيم فقال نعم فقالت اذهب بنا إلى المنزل فما هو إلا أن حصلت في منزله فلم يكن له همة غير جماعها فقالت له وهو كذلك أسرفت في وطئنا والوطء مقطعة ... فارفق بنفسك إن الرفق محمود فقال لها وهو على حاله لو لم أطأك لما دامت محبتنا ... لكن فعلى هذا فعل مجهود فنفرت من تحته وقالت يا خبيث أراك خلاف ما قلت من صحة الحب ولم تجعل جماعي إلا سببا لذهاب حبك والله لا ضمني وإياك سقف أبدا وسيأتي تمام الكلام في هذا في باب عفاف المحبين إن شاء الله تعالى فصل الخطاب بين الفريقين أن الجماع الحرام يفسد الحب ولا بد أن تنتهي المحبة بينهما إلى المعاداة والتباغض والقلى كما هو مشاهد بالعيان فكل محبة لغير الله آخرها قلى وبغض فكيف إذا قارنها ما هو من أكبر الكبائر(1\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "86",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8170",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذه عدواة بين يدي العداوة الكبرى التي قال الله تعالى فيها الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين وسنذكر إن شاء الله تعالى من ظفر بمحبوبه وترك قضاء وطره منه رغبة في بقاء محبته وخشية أن تنقلب قلى وبغضا في الباب الموعود به فإن ذلك أليق به وأما الجماع المباح فإنه يزيد الحب إذا صادف مراد المحب فإنه إذا ذاق لذته وطعمه أوجب له ذلك رغبة أخرى لم تكن حاصلة قبل الذوق ولهذا لا يكاد البكران يصبر أحدهما عن الآخر هذا ما لم يعرض للحب ما يفسده ويوجب نقله إلى غير المحبوب وأما ما احتج به الآخرون فجوابه أن الشهوة والإرادة لم تطفأ نارها بالكلية بل فترت شهوة ذلك الوقت ثم تعود أمثالها وإنما يظهر هذا إذا غاب أحدهما عن حبيبه وإلا فما دام بمرأى منه وهو قادر عليه متى أحب فإن النفس تسكن بذلك وتطمئن به وهذا حال كل من كان بحضرته ما يحتاج إليه من طعام وشراب ولباس وهو قادر عليه فإن نفسه تسكن عنده فإذا حيل بينه وبينه اشتد طلبه له ونزاع نفسه إليه على أن المحب للشيء متى أفرط في تناول محبوبه نفرت نفسه منه وربما انقلبت محبته كراهية وسيأتي مزيد بيان لهذا في باب سلو المحبين إن شاء الله تعالى فصل: ودواعي الحب من المحبوب جماله إما الظاهر أو الباطن أو هما معا فمتى كان جميل الصورة جميل الأخلاق والشيم والأوصاف كان الداعي منه أقوى وداعي الحب من المحب أربعة أشياء أولها النظر إما بالعين أو بالقلب إذا(1\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "87",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8171",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصف له فكثير من الناس يحب غيره ويفنى فيه محبة وما رآه لكن وصف له ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم المرأة أن تنعت المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها والحديث في الصحيح الثاني الاستحسان فإن لم يورث نظره استحسانا لم تقع المحبة الثالث الفكر في المنظور وحديث النفس به فإن شغل عنه بغيره مما هو أهم عنده منه لم يعلق حبه بقلبه وإن كان لا يعدم خطرات وسوانح ولهذا قيل العشق حركة قلب فارغ ومتى صادف هذا النظر والاستحسان والفكر قلبا خاليا تمكن منه كما قيل أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا فإن قيل فهل يتوقف على الطمع في الوصول إلى المحبوب أم لا قيل الناس في هذا على أقسام منهم من يعشق الجمال المطلق فقلبه معلق به إن استقلت ركائبه وإن حلت مضاربه وهذا لا يتوقف عشقه على الطمع ومنهم من يعشق الجمال المقيد سواء طمعت نفسه في وصاله أم لم تطمع ومنهم من لا يعشق إلا من طمعت نفسه في وصاله فإن يئس منه لم يعلق حبه بقلبه والأقسام الثلاثة واقعة في الناس فإذا وجد النظر والاستحسان والفكر والطمع هاجت بلابله وأمكن من معشوقه مقاتله واستحكم داؤه وعجز عن الأطباء دواؤه تالله ما أسر الهوى من عاشق ... إلا وعز على النفوس فكاكه وإذا كان النظر مبدأ العشق فحقيق بالمطلق أن لا يعرض نفسه للإسار الدائم بواسطة عينه وإذ قد أفضى بنا الكلام إلى النظر فلنذكر حكمه وغائلته(1\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "88",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8172",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب السادس: في أحكام النظر وعائلته وما يجني على صاحبه قال الله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن الآية فلما كان غض البصر أصلا لحفظ الفرج بدأ بذكره ولما كان تحريمه تحريم الوسائل فيباح للمصلحة الراجحة ويحرم إذا خيف منه الفساد ولم يعارضه مصلحة أرجح من تلك المفسدة لم يأمر سبحانه بغضه مطلقا بل أمر بالغض منه وأما حفظ الفرج فواجب بكل حال لا يباح إلا بحقه فلذلك عم الأمر بحفظه وقد جعل الله سبحانه العين مرآة القلب فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته وفي الصحيح أن الفضل بن عباس رضي الله عنهما كان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر من مزدلفة إلى منى فمرت ظعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه إلى الشق الآخر وهذا منع وإنكار بالفعل فلو كان النظر جائزا لأقره عليه وفي الصحيح عنه أنه قال إن الله عز وجل كتب على ابن آدم حظه من الزنى(1\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "89",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8173",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أدرك ذلك لا محالة فالعين تزني وزناها النظر واللسان يزني وزناه النطق والرجل تزني وزناها الخطى واليد تزني وزناها البطش والقلب يهوى ويتمنى والفرج يصدق ذلك أو يكذبه فبدأ بزنى العين لأنه أصل زنى اليد والرجل والقلب ولافرج ونبه بزنى اللسان بالكلام على زنى الفم بالقبل وجعل الفرج مصدقا لذلك إن حقق الفعل أو مكذبا له إن لم يحققه وهذا الحديث من أبين الأشياء على أن العين تعصي بالنظر أن ذلك زناها ففيه رد على من أباح النظر مطلقا وثبت عنه أنه قال يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الثانية ووقعت مسألة ما تقول السادة العلماء في رجل نظر إلى امرأة نظرة فعلق حبها بقلبه واشتد عليه الأمر فقالت له نفسه هذا كله من أول نظرة فلو أعدت النظر إليها لرأيتها دون ما في نفسك فسلوت عنها فهل يجوز له تعمد النظر ثانيا لهذا المعنى فكان الجواب الحمد لله لا يجوز هذا لعشرة أوجه أحدها أن الله سبحانه أمر بغض البصر ولم يجعل شفاء القلب فيما حرمه على العبد الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن نظر الفجأة وقد علم أنه يؤثر في القلب فأمر بمداواته بصرف البصر لا بتكرار النظر الثالث أنه صرح بأن الأولى له وليست له الثانية ومحال أن يكون داؤه مما له ودواؤه فيما ليس له الرابع أن الظاهر قوة الأمر بالنظرة الثانية لا تناقصه والتجربة شاهدة به والظاهر(1\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "90",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8174",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن الأمر كما رآه أول مرة فلا تحسن المخاطرة بالإعادة الخامس أنه ربما رأى ما هو فوق الذي في نفسه فزاد عذابه السادس أن إبليس عند قصده للنظرة الثانية يقوم في ركائبه فيزين له ما ليس بحسن لتتم البلية السابع أنه لا يعان على بليته إذا أعرض عن امتثال أوامر الشرع وتداوى بما حرمه عليه بل هو جدير أن تتخلف عنه المعونة الثامن أن النظرة الأولى سهم مسموم من سهام إبليس ومعلوم أن الثانية أشد سما فكيف يتداوى من السم بالسم التاسع أن صاحب هذا المقام في مقام معاملة الحق عز وجل في ترك محبوب كما زعم وهو يريد بالنظرة الثانية أن يتبين حال المنظور إليه فإن لم يكن مرضيا تركه فإذا يكون تركه لأنه لا يلائم غرضه لا لله تعالى فأين معاملة الله سبحانه بترك المحبوب لأجله العاشر يتبين بضرب مثل مطابق للحال وهو أنك إذا ركبت فرسا جديدا فمالت بك إلى درب ضيق لا ينفذ ولا يمكنها تستدير فيه للخروج فإذا همت بالدخول فيه فاكبحها لئلا تدخل فإذا دخلت خطوة أو خطوتين فصح بها وردها إلى وراء عاجلا قبل أن يتمكن دخولها فإن رددتها إلى ورائها سهل الأمر وإن توانيت حتى ولجت وسقتها داخلا ثم قمت تجذبها بذنبها عسر عليك أو تعذر خروجها فهل يقول عاقل إن طريق تخليصها سوقها إلى داخل فكذلك النظرة إذا أثرت في القلب فإن عجل الحازم وحسم المادة من أولها سهل علاجه وإن كرر النظر ونقب عن محاسن الصورة ونقلها إلى قلب فارغ فنقشها فيه تمكنت المحبة وكلما تواصلت النظرات كانت كالماء يسقي الشجرة فلا تزال شجرة الحب تنمى حتى يفسد القلب ويعرض عن الفكر فيما أمر به فيخرج(1\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "91",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8175",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صاحبه إلى المحن ويوجب ارتكاب المحظورات والفتن ويلقي القلب في التلف والسبب في هذا أن الناظر التذت عينه بأول نظرة فطلبت المعاودة كأكل الطعام اللذيذ إذا تناول منه لقمة ولو أنه غض أولا لاستراح قلبه وسلم وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فإن السهم شأنه أن يسري في القلب فيعمل فيه عمل السم الذي يسقاه المسموم فإن بادر استفرغه وإلا قتله ولا بد قال المروذي قلت لأحمد الرجل ينظر إلى المملوكة قال أخاف عليه الفتنة كم نظرة قد ألقت في قلب صاحبها البلابل وقال ابن عباس الشيطان من الرجل في ثلاثة في نظره وقلبه وذكره وهو من المرأة في ثلاثة في بصرها وقلبها وعجزها فصل: ولما كان النظر من أقرب الوسائل إلى المحرم اقتضت الشريعة تحريمه وأباحته في موضع الحاجة وهذا شأن كل ما حرم تحريم الوسائل فإنه يباح للمصلحة الراجحة كما حرمت الصلاة في أوقات النهي لئلا تكون وسيلة إلى التشبه بالكفار في سجودهم للشمس أبيحت للمصلحة الراجحة كقضاء الفوائت وصلاة الجنازة وفعل ذوات الأسباب على الصحيح وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فمن غض بصره عن محاسن امرأة أورث الله قلبه حلاوة يجدها(1\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "92",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8176",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى يوم يلقاه أو كما قال وقال جرير بن عبد الله رضي الله عنهما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري ونظرة الفجأة هي النظرة الأولى التي تقع بغير قصد من الناظر فما لم يعتمده القلب لا يعاقب عليه فإذا نظر الثانية تعمدا أثم فأمره النبي صلى الله عليه وسلم عند نظرة الفجأة أن يصرف بصره ولا يستديم النظر فإن استدامته كتكريره وأرشد من ابتلي بنظرة الفجأة أن يداويه بإتيان امرأته وقال إن معها مثل الذي معها فإن في ذلك التسلي عن المطلوب بجنسه والثاني أن النظر يثير قوة الشهوة فأمره بتنقيصها بإتيان أهله ففتنة النظر أصل كل فتنة كما ثبت في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم quot;اتقوا الدنيا واتقوا النساءquot; وفي مسند محمد بن إسحاق السراج من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم quot;أخوف ما أخاف على أمتي النساء والخمرquot; وقال ابن عباس رضي الله عنهما لم يكفر من كفر ممن مضى إلا من قبل النساء وكفر من بقي من قبل النساء(1\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "93",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8177",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: وفي غض البصر عدة فوائد أحدها تخليص القلب من ألم الحسرة فإن من أطلق نظره دامت حسرته فأضر شيء على القلب إرسال البصر فإنه يريه ما يشتد طلبه ولا صبر له عنه ولا وصول له إليه وذلك غاية ألمه وعذابه قال الأصمعي رأيت جارية في الطواف كأنها مهاة فجعلت أنظر إليها وأملأ عيني من محاسنها فقالت لي يا هذا ما شأنك قلت وما عليك من النظر فأنشأت تقول وكنت متى أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر والنظرة تفعل في القلب ما يفعل السهم في الرمية فإن لم تقتله جرحته وهي بمنزلة الشرارة من النار ترمى في الحشيش اليابس فإن لم يحرقه كله أحرقت بعضه كما قيل كل الحوادث مبداها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة فتكت في قلب صاحبها ... فتك السهام بلا قوس ولا وتر والمرء ما دام ذا عين يقلبها ... في أعين الغيد موقوف على الخطر يسر مقلته ما ضر مهجته ... لا مرحبا بسرور عاد بالضرر والناظر يرمي من نظره بسهام غرضها قلبه وهو لا يشعر فهو إنما يرمي قلبه ولي من أبيات يا راميا بسهام اللحظ مجتهدا ... أنت القتيل بما ترمي فلا تصب وباعث الطرف يرتاد الشفاء له ... توقه إنه يأتيك بالعطب(1\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "94",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8178",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الفرزدق تزود منها نظرة لم تدع له ... فؤادا ولم يشعر بما قد تزودا فلم أر مقتولا ولم أر قاتلا ... بغير سلاح مثلها حين أقصدا وقال آخر ومن كان يؤتى من عدو وحاسد ... فإني من عيني أتيت ومن قلبي هما اعتوراني نظرة ثم فكرة ... فما أبقيا لي كل من رقاد ولا لب وقال آخر رماني بها طرفي فلم تخط مقلتي ... وما كل من يرمى تصاب مقاتله إذا مت فابكوني قتيلا لطرفه ... قتيل صديق حاضر ما يزيله وقال ابن المعتز متيم يرعى نجوم الدجى ... يبكي عليه رحمة عاذله عيني أشاطت بدمى في الهوى ... فابكوا قتيلا بعضه قاتله ومثله للمتنبي وأنا الذي اجتلب المنية طرفه ... فمن المطالب والقتيل القاتل وقال أيضا يا نظرة نفت لرقاد وغادرت ... في حد قلبي ما بقيت فلولا كانت من الكحلاء سؤلي وإنما ... أجلي تمثل في فؤادي سولا وقال أيضا(1\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "95",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8179",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقي الأمير من العيون فإنه ... مالا يزول ببأسه وسخائه يستأسر البطل الكمي بنظرة ... ويحول بين فؤاده وعزائه وقال الصوري إذا أنت لم ترع البروق اللوامحا ... ونمت جرى من تحتك السيل سائحا غرست الهوى باللحظ ثم احتقرته ... وأهملته مستأنسا متسامحا ولم تدر حتى أينعت شجراته ... وهبت رياح الوجد فيه لواقحا فأمسيت تستدعي من الصبر عازبا ... عليك وتستدني من النوم نازحا ودخل أصبهان مغن فكان يتغنى بهذين البيتين سماعا يا عباد الله مني ... وكفوا عن ملاحظة الملاح فإن الحب آخره المنايا ... وأوله شبيه بالمزاح وقال آخر وشادن لما بدا ... أسلمني إلى الردى بظرفه ولطفه ... وطرفه لما بدا أردت أن أصيده ... فصاد قلبي وعدا وقال آخر يعاتب عينه والله يا بصري الجاني على جسدي ... لأطفئن بدمعي لوعة الحزن تالله تطمع أن أبكي هوى وضنى ... وأنت تشبع من غمض ومن وسن هيهات حتى ترى طرفا بلا نظر ... كما أرى في الهوى شخصا بلا بدن(1\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "96",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8180",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال آخر يا من يرى سقمي يزيد ... وعلتي أعيت طبيبي لا تعجبن فهكذا ... تجني العيون على القلوب وقال آخر لواحظنا تجني ولا علم عندنا ... وأنفسنا مأخوذة بالجرائر ولم أرى أغبى من نفوس عفائف ... تصدق أخهار العيون الفواجر ومن كانت الأجفان حجاب قلبه ... أذن على أحشائه بالفواقر وقال آخر ومستفتح باب البلاء بنظرة ... تزود منها قلبه حسرة الدهر فوالله ما تدري أيدري بما جنث ... على قلبه أم أهلكته وما يدري وقال آخر أنا ما بين عدوين هما قلبي وطرفي ... ينظر الطرف ويهوى القلب والمقصود حتفي وقال الخفاجي رمت عينها عيني وراحت سليمة ... فمن حاكم بين الكحيلة والعبرى فيا طرف قد حذرتك النظرة التي ... خلست فما راقبت نهيا ولا زجرا(1\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "97",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8181",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويا قلب قد أرداك طرفي مرة ... فويحك لم طاوعته مرة أخرى ولي من أبيات لعل معناها مبتكر ألم أقل لك لا تسرق ملاحظة ... فسارق اللحظ لا ينجو من الدرك نصبت طرفي له لما بدا شركا ... فكان قلبي أولى منه بالشرك الفائدة الثانية أنه يورث القلب نورا وإشراقا يظهر في العين وفي الوجه وفي الجوارح كما أن إطلاق البصر يورثه ظلمة تظهر في وجهه وجوارحه ولهذا والله أعلم ذكر الله سبحانه آية النور في قوله تعالى الله نور السموات والأرض عقيب قوله قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم وجاء الحديث مطابقا لهذا حتى كأنه مشتق منه وهو قوله quot;النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فمن غض بصره عن محاسن امرأة أورث الله قلبه نوراquot; الحديث الفائدة الثالثة أنه يورث صحةالفراسة فإنها من النور وثمراته وإذا استنار القلب صحت الفراسة لأنه يصير بمنزلةالمرآة المجلوة تظهر فيها المعلومات كما هي والنظر بمنزلة التنفس فيها فإذا أطلق العبد نظرة تنفست نفسه الصعداء في مرآة قلبه فطمست نورها كما قيل مرآة قلبك لا تريك صلاحه ... والنفس فيها دائما تتنفس وقال شجاع الكرماني من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة وغض بصره عن المحارم وكف نفسه عن الشهوات وأكل من(1\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "98",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8182",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحلال لم تخطىء فراسته وكان شجاع لا تخطىء له فراسة والله سبحانه وتعالى يجزى العبد على عمله بما هو من جنسه فمن غض بصره عن المحارم عوضه الله سبحانه وتعالى إطلاق نور بصيرته فلما حبس بصره لله أطلق الله نور بصيرته ومن أطلق بصره في المحارم حبس الله عنه بصيرته الفائدة الرابعة أنه يفتح له طرق العلم وأبوابه ويسهل عليه أسبابه وذلك بسبب نور القلب فإنه إذا استنار ظهرت فيه حقائق المعلومات وانكشفت له بسرعة ونفذ من بعضها إلى بعض ومن أرسل بصره تكدر عليه قلبه وأظلم وانسد عليه باب العلم وطرقه الفائدة الخامسة أنه يورث قوة القلب وثباته وشجاعته فيجعل له سلطان البصير مع سلطان الحجة وفي الأثر إن الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله ولهذا يوجد في المتبع لهواه من ذل القلب وضعفه ومهانة النفس وحقارتها ما جعله الله لمن آثر هواه على رضاه قال الحسن إنهم وإن هملجت بهم البغال طقطقت بهم البراذين إن ذل المعصية لفي قلوبهم أبى الله إلا أن يذل من عصاه وقال بعض الشيوخ الناس يطلبون العز بأبواب الملوك ولا يجدونه إلا في طاعة الله ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه ومن عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه وفيه قسط ونصيب من فعل من عاداه بمعاصيه وفي دعاء القنوت إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت الفائدة السادسة أنه يورث القلب سرورا وفرحة وانشراحا أعظم من اللذة والسرور الحاصل بالنظر وذلك لقهره عدوه بمخالفته ومخالفة نفسه وهواه(1\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "99",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8183",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأيضا فإنه لما كف لذته وحبس شهوته لله وفيها مسرة نفسه الأمارة بالسوء أعاضه الله سبحانه مسرة ولذة أكمل منها كما قال بعضهم والله للذة العفة أعظم من لذة الذنب ولا ريب أن النفس إذا خالفت هواها أعقبها ذلك فرحا وسرورا ولذة أكمل من لذة موافقة الهوى بما لا نسبة بينهما وهاهنا يمتاز العقل من الهوى الفائدة السابعة أنه يخلص القلب من أسر الشهوة فإن الأسير هو أسير شهوته وهواه فهو كما قيل طليق برأي العين وهو أسير ومتى أسرت الشهوة والهوى القلب تمكن منه عدوه وسامه سوء العذاب وصار كعصفورة في كف طفل يسومها ... حياض الردى والطفل يلهو ويلعب الفائدة الثامنة أنه يسد عنه بابا من أبواب جهنم فإن النظر باب الشهوة الحاملة على مواقعة الفعل وتحريم الرب تعالى وشرعه حجاب مانع من الوصول فمتى هتك الحجاب ضري على المحظور ولم تقف نفسه منه عند غاية فإن النفس في هذا الباب لا تقتع بغاية تقف عندها وذلك أن لذتها في الشيء الجديد فصاحب الطارف لا يقتعه التليد وإن كان أحسن منه منظرا وأطيب مخبرا فغض البصر يسد عنه هذا الباب الذي عجزت الملوك عن استيفاء أغراضهم فيه الفائدةالتاسعة أنه يقوي عقله ويزيده ويثبته فإن إطلاق البصر وإرساله(1\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "100",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8184",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يحصل إلا من خفة العقل وطيشه وعدم ملاحظته للعواقب فإن خاصة العقل ملاحظة العواقب ومرسل النظر لو علم ما تجني عواقب نظره عليه لما أطلق بصره قال الشاعر بو أعقل الناس من لم يرتكب سببا ... حتى يفكر ما تجني عواقبه الفائدة العاشرة أنه يخلص القلب من سكر الشهوة ورقدة الغفلة فإن إطلاق البصر يوجب استحكام الغفلة عن الله والدار الآخرة ويوقع في سكرة العشق كما قال الله تعالى عن عشاق الصور لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون فالنظرة كأس من خمر والعشق هو سكر ذلك الشراب وسكر العشق أعظم من سكر الخمر فإن سكران الخمر يفيق وسكران العشق قلما يفيق إلا وهو في عسكر الأموات كما قيل سكران سكر هوى وسكر مدامة ... ومتى إفاقته من به سكران وفوائد غض البصر وآفات إرساله أضعاف أضعاف ما ذكرنا وإنما نبهتا عليه تنبيها ولا سيما النظر إلى من لم يجعل الله سبيلا إلى قضاء الوطر منه شرعا كالمردان الحسان فإن إطلاق النظر إليهم السم الناقع والداء العضال وقد روى الحافظ محمد بن ناصر من حديث الشعبي مرسلا قال قدم وفد عبد القيس على النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضاءة فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم وراء ظهره وقال كانت خطيئة من مضى من النظر وقال سعيد بن المسيب إذا رأيتم الرجل يحد النظر إلى(1\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "101",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8185",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الغلام الأمرد فاتهموه وقد ذكر ابن عدي في كامله من حديث بقية عن الوازع عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحد الرجل النظر إلى الغلام الأمرد وكان إبراهيم النخعي وسفيان الثوري وغيرهما من السلف ينهون عن مجالة المردان قال النخعي مجالستهم فتنة وإنما هم بمنزلة النساء وبالجملة فكم من مرسل لحظاته رجع بجيش صبره مغلولا ولم يقلع حتى تشحط بينهم قتيلا يا ناظرا ما أقلعت لحظاته ... حتى تشحط بينهن قتيلا(1\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "102",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8186",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "الباب السابع: في ذكر مناظرة بين القلب والعين ولوم كل واحد منهما صاحبه والحكم بينهما",
        "content": "الباب السابع: في ذكر مناظرة بين القلب والعين ولوم كل واحد منهما صاحبه والحكم بينهما ... الباب السابع:في ذكر مناظرة بين القلب والعين ولوم كل منهما صاحبه والحكم بينهما لما كانت العين رائدا والقلب باعثا وطالبا وهذه لها لذة الرؤية وهذا له لذة الظفر كانا في الهوى شريكي عنان ولما وقعا في العناء واشتركا في البلاء أقبل كل منهما يلوم صاحبه ويعاتبه فقال القلب للعين أنت التي سقتني إلى موارد الهلكات وأوقعتني في الحسرات بمتابعتك اللحظات ونزهت طرفك في تلك الرياض وطلبت الشفاء من الحدق المراض وخالفت قول أحكم الحاكمين قل للمؤمنين وقول رسوله quot;النظر إلى المرأة سهم مسموم من سهام إبليس فمن تركه من خوف الله عز وجل أثابه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبهquot; رواه الإمام أحمد حدثنا هشيم حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن محارب بن دثار عن صلة عن حذيفة وقال عمر بن شبة حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا عنبسة بن عبد الرحمن القرشي حدثنا أبو الحسن المدني حدثنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;نظر الرجل في محاسن المرأة سهم مسموم من سهام إبليس مسموم فمن أعرض عن ذلك السهم أعقبه الله عبادة تسره quot; فمن الملوم سوى من رمى صاحبه بالسهم المسموم أو ما علمت أنه ليس شيء أضر على الإنسان من العين واللسان فما عطب(1\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "103",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8187",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أكثر من عطب إلا بهما وما هلك أكثر من هلك إلا بسببهما فلله كم من مورد هلكة أورداه ومصدر ردى عنه أصدراه فمن أحب أن يحيا سعيدا أو يعيش حميدا فليغض من عنان طرفه ولسانه ليسلم من الضرر فإنه كامن في فضول الكلام وفضول النظر وقد صرح الصادق المصدوق بأن العينين تزنيان وهما أصل زنى الفرج فإنهما له رائدان وإليه داعيان وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فأمر السائل أن يصرف بصره فأرشده إلى ما ينفعه ويدفع عنه ضرره وقال لابن عمه علي رضي الله عنه محذرا له مما يوقع في الفتنة ويورث الحسرة quot;لا تتبع النظرة النظرةquot; أوما سمعت قول العقلاء من سرح ناظره أتعب خاطره ومن كثرت لحظاته دامت حسراته وضاعت عليه أوقاته وفاضت عبراته وقول الناظم نظر العيون إلى العيون هو الذي ... جعل الهلاك إلى الفؤاد سبيلا ما زالت اللحظات تغزو قلبه ... حتى تشحط فيهن قتيلا وقال آخر تمتعتما يا مقلتي بنظرة ... وأوردتما قلبي أمر الموارد أعيني كفا عن فؤادي فإنه ... من الظلم سعى اثنين في قتل واحد فصل: قالت العين ظلمتني أولا وآخرا وبؤت بإثمي باطنا وظاهرا وما أنا(1\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "104",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8188",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلا رسولك الداعي إليك ورائدك الدال عليك وإذا بعثت برائد نحو الذي ... تهوى وتعتبه ظلمت الرائدا فأنت الملك المطاع ونحن الجنود والأتباع أركبتني في حاجتك خيل البريد ثم أقبلت علي بالتهديد والوعيد فلو أمرتني أن أغلق علي بابي وأرخي علي حجابي لسمعت وأطعت ولما رعيت في الحمى ورتعت أرسلتني لصيد قد نصيت لك حبائله وأشراكه واستدارت حولك فخاخه وشباكه فغدوت أسيرا بعد أن كنت أميرا وأصبحت مملوكا بعد أن كنت مليكا هذا وقد حكم لي عليك سيد الأنام وأعدل الحكام حيث يقول quot;إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلبquot; وقال أبو هريرة رضي الله عنه القلب ملك والأعضاء جنوده فإن طاب الملك طابت جنوده وإذا خبث الملك خبثت جنوده ولو أنعمت النظر لعلمت أن فساد رعيتك بفسادك وصلاحها ورشدها برشادك ولكنك هلكت وأهلكت رعيتك وحملت على العين الضعيفة خطيئتك وأصل بليتك أنه خلا منك حب الله وحب ذكره وكلامه وأسمائه وصفاته وأقبلت على غيره وأعرضت عنه وتعوضت بحب من سواه والرغبة فيه منه هذا وقد سمعت ما قص عليك من إنكاره سبحانه على بني إسرائيل استبدالهم طعاما بطعام أدنى منه فذمهم على ذلك ونعاه عليهم وقال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير(1\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "105",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8189",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكيف بمن استبدل بمحبة خالقه وفاطره ووليه ومالك أمره الذي لا صلاح له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور ولا فرحة ولا نجاة إلا بأن يوحده في الحب ويكون أحب إليه مما سواه فانظر بالله بمن استبدلت وبمحبة من تعوضت رضيت لنفسك بالحبس في الحش وقلوب محبيه تجول حول العرش فلو أقبلت عليه وأعرضت عمن سواه لرأيت العجائب ولأمنت من المتالف والمعاطب أوما علمت أنه خص بالفوز والنعيم من أتاه بقلب سليم أي سليم مما سواه ليس فيه غير حبه واتباع رضاه قالت وبين ذنبي وذنبك عند الناس كما بين عماي وعماك في القياس وقد قال من بيده أزمة الأمور فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمىالقلوب التي في الصدور فصل: فلما سمعت الكبد تحاورهما الكلام وتناولهما الخصام قالت أنتما على هلاكي تساعدتما وعلى قتلي تعاونتما ولقد أنصف من حكى مناظرتكما وعلى لساني متظلما منكما يقول: طرفي لقلبي هجت لي سقما ... والعين تزعم أن القلب أنكاها والجسم يشهد أن العين كاذبة ... وهي التي هيجت للقلب بلواها لولا العيون وما يجنين من سقم ... ما كنت مطرحا من بعض قتلاها فقالت الكبد المظلومة اتئدا ... قطعتماني وما راقبتما الله(1\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "106",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8190",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال آخر يقول قلبي لطرفي أن بكى جزعا ... تبكي وأنت الذي حملتني الوجعا فقال طرفي له فيما يعاتبه ... بل أنت حملتني الآمال والطمعا حتى إذا ما خلا كل بصاحبه ... كلاهما بطويل السقم قد قنعا نادتهما كبدي لا تبعدا فلقد ... قطعتماني بما لاقيتما قطعا وقال آخر عاتبت قلبي لما ... رأيت جسمي نحيلا فألزم القلب طرفي ... وقال كنت الرسولا فقال طرفي لقلبي ... بل كنت أنت الدليلا فقلت كفا جميعا ... تركتماني قتيلا ثم قالت أنا أتولى الحكم بينكما أنتما في البلية شريكا عنان كما أنكما في اللذة والمسرة فرسا رهان فالعين تلتذ والقلب يتمنى ويشتهي ولهذا قال فيكما القائل ولما سلوت الحب بشر ناظري ... لقلبي فقال القلب لي ولك الهنا تخلصت من إحياء ليلك ساهرا ... وخلصتني من لوعة الهجر والضنا كلانا مهنا بالبقاء فإن تعد ... فلا أنت يبقيك الغرام ولا أنا وإن لم تدرككما عناية مقلب القلوب والأبصار وإلا فما لك من قرة ولا للقلب من قرار قال الشاعر فوالله ما أدري أنفسي ألومها ... على الحب أم عيني المشومة أم قلبي فإن لمت قلبي قال لي العين أبصرت ... وإن لمت عيني قالت الذنب للقلب(1\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "107",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8191",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعيني وقلبي قد تقاسمتما دمي ... فيا رب كن عونا على العين والقلب قالت هذه ولما سقيت القلب ماء المحبة بكؤوسك أوقدت عليه نار الشوق فارتفع إليك البخار فتقاطر منك فشرقت بشربه أولا وشرقت بحر ناره ثانيا قال خذي بيدي ثم اكشفي الثوب فانظري ... ضنى جسدي لكنني أتستر وليس الذي يجري من العين ماؤها ... ولكنها روح تذوب فتقطر قالت والحاكم بينكما الذي يحكم بين الروح والجسد إذا اختصما بين يديه فإن في الأثر المشهور لا تزال الخصومة يوم القيامة بين الخلائق حتى تختصم الروح والجسد فيقول الجسد للروح أنت الذي حركتني وأمرتني وصرفتني وإلا فأنا لم أكن أتحرك ولا أفعل بدونك فتقول الروح له وأنت ألذي أكلت وشربت وباشرت وتنعمت فأنت الذي تستحق العقوبة فيرسل الله سبحانه إليهما ملكا يحكم بينهما فيقول مثلكما مثل مقعد بصير وأعمى يمشي دخلا بستانا فقال المقعد للأعمى أنا أرى ما فيه من الثمار ولكن لا أستطيع القيام وقال الأعمى أنا أستطيع القيام ولكن لا أبصر شيئا فقال له المقعد تعال فاحملني فأنت تمشي وأنا أتناول فعلى من تكون العقوبة فيقول عليهما قال فكذلك أنتما وبالله التوفيق(1\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "108",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8192",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "الباب الثامن: في ذكر الشبه التي احتج بها من أباح النظر إلى من لا يحل له الاستمتاع به وأباح عشقه",
        "content": "الباب الثامن: في ذكر الشبه التي احتج بها من أباح النظر إلى من لا يحل له الاستمتاع به وأباح عشقه قالت هذه الطائفة بيننا وبينكم الكتاب والسنة وأقوال أئمة الإسلام والمعقول الصحيح أما الكتاب فقوله تعالى أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء وهذا يعم جميع ما خلق الله فما الذي أخرج من عمومه الوجه المليح وهو من أحسن ما خلق وموضع الاستدلال به والاعتبار أقوى ولذلك يسبح الخالق سبحانه عند رؤيته كما قال بعض الناظرين إلى جميل الصورة ذي طلعة سبحان فالق صبحه ... ومماطف جلت يمين الغارس مرت بأرجاء الخيال طيوفه ... فبكت على رسم السلو الدارس ورؤية الجمال البديع تنطق ألسنة الناظرين بقولهم سبحان الله رب العالمين وتبارك الله أحسن الخالقين والله تعالى لم يخلق هذه المحاسن عبثا وإنما أظهرها ليستدل الناظر إليها على قدرته ووحدانيته وبديع صنعه فلا تعطل عما خلقت له وأما السنة فالحديث المشهور quot;النظر إلى الوجه المليح عبادة quot;(1\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "109",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8193",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الحديث الآخر quot;اطلبوا الخير من حسان الوجوه quot; وفي هذا إرشاد إلى تصفح الوجوه وتأملها وخطب رجل امرأة فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم في نكاحها فقال هل نظرت إليها فقال لا قال اذهب فانظر إليها ولو كان النظر حراما لما أطلق له أن ينظر فإنه لا يأمن الفتنة وأما أقوال الأئمة فحكى السمعاني أن الشافعي رضي الله عنه كتب إليه رجل في رقعة سل المفتى المكي هل في تزاور ... ونظرة مشتاق الفؤاد جناح فأجابه الشافعي معاذ إله العرش أن يذهب التقى ... تلاصق أكباد بهن جراح وذكر الخرائطي هذا السؤال والجواب عن عطاء بن أبي رباح وأوله سألت عطاء المكي وذكر الحاكم في مناقب الشافعي رضي الله عنه من شعره يقولون لا تنظر وتلك بلية ... ألا كل ذي عينين لا بد ناظر وليس اكتحال العين بالعين ريبة ... إذا عف فيما بين الضمائر وذكر الاسترباذي في كتاب مناقب الشافعي أن رجلا كتب إلى سعيد ابن المسيب يا سيد التابعين والبرره ... نسيت في العشق سورة البقره فكن بفتواك مشفقا رفقا ... باهى بك الله أكرم البرره هل حرم الله لثم خد فتى ... أوصافه بالجمال مشتهره(1\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "110",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8194",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأجابه سعيد يا سائلي عن خفي لوعته ... عليك بالصبر تحمدن أثره ولا تكن طالبا لفاحشة ... أو كالذي ساق سيله مطره وراقب الله واخش سطوته ... وخالف الفاسقين والفجره وقبل الخد من حبيبك ذا ... في كل يوم وليلة عشره وقال أبو العباس المبرد في الكامل قال أعرابي أنشدنيه أبو العالية سألت الفتى المكي ذا العلم ما الذي ... يحل من التقبيل في رمضان فقال لي المكي أما لزوجة ... فسبع وأما خلة فثمان وذكر أبو بكر الخطيب في كتاب رواه مالك عن بعضهم أقول لمفت بين مكة والصفا ... لك الخير هل في وصلهن حرام وهل في صموت الحجل مهضومة الحشا ... عذاب الثنايا إن لثمت أثام فقال لي المفتي وسالت دموعه ... على الخد من عينيه فهي تؤام ألا ليتني قبلت تلك عشية ... ببطن منى والمحرمون نيام وقال الحاكم في كتاب مناقب الشافعي حدثنا أبو العلاء بن كوشيار الحاري أنبأنا علي بن سليمان الأخفش عن محمد بن الجهم قال سمعت الربيع يقول حضرت الشافعي بمكة وقد دفع إليه رجل رقعة فيها(1\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "111",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8195",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أقول لمفتي خيف مكة والصفا ... لك الخير هل في وصلهن حرام وهل في صموت الحجل مهضومة الحشا ... عذاب الثنايا إن لثمت أثام قال فوقع الشافعي فيها فقال لي المفتي وفاضت دموعه ... على الخد من عين وهن تؤام ألا ليتني قبلت تلك عشية ... ببطن منى والمحرمون قيام وقال عمرو بن سفيان ابن ابنة جامع بن مرخية إنا سألنا مالكا وقرينه ... ليث بن سعد عن لثام الوامق أيجوز قالا والذي خلق الورى ... ما حرم الرحمن قبلة عاشق ذكر ذلك صاحب كتاب رستاق الاتفاق وهو شاعر المصريين وأنشد فيه لعمرو بن سفيان هذا وكتب بها إلى ابن عيينة قلنا لسفيان الهلالي مرة ... حرمت ضم العاشق المشتاق لحبيبه من بعد نأي ناله ... فأجاب لا والواحد الخلاق وأنشد فيه لجده جامع وكتب بها إلى علي بن زيد بن جدعان سألنا ابن جدعان بن عمر وأخا العلا ... أيحرم لثم الحب في ليلة القدر فقال لنا المكي وناهيك علمه ... ألا لا ومن قد جاء بالشفع والوتر وأنشد لإبراهيم بن المدبر وكتب بها إلى أبي بكر بن عياش أحد أئمة القراء(1\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "112",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8196",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ".. ... سألت ابن عياش وكان معلما ... لك الخير هل في ضمة الحب من وزر فقال أبو بكر ولا في لثامه ... ألم يأتنا التنزيل بالوضع للإصر وأنشد لآخر وكتب بها إلى الإمام أحمد بن حنبل قال وزعم بعضهم أنه إسحاق بن معاذ بن زهير شاعر أهل مصر في وقته سألت إمام الناس نجل ابن حنبل ... عن الضم والتقبيل هل فيه من باس فقال إذا جل العزاء فواجب ... لأنك قد أحييت عبدا من الناس وأنشد لابن مرخية وكتب بها إلى أبي حنيفة كتبت إلى النعمان يوما رسالة ... نسائله عن لثم حب ممنع فقال لنا لا إثم فيه وإنه ... شهي إذا كانت لعشر وأربع وكتب رجل إلى أبي جعفر الطحاوي أبا جعفر ماذا تقول فإنه ... إذا نابنا خطب عليك المعول فلا تنكرن قولي وأبشر برحمة ال ... إله عن الأمر الذي عنه نسأل أب الحب عار أم من الحب مهرب ... وهل من لحا أهل الصبابة يجهل وهل بمباح فيه قتل متيم ... يهاجره أحبابه وهو يوصل فرأيك في رد الجواب فإنني ... بما فيه تقضي أيها الشيخ أفعل فأجابه الطحاوي سأقضي قضاء في الذي عنه تسأل ... وأحكم بين العاشقين فأعدل فديتك ما بالحب عار علمته ... وللعار ترك الحب إن كنت تعقل ومهما لحا في الحب لاح فإنه ... لعمرك عندي من ذوي الجهل أجهل(1\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "113",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8197",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وليس مباحا عندنا قتل مسلم ... بلا ترة بل قاتل النفس يقتل ولكنه إن مات في الحب لم يكن ... له قود فيه ولا عنه يعقل وصالك من تهوى وإن صد واجب ... عليك كذا حكم المتيم يفعل فهذا جواب فيه عندي قناعة ... لما جئت عنه أيها الصب تسأل ويكفي أن المعتزلة من أشد الناس تعظيما للذنوب وهم يخلدون أصحاب الكبائر ولا يرون تحريم ذلك كما ذكره الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في تاريخه المشهور لبعض المعتزلة سألنا أبا عثمان عمرا وواصلا ... عن الضم والتقبيل للخد والجيد فقالا جميعا والذي هو عادل ... يجوز بلا إثم فدع قول تفنيد وقال إسحاق بن شبيب سألنا شيوخ الواسطيين كلهم ... عن الرشف والتقبيل هل فيهما إثم فقالوا جميعا ليس إثما لزوجة ... ولا خلة والضم من هذه غنم وأنشد أبو الحسن علي بن إبراهيم بن محمد بن سعد الخير في كتابه شرح الكامل فلما أن أبيح لنا التلاقي ... تعانقنا كما اعتنق الصديق وهل حرجا تراه أو حراما ... مشوق ضمه صب مشوق وقال الخطيب في تاريخ بغداد حدثنا أبو الحسن علي بن أيوب بن الحسن إملاء حدثنا أبو عبد الله المرزباني وابن حيويه وابن شاذان قالوا حدثنا(1\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "114",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8198",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة نفطويه بقرطبة قال دخلت على محمد بن داود الأصبهاني في مرضه الذي مات فيه فقلت له كيف تجدك قال حب من تعلم أورثني ما ترى فقلت له ما منعك عن الاستمتاع به مع القدرة عليه قال الاستمتاع على وجهين أحدهما النظر المباح والثاني اللذة المحظورة فأما النظر المباح فأورثني ما ترى وذكر القصة وستأتي في باب عفاف العشاق والمقصود أنه لم ير النظر إلى معشوقه ولا عشقه حراما وجرى على هذا المذهب أبو محمد بن حزم في كتاب طوق الحمامة له قالوا ونحن نحاكمكم إلى واحد يعد بآلاف مؤلفة وهو شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه سئل ما تقول السادة الفقهاء رضي الله عنهم في رجل عاشق في صورة وهي مصرة على هجره منذ زمن طويل لا تزيده إلا بعدا ولا يزداد لها إلا حبا وعشقه لهذه الصورة من غير فسق ولا خنى ولا هو ممن يدنس عشقه بزنى وقد أفضى به الحال إلى الهلاك لا محالة إن بقي مع محبوبه على هذه الحالة فهل يحل لمن هذه حاله أن يهجر وهل يجب وصاله علىالمحبوب المذكور وهل يأثم ببقائه على هجره وما يجب من تفاصيل أمرهما وما لكل واحد منهما على الآخر من الحقوق مما يوافق الشرع الشريف فأجاب بخطه بجواب طويل قال في أثنائه فالعاشق له ثلاث مقامات ابتداء وتوسط ونهاية أما ابتداؤه فواجب عليه فيه كتمان ذلك وعدم إفشائه للخلق مراعيا في ذلك شرائط الفتوة من العفة مع القدرة فإن زاد به الحال إلى المقام الأوسط فلا بأس بإعلام محبوبه بمحبته إياه فيخف بإعلامه وشكواه إليه ما يجد منه ويحذر من اطلاع الناس على ذلك فإن زاد به الأمر حتى خرج عن الحدود والضوابط التحق بالمجانين والموسوسين فانقسم العشاق(1\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "115",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8199",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قسمين قسم قنعوا بالنظرة بعد النظرة فمنهم من يموت وهو كذلك ولا يظهر سره لأحد حتى محبوبه لا يدري به وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من عشق فعف فكتم فمات فهو شهيد والقسم الثاني أباحوا لمن وصل إلى حد يخاف على نفسه منه القبلة في الحين قالوا لأن تركها قد يؤدي إلى هلاك النفس والقبلة صغيرة وهلاك النفس كبيرة وإذا وقع الإنسان في مرضين داوى الأخطر ولا خطر أعظم من قتل النفس حتى أوجبوا على المحبوب مطاوعته على ذلك إذا علم أن ترك ذلك يؤدي إلى هلاكه واحتجوا بقول الله تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وبقوله تعالى الذين يجتنبون كبائر الأثم والفواحش إلا اللمم وبحديث الذي قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لقيت امرأة أجنبية فأصبت منها كل شيء إلا النكاح قال أصليت معنا قال نعم قال إن الله قد غفر لك فأنزل الله تعالى وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ثم قال فإن كان هذا السائل كما زعم ممن لا يدنس عشقه بزنى ولا يصحبه بخنى فينظر في حاله فإن كان من الطبقة الأولى(1\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "116",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8200",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالنظر كاف لهم إن صدقت دعواهم وإن كان من الطبقة الثانية فلا بأس بشكواه إلى محبوبه كي يرق عليه ويرحمه وإن غلب عليه الحال فالتحق بالثالثة أبيح له ما ذكرنا بشرط أن لا يكون أنموذجا لفعل القبيح المحرم فيلتحق بالكبائر ويستحق القتل عند ذلك ويزول عنه العذر ويحق عليه كلمة العذاب انتهى ما ذكرناه من جوابه قالوا وقد جوزت طائفة من فقهاء السلف والخلف والعلماء استمناء الإنسان بيده إذا خاف الزنى وقد جوزت طائفة من الفقهاء لمن خاف على نفسه في الصوم الواجب من شدة الشبق أن تتشقق أنثياه أن يجامع امرأته وبنوا على ذلك فرعا وهو إذا كان له امرأتان حائض وصائمة فهل يطأ هذه أو هذه على وجهين ولا ريب أن النظر والقبلة والضم إذا تضمن شفاءه من دائه كان أسهل من الاستمناء باليد والوطء في نهار رمضان وقد جوز بعض الفقهاء للمرأة إذا خافت الزنى أن تتخذ لها شيئا تدخله في فرجها وتخرجه لئلا تقع في محظور الزنى ولا ريب أن الشريعة جاءت بالتزام الدخول في أدنى المفسدتين دفعا لأعلاهما وتفويت أدنى المصلحتين تحصيلا لأعلاهما فأين مفسدة النظر والقبلة والضم من مفسدة المرض والجنون أو الهلاك جملة فهذا ما احتجت به هذه الفرقة ونحن نذكر ما لها وما عليها في ذلك بحول الله وقوته وعونه(1\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "117",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8201",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب: التاسع في الجواب عما احتجت به هذه الطائفة وما لها وما عليها في هذا الاحتجاج وشبههم التي ذكروها دائرة بين ثلاثة أقسام أحدها نقول صحيحة لا حجة لهم فيها والثاني نقول كاذبة عمن نسبت إليه من وضع الفساق والفجار كما سنبينه الثالث نقول مجملة محتملة لخلاف ما ذهبوا إليه فأما احتجاجهم بقوله تعالى أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء فهو نظير احتجاجهم بعينه على إباحة السماع الشيطاني الفسقي بقوله تعالى فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه قالوا والقول عام فحملوا لفظه ومعناه ما هو بريء منه وإنما القول هاهنا ما أمرهم الله باستماعه وهو وحيه الذي أنزله على رسوله وهو الذي قال فيه أفلم يدبروا القرآن وقال تعالى ولقد وصلنا لهم القول فهذا هو القول الذي أمروا باتباع أحسنه كما قال واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم والنظر الذي أمرنا سبحانه به المؤدي إلى معرفته والإيمان به ومحبته والاستدلال على صدق رسله فيما أخبروا به عنه من أسمائه وصفاته وأفعاله وعقابه وثوابه لا النظر الذي يوجب تعلق الناظر(1\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "118",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8202",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالصورة التي يحرم عليه الاستمتاع بها نظرا ومباشرة فهذا النظر الذي أمر الله سبحانه وتعالى صاحبه بغض بصره هذا مع أن القوم لم يبتلوا بالمردان وهم كانوا أشرف نفوسا وأطهر قلوبا من ذلك فإذا أمرهم بغض أبصارهم عن الصورة التي تباح لهم في بعض الأحوال خشية الافتتان فكيف النظر إلى صورة لا تباح بحال ثم يقال لهذه الطائفة النظر الذي ندب الله إليه نظر يثاب عليه الناظر وهو نظر موافق لأمره يقصد به معرفة ربه ومحبته لا النظر الشيطاني ويشبه هذا الاستدلال استدلال بعض الزنادقة المنتسبين إلى الفقه على حل الفاحشة بمملوك الرجل بقوله تعالى إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ومعتقد ذلك كافر حلال الدم بعد قيام الحجة عليه وإنما تسترت هذه الطائفة لهواها وشهواتها وأوهمت أنها تنظر عبرة واستدلالا حتى آل ببعضهم الأمر إلى أن ظنوا أن نظرهم عبادة لأنهم ينظرون إلى مظاهر الجمال الإلهي ويزعمون أن الله سبحانه وتعالى عن قول إخوان النصارى يظهر في تلك الصورة الجميلة ويجعلون هذا طريقا إلى الله كما وقع فيه طوائف كثيرة ممن يدعي المعرفة والسلوك قال شيخنا رحمه الله تعالى وكفر هؤلاء شر من كفر قوم لوط وشر من كفر عباد الأصنام فإن أولئك لم يقولوا إن الله سبحانه يتجلى في تلك الصورة وعباد الأصنام غاية ما قالوه ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى وهؤلاء قالوا نعبدهم لأن الله ظهر في صورهم وحكى لي شيخنا أن(1\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "119",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8203",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجلا من هؤلاء مر به شاب جميل فجعل يتبعه بصره فأنكر عليه جليس له وقال لا يصلح هذا لمثلك فقال إني أرى فيه صفات معبودي وهو مظهر من مظاهر جماله فقال لقد فعلت به وصنعت فقال وإن قال شيخنا فلعن الله أمة معبودها موطوؤها قال وسئل أفضل متأخريهم العفيف التلمساني فقيل له إذا كان الوجود واحدا فما الفرق بين الأخت والبنت والأجنبية حتى تحل هذه فقال الجميع عندنا سواء ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم ومن هؤلاء الزنادقة من يخص ذلك ببعض الصور فهؤلاء من جنس النصارى بل هم إخوانهم فالنظر عند هؤلاء إلى الصور المحرمة عبادة ويشبه أن يكون هذا الحديث من وضع بعض هؤلاء الزنادقة أو مجان الفساق وإلا فرسول الله صلى الله عليه وسلم بريء منه وسئل شيخنا عمن يقول النظر إلى الوجه الحسن عبادة ويروى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فهل ذلك صحيح أم لا فأجاب بأن قال هذا كذب باطل ومن روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أو ما يشبهه فقد كذب عليه فإن هذا لم يروه أحد من أهل الحديث لا بإسناد صحيح ولا ضعيف بل هو من الموضوعات وهو مخالف لإجماع المسلمين فإنه لم يقل أحد إن النظر إلى المرأة الأجنبية والصبي الأمرد عبادة ومن زعم ذلك فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل فإن النظر منه ما هو حرام ومنه ما هو مكروه ومنه ما هو مباح والله أعلم وأما الحديث الآخر وهو quot;أطلبوا الخير من(1\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "120",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8204",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حسان الوجوهquot; فهذا وإن كان قد روي بإسناد إلا أنه باطل لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو صح لم يكن فيه حجة لهذه الطائفة فإنه إنما أمر بطلب الخير منهم لا بطلب وصالهم ونيل المحرم منهم فإن الوجه الجميل مظنة الفعل الجميل فإن الأخلاق في الغالب مناسبة للخلقة بينهما نسب قريب وأما أمر النبي صلى الله عليه وسلم للخاطب بأن ينظر إلى المخطوبة فذلك نظر للحاجة وهو مأمور به أمر استحباب عند الجمهور وأمر إيجاب عند بعض أهل الظاهر وهو من النظر المأذون فيه لمصلحة راجحة وهو دخول الزوج على بصيرة وأبعد من ندمه ونفرته عن المرأة فالنظر المباح أنواع هذا أحدها بخلاف النظر إلى الصورة المحرمة فصل: وأما ما ذكره السمعاني عن الشافعي رحمه الله تعالى فمن تحريف الناقل والسائل لم يذكر لفظ الشافعي والبيتان هكذا سألت الفتى المكي في تزاور ... ونظرة مشتاق الفؤاد جناح فقال معاذ الله أن يذهب التقى ... تلاصق أكباد بهن جراح فهذا السائل هو الذي ذكر السؤال والجواب وهو مجهول لا يعرف هل هو ثقة أم لا ثم إن الجواب لا يدل على مقصود هذه الفرقة بوجه ما بل هو حجة عليها فإنه نهى أن يذهب التقى تلاصق هذه الأكباد فكأنه قال(1\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "121",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8205",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا تتلاصق هذه الأكباد لئلا يذهب تلاصقها التقى فالتلاصق المذكور فاعل والتقى مفعول فكأنه قال لا يفعل لئلا يذهب التلاصق التقى وجواب آخر وهو أن هذا التلاصق إنما يكون غير مذهب للتقى إذا كان في عشق مباح بل مستحب كعشق الزوجة والأمة وأما ما ذكروا عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى فقد أجاب عنه سعيد نفسه فإنه لما مر به مرخية هذا السائل وكان من بني كلاب قال سعيد هذا من أكذب العرب قيل كيف يا أبا محمد قال أليس الذي يقول: سألت سعيد بن المسيب مفتي المدينة ... هل في حب دهماء من وزر فقال سعيد بن المسيب إنما ... تلام على ما تستطيع من الأمر كذب والله ما سألني عن شيء من هذا قط ولا أفتيته وإذا كان هذا جواب سعيد في مثل هذا فما جوابه لمن سأله أن يقبل حبيبا أجنبيا كل يوم وليلة عشرة فقبح الله الفسقة الكذابين على العلماء لا سيما على مثل سعيد فهؤلاء كلهم فسقة كاذبون أرادوا تنفيق فسقهم بالكذب على علماء وقتهم كما نفق الفاسق أبو نواس كذبه على إسحاق بن يوسف الأزرق قال عبد الله(1\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "122",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8206",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن محمد بن عائشة أتيت إسحاق بن يوسف الأزرق يوما فلما رآني بكى قلت ما يبكيك قال هذا أبو نواس قلت ماله قال يا جارية ائتيني بالقرطاس فإذا فيه مكتوب يا ساحر المقلتين والجيد ... وقاتلي منه بالمواعيد توعدني الوصل ثم تخلفني ... ويلاه من مخلف لموعودي حدثني الأزرق المحدث عن ... شمر وعوف عن ابن مسعود لا يخلف الوعد غير كافرة ... أو كافر في الجحيم مصفود كذب والله علي وعلى التابعين وعلى الصحابة ولو صح عن سعيد لم يكن لكم فيه حجة فإن سعيدا أمره بالصبر أولا ومراقبة الله وخوف سطوته ومخالفة الفسقة ثم أمره بتقبيل خد من يحبه كل يوم عشر مرات وهذا قطعا إنما أراد به من يحل له تقبيله من زوجة أو سرية فأمره أن يعتاض بقبلتها من لا يحل له ولا يظن بعلماء الإسلام غير هذا إلا مفرط في الجهل أو متهم على الدين وأما ذكره المبرد عن الأعرابي الذي سأل المفتي المكي عن القبلة في رمضان فقال للزوجة سبع وللخلة ثمان فهذا المستفتي والمفتي لا يعرف واحد منهما حتى يقبل خيره ولو صح ذلك وعرف المستفتي والمفتي لكانت الخلة هي أمته الجميلة وهي التي يحل تقبيلها ثمانيا فأكثر وأما أن يفتي أحد من أهل الإسلام بأنه يحل تقبيل المرأة الأجنبية المحرمة عليه ثمانيا في رمضان أو غيره فمعاذ الله من ذلك وهكذا حكم الأثر الذي ذكره الخطيب في كتاب رواه مالك ولا يظن بعالم أنه تمنى أن يقبل امرأة أجنبية وهو محرم ببطن منى فإن القبلة المذكورة تعرض الحج للفساد وتبطله عند طائفة فإن صح هذا فإنما اراد امرأته أو أمته(1\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "123",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8207",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الأثر الذي ذكره الحاكم في مناقب الشافعي رحمه الله تعالى فليس بين الحاكم وبين الربيع من يحتج به ويدل على أن القصة كذب ظاهر أن المستفتي زعم أن الشافعي أجاب بقوله فقال لي المفتي وفاضت دموعه وهذا إنما هو حكاية المستفتي قول المفتي فمن هو الحاكي عن الشافعي فدعوا هذه الأكاذيب والترهات وأما ما ذكرتم عن عمرو بن سفيان ابن بنت جامع فمن ذكر هذا عن عمرو ابن سفيان ومن هو عمرو بن سفيان ابن بنت جامع بن مرخية هذا وهذا موضع البيتين المشهورين سألنا عن ثمالة كل حي ... فقال القائلون ومن ثماله فقلت محمد بن يزيد منهم ... فقالوا زدتنا بهم جهاله وهل يحل لأحد أن يصدق عن مالك والليث بن سعد أنهما أجازا تقبيل خد المرأة الأجنبية المعشوقة أو خد الأمرد الجميل الصورة هذا وقصة مالك مع الذي ضم صبياإليه فأفتى بضربه ستمائة سوط فمات فقال له أبو الفتى قتلت ابني فقال قتله الله فمن هذا تشديده وفتواه هل يفتي بجواز تقبيل خدود المرد الحسان نعم ما حرم الرحمن قبلة عاشق يحل لمعشوقه مواصلته ولا قبلة الرجل خد ولده كما قبل الصديق رضي الله عنه خد ابنته عائشة رضي الله عنها ورأى أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم يقبل أحد ابني ابنته فقال وإنكم لتقبلون الصبيان إن لي عشرة من الولد ما قبلتهم فقال(1\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "124",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8208",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;وأملك لك إن نزع الله الرحمة من قلبكquot; وأما صاحب كتاب رستاق الاتفاق وهو شاعر المصريين فلعمر الله لقد أفسدت إذ أسندت فإنه الفاسق الماجن المسمى أبا الرقعمق ولكن لا ينكر هذا المتن بهذا الإسناد فإنه لا يليق إلا به وأما قصة إبراهيم بن المدبر عن أبي بكر بن عياش فنقل غير مصدق عن قائل غير معصوم وأما ما ذكروا عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى فوالذي لا إله غيره إنه لمن أقبح الكذب عليه ولو أن هذا الكاذب الفاسق نفق هذه الكذبة بغيره لراج أمرها بعض الرواج ولكن من شدة جهله نفقها بأحمد ابن حنبل وهو كمن نسب إليه القول بأن القرآن مخلوق أو تقديم علي على أبي بكر أو تقديم الرأي على السنة وأمثال ذلك وكذلك ما ذكره عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى ولو صح لم يكن فيه حجة لهذه الطائفة فإنه قال لا إثم فيه إذا كانت لعشر وأربع ولم يقل إذا كانت أجنبية ونحن نقول بما قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى إذا كان المعشوق حلالا وأما ما ذكر عن الطحاوي فلا نعلم صحته وإن صح فإنما أراد به التقبيل المباح فإن الرجل قد يبتلى بهجر زوجته أو أمته له فيسأل أطباء الدين وأطباء الجسم وأطباء الحب عن دوائه فيجيبه كل منهم بمقتضى علمه وما عنده وقد شكى مغيث زوج بريرة حبه لها فشفع عندها النبي صلى الله عليه وسلم أن(1\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "125",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8209",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تراجعه فلم تفعل وشكى إليه رجل أن امرأته لا ترد يد لامس فقال طلقها فقال إني أخاف أن تتبعها نفسي فقال استمتع بها ذكره الإمام أحمد والنسائي قال بعض أهل العلم راعى النبي صلى الله عليه وسلم دفع أعلى المفسدتين بأدناهما فإنه لما شكى إليه أنها لا ترد يد لامس أمره بطلاقها فلما أخبره عن حبها وأنه يخاف أن لا يصبر عنها ولعل حبه لها يدعوه إلى معصية أمره أن يمسكها مداواة لقلبه ودفعا للمفسدة التي يخافها باحتمال المفسدة التي شكا منها وأجاب أبو عبيدة عنه بأنها كانت لا ترد يد لامس يطلب منها العطاء فكانت لا ترد يد من سألها شيئا من مال الزوج ورد عليه هذا التأويل بأنه لا يقال لطالب العطاء لامس وإنما يقال له ملتمس وأجابت طائفة أخرى عنه بأن طرآن المعصية على النكاح لا توجب فساده وقال النسائي هذا الحديث منكر وعندي أن له وجها غير هذا كله فإن الرجل لم يشك من المرأة أنها تزني بكل من اراد ذلك منها ولو سأل عن ذلك لما أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يقيم مع بغي ويكون زوج بغي ديوثا وإنما شكى إليه أنها لا تجذب نفسها ممن لاعبها ووضع يده عليها أو جذب ثوبها ونحو ذلك فإن من النساء من تلين عند الحديث واللعب ونحوه وهي حصان عفيفة إذا أريد منها الزنى وهذا كان عادة كثير من نساء العرب ولا يعدون ذلك عيبا بل كانوا في الجاهلية يرون للزوج النصف الأسفل وللعشيق النصف الأعلى فللحب ما ضمت عليه نقابها ... وللبعل ما ضمت عليه المآزر(1\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "126",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8210",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمقصود أن القوم كانوا مع العاشق على معشوقه إذا كان يباح له وصاله وسنذكر ذلك في باب مساعدة العشاق بالمباح من التلاق إن شاء الله تعالى وأما ما ذكروا عن شيوخ المعتزلة وشيوخ الواسطيين فأما أبو عثمان المذكور وهو عمرو بن عبيد وواصل وهو واصل بن عطاء وهما شيخا القوم ولو أفتيا بذلك لكانت فتيا من مبتدعين مذمومين عند السلف والخلف فكيف والمخبر بذلك رجل مجهول من المعتزلة كذب على من يعظمهما المعتزلة لينفق فسقه وأما قصة محمد بن داود الأصبهاني فغايتها أن تكون من سعيه المعفو المغفور لا من عمله المشكور وسلط الناس بذلك على عرضه والله يغفر لنا وله فإنه تعرض بالنظر إلى السقم الذي صار به صاحب فراش وهذا لو كان ممن يباح له لكان نقصا وعيبا فكيف من صبي أجنبي وأرضاه الشيطان بحبه والنظر إليه عن مواصلته إذا لم يطمع في ذلك منه فنال منه ما عرف أن كيده لا يتجاوزه وجعله قدوة لمن يأتم به بعده كأبي محمد بن حزم الظاهري وغيره وكيد الشيطان أدق من هذا وأما أبو محمد فإنه على قدر يبسه وقسوته في التمسك بالظاهر وإلغائه للمعاني والمناسبات والحكم والعلل الشرعية انماع في باب العشق والنظر وسماع الملاهي المحرمة فوسع هذا الباب جدا وضيق باب المناسبات والمعاني والحكم الشرعية جدا وهو من انحرافه في الطرفين حين رد الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه في تحريم آلات اللهو بأنه معلق غير مسند وخفي عليه أن البخاري لقي من علقه عنه وسمع منه وهو هشام بن عمار وخفي عليه أن الحديث قد أسنده غير واحد من أئمة الحديث غير هشام بن عمار فأبطل سنة صحيحة(1\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "127",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8211",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا مطعن فيها بوجه وأما من حاكمتمونا إليه وهو شيخ الإسلام ابن تيمية فنحن راضون بحكمه فأين أباح لكم النظر المحرم وعشق المردان والنساء الأجانب وهل هذه إلا كذب ظاهر عليه وهذه تصانيفه وفتاواه كلها ناطقة بخلاف ما حكيتموه عنه وأما الفتيا التي حكيتموها فكذب عليه لا تناسب كلامه بوجه ولولا الإطالة لذكرناها جميعها حتى يعلم الواقف عليها أنها لا تصدر عمن دونه فضلا عنه وقلت لمن أوقفني عليها هذه كذب عليه لا يشبه كلامه وكان بعض الأمراء قد أوقفني عليها قديما وهي بخط رجل متهم بالكذب وقال لي ما كنت أظن الشيخ برقة هذه الحاشية ثم تأملتها فإذا هي كذب عليه ولولا الإطالة لذكرنا من فتاويه ما يبين أن هذه كذب وأما ما ذكرتم من مسألة التزام أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما فنحن لا ننكر هذه القاعدة بل هي من أصح قواعد الشريعة ولكن الشأن في إدخال هذه الصورة فيها بل نحاكمكم إلى هذه القاعدة نفسها فإن احتمال مفسدة ألم الحب مع غض البصر وعدم تقبيل المحبوب وضمه ونحو ذلك أقل من مفسدة النظر والتقبيل فإن هذه المفسدة تجر إلى هلاك القلب وفساد الدين وغاية ما يقدر من مفسدة الإمساك عن ذلك سقم الجسد أو الموت تفاديا عن التعرض للحرام فأين إحدى المفسدتين من الأخرى على أن النظر والقبلة(1\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "128",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8212",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والضم لا يمنع السقم والموت الحاصل بسبب الحب فإن العشق يزيد بذلك ولا يزول فما صبابة مشتاق على أمل ... من الوصال كمشتاق بلا أمل ولا ريب في أن محبة من له طمع أقوى من محبة من يئس من محبوبه ولهذا قال الشاعر وأبرح ما يكن الحب يوما ... إذا دنت الديار من الديار فإن قيل فقد أباح الله سبحانه للمضطر الميتة والدم ولحم الخنزير وتناولها في هذه الحال واجب عليه قال مسروق والإمام أحمد رحمهما الله تعالى من اضطر إلى أكل الميتة فلم يأكل فمات دخل النار فغاية النظرة والقبلة والضمة أن تكون محرمة فإذا اضطر العاشق إليها فإن لم تكن واجبة فلا أقل من أن تكون مباحة فهذا قياس واعتبار صحيح وأين مفسدة موت العاشق إلى مفسدة ضمه ولمه فالجواب أن هذا يتبين بذكر قاعدة وهي أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل في العبد اضطرارا إلى الجماع بحيث إن لم يفعله مات بخلاف اضطراره إلى الأكل والشرب واللباس فإنه من قوام البدن الذي إن لم يباشره هلك ولهذا لم يبح من الوطء الحرام ما أباح من تناول الغذاء والشراب المحرم فإن هذا من قبيل الشهوة واللذة التي هي تتمة وفضلة ولهذا يمكن الإنسان أن يعيش طول عمره بغير تزوج وغير تسر ولا يمكنه أن يعيش بغير طعام ولا شراب ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم الشباب أن يداووا هذه الشهوة بالصوم وقال تعالى عن عشاق المردان إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون(1\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "129",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8213",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النساء فأخبر أن الحامل على ذلك مجرد الشهوة لا الحاجة فضلا عن الضرورة والشهوة المجردة لا تلتحق بالضروريات ولا بالحاجات والحمية عنها خشية إفضائها إلى مرض أصعب منها جار مجرى الحمية عن تناول ما يضر من الأطعمة والأشربة وذلك لا تدعو الضرورة إلى تناوله وإن كانت النفس قد تشتهيه فالقبلة والنظر والضم ونحوها جار مجرى تناول الفاكهة المضرة والزفرة المضر للمحموم ومن به مرض يضره معه تناول ذلك فإذا قال المريض أنا إن لم أتناول ذلك وإلا خشيت الموت لم يكن صادقا في قوله وإنما الحامل له على ذلك مجرد الشهوة وربما زاد تناول ذلك في مرضه فالطبيب الناصح لا يفسح له فيه فكيف يفسح الشارع الحكيم الذي شريعته غاية طب القلوب والأديان وبها تحفظ صحتها وتدفع موادها الفاسدة في تناول ما يزيد الداء ويقويه ويمده هذا من المحال بل الشريعة تأمر بالحمية عن أسباب هذا الداء خوفا من استحكامه وتولد داء آخر أصعب منه وأما مسألة من خاف تشقق أنثييه وأنه يباح له الوطء في رمضان فهذا ليس على إطلاقه بل إن أمكنه إخراج مائه بغير الوطء لم يجز له الوطء بلا نزاع وإن لم يمكنه ذلك إلا بالوطء المباح فإنه يجري مجرى الإفطار لعذر المرض ثم يقضي ذلك اليوم والإفطار بالمرض لا يتوقف على خوف الهلاك فكيف إذا خاف تلف عضو من أعضائه القاتلة بل هذا نظير من اشتد عطشه وخاف إن لم يشرب أن يحدث له داء من الأدواء أو يتلف عضو(1\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "130",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8214",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من أعضائه فإنه يجوز له الشرب ثم يقضي يوما مكانه فإن قيل فلو اتفق له ذلك ولم يكن عنده إلا أجنبية هل يباح له وطؤها لئلا تتلف أنثياه قيل لا يباح له ذلك ولكن له أن يخرج ماءه باستمنائه فإن تعذر عليه فهل يجوز له أن يمكنها من استخراج مائه بيدها هذا فيه نظر فإن أبيح جرى مجرى تطبيب المرأة الأجنبية للرجل ومسها منه ما تدعو الحاجة إلى مسه وكذلك تطبيب الرجل للمرأة الأجنبية ومسه ما تدعو الحاجة إليه والله أعلم وقد سئل أبو الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني في رقعة قل لأبي الخطاب نجم الهدى ... وقدوة العالم في عصره لا زلت في فتواك مستأمنا ... من خدع الشيطان أو مكره ماذا ترى في رشإ أغيد ... حاز اللمى والدرر في ثغره لم يحك بدر التم في حسنه ... حتى حكى الزنبور في حضره فهل يجيز الشرع تقبيله ... لمستهام خاف من وزره أم هل على المشتاق في ضمه ... من غير إدناء إلى صدره إثم إذا ما لم يكن مضمرا ... غير الذي قدم من ذكره فأجاب يا أيها الشيخ الأديب الذي ... قد فاق أهل العصر في شعره تسأل عن تقبيل بدر الدجى ... وعطف زنديك على نحره(1\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "131",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8215",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هل ورد الشرع بتحليله ... لمستهام خاف من وزره من قارف الفتنة ثم ادعى ال ... عصمة قد نافق في أمره هل فتنة المرء سوى الضم والت ... قبيل للحب على ثغره وهل دواعي ذلك المشتهى ... إلا عناق البدر في خدره وبذله ذاك لمشتاقه ... يزري على هاروت في سحره ولا يجيز الشرع أسباب ما ... يورط المسلم في حظره فانج ودع عنك صداع الهوى ... عساك أن تسلم من شره هذا جواب الكلوزاني قد ... جاءك يرجو الله في أجره فهذا جواب أهل العلم وهو مطابق لما ذكرناه والله تعالى أعلم وسئل الإمام أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله بأبيات يا أيها العالم ماذا ترى ... في عاشق ذاب من الوجد من حب ظبي أغيد أهيف ... سهل المحيا حسن القد فهل ترى تقبيله جائزا ... في الفم والعينين والخد من غير ما فحش ولا ريبة ... بل بعناق جائز الحد إن كنت ما تفتي فإني إذا ... أصيح من وجدي وأستعدي فكتب رحمه الله تعالى الجواب ياذا الذي ذاب من الوجد ... وظل في ضر وفي جهد إسمع فدتك النفس من ناصح ... بنصحه يهدي إلى الرشد لو صح منك العشق ما جئتني ... تسألني عنه وتستعدي فالعاشق الصادق في حبه ... ما باله يسأل ما عندي(1\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "132",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8216",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غيبه العشق فما إن يرى ... يعيد في العشق ولا يبدي وكل ما تذكر مستفتيا ... حرمه الله على العبد إلا لما حلله ربنا ... في الشرع بالإبرام والعقد فعد من طرق الهوى معرضا ... وقف بباب الواحد الفرد وسله يشفيك ولا يبتلي ... قلبك بالتعذيب والصد وعف في العشق ولا تبده ... واصبر وكاتم غاية الجهد فإن تمت محتسبا صابرا ... تفز غدا في جنة الخلد(1\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "133",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8217",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب العاشر: في ذكر حقيقة العشق وأوصافه وكلام الناس فيه فالذي عليه الأطباء قاطبة أنه مرض وسواسي شبيه بالماليخوليا يجلبه المرء إلى نفسه بتسليط فكره على استحسان بعض الصور والشمائل وسببه النفساني الاستحسان والفكر وسببه البدني ارتفاع بخار رديء إلى الدماغ عن مني محتقن ولذلك أكثر ما يعتري العزاب وكثرة الجماع تزيله بسرعة وقال بعض الفلاسفة العشق طمع يتولد في القلب ويتحرك وينمي ثم يتربى ويجتمع إليه مواد من الحرص وكلما قوي ازداد صاحبه في الاهتياج واللجاج والتمادي في الطمع والحرص على الطلب حتى يؤديه ذلك إلى الغم والقلق ويكون احتراق الدم عند ذلك باستحالته إلى السوداء والتهاب الصفراء وانقلابها إليها ومن غلبة السوداء يحصل له فسادالفكر ومع فساد الفكر يكون زوال العقل ورجاء ما لا يكون وتمني مالا يتم حتى يؤدي إلى الجنون فحينئذ ربما قتل العاشق نفسه وربما مات غما وربما نظر إلى معشوقه فمات فرحا وربما شهق شهقة فتختنق روحه فيبقى أربعة وعشرين ساعة فيظن أنه قد مات فيدفن وهو حي وربما تنفس الصعداء فتختنق نفسه في تامور قلبه وينضم عليها القلب ولا ينفرج حتى يموت وتراه إذا ذكر له من يهواه هرب دمه واستحال لونه وقال أفلاطون العشق حركة النفس الفارغة وقال أرسطاطاليس العشق عمى الحس عن إدراك عيوب المحبوب ومن هذا أخذ جرير قوله(1\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "134",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8218",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلست براء عيب ذي الود كله ... ولا بعض ما فيه إذا كنت راضيا فعين الرضى عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا وقال أرسطو العشق جهل عارض صادف قلبا فارغا لا شغل له من تجارة ولا صناعة وقال غيره هو سوء اختيار صادف نفسا فارغة قال قيس بن الملوح أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا وقال بعضهم لم أر حقا أشبه بباطل ولا باطلا أشبه بحق من العشق هزله جد وجده هزل وأوله لعب وآخره عطب وقال الجاحظ العشق اسم لما فضل عن المحبة كما أن السرف اسم لما جاوز الجود والبخل اسم لما جاوز الاقتصاد فكل عشق يسمى حبا وليس كل حب يسمى عشقا والمحبة جنس والعشق نوع منها ألا ترى أن كل محبة شوق وليس كل شوق محبة وقالت فرقة أخرى العشق هو الاستهيام والتضرع واللوذان بالمعشوق والوجد هو الحب الساكن والهوى أن يهوى الشيء فيتبعه غيا كان أو رشدا والحب حرف ينتظم هذه الثلاثة وقال المأمون ليحيى بن أكثم ما العشق فقال سوانح تسنح للمرء فيهيم بها قلبه وتؤثرها نفسه فقال له ثمامة بن أشرس اسكت يا يحيى إنما عليك أن تجيب في مسألة طلاق أو محرم صاد ظبيا فأما هذه فمن مسائلنا نحن فقال له المأمون قل يا ثمامة قال العشق جليس ممتع وأليف مؤنس وصاحب ملك مسالكه لطيفة ومذاهبه غامضة وأحكامه جارية ملك الأبدان وأرواحها(1\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "135",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8219",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والقلوب وخواطرها والعقول وآراءها قد أعطي عنان طاعتها وقوة تصرفها توارى عن الأبصار مدخله وعمي في القلوب مسلكه فقال له المأمون أحسنت يا ثمامة وأمر له بألف دينار وقال بعضهم قلت لمجنون قد أذهب عقله العشق أجز هذاالبيت وما الحب إلا شعلة قدحت بها ... عيون المها باللحظ بين الجوانح فقال بديها ونار الهوى تخفى وفي القلب فعلها ... كفعل الذي جاءت به كف قادح وقال الأصمعي سألت أعرابيا عن العشق فقال جل والله عن أن يرى وخفي عن أبصار الورى فهو في الصدور كامن ككمون النار في الحجر إن قدح أوري وإن ترك توارى وقال بعضهم العشق نوع من الجنون والجنون فنون فالعشق فن من فنونه واحتج بقول قيس قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم ... ألعشق أعظم مما بالمجانين العشق لا يستفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين وقال آخر إذا امتزجت جواهر النفوس بوصف المشاكلة أنتجت لمح نور ساطع تستضيء به النفس في معرفة محاسن المعشوق فتسلك طريق الوصول إليه وقال أعرابي العشق أعظم مسلكا في القلب من الروح في الجسم وأملك بالنفس من ذاتها بطن وظهر فامتنع وصفه عن اللسان وخفي نعته عن البيان فهو بين السحر والجنون لطيف المسلك والكمون وقيل العشق ملك غشوم مسلط ظلوم دانت له القلوب وانقادت له الألباب وخضعت(1\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "136",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8220",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ".. له النفوس العقل أسيره والنظر رسوله واللحظ لفظه دقيق المسلك عسير المخرج وقيل لآخر ما تقول في العشق فقال إن لم يكن طرفا من الجنون فهو نوع من السحر وأما الفلاسفة المشاؤون فقالوا هو اتفاق أخلاق وتشاكل محبات وتجانسها وشوق كل نفس إلى مشاكلها ومجانسها في الخلقة القديمة قبل إهباطها إلى الأجساد قلت هذا مبني على قولهم الفاسد بتقدم النفوس على الأبدان وعليه بنى ابن سينا قصيدته المشهورة هبطت إليك من المحل الأرفع وسمعت شيخنا يحكي عن بعض فضلاء المغاربة وهو جمال الدين بن الشريشي شارح المقامات أنه كان ينكر أن تكون هذه له قال وهي مخالفة لما قرره في كتبه من أن حدوث النفس الناطقة مع البدن وقال آخرون في وصفه دق عن الأفهام مسلكه وخفي عن الأبصار موضعه وحارت العقول في كيفية تمكنه غير أن ابتداء حركته وعظم سلطانه من القلب ثم يتغشى سائر الأعضاء فيبدي الرعدة في الأطراف والصفرة في الألوان والضعف في الرأي واللجلجة في الكلام والزلل والعثار حتى ينسب صاحبه إلى الجنون وقيل لأبي زهير المديني ما العشق قال الجنون والذل وهو داء أهل الظرف ونظر عاشق إلى معشوقه فارتعدت فرائصه وغشي عليه فقيل لحكيم ما الذي أصابه فقال نظر إلى من يحبه فانفرج له قلبه فتحرك الجسم بانفراج القلب فقيل له نحن نحب أولادنا وأهلنا ولا(1\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "137",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8221",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يصيبنا ذلك فقال تلك محبة العقل وهذه محبة الروح قال وما هو إلا أن يراها فجاءة ... فتصطك رجلاه ويسقط للجنب وقال العشق ملك مسلط على قهر النفوس وأسر القلوب قال الشاعر ملك القلوب فأصبحت في أسره ... وبودها أن لا يفك إسارها وقال أعرابي في وصفه بالقلب وثبته وبالفؤاد وجبته وبالأحشاء ناره وسائر الأعضاء خدامه فالقلب من العاشق ذاهل والدمع منه هامل والجسم منه ناحل مرور الليالي تجدده وإساءة المحبوب لا تفسده وقيل ليس هو موقوفا على الحسن والجمال وإنما هو تشاكل النفوس وتمازجها في الطباع المخلوقة فيها كما قيل وما الحب من حسن ولا من ملاحة ... ولكنه شيء به الروح تكلف وقيل أول العشق عناء وأوسطه سقم وآخره قتل كما قال ابن الفارض رحمه الله هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهل ... فما اختاره مضنى به وله عقل وعش خاليا فالحب أوله عنى ... وأوسطه سقم وآخره قتل(1\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "138",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8222",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "الباب الحادي عشر: في العشق هل هو اضطراري خارج عن الاختيار أو أمر اختياري واختلاف الناس في ذلك وذكر الصواب فيه",
        "content": "الباب الحادي عشر: في العشق هل هو اضطراري خارج عن الاختيار أو أمر اختياري واختلاف الناس في ذلك وذكر الصواب فيه فنقول اختلف الناس في العشق هل هو اختياري أو اضطراري خارج عن مقدور البشر فقالت فرقة هو اضطراري وليس باختياري قالوا وهو بمنزلة محبة الظمآن للماء البارد والجائع للطعام وهذا مما لا يملك قال بعضهم والله لو كان لي من الأمر شيء ما عذبت عاشقا لأن ذنوب العشاق اضطرارية فإذا كان هذا قوله فيما تولد عن العشق من فعل اختياري فما الظن بالعشق نفسه وقال أبو محمد بن حزم قال رجل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه يا أمير المؤمنين إني رأيت امرأة فعشقتها فقال عمر ذاك مما لا يملك وقال كامل في سلمى يلومونني في حب سلمى كأنما ... يرون الهوى شيئا تيممته عمدا ألا إنما الحب الذي صدع الحشا ... قضاء من الرحمن يبلو به العبدا وقال التميمي في كتاب امتزاج الأرواح سئل بعض الأطباء عن العشق فقال إن وقوعه بأهله ليس باختيار منهم ولا بحرصهم عليه ولا لذة لأكثرهم فيه ولكن وقوعه بهم كوقوع العلل المدنفة والأمراض المتلفة لا فرق بينه وبين ذلك وقال المدائني لام رجل رجلا من أهل الهوى فقال لو صح لذي هوى اختيار لاختار أن لا يهوى ويدل على ذلك من السنة ما رواه(1\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "139",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8223",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البخاري في صحيحه من قصة بريرة أن زوجها كان يمشي خلفها بعد فراقها له وقد صارت أجنبية منه ودموعه تسيل على خديه فقال النبي صلى الله عليه وسلم quot;يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثا ثم قال لها لو راجعتيه فقالت أتأمرني فقال إنما أنا شافع قالت لا حاجة لي فيهquot; ولم ينهه عن عشقها في هذه الحال إذ ذلك شيء لا يملك ولا يدخل تحت الاختيار وقال جامع سألت سعيد بن المسيب مفتي ال ... مدينة هل في حب دهماء من وزر فقال سعيد بن المسيب إنما ... يلام على ما يستطاع من الأمر قالوا والعشق نوع من العذاب والعاقل لا يختار عذاب نفسه وفي هذا قال المؤمل شف المؤمل يوم الحيرة النظر ... ليت المؤمل لم يخلق له بصر يكفي المحبين في الدنيا عذابهم ... والله لا عذبتهم بعدها سقر فيقال إنه عمي بعد هذا وقال آخر ليس الهوى إلى الرأي فيملكه ولا إلى العقل فيدركه ثم أنشد ليس خطب الهوى بخطب يسير ... لا ينبيك عنه مثل خبير ليس أمر الهوى يدبر بالرأ ... ي ولا بالقياس والتفكير إنما الأمر في الهوى خطرات ... محدثات الأمور بعد الأمور وقال القاضي أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد بن سلمان النوقاتي في كتابه(1\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "140",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8224",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محنة الظراف العشاق معذورون على الأحوال إذ العشق إنما دهاهم عن غير اختيار بل اعتراهم عن جبر واضطرار والمرء إنما يلام على ما يستطيع من الأمور لا على المقضي عليه والمقدور فقد قيل إن الحامل كانت ترى يوسف عليه الصلاة والسلام فتضع حملها فكيف ترى هذه وضعته أباختيار كان ذلك أم باضطرار قال غيره وهؤلاء النسوة قطعن أيديهن لما بدا لهن حسن يوسف عليه السلام وما تمكن حبه من قلوبهن فكيف لو شغفن حبا وكان مصعب بن الزبير إذا رأته المرأة حاضت لحسنه وجماله قال فيه الشاعر إنما مصعب شهاب من الل ... هـ تجلت عن وجهه الظلماء ومن هاهنا أخذ أحمد بن الحسين الكندي المتنبي قوله تق الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت حاضت في الخدور العواتق فإذا كان هذا من مجرد الرؤية فكيف بالمحبة التي لا تملك وقال هشام ابن عروة عن أبيه مات بالمدينة عاشق فصلى عليه زيد بن ثابت فقيل له في ذلك فقال إني رحمته ورؤي أبو السائب المخزومي وكان من العلم والدين بمكان متعلقا بأستار الكعبة وهو يقول اللهم ارحم العاشقين وقو قلوبهم واعطف عليهم قلوب المعشوقين فقيل له في ذلك فقال والله للدعاء لهم أفضل من عمرة من الجعرانة ثم أنشد يا هجر كف عن الهوى ودع الهوى ... للعاشقين يطيب يا هجر ماذا تريد من الذين جفونهم ... قرحى وحشو قلوبهم جمر(1\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "141",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8225",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "متبلدين من الهوى ألوانهم ... مما تجن قلوبهم صفر وسوابق العبرات فوق خدودهم ... درر تفيض كأنها قطر ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بجارية تتغنى هل علي ويحكما ... إن هويت من حرج فتبسم وقال quot;لا حرج إن شاء الله quot; قالوا وقد فسر كثير من السلف قوله تعالى ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به بالعشق وهذا لم يريدوا به التخصيص وإنما أرادوا به التمثيل وأن العشق من تحميل مالا يطاق والمراد بالتحميل هاهنا التحميل القدري لا الشرعي الأمري قالوا وقد رأينا جماعة من العشاق يطوفون على من يدعو لهم أن يعافيهم الله من العشق ولو كان اختيارا لأزالوه عن نفوسهم ومن هاهنا يتبين خطأ كثير من العاذلين وعذلهم في هذه الحال بمنزلة عذل المريض في مرضه قال(1\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "142",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8226",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ياعاذلي والأمر في يده ... هلا عذلت وفي يدي الأمر وإنما ينبغي العذل قبل تعلق هذا الداء بالقلب كما قيل فيه يذكرني حم ولرمح شاجر ... فهلا تلاحم قبل التقدم وقالت فرقة أخرى بل اختياري تابع لهوى النفس وإرادتها بل هو استحكام الهوى الذي مدح الله من نهى عنه نفسه فقال تعالى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى فمحال أن ينهى الإنسان نفسه عما لا يدخل تحت قدرته قالوا والعشق حركة اختيارية للنفس إلى نحو محبوبها وليس بمنزلة الحركات الاضطرارية التي لا تدخل تحت قدرة العبد قالوا وقد ذم الله سبحانه وتعالى أصحاب المحبة الفاسدة الذين يحبون من دونه أندادا ولو كانت المحبة اضطرارية لما ذموا على ذلك قالوا ولأن المحبة إرادة قوية والعبد يحمد ويذم على إرادته ولهذا يحمد مريد الخير وإن لم يفعله ويذم مريد الشر وإن لم يفعله وقد ذم الله الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا وأخبر أن لهم عذابا أليما ولو كانت المحبة لا تملك لم يتوعدهم بالعذاب على(1\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "143",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8227",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما لا يدخل تحت قدرتهم قالوا والعقلاء قاطبة مطبقون على لوم من يحب ما يتضرر بمحبته وهذا فطرة فطر الله عليها الخلق فلو اعتذر بأني لا أملك قلبي لم يقبلوا له عذرا فصل: وفصل النزاع بين الفريقين أن مبادىء العشق وأسبابه اختيارية داخلة تحت التكليف فإن النظر والتفكر والتعرض للمحبة أمر اختياري فإذا أتى بالأسباب كان ترتب المسبب عليها بغير اختياره كما قيل تولع بالعشق حتى عشق ... فلما استقل به لم يطق رأى لجة ظنها موجة ... فلما تمكن منها غرق تمنى الإقالة من ذنبه ... فلم يستطعها ولم يستطق وهذا بمنزلة السكر من شرب الخمر فإن تناول المسكر اختياري وما يتولد عنه السكر اضطراري فمتى كان السبب واقعا باختياره لم يكن معذورا فيما تولد عنه بغير اختياره فمتى كان السبب محظورا لم يكن السكران معذورا ولا ريب أن متابعة النظر واستدامة الفكر بمنزلة شرب المسكر فهو يلام على السبب ولهذا إذا حصل العشق بسبب غير محظور لم يلم عليه صاحبه كمن كان يعشق امرأته أو جاريته ثم فارقها وبقي عشقها غير مفارق له فهذا لا يلام على ذلك كما تقدم في قصة بريرة ومغيث وكذلك إذا نظر نظرة فجاءة ثم صرف بصره وقد تمكن العشق من قلبه بغير اختياره على أن عليه مدافعته وصرفه(1\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "144",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8228",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن قلبه بضده فإذا جاء أمر يغلبه فهناك لا يلام بعد بذل الجهد في دفعه ومما يبين ما قلناه أن سكر العشق أعظم من سكر الخمر كما قال الله تعالى عن عشاق الصور من قوم لوط لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون وإذا كان أدنى السكرين لا يعذر صاحبه إذا تعاطى أسبابه فكيف يعذر صاحب السكر الأقوى مع تعاطي أسبابه وإذ قد وصلنا إلى هذا الموضع فلنذكر بابا في سكرة الحب وسببها(1\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "145",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8229",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "الباب الثاني عشر: في سكرة العشاق",
        "content": "الباب الثاني عشر: في سكرة العشاق ولا بد قبل الخوض في ذلك من بيان حقيقة السكر وسببه وتولده فنقول السكر لذة يغيب معها العقل الذي يعلم به القول ويحصل معه التمييز قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون فجعل الغاية التي يزول بها حكم السكران أن يعلم ما يقول فمتى لم يعلم ما يقول فهو في السكر وإذا علم ما يقول خرج عن حكمه وهذا هو حد السكران عند جمهور أهل العلم قيل للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى بماذا يعلم أنه سكران فقال إذا لم يعرف ثوبه من ثوب غيره ونعله من نعل غيره ويذكر عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال إذا اختلط كلامه المنظوم وأفشى سره المكتوم وقال محمد بن داود الأصفهاني إذا عزبت عنه الهموم وباح بسره المكتوم فالسكر يجمع معنيين وجود لذة وعدم تمييز والذي يقصد السكر قد يقصد أحدهما وقد يقصد كليهما فإن النفس لها هوى وشهوات تلتذ بإدراكها والعلم بما في تلك اللذات من المفاسد العاجلة والآجلة يمنعها من تناولها والعقل يأمرها بأن لا تفعل فإذا زال العقل الآمر والعلم الكاشف انبسطت النفس في هواها وصادفت مجالا واسعا وحرم الله سبحانه وتعالى السكر لشيئين ذكرهما في كتابه من قوله(1\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "146",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8230",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون فأخبر الله سبحانه أنه يوجب المفسدة الناشئة من النفس بواسطة زوال العقل ويمنع المصلحة التي لا تتم إلا بالعقل وقد يكون سبب السكر ألما كما يكون لذة قال الله تعالى يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد وقد يكون سببه قوة الفرح بإدراك المحبوب بحيث يختلط كلامه وتتغير أفعاله بحيث يزول عقله وربما قتله الفرح بسبب طبيعي وهو انبساط دم القلب انبساطا خارجا عن العادة والدم حامل الحار الغريزي فيبرد القلب بسبب انبساط دمه فيحدث الموت وقد جرى هذا لأحمد بن طولون أمير مصر فإنه مر بصياد في يوم بارد وعنده بني له فرق عليهما وأمر غلامه أن يدفع إليه ما معه من الذهب فصبه في حجره ومضى فاشتد فرحه به فلم يحمل ما ورد عليه من الفرح فقضى مكانه فعاد الأمير من شأنه فوجد الرجل ميتا والصبي يبكي عند رأسه فقال من قتله فقال مر بنا رجل لا جزاه الله خيرا فصب في حجر أبي شيئا فقتله مكانه فقال الأمير صدق نحن قتلناه أتاه الغنى وهلة(1\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "147",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8231",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحدة فعجز عن احتماله فقتله ولو أعطيناه ذلك بالتدريج لم يقتله فحرض الصبي على أن يأخذ الذهب فأبى وقال والله لا أمسك شيئا قتلي أبي والمقصود أن السكر يوجب اللذة ويمنع العلم فمنه السكر بالأطعمة والأشربة فإن صاحبها يحصل له لذة وسرور بها يحمله على تناولها لأنها تغيب عنه عقله فتغيب عن الهموم والغموم والأحزان تلك الساعة ولكن يغلط في ذلك فإنها لا تزول ولكن تتوارى فإذا صحا عادت أعظم ما كانت وأوفره فيدعوه عودها إلى العود كما قال الشاعر وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها ومن الناس من يقصد بها منفعة البدن وهو غالط فإنه يترتب عليها من المضرة المتولدة عن السكر ما هو أعظم من تلك المنفعة بكثير واللذة الحاصلة بذكر الله والصلاة عاجلا وآجلا أعظم وأبقى وأدفع للهموم والغموم والأحزان وتلك اللذة أجلب شيء للهموم والغموم عاجلا وآجلا ففي لذة ذكر الله والإقبال عليه والصلاة بالقلب والبدن من المنفعة الشريفةالعظيمة السالمة عن المفاسد الدافعة للمضار غنى وعوض للإنسان الذي هو إنسان عن تلك اللذة الناقصة القاصرة المانعة لما هو أكمل منها الجالبة لألم أعظم منها(1\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "148",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8232",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومن أسباب السكر حب الصور فإنه إذا استحكم الحب وقوي أسكر المحب وأشعارهم بذلك مشهورة كثيرة ولا سيما إذا اتصل الجماع بذلك الحب فإن صاحبه ينقص تمييزه أو يعدم في تلك الحالة بحيث لا يميز فإن انضاف إلى ذلك السكر سكر الشراب بحيث يجتمع عليه سكر الهوى وسكر الخمر وسكر لذة الجماع فذلك غاية السكر ومنه ما يكون سببه حب المال والرئاسة وقوة الغضب فإن الغضب إذا قوي أوجب سكرا يقرب من سكر الخمر ويدخل ذلك في الإغلاق الذي أبطل النبي صلى الله عليه وسلم وقوع الطلاق فيه بقوله quot;لا طلاق في إغلاقquot; رواه أبو داود وقال أظنه الغضب وفسره الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أيضا بالغضب ومما يدل على صحة ذلك قوله تعالى ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم قال السلف في تفسيرها هو الرجل يدعو على نفسه وأهله في وقت الغضب من غير إرادة منه لذلك فلو استجاب الله دعاءه لأهلكه وأهلك من دعا عليه ولكن لرحمته لما علم أن الحامل له على ذلك سكر الغضب لا يجيب دعاءه ومن هذا قول الواجد لراحلته بعد يأسه منها وإيقانه بالهلاك اللهم أنت(1\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "149",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8233",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبدي وأنا ربك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;أخطأ من شدة الفرح quot; ولم يكن بذلك كافرا لعدم قصده وذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك تحقيقا لشدة الفرح الذي أفضى به إلى ذلك وإنما كانت هذه الأشياء قد توجب السكر لأن السكر سببه ما يوجب اللذة القاهرة التي تغمر العقل وسبب اللذة إدراك المحبوب فإذا كانت المحبة قوية وإدراك المحبوب قويا والعقل ضعيفا حدث السكر لكن ضعف العقل يكون تارة من ضعف المحبة وتارة من قوة السبب الوارد ولهذا يحصل السكر للمبتدئين في إدراك الرئاسة والمال والعشق والخمر مالا يحصل لمن اعتاد ذلك وتمكن فيه فصل ومن أقوى أسباب السكر الموجبة له سماع الأصوات المطربة من جهتين من جهة أنها في نفسها توجب لذة قوية ينغمر معها العقل ومن جهة أنها تحرم النفس إلى نحو محبوبها كائنا ما كان فيحصل بتلك الحركة الشوق والطلب مع التخيل للمحبوب وإدناء صورته إلى القلب واستيلائها على الفكرة لذة عظيمة تقهر العقل فتجتمع لذة الألحان ولذة الأشجان ولهذا يقرن المعنيون بهذه اللذات سماع الألحان بالشراب كثيرا ليكمل لهم السكر بالشراب والعشق والصوت المطرب فيجدون من لذة الوصال وسكره في هذه الحال مالا يجدونه بدونها فالخمر شراب النفوس والألحان شراب الأرواح ولا سيما إذا اقترن بها من الأقوال ما فيه ذكر المحبوب ووصف حال المحب على مقتضىالحال التي(1\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "150",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8234",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو فيها فيجتمع سماع الأصوات الطيبة وإدراك المعاني المناسبة وذلك أقوى بكثير من اللذة الحاصلة بكل واحد منها على انفراده فتستولي اللذة على النفس والروح والبدن أتم استيلاء فيحدث غاية السكر فكيف يدعى العذر من تعاطى هذه الأسباب ويقول إن ما تولد عنها اضطراري غير اختياري وبالله التوفيق(1\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "151",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8235",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "الباب الثالث عشر: في أن اللذة تابعة للمحبة في الكمال والنقصان",
        "content": "الباب الثالث عشر: في أن اللذة تابعة للمحبة في الكمال والنقصان فكلما قويت المحبة قويت اللذة بإدراك المحبوب وهذا الباب من أجل أبواب الكتاب وأنفعها ونذكر فيه بيان معرفة اللذة وأقسامها ومراتبها فنقول أما اللذة ففسرت بأنها إدراك الملائم كما أن الألم إدراك المنافي قال شيخنا والصواب أن يقال إدراك الملائم سبب اللذة وإدراك المنافي سبب الألم فاللذة والألم ينشآن عن إدراك الملائم والمنافي والإدراك سبب لهما واللذة أظهر من كل ما تعرف به فإنها أمر وجداني وإنما تعرف بأسبابها وأحكامها واللذة والبهجة والسرور وقرة العين وطيب النفس والنعيم ألفاظ متقاربة المعنى وهي أمر مطلوب في الجملة بل ذلك مقصود كل حي وذلك أمر ضروري من وجوده وذلك في القاصد والغايات بمنزلة الحس والعلوم البديهية في المبادىء والمقدمات فإن كل حي له علم وإحساس وله عمل وإرادة وعلم الإنسان لا يجوز أن يكون كله نظريا استدلاليا لاستحالة الدور والتسلسل بل لا بد له من علم أوله بديهي يبده النفس ويبتدىء فيها فلذلك يسمى بديهيا وأوليا وهو من نوع ما تضطر إليه النفس ويسمى ضروريا فإن النفس تضطر إلى العلم تارة إلى العمل أخرى وكذلك العمل الاختياري المرادي له مراد فذلك المراد إما أن يراد لنفسه أو لشيء آخر ولا يجوز أن يكون كل مراد مرادا لغيره حذرا من الدور والتسلسل فلا بد من مراد مطلوب محبوب لنفسه فإذا حصل المطلوب المراد المحبوب فاقتران اللذة(1\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "152",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8236",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنعمة والفرح والسرور وقرة العين به على قدر قوة محبته وإرادته والرغبة فيه وذلك أمر ذوقي وجدي ولهذا يغلب على أهل الإرادة والعمل من السالكين اسم الذوق والوجد لما في وجود المراد المطلوب من الذوق والوجد الموجب للفرح والسرور والنعيم فهاهنا ثلاثة أنواع من الأسماء متقاربة المعاني أحدها الشهوة والإرادة والميل والطلب والمحبة والرغبة ونحوها الثاني الذوق والوجد والوصول والظفر والإدراك والحصول والنيل ونحوها الثالث اللذة والفرح والنعيم والسرور وطيب النفس وقرة العين ونحوها وهذه الأمور الثلاثة متلازم فصل وإذا كانت اللذة مطلوبة لنفسها فهي إنما تذم إذا أعقبت ألما أعظم منها أو منعت لذة خيرا منها وتحمد إذا أعانت على اللذة الدائمة المستقرة وهي لذة الدار الآخرة ونعيمها الذي هو أفضل نعيم وأجله كما قال الله تعالى ولا نضيع أجر المحسنين ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون وقال تعالى لذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين وقال تعالى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى وقال تعالى وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون وقال العارفون بتفاوت ما بين الأمرين لفرعون(1\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "153",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8237",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى والله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لدار القرار وجعل اللذة كلها بأسرها فيها كما قال الله تعالى وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وقال تعالى فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة وقال النبي صلى الله عليه وسلم quot;يقول الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر quot; بله ما اطلعتم أي غير ما اطلعتم عليه وهذا هو الذي قصده الناصح لقومه الشفيق عليهم حيث قال يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار فأخبرهم أن الدنيا متاع يتمتع بها إلى غيرها والآخرة هي المستقر والغاية فصل: وإذا عرف أن لذات الدنيا ونعيمها متاع ووسيلة إلى لذات الدار الآخرة ولذلك خلقت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم quot;الدنيا متاع وخير متاع(1\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "154",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8238",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدنيا المرأة الصالحةquot; فكل لذة أعانت على لذات الدار الآخرة فهي محبوبة مرضية للرب تعالى فصاحبها يلتذ بها من وجهين من جهة تنعمه وقرة عينه بها ومن جهة إيصالها له إلى مرضاة ربه وإفضائها إلى لذة أكمل منها فهذه هي اللذة التي ينبغي للعاقل أن يسعى في تحصيلها لا اللذة التي تعقبه غاية الألم وتفوت عليه أعظم اللذات ولهذا يثاب المؤمن على كل ما يلتذ به من المباحات إذا قصد به الإعانة والتوصل إلى لذة الآخرة ونعيمها فلا نسبة بين لذة صاحب الزوجة أو الأمة الجميلة التي يحبها وعينه قد قرت بها فإنه إذا باشرها والتذ قلبه وبدنه ونفسه بوصالها أثيب على تلك اللذة في مقابلة عقوبة صاحب اللذة المحرمة على لذته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم quot; وفي بضع أحدكم أجر قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر قال أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر قالوا نعم قال فكذلك إذا وضعها في الحلال يكون له أجر quot; واعلم أن هذه اللذة تتضاعف وتتزايد بحسب ما عند العبد من الإقبال على الله وإخلاص العمل له والرغبة في الدار الآخرة فإن الشهوة والإرادة المنقسمة في الصور اجتمعت له في صورة واحدة والخوف والهم والغم الذي في اللذة المحرمة معدوم في لذته فإذا اتفق له مع هذا صورة جميلة ورزق حبها ورزقت حبه وانصرفت دواعي شهوته إليها وقصرت بصره عن(1\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "155",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8239",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النظر إلى سواها ونفسه عن التطلع إلى غيرها فلا مناسبة بين لذته ولذة صاحب الصورة المحرمة وهذا أطيب نعيم ينال من الدنيا وجعله النبي صلى الله عليه وسلم ثالث ثلاثة بها ينال خير الدنيا والآخرة وهي قلب شاكر ولسان ذاكر وزوجة حسناء إن نظر إليها سرته وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله فالله المستعان وقال القاسم بن عبد الرحمن كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقرأ القرآن فإذا فرغ قال أين العزاب فيقول ادنوا مني ثم قولوا اللهم ارزقني امرأة إذا نظرت إليها! سرتني وإذا أمرتها أطاعتني وإذا غبت عنها حفظت غيبتي في نفسها ومالي والألم والحزن والهم والغم ينشأ من عدم العلم بالمحبوب النافع أو من عدم إرادته وإيثاره مع العلم به أو من عدم إدراكه والظفر به مع محبته وإرادته وهذا من أعظم الألم ولهذا يكون ألم الإنسان في البرزخ وفي دار الحيوان بفوات محبوبه أعظم من ألمه بفواته في الدنيا من ثلاثة أوجه أحدها معرفته هناك بكمال ما فاته ومقداره الثاني شدة حاجته إليه وشوق نفسه إليه مع أنه قد حيل بينه وبينه كما قال الله تعالى وحيل بينهم وبين ما يشتهون الثالث حصول ضده المؤلم له فليتأمل العاقل هذا الموضع ولينزل نفسه منزلة من قد فاته أعظم محبوب وأنفعه وهو أفقر شيىء وأحوجه إليه فواتا لا يرجى تداركه وحصل على ضده فيا لها من مصيبة ما أوجعها وحالة ما أفظعها(1\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "156",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8240",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأين هذه الحال من حالة من يلتذ في الدنيا بكل ما يقصد به وجه الله سبحانه وتعالى من الأكل والشرب واللباس والنكاح وشفاء الغيظ بقهر العدو وجهاد في سبيله فضلا عما يلتذ به من معرفة ربه وحبه له وتوحيده والإثابة إليه والتوكل عليه والإقبال عليه وإخلاص العمل له والرضا به وعنه والتفويض إليه وفرح القلب وسروره بقربه والأنس به والشوق إلى لقائه كما في الحديث الذي صححه ابن حبان والحاكم وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك وهذه اللذة لا تزال في الدنيا في زيادة مع تنقيصها بالعدو الباطن من الشيطان والهوى والنفس والدنيا والعدو الظاهر فكيف إذا تجردت الروح وفارقت دار الأحزان والآفات واتصلت بالرفيق الأعلى مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما فإذا أفضى إلى دار النعيم فهنا لك من أنواع اللذة والبهجة والسرور ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فبؤسا وتعسا للنفوس الوضيعة الدنيئة التي لا يهزها الشوق إلى ذلك طربا ولا تتقد نار إرادتها لذلك رغبا ولا تعبد عما يصد عن ذلك رهبا فبصائرها كما قيل خفافيش أعشاها النهار بضوئه ... ولاءمها قطع من الليل مظلم تجول حول الحش إذا جالت النفوس العلوية حول العرش وتندس في الأحجار إذا طارت النفوس الزكية إلى أعلى الأوكار(1\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "157",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8241",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلم تر أمثال الرجال تفاوتوا ... إلى الفضل حتى عد ألف بواحد فصل وكل لذة أعقبت ألما أو منعت لذة أكمل منها فليست بلذة في الحقيقة وإن غالطت النفس في الالتذاذ بها فأي لذة لآكل طعام شهي مسموم يقطع أمعاءه عن قريب وهذه هي لذات الكفار والفساق بعلوهم في الأرض وفسادهم وفرحهم فيها بغير الحق ومرحهم وذلك مثل لذة العين اتخذوا من دون الله أولياء يحبونهم كحب الله فنالوا بهم مودة بينهم في الحياة الدنيا ثم استحالت تلك اللذة أعظم ألم وأمره ومن ذلك لذة العقائد الفاسدة والفرح بها ولذة غلبة أهل الجور والظلم والعدوان والزنى والسرقة وشرب المسكرات وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أنه لم يمكنهم من ذلك لخير يريده بهم إنما هو استدراج منه لينيلهم به أعظم الألم قال الله تعالى أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون وقال تعالى فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون فصل وأما اللذة التي لا تعقب ألما في دار القرار ولا توصل إلى لذة هناك فهي لذة باطلة إلا لا منفعة فيها ولا مضرة وزمنها يسير ليس لتمتع النفس بها قدر وهي لا بد أن تشغل عما هو خير وأنفع منها في العاجلة والآجلة وإن لم تشغل(1\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "158",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8242",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن أصل اللذة في الآخرة وهذا القسم هو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله quot;كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله فإنهن من الحق quot; رواه مسلم ولهذا كانت لذة اللعب بالدف في العرس جائزة فإنها تعين على النكاح كما تعين لذة الرمي بالقوس وتأديب الفرس على الجهاد وكلاهما محبوب لله فما أعان على حصول محبوبه فهو من الحق ولهذا عد ملاعبة الرجل امرأته من الحق لإعانتها على مقاصد النكاح الذي يحبه الله سبحانه وتعالى وما لم يعن على محبوب الرب تعالى فهو باطل لا فائدة فيه ولكن إذا لم يكن فيه مضرة راجحة لم يحرم ولم ينه عنه ولكن إذا صد عن ذكر الله وعن الصلاة صار مكروها بغيضا للرب عز وجل مقيتا عنده إما بأصله وإما بالتجاوز فيه وكل ما صد عن اللذة المطلوبة فهو وبال على صاحبه فإنه لو اشتغل حين مباشرته له بما ينفعه ويجلب له اللذة المطلوبة الباقية لكان خيرا له وأنفع ولما كانت النفوس الضعيفة كنفوس النساء والصبيان لا تنقاد إلى أسباب اللذة العظمى إلا بإعطائها شيئا من لذة اللهو واللعب بحيث لو فطمت عنه كل الفطام طلبت ما هو شر لها منه رخص لها من ذلك فيما لم يرخص فيه لغيرها وهذا كما دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده جوار يضربن بالدف فأسكتهن لدخوله وقال quot; هذا رجل لا يحب الباطلquot; فأخبر أن ذلك باطل ولم يمنعهن منه لما يترتب لهن(1\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "159",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8243",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه من المصلحة الراجحة ويتركن به مفسدة أرجح من مفسدته وأيضا فيحصل لهم من التألم بتركه مفسدة هي أعظم من مفسدته فتمكينهم من ذلك من باب الرحمة والشفقة والإحسان كما مكن النبي صلى الله عليه وسلم أبا عمير من اللعب بالعصفور بحضرته ومكن الجاريتين من الغناء بحضرته ومكن عائشة رضي الله عنها من النظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد ومكن تلك المرأة أن تضرب على رأسه بالدف ونظائر ذلك فأين هذا من اتخاذ الشيوخ المشار إليهم المقتدى بهم ذلك دينا وطريقا مع التوسع فيه غاية التوسع بما لا ريب في تحريمه ونظير هذا إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم من الزكاة والغنيمة لضعف قلوبهم عن قلوب الراسخين في الإيمان من أصحابه ولهذا أعطى هؤلاء ومنع هؤلاء وقال أكلهم إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغناء والخير ونظير هذا مزاحه مع من كان يمزح معه من الأعراب والصبيان والنساء تطييبا لقلوبهم واستجلابا لإيمانهم وتفريحا لهم وفي مراسيل الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على أصحاب الدركلة فقال خذوا يا بني أرفدة حتى تعلم اليهود والنصارى أن في ديننا فسحة ذكره أبو عبيد وقال الدركلة لعبة العجم فالنبي صلى الله عليه وسلم يبذل للنفوس من الأموال والمنافع ما يتألفها به على الحق المأمور به ويكون المبذول مما يلتذ به الآخذ ويحبه لأن ذلك وسيلة إلى غيره ولا يفعل(1\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "160",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8244",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك مع من لا يحتاج إليه كالمهاجرين والأنصار بل يبذل لهم أنواعا أخر من الإحسان إليهم والمنافع في دينهم ودنياهم ولما كان عمر نب الخطاب رضي الله عنه ممن لا يحب هذا الباطل ولا سماعه ولا يحتاج أن يتألف بما يتألف به غيره وليس مأمورا بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من التأليف على الإيمان به وطاعته بكل طريق كان إعراضه عنه كمالا بالنسبة إليه وحال النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه أكمل فصل إذا عرف هذا فأقسام اللذات ثلاثة لذة جثمانية ولذة خيالية وهمية ولذة عقلية روحانية فاللذة الجثمانية لذة الأكل والشرب والجماع وهذه اللذة يشترك فيها مع الإنسان الحيوان البهيم فليس كمال الإنسان بهذه اللذة لمشاركة أنقص الحيوانات له فيها ولأنها لو كانت كمالا لكان أفضل الإنسان وأشرفهم وأكملهم أكثرهم أكلا وشربا وجماعا وأيضا لو كانت كمالا لكان نصيب رسل الله وأنبيائه وأوليائه منها في هذه الدار أكمل من نصيب أعدائه فلما كان الأمر بالضد تبين أنها ليست في نفسها كاملا وإنما تكون كما لا إذا تضمنت إعانة على اللذة الدائمة العظمى كما تقدم فصل وأما اللذة الوهمية الخيالية فلذة الرئاسة والتعاظم على الخلق والفخر والاستطالة عليهم(1\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "161",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8245",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذه اللذة وإن كان طلابها أشرف نفوسا من طلاب اللذة الأولى فإن آلامها وما توجبه من المفاسد والمضار أعظم من التذاذ النفس بها فإن صاحبها منتصب لمعاداة كل من تعاظم وترأس عليه ولهذا شروط وحقوق تفوت على صاحبها كثيرا من لذاته الحسية ولا يتم إلا بتحمل مشاق وآلام أعظم منها فليست هذه في الحقيقة بلذة وإن فرحت بها النفس وسرت بحصولها وقد قيل إنه لا حقيقة للذة في الدنيا وإنما غايتها دفع آلام كما يدفع ألم الجوع والعطش وألم الشهوة بالأكل والشرب والجماع ولذلك يدفع ألم الخمول وسقوط القدر عند الناس بالرئاسة والجاه والتحقيق أن اللذة أمر وجودي يستلزم دفع الألم بما بينهما من التضاد فصل وأما اللذة العقلية الروحانية فهي كلذة المعرفة والعلم والاتصاف بصفات الكمال من الكرم والجود والعفة والشجاعة والصبر والحلم والمروءة وغيرها فإن الالتذاذ بذلك من أعظم اللذات وهو لذة النفس الفاضلة العلوية الشريفة فإذا انضمت اللذة بذلك إلى لذة معرفة الله تعالى ومحبته وعبادته وحده لا شريك له والرضا به عوضا عن كل شيء ولا يتعوض بغيره عنه فصاحب هذه اللذة في جنة عاجلة نسبتها إلى لذات الدنيا كنسبة لذة الجنة إلى لذة الدنيا فإنه ليس للقلب والروح ألذ ولا أطيب ولا أحلى ولا أنعم من محبة الله والإقبال عليه وعبادته وحده وقرة العين به والأنس بقربه والشوق إلى لقائه ورؤيته وإن مثقال ذرة من هذه اللذة لا يعدل بأمثال الجبال من لذات الدنيا ولذلك كان مثقال ذرة من إيمان بالله ورسوله يخلص من الخلود في دار الآلام(1\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "162",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8246",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكيف بالإيمان الذي يمنع دخولها قال بعض العارفين من قرت عينه بالله قرت به كل عين ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات ويكفي في فضل هذه اللذة وشرفها أنها تخرج من القلب ألم الحسرة على ما يفوت من هذه الدنيا حتى إنه ليتألم بأعظم ما يلتذ به أهلها ويفر منه فرارهم من المؤلم وهذا موضع الحاكم فيه الذوق لا مجرد لسان العلم وكان بعض العارفين يقول مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا ولم يذوقوا طيب نعيمها فيقال له وما هو فيقول محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه ومعرفة أسمائه وصفاته وقال آخر أطيب ما في الدنيا معرفته ومحبته وألذ ما في الآخرة رؤيته وسماع كلامه بلا واسطة وقال آخر والله إنه ليمر بالقلب أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة في مثل هذه الحال إنهم لفي عيش طيب وأنت ترى محبة من في محبته عذاب القلب والروح كيف توجب لصاحبها لذة يتمنى أنه لا يفارقه حبه كما قال شاعر الحماسة تشكى المحبون الصبابة ليتني ... تحملت ما يلقون من بينهم وحدي فكانت لقلبي لذة الحب كلها ... فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي قالت رابعة شغلوا قلوبهم بحب الدنيا عن الله ولو تركوها لجالت في الملكوت ثم رجعت إليهم بطرائف الفوائد وقال سلم الخواص تركتموه وأقبل بعضكم على بعض ولو أقبلتم عليه لرأيتم العجائب وقالت امرأة من(1\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "163",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8247",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العابدات لو طالعت قلوب المؤمنين بفكرها ما ذخر لها في حجب الغيوب من خير الآخرة لم يصف لها في الدنيا عيش ولم تقر لها في الدنيا عين وقال بعض المحبين إن حبه عز وجل شغل قلوب محبيه عن التلذذ بمحبة غيره فليس لهم في الدنيا مع حبه عز وجل لذة تداني محبته ولا يؤملون في الآخرة من كرامة الثواب أكبر عندهم من النظر إلى وجه محبوبهم وقال بعض السلف ما من عبد إلا وله عينان في وجهه يبصر بهما أمر الدنيا وعينان في قلبه يبصر بهما أمر الآخرة فإذا أراد الله بعبد خيرا فتح عينيه اللتين في قلبه فأبصر بهما من اللذة والنعيم مالا خطر له مما وعد به من لا أصدق منه حديثا وإذا أراد به غير ذلك تركه على ما هو عليه ثم قرأ أم على قلوب أقفالها ولو لم يكن للقلب المشتغل بمحبة غير الله المعرض عن ذكره العقوبة إلا صدؤه وقسوته وتعطيله عما خلق له لكفى بذلك عقوبة وقد روى عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot; إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد قيل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فما جلاؤها قال تلاوة القرآنquot; وقال بعض العارفين إن الحديد إذا لم يستعمل غشيه الصدأ حتى يفسده كذلك القلب إذا عطل من حب الله والشوق إليه وذكره غلبه الجهل حتى يميته ويهلكه وقال رجل للحسن يا أبا سعيد أشكو إليك قسوة قلبي قال أذبه بالذكر وأبعد القلوب من الله القلب القاسي ولا يذهب قساوته إلا حب مقلق أو خوف مزعج فإن قيل ما السبب الذي لأجله يلتذ المحب بحبه وإن لم(1\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "164",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8248",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يظفر بحبيبه قيل الحب يوجب حركة النفس وشدة طلبها والنفس خلقت متحركة بالطبع كحركة النار فالحب حركتها الطبيعية فكل من أحب شيئا من الأشياء وجد في حبه لذة وروحا فإذا خلا عن الحب مطلقا تعطلت النفس عن حركتها وثقلت وكسلت وفارقها خفة النشاط ولهذا تجد الكسالى أكثر الناس هما وغما وحزنا ليس لهم فرح ولا سرور بخلافأرباب النشاط والجد في العمل أي عمل كان فإن كان النشاط في عمل هم عالمون بحسن عواقبه وحلاوة غايته كان التذاذهم بحبه ونشاطهم فيه أقوى وبالله التوفيق(1\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "165",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8249",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "لباب الرابع عشر: فيمن مدح العشق وتمناه وغبط صاحبه على ما أوتيه من مناه",
        "content": "الباب الرابع عشر: فيمن مدح العشق وتمناه وغبط صاحبه على ما أوتيه من مناه هذا موضع انقسم الناس فيه قسمين وربما كان الشخص الواحد فيه مجموع الحالتين فقسم مدحوا العشق وتمنوه ورغبوا فيه وزعموا أن من لم يذق طعمه لم يذق طعم العيش قالوا وقد تبين أن كمال اللذة تابع لكمال الحب فأعظم الناس لذة بالشيء أكثرهم محبة له وقد تقدم بقريره قالوا وقد حبب الله سبحانه وتعالى إلى رسله وأنبيائه نساءهم وسراريهم فكان آدم أبو البشر شديد المحبة لحواء وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أنه خلق زوجته منه ليسكن إليها قالوا وحبه لها هو الذي حمله على موافقتها في الأكل من الشجرة قالوا وأول حب كان في هذا العالم حب آدم لحواء وصار ذلك سنة في ولده في المحبة بين الزوجين قالوا وهذا داود من محبته للنساء جمع بين مائة امرأة وكذلك ابنه سليمان قالوا وقد عاب اليهود عليهم لعائن الله رسول الله صلى الله عليه وسلم محبة النساء وكثرة تزوجه فأنزل الله سبحانه وتعالى ذبا عن رسوله وإخبارا بأن ذلك من فضله وإنعامه عليه أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما قالوا وقد كان عند إبراهيم خليل الرحمن أجمل النساء سارة ثم تسرى بهاجر وكانت المحبة لها قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كان إبراهيم الخليل يحب سريته هاجر محبة(1\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "166",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8250",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شديدة وكان يزورها في كل يوم على البراق من الشام من شغفه بها قال الخرائطي حدثنا نصر بن داود حدثنا الواقدي عن محمد بن صالح عن سعد بن إبراهيم عن عامر عن سعد عن أبيه فذكره وقد ثبت في الصحيح من حديث الشعبي عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم على جيش وفيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فلما رجعت قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب الناس إليك قال وما تريد قلت أحب أن أعلم قال عائشة قلت إنما أعني من الرجال قال أبوها وذكر مبارك بن فضالة عن علي بن زيد عن عمته عن عائشة أن فاطمة رضي الله عنهم ذكرتها عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها يا بنية إنها حبيبة أبيك وأصل الحديث في الصحيح من حديث الليث عن ابن شهاب عن محمد ابن عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها قالت أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم إليه فدخلت وهو مضطجع معي في مرطي فقالت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أزواجك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة وأنا ساكنة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم quot; ألست تحبين ما أحب قالت بلى قال فأحبي هذه quot; وثبت في الصحيح من حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل(1\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "167",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8251",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويقول اللهم هذا فعلي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك يريد أنه يطيق العدل بينهن في النفقة عليهن والقسم بينهن وأما التسوية بينهن في المحبة فليست إليه ولا يملكها وقال ابن سيرين سألت عبيدة عن قوله تعالى ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فقال يعني الحب والجماع وقال ابن عباس لا يستطيع أن يعدل بينهن في الشهوة ولو حرص وقال أبو قيس مولى عمرو بن العاص بعثني عمرو إلى أم سلمة فقال سلها أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل أهله وهو صائم فإن قالت لا فقل لها إن عائشة رضي الله عنها حدثتنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم فسألها فقالت لا فأخبرها بما قال عبد الله فقالت أم سلمة رضي الله عنها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى عائشة رضي الله عنها لم يتمالك عنها أما أنا فلا وقال بيان الشعبي أتاني رجل فقال كل أمهات المؤمنين أحب إلا عائشة فقلت أما أنت فقد خالفت رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت عائشة رضي الله عنها أحبهن إلى قلبه وقال مصعب بن سعد فرض عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأمهات المؤمنين رضي الله عنهن عشرة آلافعشرة آلاف وزاد عائشة ألفين وقال(1\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "168",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8252",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنها حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مسروق إذا حدث عن عائشة رضي الله عنها يقول حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول رب العالمين المبرأة من فوق سبع سموات قال أبو محمد بن حزم وقد أحب من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين كثير قال الخرائطي واشترى عبد الله بن عمر جارية رومية فكان يحبها حبا شديدا فوقعت ذات يوم عن بغلة له فجعل يمسح التراب عن وجهها ويفديها وكانت تقول له أنت قالون تعني جيد ثم إنها هربت منه فوجد عليها وجدا شديدا وقال قد كنت أحسبني قالون فانصرفت ... فاليوم أعلم أني غير قالون وقصة مغيث وعشقه بريرة حتى إنه كان يطوف وراءها ودموعه تسيل على خديه في الصحيح وكان عروة بن أذينة شيخ مالك من العلماء الثقات الصلحاء وقفت عليه امرأة فقالت أنت الذي يقال له الرجل الصالح وأنت تقول إذا وجدت لهيب الحب في كبدي ... عمدت نحو سقاء القوم أبترد هذا بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتقد وكان محمد بن سيرين ينشد إذا خدرت رجلي تذكرت من لها ... فناديت لبنى باسمها ودعوت دعوت التي لو أن نفسي تطيعني ... لألقيت نفسي نحوها وقضيت(1\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "169",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8253",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال صالح عن ابن شهاب حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن ابن مسعود رضي الله عنه قال بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في قريب من ثمانين رجلا ليس فيهم إلا قرشي والله ما رأيت صفحة وجوه قط أحسن من وجوههم يومئذ قال فذكروا النساء فتحدثوا فيهن وتحدثت معهم حتى أحببت أن نسكت قالوا ولولا لطافة الحب ولذته ما تمناه المتمنون وقال شاعر الحماسة تشكى المحبون الصبابة ليتني ... تحملت ما يلقون من بينهم وحدي فكانت لقلبي لذة الحب كلها ... فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي قالوا والعشق المباح مما يؤجر عليه العاشق كما قال شريك بن عبد الله وقد سئل عن العشاق فقال أشدهم حبا أعظمهم أجرا وصدق والله إذا كان المعشوق ممن يحب الله للعاشق قربه ووصله وقالت امرأة لن يقبل الله من معشوقه عملا ... يوما وعاشقها لهفان مهجور ليست بمأجورة في قتل عاشقها ... لكن عاشقها في ذاك مأجور ونحن نقول متى باتت مهاجرة لفراش عاشقها الذي هو بعلها لعنتها الملائكة حتى تصبح قالوا والعشق يصفي العقل ويذهب الهم ويبعث على حسن اللباس وطيب المطعم ومكارم الأخلاق ويعلي الهمة ويحمل على طيب الرائحة وكرم العشرة وحفظ الأدب والمروءة وهو بلاء الصالحين ومحنة العابدين وهو ميزان العقول وجلاء الأذهان وهو خلق الكرام كما قيل وما أحببتها فحشا ولكن ... رأيت الحب أخلاق الكرام قالوا وأرواح العشاق عطرة لطيفة وأبدانهم رقيقة ضعيفة وأزواجهم(1\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "170",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8254",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بطيئة الانقياد لمن قادها حاشا سكنها الذي سكنت إليه وعقدت حبها عليه وكلامهم ومنادمتهم تزيد في العقول وتحرك النفوس وتطرب الأرواح وتلهو بأخبارهم أولو الألباب فأحاديث العشاق زينة مجالسهم وروح محادثتهم ويكفي أن يكون الأعرابي الذي لا يذكر مع الملوك ولا مع الشجعان الأبطال يعشق ويشتهر بالعشق فيذكر في مجالس الملوك والخلفاء ومن دونهم وتدون أخباره وتروى أشعاره ويبقى له العشق ذكرا مخلدا ولولا العشق لم يذكر له اسم ولم يرفع له رأس وقال بعض العقلاء العشق للأرواح بمنزلة الغذاء للأبدان إن تركته ضرك وإن أكثرت منه قتلك وقال ابن عبد البر في كتابه بهجة المجالس وجد في صحيف لبعض أهل الهند العشق ارتياح جعل في الروح وهو معنى تنتجه النجوم في مطارح شعاعها ويتولد في الطباع بوصلة أشكالها وتقبله الروح بلطيف جوهرها وهو يعد جلاء القلوب وصيقل الأذهان ما لم يفرط فإذا أفرط صار سقما قاتلا ومرضا منهكا لا تنفذ فيه الآراء ولا تنجع فيه الحيل والعلاج منه زيادة فيه وقال أعرابي هو أنيس النفس ومحادث العقل تجنه الضمائر وتخدمه الجوارح وقال عبد الله بن طاهر أمير خراسان لولده اعشقوا تظرفوا وعفوا تشرفوا وقال قدامة وصفه بعض البلغاء فقال يشجع الجبان ويسخي البخيل ويصفي ذهن البليد ويفصح لسان العيي ويبعث حزم العاجز(1\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "171",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8255",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويويذل له عز الملوك وتصدع له صولة ... الشجاع وهو داعية الأدب وأول باب تفتق به الأذهان والفطن وتستخرج به دقائق المكايد والحيل وإليه تستروح الهمم وتسكن نوافر الأخلاق والشيم يمتع جليسه ويؤنس أليفه وله سرور يجول في النفوس وفرح يسكن في القلوب وقيل لبعض الرؤساء ابنك قد عشق فقال الحمد لله الآن رقت حواشيه ولطفت معانيه وملحت إشاراته وظرفت حركاته وحسنت عباراته وجادت رسائله وحلت شمائله فواظب على المليح واجتنب القبيح وقيل لآخر ذلك فقال إذا عشق لطف وظرف ودق ورق وقيل لبعضهم متى يكون الفتى بليعا قال إذا صنف كتابا أو وصف هوى أو حبيبا وقيل لسعيد بن أسلم إن ابنك شرع في الرقيق من الشعر فقال دعوه يظرف وينظف ويلطف وقال العباس بن الأحنف وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوى ... ولا خير فيمن لا يحب ويعشق وقال الحسين بن مطير إن الغواني جنة ريحانها ... نضر الحياة فأين عنها نعزف لولا ملاحتهن ما كانت لنا ... دنيا نلذ بها ولا نتصرف وقال غيره ولا خير في الدنيا ولا في نعيمها ... وأنت وحيد مفرد غير عاشق وقال آخر هل العيش إلا أن تروح وتغتدي ... وأنت بكأس العشق في الناس نشوان(1\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "172",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8256",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال العطوي ما دنت بالحب إلا ... والحب دين الكرام وقال آخر نظرت إليها نظرة فهويتها ... ومن ذا له عقل سليم ولا يهوى وقال آخر وما سرني أني خلي من الهوى ... ولو أن لي ما بين شرق ومغرب وقال آخر وما تلفت إلا من العشق مهجتي ... وهل طاب عيش لامرئ غير عاشق وقال آخر ولا خير في الدنيا بغير صبابة ... ولا في نعيم ليس فيه حبيب وقال الكميت ما ذاق بؤس معيشة ونعيمها ... فيما مضى أحد إذا لم يعشق ألعشق فيه حلاوة ومرارة ... فاسأل بذلك من تطعم أو ذوق وقال آخر وما طابت الدنيا بغير محبة ... وأي نعيم لامرئ غير عاشق وقال آخر أسكن إلى سكن تلذ بحبه ... ذهب الزمان وأنت خال مفرد وقال آخر إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فأنت وعير في الفلاة سواء وقال آخر إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا(1\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "173",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8257",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال آخر إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فقم فاعتلف تبنا فأنت حمار وقال آخر إذا لم تذق في هذه الدار صبوة ... فموتك فيها والحياة سواء وقال الأقرع بن معاذ ولا خير في الدنيا إذا أنت لم تزر ... حبيبا ولا وافى إليك حبيب وقال آخر وما ذاق طعم العيش من لم يكن له ... حبيب إليه يطمئن ويسكن وقال علي بن أبي كثير لابن أبي الزرقاء هل عشقت قط حتى تكاتب وتراسل وتواعد قال لا فقال لا يجيء منك شيء وكان لبعض الملوك ولد واحد ساقط الهمة دنيء النفس فاتر فأراد أن يرشحه للملك فسلط عليه الجواري والقيان فعشق منهن واحدة فأعلم بذلك الملك فسر وأرسل إلى المعشوقة أن تجني عليه وقولي إني لا أصلح إلا لملك أو عالم فلما قالت له ذلك أخذ في التعلم وما عليه الملوك من أدوات الملك حتى برع في ذلك وقال المرزباني سئل أبو نوفل هل يسلم أحد من العشق فقال نعم الجلف الجافي الذي ليس له فضل ولا عنده فهم فأما من في طبعه أدنى ظرف أو معه دمائة أهل الحجاز وظرف أهل العراق فهيهات وقال علي بن عبدة لا يخلو أحد من صبوة إلا أن يكون جافي الخلقة ناقصا أو منقوص الهمة أو على خلاف تركيب الاعتدال(1\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "174",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8258",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا ولا يكمل أحد قط إلا من عشقه لأهل الكمال وتشبه بهم فالعالم يبلغ في العلم بحسب عشقه له وكذلك صاحب كل صناعة وحرفة ويكفي أن العاشق يرتاح لكريم الأخلاق والأفعال والشيم لتحمد شمائله عند معشوقه كما قال ويرتاح للمعروف في طلب العلى ... لتحمد يوما عند ليلى شمائله وقال أبو المنجاب رأيت في الطواف فتى نحيف الجسم بين الضعف يلوذ ويتعوذ ويقول وددت بأن الحب يجمع كله ... فيقذف في قلبي وينغلق الصدر فلا ينقضي ما في فؤادي من الهوى ... ومن فرحي بالحب أو ينقضي العمر فقلت يا فتى أما لهذه البنية حرمة تمنعك عن هذا الكلام فقال بلى والله ولكن الحب ملأ قلبي بفرح التذكر ففاضت الفكرة في سرعة الأوبة إلى من لا يشذ عنه معرفة ما بي فتمنيت المنى والله ما يسرني ما بقلبي منه ما فيه أمير المؤمنين من الملك وإني أدعو الله أن يثبته في قلبي عمري ويجعله ضجيعي في قبري دريت به أو لم أدر هذا دعائي أو انصرف من حجتي ثم بكى فقلت ما يبكيك قال خوف أن لا يستجاب دعائي وله قصدت وفيه رغبت مما يعطي الله سائر خلقه ثم مضى قالت هذه الفرقة وغاية ما يقدر في أمر العشق أنه يقتل صاحبه كما هو معروف عند جماعة من العشاق وقد قال سويد بن سعيد الحدثاني حدثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم(1\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "175",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8259",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نه قال من عشق فكتم وعف وصبر فمات فهو شهيد رواه عن سويد جماعة وقال الخطيب حدثنا أبو الحسن علي بن أيوب إملاء منه حدثنا أبو عبد الله المرزباني وابن حيوية وابن شاذان قالوا حدثنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة نفطويه قال دخلت على محمد بن داود الأصبهاني في مرضه الذي مات فيه فقلت له كيف تجدك فقال حب من تعلم أورثني ما ترى فقلت ما منعك من الاستمتاع به مع القدرة عليه فقال الاستمتاع على وجهين أحدهما النظر المباح والثاني اللذة المحظورة فأما النظر المباح فأورثني ما ترى وأما اللذة المحظورة فإنه منعني منها ما حدثني أبي حدثنا سويد بن سعيد حدثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال quot;من عشق وكتم وعف وصبر غفر الله له وأدخله الجنةquot; قال الحاكم أبو عبد الله إنما أتعجب من هذا الحديث فإنه لم يحدث به غير سويد وهو وداود بن علي وابنه أبو بكر ثقات ثم رواه الخطيب حدثنا الأزهري حدثنا المعافى بن زكريا حدثنا قطبة بن الفضل بن إبراهيم الأنصاري حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق حدثنا سويد حدثنا ابن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا ورواه الزبير بن بكار عن عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون عن عبد العزيز بن أبي حازم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم به ولفظه من عشق فعف فمات فهو شهيد رواه أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتاب اعتلال القلوب حدثنا أبو يوسف يعقوب بن عيسى من ولد عبد الرحمن بن عوف عن الزبير فذكره فخرج سويد(1\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "176",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8260",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن عهدة التفرد به على أنه لو تفرد به فهو ثقة احتج به مسلم في صحيحه وقال عبد الله بن أحمد قال لي أبي أكتب عنه حديث ضمام وقال البغوي كان حافظا وكان أحمد ينتقي لولديه عليه صالح وعبد الله فكانا يختلفان إليه وقال مسلم ثقة ثقة وقال أبو حاتم الرازي ويعقوب بن شيبة هو صدوق وأكثر ما عيب به التدليس وقد صرح هاهنا بالتحديث وعيب بأنه ذهب بصره في آخر عمره فربما أدخل عليه هذا الحديث في كتبه ولكن رواية الأكابر عنه هذا الحديث كان قبل ذهاب بصره لأنه إنما عمي في آخر عمره وليس هذا بقادح في حديثه قلت وهذا حديث باطل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعا لا يشبه كلامه وقد صح عنه أنه عد الشهداء ستا فلم يذكر فيهم قتيل العشق شهيدا ولا يمكن أن يكون كل قتيل بالعشق شهيدا فإنه قد يعشق عشقا يستحق عليه العقوبة وقد أنسكر حفاظ الإسلام هذا الحديث على سويد وقد تكلم الناس فيه فقال ابن المديني ليس بشيء والضرير إذا كان عنده كتب فهو عيب شديد وقال يعقوب بن شيبة صدوق مضطرب الحفظ ولا سيما بعد ما عمي وقال البخاري كان قد عمي فيلقن ما ليس من حديثه وقال أبو أحمد الجرجاني هذا الحديث أحد ما أنكر على سويد وأنكره البيهقي وأبو الفضل بن طاهر وأبو الفرج بن الجوزي وأدخله في كتابه الموضوعات ولما رواه أبو بكر الأزرق عن سويد عاتبه عليه ابن المرزبان فأسقط ذكر(1\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "177",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8261",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النبي صلى الله عليه وسلم منه وكان سويد إذا سئل عنه لا يرفعه وهذا أحسن أحواله أن يكون موقوفا ولذلك رواه أبو محمد الحسين القاري من حديث أبي سعد البقال عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله وأما سياق الخطيب له من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها فلا يشك من شم رائحة الحديث أن هذا باطل على هشام عن أبيه عن عائشة ولا يحتمل هذا المتن هذا الإسناد بوجه والتحاكم في ذلك إلى أهل الحديث لا إلى العارين الغرباء منه والظاهر أن ابن مسروق سرقه وغير إسناده وأما حديث الزبير بن بكار فمن رواية يعقوب بن عيسى وهو ضعيف لا تقوم به حجة قد ضعفه أهل الحديث ونسبوه إلى الكذب(1\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "178",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8262",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الخامس عشر فيمن ذم العشق وتبرم به وما احتج به كل فريق على صحة مذهبه قال الله تعالى إخبارا عن المؤمنين ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به واعف عنا وقد أثنى الله عليهم سبحانه بهذا الدعاء الذي سألوه فيه أن لا يحملهم مالا طاقة لهم به وقد فسر ذلك بالعشق وليس المراد اختصاصه به بل المراد أن العشق مما لا طاقة للعبد به وقال مكحول هو شدة الغلمة وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا ينبغي للمرء أن يذل نفسه قال الإمام أحمد تفسيره أن يتعرض من البلاء لما لا يطيق وهذا مطابق لحال العاشق فإنه أذل الناس لمعشوقه ولما يحصل به رضاه والحب مبناه على الذل والخضوع للمحبوب كما قيل اخضع وذل لمن تحب فليس في ... شرع الهوى أنف يشال ويعقد وقال آخر مساكين أهل العشق حتى قبورهم ... عليها تراب الذل بين المقابر(1\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "179",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8263",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال آخر قالوا عهدناك ذا عز فقلت لهم ... لا يعجب الناس من ذل المحبينا لا تنكروا ذلة العشاق إنهم ... مستعبدون برق الحب راضونا قالوا وإذا اقتحم العبد بحر العشق ولعبت به أمواجه فهو إلى الهلاك أدنى منه إلى السلامة كما ذكر الخرائطي أنه كان بالمدينة جارية ظريفة فهويت رجلا من قريش وكان لا يفارقها ولا تفارقه فملها وزاد حبها له فسقمت وجعل مولاها لا يعبأ بشكواها ولا يرق لها حتى هامت على وجهها ومزقت ثيابها وأفضت إلى أمر عظيم فلما رأى ما صرت إليه عالجها فلم ينفع فيها العلاج وكانت تدور في السكك بالليل وتقول ألحب أول ما يكون لجاجة ... تأتي به وتسوقه الأقدار حتى إذا اقتحم الفتى لجج الهوى ... جاءت أمور لا تطاق كبار من ذا يطيق كما نطيق من الهوى ... غلب العزاء وباحت الأسرار قال الخرائطي وأنشدني بعض أصحابنا الحب أوله شيء يهيم به ... قلب المحب فيلقى الموت كاللعب يكون مبدؤه من نظرة عرضت ... ومزحة أشعلت في القلب كاللهب كالنار مبدؤها من قدحة فإذا ... تضرمت أحرقت مستجمع الحطب(1\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "180",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8264",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا وكيف يمدح أمر يمنع القرار ويسلب المنام ويوله العقل ويحدث الجنون بل هو نفسه جنون كما قال بعض الحكماء الجنون فنون والعشق فن من فنونه كما قال بعض العشاق قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم ... ألعشق أعظم مما بالمجانين ألعشق لا يستفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين قالوا وكم من عاشق أتلف في معشوقه ماله وعرضه ونفسه وضيع أهله ومصالح دينه ودنياه قال الزبير بن بكار جاءت بدوية إلى أخت لها فقالت كيف بك من حب فلان قالت حرك والله حبه الساكن وسكن المتحرك ثم أنشأت تقول فلو أن ما بي بالحصى فلق الحصى ... وبالريح لم يسمع لهن هبوب ولو أنني أستغفر الله كلما ... ذكرتك لم تكتب علي ذنوب فقلت والله لأسألنه كيف هو من حبك فجاءته فسألته فقال إنما الهوى هوان ولكنه خولف باسمه وإنما يعرف ذلك من استبكته المعالم والطلول وأنشد أبو الفضل الربعي قد أمطرت عيني دما فدماؤها ... بعد الدموع من الجفون هوامل كيف العزاء ولا يزال من الضنى ... في الجسم مني والجوانح نازل لهفي على زمن مضى تجتازني ... فيه صروف الدهر وهي عواقل قالوا والعشق هو الداء الدوي الذي تذوب معه الأرواح ولا يقع معه(1\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "181",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8265",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الارتياح بل هو بحر من ركبه غرق فإنه لا ساحل له ولا نجاة منه وهو الذي قال فيه القائل وما أحد في الناس يحمد أمره ... فيوجد إلا وهو في الحب أحمق وما أحد ما ذاق بؤس معيشة ... فيعشق إلا ذاقها حين يعشق وقال العباس بن الأحنف ويح المحبين ما أشقى نفوسهم ... إن كان مثل الذي بي بالمحبينا يشقون في هذه الدنيا بعشقهم ... لا يرزقون به دنيا ولا دينا وقال آخر ألعشق مشغلة عن كل صالحة ... وسكرة العشق تنفي لذة الوسن وقال محمد بن أبي محمد اليزيدي كيف يطيق الناس وصف الهوى ... وهو جليل ما له قدر بل كيف يصفو لحليف الهوى ... عيش وفيه البين والهجر وقال محمد بن أمية قرين الحب يأنس بالهموم ... ويكثر فكرة القلب السقيم وأعظم ما يكون به اغتباطا ... على خطر ومطلع عظيم وقال أبو تمام أما الهوى فهو العذاب فإن جرت ... فيه النوى فأليم كل عذاب وقال ابن أبي حصينة والعشق يجتذب النفوس إلى الردى ... بالطبع واحسدي لمن لم يعشق(1\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "182",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8266",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ابن المعتز الحب داء عضال لا دواء له ... يحار فيه الأطباء النحارير قد كنت أحسب أن العاشقين غلوا ... في وصفه فإذا بالقوم تقصير وقال أعرابي ألا ما الهوى والحب بالشيء هكذا ... يذل به طوع اللسان فيوصف ولكنه شيء قضى الله أن ... هو الموت أو شيء من الموت أعنف فأوله سقم وآخره ضنى ... وأوسطه شوق يشف ويتلف وروع وتسهيد وهم وحسرة ... ووجد على وجد يزيد ويضعف وقال عبد المحسن الصوري ما الحب إلا مسلك خطر ... عسر النجاة وموطىء زلق وقال آخر وكان ابتداء الذي بي مجونا ... فلما تمكن أمسى جنونا وكنت أظن الهوى هينا ... فلاقيت منه عذابا مهينا وقالت امرأة رأيت الهوى حلوا إذا اجتمع الشمل ... ومرا على الهجران لا بل هو القتل فمن لم يذق للهجر طعما فإنه ... إذا ذاق طعم الحب لم يدر ما الوصل وقد ذقت طعميه على القرب والنوى ... فأبعده قتل وأقربه خبل(1\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "183",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8267",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا والعشق يترك الملك مملوكا والسلطان عبدا كما قال الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل وكان ملك الأندلس ظل من فرط حبه مملوكا ... ولقد كان قبل ذاك مليكا تركته جآذر القصر صبا ... مستهاما على الصعيد تريكا يجعل الخد واضعا فوق ترب ... للذي يجعل الحرير أريكا هكذا يحسن التذلل بالحر ... إذا كان في الهوى مملوكا وقال الرشيد وقد عشق ثلاث جوار من جواريه ويقال إنه المأمون ملك الثلاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبي بكل مكان مالي تطاوعني البرية كلها ... وأطيعهن وهن في عصياني ما ذاك إلا أن سلطان الهوى ... وبه قوين أعز من سلطاني وقال بعض الملوك في جارية له عشقها وكانت كثيرة التجني عليه أما يكفيك أنك تملكيني ... وأن الناس كلهم عبيدي وأنك لو جهدت على تلافي ... لقلت من الرضا أحسنت زيدي وقال ابن طاهر ملك خراسان فإني وإن حنت إليك ضمائري ... فما قدر حبي أن يذل له قدري وقال ابن الأحمر ملك الأندلس أيا ربة الخدر التي أذهبت نسكي ... على كل حال أنت لا بد لي منك فإما بذل وهو أليق بالهوى ... وإما بعز وهو أليق بالملك(1\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "184",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8268",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا وكم ممن هرب من الحب إلى مظان التلف ليتخلص من التلف بالتلف قال دعبل الشاعر كنت بالثغر فنودي بالنفير فخرجت مع الناس فإذا بفتى يجر رمحه بين يدي فالتفت فنظر إلي فقال أنت دعبل قلت نعم قال اسمع مني ثم أنشدني فقال أنا في أمري رشاد ... بين غزو وجهاد بدني يغزو عدوي ... والهوى يغزو فؤادي ثم قال كيف ترى قلت جيد والله قال فوالله ما خرجت إلا هاربا من الحب ثم قاتل حتى قتل وقال أصرم بن حميد نحن قوم تليننا الحدق النجل ... على أننا نلين الحديدا طوع أيدي الظباء تقتادنا العين ... ونقتاد بالطعان الأسودا تتقي سخطنا الليوث ونخشى ... صولة الخشف حين يبدي الصدودا وترانا عند الكريهة أحرا ... را وفي السلم للغواني عبيدا قالوا ورأينا الداخل فيه يتمنى منه الخلاص ولات حين مناص قال الخرائطي أنشدني أبو جعفر العبدي إن الله نجاني من الحب لم أعد ... إليه ولم اقبل مقالة عاذلي ومن لي بمنجاة من الحب بعدما ... رمتني دواعي الحب بين الحبائل وقال أبو عبيدة الحبائل الموت قال وأنشدني أبو عبيد الله بن الدولابي دعوت ربي دعاء فاستجاب له ... كما دعا ربه نوح وأيوب أن ينزع الداء من صدري ويجعله ... في صدر سلمى وحمل الداء تعطيب(1\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "185",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8269",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو يشف قلبي سريعا من صبابته ... فلا أحن إذا حن المطاريب قالوا وكم أكبت فتنة العشق رؤوسا على مناخرها في الجحيم وأسلمتهم إلى مقاساة العذاب الأليم وجرعتهم بين أطباق النار كؤوس الحميم وكم أخرجت من شاء الله من العلم والدين كخروج الشعرة من العجين وكم أزالت من نعمة وأحلت من نقمة وكم أنزلت من معقل عزه عزيزا فإذا هو من الأذلين ووضعت من شريف رفيع القدر والمنصب فإذا هو في أسفل السافلين وكم كشفت من عورة وأحدثت من روعة وأعقبت من ألم وأحلت من ندم وكم أضرمت من نار حسرات أحرقت فيها الأكباد وأذهبت قدرا كان للعبد عند الله وفي قلوب العباد وكم جلبت من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء فقل أن يفارقها زوال نعمة أو فجاءة نقمة أو تحويل عافية أو طروق بلية أو حدوث رزية فلو سألت النعم ما الذي أزالك والنقم ما الذي أدالك والهموم والأحزان ما الذي جلبك والعافية ما الذي أبعدك وجنبك والستر ما الذي كشفك والوجه ما الذي أذهب نورك وكسفك والحياة ما الذي كردك وشمس الإيمان ما الذي كورك وعزة النفس ما الذي أذلك وبالهوان بعد الإكرام بدلك لأجابتك بلسان الحال اعتبارا إن لم تجب بالمقال حوارا هذه والله بعض جنايات العشق على أصحابه لو كانوا يعقلون فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون يكفي اللبيب(1\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "186",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8270",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "موعظة واستبصارا ما قصه الله سبحانه وتعالى عليه في سورة الأعراف في شأن أصحاب الهوى المذموم تحذيرا واعتبارا فبدأ سبحانه وتعالى بهوى إبليس الحامل له على التكبر عن طاعة الله عز وجل في أمره بالسجود لآدم فحمله هوى النفس وإعجابه بها على أن عصى أمره وتكبر على طاعته فكان من أمره ما كان ثم ذكر سبحانه هوى آدم حين رغب في الخلود في الجنة وحمله هواه على أن أكل من الشجرة التي نهي عنها وكان الحامل له على ذلك هوى النفس ومحبتها للخلود فكان عاقبة ذلك الهوى والشهوة إخراجه منها إلى دار التعب والنصب وقيل إنه إنما أكل منها طاعة لحواء فحمله حبه لها أن أطاعها ودخل في هواها وإنما توصل إليه عدوه من طريقها ودخل عليه من بابها فأول فتنة كانت في هذا العالم بسبب النساء ثم ذكر سبحانه فتنة الكفار الذين أشركوا به ما لم ينزل به سلطانا وابتدعوا في دينه ما لم يشرعه وحرموا زينته التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق وتعبدوا له بالفواحش وزعموا أنه أمرهم بها واتخذوا الشياطين أولياء من دونه والحامل لهم على ذلك كله الهوى والحب الفاسد وعليه حاربوا رسله وكذبوا كتبه وبذلوا أنفسهم وأموالهم وأهليهم دونه حتى خسروا الدنيا والآخرة ثم ذكر سبحانه وتعالى قصة قوم نوح وما أصارهم إليه الهوى من الغرق في الدنيا ودخول النار في الآخرة ثم ذكر قصة عاد وما أفضى إليه بهم الهوى من الهلاك الفظيع والعقوبة المستمرة ثم قصة قوم صالح كذلك ثم قصة العشاق أئمة الفساق وناكحي الذكران وتاركي النسوان وكيف أخذهم وهم في خوضهم يلعبون وقطع دابرهم(1\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "187",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8271",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهم في سكر عشقهم يعمهون وكيف جمع عليهم من العقوبات ما لم يجمعه على أمة من الأمم أجمعين وجعلهم سلفا لإخوانهم اللوطية من المتقدمين والمتأخرين ولما تجرأوا على هذه المعصية ومردوا ونهجوا لإخوانهم طريقا وقاموا بأمرها وقعدوا ضجت الملائكة إلى الله من ذلك ضجيجا وعجت الأرض إلى ربها من هذا الأمر عجيجا وهربت الملائكة إلى أقطار السموات وشكتهم إلى الله جميع المخلوقات وهو سبحانه وتعالى قد حكم أنه لا يأخذ الظالمين إلا بعد إقامة الحجة عليهم والتقدم بالوعد والوعيد إليهم فأرسل إليهم رسوله الكريم يحذرهم من سوء صنيعهم وينذرهم عذابه الأليم فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعوة على رؤوس الملإ منهم والأشهاد وصاح بها بين أظهرهم في كل حاضر وباد وقال فكان في قوله لهم من أعظم الناصحين أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ثم أعاد لهم القول نصحا وتحذيرا وهم في سكرة عشقهم لا يعقلون إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون فأجاب العشاق جواب من أركس في هواه وغيه فقلبه بعشقه مفتون و قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون فلما أن حان الوقت المعلوم وجاء ميقات نفوذ القدر المحتوم أرسل الرحمن تبارك وتعالى لتمام الإنعام والامتحان إلى بيت لوط ملائكة في صورة البشر وأجمل ما يكون من الصور وجاءوه في صورة الأضياف النزول بذي الصدر الرحيب سيء بهم(1\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "188",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8272",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب وجاء الصريخ إلى اللوطية أن لوطا قد نزل به شباب لم ينظر إلى مثل حسنهم وجمالهم الناظرون ولا رأى مثلهم الراؤون فنادى اللوطية بعضهم يعضا أن هلموا إلى منزل لوط ففيه قضاء الشهوات ونيل أكبر اللذات وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات فلما دخلوا إليه وهجموا عليه قال لهم وهو كظيم من الهم والغم وقلبه بالحزن عميد اقوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد فلما سمع اللوطية مقاله أجابوه جواب الفاجر المجاهر العنيد قد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد فقال لهم لوط مقالة المضطهد الوحيد و أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد فلما رأت رسل الله ما يقاسي نبيه من اللوطية كشفوا له عن حقيقة الحال وقالوا هون عليك يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فسر نبي الله سرور المحب وافاه الفرج بغتة على يد الحبيب وقيل له فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ولما أبوا إلا مراودته عن أضيافه ولم يرعوا حق الجار ضرب جبريل بجناحه على وجوههم فطمس منهم الأعين وأعمى الأبصار فخرجوا من عنده عميانا يتحسسون ويقولون ستعلم غدا ما يحل بك أيها(1\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "189",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8273",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المجنون فلما انشق عمود الصبح جاء النداء من عند رب الأرباب أن اخسف بالأمة اللوطية وأذقهم أليم العذاب فاقتلع القوي الأمين جبريل مدائنهم على ريشة من جناحه ورفعها في الجو حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم وصياح ديكتهم ثم قلبها فجعل عاليها سافلها وأتبعوا الحجارة من سجيل وهو الطين المستحجر الشديد وخوف سبحانه إخوانهم على لسان رسوله من هذا الوعيد فقال تعالى فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد فهذه عاقبة اللوطية عشاق الصور وهم السلف وإخوانهم بعدهم على الأثر وإن لم يكونوا قوم لوط بعينهم ... فما قوم لوط منهم ببعيد وإنهم في الخسف ينتظرونهم ... على مورد من مهلة وصيد يقولون لا أهلا ولا مرحبا بكم ... ألم يتقدم ربكم بوعيد فقالوا بلى لكنكم قد سننتم ... صراطا لنا في العشق غير حميد أتينا به الذكران من عشقنا لهم ... فأوردنا ذا العشق شر ورود فأنتم بتضعيف العذاب أحق من ... متابعكم في ذاك غير رشيد فقالوا وأنتم رسلكم أنذرتكم ... بما قد لقيناه بصدق وعيد فما لكم فضل علينا فكلنا ... نذوق عذاب الهون جد شديد كما كلنا قد ذاق لذة وصلهم ... ومجمعنا في النار غير بعيد وكذلك قوم شعيب إنما حملهم على بخس المكيال والميزان فرط محبتهم للمال وغلبهم الهوى على طاعة نبيهم حتى أصابهم العذاب(1\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "190",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8274",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك قوم فرعون حملهم الهوى والشهوة وعشق الرئاسة على تكذيب موسى حتى آل بهم الأمر إلى ما آل وكذلك أهل السبت الذين مسخوا قردة إنما أتوا من جهة محبة الحيتان وشهوة أكلها والحرص عليها وكذلك الذي آتاه الرب تبارك وتعالى آياته فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين وقال تعالى ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث وتأمل قوله تعالى آتيناه آياتنا فأخبر أن ذلك إنما حصل له بإيتاء الرب له لا بتحصيله هو ثم قال فانسلخ منها ولم يقل فسلخناه بل أضاف الانسلاخ إليه وعبر عن براءته منها بلفظة الانسلاخ الدالة على تخليه عنها بالكلية وهذا شأن الكافر وأما المؤمن ولو عصى الله تبارك وتعالى ما عصاه فإنه لا ينسلخ من الإيمان بالكلية ثم قال فأتبعه الشيطان ولم يقل فتبعه فإن في أتبعه إعلاما بأنه أدركه ولحقه كما قال الله تعالى فأتبعوهم مشرقين أي لحقوهم ووصلوا إليهم ثم قال ولو شئنا لرفعناه بها ففي ذلك دليل على أن مجرد العلم لا يرفع صاحبه فهذا قد أخبر الله سبحانه أنه آتاه آياته ولم يرفعه بها فالرفعة بالعلم قدر زائد على مجرد تعلمه ثم أخبر الله عز وجل عن السبب الذي منعه أن يرفع بها فقال ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه وقوله أخلد إلى الأرض أي سكن إليها ونزل بطبعه إليها فكانت نفسه أرضية سفلية لا سماوية علوية وبحسب ما يخلد العبد إلى الأرض يهبط من السماء قال سهل قسم الله الأعضاء من الهوى لكل عضو منه حظا فإذا مال عضو(1\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "191",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8275",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منها إلى الهوى رجع ضرره إلى القلب وللنفس سبع حجب سماوية وسبع حجب أرضية فكلما دفن العبد نفسه أرضا أرضا سما قلبه سماء سماء فإذا دفن النفس تحت الثرى وصل القلب إلى العرش ثم ذكر سبحانه مثل المتبع لهواه كمثل الكلب الذي لا يفارقه اللهث في حالتي تركه والحمل عليه فهكذا هذا لا يفارقه اللهث على الدنيا راغبا وراهبا والمقصود أن هذه السورة من أولها إلى آخرها في ذكر حال أهل الهوى والشهوات وما آل إليه أمرهم فالعشق والهوى أصل كل بلية قال عدي ابن ثابت كان في زمن بني إسرائيل راهب يعبد الله حتى كان يؤتى بالمجانين يعوذهم فيبرأون على يديه وإنه أتي بامرأة ذات شرف من قومها قد جنت وكان لها إخوة فأتوه بها فلم يزل الشيطان يزين له حتى وقع عليها فحملت فلما استبان حملها لم يزل يخوفه ويزين له قتلها حتى قتلها ودفنها فذهب الشيطان في صورة رجل حتى أتى بعض إخوتها فأخبره بالذي فعل الراهب ثم أتى بقية إخوتها رجلا رجلا فجعل الرجل يلقى أخاه فيقول والله لقد أتاني آت فذكر لي شيئا كبر علي ذكره فذكر ذلك بعضهم لبعض حتى رفعوا ذلك إلى ملكهم فسار الناس إليه حتى استنزلوه من صومعته فأقر لهم بالذي فعل فأمر به فصلب فلما رفع على الخشبة تمثل له الشيطان فقال أنا الذي زينت لك هذا وألقيتك فيه فهل أنت مطيعي فيما أقول لك وأخلصك قال(1\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "192",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8276",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نعم قال تسجد لي سجدة واحدة فسجد له وقتل الرجل فهو قول الله تعالى كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين وقال واصل مولى أبي عيينة دخلت على محمد بن سيرين فقال لي هل تزوجت فقلت لا قال وما يمنعك قلت قلة الشيء قال تزوج عبد الله بن محمد بن سيرين ولا شيء له فرزقه الله ثم حدث أن امرأة من بني إسرائيل يقال لها ميسونة خاصمت إلى حبرين من بني إسرائيل فعلقاها قال وكان كل واحد منهما يكتم صاحبه ما يجد منها فأخبرا أنها في حائط تغتسل قال فجاءا فتسورا عليها الحائط فلما رأتهما دخلت غمرا من الماء فوارت نفسها فقالا لها إنك إن لم تفعلي غدونا فشهدنا عليك بالزور فأبت فشهدا عليها فلما قربت ليقام عليها الحد نزل الوحي على دانيال بتكذيبهما فهذا بعض فتنة العشق وقد روى شعبة عن عبد الملك بن عمير قال سمعت مصعب بن سعد يقول كان سعد يعلمنا هذا الدعاء ويذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم(1\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "193",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8277",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;اللهم إني أعوذ بك من فتنة النساء وأعوذ بك من عذاب القبرquot; وقال الحسن بن عرفة حدثنا أبو معاوية الضرير عن ليث عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال إنه لم يكن كفر من مضى إلا من قبل النساء وهو كفر من بقي أيضا وقد روى سفيان بن عيينة عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;ما تركت على أمتي بعدي أضر على الرجال من النساءquot; وروى أبو إسحاق عن هبيرة بن يريم عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; إن أخوف ما أخاف على أمتي الخمر والنساءquot; وقال علي بن حرب حدثنا سفيان بن عيينة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال ما أيس الشيطان من أحد قط إلا أتاه من قبل النساء وروى سفيان بن حسين عن يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قيل لآدم ما حملك على أكل الشجرة قال يا رب زينت لي حواء قال فإني قد عاقبتها لا تحمل إلا كرها ولا تضع إلا كرها وأدميتها في الشهر مرتين(1\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "194",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8278",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ابن عباس رضي الله عنهما أو غيره أول فتنة بني إسرائيل كانت من قبل النساء قالوا ويكفي من مضرة العشق ما اشتهر من مصارع العشاق وذلك موجود في كل زمان فهذا بعض ما احتجت به هذه الفرقة لقولها ونحن نعقد للحكم بين الطائفتين بابا مستقلا بعون الله تعالى(1\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "195",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8279",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب السادس عشر في الحكم بين الفريقين وفصل النزاع بين الطائفتين فنقول العشق لا يحمد مطلقا ولا يذم مطلقا وإنما يحمد ويذم باعتبار متعلقه فإن الإرادة تابعة لمرادها والحب تابع للمحبوب فمتى كان المحبوب مما يحب لذاته أو وسيلة توصله إلى ما يحب لذاته لم تذم المبالغة في محبته بل تحمد وصلاح حال المحب كذلك بحسب قوة محبته ولهذا كان أعظم صلاح العبد أن يصرف قوى حبه كلها لله تعالى وحده بحيث يحب الله بكل قلبه وروحه وجوارحه فيوحد محبوبه ويوحد حبه وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب توحيد المحبوب أن المحبة لا تصح إلا بذلك فتوحيد المحبوب أن لا يتعدد محبوبه وتوحيد الحب أن لا يبقى في قلبه بقية حب حتى يبذلها له فهذا الحب وإن سمي عشقا فهو غاية صلاح العبد ونعيمه وقرة عينه وليس لقلبه صلاح ولا نعيم إلا بأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن تكون محبته لغير الله تابعة لمحبة الله فلا يحب إلا الله كما في الحديث الصحيح quot;ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النارquot; فأخبر أن(1\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "196",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8280",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العبد لا يجد حلاوة الإيمان إلا بأن يكون الله أحب إليه مما سواه ومحبة رسوله هي من محبته ومحبة المرء إن كانت لله فهي من محبة الله وإن كانت لغير الله فهي منقصة لمحبة الله مضعفة لها وتصدق هذه المحبة بأن يكون كراهته لأبغض الأشياء إلى محبوبه وهو الكفر بمنزلة كراهته لإلقائه في النار أو أشد ولا ريب أن هذا من أعظم المحبة فإن الإنسان لا يقدم على محبة نفسه وحياته شيئا فإذا قدم محبة الإيمان بالله على نفسه بحيث لو خير بين الكفر وإلقائه في النار لاختار أن يلقى في النار ولا يكفر كان الله أحب إليه من نفسه وهذه المحبة هي فوق ما يجده سائر العشاق والمحبين من محبة محبوبهم بل لا نظير لهذه المحبة كما لا مثل لمن تعلقت به وهي محبة تقتضي تقديم المحبوب فيها على النفس والمال والولد وتقتضي كمال اللذة والخضوع والتعظيم والإجلال والطاعة والانقياد ظاهرا وباطنا وهذا لا نظير له في محبة مخلوق ولو كان المخلوق من كان ولهذا من أشرك بين الله وبين غيره في هذه المحبة الخاصة كان مشركا شركا لا يغفره الله كما قال الله تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله والصحيح أن معنى الآية والذين آمنوا أشد حبا لله من أهل الأنداد لأندادهم كما تقدم بيانه أن محبة المؤمنين لربهم لا يماثلها محبة مخلوق أصلا كما لا يماثل محبوبهم غيره وكل آذى في محبة غيره فهو نعيم في محبته وكل مكروه في محبة غيره فهو قرة عين في محبته ومن ضرب لمحبته الأمثال التي هي في محبة المخلوق للمخلوق كالوصل والهجر والتجني بلا سبب من المحب وأمثال ذلك مما يتعالى الله عنه علوا كبيرا فهو مخطئ أقبح الخطإوأفحشه وهو حقيق بالإبعاد والمقت والآفة إنما هي من(1\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "197",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8281",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفسه وقلة أدبه مع محبوبه والله تعالى نهى أن يضرب عباده له الأمثال فهو لا يقاس بخلقه وما ابتدع من ابتدع إلا من ضرب الأمثال له سبحانه فأصحاب الكلام المحدث المبتدع ضربوا له الأمثال الباطلة في الخبر عنه وما يوصف به وأصحاب الإرادة المنحرفة ضربوا له الأمثال في الإرادة والطلب وكلاهما على بدعة وخطأ والعشق إذا تعلق بما يحبه الله ورسوله كان عشقا ممدوحا مثابا عليه وذلك أنواع أحدها محبة القرآن بحيث يغني بسماعه عن سماع غيره ويهيم قلبه في معانيه ومراد المتكلم سبحانه منه وعلى قدر محبة الله تكون محبة كلامه فمن أحب محبوبا أحب حديثه والحديث عنه كما قيل إن كنت تزعم حبي ... فلم هجرت كتابي أما تأملت ما فيه ... من لذيذ خطابي وكذلك محبة ذكره سبحانه وتعالى من علامة محبته فإن المحب لا يشبع من ذكر محبوبه بل لا ينساه فيحتاج إلى من يذكره به وكذلك يحب سماع أوصافه وأفعاله وأحكامه فعشق هذا كله من أنفع العشق وهو غاية سعادة العاشق وكذلك عشق العلم النافع وعشق أوصاف الكمال من الكرم والجود والعفة والشجاعة والصبر ومكارم الأخلاق فإن هذه الصفات لو صورت صورا لكانت من أجمل الصور وأبهاها ولو صور العلم صورة لكانت أجمل من صورة الشمس والقمر ولكن عشق هذه الصفات إنما يناسب الأنفس الشريفة الزكية كما أن محبة الله ورسوله وكلامه ودينه إنما تناسب الأرواح العلوية السمائية الزكية لا الأرواح الأرضية الدنية فإذا أردت أن تعرف قيمة العبد وقدره فانظر إلى محبوبه ومراده واعلم أن العشق المحمود لا يعرض فيه شيىء من الآفات المذكورة(1\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "198",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8282",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بقي هاهنا قسم آخر وهو عشق محمود يترتب عليه مفارقة المعشوق كمن يعشق امرأته أو أمته فيفارقها بموت أو غيره فيذهب المعشوق ويبقى العشق كما هو فهذا نوع من الابتلاء إن صبر صاحبه واحتسب نال ثواب الصابرين وإن سخط وجزع فاته معشوقه وثوابه وإن قابل هذه البلوى بالرضا والتسليم فدرجته فوق درجة الصبر وأعلى من ذلك أن يقابلها بالشكر نظرا إلى حسن اختيار لله له فإنه ما يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له فإذا علم أن هذا القضاء خير له اقتضى ذلك شكره لله على ذلك الخير الذي قضاه له وإن لم يعلم كونه خير له فليسلم للصادق المصدوق في خبره المؤكد باليمين حيث يقول: quot;والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن من قضاء إلا كان خيرا له إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وليس ذلك إلا للمؤمنquot; وإيمان العبد يأمره بأن يعتقد بأن ذلك القضاء خير له وذلك يقتضي شكر من قضاه وقدره وبالله التوفيق(1\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "199",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8283",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "الباب السابع عشر: في استحباب تخير الصور الجميلة للوصال الذي يحبه الله ورسوله",
        "content": "الباب السابع عشر: في استحباب تخير الصور الجميلة للوصال الذي يحبه الله ورسوله قال الله تعالى عقيب ذكره ما أحل لعباده من الزوجات والإماء وما حرم عليهم يريد الله ليبين لكم ويهدكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا أي لا يصبر عن النساء كما ذكر الثوري عن ابن طاوس عن أبيه وخلق الإنسان ضعيفا قال إذا نظر إلى النساء لم يصبر وكذلك قال غير واحد من السلف ولما كانت الشهوة في هذا الباب غالبة لا بد أن توجب ما يوجب التوبة كرر سبحانه وتعالى ذكر التوبة مرتين فأخبر أن متبعي الشهوات يريدون من عباده أن يميلوا ميلا عظيما وأخبر سبحانه وتعالى أنه يريد التخفيف عنا لضعفنا فأباح لنا أن ننكح ما طاب لنا من أطايب النساء أربعا وأن نتسرى من الإماء بما شئنا ولما كان العبد له في هذا الباب ثلاثة أحوال حالة جهل بما يحل له ويحرم عليه وحالة تقصير وتفريط وحالة ضعف وقلة صبر قابل سبحانه جهل عبده بالبيان والهدى وتقصيره وتفريطه بالتوبة وضعفه وقلة صبره بالتخفيف(1\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "200",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8284",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه حدثنا أبو معمر حدثنا يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;جعلت قرة عيني في الصلاة وحبب إلي النساء والطيب الجائع يشبع والظمآن يروى وأنا لا أشبع من حب الصلاة والنساءquot; وأصله في صحيح مسلم بدون هذه الزيادة وفي صحيح مسلم من حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له فكاتبت على نفسها وكانت امرأة جميلة حلوة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه على كتابتها قالت فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب الحجرة فكرهتها وعلمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى منها ما رأيت فقالت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستعينه قال: فهل لك في غير ذلك قالت وما هو(1\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "201",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8285",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال:quot; أقضي كتابتك وأتزوجكquot; قالت نعم يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فعلت وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج جويرية بنت الحارث فقال الناس أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا ما بأيديهم قالت فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما خرج سهمي يوم جلولاء جارية كأن عنقها إبريق فضة فما ملكت نفس أن قمت إليها فقبلتها وفي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي وقد قتل زوجها وكانت عروسا فاصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه فخرج بها حتى بلغا سد الروحاء فبنى بها ثم صنع حيسا في نطع صغير ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;آذن من حولكquot; فكانت تلك وليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية ثم خرجنا إلى المدينة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحوى لها وراءه بعباءة ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته(1\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "202",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8286",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب وعند أبي داود في هذه القصة قال وقع في سهم دحية جارية جميلة فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبعة أرؤس ثم دفعها إلى أم سليم تصنعها وتهيئها وتعتد في بيتها وهي صفية بنت حيي وقال أبو عبيدة حج عبد الملك بن مروان ومعه خالد بن يزيد بن معاوية وكان خالد هذا من رجالات قريش المعدودين وكان عظيم القدر عند عبد الملك فبينما هو يطوف بالبيت إذ بصر برملة بنت الزبير بن العوام فعشقها عشقا شديدا ووقعت بقلبه وقوعا متمكنا فلما أراد عبد الملك القفول هم خالد بالتخلف عنه فوقع بقلب عبد الملك تهمة فبعث إليه فسأله عن أمره فقال يا أمير المؤمنين رملة بنت الزبير رأيتها تطوف بالبيت فأذهلت عقلي والله ما أبديت إليك ما بي حتى عيل صبري ولقد عرضت النوم على عيني فلم تقبله والسلو على قلبي فامتنع عنه فأطال عبد الملك التعجب من ذلك وقال ما كنت أقول إن الهوى يستأسر مثلك قال فإني لأشد تعجبا من تعجبك مني ولقد كنت أقول إن الهوى لا يتمكن إلا من صنفين من الناس الشعراء والأعراب أما الشعراء فإنهم ألزموا قلوبهم الفكر في النساء ووصفهن والتغزل فمال طبعهم إلى النساء فضعفت قلوبهم عن دفع الهوى فاستسلموا إليه منقادين وأما الإعراب فإن أحدهم يخلو بامرأته فلا يكون الغالب عليه غير حبه لها ولا يشغله عنه شيء فضعفوا عن دفع الهوى فتمكن منهم فما رأيت نظرة حالت بيني وبين الحزم وحسنت عندي ركوب الإثم مثل نظرتي هذه فتبسم عبد الملك فقال أفكل هذا قد بلغ بك فقال والله ما عرتني هذه البلية قبل وقتي(1\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "203",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8287",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا فوجه عبد الملك إلى الزبير يخطب رملة على خالد فذكروا لها ذلك فقالت لا والله أو يطلق نساءه فطلق امرأتين كانتا عنده وظعن بها إلى الشام وكان يقول أليس يزيد الشوق في كل ليلة ... وفي كل يوم من حبيبتنا قربا خليلي ما من ساعة تذكرانها ... من الدهر إلا فرجت عني الكربا أحب بني العوام طرا لحبها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا تجول خلاخيل النساء ولا أرى ... لرملة خلخالا يجول ولا قلبا وذكر الخرائطي أن بشر بن مروان كان إذا ضرب البعث على أحد من جنده ثم وجده قد أخل بمركزه أقامه على كرسي ثم سمر يديه في الحائط ثم انتزع الكرسي من تحت رجليه فلا يزال يتشحط حتى يموت وأنه ضرب البعث على رجل عاشق حديث عهد بعرس ابنة عمه فلما صار في مركزه كتب إلى ابنة عمه كتابا ثم كتب في أسفله لولا مخافة بشر أو عقوبته ... وأن يرى بعد ذا في الكف مسمار إذا لعطلت ثغري ثم زرتكم ... إن المحب إذا ما اشتاق زوار فلما ورد عليها الكتاب أجابته عنه ثم كتبت في أسفله(1\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "204",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8288",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليس المحب الذي يخشى العقاب ولو ... كانت عقوبته في فجوة النار بل المحب الذي لا شيء يفزعه ... أو يستقر ومن يهواه في الدار فلما قرأ الكتاب قال لا خير في الحياة بعد هذا وأقبل حتى دخل المدينة فأتى بشر بن مروان في وقت غدائه فلما فرغ من غدائه أدخل عليه فقال ما الذي دعاك إلى تعطيل ثغرك أما سمعت النداء فقال اسمع عذري فإما عفوت وإما عاقبت فقال ويلك وهل لك من عذر فقص عليه قصته وقصة ابنة عمه فقال أولى لكما يا غلام خط على اسمه من البعث وأعطه عشرة آلاف درهم والحق بابنة عمك سهرت ومن أهدى لي الشوق نائم ... وعذب قلبي بالهوى وهو سالم فواحسرتا حتى متى أنا قائل ... لمن لامني في حبكم أنت ظالم وحتى متى أخفي الهوى وأسره ... وأدفن شوقي في الحشا وأكاتم أريد الذي قد سركم بمساءتي ... ليغفل واش أو ليعذر لائم وقال آخر بي لا بها ما أقاسي من تجنيا ... ومن جوى الحب في الأحشاء أفديها والله يعلم أني لا أسر بأن ... تلقى من الوجد ما لاقيته فيها خوف البكاء كما أبكي فتتركني ... أبكي على كبدي طورا وأبكيها وقال العباس بن هشام الكلبي ضرب عبد الملك بن مروان بعثا إلى اليمن فأقاموا سنين حتى إذا كان ذات ليلة وهو بدمشق قال والله لأعسن الليلة مدينة دمشق ولأسمعن الناس ماذا يقولون في البعث الذي أغزيت فيه(1\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "205",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8289",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجالهم وأغرمتهم أموالهم فبينما هو في بعض أزقتها إذ هو بصوت امرأة قائمة تصلي فتسمع إليها فلما انصرفت إلى مضجعها قالت اللهم مسير النجب ومنزل الكتب ومعطي الرغب أسألك أن ترد لي غائبي فتكشف به همي وتقر به عيني وأسألك أن تحكم بيني وبين عبد الملك بن مروان الذي فعل بنا هذا ثم أنشأت تقول تطاول هذا الليل فالعين تدمع ... وأرقني حزن لقلبي موجع فبت أقاسي الليل أرعى نجومه ... وبات فؤادي بالجوى يتقطع إذا غاب منها كوكب في مغيبه ... لمحت بعيني كوكبا حين يطلع إذا ما تذكرت الذي كان بيننا ... وجدت فؤادي حسرة يتصدع وكل حبيب ذاكر لحبيبه ... يرجي لقاه كل يوم ويطمع فذا العرش فرج ما ترى من صبابتي ... فأنت الذي يدعو العباد فيسمع دعوتك في السراء والضر دعوة ... على حاجة بين الشراسيف تلذع فقال عبد الملك لحاجبه تعرف هذا المنزل قال نعم هذا منزل يزيد بن سنان قال فما المرأة منه قال زوجته فلما أصبح سأل كم تصبر المرأة عن زوجها قالوا ستة أشهر(1\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "206",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8290",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال جرير بن حازم عن يعلى بن حكيم عن سعيد بن جبير قال كان عمر ابن الخطاب رضي الله عنه إذا أمسى أخذ درته ثم طاف بالمدينة فإذا رأى شيئا ينكره أنكره فبينما هو ذات ليلة يعس إذ مر بامرأة على سطح وهي تقول تطاول هذا الليل واخضل جانبه ... وأرقني أن لا خليل ألاعبه فوالله لولا الله لا رب غيره ... لحرك من هذا السرير جوانبه مخافة ربي والحياء يصدني ... وأكرم بعلي أن تنال مراكبه ثم تنفست الصعداء وقالت لهان على عمر بن الخطاب ما لقيت الليلة فضرب باب الدار فقالت من هذا الذي يأتي إلى امرأة مغيبة هذه الساعة فقال افتحي فأبت فلما أكثر عليها قالت أما والله لو بلغ أمير المؤمنين لعاقبك فلما رأى عفافها قال افتحي فأنا أمير المؤمنين قالت كذبت ما أنت أمير المؤمنين فرفع بها صوته وجهر لها فعرفت أنه هو ففتحت له فقال هيه كيف قلت فأعادت عليه ما قالت فقال أين زوجك قالت في بعث كذا وكذا فبعث إلى عامل ذلك الجند أن سرح فلان بن فلان فلما قدم عليه قال اذهب إلى أهلك ثم دخل على حفصة ابنته فقال أي بنية كم تصبر المرأة عن زوجها قالت شهرا واثنين وثلاثة وفي الرابع ينفد الصبر فجعل ذلك أجلا للبعث وهذا مطابق لجعل الله سبحانه وتعالى(1\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "207",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8291",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مدة الإيلاء أربعة أشهر فإنه سبحانه وتعالى علم أن صبر المرأة يضعف بعد الأربعة ولا تحتمل قوة صبرها أكثر من هذه المدة فجعلها أجلا للمولي وخيرها بعد الأربعة إن شاءت أقامت معه وإن شاءت فسخت نكاحه فإذا مضت الأربعة أشهر عيل صبرها قال الشاعر ولما دعوت الصبر بعدك والبكا ... أجاب البكا طوعا ولم يجب الصبر(1\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "208",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8292",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "الباب الثامن عشر: في أن دواء المحبين في كمال الوصال الذي أباحه رب العالمين",
        "content": "الباب الثامن عشر: في أن دواء المحبين في كمال الوصال الذي أباحه رب العالمين قد جعل الله سبحانه وتعالى لكل داء دواء ويسر الوصال إلى ذلك الدواء شرعا وقدرا فمن أراد التداوي بما شرعه الله له واستعان عليه بالقدر وأتى الأمر من بابه صادف الشفاء ومن طلب الدواء بما منعه منه شرعا وإن امتحنه به قدرا فقد أخطأ طريق المداواة وكان كالمتداوي من داء بداء أعظم منه وقد تقدم حديث طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لم ير للمتحابين مثل النكاح وقد اتفق رأي العقلاء من الأطباء وغيرهم في مواضع الأدوية أن شفاء هذا الداء في التقاء الروحين والتصاق البدنين وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة فأتى زينب فقضى حاجته منها وقال: quot;إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله فإن ذلك يرد ما في نفسهquot; وذكر إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم عن أبي مسلم الخولاني رحمه الله أنه كان يقول يا معشر خولان زوجوا شبابكم وإماءكم فإن الغلمة أمر عارم فأعدوا عدتها واعلموا أنه ليس لمنعظ إذن يريد أنه إذا(1\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "209",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8293",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "استأذن عليه فلا إذن له وذكر العتبي أن رجلا من ولد عثمان ورجلا من ولد الحسين خرجا يريدان موضعا لهما فنزلا تحت سرحة فأخذ أحدهما فكتب عليها خبرينا خصصت بالغيث يا سر ... ح بصدق والصدق فيه شفاء وكتب الآخر هل يموت المحب من ألم الحبب ... ويشفى من الحبيب اللقاء ثم مضيا فلما رجعا وجدا مكتوبا تحت ذلك إن جهلا سؤالك السرح عما ... ليس يوما عليك فيه خفاء ليس للعاشق المحب من الحبب ... سوى لذة اللقاء شفاء وقال أبو جعفر العذري لسكر الهوى أروى لعظمي ومفصلي ... إذا سكر الندمان من لذة الخمر وأحسن من قرع المثاني ونقرها ... تراجيع صوت الثغر يقرع بالثغر ولما دعوت الصبر بعدك والبكا ... أجاب البكا طوعا ولم يجب الصبر وقال عبد الله بن صالح كان الليث بن سعد إذا أراد الجماع خلا في منزل في داره ودعا بثوب يقال له الهركان وكان يلبسه إذ ذاك وكان إذا خلا في ذلك المنزل علم أنه يريد أمرا وكان إذا غشي أهله قال اللهم شد لي أصله(1\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "210",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8294",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وارفع لي صدره وسهل علي مدخله ومخرجه وارزقني لذته وهب لي ذرية صالحة تقاتل في سبيلك قال وكان جهوريا فكان يسمع ذلك منه رضي الله عنه وقال الخرائطي حدثنا عمارة بن وثيمة قال حدثني أبي قال كان عبد الله بن ربيعة من خيار قريش صلاحا وعفة وكان ذكره لا يرقد فلم يكن يشهد لقريش خيرا ولا شرا وكان يتزوج المرأة فلا تمكث معه إلا أياما حتى تهرب إلى أهلها فقالت زينب بنت عمر بن أبي سلمة مالهن يهربن من ابن عمهن قيل لها إنهن لا يطقنه قالت فما يمنعه مني فأنا والله العظيمة الخلق الكبيرة العجز الفخمة الفرج قال فتزوجها فصبرت عليه وولدت له ستة من الولد وقال رشيد بن سعد عن زهرة بن معبد عن محمد بن المنكدر أنه كان يدعو في صلاته اللهم قوي لي ذكري فإن فيه صلاحا لأهلي وقال حماد بن زيد عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال كان لأنس بن مالك غلام وكان شيخا كبيرا فرافعته امرأته إلى أنس وقالت لا أطيقه ففرض له عليها ستة في اليوم والليلة وقال علي بن عاصم حدثنا خالد الحذاء قال لما خلق الله آدم وخلق حواء قال له يا آدم اسكن إلى زوجك فقالت له حواء يا آدم ما أطيب هذا زدنا منه وفي الصحيح أن سليمان بن داود عليهما السلام طاف في ليلة واحدة على تسعين امرأة وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وهن تسع نسوة وربما كان يطوف عليهن بغسل واحد وربما كان يغتسل عند كل واحدة منهن وقال المروذي قال أبو عبد الله يعني أحمد بن حنبل ليس العزوبة(1\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "211",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8295",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من أمر الإسلام في شيء النبي صلى الله عليه وسلم تزوج أربع عشرة ومات عن تسع ولو تزوج بشر بن الحارث لتم أمره ولو ترك الناس النكاح لم يكن غزو ولا حج ولا كذا ولا كذا وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبح وما عندهم شيء ومات عن تسع وكان يختار النكاح ويحث عليه ونهى عن التبتل فمن رغب عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم فهو على غير الحق ويعقوب في حزنه قد تزوج وولد له والنبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;حبب إلي النساءquot; قلت له فإن إبراهيم بن أدهم يحكى عنه أنه قال لروعة صاحب العيال فما قدرت أن أتم الحديث حتى صاح بي وقال وقعت في بنيات الطريق أنظر ما كان عليه محمد وأصحابه ثم قال بكاء الصبي بين يدي أبيه يطلب منه الخبز أفضل من كذا وكذا أين يلحق المتعبد العزب انتهى كلامه وقد اختلف الفقهاء هل يجب على الزوج مجامعة امرأته فقالت طائفة لا يجب عليه ذلك فإنه حق له فإن شاء استوفاه وإن شاء تركه بمنزلة من استأجر دارا إن شاء سكنها وإن شاء تركها وهذا من أضعف الأقوال والقرآن والسنة والعرف والقياس يرده أما القرآن فإن الله سبحانه وتعالى قال ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف فأخبر أن للمرأة من الحق مثل الذي عليها فإذا كان الجماع حقا للزوج عليها فهو حق على الزوج بنص القرآن وأيضا فإنه سبحانه وتعالى أمر الأزواج أن(1\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "212",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8296",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعاشروا الزوجات بالمعروف ومن ضد المعروف أن يكون عنده شابة شهوتها تعدل شهوة الرجل أو تزيد عليها بأضعاف مضاعفة ولا يذيقها لذة الوطء مرة واحدة ومن زعم أن هذا من المعروف كفاه طبعه ردا عليه والله سبحانه وتعالى إنما أباح للأزواج إمساك نسائهم على هذا الوجه لا على غيره فقال تعالى فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وقالت طائفة يجب عليه وطؤها في العمر مرة واحدة ليستقر لها بذلك الصداق وهذا من جنس القول الأول وهذا باطل من وجه آخر فإن المقصود إنما هو المعاشرة بالمعروف والصداق دخل في العقد تعظيما لحرمته وفرقا بينه وبين السفاح فوجوب المقصود بالنكاح أقوى من وجوب الصداق وقالت طائفة ثالثة يجب عليه أن يطأها في كل أربعة أشهر مرة واحتجوا على ذلك بأن الله سبحانه وتعالى أباح للمولي تربص أربعة أشهر وخير المرأة بعد ذلك إن شاءت أن تقيم عنده وإن شاءت أن تفارقه فلو كان لها حق في الوطء أكثر من ذلك لم يجعل للزوج تركه في تلك المدة وهذا القول وإن كان أقرب من القولين اللذين قبله فليس أيضا بصحيح فإنه غير المعروف الذي لها وعليها وأما جعل مدة الإيلاء أربعة أشهر فنظرا منه سبحانه للأزواج فإن الرجل قد يحتاج إلى ترك وطء امرأته مدة لعارض من سفر أو تأديب أو راحة نفس أو اشتغال بمهم فجعل الله سبحانه وتعالى له أجلا أربعة أشهر ولا يلزم من ذلك أن يكون الوطء مؤقتا في كل أربعة أشهر مرة وقالت طائفة أخرى بل يجب عليه أن يطأها بالمعروف كما ينفق عليها(1\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "213",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8297",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويكسوها ويعاشرها بالمعروف بل هذا عمدة المعاشرة ومقصودها وقد أمر الله سبحانه وتعالى أن يعاشرها بالمعروف فالوطء داخل في هذه المعاشرة ولا بد قالوا وعليه أن يشبعها وطئا إذا أمكنه ذلك كما عليه أن يشبعها قوتا وكان شيخنا رحمه الله تعالى يرجح هذا القول ويختاره وقد حض النبي صلى الله عليه وسلم على استعمال هذا الدواء ورغب فيه وعلق عليه الأجر وجعله صدقة لفاعله فقال: quot;وفي بضع أحدكم صدقةquot; ومن تراجم النسائي على هذا الترغيب في المباضعة ثم ذكر هذا الحديث ففي هذا كمال اللذة وكمال الإحسان إلى الحبيبة وحصول الأجر وثواب الصدقة وفرح النفس وذهاب أفكارها الرديئة عنها وخفة الروح وذهاب كثافتها وغلظها وخفة الجسم واعتدال المزاج وجلب الصحة ودفع المواد الرديئة فإن صادف ذلك وجها حسنا وخلقا دمثا وعشقا وافرا ورغبة تامة واحتسابا للثواب فذلك اللذة التي لا يعادلها شيء ولا سيما إذا وافقت كمالها فإنها لا تكمل حتى يأخذ كل جزء من البدن بقسطه من اللذة فتلتذ العين بالنظر إلى المحبوب والأذن بسماع كلامه والأنف بشم رائحته والفم بتقبيله واليد بلمسه وتعتكف كل جارحة على ما تطلبه من لذتها وتقابله من المحبوب فإن فقد من ذلك شيء لم تزل النفس متطلعة إليه متقاضية له فلا تسكن كل السكون ولذلك تسمى المرأة سكنا لسكون النفس إلينا قال الله تعالى ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ولذلك فضل(1\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "214",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8298",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جماع النهار على جماع الليل ولسبب آخر طبيعي وهو أن الليل وقت تبرد فيه الحواس وتطلب حظها من السكون والنهار محل انتشار الحركات كما قال الله تعالى وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا وقال الله تعالى هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه وتمام النعمة في ذلك فرحة المحب برضاء ربه تعالى بذلك واحتساب هذه اللذة عنده ورجاء تثقيل ميزانه ولذلك كان أحب شيء إلى الشيطان أن يفرق بين الرجل وبين حبيبه ليتوصل إلى تعويض كل منهما عن صاحبه بالحرام كما في السنن عنه أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق وفي صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;إن إبليس ينصب عرشه على الماء ثم يبث سراياه في الناس فأقربهم منه منزلة أعظمهم فتنة فيقول أحدهم ما زلت به حتى زنى فيقول يتوب فيقول الآخر ما زلت به حتى فرقت بينه وبين أهله فيدنيه ويلتزمه ويقول نعم أنت نعم أنتquot; فهذا الوصال لما كان أحب شيء إلى الله ورسوله كان أبغض شيء إلى عدو الله فهو يسعى في التفريق بين المتحابين في الله المحبة التي يحبها الله ويؤلف بين الاثنين في المحبة التي يبغضها الله ويسخطها وأكثر العشاق من جنده وعسكره ويرتقي بهم الحال حتى(1\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "215",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8299",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يصير هو من جندهم وعسكرهم يقود لهم ويزين لهم الفواحش ويؤلف بينهم عليها كما قيل عجبت من إبليس في نخوته ... وقبح ما أظهر من سيرته تاه على آدم في سجدة ... وصار قوادا لذريته وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم الشباب الذين هم مظنة العشق إلى أنفع أدويتهم ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرجquot; وفي لفظ آخر ذكره أبو عبيد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم عليكم بالباءة وذكر الحديث وبين اللفظين فرق فإن الأول يقتضي أمر العزب بالتزويج والثاني يقتضي أمر المتزوج بالباءة والباءة اسم من أسماء الوطء وقوله: quot;من استطاع منكم الباءة فليتزوجquot; فسرت الباءة بالوطء وفسرت بمؤن النكاح ولا ينافي التفسير الأول إذ المعنى على هذا مؤن الباءة ثم قال: quot;ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاءquot; فأرشدهم إلى الدواء الشافي الذي وضع لهذا الأمر ثم نقلهم عنه عند العجز إلى البدل وهو الصوم فإنه يكسر شهوة النفس ويضيق عليها مجاري الشهوة فإن هذه الشهوة تقوى بكثرة الغذاء وكيفيته فكمية الغذاء وكيفيته يزيدان في توليدها والصوم يضيق عليها ذلك فيصير بمنزلة وجاء الفحل وقل من أدمن الصوم إلا وماتت شهوته أو ضعفت(1\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "216",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8300",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جدا والصوم المشروع يعدلها واعتدالها حسنة بين سيئتين ووسط بين طرفين مذمومين وهما العنة والغلمة الشديدة المفرطة وكلاهما خارج عن الاعتدال وكلا طرفي قصد الأمور ذميم وخير الأمور أوساطها والأخلاق الفاضلة كلها وسط بين طرفي إفراط وتفريط وكذلك الدين المستقيم وسط بين انحرافين وكذلك السنة وسط بين بدعتين وكذلك الصواب في مسائل النزاع إذا شئت أن تحظى به فهو القول الوسط بين الطرفين المتباعدين وليس هذا موضع تفصيل هذه الجملة فإنا لم نقصد له وبالله التوفيق(1\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "217",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8301",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "الباب التاسع عشر: في ذكر فضيلة الجمال وميل النفوس إليه على كل حال",
        "content": "الباب التاسع عشر: في ذكر فضيلة الجمال وميل النفوس إليه على كل حال إعلم أن الجمال ينقسم قسمين ظاهر وباطن فالجمال الباطن هو المحبوب لذاته وهو جمال العلم والعقل والجود والعفة والشجاعة وهذا الجمال الباطن هو محل نظر الله من عبده وموضع محبته كما في الحديث الصحيح quot;إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكمquot; وهذا الجمال الباطن يزين الصورة الظاهرة وإن لم تكن ذات جمال فتكسوا صاحبها من الجمال والمهابة والحلاوة بحسب ما اكتست روحه من تلك الصفات فإن المؤمن يعطى مهابة وحلاوة بحسب إيمانه فمن رآه هابه ومن خالطه أحبه وهذا أمر مشهود بالعيان فإنك ترى الرجل الصالح المحسن ذا الأخلاق الجميلة من أحلى الناس صورة وإن كان أسود أو غير جميل ولا سيما إذا رزق حظا من صلاة الليل فإنها تنور الوجه وتحسنه وقد كان بعض النساء تكثر صلاة الليل فقل لها في ذلك فقالت إنها تحسن الوجه وأنا أحب أن يحسن وجهي ومما يدل على أن الجمال الباطن أحسن من الظاهر أن القلوب لا تنفك عن تعظيم صاحبه ومحبته والميل إليه فصل وأما الجمال الظاهر فزينة خص الله بها بعض الصور عن بعض وهي من(1\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "218",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8302",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "زيادة الخلق التي قال الله تعالى فيها يزيد في الخلق ما يشاء قالوا هو الصوت الحسن والصورة الحسنة والقلوب كالمطبوعة على محبته كما هي مفطورة على استحسانه وقد ثبت في الصحيح عنه أنه قال: quot;لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبرquot; قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يحب أن تكون نعله حسنة وثوبه حسنا أفذلك من الكبر فقال: quot;لا إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناسquot; فبطر الحق جحده ودفعه بعد معرفته وغمط الناس النظر إليهم بعين الازدراء والاحتقار والاستصغار لهم ولا بأس بهذا إذا كان لله وعلامته أن يكون لنفسه أشد ازدراء واستصغارا منه لهم فأما إن احتقرهم لعظمة نفسه عنده فهو الذي لا يدخل صاحبه الجنة فصل وكما أن الجمال الباطن من أعظم نعم الله تعالى على عبده فالجمال الظاهر نعمة منه أيضا على عبده يوجب شكرا فإن شكره بتقواه وصيانته ازداد جمالا على جماله وإن استعمل جماله في معاصيه سبحانه قلبه له شيئا ظاهرا في الدنيا قبل الآخرة فتعود تلك المحاسن وحشة وقبحا وشينا وينفر عنه من رآه فكل من لم يتق الله عز وجل في حسنه وجماله انقلب قبحا وشينا يشينه به بين الناس فحسن الباطن يعلو قبح الظاهر ويستره وقبح الباطن يعلو جمال الظاهر ويستره يا حسن الوجه توق الخنا ... لا تبدلن الزين بالشين(1\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "219",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8303",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويا قبيح الوجه كن محسنا ... لا تجمعن بين قبيحين وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى جمال الباطن بجمال الظاهر كما قال جرير بن عبد الله وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسميه يوسف هذه الأمة قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;أنت امرء قد حسن الله خلقك فأحسن خلقك quot; وقال بعض الحكماء ينبغي للعبد أن ينظر كل يوم في المرآة فإن رأى صورته حسنة لم يشنها بقبيح فعله وإن رآها قبيحة لم يجمع بين قبح الصورة وقبح الفعل ولما كان الجمال من حيث هو محبوبا للنفوس معظما في القلوب لم يبعث الله نبيا إلا جميل الصورة حسن الوجه كريم الحسب حسن الصوت كذا قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وكان النبي صلى الله عليه وسلم أجمل خلق الله وأحسنهم وجها كما قال البراء بن عازب رضي الله عنه وقد سئل أكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف قال لا بل مثل القمر وفي صفته كأن الشمس تجري في وجهه يقول واصفه لم أر قبله ولا بعده مثله وقال ربيعة الجرشي قسم الحسن نصفين فبين سارة ويوسف نصف الحسن ونصف الحسن بين سائر الناس وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم quot;أنه رأى يوسف ليلة الإسراء وقد أعطي شطر الحسنquot; وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحب أن يكون الرسول الذي يرسل إليه حسن الوجه حسن(1\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "220",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8304",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاسم وكان يقول: quot;إذا أبردتم إلي بريدا فليكن حسن الوجه حسن الاسمquot; وقد روى الخرائطي من حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه: quot;من آتاه الله وجها حسنا واسما حسنا وخلقا حسنا وجعله في موضع غير شائن له فهو من صفوة الله من خلقهquot; وقال وهب قال داود يا رب أي عبادك أحب إليك قال مؤمن حسن الصورة قال فأي عبادك أبغض إليك قال كافر قبيح الصورة ويذكر عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينتظره نفر من أصحابه على الباب فجعل ينظر في الماء ويسوي شعره ولحيته ثم خرج إليهم فقلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تفعل هذا قال: quot;نعم إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليهيىء من نفسه فإن الله جميل يحب الجمالquot; وقال يحيى بن أبي كثير دخل رجل على معاوية غمصا يعني رمص العينين فحط من عطائه فقال ما يمنع أحدكم إذا خرج من منزله أن يتعاهد أديم وجهه وكانت عائشة بنت طلحة من أجمل أهل زمانها أو أجملهم فقال أنس بن مالك والله ما رأيت أحسن منك إلا معاوية على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت والله لأنا أحسن من النار في عين المقرور في الليلة القارة(1\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "221",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8305",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ودخل عليها أنس يوما في حاجة فقال إن القوم يريدون أن يدخلو اعليك فينظروا إلى جمالك قالت أفلا قلت ليس فألبس ثيابي وكان مصعب بن الزبير من أجمل الناس وكان يحسد الناس على الجمال فبينا هو يخطب يوما إذ دخل ابن جودان من ناحية الأزد وكان جميلا فأعرض بوجهه عن تلك الناحية إلى ناحية أخرى فدخل ابن حمران من تلك الناحية وكان جميلا فرمى ببصره إلى مؤخر المسجد فدخل الحسن البصري وكان من أجمل الناس فنزل مصعب عن المنبر وخرج نسوة يوم العيد ينظرون إلى الناس فقيل لهن من أحسن من مر بكن قلن شيخ عليه عمامة سوداء يعنين الحسن البصري وأخذ مصعب ابن الزبير رجلا من أصحاب المختار فأمر بضرب عنقه فقال الرجل أيها الأمير ما أقبح من أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة ووجهك هذا الذي يستضاء به فأتعلق بأطرافك وأقول يا رب سل مصعبا فيم قتلني فقال مصعب أطلقوه فقال الرجل أيها الأمير اجعل ما وهبت لي من حياتي في خفض فقال مصعب أعطوه مائة ألف درهم فقال إني أشهد الله أن لعبد الرحمن بن قيس الرقيات نصفها قال مصعب ولم ذلك قال لقوله إنما مصعب شهاب من الل ... هـ تجلت عن وجهه الظلماء فضحك مصعب وقال إن فيك لموضعا للصنيعة وأمره بلزومه وقال الزبير بن بكار حدثنا مصعب الزبيري حدثنا عبد الرحمن بن أبي الحسن قال خرج أبو حازم يرمي الجمار ومعه قوم متعبدون وهو يكلمهم(1\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "222",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8306",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويحدثهم ويقص عليهم فبينما هو يمشي وهم معه إذ نظر إلى فتاة مستترة بخمارها ترمي الناس بطرفها يمنة ويسرة وقد شغلت الناس وهم ينظرون إليها مبهوتين وقد خبط بعضهم بعضا في الطريق فرآها أبو حازم فقال يا هذه اتقي الله فإنك في مشعر من مشاعر الله عظيم وقد فتنت الناس فاضربي بخمارك على جيبك فإن الله عز وجل يقول وليضربن بخمرهن على جيوبهن فأقبلت تضحك من كلامه وقالت إني والله من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البريء المغفلا فاقبل أبو حازم على أصحابه وقال تعالوا ندعو الله أن لا يعذب هذه الصورة الحسناء بالنار فجعل يدعو وأصحابه يؤمنون وقال ضمرة بن ربيعة عن عبد الله بن شوذب دخلت امرأة جميلة على الحسن البصري فقالت يا أبا سعيد ينبغي للرجال أن يتزوجوا على النساء قال نعم قالت وعلى مثلي ثم أسفرت عن وجه لم ير مثله حسنا وقالت يا أبا سعيد لا تفتوا الرجال بهذا ثم ولت فقال الحسن ما على رجل كانت هذه في زاوية بيته ما فاته من الدنيا(1\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "223",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8307",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال عبد الملك بن قريب كنت في بعض مياه العرب فسمعت الناس يقولون قد جاءت قد جاءت فتحول الناس فقمت معهم فإذا جارية قد وردت الماء ما رأيت مثلها قط في حسن وجهها وتمام خلقها فلما رأت تشوف الناس إليها أرسلت برقعها فكأنه غمامة غطت شمسا فقلت لم تمنعيننا النظر إلى وجهك هذا الحسن فأنشأت تقول وكنت متى أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر ونظر إليها أعرابي فقال أنا والله ممن قل صبره ثم قال أوحشية العينين أين لك الأهل ... أبالحزن حلوا أم محلهم السهل وأية أرض أخرجتك فإنني ... أراك من الفردوس إن فتش الأصل قفي خبرينا ما طعمت وما الذي ... شربت ومن أين استقل بك الرحل لأن علامات الجنان مبينة ... عليك وإن الشكل يشبهه الشكل تناهيت حسنا في النساء فإن يكن ... لبدر الدجى نسل فأنت له نسل وقال آخر يا منسي المحزون أحزانه ... لما أتته في المعزينا إستقبلتهن بتمثالها ... فقمن يضحكن ويبكينا(1\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "224",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8308",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حق لهذا الوجه أن يزدهي ... عن حزنه من كان محزونا وقال آخر أنيري مكان البدر إن أفل البدر ... وقومي مقام الشمس مااستأخر الفجر ففيك من الشمس المنيرة ضوؤها ... وليس لها منك التبسم والثغر وقال آخر رقادي يا طرفي عليك حرام ... فخل دموعا فيضهن سجام ففي الدمع إطفاء لنار صبابة ... لها بين أحناء الضلوع ضرام ويا كبدي الحرى التي قد تصدع ... ت من الوجد ذوبي ما عليك ملام ويا وجه من ذلت وجوه أعزة ... له وزهى عزا فليس يرام أجر مستجيرا في الهوى باسطا ... إليك يديه والعيون نيام وذكر الخرائطي عن بعض العلويين قال بينا أنا عند الحسن بن هانىء وهو ينشد ويلي على سود العيون ... النهد الضمر البطون الناطقات عن الضمي ... ر لنا بألسنة الجفون فوقف عليه أعرابي ومعه بنيه فقال أعد علي فأعاد عليه فقال يا ابن أخي ويلك أنت وحدك من هذا ويلي أنا وأنت وويل ابني هذا وويل هذه الجماعة وويل جيراننا كلهم(1\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "225",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8309",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الخرائطي حدثنا يموت بن المزرع حدثنا محمد بن حميد حدثنا محمد بن سلمة قال حدثني أبي قال أتيت عبد العزيز بن المطلب أسأله عن بيعة الجن للنبي بمسجد الأحزاب ما كان بدؤها فوجدته مستلقيا يتغنى فما روصة بالحزن طيبة الثرى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها بأطيب من أردان عزة موهنا ... وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها من الخفرات البيض لم تلق شقوة ... وبالحسب المكنون صاف نجارها فإن برزت كانت لعينيك قرة ... وإن غبت عنها لم يعمك عارها فقلت له أتغني أصلحك الله وأنت في جلالك وشرفك فقال أما والله لأحملنها ركبان نجد قال فوالله ما اكترث بي وعاد يتغنى فما ظبية أدماء خفاقة الحشا ... تجوب بظلفيها متون الخمائل بأحسن منها إذ تقول تدللا ... وأدمعها تذرين حشو المكاحل تمتع بذا اليوم القصير فإنه ... رهين بأيام الصدود الأطاول قال فندمت على قولي وقلت له أصلحك الله أتحدثني في هذا بشيء قال نعم حدثني أبي قال دخلت على سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم وأشعب يغنيه(1\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "226",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8310",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مغيرية كالبدر سنة وجهها ... مطهرة الأثواب والعرض وافر لها حسب زاك وعرض مهذب ... وعن كل مكروه من الأمر زاجر من الخفرات البيض لم تلق ريبة ... ولم يستملها عن تقى الله شاعر فقال له سالم زدني فغناه ألمت بنا والليل داج كأنه ... جناح غراب عنه قد نفض القطرا فقلت أعطار ثوى في رحالن ... وما احتملت ليلى سوى طيبها عطرا فقال له سالم والله لولا أن تتداوله الرواة لأجزلت جائزتك فإنك من هذا الأمر بمكان قال الخرائطي حدثنا العباس بن الفضل عن بعض أصحابه قال حججت سنة من السنين فإني لبالربذة إذ وقفت علينا جارية على وجهها برقع فقالت يا معشر الحجيج نفر من هذيل ذهب بنعمهم السيل وقعدت بهم الأيام ما بهم نجعة فمن يراقب فيهم الدار الآخرة ويعرف لهم حق الأخوة جزاه الله خيرا قال فرضخنا لها فقلت لها هل قلت في ذلك شيئا فأنشأت تقول كف الزمان توسدتنا عنوة ... شلت أناملها عن الأعراب قوم إذا حل العفاة ببابهم ... ألفوا نوافلهم بغير حساب فقلنا لها لو أمتعتينا بالنظر إلى وجهك فكشفت البرقع عن وجه لا والله لا تهتدي العقول لوصفه فلما رأتنا قد بهتنا لحسنها أنشأت تقول(1\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "227",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8311",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدهر أبدى صفحة قد صانها ... أبواي قبل تمرس الأيام فتمتعوا بعيونكم في حسنها ... وانهوا جوارحكم عن الآثام ثم انصرفت وكان محمد بن حميد الطوسي يهوى جارية فأرسل إليها مرة أترجة فبكت بكاء شديدا فقيل لها يوجه إليك من تحبينه بهدية فتبكين هذا البكاء فغنت أهدى له أحبابه أترجة ... فبكى وأشفق من عيافة زاجر خاف التلون والفراق لأنها ... لونان باطنها خلاف الظاهر فلما جاءه الرسول أخبره عنها بما أغاظه فكتب إليها ضيعت عهد فتى لغيبك حافظ ... في حفظه عجب وفي تضييعك وصددت عنه وماله من حيلة ... إلا الوقوف إلى أوان رجوعك إن تقتليه وتذهبي بحياته ... فبحسن وجهك لا بحسن صنيعك فلما وافتها الرقعة بكت حتى رحمها من حولها ثم اندفعت تقول هل لعيني إلى الرقاد شفيع ... إن قلبي من السقام مروع لا تراني بخلت عنك بدمع ... لا وحق الحبيب مالي دموع إن قلبي إليك صب حزين ... فاستراحت إلى الأنين الضلوع ليس في العطف يا حبيبي بدع ... إنما هجر من يحب بديع(1\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "228",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8312",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم كتبت إليه أنا مملوكة لا أملك من أمري شيئا فإذا كان لك في حاجة فاشترني لأكون طوع يديك فاشتراها فمكثت عنده وكانت من أحظى إمائه حتى قتل في وقعة بابك الخرمي فكانت تتمثل في رثائه بقول أبي تمام محمد بن حميد أخلقت رممه ... أريق ماء المعالي مذ أريق دمه رأيته بنجاد السيف محتبيا ... في النوم بدرا جلت عن وجهه ظلمه فقلت والدمع من حزن ومن كمد ... يجري انسكابا على الخدين منسجمه ألم تمت يا شقيق النفس مذ زمن ... فقال لي لم يمت من لم يمت كرمه فصل وهذا فصل في ذكر حقيقة الحسن والجمال ما هي وهذا أمر لا يدرك إلا بالوصف وقد قيل إنه تناسب الخلقة واعتدالها واستواؤها ورب صورة متناسبة الخلقة وليست في الحسن هناك وقد قيل الحسن في الوجه والملاحة في العينين وقيل الحسن أمر مركب من أشياء وضاءة وصباحة وحسن تشكيل وتخطيط ودموية في البشرة وقيل الحسن معنى لا تناله العبارة ولا يحيط به الوصف وإنما للناس منه أوصاف أمكن التعبير عنها وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذروة العليا منه ونظرت إليه عائشة رضي الله عنها ثم تبسمت فسألها مم ذاك فقالت كأن أبا كبير الهذلي إنما عناك بقوله(1\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "229",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8313",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومبرإ من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل ولقي بعض الصحابة راهبا فقال صف لي محمدا كأني أنظر إليه فإني رأيت صفته في التوراة والإنجيل فقال لم يكن بالطويل البائن ولا بالقصير فوق الربعة أبيض اللون مشربا بالحمرة جعدا ليس بالقطط جمته إلى شحمة أذنه صلت الجبين واضح الخد أدعج العينين أقنى الأنف مفلج الثنايا كأن عنقه إبريق فضة ووجهه كدارة القمر فأسلم الراهب وفي صفة هند بن أبي هالة له لم يكن بالطويل الممغط ولا بالقصير المتردد كان ربعة من الرجال ولم يكن بالجعد القطط ولا بالسبط ولم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم وكان في الوجه تدوير أبيض مشرب أدعج العينين أهدب الأشفار جليل المشاش والكتد شثن الكفين والقدمين دقيق المسربة إذا مشى تقلع كأنما ينحط من صبب وإذا التفت التفت جميعا كأن الشمس تجري(1\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "230",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8314",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في وجهه وكان مع هذا الحسن قد ألقيت عليه المحبة والمهابة فمن وقعت عليه عيناه أحبه وهابه وكمل الله سبحانه له مراتب الجمال ظاهرا وباطنا وكان أحسن خلق الله خلقا وخلقا وأجملهم صورة ومعنى وهكذا كان يوسف الصديق ولهذا قالت امرأة العزيز للنسوة لما أرتهن إياه ليعذرنها في محبته قالت فذلكن الذي لمتنني فيه أي هذا هو الذي فتنت به وشغفت بحبه فمن يلومني على محبته وهذا حسن منظره ثم قالت ولقد راودته عن نفسه فاستعصم أي فمنع هذا الجمال فباطنه أحسن من ظاهره فإنه في غاية العفة والنزاهة والبعد عن الخنا والمحب وإن غيب محبوبه فلا يجري لسانه إلا بمحاسنه ومدحه ويتعلق بهذا قوله تعالى في صفة أهل الجنة ولقاهم نضرة وسرورا فجمل ظواهرهم بالنضرة وبواطنهم بالسرور ومثله قوله وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة فإنه لا شيء أشهى إليهم وأقر لعيونهم وأنعم لبواطنهم من النظر إليه فنضر وجوههم بالحسن ونعم قلوبهم بالنظر إليه وقريب منه قوله تعالى وحلوا(1\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "231",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8315",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ساور من فضة فهذا زينة الظاهر ثم قال وسقاهم ربهم شرابا طهورا أي مطهرا لبواطنهم من كل أذى فهذا زينة الباطن ويشبهه قوله تعالى يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا فهذا زينة الظاهر ثم قال ولباس التقوى ذلك خير فهذا زينة الباطن وينظر إليه من طرف خفي قوله تعالى زينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا فزين ظاهرها بالمصابيح وباطنها بحفظها من الشياطين وقريب منه قوله تعالى وتزودوا فإن خير الزاد التقوى فذكر الزاد الظاهر والزاد الباطن وهذا من زينة القرآن الباطنة المضافة إلى زينة ألفاظه وفصاحته وبلاغته الظاهرة ومنه قوله تعالى لآدم إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى فقابل بين الجوع والعري دون الجوع والظمإ وبين الظمإ والضحى دون الظمإ والجوع فإن الجوع عري الباطن وذله والعري جوع الظاهر وذله فقابل بين نفي ذل باطنه وظاهره وجوع باطنه وظاهره والظمأ حر الباطن والضحى حر الظاهر فقابل بينهما وسئل المتنبي عن قول امرئ القيس كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال(1\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "232",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8316",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولم أسبإ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال فقيل له إنه عيب عليه مقابلة سبي الزق الروي بالكر وكان الأحسن مقابلته بتبطن الكاعب جمعا بين اللذتين وكذلك مقابلة ركوب الجواد للكر أحسن من مقابلته لتبطن الكاعب فقال بل الذي أتى به أحسن فإنه قابل مركوب الشجاعة بمركوب اللذة واللهو فهذا مركب الطرب وهذا مركب الحرب والطلب وكذلك قابل بين السباءين سباء الزق وسباء الرق قلت وأيضا فإن الشارب يفتخر بالشجاعة كما قال حسان ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا منا ينهنهنا اللقاء وهذه جملة اعتراضية من ألطف الاعتراض وقيل الحسن ما استنطق أفواه الناظرين بالتسبيح والتهليل كما قيل ذي طلعة سبحان فالق صبحه ... ومعاطف جلت يمين الغارس وقال علي بن الجهم طلعت فقال الناظرون إلى ... تصويرها ما أعظم الله ودنت فلما سلمت خجلت ... والتف بالتفاح خداها وكأن دعص الرمل أسفلها ... وكأن غصن البان أعلاها(1\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "233",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8317",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حتى إذا ثملت بنشوتها ... قرأت كتاب الباه عيناها وقال آخر ذو صورة بشرية قمرية ... تستنطق الأفواه بالتسبيح وقال آخر وإذا بدت في بعض حاجتها ... تستنطق الأفواه بالتسبيح وقال بشار تلقى بتسبيحة من حسن ما خلقت ... وتستفز حشا الرائي بإرعاد ولي من أبيات يا صورة البدر ولا الذي ... صور ليس البدر يحكيك مني على العين ولا تبخلي ... بنظرة فالعين تفديك وإن تحرجت لهذا فكم ... قد سبح الرحمن رائيك هذا بهذا فارتجي أجر من ... إن غبت عنه ظل يبكيك قال ابن شبرمة كفاك من الحسن أنه مشتق من الحسنة وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا تم بياض المرأة في حسن شعرها فقد تم حسنها وقالت عائشة رضي الله عنها البياض شطر الحسن وقال بعض السلف جعل الله البهاء والهوج مع الطول والدهاء والدمامة مع القصر والخير فيما بين ذلك ومما يذم في النساء المرأة القصيرة الغليظة وهي التي عناها الشاعر بقوله وأنت التي حببت كل قصيرة ... إلي ولم تشعر بذاك القصائر عنيت قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار النسا شر النساء البحاتر(1\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "234",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8318",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والبحاتر هن النساء القصار الغلاظ وبعضهم يبالغ في هذا حتى يفضل المهازيل على السمان أنشد الزمخشري لا أعشق الأبيض المنفوخ من سمن ... لكنني أعشق السمر المهازيلا إني امرؤ أركب المهر المضمر في ... يوم الرهان فدعني واركب الفيلا وطائفة تفضل السمان وتقول السمن نصف الحسن وهو يستر كل عيب في المرأة ويبدي محاسنها وخيار الأمور أوساطها ومما يستحسن في المرأة طول أربعة وهن أطرافها وقامتها وشعرها وعنقها وقصر أربعة يدها ورجلها ولسانها وعينها فلا تبذل ما في بيت زوجها ولا تخرج من بيتها ولا تستطيل بلسانها ولا تطمح بعينها وبياض أربعة لونها وفرقها وثغرها وبياض عينها وسواد أربعة أهدابها وحاجبها وعينها وشعرها وحمرة أربعة لسانها وخدها وشفتها مع لعس وإشراب بياضها بحمرة ودقة أربعة أنفها وبنانها وخصرها وحاجبها وغلظ أربعة ساقها ومعصمها وعجيزتها وذاك منها وسعة أربعة جبينها ووجهها وعينها وصدرها وضيق أربعة فمها ومنخرها وخرق أذنها وذاك منها فهذه أحق النساء بقول كثير لو أن عزة خاصمت شمس الضحى ... في الحسن عند موفق لقضى لها(1\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "235",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8319",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال آخر لو أبصر الوجه منها وهو منهزم ... ليلا وأعداؤه من خلفه وقفا وقال آخر يا طيب مرعى مقلة لم تخف ... بوجنتيها زجر حراس حلت بوجه لم يغض ماؤه ... ولم تخضه أعين الناس وقال آخر فلم يزل خدها ركنا ألوذ به ... والخال في خدها يغني عن الحجر وقول الآخر وأنشده المبرد وأحسن من ربع ومن وصف دمنة ... ومن جبلى طي ومن وصفكم سلعا تلاحظ عيني عاشقين كلاهما ... له مقلة في خد معشوقه ترعى وأنشد ثعلب خزاعية الأطراف مرية الحشا ... فزارية العينين طائية الفم ومكية في الطيب والعطر دائما ... تبدت لنا بين الحطيم وزمزم ثم قال وصفها بما يستحسن من كل قبيلة وقال صالح بن حسان يوما لأصحابه هل تعرفون بيتا من الغزل في امرأة خفرة قلنا نعم بيت لحاتم في زوجته ماوية يضيء لها البيت الظليل خصاصه ... إذا هي يوما حاولت أن تبسما(1\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "236",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8320",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ما صنعتم شيئا قلنا فبيت الأعشى كأن مشيتها من بيت جارتها ... مر السحابة لا ريث ولا عجل قال جعلها تدخل وتخرج قلنا يا أبا محمد فأي بيت هو قال قول أبي قيس بن الأسلت ويكرمها جاراتها فيزرنها ... وتعتل عن إتيانهن فتعذر قلت وأحسن من هذا كله ما قاله إبراهيم بن محمد الملقب بنفطويه رحمه الله وخبرها الواشون أن خيالها ... إذا نمت يغشى مضجعي ووسادي فخفرها فرط الحياء فأرسلت ... تعيرني غضبى بطول رقادي ومما يستحسن في المرأة رقة أديمها ونعومة ملمسه كما قال قيس بن ذريح تعلق روحي روحها قبل خلقنا ... ومن بعد ما كنا نطافا وفي المهد فزاد كما زدنا فأصبح ناميا ... فليس وإن متنا بمنفصم العهد ولكنه باق على كل حادث ... ومؤنسنا في ظلمة القبر واللحد يكاد مسيل الماء يخدش جلدها ... إذا اغتسلت بالماء من رقة الجلد قلت ومن المبالغة في معنى البيت الأخير قول أبي نواس توهمه قلبي فأصبح خده ... وفيه مكان الوهم من نظري أثر ومر بقلبي خاطر فجرحته ... ولم أر جسما قط يجرحه الفكر وصافحه كفي فآلم كفه ... فمن غمز كفي في أنامله عقر(1\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "237",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8321",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولي من أبيات يدمي الحرير أديمها من مسه ... فأديمها منه أرق وأنعم فصل فيا أيها العاشق سمعه قبل طرفه فإن الأذن تعشق قبل العين أحيانا وجيش المحبة قد يدخل المدينة من باب السمع كما يدخلها من باب البصر والمؤمنون يشتاقون إلى الجنة وما رأوها ولو رأوها لكانوا أشد لها شوقا والصرورة يكاد قلبه يذوب شوقا إلى رؤية البيت الحرام فإن شاقتك هذه الصفات وأخذت بقلبك هذه المحاسن فاسم بعينيك إلى نسوة ... مهورهن العمل الصالح وحدث النفس بعشق الألى ... في عشقهن المتجر الرابح واعمل على الوصل فقد أمكنت ... أسبابه ووقتها رائح فصل وقد وصف الله سبحانه حور الجنة بأحسن الصفات وحلاهن بأحسن الحلي وشوق الخطاب إليهن حتى كأنهم يرونهن رؤية العين قال الطبراني حدثنا بكر بن سهل الدمياطي حدثنا عمرو بن هشام البيروني حدثنا سليمان بن أبي كريمة عن هشام بن حسان عن الحسن عن أمه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرني عن قول الله عز وجل حور عين قال: quot;حور بيض عين ضخام العيون شعر الحوراء بمنزلة(1\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "238",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8322",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جناح النسرquot; قلت أخبرني عن قوله عز وجل كأمثال اللؤلؤ المكنون قال: quot;صفاؤهن صفاء الدر الذي في الأصداف الذي لم تمسه الأيديquot; قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرني عن قوله فيهن خيرات حسان قال: quot;خيرات الأخلاق حسان الوجوهquot; قلت أخبرني عن قوله كأنهن بيض مكنون قال: quot;رقتهن كرقة الجلد الذي رأيت في داخل البيضة مما يلي القشر وهو الغرقىءquot; قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرني عن قوله عز وجل عربا أترابا قال: quot;هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز رمصا شمطا خلقهن الله بعد الكبر فجعلهن عذارى عربا متعشقات متحببات أترابا على ميلاد واحدquot; قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء الدنيا أفضل أم الحور العين قال: quot;بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين كفضل الظهارة على البطانةquot; قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبم ذلك قال: quot;بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن الله ألبس الله وجوههن النور وأجسادهن الحرير بيض الألوان خضر الثياب صفر الحلي مجامرهن الدر وأمشاطهن الذهب يقلن نحن الخالدات فلا نموت نحن الناعمات فلا نبأس أبدا نحن المقيمات فلا نظعن أبدا ألا ونحن الراضيات فلا نسخط أبدا طوبى لمن كنا له وكان لناquot; قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة منا تتزوج الزوجين والثلاثة والأربعة ثم تموت فتدخل الجنة ويدخلون معها من يكون زوجها قال يا أم سلمة: quot;إنها تخير فتختار أحسنهم خلقا فتقول أي رب إن هذا كان أحسنهم معي خلقا في دار الدنيا فزوجنيه يا أم سلمة ذهب(1\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "239",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8323",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حسن الخلق بخيري الدنيا والآخرةquot; فصل وقد وصفهن الله عز وجل بأنهن كواعب وهو جمع كاعب وهي المرأة التي قد تكعب ثديها واستدار ولم يتدل إلى أسفل وهذا من أحسن خلق النساء وهو ملازم لسن الشباب ووصفهن بالحور وهو حسن ألوانهن وبياضه قالت عائشة رضي الله عنها البياض نصف الحسن وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا تم بياض المرأة في حسن شعرها فقد تم حسنها والعرب تمدح المرأة بالبياض قال الشاعر بيض أوانس ما هممن بريبة ... كظباء مكة صيدهن حرام يحسبن من لين الحديث زوانيا ... ويصدهن عن الخنا الإسلام والعين جمع عيناء وهي المرأة الواسعة العين مع شدة سوادها وصفاء بياضها وطول أهدابها وسوادها ووصفهن بأنهن خيرات حسان وهو جمع خيرة وأصلها خيرة بالتشديد كطيبة ثم خفف الحرف وهي التي قد جمعت المحاسن ظاهرا وباطنا فكمل خلقها وخلقها فهن خيرات الأخلاق حسان الوجوه ووصفهن بالطهارة فقال ولهم فيها أزواج مطهرة طهرن من الحيض والبول والنجو(1\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "240",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8324",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكل أذى يكون في نساء الدنيا وطهرت بواطنهن من الغيرة وأذى الأزواج وتجنيهن عليهم وإرادة غيرهم ووصفهن بأنهن مقصورات في الخيام أي ممنوعات من التبرج والتبذل لغير أزواجهن بل قد قصرن على أزواجهن لا يخرجن من منازلهم وقصرن عليهم فلا يردن سواهم ووصفهن سبحانه بأنهن قاصرات الطرف وهذه الصفة أكمل من الأولى ولهذا كن لأهل الجنتين الأوليين فالمرأة منهن قد قصرت طرفها على زوجها من محبتها له ورضاها به فلا يتجاوز طرفها عنه إلى غيره كما قيل أذود سوام الطرف عنك وماله ... على أحد إلا عليك طريق وكذلك حال المقصورات أيضا لكن أولئك مقصورات وهؤلاء قاصرات ووصفهن سبحانه بقوله أبكارا عربا أترابا وذلك لفضل وطء البكر وحلاوته ولذاذته على وطء الثيب قالت عائشة رضي الله عنها يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لو مررت بشجرة قد رعي منها وشجرة لم يرع منها ففي أيهما كنت ترتع بعيرك فقال: quot;في التي لم يرع منهاquot; تعني أنه لم يتزوج بكرا غيرها وصح عنه أنه قال لجابر لما تزوج امرأة ثيبا هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك فإن قيل فهذه الصفة تزول بأول وطء فتعود ثيبا قيل(1\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "241",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8325",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجواب من وجهين أحدهما أن المقصود من وطء البكر أنها لم تذق أحدا قبل وطئها فتزرع محبته في قلبها وذلك أكمل لدوام العشرة فهذه بالنسبة إليها وأما بالنسبة إلى الواطىء فإنه يرعى روضة أنفا لم يرعها أحد قبله وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى بقوله لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ثم بعد هذا تستمر له لذة الوطء حال زوال البكارة والثاني أنه قد روي أن أهل الجنة كلما وطىء أحدهم امرأة عادت بكرا كما كانت فكلما أتاها وجدها بكرا وأما العرب فجمع عروب وهي التي جمعت إلى حلاوة الصورة حسن التأني والتبعل والتحبب إلى الزوج بدلها وحديثها وحلاوة منطقها وحسن حركاتها قال البخاري في صحيحه وأما الأتراب فجمع ترب يقال فلان تربي إذا كنتما في سن واحد فهن مستويات في سن الشباب لم يقصر بهن الصغر ولم يزر بهن الكبر بل سنهن سن الشباب وشبههن تعالى باللؤلؤ المكنون وبالبيض المكنون وبالياقوت والمرجان فخذ من اللؤلؤ صفاء لونه وحسن بياضه ونعومة ملمسه وخذ من البيض المكنون وهو المصون الذي لم تنله الأيدي اعتدال بياضه وشوبه بما يحسنه من قليل صفرة بخلاف الأبيض الأمهق المتجاوز في البياض وخذ من الياقوت والمرجان حسن لونه في صفائه وإشرابه بيسير من الحمرة(1\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "242",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8326",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل فاسمع الآن وصفهن عن الصادق المصدوق فإن مالت النفس وحدثتك بالخطبة وإلا فالإيمان مدخول فروى مسلم في صحيحه من حديث أيوب عن محمد بن سيرين قال إما تفاخروا وإما تذاكروا الرجال في الجنة أكثر أم النساء فقال أبو هريرة رضي الله عنه أو لم يقل أبو القاسم: quot;إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلةالبدر والتي تليها على أضواء كوكب دري في السماء إضاءة لكل امرىء منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم وما في الجنة أعزبquot; وقال الطبراني في معجمه حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني والحسن بن علي القسوي قال حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا فضل بن مرزوق عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;أول زمرة يدخلون الجنة كأن وجوههم صورة القمر ليلة البدر والزمرة الثانية على أحسن كوكب دري في السماء لكل واحد منهم زوجتان من الحور العين على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ سوقهما من وراء لحومهما وحللهما كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاءquot; قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي هذا عندي على شرط الصحيح(1\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "243",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8327",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الصحيحين من حديث همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها ولا يمتخطون فيها ولا يتغوطون فيها آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة ومجامرهم الألوة ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب واحد يسبحون الله بكرة وعشية quot; وقال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده حدثنا يونس بن محمد حدثنا الخزرج بن عثمان السعدي حدثنا أبو أيوب مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;قيد سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها ولنصيف امرأة من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها quot; قال قلت يا أبا هريرة وما النصيف قال الخمار فإذا كان هذا قدر الخمار فما قدر لابه! وقال ابن وهب أخبرنا عمرو أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;إن الرجل في الجنة لتأتيه امرأة تضرب على منكبيه فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة وإن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب فتسلم عليه فيرد عليها السلام ويسألها من أنت فتقول أنا(1\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "244",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8328",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المزيد وإنه ليكون عليها سبعون ثوبا أدناها مثل النعمان فينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك وإن عليهم التيجان وإن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغربquot; وبعض هذا الحديث في جامع الترمذي وهو على شرطه وفي صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال quot;لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ولقاب قوس أحدكم أو موضع قيده يعني سوطه خير من الدنيا وما فيها ولو اطلعت امرأة من نساء الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحا وأضاءت ما بينهما ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيهاquot; وفي المسند من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم quot;للرجل من أهل الجنة زوجتان من الحور العين على كل واحدة سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء الثيابquot; وقال ابن وهب حدثنا عمرو أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال quot;إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم واثنان وسبعون زوجة وينصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية وصنعاءquot; رواه الترمذي وفي معجم الطبراني من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال quot;خلق الحور العين من الزعفرانquot;(1\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "245",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8329",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل فإن أردت سماع غنائهن فاسمع خبره الآن ففي معجم الطبراني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;إن أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها أحد قط إن مما يغنين به نحن الخيرات الحسان أزواج قوم كرام ينظرون بقرة أعيان وإن مما يغنين به نحن الخالدات فلا نمتته نحن الآمنات فلا نخفنه نحن المقيمات فلا نظعنهquot; وقد قيل في قوله تعالى فهم في روضة يحبرون إنه السماع الطيب ولا ريب أنه من الحبرة وقال عبد الله بن محمد البغوي حدثنا علي أنبأنا زهير عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي رضي الله عنه قال وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا انتهوا إلى باب من أبوابها وجدوا عنده شجرة يخرج من تحت ساقها عينان تجريان فعمدوا إلى إحداهما فكأنما أمروا به فشربوا منها فأذهب الله ما في بطونهم من قذى أو أذى أو بأس ثم عمدوا إلى الأخرى فتطهروا منها فجرت عليهم نضرة النعيم ولم تتغير أشعارهم بعدها أبدا ولم تشعث رؤوسهم كأنما ادهنوا بالدهان ثم انتهوا إلى خزنة(1\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "246",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8330",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجنة فقالوا سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ثم تلقاهم الولدان يطيفون بهم كما يطيف ولدان أهل الدنيا بالحميم يقدم عليهم من غيبته فيقولون له أبشر بما أعد الله تعالى لك من الكرامة ثم ينطلق غلام من أولئك الولدان إلى بعض أزواجه من الحور العين فيقول جاء فلان باسمه الذي كان يدعى به في الدنيا قالت أنت رأيته قال أنا رأيته وهو بأثرى فيستخف إحداهن الفرح حتى تقوم على أسكفة بابها فإذا انتهى إلى منزله نظر إلى أساس بنيانه فإذا جندل اللؤلؤ فوقه صرح أخضر وأحمر وأصفر من كل لون ثم رفع رأسه فنظر إلى سقفه فإذا مثل البرق ولولا أن الله عز وجل قدره لألم أن يذهب بصره ثم طأطأ رأسه فإذا أزواجه وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة ثم اتكأوا فقالوا الحمد الله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ثم ينادي مناد تحيون فلا تموتون أبدا وتقيمون فلا تظعنون أبدا وتصحون فلا تمرضون أبدا وفي سنن ابن ماجه عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;ألا هل مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد ونهر مطرد وثمرة(1\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "247",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8331",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نضيجة وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة ومقام في أبد في دار سليمة وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة في محلة عالية بهيةquot; قالوا نعم يا رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن المشمرون لها قال: quot;قولوا إن شاء اللهquot; فقال القوم إن شاء الله تعالىquot; فصل فهذا وصفهن وحسنهن فاسمع الآن لذة وصالهن وشأنه ففي مسند أبي يعلى الموصلي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر حديثا طويلا وفيه quot;فأقول يا رب وعدتني الشفاعة فشفعتني في أهل الجنة يدخلون الجنة فيقول الله تعالى قد شفعتك وأذنت لهم في دخول الجنة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;والذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم فيدخل رجل منهم على ثنتين وسبعين زوجة مما ينشىء الله وثنتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله بعبادتهما الله في الدنيا يدخل على الأولى منهما في غرفة من ياقوتة على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ عليه سبعون زوجا من سندس وإستبرق وإنه ليضع يده بين كتفيها ثم ينظر إلى يده من صدرها ومن وراء ثيابها وجلدها ولحمها وإنه لينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت كبده لها مرآة يعني وكبدها له مرآة فبينا هو عندها لا يملها ولا تمله ولا يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء ما يفتر ذكره ولا يشتكي قبلها فبينا هو كذلك إذ نودي إنا قد عرفنا أنك لا تمل ولا تمل إلا أنه لا مني ولا منية إلا أن يكون لك أزواج غيرها فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة كلما جاء واحدة قالت والله ما في الجنة شيء(1\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "248",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8332",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحسن منك وما في الجنة شيء أحب إلي منكquot; وهذا قطعة من حديث الصور الطويل الذي رواه إسماعيل بن رافع وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال quot;إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا رواه البخاري وقال ثلاثون ميلاquot; وفي جامع الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال quot;يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من النساءquot; قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;ويطيق ذلك قال يعطى قوة مائةquot; قال هذا حديث صحيح غريب وفي معجم الطبراني من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قيل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم هل نصل إلى نسائنا في الجنة فقال quot;إن الرجل ليصل في اليوم إلى مائة عذراءquot; وفي لفظ قلنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفضي إلى نسائنا في الجنة فقال: quot;إي والذي نفسي بيده إن الرجل ليفضي في الغداة الواحدة إلى(1\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "249",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8333",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مائة عذراءquot; قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي ورجال هذا الحديث عندي على شرط الصحيح وفي حديث لقيط العقيلي الطويل الذي رواه الطبراني وعبد الله بن أحمد في السنة وغيرهما أنه قال قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لنا فيها أزواج مصلحات قال quot;الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذونكم غير أن لا توالدquot; وذكر ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن دراج عن عبد الرحمن بن حجيرة عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال أنطأ في الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;نعم والذي نفسي بيده دحما دحما فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكراquot; قال الحافظ أبو عبد الله دراج اسمه عبد الرحمن بن سمعان المصري وثقه يحيى بن معين وأخرج عنه أبو حاتم بن حبان في صحيحه وكان بعض الأئمة ينكر بعض حديثه والله أعلم وفي معجم الطبراني من حديث أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عدن أبكاراquot; وفيه أيضا من حديث أبي أمامة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل هل يتناكح أهل الجنة فقال quot;بذكر لا يمل وشهوة لا تنقطع دحما دحماquot; وفيه أيضا عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أيجامع أهل الجنة قال: quot;دحما دحما ولكن لا مني ولا منيةquot;(1\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "250",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8334",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من قصيدة للمؤلف في وصف الحور يا خاطب الحور الحسان وطالبا ... لوصالهن بجنة الحيوان لو كنت تدري من خطبت ومن طلبت ... بذلت ما تحوي من الأئمان أو كنت تعرف أين مسكنها جعلت ... السعي منك لها على الأجفان أسرع وحث السير جهدك إنما ... مسراك هذا ساعة لزمان فاعشق وحدث بالوصال النفس وابذل ... مهرها ما دمت ذا إمكان واجعل صيامك دون لقياها ويو ... م الوصل يوم الفطر من رمضان واجعل نعوت جمالها الحادي وسر ... نحو الحبيب ولست بالمتواني واسمع إذن أوصافها ووصالها ... واجعل حديثك ربة الإحسان يا من يطوف بكعبة الحسن التي ... حفت بذاك الحجر والأركان ويظل يسعى دائما حول الصفا ... ومحسر مسعاه كل أوان ويروم قربان الوصال على منى ... والخيف يحجبه عن القربان فلذا تراه محرما أبدا ومو ... ضع حلة منه فليس بدان يبغي التمتع مفردا عن حبه ... متجردا يبغي شفيع قران ويظل بالجمرات يرمي قلبه ... هذي مناسكه بكل زمان والناس قد قضوا مناسكهم وقد ... حثوا ركائبهم إلى الأوطان وحدت بهم همم لهم وعزائم ... نحو المنازل ربة الإحسان رفعت لهم في السير أعلام الوصا ... ل فشمروا يا خيبة الكسلان ورأوا على بعد خياما مشرفا ... ت مشرقات النور والبرهان فتيمموا تلك الخيام فآنسوا ... فيهن أقمارا بلا نقصان(1\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "251",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8335",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من قاصرات الطرف لا تبغي سوى ... محبوبها من سائر الشبان قصرت عليه طرفها من حسنه ... والطرف منه مطلق بأمان ويحار منه الطرف في الحسن الذي ... قد أعطيت فالطرف كالحيران ويقول لما أن يشاهد حسنها ... سبحان معطي الحسن والإحسان والطرف يشرب من كؤوس جمالها ... فتراه مثل الشارب النشوان كملت خلائقها وأكمل حسنها ... كالبدر ليل الست بعد ثمان والشمس تجري في محاسن وجهها ... والليل تحت ذوائب الأغصان فيظل يععجب وهو موضع ذاك من ... ليل وشمس كيف يجتمعان ويقول سبحان الذي ذا صنعه لا الليل يدرك شمسها فتغيب عند ... سبحان متقن صنعة الإنسان مجيئه حتى الصباح الثاني والشمس لا تأتي بطرد الليل بل ... يتصاحبان كلاهما أخوان وكلاهما مرآة صاحبه إذا فيرى محاسن وجهه في وجهها ... ما شاء يبصر وجهه يريان وترى محاسنها به بعيان حمر الخدود ثغورهن لآلئ ... سود العيون فواتر الأجفان والبرق يبدو حين يبسم ثغرها ... فيضيء سقف القصر بالجدران ريانة الأعطاف من ماء الشبا ... ب فغصنها بالماء ذو جريان لما جرى ماء النعيم بغصنها ... حمل الثمار كثيرة الألوان فالورد والتفاح والرمان في ... غصن تعالى غارس البستان والقد منها كالقضيب اللدن في ... حسن القوام كأوسط القضبان في مغرس كالعاج تحسب أنه ... عالي النقا أو واحد الكثبان لا الظهر يلحقه وليس ثديها ... بلواحق للبطن أو بدوان ... ...(1\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "252",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8336",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لكنهن كواعب ونواهد ... فثديهن كأحسن الرمان والجيد ذو طول وحسن في بيا ... ض واعتدال ليس ذا نكران يشكو الحلي بعاده فله مدى السأيام والمعصمان فإن تشأ شبههما ... وسواس من الهجران بسبيكتين عليهما كفان كالزبد لينا في نعومة ملمس ... أصداف در دورت بوزان والصدر متسع على بطن لها ... والخصر منهما مغرم بثمان وعليه أحسن سرة هي زينة ... للبطن قد غارت من الأعكان حق من العاج استدار وحشوه ... حبات مسك جل ذو الإتقان وإذا نزلت رأيت أمرا هائلا ... ما للصفات عليه من سلطان لا الحيض يغشاه ولا بول ولا ... شيء من الآفات في النسوان فخذان قد حفا به حرسا له ... فجنابه في عزة وصبيان قاما بخدمته هو السلطان بينهما ... وحق طاعة السلطان وهو المطاع إذا هو استدعى الحبيب ... أتاه طوعا وهو غير جبان وجماعها فهو الشفاء لصبها ... فالصب منه ليس بالضجران وإذا أتاها عادت الحسناء بكرا ... مثل ما كانت مدى الأزمان وهو الشهي ألذ شيء هكذا ... قال الرسول لمن له أذنان يا رب غفرا قد طغت أقلامنا ... يا رب معذرة من الطغيان أقدامها من فضة قد ركبت ... من فوقها ساقان ملتفان والساق مثل العاج ملموم به ... مخ العظام تناله العينان والريح مسك والجسوم نواعم ... واللون كالياقوت والمرجان وكلامها يسبي العقول بنغمة ... زادت على الأوتار والعيدان وهي العروب بشكلها وبدلها ... وتحبب للزوج كل أوان ...(1\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "253",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8337",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أتراب من واحد متماثل ... سن الشباب لأجمل الشبان بكر فلم يأخذ بكارتها سوى ال ... محبوب من إنس ولا من جان يعطى المجامع قوة المائة التي اج ... تمعت لأقوى واحد الإنسان ولقد أتانا أنه يغشى بيو ... م واحد مائة من النسوان ورجاله شرط الصحيح رووا لهم ... فيه وذا في معجم الطبراني وبذاك فسر شغلهم في سورة ... من بعد فاطر يا أخا العرفان هذا دليل أن قدر نسائهم ... متفاوت بتفاوت الإيمان وبه يزول توهم الإشكال عن ... تلك النصوص بمنة الرحمن في بعضها مائة أتى وأتى بها ... سبعون أيضا ثم جا ثنتان فتفاوت الزوجات مثل تفاوت ال ... درجات فالأمران مختلفان وبقوة المائة التي حصلت له ... أفضى إلى مائة بلا خوران وأعفهم في هذه الدنيا هو ال ... أقوى هناك لزهده في الفاني فاجمع قواك لما هنا وغض من ... ك الطرف واصبر ساعة لزمان ما هاهنا والله ما يسوى قلا ... مة ظفر واحدة من النسوان ونصيفها خير من الدنيا وما ... فيها إذا كانت من الأثمان لا تؤثر الأدنى على الأعلى فإن ... تفعل رجعت بذلة وهوان وإذا بدت في حلة من لبسها ... وتمايلت كتمايل النشوان تهتز كالغصن الرطيب وحمله ... ورد وتفاح على رمان وتبخترت في مشيها ويحق ذا ... ك لمثلها في جنة الرضوان(1\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "254",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8338",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ووصائف من خلفها وأمامها ... وعلى شمائلها وعن أيمان كالبدر ليلة تمه قد حف في ... غسق الدجى بكواكب الميزان فلسانه وفؤاده والطرف في ... دهش وإعجاب وفي سبحان تستنطق الأفواه بالتسبيح إذ ... تبدو فسبحان العظيم الشان والقلب قبل زفافها في عرسه ... والعرس إثر العرس متصلان حتى إذا واجهته تقابلا ... أرأيت إذ يتقابل القمران فسل المتيم هل يحل الصبر عن ... ضم وتقبيل وعن فلتان وسل المتيم أين خلف صبره ... في أي واد أم بأي مكان وسل المتيم كيف حالته وقد ... ملئت له الأذنان والعينان من منطق رقت حواشيه ووج ... هـ كم به للشمس من جريان وسل المتيم كيف عيشته إذا ... وهما على فرشيهما خلوان يتساقطان لآلئا منثورة ... من بين منظوم كنظم جمان وسل المتيم كيف مجلسه مع ال ... محبوب في روح وفي ريحان وتدور كاسات الرحيق عليهما ... بأكف أقمار من الولدان يتنازعان الكأس هذا مرة ... والخود أخرى ثم يتكئان فيضمها وتضمه أرأيت مع ... شوقين بعد البعد يلتقيان غاب الرقيب وغاب كل منكد ... وهما بثوب الوصل مشتملان أتراهما ضجرين من ذا العيش ل ... وحياة ربك ما هما ضجران يا عاشقا هانت عليه نفسه ... إذ باعها غبنا بكل هوان أترى يليق بعاقل بيع الذي ... يبقى وهذا وصفه بالفاني(1\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "255",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8339",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "الباب العشرون: في علامات المحبة وشواهدها",
        "content": "الباب العشرون: في علامات المحبة وشواهدها وقبل الخوض في ذلك لا بد من ذكر أقسام لنفوس ومحابها فنقول النفوس ثلاثة نفس سماوية علوية فمحبتها منصرفة إلى المعارف واكتساب الفضائل والكمالات الممكنة للإنسان واجتناب الرذائل وهي مشغوفة بما يقربها من الرفيق الأعلى وذلك قوتها وغذاؤها ودواؤها فاشتغالها بغيره هو داؤها ونفس سبعية غضبية فمحبتها منصرفة إلى القهر والبغي والعلو في الأرض والتكبر والرئاسة على الناس بالباطل فلذتها في ذلك وشغفها به ونفس حيوانية شهوانية فمحبتها منصرفة إلى المأكل والمشرب والمنكح وربما جمعت الأمرين فانصرفت محبتها إلى العلو في الأرض والفساد كما قال الله تعالى إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين وقال في آخر السورة تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين والحب في هذا العالم دائر بين هذه النفوس الثلاثة فأي نفس منها صادفت ما يلائم طبعها استحسنته ومالت إليه ولم تصغ فيه لعاذل ولم تأخذها فيه لومة لائم وكل قسم(1\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "256",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8340",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من هذه الأقسام يرون أن ما هم فيه أولى بالإيثار وأن الاشتغال بغيره والإقبال على سواه غبن وفوات حظ فالنفس السماوية بينها وبين الملائكة والرفيق الأعلى مناسبة طبعية بها مالت إلى أوصافهم وأخلاقهم وأعمالهم فالملائكة أولياء هذا النوع في الدنيا والآخرة قال الله تعالى: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم فالملك يتولى من يناسبه بالنصح له والإرشاد والتثبيت والتعليم وإلقاء الصواب على لسانه ودفع عدوه عنه والاستغفار له إذا زل وتذكيره إذا نسي وتسليته إذا حزن وإلقاء السكينة في قلبه إذا خاف وإيقاظه للصلاة إذا نام عنها وإيعاد صاحبه بالخير وحضه على التصديق بالوعد وتحذيره من الركون إلى الدنيا وتقصير أمله وترغيبه فيما عند الله فهو أنيسه في الوحدة ووليه ومعلمه ومثبته ومسكن جأشه ومرغبه في الخير ومحذره من الشر يستغفر له إن أساء ويدعو له بالثبات إن أحسن وإن بات طاهرا يذكر الله بات معه في شعاره فإن قصده عدو له بسوء وهو نائم دفعه عنه(1\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "257",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8341",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل والشياطين أولياء النوع الثاني يخرجونهم من النور إلى الظلمات قال الله تعالى: تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم وقال تعالى: كتب عليه أنه من كولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير وقال تعالى ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا وقال تعالى: وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا فهذا النوع بين نفوسهم وبين الشياطين مناسبة طبعية بها ملت إلى أوصافهم وأخلاقهم وأعمالهم فالشياطين تتولاهم بضد ما تتولى الملائكة لمن ناسبهم فتؤزهم إلى المعاصي أزا وتزعجهم إليها إزعاجا لا يستقرون معه ويزينون لهم القبائح ويخفقونها على قلوبهم ويحلونها في نفوسهم ويثقلون عليها الطاعات ويثبطونهم عنها وبقبحونها في أعينهم ويلقون على ألسنتهم أنواع القبيح من الكلام وما لا يفيد ويزينونه في أسماع من يسمعه منهم(1\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "258",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8342",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يبيتون معهم حيث باتوا ويقيلون معهم حيث قالوا ويشاركونهم في أموالهم وأولادهم ونسائهم يأكلون معهم ويشربون معهم ويجامعون معهم وينامون معهم قال تعالى ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا وقال تعالى ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين فصل وأما النوع الثالث فهم أشباه الحيوان ونفوسهم أرضية سفلية لا تبالي بغير شهواتها ولا تريد سواها إذا عرفت هذه المقدمة فعلامات المحبة قائمة في كل نوع بحسب محبوبه ومراده فمن تلك العلامات تعرف من أي هذه الأقسام هو فنذكر فصولا من علامات المحبة التي يستدل بها عليها فمنها إدمان النظر إلى الشيء وإقبال العين عليه فإن العين باب القلب وهي المعبرة عن ضمائره والكاشفة لأسراره وهي أبلغ في ذلك من اللسان لأن دلالتها بغير اختيار صاحبها ودلالة اللسان لفظية تابعة لقصده فترى ناظر المحب يدور مع محبوبه كيف ما دار ويجول معه في النواحي والأقطار كما قال أذود سوام الطرف عنك وماله ... على أحد إلا عليك طريق(1\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "259",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8343",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بل المحب في عين المحبوب تمثاله كما في قلبه شخصه ومثاله كما قيل ومن عجب أني أحن إليهم ... وأسأل عنهم من لقيت وهم معي وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي فالمحب نظره وقف على محبوبه كما قال إن يحجبوها عن العيون فقد ... حجبت عيني لها عن البشر فصل ومنها إغضاؤه عند نظر محبوبه إليه ورميه بطرفه نحو الأرض وذلك من مهابته له وحيائه منه وعظمته في صدره ولهذا يستهجن الملوك من يخاطبهم وهو يحد النظر إليهم بل يكون خافض الطرفإلى الأرض قال الله تعالى مخبرا عن كمال أدب رسوله في ليلة الإسراء ما زاغ البصر وما طغى وهذا غاية الأدب فإن البصر لم يزغ يمينا ولا شمالا ولا طمح متجاوزا إلى ما هو رائيه ومقبل عليه كالمتشارف إلى ما وراء ذلك ولهذا اشتد نهي النبي صلى الله عليه وسلم للمصلي أن يزيغ بصره إلى السماء وتوعدهم على ذلك بخطف أبصارهم إذ هذا من كمال الأدب مع من المصلي واقف بين يديه بل ينبغي له أن يقف ناكس الرأس مطرقا إلى الأرض ولولا أن عظمة رب العالمين سبحانه فوق سماواته على عرشه لم يكن فرق بين النظر إلى فوق أو إلى أسفل(1\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "260",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8344",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومنها كثرة ذكر المحبوب واللهج بذكره وحديثه فمن أحب شيئا أكثر من ذكره بقلبه ولسانه ولهذا أمر الله سبحانه عباده بذكره على جميع الأحوال وأمرهم بذكره أخوف ما يكونون فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون والمحبون يفتخرون بذكرهم أحبابهم وقت المخاوف وملاقاة الأعداء كما قال قائلهم ذكرتك والخطي يخطر بيننا ... وقد نهلت منا المثقفة السمر وقال آخر ولقد ذكرتك والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم فوددت تقبيل السيوف لأنها ... برقت كبارق ثغرك المتبسم وفي بعض الآثار الإلهية إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه فعلامة المحبة الصادقة ذكر المحبوب عند الرغب والرهب وقال بعض المحبين في محبوبه يذكرنيك الخير والشر والذي ... أخاف وأرجو والذي أتوقع(1\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "261",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8345",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن الذكر الدال على صدق المحبة سبق ذكر المحبوب إلى قلب المحب ولسانه عند أول يقظة من منامه وأن يكون ذكره آخر ما ينام عليه كما قال قائلهم آخر شيء أنت في كل هجعة ... وأول شيء أنت وقت هبوبي وذكر المحبوب لا يكون عن نسيان مستحكم فإن ذكره بالقوة في نفس المحب ولكن لضيق المحل به يرد عليه ما يغيب ذكره فإذا زال الوارد عاد الذكر كما كان وأعلى أنواع ذكر الحبيب أن يحبس المحب لسانه على ذكره ثم يحبس قلبه على لسانه ثم يحبس قلبه ولسانه على شهود مذكوره وكما أن الذكر من نتائج الحب فالحب أيضا من نتائج الذكر فكل منهما يثمر الآخر وزرع المحبة إنما يسقى بماء الذكر وأفضل الذكر ما صدر عن المحبة فصل ومن علاماتها الانقياد لأمر المحبوب وإيثاره على مراد المحب بل يتحد مراد المحب والمحبوب وهذا هو الاتحاد الصحيح لا الاتحاد الذي يقوله إخوان النصارى من الملاحدة فلا اتحاد إلا في المراد وهذا الاتحاد علامة المحبة الصادقة بحيث يكون مراد الحبيب والمحب واحدا فليس بمحب صادق من له إرادة تخالف مراد محبوبه منه بل هذا مريد من محبوبه لا مريد له وإن كان مريدا له فليس مريدا لمراده فالمحبون ثلاثة أقسام منهم من يريد من المحبوب ومنهم من يريد المحبوب ومنهم من يريد مراد المحبوب مع إرادته للمحبوب وهذا أعلى أقسام المحبين وزهد هذا أعلى أنواع الزهد فإنه قد(1\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "262",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8346",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "زهد في كل إرادة تخالف مراد محبوبه وبين هذا وبين الزهد في الدنيا أعظم مما بين السماء والأرض فالزهد خمسة أقسام زهد في الدنيا وزهد في النفس وزهد في الجاه والرئاسة وزهد فيما سوى المحبوب وزهد في كل إرادة تخالف مراد المحبوب وهذا إنما يحصل بكمال المتابعة لرسول الحبيب قال الله تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم فجعل سبحانه متابعة رسوله سببا لمحبتهم له وكون العبد محبوبا لله أعلى من كونه محبا لله فليس الشأن أن تحب الله ولكن الشأن أن يحبك الله فالطاعة للمحبوب عنوان محبته كما قيل تعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا محال في القياس بديع لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع فصل ومن علاماتها قلة صبر المحب عن المحبوب بل ينصرف صبره إلى الصبر على طاعته والصبر عن معصيته والصبر على أحكامه فهذا صبر المحب وأما الصبر عنه فصبر الفارغ عن محبته المشغول بغيره قال والصبر يحمد في المواطن كلها ... وعن الحبيب فإنه لا يحمد فمن صبر عن محبوبه أدى به صبره إلى فوات مطلوبه وقال بعض المحبين ما أحسن الصبر وأما على ... أن لا أرى وجهك يوما فلا لو أن يوما منك أو ساعة ... تباع بالدنيا إذا ما غلا(1\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "263",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8347",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومنها الإقبال على حديثه وإلقاء سمعه كله إليه بحيث يفرغ لحديثه سمعه وقلبه وإن ظهر منه إقبال على غيره فهو إقبال مستعار يستبين فيه التكلف لمن يرمقه كما قال وأديم لحظ محدثي ليرى ... أن قد فهمت وعندكم عقلي فإن أعوزه حديثه بنفسه فأحاب شيء إليه الحديث عنه ولا سيما إذا حدث عنه بكلامه فإنه يقيمه مقام خطابه كما قال القائل المحبون لا شيء ألذ لهم ولقلوبهم من سماع كلام محبوبهم وفيه غاية مطلوبهم ولهذا لم يكن شيء ألذ لأهل المحبة من سماع القرآن وقد ثبت في الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرأ علي قلت أقرأ عليك وعليك أنزل قال إني أحب أن أسمعه من غيري فقرأت عليه من أول سورة النساء حتى إذا بلغت قوله تعالى فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا قال حسبك الآن فرفعت رأسي فإذا عيناه تذرفان وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا قارئا أن يقرأ وهم يستمعون وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا دخل عليه أبو موسى يقول يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ أبو موسى وربما بكى عمر ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي موسى رضي الله عنه وهو يصلي من الليل فأعجبته قراءته فوقف واستمع لها فلما غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;قال لقد مررت بك البارحة وأنت تقرأ فوقفت واستمعت(1\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "264",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8348",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لقراءتك فقال لو أعلم أنك كنت تسمع لحبرته لك تحبيرا والله سبحانه وهو الذي تكلم بالقرآن يأذن ويستمع للقارىء الحسن الصوت من محبته لسماع كلامه منه كما قال لله أشد أذنا إلى القارئ الحسن الصوت من صاحب القينة إلى قينته والأذن بفتح الهمزة والذال مصدر أذن يأذن إذا استمع قال الشاعر أيها القلب تعلل بددن ... إن قلبي في سماع وأذن وقال زينوا القرآن بأصواتكم وغلط من قال إن هذا من المقلوب وإن المراد زينوا أصواتكم بالقرآن فهذا وإن كان حقا فالمراد تحسين الصوت بالقرآن وصح عنه أنه قال: quot;ليس منا من لم يتغن بالقرآنquot; ووهم من فسره بالغنى الذي هو ضد الفقر من وجوه أحدها أن ذلك المعنى إنما يقال فيه استغنى لا تغنى والثاني أن تفسيره قد جاء في نفس الحديث يجهر به هذا لفظه قال أحمد نحن أعلم بهذا من سفيان وإنما هو تحسين الصوت به يحسنه ما استطاع الثالث أن هذا المعنى لا يتبادر إلى الفهم من إطلاق هذا اللفظ ولو احتمله فكيف وبنية اللفظ لا تحتمله كما تقدم وبعد هذا فإذا كان من التغني بالصوت ففيه معنيان أحدهما يجعله له مكان الغناء(1\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "265",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8349",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأصحابه من محبته له ولهجه به كما يحب صاحب الغناء لغنائه والثاني أنه يزينه بصوته ويحسنه ما استطاع كما يزين المتغني غناءه بصوته وكثير من المحبين ماتوا عند سماع القرآن بالصوت الشجي فهؤلاء قتلى القرآن لا قتلى عشاق المردان والنسوان فصل ومنها محبة دار المحبوب وبيته حتى محبة الموضع الذي حل به وهذا هو السر الذي لأجله علقت القلوب على محبة الكعبة البيت الحرام حتى استطاب المحبون في الوصول إليها هجر الأوطان والأحباب ولذ لهم فيها السفر الذي هو قطعة من العذاب فركبوا الأخطار وجابوا المفاوز والقفار واحتملوا في الوصول غاية المشاق ولو أمكنهم لسعوا إليها على الجفون والأحداق نعم أسعى إليك على جفوني ... وإن بعدت لمسراك الطريق وسر هذه المحبة هي إضافة الرب سبحانه له إلى نفسه بقوله وطهر بيتي للطائفين قال الشاعر لما انتسبت إليك صرت معظما ... وعلوت قدرا دون من لم ينسب وكل ما نسب إلى المحبوب فهو محبوب وأنه لما قام عبد الله يدعوه سبحان الذي أسرى بعبده تبارك الذي نزل الفرقان على عبده(1\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "266",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8350",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ومن فهم هذا فهم معنى قوله تعالى بيدك الخير وقول عبده ورسوله لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك وإذا كان من يحب مخلوقا مثله يحب داره كما قال أمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا فكيف بمن ليس كمثله شيء ومن ليس كمثل محبته محبة فصل ومنها الإسراع إليه في السير وحث الركاب نحوه وطي المنازل في الوصول إليه والاجتهاد في القرب والدنو منه وقطع كل قاطع يقطع عنه واطراح الأشغال الشاغلة عنه والزهد فيها والرغبة عنها والاستهانة بكل ما يكون سببا لغضبه ومقته وإن جل والرغبة في كل ما يدني إليه وإن شق قال الشاعر ولو قلت طأ في النار أعلم أنه ... رضا لك أو مدن لنا من وصالك لقدمت رجلي نحوها فوطئتها ... هدى منك لي أو ضلة من ضلالك فصل ومنها محبة أحباب المحبوب وجيرانه وخدمه وما يتعلق به حتى حرفته وصناعته وآنيته وطعامه ولباسه قال(1\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "267",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8351",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحب بني العوام طرا لحبها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا وقال آخر يشتاق واديها ولولا حبكم ... ما شاقه واد زهت أزهاره وقال الآخر فيا ساكني أكناف طيبة كلكم ... إلى القلب من أجل الحبيب حبيب وفي أخبار العشاق أن عاشقا عشق السراويلات من أجل سراويل معشوقه فوجد في تركته اثنا عشر حملا وفردة من السراويلات ذكره البصري وعشق آخر الهاوونات من أجل صوت هاون محبوبته فوجد في تركته عدة آلافمنها وعند الناس من هذا عجائب كثيرة وكان أنس بن مالك رضي الله عنه يحب الدباء كثيرا لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يتتبعها من جوانب القصعة فصل ومنها قصر الطريق حين يزوره ويوافي إليه كأنها تطوى له وطولها إذا انصرف عنه وإن كانت قصيرة قال وكنت إذا ما جئت ليلى أزورها ... أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها من الخفرات البيض ود جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها(1\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "268",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8352",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال آخر والله ما جئتكم زائرا ... إلا وجدت الأرض تطوى لي ولا انثنى عزمي عن بابكم ... إلا تعثرت بأذيالي وقال آخر وإذا قمت عنك لم أمش إلا ... مشي عان يقاد نحو الفناء وإذا جئت كنت أسرع في السي ... ر من الطير نازلا في الهواء وقال الآخر وتدنو الطريق إذا زرتكم ... وتبعد إذ أنثني راجعا فصل ومنها انجلاء همومه وغمومه إذا زار محبوبه أو زاره وعودها إذا فارقه كما قال يزور فتنجلي عني همومي ... لأن جلاء حزني في يديه ويمضي بالمسرة حين يمضي ... لأن حوالتي فيها عليه ومن المعلوم أنه ليس للمحب فرحة ولا سرور ولا نعيم إلا بمحبوبه وبمفارقة محبوبه عذابه الآجل والعاجل فصل ومنها البهت والروعة التي تحصل عند مواجهة الحبيب أو عند سماع ذكره ولا سيما إذا رآه فجأة أو طلع عليه بغتة كما قال الشاعر(1\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "269",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8353",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب فأرجع عن رأيي الذي كان أولا ... وأذكر ما أعددت حين تغيب وقال آخر فما هو إلا أن يراها فجاءة ... فتصطك رجلاه ويسقط للجنب وربما اضطرب عند سماع اسمه فجأة كما قال وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى ... فهيج أشجان الفؤاد وما يدري دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلى طائرا كان في صدري وقد اختلف في سبب هذه الروعة والفزع والاضطراب فقيل سببه أن للمحبوب سلطانا على قلب محبه أعظم من سلطان الرعية فإذا رآه فجأة راعه ذلك كما يرتاع من يرى من يعظمه فجأة فإن القلب معظم لمحبوبه خاضع له والشخص إذا فجئه المعظم عنده راعه ذلك وقيل سببه انفراج القلب له ومبادرته إلى تلقيه فيهرب الدم منه فيبرد ويرعد ويحدث الاصفرار والرعدة وربما مات وبالجملة فهذا أمر ذوقي وجداني وإن لم يعرف سببه فصل ومنها غيرته لمحبوبه وعلى محبوبه فالغيرة له أن يكره ما يكره ويغار إذا عصي محبوبه وانتهك حقه وضيع أمره فهذه غيرة المحب حقا والدين كله تحت هذه الغيرة فأقوى الناس دينا أعظمهم غيرة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح quot;أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير(1\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "270",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8354",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منيquot; فمحب الله ورسوله يغار لله ورسوله على قدر محبته وإجلاله وإذا خلا قلبه من الغيرة لله ولرسوله فهو من المحبة أخلى وإن زعم أنه من المحبين فكذب من ادعى محبة محبوب من الناس وهو يرى غيره ينتهك حرمة محبوبه ويسعى في أذاه ومساخطه ويستهين بحقه ويستخف بأمره وهو لا يغار لذلك بل قلبه بارد فكيف يصح لعبد أن يدعي محبة الله وهو لا يغار لمحارمه إذا انتهكت ولا لحقوقه إذا ضيعت وأقل الأقسام أن يغار له من نفسه وهواه وشيطانه فيغار لمحبوبه من تفريطه في حقه وارتكابه لمعصيته وإذا ترحلت هذه الغيرة من القلب ترحلت منه المحبة بل ترحل منه الدين وإن بقيت فيه آثاره وهذه الغيرة هي أصل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي الحاملة على ذلك فإن خلت من القلب لم يجاهد ولم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر فإنه إنما يأتي بذلك غيرة منه لربه ولذلك جعل الله سبحانه وتعالى علامة محبته ومحبوبيته الجهاد فقال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم فصل وأما الغيرة على المحبوب فإنما تحمد حيث يحمد الاختصاص بالمحبوب ويذم الاشتراك فيه شرعا وعقلا كغيرة الإنسان على زوجته وأمته والشيء(1\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "271",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8355",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي يختص هو به فيغار من تعرض غيره لذكره ومشاركته له فيه وهذه الغيرة تختص بالمخلوق ولا تتصور في حق الخالق بل المحب لربه يحب أن الناس كلهم يحبونه ويذكرونه ويعبدونه ويحمدونه ولا شيء أقر لعينه من ذلك بل هو يدعو إلى ذلك بقوله وعمله ولما لم يميز كثير من الصوفية بين هاتين الغيرتين وقع في كلامهم تخبيط قبيح وأحسن أمره أن يكون من السعي المغفور لا المشكور وكان بعض جهلتهم إذا رأى من يذكر الله أو يحبه يغار منه وربما سكته إن أمكنه ويقول غيرة الحب تحملني على هذا وإنما ذلك حسد وبغي وعدوان ونوع معادة لله ومراغمة لطريق رسله أخرجوها في قالب الغيرة وشبهوا محبة الله بمحبة الصور من المخلوقين ولا ريب أن هذه الغيرة محمودة في محبة من لا تحسن مشاركة المحب فيه وسيأتي ذلك في باب الغيرة على المحبوب فصل ومنها بذل المحب في رضا محبوبه ما يقدر عليه مما كان يتمتع به بدون المحبة وللمحب في هذا ثلاثة أحوال أحدها بذله ذلك تكلفا ومشقة وهذا في أول الأمر فإذا قويت المحبة بذله رضا وطوعا فإذا تمكنت من القلب غاية التمكن بذله سؤالا وتضرعا كأنه يأخذه من المحبوب حتى إنه ليبذل نفسه دون محبوبه كما كان الصحابة رضي الله عنهم يقون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحرب بنفوسهم حتى يصرعوا حوله ولي فؤاد إذا لج الغرام به ... هام اشتياقا إلى لقيا معذبه(1\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "272",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8356",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يفديك بالنفس صب لو يكون له ... أعز من نفسه شيء فداك به ومن آثر محبوبه بنفسه فهو له بماله أشد إيثارا قال الله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ولا يتم لهم مقام الإيمان حتى يكون الرسول أحب إليهم من أنفسهم فضلا عن أبنائهم وآبائهم كما صح عنه أنه قال quot;لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين وقال له عمر رضي الله عنه والله يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال: لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك قال فوالله لأنت الآن أحب إلي من نفسي فقال الآن يا عمرquot; فإذا كان هذا شأن محبة عبده ورسوله فكيف بمحبته سبحانه وهذا النوع من الحب لا يمكن أن يكون إلا لله ورسوله شرعا ولا قدرا وإن وجد في الناس من يؤثر محبوبه بنفسه وماله فذاك في الحقيقة إنما هو لمحبة غرضه منه فحمله محبة غرضه على أن بذل فيه نفسه وماله وليست محبته لذلك المحبوب لذاته بل لغرضه منه وهذا المحبوب له مثل ولمحبته مثل وأما محبة الله ليس لها مثل ولا للمحبوب مثل ولهذا حكم الصحابة رضي الله عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أنفسهم وأموالهم فقالوا هذه أموالنا بين يديك فاحكم فيها بما(1\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "273",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8357",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شئت وهذه نفوسنا بين يديك لو استعرضت بنا البحر لخضناه نقاتل بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك قال قيس بن صرمة الأنصاري ثوى في قريش بضع عشرة حجة ... يذكر لو يلقى حبيبا مؤاتيا ويعرض في أهل المواسم نفسه ... فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا فلما أتانا واستقرت به النوى ... وأصبح مسرورا بطيبة راضيا بذلنا له الأموال من حل مالنا ... وأنفسنا عند الوغى والتآسيا نعادي الذي عادى من الناس كلهم ... جميعا وإن كان الحبيب المصافيا ونعلم أن الله لا رب غيره ... وأن رسول الله أصبح هاديا فالمحب وصفه الإيثار والمدعي طبعه الاستئثار فصل ومنها سروره بما يسر به محبوبه كائنا ما كان وإن كرهته نفسه فيكون عنده بمنزلة الدواء الكريه يكرهه طبعا ويحبه لما فيه من الشفاء وهكذا المحب مع محبوبه يسره ما يرضى به محبوبه وإن كان كريها لنفسه وأما من كان واقفا مع ما تشتهيه نفسه من مراضي محبوبه فليست محبته صادقة(1\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "274",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8358",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بل هي محبة معلولة حتى يسر بما ساءه وسره من مراضي محبوبه وإذا كان هذا موجودا في محبة الخلق بعضهم لبعض فالحبيب لذاته أولى بذلك قال أبو الشيص وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم وأهنتني فأهنت نفسي جاهدا ... ما من يهون عليك ممن يكرم أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كان حظي منك حظي منهم أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم وقريب من هذا البيت الأخير قول الآخر لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرني أني خطرت ببالك وقال الآخر صدودك عني إن صددت يسرني ... ولم أر قبلي عاشقا سر بالصد سررت به أني تيقنت أنما ... دعاك إليه رغبة منك في ودي ولو كنت فيه تزهدين لساءه ... ولكنما عتب المحب من الوجد فيا فرحة لي إذ رأيتك تعتبي ... علي لذنب كان مني على عمد وقال الآخر أهوى هواها وطول البعد يعجبها ... فالبعد قد صار لي في حبها أربا فمن رأى والها قبلي أخا كلف ... ينأى إذا حبه من أرضه قربا(1\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "275",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8359",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقريب من هذا قول أحمد بن الحسين يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم واهتدم بعضهم هذا فقال يا من يعز علينا أن نلم بهم ... إذ بعدنا عنهم قد صار قصدهم إن كان يرضيكم هذا البعاد فما ... فيه لصبكم جرح ولا ألم ولعمر الله أكثر هذه دعاوى لا حقيقة لها والصادق منهم يخبر عن علمه وإرادته لا عن حاله وصفته ولقد أحسن القائل رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم ... وخاضوا بحار الحب دعوى وما ابتلوا فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم ... وما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا وإن كان هذا هو وصف قائلها بعينه وحاله فإنه خاض بحار الحب وما ابتل فيه له قدم وأخبر عن نفسه عند انكشاف غطائه وطلب الرسل له لقدومه على ربه فقال وصدق إن كان منزلتي في الحب عندكم ... ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي أمنية ظفرت نفسي بها زمنا ... فاليوم أحسبها أضغاث أحلام(1\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "276",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8360",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذه حال كل من أحب مع الله شيئا سواه فإنه إلى هذه الغاية يصير ولا بد وسيبدو له إذا انكشف الغطاء أنه إنما كان مغرورا مخدوعا بأمنية ظفرت نفسه بها مدة حياته ثم انقطعت وأعقبت الحسرة والندامة قال الله تعالى إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأمنهم كما تبرأوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار فالأسباب التي تقطعت بهم هي الوصل والعلائق والمودات التي كانت لغير الله وفي غير ذات الله وهي التي يقدم إليها سبحانه فيجعلها هباء منثورا فكل محبة لغيره فهي عذاب على صاحبها وحسرة عليه إلا محبته ومحبة ما يدعو إلى محبته ويعين على طاعته ومرضاته فهذه هي التي تبقى في القلب يوم تبلى السرائر كما قال سيبقى لكم في مضمر القلب والحشا ... سريرة حب يوم تبلى السرائر وقال آخر إذا تصدع شمل الوصل بينهم ... فلمحبين شمل غير منصدع وإن تقطع حبل الوصل يومئذ ... فللمحبين حبل غير منقطع فصل ومنها حب الوحدة والأنس بالخلوة والتفرد عن الناس وكأن المحبة قد ثبتت على ذلك فلا شيء أحلى للمحب الصادق من خلوته وتفرده فإنه إن ظفر بمحبوبه أحب خلوته به وكره من يدخل بينهما غاية الكراهة(1\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "277",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8361",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولهذا السر والله أعلم أمر النبي صلى الله عليه وسلم برد المار بين يدي المصلي حتى أمر بقتاله وأخبر أنه لو يدري ما عليه من الإثم لكان وقوفه أربعين خيرا له من مروره بين يديه ولا يجد ألم المرور وشدته إلا قلب حاضر بين يدي محبوبه مقبل وقد ارتفعت الأغيار بينه وبينه فمرور المار بينه وبين ربه بمنزلة دخول البغيض بين المحب ومحبوبه وهذا أمر الحاكم فيه الذوق فلا ينكره إلا من لم يذق وقال ابن مسعود رضي الله عنه مرور المار بين يدي المصلي يذهب نصف أجره ذكره الإمام أحمد وأيضا فإن المحب يستأنس بذكر محبوبه وكونه في قلبه لا يفارقه فهو أنيسه وجليسه لا يستأنس بسواه فهو مستوحش ممن يشغله عنه وحدثني تقي الدين بن شقير قال خرج شيخ الإسلام ابن تيمية يوما فخرجت خلفه فلما انتهى إلى الصحراء وانفرد عن الناس بحيث لا يراه أحد سمعته يتمثل بقول الشاع وأخرج من بين البيوت لعلني ... أحدث عنك القلب بالسر خاليا فخلوة المحب لمحبوبه هي غاية أمتيته فإن ظفر بها وإلا خلا به في سره وأوحشه ذلك من الأغيار وكان قيس بن الملوح إذا رأى إنسانا هرب منه فإذا أراد أن يدنو منه ويحادثه ذكر له ليلى وحديثها فيأنس به ويسكن إليه وينبغي للمحب أن يكون كما قال يوسف لإخوته وقد طلب منهم أخاهم فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون إذا لم تكن فيكن سعدى فلا أرى ... لكن وجوها أو أغيب في لحدي(1\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "278",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8362",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومنها استكانة المحب لمحبوبه وخضوعه وذله له والحب مبني على الذل ولا يأنف العزيز الذي لا يذل لشيء من ذله لمحبوبه ولا يعده نقصا ولا عيبا بل كثير منهم يعد ذله عزا كما قال إذا كنت تهوى من تحب ولم تكن ... ذليلا فه فاقرأ السلام على الوصل تذلل لمن تهوى لتكسب عزة ... فكم عزة قد نالها المرء بالذل وقال الآخر إخضع وذل لمن تحب فليس في ... شرع الهوى أنف يشال ويعقد وقال الآخر ويعجبني ذلي لديك ولم يكن ... ليعجبني لولا محبتك الذل وقال آخر يلذ له ذل الهوى وخضوعه ... ولولا الهوى ما لذ للعاقل الذل وقال الآخر مساكين أهل الحب حتى قبورهم ... عليها تراب الذل دون المقابر ومتى استحكم الذل والحب صار عبودية فيصير القلب المحب معبدا لمحبوبه وهذه الرتبة لا يليق أن تتعلق بمخلوق ولا تصلح إلا لله وحده(1\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "279",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8363",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومنها امتداد النفس وتردد الأنفاس وتصاعدها وهذا نوعان أحدهما ما يقارنه حزن ولهف كما قال القائل رب ليل أمد من نفس العا ... شق طولا قطعته بانتحاب وقال آخر تردد أنفاس المحب يدلنا ... على كنه ما أخفاه من ألم الحب إذا خطرات الحب خامرن قلبه ... تنفس حتى ظل متصدع القلب والثاني ما يكون سببه طربا ولذة وسبب وجود النوعين انحصار القلب وانفراجه بسبب الوارد الذي ورد عليه فأحدث للنفس الذي تروحه عليه الرئة كيفية مؤذية وطلب إخراجها فهو تنفس الصعداء وأما تنفس الراحة فإن القلب ينبسط بعد انقباضه فيدفع الهواء المحيط به فيطلب الخروج فصل ومنها هجره كل سبب يقصيه من محبوبه ويبغضه المحبوب وارتياحه لكل سبب يدنيه منه ويستحمد به عنده إذا بلغه عنه وفي الباب عجائب للمحبين فكثير منهم هجر طعاما أو لباسا أو أرضا أو صناعة أو حالة من الحالات كان محبوبه يمقتها فلم يعد إليها أبدا ولم تطاوعه نفسه بفعله البتة وكثير منهم حمله الحب على اكتساب المعالي والفضائل وغيرها مما يعلم أن المحبوب يعظمه ويحبه وهذا نوعان أيضا(1\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "280",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8364",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدهما أن يكون المحبوب مؤثرا لذلك محبا له فالمحب يبذل جهده فيه لينال منه أعلاه إن أمكنه فإن كان المحبوب مشغوفا بجمع المال أثر ذلك في محبه شغفا أشد من شغفه وإن كان مشغوفا بالعلم اجتهد المحب في طلبه أشد من من اجتهاده وإن كان مشغوفا بحرفة أو صناعة حرص المحب علىتعلمها إن وجد إلى ذلك سبيلا وإن كان مشغوفا بالنوادر والحكايات الحسان والأخبار المستحسنة بالغ المحب في تحفظها فالمحبة النافعة أن تقع على عشق كامل يحملك عشقه على طلب الكمال والبلية كل البلية أن تبتلى بمحبة فارغ بطال صفر من كل خير فيحملك حبه على التشبه به والثاني أن يكون المحبوب فارغا من محبة ذلك وإيثاره ولكن المحبة تستخرج من قلب المحب عزما وإرادة وحرصا على ما يعظم به في عين المحبوب وقلبه فتجده من أحرص الناس على ذلك بحسب استعداده كما قيل ويرتاح للمعروف في طلب العلى ... لتحمد يوما عند ليلى شمائله وهذا قد يكون له سبب آخر وهو معاداة الناس له وتنقصهم إياه وازدراؤهم به فيحمله الانتخاء لنفسه والغيرة لها ومحبتها على المنافسة في المعالي واكتساب الحمد وهذا من شرف النفس وعزتها كما قيل من كان يشكر للصديق فإنني ... أحبو بصالح شكري الأعداء هم صيروا طلب المعالي ديدني ... حتى وطئت بنعلي الجوزاء ولربما انتفع الفتى بعدوه ... والسم أحيانا يكون شفاء وقال الآخر عداي لهم فضل علي ومنة ... فلا أعدم الرحمن عني الأعاديا(1\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "281",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8365",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا فصل ومنها الاتفاق الواقع بين المحب ومحبوبه ولا سيما إذا كانت المحبة محبة مشاكلة ومناسبة فكثيرا ما يمرض المحب بمرض محبوبه ويتحرك بحركته ولا يشعر أحدهما بالآخر ويتكلم المحبوب بكلام فيتكلم المحب به بعينه اتفاقا فانظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم الحديبية لما قال له ألسنا على الحق وعدونا على الباطل قال بلى قال فعلام نعطي الدنية في ديننا فقال: quot;إني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ناصري ولست أعصيهquot; فقال: ألم تكن تحدثنا أنا نأتي البيت فنطوف به فقال: quot;قلت لك إنك تأتيه العامquot; قال: لا قال: quot; فإنك آتيه ومطوف بهquot; ثم جاء أبا بكر الصديق رضي الله عنه فقال: له يا أبا بكر ألسنا على الحق وعدونا على الباطل قال بلى قال فعلام نعطي الدنية في ديتنا ونرجع ولما يحكم الله بيننا فقال له: إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ناصره وليس يعصيه قال ألم يكن يحدثنا أنا نأتي البيت فنطوف به قال أقال لك إنك تأتيه العام قال: لا قال: فإنك آتيه ومعطوف به فأجاب على جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم حرفا بحرف من غير تواطؤ ولا تشاعر بل موافقة محب لمحبوب هكذا وقع في صحيح البخاري ووقع في بعض المغازي أنه أتى أبا بكر أولا فقال له ذلك ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده فقال له مثل ما قال أبو بكر قال: السهيلي وهذا هو الأولى ويشبه أن يكون المحفوظ فإنه لا يظن بعمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له قولا فلا يرضى به(1\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "282",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8366",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي حكم الله له به ورضي به وأقر به ودخل تحته طوعا وانقيادا وهو الفتح الذي فتح الله له أثابه الله عليه بأربعة أشياء مغفرة ما تقدم من ذنبه وما تأخر وإتمام نعمته عليه وهدايته صراطا مستقيما ونصر الله له نصرا عزيزا وبهذا يقع جواب السؤال الذي أورده بعضهم هاهنا فقال كيف يكون حكم الله له بذلك علة لهذه الأمور الأربعة إذ يقول الله تعالى إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر الآية وجوابه ما ذكرنا أن تسليمه لهذا الحكم والرضا به والانقياد له والدخول تحته أوجب له أن آتاه الله ذلك والمقصود إنما هو ذكر الاتفاق بين المحب والمحبوب وهذا الذي جرى للصديق رضي الله عنه من أحسن الموافقة ومن هذا موافقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لربه تعالى في عدة أمور قالها فنزل بها الوحي كما قال وتقوى هذه الموافقة حتى يعلم المحب بكثير من أحوال محبوبه وهو غائب عنه وهذا بحسب تعلق الهمة به وتوجه القلب إليه واتحاد مراده بمراده وربما اقتضى ذلك اتفاقهما في المرض والصحة والفرح والحزن والخلق فإن كان مع ذلك بينهما تشابه في الخلق الظاهر فهو الغاية في الاتفاق ولنقتصر من العلامات على هذا القدر وبالله التوفيق(1\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "283",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8367",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "الباب الحادي والعشرون: في اقتضاء المحبة إفراد الحبيب بالحب وعدم التشريك بينه وبين غيره فيه",
        "content": "الباب الحادي والعشرون: في اقتضاء المحبة إفراد الحبيب بالحب وعدم التشريك بينه وبين غيره فيه هذا من موجبات المحبة الصاقة وأحكامها فإن قوى الحب متى انصرفت إلى جهة لم يبق فيها متسع لغيرها ومن أمثال الناس ليس في القلب حبان ولا في السماء ربان ومتى تقسمت قوى الحب بين عدة محال ضعفت لا محالة وتأمل قوله سبحانه وتعالى يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا كيف أمره بتقواه المتضمنة لإفراده بامتثال أمره ونهيه محبة له وخشية ورجاء فإن التقوى لا تتم إلا بذلك واتباع ما أوحي إليه المتضمن لتركه ما سوى ذلك واتباع المنزل خاصة وبالتوكل عليه وهو يتضمن اعتماد القلب عليه وحده وثقته به وسكونه إليه دون غيره ثم أتبع ذلك بقوله ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه فأنت تجد تحت هذا اللفظ أن القلب ليس له إلا وجهة واحدة إذا مال بها إلى جهة لم يمل إلى غيرها وليس للعبد قلبان يطيع الله ويتبع أمره ويتوكل عليه بأحدهما والآخر لغيره بل ليس إلا قلب واحد فإن لم يفرد بالتوكل والمحبة والتقوى ربه وإلا انصرف ذلك إلى غيره ثم استطرد من ذلك إلى أنه سبحانه لم يجعل زوجة الرجل أمه واستطرد منه إلى(1\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "284",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8368",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنه لم يجعل دعيه ابنه فانظر ما أحسن هذا التأصيل وهذا الاستطراد الذي تسجد له العقول والألباب وله نظائر في القرآن عديدة فمنها قوله هو الذي خلقكم من نفس واحدةوجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون فالنفس الواحدة وزوجها آدم وحواء واللذان جعلا له شركاء فيما آتاهما المشركون من أولادهما ولا يلتفت إلى غير ذلك مما قيل إن آدم وحواء كانا لا يعيش لهما ولد فأتاهما إبليس فقال إن أحببتما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحارث ففعلا فإن الله سبحانه اجتباه وهداه فلم يكن ليشرك به بعد ذلك ونظير هذا الاستطراد قوله يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ثم قال وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها فإنهم كانوا يفعلون ذلك في الإحرام فلما ذكر لهم وقت الإحرام الذي هو من فوائد الأهلة استطرد منه إلى ذكر ما يفعلونه فيه وهو كثير جدا والمقصود أن المحبة تستلزم توحيد المحبوب فيها وقد بالغ أبو محمد بن حزم في إنكاره على من يزعم أنه يعشق أكثر من واحد وقال في ذلك شعرا ونحن نذكر كلامه وشعره قال بعد كلام طويل ومن هذا دخل الغلط على من يزعم أنه يحب اثنين ويعشق شخصين متغيارين وإنما هذا من جهة الشهوة التي ذكرنا آنفا وهي على المجاز تسمى محبة لا على التحقيق وأما نفس المحب(1\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "285",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8369",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فما في الميل به فضل يصرفه من أسباب دينه ودنياه فكيف بالاشتغال بحب ثان وفي ذلك أقول كذب المدعي هوى اثنين حتما ... مثل ما في الأصول أكذب ماني ليس في القلب موضع لحبيبين ... ولا أحدث الأمور اثنان فكما العقل واحد ليس يدري ... خالقا غير واحد رحمان فكذا القلب واحد ليس يقوى ... غير فرد مباعد أو مدان هو في شرعة المودة ذو شك ... بعيد من صحة الإيمان وكذا الدين واحد مستقيم ... وكفور من عنده دينان وقد اختلف الناس في هذه المسألة فقالت طائفة ليس للقلب إلا وجهة واحدة إذا توجه إليها لم يمكنه التوجه إلى غيرها قالوا وكما أنه لا يجتمع فيه إرادتان معا فلا يكون فيه حبان وكان الشيخ إبراهيم الرقي رحمه الله يميل إلى هذا وقالت طائفة بل يمكن أن يكون له وجهتان فأكثر باعتبارين فيتوجه إلى أحدهما ولا يشغله عن توجهه إلى الآخر قالوا والقلب حمال فما حملته تحمل فإذا حملته الأثقال حملها وإن استعجزته عجز عن حمل غير ما هو فيه فالقلب واسع يجتمع فيه التوجه إلى الله سبحانه وإلى أمره وإلى مصالح عباده(1\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "286",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8370",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يشغله واحد من ذلك عن الآخر فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلبه متوجه في الصلاة إلى ربه وإلىمراعاة أحوال من يصلي خلفه وكان يسمع بكاء الصبي فيخفف الصلاة خشية أن يشق على أمه أفلا ترى قلبه الواسع الكريم كيف اتسع للأمرين ولا يظن أن هذا من خصائص النبوة فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يجهز جيشه وهو في الصلاة فيتسع قلبه للصلاة والجهاد في آن واحد وهذا بحسب سعة القلب وضيقه وقوته وضعفه قالوا وكمال العبودية أن يتسع قلب العبد لشهود معبوده ومراعاة آداب عبوديته فلا يشغله أحد الأمرين عن الآخر وهذا موجود في الشاهد فإن الرجل إذا عمل عملا للسلطان مثلا بين يديه وهو ناظر إليه يشاهده فإن قلبه يتسع لمراعاة عمله وإتقانه وشهود إقبال السلطان عليه ورؤيته له بل هذا شأن كل محب يعمل لمحبوبه عملا بين يديه أو ي غيبته قالوا وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى يوم موت ابنه إبراهيم فكان بكاؤه رحمة له فاتسع قلبه لرحمة الولد وللرضا بقضاء الله ولم يشغله أحدهما عن الآخر لكن الفضيل لم يتسع قلبه يوم موت ابنه لذلك فجعل يضحك فقيل له أتضحك وقد مات ابنك فقال إن الله سبحانه قضى بقضاء فأحببت أن أرضى بقضائه ومعلوم أن بين هذه الحال وحال رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ تفاوت لا يعلمه إلا الله ولكن لم يتسع قلبه لما اتسع له قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونظير هذا اتساع قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم لغناء الجويريتين اللتين كانتا تغنيان عند عائشة رضي الله عنها فلم يشغله ذلك عن ربه ورأى فيه من مصلحة إرضاء النفوس الضعيفة بما يستخرج منها من محبة الله ورسوله ودينه فإن النفوس متى نالت شيئامن حظها طوعت ببذل ما عليها من الحق ولم يتسع(1\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "287",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8371",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلب عمر لذلك لما دخل فأنكره وكم بين من ترد عليه الواردات فكل منها يثير همته ويحرك قلبه إلىالله كما قال القائل يذكرنيك الخير والشر والذي ... أخاف وأرجو والذي أتوقع ومن يرد عليه من الواردات فيشغله عن الله ويقطعه عن سير قلبه إليه فالقلب الواسع يسير بالخلق إلى الله ما أمكنه فلا يهرب منهم ولا يلحق بالقفار والجبال والخلوات بل لو نزل به من نزل سار به إلى الله فإن لم يسر معه سار هو وتركه ولا ينكر هذا فالمحبة الصحيحة تقتضيه وخذ هذا في المغني إذا طرب فلو نزل به من نزل أطربهم كلهم فإن لم يطربوا معه لم يدع طربه لغلظ أكبادهم وكثافة طبعهم وكان شيخنا يميل إلى هذا القول وهو كما ترى قوته وحجته والتحقيق أن المحبوب لذاته لا يمكن أن يكون إلا واحدا ومستحيل أن يوجد في القلب محبوبان لذاتهما كما يستحيل أن يكون في الخارج ذاتان قائمتان بأنفسهما كل ذات منهما مستغنية عن الأخرى من جميع الوجوه وكما يستحيل أن يكون للعالم ربان متكافئان مستقلان فليس الذي يحب لذاته إلا الإله الحق الغني بذاته عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير بذاته إليه وأما ما يحب لأجله سبحانه فيتعدد ولا تكون محبة العبد له شاغلة له عن محبة ربه ولا يشركه معه في الحب فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب زوجاته وأحبهن إليه عائشة رضي الله عنها وكان يحب أباها ويحب عمر رضي الله عنهم وكان يحب أصحابه وهم مراتب في حبه لهم ومع هذا فحبه كله لله وقوى حبه جميعها منصرفة إليه سبحانه(1\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "288",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8372",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن المحبة ثلاثة أقسام محبةالله والمحبة له وفيه والمحبة معه فالمحبة له وفيه من تمام محبته وموجباتها لا من قواطعها فإن محبة الحبيب تقتضي محبة ما يحب ومحبة ما يعين على حبه ويوصل إلى رضاه وقربه وكيف لا يحب المؤمن ما يستعين به على مرضاة ربه ويتوصل به إلى حبه وقربه وأما المحبة مع الله فهي المحبة الشركية وهي كمحبة أهل الأنداد لأندادهم كما قال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله وأصل الشرك الذي لا يغفره الله هو الشرك في هذه المحبة فإن المشركين لم يزعموا أن آلهتهم وأوثانهم شاركت الرب سبحانه في خلق السموات والأرض وإنما كان شركهم بها من جهة محبتها مع الله فوالوا عليها وعادوا عليها وتألهوها وقالوا هذه آلهة صغار تقربنا إلى الإله الأعظم ففرق بين محبة الله أصلا والمحبة له تبعا والمحبةمع شركا وعليك بتحقيق هذا الموضع فإنه مفرق الطرق بين أهل التوحيد وأهل الشرك ويحكى أن الفضيل دخل على ابنته في مرضها فقالت له يا أبت هل تحبني قال نعم قالت لا إله إلا الله والله ما كنت أظن فيك هذا ولم أكن أظنك تحب مع الله أحدا ولكن أفرد الله بالمحبة واجعل لي منك الرحمة أي يكون حبك لي حب رحم جعلها الله في قلب الوالد لولده لا محبة مع الله فلله حق من المحبة لا يشركه فيه غيره وأظلم الظلم وضع تلك المحبة في غير موضعها والتشريك بين الله وغيره فيها فليتدبر اللبيب هذا الباب فإنه من أنفع أبواب الكتاب إن شاء الله تعالى(1\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "289",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8373",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "الباب الثاني والعشرون: في غيرة المحبين على أحبابهم",
        "content": "الباب الثاني والعشرون: في غيرة المحبين على أحبابهم لما كان هذا الباب متصلا بإفراد المحبوب بالمحبة ومن موجباته فإن الغيرة بحسب قوة المحبة وقوتها بحسب إفراد المحبوب حسن ذكره بعده وأصل الغيرة الحمية والأنفة والغيرة نوعان غيرة للمحبوب وغيرة عليه فأما الغيرة له فهي الحمية له والغضب له إذا استهين بحقه وانتقصت حرمته وناله مكروه من عدوه فيغضب له المحب ويحمى وتأخذه الغيرة له بالمبادرة إلى التغيير ومحاربة من آذاه فهذه غيرة المحبين حقا وهي من غيرةالرسل وأتباعهم لله ممن أشرك به واستحل محارمه وعصى أمره وهذه الغيرة هي التي تحمل على بذل نفس المحب وماله وعرضه لمحبوبه حتى يزول ما يكرهه فهو يغار لمحبوبه أن تكون فيه صفة يكرهها محبوبه ويمقته عليها أو يفعل ما يبغضه عليه ثم يغار له بعد ذلك أن يكون في غيره صفة يكرهها ويبغضها والدين كله في هذه الغيرة بل هي الدين وما جاهد مؤمن نفسه وعدوه ولا أمر بمعروف ولا نهى عن منكر إلا بهذه الغيرة ومتى خلت من القلب خلا من الدين فالمؤمن يغار لربه من نفسه ومن غيره إذا لم يكن له كما يحب والغيرة تصفي القلب وتخرج خبثه كما يخرج الكير خبث الحديد(1\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "290",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8374",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وأما الغيرة علىالمحبوب فهي أنفة المحب وحميته أن يشاركه في محبوبه غيره وهذه أيضا نوعان غيرة المحب أن يشاركه غيره في محبوبه وغيرة المحبوب على محبه أن يحب معه غيره والغيرة من صفات الرب جل جلاله والأصل فيها قوله تعالى قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ومن غيرته تعالى لعبده وعليه يحميه مما يضره في آخرته كما في الترمذي وغيره مرفوعا إن الله يحمي عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام والشراب وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبة الكسوف: quot;والله يا أمة محمد ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمتهquot; وفي ذكر هذا الذنب بخصوصه في خطبة الكسوف سر بديع قد نبهنا عليه في باب غض البصر وأنه يورث نورا في القلب ولهذا جمع الله سبحانه وتعالى بين الأمر به وبين ذكر آية النور فجمع الله سبحانه بين نور القلب بغض البصر وبين نوره الذي مثله بالمشكاة لتعلق أحدهما بالآخر فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين ظلمة القلب بالزنا وبين ظلمة الوجود بكسوف الشمس وذكر أحدهما مع الآخر وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;ليس شيء أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك أثنى على نفسه ولا أحد أحاب إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسلquot;(1\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "291",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8375",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروى الثوري عن حماد بن إبراهيم عن عبد الله قال إن الله عز وجل ليغار للمسلم فليغر وروي أيضا عن عبد الأعلى عن ابن عيينة عن أمه عن عبد الله رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل يغار فليغر أحدكم وفي الصحيح عنه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;إن الله يغار والمؤمن يغار وغيرةالله أن يأتي المؤمن ما حرم عليهquot; وروى القعنبي عن الدراوردي عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;المؤمن يغار والله أشد غيرةquot; فصل وغيرةالعبد علىمحبوبه نوعان غيرةممدوحة يحبها الله وغيرة مذمومة يكرهها الله فالتي يحبها الله أن يغار عند قيام الريبة والتي يكرهها أن يغار من غير ريبة بل من مجرد سوء الظن وهذه الغيرة تفسد المحبة وتوقع العداوة بين المحب ومحبوبه وفي المسند وغيره عنه قال: quot;الغيرة غيرتان فغيرة يحبها الله الله وأخرى يكرهها الله قلنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الغيرة التي يحب الله قال أن تؤتى معاصيه أو تنتهك محارمه قلنا فما الغيرة التي يكره الله(1\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "292",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8376",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال غيرة أحدكم في غير كنههquot; وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم quot;إن من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يكره الله فالغيرة التي يحبها الله الغيرة في الريبة والغيرة التي يكرهها الله الغيرة في غير ريبةquot; وفي الصحيح عنه أنه قال: quot;أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير منيquot; وقال عبد الله بن شداد الغيرة غيرتان غيرة يصلح بهاالرجل أهله وغيرة تدخله النار وروى عبد الله بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن شماسة المهري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على مارية القبطية وهي حامل بإبراهيم وعندها نسيب لها قدم معها من مصر فأسلم وكان كثيرا ما يدخل على أم إبراهيم وأنه جب نفه فقطع ما بين رجليه حتى لم يبق قليل ولا كثير فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما عليها فوجد عندها قريبها فوجد في نفسه من ذلك شيئا كما يقع في أنفس الناس فخرج متغير اللون فلقيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فعرف ذلك في وجهه فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أراك متغير اللون فأخبره ما وقع في نفسه من قريب مارية فمضى بسيفه فأقبل يسعى حتى دخل على مارية فوجد عندها قريبها ذلك فأهوى بالسيف ليقتله فلما رأى ذلك منه كشف عن نفسه فلما رآه عمر رضي الله عنه رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: quot;إن جبريل أتاني فأخبرني أن الله عز وجل قد برأها وقريبها مما وقع في نفسي وبشرني أن في بطنها غلاما وأنه أشبه الخلق بي وأمرني أن أسميه إبراهيمquot;(1\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "293",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8377",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الواقدي عن محمد بن صالح عن سعد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن أبيه قال كانت سارة عند إبراهيم فمكثت معه دهرا لا ترزق منه ولدا فلما رأت ذلك وهبت له هاجر أمتها فولدت لإبراهيم فغارت من ذلك سارة ووجدت في نفسها وعتبت على هاجر فحلفت أن تقطع منها ثلاثة أعضاء فقال لها إبراهيم هل لك أن تبر يمينك قالت كيف أصنع قال اثقبي أذنيها واخفضيها والخفض هو الختان ففعلت ذلك بها فوضعت هاجر في أذنيها قرطين فازدادت بهما حسنا فقالت سارة إنما زدتها جمالا فلم تقاره على كونها معه ووجد بها إبراهيم وجدا شديدا فنقلها إلى مكة فكان يزورها كل يوم من الشام على البراق من شغفه بها وقلة صبره عنها وفي الصحيح من حديث حميد عن أنس رضي الله عنه قال أهدى بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم له قصعة فيها ثريد وهو في بيت بعض نسائه فضربت يد الخادم فانكسرت القصعة فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ الثريد ويرده في القصعة ويقول: quot;كلوا غارت أمكمquot; ثم انتظر حتى جاءت قصعة صحيحة فأعطاها التي كسرت قصعتها وقالت عائشة رضي الله عنها ما غرت على امرأة قط ما غرت على خديجة من كثرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم إياها ولقد ذكرها يوما فقلت ما تصنع بعجوز حمراء الشدقين قد أبدلك الله خيرا منها فقال: quot;والله ما أبدلني الله خيرا منهاquot; فانظر هذه الغيرة(1\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "294",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8378",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشديدة على امرأة بعدما ماتت وذلك لفرط محبتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تغار عليه أن يذكر غيرها وكذلك غيرتها من صفية رضي الله عنها فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم بها المدينة وقد اتخذها لنفسه زوجة وعرس بها في الطريق قالت عائشة رضي الله عنها تنكرت وخرجت أنظر فعرفني فأقبل إلي فانقلبت فأسرع المشي فأدركني فاحتضنني وقال كيف رأيتها قلت يهودية بين يهوديات تعني السبي وفي المسند من حديث الأشعث بن قيس قال تضيفت بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقام إلى امرأته فضربها قال فحجزت بينهما فرجع إلى فراشه فقال ياأشعث احفظ عني شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;لا تسألن رجلا فيم يضرب امرأتهquot; وذكر حماد بن زيد عن أيوب عن ابن أبي مليكة أن ابن عمر رضي الله عنهما سمع امرأته تكلم رجلا من وراء جدار بينها وبينه قرابة لا يعلمها ابن عمر فجمع لها جرائد ثم ضربها حتى أضبت حسيسا وذكر الخرائطي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه كان يأكل تفاحا ومعه امرأته فدخل عليه غلام له فناولته تفاحة قد أكلت منها فأوجعها معاذ ضربا ودخل يوما على امرأته وهي تطلع في خباء أدم فضربها وذكر الثوري عن أشعث عن الحسن أن امرأة جاءت تشكو زوجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم(1\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "295",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8379",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لطمها فدعا الرجل ليأخذ حقها فأنزل الله عز وجل الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;أردنا أمرا وأراد الله أمراquot; وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه شديد الغيرة وكانت امرأته تخرج فتشهد الصلاة فيكره ذلك فتقول إن نهيتني انتهيت فيسكت امتثالا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وهو الذي أشار على النبي صلى الله عليه وسلم أن يحجب نساءه وكان عادة العرب أن المرأة لا تحتجب لنزاهتهم ونزاهة نسائهم ثم قام الإسلام على ذلك فقال عمر يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لو حجبت نساءك فإنه يدخل عليهن البر والفاجر فأنزل الله عز وجل آية الحجاب ورفع إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجل قد قتل امرأته ومعها رجل آخر فقال أولياء المرأة هذا قتل صاحبتنا وقال أولياء الرجل إنه قد قتل صاحبنا فقال عمر رضي الله عنه ما يقول هؤلاء قال ضرب الآخر فخذي امرأته بالسيف فإن كان بينهما أحد فقد قتلته فقال لهم عمر ما يقول فقالوا ضرب بسيفه فقطع فخذي المرأة فأصاب وسط الرجل فقطعه باثنتين فقال عمر رضي الله عنه إن عادوا فعد ذكره سعيد بن منصور في سننه وأخذ بهذا جماعة من الفقهاء منهم الإمام أحمد وأصحابه رحمهم الله تعالى قالوا لو وجد رجلا يزني بامرأته(1\/300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "296",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8380",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقتلهما فلا قصاص عليه ولا ضمان إلا أن تكون المرأة مكرهة فعليه القصاص بقتلها ولكن لا يقبل قول الزوج إلا بتصديق الولي أو بينة واختلفت الرواية عن الإمام أحمد في عدد البينة فروي عنه أنها رجلان ويروى عنه لا بد من أربعة ووجه هذه الرواية ظاهر حديث سعد بن عبادة رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت إن وجدت رجلا مع امرأتي أمهله حتى آتي بأربعة شهداء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; نعمquot; فقال والذي بعثك بالحق إن كنت لأضربه بالسيف غير مصفح فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; ألا تعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير منيquot; وذكر سعيد بن منصور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه سئل عن رجل دخل بيته فإذا مع امرأته رجل فقتلها وقتله فقال علي رضي الله عنه إن جاء بأربعة شهداء وإلا دفع برمته ووجه رواية الاكتفاء باثنين أن البينة ليست على إقامة الحد ولكن على وجوب السبب المانع من القصاص فإن الزوج كان له أن يقتل المتعدي على أهله ولكن لما أنكر أولياء القتيل طولب القاتل بالبينة فاكتفي برجلين ورفع إلى عمر رضي الله عنه رجل قد قتل يهوديا فسأله عن قصته فقال إن فلانا خرج غازيا وأوصاني بامرأته فبلغني أن يهوديا يختلف إليها فكمنت له حتى جاء فجعل ينشد ويقول(1\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "297",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8381",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأبيض غرةالإسلام مني ... خلوت بعرسه ليل التمام أبيت على ترائبها ويمسي ... على جرداء لاحقة الحزام كأن مواضع الربلات منها ... فئام ينهضون إلى فئام فقمت إليه فقتلته فأهدر عمر دمه وليس في هذين الأمرين مطلبة عمر رضي الله عنه القاتل بالبينة إذ لعله تيقن ذلك أو أقر به الولي والصواب أنه متى قام على ذلك دلالة ظاهرة لا تحتمل الكذب أغنت عن البينة وذكر سفيان بن عيبنة عن الزهري عن القاسم بن محمد عن عبيد بن عمير أن رجلا أضاف إنسانا من هذيل فذهبت جارية لهم تحتطب فأرادها عن نفسها فرمته بفهر فقتلته فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال ذاك قتيل الله لا يودى أبدا وذكر حماد بن سلمة عن القاسم بن محمد أن أبا السيارة أولع بامرأة أبي جندب يراودها عن نفسها فقالت لا تفعل فإن أبا جندب إن يعلم بهذا يقتلك فأبى أن ينزع فكلمت أخا أبا جندب فكلمه فأبى أن ينزع فأخبرت بذلك أبا جندب فقال أبو جندب إني مخبر القوم أني أذهب إلى الإبل فإذا أظلمت جئت فدخلت البيت فإن جاءك فأدخليه علي فودع أبو جندب القوم وأخبرهم أني ذاهب إلى الإبل فلما أظلم الليل جاء فكمن في(1\/302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "298",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8382",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البيت وجاء أبو السيارة وهي تطحن في ظلها فراودها عن نفسها فقالت ويحك أرأيت هذا الأمر الذي تدعوني إليه هل دعوتك إلى شيء منه قط قال لا ولكن لا أصبر عنك قالت أدخل البيت حتى أتهيأ لك فلما دخل البيت أغلق أبو جندب الباب ثم أخذه فدقه من عنقه إلى عجب ذنبه فذهبت المرأة إلى أخي أبي جندب فقالت ادرك الرجل فإن أبا جندب قاتله فجعل أخوه يناشده فتركه وحمله أبو جندب إلى مدرجة الإبل فألقاه فكان إذ مر به إنسان قال له ما شأنك فيقول وقعت من بكر فحطمني وبلغ الخبر عمر رضي الله عنه فأرسل إلى أبي جندب فأخبره بالأمر على وجهه فأرسل إلى أهل المرأة فصدقوه فجلد عمر أبا السيارة مائة جلدة وأبطل ديته وذكر العباس بن هشام الكلبي عن أبيه أن عمرو بن حممة الدوسي أتى مكة حاجا وكان من أجمل العرب فنظرت إليه امرأة فقالت لا أدري وجهه أحسن أم فرسه وكانت له جمة تسمى الزينة فكان إذا جلس مع أصحابه نشرها وإذا قام عقصها فقالت له المرأة أين منزلك قال نجد قالت ما أنت بنجدي ولا تهامي فاصدقني فقال رجل من أهل السراة فيما بين مكة واليمن ثم أشار إليها ارتدفي خلفي ففعلت فمضى بها إلى السراة وتبعها زوجها فلم يلحقها فرجع فلما استقرت عنده قطع عروقها وقال والله لا تتبعين بعدي رجلا أبدا ثم ردها إلى زوجها على تلك الحال(1\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "299",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8383",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل والله سبحانه وتعالى يغار على قلب عبده أن يكون معطلا من حبه وخوفه ورجائه وأن يكون فيه غيره فالله سبحانه وتعالى خلقه لنفسه واختاره من بين خلقه كما في الأثر الإلهي ابن آدم خلقتك لنفسي وخلقت كل شيء لك فبحقي عليك لا تشتغل بما خلقته لك عم ما خلقتك له وفي أثر آخر خلقتك لنفسي فلا تلعب وتكفلت لك برزقك فلا تتعب يا ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا خير لك من كل شيء ويغار على لسانه أن يتعطل من ذكره ويشتغل بذكر غيره ويغار على جوارحه أن تتعطل من طاعته وتشتغل بمعصيته فيقبح بالعيد أن يغار مولاه الحق على قلبه ولسانه وجوارحه وهو لا يغار عليها وإذا أراد الله بعبده خيرا سلط على قلبه إذا أعرض عنه واشتغل بحب غيره أنواع العذاب حتى يرجع قلبه إليه وإذا اشتغلت جوارحه بغير طاعته ابتلاها بأنواع البلاء وهذا من غيرته سبحانه وتعالى على عبده وكما أنه سبحانه وتعالى يغار على عبده المؤمن فهو يغار له ولحرمته فلا يمكن المفسد أن يتوصل إلى حرمته غيرة منه لعبده فإنه سبحانه وتعالى يدفع عن الذين آمنوا فيدفع عن قلوبهم وجوارحهم وأهلهم وحريمهم وأموالهم يتولى سبحانه الدفع عن ذلك كله غيرة منه لهم كما غاروا لمحارمه من نفوسهم ومن غيرهم والله تعالى يغار على إمائه وعبيده من المفسدين شرعا وقدرا ومن أجل ذلك حرم الفواحش وشرع عليها أعظم العقوبات وأشنع القتلات لشدة غيرته على إمائه وعبيده فإن عطلت هذه العقوبات شرعا أجراها سبحانه قدرا(1\/304)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "300",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8384",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومن غيرته سبحانه وتعالى غيرته على توحيده ودينه وكلامه أن يحظى به من ليس من أهله بل حال بينهم وبينه غيرة عليه قال الله تعالى وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ولذلك ثبط سبحانه أعداءه عن متابعة رسوله واللحاق به غيرة كما قال الله تعالى ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين فغار سبحانه على نبيه وأصحابه أن يخرج بينهم المنافقون فيسعوا بينهم بالفتنة فثبطهم وأقعدهم عنهم وسمع الشبلي رحمه الله تعالى قارئا يقرأ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا فقال أتدرون ما هذا الحجاب هذا حجاب الغيرة ولا أحد أغير من الله يعني أنه سبحانه وتعالى لم يجعل الكفار أهلا لمعرفته وها هنا نوع من غيرة الرب سبحانه وتعالى لطيف لا تهتدي إليه العقول وهو أن العبد يفتح له باب من الصفاء والأنس والوجود فيساكنه ويطمئن إليه وتلتذ به نفسه فيشتغل به عن المقصود فيغار عليه مولاه الحق(1\/305)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "301",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8385",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيخليه منه ويرده حينئذ إليه بالفقر والذلة والمسكنة ويشهده غاية فقره وإعدامه وأنه ليس معه من نفسه شيء البتة فتعود عزة ذلك الأنس والصفاء الوجود ذلو ومسكنة وفقرا وفاقة وذرة من هذا أحب إليه سبحانه وتعالى وأنفع للعبد من الجبال الرواسي من ذلك الصفاء والأنس المجرد عن شهود الفقر والذلة والمسكنة وهذا باب لا يتسع له قلب كل أحد فصل ومن الغيرة الغيرة على دقيق العلم ومالا يدركه فهم السامع أن يذكر له ولهذه الغيرة قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله وقال ابن مسعود رضي الله عنه ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة فالعالم يغار على علمه أن يبذله لغير أهله او يضعه في غير محله كما قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم ولا تبذلوها لغير أهلها فتظلموها وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن تفسير قوله تعالى الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن فقال للسائل وما يؤمنك أني إن أخبرتك بتفسيرها كفرت فإنك تكذب به وتكذيبك بها كفرك بها فالمسألة الدقيقة اللطيفة التي تبذل لغير أهلها كالمرأة لحسناء التي تهدى إلى ضرير مقعد كما قيل(1\/306)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "302",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8386",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خود تزف إلى ضرير مقعد وكان أبو علي إذا وقع شيء في خلال مجلسه من تشويش الوقت يقول هذا من غيرة الحق يريد أن لا يجري ما يجري من صفاء الوقت قال الشاعر همت بإتياننا حتى إذا نظرت ... إلى المراة نهاها وجهها الحسن ما كان هذا جزائي من محاسنها ... عذبت بالهجر حتى شفني الحزن قال القشيري وقيل لبعضهم أتحب أن تراهم قال لا قيل ولم قال أنزه ذلك الجمال عن نظر مثلي وفي معناه أنشدوا إني لأحد ناظري عليكا ... حتى أغض إذا نظرت إليكا وأراك تخطر في شمائلك التي ... هي فتنتي فأغار منك عليكا قلت وهذه غيرة فاسدة وغاية صاحبها أن يعفى عنه وأن يعد ذلك في شطحاته المذمومة وأما أن تعد في مناقبه وفضائله أن يقال أتحب أن ترى الله فيقول لا ورؤيته أعلى نعيم أهل الجنة وهو سبحانه وتعالى يحب من عبده أن يسأله النظر إليه وقبد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان من دعائه اللهم quot;إني أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائكquot; وقول هذا القائل أنزه ذلك الجمال عن نظر مثلي من خدع الشيطان والنفس وهو يشبه ما يحكى عن بعضهم أنه قيل له ألا تذكره فقال أنزهه أن يجري ذكره على لساني وطرد هذا التنزيه الفاسد أن ينزهه أن يجري كلامه على لسانه أو يخطر هو أيضا على قلبه وقد وقع بعضهم في شيء من هذا فلاموه فأنشد(1\/307)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "303",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8387",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقولون زرنا واقض واجب حقنا ... وقد أسقطت حالي حقوقهم عني إذا هم رأوا حالي ولم يأنفوا لها ... ولم يأنفوا مني أنفت لهم مني وطرد هذه الغيرة أن لا يزور بيته غيرة على بيته أن يزوره مثله ولقد لمت شخصا مرة على ترك الصلاة فقال لي إني لا أرى نفسي أهلا أن أدخل بيته فانظر إلى تلاعب الشيطان بهؤلاء ومن هذا ما ذكره القشيري قال سئل الشبلي متى تستريح فقال إذا لم أر له ذاكرا ومات ابن له فقطعت أمه شعرها فدخل هو الحمام ونور لحيته حتى ذهب شعرها فقيل له لم فعلت هذا فقال إنهم يعزونني على الغفلة ويقولون آجرك الله ففديت ذكرهم لله تعالى على الغفلة بلحيتي وموافقة لأهلي ونظير هذا ما يحكى عن النوري رحمه الله تعالى أنه سمع رجلا يؤذن فقال طعنة وسم الموت وسمع كلبا ينبح فقال لبيك وسعديك فسئل عن ذلك فقال أما ذاك فكان يذكره على راس الغفلة وأما الكلب فقال الله تعالى وإن من شيء إلا يسبح بحمده وسمع الشبلي مرة رجلا يقول جل الله فقال أحب أن تجله هن هذا وياعجبا ممن يعد هذا في مناقب رجل ويجعله قدوة ويزين به كتابه وهل شيء أشد على قلب المؤمن وأمر عليه من أن لا يرى لربه ذاكرا وهل شيئ أقر لعينه من أن يرى ذاكرين الله بكل مكان وعذر هذا القائل أنه لا يرى ذاكرا لله بحق الذكر بل لا يرى ذاكرا إلا والغفلة والسهوة مستولية على قلبه فيذكر ربه بلسان فارغ من القلب وحضوره في الذكر وذلك ذكر لا يليق به فيغار محبه أن يذكر بهذا الذكر فيحب أن لا يسمع أحدا(1\/308)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "304",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8388",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يذكره هذا الذكر ولما اشترك الناس في هذا الذكر أخبر أن راحته أن لا يرى له ذاكرا هذا أحسن ما يحمل عليه كلامه وإلا فظاهره إلى العداوة أقرب منه إلى المحبة وليس هذا حال الشبلي رحمه الله تعالى فإن المحبة كانت تغلب عليه ومع ذلك فهو من شطحاته التي يرجى أن تغفر له بصدقه ومحبته وتوحيده لا أنها مما يحمد عليه ويقتدى به فيه وقد أمر الله سبحانه وتعالى عباده أن يذكروه على جميع أحوالهم وإن كان ذكرهم إياه مراتب فأعلاها ذكر القلب واللسان مع شهود القلب للمذكور وجمعيته بكليته بأحب الأذكار إليه ثم دونه ذكر القلب واللسان أيضا وإن لم يشاهد المذكور ثم ذكر القلب وحده ثم ذكر اللسان وحده فهذه مراتب الذكر وبعضها أحب إلى الله من بعض وكان طرد قول الشبلي أن راحته أن لا يرى لله مصليا ولا لكلامه تاليا ولا يرى أحدا ينطق بالشهادتين فإن هذا كله من ذكره بل هو أعلى أنواع ذكره فكيف يستريح قلب المحب إذا لم ير من يفعل ذلك والله سبحانه وتعالى يحب أن يذكر ولو كان من كافر وقال بعض السلف إن الله يحب أن يذكر على جميع الأحوال إلا في حال الجماع وقضاء الحاجة وأوحى الله عز وجل إلى موسى أن اذكرني على جميع أحوالك والله تعالى لا يضيع أجر ذكر اللسان المجرد بل يثيب الذاكر وإن كان قلبه غافلا ولكن ثواب دون ثواب قال القشيري وسمعت الأستاذ أبا علي يقول في قول النبي صلى الله عليه وسلم في مبايعته فرسا من أعرابي وأنه استقاله فأقاله فقال له الأعرابي عمرك الله فمن أنت فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: quot;امرؤ من قريشquot; فقال له بعض(1\/309)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "305",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8389",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحاضرين كفاك جفاء أن لا تعرف نبيك قال أبو علي فإنما قال امرؤ من قريش غيرة وإلا كان واجبا عليه التعرف إلى كل أحد أنه من هو ثم إن الله أجرى على لسان ذلك الصحابي التعريف للأعرابي فيقال من العجب أن يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم غار أن يذكر أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي لا يعرفه وهو كان دائما يذكر ذلك لأعدائه من الكفار سرا وجهرا ليلا ونهارا ولا يغار من ذلك فكيف يظن به أنه غار أن يعرف ذلك المسكين أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا من خيالات القوم وترهاتهم وإنما ستر عنه ذلك الوقت معرفته له لحكمة لطيفة فهمها الصحابي فصرح بها للأعرابي وهي أن هذا الأعرابي كان جافيا جلفا فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرفه جفاءه وجلافته بطريق لا يبكته بها ويعرف من نفسه أنه أهل لذلك فكأنه يقول بلسان الحال كفاك جفاء أن تجهلني فتسألني من أنا فلما فهم الصحابي ذلك بلطف إدراكه ودقة فهمه فبادأه به وقال كفاك جفاء أن لا تعرف نبيك ثم ذكر القشيري كلام الشبلي أنه قال غيرة الإلهية على الأنفاس أن تضيع فيما سوى الله وهذا كلام حسن قال القشيري والواجب أن يقال الغيرة غيرتان غيرة الحق على العبد وهو أن لا يجعله للخلق فيضن به عليهم وغيرة العبد للحق وهو أن لا يجعل شيئا من أحواله وأنفاسه لغير الحق سبحانه فلا يقال أنا أغار على الله ولكن يقال أنا أغار لله قال فإذا الغيرة على الله جهل وربما تؤدي إلى ترك الدين والغيرة لله توجب تعظيم حقوقه وتصفية الأعمال له فمن سنة الحق مع(1\/310)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "306",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8390",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أوليائه أنهم إذا ساكنوا غيرا أو لاحظوا شيئا أو صالحوا بقلوبهم شيئا يشوش عليهم ذلك فيغار على قلوبهم بأن يعيدها خالصة لنفسه فارغة كآدم عليه السلام لما وطن نفسه على الخلود في الجنة أخرجه من الجنة وإبراهيم الخليل عليه السلام لما أعجبه إسماعيل أمره بذبحه حتى أخرجه من قلبه فلما أسلما وتله للجبين وصفى سره منه أمره بالفداء عنه وقال بعضهم احذروه فإنه غيور لا يحب أن يرى في قلب عبده سواه وقيل الحق تعالى غيور ومن غيرته أنه لم يجعل إليه طريقا سواه وقال السري لرجل عارف بي علة باطنة فما دواؤها قال يا سري الله غيور لا يراك تساكن غيره فتسقط من عينه فهذه غيرة صحيحة فصل وها هنا أقسام آخر من الغيرة مذمومة منها غيرة يحمل عليها سوء الظن فيؤذى بها المحب محبوبه ويغري عليه قلبه بالغضب وهذه الغيرة يكرهها الله إذا كانت في غير ريبة ومنها غيرة تحمله على عقوبة المحبوب بأكثر مما يستحقه كما ذكر عن جماعة أنهم قتلوا محبوبهم وكان ديك الجن الشاعر له غلام وجارية في غاية الجمال وكان يهواهما جميعا فدخل المنزل يوما فوجد الجارية معانقة للغلام تقبله فشد عليهما فقتلهما ثم جلس عند رأس الجارية فبكاها طويلا ثم قال يا طلعة طلع الحمام عليها ... وجنى لها ثمر الردى بيديها رويت من دمها الثرى ولطالما ... روى الهوى شفتي من شفتيها(1\/311)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "307",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8391",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأجلت سيفي في مجال خناقها ... ومدامعي تجري على خديها فوحق نعليها فما وطىء الثرى ... شيء أعز علي من نعليها ما كان قتليها لأني لم أكن ... أبكي إذا سقط الغبار عليها لكن بخلت على سواي بحسنها ... وأنفت من نظر الغلام إليها ثم جلس عند رأس الغلام فبكى وأنشأ يقول أشفقت أن يرد الزمان بغدره ... أو أبتلى بعد الوفاء بهجره قمر أنا استخرجته من دجنه ... بمودتي وجنيته من خدره فقتلته وله علي كرامة ... ملء الحشا وله الفؤاد بأسره عهدي به ميتا كأحسن نائم ... والدمع ينحر مقلتي في نحره لو كان يدري الميت ماذا بعده ... بالحي منه بكى له في قبره غصص تكاد تفيض منها نفسه ... ويكاد يخرج قلبه من صدره فصل وقد يغار المحب على محبوبه من نفسه وهذا من أعجب الغيرة وله أسباب منها خشية أن يكون مفتاحا لغيره كما ذكر أن الحسن بن هانىء وعلي بن عبد الله الجعفري اجتمعا فتناشدا فأنشد الحسن ولما بدا لي أنها لا تودني ... وأن هواها ليس عني بمنجلي(1\/312)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "308",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8392",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تمنيت أن تبلى بغيري لعلها ... تذوق حرارات الهوى فترق لي فأنشده علي ربما سرني صدودوك عني ... في طلابيك وامتناعك مني حذرا أن أكون مفتاح غيري ... فإذا ما خلوت كنت التمني وكان بعضهم يمتنع من وصف محبوبه وذكر محاسنه خشية تعريضه لحب غيره له كما قال علي بن عبسى الرافقي ولست بواصف أبدا خليلا ... أعرضه لأهواء الرجال وما بالي أشوق قلب غيري ... ودون وصاله ستر الحجال وكثير من الجهال وصف امرأته ومحاسنها لغيره فكان ذلك سبب فراقها له واتصالها به فصل ومنها أن يحمله فرط الغيرة على أن ينزل نفسه منزلة الأجنبي فيغار على المحبوب من نفسه ولا ينكر هذا فإن في المحبة عجائب وقد قال أبو تمام الطأبي بنفسي من أغار عليه مني ... وأحسد أهله نظري إليه ولو أني قدرت طمست عنه ... عيون الناس من حذري عليه حبيب بث في جسمي هواه ... وأمسك مهجتي رهنا لديه فروحي عنده والجسم خال ... لا روح وقلبي في يديه(1\/313)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "309",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8393",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال آخر يا من إذا ذكر اسمه في مجلس ... لذ الحديث به وطاب المجلس إني لمن نظري أغار وإتي ... بك عن سواي من الأنام لأنفس نفسي فداؤك ولو رأيت تلددي ... خضل المدامع مطرقا أتنفس لعلمت أني في هواك معذب ... ومن الحياة وروحها مستيئس وقال علي بن نصر أفاتك أنت فاتكة بقلبي ... وحسن الوجه يفتك بالقلوب أصونك عن جميع الناس يامن ... بليت بها فأضحت من نصيبي وعن نفسي أصونك ليت نفسي ... تقيك من الحوادث والخطوب وما حق الحسان علي إلا ... صيانتهن من دنس الذنوب فصل ومنها شدة الموافقة للحبيب والحبيب يكره أن ينسب محبته إليه وأن يذكر ذلك فهو لموافقته لمحبوبه يغار عليه من نفسه كما يسره هجر محبوبه إذا علم أن فيه مراده قال الشاعر سررت بهجرك لما علم ... ت أن لقلبك فيه سرورا ولولا سرورك ما سرني ... ولا كنت يوما عليه صبورا فصل وملاك الغيرة وأعلاها ثلاثة أنواع غيرة العبد لربه أن تنتهك محارمه وتضيع حدوده وغيرته على قلبه أن يسكن إلى غيره وأن يأنس بسواه(1\/314)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "310",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8394",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وغيرته على حرمته أن يتطلع إليها غيره فالغيرة التي يحبها الله ورسوله دارت على هذه الأنواع الثلاثة وما عداها فإما من خدع الشيطان وإما بلوى من الله كغيرة المرأة على زوجها أن يتزوج عليها فإن قيل فمن أي الأنواع تعدون غيرة فاطمة رضي الله عنها ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما عزم على نكاح ابنة أبي جهل وغيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها قيل من الغيرة التي يحبها الله ورسوله وقد أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها بضعة منه وأنه يؤذيه ما آذاها ويريبه ما أرابها ولم يكن يحسن ذلك الاجتماع البتة فإن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحسن أن تجتمع مع بنت عدوه عند رجل فإن هذا في غاية منافرة مع أن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم صهره الذي حدثه فصدقه ووعده فوفى له دليل على أن عليا رضي الله عنه كان مشروطا عليه في العقد إما لفظا وإما عرفا وحالا أن لا يريب فاطمة ولا يؤذيها بل يمسكها بالمعروف وليس من المعروف أن يضم إليها بنت عدو الله ورسوله ويغيظها بها ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي ويتزوج ابنة أبي جهل والشرط العرفي الحالي كالشرط اللفظي عند كثير من الفقهاء كفقهاء المدينة وأحمد بن حنبل وأصحابه رحمهم الله تعالى على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف عليها الفتنة في دينها باجتماعها وبنت عدو الله عنده فلم تكن غيرته لمجرد كراهية الطبع للمشاركة بل الحامل عليها حرمة الدين وقد أشار إلى هذا بقولهquot; إني أخاف أن تفتن في دينهاquot; والله أعلم بالصواب(1\/315)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "311",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8395",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "الباب الثالث والعشرون: في عفاف المحبين مع أحبابهم",
        "content": "الباب الثالث والعشرون: في عفاف المحبين مع أحبابهم قال الله تعالى قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ولما أنزلت هذه الآيات على النبي صلى الله عليه وسلم قال قد أنزلت علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ثم قرأ هذه الآيات وقال الله تعالى إن الأنسان خلق هلوعا لى قوله والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون قال تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن لآية وقال تعالى وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى(1\/316)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "312",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8396",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يغنيهم الله من فضله قال تعالى وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم قال تعالى ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا إن قيل فقد قال الله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله قال في الآية الآخرى وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله أمرهم بالاستعفاف إلى وقت الغنى وأمر بتزويج أولئك مع الفقر وأخبر أنه تعالى يغنيهم فما محمل كل من الآيتين فالجواب أن قوله وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ي حق الأحرار أمرهم الله تعالى أن يستعفوا حتى يغنيهم الله من فضله فإنهم إن تزوجوا مع الفقر التزموا حقوقا لم يقدروا عليها وليس لهم من يقوم بها عنهم وأما قوله وأنكحوا اللأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم فإنه سبحانه أمرهم فيها أن ينكحوا الأيامى وهن النساء اللواتي لا أزواج لهن هذا هو المشهور من لفظ الأيم عند الإطلاق وإن استعمل في حق الرجل بالتقييد مع أن العزب عند الإطلاق للرجل وإن استعمل في حق المرأة ثم أمرهم سبحانه أن يزوجوا عبيدهم وإماءهم إذا صلحوا للنكاح فالآية الأولى في حكم تزوجهم لأنفسهم والثانية في حكم تزويجهم لغيرهم وقوله في هذا القسم وإمائكم إن يكونوا فقراء يعم الأنواع الثلاثة التي ذكرت فيه فإن الأيم تستغني بنفقة زوجها وكذلك الأمة وأما العبد فإنه لما كان لا مال له وكان ماله لسيده(1\/317)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "313",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8397",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهو فقير ما دام رقيقا فلا يمكن أن يجعل لنكاحه غاية وهي غناه ما دام عبدا بل غناه إنما يكون إذا عتق واستغنى بهذا العتق والحاجة تدعوه إلى النكاح في الرق فأمر سبحانه بإنكاحه وأخبر أنه يغنيه من فضله إما بكسبه وإما بإنفاق سيده عليه وعلى امرأته فلم يمكن أن ينتظر بنكاحه الغنى الذي ينتظر بنكاح الحر والله أعلم وفي المسند وغيره مرفوعا quot;ثلاثة حق على الله عونهم المتزوج يريد العفاف والمكاتب يريد الآداءquot; وذكر الثالث فصل وقد ذكر الله سبحانه وتعالى عن يوسف الصديق من العفاف أعظم ما يكون فإن الداعي الذي اجتمع في حقه لم يجتمع في حق غيره فإنه كان شابا والشباب مركب الشهوة وكان عزبا ليس عنده ما يعوضه وكان غريبا عن أهله ووطنه والمقيم بين أهله وأصحابه يستحي منهم أن يعلموا به فيسقط من عيونهم فإذا تغرب زال هذا المانع وكان في صورة المملوك والعبد لا يأنف مما يأنف منه الحر وكانت المرأة ذات منصب وجمال والداعي مع ذلك أقوى من داعي من ليس كذلك وكانت هي المطالبة فيزول بذلك كلفة تعرض الرجل وطلبه وخوفه من عدم الإجابة وزادت مع الطلب الرغبة التامة والمراودة التي يزول معها ظن الامتحان والاختبار لتعلم عفافه من فجوره وكانت في محل سلطانها وبيتها بحيث تعرف وقت الإمكان(1\/318)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "314",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8398",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومكانه الذي لا تناله العيون وزادت مع ذلك تغليق الأبواب لتأمن هجوم الداخل على بغتة وأتته بالرغبة والرهبة ومع هذا كله فعف لله ولم يطعها وقد حق الله وحق سيدها على ذلك كله وهذا أمر لو ابتلي به سواه لم يعلم كيف كانت تكون حاله فإن قيل فقد هم بها قيل عنه جوابان أحدهما أنه لم يهم بها بل لولا أن رأى برهان ربه لهم هذاقول بعضهم في تقدير الآية والثاني وهو الصواب أن همه كان هم خطرات فتركه لله فأثابه الله عليه وهمها كان هم إصرار بذلت معه جهدها فلم تصل إليه فلم يستو الهمان قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه الهم همان هم خطرات وهم إصرار فهم الخطرات لا يؤاخذ به وهم الإصرار يؤاخذ به فإن قيل فكيف قال وقت ظهور براءته وما أبرىء نفسى قيل هذا قد قاله جماعة من المفسرين وخالفهم في ذلك آخرون أجل منهم وقالوا إن هذا من قول امرأة العزيز لا من قول يوسف عليه السلام والصواب معهم لوجوه أحدها أنه متصل بكلام المرأة وهو قولها الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين وما أبرىء نفسي ومن جعله من قوله فإنه يحتاج إلى إضمار قول لا دليل عليه في اللفظ بوجه والقول في مثل هذا لا يحذف لئلا يوقع في اللبس فإن غايته أن يحتمل الأمرين فالكلام الأول أولى به قطعا(1\/319)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "315",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8399",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني أن يوسف عليه السلام لم يكن حاضرا وقت مقالتها هذه قبل كان في السجن لما تكلمت بقولها الآن حصحص الحق والسياق صريح في ذلك فإنه لما أرسل الملك إليه يدعوه قال للرسول ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن فأرسل إليهم الملك وأحضرهن وسألهن وفيهن امرأته فشهدن ببراءته ونزاهته في غيبته ولم يمكنهن إلا قول الحق فقال النسوة حاش لله ما علمنا عليه من سوء وقالت امرأة العزيز أنا روادته عن نفسه وإنه لمن الصادقين فإن قيل لكن قوله ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين الأحسن أن يكون من كلام يوسف عليه السلام أي إنما كان تأخيري عن الحضور مع رسوله ليعلم الملك أني لم أخنه في امرأته في حال غيبته وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ثم إنه قال وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا من رحم ربي إن ربي غفور رحيم وهذا من تمام معرفته بربه ونفسه فإنه لما أظهر براءته ونزاهته مما قذف به أخبر عن حال نفسه وأنه لا يزكيها ولا يبرئها فإنها أمارة بالسوء لكن رحمة ربه وفضله هو الذي عصمه فرد الأمر إلى الله بعد أن أظهر برءته قيل هذا وإن كان قد قاله طائفة فالصواب أنه من تمام كلامها فإن الضمائر كلها في نسق واحد يدل عليه وهو قول النسوة ما علمنا عليه من سوء وقول امرأة العزيز أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين فهذه خمسة ضمائر بين بارز ومستتر ثم اتصل بها قوله ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب فهذا هو(1\/320)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "316",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8400",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المذكور أولا بعينه فلا شيء يفصل الكلام عن نظمه ويضمر فيه قول لا دليل عليه فإن قيل فما معنى قولها ليعلم أني لم أخنه بالغيب قيل هذا من تمام الاعتذار قرنت الاعتذار بالاعتراف فقالت ذلك أي قولي هذا وإقراري ببراءته ليعلم أني لم أخنه بالكذب عليه في غيبته وإن خنته في وجهه في أول الأمر فالآن يعلم أني لم أخنه في غيبته ثم اعتذرت عن نفسها بقولها وما أبرىء نفسى ثم ذكرت السبب الذي لأجله لم تبرىء نفسها وهي أن النفس أمارة بالسوء فتأمل ما أعجب أخر هذه المرأة أقرت بالحق واعتذرت عن محبوبها ثم اعتذرت عن نفسها ثم ذكرت السبب الحامل لها على ما فعلت ثم ختمت ذلك بالطمع في مغفرة الله ورحمته وأنه إن لم يرحم عبده وإلا فهو عرضة للشر فوازن بين هذا وبين تقدير كون هذا الكلام كلام يوسف عليه السلام لفظا ومعنى وتأمل ما بين التقديرين من التفاوت ولا يستبعد أن تقول المرأة هذا وهي على دين الشرك فإن القوم كانوا يقرون بالرب سبحانه وتعالى وبحقه وإن أشركوا معه غيره ولا تنس قول سيدها لها في أول الحال واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين فصل وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه معلق بالمساجد ورجلان(1\/321)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "317",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8401",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناهquot; وفي الصحيح من حديث أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;بينما ثلاثة يمشون إذ أخذتهم السماء فأووا إلى غار في الجبل فانحطت عليهم صخرة من الجبل فأطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض انظروا أعمالا صالحة عملتموها فادعوا الله بها فقال بعضهم اللهم إنك تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران وامرأة وصبيان وكنت أرعى عليهم فإذا رحت عليهم حلبت فبدأت بوالدي أسقيهما قبل بني وأنه نآى بي الشجر فلم آت حتى أمسيت فوجدتهما قد ناما فحلبت كما كنت أحلب فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما وأن أبدأ بالصبية قبلهما والصبية يتضاغون عند قدمي فلم أزل كذلك حتى طلع الفجر فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة نرى منها السماء ففرج الله لهم فرجة وقال الآخر اللهم إنه كانت لي ابنة عم فأحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء فطلبت إليها نفسها فأبت حتى آتيها بمائة دينار فسعيت حتى جمعت مائة دينار فجئتها بها فلما قعدت بين رجليها قالت يا عبد الله اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فقمت عنها وتركت المائة دينار فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا من(1\/322)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "318",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8402",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذه الصخرة ففرج الله لهم فرجة فقال الآخر اللهم إني كنت استأجرت أجيرا بفرق من أرز فلما قضى عمله قال أعطني حقي فأعطيته فأبى أن يأخذه فزرعته ونميته حتى اشتريت له بقرا ورعاءها فجاءني بعد حين فقال يا هذا اتق الله ولا تظلمني وأعطني حقي فقلت اذهب إلى تلك البقر ورعائها فهو لك فقال اتق الله ولا تهزأ بي فقلت لا أستهزىء بك فخذ ذلك فأخذها وذهب فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما بقي من الصخرة ففرج الله عنهم وخرجوا يمشونquot; وقال عبيد الله بن موسى حدثنا شيبان بن عبد الرحمن عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن سعد مولى طلحة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين حتى عد سبع مرات ما حدثت به ولكن سمعته أكثر من ذلك قال: quot;كان ذو الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من المرأة أرعدت وبكت فقال ما يبكيك أكرهتك قالت لا ولكن هذا عمل لم أعمله قط قال فتفعلين هذا ولم تفعليه قط قالت حملتني عليه الحاجة فتركها ثم قال اذهبي والدنانير لك ثم قال والله(1\/323)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "319",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8403",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يعصي الله ذو الكفل أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه غفر الله لذي الكفلquot; وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله من حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;عجب ربك من الشاب ليست له صبوةquot; وذكر المبرد عن أبي كامل عن إسحاق بن إبراهيم عن رجاء بن عمرو النخعي قال كان بالكوفة فتى جميل الوجه شديد التعبد والاجتهاد فنزل في جوار قوم من النخع فنظر إلى جارية منهن جميلة فهويها وهام بها عقله ونزل بالجارية ما نزل به فأرسل يخطبها من أبيها فأخبره أبوها أنها مسماة لابن عم لها فلما اشتد عليهما ما يقاسيانه من ألم الهوى أرسلت إليه الجارية قد بلغني شدة محبتك لي وقد اشتد بلائي بك فإن شئت زرتك وإن شئت سهلت لك أن تأتيني إلى منزلي فقال للرسول ولا واحدة من هاتين الخلتين قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم أخاف نارا لا يخبو سعيرها ولا يخمد لهيبها فلما أبلغها الرسول قوله قالت وأراه مع هذا يخاف الله والله ما أحد أحق بهذا من أحد وإن العباد فيه لمشتركون ثم انخلعت من الدنيا وألقت علائقها خلف ظهرها وجعلت تتعبد وهي مع ذلك تذوب وتنحل حبا للفتى وشوقا إليه حتى ماتت من ذلك فكان الفتى يأتي قبرها فيبكي عنده ويدعو لها فغلبته عينه ذات يوم على قبرها فرآها في منامه في أحسن منظر فقال كيف أنت وما لقيت بعدي قالت:(1\/324)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "320",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8404",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نعم المحبة يا سؤلي محبتكم ... حب يقود إلى خير وإحسان فقال على ذلك إلى م صرت فقالت إلى نعيم وعيش لا زوال له ... في جنةالخلد ملك ليس بالفاني فقال لها اذكريني هناك فإني لست أنساك فقالت ولا أنا والله أنساك ولقد سألت مولاي ومولاك أن يجمع بيننا فأعني على ذلك بالاجتهاد فقال لها متى أراك فقالت ستأتينا عن قريب فترانا فلم يعش الفتى بعد الرؤيا إلا سبع ليال حتى مات رحمه الله تعالى وذكر الزبير بن بكار أن عبد الرحمن بن أبي عمار نزل مكة وكان من عباد أهلها فسمي القس من عبادته فمر يوما بجارية تغني فوقف فسمع غناءها فرآها مولاها فأمره أن يدخل عليها فأبى فقال فاقعد في مكان تسمع غناءها ولا تراها ففعل فأعجبته فقال له مولاها هل لك أن أحولها إليك فامتنع بعض الامتناع ثم أجابه إلى ذلك فنظر إليها فأعجبته فشغف بها وشغفت به وعلم بذلك أهل مكة فقالت له ذات يوم أنا والله أحبك فقال وأنا والله أحبك قالت فإني والله أحب أن أضع فمي على فمك قال وأنا والله أحب ذلك قالت فما يمنعك فإن الموضع خال قا لها ويحك إني سمعت الله يقول الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين فأنا والله أكره أن يكون صلة ما بيني وبينك في الدنيا عداوة في القيامة ثم نهض وعيناه تذرفان بالدموع من حبه وقال عبد الملك بن قريب قلت لأعرابي حدثني عن ليلتك مع فلانة(1\/325)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "321",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8405",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال نعم خلوت بها والقمر يرينيها فلما غاب أرتنيه قلت فما كان بينكما قال أقرب ما أحل الله مما حرم الله الإشارة بغير ماباس والدنو بغير إمساس ولعمري لئن كانت الأيام طالت بعدها لقد كانت قصيرة معها وحسبك بالحب ما إن دعاني الهوى لفاحشة ... إلا نهاني الحياء والكرم فلا إلى فاحش مددت يدي ... ولا مشت بي لريبة قدم وقال آخر وصفوها فلم أزل علم الل ... هـ كئيبا مستولها مستهاما هل عليها في نظرة من جناح ... من فتى لا يزور إلا لماما حال فيها الإسلام دون هواه ... فهو يهوى ويحفظ الإسلاما ويميل الهوى به ثم يخشى ... أن يطيع الهوى فيلقى أثاما وقال الحسين بن مطير أحبك يا سلمى على غير ريبة ... ولا بأس في حب تعف سرائره أحبك حبا لا أعنف بعده ... محبا ولكني إذا ليم عاذره وقد مات قلبي أول الحب مرة ... ولو مت أضحى الحب قد مات آخره وقال محمد بن أبي زرعة الدمشقي إن حظي ممن أحب كفاف ... لا صدود مقص ولا إنصاف كلما قلت قد أنابت إلى الوص ... ل ثناها عما أريد العفاف(1\/326)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "322",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8406",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكأني بين الصدود وبين ال ... وصل ممن مقامه الأعراف في محل بين الجنان وبين النا ... ر أرجوطورا وطورا أخاف وقال عثمان بن الضحاك الحزامي خرجت أريد الحج فنزلت بالأبواء فإذا امرأة جالسة على باب خيمة فأعجبني حسنها فتمثلت بقول نصيب بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب ... وقل إن تملينا فما ملك القلب فقالت يا هذا أتعرف قائل هذا الشعر قلت نعم نصيب قالت فتعرف زينبه قلت لا قالت فأنا زينبه قلت حياك الله قالت أما إن اليوم موعده من عند أمير المؤمنين خرج إليه عام أول فوعدني هذا اليوم لعلك لا تبرح حتى تراه قال فبينا أنا كذلك إذا أنا براكب قالت ترى ذلك الراكب إني لأحسبه إياه قال فأقبل فإذا هو نصيب فنزل قريبا من الخيمة ثم أقبل فسلم حتى جلس قريبا منها يسائلها وتسائله أن ينشدها ما أحدث فأنشدها فقلت في نفسي محبان طال التنائي بينهما لا بد أن يكون لأحدهما إلى صاحبه حاجة فقمت إلى بعيري لأشد عليه فقال على رسلك إني معك فجلست حتى نهض معي فتسايرنا ثم التفت إلي فقال أقلت في نفسك محبان التقيا بعد طول التنائي فلا بد أن يكون لأحدهماإلى صاحبه حاجة قلت نعم قد كان ذلك قال ورب هذه البنية ما جلست منها مجلسا هو أقرب من هذا وقال عمر بن شبة حدثنا أبو غسان قال سمعت بعض المدنيين يقول كان الرجل يحب الفتاة فيطوف بدارها حولا يفرح أن يرى من يراها فإن(1\/327)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "323",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8407",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ظفر منها بمجلس تشاكيا وتناشدا الأشعار واليوم يشير إليها وتشير إليه فيعدها وتعده فإذا التقيا لم يشك حبا ولم ينشد شعرا وقام إليها كأنه قد أشهد على نكاحها أبا هريرة رضي الله عنه وقال محمد بن سيرين كانوا يعشقون في غير ريبة وكان الرجل يأتي إلى القوم يتحدث عندهم لا يستنكر له ذلك وقال هشام بن حسان لكن اليوم لا يرضون إلا بالمواقعة وقيل لأعرابي ما تعدون العشق فيكم قال القبلة والضمة والغمزة وإذا نكح الحب فسد وقال المبرد كان العتبي يحب جارية تسمى ملك فكتب إليها يا ملك قد صرت إلى خطة ... رضيت منها فيك بالضيم ما اشتملت عيني على رقدة ... مذ غبت عن عيني إلى اليوم فبت مفتوق مجاري البكا ... معطل العين عن النوم ووجدي الدهر بكم غلمة ... فالموت من نفسي على سوم يلومني الناس على حبكم ... والناس أولى فيك باللوم قال فكتبت إليه إن تكن الغلمة هاجت بكم ... فعالج الغلمة بالصرم ليس بك الحب ولكنما ... تدور من هذا على كوم يقال كام الفحل يكوم كوما إذا نزا على الحجرة وأرادت هذه المعشوقة قول النبي صلى الله عليه وسلم: quot; يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم(1\/328)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "324",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8408",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنه له وجاءquot; وقال أبو الحسن المدائني هوي يعض المسلمين جارية بمكة فأرادها فامتنعت عليه فقال على لسان عطاء بن أبي رباح سألت الفتى المكي هل في تعانق ... وقبلة مشتاق الفؤاد جناح فقال معاذ الله أن يذهب التقى ... تلاصق أكباد بهن جراح فقالت ألله سألت عطاءعن ذلك فقال لك هذا فقال اللهم نعم فزارته وجعلت تقول إياك أن تتعدى ما أفتاك به عطاء وقال الزبير بن بكار عن عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون قال أنشدت محمد بن المنكدر قول وضاح اليمن فما تولت حتى تضرعت حولها ... وأقرأتها ما رخص الله في اللمم فضحك محمد وقال إن كان وضاح لمفتيا في نفسه وقال الأصمعي قيل لأعرابي ما كنت صانعا لو ظفرت بمن تهوى قال كنت أمتع عيني من وجهها وقلبي من حديثها وأستر منها مالا يحبه الله ولا يرضى كشفه إلا عند حله قيل فإن خفت أن لا تجتمعا بعد ذلك قال أكل قلبي إلى حبها ولا أصير بقبيح ذلك الفعل إلى نقض عهدها قال وقيل لآخر وقد زوجت عشيقته من ابن عمها وأهلها على إهدائها إليه أيسرك أن تظفر بها الليلة قال نعم والذي أمتعني بها وأشقاني بطلبها قيل فما كنت صانعا قال كنت أطيع الحب في لثمها وأعصي الشيطان في إثمها ولا أفسد(1\/329)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "325",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8409",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عشق عشر سنين بما يبقى عاره وتنشر بالقبيح أخباره في ساعة تنفد لذتها وتبقى تبعتها إني إذا للئيم لم يغذني أصل كريم وقال عباس الدوري كان بعض أصحابنا يقول كان سفيان الثوري كثيرا ما يتمثل بهذين البيتين تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الوزر والعار تبقى عواقب سوء في مغبتها ... لا خير في لذة من بعدها النار وقال الحسين بن مطير ونفسك أكرم عن أمور كثيرة ... فما لك نفس بعدها تستعيرها ولا تقرب المرعى الحرام فإنما ... حلاوته تفنى ويبقى مريرها وقال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى وقال الخرائطي حدثنا إبراهيم بن الجنيد حدثنا عبد الله بن أبي بكر المقدمي حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي قال سمعت مالك بن دينار يقول بينا أنا أطوف إذ أنا بجارية متعبدة متعلقة بأستار الكعبة وهي تقول يا رب كم من شهوة ذهبت لذتها وبقيت تبعتها أيا رب أما لك أدب إلا النار فما زال مقامها حتى طلع الفجر فلما رأيت ذلك وضعت يدي على رأسي خارجا أقول ثكلت مالكا أمه جويرية منذ الليلة قد بطلته وطائفة بالبيت والليل مظلم ... تقول ومنها دمعها يتسجم أيا رب كم من شهوة قد رزئتها ... ولذة عيش حبلها يتصرم(1\/330)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "326",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8410",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أما كان يكفي للعباد عقوبة ... ولا أدبا إلا الجحيم المضرم فما زال ذاك القول منها تضرعا ... إلى أن بدا فجر الصباح المقدم فشبكت مني الكف أهتف خارجا ... على الرأس أبدى بعض ما كنت أكتم وقلت لنفسي إذا تطاول ما بها ... وأعيا عليها وردها المتغنم ألا ثكلتك اليوم أمك مالكا ... جويرية ألهاك منها التكلم فمازلت بطالا بها طول ليلة ... تنال بها حظا جسيما وتغنم وقال مخرمة بن عثمان نبئت أن فتى من العباد هوى جارية من أهل البصرة فبعث إيها يخطبها فامتنعت وقالت إن أردت غير ذلك فعلت فأرسل إليها سبحان الله أدعوك إلى مالا إثم فيه وتدعينني إلى مالا يصلح فقالت قد أخبرتك بالذي عندي فإن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر فأنشأ يقول وأسألها الحلال وتدع قلبي ... إلى مالا أريد من الحرام كداعي آل فرعون إليه ... وهم يدعونه نحو الأثام فظل منعما في الخلد يسعى ... وظلوا في الجحيم وفي السقام فلما علمت أنه قد امتنع من الفاحشة أرسلت إليه أنا بين يديك على الذي تحب فأرسل إليها لا حاجة لنا فيمن دعوناه إلى الطاعة ودعانا إلى المعصية ثم أنشد لا خير فيمن لا يراقب ربه ... عند الهوى ويخافه إيمانا حجب التقى سبل الهوى فأخو التقى ... يخشى إذا وافى المعاد هوانا(1\/331)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "327",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8411",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال عبد الملك بن مروان لليلى الأخيلية بالله هل كان بينك وبين توبة سوء قط قالت والذي ذهب بنفسه وهو قادر على ذهاب نفسي ما كان بيني وبينه سوء قط إلا أنه قدم من سفر فصافحته فغمز يدي فظننت أنه يخنع لبعض الأمر فذلك معنى قولي وذي حاجة قلنا له لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل لنا صاحب لا بنبغي أن نخونه ... وأنت لأخرى صاحب وخليل قالت لا والذي ذهب بنفسه ما كلمني بسوء قط حتى فرق بيني وبينه الموت وقال ابن أحمر بينا أنا أطوف بالبيت إذ بصرت بامرأة متبرقعة تطوف بالبيت وهي تقول لا يقبل الله من معشوقة عملا ... يوما وعاشقها غضبان مهجور ليست بمأجورة في قتل عاشقها ... لكن عاشقها في ذاك مأجور فقلت لها في هذا الموضع فقالت إليك عني لا يعلقك الحب قلت وما الحب قالت جل والله عن أن يخفى وخفي عن أن يرى فهو كالنار في أحجارها إن حركته أورى وإن تركته توارى ثم أنشدت تقول غيد أوانس ما هممن بريبة ... كظباء مكة صيدهن حرام يحسبن من لين الحديث أوانسا ... ويصدهن عن الخنا الإسلام(1\/332)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "328",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8412",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد روى محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا عبد الوارث عن محمد بن جحادة عن الوليد عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها دخلت الجنة وقال هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا أبي حدثنا ابن لهيعة عن موسى بن وردان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;أيما امرأة اتقت ربها وأحصنت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها يوم القيامة ادخلي من أي أبواب الجنة شئتquot; وقال الزبير بن بكار أخبرني سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي حدثني أبي أن امرأة لقيت كثير عزة فقالت تسمع بالمعيدي خير من أن تراه قال مه رحمك الله فأنا الذي أقول فإن أك معروق العظام فإنني ... إذا ما وزنت القوم بالقوم أوزن قالت وكيف توزن بالقوم وأنت لا تعرف إلا بعزة قال والله لئن قلت ذاك لقد رفع الله بها قدري وزين بها شعري وإنها لكما قلت وما روضة بالحزن طاهرة الثرى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها بأطيب من أردان عزة موهنا ... وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها من الخفرات البيض لم تلق شقوة ... وبالحسب المكنون صاف نجارها فإن برزت كانت لعينيك قرة ... وإن غبت عنها لم يعمك عارها(1\/333)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "329",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8413",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالت أرأيت حين تذكر طيبها فلو أن زنجية تخمرت بالمندل الرطب لطاب ريحها ألا قلت كما قال امرؤ القيس خليلي مرا بي على أم جندب ... نقضي لبانات الفؤاد المعذب ألم ترياني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب فقال والله الحق خير ما قيل هو والله أنعت لصاحبته مني ودخلت عزة على عبد الملك بن مروان وهو لا يعرفها ترفع مظلمة لها فلما سمع كلامها تعجب منه فقال له بعض جلسائه هذه عزة كثير فقال لها عبد الملك إن أردت أن أرد عليك مظلمتك فأنشديني ما قال فيك كثير فاستحيت وقالت والله ما أعرف كثيرا ولكني سمعتهم يحكون عنه أنه قال في قضى كل ذي دين فوقى غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها فقال عبد الملك ليس عن هذا أسألك ولكن أنشديني من قوله وقد زعمت أني تغيرت بعدها ... ومن ذا الذي يا عز لا يتغير تغير جسمي والخليقة كالذي ... عهدت ولم يخبر بسرك مخبر قالت ما سمعت هذا ولكن سمعت الناس يحكون عنه أنه قال في كأني أنادي صخرة حين أعرضت ... من الصم لو تمشي بها العصم زلت صفوح فما تلقاك إلابخيلة ... فمن مل منها ذلك الوصل ملت فقضى حاجتها ورد مظلمتها وقال أدخلوها على الجواري يأخذن من أدبها وذكرت عنه أنه قال فيها أيضا(1\/334)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "330",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8414",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما نلت منها محرما غير أنني ... أقبل بساما من الثغر أفلجا وألثم فاها تارة ثم تارة ... وأترك حاجات النفوس تحرجا وقال الزبير بن بكار عن عباس بن سهل الساعدي قال بينا أنا بالشام إذ لقيني رجل من أصحابي فقال هل لكم في جميل نعوده فدخلنا عليه وهو يجود بنفسه وما يخيل إلي إلا أن الموت يكرثه فنظر إلي ثم قال يا ابن سهل ما تقول في رجل لم يشرب الخمر قط ولم يزن ولم يقتل نفسا يشهد أن لا إله إلا الله قلت أظنه قد نجا وأرجو له الجنة فمن هذا الرجل قال أنا قلت والله ما أحسبك سلمت وأنت تشبب منذ عشرين سنة في بثينة فقال لا نالتني شفاعة محمد يوم القيامة فإني في أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا إن كنت وضعت يدي عليها لريبة فما برحنا حتى مات وقال عوانة بن الحكم كان عبد المطلب لا يسافر إلا ومعه ابنه الحارث وكان أكبر ولده وكان شبيها به جمالا وحسنا فأتى اليمن وكان يجالس عظيما من عظمائهم فقال له لو أمرت ابنك هذا يجالسني وينادمني ففعل فعشقت امرأته الحارث فراسلته فأبى عليها فألحت عليه فأخبر بذلك أباه فلما يئست منه سقته سم شهر فارتحل به عبد المطلب حتى إذا قدم مكة مات الحارث وذكرها هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه وذكر رثاء أبيه له بقصيدته التي فيها(1\/335)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "331",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8415",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحارث الفياض أكرم ماجد ... أيام نازعه الهمام الكاسا ولما احتضر أبو سفيان بن الحارث هذا وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهله لا تبكوا علي فإني لم أتنطف بخطيئة منذ أسلمت ولما قدم عروة بن الزبير علىالوليد بن عبد الملك خرجت برجله الآكلة فاجتمع رأي الأطباء على نشرها وأنه إن لم يفعل سرت إلى جسمه فهلك فلما عزم على ذلك قالوا له نسقيك مرقدا قال ولم قالوا لئلا تحس بما يصنع قال لا بل شأنكم فنشروا ساقه بالمنشار فما أزال عضوا عن عضو حتى فرغوا منها ثم حسموها فلما نظر إليها في أيديهم تناولها وقال الحمد لله أما والذي حملني عليك إنه ليعلم أني ما مشيت بك إلى حرام قط ولما حضرت عمر بن أبي ربيعة الوفاة بكى عليه أخوه الحارث فقال له عمر يا أخي إن كان أسفك لما سمعت من قولي قلت لها وقالت لي فكل مملوك لي حر إن كنت كشفت حراما قط فقال الحارث الحمد لله تعالى طيبت نفسي وقال سفيان بن محمد دخلت يوما عزة على أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز فقالت يا عزة ما قول كثير قضى كل ذي دين فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها(1\/336)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "332",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8416",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما كان هذا الدين فقالت كنت وعدته بقبلة فتحرجت منها فقالت أم البنين أنجزيها وعلي إثمها قالت فأعتقت أم البنين بكلمتها هذه أربعين رقبة وكانت إذا ذكرتها بكت وقالت ليتني خرست ولم أتكلم بها ولما احتضر ذو الرمة قال لقد هممت بمي عشرين سنة في غير ريبة ولا فساد وكان الحارث بن خالد بن هشام المخزمي عاشقا لعائشة بنت طلحة وله فيها أشعار أفرد لها ابن المرزبان كتابا فلما قتل عنها مصعب بن الزبير قيل للحارث ما يمنعك الآن منها قال والله لا يتحدث رجالات قريش أن تشبيبي بها كان لريبة ولشيء من الباطل وقال ابن علاقة دخلت على رجل من الأعراب خيمته وهو يئن فقلت ما شأنك قال عاشق فقلت له ممن الرجل قال من قوم إذا عشقوا ماتوا عفة فجعلت أعذله وأزهده فيما هو فيه فتنفس الصعداء ثم قال ليس لي مسعد فأشكو إليه ... إنما يسعد الحزين الحزين وقال سعيد بن عقبة لأعرابي ممن الرجل قال من قوم إذا عشقوا ماتوا قال عذري ورب الكعبة فقلت له ومم ذاك قال في نسائنا صباحة وفي رجالنا عفة وقال سفيان بن زياد قلت لامرأة من عذرة ورأيت بها هوى غالبا خفت عليها الموت منه ما بال العشق يقتلكم معاشر عذرة من بين أحياء العرب فقالت فينا جمال وتعفف والجمال يحملنا على العفاف والعفاف يورثنا رقة القلوب والعشق يفني آجالنا وإنا نرى عيونا لا ترونها وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى قال رجل من بن بني فزارة لرجل من(1\/337)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "333",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8417",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بني عذرة ما يعد موتكم من الحب مزيه وإنما ذاك من ضعف البنية ووهن العقل وضيق الرئة فقال له العذري أما لو رأيتم المحاجر البلج ترشق بالأعين الدعج من فوقها الحواجب الزج والشفاه السمر تفتر عن الثنايا الغر كأنها نظم الدر لجعلتموها اللات والعزى ونبذتم الإسلام وراء ظهوركم وقال بشر بن الوليد سمعت أبا يوسف يقول في مرضه الذي مات فيه اللهم إنك تعلم أني لم أطأ فرجا حراما قط وأنا أعلم ولم آكل درهما حراما قط وأنا أعلم وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي دخلت على المعتضد وعلى رأسه غلمان صباح الوجوه أحداث فنظرت إليهم فرآني المعتضد وأنا أتأملهم فلما أردت القيام أشار إلي فمكثت ساعة فلما خلا قال لي أيها القاضي والله ما حللت سراويلي على حرام قط وقال اليزيدي جلس محمد بن منصور بن بسام وعلى رأسه عدة خدم لم ير قط أحسن منهم ما منهم من ثمنه ألف دينار بل أكثر فجعل الناس ينظرون إليهم فقال محمد هم أحرار لوجه الله إن كان الله كتب علي ذنبا مع واحد منهم فمن عرف خلاف ذلك منهم فليمض فإنه قد عتق وهو في حل مما يأخذ من مالي وقال إبراهيم بن أبي بكر بن عياش شهدت أبي عند الموت فبكيت فقال ما يبكيك فما أتى أبوك فاحشة قط(1\/338)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "334",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8418",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال عمر بن حفص بن غياث لما حضرت أبي الوفاة أغمي عليه فبكيت عند رأسه فقال لي حين أفاق ما يبكيك قلت أبكي لفراقك ولما دخلت فيه من هذا الأمر يعني القضاء قال لا تبك فإني ما حللت سراويلي على حرام قط ولا جلس بين يدي خصمان فباليت على من توجه الحكم منهما وقال سفيان بن أحمد المصيصي شهدت الهيثم بن جميل وهو يموت وقد سجي نحو القبلة فقامت جاريته تغمز رجليه فقال اغمزيهما فإن الله يعلم أنهما ما مشتا إلى حرام قط وقال محمد بن إسحاق نزل السري بن دينار في درب بمصر وكانت فيه امرأة جميلة فتنت الناس بجمالها فعلمت به المرأة فقالت لأفتننه فلما دخلت من باب الدار تكشفت وأظهرت نفسها فقال مالك فقالت هل لك في فراش وطي وعيش رخي فأقبل عليها وهو يقول وكم ذي معاص نال منهن لذة ... ومات فخلاها وذاق الدواهيا تصرم لذات المعاصي وتنقضي ... وتبقى تباعات المعاصي كما هيا فيا سوءتا والله راء وسامع ... لعبد بعين الله يغشى المعاصيا وقال عمر بن بكير قال أعرابي علقت امرأة كنت آتيها فأحدثها سنين وما جرت بيننا ريبة قط إلا أني رأيت بياض كفيها في ليلة ظلماء فوضعت يدي على يدها فقالت مه لا تفسد ما بيني وبينك فإنه ما نكح حب(1\/339)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "335",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8419",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قط إلا فسد قال فقمت وقد تصببت عرقا حياء منها ولم أعد إلى شيء من ذلك وذكر أبو الفرج وغيره أن امرأة جميلة كانت بمكة وكان لها زوج فنظرت يوما إلى وجهها في المرآة فقالت لزوجها أترى أحدا يرى هذا الوجه ولا يفتتن به قال نعم قالت من قال عبيد بن عمير قالت فائذن لي فيه فلأفتننه قال قد أذنت لك قال فأتته كالمستفتية فخلا معها في ناحية من المسجد الحرام فأسفرت عن وجه مثل فلقة القمر فقال لها يا أمة الله استتري فقالت إني قد فتنت بك قال إني سائلك عن شيء فإن أنت صدقتني نظرت في أمرك قالت لا تسألني عن شيء إلا صدقتك قال أخبريني لو أن ملك الموت أتاك ليقبض روحك أكان يسرك أن أقضي لك هذه الحاجة قالت اللهم لا قال صدقت قال فلو دخلت قبرك وأجلست للمساءلة أكان يسرك أني قضيتها لك قالت اللهم لا قال صدقت قال فلو أن الناس أعطوا كتبهم ولا تدرين أتأخذين كتابك بيمينك أم بشمالك أكان يسرك أني قضيتها لك قالت اللهم لا قال صدقت قال فلو أردت الممر على الصراط ولا تدرين هل تنجين أو لا تنجين أكان يسرك أني قضيتها لك قالت اللهم لا قال صدقت قال فلو جيء بالميزان وجيء بك فلا تدرين أيخف ميزانك أم يثقل أكان يسرك أني قضيتها لك قالت اللهم لا قال فلو وقفت بين يدي الله للمساءلة أكان يسرك أني قضيتها لك قالت اللهم لا قال صدقت قال اتسقي الله فقد أنعم الله عليك وأحسن إليك قال فرجعت إلى زوجها فقال ما صنعت قالت أنت بطال ونحن بطالون فأقبلت على الصلاة والصوم والعبادة فكان زوجها يقول مالي ولعبيد بن عمير أفسد علي امرأتي كانت في كل ليلة عروسا فصيرها راهبة(1\/340)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "336",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8420",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال سعيد بن عبد الله بن راشد علقت فتاة من العرب فتى من قومها وكان عاقلا فجعلت تكثر التردد إليه فلما طال عليها ذلك مرضت وتغيرت واحتالت في أن خلا لها وجهه فتعرضت إليه ببعض الأمر فصرفها ودفعها عنه فتزايد المرض حتى سقطت على الفراش فقالت له أمه إن فلانة قد مرضت وها علينا حق قال فعوديها وقولي لها يقول لك ما خبرك فسارت إليها أمه وسألتها ما بك فقالت وجع في فؤادي هو أصل علتي قالت فإن ابني يسألك عن علتك فتنفست الصعداء ثم قالت يسائلني عن علتي وهو علتي ... عجيب من الأنباء جاء به الخبر فانصرفت إليه أمه وأخبرته وقالت له تريد أن تصير إليك فقال نعم فذكرت أمه لها ذلك فبكت وقالت ويبعدني عن قربه ولقائه ... فلما أذاب الجسم مني تعطفا فلست بآت موضعا فيه قاتلي ... كفاني سقاما أن أموت تلهفا وتزايدت بها العلة حتى ماتت وأحب رجل من أهل الكوفة يسمى أبا الشعثاء امرأة جميلة فلما علمت به كتبت إليه وقالت لأبي الشعثاء حب دائم ... ليس فيه تهمة لمتهم يا فؤادي فازدجر عنه ويا ... عبث الحب به فاقعد وقم جاءني منه كلام صائد ... ورسالات المحبين الكلم(1\/341)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "337",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8421",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صائد يأمنه غزلانه ... مثل ما يأمن غزلان الحرم صل إن أحببت أن تعطى المنى ... يا أبا الشعثاء لله وصم ثم ميعادك بعد الموت في ... جنة الخلد إن الله رحم حيث ألقاك غلاما ناشئا ... ناعما قد كملت فيه النعم وقال الأصمعي عن أبي سفيان بن العلاء قال بصرت الثريا بعمر بن أبي ربيعة وهو يطوف حول البيت فتنكرت وفي كفها خلوق فزحمته فأثر الخلوق في ثوبه فجعل الناس يقولون يا أبا الخطاب ما هذا زي المحرم فأنشأ يقول أدخل الله رب موسى وعيسى ... جنة الخلد من ملاني خلوقا مسحت كفها بجيب قميصي ... حين طفنا بالبيت مسحا رفيقا فقال له عبد الله بن عمر مثل هذا القول في هذا الموضع فقال له يا أبا عبد الرحمن قد سمعت مني ما قد سمعت فورب هذه البنية ما حللت إزاري على حرام قط وقيل لليلى الأخيلية هل كان بينك وبين توبة ما يكرهه الله قالت إذا أكون منسلخة من ديني إن كنت ارتكبت عظيما ثم أتبعه بالكذب وقال العتبي خرجت إلى المربد فإذا بأعرابي غزل فملت إليه فذكرت النساء فتنفس ثم قال يا ابن أخي إن من كلامهن لما يقوم مقام الماء فيشفي من الظمأ فقلت صف لي نساءكم فقال نساء الحي تريد قلت نعم فأنشأ يقول(1\/342)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "338",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8422",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجح ولسن من اللواتي بالضحى ... لذيولهن على الطريق غبار يأنسن عند بعولهن إذا خلوا ... وإذا هم خرجوا فهن خفار قال العتبي فأخبرت به أبي قال تدري من أين أخذ قوله وإن من كلامهن ما يقوم مقام الماء فيشفي من الظمأ قلت لا قال من قول القطامي قتلننا بحديث ليس يعلمه ... من يتقين ولا مكنونه بادي فهن يبدين من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي وهذه الطائفة لعفتهم أسباب أقواها إجلال الجبار ثم الرغبة في الحور الحسان في دار القرار فإن من صرف استمتاعه في هذه الدار إلى ما حرم الله عليه منعه من الاستمتاع بالحور الحسان هناك قال من يلبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة فلا يجمع الله للعبد لذة شرب الخمر ولبس الحرير والتمتع بما حرم الله عليه من النساء والصبيان ولذة التمتع بذلك في الآخرة فليتخير العبد لنفسه إحدى اللذتين وليطب نفسا عن إحداهما بالأخرى فلن يجعل الله من أذهب طيباته في حياته الدنيا واستمتع بها كمن صام عنها ليوم فطره من الدنيا إذا لقي الله ودون ذلك مرتبة أن يتركها خوف النار فقط فإن تركها رغبة ومحبة أفضل من تركها لمجرد خوف العقوبة(1\/343)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "339",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8423",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم أدنى من ذلك أن يحمله عليها خوف العار والشنار ومنهم من يحمله على العفة الإبقاء على محبته خشية ذهابها بالوصال ومنهم من يحمله عليها عفة محبوبه ونزاهته ومنهم من يحمله عليها الحياء منه والاحتشام له وعظمته في صدره ومنهم من يحمله عليها الرغبة في جميل الذكر وحسن الأحدوثة ومنهم من يحمله عليها الإبقاء على جاهه ومروءته وقدره عند محبوبه وعند الناس ومنهم من يحمله عليها كرم طبعه وشرف نفسه وعلو همته ومنهم من يحمله عليها لذة الظفر بالعفة فإن للعفة لذة أعظم من لذة قضاء الوطر لكنها لذة يتقدمها ألم حبس النفس ثم تعقبها اللذة وأما قضاء الوطر فبالضد من ذلك ومنهم من يحمله عليها علمه بما تعقبه اللذة المحرمة من المضار والمفاسد وجمع الفجور خلال الشر كلها كما ستقف عليه في الباب الذي يلي هذا إن شاء الله تعالى فصل ولم يزل الناس يفتخرون بالعفة قديما وحديثا قال إبراهيم بن هرمة ولرب لذة ليلة قد نلتها ... وحرامها بحلالها مدفوع وقال غيره إذا ما هممنا صدنا وازع التقى ... فولى على أعقابه الهم خاسئا وقال آخر أتأذنون لصب في زيارتكم ... فعندكم شهوات السمع والبصر لا يضمر السوء إن طالت إقامته ... عف الضمير ولكن فاسق النظر(1\/344)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "340",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8424",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال مسلم بن الوليد ألا ريب يوم صادق العيش نلته ... بها ونداماي العفافة والنهى وقال آخر إن تريني زاني العينين ... فالفرج عفيف ليس إلا النظر الفا ... تر والشعر الظريف وقال الموسوي بتنا ضجيعين في ثوبي هوى وتقى ... يلفنا الشوق من فرق إلى قدم يشي بنا الطيب أحيانا وآونة ... يضيئنا البرق مجتازا على إضم ثم انثنينا وقد رابت ظواهرنا ... وفي بواطننا بعد عن التهم وقال نفطويه كم قد خلوت بمن أهوى فيمنعني ... منه الحياء وخوف الله والحذر وكم ظفرت بمن أهوى فيقنعني ... منه الفكاهة والتجميش والنظر أهوى الحسان وأهوى أن أجالسهم ... وليس لي في حرام منهم وطر كذلك الحب لا إتيان معصية ... لا خير في لذة من بعدها سقر وقال الشهاب محمود بن سليمان صاحب ديوان الإنشاء الحلبي(1\/345)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "341",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8425",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لله وقفة عاشقين تلاقيا ... من بعد طول نوى وبعد مزار يتعاطيان من الغرام مدامة ... زادتهما بعدا من الأوزار صدقا الغرام فلم يمل طرف إلى ... فحش ولا كف لحل إزار فتلاقيا وتفرقا وكلاهما ... لم يخش مطعن عائب أو زار وقيل لبثينة هذا جميل لما به فهل عندك من حيلة تنفسين بها وجده فقالت ما عندي أكثرمن البكاء إلى أن ألقاه في الدار الأخرى أو زيارته وهو ميت تحت الثرى وقيل لعتبة بعد موت عاشقها ما كان يضرك لو أمتعتيه بوجهك قالت منعني من ذلك خوف العار وشماتة الجار ومخافة الجبار وإن بقلبي أضعاف ما بقلبه غير أني أجد ستره أبقى للمودة وأحمد للعاقبة وأطوع للرب وأخف للذنب وهوي فتى امرأة وهويته وشاع خبرهما فاجتمعا يوما خاليين فقال لها هلمي نحقق ما يقال فينا فقالت لا والله لا كان هذا أبدا وأنا أقرأ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين وقيل لبعضهم وقد هوي جارية فطال عشقه بها ما أنت صانع لوظفرت بها ولا يراكما إلا الله قال والله لا جعلته أهون الناظرين إلي لا أفعل بها خاليا إلا ما أفعله بحضرة أهلها حنين طويل ولحظ من بعيد وأترك ما يسخط الرب ويفسد الحب إذا كان حظ المرء ممن يحبه ... حراما فحظي ما يحل ويجمل حديث كماء المزن بين فصوله ... عتاب به حسن الحديث يفصل(1\/346)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "342",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8426",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولثم فم عذب اللثات كأنما ... جناهن شهد فت فيه القرنفل وما العشق إلا عفة ونزاهة ... وأنس قلوب أنسهن التغزل وإني لأستحيي الحبيب من التي ... تريب وأدعى للجميل فأجمل وقال آخر وإني لمشتاق إلى كل غاية ... من المجد يكبو دونها المتطاول بذول لمالي حين يبخل ذو النهى ... عفيف عن الفحشاء قرم حلاحل وما ألطف قوله حين يبخل ذو النهى فإن ذا النهى لا يبخل إلا في موضع البخل فأخبر هذا أنه يبذل ماله حين يبخل به ربه في موضع البخل وقال عامر بن حذافة رأيت بصحار جارية قد ألصقت خدها بقبر وهي تبكي وتقول خدي يقيك خشونة اللحد ... وأقل ما لك سيدي خدي يا ساكن الترب الذي بوفاته ... عميت علي مسالك الرشد إسمع فديتك قصتي فلعلني ... أشفي بذلك غلة الوجد قال فسألتها عن صاحب القبر فقالت فتى رافقته في الصبا ثم أنشأت تقول كنا كزوج حمائم في أيكة ... متنعمين بصحة وشباب فغدا الزمان مشتتا بفراقه ... إن الزمان مفرق الأحباب(1\/347)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "343",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8427",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال فبكيت لرقة شعرها فأنشأت تقول تبكي عليه ولست تعرف أمره ... فلأعلمنك حاله ببيان ما كان للعافين غير نواله ... فإذا استجير ففارس الفرسان لا يتبع الجيران رفة طرفه ... ويتابع الإحسان للجيران عف السريرة والجهيرة مثلها ... فإذا استضم أراك فتق طعان فقلت أعلميني من هو قالت سنان بن وبرة الذي يقول فيه الشاعر يا رائدا غيثا لنجعة قومه ... يكفيك من غيث نوال سنان ثم قالت يا هذا والله لولا أنك غريب ما متعك من حديثي قلت فكيف كان حبه لك قالت ما كان يوسدني إذا نمت إلا يده فمكثت معه أربعة أحوال ما توسدت غيرها إلا في حال يمنعه مانع وقال سعيد بن يحيى الأموي حدثني عمي محمد بن سعيد حدثنا عبد الملك ابن عمير قال كان أخوان من ثقيف من بني كنة بينهما من التحاب شيء لا يعلمه إلا الله وكل واحد منهما أخوه عنده عدل نفسه فخرج الأكبر منهما إلى سفر له وله امرأة فأوصى أخاه بحاجة أهله فبينا المقيم في دار الظاعن إذ مرت امرأة أخيه في درع تجوز من بيت إلى بيت وكانت من أجمل البشر فرأى شيئا حيره فلما رأته ولت ووضعت يدها على رأسها ودخلت بيتا ووقع حبها في قلبه فجعل يذوب وينحل جسمه ويتغير لونه وقدم أخوه فقال مالك يا أخي متغيرا ما وجعك قال ما بي من وجع فدعا له الأطباء فلم يقف(1\/348)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "344",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8428",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحد على دائه غير الحارث بن كلدة وكان طبيبا فقال أرى عينين صحيحتين وما أدري ما هذا الوجع وما أظنه إلا عاشقا فقال له أخوه سبحان الله أسألك عن وجع أخي وأنت تستهزىء بي فقال ما فعت وسأسقيه شرابا عندي فإن كان عاشقا فسيتبين لكم فأتاه بشراب فجعل يسقيه قليلا قليلا فلما أخذه الشراب هاج وقال ألما بي على الأبيا ... ت من خيف نزرهنه غزال ما رأيت اليو ... م في دور بني كنه أسيل الخد مربوب ... وفي منطقه غنه فقال أنت طبيب العرب فبمن قال سأعيد له الشراب ولعله يسمي فأعاد له الشراب فسمى المرأة فطلقها أخوه ليتزوجها فقال المريض علي كذا وكذا إن تزوجتها فقضى ولم يتزوجها وقال علي بن المبارك السراج حدثنا أبو مسهر عن بكر بن عبد الله قال عرض الحجاج بن يوسف سجنه يوما فأتي برجل فقال ما كان جرمك فقال أصلح الله الأمير أخذني العسس وأنامخبرك بخبري فإن كان الكذب ينجي فالصدق أولى بالنجاة قال وما قصتك قال كنت أخا لفلان فضرب الأمير عليه البعث إلى خراسان فكانت امرأته تهواني وأنا لا أشعر فبعثت إلي ذات يوم رسولا أن قد جاء كتاب صاحبك فهلم لتقرأه فمضيت إليها فجعلت تشغلني بالحديث حتى صلينا المغرب ثم أظهرت لي ما في نفسها مني ودعتني إلى السوء فأبيت ذلك فقالت والله لئن لم تفعل لأصيحن ولأقولن(1\/349)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "345",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8429",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنك لص فخفتها والله أيها الأمير على نفسي فقلت أمهليني حتى الليل فلما صليت العتمة وثقت بشدة حرس الأمير فخرجت من عندها هاربا وكان القتل أيسر علي من خيانة أخي فلقيني عسس الأمير فأخذوني وقد قلت في ذلك شعرا قال وما قلت فقال رب بيضاء آنس ذات دل ... قد دعتني لوصلها فأبيت لم يكن شأني العفاف ولكن ... كنت خلا لزوجها فاستحيت فأمر بإطلاقه وقال الربيع بن زياد رأيت جارية عند قبر وهي تقول بنفسي فتى أوفى البرية كلها ... وأقواهم في الموت صبرا على الحب فقلت لها بم صار أوفاهم وأقواهم قالت هويني فكان أهلي إن جاهر بحبي لاموه وإن كتمه عنفوه فلما أخذه الأمر قال يقولون إن جاهرت قد عضك الهوى ... وإن لم أبح بالحب قالوا تصبرا وليس لمن يهوى ويكتم حبه ... من الأمر إلا أن يموت فيعذرا ولم يزل يردد هذين البيتين حتى مات فوالله يا هذا لا أبرح أو يتصل قبرانا ثم شهقت شهقة فصاح النساء وقلن قضت والذي اختار لها الوفاة فما رأيت أسرع ولا أوحى من أمرها قال ابن الدمينة وبتنا فويق الحي لا نحن منهم ... ولا نحن بالأعداء مختلطان وبات بقينا ساقط الطل والندى ... من الليل بردا يمنة عطران(1\/350)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "346",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8430",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نذور بذكر الله عنا غوى الصبا ... إذا كان قلبانا له يردان ونصدر عن ري العفاف وربما ... نقعنا غليل الحب بالرشفان قال أبو الفرج وشت جارية بثينة بها إلى أبيها وأخيها وقالت لهما إن جميلا عندها فأتيا مشتملين على سيفيهما فرأياه خاليا حجرة منها يحدثها ويشكو إليها بثه ثم قال لها يا بثينة أرأيت ما بي من الشغف والعشق ألا تجزينيه قالت له بماذا قال بما يكون من المتحابين فقالت له يا جميل أهذا تبغي والله لقد كنت عندي بعيدا منه فإذا عاودت تعريضا بريبة لا رأيت وجهي أبدا فضحك وقال والله ما قلت لك هذا إلا لأعلم ما عندك ولو علمت أنك تجيبينني إليه لعلمت أنك تجيبين غيري ولو رأيت منك مساعدة لضربتك بسيفي هذا ما استمسك في يدي إن طاوعتني نفسي أو هجرتك أبدا أما سمعت قولي وإني لأرضى من بثينة بالذي ... لو أبصره الواشي لقرت بلابله بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى ... وبالأمل المرجو قد خاب آمله وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي ... أواخره لا نلتقي وأوائله فقال أبوها لأخيها قم بنا فما ينبغي لنا بعد هذا اليوم أن نمنع هذا الرجل من إتيانها(1\/351)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "347",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8431",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "الباب الرابع والعشرون: في ارتكاب سبيلي الحرام وما يفضي إليه من المفاسد والآلام",
        "content": "الباب الرابع والعشرون: في ارتكاب سبيلي الحرام وما يفضي إليه من المفاسد والآلام حقيق بكل عاقل أن لا يسلك سبيلا حتى يعلم سلامتها وآفاتها وما توصل إليه تلك الطريق من سلامة أو عطب وهذان السبيلان هلاك الأولين والآخرين بهما وفيهما من المعاطب والمهالك ما فيهما ويفضيان بصاحبهما إلى أقبح الغايات وشر موارد الهلكات ولهذا جعل الله سبحانه وتعالى سبيل الزنى سر سبيل فقال تعالى: ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا فإذا كانت هذه سبيل الزنى فكيف بسبيل اللواظ التي تعدل الفعلة منه في الإثم والعقوبة أضعافها وأضعاف أضعافها من الزنى كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى فأما سبيل الزنى فأسوأ سبيل ومقيل أهلها في الجحيم شر مقيل ومستقر أرواحهم في البرزخ في تنور من نار يأتيهم لهبها من تحتهم فإذا أتاهم اللهب ضجوا وارتفعوا ثم يعودون إلى موضعهم فهم هكذا إلى يوم القيامة كما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم في منامه ورؤيا الأنبياء وحي لا شك فيها فروى البخاري في صحيحه من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يكثر أن يقول لأصحابه quot; هل رأى أحد منكم من رؤياquot; فيقص عليه ما شاء الله أن يقص وإنه قال لنا ذات(1\/352)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "348",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8432",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غداة: quot;إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني وإنهما قالا لي انطلق وإني انطلقت معهما وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ راسه فيتدهده الحجر هاهنا فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى قال قلت لهما سبحان الله ما هذان قال قالا لي انطلق انطلق فانطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى قال قلت سبحان الله ما هذان قال قالا لي انطلق انطلق فانطلقنا فأتينا على مثل التنور فإذا فيه لغط وأصوات قال فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا قال قلت لهما ما هؤلاء قال قالا لي انطلق انطلق فانطلقنا فأتينا على نهر أحمر مثل الدم وإذا في النهر رجل سابح يسبح وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيغفر له فاه فيلقمه حجرا فينطلق يسبح ثم يرجع إليه كلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجرا قال قلت لهما ما هذان قال(1\/353)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "349",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8433",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالا لي انطلق انطلق فانطلقنا فأتينا على رجل كريه المرآة كأكره ما أنت راء رجلا مرآة وإذا عنده نار يحشها ويسعى حولها قال قلت لهما ما هذا قال قالا لي انطلق انطلق فانطلقنا فأتينا على روضة معتمة فيها من كل نور الربيع وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولا في السماء وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط قال قلت لهما ما هؤلاء قال قالا لي انطلق انطلق فانطلقنا فأتينا على دوحة لم أر دوحة قط أعظم منها ولا أحسن قال قالا لي ارق فيها فارتقينا فيها إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة قال فأتينا باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا فدخلناها فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر كأقبح ما أنت راء قال قالا لهم اذهبوا فقعوا في ذلك النهر قال وإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض في البياض فذهبوا فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة قال قالا لي هذه جنة عدن وهذاك منزلك قال فسما بصري صعدا فإذا قصر مثل الربابة البيضاء قال قالا لي هذاك منزلك قال قلت لهما بارك الله فيكما ذراني فأدخله قالا أما الآن فلا وأنت داخله قال قلت لهما فإني قد رأيت(1\/354)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "350",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8434",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منذ الليلة عجبا فما هذا الذي رأيت قال قالا لي أما إنا سنخبرك أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور فإنهم الزناة والزواني وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجر فإنه آكل الربا وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها فإنه مالك خازن جهنم وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم وأما الولدان حوله فكل مولود مات على الفطرة قال فقال بعض المسلمين يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولاد المشركين قال وأولاد المشركين وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا تجاوز الله عنهمquot; وقال أبو مسلم الكجي حدثنا صدقة بن جابر عن سليم بن عامر قال حدثني أبو أمامة الباهلي قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: quot;بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي فأخرجاني فأتيا بي جبلا وعرا وقالا لي اصعد فقلت إني لا أطيقه فقالا سنسهله لك قال فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا أنا بأصوات مديدة فقلت ما هذه الأصوات فقالا هذا عواء أهل النار ثم انطلق بي فإذا أنا بفوج أشد شيء انتفاخا وأنتنه ريحا وأسوأه منظرا فقلت من هؤلاء فقالا هؤلاء قتلى الكفار ثم انطلق بي فإذا بفوج أشد شيء انتفاخا وأنتنه ريحا كأن(1\/355)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "351",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8435",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ريحهم المراحيض فقلت من هؤلاء قال الزانون والزوانيquot; وقال قتيبة بن سعيد حدثنا نوح بن قيس قال حدثني أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;ليلة أسري بي انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير نساء معلقات بثديهن ومنهن بأرجلهن منكسات ولهن صراخ وخوار فقلت يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء اللواتي يزنين ويقتلن أولادهن ويجعلن لأزواجهن ورثة من غيرهمquot; وقال أبو نعيم الفضل بن دكين حدثنا عبد السلام بن شداد عن غزوان بن جرير عن أبيه أنهم تذاكروا عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه الفواحش فقال لهم هل تدرون أي الزنى أعظم قالوا يا أمير المؤمنين كله عظيم قال ولكن سأخبركم بأعظم الزنى عند الله هو أن يزني الرجل بزوجة الرجل المسلم فيصير زانيا وقد أفسد على الرجل زوجته ثم قال عند ذلك إن الناس يرسل عليهم يوم القيامة ريح منتنة حتى يتأذى منها كل بر وفاجر حتى إذا بلغت منهم كل مبلغ وألمت أن تمسك بأنفاس الأمم كلهم ناداهم مناد يسمعهم الصوت ويقول لهم هل تدرون ما هذه الريح التي قد آذتكم فيقولون لا ندري والله إلا أنها قد بلغت منا كل مبلغ فيقال ألا إنها ريح(1\/356)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "352",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8436",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فروج الزناة الذين لقوا الله بزناهم ولم يتوبوا منه ثم يصرف بهم فلم يذكر عند الصرف بهم جنة ولا نارا وقال الخرائطي حدثنا علي بن داود القنطري حدثنا سعيد بن عفير حدثني مسلم بن علي الخشني عن أبي عبد الرحمن عن الأعمش عن شقيق عن حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot;يا معشر المسلمين إياكم والزنى فإن فيه ست خصال ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة فأما اللواتي في الدنيا فذهاب البهاء ودوام الفقر وقصر العمر وأما اللواتي في الآخرة فسخط الله وسوء الحساب ودخول النارquot; ويذكر عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال المقيم على الزنى كعابد وثن ورفعه بعضهم وهذا أولى أن يشبه بعابد الوثن من مدمن الخمر وفي المسند وغيره مرفوعا مدمن الخمر كعابد وثن فإن الزنى أعظم من شرب الخمر قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ليس بعد قتل النفس أعظم من الزنى وفي الصحيحين من حديث أبي وائل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم عند الله قال: quot;أن تجعل لله ندا وهو خلقك قال قلت ثم أي قال أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم منك(1\/357)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "353",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8437",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال قلت ثم أي قال أن تزني بحليلة جاركquot; فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما وقال قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن ابن أنعم عن رجل عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;الزاني بحليلة جاره لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه ويقول له ادخل النار مع الداخلينquot; وذكر سفيان بن عيينة عن جامع بن شداد عن أبي وائل عن عبد الله قال إذا بخس المكيال حبس القطر وإذا ظهر الزنى وقع الطاعون وإذا كثر الكذب كثر الهرج وفي الصحيحين من حديث الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبرquot; وذكر سفيان الثوري عن منصور عن ربعي بن حراش عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot;إن الله يبغض ثلاثة(1\/358)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "354",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8438",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشيخ الزاني والمقل المختال والبخيل المنانquot; وذكر الأعمش عن خيثمة عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;مثل الذي يجلس على فراش المغيبة مثل الذي ينهشه الأساود يوم القيامةquot; المغيبة هي التي قد سافر زوجها في جهاد أو حج أو غيرهما وفي النسائي وغيره من حديث بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كأمهاتهم وما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين في أهله إلا نصب له يوم القيامة فيقال يا فلان هذا فلان فخذ من حسناته ما شئت ثم التفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه فقال ما ترون يدع له من حسناته شيئا وفي لفظ وإذ اخلفه في أهله فخانه قيل يوم القيامة هذا خانك في أهلك فخذ من حسناته ما شئت فما ظنكمquot; ويكفي في قبح الزنى أن الله سبحانه وتعالى مع كمال رحمته شرع فيه أفحش القتلات وأصعبها وأفضحها وأمر أن يشهد عباده المؤمنون تعذيب فاعله ومن قبحه أن الله سبحانه فطر عليه بعض الحيوان البهيم الذي لا عقل له كما ذكر البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون الأودي قال رأيت في الجاهلية قردا زنى بقردة فاجتمع عليهما القرود فرجموهما حتى ماتا وكنت فيمن رجمهما(1\/359)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "355",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8439",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل والزنى يجمع خلال الشر كلها من قلة الدين وذهاب الورع وفساد المروءة وقلة الغيرة فلا تجد زانيا معه ورع ولا وفاء بعهد ولا صدق في حديث ولا محافظة على صديق ولا غيرة تامة على أهله فالغدر والكذب والخيانة وقلة الحياء وعدم المراقبة وعدم الأنفة للحرم وذهاب الغيرة من القلب من شعبه وموجباته ومن موجباته غضب الرب بإفساد حرمه وعياله ولو تعرض رجل إلى ملك من الملوك بذلك لقابله أسوأ مقابلة ومنها سواد الوجه وظلمته وما يعلوه من الكآبة والمقت الذي يبدو عليه للناظرين ومنها ظلمة القلب وطمس نوره وهو الذي أوجب طمس نور الوجه وغشيان الظلمة له ومنها الفقر اللازم وفي أثر يقول الله تعالى أنا الله مهلك الطغاة ومفقر الزناة ومنها أنه يذهب حرمة فاعله ويسقطه من عين ربه ومن أعين عباده ومنها أنه يسلبه أحسن الأسماء وهو اسم العفة والبر والعدالة ويعطيه أضدادها كاسم الفاجر والفاسق والزاني والخائن ومنها أنه يسلبه اسم المؤمن كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمنquot; فسلبه اسم الإيمان المطلق وإن لم يسلب عنه مطلق الإيمان وسئل جعفر بن محمد عن هذا الحديث فخط دائرة في الأرض وقال هذه دائرة الإيمان ثم خط دائرة أخرى خارجة عنها وقال هذه دائرة الإسلام فإذا زنى العبد خرج من هذه ولم يخرج من هذه ولا يلزم من ثبوت جزء ما من الإيمان له(1\/360)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "356",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8440",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن يسمى مؤمنا كما أن الرجل يكون معه جزء من العلم والفقه ولا يسمى به عالما فقيها ومعه جزء من الشجاعة والجود ولا يسمى بذلك شجاعا ولا جوادا وكذلك يكون معه شيء من التقوى ولا يسمى متقيا ونظائره فالصواب إجراء الحديث على ظاهره ولا يتأول بما يخالف ظاهره والله أعلم ومنها أن يعرض نفسه لسكنى التنور الذي رأى النبي صلى الله عليه وسلم فيه الزناة والزواني ومنها أنه يفارقه الطيب الذي وصف الله به أهل العفاف ويستبدل به الخبيث الذي وصف الله به الزناة كما قال الله تعالى: الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات وقد حرم الله الجنة على كل خبيث بل جعلها مأوى الطيبين ولا يدخلها إلا طيب قال الله تعالى: الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون وقال تعالى: وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين فإنما استحقوا سلام الملائكة ودخول الجنة بطيبهم والزناة من أخبث الخلق وقد جعل الله سبحانه جهنم دار الخبيث وأهله فإذا كان يوم القيامة ميز الخبيث من الطيب وجعل الخبيث بعضه على بعض ثم ألقاه وألقى أهله في جهنم فلا يدخل النار طيب ولا يدخل الجنة خبيث ومنها الوحشة التي يضعها الله سبحانه وتعالى في قلب الزاني وهي نظير الوحشة التي تعلو وجهه فالعفيف على وجهه حلاوة وفي قلبه أنس ومن جالسه(1\/361)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "357",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8441",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "استأنس به والزاني تعلو وجهه الوحشة ومن جالسه استوحش به ومنها قلة الهيبة التي تنزع من صدور أهله وأصحابه وغيرهم له وهو أحقر شيء في نفوسهم وعيونهم بخلاف العفيف فإنه يرزق المهابة والحلاوة ومنها أن الناس ينظرونه بعين الخيانة ولا يأمنه أحد على حرمته ولا على ولده ومنها الرائحة التي تفوح عليه يشمها كل ذي قلب سليم تفوح من فيه وجسده ولولا اشتراك الناس في هذه الرائحة لفاحت من صاحبها ونادت عليه ولكن كما قيل كل به مثل ما بي غير أنهم ... من غيرة بعضهم للبعض عذال ومنها ضيقة الصدر وحرجه فإن الزناة يعاملون بضد قصودهم فإن من طلب لذة العيش وطيبه بما حرمه الله عليه عاقبه بنقيض قصده فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته ولم يجعل الله معصيته سببا إلى خير قط ولو علم الفاجر ما في العفاف من اللذة والسرور وانشراح الصدر وطيب العيش لرأى أن الذي فاته من اللذة أضعاف أضعاف ما حصل له دع ربح العاقبة والفوز بثواب الله وكرامته ومنها أنه يعرض نفسه لفوات الاستمتاع بالحور العين في المساكن الطيبة في جنات عدن وقد تقدم أن الله سبحانه وتعالى إذا كان قد عاقب لابس الحرير في الدنيا بحرمانه لبسه يوم القيامة وشارب الخمر في الدنيا بحرمانه إياها يوم القيامة فكذلك من تمتع بالصور المحرمة في الدنيا بل كل ما ناله العبد في الدنيا فإن توسع في حلاله ضيق من حظه يوم القيامة بقدر ما توسع فيه وإن ناله من حرام فاته نظيره يوم القيامة ومنها أن الزنى يجرئه على قطيعة الرحم وعقوق الوالدين وكسب الحرام وظلم الخلق وإضاعة أهله وعياله وربما قاده قسرا إلى سفك الدم الحرام وربما استعان عليه بالسحر وبالشرك وهو يدري أو لا يدري فهذه المعصية لا تتم(1\/362)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "358",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8442",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلا بأنواع من المعاصي قبلها ومعها ويتولد عنها أنواع أخر من المعاصي بعدها فهي محفوفة بجند من المعاصي قبلها وجند بعدها وهي أجلب شيء لشر الدنيا والآخرة وأمنع شيء لخير الدنيا والآخرة وإذا علقت بالعبد فوقع في حبائلها وأشراكها عز على الناصحين استنقاذه وأعيى الأطباء دواؤه فأسيرها لا يفدى وقتيلها لا يودى وقد وكلها الله سبحانه بزوال النعم فإذا ابتلي بها عبد فليودع نعم الله فإنها ضيف سريع الانتقال وشيك الزوال قال الله تعالى: ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم وقال تعالى: وإذا اراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال فصل فهذا بعض ما في هذه السبيل من الضرر وأما سبيل الأمة اللوطية فتلك سبيل الهالكين المفضية بسالكها إلى منازل المعذبين الذين جمع الله عليهم من أنواع العقوبات مالم يجمعه على أمة من الأمم لا من تأخر عنهم ولا من تقدم وجعل ديارهم وآثارهم عبرة للمعتبرين وموعظة للمتقين وكتب خالد بن الوليد إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة فجمع أبو بكر رضي الله عنه لذلك ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فاستشارهم فكان علي رضي الله عنه أشدهم قولا فيه فقال إن(1\/363)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "359",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8443",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا لم يعمل به أمة من الأمم إلا أمة واحدة فصنع الله بهم ما قد علمتم أرى أن تحرقوه بالنار فأحرقوه بالنار وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجماعة من الصحابة والتابعين يرجم بالحجارة حتى يموت أحصن أو لم يحصن ووافقه على ذلك الإمام أحمد وإسحاق ومالك وقال الزهري يرجم أحصن أو لم يحصن سنه ماضية وقال جابر بن زيد في رجل غشي رجلا في دبره قال الدبر أعظم حرمة من الفرج يرجم أحصن أولم يحصن وقال الشعبي يقتل أحصن أو لم يحصن وسئل ابن عباس عن اللوطي ما حده قال ينظر أعلى بناء في المدينة فيرمى منه منكسا ثم يتبع بالحجارة ورجم علي لوطيا وافتى بتحريقه وكأنه رأى جواز هذا وهذا وقال إبراهيم النخعي لو كان أحد ينبغي له أن يرجم مرتين لكان ينبغي للوطي أن يرجم مرتين وذهبت طائفة إلى أنه يرجم إن احصن ويجلد إن لم يحصن وهذا قول الشافعي وأحمد في رواية عنه وسعيد بن المسيب في رواية عنه وعطاء بن أبي رباح قال عطاء شهدت ابن الزبير أتي بسبعة أخذوا في اللواط أربعة منهم قد أحصنوا وثلاثة لم يحصنوا فأمر بالأربعة فأخرجوا من المسجد الحرام فرجموا بالحجارة وأمر بالثلاثة فضربوا الحد وفي المسجد ابن عمر وابن عباس فالصحابة اتفقوا على قتل اللوطي وإنما اختلفوا في كيفية قتله فظن بعض الناس أنهم متنازعون في قتله ولا نزاع بينهم فيه إلا في إلحاقه بالزاني أو قتله مطلقا وقد اختلف الناس في عقوبته على ثلاثة أقوال أحدها أنها أعظم من(1\/364)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "360",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8444",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عقوبة الزنى كما أن عقوبته في الآخرة أشد الثاني أنها مثلها الثالث أنها دونها وذهب بعض الشافعية إلى أن عقوبة الفاعل كعقوبة الزاني وعقوبة المفعول به الجلد مطلقا بكرا كان أو ثيبا قال لأنه لا يلتذ بالفعل به بخلاف الفاعل وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا حد على واحد منهما قال لأن الوازع عن ذلك ما في الطباع من النفرة عنه واستقباحه وما كان ذلك لم يحتج إلى أن يزجر الشارع عنه بالحد كأكل العذرة والميتة والدم وشرب البول ثم قال هؤلاء إذا أكثر منه اللوطي فللإمام قتله تعزيرا صرح بذلك أصحاب أبي حنيفة والصحيح أن عقوبته أغلظ من عقوبة الزاني لإجماع الصحابة على ذلك ولغلظ حرمته وانتشار فساده ولأن الله سبحانه وتعالى لم يعاقب أمة ما عاقب اللوطية قال ابن أبي نجيح في تفسيره عن عمرو بن دينار في قوله تعالى: إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين قال ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط وقال محمد بن مخلد سمعت عباسا الدوري يقول بلغني أن الأرض تعج إذا ركب الذكر على الذكر وذكر ابن أبي الدنيا بإسناده عن كعب قال كان إبراهيم يشرف على سدوم فيقول(1\/365)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "361",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8445",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويل لك سدوم يوما مالك فجاءت إبراهيم الرسل وكلمهم إبراهيم في أمر قوم لوط قالوا يا إبراهيم أعرض عن هذا قال ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم فذهب بهم إلى منزله فذهبت امرأته فجاءه قومه يهرعون إليه فقال: يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم أزوجكم بهن أليس منكم رجل رشيد وجعل لوط الأضياف في بيته وقعد على باب البيت وقال: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد قال أي عشيرة تمنعني قال ولم يبعث نبي بعد لوط إلا في عز من قومه فلما رأت الرسل ما قد لقي لوط في سببهم قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فاسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب فخرج عليهم جبريل عليه السلام فضرب وجوههم بجناحه ضربة طمست أعينهم قال والطمس أن تذهب حتى تستوي واحتمل مدائنهم حتى سمع أهل سماء الدنيا نبيح كلابهم وأصوات ديوكهم ثم قلبها وأمطر الله عليهم حجارة من سجيل قال على أهل بواديهم وعلى رعاتهم وعلى مسافريهم فلم ينفلت منهم إنسان وقال مجاهد نزل جبرل عليه السلام فأدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط فرفعها حتى سمع أهل السماء نبيح الكلاب وأصوت الدجاج والديكة ثم قلبها فجعل أعلاها أسفلها ثم أتبعوا بالحجارة(1\/366)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "362",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8446",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي تفسير أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أغلق لوط على ضيفه الباب فخلعوا الباب ودخلوا فطمس جبرل أعينهم فذهبت أبصارهم فقالوا يا لوط جئتنا بالسحرة وتوعدوه فأوجس في نفسه خيفة قال يذهب هؤلاء ونؤذى فقالوا لا تخف إنا رسل ربك إن موعدهم الصبح قال لوط الساعة قال جبريل أليس الصبح بقريب قال فرفعت المدينة حتىسمع أهل السماء نبيح الكلاب ثم أقلبت ورموا بالحجارة وقال حذيفة بن اليمان لما أرسلت الرسل إلى قوم لوط لتهلكهم قيل لهم لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط ثلاث مرات وطريقهم على إبراهيم قال فأتوا إبراهيم فبشروه بما بشروه فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط قال كان مجادلته إياهم أن قال لهم إن كان فيهم خمسون أتهلكونهم قالوا لا قال أفرأيتم إن كان فيهم أربعون قالوا لا قال فثلاثون قالوا لا حتى انتهى إلى عشرة أو خمسة فأتا لوطا وهو في أرض يعمل فيها فحسبهم ضيفا فأقبل بهم حين أمسى إلى أهله فأتوا معه فاتلفت إليهم فقال أما ترون ما يصنع هؤلاء قالوا وما يصنعون قال من من الناس أحد شر منهم قال فانتهى بهم إلى أهله فانطلقت العجوز السوء امرأته فأتت قومه فقالت لقد تضيف لوطا الليلة قوم ما رأيت قط أحسن وجوها ولا أطيب ريحا منهم فأقبلوا يهرعون إليه حتى دفعوا الباب ثم كادوا أن يقلبوه عليهم فقام ملك بجناحه فصفقه دونهم ثم أغلق الباب ثم علوا الأجاجير فجعل يخاطبهم فقال هؤلاء بناتي هن أطهر لكم حتى بلغ أو آوي إلى ركن(1\/367)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "363",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8447",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شديد قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فطمس جبريل أعينهم فما بقي أحد منهم تلك الليلة حتى عمي قال فباتوا بشر ليلة عميا ينتظرون العذاب قال وسار بأهله واستأذن جبريل عليه السلام في هلاكهم فأذن له فارتفع بالأرض التي كانوا عليها فألوى بها حتى سمع أهل السماء الدنيا ضغاء كلابهم وأوقد تحتها نارا ثم قلبها بهم قال فسمعت امرأته الوجبة وهي معه فالتفتت فأصابها العذاب وفي تفسير العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما جادل إبراهيم الملائكة في قوم لوط أن يتركوا فقال أرأيتم إن كان فيهم عشرةأبيات من المسلمين أتتركونهم فقالت الملائكة ليس فيها عشرة أبيات ولا خمسة ولا أربعة ولا ثلاثة ولا اثنان فحزن إبراهيم على لوط وأهل بيته و قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين فذلك قوله فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب فقالت الملائكة يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود فبعث الله إليهم جبريل فانتسف المدينة ومن فيها بأحد جناحيه فجعل عاليها سافلها وتبعتهم الحجارة بكل أرض فأهلك الله سبحانه الفاعل(1\/368)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "364",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8448",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمفعول به والساكت الراضي والدال المحصن منهم وغير المحصن العاشق والمعشوق وأخذهم وهم في سكرة عشقهم يعمهون وذكر ابن أبي داود في تفسيره عن وهب بن منبه قال إن الملائكة حين دخلوا على لوط ظن أنهم أضياف ضافوه فاحتفل لهم وحرص على كرامتهم وخالفته امرأته إلى فساق قومه فأخبرتهم أنه ضاف لوطا أحسن الناس وجها وأنضرهم جمالا وأطيبهم ريحا فكانت هذه خيانتها التي ذكر الله عز وجل في كتابه وفيه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله فخانتاهما قال والله ما زنتا ولا بغت امرأة نبي قط فقيل له فما كانت خيانة امرأة نوح وامرأة لوط فقال أما امرأة نوح فكانت تخبر أنه مجنون وأما امرأة لوط فإنها كانت تدل على الضيف وقال أبو مسلم الليثي في مسنده حثنا سليمان بن داود حدثنا عبد الوارث حدثنا القاسم بن عبد الرحمن حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل قال سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;إن أخوف ما أخاف على أمتي من بعدي عمل قوم لوطquot; وقال هشام بن عمار حدثنا عبد العزيز الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال quot; لعن الله من وقع على بهيمة ولعن الله من عمل عمل قوم لوطquot; رواه الإمام أحمد وقال القعنبي حدثنا عبد العزيز هو الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي عن عكرمة عن(1\/369)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "365",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8449",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال quot;لعن الله من تولى غير مواليه ولعن الله من غير تخوم الأرض ولعن الله من كمه أعمى عن السبيل ولعن الله من لعن والديه ولعن الله من عمل عمل قوم لوط ولعن الله من عمل عمل قوم لوط ولعن الله من عمل عمل قوم لوط ثلاثا ولعن الله من ذبح لغير الله ولعن الله من وقع على بهيمةquot; هذا الإسناد على شرط البخاري وقال أبو داود الطيالسي حدثنا بشر بن المفضل عن خالد الحذاء عن محمد بن سيرين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا باشر الرجل الرجل فهما زانيان وفي لفظ إذا أتى الرجل الرجل وفي المسند والسنن من حديث عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;اقتلوا الفاعل والمفعول بهquot; وفي لفظ quot;من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول بهquot; وإسناده على شرط البخاري وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال(1\/370)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "366",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8450",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فارجموه أو قال فاقتلوا الفاعل والمفعول بهquot; وحرق اللوطية بالنار أربعة من الخلفاء أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير وهشام بن عبد الملك وقال حماد بن سلمة عن قتادة عن خلاس عن عبيد الله بن معمر قال يقتل اللوطي وقال سعيد بن المسيب عندنا على اللوطي الرجم أحصن أو لم يحصن سنة ماضية وهذا يدل على أن ذلك سنة مضى عليها العمل وقال الشعبي يقتل أحصن أو لم يحصن وقال الزهري وربيعة وابن هرمز ومالك بن أنس عليه الرجم أحصن أو لم يحصن وقال بعض العلماء وإما قال سعيد بن المسيب إن ذلك سنة ماضية لقول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;اقتلوا الفاعل والمفعول به ولم يقل محصنا أو غير محصنquot; وحرقهم أبو بكر رضي الله عنه بالنار بعد مشاورة الصحابة وأشار عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه بذلك وحرقهم علي وابن الزبير كما ذكره الآجري وغيره عن محمد بن المنكدر أن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر أنه وجد رجلا في بعض ضواحي العرب ينكح كما تنكح المرأة فجمع أبو بكر لذلك اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم فقال علي إن هذا ذنب لم يعمل به إلا أمة واحدة ففعل الله بهم ما قد علمتم أرى أن تحرقوه بالنار فاجتمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحرق بالنار فأمر به أبو بكر أن يحرق(1\/371)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "367",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8451",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال وقد حرقهم ابن الزبير وهشام بن عبد الملك وقال ابن عباس رضي الله عنهما يرجم اللوطي بكرا كان أو ثيبا وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه من عمل عمل قوم لوط فاقتلوه ولم يفرق أحد منهم بين المحصن وغره وصرح بعضهم بعموم الحكم للمحصن وغير المحصن فلذلك قال ابن المسيب إن هذا سنة ماضية وفي مسائل إسحاق بن منصور الكوسج قلت لأحمد يرجم اللوطي أحصن أو لم يحصن فقال يرجم أحصن أو لم يحصن قال إسحاق بن راهويه هو كما قال والسنة في الذي يعمل عمل قوم لوط أن يرجم محصنا كان أو غير محصن لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;من عمل عمل قوم لوط فاقتلوهquot; رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك ثم أفتى ابن عباس بعد النبي صلى الله عليه وسلم فيمن يعمل عمل قوم لوط أنه يرجم وإن كان بكرا فحكم في ذلك بما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك روي عن علي بن أبي طالب مثل هذا القول إن اللوطي يرجم ولم يذكر محصنا كان أو غير محصن وكذلك فعل الله سبحانه بقوم لوط وكذا يروى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه حرقهم بالنار هذا كلام إسحاق رحمه الله وذكر الآجري في كتاب تحريم اللواط من حديث عبد الله بن عمر مرفوعا quot;سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ويقول ادخلوا النار مع الداخلين الفاعل والمفعول به والناكح يده وناكح(1\/372)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "368",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8452",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البهيمة وناكح المرأة في دبرها والجامع بين المرأة وابنتها والزاني بحليلة جاره والمؤذي لجاره حتى يلعنهquot; وذكر عن أنس مرفوعا نحوه وقال: quot;ادخلوا النار أول الداخلين إلا أن يتوبوا إلا أن يتوبوا إلا أن يتوبوا فمن تاب تاب الله عليه الناكح يده والفاعل والمفعول به ومدمن الخمر والضارب أبويه حتى يستغيثا والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه والزاني بحليلة جارهquot; وقال مجاهد لو أن الذي يعمل ذلك العمل يعني عمل قوم لوط اغتسل بكل قطرة في السماء وكل قطرة في الأرض لم يزل نجسا وقد ذكر الله سبحانه عقوبة اللوطية وما حل بهم من البلاء في عشر سور من القرآن وهي سورة الأعراف وهود والحجر والأنبياء والفرقان والشعراء والنمل والعنكبوت والصافات واقتربت الساعة وجمع على القوم بين عمى الأبصار وخسف الديار والقذف بالأحجار ودخول النار وقال محذرا لمن عمل عملهم ما حل بهم من العذاب الشديد وما قوم لوط منكم ببعيد وقال بعض العلماء إذا علا الذكر الذكر هربت الملائكة وعجت الأرض إلى ربها ونزل سخط الجبار جل جلاله عليهم وغشيتهم اللعنة(1\/373)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "369",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8453",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحفت بهم الشياطين واستأذنت الأرض ربها أن تخسف بهم وثقل العرش على حملته وكبرت الملائكة واستعرت الجحيم فإذا جاءته رسل الله لقبض روحه نقلوها إلى ديار إخوانهم وموضع عذابهم فكانت روحه بين أرواحهم وذلك أضيق مكانا وأعظم عذابا من تنور الزناة فلا كانت لذة توجب هذا العذاب الأليم وتسوق صاحبها إلى مرافقة أصحاب الجحيم تذهب اللذات وتعقب الحسرات وتفنى الشهوة وتبقى الشقوة وكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ينشد تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الخزي والعار تبقى عواقب سوء في مغبتها ... لا خير في لذة من بعدها النار فصل وأما إن كانت الفاحشة مع ذي رحم محرم فذلك الهلك كل الهلك ويجب قتل الفاعل بكل حال عند الإمام أحمد وغيره واحتج أحمد بحديث عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال لقيت خالي ومعه الراية فقلت أين تريد قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه أضرب عنقه وآخذ ماله رواه الإمام أحمد واحتج به وقال شعبة حدثنا الركين بن الربيع عن عدي بن ثابت عن البراء(1\/374)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "370",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8454",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال رأيت أناسا ينطلقون فقلت أين تذهبون قالوا بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل يأتي امرأة أبيه أن نقتله وذكر عبد الله بن صالح حدثنا يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot;اقتلوا الفاعل والمفعول به والذي يأتي البهيمة والذي يأتي كل ذات محرمquot; وقال هشام بن عمار حدثنا رفدة بن قضاعة حدثنا صالح بن راشد قال أتي الحجاج برجل قد اغتصب أخته على نفسها فقال احبسوه وسلوه من هاهنا من أصحاب محمد فسألوا عبد الرحمن بن مطرف فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;من تخطى الحرمتين فخطوا وسطه بالسيفquot; وأفتى ابن عباس رضي الله عنهما بمثل ذلك وقال عمر بن شبة حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي عن قتادة قال أتي الحجاج برجل زنى بأخته فسأل عنها عبد الله فقال يضرب بالسيف فأمر به الحجاج فضرب عنقه بالسيف وذكر جماعة عن حماد بن سلمة عن بكر بن عبد الله المزني أن رجلا تزوج خالته فرفع إلى عبد الملك بن مروان فقال إني ظننت أنها تحل لي(1\/375)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "371",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8455",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال لا جهالة في الإسلام وأظن أنه أمر به فقتل وفي مسائل صالح بن أحمد قال سألت أبي عن الرجل الذي تزج ذات محرم منه فقال إن كان عمدا يقتل ويؤخذ ماله وإن كان لا يعلم يفرق بينهما وأستحب أن يكون لها ما أخذت منه ولا يرجع عليها بشيء وفي صحيفةعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;لا يدخل الجنة من أتى ذات محرمquot;(1\/376)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "372",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8456",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "الباب الخامس والعشرون: في رحمة المحبين والشفاعة لهم إلى أحبابهم في الوصال الذي يبيحه الدين",
        "content": "الباب الخامس والعشرون: في رحمة المحبين والشفاعة لهم إلى أحبابهم في الوصال الذي يبيحه الدين قال الله تعالى: من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكل من أعان غيره على أمر بقوله أو فعله فقد صار شفيعا له والشفاعة للمشفوع له هذا أصلها فإن الشافع يشفع صاحب الحاجة فيصير له شفعا في قضائها لعجزه عن الاستقلال بها فدخل في حكم هذه الآية كل متعاونين على خير أو شر بقول أو عمل ونظيرها قوله تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان وفي الصحيح عنه أنه كان إذا جاءه طالب حاجة يقول: quot;اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما أحبquot; وفي صحيح البخاري أن بريرة لما عتقت اختارت نفسها فكان زوجها يمشي خلفها ودموعه تسيل على لحيته فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: quot;لوراجعتيه فإنه أبو ولدكquot; فقالت أتأمرني قال: quot;لا إنما أنا شافعquot; قالت فلا حاجة لي فيه فهذه شفاعة من سيد الشفعاء لمحب إلى محبوبه وهي من أفضل الشفاعات وأعظمها أجرا عند الله فإنها تتضمن اجتماع محبوبين على ما يحبه الله ورسوله ولهذا كان أحب ما لإبليس وجنوده التفريق بين هذين المحبوبين(1\/377)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "373",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8457",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتأمل قوله تعالى في الشفاعة الحسنة يكن له نصيب منها وفي السيئة يكن له كفل منها فإن لفظ الكفل يشعر بالحمل والثقل ولفظ النصيب يشعر بالحظ الذي ينصب طالبه في تحصيله وإن كان كل منهما يستعمل في الأمرين عند الانفراد ولكن لما قرن بينهما حسن اختصاص حظ الخيز بالنصيب وحظ الشر بالكفل وفي صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج ابنة له وكان خطبها قبل ذلك عم بنتها فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم أنها كارهة هذا الذي زوجها أبوها وأنه كان يعجبها أن يتزوجها عم بنتها فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم نكاح أبيها وزوجها عم بنتها وقد تقدم حديث عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجري يتيمة قد خطبها رجل موسر ورجل معدم فنحن نحب الموسر وهي تحب المعدم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;ليس للمتحابين مثل النكاحquot; رواه سليمان بن موسى عنه وقال مخلد بن الحسين حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال كان عمر بن الخطاب يعس بالليل فسمع صوت امرأة تغني وتقول هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج(1\/378)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "374",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8458",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال أما وعمر حي فلا فلما أصبح بعث إلى نصر بن حجاج فإذا رجل جميل فقال اخرج فلا تساكني بالمدينة فخرج حتى أتى البصرة وكان يدخل على مجاشع بن مسعود وكانت له امرأة جميلة فأعجبها نصر فأحبها وأحبته فكان يقعد هو ومجاشع يتحدثان والمرأة معهما فكتب لها نصر في الأرض كتابا فقالت وأنا فعلم مجاشع أنها جواب كلام وكان مجاشع لا يكتب والمرأة تكتب فدعا بإناء فأكفاه على المكتوب ودعا كاتبا فقرأه فإذا هو إني لأحبك حبا لو كان فوقك لأظلك ولو كان تحتك لأقلك وبلغ نصرا ما صنع مجاشع فاستحيا ولزم بيته وضني جسمه حتى كان كالفرخ فقال مجاشع لامرأته اذهبي إليه فأسنديه إلى صدرك وأطعميه الطعام بيدك فأبت فعزم عليها فأتته فأسندته إلى صدرها وأطعمته الطعام بيدها فلما تحامل خرج من البصرة إن الذين بخير كنت تذكرهم ... هم أهلكوك وعنهم كنت أنهاكا لا تطلبن شفاء عند غيرهم ... فليس يحييك إلا من توفاكا فإن قيل فهل تبيح الشريعة مثل ذلك قيل إذا تعين طريقا للدواء ونجاة العبد من الهلكة لم يكن بأعظم من مداواة المرأة للرجل الأجنبي ومداواته لها ونظر الطبيب إلى بدن المريض ومسه بيده للحاجة وأما التداوي بالجماع فلا يبيحه الشرع بوجه ما وأما التداوي بالضم والقبلة فإن تحقق الشفاء به كان نظير التداوي بالخمر عند من يبيحه بل هذا أسهل من التداوي(1\/379)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "375",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8459",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالخمر فإن شربه من الكبائر وهذا الفعل من الصغائر والمقصود أن الشفاعة للعشاق فيما يجوز من الوصال والتلاق سنة ماضية وسعي مشكور وقد جاء عن غير واحد من الخلفاء الراشدين ومن بعدهم أنهم شفعوا هذه الشفاعة فقال الخرائطي حدثنا علي بن الأعرابي حدثنا أبو غسان النهدي قال مر أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خلافته بطريق من طرق المدينة فإذا جارية تطحن برحاها وهي تقول وهويته من قبل قطع تمائمي ... متمايسا مثل القضيب الناعم وكأن نور البدر سنة وجهه ... ينمي ويصعد في ذؤابة هاشم فدق عليها الباب فخرجت إليه فقال ويلك أحرة أنت أم مملوكة فقالت بل مملوكة يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فمن هويت فبكت ثم قالت بحق الله إلا انصرفت عني قال لا أريم أو تعلميني فقالت وأنا التي لعب الغرام بقلبها ... فبكت لحب محمد بن القاسم فصار إلى المسجد وبعث إلى مولاها فاشتراها منه وبعث بها إلى محمد بن القاسم بن جعفر بن أبي طالب وقال هؤلاء فتن الرجال وكم قد مات بهن من كريم وعطب عليهن من سليم(1\/380)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "376",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8460",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويذكر عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه جاءته جارية تستعدي على رجل من الأنصار فقال لها عثمان ما قصتك فقالت يا أمير المؤمنين كلفت بابن أخيه فما أنفك أراعيه فقال له عثمان إما أن تهبها لابن أخيك أو أعطيك ثمنها من مالي فقال أشهدك يا أمير المؤمنين أنها له وأتي علي بن أبي طالب بغلام من العرب وجد في دار قوم بالليل فقال له ما قصتك فقال لست بسارق ولكني أصدق تعلقت في دار الرباحي خودة ... يذل لها من حسنها الشمس والبدر لها في بنات الروم حسن ومنصب ... إذا افتخرت بالحسن صدقها الفخر فلما طرقت الدار من حر مهجة ... أتيت وفيها من توقدها جمر تبادر أهل الدار لي ثم صيحوا ... هو اللص محتوما له القتل والأسر فلما سمع علي شعره رق له وقال للمهلب بن رباح اسمح له بها ونعوضك منها فقال يا أمير المؤمنين سله من هو لنعرف نسبه فقال النهاس بن عيينة العجلي فقال خذها فهي لك وذكر التميمي في كتابه المسمى بامتزاج النفوس أن معاوية بن أبي سفيان اشترى جارية من البحرين فأعجب بها إعجابا شديدا فسمعها يوما تنشد أبياتا منها وفارقته كالغصن يهتز في الثرى ... طريرا وسيما بعد ما طر شاربه فسألها فقالت هو ابن عمي فردها إليه وفي قلبه منها وقال سالم بن عبد الله كانت عاتكة ابنة زيد تحت عبد الله بن أبي بكر(1\/381)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "377",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8461",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصديق رضي الله عنه وكانت قد غلبته على رأيه وشغلته عن سوقه فأمره أبو بكر بطلاقها واحدة ففعل فوجد عليها فقعد لأبيه على طريقه وهو يريد الصلاة فلما بصر بأبي بكر بكى وأنشأ يقو ولم أر مثلي طلق اليوم مثلها ... ولا مثلها في غير جرم يطلق لها خلق جزل وحلم ومنصب ... وخلق سوي في الحياة ومصدق فرق له أبو بكر رضي الله عنه وأمره بمراجعتها فلما مات قالت ترثيه آليت لا تنفك عيني سخينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغرا فلله عينا من رأى مثله فتى ... أعف وأمضى في الهياج وأصبرا إذا شرعت فيه الأسنة خاضها ... إلى الموت حتى يترك الرمح أحمرا فلما حلت تزوجها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأولم عليها فقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه أتأذن لي يا أمير المؤمنين أدخل رأسي إلى عاتكة أكلمها قال نعم فأدخل علي رأسه إليها وقال يا عدية نفسها آليت لا تنفك عيني قريرة ... عليك ولا ينفك جلدي أصفرا فبكت فقال له عمر ما دعاك إلى هذا يا أبا الحسن كل النساء يفعلن هذا فلما قتل عمر قالت ترثيه عين جودي بعبرة ونحيب ... لا تملي على الجواد النجيب(1\/382)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "378",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8462",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فجعتني المنون بالفارس المعلم ... يوم الهياج والتثويب قل لأهل الضراء والبؤس موتوا ... قد سقته المنون كأس شعوب فلما حلت تزوجها الزبير بن العوام فاستأذنت ليلة أن تخرج إلى المسجد فشق ذلك عليه وكره أن يمنعها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تمنعوا إماء الله مساجد الله فأذن لها ثم انكمى في موضع مظلم من الطريق فلما مرت وضع يده عليها فكرت راجعة تسبح فسبقها الزبير إلىالمنزل فلما رجعت قال لها ما ردك عن وجهك قالت كنا نخرج والناس ناس وأما اليوم فلا وتركت المسجد فلما قتل الزبير قالت ترثيه غدر ابن جرموز بفارس بهمة ... يوم اللقاء وكان غير معرد يا عمرو لو نبهته لوجدته ... لا طائشا رعش السنان ولا اليد ثكلتك أمك إن ظفرت بمثله ... فيما مضى حتى تروح وتغتدي كم غمرة قد خاضها لم يثنه ... عنها طرادك يا ابن أم الفرقد إن الزبير لذو بلاء صادق ... سمح سجيته كريم المشهد فلما حلت خطبها علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقالت إني لأضن بك على القتل(1\/383)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "379",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8463",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر الخرائطي أن المهدي خرج إلى الحج حتى إذا كان بزبالة جلس يتغدى فأتي بدوي فناداه يا أمير المؤمنين إني عاشق ورفع صوته فقال للحاجب ويحك ما هذا قال إنسان يصيح إني عاشق قال أدخلوه فأدخلوه عليه فقال من عشيقتك قال ابنة عمي قال أولها أب قال نعم قال فماله لا يزوجك إياها قال هاهنا شيء يا أمير المؤمنين قال ما هو قال إني هجين والهجين الذي أمه أمة ليست عربية قال له المهدي فما يكون قال إنه عندنا عيب فأرسل في طلب أبيها فأتي به فقال هذا ابن أخيك قال نعم قال فلم لا تزوجه كريمتك فقال له مثل مقالة ابن أخيه وكان من ولد العباس عنده جماعة فقال هؤلاء كلهم بنو العباس وهم هجن ما الذي يضرهم من ذلك قال هو عندنا عيب فقال له المهدي زوجه إياها على عشرين ألف درهم عشرة آلاف للعيب وعشرة آلاف مهرها قال نعم فحمد الله وأثنى عليه وزوجه إياها فأتى ببدرتين فدفعهما إليه فأنشأ الشاب يقول إبتعت ظبية بالغلاء وإنما ... يعطي الغلاء بمثلها أمثالي وتركت أسواق القباح لأهلها ... إن القباح وإن رخصن غوالي وذكر الخرائطي من حديث الهيثم بن عدي عن عوانة بن الحكم أن عمر بن أبي ربيعة كان قد ترك الشعر ورغب عنه ونذر على نفسه بكل بيت يقوله هدى بدنة فمكث كذلك حينا ثم خرج ليلة يريد الطواف بالبيت إذ نظر(1\/384)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "380",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8464",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى امرأة ذات جمال تطوف وإذا رجل يتلوها كلما رفعت رجلها وضع رجله موضع رجلها فجعل ينظر إلى ذلك من أمرههما فلما فرغت المرأة من طوافها تبعها الرجل هنية ثم رجع فلما رآه عمر وثب إليه وقال لتخبرني عن أمرك قال نعم هذه المرأة التي رأيت ابنة عمي وأنا لها عاشق وليس لي مال فخطبتها إلى عمي فرغب عني وسألني المهر مالا أقدر عليه والذي رأيت هو حظي منها ومالي من الدنيا أمنية غيرها وإنما ألقاها عند الطواف وحظي ما رأيت من فعلي فقال له عمر ومن عمك قال فلان بن فلان قال انطلق معي إليه فانطلقا فاستخرجه عمر فخرج مبادرا فقال ما حاجتك يا أبا الخطاب قال تزوج ابنتك فلانة من ابن أخيك فلان وهذا المهر الذي تسأله يساق إليك من مالي قال فإني قد فعلت قال عمر إني أحب أن لا أبرح حتى يجتمعا قال وذلك ايضا قال فلم يبرح حتى جمعهما جميعا وأتى منزله فاستلقى على فراشه فجعل النوم لا يأخذه وجعل جوفه يجيش بالشعر فأنكرت جاريته ذلك فجعلت تسأله عن أمره وتقول ويحك ما الذي قد دهاك فلما أكثرت عليه جلس وأنشد تقول وليدتي لما رأتني ... طربت وكنت قد أقصرت حينا أراك اليوم قد أحدثت شوقا ... وهاج لك البكا داء دفينا بربك هل أتاك لها رسول ... فشاقك أم رأيت لها خدينا فقلت شكا إلي أخ محب ... كبعض زماننا إذ تعلمينا فعد علي ما يلقى بهند ... فوافق بعض ما كنا لقينا(1\/385)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "381",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8465",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذو القلب المصاب وإن تعزى ... يهيج حين يلقى العاشقينا وكم من خلة أعرضت عنها ... لغير قلى وكنت بها ضنينا رأيت صدودها فصددت عنها ... ولو هام الفؤاد بها جنونا وعرض خالد بن عبد الله القسري سجنه يوما وكان فيه يزيد بن فلان البجلي فقال له خالد في أي شيء حبست يا يزيد قال في تهمة أصلح الله الأمير قال أفتعود إن أطلقتك قال نعم وكره أن يعرض بقصته لئلا يفضح معشوقته فقال خالد أحضروا رجال الحي حتى نقطع يده بحضرتهم وكان ليزيد أخ فكتب شعرا ووجه به إلى خالد أخالد قد أعطيت في الخلق رتبة ... وما العاشق المسكين فينا بسارق أقر بما لم يأته المرء إنه ... رأى القطع خيرا من فضيحة عاشق ولولا الذي قد خفت من قطع كفه ... لألفيت في شأن الهوى غير ناطق إذا بدت الرايات للسبق في العلى ... فأنت ابن عبد الله أول سابق فلما قرأ خالد الأبيات علم صدق قوله فأحضر أولياء الجارية فقال زوجوا يزيد فتاتكم فقالوا أما وقد ظهر عليه ما ظهر فلا فقال لئن لم تزوجوه طائعين لتزوجنه كارهين فزوجوه ونقد خالد المهر من عنده وذكر أبو العباس المبرد قال كان رجل بالكوفة يدعى ليث بن زياد قد ربى جارية وأدبها فخرجت بارعة في كل فن مع جمال وافر فلم يزل معها مدة حتى تبينت منه الحاجة فقالت يا مولاي لو بعتني كان أصلح لك مما أراك به وإن كنت لأظن أني لا أصبر عنك فقصد رجلا من الأغنياء يعرفها(1\/386)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "382",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8466",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويعرف فضلها فباعها بمائة ألف درهم فلما قبض المال وجه بها إلى مولاها وجزع عليها جزعا شديدا فلما صارت الجارية إلى سيدها نزل بها من الوحشة للأول مالم تستطع دفعه ولا كتمه فباحت به وقالت أتاني البلا حقا فما أنا صانع ... أمصطبر للبين أم أنا جازع كفى حزنا أني على مثل جمرة ... أقاسي نجوم الليل والقلب نازع فإن يمنعوني أن أبوح بحبه ... فإني قتيل والعيون دوامع سيدها شعرها فدعا بها وأرادها فامتنعت عليه وقالت له يا سيدي إنك لا تنتفع بي قال ولم ذاك قالت إني لما بي قال وما بك صفيه لي قالت أجد في أحشائي نيرانا تتوقد لا يقدر على إطفائها أحد ولا تسأل عما وراء ذلك فرحمها ورق لها وبعث إلى مولاها فسأل عن خبره فوجد عنده مثل الذي عندها فأحضره فرد الجارية عليه ووهب له من ثمنها خمسين ألفا فلم تزل عنده مدة طويلة وبلغ عبد الله بن طاهر خبرهما وهو بخراسان فكتب إلى خليفته بالكوفة يأمره أن ينظر فإن كان هذا الشعر الذي ذكر له من قبل الجارية أن يشتريها له بما ملكت يمينه فركب إلى مولى الجارية فخبره بما كتب إليه عبد الله بن طاهر فلم يجد سيدها بدا من عرضها عليه وهو كاره فأراد الأمير أن يعلم ما عند الجارية فأنشأ يقول بديع حسن رشيق قد ... جعلت مني له ملاذا فأجابته الجارية فعاتبوه فزاد عشقا ... فمات شوقا فكان ماذا فعلم أنها تصلح له فاشتراها بمائتي ألف درهم فجهزها وحملها إلى عبد الله بن(1\/387)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "383",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8467",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طاهر إلى خراسان فلما صارت إليه اختبرها فوجدها على ما أراد فغلبته على عقله ويقال إنها أم محمد بن عبد الله بن طاهر ولم تزل ألطافها وجوائزها تأتي مولاها الأول حتى ماتت وقال عمر بن شبة حدثنا أيوب بن عمر الغفاري قال طلق عبد الله بن عامر امرأته ابنة سهل بن عمرو فقدمت المدينة ومعها ابنة لها ومعها وديعة جوهر استودعها إياه فتزوجها الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثم أراد ابن عامر الحج فأتى المدينة فلقي الحسن فقال يا أبا محمد إن لي إلى ابنة سهل حاجة فأحب أن تأذن لي عليها فقال الحسن البسي ثيابك فهذا ابن عامر يستأذن عليك فدخل عليها فسألها وديعته فجاءته بها عليها خاتمه فقال لها خذي ثلثها فقالت ما كنت لآخذ على أمانة ائتمنت عليها شيئا أبدا ثم أقبل عليها ابن عامر فقال إن ابنتي قد بلغت فأحب أن تخلي بيني وبينها فبكت وبكت ابنتها فرق ابن عامر فقال الحسن فهل لكما فوالله ما من محلل خير مني قال فوالله لا أخرجها من عندك أبدا فكفلها حتى مات وذكر الزمخشري في ربيع الأبرار أن زبيدة بنت أبي جعفر قرأت في طريق مكة على حائط أما في عباد الله أو في إمائه ... كريم يجلي الهم عن ذاهب العقل له مقلة أما المآقي فقرحة ... وأما الحشا فالنار منه على رجل(1\/388)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "384",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8468",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فنذرت أن تحتال لقائلهما حتى تجمع بينه وبين من يحبه قالت فإني لبمزدلفة إذ سمعت من ينشدهما فاستدعيت به فزعم أنه قالهما في بنت عم له وقد حلف أهلها أن لا يزوجوهها منه فوجهت إلى الحي وما زالت تبذل لهم المال حتى زوجوه وإذا المرأة أعشق من الرجل فكانت زبيدة تعده في أعظم حسناتها وتقول ما أنا بشيء أسر مني بجمعي بين ذلك الفتى والفتاة قال الزمخشري وهوي أحمد بن أبي عثمان الكاتب جارية لزبيدة اسمها نعم حتى مرض وقال فيها أبياتا منها وإني ليرضيني الممر ببابها ... وأقنع منها بالشتيمة والزجر فوهبتها له وذكر الخرائطي أنه كان لبعض الخلفاء غلام وجارية من غلمانه وجواريه متحابين فكتب الغلام إليها يوما يقول ولقد رأيتك في المنام كأنما ... عاطيتني من ريق فيك البارد وكأن كفك في يدي وكأننا ... بتنا جميعا في فراش واحد فطفقت يومي كله متراقدا ... لأراك في نومي ولست براقد ثم انتبهت ومعصماك كلاهما ... بيدي اليمين وفي يمينك ساعدي فأجابته الجارية خيرا رأيت وكل ما أبصرته ... ستناله مني برغم الحاسد إني لأرجو أن تكون معانقي ... فتبيت مني فوق ثدي ناهد وأراك بين خلاخلي ودمالجي ... وأراك بين ترائبي ومجاسدي(1\/389)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "385",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8469",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونبيت ألطف عاشقين تعاطيا ... طرف الحديث بلا مخافة راصد فبلغ الخليفة خبرهما فأنكحهما وأحسن إليهما على شدة غيرته وقال أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله تعالى سمع المهلب فتى يتغنى بشعر في جارية له فقال المهلب لعمري إني للمحبين راحم ... وإني بستر العاشقين حقيق سأجمع منكم شمل ود مبدد ... وإني بما قد ترجوان خليق ثم وهبها له ومعها خمسة آلاف دينار وقال الخرائطي كان رجل نخاس عنده جارية لم يكن له مال غيرها وكان يعرضها في المواسم فتغالى الناس فيها حتى بلغت مبلغا كثيرا من المال وهو يطلب الزيادة فعلقها رجل فقير فكاد عقله أن يذهب فلما بلغه ذلك وهبها له فعوتب في ذلك فقال إني سمعت الله تعالى يقول ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا أفلا أحيي الناس جميعا وقال علي بن قريش الجرجاني شكوت بلاء لا أطيق احتماله ... وقلبي مطيع للهوى غير دافع فأقسم ما تركي عتابك عن قلى ... ولكن لعلمي أنه غير نافع وإني متى لم ألزم الصبر طائعا ... فلا بد منه مكرها غير طائع(1\/390)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "386",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8470",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا أنت لم يعطفك إلا شفاعة ... فلا خير في ود يكون بشافع وكان أبو السائب المخزومي أحد القراء والفقهاء فرؤي متعلقا بأستار الكعبة وهو يقول اللهم ارحم العاشقين واعطف عليهم قلوب المعشوقين فقيل له في ذلك فقال الدعاء لهم أفضل من عمرة من الجعرانة وذكر أحمد بن الفضل الكاتب أن غلاما وجارية كانا في كتاب فهويها الغلام فلما كان في بعض أيامه في غفلة من الغلمان كتب في لوح الجارية ماذا تقولين فيمن شفه سقم ... من طول حبك حتى صار حيرانا فلما قرأته الجارية أغرورقت عيناها بالدموع رحمة له وكتبت تحته إذا رأينا محبا قد أضر به ... طول الصبابة أوليناه إحسانا وذكر الهيثم بن عدي عن محمد بن زياد أن الحارث بن السليل الأزدي خرج زائرا لعلقمة بن حزم الطائي وكان حليفا له فنظر إلى ابنة له تدعى الرباب وكانت من أجمل النساء فأعجب بها وعشقها عشقا حال بينه وبين الانصراف إلى أهله فقال لعلقمة إني أتيتك خاطبا وقد ينكح الخاطب ويدرك الطالب ويمنح الراغب قال كفو كريم فأقم ننظر في أمرك ثم انكفأ إلى أم لجارية فقال لها إن الحارث سيد قومه حسبا ومنصبا وبيتا فلا ينصرفن من عندنا إلا بحاجته فشاوري ابنتك وأديريها عما في نفسها فقالت لها أي(1\/391)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "387",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8471",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بنية أي الرجال أعجب إليك الكهل الجحجاح المفضل المياح أم الفتى الوضاح الملوك الطماح قالت الفتى الوضاح فقالت إن الفتى يغيرك وإن الشيخ يميرك وليس الكهل الفاضل الكثير النائل كالحديث السن الكثير المن فقالت يا أماه أحب الفتى كحب الرعاء أنيق الكلا قالت يا بنية إن الفتى شديد الحجاب كثير العتاب قالت يا أماه أخشى من الشيخ أن يدنس ثيابي ويبلي شبابي ويشمت بي أترابي فلم تزل بها الأم حتى غلبتها على رأيها فتزوجها الحارث على خمسين ومائة من الإبل وخادم وألف درهم فبنى بها وكانت عنده أحب شيء إليه فارتحل بها إلى أهله فإنه لجالس يوما بفناء مظلته هي إلى جانبه إذ أقبل فتية يعتلجون الصراع فتنفست الصعداء ثم أرسلت عينيها بالبكاء فقال ما يبكيك فقالت مالي وللشيوخ الناهضين كالفروخ فقال ثكلتك أمك قد تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها فسارت مثلا أي لا تكون ظئرا وكان أول من نطق بها ثم قال أما وأبيك لرب غارة شهدتها وسبية أردفتها وخمرة شربتها(1\/392)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "388",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8472",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحقي بأهلك فلا حاجة لي فيك ثم أنشأ يقول وعيرت أن رأتني لابسا كبرا ... وغاية النفس بين الموت والكبر فإن بقيت رأيت الشيب راغمة ... وفي التفرق ما يقضي من العبر وإن يكن قد علا رأسي وغيره ... صرف الزمان وتقتير من الشعر فقد أروح للذات الفتى جذلا ... وهمتي لم تشب فاستخبري أثري(1\/393)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "389",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8473",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "الباب السادس والعشرون: في ترك المحبين أدنى المحبوبين رغبة في أعلاهما",
        "content": "الباب السادس والعشرون: في ترك المحبين أدنى المحبوبين رغبة في أعلاهما هذا باب لا يدخل فيه إلا النفوس الفاضلة الشريفة الأبية التي لا تقنع بالدون ولا تبيع الأعلى بالأدنى بيع العاجز المغبون ولا يملكها لطخ جمال مغش على أنواع من القبائح كما قال بعض الأعراب وقد نظر إلى امرأة مبرقعة إذا بارك الله في ملبس ... فلا بارك الله في البرقع يريك عيون المها مسبلا ... ويكشف عن منظر في أشنع وقال الآخر لا يغرنك ما ترى من نقاب ... إن تحت النقاب داء دويا فالنفس الأبية لا ترضى بالدون وقد عاب الله سبحانه أقواما استبدلوا طعاما بطعام أدنى منه فنعى ذلك عليهم وقال: أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير وذلك دليل على وضاعة النفس وقلة قيمتها وقال الأصمعي خلا رجل من الأعراب بامرأة فهم بالريبة فلما تمكن منها تنحى سليما وجعل يقول إن امرءا باع جنة عرضها السموات والأرض بفتر ما بين رجليك لقليل البصر بالمساحة(1\/394)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "390",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8474",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو أسماء دخل رجل غيضة فقال لو خلوت هاهنا بمعصية من كان يراني فسمع صوتا ملأ ما بين لابتي الغيضة ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير وقال الإمام أحمد حدثنا هيثم هو ابن خارجة حدثنا إسماعيل ابن عياش عن عبد الرحمن بن عدي البهراني عن يزيد بن ميسرة قال إن الله تعالى يقول أيها الشاب التارك شهوته لي المتبذل شبابه من أجلي أنت عندي كبعض ملائكتي وذكر إبراهيم بن الجنيد أن رجلا راود امرأة عن نفسها فقالت له أنت قد سمعت القرآن والحديث فأنت أعلم قال فأغلقي الأبواب فأغلقتها فلما دنا منها قالت بقي باب لم أغلقه قال أي باب قالت الباب الذي بينك وبين الله فلم يتعرض لها وذكر أيضا عن أعرابي قال خرجت في بعض ليالي الظلم فإذا أنا بجارية كأنها علم فأردتها عن نفسها فقالت ويلك أما كان لك زاجر من عقل إذ لم يكن لك ناه من دين فقلت إنه والله ما يرانا إلا الكواكب قالت فأين مكوكبها وجلس زياد مولى ابن عياش رضي الله عنهما إلى بعض إخوانه فقال له(1\/395)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "391",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8475",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يا عبد الله فقال له قل ما تشاء قال ما هي إلا الجنة أو النار قلت نعم قال وما بينهما منزل ينزله العباد قلت لا والله فقال والله إن نفسي لنفس أضن بها على النار والصبر اليوم عن معاصي الله خير من الصبر على الأغلال وقال وهب بن منبه قالت امرأة العزيز ليوسف عليه السلام ادخل معي القيطون تعني الستر قال إن القيطون لا يسترني من ربي وقال اليزيدي دخلت على هارون الرشيد فوجدته مكبا على ورقه ينظر فيها مكتوبة بالذهب فلما رآني تبسم فقلت فائدة أصلح الله أمير المؤمنين قال نعم وجدت هذين البيتين في بعض خزائن بني أمية فاستحسنتهما فأضفت إليهما ثالثا فقال ثم أنشدني إذا سد باب عنك من دون حاجة ... فدعه لأخرى ينفتح لك بابها فإن قراب البطن يكفيك ملأه ... ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها فلا تك مبذالا لدينك واجتنب ... ركوب المعاصي يجتنبك عقابها وقال أبو العباس الناشئ إذا المرء يحمي نفسه حل شهوة ... لصحة أيام تبيد وتنفد فما باله لا يحتمي من حرامها ... لصحة ما يبقى له ويخلد وقيل إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان ينشد هذين البيتين إقدع النفس بالكفاف وإلا ... طلبت منك فوق ما يكفيها إنما طول عمرك ما عمرت ... في الساعة التي أنت فيه ومن أحسن شعر العرب وكان عمرو بن العاص يتمثل بهما(1\/396)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "392",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8476",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا المرء لم يترك طعاما أحبه ... ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما قضى وطرا منه وغادر سبة ... إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما وقال شعبة عن منصور عن إبراهيم كلم رجل من العباد امرأة فلم يزل بها حتى وضع يده على فخذها فانطلق فوضع يده على النار حتى نشت وقال زيد بن أسلم عن أبيه كان عابد في صومعة يتعبد فأشرف ذات يوم فرأى امرأة ففتن بها فأخرج إحدى رجليه من الصومعة يريد النزول إليها ثم فكر وادكر فأناب فأراد أن يعيد رجله إلى الصومعة فقال والله لا أدخل رجلا خرجت تريد أن تعصي الله في صومعتي أبدا فتركها خارجة من الصومعة فأصابها الثلج والبرد والرياح حتى تقطعت وقال بعض السلف من كان له واعظ من قلبه زاده الله عز وجل عزا والذل في طاعة الله أقرب من العز في معصيته وقال أبو العتاهية لقيت أبا نواس في المسجد الجامع فعذلته وقلت له أما آن لك أن ترعوي وتنزجر فرفع رأسه إلي وقال أتراني يا عتاهي ... تاركا تلك الملاهي أتراني مفسدا بالنسك ... عند القوم جاهي فلما ألححت عليه في العذل أنشأ يقول لا ترجع الأنفس عن غيها ... مالم يكن منها لها زاجر(1\/397)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "393",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8477",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فوددت أني قلت هذا البيت بكل شيء قلته وقال ابن السماك عن امرأة كان تسكن البادية لو طالعت قلوب المؤمنين بفكرها ما ذخر لها في حجب الغيوب من خير الآخرة لم يصف لهم في الدنيا عيش ولم تقر لهم عين وقال ضيغم لرجل إن حبه عز وجل شغل قلوب محبيه عن التلذذ بمحبةغيره فليس لهم في الدنيا مع محبته عز وجل لذة تداني محبته ولا يأملون في الآخرة من كرامة الثواب أكبر عندهم من النظر إلى وجه مجبوبهم فسقط الرجل مغشيا عليه وفي مسند الإمام أحمد من حديث عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن النواس بن سمعان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال quot;ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سوران وفي السورين أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى رأس الصراط داع يقول يا أيها الناس ادخلوا الصراط ولا تعرجوا وداع يدعو فوق الصراط فإذا أراد أحد فتح شيء من تلك الأبواب قال ويحك لا تفتحه فإنك إن فتحته تلجه فالصراط الإسلام والستور المرخاة حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله والداعي على رأس الصراط كتاب الله عز وجل والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلمquot; وقال خالد بن معدان ما من عبد إلا وله عينان في وجهه يبصر بهما أمر الدنيا وعينان في قلبه يبصر بهما أمر الآخرة فإذا أراد الله بعبد خيرا فتح عينيه اللتين في قلبه فأبصر بهما ما وعده الله بالغيب وإذا أراد الله به غير ذلك تركه على ما هو فيه ثم قرأ أم على قلوب أقفالها(1\/398)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "394",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8478",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الترمذي عنه الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني وفي المسند من حديث فضالة بن عبيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على اللهquot; وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا عبد العزيز بن مسلم عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال من أصبح وأكثر همه غير الله فليس من الله وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرحمن عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار قال قال موسى يا رب من أهلك الذين تظلهم في ظل عرشك قال هم البريئة أيديهم الطاهرة قلوبهم الذين يتحابون بجلالي الذين إذا ذكرت ذكروا بي وإذا ذكروا بي ذكرت بذكرهم الذين يسبغون الوضوء في المكاره وينيبون إلى ذكري كما تنيب النسور إلى وكورها ويكلفون بحبي كما يكلف الصبي بحب الناس ويغضبون لمحارمي إذا استحلت كما يغضب النمر إذا حرب وقال أحمد حدثنا إبراهيم بن خالد حدثني عبد الله بن يحيى قال سمعت وهب بن منبه يقول قال موسى عليه السلام أي رب أي عبادك أحب إليك قال من أذكر برؤيته(1\/399)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "395",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8479",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أحمد حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا هشام الدستوائي قال بلغني أن في حكمة عيسى بن مريم تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل ويحكم علماء السوء الأجر تأخذون والعمل تضيعون توشكون أن تخرجوا من الدنيا إلى ظلمة القبر وضيقه والله عز وجل نهاكم عن المعاصي كما أمركم بالصوم والصلاة كيف يكون من أهل العلم من دنياه آثر عنده من آخرته وهو في الدنيا أعظم رغبة كيف يكون من أهل العلم من مسيره إلى آخرته وهو مقبل على دنياه وما يضره أشهى إليه مما لا يضره كيف يكون من أهل العلم من اتهم الله عز وجل في قضائه فليس يرضى بشيء أصابه كيف يكون من أهل العلم من طلب العلم ليتحدث به ولم يطلبه ليعمل به وقال عبد الله بن المبارك عن معمر قال الصبيان ليحيى بن زكريا اذهب بنا نلعب قال أو للعب خلقنا وقال أحمد حدثنا أبو بكر الحنفي حدثنا عبد الحميد بن جعفر حدثني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب أن أمه فاطمة حدثته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot;إن من شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم الذين يطلبون ألوان الطعام وألوان الثياب ويتشدقون بالكلامquot; وقال أحمد حدثنا أبو قطن حدثنا شعبة عن أبي مسلمة عن(1\/400)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "396",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8480",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبي نضرة قال قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي موسى يا أبا موسى شوقنا إلى ربنا قال فقرأ فقالوا الصلاة فقال عمر أولسنا في الصلاة فصل وملاك الأمر كله الرغبة في الله وإرادة وجهه والتقرب إليه بأنواع الوسائل والشوق إلى الوصول إليه وإلى لقائه فإن لم يكن للعبد همة إلى ذلك فالرغبة في الجنة ونعيمها وما أعد الله فيها لأوليائه فإن لم تكن له همة عالية تطالبه بذلك فخشية النار وما أعد الله فيها لمن عصاه فإن لم تطاوعه نفسه بشيء من ذلك فليعلم أنه خلق للجحيم لا للنعيم ولا يقدر على ذلك بعد قدر الله وتوفيقه إلا بمخالفة هواه فهذه فصول أربعة هن ربيع المؤمن وصيفه وخريفه وشتاؤه وهن منازله في سيره إلى الله عز وجل وليس له منزلة غيرها فأما مخالفة الهوى فلم يجعل الله للجنة طريقا غير مخالفته ولم يجعل للنار طريقا غير متابعته قال الله تعالى: فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى وقال تعالى: ولمن خاف مقام ربه جنتان قيل هو العبد يهوى المعصية فيذكر مقام ربه عليه في الدنيا ومقامه بين يديه في الآخرة فيتركها لله وقد أخبر سبحانه أن اتباع الهوى يضل عن سبيله فقال الله تعالى(1\/401)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "397",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8481",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ثم ذكر مآل الضالين عن سبيله ومصيرهم فقال إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب وأخبر سبحانه أن باتباع الهوى يطبع على قلب العبد فقال أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن العاجز هو الذي اتبع هواه وتمنى على الله وذكر الإمام أحمد من حديث راشد بن سعد عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;ما تحت ظل السماء إله يعبد أعظم عند الله من هوى متبعquot; وذكر من حديث جعفر بن حيان عن أبي الحكم عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوىquot; وفي نسخة كثير ابن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;إن أخوف ما أخاف على أمتي حكم جائر وزلة عالم وهوى متبعquot;(1\/402)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "398",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8482",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقيل لبعض الحكماء أي الأصحاب أبر قال العمل الصالح قيل فأي شيء أضر قال النفس والهوى وقال بعض الحكماء إذا اشتبه عليك أمران فانظر أقربهما من هواك فاجتنبه وأتي بعض الملوك بأسير عظيم الجرم فقال لو كان هواي في العفو عنك لخالفت الهوى إلى قتلك ولكن لما كان هواي في قتلك خالفته إلى العفو عنك وقال الهيثم بن مالك الطائي سمعت النعمان بن بشير يقول علىالمنبر إن للشيطان فخوخا ومصالي وإن من مصالي الشيطان وفخوخه البطر بأنعم الله والفخر بإعطاء الله والكبرياء على عباد الله واتباع الهوى في غير ذات الله وفي المسند وغيره من حديث قتادة عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;ثلاث مهلكات وثلاث منجيات فالمهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه والمنجيات تقوى الله تعالى في السر والعلانية والعدل في الغضب والرضى والقصد في الفقر والغنىquot; وفي جامع الترمذي من حديث أسماء بنت عميس رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول quot;بئس العبد عبد تجبر واعتدى ونسي الجبار الأعلى بئس العبد عبد تخيل واختال ونسي الكبير المتعال بئس العبد عبد سها ولها ونسي المقابر والبلى بئس العبد عبد بغى وعتا ونسي المبدأ والمنتهى بئس العبد عبد يختل الدنيا بالدين بئس العبد عبد يختل الدين بالشبهات بئس العبد عبد طمع(1\/403)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "399",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8483",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقوده بئس العبد عبد هوى يضله بئس العبد عبد رغب يذلهquot; وقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يؤمن العبد حتى يكون هواه تبعا لما جاء به فيكون هواه تابعا لا متبوعا فمن اتبع هواه فهواه متبوع له ومن خالف هواه لما جاء به الرسول فهواه تابع له فالمؤمن هواه تابع له والمنافق الفاجر هواه متبوع له وقد حكم الله تعالى لتابع هواه بغير هدى من الله أنه أظلم الظالمين فقال الله عز وجل: فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين وأنت تجد تحت هذا الخطاب أن الله لا يهدي من اتبع هواه وجعل سبحانه وتعالى المتع قسمين لا ثالث لهما إما ما جاء به الرسول وإما الهوى فمن اتبع أحدهما لم يمكنه اتباع الآخر والشيطان يطيف بالعبد من أين يدخل عليه فلا يجد عليه مدخلا ولا إليه طريقا إلا من هواه فلذلك كان الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله وإنما تطاق مخالفة الهوى بالرغبة في الله وثوابه والخشية من حجابه وعذابه ووجد حلاوة الشفاء في مخالفة الهوى فإن متابعته الداء الأكبر ومخالفته الشفاء الأعظم وقيل لأبي القاسم الجنيد متى تنال النفوس مناها فقال إذا صار داؤها دواها فقيل له ومتى يصير داؤها دواها فقال إذا خالفت هواها ومعنى قوله يصير(1\/404)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "400",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8484",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "داؤها دواها أن داءها هو الهوى فإذا خالفته تداوت منه بمخالفته وقيل إنما سمي هوى لأنه يهوى بصاحبه إلى أسف السافلين والهوى ثلاثة أرباع الهوان وهو شارع النار الأكبر كما أن مخالفته شارع الجنة الأعظم وقال أبو دلف العجلى واسوأتا لفتى له أدب ... يضحى هواه قاهرا أدبه يأتي الدنية وهو يعرفها ... فيشين عرضا صائنا أربه فإذا ارعوى عادت بصيرته ... فبكى على الحين الذي سلبه وقال ابن المرتفق الهذلي أين لي ما ترى والمرء يأتي ... عزيميته ويغلبه هواه فيعمى ما يرى فيه عليه ... ويحسب من يراه لا يراه فصل وأما الرغبة في الله وإرادة وجهه والشوق إلى لقائه فهي رأس مال العبد وملاك أمره وقوام حياته الطيبة وأصل سعادته وفلاحه ونعيمه وقرة عينه ولذلك خلق وبه أمر وبذلك أرسلت الرسل وأنزلت الكتب ولا صلاح للقلب ولا نعيم إلا بأن تكون رغبته إلى الله عز وجل وحده فيكون هو وحده مرغوبه ومطلوبه ومراده كما قال الله تعالى فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب وقال تعالى ولو أنهم رضوا ما آتاهم(1\/405)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "401",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8485",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون والراغبون ثلاثة أقسام راغب في الله وراغب فيما عند الله وراغب عن الله فالمحب راغب فيه والعامل راغب فيما عنده والراضي بالدنيا من الآخرة راغب عنه ومن كانت رغبته في الله كفاه الله كل مهم وتولاه في جميع أموره ودفع عنه مالا يستطيع دفعه عن نفسهووقاه وقاية الوليد وصانه من جميع الآفات ومن آثر الله على غيره آثره الله على غيره ومن كان لله كان الله له حيث لا يكون لنفسه ومن عرف الله لم يكن شيء أحب إليه منه ولم تبق له رغبة فيما سواه إلا فيما يقربه إليه ويعينه على سفره إليه ومن علامات المعرفة الهيبة فكلما ازدادت معرفة العبد بربه ازدادت هيبته له وخشيته إياه كما قال الله تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء أي العلماء به وقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خشيةquot; ومن عرف الله صفا له العيش وطابت له الحياة وهابه كل شيء وذهب عنه خوف المخلوقين وأنس بالله واستوحش من الناس وأورثته المعرفة الحياء من الله والتعظيم له والإجلال والمراقبة والمحبة والتوكل عليه والإنابة إليه والرضا به والتسليم لأمره وقيل للجنيد رحمه الله تعالى(1\/406)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "402",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8486",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن ها هنا أقواما يقولون إنهم يصلون إلى البر بترك الحركات فقال هؤلاء تكلموا بإسقاط الأعمال وهو عندي عظيم والذي يزني ويسرق أحسن حالا من الذي يقول هذا فإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله وإلى الله رجعوا فيها ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر شيئا وقال لا يكون العارف عارفا حتى يكون كالأرض يطؤه البر والفاجر وكالمطر يسقى ما يحب ومالا يحب وقال يحيى بن معاذ يخرج العارف من الدنيا ولا يقضي وطره من شيئين بكاؤه على نفسه وشوقه إلى ربه وقال بعضهم لا يكون العارف عارفا حتى لو أعطي ملك سليمان لم يشغله عن الله طرفة عين وقيل العارف أنس بالله فاستوحش من غيره وافتقر إلى الله فأغناه عن خلقه وذل لله فأعزه في خلقه وقال أبو سليمان الداراني يفتح للعارف على فراشه مالا يفتح له وهو قائم يصلي وقال ذو النون لكل شيء عقوبة وعقوبة العارف انقطاعه عن ذكر الله وبالجملة فحياة القلب مع الله لا حياة له بدون ذلك أبدا ومتى واطأ اللسان القلب في ذكره وواطأ القلب مراد حبيبه منه واستقل له الكثير من قوله وعمله واستكثر له القليل من بره ولطفه وعانق الطاعة وفارق المخالفة وخرج عن كله لمحبوبه فلم يبق منه شيء وامتلأ قلبه بتعظيمه وإجلاله وإيثار رضاه وعز عليه الصبر عنه وعدم القرار دون ذكره والرغبة إليه(1\/407)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "403",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8487",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والاشتياق إلى لقائه ولم يجد الأنس إلا بذكره وحفظ حدوده وآثره على غيره فهو المحب حقا وقال الجنيد سمعت الحارث المحاسبي يقول المحبة ميلك إلى الشيء بكليتك ثم إيثارك له على نفسك وروحك ومالك ثم موافقتك له سرا وجهرا ثم علمك بتقصيرك في حبه وقيل المحبة نار في القلب تحرق ما سوى مراد الحبيب من محبه وقيل بل هي بذل المجهود في رضا الحبيب ولا تصح إلا بالخروج عن رؤية المحبة إلى رؤية المحبوب وفي بعض الآثار الإلهية عبدي أنا وحقك لك محب فبحقي عليك كن لي محبا وقال عبد الله بن المبارك من أعطي شيئا من المحبة ولم يعط مثله من الخشية فهو مخدوع وقال يحيى بن معاذ مثقال خردلة من الحب أحب إلي من عبادة سبعين سنة بلا حب وقال أبو بكر الكتاني جرت مسألة في المحبة بمكة أيام الموسم فتكلم الشيوخ فيها وكان الجنيد أصغرهم سنا فقالوا هات ما عندك يا عراقي فأطرق رأسه ودمعت عيناه ثم قال عبد ذاهب عن نفسه متصل بذكر ربه قائم بأداء حقوقه ناظر إليه بقلبه أحرق قلبه أنوار هويته وصفا شربه من كأس وده فإن تكلم فبالله وإن نطق فمن الله وإن تحرك فبأمر الله وإن سكت فمع الله فهو بالله ولله ومع الله فبكى الشيوخ وقالوا ما على هذا مزيد جبرك الله يا تاج العارفين وقيل أوحى الله إلى داود عليه السلام يا داود إني حرمت على القلوب بان يدخلها حبي وحب غيري فأجمع العارفون كلهم أن المحبةلا تصح إلا بالموافقة حتى قال بعضهم حقيقة الحب موافقة المحبوب في مراضيه ومساخطه واتفق القوم أن المحبة لا تصح إلا بتوحيد المحبوب(1\/408)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "404",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8488",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويحكى أن رجلا ادعى الاستهلاك في محبة شخص فقال له كيف وهذا أخي أحسن مني وجها وأتم جمالا فالتفت الرجل إليه فدفعه الشاب قال من يدعي هوانا ينظر إلى سوانا وذكرت المحبة عند ذي النون فقال كفوا عن هذه المسألة لا تسمعها النفوس فتدعيها ثم أنشأ يقول الخوف أولى بالمسي ... ء إذا تأله والحزن والحب يجمل بالتق ... ي وبالنقي من الدرن وقال سمنون ذهب المحبون لله بشرف الدنيا والآخرة إن النبي صلى الله عليه وسلم قال المرء مع من أحب فهم مع الله في الدنيا والآخرة وقال يحيى بن معاذ ليس بصادق من ادعى محبته ثم لم يحفظ حدوده فصل فالمحبة شجرة في القلب عروقها الذل للمحبوب وساقها معرفته وأغصانها خشيته وورقها الحياء منه وثمرتها طاعته ومادتها التي تسقيها ذكره فمتى خلا الحب عن شيء من ذلك كان ناقصا وقد وصف الله سبحانه نفسه بأنه يحب عباده المؤمنين ويحبونه فأخبر أنهم أشد حبا لله ووصف نفسه بأنه الودود وهو الحبيب قاله البخاري والود خالص الحب فهو يود عباده المؤمنين ويودونه وقد روى البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروى عنه ربه عز وجل أنه قال: quot;من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء(1\/409)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "405",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8489",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذ بي لأعيذنه وما ترددت عن شي أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منهquot; وفي لفظ في غير البخاري quot;فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيداquot; فتأمل كمال الموافقة في الكراهةكيف اقتضى كراهة الرب تعالى لمساءة عبده بالموت لما كره العبد مساخط ربه وكمال الموافقة في الإرادة كيف اقتضى موافقته في قضاء حوائجه وإجابة طلباته وإعاذته مما استعاذ به كما قالت عائشة رضي الله عنها للنبي ما أرى ربك إلا يسارع في هواك وقال له عمه أبو طالب يا ابن أخي ما أرى ربك إلا يطيعك فقال له وأنت يا عم لو أطعته أطاعك وفي تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله عز وجل: واتخذ الله إبراهيم خليلا قال حبيبا قريبا إذا سأله أعطاه وإذا دعاه أجابه وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه الصلاة والسلام يا موسى كن لي كما أريد أكن لك كما تريد وتأمل هذه الباء في قوله فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي كيف تجدها مبنية لمعنى قوله كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به إلى آخره فإن سمع سمع بالله وإن أبصر أبصر به وإن بطش بطش به وإن مشى مشى به وهذا تحقيق قوله تعالى إن الله مع الذين اتقوا والذين هم(1\/410)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "406",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8490",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محسنون وقوله و إن الله لمع المحسنين وقوله وأن الله مع المؤمنين وقوله فيما رواه عنه رسوله من قوله أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه وهذا ضد قوله أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون فالصحبة التي نفاها ها هنا هي التي أثبتها لأحبابه وأوليائه فتأمل كيف جعل محبته لعبده متعلقة بأداء فرائضه وبالتقرب إليه بالنوافل بعدها لا غير وفي هذا تعزية لمدعي محبته بدون ذلك أنه ليس من أهلها وإنما معه الأماني الباطلة والدعاوي الكاذبة وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال quot;إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض وفي لفظ لمسلم إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه قال فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء قال ثم يوضع له القبول في الأرض وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول إني أبغض فلانا فأبغضه قال فيبغضه جبريل ثم ينادي في السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه ثم يوضع له البغضاء في الأرضquot; وفي لفظ آخر لمسلم عن سهيل بن أبي صالح قال كنا بعرفة فمر عمر بن عبد العزيز وهو(1\/411)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "407",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8491",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على الموسم فقام الناس ينظرون إليه فقلت لأبي يا أبت إني أرى الله يحب عمر بن عبد العزيز قال وما ذاك قلت لما له من الحب في قلوب الناس فقال إني سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر الحديث وأخرجه الترمذي ثم زاد في آخره فذلك قول الله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا انتهى وقال بعض السلف في تفسيرها يحبهم ويحببهم إلى عباده وفي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال quot;وما أعددت لها قال لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله فقال أنت مع من أحببتquot; قال أنس رضي الله عنه فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم أنت مع من أحببت قال أنس فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل أعمالهم وفي الترمذي عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال quot;المرء مع من أحب وله ما اكتسبquot; وفي سنن أبي داود عنه قال رأيت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرحوا بشيء لم أرهم فرحوا بشيء أشد منه قال رجل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يحب الرجل على العمل من الخير يعمل به ولا يعمل بمثله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;المرء مع من أحبquot; وهذه المحبة لله توجب المحبة في الله قطعا فإن من محبة الحبيب المحبة فيه والبغض فيه وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;يقول الله تعالى يوم القيامة أين المتحابون(1\/412)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "408",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8492",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظليquot; وفي جامع أبي عيسى الترمذي من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;قال الله عز وجل المتحابون بجلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداءquot; وفي لفظ لغيره quot;المتحابون بجلال الله يكونون يوم القيامة على منابر من نور يغبطهم أهل الجمعquot; وفي الموطأ من حديث أبي إدريس الخولاني قال دخلت مسجد دمشق فإذا فتى براق الثنايا والناس حوله فإذا اختلفوا في شيء اسندوه إليه وصدروا عن رأيه فسألت عنه فقالوا هذا معاذ بن جبل فلما كان الغد هجرت إليه فوجدته قد سبقني بالتهجير ووجدته يصلي فانتظرته حتى قضى صلاته ثم جئته من قبل وجهه فسلمت عليه ثم قلت والله إني لأحبك في الله فقال آلله قلت الله فقال آلله فقلت الله فأخذ بحبوة ردائي فجبذني إليه وقال أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال الله تبارك وتعالى وجبت محبتي للمتحابين في والمتجالسين في والمتزاورين في والمتباذلين في وفي سنن أبي داود من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في اللهquot;(1\/413)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "409",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8493",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيه أيضا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم تخبرنا من هم قال هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى نور ولا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس وقرأ هذه الآية ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون quot; وفي لفظ لغيره quot;إن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء بمكانهم من الله قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم صفهم لنا حلهم لنا لعلنا نحبهم قال هم قوم تحابوا بروح الله على غير أموال تباذلوها ولا أرحام تواصلوها هم نور ووجوههم نور وعلى كراسي من نور لا يخافون إذاخاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس ثم قرأ هذه الآية ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون quot; وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال quot;إن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله على مدرجته ملكا فلما أتى عليه قال أين تريد قال أريد أخا لي في هذه القرية قال لك عليه من نعمة تربها قال لا غير أني أحبه في الله تعالى قال فإني رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك أن الله قد أحبك كما أحببته فيهquot;(1\/414)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "410",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8494",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال رجل لمعاذ بن جبل إني أحبك في الله قال أحبك الذي أحببتني له وفي سنن أبي داود أن رجلا كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر رجل فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأحب هذا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم quot; أعلمتهquot; قال لا قال quot; أعلمهquot; فلحقه فقال إني أحبك في الله قال أحبك الذي أحببتني لهquot; وفيها أيضا عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال quot;إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبهquot; وفي الترمذي من حديث يزيد بن نعامة الضبي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;إذا آخى الرجل الرجل فليسأله عن اسمه واسم أبيه وممن هو فإنه أوصل للمودةquot; وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال quot;والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكمquot; وقال الإمام أحمد حدثنا حجاج بن محمد الترمذي حدثنا شريك عن أبي سنان عن عبد الله بن أبي الهذيل عن عمار بن ياسر أن أصحابه كانوا ينتظرونه فلما خرج قالوا ما أبطأك عنا أيها الأمير قال أما إني سوف أحدثكم أن أخا لكم ممن كان قبلكم وهو موسى قال يا رب حدثني بأحب الناس إليك قال ولم قال لأحبه بحبك إياه قال عبد في أقصى الأرض أو طرف الأرض سمع به عبد آخر في أقصى أو طرف الأرض(1\/415)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "411",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8495",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يعرفه فإن أصابته مصيبة فكأنما أصابته وإن شاكته شوكة فكأنما شاكته لا يحبه إلا لي فذلك أحب خلقي إلي قال يا رب خلقت خلقا تدخلهم النار أو تعذبهم فأوحى الله إليه كلهم خلقي ثم قال أزرع زرعا فزرعه فقال اسقه فسقاه ثم قال قم عليه فقام عليه ما شاء الله من ذلك فحصده ورفعه فقال ما فعل زرعك يا موسى قال فرغت منه ورفعته قال ما تركت منه شيئا قال مالا خير فيه أو مالا حاجة لي فيه قال فكذلك أنا لا أعذب إلا من لا خير فيه فصل ولو لم يكن في محبة الله إلا أنها تنجي محبه من عذابه لكان ينبغي للعبد أن لا يتعوض عنها بشيء ابدا وسئل بعض العلماء أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه فقال ي قوله تعالى وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم الآية وقال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل بن يونس عن الحسن رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال والله لا يعذب الله حبيبه ولكن قد يبتليه في الدنيا وقال الإمام أحمد حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا أبو غالب قال بلغنا أن هذا الكلام في وصية عيسى بن مريم يا معشر الحواريين تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي وتقربوا إليه بالمقت لهم والتمسوا رضاه بسخطهم قالوا يا نبي الله فمن نجالس قال جالسوا من يزيد في أعمالكم منطقه ومن تذكركم بالله رؤيته ويزهدكم في دنياكم علمه(1\/416)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "412",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8496",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويكفي في الإقبال على الله تعالى ثوابا عاجلا أن الله سبحانه وتعالى يقبل بقلوب عباده إلى من أقبل عليه كما أنه يعرض بقلوبهم عمن أعرض عنه فقلوب العباد بيد الله لا بأيديهم وقال الإمام أحمد حدثنا حسن في تفسير شيبان عن قتادة قال ذكر لنا أن هرم بن حيان كان يقول ما أقبل عبد على الله بقلبه إلا أقبل الله عز وجل بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم وقد روى هذا مرفوعا ولفظه quot;وما أقبل عبد على الله بقلبه إلا أقبل الله غعز وجل عليه بقلوب عباده وجعل قلوبهم تفد إليه بالود والرحمة وكان الله بكل خير إليه أسرعquot; وإذا كانت القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها وكل إحسان وصل إلى العبد فمن الله عز وجل كما قال الله تعالى: وما بكم من نعمة فمن الله فلا ألأم ممن شغل قلبه بحب غيره دونهquot; قال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية قال حدثني الأعمش عن المنهال عن عبد الله بن الحارث قال أوحى الله إلى داود عليه السلام يا داود أحببني وحبب عبادي إلي وحببني إلى عبادي قال يا رب هذا أنا أحبك وأحبب عبادك إليك فكيف أحببك إلى عبادك قال تذكرني عندهم فإنهم لا يذكرون مني إلا الحسن ومن أفضل ما سئل الله عز وجل حبه وحب من يحبهوحب عمل يقرب إلى حبه ومن أجمع ذلك أن يقول اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي(1\/417)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "413",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8497",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيما تحب وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغا لي فيما تحب اللهم اجعل حبك أحب إلي من أهلي ومالي ومن الماء البارد على الظمأ اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك وأنبيائك ورسلك وعبادك الصالحين واجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك وأنبياءك ورسلك وعبادك الصالحين اللهم أحي قلبي بحبك واجعلني لك كما تحب اللهم اجعلني أحبك بقلبي كله وأرضيك بجهدي كله اللهم اجعل حبي كله لك وسعيي كله في مرضاتك وهذا الدعاء هو فسطاط خيمة الإسلام الذي قيامها به وهو حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم والقائمون بحقيقة ذلك هم الذين هم بشهادتهم قائمون والله سبحانه تعرف إلى عباده من أسمائه وصفاته وأفعاله بما يوجب محبتهم له فإن القلوب مفطورة على محبة الكمال ومن قام به والله سبحانه وتعالى له الكمال المطلق من كل وجه الذي لا نقص فيه بوجه ما وهو سبحانه الجميل الذي لا أجمل منه بل لو كان جمال الخلق كلهم على رجل واحد منهم وكانوا جميعهم بذلك الجمال لما كان لجمالهم قط نسبة إلى جمال الله بل كانت النسبة أقل من نسبة سراج ضعيف إلى حذاء جرم الشمس ولله المثل الأعلى وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله quot;إن الله جميل يحب الجمالquot; عبد الله بن عمرو بن العاص وأبو سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر بن الخطاب وثابت بن قيس وأبو الدرداء وأبو هريرة وأبو ريحانه رضي الله عنهم(1\/418)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "414",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8498",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن أسمائه الحسنى الجميل ومن أحق بالجمال ممن كل جمال في الوجود فهو من آثار صنعه فله جمال الذات وجمال الأوصاف وجمال الأفعال وجمال الأسماء فأسماؤه كلها حسنى وصفاته كلها كمال وأفعاله كلها جميلة فلا يستطيع بشر النظر إلى جلاله وجماله في هذه الدار فإذا رأوه سبحانه في جنات عدن أنستهم رؤيته ماهم فيه من النعيم فلا يلتفتون حينئذ إلى شيء غيره ولولا حجاب النور على وجهه لأحرقت سبحات وجهه سبحانه وتعالى ما انتهى إليه بصره من خلقه كما في صحيح البخاري من حديث أبو موسى رضي الله عنه قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال quot;إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقهquot; وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ليس عند ربكم ليل ولا نهار نور السموات من نور وجهه وإن مقدار كل يوم من أيامكم عند الله اثنتا عشرة ساعة فتعرض عليه أعمالكم بالأمس فتعرض عليه أول النهار أو اليوم فينظر فيها ثلاث ساعات فيطلع منها على بعض ما يكره فيغضبه ذلك فأول من يعلم بغضبه الذين يحملون العرش يجدونه يثقل عليهم فيسبحه الذين يحملون العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة وينفخ جبريل في القرن فلا يبقى شيء إلا الثقلين الجن والإنس فيسبحونه ثلاث ساعات حتى يمتلىء الرحمن رحمة فتلك ست ساعات ثم يؤتى بما في الأرحام فينظر فيها(1\/419)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "415",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8499",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثلاث ساعات فيصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم فتلك تسع ساعات ثم ينظر في أرزاق الخلق كلهم ثلاث ساعات فيبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم ثم قرأ كل يوم هو في شأن ثم قال عبد الله هذا من شأنكم وشأن ربكم تبارك وتعالى رواه عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة عن الزبير بن عبد السلام عن أيوب بن عبد الله الفهري عن ابن مسعود رضي الله عنه رواه الحسن ابن إدريس عن خالد بن الهياج عن أبيه عن عباد بن كثير عن جعفر بن الحارث عن معدان عن ابن مسعود رضي الله عنه قال إن ربكم ليس عنده نهار ولا ليل وإن السموات مملوءات نورا من نور الكرسي وإن يوما عند ربك اثنتا عشرة ساعة فترفع فيها أعمال الخلائق في ثلاث ساعات فيرى فيها ما يكره فيغضبه ذلك وإن أول من يعلم بغضبه حملة العرش يرونه يثقل عليهم فيسبحون له ويسبح له سرادقات العرش في ثلاث ساعات من النهار حتى يمتلىء ربنا رضا فتلك ست ساعات من النهار ثم يأمر بأرزاق الخلائق فيعطى من يشاء في ثلاث ساعات من النهار فتلك تسع ساعات ثم يرفع إليه أرحام كل دابة فيخلق فيها ما يشاء ويجعل المدة لمن يشاء في ثلاث ساعات من النهار فتلك اثنتا عشرة ساعة ثم تلا ابن مسعود رضي الله عنه هذه الآية كل يوم هو في شأن هذا من شأن ربنا تبارك وتعالى وفي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي دعا به يوم الطائف quot;أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك أو ينزل علي سخطك(1\/420)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "416",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8500",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بكquot; وإذا جاء سبحانه وتعالى يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده تشرق لنوره الأرض كلها كما قال الله تعالى وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وقول عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه نور السموات والأرض من نور وجهه تفسير لقوله تعالى الله نور السموات والأرض وفي الصحيحين من حديث أبي بكر رضي الله عنه في استفتاح النبي صلى الله عليه وسلم قيام الليل: quot;اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهنquot; وفي سنن ابن ماجة وحرب السكرماني من حديث الفضل بن عيسى الرقاشي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم فيقول السلام عليكم يا أهل الجنة وذلك قوله سلام قولا من رب رحيم فيرفعون رؤوسهم فينظرون إليه وينظر إليهم ولا يلتفتون إلى شيء من النعيم حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركته عليهم وعلى ديارهم ومنازلهم لفظ حديث حرب فما ظن المحبين بلذة النظر إلى وجهه الكريم في جنات النعيم وقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: quot;أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائكquot; ذكره الإمام أحمد والنسائي وابن حبان في صحيحه فاسمع الآن شأن أوليائه وأحبائه عند لقائه ثم اختر لنفسك(1\/421)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "417",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8501",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنت القتيل بكل من أحببته ... فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي قال هشام بن حسان عن الحسن إذا نظر أهل الجنة إلى الله تعالى نسوا نعيم الجنة وقال هشام بن عمار حدثنا محمد بن سعيد بن سابور حدثنا عبد الرحمن بن سليمان حدثنا سعيد بن عبد الله الجرشي القاضي أنه سمع أبا إسحاق الهمداني يحدث عن الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه رفعه قال إن الله إذا أسكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار بعث إلى أهل الجنة الروح الأمين فيقول يا أهل الجنة إن ربكم يقرئكم السلام ويأمركم أن تزوروه إلى فناء الجنة وهو أبطح الجنة تربته المسك وحصباؤه الدر والياقوت وشجره الذهب الرطب وورقه الزمرد فيخرج أهل الجنة مستبشرين مسرورين فثم يجمعهم وثم كرامة الله والنظر إلى وجهه وهو موعد الله أنجزه لهم فيأذن الله لهم في السماع والأكل والشرب ويكسون حلل الكرامة ثم ينادي مناد يا أولياء الله هل بقي مما وعدكم الله ربكم شيء فيقولون لا وقد أنجزنا ما وعدنا فما بقي شيء إلا النظر إلى وجهه فيتجلى لهم الرب تبارك وتعالى في حجب فيقول يا جبريل ارفع حجابي لعبادي كي ينظروا إلى وجهي قال فيرفع(1\/422)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "418",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8502",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحجاب الأول فينظرون إلى نور من نور الرب فيخرون له سجدا فيناديهم الرب يا عبادي ارفعوا رؤوسكم فإنها ليست بدار عمل إنما هي دار ثواب فيرفع الحجاب الثاني فينظرون أمرا هو أعظم وأجل فيخرون لله حامدين ساجدين فيناديهم الرب أن ارفعوا رؤوسكم إنها ليست بدار عمل إنما هي دار ثواب ونعيم مقيم فيرفع الحجاب الثالث فعند ذلك ينظرون إلى وجه رب العالمين فيقولون حين ينظرون إلى وجهه سبحانك ما عبدناك حق عبادتك فيقول كرامتي أمكنتكم من النظر إلى وجهي وأحلتكم داري فيأذن الله للجنة أن تكلمي فتقول طوبى لمن سكنني وطوبى لمن يخلد في وطوبي لمن أعددت له وذلك قوله تعالى طوبى لهم وحسن مآب وقوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة وفي الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدنquot; وذكر عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا أبو الربيع حدثنا جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث عن كعب قال ما نظر الله إلى الجنة إلا قال طيبي لأهلك فزادت طيبا على ما كانت وما من(1\/423)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "419",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8503",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يوم كان عيدا في الدنيا إلا يخرجون في مقداره إلى رياض الجنة ويبرز لهم الرب تبارك وتعالى وينظرون إليه وتسفى عليهم الريح بالطيب والمسك فلا يسألون ربهم تبارك وتعالى شيئسا إلا أعطاهم فيرجعون إلى أهلهم وقد ازدادوا على ما كانوا عليه من الحسن والجمال سبعين ضعفا وقال عبد بن حميد أخبرني شبابة عن إسرائيل حدثنا ثوير بن أبي فاختة سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر إلى خدمه ونعيمه وسرره مسيرة ألف سنة وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية quot; ثم تلا هذه الآية وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة رواه الترمذي في جامعه عنه وذكر عثمان بن سعيد الدارمي عن ابن عمر رضي الله عنهما رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot; إن أهل الجنة إذا بلغ منهم النعيم كل مبلغ وظهنوا أن لا نعيم أفضل منه تجلى لهم الرب تبارك وتعالى فنظروا إلى وجه الرحمن فنسوا كل نعيم عاينوه حين نظروا إلى وجه الرحمنquot; وقال الحسن البصري في قوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة قال حسنها الله تعالى بالنظر إليه سبحانه وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى ربها عز وجل قال أبو سليمان الداراني لو لم يكن لأهل(1\/424)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "420",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8504",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المحبة أو قال المعرفة إلا هذه الآية وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة لاكتفوا بها وذكر النسائي من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قلنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم هل نرى ربنا يوم القيامة قال quot; هل تضامون فى رؤية الشمس في يوم لا غيم فيه وفي القمر ليلة البدر لا غم فيها قلنا لا قال فإنكم سترون ربكم حتى إن أحدكم ليحاضره محاضرة فيقول عبدي هل تعرف ذنب كذا وكذا فيقول يارب ألم تغفر لي فيقول بمغفرتي صرت إلى هذاquot; وفي الصحيحين من حديث مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;إن الله تعالى يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا مالم تعط أحدا من خلقك فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك فيقولون يا رب وأي شيء أفضل من ذلك فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداquot; وفي الصحيح والسنن والمساند من حديث ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم(1\/425)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "421",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8505",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عند الله موعدا يريد أن ينجز كموه فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلن ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم وفي صحيح البخاري من حديث جرير بن عبد الله قال كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال: quot;إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلواquot; وفي الصحيحين من حديث الزهرى عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الناس قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم هل نرى ربنا يوم القيامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;هل تضارون في القمر ليلة البدر قالوا لا يارسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال فهل تضارون في الشمس ليس دوننا سحاب قالوا لايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فإنكم ترونه كذلك وفي لفظ فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤيتهماquot; وقال الترمذي حدثنا قتيبة حدثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال quot;يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد ثم يطلع عليهم رب العالمين تبارك وتعالى فيقول ليتبع كل إنسان ما كان يعبد فيمثل لصاحب الصليب صليبه ولصاحب التصاوير تصاويره ولصاحب النار ناره(1\/426)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "422",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8506",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيتبعون ما كانوا يعبدون ويبقى المسلمون فيطلع عليهم رب العالمين تبارك وتعالى فيقول ألآ تتبعون الناس فيقولون نعود بالله منك نعوذ بالله منك ألله ربنا هذا مكاننا حتى نرى ربنا وهو يأمرهم ويثبتهم ثم يتوارى ثم يطلع عليهم فيقول ألا تتبعون الناس فيقولون نعوذ بالله منك نعوذ بالله منك ألله ربنا وهذا مكاننا حتى نرى ربنا وهو يأمرهم ويثبتهم قالوا وهل نراه يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر قالوا قالوا لا يا رسول الله قال فإنكم لا تضارون في رؤيته تلك الساعة قال ثم يتوارى ثم يطلع فيعرفهم نفسه ثم يقول أنا ربكم فاتبعوني فيقوم المسلمون ويوضع الصراط فيمرون عليه مثل جياد الخيل والركاب وقولهم عليه سلم سلم ويبقى أهل النار فيطرح منهم فيها فوج فيقال هل امتلأت فتقول هل من مزيد ثم يطرح فيها فوج فيقال هل امتلأت فتقول هل من مزيد حتى إذا أوعبوا فيها وضع الرحمن تبارك وتعالى فيها قدمه فأزوى بعضها إلى بعض وقالت قط قط فإذا أدخل الله أهل الجنة الجنة وأهل النار النار أتى بالموت ملبيا فيوقف على السور الذي بين أهل الجنة واهل النار ثم يقال يا أهل الجنةفيطلعون خائفين ثم يقال يا أهل النار فيطلعون مستبشرين يرجون الشفاعة فيقال لأهل الجنة والنار هل تعرفون هذا فيقولون هؤلاء وهؤلاء قد عرفناه هو الموت الذي وكل بنا فيضجع فيذبح ذبجا(1\/427)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "423",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8507",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على السور ثم يقال يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ولا موتquot; قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وأصله في الصحيحين لكن هذا السياق أجمع وأخصر وفي لفظ الترمذي فلو أن أحدا مات فرحا لمات أهل الجنة ولو أن أحدا مات حزنا لمات أهل النار وفي مسند الحارث بن أبي أسامة من حديث قرة عن مالك عن زياد بن سعد حدثنا أبو الزبير قال سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول سمت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول quot;إذا كان يوم القيامة جمعت الأمم ودعي كل أناس بإمامهم فجئنا آخر الناس فيقول قائل من الناس من هذه الأمة قال فيشرف إلينا الناس فيقال هذه الأمة الأمينة هذه أمة محمد وهذا محمد في أمته فينادي مناد إنكم الآخرون الأولون قال فنأتي فنتخطى رقاب الناس حتى نكون أقرب الناس إلى الله تعالى منزلة ثم يدعى الناس كل أناس بإمامهم فيدعى اليهود فيقال من أنتم فيقولون نحن اليهود فيقول من نبيكم فيقولون نبينا موسى فيقول ما كتابكم فيقولون كتابنا التوراة فيقول ما تعبدن فيقولون نعبد عزيرا ونعبد الله فيقول للملإ حوله اسلكوا بهم في جهنم ثم يدعى النصارى فيقول من أنتم فيقولون نحن النصارى فيقول من نبيكم فيقولون نبينا عيسى فيقول ما كتابكم فيقولون كتبنا الإنجيل فيقول ما تعبدون فيقولون نعبد عيسى وأمه والله فيقول للملإ حوله اسلكوا بهؤلاء في جهنم فيدعى عيسى فيقول(1\/428)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "424",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8508",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لعيسى يا عيسى ءأنت قلت للناس أتخذوني وأمي إلهين من دون الله فيقول سبحانك ما يكون لي أن أقول مال ليس لي بحق إلى قوله العزيز الحكيم ثم يدعى كل أناس بإمامهم وما كانوا يعبدون ثم يصرخ الصارخ أيها الناس من كان يعبد إلها فليتبعه تقدمهم آلهتهم منها الخشب والحجارة ومنها الشمس والقمر ومنها الدجال حتى تبقى المسلمون فيقف عليهم فيقول من أنتم فيقولون نحن المسلمون قال قال خير اسم وخير داعية فيقول من نبيكم فيقولون محمد فيقول ما كتابكم فيقولون القرآن فيقول ما تعبدون! فيقولون نعبد الله وحده لا شريك له قال سينفعكم ذلك إن صدقتم قالوا هذا يومنا الذي وعدنا فيقول أتعرفون الله إذا رأيتموه فيقولون نعم فيقول وكيف تعرفونه ولم تروه فيقولون نعلم أنه لا عدل له قال فيتجلى لهم تبارك وتعالى فيقولون أنت ربنا تباركت اسماؤك ويخرون له سجدا ثم يمضى النور بأهله quot; وفي مسند الإمام أحمد رضي الله عنه من حديث أبي الزبير قال سألت جابرا عن الورود فأخبرني أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;نجيء يوم القيامة على كوم فوق الناس فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد ألأول فالأول ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول ما تنتظرون فيقولون ننتظر ربنا فيقول أنا ربكم فيقولون حتى ننظر إليك فيتجلى لهم يضحك فيتبعونه(1\/429)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "425",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8509",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر عثمان بن سعيد الدارمي أن أبا بردة بن أبي موسى الأشعري أتى عمر بن عبد العزيز فقال حدثنا أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot;يجمع الله الأمم يوم القيامة في صعيد واحد فإذا بدا له أن يصدع بين خلقه مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون فيتبعونهم حتى يقحموهم النار ثم يأتينا ربنا ونحن في مكان فيقول من أنتم فبقول نحن المؤمنون فيقول ما تنتظرون فنقول ننتظر ربنا فيقول من أين تعلمون انه ربكم فنقول حدثتنا الرسل أو جاءتنا الكتب فيقول هل تعرفونه فيقولون نعلم أنه لا عدل فيتجلى لنا ضاحكا ثم يقول أبشروا معشر المسلمين فإنه ليس منكم أحد إلا وقد جعلت مكانه في النار يهوديا أو نصرانياquot; فقال عمر لأبي بردة آلله لقد سمعت أبا موسى يحدث بهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إي والله الذي لا إله إلا هو لقد سمعت أبي يذكره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثا فقال عمر بن عبد العزيز ما سمعت في الإسلام حديثا هو أحب إلي منه وفي الترمذي من حديث الأوزاعي حدثني حسان بن عطية عن سعيد ابن المسيب أنه لقي أبا هريرة رضي الله عنه فقال أبو هريرة أسأل الله تعالى أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة فقال سعيد أو فيها سوق قال نعم أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون الله تبارك وتعالى فيبرز لهم عرشه ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة فتوضع لهم منابر من نور(1\/430)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "426",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8510",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنار من لؤلؤ ومنابر من ياقوت ومنابر من زبرجد ومنابر من ذهب ومنابر من فضة ويجلس أدناهم وما فيهم دنيءعلى كثبان المسك والكافور ما يرون أن أهل الكراسي أفضل منهم مجلسا قال أبو هريرة قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهل نرى ربنا يوم القيامةقال: quot;نعم هل تمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر قلنا لا قال كذلك لا تمارون في رؤية ربكم ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله تعالى محاضرة حتى يقول للرجل منهم يا فلان بن فلان أتذكر يوم كذا عملت كذا وكذا فيذكره ببعض غدراته في الدنيا فيقول يا رب ألم تغفر لي فيقول بلى فبسعة مغفرتي بلغت منزلتك هذه فبيناهم على ذلك غشيتهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيبا لم يجدوا مثل ريحه شيئا قط ثم يقول قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة فخذوا ما اشتهيتم فنأتي سوقا قد حفت به الملائكة فيه مالم تنظرالعيون إلى مثله ولم تسمع الآذان ولم يخطر على القلوب فيحمل إلينا ما اشتهينا ليس يباع فيه شيء ولا يشترى وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضا فيقبل الرجل ذو المنزلة الرفيعة فيلقى من هو دونه وما فيهم دني فيروعه ما يرى عليه من اللباس فما ينقضي آخر حديثه حتى يتمثل عليه أحسن منه وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها ثم ننصرف إلى منازلنا فتتلقانا أزواجنا فيقلن مرحبا وأهلا لقد جئت وإن(1\/431)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "427",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8511",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بك من الجمال والطيب أكثر مما فارقتنا عليه فيقول إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار ويحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبناquot; وقال يعقوب بن سفيان في مسنده حدثنا ابن المصفى حدثنا سويد بن عبد العزيز حدثنا عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;يزور أهل الجنة الرب تبارك وتعالى في كل يوم جمعة وذكر ما يعطون قال ثم يقول الله تعالى اكشفوا الحجب فيكشفوا حجابا ثم حجابا حتى يتجلى لهم عن وجهه تبارك وتعالى وكأنهم لم يرو نعمة قبل ذلك وهو قول الله تعالى: ولدينا مزيد quot; وذكر عثمان بن سعيد الدارمي من حديث الحسن رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا أنه قال: quot;يأتينا ربنا يوم القيامة ونحن على مكان رفيع فيتجلى لنا ضاحكاquot; مرسل صحيح وقال عثمان الدارمي حدثنا أبو موسى حدثنا أبو عوانة حدثنا الأجلح حدثنا الضحاك بن مزاحم قال إن الله يأمر السماء يوم القيامة فتنشق بمن فيها فيحيطون بالأرض ومن فيها ثم يأمر السماء الثانية حتى ذكر سبع سموات فيكونون سبعة صفوف قد أحاطوا بالناس ثم ينزل الملك الأعلى جل جلاله في بهائه وجماله معه ماشاء من الملائكة وقال عثمان بن سعيد حدثنا هشام بن خالد الدمشقي وكان ثقة حدثنا محمد بن شعيب بن شاور حدثنا عمر بن عبد الله مولى غفرة عن أنس بن مالك(1\/432)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "428",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8512",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;جاءني جبريل وفي كفه مرآة فيها نكتة سوداء فقلت ما هذه يا جبريل قال هذه الجمعة أرسل بها إليك ربك فتكون هدى لك ولأمتك من بعدك فقلت ومالنا فيها قال لكم فيها خير كثير أنتم الآخرون السابقون يوم القيامة وفيها ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله خيرا هو له قسم إلا أتاه ولا خيرا ليس له بقسم إلا دخر له أفضل منه ولا يستعيذ بالله ما هو مكتوب عليه إلا دفع عنه أكثر منه قلت ما هذه النكتة السوداء قال هذه الساعة يوم تقوم القيامة وهو سيد الأيام ونحن نسميه عندنا يوم المزيد قلت ولم تسمونه يوم المزيد يا جبريل قال لأن ربك اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض فإذا كان يوم الجمعة من أيام الآخرة هبط الجبار عن عرشه إلى كرسيه إلى ذلك الوادي وقد حف الكرسي بمنابر من نور يجلس عليها الصديقون والشهداء يوم القيامة ثم يجيء أهل الغرف حتى يحفوا بالكثيب ثم يبدو لهم ذو الجلال والإكرام تبارك وتعالى فيقول أنا الذي صدقتكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي وأحللتكم دار كرامتي فسلوني فيقولون بأجمعهم نسألك الرضا عنا فيشهد لهم على الرضا ثم يقول لهم سلوني فيسألونه حتى ينتهي نهمة كل عبد منهم ثم يقول سلوني فيقولون حسبنا ربنا رضينا فيرجع الجبار جل جلاله إلى(1\/433)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "429",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8513",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عرشه فيفتح لهم بقدر إشراقهم من يوم الجمعة مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم وهي غرفة من لؤلؤة بيضاء وياقوتة حمراء وزمردة خضراء ليس فيها قصم ولا وصم مطردة أنهارها متدلية فيها ثمارها فيها أزواجها وخدمها ومساكنها فليسوا إلى يوم أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا فضلا من ربهم ورضواناquot; رواه عن أنس جماعة منهم عثمان بن عمير بن اليقظان ومن طريقه رواه الشافعي في مسنده وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة ومنهم أبو صالح والزبير بن عدي وعلي بن الحكم البناني وعبد الملك بن عمير ويزيد الرقاشي وعبد الله بن بريدة كلهم عن أنس وصححه جماعة من الحفاظ وزاد الشافعي في مسنده في آخره وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش وساقه عثمان بن أبي شيبة من طرق وقال في بعضها: quot;ثم يتجلى لهم ربهم تبارك وتعالى فيقول أنا الذي صدقتكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي وهذا محل كرامتي إلى أن قال ثم يرتفع على كرسيه ويرتفع معه النبيون والصديقون والشهداء ويرجع أهل الغرف إلى غرفهمquot; وروى محمد بن الزبرقان عن مقاتل بن حيان عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أهل الجنة(1\/434)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "430",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8514",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليحتاجون إلى العلماء في الجنة كما يحتاجون إليهم في الدنيا وذلك أنهم يزورون ربهم في كل جمعة فيقول لهم تمنوا فيقولون وما نتمنى وقد أدخلتنا الجنة وقد أعطيتنا ما أعطيتنا فيقال لهم تمنوا فيلتفتون إلى العلماء وذكر الحديث في قصة الجمعة وروى ابن منده من حديث الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة الجمعة بطولها وفيها يقول: quot;سلوني فيقولون أرنا وجهك رب العالمين ننظر إليك فيكشف الله تبارك وتعالى تلك الحجب ويتجلى لهم فينظرون إليهquot; وذكر عثمان الدارمي عن محمد بن كعب القرظي أنه حدث عمر بن عبد العزيز قال إذا فرغ الله من أهل الجنة والنار أقبل في ظلل من الغمام والملائكة فيسلم على أهل الجنة في أول درجة فيردون عليه السلام قال القرظي وهذا في القرآن سلام قولا من رب رحيم فيقول سلوني يفعل بهم ذلك في درجهم حتى يستوي على عرشه ثم تأتيهم التحف من الله تحمله الملائكة إليهم وقال عبد الواحد بن زيد عن الحسن لو علم العابدون أنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت أنفسهم في الدنيا وقال هشام بن حسان عنه أنه تبارك وتعالى يتجلى لأهل الجنة فإذا رأوه نسوا نعيم الجنة أعجب الصبر صبر المحبين قال الشاعر(1\/435)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "431",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8515",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه لا يحمد وقف رجل على الشبلي فقال أي الصبر أشد على الصابرين قال الصبر في الله فقال السائل لا فقال الصبر لله قال لا قال فالصبر مع الله قال لا قال فما هو قال الصبر عن الله فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تزهق قال الشاعر والصبر عنك فمذموم عواقبه ... والصبر في سائر الأشياء محمود الخوف يبعدك عن معصيته والرجاء يخرجك إلى طاعته والحب يسوقك إليه سوقا لما علم الله سبحانه أن قلوب المشتاقين إليه لا تهدأإلا بلقائه ضرب لهم أجلا للقاء تسكينا لقلوبهم فقال الله تعالى من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت يامن شكى شوقه من طول فرقته ... إصبر لعلك تلقى من تحب غدا وسر إليه بنار الشوق مجتهدا ... عساك تلقى على نار الغرام هدى المحب الصادق كلما قرب من محبوبه زاد شوقا إليه وأعظم ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الخيام من الخيام كلما وقع بصر المحب على محبوبه أحدثت له رؤيته شوقا على شوقه ما يرجع الطرف عنه حين يبصره ... حتى يعود إليه الطرف مشتاقا المحب الصادق إذا سافر طرفه في الكون لم يجد له طريقا إلا على محبوبه(1\/436)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "432",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8516",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا انصرف بصره عنه رجع إليه خاسئا وهو حسير ويسرح طرفي في الأنام وينثني ... وإنسان عيني بالدموع غريق فيرجع مردودا إليك وماله ... على أحد إلا عليك طريق أقر شيء لعيون المحب خلوته بسره مع محبوبه حدثني من رأى شيخنا في عنفوان أمره خرج إلى البرية بكرة فلما أصحر تنفس الصعداء ثم تمثل بقول الشاعر وأخرج من بين البيوت لعلني ... أحدث عنك القلب بالسر خاليا الشوق يحمل المحب على العجلة في رضا المحبوب والمبادرة إليها على الفور ولو كان فيها تلفه وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى قال بعضهم أراد شوقا إليك فستره بلفظ الرضا ولو قلت طأ في النار أعلم أنه ... رضا لك أو مدن لنا من وصالك لقدمت رجلي نحوها فوطئتها ... هدى منك لي أو ضلة من ضلالك ليهنك إمساكي بكفي على الحشا ... ورقراق عيني خشية من زيالك(1\/437)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "433",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8517",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرني أني خطرت ببالك من علامات المحبة الصادقة أن المحب لا يتم له سرور إلا بمحبوبه وما دام غائبا عنه فعيشه كله منغص نحن في أكمل السرور ولكن ... ليس إلا بكم يتم السرور عيب ما نحن فيه يا أهل ودي ... أنكم غيب ونحن حضور وقال آخر من سره العيد الجديد ... فقد عدمت به السرورا كان السرور يتم لي ... لو كان أحبابي حضورا لو قيل للمحب على الدوام ما تتمنى لقال لقاء المحبوب ولما نزلنا منزلا طله الندى ... أنيقا وبستانا من النور حاليا أجد لنا طيب المكان وحسنه ... منى فتمنينا فكنت الأمانيا وقال الجنيد سمعت السري يقول الشوق أجل مقام العارف إذا تحقق فيه وإذا تحقق بالشوق لها عن كل ما يشغله عمن يشتاق إليه وقيل أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام قال لشبان بني إسرائيل لم تشغلون نفوسكم بغيري وأنا مشتاق إليكم ما هذا الجفاء ولو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم ورفقي بهم ومحبتي لترك معاصيهم لماتوا شوقا إلي وانقطعت أوصالهم من محبتي هذه إرادتي للمدبرين عني فكيف إرادتي للمقبلين علي وسئل الجنيد من أي شيء بكاء المحب إذا لقي المحبوب فقال إنما يكون ذلك سرورا به(1\/438)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "434",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8518",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ووجدا من شدة الشوق إليه قال ولقد بلغني أن أخوين تعانقا فقال أحدهما واشوقاه وقال الآخر وواجداه وكانت عجوز لها غائب فقدم من السفر فأظهر أهلها الفرح والسرور به فجعلت تبكي فقيل لها ما هذا البكاء فقالت ذكرني قدوم هذا الفتى يوم القدوم على الله وقال بعض المحبين قلوب المشتاقين منورة بنور الله فإذا تحرك اشتياقهم أضاء النور ما بين السماء والأرض فيعرضهم الله سبحانه وتعالى على الملائكة فيقول هؤلاء المشتاقون إلي أشهدكم أني إليهم أشوق فصل قال ابن أبي الحواري رحمه الله تعالى سئل أبو سليمان الداراني رحمه الله وأنا حاضر ما أقرب ما يتقرب به إلى الله عز وجل فبكى ثم قال مثلي يسأل عن هذا أقرب ما يتقرب به إليه أن يطلع على قلبك وأنت لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو وقال يحيى بن معاذ النسك هو العناية بالسرائر وإخراج ما سوى الله من القلب وقال سهل بن عبد الله ما من ساعة إلا والله سبحانه يطلع فيها على قلوب العباد فأي قلب رأى فيه غيره سلط عليه إبليس وقال سهل بن عبد الله من نظر إلى الله عز وجل قريبا منه بعد عن قلبه كل شيء سوى الله ومن طلب مرضاته أرضاه الله سبحانه وتعالى ومن أحلم قلبه إلى الله تولى الله جوارحه وقال سهل أيضا حرام على قلب أن يشم رائحة اليقين وفيه سكون إلى غير الله وحرام على قلب أن يدخله النور وفيه شيء مما يكره الله وسئل يعضهم عن افضل الأعمال فقال رعاية السر عن الالتفات إلى شيء(1\/439)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "435",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8519",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سوى الله عز وجل وقال مسلم تركتموه وأقبل بعضكم على بعض لو أقبلتم عليه لرأيتم العجائب فصل فإن تقاصرت همتك الدنية عن ترك الفواحش محبة لهذا المحبوب الأعلى ولست هناك فاتركها محبة للنساء اللاتي وصفهن الله في كتابه وبعث رسوله داعيا إلى وصالهن في جنة المأوى وقد تقدم ذكر بعض صفاتهن ولذة وصالهن فإن تقاصرت همتك عنهن ولم تكن كفؤا لخطبتهن ودعتك نفسك إلى إيثار ما هاهنا عليهن فكن من عقوبته العاجلة والآجلة على حذر واعلم أن العقوبات تختلف فتارة تعجل وتارة توخر وتارة يجمع الله على العاصي بينهما وأشد العقوبات العقوبة بسلب الإيمان ودونها العقوبة بموت القلب ومحو لذة الذكر والقراءة والدعاء والمناجاة منه وربما دبت عقوبة القلب فيه دبيب الظلمة إلى أن يمتلئ القلب بهما فتعمى البصيرة وأهون العقوبة ما كان واقعا بالبدن في الدنيا وأهون منها ما وقع بالمال وربما كانت عقوبة النظر في البصيرة أو في البصر أو فيهما قال الفضيل يقول الله تعالى ابن آدم إذا كنت أقلبك في نعمتي وأنت تتقلب في معصيتي فاحذر لئلا أصرعك بين معاصيك ابن آدم اتقني ونم حيث شئت إنك إن ذكرتني ذكرتك وإن نسيتني نسيتك والساعة التي لا تذكرني فيها عليك لا لك(1\/440)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "436",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8520",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الفضيل أيضا ما يؤمنك أن تكون بارزت الله تعالى بعمل مقتك عليه فأغلق عنك أبواب المغفرة وأنت تضحك وقال علقمة بن مرثد بينا رجل يطوف بالبيت إذ برق له ساعد امرأة فوضع ساعده على ساعدها فالتذ به فلصقت ساعداهما فأتى بعض أولئك الشيوخ فقال ارجع إلى المكان الذي فعلت هذا فيه فعاهد رب البيت أن لا تعود فقعل فخلي عنه وقال ابن عباس وأنس رضي الله عنهم إن للحسنة نورا في القلب وزينا في الوجه وقوة في البدن وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق وإن للسيئة ظلمة في القلب وشينا في الوجه ووهنا في البدن ونقصا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق وقال الحسن ما عصى الله عبد إلا أذله الله وقال المعتمر بن سليمان إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته وقال الحسن هانوا عليه فعصوه ولو عزوا عليه لعصمهم وكان شيخ من الأعراب يدور على المجالس ويقول من سره أن تدوم له العافية فليتق الله وقال أبو سليمان الداراني من صفا صفا له ومن كدر كدر عليه ومن أحسن في ليله كفي في نهاره ومن أحسن في نهاره كفي في ليله ومن ترك لله شهوة من قلبه فالله أكرم أن يعذب بها قلبه وكتبت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها إلى معاوية أما بعد فإن العامل إذا عمل بمعصية الله عاد حامده من الناس ذاما وقال محارب بن دثار إن الرجل ليذنب الذنب فيجد له في قلبه وهنا وقال الحسين بن مطير ونفسك أكرم عن أمور كثيرة ... فما لك نفس بعدها تستعيرها(1\/441)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "437",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8521",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا تقرب الأمر الحرام فإنما ... حلاوته تفنى ويبقى مريرها وكان سفيان الثوري يتمثل بهذين البيتين تفنى اللذاذة ممن ذاق صفوتها ... من الحرام ويبقى الإثم والعار تبقى عواقب سوء في مغبتها ... لا خير في لذة من بعدها النار فصل واعلم أن الجزاء من جنس العمل والقلب معلق بالحرام كلما هم أن يفارقه ويخرج منه عاد إليه ولهذا يكون جزاؤه في البرزخ وفي الآخرة هكذا وفي بعض طرق حديث سمرة بن جندب الذي في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني فانطلقت معهما فإذا بيت مبني على مثل بناء التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يوقد تحته نار فيه رجال ونساء عراة فإذا أوقدت النار ارتفعوا حتى يكادوا أن يخرجوا فإذا أخمدت رجعوا فيها فقلت من هؤلاء قال هم الزناةquot; فتأمل مطابقة هذا العذاب لحال قلوبهم في الدنيا فإنهم كلما هموا بالتوبة والإقلاع والخروج من تنور الشهوة إلى فضاء التوبة أركسوا فيه وعادوا بعد أن كادوا يخرجون ولما كان الكفار في سجن الكفر والشرك وضيقه وكانوا كلما هموا(1\/442)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "438",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8522",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالخروج منه إلى فضاء الإيمان وسعته وروحه رجعوا على حوافرهم كان عقوبتهم في الآخرة كذلك قال الله تعالى كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقال في موضع آخر كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها فالكفر والمعاصي والفسوق كله غموم وكلما عزم العبد أن يخرج منه أبت عليه نفسه وشيطانه ومألفه فلا يزال في غم ذلك حتى يموت فإن لم يخرج من غم ذلك في الدنيا بقي في غمه في البرزخ وفي القيامة وإن خرج من غمه وضيقه هاهنا خرج منه هناك فما حبس العبد عن الله في هذه الدار حبسه عنه بعد الموت وكان معذبا به هناك كما كان قلبه معذبا به في الدنيا فليس العشاق والفجرة والظلمة في لذة في هذه الدار وإنما هم يعذبون فيها وفي البرزخ وفي القيامة ولكن سكر الشهوة وموت القلب حال بينهم وبين الشعور بالألم فإذا حيل بينهم وبين ما يشتهون أحضرت نفوسهم الألم الشديد وصار يعمل فيها بعد الموت نظير ما يعمل الدود في لحومهم فالآلام تأكل أرواحهم غير أنها لا تفنى والدود يأكل جسومهم قال الإمام أحمد رضي الله عنه حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال حدثني عبد الصمد بن معقل حدثني وهب بن منبه قال كان حزقيل قائما فأتاه ملك فذكر حديثا طويلا وفيه أنه مر بقوم أموات فقيل له ادعهم فدعاهم فأحياهم الله له فقال سلهم فيم كنتم فقالوا لما فارقنا(1\/443)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "439",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8523",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحياة لقيا ملكا يقال له ميكائيل فقال هلموا أعمالكم وخذوا أجوركم فذلك سنتنا فيكم وفيمن كان قبلكم وفيمن هو كائن بعدكم فنظروا في أعمالنا فوجدونا نعبد الأوثان فسلط الدود على أجسادنا وجعلت الأرواح تألم وسلط الغم على أرواحنا وجعلت الأجساد تألم فلم نزل كذلك نعذب حتى دعوتنا(1\/444)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "440",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8524",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "الباب السابع والعشرون: فيمن ترك محبوبه حراما فبذل له حلالا أو أعاذه الله خيرا منه",
        "content": "الباب السابع والعشرون: فيمن ترك محبوبه حراما فبذل له حلالا أو أعاذه الله خيرا منه عنوان هذا الباب وقاعدته أن من ترك لله شيئا عوضه الله خيرا منه كما ترك يوسف الصديق عليه السلام امرأة العزيز لله واختار السجن على الفاحشة فعوضه الله أن مكنه في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء وأتته المرأة صاغرة سائلة راغبة في الوصل الحلال فتزوجها فلما دخل بها قال هذا خير مما كنت تريدين فتأمل كيف جزاه الله سبحانه وتعالى على ضيق السجن أن مكنه في الأرض ينزل منها حيث يشاء وأذل له العزيز امرأته وأقرت المرأة والنسوة ببراءته وهذه سنته تعالى في عباده قديما وحديثا إلى يوم القيامة ولما عقر سليمان بن داود عليهم السلام الخيل التي شغلته عن صلاة العصر حتى غابت الشمس سخر الله له الريح يسير على متنها حيث أراد ولما ترك المهاجرون ديارهم لله وأوطانهم التي هي أحب شيء إليهم أعاضهم الله أن فتح عليهم الدنيا وملكهم شرق الأرض وغربها ولو اتقى الله السارق وترك سرقة المال المعصوم لله لآتاه الله مثله حلالا قال الله تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه إذا اتقاه بترك أخذ مالا يحل له رزقه الله من حيث لا يحتسب وكذلك الزاني(1\/445)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "441",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8525",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لو ترك ركوب ذلك الفرج حراما لله لأثابه الله بركوبه أو ركوب ما هو خير منه حلالا وقال الإمام أحمد حدثنا هشيم حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن محارب بن دثار عن صلة عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم النظرة إلى المرأة سهم من سهام إبليس مسموم من تركه خوف الله أثابه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه وقال عمر بن شبة حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا عنبسة بن عبد الرحمن حدثنا أبو الحسن المدني عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;نظر الرجل في محاسن المرأة سهم من سهام إبليس مسموم فمن أعرض عن ذلك السهم أعقبه الله عبادة تسره quot; وقال أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله تعالى بلغني عن بعض الأشراف أنه اجتاز بمقبرة فإذا جارية حسناء عليها ثياب سواد فنظر إليها فعلقت بقلبه فكتب إليها قد كنت أحسب أن الشمس واحدة ... والبدر في منظر بالحسن موصوف حتى رأيتك في أثواب ثاكلة ... سود وصدغك فوق الخد معطوف فرحت والقلب مني هائم دنف ... والكبد حرى ودمع العين مذروف(1\/446)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "442",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8526",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ردي الجوب ففيه الشكر واغتنمي ... وصل المحب الذي بالحب مشغوف ورمى بالرقعة إليها فلما قرأتها كتبت إن كنت ذا حسب زاك وذا نسب ... إن الشريف بغض الطرف معروف إن الزناة أناس لا خلاق لهم ... فاعلم بأنك يوم الدين موقوف واقطع رجاك لحاك الله من رجل ... فإن قلبي عن الفحشاء مصروف فلما قرأ الرقعة زجر نفسه وقال أليس امرأة تكون أشجع منك ثم تاب ولبس مدرعة من الصوف والتجأ إلى الحرم فبينا هو في الطواف يوما وإذا بتلك الجارية عليها درع من صوف فقالت له ما أليق هذا بالشريف هل لك في المباح فقال قد كنت أروم هذا قبل أن أعرف الله وأحبه والآن قد شغلني حبه عن حب غيره فقالت له أحسنت ثم طافت وهي تنشد فطفنا فلاحت في الطواف لوائح ... غنينا بها عن كل مرأى ومسمع وقال الحسن البصري كانت امرأة بغي قد فاقت أهل عصرها في الحسن لا تمكن من نفسها إلا بمائة دينار وإن رجلا أبصرها فأعجبته فذهب فعمل بيديه وعالج فجمع مائة دينار فجاء فقال إنك قد أعججبتني فانطلقت فعملت بيدي وعالجت حتى جمعت مائة دينار فقالت ادفعها إلىالقهرمان حتى ينقدها ويزنها فلما فعل قالت ادخل وكان لها بيت منجد وسرير من(1\/447)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "443",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8527",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذهب فقالت هلم لك فلما جلس منها مجلس الخائن تذكر مقامه بين يدي الله فأخذته رعدة وطفئت شهوته فقال أتركيني لأخرج ولك المائة دينار فقالت ما بدا لك وقد رأيتني كما زعمت فأعجبتك فذهبت فعالجت وكدحت حتى جمعت مائة دينار فلما قدرت علي فعلت الذي فعلت فقال ما حملني على ذلك إلا الفرق من الله وذكرت مقامي بين يديه قالت إن كنت صادقا فمالي زوج غيرك قال ذريني لأخرج قالت لا إلا أن تجعل لي عهدا أن تتزوجني فقال لا حتى أخرج قالت عليك عهد الله إن إنا أتيتك أن تتزوجني قال لعل فتقنع بثوبه ثم خرج إلى بلده وارتحلت المرأة بدنياها نادمة على ما كان منها حتى قدمت بلده فسألت عن اسمه ومنزله فدلت عليه فقيل له الملكة جاءت بنفسها تسأل عنك فلما رآها شهق شهقة فمات فأسقط في يدها فقالت أما هذا فقد فاتني أما له من قريب قيل بلى أخوه رجل فقير فقالت إني أتزوجك حبا لأخيك قال فتزوجته فولدت له سبعة أبناء وقال يحيى بن عامر التيمي خرج رجل من الحي حاجا فورد بعض المياه ليلا فإذا هو بامرأة ناشرة شعرها فأعرض عنها فقالت له هلم إلي فلم تعرض عني فقال إني أخاف الله رب العالمين فتجلببت ثم قالت هبت والله مهابا إن أولى من شركك في الهيبة لمن أراد أن يشركك في المعصية ثم ولت فتبعها فدخلت بعض خيام الأعراب قال فلما أصبحت أتيت رجلا من القوم فسألته عنها وقلت فتاة صفتها كذا وكذا فقال هي(1\/448)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "444",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8528",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والله ابنتي فقلت هل أنت مزوجي بها فقال على الأكفاء فمن أنت فقلت رجل من تيم الله قال كفو كريم فما رمت حتى تزوجتها ودخلت بها ثم قلت جهزوها إلى قدومي من الحج فلما قدمنا حملتها إلى الكوفة وهاهي ذي ولي منها بنون وبنات قال فقلت لها ويحك ما كان تعرضك لي حينئذ فقالت يا هذا ليس للنساء خير من الأزواج فلا تعجبن من امرأة تقول هويت فوالله لو كان عند بعض السودان ما تريده من هواها لكان هو هواها وقال الحسن بن زيد ولينا بديار مصر رجل فوجد على بعض عماله فحبسه وقيده فأشرفت عليه ابنة الوالي فهويته فكتبت إليه أيها الرامي بعينيه ... وفي الطرف الحتوف إن ترد وصلا فقد أمكنك ... الظبي الألوف فأجابها الفتى إن تريني زاني العينين ... فالفرج عفيف ليس إلا النظر الفا ... تر والشعر الظريف فأجابته قد أردناك فألفيناك ... إنسانا عفيفا فتأبيت فلا زلت ... لقيديك حليفا فأجابها(1\/449)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "445",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8529",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما تأبيت لأني ... كنت للظبي عيوفا غير أني خفت ربا ... كان بي برا لطيفا فذاع الشعر وبلغت القصة الوالي فدعا به فزوجه إياها ودفعها إليه وذكر أن رجلا أحب امرأة وأحبته فاجتمعا فراودته المرأة عن نفسه فقال إن أجلي ليس بيدي وأجلك ليس بيدك فربما كان الأجل قد دنا فنلقى الله عاصيين فقالت صدقت فتابا وحسنت حالهما وتزوجت به وذكر بكر بن عبد الله المزني أن قصابا ولع بجارية لبعض جيرانه فأرسلها أهلها إلى حاجة في قرية أخرى فتبعها فراودها عن نفسها فقالت لا تفعل لأنا أشد حبا لك مني ولكني أخاف الله قال فأنت تخافينه وأنا لا أخافه فرجع تائبا فأصابه العطش حتى كاد ينقطع عنقه فإذا هو برسول لبني إسرائيل فسأله فقال مالك قال العطش فقال تعال حتى ندعو الله حتى تظلنا سحابة حتى ندخل القرية قال مالي من عمل فأدعوه قال فأنا أدعوه وأمن أنت فدعا وأمن الرجل فأظلتهما سحابة حتى انتهيا إلى القرية فذهب القصاب إلى مكانه فرجعت السحابة معه فرجع إليه الرسول فقال زعمت أن ليس لك عمل وأنا الذي دعوت وأنت أمنت فأظلتنا سحابة ثم تبعتك لتخبرني ما أمرك فأخبره فقال الرسول إن التائب إلى الله يمكان ليس أحد من الناس بمكانه وقال يحيى بن أيوب كان بالمدينة فتى بعجب عمر بن الخطاب رضي الله عنه شأنه فانصرف ليلة من صلاة العشاء فتمثلت له امرأة بين يديه(1\/450)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "446",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8530",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعرضت له بنفسها ففتن بها ومضت فأتبعها حتى وقف على بابها فأبصر وجلا عن قلبه وحضرته هذه الآية إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون فخر مغشيا عليه فنظرت إليه المرأة فإذا هو كالميت فلم تزل هي وجارية لها يتعاونان عليه حتى ألقياه على باب داره فخرج أبوه فرآه ملقى على باب الدار لما به فحمله وأدخله فأفاق فسأله ما أصابك يا بني فلم يخبره فلم يزل به حتى أخبره فلما تلا الآية شهق شهقة فخرجت نفسه فبلغ عمر رضي الله عنه قصته فقال ألا آذنتموني بموته فذهب حتى وقف على قبره فنادى يا فلان ولمن خاف مقام ربه جنتان فسمع صوتا من داخل القبر قد أعطاني ربي يا عمر وذكر الحسن هذه القصة عن عمر رضي الله عنه على وجه آخر قال كان شاب على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ملازما للمسجد والعبادة فهويته جارية فحدث نفسه بها ثم إنه تذكر وأبصر فشهق شهقة فغشي عليه منها فجاء عم له فحمله إلى بيته فلما أفاق قال يا عم انطلق إلى عمر فأقرئه مني السلام وقل له ما جزاء من خاف مقام ربه فأخبر عمر فأتاه وقد مات فقال لك جنتان وفي جامع الترمذي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;كان ذو الكفل لا يتورع من ذنب عمله(1\/451)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "447",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8531",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت فقال ما يبكيك أكرهتك قالت لا ولكن هذا عمل لم أعمله وإنما حملتني عليه الحاجة قال فتفعلين هذا وأنت لم تفعليه قط ثم قال اذهبي والدنانير لك ثم قال والله لا يعصي الله ذوالكفل أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه قد غفر الله لذي الكفلquot; قال الترمذي هذا حديث حسن وقال أبو هريرة وابن عباس رضي الله عنهم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته فقال في خطبته: quot;ومن قدر على امرأة أو جارية حراما فتركها مخافة من الله أمنه الله يوم الفزع الأكبر وحرمه على النار وأدخله الجنةquot; وقال مالك بن دينار جنات النعيم بين الفردوس وبين جنات عدن فيها جوار خلقن من ورد الجنة يسكنها الذين هموا بالمعاصي فلما ذكروا الله عز وجل راقبوه فانثنت رقابهم من خشية الله عز وجل قال ميمون بن مهران الذكر ذكران فذكر الله عز وجل باللسان حسن وأفضل منه أن تذكر الله عز وجل عندما تشرف على معاصيه وقال قتادة رضي الله عنه ذكر لنا أن نبي الله كان يقول لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله عز وجل إلا أبدله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك وقال عبيد بن عمير صدق الإيمان وبره أن يخلو الرجل بالمرأة الحسناء فيدعها لا يدعها إلا لله عز وجل(1\/452)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "448",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8532",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو عمران الجوني كان رجل من بني إسرائيل لا يمتنع من شيء فجهد أهل بيت من بني إسرائيل فأرسلوا إليه جارية منهم تسأله شيئا فقال لا أو تمكنيني من نفسك فخرجت فجهدوا جهدا شديدا فرجعت إليه فقالت أعطنا فقال لا أو تمكنيني من نفسك فرجعت فجهدوا جهدا كثيرا فأرسلوها إليه فقال لها ذلك فقالت دونك فلما خلا بها جعلت تنتفض كا تنتفض السعفة قال لها مالك قالت إني أخاف الله رب العالمين هذا شيء لم أصنعه قط قال أنت تخافين الله ولم تصنعيه وأفعله أعاهد الله أني لا أرجع إلى شيء مما كنت فيه فأوحى الله إلى نبي من أنبيائهم أن فلانا أصبح في كتب أهل الجنة وذكر أن شابا في بني إسرائيل لم يكن فيهم شاب أحسن منه كان يبيع المكاتل فبينا هو ذات يوم يطوف بمكاتله إذ خرجت امرأة من دار ملك من ملوك بني إسرائيل فلما رأته رجعت مبادرة فقالت لابنة الملك إني رأيت شابا بالباب يبيع المكاتل لم أر شابا قط أحسن منه قالت أدخليه فخرجت فقالت ادخل فدخل فأغلقت الباب دونه ثم قالت ادخل فدخل فأغلقت بابا آخر دونه ثم استقبلته بنت الملك كاشفة عن وجهها ونحرها فقال لها استتري عافاك الله فقالت إنا لم ندعك لهذا إنما ندعوك لكذا وراودته عن نفسه فقال لها اتقي الله قالت إنك إن لم تطاوعني على ما أريد أخبرت الملك أنك إنما دخلت تكابرني على نفسي قال لها فضعي لي وضوءا فقالت أعلي تتعلل يا جارية ضعي له وضوءا فوق الجوسق مكانا لا يستطيع أن يفر منه فلما(1\/453)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "449",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8533",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صار في الجوسق قال اللهم إني دعيت إلى معصيتك وإني أختار أن ألقي نفسي من هذا الجوسق ولا أركب معصيتك ثم قال بسم الله وألقى نفسه من أعلاه فأهبط الله ملكا أخذ بضبعيه فوقع قائما على رجليه فلما صار في الأرض قال اللهم إن شئت رزقتني رزقا يغنيني عن بيع هذه المكاتل فأرسل الله عليه رجلا من جراد من ذهب فأخذ منه حتى ملأ ثوبه فلما صار في ثوبه قال اللهم إن كان هذا رزقا رزقتنيه من الدنيا فبارك لي فيه وإن كان ينقصني مما لي عندك في الآخرة فلا حاجة لي فيه فنودي إن هذا الذي أعطيناك جزء من خمسة وعشرين جزءا لصبرك على إلقائك نفسك فقال اللهم فلا حاجة لي فيما ينقصني مما لي عندك في الآخرة فرجع الجراد وذكر أبو الفرج بن الجوزي عن رجل من بعض المياسير قال بينا أنا يوما في منزلي إذ دخل علي خادم لي فقال لي رجل بالباب معه كتاب فقلت أدخله أو خذ كتابه فأخذ الكتاب منه فإذا فيه تجنبك الردى ولقيت خيرا ... وسلمك المليك من الغموم شكون بنات أحشائي إليكم ... وما إن تشتكين إلى ظلوم وسألتني الكتاب إليك فيما ... يخامرها فدتك من الهموم وهن يقلن يا ابن الجود إنا ... برمنا من مراعاة النجوم وعندك لو مننت شفاء سقم ... لأعضاء دمين من الكلوم(1\/454)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "450",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8534",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال فلما قرأت الأبيات قلت عاشق فقلت للخادم أدخله فخرج فلم يره فارتبت في أمره فجعل الفكر يتردد في قلبي فدعوت جواري كلهن فجمعتهن فقلت لهن ما قصة هذا الكتاب فحلفن لي وقلن يا سيدنا ما نعرف لهذا الكتاب سببا فمن جاءك به فقلت قد فاتني وما أردت سؤالكن إلا أني ظننت له هوى في بعضكن فمن عرفت منكم أنها صاحبته فهي له فلتذهب إليه ولتأخذ كتابي إليه وكتبت كتابا أشكره على فعله وأسأله عن حاله ووضعت الكتاب في موضع من الدار فمكث الكتاب في موضعه حينا لا يأخذه أحد ولا أرى الرجل فاغتممت غما شديدا ثم قلت لعله بعض فتياننا ثم قلت إن هذا الفتى قد أخبر عن نفسه بالورع وقد قنع ممن يحبه بالنظر فدبرت عليه فحجبت جواري عن الخروج فما كان إلا يوم وبعض الآخر إذ دخل علي الخادم ومعه كتاب قال أرسل به إليك فلان وذكر بعض أصدقائي ففضضته فإذا فيه مكتوب ماذا أردت إلى روح معلقة ... عند التراقي وحادي الموت يحدوها حثثت حاديها ظلما فجد بها ... في السير حتى تولت عن تراقيها حجبت من كان تحيا عند رؤيتها ... روحي ومن كان يشفيني ترائيها فالنفس تجنح نحو الظلم جاهلة ... والقلب مني سليم ما يؤاتيها والله لو قيل لي تأتي بفاحسة ... وإن عقباك دنيانا وما فيها لقلت لا والذي أخشى عقوبته ... ولا بأضعافها ما كنت آتيها لولا الحياء لبحنا بالذي كتمت ... بنت الفؤاد وأبدينا تمنيها(1\/455)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "451",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8535",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال فبهت وقلت لا أدري ما أحتال في أمر هذا الرجل وقلت للخادم لا يأتيك أحد بكتاب إلا قبضت عليه حتى تدخله علي ثم لم أعرف له خبرا بعد ذلك فبينا أنا أطوف بالكعبة إذا فتى قد أقبل نحوي وجعل يطوف إلى جنبي ويلاحظني وقد صار مثل العود فلما قضيت طوافي خرجت وأتبعني فقال يا هذا أتعرفني قلت لا أنكرك لسوء قال أنا صاحب الكتابين فما تمالكت أن قبلت رأسه وبين عينيه وقلت بأبي أنت وأمي والله لقد شغلت قلبي وأطلت غمي بشدة كتمانك لأمرك فهل لك فيما سألت وطلبت قال بارك الله لك وأقر عينيك إنما أتيتك أستحلك من نظرة كنت نظرتها على غير حكم الكتاب والسنة والهوى داع إلى كل بلاء وأستغفر الله العظيم فقلت يا حبيبي أحب أن تصير معي إلى منزلي فآنس بك وتجري الحرمة بيني وبينك قال ليس إلى ذلك سبيل فقلت غفر الله لك ذنبك وقد وهبتها لك ومعها مائة دينار ولك في كل سنة كذا وكذا قال بارك الله لك فيها فلولا عهود عاهدت الله عليها وأشياء أكدتها علي لم يكن في الدنيا شيء أحب غلي من هذا الذي تعرضه علي ولكن ليس إلى ذلك سبيل والدنيا منقطعة فقلت له فإذا أبيت أن تقبل مني ذلك فأخبرني من هي حتى أكرمها لأجلك ما بقيت فقال ما كنت لأذكرها لأحد ثم قام وتركني وذكر عبد الملك بن قريب قال هوي رجل من النساء جارية فاشتد حبه لها فبعث إليها يخطبها فامتنعت وأجابته إلى غير ذلك فأبى وقال لا إلا ما أحل الله ثم إن محبته ألقيت في قلبها فبذلت له ما سأل فقال لا والله لا حاجة لي بمن دعوتها إلى طاعة الله ودعتني إلى معصيته وحكى المبرد عن شيخه أبي عثمان المازني أنه قصده بعض أهل الذمة ليقرأ(1\/456)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "452",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8536",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه كتاب سيبويه وبذل له مائة دينار فامتنع ورده فقلت له أترد هذا القدر مع شدة فاقتك فقال إن هذا الكتاب يشتمل على ثلاثمائة وكذا وكذا آية من كتاب الله ولست أرى تمكين هذا الذمي منها غيرة على القرآن فاتفق أن غنت جارية بحضرة الوائق يقول العرجي أظلوم إن مصابكم رجلا ... أهدى السلام تحية ظلم فاختلف أهل مجلسه في إعراب رجل فمنهم من قال هو نصب وجعله اسم إن ومنهم من رفعه على أنه خبرها والجارية أصرت على النصب وقالت لقنني إياه كذلك شيخي أبو عثمان المازني فأمر الواثق بإحضاره إلى بين يديه قال فلما مثلت بين يديه قال ممن الرجل قلت من بني مازن قال أي الموازن أمازن تميم أم مازن قيس أم مازن ربيعة قلت من مازن ربيعة فكلمني بكلام قومي فقال لي با اسمك وقومي يقلبون الميم باء والباء ميما فكرهت أن أواجهه بلفظة مكر فقلت بكر يا أمير المؤمنين ففطن لما قصدته وأعجب به فقال ما تقول في قول الشاعر أظلوم إن مصابكم رجلا ... أهدى السلام تحية ظلم أترفع رجلا أم تنصبه فقلت الوجه النصب يا أمير المؤمنين فقال ولم ذلك فقلت لأن مصابكم مصدر بمعنى إصابتكم فأخذ البزيدي في معارضتي فقلت هو بمنزلة قولك إن ضربك زيدا ظلم فرجلا مفعول مصابكم ومنصوب به والدليل عليه أن الكلام معلق إلى أن تقول ظلم فيتم فاستحسنه الواثق وقال هل لك من ولد قلت نعم يا أمير المؤمنين بنية قال فما قالت لك عند مسيرك إلينا قلت أنشدت قول الأعشى(1\/457)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "453",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8537",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أيا أبتا لا ترم عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم ترانا إذا أضمرتك البلا ... د بجفى وتقطع منا الرحم قال فما قلت لها قال قلت قول جرير ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح فقال علي النجاح إن شاء الله ثم أمر لي بألف دينار وردني إلى البصرة مكرما فقال أبو العباس المبرد فلما عاد إلى البصرة قال لي كيف رأيت يا أبا العباس رددنا لله مائة دينار فعوضنا الله ألفا(1\/458)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "454",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8538",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن عم لها فأرادها عن نفسها فامتنعت عليه وقالت فما طعم ماء من السحاب مروق ... تحدر من غر طوال الذوائب بمنعرج أو بطن واد تطلعت ... عليه رياح الصيف من كل جانب ترقرق ماء المزن فيهن والتقت ... عليهن أنفاس الرياض الغرائب نفت جرية الماء القذى عن متونه ... فليس به عيب تراه لشارب بأطيب مما يقصر الطرف دونه ... تقى الله واستحياء تلك العواقب(1\/458)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "455",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8539",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الثامن والعشرون: فيمن آثر عاجل العقوبة والآلام على لذة الوصال الحرام هذا باب إنما يدخل منه رجلان أحدهما من تمكن من قلبه الإيمان بالآخرة وما أعد الله فيها من الثواب والعقاب لمن عصاه فآثر أدنى الفوتين واختار أسهل العقوبتين والثاني رجل غلب عقله على هواه فعلم ما في الفاحشة من المفاسد وما في العدول عنها من المصالح فآثر الأعلى على الأدنى وقد جمع الله سبحانه وتعالى ليوسف الصديق صلوات الله وسلامه عليه بين الأمرين فاختار عقوبة الدنيا بالسجن على ارتكاب الحرام فقالت المرأة ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاختار السجن على الفاحشة ثم تبرأ إلى الله من حوله وقوته وأخبر أن ذلك ليس إلا بمعونة الله له وتوفيقه وتأييده لا من نفسه فقال وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فلا يركن العبد إلى نفسه وصبره وحاله وعفته ومتى ركن إلى ذلك تخلت عنه عصمة الله وأحاط به الخذلان وقد قال الله تعالى لأكرم الخلق عليه وأحبهم إليه ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ولهذا كان من دعائه يا مقلب(1\/459)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "456",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8540",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القلوب ثبت قلبي على دينك وكانت أكثر يمينه لا ومقلب القلوب كيف وهو الذي أنزل عليه واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وقد جرت سنة الله تعالى في خلقه أن من آثر الألم العاجل على الوصال الحرام أعقبه ذلك في الدنيا المسرة التامة وإن هلك فالفوز العظيم والله تعالى لا يضيع ما تحمل عبده لأجله وفي بعض الآثار الإلهية يقول الله سبحانه وتعالى بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي وكل من خرج عن شيء منه لله حفظه الله عليه أو أعاضه الله ما هو أجل منه ولهذا لما خرج الشهداء عن نفوسهم لله جعلهم الله أحياء عنده يرزقون وعوضهم عن أبدانهم التي بذلوها له أبدان طير خضر جعل أرواحهم فيها تسرح في الجنة حيث شاءت وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش ولما تركوا مساكنهم له عوضهم مساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وقال وهب بن منبه كان عابد من عباد بني إسرائيل يتعبد في صومعة فجاء رجل من بني إسرائيل إلى امرأة بغي فبذل لها مالا وقال لعلك أن تفتنيه فجاءته في ليلة مطيرة فنادته فأشرف عليها فقالت آوني إليك فتركها وأقبل على صلاته فقالت يا عبد الله آوني إليك أما ترى الظلمة والمطر فلم تزل به حتى آواها فاضطجعت قريبا منه فجعلت تريه محاسنها حتى دعته نفسه إليها فقال لا والله حتى أنظر كيف صبرك على النار فتقدم إلى(1\/460)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "457",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8541",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المصباح فوضع إصبعا من أصابعه حتى احترقت ثم عاد إلى صلاته فدعته نفسه إليها فعاود المصباح فوضع إصبعه الأخرى حتى احترقت فلم يزل تدعوه نفسه وهو يعود إلى المصباح حتى احترقت أصابعه جميعا وهي تنظر فصعقت وماتت وقال الإمام أحمد حدثنا إبراهيم بن خالد حدثنا أمية بن شبل عن عبد الله بن وهب قال لا أعلمه إلا ذكره عن أبيه أن عابدا من بني إسرائيل كان في صومعته يتعبد فإذا نفر من الغواة قالوا لو استنزلناه بشيء فذهبوا إلى امرأة بغي فقالوا لها تعرضى له فجاءته في ليلة مظلمة مطيرة فقالت يا عبد الله آوني إليك وهو قائم يصلي ومصباحه ثاقب فلم يلتفت إليها فقالت يا عبد الله الظلمة والغيث آوني إليك فلم تزل به حتى أدخلها إليه فاضطجعت وهو قائم يصلي فجعلت تتقلب وتريه محاسن خلقها حتى دعته نفسه إليها فقال لا والله حتى أنظر كيف صبرك على النار فدنا إلى المصباح فوضع إصبعا من أصابعه فيه حتى احترقت قال ثم رجع إلى مصلاه قال فدعته نفسه أيضا فعاد إلى المصباح فوضع إصبعه أيضا حتى احترقت أصابعه وهي تنظر إليه فصعقت فماتت فلما أصبحوا غدوا لينظروا ما صنعت فإذا بها ميتة فقالوا يا عدو الله يا مرائي وقعت عليها ثم قتلتها قال فذهبوا به إلى ملكهم فشهدوا عليه فأمر بقتله فقال دعوني حتىأصلي ركعتين قال فصلى ثم دعا فقال أي رب إني أعلم أنك لم تكن لتؤاخذني بما لم أفعل ولكن اسألك أن لا أكون عارا على القرى بعدي قال فرد الله نفسها فقالت أنظروا إلى يده ثم عادت ميتة(1\/461)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "458",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8542",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن منصور عن إبراهيم قال بينما رجل عابد عند امرأة إذ عمد فضرب بيده على فخذها فأخذ يده فوضعها في النار حتى نشت وقال حصين بن عبد الرحمن بلغني أن فتى من أهل المدينة كان يشهد الصلوات كلها مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان عمر يتفقده إذا غاب فعشقته امرأة من أهل المدينة فذكرت ذلك لبعض نسائها فقالت أنا أحتال لك في إدخاله عليك فقعدت له في الطريق فلما مر بها قالت له إني امرأة كبيرة السن ولي شاة لا أستطيع أن أحلبها فلو دخلت فحلبتها لي وكانوا أرغب شيء في الخير فدخل فلم ير شاة فقالت اجلس حتى آتيك بها فإذا المرأة قد طلعت عليه فلما رأى ذلك عمد إلى محراب في البيت فقعد فيه فأرادته عن نفسه فأبى وقال اتقي الله أيتها المرأة فجعلت لا تكف عنه ولا تلتفت إلى قوله فلما أبى عليها صاحت عليه فجاءوا فقالت إن هذا دخل علي يريدني عن نفسي فوثبوا عليه وجعلوا يضربونه وأوثقوه فلما صلى عمر الغداة فقده فبينا هو كذلك إذ جاءوا به في وثاق فلما رآه عمر قال اللهم لا تخلف ظني به قال مالكم قالوا استغاثت امرأة بالليل فجئنا فوجدنا هذا الغلام عندها فضربناه وأوثقناه فقال عمر رضي الله عنه اصدقني فأخبره بالقصة على وجهها فقال له عمر رضي الله عنه أتعرف العجوز فقال نعم إن رايتها عرفتها فأرسل عمر إلى نساء جيرانها وعجائزهن فجاء بهن فعرضهن فلم يعرفها فيهن حتى مرت به العجوز فقال هذه يا أمير المؤمنين فرفع عمر عليها الدرة وقال أصدقيني فقصت عليه القصة كما قصها الفتى فقال عمر الحمد لله الذي جعل فينا شبيه يوسف(1\/462)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "459",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8543",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو الزناد كان راهب يتعبد في صومعته فأشرف منها فرأى امرأة ففتن بها فأخرج رجله من الصومعة لينزل إليها فنزلت عليه العصمة فقال رجل خرجت من الصومعة لتعصي الله والله لا تعود معي في صومعتي فتركها معلقة خارج الصومعة يسقط عليها الثلوج والأمطار حتى تناثرت وسقطت فشكر الله ذلك من صنعه ومدحه في بعض كتبه بذي الرجل وقال مصعب بن عثمان كان سليمان بن يسار من أحسن الناس وجها فدخلت عليه امرأة بيته فسألته نفسه فامتنع عليها فقالت إذن أفضحك فخرج هاربا عن منزله وتركها فيه وقال جابر بن نوح كنت بالمدينة جالسا عند رجل في حاجة فمر بنا شيخ حسن الوجه حسن الثياب فقام إليه ذلك الرجل فسلم عليه وقال يا أبا محمد أسأل الله أن يعظم أجرك وأن يربط على قلبك بالصبر فقال الشيخ وكان يميني في الوغى ومساعدي ... فأصبحت قد خانت يميني ذراعها وقد صرت حيرانا من الثكل باهتا ... أخا كلف ضاقت علي رباعها فقال له الرجل أبشر فإن الصبر معول المؤمن وإني لأرجو أن لا يحرمك الله الأجر على مصيبتك فقلت له من هذا الشيخ فقال رجل منا من الأنصار فقلت وما قصته قال أصيب بابنه وكان به بارا قد كفاه جميع ما يعنيه ومنيته عجب قلت وما كانت قال أحبته امرأة فأرسلت إليه تشكو حبه وتسأله الزياره وكان لها زوج فألحت عليه فأفشى ذلك إلى صديق(1\/463)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "460",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8544",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له فقال له لو بعثت إليها بعض أهلك فوعظتها وزجرتها رجوت أن تكف عنك فأمسك وأرسلت إليه إما أن تزورني وإما أن أزورك فأبى فلما يئست منه ذهبت إلى امرأة كانت تعمل السحر فجعلت لها الرغائب في تهييجه فعملت لها في ذلك فبينا هو ذات ليلة مع أبيه إذ خطر ذكرها بقلبه وهاج منه أمر لم يكن يعرفه واختلط فقام مسرعا فصلى واستعاذ والأمر يشتد فقال يا أبه أدركني بقيد فقال يا بني ما قصتك فحدثه بالقصة فقام وقيده وأدخله بيتا فجعل يضطرب ويخور كما يخور الثور ثم هدأ فإذا هو ميت والدم يسيل من منخره فصل وهذا ليس بعجيب من الرجال ولكنه من النساء أعجب قال أبو إدريس الأودي كان رجلان في بني إسرائيل عابدان وكانت جارية جميلة فأحباها وكتم كل منهما صاحبه واختبأ كل منهما خلف شجرة ينظر إليها فبصر كل منهما سره إلى صاحبه فاتفقا على أن يراوداها فلما قربت منهما قالا لها قد عرفت منزلتنا في بني إسرائيل وإنك إن لم تؤاتينا وإلا قلنا إذا أصبحنا إنا أصبنا معك رجلا وإنه أفلتنا وإنا أخذناك فقالت ما كنت لأطيعكما في معصية الله فأخذاها وقالا إنا أصبنا معها رجلا فأفلتنا وأقبل نبي من أنبيائهم فوضعوا له كرسيا فجلس عليه وقال أقضي بينكم فقالا نعم اقض بيننا ففرق بين الرجلين وقال لأحدهما خلف أي شجرة رأيتها قال شجرة كذا(1\/464)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "461",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8545",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذا وقال للآخر فقال شجرة كذا وكذا غير التي ذكر صاحبه ونزلت نار من السماء فأحرقتهما وأفلتت المرأة وقال عبد الله بن المبارك عشق هارون الرشيد جارية من جواريه فأرادها فقالت إن أباك مسني فشغف بها وقال فيها أرى ماء وبي عطش شديد ... ولكن لا سبيل إلى الورود أما يكفيك أنك تملكيني ... وأن الناس عندي كالعبيد وأنك لو قطعت يدي ورجلي ... لقلت من الرضا أحسنت زيدي فسأل أبا يوسف عن ذلك فقال أو كلما قالت جارية شيئا تصدق قال ابن المبارك فلا أدري ممن أعجب من هارون الرشيد حيث رغب فيها أو منها حيث رغبت عنه أو من أبي يوسف حيث سوغ له إنيانها وقال أبو عثمان التيمي مر رجل براهبة من أجمل النساء فافتتن بها فتلطف في الصعود إليها فراودها عن نفسها فأبت عليه وقالت لا تغتر بما ترى وليس وراءه شيء فأبى حتى غلبها على نفسها وكان إلى جانبها مجمرة فوضعت يدها فيها حتى احترقت فقال لها بعد أن قضى حاجته منها ما دعاك إلى ما صنعت قالت إنك لما قهرتني على نفسي خفت أن أشاركك في اللذة فأشاركك في المعصية ففعلت ما رأيت فقال الرجل والله لا أعصي الله أبدا وتاب مما كان عليه وذكر الحسين بن محمد الدامغاني أن بعض الملوك خرج يتصيد وانفرد عن(1\/465)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "462",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8546",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصحابه فمر بقرية فرأى امرأة جميلة فراودها عن نفسها فقالت إني غير طاهر فأتطهر وآتيك فدخلت بيتها وخرجت إليه بكتاب فقالت انظر في هذا حتى آتيك فنظر فيه فإذا فيه ما أعد الله للزاني من العقوبة فتركها وذهب فلما جاء زوجها أخبرته الخبر فكره أن يقربها مخافة أن يكون للملك فيها حاجة فاعتزلها فاستعدى عليه أهل الزوجة إلى الملك وقالوا إن لنا أرضا في يد الرجل فلا هو يعمرها ولا هو يردها علينا وقد عطلها فقال الملك ما تقول فقال إني رأيت في هذه الأرض أسدا وأنا أتخوف دخولها منه ففهم الملك القصة فقال اعمر أرضك فإن الأسد لا يدخلها ونعم الأرض أرضك وكانت بعض النساء المتعبدات وقعت في نفس رجل موسر وكانت جميلة وكانت تخطب فتأبى فبلغ الرجل أنها تريد الحج فاشترى ثلاثمائة بعير ونادى من أراد الحج فليكتر من فلان فاكترت منه المرأة فلما كان في بعض الطريق جاءها فقال إما أن تزوجيني نفسك وإما غير ذلك فقالت ويحك اتق الله فقال ما هو إلا ما تسمعين والله ما أنا بجمال ولا خرجت إلا من أجلك فلما خافت على نفسها قالت ويحك انظر أبقي في الرجال عين لم تنم فقال لا ناموا كلهم قالت أفنامت عين رب العالمين ثم شهقت شهقة خرت ميتة وخر الرجل مغشيا عليه فلما أفاق قال ويحي قتلت نفسا ولم أبلغ شهوتي وقال وهب بن منبه كان في بني إسرائيل رجل متعبد شديد الاجتهاد فرأى يوما امرأة فوقعت في نفسه بأول نظرة فقام مسرعا حتى لحقها فقال رويدك يا هذه فوقفت وعرفته فقالت ما حاجتك قال أذات زوج أنت(1\/466)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "463",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8547",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "الباب الثامن والعشرون: فيمن آثر عاجل العقوبة والآلام على لذة الوصال الحرام",
        "content": "الباب الثامن والعشرون: فيمن آثر عاجل العقوبة والآلام على لذة الوصال الحرام ... قالت نعم فما تريد قال لو كان غير هذا لكان لنا رأي قالت على ذلك وما هو قال عرض بقلبي من أمرك عارض قالت وما يمنعك من إنقاذه قال وتتابعيني على ذلك قالت نعم فحلت به في موضع فلما رأته مجدا في الذي سأل قالت رويدك يا مسكين لا يسقط جاهك عنده فانتبه لها وذهب عنه ما كان يجد فقال لا حرمك الله ثواب فعلك ثم تنحى ناحية فقال لنفسه اختاري إما عمى العين وإما الجب وإما السياحة مع الوحوش فاختارت السياحة مع الوحوش فكان كذلك إلى أن مات وأحب رجل جارية من العرب وكانت ذات عقل وأدب فما زال يحتال في أمرها حتى اجتمع معها في ليلة مظلمة شديدة السواد فحادثها ساعة ثم دعته نفسه إليها فقال يا هذه قد طال شوقي إليك قالت وأنا كذلك فقال هذا الليل قد ذهب والصبح قد اقترب قالت هكذا تفنى الشهوات وتنقطع اللذات فقال لها لو دنوت مني فقالت هيهات أخاف البعد من الله قال فما الذي دعاك إلى الحضور معي قالت شقوتي وبلائي قال لها فمتى أراك قالت ما أنساك وأما الاجتماع معك فما أراه يكون ثم تولت قال فاستحييت مما سمعت منها وأنشد توقت عذابا لا يطاق انتقامه ... ولم تأت ما تخشى به أن تعذبا وقالت مقالا كدت من شدة الحيا ... أهيم على وجهي حيا وتعجبا ألا أف للحب الذي يورث العمى ... ويورد نارا لا تمل التلهبا فأقبل عودي فوق بدئي مفكرا ... وقد زال عن قلبي العمى فتسربا وقال ابن خلف أخبرني أبو بكر العامري قال عشقت عاتكة المرية(1\/457)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "464",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8548",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "الباب التاسع والعشرون: في ذم الهوى وما في مخالفته من نيل المنى وقد تقدم ذكر الآيات",
        "content": "الباب التاسع والعشرون: في ذم الهوى وما في مخالفته من نيل المنى وقد تقدم ذكر الآيات في ذلك وبعض ما ورد في السنة الهوى ميل الطبع إلى ما يلائمه وهذا الميل خلق في الإنسان لضرورة بقائه فإنه لولا ميله إلى المطعم والمشرب والمنكح ما أكل ولا شرب ولا نكح فالهوى مستحث لها لما يريده كما أن الغضب دافع عنه ما يؤذيه فلا ينبغي ذم الهوى مطلقا ولا مدحه مطلقا كما أن الغضب لا يذم مطلقا ولا يحمد مطلقا وإنما يذم المفرط من النوعين وهو ما زاد على جلب المنافع ودفع المضار ولما كان الغالب من مطيع هواه وشهوته وغضبه أنه لا يقف فيه على حد المنتفع به أطلق ذم الهوى والشهوة والغضب لعموم غلبة الضرر لأنه يندر من يقصد العدل في ذلك ويقف عنده كما أنه يندر في الأمزجة المزاج المعتدل من كل وجه بل لا بد من غلبة أحد الأخلاط والكيفيات عليه فحرص الناصح على تعديل قوى الشهوة والغضب من كل وجه وهذا أمر يتعذر وجوده إلا في حق أفراد من العالم فلذلك لم يذكر الله تعالى الهوى في كتابه إلا ذمه وكذلك في السنة لم يجئ إلا مذموما إلا ما جاء منه مقيدا كقوله لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به وقد قيل الهوى كمين لا يؤمن قال الشعبي وسمي هوى لأنه يهوي بصاحبه ومطلقه يدعو(1\/469)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "465",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8549",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى اللذة الحاضرة من غير فكر في العاقبة ويحث على نيل الشهوات عاجلا وإن كانت سببا لأعظم الآلام عاجلا وآجلا فللدنيا عاقبة قبل عاقبة الآخرة والهوى يعمي صاحبه من ملاحظتها والمروءة والدين والعقل ينهى عن لذة تعقب ألما وشهوة تورث ندما فكل منها يقول للنفس إذا أرادت ذلك لا تفعلي والطاعة لمن غلب ألا ترى أن الطفل يؤثر ما يهوى وإن أداه إلى التلف لضعف ناهي العقل عنده ومن لا دين له يؤثر ما يهواه وإن أداه إلى هلاكه في الآخرة لضعف ناهي الدين ومن لا مروءة له يؤثر ما يهواه وإن ثلم مروءته أو عدمها لضعف ناهي المروءة فأين هذا من قول الشافعي رحمه الله تعالى لو علمت أن الماء البارد يثلم مروءتي لما شربته ولما امتحن المكلف بالهوى من بين سائر البهائم وكان كل وقت تحدث عليه حوادث جعل فيه حاكمان حاكم العقل وحاكم الدين وأمر أن يرفع حوادث الهوى دائما إلى هذين الحاكمين وأن ينقاد لحكمهما وينبغي أن يتمرن على دفع الهوى المأمون العواقب ليتمرن بذلك على ترك ما تؤذي عواقبه وليعلم اللبيب أن مدمني الشهوات يصيرون إلى حالة لا يلتذون بها وهم مع ذلك لا يستطيعون تركها لأنها قد صارت عندهم بمنزلة العيش الذي لا بد لهم منه ولهذا ترى مدمن الخمر والجماع لا يلتذ به عشر معشار التذاذ من يفعله نادرا في الأحيان غير أن العادة مقتضية ذلك فيلقي نفسه في المهالك لنيل ما تطالبه به العادة ولو زال عنه رين الهوى لعلم أنه قد شقي من حيث قدر السعادة واغتم من حيث ظن الفرح وألم من حيث أراد اللذة فهو كالطائر المخدوع(1\/470)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "466",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8550",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بحبة القمح لا هو نال الحبة ولا هو تخلص مما وقع فيه فإن قيل فكيف يتخلص من هذا من قد وقع فيه قيل يمكنه التخلص بعون الله وتوفيقه له بأمور أحدها عزيمة حر يغار لنفسه وعليها الثاني جرعة صبر يصبر نفسه على مرارتها تلك الساعة الثالث قوة نفس تشجعه على شرب تلك الجرعة والشجاعة كلها صبر ساعة وخير عيش أدركه العبد بصبره الرابع ملاحظته حسن موقع العاقبة والشفاء بتلك الجرعة الخامس ملاحظته الألم الزائد على لذة طاعة هواه السادس إبقاؤه على منزلته عند الله تعالى وفي قلوب عباده وهو خير وأنفع له من لذة موافقة الهوى السابع إيثاره لذة العفة وعزتها وحلاوتها على لذة المعصية الثامن فرحه بغلبة عدوه وقهره له ورده خاسئا بغيظه وغمه وهمه حيث لم ينل منه أمنيته والله تعالى يحب من عبده أن يراغم عدوه ويغيظه كما قال الله تعالى في كتابه العزيز ولا يطؤن موطئا يغبط الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح وقال ليغيظ بهم الكفار وقال تعالى ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض(1\/471)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "467",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8551",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مراغما كثيرا وسعة أي مكانا يراغم فيه أعداء الله وعلامة المحبة الصادقة مغايظة أعداء المحبوب ومراغمتهم التاسع التفكر في أنه لم يخلق للهوى وإنما هيء لأمر عظيم لا يناله إلا بمعصيت للهوى كما قيل قد هيأوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل العاشر أن لا يختار لنفسه أن يكون الحيوان البهيم أحسن حالا منه فإن الحيوان يميز بطبعه بين مواقع ما يضره وما ينفعه فيؤثر النافع على الضار والإنسان أعطي العقل لهذا المعنى فإذا لم يميز به بين ما يضره وما ينفعه أو عرف ذلك وآثر ما يضره كان حال الحيوان البهيم أحسن منه ويدل على ذلك أن البهيمة تصيب من لذة المطعم والمشرب والمنكح مالا يناله الإنسان مع عيش هنيء خال عن الفكر والهم ولهذا تساق إلى منحرها وهي منهمكة على شهواتها لفقدان العلم بالعواقب والآدمي لا يناله ما يناله الحيوان لقوة الفكر الشاغل وضعف الآلة المستعملة وغير ذلك فلو كان نيل المشتهى فضيلة لما بخس منه حق الآدمي الذي هو خلاصة العالم ووفر منه حظ البهائم وفي توفير حظ الآدمي من العقل والعلم والمعرفة عوض عن ذلك الحادي عشر أن يسير بقلبه في عواقب الهوى فيتأمل كما أفاتت معصيته(1\/472)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "468",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8552",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من فضيلة وكم أوقعت في رذيلة وكم أكلة منعت أكلات وكم من لذة فوتت لذات وكم من شهوة كسرت جاها ونكست رأسا وقبحت ذكرا وأورثت ذما وأعقبت ذلا وألزمت عارا لا يغسله الماء غير أن عين صاحب الهوى عمياء الثاني عشر أن يتصور العاقل انقضاء غرضه ممن يهواه ثم يتصور حاله بعد قضاء الوطر وما فاته وما حصل له فأفضل الناس من لم يرتكب سببا ... حتى يميز لما تجني عواقبه الثالث عشر أن يتصور ذلك في حق غيره حق التصور ثم ينزل نفسه تلك المنزلة فحكم الشيء حكم نظيره الرابع عشر أن يتفكر فيما تطالبه به نفسه من ذلك ويسأل عنه عقله ودينه يخبرانه بأنه ليس بشيء قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إذا أعجب أحدكم امرأة فليذكر مناتنها وهذا أحسن من قول أحمد بن الحسين لو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه لم يسبه لأن ابن مسعود رضي الله عنه ذكر الحال الحاضرة الملازمة والشاعر حال على أمر متأخر الخامس عشر أن يأنف لنفسه من ذل طاعة الهوى فإنه ما أطاع أحد هواه قط إلا وجد في نفسه ذلا ولا يغتر بصولة أتباع الهوى وكبرهم فهم أذل الناس بواطن قد أجمعوا بين فصيلتي الكبر والذل السادس عشر أن يوازن بين سلامة الدين والعرض والمال والجاه ونيل(1\/473)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "469",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8553",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اللذة المطلوبة فإنه لا يحد بينهما نسبة البتة فليعلم أنه من أسفه الناس ببيعه هذا بهذا السابع عشر أن يأنف لنفسه أن يكون تحت قهر عدوه فإن الشيطان إذا رأى من العبد ضعف عزيمة وهمة وميلا إلى هواه طمع فيه وصرعه وألجمه بلجام الهوى وساقه حيث أراد ومتى أحس منه بقوة عزم وشرف نفس وعلو همة لم يطمع فيه إلا اختلاسا وسرقة الثامن عشر أن يعلم أن الهوى ما خالط شيئا إلا أفسده فإن وقع في العلم أخرجه إلى البدعة والضلالة وصار صاحبه من جملة أهل الأهواء وإن وقع في الزهد أخرج صاحبه إلى الرياء ومخالفة السنة وإن وقع في الحكم أخرج صاحبه إلى الظلم وصده عن الحق وإن وقع في القسمة خرجت عن قسمة العدل إلى قسمة الجور وإن وقع في الولاية والعزل أخرج صاحبه إلى خيانة الله والمسلمين حيث يولي بهواه ويعزل بهواه وإن وقع في العبادة خرجت عن أن تكون طاعة وقربة فما قارن شيئا إلا أفسده التاسع عشر أن يعلم أن الشيطان ليس له مدخل على ابن آدم إلا من باب هواه فإنه يطيف به من أين يدخل عليه حتى يفسد عليه قلبه وأعماله فلا يجد مدخلا إلا من باب الهوى فيسري معه سريان السم في الأعضاء العشرون أن الله سبحانه وتعالى جعل الهوى مضادا لما أنزله على رسوله وجعل اتباعه مقابلا لمتابعة رسله وقسم الناس إلى قسمين أتباع الوحي وأتباع الهوى وهذا كثير في القرآن كقوله تعالى فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم(1\/474)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "470",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8554",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله تعالى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ونظائره الحادي والعشرون أن الله سبحانه وتعالى شبه أتباع الهوى بأخس الحيوانات صورة ومعنى فشبههم بالكلب تارة كقوله تعالى ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب وبالحمر تارة كقوله تعالى كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة وقلب صورهم إلى صورة القردة والخنازير تارة الثاني والعشرون أن متبع الهوى ليس أهلا أن يطاع ولا يكون إماما ولا متبوعا فإن الله سبحانه وتعالى عزله عن الإمامة ونهى عن طاعته أما عزله فإن الله سبحانه وتعالى قال لخليله إبراهيم إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين أي لا ينال عهدي بالإمامة ظالما وكل من اتبع هواه فهو ظالم كما قال الله تعالى بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم وأما النهي عن طاعته فلقوله تعالى ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا الثالث والعشرون أن الله سبحانه وتعالى جعل متبع الهوى بمنزلة(1\/475)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "471",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8555",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عابد الوثن فقال تعالى أرأيت من اتخذ إلهه هواه في موضعين من كتابه قال الحسن هو المنافق لا يهوى شيئا إلا ركبه وقال أيضا المنافق عبد هواه لا يهوى شيئا إلا فعله الرابع والعشرون أن الهوى هو حظار جهنم المحيط بها حولها فمن وقع فيه وقع فيها كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات وفي الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه quot;لما خلق الله الجنة أرسل إليها جبريل فقال انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها فجاء فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها فرجع إليه وقال وعزتك لا يسمع بها أحد من عبادك إلا دخلها فأمر بها فحجبت بالمكاره وقال ارجع إليها فانظر إليها فرجع فإذا هي قد حجبت بالمكاره فقال وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد قال اذهب إلى النار فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها فجاء فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها فإذا هي يركب بعضها بعضا فقال وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها فأمر بها فحفت بالشهوات فقال ارجع فانظر إليها فرجع إليها فإذا هي قد حفت بالشهوات فرجع إليه فقال وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحدquot; قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح الخامس والعشرون أنه يخاف على من اتبع الهوى أن ينسلخ من(1\/476)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "472",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8556",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإيمان وهو لا يشعر وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت بهquot; وصح عنه أنه قال: quot;أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوىquot; السادس والعشرون أن اتباع الهوى من المهلكات قال ثلاث منجيات وثلاث مهلكات فأما المنجيات فتقوى الله عز وجل في السر والعلانية والقول بالحق في الرضا والسخط والقصد في الغنى والفقر وأما المهلكات فهوى متبع وشح مطاع وإعجاب المرء بنفسه السابع والعشرون أن مخالفة الهوى تورث العبد قوة في بدنه وقلبه ولسانه قال بعض السلف الغالب لهواه أشد من الذي يفتح المدينة وحده وفي الحديث الصحيح المرفوع quot;ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضبquot; وكلما تمرن على مخالفة هواه اكتسب قوة إلى قوته الثامن والعشرون أن أغزر الناس مروءة أشدهم مخالفة لهواه قال معاوية المروءة ترك الشهوات وعصيان الهوى فاتباع الهوى يزمن(1\/477)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "473",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8557",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المروءة ومخالفته تنعشها التاسع والعشرون أنه ما من يوم إلا والهوى والعقل يعتلجان في صاحبه فأيها قوي على صاحبه طرده وتحكم وكان الحكم له قال أبو الدرداء إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعمله فإن كان عمله تبعا لهواه فيومه يوم سوء وإن كان هواه تبعا لعمله فيومه يوم صالح الثلاثون أن الله سبحانه وتعالى جعل الخطأ واتباع الهوى قرينين وجعل الصواب ومخالفة الهوى قرينين كما قال بعض السلف إذا أشكل عليك أمران لا تدري أيها أرشد فخالف أقربهما من هواك فإن أقرب ما يكون الخطأ في متابعة الهوى الحادي والثلاثون أن الهوى داء ودواؤه مخالفته قال بعض العارفين إن شئت أخبرتك بدائك وإن شئت أخبرتك بدوائك داؤك هواك ودواؤك ترك هواك ومخالفته وقال بشر الحافي رحمه الله تعالى البلاء كله في هواك والشفاء كله في مخالفتك إياه الثاني والثلاثون أن جهاد الهوى إن لم يكن أعظم من جهاد الكفار فليس بدونه قال رجل للحسن البصري رحمه الله تعالى يا أبا سعيد أي الجهاد أفضل قال جهادك هواك وسمعت شيخنا يقول جهاد النفس والهوى أصل جهاد الكفار والمنافقين فإنه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه أولا حتى يخرج إليهم(1\/478)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "474",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8558",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالث والثلاثون أن الهوى تخليط ومخالفته حمية ويخاف على من أفرط في التخليط وجانب الحمية أن يصرعه داؤه قال عبد الملك بن قريب مررت بأعرابي به رمد شديد ودموعه تسيل على خديه فقلت ألا تمسح عينيك قال نهاني الطبيب عن ذلك ولا خير فيمن إذا زجر لا ينزجر وإذا أمر لا يأتمر فقلت ألا تشتهي شيئا فقال بلى ولكني أحتمي إن أهل النار غلبت شهوتهم حميتهم فهلكوا الرابع والثلاثون أن اتباع الهوى يغلق عن العبد أبواب التوفيق ويفتح عليه أبواب الخذلان فتراه يلهج بأن الله لو وفق لكان كذا وكذا وقد سد على نفسه طرق التوفيق باتباعه هواه قال الفضيل ابن عياض من استحوذ عليه الهوى واتباع الشهوات انقطعت عنه موارد التوفيق وقال بعض العلماء الكفر في أربعة أشياء في الغضب والشهوة والرغبة والرهبة ثم قال رأيت منهن اثنتين رجلا غضب فقتل أمه ورجلا عشق فتنصر وكان بعض السلف يطوف بالبيت فنظر إلى امرأة جميلة فمشى إلى جانبها ثم قال أهوى هوى الدين واللذات تعجبني ... فكيف لي بهوى اللذات والدين فقالت دع أحدهما تنل الآخر(1\/479)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "475",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8559",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخامس والثلاثون أن من نصر هواه فسد عليه عقله ورأيه لأنه قد خان الله في عقله فأفسده عليه وهذا شأنه سبحانه وتعالى في كل من خانه في أمر من الأمور فإنه يفسده عليه وقال المعتصم يوما لبعض أصحابه يا فلان إذا نصر الهوى ذهب الرأي وسمعت رجلا يقول لشيخنا إذا خان الرجل في نقد الدراهم سلبه الله معرفة النقد أو قال نسيه فقال الشيخ هكذا من خان الله تعالى ورسوله في مسائل العلم السادس والثلاثون أن من فسح لنفسه في اتباع الهوى ضيق عليها في قبره ويوم معاده ومن ضيق عليها بمخالفة الهوى وسع عليها في قبره ومعاده وقد أشار الله تعالى إلى هذا في قوله تعالى وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا فلما كان في الصبر الذي هو حبس النفس عن الهوى خشونة وتضييق جازاهم على ذلك نعومة الحرير وسعة الجنة وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى في هذه الآية جزاهم بما صبروا عن الشهوات السابع والثلاثون أن اتباع الهوى يصرع العبد عن النهوض يوم القيامة عن السعي مع الناجين كما صرع قلبه في الدنيا عن مرافقتهم قال محمد بن أبي الورد إن لله عز وجل يوما لا ينجو من شره منقاد لهواه وإن أبطأ الصرعى نهضة يوم القيامة صريع شهوته وإن العقول لما جرت في ميادين الطلب كان أوفرها حظا من يطالبها بقدر ما صحبه من الصبر والعقل معدن والفكر معول الثامن والثلاثون أن اتباع الهوى يحل العزائم ويوهنها ومخالفته تشدها(1\/480)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "476",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8560",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتقويها والعزائم هي مركب العبد الذي يسيره إلى الله والدار الآخرة فمتى تعطل المركوب أوشك أن ينقطع المسافر قيل ليحيى بن معاذ من أصح الناس عزما قال الغالب لهواه ودخل خلف بن خليفة على سليمان بن حبيب بن المهلب وعنده جارية يقال لها البدر من أحسن الناس وجها فقال له سليمان كيف ترى هذه الجارية فقال أصلح الله الأمير ما رأت عيناي أحسن منها قط فقال له خذ بيدها فقال ما كنت لأفجع الأمير بها وقد رأيت شدة عجبه بها فقال ويحك خذها على شدة عجبي بها ليعلم هواي أني له غالب وأخذ بيدها وخرج وهو يقول لقد حباني وأعطاني وفضلني ... عن غير مسألة منه سليمان أعطاني البدر خودا في محاسنها ... والبدر لم يعطه إنس ولا جان ولست يوما بناس فضله أبدا ... حتى يغيبني لحد وأكفان التاسع والثلاثون أن مثل راكب الهوى كمثل راكب فرس حديد صعب جموح لا لجام له فيوشك أن يصرعه فرسه في خلال جريه به أو يسير به إلى مهلك قال بعض العارفين أسرع المطايا إلى الجنة الزهد في الدنيا وأسرع المطايا إلى النار حب الشهوات ومن استوى على متن هواه أسرع به إلى وادي الهلكات وقال آخر أشرف العلماء من هرب بدينه من الدنيا واستصعب قياده على الهوى وقال عطاء من غلب هواه عقله وجزعه صبره افتضح الأربعون أن التوحيد واتباع الهوى متضادان فإن الهوى صنم ولكل عبد صنم في قلبه بحسب هواه وإنما بعث الله رسله بكسر الأصنام وعبادته وحده لا شريك له وليس مراد الله سبحانه كسر الأصنام المجسدة وترك(1\/481)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "477",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8561",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأصنام التي في القلب بل المراد كسرها من القلب أولا قال الحسن بن علي المطوعي صنم كل إنسان هواه فمن كسره بالمخالفة استحق اسم الفتوة وتأمل قول الخليل لقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون كيف تجده مطابقا للتمائيل التي يهواها القلب ويعكف عليها ويعبدها من دون الله قال الله تعالى أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا الحادي والأربعون أن مخالفة الهوى مطردة للداء عن القلب والبدن ومتابعته مجلبة لداء القلب والبدن فأمراض القلب كلها من متابعة الهوى ولو فتشت على أمراض البدن لرأيت غالبها من إيثار الهوى على ما ينبغي تركه الثاني والأربعون أن أصل العداوة والشر والحسد الواقع بين الناس من اتباع الهوى فمن خالف هواه أراح قلبه وبدنه وجوارحه فاستراح وأراح قال أبو بكر الوراق إذا غلب الهوى أظلم القلب وإذا أظلم ضاق الصدر وإذا ضاق الصدر ساء الخلق وإذا ساء الخلق أبغضه الخلق وأبغضهم فانظر ماذا يتولد من التباغض من الشر والعداوة وترك الحقوق وغيرها الثالث والأربعون أن الله سبحانه وتعالى جعل في العبد هوى وعقلا فأيهما ظهر توارى الآخر كما قال أبو علي الثقفي من غلبه هواه توارى عنه عقله فانظر عاقبة من استتر عنه عقله وظهر عليه خلافه وقال علي بن سهل رحمه الله العقل والهوى يتنازعان فالتوفيق قرين العقل والخذلان قرين الهوى والنفس واقفة بينهما فأيهما غلب كانت النفس معه(1\/482)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "478",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8562",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرابع والأربعون أن الله سبحانه وتعالى جعل القلب ملك الجوارح ومعدن معرفته ومحبته وعبوديته وامتحنه بسلطانين وجيشين وعونين وعدتين فالحق والزهد والهدى سلطان وأعوانه الملائكة وجيشه الصدق والإخلاص ومجانبة الهوى والباطل سلطان وأعوانه الشياطين وجنده وعدته اتباع الهوى والنفس واقفة بين الجيشين ولا يقدم جيش الباطل على القلب إلا من ثغرتها وناحيتها فهي تخامر على القلب وتصير مع عدوه عليه فتكون الدائرة عليه فهي التي تعطي عدوها عدة من قبلها وتفتح له باب المدينة فيدخل ويتملك ويقع الخذلان على القلب الخامس والأربعون أن أعدى عدو للمرء شيطانه وهواه وأصدق صديق له عقله والملك الناصح له فإذا اتبع هواه أعطي بيده لعدوه واستأسر له وأشمته به وساء صديقه ووليه وهذا هو بعينه هو جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء السادس والأربعون أن لكل عبد بداية ونهاية فمن كانت بدايته اتباع الهوى كانت نهايته الذل والصغار والحرمان والبلاء المتبوع بحسب ما اتبع من هواه بل يصير له ذلك في نهايته عذابا يعذب به في قلبه كما قال القائل مآرب كانت في الشباب لأهلها ... عذابا فصارت في المشيب عذابا فلو تأملت حال كل ذي حال سيئة زرية لرأيت بدايته الذهاب مع هواه وإيثاره على عقله ومن كانت بدايته مخالفة هواه وطاعة داعي رشده كانت نهايته العز والشرف والغنى والجاه عند الله وعند الناس قال أبو علي الدقاق من ملك شهوته في حال شبيبته أعزه الله تعالى في حال كهولته(1\/483)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "479",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8563",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقيل للمهلب بن أبي صفرة بم نلت ما نلت قال بطاعة الحزم وعصيان الهوى فهذا في بداية الدنيا ونهايتها وأما الآخرة فقد جعل الله سبحانه الجنة نهاية من خالف هواه والنار نهاية من اتبع هواه السابع والأربعون أن الهوى رق في القلب وغل في العنق وقيد في الرجل ومتابعه أسير لكل سيء الملكة فمن خالفه عتق من رقه وصار حرا وخلع الغل من عنقه والقيد من رجله وصار بمنزلة رجل سالم لرجل بعد أن كان رجلا فيه شركاء متشاكسون رب مستور سبته شهوة ... فتعرى ستره فانهتكا صاحب الشهوة عبد فإذا ... غلب الشهوة أضحى ملكا وقال ابن المبارك ومن البلاء وللبلاء علامة ... أن لا يرى لك عن هواك نزوع العبد عبد النفس في شهواتها ... والحر يشبع تارة ويجوع الثامن والأربعون أن مخالفة الهوى تقيم العبد في مقام من لو أقسم على الله لأبره فيقضي له من الحوائج أضعاف أضعاف ما فاته من هواه فهو كمن رغب عن بعرة فأعطي عوضها درة ومتبع الهوى يفوته من مصالحه العاجلة والآجلة والعيش الهنيء مالا نسبة لما ظفر به من هواه البتة فتأمل انبساط يد يوسف الصديق عليه الصلاة والسلام ولسانه وقدمه ونفسه بعد خروجه من السجن لما قبض نفسه عن الحرام وقال عبد الرحمن بن مهدي رأيت سفيان الثوري رحمه الله تعالى في المنام فقلت له ما فعل الله بك قال لم يكن إلا أن وضعت في لحدي حتى وقفت(1\/484)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "480",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8564",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بين يدي الله تبارك وتعالى فحاسبني حسابا يسيرا ثم أمر بي إلى الجنة فبينا أنا أدور بين أشجارها وأنهارها لا أسمع حسا ولا حركة إذ سمعت قائلا يقول سفيان بن سعيد فقلت سفيان بن سعيد فقال تحفظ أنك آثرت الله عز وجل على هواك يوما قلت إي والله فأخذني النثار من كل جانب وقال عبد الرزاق بعث أبو جعفر الخشابين حين خرج إلى مكة وقال إن رأتم سفيان فاصلبوه فجاءوا ونصبوا الخشب وطلب ورأسه في حجر الفضيل فقال له أصحابه اتق الله عز وجل ولا تشمت بنا الأعداء فتقدم إلى الأستار ثم أخذها بيده وقال برئت منه إن دخلها أبو جعفر فمات قبل أن يدخل مكة فتأمل عاقبة مخالفة الهوى كيف أقامه في هذا المقام التاسع والأربعون أن مخالفة الهوى توجب شرف الدنيا وشرف الآخرة وعز الظاهر وعز الباطن ومتابعته تضع العبد في الدنيا والآخرة وتذله في الظاهر وفي الباطن وإذا جمع الله الناس في صعيد واحد نادى مناد ليعلمن أهل الجمع من أهل الكرم اليوم ألا ليقم المتقون فيقومون إلى محل الكرامة وأتباع الهوى ناكسو رؤسهم في الموقف في حر الهوى وعرقه وألمه وأولئك في ظل العرش الخمسون أنك إذا تأملت السبعة الذين يظلهم الله عز وجل في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله وجدتهم إنما نالوا ذلك الظل بمخالفة الهوى فإن الإمام المسلط القادر لا يتمكن من العدل إلا بمخالفة هواه والشاب المؤثر(1\/485)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "481",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8565",
        "book_id": "qym_3939",
        "book_name": " روضة المحبين ونزهة المشتاقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لعبادة الله على داعي شبابه لولا مخالفة هواه لم يقدر على ذلك والرجل الذي قلبه معلق بالمساجد إنما حمله على ذلك مخالفة الهوى الداعي له إلى أماكن اللذات والمتصدق المخفي لصدقته عن شماله لولا قهره لهواه لم يقدر على ذلك والذي دعته المرأة الجميلة الشريفة فخاف الله عز وجل وخالف هواه والذي ذكر الله عز وجل خاليا ففاضت عيناه من خشيته إنما أوصله إلى ذلك مخالفة هواه فلم يكن لحر الموقف وعرقه وشدته سبيل عليهم يوم القيامة وأصحاب الهوى قد بلغ منهم الحر والعرق كل مبلغ وهم ينتظرون بعد هذا دخول سجن الهوى فالله سبحانه وتعالى المسؤول أن يعيذنا من أهواء نفوسنا الأمارة بالسوء وأن يجعل هوانا تبعا لما يحبه ويرضاه إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير تم الكتاب والحمد لله(1\/486)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "482",
        "book_number": "23",
        "slug": " -qym_3939"
    },
    {
        "id": "8566",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[مقدمة المؤلف] بسم الله الرحمن الرحيم حسبي الله ونعم الوكيل مقدمة المؤلف الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين ولا إله إلا الله إله الأولين والآخرين وقيوم السماوات والأرضين ومالك يوم الدين الذي لا فوز إلا في طاعته ولا عز إلا في التذلل لعظمته ولا غنى إلا في الافتقار إلى رحمته ولا هدى إلا في الاستهداء بنوره ولا حياة إلا في رضاه ولا نعيم إلا في قربه ولا صلاح للقلب ولا فلاح إلا في الإخلاص له وتوحيد حبه الذي إذا أطيع شكر وإذا عصي تاب وغفر وإذا دعي أجاب وإذا عومل أثاب. والحمد لله الذي شهدت له بالربوبية جميع مخلوقاته وأقرت له بالإلهية جميع مصنوعاته وشهدت بأنه الله الذي لا إله إلا هو بما أودعها من عجائب صنعته وبدائع آياته وسبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته. ولا إله إلا الله وحده لا شريك له في إلهيته كما لا شريك له في ربوبيته ولا شبيه له في ذاته ولا في أفعاله ولا في صفاته والله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا وسبحان من سبحت له السماوات وأملاكها والنجوم وأفلاكها والأرض وسكانها والبحار وحيتانها والنجوم والجبال والشجر والدواب والآكام والرمال وكل رطب ويابس(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8567",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": " وكل حي وميت تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا [الإسراء: 44] [الإسراء: 44] . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كلمة قامت بها الأرض والسماوات وخلقت لأجلها جميع المخلوقات وبها أرسل الله تعالى رسله وأنزل كتبه وشرع شرائعه ولأجلها نصبت الموازين ووضعت الدواوين وقام سوق الجنة والنار وبها انقسمت الخليقة إلى المؤمنين والكفار والأبرار والفجار فهي منشأ الخلق والأمر والثواب والعقاب وهي الحق الذي خلقت له الخليقة وعنها وعن حقوقها السؤال والحساب وعليها يقع الثواب والعقاب وعليها نصبت القبلة وعليها أسست الملة ولأجلها جردت سيوف الجهاد وهي حق الله على جميع العباد فهي كلمة الإسلام ومفتاح دار السلام وعنها يسأل الأولون والآخرون فلا تزول قدما العبد بين يدي الله حتى يسأل عن مسألتين: ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم المرسلين . فجواب الأولى بتحقيق quot; لا إله إلا الله quot; معرفة وإقرارا وعملا. وجواب الثانية بتحقيق quot; أن محمدا رسول الله quot; معرفة وإقرارا وانقيادا وطاعة. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأمينه على وحيه وخيرته من خلقه وسفيره بينه وبين عباده المبعوث بالدين القويم والمنهج المستقيم أرسله الله رحمة للعالمين وإماما للمتقين وحجة على الخلائق أجمعين. أرسله على حين فترة من الرسل فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل وافترض على العباد طاعته وتعزيره وتوقيره ومحبته والقيام بحقوقه وسد دون جنته الطرق فلن(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8568",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تفتح لأحد إلا من طريقه فشرح له صدره ورفع له ذكره ووضع عنه وزره وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره. ففي quot; المسند quot; من حديث أبي منيب الجرشي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم ) وكما أن الذلة مضروبة على من خالف أمره فالعزة لأهل طاعته ومتابعته قال الله سبحانه: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين [آل عمران: 139] [آل عمران: 139] . وقال تعالى: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين [المنافقون: 8] [المنافقون: 8] . وقال تعالى: فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم [محمد: 35] [محمد: 35] . وقال تعالى: ياأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين [الأنفال: 64] [الأنفال: 64] . أي: الله وحده كافيك وكافي أتباعك فلا تحتاجون معه إلى أحد. وهنا تقديران أحدهما: أن تكون الواو عاطفة لـquot; من quot; على الكاف المجرورة ويجوز العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار على المذهب المختار وشواهده كثيرة وشبه المنع منه واهية. والثاني: أن تكون الواو واو quot; مع quot; وتكون quot; من quot; في محل نصب عطفا على الموضع فإن quot; حسبك quot; في معنى quot; كافيك quot; أي الله يكفيك ويكفي من اتبعك كما تقول العرب: حسبك وزيدا درهم قال الشاعر: إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهند(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8569",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا أصح التقديرين. وفيها تقدير ثالث: أن تكون quot; من quot; في موضع رفع بالابتداء أي: ومن اتبعك من المؤمنين فحسبهم الله. وفيها تقدير رابع وهو خطأ من جهة المعنى: وهو أن تكون quot; من quot; في موضع رفع عطفا على اسم الله ويكون المعنى: حسبك الله وأتباعك وهذا وإن قاله بعض الناس فهو خطأ محض لا يجوز حمل الآية عليه فإن quot; الحسب quot; وquot; الكفاية quot; لله وحده كالتوكل والتقوى والعبادة قال الله تعالى: وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين [الأنفال: 62] [الأنفال: 62] . ففرق بين الحسب والتأييد فجعل الحسب له وحده وجعل التأييد له بنصره وبعباده وأثنى الله سبحانه على أهل التوحيد والتوكل من عباده حيث أفردوه بالحسب فقال تعالى: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل [آل عمران: 173] [آل عمران: 173] . ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله فإذا كان هذا قولهم ومدح الرب تعالى لهم بذلك فكيف يقول لرسوله: الله وأتباعك حسبك وأتباعه قد أفردوا الرب تعالى بالحسب ولم يشركوا بينه وبين رسوله فيه فكيف يشرك بينهم وبينه في حسب رسوله! هذا من أمحل المحال وأبطل الباطل ونظير هذا قوله تعالى: ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون [التوبة: 59] [التوبة: 59] . فتأمل كيف جعل الإيتاء لله ولرسوله كما قال تعالى: وما آتاكم الرسول فخذوه [الحشر: 7] [الحشر: 7] . وجعل الحسب له وحده فلم يقل: وقالوا: حسبنا الله ورسوله بل جعله خالص حقه كما قال تعالى: إنا إلى الله راغبون [التوبة: 59] [التوبة: 59] . ولم يقل: وإلى رسوله بل جعل الرغبة إليه وحده كما قال تعالى: فإذا فرغت فانصب - وإلى ربك فارغب [الشرح: 7 - 8] [الانشراح: 7 - 8] . فالرغبة والتوكل والإنابة والحسب لله وحده كما أن العبادة والتقوى والسجود لله وحده والنذر والحلف لا يكون إلا لله سبحانه(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8570",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتعالى. ونظير هذا قوله تعالى: أليس الله بكاف عبده [الزمر: 36] [الزمر: 36] . فالحسب: هو الكافي فأخبر سبحانه وتعالى أنه وحده كاف عبده فكيف يجعل أتباعه مع الله في هذه الكفاية! والأدلة الدالة على بطلان هذا التأويل الفاسد أكثر من أن تذكر هاهنا. والمقصود أن بحسب متابعة الرسول تكون العزة والكفاية والنصرة كما أن بحسب متابعته تكون الهداية والفلاح والنجاة فالله سبحانه علق سعادة الدارين بمتابعته وجعل شقاوة الدارين في مخالفته فلأتباعه الهدى والأمن والفلاح والعزة والكفاية والنصرة والولاية والتأييد وطيب العيش في الدنيا والآخرة ولمخالفيه الذلة والصغار والخوف والضلال والخذلان والشقاء في الدنيا والآخرة. وقد أقسم صلى الله عليه وسلم بأن ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هو أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ) وأقسم الله سبحانه بأن لا يؤمن من لا يحكمه في كل ما تنازع فيه هو وغيره ثم يرضى بحكمه ولا يجد في نفسه حرجا مما حكم به ثم يسلم له تسليما وينقاد له انقيادا. وقال تعالى: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم [الأحزاب: 36](1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8571",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( [الأحزاب: 36] . فقطع سبحانه وتعالى التخيير بعد أمره وأمر رسوله فليس لمؤمن أن يختار شيئا بعد أمره صلى الله عليه وسلم بل إذا أمر فأمره حتم وإنما الخيرة في قول غيره إذا خفي أمره وكان ذلك الغير من أهل العلم به وبسنته فبهذه الشروط يكون قول غيره سائغ الاتباع لا واجب الاتباع فلا يجب على أحد اتباع قول أحد سواه بل غايته أنه يسوغ له اتباعه ولو ترك الأخذ بقول غيره لم يكن عاصيا لله ورسوله. فأين هذا ممن يجب على جميع المكلفين اتباعه ويحرم عليهم مخالفته ويجب عليهم ترك كل قول لقوله فلا حكم لأحد معه ولا قول لأحد معه كما لا تشريع لأحد معه وكل من سواه فإنما يجب اتباعه على قوله إذا أمر بما أمر به ونهى عما نهى عنه فكان مبلغا محضا ومخبرا لا منشئا ومؤسسا فمن أنشأ أقوالا وأسس قواعد بحسب فهمه وتأويله لم يجب على الأمة اتباعها ولا التحاكم إليها حتى تعرض على ما جاء به الرسول فإن طابقته ووافقته وشهد لها بالصحة قبلت حينئذ وإن خالفته وجب ردها واطراحها فإن لم يتبين فيها أحد الأمرين جعلت موقوفة وكان أحسن أحوالها أن يجوز الحكم والإفتاء بها وتركه وأما أنه يجب ويتعين فكلا ولما. وبعد فإن الله سبحانه وتعالى هو المنفرد بالخلق والاختيار من المخلوقات قال الله تعالى: وربك يخلق ما يشاء ويختار [القصص: 68] [القصص: 68] . وليس المراد هاهنا بالاختيار الإرادة التي يشير إليها المتكلمون بأنه الفاعل المختار - وهو سبحانه - كذلك ولكن ليس المراد بالاختيار هاهنا هذا المعنى وهذا الاختيار داخل في قوله: يخلق ما يشاء [القصص: 68] فإنه لا يخلق إلا باختياره وداخل في قوله تعالى: (ما يشاء) فإن المشيئة هي الاختيار وإنما المراد بالاختيار هاهنا: الاجتباء والاصطفاء فهو اختيار بعد الخلق والاختيار العام اختيار قبل الخلق فهو أعم وأسبق وهذا أخص وهو متأخر فهو اختيار من الخلق والأول اختيار للخلق. وأصح القولين أن الوقف التام على قوله: (ويختار) .(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8572",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويكون ما كان لهم الخيرة [القصص: 68] نفيا أي: ليس هذا الاختيار إليهم بل هو إلى الخالق وحده فكما أنه المنفرد بالخلق فهو المنفرد بالاختيار منه فليس لأحد أن يخلق ولا أن يختار سواه فإنه سبحانه أعلم بمواقع اختياره ومحال رضاه وما يصلح للاختيار مما لا يصلح له وغيره لا يشاركه في ذلك بوجه. وذهب بعض من لا تحقيق عنده ولا تحصيل إلى أن quot; ما quot; في قوله تعالى: ما كان لهم الخيرة [القصص: 68] موصولة وهي مفعول quot; ويختار quot; أي: ويختار الذي لهم الخيرة وهذا باطل من وجوه. أحدها: أن الصلة حينئذ تخلو من العائد لأن quot; الخيرة quot; مرفوع بأنه اسم quot; كان quot; والخبر quot; لهم quot; فيصير المعنى: ويختار الأمر الذي كان الخيرة لهم وهذا التركيب محال من القول. فإن قيل: يمكن تصحيحه بأن يكون العائد محذوفا ويكون التقدير: ويختار الذي كان لهم الخيرة فيه أي ويختار الأمر الذي كان لهم الخيرة في اختياره. قيل: هذا يفسد من وجه آخر وهو أن هذا ليس من المواضع التي يجوز فيها حذف العائد فإنه إنما يحذف مجرورا إذا جر بحرف جر الموصول بمثله مع اتحاد المعنى نحو قوله تعالى: يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون [المؤمنون: 33] [المؤمنون: 33] ونظائره ولا يجوز أن يقال: جاءني الذي مررت ورأيت الذي رغبت ونحوه. الثاني: أنه لو أريد هذا المعنى لنصب quot; الخيرة quot; وشغل فعل الصلة بضمير يعود على الموصول فكأنه يقول: ويختار ما كان لهم الخيرة أي: الذي كان هو عين الخيرة لهم وهذا لم يقرأ به أحد البتة مع أنه كان وجه الكلام على هذا التقدير. الثالث: أن الله سبحانه يحكي عن الكفار اقتراحهم في الاختيار وإرادتهم(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8573",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن تكون الخيرة لهم ثم ينفي هذا سبحانه عنهم ويبين تفرده هو بالاختيار كما قال تعالى: وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم - أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون [الزخرف: 31 - 32] [الزخرف: 31 - 32]  فأنكر عليهم سبحانه تخيرهم عليه وأخبر أن ذلك ليس إليهم بل إلى الذي قسم بينهم معايشهم المتضمنة لأرزاقهم ومدد آجالهم وكذلك هو الذي يقسم فضله بين أهل الفضل على حسب علمه بمواقع الاختيار ومن يصلح له ممن لا يصلح وهو الذي رفع بعضهم فوق بعض درجات وقسم بينهم معايشهم ودرجات التفضيل فهو القاسم ذلك وحده لا غيره وهكذا هذه الآية بين فيها انفراده بالخلق والاختيار وأنه سبحانه أعلم بمواقع اختياره كما قال تعالى: وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته [الأنعام: 124] [الأنعام: 124]  أي: الله أعلم بالمحل الذي يصلح لاصطفائه وكرامته وتخصيصه بالرسالة والنبوة دون غيره. الرابع: أنه نزه نفسه سبحانه عما اقتضاه شركهم من اقتراحهم واختيارهم فقال: ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون [القصص: 68] [القصص: 68] ولم يكن شركهم مقتضيا لإثبات خالق سواه حتى نزه نفسه عنه فتأمله فإنه في غاية اللطف. الخامس: أن هذا نظير قوله تعالى في [الحج: 73 - 76] : إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب - ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز [الحج: 73 - 74] ثم قال: الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير - يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور [الحج: 75 - 76] وهذا نظير قوله في [القصص: 69] وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون [القصص: 69] ونظير قوله في [الأنعام: 124] الله أعلم حيث يجعل رسالته [الأنعام: 124] فأخبر في ذلك كله عن علمه(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8574",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المتضمن لتخصيصه محال اختياره بما خصصها به لعلمه بأنها تصلح له دون غيرها فتدبر السياق في هذه الآيات تجده متضمنا لهذا المعنى زائدا عليه والله أعلم. السادس: أن هذه الآية مذكورة عقيب قوله: ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين - فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون - فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين - وربك يخلق ما يشاء ويختار [القصص: 65 - 68] [القصص: 65 - 68] فكما خلقهم وحده سبحانه اختار منهم من تاب وآمن وعمل صالحا فكانوا صفوته من عباده وخيرته من خلقه وكان هذا الاختيار راجعا إلى حكمته وعلمه سبحانه لمن هو أهل له لا إلى اختيار هؤلاء المشركين واقتراحهم فسبحان الله وتعالى عما يشركون.  [فصل في ذكر ما اختار الله من مخلوقاته] [الاختيار دال على ربوبيته سبحانه] فصل وإذا تأملت أحوال هذا الخلق رأيت هذا الاختيار والتخصيص فيه دالا على ربوبيته تعالى ووحدانيته وكمال حكمته وعلمه وقدرته وأنه الله الذي لا إله إلا هو فلا شريك له يخلق كخلقه ويختار كاختياره ويدبر كتدبيره فهذا الاختيار والتدبير والتخصيص المشهود أثره في هذا العالم من أعظم آيات ربوبيته وأكبر شواهد وحدانيته وصفات كماله وصدق رسله فنشير منه إلى يسير يكون منبها على ما وراءه دالا على ما سواه. فخلق الله السماوات سبعا فاختار العليا منها فجعلها مستقر المقربين من ملائكته واختصها بالقرب من كرسيه ومن عرشه وأسكنها من شاء من خلقه فلها مزية وفضل على سائر السماوات ولو لم يكن إلا قربها منه تبارك وتعالى. وهذا التفضيل والتخصيص مع تساوي مادة السماوات من أبين الأدلة على كمال قدرته وحكمته وأنه يخلق ما يشاء ويختار.(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8575",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن هذا تفضيله سبحانه جنة الفردوس على سائر الجنان وتخصيصها بأن جعل عرشه سقفها وفي بعض الآثار: quot; إن الله سبحانه غرسها بيده واختارها لخيرته من خلقه quot;. ومن هذا اختياره من الملائكة المصطفين منهم على سائرهم كجبريل وميكائيل وإسرافيل وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ) . فذكر هؤلاء الثلاثة من الملائكة لكمال اختصاصهم واصطفائهم وقربهم من الله وكم من ملك غيرهم في السماوات فلم يسم إلا هؤلاء الثلاثة. فجبريل: صاحب الوحي الذي به حياة القلوب والأرواح وميكائيل: صاحب القطر الذي به حياة الأرض والحيوان والنبات وإسرافيل: صاحب الصور الذي إذا نفخ فيه أحيت نفخته بإذن الله الأموات وأخرجتهم من قبورهم.  وكذلك اختياره سبحانه للأنبياء من ولد آدم عليه وعليهم الصلاة(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8576",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والسلام وهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا واختياره الرسل منهم وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر على ما في حديث أبي ذر الذي رواه أحمد وابن حبان في quot; صحيحه quot; واختياره أولي العزم منهم وهم خمسة المذكورون في سورة (الأحزاب) و (الشورى) في قوله تعالى: وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم [الأحزاب: 7] [الأحزاب: 7]  وقال تعالى: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه [الشورى: 13] [الشورى: 13]  واختار منهم الخليلين إبراهيم ومحمدا صلى الله عليهما وآلهما وسلم. ومن هذا اختياره سبحانه ولد إسماعيل من أجناس بني آدم ثم اختار منهم بني كنانة من خزيمة ثم اختار من ولد كنانة قريشا ثم اختار من قريش بني هاشم ثم اختار من بني هاشم سيد ولد آدم محمدا صلى الله عليه وسلم.(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8577",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك اختار أصحابه من جملة العالمين واختار منهم السابقين الأولين واختار منهم أهل بدر وأهل بيعة الرضوان واختار لهم من الدين أكمله ومن الشرائع أفضلها ومن الأخلاق أزكاها وأطيبها وأطهرها. واختار أمته صلى الله عليه وسلم على سائر الأمم كما في quot; مسند الإمام أحمد quot; وغيره من حديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أنتم موفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله ) . قال علي بن المديني وأحمد: حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده صحيح. وظهر أثر هذا الاختيار في أعمالهم وأخلاقهم وتوحيدهم ومنازلهم في الجنة ومقاماتهم في الموقف فإنهم أعلى من الناس على تل فوقهم يشرفون عليهم وفي الترمذي من حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أهل الجنة عشرون ومائة صف ثمانون منها من هذه الأمة وأربعون من سائر الأمم ) قال الترمذي: هذا حديث حسن. والذي في quot; الصحيح quot; من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث بعث النار  (والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل)(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8578",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(الجنة)   ولم يزد على ذلك. فإما أن يقال: هذا أصح وإما أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم طمع أن تكون أمته شطر أهل الجنة فأعلمه ربه فقال: ( إنهم ثمانون صفا من مائة وعشرين صفا )  فلا تنافي بين الحديثين والله أعلم. ومن تفضيل الله لأمته واختياره لها أنه وهبها من العلم والحلم ما لم يهبه لأمة سواها وفي quot; مسند البزار quot; وغيره من حديث أبي الدرداء قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الله تعالى قال لعيسى ابن مريم: إني باعث من بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا ولا حلم ولا علم قال: يا رب كيف هذا ولا حلم ولا علم قال: أعطيهم من حلمي وعلمي ) .  [اختياره سبحانه وتعالى من الأماكن والبلاد خيرها وأشرفها] ومن هذا اختياره سبحانه وتعالى من الأماكن والبلاد خيرها وأشرفها وهي البلد الحرام فإنه سبحانه وتعالى اختاره لنبيه صلى الله عليه وسلم وجعله مناسك لعباده وأوجب عليهم الإتيان إليه من القرب والبعد من كل فج عميق فلا يدخلونه إلا متواضعين متخشعين متذللين كاشفي رءوسهم متجردين عن لباس أهل الدنيا وجعله حرما آمنا لا يسفك فيه دم ولا تعضد به شجرة(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8579",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا ينفر له صيد ولا يختلى خلاه ولا تلتقط لقطته للتمليك بل للتعريف ليس إلا وجعل قصده مكفرا لما سلف من الذنوب ماحيا للأوزار حاطا للخطايا كما في quot; الصحيحين quot; عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه )  ولم يرض لقاصده من الثواب دون الجنة ففي quot; السنن quot; من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة ) . وفي quot; الصحيحين quot; عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة )  فلو لم يكن البلد الأمين خير بلاده وأحبها إليه ومختاره من البلاد لما جعل عرصاتها مناسك لعباده فرض عليهم قصدها وجعل ذلك من آكد فروض الإسلام وأقسم به في كتابه العزيز في موضعين منه فقال تعالى: وهذا البلد الأمين [التين: 3] [التين: 3]  وقال تعالى: (لا أقسم)(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8580",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(بهذا البلد) [البلد: 1]  وليس على وجه الأرض بقعة يجب على كل قادر السعي إليها والطواف بالبيت الذي فيها غيرها وليس على وجه الأرض موضع يشرع تقبيله واستلامه وتحط الخطايا والأوزار فيه غير الحجر الأسود والركن اليماني. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ففي quot; سنن النسائي quot; وquot; المسند quot; بإسناد صحيح عن عبد الله بن الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة ) ورواه ابن حبان في quot; صحيحه quot; وهذا صريح في أن المسجد الحرام أفضل بقاع الأرض على الإطلاق ولذلك كان شد الرحال إليه فرضا ولغيره مما يستحب ولا يجب وفي quot; المسند quot; والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عدي بن الحمراء أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف على راحلته بالحزورة من مكة يقول: ( والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت ) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8581",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بل ومن خصائصها كونها قبلة لأهل الأرض كلهم فليس على وجه الأرض قبلة غيرها. ومن خواصها أيضا أنه يحرم استقبالها واستدبارها عند قضاء الحاجة دون سائر بقاع الأرض. وأصح المذاهب في هذه المسألة: أنه لا فرق في ذلك بين الفضاء والبنيان لبضعة عشر دليلا قد ذكرت في غير هذا الموضع وليس مع المفرق ما يقاومها البتة مع تناقضهم في مقدار الفضاء والبنيان وليس هذا موضع استيفاء الحجاج من الطرفين. ومن خواصها أيضا أن المسجد الحرام أول مسجد وضع في الأرض كما في quot; الصحيحين quot; عن أبي ذر قال: ( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع في الأرض فقال: المسجد الحرام قلت: ثم أي قال المسجد الأقصى قلت: كم بينهما قال أربعون عاما ) وقد أشكل هذا الحديث على من لم يعرف المراد به فقال: معلوم أن سليمان بن داود هو الذي بنى المسجد الأقصى وبينه وبين إبراهيم أكثر من ألف عام وهذا من جهل هذا القائل فإن سليمان إنما كان له من المسجد الأقصى تجديده لا تأسيسه والذي أسسه هو يعقوب بن إسحاق صلى الله عليهما وآلهما وسلم بعد بناء إبراهيم الكعبة بهذا المقدار.(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8582",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومما يدل على تفضيلها أن الله تعالى أخبر أنها أم القرى فالقرى كلها تبع لها وفرع عليها وهي أصل القرى فيجب ألا يكون لها في القرى عديل فهي كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن (الفاتحة) أنها أم القرآن ولهذا لم يكن لها في الكتب الإلهية عديل. ومن خصائصها أنها لا يجوز دخولها لغير أصحاب الحوائج المتكررة إلا بإحرام وهذه خاصية لا يشاركها فيها شيء من البلاد وهذه المسألة تلقاها الناس عن ابن عباس رضي الله عنهما وقد روي عن ابن عباس بإسناد لا يحتج به مرفوعا ( لا يدخل أحد مكة إلا بإحرام من أهلها ومن غير أهلها ) ذكره أبو أحمد بن عدي ولكن الحجاج بن أرطاة في الطريق وآخر قبله من الضعفاء. وللفقهاء في المسألة ثلاثة أقوال: النفي والإثبات والفرق بين من هو داخل المواقيت ومن هو قبلها فمن قبلها لا يجاوزها إلا بإحرام ومن هو داخلها فحكمه حكم أهل مكة وهو قول أبي حنيفة والقولان الأولان للشافعي وأحمد. ومن خواصه أنه يعاقب فيه على الهم بالسيئات وإن لم يفعلها قال تعالى: ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم [الحج: 25] [الحج: 25] فتأمل(1\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8583",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كيف عدى فعل الإرادة هاهنا بالباء ولا يقال: أردت بكذا إلا لما ضمن معنى فعل quot; هم quot; فإنه يقال: هممت بكذا فتوعد من هم بأن يظلم فيه بأن يذيقه العذاب الأليم. ومن هذا تضاعف مقادير السيئات فيه لا كمياتها فإن السيئة جزاؤها سيئة لكن سيئة كبيرة جزاؤها مثلها وصغيرة جزاؤها مثلها فالسيئة في حرم الله وبلده وعلى بساطه آكد وأعظم منها في طرف من أطراف الأرض ولهذا ليس من عصى الملك على بساط ملكه كمن عصاه في الموضع البعيد من داره وبساطه فهذا فصل النزاع في تضعيف السيئات والله أعلم. وقد ظهر سر هذا التفضيل والاختصاص في انجذاب الأفئدة وهوى القلوب وانعطافها ومحبتها لهذا البلد الأمين فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد فهو الأولى بقول القائل: محاسنه هيولى كل حسن ... ومغناطيس أفئدة الرجال ولهذا أخبر سبحانه أنه مثابة للناس أي: يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار ولا يقضون منه وطرا بل كلما ازدادوا له زيارة ازدادوا له اشتياقا. لا يرجع الطرف عنها حين ينظرها ... حتى يعود إليها الطرف مشتاقا فلله كم لها من قتيل وسليب وجريح وكم أنفق في حبها من الأموال والأرواح ورضي المحب بمفارقة فلذ الأكباد والأهل والأحباب والأوطان مقدما بين يديه أنواع المخاوف والمتالف والمعاطف والمشاق وهو يستلذ ذلك كله ويستطيبه ويراه -لو ظهر سلطان المحبة في قلبه- أطيب من نعم المتحلية وترفهم ولذاتهم. وليس محبا من يعد شقاءه ... عذابا إذا ما كان يرضى حبيبه وهذا كله سر إضافته إليه سبحانه وتعالى بقوله: وطهر بيتي [الحج: 26] [الحج: 26] فاقتضت هذه الإضافة الخاصة من هذا الإجلال والتعظيم والمحبة ما(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8584",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اقتضته كما اقتضت إضافته لعبده ورسوله إلى نفسه ما اقتضته من ذلك وكذلك إضافته عباده المؤمنين إليه كستهم من الجلال والمحبة والوقار ما كستهم فكل ما أضافه الرب تعالى إلى نفسه فله من المزية والاختصاص على غيره ما أوجب له الاصطفاء والاجتباء ثم يكسوه بهذه الإضافة تفضيلا آخر وتخصيصا وجلالة زائدا على ما كان له قبل الإضافة ولم يوفق لفهم هذا المعنى من سوى بين الأعيان والأفعال والأزمان والأماكن وزعم أنه لا مزية لشيء منها على شيء وإنما هو مجرد الترجيح بلا مرجح وهذا القول باطل بأكثر من أربعين وجها قد ذكرت في غير هذا الموضع ويكفي تصور هذا المذهب الباطل في فساده فإن مذهبنا يقتضي أن تكون ذوات الرسل كذوات أعدائهم في الحقيقة وإنما التفضيل بأمر لا يرجع إلى اختصاص الذوات بصفات ومزايا لا تكون لغيرها وكذلك نفس البقاع واحدة بالذات ليس لبقعة على بقعة مزية البتة وإنما هو لما يقع فيها من الأعمال الصالحة فلا مزية لبقعة البيت والمسجد الحرام ومنى وعرفة والمشاعر على أي بقعة سميتها من الأرض وإنما التفضيل باعتبار أمر خارج عن البقعة لا يعود إليها ولا إلى وصف قائم بها والله سبحانه وتعالى قد رد هذا القول الباطل بقوله تعالى: وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله [الأنعام: 124]  قال الله تعالى: الله أعلم حيث يجعل رسالته [الأنعام: 124] [الأنعام: 124] أي: ليس كل أحد أهلا ولا صالحا لتحمل رسالته بل لها محال مخصوصة لا تليق إلا بها ولا تصلح إلا لها والله أعلم بهذه المحال منكم. ولو كانت الذوات متساوية كما قال هؤلاء لم يكن في ذلك رد عليهم وكذلك قوله تعالى: وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين [الأنعام: 53] [الأنعام: 53] أي: هو سبحانه أعلم بمن يشكره على نعمته فيختصه بفضله ويمن عليه ممن لا يشكره فليس كل محل يصلح لشكره واحتمال منته والتخصيص بكرامته. فذوات ما اختاره واصطفاه من الأعيان والأماكن والأشخاص وغيرها(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8585",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مشتملة على صفات وأمور قائمة بها ليست لغيرها ولأجلها اصطفاها الله وهو سبحانه الذي فضلها بتلك الصفات وخصها بالاختيار فهذا خلقه وهذا اختياره وربك يخلق ما يشاء ويختار [القصص: 68] [القصص: 67]  وما أبين بطلان رأي يقضي بأن مكان البيت الحرام مساو لسائر الأمكنة وذات الحجر الأسود مساوية لسائر حجارة الأرض وذات رسول الله صلى الله عليه وسلم مساوية لذات غيره وإنما التفضيل في ذلك بأمور خارجة عن الذات والصفات القائمة بها وهذه الأقاويل وأمثالها من الجنايات التي جناها المتكلمون على الشريعة ونسبوها إليها وهي بريئة منها وليس معهم أكثر من اشتراك الذوات في أمر عام وذلك لا يوجب تساويها في الحقيقة لأن المختلفات قد تشترك في أمر عام مع اختلافها في صفاتها النفسية وما سوى الله تعالى بين ذات المسك وذات البول أبدا ولا بين ذات الماء وذات النار أبدا والتفاوت البين بين الأمكنة الشريفة وأضدادها والذوات الفاضلة وأضدادها أعظم من هذا التفاوت بكثير فبين ذات موسى عليه السلام وذات فرعون من التفاوت أعظم مما بين المسك والرجيع وكذلك التفاوت بين نفس الكعبة وبين بيت السلطان أعظم من هذا التفاوت أيضا بكثير فكيف تجعل البقعتان سواء في الحقيقة والتفضيل باعتبار ما يقع هناك من العبادات والأذكار والدعوات! . ولم نقصد استيفاء الرد على هذا المذهب المردود المرذول وإنما قصدنا تصويره وإلى اللبيب العادل العاقل التحاكم ولا يعبأ الله وعباده بغيره شيئا والله سبحانه لا يخصص شيئا ولا يفضله ويرجحه إلا لمعنى يقتضي تخصيصه وتفضيله نعم هو معطي ذلك المرجح وواهبه فهو الذي خلقه ثم اختاره بعد خلقه وربك يخلق ما يشاء ويختار [القصص: 68] .  [تفضيل بعض الأيام والشهور على بعض] ومن هذا تفضيله بعض الأيام والشهور على بعض فخير الأيام عند الله يوم النحر وهو يوم الحج الأكبر كما في quot; السنن quot; عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أفضل(1\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8586",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر ) . وقيل: يوم عرفة أفضل منه وهذا هو المعروف عند أصحاب الشافعي قالوا: لأنه يوم الحج الأكبر وصيامه يكفر سنتين وما من يوم يعتق الله فيه الرقاب أكثر منه في يوم عرفة ولأنه سبحانه وتعالى يدنو فيه من عباده ثم يباهي ملائكته بأهل الموقف. والصواب القول الأول لأن الحديث الدال على ذلك لا يعارضه شيء يقاومه والصواب أن يوم الحج الأكبر هو يوم النحر لقوله تعالى: وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر [التوبة: 3] [التوبة: 3]  وثبت في quot; الصحيحين quot; أن أبا بكر وعليا رضي الله عنهما أذنا بذلك يوم النحر لا يوم عرفة. وفي quot; سنن أبي داود quot; بأصح إسناد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( يوم(1\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8587",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحج الأكبر يوم النحر )  وكذلك قال أبو هريرة وجماعة من الصحابة ويوم عرفة مقدمة ليوم النحر بين يديه فإن فيه يكون الوقوف والتضرع والتوبة والابتهال والاستقالة ثم يوم النحر تكون الوفادة والزيارة ولهذا سمي طوافه طواف الزيارة لأنهم قد طهروا من ذنوبهم يوم عرفة ثم أذن لهم ربهم يوم النحر في زيارته والدخول عليه إلى بيته ولهذا كان فيه ذبح القرابين وحلق الرءوس ورمي الجمار ومعظم أفعال الحج وعمل يوم عرفة كالطهور والاغتسال بين يدي هذا اليوم. وكذلك تفضيل عشر ذي الحجة على غيره من الأيام فإن أيامه أفضل الأيام عند الله وقد ثبت في quot; صحيح البخاري quot; عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام العشر قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء )  وهي الأيام العشر التي أقسم الله بها في كتابه بقوله: والفجر - وليال عشر [الفجر: 1 - 2] [الفجر: 1 - 2] ولهذا يستحب فيها الإكثار من التكبير والتهليل والتحميد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( فأكثروا فيهن من(1\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8588",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التكبير والتهليل والتحميد )  ونسبتها إلى الأيام كنسبة مواضع المناسك في سائر البقاع. ومن ذلك تفضيل شهر رمضان على سائر الشهور وتفضيل عشره الأخير على سائر الليالي وتفضيل ليلة القدر على ألف شهر. فإن قلت: أي العشرين أفضل عشر ذي الحجة أو العشر الأخير من رمضان وأي الليلتين أفضل ليلة القدر أو ليلة الإسراء . قلت: أما السؤال الأول فالصواب فيه أن يقال: ليالي العشر الأخير من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة وأيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام عشر رمضان وبهذا التفصيل يزول الاشتباه ويدل عليه أن ليالي العشر من رمضان إنما فضلت باعتبار ليلة القدر وهي من الليالي وعشر ذي الحجة إنما فضل باعتبار أيامه إذ فيه يوم النحر ويوم عرفة ويوم التروية. وأما السؤال الثاني فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن رجل قال: ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر وقال آخر: بل ليلة القدر أفضل فأيهما المصيب . فأجاب: الحمد لله أما القائل بأن ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر فإن أراد به أن تكون الليلة التي أسري فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم ونظائرها من كل عام أفضل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من ليلة القدر بحيث يكون قيامها والدعاء فيها أفضل(1\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8589",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منه في ليلة القدر فهذا باطل لم يقله أحد من المسلمين وهو معلوم الفساد بالاطراد من دين الإسلام. هذا إذا كانت ليلة الإسراء تعرف عينها فكيف ولم يقم دليل معلوم لا على شهرها ولا على عشرها ولا على عينها بل النقول في ذلك منقطعة مختلفة ليس فيها ما يقطع به ولا شرع للمسلمين تخصيص الليلة التي يظن أنها ليلة الإسراء بقيام ولا غيره بخلاف ليلة القدر فإنه قد ثبت في quot; الصحيحين quot; عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان ) وفي quot; الصحيحين quot; عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه )  وقد أخبر سبحانه أنها خير من ألف شهر وأنه أنزل فيها القرآن. وإن أراد أن الليلة المعينة التي أسري فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم وحصل له فيها ما لم يحصل له في غيرها من غير أن يشرع تخصيصها بقيام ولا عبادة فهذا صحيح وليس إذا أعطى الله نبيه صلى الله عليه وسلم فضيلة في مكان أو زمان يجب أن يكون ذلك الزمان والمكان أفضل من جميع الأمكنة والأزمنة. هذا إذا قدر أنه قام دليل على أن إنعام الله تعالى على نبيه ليلة الإسراء كان أعظم من إنعامه عليه بإنزال القرآن ليلة القدر وغير ذلك من النعم التي أنعم عليه بها. والكلام في مثل هذا يحتاج إلى علم بحقائق الأمور ومقادير النعم التي لا تعرف إلا بوحي ولا يجوز لأحد أن يتكلم فيها بلا علم ولا يعرف عن أحد من المسلمين أنه جعل لليلة الإسراء فضيلة على غيرها لا سيما(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8590",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على ليلة القدر ولا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يقصدون تخصيص ليلة الإسراء بأمر من الأمور ولا يذكرونها ولهذا لا يعرف أي ليلة كانت وإن كان الإسراء من أعظم فضائله صلى الله عليه وسلم ومع هذا فلم يشرع تخصيص ذلك الزمان ولا ذلك المكان بعبادة شرعية بل غار حراء الذي ابتدئ فيه بنزول الوحي وكان يتحراه قبل النبوة لم يقصده هو ولا أحد من أصحابه بعد النبوة مدة مقامه بمكة ولا خص اليوم الذي أنزل فيه الوحي بعبادة ولا غيرها ولا خص المكان الذي ابتدئ فيه بالوحي ولا الزمان بشيء ومن خص الأمكنة والأزمنة من عنده بعبادات لأجل هذا وأمثاله كان من جنس أهل الكتاب الذين جعلوا زمان أحوال المسيح مواسم وعبادات كيوم الميلاد ويوم التعميد وغير ذلك من أحواله. وقد ( رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه جماعة يتبادرون مكانا يصلون فيه فقال: ما هذا  قالوا: مكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد! إنما هلك من كان قبلكم بهذا فمن أدركته فيه الصلاة فليصل وإلا فليمض ) . وقد قال بعض الناس: إن ليلة الإسراء في حق النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من ليلة القدر وليلة القدر بالنسبة إلى الأمة أفضل من ليلة الإسراء فهذه الليلة في حق الأمة أفضل لهم وليلة الإسراء في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل له. فإن قيل: فأيهما أفضل: يوم الجمعة أو يوم عرفة فقد روى ابن حبان في quot; صحيحه quot; من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تطلع الشمس ولا تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة ) وفيه أيضا حديث أوس بن أوس ( خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة ) .(1\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8591",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[مزية وقفة الجمعة يوم عرفة] قيل: قد ذهب بعض العلماء إلى تفضيل يوم الجمعة على يوم عرفة محتجا بهذا الحديث وحكى القاضي أبو يعلى رواية عن أحمد أن ليلة الجمعة أفضل من ليلة القدر والصواب أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع ويوم عرفة ويوم النحر أفضل أيام العام وكذلك ليلة القدر وليلة الجمعة ولهذا كان لوقفة الجمعة يوم عرفة مزية على سائر الأيام من وجوه متعددة. أحدها: اجتماع اليومين اللذين هما أفضل الأيام. الثاني: أنه اليوم الذي فيه ساعة محققة الإجابة وأكثر الأقوال أنها آخر ساعة بعد العصر وأهل الموقف كلهم إذ ذاك واقفون للدعاء والتضرع. الثالث: موافقته ليوم وقفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. الرابع: أن فيه اجتماع الخلائق من أقطار الأرض للخطبة وصلاة الجمعة ويوافق ذلك اجتماع أهل عرفة يوم عرفة بعرفة فيحصل من اجتماع المسلمين في(1\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8592",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مساجدهم وموقفهم من الدعاء والتضرع ما لا يحصل في يوم سواه. الخامس: أن يوم الجمعة يوم عيد ويوم عرفة يوم عيد لأهل عرفة ولذلك كره لمن بعرفة صومه وفي النسائي عن أبي هريرة قال: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفة )  وفي إسناده نظر فإن مهدي بن حرب العبدي ليس بمعروف ومداره عليه ولكن ثبت في الصحيح من حديث أم الفضل quot; أن ناسا تماروا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: هو صائم وقال بعضهم: ليس بصائم فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره بعرفة فشربه . وقد اختلف في حكمة استحباب فطر يوم عرفة بعرفة فقالت طائفة: ليتقوى على الدعاء وهذا هو قول الخرقي وغيره وقال غيرهم - منهم شيخ الإسلام ابن تيمية -: الحكمة فيه أنه عيد لأهل عرفة فلا يستحب صومه لهم قال: والدليل عليه الحديث الذي في quot; السنن quot; عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام ) .(1\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8593",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال شيخنا: وإنما يكون يوم عرفة عيدا في حق أهل عرفة لاجتماعهم فيه بخلاف أهل الأمصار فإنهم إنما يجتمعون يوم النحر فكان هو العيد في حقهم والمقصود أنه إذا اتفق يوم عرفة ويوم جمعة فقد اتفق عيدان معا. السادس: أنه موافق ليوم إكمال الله تعالى دينه لعباده المؤمنين وإتمام نعمته عليهم كما ثبت في quot; صحيح البخاري quot; عن طارق بن شهاب قال: ( جاء يهودي إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين آية تقرءونها في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت ونعلم ذلك اليوم الذي نزلت فيه لاتخذناه عيدا قال: أي آية قال: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا [المائدة: 3] [المائدة: 3] فقال عمر بن الخطاب: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه والمكان الذي نزلت فيه نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة يوم جمعة ونحن واقفون معه بعرفة ) . السابع: أنه موافق ليوم الجمع الأكبر والموقف الأعظم يوم القيامة فإن القيامة تقوم يوم الجمعة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها وفيه تقوم الساعة وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيرا إلا أعطاه إياه ) ولهذا شرع الله(1\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8594",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبحانه وتعالى لعباده يوما يجتمعون فيه فيذكرون المبدأ والمعاد والجنة والنار وادخر الله تعالى لهذه الأمة يوم الجمعة إذ فيه كان المبدأ وفيه المعاد ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في فجره سورتي (السجدة) و (هل أتى على الإنسان) لاشتمالهما على ما كان وما يكون في هذا اليوم من خلق آدم وذكر المبدأ والمعاد ودخول الجنة والنار فكان يذكر الأمة في هذا اليوم بما كان فيه وما يكون فهكذا يتذكر الإنسان بأعظم مواقف الدنيا - وهو يوم عرفة - الموقف الأعظم بين يدي الرب سبحانه في هذا اليوم بعينه ولا يتنصف حتى يستقر أهل الجنة في منازلهم وأهل النار في منازلهم. الثامن: أن الطاعة الواقعة من المسلمين يوم الجمعة وليلة الجمعة أكثر منها في سائر الأيام حتى إن أكثر أهل الفجور يحترمون يوم الجمعة وليلته ويرون أن من تجرأ فيه على معاصي الله عز وجل عجل الله عقوبته ولم يمهله وهذا أمر قد استقر عندهم وعلموه بالتجارب وذلك لعظم اليوم وشرفه عند الله واختيار الله سبحانه له من بين سائر الأيام ولا ريب أن للوقفة فيه مزية على غيره. التاسع: أنه موافق ليوم المزيد في الجنة وهو اليوم الذي يجمع فيه أهل الجنة في واد أفيح وينصب لهم منابر من لؤلؤ ومنابر من ذهب ومنابر من زبرجد وياقوت على كثبان المسك فينظرون إلى ربهم تبارك وتعالى ويتجلى لهم فيرونه عيانا ويكون أسرعهم موافاة أعجلهم رواحا(1\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8595",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى المسجد وأقربهم منه أقربهم من الإمام فأهل الجنة مشتاقون إلى يوم المزيد فيها لما ينالون فيه من الكرامة وهو يوم جمعة فإذا وافق يوم عرفة كان له زيادة مزية واختصاص وفضل ليس لغيره. العاشر: أنه يدنو الرب تبارك وتعالى عشية يوم عرفة من أهل الموقف ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ( ما أراد هؤلاء أشهدكم أني قد غفرت لهم ) وتحصل مع دنوه منهم تبارك وتعالى ساعة الإجابة التي لا يرد فيها سائلا يسأل خيرا فيقربون منه بدعائه والتضرع إليه في تلك الساعة ويقرب منهم تعالى نوعين من القرب أحدهما: قرب الإجابة المحققة في تلك الساعة والثاني: قربه الخاص من أهل عرفة ومباهاته بهم ملائكته فتستشعر قلوب أهل الإيمان هذه الأمور فتزداد قوة إلى قوتها وفرحا وسرورا وابتهاجا ورجاء لفضل ربها وكرمه فبهذه الوجوه وغيرها فضلت وقفة يوم الجمعة على غيرها.(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8596",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما ما استفاض على ألسنة العوام بأنها تعدل ثنتين وسبعين حجة فباطل لا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة والتابعين والله أعلم.  [فصل فيما اختاره الله من الأعمال وغيرها] فصل والمقصود أن الله سبحانه وتعالى اختار من كل جنس من أجناس المخلوقات أطيبه واختصه لنفسه وارتضاه دون غيره فإنه تعالى طيب لا يحب إلا الطيب ولا يقبل من العمل والكلام والصدقة إلا الطيب فالطيب من كل شيء هو مختاره تعالى. وأما خلقه تعالى فعام للنوعين وبهذا يعلم عنوان سعادة العبد وشقاوته فإن الطيب لا يناسبه إلا الطيب ولا يرضى إلا به ولا يسكن إلا إليه ولا يطمئن قلبه إلا به فله من الكلام الكلم الطيب الذي لا يصعد إلى الله تعالى إلا هو وهو أشد شيء نفرة عن الفحش في المقال والتفحش في اللسان والبذاء والكذب والغيبة والنميمة والبهت وقول الزور وكل كلام خبيث. وكذلك لا يألف من الأعمال إلا أطيبها وهي الأعمال التي اجتمعت على حسنها الفطر السليمة مع الشرائع النبوية وزكتها العقول الصحيحة فاتفق على حسنها الشرع والعقل والفطرة مثل أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ويؤثر مرضاته على هواه ويتحبب إليه جهده وطاقته ويحسن إلى خلقه ما استطاع فيفعل بهم ما يحب أن يفعلوا به ويعاملوه به ويدعهم مما يحب أن يدعوه منه وينصحهم بما ينصح به نفسه ويحكم لهم بما يحب أن يحكم له به ويحمل أذاهم ولا يحملهم أذاه ويكف عن أعراضهم ولا يقابلهم بما نالوا من عرضه وإذا رأى لهم حسنا أذاعه وإذا رأى لهم سيئا كتمه ويقيم أعذارهم ما استطاع فيما لا يبطل شريعة ولا يناقض لله أمرا ولا نهيا.(1\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8597",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وله أيضا من الأخلاق أطيبها وأزكاها كالحلم والوقار والسكينة والرحمة والصبر والوفاء وسهولة الجانب ولين العريكة والصدق وسلامة الصدر من الغل والغش والحقد والحسد والتواضع وخفض الجناح لأهل الإيمان والعزة والغلظة على أعداء الله وصيانة الوجه عن بذله وتذلله لغير الله والعفة والشجاعة والسخاء والمروءة وكل خلق اتفقت على حسنه الشرائع والفطر والعقول. وكذلك لا يختار من المطاعم إلا أطيبها وهو الحلال الهنيء المريء الذي يغذي البدن والروح أحسن تغذية مع سلامة العبد من تبعته. وكذلك لا يختار من المناكح إلا أطيبها وأزكاها ومن الرائحة إلا أطيبها وأزكاها ومن الأصحاب والعشراء إلا الطيبين منهم فروحه طيب وبدنه طيب وخلقه طيب وعمله طيب وكلامه طيب ومطعمه طيب ومشربه طيب وملبسه طيب ومنكحه طيب ومدخله طيب ومخرجه طيب ومنقلبه طيب ومثواه كله طيب. فهذا ممن قال الله تعالى فيه: الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون [النحل: 32] [النحل: 32] ومن الذين يقول لهم خزنة الجنة: سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين [الزمر: 73] [الزمر: 72] وهذه الفاء تقتضي السببية أي: بسبب طيبكم ادخلوها. وقال تعالى: الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات [النور: 26] [النور: 26]  وقد فسرت الآية بأن الكلمات الخبيثات للخبيثين والكلمات الطيبات للطيبين وفسرت بأن النساء الطيبات للرجال الطيبين والنساء الخبيثات للرجال الخبيثين وهي تعم ذلك وغيره فالكلمات والأعمال والنساء الطيبات لمناسبها من الطيبين والكلمات والأعمال والنساء الخبيثة لمناسبها من الخبيثين فالله سبحانه وتعالى جعل الطيب بحذافيره في الجنة وجعل الخبيث بحذافيره في النار فجعل الدور ثلاثة: دارا أخلصت للطيبين وهي حرام على غير الطيبين وقد جمعت كل طيب وهي الجنة. ودارا أخلصت للخبيث والخبائث(1\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8598",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يدخلها إلا الخبيثون وهي النار. ودارا امتزج فيها الطيب والخبيث وخلط بينهما وهي هذه الدار ولهذا وقع الابتلاء والمحنة بسبب هذا الامتزاج والاختلاط وذلك بموجب الحكمة الإلهية فإذا كان يوم معاد الخليقة ميز الله الخبيث من الطيب فجعل الطيب وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم وجعل الخبيث وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم فعاد الأمر إلى دارين فقط: الجنة وهي دار الطيبين والنار وهي دار الخبيثين وأنشأ الله تعالى من أعمال الفريقين ثوابهم وعقابهم فجعل طيبات أقوال هؤلاء وأعمالهم وأخلاقهم هي عين نعيمهم ولذاتهم أنشأ لهم منها أكمل أسباب النعيم والسرور وجعل خبيثات أقوال الآخرين وأعمالهم وأخلاقهم هي عين عذابهم وآلامهم فأنشأ لهم منها أعظم أسباب العقاب والآلام حكمة بالغة وعزة باهرة قاهرة ليري عباده كمال ربوبيته وكمال حكمته وعلمه وعدله ورحمته وليعلم أعداؤه أنهم كانوا هم المفترين الكذابين لا رسله البررة الصادقون قال الله تعالى: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون - ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين [النحل: 38 - 39] [النحل: 38-39] . والمقصود أن الله - سبحانه وتعالى - جعل للسعادة والشقاوة عنوانا يعرفان به فالسعيد الطيب لا يليق به إلا طيب ولا يأتي إلا طيبا ولا يصدر منه إلا طيب ولا يلابس إلا طيبا والشقي الخبيث لا يليق به إلا الخبيث ولا يأتي إلا خبيثا ولا يصدر منه إلا الخبيث فالخبيث يتفجر من قلبه الخبث على لسانه وجوارحه والطيب يتفجر من قلبه الطيب على لسانه وجوارحه. وقد يكون في الشخص مادتان فأيهما غلب عليه كان من أهلها فإن أراد الله به خيرا طهره من المادة الخبيثة قبل الموافاة فيوافيه يوم القيامة مطهرا فلا يحتاج إلى تطهيره بالنار فيطهره منها بما يوفقه له من التوبة النصوح والحسنات الماحية والمصائب المكفرة حتى يلقى الله وما عليه خطيئة ويمسك عن الآخر مواد(1\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8599",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التطهير فيلقاه يوم القيامة بمادة خبيثة ومادة طيبة وحكمته تعالى تأبى أن يجاوره أحد في داره بخبائثه فيدخله النار طهرة له وتصفية وسبكا فإذا خلصت سبيكة إيمانه من الخبث صلح حينئذ لجواره ومساكنة الطيبين من عباده. وإقامة هذا النوع من الناس في النار على حسب سرعة زوال تلك الخبائث منهم وبطئها فأسرعهم زوالا وتطهيرا أسرعهم خروجا وأبطؤهم أبطؤهم خروجا جزاء وفاقا [النبأ: 26] وما ربك بظلام للعبيد [فصلت: 46] . ولما كان المشرك خبيث العنصر خبيث الذات لم تطهر النار خبثه بل لو خرج منها لعاد خبيثا كما كان كالكلب إذا دخل البحر ثم خرج منه فلذلك حرم الله تعالى على المشرك الجنة. ولما كان المؤمن الطيب المطيب مبرءا من الخبائث كانت النار حراما عليه إذ ليس فيه ما يقتضي تطهيره بها فسبحان من بهرت حكمته العقول والألباب وشهدت فطر عباده وعقولهم بأنه أحكم الحاكمين ورب العالمين لا إله إلا هو.  [فصل اضطرار العباد إلى معرفة الرسول] فصل ومن هاهنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به وتصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم ولا ينال رضا الله البتة إلا على أيديهم فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاءوا به فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه والعين إلى نورها والروح إلى حياتها(1\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8600",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأي ضرورة وحاجة فرضت فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير. وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك وصار كالحوت إذا فارق الماء ووضع في المقلاة فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسل كهذه الحال بل أعظم ولكن لا يحس بهذا إلا قلب حي و ما لجرح بميت إيلام وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي صلى الله عليه وسلم فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين به ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. فصل وهذه كلمات يسيرة لا يستغني عن معرفتها من له أدنى همة إلى معرفة نبيه صلى الله عليه وسلم وسيرته وهديه اقتضاها الخاطر المكدود على عجره وبجره مع البضاعة المزجاة التي لا تنفتح لها أبواب السدد ولا يتنافس فيها المتنافسون مع تعليقها في حال السفر لا الإقامة والقلب بكل واد منه شعبة والهمة قد تفرقت(1\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8601",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شذر مذر والكتاب مفقود ومن يفتح باب العلم لمذاكرته معدوم غير موجود فعود العلم النافع الكفيل بالسعادة قد أصبح ذاويا وربعه قد أوحش من أهله وعاد منهم خاليا فلسان العالم قد ملئ بالغلول مضاربة لغلبة الجاهلين وعادت موارد شفائه وهي معاطبه لكثرة المنحرفين والمحرفين فليس له معول إلا على الصبر الجميل وما له ناصر ولا معين إلا الله وحده وهو حسبنا ونعم الوكيل.  [فصل في نسبه صلى الله عليه وسلم] فصل في نسبه صلى الله عليه وسلم وهو خير أهل الأرض نسبا على الإطلاق فلنسبه من الشرف أعلى ذروة وأعداؤه كانوا يشهدون له بذلك ولهذا شهد له به عدوه إذ ذاك أبو سفيان بين يدي ملك الروم فأشرف القوم قومه وأشرف القبائل قبيلته وأشرف الأفخاذ فخذه. فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. إلى هاهنا معلوم الصحة متفق عليه بين النسابين ولا خلاف فيه البتة وما فوق quot; عدنان quot; مختلف فيه. ولا خلاف بينهم أن quot; عدنان quot; من ولد إسماعيل(1\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8602",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه السلام وإسماعيل: هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجها وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب مع أنه باطل بنص كتابهم فإن فيه: إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره وفي لفظ: وحيده ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده والذي غر أصحاب هذا القول أن في التوراة التي بأيديهم: اذبح ابنك إسحاق قال: وهذه الزيادة من تحريفهم وكذبهم لأنها تناقض قوله: اذبح بكرك ووحيدك ولكن اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف وأحبوا أن يكون لهم وأن يسوقوه إليهم ويحتازوه لأنفسهم دون العرب ويأبى الله إلا أن يجعل فضله لأهله. وكيف يسوغ أن يقال: إن الذبيح إسحاق والله تعالى قد بشر أم إسحاق به وبابنه يعقوب فقال تعالى عن الملائكة: إنهم قالوا لإبراهيم لما أتوه بالبشرى: لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط - وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب [هود: 70 - 71] [هود: 70 - 71] فمحال أن يبشرها بأنه يكون لها ولد ثم يأمر بذبحه ولا ريب أن يعقوب رضي الله عنه داخل في البشارة فتناول البشارة لإسحاق ويعقوب في اللفظ واحد وهذا ظاهر الكلام وسياقه. فإن قيل: لو كان الأمر كما ذكرتموه لكان quot; يعقوب quot; مجرورا عطفا على(1\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8603",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إسحاق فكانت القراءة ومن وراء إسحاق يعقوب [هود: 71] أي: ويعقوب من وراء إسحاق. قيل لا يمنع الرفع أن يكون يعقوب مبشرا به لأن البشارة قول مخصوص وهي أول خبر سار صادق. وقوله تعالى: ومن وراء إسحاق يعقوب [هود: 71] جملة متضمنة لهذه القيود فتكون بشارة بل حقيقة البشارة هي الجملة الخبرية. ولما كانت البشارة قولا كان موضع هذه الجملة نصبا على الحكاية بالقول كأن المعنى: وقلنا لها: من وراء إسحاق يعقوب والقائل إذا قال: بشرت فلانا بقدوم أخيه وثقله في أثره لم يعقل منه إلا بشارته بالأمرين جميعا. هذا مما لا يستريب ذو فهم فيه البتة ثم يضعف الجر أمر آخر وهو ضعف قولك: مررت بزيد ومن بعده عمرو ولأن العاطف يقوم مقام حرف الجر فلا يفصل بينه وبين المجرور كما لا يفصل بين حرف الجر والمجرور. ويدل عليه أيضا أن الله سبحانه لما ذكر قصة إبراهيم وابنه الذبيح في سورة (الصافات) قال: فلما أسلما وتله للجبين - وناديناه أن ياإبراهيم - قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين - إن هذا لهو البلاء المبين - وفديناه بذبح عظيم - وتركنا عليه في الآخرين - سلام على إبراهيم - كذلك نجزي المحسنين - إنه من عبادنا المؤمنين [الصافات: 103 - 111] [الصافات: 103 - 111] . ثم قال تعالى: وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين [الصافات: 112] [الصافات: 112] . فهذه بشارة من الله تعالى له شكرا على صبره على ما أمر به وهذا ظاهر جدا في أن المبشر به غير الأول بل هو كالنص فيه. فإن قيل: فالبشارة الثانية وقعت على نبوته أي لما صبر الأب على ما أمر به وأسلم الولد لأمر الله جازاه الله على ذلك بأن أعطاه النبوة. قيل: البشارة وقعت على المجموع: على ذاته ووجوده وأن يكون نبيا ولهذا نصب quot; نبيا quot; على الحال المقدر أي: مقدرا نبوته فلا يمكن إخراج البشارة أن تقع على الأصل ثم تخص بالحال التابعة الجارية مجرى الفضلة هذا محال من الكلام بل إذا وقعت البشارة على نبوته فوقوعها على وجوده أولى وأحرى.(1\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8604",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأيضا فلا ريب أن الذبيح كان بمكة ولذلك جعلت القرابين يوم النحر بها كما جعل السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار تذكيرا لشأن إسماعيل وأمه وإقامة لذكر الله ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما اللذان كانا بمكة دون إسحاق وأمه ولهذا اتصل مكان الذبح وزمانه بالبيت الحرام الذي اشترك في بنائه إبراهيم وإسماعيل وكان النحر بمكة من تمام حج البيت الذي كان على يد إبراهيم وابنه إسماعيل زمانا ومكانا ولو كان الذبح بالشام كما يزعم أهل الكتاب ومن تلقى عنهم لكانت القرابين والنحر بالشام لا بمكة. وأيضا فإن الله سبحانه سمى الذبيح حليما لأنه لا أحلم ممن أسلم نفسه للذبح طاعة لربه. ولما ذكر إسحاق سماه عليما فقال تعالى: هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين - إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون [الذاريات: 24 - 25] الذاريات: 24 - 25] إلى أن قال: قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم [الذاريات: 28] [الذاريات: 28] وهذا إسحاق بلا ريب لأنه من امرأته وهي المبشرة به وأما إسماعيل فمن السرية وأيضا فإنهما بشرا به على الكبر واليأس من الولد وهذا بخلاف إسماعيل فإنه ولد قبل ذلك. وأيضا فإن الله سبحانه أجرى العادة البشرية أن بكر الأولاد أحب إلى الوالدين ممن بعده وإبراهيم عليه السلام لما سأل ربه الولد ووهبه له تعلقت شعبة من قلبه بمحبته والله تعالى قد اتخذه خليلا والخلة منصب يقتضي توحيد المحبوب بالمحبة وأن لا يشارك بينه وبين غيره فيها فلما أخذ الولد شعبة من قلب الوالد جاءت غيرة الخلة تنتزعها من قلب الخليل فأمره بذبح المحبوب فلما أقدم على ذبحه وكانت محبة الله أعظم عنده من محبة الولد خلصت الخلة حينئذ من شوائب المشاركة فلم يبق في الذبح مصلحة إذ كانت المصلحة إنما هي في العزم وتوطين النفس عليه فقد حصل المقصود فنسخ الأمر وفدي الذبيح وصدق الخليل الرؤيا وحصل مراد الرب.(1\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8605",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومعلوم أن هذا الامتحان والاختبار إنما حصل عند أول مولود ولم يكن ليحصل في المولود الآخر دون الأول بل لم يحصل عند المولود الآخر من مزاحمة الخلة ما يقتضي الأمر بذبحه وهذا في غاية الظهور. وأيضا فإن سارة امرأة الخليل صلى الله عليه وسلم غارت من هاجر وابنها أشد الغيرة فإنها كانت جارية فلما ولدت إسماعيل وأحبه أبوه اشتدت غيرة quot; سارة quot; فأمر الله سبحانه أن يبعد عنها quot; هاجر quot; وابنها ويسكنها في أرض مكة لتبرد عن quot; سارة quot; حرارة الغيرة وهذا من رحمته تعالى ورأفته فكيف يأمره سبحانه بعد هذا أن يذبح ابنها ويدع ابن الجارية بحاله هذا مع رحمة الله لها وإبعاد الضرر عنها وجبره لها فكيف يأمر بعد هذا بذبح ابنها دون ابن الجارية بل حكمته البالغة اقتضت أن يأمر بذبح ولد السرية فحينئذ يرق قلب السيدة عليها وعلى ولدها وتتبدل قسوة الغيرة رحمة ويظهر لها بركة هذه الجارية وولدها وأن الله لا يضيع بيتا هذه وابنها منهم وليري عباده جبره بعد الكسر ولطفه بعد الشدة وأن عاقبة صبر quot; هاجر quot; وابنها على البعد والوحدة والغربة والتسليم إلى ذبح الولد آلت إلى ما آلت إليه من جعل آثارهما ومواطئ أقدامهما مناسك لعباده المؤمنين ومتعبدات لهم إلى يوم القيامة وهذه سنته تعالى فيمن يريد رفعه من خلقه أن يمن عليه بعد استضعافه وذله وانكساره. قال تعالى: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين [القصص: 5] [القصص: 5] وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. ولنرجع إلى المقصود من سيرته صلى الله عليه وسلم وهديه وأخلاقه لا خلاف أنه ولد صلى الله عليه وسلم بجوف مكة وأن مولده كان عام الفيل وكان أمر الفيل تقدمة قدمها الله لنبيه وبيته وإلا فأصحاب الفيل كانوا نصارى أهل كتاب وكان دينهم خيرا من دين أهل مكة إذ ذاك لأنهم كانوا عباد أوثان فنصرهم الله على(1\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8606",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أهل الكتاب نصرا لا صنع للبشر فيه إرهاصا وتقدمة للنبي صلى الله عليه وسلم الذي خرج من مكة وتعظيما للبيت الحرام. واختلف في وفاة أبيه عبد الله هل توفي ورسول الله صلى الله عليه وسلم حمل أو توفي بعد ولادته على قولين: أصحهما: أنه توفي ورسول الله صلى الله عليه وسلم حمل. والثاني: أنه توفي بعد ولادته بسبعة أشهر. ولا خلاف أن أمه ماتت بين مكة والمدينة quot; بالأبواء quot; منصرفها من المدينة من زيارة أخواله ولم يستكمل إذ ذاك سبع سنين. وكفله جده عبد المطلب وتوفي ولرسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ثمان سنين وقيل: ست وقيل: عشر ثم كفله عمه أبو طالب واستمرت كفالته له فلما بلغ ثنتي عشرة سنة خرج به عمه إلى الشام وقيل: كانت سنه تسع سنين وفي هذه الخرجة رآه بحيرى الراهب وأمر عمه ألا يقدم به إلى الشام خوفا عليه من اليهود فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى مكة ووقع في كتاب الترمذي وغيره أنه بعث معه بلالا وهو من الغلط الواضح فإن بلالا إذ ذاك لعله لم يكن موجودا وإن كان فلم يكن مع عمه ولا مع أبي بكر. وذكر البزار في quot; مسنده quot; هذا الحديث ولم يقل: وأرسل معه عمه بلالا ولكن قال: رجلا. فلما بلغ خمسا وعشرين سنة خرج إلى الشام في تجارة فوصل إلى(1\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8607",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot; بصرى quot; ثم رجع فتزوج عقب رجوعه خديجة بنت خويلد وقيل تزوجها وله ثلاثون سنة وقيل إحدى وعشرون وسنها أربعون وهي أول امرأة تزوجها وأول امرأة ماتت من نسائه ولم ينكح عليها غيرها وأمره جبريل أن يقرأ عليها السلام من ربها. ثم حبب الله إليه الخلوة والتعبد لربه وكان يخلو بـ quot; غار حراء quot; يتعبد فيه الليالي ذوات العدد وبغضت إليه الأوثان ودين قومه فلم يكن شيء أبغض إليه من ذلك. فلما كمل له أربعون أشرق عليه نور النبوة وأكرمه الله تعالى برسالته وبعثه إلى خلقه واختصه بكرامته وجعله أمينه بينه وبين عباده. ولا خلاف أن مبعثه صلى الله عليه وسلم كان يوم الاثنين واختلف في شهر المبعث. فقيل: لثمان مضين من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من عام الفيل هذا قول الأكثرين وقيل: بل كان ذلك في رمضان واحتج هؤلاء بقوله تعالى: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن [البقرة: 185] [البقرة: 185] قالوا: أول ما أكرمه الله(1\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8608",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى بنبوته أنزل عليه القرآن وإلى هذا ذهب جماعة منهم يحيى الصرصري حيث يقول في نونيته: وأتت عليه أربعون فأشرقت ... شمس النبوة منه في رمضان والأولون قالوا: إنما كان إنزال القرآن في رمضان جملة واحدة في ليلة القدر إلى بيت العزة ثم أنزل منجما بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة. وقالت طائفة: أنزل فيه القرآن أي في شأنه وتعظيمه وفرض صومه. وقيل: كان ابتداء المبعث في شهر رجب. وكمل الله له من مراتب الوحي مراتب عديدة: إحداها: الرؤيا الصادقة وكانت مبدأ وحيه صلى الله عليه وسلم وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. الثانية: ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته ) .(1\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8609",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالثة: أنه صلى الله عليه وسلم كان يتمثل له الملك رجلا فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول له وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحيانا. الرابعة: أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس وكان أشده عليه فيتلبس به الملك حتى إن جبينه ليتفصد عرقا في اليوم الشديد البرد وحتى إن راحلته لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها. ولقد جاء الوحي مرة كذلك وفخذه على فخذ(1\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8610",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "زيد بن ثابت فثقلت عليه حتى كادت ترضها. الخامسة: أنه يرى الملك في صورته التي خلق عليها فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه وهذا وقع له مرتين كما ذكر الله ذلك في [النجم: 7 13] . السادسة: ما أوحاه الله وهو فوق السماوات ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها. السابعة: كلام الله له منه إليه بلا واسطة ملك كما كلم الله موسى بن عمران وهذه المرتبة هي ثابتة لموسى قطعا بنص القرآن وثبوتها لنبينا صلى الله عليه وسلم هو في حديث الإسراء. وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة وهي تكليم الله له كفاحا من غير حجاب وهذا على مذهب من يقول: إنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه تبارك وتعالى وهي مسألة خلاف بين السلف والخلف وإن كان جمهور الصحابة بل كلهم مع عائشة كما حكاه عثمان بن سعيد الدارمي إجماعا للصحابة.(1\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8611",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في ختانه صلى الله عليه وسلم] فصل في ختانه صلى الله عليه وسلم وقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ولد مختونا مسرورا وروي في ذلك حديث لا يصح ذكره أبو الفرج بن الجوزي في quot; الموضوعات quot; وليس فيه حديث ثابت وليس هذا من خواصه فإن كثيرا من الناس يولد مختونا. وقال الميموني: قلت لأبي عبد الله: مسألة سئلت عنها: ختان ختن صبيا فلم يستقص قال: إذا كان الختان جاوز نصف الحشفة إلى فوق فلا يعيد لأن الحشفة تغلظ وكلما غلظت ارتفع الختان. فأما إذا كان الختان دون النصف فكنت أرى أن يعيد. قلت: فإن الإعادة شديدة جدا وقد يخاف عليه من الإعادة فقال: لا أدري ثم قال لي: فإن هاهنا رجلا ولد له ابن مختون فاغتم لذلك غما شديدا فقلت له: إذا كان الله قد كفاك المؤنة فما غمك بهذا انتهى. وحدثني صاحبنا أبو عبد الله محمد بن عثمان الخليلي المحدث ببيت المقدس أنه ولد كذلك وأن أهله لم يختنوه والناس يقولون لمن ولد كذلك: ختنه القمر وهذا من خرافاتهم. القول الثاني: أنه ختن صلى الله عليه وسلم يوم شق قلبه الملائكة عند ظئره حليمة. القول الثالث: أن جده عبد المطلب ختنه يوم سابعه وصنع له مأدبة وسماه محمدا. قال أبو عمر بن عبد البر: وفي هذا الباب حديث مسند غريب حدثناه أحمد بن محمد بن أحمد حدثنا محمد بن عيسى حدثنا يحيى بن أيوب العلاف حدثنا محمد بن أبي السري العسقلاني حدثنا الوليد بن مسلم عن شعيب عن عطاء الخراساني عن عكرمة عن ابن عباس أن عبد المطلب ختن(1\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8612",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النبي صلى الله عليه وسلم يوم سابعه وجعل له مأدبة وسماه محمدا صلى الله عليه وسلم قال يحيى بن أيوب: طلبت هذا الحديث فلم أجده عند أحد من أهل الحديث ممن لقيته إلا عند ابن أبي السري وقد وقعت هذه المسألة بين رجلين فاضلين صنف أحدهما مصنفا في أنه ولد مختونا وأجلب فيه من الأحاديث التي لا خطام لها ولا زمام وهو كمال الدين بن طلحة فنقضه عليه كمال الدين بن العديم وبين فيه أنه صلى الله عليه وسلم ختن على عادة العرب وكان عموم هذه السنة للعرب قاطبة مغنيا عن نقل معين فيها والله أعلم.  [فصل في أمهاته صلى الله عليه وسلم اللاتي أرضعنه] فصل في أمهاته صلى الله عليه وسلم اللاتي أرضعنه فمنهن ثويبة مولاة أبي لهب أرضعته أياما وأرضعت معه أبا سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي بلبن ابنها مسروح وأرضعت معهما عمه حمزة بن عبد المطلب. واختلف في إسلامها فالله أعلم. ثم أرضعته حليمة السعدية بلبن ابنها عبد الله أخي أنيسة وجدامة وهي الشيماء أولاد الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدي واختلف في إسلام أبويه من الرضاعة فالله أعلم وأرضعت معه ابن عمه أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وكان شديد العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أسلم عام الفتح وحسن إسلامه وكان عمه حمزة مسترضعا في بني سعد بن بكر(1\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8613",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأرضعت أمه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما وهو عند أمه حليمة فكان حمزة رضيع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهتين: من جهة ثويبة ومن جهة السعدية.  [فصل في حواضنه صلى الله عليه وسلم] فصل في حواضنه صلى الله عليه وسلم فمنهن أمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب. ومنهن ثويبة وحليمة والشيماء ابنتها وهي أخته من الرضاعة كانت تحضنه مع أمها وهي التي قدمت عليه في وفد هوازن فبسط لها رداءه وأجلسها عليه رعاية لحقها. ومنهن الفاضلة الجليلة أم أيمن بركة الحبشية وكان ورثها من أبيه وكانت دايته وزوجها من حبه زيد بن حارثة فولدت له أسامة وهي التي دخل عليها أبو بكر وعمر بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي فقالا: يا أم أيمن ما يبكيك فما عند الله خير لرسوله قالت: إني لأعلم أن ما عند الله خير لرسوله وإنما أبكي لانقطاع خبر السماء فهيجتهما على البكاء فبكيا.  [فصل في مبعثه صلى الله عليه وسلم وأول ما نزل عليه] فصل في مبعثه صلى الله عليه وسلم وأول ما نزل عليه بعثه الله على رأس أربعين وهي سن الكمال. قيل: ولها تبعث الرسل وأما ما يذكر عن المسيح أنه رفع إلى السماء وله ثلاث وثلاثون سنة فهذا لا يعرف له أثر متصل يجب المصير إليه. ( وأول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر النبوة الرؤيا فكان لا يرى رؤيا إلا(1\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8614",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جاءت مثل فلق الصبح ) . قيل: وكان ذلك ستة أشهر ومدة النبوة ثلاث وعشرون سنة فهذه الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة والله أعلم. ثم أكرمه الله تعالى بالنبوة فجاءه الملك وهو بغار حراء وكان يحب الخلوة فيه فأول ما أنزل عليه اقرأ باسم ربك الذي خلق [العلق: 1] [العلق: 1] هذا قول عائشة والجمهور. وقال جابر: أول ما أنزل عليه ياأيها المدثر [المدثر: 1] . والصحيح قول عائشة لوجوه: أحدها: أن قوله: ما أنا بقارئ صريح في أنه لم يقرأ قبل ذلك شيئا. الثاني: الأمر بالقراءة في الترتيب قبل الأمر بالإنذار فإنه إذا قرأ في نفسه أنذر بما قرأه فأمره بالقراءة أولا ثم بالإنذار بما قرأه ثانيا. الثالث: أن حديث جابر وقوله: أول ما أنزل من القرآن ياأيها المدثر [المدثر: 1] قول جابر وعائشة أخبرت عن خبره صلى الله عليه وسلم عن نفسه بذلك.(1\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8615",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرابع: أن حديث جابر الذي احتج به صريح في أنه قد تقدم نزول الملك عليه أولا قبل نزول ياأيها المدثر [المدثر: 1] فإنه قال: فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء فرجعت إلى أهلي فقلت: زملوني دثروني فأنزل الله ياأيها المدثر [المدثر: 1] وقد أخبر أن الملك الذي جاءه بحراء أنزل عليه اقرأ باسم ربك الذي خلق [العلق: 1] فدل حديث جابر على تأخر نزول ياأيها المدثر [المدثر: 1] والحجة في روايته لا في رأيه والله أعلم.  [فصل في ترتيب الدعوة ولها مراتب] فصل في ترتيب الدعوة ولها مراتب المرتبة الأولى: النبوة. الثانية: إنذار عشيرته الأقربين. الثالثة: إنذار قومه. الرابعة: إنذار قوم ما أتاهم من نذير من قبله وهم العرب قاطبة. الخامسة: إنذار جميع من بلغته دعوته من الجن والإنس إلى آخر الدهر.  [فصل الجهر بالدعوة] فصل وأقام صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ثلاث سنين يدعو إلى الله سبحانه مستخفيا ثم نزل عليه فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين [الحجر: 94] [الحجر: 94] . فأعلن صلى الله عليه وسلم بالدعوة وجاهر قومه بالعداوة واشتد الأذى عليه وعلى المسلمين حتى أذن الله لهم بالهجرتين.  [فصل في أسمائه صلى الله عليه وسلم] فصل في أسمائه صلى الله عليه وسلم وكلها نعوت ليست أعلاما محضة لمجرد التعريف بل أسماء مشتقة من(1\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8616",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صفات قائمة به توجب له المدح والكمال. فمنها محمد وهو أشهرها وبه سمي في التوراة صريحا كما بيناه بالبرهان الواضح في كتاب quot; جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام quot; وهو كتاب فرد في معناه لم يسبق إلى مثله في كثرة فوائده وغزارتها بينا فيه الأحاديث الواردة في الصلاة والسلام عليه وصحيحها من حسنها ومعلولها وبينا ما في معلولها من العلل بيانا شافيا ثم أسرار هذا الدعاء وشرفه وما اشتمل عليه من الحكم والفوائد ثم مواطن الصلاة عليها ومحالها ثم الكلام في مقدار الواجب منها واختلاف أهل العلم فيه وترجيح الراجح وتزييف المزيف ومخبر الكتاب فوق وصفه. والمقصود أن اسمه محمد في التوراة صريحا بما يوافق عليه كل عالم من مؤمني أهل الكتاب. ومنها أحمد وهو الاسم الذي سماه به المسيح لسر ذكرناه في ذلك الكتاب. ومنها: المتوكل ومنها الماحي والحاشر والعاقب والمقفي ونبي التوبة ونبي الرحمة ونبي الملحمة والفاتح والأمين. ويلحق بهذه الأسماء: الشاهد والمبشر والبشير والنذير والقاسم والضحوك والقتال وعبد الله والسراج المنير وسيد ولد آدم وصاحب لواء الحمد وصاحب المقام المحمود وغير ذلك من الأسماء لأن أسماءه إذا كانت أوصاف مدح فله من كل وصف اسم لكن ينبغي أن يفرق بين الوصف المختص به أو الغالب عليه ويشتق له منه اسم وبين الوصف المشترك فلا يكون له منه اسم يخصه.(1\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8617",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال جبير بن مطعم: سمى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه أسماء فقال: ( : أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي والعاقب الذي ليس بعده نبي ) . وأسماؤه صلى الله عليه وسلم نوعان: أحدهما: خاص لا يشاركه فيه غيره من الرسل كمحمد وأحمد والعاقب والحاشر والمقفي ونبي الملحمة. والثاني: ما يشاركه في معناه غيره من الرسل ولكن له منه كماله فهو مختص بكماله دون أصله كرسول الله ونبيه وعبده والشاهد والمبشر والنذير ونبي الرحمة ونبي التوبة. وأما إن جعل له من كل وصف من أوصافه اسم تجاوزت أسماؤه المائتين كالصادق والمصدوق والرءوف الرحيم إلى أمثال ذلك. وفي هذا قال من قال من الناس: إن لله ألف اسم وللنبي صلى الله عليه وسلم ألف اسم قاله أبو الخطاب بن دحية ومقصوده الأوصاف.(1\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8618",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في شرح معاني أسمائه صلى الله عليه وسلم] فصل في شرح معاني أسمائه صلى الله عليه وسلم أما محمد فهو اسم مفعول من حمد فهو محمد إذا كان كثير الخصال التي يحمد عليها ولذلك كان أبلغ من محمود فإن محمودا من الثلاثي المجرد ومحمد من المضاعف للمبالغة فهو الذي يحمد أكثر مما يحمد غيره من البشر ولهذا - والله أعلم - سمي به في التوراة لكثرة الخصال المحمودة التي وصف بها هو ودينه وأمته في التوراة حتى تمنى موسى عليه الصلاة والسلام أن يكون منهم وقد أتينا على هذا المعنى بشواهده هناك وبينا غلط أبي القاسم السهيلي حيث جعل الأمر بالعكس وأن اسمه في التوراة أحمد. وأما أحمد فهو اسم على زنة أفعل التفضيل مشتق أيضا من الحمد. وقد اختلف الناس فيه هل هو بمعنى فاعل أو مفعول فقالت طائفة: هو بمعنى الفاعل أي حمده لله أكثر من حمد غيره له فمعناه: أحمد الحامدين لربه ورجحوا هذا القول بأن قياس أفعل التفضيل أن يصاغ من فعل الفاعل لا من الفعل الواقع على المفعول قالوا: ولهذا لا يقال ما أضرب زيدا ولا زيد أضرب من عمرو باعتبار الضرب الواقع عليه ولا: ما أشربه للماء وآكله(1\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8619",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للخبز ونحوه قالوا: لأن أفعل التفضيل وفعل التعجب إنما يصاغان من الفعل اللازم ولهذا يقدر نقله من quot; فعل quot; وquot; فعل quot; المفتوح العين ومكسورها إلى quot; فعل quot; المضموم العين قالوا: ولهذا يعدى بالهمزة إلى المفعول فهمزته للتعدية كقولك: ما أظرف زيدا وأكرم عمرا وأصلهما: من ظرف وكرم. قالوا: لأن المتعجب منه فاعل في الأصل فوجب أن يكون فعله غير متعد قالوا: وأما نحو: ما أضرب زيدا لعمرو فهو منقول من quot; فعل quot; المفتوح العين إلى quot; فعل quot; المضموم العين ثم عدي والحالة هذه بالهمزة قالوا: والدليل على ذلك مجيئهم باللام فيقولون: ما أضرب زيدا لعمرو ولو كان باقيا على تعديه لقيل: ما أضرب زيدا عمرا لأنه متعد إلى واحد بنفسه وإلى الآخر بهمزة التعدية فلما أن عدوه إلى المفعول بهمزة التعدية عدوه إلى الآخر باللام فهذا هو الذي أوجب لهم أن قالوا: إنهما لا يصاغان إلا من فعل الفاعل لا من الفعل الواقع على المفعول. ونازعهم في ذلك آخرون وقالوا: يجوز صوغهما من فعل الفاعل ومن الواقع على المفعول وكثرة السماع به من أبين الأدلة على جوازه تقول العرب: ما أشغله بالشيء وهو من شغل فهو مشغول وكذلك يقولون ما أولعه بكذا وهو من أولع بالشيء فهو مولع به مبني للمفعول ليس إلا وكذلك قولهم: ما أعجبه بكذا فهو من أعجب به ويقولون ما أحبه إلي فهو تعجب من فعل المفعول وكونه محبوبا لك وكذا: ما أبغضه إلي وأمقته إلي. وهاهنا مسألة مشهورة ذكرها سيبويه وهي أنك تقول: ما أبغضني له وما أحبني له وما أمقتني له: إذا كنت أنت المبغض الكاره والمحب الماقت فتكون متعجبا من فعل الفاعل وتقول: ما أبغضني إليه وما أمقتني إليه وما أحبني إليه: إذا كنت أنت البغيض الممقوت أو المحبوب فتكون متعجبا من الفعل الواقع على المفعول فما كان باللام فهو للفاعل وما كان بـ quot; إلى quot; فهو للمفعول. وأكثر النحاة لا يعللون بهذا والذي يقال في علته والله أعلم: إن اللام(1\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8620",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تكون للفاعل في المعنى نحو قولك: لمن هذا فيقال: لزيد فيؤتى باللام. وأما quot; إلى quot; فتكون للمفعول في المعنى فتقول: إلى من يصل هذا الكتاب فتقول: إلى عبد الله وسر ذلك أن اللام في الأصل للملك والاختصاص والاستحقاق إنما يكون للفاعل الذي يملك ويستحق وquot; إلى quot; لانتهاء الغاية والغاية منتهى ما يقتضيه الفعل فهي بالمفعول أليق لأنها تمام مقتضى الفعل ومن التعجب من فعل المفعول قول كعب بن زهير في النبي صلى الله عليه وسلم: فلهو أخوف عندي إذ أكلمه ... وقيل إنك محبوس ومقتول من خادر من ليوث الأسد مسكنه ... ببطن عثر غيل دونه غيل فأخوف هاهنا من خيف فهو مخوف لا من خاف وكذلك قولهم: ما أجن زيدا من جن فهو مجنون هذا مذهب الكوفيين ومن وافقهم. قال البصريون: كل هذا شاذ لا يعول عليه فلا نشوش به القواعد ويجب الاقتصار منه على المسموع قال الكوفيون: كثرة هذا في كلامهم نثرا ونظما يمنع حمله على الشذوذ لأن الشاذ ما خالف استعمالهم ومطرد كلامهم وهذا غير مخالف لذلك قالوا: وأما تقديركم لزوم الفعل ونقله إلى فعل فتحكم لا دليل عليه وما تمسكتم به من التعدية بالهمزة إلى آخره فليس الأمر فيها كما ذهبتم إليه والهمزة في هذا البناء ليست للتعدية وإنما هي للدلالة على معنى التعجب والتفضيل فقط كألف quot; فاعل quot; وميم quot; مفعول quot; وواوه وتاء الافتعال والمطاوعة ونحوها من الزوائد التي تلحق الفعل الثلاثي لبيان ما لحقه من الزيادة على مجرده فهذا هو السبب الجالب لهذه الهمزة لا تعدية الفعل. قالوا: والذي يدل على هذا أن الفعل الذي يعدى بالهمزة يجوز أن يعدى(1\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8621",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بحرف الجر وبالتضعيف نحو: جلست به وأجلسته وقمت به وأقمته ونظائره وهنا لا يقوم مقام الهمزة غيرها فعلم أنها ليست للتعدية المجردة أيضا فإنها تجامع باء التعدية نحو: أكرم به وأحسن به ولا يجمع على الفعل بين تعديتين. وأيضا فإنهم يقولون: ما أعطاه للدراهم وأكساه للثياب وهذا من أعطى وكسا المتعدي ولا يصح تقدير نقله إلى quot; عطو quot;: إذا تناول ثم أدخلت عليه همزة التعدية لفساد المعنى فإن التعجب إنما وقع من إعطائه لا من عطوه وهو تناوله والهمزة التي فيه همزة التعجب والتفضيل وحذفت همزته التي في فعله فلا يصح أن يقال: هي للتعدية. قالوا: وأما قولكم: إنه عدي باللام في نحو: ما أضربه لزيد. . . إلى آخره فالإتيان باللام هاهنا ليس لما ذكرتم من لزوم الفعل وإنما أتي بها تقوية له لما ضعف بمنعه من التصرف وألزم طريقة واحدة خرج بها عن سنن الأفعال فضعف عن اقتضائه وعمله فقوي باللام كما يقوى بها عند تقدم معموله عليه وعند فرعيته وهذا المذهب هو الراجح كما تراه. فلنرجع إلى المقصود فنقول: تقدير أحمد على قول الأولين: أحمد الناس لربه وعلى قول هؤلاء: أحق الناس وأولاهم بأن يحمد فيكون كمحمد في المعنى إلا أن الفرق بينهما أن quot; محمدا quot; هو كثير الخصال التي يحمد عليها وquot; أحمد quot; هو الذي يحمد أفضل مما يحمد غيره فمحمد في الكثرة والكمية وأحمد في الصفة والكيفية فيستحق من الحمد أكثر مما يستحق غيره وأفضل مما يستحق غيره فيحمد أكثر حمد وأفضل حمد حمده البشر. فالاسمان واقعان على المفعول وهذا أبلغ في مدحه وأكمل معنى. ولو أريد معنى الفاعل لسمي الحماد أي كثير الحمد فإنه صلى الله عليه وسلم كان أكثر الخلق حمدا لربه فلو كان اسمه أحمد باعتبار حمده لربه لكان الأولى به الحماد كما سميت بذلك أمته. وأيضا: فإن هذين الاسمين إنما اشتقا من أخلاقه وخصائصه(1\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8622",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المحمودة التي لأجلها استحق أن يسمى محمدا صلى الله عليه وسلم وأحمد وهو الذي يحمده أهل السماء وأهل الأرض وأهل الدنيا وأهل الآخرة لكثرة خصائله المحمودة التي تفوق عد العادين وإحصاء المحصين وقد أشبعنا هذا المعنى في كتاب الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم وإنما ذكرنا هاهنا كلمات يسيرة اقتضتها حال المسافر وتشتت قلبه وتفرق همته وبالله المستعان وعليه التكلان. وأما اسمه المتوكل ففي صحيح البخاري عن (عبد الله بن عمرو قال: قرأت في التوراة صفة النبي صلى الله عليه وسلم: محمد رسول الله عبدي ورسولي سميته المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله) وهو صلى الله عليه وسلم أحق الناس بهذا الاسم لأنه توكل على الله في إقامة الدين توكلا لم يشركه فيه غيره. وأما الماحي والحاشر والمقفي والعاقب فقد فسرت في حديث جبير بن مطعم فالماحي: هو الذي محا الله به الكفر ولم يمح الكفر بأحد من الخلق ما محي بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنه بعث وأهل الأرض كلهم كفار إلا بقايا من أهل الكتاب وهم ما بين عباد أوثان ويهود مغضوب عليهم ونصارى ضالين وصابئة دهرية لا يعرفون ربا ولا معادا وبين عباد الكواكب وعباد النار وفلاسفة لا يعرفون شرائع الأنبياء ولا يقرون بها فمحا الله سبحانه(1\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8623",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "برسوله ذلك حتى ظهر دين الله على كل دين وبلغ دينه ما بلغ الليل والنهار وسارت دعوته مسير الشمس في الأقطار. وأما الحاشر فالحشر هو الضم والجمع فهو الذي يحشر الناس على قدمه فكأنه بعث ليحشر الناس. والعاقب: الذي جاء عقب الأنبياء فليس بعده نبي فإن العاقب هو الآخر فهو بمنزلة الخاتم ولهذا سمي العاقب على الإطلاق أي: عقب الأنبياء جاء بعقبهم. وأما المقفي فكذلك وهو الذي قفى على آثار من تقدمه فقفى الله به على آثار من سبقه من الرسل وهذه اللفظة مشتقة من القفو يقال: قفاه يقفوه: إذا تأخر عنه ومنه: قافية الرأس وقافية البيت فالمقفي: الذي قفى من قبله من الرسل فكان خاتمهم وآخرهم. وأما نبي التوبة: فهو الذي فتح الله به باب التوبة على أهل الأرض فتاب الله عليهم توبة لم يحصل مثلها لأهل الأرض قبله. وكان صلى الله عليه وسلم أكثر الناس استغفارا وتوبة حتى كانوا يعدون له في المجلس الواحد مائة مرة: ( رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور ) . وكان يقول: ( يا أيها الناس توبوا إلى الله ربكم فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة )  وكذلك توبة أمته أكمل من توبة سائر الأمم وأسرع(1\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8624",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قبولا وأسهل تناولا وكانت توبة من قبلهم من أصعب الأشياء حتى كان من توبة بني إسرائيل من عبادة العجل قتل أنفسهم وأما هذه الأمة فلكرامتها على الله تعالى جعل توبتها الندم والإقلاع. وأما نبي الملحمة فهو الذي بعث بجهاد أعداء الله فلم يجاهد نبي وأمته قط ما جاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته والملاحم الكبار التي وقعت وتقع بين أمته وبين الكفار لم يعهد مثلها قبله فإن أمته يقتلون الكفار في أقطار الأرض على تعاقب الأعصار وقد أوقعوا بهم من الملاحم ما لم تفعله أمة سواهم. وأما نبي الرحمة فهو الذي أرسله الله رحمة للعالمين فرحم به أهل الأرض كلهم مؤمنهم وكافرهم أما المؤمنون فنالوا النصيب الأوفر من الرحمة وأما الكفار فأهل الكتاب منهم عاشوا في ظله وتحت حبله وعهده وأما من قتله منهم هو وأمته فإنهم عجلوا به إلى النار وأراحوه من الحياة الطويلة التي لا يزداد بها إلا شدة العذاب في الآخرة. وأما الفاتح فهو الذي فتح الله به باب الهدى بعد أن كان مرتجا وفتح به الأعين العمي والآذان الصم والقلوب الغلف وفتح الله به أمصار الكفار وفتح به أبواب الجنة وفتح به طرق العلم النافع والعمل الصالح ففتح به الدنيا والآخرة والقلوب والأسماع والأبصار والأمصار. وأما الأمين فهو أحق العالمين بهذا الاسم فهو أمين الله على وحيه ودينه وهو أمين من في السماء وأمين من في الأرض ولهذا كانوا يسمونه قبل النبوة الأمين. وأما الضحوك القتال فاسمان مزدوجان لا يفرد أحدهما عن الآخر(1\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8625",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنه ضحوك في وجوه المؤمنين غير عابس ولا مقطب ولا غضوب ولا فظ قتال لأعداء الله لا تأخذه فيهم لومة لائم. وأما البشير فهو المبشر لمن أطاعه بالثواب والنذير المنذر لمن عصاه بالعقاب وقد سماه الله عبده في مواضع من كتابه منها قوله: وأنه لما قام عبد الله يدعوه [الجن: 19] [الجن: 20] وقوله: تبارك الذي نزل الفرقان على عبده [الفرقان: 1] [الفرقان: 1] وقوله: فأوحى إلى عبده ما أوحى [النجم: 10] [النجم: 10] وقوله: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا [البقرة: 23] [البقرة: 23] وثبت عنه في quot; الصحيح quot; أنه قال: ( أنا سيد ولد آدم [يوم القيامة] ولا فخر ) وسماه الله سراجا منيرا وسمى الشمس سراجا وهاجا. والمنير: هو الذي ينير من غير إحراق بخلاف الوهاج فإن فيه نوع إحراق وتوهج.  [فصل في ذكرى الهجرتين الأولى والثانية] 401 - 1(1\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8626",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل في ذكرى الهجرتين الأولى والثانية لما كثر المسلمون وخاف منهم الكفار اشتد أذاهم له صلى الله عليه وسلم وفتنتهم إياهم فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة إلى الحبشة وقال: ( إن بها ملكا لا يظلم الناس عنده ) فهاجر من المسلمين اثنا عشر رجلا وأربع نسوة منهم عثمان بن عفان وهو أول من خرج ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقاموا في الحبشة في أحسن جوار فبلغهم أن قريشا أسلمت وكان هذا الخبر كذبا فرجعوا إلى مكة فلما بلغهم أن الأمر أشد مما كان رجع منهم من رجع ودخل جماعة فلقوا من قريش أذى شديدا وكان ممن دخل عبد الله بن مسعود. ثم أذن لهم في الهجرة ثانيا إلى الحبشة فهاجر من الرجال ثلاثة وثمانون رجلا إن كان فيهم عمار فإنه يشك فيه ومن النساء ثمان عشرة امرأة فأقاموا عند النجاشي على أحسن حال فبلغ ذلك قريشا فأرسلوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة في جماعة ليكيدوهم عند النجاشي فرد الله كيدهم في نحورهم فاشتد أذاهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فحصروه وأهل بيته في الشعب شعب أبي طالب ثلاث سنين وقيل سنتين وخرج من الحصر وله تسع وأربعون سنة وقيل ثمان وأربعون سنة وبعد ذلك بأشهر مات عمه أبو طالب وله سبع وثمانون سنة وفي الشعب ولد عبد الله بن عباس فنال الكفار منه أذى شديدا ثم ماتت خديجة بعد ذلك بيسير فاشتد أذى الكفار له فخرج إلى الطائف هو وزيد بن حارثة يدعو إلى الله تعالى وأقام به أياما فلم يجيبوه وآذوه وأخرجوه وقاموا له سماطين فرجموه بالحجارة حتى أدموا كعبيه فانصرف عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى مكة وفي طريقه لقي عداسا النصراني فآمن به وصدقه وفي طريقه أيضا بنخلة صرف إليه نفر من الجن سبعة من أهل نصيبين فاستمعوا القرآن وأسلموا وفي طريقه تلك أرسل الله إليه ملك الجبال يأمره(1\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8627",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بطاعته وأن يطبق على قومه أخشبي مكة وهما جبلاها إن أراد فقال: ( لا بل أستأني بهم لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئا ) . وفي طريقه دعا بذلك الدعاء المشهور ( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي. . . ) الحديث ثم دخل مكة في جوار المطعم بن عدي ثم أسري(1\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8628",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بروحه وجسده إلى المسجد الأقصى ثم عرج به إلى فوق السماوات بجسده وروحه إلى الله عز وجل فخاطبه وفرض عليه الصلوات وكان ذلك مرة واحدة هذا أصح الأقوال. وقيل: كان ذلك مناما وقيل: بل يقال: أسري به ولا يقال: يقظة ولا مناما. وقيل: كان الإسراء إلى بيت المقدس يقظة وإلى السماء مناما. وقيل: كان الإسراء مرتين مرة يقظة ومرة مناما. وقيل: بل أسري به ثلاث مرات وكان ذلك بعد المبعث بالاتفاق. وأما ما وقع في حديث شريك أن ذلك كان قبل أن يوحى إليه فهذا مما عد من أغلاط شريك الثمانية وسوء حفظه لحديث الإسراء. وقيل: إن هذا كان إسراء المنام قبل الوحي. وأما إسراء اليقظة فبعد النبوة وقيل: بل الوحي هاهنا مقيد وليس بالوحي المطلق الذي هو مبدأ النبوة والمراد: قبل أن يوحى إليه في شأن الإسرار فأسري به فجأة من غير تقدم إعلام والله أعلم. فأقام صلى الله عليه وسلم بمكة ما أقام يدعو القبائل إلى الله تعالى ويعرض نفسه عليهم في كل موسم أن يؤووه حتى يبلغ رسالة ربه ولهم الجنة فلم تستجب له قبيلة وادخر الله ذلك كرامة للأنصار فلما أراد الله تعالى إظهار دينه وإنجاز وعده ونصر نبيه وإعلاء كلمته والانتقام من أعدائه ساقه إلى الأنصار لما أراد بهم من الكرامة فانتهى إلى نفر منهم ستة وقيل: ثمانية وهم يحلقون رءوسهم عند عقبة منى في الموسم فجلس إليهم ودعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن(1\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8629",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاستجابوا لله ورسوله ورجعوا إلى المدينة فدعوا قومهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم ولم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأول مسجد قرئ فيه القرآن بالمدينة مسجد بني زريق ثم قدم مكة في العام القابل اثنا عشر رجلا من الأنصار منهم خمسة من الستة الأولين فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء عند العقبة ثم انصرفوا إلى المدينة فقدم عليه في العام القابل منهم ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان وهم أهل العقبة الأخيرة فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وأنفسهم فترحل هو وأصحابه إليهم واختار رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم اثني عشر نقيبا وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الهجرة إلى المدينة فخرجوا أرسالا متسللين أولهم فيما قيل: أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي وقيل مصعب بن عمير فقدموا على الأنصار في دورهم فآووهم ونصروهم وفشا الإسلام بالمدينة ثم أذن الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فخرج من مكة يوم الاثنين في شهر ربيع الأول وقيل في صفر وله إذ ذاك ثلاث وخمسون سنة ومعه أبو بكر الصديق وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر ودليلهم عبد الله بن الأريقط الليثي فدخل غار ثور هو وأبو بكر فأقاما فيه ثلاثا ثم أخذا على طريق الساحل فلما انتهوا إلى المدينة وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول وقيل غير ذلك نزل بقباء في أعلى المدينة على بني عمرو بن عوف وقيل: نزل على كلثوم بن الهدم. وقيل: على سعد بن خيثمة والأول أشهر فأقام عندهم أربعة عشر يوما وأسس مسجد قباء ثم خرج يوم الجمعة فأدركته الجمعة في بني(1\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8630",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سالم فجمع بهم بمن كان معه من المسلمين وهم مائة ثم ركب ناقته وسار وجعل الناس يكلمونه في النزول عليهم ويأخذون بخطام الناقة فيقول: ( خلوا سبيلها فإنها مأمورة ) فبركت عند مسجده اليوم وكان مربدا لسهل وسهيل غلامين من بني النجار فنزل عنها على أبي أيوب الأنصاري ثم بنى مسجده موضع المربد بيده هو وأصحابه بالجريد واللبن ثم بنى مسكنه ومساكن أزواجه إلى جنبه وأقربها إليه مسكن عائشة ثم تحول بعد سبعة أشهر من دار أبي أيوب إليها وبلغ أصحابه بالحبشة هجرته إلى المدينة فرجع منهم ثلاثة(1\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8631",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وثلاثون رجلا فحبس منهم بمكة سبعة وانتهى بقيتهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ثم هاجر بقيتهم في السفينة عام خيبر سنة سبع.  [فصل في أولاده صلى الله عليه وسلم] فصل في أولاده صلى الله عليه وسلم أولهم القاسم وبه كان يكنى مات طفلا وقيل: عاش إلى أن ركب الدابة وسار على النجيبة. ثم زينب وقيل: هي أسن من القاسم ثم رقية وأم كلثوم وفاطمة وقد قيل في كل واحدة منهن: إنها أسن من أختيها وقد ذكر عن ابن عباس أن رقية أسن الثلاث وأم كلثوم أصغرهن.(1\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8632",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم ولد له عبد الله وهل ولد بعد النبوة أو قبلها فيه اختلاف وصحح بعضهم أنه ولد بعد النبوة وهل هو الطيب والطاهر أو هما غيره على قولين. والصحيح أنهما لقبان له والله أعلم. وهؤلاء كلهم من خديجة ولم يولد له من زوجة غيرها. ثم ولد له إبراهيم بالمدينة من سريته quot; مارية القبطية quot; سنة ثمان من الهجرة وبشره به أبو رافع مولاه فوهب له عبدا ومات طفلا قبل الفطام واختلف هل صلى عليه أم لا على قولين. وكل أولاده توفي قبله إلا فاطمة فإنها تأخرت بعده بستة أشهر فرفع الله لها بصبرها واحتسابها من الدرجات ما فضلت به على نساء العالمين. وفاطمة أفضل بناته على الإطلاق وقيل: إنها أفضل نساء العالمين وقيل: بل أمها خديجة وقيل بل عائشة وقيل: بل بالوقف في ذلك.  [فصل في أعمامه وعماته صلى الله عليه وسلم] فصل في أعمامه وعماته صلى الله عليه وسلم فمنهم أسد الله وأسد رسوله سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب والعباس وأبو طالب واسمه عبد مناف وأبو لهب واسمه عبد العزى والزبير وعبد الكعبة والمقوم وضرار وقثم والمغيرة ولقبه حجل والغيداق واسمه(1\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8633",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مصعب وقيل: نوفل وزاد بعضهم: العوام ولم يسلم منهم إلا حمزة والعباس. وأما عماته فصفية أم الزبير بن العوام وعاتكة وبرة وأروى وأميمة وأم حكيم البيضاء. أسلم منهن صفية واختلف في إسلام عاتكة وأروى وصحح بعضهم إسلام أروى. وأسن أعمامه الحارث وأصغرهم سنا: العباس وعقب منه حتى ملأ أولاده الأرض. وقيل: أحصوا في زمن المأمون فبلغوا ستمائة ألف وفي ذلك بعد لا يخفى وكذلك أعقب أبو طالب وأكثر والحارث وأبو لهب وجعل بعضهم الحارث والمقوم واحدا وبعضهم الغيداق وحجلا واحدا.  [فصل في أزواجه صلى الله عليه وسلم] فصل في أزواجه صلى الله عليه وسلم أولاهن خديجة بنت خويلد القرشية الأسدية تزوجها قبل النبوة ولها أربعون سنة ولم يتزوج عليها حتى ماتت وأولاده كلهم منها إلا إبراهيم وهي التي آزرته على النبوة وجاهدت معه وواسته بنفسها ومالها وأرسل الله إليها السلام مع جبريل وهذه خاصة لا تعرف لامرأة سواها وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين. ثم تزوج بعد موتها بأيام سودة بنت زمعة القرشية وهي التي وهبت يومها لعائشة. ثم تزوج بعدها أم عبد الله عائشة الصديقة بنت الصديق المبرأة من فوق سبع سماوات حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بنت أبي بكر الصديق وعرضها عليه الملك قبل نكاحها في سرقة من حرير وقال: quot;هذه زوجتكquot; تزوج بها في(1\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8634",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شوال وعمرها ست سنين وبنى بها في شوال في السنة الأولى من الهجرة وعمرها تسع سنين ولم يتزوج بكرا غيرها وما نزل عليه الوحي في لحاف امرأة غيرها وكانت أحب الخلق إليه ونزل عذرها من السماء واتفقت الأمة على كفر قاذفها وهي أفقه نسائه وأعلمهن بل أفقه نساء الأمة وأعلمهن على الإطلاق وكان الأكابر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرجعون إلى قولها ويستفتونها. وقيل: إنها أسقطت من النبي صلى الله عليه وسلم سقطا ولم يثبت. ثم تزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذكر أبو داود أنه طلقها ثم راجعها. ثم تزوج زينب بنت خزيمة بن الحارث القيسية من بني هلال بن عامر وتوفيت عنده بعد ضمه لها بشهرين. ثم تزوج أم سلمة هند بنت أبي أمية القرشية المخزومية واسم أبي أمية حذيفة بن المغيرة وهي آخر نسائه موتا. وقيل آخرهن موتا صفية. واختلف فيمن ولي تزويجها منه فقال ابن سعد في quot;الطبقاتquot;: ولي تزويجها منه سلمة بن أبي سلمة دون غيره من أهل بيتها ولما زوج النبي صلى الله عليه وسلم سلمة بن أبي سلمة أمامة بنت حمزة التي اختصم فيها علي وجعفر وزيد قال: ( هل جزيت سلمة ) يقول(1\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8635",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك لأن سلمة هو الذي تولى تزويجه دون غيره من أهلها ذكر هذا في ترجمة سلمة ثم ذكر في ترجمة أم سلمة عن الواقدي: حدثني مجمع بن يعقوب عن أبي بكر بن محمد بن عمر بن أبي سلمة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب أم سلمة إلى ابنها عمر بن أبي سلمة فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ غلام صغير . وقال الإمام أحمد في المسند: حدثنا عفان حدثنا حماد بن أبي سلمة حدثنا ثابت قال حدثني ابن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أم سلمة أنها لما انقضت عدتها من أبي سلمة بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: مرحبا برسول الله صلى الله عليه وسلم إني امرأة غيرى وإني مصبية وليس أحد من أوليائي حاضرا. . . الحديث وفيه فقالت لابنها عمر: قم فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجه  وفي هذا نظر فإن عمر هذا كان سنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين ذكره ابن سعد وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال سنة أربع فيكون له من العمر حينئذ ثلاث سنين ومثل هذا لا يزوج قال ذلك ابن سعد وغيره ولما قيل ذلك للإمام أحمد قال: من يقول إن عمر كان صغيرا قال أبو الفرج بن الجوزي: ولعل أحمد قال هذا قبل أن يقف على مقدار سنه وقد ذكر مقدار سنه جماعة من المؤرخين ابن سعد وغيره. وقد قيل: إن الذي زوجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمها عمر بن الخطاب والحديث ( قم يا عمر فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ونسب عمر ونسب أم سلمة يلتقيان في كعب فإنه عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب وأم سلمة بنت أبي(1\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8636",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب فوافق اسم ابنها عمر اسمه فقالت: قم يا عمر فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فظن بعض الرواة أنه ابنها فرواه بالمعنى وقال: فقالت لابنها وذهل عن تعذر ذلك عليه لصغر سنه ونظير هذا وهم بعض الفقهاء في هذا الحديث وروايتهم له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( قم يا غلام فزوج أمك ) قال أبو الفرج ابن الجوزي: وما عرفنا هذا في هذا الحديث قال: وإن ثبت فيحتمل أن يكون قاله على وجه المداعبة للصغير إذ كان له من العمر يومئذ ثلاث سنين لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها في سنة أربع ومات ولعمر تسع سنين ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفتقر نكاحه إلى ولي. وقال ابن عقيل: ظاهر كلام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشترط في نكاحه الولي وأن ذلك من خصائصه. ثم تزوج زينب بنت جحش من بني أسد بن خزيمة وهي ابنة عمته أميمة وفيها نزل قوله تعالى: فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها [الأحزاب: 37] [الأحزاب 37] وبذلك كانت تفتخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات. ومن خواصها أن الله سبحانه وتعالى كان هو وليها الذي زوجها لرسوله من فوق سماواته وتوفيت في أول خلافة عمر بن الخطاب وكانت أولا عند زيد بن حارثة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبناه فلما طلقها زيد زوجه الله تعالى إياها لتتأسى به أمته في نكاح أزواج من تبنوه. وتزوج صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار المصطلقية وكانت من(1\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8637",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبايا بني المصطلق فجاءته تستعين به على كتابتها فأدى عنها كتابتها وتزوجها. ثم تزوج أم حبيبة واسمها رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب القرشية الأموية. وقيل: اسمها هند تزوجها وهي ببلاد الحبشة مهاجرة وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار وسيقت إليه من هناك وماتت في أيام أخيها معاوية. هذا هو المعروف المتواتر عند أهل السير والتواريخ وهو عندهم بمنزلة نكاحه لخديجة بمكة ولحفصة بالمدينة ولصفية بعد خيبر. وأما حديث عكرمة بن عمار عن أبي زميل عن ابن عباس أن أبا سفيان قال للنبي صلى الله عليه وسلم: quot; أسألك ثلاثا فأعطاه إياهن منها: وعندي أجمل العرب أم حبيبة أزوجك إياها quot;. فهذا الحديث غلط لا خفاء به قال أبو محمد بن حزم: وهو موضوع بلا شك كذبه عكرمة بن عمار وقال ابن الجوزي في هذا الحديث: هو وهم من بعض الرواة لا شك فيه ولا تردد وقد اتهموا به عكرمة بن عمار لأن أهل(1\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8638",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبد الله بن جحش وولدت له وهاجر بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة ثم تنصر وثبتت أم حبيبة على إسلامها فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي يخطبها عليه فزوجه إياها وأصدقها عنه صداقا وذلك في سنة سبع من الهجرة وجاء أبو سفيان في زمن الهدنة فدخل عليها فثنت فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يجلس عليه ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان. وأيضا ففي هذا الحديث أنه قال له: وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين قال: نعم. ولا يعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا سفيان البتة. وقد أكثر الناس الكلام في هذا الحديث وتعددت طرقهم في وجهه فمنهم من قال: الصحيح أنه تزوجها بعد الفتح لهذا الحديث قال: ولا يرد هذا بنقل المؤرخين وهذه الطريقة باطلة عند من له أدنى علم بالسيرة وتواريخ ما قد كان. وقالت طائفة: بل سأله أن يجدد له العقد تطييبا لقلبه فإنه كان قد تزوجها بغير اختياره وهذا باطل لا يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا يليق بعقل أبي سفيان ولم يكن من ذلك شيء. وقالت طائفة منهم البيهقي والمنذري: يحتمل أن تكون هذه المسألة من أبي سفيان وقعت في بعض خرجاته إلى المدينة وهو كافر حين سمع نعي زوج أم حبيبة بالحبشة فلما ورد على هؤلاء ما لا حيلة لهم في دفعه من سؤاله أن يؤمره حتى يقاتل الكفار وأن يتخذ ابنه كاتبا قالوا: لعل هاتين المسألتين وقعتا منه بعد الفتح فجمع الراوي ذلك كله في حديث واحد والتعسف والتكلف الشديد الذي في هذا الكلام يغني عن رده. وقالت طائفة: للحديث محمل آخر صحيح وهو أن يكون المعنى: أرضى أن تكون زوجتك الآن فإني قبل لم أكن راضيا والآن فإني قد رضيت فأسألك(1\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "73",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8639",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن تكون زوجتك وهذا وأمثاله لو لم يكن قد سودت به الأوراق وصنفت فيه الكتب وحمله الناس لكان الأولى بنا الرغبة عنه لضيق الزمان عن كتابته وسماعه والاشتغال به فإنه من ربد الصدور لا من زبدها. وقالت طائفة: لما سمع أبو سفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق نساءه لما آلى منهن أقبل إلى المدينة وقال للنبي صلى الله عليه وسلم ما قال ظنا منه أنه قد طلقها فيمن طلق وهذا من جنس ما قبله. وقالت طائفة: بل الحديث صحيح ولكن وقع الغلط والوهم من أحد الرواة في تسمية أم حبيبة وإنما سأل أن يزوجه أختها رملة ولا يبعد خفاء التحريم للجمع عليه فقد خفي ذلك على ابنته وهي أفقه منه وأعلم حين قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لك في أختي بنت أبي سفيان فقال أفعل ماذا قالت: تنكحها. قال: أوتحبين ذلك قالت لست لك بمخلية وأحب من شركني في الخير أختي قال: فإنها لا تحل لي . فهذه هي التي عرضها أبو سفيان على النبي صلى الله عليه وسلم فسماها الراوي من عنده أم حبيبة وقيل: بل كانت كنيتها أيضا أم حبيبة وهذا الجواب حسن لولا قوله في الحديث: فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سأل فيقال حينئذ هذه اللفظة وهم من الراوي فإنه أعطاه بعض ما سأل فقال الراوي: أعطاه ما سأل أو أطلقها اتكالا على فهم المخاطب أنه أعطاه ما يجوز إعطاؤه مما سأل والله أعلم.(1\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "74",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8640",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتزوج صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي بن أخطب سيد بني النضير من ولد هارون بن عمران أخي موسى فهي ابنة نبي وزوجة نبي وكانت من أجمل نساء العالمين وكانت قد صارت له من الصفي أمة فأعتقها وجعل عتقها صداقها فصار ذلك سنة للأمة إلى يوم القيامة أن يعتق الرجل أمته ويجعل عتقها صداقها فتصير زوجته بذلك فإذا قال: أعتقت أمتي وجعلت عتقها صداقها أو قال: جعلت عتق أمتي صداقها صح العتق والنكاح وصارت زوجته من غير احتياج إلى تجديد عقد ولا ولي وهو ظاهر مذهب أحمد وكثير من أهل الحديث. وقالت طائفة: هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو مما خصه الله به في النكاح دون الأمة وهذا قول الأئمة الثلاثة ومن وافقهم والصحيح القول الأول لأن الأصل عدم الاختصاص حتى يقوم عليه دليل والله سبحانه لما خصه بنكاح الموهوبة له قال فيها: خالصة لك من دون المؤمنين [الأحزاب: 50] [الأحزاب 50] ولم يقل هذا في المعتقة ولا قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقطع تأسي الأمة به في ذلك فالله سبحانه أباح له نكاح امرأة من تبناه لئلا يكون على الأمة حرج في نكاح أزواج من تبنوه فدل على أنه إذا نكح نكاحا فلأمته التأسي به فيه ما لم يأت عن الله ورسوله نص بالاختصاص وقطع التأسي وهذا ظاهر. ولتقرير هذه المسألة وبسط الحجاج فيها - وتقرير أن جواز مثل هذا هو مقتضى الأصول والقياس - موضع آخر وإنما نبهنا عليه تنبيها. ثم تزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية وهي آخر من تزوج بها تزوجها بمكة في عمرة القضاء بعد أن حل منها على الصحيح. وقيل: قبل إحلاله هذا قول ابن عباس ووهم رضي الله عنه فإن السفير بينهما بالنكاح أعلم الخلق بالقصة وهو أبو رافع وقد أخبر أنه تزوجها حلالا وقال: كنت أنا السفير بينهما وابن عباس إذ ذاك له نحو العشر سنين أو فوقها وكان غائبا عن القصة لم يحضرها وأبو رافع رجل بالغ وعلى يده دارت القصة وهو أعلم بها ولا يخفى أن مثل هذا الترجيح موجب للتقديم(1\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "75",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8641",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وماتت في أيام معاوية وقبرها ب quot; سرف quot;. قيل: ومن أزواجه ريحانة بنت زيد النضرية. وقيل: القرظية سبيت يوم بني قريظة فكانت صفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقها وتزوجها ثم طلقها تطليقة ثم راجعها. وقالت طائفة: بل كانت أمته وكان يطؤها بملك اليمين حتى توفي عنها فهي معدودة في السراري لا في الزوجات والقول الأول اختيار الواقدي ووافقه عليه شرف الدين الدمياطي. وقال: هو الأثبت عند أهل العلم. وفيما قاله نظر فإن المعروف أنها من سراريه وإمائه والله أعلم. فهؤلاء نساؤه المعروفات اللاتي دخل بهن وأما من خطبها ولم يتزوجها ومن وهبت نفسها له ولم يتزوجها فنحو أربع أو خمس وقال بعضهم: هن ثلاثون امرأة وأهل العلم بسيرته وأحواله صلى الله عليه وسلم لا يعرفون هذا بل ينكرونه والمعروف عندهم أنه بعث إلى الجونية ليتزوجها فدخل عليها ليخطبها فاستعاذت منه فأعاذها ولم يتزوجها وكذلك الكلبية وكذلك التي رأى بكشحها بياضا فلم يدخل بها والتي وهبت نفسها له فزوجها غيره على سور من القرآن هذا هو المحفوظ والله أعلم. ولا خلاف أنه صلى الله عليه وسلم توفي عن تسع وكان يقسم منهن لثمان: عائشة وحفصة وزينب بنت جحش وأم سلمة وصفية وأم حبيبة وميمونة وسودة وجويرية. وأول نسائه لحوقا به بعد وفاته صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش سنة عشرين وآخرهن موتا أم سلمة سنة اثنتين وستين في خلافة يزيد والله أعلم.(1\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "76",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8642",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في سراريه صلى الله عليه وسلم] فصل في سراريه صلى الله عليه وسلم قال أبو عبيدة: كان له أربع: مارية وهي أم ولده إبراهيم وريحانة وجارية أخرى جميلة أصابها في بعض السبي وجارية وهبتها له زينب بنت جحش.  [فصل في مواليه صلى الله عليه وسلم] فصل في مواليه صلى الله عليه وسلم فمنهم زيد بن حارثة بن شراحيل حب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقه وزوجه مولاته أم أيمن فولدت له أسامة. ومنهم أسلم وأبو رافع وثوبان وأبو كبشة سليم وشقران واسمه صالح ورباح نوبي ويسار نوبي أيضا وهو قتيل العرنيين ومدعم وكركرة نوبي أيضا وكان على ثقله صلى الله عليه وسلم وكان يمسك راحلته عند القتال يوم خيبر. وفي صحيح البخاري أنه الذي غل الشملة ذلك اليوم فقتل فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إنها لتلتهب عليه نارا ) وفي quot;الموطأquot; أن الذي غلها(1\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "77",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8643",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مدعم وكلاهما قتل بخيبر والله أعلم. ومنهم أنجشة الحادي وسفينة بن فروخ واسمه مهران وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم سفينة لأنهم كانوا يحملونه في السفر متاعهم فقال: (أنت سفينة) . قال أبو حاتم: أعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال غيره: أعتقته أم سلمة.(1\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "78",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8644",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنهم أنسة ويكنى أبا مشرح وأفلح وعبيد وطهمان وهو كيسان وذكوان ومهران ومروان وقيل: هذا خلاف في اسم طهمان والله أعلم. ومنهم حنين وسندر وفضالة يماني ومابور خصي وواقد وأبو واقد وقسام وأبو عسيب وأبو مويهبة. ومن النساء: سلمى أم رافع وميمونة بنت سعد وخضرة ورضوى ورزينة وأم ضميرة وميمونة بنت أبي عسيب ومارية وريحانة.  [فصل في خدامه صلى الله عليه وسلم] فصل في خدامه صلى الله عليه وسلم فمنهم أنس بن مالك وكان على حوائجه وعبد الله بن مسعود صاحب نعله وسواكه وعقبة بن عامر الجهني صاحب بغلته يقود به في الأسفار وأسلع بن شريك وكان صاحب راحلته وبلال بن رباح المؤذن وسعد موليا أبي بكر الصديق وأبو ذر الغفاري وأيمن بن عبيد وأمه أم أيمن موليا النبي صلى الله عليه وسلم وكان أيمن على مطهرته وحاجته.  [فصل في كتابه صلى الله عليه وسلم] فصل في كتابه صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير وعامر بن فهيرة وعمرو بن العاص وأبي بن كعب وعبد الله بن الأرقم وثابت بن قيس بن شماس وحنظلة بن الربيع الأسيدي والمغيرة بن شعبة وعبد الله بن رواحة وخالد بن الوليد وخالد بن سعيد بن العاص. وقيل: إنه أول من كتب له ومعاوية بن أبي سفيان وزيد بن ثابت وكان ألزمهم لهذا الشأن وأخصهم به.(1\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "79",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8645",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في كتبه صلى الله عليه وسلم التي كتبها إلى أهل الإسلام في الشرائع] فصل في كتبه صلى الله عليه وسلم التي كتبها إلى أهل الإسلام في الشرائع فمنها كتابه في الصدقات الذي كان عند أبي بكر وكتبه أبو بكر لأنس بن مالك لما وجهه إلى البحرين وعليه عمل الجمهور. ومنها كتابه إلى أهل اليمن وهو الكتاب الذي رواه أبو بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده وكذلك رواه الحاكم في مستدركه والنسائي وغيرهما(1\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "80",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8646",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مسندا متصلا ورواه أبو داود وغيره مرسلا وهو كتاب عظيم فيه أنواع كثيرة من الفقه في الزكاة والديات والأحكام وذكر الكبائر والطلاق والعتاق وأحكام الصلاة في الثوب الواحد والاحتباء فيه ومس المصحف وغير ذلك. قال الإمام أحمد: لا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبه واحتج الفقهاء كلهم بما فيه من مقادير الديات.(1\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "81",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8647",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها كتابه إلى بني زهير. ومنها كتابه الذي كان عند عمر بن الخطاب في نصب الزكاة وغيرها.  [فصل في كتبه ورسله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك] فصل في كتبه ورسله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك لما رجع من الحديبية كتب إلى ملوك الأرض وأرسل إليهم رسله فكتب إلى ملك الروم فقيل له: إنهم لا يقرءون كتابا إلا إذا كان مختوما فاتخذ خاتما من فضة ونقش عليه ثلاثة أسطر: محمد سطر ورسول سطر والله سطر وختم به الكتب إلى الملوك وبعث ستة نفر في يوم واحد في المحرم سنة سبع. فأولهم عمرو بن أمية الضمري بعثه إلى النجاشي واسمه أصحمة بن أبجر وتفسير quot;أصحمةquot; بالعربية: عطية فعظم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم أسلم وشهد شهادة الحق وكان من أعلم الناس بالإنجيل وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم يوم مات بالمدينة وهو بالحبشة هكذا قال جماعة منهم الواقدي وغيره وليس كما قال هؤلاء فإن أصحمة النجاشي الذي صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس هو الذي كتب إليه هذا الثاني لا يعرف إسلامه بخلاف الأول فإنه مات مسلما. وقد روى مسلم في quot;صحيحهquot; من حديث قتادة عن أنس قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى(1\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "82",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8648",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى  وليس بالنجاشي الذي صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو محمد بن حزم: إن هذا النجاشي الذي بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري لم يسلم والأول هو اختيار ابن سعد وغيره والظاهر قول ابن حزم. وبعث دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك الروم واسمه هرقل وهم بالإسلام وكاد ولم يفعل وقيل: بل أسلم وليس بشيء. وقد روى أبو حاتم بن حبان في quot;صحيحهquot; عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( : من ينطلق بصحيفتي هذه إلى قيصر وله الجنة فقال رجل من القوم: وإن لم يقبل قال: quot; وإن لم يقبل quot; فوافق قيصر وهو يأتي بيت المقدس قد جعل عليه بساط لا يمشي عليه غيره فرمى بالكتاب على البساط وتنحى فلما انتهى قيصر إلى الكتاب أخذه فنادى قيصر: من صاحب الكتاب فهو آمن. فجاء الرجل فقال أنا. قال فإذا قدمت فأتني فلما قدم أتاه فأمر قيصر بأبواب قصره فغلقت ثم أمر مناديا ينادي: ألا إن قيصر قد اتبع محمدا وترك النصرانية فأقبل جنده وقد تسلحوا حتى أطافوا به فقال لرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد ترى أني خائف على مملكتي ثم أمر مناديه فنادى: ألا إن قيصر قد رضي عنكم وإنما اختبركم لينظر كيف صبركم على دينكم فارجعوا فانصرفوا وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إني مسلم وبعث إليه بدنانير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;كذب عدو الله ليس بمسلم وهو على النصرانيةquot; وقسم الدنانير ) . وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى واسمه أبرويز بن هرمز بن(1\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "83",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8649",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنوشروان فمزق كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم (: اللهم مزق ملكه)  فمزق الله ملكه وملك قومه. وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس واسمه جريج بن ميناء ملك الإسكندرية عظيم القبط فقال خيرا وقارب الأمر ولم يسلم وأهدى للنبي صلى الله عليه وسلم مارية وأختيها سيرين وقيسرى فتسرى مارية ووهب سيرين لحسان بن ثابت وأهدى له جارية أخرى وألف مثقال ذهبا وعشرين ثوبا من قباطي مصر وبغلة شهباء وهي دلدل وحمارا أشهب وهو عفير وغلاما خصيا يقال له مابور. وقيل: هو ابن عم مارية وفرسا وهو اللزاز وقدحا من زجاج وعسلا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ضن الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه ) وبعث شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك البلقاء قاله ابن إسحاق والواقدي. قيل: إنما توجه لجبلة بن الأيهم. وقيل: توجه لهما معا. وقيل: توجه لهرقل مع دحية بن خليفة والله أعلم.(1\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "84",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8650",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبعث سليط بن عمرو إلى هوذة بن علي الحنفي باليمامة فأكرمه. وقيل: بعثه إلى هوذة وإلى ثمامة بن أثال الحنفي فلم يسلم هوذة وأسلم ثمامة بعد ذلك فهؤلاء الستة قيل: هم الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم واحد. وبعث عمرو بن العاص في ذي القعدة سنة ثمان إلى جيفر وعبد الله ابني الجلندى الأزديين بعمان فأسلما وصدقا وخليا بين عمرو وبين الصدقة والحكم فيما بينهم فلم يزل فيما بينهم حتى بلغته وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين قبل منصرفه من quot; الجعرانة quot; وقيل: قبل الفتح فأسلم وصدق. وبعث المهاجر بن أبي أمية المخزومي إلى الحارث بن عبد كلال الحميري باليمن فقال: سأنظر في أمري. وبعث أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن عند انصرافه من تبوك. وقيل بل سنة عشر من ربيع الأول داعيين إلى الإسلام فأسلم عامة أهلها طوعا من غير قتال. ثم بعث بعد ذلك علي بن أبي طالب إليهم ووافاه بمكة في حجة الوداع. وبعث جرير بن عبد الله البجلي إلى ذي الكلاع الحميري وذي عمرو يدعوهما إلى الإسلام فأسلما وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وجرير عندهم.(1\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "85",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8651",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبعث عمرو بن أمية الضمري إلى مسيلمة الكذاب بكتاب وكتب إليه بكتاب آخر مع السائب بن العوام أخي الزبير فلم يسلم. وبعث إلى فروة بن عمرو الجذامي يدعوه إلى الإسلام. وقيل: لم يبعث إليه وكان فروة عاملا لقيصر بمعان فأسلم وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامه وبعث إليه هدية مع مسعود بن سعد وهي بغلة شهباء يقال لها: فضة وفرس يقال لها: الظرب وحمار يقال له: يعفور كذا قاله جماعة والظاهر - والله أعلم - أن عفيرا ويعفور واحد عفير تصغير يعفور تصغير الترخيم. وبعث أثوابا وقباء من سندس مخوص بالذهب فقبل هديته ووهب لمسعود بن سعد اثنتي عشرة أوقية ونشا. وبعث عياش بن أبي ربيعة المخزومي بكتاب إلى الحارث ومسروح ونعيم بني عبد كلال من حمير.  [فصل في مؤذنيه صلى الله عليه وسلم] فصل في مؤذنيه صلى الله عليه وسلم وكانوا أربعة: اثنان بالمدينة: بلال بن رباح وهو أول من أذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعمرو بن أم مكتوم القرشي العامري الأعمى وبقباء: سعد القرظ مولى عمار بن ياسر وبمكة: أبو محذورة واسمه أوس بن مغيرة الجمحي وكان أبو محذورة منهم يرجع الأذان ويثني الإقامة وبلال لا يرجع ويفرد(1\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "86",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8652",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإقامة فأخذ الشافعي رحمه الله وأهل مكة بأذان أبي محذورة وإقامة بلال وأخذ أبو حنيفة رحمه الله وأهل العراق بأذان بلال وإقامة أبي محذورة وأخذ الإمام أحمد رحمه الله وأهل الحديث وأهل المدينة بأذان بلال وإقامته وخالف مالك رحمه الله في الموضعين: إعادة التكبير: وتثنية لفظ الإقامة فإنه لا يكررها.  [فصل في أمرائه صلى الله عليه وسلم] منهم باذان بن ساسان من ولد بهرام جور أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل اليمن كلها بعد موت كسرى فهو أول أمير في الإسلام على اليمن وأول من أسلم من ملوك العجم. ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موت باذان ابنه شهر بن باذان على صنعاء وأعمالها. ثم قتل شهر فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على صنعاء خالد بن سعيد بن العاص. وولى رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجر بن أبي أمية المخزومي كندة والصدف فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسر إليها فبعثه أبو بكر إلى قتال أناس من المرتدين.(1\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "87",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8653",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وولى زياد بن أمية الأنصاري حضرموت. وولى أبا موسى الأشعري زبيد وعدن والساحل. وولى معاذ بن جبل الجند. وولى أبا سفيان صخر بن حرب نجران. وولى ابنه يزيد تيماء. وولى عتاب بن أسيد مكة وإقامة الموسم بالحج بالمسلمين سنة ثمان وله دون العشرين سنة. وولى علي بن أبي طالب الأخماس باليمن والقضاء بها. وولى عمرو بن العاص عمان وأعمالها. وولى الصدقات جماعة كثيرة لأنه كان لكل قبيلة وال يقبض صدقاتها فمن هنا كثر عمال الصدقات. وولى أبا بكر إقامة الحج سنة تسع وبعث في إثره عليا يقرأ على الناس سورة (براءة) فقيل: لأن أولها نزل بعد خروج أبي بكر إلى الحج. وقيل: بل لأن عادة العرب كانت أنه لا يحل العقود ويعقدها إلا المطاع أو رجل من أهل بيته. وقيل: أردفه به عونا له ومساعدا. ولهذا قال له الصديق: (أمير أو مأمور قال: بل مأمور) . وأما أعداء الله الرافضة فيقولون عزله بعلي وليس هذا ببدع من بهتهم وافترائهم.(1\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "88",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8654",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واختلف الناس هل كانت هذه الحجة قد وقعت في شهر ذي الحجة أو كانت في ذي القعدة من أجل النسيء على قولين والله أعلم.  [فصل في حرسه صلى الله عليه وسلم] فمنهم سعد بن معاذ حرسه يوم بدر حين نام في العريش ومحمد بن مسلمة حرسه يوم أحد والزبير بن العوام حرسه يوم الخندق. ومنهم عباد بن بشر وهو الذي كان على حرسه وحرسه جماعة آخرون غير هؤلاء فلما نزل قوله تعالى: والله يعصمك من الناس [المائدة: 67] [المائدة 67] خرج على الناس فأخبرهم بها وصرف الحرس.  [فصل فيمن كان يضرب الأعناق بين يديه صلى الله عليه وسلم] علي بن أبي طالب والزبير بن العوام والمقداد بن عمرو ومحمد بن مسلمة وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح والضحاك بن سفيان الكلابي وكان قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري منه صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير ووقف المغيرة بن شعبة على رأسه بالسيف يوم الحديبية(1\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "89",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8655",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل فيمن كان على نفقاته وخاتمه ونعله وسواكه ومن كان يأذن عليه] فصل فيمن كان على نفقاته وخاتمه ونعله وسواكه ومن كان يأذن عليه كان بلال على نفقاته ومعيقيب بن أبي فاطمة الدوسي على خاتمه وابن مسعود على سواكه ونعله وأذن عليه رباح الأسود وأنسة مولياه وأنس بن مالك وأبو موسى الأشعري.  [فصل في شعرائه وخطبائه صلى الله عليه وسلم] فصل في شعرائه وخطبائه صلى الله عليه وسلم كان من شعرائه الذين يذبون عن الإسلام: كعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكان أشدهم على الكفار حسان بن ثابت وكعب بن مالك يعيرهم بالكفر والشرك وكان خطيبه ثابت بن قيس بن شماس.  [فصل في حداته الذين كانوا يحدون بين يديه صلى الله عليه وسلم في السفر] فصل في حداته الذين كانوا يحدون بين يديه صلى الله عليه وسلم في السفر منهم عبد الله بن رواحة وأنجشة وعامر بن الأكوع وعمه سلمة بن الأكوع. وفي quot;صحيح مسلم quot;: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حاد حسن الصوت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;رويدا يا أنجشة لا تكسر القوارير quot;. يعني ضعفة النساء.(1\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "90",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8656",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في غزواته وبعوثه وسراياه صلى الله عليه وسلم] فصل في غزواته وبعوثه وسراياه صلى الله عليه وسلم غزواته كلها وبعوثه وسراياه كانت بعد الهجرة في مدة عشر سنين فالغزوات سبع وعشرون وقيل: خمس وعشرون وقيل: تسع وعشرون وقيل غير ذلك قاتل منها في تسع: بدر وأحد والخندق وقريظة والمصطلق وخيبر والفتح وحنين والطائف. وقيل: قاتل في بني النضير والغابة ووادي القرى من أعمال خيبر. وأما سراياه وبعوثه فقريب من ستين والغزوات الكبار الأمهات سبع: بدر وأحد والخندق وخيبر والفتح وحنين وتبوك. وفي شأن هذه الغزوات نزل القرآن فسورة (الأنفال) سورة بدر وفي أحد آخر سورة (آل عمران) من قوله وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال [آل عمران: 121] [آل عمران 121] إلى قبيل آخرها بيسير وفي قصة الخندق وقريظة وخيبر صدر (سورة الأحزاب)  وسورة (الحشر) في بني النضير وفي قصة الحديبية وخيبر سورة (الفتح) وأشير فيها إلى الفتح وذكر الفتح صريحا في سورة (النصر) . وجرح منها صلى الله عليه وسلم في غزوة واحدة وهي أحد وقاتلت معه الملائكة منها في بدر وحنين ونزلت الملائكة يوم الخندق فزلزلت المشركين وهزمتهم ورمى فيها الحصباء في وجوه المشركين فهربوا وكان الفتح في غزوتين: بدر وحنين. وقاتل بالمنجنيق منها في غزوة واحدة وهي الطائف وتحصن في الخندق في واحدة وهي الأحزاب أشار به عليه سلمان الفارسي رضي الله عنه.(1\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "91",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8657",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في ذكر سلاحه وأثاثه صلى الله عليه وسلم] فصل في ذكر سلاحه وأثاثه صلى الله عليه وسلم كان له تسعة أسياف: مأثور وهو أول سيف ملكه ورثه من أبيه. والعضب وذو الفقار بكسر الفاء وبفتح الفاء وكان لا يكاد يفارقه وكانت قائمته وقبيعته وحلقته وذؤابته وبكراته ونعله من فضة. والقلعي والبتار والحتف والرسوب والمخذم والقضيب وكان نعل سيفه فضة وما بين ذلك حلق فضة. وكان سيفه ذو الفقار تنفله يوم بدر وهو الذي أري فيها الرؤيا ودخل يوم الفتح مكة وعلى سيفه ذهب وفضة. وكان له سبعة أدرع: ذات الفضول: وهي التي رهنها عند أبي الشحم اليهودي على شعير لعياله وكان ثلاثين صاعا وكان الدين إلى سنة وكانت الدرع من حديد. وذات الوشاح وذات الحواشي والسعدية وفضة والبتراء والخرنق. وكانت له ست قسي: الزوراء والروحاء والصفراء والبيضاء والكتوم كسرت يوم أحد فأخذها قتادة بن النعمان والسداد. وكانت له جعبة تدعى: الكافور ومنطقة من أديم منشور فيها ثلاث حلق من فضة والإبزيم من فضة والطرف من فضة وكذا قال بعضهم وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: لم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم شد على وسطه منطقة. وكان له ترس يقال له: الزلوق وترس يقال له: الفتق. قيل: وترس أهدي إليه فيه صورة تمثال فوضع يده عليه فأذهب الله ذلك التمثال.(1\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "92",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8658",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكانت له خمسة أرماح يقال لأحدهم: المثوي والآخر: المثني وحربة يقال لها: النبعة وأخرى كبيرة تدعى: البيضاء وأخرى صغيرة شبه العكاز يقال لها: العنزة يمشي بها بين يديه في الأعياد تركز أمامه فيتخذها سترة يصلي إليها وكان يمشي بها أحيانا. وكان له مغفر من حديد يقال له: الموشح وشح بشبه ومغفر آخر يقال له: السبوغ أو ذو السبوغ. وكان له ثلاث جباب يلبسها في الحرب. قيل فيها: جبة سندس أخضر والمعروف أن عروة بن الزبير كان له يلمق من ديباج بطانته سندس أخضر يلبسه في الحرب والإمام أحمد في إحدى روايتيه يجوز لبس الحرير في الحرب. وكانت له راية سوداء يقال لها: العقاب. وفي quot;سنن أبي داود quot; عن رجل من الصحابة قال ( رأيت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم صفراء وكانت له ألوية بيضاء وربما جعل فيها الأسود ) . وكان له فسطاط يسمى: الكن ومحجن قدر ذراع أو أطول يمشي به ويركب به ويعلقه بين يديه على بعيره ومخصرة تسمى: العرجون وقضيب من الشوحط يسمى: الممشوق. قيل: وهو الذي كان يتداوله الخلفاء. وكان له قدح يسمى: الريان ويسمى مغنيا وقدح آخر مضبب بسلسلة من فضة. وكان له قدح من قوارير وقدح من عيدان يوضع تحت سريره يبول فيه بالليل وركوة تسمى: الصادر قيل: وتور من حجارة يتوضأ منه ومخضب من شبه وقعب يسمى: السعة ومغتسل من صفر ومدهن وربعة يجعل فيها(1\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "93",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8659",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المرآة والمشط. قيل: وكان المشط من عاج وهو الذبل ومكحلة يكتحل منها عند النوم ثلاثا في كل عين بالإثمد وكان في الربعة المقراضان والسواك. وكانت له قصعة تسمى: الغراء لها أربع حلق يحملها أربعة رجال بينهم وصاع ومد وقطيفة وسرير قوائمه من ساج أهداه له أسعد بن زرارة وفراش من أدم حشوه ليف. وهذه الجملة قد رويت متفرقة في أحاديث. وقد روى الطبراني في معجمه حديثا جامعا في الآنية من حديث ابن عباس قال: ( كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سيف قائمته من فضة وقبيعته من فضة وكان يسمى: ذا الفقار وكانت له قوس تسمى: السداد وكانت له كنانة تسمى: الجمع وكانت له درع موشحة بالنحاس تسمى: ذات الفضول وكانت له حربة تسمى: النبعاء وكان له محجن يسمى: الدقن وكان له ترس أبيض يسمى: الموجز وكان له فرس أدهم يسمى: السكب وكان له سرج يسمى: الداج وكانت له بغلة شهباء تسمى: دلدل وكانت له ناقة تسمى: القصواء وكان له حمار يسمى: يعفور وكان له بساط يسمى: الكن وكانت له عنزة تسمى: القمرة وكانت له ركوة تسمى: الصادرة وكان له مقراض اسمه الجامع ومرآة وقضيب شوحط يسمى: الموت ) .  [فصل في دوابه صلى الله عليه وسلم] فصل في دوابه صلى الله عليه وسلم فمن الخيل: السكب. قيل: وهو أول فرس ملكه وكان اسمه عند الأعرابي الذي اشتراه منه بعشر أواق الضرس وكان أغر محجلا طلق اليمين كميتا. وقيل كان أدهم. والمرتجز وكان أشهب وهو الذي شهد فيه خزيمة بن ثابت. واللحيف واللزاز والظرب وسبحة والورد. فهذه سبعة متفق عليها(1\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "94",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8660",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جمعها الإمام أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن جماعة الشافعي في بيت فقال: والخيل سكب لحيف سبحة ظرب ... لزاز مرتجز ورد لها اسرار أخبرني بذلك عنه ولده الإمام عز الدين عبد العزيز أبو عمرو أعزه الله بطاعته. وقيل: كانت له أفراس أخر خمسة عشر ولكن مختلف فيها وكان دفتا سرجه من ليف. وكان له من البغال دلدل وكانت شهباء أهداها له المقوقس. وبغلة أخرى. يقال لها: quot;فضةquot;. أهداها له فروة الجذامي وبغلة شهباء أهداها له صاحب أيلة وأخرى أهداها له صاحب دومة الجندل وقد قيل: إن النجاشي أهدى له بغلة فكان يركبها. ومن الحمير عفير وكان أشهب أهداه له المقوقس ملك القبط وحمار آخر أهداه له فروة الجذامي. وذكر أن سعد بن عبادة أعطى النبي صلى الله عليه وسلم حمارا فركبه. ومن الإبل القصواء قيل: وهي التي هاجر عليها والعضباء والجدعاء ولم يكن بهما عضب ولا جدع وإنما سميتا بذلك وقيل: كان بأذنها عضب فسميت به وهل العضباء والجدعاء واحدة أو اثنتان فيه خلاف والعضباء هي التي كانت لا تسبق ثم جاء أعرابي على قعود فسبقها فشق ذلك على المسلمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن حقا على الله ألا يرفع من الدنيا شيئا إلا وضعه ) وغنم صلى الله عليه وسلم يوم بدر جملا مهريا لأبي جهل في أنفه برة من فضة فأهداه يوم(1\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "95",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8661",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحديبية ليغيظ به المشركين. وكانت له خمس وأربعون لقحة وكانت له مهرية أرسل بها إليه سعد بن عبادة من نعم بني عقيل. وكانت له مائة شاة وكان لا يريد أن تزيد كلما ولد له الراعي بهمة ذبح مكانها شاة وكانت له سبع أعنز منائح ترعاهن أم أيمن.  [فصل في ملابسه صلى الله عليه وسلم] فصل في ملابسه صلى الله عليه وسلم كانت له عمامة تسمى: السحاب كساها عليا وكان يلبسها ويلبس تحتها القلنسوة. وكان يلبس القلنسوة بغير عمامة ويلبس العمامة بغير قلنسوة. وكان إذا اعتم أرخى عمامته بين كتفيه كما رواه مسلم في quot;صحيحهquot; عن عمرو بن حريث قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه ) وفي مسلم أيضا عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( دخل مكة وعليه عمامة سوداء ) ولم يذكر في حديث جابر: ذؤابة فدل على أن الذؤابة لم يكن(1\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "96",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8662",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يرخيها دائما بين كتفيه. وقد يقال: إنه دخل مكة وعليه أهبة القتال والمغفر على رأسه فلبس في كل موطن ما يناسبه. وكان شيخنا أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه في الجنة يذكر في سبب الذؤابة شيئا بديعا وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما اتخذها صبيحة المنام الذي رآه في المدينة لما رأى رب العزة تبارك وتعالى فقال: quot; يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى قلت: لا أدري فوضع يده بين كتفي فعلمت ما بين السماء والأرض . . . quot; الحديث وهو في الترمذي وسئل عنه البخاري فقال(1\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "97",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8663",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صحيح. قال: فمن تلك الحال أرخى الذؤابة بين كتفيه وهذا من العلم الذي تنكره ألسنة الجهال وقلوبهم ولم أر هذه الفائدة في إثبات الذؤابة لغيره. ولبس القميص وكان أحب الثياب إليه وكان كمه إلى الرسغ ولبس الجبة والفروج وهو شبه القباء والفرجية ولبس القباء أيضا ولبس في السفر جبة ضيقة الكمين ولبس الإزار والرداء. قال الواقدي: كان رداؤه وبرده طول ستة أذرع في ثلاثة وشبر وإزاره من نسج عمان طول أربعة أذرع وشبر في عرض ذراعين وشبر. ولبس حلة حمراء والحلة إزار ورداء ولا تكون الحلة إلا اسما للثوبين معا وغلط من ظن أنها كانت حمراء بحتا لا يخالطها غيره وإنما الحلة الحمراء: بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود كسائر البرود اليمنية وهي معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخطوط الحمر وإلا فالأحمر البحت منهي عنه أشد النهي ففي quot;صحيح البخاري quot; أن النبي صلى الله عليه وسلم ( نهى عن المياثر الحمر ) وفي quot;سنن أبي داود quot; عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى(1\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "98",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8664",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه ريطة مضرجة بالعصفر فقال: ( ما هذه الريطة التي عليك فعرفت ما كره فأتيت أهلي وهم يسجرون تنورا لهم فقذفتها فيه ثم أتيته من الغد فقال: quot; يا عبد الله ما فعلت الريطة quot; فأخبرته فقال: هلا كسوتها بعض أهلك فإنه لا بأس بها للنساء ) وفي quot;صحيح مسلم quot; عنه أيضا قال رأى النبي صلى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفرين. فقال: (إن هذه من لباس الكفار فلا تلبسها ) وفي quot;صحيحهquot; أيضا عن علي رضي الله عنه قال: ( نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لباس المعصفر ) . ومعلوم أن ذلك إنما يصبغ صبغا أحمر. وفي بعض السنن أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى على رواحلهم أكسية فيها خطوط حمراء فقال: quot; ألا أرى هذه الحمرة قد علتكم فقمنا سراعا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نفر بعض إبلنا فأخذنا الأكسية فنزعناها عنها . رواه أبو داود. وفي جواز لبس الأحمر من الثياب والجوخ وغيرها نظر. وأما كراهته(1\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "99",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8665",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فشديدة جدا فكيف يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه لبس الأحمر القاني كلا لقد أعاذه الله منه وإنما وقعت الشبهة من لفظ الحلة الحمراء والله أعلم. ولبس الخميصة المعلمة والساذجة ولبس ثوبا أسود ولبس الفروة المكفوفة بالسندس. وروى الإمام أحمد وأبو داود بإسنادهما عن أنس بن مالك أن ملك الروم أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم مستقة من سندس فلبسها فكأني أنظر إلى يديه تذبذبان . قال الأصمعي: المساتق: فراء طوال الأكمام. قال الخطابي: يشبه أن تكون هذه المستقة مكففة بالسندس لأن نفس الفروة لا تكون سندسا.  [فصل في ذكر سراويله ونعله وخاتمه وغير ذلك] فصل واشترى سراويل والظاهر أنه إنما اشتراها ليلبسها وقد روي في غير حديث أنه لبس السراويل وكانوا يلبسون السراويلات بإذنه. ولبس الخفين ولبس النعل الذي يسمى التاسومة. ولبس الخاتم واختلفت الأحاديث هل كان في يمناه أو يسراه وكلها صحيحة السند. ولبس البيضة التي تسمى: الخوذة ولبس الدرع التي تسمى: الزردية وظاهر يوم أحد بين الدرعين. وفي quot;صحيح مسلم quot; عن أسماء بنت أبي بكر قالت: ( هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجت جبة طيالسة كسروانية لها لبنة ديباج. وفرجاها مكفوفان(1\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "100",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8666",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالديباج فقالت: هذه كانت عند عائشة حتى قبضت فلما قبضت قبضتها وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها ) وكان له بردان أخضران وكساء أسود وكساء أحمر ملبد وكساء من شعر. وكان قميصه من قطن وكان قصير الطول قصير الكمين وأما هذه الأكمام الواسعة الطوال التي هي كالأخراج فلم يلبسها هو ولا أحد من أصحابه البتة وهي مخالفة لسنته وفي جوازها نظر فإنها من جنس الخيلاء. وكان أحب الثياب إليه القميص والحبرة وهي ضرب من البرود فيه حمرة. وكان أحب الألوان إليه البياض وقال ( هي من خير ثيابكم فالبسوها وكفنوا فيها موتاكم ) وفي الصحيح عن عائشة أنها أخرجت كساء ملبدا وإزارا غليظا فقالت قبض روح رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين .(1\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "101",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8667",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولبس خاتما من ذهب ثم رمى به ونهى عن التختم بالذهب ثم اتخذ خاتما من فضة ولم ينه عنه. وأما حديث أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أشياء وذكر منها: ونهى عن لبوس الخاتم إلا لذي سلطان فلا أدري ما حال الحديث ولا وجهه والله أعلم. وكان يجعل فص خاتمه مما يلي باطن كفه. وذكر الترمذي أنه كان إذا دخل الخلاء نزع خاتمه وصححه وأنكره أبو داود. وأما الطيلسان فلم ينقل عنه أنه لبسه ولا أحد من أصحابه بل قد ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الدجال فقال ( يخرج معه سبعون ألفا من يهود أصبهان عليهم الطيالسة ) . ورأى أنس جماعة(1\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "102",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8668",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليهم الطيالسة فقال ما أشبههم بيهود خيبر. ومن هاهنا كره لبسها جماعة من السلف والخلف لما روى أبو داود والحاكم في المستدرك عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من تشبه بقوم فهو منهم ) وفي الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم: ( ليس منا من تشبه بقوم غيرنا ) وأما ما جاء في حديث الهجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى أبي بكر متقنعا بالهاجرة  فإنما فعله النبي صلى الله عليه وسلم تلك الساعة ليختفي بذلك ففعله للحاجة ولم تكن عادته التقنع وقد ذكر أنس عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يكثر القناع وهذا إنما كان يفعله - والله أعلم - للحاجة من الحر ونحوه وأيضا ليس التقنع من التطيلس.  [فصل غالب لبسه صلى الله عليه وسلم وأصحابه القطن] فصل وكان غالب ما يلبس هو وأصحابه ما نسج من القطن وربما لبسوا ما نسج من الصوف والكتان وذكر الشيخ أبو إسحاق الأصبهاني بإسناد صحيح عن جابر بن أيوب قال: دخل الصلت بن راشد على محمد بن سيرين وعليه جبة صوف وإزار صوف وعمامة صوف فاشمأز منه محمد وقال أظن أن أقواما يلبسون الصوف ويقولون: قد لبسه عيسى ابن مريم وقد حدثني من لا أتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد لبس الكتان والصوف والقطن وسنة نبينا أحق أن تتبع . ومقصود ابن سيرين بهذا أن أقواما يرون أن لبس الصوف دائما أفضل من غيره فيتحرونه(1\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "103",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8669",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويمنعون أنفسهم من غيره وكذلك يتحرون زيا واحدا من الملابس ويتحرون رسوما وأوضاعا وهيئات يرون الخروج عنها منكرا وليس المنكر إلا التقيد بها والمحافظة عليها وترك الخروج عنها. والصواب: أن أفضل الطرق طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم التي سنها وأمر بها ورغب فيها وداوم عليها وهي أن هديه في اللباس أن يلبس ما تيسر من اللباس من الصوف تارة والقطن تارة والكتان تارة. ولبس البرود اليمانية والبرد الأخضر ولبس الجبة والقباء والقميص والسراويل والإزار والرداء والخف والنعل وأرخى الذؤابة من خلفه تارة وتركها تارة. وكان يتلحى بالعمامة تحت الحنك. وكان إذا استجد ثوبا سماه باسمه وقال: ( اللهم أنت كسوتني هذا القميص أو الرداء أو العمامة أسألك خيره وخير ما صنع له وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له ) . وكان إذا لبس قميصه بدأ بميامنه. ولبس الشعر الأسود كما روى مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه مرط مرحل من شعر(1\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "104",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8670",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أسود ) وفي الصحيحين عن قتادة: قلنا لأنس: أي اللباس كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال quot; الحبرة . والحبرة برد من برود اليمن. فإن غالب لباسهم كان من نسج اليمن لأنها قريبة منهم وربما لبسوا ما يجلب من الشام ومصر كالقباطي المنسوجة من الكتان التي كانت تنسجها القبط. وفي سنن النسائي عن عائشة أنها ( جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم بردة من صوف فلبسها فلما عرق فوجد ريح الصوف طرحها ) وكان يحب الريح الطيب. وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن عباس قال: ( لقد رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن ما يكون من الحلل )  وفي سنن النسائي عن أبي رمثة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب وعليه بردان أخضران . والبرد الأخضر: هو الذي فيه خطوط خضر وهو(1\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "105",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8671",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كالحلة الحمراء سواء فمن فهم من الحلة الحمراء الأحمر البحت فينبغي أن يقول: إن البرد الأخضر كان أخضر بحتا وهذا لا يقوله أحد. وكانت مخدته صلى الله عليه وسلم من أدم حشوها ليف فالذين يمتنعون عما أباح الله من الملابس والمطاعم والمناكح تزهدا وتعبدا بإزائهم طائفة قابلوهم فلا يلبسون إلا أشرف الثياب ولا يأكلون إلا ألين الطعام فلا يرون لبس الخشن ولا أكله تكبرا وتجبرا وكلا الطائفتين هديه مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا قال بعض السلف: كانوا يكرهون الشهرتين من الثياب العالي والمنخفض وفي السنن عن ابن عمر يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ( من لبس ثوب شهرة ألبسه الله يوم القيامة ثوب مذلة ثم تلهب فيه النار ) وهذا لأنه قصد به الاختيال والفخر فعاقبه الله بنقيض ذلك فأذله كما عاقب من أطال ثيابه خيلاء بأن خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ) وفي(1\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "106",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8672",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;السننquot; عنه أيضا صلى الله عليه وسلم قال: ( الإسبال في الإزار والقميص والعمامة من جر شيئا منها خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ) وفي السنن عن ابن عمر أيضا قال: ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإزار فهو في القميص  وكذلك لبس الدنيء من الثياب يذم في موضع ويحمد في موضع فيذم إذا كان شهرة وخيلاء ويمدح إذا كان تواضعا واستكانة كما أن لبس الرفيع من الثياب يذم إذا كان تكبرا وفخرا وخيلاء ويمدح إذا كان تجملا وإظهارا لنعمة الله ففي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فقال رجل: يا رسول الله إني أحب أن يكون ثوبي حسنا ونعلي حسنة أفمن الكبر ذاك فقال: لا إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس ) .(1\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "107",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8673",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل هديه صلى الله عليه وسلم في الطعام] فصل وكذلك كان هديه صلى الله عليه وسلم وسيرته في الطعام لا يرد موجودا ولا يتكلف مفقودا فما قرب إليه شيء من الطيبات إلا أكله إلا أن تعافه نفسه فيتركه من غير تحريم ( وما عاب طعاما قط إن اشتهاه أكله وإلا تركه ) كما ترك أكل الضب لما لم يعتده ولم يحرمه على الأمة بل أكل على مائدته وهو ينظر. وأكل الحلوى والعسل وكان يحبهما وأكل لحم الجزور والضأن والدجاج ولحم الحبارى ولحم حمار الوحش والأرنب وطعام البحر وأكل الشواء وأكل الرطب والتمر وشرب اللبن خالصا ومشوبا والسويق والعسل بالماء وشرب نقيع التمر وأكل الخزيرة وهي حساء يتخذ من اللبن والدقيق وأكل القثاء بالرطب وأكل الأقط وأكل التمر بالخبز وأكل الخبز بالخل وأكل الثريد وهو الخبز باللحم وأكل الخبز بالإهالة وهي الودك وهو الشحم المذاب وأكل من الكبد المشوية وأكل القديد وأكل الدباء المطبوخة وكان يحبها وأكل المسلوقة وأكل الثريد بالسمن وأكل الجبن وأكل الخبز بالزيت وأكل البطيخ بالرطب وأكل التمر بالزبد وكان يحبه ولم يكن يرد طيبا ولا يتكلفه بل كان هديه أكل ما تيسر فإن أعوزه صبر حتى إنه ليربط على بطنه الحجر من الجوع ويرى الهلال والهلال والهلال ولا يوقد في بيته نار. وكان معظم مطعمه يوضع على الأرض في السفرة وهي كانت مائدته وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقها إذا فرغ وهو أشرف ما يكون من الأكلة فإن المتكبر يأكل بأصبع واحدة والجشع الحريص يأكل بالخمس ويدفع بالراحة.(1\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "108",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8674",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان لا يأكل متكئا والاتكاء على ثلاثة أنواع أحدها: الاتكاء على الجنب والثاني: التربع والثالث: الاتكاء على إحدى يديه وأكله بالأخرى والثلاث مذمومة. وكان يسمي الله تعالى على أول طعامه ويحمده في آخره فيقول عند انقضائه: ( الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا ) . وربما قال: ( الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم من علينا فهدانا وأطعمنا وسقانا وكل بلاء حسن أبلانا الحمد لله الذي أطعم من الطعام وسقى من الشراب وكسا من العري وهدى من الضلالة وبصر من العمى وفضل على كثير ممن خلق تفضيلا الحمد لله رب العالمين ) . وربما قال: ( الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه ) . وكان إذا فرغ من طعامه لعق أصابعه ولم يكن لهم مناديل يمسحون بها أيديهم ولم يكن عادتهم غسل أيديهم كلما أكلوا. وكان أكثر شربه قاعدا بل زجر عن الشرب قائما وشرب مرة(1\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "109",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8675",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قائما. فقيل: هذا نسخ لنهيه وقيل: بل فعله لبيان جواز الأمرين والذي يظهر فيه - والله أعلم - أنها واقعة عين شرب فيها قائما لعذر وسياق القصة يدل عليه فإنه أتى زمزم وهم يستقون منها فأخذ الدلو وشرب قائما. والصحيح في هذه المسألة النهي عن الشرب قائما وجوازه لعذر يمنع من القعود وبهذا تجمع أحاديث الباب والله أعلم. وكان إذا شرب ناول من على يمينه وإن كان من على يساره أكبر منه.(1\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "110",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8676",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في هديه في النكاح ومعاشرته صلى الله عليه وسلم أهله] فصل في هديه في النكاح ومعاشرته صلى الله عليه وسلم أهله صح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أنس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( حبب إلي من دنياكم: النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة ) هذا لفظ الحديث ومن رواه ( حبب إلي من دنياكم ثلاث ) فقد وهم ولم يقل صلى الله عليه وسلم ثلاث والصلاة ليست من أمور الدنيا التي تضاف إليها. وكان النساء والطيب أحب شيء إليه وكان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وكان قد أعطي قوة ثلاثين في الجماع وغيره وأباح الله له من ذلك ما لم يبحه لأحد من أمته. وكان يقسم بينهن في المبيت والإيواء والنفقة وأما المحبة فكان يقول: ( اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك ) فقيل: هو الحب والجماع ولا تجب التسوية في ذلك لأنه مما لا يملك. وهل كان القسم واجبا عليه أو كان له معاشرتهن من غير قسم على قولين للفقهاء. فهو أكثر الأمة نساء قال ابن عباس: ( تزوجوا فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء )(1\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "111",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8677",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وطلق صلى الله عليه وسلم وراجع وآلى إيلاء مؤقتا بشهر ولم يظاهر أبدا وأخطأ من قال إنه ظاهر خطأ عظيما وإنما ذكرته هنا تنبيها على قبح خطئه ونسبته إلى ما برأه الله منه. وكانت سيرته مع أزواجه حسن المعاشرة وحسن الخلق. وكان يسرب إلى عائشة بنات الأنصار يلعبن معها. وكان إذا هويت شيئا لا محذور فيه تابعها عليه وكانت إذا شربت من الإناء أخذه فوضع فمه في موضع فمها وشرب وكان إذا تعرقت عرقا - وهو العظم الذي عليه لحم - أخذه فوضع فمه موضع فمها وكان يتكئ في حجرها ويقرأ القرآن ورأسه في حجرها وربما كانت حائضا وكان يأمرها وهي حائض فتتزر ثم يباشرها وكان يقبلها وهو صائم وكان من لطفه وحسن خلقه مع أهله أنه يمكنها من اللعب ويريها الحبشة وهم يلعبون في مسجده وهي متكئة على منكبيه تنظر وسابقها في السفر على الأقدام مرتين وتدافعا في خروجهما من المنزل مرة. ( وكان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه ولم يقض للبواقي شيئا ) وإلى هذا ذهب الجمهور. وكان يقول: ( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ) . وربما مد يده إلى بعض نسائه في حضرة باقيهن.(1\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "112",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8678",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان إذا صلى العصر دار على نسائه فدنا منهن واستقرأ أحوالهن فإذا جاء الليل انقلب إلى بيت صاحبة النوبة فخصها بالليل. وقالت عائشة ( كان لا يفضل بعضنا على بعض في مكثه عندهن في القسم وقل يوم إلا كان يطوف علينا جميعا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ التي هو في نوبتها فيبيت عندها ) وكان يقسم لثمان منهن دون التاسعة ووقع في صحيح مسلم من قول عطاء أن التي لم يكن يقسم لها هي صفية بنت حيي وهو غلط من عطاء رحمه الله وإنما هي سودة فإنها لما كبرت وهبت نوبتها لعائشة. وكان صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة وسبب هذا الوهم - والله أعلم - أنه كان قد وجد على صفية في شيء فقالت لعائشة: هل لك أن ترضي رسول الله صلى الله عليه وسلم عني وأهب لك يومي قالت: نعم فقعدت عائشة إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم في يوم صفية فقال: (إليك عني يا عائشة فإنه ليس يومك فقالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وأخبرته بالخبر فرضي عنها ) وإنما كانت وهبتها ذلك اليوم وتلك النوبة الخاصة ويتعين ذلك وإلا كان يكون(1\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "113",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8679",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القسم لسبع منهن وهو خلاف الحديث الصحيح الذي لا ريب فيه أن القسم كان لثمان والله أعلم. ولو اتفقت مثل هذه الواقعة لمن له أكثر من زوجتين فوهبت إحداهن يومها للأخرى فهل للزوج أن يوالي بين ليلة الموهوبة وليلتها الأصلية وإن لم تكن ليلة الواهبة تليها أو يجب عليه أن يجعل ليلتها هي الليلة التي كانت تستحقها الواهبة بعينها على قولين في مذهب أحمد وغيره. وكان صلى الله عليه وسلم يأتي أهله آخر الليل وأوله فكان إذا جامع أول الليل ربما اغتسل ونام وربما توضأ ونام. وذكر أبو إسحاق السبيعي عن الأسود عن عائشة أنه كان ربما نام ولم يمس ماء  وهو غلط عند أئمة الحديث وقد أشبعنا الكلام عليه في كتاب quot; تهذيب سنن أبي داود quot; وإيضاح علله ومشكلاته. وكان يطوف على نسائه بغسل واحد وربما اغتسل عند كل واحدة(1\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "114",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8680",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعل هذا وهذا. وكان إذا سافر وقدم لم يطرق أهله ليلا وكان ينهى عن ذلك.  [فصل في هديه وسيرته صلى الله عليه وسلم في نومه وانتباهه] فصل في هديه وسيرته صلى الله عليه وسلم في نومه وانتباهه كان ينام على الفراش تارة وعلى النطع تارة وعلى الحصير تارة وعلى الأرض تارة وعلى السرير تارة بين رماله وتارة على كساء أسود. قال عباد بن تميم عن عمه رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقيا في المسجد واضعا إحدى رجليه على الأخرى . وكان فراشه أدما حشوه ليف. وكان له مسح ينام عليه يثنى بثنيتين وثني له يوما أربع ثنيات فنهاهم عن ذلك وقال: ( ردوه إلى حاله الأول فإنه منعني صلاتي الليلة ) والمقصود أنه نام على الفراش وتغطى باللحاف وقال لنسائه: ( ما أتاني جبريل وأنا في لحاف امرأة منكن غير عائشة ) . وكانت وسادته أدما حشوها ليف.(1\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "115",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8681",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان إذا أوى إلى فراشه للنوم قال: (باسمك اللهم أحيا وأموت ) ( وكان يجمع كفيه ثم ينفث فيهما) وكان يقرأ فيهما: قل هو الله أحد [الإخلاص: 1] و قل أعوذ برب الفلق [الفلق: 1] و قل أعوذ برب الناس [الناس: 1] ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات . وكان ينام على شقه الأيمن ويضع يده اليمنى تحت خده الأيمن ثم يقول: (اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك)  . وكان يقول إذا أوى إلى فراشه: ( الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي ) ذكره مسلم. وذكر أيضا أنه كان يقول إذا أوى إلى فراشه ( اللهم رب(1\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "116",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8682",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السماوات والأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوراة والإنجيل والفرقان أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر ) وكان إذا استيقظ من منامه في الليل قال: ( لا إله إلا أنت سبحانك اللهم إني أستغفرك لذنبي وأسألك رحمتك اللهم زدني علما ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ) وكان إذا انتبه من نومه قال: ( الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ) . ثم يتسوك وربما قرأ العشر الآيات من آخر (آل عمران) من قوله إن في خلق السماوات والأرض [آل عمران: 190] إلى آخرها [آل عمران:(1\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "117",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8683",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "190 - 200] . وقال ( اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد حق والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت إلهي لا إله إلا أنت ) وكان ينام أول الليل ويقوم آخره وربما سهر أول الليل في مصالح المسلمين وكان تنام عيناه ولا ينام قلبه. وكان إذا نام لم يوقظوه حتى يكون هو الذي يستيقظ. وكان إذا عرس بليل اضطجع على شقه الأيمن وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه  هكذا قال الترمذي. وقال(1\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "118",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8684",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبو حاتم في صحيحه: كان إذا عرس بالليل توسد يمينه وإذا عرس قبيل الصبح نصب ساعده  وأظن هذا وهما والصواب حديث الترمذي. وقال أبو حاتم: والتعريس إنما يكون قبيل الصبح. وكان نومه أعدل النوم وهو أنفع ما يكون من النوم والأطباء يقولون: هو ثلث الليل والنهار ثمان ساعات.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الركوب] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الركوب ركب الخيل والإبل والبغال والحمير وركب الفرس مسرجة تارة وعريا أخرى وكان يجريها في بعض الأحيان وكان يركب وحده وهو الأكثر وربما أردف خلفه على البعير وربما أردف خلفه وأركب أمامه وكانوا ثلاثة على بعير وأردف الرجال وأردف بعض نسائه وكان أكثر مراكبه الخيل والإبل. وأما البغال فالمعروف أنه كان عنده منها بغلة واحدة أهداها له بعض الملوك ولم تكن البغال مشهورة بأرض العرب بل لما أهديت له البغلة قيل: ألا ننزي الخيل على الحمر فقال: (إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون)   [فصل في اتخاذ الغنم والرقيق] فصل واتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنم. وكان له مائة شاة وكان لا يحب أن تزيد على مائة فإذا زادت بهمة ذبح مكانها أخرى واتخذ الرقيق من الإماء والعبيد وكان مواليه وعتقاؤه من العبيد أكثر من الإماء وقد روى الترمذي في quot;جامعهquot;(1\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "119",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8685",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من حديث أبي أمامة وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أيما امرئ أعتق امرءا مسلما كان فكاكه من النار يجزئ كل عضو منه عضوا منه وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار يجزئ كل عضوين منهما عضوا منه ) وقال: هذا حديث صحيح. وهذا يدل على أن عتق العبد أفضل وأن عتق العبد يعدل عتق أمتين فكان أكثر عتقائه صلى الله عليه وسلم من العبيد وهذا أحد المواضع الخمسة التي تكون فيها الأنثى على النصف من الذكر والثاني: العقيقة فإنه عن الأنثى شاة وعن الذكر شاتان عند الجمهور وفيه عدة أحاديث صحاح وحسان. والثالث: الشهادة فإن شهادة امرأتين بشهادة رجل. والرابع: الميراث. والخامس: الدية.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في العقود] فصل وباع رسول الله صلى الله عليه وسلم واشترى وكان شراؤه بعد أن أكرمه الله تعالى برسالته أكثر من بيعه وكذلك بعد الهجرة لا يكاد يحفظ عنه البيع إلا في قضايا يسيرة أكثرها لغيره كبيعه القدح والحلس فيمن يزيد وبيعه يعقوب المدبر غلام أبي مذكور وبيعه عبدا أسود بعبدين. وأما شراؤه فكثير وآجر واستأجر واستئجاره أكثر من إيجاره وإنما يحفظ عنه أنه أجر نفسه قبل النبوة في رعاية الغنم ( وأجر نفسه من خديجة في سفره بمالها إلى الشام ) وإن كان العقد مضاربة فالمضارب أمين وأجير ووكيل وشريك(1\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "120",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8686",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأمين إذا قبض المال ووكيل إذا تصرف فيه وأجير فيما يباشره بنفسه من العمل وشريك إذا ظهر فيه الربح. وقد أخرج الحاكم في quot;مستدركهquot; من حديث الربيع بن بدر عن أبي الزبير عن جابر قال: ( آجر رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه من خديجة بنت خويلد سفرتين إلى جرش كل سفرة بقلوص ) وقال صحيح الإسناد. قال في quot;النهايةquot;: جرش بضم الجيم وفتح الراء من مخاليف اليمن وهو بفتحهما بلد بالشام. قلت: إن صح الحديث فإنما هو المفتوح الذي بالشام ولا يصح فإن الربيع بن بدر هذا هو عليلة ضعفه أئمة الحديث. قال النسائي والدارقطني والأزدي: متروك وكأن الحاكم ظنه الربيع بن بدر مولى طلحة بن عبيد الله. وشارك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما قدم عليه شريكه قال: أما تعرفني قال quot; أما كنت شريكي فنعم الشريك كنت لا تداري ولا تماري quot;. وتدارئ بالهمزة من المدارأة وهي مدافعة الحق فإن ترك همزها صارت من المداراة وهي المدافعة بالتي هي أحسن. ووكل وتوكل وكان توكيله أكثر من توكله. وأهدى وقبل الهدية وأثاب عليها ووهب واتهب فقال لسلمة بن(1\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "121",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8687",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأكوع وقد وقع في سهمه جارية: quot;هبها ليquot; فوهبها له ففادى بها من أهل مكة أسارى من المسلمين. واستدان برهن وبغير رهن واستعار واشترى بالثمن الحال والمؤجل. وضمن ضمانا خاصا على ربه على أعمال من عملها كان مضمونا له بالجنة وضمانا عاما لديون من توفي من المسلمين ولم يدع وفاء أنها عليه وهو يوفيها وقد قيل: إن هذا الحكم عام للأئمة بعده فالسلطان ضامن لديون المسلمين إذا لم يخلفوا وفاء فإنها عليه يوفيها من بيت المال وقالوا: كما يرثه إذا مات ولم يدع وارثا فكذلك يقضي عنه دينه إذا مات ولم يدع وفاء وكذلك ينفق عليه في حياته إذا لم يكن له من ينفق عليه. ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضا كانت له جعلها صدقة في سبيل الله وتشفع وشفع إليه وردت بريرة شفاعته في مراجعتها مغيثا فلم يغضب عليها ولا عتب وهو الأسوة والقدوة وحلف في أكثر من ثمانين موضعا وأمره الله سبحانه بالحلف في ثلاثة مواضع فقال:(1\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "122",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8688",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى: ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق [يونس: 53] [يونس: 53] وقال تعالى: وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم [سبأ: 3] [سبأ: 3] وقال تعالى: زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير [التغابن: 7] [التغابن: 7] وكان إسماعيل بن إسحاق القاضي يذاكر أبا بكر محمد بن داود الظاهري ولا يسميه بالفقيه فتحاكم إليه يوما هو وخصم له فتوجهت اليمين على أبي بكر بن داود فتهيأ للحلف فقال له القاضي إسماعيل: أوتحلف! ومثلك يحلف يا أبا بكر فقال: وما يمنعني من الحلف وقد أمر الله تعالى نبيه بالحلف في ثلاثة مواضع من كتابه قال أين ذلك فسردها له أبو بكر فاستحسن ذلك منه جدا ودعاه بالفقيه من ذلك اليوم. وكان صلى الله عليه وسلم يستثني في يمينه تارة ويكفرها تارة ويمضي فيها تارة والاستثناء يمنع عقد اليمين والكفارة تحلها بعد عقدها ولهذا سماها الله تحلة. وكان يمازح ويقول في مزاحه الحق ويوري ولا يقول في توريته إلا الحق مثل أن يريد جهة يقصدها فيسأل عن غيرها كيف طريقها وكيف مياهها ومسلكها أو نحو ذلك. وكان يشير ويستشير. وكان يعود المريض ويشهد الجنازة ويجيب الدعوة ويمشي مع الأرملة والمسكين والضعيف في حوائجهم وسمع مديح الشعر وأثاب عليه ولكن ما قيل فيه من المديح فهو جزء يسير جدا من محامده وأثاب على الحق. وأما مدح غيره من الناس فأكثر ما يكون بالكذب فلذلك أمر أن يحثى في وجوه المداحين التراب(1\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "123",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8689",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في مسابقته عليه السلام ومصارعته] فصل وسابق رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه على الأقدام وصارع وخصف نعله بيده ورقع ثوبه بيده ورقع دلوه وحلب شاته وفلى ثوبه وخدم أهله ونفسه وحمل معهم اللبن في بناء المسجد وربط على بطنه الحجر من الجوع تارة وشبع تارة وأضاف وأضيف واحتجم في وسط رأسه وعلى ظهر قدمه واحتجم في الأخدعين والكاهل وهو ما بين الكتفين وتداوى وكوى ولم يكتو ورقى ولم يسترق وحمى المريض مما يؤذيه. وأصول الطب ثلاثة: الحمية وحفظ الصحة واستفراغ المادة المضرة وقد جمعها الله تعالى له ولأمته في ثلاثة مواضع من كتابه فحمى المريض من استعمال الماء خشية من الضرر فقال تعالى: وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا [النساء: 43] [النساء: 43 والمائدة: 6] فأباح التيمم للمريض حمية له كما أباحه للعادم وقال في حفظ الصحة فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر [البقرة: 184] [البقرة: 184] فأباح للمسافر الفطر في رمضان حفظا لصحته لئلا يجتمع على قوته الصوم ومشقة السفر فيضعف القوة والصحة. وقال في الاستفراغ في حلق الرأس للمحرم فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك [البقرة: 196] [البقرة: 196] فأباح للمريض ومن به أذى من رأسه وهو محرم أن يحلق رأسه ويستفرغ المواد الفاسدة والأبخرة الرديئة التي تولد عليه القمل كما حصل لكعب بن عجرة أو تولد عليه المرض وهذه الثلاثة هي قواعد الطب(1\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "124",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8690",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأصوله فذكر من كل جنس منها شيئا وصورة تنبيها بها على نعمته على عباده في أمثالها من حميتهم وحفظ صحتهم واستفراغ مواد أذاهم رحمة لعباده ولطفا بهم ورأفة بهم. وهو الرءوف الرحيم.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في معاملته] كان أحسن الناس معاملة. وكان إذا استسلف سلفا قضى خيرا منه. ( وكان إذا استسلف من رجل سلفا قضاه إياه ودعا له فقال: بارك الله لك في أهلك ومالك إنما جزاء السلف الحمد والأداء ) ( واستسلف من رجل أربعين صاعا فاحتاج الأنصاري فأتاه فقال صلى الله عليه وسلم: ما جاءنا من شيء بعد فقال الرجل وأراد أن يتكلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقل إلا خيرا فأنا خير من تسلف. فأعطاه أربعين فضلا وأربعين سلفة فأعطاه ثمانين ) ذكره البزار. ( واقترض بعيرا فجاء صاحبه يتقاضاه فأغلظ للنبي صلى الله عليه وسلم فهم به أصحابه فقال: دعوه فإن لصاحب الحق مقالا ) واشترى مرة شيئا(1\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "125",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8691",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وليس عنده ثمنه فأربح فيه فباعه وتصدق بالربح على أرامل بني عبد المطلب وقال: لا أشتري بعد هذا شيئا إلا وعندي ثمنه ) ذكره أبو داود وهذا لا يناقض الشراء في الذمة إلى أجل فهذا شيء وهذا شيء. وتقاضاه غريم له دينا فأغلظ عليه فهم به عمر بن الخطاب فقال: مه يا عمر كنت أحوج إلى أن تأمرني بالوفاء. وكان أحوج إلى أن تأمره بالصبر ) ( وباعه يهودي بيعا إلى أجل فجاءه قبل الأجل يتقاضاه ثمنه فقال: لم يحل الأجل فقال اليهودي: إنكم لمطل يا بني عبد المطلب فهم به أصحابه فنهاهم فلم يزده ذلك إلا حلما فقال اليهودي: كل شيء منه قد عرفته من علامات النبوة وبقيت واحدة وهي أنه لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما فأردت أن أعرفها فأسلم اليهودي )(1\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "126",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8692",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في مشيه وحده ومع أصحابه] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في مشيه وحده ومع أصحابه كان إذا مشى تكفأ تكفؤا وكان أسرع الناس مشية وأحسنها وأسكنها قال أبو هريرة: ( ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن الشمس تجري في وجهه وما رأيت أحدا أسرع في مشيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما الأرض تطوى له وإنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث ) وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مشى تكفأ تكفؤا كأنما ينحط من صبب ) وقال مرة ( إذا مشى تقلع ) قلت: والتقلع الارتفاع من الأرض بجملته كحال المنحط من الصبب وهي مشية أولي العزم والهمة والشجاعة وهي أعدل المشيات وأرواحها للأعضاء وأبعدها من مشية الهوج والمهانة والتماوت فإن الماشي إما أن يتماوت في مشيه ويمشي قطعة واحدة كأنه خشبة محمولة وهي مشية مذمومة قبيحة وإما أن يمشي بانزعاج واضطراب مشي الجمل الأهوج وهي مشية مذمومة أيضا وهي دالة على خفة عقل صاحبها ولا سيما إن كان يكثر الالتفات حال مشيه يمينا وشمالا وإما أن يمشي هونا وهي مشية عباد الرحمن كما وصفهم بها في كتابه فقال وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا [الفرقان: 63] [الفرقان: 63] قال غير واحد من السلف: بسكينة ووقار من غير تكبر ولا تماوت وهي مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه مع هذه المشية كان كأنما ينحط من صبب وكأنما الأرض تطوى له حتى كان الماشي معه يجهد نفسه ورسول الله صلى الله عليه وسلم غير مكترث وهذا يدل على أمرين: أن مشيته لم تكن مشية بتماوت ولا بمهانة بل مشية أعدل المشيات. والمشيات عشرة أنواع: هذه الثلاثة منها والرابع: السعي والخامس: الرمل وهو أسرع المشي مع تقارب الخطى ويسمى: الخبب وفي الصحيح من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ( خب في طوافه ثلاثا ومشى(1\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "127",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8693",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أربعا ) . السادس: النسلان وهو العدو الخفيف الذي لا يزعج الماشي ولا يكرثه. وفي بعض المسانيد أن المشاة شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشي في حجة الوداع فقال: ( استعينوا بالنسلان ) . والسابع: الخوزلى وهي مشية التمايل وهي مشية يقال: إن فيها تكسرا وتخنثا. والثامن: القهقرى وهي المشية إلى وراء. والتاسع: الجمزى وهي مشية يثب فيها الماشي وثبا. والعاشر: مشية التبختر وهي مشية أولي العجب والتكبر وهي التي خسف الله سبحانه بصاحبها لما نظر في عطفيه وأعجبته نفسه فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة. وأعدل هذه المشيات مشية الهون والتكفؤ. وأما مشيه مع أصحابه فكانوا يمشون بين يديه وهو خلفهم ويقول: (دعوا ظهري للملائكة) ولهذا جاء في الحديث: وكان يسوق أصحابه. وكان يمشي حافيا ومنتعلا وكان يماشي أصحابه فرادى وجماعة ومشى في بعض(1\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "128",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8694",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غزواته مرة فدميت أصبعه وسال منها الدم فقال: هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت  وكان في السفر ساقة أصحابه يزجي الضعيف ويردفه ويدعو لهم ذكره أبو داود.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في جلوسه واتكائه] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في جلوسه واتكائه كان يجلس على الأرض وعلى الحصير والبساط وقالت قيلة بنت مخرمة: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قاعد القرفصاء قالت: فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كالمتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق . ولما قدم عليه عدي بن حاتم دعاه إلى منزله فألقت إليه الجارية وسادة يجلس عليها فجعلها بينه وبين عدي وجلس على الأرض. قال عدي: (فعرفت أنه ليس بملك) وكان يستلقي أحيانا وربما وضع إحدى رجليه على الأخرى وكان يتكئ على الوسادة وربما اتكأ على يساره وربما اتكأ على يمينه. وكان إذا احتاج في خروجه توكأ.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم عند قضاء الحاجة] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم عند قضاء الحاجة ( كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث )(1\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "129",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8695",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرجس النجس الشيطان الرجيم. ( وكان إذا خرج يقول: غفرانك ) وكان يستنجي بالماء تارة ويستجمر بالأحجار تارة ويجمع بينهما تارة. وكان إذا ذهب في سفره للحاجة انطلق حتى يتوارى عن أصحابه وربما كان يبعد نحو الميلين. وكان يستتر للحاجة بالهدف تارة وبحائش النخل تارة وبشجر الوادي تارة. وكان إذا أراد أن يبول في عزاز من الأرض - وهو الموضع الصلب - أخذ عودا من الأرض فنكت به حتى يثرى ثم يبول وكان يرتاد لبوله الموضع الدمث - وهو اللين الرخو من الأرض - وأكثر ما كان يبول وهو قاعد حتى قالت عائشة: ( من حدثكم أنه كان يبول قائما فلا تصدقوه ما كان يبول إلا قاعدا )  وقد روى مسلم في صحيحه من حديث(1\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "130",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8696",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حذيفة ( أنه بال قائما ) فقيل: هذا بيان للجواز وقيل: إنما فعله من وجع كان بمأبضيه. وقيل فعله استشفاء. قال الشافعي رحمه الله: والعرب تستشفي من وجع الصلب بالبول قائما. والصحيح أنه إنما فعل ذلك تنزها وبعدا من إصابة البول فإنه إنما فعل هذا لما أتى سباطة قوم - وهو ملقى الكناسة - وتسمى المزبلة وهي تكون مرتفعة فلو بال فيها الرجل قاعدا لارتد عليه بوله وهو صلى الله عليه وسلم استتر بها وجعلها بينه وبين الحائط فلم يكن بد من بوله قائما والله أعلم. وقد ذكر الترمذي عن (عمر بن الخطاب قال: رآني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبول قائما فقال: يا عمر لا تبل قائما قال: فما بلت قائما بعد )  قال الترمذي: وإنما رفعه عبد الكريم بن أبي المخارق وهو ضعيف عند أهل الحديث. وفي مسند البزار وغيره من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ثلاث من الجفاء: أن يبول الرجل قائما أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته أو ينفخ في سجوده ) ورواه الترمذي وقال: هو غير(1\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "131",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8697",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محفوظ وقال البزار: لا نعلم من رواه عن عبد الله بن بريدة إلا سعيد بن عبيد الله ولم يجرحه بشيء. وقال ابن أبي حاتم: هو بصري ثقة مشهور. وكان يخرج من الخلاء فيقرأ القرآن وكان يستنجي ويستجمر بشماله ولم يكن يصنع شيئا مما يصنعه المبتلون بالوسواس من نتر الذكر والنحنحة والقفز ومسك الحبل وطلوع الدرج وحشو القطن في الإحليل وصب الماء فيه وتفقده الفينة بعد الفينة ونحو ذلك من بدع أهل الوسواس. وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا بال نتر ذكره ثلاثا . وروي أنه أمر به ولكن لا يصح من فعله ولا أمره. قاله أبو جعفر العقيلي. ( وكان إذا سلم عليه أحد وهو يبول لم يرد عليه ) ذكره مسلم في صحيحه عن ابن عمر. وروى البزار في مسنده في هذه القصة أنه ( رد عليه ثم قال: إنما رددت عليك خشية أن تقول سلمت عليه فلم يرد علي سلاما فإذا رأيتني هكذا فلا تسلم علي فإني لا أرد عليك السلام ) وقد قيل: لعل هذا كان مرتين وقيل: حديث مسلم أصح لأنه من حديث الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر وحديث البزار من رواية أبي بكر - رجل من أولاد عبد الله بن عمر - عن نافع عنه. قيل: وأبو بكر هذا: هو أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر(1\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "132",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8698",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "روى عنه مالك وغيره والضحاك أوثق منه. وكان إذا استنجى بالماء ضرب يده بعد ذلك على الأرض وكان إذا جلس لحاجته لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الفطرة وتوابعها] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الفطرة وتوابعها قد سبق الخلاف هل ولد صلى الله عليه وسلم مختونا أو ختنته الملائكة يوم شق صدره لأول مرة أو ختنه جده عبد المطلب وكان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وأخذه وعطائه وكانت يمينه لطعامه وشرابه وطهوره ويساره لخلائه ونحوه من إزالة الأذى. وكان هديه في حلق الرأس تركه كله أو أخذه كله ولم يكن يحلق بعضه ويدع بعضه ولم يحفظ عنه حلقه إلا في نسك. وكان يحب السواك وكان يستاك مفطرا وصائما ويستاك عند الانتباه من النوم وعند الوضوء وعند الصلاة وعند دخول المنزل وكان يستاك بعود الأراك. وكان يكثر التطيب ويحب الطيب وذكر عنه أنه (كان يطلي بالنورة)(1\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "133",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8699",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان أولا يسدل شعره ثم فرقه والفرق: أن يجعل شعره فرقتين كل فرقة ذؤابة والسدل أن يسدله من ورائه ولا يجعله فرقتين. ولم يدخل حماما قط ولعله ما رآه بعينه ولم يصح في الحمام حديث.(1\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "134",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8700",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان له مكحلة يكتحل منها كل ليلة ثلاثا عند النوم في كل عين. واختلف الصحابة في خضابه فقال أنس: لم يخضب. وقال أبو هريرة: خضب. وقد روى حماد بن سلمة عن حميد عن أنس قال: ( رأيت شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم مخضوبا ) قال حماد: وأخبرني عبد الله بن محمد بن عقيل قال: ( رأيت شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أنس بن مالك مخضوبا )  وقالت طائفة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يكثر الطيب قد احمر شعره فكان يظن مخضوبا ولم يخضب. وقال أبو رمثة: ( أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ابن لي فقال: أهذا ابنك قلت نعم أشهد به فقال: لا تجني عليه ولا يجني عليك ) قال: ورأيت الشيب أحمر. قال الترمذي: هذا أحسن شيء روي في هذا الباب وأفسره لأن الروايات الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغ الشيب. قال حماد بن سلمة عن سماك بن حرب: قيل لجابر بن سمرة: ( أكان في رأس النبي صلى الله عليه وسلم شيب قال: لم يكن في رأسه شيب إلا شعرات في مفرق رأسه إذا ادهن واراهن الدهن ) قال أنس: ( وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر دهن رأسه ولحيته ويكثر القناع كأن ثوبه ثوب(1\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "135",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8701",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "زيات ) وكان يحب الترجل وكان يرجل نفسه تارة وترجله عائشة تارة ( وكان شعره فوق الجمة ودون الوفرة )  وكانت جمته تضرب شحمة أذنيه وإذا طال جعله غدائر أربعا قالت أم هانئ: ( قدم علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قدمة وله أربع غدائر )  والغدائر الضفائر وهذا حديث صحيح. وكان صلى الله عليه وسلم لا يرد الطيب وثبت عنه في حديث صحيح مسلم أنه قال: ( من عرض عليه ريحان فلا يرده فإنه طيب الرائحة خفيف المحمل ) هذا لفظ الحديث وبعضهم يرويه: ( من عرض عليه طيب فلا يرده ) وليس بمعناه فإن الريحان لا تكثر المنة بأخذه وقد جرت العادة بالتسامح في بذله بخلاف المسك والعنبر والغالية ونحوها ولكن الذي ثبت عنه من حديث عزرة بن ثابت عن ثمامة قال أنس: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرد الطيب )(1\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "136",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8702",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث ابن عمر يرفعه: ( ثلاث لا ترد: الوسائد والدهن واللبن ) فحديث معلول رواه الترمذي وذكر علته ولا أحفظ الآن ما قيل فيه إلا أنه من رواية عبد الله بن مسلم بن جندب عن أبيه عن ابن عمر. ومن مراسيل أبي عثمان النهدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا أعطي أحدكم الريحان فلا يرده فإنه خرج من الجنة ) وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سكة يتطيب منها وكان أحب الطيب إليه المسك وكان يعجبه الفاغية قيل: وهي نور الحناء.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في قص الشارب] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في قص الشارب قال أبو عمر بن عبد البر: روى الحسن بن صالح عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقص شاربه )  ويذكر (أن إبراهيم كان يقص شاربه)  ووقفه طائفة على ابن عباس. وروى الترمذي من(1\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "137",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8703",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حديث زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من لم يأخذ من شاربه فليس منا ) وقال: حديث صحيح. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( قصوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس ) . وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( خالفوا المشركين ووفروا اللحى وأحفوا الشوارب )  وفي صحيح مسلم عن أنس قال: ( وقت لنا النبي صلى الله عليه وسلم في قص الشارب وتقليم الأظفار ألا نترك أكثر من أربعين يوما وليلة ) واختلف السلف في قص الشارب وحلقه أيهما أفضل فقال مالك في موطئه: يؤخذ من الشارب حتى تبدو أطراف الشفة وهو الإطار ولا يجزه فيمثل بنفسه. وذكر ابن عبد الحكم عن مالك قال: يحفي الشارب ويعفي اللحى وليس إحفاء الشارب حلقه وأرى أن يؤدب من حلق شاربه وقال ابن القاسم عنه: إحفاء الشارب وحلقه عندي مثلة. قال مالك: وتفسير حديث النبي صلى الله عليه وسلم في إحفاء الشارب إنما هو الإطار وكان يكره أن يؤخذ من أعلاه.(1\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "138",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8704",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: أشهد في حلق الشارب أنه بدعة وأرى أن يوجع ضربا من فعله قال مالك: (وكان عمر بن الخطاب إذا كربه أمر نفخ فجعل رجله بردائه وهو يفتل شاربه) (وقال عمر بن عبد العزيز: السنة في الشارب الإطار)  وقال الطحاوي: ولم أجد عن الشافعي شيئا منصوصا في هذا وأصحابه الذين رأينا - المزني والربيع - كانا يحفيان شواربهما ويدل ذلك على أنهما أخذاه عن الشافعي رحمه الله قال: وأما أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد فكان مذهبهم في شعر الرأس والشوارب أن الإحفاء أفضل من التقصير. وذكر ابن خويز منداد المالكي عن الشافعي أن مذهبه في حلق الشارب كمذهب أبي حنيفة وهذا قول أبي عمر. وأما الإمام أحمد فقال الأثرم: رأيت الإمام أحمد بن حنبل يحفي شاربه شديدا وسمعته يسأل عن السنة في إحفاء الشارب فقال: يحفي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( أحفوا الشوارب )  وقال حنبل: قيل لأبي عبد الله: ترى الرجل يأخذ شاربه أو يحفيه أم كيف يأخذه قال: إن أحفاه فلا بأس وإن أخذه قصا فلا بأس. وقال أبو محمد بن قدامة المقدسي في المغني: وهو مخير بين أن يحفيه وبين أن يقصه من غير إحفاء. قال الطحاوي: وروى المغيرة بن شعبة ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ من شاربه على سواك ) وهذا لا يكون معه إحفاء. واحتج من لم ير إحفاءه بحديثي عائشة وأبي هريرة المرفوعين: (عشر من الفطرة) فذكر منها قص الشارب. وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه: (الفطرة(1\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "139",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8705",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خمس. . .) وذكر منها قص الشارب. واحتج المحفون بأحاديث الأمر بالإحفاء وهي صحيحة وبحديث ابن عباس: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجز شاربه ) قال الطحاوي: وهذا الأغلب فيه الإحفاء وهو يحتمل الوجهين. وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة يرفعه: ( جزوا الشوارب وأرخوا اللحى )  قال: وهذا يحتمل الإحفاء أيضا وذكر بإسناده عن أبي سعيد وأبي أسيد ورافع بن خديج وسهل بن سعد وعبد الله بن عمر وجابر وأبي هريرة أنهم كانوا يحفون شواربهم. وقال إبراهيم بن محمد بن حاطب: (رأيت ابن عمر يحفي شاربه كأنه ينتفه)  وقال بعضهم: حتى يرى بياض الجلد. قال الطحاوي: ولما كان التقصير مسنونا عند الجميع كان الحلق فيه أفضل قياسا على الرأس وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم للمحلقين(1\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "140",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8706",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثلاثا وللمقصرين واحدة فجعل حلق الرأس أفضل من تقصيره فكذلك الشارب.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في كلامه وسكوته وضحكه وبكائه] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في كلامه وسكوته وضحكه وبكائه كان صلى الله عليه وسلم أفصح خلق الله وأعذبهم كلاما وأسرعهم أداء وأحلاهم منطقا حتى إن كلامه ليأخذ بمجامع القلوب ويسبي الأرواح ويشهد له بذلك أعداؤه. وكان إذا تكلم تكلم بكلام مفصل مبين يعده العاد ليس بهذ مسرع لا يحفظ ولا منقطع تخلله السكتات بين أفراد الكلام بل هديه فيه أكمل الهدي قالت عائشة: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد سردكم هذا ولكن كان يتكلم بكلام بين فصل يحفظه من جلس إليه . وكان كثيرا ما يعيد الكلام ثلاثا ليعقل عنه وكان إذا سلم سلم ثلاثا. وكان طويل السكوت لا يتكلم في غير حاجة يفتتح الكلام ويختتمه بأشداقه ويتكلم بجوامع الكلام فصل لا فضول ولا تقصير وكان لا يتكلم فيما لا يعنيه ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه وإذا كره الشيء عرف في وجهه ولم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا صخابا. وكان جل ضحكه التبسم بل كله التبسم فكان نهاية ضحكه أن تبدو نواجذه. وكان يضحك مما يضحك منه وهو مما يتعجب من مثله ويستغرب وقوعه ويستندر. وللضحك أسباب عديدة هذا أحدها. والثاني: ضحك الفرح وهو أن(1\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "141",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8707",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يرى ما يسره أو يباشره. والثالث: ضحك الغضب وهو كثيرا ما يعتري الغضبان إذا اشتد غضبه وسببه تعجب الغضبان مما أورد عليه الغضب وشعور نفسه بالقدرة على خصمه وأنه في قبضته وقد يكون ضحكه لملكه نفسه عند الغضب وإعراضه عمن أغضبه وعدم اكتراثه به. وأما بكاؤه صلى الله عليه وسلم فكان من جنس ضحكه لم يكن بشهيق ورفع صوت كما لم يكن ضحكه بقهقهة ولكن كانت تدمع عيناه حتى تهملا ويسمع لصدره أزيز. وكان بكاؤه تارة رحمة للميت وتارة خوفا على أمته وشفقة عليها وتارة من خشية الله وتارة عند سماع القرآن وهو بكاء اشتياق ومحبة وإجلال مصاحب للخوف والخشية. ولما مات ابنه إبراهيم دمعت عيناه وبكى رحمة له وقال: ( تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون )  وبكى لما شاهد إحدى بناته ونفسها تفيض (وبكى لما قرأ عليه ابن مسعود سورة النساء وانتهى فيها إلى قوله تعالى: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا [النساء: 41] [النساء: 41]  وبكى لما مات عثمان بن مظعون وبكى لما كسفت الشمس وصلى صلاة الكسوف وجعل يبكي في صلاته وجعل ينفخ ويقول: ( رب ألم تعدني ألا تعذبهم وأنا فيهم(1\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "142",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8708",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهم يستغفرون ونحن نستغفرك ) وبكى لما جلس على قبر إحدى بناته وكان يبكي أحيانا في صلاة الليل. والبكاء أنواع. أحدها: بكاء الرحمة والرقة. والثاني: بكاء الخوف والخشية. والثالث: بكاء المحبة والشوق. والرابع: بكاء الفرح والسرور. والخامس: بكاء الجزع من ورود المؤلم وعدم احتماله. والسادس: بكاء الحزن. والفرق بينه وبين بكاء الخوف أن بكاء الحزن يكون على ما مضى من حصول مكروه أو فوات محبوب وبكاء الخوف يكون لما يتوقع في المستقبل من ذلك والفرق بين بكاء السرور والفرح وبكاء الحزن أن دمعة السرور باردة والقلب فرحان ودمعة الحزن حارة والقلب حزين ولهذا يقال لما يفرح به: هو قرة عين وأقر الله به عينه ولما يحزن: هو سخينة العين وأسخن الله عينه به. والسابع: بكاء الخور والضعف.(1\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "143",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8709",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثامن: بكاء النفاق وهو أن تدمع العين والقلب قاس فيظهر صاحبه الخشوع وهو من أقسى الناس قلبا. والتاسع: البكاء المستعار والمستأجر عليه كبكاء النائحة بالأجرة فإنها كما قال عمر بن الخطاب: (تبيع عبرتها وتبكي شجو غيرها) والعاشر: بكاء الموافقة وهو أن يرى الرجل الناس يبكون لأمر ورد عليهم فيبكي معهم ولا يدري لأي شيء يبكون ولكن يراهم يبكون فيبكي. وما كان من ذلك دمعا بلا صوت فهو بكى -مقصور - وما كان معه صوت فهو بكاء - ممدود - على بناء الأصوات. وقال الشاعر: بكت عيني وحق لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل وما كان منه مستدعى متكلفا فهو التباكي وهو نوعان: محمود ومذموم فالمحمود أن يستجلب لرقة القلب ولخشية الله لا للرياء والسمعة. والمذموم أن يجتلب لأجل الخلق وقد ( قال عمر بن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وقد رآه يبكي هو وأبو بكر في شأن أسارى بدر: أخبرني ما يبكيك يا رسول الله فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد تباكيت لبكائكما ولم ينكر عليه صلى الله عليه وسلم ) وقد قال بعض السلف: ابكوا من خشية الله فإن لم تبكوا فتباكوا.(1\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "144",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8710",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في خطبته] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في خطبته خطب صلى الله عليه وسلم على الأرض وعلى المنبر وعلى البعير وعلى الناقة. وكان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: (صبحكم ومساكم ) ويقول: ( بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى ويقول: أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ) وكان لا يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله. وأما قول كثير من الفقهاء: إنه يفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار وخطبة العيدين بالتكبير فليس معهم فيه سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم البتة وسنته تقتضي خلافه وهو افتتاح جميع الخطب بالحمد لله وهو أحد الوجوه الثلاثة لأصحاب أحمد وهو اختيار شيخنا قدس الله سره. وكان يخطب قائما وفي مراسيل عطاء وغيره ( أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر أقبل بوجهه على الناس ثم قال: السلام عليكم ) قال الشعبي: وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك. وكان يختم خطبته بالاستغفار وكان كثيرا يخطب(1\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "145",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8711",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالقرآن. وفي صحيح مسلم عن (أم هشام بنت حارثة قالت: ما أخذت ق والقرآن المجيد [ق: 1] إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس )  وذكر أبو داود عن ابن مسعود ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تشهد قال: الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا ) وقال أبو(1\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "146",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8712",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "داود عن (يونس أنه سأل ابن شهاب عن تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فذكر نحو هذا إلا أنه قال: ومن يعصهما فقد غوى ) قال ابن شهاب: (وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا خطب: كل ما هو آت قريب لا بعد لما هو آت ولا يعجل الله لعجلة أحد ولا يخف لأمر الناس ما شاء الله لا ما شاء الناس يريد الله شيئا ويريد الناس شيئا ما شاء الله كان ولو كره الناس ولا مبعد لما قرب الله ولا مقرب لما بعد الله ولا يكون شيء إلا بإذن الله ) وكان مدار خطبه على حمد الله والثناء عليه بآلائه وأوصاف كماله ومحامده وتعليم قواعد الإسلام وذكر الجنة والنار والمعاد والأمر بتقوى الله وتبيين موارد غضبه ومواقع رضاه فعلى هذا كان مدار خطبه. (وكان يقول في خطبه: أيها الناس إنكم لن تطيقوا - أو لن تفعلوا - كل ما أمرتم به ولكن سددوا وأبشروا ) وكان يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم ولم(1\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "147",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8713",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكن يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله ويتشهد فيها بكلمتي الشهادة ويذكر فيها نفسه باسمه العلم. وثبت عنه أنه قال: ( كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء ) ولم يكن له شاويش يخرج بين يديه إذا خرج من حجرته ولم يكن يلبس لباس الخطباء اليوم لا طرحة ولا زيقا واسعا. وكان منبره ثلاث درجات فإذا استوى عليه واستقبل الناس أخذ المؤذن في الأذان فقط ولم يقل شيئا قبله ولا بعده فإذا أخذ في الخطبة لم يرفع أحد صوته بشيء البتة لا مؤذن ولا غيره. وكان إذا قام يخطب أخذ عصا فتوكأ عليها وهو على المنبر  كذا ذكره عنه أبو داود عن ابن شهاب. وكان الخلفاء الثلاثة بعده يفعلون ذلك وكان أحيانا يتوكأ على قوس ولم يحفظ عنه أنه توكأ على سيف وكثير من الجهلة(1\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "148",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8714",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يظن أنه كان يمسك السيف على المنبر إشارة إلى أن الدين إنما قام بالسيف وهذا جهل قبيح من وجهين: أحدهما: أن المحفوظ أنه صلى الله عليه وسلم توكأ على العصا وعلى القوس. الثاني: أن الدين إنما قام بالوحي وأما السيف فلمحق أهل الضلال والشرك ومدينة النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يخطب فيها إنما فتحت بالقرآن ولم تفتح بالسيف. وكان إذا عرض له في خطبته عارض اشتغل به ثم رجع إلى خطبته ( وكان يخطب فجاء الحسن والحسين يعثران في قميصين أحمرين فقطع كلامه فنزل فحملهما ثم عاد إلى منبره ثم قال: صدق الله العظيم إنما أموالكم وأولادكم فتنة [التغابن: 15] [الأنفال: 28] رأيت هذين يعثران في قميصيهما فلم أصبر حتى قطعت كلامي فحملتهما ) ( وجاء سليك الغطفاني وهو يخطب فجلس فقال له: قم يا سليك فاركع ركعتين وتجوز فيهما ثم قال وهو على المنبر: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما )(1\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "149",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8715",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان يقصر خطبته أحيانا ويطيلها أحيانا بحسب حاجة الناس. وكانت خطبته العارضة أطول من خطبته الراتبة. وكان يخطب النساء على حدة في الأعياد ويحرضهن على الصدقة والله أعلم.  [فصول في هديه صلى الله عليه وسلم في العبادات] [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الوضوء] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الوضوء كان صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة في غالب أحيانه وربما صلى الصلوات بوضوء واحد. وكان يتوضأ بالمد تارة وبثلثيه تارة وبأزيد منه تارة وذلك نحو أربع أواق بالدمشقي إلى أوقيتين وثلاث. وكان من أيسر الناس صبا لماء الوضوء وكان يحذر أمته من الإسراف فيه وأخبر أنه يكون في أمته من يعتدي في الطهور وقال: ( إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان فاتقوا وسواس(1\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "150",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8716",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الماء ) . ومر على سعد وهو يتوضأ فقال له: (لا تسرف في الماء فقال: وهل في الماء من إسراف قال: نعم وإن كنت على نهر جار ) . وصح عنه أنه توضأ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا وفي بعض الأعضاء مرتين وبعضها ثلاثا. وكان يتمضمض ويستنشق تارة بغرفة وتارة بغرفتين وتارة بثلاث. وكان يصل بين المضمضة والاستنشاق فيأخذ نصف الغرفة لفمه ونصفها لأنفه ولا يمكن في الغرفة إلا هذا وأما الغرفتان والثلاث فيمكن فيهما الفصل والوصل إلا أن هديه صلى الله عليه وسلم كان الوصل بينهما كما في quot; الصحيحين quot; من حديث عبد الله بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (تمضمض واستنشق من كف واحدة فعل ذلك ثلاثا ) وفي لفظ: ( تمضمض واستنثر بثلاث غرفات ) فهذا أصح ما روي في المضمضة والاستنشاق ولم يجئ الفصل بين المضمضة والاستنشاق في حديث صحيح البتة لكن في حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده: ( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفصل بين المضمضة والاستنشاق ) ولكن لا يروى إلا عن طلحة عن أبيه عن جده ولا يعرف لجده صحبة.(1\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "151",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8717",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان يستنشق بيده اليمنى ويستنثر باليسرى وكان يمسح رأسه كله وتارة يقبل بيديه ويدبر وعليه يحمل حديث من قال: مسح برأسه مرتين. والصحيح أنه لم يكرر مسح رأسه بل كان إذا كرر غسل الأعضاء أفرد مسح الرأس هكذا جاء عنه صريحا ولم يصح عنه صلى الله عليه وسلم خلافه البتة بل ما عدا هذا إما صحيح غير صريح كقول الصحابي: توضأ ثلاثا ثلاثا وكقوله: مسح برأسه مرتين وإما صريح غير صحيح كحديث ابن البيلماني عن أبيه عن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ فغسل كفيه ثلاثا) ثم قال: (ومسح برأسه ثلاثا ) وهذا لا يحتج به وابن البيلماني وأبوه مضعفان وإن كان الأب أحسن حالا وكحديث عثمان الذي رواه أبو داود أنه صلى الله عليه وسلم (مسح رأسه ثلاثا ) وقال أبو داود: أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة ولم يصح عنه في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة ولكن كان إذا مسح بناصيته كمل على العمامة. فأما حديث أنس الذي رواه أبو داود: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وعليه عمامة قطرية فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة ) فهذا مقصود أنس به أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقض(1\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "152",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8718",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عمامته حتى يستوعب مسح الشعر كله ولم ينف التكميل على العمامة وقد أثبته المغيرة بن شعبة وغيره فسكوت أنس عنه لا يدل على نفيه. ولم يتوضأ صلى الله عليه وسلم إلا تمضمض واستنشق ولم يحفظ عنه أنه أخل به مرة واحدة وكذلك كان وضوءه مرتبا متواليا لم يخل به مرة واحدة البتة وكان يمسح على رأسه تارة وعلى العمامة تارة وعلى الناصية والعمامة تارة. وأما اقتصاره على الناصية مجردة فلم يحفظ عنه كما تقدم. وكان يغسل رجليه إذا لم يكونا في خفين ولا جوربين ويمسح عليهما إذا كانا في الخفين أو الجوربين. وكان يمسح أذنيه مع رأسه وكان يمسح ظاهرهما وباطنهما ولم يثبت عنه أنه أخذ لهما ماء جديدا وإنما صح ذلك عن ابن عمر. ولم يصح عنه في مسح العنق حديث البتة ولم يحفظ عنه أنه كان(1\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "153",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8719",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقول على وضوئه شيئا غير التسمية وكل حديث في أذكار الوضوء الذي يقال عليه فكذب مختلق لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا منه ولا علمه لأمته ولا ثبت عنه غير التسمية في أوله وقوله: ( أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ) في آخره. وفي حديث آخر في quot; سنن النسائي quot;(1\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "154",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8720",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مما يقال بعد الوضوء أيضا: ( سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ) ولم يكن يقول في أوله: نويت رفع الحدث ولا استباحة الصلاة لا هو ولا أحد من أصحابه البتة ولم يرو عنه في ذلك حرف واحد لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولم يتجاوز الثلاث قط وكذلك لم يثبت عنه أنه تجاوز المرفقين والكعبين ولكن أبو هريرة كان يفعل ذلك ويتأول حديث إطالة الغرة. وأما حديث أبي هريرة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم أنه غسل يديه حتى أشرع في العضدين ورجليه حتى أشرع في الساقين فهو إنما يدل(1\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "155",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8721",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على إدخال المرفقين والكعبين في الوضوء ولا يدل على مسألة الإطالة. ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتاد تنشيف أعضائه بعد الوضوء ولا صح عنه في ذلك حديث البتة بل الذي صح عنه خلافه وأما حديث عائشة: ( كان للنبي صلى الله عليه وسلم خرقة ينشف بها بعد الوضوء ) وحديث معاذ بن جبل: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ مسح على وجهه بطرف ثوبه ) فضعيفان لا يحتج بمثلهما في الأول سليمان بن أرقم - متروك - وفي الثاني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي - ضعيف - قال الترمذي: ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء. ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم أن يصب عليه الماء كلما توضأ ولكن تارة يصب على نفسه وربما عاونه من يصب عليه أحيانا لحاجة كما في quot; الصحيحين quot; عن المغيرة بن شعبة أنه (صب عليه في السفر لما توضأ ) ( وكان يخلل لحيته ) أحيانا ولم يكن يواظب على ذلك. وقد اختلف(1\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "156",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8722",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أئمة الحديث فيه فصحح الترمذي وغيره أنه صلى الله عليه وسلم ( كان يخلل لحيته ) وقال أحمد وأبو زرعة: لا يثبت في تخليل اللحية حديث. وكذلك تخليل الأصابع لم يكن يحافظ عليه وفي quot; السنن quot; عن المستورد بن شداد: ( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره )  وهذا إن ثبت عنه فإنما كان يفعله أحيانا ولهذا لم يروه الذين اعتنوا بضبط وضوئه كعثمان وعلي وعبد الله بن زيد والربيع وغيرهم على أن في إسناده عبد الله بن لهيعة. وأما تحريك خاتمه فقد روي فيه حديث ضعيف من رواية معمر بن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان إذا توضأ حرك(1\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "157",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8723",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خاتمه )  ومعمر وأبوه ضعيفان ذكر ذلك الدارقطني.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في المسح على الخفين] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في المسح على الخفين صح عنه أنه مسح في الحضر والسفر ولم ينسخ ذلك حتى توفي ووقت للمقيم يوما وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن في عدة أحاديث حسان وصحاح وكان يمسح ظاهر الخفين ولم يصح عنه مسح أسفلهما إلا في حديث منقطع. والأحاديث الصحيحة على خلافه ومسح على الجوربين والنعلين ومسح على العمامة مقتصرا عليها ومع الناصية وثبت عنه ذلك فعلا وأمرا في عدة أحاديث لكن في قضايا أعيان يحتمل أن تكون خاصة بحال الحاجة والضرورة ويحتمل العموم كالخفين وهو أظهر والله أعلم. ولم يكن يتكلف ضد حاله التي عليها قدماه بل إن كانتا في الخف مسح عليهما ولم ينزعهما وإن كانتا مكشوفتين غسل القدمين ولم يلبس الخف ليمسح عليه وهذا أعدل الأقوال في مسألة الأفضل من المسح والغسل قاله شيخنا والله أعلم.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في التيمم] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في التيمم ( كان صلى الله عليه وسلم يتيمم بضربة واحدة للوجه والكفين ) ولم يصح عنه أنه تيمم بضربتين ولا إلى المرفقين. قال الإمام أحمد: من قال إن التيمم إلى(1\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "158",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8724",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المرفقين فإنما هو شيء زاده من عنده. وكذلك كان يتيمم بالأرض التي يصلي عليها ترابا كانت أو سبخة أو رملا. وصح عنه أنه قال: ( حيثما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره ) وهذا نص صريح في أن من أدركته الصلاة في الرمل فالرمل له طهور. ولما سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك قطعوا تلك الرمال في طريقهم وماؤهم في غاية القلة ولم يرو عنه أنه حمل معه التراب ولا أمر به ولا فعله أحد من أصحابه مع القطع بأن في المفاوز الرمال أكثر من التراب وكذلك أرض الحجاز وغيره ومن تدبر هذا قطع بأنه كان يتيمم بالرمل والله أعلم وهذا قول الجمهور. وأما ما ذكر في صفة التيمم من وضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهور اليمنى ثم إمرارها إلى المرفق ثم إدارة بطن كفه على بطن الذراع وإقامة إبهامه اليسرى كالمؤذن إلى أن يصل إلى إبهامه اليمنى فيطبقها عليها فهذا مما يعلم قطعا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله ولا علمه أحدا من أصحابه ولا أمر به ولا استحسنه وهذا هديه إليه التحاكم وكذلك لم يصح عنه التيمم لكل صلاة ولا أمر به بل أطلق التيمم وجعله قائما مقام الوضوء وهذا يقتضي أن يكون(1\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "159",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8725",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حكمه حكمه إلا فيما اقتضى الدليل خلافه.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الصلاة] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الصلاة كان صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة قال quot; الله أكبر quot; ولم يقل شيئا قبلها ولا تلفظ بالنية البتة ولا قال أصلي لله صلاة كذا مستقبل القبلة أربع ركعات إماما أو مأموما ولا قال أداء ولا قضاء ولا فرض الوقت وهذه عشر بدع لم ينقل عنه أحد قط بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مسند ولا مرسل لفظة واحدة منها البتة بل ولا عن أحد من أصحابه ولا استحسنه أحد من التابعين ولا الأئمة الأربعة وإنما غر بعض المتأخرين قول الشافعي رضي الله عنه في الصلاة: إنها ليست كالصيام ولا يدخل فيها أحد إلا بذكر فظن أن الذكر تلفظ المصلي بالنية وإنما أراد الشافعي رحمه الله بالذكر تكبيرة الإحرام ليس إلا وكيف يستحب الشافعي أمرا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة واحدة ولا أحد من خلفائه وأصحابه وهذا هديهم وسيرتهم فإن أوجدنا أحد حرفا واحدا عنهم في ذلك قبلناه وقابلناه بالتسليم والقبول ولا هدي أكمل من هديهم ولا سنة إلا ما تلقوه عن صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم. وكان دأبه في إحرامه لفظة (الله أكبر) لا غيرها ولم ينقل أحد عنه سواها. ( وكان يرفع يديه معها ممدودة الأصابع مستقبلا بها القبلة إلى فروع أذنيه ) وروي: إلى منكبيه فأبو حميد الساعدي ومن معه قالوا: حتى يحاذي بهما المنكبين وكذلك قال ابن عمر. وقال وائل بن حجر: إلى حيال أذنيه. وقال البراء: قريبا من أذنيه. وقيل: هو من العمل المخير فيه وقيل: كان أعلاها(1\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "160",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8726",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى فروع أذنيه وكفاه إلى منكبيه فلا يكون اختلافا ولم يختلف عنه في محل هذا الرفع. ثم يضع اليمنى على ظهر اليسرى. وكان يستفتح تارة ب ( اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد اللهم نقني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ) وتارة يقول: ( وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعها إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئ الأخلاق لا يصرف عني سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله بيديك والشر ليس إليك أنا بك وإليك تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك )(1\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "161",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8727",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولكن المحفوظ أن هذا الاستفتاح إنما كان يقوله في قيام الليل. وتارة يقول: ( اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ) . وتارة يقول: ( اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن . . .) الحديث. وسيأتي في بعض طرقه الصحيحة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كبر ثم قال ذلك. وتارة يقول: ( الله أكبر الله أكبر الله أكبر الحمد لله كثيرا الحمد لله(1\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "162",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8728",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كثيرا الحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا سبحان الله بكرة وأصيلا سبحان الله بكرة وأصيلا اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه .) . وتارة يقول: ( الله أكبر عشر مرات ثم يسبح عشر مرات ثم يحمد عشرا ثم يهلل عشرا ثم يستغفر عشرا ثم يقول: اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني عشرا ثم يقول: quot; اللهم إني أعوذ بك من ضيق المقام يوم القيامة عشرا . فكل هذه الأنواع صحت عنه صلى الله عليه وسلم) . وروي عنه أنه ( كان يستفتح بسبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ) ذكر ذلك أهل السنن من حديث علي بن علي الرفاعي عن أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد على أنه ربما أرسل. وقد روي(1\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "163",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8729",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مثله من حديث عائشة رضي الله عنها والأحاديث التي قبله أثبت منه ولكن صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يستفتح به في مقام النبي صلى الله عليه وسلم ويجهر به ويعلمه الناس وقال الإمام أحمد: أما أنا فأذهب إلى ما روي عن عمر ولو أن رجلا استفتح ببعض ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من الاستفتاح كان حسنا. وإنما اختار الإمام أحمد هذا لعشرة أوجه قد ذكرتها في مواضع أخرى. منها: جهر عمر به يعلمه الصحابة. ومنها: اشتماله على أفضل الكلام بعد القرآن فإن أفضل الكلام بعد القرآن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وقد تضمنها هذا الاستفتاح مع تكبيرة الإحرام. ومنها: أنه استفتاح أخلص للثناء على الله وغيره متضمن للدعاء والثناء أفضل من الدعاء ولهذا كانت سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن(1\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "164",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8730",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأنها أخلصت لوصف الرحمن تبارك وتعالى والثناء عليه ولهذا كان quot; سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر quot; أفضل الكلام بعد القرآن فيلزم أن ما تضمنها من الاستفتاحات أفضل من غيره من الاستفتاحات. ومنها: أن غيره من الاستفتاحات عامتها إنما هي في قيام الليل في النافلة وهذا كان عمر يفعله ويعلمه الناس في الفرض. ومنها: أن هذا الاستفتاح إنشاء للثناء على الرب تعالى متضمن للإخبار عن صفات كماله ونعوت جلاله والاستفتاح ب quot; وجهت وجهي quot; إخبار عن عبودية العبد وبينهما من الفرق ما بينهما. ومنها: أن من اختار الاستفتاح ب quot; وجهت وجهي quot; لا يكمله وإنما يأخذ بقطعة من الحديث ويذر باقيه بخلاف الاستفتاح ب (سبحانك اللهم وبحمدك) فإن من ذهب إليه يقوله كله إلى آخره. (وكان يقول بعد ذلك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم يقرأ الفاتحة وكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارة ويخفيها أكثر مما يجهر بها)(1\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "165",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8731",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائما في كل يوم وليلة خمس مرات أبدا حضرا وسفرا ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين وعلى جمهور أصحابه وأهل بلده في الأعصار الفاضلة هذا من أمحل المحال حتى يحتاج إلى التشبث فيه بألفاظ مجملة وأحاديث واهية فصحيح تلك الأحاديث غير صريح وصريحها غير صحيح وهذا موضع يستدعي مجلدا ضخما. وكانت قراءته مدا يقف عند كل آية ويمد بها صوته. فإذا فرغ من قراءة الفاتحة قال quot; آمين quot; فإن كان يجهر بالقراءة رفع بها صوته وقالها من خلفه(1\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "166",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8732",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان له سكتتان سكتة بين التكبير والقراءة وعنها سأله أبو هريرة واختلف في الثانية فروي أنها بعد الفاتحة. وقيل إنها بعد القراءة وقبل الركوع. وقيل: هي سكتتان غير الأولى فتكون ثلاثا والظاهر إنما هي اثنتان فقط وأما الثالثة فلطيفة جدا لأجل تراد النفس ولم يكن يصل القراءة بالركوع بخلاف السكتة الأولى فإنه كان يجعلها بقدر الاستفتاح والثانية قد قيل: إنها لأجل قراءة المأموم فعلى هذا: ينبغي تطويلها بقدر قراءة الفاتحة وأما الثالثة فللراحة والنفس فقط وهي سكتة لطيفة فمن لم يذكرها فلقصرها ومن اعتبرها جعلها سكتة ثالثة فلا اختلاف بين الروايتين وهذا أظهر ما يقال في هذا الحديث. وقد صح حديث السكتتين من رواية سمرة وأبي بن كعب وعمران بن حصين ذكر ذلك أبو حاتم في quot; صحيحه quot; وسمرة هو ابن جندب وقد تبين بذلك أن أحد من روى حديث السكتتين سمرة بن جندب وقد قال: ( حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم سكتتين سكتة إذا كبر وسكتة إذا فرغ من قراءة غير المغضوب عليهم ولا الضالين [الفاتحة: 7]  )) وفي بعض طرق الحديث فإذا فرغ من القراءة سكت وهذا كالمجمل واللفظ الأول مفسر مبين ولهذا قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: للإمام(1\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "167",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8733",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سكتتان فاغتنموا فيهما القراءة بفاتحة الكتاب إذا افتتح الصلاة وإذا قال: quot; ولا الضالين quot; على أن تعيين محل السكتتين إنما هو من تفسير قتادة فإنه روى الحديث عن الحسن عن سمرة قال: سكتتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكر ذلك عمران فقال: حفظناها سكتة فكتبنا إلى أبي بن كعب بالمدينة فكتب أبي أن قد حفظ سمرة قال سعيد: فقلنا لقتادة: ما هاتان السكتتان قال: إذا دخل في الصلاة وإذا فرغ من القراءة ثم قال بعد ذلك: وإذا قال ولا الضالين [الفاتحة: 7]  ) . قال: وكان يعجبه إذا فرغ من القراءة أن يسكت حتى يتراد إليه نفسه ومن يحتج بالحسن عن سمرة يحتج بهذا. فإذا فرغ من الفاتحة أخذ في سورة غيرها وكان يطيلها تارة ويخففها لعارض من سفر أو غيره ويتوسط فيها غالبا. وكان يقرأ في الفجر بنحو ستين آية إلى مائة آية وصلاها بسورة (ق) وصلاها ب (الروم) وصلاها ب إذا الشمس كورت [التكوير: 1] وصلاها ب إذا زلزلت [الزلزلة: 1] في الركعتين كليهما وصلاها ب (المعوذتين) وكان في السفر وصلاها فافتتح ب (سورة المؤمنون) حتى إذا بلغ ذكر موسى وهارون في الركعة الأولى أخذته سعلة فركع. وكان يصليها يوم الجمعة ب (الم تنزيل السجدة) وسورة هل أتى على الإنسان [الإنسان: 1](1\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "168",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8734",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كاملتين ولم يفعل ما يفعله كثير من الناس اليوم من قراءة بعض هذه وبعض هذه في الركعتين وقراءة السجدة وحدها في الركعتين وهو خلاف السنة. وأما ما يظنه كثير من الجهال أن صبح يوم الجمعة فضل بسجدة فجهل عظيم ولهذا كره بعض الأئمة قراءة سورة السجدة لأجل هذا الظن وإنما كان صلى الله عليه وسلم يقرأ هاتين السورتين لما اشتملتا عليه من ذكر المبدأ والمعاد وخلق آدم ودخول الجنة والنار وذلك مما كان ويكون في يوم الجمعة فكان يقرأ في فجرها ما كان ويكون في ذلك اليوم تذكيرا للأمة بحوادث هذا اليوم كما كان يقرأ في المجامع العظام كالأعياد والجمعة بسورة (ق) و (اقتربت) و (سبح) و (الغاشية) .  [فصل في إطالة الركعة الأولى وقراءة السور وغير ذلك] فصل وأما الظهر فكان يطيل قراءتها أحيانا حتى قال أبو سعيد: ( كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ويدرك النبي صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى مما يطيلها ) رواه مسلم. وكان يقرأ فيها تارة بقدر (الم تنزيل) وتارة ب سبح اسم ربك الأعلى [الأعلى: 1] والليل إذا يغشى [الليل: 1] وتارة ب والسماء ذات البروج [البروج: 1] والسماء والطارق [الطارق: 1] وأما العصر فعلى النصف من قراءة صلاة الظهر إذا طالت وبقدرها إذا قصرت. وأما المغرب فكان هديه فيها خلاف عمل الناس اليوم فإنه صلاها مرة(1\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "169",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8735",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ب (الأعراف) فرقها في الركعتين ومرة ب (والطور) ومرة ب (والمرسلات) . قال أبو عمر بن عبد البر: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في المغرب ب (المص)   وأنه قرأ فيها ب (الصافات)  وأنه قرأ فيها ب (حم الدخان)  وأنه قرأ فيها ب سبح اسم ربك الأعلى [الأعلى: 1]  وأنه قرأ فيها ب (والتين والزيتون)  وأنه قرأ فيها ب (المعوذتين)  وأنه قرأ فيها ب (المرسلات)  وأنه كان يقرأ فيها بقصار المفصل. قال: وهي كلها آثار صحاح مشهورة. انتهى. وأما المداومة فيها على قراءة قصار المفصل دائما فهو فعل مروان بن الحكم ولهذا أنكر عليه زيد بن ثابت وقال: (ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بطولى الطوليين. قال: قلت: وما طولى الطوليين قال (الأعراف)  وهذا حديث صحيح رواه أهل السنن. وذكر النسائي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي قرأ في المغرب بسورة (الأعراف) فرقها في الركعتين(1\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "170",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8736",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالمحافظة فيها على الآية القصيرة والسورة من قصار المفصل خلاف السنة وهو فعل مروان بن الحكم. وأما العشاء الآخرة فقرأ فيها صلى الله عليه وسلم ب والتين والزيتون [التين: 1] ووقت لمعاذ فيها ب والشمس وضحاها [الشمس: 1] و سبح اسم ربك الأعلى [الأعلى: 1] والليل إذا يغشى [الليل: 1] ونحوها وأنكر عليه قراءته فيها ب (البقرة) بعد ما صلى معه ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف فأعادها لهم بعد ما مضى من الليل ما شاء الله وقرأ بهم ب (البقرة)  ولهذا قال له: (أفتان أنت يا معاذ) فتعلق النقارون بهذه الكلمة ولم يلتفتوا إلى ما قبلها ولا ما بعدها. وأما الجمعة فكان يقرأ فيها بسورتي (الجمعة) و (المنافقين) كاملتين و (سورة سبح) و (الغاشية) . وأما الاقتصار على قراءة أواخر السورتين من (يا أيها الذين آمنوا. . .) إلى آخرها فلم يفعله قط وهو مخالف لهديه الذي كان يحافظ عليه. وأما قراءته في الأعياد فتارة كان يقرأ سورتي (ق) و (اقتربت) كاملتين وتارة سورتي (سبح) و (الغاشية)  وهذا هو الهدي الذي استمر صلى الله عليه وسلم عليه إلى أن لقي الله عز وجل لم ينسخه شيء. ولهذا أخذ به خلفاؤه الراشدون من بعده فقرأ أبو بكر رضي الله عنه في(1\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "171",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8737",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفجر بسورة (البقرة) حتى سلم منها قريبا من طلوع الشمس فقالوا: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم كادت الشمس تطلع فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين. وكان عمر رضي الله عنه يقرأ فيها ب (يوسف) و (النحل) وب (هود) و (بني إسرائيل) ونحوها من السور ولو كان تطويله صلى الله عليه وسلم منسوخا لم يخف على خلفائه الراشدين ويطلع عليه النقارون. وأما الحديث الذي رواه مسلم في quot; صحيحه quot; عن جابر بن سمرة ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر (ق والقرآن المجيد) وكانت صلاته بعد تخفيفا ) فالمراد بقوله quot; بعد quot; أي بعد الفجر أي إنه كان يطيل قراءة الفجر أكثر من غيرها وصلاته بعدها تخفيفا. ويدل على ذلك قول أم الفضل وقد سمعت ابن عباس يقرأ (والمرسلات عرفا) فقالت: يا بني لقد ذكرتني بقراءة هذه السورة إنها لآخر ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في المغرب فهذا في آخر الأمر ) وأيضا فإن قوله: وكانت صلاتها quot; بعد quot; غاية قد حذف ما هي مضافة إليه فلا يجوز إضمار ما لا يدل عليه السياق وترك إضمار ما يقتضيه السياق والسياق إنما يقتضي أن صلاته بعد الفجر كانت تخفيفا ولا يقتضي أن صلاته كلها بعد ذلك اليوم كانت تخفيفا هذا ما لا يدل عليه اللفظ ولو كان هو المراد لم يخف على خلفائه الراشدين فيتمسكون بالمنسوخ ويدعون الناسخ. وأما قوله صلى الله عليه وسلم quot; أيكم أم الناس فليخفف quot; وقول أنس رضي الله عنه(1\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "172",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8738",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ": ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخف الناس صلاة في تمام ) فالتخفيف أمر نسبي يرجع إلى ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وواظب عليه لا إلى شهوة المأمومين فإنه لم يكن يأمرهم بأمر ثم يخالفه وقد علم أن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة فالذي فعله هو التخفيف الذي أمر به فإنه كان يمكن أن تكون صلاته أطول من ذلك بأضعاف مضاعفة فهي خفيفة بالنسبة إلى أطول منها وهديه الذي كان واظب عليه هو الحاكم على كل ما تنازع فيه المتنازعون ويدل عليه ما رواه النسائي وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالتخفيف ويؤمنا ب (الصافات)   فالقراءة ب (الصافات) من التخفيف الذي كان يأمر به. والله أعلم.  [فصل في عدم تعيينه صلى الله عليه وسلم سورة بعينها إلا في الجمعة والعيدين] فصل وكان صلى الله عليه وسلم لا يعين سورة في الصلاة بعينها لا يقرأ إلا بها إلا في الجمعة والعيدين وأما في سائر الصلوات فقد ذكر أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه (قال: ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤم الناس بها في الصلاة المكتوبة )(1\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "173",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8739",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان من هديه قراءة السورة كاملة وربما قرأها في الركعتين وربما قرأ أول السورة. وأما قراءة أواخر السور وأوساطها فلم يحفظ عنه. وأما قراءة السورتين في ركعة فكان يفعله في النافلة وأما في الفرض فلم يحفظ عنه. وأما حديث ابن مسعود رضي الله عنه: quot; إني لأعرف النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن السورتين في الركعة (الرحمن) و (النجم) في ركعة و (اقتربت) و (الحاقة) في ركعة و (الطور) و (الذاريات) في ركعة و (إذا وقعت) و (ن) في ركعة quot; الحديث فهذا حكاية فعل لم يعين محله هل كان في الفرض أو في النفل وهو محتمل. وأما قراءة سورة واحدة في ركعتين معا فقلما كان يفعله. وقد ذكر أبو داود عن رجل من جهينة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح (إذا زلزلت) في الركعتين كلتيهما قال: فلا أدري أنسي رسول الله صلى الله عليه وسلم أم قرأ ذلك عمدا .  [فصل في إطالته صلى الله عليه وسلم الركعة الأولى على الثانية من صلاة الصبح] فصل وكان صلى الله عليه وسلم يطيل الركعة الأولى على الثانية من صلاة الصبح ومن كل صلاة وربما كان يطيلها حتى لا يسمع وقع قدم وكان يطيل صلاة الصبح أكثر من سائر الصلوات. وهذا لأن قرآن الفجر مشهود يشهده الله تعالى وملائكته وقيل: يشهده ملائكة الليل والنهار والقولان مبنيان على أن النزول الإلهي هل يدوم إلى انقضاء صلاة الصبح أو إلى طلوع الفجر وقد ورد فيه هذا وهذا.(1\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "174",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8740",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأيضا فإنها لما نقص عدد ركعاتها جعل تطويلها عوضا عما نقصته من العدد. وأيضا فإنها تكون عقيب النوم والناس مستريحون. وأيضا فإنهم لم يأخذوا بعد في استقبال المعاش وأسباب الدنيا. وأيضا فإنها تكون في وقت تواطأ فيه السمع واللسان والقلب لفراغه وعدم تمكن الاشتغال فيه فيفهم القرآن ويتدبره. وأيضا فإنها أساس العمل وأوله فأعطيت فضلا من الاهتمام بها وتطويلها وهذه أسرار إنما يعرفها من له التفات إلى أسرار الشريعة ومقاصدها وحكمها والله المستعان.  [فصل في كيفية ركوعه صلى الله عليه وسلم والرفع منه] فصل وكان صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من القراءة سكت بقدر ما يتراد إليه نفسه ثم رفع يديه كما تقدم وكبر راكعا ووضع كفيه على ركبتيه كالقابض عليهما ووتر يديه فنحاهما عن جنبيه وبسط ظهره ومده واعتدل ولم ينصب رأسه ولم يخفضه بل يجعله حيال ظهره معادلا له. وكان يقول: (سبحان ربي العظيم) وتارة يقول مع ذلك أو مقتصرا(1\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "175",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8741",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) وكان ركوعه المعتاد مقدار عشر تسبيحات وسجوده كذلك. وأما حديث البراء بن عازب رضي الله عنه ( رمقت الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم فكان قيامه فركوعه فاعتداله فسجدته فجلسته ما بين السجدتين قريبا من السواء . فهذا قد فهم منه بعضهم أنه كان يركع بقدر قيامه ويسجد بقدره ويعتدل كذلك) وفي هذا الفهم شيء لأنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصبح بالمائة آية أو نحوها وقد تقدم أنه قرأ في المغرب ب (الأعراف) (والطور) (والمرسلات) ومعلوم أن ركوعه وسجوده لم يكن قدر هذه القراءة ويدل عليه حديث أنس الذي رواه أهل السنن أنه قال: ( ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هذا الفتى يعني: عمر بن عبد العزيز قال: فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات وفي سجوده عشر تسبيحات ) هذا مع قول أنس أنه كان يؤمهم ب (الصافات) فمراد البراء - والله أعلم - أن صلاته صلى الله عليه وسلم كانت معتدلة فكان إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود وإذا خفف القيام خفف الركوع والسجود وتارة يجعل الركوع(1\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "176",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8742",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والسجود بقدر القيام ولكن كان يفعل ذلك أحيانا في صلاة الليل وحدها وفعله أيضا قريبا من ذلك في صلاة الكسوف وهديه الغالب صلى الله عليه وسلم تعديل الصلاة وتناسبها. وكان يقول أيضا في ركوعه: ( سبوح قدوس رب الملائكة والروح ) وتارة يقول: ( اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي)  وهذا إنما حفظ عنه في قيام الليل. ثم كان يرفع رأسه بعد ذلك قائلا: (سمع الله لمن حمده ويرفع يديه) كما تقدم وروى رفع اليدين عنه في هذه المواطن الثلاثة نحو من ثلاثين نفسا واتفق على روايتها العشرة ولم يثبت عنه خلاف ذلك البتة بل كان ذلك هديه دائما إلى أن فارق الدنيا ولم يصح عنه حديث البراء: ثم لا يعود بل هي من(1\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "177",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8743",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "زيادة يزيد بن زياد. فليس ترك ابن مسعود الرفع مما يقدم على هديه المعلوم فقد ترك من فعل ابن مسعود في الصلاة أشياء ليس معارضها مقاربا ولا مدانيا للرفع فقد ترك من فعله التطبيق والافتراش في السجود ووقوفه إماما بين الاثنين في وسطهما دون التقدم عليهما وصلاته الفرض في البيت بأصحابه بغير أذان ولا إقامة لأجل تأخير الأمراء وأين الأحاديث في خلاف ذلك من الأحاديث التي في الرفع كثرة وصحة وصراحة وعملا وبالله التوفيق. وكان دائما يقيم صلبه إذا رفع من الركوع وبين السجدتين ويقول: ( لا تجزئ صلاة لا يقيم فيها الرجل صلبه في الركوع والسجود ) ذكره ابن خزيمة في quot; صحيحه quot;. وكان إذا استوى قائما قال: (ربنا ولك الحمد) وربما قال: (ربنا لك الحمد) وربما قال: (اللهم ربنا لك الحمد) صح ذلك عنه. وأما الجمع بين quot; اللهم quot; و quot; الواو quot; فلم يصح. وكان من هديه إطالة هذا الركن بقدر الركوع والسجود فصح عنه أنه كان يقول: ( سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد(1\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "178",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8744",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ) وصح عنه أنه كان يقول فيه: ( اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد ونقني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب ) وصح عنه أنه كرر فيه قوله: (لربي الحمد لربي الحمد حتى كان بقدر الركوع) وصح عنه أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع يمكث حتى يقول القائل: قد نسي من إطالته لهذا الركن. وذكر مسلم عن أنس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: (سمع الله لمن حمده قام حتى نقول: قد أوهم ثم(1\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "179",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8745",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يسجد ثم يقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم ) وصح عنه في صلاة الكسوف أنه أطال هذا الركن بعد الركوع حتى كان قريبا من ركوعه وكان ركوعه قريبا من قيامه. فهذا هديه المعلوم الذي لا معارض له بوجه. وأما حديث البراء بن عازب: ( كان ركوع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجوده وبين السجدتين وإذا رفع رأسه من الركوع ما خلا القيام والقعود قريبا من السواء ) رواه البخاري فقد تشبث به من ظن تقصير هذين الركنين ولا متعلق له فإن الحديث مصرح فيه بالتسوية بين هذين الركنين وبين سائر الأركان فلو كان القيام والقعود المستثنيين هو القيام بعد الركوع والقعود بين السجدتين لناقض الحديث الواحد بعضه بعضا فتعين قطعا أن يكون المراد بالقيام والقعود قيام القراءة وقعود التشهد ولهذا كان هديه صلى الله عليه وسلم فيهما إطالتهما على سائر الأركان كما تقدم بيانه وهذا بحمد الله واضح وهو مما خفي من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته على من شاء الله أن يخفى عليه. قال شيخنا: وتقصير هذين الركنين مما تصرف فيه أمراء بني أمية في الصلاة وأحدثوه فيها كما أحدثوا فيها ترك إتمام التكبير وكما أحدثوا التأخير(1\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "180",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8746",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشديد وكما أحدثوا غير ذلك مما يخالف هديه صلى الله عليه وسلم وربي في ذلك من ربي حتى ظن أنه من السنة.  [فصل في كيفية سجوده صلى الله عليه وسلم والقيام منه] فصل ثم كان يكبر ويخر ساجدا ولا يرفع يديه وقد روي عنه أنه كان يرفعهما أيضا وصححه بعض الحفاظ كأبي محمد بن حزم رحمه الله وهو وهم فلا يصح ذلك عنه البتة والذي غره أن الراوي غلط من قوله: ( كان يكبر في كل خفض ورفع إلى قوله: كان يرفع يديه عند كل خفض ورفع ) وهو ثقة ولم يفطن لسبب غلط الراوي ووهمه فصححه. والله أعلم. (وكان صلى الله عليه وسلم يضع ركبتيه قبل يديه ثم يديه بعدهما ثم جبهته وأنفه) هذا هو الصحيح الذي رواه شريك عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه )(1\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "181",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8747",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولم يرو في فعله ما يخالف ذلك. وأما حديث أبي هريرة يرفعه ( إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه ) فالحديث - والله أعلم - قد وقع فيه وهم من بعض(1\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "182",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8748",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرواة فإن أوله يخالف آخره فإنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد برك كما يبرك البعير فإن البعير إنما يضع يديه أولا ولما علم أصحاب هذا القول ذلك قالوا: ركبتا البعير في يديه لا في رجليه فهو إذا برك وضع ركبتيه أولا فهذا هو المنهي عنه. وهو فاسد لوجوه. أحدها: أن البعير إذا برك فإنه يضع يديه أولا وتبقى رجلاه قائمتين فإذا نهض فإنه ينهض برجليه أولا وتبقى يداه على الأرض وهذا هو الذي نهى عنه صلى الله عليه وسلم وفعل خلافه. وكان أول ما يقع منه على الأرض الأقرب منها فالأقرب وأول ما يرتفع عن الأرض منها الأعلى فالأعلى. وكان يضع ركبتيه أولا ثم يديه ثم جبهته. وإذا رفع رفع رأسه أولا ثم يديه ثم ركبتيه وهذا عكس فعل البعير وهو صلى الله عليه وسلم نهى في الصلاة عن التشبه بالحيوانات فنهى عن بروك كبروك البعير والتفات كالتفات الثعلب وافتراش كافتراش السبع وإقعاء كإقعاء الكلب ونقر كنقر الغراب ورفع الأيدي وقت(1\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "183",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8749",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السلام كأذناب الخيل الشمس فهدي المصلي مخالف لهدي الحيوانات. الثاني: أن قولهم: ركبتا البعير في يديه كلام لا يعقل ولا يعرفه أهل اللغة وإنما الركبة في الرجلين وإن أطلق على اللتين في يديه اسم الركبة فعلى سبيل التغليب. الثالث: أنه لو كان كما قالوه لقال: فليبرك كما يبرك البعير وإن أول ما يمس الأرض من البعير يداه. وسر المسألة أن من تأمل بروك البعير وعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بروك كبروك البعير علم أن حديث وائل بن حجر هو الصواب والله أعلم. وكان يقع لي أن حديث أبي هريرة كما ذكرنا مما انقلب على بعض الرواة متنه وأصله ولعله quot; وليضع ركبتيه قبل يديه quot; كما انقلب على بعضهم حديث ابن عمر ( إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ) فقال: ( ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن(1\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "184",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8750",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بلال ) . وكما انقلب على بعضهم حديث: ( لا يزال يلقى في النار فتقول: هل من مزيد إلى أن قال: وأما الجنة فينشئ الله لها خلقا يسكنهم إياها فقال: وأما النار فينشئ الله لها خلقا يسكنهم إياها  حتى رأيت أبا بكر بن أبي شيبة قد رواه كذلك فقال ابن أبي شيبة: حدثنا محمد بن فضيل عن عبد الله بن سعيد عن جده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه ولا يبرك كبروك الفحل ) ورواه الأثرم في سننه أيضا عن أبي بكر كذلك. وقد روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يصدق ذلك ويوافق حديث وائل بن حجر. قال ابن أبي داود: حدثنا يوسف بن عدي حدثنا ابن فضيل هو محمد عن عبد الله بن سعيد عن جده عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان إذا سجد بدأ بركبتيه قبل يديه ) وقد روى ابن خزيمة في quot; صحيحه quot; من حديث مصعب بن سعد عن أبيه قال: ( كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بالركبتين قبل اليدين ) وعلى(1\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "185",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8751",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا فإن كان حديث أبي هريرة محفوظا فإنه منسوخ وهذه طريقة صاحب quot; المغني quot; وغيره ولكن للحديث علتان. إحداهما: أنه من رواية يحيى بن سلمة بن كهيل وليس ممن يحتج به قال النسائي: متروك. وقال ابن حبان: منكر الحديث جدا لا يحتج به وقال ابن معين: ليس بشيء. الثانية: أن المحفوظ من رواية مصعب بن سعد عن أبيه هذا إنما هو قصة التطبيق وقول سعد: كنا نصنع هذا فأمرنا أن نضع أيدينا على الركب. وأما قول صاحب quot; المغني quot; عن أبي سعيد قال: ( كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا أن نضع الركبتين قبل اليدين ) فهذا - والله أعلم - وهم في الاسم وإنما هو عن سعد وهو أيضا وهم في المتن كما تقدم وإنما هو في قصة التطبيق والله أعلم. وأما حديث أبي هريرة المتقدم فقد علله البخاري والترمذي والدارقطني. قال البخاري: محمد بن عبد الله بن حسن لا يتابع عليه وقال: لا أدري أسمع من أبي الزناد أم لا. وقال الترمذي: غريب لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه. وقال الدارقطني: تفرد به عبد العزيز الدراوردي عن محمد بن عبد الله بن الحسن العلوي عن أبي الزناد وقد ذكر النسائي عن قتيبة حدثنا عبد الله بن نافع عن محمد بن عبد الله بن الحسن العلوي عن أبي الزناد(1\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "186",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8752",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( يعمد أحدكم في صلاته فيبرك كما يبرك الجمل ) ولم يزد. قال أبو بكر بن أبي داود: وهذه سنة تفرد بها أهل المدينة ولهم فيها إسنادان هذا أحدهما والآخر عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: أراد الحديث الذي رواه أصبغ بن الفرج عن الدراوردي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه ( كان يضع يديه قبل ركبتيه ) ويقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك. رواه الحاكم في quot; المستدرك quot; من طريق محرز بن سلمة عن الدراوردي وقال: على شرط مسلم. وقد رواه الحاكم من حديث حفص بن غياث عن عاصم الأحول عن أنس قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم انحط بالتكبير حتى سبقت ركبتاه يديه قال الحاكم: على شرطهما ولا أعلم له علة. قلت: قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي عن هذا الحديث فقال: هذا الحديث منكر. انتهى. وإنما أنكره - والله أعلم - لأنه من رواية العلاء بن إسماعيل العطار عن حفص بن غياث والعلاء هذا مجهول لا ذكر(1\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "187",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8753",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له في الكتب الستة. فهذه الأحاديث المرفوعة من الجانبين كما ترى. وأما الآثار المحفوظة عن الصحابة فالمحفوظ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يضع ركبتيه قبل يديه ذكره عنه عبد الرزاق وابن المنذر وغيرهما وهو المروي عن ابن مسعود رضي الله عنه ذكره الطحاوي عن فهد عن عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش عن إبراهيم عن أصحاب عبد الله علقمة والأسود قالا: حفظنا عن عمر في صلاته أنه خر بعد ركوعه على ركبتيه كما يخر البعير ووضع ركبتيه قبل يديه ثم ساق من طريق الحجاج بن أرطاة قال: قال إبراهيم النخعي: حفظ عن عبد الله بن مسعود أن ركبتيه كانتا تقعان على الأرض قبل يديه وذكر عن أبي مرزوق عن وهب عن شعبة عن مغيرة قال: سألت إبراهيم عن الرجل يبدأ بيديه قبل ركبتيه إذا سجد قال أويصنع ذلك إلا أحمق أو مجنون! قال ابن المنذر: وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب فممن رأى أن يضع ركبتيه قبل يديه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبه قال النخعي ومسلم بن يسار والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو حنيفة وأصحابه وأهل الكوفة. وقالت طائفة: يضع يديه قبل ركبتيه قاله مالك. وقال الأوزاعي: أدركنا الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم. قال ابن أبي داود: وهو قول أصحاب الحديث. قلت: وقد روي حديث أبي هريرة بلفظ آخر ذكره البيهقي وهو ( إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه على ركبتيه ) قال(1\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "188",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8754",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البيهقي: فإن كان محفوظا كان دليلا على أنه يضع يديه قبل ركبتيه عند الإهواء إلى السجود. وحديث وائل بن حجر أولى لوجوه: أحدها: أنه أثبت من حديث أبي هريرة قاله الخطابي وغيره. الثاني: أن حديث أبي هريرة مضطرب المتن كما تقدم فمنهم من يقول فيه: وليضع يديه قبل ركبتيه ومنهم من يقول بالعكس ومنهم من يقول: وليضع يديه على ركبتيه ومنهم من يحذف هذه الجملة رأسا. الثالث: ما تقدم من تعليل البخاري والدارقطني وغيرهما. الرابع: أنه على تقدير ثبوته قد ادعى فيه جماعة من أهل العلم النسخ قال ابن المنذر: وقد زعم بعض أصحابنا أن وضع اليدين قبل الركبتين منسوخ وقد تقدم ذلك. الخامس: أنه الموافق لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بروك كبروك الجمل في الصلاة بخلاف حديث أبي هريرة. السادس: أنه الموافق للمنقول عن الصحابة كعمر بن الخطاب وابنه وعبد الله بن مسعود ولم ينقل عن أحد منهم ما يوافق حديث أبي هريرة إلا عن عمر رضي الله عنه على اختلاف عنه. السابع: أن له شواهد من حديث ابن عمر وأنس كما تقدم وليس لحديث أبي هريرة شاهد فلو تقاوما لقدم حديث وائل بن حجر من أجل شواهده فكيف وحديث وائل أقوى كما تقدم.(1\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "189",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8755",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثامن: أن أكثر الناس عليه والقول الآخر إنما يحفظ عن الأوزاعي ومالك وأما قول ابن أبي داود: إنه قول أهل الحديث فإنما أراد به بعضهم وإلا فأحمد والشافعي وإسحاق على خلافه. التاسع: أنه حديث فيه قصة محكية سيقت لحكاية فعله صلى الله عليه وسلم فهو أولى أن يكون محفوظا لأن الحديث إذا كان فيه قصة محكية دل على أنه حفظ. العاشر: أن الأفعال المحكية فيه كلها ثابتة صحيحة من رواية غيره فهي أفعال معروفة صحيحة وهذا واحد منها فله حكمها ومعارضه ليس مقاوما له فيتعين ترجيحه والله أعلم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسجد على جبهته وأنفه دون كور العمامة ولم يثبت عنه السجود على كور العمامة من حديث صحيح ولا حسن ولكن روى عبد الرزاق في quot; المصنف quot; من حديث أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد على كور عمامته وهو من رواية عبد الله بن محرر وهو متروك وذكره أبو أحمد الزبيري من حديث جابر ولكنه من رواية عمر بن شمر عن جابر الجعفي متروك عن متروك وقد ذكر أبو داود في المراسيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي في المسجد فسجد بجبينه وقد اعتم على جبهته فحسر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبهته . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد على الأرض كثيرا وعلى الماء والطين وعلى الخمرة المتخذة من خوص النخل وعلى الحصير المتخذ منه وعلى الفروة المدبوغة. وكان إذا سجد مكن جبهته وأنفه من الأرض ونحى يديه عن جنبيه(1\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "190",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8756",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجافى بهما حتى يرى بياض إبطيه ولو شاءت بهمة - وهي الشاة الصغيرة - أن تمر تحتهما لمرت. وكان يضع يديه حذو منكبيه وأذنيه وفي quot; صحيح مسلم quot; عن البراء أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك ) . وكان يعتدل في سجوده ويستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة. وكان يبسط كفيه وأصابعه ولا يفرج بينها ولا يقبضها وفي quot; صحيح ابن حبان ( كان إذا ركع فرج أصابعه فإذا سجد ضم أصابعه ) . وكان يقول: ( سبحان ربي الأعلى ) وأمر به. وكان يقول: ( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي ) .(1\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "191",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8757",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان يقول: ( سبوح قدوس رب الملائكة والروح ) . وكان يقول: ( سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت ) . وكان يقول: ( اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ) . وكان يقول: ( اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين ) . وكان يقول: ( اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره ) . وكان يقول: اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت(1\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "192",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8758",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلهي لا إله إلا أنت ) . وكان يقول: ( اللهم اجعل في قلبي نورا وفي سمعي نورا وفي بصري نورا وعن يميني نورا وعن شمالي نورا وأمامي نورا وخلفي نورا وفوقي نورا وتحتي نورا واجعل لي نورا ) . وأمر بالاجتهاد في الدعاء في السجود وقال: ( إنه قمن أن يستجاب لكم ) . وهل هذا أمر بأن يكثر الدعاء في السجود أو أمر بأن الداعي إذا دعا في محل فليكن في السجود وفرق بين الأمرين وأحسن ما يحمل عليه الحديث أن الدعاء نوعان: دعاء ثناء ودعاء مسألة والنبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر في سجوده من النوعين والدعاء الذي أمر به في السجود يتناول النوعين. والاستجابة أيضا نوعان: استجابة دعاء الطالب بإعطائه سؤاله واستجابة دعاء المثني بالثواب وبكل واحد من النوعين فسر قوله تعالى: أجيب دعوة الداع إذا دعان [البقرة: 186] [البقرة: 187] والصحيح أنه يعم النوعين.(1\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "193",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8759",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في التفاضل بين طول القيام وإكثار السجود] فصل وقد اختلف الناس في القيام والسجود أيهما أفضل فرجحت طائفة القيام لوجوه. أحدها: أن ذكره أفضل الأذكار فكان ركنه أفضل الأركان. والثاني: قوله تعالى: وقوموا لله قانتين [البقرة: 238] [البقرة: 238] . الثالث: قوله صلى الله عليه وسلم: ( أفضل الصلاة طول القنوت ) . وقالت طائفة: السجود أفضل واحتجت بقوله صلى الله عليه وسلم: ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ) . وبحديث معدان بن أبي طلحة قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: حدثني بحديث عسى الله أن ينفعني به فقال: quot; عليك بالسجود quot; فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفع الله له بها درجة وحط عنه بها خطيئة) قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته فقال لي مثل ذلك .(1\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "194",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8760",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لربيعة بن كعب الأسلمي وقد سأله مرافقته في الجنة: ( أعني على نفسك بكثرة السجود ) . وأول سورة أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة (اقرأ) على الأصح وختمها بقوله: واسجد واقترب [العلق: 19] [العلق: 19] . وبأن السجود لله يقع من المخلوقات كلها علويها وسفليها وبأن الساجد أذل ما يكون لربه وأخضع له وذلك أشرف حالات العبد فلهذا كان أقرب ما يكون من ربه في هذه الحالة وبأن السجود هو سر العبودية فإن العبودية هي الذل والخضوع يقال: طريق معبد أي ذللته الأقدام ووطأته وأذل ما يكون العبد وأخضع إذا كان ساجدا. وقالت طائفة: طول القيام بالليل أفضل وكثرة الركوع والسجود بالنهار أفضل واحتجت هذه الطائفة بأن صلاة الليل قد خصت باسم القيام لقوله تعالى: قم الليل [المزمل: 2] [المزمل: 1]  وقوله صلى الله عليه وسلم ( من قام رمضان إيمانا واحتسابا )  ولهذا يقال: قيام الليل ولا يقال: قيام النهار قالوا: وهذا كان(1\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "195",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8761",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هدي النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ( ما زاد في الليل على إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة ) . ( وكان يصلي الركعة في بعض الليالي بالبقرة وآل عمران والنساء )  وأما بالنهار فلم يحفظ عنه شيء من ذلك بل كان يخفف السنن. وقال شيخنا: الصواب أنهما سواء والقيام أفضل بذكره وهو القراءة والسجود أفضل بهيئته فهيئة السجود أفضل من هيئة القيام وذكر القيام أفضل من ذكر السجود وهكذا كان هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود كما فعل في صلاة الكسوف وفي صلاة الليل وكان إذا خفف القيام خفف الركوع والسجود وكذلك كان يفعل في الفرض كما قاله البراء بن عازب: ( كان قيامه وركوعه وسجوده واعتداله قريبا من السواء ) . والله أعلم.  [فصل في الجلوس بين السجدتين] فصل ثم كان صلى الله عليه وسلم يرفع رأسه مكبرا غير رافع يديه ويرفع من السجود رأسه قبل يديه ثم يجلس مفترشا يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها وينصب اليمنى. وذكر النسائي عن ابن عمر قال: من سنة الصلاة أن ينصب القدم اليمنى واستقباله بأصابعها القبلة والجلوس على اليسرى ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع جلسة غير هذه .(1\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "196",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8762",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( وكان يضع يديه على فخذيه ويجعل مرفقه على فخذه وطرف يده على ركبته ويقبض ثنتين من أصابعه ويحلق حلقة ثم يرفع أصبعه يدعو بها ويحركها ) هكذا قال وائل بن حجر عنه. وأما حديث أبي داود عن عبد الله بن الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يشير بأصبعه إذا دعا ولا يحركها ) فهذه الزيادة في صحتها نظر وقد ذكر مسلم الحديث بطوله في quot; صحيحه quot; عنه ولم يذكر هذه الزيادة بل قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه وفرش قدمه اليمنى ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى وأشار بأصبعه . وأيضا فليس في حديث أبي داود عنه أن هذا كان في الصلاة. وأيضا لو كان في الصلاة لكان نافيا وحديث وائل بن حجر مثبتا وهو مقدم وهو حديث صحيح ذكره أبو حاتم في quot; صحيحه quot;. ثم كان يقول [بين السجدتين] : ( اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني ) هكذا ذكره ابن عباس رضي الله عنهما عنه صلى الله عليه وسلم وذكر(1\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "197",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8763",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حذيفة أنه كان يقول ( رب اغفر لي رب اغفر لي ) . وكان هديه صلى الله عليه وسلم إطالة هذا الركن بقدر السجود وهكذا الثابت عنه في جميع الأحاديث وفي quot; الصحيح quot; عن أنس رضي الله عنه: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم ) وهذه السنة تركها أكثر الناس من بعد انقراض عصر الصحابة ولهذا قال ثابت: وكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه يمكث بين السجدتين حتى نقول: قد نسي أو قد أوهم. وأما من حكم السنة ولم يلتفت إلى ما خالفها فإنه لا يعبأ بما خالف هذا الهدي.  [فصل في جلسة الاستراحة] فصل ثم كان صلى الله عليه وسلم ينهض على صدور قدميه وركبتيه معتمدا على فخذيه كما ذكر(1\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "198",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8764",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنه: وائل وأبو هريرة ولا يعتمد على الأرض بيديه وقد ذكر عنه مالك بن الحويرث أنه ( كان لا ينهض حتى يستوي جالسا ) . وهذه هي التي تسمى جلسة الاستراحة. واختلف الفقهاء فيها: هل هي من سنن الصلاة فيستحب لكل أحد أن يفعلها أو ليست من السنن وإنما يفعلها من احتاج إليها على قولين هما روايتان عن أحمد رحمه الله. قال الخلال: رجع أحمد إلى حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة وقال: أخبرني يوسف بن موسى أن أبا أمامة سئل عن النهوض فقال: على صدور القدمين على حديث رفاعة. وفي حديث ابن عجلان ما يدل على أنه كان ينهض على صدور قدميه وقد روي عن عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وسائر من وصف صلاته صلى الله عليه وسلم لم يذكر هذه الجلسة وإنما ذكرت في حديث أبي حميد ومالك بن الحويرث. ولو كان هديه صلى الله عليه وسلم فعلها دائما لذكرها كل من وصف صلاته صلى الله عليه وسلم ومجرد فعله صلى الله عليه وسلم لها لا يدل على أنها من سنن الصلاة إلا إذا علم أنه فعلها على أنها سنة يقتدى به فيها وأما إذا قدر أنه(1\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "199",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8765",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعلها للحاجة لم يدل على كونها سنة من سنن الصلاة فهذا من تحقيق المناط في هذه المسألة. وكان إذا نهض افتتح القراءة ولم يسكت كما كان يسكت عند افتتاح الصلاة فاختلف الفقهاء: هل هذا موضع استعاذة أم لا بعد اتفاقهم على أنه ليس موضع استفتاح وفي ذلك قولان هما روايتان عن أحمد وقد بناهما بعض أصحابه على أن قراءة الصلاة هل هي قراءة واحدة فيكفي فيها استعاذة واحدة أو قراءة كل ركعة مستقلة برأسها. ولا نزاع بينهم أن الاستفتاح لمجموع الصلاة والاكتفاء باستعاذة واحدة أظهر للحديث الصحيح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بـ الحمد لله رب العالمين [الفاتحة: 2]  ) ولم يسكت وإنما يكفي استعاذة واحدة لأنه لم يتخلل القراءتين سكوت بل تخللهما ذكر فهي كالقراءة الواحدة إذا تخللها حمد الله أو تسبيح أو تهليل أو صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك.(1\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "200",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8766",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الثانية كالأولى سواء إلا في أربعة أشياء: السكوت والاستفتاح وتكبيرة الإحرام وتطويلها كالأولى فإنه صلى الله عليه وسلم كان لا يستفتح ولا يسكت ولا يكبر للإحرام فيها ويقصرها عن الأولى فتكون الأولى أطول منها في كل صلاة كما تقدم. فإذا جلس للتشهد وضع يده اليسرى على فخذه اليسرى ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى وأشار بأصبعه السبابة وكان لا ينصبها نصبا ولا ينيمها بل يحنيها شيئا ويحركها شيئا كما تقدم في حديث وائل بن حجر وكان يقبض أصبعين وهما الخنصر والبنصر ويحلق حلقة وهي الوسطى مع الإبهام ويرفع السبابة يدعو بها ويرمي ببصره إليها ويبسط الكف اليسرى على الفخذ اليسرى ويتحامل عليها. وأما صفة جلوسه فكما تقدم بين السجدتين سواء يجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى. ولم يرو عنه في هذه الجلسة غير هذه الصفة. وأما حديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنه الذي رواه مسلم في quot; صحيحه quot; ( أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه وفرش قدمه اليمنى ) فهذا في التشهد الأخير كما يأتي وهو أحد الصفتين اللتين رويتا عنه ففي quot; الصحيحين quot; من حديث أبي حميد في صفة صلاته صلى الله عليه وسلم ( فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب الأخرى وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب اليمنى وقعد على مقعدته ) فذكر أبو(1\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "201",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8767",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حميد أنه كان ينصب اليمنى. وذكر ابن الزبير أنه كان يفرشها ولم يقل أحد عنه صلى الله عليه وسلم: إن هذه صفة جلوسه في التشهد الأول ولا أعلم أحدا قال به بل من الناس من قال: يتورك في التشهدين وهذا مذهب مالك رحمه الله. ومنهم من قال: يفترش فيهما فينصب اليمنى ويفترش اليسرى ويجلس عليها وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ومنهم من قال: يتورك في كل تشهد يليه السلام ويفترش في غيره وهو قول الشافعي رحمه الله: ومنهم من قال: يتورك في كل صلاة فيها تشهدان في الأخير منهما فرقا بين الجلوسين وهو قول الإمام أحمد رحمه الله. ومعنى حديث ابن الزبير رضي الله عنه أنه فرش قدمه اليمنى: أنه كان يجلس في هذا الجلوس على مقعدته فتكون قدمه اليمنى مفروشة وقدمه اليسرى بين فخذه وساقه ومقعدته على الأرض فوقع الاختلاف في قدمه اليمنى في هذا الجلوس هل كانت مفروشة أو منصوبة وهذا - والله أعلم - ليس اختلافا في الحقيقة فإنه كان لا يجلس على قدمه بل يخرجها عن يمينه فتكون بين المنصوبة والمفروشة فإنها تكون على باطنها الأيمن فهي مفروشة بمعنى أنه ليس ناصبا لها جالسا على عقبه ومنصوبة بمعنى أنه ليس جالسا على باطنها وظهرها إلى الأرض فصح قول أبي حميد ومن معه وقول عبد الله بن الزبير أو يقال: إنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل هذا وهذا فكان ينصب قدمه وربما فرشها أحيانا وهذا أروح لها. والله أعلم. ثم كان صلى الله عليه وسلم يتشهد دائما في هذه الجلسة ويعلم أصحابه أن يقولوا: ( التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ) .(1\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "202",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8768",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد ذكر النسائي من حديث أبي الزبير عن جابر قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن بسم الله وبالله التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أسأل الله الجنة وأعوذ بالله من النار ) . ولم تجئ التسمية في أول التشهد إلا في هذا الحديث وله علة غير عنعنة أبي الزبير. وكان صلى الله عليه وسلم يخفف هذا التشهد جدا حتى كأنه على الرضف - وهي الحجارة المحماة - ولم ينقل عنه في حديث قط أنه صلى عليه وعلى آله في هذا التشهد ولا كان أيضا يستعيذ فيه من عذاب القبر وعذاب النار وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال ومن استحب ذلك فإنما فهمه من عمومات وإطلاقات قد صح تبيين موضعها وتقييدها بالتشهد الأخير. ثم كان ينهض مكبرا على صدور قدميه وعلى ركبتيه معتمدا على فخذه كما تقدم وقد ذكر مسلم في quot; صحيحه quot; من حديث عبد الله بن عمر رضي الله(1\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "203",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8769",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنهما أنه كان يرفع يديه في هذا الموضع وهي في بعض طرق البخاري أيضا على أن هذه الزيادة ليست متفقا عليها في حديث عبد الله بن عمر فأكثر رواته لا يذكرونها وقد جاء ذكرها مصرحا به في حديث أبي حميد الساعدي قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة كبر ثم رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ويقيم كل عضو في موضعه ثم يقرأ ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه معتدلا لا يصوب رأسه ولا يقنع به ثم يقول: سمع الله لمن حمده ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه حتى يقر كل عظم إلى موضعه ثم يهوي إلى الأرض ويجافي يديه عن جنبيه ثم يرفع رأسه ويثني رجله فيقعد عليها ويفتخ أصابع رجليه إذا سجد ثم يكبر ويجلس على رجله اليسرى حتى يرجع كل عظم إلى موضعه ثم يقوم فيصنع في الأخرى مثل ذلك ثم إذا قام من الركعتين رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما يصنع عند افتتاح الصلاة ثم يصلي بقية صلاته هكذا حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخرج رجليه وجلس على شقه الأيسر متوركا ) . هذا سياق أبي(1\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "204",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8770",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حاتم في quot; صحيحه quot; وهو في quot; صحيح مسلم quot; أيضا وقد ذكره الترمذي مصححا له من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع يديه في هذه المواطن أيضا. ثم كان يقرأ الفاتحة وحدها ولم يثبت عنه أنه قرأ في الركعتين الأخريين بعد الفاتحة شيئا وقد ذهب الشافعي في أحد قوليه وغيره إلى استحباب القراءة بما زاد على الفاتحة في الأخريين واحتج لهذا القول بحديث أبي سعيد الذي في quot; الصحيح quot;: ( حزرنا قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر في الركعتين الأوليين قدر قراءة (الم تنزيل) السجدة وحزرنا قيامه في الركعتين الأخريين قدر النصف من ذلك وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الركعتين الأخريين من الظهر وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك ) . وحديث أبي قتادة المتفق عليه ظاهر في الاقتصار على فاتحة الكتاب في الركعتين الأخريين. قال أبو قتادة رضي الله عنه: ( وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين ويسمعنا الآية أحيانا ) . زاد مسلم: ويقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب والحديثان غير(1\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "205",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8771",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صريحين في محل النزاع. وأما حديث أبي سعيد فإنما هو حزر منهم وتخمين ليس إخبارا عن تفسير نفس فعله صلى الله عليه وسلم. وأما حديث أبي قتادة فيمكن أن يراد به أنه كان يقتصر على الفاتحة وأن يراد به أنه لم يكن يخل بها في الركعتين الأخريين بل كان يقرؤها فيهما كما كان يقرؤها في الأوليين فكان يقرأ الفاتحة في كل ركعة وإن كان حديث أبي قتادة في الاقتصار أظهر فإنه في معرض التقسيم فإذا قال: كان يقرأ في الأوليين بالفاتحة والسورة وفي الأخريين بالفاتحة كان كالتصريح في اختصاص كل قسم بما ذكر فيه وعلى هذا فيمكن أن يقال: إن هذا أكثر فعله وربما قرأ في الركعتين الأخريين بشيء فوق الفاتحة كما دل عليه حديث أبي سعيد وهذا كما أن هديه صلى الله عليه وسلم كان تطويل القراءة في الفجر وكان يخففها أحيانا وتخفيف القراءة في المغرب وكان يطيلها أحيانا وترك القنوت في الفجر وكان يقنت فيها أحيانا والإسرار في الظهر والعصر بالقراءة وكان يسمع الصحابة الآية فيها أحيانا وترك الجهر بالبسملة وكان يجهر بها أحيانا. والمقصود أنه كان يفعل في الصلاة شيئا أحيانا لعارض لم يكن من فعله الراتب ومن هذا لما بعث صلى الله عليه وسلم فارسا طليعة ثم قام إلى الصلاة وجعل(1\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "206",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8772",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يلتفت في الصلاة إلى الشعب الذي يجيء منه الطليعة ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم الالتفات في الصلاة وفي quot; صحيح البخاري quot; عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال: (هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد ) . وفي الترمذي من حديث سعيد بن المسيب عن أنس رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا بني إياك والالتفات في الصلاة فإن الالتفات في الصلاة هلكة فإن كان ولا بد ففي التطوع لا في الفرض)  ولكن للحديث علتان إحداهما: إن رواية سعيد عن أنس لا تعرف. الثانية: إن في طريقه علي بن زيد بن جدعان وقد ذكر البزار في مسنده من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم ( لا صلاة للملتفت ) . فأما حديث ابن عباس: quot; إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلحظ(1\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "207",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8773",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في الصلاة يمينا وشمالا ولا يلوي عنقه خلف ظهره quot; فهذا حديث لا يثبت. قال الترمذي فيه: حديث غريب. ولم يزد. وقال الخلال: أخبرني الميموني أن أبا عبد الله قيل له: إن بعض الناس أسند أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلاحظ في الصلاة. فأنكر ذلك إنكارا شديدا حتى تغير وجهه وتغير لونه وتحرك بدنه ورأيته في حال ما رأيته في حال قط أسوأ منها وقال: النبي صلى الله عليه وسلم كان يلاحظ في الصلاة ! يعني أنه أنكر ذلك وأحسبه قال: ليس له إسناد وقال: من روى هذا إنما هذا من سعيد بن المسيب ثم قال لي بعض أصحابنا: إن أبا عبد الله وهن حديث سعيد هذا وضعف إسناده وقال: إنما هو عن رجل عن سعيد وقال عبد الله بن أحمد: حدثت أبي بحديث حسان بن إبراهيم عن عبد الملك الكوفي قال: سمعت العلاء قال: سمعت مكحولا يحدث عن أبي أمامة وواثلة: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة لم يلتفت يمينا ولا شمالا ورمى ببصره في موضع سجوده ) فأنكره جدا وقال: اضرب عليه. فأحمد رحمه الله أنكر هذا وهذا وكان إنكاره للأول أشد لأنه باطل سندا ومتنا. والثاني: إنما أنكر سنده وإلا فمتنه غير منكر والله أعلم. ولو ثبت الأول لكان حكاية فعل فعله لعله كان لمصلحة تتعلق(1\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "208",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8774",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالصلاة ككلامه عليه السلام هو وأبو بكر وعمر وذو اليدين في الصلاة لمصلحتها أو لمصلحة المسلمين كالحديث الذي رواه أبو داود عن أبي كبشة السلولي عن سهل بن الحنظلية قال: ثوب بالصلاة يعني صلاة الصبح فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشعب . قال أبو داود: يعني وكان أرسل فارسا إلى الشعب من الليل يحرس فهذا الالتفات من الاشتغال بالجهاد في الصلاة وهو يدخل في مداخل العبادات كصلاة الخوف وقريب منه قول عمر: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة. فهذا جمع بين الجهاد والصلاة. ونظيره التفكر في معاني القرآن واستخراج كنوز العلم منه في الصلاة فهذا جمع بين الصلاة والعلم فهذا لون والتفات الغافلين اللاهين وأفكارهم لون آخر وبالله التوفيق. فهديه الراتب صلى الله عليه وسلم إطالة الركعتين الأوليين من الرباعية على الأخريين وإطالة الأولى من الأوليين على الثانية ولهذا قال سعد لعمر: أما أنا فأطيل في الأوليين وأحذف في الأخريين ولا آلو أن أقتدي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك كان هديه صلى الله عليه وسلم إطالة صلاة الفجر على سائر الصلوات كما تقدم. قالت عائشة رضي الله عنها: ( فرض الله الصلاة ركعتين ركعتين فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد في صلاة الحضر إلا الفجر فإنها أقرت على حالها من أجل طول القراءة والمغرب لأنها وتر النهار ) رواه أبو حاتم بن حبان في quot; صحيحه quot;(1\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "209",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8775",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأصله في quot; صحيح البخاري quot;. وهذا كان هديه صلى الله عليه وسلم في سائر صلاته إطالة أولها على آخرها كما فعل في الكسوف وفي قيام الليل لما صلى ركعتين طويلتين ثم ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم ركعتين وهما دون اللتين قبلهما حتى أتم صلاته. ولا يناقض هذا افتتاحه صلى الله عليه وسلم صلاة الليل بركعتين خفيفتين وأمره بذلك لأن هاتين الركعتين مفتاح قيام الليل فهما بمنزلة سنة الفجر وغيرها وكذلك الركعتان اللتان كان يصليهما أحيانا بعد وتره تارة جالسا وتارة قائما مع قوله: ( اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا ) فإن هاتين الركعتين لا تنافيان هذا الأمر كما أن المغرب وتر للنهار وصلاة السنة شفعا بعدها لا يخرجها عن كونها وترا للنهار وكذلك الوتر لما كان عبادة مستقلة وهو وتر الليل كانت الركعتان بعده جاريتين مجرى سنة المغرب من المغرب ولما كان المغرب فرضا كانت محافظته عليه السلام على سنتها أكثر من محافظته على سنة الوتر وهذا على أصل من يقول بوجوب الوتر ظاهر جدا وسيأتي مزيد كلام في هاتين الركعتين إن شاء الله تعالى وهي مسألة شريفة لعلك لا تراها في مصنف وبالله التوفيق.(1\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "210",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8776",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل في كيفية التورك في القعدة الأخيرة فصل وكان صلى الله عليه وسلم إذا جلس في التشهد الأخير جلس متوركا وكان يفضي بوركه إلى الأرض ويخرج قدمه من ناحية واحدة. فهذا أحد الوجوه الثلاثة التي رويت عنه صلى الله عليه وسلم في التورك. ذكره أبو داود في حديث أبي حميد الساعدي من طريق عبد الله بن لهيعة وقد ذكر أبو حاتم في quot; صحيحه quot; هذه الصفة من حديث أبي حميد الساعدي من غير طريق ابن لهيعة وقد تقدم حديثه. الوجه الثاني: ذكره البخاري في quot; صحيحه quot; من حديث أبي حميد أيضا قال: ( وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب اليمنى وقعد على مقعدته ) فهذا هو الموافق الأول في الجلوس على الورك وفيه زيادة وصف في هيئة القدمين لم تتعرض الرواية الأولى لها. الوجه الثالث: ما ذكره مسلم في quot; صحيحه quot; من حديث عبد الله بن الزبير: أنه صلى الله عليه وسلم ( كان يجعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه ويفرش قدمه اليمنى ) وهذه(1\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "211",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8777",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هي الصفة التي اختارها أبو القاسم الخرقي في quot; مختصره quot; وهذا مخالف للصفتين الأوليين في إخراج اليسرى من جانبه الأيمن وفي نصب اليمنى ولعله كان يفعل هذا تارة وهذا تارة وهذا أظهر. ويحتمل أن يكون من اختلاف الرواة ولم يذكر عنه عليه السلام هذا التورك إلا في التشهد الذي يليه السلام. قال الإمام أحمد ومن وافقه: هذا مخصوص بالصلاة التي فيها تشهدان وهذا التورك فيها جعل فرقا بين الجلوس في التشهد الأول الذي يسن تخفيفه فيكون الجالس فيه متهيئا للقيام وبين الجلوس في التشهد الثاني الذي يكون الجالس فيه مطمئنا. وأيضا فتكون هيئة الجلوسين فارقة بين التشهدين مذكرة للمصلي حاله فيهما. وأيضا فإن أبا حميد إنما ذكر هذه الصفة عنه صلى الله عليه وسلم في الجلسة التي في التشهد الثاني فإنه ذكر صفة جلوسه في التشهد الأول وأنه ( كان يجلس مفترشا ثم قال: وإذا جلس في الركعة الآخرة ) وفي لفظ ( فإذا جلس في الركعة الرابعة ) . وأما قوله في بعض ألفاظه: حتى إذا كانت الجلسة التي فيها التسليم أخرج رجله اليسرى وجلس على شقه متوركا  فهذا قد يحتج به من يرى التورك يشرع في كل تشهد يليه السلام فيتورك في الثانية وهو قول الشافعي رحمه الله وليس بصريح في الدلالة بل سياق الحديث يدل على أن ذلك إنما كان في التشهد الذي(1\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "212",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8778",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يليه السلام من الرباعية والثلاثية فإنه ذكر صفة جلوسه في التشهد الأول وقيامه منه ثم قال: ( حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم جلس متوركا ) فهذا السياق ظاهر في اختصاص هذا الجلوس بالتشهد الثاني.  [فصل في وضع اليد في التشهد] فصل وكان صلى الله عليه وسلم إذا جلس في التشهد وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى وضم أصابعه الثلاث ونصب السبابة. وفي لفظ: وقبض أصابعه الثلاث ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى. ذكره مسلم عن ابن عمر. وقال وائل بن حجر: ( جعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى ثم قبض ثنتين من أصابعه وحلق حلقة ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها يدعو بها ) وهو في quot; السنن quot;. وفي حديث ابن عمر في quot; صحيح مسلم quot; (عقد ثلاثة وخمسين) . وهذه الروايات كلها واحدة فإن من قال: قبض أصابعه الثلاث أراد به أن الوسطى كانت مضمومة لم تكن منشورة كالسبابة ومن قال: قبض ثنتين من أصابعه أراد أن الوسطى لم تكن مقبوضة مع البنصر بل الخنصر والبنصر متساويتان في القبض دون الوسطى وقد صرح بذلك من قال: (وعقد ثلاثة(1\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "213",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8779",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وخمسين) فإن الوسطى في هذا العقد تكون مضمومة ولا تكون مقبوضة مع البنصر. وقد استشكل كثير من الفضلاء هذا إذ عقد ثلاث وخمسين لا يلائم واحدة من الصفتين المذكورتين فإن الخنصر لا بد أن تركب البنصر في هذا العقد. وقد أجاب عن هذا بعض الفضلاء بأن الثلاثة لها صفتان في هذا العقد: قديمة وهي التي ذكرت في حديث ابن عمر تكون فيها الأصابع الثلاث مضمومة مع تحليق الإبهام مع الوسطى وحديثة وهي المعروفة اليوم بين أهل الحساب والله أعلم. وكان يبسط ذراعه على فخذه ولا يجافيها فيكون حد مرفقه عند آخر فخذه وأما اليسرى فممدودة الأصابع على الفخذ اليسرى. وكان يستقبل بأصابعه القبلة في رفع يديه في ركوعه وفي سجوده وفي تشهده ويستقبل أيضا بأصابع رجليه القبلة في سجوده. وكان يقول في كل ركعتين: التحيات. وأما المواضع التي كان يدعو فيها في الصلاة فسبعة مواطن. أحدها: بعد تكبيرة الإحرام في محل الاستفتاح. الثاني: قبل الركوع وبعد الفراغ من القراءة في الوتر والقنوت العارض في الصبح قبل الركوع إن صح ذلك فإن فيه نظرا. الثالث: بعد الاعتدال من الركوع كما ثبت ذلك في quot; صحيح مسلم quot; من حديث عبد الله بن أبي أوفى: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال ( سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض(1\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "214",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8780",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وملء ما شئت من شيء بعد اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ ) . الرابع في ركوعه كان يقول ( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي ) . الخامس: في سجوده وكان فيه غالب دعائه. السادس: بين السجدتين. السابع: بعد التشهد وقبل السلام وبذلك أمر في حديث أبي هريرة وحديث فضالة بن عبيد وأمر أيضا بالدعاء في السجود. وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو المأمومين فلم يكن ذلك من هديه صلى الله عليه وسلم أصلا ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن. وأما تخصيص ذلك بصلاتي الفجر والعصر فلم يفعل ذلك هو ولا أحد من خلفائه ولا أرشد إليه أمته وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضا من السنة بعدهما والله أعلم. وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها(1\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "215",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8781",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيها وهذا هو اللائق بحال المصلي فإنه مقبل على ربه يناجيه ما دام في الصلاة فإذا سلم منها انقطعت تلك المناجاة وزال ذلك الموقف بين يديه والقرب منه فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه والإقبال عليه ثم يسأله إذا انصرف عنه ولا ريب أن عكس هذا الحال هو الأولى بالمصلي إلا أن هاهنا نكتة لطيفة وهو أن المصلي إذا فرغ من صلاته وذكر الله وهلله وسبحه وحمده وكبره بالأذكار المشروعة عقيب الصلاة استحب له أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ويدعو بما شاء ويكون دعاؤه عقيب هذه العبادة الثانية لا لكونه دبر الصلاة فإن كل من ذكر الله وحمده وأثنى عليه وصلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم استحب له الدعاء عقيب ذلك كما في حديث فضالة بن عبيد ( إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليدع بما شاء ) قال الترمذي: حديث صحيح.  [فصل في كيفية سلامه صلى الله عليه وسلم في الصلاة] فصل ثم كان صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وعن يساره كذلك. هذا كان فعله الراتب رواه عنه خمسة عشر صحابيا وهم عبد الله بن مسعود وسعد بن أبي وقاص وسهل بن سعد الساعدي ووائل بن حجر وأبو موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر وعبد الله بن عمر وجابر بن سمرة والبراء بن عازب وأبو مالك الأشعري وطلق بن علي وأوس بن أوس وأبو رمثة وعدي بن عميرة رضي الله عنهم. وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ( كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه ) ولكن لم يثبت(1\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "216",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8782",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنه ذلك من وجه صحيح وأجود ما فيه حديث عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم ( كان يسلم تسليمة واحدة: السلام عليكم يرفع بها صوته حتى يوقظنا ) وهو حديث معلول وهو في السنن لكنه كان في قيام الليل والذين رووا عنه التسليمتين رووا ما شاهدوه في الفرض والنفل على أن حديث عائشة ليس صريحا في الاقتصار على التسليمة الواحدة بل أخبرت أنه كان يسلم تسليمة واحدة يوقظهم بها ولم تنف الأخرى بل سكتت عنها وليس سكوتها عنها مقدما على رواية من حفظها وضبطها وهم أكثر عددا وأحاديثهم أصح وكثير من أحاديثهم صحيح والباقي حسان. قال أبو عمر بن عبد البر: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسلم تسليمة واحدة من حديث سعد بن أبي وقاص ومن حديث عائشة ومن حديث أنس إلا أنها معلولة ولا يصححها أهل العلم بالحديث ثم ذكر علة حديث سعد: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة . قال: وهذا وهم وغلط وإنما الحديث: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه وعن يساره  ثم ساق الحديث من طريق ابن المبارك عن مصعب بن ثابت عن إسماعيل بن محمد بن سعد عن عامر بن سعد عن أبيه قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه وعن شماله حتى كأني أنظر إلى صفحة خده ) فقال الزهري: ما سمعنا هذا من حديث(1\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "217",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8783",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له إسماعيل بن محمد: أكل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سمعته قال: لا قال: فنصفه قال: لا قال: فاجعل هذا من النصف الذي لم تسمع. قال: وأما حديث عائشة رضي الله عنها: عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( كان يسلم تسليمة واحدة ) فلم يرفعه أحد إلا زهير بن محمد وحده عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رواه عنه عمرو بن أبي سلمة وغيره وزهير بن محمد ضعيف عند الجميع كثير الخطأ لا يحتج به وذكر ليحيى بن معين هذا الحديث فقال: حديث عمرو بن أبي سلمة وزهير ضعيفان لا حجة فيهما قال: وأما(1\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "218",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8784",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حديث أنس فلم يأت إلا من طريق أيوب السختياني عن أنس ولم يسمع أيوب من أنس عندهم شيئا قال: وقد روي مرسلا عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا يسلمون تسليمة واحدة  وليس مع القائلين بالتسليمة غير عمل أهل المدينة قالوا: وهو عمل قد توارثوه كابرا عن كابر ومثله يصح الاحتجاج به لأنه لا يخفى لوقوعه في كل يوم مرارا وهذه طريقة قد خالفهم فيها سائر الفقهاء والصواب معهم والسنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدفع ولا ترد بعمل أهل بلد كائنا من كان وقد أحدث الأمراء بالمدينة وغيرها في الصلاة أمورا استمر عليها العمل ولم يلتفت إلى استمراره وعمل أهل المدينة الذي يحتج به ما كان في زمن الخلفاء الراشدين وأما عملهم بعد موتهم وبعد انقراض عصر من كان بها في الصحابة فلا فرق بينهم وبين عمل غيرهم والسنة تحكم بين الناس لا عمل أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه وبالله التوفيق.  [فصل في أدعيته صلى الله عليه وسلم في الصلاة] فصل وكان صلى الله عليه وسلم يدعو في صلاته فيقول: ( اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم ) .(1\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "219",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8785",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان يقول في صلاته أيضا: ( اللهم اغفر لي ذنبي ووسع لي في داري وبارك لي فيما رزقتني ) . وكان يقول: ( اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك وأسألك قلبا سليما ولسانا صادقا وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم ) .(1\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "220",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8786",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان يقول في سجوده: ( رب أعط نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها ) . وقد تقدم ذكر بعض ما كان يقول في ركوعه وسجوده وجلوسه واعتداله في الركوع.  [فصل في المحفوظ في أدعيته صلى الله عليه وسلم في الصلاة] فصل والمحفوظ في أدعيته صلى الله عليه وسلم في الصلاة كلها بلفظ الإفراد كقوله ( رب اغفر لي وارحمني واهدني )  وسائر الأدعية المحفوظة عنه ومنها قوله في دعاء الاستفتاح: ( اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب ) ... الحديث. وروى الإمام أحمد رحمه الله وأهل quot; السنن quot; من حديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يؤم عبد قوما فيخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم ) .(1\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "221",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8787",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ابن خزيمة في quot; صحيحه quot;: وقد ذكر حديث ( اللهم باعد بيني وبين خطاياي ) الحديث قال: في هذا دليل على رد الحديث الموضوع ( لا يؤم عبد قوما فيخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم ) . وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديث عندي في الدعاء الذي يدعو به الإمام لنفسه وللمأمومين ويشتركون فيه كدعاء القنوت ونحوه والله أعلم.  [فصل في أنه صلى الله عليه وسلم كان يراعي حال المأمومين وغيرهم] فصل وكان صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة طأطأ رأسه ذكره الإمام أحمد رحمه الله وكان في التشهد لا يجاوز بصره إشارته وقد تقدم. وكان قد جعل الله تعالى قرة عينه ونعيمه وسروره وروحه في الصلاة. وكان يقول: ( يا بلال أرحنا بالصلاة ) . وكان يقول: ( وجعلت قرة عيني في الصلاة ) . ومع هذا لم يكن يشغله ما هو فيه من ذلك عن مراعاة أحوال المأمومين وغيرهم مع كمال إقباله وقربه من الله تعالى وحضور قلبه بين يديه واجتماعه عليه. وكان يدخل في الصلاة وهو يريد إطالتها فيسمع بكاء الصبي فيخففها(1\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "222",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8788",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مخافة أن يشق على أمه  وأرسل مرة فارسا طليعة له فقام يصلي وجعل يلتفت إلى الشعب الذي يجيء منه الفارس ولم يشغله ما هو فيه عن مراعاة حال فارسه. وكذلك كان يصلي الفرض وهو حامل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع ابنة بنته زينب على عاتقه إذا قام حملها وإذا ركع وسجد وضعها. وكان يصلي فيجيء الحسن أو الحسين فيركب ظهره فيطيل السجدة كراهية أن يلقيه عن ظهره. وكان يصلي فتجيء عائشة من حاجتها والباب مغلق فيمشي فيفتح لها الباب ثم يرجع إلى الصلاة.(1\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "223",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8789",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان يرد السلام بالإشارة على من يسلم عليه وهو في الصلاة. وقال جابر: ( بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة ثم أدركته وهو يصلي فسلمت عليه فأشار إلي ) . ذكره مسلم في quot; صحيحه quot;. وقال أنس رضي الله عنه: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يشير في الصلاة )  ذكره الإمام أحمد رحمه الله. وقال صهيب: ( مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه فرد إشارة ) . قال الراوي: لا أعلمه قال: إلا إشارة بأصبعه وهو في quot; السنن quot; و quot; المسند quot;. وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء يصلي فيه قال: فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو في الصلاة فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي قال: يقول هكذا وبسط جعفر بن عون كفه وجعل بطنه أسفل وجعل ظهره إلى(1\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "224",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8790",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فوق )  وهو في quot; السنن quot; و quot; المسند quot; وصححه الترمذي ولفظه: كان يشير بيده. وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ( لما قدمت من الحبشة أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه فأومأ برأسه )  ذكره البيهقي. وأما حديث أبي غطفان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعد صلاته ) فحديث باطل ذكره الدارقطني وقال: قال لنا ابن أبي داود: أبو غطفان هذا رجل مجهول والصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يشير في صلاته. رواه أنس وجابر وغيرهما. وكان صلى الله عليه وسلم يصلي وعائشة معترضة بينه وبين القبلة فإذا سجد غمزها بيده فقبضت رجليها وإذا قام بسطتهما.(1\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "225",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8791",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان صلى الله عليه وسلم يصلي فجاءه الشيطان ليقطع عليه صلاته فأخذه فخنقه حتى سال لعابه على يده. وكان يصلي على المنبر ويركع عليه فإذا جاءت السجدة نزل القهقرى فسجد على الأرض ثم صعد عليه. وكان يصلي إلى جدار فجاءت بهمة تمر من بين يديه فما زال يدارئها حتى لصق بطنه بالجدار ومرت من ورائه. يدارئها: يفاعلها من المدارأة وهي المدافعة.(1\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "226",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8792",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( وكان يصلي فجاءته جاريتان من بني عبد المطلب قد اقتتلتا فأخذهما بيديه فنزع إحداهما من الأخرى وهو في الصلاة ) . ولفظ أحمد فيه: ( فأخذتا بركبتي النبي صلى الله عليه وسلم فنزع بينهما أو فرق بينهما ولم ينصرف ) . وكان يصلي فمر بين يديه غلام فقال بيده هكذا فرجع ومرت بين يديه جارية فقال بيده هكذا فمضت فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هن أغلب ) ذكره الإمام أحمد وهو في quot; السنن quot;. ( وكان ينفخ في صلاته )  ذكره الإمام أحمد وهو في quot; السنن quot;. وأما حديث ( النفخ في الصلاة كلام ) فلا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما(1\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "227",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8793",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رواه سعيد في quot; سننه quot; عن ابن عباس رضي الله عنهما من قوله إن صح. وكان يبكي في صلاته وكان يتنحنح في صلاته. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ( كان لي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة آتيه فيها فإذا أتيته استأذنت فإن وجدته يصلي فتنحنح دخلت وإن وجدته فارغا أذن لي )  ذكره النسائي وأحمد ولفظ أحمد: ( كان لي من رسول الله صلى الله عليه وسلم مدخلان بالليل والنهار وكنت إذا دخلت عليه وهو يصلي تنحنح ) . رواه أحمد وعمل به فكان يتنحنح في صلاته ولا يرى النحنحة مبطلة للصلاة. ( وكان يصلي حافيا تارة ومنتعلا أخرى )  كذلك قال عبد الله بن عمرو عنه: وأمر بالصلاة بالنعل مخالفة لليهود) . وكان يصلي في الثوب الواحد تارة وفي الثوبين تارة وهو أكثر. وقنت في الفجر بعد الركوع شهرا ثم ترك القنوت. ولم يكن من هديه القنوت فيها دائما ومن المحال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في كل غداة بعد اعتداله من الركوع يقول: ( اللهم اهدني فيمن هديت وتولني فيمن توليت ) إلخ. ويرفع بذلك صوته ويؤمن عليه أصحابه دائما إلى أن فارق الدنيا ثم لا يكون(1\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "228",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8794",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك معلوما عند الأمة بل يضيعه أكثر أمته وجمهور أصحابه بل كلهم حتى يقول من يقول منهم: إنه محدث كما ( قال سعد بن طارق الأشجعي: قلت لأبي: يا أبت إنك قد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم هاهنا وبالكوفة منذ خمس سنين فكانوا يقنتون في الفجر فقال أي بني محدث ) . رواه أهل السنن وأحمد. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وذكر الدارقطني عن سعيد بن جبير قال: أشهد أني سمعت ابن عباس يقول: ( إن القنوت في صلاة الفجر بدعة )  وذكر البيهقي عن أبي مجلز قال: صليت مع ابن عمر صلاة الصبح فلم يقنت فقلت له: لا أراك تقنت فقال: لا أحفظه عن أحد من أصحابنا. ومن المعلوم بالضرورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان يقنت كل غداة ويدعو بهذا الدعاء ويؤمن الصحابة لكان نقل الأمة لذلك كلهم كنقلهم لجهره بالقراءة فيها وعددها ووقتها وإن جاز عليهم تضييع أمر القنوت منها جاز عليهم تضييع ذلك ولا فرق وبهذا الطريق علمنا أنه لم يكن هديه الجهر بالبسملة كل يوم وليلة خمس مرات دائما مستمرا ثم يضيع أكثر الأمة ذلك ويخفى عليها وهذا من أمحل المحال. بل لو كان ذلك واقعا لكان نقله كنقل عدد الصلوات وعدد الركعات والجهر والإخفات وعدد السجدات ومواضع الأركان وترتيبها والله الموفق.(1\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "229",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8795",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والإنصاف الذي يرتضيه العالم المنصف أنه صلى الله عليه وسلم جهر وأسر وقنت وترك وكان إسراره أكثر من جهره وتركه القنوت أكثر من فعله فإنه إنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم وللدعاء على آخرين ثم تركه لما قدم من دعا لهم وتخلصوا من الأسر وأسلم من دعا عليهم وجاءوا تائبين فكان قنوته لعارض فلما زال ترك القنوت ولم يختص بالفجر بل ( كان يقنت في صلاة الفجر والمغرب )  ذكره البخاري في quot; صحيحه quot; عن أنس. وقد ذكره مسلم عن البراء. وذكر الإمام أحمد عن ابن عباس قال: ( قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا متتابعا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة إذا قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة يدعو على حي من بني سليم على رعل وذكوان وعصية ويؤمن من خلفه )  ورواه أبو داود. وكان هديه صلى الله عليه وسلم القنوت في النوازل خاصة وتركه عند عدمها ولم يكن يخصه بالفجر بل كان أكثر قنوته فيها لأجل ما شرع فيها من التطويل ولاتصالها بصلاة الليل وقربها من السحر وساعة الإجابة وللتنزل الإلهي ولأنها الصلاة(1\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "230",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8796",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المشهودة التي يشهدها الله وملائكته أو ملائكة الليل والنهار كما روي هذا وهذا في تفسير قوله تعالى: إن قرآن الفجر كان مشهودا [الإسراء: 78] [الإسراء: 78] . وأما حديث ابن أبي فديك عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع من صلاة الصبح في الركعة الثانية يرفع يديه فيها فيدعو بهذا الدعاء: (اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك إنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت ) فما أبين الاحتجاج به لو كان صحيحا أو حسنا ولكن لا يحتج بعبد الله هذا وإن كان الحاكم صحح حديثه في القنوت عن أحمد بن عبد الله المزني: حدثنا يوسف بن موسى حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن أبي فديك. . فذكره. نعم صح عن أبي هريرة أنه قال: والله لأنا أقربكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح بعدما يقول: (سمع الله لمن حمده فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار ) . ولا ريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ثم تركه فأحب أبو هريرة أن يعلمهم أن مثل هذا القنوت سنة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله وهذا رد على أهل الكوفة الذين يكرهون القنوت في الفجر مطلقا عند النوازل وغيرها(1\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "231",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8797",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويقولون: هو منسوخ وفعله بدعة فأهل الحديث متوسطون بين هؤلاء وبين من استحبه عند النوازل وغيرها وهم أسعد بالحديث من الطائفتين فإنهم يقنتون حيث قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتركونه حيث تركه فيقتدون به في فعله وتركه ويقولون: فعله سنة وتركه سنة ومع هذا فلا ينكرون على من داوم عليه ولا يكرهون فعله ولا يرونه بدعة ولا فاعله مخالفا للسنة كما لا ينكرون على من أنكره عند النوازل ولا يرون تركه بدعة ولا تاركه مخالفا للسنة بل من قنت فقد أحسن ومن تركه فقد أحسن وركن الاعتدال محل الدعاء والثناء وقد جمعهما النبي صلى الله عليه وسلم فيه. ودعاء القنوت دعاء وثناء فهو أولى بهذا المحل وإذا جهر به الإمام أحيانا ليعلم المأمومين فلا بأس بذلك فقد جهر عمر بالاستفتاح ليعلم المأمومين وجهر ابن عباس بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ليعلمهم أنها سنة ومن هذا أيضا جهر الإمام بالتأمين وهذا من الاختلاف المباح الذي لا يعنف فيه من فعله ولا من تركه وهذا كرفع اليدين في الصلاة وتركه وكالخلاف في أنواع التشهدات وأنواع الأذان والإقامة وأنواع النسك من الإفراد والقران والتمتع وليس مقصودنا إلا ذكر هديه صلى الله عليه وسلم الذي كان يفعله هو فإنه قبلة القصد وإليه التوجه في هذا الكتاب وعليه مدار التفتيش والطلب وهذا شيء والجائز الذي لا ينكر فعله وتركه شيء فنحن لم نتعرض في هذا الكتاب لما يجوز ولما لا يجوز وإنما مقصودنا فيه هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يختاره لنفسه فإنه أكمل الهدي وأفضله فإذا قلنا: لم يكن من هديه المداومة على القنوت في الفجر ولا الجهر بالبسملة لم يدل ذلك على كراهية غيره ولا أنه بدعة ولكن هديه صلى الله عليه وسلم أكمل الهدي وأفضله والله المستعان. وأما حديث أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس قال: ( ما(1\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "232",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8798",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا ) وهو في quot; المسند quot; والترمذي وغيرهما فأبو جعفر قد ضعفه أحمد وغيره. وقال ابن المديني: كان يخلط. وقال أبو زرعة كان يهم كثيرا. وقال ابن حبان: كان ينفرد بالمناكير عن المشاهير. وقال لي شيخنا ابن تيمية قدس الله روحه: وهذا الإسناد نفسه هو إسناد حديث وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم [الأعراف: 172] [الأعراف 172] . حديث أبي بن كعب الطويل وفيه: ( وكان روح عيسى عليه السلام من تلك الأرواح التي أخذ عليها العهد والميثاق في زمن آدم فأرسل تلك الروح إلى مريم عليها السلام حين انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فأرسله الله في صورة بشر فتمثل لها بشرا سويا قال: فحملت الذي يخاطبها فدخل من فيها )  وهذا غلط محض فإن الذي أرسل إليها الملك الذي قال لها: إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا [مريم: 19] [مريم: 19] ولم يكن الذي خاطبها بهذا هو عيسى ابن مريم هذا محال. والمقصود أن أبا جعفر الرازي صاحب مناكير لا يحتج بما تفرد به أحد من أهل الحديث البتة ولو صح لم يكن فيه دليل على هذا القنوت المعين البتة فإنه ليس فيه أن القنوت هذا الدعاء فإن القنوت يطلق على القيام والسكوت ودوام العبادة والدعاء والتسبيح والخشوع كما قال تعالى: وله من في السماوات والأرض كل له قانتون [الروم: 26] [الروم: 26]  وقال(1\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "233",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8799",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى: أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه [الزمر: 9] [الزمر 9]  وقال تعالى: وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين [التحريم: 12] [التحريم 21]  وقال صلى الله عليه وسلم: ( أفضل الصلاة طول القنوت ) . وقال زيد بن أرقم: لما نزل قوله تعالى: وقوموا لله قانتين [البقرة: 238] [البقرة 238] أمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. وأنس رضي الله عنه لم يقل: لم يزل يقنت بعد الركوع رافعا صوته ( اللهم اهدني فيمن هديت ) ... إلى آخره ويؤمن من خلفه ولا ريب أن قوله: ( ربنا ولك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد ) إلى آخر الدعاء والثناء الذي كان يقوله -قنوت وتطويل هذا الركن قنوت وتطويل القراءة قنوت وهذا الدعاء المعين قنوت فمن أين لكم أن أنسا إنما أراد هذا الدعاء المعين دون سائر أقسام القنوت ولا يقال: تخصيصه القنوت بالفجر دون غيرها من الصلوات دليل على إرادة الدعاء المعين إذ سائر ما ذكرتم من أقسام القنوت مشترك بين الفجر وغيرها وأنس خص الفجر دون سائر الصلوات بالقنوت ولا يمكن أن يقال: إنه الدعاء على الكفار ولا الدعاء للسمتضعفين من المؤمنين لأن أنسا قد أخبر أنه كان قنت شهرا ثم تركه فتعين أن يكون هذا الدعاء الذي داوم عليه هو القنوت المعروف وقد قنت أبو بكر وعمر وعثمان وعلي(1\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "234",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8800",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والبراء بن عازب وأبو هريرة وعبد الله بن عباس وأبو موسى الأشعري وأنس بن مالك وغيرهم. والجواب من وجوه. أحدها: أن أنسا قد أخبر أنه صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الفجر والمغرب كما ذكره البخاري فلم يخصص القنوت بالفجر وكذلك ذكر البراء بن عازب سواء فما بال القنوت اختص بالفجر! فإن قلتم: قنوت المغرب منسوخ قال لكم منازعوكم من أهل الكوفة: وكذلك قنوت الفجر سواء ولا تأتون بحجة على نسخ قنوت المغرب إلا كانت دليلا على نسخ قنوت الفجر سواء ولا يمكنكم أبدا أن تقيموا دليلا على نسخ قنوت المغرب وإحكام قنوت الفجر. فإن قلتم: قنوت المغرب كان قنوتا للنوازل لا قنوتا راتبا قال منازعوكم من أهل الحديث: نعم كذلك هو وكذلك قنوت الفجر سواء وما الفرق قالوا: ويدل على أن قنوت الفجر كان قنوت نازلة لا قنوتا راتبا أن أنسا نفسه أخبر بذلك وعمدتكم في القنوت الراتب إنما هو أنس وأنس أخبر أنه كان قنوت نازلة ثم تركه ففي quot; الصحيحين quot; عن أنس قال: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو على حي من أحياء العرب ثم تركه . الثاني: أن شبابة روى عن قيس بن الربيع عن عاصم بن سليمان قال: قلنا لأنس بن مالك: إن قوما يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يقنت بالفجر قال: كذبوا وإنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا واحدا يدعو على حي من أحياء العرب . وقيس بن الربيع وإن كان يحيى بن معين ضعفه فقد وثقه غيره وليس بدون أبي جعفر الرازي فكيف يكون أبو جعفر حجة في قوله: لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا وقيس ليس بحجة في هذا الحديث وهو أوثق منه أو مثله والذين ضعفوا أبا جعفر أكثر من الذين ضعفوا قيسا فإنما يعرف(1\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "235",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8801",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تضعيف قيس عن يحيى وذكر سبب تضعيفه فقال أحمد بن سعيد بن أبي مريم: سألت يحيى عن قيس بن الربيع فقال: ضعيف لا يكتب حديثه كان يحدث بالحديث عن عبيدة وهو عنده عن منصور ومثل هذا لا يوجب رد حديث الراوي لأن غاية ذلك أن يكون غلط ووهم في ذكر عبيدة بدل منصور ومن الذي يسلم من هذا من المحدثين الثالث: أن أنسا أخبر أنهم لم يكونوا يقنتون وأن بدء القنوت هو قنوت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو على رعل وذكوان ففي quot; الصحيحين quot; من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: ( بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين رجلا لحاجة يقال لهم القراء فعرض لهم حيان من بني سليم رعل وذكوان عند بئر يقال له بئر معونة فقال القوم: والله ما إياكم أردنا وإنما نحن مجتازون في حاجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلوهم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم شهرا في صلاة الغداة فذلك بدء القنوت وما كنا نقنت ) . فهذا يدل على أنه لم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم القنوت دائما وقول أنس: فذلك بدء القنوت مع قوله: قنت شهرا ثم تركه دليل على أنه أراد بما أثبته من القنوت قنوت النوازل وهو الذي وقته بشهر وهذا كما قنت في صلاة العتمة شهرا كما في quot; الصحيحين quot; عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت في صلاة العتمة شهرا يقول في قنوته: (اللهم أنج الوليد بن الوليد اللهم أنج سلمة بن هشام اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف)  . قال أبو هريرة: وأصبح ذات يوم فلم يدع لهم فذكرت ذلك له فقال: أوما تراهم(1\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "236",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8802",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قد قدموا فقنوته في الفجر كان هكذا سواء لأجل أمر عارض ونازلة ولذلك وقته أنس بشهر. وقد روي عن أبي هريرة أنه قنت لهم أيضا في الفجر شهرا وكلاهما صحيح وقد تقدم ذكر حديث عكرمة عن ابن عباس: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا متتابعا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح  ورواه أبو داود وغيره وهو حديث صحيح. وقد ذكر الطبراني في quot; معجمه quot; من حديث محمد بن أنس: حدثنا مطرف بن طريف عن أبي الجهم عن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها ) . قال الطبراني: لم يروه عن مطرف إلا محمد بن أنس. انتهى. وهذا الإسناد وإن كان لا تقوم به حجة فالحديث صحيح من جهة(1\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "237",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8803",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعنى لأن القنوت هو الدعاء ومعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل صلاة مكتوبة إلا دعا فيها كما تقدم وهذا هو الذي أراده أنس في حديث أبي جعفر الرازي إن صح أنه لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا ونحن لا نشك ولا نرتاب في صحة ذلك وأن دعاءه استمر في الفجر إلى أن فارق الدنيا. الوجه الرابع: أن طرق أحاديث أنس تبين المراد ويصدق بعضها بعضا ولا تتناقض. وفي quot; الصحيحين quot; من حديث عاصم الأحول قال: سألت أنس بن مالك عن القنوت في الصلاة فقال: قد كان القنوت فقلت: كان قبل الركوع أو بعده قال: قبله قلت: وإن فلانا أخبرني عنك أنك قلت: قنت بعده. قال: كذب إنما قلت: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهرا . وقد ظن طائفة أن هذا الحديث معلول تفرد به عاصم وسائر الرواة عن أنس خالفوه فقالوا: عاصم ثقة جدا غير أنه خالف أصحاب أنس في موضع القنوتين والحافظ قد يهم والجواد قد يعثر وحكوا عن الإمام أحمد تعليله فقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل -: أيقول أحد في حديث أنس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت قبل الركوع غير عاصم الأحول فقال: ما علمت أحدا يقوله غيره . قال أبو عبد الله: خالفهم عاصم كلهم هشام عن قتادة عن أنس والتيمي عن أبي مجلز عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: قنت بعد الركوع وأيوب عن محمد بن سيرين قال: سألت أنسا وحنظلة السدوسي عن أنس أربعة وجوه. وأما عاصم فقال: قلت له فقال: كذبوا إنما قنت بعد الركوع شهرا. قيل له: من ذكره عن عاصم قال: أبو معاوية وغيره قيل لأبي عبد الله: وسائر الأحاديث أليس إنما هي بعد الركوع فقال: بلى كلها عن خفاف بن إيماء بن رحضة وأبي هريرة.(1\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "238",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8804",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت لأبي عبد الله: فلم ترخص إذا في القنوت قبل الركوع وإنما صح الحديث بعد الركوع فقال: القنوت في الفجر بعد الركوع وفي الوتر يختار بعد الركوع ومن قنت قبل الركوع فلا بأس لفعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واختلافهم فأما في الفجر فبعد الركوع. فيقال: من العجب تعليل هذا الحديث الصحيح المتفق على صحته ورواه أئمة ثقات أثبات حفاظ والاحتجاج بمثل حديث أبي جعفر الرازي وقيس بن الربيع وعمرو بن أيوب وعمرو بن عبيد ودينار وجابر الجعفي وقل من تحمل مذهبا وانتصر له في كل شيء إلا اضطر إلى هذا المسلك. فنقول وبالله التوفيق: أحاديث أنس كلها صحاح يصدق بعضها بعضا ولا تتناقض والقنوت الذي ذكره قبل الركوع غير القنوت الذي ذكره بعده والذي وقته غير الذي أطلقه فالذي ذكره قبل الركوع هو إطالة القيام للقراءة وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ( أفضل الصلاة طول القنوت ) والذي ذكره بعده هو إطالة القيام للدعاء فعله شهرا يدعو على قوم ويدعو لقوم ثم استمر يطيل هذا الركن للدعاء والثناء إلى أن فارق الدنيا كما في quot; الصحيحين quot; عن ثابت عن أنس قال: ( إني لا أزال أصلي بكم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا )  قال: وكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما حتى يقول القائل: قد نسي وإذا رفع رأسه من السجدة يمكث حتى يقول القائل: قد نسي. فهذا هو القنوت الذي ما زال عليه حتى فارق الدنيا. ومعلوم أنه لم يكن يسكت في مثل هذا الوقوف الطويل بل كان يثني(1\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "239",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8805",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على ربه ويمجده ويدعوه وهذا غير القنوت الموقت بشهر فإن ذلك دعاء على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان ودعاء للمستضعفين الذين كانوا بمكة. وأما تخصيص هذا بالفجر فبحسب سؤال السائل فإنما سأله عن قنوت الفجر فأجابه عما سأله عنه. وأيضا فإنه كان يطيل صلاة الفجر دون سائر الصلوات ويقرأ فيها بالستين إلى المائة وكان -كما قال البراء بن عازب - ركوعه واعتداله وسجوده وقيامه متقاربا. وكان يظهر من تطويله بعد الركوع في صلاة الفجر ما لا يظهر في سائر الصلوات بذلك. ومعلوم أنه كان يدعو ربه ويثني عليه ويمجده في هذا الاعتدال كما تقدمت الأحاديث بذلك وهذا قنوت منه لا ريب فنحن لا نشك ولا نرتاب أنه لم يزل يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا. ولما صار القنوت في لسان الفقهاء وأكثر الناس هو هذا الدعاء المعروف ( اللهم اهدني فيمن هديت ) إلى آخره وسمعوا أنه لم يزل يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا وكذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة حملوا القنوت في لفظ الصحابة على القنوت في اصطلاحهم ونشأ من لا يعرف غير ذلك فلم يشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا مداومين عليه كل غداة وهذا هو الذي نازعهم فيه جمهور العلماء وقالوا: لم يكن هذا من فعله الراتب بل ولا يثبت عنه أنه فعله. وغاية ما روي عنه في هذا القنوت أنه علمه للحسن بن علي كما في quot; المسند quot; و quot; السنن quot; الأربع عنه قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر: ( اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت فإنك تقضي ولا يقضى عليك إنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت ) قال الترمذي:(1\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "240",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8806",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حديث حسن ولا نعرف في القنوت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحسن من هذا وزاد البيهقي بعد ( ولا يذل من واليت )  ( ولا يعز من عاديت ) . ومما يدل على أن مراد أنس بالقنوت بعد الركوع هو القيام للدعاء والثناء ما رواه سليمان بن حرب: حدثنا أبو هلال حدثنا حنظلة إمام مسجد قتادة قلت: هو السدوسي قال: اختلفت أنا وقتادة في القنوت في صلاة الصبح فقال قتادة: قبل الركوع وقلت أنا: بعد الركوع فأتينا أنس بن مالك فذكرنا له ذلك فقال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر فكبر وركع ورفع رأسه ثم سجد ثم قام في الثانية فكبر وركع ثم رفع رأسه فقام ساعة ثم وقع ساجدا . وهذا مثل حديث ثابت عنه سواء وهو(1\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "241",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8807",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يبين مراد أنس بالقنوت فإنه ذكره دليلا لمن قال: إنه قنت بعد الركوع فهذا القيام والتطويل هو كان مراد أنس فاتفقت أحاديثه كلها وبالله التوفيق. وأما المروي عن الصحابة فنوعان: أحدهما: قنوت عند النوازل كقنوت الصديق رضي الله عنه في محاربة الصحابة لمسيلمة وعند محاربة أهل الكتاب وكذلك قنوت عمر وقنوت علي عند محاربته لمعاوية وأهل الشام. الثاني: مطلق مراد من حكاه عنهم به تطويل هذا الركن للدعاء والثناء والله أعلم.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في سجود السهو] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في سجود السهو ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني ) .(1\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "242",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8808",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان سهوه في الصلاة من تمام نعمة الله على أمته وإكمال دينهم ليقتدوا به فيما يشرعه لهم عند السهو وهذا معنى الحديث المنقطع الذي في quot; الموطأ quot;: ( إنما أنسى أو أنسى لأسن ) . وكان صلى الله عليه وسلم ينسى فيترتب على سهوه أحكام شرعية تجري على سهو أمته إلى يوم القيامة فقام صلى الله عليه وسلم من اثنتين في الرباعية ولم يجلس بينهما فلما قضى صلاته سجد سجدتين قبل السلام ثم سلم فأخذ من هذا قاعدة: أن من ترك شيئا من أجزاء الصلاة التي ليست بأركان سهوا سجد له قبل السلام وأخذ من بعض طرقه: أنه إذا ترك ذلك وشرع في ركن لم يرجع إلى المتروك لأنه لما قام سبحوا فأشار إليهم: أن قوموا. واختلف عنه في محل هذا السجود ففي quot; الصحيحين quot; من حديث عبد الله ابن بحينة ( أنه صلى الله عليه وسلم قام من اثنتين من الظهر ولم يجلس بينهما فلما قضى صلاته سجد سجدتين ثم سلم بعد ذلك ) . وفي رواية متفق عليها: ( يكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم ) .(1\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "243",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8809",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; المسند quot; من حديث يزيد بن هارون عن المسعودي عن زياد بن علاقة قال: ( صلى بنا المغيرة بن شعبة فلما صلى ركعتين قام ولم يجلس فسبح به من خلفه فأشار إليهم أن قوموا فلما فرغ من صلاته سلم ثم سجد سجدتين وسلم ثم قال: هكذا صنع بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وصححه الترمذي. وذكر البيهقي من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري قال: ( صلى بنا عقبة بن عامر الجهني فقام وعليه جلوس فقال الناس: سبحان الله سبحان الله فلم يجلس ومضى على قيامه فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتي السهو وهو جالس فلما سلم قال: إني سمعتكم آنفا تقولون: سبحان الله لكيما أجلس لكن السنة الذي صنعت ) . وحديث عبد الله ابن بحينة أولى لثلاثة وجوه. أحدها: أنه أصح من حديث المغيرة. الثاني: أنه أصرح منه فإن قول المغيرة: ( وهكذا صنع بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يجوز أن يرجع إلى جميع ما فعل المغيرة ويكون قد سجد النبي صلى الله عليه وسلم في هذا(1\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "244",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8810",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السهو مرة قبل السلام ومرة بعده فحكى ابن بحينة ما شاهده وحكى المغيرة ما شاهده فيكون كلا الأمرين جائزا ويجوز أن يريد المغيرة أنه صلى الله عليه وسلم قام ولم يرجع ثم سجد للسهو. الثالث: أن المغيرة لعله نسي السجود قبل السلام وسجده بعده وهذه صفة السهو وهذا لا يمكن أن يقال في السجود قبل السلام والله أعلم.  [فصل في مجموع ما حفظ عنه من سهوه صلى الله عليه وسلم] فصل ( وسلم صلى الله عليه وسلم من ركعتين في إحدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر ثم تكلم ثم أتمها ثم سلم ثم سجد سجدتين بعد السلام والكلام يكبر حين يسجد ثم يكبر حين يرفع ) . وذكر أبو داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم ( صلى بهم فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم ) . وقال الترمذي: حسن غريب.(1\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "245",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8811",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( وصلى يوما فسلم وانصرف وقد بقي من الصلاة ركعة فأدركه طلحة بن عبيد الله فقال: نسيت من الصلاة ركعة فرجع فدخل المسجد وأمر بلالا فأقام الصلاة فصلى للناس ركعة ) ذكره الإمام أحمد رحمه الله. ( وصلى الظهر خمسا فقيل له: زيد في الصلاة قال وما ذاك قالوا: صليت خمسا فسجد سجدتين بعدما سلم ) متفق عليه. ( وصلى العصر ثلاثا ثم دخل منزله فذكره الناس فخرج فصلى بهم ركعة ثم سلم ثم سجد سجدتين ثم سلم ) . فهذا مجموع ما حفظ عنه صلى الله عليه وسلم من سهوه في الصلاة وهو خمسة مواضع وقد تضمن سجوده في بعضه قبل السلام وفي بعضه بعده. فقال الشافعي رحمه الله: كله قبل السلام.(1\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "246",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8812",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو حنيفة رحمه الله: كله بعد السلام. وقال مالك رحمه الله: كل سهو كان نقصانا في الصلاة فإن سجوده قبل السلام وكل سهو كان زيادة في الصلاة فإن سجوده بعد السلام وإذا اجتمع سهوان زيادة ونقصان فالسجود لهما قبل السلام. قال أبو عمر بن عبد البر: هذا مذهبه لا خلاف عنه فيه ولو سجد أحد عنده لسهوه بخلاف ذلك فجعل السجود كله بعد السلام أو كله قبل السلام لم يكن عليه شيء لأنه عنده من باب قضاء القاضي باجتهاده لاختلاف الآثار المرفوعة والسلف من هذه الأمة في ذلك. وأما الإمام أحمد رحمه الله فقال الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن سجود السهو قبل السلام أم بعده فقال: في مواضع قبل السلام وفي مواضع بعده كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم حين سلم من اثنتين ثم سجد بعد السلام على حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين. ومن سلم من ثلاث سجد أيضا بعد السلام على حديث عمران بن حصين. وفي التحري يسجد بعد السلام على حديث ابن مسعود وفي القيام من اثنتين يسجد قبل السلام على حديث ابن بحينة وفي الشك يبني على اليقين ويسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد الخدري وحديث عبد الرحمن بن عوف.(1\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "247",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8813",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الأثرم: فقلت لأحمد بن حنبل: فما كان سوى هذه المواضع قال يسجد فيها كلها قبل السلام لأنه يتم ما نقص من صلاته قال: ولولا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لرأيت السجود كله قبل السلام لأنه من شأن الصلاة فيقضيه قبل السلام ولكن أقول: كل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد فيه بعد السلام فإنه يسجد فيه بعد السلام وسائر السهو يسجد فيه قبل السلام. وقال داود بن علي: لا يسجد أحد للسهو إلا في الخمسة المواضع التي سجد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى. وأما الشك فلم يعرض له صلى الله عليه وسلم بل أمر فيه بالبناء على اليقين وإسقاط الشك والسجود قبل السلام. فقال الإمام أحمد: الشك على وجهين: اليقين والتحري فمن رجع إلى اليقين ألغى الشك وسجد سجدتي السهو قبل السلام على حديث أبي سعيد الخدري وإذا رجع إلى التحري وهو أكثر الوهم سجد سجدتي السهو بعد السلام على حديث ابن مسعود الذي يرويه منصور. انتهى. وأما حديث أبي سعيد فهو ( إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثا أم أربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم ) . وأما حديث ابن مسعود فهو ( إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب ثم ليسجد سجدتين ) متفق عليهما. وفي لفظ quot;الصحيحينquot;: ( تم يسلم ثم يسجد سجدتين ) وهذا هو الذي قال الإمام أحمد وإذا رجع إلى التحري سجد بعد السلام. والفرق عنده بين التحري واليقين أن المصلي إذا كان إماما بنى على غالب ظنه وأكثر وهمه وهذا هو التحري فيسجد له بعد السلام على حديث ابن مسعود وإن كان منفردا بنى على اليقين وسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد وهذه طريقة أكثر أصحابه في تحصيل ظاهر مذهبه. وعنه روايتان(1\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "248",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8814",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "فصل في كراهة تغميض العينين في الصلاة",
        "content": "أخريان: إحداهما: أنه يبني على اليقين مطلقا وهو مذهب الشافعي ومالك والأخرى: على غالب ظنه مطلقا وظاهر نصوصه إنما يدل على الفرق بين الشك وبين الظن الغالب القوي فمع الشك يبني على اليقين ومع أكثر الوهم أو الظن الغالب يتحرى وعلى هذا مدار أجوبته. وعلى الحالين حمل الحديثين والله أعلم. وقال أبو حنيفة رحمه الله في الشك: إذا كان أول ما عرض له استأنف الصلاة فإن عرض له كثيرا فإن كان له ظن غالب بنى عليه وإن لم يكن له ظن بنى على اليقين.  [فصل في كراهة تغميض العينين في الصلاة] فصل ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم تغميض عينيه في الصلاة وقد تقدم أنه كان في التشهد يومئ ببصره إلى أصبعه في الدعاء ولا يجاوز بصره إشارته. وذكر البخاري في quot;صحيحهquot; عن أنس رضي الله عنه قال: كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أميطي عني قرامك هذا فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي ) ولو كان يغمض عينيه في صلاته لما عرضت له في صلاته. وفي الاستدلال بهذا الحديث نظر لأن الذي كان يعرض له في صلاته: هل تذكر تلك التصاوير بعد رؤيتها أو نفس رؤيتها هذا محتمل وهذا محتمل وأبين دلالة منه حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام فنظر إلى أعلامها نظرة فلما انصرف قال: اذهبوا(1\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "249",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8815",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(بخميصتي هذه إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانية أبي جهم فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي ) وفي الاستدلال بهذا أيضا ما فيه إذ غايته أنه حانت منه التفاتة إليها فشغلته تلك الالتفاتة ولا يدل حديث التفاته إلى الشعب لما أرسل إليه الفارس طليعة لأن ذلك النظر والالتفات منه كان للحاجة لاهتمامه بأمور الجيش وقد يدل على ذلك مد يده في صلاة الكسوف ليتناول العنقود لما رأى الجنة وكذلك رؤيته النار وصاحبة الهرة فيها وصاحب المحجن وكذلك حديث مدافعته للبهيمة التي أرادت أن تمر بين يديه ورده الغلام والجارية وحجزه بين الجاريتين وكذلك أحاديث رد السلام بالإشارة على من سلم عليه وهو في الصلاة فإنه إنما كان يشير إلى من يراه وكذلك حديث تعرض الشيطان له فأخذه فخنقه وكان ذلك رؤية عين فهذه الأحاديث وغيرها يستفاد من مجموعها العلم بأنه لم يكن يغمض عينيه في الصلاة. وقد اختلف الفقهاء في كراهته فكرهه الإمام أحمد وغيره وقالوا: هو(1\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "250",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8816",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعل اليهود وأباحه جماعة ولم يكرهوه وقالوا: قد يكون أقرب إلى تحصيل الخشوع الذي هو روح الصلاة وسرها ومقصودها. والصواب أن يقال: إن كان تفتيح العين لا يخل بالخشوع فهو أفضل وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره مما يشوش عليه قلبه فهنالك لا يكره التغميض قطعا والقول باستحبابه في هذا الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة والله أعلم.  [فصل فيما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله بعد انصرافه من الصلاة] فصل فيما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله بعد انصرافه من الصلاة وجلوسه بعدها وسرعة الانتقال منها وما شرعه لأمته من الأذكار والقراءة بعدها كان إذا سلم استغفر ثلاثا وقال: ( اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ) . ولم يمكث مستقبل القبلة إلا مقدار ما يقول ذلك بل يسرع الانتقال إلى المأمومين. وكان ينفتل عن يمينه وعن يساره وقال ابن مسعود: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ينصرف عن يساره ) . وقال أنس: ( أكثر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه ) والأول في(1\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "251",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8817",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;الصحيحينquot;. والثاني في quot; مسلم quot;. وقال عبد الله بن عمرو: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفتل عن يمينه وعن يساره في الصلاة ) . ثم ( كان يقبل على المأمومين بوجهه ولا يخص ناحية منهم دون ناحية ) ( وكان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس ) . (وكان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: quot; لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا(1\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "252",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8818",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد quot;. وكان يقول: quot; لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ) وذكر أبو داود عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم من الصلاة قال: (اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت )(1\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "253",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8819",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذه قطعة من حديث علي الطويل الذي رواه مسلم في استفتاحه عليه الصلاة والسلام وما كان يقوله في ركوعه وسجوده. ولمسلم فيه لفظان. أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله بين التشهد والتسليم وهذا هو الصواب. والثاني: كان يقوله بعد السلام ولعله كان يقوله في الموضعين والله أعلم. وذكر الإمام أحمد عن زيد بن أرقم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دبر كل صلاة: ( اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه أنا شهيد أنك الرب وحدك لا شريك لك اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن محمدا عبدك ورسولك اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة اللهم ربنا ورب كل شيء اجعلني مخلصا لك وأهلي في كل ساعة من الدنيا والآخرة يا ذا الجلال والإكرام اسمع واستجب الله أكبر الأكبر الله نور السماوات والأرض الله أكبر الأكبر حسبي الله ونعم الوكيل الله أكبر الأكبر ) رواه أبو داود. وندب أمته إلى أن يقولوا في دبر كل صلاة: ( سبحان الله ثلاثا وثلاثين والحمد لله كذلك والله أكبر كذلك وتمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ) وفي صفة أخرى: التكبير أربعا وثلاثين فتتم به المائة.(1\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "254",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8820",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي صفة أخرى: ( خمسا وعشرين تسبيحة ومثلها تحميدة ومثلها تكبيرة ومثلها لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ) . وفي صفة أخرى: ( عشر تسبيحات وعشر تحميدات وعشر تكبيرات ) .(1\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "255",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8821",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي صفة أخرى: quot;إحدى عشرةquot; كما في quot;صحيح مسلم quot; في بعض روايات حديث أبي هريرة ( ويسبحون ويحمدون ويكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين إحدى عشرة وإحدى عشرة وإحدى عشرة فذلك ثلاثة وثلاثون ) والذي يظهر في هذه الصفة أنها من تصرف بعض الرواة وتفسيره لأن لفظ الحديث: ( يسبحون ويحمدون ويكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ) وإنما مراده بهذا أن يكون الثلاث والثلاثون في كل واحدة من كلمات التسبيح والتحميد والتكبير أي قولوا: quot;سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثا وثلاثينquot; لأن راوي الحديث سمي عن أبي صالح السمان وبذلك فسره أبو صالح قال: quot; قولوا: ( سبحان الله والحمد لله والله أكبر حتى يكون منهن كلهن ثلاث وثلاثون ) وأما تخصيصه بإحدى عشرة فلا نظير له في شيء من الأذكار بخلاف المائة فإن لها نظائر والعشر لها نظائر أيضا كما في السنن من حديث أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات كتب له عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات وكان يومه ذلك كله في حرز من كل مكروه وحرس من الشيطان ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله )  قال الترمذي: حديث حسن صحيح.(1\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "256",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8822",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot;مسند الإمام أحمد quot; من حديث أم سلمة أنه صلى الله عليه وسلم ( علم ابنته فاطمة لما جاءت تسأله الخادم فأمرها: أن تسبح الله عند النوم ثلاثا وثلاثين وتحمده ثلاثا وثلاثين وتكبره ثلاثا وثلاثين وإذا صلت الصبح أن تقول: quot;لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات وبعد صلاة المغرب عشر مرات ) . وفي quot;صحيح ابن حبان quot; عن أبي أيوب الأنصاري يرفعه: ( من قال إذا(1\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "257",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8823",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصبح لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كتب له بهن عشر حسنات ومحي عنه بهن عشر سيئات ورفع له بهن عشر درجات وكن له عدل عتاقة أربع رقاب وكن له حرسا من الشيطان حتى يمسي ومن قالهن إذا صلى المغرب دبر صلاته فمثل ذلك حتى يصبح ) وقد تقدم قول النبي صلى الله عليه وسلم في الاستفتاح ( الله أكبر عشرا والحمد لله عشرا وسبحان الله عشرا ولا إله إلا الله عشرا ويستغفر الله عشرا ويقول: اللهم اغفر لي واهدني وارزقني عشرا ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة عشرا ) فالعشر في الأذكار والدعوات كثيرة. وأما الإحدى عشرة فلم يجئ ذكرها في شيء من ذلك البتة إلا في بعض طرق حديث أبي هريرة المتقدم والله أعلم. وقد ذكر أبو حاتم في quot;صحيحهquot; أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند انصرافه من صلاته: ( اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من نقمتك وأعوذ بك منك لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد )(1\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "258",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8824",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر الحاكم في quot;مستدركهquot; عن أبي أيوب أنه قال: ما صليت وراء نبيكم صلى الله عليه وسلم إلا سمعته حين ينصرف من صلاته يقول: (اللهم اغفر لي خطاياي وذنوبي كلها اللهم أنعمني وأحيني وارزقني واهدني لصالح الأعمال والأخلاق إنه لا يهدي لصالحها إلا أنت ولا يصرف عن سيئها إلا أنت ) وذكر ابن حبان في quot;صحيحهquot; عن الحارث بن مسلم التميمي قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا صليت الصبح فقلت قبل أن تتكلم: اللهم أجرني من النار سبع مرات فإنك إن مت من يومك كتب الله لك جوارا من النار وإذا صليت المغرب فقل قبل أن تتكلم: اللهم أجرني من النار سبع مرات فإنك إن مت من ليلتك كتب الله لك جوارا من النار ) . وقد ذكر النسائي في quot;السنن الكبيرquot; من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت ) وهذا الحديث تفرد به محمد بن حمير عن محمد بن زياد الألهاني عن أبي أمامة ورواه النسائي عن الحسين بن بشر عن محمد بن(1\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "259",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8825",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حمير. وهذا الحديث من الناس من يصححه ويقول: الحسين بن بشر قد قال فيه النسائي: لا بأس به. وفي موضع آخر: ثقة. وأما المحمدان فاحتج بهما البخاري في quot;صحيحهquot; قالوا: فالحديث على رسمه ومنهم من يقول: هو موضوع وأدخله أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه في الموضوعات وتعلق على محمد بن حمير وأن أبا حاتم الرازي قال: لا يحتج به وقال يعقوب بن سفيان: ليس بقوي وأنكر ذلك عليه بعض الحفاظ ووثقوا محمدا وقال: هو أجل من أن يكون له حديث موضوع وقد احتج به أجل من صنف في الحديث الصحيح وهو البخاري ووثقه أشد الناس مقالة في الرجال يحيى بن معين وقد رواه الطبراني في quot;معجمهquot; أيضا من حديث عبد الله بن حسن عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى ) . وقد روي هذا الحديث من حديث أبي أمامة وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر والمغيرة بن شعبة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وفيها كلها ضعف ولكن إذا انضم بعضها إلى بعض مع تباين طرقها واختلاف مخارجها دلت على أن الحديث له أصل وليس بموضوع. وبلغني عن شيخنا أبي العباس ابن تيمية قدس الله روحه أنه قال: ما تركتها عقيب كل صلاة. وفي المسند والسنن عن عقبة بن عامر قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن أقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة . ورواه أبو حاتم ابن حبان في(1\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "260",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8826",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;صحيحهquot; والحاكم في quot;المستدركquot; وقال: صحيح على شرط مسلم. ولفظ الترمذي quot;بالمعوذتينquot;. وفي quot;معجم الطبراني quot; و quot;مسند أبي يعلى الموصلي quot; من حديث عمر بن نبهان وقد تكلم فيه عن جابر يرفعه: ( ثلاث من جاء بهن مع الإيمان دخل من أي أبواب الجنة شاء وزوج من الحور العين حيث شاء من عفا عن قاتله وأدى دينا خفيا وقرأ في دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات قل هو الله أحد ) . فقال أبو بكر رضي الله عنه: quot;أو إحداهن يا رسول اللهquot;: قال: quot;أو إحداهنquot;. وأوصى معاذا أن يقول في دبر كل صلاة: ( اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ) . ودبر الصلاة يحتمل قبل السلام وبعده وكان شيخنا يرجح أن يكون قبل السلام فراجعته فيه فقال: دبر كل شيء منه كدبر الحيوان.  [فصل في السترة في الصلاة] فصل وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى إلى الجدار جعل بينه وبينه قدر ممر الشاة ولم يكن يتباعد منه بل أمر بالقرب من السترة وكان إذا صلى إلى عود أو عمود أو شجرة جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر ولم يصمد له صمدا وكان يركز الحربة في السفر والبرية فيصلي إليها فتكون سترته وكان يعرض راحلته فيصلي إليها وكان يأخذ الرحل فيعدله فيصلي إلى آخرته ( وأمر المصلي أن(1\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "261",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8827",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يستتر ولو بسهم أو عصا فإن لم يجد فليخط خطا في الأرض ) قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الخط عرضا مثل الهلال. وقال عبد الله: الخط بالطول وأما العصا فتنصب نصبا فإن لم يكن سترة فإنه صح عنه أنه يقطع صلاته quot;المرأة والحمار والكلب الأسود quot;. وثبت ذلك عنه من رواية أبي ذر وأبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن مغفل. ومعارض هذه الأحاديث قسمان: صحيح غير صريح وصريح غير صحيح فلا يترك العمل بها لمعارض هذا شأنه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وعائشة رضي الله عنها نائمة في(1\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "262",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8828",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قبلته . وكأن ذلك ليس كالمار فإن الرجل محرم عليه المرور بين يدي المصلي ولا يكره له أن يكون لابثا بين يديه وهكذا المرأة يقطع مرورها الصلاة دون لبثها والله أعلم.(1\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "263",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8829",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في السنن الرواتب] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في السنن الرواتب كان صلى الله عليه وسلم يحافظ على عشر ركعات في الحضر دائما وهي التي قال فيها ابن عمر: ( حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته وركعتين بعد العشاء في بيته وركعتين قبل صلاة الصبح ) . فهذه لم يكن يدعها في الحضر أبدا ولما فاتته الركعتان بعد الظهر قضاهما بعد العصر وداوم عليهما لأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا عمل عملا أثبته وقضاء السنن الرواتب في أوقات النهي عام له ولأمته وأما المداومة على تلك الركعتين في وقت النهي فمختص به كما سيأتي تقرير ذلك في ذكر خصائصه إن شاء الله تعالى. وكان يصلي أحيانا قبل الظهر أربعا كما في quot;صحيح البخاريquot; عن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم: ( كان لا يدع أربعا قبل الظهر وركعتين قبل الغداة ) . فإما أن يقال: إنه صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى في بيته صلى أربعا وإذا صلى في المسجد صلى ركعتين وهذا أظهر وإما أن يقال: كان يفعل هذا ويفعل هذا فحكى كل من عائشة وابن عمر ما شاهده والحديثان صحيحان لا مطعن في واحد منهما. وقد يقال: إن هذه الأربع لم تكن سنة الظهر بل هي صلاة مستقلة كان(1\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "264",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8830",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يصليها بعد الزوال كما ذكره الإمام أحمد عن عبد الله بن السائب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي أربعا بعد أن تزول الشمس وقال: (إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح)  وفي السنن أيضا عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كان إذا لم يصل أربعا قبل الظهر صلاهن بعدها ) وقال ابن ماجه: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فاتته الأربع قبل الظهر صلاها بعد الركعتين بعد الظهر ) . وفي الترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي أربعا قبل الظهر وبعدها ركعتين ) . وذكر ابن ماجه أيضا عن عائشة: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم quot; يصلي أربعا قبل الظهر يطيل فيهن القيام ويحسن فيهن الركوع والسجود ) فهذه - والله أعلم - هي الأربع التي أرادت عائشة أنه كان لا يدعهن. وأما سنة الظهر فالركعتان اللتان قال عبد الله بن عمر يوضح ذلك أن سائر الصلوات سنتها ركعتان ركعتان والفجر مع كونها ركعتين والناس في وقتها أفرغ ما يكونون ومع هذا سنتها ركعتان وعلى هذا فتكون هذه الأربع التي قبل الظهر وردا مستقلا سببه انتصاف النهار وزوال الشمس. وكان عبد الله بن مسعود يصلي بعد الزوال ثمان ركعات ويقول: إنهن يعدلن بمثلهن من قيام الليل. وسر هذا-(1\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "265",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8831",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والله أعلم- أن انتصاف النهار مقابل لانتصاف الليل وأبواب السماء تفتح بعد زوال الشمس ويحصل النزول الإلهي بعد انتصاف الليل فهما وقتا قرب ورحمة هذا تفتح فيه أبواب السماء وهذا ينزل فيه الرب تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا. وقد روى مسلم في quot;صحيحهquot; من حديث أم حبيبة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة بني له بهن بيت في الجنة ) . وزاد النسائي والترمذي فيه: ( أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل صلاة الفجر ) . قال النسائي: ( وركعتين قبل العصر ) بدل ( وركعتين بعد العشاء ) وصححه الترمذي. وذكر ابن ماجه عن عائشة ترفعه: ( من ثابر على ثنتي عشرة ركعة من السنة بنى الله له بيتا في الجنة: أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الفجر ) . وذكر أيضا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وقال: ( ركعتين قبل الفجر وركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين أظنه قال: قبل العصر وركعتين بعد المغرب أظنه قال: وركعتين بعد العشاء الآخرة ) وهذا التفسير يحتمل أن يكون من كلام(1\/300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "266",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8832",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعض الرواة مدرجا في الحديث ويحتمل أن يكون من كلام النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا والله أعلم. وأما الأربع قبل العصر فلم يصح عنه عليه السلام في فعلها شيء إلا حديث عاصم بن ضمرة عن علي. . . الحديث الطويل أنه صلى الله عليه وسلم ( كان يصلي في النهار ست عشرة ركعة يصلي إذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا لصلاة الظهر أربع ركعات وكان يصلي قبل الظهر أربع ركعات وبعد الظهر ركعتين وقبل العصر أربع ركعات ) . وفي لفظ: ( كان إذا زالت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند العصر صلى ركعتين وإذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند الظهر صلى أربعا ويصلي قبل الظهر أربعا وبعدها ركعتين وقبل العصر أربعا ويفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين ) وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ينكر هذا الحديث ويدفعه جدا ويقول: إنه موضوع. ويذكر عن أبي إسحاق الجوزجاني إنكاره. وقد روى أحمد وأبو داود والترمذي من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا ) . وقد اختلف في هذا الحديث فصححه ابن حبان وعلله غيره قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: سألت أبا الوليد الطيالسي عن حديث محمد بن مسلم بن المثنى عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ( رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا ) . فقال: دع ذا. فقلت: إن أبا داود قد رواه فقال: قال أبو الوليد: كان ابن(1\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "267",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8833",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عمر يقول: ( حفظت عن النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات في اليوم والليلة ) . فلو كان هذا لعده. قال أبي: كان يقول: quot;حفظت ثنتي عشرة ركعةquot;. وهذا ليس بعلة أصلا فإن ابن عمر إنما أخبر بما حفظه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يخبر عن غير ذلك فلا تنافي بين الحديثين البتة. وأما الركعتان قبل المغرب فإنه لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصليهما وصح عنه أنه أقر أصحابه عليهما وكان يراهم يصلونهما فلم يأمرهم ولم ينههم وفي quot;الصحيحينquot; عن عبد الله المزني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( صلوا قبل المغرب صلوا قبل المغرب ) . قال في الثالثة ( لمن شاء كراهة أن يتخذها الناس سنة ) . وهذا هو الصواب في هاتين الركعتين أنهما مستحبتان مندوب إليهما وليستا بسنة راتبة كسائر السنن الرواتب. وكان يصلي عامة السنن والتطوع الذي لا سبب له في بيته لا سيما سنة المغرب فإنه لم ينقل عنه أنه فعلها في المسجد البتة. وقال الإمام أحمد في رواية حنبل: السنة أن يصلي الرجل الركعتين بعد المغرب في بيته كذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال السائب بن يزيد: لقد رأيت الناس في زمن عمر بن الخطاب إذا انصرفوا من المغرب انصرفوا جميعا حتى لا يبقى في المسجد أحد كأنهم لا يصلون بعد المغرب حتى يصيروا إلى(1\/302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "268",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8834",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أهليهم. انتهى كلامه. فإن صلى الركعتين في المسجد فهل يجزئ عنه وتقع موقعها اختلف قوله فروى عنه ابنه عبد الله أنه قال: بلغني عن رجل سماه أنه قال: لو أن رجلا صلى الركعتين بعد المغرب في المسجد ما أجزأه. فقال: ما أحسن ما قال هذا الرجل وما أجود ما انتزع. قال أبو حفص: ووجهه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصلاة في البيوت. وقال المروزي: من صلى ركعتين بعد المغرب في المسجد يكون عاصيا قال: ما أعرف هذا قلت له: يحكى عن أبي ثور أنه قال: هو عاص. قال: لعله ذهب إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( اجعلوها في بيوتكم ) قال أبو حفص: ووجهه أنه لو صلى الفرض في البيت وترك المسجد أجزأه فكذلك السنة. انتهى كلامه. وليس هذا وجهه عند أحمد رحمه الله وإنما وجهه أن السنن لا يشترط لها مكان معين ولا جماعة فيجوز فعلها في البيت والمسجد والله أعلم. وفي سنة المغرب سنتان إحداهما: أنه لا يفصل بينها وبين المغرب بكلام قال أحمد رحمه الله في رواية الميموني والمروزي: يستحب ألا يكون قبل الركعتين بعد المغرب إلى أن يصليهما كلام. وقال الحسن بن محمد: رأيت أحمد إذا سلم من صلاة المغرب قام ولم يتكلم ولم يركع في المسجد قبل أن يدخل الدار قال أبو حفص: ووجهه قول مكحول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من صلى ركعتين بعد المغرب قبل أن يتكلم رفعت صلاته في عليين )(1\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "269",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8835",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولأنه يتصل النفل بالفرض انتهى كلامه. والسنة الثانية: أن تفعل في البيت فقد روى النسائي وأبو داود والترمذي من حديث كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى مسجد بني عبد الأشهل فصلى فيه المغرب فلما قضوا صلاتهم رآهم يسبحون بعدها. فقال: (هذه صلاة البيوت)  . ورواه ابن ماجه من حديث رافع بن خديج وقال فيها: ( اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم ) والمقصود أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم فعل عامة السنن والتطوع في بيته. كما في الصحيح عن ابن عمر: ( حفظت عن النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته وركعتين بعد العشاء في بيته وركعتين قبل صلاة الصبح ) وفي quot;صحيح مسلم quot; عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في بيتي أربعا قبل الظهر ثم يخرج فيصلي بالناس ثم يدخل فيصلي ركعتين وكان يصلي بالناس المغرب ثم يدخل فيصلي ركعتين ويصلي بالناس العشاء ثم يدخل بيتي فيصلي ركعتين ) . وكذلك المحفوظ عنه في(1\/304)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "270",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8836",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سنة الفجر إنما كان يصليها في بيته كما قالت حفصة. وفي quot; الصحيحينquot; عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم ( كان يصلي ركعتين بعد الجمعة في بيته ) . وسيأتي الكلام على ذكر سنة الجمعة بعدها والصلاة قبلها عند ذكر هديه في الجمعة إن شاء الله تعالى وهو موافق لقوله صلى الله عليه وسلم: ( أيها الناس صلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ) . وكان هدي النبي صلى الله عليه وسلم فعل السنن والتطوع في البيت إلا لعارض كما أن هديه كان فعل الفرائض في المسجد إلا لعارض من سفر أو مرض أو غيره مما يمنعه من المسجد وكان تعاهده ومحافظته على سنة الفجر أشد من جميع النوافل ولذلك لم يكن يدعها هي والوتر سفرا وحضرا وكان في السفر يواظب على سنة الفجر والوتر أشد من جميع النوافل دون سائر السنن ولم ينقل عنه في السفر أنه صلى الله عليه وسلم صلى سنة راتبة غيرهما ولذلك كان ابن عمر لا يزيد على ركعتين ويقول: سافرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فكانوا لا يزيدون في السفر على ركعتين  وهذا وإن احتمل أنهم لم يكونوا يربعون إلا أنهم لم يصلوا السنة لكن قد ثبت عن ابن عمر أنه سئل عن سنة الظهر في السفر فقال: (لو كنت مسبحا لأتممت) وهذا من فقهه رضي الله عنه فإن الله سبحانه وتعالى خفف عن المسافر في الرباعية شطرها(1\/305)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "271",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8837",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلو شرع له الركعتان قبلها أو بعدها لكان الإتمام أولى به. وقد اختلف الفقهاء: أي الصلاتين آكد سنة الفجر أو الوتر على قولين: ولا يمكن الترجيح باختلاف الفقهاء في وجوب الوتر فقد اختلفوا أيضا في وجوب سنة الفجر وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: سنة الفجر تجري مجرى بداية العمل والوتر خاتمته. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي سنة الفجر والوتر بسورتي الإخلاص وهما الجامعتان لتوحيد العلم والعمل وتوحيد المعرفة والإرادة وتوحيد الاعتقاد والقصد انتهى. فسورة قل هو الله أحد [الإخلاص: 1] : متضمنة لتوحيد الاعتقاد والمعرفة وما يجب إثباته للرب تعالى من الأحدية المنافية لمطلق المشاركة بوجه من الوجوه والصمدية المثبتة له جميع صفات الكمال التي لا يلحقها نقص بوجه من الوجوه ونفي الولد والوالد الذي هو من لوازم الصمدية وغناه وأحديته ونفي الكفء المتضمن لنفي التشبيه والتمثيل والتنظير فتضمنت هذه السورة إثبات كل كمال له ونفي كل نقص عنه ونفي إثبات شبيه أو مثيل له في كماله ونفي مطلق الشريك عنه وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الاعتقادي الذي يباين صاحبه جميع فرق الضلال والشرك ولذلك كانت تعدل ثلث القرآن فإن القرآن مداره على الخبر والإنشاء والإنشاء ثلاثة: أمر ونهي وإباحة. والخبر نوعان: خبر عن الخالق تعالى وأسمائه وصفاته وأحكامه وخبر عن خلقه. فأخلصت سورة قل هو الله أحد [الإخلاص: 1] الخبر عنه وعن أسمائه وصفاته فعدلت ثلث القرآن وخلصت قارئها المؤمن بها من الشرك العلمي كما خلصت سورة قل ياأيها الكافرون [الكافرون: 1] من الشرك العملي الإرادي القصدي. ولما كان العلم قبل العمل وهو إمامه وقائده وسائقه والحاكم عليه ومنزله منازله كانت سورة قل هو الله أحد [الإخلاص: 1] تعدل ثلث القرآن. والأحاديث بذلك تكاد تبلغ مبلغ التواتر و قل ياأيها الكافرون [الكافرون: 1] تعدل ربع القرآن والحديث بذلك في الترمذي من رواية ابن عباس رضي الله(1\/306)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "272",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8838",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنهما يرفعه  إذا زلزلت [الزلزلة: 1] تعدل نصف القرآن و قل هو الله أحد [الإخلاص: 1] تعدل ثلث القرآن و قل ياأيها الكافرون [الكافرون: 1]  تعدل ربع القرآن quot;. رواه الحاكم في quot;المستدركquot; وقال: صحيح الإسناد. ولما كان الشرك العملي الإرادي أغلب على النفوس لأجل متابعتها هواها وكثير منها ترتكبه مع علمها بمضرته وبطلانه لما لها فيه من نيل الأغراض وإزالته وقلعه منها أصعب وأشد من قلع الشرك العلمي وإزالته لأن هذا يزول بالعلم والحجة ولا يمكن صاحبه أن يعلم الشيء على غير ما هو عليه بخلاف شرك الإرادة والقصد فإن صاحبه يرتكب ما يدله العلم على بطلانه وضرره لأجل غلبة هواه واستيلاء سلطان الشهوة والغضب على نفسه فجاء من التأكيد والتكرار في سورة قل ياأيها الكافرون [الكافرون: 1] المتضمنة لإزالة الشرك العملي ما لم يجئ مثله في سورة قل هو الله أحد [الإخلاص: 1]  ولما كان القرآن شطرين: شطرا في الدنيا وأحكامها ومتعلقاتها والأمور الواقعة فيها من أفعال المكلفين وغيرها وشطرا في الآخرة وما يقع فيها وكانت سورة إذا زلزلت [الزلزلة: 1] قد أخلصت من أولها وآخرها لهذا الشطر فلم يذكر فيها إلا الآخرة وما يكون فيها من أحوال الأرض وسكانها كانت تعدل نصف القرآن فأحرى بهذا الحديث أن يكون صحيحا - والله أعلم - ولهذا كان يقرأ بهاتين السورتين في ركعتي الطواف(1\/307)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "273",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8839",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولأنهما سورتا الإخلاص والتوحيد كان يفتتح بهما عمل النهار ويختمه بهما ويقرأ بهما في الحج الذي هو شعار التوحيد.  [فصل في اضطجاعه صلى الله عليه وسلم بعد سنة الفجر على شقه الأيمن] فصل وكان صلى الله عليه وسلم يضطجع بعد سنة الفجر على شقه الأيمن هذا الذي ثبت عنه في quot;الصحيحينquot; من حديث عائشة رضي الله عنها. وذكر الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot; إذا صلى أحدكم الركعتين قبل صلاة الصبح فليضطجع على جنبه الأيمن quot;. قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. وسمعت ابن تيمية يقول: هذا باطل وليس بصحيح وإنما الصحيح عنه الفعل لا الأمر بها والأمر تفرد به عبد الواحد بن زياد وغلط فيه وأما ابن حزم ومن تابعه فإنهم يوجبون هذه الضجعة ويبطل ابن حزم صلاة من لم يضطجعها(1\/308)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "274",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8840",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بهذا الحديث وهذا مما تفرد به عن الأمة ورأيت مجلدا لبعض أصحابه قد نصر فيه هذا المذهب. وقد ذكر عبد الرزاق في quot;المصنفquot; عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين أن أبا موسى ورافع بن خديج وأنس بن مالك رضي الله عنهم (كانوا يضطجعون بعد ركعتي الفجر ويأمرون بذلك) وذكر عن معمر عن أيوب عن نافع أن ابن عمر كان لا يفعله ويقول: كفانا بالتسليم. وذكر عن ابن جريج: أخبرني من أصدق أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول: quot; إن النبي صلى الله عليه وسلم (لم يكن يضطجع لسنة ولكنه كان يدأب ليله فيستريح)  قال: وكان ابن عمر يحصبهم إذا رآهم يضطجعون على أيمانهم. وذكر ابن أبي شيبة عن أبي الصديق الناجي أن ابن عمر رأى قوما اضطجعوا بعد ركعتي الفجر فأرسل إليهم فنهاهم فقالوا: نريد بذلك السنة فقال ابن عمر: ارجع إليهم وأخبرهم أنها بدعة. وقال أبو مجلز: سألت ابن عمر عنها فقال: يلعب بكم الشيطان. قال ابن عمر رضي الله عنه: ما بال الرجل إذا صلى الركعتين يفعل كما يفعل الحمار إذا تمعك. وقد غلا في هذه الضجعة طائفتان وتوسط فيها طائفة ثالثة فأوجبها جماعة من أهل الظاهر وأبطلوا الصلاة بتركها كابن حزم ومن وافقه وكرهها جماعة من الفقهاء وسموها بدعة وتوسط فيها مالك وغيره فلم يروا بها بأسا لمن فعلها راحة وكرهوها لمن فعلها استنانا واستحبها طائفة على الإطلاق سواء استراح بها أم لا واحتجوا بحديث أبي هريرة. والذين كرهوها منهم من احتج بآثار الصحابة كابن عمر وغيره حيث كان يحصب من فعلها ومنهم من أنكر فعل النبي صلى الله عليه وسلم لها وقال: الصحيح أن اضطجاعه كان بعد الوتر وقبل ركعتي الفجر كما هو مصرح به في حديث ابن عباس. قال: وأما حديث(1\/309)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "275",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8841",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عائشة فاختلف على ابن شهاب فيه فقال مالك عنه: فإذا فرغ يعني من قيام الليل اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين وهذا صريح أن الضجعة قبل سنة الفجر وقال غيره عن ابن شهاب: فإذا سكت المؤذن من أذان الفجر وتبين له الفجر وجاءه المؤذن قام فركع ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقه الأيمن. قالوا: وإذا اختلف أصحاب ابن شهاب فالقول ما قاله مالك لأنه أثبتهم فيه وأحفظهم. وقال الآخرون: بل الصواب في هذا مع من خالف مالكا وقال أبو بكر الخطيب: روى مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين ) وخالف مالكا عقيل ويونس وشعيب وابن أبي ذئب والأوزاعي وغيرهم فرووا عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يركع الركعتين للفجر ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن فيخرج معه ) فذكر مالك أن اضطجاعه كان قبل ركعتي الفجر. وفي حديث الجماعة أنه اضطجع بعدهما فحكم العلماء أن مالكا أخطأ وأصاب غيره انتهى كلامه. وقال أبو طالب: قلت لأحمد: حدثنا أبو الصلت عن أبي كدينة عن(1\/310)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "276",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8842",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اضطجع بعد ركعتي الفجر  قال: شعبة لا يرفعه. قلت: فإن لم يضطجع عليه شيء قال: لا عائشة ترويه وابن عمر ينكره. قال الخلال: وأنبأنا المروزي أن أبا عبد الله قال: حديث أبي هريرة ليس بذاك. قلت: إن الأعمش يحدث به عن أبي صالح عن أبي هريرة. قال: عبد الواحد وحده يحدث به. وقال إبراهيم بن الحارث: إن أبا عبد الله سئل عن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر قال: ما أفعله وإن فعله رجل فحسن. انتهى. فلو كان حديث عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح صحيحا عنده لكان أقل درجاته عنده الاستحباب وقد يقال: إن عائشة رضي الله عنها روت هذا وروت هذا فكان يفعل هذا تارة وهذا تارة فليس في ذلك خلاف فإنه من المباح والله أعلم. وفي اضطجاعه على شقه الأيمن سر وهو أن القلب معلق في الجانب الأيسر فإذا نام الرجل على الجنب الأيسر استثقل نوما لأنه يكون في دعة واستراحة فيثقل نومه فإذا نام على شقه الأيمن فإنه يقلق ولا يستغرق في النوم لقلق القلب وطلبه مستقره وميله إليه ولهذا استحب الأطباء النوم على الجانب الأيسر لكمال الراحة وطيب المنام وصاحب الشرع يستحب النوم على الجانب الأيمن لئلا يثقل نومه فينام عن قيام الليل فالنوم على الجانب الأيمن أنفع للقلب وعلى الجانب الأيسر أنفع للبدن والله أعلم.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في قيام الليل] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في قيام الليل قد اختلف السلف والخلف في أنه: هل كان فرضا عليه أم لا والطائفتان احتجوا بقوله تعالى: ومن الليل فتهجد به نافلة لك [الإسراء: 79] [الإسراء: 79] قالوا: فهذا صريح في عدم الوجوب قال الآخرون: أمره بالتهجد في هذه السورة كما أمره في قوله تعالى: ياأيها المزمل - قم الليل إلا قليلا [المزمل: 1 - 2] [المزمل: 1 2] . ولم(1\/311)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "277",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8843",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يجئ ما ينسخه عنه وأما قوله تعالى: نافلة لك [الإسراء: 79] . فلو كان المراد به التطوع لم يخصه بكونه نافلة له وإنما المراد بالنافلة الزيادة ومطلق الزيادة لا يدل على التطوع قال تعالى: ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة [الأنبياء: 72] [الأنبياء: 72]  أي: زيادة على الولد وكذلك النافلة في تهجد النبي صلى الله عليه وسلم زيادة في درجاته وفي أجره ولهذا خصه بها فإن قيام الليل في حق غيره مباح ومكفر للسيئات وأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فهو يعمل في زيادة الدرجات وعلو المراتب وغيره يعمل في التكفير. قال مجاهد: إنما كان نافلة للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكانت طاعته نافلة أي: زيادة في الثواب ولغيره كفارة لذنوبه قال ابن المنذر في تفسيره: حدثنا يعلى بن أبي عبيد حدثنا الحجاج عن ابن جريج عن عبد الله بن كثير عن مجاهد قال: ما سوى المكتوبة فهو نافلة من أجل أنه لا يعمل في كفارة الذنوب وليست للناس نوافل إنما هي للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة والناس جميعا يعملون ما سوى المكتوبة لذنوبهم في كفارتها. حدثنا محمد بن نصر حدثنا عبد الله حدثنا عمرو عن سعيد وقبيصة عن سفيان عن أبي عثمان عن الحسن في قوله تعالى: ومن الليل فتهجد به نافلة لك [الإسراء: 79] . قال: (لا تكون نافلة الليل إلا للنبي صلى الله عليه وسلم) وذكر عن الضحاك قال: نافلة للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وذكر سليم بن حيان حدثنا أبو غالب حدثنا أبو أمامة قال: إذا وضعت الطهور مواضعه قمت مغفورا لك فإن قمت تصلي كانت لك فضيلة وأجرا فقال رجل: يا أبا أمامة أرأيت إن قام يصلي تكون له نافلة قال: لا إنما النافلة للنبي صلى الله عليه وسلم فكيف يكون له نافلة وهو يسعى في الذنوب والخطايا! تكون له(1\/312)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "278",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8844",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فضيلة وأجرا) قلت: والمقصود أن النافلة في الآية لم يرد بها ما يجوز فعله وتركه كالمستحب والمندوب وإنما المراد بها الزيادة في الدرجات وهذا قدر مشترك بين الفرض والمستحب فلا يكون قوله: (نافلة لك) نافيا لما دل عليه الأمر من الوجوب وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة إن شاء الله تعالى عند ذكر خصائص النبي صلى الله عليه وسلم. ولم يكن صلى الله عليه وسلم يدع قيام الليل حضرا ولا سفرا وكان إذا غلبه نوم أو وجع صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة. فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: في هذا دليل على أن الوتر لا يقضى لفوات محله فهو كتحية المسجد وصلاة الكسوف والاستسقاء ونحوها لأن المقصود به أن يكون آخر صلاة الليل وترا كما أن المغرب آخر صلاة النهار فإذا انقضى الليل وصليت الصبح لم يقع الوتر موقعه. هذا معنى كلامه. وقد روى أبو داود وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من نام عن الوتر أو نسيه فليصله إذا أصبح أو ذكر ) ولكن لهذا الحديث عدة علل. أحدها: أنه من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف.(1\/313)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "279",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8845",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني: أن الصحيح فيه أنه مرسل له عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الترمذي: هذا أصح يعني المرسل. الثالث: أن ابن ماجه حكى عن محمد بن يحيى بعد أن روى حديث أبي سعيد: الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أوتروا قبل أن تصبحوا ) . قال: فهذا الحديث دليل على أن حديث عبد الرحمن واه. وكان قيامه صلى الله عليه وسلم بالليل إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة كما قال ابن عباس وعائشة فإنه ثبت عنهما هذا وهذا ففي quot;الصحيحينquot; عنها: ( ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة ) . وفي quot;الصحيحينquot; عنها أيضا ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرهن ) . والصحيح عن عائشة الأول: والركعتان فوق الإحدى عشرة هما ركعتا الفجر جاء ذلك مبينا عنها في هذا الحديث بعينه ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ثلاث(1\/314)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "280",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8846",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عشرة ركعة بركعتي الفجر ) ذكره مسلم في quot;صحيحهquot;. وقال البخاري في هذا الحديث: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة ثم يصلي إذا سمع النداء بالفجر ركعتين خفيفتين ) . وفي quot;الصحيحينquot; عن القاسم بن محمد قال: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: ( كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل عشر ركعات ويوتر بسجدة ويركع ركعتي الفجر وذلك ثلاث عشرة ركعة ) فهذا مفسر مبين. وأما ابن عباس فقد اختلف عليه ففي quot;الصحيحينquot; عن أبي جمرة عنه: ( كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة ركعة يعني بالليل ) . لكن قد جاء عنه هذا مفسرا أنها بركعتي الفجر. قال الشعبي: سألت عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل فقالا: (ثلاث عشرة ركعة منها ثمان ويوتر بثلاث وركعتين قبل صلاة الفجر)  . وفي quot;الصحيحينquot; عن كريب عنه في قصة مبيته عند خالته ميمونة بنت الحارث أنه صلى الله عليه وسلم ( صلى ثلاث عشرة ركعة ثم نام حتى نفخ فلما تبين له الفجر صلى ركعتين خفيفتين ) . وفي لفظ: ( فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم أوتر ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن. فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج يصلي الصبح )(1\/315)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "281",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8847",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقد حصل الاتفاق على إحدى عشرة ركعة. واختلف في الركعتين الأخيرتين: هل هما ركعتا الفجر أو هما غيرهما فإذا انضاف ذلك إلى عدد ركعات الفرض والسنن الراتبة التي كان يحافظ عليها جاء مجموع ورده الراتب بالليل والنهار أربعين ركعة كان يحافظ عليها دائما سبعة عشر فرضا وعشر ركعات أو ثنتا عشرة سنة راتبة وإحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة قيامه بالليل والمجموع أربعون ركعة وما زاد على ذلك فعارض غير راتب كصلاة الفتح ثمان ركعات وصلاة الضحى إذا قدم من سفر وصلاته عند من يزوره وتحية المسجد ونحو ذلك فينبغي للعبد أن يواظب على هذا الورد دائما إلى الممات فما أسرع(1\/316)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "282",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8848",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإجابة وأعجل فتح الباب لمن يقرعه كل يوم وليلة أربعين مرة. والله المستعان.  [فصل في سياق صلاته صلى الله عليه وسلم بالليل ووتره وذكر صلاة أول الليل] فصل في سياق صلاته صلى الله عليه وسلم بالليل ووتره وذكر صلاة أول الليل قالت عائشة رضي الله عنها: ( ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء قط فدخل علي إلا صلى أربع ركعات أو ست ركعات ثم يأوي إلى فراشه ) . وقال ابن عباس لما بات عنده: ( صلى العشاء ثم جاء ثم صلى ثم نام ) ذكرهما أبو داود. وكان إذا استيقظ بدأ بالسواك ثم يذكر الله تعالى وقد تقدم ذكر ما كان يقوله عند استيقاظه ثم يتطهر ثم يصلي ركعتين خفيفتين كما في quot;صحيح مسلم quot; عن عائشة قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين ) . وأمر بذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين ) رواه مسلم. وكان يقوم تارة إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل وربما كان يقوم إذا سمع الصارخ وهو الديك وهو إنما يصيح في النصف الثاني وكان يقطع ورده تارة ويصله تارة وهو الأكثر ويقطعه كما قال ابن عباس في حديث مبيته عنده ( أنه صلى الله عليه وسلم استيقظ فتسوك وتوضأ وهو يقول: إن في خلق السماوات [آل عمران: 190](1\/317)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "283",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8849",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب [آل عمران: 190] [آل عمران: 190] . فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة ثم قام فصلى ركعتين أطال فيهما القيام والركوع والسجود ثم انصرف فنام حتى نفخ ثم فعل ذلك ثلاث مرات بست ركعات كل ذلك يستاك ويتوضأ ويقرأ هؤلاء الآيات ثم أوتر بثلاث فأذن المؤذن فخرج إلى الصلاة وهو يقول: (اللهم اجعل في قلبي نورا وفي لساني نورا واجعل في سمعي نورا واجعل في بصري نورا واجعل من خلفي نورا ومن أمامي نورا واجعل من فوقي نورا ومن تحتي نورا اللهم أعطني نورا ) رواه مسلم. ولم يذكر ابن عباس افتتاحه بركعتين خفيفتين كما ذكرته عائشة فإما أنه كان يفعل هذا تارة وهذا تارة وإما أن تكون عائشة حفظت ما لم يحفظ ابن عباس وهو الأظهر لملازمتها له ولمراعاتها ذلك ولكونها أعلم الخلق بقيامه بالليل وابن عباس إنما شاهده ليلة المبيت عند خالته وإذا اختلف ابن عباس وعائشة في شيء من أمر قيامه بالليل فالقول ما قالت عائشة. وكان قيامه بالليل ووتره أنواعا فمنها هذا الذي ذكره ابن عباس. النوع الثاني: الذي ذكرته عائشة أنه ( كان يفتتح صلاته بركعتين خفيفتين ثم يتمم ورده إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين ويوتر بركعة ) النوع الثالث ثلاث عشرة ركعة كذلك. النوع الرابع: (يصلي ثمان ركعات يسلم من كل ركعتين ثم يوتر بخمس سردا متوالية لا يجلس في شيء إلا في آخرهن) النوع الخامس: تسع ركعات يسرد منهن ثمانيا لا يجلس في شيء منهن إلا في الثامنة يجلس يذكر الله تعالى ويحمده ويدعوه ثم ينهض ولا يسلم ثم(1\/318)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "284",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8850",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يصلي التاسعة ثم يقعد ويتشهد ويسلم ثم يصلي ركعتين جالسا بعدما يسلم. النوع السادس: يصلي سبعا كالتسع المذكورة ثم يصلي بعدها ركعتين جالسا. النوع السابع أنه كان يصلي مثنى مثنى ثم يوتر بثلاث لا يفصل بينهن. فهذا رواه الإمام أحمد رحمه الله عن عائشة أنه ( كان يوتر بثلاث لا فصل فيهن ) وروى النسائي عنها: ( كان لا يسلم في ركعتي الوتر ) . وهذه الصفة فيها نظر فقد روى أبو حاتم بن حبان في quot;صحيحهquot; عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( لا توتروا بثلاث أوتروا بخمس أو سبع ولا تشبهوا بصلاة المغرب ) . قال الدارقطني: رواته كلهم ثقات قال مهنا: سألت أبا عبد الله: إلى أي شيء تذهب في الوتر تسلم في الركعتين قال: نعم. قلت: لأي شيء قال: لأن الأحاديث فيه أقوى وأكثر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الركعتين. الزهري عن عروة عن عائشة أن(1\/319)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "285",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8851",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النبي صلى الله عليه وسلم ( سلم من الركعتين ) وقال حرب: سئل أحمد عن الوتر قال: يسلم في الركعتين. وإن لم يسلم رجوت ألا يضره إلا أن التسليم أثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو طالب: سألت أبا عبد الله: إلى أي حديث تذهب في الوتر قال: أذهب إليها كلها: من صلى خمسا لا يجلس إلا في آخرهن ومن صلى سبعا لا يجلس إلا في آخرهن وقد روي في حديث زرارة عن عائشة: يوتر بتسع يجلس في الثامنة . قال: ولكن أكثر الحديث وأقواه ركعة فأنا أذهب إليها. قلت: ابن مسعود يقول: ثلاث قال: نعم قد عاب على سعد ركعة فقال له سعد أيضا شيئا يرد عليه. النوع الثامن: ما رواه النسائي عن حذيفة أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان فركع فقال في ركوعه: (سبحان ربي العظيم) مثل ما كان قائما ثم جلس يقول: (رب اغفر لي رب اغفر لي) مثل ما كان قائما. ثم سجد فقال: (سبحان ربي الأعلى) مثل ما كان قائما فما صلى إلا أربع ركعات حتى جاء بلال يدعوه إلى الغداة وأوتر أول الليل ووسطه وآخره. وقام ليلة تامة بآية يتلوها ويرددها حتى الصباح وهي: إن تعذبهم فإنهم عبادك [المائدة: 118]  [المائدة 118] .(1\/320)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "286",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8852",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكانت صلاته بالليل ثلاثة أنواع. أحدها - وهو أكثرها: صلاته قائما. الثاني: أنه كان يصلي قاعدا ويركع قاعدا. الثالث: أنه كان يقرأ قاعدا فإذا بقي يسير من قراءته قام فركع قائما والأنواع الثلاثة صحت عنه. وأما صفة جلوسه في محل القيام ففي quot;سنن النسائي quot; عن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي متربعا ) قال النسائي: لا أعلم أحدا روى هذا الحديث غير أبي داود يعني الحفري وأبو داود ثقة ولا أحسب إلا أن هذا الحديث خطأ والله أعلم.  [فصل في الركعتان بعد الوتر] فصل وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ( كان يصلي بعد الوتر ركعتين جالسا تارة وتارة يقرأ فيهما جالسا فإذا أراد أن يركع قام فركع  وفي quot;صحيح مسلم quot; عن أبي سلمة قال:  (سألت عائشة رضي الله عنها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: (كان يصلي(1\/321)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "287",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8853",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثلاث عشرة ركعة يصلي ثمان ركعات ثم يوتر ثم يصلي ركعتين وهو جالس فإذا أراد أن يركع قام فركع ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح)  وفي quot;المسندquot; عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يصلي بعد الوتر ركعتين خفيفتين وهو جالس ) وقال الترمذي: روي نحو هذا عن عائشة وأبي أمامة وغير واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي quot;المسندquot; عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كان يصلي ركعتين بعد الوتر وهو جالس يقرأ فيهما بـ إذا زلزلت [الزلزلة: 1] و قل ياأيها الكافرون [الكافرون: 1]  ) وروى الدارقطني نحوه من حديث أنس رضي الله عنه. وقد أشكل هذا على كثير من الناس فظنوه معارضا لقوله صلى الله عليه وسلم: ( اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا ) . وأنكر مالك رحمه الله هاتين الركعتين وقال أحمد: لا أفعله ولا أمنع من فعله قال: وأنكره مالك وقالت طائفة: إنما فعل هاتين الركعتين ليبين جواز الصلاة بعد الوتر وأن فعله لا يقطع التنفل وحملوا قوله: ( اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا ) على الاستحباب وصلاة الركعتين بعده على الجواز. والصواب: أن يقال: إن هاتين الركعتين تجريان مجرى السنة وتكميل الوتر فإن الوتر عبادة مستقلة ولا سيما إن قيل بوجوبه فتجري الركعتان بعده(1\/322)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "288",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8854",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مجرى سنة المغرب من المغرب فإنها وتر النهار والركعتان بعدها تكميل لها فكذلك الركعتان بعد وتر الليل والله أعلم.  [فصل في قنوت الوتر] فصل ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قنت في الوتر إلا في حديث رواه ابن ماجه عن علي بن ميمون الرقي حدثنا مخلد بن يزيد عن سفيان عن زبيد اليامي عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كان يوتر فيقنت قبل الركوع ) وقال أحمد في رواية ابنه عبد الله: أختار القنوت بعد الركوع إن كل شيء ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت إنما هو في الفجر لما رفع رأسه من الركوع وقنوت الوتر أختاره بعد الركوع ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في قنوت الوتر قبل أو بعد شيء. وقال الخلال: أخبرني محمد بن يحيى الكحال أنه قال لأبي عبد الله في القنوت في الوتر. فقال: ليس يروى فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء ولكن كان عمر يقنت من السنة إلى السنة. وقد روى أحمد وأهل quot;السننquot; من حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: ( علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك إنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت )(1\/323)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "289",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8855",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "زاد البيهقي والنسائي: ولا يعز من عاديت quot;. وزاد النسائي في روايته quot; وصلى الله على النبي quot;. وزاد الحاكم في quot;المستدركquot; وقال: ( علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم في وتري إذا رفعت رأسي ولم يبق إلا السجود ) . ورواه ابن حبان في quot;صحيحهquot; ولفظه: ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ) . قال الترمذي: وفي الباب عن علي رضي الله عنه وهذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي الحوراء السعدي واسمه ربيعة بن شيبان ولا نعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت في الوتر شيئا أحسن من هذا. انتهى. والقنوت في الوتر محفوظ عن عمر وابن مسعود والرواية عنهم أصح من القنوت في الفجر والرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم في قنوت الفجر أصح من الرواية في قنوت الوتر. والله أعلم. وقد روى أبو داود والترمذي والنسائي من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره: ( اللهم إني أعوذ(1\/324)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "290",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8856",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ) . وهذا يحتمل أنه قبل فراغه منه وبعده وفي إحدى الروايات عن النسائي: كان يقول إذا فرغ من صلاته وتبوأ مضجعه وفي هذه الرواية: ( لا أحصي ثناء عليك ولو حرصت ) . وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ذلك في السجود فلعله قاله في الصلاة وبعدها. وذكر الحاكم في quot;المستدركquot; من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ووتره: ثم أوتر فلما قضى صلاته سمعته يقول: (اللهم اجعل في قلبي نورا وفي بصري نورا وفي سمعي نورا وعن يميني نورا وعن شمالي نورا وفوقي نورا وتحتي نورا وأمامي نورا وخلفي نورا واجعل لي يوم لقائك نورا)  قال كريب: وسبع في القنوت فلقيت رجلا من ولد العباس فحدثني بهن فذكر quot;لحمي ودمي وعصبي وشعري وبشريquot; وذكر خصلتين وفي رواية النسائي في هذا الحديث وكان يقول في سجوده. وفي رواية لمسلم في هذا الحديث: فخرج إلى الصلاة يعني صلاة الصبح وهو يقول. . . فذكر هذا الدعاء وفي رواية له أيضا: ( وفي لساني نورا واجعل في نفسي نورا وأعظم لي نورا )  وفي رواية له: ( واجعلني نورا )(1\/325)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "291",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8857",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر أبو داود والنسائي من حديث أبي بن كعب قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الوتر بـ سبح اسم ربك الأعلى [الأعلى: 1] و قل ياأيها الكافرون [الكافرون: 1] و قل هو الله أحد [الإخلاص: 1]  فإذا سلم قال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات يمد بها صوته في الثالثة ويرفع ) وهذا لفظ النسائي. زاد الدارقطني ( رب الملائكة والروح ) وكان صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته ويقف عند كل آية فيقول: ( الحمد لله رب العالمين ويقف الرحمن الرحيم ويقف: مالك يوم الدين ) وذكر الزهري أن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت آية آية  وهذا هو الأفضل الوقوف على رءوس الآيات وإن تعلقت بما بعدها وذهب بعض القراء إلى تتبع الأغراض والمقاصد والوقوف عند انتهائها واتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته أولى. وممن ذكر ذلك البيهقي في quot;شعب الإيمانquot; وغيره ورجح الوقوف على رءوس الآي وإن تعلقت بما بعدها. وكان صلى الله عليه وسلم يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها وقام بآية يرددها حتى الصباح(1\/326)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "292",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8858",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد اختلف الناس في الأفضل من الترتيل وقلة القراءة أو السرعة مع كثرة القراءة: أيهما أفضل على قولين. فذهب ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما وغيرهما إلى أن الترتيل والتدبر مع قلة القراءة أفضل من سرعة القراءة مع كثرتها. واحتج أرباب هذا القول بأن المقصود من القراءة فهمه وتدبره والفقه فيه والعمل به وتلاوته وحفظه وسيلة إلى معانيه كما قال بعض السلف: (نزل القرآن ليعمل به فاتخذوا تلاوته عملا) ولهذا كان أهل القرآن هم العالمون به والعاملون بما فيه وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب. وأما من حفظه ولم يفهمه ولم يعمل بما فيه فليس من أهله وإن أقام حروفه إقامة السهم. قالوا: ولأن الإيمان أفضل الأعمال وفهم القرآن وتدبره هو الذي يثمر الإيمان وأما مجرد التلاوة من غير فهم ولا تدبر فيفعلها البر والفاجر والمؤمن والمنافق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ) والناس في هذا أربع طبقات: أهل القرآن والإيمان وهم أفضل الناس. والثانية: من عدم القرآن والإيمان. الثالثة: من أوتي قرآنا ولم يؤت إيمانا الرابعة: من أوتي إيمانا ولم يؤت قرآنا. قالوا: فكما أن من أوتي إيمانا بلا قرآن أفضل ممن أوتي قرآنا بلا(1\/327)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "293",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8859",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إيمان فكذلك من أوتي تدبرا وفهما في التلاوة أفضل ممن أوتي كثرة قراءة وسرعتها بلا تدبر. قالوا: وهذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها وقام بآية حتى الصباح. وقال أصحاب الشافعي رحمه الله: كثرة القراءة أفضل واحتجوا بحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول: الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ) . رواه الترمذي وصححه. قالوا: ولأن عثمان بن عفان قرأ القرآن في ركعة وذكروا آثارا عن كثير من السلف في كثرة القراءة. والصواب في المسألة أن يقال: إن ثواب قراءة الترتيل والتدبر أجل وأرفع قدرا وثواب كثرة القراءة أكثر عددا فالأول: كمن تصدق بجوهرة عظيمة أو أعتق عبدا قيمته نفيسة جدا والثاني: كمن تصدق بعدد كثير من الدراهم أو أعتق عددا من العبيد قيمتهم رخيصة. وفي quot;صحيح البخاري quot; عن قتادة قال: سألت أنسا عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (كان يمد مدا)  وقال شعبة: حدثنا أبو جمرة قال: قلت لابن عباس: إني رجل سريع القراءة وربما قرأت القرآن في ليلة مرة أو مرتين فقال ابن عباس: (لأن أقرأ سورة واحدة أعجب إلي من أن أفعل ذلك الذي تفعل فإن كنت فاعلا ولا بد فاقرأ قراءة تسمع أذنيك ويعيها قلبك)(1\/328)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "294",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8860",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال إبراهيم: قرأ علقمة على ابن مسعود وكان حسن الصوت فقال: رتل فداك أبي وأمي فإنه زين القرآن. وقال ابن مسعود: (لا تهذوا القرآن هذ الشعر ولا تنثروه نثر الدقل وقفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكن هم أحدكم آخر السورة) وقال عبد الله أيضا: (إذا سمعت الله يقول: ياأيها الذين آمنوا [البقرة: 104] فأصغ لها سمعك فإنه خير تؤمر به أو شر تصرف عنه) . وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: دخلت علي امرأة وأنا أقرأ (سورة هود) فقالت: يا عبد الرحمن: هكذا تقرأ سورة هود! والله إني فيها منذ ستة أشهر وما فرغت من قراءتها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسر بالقراءة في صلاة الليل تارة ويجهر بها تارة ويطيل القيام تارة ويخففه تارة ويوتر آخر الليل - وهو الأكثر - وأوله تارة وأوسطه تارة. وكان يصلي التطوع بالليل والنهار على راحلته في السفر قبل أي جهة توجهت به فيركع ويسجد عليها إيماء ويجعل سجوده أخفض من ركوعه وقد روى أحمد وأبو داود عن أنس بن مالك قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يصلي على راحلته تطوعا استقبل القبلة فكبر للصلاة ثم خلى عن راحلته ثم صلى أينما توجهت به ) . فاختلف الرواة عن أحمد: هل يلزمه أن يفعل ذلك إذا قدر عليه على روايتين: فإن أمكنه الاستدارة إلى القبلة في صلاته كلها مثل أن يكون في محمل أو عمارية ونحوها فهل يلزمه أو(1\/329)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "295",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8861",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يجوز له أن يصلي حيث توجهت به الراحلة فروى محمد بن الحكم عن أحمد فيمن صلى في محمل: أنه لا يجزئه إلا أن يستقبل القبلة لأنه يمكنه أن يدور وصاحب الراحلة والدابة لا يمكنه. وروى عنه أبو طالب أنه قال: الاستدارة في المحمل شديدة يصلي حيث كان وجهه. واختلفت الرواية عنه في السجود في المحمل فروى عنه ابنه عبد الله أنه قال: وإن كان محملا فقدر أن يسجد في المحمل فيسجد. وروى عنه الميموني إذا صلى في المحمل أحب إلي أن يسجد لأنه يمكنه. وروى عنه الفضل بن زياد: يسجد في المحمل إذا أمكنه. وروى عنه جعفر بن محمد: السجود على المرفقة إذا كان في المحمل وربما أسند على البعير ولكن يومئ ويجعل السجود أخفض من الروع وكذا روى عنه أبو داود.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الضحى] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الضحى روى البخاري في quot;صحيحهquot; عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي سبحة الضحى وإني لأسبحها ) وروى أيضا من حديث(1\/330)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "296",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8862",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مورق العجلي: ( قلت لابن عمر: أتصلي الضحى قال: لا قلت: فعمر قال: لا قلت: فأبو بكر قال: لا. قلت: فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: لا. إخاله ) وذكر عن ابن أبي ليلى قال: ما حدثنا أحد أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى غير أم هانئ فإنها قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم ( دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل وصلى ثمان ركعات فلم أر صلاة قط أخف منها غير أنه يتم الركوع والسجود ) وفي quot;صحيح مسلم quot; عن عبد الله بن شقيق قال: ( سألت عائشة هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى قالت: لا إلا أن يجيء من مغيبه. قلت: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بين السور قالت: من المفصل ) وفي quot;صحيح مسلم quot; عن عائشة قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى أربعا ويزيد ما شاء الله ) وفي quot;الصحيحينquot; عن أم هانئ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( صلى يوم الفتح ثمان ركعات وذلك ضحى ) . وقال الحاكم في quot;المستدركquot;: حدثنا الأصم حدثنا الصغاني حدثنا ابن(1\/331)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "297",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8863",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبي مريم حدثنا بكر بن مضر حدثنا عمرو بن الحارث عن بكر بن الأشج عن الضحاك بن عبد الله عن أنس رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في سفر سبحة الضحى صلى ثمان ركعات فلما انصرف قال: (إني صليت صلاة رغبة ورهبة فسألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته ألا يقتل أمتي بالسنين ففعل وسألته ألا يظهر عليهم عدوا ففعل وسألته أن لا يلبسهم شيعا فأبى علي)  قال الحاكم: صحيح. قلت: الضحاك بن عبد الله هذا ينظر من هو وما حاله وقال الحاكم في كتاب quot;فضل الضحىquot;: حدثنا أبو بكر الفقيه أخبرنا بشر بن يحيى حدثنا محمد بن صالح الدولابي حدثنا خالد بن عبد الله بن الحصين عن هلال بن يساف عن زاذان عن عائشة رضي الله عنها قالت: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الضحى ثم قال: (اللهم اغفر لي وارحمني وتب علي إنك أنت التواب الرحيم الغفور) حتى قالها مائة مرة حدثنا أبو العباس الأصم حدثنا أسد بن عاصم حدثنا الحصين بن حفص عن سفيان عن عمر بن ذر عن مجاهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (صلى الضحى ركعتين وأربعا وستا وثمانيا)  وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا عثمان بن عبد الملك العمري حدثتنا عائشة بنت سعد عن أم ذرة قالت: رأيت عائشة رضي الله عنها تصلي الضحى وتقول: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلا أربع(1\/332)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "298",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8864",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ركعات . وقال الحاكم أيضا: أخبرنا أبو أحمد بكر بن محمد المروزي حدثنا أبو قلابة حدثنا أبو الوليد حدثنا أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن عن عمرو بن مرة عن عمارة بن عمير عن ابن جبير بن مطعم عن أبيه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الضحى . قال الحاكم أيضا: حدثنا إسماعيل بن محمد حدثنا محمد بن عدي بن كامل حدثنا وهب بن بقية الواسطي حدثنا خالد بن عبد الله عن محمد بن قيس عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم (صلى الضحى ست ركعات)  . ثم روى الحاكم عن إسحاق بن بشير المحاملي حدثنا عيسى بن موسى عن جابر عن عمر بن صبح عن مقاتل بن حيان عن مسلم بن صبيح عن مسروق عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما قالتا: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الضحى ثنتي عشرة ركعة)  وذكر حديثا طويلا. وقال الحاكم: أخبرنا أبو أحمد بن محمد الصيرفي حدثنا أبو قلابة الرقاشي حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة(1\/333)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "299",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8865",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان يصلي الضحى)  . وبه إلى أبي الوليد. حدثنا أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن عن عمرو بن مرة عن عمارة بن عمير العبدي عن ابن جبير بن مطعم عن أبيه أنه (رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى)  . قال الحاكم: وفي الباب عن أبي سعيد الخدري وأبي ذر الغفاري وزيد بن أرقم وأبي هريرة وبريدة الأسلمي وأبي الدرداء وعبد الله بن أبي أوفى وعتبان بن مالك وأنس بن مالك وعتبة بن عبد الله السلمي ونعيم بن همار الغطفاني وأبي أمامة الباهلي رضي الله عنهم ومن النساء: عائشة بنت أبي بكر وأم هانئ وأم سلمة رضي الله عنهن كلهم شهدوا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصليها. وذكر الطبراني من حديث علي وأنس وعائشة وجابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يصلي الضحى ست ركعات ) فاختلف الناس في هذه الأحاديث على طرق منهم من رجح رواية الفعل على الترك بأنها مثبتة تتضمن زيادة علم خفيت على النافي. قالوا: وقد يجوز أن يذهب علم مثل هذا على كثير من الناس ويوجد عند الأقل. قالوا:(1\/334)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "300",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8866",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد أخبرت عائشة وأنس وجابر وأم هانئ وعلي بن أبي طالب أنه صلاها. قالوا: ويؤيد هذا الأحاديث الصحيحة المتضمنة للوصية بها والمحافظة عليها ومدح فاعلها والثناء عليه ففي quot;الصحيحينquot; عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أوصاني خليلي محمد صلى الله عليه وسلم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أنام)  . وفي quot;صحيح مسلم quot; نحوه عن أبي الدرداء. وفي quot;صحيح مسلم quot; عن أبي ذر يرفعه قال ( يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى ) . وفي quot;مسند الإمام أحمد quot; عن معاذ بن أنس الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يسبح ركعتي الضحى لا يقول إلا خيرا غفر الله له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر ) وفي الترمذي و quot;سنن ابن ماجه quot; عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من حافظ على سبحة الضحى غفر له ذنوبه وإن كانت(1\/335)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "301",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8867",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مثل زبد البحر ) وفي quot;المسندquot; والسنن عن نعيم بن همار قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( قال الله عز وجل: يا ابن آدم لا تعجزن عن أربع ركعات في أول النهار أكفك آخره ) ورواه الترمذي من حديث أبي الدرداء وأبي ذر. وفي quot;جامع الترمذي quot; و quot;سنن ابن ماجه quot; عن أنس مرفوعا ( من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصرا من ذهب في الجنة ) . وفي quot;صحيح مسلم quot; عن زيد بن أرقم أنه رأى قوما يصلون من الضحى في مسجد قباء فقال: أما لقد علموا أن الصلاة في غير هذه الساعة أفضل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال)  . وقوله: ترمض الفصال أي: يشتد حر النهار فتجد الفصال حرارة الرمضاء. وفي quot;الصحيحquot; أن النبي صلى الله عليه وسلم ( صلى الضحى في بيت عتبان بن مالك(1\/336)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "302",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8868",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ركعتين ) . وفي quot;مستدركquot; الحاكم من حديث خالد بن عبد الله الواسطي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب ) وقال: quot;هذا إسناد قد احتج بمثله مسلم بن الحجاج وأنه حدث عن شيوخه عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ( ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن ) قال: ولعل قائلا يقول: قد أرسله حماد بن سلمة وعبد العزيز بن محمد الدراوردي عن محمد بن عمرو فيقال له: خالد بن عبد الله ثقة والزيادة من الثقة مقبولة. ثم روى الحاكم: حدثنا عبدان بن يزيد حدثنا محمد بن المغيرة السكري حدثنا القاسم بن الحكم العرني حدثنا سليمان بن داود اليمامي حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;إن للجنة بابا يقال له باب الضحى فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين كانوا يداومون على صلاة الضحى هذا بابكم فادخلوه برحمة الله .(1\/337)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "303",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8869",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الترمذي في quot;الجامعquot;: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال: حدثني موسى بن فلان عن عمه ثمامة بن أنس بن مالك عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصرا من ذهب في الجنة ) قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وكان أحمد يرى أصح شيء في هذا الباب حديث أم هانئ. قلت: وموسى ابن فلان هذا هو موسى بن عبد الله بن المثنى بن أنس بن مالك. وفي quot;جامعهquot; أيضا من حديث عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى حتى نقول: لا يدعها ويدعها حتى نقول: لا يصليها ) قال: هذا حديث حسن غريب. وقال الإمام أحمد في quot;مسندهquot;: حدثنا أبو اليمان حدثنا إسماعيل بن عياش عن يحيى بن الحارث الذماري عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مشى إلى صلاة مكتوبة وهو متطهر كان له كأجر الحاج المحرم ومن مشى إلى سبحة الضحى كان له كأجر المعتمر وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين) قال أبو أمامة: (الغدو والرواح إلى هذه المساجد من الجهاد في سبيل الله عز وجل) (1\/338)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "304",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8870",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الحاكم: حدثنا أبو العباس حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني حدثنا أبو المورع محاضر بن المورع حدثنا الأحوص بن حكيم حدثني عبد الله بن عامر الألهاني عن منيب بن عيينة بن عبد الله السلمي عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: ( من صلى الصبح في مسجد جماعة ثم ثبت فيه حتى الضحى ثم يصلي سبحة الضحى كان له كأجر حاج أو معتمر تام له حجته وعمرته ) . وقال ابن أبي شيبة: حدثني حاتم بن إسماعيل عن حميد بن صخر عن المقبري عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم جيشا فأعظموا الغنيمة وأسرعوا الكرة. فقال رجل: يا رسول الله! ما رأينا بعثا قط أسرع كرة ولا أعظم غنيمة من هذا البعث فقال: (ألا أخبركم بأسرع كرة وأعظم غنيمة: رجل توضأ في بيته فأحسن وضوءه ثم عمد إلى المسجد فصلى فيه صلاة الغداة ثم أعقب بصلاة الضحى فقد أسرع الكرة وأعظم الغنيمة)  . وفي الباب أحاديث سوى هذه لكن هذه أمثلها. قال الحاكم: صحبت جماعة من أئمة الحديث الحفاظ الأثبات فوجدتهم يختارون هذا العدد يعني أربع ركعات ويصلون هذه الصلاة أربعا لتواتر الأخبار الصحيحة فيه(1\/339)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "305",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8871",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإليه أذهب وإليه أدعو اتباعا للأخبار المأثورة واقتداء بمشايخ الحديث فيه. قال ابن جرير الطبري - وقد ذكر الأخبار المرفوعة في صلاة الضحى واختلاف عددها: وليس في هذه الأحاديث حديث يدفع صاحبه وذلك أن من حكى أنه صلى الضحى أربعا جائز أن يكون رآه في حال فعله ذلك ورآه غيره في حال أخرى صلى ركعتين ورآه آخر في حال أخرى صلاها ثمانيا وسمعه آخر يحث على أن يصلي ستا وآخر يحث على أن يصلي ركعتين وآخر على عشر وآخر على ثنتي عشرة فأخبر كل واحد منهم عما رأى وسمع. قال: والدليل على صحة قولنا ما روي عن زيد بن أسلم قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول لأبي ذر: أوصني يا عم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال: (من صلى الضحى ركعتين لم يكتب من الغافلين ومن صلى أربعا كتب من العابدين ومن صلى ستا لم يلحقه ذلك اليوم ذنب ومن صلى ثمانيا كتب من القانتين ومن صلى عشرا بنى الله له بيتا في الجنة)  وقال مجاهد: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما الضحى ركعتين ثم يوما أربعا ثم يوما ستا ثم يوما ثمانيا ثم ترك)  فأبان هذا الخبر عن صحة ما قلنا من احتمال خبر كل مخبر ممن تقدم أن يكون إخباره لما أخبر عنه في صلاة الضحى على قدر ما شاهده وعاينه.(1\/340)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "306",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8872",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والصواب: إذا كان الأمر كذلك: أن يصليها من أراد على ما شاء من العدد. وقد روي هذا عن قوم من السلف: حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن إبراهيم سأل رجل الأسود كم أصلي الضحى قال: كم شئت. وطائفة ثانية ذهبت إلى أحاديث الترك ورجحتها من جهة صحة إسنادها وعمل الصحابة بموجبها فروى البخاري عن ابن عمر أنه لم يكن يصليها ولا أبو بكر ولا عمر. قلت: فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: لا إخاله . وقال وكيع: حدثنا سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن أبيه عن أبي هريرة قال: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الضحى إلا يوما واحدا)  . وقال علي بن المديني: حدثنا معاذ بن معاذ حدثنا شعبة حدثنا فضيل بن فضالة عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: رأى أبو بكرة ناسا يصلون الضحى قال: (إنكم لتصلون صلاة ما صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عامة أصحابه)  وفي quot;الموطأquot;: عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: (ما سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحة الضحى قط وإني لأسبحها وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم)  . وقال أبو الحسن علي بن بطال: فأخذ قوم من السلف بحديث عائشة ولم يروا صلاة الضحى وقال قوم: إنها بدعة روى الشعبي عن قيس بن عبيد قال كنت أختلف إلى ابن مسعود السنة كلها فما رأيته مصليا(1\/341)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "307",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8873",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الضحى. وروى شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه أن (عبد الرحمن بن عوف كان لا يصلي الضحى) وعن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا ابن عمر جالس عند حجرة عائشة وإذا الناس في المسجد يصلون صلاة الضحى فسألناه عن صلاتهم فقال بدعة وقال مرة: ونعمت البدعة. وقال الشعبي: سمعت ابن عمر يقول: (ما ابتدع المسلمون أفضل صلاة من الضحى) وسئل أنس بن مالك عن صلاة الضحى فقال: الصلوات خمس. وذهبت طائفة ثالثة إلى استحباب فعلها غبا فتصلى في بعض الأيام دون بعض وهذا أحد الروايتين عن أحمد وحكاه الطبري عن جماعة قال: واحتجوا بما روى الجريري عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة: (أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى قالت: لا إلا أن يجيء من مغيبه)  . ثم ذكر حديث أبي سعيد: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى حتى نقول: لا يدعها ويدعها حتى نقول: لا يصليها ) وقد تقدم. ثم قال: كذا ذكر من كان يفعل ذلك من السلف. وروى شعبة عن حبيب بن الشهيد عن عكرمة قال: (كان ابن عباس يصليها يوما ويدعها عشرة أيام يعني صلاة الضحى) وروى شعبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه كان لا يصلي الضحى فإذا أتى مسجد قباء صلى وكان يأتيه كل سبت. وروى سفيان عن منصور قال: كانوا يكرهون أن يحافظوا عليها كالمكتوبة ويصلون ويدعون(1\/342)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "308",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8874",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعني صلاة الضحى. وعن سعيد بن جبير: (إني لأدع صلاة الضحى وأنا أشتهيها مخافة أن أراها حتما علي) وقال مسروق: كنا نقرأ في المسجد فنبقى بعد قيام ابن مسعود ثم نقوم فنصلي الضحى فبلغ ابن مسعود ذلك فقال: لم تحملون عباد الله ما لم يحملهم الله! إن كنتم لا بد فاعلين ففي بيوتكم. وكان أبو مجلز يصلي الضحى في منزله. قال هؤلاء: وهذا أولى لئلا يتوهم متوهم وجوبها بالمحافظة عليها أو كونها سنة راتبة ولهذا قالت عائشة: (لو نشر لي أبواي ما تركتها) فإنها كانت تصليها في البيت حيث لا يراها الناس. وذهبت طائفة رابعة إلى أنها تفعل بسبب من الأسباب وأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعلها بسبب قالوا: وصلاته صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ثمان ركعات ضحى إنما كانت من أجل الفتح وأن سنة الفتح أن تصلى عنده ثمان ركعات وكان الأمراء يسمونها صلاة الفتح. وذكر الطبري في quot;تاريخهquot; عن الشعبي قال: (لما فتح خالد بن الوليد الحيرة صلى صلاة الفتح ثمان ركعات لم يسلم فيهن ثم انصرف) قالوا: وقول أم هانئ quot;وذلك ضحىquot;. تريد أن فعله لهذه الصلاة كان ضحى لا أن الضحى اسم لتلك الصلاة. قالوا: وأما صلاته في بيت عتبان بن مالك فإنما كانت لسبب أيضا فإن عتبان قال له: إني أنكرت بصري وإن السيول تحول بيني وبين مسجد قومي فوددت أنك جئت فصليت في بيتي مكانا أتخذه مسجدا فقال: (أفعل إن شاء الله تعالى) قال: فغدا علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر معه بعدما اشتد النهار فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فأذنت له فلم يجلس حتى قال: quot;أين تحب أن أصلي من بيتك quot; فأشرت إليه من المكان الذي أحب أن يصلي فيه فقام وصففنا خلفه وصلى ثم(1\/343)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "309",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8875",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سلم وسلمنا حين سلم)  متفق عليه. فهذا أصل هذه الصلاة وقصتها ولفظ البخاري فيها فاختصره بعض الرواة عن عتبان فقال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في بيتي سبحة الضحى فقاموا وراءه فصلوا)  وأما قول عائشة: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى إلا أن يقدم من مغيبه  فهذا من أبين الأمور أن صلاته لها إنما كانت لسبب فإنه صلى الله عليه وسلم ( كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ) فهذا كان هديه وعائشة أخبرت بهذا وهذا وهي القائلة: ( ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الضحى قط )(1\/344)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "310",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8876",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالذي أثبتته فعلها بسبب كقدومه من سفر وفتحه وزيارته لقوم ونحوه وكذلك إتيانه مسجد قباء للصلاة فيه وكذلك ما رواه يوسف بن يعقوب حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا سلمة بن رجاء حدثتنا الشعثاء قالت: رأيت ابن أبي أوفى صلى الضحى ركعتين يوم بشر برأس أبي جهل. فهذا إن صح فهي صلاة شكر وقعت وقت الضحى كشكر الفتح. والذي نفته هو ما كان يفعله الناس يصلونها لغير سبب وهي لم تقل: إن ذلك مكروه ولا مخالف لسنته ولكن لم يكن من هديه فعلها لغير سبب. وقد أوصى بها وندب إليها وحض عليها وكان يستغني عنها بقيام الليل فإن فيه غنية عنها وهي كالبدل منه قال تعالى: وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا [الفرقان: 62] [الفرقان: 62] قال ابن عباس والحسن وقتادة: (عوضا وخلفا يقوم أحدهما مقام صاحبه فمن فاته عمل في أحدهما قضاه في الآخر) قال قتادة (فأدوا لله من أعمالكم خيرا في هذا الليل والنهار فإنهما مطيتان يقحمان الناس إلى آجالهم ويقربان كل بعيد ويبليان كل جديد ويجيئان بكل موعود إلى يوم القيامة) . وقال شقيق: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: فاتتني الصلاة الليلة فقال: (أدرك ما فاتك من ليلتك في نهارك فإن الله عز وجل جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا) . قالوا: وفعل الصحابة رضي الله عنهم يدل على هذا فإن ابن عباس كان يصليها يوما ويدعها عشرة وكان ابن عمر لا يصليها فإذا أتى مسجد قباء صلاها وكان يأتيه كل سبت. وقال سفيان عن منصور: كانوا يكرهون أن يحافظوا عليها كالمكتوبة ويصلون ويدعون قالوا: ومن هذا الحديث الصحيح عن أنس أن رجلا من الأنصار كان ضخما فقال(1\/345)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "311",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8877",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لا أستطيع أن أصلي معك فصنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما ودعاه إلى بيته ونضح له طرف حصير بماء فصلى عليه ركعتين. قال أنس: (ما رأيته صلى الضحى غير ذلك اليوم)  رواه البخاري. ومن تأمل الأحاديث المرفوعة وآثار الصحابة وجدها لا تدل إلا على هذا القول وأما أحاديث الترغيب فيها والوصية بها فالصحيح منها كحديث أبي هريرة وأبي ذر لا يدل على أنها سنة راتبة لكل أحد وإنما أوصى أبا هريرة بذلك لأنه قد روي أن أبا هريرة كان يختار درس الحديث بالليل على الصلاة فأمره بالضحى بدلا من قيام الليل ولهذا أمره ألا ينام حتى يوتر ولم يأمر بذلك أبا بكر وعمر وسائر الصحابة. وعامة أحاديث الباب في أسانيدها مقال وبعضها منقطع وبعضها موضوع لا يحل الاحتجاج به كحديث يروى عن أنس مرفوعا ( من داوم على صلاة الضحى ولم يقطعها إلا عن علة كنت أنا وهو في زورق من نور في بحر من نور ) وضعه زكريا بن دويد الكندي عن حميد. وأما حديث يعلى بن أشدق عن عبد الله بن جراد عن النبي صلى الله عليه وسلم ( من صلى منكم صلاة الضحى فليصلها متعبدا فإن الرجل ليصليها السنة من الدهر ثم ينساها ويدعها فتحن إليه كما تحن الناقة إلى ولدها إذا فقدته ) . فيا عجبا للحاكم كيف يحتج بهذا وأمثاله فإنه يروي هذا الحديث في كتاب(1\/346)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "312",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8878",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أفرده للضحى وهذه نسخة موضوعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني نسخة يعلى بن الأشدق. وقال ابن عدي: روى يعلى بن الأشدق عن عمه عبد الله بن جراد عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة منكرة وهو وعمه غير معروفين وبلغني عن أبي مسهر قال: قلت ليعلى بن الأشدق: ما سمع عمك من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: جامع سفيان وموطأ مالك وشيئا من الفوائد. وقال أبو حاتم بن حبان: لقي يعلى عبد الله بن جراد فلما كبر اجتمع عليه من لا دين له فوضعوا له شبها بمائتي حديث فجعل يحدث بها وهو لا يدري وهو الذي قال له بعض مشايخ أصحابنا: أي شيء سمعته من عبد الله بن جراد فقال: هذه النسخة وجامع سفيان - لا تحل الرواية عنه بحال. وكذلك حديث عمر بن صبح عن مقاتل بن حيان حديث عائشة المتقدم: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى ثنتي عشرة ركعة ) وهو حديث طويل ذكره الحاكم في quot;صلاة الضحىquot; وهو حديث موضوع المتهم به عمر بن صبح قال البخاري: حدثني يحيى عن علي بن جرير قال: سمعت عمر بن صبح يقول: أنا وضعت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن عدي: منكر الحديث. وقال ابن حبان: يضع الحديث على الثقات لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب منه وقال الدارقطني: متروك وقال الأزدي: كذاب. وكذلك حديث عبد العزيز بن أبان عن الثوري عن حجاج بن فرافصة عن مكحول عن أبي هريرة مرفوعا ( من حافظ على سبحة الضحى غفرت ذنوبه وإن كانت بعدد الجراد وأكثر من زبد البحر ) ذكره الحاكم أيضا. وعبد العزيز هذا قال ابن نمير: هو كذاب وقال يحيى: ليس بشيء كذاب خبيث يضع الحديث وقال البخاري والنسائي والدارقطني: متروك الحديث.(1\/347)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "313",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8879",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك حديث النهاس بن قهم عن شداد عن أبي هريرة يرفعه ( من حافظ على شفعة الضحى غفرت ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر ) والنهاس قال يحيى: ليس بشيء ضعيف كان يروي عن عطاء عن ابن عباس أشياء منكرة وقال النسائي: ضعيف وقال ابن عدي: لا يساوي شيئا وقال ابن حبان: كان يروي المناكير عن المشاهير ويخالف الثقات لا يجوز الاحتجاج به وقال الدارقطني: مضطرب الحديث تركه يحيى القطان. وأما حديث حميد بن صخر عن المقبري عن أبي هريرة: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا الحديث وقد تقدم. فحميد هذا ضعفه النسائي ويحيى بن معين ووثقه آخرون وأنكر عليه بعض حديثه وهو ممن لا يحتج به إذا انفرد. والله أعلم. وأما حديث محمد بن إسحاق عن موسى عن عبد الله بن المثنى عن أنس عن عمه ثمامة عن أنس يرفعه ( من صلى الضحى بنى الله له قصرا في الجنة من ذهب )  فمن الأحاديث الغرائب وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وأما حديث نعيم بن همار: ( ابن آدم لا تعجز لي عن أربع ركعات في أول النهار أكفك آخره )  وكذلك حديث أبي الدرداء وأبي ذر فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذه الأربع عندي هي الفجر وسنتها.  [فصل في سجود الشكر] فصل وكان من هديه صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه سجود الشكر عند تجدد نعمة تسر أو(1\/348)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "314",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8880",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اندفاع نقمة كما في quot;المسندquot; عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان إذا أتاه أمر يسره خر لله ساجدا شكرا لله تعالى ) . وذكر ابن ماجه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ( بشر بحاجة فخر لله ساجدا ) وذكر البيهقي بإسناد على شرط البخاري أن عليا رضي الله عنه لما كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإسلام همدان خر ساجدا ثم رفع رأسه فقال: (السلام على همدان السلام على همدان)  وصدر الحديث في صحيح البخاري وهذا تمامه بإسناده عند البيهقي. وفي quot;المسندquot; من حديث عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( سجد شكرا لما جاءته البشرى من ربه أنه من صلى عليك صليت عليه ومن سلم(1\/349)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "315",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8881",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليك سلمت عليه ) وفي سنن أبي داود من حديث سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه فسأل الله ساعة ثم خر ساجدا ثلاث مرات ثم قال: (إني سألت ربي وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجدا شكرا لربي ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني الثلث الثاني فخررت ساجدا شكرا لربي ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني الثلث الآخر فخررت ساجدا لربي)  وسجد كعب بن مالك لما جاءته البشرى بتوبة الله عليه ذكره البخاري. وذكر أحمد عن علي رضي الله عنه أنه (سجد حين وجد ذا الثدية في قتلى(1\/350)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "316",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8882",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخوارج) . وذكر سعيد بن منصور (أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه سجد حين جاءه قتل مسيلمة) .  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في سجود القرآن] كان صلى الله عليه وسلم إذا مر بسجدة كبر وسجد وربما قال في سجوده quot; سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته quot;. وربما قال: quot; اللهم احطط عني بها وزرا واكتب لي بها أجرا واجعلها لي عندك ذخرا وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود quot; ذكرهما أهل السنن. ولم يذكر عنه أنه كان يكبر للرفع من هذا السجود ولذلك لم يذكره(1\/351)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "317",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8883",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخرقي ومتقدمو الأصحاب ولا نقل فيه عنه تشهد ولا سلام البتة. وأنكر أحمد والشافعي السلام فيه فالمنصوص عن الشافعي: إنه لا تشهد فيه ولا تسليم , وقال أحمد: أما التسليم فلا أدري ما هو وهذا هو الصواب الذي لا ينبغي غيره. وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سجد في (الم تنزيل)  وفي (ص)  وفي (النجم) وفي إذا السماء انشقت [الانشقاق: 1]  وفي اقرأ باسم ربك الذي خلق [العلق: 1] . وذكر أبو داود عن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أقرأه خمس عشرة سجدة منها ثلاث في المفصل وفي سورة الحج سجدتان ) . وأما حديث أبي الدرداء: سجدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سجدة ليس فيها من المفصل شيء: (الأعراف)  و (الرعد)  و (النحل)  و (بني إسرائيل)  و (مريم)  و (الحج)  و (سجدة الفرقان)  و (النمل)  و (السجدة)  و (ص)  و (سجدة الحواميم)   فقال أبو داود: روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سجدة وإسناده واه. وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسجد في المفصل منذ تحول إلى المدينة . رواه أبو داود فهو حديث ضعيف في إسناده أبو قدامة الحارث بن عبيد لا يحتج بحديثه. قال الإمام أحمد: أبو قدامة مضطرب الحديث. وقال يحيى بن معين: ضعيف وقال النسائي: صدوق عنده(1\/352)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "318",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8884",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مناكير وقال أبو حاتم البستي: كان شيخا صالحا ممن كثر وهمه. وعلله ابن القطان بمطر الوراق وقال: كان يشبهه في سوء الحفظ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وعيب على مسلم إخراج حديثه. انتهى كلامه. ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه حفظه كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه فغلط في هذا المقام من استدرك عليه إخراج جميع حديث الثقة ومن ضعف جميع حديث سيئ الحفظ فالأولى: طريقة الحاكم وأمثاله والثانية: طريقة أبي محمد ابن حزم وأشكاله وطريقة مسلم هي طريقة أئمة هذا الشأن والله المستعان. وقد صح عن أبي هريرة أنه سجد مع النبي صلى الله عليه وسلم في اقرأ باسم ربك الذي خلق [العلق: 1]  وفي إذا السماء انشقت [الانشقاق: 1]   وهو إنما أسلم بعد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بست سنين أو سبع فلو تعارض الحديثان من كل وجه وتقاوما في الصحة لتعين تقديم حديث أبي هريرة لأنه مثبت معه زيادة علم خفيت على ابن عباس فكيف وحديث أبي هريرة في غاية الصحة متفق على صحته وحديث ابن عباس فيه من الضعف ما فيه. والله أعلم.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الجمعة وذكر خصائص يومها] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الجمعة وذكر خصائص يومها ثبت في quot; الصحيحين quot; عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( نحن الآخرون الأولون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ثم هذا يومهم الذي(1\/353)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "319",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8885",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له والناس لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد ) . وفي quot; صحيح مسلم quot; عن أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا فكان لليهود يوم السبت وكان للنصارى يوم الأحد فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة فجعل الجمعة والسبت والأحد وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق ) . وفي quot; المسند quot; والسنن من حديث أوس بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق الله آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي quot; قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت (يعني: قد بليت) قال: quot; إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ) . ورواه الحاكم في quot; المستدرك quot; وابن حبان في quot; صحيحه quot;.(1\/354)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "320",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8886",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; جامع الترمذي quot; من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق الله آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة ) . قال: حديث حسن صحيح وصححه الحاكم. وفي quot; المستدرك quot; أيضا عن أبي هريرة مرفوعا ( سيد الأيام يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة ) . وروى مالك في quot; الموطأ quot; عن أبي هريرة مرفوعا ( خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أهبط وفيه تيب عليه وفيه مات وفيه تقوم الساعة وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه. قال كعب: ذلك في كل سنة يوم فقلت: بل في كل جمعة فقرأ كعب التوراة فقال صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو هريرة: ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب قال: قد علمت أية ساعة هي قلت فأخبرني بها قال: هي آخر ساعة في يوم الجمعة. فقلت كيف وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي) وتلك الساعة لا يصلى فيها فقال ابن سلام: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم quot; من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في(1\/355)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "321",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8887",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلاة حتى يصلي quot; . وفي quot; صحيح ابن حبان quot; مرفوعا ( لا تطلع الشمس على يوم خير من يوم الجمعة ) . وفي quot; مسند الشافعي quot; من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ( أتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرآة بيضاء فيها نكتة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذه فقال: quot; هذه يوم الجمعة فضلت بها أنت وأمتك والناس لكم فيها تبع اليهود والنصارى ولكم فيها خير وفيها ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجيب له وهو عندنا يوم المزيد فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا جبريل! ما يوم المزيد قال إن ربك اتخذ في الفردوس واديا أفيح فيه كثب من مسك فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله سبحانه ما شاء من ملائكته وحوله منابر من نور عليها مقاعد النبيين وحف تلك المنابر بمنابر من ذهب مكللة بالياقوت والزبرجد عليها الشهداء والصديقون فجلسوا من ورائهم على تلك الكثب quot; فيقول الله عز وجل quot; أنا ربكم قد صدقتكم وعدي فسلوني أعطكم فيقولون: ربنا نسألك رضوانك فيقول قد رضيت عنكم ولكم ما تمنيتم ولدي مزيد فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه(1\/356)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "322",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8888",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ربهم من الخير وهو اليوم الذي استوى فيه ربك تبارك وتعالى على العرش وفيه خلق آدم وفيه تقوم الساعة ) . رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد حدثني موسى بن عبيدة قال: حدثني أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة عن عبد الله بن عبيد عن عمير بن أنس. ثم قال: وأخبرنا إبراهيم قال: حدثني أبو عمران إبراهيم بن الجعد عن أنس شبيها به. وكان الشافعي حسن الرأي في شيخه إبراهيم هذا لكن قال فيه الإمام أحمد رحمه الله: معتزلي جهمي قدري كل بلاء فيه. ورواه أبو اليمان الحكم بن نافع حدثنا صفوان: قال: قال أنس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; أتاني جبريل فذكره quot; ورواه محمد بن شعيب عن عمر مولى غفرة عن أنس. ورواه أبو ظبية عن عثمان بن عمير عن أنس. وجمع أبو بكر بن أبي داود طرقه. وفي quot; مسند أحمد quot; من حديث علي بن أبي طلحة عن أبي هريرة قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لأي شيء سمي يوم الجمعة قال: (لأن فيه طبعت طينة أبيك آدم وفيه الصعقة والبعثة وفيه البطشة وفي آخره ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له)  .(1\/357)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "323",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8889",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الحسن بن سفيان النسوي في quot; مسنده quot;: حدثنا أبو مروان هشام بن خالد الأزرق: حدثنا الحسن بن يحيى الخشني حدثنا عمر بن عبد الله مولى غفرة حدثني أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( أتاني جبريل وفي يده كهيئة المرآة البيضاء فيها نكتة سوداء فقلت: ما هذه يا جبريل فقال: هذه الجمعة بعثت بها إليك تكون عيدا لك ولأمتك من بعدك. فقلت: وما لنا فيها يا جبريل قال: لكم فيها خير كثير أنتم الآخرون السابقون يوم القيامة وفيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه. قلت فما هذه النكتة السوداء يا جبريل قال: هذه الساعة تكون في يوم الجمعة وهو سيد الأيام ونحن نسميه عندنا يوم المزيد. قلت: وما يوم المزيد يا جبريل قال: ذلك بأن ربك اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض فإذا كان يوم الجمعة من أيام الآخرة هبط الرب عز وجل من عرشه إلى كرسيه ويحف الكرسي بمنابر من النور فيجلس عليها النبيون وتحف المنابر بكراسي من ذهب فيجلس عليها الصديقون والشهداء ويهبط أهل الغرف من غرفهم فيجلسون على كثبان المسك لا يرون لأهل المنابر والكراسي فضلا في المجلس ثم يتبدى لهم ذو الجلال والإكرام تبارك وتعالى فيقول: سلوني فيقولون بأجمعهم: نسألك الرضى يا رب فيشهد لهم على الرضى ثم يقول: سلوني فيسألونه حتى تنتهي نهمة كل عبد منهم قال: ثم يسعى عليهم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم يرتفع الجبار من كرسيه إلى عرشه ويرتفع أهل الغرف إلى غرفهم وهي غرفة من لؤلؤة بيضاء أو ياقوتة حمراء أو زمردة خضراء ليس فيها فصم ولا وصم منورة فيها أنهارها أو قال مطردة متدلية فيها ثمارها فيها أزواجها وخدمها ومساكنها قال: فأهل الجنة(1\/358)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "324",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8890",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يتباشرون في الجنة بيوم الجمعة كما يتباشر أهل الدنيا في الدنيا بالمطر ) . وقال ابن أبي الدنيا في كتاب quot; صفة الجنة quot;: حدثني أزهر بن مروان الرقاشي حدثني عبد الله بن عرادة الشيباني حدثنا القاسم بن مطيب عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أتاني جبريل وفي كفه مرآة كأحسن المرائي وأضوئها وإذا في وسطها لمعة سوداء فقلت: ما هذه اللمعة التي أرى فيها قال هذه الجمعة قلت: وما الجمعة قال يوم من أيام ربك عظيم وسأخبرك بشرفه وفضله في الدنيا وما يرجى فيه لأهله وأخبرك باسمه في الآخرة فأما شرفه وفضله في الدنيا فإن الله عز وجل جمع فيه أمر الخلق وأما ما يرجى فيه لأهله فإن فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم أو أمة مسلمة يسألان الله تعالى فيها خيرا إلا أعطاهما إياه وأما شرفه وفضله في الآخرة واسمه فإن الله تبارك وتعالى إذا صير أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار جرت عليهم هذه الأيام وهذه الليالي ليس فيها ليل ولا نهار إلا قد علم الله عز وجل مقدار ذلك وساعاته فإذا كان يوم الجمعة حين يخرج أهل الجمعة إلى جمعتهم نادى أهل الجنة مناد يا أهل الجنة! اخرجوا إلى وادي المزيد ووادي المزيد لا يعلم سعة طوله وعرضه إلا الله فيه كثبان المسك رؤوسها في السماء قال: فيخرج غلمان الأنبياء بمنابر من نور ويخرج غلمان المؤمنين بكراسي من ياقوت فإذا وضعت لهم وأخذ القوم مجالسهم بعث الله عليهم ريحا تدعى المثيرة تثير ذلك المسك وتدخله من تحت ثيابهم وتخرجه في وجوههم وأشعارهم تلك الريح أعلم كيف تصنع بذلك المسك من امرأة أحدكم لو دفع إليها كل طيب على وجه الأرض. قال: ثم يوحي الله تبارك وتعالى إلى حملة عرشه: ضعوه بين أظهرهم فيكون أول ما يسمعونه منه:(1\/359)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "325",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8891",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلي يا عبادي الذين أطاعوني بالغيب ولم يروني وصدقوا رسلي واتبعوا أمري سلوني فهذا يوم المزيد فيجتمعون على كلمة واحدة: رضينا عنك فارض عنا فيرجع الله إليهم: أن يا أهل الجنة إني لو لم أرض عنكم لم أسكنكم داري فسلوني فهذا يوم المزيد فيجتمعون على كلمة واحدة: يا ربنا وجهك ننظر إليه فيكشف تلك الحجب فيتجلى لهم عز وجل فيغشاهم من نوره شيء لولا أنه قضى ألا يحترقوا لاحترقوا لما يغشاهم من نوره ثم يقال لهم: ارجعوا إلى منازلكم فيرجعون إلى منازلهم وقد أعطى كل واحد منهم الضعف على ما كانوا فيه فيرجعون إلى أزواجهم وقد خفوا عليهن وخفين عليهم مما غشيهم من نوره فإذا رجعوا تراد النور حتى يرجعوا إلى صورهم التي كانوا عليها فتقول لهم أزواجهم لقد خرجتم من عندنا على صورة ورجعتم على غيرها فيقولون: ذلك لأن الله عز وجل تجلى لنا فنظرنا منه , قال وإنه والله ما أحاط به خلق ولكنه قد أراهم من عظمته وجلاله ما شاء أن يريهم قال: فذلك قولهم فنظرنا منه قال: فهم يتقلبون في مسك الجنة ونعيمها في كل سبعة أيام الضعف على ما كانوا فيه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك قوله تعالى: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون [السجدة: 17]  ) [السجدة: 17] . ورواه أبو نعيم في quot; صفة الجنة quot; من حديث عصمة بن محمد حدثنا موسى بن عقبة عن أبي صالح عن أنس شبيها به.(1\/360)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "326",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8892",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر أبو نعيم في quot; صفة الجنة quot; من حديث المسعودي عن المنهال عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: (سارعوا إلى الجمعة في الدنيا فإن الله تبارك وتعالى يبرز لأهل الجنة في كل جمعة على كثيب من كافور أبيض فيكونون منه سبحانه بالقرب على قدر سرعتهم إلى الجمعة ويحدث لهم من الكرامة شيئا لم يكونوا رأوه قبل ذلك فيرجعون إلى أهليهم وقد أحدث لهم) .  [فصل في مبدأ الجمعة] فصل في مبدأ الجمعة. قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: حدثني عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال كنت قائد أبي حين كف بصره فإذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان بها استغفر لأبي أمامة أسعد بن زرارة فمكث حينا على ذلك فقلت: إن هذا لعجز ألا أسأله عن هذا فخرجت به كما كنت أخرج فلما سمع الأذان للجمعة استغفر له فقلت: يا أبتاه! أرأيت استغفارك لأسعد بن زرارة كلما سمعت الأذان يوم الجمعة قال: أي بني! كان أسعد أول من جمع بنا بالمدينة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له: نقيع الخضمات. قلت: فكم كنتم يومئذ قال أربعون رجلا.(1\/361)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "327",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8893",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال البيهقي: ومحمد بن إسحاق إذا ذكر سماعه من الراوي وكان الراوي ثقة استقام الإسناد وهذا حديث حسن صحيح الإسناد انتهى. قلت: وهذا كان مبدأ الجمعة. ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأقام بقباء في بني عمرو بن عوف كما قاله ابن إسحاق يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي وكانت أول جمعة صلاها بالمدينة وذلك قبل تأسيس مسجده. قال ابن إسحاق: كانت أول خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن - ونعوذ بالله أن نقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل - أنه قام فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: (أما بعد أيها الناس فقدموا لأنفسكم تعلمن والله ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع ثم ليقولن له ربه وليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي فبلغك وآتيتك مالا وأفضلت عليك فما قدمت لنفسك فلينظرن يمينا وشمالا فلا يرى شيئا ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق من تمرة فليفعل ومن لم يجد فبكلمة طيبة فإن بها تجزى الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته)  .(1\/362)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "328",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8894",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ابن إسحاق: ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة أخرى فقال: ( إن الحمد لله أحمده وأستعينه نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إن أحسن الحديث كتاب الله قد أفلح من زينه الله في قلبه وأدخله في الإسلام بعد الكفر فاختاره على ما سواه من أحاديث الناس إنه أحسن الحديث وأبلغه أحبوا ما أحب الله أحبوا الله من كل قلوبكم ولا تملوا كلام الله وذكره ولا تقس عنه قلوبكم فإنه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفي قد سماه الله خيرته من الأعمال ومصطفاه من العباد والصالح من الحديث ومن كل ما أوتي الناس من الحلال والحرام فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا واتقوه حق تقاته واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم وتحابوا بروح الله بينكم إن الله يغضب أن ينكث عهده والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) . وقد تقدم طرف من خطبته عليه السلام عند ذكر هديه في الخطب.  [فصل في خواص يوم الجمعة وهي ثلاث وثلاثون] فصل وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تعظيم هذا اليوم وتشريفه وتخصيصه بعبادات يختص بها عن غيره. وقد اختلف العلماء: هل هو أفضل أم يوم عرفة على قولين: هما وجهان لأصحاب الشافعي. وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ في فجره بسورتي (الم تنزيل) و (هل أتى على الإنسان) .(1\/363)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "329",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8895",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويظن كثير ممن لا علم عنده أن المراد تخصيص هذه الصلاة بسجدة زائدة ويسمونها سجدة الجمعة وإذا لم يقرأ أحدهم هذه السورة استحب قراءة سورة أخرى فيها سجدة ولهذا كره من كره من الأئمة المداومة على قراءة هذه السورة في فجر الجمعة دفعا لتوهم الجاهلين وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هاتين السورتين في فجر الجمعة لأنهما تضمنتا ما كان ويكون في يومها فإنهما اشتملتا على خلق آدم وعلى ذكر المعاد وحشر العباد وذلك يكون يوم الجمعة وكان في قراءتهما في هذا اليوم تذكير للأمة بما كان فيه ويكون والسجدة جاءت تبعا ليست مقصودة حتى يقصد المصلي قراءتها حيث اتفقت. فهذه خاصة من خواص يوم الجمعة. الخاصة الثانية استحباب كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه وفي ليلته لقوله صلى الله عليه وسلم ( أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة ) . ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الأنام ويوم الجمعة سيد الأيام فللصلاة عليه في هذا اليوم مزية ليست لغيره مع حكمة أخرى وهي أن كل خير نالته أمته في الدنيا والآخرة فإنما نالته على يده فجمع الله لأمته به بين خيري الدنيا والآخرة فأعظم كرامة تحصل لهم فإنما تحصل يوم الجمعة فإن فيه بعثهم إلى منازلهم وقصورهم في الجنة وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوا الجنة وهو يوم عيد لهم في الدنيا ويوم فيه يسعفهم الله تعالى بطلباتهم وحوائجهم ولا يرد سائلهم وهذا كله إنما عرفوه وحصل لهم بسببه وعلى يده فمن شكره وحمده وأداء القليل من حقه صلى الله عليه وسلم أن نكثر من الصلاة عليه في هذا اليوم وليلته. الخاصة الثالثة: صلاة الجمعة التي هي من آكد فروض الإسلام ومن أعظم(1\/364)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "330",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8896",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مجامع المسلمين وهي أعظم من كل مجمع يجتمعون فيه وأفرضه سوى مجمع عرفة ومن تركها تهاونا بها طبع الله على قلبه وقرب أهل الجنة يوم القيامة وسبقهم إلى الزيارة يوم المزيد بحسب قربهم من الإمام يوم الجمعة وتبكيرهم. الخاصة الرابعة الأمر بالاغتسال في يومها وهو أمر مؤكد جدا ووجوبه أقوى من وجوب الوتر وقراءة البسملة في الصلاة ووجوب الوضوء من مس النساء ووجوب الوضوء من مس الذكر ووجوب الوضوء من القهقهة في الصلاة ووجوب الوضوء من الرعاف والحجامة والقيء ووجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير ووجوب القراءة على المأموم. وللناس في وجوبه ثلاثة أقوال: النفي والإثبات والتفصيل بين من به رائحة يحتاج إلى إزالتها فيجب عليه ومن هو مستغن عنه فيستحب له والثلاثة لأصحاب أحمد. الخاصة الخامسة: التطيب فيه وهو أفضل من التطيب في غيره من أيام الأسبوع. الخاصة السادسة: السواك فيه وله مزية على السواك في غيره. الخاصة السابعة: التبكير للصلاة. الخاصة الثامنة: أن يشتغل بالصلاة والذكر والقراءة حتى يخرج الإمام. الخاصة التاسعة: الإنصات للخطبة إذا سمعها وجوبا في أصح القولين فإن تركه كان لاغيا ومن لغا فلا جمعة له وفي quot; المسند quot; مرفوعا ( والذي يقول لصاحبه: أنصت فلا جمعة له )(1\/365)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "331",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8897",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخاصة العاشرة: قراءة سورة الكهف في يومها فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء به يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين ) . وذكره سعيد بن منصور من قول أبي سعيد الخدري وهو أشبه. الحادية عشرة: إنه لا يكره فعل الصلاة فيه وقت الزوال عند الشافعي رحمه الله ومن وافقه وهو اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية ولم يكن اعتماده على حديث ليث عن مجاهد عن أبي الخليل عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة . وقال: ( إن جهنم تسجر إلا يوم(1\/366)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "332",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8898",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجمعة ) - وإنما كان اعتماده على أن من جاء إلى الجمعة يستحب له أن يصلي حتى يخرج الإمام وفي الحديث الصحيح ( لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى ) رواه البخاري فندبه إلى الصلاة ما كتب له ولم يمنعه عنها إلا في وقت خروج الإمام ولهذا قال غير واحد من السلف منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتبعه عليه الإمام أحمد بن حنبل: خروج الإمام يمنع الصلاة وخطبته تمنع الكلام فجعلوا المانع من الصلاة خروج الإمام لا انتصاف النهار. وأيضا فإن الناس يكونون في المسجد تحت السقوف ولا يشعرون بوقت الزوال والرجل يكون متشاغلا بالصلاة لا يدري بوقت الزوال ولا يمكنه أن يخرج ويتخطى رقاب الناس وينظر إلى الشمس ويرجع ولا يشرع له ذلك. وحديث أبي قتادة هذا قال أبو داود: هو مرسل لأن أبا الخليل لم يسمع من أبي قتادة والمرسل إذا اتصل به عمل وعضده قياس أو قول صحابي أو كان مرسله معروفا باختيار الشيوخ ورغبته عن الرواية عن الضعفاء والمتروكين ونحو ذلك مما يقتضي قوته عمل به. وأيضا فقد عضده شواهد أخر منها ما ذكره الشافعي في كتابه فقال: روي عن إسحاق بن عبد الله عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ( نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة )(1\/367)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "333",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8899",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هكذا رواه رحمه الله في كتاب quot; اختلاف الحديث quot; ورواه في quot; كتاب الجمعة quot;: حدثنا إبراهيم بن محمد عن إسحاق ورواه أبو خالد الأحمر عن شيخ من أهل المدينة يقال له: عبد الله بن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد رواه البيهقي في quot; المعرفة quot; من حديث عطاء بن عجلان عن أبي نضرة عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة . ولكن إسناده فيه من لا يحتج به قاله البيهقي قال: ولكن إذا انضمت هذه الأحاديث إلى حديث أبي قتادة أحدثت بعض القوة. قال الشافعي: من شأن الناس التهجير إلى الجمعة والصلاة إلى خروج الإمام قال البيهقي: الذي أشار إليه الشافعي موجود في الأحاديث الصحيحة وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم رغب في التبكير إلى الجمعة وفي الصلاة إلى خروج الإمام من غير استثناء وذلك يوافق هذه الأحاديث التي أبيحت فيها الصلاة نصف النهار يوم الجمعة وروينا الرخصة في ذلك عن عطاء وطاووس والحسن ومكحول. قلت: اختلف الناس في كراهة الصلاة نصف النهار على ثلاثة أقوال أحدها: أنه ليس وقت كراهة بحال وهو مذهب مالك. الثاني: أنه وقت كراهة في يوم الجمعة وغيرها وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب أحمد. والثالث: أنه وقت كراهة إلا يوم الجمعة فليس بوقت كراهة وهذا مذهب الشافعي. الثانية عشرة: قراءة (سورة الجمعة) و (المنافقين) أو (سبح والغاشية) في صلاة الجمعة فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بهن في الجمعة ذكره مسلم في quot; صحيحه quot;.(1\/368)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "334",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8900",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيه أيضا: أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فيها ب (الجمعة) و هل أتاك حديث الغاشية [الغاشية: 1] ثبت عنه ذلك كله. ولا يستحب أن يقرأ من كل سورة بعضها أو يقرأ إحداهما في الركعتين فإنه خلاف السنة وجهال الأئمة يداومون على ذلك. الثالثة عشرة: أنه يوم عيد متكرر في الأسبوع وقد روى أبو عبد الله بن ماجه في quot; سننه quot; من حديث أبي لبابة بن عبد المنذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى ويوم الفطر فيه خمس خلال: خلق الله فيه آدم وأهبط فيه آدم إلى الأرض وفيه توفى الله آدم وفيه ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا أعطاه ما لم يسأل حراما وفيه تقوم الساعة ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا شجر إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة ) . الرابعة عشرة: أنه يستحب أن يلبس فيه أحسن الثياب التي يقدر عليها فقد روى الإمام أحمد في quot; مسنده quot; من حديث أبي أيوب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان له ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد ثم يركع إن بدا له ولم يؤذ أحدا ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كانت كفارة لما بينهما ) .(1\/369)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "335",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8901",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; سنن أبي داود quot; عن عبد الله بن سلام أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر في يوم الجمعة: (ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته)  . وفي quot; سنن ابن ماجه quot; عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم الجمعة فرأى عليهم ثياب النمار فقال: ( ما على أحدكم إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته ) . الخامسة عشرة: أنه يستحب فيه تجمير المسجد فقد ذكر سعيد بن منصور عن نعيم بن عبد الله المجمر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أن يجمر مسجد المدينة كل جمعة حين ينتصف النهار. قلت: ولذلك سمي نعيم المجمر. السادسة عشرة: أنه لا يجوز السفر في يومها لمن تلزمه الجمعة قبل فعلها بعد دخول وقتها وأما قبله فللعلماء ثلاثة أقوال وهي روايات منصوصات عن أحمد أحدها: لا يجوز والثاني: يجوز والثالث: يجوز للجهاد خاصة. وأما مذهب الشافعي رحمه الله فيحرم عنده إنشاء السفر يوم الجمعة بعد الزوال ولهم في سفر الطاعة وجهان: أحدهما: تحريمه وهو اختيار النووي والثاني: جوازه وهو اختيار الرافعي.(1\/370)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "336",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8902",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما السفر قبل الزوال فللشافعي فيه قولان: القديم: جوازه والجديد أنه كالسفر بعد زوال. وأما مذهب مالك فقال صاحب quot; التفريع quot;: ولا يسافر أحد يوم الجمعة بعد الزوال حتى يصلي الجمعة ولا بأس أن يسافر قبل الزوال والاختيار: أن لا يسافر إذا طلع الفجر وهو حاضر حتى يصلي الجمعة. وذهب أبو حنيفة إلى جواز السفر مطلقا وقد روى الدارقطني في quot; الإفراد quot; من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من سافر من دار إقامته يوم الجمعة دعت عليه الملائكة ألا يصحب في سفره ) . وهو من حديث ابن لهيعة. وفي quot; مسند الإمام أحمد quot; من حديث الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: ( بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم الجمعة قال: فغدا أصحابه وقال أتخلف وأصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ألحقهم فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم رآه فقال: ما منعك أن تغدو مع أصحابك فقال: أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم فقال: quot; لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم ) . وأعل هذا الحديث بأن الحكم لم يسمع من مقسم.(1\/371)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "337",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8903",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا إذا لم يخف المسافر فوت رفقته فإن خاف فوت رفقته وانقطاعه بعدهم جاز له السفر مطلقا لأن هذا عذر يسقط الجمعة والجماعة. ولعل ما روي عن الأوزاعي - أنه سئل عن مسافر سمع أذان الجمعة وقد أسرج دابته فقال ليمض على سفره - محمول على هذا وكذلك قول ابن عمر رضي الله عنه: الجمعة لا تحبس عن السفر. وإن كان مرادهم جواز السفر مطلقا فهي مسألة نزاع. والدليل: هو الفاصل على أن عبد الرزاق قد روى في quot; مصنفه quot; عن معمر عن خالد الحذاء عن ابن سيرين أو غيره (أن عمر بن الخطاب رأى رجلا عليه ثياب سفر بعد ما قضى الجمعة فقال: ما شأنك قال: أردت سفرا فكرهت أن أخرج حتى أصلي فقال عمر: إن الجمعة لا تمنعك السفر ما لم يحضر وقتها) فهذا قول من يمنع السفر بعد الزوال ولا يمنع منه قبله. وذكره عبد الرزاق أيضا عن الثوري عن الأسود بن قيس عن أبيه قال: (أبصر عمر بن الخطاب رجلا عليه هيئة السفر وقال الرجل: إن اليوم يوم جمعة ولولا ذلك لخرجت فقال عمر: إن الجمعة لا تحبس مسافرا فاخرج ما لم يحن الرواح) . وذكر أيضا عن الثوري عن ابن أبي ذئب عن صالح بن كثير عن الزهري قال: ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مسافرا يوم الجمعة ضحى قبل الصلاة ) . وذكر عن معمر قال: سألت يحيى بن أبي كثير: هل يخرج الرجل يوم الجمعة فكرهه فجعلت أحدثه بالرخصة فيه فقال لي: قلما يخرج رجل في(1\/372)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "338",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8904",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يوم الجمعة إلا رأى ما يكرهه لو نظرت في ذلك وجدته كذلك. وذكر ابن المبارك عن الأوزاعي عن حسان بن أبي عطية قال: إذا سافر الرجل يوم الجمعة دعا عليه النهار أن لا يعان على حاجته ولا يصاحب في سفره. وذكر الأوزاعي عن ابن المسيب أنه قال: السفر يوم الجمعة بعد الصلاة. قال ابن جريج: قلت لعطاء: أبلغك أنه كان يقال: إذا أمسى في قرية جامعة من ليلة الجمعة فلا يذهب حتى يجمع قال إن ذلك ليكره. قلت: فمن يوم الخميس قال لا ذلك النهار فلا يضره. السابعة عشرة: أن للماشي إلى الجمعة بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها قال عبد الرزاق: عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من غسل واغتسل يوم الجمعة وبكر وابتكر ودنا من الإمام فأنصت كان له بكل خطوة يخطوها صيام سنة وقيامها وذلك على الله يسير ) . ورواه الإمام أحمد في quot; مسنده quot;. وقال الإمام أحمد: غسل بالتشديد: جامع أهله وكذلك فسره وكيع. الثامنة عشرة: أنه يوم تكفير السيئات فقد روى الإمام أحمد في(1\/373)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "339",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8905",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot; مسنده quot; عن سلمان قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; أتدري ما يوم الجمعة quot; قلت: هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم آدم قال: quot; ولكني أدري ما يوم الجمعة لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره ثم يأتي الجمعة فينصت حتى يقضي الإمام صلاته إلا كانت كفارة لما بينه وبين الجمعة المقبلة ما اجتنبت المقتلة . وفي quot; المسند quot; أيضا من حديث عطاء الخراساني عن نبيشة الهذلي أنه كان يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; إن المسلم إذا اغتسل يوم الجمعة ثم أقبل إلى المسجد لا يؤذي أحدا فإن لم يجد الإمام خرج صلى ما بدا له وإن وجد الإمام قد خرج جلس فاستمع وأنصت حتى يقضي الإمام جمعته وكلامه إن لم يغفر له في جمعته تلك ذنوبه كلها أن تكون كفارة للجمعة التي تليها . وفي quot; صحيح البخاري quot; عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى quot;. وفي quot; مسند أحمد quot; من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من اغتسل يوم الجمعة ثم لبس ثيابه ومس طيبا إن كان عنده ثم مشى(1\/374)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "340",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8906",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى الجمعة وعليه السكينة ولم يتخط أحدا ولم يؤذه وركع ما قضي له ثم انتظر حتى ينصرف الإمام غفر له ما بين الجمعتين quot;. التاسعة عشرة: أن جهنم تسجر كل يوم إلا يوم الجمعة. وقد تقدم حديث أبي قتادة في ذلك وسر ذلك - والله أعلم - أنه أفضل الأيام عند الله ويقع فيه من الطاعات والعبادات والدعوات والابتهال إلى الله سبحانه وتعالى ما يمنع من تسجير جهنم فيه. ولذلك تكون معاصي أهل الإيمان فيه أقل من معاصيهم في غيره حتى إن أهل الفجور ليمتنعون فيه مما لا يمتنعون منه في يوم السبت وغيره. وهذا الحديث الظاهر منه أن المراد سجر جهنم في الدنيا وأنها توقد كل يوم إلا يوم الجمعة وأما يوم القيامة فإنه لا يفتر عذابها ولا يخفف عن أهلها الذين هم أهلها يوما من الأيام ولذلك يدعون الخزنة أن يدعوا ربهم ليخفف عنهم يوما من العذاب فلا يجيبونهم إلى ذلك. العشرون: أن فيه ساعة الإجابة وهي الساعة التي لا يسأل الله عبد مسلم فيها شيئا إلا أعطاه ففي quot; الصحيحين quot; من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه وقال: بيده يقللها quot;.(1\/375)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "341",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8907",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي المسند من حديث أبي لبابة بن عبد المنذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot; سيد الأيام يوم الجمعة وأعظمها عند الله وأعظم عند الله من يوم الفطر ويوم الأضحى وفيه خمس خصال خلق الله فيه آدم وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض وفيه توفى الله عز وجل آدم وفيه ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا آتاه الله إياه ما لم يسأل حراما وفيه تقوم الساعة ما من ملك مقرب ولا أرض ولا رياح ولا بحر ولا جبال ولا شجر إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة .  [فصل في بيان اختلاف الناس في ساعة الإجابة] فصل وقد اختلف الناس في هذه الساعة: هل هي باقية أو قد رفعت على قولين حكاهما ابن عبد البر وغيره والذين قالوا: هي باقية ولم ترفع اختلفوا هل هي في وقت من اليوم بعينه أم هي غير معينة على قولين. ثم اختلف من قال بعدم تعيينها: هل هي تنتقل في ساعات اليوم أو لا على قولين أيضا والذين قالوا بتعيينها اختلفوا على أحد عشر قولا. قال ابن المنذر: روينا عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: هي من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس. الثاني: أنها عند الزوال ذكره ابن المنذر عن الحسن البصري وأبي العالية. الثالث: أنها إذا أذن المؤذن بصلاة الجمعة قال ابن المنذر: روينا ذلك عن عائشة رضي الله عنها. الرابع: أنها إذا جلس الإمام على المنبر يخطب حتى يفرغ قال ابن المنذر رويناه عن الحسن البصري.(1\/376)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "342",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8908",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخامس: قاله أبو بردة: هي الساعة التي اختار الله وقتها للصلاة. السادس: قاله أبو السوار العدوي وقال: كانوا يرون أن الدعاء مستجاب ما بين زوال الشمس إلى أن تدخل الصلاة. السابع: قاله أبو ذر: إنها ما بين أن ترتفع الشمس شبرا إلى ذراع. الثامن: أنها ما بين العصر إلى غروب الشمس قاله أبو هريرة وعطاء وعبد الله بن سلام وطاوس حكى ذلك كله ابن المنذر. التاسع: أنها آخر ساعة بعد العصر وهو قول أحمد وجمهور الصحابة والتابعين. العاشر: أنها من حين خروج الإمام إلى فراغ الصلاة حكاه النووي وغيره. الحادي عشر: أنها الساعة الثالثة من النهار حكاه صاحب quot; المغني quot; فيه. وقال كعب: لو قسم الإنسان جمعة في جمع أتى على تلك الساعة. وقال عمر: إن طلب حاجة في يوم ليسير. وأرجح هذه الأقوال: قولان تضمنتهما الأحاديث الثابتة وأحدهما أرجح من الآخر. الأول: أنها من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة وحجة هذا القول ما روى مسلم في quot; صحيحه quot; من حديث أبي بردة بن أبي موسى أن عبد الله بن عمر قال له: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن ساعة الجمعة شيئا قال: نعم سمعته يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot; هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة quot;.(1\/377)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "343",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8909",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروى ابن ماجه والترمذي من حديث عمرو بن عوف المزني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن في الجمعة ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا آتاه الله إياه quot; قالوا: يا رسول الله! أية ساعة هي قال: quot; حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها quot;. والقول الثاني: أنها بعد العصر وهذا أرجح القولين وهو قول عبد الله بن سلام وأبي هريرة والإمام أحمد وخلق. وحجة هذا القول ما رواه أحمد في quot; مسنده quot; من حديث أبي سعيد وأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot; إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه وهي بعد(1\/378)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "344",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8910",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العصر quot;. وروى أبو داود والنسائي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot; يوم الجمعة اثنا عشر ساعة فيها ساعة لا يوجد مسلم يسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر . وروى سعيد بن منصور في quot; سننه quot; عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمعوا فتذاكروا الساعة التي في يوم الجمعة فتفرقوا ولم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة. وفي quot; سنن ابن ماجه quot;: عن عبد الله بن سلام قال: قلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس: إنا لنجد في كتاب الله (يعني التوراة) في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله عز وجل شيئا إلا قضى الله له حاجته قال عبد الله فأشار إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بعض ساعة. قلت: صدقت يا رسول الله أو بعض ساعة. قلت: أي ساعة هي قال: quot; هي آخر ساعة من ساعات النهار quot;. قلت: إنها ليست ساعة صلاة قال: بلى إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يجلسه إلا الصلاة فهو في صلاة .(1\/379)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "345",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8911",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; مسند أحمد quot; من حديث أبي هريرة قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم لأي شيء سمي يوم الجمعة قال: لأن فيها طبعت طينة أبيك آدم وفيها الصعقة والبعثة وفيها البطشة وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له quot;. وفي quot; سنن أبي داود quot; والترمذي والنسائي من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أهبط وفيه تيب عليه وفيه مات وفيه تقوم الساعة وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله عز وجل حاجة إلا أعطاه إياها quot; قال كعب: ذلك في كل سنة يوم فقلت: بل في كل جمعة قال: فقرأ كعب التوراة فقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو هريرة: ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب فقال عبد الله بن سلام: وقد علمت أية ساعة هي. قال أبو هريرة: فقلت أخبرني بها فقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة من يوم الجمعة فقلت: كيف هي آخر ساعة من يوم الجمعة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي quot; وتلك الساعة لا يصلى فيها فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم quot; من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي quot; قال: فقلت: بلى. فقال: هو ذاك. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي quot; الصحيحين quot; بعضه.(1\/380)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "346",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8912",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما من قال: إنها من حين يفتتح الإمام الخطبة إلى فراغه من الصلاة فاحتج بما رواه مسلم في quot; صحيحه quot; عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قال: قال عبد الله بن عمر: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن ساعة الجمعة قال: قلت: نعم سمعته يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot; هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن يقضي الإمام الصلاة . وأما من قال: هي ساعة الصلاة فاحتج بما رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عمرو بن عوف المزني قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot; إن في الجمعة لساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا آتاه الله إياه quot;. قالوا: يا رسول الله! أية ساعة هي قال: quot; حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها quot;. ولكن هذا الحديث ضعيف قال أبو عمر بن عبد البر: هو حديث لم يروه فيما علمت إلا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده وليس هو ممن يحتج بحديثه. وقد روى روح بن عبادة عن عوف عن معاوية بن قرة عن أبي بردة عن أبي موسى أنه قال لعبد الله بن عمر: هي الساعة التي يخرج فيها الإمام إلى أن تقضى الصلاة. فقال ابن عمر: أصاب الله بك. وروى عبد الرحمن بن حجيرة عن أبي ذر أن امرأته سألته عن الساعة التي يستجاب فيها يوم الجمعة للعبد المؤمن فقال لها: هي مع رفع الشمس بيسير فإن سألتني بعدها فأنت طالق. واحتج هؤلاء أيضا بقوله في حديث أبي هريرة quot; وهو قائم يصلي quot; وبعد العصر لا صلاة في ذلك الوقت والأخذ بظاهر الحديث أولى. قال أبو عمر: يحتج أيضا من ذهب إلى هذا بحديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot; إذا زالت الشمس وفاءت الأفياء وراحت الأرواح فاطلبوا إلى الله حوائجكم فإنها(1\/381)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "347",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8913",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ساعة الأوابين ثم تلا: فإنه كان للأوابين غفورا [الإسراء: 25]  [الإسراء: 25] quot;. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الساعة التي تذكر يوم الجمعة: ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. وكان سعيد بن جبير إذا صلى العصر لم يكلم أحدا حتى تغرب الشمس وهذا هو قول أكثر السلف وعليه أكثر الأحاديث. ويليه القول بأنها ساعة الصلاة وبقية الأقوال لا دليل عليها. وعندي أن ساعة الصلاة ساعة ترجى فيها الإجابة أيضا فكلاهما ساعة إجابة وإن كانت الساعة المخصوصة هي آخر ساعة بعد العصر فهي ساعة معينة من اليوم لا تتقدم ولا تتأخر وأما ساعة الصلاة فتابعة للصلاة تقدمت أو تأخرت لأن لاجتماع المسلمين وصلاتهم وتضرعهم وابتهالهم إلى الله تعالى تأثيرا في الإجابة فساعة اجتماعهم ساعة ترجى فيها الإجابة وعلى هذا تتفق الأحاديث كلها ويكون النبي صلى الله عليه وسلم قد حض أمته على الدعاء والابتهال إلى الله تعالى في هاتين الساعتين. ونظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: quot; هو مسجدكم هذا quot; وأشار إلى مسجد المدينة . وهذا لا ينفي أن يكون مسجد قباء الذي نزلت فيه الآية مؤسسا على التقوى بل كل منهما مؤسس على التقوى.(1\/382)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "348",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8914",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك قوله في ساعة الجمعة quot; هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تنقضي الصلاة quot; لا ينافي قوله في الحديث الآخر quot; فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر quot;. ويشبه هذا في الأسماء قوله صلى الله عليه وسلم: quot; ما تعدون الرقوب فيكم قالوا: من لم يولد له قال quot; الرقوب من لم يقدم من ولده شيئا quot;. فأخبر أن هذا هو الرقوب إذ لم يحصل له من ولده من الأجر ما حصل لمن قدم منهم فرطا وهذا لا ينافي أن يسمى من لم يولد له رقوبا. ومثله قوله صلى الله عليه وسلم ما تعدون المفلس فيكم قالوا: من لا درهم له ولا متاع. قال quot; المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال ويأتي وقد لطم هذا وضرب هذا وسفك دم هذا فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته quot; الحديث. ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: quot; ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس ولا يتفطن له. فيتصدق عليه quot;.(1\/383)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "349",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8915",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذه الساعة هي آخر ساعة بعد العصر يعظمها جميع أهل الملل. وعند أهل الكتاب هي ساعة الإجابة وهذا مما لا غرض لهم في تبديله وتحريفه وقد اعترف به مؤمنهم. وأما من قال بتنقلها فرام الجمع بذلك بين الأحاديث كما قيل ذلك في ليلة القدر وهذا ليس بقوي فإن ليلة القدر قد قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: quot; فالتمسوها في خامسة تبقى في سابعة تبقى في تاسعة تبقى quot;. ولم يجئ مثل ذلك في ساعة الجمعة. وأيضا فالأحاديث التي في ليلة القدر ليس فيها حديث صريح بأنها ليلة كذا وكذا بخلاف أحاديث ساعة الجمعة فظهر الفرق بينهما. وأما قول من قال: إنها رفعت فهو نظير قول من قال: إن ليلة القدر رفعت وهذا القائل إن أراد أنها كانت معلومة فرفع علمها عن الأمة فيقال له: لم يرفع علمها عن كل الأمة وإن رفع عن بعضهم وإن أراد أن حقيقتها وكونها ساعة إجابة رفعت فقول باطل مخالف للأحاديث الصحيحة الصريحة فلا يعول عليه والله أعلم. الحادية والعشرون: أن فيه صلاة الجمعة التي خصت من بين سائر الصلوات المفروضات بخصائص لا توجد في غيرها من الاجتماع والعدد المخصوص واشتراط الإقامة والاستيطان والجهر بالقراءة. وقد جاء من(1\/384)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "350",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8916",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التشديد فيها ما لم يأت نظيره إلا في صلاة العصر ففي السنن الأربعة من حديث أبي الجعد الضمري - وكانت له صحبة - إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه ) قال الترمذي: حديث حسن وسألت محمد بن إسماعيل عن اسم أبي الجعد الضمري فقال: لم يعرف اسمه وقال: لا أعرف له عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذا الحديث. وقد جاء في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر لمن تركها أن يتصدق بدينار فإن لم يجد فنصف دينار . رواه أبو داود والنسائي من رواية قدامة بن وبرة عن سمرة بن جندب. ولكن قال أحمد: قدامة بن وبرة لا يعرف. وقال يحيى بن معين: ثقة وحكي عن البخاري أنه لا يصح سماعه من سمرة. وأجمع المسلمون على أن الجمعة فرض عين إلا قولا يحكى عن الشافعي أنها فرض كفاية وهذا غلط عليه منشؤه أنه قال: وأما صلاة العيد فتجب على كل من تجب عليه صلاة الجمعة فظن هذا القائل أن العيد لما كانت فرض كفاية كانت الجمعة كذلك. وهذا فاسد بل هذا نص من الشافعي أن العيد واجب على الجميع وهذا يحتمل أمرين أحدهما: أن(1\/385)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "351",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8917",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكون فرض عين كالجمعة وأن يكون فرض كفاية فإن فرض الكفاية يجب على الجميع كفرض الأعيان سواء وإنما يختلفان بسقوطه عن البعض بعد وجوبه بفعل الآخرين. الثانية والعشرون: أن فيه الخطبة التي يقصد بها الثناء على الله وتمجيده والشهادة له بالوحدانية ولرسوله صلى الله عليه وسلم بالرسالة وتذكير العباد بأيامه وتحذيرهم من بأسه ونقمته ووصيتهم بما يقربهم إليه وإلى جنانه ونهيهم عما يقربهم من سخطه وناره فهذا هو مقصود الخطبة والاجتماع لها. الثالثة والعشرون: أنه اليوم الذي يستحب أن يتفرغ فيه للعبادة وله على سائر الأيام مزية بأنواع من العبادات واجبة ومستحبة فالله سبحانه جعل لأهل كل ملة يوما يتفرغون فيه للعبادة ويتخلون فيه عن أشغال الدنيا فيوم الجمعة يوم عبادة وهو في الأيام كشهر رمضان في الشهور وساعة الإجابة فيه كليلة القدر في رمضان. ولهذا من صح له يوم جمعته وسلم سلمت له سائر جمعته ومن صح له رمضان وسلم سلمت له سائر سنته ومن صحت له حجته وسلمت له صح له سائر عمره فيوم الجمعة ميزان الأسبوع ورمضان ميزان العام والحج ميزان العمر. وبالله التوفيق. الرابعة والعشرون: أنه لما كان في الأسبوع كالعيد في العام وكان العيد مشتملا على صلاة وقربان وكان يوم الجمعة يوم صلاة جعل الله سبحانه التعجيل فيه إلى المسجد بدلا من القربان وقائما مقامه فيجتمع للرائح فيه إلى المسجد الصلاة والقربان كما في quot; الصحيحين quot; عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ) .(1\/386)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "352",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8918",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد اختلف الفقهاء في هذه الساعة على قولين: أحدهما: أنها من أول النهار وهذا هو المعروف في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما. والثاني: أنها أجزاء من الساعة السادسة بعد الزوال وهذا هو المعروف في مذهب مالك واختاره بعض الشافعية واحتجوا عليه بحجتين. إحداهما: أن الرواح لا يكون إلا بعد الزوال وهو مقابل الغدو الذي لا يكون إلا قبل الزوال قال تعالى: ورواحها شهر [سبأ: 12] [سبأ: 12] . قال الجوهري: ولا يكون إلا بعد الزوال. الحجة الثانية: أن السلف كانوا أحرص شيء على الخير ولم يكونوا يغدون إلى الجمعة من وقت طلوع الشمس وأنكر مالك التبكير إليها في أول النهار وقال لم ندرك عليه أهل المدينة. واحتج أصحاب القول الأول بحديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot; ( يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة ) quot;. قالوا: والساعات المعهودة هي الساعات التي هي ثنتا عشرة ساعة وهي نوعان: ساعات تعديلية وساعات زمانية قالوا: ويدل على هذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بلغ(1\/387)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "353",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8919",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالساعات إلى ست ولم يزد عليها ولو كانت الساعة أجزاء صغارا من الساعة التي تفعل فيها الجمعة لم تنحصر في ستة أجزاء بخلاف ما إذا كان المراد بها الساعات المعهودة فإن الساعة السادسة متى خرجت ودخلت السابعة خرج الإمام وطويت الصحف ولم يكتب لأحد قربان بعد ذلك كما جاء مصرحا به في quot; سنن أبي داود quot; من حديث علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا كان يوم الجمعة غدت الشياطين براياتها إلى الأسواق فيرمون الناس بالترابيث أو الربائث ويثبطونهم عن الجمعة وتغدو الملائكة فتجلس على أبواب المساجد فيكتبون الرجل من ساعة والرجل من ساعتين حتى يخرج الإمام ) . قال أبو عمر بن عبد البر: اختلف أهل العلم في تلك الساعات فقالت طائفة منهم: أراد الساعات من طلوع الشمس وصفائها والأفضل عندهم التبكير في ذلك الوقت إلى الجمعة وهو قول الثوري وأبي حنيفة والشافعي وأكثر العلماء بل كلهم يستحب البكور إليها. قال الشافعي رحمه الله: ولو بكر إليها بعد الفجر وقبل طلوع الشمس كان حسنا. وذكر الأثرم قال: قيل لأحمد بن حنبل: كان مالك بن أنس يقول: لا ينبغي التهجير يوم الجمعة باكرا فقال: هذا خلاف حديث النبي صلى الله عليه وسلم. وقال: سبحان الله إلى أي شيء ذهب في هذا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: quot; كالمهدي جزورا quot;. قال: وأما مالك فذكر يحيى بن عمر عن حرملة أنه سأل ابن وهب عن تفسير هذه الساعات: أهو الغدو من أول ساعات النهار أو إنما أراد بهذا القول ساعات الرواح فقال ابن وهب: سألت مالكا عن(1\/388)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "354",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8920",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا فقال: أما الذي يقع بقلبي فإنه إنما أراد ساعة واحدة تكون فيها هذه الساعات من راح من أول تلك الساعة أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو الخامسة أو السادسة. ولو لم يكن كذلك ما صليت الجمعة حتى يكون النهار تسع ساعات في وقت العصر أو قريبا من ذلك. وكان ابن حبيب ينكر مالكا هذا ويميل إلى القول الأول وقال: قول مالك هذا تحريف في تأويل الحديث ومحال من وجوه. وقال: يدلك أنه لا يجوز ساعات في ساعة واحدة: أن الشمس إنما تزول في الساعة السادسة من النهار وهو وقت الأذان وخروج الإمام إلى الخطبة فدل ذلك على أن الساعات في هذا الحديث هي ساعات النهار المعروفات فبدأ بأول ساعات النهار فقال: ( من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ) ثم قال في الساعة الخامسة بيضة ثم انقطع التهجير وحان وقت الأذان فشرح الحديث بين في لفظه ولكنه حرف عن موضعه وشرح بالخلف من القول وما لا يكون وزهد شارحه الناس فيما رغبهم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من التهجير من أول النهار وزعم أن ذلك كله إنما يجتمع في ساعة واحدة قرب زوال الشمس قال وقد جاءت الآثار بالتهجير إلى الجمعة في أول النهار وقد سقنا ذلك في موضعه من كتاب واضح السنن بما فيه بيان وكفاية. هذا كله قول عبد الملك بن حبيب ثم رد عليه أبو عمر وقال: هذا تحامل منه على مالك رحمه الله تعالى فهو الذي قال القول الذي أنكره وجعله خلفا وتحريفا من التأويل والذي قاله مالك تشهد له الآثار الصحاح من رواية الأئمة ويشهد له أيضا العمل بالمدينة عنده وهذا مما يصح فيه الاحتجاج بالعمل لأنه أمر يتردد كل جمعة لا يخفى على عامة العلماء. فمن الآثار التي يحتج بها مالك: ما رواه الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا كان يوم الجمعة قام على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس الأول فالأول فالمهجر إلى الجمعة(1\/389)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "355",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8921",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كالمهدي بدنة ثم الذي يليه كالمهدي بقرة ثم الذي يليه كالمهدي كبشا حتى ذكر الدجاجة والبيضة فإذا جلس الإمام طويت الصحف واستمعوا الخطبة ) قال: ألا ترى إلى ما في هذا الحديث فإنه قال: يكتبون الناس الأول فالأول فالمهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة ثم الذي يليه  فجعل الأول مهجرا وهذه اللفظة إنما هي مأخوذة من الهاجرة والتهجير وذلك وقت النهوض إلى الجمعة وليس ذلك وقت طلوع الشمس لأن ذلك الوقت ليس بهاجرة ولا تهجير وفي الحديث: quot; ثم الذي يليه ثم الذي يليه quot;. ولم يذكر الساعة. قال والطرق بهذا اللفظ كثيرة مذكورة في quot; التمهيد quot; وفي بعضها ( المتعجل إلى الجمعة كالمهدي بدنة ) quot;. وفي أكثرها quot; المهجر كالمهدي جزورا quot; الحديث. وفي بعضها ما يدل على أنه جعل الرائح إلى الجمعة في أول الساعة كالمهدي بدنة وفي آخرها كذلك وفي أول الساعة الثانية كالمهدي بقرة وفي آخرها كذلك. وقال بعض أصحاب الشافعي: لم يرد صلى الله عليه وسلم بقوله: ( المهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة ) الناهض إليها في الهجير والهاجرة وإنما أراد التارك لأشغاله وأعماله من أغراض أهل الدنيا للنهوض إلى الجمعة كالمهدي بدنة وذلك مأخوذ من الهجرة وهو ترك الوطن والنهوض إلى غيره ومنه سمي المهاجرون. وقال الشافعي رحمه الله: أحب التبكير إلى الجمعة ولا تؤتى إلا مشيا. هذا كله كلام أبي عمر. قلت: ومدار إنكار التبكير أول النهار على ثلاثة أمور: أحدها: على لفظة الرواح وإنها لا تكون إلا بعد الزوال والثاني: لفظة التهجير وهي إنما تكون(1\/390)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "356",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8922",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالهاجرة وقت شدة الحر والثالث: عمل أهل المدينة فإنهم لم يكونوا يأتون من أول النهار. فأما لفظة الرواح فلا ريب أنها تطلق على المضي بعد الزوال وهذا إنما يكون في الأكثر إذا قرنت بالغدو كقوله تعالى: غدوها شهر ورواحها شهر [سبأ: 12] [سبأ: 12] وقوله صلى الله عليه وسلم: ( من غدا إلى المسجد وراح أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح ) . وقول الشاعر. نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لا تنقضي. وقد يطلق الرواح بمعنى الذهاب والمضي وهذا إنما يجيء إذا كانت مجردة عن الاقتران بالغدو. وقال الأزهري في quot; التهذيب quot;: سمعت بعض العرب يستعمل الرواح في السير في كل وقت يقال: راح القوم إذا ساروا وغدوا كذلك ويقول أحدهم لصاحبه: تروح ويخاطب أصحابه فيقول: روحوا أي سيروا ويقول الآخر: ألا تروحون ومن ذلك ما جاء في الأخبار الصحيحة الثابتة وهو بمعنى المضي إلى الجمعة والخفة إليها لا بمعنى الرواح بالعشي.(1\/391)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "357",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8923",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما لفظ التهجير والمهجر فمن الهجير والهاجرة قال الجوهري: هي نصف النهار عند اشتداد الحر تقول منه: هجر النهار قال امرؤ القيس: فدعها وسل الهم عنها بجسرة ... ذمول إذا صام النهار وهجرا ويقال: أتينا أهلنا مهجرين أي في وقت الهاجرة. والتهجير والتهجر: السير في الهاجرة فهذا ما يقرر به قول أهل المدينة. قال الآخرون: الكلام في لفظ التهجير كالكلام في لفظ الرواح فإنه يطلق ويراد به التبكير. قال الأزهري في quot; التهذيب quot;: روى مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لو يعلم الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه ) . وفي حديث آخر مرفوع ( المهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة ) . قال: ويذهب كثير من الناس إلى أن التهجير في هذه الأحاديث تفعيل من الهاجرة وقت الزوال وهو غلط والصواب فيه ما روى أبو داود المصاحفي عن النضر بن شميل أنه قال: التهجير إلى الجمعة وغيرها: التبكير والمبادرة إلى كل شيء. قال: سمعت الخليل يقول ذلك قاله في تفسير هذا الحديث. قال الأزهري: وهذا صحيح وهي لغة أهل الحجاز ومن جاورهم من قيس قال لبيد:(1\/392)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "358",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8924",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "راح القطين بهجر بعد ما ابتكروا ... فما تواصله سلمى وما تذر. فقرن الهجر بالابتكار والرواح عندهم الذهاب والمضي يقال: راح القوم إذا خفوا ومروا أي وقت كان. وقوله صلى الله عليه وسلم: ( لو يعلم الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه ) أراد به التبكير إلى جميع الصلوات وهو المضي إليها في أول أوقاتها قال الأزهري: وسائر العرب يقولون: هجر الرجل: إذا خرج وقت الهاجرة وروى أبو عبيد عن أبي زيد: هجر الرجل إذا خرج بالهاجرة. قال: وهي نصف النهار. ثم قال الأزهري: أنشدني المنذري فيما روى لثعلب عن ابن الأعرابي في quot; نوادره quot; قال: قال جعثنة بن جواس الربعي في ناقته: هل تذكرين قسمي ونذري ... أزمان أنت بعروض الجفر.  إذ أنت مضرار جواد الحضر علي إن لم تنهضي بوقري.  بأربعين قدرت بقدر ... بالخالدي لا بصاع حجر.  وتصحبي أيانقا في سفر يهجرون بهجير الفجر ... ثمت تمشي ليلهم فتسري يطوون أعراض الفجاج الغبر.  طي أخي التجر برود التجر. قال الأزهري: يهجرون بهجير الفجر أي يبكرون بوقت السحر. وأما كون أهل المدينة لم يكونوا يروحون إلى الجمعة أول النهار فهذا غاية عملهم في زمان مالك رحمه الله وهذا ليس بحجة ولا عند من يقول: إجماع(1\/393)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "359",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8925",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أهل المدينة حجة فإن هذا ليس فيه إلا ترك الرواح إلى الجمعة من أول النهار وهذا جائز بالضرورة. وقد يكون اشتغال الرجل بمصالحه ومصالح أهله ومعاشه وغير ذلك من أمور دينه ودنياه أفضل من رواحه إلى الجمعة من أول النهار ولا ريب أن انتظار الصلاة بعد الصلاة وجلوس الرجل في مصلاه حتى يصلي الصلاة الأخرى أفضل من ذهابه وعوده في وقت آخر للثانية كما قال صلى الله عليه وسلم: ( والذي ينتظر الصلاة ثم يصليها مع الإمام أفضل من الذي يصلي ثم يروح إلى أهله ) وأخبر quot; أن الملائكة لم تزل تصلي عليه ما دام في مصلاه وأخبر quot; (أن انتظار الصلاة بعد الصلاة مما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات وأنه الرباط) quot; وأخبر quot; أن الله يباهي ملائكته بمن قضى فريضة وجلس ينتظر أخرى quot; وهذا يدل على أن من صلى الصبح ثم جلس ينتظر الجمعة فهو أفضل ممن يذهب ثم يجيء في وقتها وكون أهل المدينة وغيرهم لا يفعلون ذلك لا يدل على أنه مكروه فهكذا المجيء إليها والتبكير في أول النهار والله أعلم. الخامسة والعشرون: أن للصدقة فيه مزية عليها في سائر الأيام والصدقة فيه بالنسبة إلى سائر أيام الأسبوع كالصدقة في شهر رمضان بالنسبة إلى سائر(1\/394)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "360",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8926",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشهور. وشاهدت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه إذا خرج إلى الجمعة يأخذ ما وجد في البيت من خبز أو غيره فيتصدق به في طريقه سرا وسمعته يقول: إذا كان الله قد أمرنا بالصدقة بين يدي مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فالصدقة بين يدي مناجاته تعالى أفضل وأولى بالفضيلة. وقال أحمد بن زهير بن حرب: حدثنا أبي حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس قال: اجتمع أبو هريرة وكعب فقال أبو هريرة: إن في الجمعة لساعة لا يوافقها رجل مسلم في صلاة يسأل الله عز وجل شيئا إلا آتاه إياه فقال كعب: أنا أحدثكم عن يوم الجمعة إنه إذا كان يوم الجمعة فزعت له السماوات والأرض والبر والبحر والجبال والشجر والخلائق كلها إلا ابن آدم والشياطين وحفت الملائكة بأبواب المسجد فيكتبون من جاء الأول فالأول حتى يخرج الإمام فإذا خرج الإمام طووا صحفهم فمن جاء بعد جاء لحق الله لما كتب عليه وحق على كل حالم أن يغتسل يومئذ كاغتساله من الجنابة والصدقة فيه أعظم من الصدقة في سائر الأيام ولم تطلع الشمس ولم تغرب على مثل يوم الجمعة فقال ابن عباس: هذا حديث كعب وأبي هريرة وأنا أرى إن كان لأهله طيب يمس منه. السادسة والعشرون: أنه يوم يتجلى الله عز وجل فيه لأوليائه المؤمنين في الجنة وزيارتهم له فيكون أقربهم منهم أقربهم من الإمام وأسبقهم إلى الزيارة أسبقهم إلى الجمعة. وروى يحيى بن يمان عن شريك عن أبي اليقظان عن أنس بن مالك رضي الله عنه في قوله عز وجل ولدينا مزيد [ق: 35] [ق: 35] قال: ( يتجلى لهم في كل جمعة ) . وذكر الطبراني في quot; معجمه quot; من حديث أبي نعيم المسعودي عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: (سارعوا إلى الجمعة فإن الله عز وجل يبرز لأهل الجنة في كل جمعة في كثيب من كافور فيكونون منه في(1\/395)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "361",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8927",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القرب على قدر تسارعهم إلى الجمعة فيحدث الله سبحانه لهم من الكرامة شيئا لم يكونوا قد رأوه قبل ذلك ثم يرجعون إلى أهليهم فيحدثونهم بما أحدث الله لهم. قال: ثم دخل عبد الله المسجد فإذا هو برجلين فقال عبد الله: رجلان وأنا الثالث إن يشأ الله يبارك في الثالث) وذكر البيهقي في quot; الشعب quot; عن علقمة بن قيس قال: رحت مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إلى جمعة فوجد ثلاثة قد سبقوه فقال رابع أربعة وما رابع أربعة ببعيد. ثم قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot; ( إن الناس يجلسون يوم القيامة من الله على قدر رواحهم إلى الجمعة الأول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع. ثم قال وما أربع أربعة ببعيد ) . قال الدارقطني في كتاب quot; الرؤية quot;: حدثنا أحمد بن سلمان بن الحسن حدثنا محمد بن عثمان بن محمد حدثنا مروان بن جعفر حدثنا نافع أبو الحسن مولى بني هاشم حدثنا عطاء بن أبي ميمونة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا كان يوم القيامة رأى المؤمنون ربهم فأحدثهم عهدا بالنظر إليه من بكر في كل جمعة وتراه المؤمنات يوم الفطر ويوم النحر ) . حدثنا محمد بن نوح حدثنا محمد بن موسى بن سفيان السكري حدثنا عبد الله بن الجهم الرازي حدثنا عمرو بن أبي قيس عن أبي طيبة عن عاصم عن عثمان بن عمير أبي اليقظان عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أتاني جبريل وفي يده كالمرآة البيضاء فيها كالنكتة السوداء فقلت: ما هذا يا جبريل قال: هذه الجمعة يعرضها الله عليك لتكون(1\/396)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "362",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8928",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لك عيدا ولقومك من بعدك قلت وما لنا فيها قال: لكم فيها خير أنت فيها الأول واليهود والنصارى من بعدك ولك فيها ساعة لا يسأل الله عز وجل عبد فيها شيئا هو له قسم إلا أعطاه أو ليس له قسم إلا أعطاه أفضل منه وأعاذه الله من شر ما هو مكتوب عليه وإلا دفع عنه ما هو أعظم من ذلك. قال: قلت: وما هذه النكتة السوداء قال: هي الساعة تقوم يوم الجمعة وهو عندنا سيد الأيام ويدعوه أهل الآخرة يوم المزيد. قال: قلت يا جبريل! وما يوم المزيد قال: ذلك أن ربك عز وجل اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض فإذا كان يوم الجمعة نزل على كرسيه ثم حف الكرسي بمنابر من نور فيجيء النبيون حتى يجلسوا عليها ثم حف المنابر بمنابر من ذهب فيجيء الصديقون والشهداء حتى يجلسوا عليها ويجيء أهل الغرف حتى يجلسوا على الكثب قال ثم يتجلى لهم ربهم عز وجل قال فينظرون إليه فيقول: أنا الذي صدقتكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي وهذا محل كرامتي فسلوني فيسألونه الرضى. قال: رضاي أنزلكم داري وأنا لكم كرامتي فسلوني فيسألونه الرضى. قال: فيشهد لهم بالرضى ثم يسألونه حتى تنتهي رغبتهم ثم يفتح لهم عند ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. قال: ثم يرتفع رب العزة ويرتفع معه النبيون والشهداء ويجيء أهل الغرف إلى غرفهم. قال: كل غرفة من لؤلؤة لا وصل فيها ولا فصم ياقوتة حمراء وغرفة من زبرجدة خضراء أبوابها وعلاليها وسقائفها وأغلاقها منها أنهارها مطردة متدلية فيها أثمارها فيها أزواجها وخدمها. قال: فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا من كرامة الله عز وجل والنظر إلى وجهه الكريم فذلك يوم المزيد ) . ولهذا الحديث عدة طرق ذكرها أبو الحسن الدارقطني في كتاب quot; الرؤية quot;.(1\/397)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "363",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8929",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السابعة والعشرون: أنه قد فسر الشاهد الذي أقسم الله به في كتابه بيوم الجمعة قال حميد بن زنجويه: حدثنا عبد الله بن موسى أنبأنا موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اليوم الموعود يوم القيامة واليوم المشهود هو يوم عرفة والشاهد يوم الجمعة ما طلعت شمس ولا غربت على أفضل من يوم الجمعة فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله فيها بخير إلا استجاب له أو يستعيذه من شر إلا أعاذه منه ) . ورواه الحارث بن أبي أسامة في quot; مسنده quot; عن روح عن موسى بن عبيدة. وفي quot; معجم الطبراني quot; من حديث محمد بن إسماعيل بن عياش حدثني أبي حدثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اليوم الموعود يوم القيامة والشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة ويوم الجمعة ذخره الله لنا وصلاة الوسطى صلاة العصر ) وقد روي من حديث جبير بن مطعم.(1\/398)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "364",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8930",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت: والظاهر - والله أعلم -: أنه من تفسير أبي هريرة فقد قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة سمعت علي بن زيد ويونس بن عبيد يحدثان عن عمار مولى بني هاشم عن أبي هريرة أما علي بن زيد فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأما يونس فلم يعد أبا هريرة أنه (قال: في هذه الآية وشاهد ومشهود [البروج: 3] قال: الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة والموعود يوم القيامة) . الثامنة والعشرون: أنه اليوم الذي تفزع منه السماوات والأرض والجبال والبحار والخلائق كلها إلا الإنس والجن فروى أبو الجواب عن عمار بن زريق عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس قال: اجتمع كعب وأبو هريرة فقال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خير الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه ) . فقال كعب: ألا أحدثكم عن يوم الجمعة إنه إذا كان يوم الجمعة فزعت له السماوات والأرض والجبال والبحار والخلائق كلها إلا ابن آدم والشياطين وحفت الملائكة بأبواب المساجد فيكتبون الأول فالأول حتى يخرج الإمام فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ومن جاء بعد جاء لحق الله ولما كتب عليه ويحق على كل حالم أن يغتسل فيه كاغتساله من الجنابة والصدقة فيه أفضل من الصدقة في سائر الأيام ولم تطلع الشمس ولم تغرب على يوم كيوم الجمعة. قال ابن عباس: هذا حديث كعب وأبي هريرة وأنا أرى من كان لأهله طيب أن يمس منه يومئذ. وفي حديث أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تطلع الشمس ولا تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة وما من دابة إلا وهي تفزع ليوم الجمعة إلا هذين الثقلين من الجن والإنس ) وهذا حديث صحيح. وذلك أنه اليوم الذي تقوم فيه الساعة ويطوى العالم وتخرب فيه الدنيا ويبعث فيه الناس إلى منازلهم من(1\/399)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "365",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8931",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجنة والنار. التاسعة والعشرون: أنه اليوم الذي ادخره الله لهذه الأمة وأضل عنه أهل الكتاب قبلهم كما في quot; الصحيح quot; من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم خير من يوم الجمعة هدانا الله له وضل الناس عنه فالناس لنا فيه تبع هو لنا ولليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد ) . وفي حديث آخر quot; ذخره الله لنا quot;. وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم عن حصين بن عبد الرحمن عن عمر بن قيس عن محمد بن الأشعث عن عائشة قالت: ( بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ استأذن رجل من اليهود فأذن له فقال: السام عليك قال النبي صلى الله عليه وسلم: وعليك. قالت: فهممت أن أتكلم قالت ثم دخل الثانية فقال مثل ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وعليك قالت فهممت أن أتكلم ثم دخل الثالثة فقال: السام عليكم قالت: فقلت: بل السام عليكم وغضب الله إخوان القردة والخنازير أتحيون رسول الله بما لم يحيه به الله عز وجل. قالت فنظر إلي فقال: مه إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش قالوا قولا فرددناه عليهم فلم يضرنا شيئا ولزمهم إلى يوم القيامة إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها وعلى قولنا خلف الإمام آمين ) . وفي quot; الصحيحين quot; من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فهذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد ) . وفي quot; بيد quot; لغتان بالباء وهي المشهورة وميد بالميم حكاها أبو عبيد.(1\/400)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "366",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8932",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي هذه الكلمة قولان: أحدهما: أنها بمعنى quot; غير quot; وهو أشهر معنييها والثاني: بمعنى quot; على quot; وأنشد أبو عبيد شاهدا له: عمدا فعلت ذاك بيد أني ... إخال لو هلكت لم ترني. ترني: تفعلي من الرنين. الثلاثون: أنه خيرة الله من أيام الأسبوع كما أن شهر رمضان خيرته من شهور العام وليلة القدر خيرته من الليالي ومكة خيرته من الأرض ومحمد صلى الله عليه وسلم خيرته من خلقه. قال آدم بن أبي إياس: حدثنا شيبان أبو معاوية عن عاصم بن أبي النجود عن أبي صالح عن كعب الأحبار. قال: (إن الله عز وجل اختار الشهور واختار شهر رمضان واختار الأيام واختار يوم الجمعة واختار الليالي واختار ليلة القدر واختار الساعات واختار ساعة الصلاة والجمعة تكفر ما بينها وبين الجمعة الأخرى وتزيد ثلاثا ورمضان يكفر ما بينه وبين رمضان والحج يكفر ما بينه وبين الحج والعمرة تكفر ما بينها وبين العمرة ويموت الرجل بين حسنتين: حسنة قضاها وحسنة ينتظرها يعني صلاتين وتصفد الشياطين في رمضان وتغلق أبواب النار وتفتح فيه أبواب الجنة ويقال فيه: يا باغي الخير هلم. رمضان أجمع وما من ليال أحب إلى الله العمل فيهن من ليالي العشر) . الحادية والثلاثون: إن الموتى تدنو أرواحهم من قبورهم وتوافيها في يوم الجمعة فيعرفون زوارهم ومن يمر بهم ويسلم عليهم ويلقاهم في ذلك اليوم أكثر من معرفتهم بهم في غيره من الأيام فهو يوم تلتقي فيه الأحياء والأموات فإذا قامت فيه الساعة التقى الأولون والآخرون وأهل الأرض وأهل السماء والرب والعبد والعامل وعمله والمظلوم وظالمه والشمس والقمر ولم تلتقيا قبل ذلك قط وهو يوم الجمع واللقاء ولهذا(1\/401)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "367",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8933",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يلتقي الناس فيه في الدنيا أكثر من التقائهم في غيره فهو يوم التلاق. قال أبو التياح يزيد بن حميد: كان مطرف بن عبد الله يبادر فيدخل كل جمعة فأدلج حتى إذا كان عند المقابر يوم الجمعة قال: فرأيت صاحب كل قبر جالسا على قبره فقالوا: هذا مطرف يأتي الجمعة قال: فقلت لهم وتعلمون عندكم الجمعة قالوا: نعم ونعلم ما تقول فيه الطير قلت: وما تقول فيه الطير قالوا: تقول رب سلم سلم يوم صالح. وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب quot; المنامات quot; وغيره عن بعض أهل عاصم الجحدري قال: رأيت عاصما الجحدري في منامي بعد موته لسنتين فقلت: أليس قد مت قال: بلى قلت: فأين أنت قال: أنا والله في روضة من رياض الجنة أنا ونفر من أصحابي نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر بن عبد الله المزني فنتلقى أخباركم. قلت: أجسامكم أم أرواحكم قال: هيهات بليت الأجسام وإنما تتلاقى الأرواح قال: قلت: فهل تعلمون بزيارتنا لكم قال: نعلم بها عشية الجمعة ويوم الجمعة كله وليلة السبت إلى طلوع الشمس. قال: قلت: فكيف ذلك دون الأيام كلها قال: لفضل يوم الجمعة وعظمته. وذكر ابن أبي الدنيا أيضا عن محمد بن واسع أنه كان يذهب كل غداة سبت حتى يأتي الجبانة فيقف على القبور فيسلم عليهم ويدعو لهم ثم ينصرف. فقيل له: لو صيرت هذا اليوم يوم الاثنين. قال: بلغني أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويوما قبله ويوما بعده. وذكر عن سفيان الثوري قال: بلغني عن الضحاك أنه قال: من زار قبرا يوم السبت قبل طلوع الشمس علم الميت بزيارته. فقيل له: كيف ذلك قال: لمكان يوم الجمعة.(1\/402)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "368",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8934",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثانية والثلاثون: أنه يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم هذا منصوص أحمد قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: صيام يوم الجمعة فذكر حديث النهي عن أن يفرد ثم قال: إلا أن يكون في صيام كان يصومه وأما أن يفرد فلا. قلت: رجل كان يصوم يوما ويفطر يوما فوقع فطره يوم الخميس وصومه يوم الجمعة وفطره يوم السبت فصار الجمعة مفردا قال: هذا إلا أن يتعمد صومه خاصة إنما كره أن يتعمد الجمعة. وأباح مالك وأبو حنيفة صومه كسائر الأيام قال مالك: لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه وأراه كان يتحراه. قال ابن عبد البر: اختلفت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم في صيام يوم الجمعة فروى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ) وقال: قلما رأيته مفطرا يوم الجمعة وهذا حديث صحيح. وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر يوم الجمعة قط . ذكره ابن أبي شيبة عن حفص بن غياث عن ليث بن أبي سليم عن عمير بن أبي عمير عن ابن عمر. وروى ابن عباس أنه كان يصومه ويواظب عليه. وأما الذي ذكره مالك فيقولون: إنه محمد بن المنكدر. وقيل: صفوان بن سليم. وروى الدراوردي عن صفوان بن سليم عن رجل من بني جشم أنه(1\/403)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "369",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8935",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من صام يوم الجمعة كتب له عشرة أيام غرر زهر من أيام الآخرة لا يشاكلهن أيام الدنيا ) . والأصل في صوم يوم الجمعة أنه عمل بر لا يمنع منه إلا بدليل لا معارض له. قلت: قد صح المعارض صحة لا مطعن فيها البتة ففي quot; الصحيحين quot; عن محمد بن عباد قال: سألت جابرا: أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة قال: نعم . وفي quot; صحيح مسلم quot; عن محمد بن عباد قال: سألت جابر بن عبد الله وهو يطوف بالبيت: ( أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة قال: نعم ورب هذه البنية ) . وفي quot; الصحيحين quot; من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده ) . واللفظ للبخاري. وفي quot; صحيح مسلم quot; عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين سائر الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم ) . وفي quot; صحيح البخاري quot; عن جويرية بنت الحارث quot; أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: (أصمت أمس قالت: لا. قال: فتريدين(1\/404)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "370",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8936",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن تصومي غدا قالت: لا. قال: فأفطري)  . وفي quot; مسند أحمد quot; عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تصوموا يوم الجمعة وحده ) . وفي quot; مسنده quot; أيضا عن جنادة الأزدي ( قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة في سبعة من الأزد أنا ثامنهم وهو يتغدى فقال quot; هلموا إلى الغداء quot; فقلنا: يا رسول الله! إنا صيام. فقال: أصمتم أمس قلنا: لا. قال: فتصومون غدا قلنا: لا. قال فأفطروا. قال: فأكلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فلما خرج وجلس على المنبر دعا بإناء ماء فشرب وهو على المنبر والناس ينظرون إليه يريهم أنه لا يصوم يوم الجمعة ) . وفي quot; مسنده quot; أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده ) . وذكر ابن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة عن عمران بن ظبيان عن حكيم بن سعد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ( من كان منكم متطوعا من الشهر أياما فليكن في صومه يوم الخميس ولا يصم يوم الجمعة فإنه يوم طعام وشراب وذكر فيجمع الله له يومين صالحين: يوم(1\/405)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "371",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8937",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صيامه ويوم نسكه مع المسلمين ) . وذكر ابن جرير عن مغيرة عن إبراهيم: أنهم كرهوا صوم الجمعة ليقووا على الصلاة. قلت: المأخذ في كراهته ثلاثة أمور هذا أحدها ولكن يشكل عليه زوال الكراهية بضم يوم قبله أو بعده إليه. والثاني: أنه يوم عيد وهو الذي أشار إليه صلى الله عليه وسلم وقد أورد على هذا التعليل إشكالان. أحدهما: أن صومه ليس بحرام وصوم يوم العيد حرام. والثاني: أن الكراهة تزول بعدم إفراده وأجيب عن الإشكالين بأنه ليس عيد العام بل عيد الأسبوع والتحريم إنما هو لصوم عيد العام. وأما إذا صام يوما قبله أو يوما بعده فلا يكون قد صامه لأجل كونه جمعة وعيدا فتزول المفسدة الناشئة من تخصيصه بل يكون داخلا في صيامه تبعا وعلى هذا يحمل ما رواه الإمام أحمد رحمه الله في quot; مسنده quot; والنسائي والترمذي من حديث عبد الله بن مسعود إن صح قال: قلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر يوم جمعة quot;. فإن صح هذا تعين حمله على أنه كان يدخل في صيامه تبعا لا أنه كان يفرده لصحة النهي عنه. وأين أحاديث النهي الثابتة في quot; الصحيحين quot; من حديث الجواز الذي لم يروه أحد من أهل الصحيح وقد حكم الترمذي بغرابته فكيف تعارض به الأحاديث الصحيحة الصريحة ثم يقدم عليها! والمأخذ الثالث: سد الذريعة من أن يلحق بالدين ما ليس فيه ويوجب التشبه بأهل الكتاب في تخصيص بعض الأيام بالتجرد عن الأعمال الدنيوية وينضم إلى هذا المعنى: أن هذا اليوم لما كان ظاهر الفضل على الأيام كان الداعي إلى صومه قويا فهو في مظنة تتابع الناس في صومه واحتفالهم به ما لا يحتفلون بصوم يوم غيره وفي ذلك إلحاق بالشرع ما ليس منه. ولهذا المعنى - والله أعلم - نهي عن تخصيص ليلة الجمعة بالقيام من بين الليالي(1\/406)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "372",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8938",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأنها من أفضل الليالي حتى فضلها بعضهم على ليلة القدر وحكيت رواية عن أحمد فهي في مظنة تخصيصها بالعبادة فحسم الشارع الذريعة وسدها بالنهي عن تخصيصها بالقيام. والله أعلم. فإن قيل: ما تقولون في تخصيص يوم غيره بالصيام قيل: أما تخصيص ما خصصه الشارع كيوم الاثنين ويوم عرفة ويوم عاشوراء فسنة وأما تخصيص غيره كيوم السبت والثلاثاء والأحد والأربعاء فمكروه. وما كان منها أقرب إلى التشبه بالكفار لتخصيص أيام أعيادهم بالتعظيم والصيام فأشد كراهة وأقرب إلى التحريم. الثالثة والثلاثون: إنه يوم اجتماع الناس وتذكيرهم بالمبدأ والمعاد وقد شرع الله سبحانه وتعالى لكل أمة في الأسبوع يوما يتفرغون فيه للعبادة ويجتمعون فيه لتذكر المبدأ والمعاد والثواب والعقاب ويتذكرون به اجتماعهم يوم الجمع الأكبر قياما بين يدي رب العالمين وكان أحق الأيام بهذا الغرض المطلوب اليوم الذي يجمع الله فيه الخلائق وذلك يوم الجمعة فادخره الله لهذه الأمة لفضلها وشرفها فشرع اجتماعهم في هذا اليوم لطاعته وقدر اجتماعهم فيه مع الأمم لنيل كرامته فهو يوم الاجتماع شرعا في الدنيا وقدرا في الآخرة وفي مقدار انتصافه وقت الخطبة والصلاة يكون أهل الجنة في منازلهم وأهل النار في منازلهم كما ثبت عن ابن مسعود من غير وجه أنه قال: (لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في منازلهم وأهل النار في منازلهم وقرأ: أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا [الفرقان: 24] ) [الفرقان: 24] وقرأ: (ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم)  وكذلك هي في قراءته. ولهذا كون الأيام سبعة إنما تعرفه الأمم التي لها كتاب فأما أمة لا كتاب لها فلا تعرف ذلك إلا من تلقاه منهم عن أمم الأنبياء فإنه ليس هنا علامة حسية يعرف بها كون الأيام سبعة بخلاف الشهر والسنة وفصولها ولما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام(1\/407)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "373",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8939",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتعرف بذلك إلى عباده على ألسنة رسله وأنبيائه شرع لهم في الأسبوع يوما يذكرهم فيه بذلك وحكمة الخلق وما خلقوا له وبأجل العالم وطي السموات والأرض وعود الأمر كما بدأه سبحانه وعدا عليه حقا وقولا صدقا ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في فجر يوم الجمعة سورتي (الم تنزيل) و هل أتى على الإنسان [الإنسان: 1] لما اشتملت عليه هاتان السورتان مما كان ويكون من المبدأ والمعاد وحشر الخلائق وبعثهم من القبور إلى الجنة والنار لا لأجل السجدة كما يظنه من نقص علمه ومعرفته فيأتي بسجدة من سورة أخرى ويعتقد أن فجر يوم الجمعة فضل بسجدة وينكر على من لم يفعلها. وهكذا كانت قراءته صلى الله عليه وسلم في المجامع الكبار كالأعياد ونحوها بالسورة المشتملة على التوحيد والمبدأ والمعاد وقصص الأنبياء مع أممهم وما عامل الله به من كذبهم وكفر بهم من الهلاك والشقاء ومن آمن منهم وصدقهم من النجاة والعافية. كما كان يقرأ في العيدين بسورتي ق والقرآن المجيد [ق: 1] و اقتربت الساعة وانشق القمر [القمر: 1]  وتارة: ب سبح اسم ربك الأعلى [الأعلى: 1] و هل أتاك حديث الغاشية [الغاشية: 1] وتارة يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة لما تضمنت من(1\/408)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "374",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8940",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأمر بهذه الصلاة وإيجاب السعي إليها وترك العلم العائق عنها والأمر بإكثار ذكر الله ليحصل لهم الفلاح في الدارين فإن في نسيان ذكره تعالى العطب والهلاك في الدارين ويقرأ في الثانية بسورة إذا جاءك المنافقون [المنافقون: 1] تحذيرا للأمة من النفاق المردي وتحذيرا لهم أن تشغلهم أموالهم وأولادهم عن صلاة الجمعة وعن ذكر الله وأنهم إن فعلوا ذلك خسروا ولا بد وحضا لهم على الإنفاق الذي هو من أكبر أسباب سعادتهم وتحذيرا لهم من هجوم الموت وهم على حالة يطلبون الإقالة ويتمنون الرجعة ولا يجابون إليها وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يفعل عند قدوم وفد يريد أن يسمعهم القرآن. وكان يطيل قراءة الصلاة الجهرية لذلك كما صلى المغرب ب (الأعراف) وب (الطور) و (ق) . وكان يصلي الفجر بنحو مائة آية. وكذلك كانت خطبته صلى الله عليه وسلم إنما هي تقرير لأصول الإيمان من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه وذكر الجنة والنار وما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته وما أعد لأعدائه وأهل معصيته فيملأ القلوب من خطبته إيمانا وتوحيدا ومعرفة بالله وأيامه لا كخطب غيره التي إنما تفيد أمورا مشتركة بين الخلائق وهي النوح على الحياة والتخويف بالموت فإن هذا أمر لا يحصل في القلب إيمانا بالله ولا توحيدا له ولا معرفة خاصة به ولا تذكيرا بأيامه ولا بعثا للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة غير أنهم يموتون وتقسم أموالهم ويبلي التراب أجسامهم فيا ليت شعري أي إيمان حصل بهذا ! وأي توحيد ومعرفة وعلم نافع حصل به . ومن تأمل خطب النبي صلى الله عليه وسلم وخطب أصحابه وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد وذكر صفات الرب جل جلاله وأصول الإيمان الكلية والدعوة إلى الله وذكر آلائه تعالى التي تحببه إلى خلقه وأيامه التي تخوفهم من بأسه والأمر بذكره وشكره الذي يحببهم إليه فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحببه إلى خلقه ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحببهم إليه فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم ثم طال العهد وخفي(1\/409)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "375",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8941",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نور النبوة وصارت الشرائع والأوامر رسوما تقام من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها فأعطوها صورها وزينوها بما زينوها به فجعلوا الرسوم والأوضاع سننا لا ينبغي الإخلال بها وأخلوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإخلال بها فرصعوا الخطب بالتسجيع والفقر وعلم البديع فنقص بل عدم حظ القلوب منها وفات المقصود بها. فمما حفظ من خطبه صلى الله عليه وسلم أنه كان يكثر أن يخطب بالقرآن وسورة (ق) . قالت أم هشام بنت الحارث بن النعمان: ( ما حفظت (ق) إلا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يخطب بها على المنبر ) . وحفظ من خطبته صلى الله عليه وسلم من رواية علي بن زيد بن جدعان وفيها ضعف quot; ( يا أيها الناس توبوا إلى الله عز وجل قبل أن تموتوا وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له وكثرة الصدقة في السر والعلانية تؤجروا وتحمدوا وترزقوا. واعلموا أن الله عز وجل قد فرض عليكم الجمعة فريضة مكتوبة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة من وجد إليها سبيلا فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي جحودا بها أو استخفافا بها وله إمام جائر أو عادل فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره ألا ولا صلاة له ألا ولا وضوء له ألا ولا صوم له ألا ولا زكاة له ألا ولا حج له ألا ولا بركة له حتى يتوب فإن تاب تاب الله عليه ألا ولا تؤمن امرأة رجلا ألا ولا يؤمن أعرابي مهاجرا ألا ولا يؤمن فاجر مؤمنا إلا أن يقهره سلطان فيخاف سيفه وسوطه ) .(1\/410)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "376",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8942",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحفظ من خطبته أيضا: ( الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا ) رواه أبو داود وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر خطبه في الحج.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في خطبه] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في خطبه ( كان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: quot; صبحكم ومساكم ) ويقول ( بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى ) . ويقول ( أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ) . ثم يقول:(1\/411)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "377",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8943",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( أنا أولى بكل مؤمن من نفسه من ترك مالا فلأهله ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي ) رواه مسلم. وفي لفظ: كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه ثم يقول على أثر ذلك وقد علا صوته فذكره. وفي لفظ: يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول: ( من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وخير الحديث كتاب الله ) . وفي لفظ للنسائي: ( وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ) . وكان يقول في خطبته بعد التحميد والثناء والتشهد: quot; أما بعد quot;. وكان يقصر الخطبة ويطيل الصلاة ويكثر الذكر ويقصد الكلمات الجوامع وكان يقول: ( إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه ) . وكان يعلم أصحابه في خطبته قواعد الإسلام وشرائعه ويأمرهم وينهاهم في خطبته إذا عرض له أمر أو نهي كما أمر الداخل وهو يخطب أن يصلي ركعتين.(1\/412)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "378",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8944",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونهى المتخطي رقاب الناس عن ذلك وأمره بالجلوس. وكان يقطع خطبته للحاجة تعرض أو السؤال من أحد من أصحابه فيجيبه ثم يعود إلى خطبته فيتمها. وكان ربما نزل عن المنبر للحاجة ثم يعود فيتمها كما ( نزل لأخذ الحسن والحسين رضي الله عنهما فأخذهما ثم رقي بهما المنبر فأتم خطبته ) . وكان يدعو الرجل في خطبته: تعال يا فلان اجلس يا فلان صل يا فلان. وكان يأمرهم بمقتضى الحال في خطبته فإذا رأى منهم ذا فاقة وحاجة أمرهم بالصدقة وحضهم عليها.(1\/413)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "379",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8945",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان يشير بأصبعه السبابة في خطبته عند ذكر الله تعالى ودعائه. ( وكان يستسقي بهم إذا قحط المطر في خطبته ) . وكان يمهل يوم الجمعة حتى يجتمع الناس فإذا اجتمعوا خرج إليهم وحده من غير شاويش يصيح بين يديه ولا لبس طيلسان ولا طرحة ولا سواد فإذا دخل المسجد سلم عليهم فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه وسلم عليهم ولم يدع مستقبل القبلة ثم يجلس ويأخذ بلال في الأذان فإذا فرغ منه قام النبي صلى الله عليه وسلم فخطب من غير فصل بين الأذان والخطبة لا بإيراد خبر ولا غيره. ولم يكن يأخذ بيده سيفا ولا غيره وإنما ( كان يعتمد على قوس أو عصا قبل أن يتخذ المنبر ) وكان في الحرب يعتمد على قوس وفي الجمعة يعتمد على(1\/414)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "380",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8946",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عصا. ولم يحفظ عنه أنه اعتمد على سيف وما يظنه بعض الجهال أنه كان يعتمد على السيف دائما وأن ذلك إشارة إلى أن الدين قام بالسيف فمن فرط جهله فإنه لا يحفظ عنه بعد اتخاذ المنبر أنه كان يرقاه بسيف ولا قوس ولا غيره ولا قبل اتخاذه أنه أخذ بيده سيفا البتة وإنما كان يعتمد على عصا أو قوس. وكان منبره ثلاث درجات وكان قبل اتخاذه يخطب إلى جذع يستند إليه فلما تحول إلى المنبر حن الجذع حنينا سمعه أهل المسجد فنزل إليه صلى الله عليه وسلم وضمه قال أنس: حن لما فقد ما كان يسمع من الوحي وفقده التصاق النبي صلى الله عليه وسلم. ولم يوضع المنبر في وسط المسجد وإنما وضع في جانبه الغربي قريبا من الحائط وكان بينه وبين الحائط قدر ممر الشاة. وكان إذا جلس عليه النبي صلى الله عليه وسلم في غير الجمعة أو خطب قائما في الجمعة(1\/415)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "381",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8947",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "استدار أصحابه إليه بوجوههم وكان وجهه صلى الله عليه وسلم قبلهم في وقت الخطبة. وكان يقوم فيخطب ثم يجلس جلسة خفيفة ثم يقوم فيخطب الثانية فإذا فرغ منها أخذ بلال في الإقامة. وكان يأمر الناس بالدنو منه ويأمرهم بالإنصات ويخبرهم ( أن الرجل إذا قال لصاحبه: أنصت فقد لغا . ويقول: من لغا فلا جمعة له ) . وكان يقول: ( من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا والذي يقول له: أنصت ليست له جمعة ) . رواه الإمام أحمد. وقال أبي بن كعب: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة (تبارك) وهو قائم فذكرنا بأيام الله وأبو الدرداء أو أبو ذر يغمزني فقال: متى أنزلت هذه السورة فإني لم أسمعها إلا الآن فأشار إليه أن اسكت فلما انصرفوا قال: سألتك متى أنزلت هذه السورة فلم تخبرني فقال: إنه ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك وأخبره بالذي قال له أبي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; صدق أبي . ذكره ابن ماجه وسعيد بن منصور(1\/416)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "382",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8948",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأصله في quot; مسند أحمد quot;. وقال صلى الله عليه وسلم: ( يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضرها يلغو وهو حظه منها ورجل حضرها يدعو فهو رجل دعا الله عز وجل إن شاء أعطاه وإن شاء منعه ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا فهي كفارة له إلى يوم الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام وذلك أن الله عز وجل يقول: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها [الأنعام: 160]  ) ذكره أحمد وأبو داود. وكان إذا فرغ بلال من الأذان أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة ولم يقم أحد يركع ركعتين البتة ولم يكن الأذان إلا واحدا وهذا يدل على أن الجمعة كالعيد لا سنة لها قبلها وهذا أصح قولي العلماء وعليه تدل السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج من بيته فإذا رقي المنبر أخذ بلال في أذان الجمعة فإذا أكمله أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة من غير فصل وهذا كان رأي عين فمتى كانوا يصلون السنة! ومن ظن أنهم كانوا إذا فرغ بلال رضي الله عنه من الأذان قاموا كلهم فركعوا ركعتين فهو أجهل الناس بالسنة وهذا الذي ذكرناه من أنه لا سنة قبلها هو مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي. والذين قالوا: إن لها سنة منهم من احتج أنها ظهر مقصورة فيثبت لها أحكام الظهر وهذه حجة ضعيفة جدا فإن الجمعة صلاة مستقلة بنفسها تخالف الظهر في الجهر والعدد والخطبة والشروط المعتبرة لها وتوافقها في الوقت وليس إلحاق مسألة النزاع بموارد الاتفاق أولى من إلحاقها بموارد الافتراق بل إلحاقها بموارد الافتراق أولى لأنها أكثر مما اتفقا فيه. ومنهم من أثبت السنة لها هنا بالقياس على الظهر وهو أيضا قياس فاسد فإن السنة ما كان ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو سنة خلفائه الراشدين وليس في مسألتنا شيء من ذلك ولا يجوز إثبات السنن في مثل هذا بالقياس(1\/417)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "383",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8949",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأن هذا مما انعقد سبب فعله في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فإذا لم يفعله ولم يشرعه كان تركه هو السنة ونظير هذا أن يشرع لصلاة العيد سنة قبلها أو بعدها بالقياس فلذلك كان الصحيح أنه لا يسن الغسل للمبيت بمزدلفة ولا لرمي الجمار ولا للطواف ولا للكسوف ولا للاستسقاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يغتسلوا لذلك مع فعلهم لهذه العبادات. ومنهم من احتج بما ذكره البخاري في quot; صحيحه quot; فقال: باب الصلاة قبل الجمعة وبعدها: حدثنا عبد الله بن يوسف أنبأنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين وبعد المغرب ركعتين في بيته وقبل العشاء ركعتين وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين ) وهذا لا حجة فيه ولم يرد به البخاري إثبات السنة قبل الجمعة وإنما مراده أنه هل ورد في الصلاة قبلها أو بعدها شيء ثم ذكر هذا الحديث أي أنه لم يرو عنه فعل السنة إلا بعدها ولم يرد قبلها شيء. وهذا نظير ما فعل في كتاب العيدين فإنه قال: باب الصلاة قبل العيد وبعدها وقال أبو المعلى: سمعت سعيدا عن ابن عباس أنه كره الصلاة قبل العيد. ثم ذكر حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ( خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما ومعه بلال ) الحديث.(1\/418)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "384",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8950",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فترجم للعيد مثل ما ترجم للجمعة وذكر للعيد حديثا دالا على أنه لا تشرع الصلاة قبلها ولا بعدها فدل على أن مراده من الجمعة كذلك. وقد ظن بعضهم أن الجمعة لما كانت بدلا عن الظهر - وقد ذكر في الحديث السنة قبل الظهر وبعدها - دل على أن الجمعة كذلك وإنما قال ( وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف ) بيانا لموضع صلاة السنة بعد الجمعة وأنه بعد الانصراف وهذا الظن غلط منه لأن البخاري قد ذكر في باب التطوع بعد المكتوبة حديث ابن عمر رضي الله عنه: ( صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدتين قبل الظهر وسجدتين بعد الظهر وسجدتين بعد المغرب وسجدتين بعد العشاء وسجدتين بعد الجمعة ) فهذا صريح في أن الجمعة عند الصحابة صلاة مستقلة بنفسها غير الظهر وإلا لم يحتج إلى ذكرها لدخولها تحت اسم الظهر فلما لم يذكر لها سنة إلا بعدها علم أنه لا سنة لها قبلها. ومنهم من احتج بما رواه ابن ماجه في quot; سننه quot; عن أبي هريرة وجابر قال جاء سليك الغطفاني ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له: ( أصليت ركعتين قبل أن تجيء quot; قال لا. قال: quot; فصل ركعتين وتجوز فيهما ) وإسناده ثقات. قال أبو البركات ابن تيمية: وقوله: (قبل أن تجيء) يدل عن أن هاتين الركعتين سنة الجمعة وليستا تحية المسجد. قال: شيخنا حفيده أبو العباس: وهذا غلط والحديث المعروف في quot; الصحيحين quot; عن جابر قال: دخل رجل يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: (أصليت قال: لا. قال: فصل(1\/419)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "385",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8951",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ركعتين)  . وقال ( إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما ) . فهذا هو المحفوظ في هذا الحديث وأفراد ابن ماجه في الغالب غير صحيحة هذا معنى كلامه. وقال شيخنا أبو الحجاج الحافظ المزي: هذا تصحيف من الرواة إنما هو ( أصليت قبل أن تجلس ) فغلط فيه الناسخ. وقال: وكتاب ابن ماجه إنما تداولته شيوخ لم يعتنوا به بخلاف صحيحي البخاري ومسلم فإن الحفاظ تداولوهما واعتنوا بضبطهما وتصحيحهما قال: ولذلك وقع فيه أغلاط وتصحيف. قلت: ويدل على صحة هذا أن الذين اعتنوا بضبط سنن الصلاة قبلها وبعدها وصنفوا في ذلك من أهل الأحكام والسنن وغيرها لم يذكر واحد منهم هذا الحديث في سنة الجمعة قبلها وإنما ذكروه في استحباب فعل تحية المسجد والإمام على المنبر واحتجوا به على من منع من فعلها في هذه الحال فلو كانت هي سنة الجمعة لكان ذكرها هناك والترجمة عليها وحفظها وشهرتها أولى من تحية المسجد. ويدل عليه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بهاتين الركعتين إلا الداخل لأجل أنها تحية المسجد. ولو كانت سنة الجمعة لأمر بها القاعدين أيضا ولم يخص بها الداخل وحده. ومنهم من احتج بما رواه أبو داود في quot; سننه quot; قال: حدثنا مسدد قال حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين في بيته وحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك . وهذا لا حجة فيه على أن للجمعة سنة قبلها وإنما أراد(1\/420)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "386",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8952",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بقوله: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك: أنه كان يصلي الركعتين بعد الجمعة في بيته لا يصليهما في المسجد وهذا هو الأفضل فيهما كما ثبت في quot; الصحيحين quot; عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته ) وفي quot; السنن quot; عن ابن عمر أنه إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين ثم تقدم فصلى أربعا وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين ولم يصل بالمسجد فقيل له فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعل ذلك . وأما إطالة ابن عمر الصلاة قبل الجمعة فإنه تطوع مطلق وهذا هو الأولى لمن جاء إلى الجمعة أن يشتغل بالصلاة حتى يخرج الإمام كما تقدم من حديث أبي هريرة ونبيشة الهذلي عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( من اغتسل يوم الجمعة ثم أتى المسجد فصلى ما قدر له ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته ثم يصلي معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام ) وفي حديث نبيشة الهذلي: ( إن المسلم إذا اغتسل يوم الجمعة ثم أقبل إلى المسجد لا يؤذي أحدا فإن لم يجد الإمام خرج صلى ما بدا له وإن وجد الإمام خرج جلس فاستمع وأنصت حتى يقضي الإمام جمعته وكلامه إن لم يغفر له في جمعته تلك ذنوبه كلها أن تكون كفارة للجمعة التي تليها ) هكذا كان هدي الصحابة رضي الله عنهم. قال ابن المنذر: روينا عن ابن عمر: أنه كان يصلي قبل الجمعة ثنتي عشرة ركعة.(1\/421)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "387",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8953",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعن ابن عباس أنه كان يصلي ثمان ركعات. وهذا دليل على أن ذلك كان منهم من باب التطوع المطلق ولذلك اختلف في العدد المروي عنهم في ذلك وقال الترمذي في quot; الجامع quot;: وروي عن ابن مسعود أنه (كان يصلي قبل الجمعة أربعا وبعدها أربعا) . وإليه ذهب ابن المبارك والثوري. وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري: رأيت أبا عبد الله إذا كان يوم الجمعة يصلي إلى أن يعلم أن الشمس قد قاربت أن تزول فإذا قاربت أمسك عن الصلاة حتى يؤذن المؤذن فإذا أخذ في الأذان قام فصلى ركعتين أو أربعا يفصل بينهما بالسلام فإذا صلى الفريضة انتظر في المسجد ثم يخرج منه فيأتي بعض المساجد التي بحضرة الجامع فيصلي فيه ركعتين ثم يجلس وربما صلى أربعا ثم يجلس ثم يقوم فيصلي ركعتين أخريين فتلك ست ركعات على حديث علي وربما صلى بعد الست ستا أخر أو أقل أو أكثر. وقد أخذ من هذا بعض أصحابه رواية: أن للجمعة قبلها سنة ركعتين أو أربعا وليس هذا بصريح بل ولا ظاهر فإن أحمد كان يمسك عن الصلاة في وقت النهي فإذا زال وقت النهي قام فأتم تطوعه إلى خروج الإمام فربما أدرك أربعا وربما لم يدرك إلا ركعتين. ومنهم من احتج على ثبوت السنة قبلها بما رواه ابن ماجه في quot; سننه quot; حدثنا محمد بن يحيى حدثنا يزيد بن عبد ربه حدثنا بقية عن مبشر بن عبيد عن حجاج بن أرطأة عن عطية العوفي عن ابن عباس قال ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يركع قبل الجمعة أربعا لا يفصل بينها في شيء منها ) قال ابن(1\/422)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "388",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8954",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ماجه: باب الصلاة قبل الجمعة فذكره. وهذا الحديث فيه عدة بلايا إحداها: بقية بن الوليد: إمام المدلسين وقد عنعنه ولم يصرح بالسماع. الثانية: مبشر بن عبيد المنكر الحديث. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: شيخ كان يقال له: مبشر بن عبيد كان بحمص أظنه كوفيا روى عنه بقية وأبو المغيرة أحاديثه أحاديث موضوعة كذب. وقال الدارقطني: مبشر بن عبيد متروك الحديث أحاديثه لا يتابع عليها. الثالثة: الحجاج بن أرطأة الضعيف المدلس. الرابعة: عطية العوفي قال البخاري: كان هشيم يتكلم فيه وضعفه أحمد وغيره. وقال البيهقي: عطية العوفي لا يحتج به ومبشر بن عبيد الحمصي منسوب إلى وضع الحديث والحجاج بن أرطأة لا يحتج به. قال بعضهم: ولعل الحديث انقلب على بعض هؤلاء الثلاثة الضعفاء لعدم ضبطهم وإتقانهم فقال: قبل الجمعة أربعا وإنما هو بعد الجمعة فيكون موافقا لما ثبت في quot; الصحيح quot; ونظير هذا: قول الشافعي في رواية عبد الله بن عمر العمري: ( للفارس سهمان وللراجل سهم ) قال الشافعي: كأنه سمع نافعا يقول: للفرس سهمان وللراجل سهم فقال للفارس سهمان وللراجل سهم. حتى يكون موافقا لحديث أخيه عبيد الله قال: وليس يشك أحد من أهل العلم في تقديم عبيد الله بن عمر على أخيه عبد الله في الحفظ. قلت: ونظير هذا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في حديث أبي هريرة ( لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فيزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط. وأما الجنة: فينشئ(1\/423)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "389",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8955",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله لها خلقا ) فانقلب على بعض الرواة فقال: أما النار فينشئ الله لها خلقا. قلت: ونظير هذا حديث عائشة ( إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ) وهو في quot; الصحيحين quot; فانقلب على بعض الرواة فقال ( ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال ) ونظيره أيضا عندي حديث أبي هريرة ( إذا صلى أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه ) وأظنه وهم - والله أعلم - فيما قاله رسوله الصادق المصدوق quot; وليضع ركبتيه قبل يديه quot;. كما قال وائل بن حجر: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه ) وقال الخطابي وغيره: وحديث وائل بن حجر أصح من حديث أبي هريرة. وقد سبقت المسألة مستوفاة في هذا الكتاب والحمد لله. وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى الجمعة دخل إلى منزله فصلى ركعتين سنتها(1\/424)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "390",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8956",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأمر من صلاها أن يصلي بعدها أربعا. قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية: إن صلى في المسجد صلى أربعا وإن صلى في بيته صلى ركعتين. قلت وعلى هذا تدل الأحاديث وقد ذكر أبو داود عن ابن عمر أنه كان إذا صلى في المسجد صلى أربعا وإذا صلى في بيته صلى ركعتين. وفي quot; الصحيحين quot;: عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته ) وفي quot; صحيح مسلم quot; عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربع ركعات ) . والله أعلم.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في العيدين] كان صلى الله عليه وسلم يصلي العيدين في المصلى وهو المصلى الذي على باب المدينة الشرقي وهو المصلى الذي يوضع فيه محمل الحاج ولم يصل العيد بمسجده إلا مرة واحدة أصابهم مطر فصلى بهم العيد في المسجد إن ثبت الحديث وهو في سنن أبي داود وابن ماجه وهديه كان فعلهما في المصلى دائما. وكان يلبس للخروج إليهما أجمل ثيابه فكان له حلة يلبسها للعيدين(1\/425)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "391",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8957",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والجمعة ومرة كان يلبس بردين أخضرين ومرة بردا أحمر وليس هو أحمر مصمتا كما يظنه بعض الناس فإنه لو كان كذلك لم يكن بردا وإنما فيه خطوط حمر كالبرود اليمنية فسمي أحمر باعتبار ما فيه من ذلك. وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم من غير معارض النهي عن لبس المعصفر والأحمر وأمر عبد الله بن عمرو لما رأى عليه ثوبين أحمرين أن يحرقهما فلم يكن ليكره الأحمر هذه الكراهة الشديدة ثم يلبسه والذي يقوم عليه الدليل تحريم لباس الأحمر أو كراهيته كراهية شديدة. وكان صلى الله عليه وسلم يأكل قبل خروجه في عيد الفطر تمرات ويأكلهن وترا وأما في عيد الأضحى فكان لا يطعم حتى يرجع من المصلى فيأكل من أضحيته. وكان يغتسل للعيدين صح الحديث فيه وفيه حديثان ضعيفان: حديث ابن عباس من رواية جبارة بن مغلس وحديث الفاكه بن سعد من رواية يوسف بن خالد السمتي. ولكن ثبت عن ابن عمر مع شدة اتباعه للسنة أنه (كان يغتسل يوم العيد قبل خروجه) . وكان صلى الله عليه وسلم يخرج ماشيا والعنزة تحمل بين يديه فإذا وصل إلى المصلى نصبت بين يديه ليصلي إليها فإن المصلى كان إذ ذاك فضاء لم يكن فيه بناء ولا حائط وكانت الحربة سترته.(1\/426)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "392",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8958",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان يؤخر صلاة عيد الفطر ويعجل الأضحى وكان ابن عمر مع شدة اتباعه للسنة لا يخرج حتى تطلع الشمس ويكبر من بيته إلى المصلى. وكان صلى الله عليه وسلم إذا انتهى إلى المصلى أخذ في الصلاة من غير أذان ولا إقامة ولا قول: الصلاة جامعة والسنة: أنه لا يفعل شيء من ذلك. ولم يكن هو ولا أصحابه يصلون إذا انتهوا إلى المصلى شيئا قبل الصلاة ولا بعدها. وكان يبدأ بالصلاة قبل الخطبة فيصلي ركعتين يكبر في الأولى سبع تكبيرات متوالية بتكبيرة الافتتاح يسكت بين كل تكبيرتين سكتة يسيرة ولم يحفظ عنه ذكر معين بين التكبيرات ولكن ذكر عن ابن مسعود أنه قال: يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ذكره الخلال. وكان ابن عمر مع تحريه للاتباع يرفع يديه مع كل تكبيرة. وكان صلى الله عليه وسلم إذا أتم التكبير أخذ في القراءة فقرأ فاتحة الكتاب ثم قرأ بعدها ق والقرآن المجيد [ق: 1] في إحدى الركعتين وفي الأخرى اقتربت الساعة وانشق القمر [القمر: 1] .(1\/427)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "393",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8959",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وربما قرأ فيهما سبح اسم ربك الأعلى [الأعلى: 1] و هل أتاك حديث الغاشية [الغاشية: 1] صح عنه هذا وهذا ولم يصح عنه غير ذلك. فإذا فرغ من القراءة كبر وركع ثم إذا أكمل الركعة وقام من السجود كبر خمسا متوالية فإذا أكمل التكبير أخذ في القراءة فيكون التكبير أول ما يبدأ به في الركعتين والقراءة يليها الركوع وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه والى بين القراءتين فكبر أولا ثم قرأ وركع فلما قام في الثانية قرأ وجعل التكبير بعد القراءة ولكن لم يثبت هذا عنه فإنه من رواية محمد بن معاوية النيسابوري. قال البيهقي: رماه غير واحد بالكذب. وقد روى الترمذي من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كبر في العيدين في الأولى سبعا قبل القراءة وفي الآخرة خمسا قبل القراءة ) قال الترمذي: سألت محمدا يعني البخاري عن هذا الحديث قال: ليس في الباب شيء أصح من هذا وبه أقول وقال: وحديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في هذا الباب هو صحيح أيضا.(1\/428)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "394",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8960",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت: يريد حديثه أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة سبعا في الأولى وخمسا في الآخرة ولم يصل قبلها ولا بعدها. قال أحمد: وأنا أذهب إلى هذا. قلت: وكثير بن عبد الله بن عمرو هذا ضرب أحمد على حديثه في quot; المسند quot; وقال: لا يساوي حديثه شيئا والترمذي تارة يصحح حديثه وتارة يحسنه وقد صرح البخاري بأنه أصح شيء في الباب مع حكمه بصحة حديث عمرو بن شعيب وأخبر أنه يذهب إليه. والله أعلم وكان صلى الله عليه وسلم إذا أكمل الصلاة انصرف فقام مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم وينهاهم وإن كان يريد أن يقطع بعثا قطعه أو يأمر بشيء أمر به. ولم يكن هنالك منبر يرقى عليه ولم يكن يخرج منبر المدينة وإنما كان يخطبهم قائما على الأرض قال جابر: ( شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة ثم قام متوكئا على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن ) متفق عليه. وقال أبو سعيد الخدري: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول ما يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم. . . الحديث. رواه مسلم. وذكر أبو سعيد الخدري: أنه صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم العيد فيصلي بالناس ركعتين ثم يسلم فيقف على راحلته مستقبل الناس وهم صفوف جلوس فيقول quot; تصدقوا quot; فأكثر من يتصدق النساء بالقرط والخاتم والشيء. فإن كانت له حاجة يريد أن يبعث بعثا يذكره لهم وإلا انصرف. وقد كان يقع لي أن هذا وهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يخرج إلى العيد(1\/429)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "395",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8961",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ماشيا والعنزة بين يديه وإنما خطب على راحلته يوم النحر بمنى إلى أن رأيت بقي بن مخلد الحافظ قد ذكر هذا الحديث في quot; مسنده quot; عن أبي بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا داود بن قيس حدثنا عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح عن أبي سعيد الخدري قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم العيد من يوم الفطر فيصلي بالناس تينك الركعتين ثم يسلم فيستقبل الناس فيقول: تصدقوا ) . وكان أكثر من يتصدق النساء وذكر الحديث. ثم قال: حدثنا أبو بكر بن خلاد حدثنا أبو عامر حدثنا داود عن عياض عن أبي سعيد: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج في يوم الفطر فيصلي بالناس فيبدأ بالركعتين ثم يستقبلهم وهم جلوس فيقول: تصدقوا ) فذكر مثله وهذا إسناد ابن ماجه إلا أنه رواه عن أبي كريب عن أبي أسامة عن داود. ولعله: ثم يقوم على رجليه كما قال جابر: قام متوكئا على بلال فتصحف على الكاتب: براحلته والله أعلم. فإن قيل: فقد أخرجا في quot; الصحيحين quot; عن ابن عباس قال: ( شهدت صلاة الفطر مع نبي الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب قال: فنزل نبي الله صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده ثم أقبل يشقهم حتى جاء إلى النساء ومعه بلال فقال: ياأيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا [الممتحنة: 12]  ) [الممتحنة: 12] . فتلا الآية حتى فرغ منها الحديث.(1\/430)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "396",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8962",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; الصحيحين quot; أيضا عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قام فبدأ بالصلاة ثم خطب الناس بعد فلما فرغ نبي الله صلى الله عليه وسلم نزل فأتى النساء فذكرهن  الحديث. وهو يدل على أنه كان يخطب على منبر أو على راحلته ولعله كان قد بني له منبر من لبن أو طين أو نحوه قيل: لا ريب في صحة هذين الحديثين ولا ريب أن المنبر لم يكن يخرج من المسجد وأول من أخرجه مروان بن الحكم فأنكر عليه وأما منبر اللبن والطين فأول من بناه كثير بن الصلت في إمارة مروان على المدينة كما هو في quot; الصحيحين quot; فلعله صلى الله عليه وسلم كان يقوم في المصلى على مكان مرتفع أو دكان وهي التي تسمى مصطبة ثم ينحدر منه إلى النساء فيقف عليهن فيخطبهن فيعظهن ويذكرهن. والله أعلم. وكان يفتتح خطبه كلها بالحمد لله ولم يحفظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيدين بالتكبير وإنما روى ابن ماجه في quot; سننه quot; عن سعد القرظ مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يكثر التكبير بين أضعاف الخطبة ويكثر التكبير في خطبتي العيدين. وهذا لا يدل على أنه كان يفتتحها به. وقد اختلف الناس في افتتاح خطبة العيدين والاستسقاء فقيل: يفتتحان بالتكبير وقيل: تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار وقيل: يفتتحان بالحمد. قال شيخ(1\/431)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "397",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8963",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإسلام ابن تيمية: وهو الصواب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم ) وكان يفتتح خطبه كلها بالحمد لله. ورخص صلى الله عليه وسلم لمن شهد العيد أن يجلس للخطبة وأن يذهب ورخص لهم إذا وقع العيد يوم الجمعة أن يجتزئوا بصلاة العيد عن حضور الجمعة. وكان صلى الله عليه وسلم يخالف الطريق يوم العيد فيذهب في طريق ويرجع في آخر فقيل: ليسلم على أهل الطريقين وقيل: لينال بركته الفريقان وقيل:(1\/432)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "398",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8964",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليقضي حاجة من له حاجة منهما وقيل: ليظهر شعائر الإسلام في سائر الفجاج والطرق وقيل: ليغيظ المنافقين برؤيتهم عزة الإسلام وأهله وقيام شعائره وقيل: لتكثر شهادة البقاع فإن الذاهب إلى المسجد والمصلى إحدى خطوتيه ترفع درجة والأخرى تحط خطيئة حتى يرجع إلى منزله وقيل: وهو الأصح: إنه لذلك كله ولغيره من الحكم التي لا يخلو فعله عنها. وروي عنه أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق ( الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد )  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف] لما كسفت الشمس خرج صلى الله عليه وسلم إلى المسجد مسرعا فزعا يجر رداءه وكان كسوفها في أول النهار على مقدار رمحين أو ثلاثة من طلوعها فتقدم فصلى ركعتين قرأ في الأولى بفاتحة الكتاب وسورة طويلة جهر بالقراءة ثم ركع(1\/433)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "399",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8965",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأطال الركوع ثم رفع رأسه من الركوع فأطال القيام وهو دون القيام الأول وقال لما رفع رأسه: ( سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ) ثم أخذ في القراءة ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول ثم رفع رأسه من الركوع ثم سجد سجدة طويلة فأطال السجود ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ما فعل في الأولى فكان في كل ركعة ركوعان وسجودان فاستكمل في الركعتين أربع ركعات وأربع سجدات ورأى في صلاته تلك الجنة والنار وهم أن يأخذ عنقودا من الجنة فيريهم إياه ورأى أهل العذاب في النار فرأى امرأة تخدشها هرة ربطتها حتى ماتت جوعا وعطشا ورأى عمرو بن مالك يجر أمعاءه في النار وكان أول من غير دين إبراهيم ورأى فيها سارق الحاج يعذب ثم انصرف فخطب بهم خطبة بليغة حفظ منها قوله: ( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا يا أمة محمد والله ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ) وقال ( لقد رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم به حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفا من الجنة حين رأيتموني أتقدم ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا حين رأيتموني تأخرت ) وفي لفظ ( ورأيت النار فلم أر كاليوم منظرا قط أفظع منها ورأيت أكثر أهل النار النساء. قالوا: وبم يا رسول الله قال بكفرهن. قيل أيكفرن بالله قال يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط ) ومنها: ( ولقد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور مثل أو قريبا من فتنة الدجال يؤتى أحدكم فيقال له: ما علمك بهذا الرجل فأما المؤمن أو قال الموقن فيقول: محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وآمنا واتبعنا فيقال له: نم صالحا فقد علمنا إن كنت لمؤمنا وأما المنافق أو قال:(1\/434)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "400",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8966",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المرتاب فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته ) . وفي طريق أخرى لأحمد بن حنبل رحمه الله أنه صلى الله عليه وسلم لما سلم حمد الله وأثنى عليه وشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله ثم قال: ( أيها الناس أنشدكم بالله هل تعلمون أني قصرت في شيء من تبليغ رسالات ربي لما أخبرتموني بذلك فقام رجل فقال: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك ونصحت لأمتك وقضيت الذي عليك. ثم قال: أما بعد فإن رجالا يزعمون أن كسوف هذه الشمس وكسوف هذا القمر وزوال هذه النجوم عن مطالعها لموت رجال عظماء من أهل الأرض وإنهم قد كذبوا ولكنها آيات من آيات الله تبارك وتعالى يعتبر بها عباده فينظر من يحدث منهم توبة وايم الله لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لاقوه من أمر دنياكم وآخرتكم وإنه - والله أعلم - لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا آخرهم الأعور الدجال ممسوح العين اليسرى كأنها عين أبي يحيى لشيخ حينئذ من الأنصار بينه وبين حجرة عائشة وإنه متى يخرج فسوف يزعم أنه الله فمن آمن به وصدقه واتبعه لم ينفعه صالح من عمله سلف ومن كفر به وكذبه لم يعاقب بشيء من عمله سلف وإنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس وإنه يحصر المؤمنين في بيت(1\/435)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "401",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8967",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المقدس فيزلزلون زلزالا شديدا ثم يهلكه الله عز وجل وجنوده حتى إن جذم الحائط أو قال أصل الحائط وأصل الشجرة لينادي: يا مسلم يا مؤمن هذا يهودي أو قال: هذا كافر فتعال فاقتله قال: ولن يكون ذلك حتى تروا أمورا يتفاقم بينكم شأنها في أنفسكم وتساءلون بينكم هل كان نبيكم ذكر لكم منها ذكرا: وحتى تزول جبال عن مراتبها ثم على أثر ذلك القبض ) . فهذا الذي صح عنه صلى الله عليه وسلم من صفة صلاة الكسوف وخطبتها. وقد روي عنه أنه صلاها على صفات أخر. منها: (كل ركعة بثلاث ركوعات) . ومنها: (كل ركعة بأربع ركوعات) . ومنها: إنها كإحدى صلاة صليت كل ركعة بركوع واحد ولكن كبار الأئمة لا يصححون ذلك كالإمام أحمد والبخاري والشافعي ويرونه غلطا. قال الشافعي وقد سأله سائل فقال: روى بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بثلاث ركعات في كل ركعة قال الشافعي: فقلت له أتقول به أنت قال لا ولكن لم لم تقل به أنت وهو زيادة على حديثكم يعني حديث الركوعين في الركعة فقلت: هو من وجه منقطع ونحن لا نثبت المنقطع على الانفراد ووجه نراه - والله أعلم - غلطا قال البيهقي: أراد بالمنقطع قول عبيد بن عمير: حدثني من أصدق قال عطاء: حسبته يريد عائشة. . . الحديث وفيه فركع في(1\/436)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "402",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8968",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كل ركعة ثلاث ركوعات وأربع سجدات. وقال قتادة: عن عطاء عن عبيد بن عمير عنها: ست ركعات في أربع سجدات. فعطاء إنما أسنده عن عائشة بالظن والحسبان لا باليقين وكيف يكون ذلك محفوظا عن عائشة وقد ثبت عن عروة وعمرة عن عائشة خلافه وعروة وعمرة أخص بعائشة وألزم لها من عبيد بن عمير وهما اثنان فروايتهما أولى أن تكون هي المحفوظة. قال: وأما الذي يراه الشافعي غلطا فأحسبه حديث عطاء عن جابر: ( انكسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الناس إنما انكسفت الشمس لموت إبراهيم فقام النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس ست ركعات في أربع سجدات )  الحديث. قال البيهقي: من نظر في قصة هذا الحديث وقصة حديث أبي الزبير علم أنهما قصة واحدة وأن الصلاة التي أخبر عنها إنما فعلها مرة واحدة وذلك في يوم توفي ابنه إبراهيم عليه السلام. قال: ثم وقع الخلاف بين عبد الملك يعني ابن أبي سليمان عن عطاء عن جابر وبين هشام الدستوائي عن أبي الزبير عن جابر في عدد الركوع في كل ركعة فوجدنا رواية هشام أولى يعني أن في كل ركعة ركوعين فقط لكونه مع أبي الزبير أحفظ من عبد الملك ولموافقة روايته في عدد الركوع رواية عمرة وعروة عن عائشة ورواية كثير بن عباس وعطاء بن يسار عن ابن عباس ورواية أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو ثم رواية يحيى بن سليم وغيره وقد خولف عبد الملك في روايته عن عطاء فرواه ابن جريج وقتادة عن عطاء عن عبيد بن عمير: ست ركعات في أربع سجدات فرواية هشام عن أبي الزبير عن جابر التي لم يقع فيها الخلاف ويوافقها عدد كثير أولى من روايتي عطاء اللتين إنما(1\/437)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "403",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8969",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إسناد أحدهما بالتوهم والأخرى يتفرد بها عنه عبد الملك بن أبي سليمان الذي قد أخذ عليه الغلط في غير حديث. قال: وأما حديث حبيب بن أبي ثابت عن طاووس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: ( صلى في كسوف فقرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم سجد ) قال: والأخرى مثلها فرواه مسلم في quot; صحيحه quot; وهو مما تفرد به حبيب بن أبي ثابت وحبيب وإن كان ثقة فكان يدلس ولم يبين فيه سماعه من طاووس فيشبه أن يكون حمله عن غير موثوق به وقد خالفه في رفعه ومتنه سليمان المكي الأحول فرواه عن طاووس عن ابن عباس من فعله ثلاث ركعات في ركعة. وقد خولف سليمان أيضا في عدد الركوع فرواه جماعة عن ابن عباس من فعله كما رواه عطاء بن يسار وغيره عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني في كل ركعة ركوعان. قال: وقد أعرض محمد بن إسماعيل البخاري عن هذه الروايات الثلاث فلم يخرج شيئا منها في quot; الصحيح quot; لمخالفتهن ما هو أصح إسنادا وأكثر عددا وأوثق رجالا وقال البخاري في رواية أبي عيسى الترمذي عنه: أصح الروايات عندي في صلاة الكسوف أربع ركعات في أربع سجدات. قال البيهقي: وروي عن حذيفة مرفوعا ( أربع ركعات في كل ركعة ) وإسناده ضعيف. وروي عن أبي بن كعب مرفوعا ( خمس ركوعات في كل ركعة ) . وصاحبا الصحيح لم يحتجا بمثل إسناد حديثه. قال: وذهب جماعة من أهل الحديث إلى تصحيح الروايات في عدد(1\/438)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "404",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8970",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الركعات وحملوها على أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها مرارا وأن الجميع جائز فممن ذهب إليه إسحاق بن راهويه ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وأبو بكر بن إسحاق الضبعي وأبو سليمان الخطابي واستحسنه ابن المنذر. والذي ذهب إليه البخاري والشافعي من ترجيح الأخبار أولى لما ذكرنا من رجوع الأخبار إلى حكاية صلاته صلى الله عليه وسلم يوم توفي ابنه. قلت: والمنصوص عن أحمد أيضا أخذه بحديث عائشة وحده في كل ركعة ركوعان وسجودان. قال في رواية المروزي: وأذهب إلى أن صلاة الكسوف أربع ركعات وأربع سجدات في كل ركعة ركعتان وسجدتان وأذهب إلى حديث عائشة أكثر الأحاديث على هذا. وهذا اختيار أبي بكر وقدماء الأصحاب وهو اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية. وكان يضعف كل ما خالفه من الأحاديث ويقول: هي غلط وإنما صلى النبي صلى الله عليه وسلم الكسوف مرة واحدة يوم مات ابنه إبراهيم. والله أعلم. وأمر صلى الله عليه وسلم في الكسوف بذكر الله والصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والعتاقة والله أعلم.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء] ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه استسقى على وجوه. أحدها: يوم الجمعة على المنبر في أثناء خطبته وقال ( اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم اسقنا اللهم اسقنا اللهم اسقنا ) . الوجه الثاني: ( أنه صلى الله عليه وسلم وعد الناس يوما يخرجون فيه إلى المصلى فخرج لما طلعت الشمس متواضعا متبذلا متخشعا مترسلا(1\/439)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "405",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8971",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "متضرعا فلما وافى المصلى صعد المنبر - إن صح وإلا ففي القلب منه شيء - فحمد الله وأثنى عليه وكبره وكان مما حفظ من خطبته ودعائه: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يريد اللهم أنت الله لا إله إلا أنت تفعل ما تريد اللهم لا إله إلا أنت أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلته علينا قوة لنا وبلاغا إلى حين ) . ثم رفع يديه وأخذ في التضرع والابتهال والدعاء وبالغ في الرفع حتى بدا بياض إبطيه ثم حول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة وحول إذ ذاك رداءه وهو مستقبل القبلة فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن وظهر الرداء لبطنه وبطنه لظهره وكان الرداء خميصة سوداء وأخذ في الدعاء مستقبل القبلة والناس كذلك ثم نزل فصلى بهم ركعتين كصلاة العيد من غير أذان ولا إقامة ولا نداء البتة جهر فيهما بالقراءة وقرأ في الأولى بعد فاتحة الكتاب سبح اسم ربك الأعلى [الأعلى: 1] وفي الثانية: هل أتاك حديث الغاشية [الغاشية: 1] . الوجه الثالث: أنه صلى الله عليه وسلم ( استسقى على منبر المدينة ) استسقاء مجردا في(1\/440)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "406",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8972",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غير يوم جمعة ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم في هذا الاستسقاء صلاة. الوجه الرابع: أنه صلى الله عليه وسلم استسقى وهو جالس في المسجد فرفع يديه ودعا الله عز وجل فحفظ من دعائه حينئذ: ( اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريعا طبقا عاجلا غير رائث نافعا غير ضار ) الوجه الخامس: أنه صلى الله عليه وسلم ( استسقى عند أحجار الزيت قريبا من الزوراء ) وهي خارج باب المسجد الذي يدعى اليوم باب السلام نحو قذفة حجر ينعطف عن يمين الخارج من المسجد. الوجه السادس: أنه صلى الله عليه وسلم استسقى في بعض غزواته لما سبقه المشركون إلى الماء فأصاب المسلمين العطش فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعض المنافقين: لو كان نبيا لاستسقى لقومه كما استسقى موسى لقومه فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( أوقد قالوها عسى ربكم أن يسقيكم ثم بسط يديه ودعا ) فما رد يديه من دعائه حتى أظلهم السحاب وأمطروا فأفعم السيل الوادي فشرب الناس فارتووا. وحفظ من دعائه في الاستسقاء: ( اللهم اسق عبادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت ) ( اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا نافعا(1\/441)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "407",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8973",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غير ضار عاجلا غير آجل ) . وأغيث صلى الله عليه وسلم في كل مرة استسقى فيها. واستسقى مرة فقام إليه أبو لبابة فقال: يا رسول الله إن التمر في المرابد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا فيسد ثعلب مربده بإزاره فأمطرت فاجتمعوا إلى أبي لبابة فقالوا: إنها لن تقلع حتى تقوم عريانا فتسد ثعلب مربدك بإزارك كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل فاستهلت السماء ) ولما كثر المطر سألوه الاستصحاء فاستصحى لهم وقال: ( اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والجبال والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر ) وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى مطرا قال: (اللهم صيبا نافعا ) . وكان يحسر ثوبه حتى يصيبه من المطر فسئل عن ذلك فقال: (لأنه حديث عهد بربه ) قال الشافعي رحمه الله: أخبرني من لا أتهم عن يزيد بن الهاد أن(1\/442)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "408",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8974",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سال السيل قال: ( اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعله الله طهورا فنتطهر منه ونحمد الله عليه ) وأخبرني من لا أتهم عن إسحاق بن عبد الله أن عمر كان إذا سال السيل ذهب بأصحابه إليه وقال: ما كان ليجيء من مجيئه أحد إلا تمسحنا به. وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى الغيم والريح عرف ذلك في وجهه فأقبل وأدبر فإذا أمطرت سري عنه وذهب عنه ذلك وكان يخشى أن يكون فيه العذاب. قال الشافعي: وروي عن سالم بن عبد الله عن أبيه مرفوعا أنه كان إذا استسقى قال: (اللهم اسقنا غيثا مغيثا هنيئا مريئا غدقا مجللا عاما طبقا سحا دائما اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين اللهم إن بالعباد والبلاد والبهائم والخلق من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك اللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع واسقنا من بركات السماء وأنبت لنا من بركات الأرض اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا ) قال الشافعي رحمه الله: وأحب أن يدعو الإمام بهذا قال: وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا في الاستسقاء رفع يديه وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمطر(1\/443)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "409",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8975",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في أول مطرة حتى يصيب جسده. قال: وبلغني أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أصبح وقد مطر الناس قال: ( مطرنا بنوء الفتح ثم يقرأ ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها [فاطر: 2]  ) [فاطر: 2] . قال: وأخبرني من لا أتهم عن عبد العزيز بن عمر عن مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( اطلبوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش وإقامة الصلاة ونزول الغيث ) . وقد حفظت عن غير واحد طلب الإجابة عند: نزول الغيث وإقامة الصلاة. قال البيهقي: وقد روينا في حديث موصول عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم ( الدعاء لا يرد عند النداء وعند البأس وتحت المطر. ) وروينا عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تفتح أبواب السماء ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن: عند التقاء الصفوف وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلاة وعند رؤية الكعبة ) .  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في سفره وعبادته فيه] كانت أسفاره صلى الله عليه وسلم دائرة بين أربعة أسفار: سفره لهجرته وسفره للجهاد وهو أكثرها وسفره للعمرة وسفره للحج.(1\/444)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "410",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8976",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( وكان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها سافر بها معه ) ولما حج سافر بهن جميعا. وكان إذا سافر خرج من أول النهار وكان يستحب الخروج يوم الخميس ( ودعا الله تبارك وتعالى أن يبارك لأمته في بكورها ) وكان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم من أول النهار ( وأمر المسافرين إذا كانوا ثلاثة أن يؤمروا أحدهم ) . ( ونهى أن يسافر الرجل وحده )  وأخبر أن ( الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب ) وذكر عنه أنه كان يقول حين ينهض للسفر ( اللهم إليك توجهت وبك اعتصمت اللهم اكفني ما أهمني وما لا أهتم به اللهم زودني التقوى واغفر لي ذنبي ووجهني للخير أينما توجهت )(1\/445)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "411",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8977",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( وكان إذا قدمت إليه دابته ليركبها يقول بسم الله حين يضع رجله في الركاب وإذا استوى على ظهرها قال: الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون ثم يقول: الحمد لله الحمد لله الحمد لله ثم يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثم يقول: سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ) وكان يقول: ( اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال وإذا رجع قالهن وزاد فيهن آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون ) وكان هو وأصحابه إذا علوا الثنايا كبروا وإذا هبطوا الأودية سبحوا. وكان إذا أشرف على قرية يريد دخولها يقول: ( اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن ورب الشياطين وما(1\/446)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "412",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8978",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أضللن ورب الرياح وما ذرين أسألك خير هذه القرية وخير أهلها وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها ) . وذكر عنه أنه كان يقول: ( اللهم إني أسألك من خير هذه القرية وخير ما جمعت فيها وأعوذ بك من شرها وشر ما جمعت فيها اللهم ارزقنا جناها وأعذنا من وباها وحببنا إلى أهلها وحبب صالحي أهلها إلينا ) وكان يقصر الرباعية فيصليها ركعتين من حين يخرج مسافرا إلى أن يرجع إلى المدينة ولم يثبت عنه أنه أتم الرباعية في سفره البتة وأما حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم ) فلا يصح. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى وقد روي كان يقصر وتتم الأول بالياء آخر الحروف والثاني بالتاء المثناة من فوق وكذلك يفطر وتصوم أي: تأخذ هي بالعزيمة في الموضعين قال: شيخنا ابن تيمية: وهذا باطل ما كانت أم المؤمنين(1\/447)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "413",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8979",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لتخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجميع أصحابه فتصلي خلاف صلاتهم كيف والصحيح عنها أنها قالت: ( إن الله فرض الصلاة ركعتين ركعتين فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر ) فكيف يظن بها مع ذلك أن تصلي بخلاف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه. قلت: وقد أتمت عائشة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس وغيره: إنها تأولت كما تأول عثمان وإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر دائما فركب بعض الرواة من الحديثين حديثا وقال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصر وتتم هي فغلط بعض الرواة فقال: كان يقصر ويتم أي هو. والتأويل الذي تأولته قد اختلف فيه فقيل ظنت أن القصر مشروط بالخوف في السفر فإذا زال الخوف زال سبب القصر وهذا التأويل غير صحيح فإن النبي صلى الله عليه وسلم سافر آمنا وكان يقصر الصلاة والآية قد أشكلت على عمر وعلى غيره فسأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابه بالشفاء وأن هذا صدقة من الله وشرع شرعه للأمة وكان هذا بيان أن حكم المفهوم غير مراد(1\/448)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "414",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8980",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأن الجناح مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن والخائف وغايته أنه نوع تخصيص للمفهوم أو رفع له وقد يقال: إن الآية اقتضت قصرا يتناول قصر الأركان بالتخفيف وقصر العدد بنقصان ركعتين وقيد ذلك بأمرين: الضرب في الأرض والخوف فإذا وجد الأمران أبيح القصران فيصلون صلاة الخوف مقصورة عددها وأركانها وإن انتفى الأمران فكانوا آمنين مقيمين انتفى القصران فيصلون صلاة تامة كاملة وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره وحده فإذا وجد الخوف والإقامة قصرت الأركان واستوفي العدد وهذا نوع قصر وليس بالقصر المطلق في الآية فإن وجد السفر والأمن قصر العدد واستوفي الأركان وسميت صلاة أمن وهذا نوع قصر وليس بالقصر المطلق وقد تسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد وقد تسمى تامة باعتبار إتمام أركانها وأنها لم تدخل في قصر الآية والأول اصطلاح كثير من الفقهاء المتأخرين والثاني يدل عليه كلام الصحابة كعائشة وابن عباس وغيرهما قالت عائشة: ( فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر ) فهذا يدل على أن صلاة السفر عندها غير مقصورة من أربع وإنما هي مفروضة كذلك وأن فرض المسافر ركعتان. وقال ابن عباس: ( فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة ) متفق على حديث عائشة وانفرد مسلم بحديث ابن عباس. وقال عمر رضي الله عنه: ( صلاة السفر ركعتان والجمعة ركعتان(1\/449)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "415",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8981",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعيد ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وقد خاب من افترى ) . وهذا ثابت عن عمر رضي الله عنه وهو الذي ( سأل النبي صلى الله عليه وسلم: ما بالنا نقصر وقد أمنا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة تصدق بها الله عليكم فاقبلوا صدقته ) ولا تناقض بين حديثيه فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أجابه بأن هذه صدقة الله عليكم ودينه اليسر السمح علم عمر أنه ليس المراد من الآية قصر العدد كما فهمه كثير من الناس فقال: صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر. وعلى هذا فلا دلالة في الآية على أن قصر العدد مباح منفي عنه الجناح فإن شاء المصلي فعله وإن شاء أتم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواظب في أسفاره على ركعتين ركعتين ولم يربع قط إلا شيئا فعله في بعض صلاة الخوف كما سنذكره هناك ونبين ما فيه إن شاء الله تعالى. وقال أنس: ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة ) متفق عليه. ( ولما بلغ عبد الله بن مسعود أن عثمان بن عفان صلى بمنى أربع ركعات قال: إنا لله وإنا إليه راجعون صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين(1\/450)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "416",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8982",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان ) متفق عليه. ولم يكن ابن مسعود ليسترجع من فعل عثمان أحد الجائزين المخير بينهما بل الأولى على قول وإنما استرجع لما شاهده من مداومة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه على صلاة ركعتين في السفر. وفي quot; صحيح البخاري quot; عن ابن عمر رضي الله عنه قال: صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان في السفر لا يزيد على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان . يعني في صدر خلافة عثمان وإلا فعثمان قد أتم في آخر خلافته وكان ذلك أحد الأسباب التي أنكرت عليه. وقد خرج لفعله تأويلات أحدها: أن الأعراب كانوا قد حجوا تلك السنة فأراد أن يعلمهم أن فرض الصلاة أربع لئلا يتوهموا أنها ركعتان في الحضر والسفر ورد هذا التأويل بأنهم كانوا أحرى بذلك في حج النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا حديثي عهد بالإسلام والعهد بالصلاة قريب ومع هذا فلم يربع بهم النبي صلى الله عليه وسلم. التأويل الثاني: أنه كان إماما للناس والإمام حيث نزل فهو عمله ومحل ولايته فكأنه وطنه ورد هذا التأويل بأن إمام الخلائق على الإطلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو أولى بذلك وكان هو الإمام المطلق ولم يربع. التأويل الثالث: أن منى كانت قد بنيت وصارت قرية كثر فيها المساكن في عهده ولم يكن ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بل كانت فضاء ولهذا قيل(1\/451)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "417",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8983",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له: يا رسول الله ألا نبني لك بمنى بيتا يظلك من الحر فقال: (لا. منى مناخ من سبق ) . فتأول عثمان أن القصر إنما يكون في حال السفر. ورد هذا التأويل بأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة عشرا يقصر الصلاة. التأويل الرابع: أنه أقام بها ثلاثا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا ) فسماه مقيما والمقيم غير مسافر ورد هذا التأويل بأن هذه إقامة مقيدة في أثناء السفر ليست بالإقامة التي هي قسيم السفر وقد أقام صلى الله عليه وسلم بمكة عشرا يقصر الصلاة وأقام بمنى بعد نسكه أيام الجمار الثلاث يقصر الصلاة. التأويل الخامس: أنه كان قد عزم على الإقامة والاستيطان بمنى واتخاذها دار الخلافة فلهذا أتم ثم بدا له أن يرجع إلى المدينة وهذا التأويل أيضا مما لا يقوى فإن عثمان رضي الله عنه من المهاجرين الأولين وقد منع صلى الله عليه وسلم المهاجرين من الإقامة بمكة بعد نسكهم ورخص لهم فيها ثلاثة أيام فقط فلم يكن عثمان ليقيم بها وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك وإنما رخص فيها ثلاثا وذلك لأنهم تركوها لله وما ترك لله فإنه لا يعاد فيه ولا يسترجع ولهذا منع النبي صلى الله عليه وسلم من شراء المتصدق لصدقته وقال لعمر: ( لا(1\/452)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "418",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8984",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تشترها ولا تعد في صدقتك ) . فجعله عائدا في صدقته مع أخذها بالثمن. التأويل السادس: أنه كان قد تأهل بمنى والمسافر إذا أقام في موضع وتزوج فيه أو كان له به زوجة أتم ويروى في ذلك حديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم. فروى عكرمة بن إبراهيم الأزدي عن ابن أبي ذباب عن أبيه قال: صلى عثمان بأهل منى أربعا وقال يا أيها الناس لما قدمت تأهلت بها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا تأهل الرجل ببلدة فإنه يصلي بها صلاة مقيم ) . رواه الإمام أحمد رحمه الله في quot; مسنده quot; وعبد الله بن الزبير الحميدي في quot; مسنده quot; أيضا وقد أعله البيهقي بانقطاعه وتضعيفه عكرمة بن إبراهيم. قال أبو البركات بن تيمية: ويمكن المطالبة بسبب الضعف فإن البخاري ذكره في quot; تاريخه quot; ولم يطعن فيه وعادته ذكر الجرح والمجروحين وقد نص أحمد وابن عباس قبله أن المسافر إذا تزوج لزمه الإتمام وهذا قول أبي حنيفة ومالك وأصحابهما وهذا أحسن ما اعتذر به عن عثمان. وقد اعتذر عن عائشة أنها كانت أم المؤمنين فحيث نزلت كان وطنها وهو أيضا اعتذار ضعيف فإن النبي صلى الله عليه وسلم أبو المؤمنين أيضا وأمومة أزواجه فرع عن أبوته ولم يكن يتم لهذا السبب. وقد روى هشام بن عروة عن أبيه أنها كانت تصلي في السفر أربعا فقلت لها: لو صليت ركعتين فقالت: (يا ابن أختي إنه لا يشق علي)(1\/453)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "419",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8985",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الشافعي رحمه الله: لو كان فرض المسافر ركعتين لما أتمها عثمان ولا عائشة ولا ابن مسعود ولم يجز أن يتمها مسافر مع مقيم وقد قالت عائشة: كل ذلك قد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أتم وقصر ثم روى عن إبراهيم بن محمد عن طلحة بن عمرو عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة قالت: كل ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم قصر الصلاة في السفر وأتم . قال البيهقي: وكذلك رواه المغيرة بن زياد عن عطاء وأصح إسناد فيه ما أخبرنا أبو بكر الحارثي عن الدارقطني عن المحاملي حدثنا سعيد بن محمد بن ثواب حدثنا أبو عاصم حدثنا عمر بن سعيد عن عطاء عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يقصر في الصلاة ويتم ويفطر ويصوم ) قال الدارقطني: وهذا إسناد صحيح. ثم ساق من طريق أبي بكر النيسابوري عن عباس الدوري أنبأنا أبو نعيم حدثنا العلاء بن زهير حدثني عبد الرحمن بن الأسود عن (عائشة أنها اعتمرت مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت وصمت وأفطرت. قال أحسنت يا عائشة ) وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديث كذب على عائشة ولم تكن عائشة لتصلي بخلاف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الصحابة وهي تشاهدهم يقصرون ثم تتم هي وحدها بلا موجب. كيف وهي القائلة:(1\/454)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "420",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8986",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر ) فكيف يظن أنها تزيد على ما فرض الله وتخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال الزهري لعروة لما حدثه عنها بذلك: فما شأنها كانت تتم الصلاة فقال: تأولت كما تأول عثمان. فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حسن فعلها وأقرها عليه فما للتأويل حينئذ وجه ولا يصح أن يضاف إتمامها إلى التأويل على هذا التقدير وقد أخبر ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يزيد في السفر على ركعتين ولا أبو بكر ولا عمر . أفيظن بعائشة أم المؤمنين مخالفتهم وهي تراهم يقصرون وأما بعد موته صلى الله عليه وسلم فإنها أتمت كما أتم عثمان وكلاهما تأول تأويلا والحجة في روايتهم لا في تأويل الواحد منهم مع مخالفة غيره له والله أعلم. وقد قال أمية بن خالد لعبد الله بن عمر إنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف في القرآن ولا نجد صلاة السفر في القرآن فقال له ابن عمر: يا أخي إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئا فإنما نفعل كما رأينا محمدا صلى الله عليه وسلم يفعل وقد قال أنس: ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة ) وقال ابن عمر: ( صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان لا يزيد في السفر على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ) وهذه كلها أحاديث صحيحة.(1\/455)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "421",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8987",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل من هديه صلى الله عليه وسلم في سفره الاقتصار على الفرض] فصل وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في سفره الاقتصار على الفرض ولم يحفظ عنه أنه صلى سنة الصلاة قبلها ولا بعدها إلا ما كان من الوتر وسنة الفجر فإنه لم يكن ليدعهما حضرا ولا سفرا. قال ابن عمر وقد سئل عن ذلك: فقال: ( صحبت النبي صلى الله عليه وسلم فلم أره يسبح في السفر وقال الله عز وجل لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة [الأحزاب: 21]  ) [الأحزاب: 21] ومراده بالتسبيح: السنة الراتبة وإلا فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه. وفي quot; الصحيحين quot; عن ابن عمر قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض ويوتر على راحلته ) . قال الشافعي رحمه الله: وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتنفل ليلا وهو يقصر وفي quot; الصحيحين quot;: عن عامر بن ربيعة أنه ( رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي السبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته ) فهذا قيام الليل. وسئل الإمام أحمد رحمه الله عن التطوع في السفر فقال: أرجو أن لا يكون بالتطوع في السفر بأس وروي عن الحسن قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسافرون فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها وروي هذا عن(1\/456)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "422",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8988",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عمر وعلي وابن مسعود وجابر وأنس وابن عباس وأبي ذر. وأما ابن عمر فكان لا يتطوع قبل الفريضة ولا بعدها إلا من جوف الليل مع الوتر وهذا هو الظاهر من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يصلي قبل الفريضة المقصورة ولا بعدها شيئا ولكن لم يكن يمنع من التطوع قبلها ولا بعدها فهو كالتطوع المطلق لا أنه سنة راتبة للصلاة كسنة صلاة الإقامة ويؤيد هذا أن الرباعية قد خففت إلى ركعتين تخفيفا على المسافر فكيف يجعل لها سنة راتبة يحافظ عليها وقد خفف الفرض إلى ركعتين فلولا قصد التخفيف على المسافر وإلا كان الإتمام أولى به ولهذا قال عبد الله بن عمر: ( لو كنت مسبحا لأتممت ) وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى يوم الفتح ثمان ركعات ضحى وهو إذ ذاك مسافر . وأما ما رواه أبو داود والترمذي في السنن من حديث الليث عن صفوان بن سليم عن أبي بسرة الغفاري عن البراء بن عازب قال: ( سافرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سفرا فلم أره ترك ركعتين عند زيغ الشمس قبل الظهر ) قال الترمذي: هذا حديث غريب. قال: وسألت محمدا عنه فلم يعرفه إلا من حديث الليث بن سعد ولم يعرف اسم أبي بسرة ورآه حسنا. وبسرة: بالباء الموحدة المضمومة وسكون السين المهملة. وأما حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان لا يدع أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها ) فرواه البخاري في quot; صحيحه quot; ولكنه ليس بصريح في فعله ذلك في السفر ولعلها أخبرت عن أكثر أحواله وهو الإقامة والرجال أعلم بسفره من النساء وقد أخبر ابن عمر أنه لم يزد على ركعتين(1\/457)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "423",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8989",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولم يكن ابن عمر يصلي قبلها ولا بعدها شيئا. والله أعلم.  [فصل من هديه صلى الله عليه وسلم صلاة التطوع على راحلته] فصل وكان من هديه صلى الله عليه وسلم صلاة التطوع على راحلته حيث توجهت به وكان يومئ إيماء برأسه في ركوعه وسجوده وسجوده أخفض من ركوعه وروى أحمد وأبو داود عنه من حديث أنس أنه كان يستقبل بناقته القبلة عند تكبيرة الافتتاح ثم يصلي سائر الصلاة حيث توجهت به. وفي هذا الحديث نظر وسائر من وصف صلاته صلى الله عليه وسلم على راحلته أطلقوا أنه كان يصلي عليها قبل أي جهة توجهت به ولم يستثنوا من ذلك تكبيرة الإحرام ولا غيرها كعامر بن ربيعة وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأحاديثهم أصح من حديث أنس هذا والله أعلم. ( وصلى على الراحلة وعلى الحمار ) إن صح عنه وقد رواه مسلم في quot; صحيحه quot; من حديث ابن عمر. وصلى الفرض بهم على الرواحل لأجل المطر والطين إن صح الخبر بذلك وقد رواه أحمد والترمذي والنسائي أنه عليه الصلاة والسلام انتهى إلى مضيق هو وأصحابه وهو على راحلته والسماء من فوقهم والبلة من أسفل(1\/458)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "424",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8990",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منهم فحضرت الصلاة فأمر المؤذن فأذن وأقام ثم تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته فصلى بهم يومئ إيماء فجعل السجود أخفض من الركوع . قال الترمذي: حديث غريب تفرد به عمر بن الرماح وثبت ذلك عن أنس من فعله  [فصل في الجمع بين الصلاتين] فصل وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما فإن زالت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب) . وكان إذا أعجله السير أخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء في وقت العشاء. وقد روي عنه في غزوة تبوك أنه كان إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر فيصليهما جميعا وكذلك في المغرب والعشاء لكن اختلف في هذا الحديث فمن مصحح له ومن محسن ومن قادح فيه وجعله موضوعا كالحاكم وإسناده على شرط الصحيح لكن رمي بعلة عجيبة قال الحاكم: حدثنا أبو بكر بن محمد بن أحمد بن بالويه حدثنا موسى بن هارون حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن(1\/459)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "425",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8991",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر ويصليهما جميعا وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب ) قال الحاكم: هذا الحديث رواته أئمة ثقات وهو شاذ الإسناد والمتن ثم لا نعرف له علة نعله بها. فلو كان الحديث عن الليث عن أبي الزبير عن أبي الطفيل لعللنا به الحديث. ولو كان عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل لعللنا به فلما لم نجد له العلتين خرج عن أن يكون معلولا ثم نظرنا فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل رواية ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عن أحد من أصحاب أبي الطفيل ولا عن أحد ممن روى عن معاذ بن جبل غير أبي الطفيل فقلنا: الحديث شاذ. وقد حدثوا عن أبي العباس الثقفي قال: كان قتيبة بن سعيد يقول لنا: على هذا الحديث علامة أحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأبي بكر بن أبي شيبة وأبي خيثمة حتى عد قتيبة سبعة من أئمة الحديث كتبوا عنه هذا الحديث وأئمة الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجبا من إسناده ومتنه ثم لم يبلغنا عن أحد منهم أنه ذكر للحديث علة ثم قال: فنظرنا فإذا الحديث موضوع وقتيبة ثقة مأمون ثم ذكر بإسناده إلى البخاري. قال: قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل قال: كتبته مع خالد بن القاسم أبي الهيثم المدائني. قال البخاري: وكان خالد المدائني يدخل الأحاديث على الشيوخ. قلت: وحكمه بالوضع على هذا الحديث غير مسلم فإن أبا داود رواه عن(1\/460)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "426",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8992",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الرملي حدثنا المفضل بن فضالة عن الليث بن سعد عن هشام بن سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ فذكره. . . quot; فهذا المفضل قد تابع قتيبة وإن كان قتيبة أجل من المفضل وأحفظ لكن زال تفرد قتيبة به ثم إن قتيبة صرح بالسماع فقال: حدثنا ولم يعنعن فكيف يقدح في سماعه مع أنه بالمكان الذي جعله الله به من الأمانة والحفظ والثقة والعدالة. وقد روى إسحاق بن راهويه: حدثنا شبابة حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر ثم ارتحل ) . وهذا إسناد كما ترى وشبابة: هو شبابة بن سوار الثقة المتفق على الاحتجاج بحديثه وقد روى له مسلم في quot; صحيحه quot; عن الليث بن سعد بهذا الإسناد على شرط الشيخين وأقل درجاته أن يكون مقويا لحديث معاذ وأصله في quot; الصحيحين quot; لكن ليس فيه جمع التقديم. ثم قال أبو داود: وروى هشام عن عروة عن حسين بن عبد الله عن كريب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو حديث المفضل يعني حديث معاذ في الجمع والتقديم ولفظه عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن كريب عن ابن عباس أنه قال: ألا أخبركم عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في السفر كان إذا زالت الشمس وهو في منزله جمع بين الظهر والعصر في الزوال وإذا سافر(1\/461)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "427",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8993",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قبل أن تزول الشمس أخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر قال: وأحسبه قال في المغرب والعشاء مثل ذلك  ورواه الشافعي من حديث ابن أبي يحيى عن حسين ومن حديث ابن عجلان بلاغا عن حسين. قال البيهقي: هكذا رواه الأكابر هشام بن عروة وغيره عن حسين بن عبد الله. ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن حسين عن عكرمة وعن كريب كلاهما عن ابن عباس ورواه أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس قال: ولا أعلمه إلا مرفوعا. وقال إسماعيل بن إسحاق: حدثنا إسماعيل بن أبي إدريس قال: حدثني أخي عن سليمان بن مالك عن هشام بن عروة عن كريب عن ابن عباس قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جد به السير فراح قبل أن تزيغ الشمس ركب فسار ثم نزل فجمع بين الظهر والعصر وإذا لم يرح حتى تزيغ الشمس جمع بين الظهر والعصر ثم ركب وإذا أراد أن يركب ودخلت صلاة المغرب جمع بين المغرب وبين صلاة العشاء ) قال أبو العباس بن سريج: روى يحيى بن عبد الحميد عن أبي خالد الأحمر عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يرتحل حتى تزيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا فإذا لم تزغ أخرها حتى يجمع بينهما في وقت العصر ) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويدل على جمع التقديم جمعه بعرفة بين الظهر والعصر لمصلحة الوقوف ليتصل وقت الدعاء ولا يقطعه بالنزول لصلاة العصر مع إمكان ذلك بلا مشقة فالجمع كذلك لأجل المشقة والحاجة أولى. قال الشافعي: وكان أرفق به يوم عرفة تقديم العصر لأن يتصل له الدعاء فلا يقطعه بصلاة العصر وأرفق بالمزدلفة أن يتصل له المسير ولا يقطعه بالنزول(1\/462)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "428",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8994",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للمغرب لما في ذلك من التضييق على الناس. والله أعلم.  [فصل من هديه صلى الله عليه وسلم عدم الجمع راكبا في سفره] فصل ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم الجمع راكبا في سفره كما يفعله كثير من الناس ولا الجمع حال نزوله أيضا وإنما كان يجمع إذا جد به السير وإذا سار عقيب الصلاة كما ذكرنا في قصة تبوك وأما جمعه وهو نازل غير مسافر فلم ينقل ذلك عنه إلا بعرفة لأجل اتصال الوقوف كما قال الشافعي رحمه الله وشيخنا ولهذا خصه أبو حنيفة بعرفة وجعله من تمام النسك ولا تأثير للسفر عنده فيه. وأحمد ومالك والشافعي جعلوا سببه السفر ثم اختلفوا فجعل الشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه التأثير للسفر الطويل ولم يجوزاه لأهل مكة وجوز مالك وأحمد في الرواية الأخرى عنه لأهل مكة الجمع والقصر بعرفة واختارها شيخنا وأبو الخطاب في عباداته ثم طرد شيخنا هذا وجعله أصلا في جواز القصر والجمع في طويل السفر وقصيره كما هو مذهب كثير من السلف وجعله مالك وأبو الخطاب مخصوصا بأهل مكة. ولم يحد صلى الله عليه وسلم لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر بل أطلق لهم ذلك في مطلق السفر والضرب في الأرض كما أطلق لهم التيمم في كل سفر وأما ما يروى عنه من التحديد باليوم أو اليومين أو الثلاثة فلم يصح عنه منها شيء البتة والله أعلم  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في قراءة القرآن واستماعه وخشوعه وبكائه عند قراءته] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في قراءة القرآن واستماعه وخشوعه وبكائه عند قراءته واستماعه وتحسين صوته به وتوابع ذلك كان له صلى الله عليه وسلم حزب يقرؤه ولا يخل به وكانت قراءته ترتيلا لا هذا ولا عجلة بل قراءة مفسرة حرفا حرفا. وكان يقطع قراءته آية آية وكان يمد عند حروف المد فيمد (الرحمن) ويمد (الرحيم) وكان يستعيذ بالله من الشيطان(1\/463)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "429",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8995",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرجيم في أول قراءته فيقول: quot; أعوذ بالله من الشيطان الرجيم quot; وربما كان يقول: ( اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه ) وكان تعوذه قبل القراءة. وكان يحب أن يسمع القرآن من غيره وأمر عبد الله بن مسعود فقرأ عليه وهو يسمع. وخشع صلى الله عليه وسلم لسماع القرآن منه حتى ذرفت عيناه. وكان يقرأ القرآن قائما وقاعدا ومضطجعا ومتوضئا ومحدثا ولم يكن يمنعه من قراءته إلا الجنابة. وكان صلى الله عليه وسلم يتغنى به ويرجع صوته به أحيانا كما رجع يوم الفتح في قراءته إنا فتحنا لك فتحا مبينا [الفتح: 1] . وحكى عبد الله بن مغفل ترجيعه آآ آثلاث مرات ذكره البخاري. وإذا جمعت هذه الأحاديث إلى قوله: ( زينوا القرآن بأصواتكم ) . وقوله:(1\/464)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "430",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8996",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ) . وقوله ( ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن ) . علمت أن هذا الترجيع منه صلى الله عليه وسلم كان اختيارا لا اضطرارا لهز الناقة له فإن هذا لو كان لأجل هز الناقة لما كان داخلا تحت الاختيار فلم يكن عبد الله بن مغفل يحكيه ويفعله اختيارا ليؤتسى به وهو يرى هز الراحلة له حتى ينقطع صوته ثم يقول كان يرجع في قراءته فنسب الترجيع إلى فعله. ولو كان من هز الراحلة لم يكن منه فعل يسمى ترجيعا. وقد استمع ليلة لقراءة أبي موسى الأشعري فلما أخبره بذلك قال: (لو كنت أعلم أنك تسمعه لحبرته لك تحبيرا) أي حسنته وزينته بصوتي تزيينا(1\/465)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "431",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8997",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروى أبو داود في quot; سننه quot; عن عبد الجبار بن الورد قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: قال عبد الله بن أبي يزيد: مر بنا أبو لبابة فاتبعناه حتى دخل بيته فإذا رجل رث الهيئة فسمعته يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن. قال فقلت لابن أبي مليكة يا أبا محمد أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت قال يحسنه ما استطاع ) قلت: لا بد من كشف هذه المسألة وذكر اختلاف الناس فيها واحتجاج كل فريق وما لهم وعليهم في احتجاجهم وذكر الصواب في ذلك بحول الله تبارك وتعالى ومعونته فقالت طائفة: تكره قراءة الألحان وممن نص على ذلك أحمد ومالك وغيرهما فقال أحمد في رواية علي بن سعيد في قراءة الألحان: ما تعجبني وهو محدث. وقال في رواية المروزي: القراءة بالألحان بدعة لا تسمع وقال في رواية عبد الرحمن المتطبب: قراءة الألحان بدعة وقال في رواية ابنه عبد الله ويوسف بن موسى ويعقوب بن بختان والأثرم وإبراهيم بن الحارث: القراءة بالألحان لا تعجبني إلا أن يكون ذلك حزنا فيقرأ بحزن مثل صوت أبي موسى وقال في رواية صالح ( زينوا القرآن بأصواتكم ) معناه أن يحسنه وقال في رواية المروزي: ( ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الصوت أن يتغنى بالقرآن )  وفي رواية قوله: ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن )  فقال كان ابن عيينة يقول: يستغني به. وقال الشافعي: يرفع صوته وذكر له حديث معاوية بن قرة في قصة قراءة سورة(1\/466)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "432",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8998",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفتح والترجيع فيها فأنكر أبو عبد الله أن يكون على معنى الألحان وأنكر الأحاديث التي يحتج بها في الرخصة في الألحان. وروى ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن الألحان في الصلاة فقال لا تعجبني وقال إنما هو غناء يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم وممن رويت عنه الكراهة أنس بن مالك وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والقاسم بن محمد والحسن وابن سيرين وإبراهيم النخعي. وقال عبد الله بن يزيد العكبري: سمعت رجلا يسأل أحمد ما تقول في القراءة بالألحان فقال ما اسمك قال محمد قال أيسرك أن يقال لك: يا موحمد ممدودا قال القاضي أبو يعلى: هذه مبالغة في الكراهة. وقال الحسن بن عبد العزيز الجروي: أوصى إلي رجل بوصية وكان فيما خلف جارية تقرأ بالألحان وكانت أكثر تركته أو عامتها فسألت أحمد بن حنبل والحارث بن مسكين وأبا عبيد كيف أبيعها فقالوا: بعها ساذجة فأخبرتهم بما في بيعها من النقصان فقالوا: بعها ساذجة قال القاضي: وإنما قالوا ذلك لأن سماع ذلك منها مكروه فلا يجوز أن يعاوض عليه كالغناء. قال ابن بطال: وقالت طائفة: التغني بالقرآن هو تحسين الصوت به والترجيع بقراءته قال: والتغني بما شاء من الأصوات واللحون هو قول ابن المبارك والنضر بن شميل قال: وممن أجاز الألحان في القرآن: ذكر الطبري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول لأبي موسى: (ذكرنا ربنا فيقرأ أبو موسى ويتلاحن وقال: من استطاع أن يتغنى بالقرآن غناء أبي موسى فليفعل) وكان عقبة بن عامر من أحسن الناس صوتا بالقرآن فقال له عمر: (اعرض علي سورة كذا فعرض عليه فبكى عمر وقال ما كنت أظن أنها نزلت) قال: وأجازه ابن عباس وابن مسعود وروي عن عطاء بن أبي رباح قال: وكان عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد(1\/467)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "433",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "8999",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يتتبع الصوت الحسن في المساجد في شهر رمضان. وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه: أنهم كانوا يستمعون القرآن بالألحان. وقال محمد بن عبد الحكم: رأيت أبي والشافعي ويوسف بن عمر يستمعون القرآن بالألحان وهذا اختيار ابن جرير الطبري. قال المجوزون - واللفظ لابن جرير -: الدليل: على أن معنى الحديث تحسين الصوت والغناء المعقول الذي هو تحزين القارئ سامع قراءته كما أن الغناء بالشعر هو الغناء المعقول الذي يطرب سامعه -: ما روى سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الترنم بالقرآن ) ومعقول عند ذوي الحجا أن الترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه المترنم وطرب به. وروي في هذا الحديث ( ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به ) قال الطبري: وهذا الحديث من أبين البيان أن ذلك كما قلنا قال ولو كان كما قال ابن عيينة يعني: يستغني به عن غيره لم يكن لذكر حسن الصوت والجهر به معنى والمعروف في كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذي هو حسن الصوت بالترجيع قال الشاعر تغن بالشعر إما كنت قائله ... إن الغناء لهذا الشعر مضمار قال: وأما ادعاء الزاعم أن تغنيت بمعنى استغنيت فاش في كلام العرب فلم نعلم أحدا قال به من أهل العلم بكلام العرب. وأما احتجاجه لتصحيح قوله بقول الأعشى: وكنت امرءا زمنا بالعراق ... عفيف المناخ طويل التغن(1\/468)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "434",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9000",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وزعم أنه أراد بقوله: طويل التغني: طويل الاستغناء فإنه غلط منه وإنما عنى الأعشى بالتغني في هذا الموضع: الإقامة من قول العرب: غنى فلان بمكان كذا: إذا أقام به ومنه قوله تعالى: كأن لم يغنوا فيها [الأعراف: 92] [الأعراف: 92]  واستشهاده بقول الآخر: كلانا غني عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشد تغانيا فإنه إغفال منه وذلك لأن التغاني تفاعل من تغنى: إذا استغنى كل واحد منهما عن صاحبه كما يقال تضارب الرجلان إذا ضرب كل واحد منهما صاحبه وتشاتما وتقاتلا. ومن قال: هذا في فعل اثنين لم يجز أن يقول مثله في فعل الواحد فيقول: تغانى زيد وتضارب عمرو وذلك غير جائز أن يقول: تغنى زيد بمعنى استغنى إلا أن يريد به قائله أنه أظهر الاستغناء وهو غير مستغن كما يقال تجلد فلان إذا أظهر جلدا من نفسه وهو غير جليد وتشجع وتكرم فإن وجه موجه التغني بالقرآن إلى هذا المعنى على بعده من مفهوم كلام العرب كانت المصيبة في خطئه في ذلك أعظم لأنه يوجب على من تأوله أن يكون الله تعالى ذكره لم يأذن لنبيه أن يستغني بالقرآن وإنما أذن له أن يظهر من نفسه لنفسه خلاف ما هو به من الحال وهذا لا يخفى فساده. قال: ومما يبين فساد تأويل ابن عيينة أيضا أن الاستغناء عن الناس بالقرآن من المحال(1\/469)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "435",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9001",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن يوصف أحد به أنه يؤذن له فيه أو لا يؤذن إلا أن يكون الأذن عند ابن عيينة بمعنى الإذن الذي هو إطلاق وإباحة وإن كان كذلك فهو غلط من وجهين أحدهما: من اللغة والثاني: من إحالة المعنى عن وجهه. أما اللغة فإن الأذن مصدر قوله: أذن فلان لكلام فلان فهو يأذن له: إذا استمع له وأنصت كما قال تعالى: وأذنت لربها وحقت [الانشقاق: 2] [الانشقاق: 2]  بمعنى سمعت لربها وحق لها ذلك كما قال عدي بن زيد: إن همي في سماع وأذن بمعنى في سماع واستماع. فمعنى قوله: ما أذن الله لشيء إنما هو: ما استمع الله لشيء من كلام الناس ما استمع لنبي يتغنى بالقرآن. وأما الإحالة في المعنى فلأن الاستغناء بالقرآن عن الناس غير جائز وصفه بأنه مسموع ومأذون له انتهى كلام الطبري قال أبو الحسن بن بطال: وقد وقع الإشكال في هذه المسألة أيضا بما رواه ابن أبي شيبة حدثنا زيد بن الحباب قال: حدثني موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تعلموا القرآن وتغنوا به واكتبوه فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من المخاض من العقل ) . قال: وذكر عمر بن شبة قال: ذكر لأبي عاصم النبيل تأويل ابن عيينة في قوله (يتغنى بالقرآن) يستغني به فقال لم يصنع ابن عيينة شيئا حدثنا ابن جريج عن(1\/470)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "436",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9002",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عطاء عن عبيد بن عمير قال: كانت لداود نبي الله صلى الله عليه وسلم معزفة يتغنى عليها يبكي ويبكي. وقال ابن عباس: إنه كان يقرأ الزبور بسبعين لحنا تكون فيهن ويقرأ قراءة يطرب منها الجموع. وسئل الشافعي رحمه الله عن تأويل ابن عيينة فقال: نحن أعلم بهذا لو أراد به الاستغناء لقال: quot; من لم يستغن بالقرآن quot; ولكن لما قال: (يتغنى بالقرآن)  علمنا أنه أراد به التغني. قالوا: ولأن تزيينه وتحسين الصوت به والتطريب بقراءته أوقع في النفوس وأدعى إلى الاستماع والإصغاء إليه ففيه تنفيذ للفظه إلى الأسماع ومعانيه إلى القلوب وذلك عون على المقصود وهو بمنزلة الحلاوة التي تجعل في الدواء لتنفذه إلى موضع الداء وبمنزلة الأفاويه والطيب الذي يجعل في الطعام لتكون الطبيعة أدعى له قبولا وبمنزلة الطيب والتحلي وتجمل المرأة لبعلها ليكون أدعى إلى مقاصد النكاح. قالوا: ولا بد للنفس من طرب واشتياق إلى الغناء فعوضت عن طرب الغناء بطرب القرآن كما عوضت عن كل محرم ومكروه بما هو خير لها منه وكما عوضت عن الاستقسام بالأزلام بالاستخارة التي هي محض التوحيد والتوكل وعن السفاح بالنكاح وعن القمار بالمراهنة بالنصال وسباق الخيل وعن السماع الشيطاني بالسماع الرحماني القرآني ونظائره كثيرة جدا. قالوا: والمحرم لا بد أن يشتمل على مفسدة راجحة أو خالصة وقراءة التطريب والألحان لا تتضمن شيئا من ذلك فإنها لا تخرج الكلام عن وضعه ولا تحول بين السامع وبين فهمه ولو كانت متضمنة لزيادة الحروف كما ظن المانع منها لأخرجت الكلمة عن موضعها وحالت بين السامع وبين فهمها ولم يدر ما معناها والواقع بخلاف ذلك. قالوا: وهذا التطريب والتلحين أمر راجع إلى كيفية الأداء وتارة يكون سليقة وطبيعة وتارة يكون تكلفا وتعملا وكيفيات الأداء لا تخرج الكلام عن وضع مفرداته بل هي صفات لصوت المؤدي جارية مجرى ترقيقه وتفخيمه(1\/471)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "437",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9003",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإمالته وجارية مجرى مدود القراء الطويلة والمتوسطة لكن تلك الكيفيات متعلقة بالحروف وكيفيات الألحان والتطريب متعلقة بالأصوات والآثار في هذه الكيفيات لا يمكن نقلها بخلاف كيفيات أداء الحروف فلهذا نقلت تلك بألفاظها ولم يمكن نقل هذه بألفاظها بل نقل منها ما أمكن نقله كترجيع النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الفتح بقوله quot; آآ آ quot;. قالوا: والتطريب والتلحين راجع إلى أمرين: مد وترجيع وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يمد صوته بالقراءة يمد quot; الرحمن quot; ويمد quot; الرحيم quot; وثبت عنه الترجيع كما تقدم. قال المانعون من ذلك: الحجة لنا من وجوه. أحدها: ما رواه حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم ( اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل الكتاب والفسق فإنه سيجيء من بعدي أقوام يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والنوح لا يجاوز حناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم ) رواه أبو الحسن رزين في quot; تجريد الصحاح quot; ورواه أبو عبد الله الحكيم الترمذي في quot; نوادر الأصول quot;. واحتج به القاضي أبو يعلى في quot; الجامع quot; واحتج معه بحديث آخر أنه صلى الله عليه وسلم ذكر شرائط الساعة وذكر أشياء منها: ( أن يتخذ القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليس بأقرئهم ولا أفضلهم ما يقدمونه إلا ليغنيهم غناء )(1\/472)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "438",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9004",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: وقد (جاء زياد النهدي إلى أنس رضي الله عنه مع القراء فقيل له: اقرأ فرفع صوته وطرب وكان رفيع الصوت فكشف أنس عن وجهه وكان على وجهه خرقة سوداء وقال يا هذا ما هكذا كانوا يفعلون وكان إذا رأى شيئا ينكره رفع الخرقة عن وجهه) قالوا: وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم المؤذن المطرب في أذانه من التطريب كما روى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن يطرب فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الأذان سهل سمح فإن كان أذانك سهلا سمحا وإلا فلا تؤذن ) رواه الدارقطني. وروى عبد الغني بن سعيد الحافظ من حديث قتادة عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه قال كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم المد ليس فيها ترجيع . قالوا: والترجيع والتطريب يتضمن همز ما ليس بمهموز ومد ما ليس بممدود وترجيع الألف الواحد ألفات والواو واوات والياء ياءات فيؤدي ذلك إلى زيادة في القرآن وذلك غير جائز قالوا: ولا حد لما يجوز من ذلك وما لا يجوز منه فإن حد بحد معين كان تحكما في كتاب الله تعالى ودينه وإن لم يحد بحد أفضى إلى أن يطلق لفاعله ترديد الأصوات وكثرة الترجيعات والتنويع في أصناف الإيقاعات والألحان المشبهة للغناء كما يفعل أهل الغناء بالأبيات وكما يفعله كثير من القراء أمام الجنائز ويفعله كثير من قراء الأصوات مما يتضمن تغيير كتاب الله والغناء به على نحو ألحان الشعر والغناء ويوقعون الإيقاعات عليه مثل الغناء سواء اجتراء على الله وكتابه وتلاعبا بالقرآن وركونا إلى تزيين الشيطان ولا يجيز ذلك أحد من علماء الإسلام ومعلوم: أن التطريب والتلحين ذريعة مفضية إلى هذا إفضاء قريبا فالمنع منه كالمنع من الذرائع الموصلة إلى الحرام فهذا(1\/473)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "439",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9005",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نهاية إقدام الفريقين ومنتهى احتجاج الطائفتين. وفصل النزاع أن يقال: التطريب والتغني على وجهين أحدهما: ما اقتضته الطبيعة وسمحت به من غير تكلف ولا تمرين ولا تعليم بل إذا خلي وطبعه واسترسلت طبيعته جاءت بذلك التطريب والتلحين فذلك جائز وإن أعان طبيعته بفضل تزيين وتحسين كما قال أبو موسى الأشعري للنبي صلى الله عليه وسلم ( لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا ) والحزين ومن هاجه الطرب والحب والشوق لا يملك من نفسه دفع التحزين والتطريب في القراءة ولكن النفوس تقبله وتستحليه لموافقته الطبع وعدم التكلف والتصنع فيه فهو مطبوع لا متطبع وكلف لا متكلف فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويستمعونه وهو التغني الممدوح المحمود وهو الذي يتأثر به التالي والسامع وعلى هذا الوجه تحمل أدلة أرباب هذا القول كلها. الوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعة من الصنائع وليس في الطبع السماحة به بل لا يحصل إلا بتكلف وتصنع وتمرن كما يتعلم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة والمركبة على إيقاعات مخصوصة وأوزان مخترعة لا تحصل إلا بالتعلم والتكلف فهذه هي التي كرهها السلف وعابوها وذموها ومنعوا القراءة بها وأنكروا على من قرأ بها وأدلة أرباب هذا القول إنما تتناول هذا الوجه وبهذا التفصيل يزول الاشتباه ويتبين الصواب من غيره وكل من له علم بأحوال السلف يعلم قطعا أنهم برآء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلفة التي هي إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة وأنهم أتقى لله من أن يقرءوا بها ويسوغوها ويعلم قطعا أنهم كانوا يقرءون بالتحزين والتطريب ويحسنون أصواتهم بالقرآن ويقرءونه بشجى تارة وبطرب تارة وبشوق تارة وهذا أمر مركوز في الطباع تقاضيه ولم ينه عنه الشارع مع شدة تقاضي الطباع له بل أرشد إليه وندب إليه وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به وقال: ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ) وفيه وجهان: أحدهما: أنه إخبار بالواقع الذي كلنا نفعله(1\/474)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "440",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9006",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثاني: أنه نفي لهدي من لم يفعله عن هديه وطريقته صلى الله عليه وسلم.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في عيادة المرضى] كان صلى الله عليه وسلم يعود من مرض من أصحابه وعاد غلاما كان يخدمه من أهل الكتاب وعاد عمه وهو مشرك وعرض عليهما الإسلام فأسلم اليهودي ولم يسلم عمه. وكان يدنو من المريض ويجلس عند رأسه ويسأله عن حاله فيقول (كيف تجدك) وذكر أنه كان يسأل المريض عما يشتهيه فيقول: (هل تشتهي شيئا) فإن اشتهى شيئا وعلم أنه لا يضره أمر له به.(1\/475)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "441",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9007",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان يمسح بيده اليمنى على المريض ويقول ( اللهم رب الناس أذهب البأس واشفه أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما ) وكان يقول: ( امسح البأس رب الناس بيدك الشفاء لا كاشف له إلا أنت ) . وكان يدعو للمريض ثلاثا كما قاله لسعد: ( اللهم اشف سعدا اللهم اشف سعدا اللهم اشف سعدا ) وكان إذا دخل على المريض يقول له: ( لا بأس طهور إن شاء الله ) وربما كان يقول: (كفارة وطهور) . وكان يرقي من به قرحة أو جرح أو شكوى فيضع سبابته بالأرض ثم يرفعها ويقول: ( بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا ) هذا في quot; الصحيحين quot; وهو يبطل اللفظة التي جاءت في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب وأنهم لا يرقون ولا يسترقون. فقوله في الحديث quot; لا يرقون quot; غلط من الراوي سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول ذلك. قال: وإنما الحديث quot; هم الذين لا يسترقون quot;. قلت: وذلك لأن هؤلاء دخلوا الجنة بغير حساب(1\/476)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "442",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9008",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لكمال توحيدهم ولهذا نفى عنهم الاسترقاء وهو سؤال الناس أن يرقوهم. ولهذا قال ( وعلى ربهم يتوكلون )  فلكمال توكلهم على ربهم وسكونهم إليه وثقتهم به ورضاهم عنه وإنزال حوائجهم به لا يسألون الناس شيئا لا رقية ولا غيرها ولا يحصل لهم طيرة تصدهم عما يقصدونه فإن الطيرة تنقص التوحيد وتضعفه. قال: والراقي متصدق محسن والمسترقي سائل والنبي صلى الله عليه وسلم رقى ولم يسترق وقال: ( من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه ) فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي في quot; الصحيحين quot; عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كان إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ قل هو الله أحد [الإخلاص: 1] و قل أعوذ برب الفلق [الفلق: 1] و قل أعوذ برب الناس [الناس: 1] ويمسح بهما ما استطاع من جسده ويبدأ بهما على رأسه ووجهه ما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات قالت عائشة: فلما اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرني أن أفعل ذلك به ) فالجواب: أن هذا الحديث قد روي بثلاثة ألفاظ. أحدها: هذا. والثاني: أنه كان ينفث على نفسه. والثالث: قالت كنت أنفث عليه بهن وأمسح بيد نفسه لبركتها وفي لفظ رابع: كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث وهذه الألفاظ يفسر بعضها بعضا. وكان صلى الله عليه وسلم ينفث على نفسه وضعفه ووجعه يمنعه من إمرار يده على جسده كله. فكان يأمر عائشة أن تمر يده على جسده بعد نفثه هو وليس ذلك من الاسترقاء في شيء(1\/477)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "443",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9009",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهي لم تقل كان يأمرني أن أرقيه وإنما ذكرت المسح بيده بعد النفث على جسده ثم قالت: كان يأمرني أن أفعل ذلك به أي: أن أمسح جسده بيده كما كان هو يفعل. ولم يكن من هديه عليه الصلاة والسلام أن يخص يوما من الأيام بعيادة المريض ولا وقتا من الأوقات بل شرع لأمته عيادة المرضى ليلا ونهارا وفي سائر الأوقات. وفي quot; المسند quot; عنه ( إذا عاد الرجل أخاه المسلم مشى في خرفة الجنة حتى يجلس فإذا جلس غمرته الرحمة فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي وإن كان مساء صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح ) وفي لفظ ( ما من مسلم يعود مسلما إلا بعث الله له سبعين ألف ملك يصلون عليه أي ساعة من النهار كانت حتى يمسي وأي ساعة من الليل كانت حتى يصبح ) وكان يعود من الرمد وغيره وكان أحيانا يضع يده على جبهة المريض ثم يمسح صدره وبطنه ويقول (اللهم اشفه) وكان يمسح وجهه أيضا. ( وكان إذا يئس من المريض قال: إنا لله وإنا إليه راجعون )(1\/478)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "444",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9010",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الجنائز والصلاة عليها واتباعها ودفنها]  وما كان يدعو به للميت في صلاة الجنازة وبعد الدفن وتوابع ذلك كان هديه صلى الله عليه وسلم في الجنائز أكمل الهدي مخالفا لهدي سائر الأمم مشتملا على الإحسان إلى الميت ومعاملته بما ينفعه في قبره ويوم معاده وعلى الإحسان إلى أهله وأقاربه وعلى إقامة عبودية الحي لله وحده فيما يعامل به الميت. وكان من هديه في الجنائز إقامة العبودية للرب تبارك وتعالى على أكمل الأحوال والإحسان إلى الميت وتجهيزه إلى الله على أحسن أحواله وأفضلها ووقوفه ووقوف أصحابه صفوفا يحمدون الله ويستغفرون له ويسألون له المغفرة والرحمة والتجاوز عنه ثم المشي بين يديه إلى أن يودعوه حفرته ثم يقوم هو وأصحابه بين يديه على قبره سائلين له التثبيت أحوج ما كان إليه ثم يتعاهده بالزيارة له في قبره والسلام عليه والدعاء له كما يتعاهد الحي صاحبه في دار الدنيا. فأول ذلك: تعاهده في مرضه وتذكيره الآخرة وأمره بالوصية والتوبة وأمر من حضره بتلقينه شهادة أن لا إله إلا الله لتكون آخر كلامه ثم النهي عن(1\/479)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "445",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9011",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عادة الأمم التي لا تؤمن بالبعث والنشور من لطم الخدود وشق الثياب وحلق الرءوس ورفع الصوت بالندب والنياحة وتوابع ذلك. وسن الخشوع للميت والبكاء الذي لا صوت معه وحزن القلب وكان يفعل ذلك ويقول: ( تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب ) وسن لأمته الحمد والاسترجاع والرضى عن الله ولم يكن ذلك منافيا لدمع العين وحزن القلب ولذلك كان أرضى الخلق عن الله في قضائه وأعظمهم له حمدا وبكى مع ذلك يوم موت ابنه إبراهيم رأفة منه ورحمة للولد ورقة عليه والقلب ممتلئ بالرضى عن الله عز وجل وشكره واللسان مشتغل بذكره وحمده. ولما ضاق هذا المشهد والجمع بين الأمرين على بعض العارفين يوم مات ولده جعل يضحك فقيل له: أتضحك في هذه الحالة قال: ( إن الله تعالى قضى بقضاء فأحببت أن أرضى بقضائه ) فأشكل هذا على جماعة من أهل العلم فقالوا: كيف يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات ابنه إبراهيم وهو أرضى الخلق عن الله ويبلغ الرضى بهذا العارف إلى أن يضحك فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هدي نبينا صلى الله عليه وسلم كان أكمل من هدي هذا العارف فإنه أعطى العبودية حقها فاتسع قلبه للرضى عن الله ولرحمة الولد والرقة عليه فحمد الله ورضي عنه في قضائه وبكى رحمة ورأفة فحملته الرأفة على البكاء وعبوديته لله ومحبته له على الرضى والحمد وهذا العارف ضاق قلبه عن اجتماع الأمرين ولم يتسع باطنه لشهودهما والقيام بهما فشغلته عبودية الرضى عن عبودية الرحمة والرأفة.(1\/480)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "446",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9012",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في الإسراع بتجهيز الميت] فصل وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - الإسراع بتجهيز الميت إلى الله وتطهيره وتنظيفه وتطييبه وتكفينه في الثياب البيض ثم يؤتى به إليه فيصلي عليه بعد أن كان يدعى إلى الميت عند احتضاره فيقيم عنده حتى يقضي ثم يحضر تجهيزه ثم يصلي عليه ويشيعه إلى قبره ثم رأى الصحابة أن ذلك يشق عليه فكانوا إذا قضى الميت دعوه فحضر تجهيزه وغسله وتكفينه. ثم رأوا أن ذلك يشق عليه فكانوا هم يجهزون ميتهم ويحملونه إليه - صلى الله عليه وسلم - على سريره فيصلي عليه خارج المسجد. ولم يكن من هديه الراتب الصلاة عليه في المسجد وإنما كان يصلي على الجنازة خارج المسجد وربما كان يصلي أحيانا على الميت في المسجد كما ( صلى على سهيل بن بيضاء وأخيه في المسجد ) . ولكن لم يكن ذلك سنته وعادته وقد روى أبو داود في quot; سننه quot; من حديث صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له )  وقد اختلف في لفظ الحديث فقال الخطيب في روايته لكتاب السنن: في الأصل quot; فلا شيء عليه quot; وغيره يرويه (فلا شيء له)  وقد رواه ابن ماجه في quot; سننه quot; ولفظه: (فليس له شيء)  ولكن قد ضعف الإمام أحمد وغيره هذا(1\/481)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "447",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9013",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحديث قال الإمام أحمد: هو مما تفرد به صالح مولى التوأمة وقال البيهقي: هذا حديث يعد في أفراد صالح وحديث عائشة أصح منه وصالح مختلف في عدالته كان مالك يجرحه ثم ذكر عن أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - أنه صلي عليهما في المسجد. قلت: وصالح ثقة في نفسه كما قال عباس الدوري عن ابن معين: هو ثقة في نفسه. وقال ابن أبي مريم ويحيى: ثقة حجة فقلت له: إن مالكا تركه فقال: إن مالكا أدركه بعد أن خرف والثوري إنما أدركه بعد أن خرف فسمع منه لكن ابن أبي ذئب سمع منه قبل أن يخرف. وقال علي بن المديني: هو ثقة إلا أنه خرف وكبر فسمع منه الثوري بعد الخرف وسماع ابن أبي ذئب منه قبل ذلك. وقال ابن حبان: تغير في سنة خمس وعشرين ومائة وجعل يأتي بما يشبه الموضوعات عن الثقات فاختلط حديثه الأخير بحديثه القديم ولم يتميز فاستحق الترك. انتهى كلامه. وهذا الحديث حسن فإنه من رواية ابن أبي ذئب عنه وسماعه منه قديم قبل اختلاطه فلا يكون اختلاطه موجبا لرد ما حدث به قبل الاختلاط. وقد سلك الطحاوي في حديث أبي هريرة هذا وحديث عائشة مسلكا آخر فقال: صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على سهيل بن بيضاء في المسجد منسوخة وترك ذلك آخر الفعلين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدليل إنكار عامة الصحابة ذلك على عائشة وما كانوا ليفعلوه إلا لما علموا خلاف ما نقلت. ورد ذلك على الطحاوي جماعة منهم البيهقي وغيره. قال البيهقي: ولو كان عند أبي هريرة نسخ ما روته عائشة لذكره يوم صلي على أبي بكر الصديق في المسجد ويوم صلي على عمر بن الخطاب في المسجد ولذكره من أنكر على عائشة أمرها بإدخاله المسجد ولذكره أبو هريرة حين روت فيه الخبر وإنما أنكره من لم يكن له معرفة بالجواز. فلما روت فيه الخبر سكتوا ولم ينكروه ولا عارضوه بغيره. قال الخطابي: وقد ثبت أن أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - صلي عليهما في(1\/482)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "448",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9014",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المسجد ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما. وفي تركهم الإنكار الدليل على جوازه قال: ويحتمل أن يكون معنى حديث أبي هريرة إن ثبت متأولا على نقصان الأجر وذلك أن من صلى عليها في المسجد فالغالب أنه ينصرف إلى أهله ولا يشهد دفنه وأن من سعى إلى الجنازة فصلى عليها بحضرة المقابر شهد دفنه وأحرز أجر القيراطين وقد يؤجر أيضا على كثرة خطاه وصار الذي يصلي عليه في المسجد منقوص الأجر بالإضافة إلى من يصلي عليه خارج المسجد. وتأولت طائفة معنى قوله: (فلا شيء له) أي فلا شيء عليه ليتحد معنى اللفظين ولا يتناقضان كما قال تعالى: وإن أسأتم فلها [الإسراء: 7] [الإسراء: 7]  أي: فعليها فهذه طرق الناس في هذين الحديثين. والصواب ما ذكرناه أولا وأن سنته وهديه الصلاة على الجنازة خارج المسجد إلا لعذر وكلا الأمرين جائز والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد. والله أعلم  [فصل من هديه صلى الله عليه وسلم تسجية الميت] فصل وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - تسجية الميت إذا مات وتغميض عينيه وتغطية وجهه وبدنه. وكان ربما يقبل الميت كما ( قبل عثمان بن مظعون وبكى )  وكذلك ( الصديق أكب عليه فقبله بعد موته صلى الله عليه وسلم ) . وكان يأمر بغسل الميت ثلاثا أو خمسا أو أكثر بحسب ما يراه الغاسل(1\/483)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "449",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9015",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويأمر بالكافور في الغسلة الأخيرة وكان لا يغسل الشهداء قتلى المعركة وذكر الإمام أحمد أنه نهى عن تغسيلهم وكان ينزع عنهم الجلود والحديد ويدفنهم في ثيابهم ولم يصل عليهم. وكان إذا مات المحرم أمر أن يغسل بماء وسدر ويكفن في ثوبيه وهما ثوبا حرامه: إزاره ورداؤه وينهى عن تطييبه وتغطية رأسه وكان يأمر من ولي(1\/484)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "450",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9016",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الميت أن يحسن كفنه ويكفنه في البياض وينهى عن المغالاة في الكفن وكان إذا قصر الكفن عن ستر جميع البدن غطى رأسه وجعل على رجليه من العشب.  [فصل أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي على المدين] فصل وكان إذا قدم إليه ميت يصلي عليه سأل: هل عليه دين أم لا فإن لم يكن عليه دين صلى عليه وإن كان عليه دين لم يصل عليه وأذن لأصحابه أن يصلوا عليه فإن صلاته شفاعة وشفاعته موجبة والعبد مرتهن بدينه ولا يدخل الجنة حتى يقضى عنه فلما فتح الله عليه كان يصلي على المدين ويتحمل دينه ويدع ماله لورثته. فإذا أخذ في الصلاة عليه كبر وحمد الله وأثنى عليه. وصلى ابن عباس على جنازة فقرأ بعد التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب جهرا وقال: (لتعلموا أنها سنة)  وكذلك قال أبو أمامة بن سهل: (إن قراءة الفاتحة في الأولى سنة) .(1\/485)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "451",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9017",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويذكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر أن يقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب. ولا يصح إسناده. قال شيخنا: لا تجب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة بل هي سنة. وذكر أبو أمامة بن سهل عن جماعة من الصحابة الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة على الجنازة. وروى يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أنه سأل عبادة بن الصامت عن الصلاة على الجنازة فقال: (أنا والله أخبرك: تبدأ فتكبر ثم تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وتقول اللهم إن عبدك فلانا كان لا يشرك بك وأنت أعلم به إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عنه اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده) .  [فصل في الدعاء للميت في الصلاة عليه] فصل ومقصود الصلاة على الجنازة: هو الدعاء للميت لذلك حفظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ونقل عنه ما لم ينقل من قراءة الفاتحة والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم. فحفظ من دعائه ( اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب(1\/486)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "452",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9018",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النار ) . وحفظ من دعائه: ( اللهم اغفر لحينا وميتنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا وشاهدنا وغائبنا اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده ) . وحفظ من دعائه: ( اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك وحبل جوارك فقه من فتنة القبر ومن عذاب النار فأنت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم ) . وحفظ من دعائه أيضا: ( اللهم أنت ربها وأنت خلقتها وأنت رزقتها وأنت هديتها للإسلام وأنت قبضت روحها وتعلم سرها وعلانيتها جئنا شفعاء فاغفر لها ) .(1\/487)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "453",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9019",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان - صلى الله عليه وسلم - يأمر بإخلاص الدعاء للميت وكان يكبر أربع تكبيرات. وصح عنه أنه كبر خمسا وكان الصحابة بعده يكبرون أربعا وخمسا وستا فكبر زيد بن أرقم خمسا وذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبرها ذكره مسلم. (وكبر علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - على سهل بن حنيف ستا وكان(1\/488)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "454",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9020",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكبر على أهل بدر ستا وعلى غيرهم من الصحابة خمسا وعلى سائر الناس أربعا) ذكره الدارقطني. وذكر سعيد بن منصور عن الحكم بن عتيبة أنه قال: كانوا يكبرون على أهل بدر خمسا وستا وسبعا. وهذه آثار صحيحة فلا موجب للمنع منها والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يمنع مما زاد على الأربع بل فعله هو وأصحابه من بعده. والذين منعوا من الزيادة على الأربع منهم من احتج بحديث ابن عباس أن آخر جنازة صلى عليها النبي صلى الله عليه وسلم كبر أربعا. قالوا: وهذا آخر الأمرين وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعله - صلى الله عليه وسلم - هذا. وهذا الحديث قد قال الخلال في quot; العلل quot;: أخبرني حرب قال: سئل الإمام أحمد عن حديث أبي المليح عن ميمون عن ابن عباس فذكر الحديث. فقال أحمد: هذا كذب ليس له أصل إنما رواه محمد بن زياد الطحان وكان يضع الحديث. واحتجوا بأن ميمون بن مهران روى عن ابن عباس: (أن الملائكة لما صلت على آدم - عليه الصلاة والسلام - كبرت عليه أربعا وقالوا: تلك سنتكم يا بني آدم) . وهذا الحديث قد قال في الأثرم: جرى ذكر محمد بن معاوية النيسابوري الذي كان بمكة فسمعت أبا عبد الله قال: رأيت أحاديثه موضوعة فذكر منها عن أبي المليح عن ميمون بن مهران عن ابن عباس: (أن الملائكة لما صلت على آدم كبرت عليه أربعا)  واستعظمه أبو عبد الله وقال أبو المليح كان أصح حديثا وأتقى لله من أن يروي مثل هذا.(1\/489)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "455",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9021",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحتجوا بما رواه البيهقي من حديث يحيى عن أبي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( أن الملائكة لما صلت على آدم فكبرت عليه أربعا وقالت هذه سنتكم يا بني آدم )  وهذا لا يصح. وقد روي مرفوعا وموقوفا. وكان أصحاب معاذ يكبرون خمسا. قال علقمة: قلت لعبد الله: إن ناسا من أصحاب معاذ قدموا من الشام فكبروا على ميت لهم خمسا فقال عبد الله: ليس على الميت في التكبير وقت كبر ما كبر الإمام فإذا انصرف الإمام فانصرف.  [فصل في التسليم من صلاة الجنازة] فصل وأما هديه - صلى الله عليه وسلم - في التسليم من صلاة الجنازة فروي عنه: أنه كان يسلم واحدة. وروي عنه: أنه كان يسلم تسليمتين. فروى البيهقي وغيره من حديث المقبري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ( صلى على جنازة فكبر أربعا وسلم تسليمة واحدة ) . لكن قال الإمام أحمد في رواية الأثرم: هذا الحديث عندي موضوع ذكره الخلال في quot; العلل quot;.(1\/490)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "456",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9022",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال إبراهيم الهجري: حدثنا عبد الله بن أبي أوفى: أنه صلى على جنازة ابنته فكبر أربعا فمكث ساعة حتى ظننا أنه يكبر خمسا ثم سلم عن يمينه وعن شماله فلما انصرف قلنا له ما هذا فقال: (إني لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع أو هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم)  . قال ابن مسعود: ( ثلاث خلال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعلهن تركهن الناس إحداهن: التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة ) ذكرهما البيهقي. ولكن إبراهيم بن مسلم العبدي الهجري ضعفه يحيى بن معين والنسائي وأبو حاتم وحديثه هذا قد رواه الشافعي في كتاب حرملة عن سفيان عنه وقال: كبر عليها أربعا ثم قام ساعة فسبح به القوم فسلم ثم قال: كنتم ترون أن أزيد على أربع وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كبر أربعا ولم يقل: ثم سلم عن يمينه وشماله. ورواه ابن ماجه من حديث المحاربي عنه كذلك ولم يقل ثم سلم عن يمينه وشماله. وذكر السلام عن يمينه وعن شماله انفرد بها شريك عنه. قال البيهقي: ثم عزاه للنبي - صلى الله عليه وسلم - في التكبير فقط أو في التكبير وغيره. قلت: والمعروف عن ابن أبي أوفى خلاف ذلك أنه كان يسلم واحدة ذكره الإمام أحمد عنه. قال أحمد بن القاسم قيل لأبي عبد الله أتعرف عن أحد(1\/491)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "457",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9023",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من الصحابة أنه كان يسلم على الجنازة تسليمتين قال: لا ولكن عن ستة من الصحابة أنهم كانوا يسلمون تسليمة واحدة خفيفة عن يمينه فذكر ابن عمر وابن عباس وأبا هريرة وواثلة بن الأسقع وابن أبي أوفى وزيد بن ثابت. وزاد البيهقي: علي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وأبا أمامة بن سهل بن حنيف فهؤلاء عشرة من الصحابة. وأبو أمامة أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - وسماه باسم جده لأمه أبي أمامة: أسعد بن زرارة وهو معدود في الصحابة ومن كبار التابعين. وأما رفع اليدين فقال الشافعي: ترفع للأثر والقياس على السنة في الصلاة فإن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يرفع يديه في كل تكبيرة كبرها في الصلاة وهو قائم ) . قلت: يريد بالأثر ما رواه عن ابن عمر وأنس بن مالك أنهما كانا يرفعان أيديهما كلما كبرا على الجنازة ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه ( كان يرفع يديه في أول التكبير ويضع اليمنى على اليسرى )  ذكره البيهقي في السنن. وفي الترمذي من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( وضع يده اليمنى على يده اليسرى في صلاة الجنازة )  وهو ضعيف بيزيد بن سنان الرهاوي.(1\/492)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "458",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9024",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل من من هديه صلى الله عليه وسلم الصلاة على القبر] فصل وكان من هديه صلى الله عليه وسلم ( إذا فاتته الصلاة على الجنازة صلى على القبر )  فصلى مرة على قبر بعد ليلة ومرة بعد ثلاث ومرة بعد شهر ولم يوقت في ذلك وقتا. قال أحمد رحمه الله: من يشك في الصلاة على القبر ! ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا فاتته الجنازة صلى على القبر من ستة أوجه كلها حسان فحد الإمام أحمد الصلاة على القبر بشهر إذ هو أكثر ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى بعده وحده الشافعي رحمه الله بما إذا لم يبل الميت ومنع منها مالك وأبو حنيفة رحمهما الله إلا للولي إذا كان غائبا. وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقوم عند رأس الرجل ووسط المرأة.  [فصل من هديه صلى الله عليه وسلم الصلاة على الطفل] فصل وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - الصلاة على الطفل فصح عنه أنه قال: ( الطفل يصلى(1\/493)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "459",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9025",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه ) . وفي quot; سنن ابن ماجه quot; مرفوعا: ( صلوا على أطفالكم فإنهم من أفراطكم ) . قال أحمد بن أبي عبدة: سألت أحمد: متى يجب أن يصلى على السقط قال إذا أتى عليه أربعة أشهر لأنه ينفخ فيه الروح. قلت: فحديث المغيرة بن شعبة: ( الطفل يصلى عليه )  قال: صحيح مرفوع قلت: ليس في هذا بيان الأربعة الأشهر ولا غيرها قال: قد قاله سعيد بن المسيب. فإن قيل: فهل صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - على ابنه إبراهيم يوم مات قيل: قد اختلف في ذلك فروى أبو داود في quot; سننه quot; عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( مات إبراهيم بن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن ثمانية عشر شهرا فلم يصل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثني أبي عن ابن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة. . . فذكره.(1\/494)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "460",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9026",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أحمد في رواية حنبل: هذا حديث منكر جدا ووهى ابن إسحاق. وقال الخلال: وقرئ على عبد الله: حدثني أبي حدثنا أسود بن عامر حدثنا إسرائيل قال: حدثنا جابر الجعفي عن عامر عن البراء بن عازب قال: ( صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ابنه إبراهيم ومات وهو ابن ستة عشر شهرا ) . وذكر أبو داود عن البهي قال: ( لما مات إبراهيم بن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المقاعد ) . وهو مرسل والبهي اسمه عبد الله بن يسار كوفي. وذكر عن عطاء بن أبي رباح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على ابنه إبراهيم وهو ابن سبعين ليلة . وهذا مرسل وهم فيه عطاء فإنه قد كان تجاوز السنة. فاختلف الناس في هذه الآثار فمنهم من أثبت الصلاة عليه ومنع صحة حديث عائشة كما قال الإمام أحمد وغيره: قالوا: وهذه المراسيل مع حديث البراء يشد بعضها بعضا ومنهم من ضعف حديث البراء بجابر الجعفي وضعف هذه المراسيل وقال: حديث ابن إسحاق أصح منها. ثم اختلف هؤلاء في السبب الذي لأجله لم يصل عليه فقالت طائفة: استغنى ببنوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قربة الصلاة التي هي شفاعة له كما استغنى الشهيد بشهادته عن الصلاة عليه. وقالت طائفة أخرى: إنه مات يوم كسفت الشمس فاشتغل بصلاة الكسوف عن الصلاة عليه.(1\/495)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "461",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9027",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالت طائفة: لا تعارض بين هذه الآثار فإنه أمر بالصلاة عليه فقيل: صلي عليه ولم يباشرها بنفسه لاشتغاله بصلاة الكسوف وقيل: لم يصل عليه. وقالت فرقة: رواية المثبت أولى لأن معه زيادة علم وإذا تعارض النفي والإثبات قدم الإثبات.  [فصل في الصلاة على المنتحر والغال والمقتول حدا] فصل وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يصلي على من قتل نفسه ولا على من غل من الغنيمة. واختلف عنه في الصلاة على المقتول حدا كالزاني المرجوم فصح عنه ( أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى على الجهنية التي رجمها فقال عمر تصلي عليها يا رسول الله وقد(1\/496)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "462",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9028",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "زنت فقال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى ) ذكره مسلم. وذكر البخاري في quot; صحيحه quot; قصة ماعز بن مالك وقال: فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - خيرا وصلى عليه وقد اختلف على الزهري في ذكر الصلاة عليه فأثبتها محمود بن غيلان عن عبد الرزاق عنه وخالفه ثمانية من أصحاب عبد الرزاق فلم يذكروها وهم إسحاق بن راهويه ومحمد بن يحيى الذهلي ونوح بن حبيب والحسن بن علي ومحمد بن المتوكل وحميد بن زنجويه وأحمد بن منصور الرمادي. قال البيهقي: وقول محمود بن غيلان: إنه صلى عليه خطأ لإجماع أصحاب عبد الرزاق على خلافه ثم إجماع أصحاب الزهري على خلافه. وقد اختلف في قصة ماعز بن مالك فقال أبو سعيد الخدري: ما استغفر له ولا سبه وقال بريدة بن الحصيب: إنه قال: ( استغفروا لماعز بن مالك )  فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك. ذكرهما مسلم. وقال جابر: فصلى عليه ذكره البخاري وهو حديث عبد الرزاق المعلل وقال أبو برزة الأسلمي: لم يصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينه عن الصلاة عليه ذكره أبو داود.(1\/497)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "463",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9029",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت: حديث الغامدية لم يختلف فيه أنه (صلى عليها) . وحديث ماعز إما أن يقال لا تعارض بين ألفاظه فإن الصلاة فيه هي دعاؤه له بأن يغفر الله له وترك الصلاة فيه هي تركه الصلاة على جنازته تأديبا وتحذيرا وإما أن يقال إذا تعارضت ألفاظه عدل عنه إلى حديث الغامدية.  [فصل في أبحاث المشي أمام الجنازة والإسراع بها] فصل وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى على ميت تبعه إلى المقابر ماشيا أمامه. وهذه كانت سنة خلفائه الراشدين من بعده وسن لمن تبعها إن كان راكبا أن يكون وراءها وإن كان ماشيا أن يكون قريبا منها إما خلفها أو أمامها أو عن يمينها أو عن شمالها. وكان يأمر بالإسراع بها حتى إن كانوا ليرملون بها رملا وأما دبيب الناس اليوم خطوة خطوة فبدعة مكروهة مخالفة للسنة ومتضمنة للتشبه بأهل الكتاب اليهود. وكان أبو بكرة يرفع السوط على من يفعل ذلك ويقول: ( لقد رأيتنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نرمل رملا ) . قال ابن مسعود - رضي الله عنه - سألنا نبينا - صلى الله عليه وسلم - عن المشي مع الجنازة فقال: (ما دون الخبب)  رواه أهل السنن وكان يمشي إذا تبع الجنازة ويقول:(1\/498)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "464",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9030",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(لم أكن لأركب والملائكة يمشون) . فإذا انصرف عنها فربما مشى وربما ركب . وكان إذا تبعها لم يجلس حتى توضع وقال: ( إذا تبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع ) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: والمراد وضعها بالأرض. قلت: قال أبو داود: روى هذا الحديث الثوري عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة. قال: وفيه quot; حتى توضع بالأرض quot; ورواه أبو معاوية عن سهيل وقال: quot; حتى توضع في اللحد quot;. قال: وسفيان أحفظ من أبي معاوية وقد روى أبو داود والترمذي عن عبادة بن الصامت قال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد)  . لكن في إسناده بشر بن رافع قال الترمذي: ليس بالقوي في الحديث وقال البخاري: لا يتابع على حديثه وقال أحمد: ضعيف وقال ابن معين: حدث بمناكير وقال النسائي: ليس بالقوي وقال ابن حبان: يروي أشياء موضوعة كأنه المتعمد لها.(1\/499)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "465",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9031",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في الصلاة على الغائب] فصل ولم يكن من هديه وسنته - صلى الله عليه وسلم - الصلاة على كل ميت غائب. فقد مات خلق كثير من المسلمين وهم غيب فلم يصل عليهم وصح عنه: ( أنه صلى على النجاشي صلاته على الميت )  فاختلف الناس في ذلك على ثلاثة طرق أحدها: أن هذا تشريع منه وسنة للأمة الصلاة على كل غائب وهذا قول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه وقال أبو حنيفة ومالك: هذا خاص به وليس ذلك لغيره قال أصحابهما: ومن الجائز أن يكون رفع له سريره فصلى عليه وهو يرى صلاته على الحاضر المشاهد وإن كان على مسافة من البعد والصحابة وإن لم يروه فهم تابعون للنبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة. قالوا: ويدل على هذا أنه لم ينقل عنه أنه كان يصلي على كل الغائبين غيره وتركه سنة كما أن فعله سنة ولا سبيل لأحد بعده إلى أن يعاين سرير الميت من المسافة البعيدة ويرفع له حتى يصلي عليه فعلم أن ذلك مخصوص به. وقد روي عنه أنه صلى(1\/500)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "466",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9032",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على معاوية بن معاوية الليثي وهو غائب ولكن لا يصح فإن في إسناده العلاء بن زيد ويقال ابن زيدل قال علي بن المديني: كان يضع الحديث ورواه محبوب بن هلال عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس. قال البخاري: لا يتابع عليه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الصواب أن الغائب إن مات ببلد لم يصل عليه فيه صلي عليه صلاة الغائب كما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي لأنه مات بين الكفار ولم يصل عليه وإن صلي عليه حيث مات لم يصل عليه صلاة الغائب لأن الفرض قد سقط بصلاة المسلمين عليه والنبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على الغائب وتركه وفعله وتركه سنة وهذا له موضع وهذا له موضع والله أعلم والأقوال ثلاثة في مذهب أحمد وأصحها: هذا التفصيل والمشهور عند أصحابه: الصلاة عليه مطلقا.(1\/501)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "467",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9033",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في القيام للجنازة] فصل وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قام للجنازة لما مرت به وأمر بالقيام لها وصح عنه أنه قعد فاختلف في ذلك فقيل: القيام منسوخ والقعود آخر الأمرين وقيل: بل الأمران جائزان وفعله بيان للاستحباب وتركه بيان للجواز وهذا أولى من ادعاء النسخ.  [فصل في حكم الدفن وسنية اللحد] فصل وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - ألا يدفن الميت عند طلوع الشمس ولا عند غروبها ولا حين يقوم قائم الظهيرة. وكان من هديه اللحد وتعميق القبر وتوسيعه من(1\/502)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "468",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9034",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عند رأس الميت ورجليه ويذكر عنه أنه كان إذا وضع الميت في القبر قال: ( بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ) . وفي رواية: ( بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله ) . ويذكر عنه أيضا أنه كان يحثو التراب على قبر الميت إذا دفن من قبل رأسه ثلاثا. وكان إذا فرغ من دفن الميت قام على قبره هو وأصحابه وسأل له التثبيت وأمرهم أن يسألوا له التثبيت. ولم يكن يجلس يقرأ عند القبر ولا يلقن الميت كما يفعله الناس اليوم وأما الحديث الذي رواه الطبراني في quot; معجمه quot; من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل: يا فلان فإنه يسمعه ولا يجيب ثم يقول: يا فلان بن فلانة فإنه يستوي قاعدا ثم يقول: يا فلان بن فلانة فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله(1\/503)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "469",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9035",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولكن لا تشعرون ثم يقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما فإن منكرا ونكيرا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا ما نقعد عند من لقن حجته فيكون الله حجيجه دونهما. فقال رجل: يا رسول الله! فإن لم يعرف أمه قال: فينسبه إلى حواء: يا فلان بن حواء ) . فهذا حديث لا يصح رفعه ولكن قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: فهذا الذي يصنعونه إذا دفن الميت يقف الرجل ويقول: يا فلان بن فلانة اذكر ما فارقت عليه الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله. فقال ما رأيت أحدا فعل هذا إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة جاء إنسان فقال ذلك وكان أبو المغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن أشياخهم أنهم كانوا يفعلونه وكان ابن عياش يروي فيه. قلت: يريد حديث إسماعيل بن عياش هذا الذي رواه الطبراني عن أبي أمامة. وقد ذكر سعيد بن منصور في quot; سننه quot; عن راشد بن سعد وضمرة بن حبيب وحكيم بن عمير قالوا: إذا سوي على الميت قبره وانصرف الناس عنه فكانوا يستحبون أن يقال للميت عند قبره: يا فلان! قل: لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله ثلاث مرات يا فلان! قل: ربي الله وديني الإسلام نبيي محمد ثم ينصرف.  [فصل في تعلية القبور] فصل ولم يكن من هديه - صلى الله عليه وسلم - تعلية القبور ولا بناؤها بآجر ولا بحجر ولبن ولا(1\/504)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "470",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9036",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تشييدها ولا تطيينها ولا بناء القباب عليها فكل هذا بدعة مكروهة مخالفة لهديه صلى الله عليه وسلم. وقد بعث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - إلى اليمن ألا يدع تمثالا إلا طمسه ولا قبرا مشرفا إلا سواه  فسنته - صلى الله عليه وسلم - تسوية هذه القبور المشرفة كلها ( ونهى أن يجصص القبر وأن يبنى عليه وأن يكتب عليه ) . وكانت قبور أصحابه لا مشرفة ولا لاطئة وهكذا كان قبره الكريم وقبر صاحبيه فقبره - صلى الله عليه وسلم - مسنم مبطوح ببطحاء العرصة الحمراء لا مبني ولا مطين وهكذا كان قبر صاحبيه.(1\/505)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "471",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9037",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان يعلم قبر من يريد تعرف قبره بصخرة.  [فصل لا تتخذ القبور مساجد] فصل ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن اتخاذ القبور مساجد وإيقاد السرج عليها واشتد نهيه في ذلك حتى لعن فاعله. ونهى عن الصلاة إلى القبور ونهى أمته أن يتخذوا قبره عيدا ولعن زورات القبور.(1\/506)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "472",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9038",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان هديه أن لا تهان القبور وتوطأ وألا يجلس عليها ويتكأ عليها ولا تعظم بحيث تتخذ مساجد فيصلى عندها وإليها وتتخذ أعيادا وأوثانا.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور] فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في زيارة القبور كان إذا زار قبور أصحابه يزورها للدعاء لهم والترحم عليهم والاستغفار لهم وهذه هي الزيارة التي سنها لأمته وشرعها لهم وأمرهم أن يقولوا إذا زاروها: ( السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية ) . وكان هديه أن يقول ويفعل عند زيارتها من جنس ما يقوله عند الصلاة على الميت من الدعاء والترحم والاستغفار. فأبى المشركون إلا دعاء الميت والإشراك به والإقسام على الله به وسؤاله الحوائج والاستعانة به والتوجه إليه بعكس هديه - صلى الله عليه وسلم - فإنه هدي توحيد وإحسان إلى الميت وهدي هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم وإلى الميت وهم ثلاثة أقسام: إما أن يدعوا الميت أو يدعوا به أو عنده ويرون الدعاء عنده أوجب وأولى من الدعاء في المساجد(1\/507)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "473",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9039",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن تأمل هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه تبين له الفرق بين الأمرين وبالله التوفيق.  [فصل في حكم التعزية وعدم الاجتماع لها] فصل وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - تعزية أهل الميت ولم يكن من هديه أن يجتمع للعزاء ويقرأ له القرآن لا عند قبره ولا غيره وكل هذا بدعة حادثة مكروهة. وكان من هديه: السكون والرضى بقضاء الله والحمد لله والاسترجاع ويبرأ ممن خرق لأجل المصيبة ثيابه أو رفع صوته بالندب والنياحة أو حلق لها شعره.(1\/508)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "474",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9040",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - أن أهل الميت لا يتكلفون الطعام للناس بل أمر أن يصنع الناس لهم طعاما يرسلونه إليهم وهذا من أعظم مكارم الأخلاق والشيم والحمل عن أهل الميت فإنهم في شغل بمصابهم عن إطعام الناس. وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - ترك نعي الميت بل كان ينهى عنه ويقول: (هو من عمل الجاهلية)   وقد كره حذيفة أن يعلم به أهله الناس إذا مات وقال: (أخاف أن يكون من النعي) .(1\/509)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "475",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9041",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في صلاة الخوف] فصل وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الخوف أن أباح الله سبحانه وتعالى قصر أركان الصلاة وعددها إذا اجتمع الخوف والسفر وقصر العدد وحده إذا كان سفر لا خوف معه وقصر الأركان وحدها إذا كان خوف لا سفر معه وهذا كان من هديه صلى الله عليه وسلم وبه تعلم الحكمة في تقييد القصر في الآية بالضرب في الأرض والخوف. وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الخوف إذا كان العدو بينه وبين القبلة أن يصف المسلمين كلهم خلفه ويكبر ويكبرون جميعا ثم يركع فيركعون جميعا ثم يرفع ويرفعون جميعا معه ثم ينحدر بالسجود والصف الذي يليه خاصة ويقوم الصف المؤخر مواجه العدو فإذا فرغ من الركعة الأولى ونهض إلى الثانية سجد الصف المؤخر بعد قيامه سجدتين ثم قاموا فتقدموا إلى مكان الصف الأول وتأخر الصف الأول مكانهم لتحصل فضيلة الصف الأول للطائفتين وليدرك الصف الثاني مع النبي - صلى الله عليه وسلم - السجدتين في الركعة الثانية كما أدرك الأول معه السجدتين في الأولى فتستوي الطائفتان فيما أدركوا معه وفيما قضوا لأنفسهم وذلك غاية العدل فإذا ركع صنع الطائفتان كما صنعوا أول مرة فإذا جلس للتشهد سجد الصف المؤخر سجدتين ولحقوه في التشهد فيسلم بهم جميعا.(1\/510)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "476",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9042",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن كان العدو في غير جهة القبلة فإنه كان تارة يجعلهم فرقتين: فرقة بإزاء العدو وفرقة تصلي معه فتصلي معه إحدى الفرقتين ركعة ثم تنصرف في صلاتها إلى مكان الفرقة الأخرى وتجيء الأخرى إلى مكان هذه فتصلي معه الركعة الثانية ثم تسلم وتقضي كل طائفة ركعة ركعة بعد سلام الإمام. وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعة ثم يقوم إلى الثانية وتقضي هي ركعة وهو واقف وتسلم قبل ركوعه وتأتي الطائفة الأخرى فتصلي معه الركعة الثانية فإذا جلس في التشهد قامت فقضت ركعة وهو ينتظرها في التشهد فإذا تشهدت يسلم بهم. وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعتين فتسلم قبله وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم الركعتين الأخيرتين ويسلم بهم فتكون له أربعا ولهم ركعتين ركعتين.(1\/511)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "477",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9043",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعتين ويسلم بهم وتأتي الأخرى فيصلي بهم ركعتين ويسلم فيكون قد صلى بهم بكل طائفة صلاة. وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعة فتذهب ولا تقضي شيئا وتجيء الأخرى فيصلي بهم ركعة ولا تقضي شيئا فيكون له ركعتان ولهم ركعة ركعة وهذه الأوجه كلها تجوز الصلاة بها. قال الإمام أحمد: كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز. وقال: ستة أوجه أو سبعة تروى فيها كلها جائزة وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: تقول بالأحاديث كلها كل حديث في موضعه أو تختار واحدا منها قال: أنا أقول: من ذهب إليها كلها فحسن. وظاهر هذا أنه جوز أن تصلي كل طائفة معه ركعة ركعة ولا تقضي شيئا وهذا مذهب ابن عباس(1\/512)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "478",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9044",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجابر بن عبد الله وطاووس ومجاهد والحسن وقتادة والحكم وإسحاق بن راهويه. قال صاحب quot; المغني quot;: وعموم كلام أحمد يقتضي جواز ذلك وأصحابنا ينكرونه. وقد روى عنه - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الخوف صفات أخر ترجع كلها إلى هذه وهذه أصولها وربما اختلف بعض ألفاظها وقد ذكرها بعضهم عشر صفات وذكرها أبو محمد بن حزم نحو خمس عشرة صفة والصحيح: ما ذكرناه أولا وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجوها من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من اختلاف الرواة. والله أعلم.(1\/513)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "479",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9045",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الصدقة والزكاة] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الصدقة والزكاة هديه في الزكاة أكمل هدي في وقتها وقدرها ونصابها ومن تجب عليه ومصرفها. وقد راعى فيها مصلحة أرباب الأموال ومصلحة المساكين وجعلها الله سبحانه وتعالى طهرة للمال ولصاحبه وقيد النعمة بها على الأغنياء فما زالت النعمة بالمال على من أدى زكاته بل يحفظه عليه وينميه له ويدفع عنه بها الآفات ويجعلها سورا عليه وحصنا له وحارسا له. ثم إنه جعلها في أربعة أصناف من المال وهي أكثر الأموال دورانا بين الخلق وحاجتهم إليها ضرورية. أحدها: الزرع والثمار. الثاني: بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم. الثالث: الجوهران اللذان بهما قوام العالم وهما الذهب والفضة. الرابع: أموال التجارة على اختلاف أنواعها. ثم إنه أوجبها مرة كل عام وجعل حول الزروع والثمار عند كمالها واستوائها وهذا أعدل ما يكون إذ وجوبها كل شهر أو كل جمعة يضر بأرباب الأموال ووجوبها في العمر مرة مما يضر بالمساكين فلم يكن أعدل من وجوبها كل عام مرة. ثم إنه فاوت بين مقادير الواجب بحسب سعي أرباب الأموال في تحصيلها(2\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "480",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9046",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسهولة ذلك ومشقته فأوجب الخمس فيما صادفه الإنسان مجموعا محصلا من الأموال وهو الركاز. ولم يعتبر له حولا بل أوجب فيه الخمس متى ظفر به. وأوجب نصفه وهو العشر فيما كانت مشقة تحصيله وتعبه وكلفته فوق ذلك وذلك في الثمار والزروع التي يباشر حرث أرضها وسقيها وبذرها ويتولى الله سقيها من عنده بلا كلفة من العبد ولا شراء ماء ولا إثارة بئر ودولاب. وأوجب نصف العشر فيما تولى العبد سقيه بالكلفة والدوالي والنواضح وغيرها. وأوجب نصف ذلك وهو ربع العشر فيما كان النماء فيه موقوفا على عمل متصل من رب المال بالضرب في الأرض تارة وبالإدارة تارة وبالتربص تارة ولا ريب أن كلفة هذا أعظم من كلفة الزرع والثمار وأيضا فإن نمو الزرع والثمار أظهر وأكثر من نمو التجارة فكان واجبها أكثر من واجب التجارة وظهور النمو فيما يسقى بالسماء والأنهار أكثر مما يسقى بالدوالي والنواضح وظهوره فيما وجد محصلا مجموعا كالكنز أكثر وأظهر من الجميع.(2\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "481",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9047",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم إنه لما كان لا يحتمل المواساة كل مال وإن قل جعل للمال الذي تحتمله المواساة نصبا مقدرة المواساة فيها لا تجحف بأرباب الأموال وتقع موقعها من المساكين فجعل للورق مائتي درهم وللذهب عشرين مثقالا وللحبوب والثمار خمسة أوسق وهي خمسة أحمال من أحمال إبل العرب وللغنم أربعين شاة وللبقر ثلاثين بقرة وللإبل خمسا لكن لما كان نصابها لا يحتمل المواساة من جنسها أوجب فيها شاة. فإذا تكررت الخمس خمس مرات وصارت خمسا وعشرين احتمل نصابها واحدا منها فكان هو الواجب. ثم إنه لما قدر سن هذا الواجب في الزيادة والنقصان بحسب كثرة الإبل وقلتها من ابن مخاض وبنت مخاض وفوقه ابن لبون وبنت لبون وفوقه الحق والحقة وفوقه الجذع والجذعة وكلما كثرت الإبل زاد السن إلى أن(2\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "482",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9048",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يصل السن إلى منتهاه فحينئذ جعل زيادة عدد الواجب في مقابلة زيادة عدد المال. فاقتضت حكمته أن جعل في الأموال قدرا يحتمل المواساة ولا يجحف بها ويكفي المساكين ولا يحتاجون معه إلى شيء ففرض في أموال الأغنياء ما يكفي الفقراء فوقع الظلم من الطائفتين الغني يمنع ما وجب عليه والآخذ يأخذ ما لا يستحقه فتولد من بين الطائفتين ضرر عظيم على المساكين وفاقة شديدة أوجبت لهم أنواع الحيل والإلحاف في المسألة والرب سبحانه تولى قسم الصدقة بنفسه وجزأها ثمانية أجزاء يجمعها صنفان من الناس. أحدهما: من يأخذ لحاجة فيأخذ بحسب شدة الحاجة وضعفها وكثرتها وقلتها وهم الفقراء والمساكين وفي الرقاب وابن السبيل. والثاني: من يأخذ لمنفعته وهم العاملون عليها والمؤلفة قلوبهم والغارمون لإصلاح ذات البين والغزاة في سبيل الله فإن لم يكن الآخذ محتاجا ولا فيه منفعة للمسلمين فلا سهم له في الزكاة.  [فصل إعطاؤه من هو أهل للزكاة] فصل. وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إذا علم من الرجل أنه من أهل الزكاة أعطاه وإن سأله أحد من أهل الزكاة ولم يعرف حاله أعطاه بعد أن يخبره أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب.(2\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "483",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9049",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان يأخذها من أهلها ويضعها في حقها. وكان من هديه تفريق الزكاة على المستحقين الذين في بلد المال وما فضل عنهم منها حملت إليه ففرقها هو صلى الله عليه وسلم ولذلك كان يبعث سعاته إلى البوادي ولم يكن يبعثهم إلى القرى بل أمر معاذ بن جبل أن يأخذ الصدقة من أغنياء أهل اليمن ويعطيها فقراءهم ولم يأمره بحملها إليه. ولم يكن من هديه أن يبعث سعاته إلا إلى أهل الأموال الظاهرة من المواشي والزروع والثمار وكان يبعث الخارص فيخرص على أرباب النخيل تمر نخيلهم وينظر كم يجيء منه وسقا فيحسب عليهم من الزكاة بقدره وكان يأمر(2\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "484",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9050",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخارص أن يدع لهم الثلث أو الربع فلا يخرصه عليهم لما يعرو النخيل من النوائب وكان هذا الخرص لكي تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتصرم وليتصرف فيها أربابها بما شاءوا ويضمنوا قدر الزكاة ولذلك كان يبعث الخارص إلى من ساقاه من أهل خيبر وزارعه فيخرص عليهم الثمار والزروع ويضمنهم شطرها وكان يبعث إليهم عبد الله بن رواحة فأرادوا أن يرشوه فقال عبد الله: ( تطعموني السحت والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي ولأنتم(2\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "485",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9051",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبغض إلي من عدتكم من القردة والخنازير ولا يحملني بغضي لكم وحبي إياه أن لا أعدل عليكم فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض ) . ولم يكن من هديه أخذ الزكاة من الخيل والرقيق ولا البغال ولا الحمير ولا الخضراوات ولا المباطخ والمقاثي والفواكه التي لا تكال ولا تدخر إلا العنب والرطب فإنه كان يأخذ الزكاة منه جملة ولم يفرق بين ما يبس منه وما لم ييبس.  [فصل زكاة العسل] فصل. واختلف عنه صلى الله عليه وسلم في العسل فروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ( جاء هلال أحد بني متعان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشور نحل له وكان سأله أن يحمي واديا يقال له سلبة فحمى له رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الوادي فلما ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إليه سفيان بن وهب يسأله عن ذلك فكتب عمر: إن أدى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من عشور نحله فاحم له سلبة وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من يشاء ) . وفي رواية في هذا الحديث ( من كل عشر قرب قربة ) . وروى ابن ماجه في quot; سننه quot; من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه ( أخذ من العسل العشر ) .(2\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "486",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9052",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; مسند الإمام أحمد quot; عن أبي سيارة المتعي ( قال: قلت: يا رسول الله إن لي نحلا. قال: أد العشر quot; قلت: يا رسول الله احمها لي فحماها لي ) . وروى عبد الرزاق عن عبد الله بن محرر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: ( كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن أن يؤخذ من العسل العشر ) . قال الشافعي: أخبرنا أنس بن عياض عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن أبيه ( عن سعد بن أبي ذباب قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت ثم قلت: يا رسول الله اجعل لقومي من أموالهم ما أسلموا عليه ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم واستعملني عليهم ثم استعملني أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما قال: وكان سعد من أهل السراة قال: فكلمت قومي في العسل فقلت لهم: فيه زكاة فإنه لا خير في ثمرة لا تزكى. فقالوا: كم ترى قلت: العشر. فأخذت منهم العشر فلقيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأخبرته بما كان. قال: فقبضه عمر ثم جعل ثمنه في صدقات المسلمين ) . ورواه الإمام أحمد ولفظه للشافعي.(2\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "487",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9053",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واختلف أهل العلم في هذه الأحاديث وحكمها فقال البخاري: ليس في زكاة العسل شيء يصح وقال الترمذي: لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كثير شيء. وقال ابن المنذر: ليس في وجوب صدقة العسل حديث يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إجماع فلا زكاة فيه وقال الشافعي: الحديث في أن في العسل العشر ضعيف وفي أنه لا يؤخذ منه العشر ضعيف إلا عن عمر بن عبد العزيز. قال هؤلاء: وأحاديث الوجوب كلها معلولة أما حديث ابن عمر فهو من رواية صدقة بن عبد الله بن موسى بن يسار عن نافع عنه وصدقة ضعفه الإمام أحمد ويحيى بن معين وغيرهما وقال البخاري: هو عن نافع عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل وقال النسائي: صدقة ليس بشيء وهذا حديث منكر. وأما حديث أبي سيارة المتعي فهو من رواية سليمان بن موسى عنه قال البخاري: سليمان بن موسى لم يدرك أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما حديث عمرو بن شعيب الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم ( أخذ من العسل العشر ) ففيه أسامة بن زيد بن أسلم يرويه عن عمرو وهو ضعيف عندهم قال ابن معين: بنو زيد ثلاثتهم ليسوا بشيء وقال الترمذي: ليس في ولد زيد بن أسلم ثقة. وأما حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة: فما أظهر دلالته لو سلم من عبد الله بن محرر راويه عن الزهري قال البخاري في حديثه هذا: عبد الله بن محرر متروك الحديث وليس في زكاة العسل شيء يصح. وأما حديث الشافعي رحمه الله فقال البيهقي: رواه الصلت بن محمد عن أنس بن عياض عن الحارث بن عبد الرحمن (هو ابن أبي ذباب) عن منير بن عبد الله عن أبيه عن سعد بن أبي ذباب وكذلك رواه صفوان بن عيسى عن الحارث بن أبي ذباب. قال البخاري: عبد الله والد منير عن(2\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "488",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9054",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سعد بن أبي ذباب لم يصح حديثه وقال علي بن المديني: منير هذا لا نعرفه إلا في هذا الحديث كذا قال لي. قال الشافعي: وسعد بن أبي ذباب يحكي ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمره بأخذ الصدقة من العسل وإنما هو شيء رآه فتطوع له به أهله. قال الشافعي: واختياري أن لا يؤخذ منه لأن السنن والآثار ثابتة فيما يؤخذ منه وليست ثابتة فيه فكأنه عفو. وقد روى يحيى بن آدم حدثنا حسين بن زيد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي رضي الله عنه قال: ليس في العسل زكاة. قال يحيى: وسئل حسن بن صالح عن العسل فلم ير فيه شيئا. وذكر عن معاذ أنه لم يأخذ من العسل شيئا. قال الحميدي: حدثنا سفيان حدثنا إبراهيم بن ميسرة عن طاووس عن معاذ بن جبل أنه أتي بوقص البقر والعسل فقال معاذ: كلاهما لم يأمرني فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء. وقال الشافعي: أخبرنا مالك عن عبد الله بن أبي بكر قال: جاءنا كتاب من عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى أبي وهو بمنى أن لا يأخذ من الخيل ولا من العسل صدقة. وإلى هذا ذهب مالك والشافعي. وذهب أحمد وأبو حنيفة وجماعة إلى أن في العسل زكاة ورأوا أن هذه الآثار يقوي بعضها بعضا وقد تعددت مخارجها واختلفت طرقها ومرسلها يعضد بمسندها. وقد سئل أبو حاتم الرازي عن عبد الله والد منير عن سعد بن أبي ذباب: يصح حديثه قال: نعم. قال هؤلاء: ولأنه يتولد من نور(2\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "489",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9055",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشجر والزهر ويكال ويدخر فوجبت فيه الزكاة كالحبوب والثمار. قالوا: والكلفة في أخذه دون الكلفة في الزرع والثمار ثم قال أبو حنيفة: إنما يجب فيه العشر إذا أخذ من أرض العشر فإن أخذ من أرض الخراج لم يجب فيه شيء عنده لأن أرض الخراج قد وجب على مالكها الخراج لأجل ثمارها وزرعها فلم يجب فيها حق آخر لأجلها وأرض العشر لم يجب في ذمته حق عنها فلذلك وجب الحق فيما يكون منها. وسوى الإمام أحمد بين الأرضين في ذلك وأوجبه فيما أخذ من ملكه أو موات عشرية كانت الأرض أو خراجية. ثم اختلف الموجبون له هل له نصاب أم لا على قولين. أحدهما: أنه يجب في قليله وكثيره وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله والثاني: أن له نصابا معينا ثم اختلف في قدره فقال أبو يوسف: هو عشرة أرطال. وقال محمد بن الحسن: هو خمسة أفراق والفرق ستة وثلاثون رطلا بالعراقي. وقال أحمد: نصابه عشرة أفراق ثم اختلف أصحابه في الفرق على ثلاثة أقوال. أحدها: إنه ستون رطلا. والثاني: إنه ستة وثلاثون رطلا. والثالث: ستة عشر رطلا وهو ظاهر كلام الإمام أحمد والله أعلم.  [فصل دعاؤه صلى الله عليه وسلم لجابي الزكاة] فصل. وكان صلى الله عليه وسلم إذا جاءه الرجل بالزكاة دعا له. فتارة يقول: (اللهم بارك فيه وفي إبله)  . وتارة يقول: (اللهم صل عليه) . ولم يكن من هديه أخذ كرائم(2\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "490",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9056",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأموال في الزكاة بل وسط المال ولهذا نهى معاذا عن ذلك.  [فصل في نهي المتصدق أن يشتري صدقته] فصل. وكان صلى الله عليه وسلم ينهى المتصدق أن يشتري صدقته وكان يبيح للغني أن يأكل من الصدقة إذا أهداها إليه الفقير وأكل صلى الله عليه وسلم من لحم تصدق به على بريرة وقال: ( هو عليها صدقة ولنا منها هدية ) . وكان أحيانا يستدين لمصالح المسلمين على الصدقة كما جهز جيشا فنفدت الإبل فأمر عبد الله بن عمرو أن يأخذ من قلائص الصدقة ( وكان يسم(2\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "491",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9057",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إبل الصدقة بيده وكان يسمها في آذانها ) . وكان إذا عراه أمر استسلف الصدقة من أربابها كما استسلف من العباس رضي الله عنه صدقة عامين.(2\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "492",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9058",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في زكاة الفطر] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في زكاة الفطر فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلم وعلى من يمونه من صغير وكبير ذكر وأنثى حر وعبد صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من أقط أو صاعا من زبيب. وروي عنه: أو صاعا من دقيق وروي عنه: نصف صاع من بر. والمعروف: أن عمر بن الخطاب جعل نصف صاع من بر مكان الصاع من هذه الأشياء ذكره أبو داود. وفي quot;الصحيحينquot; أن معاوية هو الذي قوم ذلك وفيه عن النبي صلى الله عليه وسلم آثار مرسلة ومسندة يقوي بعضها بعضا.(2\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "493",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9059",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فمنها: حديث عبد الله بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( صاع من بر أو قمح على كل اثنين ) رواه الإمام أحمد وأبو داود. وقال عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم ( بعث مناديا في فجاج مكة ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ذكر أو أنثى حر أو عبد صغير أو كبير مدان من قمح أو سواه صاعا من طعام ) . قال الترمذي: حديث حسن غريب. وروى الدارقطني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أمر عمرو بن حزم في زكاة الفطر بنصف صاع من حنطة ) . وفيه سليمان بن موسى وثقه بعضهم وتكلم فيه بعضهم. قال الحسن البصري: خطب ابن عباس في آخر رمضان على منبر البصرة فقال: أخرجوا صدقة صومكم فكأن الناس لم يعلموا. فقال: من هاهنا من أهل المدينة قوموا إلى إخوانكم فعلموهم فإنهم لا يعلمون فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الصدقة صاعا من تمر أو شعير أو نصف صاع من قمح على كل حر أو مملوك ذكر أو أنثى صغير أو كبير  فلما قدم علي رضي الله عنه رأى رخص(2\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "494",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9060",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السعر قال: قد أوسع الله عليكم فلو جعلتموه صاعا من كل شيء. رواه أبو داود وهذا لفظه والنسائي وعنده: فقال علي: أما إذ أوسع الله عليكم فأوسعوا اجعلوها صاعا من بر وغيره. وكان شيخنا رحمه الله يقوي هذا المذهب ويقول: هو قياس قول أحمد في الكفارات أن الواجب فيها من البر نصف الواجب من غيره.  [وقت إخراج صدقة الفطر] فصل. وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إخراج هذه الصدقة قبل صلاة العيد وفي quot; السنن quot; عنه: أنه قال: ( من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات ) . وفي quot; الصحيحين quot; عن ابن عمر قال: ( أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة ) .(2\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "495",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9061",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومقتضى هذين الحديثين أنه لا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد وأنها تفوت بالفراغ من الصلاة وهذا هو الصواب فإنه لا معارض لهذين الحديثين ولا ناسخ ولا إجماع يدفع القول بهما وكان شيخنا يقوي ذلك وينصره ونظيره ترتيب الأضحية على صلاة الإمام لا على وقتها وأن من ذبح قبل صلاة الإمام لم تكن ذبيحته أضحية بل شاة لحم. وهذا أيضا هو الصواب في المسألة الأخرى وهذا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموضعين.  [هديه صلى الله عليه وسلم تخصيص صدقة الفطر للمساكين] فصل وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تخصيص المساكين بهذه الصدقة ولم يكن يقسمها على الأصناف الثمانية قبضة قبضة ولا أمر بذلك ولا فعله أحد من أصحابه ولا من بعدهم بل أحد القولين عندنا: إنه لا يجوز إخراجها إلا على المساكين خاصة وهذا القول أرجح من القول بوجوب قسمتها على الأصناف الثمانية.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في صدقة التطوع] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في صدقة التطوع كان صلى الله عليه وسلم أعظم الناس صدقة بما ملكت يده وكان لا يستكثر شيئا أعطاه لله تعالى ولا يستقله وكان لا يسأله أحد شيئا عنده إلا أعطاه قليلا كان أو كثيرا وكان عطاؤه عطاء من لا يخاف الفقر وكان العطاء والصدقة أحب شيء إليه وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذه وكان أجود الناس بالخير يمينه كالريح المرسلة. وكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه تارة بطعامه وتارة بلباسه. وكان ينوع في أصناف عطائه وصدقته فتارة بالهبة وتارة بالصدقة وتارة بالهدية وتارة بشراء الشيء ثم يعطي البائع الثمن والسلعة جميعا كما فعل ببعير(2\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "496",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9062",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جابر. وتارة كان يقترض الشيء فيرد أكثر منه وأفضل وأكبر ويشتري الشيء فيعطي أكثر من ثمنه ويقبل الهدية ويكافئ عليها بأكثر منها أو بأضعافها تلطفا وتنوعا في ضروب الصدقة والإحسان بكل ممكن وكانت صدقته وإحسانه بما يملكه وبحاله وبقوله فيخرج ما عنده ويأمر بالصدقة ويحض عليها ويدعو إليها بحاله وقوله فإذا رآه البخيل الشحيح دعاه حاله إلى البذل والعطاء وكان من خالطه وصحبه ورأى هديه لا يملك نفسه من السماحة والندى. وكان هديه صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإحسان والصدقة والمعروف ولذلك كان صلى الله عليه وسلم أشرح الخلق صدرا وأطيبهم نفسا وأنعمهم قلبا فإن للصدقة وفعل المعروف تأثيرا عجيبا في شرح الصدر وانضاف ذلك إلى ما خصه الله به من شرح صدره بالنبوة والرسالة وخصائصها وتوابعها وشرح صدره حسا وإخراج حظ الشيطان منه.  [فصل في أسباب شرح الصدور وحصولها على الكمال له صلى الله عليه وسلم] فأعظم أسباب شرح الصدر: التوحيد وعلى حسب كماله وقوته وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه. قال الله تعالى: أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه [الزمر: 22] [الزمر 22] . وقال تعالى(2\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "497",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9063",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ": فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء [الأنعام: 125] [الأنعام 125] . فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر والشرك والضلال من أعظم أسباب ضيق الصدر وانحراجه ومنها: النور الذي يقذفه الله في قلب العبد وهو نور الإيمان فإنه يشرح الصدر ويوسعه ويفرح القلب. فإذا فقد هذا النور من قلب العبد ضاق وحرج وصار في أضيق سجن وأصعبه. وقد روى الترمذي في quot; جامعه quot; عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح. قالوا: وما علامة ذلك يا رسول الله قال: الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله ) . فيصيب العبد من انشراح صدره بحسب نصيبه من هذا النور وكذلك النور الحسي والظلمة الحسية هذه تشرح الصدر وهذه تضيقه. ومنها: العلم فإنه يشرح الصدر ويوسعه حتى يكون أوسع من الدنيا والجهل يورثه الضيق والحصر والحبس فكلما اتسع علم العبد انشرح صدره واتسع وليس هذا لكل علم بل للعلم الموروث عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو العلم النافع فأهله أشرح الناس صدرا وأوسعهم قلوبا وأحسنهم أخلاقا وأطيبهم عيشا. ومنها: الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى ومحبته بكل القلب والإقبال عليه والتنعم بعبادته فلا شيء أشرح لصدر العبد من ذلك. حتى إنه ليقول أحيانا: إن(2\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "498",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9064",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كنت في الجنة في مثل هذه الحالة فإني إذا في عيش طيب. وللمحبة تأثير عجيب في انشراح الصدر وطيب النفس ونعيم القلب لا يعرفه إلا من له حس به وكلما كانت المحبة أقوى وأشد كان الصدر أفسح وأشرح ولا يضيق إلا عند رؤية البطالين الفارغين من هذا الشأن فرؤيتهم قذى عينه ومخالطتهم حمى روحه. ومن أعظم أسباب ضيق الصدر الإعراض عن الله تعالى وتعلق القلب بغيره والغفلة عن ذكره ومحبة سواه فإن من أحب شيئا غير الله عذب به وسجن قلبه في محبة ذلك الغير فما في الأرض أشقى منه ولا أكسف بالا ولا أنكد عيشا ولا أتعب قلبا فهما محبتان محبة هي جنة الدنيا وسرور النفس ولذة القلب ونعيم الروح وغذاؤها ودواؤها بل حياتها وقرة عينها وهي محبة الله وحده بكل القلب وانجذاب قوى الميل والإرادة والمحبة كلها إليه. ومحبة هي عذاب الروح وغم النفس وسجن القلب وضيق الصدر وهي سبب الألم والنكد والعناء وهي محبة ما سواه سبحانه. ومن أسباب شرح الصدر دوام ذكره على كل حال وفي كل موطن فللذكر تأثير عجيب في انشراح الصدر ونعيم القلب وللغفلة تأثير عجيب في ضيقه وحبسه وعذابه. ومنها: الإحسان إلى الخلق ونفعهم بما يمكنه من المال والجاه والنفع بالبدن وأنواع الإحسان فإن الكريم المحسن أشرح الناس صدرا وأطيبهم نفسا وأنعمهم قلبا والبخيل الذي ليس فيه إحسان أضيق الناس صدرا وأنكدهم عيشا وأعظمهم هما وغما. وقد ( ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح مثلا للبخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد كلما هم المتصدق بصدقة اتسعت عليه وانبسطت حتى يجر ثيابه ويعفي أثره وكلما هم البخيل(2\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "499",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9065",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالصدقة لزمت كل حلقة مكانها ولم تتسع عليه ) فهذا مثل انشراح صدر المؤمن المتصدق وانفساح قلبه ومثل ضيق صدر البخيل وانحصار قلبه. ومنها الشجاعة فإن الشجاع منشرح الصدر واسع البطان متسع القلب والجبان أضيق الناس صدرا وأحصرهم قلبا لا فرحة له ولا سرور ولا لذة له ولا نعيم إلا من جنس ما للحيوان البهيمي وأما سرور الروح ولذتها ونعيمها وابتهاجها فمحرم على كل جبان كما هو محرم على كل بخيل وعلى كل معرض عن الله سبحانه غافل عن ذكره جاهل به وبأسمائه تعالى وصفاته ودينه متعلق القلب بغيره. وإن هذا النعيم والسرور يصير في القبر رياضا وجنة وذلك الضيق والحصر ينقلب في القبر عذابا وسجنا. فحال العبد في القبر كحال القلب في الصدر نعيما وعذابا وسجنا وانطلاقا ولا عبرة بانشراح صدر هذا لعارض ولا بضيق صدر هذا لعارض فإن العوارض تزول بزوال أسبابها وإنما المعول على الصفة التي قامت بالقلب توجب انشراحه وحبسه فهي الميزان والله المستعان. ومنها بل من أعظمها: إخراج دغل القلب من الصفات المذمومة التي(2\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "500",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9066",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "توجب ضيقه وعذابه وتحول بينه وبين حصول البرء فإن الإنسان إذا أتى الأسباب التي تشرح صدره ولم يخرج تلك الأوصاف المذمومة من قلبه لم يحظ من انشراح صدره بطائل وغايته أن يكون له مادتان تعتوران على قلبه وهو للمادة الغالبة عليه منهما. ومنها: ترك فضول النظر والكلام والاستماع والمخالطة والأكل والنوم فإن هذه الفضول تستحيل آلاما وغموما وهموما في القلب تحصره وتحبسه وتضيقه ويتعذب بها بل غالب عذاب الدنيا والآخرة منها فلا إله إلا الله ما أضيق صدر من ضرب في كل آفة من هذه الآفات بسهم وما أنكد عيشه وما أسوأ حاله وما أشد حصر قلبه ولا إله إلا الله ما أنعم عيش من ضرب في كل خصلة من تلك الخصال المحمودة بسهم وكانت همته دائرة عليها حائمة حولها فلهذا نصيب وافر من قوله تعالى: إن الأبرار لفي نعيم [الانفطار: 13] [الانفطار 13]  ولذلك نصيب وافر من قوله تعالى: وإن الفجار لفي جحيم [الانفطار: 14] [الانفطار 14]  وبينهما مراتب متفاوتة لا يحصيها إلا الله تبارك وتعالى. والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكمل الخلق في كل صفة يحصل بها انشراح الصدر واتساع القلب وقرة العين وحياة الروح فهو أكمل الخلق في هذا الشرح والحياة وقرة العين مع ما خص به من الشرح الحسي وأكمل الخلق متابعة له أكملهم انشراحا ولذة وقرة عين وعلى حسب متابعته ينال العبد من انشراح صدره وقرة عينه ولذة روحه ما ينال فهو صلى الله عليه وسلم في ذروة الكمال من شرح الصدر ورفع الذكر ووضع الوزر ولأتباعه من ذلك بحسب نصيبهم من اتباعه والله المستعان. وهكذا لأتباعه نصيب من حفظ الله لهم وعصمته إياهم ودفاعه عنهم وإعزازه لهم ونصره لهم بحسب نصيبهم من المتابعة فمستقل ومستكثر. فمن وجد خيرا فليحمد الله. ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا(2\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "501",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9067",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفسه.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الصيام] [المقصود من الصيام وفوائده] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الصيام لما كان المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات وفطامها عن المألوفات وتعديل قوتها الشهوانية لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين. وتضيق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب وتحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها ويسكن كل عضو منها وكل قوة عن جماحه وتلجم بلجامه فهو لجام المتقين وجنة المحاربين ورياضة الأبرار والمقربين وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال فإن الصائم لا يفعل شيئا وإنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده فهو ترك محبوبات النفس وتلذذاتها إيثارا لمحبة الله ومرضاته وهو سر بين العبد وربه لا يطلع عليه سواه والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة وأما كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده فهو أمر لا يطلع عليه بشر وذلك حقيقة الصوم.(2\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "502",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9068",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة والقوى الباطنة وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات فهو من أكبر العون على التقوى كما قال تعالى: ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون [البقرة: 183] [البقرة 183] . وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( الصوم جنة ) . وأمر من اشتدت عليه شهوة النكاح ولا قدرة له عليه بالصيام وجعله وجاء هذه الشهوة. والمقصود أن مصالح الصوم لما كانت مشهودة بالعقول السليمة والفطر المستقيمة شرعه الله لعباده رحمة بهم وإحسانا إليهم وحمية لهم وجنة. وكان هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه أكمل الهدي وأعظم تحصيل للمقصود وأسهله على النفوس.(2\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "503",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9069",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولما كان فطم النفوس عن مألوفاتها وشهواتها من أشق الأمور وأصعبها تأخر فرضه إلى وسط الإسلام بعد الهجرة لما توطنت النفوس على التوحيد والصلاة وألفت أوامر القرآن فنقلت إليه بالتدريج.  [متى فرض الصيام] وكان فرضه في السنة الثانية من الهجرة فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صام تسع رمضانات وفرض أولا على وجه التخيير بينه وبين أن يطعم عن كل يوم مسكينا ثم نقل من ذلك التخيير إلى تحتم الصوم وجعل الإطعام للشيخ الكبير والمرأة إذا لم يطيقا الصيام فإنهما يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكينا ورخص للمريض والمسافر أن يفطرا ويقضيا وللحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما كذلك فإن خافتا على ولديهما زادتا مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم فإن فطرهما لم يكن لخوف مرض وإنما كان مع الصحة فجبر بإطعام(2\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "504",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9070",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المسكين كفطر الصحيح في أول الإسلام. وكان للصوم رتب ثلاث إحداها: إيجابه بوصف التخيير. والثانية: تحتمه لكن كان الصائم إذا نام قبل أن يطعم حرم عليه الطعام والشراب إلى الليلة القابلة فنسخ ذلك بالرتبة الثالثة وهي التي استقر عليها الشرع إلى يوم القيامة.  [إكثار العبادات في رمضان] فصل وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادات فكان جبريل يدارسه القرآن في رمضان وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة ( وكان أجود الناس وأجود ما يكون في(2\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "505",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9071",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "النهي عن الوصال",
        "content": "رمضان ) يكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف.  [النهي عن الوصال] وكان يخص رمضان من العبادة بما لا يخص غيره به من الشهور حتى إنه كان ليواصل فيه أحيانا ليوفر ساعات ليله ونهاره على العبادة وكان ينهى أصحابه عن الوصال فيقولون له: إنك تواصل فيقول: ( لست كهيئتكم إني أبيت - وفي رواية: إني أظل - عند ربي يطعمني ويسقيني ) . وقد اختلف الناس في هذا الطعام والشراب المذكورين على قولين. أحدهما: أنه طعام وشراب حسي للفم قالوا: وهذه حقيقة اللفظ ولا موجب للعدول عنها. الثاني: أن المراد به ما يغذيه الله به من معارفه وما يفيض على قلبه من لذة مناجاته وقرة عينه بقربه وتنعمه بحبه والشوق إليه وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء القلوب ونعيم الأرواح وقرة العين وبهجة النفوس والروح والقلب بما هو أعظم غذاء وأجوده وأنفعه وقد يقوي هذا الغذاء حتى يغني عن غذاء الأجسام مدة من الزمان كما قيل: لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد لها بوجهك نور تستضيء به ... ومن حديثك في أعقابها حادي إذا شكت من كلال السير أوعدها ... روح القدوم فتحيا عند ميعاد ومن له أدنى تجربة وشوق يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الحيواني ولا سيما المسرور الفرحان الظافر بمطلوبه الذي قد(2\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "506",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9072",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قرت عينه بمحبوبه وتنعم بقربه والرضى عنه وألطاف محبوبه وهداياه وتحفه تصل إليه كل وقت ومحبوبه حفي به معتن بأمره مكرم له غاية الإكرام مع المحبة التامة له أفليس في هذا أعظم غذاء لهذا المحب فكيف بالحبيب الذي لا شيء أجل منه ولا أعظم ولا أجمل ولا أكمل ولا أعظم إحسانا إذا امتلأ قلب المحب بحبه وملك حبه جميع أجزاء قلبه وجوارحه وتمكن حبه منه أعظم تمكن وهذا حاله مع حبيبه أفليس هذا المحب عند حبيبه يطعمه ويسقيه ليلا ونهارا ولهذا قال: ( إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني ) . ولو كان ذلك طعاما وشرابا للفم لما كان صائما فضلا عن كونه مواصلا وأيضا فلو كان ذلك في الليل لم يكن مواصلا ولقال لأصحابه - إذ قالوا له: إنك تواصل -: quot; لست أواصل quot;. ولم يقل: quot; لست كهيئتكم quot; بل أقرهم على نسبة الوصال إليه وقطع الإلحاق بينه وبينهم في ذلك بما بينه من الفارق كما في quot; صحيح مسلم quot; من حديث عبد الله بن عمر ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واصل في رمضان فواصل الناس فنهاهم فقيل له: أنت تواصل. فقال: إني لست مثلكم إني أطعم وأسقى ) . وسياق البخاري لهذا الحديث: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال فقالوا: إنك تواصل. قال: (إني لست مثلكم إني أطعم وأسقى ) . وفي quot; الصحيحين quot; من حديث أبي هريرة نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال. فقال رجل من المسلمين: إنك يا رسول الله تواصل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني ) . وأيضا: فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما نهاهم عن الوصال فأبوا أن ينتهوا واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال فقال: لو تأخر الهلال لزدتكم. كالمنكل لهم(2\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "507",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9073",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حين أبوا أن ينتهوا عن الوصال . وفي لفظ آخر: ( لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم إني لست مثلكم أو قال: إنكم لستم مثلي فإني أظل يطعمني ربي ويسقيني ) فأخبر أنه يطعم ويسقى مع كونه مواصلا وقد فعل فعلهم منكلا بهم معجزا لهم فلو كان يأكل ويشرب لما كان ذلك تنكيلا ولا تعجيزا بل ولا وصالا وهذا بحمد الله واضح. وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة للأمة وأذن فيه إلى السحر وفي quot; صحيح البخاري quot; عن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر ) . فإن قيل: فما حكم هذه المسألة وهل الوصال جائز أو محرم أو مكروه قيل: اختلف الناس في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه جائز إن قدر عليه وهو مروي عن عبد الله بن الزبير وغيره من السلف وكان ابن الزبير يواصل الأيام ومن حجة أرباب هذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم واصل بالصحابة مع نهيه لهم عن الوصال كما في quot; الصحيحين quot; من حديث أبي هريرة أنه نهى عن الوصال وقال: (إني لست كهيئتكم) فلما أبوا أن ينتهوا واصل بهم يوما ثم يوما  فهذا وصاله بهم بعد نهيه عن الوصال ولو كان النهي للتحريم لما أبوا أن ينتهوا ولما أقرهم عليه بعد ذلك. قالوا: فلما فعلوه بعد نهيه وهو يعلم ويقرهم علم أنه أراد الرحمة بهم والتخفيف عنهم(2\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "508",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9074",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد قالت عائشة: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم ) . متفق عليه. وقالت طائفة أخرى: لا يجوز الوصال منهم مالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري رحمهم الله قال ابن عبد البر وقد حكاه عنهم: إنهم لم يجيزوه لأحد قلت: الشافعي رحمه الله نص على كراهته واختلف أصحابه هل هي كراهة تحريم أو تنزيه على وجهين واحتج المحرمون بنهي النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: والنهي يقتضي التحريم. قالوا: وقول عائشة: quot; رحمة لهم quot; لا يمنع أن يكون للتحريم بل يؤكده فإن من رحمته بهم أن حرمه عليهم بل سائر مناهيه للأمة رحمة وحمية وصيانة. قالوا: وأما مواصلته بهم بعد نهيه فلم يكن تقريرا لهم كيف وقد نهاهم ولكن تقريعا وتنكيلا فاحتمل منهم الوصال بعد نهيه لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم وبيان الحكمة في نهيهم عنه بظهور المفسدة التي نهاهم لأجلها فإذا ظهرت لهم مفسدة الوصال وظهرت حكمة النهي عنه كان ذلك أدعى إلى قبولهم وتركهم له فإنهم إذا ظهر لهم ما في الوصال وأحسوا منه الملل في العبادة والتقصير فيما هو أهم وأرجح من وظائف الدين من القوة في أمر الله والخشوع في فرائضه والإتيان بحقوقها الظاهرة والباطنة - والجوع الشديد ينافي ذلك ويحول بين العبد وبينه - تبين لهم حكمة النهي عن الوصال والمفسدة التي فيه لهم دونه. قالوا: وليس إقراره لهم على الوصال لهذه المصلحة الراجحة بأعظم من إقرار الأعرابي على البول في المسجد لمصلحة التأليف ولئلا ينفر عن الإسلام ولا بأعظم من إقراره(2\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "509",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9075",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المسيء في صلاته على الصلاة التي أخبرهم صلى الله عليه وسلم أنها ليست بصلاة وأن فاعلها غير مصل بل هي صلاة باطلة في دينه فأقره عليها لمصلحة تعليمه وقبوله بعد الفراغ فإنه أبلغ في التعليم والتعلم. قالوا: وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ) . قالوا: وقد ذكر في الحديث ما يدل على أن الوصال من خصائصه. فقال: ( إني لست كهيئتكم ) ولو كان مباحا لهم لم يكن من خصائصه. قالوا: وفي quot; الصحيحين quot; من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم ) . وفي quot; الصحيحين quot; نحوه من حديث عبد الله بن أبي أوفى. قالوا: فجعله مفطرا حكما بدخول وقت الفطر وإن لم يفطر وذلك يحيل الوصال شرعا. قالوا: وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( لا تزال أمتي على الفطرة أو لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر ) .(2\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "510",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9076",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; السنن quot; عن أبي هريرة عنه: ( لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر إن اليهود والنصارى يؤخرون ) . وفي quot; السنن quot; عنه قال: قال الله عز وجل: ( أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا ) . وهذا يقتضي كراهة تأخير الفطر فكيف تركه وإذا كان مكروها لم يكن عبادة فإن أقل درجات العبادة أن تكون مستحبة. والقول الثالث وهو أعدل الأقوال: أن الوصال يجوز من سحر إلى سحر وهذا هو المحفوظ عن أحمد وإسحاق لحديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر ) . رواه البخاري. وهو أعدل الوصال وأسهله على الصائم وهو في الحقيقة بمنزلة عشائه إلا أنه تأخر فالصائم له في اليوم والليلة أكلة فإذا أكلها في السحر كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره. والله أعلم.  [فصل في ثبوت رمضان] فصل وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن لا يدخل في صوم رمضان إلا برؤية محققة أو بشهادة شاهد واحد كما صام بشهادة ابن عمر وصام مرة بشهادة(2\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "511",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9077",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بحث في صوم يوم الشك",
        "content": "أعرابي واعتمد على خبرهما ولم يكلفهما لفظ الشهادة. فإن كان ذلك إخبارا فقد اكتفى في رمضان بخبر الواحد وإن كان شهادة فلم يكلف الشاهد لفظ الشهادة. فإن لم تكن رؤية ولا شهادة أكمل عدة شعبان ثلاثين يوما.  [بحث في صوم يوم الشك] وكان إذا حال ليلة الثلاثين دون منظره غيم أو سحاب أكمل عدة شعبان ثلاثين يوما ثم صامه. ولم يكن يصوم يوم الإغمام ولا أمر به بل أمر بأن تكمل عدة شعبان ثلاثين إذا غم وكان يفعل كذلك فهذا فعله وهذا أمره ولا يناقض هذا قوله: ( فإن غم عليكم فاقدروا له ) فإن القدر هو الحساب المقدر والمراد به الإكمال كما قال: ( فأكملوا العدة )  والمراد بالإكمال إكمال عدة الشهر الذي غم كما قال في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: ( فأكملوا عدة شعبان ) . وقال ( لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ) . والذي أمر بإكمال عدته هو الشهر الذي يغم وهو(2\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "512",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9078",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عند صيامه وعند الفطر منه وأصرح من هذا قوله: ( الشهر تسعة وعشرون فلا تصوموا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ) . وهذا راجع إلى أول الشهر بلفظه وإلى آخره بمعناه فلا يجوز إلغاء ما دل عليه لفظه واعتبار ما دل عليه من جهة المعنى. وقال: ( الشهر ثلاثون والشهر تسعة وعشرون فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ) . وقال: ( لا تصوموا قبل رمضان صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حالت دونه غمامة فأكملوا ثلاثين ) . وقال: ( لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ) . وقالت عائشة رضي الله عنها: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم لرؤيته فإن غم عليه عد شعبان ثلاثين يوما ثم صام ) . صححه الدارقطني وابن حبان.(2\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "513",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9079",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين ) . وقال: ( لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه فإن أغمي عليكم فاقدروا له ) . وقال: ( لا تقدموا رمضان. وفي لفظ: لا تقدموا بين يدي رمضان بيوم أو يومين إلا رجلا كان يصوم صياما فليصمه ) . والدليل على أن يوم الإغمام داخل في هذا النهي حديث ابن عباس يرفعه: ( لا تصوموا قبل رمضان صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حالت دونه غمامة فأكملوا ثلاثين ) . ذكره ابن حبان في quot;صحيحهquot;. فهذا صريح في أن صوم يوم الإغمام من غير رؤية ولا إكمال ثلاثين صوم قبل رمضان. وقال: ( لا تقدموا الشهر إلا أن تروا الهلال أو تكملوا العدة ولا تفطروا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ) .(2\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "514",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9080",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا العدة ثلاثين ولا تستقبلوا الشهر استقبالا ) . قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي النسائي: من حديث يونس عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس يرفعه: ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما ثم صوموا ولا تصوموا قبله يوما فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا العدة عدة شعبان ) . وقال سماك: عن عكرمة: عن ابن عباس: ( تمارى الناس في رؤية هلال رمضان فقال بعضهم: اليوم. وقال بعضهم: غدا. فجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر أنه رآه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قال: نعم. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا فنادى في الناس: صوموا quot;. ثم قال: quot; صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما ثم صوموا ولا تصوموا قبله يوما ) . وكل هذه الأحاديث صحيحة فبعضها في quot; الصحيحين quot; وبعضها في quot; صحيح ابن حبان quot; والحاكم وغيرهما وإن كان قد أعل بعضها بما لا يقدح في صحة الاستدلال بمجموعها وتفسير بعضها ببعض واعتبار بعضها ببعض وكلها يصدق بعضها بعضا والمراد منها متفق عليه. فإن قيل: فإذا كان هذا هديه صلى الله عليه وسلم فكيف خالفه عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك وأبو هريرة ومعاوية وعمرو بن العاص والحكم بن أيوب الغفاري وعائشة وأسماء ابنتا أبي بكر(2\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "515",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9081",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وخالفه سالم بن عبد الله ومجاهد وطاووس وأبو عثمان النهدي ومطرف بن الشخير وميمون بن مهران وبكر بن عبد الله المزني وكيف خالفه إمام أهل الحديث والسنة أحمد بن حنبل ونحن نوجدكم أقوال هؤلاء مسندة فأما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال الوليد بن مسلم: أخبرنا ثوبان عن أبيه عن مكحول أن عمر بن الخطاب كان يصوم إذا كانت السماء في تلك الليلة مغيمة ويقول: ليس هذا بالتقدم ولكنه التحري. وأما الرواية عن علي رضي الله عنه فقال الشافعي: أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن أمه فاطمة بنت حسين أن علي بن أبي طالب قال: لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان. وأما الرواية عن ابن عمر ففي كتاب عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن عمر قال: (كان إذا كان سحاب أصبح صائما وإن لم يكن سحاب أصبح مفطرا) وفي quot; الصحيحين quot; عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا وإن غم عليكم فاقدروا له ) . زاد الإمام أحمد رحمه الله بإسناد صحيح عن نافع قال: كان عبد الله إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يوما يبعث من ينظر فإن رأى فذاك وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما.(2\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "516",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9082",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الرواية عن أنس رضي الله عنه فقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا يحيى بن أبي إسحاق قال: رأيت الهلال إما الظهر وإما قريبا منه فأفطر ناس من الناس فأتينا أنس بن مالك فأخبرناه برؤية الهلال وبإفطار من أفطر فقال: هذا اليوم يكمل لي أحد وثلاثون يوما وذلك لأن الحكم بن أيوب أرسل إلي قبل صيام الناس إني صائم غدا فكرهت الخلاف عليه فصمت وأنا متم يومي هذا إلى الليل. وأما الرواية عن معاوية فقال أحمد: حدثنا المغيرة حدثنا سعيد بن عبد العزيز قال: حدثني مكحول ويونس بن ميسرة بن حلبس أن معاوية بن أبي سفيان كان يقول: لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان. وأما الرواية عن عمرو بن العاص. فقال أحمد: حدثنا زيد بن الحباب أخبرنا ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة عن عمرو بن العاص أنه كان يصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان. وأما الرواية عن أبي هريرة فقال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا معاوية بن صالح عن أبي مريم مولى أبي هريرة قال: سمعت أبا هريرة يقول: لأن أتعجل في صوم رمضان بيوم أحب إلي من أن أتأخر لأني إذا تعجلت لم يفتني وإذا تأخرت فاتني. وأما الرواية عن عائشة رضي الله عنها فقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو عوانة عن يزيد بن خمير عن الرسول الذي أتى عائشة في اليوم الذي يشك فيه من رمضان قال: قالت عائشة: لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان.(2\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "517",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9083",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الرواية عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما فقال سعيد أيضا: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر قالت: ما غم هلال رمضان إلا كانت أسماء متقدمة بيوم وتأمر بتقدمه. وقال أحمد: حدثنا روح بن عباد عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن فاطمة عن أسماء أنها كانت تصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان. وكل ما ذكرناه عن أحمد فمن مسائل الفضل بن زياد عنه. وقال في رواية الأثرم: إذا كان في السماء سحابة أو علة أصبح صائما وإن لم يكن في السماء علة أصبح مفطرا وكذلك نقل عنه ابناه صالح وعبد الله والمروزي والفضل بن زياد وغيرهم. فالجواب من وجوه أحدها: أن يقال: ليس فيما ذكرتم عن الصحابة أثر صالح صريح في وجوب صومه حتى يكون فعلهم مخالفا لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما غاية المنقول عنهم صومه احتياطا وقد صرح أنس بأنه إنما صامه كراهة للخلاف على الأمراء ولهذا قال الإمام أحمد في رواية: الناس تبع للإمام في صومه وإفطاره والنصوص التي حكيناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعله وقوله إنما تدل على أنه لا يجب صوم يوم الإغمام ولا تدل على تحريمه فمن أفطره أخذ بالجواز ومن صامه أخذ بالاحتياط. الثاني: أن الصحابة كان بعضهم يصومه كما حكيتم وكان بعضهم لا يصومه وأصح وأصرح من روي عنه صومه عبد الله بن عمر قال ابن عبد البر: وإلى قوله ذهب طاووس اليماني وأحمد بن حنبل وروي مثل ذلك عن عائشة وأسماء ابنتي أبي بكر ولا أعلم أحدا ذهب مذهب ابن عمر غيرهم. قال: وممن روي عنه كراهة صوم يوم الشك عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن(2\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "518",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9084",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مسعود وحذيفة وابن عباس وأبو هريرة وأنس بن مالك رضي الله عنهم. قلت: المنقول عن علي وعمر وعمار وحذيفة وابن مسعود المنع من صيام آخر يوم من شعبان تطوعا وهو الذي قال فيه عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. فأما صوم يوم الغيم احتياطا على أنه إن كان من رمضان فهو فرضه وإلا فهو تطوع. فالمنقول عن الصحابة يقتضي جوازه وهو الذي كان يفعله ابن عمر وعائشة. هذا مع رواية عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غم هلال شعبان عد ثلاثين يوما ثم صام . وقد رد حديثها هذا بأنه لو كان صحيحا لما خالفته وجعل صيامها علة في الحديث وليس الأمر كذلك فإنها لم توجب صيامه وإنما صامته احتياطا وفهمت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمره أن الصيام لا يجب حتى تكمل العدة ولم تفهم هي ولا ابن عمر أنه لا يجوز. وهذا أعدل الأقوال في المسألة وبه تجتمع الأحاديث والآثار ويدل عليه ما رواه معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهلال رمضان: (إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين يوما ) . ورواه ابن أبي رواد عن نافع عنه: ( فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ) . وقال مالك وعبيد الله عن نافع عنه: ( فاقدروا له ) فدل على أن ابن عمر لم يفهم من الحديث وجوب إكمال الثلاثين بل جوازه فإنه إذا صام يوم الثلاثين فقد أخذ بأحد الجائزين احتياطا ويدل على ذلك أنه رضي الله عنه لو فهم من قوله صلى الله عليه وسلم: ( اقدروا له تسعا وعشرين ثم صوموا ) كما يقوله الموجبون(2\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "519",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9085",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لصومه لكان يأمر بذلك أهله وغيرهم ولم يكن يقتصر على صومه في خاصة نفسه ولا يأمر به ولبين أن ذلك هو الواجب على الناس. وكان ابن عباس رضي الله عنه لا يصومه ويحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ) . وذكر مالك في quot; موطئه quot; هذا بعد أن ذكر حديث ابن عمر كأنه جعله مفسرا لحديث ابن عمر وقوله: ( فاقدروا له ) . وكان ابن عباس يقول: عجبت ممن يتقدم الشهر بيوم أو يومين وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقدموا رمضان بيوم ولا يومين ) كأنه ينكر على ابن عمر. وكذلك كان هذان الصاحبان الإمامان أحدهما يميل إلى التشديد والآخر إلى الترخيص وذلك في غير مسألة. وعبد الله بن عمر كان يأخذ من التشديدات بأشياء لا يوافقه عليها الصحابة فكان يغسل داخل عينيه في الوضوء حتى عمي من ذلك وكان إذا مسح رأسه أفرد أذنيه بماء جديد وكان يمنع من دخول الحمام وكان إذا دخله اغتسل منه وابن عباس: كان يدخل الحمام وكان ابن عمر يتيمم بضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين ولا يقتصر على ضربة واحدة ولا على الكفين وكان ابن عباس يخالفه ويقول: التيمم ضربة للوجه والكفين وكان ابن عمر يتوضأ من قبلة امرأته ويفتي بذلك وكان إذا قبل أولاده تمضمض ثم صلى وكان ابن عباس يقول: ما أبالي قبلتها أو شممت ريحانا. وكان يأمر من ذكر أن عليه صلاة وهو في أخرى أن يتمها ثم يصلي الصلاة التي ذكرها ثم يعيد الصلاة التي كان فيها وروى أبو يعلى الموصلي في ذلك حديثا مرفوعا في quot; مسنده quot; والصواب أنه موقوف على ابن عمر. قال البيهقي: وقد روي عن ابن عمر مرفوعا ولا يصح قال: وقد روي عن ابن عباس مرفوعا ولا يصح. والمقصود أن عبد الله بن عمر كان يسلك طريق التشديد والاحتياط.(2\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "520",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9086",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد روى معمر عن أيوب عن نافع عنه أنه كان إذا أدرك مع الإمام ركعة أضاف إليها أخرى فإذا فرغ من صلاته سجد سجدتي السهو. قال الزهري: ولا أعلم أحدا فعله غيره. قلت: وكأن هذا السجود لما حصل له من الجلوس عقيب الركعة وإنما محله عقيب الشفع. ويدل على أن الصحابة لم يصوموا هذا اليوم على سبيل الوجوب أنهم قالوا: لأن نصوم يوما من شعبان أحب إلينا من أن نفطر يوما من رمضان ولو كان هذا اليوم من رمضان حتما عندهم لقالوا: هذا اليوم من رمضان فلا يجوز لنا فطره. والله أعلم. ويدل على أنهم إنما صاموه استحبابا وتحريا ما روي عنهم من فطره بيانا للجواز فهذا ابن عمر قد قال حنبل في quot; مسائله quot;: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا وكيع عن سفيان عن عبد العزيز بن حكيم الحضرمي قال: سمعت ابن عمر يقول: لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه. قال حنبل: وحدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبيدة بن حميد قال: أخبرنا عبد العزيز بن حكيم قال: سألوا ابن عمر. قالوا: نسبق قبل رمضان حتى لا يفوتنا منه شيء فقال: أف أف صوموا مع الجماعة فقد صح عن ابن عمر أنه قال: لا يتقدمن الشهر منكم أحد وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( صوموا لرؤية الهلال وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما ) . وكذلك قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إذا رأيتم الهلال فصوموا لرؤيته وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فأكملوا العدة. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما.(2\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "521",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9087",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذه الآثار إن قدر أنها معارضة لتلك الآثار التي رويت عنهم في الصوم فهذه أولى لموافقتها النصوص المرفوعة لفظا ومعنى وإن قدر أنها لا تعارض بينها فهاهنا طريقتان من الجمع إحداهما: حملها على غير صورة الإغمام أو على الإغمام في آخر الشهر كما فعله الموجبون للصوم. والثانية: حمل آثار الصوم عنهم على التحري والاحتياط استحبابا لا وجوبا وهذه الآثار صريحة في نفي الوجوب وهذه الطريقة أقرب إلى موافقة النصوص وقواعد الشرع وفيها السلامة من التفريق بين يومين متساويين في الشك فيجعل أحدهما يوم شك والثاني يوم يقين مع حصول الشك فيه قطعا وتكليف العبد اعتقاد كونه من رمضان قطعا مع شكه هل هو منه أم لا تكليف بما لا يطاق وتفريق بين المتماثلين والله أعلم.  [فصل ثبوت شوال] فصل وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أمر الناس بالصوم بشهادة الرجل الواحد المسلم وخروجهم منه بشهادة اثنين. وكان من هديه إذا شهد الشاهدان برؤية الهلال بعد خروج وقت العيد أن يفطر ويأمرهم بالفطر ويصلي العيد من الغد في وقتها.(2\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "522",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9088",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان يعجل الفطر ويحض عليه ويتسحر ويحث على السحور ويؤخره ويرغب في تأخيره.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الفطر] وكان يحض على الفطر بالتمر فإن لم يجد فعلى الماء هذا من كمال شفقته على أمته ونصحهم فإن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو مع خلو المعدة أدعى إلى قبوله وانتفاع القوى به ولا سيما القوة الباصرة فإنها تقوى به وحلاوة المدينة التمر ومرباهم عليه وهو عندهم قوت وأدم ورطبه فاكهة. وأما الماء فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس. فإذا رطبت بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده. ولهذا كان الأولى بالظمآن الجائع أن يبدأ قبل الأكل بشرب قليل من الماء ثم يأكل بعده هذا مع ما في التمر والماء من الخاصية التي لها تأثير في صلاح القلب لا يعلمها إلا أطباء القلوب. وكان صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي وكان فطره على رطبات إن وجدها فإن لم يجدها فعلى تمرات فإن لم يجد فعلى حسوات من ماء.(2\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "523",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9089",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند فطره: (اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت فتقبل منا إنك أنت السميع العليم ) . ولا يثبت. وروي عنه أيضا أنه كان يقول: ( اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت ) . ذكره أبو داود عن معاذ بن زهرة أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك. وروي عنه أنه كان يقول إذا أفطر: (ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله تعالى ) . ذكره أبو داود من حديث الحسين بن واقد عن مروان بن سالم المقفع عن ابن عمر. ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم: ( إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد ) . رواه ابن ماجه.(2\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "524",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9090",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "فصل في الصوم في السفر",
        "content": "وصح عنه أنه قال: ( إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم ) . وفسر بأنه قد أفطر حكما وإن لم ينوه وبأنه قد دخل وقت فطره كأصبح وأمسى ونهى الصائم عن الرفث والصخب والسباب وجواب السباب فأمره أن يقول لمن سابه: (إني صائم) فقيل: يقوله بلسانه وهو أظهر وقيل: بقلبه تذكيرا لنفسه بالصوم وقيل: يقوله في الفرض بلسانه وفي التطوع في نفسه لأنه أبعد عن الرياء.  [فصل في الصوم في السفر] فصل وسافر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فصام وأفطر وخير الصحابة بين الأمرين. وكان يأمرهم بالفطر إذا دنوا من عدوهم ليتقووا على قتاله. فلو اتفق مثل هذا في الحضر وكان في الفطر قوة لهم على لقاء عدوهم فهل لهم الفطر فيه قولان أصحهما دليلا: أن لهم ذلك وهو اختيار ابن تيمية وبه أفتى العساكر الإسلامية لما لقوا العدو بظاهر دمشق ولا ريب أن الفطر(2\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "525",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9091",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لذلك أولى من الفطر لمجرد السفر بل إباحة الفطر للمسافر تنبيه على إباحته في هذه الحالة فإنها أحق بجوازه لأن القوة هناك تختص بالمسافر والقوة هنا له وللمسلمين ولأن مشقة الجهاد أعظم من مشقة السفر ولأن المصلحة الحاصلة بالفطر للمجاهد أعظم من المصلحة بفطر المسافر ولأن الله تعالى قال: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة [الأنفال: 60] [الأنفال 60] . والفطر عند اللقاء من أعظم أسباب القوة. والنبي صلى الله عليه وسلم قد فسر القوة بالرمي. وهو لا يتم ولا يحصل به مقصوده إلا بما يقوي ويعين عليه من الفطر والغذاء ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابة لما دنوا من عدوهم: ( إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم ) . وكانت رخصة ثم نزلوا منزلا آخر فقال: ( إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا ) فكانت عزمة [فأفطرنا]  فعلل بدنوهم من عدوهم واحتياجهم إلى القوة التي يلقون بها العدو وهذا سبب آخر غير السفر والسفر مستقل بنفسه ولم يذكر في تعليله ولا أشار إليه فالتعليل به اعتبارا لما ألغاه الشارع في هذا الفطر الخاص وإلغاء(2\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "526",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9092",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصف القوة التي يقاوم بها العدو واعتبار السفر المجرد إلغاء لما اعتبره الشارع وعلل به. وبالجملة. فتنبيه الشارع وحكمته يقتضي أن الفطر لأجل الجهاد أولى منه لمجرد السفر فكيف وقد أشار إلى العلة ونبه عليها وصرح بحكمها وعزم عليهم بأن يفطروا لأجلها. ويدل عليه ما رواه عيسى بن يونس عن شعبة عن عمرو بن دينار قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم فتح مكة: (إنه يوم قتال فأفطروا ) تابعه سعيد بن الربيع عن شعبة. فعلل بالقتال ورتب عليه الأمر بالفطر بحرف الفاء وكل أحد يفهم من هذا اللفظ أن الفطر لأجل القتال. وأما إذا تجرد السفر عن الجهاد فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الفطر: ( هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه ) . وسافر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان في أعظم الغزوات وأجلها في غزاة بدر وفي غزاة الفتح. قال ( عمر بن الخطاب: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان غزوتين يوم بدر والفتح فأفطرنا فيهما ) . وأما ما رواه الدارقطني وغيره عن ( عائشة قالت: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة في رمضان فأفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصمت وقصر وأتممت ) فغلط إما عليها وهو الأظهر أو منها وأصابها فيه ما أصاب ابن عمر في قوله:(2\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "527",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9093",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجب فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو معه وما اعتمر في رجب قط ) . وكذلك أيضا عمره كلها في ذي القعدة وما اعتمر في رمضان قط.  [ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم تقدير المسافة التي يفطر فيها الصائم بحد] فصل ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم تقدير المسافة التي يفطر فيها الصائم بحد ولا صح عنه في ذلك شيء. ( وقد أفطر دحية بن خليفة الكلبي في سفر ثلاثة أميال وقال لمن صام: قد رغبوا عن هدي محمد صلى الله عليه وسلم ) . وكان الصحابة حين ينشئون السفر يفطرون من غير اعتبار مجاوزة البيوت ويخبرون أن ذلك سنته وهديه صلى الله عليه وسلم كما قال ( عبيد بن جبر: ركبت مع أبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفينة من الفسطاط في رمضان فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة. قال: اقترب. قلت: ألست ترى البيوت قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم )  رواه أبو داود وأحمد. ولفظ أحمد: ( ركبت مع أبي بصرة من الفسطاط إلى الإسكندرية في سفينة فلما دنونا من مرساها أمر بسفرته فقربت ثم دعاني إلى الغداء وذلك في رمضان. فقلت: يا أبا بصرة والله ما تغيبت عنا منازلنا بعد قال أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: لا. قال: فكل. قال: فلم نزل مفطرين حتى بلغنا ) . وقال محمد بن كعب: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرا وقد رحلت له راحلته وقد لبس ثياب السفر فدعا بطعام فأكل فقلت له: سنة(2\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "528",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9094",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: سنة ثم ركب . قال الترمذي: حديث حسن وقال الدارقطني فيه: فأكل وقد تقارب غروب الشمس. وهذه الآثار صريحة في أن من أنشأ السفر في أثناء يوم من رمضان فله الفطر فيه.  [لا حرج في اغتسال الجنب بعد الفجر وفي تقبيل أزواجه وهو صائم] فصل وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يدركه الفجر وهو جنب من أهله فيغتسل بعد الفجر ويصوم. ( وكان يقبل بعض أزواجه وهو صائم في رمضان )(2\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "529",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9095",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وشبه قبلة الصائم بالمضمضة بالماء. وأما ما رواه أبو داود عن مصدع بن يحيى عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يقبلها وهو صائم ويمص لسانها ) فهذا الحديث قد اختلف فيه فضعفه طائفة بمصدع هذا وهو مختلف فيه قال السعدي: زائغ جائر عن الطريق وحسنه طائفة وقالوا: هو ثقة صدوق روى له مسلم في quot; صحيحه quot; وفي إسناده محمد بن دينار الطاحي البصري مختلف فيه أيضا قال يحيى: ضعيف وفي رواية عنه: ليس به بأس وقال غيره: صدوق وقال ابن عدي: قوله: ويمص لسانها لا يقوله إلا محمد بن دينار وهو الذي رواه وفي إسناده أيضا سعد بن أوس مختلف فيه أيضا قال يحيى: بصري ضعيف وقال غيره: ثقة وذكره ابن حبان في الثقات. . . وأما الحديث الذي رواه أحمد وابن ماجه عن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: quot; سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل قبل امرأته وهما صائمان فقال: قد أفطر quot; فلا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه أبو يزيد الضني رواه عن ميمونة وهي بنت سعد قال الدارقطني: ليس بمعروف ولا يثبت هذا وقال البخاري: هذا لا أحدث به هذا حديث منكر وأبو يزيد رجل مجهول. ولا يصح عنه صلى الله عليه وسلم التفريق بين الشاب والشيخ ولم يجئ من وجه يثبت(2\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "530",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9096",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأجود ما فيه حديث أبي داود عن نصر بن علي عن أبي أحمد الزبيري: حدثنا إسرائيل عن أبي العنبس عن الأغر عن أبي هريرة ( أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم فرخص له وأتاه آخر فسأله فنهاه فإذا الذي رخص له شيخ وإذا الذي نهاه شاب ) وإسرائيل وإن كان البخاري ومسلم قد احتجا به وبقية الستة فعلة هذا الحديث أن بينه وبين الأغر فيه أبا العنبس العدوي الكوفي واسمه الحارث بن عبيد سكتوا عنه.  [صحة صيام من أكل ناسيا] فصل وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إسقاط القضاء عمن أكل وشرب ناسيا وأن الله سبحانه هو الذي أطعمه وسقاه فليس هذا الأكل والشرب يضاف إليه فيفطر به فإنما يفطر بما فعله وهذا بمنزلة أكله وشربه في نومه إذ لا تكليف بفعل النائم ولا بفعل الناسي.  [المفطرات] فصل والذي صح عنه صلى الله عليه وسلم أن الذي يفطر به الصائم: الأكل والشرب(2\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "531",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9097",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحجامة والقيء والقرآن دال على أن الجماع مفطر كالأكل والشرب لا(2\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "532",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9098",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعرف فيه خلاف ولا يصح عنه في الكحل شيء. وصح عنه أنه كان يستاك وهو صائم. وذكر الإمام أحمد عنه أنه ( كان يصب الماء على رأسه وهو صائم ) . وكان يتمضمض ويستنشق وهو صائم ومنع الصائم من المبالغة في الاستنشاق. ولا يصح عنه أنه احتجم وهو صائم قاله الإمام أحمد. وقد رواه البخاري في quot; صحيحه quot; قال أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد قال: لم يسمع الحكم حديث مقسم في الحجامة في الصيام يعني حديث سعيد عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم محرم .(2\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "533",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9099",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال مهنا: وسألت أحمد عن حديث حبيب بن الشهيد عن ميمون بن مهران عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم محرم . فقال: ليس بصحيح قد أنكره يحيى بن سعيد الأنصاري إنما كانت أحاديث ميمون بن مهران عن ابن عباس نحو خمسة عشر حديثا. وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله ذكر هذا الحديث فضعفه وقال مهنا: سألت أحمد عن حديث قبيصة عن سفيان عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ( احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما محرما ) فقال: هو خطأ من قبل قبيصة وسألت يحيى عن قبيصة بن عقبة فقال: رجل صدق والحديث الذي يحدث به عن سفيان عن سعيد بن جبير خطأ من قبله. قال أحمد في كتاب الأشجعي: عن سعيد بن جبير مرسلا ( أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم )  ولا يذكر فيه صائما. قال مهنا: وسألت أحمد عن حديث ابن عباس: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم محرم )  فقال: ليس فيه quot; صائم quot; إنما هو محرم ذكره سفيان عن عمرو بن دينار عن طاووس عن ابن عباس ( احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسه وهو محرم ) ورواه عبد الرزاق عن معمر عن ابن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ( احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم ) . وروح عن زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن عطاء وطاووس عن ابن عباس ( أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم )  وهؤلاء أصحاب ابن عباس لا يذكرون quot; صائما quot;. وقال حنبل: حدثنا أبو عبد الله حدثنا وكيع عن ياسين الزيات عن رجل عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ( احتجم في رمضان بعد ما قال: quot; أفطر الحاجم(2\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "534",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9100",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمحجوم ) قال أبو عبد الله: الرجل أراه أبان بن أبي عياش يعني: ولا يحتج به. وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: روى محمد بن معاوية النيسابوري عن أبي عوانة عن السدي عن أنس ( أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم ) فأنكر هذا ثم قال: السدي عن أنس قلت: نعم فعجب من هذا. قال أحمد: وفي قوله: ( أفطر الحاجم والمحجوم ) غير حديث ثابت. وقال إسحاق: قد ثبت هذا من خمسة أوجه عن النبي صلى الله عليه وسلم. والمقصود أنه لم يصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه احتجم وهو صائم ولا صح عنه أنه نهى الصائم عن السواك أول النهار ولا آخره بل قد روي عنه خلافه. ويذكر عنه ( من خير خصال الصائم السواك )  رواه ابن ماجه من حديث مجالد وفيه ضعف.  [الاكتحال للصائم] فصل وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه اكتحل وهو صائم  وروي عنه أنه ( خرج عليهم في رمضان وعيناه مملوءتان من الإثمد )  ولا يصح وروي عنه أنه قال في الإثمد: (ليتقه الصائم)  ولا يصح. قال أبو داود: قال لي يحيى بن معين: هو حديث منكر.(2\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "535",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9101",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في صيام التطوع] ( كان صلى الله عليه وسلم يصوم حتى يقال: لا يفطر ويفطر حتى يقال: لا يصوم وما استكمل صيام شهر غير رمضان وما كان يصوم في شهر أكثر مما يصوم في شعبان ) . ولم يكن يخرج عنه شهر حتى يصوم منه. ولم يصم الثلاثة الأشهر سردا كما يفعله بعض الناس ولا صام رجبا قط ولا استحب صيامه بل روي عنه النهي عن صيامه ذكره ابن ماجه. وكان يتحرى صيام يوم الاثنين والخميس. وقال ابن عباس رضي الله عنه: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفطر أيام البيض في سفر ولا حضر ) ذكره النسائي. (وكان يحض على صيامها) . وقال ابن مسعود(2\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "536",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9102",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رضي الله عنه: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام ) ذكره أبو داود والنسائي. وقالت عائشة: ( لم يكن يبالي من أي الشهر صامها ) ذكره مسلم ولا تناقض بين هذه الآثار. وأما صيام عشر ذي الحجة فقد اختلف فقالت عائشة: ما رأيته صائما في العشر قط  ذكره مسلم. وقالت حفصة: ( أربع لم يكن يدعهن رسول الله صلى الله عليه وسلم: صيام يوم عاشوراء والعشر وثلاثة أيام من كل شهر وركعتا الفجر ) . ذكره الإمام أحمد رحمه الله.(2\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "537",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9103",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر الإمام أحمد عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنه ( كان يصوم تسع ذي الحجة ويصوم عاشوراء وثلاثة أيام من الشهر أو الاثنين من الشهر والخميس ) وفي لفظ: الخميسين. والمثبت مقدم على النافي إن صح. وأما صيام ستة أيام من شوال فصح عنه أنه قال: ( صيامها مع رمضان يعدل صيام الدهر ) quot;.  [صيام عاشوراء] وأما صيام يوم عاشوراء فإنه كان يتحرى صومه على سائر الأيام ولما قدم المدينة وجد اليهود تصومه وتعظمه فقال: ( نحن أحق بموسى منكم quot;. فصامه وأمر بصيامه وذلك قبل فرض رمضان فلما فرض رمضان قال: من شاء صامه ومن شاء تركه ) . وقد استشكل بعض الناس هذا وقال: إنما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في شهر ربيع الأول فكيف يقول ابن عباس: إنه قدم المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء(2\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "538",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9104",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيه إشكال آخر وهو أنه قد ثبت في quot; الصحيحين quot; من حديث عائشة أنها قالت: ( كانت قريش تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية وكان يصومه فلما هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه فلما فرض شهر رمضان قال: من شاء صامه ومن شاء تركه ) . وإشكال آخر وهو ما ثبت في quot; الصحيحين quot; ( أن الأشعث بن قيس دخل على عبد الله بن مسعود وهو يتغدى فقال: يا أبا محمد ادن إلى الغداء. فقال: أوليس اليوم يوم عاشوراء فقال: وهل تدري ما يوم عاشوراء قال: وما هو قال: إنما هو يوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه قبل أن ينزل رمضان فلما نزل رمضان تركه ) . وقد روى مسلم في quot; صحيحه quot; عن ابن عباس ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع ) فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا فيه أن صومه والأمر بصيامه قبل وفاته بعام وحديثه المتقدم فيه أن ذلك كان عند مقدمه المدينة ثم إن ابن مسعود أخبر أن يوم عاشوراء ترك برمضان وهذا يخالفه حديث ابن عباس المذكور ولا يمكن أن يقال: ترك فرضه لأنه لم يفرض لما ثبت في quot; الصحيحين quot; عن معاوية بن أبي سفيان ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه(2\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "539",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9105",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر ) . ومعاوية إنما سمع هذا بعد الفتح قطعا. وإشكال آخر وهو أن مسلما روى في quot; صحيحه quot; عن عبد الله بن عباس أنه ( لما قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا اليوم تعظمه اليهود والنصارى قال: إن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع فلم يأت العام القابل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم )  ثم روى مسلم في quot; صحيحه quot; عن الحكم بن الأعرج قال: ( انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه في زمزم فقلت له: أخبرني عن صوم عاشوراء. فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما قلت: هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه قال: نعم ) . وإشكال آخر وهو أن صومه إن كان واجبا مفروضا في أول الإسلام فلم يأمرهم بقضائه وقد فات تبييت النية له من الليل وإن لم يكن فرضا فكيف أمر بإتمام الإمساك من كان أكل كما في quot; المسند quot; والسنن من وجوه متعددة أنه عليه(2\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "540",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9106",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السلام ( أمر من كان طعم فيه أن يصوم بقية يومه ) وهذا إنما يكون في الواجب وكيف يصح قول ابن مسعود: فلما فرض رمضان ترك عاشوراء واستحبابه لم يترك وإشكال آخر وهو أن ابن عباس جعل يوم عاشوراء يوم التاسع وأخبر أن هكذا كان يصومه صلى الله عليه وسلم وهو الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم quot; ( صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود صوموا يوما قبله أو يوما بعده ) ذكره أحمد. وهو الذي روى: ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم عاشوراء يوم العاشر ) . ذكره الترمذي. فالجواب عن هذه الإشكالات بعون الله وتأييده وتوفيقه: أما الإشكال الأول وهو أنه لما قدم المدينة وجدهم يصومون يوم عاشوراء فليس فيه أن يوم قدومه وجدهم يصومونه فإنه إنما قدم يوم الاثنين في ربيع الأول ثاني عشرة ولكن أول علمه بذلك بوقوع القصة في العام الثاني الذي كان بعد قدومه المدينة ولم يكن وهو بمكة هذا إن كان حساب أهل الكتاب في صومه بالأشهر الهلالية وإن كان بالشمسية زال الإشكال بالكلية ويكون اليوم الذي نجى الله فيه موسى هو يوم عاشوراء من أول المحرم فضبطه أهل الكتاب بالشهور الشمسية فوافق ذلك مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في ربيع الأول وصوم أهل الكتاب إنما هو بحساب سير الشمس وصوم المسلمين إنما هو بالشهر الهلالي وكذلك(2\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "541",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9107",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حجهم وجميع ما تعتبر له الأشهر من واجب أو مستحب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( نحن أحق بموسى منكم ) . فظهر حكم هذه الأولوية في تعظيم هذا اليوم وفي تعيينه وهم أخطئوا تعيينه لدورانه في السنة الشمسية كما أخطأ النصارى في تعيين صومهم بأن جعلوه في فصل من السنة تختلف فيه الأشهر. وأما الإشكال الثاني وهو أن قريشا كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه فلا ريب أن قريشا كانت تعظم هذا اليوم وكانوا يكسون الكعبة فيه وصومه من تمام تعظيمه ولكن إنما كانوا يعدون بالأهلة فكان عندهم عاشر المحرم فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وجدهم يعظمون ذلك اليوم ويصومونه فسألهم عنه فقالوا: هو اليوم الذي نجى الله فيه موسى وقومه من فرعون فقال صلى الله عليه وسلم: ( نحن أحق منكم بموسى ) فصامه وأمر بصيامه تقريرا لتعظيمه وتأكيدا وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه وأمته أحق بموسى من اليهود فإذا صامه موسى شكرا لله كنا أحق أن نقتدي به من اليهود لا سيما إذا قلنا: شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يخالفه شرعنا. فإن قيل: من أين لكم أن موسى صامه قلنا: ثبت في quot; الصحيحين quot; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سألهم عنه فقالوا: يوم عظيم نجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فيه فرعون وقومه فصامه موسى شكرا لله فنحن نصومه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فنحن أحق وأولى بموسى منكم quot;. فصامه وأمر بصيامه ) فلما أقرهم على ذلك ولم يكذبهم علم أن موسى صامه شكرا لله فانضم هذا القدر إلى التعظيم الذي كان له قبل الهجرة فازداد تأكيدا حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي في الأمصار بصومه وإمساك من كان أكل والظاهر أنه حتم ذلك عليهم وأوجبه كما سيأتي تقريره. وأما الإشكال الثالث: وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم عاشوراء قبل(2\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "542",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9108",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن ينزل فرض رمضان فلما نزل فرض رمضان تركه فهذا لا يمكن التخلص منه إلا بأن صيامه كان فرضا قبل رمضان وحينئذ فيكون المتروك وجوب صومه لا استحبابه ويتعين هذا ولا بد لأنه عليه السلام قال قبل وفاته بعام وقد قيل له: إن اليهود يصومونه: ( لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع ) أي معه وقال: ( خالفوا اليهود وصوموا يوما قبله أو يوما بعده )  أي: معه ولا ريب أن هذا كان في آخر الأمر وأما في أول الأمر فكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء فعلم أن استحبابه لم يترك. ويلزم من قال: إن صومه لم يكن واجبا أحد الأمرين إما أن يقول بترك استحبابه فلم يبق مستحبا أو يقول: هذا قاله عبد الله بن مسعود رضي الله عنه برأيه وخفي عليه استحباب صومه وهذا بعيد فإن النبي صلى الله عليه وسلم حثهم على صيامه وأخبر أن صومه يكفر السنة الماضية واستمر الصحابة على صيامه إلى حين وفاته ولم يرو عنه حرف واحد بالنهي عنه وكراهة صومه فعلم أن الذي ترك وجوبه لا استحبابه. فإن قيل: حديث معاوية المتفق على صحته صريح في عدم فرضيته وإنه لم يفرض قط. فالجواب: أن حديث معاوية صريح في نفي استمرار وجوبه وأنه الآن غير واجب ولا ينفي وجوبا متقدما منسوخا فإنه لا يمتنع أن يقال لما كان واجبا ونسخ وجوبه: إن الله لم يكتبه علينا. وجواب ثان: أن غايته أن يكون النفي عاما في الزمان الماضي والحاضر فيخص بأدلة الوجوب في الماضي وترك النفي في استمرار الوجوب. وجواب ثالث: وهو أنه صلى الله عليه وسلم إنما نفى أن يكون فرضه ووجوبه مستفادا من(2\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "543",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9109",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جهة القرآن ويدل على هذا قوله quot; إن الله لم يكتبه علينا quot; وهذا لا ينفي الوجوب بغير ذلك فإن الواجب الذي كتبه الله على عباده هو ما أخبرهم بأنه كتبه عليهم كقوله تعالى: كتب عليكم الصيام [البقرة: 183] [البقرة: 183] فأخبر صلى الله عليه وسلم أن صوم يوم عاشوراء لم يكن داخلا في هذا المكتوب الذي كتبه الله علينا دفعا لتوهم من يتوهم أنه داخل فيما كتبه الله علينا فلا تناقض بين هذا وبين الأمر السابق بصيامه الذي صار منسوخا بهذا الصيام المكتوب. يوضح هذا أن معاوية إنما سمع هذا منه بعد فتح مكة واستقرار فرض رمضان ونسخ وجوب عاشوراء به. والذين شهدوا أمره بصيامه والنداء بذلك وبالإمساك لمن أكل شهدوا ذلك قبل فرض رمضان عند مقدمه المدينة وفرض رمضان كان في السنة الثانية من الهجرة فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صام تسع رمضانات فمن شهد الأمر بصيامه شهده قبل نزول فرض رمضان ومن شهد الإخبار عن عدم فرضه شهده في آخر الأمر بعد فرض رمضان وإن لم يسلك هذا المسلك تناقضت أحاديث الباب واضطربت. فإن قيل: فكيف يكون فرضا ولم يحصل تبييت النية من الليل وقد قال: ( لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل ) . فالجواب أن هذا الحديث مختلف فيه:(2\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "544",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9110",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هل هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو من قول حفصة وعائشة فأما حديث حفصة: فأوقفه عليها معمر والزهري وسفيان بن عيينة ويونس بن يزيد الأيلي عن الزهري ورفعه بعضهم وأكثر أهل الحديث يقولون: الموقوف أصح قال الترمذي: وقد رواه نافع عن ابن عمر قوله وهو أصح. ومنهم من يصحح رفعه لثقة رافعه وعدالته وحديث عائشة أيضا: روي مرفوعا وموقوفا واختلف في تصحيح رفعه. فإن لم يثبت رفعه فلا كلام وإن ثبت رفعه فمعلوم أن هذا إنما قاله بعد فرض رمضان وذلك متأخر عن الأمر بصيام يوم عاشوراء وذلك تجديد حكم واجب وهو التبييت وليس نسخا لحكم ثابت بخطاب فإجزاء صيام يوم عاشوراء بنية من النهار كان قبل فرض رمضان وقبل فرض التبييت من الليل ثم نسخ وجوب صومه برمضان وتجدد وجوب التبييت فهذه طريقة. وطريقة ثانية: هي طريقة أصحاب أبي حنيفة أن وجوب صيام يوم عاشوراء تضمن أمرين: وجوب صوم ذلك اليوم وإجزاء صومه بنية من النهار ثم نسخ تعيين الواجب بواجب آخر فبقي حكم الإجزاء بنية من النهار غير منسوخ. وطريقة ثالثة: وهي أن الواجب تابع للعلم ووجوب عاشوراء إنما علم من النهار وحينئذ فلم يكن التبييت ممكنا فالنية وجبت وقت تجدد الوجوب والعلم به وإلا كان تكليفا بما لا يطاق وهو ممتنع. قالوا: وعلى هذا إذا قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار أجزأ صومه بنية مقارنة للعلم بالوجوب وأصله صوم يوم عاشوراء وهذه طريقة شيخنا وهي كما تراها أصح الطرق وأقربها إلى موافقة أصول الشرع وقواعده وعليها تدل(2\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "545",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9111",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأحاديث ويجتمع شملها الذي يظن تفرقه ويتخلص من دعوى النسخ بغير ضرورة. وغير هذه الطريقة لا بد فيه من مخالفة قاعدة من قواعد الشرع أو مخالفة بعض الآثار. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أهل قباء بإعادة الصلاة التي صلوا بعضها إلى القبلة المنسوخة إذ لم يبلغهم وجوب التحول فكذلك من لم يبلغه وجوب فرض الصوم أو لم يتمكن من العلم بسبب وجوبه لم يؤمر بالقضاء ولا يقال: إنه ترك التبييت الواجب إذ وجوب التبييت تابع للعلم بوجوب المبيت وهذا في غاية الظهور. ولا ريب أن هذه الطريقة أصح من طريقة من يقول: كان عاشوراء فرضا وكان يجزئ صيامه بنية من النهار ثم نسخ الحكم بوجوبه فنسخت متعلقاته ومن متعلقاته إجزاء صيامه بنية من النهار لأن متعلقاته تابعة له وإذا زال المتبوع زالت توابعه وتعلقاته فإن إجزاء الصوم الواجب بنية من النهار لم يكن من متعلقات خصوص هذا اليوم بل من متعلقات الصوم الواجب والصوم الواجب لم يزل وإنما زال تعيينه فنقل من محل إلى محل والإجزاء بنية من النهار وعدمه من توابع أصل الصوم لا تعيينه. وأصح من طريقة من يقول: إن صوم يوم عاشوراء لم يكن واجبا قط لأنه قد ثبت الأمر به وتأكيد الأمر بالنداء العام وزيادة تأكيده بالأمر لمن كان أكل بالإمساك وكل هذا ظاهر قوي في الوجوب ويقول ابن مسعود: إنه ( لما فرض رمضان ترك عاشوراء ) . ومعلوم أن استحبابه لم يترك بالأدلة التي تقدمت وغيرها فيتعين أن يكون المتروك وجوبه فهذه خمس طرق للناس في ذلك. والله أعلم. وأما الإشكال الرابع: وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع )  وأنه توفي قبل العام المقبل. وقول ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم التاسع فابن عباس روى هذا وهذا وصح عنه هذا وهذا ولا تنافي بينهما إذ من الممكن أن يصوم التاسع ويخبر أنه إن بقي إلى العام القابل صامه أو يكون ابن عباس أخبر عن فعله مستندا إلى ما عزم عليه(2\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "546",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9112",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ووعد به ويصح الإخبار عن ذلك مقيدا أي: كذلك كان يفعل لو بقي ومطلقا إذا علم الحال وعلى كل واحد من الاحتمالين فلا تنافي بين الخبرين. وأما الإشكال الخامس: فقد تقدم جوابه بما فيه كفاية. وأما الإشكال السادس: وهو قول ابن عباس: اعدد وأصبح يوم التاسع صائما. فمن تأمل مجموع روايات ابن عباس تبين له زوال الإشكال وسعة علم ابن عباس فإنه لم يجعل عاشوراء هو اليوم التاسع بل قال للسائل: صم اليوم التاسع واكتفى بمعرفة السائل أن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر الذي يعده الناس كلهم يوم عاشوراء فأرشد السائل إلى صيام التاسع معه وأخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصومه كذلك. فإما أن يكون فعل ذلك هو الأولى وإما أن يكون حمل فعله على الأمر به وعزمه عليه في المستقبل ويدل على ذلك أنه هو الذي روى: ( صوموا يوما قبله ويوما بعده )  وهو الذي روى: ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيام يوم عاشوراء يوم العاشر ) . وكل هذه الآثار عنه يصدق بعضها بعضا ويؤيد بعضها بعضا. فمراتب صومه ثلاثة أكملها: أن يصام قبله يوم وبعده يوم ويلي ذلك أن يصام التاسع والعاشر وعليه أكثر الأحاديث ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصوم. وأما إفراد التاسع فمن نقص فهم الآثار وعدم تتبع ألفاظها وطرقها وهو بعيد من اللغة والشرع والله الموفق للصواب.(2\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "547",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9113",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد سلك بعض أهل العلم مسلكا آخر فقال: قد ظهر أن القصد مخالفة أهل الكتاب في هذه العبادة مع الإتيان بها وذلك يحصل بأحد أمرين: إما بنقل العاشر إلى التاسع أو بصيامهما معا. وقوله: ( إذا كان العام المقبل صمنا التاسع ) يحتمل الأمرين. فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يتبين لنا مراده فكان الاحتياط صيام اليومين معا والطريقة التي ذكرناها أصوب إن شاء الله ومجموع أحاديث ابن عباس عليها تدل لأن قوله في حديث أحمد: ( خالفوا اليهود صوموا يوما قبله أو يوما بعده ) وقوله في حديث الترمذي: ( أمرنا بصيام عاشوراء يوم العاشر ) يبين صحة الطريقة التي سلكناها. والله أعلم.  [فصل صوم يوم عرفة] فصل وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إفطار يوم عرفة بعرفة ثبت عنه ذلك في quot; الصحيحين quot;. وروي عنه أنه ( نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة )  رواه عنه أهل السنن. وصح عنه أن ( صيامه يكفر السنة الماضية والباقية )  ذكره مسلم. وقد ذكر لفطره بعرفة عدة حكم. منها أنه أقوى على الدعاء.(2\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "548",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9114",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: أن الفطر في السفر أفضل في فرض الصوم فكيف بنفله. ومنها: أن ذلك اليوم كان يوم الجمعة وقد ( نهى عن إفراده بالصوم ) فأحب أن يرى الناس فطره فيه تأكيدا لنهيه عن تخصيصه بالصوم وإن كان صومه لكونه يوم عرفة لا يوم جمعة وكان شيخنا رحمه الله يسلك مسلكا آخر وهو أنه يوم عيد لأهل عرفة لاجتماعهم فيه كاجتماع الناس يوم العيد وهذا الاجتماع يختص بمن بعرفة دون أهل الآفاق. قال: وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا في الحديث الذي رواه أهل السنن: ( يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام ) . ومعلوم أن كونه عيدا هو لأهل ذلك الجمع لاجتماعهم فيه. والله أعلم.  [صوم يومي السبت والأحد] فصل وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم السبت والأحد كثيرا يقصد بذلك مخالفة اليهود والنصارى كما في quot; المسند quot; وquot; سنن النسائي quot; عن كريب مولى ابن عباس قال: ( أرسلني ابن عباس رضي الله عنه وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أم سلمة أسألها أي الأيام كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثرها صياما قالت: يوم السبت والأحد ويقول: إنهما عيد للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم ) . وفي صحة هذا(2\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "549",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9115",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحديث نظر فإنه من رواية محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب وقد استنكر بعض حديثه. وقد قال عبد الحق في quot; أحكامه quot; من حديث ابن جريج عن عباس بن عبد الله بن عباس عن عمه الفضل زار النبي صلى الله عليه وسلم عباسا في بادية لنا . ثم قال: إسناده ضعيف. قال ابن القطان: هو كما ذكر ضعيف ولا يعرف حال محمد بن عمر. وذكر حديثه هذا عن أم سلمة في صيام يوم السبت والأحد وقال سكت عنه عبد الحق مصححا له ومحمد بن عمر هذا لا يعرف حاله ويرويه عنه ابنه عبد الله بن محمد بن عمر ولا يعرف أيضا حاله فالحديث أراه حسنا. والله أعلم. وقد روى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن بسر السلمي عن أخته الصماء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه ) . فاختلف الناس في هذين الحديثين. فقال مالك رحمه الله: هذا كذب يريد حديث عبد الله بن بسر ذكره عنه أبو داود قال الترمذي: هو حديث حسن وقال أبو داود: هذا الحديث منسوخ وقال النسائي: هو حديث مضطرب وقال جماعة من أهل العلم: لا تعارض بينه وبين حديث أم سلمة فإن النهي عن صومه إنما هو عن إفراده وعلى ذلك ترجم أبو داود فقال: باب النهي أن يخص يوم السبت بالصوم وحديث صيامه إنما هو مع يوم الأحد. قالوا:(2\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "550",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9116",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونظير هذا أنه ( نهى عن إفراد يوم الجمعة بالصوم إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده )  وبهذا يزول الإشكال الذي ظنه من قال: إن صومه نوع تعظيم له فهو موافقة لأهل الكتاب في تعظيمه وإن تضمن مخالفتهم في صومه فإن التعظيم إنما يكون إذا أفرد بالصوم ولا ريب أن الحديث لم يجئ بإفراده وأما إذا صامه مع غيره لم يكن فيه تعظيم. والله أعلم.  [فصل صيام الدهر] فصل ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم سرد الصوم وصيام الدهر بل قد قال: ( من صام الدهر لا صام ولا أفطر ) وليس مراده بهذا من صام الأيام المحرمة فإنه ذكر ذلك جوابا لمن قال: أرأيت من صام الدهر ولا يقال في جواب من فعل المحرم: لا صام ولا أفطر فإن هذا يؤذن بأنه سواء فطره وصومه لا يثاب عليه ولا يعاقب وليس كذلك من فعل ما حرم الله عليه من الصيام فليس هذا جوابا مطابقا للسؤال عن المحرم من الصوم وأيضا فإن هذا عند من استحب صوم الدهر قد فعل مستحبا وحراما وهو عندهم قد صام بالنسبة إلى أيام الاستحباب وارتكب محرما بالنسبة إلى أيام التحريم وفي كل منهما لا يقال: quot; لا صام ولا أفطر quot;. فتنزيل قوله على ذلك غلط ظاهر. وأيضا فإن أيام التحريم مستثناة بالشرع غير قابلة للصوم شرعا فهي بمنزلة الليل شرعا وبمنزلة أيام الحيض فلم يكن الصحابة ليسألوه عن صومها وقد علموا عدم قبولها للصوم ولم يكن ليجيبهم لو لم يعلموا التحريم بقوله: (لا صام ولا أفطر) فإن هذا ليس فيه بيان للتحريم.(2\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "551",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9117",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهديه لا شك فيه أن صيام يوم وفطر يوم أفضل من صوم الدهر وأحب إلى الله. وسرد صيام الدهر مكروه فإنه لو لم يكن مكروها لزم أحد ثلاثة أمور ممتنعة: أن يكون أحب إلى الله من صوم يوم وفطر يوم وأفضل منه لأنه زيادة عمل وهذا مردود بالحديث الصحيح: ( إن أحب الصيام إلى الله صيام داود ) وإنه لا أفضل منه. وإما أن يكون مساويا في الفضل وهو ممتنع أيضا وإما أن يكون مباحا متساوي الطرفين لا استحباب فيه ولا كراهة وهذا ممتنع إذ ليس هذا شأن العبادات بل إما أن تكون راجحة أو مرجوحة والله أعلم. فإن قيل: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من صام رمضان وأتبعه ستة أيام من شوال فكأنما صام الدهر ) . وقال فيمن صام ثلاثة أيام من كل شهر: (إن ذلك يعدل صوم الدهر)   وذلك يدل على أن صوم الدهر أفضل مما عدل به وأنه أمر مطلوب وثوابه أكثر من ثواب الصائمين حتى شبه به من صام هذا الصيام. قيل: نفس هذا التشبيه في الأمر المقدر لا يقتضي جوازه فضلا عن استحبابه وإنما يقتضي التشبيه به في ثوابه لو كان مستحبا والدليل عليه من نفس الحديث فإنه جعل صيام ثلاثة أيام من كل شهر بمنزلة صيام الدهر إذ الحسنة بعشر أمثالها وهذا يقتضي أن يحصل له ثواب من صام ثلاثمائة وستين يوما ومعلوم أن هذا حرام قطعا فعلم أن المراد به حصول هذا الثواب على(2\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "552",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9118",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يوما. وكذلك قوله في صيام ستة أيام من شوال إنه يعدل مع صيام رمضان السنة ثم قرأ: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها [الأنعام: 160] [الأنعام: 160]  فهذا صيام ستة وثلاثين يوما تعدل صيام ثلاثمائة وستين يوما وهو غير جائز بالاتفاق بل قد يجيء مثل هذا فيما يمتنع فعل المشبه به عادة بل يستحيل وإنما شبه به من فعل ذلك على تقدير إمكانه كقوله لمن سأله عن عمل يعدل الجهاد: ( هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تقوم ولا تفتر وأن تصوم ولا تفطر )  ومعلوم أن هذا ممتنع عادة كامتناع صوم ثلاثمائة وستين يوما شرعا وقد شبه العمل الفاضل بكل منهما يزيده وضوحا: أن أحب القيام إلى الله قيام داود وهو أفضل من قيام الليل كله بصريح السنة الصحيحة وقد مثل ( من صلى العشاء الآخرة والصبح في جماعة بمن قام الليل كله ) . فإن قيل: فما تقولون في حديث أبي موسى الأشعري: ( من صام الدهر ضيقت عليه جهنم حتى تكون هكذا وقبض كفه ) وهو في quot; مسند أحمد quot; . قيل قد اختلف في معنى هذا الحديث. فقيل: ضيقت عليه حصرا له فيها لتشديده على نفسه وحمله عليها ورغبته عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتقاده أن غيره أفضل منه. وقال آخرون: بل ضيقت عليه فلا يبقى له فيها موضع(2\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "553",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9119",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "فصل في حكم صوم المتطوع",
        "content": "ورجحت هذه الطائفة هذا التأويل بأن الصائم لما ضيق على نفسه مسالك الشهوات وطرقها بالصوم ضيق الله عليه النار فلا يبقى له فيها مكان لأنه ضيق طرقها عنه ورجحت الطائفة الأولى تأويلها بأن قالت: لو أراد هذا المعنى لقال: ضيقت عنه وأما التضييق عليه فلا يكون إلا وهو فيها. قالوا: وهذا التأويل موافق لأحاديث كراهة صوم الدهر وأن فاعله بمنزلة من لم يصم والله أعلم.  [فصل في حكم صوم المتطوع] فصل ( وكان صلى الله عليه وسلم يدخل على أهله فيقول: quot; هل عندكم شيء quot; فإن قالوا: لا. قال: quot; إني إذا صائم quot; فينشئ النية للتطوع من النهار ) وكان أحيانا ينوي صوم التطوع ثم يفطر بعد أخبرت عنه عائشة رضي الله عنها بهذا وهذا فالأول في quot; صحيح مسلم quot; والثاني: في quot; كتاب النسائي quot;. وأما الحديث الذي في quot; السنن quot; عن عائشة: ( كنت أنا وحفصة صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه(2\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "554",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9120",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأكلنا منه فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدرتني إليه حفصة وكانت ابنة أبيها فقالت: يا رسول الله: إنا كنا صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه فقال: اقضيا يوما مكانه ) فهو حديث معلول. قال الترمذي: رواه مالك بن أنس ومعمر وعبد الله بن عمر وزياد بن سعد وغير واحد من الحفاظ عن الزهري عن عائشة مرسلا لم يذكروا فيه عن عروة وهذا أصح. ورواه أبو داود والنسائي عن حيوة بن شريح عن ابن الهاد عن زميل مولى عروة عن عروة عن عائشة موصولا قال النسائي: زميل ليس بالمشهور وقال البخاري: لا يعرف لزميل سماع من عروة ولا ليزيد بن الهاد من زميل ولا تقوم به الحجة. وكان صلى الله عليه وسلم إذا كان صائما ونزل على قوم أتم صيامه ولم يفطر كما ( دخل على أم سليم فأتته بتمر وسمن فقال: أعيدوا سمنكم في سقائه وتمركم في وعائه فإني صائم ) . ولكن أم سليم كانت عنده بمنزلة أهل بيته وقد ثبت عنه في quot; الصحيح quot;: عن أبي هريرة رضي الله عنه: ( إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل: إني صائم ) .(2\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "555",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9121",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الحديث الذي رواه ابن ماجه والترمذي والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها ترفعه ( من نزل على قوم فلا يصومن تطوعا إلا بإذنهم )  فقال الترمذي: هذا الحديث منكر لا نعرف أحدا من الثقات روى هذا الحديث عن هشام بن عروة.  [كراهية تخصيص يوم الجمعة بالصوم] فصل وكان من هديه صلى الله عليه وسلم كراهة تخصيص يوم الجمعة بالصوم فعلا منه وقولا. فصح النهي عن إفراده بالصوم من حديث جابر بن عبد الله وأبي هريرة وجويرية بنت الحارث وعبد الله بن عمرو وجنادة الأزدي وغيرهم. وشرب يوم الجمعة وهو على المنبر يريهم أنه لا يصوم يوم الجمعة ذكره الإمام أحمد وعلل المنع من صومه بأنه يوم عيد فروى الإمام أحمد من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده ) . فإن قيل: فيوم العيد لا يصام مع ما قبله ولا بعده. قيل: لما كان يوم الجمعة مشبها بالعيد أخذ من شبهه النهي عن تحري صيامه فإذا صام ما قبله أو(2\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "556",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9122",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما بعده لم يكن قد تحراه وكان حكمه حكم صوم الشهر أو العشر منه أو صوم يوم وفطر يوم أو صوم يوم عرفة وعاشوراء إذا وافق يوم جمعة فإنه لا يكره صومه في شيء من ذلك. فإن قيل فما تصنعون بحديث عبد الله بن مسعود قال: ( ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر في يوم الجمعة )  رواه أهل السنن. قيل: نقبله إن كان صحيحا ويتعين حمله على صومه مع ما قبله أو بعده ونرده إن لم يصح فإنه من الغرائب. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى متوقفا على جمعيته على الله ولم شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى فإن شعث القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى وكان فضول الطعام والشراب وفضول مخالطة الأنام وفضول الكلام وفضول المنام مما يزيده شعثا ويشتته في كل واد ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى أو يضعفه أو يعوقه ويوقفه اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوقة له عن سيره إلى الله تعالى وشرعه بقدر المصلحة بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه ولا يضره ولا يقطعه عن مصالحه العاجلة والآجلة. وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى وجمعيته عليه والخلوة به والانقطاع عن الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده سبحانه بحيث يصير ذكره وحبه والإقبال(2\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "557",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9123",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه في محل هموم القلب وخطراته فيستولي عليه بدلها ويصير الهم كله به والخطرات كلها بذكره والتفكر في تحصيل مراضيه وما يقرب منه فيصير أنسه بالله بدلا عن أنسه بالخلق فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له ولا ما يفرح به سواه فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم. ولما كان هذا المقصود إنما يتم مع الصوم شرع الاعتكاف في أفضل أيام الصوم وهو العشر الأخير من رمضان ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف مفطرا قط بل قد قالت عائشة: ( لا اعتكاف إلا بصوم ) . ولم يذكر الله سبحانه الاعتكاف إلا مع الصوم ولا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مع الصوم. فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف: أن الصوم شرط في الاعتكاف وهو الذي كان يرجحه شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية. وأما الكلام فإنه شرع للأمة حبس اللسان عن كل ما لا ينفع في الآخرة. وأما فضول المنام فإنه شرع لهم من قيام الليل ما هو من أفضل السهر وأحمده عاقبة وهو السهر المتوسط الذي ينفع القلب والبدن ولا يعوق عن مصلحة العبد ومدار رياضة أرباب الرياضات والسلوك على هذه الأركان(2\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "558",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9124",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأربعة وأسعدهم بها من سلك فيها المنهاج النبوي المحمدي ولم ينحرف انحراف الغالين ولا قصر تقصير المفرطين وقد ذكرنا هديه صلى الله عليه وسلم في صيامه وقيامه وكلامه فلنذكر هديه في اعتكافه. كان صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل وتركه مرة فقضاه في شوال. واعتكف مرة في العشر الأول ثم الأوسط ثم العشر الأخير يلتمس ليلة القدر ثم تبين له أنها في العشر الأخير فداوم على اعتكافه حتى لحق بربه عز وجل. وكان يأمر بخباء فيضرب له في المسجد يخلو فيه بربه عز وجل. وكان إذا أراد الاعتكاف صلى الفجر ثم دخله فأمر به مرة فضرب فأمر أزواجه بأخبيتهن فضربت فلما صلى الفجر نظر فرأى تلك الأخبية فأمر بخبائه فقوض وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في العشر الأول من شوال. وكان يعتكف كل سنة عشرة أيام فلما كان في العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوما وكان يعارضه جبريل بالقرآن كل سنة مرة فلما كان ذلك العام(2\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "559",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9125",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عارضه به مرتين وكان يعرض عليه القرآن أيضا في كل سنة مرة فعرض عليه تلك السنة مرتين. وكان إذا اعتكف دخل قبته وحده وكان لا يدخل بيته في حال اعتكافه إلا لحاجة الإنسان وكان يخرج رأسه من المسجد إلى بيت عائشة فترجله وتغسله وهو في المسجد وهي حائض وكانت بعض أزواجه تزوره وهو معتكف. فإذا قامت تذهب قام معها يقلبها وكان ذلك ليلا ولم يباشر امرأة من نسائه وهو معتكف لا بقبلة ولا غيرها وكان إذا اعتكف طرح له فراشه ووضع له سريره في معتكفه وكان إذا خرج لحاجته مر بالمريض وهو على طريقه فلا يعرج عليه ولا يسأل عنه. واعتكف مرة في قبة تركية وجعل على سدتها حصيرا كل(2\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "560",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9126",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا تحصيلا لمقصود الاعتكاف وروحه عكس ما يفعله الجهال من اتخاذ المعتكف موضع عشرة ومجلبة للزائرين وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم فهذا لون والاعتكاف النبوي لون. والله الموفق.  [في هديه صلى الله عليه وسلم في حجه وعمره] [العمرات التي اعتمرها صلى الله عليه وسلم وأنها كانت في ذي القعدة] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في حجه وعمره اعتمر صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة أربع عمر كلهن في ذي القعدة. الأولى: عمرة الحديبية وهي أولاهن سنة ست فصده المشركون عن البيت فنحر البدن حيث صد بالحديبية وحلق هو وأصحابه رءوسهم وحلوا من إحرامهم ورجع من عامه إلى المدينة. الثانية: عمرة القضية في العام المقبل دخل مكة فأقام بها ثلاثا ثم خرج بعد إكمال عمرته واختلف: هل كانت قضاء للعمرة التي صد عنها في العام الماضي أم عمرة مستأنفة على قولين للعلماء: وهما روايتان عن الإمام أحمد إحداهما: أنها قضاء وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله. والثانية: ليست بقضاء وهو قول مالك رحمه الله والذين قالوا: كانت قضاء احتجوا بأنها سميت عمرة القضاء وهذا الاسم تابع للحكم. وقال آخرون: القضاء هنا من المقاضاة لأنه قاضى أهل مكة عليها لا أنه من قضى قضاء. قالوا: ولهذا سميت عمرة القضية. قالوا: والذين صدوا عن البيت كانوا ألفا وأربعمائة وهؤلاء كلهم لم يكونوا معه في عمرة القضية ولو كانت قضاء لم يتخلف منهم أحد وهذا القول أصح لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر من كان معه بالقضاء.(2\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "561",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9127",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالثة: عمرته التي قرنها مع حجته فإنه كان قارنا لبضعة عشر دليلا سنذكرها عن قريب إن شاء الله. الرابعة: عمرته من الجعرانة لما خرج إلى حنين ثم رجع إلى مكة فاعتمر من الجعرانة داخلا إليها. ففي quot; الصحيحين quot;: عن أنس بن مالك قال: ( اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي كانت مع حجته: عمرة من الحديبية أو زمن الحديبية في ذي القعدة وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة وعمرة مع حجته ) . ولم يناقض هذا ما في quot; الصحيحين quot; عن البراء بن عازب قال: ( اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين )  لأنه أراد العمرة المفردة المستقلة ولا ريب أنهما اثنتان فإن عمرة القران لم تكن مستقلة وعمرة الحديبية صد عنها وحيل بينه(2\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "562",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9128",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبين إتمامها ولذلك قال ابن عباس: ( اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر. عمرة الحديبية وعمرة القضاء من قابل والثالثة من الجعرانة والرابعة مع حجته ) ذكره الإمام أحمد. ولا تناقض بين حديث أنس: أنهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته وبين قول عائشة وابن عباس: لم يعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في ذي القعدة  لأن مبدأ عمرة القران كان في ذي القعدة ونهايتها كان في ذي الحجة مع انقضاء الحج فعائشة وابن عباس أخبرا عن ابتدائها وأنس أخبر عن انقضائها. فأما قول عبد الله بن عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أربعا إحداهن في رجب  فوهم منه رضي الله عنه. قالت عائشة لما بلغها ذلك عنه: يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة قط إلا وهو شاهد وما اعتمر في رجب قط . وأما ما رواه الدارقطني ( عن عائشة قالت: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة في رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتممت فقلت بأبي وأمي أفطرت وصمت وقصرت وأتممت فقال: أحسنت يا عائشة ) فهذا الحديث غلط(2\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "563",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9129",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في رمضان قط وعمره مضبوطة العدد والزمان ونحن نقول: يرحم الله أم المؤمنين ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان قط وقد قالت عائشة رضي الله عنها: لم يعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في ذي القعدة  رواه ابن ماجه وغيره. ولا خلاف أن عمره لم تزد على أربع فلو كان قد اعتمر في رجب لكانت خمسا ولو كان قد اعتمر في رمضان لكانت ستا إلا أن يقال: بعضهن في رجب وبعضهن في رمضان وبعضهن في ذي القعدة وهذا لم يقع وإنما الواقع اعتماره في ذي القعدة كما قال أنس رضي الله عنه وابن عباس رضي الله عنه وعائشة رضي الله عنها. وقد روى أبو داود في quot; سننه quot; عن عائشة: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في شوال ) . وهذا إذا كان محفوظا فلعله في عمرة الجعرانة حين خرج في شوال ولكن إنما أحرم بها في ذي القعدة. ولم يكن في عمره عمرة واحدة خارجا من مكة كما يفعل كثير من الناس اليوم وإنما كانت عمره كلها داخلا إلى مكة وقد أقام بعد الوحي بمكة ثلاث عشرة سنة لم ينقل عنه أنه اعتمر خارجا من مكة في تلك المدة أصلا. فالعمرة التي فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرعها هي عمرة الداخل إلى مكة لا عمرة من كان بها فيخرج إلى الحل ليعتمر ولم يفعل هذا على عهده أحد قط إلا عائشة وحدها بين سائر من كان معه لأنها كانت قد أهلت بالعمرة فحاضت(2\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "564",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9130",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأمرها فأدخلت الحج على العمرة وصارت قارنة وأخبرها أن طوافها بالبيت وبين الصفا والمروة قد وقع عن حجتها وعمرتها فوجدت في نفسها أن يرجع صواحباتها بحج وعمرة مستقلين فإنهن كن متمتعات ولم يحضن ولم يقرن وترجع هي بعمرة في ضمن حجتها فأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم تطييبا لقلبها ولم يعتمر هو من التنعيم في تلك الحجة ولا أحد ممن كان معه وسيأتي مزيد تقرير لهذا وبسط له عن قريب إن شاء الله تعالى.  [فصل في كون عمر الرسول صلى الله عليه وسلم كلها كانت في أشهر الحج] فصل دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعد الهجرة خمس مرات سوى المرة الأولى فإنه وصل إلى الحديبية وصد عن الدخول إليها أحرم في أربع منهن من الميقات لا قبله فأحرم عام الحديبية من ذي الحليفة ثم دخلها المرة الثانية فقضى عمرته وأقام بها ثلاثا ثم خرج ثم دخلها في المرة الثالثة عام الفتح في رمضان بغير إحرام ثم خرج منها إلى حنين ثم دخلها بعمرة من الجعرانة ودخلها في هذه العمرة ليلا وخرج ليلا فلم يخرج من مكة إلى الجعرانة ليعتمر كما يفعل أهل مكة اليوم وإنما أحرم منها في حال دخوله إلى مكة ولما قضى عمرته ليلا رجع من فوره إلى الجعرانة فبات بها فلما أصبح وزالت الشمس خرج من بطن سرف حتى جامع الطريق [طريق جمع ببطن سرف]  ولهذا خفيت هذه العمرة على كثير من الناس. والمقصود أن عمره كلها كانت في أشهر الحج مخالفة لهدي المشركين فإنهم كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج ويقولون: هي من أفجر الفجور وهذا دليل على أن الاعتمار في أشهر الحج أفضل منه في رجب بلا شك. وأما المفاضلة بينه وبين الاعتمار في رمضان فموضع نظر فقد صح عنه(2\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "565",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9131",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنه أمر أم معقل لما فاتها الحج معه أن تعتمر في رمضان وأخبرها أن عمرة في رمضان تعدل حجة. وأيضا: فقد اجتمع في عمرة رمضان أفضل الزمان وأفضل البقاع ولكن الله لم يكن ليختار لنبيه صلى الله عليه وسلم في عمره إلا أولى الأوقات وأحقها بها فكانت العمرة في أشهر الحج نظير وقوع الحج في أشهره وهذه الأشهر قد خصها الله تعالى بهذه العبادة وجعلها وقتا لها والعمرة حج أصغر فأولى الأزمنة بها أشهر الحج وذو القعدة أوسطها وهذا مما نستخير الله فيه فمن كان عنده فضل علم فليرشد إليه. وقد يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشتغل في رمضان من العبادات بما هو أهم من العمرة ولم يكن يمكنه الجمع بين تلك العبادات وبين العمرة فأخر(2\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "566",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9132",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العمرة إلى أشهر الحج ووفر نفسه على تلك العبادات في رمضان مع ما في ترك ذلك من الرحمة بأمته والرأفة بهم فإنه لو اعتمر في رمضان لبادرت الأمة إلى ذلك وكان يشق عليها الجمع بين العمرة والصوم وربما لا تسمح أكثر النفوس بالفطر في هذه العبادة حرصا على تحصيل العمرة وصوم رمضان فتحصل المشقة فأخرها إلى أشهر الحج وقد كان يترك كثيرا من العمل وهو يحب أن يعمله خشية المشقة عليهم. ولما دخل البيت خرج منه حزينا فقالت له عائشة في ذلك فقال: ( إني أخاف أن أكون قد شققت على أمتي )  وهم أن ينزل يستسقي مع سقاة زمزم للحاج فخاف أن يغلب أهلها على سقايتهم بعده. والله أعلم.  [لم يعتمر صلى الله عليه وسلم في السنة إلا مرة واحدة] فصل ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم أنه اعتمر في السنة إلا مرة واحدة ولم يعتمر في سنة مرتين وقد ظن بعض الناس أنه اعتمر في سنة مرتين واحتج بما رواه أبو داود في quot; سننه quot; عن عائشة ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر عمرتين: عمرة في ذي القعدة وعمرة في شوال ) قالوا: وليس المراد بها ذكر مجموع ما اعتمر فإن أنسا(2\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "567",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9133",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعائشة وابن عباس وغيرهم قد قالوا: إنه اعتمر أربع عمر فعلم أن مرادها به أنه اعتمر في سنة مرتين: مرة في ذي القعدة ومرة في شوال وهذا الحديث وهم وإن كان محفوظا عنها فإن هذا لم يقع قط فإنه اعتمر أربع عمر بلا ريب: العمرة الأولى كانت في ذي القعدة عمرة الحديبية ثم لم يعتمر إلى العام القابل فاعتمر عمرة القضية في ذي القعدة ثم رجع إلى المدينة ولم يخرج إلى مكة حتى فتحها سنة ثمان في رمضان ولم يعتمر ذلك العام ثم خرج إلى حنين في ست من شوال وهزم الله أعداءه فرجع إلى مكة وأحرم بعمرة وكان ذلك في ذي القعدة كما قال أنس وابن عباس: فمتى اعتمر في شوال ولكن لقي العدو في شوال وخرج فيه من مكة وقضى عمرته لما فرغ من أمر العدو في ذي القعدة ليلا ولم يجمع ذلك العام بين عمرتين ولا قبله ولا بعده ومن له عناية بأيامه صلى الله عليه وسلم وسيرته وأحواله لا يشك ولا يرتاب في ذلك. فإن قيل فبأي شيء يستحبون العمرة في السنة مرارا إذا لم يثبتوا ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم قيل: قد اختلف في هذه المسألة فقال مالك: أكره أن يعتمر في السنة أكثر من عمرة واحدة وخالفه مطرف من أصحابه وابن المواز قال مطرف: لا بأس بالعمرة في السنة مرارا وقال ابن المواز: أرجو أن لا يكون به بأس وقد اعتمرت عائشة مرتين في شهر ولا أرى أن يمنع أحد من التقرب إلى الله بشيء من الطاعات ولا من الازدياد من الخير في موضع ولم يأت بالمنع منه نص وهذا قول الجمهور إلا أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى استثنى خمسة أيام لا يعتمر فيها: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق. واستثنى أبو يوسف رحمه الله تعالى: يوم النحر وأيام التشريق خاصة واستثنت الشافعية: البائت بمنى لرمي أيام التشريق. واعتمرت عائشة في سنة مرتين. فقيل للقاسم: لم ينكر عليها أحد فقال: أعلى أم المؤمنين وكان أنس إذا حمم رأسه(2\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "568",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9134",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خرج فاعتمر. ويذكر عن علي رضي الله عنه أنه كان يعتمر في السنة مرارا وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ) . ويكفي في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أعمر عائشة من التنعيم سوى عمرتها التي كانت أهلت بها وذلك في عام واحد ولا يقال: عائشة كانت قد رفضت العمرة فهذه التي أهلت بها من التنعيم قضاء عنها ; لأن العمرة لا يصح رفضها. وقد قال لها النبي صلى الله عليه وسلم ( يسعك طوافك لحجك وعمرتك ) وفي لفظ ( حللت منهما جميعا ) . فإن قيل قد ثبت في quot; صحيح البخاري quot;: ( أنه صلى الله عليه وسلم قال لها: ارفضي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي )  وفي لفظ آخر ( انقضي رأسك وامتشطي ) وفي لفظ ( أهلي بالحج ودعي العمرة )  فهذا صريح في رفضها من وجهين أحدهما: قوله ارفضيها ودعيها والثاني: أمره لها بالامتشاط. قيل معنى قوله ارفضيها: اتركي أفعالها والاقتصار عليها وكوني في حجة معها ويتعين أن يكون هذا هو المراد بقوله: (حللت منهما جميعا) لما قضت أعمال الحج. وقوله: ( يسعك طوافك لحجك وعمرتك )  فهذا صريح في أن إحرام العمرة لم يرفض وإنما رفضت أعمالها والاقتصار عليها وأنها بانقضاء(2\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "569",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9135",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حجها انقضى حجها وعمرتها ثم أعمرها من التنعيم تطييبا لقلبها إذ تأتي بعمرة مستقلة كصواحباتها ويوضح ذلك إيضاحا بينا ما روى مسلم في quot; صحيحه quot; من حديث الزهري عن عروة عنها ( قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فحضت فلم أزل حائضا حتى كان يوم عرفة ولم أهل إلا بعمرة فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنقض رأسي وأمتشط وأهل بالحج وأترك العمرة قالت: ففعلت ذلك حتى إذا قضيت حجي بعث معي رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن أبي بكر وأمرني أن أعتمر من التنعيم مكان عمرتي التي أدركني الحج ولم أهل منها ) فهذا حديث في غاية الصحة والصراحة أنها لم تكن أحلت من عمرتها وأنها بقيت محرمة حتى أدخلت عليها الحج فهذا خبرها عن نفسها وذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لها كل منهما يوافق الآخر وبالله التوفيق. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: ( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) دليل على التفريق بين الحج والعمرة في التكرار وتنبيه على ذلك إذ لو كانت العمرة كالحج لا تفعل في السنة إلا مرة لسوى بينهما ولم يفرق. وروى الشافعي رحمه الله (عن علي رضي الله عنه أنه قال: اعتمر في كل شهر مرة) وروى وكيع عن إسرائيل عن سويد بن أبي ناجية عن أبي جعفر قال (قال علي رضي الله عنه: اعتمر في الشهر إن أطقت مرارا) وذكر سعيد بن منصور عن سفيان بن أبي حسين عن بعض ولد أنس (أن أنسا كان إذا كان بمكة فحمم رأسه خرج إلى التنعيم فاعتمر) .(2\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "570",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9136",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في سياق هديه صلى الله عليه وسلم في حجته] فصل في سياق هديه صلى الله عليه وسلم في حجته لا خلاف أنه لم يحج بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة واحدة وهي حجة الوداع ولا خلاف أنها كانت سنة عشر. واختلف: هل حج قبل الهجرة فروى الترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: ( حج النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث حجج: حجتين قبل أن يهاجر وحجة بعدما هاجر معها عمرة ) . قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث سفيان. قال وسألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا فلم يعرفه من حديث الثوري وفي رواية لا يعد هذا الحديث محفوظا. ولما نزل فرض الحج بادر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحج من غير تأخير فإن فرض الحج تأخر إلى سنة تسع أو عشر وأما قوله تعالى: وأتموا الحج والعمرة لله [البقرة: 196] [البقرة: 196]  فإنها وإن نزلت سنة ست عام الحديبية فليس فيها فرضية الحج وإنما فيها الأمر بإتمامه وإتمام العمرة بعد الشروع فيهما وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء فإن قيل: فمن أين لكم تأخير نزول فرضه إلى التاسعة أو العاشرة قيل: لأن صدر سورة آل عمران نزل عام الوفود وفيه قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصالحهم على أداء الجزية والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع وفيها نزل صدر سورة آل عمران وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى التوحيد والمباهلة ويدل عليه أن أهل مكة وجدوا في نفوسهم على ما فاتهم من التجارة من المشركين لما أنزل الله تعالى: ياأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا [التوبة: 28] [التوبة: 28]  فأعاضهم الله تعالى من ذلك بالجزية. ونزول هذه الآيات والمناداة بها إنما كان في سنة(2\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "571",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9137",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "فصل في وصف حجة النبي",
        "content": "تسع وبعث الصديق يؤذن بذلك في مكة في مواسم الحج وأردفه بعلي رضي الله عنه وهذا الذي ذكرناه قد قاله غير واحد من السلف. والله أعلم.  [فصل في وصف حجة النبي] فصل ولما عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحج أعلم الناس أنه حاج فتجهزوا للخروج معه وسمع ذلك من حول المدينة فقدموا يريدون الحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ووافاه في الطريق خلائق لا يحصون فكانوا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله مد البصر وخرج من المدينة نهارا بعد الظهر لست بقين من ذي القعدة بعد أن صلى الظهر بها أربعا وخطبهم قبل ذلك خطبة علمهم فيها الإحرام وواجباته وسننه. وقال ابن حزم: وكان خروجه يوم الخميس قلت: والظاهر أن خروجه كان يوم السبت واحتج ابن حزم على قوله بثلاث مقدمات إحداها: أن خروجه كان لست بقين من ذي القعدة. والثانية: أن استهلال ذي الحجة كان يوم الخميس. والثالثة: أن يوم عرفة كان يوم الجمعة واحتج على أن خروجه كان لست بقين من ذي القعدة بما روى البخاري من حديث ابن عباس انطلق النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة بعدما ترجل وادهن. . . فذكر الحديث. وقال: وذلك لخمس بقين من ذي القعدة. قال ابن حزم: وقد نص ابن عمر على أن يوم عرفة كان يوم الجمعة وهو التاسع واستهلال ذي الحجة بلا شك ليلة الخميس فآخر ذي القعدة يوم(2\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "572",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9138",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأربعاء فإذا كان خروجه لست بقين من ذي القعدة كان يوم الخميس إذ الباقي بعده ست ليال سواه. ووجه ما اخترناه أن الحديث صريح في أنه خرج لخمس بقين وهي يوم السبت والأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء فهذه خمس وعلى قوله يكون خروجه لسبع بقين. فإن لم يعد يوم الخروج كان لست وأيهما كان فهو خلاف الحديث. وإن اعتبر الليالي كان خروجه لست ليال بقين لا لخمس فلا يصح الجمع بين خروجه يوم الخميس وبين بقاء خمس من الشهر البتة بخلاف ما إذا كان الخروج يوم السبت فإن الباقي بيوم الخروج خمس بلا شك ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر لهم في خطبته على منبره شأن الإحرام وما يلبس المحرم بالمدينة والظاهر أن هذا كان يوم الجمعة لأنه لم ينقل أنه جمعهم ونادى فيهم لحضور الخطبة وقد شهد ابن عمر رضي الله عنهما هذه الخطبة بالمدينة على منبره. وكان من عادته صلى الله عليه وسلم أن يعلمهم في كل وقت ما يحتاجون إليه إذا حضر فعله فأولى الأوقات به الجمعة التي يليها خروجه والظاهر أنه لم يكن ليدع الجمعة وبينه وبينها بعض يوم من غير ضرورة وقد اجتمع إليه الخلق وهو أحرص الناس على تعليمهم الدين وقد حضر ذلك الجمع العظيم والجمع بينه وبين الحج ممكن بلا تفويت. والله أعلم. ولما علم أبو محمد ابن حزم أن قول ابن عباس رضي الله عنه وعائشة رضي الله عنها: خرج لخمس بقين من ذي القعدة لا يلتئم مع قوله أوله: بأن قال: معناه أن اندفاعه من ذي الحليفة كان لخمس قال: وليس بين ذي الحليفة وبين المدينة إلا أربعة أميال فقط فلم تعد هذه المرحلة القريبة لقلتها وبهذا تأتلف جميع الأحاديث. قال: ولو كان خروجه من المدينة لخمس بقين لذي القعدة لكان خروجه بلا شك يوم الجمعة وهذا خطأ لأن الجمعة لا تصلى أربعا وقد ذكر أنس أنهم ( صلوا الظهر معه بالمدينة أربعا ) قال: ويزيده(2\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "573",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9139",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وضوحا ثم ساق من طريق البخاري حديث كعب بن مالك: ( قلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج في سفر إذا خرج إلا يوم الخميس )  وفي لفظ آخر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كان يحب أن يخرج يوم الخميس )  فبطل خروجه يوم الجمعة لما ذكرنا عن أنس وبطل خروجه يوم السبت لأنه حينئذ يكون خارجا من المدينة لأربع بقين من ذي القعدة وهذا ما لم يقله أحد. قال: وأيضا قد صح مبيته بذي الحليفة الليلة المستقبلة من يوم خروجه من المدينة فكان يكون اندفاعه من ذي الحليفة يوم الأحد يعني: لو كان خروجه يوم السبت وصح مبيته بذي طوى ليلة دخوله مكة وصح عنه أنه دخلها صبح رابعة من ذي الحجة فعلى هذا تكون مدة سفره من المدينة إلى مكة سبعة أيام لأنه كان يكون خارجا من المدينة لو كان ذلك لأربع بقين لذي القعدة واستوى على مكة لثلاث خلون من ذي الحجة وفي استقبال الليلة الرابعة فتلك سبع ليال لا مزيد وهذا خطأ بإجماع وأمر لم يقله أحد فصح أن خروجه كان لست بقين من ذي القعدة وائتلفت الروايات كلها وانتفى التعارض عنها بحمد الله انتهى. قلت: هي متآلفة متوافقة والتعارض منتف عنها مع خروجه يوم السبت ويزول عنها الاستكراه الذي أولها عليه كما ذكرناه. وأما قول أبي محمد ابن حزم: لو كان خروجه من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة لكان خروجه يوم الجمعة إلى آخره فغير لازم بل يصح أن يخرج لخمس ويكون خروجه يوم السبت والذي غر أبا محمد أنه رأى الراوي قد حذف التاء من العدد وهي إنما تحذف من المؤنث ففهم لخمس ليال بقين وهذا إنما يكون إذا كان الخروج يوم الجمعة. فلو كان يوم السبت لكان لأربع ليال بقين وهذا بعينه ينقلب عليه فإنه لو كان(2\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "574",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9140",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خروجه يوم الخميس لم يكن لخمس ليال بقين وإنما يكون لست ليال بقين ولهذا اضطر إلى أن يؤول الخروج المقيد بالتاريخ المذكور بخمس على الاندفاع من ذي الحليفة ولا ضرورة له إلى ذلك إذ من الممكن أن يكون شهر ذي القعدة كان ناقصا فوقع الإخبار عن تاريخ الخروج بخمس بقين منه بناء على المعتاد من الشهر وهذه عادة العرب والناس في تواريخهم أن يؤرخوا بما بقي من الشهر بناء على كماله ثم يقع الإخبار عنه بعد انقضائه وظهور نقصه كذلك لئلا يختلف عليهم التاريخ فيصح أن يقول القائل: يوم الخامس والعشرين كتب لخمس بقين ويكون الشهر تسعا وعشرين وأيضا فإن الباقي كان خمسة أيام بلا شك بيوم الخروج والعرب إذا اجتمعت الليالي والأيام في التاريخ غلبت لفظ الليالي لأنها أول الشهر وهي أسبق من اليوم فتذكر الليالي ومرادها الأيام فيصح أن يقال: لخمس بقين باعتبار الأيام ويذكر لفظ العدد باعتبار الليالي فصح حينئذ أن يكون خروجه لخمس بقين ولا يكون يوم الجمعة. وأما حديث كعب فليس فيه أنه لم يكن يخرج قط إلا يوم الخميس وإنما فيه أن ذلك كان أكثر خروجه ولا ريب أنه لم يكن يتقيد في خروجه إلى الغزوات بيوم الخميس. وأما قوله لو خرج يوم السبت لكان خارجا لأربع فقد تبين أنه لا يلزم لا باعتبار الليالي ولا باعتبار الأيام. وأما قوله: إنه بات بذي الحليفة الليلة المستقبلة من يوم خروجه من المدينة إلى آخره فإنه يلزم من خروجه يوم السبت أن تكون مدة سفره سبعة أيام فهذا عجيب منه فإنه إذا خرج يوم السبت وقد بقي من الشهر خمسة أيام ودخل مكة لأربع مضين من ذي الحجة فبين خروجه من المدينة ودخوله مكة تسعة أيام وهذا غير مشكل بوجه من الوجوه فإن الطريق التي سلكها إلى مكة بين المدينة وبينها هذا المقدار وسير العرب أسرع من سير الحضر بكثير ولا سيما مع عدم المحامل والكجاوات والزوامل الثقال. والله أعلم.(2\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "575",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9141",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عدنا إلى سياق حجه فصلى الظهر بالمدينة بالمسجد أربعا ثم ترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه وخرج بين الظهر والعصر فنزل بذي الحليفة فصلى بها العصر ركعتين ثم بات بها (وصلى بها المغرب والعشاء والصبح والظهر فصلى بها خمس صلوات وكان نساؤه كلهن معه وطاف عليهن تلك الليلة فلما أراد الإحرام اغتسل غسلا ثانيا لإحرامه غير غسل الجماع الأول) ولم يذكر ابن حزم أنه اغتسل غير الغسل الأول للجنابة وقد ترك بعض الناس ذكره فإما أن يكون تركه عمدا لأنه لم يثبت عنده وإما أن يكون تركه سهوا منه وقد قال زيد بن ثابت: إنه رأى ( النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل )  قال الترمذي: حديث حسن غريب.  [حج النبي صلى الله عليه وسلم قارنا والدليل على ذلك]  وذكر الدارقطني عن عائشة قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمي وأشنان. ثم طيبته عائشة بيدها بذريرة وطيب فيه مسك في بدنه ورأسه حتى كان وبيص المسك يرى في مفارقه ولحيته ثم استدامه ولم يغسله ثم لبس إزاره ورداءه ثم صلى الظهر ركعتين ثم أهل بالحج والعمرة في مصلاه )  ولم ينقل عنه أنه صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر.(2\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "576",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9142",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( وقلد قبل الإحرام بدنه نعلين وأشعرها في جانبها الأيمن فشق صفحة سنامها وسلت الدم عنها ) . وإنما قلنا: إنه أحرم قارنا لبضعة وعشرين حديثا صحيحة صريحة في ذلك. أحدها: ما أخرجاه في quot; الصحيحين quot; عن ابن عمر قال: ( تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج ) وذكر الحديث. وثانيها: ما أخرجاه في quot; الصحيحين quot; أيضا عن عروة عن عائشة أخبرته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث ابن عمر سواء. وثالثها: ما روى مسلم في quot; صحيحه quot; من حديث قتيبة عن الليث عن نافع عن ( ابن عمر أنه قرن الحج إلى العمرة وطاف لهما طوافا واحدا ثم قال: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . ورابعها: ما روى أبو داود عن النفيلي حدثنا زهير هو ابن معاوية حدثنا إسحاق عن مجاهد: سئل ابن عمر: كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مرتين. فقالت عائشة: لقد علم ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاثا سوى التي قرن بحجته .(2\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "577",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9143",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولم يناقض هذا قول ابن عمر: ( إنه صلى الله عليه وسلم قرن بين الحج والعمرة )  لأنه أراد العمرة الكاملة المفردة ولا ريب أنهما عمرتان: عمرة القضاء وعمرة الجعرانة وعائشة رضي الله عنها أرادت العمرتين المستقلتين وعمرة القران والتي صد عنها ولا ريب أنها أربع. وخامسها: ما رواه سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( حج ثلاث حجج: حجتين قبل أن يهاجر وحجة بعدما هاجر معها عمرة ) . رواه الترمذي وغيره. وسادسها: ما رواه أبو داود عن النفيلي وقتيبة قالا: حدثنا داود بن عبد الرحمن العطار عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: ( اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر: عمرة الحديبية والثانية حين تواطئوا على عمرة من قابل والثالثة من الجعرانة والرابعة التي قرن مع حجته ) . وسابعها: ما رواه البخاري في quot; صحيحه quot; عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول: ( أتاني الليلة آت من ربي عز وجل فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة ) . وثامنها: ما رواه أبو داود عن البراء بن عازب قال: ( كنت مع علي رضي الله عنه حين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليمن فأصبت معه أواقي من ذهب فلما قدم علي من اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وجدت فاطمة(2\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "578",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9144",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رضي الله عنها قد لبست ثيابا صبيغات وقد نضحت البيت بنضوح فقالت: ما لك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أصحابه فأحلوا قال: فقلت لها: إني أهللت بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: كيف صنعت قال: قلت: أهللت بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم قال: فإني قد سقت الهدي وقرنت ) وذكر الحديث. وتاسعها: ما رواه النسائي عن عمران بن يزيد الدمشقي حدثنا عيسى بن يونس حدثنا الأعمش عن مسلم البطين عن علي بن الحسين عن (مروان بن الحكم قال: كنت جالسا عند عثمان فسمع عليا رضي الله عنه يلبي بعمرة وحجة فقال: ألم تكن تنهى عن هذا قال: بلى لكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بهما جميعا  فلم أدع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لقولك) . وعاشرها: ما رواه مسلم في quot; صحيحه quot; من حديث شعبة عن حميد بن هلال قال: سمعت مطرفا قال: قال عمران بن حصين: أحدثك حديثا عسى الله أن ينفعك به: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم (جمع بين حجة وعمرة ثم لم ينه عنه حتى مات ولم ينزل قرآن يحرمه ) . وحادي عشرها: ما رواه يحيى بن سعيد القطان وسفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: ( إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة لأنه علم أنه لا يحج بعدها ) وله طرق صحيحة إليهما.(2\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "579",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9145",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وثاني عشرها: ما رواه الإمام أحمد من حديث سراقة بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة قال: وقرن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ) إسناده ثقات. وثالث عشرها: ما رواه الإمام أحمد وابن ماجه من حديث أبي طلحة الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (جمع بين الحج والعمرة ) ورواه الدارقطني وفيه الحجاج بن أرطاة. ورابع عشرها: ما رواه أحمد من حديث الهرماس بن زياد الباهلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (قرن في حجة الوداع بين الحج والعمرة ) . وخامس عشرها: ما رواه البزار بإسناد صحيح أن ابن أبي أوفى قال: ( إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة لأنه علم أنه لا يحج بعد عامه ذلك )  وقد قيل: إن يزيد بن عطاء أخطأ في إسناده وقال آخرون: لا سبيل إلى تخطئته بغير دليل. وسادس عشرها: ما رواه الإمام أحمد من حديث جابر بن عبد الله(2\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "580",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9146",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (قرن الحج والعمرة فطاف لهما طوافا واحدا )  ورواه الترمذي وفيه الحجاج بن أرطاة وحديثه لا ينزل عن درجة الحسن ما لم ينفرد بشيء أو يخالف الثقات. وسابع عشرها: ما رواه الإمام أحمد من حديث أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أهلوا يا آل محمد بعمرة في حج ) . وثامن عشرها: ما أخرجاه في quot; الصحيحين quot; واللفظ لمسلم عن حفصة قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك قال: (إني قلدت هديي ولبدت رأسي فلا أحل حتى أحل من الحج )  وهذا يدل على أنه كان في عمرة معها حج فإنه لا يحل من العمرة حتى يحل من الحج وهذا على أصل مالك والشافعي ألزم لأن المعتمر عمرة مفردة لا يمنعه عندهما الهدي من التحلل وإنما يمنعه عمرة القران فالحديث على أصلهما نص. وتاسع عشرها: ما رواه النسائي والترمذي عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي. قال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب نهى عن(2\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "581",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9147",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك قال سعد: قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه  قال الترمذي: حديث حسن صحيح.  ومراده بالتمتع هنا بالعمرة إلى الحج: أحد نوعيه وهو تمتع القران فإنه لغة القرآن والصحابة الذين شهدوا التنزيل والتأويل شهدوا بذلك ولهذا قال ابن عمر: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فبدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج  وكذلك قالت عائشة وأيضا: فإن الذي صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو متعة القران بلا شك كما قطع به أحمد ويدل على ذلك أن عمران بن حصين قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمتعنا معه . متفق عليه. وهو الذي قال لمطرف: أحدثك حديثا عسى الله أن ينفعك به إن رسول الله صلى الله عليه وسلم (جمع بين حج وعمرة )  ثم لم ينه عنه حتى مات. وهو في quot; صحيح مسلم quot; فأخبر عن قرانه بقوله: تمتع وبقوله: ( جمع بين حج وعمرة ) . ويدل عليه أيضا ما ثبت في quot; الصحيحين quot; عن سعيد بن المسيب قال: اجتمع علي وعثمان بعسفان فقال: كان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة فقال علي: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهى عنه قال عثمان: دعنا منك فقال: إني لا أستطيع أن أدعك فلما أن رأى علي ذلك أهل بهما جميعا . هذا لفظ مسلم ولفظ البخاري: اختلف ( علي وعثمان بعسفان في المتعة فقال علي: ما تريد إلا أن تنهى عن أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى ذلك علي أهل بهما جميعا ) . وأخرج البخاري وحده من حديث مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان(2\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "582",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9148",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعليا وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما فلما رأى علي ذلك أهل بهما: لبيك بعمرة وحجة وقال: ما كنت لأدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد . فهذا يبين أن من جمع بينهما كان متمتعا عندهم وأن هذا هو الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد وافقه عثمان على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك فإنه لما قال له: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهى عنه لم يقل له: لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولولا أنه وافقه على ذلك لأنكره ثم قصد علي إلى موافقة النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به في ذلك وبيان أن فعله لم ينسخ وأهل بهما جميعا تقريرا للاقتداء به ومتابعته في القران وإظهارا لسنة نهى عنها عثمان متأولا وحينئذ فهذا دليل مستقل تمام العشرين. الحادي والعشرون ما رواه مالك في quot; الموطأ quot; عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا ) . ومعلوم أنه كان معه الهدي فهو أولى من بادر إلى ما أمر به وقد دل عليه سائر الأحاديث التي ذكرناها ونذكرها. وقد ذهب جماعة من السلف والخلف إلى إيجاب القران على من ساق الهدي والتمتع بالعمرة المفردة على من لم يسق الهدي منهم: عبد الله بن عباس وجماعة فعندهم لا يجوز العدول عما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر به أصحابه فإنه قرن وساق الهدي وأمر كل من لا هدي معه بالفسخ إلى عمرة مفردة فالواجب أن نفعل كما فعل أو كما أمر وهذا القول أصح من قول(2\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "583",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9149",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من حرم فسخ الحج إلى العمرة من وجوه كثيرة سنذكرها إن شاء الله تعالى. الثاني والعشرون: ما أخرجاه في quot; الصحيحين quot; عن أبي قلابة عن ( أنس بن مالك قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن معه بالمدينة الظهر أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين فبات بها حتى أصبح ثم ركب حتى استوت به راحلته على البيداء حمد الله وسبح [وكبر] ثم أهل بحج وعمرة )  وأهل الناس بهما فلما قدمنا أمر الناس فحلوا حتى إذا كان يوم التروية أهلوا بالحج. وفي quot; الصحيحين quot; أيضا: عن بكر بن عبد الله المزني عن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعا قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر فقال: (لبى بالحج وحده) فلقيت أنسا فحدثته بقول ابن عمر فقال أنس: ما تعدوننا إلا صبيانا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لبيك عمرة وحجا ) . وبين أنس وابن عمر في السن سنة أو سنة وشيء. وفي quot; صحيح مسلم quot; عن يحيى بن أبي إسحاق وعبد العزيز بن صهيب وحميد أنهم سمعوا أنسا قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم (أهل بهما لبيك عمرة وحجا ) . وروى أبو يوسف القاضي عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن أنس قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لبيك بحج وعمرة معا)  .(2\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "584",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9150",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروى النسائي من حديث أبي أسماء عن أنس قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يلبي بهما. وروي أيضا من حديث الحسن البصري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم (أهل بالحج والعمرة حين صلى الظهر)  . وروى البزار من حديث زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم (أهل بحج وعمرة)  . ومن حديث سليمان التيمي عن أنس كذلك وعن أبي قدامة عن أنس مثله. وذكر وكيع: حدثنا مصعب بن سليم قال: سمعت أنسا مثله قال: وحدثنا ابن أبي ليلى عن ثابت البناني عن أنس مثله وذكر الخشني: حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي قزعة عن أنس مثله. وفي quot; صحيح البخاري quot; عن قتادة عن أنس اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر  فذكرها وقال: وعمرة مع حجته وقد تقدم. وذكر عبد الرزاق: حدثنا معمر عن أيوب عن أبي قلابة وحميد بن هلال عن أنس مثله فهؤلاء ستة عشر نفسا من الثقات كلهم متفقون عن أنس أن لفظ النبي صلى الله عليه وسلم كان إهلالا بحج وعمرة معا وهم الحسن البصري وأبو قلابة وحميد بن هلال وحميد بن عبد الرحمن الطويل وقتادة ويحيى بن سعيد الأنصاري وثابت البناني وبكر بن عبد الله المزني وعبد العزيز بن صهيب وسليمان التيمي ويحيى بن أبي إسحاق وزيد بن أسلم ومصعب بن سليم وأبو أسماء وأبو قدامة عاصم بن حسين وأبو قزعة وهو سويد بن حجر الباهلي.(2\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "585",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9151",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذه أخبار أنس عن لفظ إهلاله صلى الله عليه وسلم الذي سمعه منه وهذا علي والبراء يخبران عن إخباره صلى الله عليه وسلم عن نفسه بالقران وهذا علي أيضا يخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ربه أمره بأن يفعله وعلمه اللفظ الذي يقوله عند الإحرام وهذا علي أيضا يخبر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بهما جميعا وهؤلاء بقية من ذكرنا يخبرون عنه بأنه فعله وهذا هو صلى الله عليه وسلم يأمر به آله ويأمر به من ساق الهدي. وهؤلاء الذين رووا القران بغاية البيان: عائشة أم المؤمنين وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان بإقراره لعلي وتقرير علي له وعمران بن الحصين والبراء بن عازب وحفصة أم المؤمنين وأبو قتادة وابن أبي أوفى وأبو طلحة والهرماس بن زياد وأم سلمة وأنس بن مالك وسعد بن أبي وقاص فهؤلاء هم سبعة عشر صحابيا رضي الله عنهم منهم من روى فعله ومنهم من روى لفظ إحرامه ومنهم من روى خبره عن نفسه ومنهم من روى أمره به. فإن قيل: كيف تجعلون منهم ابن عمر وجابرا وعائشة وابن عباس وهذه عائشة تقول: أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج وفي لفظ: ( أفرد الحج ) والأول في quot; الصحيحين quot; والثاني في مسلم وله لفظان هذا أحدهما والثاني: ( أهل بالحج مفردا ) وهذا ابن عمر يقول: ( لبى بالحج وحده ) ذكره البخاري وهذا ابن عباس يقول: وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج رواه مسلم(2\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "586",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9152",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا جابر يقول: ( أفرد الحج ) رواه ابن ماجه. قيل: إن كانت الأحاديث عن هؤلاء تعارضت وتساقطت فإن أحاديث الباقين لم تتعارض فهب أن أحاديث من ذكرتم لا حجة فيها على القران ولا على الإفراد لتعارضها فما الموجب للعدول عن أحاديث الباقين مع صراحتها وصحتها فكيف وأحاديثهم يصدق بعضها بعضا ولا تعارض بينها وإنما ظن من ظن التعارض لعدم إحاطته بمراد الصحابة من ألفاظهم وحملها على الاصطلاح الحادث بعدهم. ورأيت لشيخ الإسلام فصلا حسنا في اتفاق أحاديثهم نسوقه بلفظه قال: والصواب أن الأحاديث في هذا الباب متفقة ليست بمختلفة إلا اختلافا يسيرا يقع مثله في غير ذلك فإن الصحابة ثبت عنهم أنه تمتع والتمتع عندهم يتناول القران والذين روي عنهم أنه أفرد روي عنهم أنه تمتع أما الأول: ففي quot; الصحيحين quot; عن سعيد بن المسيب قال: اجتمع علي وعثمان بعسفان وكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة فقال علي رضي الله عنه: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهى عنه فقال عثمان: (دعنا منك) فقال: إني لا أستطيع أن أدعك. فلما رأى علي رضي الله عنه ذلك أهل بهما جميعا . فهذا يبين أن من جمع بينهما كان متمتعا عندهم وأن هذا هو الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم ووافقه عثمان على أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لكن كان النزاع بينهما هل ذلك الأفضل في حقنا أم لا وهل شرع فسخ الحج إلى العمرة في حقنا كما تنازع فيه الفقهاء فقد اتفق علي وعثمان على أنه تمتع والمراد بالتمتع عندهم القران. وفي quot; الصحيحين quot; عن مطرف قال: قال عمران بن حصين: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم (جمع بين حج وعمرة ثم إنه لم ينه عنه حتى مات ولم ينزل فيه قرآن يحرمه ) وفي رواية عنه ( تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم(2\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "587",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9153",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتمتعنا معه ) . فهذا عمران وهو من أجل السابقين الأولين أخبر أنه تمتع وأنه ( جمع بين الحج والعمرة ) والقارن عند الصحابة متمتع ولهذا أوجبوا عليه الهدي ودخل في قوله تعالى: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي [البقرة: 196] [البقرة: 196]  وذكر حديث عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( أتاني آت من ربي فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة ) . قال: فهؤلاء الخلفاء الراشدون عمر وعثمان وعلي وعمران بن حصين روي عنهم بأصح الأسانيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن بين العمرة والحج وكانوا يسمون ذلك تمتعا وهذا أنس يذكر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعا. وما ذكره بكر بن عبد الله المزني عن ابن عمر أنه ( لبى بالحج وحده ) فجوابه: أن الثقات الذين هم أثبت في ابن عمر من بكر مثل سالم ابنه ونافع رووا عنه أنه قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج  وهؤلاء أثبت في ابن عمر من بكر. فتغليط بكر عن ابن عمر أولى من تغليط سالم ونافع عنه وأولى من تغليطه هو على النبي صلى الله عليه وسلم ويشبه أن ابن عمر قال له: ( أفرد الحج ) فظن أنه قال: لبى بالحج فإن إفراد الحج كانوا يطلقونه ويريدون به إفراد أعمال الحج وذلك رد منهم على من قال: إنه قرن قرانا طاف فيه طوافين وسعى فيه سعيين وعلى من يقول: إنه حل من إحرامه فرواية من روى من الصحابة أنه ( أفرد الحج ) ترد على هؤلاء يبين هذا ما رواه مسلم في quot; صحيحه quot; عن نافع عن ابن عمر قال: أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج مفردا  وفي رواية ( أهل بالحج مفردا ) . فهذه الرواية إذا قيل: إن مقصودها أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بحج مفردا قيل فقد ثبت بإسناد أصح من ذلك عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم تمتع بالعمرة إلى(2\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "588",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9154",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحج وأنه بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وهذا من رواية الزهري عن سالم عن ابن عمر. وما عارض هذا عن ابن عمر إما أن يكون غلطا عليه وإما أن يكون مقصوده موافقا له وإما أن يكون ابن عمر لما علم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحل ظن أنه أفرد كما وهم في قوله: إنه اعتمر في رجب وكان ذلك نسيانا منه والنبي صلى الله عليه وسلم لما لم يحل من إحرامه وكان هذا حال المفرد ظن أنه أفرد ثم ساق حديث الزهري عن سالم عن أبيه تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث. وقول الزهري: وحدثني عروة عن عائشة بمثل حديث سالم عن أبيه قال: فهذا من أصح حديث على وجه الأرض وهو من حديث الزهري أعلم أهل زمانه بالسنة عن سالم عن أبيه وهو من أصح حديث ابن عمر وعائشة. وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها في quot; الصحيحين quot;: أن النبي صلى الله عليه وسلم ( اعتمر أربع عمر الرابعة مع حجته ) ولم يعتمر بعد الحج باتفاق العلماء فيتعين أن يكون متمتعا تمتع قران أو التمتع الخاص. وقد صح عن ( ابن عمر أنه قرن بين الحج والعمرة وقال: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم )  رواه البخاري في quot; الصحيح quot;. قال: وأما الذين نقل عنهم إفراد الحج فهم ثلاثة: عائشة وابن عمر وجابر والثلاثة نقل عنهم التمتع وحديث عائشة وابن عمر أنه تمتع بالعمرة إلى الحج أصح من حديثهما وما صح في ذلك عنهما فمعناه إفراد أعمال الحج أو أن يكون وقع منه غلط كنظائره فإن أحاديث التمتع متواترة رواها أكابر الصحابة كعمر وعثمان وعلي وعمران بن حصين ورواها أيضا: عائشة وابن عمر وجابر بل رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم بضعة عشر من الصحابة.(2\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "589",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9155",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت: وقد اتفق أنس وعائشة وابن عمر وابن عباس على أن النبي صلى الله عليه وسلم (اعتمر أربع عمر)  وإنما وهم ابن عمر في كون إحداهن في رجب وكلهم قالوا: وعمرة مع حجته وهم سوى ابن عباس. قالوا: إنه (أفرد الحج) وهم سوى أنس قالوا: تمتع. فقالوا هذا وهذا وهذا ولا تناقض بين أقوالهم فإنه تمتع تمتع قران وأفرد أعمال الحج وقرن بين النسكين وكان قارنا باعتبار جمعه بين النسكين ومفردا باعتبار اقتصاره على أحد الطوافين والسعيين ومتمتعا ترفهه بترك أحد السفرين. ومن تأمل ألفاظ الصحابة وجمع الأحاديث بعضها إلى بعض واعتبر بعضها ببعض وفهم لغة الصحابة أسفر له صبح الصواب وانقشعت عنه ظلمة الاختلاف والاضطراب والله الهادي لسبيل الرشاد والموفق لطريق السداد.  فمن قال: إنه أفرد الحج وأراد به أنه أتى بالحج مفردا ثم فرغ منه وأتى بالعمرة بعده من التنعيم أو غيره كما يظن كثير من الناس فهذا غلط لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة الأربعة ولا أحد من أئمة الحديث. وإن أراد به أنه حج حجا مفردا لم يعتمر معه كما قاله طائفة من السلف والخلف فوهم أيضا والأحاديث الصحيحة الصريحة ترده كما تبين وإن أراد به أنه اقتصر على أعمال الحج وحده ولم يفرد للعمرة أعمالا فقد أصاب وعلى قوله تدل جميع الأحاديث. ومن قال: إنه قرن فإن أراد به أنه طاف للحج طوافا على حدة وللعمرة طوافا على حدة وسعى للحج سعيا وللعمرة سعيا فالأحاديث الثابتة ترد قوله. وإن أراد أنه قرن بين النسكين وطاف لهما طوافا واحدا وسعى لهما سعيا واحدا فالأحاديث الصحيحة تشهد لقوله وقوله هو الصواب.  ومن قال إنه تمتع فإن أراد أنه تمتع تمتعا حل منه ثم أحرم بالحج(2\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "590",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9156",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إحراما مستأنفا فالأحاديث ترد قوله وهو غلط وإن أراد أنه تمتع تمتعا لم يحل منه بل بقي على إحرامه لأجل سوق الهدي فالأحاديث الكثيرة ترد قوله أيضا وهو أقل غلطا وإن أراد تمتع القران فهو الصواب الذي تدل عليه جميع الأحاديث الثابتة ويأتلف به شملها ويزول عنها الإشكال والاختلاف.  [غلط الناس في عمره صلى الله عليه وسلم] فصل غلط في عمر النبي صلى الله عليه وسلم خمس طوائف. إحداها: من قال: إنه اعتمر في رجب وهذا غلط فإن عمره مضبوطة محفوظة لم يخرج في رجب إلى شيء منها البتة. الثانية: من قال: إنه اعتمر في شوال وهذا أيضا وهم والظاهر - والله أعلم - أن بعض الرواة غلط في هذا وأنه اعتكف في شوال فقال: اعتمر في شوال لكن سياق الحديث وقوله: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر: عمرة في شوال وعمرتين في ذي القعدة  يدل على أن عائشة أو من دونها إنما قصد العمرة. الثالثة: من قال: إنه اعتمر من التنعيم بعد حجه وهذا لم يقله أحد من أهل العلم وإنما يظنه العوام ومن لا خبرة له بالسنة. الرابعة: من قال: إنه لم يعتمر في حجته أصلا والسنة الصحيحة المستفيضة التي لا يمكن ردها تبطل هذا القول. الخامسة: من قال: إنه اعتمر عمرة حل منها ثم أحرم بعدها بالحج من مكة والأحاديث الصحيحة تبطل هذا القول وترده.(2\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "591",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9157",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[غلط الناس في حجه صلى الله عليه وسلم] فصل ووهم في حجه خمس طوائف. الطائفة الأولى: التي قالت: حج حجا مفردا لم يعتمر معه. الثانية: من قال: حج متمتعا تمتعا حل منه ثم أحرم بعده بالحج كما قاله القاضي أبو يعلى وغيره. الثالثة: من قال: حج متمتعا تمتعا لم يحل منه لأجل سوق الهدي ولم يكن قارنا كما قاله أبو محمد بن قدامة صاحب quot; المغني quot; وغيره. الرابعة: من قال: حج قارنا قرانا طاف له طوافين وسعى له سعيين. الخامسة: من قال: حج حجا مفردا واعتمر بعده من التنعيم.  [غلط الناس في إحرامه صلى الله عليه وسلم] فصل وغلط في إحرامه خمس طوائف. إحداها: من قال: لبى بالعمرة وحدها واستمر عليها. الثانية: من قال: لبى بالحج وحده واستمر عليه. الثالثة من قال لبى بالحج مفردا ثم أدخل عليه العمرة وزعم أن ذلك خاص به. الرابعة: من قال: لبى بالعمرة وحدها ثم أدخل عليها الحج في ثاني الحال. الخامسة: من قال: أحرم إحراما مطلقا لم يعين فيه نسكا ثم عينه بعد إحرامه.(2\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "592",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9158",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والصواب: أنه أحرم بالحج والعمرة معا من حين أنشأ الإحرام ولم يحل حتى حل منهما جميعا فطاف لهما طوافا واحدا وسعى لهما سعيا واحدا. وساق الهدي كما دلت عليه النصوص المستفيضة التي تواترت تواترا يعلمه أهل الحديث. والله أعلم.  [فصل في أعذار القائلين بهذه الأقوال وبيان منشأ الوهم والغلط] فصل في أعذار القائلين بهذه الأقوال وبيان منشأ الوهم والغلط أما عذر من قال: اعتمر في رجب فحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في رجب متفق عليه. وقد غلطته عائشة وغيرها كما في quot; الصحيحين quot; عن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد الله بن عمر جالسا إلى حجرة عائشة وإذا ناس يصلون في المسجد صلاة الضحى قال: فسألناه عن صلاتهم. فقال: بدعة. ثم قلنا له: كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أربعا. إحداهن في رجب فكرهنا أن نرد عليه)  قال: وسمعنا استنان عائشة أم المؤمنين في الحجرة فقال عروة: يا أمه أو يا أم المؤمنين ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن قالت: ما يقول قال: يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم (اعتمر أربع عمر إحداهن في رجب. قالت يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر عمرة قط إلا وهو شاهد وما اعتمر في رجب قط ) وكذلك قال أنس وابن عباس: إن عمره كلها كانت في ذي القعدة وهذا هو الصواب.  [عذر من قال اعتمر صلى الله عليه وسلم في شوال] فصل وأما من قال: اعتمر في شوال فعذره ما رواه مالك في quot; الموطأ quot; عن(2\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "593",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9159",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لم يعتمر إلا ثلاثا إحداهن في شوال واثنتين في ذي القعدة ) . ولكن هذا الحديث مرسل وهو غلط أيضا إما من هشام وإما من عروة أصابه فيه ما أصاب ابن عمر. وقد رواه أبو داود مرفوعا عن عائشة وهو غلط أيضا لا يصح رفعه. قال ابن عبد البر: وليس روايته مسندا مما يذكر عن مالك في صحة النقل. قلت: ويدل على بطلانه عن عائشة أن عائشة وابن عباس وأنس بن مالك قالوا: (لم يعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في ذي القعدة) وهذا هو الصواب فإن عمرة الحديبية وعمرة القضية كانتا في ذي القعدة وعمرة القران إنما كانت في ذي القعدة وعمرة الجعرانة أيضا كانت في أول ذي القعدة وإنما وقع الاشتباه أنه خرج من مكة في شوال للقاء العدو وفرغ من عدوه وقسم غنائمهم ودخل مكة ليلا معتمرا من الجعرانة وخرج منها ليلا فخفيت عمرته هذه على كثير من الناس وكذلك قال محرش الكعبي. والله أعلم.  [عذر من قال اعتمر صلى الله عليه وسلم من التنعيم بعد الحج] فصل وأما من ظن أنه اعتمر من التنعيم بعد الحج فلا أعلم له عذرا فإن هذا خلاف المعلوم المستفيض من حجته ولم ينقله أحد قط ولا قاله إمام ولعل ظان هذا سمع أنه أفرد الحج ورأى أن كل من أفرد الحج من أهل الآفاق لا بد له أن يخرج بعده إلى التنعيم فنزل حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك وهذا عين الغلط.(2\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "594",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9160",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[عذر من قال لم يعتمر صلى الله عليه وسلم في حجته أصلا] فصل وأما من قال: إنه لم يعتمر في حجته أصلا فعذره أنه لما سمع أنه أفرد الحج وعلم يقينا أنه لم يعتمر بعد حجته قال: إنه لم يعتمر في تلك الحجة اكتفاء منه بالعمرة المتقدمة والأحاديث المستفيضة الصحيحة ترد قوله كما تقدم من أكثر من عشرين وجها وقد قال: ( هذه عمرة استمتعنا بها ) وقالت حفصة: ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك وقال سراقة بن مالك: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك قال ابن عمر وعائشة وعمران بن حصين وابن عباس وصرح أنس وابن عباس وعائشة أنه اعتمر في حجته وهي إحدى عمره الأربع.  [اعتمر صلى الله عليه وسلم عمرة حل منها] فصل وأما من قال: إنه اعتمر عمرة حل منها كما قاله القاضي أبو يعلى ومن وافقه فعذرهم ما صح عن ابن عمر وعائشة وعمران بن حصين وغيرهم أنه صلى الله عليه وسلم تمتع  وهذا يحتمل أنه تمتع حل منه ويحتمل أنه لم يحل فلما أخبر معاوية أنه قصر عن رأسه بمشقص على المروة وحديثه في quot; الصحيحين quot; دل على أنه حل من إحرامه ولا يمكن أن يكون هذا في غير حجة الوداع لأن معاوية إنما أسلم بعد الفتح والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن زمن الفتح محرما ولا يمكن أن يكون في عمرة الجعرانة لوجهين أحدهما: أن في بعض ألفاظ الحديث الصحيح quot; وذلك في حجته quot;. والثاني: أن في رواية النسائي بإسناد صحيح (وذلك في أيام العشر) وهذا إنما كان في حجته وحمل هؤلاء رواية من روى أن المتعة كانت له خاصة(2\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "595",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9161",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على أن طائفة منهم خصوا بالتحليل من الإحرام مع سوق الهدي دون من ساق الهدي من الصحابة وأنكر ذلك عليهم آخرون منهم شيخنا أبو العباس. وقالوا: من تأمل الأحاديث المستفيضة الصحيحة تبين له أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحل لا هو ولا أحد ممن ساق الهدي.  [فصل في أعذار الذين وهموا في صفة حجته] فصل في أعذار الذين وهموا في صفة حجته أما من قال: إنه حج حجا مفردا لم يعتمر فيه فعذره ما في quot; الصحيحين quot; عن عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل بحج وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج . وقالوا: هذا التقسيم والتنويع صريح في إهلاله بالحج وحده. ولمسلم عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أهل بالحج مفردا ) . وفي quot; صحيح البخاري quot; عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (لبى بالحج وحده ) . وفي quot; صحيح مسلم quot; عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج . وفي quot; سنن ابن ماجه quot; عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أفرد الحج ) . وفي quot; صحيح مسلم quot; عنه: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة .(2\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "596",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9162",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; صحيح البخاري quot; عن عروة بن الزبير قال: حج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرتني عائشة (أن أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت [ثم لم تكن عمرة]  ثم حج أبو بكر رضي الله عنه فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة ثم عمر رضي الله عنه مثل ذلك ثم حج عثمان فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة ثم معاوية وعبد الله بن عمر ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة ثم رأيت فعل ذلك ابن عمر ثم لم ينقضها عمرة وهذا ابن عمر عندهم فلا يسألونه ولا أحد ممن مضى ما كانوا يبدءون بشيء حين يضعون أقدامهم أول من الطواف بالبيت ثم لا يحلون وقد رأيت أمي وخالتي حين تقدمان لا تبدآن بشيء أول من البيت تطوفان به ثم إنهما لا تحلان وقد أخبرتني أمي أنها أهلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة فلما مسحوا الركن حلوا ) . وفيquot; سنن أبي داود quot;: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة ووهيب بن خالد كلاهما عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موافين لهلال ذي الحجة فلما كان بذي الحليفة قال: (من شاء أن يهل بحج فليهل ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل بعمرة ) ثم انفرد وهيب في حديثه بأن قال عنه صلى الله عليه وسلم: ( فإني لولا أني أهديت لأهللت بعمرة ) . وقال الآخر: ( وأما أنا فأهل بالحج ) فصح بمجموع الروايتين أنه (أهل بالحج مفردا) . فأرباب هذا القول عذرهم ظاهر كما ترى ولكن ما عذرهم في حكمه وخبره الذي حكم به على نفسه وأخبر عنها بقوله: سقت الهدي وقرنت وخبر من هو تحت بطن ناقته وأقرب إليه حينئذ من غيره فهو من أصدق الناس يسمعه(2\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "597",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9163",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقول: ( لبيك بحجة وعمرة )  وخبر من هو من أعلم الناس عنه صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين يخبر أنه أهل بهما جميعا ولبى بهما جميعا وخبر زوجته حفصة في تقريره لها على أنه معتمر بعمرة لم يحل منها فلم ينكر ذلك عليها بل صدقها وأجابها بأنه مع ذلك حاج وهو صلى الله عليه وسلم لا يقر على باطل يسمعه أصلا بل ينكره. وما عذرهم عن خبره صلى الله عليه وسلم عن نفسه بالوحي الذي جاءه من ربه يأمره فيه أن يهل بحجة في عمرة وما عذرهم عن خبر من أخبر عنه من أصحابه أنه قرن لأنه علم أنه لا يحج بعدها وخبر من أخبر عنه صلى الله عليه وسلم أنه اعتمر مع حجته وليس مع من قال: إنه أفرد الحج شيء من ذلك البتة فلم يقل أحد منهم عنه: إني أفردت ولا أتاني آت من ربي يأمرني بالإفراد ولا قال أحد: ما بال الناس حلوا ولم تحل من حجتك كما حلوا هم بعمرة ولا قال أحد: سمعته يقول: لبيك بعمرة مفردة البتة ولا بحج مفرد ولا قال أحد: إنه اعتمر أربع عمر الرابعة بعد حجته وقد شهد عليه أربعة من الصحابة أنهم سمعوه يخبر عن نفسه بأنه قارن ولا سبيل إلى دفع ذلك إلا بأن يقال: لم يسمعوه. ومعلوم قطعا أن تطرق الوهم والغلط إلى من أخبر عما فهمه هو من فعله يظنه كذلك أولى من تطرق التكذيب إلى من قال: سمعته يقول: كذا وكذا وإنه لم يسمعه فإن هذا لا يتطرق إليه إلا التكذيب بخلاف خبر من أخبر عما ظنه من فعله وكان واهما فإنه لا ينسب إلى الكذب ولقد نزه الله عليا وأنسا والبراء وحفصة عن أن يقولوا: سمعناه يقول: كذا ولم يسمعوه ونزهه ربه تبارك وتعالى أن يرسل إليه: أن افعل كذا وكذا ولم يفعله هذا من أمحل المحال وأبطل الباطل فكيف والذين ذكروا الإفراد عنه لم يخالفوا هؤلاء في مقصودهم ولا ناقضوهم وإنما أرادوا إفراد الأعمال واقتصاره على عمل المفرد فإنه ليس في عمله زيادة على عمل المفرد. ومن روى عنهم ما يوهم خلاف هذا فإنه عبر بحسب ما فهمه كما سمع بكر بن عبد الله بن عمر يقول: أفرد الحج فقال (لبى بالحج وحده) فحمله على المعنى. وقال سالم ابنه عنه ونافع مولاه. إنه تمتع فبدأ فأهل بالعمرة ثم أهل(2\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "598",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9164",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالحج فهذا سالم يخبر بخلاف ما أخبر به بكر ولا يصح تأويل هذا عنه بأنه أمر به فإنه فسره بقوله: وبدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وكذا الذين رووا الإفراد عن عائشة رضي الله عنها فهما: عروة والقاسم وروى القران عنها عروة ومجاهد وأبو الأسود يروي عن عروة الإفراد والزهري يروي عنه القران. فإن قدرنا تساقط الروايتين سلمت رواية مجاهد وإن حملت رواية الإفراد على أنه أفرد أعمال الحج تصادقت الروايات وصدق بعضها بعضا ولا ريب أن قول عائشة وابن عمر (أفرد الحج)  محتمل لثلاثة معان: أحدها: الإهلال به مفردا. الثاني: إفراد أعماله. الثالث أنه حج حجة واحدة لم يحج معها غيرها بخلاف العمرة فإنها كانت أربع مرات. وأما قولهما: تمتع بالعمرة إلى الحج وبدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فحكيا فعله فهذا صريح لا يحتمل غير معنى واحد فلا يجوز رده بالمجمل وليس في رواية الأسود بن يزيد وعمرة عن عائشة أنه أهل بالحج ما يناقض رواية مجاهد وعروة عنها أنه قرن فإن القارن حاج مهل بالحج قطعا وعمرته جزء من حجته فمن أخبر عنها أنه أهل بالحج فهو غير صادق. فإن ضمت رواية مجاهد إلى رواية عمرة والأسود ثم ضمتا إلى رواية عروة تبين من مجموع الروايات أنه كان قارنا وصدق بعضها بعضا حتى لو لم يحتمل قول عائشة وابن عمر إلا معنى الإهلال به مفردا لوجب قطعا أن يكون سبيله سبيل قول ابن عمر: اعتمر في رجب وقول عائشة أو عروة: إنه صلى الله عليه وسلم (اعتمر في شوال)  إلا أن تلك الأحاديث الصحيحة الصريحة لا سبيل أصلا إلى تكذيب رواتها ولا تأويلها وحملها على غير ما دلت عليه ولا سبيل إلى تقديم هذه الرواية المجملة التي قد اضطربت على رواتها واختلف عنهم فيها وعارضهم من هو أوثق منهم أو مثلهم عليها.(2\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "599",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9165",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما قول جابر: إنه (أفرد الحج)  فالصريح من حديثه ليس فيه شيء من هذا وإنما فيه إخباره عنهم أنفسهم أنهم لا ينوون إلا الحج فأين في هذا ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبى بالحج مفردا. وأما حديثه الآخر الذي رواه ابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفرد الحج)   فله ثلاث طرق: أجودها: طريق الدراوردي عن جعفر بن محمد عن أبيه وهذا يقينا مختصر من حديثه الطويل في حجة الوداع ومروي بالمعنى والناس خالفوا الدراوردي في ذلك. وقالوا: أهل بالحج وأهل بالتوحيد. والطريق الثاني: فيها مطرف بن مصعب عن عبد العزيز بن أبي حازم عن جعفر ومطرف قال ابن حزم: هو مجهول قلت: ليس هو بمجهول ولكنه ابن أخت مالك روى عنه البخاري وبشر بن موسى وجماعة. قال أبو حاتم: صدوق مضطرب الحديث هو أحب إلي من إسماعيل بن أبي أويس وقال ابن عدي: يأتي بمناكير وكأن أبا محمد بن حزم رأى في النسخة مطرف بن مصعب فجهله وإنما هو مطرف أبو مصعب وهو مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار. وممن غلط في هذا أيضا محمد بن عثمان الذهبي في كتابه quot; الضعفاء quot; فقال: مطرف بن مصعب المدني عن ابن أبي ذئب منكر الحديث. قلت: والراوي عن ابن أبي ذئب والدراوردي ومالك هو مطرف أبو مصعب المدني وليس بمنكر الحديث وإنما غره قول ابن عدي يأتي بمناكير ثم ساق له منها ابن عدي جملة لكن هي من رواية أحمد بن داود بن صالح عنه كذبه الدارقطني والبلاء فيها منه. والطريق الثالث: لحديث جابر فيها محمد بن عبد الوهاب ينظر فيه من هو وما حاله عن محمد بن مسلم إن كان الطائفي فهو ثقة عند ابن معين ضعيف عند الإمام أحمد وقال ابن حزم: ساقط البتة ولم أر هذه العبارة فيه لغيره وقد استشهد به مسلم قال ابن حزم: وإن كان غيره فلا أدري من هو قلت: ليس بغيره بل هو الطائفي يقينا. وبكل حال فلو صح هذا عن جابر لكان حكمه حكم المروي عن عائشة وابن عمر وسائر الرواة الثقات إنما قالوا: (أهل(2\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "600",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9166",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالحج) فلعل هؤلاء حملوه على المعنى وقالوا: (أفرد الحج) ومعلوم أن العمرة إذا دخلت في الحج فمن قال: (أهل بالحج)  لا يناقض من قال: أهل بهما بل هذا فصل وذاك أجمل. ومن قال: (أفرد الحج) يحتمل ما ذكرنا من الوجوه الثلاثة ولكن هل قال أحد قط عنه: إنه سمعه يقول: quot; لبيك بحجة مفردة quot; هذا ما لا سبيل إليه حتى لو وجد ذلك لم يقدم على تلك الأساطين التي ذكرناها والتي لا سبيل إلى دفعها البتة وكان تغليط هذا أو حمله على أول الإحرام وأنه صار قارنا في أثنائه متعينا فكيف ولم يثبت ذلك وقد قدمنا عن سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن في حجة الوداع . رواه زكريا الساجي عن عبد الله بن أبي زياد القطواني عن زيد بن الحباب عن سفيان. ولا تناقض بين هذا وبين قوله: أهل بالحج وأفرد بالحج ولبى بالحج كما تقدم.  [الترجيح لرواية من روى القران] فصل فحصل الترجيح لرواية من روى القران لوجوه عشرة. أحدها: أنهم أكثر كما تقدم. الثاني: أن طرق الإخبار بذلك تنوعت كما بيناه. الثالث: أن فيهم من أخبر عن سماعه ولفظه صريحا وفيهم من أخبر عن إخباره عن نفسه بأنه فعل ذلك وفيهم من أخبر عن أمر ربه له بذلك ولم يجئ شيء من ذلك في الإفراد. الرابع: تصديق روايات من روى أنه اعتمر أربع عمر لها. الخامس: أنها صريحة لا تحتمل التأويل بخلاف روايات الإفراد. السادس: أنها متضمنة زيادة سكت عنها أهل الإفراد أو نفوها والذاكر(2\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "601",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9167",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الزائد مقدم على الساكت والمثبت مقدم على النافي. السابع: أن رواة الإفراد أربعة: عائشة وابن عمر وجابر وابن عباس والأربعة رووا القران فإن صرنا إلى تساقط رواياتهم سلمت رواية من عداهم للقران عن معارض وإن صرنا إلى الترجيح وجب الأخذ برواية من لم تضطرب الرواية عنه ولا اختلفت كالبراء وأنس وعمر بن الخطاب وعمران بن حصين وحفصة ومن معهم ممن تقدم. الثامن: أنه النسك الذي أمر به من ربه فلم يكن ليعدل عنه. التاسع: أنه النسك الذي أمر به كل من ساق الهدي فلم يكن ليأمرهم به إذا ساقوا الهدي ثم يسوق هو الهدي ويخالفه. العاشر: أنه النسك الذي أمر به آله وأهل بيته واختاره لهم ولم يكن ليختار لهم إلا ما اختار لنفسه. وثمت ترجيح حادي عشر وهو قوله: ( دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة )  وهذا يقتضي أنها قد صارت جزءا منه أو كالجزء الداخل فيه بحيث لا يفصل بينها وبينه وإنما تكون مع الحج كما يكون الداخل في الشيء معه. وترجيح ثاني عشر: وهو قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - للصبي بن معبد وقد أهل بحج وعمرة فأنكر عليه زيد بن صوحان أو سلمان بن ربيعة فقال له عمر: هديت لسنة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم وهذا يوافق رواية عمر عنه - صلى الله عليه وسلم - أن الوحي جاءه من الله بالإهلال بهما جميعا فدل على أن القران سنته التي فعلها وامتثل أمر الله له بها. وترجيح ثالث عشر: أن القارن تقع أعماله عن كل من النسكين فيقع(2\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "602",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9168",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إحرامه وطوافه وسعيه عنهما معا وذلك أكمل من وقوعه عن أحدهما وعمل كل فعل على حدة. وترجيح رابع عشر: وهو أن النسك الذي اشتمل على سوق الهدي أفضل بلا ريب من نسك خلا عن الهدي. فإذا قرن كان هديه عن كل واحد من النسكين فلم يخل نسك منهما عن هدي ولهذا - والله أعلم - أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ساق الهدي أن يهل بالحج والعمرة معا وأشار إلى ذلك في المتفق عليه من حديث البراء بقوله: quot; إني سقت الهدي وقرنت quot;. وترجيح خامس عشر: وهو أنه قد ثبت أن التمتع أفضل من الإفراد لوجوه كثيرة منها: أنه - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بفسخ الحج إليه ومحال أن ينقلهم من الفاضل إلى المفضول الذي هو دونه ومنها: أنه تأسف على كونه لم يفعله بقوله: ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة ) . ومنها: أنه أمر به كل من لم يسق الهدي. ومنها: أن الحج الذي استقر عليه فعله وفعل أصحابه القران لمن ساق الهدي والتمتع لمن لم يسق الهدي ولوجوه كثيرة غير هذه والمتمتع إذا ساق الهدي فهو أفضل من متمتع اشتراه من مكة بل في أحد القولين: لا هدي إلا ما جمع فيه بين الحل والحرم. فإذا ثبت هذا فالقارن السائق أفضل من متمتع لم يسق ومن متمتع ساق الهدي لأنه قد ساق من حين أحرم والمتمتع إنما يسوق الهدي من أدنى الحل فكيف يجعل مفرد لم يسق هديا أفضل من متمتع ساقه من أدنى الحل فكيف إذا جعل أفضل من قارن ساقه من الميقات وهذا بحمد الله واضح.  [عذر من قال حج صلى الله عليه وسلم متمتعا تمتعا حل فيه من إحرامه] فصل وأما قول من قال: إنه حج متمتعا تمتعا حل فيه من إحرامه ثم أحرم يوم التروية بالحج مع سوق الهدي. فعذره ما تقدم من حديث معاوية أنه قصر عن(2\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "603",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9169",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمشقص في العشر وفي لفظ: وذلك في حجته. وهذا مما أنكره الناس على معاوية وغلطوه فيه وأصابه فيه ما أصاب ابن عمر في قوله: إنه اعتمر في رجب فإن سائر الأحاديث الصحيحة المستفيضة من الوجوه المتعددة كلها تدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يحل من إحرامه إلا يوم النحر ولذلك أخبر عن نفسه بقوله: ( لولا أن معي الهدي لأحللت )  وقوله: ( إني سقت الهدي وقرنت فلا أحل حتى أنحر ) . وهذا خبر عن نفسه فلا يدخله الوهم ولا الغلط بخلاف خبر غيره عنه لا سيما خبرا يخالف ما أخبر به عن نفسه وأخبر عنه به الجم الغفير أنه لم يأخذ من شعره شيئا لا بتقصير ولا حلق وأنه بقي على إحرامه حتى حلق يوم النحر ولعل معاوية قصر عن رأسه في عمرة الجعرانة فإنه كان حينئذ قد أسلم ثم نسي فظن أن ذلك كان في العشر كما نسي ابن عمر أن عمره كانت كلها في ذي القعدة. وقال: كانت [إحداهن] في رجب وقد كان معه فيها والوهم جائز على من سوى الرسول صلى الله عليه وسلم. فإذا قام الدليل عليه صار واجبا. وقد قيل: إن معاوية لعله قصر عن رأسه بقية شعر لم يكن استوفاه الحلاق يوم النحر فأخذه معاوية على المروة ذكره أبو محمد بن حزم وهذا أيضا من وهمه فإن الحلاق لا يبقي غلطا شعرا يقصر منه ثم يبقي منه بعد التقصير بقية يوم النحر وقد قسم شعر رأسه بين الصحابة فأصاب أبا طلحة أحد الشقين وبقية الصحابة اقتسموا الشق الآخر الشعرة والشعرتين والشعرات وأيضا فإنه لم يسع بين الصفا والمروة إلا سعيا واحدا وهو سعيه الأول لم يسع عقب طواف الإفاضة ولا اعتمر بعد الحج قطعا فهذا وهم محض. وقيل: هذا(2\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "604",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9170",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإسناد إلى معاوية وقع فيه غلط وخطأ أخطأ فيه الحسن بن علي فجعله عن معمر عن ابن طاووس وإنما هو عن هشام بن حجير عن ابن طاووس وهشام ضعيف. قلت: والحديث الذي في البخاري عن معاوية قصرت عن رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمشقص ولم يزد على هذا والذي عند مسلم: قصرت عن رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمشقص على المروة . وليس في quot; الصحيحين quot; غير ذلك. وأما رواية من روى quot; في أيام العشر quot; فليست في الصحيح وهي معلولة أو وهم من معاوية. قال قيس بن سعد: راويها عن عطاء عن ابن عباس عنه والناس ينكرون هذا على معاوية. وصدق قيس فنحن نحلف بالله: إن هذا ما كان في العشر قط. ويشبه هذا وهم معاوية في الحديث الذي رواه أبو داود عن قتادة عن أبي شيخ الهنائي أن معاوية قال لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: هل تعلمون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كذا وعن ركوب جلود النمور قالوا: نعم. قال: فتعلمون أنه نهى أن يقرن بين الحج والعمرة قالوا: أما هذه فلا. فقال: أما إنها معها ولكنكم نسيتم . ونحن نشهد بالله إن هذا وهم من معاوية أو كذب عليه فلم ينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك قط وأبو شيخ شيخ لا يحتج به فضلا عن أن يقدم على الثقات الحفاظ الأعلام وإن روى عنه قتادة ويحيى بن أبي كثير. واسمه خيوان بن خلدة بالخاء المعجمة وهو مجهول.(2\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "605",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9171",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[الرد على من زعم أنه صلى الله عليه وآله وسلم حج متمتعا] فصل وأما من قال: حج متمتعا تمتعا لم يحل منه لأجل سوق الهدي كما قاله صاحب quot; المغني quot; وطائفة فعذرهم قول عائشة وابن عمر: تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقول حفصة: ما شأن الناس حلوا ولم تحل من عمرتك وقول سعد في المتعة: قد صنعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصنعناها معه وقول ابن عمر لمن سأله عن متعة الحج: هي حلال فقال له السائل: إن أباك قد نهى عنها فقال: أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أأمر أبي تتبع أم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال الرجل: بل أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (لقد صنعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)  . قال هؤلاء: ولولا الهدي لحل كما يحل المتمتع الذي لا هدي معه ولهذا قال: quot; لولا أن معي الهدي لأحللت quot; فأخبر أن المانع له من الحل سوق الهدي والقارن إنما يمنعه من الحل القران لا الهدي. وأرباب هذا القول قد يسمون هذا المتمتع قارنا لكونه أحرم بالحج قبل التحلل من العمرة ولكن القران المعروف أن يحرم بهما جميعا أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل الطواف.  والفرق بين القارن والمتمتع السائق من وجهين أحدهما: من الإحرام فإن القارن هو الذي يحرم بالحج قبل الطواف إما في ابتداء الإحرام أو في أثنائه. والثاني: أن القارن ليس عليه إلا سعي واحد فإن أتى به أولا وإلا سعى عقيب طواف الإفاضة والمتمتع عليه سعي ثان عند الجمهور. وعن أحمد(2\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "606",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9172",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رواية أخرى: أنه يكفيه سعي واحد كالقارن والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسع سعيا ثانيا عقيب طواف الإفاضة فكيف يكون متمتعا على هذا القول. فإن قيل: فعلى الرواية الأخرى يكون متمتعا ولا يتوجه الإلزام ولها وجه قوي من الحديث الصحيح وهو ما رواه مسلم في quot; صحيحه quot; عن جابر قال: لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا . طوافه الأول هذا مع أن أكثرهم كانوا متمتعين. وقد روى سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل قال: حلف طاووس: ما طاف أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لحجه وعمرته إلا طوافا واحدا. قيل: الذين نظروا أنه كان متمتعا تمتعا خاصا لا يقولون بهذا القول بل يوجبون عليه سعيين والمعلوم من سنته - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه لم يسع إلا سعيا واحدا كما ثبت في الصحيح عن ابن عمر أنه قرن وقدم مكة فطاف بالبيت وبالصفا والمروة ولم يزد على ذلك ولم يحلق ولا قصر ولا حل من شيء حرم منه حتى كان يوم النحر فنحر وحلق رأسه ورأى أنه قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول وقال: هكذا فعل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم. ومراده بطوافه الأول الذي قضى به حجه وعمرته: الطواف بين الصفا والمروة بلا ريب. وذكر الدارقطني عن عطاء ونافع عن ابن عمر وجابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما طاف لحجه وعمرته طوافا واحدا وسعى سعيا واحدا ثم قدم مكة فلم يسع بينهما بعد الصدر . فهذا يدل على أحد أمرين ولا بد إما أن يكون قارنا(2\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "607",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9173",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو الذي لا يمكن من أوجب على المتمتع سعيين أن يقول غيره وإما أن المتمتع يكفيه سعي واحد ولكن الأحاديث التي تقدمت في بيان أنه كان قارنا صريحة في ذلك فلا يعدل عنها. . فإن قيل: فقد روى شعبة عن حميد بن هلال عن مطرف عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( طاف طوافين وسعى سعيين ) . رواه الدارقطني عن ابن صاعد: حدثنا محمد بن يحيى الأزدي حدثنا عبد الله بن داود عن شعبة. قيل: هذا خبر معلول وهو غلط. قال الدارقطني: يقال: إن محمد بن يحيى حدث بهذا من حفظه فوهم في متنه والصواب بهذا الإسناد: أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قرن بين الحج والعمرة  والله أعلم. وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يدل على أن هذا الحديث غلط. وأظن أن الشيخ أبا محمد بن قدامة إنما ذهب إلى أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كان متمتعا لأنه رأى الإمام أحمد قد نص على أن التمتع أفضل من القران ورأى أن الله سبحانه لم يكن ليختار لرسوله إلا الأفضل ورأى الأحاديث قد جاءت بأنه تمتع ورأى أنها صريحة في أنه لم يحل فأخذ من هذه المقدمات الأربع أنه تمتع تمتعا خاصا لم يحل منه ولكن أحمد لم يرجح التمتع لكون النبي - صلى الله عليه وسلم - حج متمتعا كيف وهو القائل: لا أشك أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كان قارنا وإنما اختار التمتع لكونه آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي أمر به الصحابة أن يفسخوا حجهم إليه وتأسف على فوته.  ولكن نقل عنه المروزي أنه إذا ساق الهدي فالقران أفضل فمن أصحابه من جعل هذا رواية ثانية ومنهم من جعل المسألة رواية واحدة وأنه إن ساق الهدي فالقران أفضل وإن لم يسق فالتمتع أفضل وهذه طريقة شيخنا وهي(2\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "608",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9174",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التي تليق بأصول أحمد والنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لم يتمن أنه كان جعلها عمرة مع سوقه الهدي بل ود أنه كان جعلها عمرة ولم يسق الهدي. بقي أن يقال: فأي الأمرين أفضل أن يسوق ويقرن أو يترك السوق ويتمتع كما ود النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فعله. قيل: قد تعارض في هذه المسألة أمران. أحدهما: أنه - صلى الله عليه وسلم - قرن وساق الهدي ولم يكن الله سبحانه ليختار له إلا أفضل الأمور ولا سيما وقد جاءه الوحي به من ربه تعالى وخير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم. والثاني قوله: ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة ) . فهذا يقتضي أنه لو كان هذا الوقت الذي تكلم فيه هو وقت إحرامه لكان أحرم بعمرة ولم يسق الهدي لأن الذي استدبره هو الذي فعله ومضى فصار خلفه والذي استقبله هو الذي لم يفعله بعد بل هو أمامه فبين أنه لو كان مستقبلا لما استدبره وهو الإحرام بالعمرة دون هدي ومعلوم أنه لا يختار أن ينتقل عن الأفضل إلى المفضول بل إنما يختار الأفضل وهذا يدل على أن آخر الأمرين منه ترجيح التمتع. ولمن رجح القران مع السوق أن يقول: هو - صلى الله عليه وسلم - لم يقل هذا لأجل أن الذي فعله مفضول مرجوح بل لأن الصحابة شق عليهم أن يحلوا من إحرامهم مع بقائه هو محرما وكان يختار موافقتهم ليفعلوا ما أمروا به مع انشراح وقبول ومحبة وقد ينتقل عن الأفضل إلى المفضول لما فيه من الموافقة وتأليف القلوب كما (قال لعائشة: لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة وجعلت لها بابين )  فهذا ترك ما هو الأولى لأجل الموافقة والتأليف فصار هذا هو الأولى(2\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "609",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9175",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في هذه الحال فكذلك اختياره للمتعة بلا هدي. وفي هذا جمع بين ما فعله وبين ما وده وتمناه ويكون الله سبحانه قد جمع له بين الأمرين أحدهما: بفعله له والثاني: بتمنيه ووده له فأعطاه أجر ما فعله وأجر ما نواه من الموافقة وتمناه وكيف يكون نسك يتخلله التحلل ولم يسق فيه الهدي أفضل من نسك لم يتخلله تحلل وقد ساق فيه مائة بدنة وكيف يكون نسك أفضل في حقه من نسك اختاره الله له وأتاه به الوحي من ربه. فإن قيل: التمتع وإن تخلله تحلل لكن قد تكرر فيه الإحرام وإنشاؤه عبادة محبوبة للرب والقران لا يتكرر فيه الإحرام قيل: في تعظيم شعائر الله بسوق الهدي والتقرب إليه بذلك من الفضل ما ليس في مجرد تكرر الإحرام ثم إن استدامته قائمة مقام تكرره وسوق الهدي لا مقابل له يقوم مقامه.  فإن قيل: فأيما أفضل إفراد يأتي عقيبه بالعمرة أو تمتع يحل منه ثم يحرم بالحج عقيبه قيل: معاذ الله أن نظن أن نسكا قط أفضل من النسك الذي اختاره الله لأفضل الخلق وسادات الأمة وأن نقول في نسك لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من الصحابة الذين حجوا معه بل ولا غيرهم من أصحابه: إنه أفضل مما فعلوه بأمره فكيف يكون حج على وجه الأرض أفضل من الحج الذي حجه النبي صلوات الله عليه وأمر به أفضل الخلق واختاره لهم وأمرهم بفسخ ما عداه من الأنساك إليه وود أنه كان فعله لا حج قط أكمل من هذا. وهذا وإن صح عنه الأمر لمن ساق الهدي بالقران ولمن لم يسق بالتمتع ففي جواز خلافه نظر ولا يوحشك قلة القائلين بوجوب ذلك فإن فيهم البحر الذي لا ينزف عبد الله بن عباس وجماعة من أهل الظاهر والسنة هي الحكم بين الناس والله المستعان.(2\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "610",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9176",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[عذر من قال حج صلى الله عليه وسلم قارنا طاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين] فصل وأما من قال: إنه حج قارنا قرانا طاف له طوافين وسعى له سعيين كما قاله كثير من فقهاء الكوفة فعذره ما رواه الدارقطني من حديث مجاهد عن ابن عمر أنه جمع بين حج وعمرة معا وقال: سبيلهما واحد قال: وطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين. وقال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صنع كما صنعت . وعن علي بن أبي طالب أنه جمع بينهما وطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين وقال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صنع كما صنعت . وعن علي - رضي الله عنه - أيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قارنا فطاف طوافين وسعى سعيين . وعن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: طاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحجته وعمرته طوافين وسعى سعيين وأبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود . وعن عمران بن حصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف طوافين وسعى سعيين . وما أحسن هذا العذر لو كانت هذه الأحاديث صحيحة بل لا يصح منها حرف واحد. أما حديث ابن عمر ففيه الحسن بن عمارة وقال الدارقطني: لم يروه عن الحكم غير الحسن بن عمارة وهو متروك الحديث.(2\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "611",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9177",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث علي - رضي الله عنه - الأول فيرويه حفص بن أبي داود. وقال أحمد ومسلم: حفص متروك الحديث. وقال ابن خراش: هو كذاب يضع الحديث وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ضعيف. وأما حديثه الثاني: فيرويه عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي. حدثني أبي عن أبيه عن جده قال الدارقطني: عيسى بن عبد الله يقال له مبارك وهو متروك الحديث. وأما حديث علقمة عن عبد الله فيرويه أبو بردة عمرو بن يزيد عن حماد عن إبراهيم عن علقمة. قال الدارقطني: وأبو بردة ضعيف ومن دونه في الإسناد ضعفاء انتهى. وفيه عبد العزيز بن أبان قال يحيى: هو كذاب خبيث. وقال الرازي والنسائي: متروك الحديث. وأما حديث عمران بن حصين فهو مما غلط فيه محمد بن يحيى الأزدي وحدث به من حفظه فوهم فيه وقد حدث به على الصواب مرارا ويقال: إنه رجع عن ذكر الطواف والسعي. وقد روى الإمام أحمد والترمذي وابن حبان في quot; صحيحه quot; من حديث الدراوردي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من قرن بين حجته وعمرته أجزأه لهما طواف واحد ) . ولفظ الترمذي: ( من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف وسعي واحد عنهما حتى يحل منهما جميعا ) . وفي الصحيحين (عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: خرجنا مع(2\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "612",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9178",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال: quot; من كان معه هدي فليهل بالحج والعمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا فطاف الذين أهلوا بالعمرة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا ) . وصح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة: ( إن طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك ) . وروى عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طاف طوافا واحدا لحجه وعمرته . وعبد الملك: أحد الثقات المشهورين احتج به مسلم وأصحاب السنن. وكان يقال له: الميزان ولم يتكلم فيه بضعف ولا جرح وإنما أنكر عليه حديث الشفعة. وتلك شكاة ظاهر عنه عارها وقد روى الترمذي عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرن بين الحج والعمرة وطاف لهما طوافا واحدا  وهذا وإن كان فيه الحجاج بن أرطاة فقد روى عنه سفيان وشعبة وابن نمير وعبد الرزاق والخلق عنه. قال الثوري: وما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه وعيب عليه التدليس وقل من سلم منه. وقال أحمد: كان من الحفاظ وقال ابن معين: ليس بالقوي وهو صدوق يدلس. وقال أبو حاتم: إذا قال حدثنا فهو صادق لا نرتاب في صدقه وحفظه. وقد روى الدارقطني من حديث ليث بن أبي سليم قال: حدثني عطاء وطاووس ومجاهد عن جابر وعن ابن عمر وعن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم(2\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "613",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9179",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يطف هو وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا لعمرتهم وحجهم  وليث بن أبي سليم احتج به أهل السنن الأربعة واستشهد به مسلم وقال ابن معين: لا بأس به وقال الدارقطني: كان صاحب سنة وإنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاووس ومجاهد حسب وقال عبد الوارث: كان من أوعية العلم وقال أحمد: مضطرب الحديث ولكن حدث عنه الناس وضعفه النسائي ويحيى في رواية عنه ومثل هذا حديثه حسن. وإن لم يبلغ رتبة الصحة. وفي quot; الصحيحين quot; عن جابر قال: ( دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عائشة ثم وجدها تبكي فقال: quot; ما يبكيك quot; فقالت: قد حضت وقد حل الناس ولم أحل ولم أطف بالبيت فقال: quot; اغتسلي ثم أهلي ففعلت ثم وقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة ثم قال: quot; قد حللت من حجك وعمرتك جميعا ) . وهذا يدل على ثلاثة أمور أحدها: أنها كانت قارنة والثاني: أن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد. والثالث أنه لا يجب عليها قضاء تلك العمرة التي حاضت فيها ثم أدخلت عليها الحج وأنها لم ترفض إحرام العمرة بحيضها وإنما رفضت أعمالها والاقتصار عليها وعائشة لم تطف أولا طواف القدوم بل لم تطف إلا بعد التعريف وسعت مع ذلك فإذا كان طواف الإفاضة والسعي بعد يكفي القارن فلأن يكفيه طواف القدوم مع طواف الإفاضة والسعي بعد يكفي القارن فلأن يكفيه طواف القدوم مع طواف الإفاضة وسعي واحد مع أحدهما بطريق الأولى لكن عائشة تعذر عليها الطواف الأول فصارت قصتها حجة فإن المرأة التي يتعذر عليها الطواف الأول تفعل كما فعلت عائشة تدخل(2\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "614",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9180",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحج على العمرة وتصير قارنة ويكفيها لهما طواف الإفاضة والسعي عقيبه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومما يبين أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يطف طوافين ولا سعى سعيين. قول عائشة - رضي الله عنها: وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا. متفق عليه. وقول جابر: لم يطف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا طوافه الأول . رواه مسلم. وقوله لعائشة: ( يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك ) رواه مسلم. وقوله لها في رواية أبي داود: ( طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك جميعا ) . وقوله لها في الحديث المتفق عليه لما طافت بالكعبة وبين الصفا والمروة: quot; قد حللت من حجك وعمرتك جميعا quot; قال: والصحابة الذين نقلوا حجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلهم نقلوا أنهم لما طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة أمرهم بالتحليل إلا من ساق الهدي فإنه لا يحل إلا يوم النحر ولم ينقل أحد منهم أن أحدا منهم طاف وسعى ثم طاف وسعى. ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله. فلما لم ينقله أحد من الصحابة علم أنه لم يكن. وعمدة من قال بالطوافين والسعيين أثر يرويه الكوفيون عن علي وآخر عن ابن مسعود رضي الله عنهما. وقد روى جعفر بن محمد عن أبيه عن علي - رضي الله عنه - أن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد خلاف ما روى أهل الكوفة وما رواه العراقيون منه ما هو منقطع ومنه ما رجاله مجهولون أو مجروحون ولهذا طعن علماء النقل في ذلك حتى قال ابن حزم: كل ما روي في ذلك عن الصحابة لا يصح منه ولا كلمة واحدة. وقد نقل في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما هو موضوع بلا ريب. وقد حلف طاووس: ما طاف أحد من أصحاب رسول - صلى الله عليه وسلم - لحجته وعمرته إلا طوافا واحدا وقد ثبت مثل ذلك عن ابن عمر وابن عباس وجابر وغيرهم رضي الله عنهم وهم أعلم الناس بحجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يخالفوها بل هذه الآثار صريحة في أنهم لم يطوفوا بالصفا والمروة إلا مرة واحدة.(2\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "615",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9181",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد تنازع الناس في القارن والمتمتع هل عليهما سعيان أو سعي واحد على ثلاثة أقوال: في مذهب أحمد وغيره. أحدها: ليس على واحد منهما إلا سعي واحد كما نص عليه أحمد في رواية ابنه عبد الله. قال عبد الله: قلت لأبي: المتمتع كم يسعى بين الصفا والمروة قال: إن طاف طوافين فهو أجود. وإن طاف طوافا واحدا فلا بأس. قال شيخنا: وهذا منقول عن غير واحد من السلف. الثاني: المتمتع عليه سعيان والقارن عليه سعي واحد وهذا هو القول الثاني في مذهبه وقول من يقوله من أصحاب مالك والشافعي رحمهما الله. والثالث: إن على كل واحد منهما سعيين كمذهب أبي حنيفة رحمه الله ويذكر قولا في مذهب أحمد رحمه الله والله أعلم. والذي تقدم هو بسط قول شيخنا وشرحه والله أعلم.  [عذر من قال حج صلى الله عليه وسلم مفردا اعتمر عقيبه من التنعيم] فصل وأما الذين قالوا: إنه حج حجا مفردا اعتمر عقيبه من التنعيم فلا يعلم لهم عذر البتة إلا ما تقدم من أنهم سمعوا أنه أفرد الحج وأن عادة المفردين أن يعتمروا من التنعيم فتوهموا أنه فعل كذلك.  [فصل فيمن غلط في إهلاله صلى الله عليه وسلم] فصل وأما الذين غلطوا في إهلاله فمن قال: إنه لبى بالعمرة وحدها واستمر عليها فعذره أنه سمع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تمتع والمتمتع عنده من أهل بعمرة(2\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "616",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9182",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مفردة بشروطها. وقد قالت له حفصة - رضي الله عنها: ما شأن الناس حلوا ولم تحل من عمرتك وكل هذا لا يدل على أنه قال: لبيك بعمرة مفردة ولم ينقل هذا أحد عنه البتة فهو وهم محض والأحاديث الصحيحة المستفيضة في لفظه في إهلاله تبطل هذا.  [عذر من قال لبى صلى الله عليه وسلم بالحج وحده واستمر عليه] فصل وأما من قال: إنه لبى بالحج وحده واستمر عليه فعذره ما ذكرنا عمن قال: أفرد الحج ولبى بالحج وقد تقدم الكلام على ذلك وأنه لم يقل أحد قط: إنه قال: لبيك بحجة مفردة وإن الذين نقلوا لفظه صرحوا بخلاف ذلك.  [عذر من قال لبى صلى الله عليه وسلم بالحج وحده ثم أدخل عليه العمرة] فصل وأما من قال: إنه لبى بالحج وحده ثم أدخل عليه العمرة وظن أنه بذلك تجتمع الأحاديث فعذره أنه رأى أحاديث إفراده بالحج صحيحة فحملها على ابتداء إحرامه ثم إنه أتاه آت من ربه تعالى فقال: قل: عمرة في حجة فأدخل العمرة حينئذ على الحج فصار قارنا ولهذا قال للبراء بن عازب: quot; إني سقت الهدي وقرنت quot; فكان مفردا في ابتداء إحرامه قارنا في أثنائه وأيضا فإن أحدا لم يقل إنه أهل بالعمرة ولا لبى بالعمرة ولا أفرد العمرة ولا قال: خرجنا لا ننوي إلا العمرة بل قالوا: أهل بالحج ولبى بالحج وأفرد الحج وخرجنا لا ننوي إلا الحج وهذا يدل على أن الإحرام وقع أولا بالحج ثم جاءه الوحي من ربه تعالى بالقران فلبى بهما فسمعه أنس يلبي بهما وصدق وسمعته عائشة وابن عمر وجابر يلبي بالحج وحده أولا وصدقوا. قالوا: وبهذا تتفق الأحاديث ويزول عنها الاضطراب. وأرباب هذه المقالة لا يجيزون إدخال العمرة على الحج ويرونه لغوا(2\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "617",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9183",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويقولون: إن ذلك خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - دون غيره. قالوا: ومما يدل على ذلك: أن ابن عمر قال: لبى بالحج وحده وأنس قال: أهل بهما جميعا وكلاهما صادق فلا يمكن أن يكون إهلاله بالقران سابقا على إهلاله بالحج وحده لأنه إذا أحرم قارنا لم يمكن أن يحرم بعد ذلك بحج مفرد وينقل الإحرام إلى الإفراد فتعين أنه أحرم بالحج مفردا فسمعه ابن عمر وعائشة وجابر فنقلوا ما سمعوه ثم أدخل عليه العمرة فأهل بهما جميعا لما جاءه الوحي من ربه فسمعه أنس يهل بهما فنقل ما سمعه ثم أخبر عن نفسه بأنه قرن وأخبر عنه من تقدم ذكره من الصحابة بالقران فاتفقت أحاديثهم وزال عنها الاضطراب والتناقض. قالوا: ويدل عليه قول عائشة: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليهل ومن أراد أن يهل بحج فليهل ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل) . قالت عائشة: فأهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحج وأهل به ناس معه . فهذا يدل على أنه كان مفردا في ابتداء إحرامه فعلم أن قرانه كان بعد ذلك. ولا ريب أن في هذا القول من مخالفة الأحاديث المتقدمة ودعوى التخصيص للنبي - صلى الله عليه وسلم - بإحرام لا يصح في حق الأمة ما يرده ويبطله ومما يرده أن أنسا قال: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر بالبيداء ثم ركب وصعد جبل البيداء وأهل بالحج والعمرة حين صلى الظهر . وفي حديث عمر أن الذي جاءه من ربه قال له: quot; صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة quot;. فكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فالذي روى عمر أنه أمر به وروى أنس أنه فعله سواء فصلى الظهر بذي الحليفة ثم قال: quot; لبيك حجا وعمرة quot;.  [هل يجوز إدخال العمرة على الحج] واختلف الناس في جواز إدخال العمرة على الحج على قولين وهما(2\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "618",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9184",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "روايتان عن أحمد أشهرهما: إنه لا يصح والذين قالوا بالصحة كأبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله بنوه على أصولهم وأن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين فإذا أدخل العمرة على الحج فقد التزم زيادة عمل على الإحرام بالحج وحده ومن قال: يكفيه طواف واحد وسعي واحد قال: لم يستفد بهذا الإدخال إلا سقوط أحد السفرين ولم يلتزم به زيادة عمل بل نقصانه فلا يجوز وهذا مذهب الجمهور.  [عذر من قال أحرم صلى الله عليه وسلم بعمرة ثم أدخل عليها الحج] فصل وأما القائلون: إنه أحرم بعمرة ثم أدخل عليها الحج فعذرهم قول ابن عمر: تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة وبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج . متفق عليه. وهذا ظاهر في أنه أحرم أولا بالعمرة ثم أدخل عليها الحج ويبين ذلك أيضا أن ابن عمر لما حج زمن ابن الزبير أهل بعمرة ثم قال: أشهدكم أني قد أوجبت حجا مع عمرتي وأهدى هديا اشتراه بقديد ثم انطلق يهل بهما جميعا حتى قدم مكة فطاف بالبيت وبالصفا والمروة ولم يزد على ذلك ولم ينحر ولم يحلق ولم يقصر ولم يحل من شيء حرم منه حتى كان يوم النحر فنحر وحلق ورأى أن ذلك قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول. وقال: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم . فعند هؤلاء أنه كان متمتعا في ابتداء إحرامه قارنا في أثنائه وهؤلاء أعذر من الذين قبلهم وإدخال الحج على العمرة جائز بلا نزاع يعرف وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عائشة - رضي الله عنها - بإدخال الحج على العمرة فصارت قارنة ولكن سياق الأحاديث الصحيحة يرد على أرباب هذه المقالة.(2\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "619",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9185",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن أنسا أخبر أنه حين صلى الظهر أهل بهما جميعا وفي quot; الصحيح quot; (عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع موافين لهلال ذي الحجة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: quot; من أراد منكم أن يهل بعمرة فليهل فلولا أني أهديت لأهللت بعمرة quot; قالت: وكان من القوم من أهل بعمرة ومنهم من أهل بالحج فقالت: فكنت أنا ممن أهل بعمرة )  وذكرت الحديث رواه مسلم. فهذا صريح في أنه لم يهل إذ ذاك بعمرة فإذا جمعت بين قول عائشة هذا وبين قولها في quot; الصحيح quot;: تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع  وبين قولها وأهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحج والكل في quot; الصحيح quot; علمت أنها إنما نفت عمرة مفردة وأنها لم تنف عمرة القران وكانوا يسمونها تمتعا كما تقدم وأن ذلك لا يناقض إهلاله بالحج فإن عمرة القران في ضمنه وجزء منه ولا ينافي قولها: أفرد الحج فإن أعمال العمرة لما دخلت في أعمال الحج وأفردت أعماله كان ذلك إفرادا بالفعل. وأما التلبية بالحج مفردا فهو إفراد بالقول وقد قيل: إن حديث ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تمتع في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج  مروي بالمعنى من حديثه الآخر وأن ابن عمر هو الذي فعل ذلك عام حجه في فتنة ابن الزبير وأنه بدأ فأهل بالعمرة ثم قال: ما شأنهما إلا واحد أشهدكم أني قد أوجبت حجا مع عمرتي فأهل بهما جميعا ثم قال في آخر الحديث: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنما أراد اقتصاره على طواف واحد وسعي واحد فحمل على المعنى وروي به: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وإنما الذي فعل ذلك ابن عمر وهذا ليس ببعيد بل متعين فإن عائشة قالت عنه: quot; لولا أن معي الهدي لأهللت بعمرة quot; وأنس قال عنه: إنه حين صلى الظهر أوجب حجا وعمرة وعمر رضي الله عنه أخبر عنه أن الوحي جاءه من ربه فأمره بذلك.(2\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "620",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9186",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: فما تصنعون بقول الزهري: إن عروة أخبره عن عائشة بمثل حديث سالم عن ابن عمر قيل: الذي أخبرت به عائشة من ذلك هو أنه - صلى الله عليه وسلم - طاف طوافا واحدا عن حجه وعمرته وهذا هو الموافق لرواية عروة عنها في quot; الصحيحين quot; وطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا  فهذا مثل الذي رواه سالم عن أبيه سواء. وكيف تقول عائشة: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وقد قالت: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: quot; لولا أن معي الهدي لأهللت بعمرة quot; وقالت: وأهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحج  فعلم أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يهل في ابتداء إحرامه بعمرة مفردة والله أعلم.  [عذر من قال أحرم صلى الله عليه وسلم إحراما مطلقا لم يعين فيه نسكا ثم عينه بعد إحرامه] فصل وأما الذين قالوا: إنه أحرم إحراما مطلقا لم يعين فيه نسكا ثم عينه بعد ذلك لما جاءه القضاء وهو بين الصفا والمروة وهو أحد أقوال الشافعي - رحمه الله - نص عليه في كتاب quot; اختلاف الحديث quot;. قال: وثبت أنه خرج ينتظر القضاء فنزل عليه القضاء وهو ما بين الصفا والمروة فأمر أصحابه أن من كان منهم أهل ولم يكن معه هدي أن يجعله عمرة ثم قال: ومن وصف انتظار النبي - صلى الله عليه وسلم - القضاء إذ لم يحج من المدينة بعد نزول الفرض طلبا للاختيار فيما وسع الله من الحج والعمرة فيشبه أن يكون أحفظ لأنه قد أتي بالمتلاعنين فانتظر القضاء كذلك حفظ عنه في الحج ينتظر القضاء. وعذر أرباب هذا القول ما ثبت في quot; الصحيحين quot; عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نذكر حجا ولا عمرة quot; وفي لفظ: quot; يلبي لا يذكر حجا ولا عمرة )  وفي رواية عنها: ( خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نرى إلا الحج حتى إذا دنونا من(2\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "621",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9187",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مكة أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحل )  وقال طاووس: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة لا يسمي حجا ولا عمرة ينتظر القضاء فنزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة فأمر أصحابه من كان منهم أهل بالحج ولم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة . .. الحديث. وقال جابر في حديثه الطويل في سياق حجة النبي صلى الله عليه وسلم: ( فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعلم تأويله فما عمل به من شيء عملنا به فأهل بالتوحيد quot; لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. وأهل الناس بهذا الذي يهلون به ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته )  فأخبر جابر أنه لم يزد على هذه التلبية ولم يذكر أنه أضاف إليها حجا ولا عمرة ولا قرانا وليس في شيء من هذه الأعذار ما يناقض أحاديث تعيينه النسك الذي أحرم به في الابتداء وأنه القران. فأما حديث طاووس فهو مرسل لا يعارض به الأساطين المسندات ولا يعرف اتصاله بوجه صحيح ولا حسن. ولو صح فانتظاره للقضاء كان فيما بينه وبين الميقات فجاءه القضاء وهو بذلك الوادي ( أتاه آت من ربه تعالى فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة )  فهذا القضاء الذي انتظره جاءه قبل الإحرام فعين له القران. وقول طاووس: نزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة هو قضاء آخر غير القضاء الذي نزل عليه بإحرامه فإن ذلك كان بوادي العقيق وأما القضاء الذي نزل عليه بين الصفا والمروة فهو قضاء الفسخ(2\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "622",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9188",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي أمر به الصحابة إلى العمرة فحينئذ أمر كل من لم يكن معه هدي منهم أن يفسخ حجه إلى عمرة وقال: ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة )  وكان هذا أمر حتم بالوحي فإنهم لما توقفوا فيه قال: quot; انظروا الذي آمركم به فافعلوه quot;. فأما قول عائشة: خرجنا لا نذكر حجا ولا عمرة فهذا إن كان محفوظا عنها وجب حمله على ما قبل الإحرام وإلا ناقض سائر الروايات الصحيحة عنها أن منهم من أهل عند الميقات بحج ومنهم من أهل بعمرة وأنها ممن أهل بعمرة. وأما قولها: نلبي لا نذكر حجا ولا عمرة فهذا في ابتداء الإحرام ولم تقل: إنهم استمروا على ذلك إلى مكة هذا باطل قطعا فإن الذين سمعوا إحرام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما أهل به شهدوا على ذلك وأخبروا به ولا سبيل إلى رد رواياتهم. ولو صح عن عائشة ذلك لكان غايته أنها لم تحفظ إهلالهم عند الميقات فنفته وحفظه غيرها من الصحابة فأثبته والرجال بذلك أعلم من النساء. وأما قول جابر رضي الله عنه: وأهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتوحيد فليس فيه إلا إخباره عن صفة تلبيته وليس فيه نفي لتعيينه النسك الذي أحرم به بوجه من الوجوه. وبكل حال ولو كانت هذه الأحاديث صريحة في نفي التعيين لكانت أحاديث أهل الإثبات أولى بالأخذ منها لكثرتها وصحتها واتصالها وأنها مثبتة مبينة متضمنة لزيادة خفيت على من نفى وهذا بحمد الله واضح وبالله التوفيق.  [عود إلى سياق حجته صلى الله عليه وسلم] فصل ولنرجع إلى سياق حجته صلى الله عليه وسلم ( ولبد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه بالغسل )  وهو بالغين المعجمة على وزن كفل(2\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "623",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9189",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو ما يغسل به الرأس من خطمي ونحوه يلبد به الشعر حتى لا ينتشر وأهل في مصلاه ثم ركب على ناقته وأهل أيضا ثم أهل لما استقلت به على البيداء. قال ابن عباس: وايم الله لقد أوجب في مصلاه وأهل حين استقلت به ناقته وأهل حين علا على شرف البيداء. وكان يهل بالحج والعمرة تارة وبالحج تارة لأن العمرة جزء منه فمن ثم قيل: قرن وقيل: تمتع وقيل: أفرد. قال ابن حزم: كان ذلك قبل الظهر بيسير وهذا وهم منه والمحفوظ أنه إنما أهل بعد صلاة الظهر ولم يقل أحد قط: إن إحرامه كان قبل الظهر ولا أدري من أين له هذا. وقد قال ابن عمر: ( ما أهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره )  وقد قال أنس: إنه صلى الظهر ثم ركب)  والحديثان في quot; الصحيح quot;. فإذا جمعت أحدهما إلى الآخر تبين أنه إنما أهل بعد صلاة الظهر ثم لبى فقال: ( لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك )  ورفع صوته بهذه التلبية حتى سمعها أصحابه وأمرهم(2\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "624",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9190",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأمر الله له أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية. وكان حجه على رحل لا في محمل ولا هودج ولا عمارية وزاملته تحته. وقد اختلف في جواز ركوب المحرم في المحمل والهودج والعمارية ونحوها على قولين هما روايتان عن أحمد أحدهما: الجواز وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة. والثاني: المنع وهو مذهب مالك.  [تخييره صلى الله عليه وسلم لأصحابه بين الأنساك الثلاثة] فصل ثم إنه - صلى الله عليه وسلم - خيرهم عند الإحرام بين الأنساك الثلاثة ثم ندبهم عند دنوهم من مكة إلى فسخ الحج والقران إلى العمرة لمن لم يكن معه هدي ثم حتم ذلك عليهم عند المروة. وولدت أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر - رضي الله عنهما - بذي الحليفة محمد بن أبي بكر فأمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تغتسل وتستثفر بثوب وتحرم وتهل . وكان في قصتها ثلاث سنن إحداها: غسل المحرم والثانية: أن الحائض تغتسل لإحرامها والثالثة: أن الإحرام يصح من الحائض.(2\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "625",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9191",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يلبي بتلبيته المذكورة والناس معه يزيدون فيها وينقصون وهو يقرهم ولا ينكر عليهم. ولزم تلبيته فلما كانوا بالروحاء رأى حمار وحش عقيرا فقال: (دعوه فإنه يوشك أن يأتي صاحبه quot; فجاء صاحبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله! شأنكم بهذا الحمار فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر فقسمه بين الرفاق ) . وفي هذا دليل على جواز أكل المحرم من صيد الحلال إذا لم يصده لأجله وأما كون صاحبه لم يحرم فلعله لم يمر بذي الحليفة فهو كأبي قتادة في قصته. وتدل هذه القصة على أن الهبة لا تفتقر إلى لفظ: وهبت لك بل تصح بما يدل عليها وتدل على قسمته اللحم مع عظامه بالتحري وتدل على أن الصيد يملك بالإثبات وإزالة امتناعه وأنه لمن أثبته لا لمن أخذه وعلى حل أكل لحم الحمار الوحشي وعلى التوكيل في القسمة وعلى كون القاسم واحدا.  فصل ثم مضى حتى إذا كان بالأثاية بين الرويثة والعرج إذا ظبي حاقف في ظل فيه سهم فأمر رجلا أن يقف عنده لا يريبه أحد من الناس حتى يجاوزوا.(2\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "626",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9192",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بحث في لحم الصيد للمحرم",
        "content": "والفرق بين قصة الظبي وقصة الحمار أن الذي صاد الحمار كان حلالا فلم يمنع من أكله وهذا لم يعلم أنه حلال وهم محرمون فلم يأذن لهم في أكله ووكل من يقف عنده لئلا يأخذه أحد حتى يجاوزوه. وفيه دليل على أن قتل المحرم للصيد يجعله بمنزلة الميتة في عدم الحل إذ لو كان حلالا لم تضع ماليته.  فصل ثم ( سار حتى إذا نزل بالعرج وكانت زمالته وزمالة أبي بكر واحدة وكانت مع غلام لأبي بكر فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر إلى جانبه وعائشة إلى جانبه الآخر وأسماء زوجته إلى جانبه وأبو بكر ينتظر الغلام والزمالة إذ طلع الغلام ليس معه البعير فقال: أين بعيرك فقال: أضللته البارحة فقال أبو بكر: بعير واحد تضله. قال: فطفق يضربه ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبسم ويقول: انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع وما يزيد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يقول ذلك ويتبسم ) . ومن تراجم أبي داود على هذه القصة باب quot; المحرم يؤدب غلامه quot;.  [بحث في لحم الصيد للمحرم] فصل ثم مضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كان بالأبواء (أهدى له الصعب بن جثامة عجز حمار وحشي فرده عليه فقال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم ) . وفي quot; الصحيحين quot;: quot; أنه ( أهدى له حمارا وحشيا )  وفي لفظ لمسلم (لحم حمار وحش) .(2\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "627",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9193",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الحميدي: كان سفيان يقول في الحديث: ( أهدي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحم حمار وحش )  وربما قال سفيان: يقطر دما وربما لم يقل ذلك وكان سفيان فيما خلا ربما قال: حمار وحش ثم صار إلى لحم حتى مات. وفي رواية: شق حمار وحش وفي رواية: رجل حمار وحش. وروى يحيى بن سعيد عن جعفر عن عمرو بن أمية الضمري عن أبيه عن الصعب ( أهدى للنبي - صلى الله عليه وسلم - عجز حمار وحش وهو بالجحفة فأكل منه وأكل القوم ) . قال البيهقي: وهذا إسناد صحيح. فإن كان محفوظا فكأنه رد الحي وقبل اللحم. وقال الشافعي رحمه الله: فإن كان الصعب بن جثامة أهدى للنبي - صلى الله عليه وسلم - الحمار حيا فليس للمحرم ذبح حمار وحش وإن كان أهدى له لحم الحمار فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له فرده عليه وإيضاحه في حديث جابر. قال: وحديث مالك أنه أهدى له حمارا أثبت من حديث من حدث له من لحم حمار. قلت: أما حديث يحيى بن سعيد عن جعفر فغلط بلا شك فإن الواقعة واحدة وقد اتفق الرواة أنه لم يأكل منه إلا هذه الرواية الشاذة المنكرة.(2\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "628",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9194",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الاختلاف في كون الذي أهداه حيا أو لحما فرواية من روى لحما أولى لثلاثة أوجه. أحدها: أن راويها قد حفظها وضبط الواقعة حتى ضبطها: أنه يقطر دما وهذا يدل على حفظه للقصة حتى لهذا الأمر لا يؤبه له. الثاني: أن هذا صريح في كونه بعض الحمار وأنه لحم منه فلا يناقض قوله: أهدى له حمارا بل يمكن حمله على رواية من روى لحما تسمية للحم باسم الحيوان وهذا مما لا تأباه اللغة. الثالث: أن سائر الروايات متفقة على أنه بعض من أبعاضه وإنما اختلفوا في ذلك البعض هل هو عجزه أو شقه أو رجله أو لحم منه ولا تناقض بين هذه الروايات إذ يمكن أن يكون الشق هو الذي فيه العجز وفيه الرجل فصح التعبير عنه بهذا وهذا وقد رجع ابن عيينة عن قوله: quot; حمارا quot; وثبت على قوله: quot; لحم حمار quot; حتى مات. وهذا يدل على أنه تبين له أنه إنما أهدى له لحما لا حيوانا ولا تعارض بين هذا وبين أكله لما صاده أبو قتادة فإن قصة أبي قتادة كانت عام الحديبية سنة ست وقصة الصعب قد ذكر غير واحد أنها كانت في حجة الوداع منهم: المحب الطبري في كتاب quot; حجة الوداع quot; له. أو في بعض عمره وهذا مما ينظر فيه. وفي قصة الظبي وحمار يزيد بن كعب السلمي البهزي هل كانت في حجة الوداع أو في بعض عمره والله أعلم فإن حمل حديث أبي قتادة على أنه لم يصده لأجله وحديث الصعب على أنه صيد لأجله زال الإشكال وشهد لذلك حديث جابر المرفوع: quot; صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم quot;(2\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "629",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9195",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن كان الحديث قد أعل بأن المطلب بن حنطب راويه عن جابر لا يعرف له سماع منه قاله النسائي. قال الطبري في حجة الوداع له: فلما كان في بعض الطريق اصطاد أبو قتادة حمارا وحشيا ولم يكن محرما فأحله النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه بعد أن سألهم: هل أمره أحد منكم بشيء أو أشار إليه وهذا وهم منه رحمه الله فإن قصة أبي قتادة إنما كانت عام الحديبية هكذا روي في quot; الصحيحين quot; من حديث عبد الله ابنه عنه قال: ( انطلقنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية فأحرم أصحابه ولم أحرم )  فذكر قصة الحمار الوحشي.  فصل فلما مر بوادي عسفان قال: ( يا أبا بكر! أي واد هذا quot; قال وادي عسفان. قال لقد مر به هود وصالح على بكرين أحمرين خطمهما الليف وأزرهم العباء وأرديتهم النمار يلبون يحجون البيت العتيق ) ذكره الإمام أحمد في quot; المسند quot;.  [بحث في إحرام عائشة وهي حائض] ( فلما كان بسرف حاضت عائشة رضي الله عنها وقد كانت أهلت بعمرة(2\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "630",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9196",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فدخل عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي تبكي قال: ما يبكيك لعلك نفست قالت: نعم قال: هذا شيء قد كتبه الله على بنات آدم افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ) . وقد تنازع العلماء في قصة عائشة: هل كانت متمتعة أو مفردة فإذا كانت متمتعة فهل رفضت عمرتها أو انتقلت إلى الإفراد وأدخلت عليها الحج وصارت قارنة وهل العمرة التي أتت بها من التنعيم كانت واجبة أم لا وإذا لم تكن واجبة فهل هي مجزئة عن عمرة الإسلام أم لا واختلفوا أيضا في موضع حيضها وموضع طهرها ونحن نذكر البيان الشافي في ذلك بحول الله وتوفيقه.  واختلف الفقهاء في مسألة مبنية على قصة عائشة وهي أن المرأة إذا أحرمت بالعمرة فحاضت ولم يمكنها الطواف قبل التعريف فهل ترفض الإحرام بالعمرة وتهل بالحج مفردا أو تدخل الحج على العمرة وتصير قارنة فقال بالقول الأول فقهاء الكوفة منهم أبو حنيفة وأصحابه وبالثاني: فقهاء الحجاز منهم: الشافعي ومالك وهو مذهب أهل الحديث كالإمام أحمد وأتباعه. قال الكوفيون: ثبت في quot; الصحيحين quot; عن عروة ( عن عائشة أنها قالت: quot; أهللت بعمرة فقدمت مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم فقال انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة. قالت: ففعلت فلما قضيت الحج أرسلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت منه. فقال: quot; هذه مكان عمرتك ) . قالوا: فهذا يدل على أنها كانت متمتعة وعلى(2\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "631",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9197",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنها رفضت عمرتها وأحرمت بالحج لقوله صلى الله عليه وسلم: quot; دعي عمرتك quot; ولقوله: ( انقضي رأسك وامتشطي ) . ولو كانت باقية على إحرامها لما جاز لها أن تمتشط ولأنه قال للعمرة التي أتت بها من التنعيم: quot; هذه مكان عمرتك quot;. ولو كانت عمرتها الأولى باقية لم تكن هذه مكانها بل كانت عمرة مستقلة. قال الجمهور: لو تأملتم قصة عائشة حق التأمل وجمعتم بين طرقها وأطرافها لتبين لكم أنها قرنت ولم ترفض العمرة ففي quot; صحيح مسلم quot;: عن جابر - رضي الله عنه - قال: ( أهلت عائشة بعمرة حتى إذا كانت بسرف عركت ثم دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عائشة فوجدها تبكي فقال: quot; ما شأنك quot; قالت: شأني أني قد حضت وقد أحل الناس ولم أحل ولم أطف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن قال: إن هذا أمر قد كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي ثم أهلي بالحج quot; ففعلت ووقفت المواقف كلها حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة. ثم قال: quot; قد حللت من حجك وعمرتك quot; قالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت. قال: quot; فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم ) . وفي quot; صحيح مسلم quot;: من حديث طاووس عنها: ( أهللت بعمرة وقدمت ولم أطف حتى حضت فنسكت المناسك كلها فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النفر: يسعك طوافك لحجك وعمرتك ) . فهذه نصوص صريحة أنها كانت في حج وعمرة لا في حج مفرد وصريحة في أن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد وصريحة في أنها لم ترفض إحرام العمرة بل بقيت في إحرامها كما هي لم تحل منه. وفي بعض ألفاظ(2\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "632",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9198",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحديث: ( كوني في عمرتك فعسى أن الله يرزقكيها )  ولا يناقض هذا قوله: quot; دعي عمرتك quot;. فلو كان المراد به رفضها وتركها لما قال لها: ( يسعك طوافك لحجك وعمرتك )  فعلم أن المراد دعي أعمالها ليس المراد به رفض إحرامها. وأما قوله: ( انقضي رأسك وامتشطي )  فهذا مما أعضل على الناس ولهم فيه أربعة مسالك. أحدها: أنه دليل على رفض العمرة كما قالت الحنفية. المسلك الثاني: إنه دليل على أنه يجوز للمحرم أن يمشط رأسه ولا دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع على منعه من ذلك ولا تحريمه وهذا قول ابن حزم وغيره. المسلك الثالث: تعليل هذه اللفظة وردها بأن عروة انفرد بها وخالف بها سائر الرواة وقد روى حديثها طاووس والقاسم والأسود وغيرهم فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظة. قالوا: وقد روى حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة حديث حيضها في الحج فقال فيه: حدثني غير واحد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: ( دعي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي )  وذكر تمام الحديث. .. قالوا: فهذا يدل على أن عروة لم يسمع هذه الزيادة من عائشة. المسلك الرابع: أن قوله quot; دعي العمرة quot; أي دعيها بحالها لا تخرجي منها وليس المراد تركها قالوا: ويدل عليه وجهان. أحدهما: قوله: ( يسعك طوافك لحجك وعمرتك ) . الثاني: قوله: quot; كوني في عمرتك quot;. قالوا: وهذا أولى من حمله على رفضها لسلامته من التناقض. قالوا: وأما قوله: quot; هذه مكان عمرتك فعائشة أحبت أن تأتي بعمرة مفردة فأخبرها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن طوافها وقع عن حجتها وعمرتها وأن(2\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "633",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9199",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عمرتها قد دخلت في حجها فصارت قارنة فأبت إلا عمرة مفردة كما قصدت أولا فلما حصل لها ذلك قال: quot; هذه مكان عمرتك quot;. وفي quot; سنن الأثرم quot; عن الأسود قال: قلت لعائشة: اعتمرت بعد الحج قالت: والله ما كانت عمرة ما كانت إلا زيارة زرت البيت. قال الإمام أحمد: إنما أعمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عائشة حين ألحت عليه فقالت: يرجع الناس بنسكين وأرجع بنسك فقال: quot; يا عبد الرحمن أعمرها quot; فنظر إلى أدنى الحل فأعمرها منه.  [ما أحرمت به عائشة أولا] فصل واختلف الناس فيما أحرمت به عائشة أولا على قولين. أحدهما: أنه عمرة مفردة وهذا هو الصواب لما ذكرنا من الأحاديث. وفي quot; الصحيح quot; عنها ( قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع موافين لهلال ذي الحجة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: quot; من أراد منكم أن يهل بعمرة فليهل فلولا أني أهديت لأهللت بعمرة quot;. قالت: وكان من القوم من أهل بعمرة ومنهم من أهل بالحج قالت: فكنت أنا ممن أهل بعمرة )  وذكرت الحديث. .. quot; وقوله في الحديث: quot; دعي العمرة وأهلي بالحج quot; قاله لها بسرف قريبا من مكة وهو صريح في أن إحرامها كان بعمرة. القول الثاني: أنها أحرمت أولا بالحج وكانت مفردة قال ابن عبد البر: روى القاسم بن محمد والأسود بن يزيد وعمرة كلهم عن عائشة ما يدل على أنها كانت محرمة بحج لا بعمرة منها: حديث عمرة عنها: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نرى إلا أنه الحج وحديث الأسود بن يزيد مثله وحديث القاسم: quot; لبينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحج quot;. قال وغلطوا عروة في قوله عنها: quot; كنت فيمن أهل بعمرة quot;. قال إسماعيل بن إسحاق: قد اجتمع هؤلاء يعني الأسود والقاسم وعمرة على الروايات التي ذكرنا فعلمنا بذلك أن الروايات(2\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "634",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9200",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التي رويت عن عروة غلط قال: ويشبه أن يكون الغلط إنما وقع فيه أن يكون لم يمكنها الطواف بالبيت وأن تحل بعمرة كما فعل من لم يسق الهدي فأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تترك الطواف وتمضي على الحج فتوهموا بهذا المعنى أنها كانت معتمرة وأنها تركت عمرتها وابتدأت بالحج. قال أبو عمر: وقد روى جابر بن عبد الله أنها كانت مهلة بعمرة كما روى عنها عروة. قالوا: والغلط الذي دخل على عروة إنما كان في قوله: ( انقضي رأسك وامتشطي ودعي العمرة وأهلي بالحج ) . وروى حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه حدثني غير واحد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: ( دعي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي وافعلي ما يفعل الحاج ) . فبين حماد أن عروة لم يسمع هذا الكلام من عائشة. قلت: من العجب رد هذه النصوص الصحيحة الصريحة التي لا مدفع لها ولا مطعن فيها ولا تحتمل تأويلا البتة بلفظ مجمل ليس ظاهرا في أنها كانت مفردة فإن غاية ما احتج به من زعم أنها كانت مفردة قولها: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نرى إلا أنه الحج. فيا لله العجب! أيظن بالمتمتع أنه خرج لغير الحج بل خرج للحج متمتعا كما أن المغتسل للجنابة إذا بدأ فتوضأ لا يمتنع أن يقول: خرجت لغسل الجنابة وصدقت أم المؤمنين - رضي الله عنها - إذ كانت لا ترى إلا أنه الحج حتى أحرمت بعمرة بأمره صلى الله عليه وسلم وكلامها يصدق بعضه بعضا. وأما قولها: لبينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحج فقد قال جابر عنها في quot; الصحيحين quot;: إنها أهلت بعمرة وكذلك قال طاووس عنها في quot; صحيح مسلم quot; وكذلك قال مجاهد عنها فلو تعارضت الروايات عنها فرواية الصحابة عنها أولى أن يؤخذ بها من رواية التابعين كيف ولا تعارض في ذلك البتة فإن القائل فعلنا كذا يصدق ذلك منه بفعله وبفعل أصحابه. ومن العجب أنهم يقولون في قول ابن عمر: تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرة(2\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "635",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9201",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى الحج معناه: تمتع أصحابه فأضاف الفعل إليه لأمره به فهلا قلتم في قول عائشة: لبينا بالحج إن المراد به جنس الصحابة الذين لبوا بالحج. وقولها: فعلنا كما قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسافرنا معه ونحوه. ويتعين قطعا - إن لم تكن هذه الرواية غلطا - أن تحمل على ذلك للأحاديث الصحيحة الصريحة أنها كانت أحرمت بعمرة وكيف ينسب عروة في ذلك إلى الغلط وهو أعلم الناس بحديثها وكان يسمع منها مشافهة بلا واسطة. وأما قوله في رواية حماد: حدثني غير واحد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: quot; دعي عمرتك quot; فهذا إنما يحتاج إلى تعليله ورده إذا خالف الروايات الثابتة عنها فأما إذا وافقها وصدقها وشهد لها أنها أحرمت بعمرة فهذا يدل على أنه محفوظ وأن الذي حدث به ضبطه وحفظه هذا مع أن حماد بن زيد انفرد بهذه الرواية المعللة وهي قوله: فحدثني غير واحد وخالفه جماعة فرووه متصلا عن عروة عن عائشة. فلو قدر التعارض فالأكثرون أولى بالصواب فيا لله العجب! كيف يكون تغليط أعلم الناس بحديثها وهو عروة في قوله عنها: quot; وكنت فيمن أهل بعمرة quot; سائغا بلفظ مجمل محتمل ويقضى به على النص الصحيح الصريح الذي شهد له سياق القصة من وجوه متعددة قد تقدم ذكر بعضها فهؤلاء أربعة رووا عنها أنها أهلت بعمرة جابر وعروة وطاووس ومجاهد فلو كانت رواية القاسم وعمرة والأسود معارضة لرواية هؤلاء لكانت روايتهم أولى بالتقديم لكثرتهم ولأن فيهم جابرا ولفضل عروة وعلمه بحديث خالته رضي الله عنها. ومن العجب قوله: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمرها أن تترك الطواف وتمضي على الحج توهموا لهذا أنها كانت معتمرة فالنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أمرها أن تدع العمرة وتنشئ إهلالا بالحج فقال لها: quot; وأهلي بالحج quot; ولم يقل: quot; استمري عليه quot; ولا امضي فيه وكيف يغلط راوي الأمر بالامتشاط بمجرد مخالفته لمذهب الراد فأين في كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة ما يحرم على المحرم تسريح(2\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "636",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9202",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شعره ولا يسوغ تغليط الثقات لنصرة الآراء والتقليد. والمحرم وإن أمن من تقطيع الشعر لم يمنع من تسريح رأسه وإن لم يأمن من سقوط شيء من الشعر بالتسريح فهذا المنع منه محل نزاع واجتهاد والدليل يفصل بين المتنازعين فإن لم يدل كتاب ولا سنة ولا إجماع على منعه فهو جائز.  [ما المراد من عمرة التنعيم لعائشة] فصل وللناس في هذه العمرة التي أتت بها عائشة من التنعيم أربعة مسالك. أحدها: أنها كانت زيادة تطييبا لقلبها وجبرا لها وإلا فطوافها وسعيها وقع عن حجها وعمرتها وكانت متمتعة ثم أدخلت الحج على العمرة فصارت قارنة وهذا أصح الأقوال والأحاديث لا تدل على غيره وهذا مسلك الشافعي وأحمد وغيرهما. المسلك الثاني: أنها لما حاضت أمرها أن ترفض عمرتها وتنتقل عنها إلى حج مفرد فلما حلت من الحج أمرها أن تعتمر قضاء لعمرتها التي أحرمت بها أولا وهذا مسلك أبي حنيفة ومن تبعه وعلى هذا القول فهذه العمرة كانت في حقها واجبة ولا بد منها وعلى القول الأول كانت جائزة وكل متمتعة حاضت ولم يمكنها الطواف قبل التعريف فهي على هذين القولين إما أن تدخل الحج على العمرة وتصير قارنة وإما أن تنتقل عن العمرة إلى الحج وتصير مفردة وتقضي العمرة. المسلك الثالث: أنها لما قرنت لم يكن بد من أن تأتي بعمرة مفردة لأن عمرة القارن لا تجزئ عن عمرة الإسلام وهذا أحد الروايتين عن أحمد. المسلك الرابع: أنها كانت مفردة وإنما امتنعت من طواف القدوم لأجل الحيض واستمرت على الإفراد حتى طهرت وقضت الحج وهذه العمرة هي عمرة الإسلام وهذا مسلك القاضي إسماعيل بن إسحاق وغيره من المالكية ولا(2\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "637",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9203",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يخفى ما في هذا المسلك من الضعف بل هو أضعف المسالك في الحديث. وحديث عائشة هذا يؤخذ منه أصول عظيمة من أصول المناسك. أحدها: اكتفاء القارن بطواف واحد وسعي واحد. الثاني: سقوط طواف القدوم عن الحائض كما أن حديث صفية زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أصل في سقوط طواف الوداع عنها. الثالث: أن إدخال الحج على العمرة للحائض جائز كما يجوز للطاهر وأولى لأنها معذورة محتاجة إلى ذلك. الرابع: أن الحائض تفعل أفعال الحج كلها إلا أنها لا تطوف بالبيت. الخامس: أن التنعيم من الحل. السادس: جواز عمرتين في سنة واحدة بل في شهر واحد. السابع: أن المشروع في حق المتمتع إذا لم يأمن الفوات أن يدخل الحج على العمرة وحديث عائشة أصل فيه. الثامن: أنه أصل في العمرة المكية وليس مع من يستحبها غيره فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعتمر هو ولا أحد ممن حج معه من مكة خارجا منها إلا عائشة وحدها فجعل أصحاب العمرة المكية قصة عائشة أصلا لقولهم ولا دلالة لهم فيها فإن عمرتها إما أن تكون قضاء للعمرة المرفوضة عند من يقول: إنها رفضتها فهي واجبة قضاء لها أو تكون زيادة محضة وتطييبا لقلبها عند من يقول: إنها كانت قارنة وإن طوافها وسعيها أجزأها عن حجها وعمرتها. والله أعلم.  [هل كانت عمرة التنعيم مجزئة لعائشة عن عمرة الإسلام] فصل وأما كون عمرتها تلك مجزئة عن عمرة الإسلام ففيه قولان للفقهاء وهما(2\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "638",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9204",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "روايتان عن أحمد والذين قالوا: لا تجزئ قالوا: العمرة المشروعة التي شرعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفعلها نوعان لا ثالث لهما: عمرة التمتع وهي التي أذن فيها عند الميقات وندب إليها في أثناء الطريق وأوجبها على من لم يسق الهدي عند الصفا والمروة. الثانية: العمرة المفردة التي ينشأ لها سفر كعمره المتقدمة ولم يشرع عمرة مفردة غير هاتين وفي كلتيهما المعتمر داخل إلى مكة. وأما عمرة الخارج إلى أدنى الحل فلم تشرع. وأما عمرة عائشة فكانت زيارة محضة وإلا فعمرة قرانها قد أجزأت عنها بنص رسول الله - صلى الله عليه وسلم وهذا دليل على أن عمرة القارن تجزئ عن عمرة الإسلام وهذا هو الصواب المقطوع به فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة: (يسعك طوافك لحجك وعمرتك)   وفي لفظ: quot; يجزئك quot; وفي لفظ: quot; يكفيك quot;. وقال: ( دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة )  وأمر كل من ساق الهدي أن يقرن بين الحج والعمرة ولم يأمر أحدا ممن قرن معه وساق الهدي بعمرة أخرى غير عمرة القران فصح إجزاء عمرة القارن عن عمرة الإسلام قطعا وبالله التوفيق.  [موضع حيضة عائشة وطهرها] فصل وأما موضع حيضها فهو بسرف بلا ريب وموضع طهرها قد اختلف فيه فقيل: بعرفة هكذا روى مجاهد عنها وروى عروة عنها أنها أظلها يوم عرفة وهي حائض ولا تنافي بينهما والحديثان صحيحان وقد حملهما ابن حزم على معنيين فطهر عرفة: هو الاغتسال للوقوف بها عنده قال: لأنها قالت: تطهرت بعرفة والتطهر غير الطهر قال: وقد ذكر القاسم يوم طهرها أنه يوم النحر وحديثه في quot; صحيح مسلم quot;. قال: وقد اتفق القاسم وعروة على أنها كانت(2\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "639",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9205",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يوم عرفة حائضا وهما أقرب الناس منها. وقد روى أبو داود: حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عنها: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موافين هلال ذي الحجة. .. فذكرت الحديث وفيه فلما كانت ليلة البطحاء طهرت عائشة وهذا إسناد صحيح لكن قال ابن حزم: إنه حديث منكر مخالف لما روى هؤلاء كلهم عنها وهو قوله: إنها طهرت ليلة البطحاء وليلة البطحاء كانت بعد يوم النحر بأربع ليال وهذا محال إلا أننا لما تدبرنا وجدنا هذه اللفظة ليست من كلام عائشة فسقط التعلق بها لأنها ممن دون عائشة وهي أعلم بنفسها. قال: وقد روى حديث حماد بن سلمة هذا وهيب بن خالد وحماد بن زيد فلم يذكرا هذه اللفظة. قلت: يتعين تقديم حديث حماد بن زيد ومن معه على حديث حماد بن سلمة لوجوه. أحدها: أنه أحفظ وأثبت من حماد بن سلمة. الثاني: أن حديثهم فيه إخبارها عن نفسها وحديثه فيه الإخبار عنها. الثالث: أن الزهري روى عن عروة عنها الحديث وفيه: فلم أزل حائضا حتى كان يوم عرفة وهذه الغاية هي التي بينها مجاهد والقاسم عنها لكن قال مجاهد عنها: فتطهرت بعرفة والقاسم قال: يوم النحر.  [العودة إلى سياق حجته صلى الله عليه وسلم] فصل عدنا إلى سياق حجته صلى الله عليه وسلم فلما كان بسرف قال لأصحابه: ( من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل ومن كان معه هدي فلا )  وهذه(2\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "640",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9206",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رتبة أخرى فوق رتبة التخيير عند الميقات. فلما كان بمكة أمر أمرا حتما من لا هدي معه أن يجعلها عمرة ويحل من إحرامه ومن معه هدي أن يقيم على إحرامه ولم ينسخ ذلك شيء البتة بل سأله سراقة بن مالك عن هذه العمرة التي أمرهم بالفسخ إليها هل هي لعامهم ذلك أم للأبد قال: (بل للأبد وإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة)  . وقد روى عنه - صلى الله عليه وسلم - الأمر بفسخ الحج إلى العمرة أربعة عشر من أصحابه وأحاديثهم كلها صحاح وهم عائشة وحفصة أما المؤمنين وعلي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم وأسماء بنت أبي بكر الصديق وجابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري والبراء بن عازب وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن عباس وسبرة بن معبد الجهني وسراقة بن مالك المدلجي رضي الله عنهم ونحن نشير إلى هذه الأحاديث. ففي quot; الصحيحين quot;: عن ابن عباس ( قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله! أي الحل فقال quot; الحل كله ) . وفي لفظ لمسلم: ( قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لأربع خلون من العشر إلى مكة وهم يلبون بالحج فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجعلوها عمرة وفي لفظ: وأمر أصحابه أن يجعلوا إحرامهم بعمرة إلا من كان معه الهدي ) .(2\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "641",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9207",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; الصحيحين quot; عن جابر بن عبد الله: ( أهل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بالحج وليس مع أحد منهم هدي غير النبي - صلى الله عليه وسلم - وطلحة وقدم علي - رضي الله عنه - من اليمن ومعه هدي فقال أهللت بما أهل به النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجعلوها عمرة ويطوفوا ويقصروا ويحلوا إلا من كان معه الهدي قالوا: ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: quot; لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا أن معي الهدي لأحللت )  وفي لفظ: فقام فينا فقال: ( لقد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم ولولا أن معي الهدي لحللت كما تحلون ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي فحلوا quot; فحللنا وسمعنا وأطعنا )  وفي لفظ: ( أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى. قال: فأهللنا من الأبطح فقال سراقة بن مالك بن جعشم: يا رسول الله! لعامنا هذا أم للأبد قال للأبد ) . وهذه الألفاظ كلها في الصحيح وهذا اللفظ الأخير صريح في إبطال قول من قال: إن ذلك كان خاصا بهم فإنه حينئذ يكون لعامهم ذلك وحده لا للأبد ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إنه للأبد. وفي quot; المسند quot;: عن ابن عمر ( قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة وأصحابه مهلين بالحج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; من شاء أن يجعلها عمرة إلا من كان معه الهدي quot;. قالوا: يا رسول الله! أيروح أحدنا إلى منى وذكره يقطر منيا قال: quot; نعم quot; وسطعت المجامر ) .(2\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "642",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9208",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; السنن quot;: عن الربيع بن سبرة عن أبيه: ( خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كنا بعسفان قال سراقة بن مالك المدلجي: يا رسول الله! اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم فقال: quot; إن الله عز وجل قد أدخل عليكم في حجة عمرة فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة فقد حل إلا من معه هدي ) . وفي quot; الصحيحين quot; عن عائشة: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نذكر إلا الحج. .. فذكرت الحديث وفيه: ( فلما قدمنا مكة قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه quot;اجعلوها عمرة quot; فأحل الناس إلا من كان معه الهدي. .. )  وذكرت باقي الحديث. وفي لفظ للبخاري: ( خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نرى إلا الحج فلما قدمنا تطوفنا بالبيت فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من لم يكن ساق الهدي أن يحل فحل من لم يكن ساق الهدي ونساؤه لم يسقن فأحللن ) . وفي لفظ لمسلم: ( دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو غضبان فقلت: من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار. قال: أوما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون ولو استقبلت من أمري ما استدبرت. ما سقت الهدي معي حتى أشتريه ثم أحل كما حلوا ) . وقال مالك: عن يحيى بن سعيد عن عمرة قالت: سمعت ( عائشة تقول: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخمس ليال بقين من ذي القعدة ولا نرى إلا أنه الحج فلما دنونا من مكة أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة أن يحل )  قال يحيى بن(2\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "643",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9209",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سعيد: فذكرت هذا الحديث للقاسم بن محمد فقال: أتتك والله بالحديث على وجهه. وفي quot; صحيح مسلم quot;: عن ابن عمر قال: حدثتني حفصة ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع فقلت: ما منعك أن تحل فقال: quot; إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر الهدي ) . وفي quot; صحيح مسلم: ( عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما خرجنا محرمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان معه هدي فليقم على إحرامه ومن لم يكن معه هدي فليحلل )  وذكرت الحديث. وفي quot; صحيح مسلم quot; أيضا: ( عن أبي سعيد الخدري قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نصرخ بالحج صراخا فلما قدمنا مكة أمرنا أن نجعلها عمرة إلا من ساق الهدي. فلما كان يوم التروية ورحنا إلى منى أهللنا بالحج ) . وفي quot; صحيح البخاري quot;: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع وأهللنا فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي. .. )  وذكر الحديث.  [غضبه صلى الله عليه وسلم ممن لم يفسخ الحج إلى العمرة] وفي quot; السنن quot; ( عن البراء بن عازب خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فأحرمنا بالحج فلما قدمنا مكة قال: quot; اجعلوا حجكم عمرة quot;. فقال الناس: يا(2\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "644",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9210",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله! قد أحرمنا بالحج فكيف نجعلها عمرة فقال quot; انظروا ما آمركم به فافعلوه quot; فرددوا عليه القول فغضب ثم انطلق حتى دخل على عائشة وهو غضبان فرأت الغضب في وجهه فقالت: من أغضبك أغضبه الله فقال: وما لي لا أغضب وأنا آمر أمرا فلا يتبع ) . ونحن نشهد الله علينا أنا لو أحرمنا بحج لرأينا فرضا علينا فسخه إلى عمرة تفاديا من غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعا لأمره. فوالله ما نسخ هذا في حياته ولا بعده ولا صح حرف واحد يعارضه ولا خص به أصحابه دون من بعدهم بل أجرى الله سبحانه على لسان سراقة أن يسأله: هل ذلك مختص بهم فأجاب بأن ذلك كائن لأبد الأبد فما ندري ما نقدم على هذه الأحاديث وهذا الأمر المؤكد الذي غضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على من خالفه. ولله در الإمام أحمد - رحمه الله - إذ يقول لسلمة بن شبيب وقد قال له: يا أبا عبد الله كل أمرك عندي حسن إلا خلة واحدة قال وما هي قال: تقول بفسخ الحج إلى العمرة. فقال: يا سلمة! كنت أرى لك عقلا عندي في ذلك أحد عشر حديثا صحاحا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أأتركها لقولك ! وفي quot; السنن quot; عن البراء بن عازب ( أن عليا - رضي الله عنه - لما قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من اليمن أدرك فاطمة وقد لبست ثيابا صبيغا ونضحت البيت بنضوج فقال: ما بالك فقالت: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه فحلوا ) . وقال ابن أبي شيبة: حدثنا ابن فضيل عن يزيد عن مجاهد قال: ( قال(2\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "645",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9211",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبد الله بن الزبير: أفردوا الحج ودعوا قول أعماكم هذا. فقال عبد الله بن عباس: إن الذي أعمى الله قلبه لأنت ألا تسأل أمك عن هذا فأرسل إليها فقالت: صدق ابن عباس جئنا مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - حجاجا فجعلناها عمرة فحللنا الإحلال كله حتى سطعت المجامر بين الرجال والنساء ) . وفي quot; صحيح البخاري quot; عن ابن شهاب قال: دخلت على عطاء أستفتيه فقال: حدثني ( جابر بن عبد الله: أنه حج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ساق البدن معه وقد أهلوا بالحج مفردا فقال لهم: quot; أحلوا من إحرامكم بطواف بالبيت وبين الصفا والمروة وقصروا ثم أقيموا حلالا حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة quot;. فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج فقال: quot; افعلوا ما آمركم به فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم به ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله quot; ففعلوا ) . وفي quot; صحيحه quot; أيضا عنه: أهل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بالحج. .. وذكر الحديث. وفيه: فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يجعلوها عمرة ويطوفوا ثم يقصروا إلا من ساق الهدي فقالوا: أننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: quot; لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا أن معي الهدي لأحللت quot;. وفي quot; صحيح مسلم quot;: عنه في حجة الوداع: حتى إذا قدمنا مكة طفنا بالكعبة وبالصفا والمروة فأمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحل منا من لم يكن معه(2\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "646",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9212",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هدي قال: فقلنا: حل ماذا قال: quot; الحل كله quot; فواقعنا النساء وتطيبنا بالطيب ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال ثم أهللنا يوم التروية وفي لفظ آخر لمسلم: quot; فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن كان معه هدي فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج . وفي quot; مسند البزار quot; بإسناد صحيح عن أنس رضي الله عنه: ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل هو وأصحابه بالحج والعمرة فلما قدموا مكة طافوا بالبيت والصفا والمروة وأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أن يحلوا فهابوا ذلك فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم: أحلوا فلولا أن معي الهدي لأحللت فأحلوا حتى حلوا إلى النساء ) . وفي quot; صحيح البخاري quot; عن أنس قال: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن معه بالمدينة الظهر أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين ثم بات بها حتى أصبح ثم ركب حتى استوت به راحلته على البيداء حمد الله وسبح ثم أهل بحج وعمرة وأهل الناس بهما فلما قدمنا أمر الناس فحلوا حتى إذا كان يوم التروية أهلوا بالحج . ..) وذكر باقي الحديث. وفي quot; صحيحه quot; أيضا: عن ( أبي موسى الأشعري قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى قومي باليمن فجئت وهو بالبطحاء فقال: quot; بم أهللت quot; فقلت: أهللت بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: quot; هل معك من هدي quot; قلت: لا فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أمرني فأحللت ) . وفي quot; صحيح مسلم quot;: أن رجلا من بني الهجيم قال لابن عباس: ما هذه(2\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "647",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9213",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفتيا التي قد تشغبت بالناس أن من طاف بالبيت فقد حل فقال: سنة نبيكم - صلى الله عليه وآله وسلم - وإن رغمتم . وصدق ابن عباس كل من طاف بالبيت ممن لا هدي معه من مفرد أو قارن أو متمتع فقد حل إما وجوبا وإما حكما هذه هي السنة التي لا راد لها ولا مدفع وهذا كقوله - صلى الله عليه وآله وسلم: ( إذا أدبر النهار من هاهنا وأقبل الليل من هاهنا فقد أفطر الصائم )  إما أن يكون المعنى: أفطر حكما أو دخل وقت إفطاره وصار الوقت في حقه وقت إفطاره. فهكذا هذا الذي قد طاف بالبيت إما أن يكون قد حل حكما وإما أن يكون ذلك الوقت في حقه ليس وقت إحرام بل هو وقت حل ليس إلا ما لم يكن معه هدي وهذا صريح السنة. وفي quot; صحيح مسلم quot; أيضا عن عطاء قال: كان ابن عباس يقول: ( لا يطوف بالبيت حاج ولا غير حاج إلا حل )  وكان يقول: هو بعد المعرف وقبله وكان يأخذ ذلك من أمر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - حين أمرهم أن يحلوا في حجة الوداع. وفي quot; صحيح مسلم quot;: عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( هذه عمرة استمتعنا بها فمن لم يكن معه الهدي فليحل الحل كله فقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ) . وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن قتادة عن أبي الشعثاء ( عن ابن عباس: قال من جاء مهلا بالحج فإن الطواف بالبيت يصيره إلى عمرة شاء أو أبى.(2\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "648",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9214",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت: إن الناس ينكرون ذلك عليك قال: هي سنة نبيهم وإن رغموا  وقد روى هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من سمينا وغيرهم وروى ذلك عنهم طوائف من كبار التابعين حتى صار منقولا نقلا يرفع الشك ويوجب اليقين ولا يمكن أحدا أن ينكره أو يقول: لم يقع وهو مذهب أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ومذهب حبر الأمة وبحرها ابن عباس وأصحابه ومذهب أبي موسى الأشعري ومذهب إمام أهل السنة والحديث أحمد بن حنبل وأتباعه وأهل الحديث معه ومذهب عبد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة ومذهب أهل الظاهر.  [أعذار من لم يأخذ بفسخ الحج إلى العمرة] والذين خالفوا هذه الأحاديث لهم أعذار. العذر الأول: أنها منسوخة. العذر الثاني: أنها مخصوصة بالصحابة لا يجوز لغيرهم مشاركتهم في حكمها. العذر الثالث: معارضتها بما يدل على خلاف حكمها وهذا مجموع ما اعتذروا به عنها. ونحن نذكر هذه الأعذار عذرا عذرا ونبين ما فيها بمعونة الله وتوفيقه. أما العذر الأول وهو النسخ فيحتاج إلى أربعة أمور لم يأتوا منها بشيء يحتاج إلى نصوص أخر تكون تلك النصوص معارضة لهذه ثم تكون مع هذه المعارضة مقاومة لها ثم يثبت تأخرها عنها. قال المدعون للنسخ: قال عمر بن الخطاب السجستاني: حدثنا الفريابي حدثنا أبان بن أبي حازم قال: حدثني أبو بكر بن حفص عن ابن عمر ( عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لما ولي: quot; يا أيها الناس إن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أحل لنا(2\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "649",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9215",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المتعة ثم حرمها علينا )  رواه البزار في quot; مسنده quot; عنه. قال المبيحون للفسخ: عجبا لكم في مقاومة الجبال الرواسي التي لا تزعزعها الرياح بكثيب مهيل تسفيه الرياح يمينا وشمالا فهذا الحديث لا سند ولا متن أما سنده فإنه لا تقوم به حجة علينا عند أهل الحديث وأما متنه فإن المراد بالمتعة فيه متعة النساء التي أحلها رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ثم حرمها لا يجوز فيها غير ذلك البتة لوجوه. أحدها: إجماع الأمة على أن متعة الحج غير محرمة بل إما واجبة أو أفضل الأنساك على الإطلاق أو مستحبة أو جائزة ولا نعلم للأمة قولا خامسا فيها بالتحريم. الثاني: ( أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - صح عنه من غير وجه أنه قال: لو حججت لتمتعت ثم لو حججت لتمتعت )  ذكره الأثرم في quot; سننه quot; وغيره. وذكر عبد الرزاق في quot; مصنفه quot;: عن سالم بن عبد الله أنه سئل أنهى عمر عن متعة الحج قال: لا أبعد كتاب الله تعالى وذكر عن نافع أن رجلا قال له: أنهى عمر عن متعة الحج قال لا. وذكر أيضا (عن ابن عباس أنه قال: هذا الذي يزعمون أنه نهى عن المتعة - يعني عمر - سمعته يقول: لو اعتمرت ثم حججت لتمتعت) . قال أبو محمد بن حزم: صح عن عمر الرجوع إلى القول بالتمتع بعد النهي عنه وهذا محال أن يرجع إلى القول بما صح عنده أنه منسوخ. الثالث: أنه من المحال أن ينهى عنها وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لمن سأله: هل هي لعامهم ذلك أم للأبد فقال: quot; بل للأبد quot; وهذا قطع لتوهم ورود النسخ عليها.(2\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "650",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9216",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا أحد الأحكام التي يستحيل ورود النسخ عليها وهو الحكم الذي أخبر الصادق المصدوق باستمراره ودوامه فإنه لا خلف لخبره.  [عذر من ادعى اختصاص الصحابة بهذا الفسخ] فصل العذر الثاني: دعوى اختصاص ذلك بالصحابة واحتجوا بوجوه. أحدها: ما رواه عبد الله بن الزبير الحميدي حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن المرقع عن أبي ذر أنه قال: كان فسخ الحج من رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لنا خاصة . وقال وكيع: حدثنا موسى بن عبيدة حدثنا يعقوب بن زيد ( عن أبي ذر قال: لم يكن لأحد بعدنا أن يجعل حجته عمرة إنها كانت رخصة لنا أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ) . وقال البزار: حدثنا يوسف بن موسى حدثنا سلمة بن الفضل حدثنا محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن الأسدي ( عن يزيد بن شريك قلنا لأبي ذر: كيف تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنتم معه فقال: ما أنتم وذاك إنما ذاك شيء رخص لنا فيه يعني المتعة ) . وقال البزار: حدثنا يوسف بن موسى حدثنا عبيد الله بن موسى حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن المهاجر عن أبي بكر التيمي عن أبيه والحارث بن سويد قالا: ( قال أبو ذر: في الحج والمتعة رخصة أعطاناها رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . وقال أبو داود: حدثنا هناد بن السري عن ابن أبي زائدة أخبرنا محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن سليمان أو سليم بن الأسود أن (أبا ذر(2\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "651",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9217",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان يقول فيمن حج ثم فسخها إلى عمرة لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . وفي quot; صحيح مسلم quot;: ( عن أبي ذر قال: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - خاصة. وفي لفظ: quot; كانت لنا رخصة يعني المتعة في الحج)  وفي لفظ آخر: quot; لا تصح المتعتان إلا لنا خاصة يعني متعة النساء ومتعة الحج quot; وفي لفظ آخر: quot; إنما كانت لنا خاصة دونكم يعني متعة الحج quot;. وفي quot; سنن النسائي quot; بإسناد صحيح: عن إبراهيم التيمي عن أبيه ( عن أبي ذر في متعة الحج: ليست لكم ولستم منها في شيء إنما كانت رخصة لنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) . وفي quot; سنن أبي داود والنسائي quot; من حديث ( بلال بن الحارث قال: قلت: يا رسول الله أرأيت فسخ الحج إلى العمرة لنا خاصة أم للناس عامة فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم: quot; بل لنا خاصة )  ورواه الإمام أحمد. وفي quot; مسند أبي عوانة quot; بإسناد صحيح: عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: سئل عثمان عن متعة الحج فقال: كانت لنا ليست لكم.(2\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "652",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9218",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا مجموع ما استدلوا به على التخصيص بالصحابة. قال المجوزون للفسخ والموجبون له: لا حجة لكم في شيء من ذلك فإن هذه الآثار بين باطل لا يصح عمن نسب إليه البتة وبين صحيح عن قائل غير معصوم لا تعارض به نصوص المعصوم. أما الأول: فإن المرقع ليس ممن تقوم بروايته حجة فضلا عن أن يقدم على النصوص الصحيحة غير المدفوعة. وقد قال أحمد بن حنبل: - وقد عورض بحديثه - ومن المرقع الأسدي وقد روى أبو ذر عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - الأمر بفسخ الحج إلى العمرة. وغاية ما نقل عنه - إن صح - أن ذلك مختص بالصحابة فهو رأيه. وقد قال ابن عباس وأبو موسى الأشعري: إن ذلك عام للأمة فرأي أبي ذر معارض برأيهما. وسلمت النصوص الصحيحة الصريحة ثم من المعلوم أن دعوى الاختصاص باطلة بنص النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أن تلك العمرة التي وقع السؤال عنها وكانت عمرة فسخ لأبد الأبد لا تختص بقرن دون قرن وهذا أصح سندا من المروي عن أبي ذر وأولى أن يؤخذ به منه لو صح عنه.  [الأصل في المسائل الإحكام حتى يثبت نسخها أو اختصاصها بأحد] وأيضا فإذا رأينا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قد اختلفوا في أمر قد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه فعله وأمر به فقال بعضهم: إنه منسوخ أو خاص وقال بعضهم هو باق إلى الأبد فقول من ادعى نسخه أو اختصاصه مخالف للأصل فلا يقبل إلا ببرهان وإن أقل ما في الباب معارضته بقول من ادعى بقاءه وعمومه والحجة تفصل بين المتنازعين والواجب الرد عند التنازع إلى الله ورسوله. فإذا قال أبو ذر وعثمان: إن الفسخ منسوخ أو خاص وقال أبو موسى وعبد الله بن عباس: إنه باق وحكمه عام فعلى من ادعى النسخ والاختصاص الدليل.(2\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "653",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9219",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديثه المرفوع - حديث بلال بن الحارث - فحديث لا يكتب ولا يعارض بمثله تلك الأساطين الثابتة. قال عبد الله بن أحمد: كان أبي يرى للمهل بالحج أن يفسخ حجه إن طاف بالبيت وبين الصفا والمروة. وقال في المتعة: هي آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ( اجعلوا حجكم عمرة ) . قال عبد الله: فقلت لأبي: فحديث بلال بن الحارث في فسخ الحج يعني قوله quot; لنا خاصة quot; قال: لا أقول به لا يعرف هذا الرجل هذا حديث ليس إسناده بالمعروف ليس حديث بلال بن الحارث عندي يثبت. هذا لفظه. قلت: ومما يدل على صحة قول الإمام أحمد وأن هذا الحديث لا يصح أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أخبر عن تلك المتعة التي أمرهم أن يفسخوا حجهم إليها أنها لأبد الأبد فكيف يثبت عنه بعد هذا أنها لهم خاصة هذا من أمحل المحال. وكيف يأمرهم بالفسخ ويقول: ( دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة )  ثم يثبت عنه أن ذلك مختص بالصحابة دون من بعدهم فنحن نشهد بالله أن حديث بلال بن الحارث هذا لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غلط عليه وكيف تقدم رواية بلال بن الحارث على روايات الثقات الأثبات حملة العلم الذين رووا عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - خلاف روايته. ثم كيف يكون هذا ثابتا عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وابن عباس - رضي الله عنه - يفتي بخلافه. ويناظر عليه طول عمره بمشهد من الخاص والعام وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - متوافرون ولا يقول له رجل واحد منهم: هذا كان مختصا بنا ليس لغيرنا حتى يظهر بعد موت الصحابة أن أبا ذر كان يرى اختصاص ذلك بهم وأما قول عثمان - رضي الله عنه - في متعة الحج: إنها كانت لهم ليست(2\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "654",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9220",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لغيرهم فحكمه حكم قول أبي ذر سواء على أن المروي عن أبي ذر وعثمان يحتمل ثلاثة أمور. أحدها: اختصاص جواز ذلك بالصحابة وهو الذي فهمه من حرم الفسخ. الثاني: اختصاص وجوبه بالصحابة وهو الذي كان يراه شيخنا - قدس الله روحه - يقول: إنهم كانوا قد فرض عليهم الفسخ لأمر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لهم به وحتمه عليهم وغضبه عندما توقفوا في المبادرة إلى امتثاله. وأما الجواز والاستحباب فللأمة إلى يوم القيامة لكن أبى ذلك البحر ابن عباس وجعل الوجوب للأمة إلى يوم القيامة وأن فرضا على كل مفرد وقارن لم يسق الهدي أن يحل ولا بد بل قد حل وإن لم يشأ وأنا إلى قوله أميل مني إلى قول شيخنا. الاحتمال الثالث: أنه ليس لأحد من بعد الصحابة أن يبتدئ حجا قارنا أو مفردا بلا هدي بل هذا يحتاج معه إلى الفسخ لكن فرض عليه أن يفعل ما أمر به النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أصحابه في آخر الأمر من التمتع لمن لم يسق الهدي والقران لمن ساق كما صح عنه ذلك. وإما أن يحرم بحج مفرد ثم يفسخه عند الطواف إلى عمرة مفردة ويجعله متعة فليس له ذلك بل هذا إنما كان للصحابة فإنهم ابتدءوا الإحرام بالحج المفرد قبل أمر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بالتمتع والفسخ إليه فلما استقر أمره بالتمتع والفسخ إليه لم يكن لأحد أن يخالفه ويفرد ثم يفسخه. وإذا تأملت هذين الاحتمالين الأخيرين رأيتهما إما راجحين على الاحتمال الأول أو مساويين له وتسقط معارضة الأحاديث الثابتة الصريحة به جملة وبالله التوفيق. وأما ما رواه مسلم في quot; صحيحه quot;: عن أبي ذر أن المتعة في الحج كانت لهم خاصة. فهذا إن أريد به أصل المتعة فهذا لا يقول به أحد من المسلمين(2\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "655",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9221",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بل المسلمون متفقون على جوازها إلى يوم القيامة. وإن أريد به متعة الفسخ احتمل الوجوه الثلاثة المتقدمة. وقال الأثرم في quot; سننه quot;: وذكر لنا أحمد بن حنبل أن عبد الرحمن بن مهدي حدثه عن سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبي ذر في متعة الحج كانت لنا خاصة. فقال أحمد بن حنبل: رحم الله أبا ذر هي في كتاب الله عز وجل: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج [البقرة: 196] [البقرة 196] . قال المانعون من الفسخ: قول أبي ذر وعثمان: إن ذلك منسوخ أو خاص بالصحابة لا يقال مثله بالرأي فمع قائله زيادة علم خفيت على من ادعى بقاءه وعمومه فإنه مستصحب لحال النص بقاء وعموما فهو بمنزلة صاحب اليد في العين المدعاة ومدعي فسخه واختصاصه بمنزلة صاحب البينة التي تقدم على صاحب اليد. قال المجوزون للفسخ: هذا قول فاسد لا شك فيه بل هذا رأي لا شك فيه وقد صرح - بأنه رأي من هو أعظم من عثمان وأبي ذر - عمران بن حصين ففي quot; الصحيحين quot; واللفظ للبخاري: تمتعنا مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ونزل القرآن فقال رجل برأيه ما شاء. ولفظ مسلم: ( نزلت آية المتعة في كتاب الله عز وجل - يعني متعة الحج - وأمرنا بها رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ثم لم تنزل آية تنسخ متعة الحج ولم ينه عنها رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - حتى مات قال رجل برأيه ما شاء )  وفي لفظ: يريد عمر. وقال عبد الله بن عمر لمن سأله عنها وقال له إن أباك نهى عنها: أأمر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أحق أن يتبع أو أمر أبي !(2\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "656",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9222",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(وقال ابن عباس لمن كان يعارضه فيها بأبي بكر وعمر: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وتقولون قال أبو بكر وعمر) . فهذا جواب العلماء لا جواب من يقول عثمان وأبو ذر أعلم برسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - منكم فهلا قال ابن عباس وعبد الله بن عمر: أبو بكر وعمر أعلم برسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - منا ولم يكن أحد من الصحابة ولا أحد من التابعين يرضى بهذا الجواب في دفع نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم كانوا أعلم بالله ورسوله وأتقى له من أن يقدموا على قول المعصوم رأي غير المعصوم ثم قد ثبت النص عن المعصوم بأنها باقية إلى يوم القيامة وقد قال ببقائها: علي بن أبي طالب رضي الله عنه وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وابن عباس وأبو موسى وسعيد بن المسيب وجمهور التابعين ويدل على أن ذلك رأي محض لا ينسب إلى أنه مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما نهى عنها قال له أبو موسى الأشعري: يا أمير المؤمنين! ما أحدثت في شأن النسك فقال: إن نأخذ بكتاب ربنا فإن الله يقول: وأتموا الحج والعمرة لله [البقرة: 196] [البقرة 196]  وإن نأخذ بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لم يحل حتى نحر فهذا اتفاق من أبي موسى وعمر على أن منع الفسخ إلى المتعة والإحرام بها ابتداء إنما هو رأي منه أحدثه في النسك ليس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن استدل له بما استدل. وأبو موسى كان يفتي الناس بالفسخ في خلافة أبي بكر - رضي الله عنه - كلها وصدرا من خلافة عمر حتى فاوض عمر - رضي الله عنه - في نهيه عن ذلك واتفقا على أنه رأي أحدثه عمر - رضي الله عنه - في النسك ثم صح عنه الرجوع عنه.(2\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "657",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9223",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[عذر من ادعى معارضة أحاديث الفسخ بما يدل على خلافها] فصل وأما العذر الثالث: وهو معارضة أحاديث الفسخ بما يدل على خلافها فذكروا منها ما رواه مسلم في quot; صحيحه quot; من حديث الزهري عن عروة (عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج حتى قدمنا مكة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: quot; من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه ومن أهل بحج فليتم حجه )  وذكر باقي الحديث. ومنها: ما رواه مسلم في quot; صحيحه quot; أيضا من حديث مالك عن أبي الأسود عن عروة عنها: ( خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل بالحج وأهل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بالحج فأما من أهل بعمرة فحل وأما من أهل بحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر ) . ومنها: ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا محمد بن بشر العبدي عن محمد بن عمرو بن علقمة حدثني يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن (عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - للحج على ثلاثة أنواع: فمنا من أهل بعمرة وحجة ومنا من أهل بحج مفرد ومنا من أهل بعمرة مفردة فمن كان أهل بحج وعمرة معا لم يحل من شيء مما حرم منه حتى قضى مناسك الحج ومن أهل بحج مفرد لم يحل من شيء مما حرم منه حتى قضى مناسك الحج ومن أهل بعمرة مفردة فطاف بالبيت وبالصفا والمروة حل مما حرم منه حتى استقبل حجا ) .(2\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "658",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9224",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: ما رواه مسلم في quot; صحيحه quot; من حديث ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن محمد بن نوفل أن رجلا من أهل العراق قال له: سل لي عروة بن الزبير عن رجل أهل بالحج فإذا طاف بالبيت أيحل أم لا فذكر الحديث وفيه: قد حج رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فأخبرتني عائشة أن أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت ثم حج أبو بكر ثم كان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة ثم عمر مثل ذلك ثم حج عثمان فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة. ثم معاوية وعبد الله بن عمر ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة. ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك ثم لم تكن عمرة ثم آخر من رأيت فعل ذلك ابن عمر ثم لم ينقضها بعمرة فهذا ابن عمر عندهم أفلا يسألونه ولا أحد ممن مضى ما كانوا يبدءون بشيء حين يضعون أقدامهم أول من الطواف بالبيت ثم لا يحلون وقد رأيت أمي وخالتي حين تقدمان لا تبدآن بشيء أول من الطواف بالبيت تطوفان به ثم لا تحلان . فهذا مجموع ما عارضوا به أحاديث الفسخ ولا معارضة فيها بحمد الله ومنه. أما الحديث الأول وهو حديث الزهري عن عروة عن عائشة فغلط فيه عبد الملك بن شعيب أو أبوه شعيب أو جده الليث أو شيخه عقيل فإن الحديث رواه مالك ومعمر والناس عن الزهري عن عروة عنها وبينوا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر من لم يكن معه هدي إذا طاف وسعى أن يحل. فقال مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة عنها ( خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لخمس ليال بقين لذي القعدة ولا نرى إلا الحج فلما دنونا من مكة أمر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت وسعى(2\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "659",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9225",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بين الصفا والمروة أن يحل )  وذكر الحديث. قال يحيى: فذكرت هذا الحديث للقاسم بن محمد فقال أتتك والله بالحديث على وجهه. وقال منصور: عن إبراهيم عن الأسود عنها: ( خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ولا نرى إلا الحج فلما قدمنا تطوفنا بالبيت فأمر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من لم يكن ساق الهدي أن يحل فحل من لم يكن ساق الهدي ونساؤه لم يسقن فأحللن ) . وقال مالك ومعمر كلاهما عن ابن شهاب عن عروة عنها: ( خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم: quot; من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ولا يحل حتى يحل منهما جميعا ) . وقال ابن شهاب: عن عروة عنها بمثل الذي أخبر به سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولفظه: ( تمتع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج فأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة وبدأ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وتمتع الناس مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من أهدى فساق معه الهدي ومنهم من لم يهد فلما قدم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مكة قال للناس: quot; من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة وليقصر وليحل ثم ليهل بالحج وليهد فمن لم يجد هديا فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله )  وذكر باقي الحديث.(2\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "660",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9226",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال عبد العزيز الماجشون: عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لا نذكر إلا الحج. .. فذكر الحديث. وفيه قالت: فلما قدمت مكة قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لأصحابه: quot; اجعلوها عمرة فأحل الناس إلا من كان معه الهدي quot;. وقال الأعمش: عن إبراهيم عن عائشة خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لا نذكر إلا الحج فلما قدمنا أمرنا أن نحل  وذكر الحديث. وقال عبد الرحمن بن القاسم: عن أبيه ( عن عائشة خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ولا نذكر إلا الحج فلما جئنا سرف طمثت. قالت: فدخل علي رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وأنا أبكي. فقال quot; ما يبكيك quot; قالت: فقلت والله لوددت أني لا أحج العام. .. )  فذكر الحديث. وفيه: فلما قدمت مكة قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: quot; اجعلوها عمرة quot; قالت: فحل الناس إلا من كان معه الهدي . وكل هذه الألفاظ في quot; الصحيح quot; وهذا موافق لما رواه جابر وابن عمر وأنس وأبو موسى وابن عباس وأبو سعيد وأسماء والبراء وحفصة وغيرهم من أمره - صلى الله عليه وآله وسلم - أصحابه كلهم بالإحلال إلا من ساق الهدي وأن يجعلوا حجهم عمرة. وفي اتفاق هؤلاء كلهم على أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أمر أصحابه كلهم أن يحلوا وأن يجعلوا الذي قدموا به متعة إلا من ساق الهدي دليل على غلط هذه الرواية ووهم وقع فيها يبين ذلك أنها من رواية الليث عن عقيل عن الزهري عن عروة والليث بعينه هو الذي روى عن عقيل عن الزهري عن عروة عنها مثل ما رواه عن الزهري(2\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "661",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9227",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن سالم عن أبيه في تمتع النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وأمره لمن لم يكن أهدى أن يحل. ثم تأملنا فإذا أحاديث عائشة يصدق بعضها بعضا وإنما بعض الرواة زاد على بعض وبعضهم اختصر الحديث وبعضهم اقتصر على بعضه وبعضهم رواه بالمعنى. والحديث المذكور ليس فيه منع من أهل بالحج من الإحلال وإنما فيه أمره أن يتم الحج فإن كان هذا محفوظا فالمراد به بقاؤه على إحرامه فيتعين أن يكون هذا قبل الأمر بالإحلال وجعله عمرة ويكون هذا أمرا زائدا قد طرأ على الأمر بالإتمام كما طرأ على التخيير بين الإفراد والتمتع والقران ويتعين هذا ولا بد وإلا كان هذا ناسخا للأمر بالفسخ والأمر بالفسخ ناسخا للإذن بالإفراد وهذا محال قطعا فإنه بعد أن أمرهم بالحل لم يأمرهم بنقضه والبقاء على الإحرام الأول هذا باطل قطعا فيتعين إن كان محفوظا أن يكون قبل الأمر لهم بالفسخ ولا يجوز غير هذا البتة والله أعلم.  فصل وأما حديث أبي الأسود عن عروة عنها. وفيه: quot; وأما من أهل بحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر quot;. وحديث يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عنها: فمن كان أهل بحج وعمرة معا لم يحل من شيء مما حرم منه حتى يقضي مناسك الحج ومن أهل بحج مفرد كذلك quot;. فحديثان قد أنكرهما الحفاظ وهما أهل أن ينكرا. قال الأثرم: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن مالك بن أنس عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فمنا من أهل بالحج ومنا من أهل بالعمرة ومنا من أهل بالحج والعمرة وأهل بالحج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأما من أهل بالعمرة فأحلوا حين طافوا بالبيت وبالصفا والمروة وأما من أهل بالحج والعمرة فلم يحلوا إلى يوم النحر  فقال أحمد بن حنبل: أيش في هذا الحديث من العجب هذا خطأ فقال(2\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "662",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9228",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأثرم: فقلت له: الزهري عن عروة عن عائشة بخلافه فقال: نعم وهشام بن عروة. وقال الحافظ أبو محمد بن حزم: هذان حديثان منكران جدا قال: ولأبي الأسود في هذا النحو حديث لا خفاء بنكرته ووهنه وبطلانه. والعجب كيف جاز على من رواه ثم ساق من طريق البخاري عنه أن عبد الله مولى أسماء حدثه أنه كان يسمع أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما تقول كلما مرت بالحجون: صلى الله على رسوله لقد نزلنا معه هاهنا ونحن يومئذ خفاف قليل ظهرنا قليلة أزوادنا فاعتمرت أنا وأختي عائشة والزبير وفلان وفلان فلما مسحنا البيت أحللنا ثم أهللنا من العشي بالحج . قال: وهذه وهلة لا خفاء بها على أحد ممن له أقل علم بالحديث لوجهين باطلين فيه بلا شك. أحدهما: قوله فاعتمرت أنا وأختي عائشة ولا خلاف بين أحد من أهل النقل في أن عائشة لم تعتمر في أول دخولها مكة ولذلك أعمرها من التنعيم بعد تمام الحج ليلة الحصبة هكذا رواه جابر بن عبد الله ورواه عن عائشة الأثبات كالأسود بن يزيد وابن أبي مليكة والقاسم بن محمد وعروة وطاووس ومجاهد. الموضع الثاني: قوله فيه: فلما مسحنا البيت أحللنا ثم أهللنا من العشي بالحج وهذا باطل لا شك فيه لأن جابرا وأنس بن مالك وعائشة وابن عباس كلهم رووا أن الإحلال كان يوم دخولهم مكة وأن إحلالهم بالحج كان يوم التروية وبين اليومين المذكورين ثلاثة أيام بلا شك. قلت: الحديث ليس بمنكر ولا باطل وهو صحيح وإنما أتي أبو محمد فيه من فهمه فإن أسماء أخبرت أنها اعتمرت هي وعائشة وهكذا وقع بلا شك. وأما قولها: فلما مسحنا البيت أحللنا فإخبار منها عن نفسها وعمن لم يصبه(2\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "663",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9229",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عذر الحيض الذي أصاب عائشة وهي لم تصرح بأن عائشة مسحت البيت يوم دخولهم مكة وأنها حلت ذلك اليوم ولا ريب أن عائشة قدمت بعمرة ولم تزل عليها حتى حاضت بسرف فأدخلت عليها الحج وصارت قارنة. فإذا قيل: اعتمرت عائشة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو قدمت بعمرة لم يكن هذا كذبا. وأما قولها: ثم أهللنا من العشي بالحج فهي لم تقل: إنهم أهلوا من عشي يوم القدوم ليلزم ما قال أبو محمد وإنما أرادت عشي يوم التروية. ومثل هذا لا يحتاج في ظهوره وبيانه إلى أن يصرح فيه بعشي ذلك اليوم بعينه لعلم الخاص والعام به وأنه مما لا تذهب الأوهام إلى غيره فرد أحاديث الثقات بمثل هذا الوهم مما لا سبيل إليه. قال أبو محمد: وأسلم الوجوه للحديثين المذكورين عن عائشة يعني اللذين أنكرهما أن تخرج روايتهما على أن المراد بقولها: إن الذين أهلوا بحج أو بحج وعمرة لم يحلوا حتى كان يوم النحر حين قضوا مناسك الحج إنما عنت بذلك من كان معه الهدي وبهذا تنتفي النكرة عن هذين الحديثين وبهذا تأتلف الأحاديث كلها لأن الزهري عن عروة يذكر خلاف ما ذكره أبو الأسود عن عروة والزهري بلا شك أحفظ من أبي الأسود وقد خالف يحيى بن عبد الرحمن عن عائشة في هذا الباب من لا يقرن يحيى بن عبد الرحمن إليه لا في حفظ ولا في ثقة ولا في جلالة ولا في بطانة لعائشة كالأسود بن يزيد والقاسم بن محمد بن أبي بكر وأبي عمرو ذكوان مولى عائشة وعمرة بنت عبد الرحمن وكانت في حجر عائشة وهؤلاء هم أهل الخصوصية والبطانة بها فكيف ولو لم يكونوا كذلك لكانت روايتهم أو رواية واحد منهم لو انفرد هي الواجب أن يؤخذ بها لأن فيها زيادة على رواية أبي الأسود ويحيى وليس من جهل أو غفل حجة على من علم وذكر وأخبر فكيف وقد وافق هؤلاء الجلة عن عائشة فسقط التعلق بحديث أبي الأسود ويحيى اللذين ذكرنا.(2\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "664",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9230",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: وأيضا فإن حديثي أبي الأسود ويحيى موقوفان غير مسندين لأنهما إنما ذكرا عنها فعل من فعل ما ذكرت دون أن يذكرا أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أمرهم أن لا يحلوا ولا حجة في أحد دون النبي - صلى الله عليه وآله وسلم فلو صح ما ذكراه وقد صح أمر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من لا هدي معه بالفسخ فتمادى المأمورون بذلك ولم يحلوا لكانوا عصاة لله تعالى وقد أعاذهم الله من ذلك وبرأهم منه فثبت يقينا أن حديث أبي الأسود ويحيى إنما عني فيهما: من كان معه هدي وهكذا جاءت الأحاديث الصحاح التي أوردناها بأنه - صلى الله عليه وآله وسلم - أمر من معه الهدي بأن يجمع حجا مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا. ثم ساق من طريق مالك عن ابن شهاب عن عروة عنها ترفعه ( من كان معه هدي فليهلل بالحج والعمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا )  قال: فهذا الحديث كما ترى من طريق عروة عن عائشة يبين ما ذكرنا أنه المراد بلا شك في حديث أبي الأسود عن عروة وحديث يحيى عن عائشة وارتفع الآن الإشكال جملة والحمد لله رب العالمين. قال: ومما يبين أن في حديث أبي الأسود حذفا قوله فيه: عن عروة quot; أن أمه وخالته والزبير أقبلوا بعمرة فقط فلما مسحوا الركن حلوا quot;. ولا خلاف بين أحد أن من أقبل بعمرة لا يحل بمسح الركن حتى يسعى بين الصفا والمروة بعد مسح الركن فصح أن في الحديث حذفا بينه سائر الأحاديث الصحاح التي ذكرنا وبطل التشغيب به جملة وبالله التوفيق.  فصل وأما ما في حديث أبي الأسود عن عروة من فعل أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار وابن عمر فقد أجابه ابن عباس فأحسن جوابه(2\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "665",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9231",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيكتفى بجوابه. فروى الأعمش عن فضيل بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عروة: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة. فقال ابن عباس: أراكم ستهلكون أقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقول: قال أبو بكر وعمر . وقال عبد الرازق: حدثنا معمر عن أيوب قال: قال عروة لابن عباس: ألا تتقي الله ترخص في المتعة فقال ابن عباس: سل أمك يا عرية. فقال عروة: أما أبو بكر وعمر فلم يفعلا فقال ابن عباس: والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله أحدثكم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتحدثونا عن أبي بكر وعمر فقال عروة: لهما أعلم بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأتبع لها منك . وأخرج أبو مسلم الكجي عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن أيوب السختياني عن ابن أبي مليكة عن عروة بن الزبير ( قال لرجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تأمر الناس بالعمرة في هؤلاء العشر وليس فيها عمرة! قال: أولا تسأل أمك عن ذلك قال عروة: فإن أبا بكر وعمر لم يفعلا ذلك قال الرجل: من هاهنا هلكتم ما أرى الله عز وجل إلا سيعذبكم إني أحدثكم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتخبروني بأبي بكر وعمر. قال عروة إنهما والله كانا أعلم بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منك فسكت الرجل ) .(2\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "666",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9232",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم أجاب أبو محمد بن حزم عروة عن قوله هذا بجواب نذكره ونذكر جوابا أحسن منه لشيخنا. قال أبو محمد ونحن نقول لعروة: ابن عباس أعلم بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبأبي بكر وعمر منك وخير منك وأولى بهم ثلاثتهم منك لا يشك في ذلك مسلم. وعائشة أم المؤمنين أعلم وأصدق منك. ثم ساق من طريق الثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن عبد الله قال: قالت عائشة: من استعمل على الموسم قالوا: ابن عباس قالت هو أعلم الناس بالحج. قال أبو محمد مع أنه قد روي عنها خلاف ما قاله عروة ومن هو خير من عروة وأفضل وأعلم وأصدق وأوثق. ثم ساق من طريق البزار عن الأشج عن عبد الله بن إدريس الأودي عن ليث عن عطاء وطاووس عن ابن عباس: تمتع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر وعمر وأول من نهى عنها معاوية . ومن طريق عبد الرزاق عن الثوري عن ليث عن طاووس عن ابن عباس: تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر. حتى مات وعمر وعثمان كذلك وأول من نهى عنها معاوية . قلت: حديث ابن عباس هذا رواه الإمام أحمد في quot; المسند quot; والترمذي. وقال حديث حسن. وذكر عبد الرزاق قال حدثنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: قال أبي بن كعب وأبو موسى لعمر بن الخطاب: ألا تقوم فتبين للناس أمر هذه المتعة فقال عمر: وهل بقي أحد إلا وقد علمها أما أنا فأفعلها.(2\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "667",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9233",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر علي بن عبد العزيز البغوي حدثنا حجاج بن المنهال قال حدثنا حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان أو حميد عن الحسن أن عمر أراد أن يأخذ مال الكعبة وقال: الكعبة غنية عن ذلك المال وأراد أن ينهى أهل اليمن أن يصبغوا بالبول وأراد أن ينهى عن متعة الحج فقال أبي بن كعب: قد رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه هذا المال وبه وبأصحابه الحاجة إليه فلم يأخذه وأنت فلا تأخذه وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يلبسون الثياب اليمانية فلم ينه عنها وقد علم أنها تصبغ بالبول وقد تمتعنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم ينه عنها ولم ينزل الله تعالى فيها نهيا . وقد تقدم قول عمر: لو اعتمرت في وسط السنة ثم حججت لتمتعت ولو حججت خمسين حجة لتمتعت. ورواه حماد بن سلمة عن قيس عن طاووس عن ابن عباس عنه لو اعتمرت في سنة مرتين ثم حججت لجعلت مع حجتي عمرة. والثوري عن سلمة بن كهيل عن طاووس عن ابن عباس عنه لو اعتمرت ثم اعتمرت ثم حججت لتمتعت. وابن عيينة: عن هشام بن حجير وليث عن طاووس عن ابن عباس قال: هذا الذي يزعمون أنه نهى عن المتعة - يعني عمر - سمعته يقول: لو اعتمرت ثم حججت لتمتعت. قال ابن عباس: كذا وكذا مرة ما تمت حجة رجل قط إلا بمتعة. وأما الجواب الذي ذكره شيخنا فهو أن عمر - رضي الله عنه - لم ينه عن المتعة البتة وإنما قال: إن أتم لحجكم وعمرتكم أن تفصلوا بينهما فاختار عمر لهم أفضل الأمور وهو إفراد كل واحد منهما بسفر ينشئه له من بلده وهذا أفضل من القران والتمتع الخاص بدون سفرة أخرى وقد نص على ذلك أحمد وأبو(2\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "668",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9234",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حنيفة ومالك والشافعي - رحمهم الله تعالى - وغيرهم. وهذا هو الإفراد الذي فعله أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وكان عمر يختاره للناس وكذلك علي - رضي الله عنهما -. وقال عمر وعلي - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: وأتموا الحج والعمرة لله [البقرة: 196] [البقرة 196] قالا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لعائشة في عمرتها: أجرك على قدر نصبك فإذا رجع الحاج إلى(2\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "669",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9235",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دويرة أهله فأنشأ العمرة منها واعتمر قبل أشهر الحج وأقام حتى يحج أو اعتمر في أشهره ورجع إلى أهله ثم حج فهاهنا قد أتى بكل واحد من النسكين من دويرة أهله وهذا إتيان بهما على الكمال فهو أفضل من غيره. قلت: فهذا الذي اختاره عمر للناس فظن من غلط منهم أنه نهى عن المتعة ثم منهم من حمل نهيه على متعة الفسخ ومنهم من حمله على ترك الأولى ترجيحا للإفراد عليه ومنهم من عارض روايات النهي عنه بروايات الاستحباب وقد ذكرناها ومنهم من جعل في ذلك روايتين عن عمر كما عنه روايتان في غيرهما من المسائل ومنهم من جعل النهي قولا قديما ورجع عنه أخيرا كما سلك أبو محمد بن حزم ومنهم من يعد النهي رأيا رآه من عنده لكراهته أن يظل الحاج معرسين بنسائهم في ظل الأراك. قال أبو حنيفة: عن حماد عن إبراهيم النخعي عن الأسود بن يزيد قال: بينما أنا واقف مع عمر بن الخطاب بعرفة عشية عرفة فإذا هو برجل مرجل شعره يفوح منه ريح الطيب فقال له عمر: أمحرم أنت قال نعم. فقال عمر: ما هيئتك بهيئة محرم إنما المحرم الأشعث الأغبر الأدفر. قال إني قدمت متمتعا وكان معي أهلي وإنما أحرمت اليوم. فقال عمر عند ذلك لا تتمتعوا في هذه الأيام فإني لو رخصت في المتعة لهم لعرسوا بهن في الأراك ثم راحوا بهن حجاجا. وهذا يبين أن هذا من عمر رأي رآه. قال ابن حزم: فكان ماذا وحبذا ذلك وقد طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - على نسائه ثم أصبح محرما ولا خلاف أن الوطء مباح قبل الإحرام بطرفة عين والله أعلم.  [بقية طرق المانعين من فسخ الحج إلى العمرة] فصل(2\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "670",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9236",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد سلك المانعون من الفسخ طريقتين أخريين نذكرهما ونبين فسادهما. الطريقة الأولى: قالوا: إذا اختلف الصحابة ومن بعدهم في جواز الفسخ فالاحتياط يقتضي المنع منه صيانة للعبادة عما لا يجوز فيها عند كثير من أهل العلم بل أكثرهم. والطريقة الثانية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بالفسخ ليبين لهم جواز العمرة في أشهر الحج لأن أهل الجاهلية كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج وكانوا يقولون إذا برأ الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر فقد حلت العمرة لمن اعتمر فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالفسخ ليبين لهم جواز العمرة في أشهر الحج وهاتان الطريقتان باطلتان. أما الأولى: فلأن الاحتياط إنما يشرع إذا لم تتبين السنة فإذا تبينت فالاحتياط هو اتباعها وترك ما خالفها; فإن كان تركها لأجل الاختلاف احتياطا فترك ما خالفها واتباعها أحوط وأحوط فالاحتياط نوعان: احتياط للخروج من خلاف العلماء واحتياط للخروج من خلاف السنة ولا يخفى رجحان أحدهما على الآخر. وأيضا فإن الاحتياط ممتنع هنا فإن للناس في الفسخ ثلاثة أقوال: أحدها: أنه محرم.(2\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "671",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9237",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني: أنه واجب وهو قول جماعة من السلف والخلف. الثالث: أنه مستحب فليس الاحتياط بالخروج من خلاف من حرمه أولى بالاحتياط بالخروج من خلاف من أوجبه. وإذا تعذر الاحتياط بالخروج من الخلاف تعين الاحتياط بالخروج من خلاف السنة.  [بطلان قول من قال أمرهم صلى الله عليه وسلم بالفسخ ليبين لهم جواز العمرة في أشهر الحج] فصل وأما الطريقة الثانية فأظهر بطلانا من وجوه عديدة. أحدها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتمر قبل ذلك عمره الثلاث في أشهر الحج في ذي القعدة كما تقدم ذلك وهو أوسط أشهر الحج. فكيف يظن أن الصحابة لم يعلموا جواز الاعتمار في أشهر الحج إلا بعد أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة وقد تقدم فعله لذلك ثلاث مرات الثاني: أنه قد ثبت في quot; الصحيحين quot; أنه قال لهم عند الميقات: quot; من شاء أن يهل بعمرة فليفعل ومن شاء أن يهل بحجة فليفعل ومن شاء أن يهل بحج وعمرة فليفعل quot; فبين لهم جواز الاعتمار في أشهر الحج عند الميقات وعامة المسلمين معه فكيف لم يعلموا جوازها إلا بالفسخ ولعمر الله إن لم يكونوا يعلمون جوازها بذلك فهم أجدر أن لا يعلموا جوازها بالفسخ. الثالث: أنه أمر من لم يسق الهدي أن يتحلل وأمر من ساق الهدي أن يبقى على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله ففرق بين محرم ومحرم وهذا يدل على أن سوق الهدي هو المانع من التحلل لا مجرد الإحرام الأول والعلة التي ذكروها لا تختص بمحرم دون محرم فالنبي - صلى الله عليه وسلم - جعل التأثير في الحل وعدمه للهدي وجودا وعدما لا لغيره.(2\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "672",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9238",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرابع: أن يقال: إذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قصد مخالفة المشركين كان هذا دليلا على أن الفسخ أفضل لهذه العلة لأنه إذا كان إنما أمرهم بذلك لمخالفة المشركين كان يكون دليلا على أن الفسخ يبقى مشروعا إلى يوم القيامة إما وجوبا وإما استحبابا فإن ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - وشرعه لأمته في المناسك مخالفة لهدي المشركين هو مشروع إلى يوم القيامة إما وجوبا أو استحبابا فإن المشركين كانوا يفيضون من عرفة قبل غروب الشمس وكانوا لا يفيضون من مزدلفة حتى تطلع الشمس وكانوا يقولون أشرق ثبير كيما نغير فخالفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: quot; خالف هدينا هدي المشركين فلم نفض من عرفة حتى غربت الشمس quot;. وهذه المخالفة إما ركن كقول مالك وإما واجب يجبره دم كقول أحمد وأبي حنيفة والشافعي في أحد القولين وإما سنة كالقول الآخر له. والإفاضة من مزدلفة قبل طلوع الشمس سنة باتفاق المسلمين وكذلك قريش كانت لا تقف بعرفة بل تفيض من جمع فخالفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ووقف بعرفات وأفاض منها وفي ذلك نزل قوله تعالى: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس [البقرة: 199] [البقرة 199] وهذه المخالفة من أركان الحج باتفاق المسلمين(2\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "673",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9239",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالأمور التي نخالف فيها المشركين هي الواجب أو المستحب ليس فيها مكروه فكيف يكون فيها محرم وكيف يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه بنسك يخالف نسك المشركين مع كون الذي نهاهم عنه أفضل من الذي أمرهم به. أو يقال: من حج كما حج المشركون فلم يتمتع فحجه أفضل من حج السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. الخامس: أنه قد ثبت في quot; الصحيحين quot; عنه أنه قال: quot; دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة quot;. وقيل له عمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد فقال: quot; لا بل لأبد الأبد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة quot;. وكان سؤالهم عن عمرة الفسخ كما جاء صريحا في حديث جابر الطويل. قال: حتى إذا كان آخر طوافه على المروة قال: quot; لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة quot; فقام سراقة بن مالك فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد فشبك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصابعه واحدة في الأخرى وقال quot; دخلت العمرة في الحج مرتين لا بل لأبد الأبدquot; وفي لفظ: قدم رسول الله صبح رابعة مضت من ذي الحجة فأمرنا أن نحل فقلنا: لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس أمرنا أن نفضي إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني . . . فذكر الحديث. وفيه: فقال سراقة بن مالك: لعامنا هذا أم للأبد فقال quot; لأبد quot;. وفي quot; صحيح البخاري quot; عنه: أن سراقة قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: quot; ألكم خاصة هذه يا رسول الله قال quot; بل للأبد quot; فبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تلك العمرة التي فسخ من(2\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "674",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9240",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فسخ منهم حجة إليها للأبد وأن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة. وهذا يبين أن عمرة التمتع بعض الحج. وقد اعترض بعض الناس على الاستدلال بقوله: quot; بل لأبد الأبد quot; باعتراضين أحدهما: أن المراد أن سقوط الفرض بها لا يختص بذلك العام بل يسقطه إلى الأبد وهذا الاعتراض باطل فإنه لو أراد ذلك لم يقل: للأبد فإن الأبد لا يكون في حق طائفة معينة بل إنما يكون لجميع المسلمين ولأنه قال: quot;دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة quot; ولأنهم لو أرادوا بذلك السؤال عن تكرار الوجوب لما اقتصروا على العمرة بل كان السؤال عن الحج ولأنهم قالوا له: quot; عمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد  quot; ولو أرادوا تكرار وجوبها كل عام لقالوا له كما قالوا له في الحج: أكل عام يا رسول الله ولأجابهم بما أجابهم به في الحج بقوله: quot; ذروني ما تركتكم. لو قلت: نعم لوجبت quot;. ولأنهم قالوا له: هذه لكم خاصة فقال: quot; بل لأبد الأبد quot;. فهذا السؤال والجواب صريحان في عدم الاختصاص. الثاني: قوله: إن ذلك إنما يريد به جواز الاعتمار في أشهر الحج وهذا الاعتراض أبطل من الذي قبله فإن السائل إنما سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه عن المتعة التي هي فسخ الحج لا عن جواز العمرة في أشهر الحج لأنه إنما سأله عقب أمره من لا هدي معه بفسخ الحج فقال له سراقة حينئذ: هذا لعامنا أم للأبد فأجابه - صلى الله عليه وسلم - عن نفس ما سأله عنه لا عما لم يسأله عنه وفي قوله: quot; دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة quot; عقب أمره من لا هدي معه بالإحلال بيان جلي أن ذلك مستمر إلى يوم القيامة فبطل دعوى الخصوص وبالله التوفيق. السادس: أن هذه العلة التي ذكرتموها ليست في الحديث ولا فيه إشارة إليها فإن كانت باطلة بطل اعتراضكم بها وإن كانت صحيحة فإنها لا تلزم الاختصاص بالصحابة بوجه من الوجوه بل إن صحت اقتضت دوام معلولها واستمراره كما أن الرمل شرع ليري المشركين قوته وقوة أصحابه واستمرت(2\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "675",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9241",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مشروعيته إلى يوم القيامة فبطل الاحتجاج بتلك العلة على الاختصاص بهم على كل تقدير. السابع أن الصحابة - رضي الله عنهم - إذا لم يكتفوا بالعلم بجواز العمرة في أشهر الحج على فعلهم لها معه ثلاثة أعوام ولا بإذنه لهم فيها عند الميقات حتى أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة فمن بعدهم أحرى أن لا يكتفي بذلك حتى يفسخ الحج إلى العمرة اتباعا لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - واقتداء بأصحابه إلا أن يقول قائل: إنا نحن نكتفي من ذلك بدون ما اكتفى به الصحابة ولا نحتاج في الجواز إلى ما احتاجوا هم إليه وهذا جهل نعوذ بالله منه. الثامن: أنه لا يظن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأمر أصحابه بالفسخ الذي هو حرام ليعلمهم بذلك مباحا يمكن تعليمه بغير ارتكاب هذا المحظور وبأسهل منه بيانا وأوضح دلالة وأقل كلفة. فإن قيل لم يكن الفسخ حين أمرهم به حراما. قيل: فهو إذا إما واجب أو مستحب. وقد قال بكل واحد منهما طائفة فمن الذي حرمه بعد إيجابه أو استحبابه وأي نص أو إجماع رفع هذا الوجوب أو الاستحباب فهذه مطالبة لا محيص عنها. التاسع: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: quot; لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة quot; أفترى تجدد له - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك العلم بجواز العمرة في أشهر الحج حتى تأسف على فواتها هذا من أعظم المحال. العاشر: أنه أمر بالفسخ إلى العمرة من كان أفرد ومن قرن ولم يسق الهدي. ومعلوم: أن القارن قد اعتمر في أشهر الحج مع حجته فكيف يأمره بفسخ قرانه إلى عمرة ليبين له جواز العمرة في أشهر الحج وقد أتى بها وضم إليها الحج .  [بحث في موافقة فسخ الحج إلى العمرة لقياس الأصول] الحادي عشر: أن فسخ الحج إلى العمرة موافق لقياس الأصول لا(2\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "676",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9242",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مخالف له. ولو لم يرد به النص لكان القياس يقتضي جوازه فجاء النص به على وفق القياس قاله شيخ الإسلام وقرره بأن المحرم إذا التزم أكثر مما كان لزمه جاز باتفاق الأئمة. فلو أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج جاز بلا نزاع وإذا أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم يجز عند الجمهور وهو مذهب مالك وأحمد والشافعي في ظاهر مذهبه وأبو حنيفة يجوز ذلك بناء على أصله في أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين. قال وهذا قياس الرواية المحكية عن أحمد في القارن: أنه يطوف طوافين ويسعى سعيين. وإذا كان كذلك فالمحرم بالحج لم يلتزم إلا الحج. فإذا صار متمتعا صار ملتزما لعمرة وحج فكان ما التزمه بالفسخ أكثر مما كان عليه فجاز ذلك. ولما كان أفضل كان مستحبا وإنما أشكل هذا على من ظن أنه فسخ حجا إلى عمرة وليس كذلك فإنه لو أراد أن يفسخ الحج إلى عمرة مفردة لم يجز بلا نزاع وإنما الفسخ جائز لمن كان من نيته أن يحج بعد العمرة والمتمتع من حين يحرم بالعمرة فهو داخل في الحج كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: quot; دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة quot; ولهذا يجوز له أن يصوم الأيام الثلاثة من حين يحرم بالعمرة فدل على أنه في تلك الحال في الحج. وأما إحرامه بالحج بعد ذلك فكما يبدأ الجنب بالوضوء ثم يغتسل بعده. وكذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل. إذا اغتسل من الجنابة. وقال للنسوة في غسل ابنته: quot; ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها quot;. فغسل مواضع الوضوء بعض الغسل. فإن قيل هذا باطل لثلاثة أوجه. أحدها: أنه إذا فسخ استفاد بالفسخ حلا كان ممنوعا منه بإحرامه الأول فهو دون ما التزمه.(2\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "677",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9243",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني: أن النسك الذي كان قد التزمه أولا أكمل من النسك الذي فسخ إليه ولهذا لا يحتاج الأول إلى جبران والذي يفسخ إليه يحتاج إلى هدي جبرانا له ونسك لا جبران فيه أفضل من نسك مجبور. الثالث: أنه إذا لم يجز إدخال العمرة على الحج فلأن لا يجوز إبدالها به وفسخه إليها بطريق الأولى والأحرى. فالجواب عن هذه الوجوه من طريقين مجمل ومفصل. أما المجمل: فهو أن هذه الوجوه اعتراضات على مجرد السنة والجواب عنها بالتزام تقديم الوحي على الآراء وأن كل رأي يخالف السنة فهو باطل قطعا وبيان بطلانه لمخالفة السنة الصحيحة الصريحة له والآراء تبع للسنة وليست السنة تبعا للآراء. وأما المفصل: وهو الذي نحن بصدده فإنا التزمنا أن الفسخ على وفق القياس فلا بد من الوفاء بهذا الالتزام وعلى هذا فالوجه الأول جوابه: بأن التمتع - وإن تخلله التحلل - فهو أفضل من الإفراد الذي لا حل فيه لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من لا هدي معه بالإحرام به ولأمره أصحابه بفسخ الحج إليه ولتمنيه أنه كان أحرم به ولأنه النسك المنصوص عليه في كتاب الله ولأن الأمة أجمعت على جوازه بل على استحبابه واختلفوا في غيره على قولين فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - غضب حين أمرهم بالفسخ إليه بعد الإحرام بالحج فتوقفوا ولأنه من المحال قطعا أن تكون حجة قط أفضل من حجة خير القرون وأفضل العالمين مع نبيهم - صلى الله عليه وسلم - وقد أمرهم كلهم بأن يجعلوها متعة إلا من ساق الهدي فمن المحال أن يكون غير هذا الحج أفضل منه إلا حج من قرن وساق الهدي كما اختاره الله سبحانه لنبيه فهذا هو الذي اختاره الله لنبيه واختار لأصحابه التمتع فأي حج أفضل من هذين. ولأنه من المحال أن ينقلهم من النسك الفاضل إلى المفضول المرجوح ولوجوه أخر كثيرة(2\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "678",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9244",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليس هذا موضعها فرجحان هذا النسك أفضل من البقاء على الإحرام الذي يفوته بالفسخ وقد تبين بهذا بطلان الوجه الثاني. وأما قولكم: إنه نسك مجبور بالهدي فكلام باطل من وجوه. أحدها: أن الهدي في التمتع عبادة مقصودة وهو من تمام النسك وهو دم شكران لا دم جبران وهو بمنزلة الأضحية للمقيم وهو من تمام عبادة هذا اليوم فالنسك المشتمل على الدم بمنزلة العيد المشتمل على الأضحية فإنه ما تقرب إلى الله في ذلك اليوم بمثل إراقة دم سائل. وقد روى الترمذي وغيره من حديث أبي بكر الصديق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل: أي الحج أفضل فقال: quot; العج والثج . والعج: رفع الصوت بالتلبية والثج: إراقة دم الهدي. فإن قيل: يمكن المفرد أن يحصل هذه الفضيلة. قيل: مشروعيتها إنما جاءت في حق القارن والمتمتع وعلى تقدير استحبابها في حقه فأين ثوابها من ثواب هدي المتمتع والقارن الوجه الثاني: إنه لو كان دم جبران لما جاز الأكل منه وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أكل من هديه فإنه أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر(2\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "679",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9245",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأكل من لحمها وشرب من مرقها. وإن كان الواجب عليه سبع بدنة فإنه أكل من كل بدنة من المائة والواجب فيها مشاع لم يتعين بقسمة. وأيضا: فإنه قد ثبت في quot; الصحيحين quot;: أنه أطعم نساءه من الهدي الذي ذبحه عنهن وكن متمتعات  احتج به الإمام أحمد فثبت في quot; الصحيحين quot; عن عائشة - رضي الله عنها - أنه أهدى عن نسائه ثم أرسل إليهن من الهدي الذي ذبحه عنهن . وأيضا: فإن الله سبحانه وتعالى قال فيما يذبح بمنى من الهدي: فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير [الحج: 28] [الحج: 28] وهذا يتناول هدي التمتع والقران قطعا إن لم يختص به فإن المشروع هناك ذبح هدي المتعة والقران. ومن هاهنا والله أعلم أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر امتثالا لأمر ربه بالأكل ليعم به جميع هديه. الوجه الثالث: أن سبب الجبران محظور في الأصل فلا يجوز الإقدام عليه إلا لعذر فإنه إما ترك واجب أو فعل محظور والتمتع مأمور به إما أمر إيجاب عند طائفة كابن عباس وغيره أو أمر استحباب عند الأكثرين فلو كان دمه دم جبران لم يجز الإقدام على سببه بغير عذر فبطل قولهم إنه دم جبران وعلم أنه دم نسك وهذا وسع الله به على عباده وأباح لهم بسببه التحلل في أثناء الإحرام لما في استمرار الإحرام عليهم من المشقة فهو بمنزلة القصر والفطر في السفر وبمنزلة المسح على الخفين وكان من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهدي أصحابه فعل هذا وهذا quot; والله تعالى يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته quot;. فمحبته لأخذ العبد بما يسره عليه(2\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "680",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9246",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسهله له مثل كراهته منه لارتكاب ما حرمه عليه ومنعه منه. والهدي وإن كان بدلا عن ترفهه بسقوط أحد السفرين فهو أفضل لمن قدم في أشهر الحج من أن يأتي بحج مفرد ويعتمر عقيبه والبدل قد يكون واجبا كالجمعة عند من جعلها بدلا وكالتيمم للعاجز عن استعمال الماء فإنه واجب عليه وهو بدل فإذا كان البدل قد يكون واجبا فكونه مستحبا أولى بالجواز وتخلل التحلل لا يمنع أن يكون الجميع عبادة واحدة كطواف الإفاضة فإنه ركن بالاتفاق ولا يفعل إلا بعد التحلل الأول وكذلك رمي الجمار أيام منى وهو يفعل بعد الحل التام وصوم رمضان يتخلله الفطر في لياليه ولا يمنع ذلك أن يكون عبادة واحدة. ولهذا قال مالك وغيره إنه يجزئ بنية واحدة للشهر كله لأنه عبادة واحدة. والله أعلم.  فصل وأما قولكم إذا لم يجز إدخال العمرة على الحج فلأن لا يجوز فسخه إليها أولى وأحرى فنسمع جعجعة ولا نرى طحنا. وما وجه التلازم بين الأمرين وما الدليل على هذه الدعوى التي ليس بأيديكم برهان عليها ثم القائل بهذا إن كان من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله فهو غير معترف بفساد هذا القياس. وإن كان من غيرهم طولب بصحة قياسه فلا يجد إليه سبيلا ثم يقال: مدخل العمرة قد نقص مما كان التزمه فإنه كان يطوف طوافا للحج ثم طوافا آخر للعمرة. فإذا قرن كفاه طواف واحد وسعي واحد بالسنة الصحيحة وهو قول الجمهور وقد نقص مما كان يلتزمه. وأما الفاسخ فإنه لم ينقض مما التزمه بل نقل نسكه إلى ما هو أكمل منه وأفضل وأكثر واجبات فبطل القياس على كل تقدير ولله الحمد.  [العودة إلى سياق حجته صلى الله عليه وسلم عند نزوله بذي طوى] فصل عدنا إلى سياق حجته - صلى الله عليه وسلم -. ثم نهض - صلى الله عليه وسلم - إلى أن نزل بذي طوى وهي(2\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "681",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9247",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعروفة الآن بآبار الزاهر فبات بها ليلة الأحد لأربع خلون من ذي الحجة وصلى بها الصبح ثم اغتسل من يومه ونهض إلى مكة فدخلها نهارا من أعلاها من الثنية العليا التي تشرف على الحجون وكان في العمرة يدخل من أسفلها وفي الحج دخل من أعلاها وخرج من أسفلها ثم سار حتى دخل المسجد وذلك ضحى. وذكر الطبراني أنه دخله من باب بني عبد مناف الذي يسميه الناس اليوم باب بني شيبة. وذكر الإمام أحمد: أنه كان إذا دخل مكانا من دار يعلى استقل البيت فدعا. وذكر الطبراني: أنه كان إذا نظر إلى البيت قال اللهم زد بيتك هذا تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة . وروي عنه أنه كان عند رؤيته يرفع يديه ويكبر ويقول: quot; اللهم أنت السلام ومنك السلام حينا ربنا بالسلام اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وزد من حجه أو اعتمره تكريما وتشريفا وتعظيما وبرا quot; وهو مرسل ولكن سمع هذا سعيد بن المسيب من عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقوله.(2\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "682",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9248",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلما دخل المسجد عمد إلى البيت ولم يركع تحية المسجد فإن تحية المسجد الحرام الطواف فلما حاذى الحجر الأسود استلمه ولم يزاحم عليه ولم يتقدم عنه إلى جهة الركن اليماني ولم يرفع يديه ولم يقل نويت بطوافي هذا الأسبوع كذا وكذا ولا افتتحه بالتكبير كما يفعله من لا علم عنده بل هو من البدع المنكرات ولا حاذى الحجر الأسود بجميع بدنه ثم انفتل عنه وجعله على شقه بل استقبله واستلمه ثم أخذ عن يمينه وجعل البيت عن يساره ولم يدع عند الباب بدعاء ولا تحت الميزاب ولا عند ظهر الكعبة وأركانها ولا وقت للطواف ذكرا معينا لا بفعله ولا بتعليمه بل حفظ عنه بين الركنين: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار [البقرة: 201] ورمل في طوافه هذا الثلاثة الأشواط الأول وكان يسرع في مشيه ويقارب بين خطاه واضطبع بردائه فجعل طرفيه على أحد كتفيه وأبدى كتفه الأخرى ومنكبه وكلما حاذى الحجر الأسود أشار إليه أو استلمه بمحجنه وقبل المحجن والمحجن: عصا محنية الرأس وثبت عنه أنه استلم الركن اليماني. ولم يثبت عنه أنه قبله ولا قبل يده عند استلامه وقد روى الدارقطني: عن ابن عباس كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (يقبل الركن اليماني ويضع خده عليه )  وفيه عبد الله بن مسلم بن هرمز قال الإمام أحمد: صالح الحديث وضعفه غيره. ولكن المراد بالركن اليماني هاهنا الحجر الأسود فإنه يسمى الركن اليماني ويقال له مع الركن الآخر اليمانيان(2\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "683",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9249",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويقال له مع الركن الذي يلي الحجر من ناحية الباب: العراقيان ويقال للركنين اللذين يليان الحجر: الشاميان. ويقال للركن اليماني والذي يلي الحجر من ظهر الكعبة: الغربيان ولكن ثبت عنه أنه قبل الحجر الأسود وثبت عنه أنه استلمه بيده فوضع يده عليه ثم قبلها وثبت عنه أنه استلمه بمحجن فهذه ثلاث صفات وروي عنه أيضا أنه وضع شفتيه عليه طويلا يبكي. وذكر الطبراني عنه بإسناد جيد: أنه كان إذا استلم الركن اليماني قال: quot; بسم الله والله أكبر . وكان كلما أتى على الحجر الأسود قال: quot; الله أكبر . وذكر أبو داود الطيالسي وأبو عاصم النبيل عن جعفر بن عبد الله بن عثمان قال رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبل الحجر وسجد عليه ثم قال رأيت ابن عباس يقبله ويسجد عليه وقال ابن عباس: رأيت عمر بن الخطاب قبله وسجد عليه ثم قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل هكذا ففعلت . وروى البيهقي عن ابن عباس: أنه قبل الركن اليماني ثم سجد عليه ثم قبله ثم سجد عليه ثلاث مرات. وذكر أيضا عنه قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد على الحجر .(2\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "684",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9250",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولم يستلم - صلى الله عليه وسلم - ولم يمس من الأركان إلا اليمانيين فقط قال الشافعي - رحمه الله -: ولم يدع أحد استلامهما هجرة لبيت الله ولكن استلم ما استلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمسك عما أمسك عنه.  [فصل صلاته صلى الله عليه وسلم خلف المقام] فصل فلما فرغ من طوافه جاء إلى خلف المقام فقرأ: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى [البقرة: 125] [البقرة 125]  فصلى ركعتين والمقام بينه وبين البيت قرأ فيهما بعد الفاتحة بسورتي الإخلاص وقراءته الآية المذكورة بيان منه لتفسير القرآن ومراد الله منه بفعله - صلى الله عليه وسلم - فلما فرغ من صلاته أقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه ثم خرج إلى الصفا من الباب الذي يقابله فلما قرب منه. قرأ: إن الصفا والمروة من شعائر الله [البقرة: 158] [البقرة 159] أبدأ بما بدأ الله به وفي رواية النسائي: quot; ابدءوا quot; بصيغة الأمر ثم رقي عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال: quot; لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده quot;. ثم دعا بين ذلك وقال مثل هذا ثلاث مرات. وقام ابن مسعود على الصدع وهو الشق الذي في الصفا فقيل له: هاهنا يا أبا عبد الرحمن قال: هذا والذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة. ذكره البيهقي.(2\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "685",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9251",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم نزل إلى المروة يمشي فلما انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا جاوز الوادي وأصعد مشى هذا الذي صح عنه وذلك اليوم قبل الميلين الأخضرين في أول المسعى وآخره. والظاهر: أن الوادي لم يتغير عن وضعه هكذا قال جابر عنه في quot; صحيح مسلم quot; وظاهر هذا: أنه كان ماشيا وقد روى مسلم في quot; صحيحه quot; عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة ليراه الناس وليشرف وليسألوه فإن الناس قد غشوه . وروى مسلم عن أبي الزبير عن جابر: لم يطف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا طوافه الأول . قال ابن حزم: لا تعارض بينهما ; لأن الراكب إذا انصب به بعيره فقد انصب كله وانصبت قدماه أيضا مع سائر جسده. وعندي في الجمع بينهما وجه آخر أحسن من هذا وهو أنه سعى ماشيا أولا ثم أتم سعيه راكبا وقد جاء ذلك مصرحا به ففي quot; صحيح مسلم quot;: عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبا أسنة هو فإن قومك يزعمون أنه سنة قال: صدقوا وكذبوا قال: قلت: ما قولك: صدقوا وكذبوا قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثر عليه الناس يقولون هذا محمد هذا محمد حتى خرج العواتق من البيوت قال: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يضرب الناس بين يديه. قال: فلما كثر عليه ركب والمشي والسعي أفضل .(2\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "686",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9252",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل طواف القدوم] فصل وأما طوافه بالبيت عند قدومه فاختلف فيه هل كان على قدميه أو كان راكبا . ففي quot; صحيح مسلم quot;: عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع حول الكعبة على بعيره يستلم الركن كراهية أن يضرب عنه الناس . وفي quot; سنن أبي داود quot;: عن ابن عباس قال: قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته كلما أتى على الركن استلمه بمحجن فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين  قال أبو الطفيل: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يطوف حول البيت على بعيره يستلم الحجر بمحجنه ثم يقبله  رواه مسلم دون ذكر البعير وهو عند البيهقي بإسناد مسلم بذكر البعير وهذا والله أعلم في طواف الإفاضة لا في طواف القدوم فإن جابرا حكى عنه الرمل في الثلاثة الأول وذلك لا يكون إلا مع المشي. قال الشافعي - رحمه الله -: أما سبعه الذي طافه لمقدمه فعلى قدميه لأن جابرا حكى عنه فيه: أنه رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعة فلا يجوز أن يكون جابر يحكي عنه الطواف ماشيا وراكبا في سبع واحد وقد حفظ أن سبعه الذي ركب فيه في طوافه يوم النحر. ثم ذكر الشافعي: عن ابن عيينة عن ابن طاووس عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه أن يهجروا بالإفاضة وأفاض في نسائه ليلا على راحلته يستلم الركن بمحجنه أحسبه قال: فيقبل طرف المحجن .(2\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "687",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9253",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت: هذا مع أنه مرسل فهو خلاف ما رواه جابر عنه في quot; الصحيح quot; أنه طاف طواف الإفاضة يوم النحر نهارا وكذلك روت عائشة وابن عمر كما سيأتي. وقول ابن عباس: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته كلما أتى الركن استلمه  هذا إن كان محفوظا فهو في إحدى عمره وإلا فقد صح عنه الرمل في الثلاثة الأول من طواف القدوم إلا أن يقول كما قال ابن حزم في السعي: إنه رمل على بعيره فإن من رمل على بعيره فقد رمل لكن ليس في شيء من الأحاديث أنه كان راكبا في طواف القدوم. والله أعلم.  [غلط ابن حزم وبيان أنه لم يحج] فصل وقال ابن حزم: وطاف - صلى الله عليه وسلم - بين الصفا والمروة أيضا سبعا راكبا على بعيره يخب ثلاثا ويمشي أربعا وهذا من أوهامه وغلطه - رحمه الله - فإن أحدا لم يقل هذا قط غيره ولا رواه أحد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - البتة. وهذا إنما هو في الطواف بالبيت فغلط أبو محمد ونقله إلى الطواف بين الصفا والمروة. وأعجب من ذلك استدلاله عليه بما رواه من طريق البخاري عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف حين قدم مكة واستلم الركن أول شيء ثم خب ثلاثة أطواف ومشى أربعا فركع حين قضى طوافه بالبيت وصلى عند المقام ركعتين ثم سلم فانصرف فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أشواط . . وذكر باقي الحديث. قال: ولم نجد عدد الرمل بين الصفا والمروة منصوصا ولكنه متفق عليه. هذا لفظه. قلت: المتفق عليه: السعي في بطن الوادي في الأشواط كلها. وأما الرمل في الثلاثة الأول خاصة فلم يقله ولا نقله فيما نعلم غيره. وسألت شيخنا عنه فقال: هذا من أغلاطه وهو لم يحج - رحمه الله - تعالى. ويشبه هذا الغلط غلط من قال إنه سعى أربع عشرة مرة وكان يحتسب(2\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "688",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9254",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بذهابه ورجوعه مرة واحدة وهذا غلط عليه - صلى الله عليه وسلم - لم ينقله عند أحد ولا قاله أحد من الأئمة الذين اشتهرت أقوالهم وإن ذهب إليه بعض المتأخرين من المنتسبين إلى الأئمة ومما يبين بطلان هذا القول أنه - صلى الله عليه وسلم - لا خلاف عنه أنه ختم سعيه بالمروة ولو كان الذهاب والرجوع مرة واحدة لكان ختمه إنما يقع على الصفا. وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا وصل إلى المروة رقي عليها واستقبل البيت وكبر الله ووحده وفعل كما فعل على الصفا فلما أكمل سعيه عند المروة أمر كل من لا هدي معه أن يحل حتما ولا بد قارنا كان أو مفردا وأمرهم أن يحلوا الحل كله من وطء النساء والطيب ولبس المخيط وأن يبقوا كذلك إلى يوم التروية ولم يحل هو من أجل هديه وهناك قال: quot; لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة quot;. وقد روي أنه أحل هو أيضا وهو غلط قطعا قد بيناه فيما تقدم. وهناك دعا للمحلقين بالمغفرة ثلاثا وللمقصرين مرة وهناك سأله سراقة بن مالك بن جعشم عقيب أمره لهم بالفسخ والإحلال: هل ذلك لعامهم خاصة أم للأبد فقال: quot; بل للأبد quot;. ولم يحل أبو بكر ولا عمر ولا علي ولا طلحة ولا الزبير من أجل الهدي. وأما نساؤه - صلى الله عليه وسلم - فأحللن وكن قارنات إلا عائشة فإنها لم تحل من أجل تعذر الحل عليها لحيضها وفاطمة حلت لأنها لم يكن معها هدي وعلي - رضي الله عنه - لم يحل من أجل هديه وأمر - صلى الله عليه وسلم - من أهل بإهلال كإهلاله أن يقيم على إحرامه إن كان معه هدي وأن يحل إن لم يكن معه هدي.  وكان يصلي مدة مقامه بمكة إلى يوم التروية بمنزله الذي هو نازل فيه(2\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "689",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9255",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالمسلمين بظاهر مكة فأقام بظاهر مكة أربعة أيام يقصر الصلاة يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء فلما كان يوم الخميس ضحى توجه بمن معه من المسلمين إلى منى فأحرم بالحج من كان أحل منهم من رحالهم ولم يدخلوا إلى المسجد فأحرموا منه بل أحرموا ومكة خلف ظهورهم فلما وصل إلى منى نزل بها وصلى بها الظهر والعصر وبات بها وكان ليلة الجمعة فلما طلعت الشمس سار منها إلى عرفة وأخذ على طريق ضب على يمين طريق الناس اليوم وكان من أصحابه الملبي ومنهم المكبر وهو يسمع ذلك ولا ينكر على هؤلاء ولا على هؤلاء فوجد القبة قد ضربت له بنمرة بأمره وهي قرية شرقي عرفات وهي خراب اليوم فنزل بها حتى إذا زالت الشمس أمر بناقته القصواء فرحلت ثم سار حتى أتى بطن الوادي من أرض عرنة فخطب الناس وهو على راحلته خطبة عظيمة قرر فيها قواعد الإسلام وهدم فيها قواعد الشرك والجاهلية وقرر فيها تحريم المحرمات التي اتفقت الملل على تحريمها وهي الدماء والأموال والأعراض ووضع فيها أمور الجاهلية تحت قدميه ووضع فيها ربا الجاهلية كله وأبطله وأوصاهم بالنساء خيرا وذكر الحق الذي لهن والذي عليهن وأن الواجب لهن الرزق والكسوة بالمعروف ولم يقدر ذلك بتقدير وأباح للأزواج ضربهن إذا أدخلن إلى بيوتهن من يكرهه أزواجهن وأوصى الأمة فيها بالاعتصام بكتاب الله وأخبر أنهم لن يضلوا ما داموا معتصمين به ثم أخبرهم أنهم مسئولون عنه واستنطقهم: بماذا يقولون وبماذا يشهدون فقالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فرفع أصبعه إلى السماء واستشهد الله عليهم ثلاث مرات وأمرهم أن يبلغ شاهدهم غائبهم.(2\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "690",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9256",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ابن حزم: وأرسلت إليه أم الفضل بنت الحارث الهلالية وهي أم عبد الله بن عباس بقدح لبن فشربه أمام الناس وهو على بعيره فلما أتم الخطبة أمر بلالا فأقام الصلاة وهذا من وهمه - رحمه الله - فإن قصة شربه اللبن إنما كانت بعد هذا حين سار إلى عرفة ووقف بها هكذا جاء في quot; الصحيحين quot; مصرحا به عن ميمونة: أن الناس شكوا في صيام النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم عرفة فأرسلت إليه بحلاب وهو واقف في الموقف فشرب منه والناس ينظرون. وفي لفظ وهو واقف بعرفة. وموضع خطبته لم يكن من الموقف فإنه خطب بعرنة وليست من الموقف وهو - صلى الله عليه وسلم - نزل بنمرة وخطب بعرنة ووقف بعرفة وخطب خطبة واحدة ولم تكن خطبتين جلس بينهما فلما أتمها أمر بلالا فأذن ثم أقام الصلاة فصلى الظهر ركعتين أسر فيهما بالقراءة وكان يوم الجمعة فدل على أن المسافر لا يصلي جمعة ثم أقام فصلى العصر ركعتين أيضا ومعه أهل مكة وصلوا بصلاته قصرا وجمعا بلا ريب ولم يأمرهم بالإتمام ولا بترك الجمع ومن قال: إنه قال لهم: quot; أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر quot; فقد غلط فيه غلطا بينا ووهم وهما قبيحا وإنما قال لهم ذلك في غزاة الفتح بجوف مكة حيث كانوا في ديارهم مقيمين. ولهذا كان أصح أقوال العلماء: إن أهل مكة يقصرون ويجمعون بعرفة كما فعلوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي هذا أوضح دليل على أن سفر(2\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "691",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9257",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القصر لا يتحدد بمسافة معلومة ولا بأيام معلومة ولا تأثير للنسك في قصر الصلاة البتة وإنما التأثير لما جعله الله سببا وهو السفر هذا مقتضى السنة ولا وجه لما ذهب إليه المحددون.  فلما فرغ من صلاته ركب حتى أتى الموقف فوقف في ذيل الجبل عند الصخرات واستقبل القبلة وجعل حبل المشاة بين يديه وكان على بعيره فأخذ في الدعاء والتضرع والابتهال إلى غروب الشمس وأمر الناس أن يرفعوا عن بطن عرنة وأخبر أن عرفة لا تختص بموقفه ذلك بل قال: quot; وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف quot;. وأرسل إلى الناس أن يكونوا على مشاعرهم ويقفوا بها فإنها من إرث(2\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "692",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9258",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبيهم إبراهيم وهنالك أقبل ناس من أهل نجد فسألوه عن الحج فقال: quot; الحج عرفة من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع تم حجه أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه quot;. وكان في دعائه رافعا يديه إلى صدره كاستطعام المسكين وأخبرهم أن خير الدعاء دعاء يوم عرفة. وذكر من دعائه - صلى الله عليه وسلم - في الموقف: اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيرا مما نقول اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي وإليك مآبي ولك ربي تراثي اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح quot; ذكره الترمذي.(2\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "693",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9259",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومما ذكر من دعائه هناك: quot; اللهم تسمع كلامي وترى مكاني وتعلم سري وعلانيتي لا يخفى عليك شيء من أمري أنا البائس الفقير المستغيث المستجير والوجل المشفق المقر المعترف بذنوبي أسألك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل وأدعوك دعاء الخائف الضرير من خضعت لك رقبته وفاضت لك عيناه وذل جسده ورغم أنفه لك اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيا وكن بي رءوفا رحيما يا خير المسئولين ويا خير المعطين quot;. ذكره الطبراني. وذكر الإمام أحمد: من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال كان أكثر دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم عرفة: quot; لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير quot;. وذكر البيهقي من حديث علي - رضي الله عنه - أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ( أكثر دعائي ودعاء الأنبياء من قبلي بعرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم اجعل في قلبي نورا وفي صدري نورا وفي سمعي نورا وفي بصري نورا اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري وأعوذ بك من وسواس الصدر وشتات الأمر وفتنة القبر اللهم إني أعوذ بك(2\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "694",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9260",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من شر ما يلج في الليل وشر ما يلج في النهار وشر ما تهب به الرياح وشر بوائق الدهر ) . وأسانيد هذه الأدعية فيها لين. وهناك أنزلت عليه: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا [المائدة: 3] [المائدة 3] .  وهناك سقط رجل من المسلمين عن راحلته وهو محرم فمات فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكفن في ثوبيه ولا يمس بطيب وأن يغسل بماء وسدر ولا يغطى رأسه ولا وجهه وأخبر أن الله تعالى يبعثه يوم القيامة يلبي. وفي هذه القصة اثنا عشر حكما. الأول: وجوب غسل الميت لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - به.  الحكم الثاني: أنه لا ينجس بالموت لأنه لو نجس بالموت لم يزده غسله إلا نجاسة لأن نجاسة الموت للحيوان عينية فإن ساعد المنجسون على أنه يطهر بالغسل بطل أن يكون نجسا بالموت وإن قالوا: لا يطهر لم يزد الغسل أكفانه وثيابه وغاسله إلا نجاسة.(2\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "695",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9261",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحكم الثالث: أن المشروع في حق الميت أن يغسل بماء وسدر لا يقتصر به على الماء وحده وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسدر في ثلاثة مواضع هذا أحدها والثاني: في غسل ابنته بالماء والسدر والثالث: في غسل الحائض. وفي وجوب السدر في حق الحائض قولان في مذهب أحمد.  الحكم الرابع: أن تغير الماء بالطاهرات لا يسلبه طهوريته كما هو مذهب الجمهور وهو أنص الروايتين عن أحمد وإن كان المتأخرون من أصحابه على خلافها ولم يأمر بغسله بعد ذلك بماء قراح بل أمر في غسل ابنته أن يجعلن في الغسلة الأخيرة شيئا من الكافور ولو سلبه الطهورية لنهى عنه وليس القصد مجرد اكتساب الماء من رائحته حتى يكون تغير مجاورة بل هو تطييب البدن وتصليبه وتقويته وهذا إنما يحصل بكافور مخالط لا مجاور.  الحكم الخامس: إباحة الغسل للمحرم وقد تناظر في هذا عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة ففصل بينهما أبو أيوب الأنصاري بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اغتسل وهو محرم واتفقوا على أنه يغتسل من الجنابة ولكن(2\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "696",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9262",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كره مالك - رحمه الله - أن يغيب رأسه في الماء لأنه نوع ستر له والصحيح أنه لا بأس به فقد فعله عمر بن الخطاب وابن عباس.  الحكم السادس: أن المحرم غير ممنوع من الماء والسدر وقد اختلف في ذلك فأباحه الشافعي وأحمد في أظهر الروايتين عنه ومنع منه مالك وأبو حنيفة وأحمد في رواية ابنه صالح عنه. قال: فإن فعل أهدى وقال صاحبا أبي حنيفة: إن فعل فعليه صدقة. وللمانعين ثلاث علل. إحداها: أنه يقتل الهوام من رأسه وهو ممنوع من التفلي. الثانية: أنه ترفه وإزالة شعث ينافي الإحرام. الثالثة: أنه يستلذ رائحته فأشبه الطيب ولا سيما الخطمي. والعلل الثلاث واهية جدا والصواب جوازه للنص ولم يحرم الله ورسوله على المحرم إزالة الشعث بالاغتسال ولا قتل القمل وليس السدر من الطيب في شيء.  الحكم السابع: أن الكفن مقدم على الميراث وعلى الدين لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يكفن في ثوبيه ولم يسأل عن وارثه ولا عن دين عليه. ولو اختلف الحال لسأل. وكما أن كسوته في الحياة مقدمة على قضاء دينه فكذلك بعد الممات هذا كلام الجمهور وفيه خلاف شاذ لا يعول عليه.  الحكم الثامن: جواز الاقتصار في الكفن على ثوبين وهما إزار ورداء وهذا قول الجمهور. وقال القاضي أبو يعلى: لا يجوز أقل من ثلاثة أثواب عند القدرة لأنه لو جاز الاقتصار على ثوبين لم يجز التكفين بالثلاثة لمن له أيتام والصحيح: خلاف قوله وما ذكره ينقض بالخشن مع الرفيع.  الحكم التاسع: أن المحرم ممنوع من الطيب لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يمس(2\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "697",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9263",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طيبا مع شهادته له أنه يبعث ملبيا وهذا هو الأصل في منع المحرم من الطيب. وفي quot; الصحيحين quot;: من حديث ابن عمر quot; لا تلبسوا من الثياب شيئا مسه ورس أو زعفران quot;. وأمر الذي أحرم في جبة بعد ما تضمخ بالخلوق أن تنزع عنه الجبة ويغسل عنه أثر الخلوق. فعلى هذه الأحاديث الثلاثة مدار منع المحرم من الطيب. وأصرحها: هذه القصة فإن النهي في الحديثين الأخيرين إنما هو عن نوع خاص من الطيب لا سيما الخلوق فإن النهي عنه عام في الإحرام وغيره. وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى أن يقرب طيبا أو يمس به تناول ذلك الرأس والبدن والثياب وأما شمه من غير مس فإنما حرمه من حرمه بالقياس وإلا فلفظ النهي لا يتناوله بصريحه ولا إجماع معلوم فيه يجب المصير إليه ولكن تحريمه من باب تحريم الوسائل فإن شمه يدعو إلى ملامسته في البدن والثياب كما يحرم النظر إلى الأجنبية لأنه وسيلة إلى غيره وما حرم تحريم الوسائل فإنه يباح للحاجة أو المصلحة الراجحة كما يباح النظر إلى الأمة المستامة والمخطوبة ومن شهد عليها أو يعاملها أو يطبها. وعلى هذا فإنما يمنع المحرم من قصد شم الطيب للترفه واللذة فأما إذا وصلت الرائحة إلى أنفه من غير قصد منه أو شمه قصدا لاستعلامه عند شرائه لم يمنع منه ولم يجب عليه سد أنفه فالأول بمنزلة نظر الفجأة والثاني: بمنزلة نظر المستام والخاطب ومما يوضح هذا أن الذين أباحوا للمحرم استدامة الطيب قبل الإحرام منهم من صرح بإباحة تعمد شمه بعد الإحرام صرح بذلك أصحاب أبي حنيفة فقالوا: فيquot;جوامع الفقهquot; لأبي يوسف: لا بأس بأن يشم طيبا تطيب به قبل إحرامه قال:(2\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "698",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9264",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صاحب quot; المفيد quot;: إن الطيب يتصل به فيصير تبعا له ليدفع به أذى التعب بعد إحرامه فيصير كالسحور في حق الصائم يدفع به أذى الجوع والعطش في الصوم بخلاف الثوب فإنه بائن عنه. وقد اختلف الفقهاء هل هو ممنوع من استدامته كما هو ممنوع من ابتدائه أو يجوز له استدامته على قولين. فمذهب الجمهور: جواز استدامته اتباعا لما ثبت بالسنة الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يتطيب قبل إحرامه ثم يرى وبيص الطيب في مفارقه بعد إحرامه وفي لفظ quot;وهو يلبيquot; وفي لفظ quot; بعد ثلاث quot;. وكل هذا يدفع التأويل الباطل الذي تأوله من قال: إن ذلك كان قبل الإحرام فلما اغتسل ذهب أثره. وفي لفظ: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يحرم تطيب بأطيب ما يجد ثم يرى وبيص الطيب في رأسه ولحيته بعد ذلك  ولله ما يصنع التقليد ونصرة الآراء بأصحابه. وقال آخرون منهم: إن ذلك كان مختصا به ويرد هذا أمران أحدهما: أن دعوى الاختصاص لا تسمع إلا بدليل. والثاني: ما رواه أبو داود عن عائشة ( كنا نخرج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة فنضمد جباهنا بالسك المطيب عند الإحرام فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا ينهانا ) .(2\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "699",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9265",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحكم العاشر: أن المحرم ممنوع من تغطية رأسه والمراتب فيه ثلاث: ممنوع منه بالاتفاق وجائز بالاتفاق ومختلف فيه فالأول: كل متصل ملامس يراد لستر الرأس كالعمامة والقبعة والطاقية والخوذة وغيرها. والثاني: كالخيمة والبيت والشجرة ونحوها وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ضربت له قبة بنمرة وهو محرم إلا أن مالكا منع المحرم أن يضع ثوبه على شجرة ليستظل به وخالفه الأكثرون ومنع أصحابه المحرم أن يمشي في ظل المحمل. والثالث: كالمحمل والمحارة والهودج فيه ثلاثة أقوال: الجواز وهو قول الشافعي وأبي حنيفة - رحمهما الله - والثاني: المنع. فإن فعل افتدى وهو مذهب مالك - رحمه الله -. والثالث: المنع فإن فعل فلا فدية عليه والثلاثة روايات عن أحمد - رحمه الله -.  الحكم الحادي عشر: منع المحرم من تغطية وجهه وقد اختلف في هذه المسألة فمذهب الشافعي وأحمد في رواية إباحته ومذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في رواية المنع منه وبإباحته قال ستة من الصحابة عثمان وعبد الرحمن بن عوف وزيد بن ثابت والزبير وسعد بن أبي وقاص وجابر - رضي الله عنهم -. وفيه قول ثالث شاذ: إن كان حيا فله تغطية وجهه وإن كان ميتا لم يجز تغطية وجهه قاله ابن حزم وهو اللائق بظاهريته. واحتج المبيحون بأقوال هؤلاء الصحابة وبأصل الإباحة وبمفهوم قوله: quot; ولا تخمروا رأسه quot; وأجابوا عن قوله: quot; ولا تخمروا وجهه quot; بأن هذه اللفظة غير محفوظة فيه. قال شعبة: حدثنيه أبو بشر ثم سألته عنه بعد عشر سنين فجاء بالحديث كما كان إلا أنه قال: quot; لا تخمروا رأسه ولا وجهه quot; قالوا:(2\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "700",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9266",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا يدل على ضعفها. قالوا: وقد روي في هذا الحديث quot; خمروا وجهه ولا تخمروا رأسه quot;.  الحكم الثاني عشر: بقاء الإحرام بعد الموت وأنه لا ينقطع به وهذا مذهب عثمان وعلي وابن عباس وغيرهم - رضي الله عنهم - وبه قال أحمد والشافعي وإسحاق وقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي: ينقطع الإحرام بالموت ويصنع به كما يصنع بالحلال لقوله - صلى الله عليه وسلم -: quot; إذا مات أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث quot;. قالوا: ولا دليل في حديث الذي وقصته راحلته لأنه خاص به كما قالوا في صلاته على النجاشي: إنها مختصة به.(2\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "701",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9267",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الجمهور: دعوى التخصيص على خلاف الأصل فلا تقبل وقوله في الحديث: quot; فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا quot; إشارة إلى العلة. فلو كان مختصا به لم يشر إلى العلة ولا سيما إن قيل: لا يصح التعليل بالعلة القاصرة. وقد قال نظير هذا في شهداء أحد فقال: quot; زملوهم في ثيابهم بكلومهم فإنهم يبعثون يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك quot;. وهذا غير مختص بهم وهو نظير قوله: quot; كفنوه في ثوبيه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا quot; ولم تقولوا: إن هذا خاص بشهداء أحد فقط بل عديتم الحكم إلى سائر الشهداء مع إمكان ما ذكرتم من التخصيص فيه. وما الفرق وشهادة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الموضعين واحدة وأيضا: فإن هذا الحديث موافق لأصول الشرع والحكمة التي رتب عليها المعاد فإن العبد يبعث على ما مات عليه ومن مات على حالة بعث عليها فلو لم يرد هذا الحديث لكانت أصول الشرع شاهدة به. والله أعلم.  [متابعة سياق حجته صلى الله عليه وسلم] فصل عدنا إلى سياق حجته - صلى الله عليه وسلم -. فلما غربت الشمس واستحكم غروبها بحيث ذهبت الصفرة أفاض من عرفة وأردف أسامة بن زيد خلفه وأفاض بالسكينة وضم إليه زمام ناقته حتى إن رأسها ليصيب طرف رحله وهو يقول: quot; أيها الناس عليكم السكينة فإن البر ليس بالإيضاع quot; أي: ليس بالإسراع.(2\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "702",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9268",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأفاض من طريق المأزمين ودخل عرفة من طريق ضب وهكذا كانت عادته - صلوات الله عليه وسلامه -في الأعياد أن يخالف الطريق وقد تقدم حكمة ذلك عند الكلام على هديه في العيد. ثم جعل يسير العنق وهو ضرب من السير ليس بالسريع ولا البطيء. فإذا وجد فجوة وهو المتسع نص سيره أي: رفعه فوق ذلك وكلما أتى ربوة من تلك الربى أرخى للناقة زمامها قليلا حتى تصعد. وكان يلبي في مسيره ذلك لم يقطع التلبية. فلما كان في أثناء الطريق نزل - صلوات الله وسلامه عليه - فبال وتوضأ وضوءا خفيفا فقال له أسامة: الصلاة يا رسول الله فقال: quot; الصلاة - أو المصلى - أمامك quot;. ثم سار حتى أتى المزدلفة فتوضأ وضوء الصلاة ثم أمر بالأذان فأذن المؤذن ثم أقام فصلى المغرب قبل حط الرحال وتبريك الجمال فلما حطوا رحالهم أمر فأقيمت الصلاة ثم صلى عشاء الآخرة بإقامة بلا أذان ولم يصل بينهما شيئا وقد روي: أنه صلاهما بأذانين وإقامتين وروي بإقامتين بلا أذان والصحيح: أنه صلاهما بأذان وإقامتين كما فعل بعرفة. ثم نام حتى أصبح ولم يحي تلك الليلة ولا صح عنه في إحياء ليلتي العيدين شيء.(2\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "703",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9269",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[رمي الجمار قبل الفجر] quot; وأذن في تلك الليلة لضعفة أهله أن يتقدموا إلى منى قبل طلوع الفجر وكان ذلك عند غيبوبة القمر وأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس quot;حديث صحيح صححه الترمذي وغيره. وأما حديث عائشة - رضي الله عنها -: أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأم سلمة ليلة(2\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "704",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9270",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت  وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعني عندها رواه أبو داود فحديث منكر أنكره الإمام أحمد وغيره. ومما يدل على إنكاره أن فيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرها أن توافي صلاة الصبح يوم النحر بمكة وفي رواية: quot; توافيه بمكة quot; وكان يومها فأحب أن توافيه وهذا من المحال قطعا. قال الأثرم: قال لي أبو عبد الله: حدثنا أبو معاوية عن هشام عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها أن توافيه يوم النحر بمكة لم يسنده غيره وهو خطأ. وقال وكيع: عن أبيه مرسلا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها أن توافيه صلاة الصبح يوم النحر بمكة أو نحو هذا وهذا أعجب أيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر وقت الصبح ما يصنع بمكة ينكر ذلك. قال: فجئت إلى يحيى بن سعيد فسألته فقال: عن هشام عن أبيه: quot; أمرها أن توافي quot; وليس quot; توافيه quot; قال: وبين ذين فرق. قال: وقال لي يحيى: سل عبد الرحمن عنه فسألته فقال هكذا سفيان عن هشام عن أبيه. قال الخلال: سها الأثرم في حكايته عن وكيع quot;توافيهquot; وإنما قال وكيع: توافي منى. وأصاب في قوله: quot; توافي quot; كما قال أصحابه وأخطأ في قوله: quot; منى quot;. قال الخلال: أنبأنا علي بن حرب حدثنا هارون بن عمران عن(2\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "705",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9271",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سليمان بن أبي داود عن هشام بن عروة عن أبيه قال: أخبرتني أم سلمة قالت: قدمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيمن قدم من أهله ليلة المزدلفة. قالت: فرميت بليل ثم مضيت إلى مكة فصليت بها الصبح ثم رجعت إلى منى. قلت: سليمان بن أبي داود هذا: هو الدمشقي الخولاني ويقال: ابن داود. قال أبو زرعة عن أحمد: رجل من أهل الجزيرة ليس بشيء. وقال عثمان بن سعيد: ضعيف. قلت: ومما يدل على بطلانه ما ثبت في quot; الصحيحين quot; عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت استأذنت سودة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة المزدلفة أن تدفع قبله وقبل حطمة الناس وكانت امرأة ثبطة قالت فأذن لها فخرجت قبل دفعه وحبسنا حتى أصبحنا فدفعنا بدفعه ولأن أكون استأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما استأذنته سودة أحب إلي من مفروح به فهذا الحديث الصحيح يبين أن نساءه غير سودة إنما دفعن معه. فإن قيل: فما تصنعون بحديث عائشة الذي رواه الدارقطني وغيره عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - quot; أمر نساءه أن يخرجن من جمع ليلة جمع فيرمين الجمرة ثم تصبح في منزلها وكانت تصنع ذلك حتى ماتت quot;. قيل: يرده محمد بن حميد أحد رواته كذبه غير واحد. ويرده أيضا:(2\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "706",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9272",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حديثها الذي في quot; الصحيحين quot; وقولها: وددت إني كنت استأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما استأذنته سودة. وإن قيل: فهب أنكم يمكنكم رد هذا الحديث فما تصنعون بالحديث الذي رواه مسلم في quot;صحيحهquot; عن أم حبيبة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث بها من جمع بليل. قيل قد ثبت في quot; الصحيحينquot; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدم تلك الليلة ضعفة أهله  وكان ابن عباس فيمن قدم. وثبت أنه قدم سودة وثبت أنه حبس نساءه عنده حتى دفعن بدفعه. وحديث أم حبيبة انفرد به مسلم. فإن كان محفوظا فهي إذا من الضعفة التي قدمها. فإن قيل: فما تصنعون بما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث به مع أهله إلى منى يوم النحر فرموا الجمرة مع الفجر قيل: نقدم عليه حديثه الآخر الذي رواه أيضا الإمام أحمد والترمذي وصححه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم ضعفة أهله وقال: quot; لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس quot; ولفظ أحمد فيه: قدمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أغيلمة بني عبد المطلب على حمرات لنا من جمع فجعل يلطح أفخاذنا ويقول: quot; أي بني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس quot; لأنه أصح منه وفيه نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن رمي الجمرة قبل طلوع الشمس وهو محفوظ بذكر القصة فيه. والحديث الآخر: إنما فيه: أنهم رموها مع الفجر ثم تأملنا فإذا أنه لا تعارض بين هذه الأحاديث فإنه أمر الصبيان أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس فإنه لا عذر لهم في تقديم الرمي أما من قدمه من النساء فرمين قبل(2\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "707",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9273",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طلوع الشمس للعذر والخوف عليهن من مزاحمة الناس وحطمهم وهذا الذي دلت عليه السنة جواز الرمي قبل طلوع الشمس للعذر بمرض أو كبر يشق عليه مزاحمة الناس لأجله وأما القادر الصحيح فلا يجوز له ذلك. وفي المسألة ثلاثة مذاهب أحدها: الجواز بعد نصف الليل مطلقا للقادر والعاجز كقول الشافعي وأحمد - رحمهما الله -. والثاني: لا يجوز إلا بعد طلوع الفجر كقول أبي حنيفة - رحمه الله -. والثالث: لا يجوز لأهل القدرة إلا بعد طلوع الشمس كقول جماعة من أهل العلم. والذي دلت عليه السنة إنما هو التعجيل بعد غيبوبة القمر لا نصف الليل وليس مع من حده بالنصف دليل والله أعلم.  [ركنية الوقوف بمزدلفة والمبيت بها] فصل فلما طلع الفجر صلاها في أول الوقت لا قبله قطعا بأذان وإقامة يوم النحر وهو يوم العيد وهو يوم الحج الأكبر وهو يوم الأذان ببراءة الله ورسوله من كل مشرك. ثم ركب حتى أتى موقفه عند المشعر الحرام فاستقبل القبلة وأخذ في الدعاء والتضرع والتكبير والتهليل والذكر حتى أسفر جدا وذلك قبل طلوع الشمس. وهنالك سأله عروة بن مضرس الطائي فقال: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -! إني جئت من جبلي طيئ أكللت راحلتي وأتعبت نفسي والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: quot; من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد أتم حجه وقضى تفثه quot; قال الترمذي: حديث حسن صحيح.(2\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "708",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9274",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبهذا احتج من ذهب إلى أن الوقوف بمزدلفة والمبيت بها ركن كعرفة وهو مذهب اثنين من الصحابة: ابن عباس وابن الزبير - رضي الله عنهما - وإليه ذهب إبراهيم النخعي والشعبي وعلقمة والحسن البصري وهو مذهب الأوزاعي وحماد بن أبي سليمان وداود الظاهري وأبي عبيد القاسم بن سلام واختاره المحمدان: ابن جرير وابن خزيمة وهو أحد الوجوه للشافعية ولهم ثلاث حجج. هذه إحداها والثانية: قوله تعالى: فاذكروا الله عند المشعر الحرام [البقرة: 198] [البقرة 198] . والثالثة: فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي خرج مخرج البيان لهذا الذكر المأمور به. واحتج من لم يره ركنا بأمرين: أحدهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مد وقت الوقوف بعرفة إلى طلوع الفجر وهذا يقتضي أن من وقف بعرفة قبل طلوع الفجر بأيسر زمان صح حجه ولو كان الوقوف بمزدلفة ركنا لم يصح حجه. الثاني: أنه لو كان ركنا لاشترك فيه الرجال والنساء فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النساء بالليل علم أنه ليس بركن وفي الدليلين نظر فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قدمهن بعد المبيت بمزدلفة وذكر الله تعالى بها لصلاة عشاء الآخرة والواجب هو ذلك. وأما توقيت الوقوف بعرفة إلى الفجر فلا ينافي أن يكون المبيت بمزدلفة ركنا وتكون تلك الليلة وقتا لهما كوقت المجموعتين من الصلوات وتضييق الوقت لأحدهما لا يخرجه عن أن يكون وقتا لهما حال القدرة.(2\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "709",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9275",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[قصة الفضل مع الخثعمية] فصل وقف - صلى الله عليه وسلم - في موقفه وأعلم الناس أن مزدلفة كلها موقف ثم سار من مزدلفة مردفا للفضل بن عباس وهو يلبي في مسيره وانطلق أسامة بن زيد على رجليه في سباق قريش. وفي طريقه ذلك أمر ابن عباس أن يلقط له حصى الجمار سبع حصيات ولم يكسرها من الجبل تلك الليلة كما يفعل من لا علم عنده ولا التقطها بالليل فالتقط له سبع حصيات من حصى الخذف فجعل ينفضهن في كفه ويقول: quot; بأمثال هؤلاء فارموا وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين quot;. وفي طريقه تلك عرضت له امرأة من خثعم جميلة فسألته عن الحج عن أبيها وكان شيخا كبيرا لا يستمسك على الراحلة فأمرها أن تحج عنه وجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فوضع يده على وجهه وصرفه إلى الشق الآخر وكان الفضل وسيما فقيل: صرف وجهه عن نظرها إليه. وقيل: صرفه عن نظره إليها والصواب: إنه فعله للأمرين فإنه في القصة جعل ينظر إليها وتنظر إليه.(2\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "710",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9276",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسأله آخر هنالك عن أمه فقال إنها عجوز كبيرة فإن حملتها لم تستمسك وإن ربطتها خشيت أن أقتلها فقال: quot; أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيه قال: نعم. قال: فحج عن أمك quot;. فلما أتى بطن محسر حرك ناقته وأسرع السير وهذه كانت عادته في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه فإن هنالك أصاب أصحاب الفيل ما قص الله علينا ولذلك سمي ذلك الوادي وادي محسر لأن الفيل حسر فيه أي أعيي وانقطع عن الذهاب إلى مكة وكذلك فعل في سلوكه الحجر ديار ثمود فإنه تقنع بثوبه وأسرع السير. ومحسر: برزخ بين منى وبين مزدلفة لا من هذه ولا من هذه. وعرنة: برزخ بين عرفة والمشعر الحرام فبين كل مشعرين برزخ ليس منهما. فمنى: من(2\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "711",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9277",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحرم وهي مشعر ومحسر: من الحرم وليس بمشعر ومزدلفة: حرم ومشعر وعرنة ليست مشعرا وهي من الحل. وعرفة: حل ومشعر. وسلك - صلى الله عليه وسلم - الطريق الوسطى بين الطريقين وهي التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى منى فأتى جمرة العقبة فوقف في أسفل الوادي وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه واستقبل الجمرة وهو على راحلته فرماها راكبا بعد طلوع الشمس واحدة بعد واحدة يكبر مع كل حصاة وحينئذ قطع التلبية. وكان في مسيره ذلك يلبي حتى شرع في الرمي ورمى بلال وأسامة معه أحدهما آخذ بخطام ناقته والآخر يظلله بثوب من الحر. وفي هذا: دليل على جواز استظلال المحرم بالمحمل ونحوه إن كانت قصة هذا الإظلال يوم النحر ثابتة وإن كانت بعده في أيام منى فلا حجة فيها وليس في الحديث بيان في أي زمن كانت. والله أعلم.  [رجوعه صلى الله عليه وسلم إلى منى وخطبته فيها] فصل ثم رجع إلى منى فخطب الناس خطبة بليغة أعلمهم فيها بحرمة يوم النحر وتحريمه وفضله عند الله وحرمة مكة على جميع البلاد وأمرهم بالسمع والطاعة لمن قادهم بكتاب الله وأمر الناس بأخذ مناسكهم عنه وقال: quot; لعلي لا أحج بعد عامي هذا quot;.(2\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "712",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9278",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعلمهم مناسكهم وأنزل المهاجرين والأنصار منازلهم وأمر الناس أن لا يرجعوا بعده كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض وأمر بالتبليغ عنه. وأخبر أنه رب مبلغ أوعى من سامع. وقال في خطبته: quot; لا يجني جان إلا على نفسه quot;. وأنزل المهاجرين عن يمين القبلة والأنصار عن يسارها والناس حولهم وفتح الله له أسماع الناس حتى سمعها أهل منى في منازلهم. وقال في خطبته تلك: quot; اعبدوا ربكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم quot;. وودع حينئذ الناس فقالوا: حجة الوداع. وهناك سئل عمن حلق قبل أن يرمي وعمن ذبح قبل أن يرمي فقال: quot; لا حرج quot; قال عبد الله بن عمرو: ما رأيته - صلى الله عليه وسلم - سئل يومئذ عن شيء إلا قال: quot; افعلوا ولا حرج quot;.(2\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "713",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9279",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ابن عباس: إنه قيل له - صلى الله عليه وسلم - في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال: quot; لا حرج quot;. وقال أسامة بن شريك: خرجت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حاجا وكان الناس يأتونه فمن قائل: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف أو قدمت شيئا أو أخرت شيئا فكان يقول: quot; لا حرج لا حرج إلا على رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم فذلك الذي حرج وهلك quot;. وقوله: سعيت قبل أن أطوف في هذا الحديث ليس بمحفوظ. والمحفوظ: تقديم الرمي والنحر والحلق بعضها على بعض.  [بحث في نحره صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين بدنة بيده] ثم انصرف إلى المنحر بمنى فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده وكان ينحرها قائمة معقولة يدها اليسرى. وكان عدد هذا الذي نحره عدد سني عمره ثم(2\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "714",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9280",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أمسك وأمر عليا أن ينحر ما غبر من المائة ثم أمر عليا - رضي الله عنه - أن يتصدق بجلالها ولحومها وجلودها في المساكين وأمره أن لا يعطي الجزار في جزارتها شيئا منها وقال نحن نعطيه من عندنا وقال: quot; من شاء اقتطعquot;. فإن قيل: فكيف تصنعون بالحديث الذي في quot; الصحيحين quot; عن أنس - رضي الله عنه - قال: quot; صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين فبات بها فلما أصبح ركب راحلته فجعل يهلل ويسبح فلما علا على البيداء لبى بهما جميعا فلما دخل مكة أمرهم أن يحلوا ونحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده سبع بدن قياما وضحى بالمدينة كبشين أملحين quot;. فالجواب: أنه لا تعارض بين الحديثين. قال أبو محمد ابن حزم: مخرج حديث أنس على أحد وجوه ثلاثة. أحدها: أنه - صلى الله عليه وسلم - لم ينحر بيده أكثر من سبع بدن كما قال أنس وأنه أمر من ينحر ما بعد ذلك إلى تمام ثلاث وستين ثم زال عن ذلك المكان وأمر عليا - رضي الله عنه - فنحر ما بقي. الثاني: أن يكون أنس لم يشاهد إلا نحره - صلى الله عليه وسلم - سبعا فقط بيده وشاهد جابر تمام نحره - صلى الله عليه وسلم - للباقي فأخبر كل منهما بما رأى وشاهد. الثالث: أنه - صلى الله عليه وسلم - نحر بيده منفردا سبع بدن كما قال أنس ثم أخذ هو وعلي الحربة معا فنحرا كذلك تمام ثلاث وستين كما قال غرفة بن الحارث الكندي(2\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "715",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9281",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنه شاهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يومئذ قد أخذ بأعلى الحربة وأمر عليا فأخذ بأسفلها ونحرا بها البدن ثم انفرد علي بنحر الباقي من المائة كما قال جابر. والله أعلم. فإن قيل: فكيف تصنعون بالحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود عن علي قال: لما نحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدنه فنحر ثلاثين بيده وأمرني فنحرت سائرها . قلنا: هذا غلط انقلب على الراوي فإن الذي نحر ثلاثين: هو علي فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر سبعا بيده لم يشاهده علي ولا جابر ثم نحر ثلاثا وستين أخرى فبقي من المائة ثلاثون فنحرها علي فانقلب على الراوي عدد ما نحره علي بما نحره النبي - صلى الله عليه وسلم -. فإن قيل: فما تصنعون بحديث عبد الله بن قرط عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: quot; إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر quot;. وهو اليوم الثاني. قال: وقرب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدنات خمس فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ فلما وجبت جنوبها قال: فتكلم بكلمة خفية لم أفهمها فقلت ما قال قال: quot; من شاء اقتطع quot;. قيل نقبله ونصدقه فإن المائة لم تقرب إليه جملة وإنما كانت تقرب إليه أرسالا فقرب منهن إليه خمس بدنات رسلا وكان ذلك الرسل يبادرن ويتقربن إليه ليبدأ بكل واحدة منهن. فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي في quot; الصحيحين quot; من حديث أبي(2\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "716",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9282",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بكرة في خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر بمنى وقال في آخره: ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما وإلى جزيعة من الغنم فقسمها بيننا لفظه لمسلم. ففي هذا أن ذبح الكبشين كان بمكة وفي حديث أنس أنه كان بالمدينة. قيل: في هذا طريقتان للناس. إحداهما: أن القول: قول أنس وأنه ضحى بالمدينة بكبشين أملحين أقرنين وأنه صلى العيد ثم انكفأ إلى كبشين ففصل أنس وميز بين نحره بمكة للبدن وبين نحره بالمدينة للكبشين وبين إنهما قصتان ويدل على هذا أن جميع من ذكر نحر النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنى إنما ذكروا أنه نحر الإبل وهو الهدي الذي ساقه وهو أفضل من نحر الغنم هناك بلا سوق وجابر قد قال في صفة حجة الوداع: إنه رجع من الرمي فنحر البدن وإنما اشتبه على بعض الرواة أن قصة الكبشين كانت يوم عيد فظن أنه كان بمنى فوهم. الطريقة الثانية: طريقة ابن حزم ومن سلك مسلكه إنهما عملان متغايران وحديثان صحيحان فذكر أبو بكرة تضحيته بمكة وأنس تضحيته بالمدينة. قال: وذبح يوم النحر الغنم ونحر البقر والإبل كما قالت عائشة: ضحى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ عن أزواجه بالبقر  وهو في quot; الصحيحين quot;. وفي quot; صحيح مسلم quot;: ذبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن عائشة بقرة يوم النحر .(2\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "717",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9283",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; السنن quot;: أنه نحر عن آل محمد في حجة الوداع بقرة واحدة . ومذهبه: أن الحاج شرع له التضحية مع الهدي والصحيح إن شاء الله: الطريقة الأولى وهدي الحاج له بمنزلة الأضحية للمقيم ولم ينقل أحد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه جمعوا بين الهدي والأضحية بل كان هديهم هو أضاحيهم فهو هدي بمنى وأضحية بغيرها. وأما قول عائشة: ضحى عن نسائه بالبقر فهو هدي أطلق عليه اسم الأضحية وأنهن كن متمتعات وعليهن الهدي فالبقر الذي نحره عنهن هو الهدي الذي يلزمهن. ولكن في قصة نحر البقرة عنهن وهن تسع إشكال: وهو إجزاء البقرة عن أكثر من سبعة. وأجاب أبو محمد ابن حزم عنه بجواب على أصله وهو أن عائشة لم تكن معهن في ذلك فإنها كانت قارنة وهن متمتعات وعنده لا هدي على القارن وأيد قوله بالحديث الذي رواه مسلم من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موافين لهلال ذي الحجة فكنت فيمن أهل بعمرة فخرجنا حتى قدمنا مكة فأدركني يوم عرفة وأنا حائض لم أحل من عمرتي فشكوت ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: quot; دعي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج quot;. قالت: ففعلت. فلما كانت ليلة الحصبة وقد قضى الله حجنا أرسل معي عبد الرحمن بن أبي بكر فأردفني وخرج إلى(2\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "718",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9284",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التنعيم فأهللت بعمرة فقضى الله حجنا وعمرتنا ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم. وهذا مسلك فاسد تفرد به ابن حزم عن الناس. والذي عليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم أن القارن يلزمه الهدي كما يلزم المتمتع بل هو متمتع حقيقة في لسان الصحابة كما تقدم وأما هذا الحديث فالصحيح أن هذا الكلام الأخير من قول هشام بن عروة جاء ذلك في quot; صحيح مسلم quot; مصرحا به فقال حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - رضي الله عنها -. . . فذكرت الحديث. وفي آخره: قال عروة في ذلك: إنه قضى الله حجها وعمرتها. قال هشام: ولم يكن في ذلك هدي ولا صيام ولا صدقة. قال أبو محمد: إن كان وكيع جعل هذا الكلام لهشام فابن نمير وعبدة أدخلاه في كلام عائشة وكل منهما ثقة فوكيع نسبه إلى هشام لأنه سمع هشاما يقوله وليس قول هشام إياه بدافع أن تكون عائشة قالته فقد يروي المرء حديثا يسنده ثم يفتي به دون أن يسنده فليس شيء من هذا بمتدافع وإنما يتعلل بمثل هذا من لا ينصف ومن اتبع هواه والصحيح من ذلك أن كل ثقة فمصدق فيما نقل. فإذا أضاف عبدة وابن نمير القول إلى عائشة صدقا لعدالتهما. وإذا أضافه وكيع إلى هشام صدق أيضا لعدالته وكل صحيح وتكون عائشة قالته وهشام قاله. قلت: هذه الطريقة هي اللائقة بظاهريته وظاهرية أمثاله ممن لا فقه له في علل الأحاديث كفقه الأئمة النقاد أطباء علله وأهل العناية بها وهؤلاء لا(2\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "719",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9285",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يلتفتون إلى قول من خالفهم ممن ليس له ذوقهم ومعرفتهم بل يقطعون بخطئه بمنزلة الصيارف النقاد الذين يميزون بين الجيد والرديء ولا يلتفتون إلى خطإ من لم يعرف ذلك. ومن المعلوم أن عبدة وابن نمير لم يقولا في هذا الكلام: قالت عائشة وإنما أدرجاه في الحديث إدراجا يحتمل أن يكون من كلامهما أو من كلام عروة أو من هشام فجاء وكيع ففصل وميز ومن فصل وميز فقد حفظ وأتقن ما أطلقه غيره نعم لو قال ابن نمير وعبدة: قالت عائشة وقال وكيع: قال هشام لساغ ما قال أبو محمد وكان موضع نظر وترجيح. وأما كونهن تسعا وهي بقرة واحدة فهذا قد جاء بثلاثة ألفاظ أحدها أنها بقرة واحدة بينهن والثاني: أنه ضحى عنهن يومئذ بالبقرة والثالث دخل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت: ما هذا فقيل: ذبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أزواجه. وقد اختلف الناس في عدد من تجزئ عنهم البدنة والبقرة فقيل: سبعة وهو قول الشافعي وأحمد في المشهور عنه وقيل عشرة وهو قول إسحاق. وقد ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسم بينهم المغانم فعدل الجزور بعشر شياه . وثبت هذا الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - ضحى عن نسائه وهن تسع ببقرة . وقد روى سفيان عن أبي الزبير عن جابر أنهم نحروا البدنة في حجهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن عشرة وهو على شرط مسلم ولم يخرجه وإنما أخرج قوله: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهلين بالحج معنا النساء والولدان فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة .(2\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "720",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9286",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; المسند quot;: من حديث ابن عباس: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر فحضر الأضحى فاشتركنا في البقرة سبعة وفي الجزور عشرة . ورواه النسائي والترمذي وقال: حسن غريب. وفي quot; الصحيحين quot; عنه: نحرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة . وقال حذيفة: شرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجته بين المسلمين في البقرة عن سبعة ذكره الإمام أحمد - رحمه الله -. وهذه الأحاديث تخرج على أحد وجوه ثلاثة: إما أن يقال: أحاديث السبعة أكثر وأصح. وإما أن يقال عدل البعير بعشرة من الغنم تقويم في الغنائم لأجل تعديل القسمة. وأما كونه عن سبعة في الهدايا فهو تقدير شرعي. وإما أن يقال إن ذلك يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والإبل ففي بعضها كان البعير يعدل عشر شياه فجعله عن عشرة وفي بعضها يعدل سبعة فجعله عن سبعة والله أعلم. وقد قال أبو محمد: إنه ذبح عن نسائه بقرة للهدي وضحى عنهن ببقرة وضحى عن نفسه بكبشين ونحر عن نفسه ثلاثا وستين هديا وقد عرفت ما في ذلك من الوهم ولم تكن بقرة الضحية غير بقرة الهدي بل هي هي وهدي الحاج بمنزلة ضحية الآفاقي.(2\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "721",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9287",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[مكة كلها منحر ومنى مناخ لمن سبق إليه] فصل ونحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنحره بمنى وأعلمهم quot; أن منى كلها منحر وأن فجاج مكة طريق ومنحر quot; وفي هذا دليل على أن النحر لا يختص بمنى بل حيث نحر من فجاج مكة أجزأه كما أنه لما وقف بعرفة قال: quot; وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف quot; ووقف بمزدلفة وقال: quot; وقفت هاهنا ومزدلفة كلها موقف وسئل - صلى الله عليه وسلم - أن يبنى له بمنى بناء يظله من الحر فقال: لا منى مناخ لمن سبق إليه quot; وفي هذا دليل على اشتراك المسلمين فيها وأن من سبق إلى مكان منها فهو أحق به حتى يرتحل عنه ولا يملكه بذلك.  [الحلق والتقصير] فصل فلما أكمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحره استدعى بالحلاق فحلق رأسه فقال للحلاق - وهو معمر بن عبد الله وهو قائم على رأسه بالموسى ونظر في وجهه - وقال: يا معمر أمكنك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من شحمة أذنه وفي يدك الموسى quot; فقال معمر: أما والله يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن ذلك لمن نعمة الله علي ومنه. قال: quot; أجل إذا(2\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "722",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9288",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أقر لك quot; ذكر ذلك الإمام أحمد - رحمه الله -. وقال البخاري في quot; صحيحه quot;: وزعموا أن الذي حلق للنبي - صلى الله عليه وسلم - معمر بن عبد الله بن نضلة بن عوف انتهى. فقال للحلاق: خذ وأشار إلى جانبه الأيمن فلما فرغ منه قسم شعره بين من يليه ثم أشار إلى الحلاق فحلق جانبه الأيسر ثم قال هاهنا أبو طلحة فدفعه إليه هكذا وقع في quot; صحيح مسلم quot;. وفي quot; صحيح البخاري quot;: عن ابن سيرين عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما حلق رأسه كان أبو طلحة أول من أخذ من شعره  وهذا لا يناقض رواية مسلم لجواز أن يصيب أبا طلحة من الشق الأيمن مثل ما أصاب غيره ويختص بالشق الأيسر لكن قد روى مسلم في quot; صحيحه quot; أيضا من حديث أنس قال: لما رمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجمرة ونحر نسكه وحلق ناول الحلاق شقه الأيمن فحلقه ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه ثم ناوله الشق الأيسر فقال: احلق. فحلقه فأعطاه أبا طلحة فقال اقسمه بين الناس . ففي هذه الرواية كما ترى أن نصيب أبي طلحة كان الشق الأيمن وفي الأولى: أنه كان الأيسر. قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي رواه مسلم من رواية حفص بن غياث وعبد الأعلى بن عبد الأعلى عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دفع إلى أبي طلحة شعر شقه الأيسر (2\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "723",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9289",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورواه من رواية سفيان بن عيينة عن هشام بن حسان أنه دفع إلى أبي طلحة شعر شقه الأيمن . قال ورواية ابن عون عن ابن سيرين أراها تقوي رواية سفيان والله أعلم. قلت: يريد برواية ابن عون ما ذكرناه عن ابن سيرين من طريق البخاري وجعل الذي سبق إليه أبو طلحة هو الشق الذي اختص به. والله أعلم. والذي يقوى أن نصيب أبي طلحة الذي اختص به كان الشق الأيسر وأنه - صلى الله عليه وسلم - عم ثم خص وهذه كانت سنته في عطائه وعلى هذا أكثر الروايات فإن في بعضها أنه قال للحلاق: quot; خذ quot; وأشار إلى جانبه الأيمن فقسم شعره بين من يليه ثم أشار إلى الحلاق إلى الجانب الأيسر فحلقه فأعطاه أم سليم  ولا يعارض هذا دفعه إلى أبي طلحة فإنها امرأته. وفي لفظ آخر فبدأ بالشق الأيمن فوزعه الشعرة والشعرتين بين الناس ثم قال: بالأيسر فصنع به مثل ذلك ثم قال: هاهنا أبو طلحة فدفعه إليه . وفي لفظ ثالث: دفع إلى أبي طلحة شعر شق رأسه الأيسر ثم قلم أظفاره وقسمها بين الناس . وذكر الإمام أحمد - رحمه الله - من حديث محمد بن عبد الله بن زيد أن أباه حدثه أنه شهد النبي - صلى الله عليه وسلم - عند المنحر ورجل من قريش وهو يقسم أضاحي فلم يصبه شيء ولا صاحبه فحلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه في ثوبه فأعطاه فقسم منه على رجال وقلم أظفاره فأعطاه صاحبه قال: فإنه عندنا مخضوب بالحناء والكتم يعني شعره. ودعا للمحلقين بالمغفرة ثلاثا وللمقصرين مرة وحلق كثير من الصحابة بل أكثرهم وقصر بعضهم وهذا مع قوله تعالى: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين [الفتح: 27] [الفتح 27] ومع قول عائشة - رضي الله عنها - طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم ولإحلاله قبل(2\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "724",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9290",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن يحل  دليل على أن الحلق نسك وليس بإطلاق من محظور.  [ترجيح المصنف بأنه صلى الله عليه وسلم لم يطف غير طواف الإفاضة بعد إفاضته إلى مكة] فصل ثم أفاض - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة قبل الظهر راكبا فطاف طواف الإفاضة وهو طواف الزيارة وهو طواف الصدر ولم يطف غيره ولم يسع معه هذا هو الصواب وقد خالف في ذلك ثلاث طوائف: طائفة زعمت أنه طاف طوافين طوافا للقدوم سوى طواف الإفاضة ثم طاف للإفاضة وطائفة زعمت أنه سعى مع هذا الطواف لكونه كان قارنا وطائفة زعمت أنه لم يطف في ذلك اليوم وإنما أخر طواف الزيارة إلى الليل فنذكر الصواب في ذلك ونبين منشأ الغلط وبالله التوفيق. قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: فإذا رجع أعني المتمتع كم يطوف ويسعى قال يطوف ويسعى لحجه ويطوف طوافا آخر للزيارة عاودناه في هذا غير مرة فثبت عليه. قال الشيخ أبو محمد المقدسي في quot; المغني quot;: وكذلك الحكم في القارن والمفرد إذا لم يكونا أتيا مكة قبل يوم النحر ولا طافا للقدوم فإنهما يبدآن بطواف القدوم قبل طواف الزيارة نص عليه أحمد - رحمه الله - واحتج بما روت عائشة - رضي الله عنها - قالت: quot; فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم quot; وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا فحمل أحمد - رحمه الله - قول عائشة على أن طوافهم لحجهم هو طواف القدوم قال: ولأنه قد ثبت أن طواف القدوم مشروع فلم يكن طواف الزيارة مسقطا له كتحية المسجد عند دخوله قبل التلبس بالصلاة المفروضة. وقال الخرقي في quot; مختصره quot;: وإن كان متمتعا فيطوف بالبيت سبعا وبالصفا والمروة سبعا كما فعل للعمرة ثم يعود فيطوف بالبيت طوافا ينوي به(2\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "725",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9291",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الزيارة وهو قوله تعالى: وليطوفوا بالبيت العتيق [الحج: 29] [الحج: 29] فمن قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان متمتعا كالقاضي وأصحابه عندهم هكذا فعل والشيخ أبو محمد عنده أنه كان متمتعا التمتع الخاص ولكن لم يفعل هذا قال: ولا أعلم أحدا وافق أبا عبد الله على هذا الطواف الذي ذكره الخرقي بل المشروع طواف واحد للزيارة كمن دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة فإنه يكتفي بها عن تحية المسجد ولأنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه الذين تمتعوا معه في حجة الوداع ولا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - به أحدا قال: وحديث عائشة دليل على هذا فإنها قالت: quot; طافوا طوافا واحدا بعد أن رجعوا من منى لحجهم quot; وهذا هو طواف الزيارة ولم تذكر طوافا آخر. ولو كان هذا الذي ذكرته طواف القدوم لكانت قد أخلت بذكر طواف الزيارة الذي هو ركن الحج الذي لا يتم إلا به وذكرت ما يستغنى عنه وعلى كل حال فما ذكرت إلا طوافا واحدا فمن أين يستدل به على طوافين وأيضا فإنها لما حاضت فقرنت الحج إلى العمرة بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم تكن طافت للقدوم لم تطف للقدوم ولا أمرها به النبي - صلى الله عليه وسلم - ولأن طواف القدوم لو لم يسقط بالطواف الواجب لشرع في حق المعتمر طواف القدوم مع طواف العمرة لأنه أول قدومه إلى البيت فهو به أولى من المتمتع الذي يعود إلى البيت بعد رؤيته وطوافه به. انتهى كلامه. قلت: لم يرفع كلام أبي محمد الإشكال وإن كان الذي أنكره هو الحق كما أنكره والصواب في إنكاره فإن أحدا لم يقل: إن الصحابة لما رجعوا من عرفة طافوا للقدوم وسعوا ثم طافوا للإفاضة بعده ولا النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا لم يقع قطعا ولكن كان منشأ الإشكال أن أم المؤمنين فرقت بين المتمتع والقارن فأخبرت أن القارنين طافوا بعد أن رجعوا من منى طوافا واحدا وأن الذين أهلوا بالعمرة طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم وهذا غير طواف الزيارة قطعا فإنه يشترك فيه القارن والمتمتع فلا فرق بينهما فيه ولكن الشيخ أبا(2\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "726",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9292",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محمد لما رأى قولها في المتمتعين: إنهم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى قال: ليس في هذا ما يدل على أنهم طافوا طوافين والذي قاله حق ولكن لم يرفع الإشكال فقالت طائفة هذه الزيادة من كلام عروة أو ابنه هشام أدرجت في الحديث وهذا لا يتبين ولو كان فغايته أنه مرسل ولم يرتفع الإشكال عنه بالإرسال. فالصواب: أن الطواف الذي أخبرت به عائشة وفرقت به بين المتمتع والقارن هو الطواف بين الصفا والمروة لا الطواف بالبيت وزال الإشكال جملة فأخبرت عن القارنين أنهم اكتفوا بطواف واحد بينهما لم يضيفوا إليه طوافا آخر يوم النحر وهذا هو الحق وأخبرت عن المتمتعين أنهم طافوا بينهما طوافا آخر بعد الرجوع من منى للحج وذلك الأول كان للعمرة وهذا قول الجمهور وتنزيل الحديث على هذا موافق لحديثها الآخر وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: quot; يسعك طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة لحجك وعمرتك quot; وكانت قارنة يوافق قول الجمهور. ولكن يشكل عليه حديث جابر الذي رواه مسلم في quot; صحيحه quot;: لم يطف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا طوافه الأول . هذا يوافق قول من يقول يكفي المتمتع سعي واحد كما هو إحدى الروايتين عن أحمد - رحمه الله - نص عليها في رواية ابنه عبد الله وغيره وعلى هذا فيقال عائشة أثبتت وجابر نفى والمثبت مقدم على النافي. أو يقال مراد جابر من قرن مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وساق الهدي كأبي بكر وعمر وطلحة وعلي - رضي الله عنهم - وذوي اليسار فإنهم إنما سعوا سعيا واحدا. وليس المراد به عموم الصحابة أو يعلل حديث عائشة بأن تلك الزيادة فيه مدرجة من قول هشام وهذه ثلاث طرق للناس في حديثها والله أعلم.(2\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "727",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9293",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما من قال: المتمتع يطوف ويسعى للقدوم بعد إحرامه بالحج قبل خروجه إلى منى وهو قول أصحاب الشافعي ولا أدري أهو منصوص عنه أم لا قال أبو محمد: فهذا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة ألبتة ولا أمرهم به ولا نقله أحد قال ابن عباس: لا أرى لأهل مكة أن يطوفوا ولا أن يسعوا بين الصفا والمروة بعد إحرامهم بالحج حتى يرجعوا من منى. وعلى قول ابن عباس: قول الجمهور ومالك وأحمد وأبي حنيفة وإسحاق وغيرهم. والذين استحبوه قالوا: لما أحرم بالحج صار كالقادم فيطوف ويسعى للقدوم. قالوا: ولأن الطواف الأول وقع عن العمرة فيبقى طواف القدوم ولم يأت به فاستحب له فعله عقيب الإحرام بالحج وهاتان الحجتان واهيتان فإنه إنما كان قارنا لما طاف للعمرة فكان طوافه للعمرة مغنيا عن طواف القدوم كمن دخل المسجد فرأى الصلاة قائمة فدخل فيها فقامت مقام تحية المسجد وأغنته عنها. وأيضا فإن الصحابة لما أحرموا بالحج مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يطوفوا عقيبه وكان أكثرهم متمتعا. وروى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة أنه إن أحرم يوم التروية قبل الزوال طاف وسعى للقدوم وإن أحرم بعد الزوال لم يطف وفرق بين الوقتين بأنه بعد الزوال يخرج من فوره إلى منى فلا يشتغل عن الخروج(2\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "728",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9294",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بغيره وقبل الزوال لا يخرج فيطوف. وقول ابن عباس والجمهور هو الصحيح الموافق لعمل الصحابة وبالله التوفيق.  [الرد على من قال إن القارن يحتاج إلى سعيين] فصل والطائفة الثانية قالت: إنه صلى الله عليه وسلم سعى مع هذا الطواف وقالوا: هذا حجة في أن القارن يحتاج إلى سعيين كما يحتاج إلى طوافين وهذا غلط عليه كما تقدم والصواب أنه لم يسع إلا سعيه الأول كما قالته عائشة وجابر ولم يصح عنه في السعيين حرف واحد بل كلها باطلة كما تقدم فعليك بمراجعته.  فصل والطائفة الثالثة الذين قالوا: أخر طواف الزيارة إلى الليل وهم طاووس ومجاهد وعروة ففي quot; سنن أبي داود quot; والنسائي وابن ماجه من حديث أبي الزبير المكي عن عائشة وابن عباس: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر طوافه يوم النحر إلى الليل )  وفي لفظ quot; طواف الزيارةquot; قال الترمذي: حديث حسن. وهذا الحديث غلط بين خلاف المعلوم من فعله صلى الله عليه وسلم الذي لا يشك فيه أهل العلم بحجته صلى الله عليه وسلم فنحن نذكر كلام الناس فيه قال الترمذي في كتاب quot; العلل quot; له: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث وقلت له: أسمع أبو الزبير من عائشة وابن عباس قال: أما من ابن عباس فنعم وفي سماعه من عائشة(2\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "729",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9295",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نظر. وقال أبو الحسن القطان: عندي أن هذا الحديث ليس بصحيح إنما طاف النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ نهارا وإنما اختلفوا: هل صلى الظهر بمكة أو رجع إلى منى فصلى الظهر بها بعد أن فرغ من طوافه فابن عمر يقول: إنه رجع إلى منى فصلى الظهر بها وجابر يقول: إنه صلى الظهر بمكة وهو ظاهر حديث عائشة من غير رواية أبي الزبير هذه التي فيها أنه أخر الطواف إلى الليل وهذا شيء لم يرو إلا من هذا الطريق وأبو الزبير مدلس لم يذكر هاهنا سماعا من عائشة وقد عهد أنه يروي عنها بواسطة ولا عن ابن عباس أيضا فقد عهد كذلك أنه يروي عنه بواسطة وإن كان قد سمع منه فيجب التوقف فيما يرويه أبو الزبير عن عائشة وابن عباس مما لا يذكر فيه سماعه منهما لما عرف به من التدليس لو عرف سماعه منها لغير هذا فأما ولم يصح لنا أنه سمع من عائشة فالأمر بين في وجوب التوقف فيه وإنما يختلف العلماء في قبول حديث المدلس إذا كان عمن قد علم لقاؤه له وسماعه منه هاهنا. يقول قوم: يقبل ويقول آخرون: يرد ما يعنعنه عنهم حتى يتبين الاتصال في حديث حديث وأما ما يعنعنه المدلس عمن لم يعلم لقاؤه له ولا سماعه منه فلا أعلم الخلاف فيه بأنه لا يقبل. ولو كنا نقول بقول مسلم بأن معنعن المتعاصرين محمول على الاتصال ولو لم يعلم التقاؤهما فإنما ذلك في غير المدلسين. وأيضا فلما قدمناه من صحة طواف النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ نهارا. والخلاف في رد حديث المدلسين حتى يعلم اتصاله أو قبوله حتى يعلم انقطاعه إنما هو إذا لم يعارضه ما لا شك في صحته وهذا قد عارضه ما لا شك في صحته. انتهى كلامه. ويدل على غلط أبي الزبير على عائشة أن أبا سلمة بن عبد الرحمن روى: (عن عائشة أنها قالت: حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفضنا يوم النحر ) . وروى محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم(2\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "730",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9296",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( أذن لأصحابه فزاروا البيت يوم النحر ظهيرة وزار رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسائه ليلا )  وهذا غلط أيضا. قال البيهقي: وأصح هذه الروايات حديث نافع عن ابن عمر وحديث جابر وحديث أبي سلمة عن عائشة يعني: أنه طاف نهارا. قلت: إنما نشأ الغلط من تسمية الطواف فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخر طواف الوداع إلى الليل كما ثبت في quot; الصحيحين quot; من حديث عائشة. قالت: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم. . . فذكرت الحديث إلى أن قالت: فنزلنا المحصب فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: اخرج بأختك من الحرم ثم افرغا من طوافكما ثم ائتياني هاهنا بالمحصب. قالت: فقضى الله العمرة وفرغنا من طوافنا في جوف الليل فأتيناه بالمحصب فقال: quot; فرغتما quot; قلنا: نعم. فأذن في الناس بالرحيل فمر بالبيت فطاف به ثم ارتحل متوجها إلى المدينة . فهذا هو الطواف الذي أخره إلى الليل بلا ريب فغلط فيه أبو الزبير أو من حدثه به وقال: quot;طواف الزيارة quot; والله الموفق. ولم يرمل صلى الله عليه وسلم في هذا الطواف ولا في طواف الوداع وإنما رمل في طواف القدوم.(2\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "731",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9297",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "تعليل شربه قائما",
        "content": "[تعليل شربه قائما] فصل ثم (أتى زمزم بعد أن قضى طوافه وهم يسقون فقال: quot; لولا أن يغلبكم الناس لنزلت فسقيت معكم quot; ثم ناولوه الدلو فشرب وهو قائم) فقيل: هذا نسخ لنهيه عن الشرب قائما وقيل: بل بيان منه أن النهي على وجه الاختيار وترك الأولى وقيل: بل للحاجة وهذا أظهر.  [طاف صلى الله عليه وسلم طواف الإفاضة على راحلته] وهل كان في طوافه هذا راكبا أو ماشيا فروى مسلم في quot; صحيحه quot; عن جابر قال: ( طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت في حجة الوداع على راحلته يستلم الركن بمحجنه لأن يراه الناس وليشرف وليسألوه فإن الناس غشوه ) . وفي quot; الصحيحين quot; عن ابن عباس قال: ( طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن ) وهذا الطواف ليس بطواف الوداع فإنه كان ليلا وليس بطواف القدوم لوجهين. أحدهما: أنه قد صح عنه الرمل في طواف القدوم ولم يقل أحد قط: رملت به راحلته وإنما قالوا: رمل نفسه.(2\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "732",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9298",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثاني: (قول الشريد بن سويد: أفضت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فما مست قدماه الأرض حتى أتى جمعا ) وهذا ظاهره أنه من حين أفاض معه ما مست قدماه الأرض إلى أن رجع ولا ينتقض هذا بركعتي الطواف فإن شأنهما معلوم. قلت: والظاهر أن الشريد بن سويد إنما أراد الإفاضة معه من عرفة ولهذا قال: حتى أتى جمعا وهي مزدلفة ولم يرد الإفاضة إلى البيت يوم النحر ولا ينتقض هذا بنزوله عند الشعب حين بال ثم ركب لأنه ليس بنزول مستقر وإنما مست قدماه الأرض مسا عارضا. والله أعلم.  [فصل أين صلى صلى الله عليه وسلم الظهر حين رجوعه إلى منى] فصل ثم رجع إلى منى واختلف أين صلى الظهر يومئذ ففي quot; الصحيحين quot;: عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم ( أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى ) . وفي quot; صحيح مسلم quot;: عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم ( صلى الظهر بمكة ) وكذلك قالت عائشة. واختلف في ترجيح أحد هذين القولين على الآخر فقال أبو محمد بن(2\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "733",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9299",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حزم: قول عائشة وجابر أولى وتبعه على هذا جماعة ورجحوا هذا القول بوجوه. أحدها: أنه رواية اثنين وهما أولى من الواحد. الثاني: أن عائشة أخص الناس به صلى الله عليه وسلم ولها من القرب والاختصاص به والمزية ما ليس لغيرها. الثالث: أن سياق جابر لحجة النبي صلى الله عليه وسلم من أولها إلى آخرها أتم سياق وقد حفظ القصة وضبطها حتى ضبط جزئياتها حتى ضبط منها أمرا لا يتعلق بالمناسك وهو نزول النبي صلى الله عليه وسلم ليلة جمع في الطريق فقضى حاجته عند الشعب ثم توضأ وضوءا خفيفا فمن ضبط هذا القدر فهو بضبط مكان صلاته يوم النحر أولى. الرابع: أن حجة الوداع كانت في آذار وهو تساوي الليل والنهار وقد دفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى وخطب بها الناس ونحر بدنا عظيمة وقسمها وطبخ له من لحمها وأكل منه ورمى الجمرة وحلق رأسه وتطيب ثم أفاض فطاف وشرب من ماء زمزم ومن نبيذ السقاية ووقف عليهم وهم يسقون وهذه أعمال تبدو في الأظهر أنها لا تنقضي في مقدار يمكن معه الرجوع إلى منى بحيث يدرك وقت الظهر في فصل آذار. الخامس: أن هذين الحديثين جاريان مجرى الناقل والمبقي فقد كانت عادته صلى الله عليه وسلم في حجته الصلاة في منزله الذي هو نازل فيه بالمسلمين فجرى ابن عمر على العادة وضبط جابر وعائشة رضي الله عنهما الأمر الذي هو خارج عن عادته فهو أولى بأن يكون هو المحفوظ. ورجحت طائفة أخرى قول ابن عمر لوجوه. أحدها: أنه لو صلى الظهر بمكة لم تصل الصحابة بمنى وحدانا(2\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "734",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9300",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وزرافات بل لم يكن لهم بد من الصلاة خلف إمام يكون نائبا عنه ولم ينقل هذا أحد قط ولا يقول أحد: إنه استناب من يصلي بهم ولولا علمه أنه يرجع إليهم فيصلي بهم. لقال: إن حضرت الصلاة ولست عندكم فليصل بكم فلان وحيث لم يقع هذا ولا هذا ولا صلى الصحابة هناك وحدانا قطعا ولا كان من عادتهم إذا اجتمعوا أن يصلوا عزين علم أنهم صلوا معه على عادتهم. الثاني: أنه لو صلى بمكة لكان خلفه بعض أهل البلد وهم مقيمون وكان يأمرهم أن يتموا صلاتهم ولم ينقل أنهم قاموا فأتموا بعد سلامه صلاتهم وحيث لم ينقل هذا ولا هذا بل هو معلوم الانتفاء قطعا علم أنه لم يصل حينئذ بمكة. وما ينقله بعض من لا علم عنده أنه قال: ( يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ) فإنما قاله عام الفتح لا في حجته. الثالث: أنه من المعلوم أنه لما طاف ركع ركعتي الطواف ومعلوم أن كثيرا من المسلمين كانوا خلفه يقتدون به في أفعاله ومناسكه فلعله لما ركع ركعتي الطواف والناس خلفه يقتدون به ظن الظان أنها صلاة الظهر ولا سيما إذا كان ذلك في وقت الظهر وهذا الوهم لا يمكن رفع احتماله بخلاف صلاته بمنى فإنها لا تحتمل غير الفرض. الرابع: أنه لا يحفظ عنه في حجه أنه صلى الفرض بجوف مكة بل إنما كان يصلي بمنزله بالأبطح بالمسلمين مدة مقامه كان يصلي بهم أين نزلوا لا يصلي في مكان آخر غير المنزل العام. الخامس: أن حديث ابن عمر متفق عليه وحديث جابر من أفراد مسلم. فحديث ابن عمر أصح منه وكذلك هو في إسناده فإن رواته أحفظ وأشهر وأتقن فأين يقع حاتم بن إسماعيل من عبيد الله بن عمر العمري وأين يقع حفظ جعفر من حفظ نافع السادس: أن حديث عائشة قد اضطرب في وقت طوافه فروي عنها على(2\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "735",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9301",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "ذكر طواف أم سلمة",
        "content": "ثلاثة أوجه أحدها: أنه طاف نهارا الثاني: أنه أخر الطواف إلى الليل الثالث: أنه أفاض من آخر يومه فلم يضبط فيه وقت الإفاضة ولا مكان الصلاة بخلاف حديث ابن عمر. السابع: أن حديث ابن عمر أصح منه بلا نزاع فإن حديث عائشة من رواية محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنها وابن إسحاق مختلف في الاحتجاج به ولم يصرح بالسماع بل عنعنه فكيف يقدم على قول عبيد الله: حدثني نافع عن ابن عمر. الثامن: أن حديث عائشة ليس بالبين أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بمكة فإن لفظه هكذا: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات. فأين دلالة هذا الحديث الصريحة على أنه صلى الظهر يومئذ بمكة وأين هذا في صريح الدلالة إلى قول ابن عمر: أفاض يوم النحر ثم صلى الظهر بمنى يعني راجعا وأين حديث اتفق أصحاب الصحيح على إخراجه إلى حديث اختلف في الاحتجاج به. والله أعلم.  [ذكر طواف أم سلمة] فصل قال ابن حزم: وطافت أم سلمة في ذلك اليوم على بعيرها من وراء الناس وهي شاكية استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم فأذن لها واحتج عليه بما رواه مسلم في quot; صحيحه quot; من حديث زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة قالت: ( شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أني أشتكي فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة قالت: فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ يصلي إلى جنب البيت وهو يقرأ: والطور - وكتاب مسطور [الطور: 1 - 2]  ) ولا يتبين أن هذا الطواف هو طواف الإفاضة لأن(2\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "736",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9302",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرأ في ركعتي ذلك الطواف بالطور ولا جهر بالقراءة بالنهار بحيث تسمعه أم سلمة من وراء الناس وقد بين أبو محمد غلط من قال إنه أخره إلى الليل فأصاب في ذلك. وقد صح من حديث عائشة ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت ) فكيف يلتئم هذا مع طوافها يوم النحر وراء الناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جانب البيت يصلي ويقرأ في صلاته: والطور - وكتاب مسطور [الطور: 1 - 2]  هذا من المحال فإن هذه الصلاة والقراءة كانت في صلاة الفجر أو المغرب أو العشاء وأما أنها كانت يوم النحر ولم يكن ذلك الوقت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قطعا فهذا من وهمه رحمه الله.  [طواف عائشة] فطافت عائشة في ذلك اليوم طوافا واحدا وسعت سعيا واحدا أجزأها عن حجها وعمرتها وطافت صفية ذلك اليوم ثم حاضت فأجزأها طوافها ذلك عن طواف الوداع ولم تودع فاستقرت سنته صلى الله عليه وسلم في المرأة الطاهرة إذا حاضت قبل الطواف - أو قبل الوقوف - أن تقرن وتكتفي بطواف واحد وسعي واحد وإن حاضت بعد طواف الإفاضة اجتزأت به عن طواف الوداع.(2\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "737",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9303",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل رمي الجمار] فصل ثم رجع صلى الله عليه وسلم إلى منى من يومه ذلك فبات بها فلما أصبح انتظر زوال الشمس فلما زالت مشى من رحله إلى الجمار ولم يركب فبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف فرماها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة يقول مع كل حصاة: quot; الله أكبر quot; ثم تقدم على الجمرة أمامها حتى أسهل فقام مستقبل القبلة ثم رفع يديه ودعا دعاء طويلا بقدر سورة البقرة ثم أتى إلى الجمرة الوسطى فرماها كذلك ثم انحدر ذات اليسار مما يلي الوادي فوقف مستقبل القبلة رافعا يديه يدعو قريبا من وقوفه الأول ثم أتى الجمرة الثالثة وهي جمرة العقبة فاستبطن الوادي واستعرض الجمرة فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه فرماها بسبع حصيات كذلك.  [التعليل لترك الدعاء بعد العقبة] ولم يرمها من أعلاها كما يفعل الجهال ولا جعلها عن يمينه واستقبل البيت وقت الرمي كما ذكره غير واحد من الفقهاء. فلما أكمل الرمي رجع من فوره ولم يقف عندها فقيل: لضيق المكان بالجبل وقيل - وهو أصح: إن دعاءه كان في نفس العبادة قبل الفراغ منها فلما رمى جمرة العقبة فرغ الرمي والدعاء في صلب العبادة قبل الفراغ منها أفضل منه بعد الفراغ منها وهذا كما كانت سنته في دعائه في الصلاة إذ كان يدعو في صلبها فأما بعد الفراغ منها فلم يثبت عنه أنه كان يعتاد الدعاء ومن روى عنه ذلك فقد غلط عليه وإن روي في غير الصحيح أنه كان أحيانا يدعو بدعاء عارض بعد السلام وفي صحته نظر.(2\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "738",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9304",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبالجملة فلا ريب أن عامة أدعيته التي كان يدعو بها وعلمها الصديق إنما هي في صلب الصلاة وأما حديث معاذ بن جبل: ( لا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ) فدبر الصلاة يراد به آخرها قبل السلام منها كدبر الحيوان ويراد به ما بعد السلام كقوله: ( تسبحون الله وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ) الحديث. والله أعلم.  [فصل ميل المصنف بأنه صلى الله عليه وسلم رمى قبل الصلاة] فصل ولم يزل في نفسي هل كان يرمي قبل صلاة الظهر أو بعدها والذي يغلب على الظن أنه كان يرمي قبل الصلاة ثم يرجع فيصلي لأن جابرا وغيره قالوا: كان يرمي إذا زالت الشمس فعقبوا زوال الشمس برميه. وأيضا فإن وقت الزوال للرمي أيام منى كطلوع الشمس لرمي يوم النحر والنبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر لما دخل وقت الرمي لم يقدم عليه شيئا من عبادات ذلك اليوم وأيضا فإن الترمذي وابن ماجه رويا في quot; سننهما quot; عن ابن عباس رضي الله عنهما: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمار إذا زالت الشمس ) زاد ابن ماجه: قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر. وقال الترمذي: حديث حسن ولكن في إسناد حديث الترمذي الحجاج بن أرطاة وفي إسناد حديث ابن ماجه إبراهيم بن عثمان أبو(2\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "739",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9305",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شيبة ولا يحتج به ولكن ليس في الباب غير هذا. وذكر الإمام أحمد أنه كان يرمي يوم النحر راكبا وأيام منى ماشيا في ذهابه ورجوعه.  [فصل وقفات الدعاء في الحج] فصل فقد تضمنت حجته صلى الله عليه وسلم ست وقفات للدعاء. الموقف الأول: على الصفا والثاني: على المروة والثالث بعرفة والرابع بمزدلفة والخامس عند الجمرة الأولى والسادس عند الجمرة الثانية.  [فصل خطبتا منى] فصل وخطب صلى الله عليه وسلم الناس بمنى خطبتين: خطبة يوم النحر وقد تقدمت والخطبة الثانية في أوسط أيام التشريق فقيل: هو ثاني يوم النحر وهو أوسطها أي خيارها واحتج من قال ذلك بحديث سراء بنت نبهان قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( أتدرون أي يوم هذا قالت: وهو اليوم الذي تدعون يوم الرءوس. قالوا: الله ورسوله أعلم. قال هذا أوسط أيام التشريق. هل تدرون أي بلد هذا قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا المشعر الحرام. ثم قال: إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ألا وإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا حتى تلقوا ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا فليبلغ أدناكم أقصاكم ألا هل بلغت فلما قدمنا المدينة لم يلبث إلا قليلا حتى مات صلى الله عليه وسلم ) رواه أبو داود(2\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "740",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9306",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويوم الرءوس هو ثاني يوم النحر بالاتفاق. وذكر البيهقي من حديث موسى بن عبيدة الربذي عن صدقة بن يسار عن ابن عمر قال أنزلت هذه السورة إذا جاء نصر الله والفتح [النصر: 1] على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق وعرف أنه الوداع فأمر براحلته القصواء فرحلت واجتمع الناس فقال: quot; يا أيها الناس quot; ثم ذكر الحديث في خطبته.  [ترخيصه صلى الله عليه وسلم لمن له عذر بالمبيت خارج منى] فصل واستأذنه العباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له. واستأذنه رعاء الإبل في البيتوتة خارج منى عند الإبل فأرخص لهم أن يرموا يوم النحر ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر يرمونه في أحدهما.(2\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "741",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9307",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال مالك: ظننت أنه قال: في أول يوم منهما ثم يرمون يوم النفر. وقال ابن عيينة في هذا الحديث: رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما فيجوز للطائفتين بالسنة ترك المبيت بمنى وأما الرمي فإنهم لا يتركونه بل لهم أن يؤخروه إلى الليل فيرمون فيه ولهم أن يجمعوا رمي يومين في يوم وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد رخص لأهل السقاية وللرعاء في البيتوتة فمن له مال يخاف ضياعه أو مريض يخاف من تخلفه عنه أو كان مريضا لا تمكنه البيتوتة سقطت عنه بتنبيه النص على هؤلاء والله أعلم.  [فصل أين لقي صلى الله عليه وسلم عائشة بعد رجوعها من عمرة التنعيم] فصل ولم يتعجل صلى الله عليه وسلم في يومين بل تأخر حتى أكمل رمي أيام التشريق الثلاثة وأفاض يوم الثلاثاء بعد الظهر إلى المحصب وهو الأبطح وهو خيف بني كنانة فوجد أبا رافع قد ضرب له فيه قبة هناك وكان على ثقله توفيقا من الله عز وجل دون أن يأمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة ثم نهض إلى مكة فطاف للوداع ليلا سحرا ولم يرمل في هذا الطواف ( وأخبرته صفية أنها حائض فقال: quot; أحابستنا هي quot; فقالوا له إنها قد أفاضت قال: quot; فلتنفر إذا ) ورغبت إليه عائشة تلك الليلة أن يعمرها عمرة مفردة فأخبرها أن طوافها بالبيت وبالصفا والمروة قد أجزأ عن حجها وعمرتها فأبت إلا أن تعتمر عمرة مفردة فأمر أخاها عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم ففرغت من عمرتها ليلا ثم وافت المحصب مع أخيها فأتيا في جوف الليل فقال(2\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "742",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9308",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; فرغتما quot; قالت: نعم فنادى بالرحيل في أصحابه فارتحل الناس ثم طاف بالبيت قبل صلاة الصبح . هذا لفظ البخاري. فإن قيل: كيف تجمعون بين هذا وبين حديث الأسود عنها الذي في quot; الصحيح quot; أيضا قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم نر إلا الحج ... فذكرت الحديث وفيه ( فلما كانت ليلة الحصبة قلت: يا رسول الله يرجع الناس بحجة وعمرة وأرجع أنا بحجة قال: أوما كنت طفت ليالي قدمنا مكة قالت: قلت: لا. قال: quot; فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم فأهلي بعمرة ثم موعدك مكان كذا وكذا quot; قالت عائشة: فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مصعد من مكة وأنا منهبطة عليها أو أنا مصعدة وهو منهبط منها ) . ففي هذا الحديث أنهما تلاقيا في الطريق وفي الأول أنه انتظرها في منزله فلما جاءت نادى بالرحيل في أصحابه. ثم فيه إشكال آخر وهو قولها: لقيني وهو مصعد من مكة وأنا منهبطة عليها أو بالعكس فإن كان الأول فيكون قد لقيها مصعدا منها راجعا إلى المدينة وهي منهبطة عليها للعمرة وهذا ينافي انتظاره لها بالمحصب. قال أبو محمد بن حزم: الصواب الذي لا شك فيه أنها كانت مصعدة من مكة وهو منهبط لأنها تقدمت إلى العمرة وانتظرها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءت ثم نهض إلى طواف الوداع فلقيها منصرفة إلى المحصب عن مكة وهذا لا يصح فإنها قالت: وهو منهبط منها وهذا يقتضي أن يكون بعد المحصب والخروج من مكة فكيف يقول أبو محمد: إنه نهض إلى طواف(2\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "743",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9309",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوداع وهو منهبط من مكة هذا محال. وأبو محمد لم يحج. وحديث القاسم عنها صريح كما تقدم في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتظرها في منزله بعد النفر حتى جاءت فارتحل وأذن في الناس بالرحيل فإن كان حديث الأسود هذا محفوظا فصوابه لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مصعدة من مكة وهو منهبط إليها فإنها طافت وقضت عمرتها ثم أصعدت لميعاده فوافته قد أخذ في الهبوط إلى مكة للوداع فارتحل وأذن في الناس بالرحيل ولا وجه لحديث الأسود غير هذا وقد جمع بينهما بجمعين آخرين وهما وهم. أحدهما: أنه طاف للوداع مرتين مرة بعد أن بعثها وقبل فراغها ومرة بعد فراغها للوداع وهذا مع أنه وهم بين فإنه لا يرفع الإشكال بل يزيده فتأمله. الثاني: أنه انتقل من المحصب إلى ظهر العقبة خوف المشقة على المسلمين في التحصيب فلقيته وهي منهبطة إلى مكة وهو مصعد إلى العقبة وهذا أقبح من الأول لأنه صلى الله عليه وسلم لم يخرج من العقبة أصلا وإنما خرج من أسفل مكة من الثنية السفلى بالاتفاق. وأيضا: فعلى تقدير ذلك لا يحصل الجمع بين الحديثين. وذكر أبو محمد بن حزم أنه رجع بعد خروجه من أسفل مكة إلى المحصب وأمر بالرحيل وهذا وهم أيضا لم يرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وداعه إلى المحصب وإنما مر من فوره إلى المدينة. وذكر في بعض تآليفه أنه فعل ذلك ليكون كالمحلق على مكة بدائرة في دخوله وخروجه فإنه بات بذي طوى ثم دخل من أعلى مكة ثم خرج من أسفلها ثم رجع إلى المحصب ويكون هذا الرجوع من يماني مكة حتى تحصل الدائرة فإنه صلى الله عليه وسلم لما جاء نزل بذي طوى ثم أتى مكة من كداء ثم نزل به لما فرغ من الطواف ثم لما فرغ من جميع النسك نزل به ثم خرج من أسفل مكة(2\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "744",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9310",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأخذ من يمينها حتى أتى المحصب ويحمل أمره بالرحيل ثانيا على أنه لقي في رجوعه ذلك إلى المحصب قوما لم يرحلوا فأمرهم بالرحيل وتوجه من فوره ذلك إلى المدينة. ولقد شان أبو محمد نفسه وكتابه بهذا الهذيان البارد السمج الذي يضحك منه ولولا التنبيه على أغلاط من غلط عليه صلى الله عليه وسلم لرغبنا عن ذكر مثل هذا الكلام. والذي كأنك تراه من فعله أنه نزل بالمحصب وصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة ثم نهض إلى مكة وطاف بها طواف الوداع ليلا ثم خرج من أسفلها إلى المدينة ولم يرجع إلى المحصب ولا دار دائرة ففي quot; صحيح البخاري quot;: عن أنس ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة بالمحصب ثم ركب إلى البيت وطاف به ) . وفي quot; الصحيحين quot;: عن عائشة خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت الحديث ثم (قالت: حين قضى الله الحج ونفرنا من منى فنزلنا بالمحصب فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر فقال له: quot; اخرج بأختك من الحرم ثم افرغا من طوافكما ثم ائتياني هاهنا بالمحصب quot;. قالت: فقضى الله العمرة وفرغنا من طوافنا في جوف الليل فأتيناه بالمحصب. فقال: فرغتما قلنا: نعم. فأذن في الناس بالرحيل فمر بالبيت فطاف به ثم ارتحل متوجها إلى المدينة ) . فهذا من أصح حديث على وجه الأرض وأدله على فساد ما ذكره ابن حزم وغيره من تلك التقديرات التي لم يقع شيء منها ودليل على أن حديث الأسود غير محفوظ وإن كان محفوظا فلا وجه له غير ما ذكرنا وبالله التوفيق.  [هل التحصيب سنة] وقد اختلف السلف في التحصيب هل هو سنة أو منزل اتفاق على قولين. فقالت طائفة: هو من سنن الحج فإن في quot; الصحيحين quot; عن أبي هريرة(2\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "745",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9311",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين أراد أن ينفر من منى: نحن نازلون غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر ) . يعني بذلك المحصب وذلك أن قريشا وبني كنانة تقاسموا على بني هاشم وبني المطلب ألا يناكحوهم ولا يكون بينهم وبينهم شيء حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصد النبي صلى الله عليه وسلم إظهار شعائر الإسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر والعداوة لله ورسوله وهذه كانت عادته صلوات الله وسلامه عليه أن يقيم شعار التوحيد في مواضع شعائر الكفر والشرك كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبنى مسجد الطائف موضع اللات والعزى. قالوا: وفي quot; صحيح مسلم quot;: عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا ينزلونه. وفي رواية لمسلم عنه أنه كان يرى التحصيب سنة. وقال البخاري ( عن ابن عمر: كان يصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويهجع ويذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ) . وذهب آخرون منهم ابن عباس وعائشة إلى أنه ليس بسنة وإنما هو منزل اتفاق ففي quot; الصحيحين quot;: عن ابن عباس: ( ليس المحصب بشيء وإنما هو منزل نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون أسمح لخروجه ) . وفي quot; صحيح مسلم quot;: ( عن أبي رافع لم يأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنزل بمن معي بالأبطح ولكن أنا ضربت قبته ثم جاء فنزل. فأنزل الله فيه بتوفيقه تصديقا لقول رسوله: quot; نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة quot; وتنفيذا لما عزم عليه(2\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "746",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9312",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وموافقة منه لرسوله صلوات الله وسلامه عليه ) .  [فصل هل دخل صلى الله عليه وسلم البيت] فصل هاهنا ثلاث مسائل: هل دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت في حجته أم لا وهل وقف في الملتزم بعد الوداع أم لا وهل صلى الصبح ليلة الوداع بمكة أو خارجا منها فأما المسألة الأولى فزعم كثير من الفقهاء وغيرهم أنه دخل البيت في حجته ويرى كثير من الناس أن دخول البيت من سنن الحج اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. والذي تدل عليه سنته أنه لم يدخل البيت في حجته ولا في عمرته وإنما دخله عام الفتح ففي quot; الصحيحين ( عن ابن عمر قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقة لأسامة حتى أناخ بفناء الكعبة فدعا عثمان بن طلحة بالمفتاح فجاءه به ففتح فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة فأجافوا عليهم الباب مليا ثم فتحوه. قال عبد الله: فبادرت الناس فوجدت بلالا على الباب. فقلت: أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بين العمودين المقدمين. قال: ونسيت أن أسأله كم صلى ) . وفي quot; صحيح البخاري quot; عن (ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة قال: فأمر بها فأخرجت فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; قاتلهم الله أما والله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط quot;. قال: فدخل البيت فكبر في نواحيه ولم يصل فيه ) .(2\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "747",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9313",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقيل: كان ذلك دخولين صلى في أحدهما ولم يصل في الآخر. وهذه طريقة ضعفاء النقد كلما رأوا اختلاف لفظ جعلوه قصة أخرى كما جعلوا الإسراء مرارا لاختلاف ألفاظه وجعلوا اشتراءه من جابر بعيره مرارا لاختلاف ألفاظه وجعلوا طواف الوداع مرتين لاختلاف سياقه ونظائر ذلك. وأما الجهابذة النقاد فيرغبون عن هذه الطريقة ولا يجبنون عن تغليط من ليس معصوما من الغلط ونسبته إلى الوهم قال البخاري وغيره من الأئمة: والقول قول بلال لأنه مثبت شاهد صلاته بخلاف ابن عباس. والمقصود أن دخوله البيت إنما كان في غزوة الفتح لا في حجه ولا عمره وفي quot; صحيح البخاري quot; عن إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: أدخل النبي صلى الله عليه وسلم في عمرته البيت قال: لا. ( وقالت عائشة: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندي وهو قرير العين طيب النفس ثم رجع إلي وهو حزين القلب فقلت: يا رسول الله خرجت من عندي وأنت كذا وكذا. فقال: إني دخلت الكعبة ووددت أني لم أكن فعلت إني أخاف أن أكون قد أتعبت أمتي من بعدي ) فهذا ليس فيه أنه كان فيه حجته بل(2\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "748",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9314",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا تأملته حق التأمل أطلعك التأمل على أنه كان في غزاة الفتح والله أعلم وسألته عائشة أن تدخل البيت فأمرها أن تصلي في الحجر ركعتين.  [فصل هل وقف صلى الله عليه وسلم في الملتزم بعد الوداع] فصل وأما المسألة الثانية: وهي وقوفه في الملتزم فالذي روي عنه أنه فعله يوم الفتح ففي quot; سنن أبي داود quot; عن عبد الرحمن بن أبي صفوان قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة انطلقت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج من الكعبة هو وأصحابه وقد استلموا الركن من الباب إلى الحطيم ووضعوا خدودهم على البيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطهم. وروى أبو داود أيضا: من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ( طفت مع عبد الله فلما حاذى دبر الكعبة قلت: ألا تتعوذ قال: نعوذ بالله من النار ثم مضى حتى استلم الحجر فقام بين الركن والباب فوضع صدره ووجهه وذراعيه هكذا وبسطهما بسطا وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ) . فهذا يحتمل أن يكون في وقت الوداع وأن يكون في غيره ولكن قال مجاهد والشافعي بعده وغيرهما: إنه يستحب أن يقف في الملتزم بعد طواف الوداع ويدعو ( وكان ابن عباس رضي الله عنهما يلتزم ما بين الركن والباب وكان يقول: لا يلتزم ما بينهما أحد يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه )  والله أعلم.  [أين صلى صلى الله عليه وسلم الصبح ليلة الوداع] فصل وأما المسألة الثالثة: وهي موضع صلاته صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح صبيحة ليلة(2\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "749",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9315",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوداع ففي quot; الصحيحين quot;: عن أم سلمة قالت: ( شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة. قالت: فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ يصلي إلى جنب البيت وهو يقرأ ب والطور - وكتاب مسطور [الطور: 1 - 2]  ) فهذا يحتمل أن يكون في الفجر وفي غيرها وأن يكون في طواف الوداع وغيره فنظرنا في ذلك فإذا البخاري قد روى في quot; صحيحه quot; في هذه القصة أنه صلى الله عليه وسلم لما أراد الخروج ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت وأرادت الخروج فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون ففعلت ذلك فلم تصل حتى خرجت ) . وهذا محال قطعا أن يكون يوم النحر فهو طواف الوداع بلا ريب فظهر أنه صلى الصبح يومئذ عند البيت وسمعته أم سلمة يقرأ فيها بالطور.  [ارتحاله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة] فصل ثم ارتحل صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة فلما كان بالروحاء لقي ركبا فسلم عليهم وقال: (من القوم فقالوا: المسلمون قالوا: فمن القوم فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفعت امرأة صبيا لها من محفتها فقالت: يا رسول الله ألهذا حج قال: نعم ولك أجر ) . فلما أتى ذا الحليفة بات بها فلما رأى المدينة كبر ثلاث مرات وقال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر(2\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "750",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9316",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبده وهزم الأحزاب وحده ) . ثم دخلها نهارا من طريق المعرس وخرج من طريق الشجرة والله أعلم.  [فصل في الأوهام] [وهم ابن حزم في قوله إنه صلى الله عليه وسلم أعلم الناس وقت خروجه أن عمرة في رمضان تعدل حجة] فصل في الأوهام فمنها: وهم لأبي محمد بن حزم في حجة الوداع حيث قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس وقت خروجه ( أن عمرة في رمضان تعدل حجة ) وهذا وهم ظاهر فإنه إنما قال ذلك بعد رجوعه إلى المدينة من حجته إذ قال لأم سنان الأنصارية: ( ما منعك أن تكوني حججت معنا قالت: لم يكن لنا إلا ناضحان فحج أبو ولدي وابني على ناضح وترك لنا ناضحا ننضح عليه. قال: فإذا جاء رمضان فاعتمري فإن عمرة في رمضان تقضي حجة ) هكذا رواه مسلم في quot; صحيحه quot;. وكذلك أيضا قال هذا لأم معقل بعد رجوعه إلى المدينة كما رواه أبو داود من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام عن جدته أم معقل قالت: لما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وكان لنا جمل فجعله أبو معقل في سبيل الله فأصابنا مرض فهلك أبو معقل وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغ من حجه جئته فقال: (ما منعك أن تخرجي معنا فقالت: لقد تهيأنا فهلك أبو معقل وكان لنا جمل وهو الذي نحج عليه فأوصى به أبو معقل في سبيل الله. قال:(2\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "751",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9317",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهلا خرجت عليه فإن الحج في سبيل الله فأما إذ فاتتك هذه الحجة معنا فاعتمري في رمضان فإنها كحجة)  . فصل ومنها وهم آخر له وهو أن خروجه كان يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة وقد تقدم أنه خرج لخمس وأن خروجه كان يوم السبت.  [وهم محب الدين الطبري بقوله خرج صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة بعد الصلاة] فصل ومنها وهم آخر لبعضهم ذكر الطبري في quot; حجة الوداع quot; أنه خرج يوم الجمعة بعد الصلاة. والذي حمله على هذا الوهم القبيح قوله في الحديث: خرج لست بقين فظن أن هذا لا يمكن إلا أن يكون الخروج يوم الجمعة إذ تمام الست يوم الأربعاء وأول ذي الحجة كان يوم الخميس بلا ريب وهذا خطأ فاحش فإنه من المعلوم الذي لا ريب فيه أنه صلى الظهر يوم خروجه بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين ثبت ذلك في quot; الصحيحين quot;. وحكى الطبري في حجته قولا ثالثا: أن خروجه كان يوم السبت وهو اختيار الواقدي وهو القول الذي رجحناه أولا لكن الواقدي وهم في ذلك ثلاثة أوهام أحدها: أنه زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم خروجه الظهر بذي الحليفة ركعتين الوهم الثاني: أنه أحرم ذلك اليوم عقيب صلاة الظهر وإنما أحرم من الغد بعد أن بات بذي الحليفة الوهم الثالث: أن الوقفة كانت يوم السبت وهذا لم يقله غيره وهو وهم بين.  [فصل وهم القاضي عياض أنه صلى الله عليه وسلم تطيب قبل غسله ثم غسل الطيب عنه لما اغتسل] فصل ومنها وهم للقاضي عياض رحمه الله وغيره أنه صلى الله عليه وسلم تطيب هناك قبل(2\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "752",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9318",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غسله ثم غسل الطيب عنه لما اغتسل. ومنشأ هذا الوهم من سياق ما وقع في quot; صحيح مسلم quot; في حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طاف على نسائه بعد ذلك ثم أصبح محرما ) . والذي يرد هذا الوهم قولها: ( طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه ) وقولها: كأني أنظر إلى وبيص الطيب أي: بريقه في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم وفي لفظ: وهو يلبي بعد ثلاث من إحرامه وفي لفظ: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يحرم تطيب بأطيب ما يجد ثم أرى وبيص الطيب في رأسه ولحيته بعد ذلك )  وكل هذه الألفاظ ألفاظ الصحيح. وأما الحديث الذي احتج به فإنه حديث إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه عنها: ( كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يطوف على نسائه ثم يصبح محرما )  وهذا ليس فيه ما يمنع الطيب الثاني عند إحرامه.  [وهم ابن حزم أنه صلى الله عليه وسلم أحرم قبل الظهر] فصل ومنها: وهم آخر لأبي محمد بن حزم أنه صلى الله عليه وسلم أحرم قبل الظهر وهو وهم ظاهر لم ينقل في شيء من الأحاديث وإنما أهل عقيب صلاة الظهر في موضع مصلاه ثم ركب ناقته واستوت به على البيداء وهو يهل وهذا يقينا كان بعد صلاة الظهر والله أعلم.  [فصل وهم ابن حزم أنه صلى الله عليه وسلم ساق الهدي مع نفسه وكان هدي تطوع] فصل ومنها وهم آخر له وهو قوله: وساق الهدي مع نفسه وكان هدي تطوع وهذا بناء منه على أصله الذي انفرد به عن الأئمة أن القارن لا يلزمه هدي وإنما(2\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "753",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9319",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يلزم المتمتع وقد تقدم بطلان هذا القول.  [وهم آخر لمن قال إنه لم يعين في إحرامه نسكا] فصل ومنها: وهم آخر لمن قال: إنه لم يعين في إحرامه نسكا بل أطلقه ووهم من قال: إنه عين عمرة مفردة كان متمتعا بها كما قاله القاضي أبو يعلى وصاحب quot; المغني quot; وغيرهما ووهم من قال: إنه عين حجا مفردا مجردا لم يعتمر معه ووهم من قال: إنه عين عمرة ثم أدخل عليها الحج ووهم من قال: إنه عين حجا مفردا ثم أدخل عليه العمرة بعد ذلك وكان من خصائصه وقد تقدم بيان مستند ذلك ووجه الصواب فيه. والله أعلم.  فصل ومنها: وهم لأحمد بن عبد الله الطبري في quot; حجة الوداع quot; له أنهم لما كانوا ببعض الطريق صاد أبو قتادة حمارا وحشيا ولم يكن محرما فأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم وهذا إنما كان في عمرة الحديبية كما رواه البخاري.  فصل ومنها: وهم آخر لبعضهم حكاه الطبري عنه صلى الله عليه وسلم أنه دخل مكة يوم الثلاثاء وهو غلط فإنما دخلها يوم الأحد صبح رابعة من ذي الحجة.  فصل ومنها: وهم من قال: إنه صلى الله عليه وسلم حل بعد طوافه وسعيه كما قاله القاضي أبو يعلى وأصحابه وقد بينا أن مستند هذا الوهم وهم معاوية أو من روى عنه أنه قصر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص على المروة في حجته.  فصل ومنها: وهم من زعم أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبل الركن اليماني في طوافه وإنما(2\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "754",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9320",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك الحجر الأسود وسماه اليماني لأنه يطلق عليه وعلى الآخر اليمانيين. فعبر بعض الرواة عنه باليماني منفردا.  فصل ومنها: وهم فاحش لأبي محمد بن حزم أنه رمل في السعي ثلاثة أشواط ومشى أربعة وأعجب من هذا الوهم وهمه في حكاية الاتفاق على هذا القول الذي لم يقله أحد سواه.  فصل ومنها: وهم من زعم أنه طاف بين الصفا والمروة أربعة عشر شوطا وكان ذهابه وإيابه مرة واحدة وقد تقدم بيان بطلانه.  فصل ومنها: وهم من زعم أنه صلى الله عليه وسلم صلى الصبح يوم النحر قبل الوقت ومستند هذا الوهم حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم ( صلى الفجر يوم النحر قبل ميقاتها )  وهذا إنما أراد به قبل ميقاتها الذي كانت عادته أن يصليها فيه فعجلها عليه يومئذ ولا بد من هذا التأويل وحديث ابن مسعود إنما يدل على هذا فإنه في quot; صحيح البخاري quot; عنه أنه قال: ( هما صلاتان تحولان عن وقتهما: صلاة المغرب بعدما يأتي الناس المزدلفة والفجر حين يبزغ الفجر )  وقال في حديث جابر في حجة الوداع: ( فصلى الصبح حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ) .(2\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "755",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9321",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: ومنها وهم من وهم في أنه صلى الظهر والعصر يوم عرفة والمغرب والعشاء تلك الليلة بأذانين وإقامتين ووهم من قال: صلاهما بإقامتين بلا أذان أصلا ووهم من قال: جمع بينهما بإقامة واحدة والصحيح أنه صلاهما بأذان واحد وإقامة لكل صلاة.  فصل ومنها: وهم من زعم أنه خطب بعرفة خطبتين جلس بينهما ثم أذن المؤذن فلما فرغ أخذ في الخطبة الثانية فلما فرغ منها أقام الصلاة وهذا لم يجئ في شيء من الأحاديث ألبتة وحديث جابر صريح في أنه لما أكمل خطبته أذن بلال وأقام الصلاة فصلى الظهر بعد الخطبة.  فصل ومنها: وهم لأبي ثور أنه لما صعد أذن المؤذن فلما فرغ قام فخطب وهذا وهم ظاهر فإن الأذان إنما كان بعد الخطبة.  فصل ومنها: وهم من روى أنه قدم أم سلمة ليلة النحر وأمرها أن توافيه صلاة الصبح بمكة وقد تقدم بيانه.  فصل ومنها: وهم من زعم أنه أخر طواف الزيارة يوم النحر إلى الليل وقد تقدم بيان ذلك وأن الذي أخره إلى الليل إنما هو طواف الوداع ومستند هذا(2\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "756",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9322",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوهم - والله أعلم - أن عائشة قالت: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه كذلك قال عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنها فحمل عنها على المعنى وقيل: أخر طواف الزيارة إلى الليل.  فصل ومنها: وهم من وهم وقال: أنه أفاض مرتين: مرة بالنهار ومرة مع نسائه بالليل ومستند هذا الوهم ما رواه عمر بن قيس عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم ( أذن لأصحابه فزاروا البيت يوم النحر ظهيرة وزار رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسائه ليلا ) وهذا غلط والصحيح عن عائشة خلاف هذا أنه أفاض نهارا إفاضة واحدة وهذه طريقة وخيمة جدا سلكها ضعاف أهل العلم المتمسكون بأذيال التقليد والله أعلم.  فصل ومنها: وهم من زعم أنه طاف للقدوم يوم النحر ثم طاف بعده للزيارة وقد تقدم مستند ذلك وبطلانه.  فصل ومنها وهم من زعم أنه يومئذ سعى مع هذا الطواف واحتج بذلك على أن القارن يحتاج إلى سعيين وقد تقدم بطلان ذلك عنه وأنه لم يسع إلا سعيا واحدا كما قالت عائشة وجابر رضي الله عنهما.(2\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "757",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9323",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومنها: على القول الراجح وهم من قال أنه صلى الظهر يوم النحر بمكة والصحيح أنه صلاها بمنى كما تقدم.  فصل ومنها: وهم من زعم أنه لم يسرع في وادي محسر حين أفاض من جمع إلى منى وأن ذلك إنما هو فعل الأعراب ومستند هذا الوهم قول ابن عباس: إنما كان بدء الإيضاع من قبل أهل البادية كانوا يقفون حافتي الناس حتى قد علقوا القعاب والعصي والجعاب فإذا أفاضوا تقعقعت تلك فنفروا بالناس ولقد رئي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن ذفري ناقته ليمس حاركها وهو يقول: ( يأيها الناس عليكم السكينة )  وفي رواية: ( إن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل فعليكم بالسكينة فما رأيتها رافعة يديها حتى أتى منى ) رواه أبو داود quot;. ولذلك أنكره طاووس والشعبي قال الشعبي: حدثني أسامة بن زيد أنه أفاض مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة فلم ترفع راحلته رجلها عادية حتى بلغ جمعا . قال: وحدثني الفضل بن عباس أنه كان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمع فلم ترفع راحلته رجلها عادية حتى رمى الجمرة . وقال عطاء: إنما أحدث هؤلاء الإسراع(2\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "758",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9324",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يريدون أن يفوتوا الغبار. ومنشأ هذا الوهم اشتباه الإيضاع وقت الدفع من عرفة الذي يفعله الأعراب وجفاة الناس بالإيضاع في وادي محسر فإن الإيضاع هناك بدعة لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بل نهى عنه والإيضاع في وادي محسر سنة نقلها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جابر وعلي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب رضي الله عنهم وفعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان ابن الزبير يوضع أشد الإيضاع وفعلته عائشة وغيرهم من الصحابة والقول في هذا قول من أثبت لا قول من نفى. والله أعلم.  فصل ومنها وهم طاووس وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفيض كل ليلة من ليالي منى إلى البيت وقال البخاري في quot; صحيحه quot; ويذكر عن أبي حسان عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يزور البيت أيام منى )  ورواه ابن عرعرة قال: دفع إلينا معاذ بن هشام كتابا قال: سمعته من أبي ولم يقرأه قال: وكان فيه عن أبي حسان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كان يزور البيت كل ليلة ما دام بمنى )  قال: وما رأيت أحدا واطأه عليه. انتهى. ورواه الثوري في quot; جامعه quot; عن ابن طاووس عن أبيه(2\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "759",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9325",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مرسلا وهو وهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرجع إلى مكة بعد أن طاف للإفاضة وبقي في منى إلى حين الوداع والله أعلم.  فصل ومنها وهم من قال: إنه ودع مرتين ووهم من قال: إنه جعل مكة دائرة في دخوله وخروجه فبات بذي طوى ثم دخل من أعلاها ثم خرج من أسفلها ثم رجع إلى المحصب عن يمين مكة فكملت الدائرة.  فصل ومنها وهم من زعم أنه انتقل من المحصب إلى ظهر العقبة فهذه كلها من الأوهام نبهنا عليها مفصلا ومجملا وبالله التوفيق.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الهدايا والضحايا والعقيقة]  وهي مختصة بالأزواج الثمانية المذكورة في سورة (الأنعام)  ولم يعرف عنه صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة هدي ولا أضحية ولا عقيقة من غيرها وهذا مأخوذ من القرآن من مجموع أربع آيات. إحداها: قوله تعالى: أحلت لكم بهيمة الأنعام [المائدة: 1] [المائدة: 1] . والثانية: قوله تعالى: ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام [الحج: 28] [الحج: 28] . والثالثة: قوله تعالى:(2\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "760",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9326",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين - ثمانية أزواج [الأنعام: 142 - 143] [الأنعام 142 143] ثم ذكرها. الرابعة: قوله تعالى: هديا بالغ الكعبة [المائدة: 95] [المائدة 95] . فدل على أن الذي يبلغ الكعبة من الهدي هو هذه الأزواج الثمانية وهذا استنباط علي بن أبي طالب رضي الله عنه. والذبائح التي هي قربة إلى الله وعبادة هي ثلاثة: الهدي والأضحية والعقيقة. فأهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنم وأهدى الإبل وأهدى عن نسائه البقر وأهدى في مقامه وفي عمرته وفي حجته وكانت سنته تقليد الغنم دون إشعارها. وكان إذا بعث بهديه وهو مقيم لم يحرم عليه شيء كان منه حلالا. وكان إذا أهدى الإبل قلدها وأشعرها فيشق صفحة سنامها الأيمن يسيرا حتى يسيل الدم. قال الشافعي: والإشعار في الصفحة اليمنى كذلك أشعر النبي صلى الله عليه وسلم. وكان إذا بعث بهديه ( أمر رسوله إذا أشرف على عطب شيء منه أن ينحره ثم يصبغ نعله في دمه ثم يجعله على صفحته ولا يأكل منه هو ولا أحد من أهل رفقته ثم يقسم لحمه )  ومنعه من هذا الأكل سدا للذريعة فإنه لعله ربما(2\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "761",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9327",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قصر في حفظه ليشارف العطب فينحره ويأكل منه فإذا علم أنه لا يأكل منه شيئا اجتهد في حفظه. وشرك بين أصحابه في الهدي كما تقدم: البدنة عن سبعة والبقرة كذلك. ( وأباح لسائق الهدي ركوبه بالمعروف إذا احتاج إليه حتى يجد ظهرا غيره )  وقال علي رضي الله عنه: (يشرب من لبنها ما فضل عن ولدها) . وكان هديه صلى الله عليه وسلم نحر الإبل قياما مقيدة معقولة اليسرى على ثلاث وكان يسمي الله عند نحره ويكبر وكان يذبح نسكه بيده وربما وكل في بعضه كما أمر عليا رضي الله عنه أن يذبح ما بقي من المائة. ( وكان إذا ذبح الغنم وضع قدمه على صفاحها ثم سمى وكبر وذبح )  وقد تقدم أنه نحر بمنى وقال: ( إن فجاج مكة كلها منحر )  وقال ابن عباس: مناحر البدن بمكة ولكنها نزهت عن الدماء ومنى من مكة وكان ابن عباس ينحر بمكة. وأباح صلى الله عليه وسلم لأمته أن يأكلوا من هداياهم وضحاياهم ويتزودوا منها ونهاهم(2\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "762",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9328",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مرة أن يدخروا منها بعد ثلاث لدافة دفت عليهم ذلك العام من الناس فأحب أن يوسعوا عليهم وذكر أبو داود من حديث جبير بن نفير عن ثوبان قال: ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: (يا ثوبان أصلح لنا لحم هذه الشاة ) قال: فما زلت أطعمه منها حتى قدم المدينة. وروى مسلم هذه القصة ولفظه فيها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له في حجة الوداع: ( أصلح هذا اللحم قال: فأصلحته فلم يزل يأكل منه حتى بلغ المدينة ) . وكان ربما قسم لحوم الهدي وربما قال: ( من شاء اقتطع ) فعل هذا(2\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "763",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9329",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفعل هذا واستدل بهذا على جواز النهبة في النثار في العرس ونحوه وفرق بينهما بما لا يتبين.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في ذبح هدي العمرة والقران] فصل وكان من هديه صلى الله عليه وسلم ذبح هدي العمرة عند المروة وهدي القران بمنى وكذلك كان ابن عمر يفعل ولم ينحر هديه صلى الله عليه وسلم قط إلا بعد أن حل ولم ينحره قبل يوم النحر ولا أحد من الصحابة ألبتة ولم ينحره أيضا إلا بعد طلوع الشمس وبعد الرمي فهي أربعة أمور مرتبة يوم النحر أولها: الرمي ثم النحر ثم الحلق ثم الطواف وهكذا رتبها صلى الله عليه وسلم ولم يرخص في النحر قبل طلوع الشمس ألبتة ولا ريب أن ذلك مخالف لهديه فحكمه حكم الأضحية إذا ذبحت قبل طلوع الشمس.  [فصل هديه في الأضاحي] فصل وأما هديه في الأضاحي فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يدع الأضحية وكان يضحي بكبشين وكان ينحرهما بعد صلاة العيد وأخبر أن ( من ذبح قبل الصلاة فليس من النسك في شيء وإنما هو لحم قدمه لأهله ) هذا الذي دلت عليه سنته وهديه لا الاعتبار بوقت الصلاة والخطبة بل بنفس فعلها وهذا هو الذي ندين الله به ( وأمرهم أن يذبحوا الجذع من الضأن والثني مما سواه ) وهي المسنة.(2\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "764",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9330",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروي عنه أنه قال: ( كل أيام التشريق ذبح ) لكن الحديث منقطع لا يثبت وصله. وأما نهيه عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فلا يدل على أن أيام الذبح ثلاثة فقط لأن الحديث دليل على نهي الذابح أن يدخر شيئا فوق ثلاثة أيام من يوم ذبحه فلو أخر الذبح إلى اليوم الثالث لجاز له الادخار وقت النهي ما بينه وبين ثلاثة أيام والذين حددوه بالثلاث(2\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "765",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9331",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهموا من نهيه عن الادخار فوق ثلاث أن أولها من يوم النحر قالوا: وغير جائز أن يكون الذبح مشروعا في وقت يحرم فيه الأكل قالوا: ثم نسخ تحريم الأكل فبقي وقت الذبح بحاله. فيقال لهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه إلا عن الادخار فوق ثلاث لم ينه عن التضحية بعد ثلاث فأين أحدهما من الآخر ولا تلازم بين ما نهى عنه وبين اختصاص الذبح بثلاث لوجهين. أحدهما: أنه يسوغ الذبح في اليوم الثاني والثالث فيجوز له الادخار إلى تمام الثلاث من يوم الذبح ولا يتم لكم الاستدلال حتى يثبت النهي عن الذبح بعد يوم النحر ولا سبيل لكم إلى هذا. الثاني: أنه لو ذبح في آخر جزء من يوم النحر لساغ له حينئذ الادخار ثلاثة أيام بعده بمقتضى الحديث وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أيام النحر يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده وهو مذهب إمام أهل البصرة الحسن وإمام أهل مكة عطاء بن أبي رباح وإمام أهل الشام الأوزاعي وإمام فقهاء أهل الحديث الشافعي رحمه الله واختاره ابن المنذر ولأن الثلاثة تختص بكونها أيام منى وأيام الرمي وأيام التشريق ويحرم صيامها فهي إخوة في هذه الأحكام فكيف تفترق في جواز الذبح بغير نص ولا إجماع. وروي من وجهين مختلفين يشد أحدهما الآخر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( كل منى منحر وكل أيام التشريق ذبح ) روي من حديث جبير بن مطعم وفيه انقطاع ومن حديث أسامة بن زيد عن عطاء عن جابر.(2\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "766",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9332",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال يعقوب بن سفيان: أسامة بن زيد عند أهل المدينة ثقة مأمون. وفي هذه المسألة أربعة أقوال هذا أحدها. والثاني: أن وقت الذبح يوم النحر ويومان بعده وهذا مذهب أحمد ومالك وأبي حنيفة رحمهم الله قال أحمد: هو قول غير واحد من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وذكره الأثرم عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم. الثالث: أن وقت النحر يوم واحد وهو قول ابن سيرين لأنه اختص بهذه التسمية فدل على اختصاص حكمها به ولو جاز في الثلاثة لقيل لها: أيام النحر كما قيل لها: أيام الرمي وأيام منى وأيام التشريق ولأن العيد يضاف إلى النحر وهو يوم واحد كما يقال عيد الفطر. الرابع: قول سعيد بن جبير وجابر بن زيد: إنه يوم واحد في الأمصار وثلاثة أيام في منى لأنها هناك أيام أعمال المناسك من الرمي والطواف والحلق فكانت أياما للذبح بخلاف أهل الأمصار.  [فصل مسائل تتعلق بالأضحية] فصل ومن هديه صلى الله عليه وسلم أن ( من أراد التضحية ودخل يوم العشر فلا يأخذ من شعره وبشره شيئا ) ثبت النهي عن ذلك في quot; صحيح مسلم quot;. وأما الدارقطني(2\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "767",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9333",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال: الصحيح عندي أنه موقوف على أم سلمة. وكان من هديه صلى الله عليه وسلم اختيار الأضحية واستحسانها وسلامتها من العيوب ( ونهى أن يضحى بعضباء الأذن والقرن ) أي مقطوعة الأذن ومكسورة القرن النصف فما زاد ذكره أبو داود ( وأمر أن تستشرف العين والأذن ) أي: ينظر إلى سلامتها وأن لا يضحى بعوراء ولا مقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء. والمقابلة هي التي قطع مقدم أذنها والمدابرة التي قطع مؤخر أذنها والشرقاء التي شقت أذنها والخرقاء التي خرقت أذنها. ذكره أبو داود. وذكر عنه أيضا ( أربع لا تجزئ في الأضاحي: العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعرجاء البين عرجها والكسيرة التي لا تنقي والعجفاء التي لا تنقي ) أي من هزالها لا مخ فيها. وذكر أيضا أن(2\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "768",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9334",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نهى عن المصفرة والمستأصلة والبخقاء والمشيعة والكسراء ) فالمصفرة التي تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها والمستأصلة التي استوصل قرنها من أصله والبخقاء التي بخقت عينها والمشيعة التي لا تتبع الغنم عجفا وضعفا والكسراء الكسيرة والله أعلم.  [كان صلى الله عليه وسلم يضحي بالمصلى] فصل وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يضحي بالمصلى ذكره أبو داود عن جابر أنه شهد معه الأضحى بالمصلى فلما قضى خطبته نزل من منبره وأتي بكبش فذبحه بيده وقال: (بسم الله والله أكبر هذا عني وعمن لم يضح من أمتي ) . وفي quot; الصحيحين quot; أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يذبح وينحر بالمصلى ) .(2\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "769",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9335",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[دعاؤه صلى الله عليه وسلم قبل الذبح] وذكر أبو داود عنه أنه ذبح يوم النحر كبشين أقرنين أملحين موجوءين فلما وجههما قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين اللهم منك ولك عن محمد وأمته بسم الله والله أكبر )  ثم ذبح. وأمر الناس إذا ذبحوا أن يحسنوا وإذا قتلوا أن يحسنوا القتلة وقال: ( إن الله كتب الإحسان على كل شيء )  [تجزئ الشاة عن الرجل وأهل بيته] وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن الشاة تجزئ عن الرجل وعن أهل بيته ولو كثر عددهم كما قال عطاء بن يسار: سألت أبا أيوب الأنصاري: كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إن كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون ) . قال الترمذي: حديث حسن صحيح.(2\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "770",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9336",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في العقيقة] في quot; الموطأ quot; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن العقيقة فقال: (لا أحب العقوق ) كأنه كره الاسم ذكره عن زيد بن أسلم عن رجل من بني ضمرة عن أبيه. قال ابن عبد البر: وأحسن أسانيده ما ذكره عبد الرزاق: أنبأ داود بن قيس قال:(2\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "771",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9337",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سمعت عمرو بن شعيب يحدث عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العقيقة فقال: (لا أحب العقوق )  وكأنه كره الاسم ( قالوا: يا رسول الله ينسك أحدنا عن ولده فقال من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة ) . وصح عنه من حديث عائشة رضي الله عنها ( عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة ) .  [معنى كل غلام رهينة بعقيقته] وقال: ( كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم السابع ويحلق رأسه ويسمى ) قال الإمام أحمد: معناه أنه محبوس عن الشفاعة في أبويه والرهن في اللغة الحبس قال تعالى: كل نفس بما كسبت رهينة [المدثر: 38] [المدثر 38]  وظاهر الحديث أنه رهينة في نفسه ممنوع محبوس عن خير يراد به ولا يلزم من ذلك أن يعاقب على ذلك في الآخرة وإن حبس بترك أبويه العقيقة عما يناله من عق عنه أبواه وقد يفوت الولد خير بسبب تفريط الأبوين وإن لم يكن من كسبه كما أنه عند الجماع إذا سمى أبوه لم يضر الشيطان ولده وإذا ترك التسمية لم يحصل للولد هذا الحفظ. وأيضا فإن هذا إنما يدل على أنها لازمة لا بد منها فشبه لزومها وعدم(2\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "772",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9338",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "انفكاك المولود عنها بالرهن. وقد يستدل بهذا من يرى وجوبها كالليث بن سعد والحسن البصري وأهل الظاهر. والله أعلم.  [هل التدمية من العقيقة صحيحة أو غلط] فإن قيل: فكيف تصنعون في رواية همام عن قتادة في هذا الحديث quot;: ويدمى quot; قال همام: سئل قتادة عن قوله: و quot; يدمى quot; كيف يصنع بالدم فقال: إذا ذبحت العقيقة أخذت منها صوفة واستقبلت بها أوداجها ثم توضع على يافوخ الصبي حتى تسيل على رأسه مثل الخيط ثم يغسل رأسه بعد ويحلق. قيل: اختلف الناس في ذلك فمن قائل: هذا من رواية الحسن عن سمرة ولا يصح سماعه عنه ومن قائل: سماع الحسن عن سمرة حديث العقيقة هذا صحيح صححه الترمذي وغيره وقد ذكره البخاري في quot; صحيحه quot; عن حبيب بن الشهيد قال: قال لي محمد بن سيرين: اذهب فسل الحسن ممن سمع حديث العقيقة فسأله فقال: سمعته من سمرة. ثم اختلف في التدمية بعد هل هي صحيحة أو غلط على قولين. فقال أبو داود في quot; سننه quot;: هي وهم من همام بن يحيى. وقوله ويدمى إنما هو quot; ويسمى quot; وقال غيره: كان في لسان همام لثغة فقال: quot; ويدمى quot; وإنما أراد أن يسمى وهذا لا يصح فإن هماما وإن كان وهم في اللفظ ولم يقمه لسانه فقد حكى عن قتادة صفة التدمية وأنه سئل عنها فأجاب بذلك وهذا لا تحتمله اللثغة بوجه. فإن كان لفظ التدمية هنا وهما فهو من قتادة أو من الحسن والذين أثبتوا لفظ التدمية قالوا: إنه من سنة العقيقة وهذا مروي عن الحسن وقتادة والذين منعوا التدمية كمالك والشافعي وأحمد وإسحاق قالوا: quot; ويدمى quot; غلط وإنما هو quot; ويسمى quot; قالوا: وهذا كان من عمل أهل الجاهلية فأبطله الإسلام بدليل ما رواه أبو داود عن بريدة بن الحصيب قال: ( كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح(2\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "773",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9339",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شاة ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران ) . قالوا: وهذا وإن كان في إسناده الحسين بن واقد ولا يحتج به فإذا انضاف إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أميطوا عنه الأذى )  والدم أذى فكيف يأمرهم أن يلطخوه بالأذى قالوا: ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين بكبش كبش ولم يدمهما ولا كان ذلك من هديه وهدي أصحابه قالوا: وكيف يكون من سنته تنجيس رأس المولود وأين لهذا شاهد ونظير في سنته وإنما يليق هذا بأهل الجاهلية.  [هل عقيقة الغلام شاتان] فصل فإن قيل: عقه عن الحسن والحسين بكبش كبش يدل على أن هديه أن على الرأس رأسا وقد صحح عبد الحق الإشبيلي من حديث ابن عباس وأنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ( عق عن الحسن بكبش وعن الحسين بكبش ) وكان مولد الحسن عام أحد والحسين في العام القابل منه.(2\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "774",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9340",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروى الترمذي من حديث علي رضي الله عنه قال: عق رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسن شاة وقال: (يا فاطمة احلقي رأسه وتصدقي بزنة شعره فضة فوزناه فكان وزنه درهما أو بعض درهم ) وهذا وإن لم يكن إسناده متصلا فحديث أنس وابن عباس يكفيان. قالوا: لأنه نسك فكان على الرأس مثله كالأضحية ودم التمتع. فالجواب أن أحاديث الشاتين عن الذكر والشاة عن الأنثى أولى أن يؤخذ بها لوجوه. أحدها: كثرتها فإن رواتها: عائشة وعبد الله بن عمرو وأم كرز الكعبية وأسماء. فروى أبو داود عن أم كرز قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة ) . قال أبو داود: وسمعت أحمد يقول: مكافئتان مستويتان أو مقاربتان قلت: هو مكافأتان بفتح الفاء ومكافئتان بكسرها والمحدثون يختارون الفتح قال الزمخشري: لا فرق بين الروايتين لأن كل من كافأته فقد كافأك. وروي أيضا عنها ترفعه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( أقروا الطير على مكناتها ) .(2\/300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "775",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9341",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسمعته يقول: ( عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة لا يضركم أذكرانا كن أم إناثا ) وعنها أيضا ترفعه ( عن الغلام شاتان مثلان وعن الجارية شاة )  وقال الترمذي حديث صحيح. وقد تقدم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في ذلك وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم ( عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة ) . قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وروى إسماعيل بن عياش عن ثابت بن عجلان عن مجاهد عن أسماء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يعق عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة ) . قال مهنا: قلت لأحمد: من أسماء فقال: ينبغي أن تكون أسماء بنت أبي بكر. وفي كتاب الخلال قال مهنا: قلت لأحمد: حدثنا خالد بن خداش قال: حدثنا عبد الله بن وهب قال: حدثنا عمرو بن الحارث أن أيوب بن موسى حدثه أن يزيد بن عبد المزني حدثه عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يعق عن الغلام ولا يمس رأسه بدم )  وقال: ( في الإبل الفرع وفي الغنم الفرع )  فقال(2\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "776",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9342",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحمد: ما أعرفه ولا أعرف عبد بن يزيد المزني ولا هذا الحديث. فقلت له: أتنكره فقال: لا أعرفه وقصة الحسن والحسين رضي الله عنهما حديث واحد. الثاني: أنها من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأحاديث الشاتين من قوله وقوله عام وفعله يحتمل الاختصاص. الثالث: أنها متضمنة لزيادة فكان الأخذ بها أولى. الرابع: أن الفعل يدل على الجواز والقول على الاستحباب والأخذ بهما ممكن فلا وجه لتعطيل أحدهما. الخامس: أن قصة الذبح عن الحسن والحسين كانت عام أحد والعام الذي بعده وأم كرز سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم ما روته عام الحديبية سنة ست بعد الذبح عن الحسن والحسين قاله النسائي في كتابه الكبير. السادس: أن قصة الحسن والحسين يحتمل أن يراد بها بيان جنس المذبوح وأنه من الكباش لا تخصيصه بالواحد كما قالت عائشة: ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه بقرة وكن تسعا  ومرادها: الجنس لا التخصيص بالواحدة. السابع: أن الله سبحانه فضل الذكر على الأنثى كما قال: وليس الذكر كالأنثى [آل عمران: 36] [آل عمران 37]  ومقتضى هذا التفاضل ترجيحه عليها في الأحكام وقد جاءت الشريعة بهذا التفضيل في جعل الذكر كالأنثيين في الشهادة والميراث والدية فكذلك ألحقت العقيقة بهذه الأحكام. الثامن: أن العقيقة تشبه العتق عن المولود فإنه رهين بعقيقته فالعقيقة تفكه وتعتقه وكان الأولى أن يعق عن الذكر بشاتين وعن الأنثى بشاة كما أن عتق الأنثيين يقوم مقام عتق الذكر. كما في quot; جامع الترمذي quot; وغيره عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أيما امرئ مسلم أعتق امرأ مسلما كان فكاكه من(2\/302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "777",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9343",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النار يجزي كل عضو منه عضوا منه وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار يجزي كل عضو منهما عضوا منه وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار يجزي كل عضو منها عضوا منها )  وهذا حديث صحيح. فصل ذكر أبو داود في quot; المراسيل quot; عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في العقيقة التي عقتها فاطمة عن الحسن والحسين رضي الله عنهما (أن ابعثوا إلى بيت القابلة برجل وكلوا وأطعموا ولا تكسروا منها عظما ) .  [هل عق صلى الله عليه وسلم عن نفسه] فصل وذكر ابن أيمن من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم (عق عن نفسه بعد أن جاءته النبوة )  وهذا الحديث قال أبو داود في quot; مسائله quot;: سمعت أحمد حدثهم بحديث الهيثم بن جميل عن عبد الله بن المثنى عن ثمامة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم (عق عن نفسه )  فقال أحمد عبد الله بن محرر عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم (عق عن نفسه )  قال مهنا: قال أحمد: هذا منكر وضعف عبد الله بن المحرر.  [الأذان في أذن المولود] فصل ذكر أبو داود عن أبي رافع قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم أذن في أذن الحسن بن علي(2\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "778",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9344",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حين ولدته أمه فاطمة رضي الله عنها بالصلاة)  .  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في تسمية المولود وختانه] قد تقدم قوله في حديث قتادة عن الحسن عن سمرة في العقيقة ( تذبح يوم سابعه ويسمى )  قال الميموني: تذاكرنا لكم يسمى الصبي قال لنا أبو عبد الله: يروى عن أنس أنه يسمى لثلاثة وأما سمرة فقال: يسمى في اليوم السابع. فأما الختان فقال ابن عباس: كانوا لا يختنون الغلام حتى يدرك. قال الميموني: سمعت أحمد يقول: كان الحسن يكره أن يختن الصبي يوم سابعه وقال حنبل: إن أبا عبد الله قال: وإن ختن يوم السابع فلا بأس وإنما كره الحسن ذلك لئلا يتشبه باليهود وليس في هذا شيء. قال مكحول: ختن إبراهيم ابنه إسحاق لسبعة أيام وختن إسماعيل لثلاث عشرة سنة ذكره الخلال. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فصار ختان إسحاق سنة في ولده وختان إسماعيل سنة في ولده وقد تقدم الخلاف في ختان النبي صلى الله عليه وسلم متى كان ذلك.(2\/304)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "779",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9345",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الأسماء والكنى] ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك لا ملك إلا الله ) . وثبت عنه أنه قال: ( أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام وأقبحها حرب ومرة ) وثبت عنه أنه قال: ( لا تسمين غلامك يسارا ولا رباحا ولا نجيحا ولا أفلح فإنك تقول: أثمت هو فلا يكون فيقال: لا ) .(2\/305)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "780",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9346",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وثبت عنه أنه ( غير اسم عاصية وقال: أنت جميلة ) وكان اسم جويرية برة فغيره رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم جويرية. وقالت زينب بنت أم سلمة: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمى بهذا الاسم فقال: ( لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم ) . ( وغير اسم أصرم بزرعة )  ( وغير اسم أبي الحكم بأبي شريح )  ( وغير اسم حزن جد سعيد بن المسيب وجعله سهلا فأبى وقال: quot; السهل يوطأ ويمتهن ) . قال أبو داود: ( وغير النبي صلى الله عليه وسلم اسم العاص وعزيز وعتلة وشيطان والحكم وغراب وحباب وشهاب فسماه هشاما وسمى حربا سلما وسمى المضطجع المنبعث وأرضا تسمى عفرة سماها خضرة وشعب الضلالة سماه شعب الهدى وبنو الزنية سماهم بني الرشدة وسمى بني مغوية بني رشدة ) .(2\/306)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "781",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9347",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[اختيار الأسماء الحسنة لأن الأسماء قوالب للمعاني] فصل في فقه هذا الباب لما كانت الأسماء قوالب للمعاني ودالة عليها اقتضت الحكمة أن يكون بينها وبينها ارتباط وتناسب وأن لا يكون المعنى معها بمنزلة الأجنبي المحض الذي لا تعلق له بها فإن حكمة الحكيم تأبى ذلك والواقع يشهد بخلافه بل للأسماء تأثير في المسميات وللمسميات تأثر عن أسمائها في الحسن والقبح والخفة والثقل واللطافة والكثافة كما قيل: وقلما أبصرت عيناك ذا لقب ... إلا ومعناه إن فكرت في لقبه ( وكان صلى الله عليه وسلم يستحب الاسم الحسن وأمر إذا أبردوا إليه بريدا أن يكون حسن الاسم حسن الوجه ) وكان يأخذ المعاني من أسمائها في المنام واليقظة كما ( رأى أنه وأصحابه في دار عقبة بن رافع فأتوا برطب من رطب ابن طاب فأوله بأن لهم الرفعة في الدنيا والعاقبة في الآخرة وأن الدين الذي قد اختاره الله لهم قد أرطب وطاب وتأول سهولة أمرهم يوم الحديبية من مجيء سهيل بن عمرو إليه ) .(2\/307)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "782",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9348",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( وندب جماعة إلى حلب شاة فقام رجل يحلبها فقال: quot; ما اسمك quot; قال: quot; مرة فقال: اجلس فقام آخر فقال: quot; ما اسمك quot; قال: أظنه حرب فقال: اجلس فقام آخر فقال: quot; ما اسمك quot; فقال: يعيش فقال: quot; احلبها ) . وكان يكره الأمكنة المنكرة الأسماء ويكره العبور فيها كما مر في بعض غزواته بين جبلين فسأل عن اسميهما فقالوا: فاضح ومخز فعدل عنهما ولم يجز بينهما. ولما كان بين الأسماء والمسميات من الارتباط والتناسب والقرابة ما بين قوالب الأشياء وحقائقها وما بين الأرواح والأجسام عبر العقل من كل منهما إلى الآخر كما كان إياس بن معاوية وغيره يرى الشخص فيقول: ينبغي أن يكون اسمه كيت وكيت فلا يكاد يخطئ وضد هذا العبور من الاسم إلى مسماه كما سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا عن اسمه فقال: جمرة فقال: واسم أبيك قال: شهاب قال: ممن قال: من الحرقة قال: فمنزلك قال: بحرة النار قال: فأين مسكنك قال: بذات لظى قال: اذهب فقد احترق مسكنك فذهب فوجد الأمر كذلك فعبر عمر من الألفاظ إلى أرواحها ومعانيها كما عبر النبي صلى الله عليه وسلم من اسم سهيل إلى سهولة أمرهم يوم الحديبية فكان الأمر كذلك وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بتحسين أسمائهم وأخبر أنهم يدعون يوم(2\/308)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "783",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9349",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القيامة بها وفي هذا - والله أعلم - تنبيه على تحسين الأفعال المناسبة لتحسين الأسماء لتكون الدعوة على رءوس الأشهاد بالاسم الحسن والوصف المناسب له. وتأمل كيف اشتق للنبي صلى الله عليه وسلم من وصفه اسمان مطابقان لمعناه وهما أحمد ومحمد فهو لكثرة ما فيه من الصفات المحمودة محمد ولشرفها وفضلها على صفات غيره أحمد فارتبط الاسم بالمسمى ارتباط الروح بالجسد وكذلك تكنيته صلى الله عليه وسلم لأبي الحكم بن هشام بأبي جهل كنية مطابقة لوصفه ومعناه وهو أحق الخلق بهذه الكنية وكذلك تكنية الله عز وجل لعبد العزى بأبي لهب لما كان مصيره إلى نار ذات لهب كانت هذه الكنية أليق به وأوفق وهو بها أحق وأخلق. ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واسمها يثرب لا تعرف بغير هذا الاسم غيره بطيبة لما زال عنها ما في لفظ يثرب من التثريب بما في معنى طيبة من الطيب استحقت هذا الاسم وازدادت به طيبا آخر فأثر طيبها في استحقاق الاسم وزادها طيبا إلى طيبها. ولما كان الاسم الحسن يقتضي مسماه ويستدعيه من قرب قال النبي صلى الله عليه وسلم لبعض قبائل العرب وهو يدعوهم إلى الله وتوحيده: ( يا بني عبد الله إن الله قد حسن اسمكم واسم أبيكم )  فانظر كيف دعاهم إلى عبودية الله بحسن اسم أبيهم(2\/309)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "784",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9350",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبما فيه من المعنى المقتضي للدعوة وتأمل أسماء الستة المتبارزين يوم بدر كيف اقتضى القدر مطابقة أسمائهم لأحوالهم يومئذ فكان الكفار شيبة وعتبة والوليد ثلاثة أسماء من الضعف فالوليد له بداية الضعف وشيبة له نهاية الضعف كما قال تعالى: الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة [الروم: 54] [الروم: 54]  وعتبة من العتب فدلت أسماؤهم على عتب يحل بهم وضعف ينالهم وكان أقرانهم من المسلمين علي وعبيدة والحارث رضي الله عنهم ثلاثة أسماء تناسب أوصافهم وهي العلو والعبودية والسعي الذي هو الحرث فعلوا عليهم بعبوديتهم وسعيهم في حرث الآخرة. ولما كان الاسم مقتضيا لمسماه ومؤثرا فيه كان أحب الأسماء إلى الله ما اقتضى أحب الأوصاف إليه كعبد الله وعبد الرحمن وكان إضافة العبودية إلى اسم الله واسم الرحمن أحب إليه من إضافتها إلى غيرهما كالقاهر والقادر فعبد الرحمن أحب إليه من عبد القادر وعبد الله أحب إليه من عبد ربه وهذا لأن التعلق الذي بين العبد وبين الله إنما هو العبودية المحضة والتعلق الذي بين الله وبين العبد بالرحمة المحضة فبرحمته كان وجوده وكمال وجوده والغاية التي أوجده لأجلها أن يتأله له وحده محبة وخوفا ورجاء وإجلالا وتعظيما فيكون عبدا لله وقد عبده لما في اسم الله من معنى الإلهية التي يستحيل أن تكون لغيره ولما غلبت رحمته غضبه وكانت الرحمة أحب إليه من الغضب كان عبد الرحمن أحب إليه من عبد القاهر.  فصل ولما كان كل عبد متحركا بالإرادة والهم مبدأ الإرادة ويترتب على إرادته حركته وكسبه كان أصدق الأسماء اسم همام واسم حارث إذ لا ينفك مسماهما(2\/310)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "785",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9351",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن حقيقة معناهما ولما كان الملك الحق لله وحده ولا ملك على الحقيقة سواه كان أخنع اسم وأوضعه عند الله وأغضبه له اسم quot; شاهان شاه quot; أي: ملك الملوك وسلطان السلاطين فإن ذلك ليس لأحد غير الله فتسمية غيره بهذا من أبطل الباطل والله لا يحب الباطل. وقد ألحق بعض أهل العلم بهذا quot; قاضي القضاة quot; وقال: ليس قاضي القضاة إلا من يقضي الحق وهو خير الفاصلين الذي إذا قضى أمرا فإنما يقول له: كن فيكون. ويلي هذا الاسم في الكراهة والقبح والكذب سيد الناس وسيد الكل وليس ذلك إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة كما قال: ( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ) فلا يجوز لأحد قط أن يقول عن غيره: إنه سيد الناس وسيد الكل كما لا يجوز أن يقول: إنه سيد ولد آدم.  فصل ولما كان مسمى الحرب والمرة أكره شيء للنفوس وأقبحها عندها كان أقبح الأسماء حربا ومرة وعلى قياس هذا حنظلة وحزن وما أشبههما وما أجدر هذه الأسماء بتأثيرها في مسمياتها كما أثر اسم quot; حزن quot; الحزونة في سعيد بن المسيب وأهل بيته.(2\/311)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "786",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9352",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ولما كان الأنبياء سادات بني آدم وأخلاقهم أشرف الأخلاق وأعمالهم أصح الأعمال كانت أسماؤهم أشرف الأسماء فندب النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى التسمي بأسمائهم كما في quot; سنن أبي داود quot; والنسائي عنه ( تسموا بأسماء الأنبياء )  ولو لم يكن في ذلك من المصالح إلا أن الاسم يذكر بمسماه ويقتضي التعلق بمعناه لكفى به مصلحة مع ما في ذلك من حفظ أسماء الأنبياء وذكرها وأن لا تنسى وأن تذكر أسماؤهم بأوصافهم وأحوالهم.  [فصل علة النهي عن التسمية بيسار وأفلح ونجيح ورباح] فصل وأما النهي عن تسمية الغلام ب: يسار وأفلح ونجيح ورباح فهذا لمعنى آخر قد أشار إليه في الحديث وهو قوله: ( فإنك تقول: أثمت هو فيقال: لا ) - والله أعلم - هل هذه الزيادة من تمام الحديث المرفوع أو مدرجة من قول الصحابي وبكل حال فإن هذه الأسماء لما كانت قد توجب تطيرا تكرهه النفوس ويصدها عما هي بصدده كما إذا قلت لرجل: أعندك يسار أو رباح أو أفلح قال: لا تطيرت أنت وهو من ذلك وقد تقع الطيرة لا سيما على المتطيرين فقل من تطير إلا ووقعت به طيرته وأصابه طائره كما قيل: تعلم أنه لا طير إلا ... على متطير فهو الثبور(2\/312)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "787",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9353",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اقتضت حكمة الشارع الرءوف بأمته الرحيم بهم أن يمنعهم من أسباب توجب لهم سماع المكروه أو وقوعه وأن يعدل عنها إلى أسماء تحصل المقصود من غير مفسدة هذا أولى مع ما ينضاف إلى ذلك من تعليق ضد الاسم عليه بأن يسمى يسارا من هو من أعسر الناس ونجيحا من لا نجاح عنده ورباحا من هو من الخاسرين فيكون قد وقع في الكذب عليه وعلى الله. وأمر آخر أيضا وهو أن يطالب المسمى بمقتضى اسمه فلا يوجد عنده فيجعل ذلك سببا لذمه وسبه كما قيل: سموك من جهلهم سديدا ... والله ما فيك من سداد  أنت الذي كونه فسادا ... في عالم الكون والفساد فتوصل الشاعر بهذا الاسم إلى ذم المسمى به. ولي من أبيات: وسميته صالحا فاغتدى ... بضد اسمه في الورى سائرا وظن بأن اسمه ساتر ... لأوصافه فغدا شاهرا وهذا كما أن من المدح ما يكون ذما وموجبا لسقوط مرتبة الممدوح عند الناس فإنه يمدح بما ليس فيه فتطالبه النفوس بما مدح به وتظنه عنده فلا تجده كذلك فتنقلب ذما ولو ترك بغير مدح لم تحصل له هذه المفسدة ويشبه حاله حال من ولي ولاية سيئة ثم عزل عنها فإنه تنقص مرتبته عما كان عليه قبل الولاية وينقص في نفوس الناس عما كان عليه قبلها وفي هذا قال القائل: إذا ما وصفت امرأ لامرئ ... فلا تغل في وصفه واقصد فإنك إن تغل تغل الظنون ... فيه إلى الأمد الأبعد فينقص من حيث عظمته ... لفضل المغيب عن المشهد وأمر آخر: وهو ظن المسمى واعتقاده في نفسه أنه كذلك فيقع في تزكية(2\/313)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "788",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9354",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفسه وتعظيمها وترفعها على غيره وهذا هو المعنى الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم لأجله أن تسمى quot; برة quot; وقال: ( لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم )  وعلى هذا فتكره التسمية ب: التقي والمتقي والمطيع والطائع والراضي والمحسن والمخلص والمنيب والرشيد والسديد. وأما تسمية الكفار بذلك فلا يجوز التمكين منه ولا دعاؤهم بشيء من هذه الأسماء ولا الإخبار عنهم بها والله عز وجل يغضب من تسميتهم بذلك.  [الكنية] فصل وأما الكنية فهي نوع تكريم للمكني وتنويه به كما قال الشاعر: أكنيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقبه والسوءة اللقب ( وكنى النبي صلى الله عليه وسلم صهيبا بأبي يحيى وكنى عليا رضي الله عنه بأبي تراب إلى كنيته بأبي الحسن وكانت أحب كنيته إليه وكنى أخا أنس بن مالك وكان صغيرا دون البلوغ بأبي عمير ) . وكان هديه صلى الله عليه وسلم تكنية من له ولد ومن لا ولد له ولم يثبت عنه أنه نهى عن كنية إلا الكنية بأبي القاسم فصح عنه أنه قال: ( تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي ) فاختلف الناس في ذلك على أربعة أقوال.(2\/314)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "789",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9355",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها: أنه لا يجوز التكني بكنيته مطلقا سواء أفردها عن اسمه أو قرنها به وسواء محياه وبعد مماته وعمدتهم عموم هذا الحديث الصحيح وإطلاقه وحكى البيهقي ذلك عن الشافعي قالوا: لأن النهي إنما كان لأن معنى هذه الكنية والتسمية مختصة به صلى الله عليه وسلم وقد أشار إلى ذلك بقوله ( والله لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت ) قالوا: ومعلوم أن هذه الصفة ليست على الكمال لغيره. واختلف هؤلاء في جواز تسمية المولود بقاسم فأجازه طائفة ومنعه آخرون والمجيزون نظروا إلى أن العلة عدم مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم فيما اختص به من الكنية وهذا غير موجود في الاسم والمانعون نظروا إلى أن المعنى الذي نهى عنه في الكنية موجود مثله هنا في الاسم سواء أو هو أولى بالمنع قالوا: وفي قوله ( إنما أنا قاسم ) إشعار بهذا الاختصاص. القول الثاني: أن النهي إنما هو عن الجمع بين اسمه وكنيته فإذا أفرد أحدهما عن الآخر فلا بأس. قال أبو داود: باب: من رأى أن لا يجمع بينهما ثم ذكر حديث أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من تسمى باسمي فلا يتكن بكنيتي ومن تكنى بكنيتي فلا يتسم باسمي ) ورواه الترمذي وقال حديث(2\/315)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "790",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9356",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حسن غريب وقد رواه الترمذي أيضا من حديث محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة وقال حسن صحيح ولفظه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع أحد بين اسمه وكنيته  ويسمي محمدا أبا القاسم قال أصحاب هذا القول: فهذا مقيد مفسر لما في quot; الصحيحين quot; من نهيه عن التكني بكنيته قالوا: ولأن في الجمع بينهما مشاركة في الاختصاص بالاسم والكنية فإذا أفرد أحدهما عن الآخر زال الاختصاص. القول الثالث جواز الجمع بينهما وهو المنقول عن مالك واحتج أصحاب هذا القول بما رواه أبو داود والترمذي من حديث محمد ابن الحنفية عن علي رضي الله عنه قال قلت: يا رسول الله إن ولد لي ولد من بعدك أسميه باسمك وأكنيه بكنيتك قال quot; نعم قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي quot; سنن أبي داود quot; عن عائشة قالت: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني ولدت غلاما فسميته محمدا وكنيته أبا القاسم فذكر لي أنك تكره ذلك فقال: (ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي)  أو quot; ما الذي حرم كنيتي وأحل اسمي quot; قال هؤلاء: وأحاديث المنع منسوخة بهذين الحديثين. القول الرابع: إن التكني بأبي القاسم كان ممنوعا منه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وهو جائز بعد وفاته قالوا: وسبب النهي إنما كان مختصا بحياته فإنه قد ثبت في quot; الصحيح quot; من حديث أنس قال: نادى رجل بالبقيع: يا أبا القاسم فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني لم أعنك إنما دعوت فلانا فقال(2\/316)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "791",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9357",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي ) قالوا: وحديث علي فيه إشارة إلى ذلك بقوله إن ولد لي من بعدك ولد ولم يسأله عمن يولد له في حياته ولكن قال علي رضي الله عنه في هذا الحديث: quot; وكانت رخصة لي quot; وقد شذ من لا يؤبه لقوله فمنع التسمية باسمه صلى الله عليه وسلم قياسا على النهي عن التكني بكنيته والصواب أن التسمي باسمه جائز والتكني بكنيته ممنوع منه والمنع في حياته أشد والجمع بينهما ممنوع منه وحديث عائشة غريب لا يعارض بمثله الحديث الصحيح وحديث علي رضي الله عنه في صحته نظر والترمذي فيه نوع تساهل في التصحيح وقد قال علي: إنها رخصة له وهذا يدل على بقاء المنع لمن سواه والله أعلم.  [التكني بأبي عيسى] فصل وقد كره قوم من السلف والخلف الكنية بأبي عيسى وأجازها آخرون فروى أبو داود عن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب ضرب ابنا له يكنى أبا عيسى وأن المغيرة بن شعبة تكنى بأبي عيسى فقال له عمر: (أما يكفيك أن تكنى بأبي عبد الله فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كناني فقال: إن رسول الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وإنا لفي جلجتنا فلم يزل يكنى بأبي عبد الله حتى هلك )(2\/317)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "792",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9358",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد ( كنى عائشة بأم عبد الله ) وكان لنسائه أيضا كنى كأم حبيبة وأم سلمة.  [النهي عن تسمية العنب كرما] فصل ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تسمية العنب كرما وقال: ( الكرم قلب المؤمن ) وهذا لأن هذه اللفظة تدل على كثرة الخير والمنافع في المسمى بها وقلب المؤمن هو المستحق لذلك دون شجرة العنب ولكن: هل المراد النهي عن تخصيص شجرة العنب بهذا الاسم وأن قلب المؤمن أولى به منه فلا يمنع من تسميته بالكرم كما قال في quot; المسكين quot; و quot; الرقوب quot; و quot; المفلس quot; أو المراد أن(2\/318)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "793",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9359",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تسميته بهذا مع اتخاذ الخمر المحرم منه وصف بالكرم والخير والمنافع لأصل هذا الشراب الخبيث المحرم وذلك ذريعة إلى مدح ما حرم الله وتهييج النفوس إليه هذا محتمل والله أعلم بمراد رسوله صلى الله عليه وسلم والأولى أن لا يسمى شجر العنب كرما.  [هل تجوز تسمية صلاة العشاء بصلاة العتمة] فصل قال صلى الله عليه وسلم: ( لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا وإنها العشاء وإنهم يسمونها العتمة ) وصح عنه أنه قال ( لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا ) فقيل هذا ناسخ للمنع وقيل بالعكس والصواب خلاف(2\/319)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "794",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9360",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القولين فإن العلم بالتاريخ متعذر ولا تعارض بين الحديثين فإنه لم ينه عن إطلاق اسم العتمة بالكلية وإنما نهى عن أن يهجر اسم العشاء وهو الاسم الذي سماها الله به في كتابه ويغلب عليها اسم العتمة فإذا سميت العشاء وأطلق عليها أحيانا العتمة فلا بأس والله أعلم وهذا محافظة منه صلى الله عليه وسلم على الأسماء التي سمى الله بها العبادات فلا تهجر ويؤثر عليها غيرها كما فعله المتأخرون في هجران ألفاظ النصوص وإيثار المصطلحات الحادثة عليها ونشأ بسبب هذا من الجهل والفساد ما الله به عليم وهذا كما كان يحافظ على تقديم ما قدمه الله وتأخير ما أخره كما بدأ بالصفا وقال ( أبدأ بما بدأ الله به ) وبدأ في العيد بالصلاة ثم جعل النحر بعدها وأخبر أن ( من ذبح قبلها فلا نسك له ) تقديما لما بدأ الله به في قوله فصل لربك وانحر [الكوثر: 2] وبدأ في أعضاء الوضوء بالوجه ثم اليدين ثم الرأس ثم الرجلين تقديما لما قدمه الله وتأخيرا لما أخره وتوسيطا لما وسطه وقدم زكاة الفطر على صلاة العيد تقديما لما قدمه في قوله قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى [الأعلى: 14] [الأعلى: 13] ونظائره كثيرة.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ المنطق واختيار الألفاظ] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ المنطق واختيار الألفاظ كان يتخير في خطابه ويختار لأمته أحسن الألفاظ وأجملها وألطفها وأبعدها من ألفاظ أهل الجفاء والغلظة والفحش فلم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا(2\/320)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "795",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9361",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صخابا ولا فظا. وكان يكره أن يستعمل اللفظ الشريف المصون في حق من ليس كذلك وأن يستعمل اللفظ المهين المكروه في حق من ليس من أهله.  [كراهة استعمال اللفظ الشريف في حق من ليس كذلك] فمن الأول منعه أن يقال للمنافق quot; يا سيدنا quot; وقال ( فإنه إن يك سيدا فقد أسخطتم ربكم عز وجل ) ومنعه أن تسمى شجرة العنب كرما ومنعه تسمية أبي جهل بأبي الحكم وكذلك تغييره لاسم أبي الحكم من الصحابة بأبي شريح وقال: ( إن الله هو الحكم وإليه الحكم ) ومن ذلك نهيه للمملوك أن يقول لسيده أو لسيدته: ربي وربتي وللسيد أن يقول لمملوكه: عبدي ولكن يقول المالك فتاي وفتاتي ويقول المملوك سيدي وسيدتي وقال لمن ادعى أنه طبيب: ( أنت رجل رفيق وطبيبها الذي خلقها ) والجاهلون يسمون الكافر الذي له علم بشيء من الطبيعة حكيما وهو من أسفه الخلق.(2\/321)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "796",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9362",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن هذا قوله للخطيب الذي قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى (بئس الخطيب أنت ) ومن ذلك قوله: ( لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا: ما شاء الله ثم ما شاء فلان ) وقال له رجل ( ما شاء الله وشئت فقال: أجعلتني لله ندا قل ما شاء الله وحده ) وفي معنى هذا الشرك المنهي عنه قول من لا يتوقى الشرك: أنا بالله وبك وأنا في حسب الله وحسبك وما لي إلا الله وأنت وأنا متوكل على الله وعليك وهذا من الله ومنك والله لي في السماء وأنت لي في الأرض ووالله وحياتك وأمثال هذا من الألفاظ التي يجعل فيها قائلها المخلوق ندا للخالق وهي أشد منعا وقبحا من قوله ما شاء الله وشئت. فأما إذا قال أنا بالله ثم بك وما شاء الله ثم شئت فلا بأس بذلك كما في حديث الثلاثة ( لا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك ) وكما في الحديث المتقدم الإذن أن يقال: ما شاء الله ثم شاء فلان.(2\/322)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "797",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9363",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[كراهة إطلاق ألفاظ الذم على من ليس من أهلها] فصل وأما القسم الثاني وهو أن تطلق ألفاظ الذم على من ليس من أهلها فمثل نهيه صلى الله عليه وسلم عن سب الدهر وقال: ( إن الله هو الدهر ) وفي حديث آخر ( يقول الله عز وجل: يؤذيني ابن آدم فيسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار ) وفي حديث آخر ( لا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر ) في هذا ثلاث مفاسد عظيمة. إحداها: سبه من ليس بأهل أن يسب فإن الدهر خلق مسخر من خلق الله منقاد لأمره مذلل لتسخيره فسابه أولى بالذم والسب منه. الثانية أن سبه متضمن للشرك فإنه إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع وأنه مع ذلك ظالم قد ضر من لا يستحق الضرر وأعطى من لا يستحق العطاء ورفع من لا يستحق الرفعة وحرم من لا يستحق الحرمان وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة وأشعار هؤلاء الظلمة الخونة في سبه كثيرة جدا. وكثير من الجهال يصرح بلعنه وتقبيحه.(2\/323)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "798",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9364",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالثة: أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال التي لو اتبع الحق فيها أهواءهم لفسدت السماوات والأرض وإذا وقعت أهواؤهم حمدوا الدهر وأثنوا عليه. وفي حقيقة الأمر فرب الدهر تعالى هو المعطي المانع الخافض الرافع المعز المذل والدهر ليس له من الأمر شيء فمسبتهم للدهر مسبة لله عز وجل ولهذا كانت مؤذية للرب تعالى كما في quot; الصحيحين quot; من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر ) فساب الدهر دائر بين أمرين لا بد له من أحدهما. إما سبه لله أو الشرك به فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك وهو يسب من فعله فقد سب الله. ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا يقولن أحدكم: تعس الشيطان فإنه يتعاظم حتى يكون مثل البيت فيقول: بقوتي صرعته ولكن ليقل: بسم الله فإنه يتصاغر حتى يكون مثل الذباب ) وفي حديث آخر ( إن العبد إذا لعن الشيطان يقول: إنك لتلعن ملعنا ) ومثل هذا قول القائل: أخزى الله الشيطان وقبح الله الشيطان فإن ذلك كله يفرحه ويقول علم ابن آدم أني قد نلته بقوتي وذلك مما يعينه على إغوائه ولا يفيده شيئا فأرشد النبي صلى الله عليه وسلم من مسه شيء من الشيطان أن يذكر الله تعالى ويذكر اسمه ويستعيذ بالله منه فإن ذلك أنفع له وأغيظ للشيطان.(2\/324)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "799",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9365",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[النهي عن قول القائل بعد فوات الأوان لو أني فعلت كذا] فصل من ذلك quot; نهيه صلى الله عليه وسلم أن يقول الرجل: خبثت نفسي ولكن ليقل: لقست نفسي quot; ومعناهما واحد أي: غثت نفسي وساء خلقها فكره لهم لفظ الخبث لما فيه من القبح والشناعة وأرشدهم إلى استعمال الحسن وهجران القبيح وإبدال اللفظ المكروه بأحسن منه. ومن ذلك نهيه صلى الله عليه وسلم عن قول القائل بعد فوات الأمر: (لو أني فعلت كذا وكذا وقال: إن لو تفتح عمل الشيطان ) وأرشده إلى ما هو أنفع له من هذه الكلمة وهو أن يقول: ( قدر الله وما شاء فعل ) وذلك لأن قوله لو كنت فعلت كذا وكذا لم يفتني ما فاتني أو لم أقع فيما وقعت فيه كلام لا يجدي عليه فائدة البتة فإنه غير مستقبل لما استدبر من أمره وغير مستقيل عثرته ب quot; لو quot; وفي ضمن quot; لو quot; ادعاء أن الأمر لو كان كما قدره في نفسه لكان غير ما قضاه الله وقدره وشاءه فإن ما وقع مما يتمنى خلافه إنما وقع بقضاء الله وقدره ومشيئته فإذا قال: لو أني فعلت كذا لكان خلاف ما وقع فهو محال إذ خلاف المقدر المقضي محال فقد تضمن كلامه كذبا وجهلا ومحالا وإن سلم من التكذيب بالقدر لم يسلم من معارضته بقوله: لو أني فعلت كذا لدفعت ما قدر الله علي.(2\/325)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "800",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9366",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: ليس في هذا رد للقدر ولا جحد له إذ تلك الأسباب التي تمناها أيضا من القدر فهو يقول: لو وقفت لهذا القدر لاندفع به عني ذلك القدر فإن القدر يدفع بعضه ببعض كما يدفع قدر المرض بالدواء وقدر الذنوب بالتوبة وقدر العدو بالجهاد فكلاهما من القدر. قيل: هذا حق ولكن هذا ينفع قبل وقوع القدر المكروه وأما إذا وقع فلا سبيل إلى دفعه وإن كان له سبيل إلى دفعه أو تخفيفه بقدر آخر فهو أولى به من قوله: لو كنت فعلته بل وظيفته في هذه الحالة أن يستقبل فعله الذي يدفع به أو يخفف أثر ما وقع ولا يتمنى ما لا مطمع في وقوعه فإنه عجز محض والله يلوم على العجز ويحب الكيس ويأمر به والكيس: هو مباشرة الأسباب التي ربط الله بها مسبباتها النافعة للعبد في معاشه ومعاده فهذه تفتح عمل الخير وأما العجز فإنه يفتح عمل الشيطان فإنه إذا عجز عما ينفعه وصار إلى الأماني الباطلة بقوله: لو كان كذا وكذا ولو فعلت كذا يفتح عليه عمل الشيطان فإن بابه العجز والكسل ولهذا استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منهما وهما مفتاح كل شر ويصدر عنهما الهم والحزن والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال فمصدرها كلها عن العجز والكسل وعنوانها quot; لو quot; فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( فإن quot; لو quot; تفتح عمل الشيطان ) فالمتمني من أعجز الناس وأفلسهم فإن التمني رأس أموال المفاليس والعجز مفتاح كل شر. وأصل المعاصي كلها العجز فإن العبد يعجز عن أسباب أعمال الطاعات وعن الأسباب التي تبعده عن المعاصي وتحول بينه وبينها فيقع في المعاصي فجمع هذا الحديث الشريف في استعاذته صلى الله عليه وسلم أصول الشر وفروعه ومباديه وغاياته وموارده ومصادره وهو مشتمل على ثماني خصال كل خصلتين منها قرينتان فقال: ( أعوذ بك من الهم والحزن ) وهما قرينان فإن المكروه الوارد(2\/326)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "801",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9367",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على القلب ينقسم باعتبار سببه إلى قسمين فإنه إما أن يكون سببه أمرا ماضيا فهو يحدث الحزن وإما أن يكون توقع أمر مستقبل فهو يحدث الهم وكلاهما من العجز فإن ما مضى لا يدفع بالحزن بل بالرضى والحمد والصبر والإيمان بالقدر وقول العبد قدر الله وما شاء فعل. وما يستقبل لا يدفع أيضا بالهم بل إما أن يكون له حيلة في دفعه فلا يعجز عنه وإما أن لا تكون له حيلة في دفعه فلا يجزع منه ويلبس له لباسه ويأخذ له عدته ويتأهب له أهبته اللائقة به ويستجن بجنة حصينة من التوحيد والتوكل والانطراح بين يدي الرب تعالى والاستسلام له والرضى به ربا في كل شيء ولا يرضى به ربا فيما يحب دون ما يكره فإذا كان هكذا لم يرض به ربا على الإطلاق فلا يرضاه الرب له عبدا على الإطلاق فالهم والحزن لا ينفعان العبد البتة بل مضرتهما أكثر من منفعتهما فإنهما يضعفان العزم ويوهنان القلب ويحولان بين العبد وبين الاجتهاد فيما ينفعه ويقطعان عليه طريق السير أو ينكسانه إلى وراء أو يعوقانه ويقفانه أو يحجبانه عن العلم الذي كلما رآه شمر إليه وجد في سيره فهما حمل ثقيل على ظهر السائر بل إن عاقه الهم والحزن عن شهواته وإراداته التي تضره في معاشه ومعاده انتفع به من هذا الوجه وهذا من حكمة العزيز الحكيم أن سلط هذين الجندين على القلوب المعرضة عنه الفارغة من محبته(2\/327)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "802",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9368",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وخوفه ورجائه والإنابة إليه والتوكل عليه والأنس به والفرار إليه والانقطاع إليه ليردها بما يبتليها به من الهموم والغموم والأحزان والآلام القلبية عن كثير من معاصيها وشهواتها المردية وهذه القلوب في سجن من الجحيم في هذه الدار وإن أريد بها الخير كان حظها من سجن الجحيم في معادها ولا تزال في هذا السجن حتى تتخلص إلى فضاء التوحيد والإقبال على الله والأنس به وجعل محبته في محل دبيب خواطر القلب ووساوسه بحيث يكون ذكره تعالى وحبه وخوفه ورجاؤه والفرح به والابتهاج بذكره هو المستولي على القلب الغالب عليه الذي متى فقده فقد قوته الذي لا قوام له إلا به ولا بقاء له بدونه ولا سبيل إلى خلاص القلب من هذه الآلام التي هي أعظم أمراضه وأفسدها له إلا بذلك ولا بلاغ إلا بالله وحده فإنه لا يوصل إليه إلا هو ولا يأتي بالحسنات إلا هو ولا يصرف السيئات إلا هو ولا يدل عليه إلا هو وإذا أراد عبده لأمر هيأه له فمنه الإيجاد ومنه الإعدام ومنه الإمداد وإذا أقامه في مقام أي مقام كان فبحمده أقامه فيه وبحكمته أقامه فيه ولا يليق به غيره ولا يصلح له سواه ولا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع ولا يمنع عبده حقا هو للعبد فيكون بمنعه ظالما له بل إنما منعه ليتوسل إليه بمحابه ليعبده وليتضرع إليه ويتذلل بين يديه ويتملقه ويعطي فقره إليه حقه بحيث يشهد في كل ذرة من ذراته الباطنة والظاهرة فاقة تامة إليه على تعاقب الأنفاس وهذا هو الواقع في نفس الأمر وإن لم يشهده العبد فلم يمنع الرب عبده ما العبد محتاج إليه بخلا منه ولا نقصا من خزائنه ولا استئثارا عليه بما هو حق للعبد بل منعه ليرده إليه وليعزه بالتذلل له وليغنيه بالافتقار إليه وليجبره بالانكسار بين يديه وليذيقه بمرارة المنع حلاوة الخضوع له ولذة الفقر إليه وليلبسه خلعة العبودية ويوليه بعزله أشرف الولايات وليشهده حكمته في قدرته ورحمته في عزته وبره ولطفه في قهره. وأن منعه عطاء وعزله تولية وعقوبته تأديب وامتحانه محبة وعطية وتسليط أعدائه عليه سائق يسوقه به إليه.(2\/328)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "803",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9369",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبالجملة فلا يليق بالعبد غير ما أقيم فيه وحكمته وحمده أقاماه في مقامه الذي لا يليق به سواه ولا يحسن أن يتخطاه والله أعلم حيث يجعل مواقع عطائه وفضله و الله أعلم حيث يجعل رسالته [الأنعام: 124] وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين [الأنعام: 53] [الأنعام: 53] فهو سبحانه أعلم بمواقع الفضل ومحال التخصيص ومحال الحرمان فبحمده وحكمته أعطى وبحمده وحكمته حرم فمن رده المنع إلى الافتقار إليه والتذلل له وتملقه انقلب المنع في حقه عطاء ومن شغله عطاؤه وقطعه عنه انقلب العطاء في حقه منعا فكل ما شغل العبد عن الله فهو مشئوم عليه وكل ما رده إليه فهو رحمة به والرب تعالى يريد من عبده أن يفعل ولا يقع الفعل حتى يريد سبحانه من نفسه أن يعينه فهو سبحانه أراد منا الاستقامة دائما واتخاذ السبيل إليه وأخبرنا أن هذا المراد لا يقع حتى يريد من نفسه إعانتنا عليها ومشيئته لنا فهما إرادتان: إرادة من عبده أن يفعل وإرادة من نفسه أن يعينه ولا سبيل له إلى الفعل إلا بهذه الإرادة ولا يملك منها شيئا كما قال تعالى: وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين [التكوير: 29] [التكوير: 29] فإن كان مع العبد روح أخرى نسبتها إلى روحه كنسبة روحه إلى بدنه يستدعي بها إرادة الله من نفسه أن يفعل به ما يكون به العبد فاعلا وإلا فمحله غير قابل للعطاء وليس معه إناء يوضع فيه العطاء فمن جاء بغير إناء رجع بالحرمان ولا يلومن إلا نفسه. والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ من الهم والحزن وهما قرينان ومن العجز والكسل وهما قرينان فإن تخلف كمال العبد وصلاحه عنه إما أن يكون لعدم قدرته عليه فهو عجز أو يكون قادرا عليه لكن لا يريد فهو كسل وينشأ عن هاتين الصفتين فوات كل خير وحصول كل شر ومن ذلك الشر تعطيله عن النفع ببدنه وهو الجبن وعن النفع بماله وهو البخل ثم ينشأ له بذلك غلبتان. غلبة بحق وهي غلبة الدين وغلبة بباطل وهي غلبة الرجال وكل هذه المفاسد ثمرة العجز والكسل ومن هذا قوله في الحديث الصحيح للرجل الذي(2\/329)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "804",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9370",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قضى عليه فقال ( حسبي الله ونعم الوكيل ) فقال: ( إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل ) فهذا قال ( حسبي الله ونعم الوكيل ) بعد عجزه عن الكيس الذي لو قام به لقضي له على خصمه فلو فعل الأسباب التي يكون بها كيسا ثم غلب فقال: ( حسبي الله ونعم الوكيل ) لكانت الكلمة قد وقعت موقعها كما أن إبراهيم الخليل لما فعل الأسباب المأمور بها ولم يعجز بتركها ولا بترك شيء منها ثم غلبه عدوه وألقوه في النار قال في تلك الحال: ( حسبي الله ونعم الوكيل ) فوقعت الكلمة موقعها واستقرت في مظانها فأثرت أثرها وترتب عليها مقتضاها.  [التوكل] وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم أحد لما قيل لهم بعد انصرافهم من أحد: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم [آل عمران: 173] فتجهزوا وخرجوا للقاء عدوهم وأعطوهم الكيس من نفوسهم ثم قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل [آل عمران: 173] فأثرت الكلمة أثرها واقتضت موجبها ولهذا قال تعالى: ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه [الطلاق: 2] [الطلاق: 2] فجعل التوكل بعد التقوى الذي هو قيام الأسباب المأمور بها فحينئذ إن توكل على الله فهو حسبه وكما قال في موضع آخر: واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون [المائدة: 11] [المائدة: 11] فالتوكل والحسب بدون قيام(2\/330)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "805",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9371",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأسباب المأمور بها عجز محض فإن كان مشوبا بنوع من التوكل فهو توكل عجز فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزا ولا يجعل عجزه توكلا بل يجعل توكله من جملة الأسباب المأمور بها التي لا يتم المقصود إلا بها كلها. ومن هاهنا غلط طائفتان من الناس: إحداهما: زعمت أن التوكل وحده سبب مستقل كاف في حصول المراد فعطلت له الأسباب التي اقتضتها حكمة الله الموصلة إلى مسبباتها فوقعوا في نوع تفريط وعجز بحسب ما عطلوا من الأسباب وضعف توكلهم من حيث ظنوا قوته بانفراده عن الأسباب فجمعوا الهم كله وصيروه هما واحدا وهذا وإن كان فيه قوة من هذا الوجه ففيه ضعف من جهة أخرى فكلما قوي جانب التوكل بإفراده أضعفه التفريط في السبب الذي هو محل التوكل فإن التوكل محله الأسباب وكماله بالتوكل على الله فيها وهذا كتوكل الحراث الذي شق الأرض وألقى فيها البذر فتوكل على الله في زرعه وإنباته فهذا قد أعطى التوكل حقه ولم يضعف توكله بتعطيل الأرض وتخليتها بورا وكذلك توكل المسافر في قطع المسافة مع جده في السير وتوكل الأكياس من النجاة من عذاب الله والفوز بثوابه مع اجتهادهم في طاعته فهذا هو التوكل الذي يترتب عليه أثره ويكون الله حسب من قام به. وأما توكل العجز والتفريط فلا يترتب عليه أثره وليس الله حسب صاحبه فإن الله إنما يكون حسب المتوكل عليه إذا اتقاه وتقواه فعل الأسباب المأمور بها لا إضاعتها. والطائفة الثانية: التي قامت بالأسباب ورأت ارتباط المسببات بها شرعا وقدرا وأعرضت عن جانب التوكل وهذه الطائفة وإن نالت بما فعلته من الأسباب ما نالته فليس لها قوة أصحاب التوكل ولا عون الله لهم وكفايته إياهم ودفاعه عنهم بل هي مخذولة عاجزة بحسب ما فاتها من التوكل. فالقوة كل القوة في التوكل على الله كما قال بعض السلف: من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله فالقوة مضمونة للمتوكل والكفاية والحسب والدفع عنه وإنما ينقص عليه من ذلك بقدر ما ينقص من التقوى والتوكل وإلا(2\/331)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "806",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9372",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فمع تحققه بهما لا بد أن يجعل الله له مخرجا من كل ما ضاق على الناس ويكون الله حسبه وكافيه. والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد العبد إلى ما فيه غاية كماله ونيل مطلوبه أن يحرص على ما ينفعه ويبذل فيه جهده وحينئذ ينفعه التحسب وقول ( حسبي الله ونعم الوكيل ) بخلاف من عجز وفرط حتى فاتته مصلحته ثم قال ( حسبي الله ونعم الوكيل ) فإن الله يلومه ولا يكون في هذا الحال حسبه فإنما هو حسب من اتقاه وتوكل عليه.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الأذكار والأدعية] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الذكر كان النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق ذكرا لله عز وجل بل كان كلامه كله في ذكر الله وما والاه وكان أمره ونهيه وتشريعه للأمة ذكرا منه لله وإخباره عن أسماء الرب وصفاته وأحكامه وأفعاله ووعده ووعيده ذكرا منه له وثناؤه عليه بآلائه وتمجيده وحمده وتسبيحه ذكرا منه له وسؤاله ودعاؤه إياه ورغبته ورهبته ذكرا منه له وسكوته وصمته ذكرا منه له بقلبه فكان ذاكرا لله في كل أحيانه وعلى جميع أحواله وكان ذكره لله يجري مع أنفاسه قائما وقاعدا وعلى جنبه وفي مشيه وركوبه ومسيره ونزوله وظعنه وإقامته. وكان إذا استيقظ قال (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور )(2\/332)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "807",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9373",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[الذكر عند الاستيقاظ من الليل] وقالت عائشة: ( كان إذا هب من الليل كبر الله عشرا وحمد الله عشرا وقال سبحان الله وبحمده عشرا سبحان الملك القدوس عشرا واستغفر الله عشرا وهلل عشرا ثم قال: اللهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا وضيق يوم القيامة) عشرا ثم يستفتح الصلاة . وقالت أيضا: كان إذا استيقظ من الليل قال: (لا إله إلا أنت سبحانك اللهم أستغفرك لذنبي وأسألك رحمتك اللهم زدني علما ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ) ذكرهما أبو داود. وأخبر أن من استيقظ من الليل فقال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم] ثم قال: quot; اللهم اغفر لي  أو دعا بدعاء آخر استجيب له فإن توضأ وصلى قبلت صلاته ) ذكره البخاري.(2\/333)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "808",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9374",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم ليلة مبيته عنده: إنه ( لما استيقظ رفع رأسه إلى السماء وقرأ العشر الآيات الخواتيم من سورة (آل عمران) إن في خلق السماوات والأرض [آل عمران: 190] . .. إلى آخرها. ثم قال اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق وقولك الحق ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد حق والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت إلهي لا إله إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ) وقد قالت عائشة - رضي الله عنها - كان إذا قام من الليل قال: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة(2\/334)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "809",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9375",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ) وربما قالت: ( كان يفتتح صلاته بذلك. وكان إذا أوتر ختم وتره بعد فراغه بقوله: سبحان الملك القدوس) ثلاثا ويمد بالثالثة صوته .  [الذكر عند الخروج من البيت] وكان إذا خرج من بيته يقول: بسم الله توكلت على الله اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي ) حديث صحيح. وقال صلى الله عليه وسلم: من قال إذا خرج من بيته: بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله يقال له هديت وكفيت ووقيت وتنحى عنه الشيطان )(2\/335)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "810",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9376",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حديث حسن. وقال ابن عباس عنه ليلة مبيته عنده: إنه خرج إلى صلاة الفجر وهو يقول: اللهم اجعل في قلبي نورا واجعل في لساني نورا واجعل في سمعي نورا واجعل في بصري نورا واجعل من خلفي نورا ومن أمامي نورا واجعل من فوقي نورا واجعل من تحتي نورا اللهم أعظم لي نورا ) وقال فضيل بن مرزوق عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما خرج رجل من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا إليك فإني لم أخرج بطرا ولا أشرا ولا رياء ولا سمعة وإنما خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت إلا وكل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له وأقبل الله عليه بوجهه حتى يقضي صلاته )  [دعاء دخول المسجد] وذكر أبو داود عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد قال: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم ) وقال صلى الله عليه وسلم: ( إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل: اللهم(2\/336)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "811",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9377",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "افتح لي أبواب رحمتك فإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك ) وذكر عنه أنه كان إذا دخل المسجد صلى على محمد وآله وسلم ثم يقول: (اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك فإذا خرج صلى على محمد وآله وسلم ثم يقول: اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك ) وكان إذا صلى الصبح جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس يذكر الله عز وجل.  [أدعية الصباح والمساء] وكان يقول إذا أصبح: (اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور ) حديث صحيح. وكان يقول ( أصبحنا وأصبح الملك لله. والحمد لله ولا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير رب أسألك خير ما في هذا اليوم وخير ما بعده وأعوذ بك من شر هذا اليوم وشر ما بعده رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر وإذا أمسى قال: أمسينا وأمسى الملك لله. .. ) إلى آخره.(2\/337)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "812",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9378",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذكره مسلم. وقال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه: مرني بكلمات أقولهن إذا أصبحت وإذا أمسيت قال: (قل: اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه ومالكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم قال قلها إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك ) حديث صحيح. وقال صلى الله عليه وسلم: ( ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات إلا لم يضره شيء ) حديث صحيح. وقال: ( من قال حين يصبح وحين يمسي: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا كان حقا على الله أن يرضيه ) صححه الترمذي والحاكم.(2\/338)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "813",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9379",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ( من قال حين يصبح وحين يمسي: اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك أعتق الله ربعه من النار وإن قالها مرتين أعتق الله نصفه من النار وإن قالها ثلاثا أعتق الله ثلاثة أرباعه من النار وإن قالها أربعا أعتقه الله من النار ) حديث حسن. وقال ( من قال حين يصبح اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك لك الحمد ولك الشكر فقد أدى شكر يومه ومن قال مثل ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته ) حديث حسن.(2\/339)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "814",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9380",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان يدعو حين يصبح وحين يمسي بهذه الدعوات (اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي ) صححه الحاكم. وقال: ( إذا أصبح أحدكم فليقل: أصبحنا وأصبح الملك لله رب العالمين اللهم إني أسألك خير هذا اليوم فتحه ونصره ونوره وبركته وهدايته وأعوذ بك من شر ما فيه وشر ما بعده ثم إذا أمسى فليقل مثل ذلك ) حديث حسن. وذكر أبو داود عنه أنه قال لبعض بناته ( قولي حين تصبحين: سبحان الله وبحمده ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن أعلم أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما فإنه من قالهن حين يصبح حفظ حتى يمسي ومن قالهن حين يمسي حفظ حتى يصبح ) وقال لرجل من الأنصار: (ألا أعلمك كلاما إذا قلته أذهب الله همك وقضى عنك دينك قلت بلى يا رسول الله قال قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال قال(2\/340)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "815",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9381",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقلتهن فأذهب الله همي وقضى عني ديني ) وكان إذا أصبح قال: (أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين )  [الرسول مرسل إلى نفسه وأمته] هكذا في الحديث ( ودين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ) وقد استشكله بعضهم وله حكم نظائره كقوله في الخطب والتشهد في الصلاة ( أشهد أن محمدا رسول الله ) فإنه صلى الله عليه وسلم مكلف بالإيمان بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خلقه ووجوب ذلك عليه أعظم من وجوبه على المرسل إليهم فهو نبي إلى نفسه وإلى الأمة التي هو منهم وهو رسول الله إلى نفسه وإلى أمته. ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لفاطمة ابنته: (ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به: أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت يا حي يا قيوم بك أستغيث فأصلح لي شأني ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ) ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل شكا إليه إصابة الآفات: (قل إذا أصبحت: بسم الله على نفسي وأهلي ومالي فإنه لا يذهب عليك شيء )(2\/341)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "816",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9382",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويذكر عنه أنه ( كان إذا أصبح قال: اللهم إني أسألك علما نافعا ورزقا طيبا وعملا متقبلا ) ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم: ( إن العبد إذا قال حين يصبح ثلاث مرات: اللهم إني أصبحت منك في نعمة وعافية وستر فأتمم علي نعمتك وعافيتك وسترك في الدنيا والآخرة وإذا أمسى قال ذلك كان حقا على الله أن يتم عليه ) ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من قال في كل يوم حين يصبح وحين يمسي: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات كفاه الله ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة ) ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه ( من قال هذه الكلمات في أول نهاره لم تصبه مصيبة حتى يمسي ومن قالها آخر نهاره لم تصبه مصيبة حتى يصبح: quot; اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أعلم أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي وشر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ) وقد قيل لأبي(2\/342)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "817",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9383",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدرداء: قد احترق بيتك فقال: ما احترق ولم يكن الله عز وجل ليفعل لكلمات سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرها. وقال: ( سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها حين يصبح موقنا بها فمات من يومه دخل الجنة ومن قالها حين يمسي موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة )  (ومن قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه . وقال من قال حين يصبح عشر مرات: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير كتب الله بها عشر حسنات(2\/343)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "818",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9384",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومحا عنه بها عشر سيئات وكانت كعدل عشر رقاب وأجاره الله يومه من الشيطان الرجيم وإذا أمسى فمثل ذلك حتى يصبح)  وقال: ( من قال حين يصبح لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في اليوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتب له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه ) وفي quot; المسند quot; وغيره أنه صلى الله عليه وسلم علم زيد بن ثابت وأمره أن يتعاهد به أهله في كل صباح (لبيك اللهم لبيك لبيك وسعديك والخير في يديك ومنك وبك وإليك اللهم ما قلت من قول أو حلفت من حلف أو نذرت من نذر فمشيئتك بين يدي ذلك كله ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلا بك إنك على كل شيء قدير اللهم ما صليت من صلاة فعلى من صليت وما لعنت من لعنة فعلى من لعنت أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة ذا الجلال والإكرام فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا وأشهدك - وكفى بك شهيدا - بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك لك الملك ولك الحمد وأنت على كل شيء قدير وأشهد أن محمدا عبدك ورسولك وأشهد أن(2\/344)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "819",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9385",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعدك حق ولقاءك حق والساعة حق آتية لا ريب فيها وأنك تبعث من في القبور وأشهد أنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضعف وعورة وذنب وخطيئة وإني لا أثق إلا برحمتك فاغفر لي ذنوبي كلها إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وتب علي إنك أنت التواب الرحيم )  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الذكر عند لبس الثوب ونحوه] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الذكر عند لبس الثوب ونحوه كان صلى الله عليه وسلم إذا استجد ثوبا سماه باسمه عمامة أو قميصا أو رداء ثم يقول: (اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه أسألك خيره وخير ما صنع له وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له ) حديث صحيح.(2\/345)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "820",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9386",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويذكر عنه أنه قال: ( من لبس ثوبا فقال: quot; الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر الله له ما تقدم من ذنبه ) وفي quot; جامع الترمذي quot; عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من لبس ثوبا جديدا فقال quot; الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي ثم عمد إلى الثوب الذي أخلق فتصدق به كان في حفظ الله وفي كنف الله وفي سبيل الله حيا وميتا ) وصح عنه أنه قال لأم خالد لما ألبسها الثوب الجديد: (أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي مرتين ) وفي quot; سنن ابن ماجه quot; أنه صلى الله عليه وسلم رأى على عمر ثوبا فقال: (أجديد هذا(2\/346)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "821",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9387",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أم غسيل فقال: بل غسيل فقال: quot; البس جديدا وعش حميدا ومت شهيدا)   [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم عند دخوله إلى منزله] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم عند دخوله إلى منزله لم يكن صلى الله عليه وسلم ليفجأ أهله بغتة يتخونهم ولكن كان يدخل على أهله على علم منهم بدخوله وكان يسلم عليهم وكان إذا دخل بدأ بالسؤال أو سأل عنهم وربما قال: (هل عندكم من غداء)  وربما سكت حتى يحضر بين يديه ما تيسر. ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: إذا انقلب إلى بيته (الحمد لله الذي كفاني وآواني والحمد لله الذي أطعمني وسقاني والحمد لله الذي من علي فأفضل أسألك أن تجيرني من النار) (2\/347)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "822",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9388",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لأنس: (إذا دخلت على أهلك فسلم يكن بركة عليك وعلى أهلك ) قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي quot; السنن quot; عنه صلى الله عليه وسلم ( إذا ولج الرجل بيته فليقل: اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج بسم الله ولجنا وعلى الله ربنا توكلنا ثم ليسلم على أهله ) وفيها عنه صلى الله عليه وسلم: ( ثلاثة كلهم ضامن على الله: رجل خرج غازيا في سبيل الله فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أجر وغنيمة ورجل راح إلى المسجد فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أجر وغنيمة ورجل دخل بيته بسلام فهو ضامن على الله ) حديث صحيح. وصح عنه صلى الله عليه وسلم: ( إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال(2\/348)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "823",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9389",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشيطان: أدركتم المبيت وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء ) ذكره مسلم.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الذكر عند دخوله الخلاء] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الذكر عند دخوله الخلاء ثبت عنه في quot; الصحيحين quot; أنه كان يقول عند دخوله الخلاء: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث ) . وذكر أحمد عنه أنه أمر من دخل الخلاء أن يقول ذلك. ويذكر عنه ( لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم ) .(2\/349)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "824",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9390",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم قال: ( ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدكم الكنيف أن يقول بسم الله ) . وثبت عنه صلى الله عليه وسلم: ( أن رجلا سلم عليه وهو يبول فلم يرد عليه ) . وأخبر أن الله سبحانه يمقت الحديث على الغائط فقال: ( لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عوراتهما يتحدثان فإن الله عز وجل يمقت على ذلك ) .  [النهي عن استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط] وقد تقدم أنه كان لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ببول ولا بغائط وأنه نهى عن ذلك في حديث أبي أيوب وسلمان الفارسي وأبي هريرة ومعقل بن أبي معقل وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي وجابر بن عبد الله وعبد الله بن(2\/350)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "825",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9391",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عمر رضي الله عنهم وعامة هذه الأحاديث صحيحة وسائرها حسن والمعارض لها إما معلول السند وإما ضعيف الدلالة فلا يرد صريح نهيه المستفيض عنه بذلك كحديث عراك عن عائشة ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن أناسا يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم فقال (أوقد فعلوها حولوا مقعدتي قبل القبلة)  رواه الإمام أحمد. وقال هو أحسن ما روي في الرخصة وإن كان مرسلا ولكن هذا الحديث قد طعن فيه البخاري وغيره من أئمة الحديث ولم يثبتوه ولا يقتضي كلام الإمام أحمد تثبيته ولا تحسينه قال الترمذي في كتاب quot; العلل الكبير quot; له: سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: هذا حديث فيه اضطراب والصحيح عندي عن عائشة من قولها انتهى. قلت: وله علة أخرى وهي انقطاعه بين عراك وعائشة فإنه لم يسمع منها وقد رواه عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء عن رجل عن عائشة وله علة أخرى وهي ضعف خالد بن أبي الصلت. ومن ذلك حديث جابر: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها  وهذا الحديث استغربه الترمذي بعد تحسينه وقال الترمذي في كتاب quot; العلل quot;: سألت محمدا يعني البخاري عن هذا الحديث فقال: هذا حديث صحيح رواه غير واحد عن ابن إسحاق فإن كان مراد البخاري صحته عن ابن إسحاق لم يدل على صحته في نفسه وإن كان مراده صحته في نفسه فهي واقعة عين حكمها حكم حديث ابن عمر لما رأى quot; رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستدبر الكعبة quot; وهذا يحتمل وجوها ستة: نسخ(2\/351)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "826",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9392",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لمكان أو غيره وأن يكون بيانا لأن النهي ليس على التحريم ولا سبيل إلى الجزم بواحد من هذه الوجوه على التعيين وإن كان حديث جابر لا يحتمل الوجه الثاني منها فلا سبيل إلى ترك أحاديث النهي الصحيحة الصريحة المستفيضة بهذا المحتمل. وقول ابن عمر: إنما نهي عن ذلك في الصحراء فهم منه لاختصاص النهي بها وليس بحكاية لفظ النهي وهو معارض بفهم أبي أيوب للعموم مع سلامة قول أصحاب العموم من التناقض الذي يلزم المفرقين بين الفضاء والبنيان فإنه يقال لهم ما حد الحاجز الذي يجوز ذلك معه في البنيان ولا سبيل إلى ذكر حد فاصل وإن جعلوا مطلق البنيان مجوزا لذلك لزمهم جوازه في الفضاء الذي يحول بين البائل وبينه جبل قريب أو بعيد كنظيره في البنيان وأيضا فإن النهي تكريم لجهة القبلة وذلك لا يختلف بفضاء ولا بنيان وليس مختصا بنفس البيت فكم من جبل وأكمة حائل بين البائل وبين البيت بمثل ما تحول جدران البنيان وأعظم وأما جهة القبلة فلا حائل بين البائل وبينها وعلى الجهة وقع النهي لا على البيت نفسه فتأمله.  [دعاء الخروج من الخلاء] فصل ( وكان إذا خرج من الخلاء قال غفرانك ) ويذكر عنه أنه كان يقول: ( الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني ) ذكره ابن ماجه.(2\/352)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "827",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9393",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في أذكار الوضوء] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في أذكار الوضوء ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ( وضع يديه في الإناء الذي فيه الماء ثم قال للصحابة: توضئوا بسم الله ) وثبت عنه أنه قال لجابر رضي الله عنه ( ناد بوضوء quot; فجيء بالماء فقال quot; خذ يا جابر فصب علي وقل بسم الله quot; قال: فصببت عليه وقلت بسم الله قال: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه ) وذكر أحمد عنه من حديث أبي هريرة وسعيد بن زيد وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم: ( لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ) وفي أسانيدها لين. وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من أسبغ الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة(2\/353)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "828",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9394",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثمانية يدخل من أيها شاء ) ذكره مسلم. وزاد الترمذي بعد التشهد ( اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ) وزاد الإمام أحمد: ثم رفع نظره إلى السماء وزاد ابن ماجه مع أحمد قول ذلك ثلاث مرات. وذكر بقي بن مخلد في quot; مسنده quot; من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا ( من توضأ ففرغ من وضوئه ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك كتب في رق وطبع عليها بطابع ثم رفعت تحت العرش فلم يكسر إلى يوم القيامة ) ورواه النسائي في quot; كتابه الكبير quot; من كلام أبي سعيد الخدري وقال النسائي: باب: ما يقول بعد فراغه من وضوئه فذكر بعض ما تقدم. ثم ذكر بإسناد صحيح من حديث أبي موسى الأشعري قال: أتيت(2\/354)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "829",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9395",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فتوضأ فسمعته يقول ويدعو: (اللهم اغفر لي ذنبي ووسع لي في داري وبارك لي في رزقي فقلت يا نبي الله سمعتك تدعو بكذا وكذا قال: quot; وهل تركت من شيء)   وقال ابن السني: باب ما يقول بين ظهراني وضوئه. .. فذكره.  [هديه صلى الله عليه وسلم في الأذان وأذكاره] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الأذان وأذكاره ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه سن التأذين بترجيع وبغير ترجيع وشرع الإقامة مثنى وفرادى ولكن الذي صح عنه تثنية كلمة الإقامة quot; قد قامت الصلاة quot; ولم يصح عنه إفرادها البتة وكذلك صح عنه تكرار لفظ التكبير في أول الأذان أربعا ولم يصح عنه الاقتصار على مرتين وأما حديث ( أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة ) فلا ينافي الشفع بأربع وقد صح التربيع صريحا في حديث عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب وأبي محذورة رضي الله عنهم. وأما إفراد الإقامة فقد صح عن ابن عمر رضي الله عنهما استثناء كلمة الإقامة فقال ( إنما كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرتين والإقامة مرة مرة غير أنه يقول: quot; قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة ) وفي quot; صحيح البخاري quot; عن أنس: ( أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة ) وصح(2\/355)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "830",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9396",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من حديث عبد الله بن زيد وعمر في الإقامة ( قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة ) وصح من حديث أبي محذورة تثنية كلمة الإقامة مع سائر كلمات الأذان. وكل هذه الوجوه جائزة مجزئة لا كراهة في شيء منها وإن كان بعضها أفضل من بعض فالإمام أحمد أخذ بأذان بلال وإقامته والشافعي أخذ بأذان أبي محذورة وإقامة بلال وأبو حنيفة أخذ بأذان بلال وإقامة أبي محذورة ومالك أخذ بما رأى عليه عمل أهل المدينة من الاقتصار على التكبير في الأذان مرتين وعلى كلمة الإقامة مرة واحدة رحمهم الله كلهم فإنهم اجتهدوا في متابعة السنة.  [الذكر عند الأذان وبعده] فصل وأما هديه صلى الله عليه وسلم في الذكر عند الأذان وبعده فشرع لأمته منه خمسة أنواع. أحدها: أن يقول السامع كما يقول المؤذن إلا في لفظ quot; حي على الصلاة quot; quot; حي على الفلاح quot; فإنه صح عنه إبدالهما ب quot; لا حول ولا قوة إلا بالله quot; ولم يجئ عنه الجمع بينها وبين quot; حي على الصلاة quot; quot; حي على الفلاح quot; ولا الاقتصار على الحيعلة وهديه صلى الله عليه وسلم الذي صح عنه إبدالهما بالحوقلة وهذا مقتضى الحكمة المطابقة لحال المؤذن والسامع فإن كلمات الأذان ذكر فسن للسامع أن يقولها وكلمة الحيعلة دعاء إلى الصلاة لمن سمعه فسن للسامع أن(2\/356)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "831",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9397",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يستعين على هذه الدعوة بكلمة الإعانة وهي quot; لا حول ولا قوة إلا بالله quot; العلي العظيم. الثاني: أن يقول ( وأنا أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا ) وأخبر أن من قال ذلك غفر له ذنبه. الثالث: أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد فراغه من إجابة المؤذن وأكمل ما يصلى عليه به ويصل إليه هي الصلاة الإبراهيمية كما علمه أمته أن يصلوا عليه فلا صلاة عليه أكمل منها وإن تحذلق المتحذلقون. الرابع: أن يقول بعد صلاته عليه: ( اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد ) هكذا جاء بهذا اللفظ quot; مقاما محمودا quot; بلا ألف ولا لام وهكذا صح عنه صلى الله عليه وسلم.(2\/357)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "832",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9398",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخامس: أن يدعو لنفسه بعد ذلك ويسأل الله من فضله فإنه يستجاب له كما في quot; السنن quot; عنه صلى الله عليه وسلم ( قل كما يقولون يعني المؤذنين فإذا انتهيت فسل تعطه ) وذكر الإمام أحمد عنه صلى الله عليه وسلم: ( من قال حين ينادي المنادي: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة النافعة صل على محمد وارض عنه رضى لا سخط بعده استجاب الله له دعوته ) وقالت أم سلمة رضي الله عنها: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقول عند أذان المغرب: (اللهم إن هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك فاغفر لي ) ذكره الترمذي. وذكر الحاكم في quot; المستدرك quot; من حديث أبي أمامة يرفعه أنه كان إذا سمع الأذان قال: (اللهم رب هذه الدعوة التامة المستجابة والمستجاب لها دعوة الحق وكلمة التقوى توفني عليها وأحيني عليها واجعلني من صالحي أهلها عملا يوم القيامة ) وذكره البيهقي من حديث ابن عمر موقوفا عليه.(2\/358)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "833",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9399",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند كلمة الإقامة: (أقامها الله وأدامها ) وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم: ( الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة quot; قالوا: فما نقول يا رسول الله قال: quot; سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة ) حديث صحيح. وفيها عنه ( ساعتان يفتح الله فيهما أبواب السماء وقلما ترد على داع دعوته: عند حضور النداء والصف في سبيل الله )(2\/359)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "834",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9400",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد تقدم هديه في أذكار الصلاة مفصلا والأذكار بعد انقضائها والأذكار في العيدين والجنائز والكسوف وأنه أمر في الكسوف بالفزع إلى ذكر الله تعالى وأنه كان يسبح في صلاتها قائما رافعا يديه يهلل ويكبر ويحمد ويدعو حتى حسر عن الشمس والله أعلم.  [الدعاء في العشر] فصل وكان صلى الله عليه وسلم يكثر الدعاء في عشر ذي الحجة ويأمر فيه بالإكثار من التهليل والتكبير والتحميد. ويذكر عنه أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق فيقول: (الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد ) وهذا وإن كان لا يصح إسناده فالعمل عليه ولفظه هكذا يشفع التكبير وأما كونه ثلاثا فإنما روي عن جابر وابن عباس من فعلهما ثلاثا فقط وكلاهما(2\/360)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "835",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9401",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حسن. قال الشافعي: إن زاد فقال الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله والله أكبر كان حسنا.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الذكر عند رؤية الهلال] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الذكر عند رؤية الهلال يذكر عنه أنه كان يقول ( اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام ربي وربك الله ) قال الترمذي: حديث حسن. ويذكر عنه أنه كان يقول عند رؤيته: ( الله أكبر اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما يحب ربنا ويرضى ربنا وربك الله ) ذكره الدارمي. وذكر أبو داود عن قتادة أنه بلغه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال قال: (هلال خير ورشد هلال خير ورشد آمنت بالذي خلقك ثلاث مرات ثم يقول الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا ) وفي أسانيدها لين.(2\/361)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "836",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9402",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويذكر عن أبي داود وهو في بعض نسخ سننه أنه قال ليس في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث مسند صحيح.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في أذكار الطعام قبله وبعده] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في أذكار الطعام قبله وبعده كان إذا وضع يده في الطعام قال quot; بسم الله quot; ويأمر الآكل بالتسمية ويقول: (إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوله فليقل: بسم الله في أوله وآخره ) حديث صحيح. والصحيح وجوب التسمية عند الأكل وهو أحد الوجهين لأصحاب أحمد وأحاديث الأمر بها صحيحة صريحة ولا معارض لها ولا إجماع يسوغ مخالفتها ويخرجها عن ظاهرها وتاركها شريكه الشيطان في طعامه وشرابه.  [هل تزول مشاركة الشيطان للآكلين بتسمية أحدهم] فصل وهاهنا مسألة تدعو الحاجة إليها وهي أن الآكلين إذا كانوا جماعة(2\/362)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "837",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9403",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فسمى أحدهم هل تزول مشاركة الشيطان لهم في طعامهم بتسميته وحده أم لا تزول إلا بتسمية الجميع فنص الشافعي على إجزاء تسمية الواحد عن الباقين وجعله أصحابه كرد السلام وتشميت العاطس وقد يقال لا ترفع مشاركة الشيطان للآكل إلا بتسميته هو ولا يكفيه تسمية غيره ولهذا جاء في حديث حذيفة ( إنا حضرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما فجاءت جارية كأنما تدفع فذهبت لتضع يدها في الطعام فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها ثم جاء أعرابي كأنما يدفع فأخذ بيده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان ليستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها فأخذت بيدها فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به فأخذت بيده والذي نفسي بيده إن يده لفي يدي مع يديهما) ثم ذكر اسم الله وأكل  ولو كانت تسمية الواحد تكفي لما وضع الشيطان يده في ذلك الطعام. ولكن قد يجاب بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن قد وضع يده وسمى بعد ولكن الجارية ابتدأت بالوضع بغير تسمية وكذلك الأعرابي فشاركهما الشيطان فمن أين لكم أن الشيطان شارك من لم يسم بعد تسمية غيره فهذا مما يمكن أن يقال لكن قد روى الترمذي وصححه من حديث عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل طعاما في ستة من أصحابه فجاء أعرابي فأكله بلقمتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما إنه لو سمى لكفاكم ) ومن المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولئك الستة سموا(2\/363)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "838",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9404",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلما جاء هذا الأعرابي فأكل ولم يسم شاركه الشيطان في أكله فأكل الطعام بلقمتين ولو سمى لكفى الجميع. وأما مسألة رد السلام وتشميت العاطس ففيها نظر وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا عطس أحدكم فحمد الله فحق على كل من سمعه أن يشمته ) وإن سلم الحكم فيهما فالفرق بينهما وبين مسألة الأكل ظاهر فإن الشيطان إنما يتوصل إلى مشاركة الآكل في أكله إذا لم يسم فإذا سمى غيره لم تجز تسمية من سمى عمن لم يسم من مقارنة الشيطان له فيأكل معه بل تقل مشاركة الشيطان بتسمية بعضهم وتبقى الشركة بين من لم يسم وبينه والله أعلم. ويذكر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( من نسي أن يسمي على طعامه فليقرأ قل هو الله أحد [الإخلاص: 1] إذا فرغ ) وفي ثبوت هذا الحديث نظر. وكان إذا رفع الطعام من بين يديه يقول ( الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا عز وجل ) ذكره البخاري.(2\/364)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "839",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9405",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وربما كان يقول ( الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين ) وكان يقول ( الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجا ) وذكر البخاري عنه أنه كان يقول: ( الحمد لله الذي كفانا وآوانا ) وذكر الترمذي عنه أنه قال ( من أكل طعاما فقال الحمد لله الذي أطعمني هذا من غير حول مني ولا قوة غفر الله له ما تقدم من ذنبه ) حديث حسن. ويذكر عنه أنه كان إذا قرب إليه الطعام قال (بسم الله) فإذا فرغ من طعامه قال quot; اللهم أطعمت وسقيت وأغنيت وأقنيت وهديت وأحييت فلك الحمد على ما أعطيت quot; وإسناده صحيح. وفي quot; السنن quot; عنه أنه كان يقول إذا فرغ quot; الحمد لله الذي من علينا وهدانا والذي أشبعنا وأروانا ومن كل الإحسان آتانا quot; حديث حسن.(2\/365)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "840",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9406",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; السنن quot; عنه أيضا: ( إذا أكل أحدكم طعاما فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه. ومن سقاه الله لبنا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإنه ليس شيء ويجزئ عن الطعام والشراب غير اللبن ) حديث حسن. ويذكر عنه أنه: ( كان إذا شرب في الإناء تنفس ثلاثة أنفاس ويحمد الله في كل نفس ويشكره في آخرهن )  [فصل في أحكام الطعام] فصل ( وكان صلى الله عليه وسلم إذا دخل على أهله ربما يسألهم هل عندكم طعام وما عاب طعاما قط بل كان إذا اشتهاه أكله وإن كرهه تركه وسكت ) وربما قال: ( أجدني أعافه إني لا أشتهيه )(2\/366)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "841",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9407",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان يمدح الطعام أحيانا كقوله لما سأل أهله الإدام فقالوا: ما عندنا إلا خل فدعا به فجعل يأكل منه ويقول: ( نعم الأدم الخل ) وليس في هذا تفضيل له على اللبن واللحم والعسل والمرق وإنما هو مدح له في تلك الحال التي حضر فيها ولو حضر لحم أو لبن كان أولى بالمدح منه وقال هذا جبرا وتطييبا لقلب من قدمه لا تفضيلا له على سائر أنواع الإدام. وكان إذا قرب إليه طعام وهو صائم قال: (إني صائم ) وأمر من قرب إليه الطعام وهو صائم أن يصلي أي يدعو لمن قدمه وإن كان مفطرا أن يأكل منه. وكان إذا دعي لطعام وتبعه أحد أعلم به رب المنزل وقال: ( إن هذا تبعنا فإن شئت أن تأذن له وإن شئت رجع ) وكان يتحدث على طعامه كما تقدم في حديث الخل وكما قال لربيبه عمر بن أبي سلمة وهو يؤاكله: ( سم الله وكل مما يليك ) .(2\/367)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "842",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9408",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وربما كان يكرر على أضيافه عرض الأكل عليهم مرارا كما يفعله أهل الكرم كما في حديث أبي هريرة عند البخاري في قصة شرب اللبن وقوله له مرارا: اشرب quot; فما زال يقول اشرب حتى قال: ( والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكا ) وكان إذا أكل عند قوم لم يخرج حتى يدعو لهم فدعا في منزل عبد الله بن بسر فقال: ( اللهم بارك لهم فيما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم ) ذكره مسلم. ودعا في منزل سعد بن عبادة فقال: ( أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة ) وذكر أبو داود عنه صلى الله عليه وسلم أنه لما دعاه أبو الهيثم بن التيهان هو وأصحابه فأكلوا فلما فرغوا قال: (أثيبوا أخاكم quot; قالوا: يا رسول الله وما إثابته قال: quot; إن الرجل إذا دخل بيته فأكل طعامه وشرب شرابه فدعوا له فذلك إثابته ) . وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه دخل منزله ليلة فالتمس طعاما فلم يجده فقال: (اللهم أطعم من أطعمني واسق من سقاني)  .(2\/368)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "843",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9409",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر عنه أن عمرو بن الحمق سقاه لبنا فقال: (اللهم أمتعه بشبابه) فمرت عليه ثمانون سنة لم ير شعرة بيضاء . وكان يدعو لمن يضيف المساكين ويثني عليهم فقال مرة: ألا رجل يضيف هذا رحمه الله وقال للأنصاري وامرأته اللذين آثرا بقوتهما وقوت صبيانهما ضيفهما: ( لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة ) وكان لا يأنف من مؤاكلة أحد صغيرا كان أو كبيرا حرا أو عبدا أعرابيا أو مهاجرا حتى لقد روى أصحاب السنن عنه أنه أخذ بيد مجذوم فوضعها معه في القصعة فقال (كل بسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه ) وكان يأمر بالأكل باليمين وينهى عن الأكل بالشمال ويقول ( إن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ) ومقتضى هذا تحريم الأكل بها وهو الصحيح فإن الآكل بها إما شيطان وإما مشبه به. وصح عنه أنه قال لرجل أكل(2\/369)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "844",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9410",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنده فأكل بشماله (quot;كل بيمينكquot; فقال لا أستطيع فقال quot; لا استطعت quot;) فما رفع يده إلى فيه بعدها فلو كان ذلك جائزا لما دعا عليه بفعله وإن كان كبره حمله على ترك امتثال الأمر فذلك أبلغ في العصيان واستحقاق الدعاء عليه. ( وأمر من شكوا إليه أنهم لا يشبعون أن يجتمعوا على طعامهم ولا يتفرقوا وأن يذكروا اسم الله عليه يبارك لهم فيه ) وصح عنه أنه قال: ( إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة يحمده عليها ويشرب الشربة يحمده عليها ) وروي عنه أنه قال: ( أذيبوا طعامكم بذكر الله عز وجل والصلاة ولا تناموا عليه فتقسو قلوبكم ) وأحرى بهذا الحديث أن يكون صحيحا والواقع في التجربة يشهد به.(2\/370)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "845",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9411",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في السلام والاستئذان وتشميت العاطس] [هديه صلى الله عليه وسلم في السلام] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في السلام والاستئذان وتشميت العاطس ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في quot; الصحيحين quot; عن أبي هريرة أن أفضل الإسلام وخيره إطعام الطعام وأن تقرأ السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف . وفيهما أن آدم عليه الصلاة والسلام لما خلقه الله قال له: اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة فسلم عليهم واستمع ما يحيونك به فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا: السلام عليك ورحمة الله فزادوه quot; ورحمة اللهquot;. وفيهما أنه صلى الله عليه وسلم أمر بإفشاء السلام وأخبرهم أنهم إذا أفشوا السلام بينهم تحابوا وأنهم لا يدخلون الجنة حتى يؤمنوا ولا يؤمنون حتى يتحابوا. وقال البخاري في quot; صحيحه quot; قال عمار: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم والإنفاق من(2\/371)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "846",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9412",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإقتار.  وقد تضمنت هذه الكلمات أصول الخير وفروعه فإن الإنصاف يوجب عليه أداء حقوق الله كاملة موفرة وأداء حقوق الناس كذلك وأن لا يطالبهم بما ليس له ولا يحملهم فوق وسعهم ويعاملهم بما يحب أن يعاملوه به ويعفيهم مما يحب أن يعفوه منه ويحكم لهم وعليهم بما يحكم به لنفسه وعليها ويدخل في هذا إنصافه نفسه من نفسه فلا يدعي لها ما ليس لها ولا يخبثها بتدنيسه لها وتصغيره إياها وتحقيرها بمعاصي الله وينميها ويكبرها ويرفعها بطاعة الله وتوحيده وحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه وإيثار مرضاته ومحابه على مراضي الخلق ومحابهم ولا يكون بها مع الخلق ولا مع الله بل يعزلها من البين كما عزلها الله ويكون بالله لا بنفسه في حبه وبغضه وعطائه ومنعه وكلامه وسكوته ومدخله ومخرجه فينجي نفسه من البين ولا يرى لها مكانة يعمل عليها فيكون ممن ذمهم الله بقوله اعملوا على مكانتكم [الأنعام: 135] [الأنعام: 135] فالعبد المحض ليس له مكانة يعمل عليها فإنه مستحق المنافع والأعمال لسيده ونفسه ملك لسيده فهو عامل على أن يؤدي إلى سيده(2\/372)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "847",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9413",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما هو مستحق له عليه ليس له مكانة أصلا بل قد كوتب على حقوق منجمة كلما أدى نجما حل عليه نجم آخر ولا يزال المكاتب عبدا ما بقي عليه شيء من نجوم الكتابة. والمقصود أن إنصافه من نفسه يوجب عليه معرفة ربه وحقه عليه ومعرفة نفسه وما خلقت له وأن لا يزاحم بها مالكها وفاطرها ويدعي لها الملكة والاستحقاق ويزاحم مراد سيده ويدفعه بمراده هو أو يقدمه ويؤثره عليه أو يقسم إرادته بين مراد سيده ومراده وهي قسمة ضيزى مثل قسمة الذين قالوا: هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون [الأنعام: 136] [الأنعام: 136] .(2\/373)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "848",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9414",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلينظر العبد لا يكون من أهل هذه القسمة بين نفسه وشركائه وبين الله لجهله وظلمه وإلا لبس عليه وهو لا يشعر فإن الإنسان خلق ظلوما جهولا فكيف يطلب الإنصاف ممن وصفه الظلم والجهل وكيف ينصف الخلق من لم ينصف الخالق كما في أثر إلهي يقول الله عز وجل: ابن آدم ما أنصفتني خيري إليك نازل وشرك إلي صاعد كم أتحبب إليك بالنعم وأنا غني عنك وكم تتبغض إلي بالمعاصي وأنت فقير إلي ولا يزال الملك الكريم يعرج إلي منك بعمل قبيح . وفي أثر آخر: quot; ابن آدم ما أنصفتني خلقتك وتعبد غيري وأرزقك وتشكر سواي quot;. ثم كيف ينصف غيره من لم ينصف نفسه وظلمها أقبح الظلم وسعى في ضررها أعظم السعي ومنعها أعظم لذاتها من حيث ظن أنه يعطيها إياها فأتعبها كل التعب وأشقاها كل الشقاء من حيث ظن أنه يريحها ويسعدها وجد كل الجد في حرمانها حظها من الله وهو يظن أنه ينيلها حظوظها ودساها كل التدسية وهو يظن أنه يكبرها وينميها وحقرها كل التحقير وهو يظن أنه يعظمها فكيف يرجى الإنصاف ممن هذا إنصافه لنفسه إذا كان هذا فعل العبد بنفسه فماذا تراه بالأجانب يفعل. والمقصود أن قول عمار رضي الله عنه: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم والإنفاق من الإقتار كلام جامع لأصول الخير وفروعه.  وبذل السلام للعالم يتضمن تواضعه وأنه لا يتكبر على أحد بل يبذل السلام للصغير والكبير والشريف والوضيع ومن يعرفه ومن لا يعرفه والمتكبر(2\/374)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "849",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9415",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ضد هذا فإنه لا يرد السلام على كل من سلم عليه كبرا منه وتيها فكيف يبذل السلام لكل أحد. وأما الإنفاق من الإقتار فلا يصدر إلا عن قوة ثقة بالله وأن الله يخلفه ما أنفقه وعن قوة يقين وتوكل ورحمة وزهد في الدنيا وسخاء نفس بها ووثوق بوعد من وعده مغفرة منه وفضلا وتكذيبا بوعد من يعده الفقر ويأمر بالفحشاء. والله المستعان.  [السلام على الصبيان والنسوان] فصل وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ( مر بصبيان فسلم عليهم ) ذكره مسلم. وذكر الترمذي في quot; جامعه quot; عنه صلى الله عليه وسلم ( مر يوما بجماعة نسوة فألوى بيده بالتسليم ) . وقال أبو داود: عن أسماء بنت يزيد ( مر علينا النبي صلى الله عليه وسلم في نسوة فسلم علينا ) وهي رواية حديث الترمذي والظاهر أن القصة واحدة وأنه سلم عليهن بيده.(2\/375)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "850",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9416",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "آداب السلام",
        "content": "وفي quot; صحيح البخاري quot;: ( أن الصحابة كانوا ينصرفون من الجمعة فيمرون على عجوز في طريقهم فيسلمون عليها فتقدم لهم طعاما من أصول السلق والشعير ) وهذا هو الصواب في مسألة السلام على النساء يسلم على العجوز وذوات المحارم دون غيرهن.  [آداب السلام] فصل وثبت عنه في quot; صحيح البخاري quot; وغيره ( تسليم الصغير على الكبير والمار على القاعد والراكب على الماشي والقليل على الكثير ) وفي quot; جامع الترمذي quot; عنه: ( يسلم الماشي على القائم ) . وفي quot; مسند البزار quot; عنه ( يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والماشيان أيهما بدأ فهو أفضل ) وفي quot; سنن أبي داود quot; عنه: ( إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام )(2\/376)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "851",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9417",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان من هديه صلى الله عليه وسلم السلام عند المجيء إلى القوم والسلام عند الانصراف عنهم وثبت عنه أنه قال: ( إذا قعد أحدكم فليسلم وإذا قام فليسلم وليست الأولى أحق من الآخرة ) وذكر أبو داود عنه ( إذا لقي أحدكم صاحبه فليسلم عليه فإن حال بينهما شجرة أو جدار ثم لقيه فليسلم عليه أيضا ) . وقال أنس: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتماشون فإذا استقبلتهم شجرة أو أكمة تفرقوا يمينا وشمالا وإذا التقوا من ورائها سلم بعضهم على بعض.  ومن هديه صلى الله عليه وسلم أن الداخل إلى المسجد يبتدئ بركعتين تحية المسجد ثم يجيء فيسلم على القوم فتكون تحية المسجد قبل تحية أهله فإن تلك حق الله تعالى والسلام على الخلق هو حق لهم وحق الله في مثل هذا أحق بالتقديم بخلاف الحقوق المالية فإن فيها نزاعا معروفا والفرق بينهما حاجة الآدمي(2\/377)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "852",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9418",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعدم اتساع الحق المالي لأداء الحقين بخلاف السلام. وكانت عادة القوم معه هكذا يدخل أحدهم المسجد فيصلي ركعتين ثم يجيء فيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا جاء في حديث رفاعة بن رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد يوما قال رفاعة: ونحن معه إذ جاء رجل كالبدوي فصلى فأخف صلاته ثم انصرف فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم (وعليك فارجع فصل فإنك لم تصل ) . . . وذكر الحديث فأنكر عليه صلاته ولم ينكر عليه تأخير السلام عليه صلى الله عليه وسلم إلى ما بعد الصلاة. وعلى هذا: فيسن لداخل المسجد إذا كان فيه جماعة ثلاث تحيات مترتبة: أن يقول عند دخوله: بسم الله والصلاة على رسول الله. ثم يصلي ركعتين تحية المسجد. ثم يسلم على القوم.  [السلام قبل السؤال] فصل ( وكان إذا دخل على أهله بالليل يسلم تسليما لا يوقظ النائم. ويسمع اليقظان )  ذكره مسلم. فصل وذكر الترمذي عنه عليه السلام ( السلام قبل الكلام ) .(2\/378)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "853",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9419",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي لفظ آخر: ( لا تدعوا أحدا إلى الطعام حتى يسلم ) . وهذا وإن كان إسناده وما قبله ضعيفا فالعمل عليه. وقد روى أبو أحمد بإسناد أحسن منه حديث عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( السلام قبل السؤال فمن بدأكم بالسؤال قبل السلام فلا تجيبوه ) ويذكر عنه أنه كان لا يأذن لمن لم يبدأ بالسلام. ويذكر عنه: ( لا تأذنوا لمن لم يبدأ بالسلام ) . وأجود منها ما رواه الترمذي عن كلدة بن حنبل: ( أن صفوان بن أمية بعثه بلبن ولبأ وجداية وضغابيس إلى النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم بأعلى الوادي قال: فدخلت عليه ولم أسلم ولم أستأذن فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارجع فقل: السلام عليكم أأدخل ) قال: هذا حديث حسن غريب.(2\/379)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "854",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9420",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( وكان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر فيقول: السلام عليكم السلام عليكم )  [فصل تحميل السلام للغائبين] فصل ( وكان يسلم بنفسه على من يواجهه ويحمل السلام لمن يريد السلام عليه من الغائبين عنه ويتحمل السلام لمن يبلغه إليه ) كما تحمل السلام من الله عز وجل على صديقة النساء خديجة بنت خويلد رضي الله عنها لما قال له جبريل: ( هذه خديجة قد أتتك بطعام فاقرأ [عليها] السلام من ربها [ومني] وبشرها ببيت في الجنة ) وقال للصديقة الثانية بنت الصديق عائشة رضي الله عنها: ( هذا جبريل يقرأ عليك السلام quot; فقالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته يرى ما لا أرى )(2\/380)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "855",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9421",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل صيغة السلام] فصل وكان هديه انتهاء السلام إلى quot; وبركاته quot; فذكر النسائي عنه ( أن رجلا جاء فقال: السلام عليكم فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: quot; عشرة quot; ثم جلس ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: quot; عشرون quot; ثم جلس وجاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: quot; ثلاثون ) رواه النسائي والترمذي من حديث عمران بن حصين وحسنه. وذكره أبو داود من حديث معاذ بن أنس وزاد فيه ( ثم أتى آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته فقال: quot; أربعون quot; فقال: هكذا تكون الفضائل ) . ولا يثبت هذا الحديث. فإن له ثلاث علل إحداها: أنه من رواية أبي مرحوم عبد الرحيم بن ميمون ولا يحتج به. الثانية: إن فيه أيضا سهل بن معاذ وهو أيضا كذلك. الثالثة: أن سعيد بن أبي مريم أحد رواته لم يجزم بالرواية بل قال: أظن أني سمعت نافع بن يزيد.(2\/381)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "856",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9422",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأضعف من هذا الحديث الآخر عن أنس: كان رجل يمر بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (السلام عليك يا رسول الله فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: quot; وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه quot; فقيل له: يا رسول الله تسلم على هذا سلاما ما تسلمه على أحد من أصحابك فقال: quot; وما يمنعني من ذلك وهو ينصرف بأجر بضعة عشر رجلا وكان يرعى على أصحابه )  [فصل السلام ثلاثا] فصل وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يسلم ثلاثا كما في quot; صحيح البخاري quot; عن أنس رضي الله عنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم ثلاثا ) ولعل هذا كان هديه في السلام على الجمع الكثير الذين لا يبلغهم سلام واحد أو هديه في إسماع السلام الثاني والثالث إن ظن أن الأول لم يحصل به الإسماع كما سلم لما انتهى إلى منزل سعد بن عبادة ثلاثا فلما لم يجبه أحد رجع وإلا فلو كان هديه الدائم التسليم ثلاثا لكان أصحابه يسلمون عليه كذلك وكان يسلم على كل من لقيه ثلاثا وإذا دخل بيته ثلاثا ومن تأمل هديه علم أن الأمر ليس كذلك وأن تكرار السلام كان منه أمرا عارضا في بعض الأحيان والله أعلم.(2\/382)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "857",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9423",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل رد السلام] فصل وكان يبدأ من لقيه بالسلام وإذا سلم عليه أحد رد عليه مثل تحيته أو أفضل منها على الفور من غير تأخير إلا لعذر مثل حالة الصلاة وحالة قضاء الحاجة. وكان يسمع المسلم رده عليه ولم يكن يرد بيده ولا رأسه ولا أصبعه إلا في الصلاة فإنه كان يرد على من سلم عليه إشارة ثبت ذلك عنه في عدة أحاديث ولم يجئ عنه ما يعارضها إلا بشيء باطل لا يصح عنه كحديث يرويه أبو غطفان رجل مجهول عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم ( من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعد صلاته ) قال الدارقطني: قال لنا ابن أبي داود: أبو غطفان هذا رجل مجهول. والصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ( كان يشير في الصلاة ) رواه أنس وجابر وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم.  [فصل كراهية قول المبتدئ عليك السلام] فصل وكان هديه في ابتداء السلام أن يقول: quot; السلام عليكم ورحمة الله quot; وكان يكره أن يقول المبتدئ: عليك السلام. ( قال أبو جري الهجيمي: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: عليك السلام يا رسول الله فقال: لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الموتى ) حديث(2\/383)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "858",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9424",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صحيح. وقد أشكل هذا الحديث على طائفة وظنوه معارضا لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في السلام على الأموات بلفظ (السلام عليكم) بتقديم السلام فظنوا أن قوله ( فإن عليك السلام تحية الموتى ) إخبار عن المشروع وغلطوا في ذلك غلطا أوجب لهم ظن التعارض وإنما معنى قوله: ( فإن عليك السلام تحية الموتى ) إخبار عن الواقع لا المشروع أي: إن الشعراء وغيرهم يحيون الموتى بهذه اللفظة كقول قائلهم عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن يحيى بتحية الأموات ومن كراهته لذلك لم يرد على المسلم بها.(2\/384)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "859",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9425",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[بحث في الرد على المسلم بـ وعليك السلام والفرق بينهما وبين الرد على أهل الكتاب] وكان يرد على المسلم quot; وعليك السلام quot; بالواو وبتقديم quot; عليك quot; على لفظ السلام. وتكلم الناس هاهنا في مسألة وهي لو حذف الراد quot; الواو quot; فقال: quot; عليك السلام quot; هل يكون صحيحا فقالت طائفة منهم المتولي وغيره: لا يكون جوابا ولا يسقط به فرض الرد لأنه مخالف لسنة الرد ولأنه لا يعلم هل هو رد أو ابتداء تحية فإن صورته صالحة لهما ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: quot; وعليكم ) فهذا تنبيه منه على وجوب الواو في الرد على أهل(2\/385)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "860",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9426",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإسلام فإن quot; الواو quot; في مثل هذا الكلام تقتضي تقرير الأول وإثبات الثاني فإذا أمر بالواو في الرد على أهل الكتاب الذين يقولون: السام عليكم فقال ( إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: quot; وعليكم ) فذكرها في الرد على المسلمين أولى وأحرى. وذهبت طائفة أخرى إلى أن ذلك رد صحيح كما لو كان بالواو ونص عليه الشافعي رحمه الله في كتابه الكبير واحتج لهذا القول بقوله تعالى: هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام [الذاريات: 24] (الذاريات: 24)  أي: سلام عليكم لا بد من هذا ولكن حسن الحذف في الرد لأجل الحذف في الابتداء واحتجوا بما في quot; الصحيحين quot; عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خلق الله آدم طوله ستون ذراعا فلما خلقه قال له: اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال: السلام عليكم فقالوا: السلام عليك ورحمة الله فزادوه: quot; ورحمة الله ) فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه تحيته وتحية ذريته قالوا: ولأن المسلم عليه مأمور أن يحيي المسلم بمثل تحيته عدلا وبأحسن منها فضلا فإذا رد عليه بمثل سلامه كان قد أتى بالعدل. وأما قوله ( إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم ) فهذا الحديث قد اختلف في لفظة quot; الواو quot; فيه فروي على ثلاثة أوجه أحدها: بالواو قال أبو داود:(2\/386)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "861",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9427",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كذلك رواه مالك عن عبد الله بن دينار ورواه الثوري عن عبد الله بن دينار فقال فيه: (فعليكم) وحديث سفيان في quot; الصحيحين quot; ورواه النسائي من حديث ابن عيينة عن عبد الله بن دينار بإسقاط quot; الواو quot; وفي لفظ لمسلم والنسائي: فقل (عليك) بغير واو. وقال الخطابي: عامة المحدثين يروونه (وعليكم) بالواو وكان سفيان بن عيينة يرويه (عليكم) بحذف الواو وهو الصواب وذلك أنه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه بعينه مردودا عليهم وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم والدخول فيما قالوا لأن الواو حرف للعطف والاجتماع بين الشيئين. انتهى كلامه. وما ذكره من أمر الواو ليس بمشكل فإن quot; السام quot; الأكثرون على أنه الموت والمسلم والمسلم عليه مشتركون فيه فيكون في الإتيان بالواو بيان لعدم الاختصاص وإثبات المشاركة وفي حذفها إشعار بأن المسلم أحق به وأولى من المسلم عليه وعلى هذا فيكون الإتيان بالواو هو الصواب وهو أحسن من حذفها كما رواه مالك وغيره ولكن قد فسر السام بالسآمة وهي الملالة وسآمة الدين قالوا: وعلى هذا فالوجه حذف الواو ولا بد ولكن هذا خلاف المعروف من هذه اللفظة في اللغة ولهذا جاء في الحديث ( إن الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام ) ولا يختلفون أنه الموت. وقد ذهب بعض المتحذلقين(2\/387)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "862",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9428",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى أنه يرد عليهم السلام بكسر السين وهي الحجارة جمع سلمة ورد هذا الرد متعين.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في السلام على أهل الكتاب] صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا تبدءوهم بالسلام وإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيق الطريق ) لكن قد قيل: إن هذا كان في قضية خاصة لما ساروا إلى بني قريظة قال: ( لا تبدءوهم بالسلام ) فهل هذا حكم عام لأهل الذمة مطلقا أو يختص بمن كانت حاله بمثل حال أولئك هذا موضع نظر ولكن قد روى مسلم في quot; صحيحه quot; من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه ) والظاهر أن هذا حكم عام. وقد اختلف السلف والخلف في ذلك فقال أكثرهم: لا يبدءون بالسلام وذهب آخرون إلى جواز ابتدائهم كما يرد عليهم روي ذلك عن ابن عباس وأبي أمامة وابن محيريز وهو وجه في مذهب الشافعي رحمه الله لكن صاحب هذا الوجه قال: يقال له: السلام عليك فقط بدون ذكر الرحمة وبلفظ الإفراد وقالت طائفة: يجوز الابتداء لمصلحة راجحة من حاجة تكون له إليه أو خوف من أذاه أو لقرابة بينهما أو لسبب يقتضي ذلك يروى ذلك عن إبراهيم النخعي وعلقمة. وقال الأوزاعي: إن سلمت فقد سلم الصالحون وإن تركت فقد ترك الصالحون.(2\/388)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "863",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9429",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واختلفوا في وجوب الرد عليهم فالجمهور على وجوبه وهو الصواب وقالت طائفة: لا يجب الرد عليهم كما لا يجب على أهل البدع وأولى والصواب الأول والفرق أنا مأمورون بهجر أهل البدع تعزيرا لهم وتحذيرا منهم بخلاف أهل الذمة.  فصل وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ( مر على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود فسلم عليهم ) . وصح عنه أنه كتب إلى هرقل وغيره (السلام على من اتبع الهدى )  [هل رد السلام فرض كفاية] فصل ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم ) فذهب إلى هذا الحديث من قال: إن(2\/389)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "864",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9430",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرد فرض كفاية يقوم فيه الواحد مقام الجميع لكن ما أحسنه لو كان ثابتا فإن هذا الحديث رواه أبو داود من رواية سعيد بن خالد الخزاعي المدني. قال أبو زرعة الرازي: مدني ضعيف. وقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث وقال البخاري: فيه نظر. وقال الدارقطني: ليس بالقوي.  [رد السلام على المرسل والمبلغ] فصل وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إذا بلغه أحد السلام عن غيره أن يرد عليه وعلى المبلغ كما في quot; السنن quot; ( أن رجلا قال له: إن أبي يقرئك السلام فقال له: عليك وعلى أبيك السلام ) وكان من هديه ترك السلام ابتداء وردا على من أحدث حدثا حتى يتوب منه كما ( هجر كعب بن مالك وصاحبيه وكان كعب يسلم عليه ولا يدري هل حرك شفتيه برد السلام عليه أم لا ) .(2\/390)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "865",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9431",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( وسلم عليه عمار بن ياسر وقد خلقه أهله بزعفران فلم يرد عليه فقال: اذهب فاغسل هذا عنك ) . ( وهجر زينب بنت جحش شهرين وبعض الثالث لما قال لها: أعطي صفية ظهرا لما اعتل بعيرها فقالت: أنا أعطي تلك اليهودية ) ذكرهما أبو داود.  [هديه صلى الله عليه وسلم في الاستئذان] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الاستئذان وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع ) . وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إنما جعل الاستئذان من أجل البصر ) وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه أراد أن يفقأ عين الذي نظر إليه من جحر في حجرته(2\/391)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "866",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9432",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر ) . وصح عنه أنه قال: ( لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح ) وصح عنه أنه قال: ( من اطلع على قوم في بيتهم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقئوا عينه ) . وصح عنه أنه قال: ( من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقئوا عينه فلا دية له ولا قصاص ) وصح عنه: التسليم قبل الاستئذان فعلا وتعليما ( واستأذن عليه رجل فقال أألج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل: اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان quot;. فقال له: قل: السلام عليكم أأدخل فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم أأدخل فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم فدخل ) . ( ولما استأذن عليه عمر رضي الله عنه وهو في مشربته مؤليا من نسائه قال: السلام عليك يا رسول الله السلام عليكم أيدخل عمر ) .(2\/392)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "867",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9433",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم لكلدة بن حنبل لما دخل عليه ولم يسلم (ارجع فقل: السلام عليكم أأدخل ) وفي هذه السنن رد على من قال: ويقدم الاستئذان على السلام ورد على من قال: إن وقعت عينه على صاحب المنزل قبل دخوله بدأ بالسلام وإن لم تقع عينه عليه بدأ بالاستئذان والقولان مخالفان للسنة. وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إذا استأذن ثلاثا ولم يؤذن له انصرف وهو رد على من يقول: إن ظن أنهم لم يسمعوا زاد على الثلاث ورد على من قال: يعيده بلفظ آخر والقولان مخالفان للسنة.  [ذكر المستأذن ما يدل عليه] فصل وكان من هديه أن المستأذن إذا قيل له: من أنت يقول: فلان بن فلان أو يذكر كنيته أو لقبه ولا يقول: أنا كما قال جبريل للملائكة في ليلة المعراج لما استفتح باب السماء فسألوه: من فقال جبريل. واستمر ذلك في كل سماء سماء. وكذلك في quot; الصحيحين quot; ( لما جلس النبي صلى الله عليه وسلم في البستان وجاء أبو بكر رضي الله عنه فاستأذن فقال: من قال: أبو بكر ثم جاء عمر فاستأذن فقال من قال: عمر ثم عثمان كذلك )(2\/393)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "868",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9434",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; الصحيحين quot; ( عن جابر أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فدققت الباب فقال quot; من ذا quot; فقلت: أنا فقال quot; أنا أنا quot; كأنه كرهها ) . ( ولما استأذنت أم هانئ قال لها: quot; من هذه quot; قالت: أم هانئ فلم يكره ذكرها الكنية ) وكذلك ( لما قال لأبي ذر: quot; من هذا quot; قال: أبو ذر ) . وكذلك ( لما قال لأبي قتادة: quot; من هذا quot; قال: أبو قتادة )  [رسول الرجل إلى الرجل إذنه] فصل وقد روى أبو داود عنه صلى الله عليه وسلم من حديث قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة: ( رسول الرجل إلى الرجل إذنه )  وفي لفظ ( إذا دعي أحدكم إلى طعام ثم جاء مع الرسول فإن ذلك إذن له ) وهذا الحديث فيه مقال قال أبو علي اللؤلئي:(2\/394)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "869",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9435",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سمعت أبا داود يقول: قتادة لم يسمع من أبي رافع. وقال البخاري في quot; صحيحه quot;: وقال سعيد: عن قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم quot; هو إذنه quot; فذكره تعليقا لأجل الانقطاع في إسناده. وذكر البخاري في هذا الباب حديثا يدل على أن اعتبار الاستئذان بعد الدعوة وهو حديث مجاهد عن أبي هريرة ( دخلت مع النبي صلى الله عليه وسلم فوجدت لبنا في قدح فقال اذهب إلى أهل الصفة فادعهم إلي quot; قال فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم فدخلوا ) وقد قالت طائفة: بأن الحديثين على حالين فإن جاء الداعي على الفور من غير تراخ لم يحتج إلى استئذان وإن تراخى مجيئه عن الدعوة وطال الوقت احتاج إلى استئذان. وقال آخرون: إن كان عند الداعي من قد أذن له قبل مجيء المدعو لم يحتج إلى استئذان آخر وإن لم يكن عنده من قد أذن له لم يدخل حتى يستأذن. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل إلى مكان يحب الانفراد فيه أمر من يمسك الباب فلم يدخل عليه أحد إلا بإذن.  [استئذان المماليك ومن لم يبلغ الحلم في العورات الثلاث] فصل وأما الاستئذان الذي أمر الله به المماليك ومن لم يبلغ الحلم في العورات الثلاث: قبل الفجر ووقت الظهيرة وعند النوم فكان ابن عباس يأمر به ويقول: ترك الناس العمل بها فقالت طائفة: الآية منسوخة ولم تأت بحجة.(2\/395)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "870",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9436",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالت طائفة: أمر ندب وإرشاد لا حتم وإيجاب وليس معها ما يدل على صرف الأمر عن ظاهره وقالت طائفة: المأمور بذلك النساء خاصة وأما الرجال فيستأذنون في جميع الأوقات وهذا ظاهر البطلان فإن جمع quot; الذين quot; لا يختص به المؤنث وإن جاز إطلاقه عليهن مع الذكور تغليبا. وقالت طائفة عكس هذا: إن المأمور بذلك الرجال دون النساء نظرا إلى لفظ quot; الذين quot; في الموضعين ولكن سياق الآية يأباه فتأمله. وقالت طائفة: كان الأمر بالاستئذان في ذلك الوقت للحاجة ثم زالت والحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها فروى أبو داود في quot; سننه quot; ( أن نفرا من أهل العراق قالوا لابن عباس: يا ابن عباس! كيف ترى هذه الآية التي أمرنا فيها بما أمرنا ولا يعمل بها أحد ياأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم [النور: 58] الآية [النور: 58] . فقال ابن عباس: إن الله حكيم رحيم بالمؤمنين يحب الستر وكان الناس ليس لبيوتهم ستور ولا حجال فربما دخل الخادم أو الولد أو يتيمة الرجل والرجل على أهله فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات فجاءهم الله بالستور والخير فلم أر أحدا يعمل بذلك بعد ) وقد أنكر بعضهم ثبوت هذا عن ابن عباس وطعن في عكرمة ولم يصنع شيئا وطعن في عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب وقد احتج به صاحبا الصحيح فإنكار هذا تعنت واستبعاد لا وجه له. وقالت طائفة: الآية محكمة عامة لا معارض لها ولا دافع والعمل بها واجب وإن تركه أكثر الناس.(2\/396)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "871",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9437",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والصحيح: أنه إن كان هناك ما يقوم مقام الاستئذان من فتح باب فتحه دليل على الدخول أو رفع ستر أو تردد الداخل والخارج ونحوه أغنى ذلك عن الاستئذان وإن لم يكن ما يقوم مقامه فلا بد منه والحكم معلل بعلة قد أشارت إليها الآية فإذا وجدت وجد الحكم وإذا انتفت انتفى والله أعلم.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في أذكار العطاس] ثبت عنه صلى الله عليه وسلم ( إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا عطس أحدكم وحمد الله كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان ) ذكره البخاري. وثبت عنه في quot; صحيحه quot;: ( إذا عطس أحدكم: فليقل الحمد لله وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله فإذا قال له: يرحمك الله فليقل يهديكم الله ويصلح بالكم ) وفي quot; الصحيحين quot; عن أنس: أنه عطس عنده رجلان فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر فقال الذي لم يشمته: عطس فلان فشمته وعطست فلم تشمتني فقال (هذا حمد الله وأنت لم تحمد الله) (2\/397)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "872",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9438",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وثبت عنه في quot; صحيح مسلم quot;: ( إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه ) وثبت عنه في quot; صحيحه quot;: من حديث أبي هريرة ( حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه وإذا دعاك فأجبه وإذا استنصحك فانصح له وإذا عطس وحمد الله فشمته وإذا مرض فعده وإذا مات فاتبعه ) وروى أبو داود عنه بإسناد صحيح: ( إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله على كل حال وليقل أخوه أو صاحبه: يرحمك الله وليقل هو: يهديكم الله ويصلح بالكم ) وروى الترمذي أن رجلا عطس عند ابن عمر فقال الحمد لله والسلام على رسول الله. فقال ابن عمر: (وأنا أقول: الحمد لله والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن علمنا أن نقول الحمد لله على كل حال )(2\/398)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "873",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9439",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر مالك عن نافع عن ابن عمر: ( كان إذا عطس فقيل له: يرحمك الله قال: يرحمنا الله وإياكم ويغفر لنا ولكم ) فظاهر الحديث المبدوء به: أن التشميت فرض عين على كل من سمع العاطس يحمد الله ولا يجزئ تشميت الواحد عنهم وهذا أحد قولي العلماء واختاره ابن أبي زيد وأبو بكر بن العربي المالكيان ولا دافع له. وقد روى أبو داود: ( أن رجلا عطس عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; وعليك السلام وعلى أمك quot; ثم قال: quot; إذا عطس أحدكم فليحمد الله quot; قال: فذكر بعض المحامد وليقل له من عنده: يرحمك الله وليرد - يعني عليهم - يغفر الله لنا ولكم ) وفي السلام على أم هذا المسلم نكتة لطيفة وهي إشعاره بأن سلامه قد وقع في غير موقعه اللائق به كما وقع هذا السلام على أمه فكما أن سلامه هذا في غير موضعه كذلك سلامه هو. ونكتة أخرى ألطف منها وهي تذكيره بأمه ونسبه إليها فكأنه أمي محض(2\/399)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "874",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9440",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منسوب إلى الأم باق على تربيتها لم تربه الرجال وهذا أحد الأقوال في الأمي أنه الباقي على نسبته إلى الأم. وأما النبي الأمي: فهو الذي لا يحسن الكتابة ولا يقرأ الكتاب. وأما الأمي الذي لا تصح الصلاة خلفه فهو الذي لا يصحح الفاتحة ولو كان عالما بعلوم كثيرة. ونظير ذكر الأم هاهنا ذكر هن الأب لمن تعزى بعزاء الجاهلية فيقال له: اعضض هن أبيك وكان ذكر هن الأب هاهنا أحسن تذكيرا لهذا المتكبر بدعوى الجاهلية بالعضو الذي خرج منه وهو هن أبيه فلا ينبغي له أن يتعدى طوره كما أن ذكر الأم هاهنا أحسن تذكيرا له بأنه باق على أميته. والله أعلم بمراد رسوله صلى الله عليه وسلم. ولما كان العاطس قد حصلت له بالعطاس نعمة ومنفعة بخروج الأبخرة المحتقنة في دماغه التي لو بقيت فيه أحدثت له أدواء عسرة شرع له حمد الله على هذه النعمة مع بقاء أعضائه على التئامها وهيئتها بعد هذه الزلزلة التي هي للبدن كزلزلة الأرض لها ولهذا يقال: سمته وشمته بالسين والشين فقيل: هما بمعنى واحد قاله أبو عبيدة وغيره. قال: وكل داع بخير فهو مشمت ومسمت. وقيل: بالمهملة دعاء له بحسن السمت وبعوده إلى حالته من السكون والدعة فإن العطاس يحدث في الأعضاء حركة وانزعاجا. وبالمعجمة: دعاء له بأن يصرف الله عنه ما يشمت به أعداءه فشمته: إذا أزال عنه الشماتة كقرد البعير: إذا أزال(2\/400)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "875",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9441",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قراده عنه. وقيل: هو دعاء له بثباته على قوائمه في طاعة الله مأخوذ من الشوامت وهي القوائم. وقيل: هو تشميت له بالشيطان لإغاظته بحمد الله على نعمة العطاس وما حصل له به من محاب الله فإن الله يحبه فإذا ذكر العبد الله وحمده ساء ذلك الشيطان من وجوه: منها: نفس العطاس الذي يحبه الله وحمد الله عليه ودعاء المسلمين له بالرحمة ودعاؤه لهم بالهداية وإصلاح البال وذلك كله غائظ للشيطان محزن له فتشميت المؤمن بغيظ عدوه وحزنه وكآبته فسمي الدعاء له بالرحمة تشميتا له لما في ضمنه من شماتته بعدوه وهذا معنى لطيف إذا تنبه له العاطس والمشمت انتفعا به وعظمت عندهما منفعة نعمة العطاس في البدن والقلب وتبين السر في محبة الله له فلله الحمد الذي هو أهله كما ينبغي لكريم وجهه وعز جلاله.  [فصل آداب العطاس] فصل وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في العطاس ما ذكره أبو داود والترمذي عن أبي هريرة: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه وخفض أو غض به صوته ) قال الترمذي: حديث صحيح. ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم: ( إن التثاؤب الشديد والعطسة الشديدة من الشيطان ) ويذكر عنه ( إن الله يكره رفع الصوت بالتثاؤب والعطاس ) .(2\/401)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "876",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9442",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصح عنه: ( إنه عطس عنده رجل فقال له: quot; يرحمك الله quot;. ثم عطس أخرى فقال: الرجل مزكوم ) . هذا لفظ مسلم أنه قال في المرة الثانية وأما الترمذي: فقال فيه عن سلمة بن الأكوع: ( عطس رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شاهد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot; يرحمك الله quot; ثم عطس الثانية والثالثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; هذا رجل مزكوم ) . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقد روى أبو داود عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة موقوفا عليه (شمت أخاك ثلاثا فما زاد فهو زكام) وفي رواية عن سعيد قال: لا أعلمه إلا أنه رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه. قال أبو داود: رواه أبو نعيم عن موسى بن قيس عن محمد بن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى. وموسى بن قيس هذا الذي رفعه هو الحضرمي الكوفي يعرف بعصفور الجنة. قال يحيى بن معين: ثقة. وقال أبو حاتم الرازي: لا بأس به. وذكر أبو داود عن عبيد بن رفاعة الزرقي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تشمت العاطس ثلاثا فإن شئت فشمته وإن شئت فكف )  ولكن له علتان: إحداهما: إرساله فإن عبيدا هذا ليست له صحبة والثانية: أن فيه أبا خالد يزيد بن عبد الرحمن الدالاني وقد تكلم فيه.(2\/402)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "877",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9443",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الباب حديث آخر عن أبي هريرة يرفعه ( إذا عطس أحدكم فليشمته جليسه فإن زاد على الثلاثة فهو مزكوم ولا تشمته بعد الثلاث ) وهذا الحديث هو حديث أبي داود الذي قال فيه: رواه أبو نعيم عن موسى بن قيس عن محمد بن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة وهو حديث حسن. فإن قيل: إذا كان به زكام فهو أولى أن يدعى له ممن لا علة به قيل: يدعى له كما يدعى للمريض ومن به داء ووجع. وأما سنة العطاس الذي يحبه الله وهو نعمة ويدل على خفة البدن وخروج الأبخرة المحتقنة فإنما يكون إلى تمام الثلاث وما زاد عليها يدعى لصاحبه بالعافية. وقوله في هذا الحديث: (الرجل مزكوم) تنبيه على الدعاء له بالعافية لأن الزكمة علة وفيه اعتذار من ترك تشميته بعد الثلاث وفيه تنبيه له على هذه العلة ليتداركها ولا يهملها فيصعب أمرها فكلامه صلى الله عليه وسلم كله حكمة ورحمة وعلم وهدى. وقد اختلف الناس في مسألتين: إحداهما: أن العاطس إذا حمد الله فسمعه بعض الحاضرين دون بعض هل يسن لمن لم يسمعه تشميته فيه قولان والأظهر: أنه يشمته إذا تحقق أنه حمد الله وليس المقصود سماع المشمت للحمد وإنما المقصود نفس حمده فمتى تحقق ترتب عليه التشميت كما لو كان المشمت أخرس ورأى حركة شفتيه بالحمد. ( والنبي صلى الله عليه وسلم قال: فإن حمد الله فشمتوه ) هذا هو الصواب. الثانية: إذا ترك الحمد فهل يستحب لمن حضره أن يذكره الحمد قال ابن العربي: لا يذكره قال: وهذا جهل من فاعله. وقال النووي: أخطأ من زعم(2\/403)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "878",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9444",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "أنواع أخرى من الأذكار",
        "content": "ذلك بل يذكره وهو مروي عن إبراهيم النخعي. قال: وهو من باب النصيحة والأمر بالمعروف والتعاون على البر والتقوى وظاهر السنة يقوي قول ابن العربي لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشمت الذي عطس ولم يحمد الله ولم يذكره وهذا تعزير له وحرمان لبركة الدعاء لما حرم نفسه بركة الحمد فنسي الله فصرف قلوب المؤمنين وألسنتهم عن تشميته والدعاء له ولو كان تذكيره سنة لكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى بفعلها وتعليمها والإعانة عليها. فصل وصح عنه صلى الله عليه وسلم ( أن اليهود كانوا يتعاطسون عنده يرجون أن يقول لهم: يرحمكم الله فكان يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم )  [أنواع أخرى من الأذكار] [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في أذكار السفر وآدابه] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في أذكار السفر وآدابه صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي وبارك لي فيه وإن كنت تعلمه شرا لي في ديني ومعاشي وعاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان(2\/404)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "879",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9445",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم رضني به quot; قال: ويسمي حاجته )  قال: رواه البخاري. فعوض رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته بهذا الدعاء عما كان عليه أهل الجاهلية من زجر الطير والاستقسام بالأزلام الذي نظيره هذه القرعة التي كان يفعلها إخوان المشركين يطلبون بها علم ما قسم لهم في الغيب ولهذا سمي ذلك استقساما وهو استفعال من القسم والسين فيه للطلب وعوضهم بهذا الدعاء الذي هو توحيد وافتقار وعبودية وتوكل وسؤال لمن بيده الخير كله الذي لا يأتي بالحسنات إلا هو ولا يصرف السيئات إلا هو الذي إذا فتح لعبده رحمة لم يستطع أحد حبسها عنه وإذا أمسكها لم يستطع أحد إرسالها إليه من التطير والتنجيم واختيار الطالع ونحوه. فهذا الدعاء هو الطالع الميمون السعيد طالع أهل السعادة والتوفيق الذين سبقت لهم من الله الحسنى لا طالع أهل الشرك والشقاء والخذلان الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون. فتضمن هذا الدعاء الإقرار بوجوده سبحانه والإقرار بصفات كماله من كمال العلم والقدرة والإرادة والإقرار بربوبيته وتفويض الأمر إليه والاستعانة به والتوكل عليه والخروج من عهدة نفسه والتبري من الحول والقوة إلا به واعتراف العبد بعجزه عن علمه بمصلحة نفسه وقدرته عليها وإرادته لها وأن ذلك كله بيد وليه وفاطره وإلهه الحق. وفي quot; مسند الإمام أحمد quot; من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من سعادة ابن آدم استخارة الله ورضاه بما قضى الله ومن شقاوة ابن آدم(2\/405)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "880",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9446",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ترك استخارة الله وسخطه بما قضى الله ) . فتأمل كيف وقع المقدور مكتنفا بأمرين: التوكل الذي هو مضمون الاستخارة قبله والرضى بما يقضي الله له بعده وهما عنوان السعادة. وعنوان الشقاء أن يكتنفه ترك التوكل والاستخارة قبله والسخط بعده والتوكل قبل القضاء. فإذا أبرم القضاء وتم انتقلت العبودية إلى الرضى بعده كما في quot; المسند quot; وزاد النسائي في الدعاء المشهور: ( وأسألك الرضى بعد القضاء ) . وهذا أبلغ من الرضى بالقضاء فإنه قد يكون عزما فإذا وقع القضاء تنحل العزيمة فإذا حصل الرضى بعد القضاء كان حالا أو مقاما. والمقصود أن الاستخارة توكل على الله وتفويض إليه واستقسام بقدرته وعلمه وحسن اختياره لعبده وهي من لوازم الرضى به ربا الذي لا يذوق طعم الإيمان من لم يكن كذلك وإن رضي بالمقدور بعدها فذلك علامة سعادته. وذكر البيهقي وغيره عن أنس رضي الله عنه قال: لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم سفرا قط إلا قال حين ينهض من جلوسه: (اللهم بك انتشرت وإليك توجهت وبك اعتصمت وعليك توكلت اللهم أنت ثقتي وأنت رجائي اللهم اكفني ما أهمني وما لا أهتم له وما أنت أعلم به مني عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك اللهم زودني التقوى واغفر لي ذنبي ووجهني للخير أينما توجهت)  ثم يخرج .(2\/406)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "881",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9447",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الذكر عند ركوب الراحلة] فصل ( وكان إذا ركب راحلته كبر ثلاثا ثم قال سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون. ثم يقول: اللهم إني أسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا. وإذا رجع قالهن وزاد فيهن: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون ) . وذكر أحمد عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: ( أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من الضبنة في السفر والكآبة في المنقلب اللهم اقبض لنا الأرض وهون علينا السفر. وإذا أراد الرجوع قال: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون. وإذا دخل أهله قال: توبا توبا لربنا أوبا لا يغادر علينا حوبا ) . وفي quot; صحيح مسلم quot;: أنه كان إذا سافر يقول: (اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب ومن الحور بعد الكور ومن دعوة المظلوم ومن سوء المنظر في الأهل والمال ) .(2\/407)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "882",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9448",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "توديع المسافر",
        "content": "[توديع المسافر] فصل وكان إذا وضع رجله في الركاب لركوب دابته قال: quot; بسم الله quot; فإذا استوى على ظهرها قال: quot; الحمد لله quot; ثلاثا quot; الله أكبر quot; ثلاثا ثم يقول: quot; سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون quot; ثم يقول: quot; الحمد لله quot; ثلاثا quot; الله أكبر quot; ثلاثا ثم يقول: quot; سبحان الله quot; ثلاثا ثم يقول: quot; لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت quot;. وكان إذا ودع أصحابه في السفر يقول لأحدهم: (أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك ) . وجاء إليه رجل وقال: يا رسول الله: إني أريد سفرا فزودني. فقال:(2\/408)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "883",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9449",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(زودك الله التقوى. قال: زدني. قال: وغفر لك ذنبك. قال: زدني. قال: ويسر لك الخير حيثما كنت ) . وقال له رجل: إني أريد سفرا فقال (أوصيك بتقوى الله والتكبير على كل شرف quot; فلما ولى قال quot; اللهم ازو له الأرض وهون عليه السفر) . وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا علوا الثنايا كبروا وإذا هبطوا سبحوا فوضعت الصلاة على ذلك. وقال أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا علا شرفا من الأرض أو نشزا قال (اللهم لك الشرف على كل شرف ولك الحمد على كل حمد ) وكان سيره في حجه العنق فإذا وجد فجوة رفع السير فوق ذلك وكان(2\/409)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "884",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9450",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقول: ( لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس ) . وكان يكره للمسافر وحده أن يسير بالليل فقال: ( لو يعلم الناس ما في الوحدة ما سار أحد وحده بليل ) . بل كان يكره السفر للواحد بلا رفقة وأخبر: ( أن الواحد شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة ركب ) وكان يقول: ( إذا نزل أحدكم منزلا فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل منه ) . ولفظ مسلم: ( من نزل منزلا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك ) . وذكر أحمد عنه أنه كان إذا غزا أو سافر فأدركه الليل قال: ( يا أرض ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما خلق فيك وشر ما دب(2\/410)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "885",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9451",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليك أعوذ بالله من شر كل أسد وأسود وحية وعقرب ومن شر ساكن البلد ومن شر والد وما ولد ) . وكان يقول: ( إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض وإذا سافرتم في السنة فبادروا نقيها ) . وفي لفظ: ( فأسرعوا عليها السير وإذا عرستم فاجتنبوا الطريق فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل ) . وكان إذا رأى قرية يريد دخولها قال حين يراها: (اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن ورب الريح وما ذرين إنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها ) . وكان إذا بدا له الفجر في السفر قال: (سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه علينا ربنا صاحبنا وأفضل علينا عائذا بالله من النار )(2\/411)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "886",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9452",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( وكان ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو ) . وكان ينهى المرأة أن تسافر بغير محرم ولو مسافة بريد. ( وكان يأمر المسافر إذا قضى نهمته من سفره أن يعجل الأوبة إلى(2\/412)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "887",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9453",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أهله ) . وكان إذا قفل من سفره يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ) . ( وكان ينهى أن يطرق الرجل أهله ليلا إذا طالت غيبته عنهم .(2\/413)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "888",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9454",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; الصحيحين quot;: ( كان لا يطرق أهله ليلا يدخل عليهن غدوة أو عشية ) . ( وكان إذا قدم من سفره يلقى بالولدان من أهل بيته. قال عبد الله بن جعفر: وإنه قدم مرة من سفر فسبق بي إليه فحملني بين يديه ثم جيء بأحد ابني فاطمة إما حسن وإما حسين فأردفه خلفه. قال: فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة ) . وكان يعتنق القادم من سفره ويقبله إذا كان من أهله. قال الزهري: عن عروة عن عائشة: ( قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي فأتاه فقرع الباب فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عريانا يجر ثوبه والله ما رأيته عريانا قبله ولا بعده فاعتنقه وقبله ) .(2\/414)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "889",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9455",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالت عائشة: لما قدم جعفر وأصحابه تلقاه النبي صلى الله عليه وسلم فقبل ما بين عينيه واعتنقه . قال الشعبي: وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدموا من سفر تعانقوا. ( وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين )  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في أذكار النكاح] ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه علمهم خطبة الحاجة: ( الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا(2\/415)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "890",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9456",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبده ورسوله ثم يقرأ الآيات الثلاث: ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون [آل عمران: 102] [آل عمران: 102]  ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا [النساء: 1] [النساء: 1] ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا - يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما [الأحزاب: 70 - 71] ) [الأحزاب: 70 - 71] . قال شعبة: قلت لأبي إسحاق: هذه في خطبة النكاح أو في غيرها قال: في كل حاجة . وقال: ( إذا أفاد أحدكم امرأة أو خادما أو دابة فليأخذ بناصيتها وليدع الله بالبركة ويسمي الله عز وجل وليقل: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلت عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلت عليه ) وكان يقول للمتزوج: (بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير ) .(2\/416)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "891",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9457",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ( لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدا )  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم فيما يقول من رأى ما يعجبه من أهله وماله] يذكر عن أنس عنه أنه قال: ( ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل ولا مال أو ولد فيقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله فيرى فيه آفة دون الموت وقد قال تعالى: ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله [الكهف: 39]  )) [الكهف 39] .  [فصل فيما يقول من رأى مبتلى] صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ما من رجل رأى مبتلى فقال: الحمد لله الذي(2\/417)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "892",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9458",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا إلا لم يصبه ذلك البلاء كائنا ما كان ) .  [فصل فيما يقوله من لحقته الطيرة] ذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه ذكرت الطيرة عنده فقال: (أحسنها الفأل ولا ترد مسلما فإذا رأيت من الطيرة ما تكره فقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك ) . وكان كعب يقول: (اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا رب غيرك ولا حول ولا قوة إلا بك والذي نفسي بيده إنها لرأس التوكل وكنز العبد في الجنة ولا يقولهن عبد عند ذلك ثم يمضي إلا لم يضره شيء) .(2\/418)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "893",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9459",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل فيما يقوله من رأى في منامه ما يكرهه] صح عنه صلى الله عليه وسلم: ( الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان فمن رأى رؤيا يكره منها شيئا فلينفث عن يساره ثلاثا وليتعوذ بالله من الشيطان فإنها لا تضره ولا يخبر بها أحدا. وإن رأى رؤيا حسنة فليستبشر ولا يخبر بها إلا من يحب ) . ( وأمر من رأى ما يكرهه أن يتحول عن جنبه الذي كان عليه وأمره أن يصلي ) فأمره بخمسة أشياء: أن ينفث عن يساره وأن يستعيذ بالله من الشيطان وأن لا يخبر بها أحدا وأن يتحول عن جنبه الذي كان عليه وأن يقوم يصلي ومتى فعل ذلك لم تضره الرؤيا المكروهة بل هذا يدفع شرها. وقال: ( الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت ولا يقصها إلا على واد أو ذي رأي ) .(2\/419)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "894",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9460",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا قصت عليه الرؤيا قال: اللهم إن كان خيرا فلنا وإن كان شرا فلعدونا) ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( من عرضت عليه رؤيا فليقل لمن عرض عليه خيرا ) ويذكر عنه أنه ( كان يقول للرائي قبل أن يعبرها له: خيرا رأيت ثم يعبرها ) . وذكر عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: (كان أبو بكر الصديق إذا أراد أن يعبر رؤيا قال: إن صدقت رؤياك يكون كذا وكذا)  [فصل فيما يقوله ويفعله من ابتلي بالوسواس]  وما يستعين به على الوسوسة روى صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن(2\/420)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "895",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9461",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن مسعود يرفعه: ( إن للملك الموكل بقلب ابن آدم لمة وللشيطان لمة فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق ورجاء صالح ثوابه ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق وقنوط من الخير فإذا وجدتم لمة الملك فاحمدوا الله وسلوه من فضله وإذا وجدتم لمة الشيطان فاستعيذوا بالله فاستغفروه ) وقال له عثمان بن أبي العاص: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي قال: (ذاك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا ) وشكا إليه الصحابة أن أحدهم يجد في نفسه - يعرض بالشيء - لأن يكون حممة أحب إليه من أن يتكلم به فقال: (الله أكبر الله أكبر الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة ) .(2\/421)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "896",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9462",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( وأرشد من بلي بشيء من وسوسة التسلسل في الفاعلين إذا قيل له: هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله أن يقرأ: هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم [الحديد: 3]  )) [الحديد: 3] . كذلك ( قال ابن عباس لأبي زميل سماك بن الوليد الحنفي وقد سأله: ما شيء أجده في صدري قال: ما هو قال: قلت: والله لا أتكلم به. قال فقال لي: أشيء من شك قلت: بلى فقال لي: ما نجا من ذلك أحد حتى أنزل الله عز وجل: فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك [يونس: 94] [يونس: 94] قال: فقال لي: فإذا وجدت في نفسك شيئا فقل: هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم [الحديد: 3]  ) فأرشدهم بهذه الآية إلى بطلان التسلسل الباطل ببديهة العقل وأن سلسلة المخلوقات في ابتدائها تنتهي إلى أول ليس قبله شيء كما تنتهي في آخرها إلى آخر ليس بعده شيء كما أن ظهوره هو العلو الذي ليس فوقه شيء وبطونه هو الإحاطة التي لا يكون دونه فيها شيء ولو كان قبله شيء يكون مؤثرا فيه لكان ذلك هو الرب الخلاق ولا بد أن ينتهي الأمر إلى خالق غير مخلوق وغني عن غيره وكل شيء فقير إليه قائم بنفسه وكل شيء قائم به موجود بذاته وكل شيء موجود به. قديم لا أول له وكل ما سواه فوجوده بعد عدمه باق بذاته وبقاء كل شيء به فهو الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء الظاهر الذي ليس فوقه شيء الباطن الذي ليس دونه شيء. وقال صلى الله عليه وسلم: ( لا يزال الناس يتساءلون حتى يقول قائلهم: هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله فمن وجد من ذلك شيئا فليستعذ بالله(2\/422)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "897",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9463",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولينته)  وقد قال تعالى: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم [فصلت: 36]  [فصلت 36] . ولما كان الشيطان على نوعين: نوع يرى عيانا وهو شيطان الإنس ونوع لا يرى وهو شيطان الجن أمر سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يكتفي من شر شيطان الإنس بالإعراض عنه والعفو والدفع بالتي هي أحسن ومن شيطان الجن بالاستعاذة بالله منه والعفو وجمع بين النوعين في سورة الأعراف وسورة المؤمنين وسورة فصلت والاستعاذة في القراءة والذكر أبلغ في دفع شر شياطين الجن والعفو والإعراض والدفع بالإحسان أبلغ في دفع شر شياطين الإنس. قال: فما هو إلا الاستعاذة ضارعا ... أو الدفع بالحسنى هما خير مطلوب فهذا دواء الداء من شر ما يرى ... وذاك دواء الداء من شر محجوب  [فصل فيما يقوله ويفعله من اشتد غضبه] أمره صلى الله عليه وسلم أن يطفئ عنه جمرة الغضب بالوضوء والقعود إن كان قائما والاضطجاع إن كان قاعدا والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم. ولما كان الغضب والشهوة جمرتين من نار في قلب ابن آدم أمر أن يطفئهما بالوضوء والصلاة والاستعاذة من الشيطان الرجيم كما قال تعالى:(2\/423)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "898",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9464",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم [البقرة: 44] الآية [البقرة: 44] . وهذا إنما يحمل عليه شدة الشهوة فأمرهم بما يطفئون بها جمرتها وهو الاستعانة بالصبر والصلاة وأمر تعالى بالاستعاذة من الشيطان عند نزغاته. ولما كانت المعاصي كلها تتولد من الغضب والشهوة وكان نهاية قوة الغضب القتل ونهاية قوة الشهوة الزنا جمع الله تعالى بين القتل والزنا وجعلهما قرينين في سورة الأنعام وسورة الإسراء وسورة الفرقان وسورة الممتحنة. والمقصود: أنه سبحانه أرشد عباده إلى ما يدفعون به شر قوتي الغضب والشهوة من الصلاة والاستعاذة.  [الدعاء لرؤية ما يحب وما يكره] فصل ( وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يحب قال quot; الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وإذا رأى ما يكره قال quot; الحمد لله على كل حال ) .  [ما يفعل مع من صنع إليه معروفا] فصل وكان صلى الله عليه وسلم يدعو لمن تقرب إليه بما يحب وبما يناسب ( فلما وضع له ابن عباس وضوءه قال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل )(2\/424)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "899",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9465",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولما ( دعمه أبو قتادة في مسيره بالليل لما مال عن راحلته قال: حفظك الله بما حفظت به نبيه ) وقال ( من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء ) ( واستقرض من عبد الله بن أبي ربيعة مالا ثم وفاه إياه وقال: quot; بارك الله لك في أهلك ومالك إنما جزاء السلف الحمد والأداء ) ( ولما أراحه جرير بن عبد الله البجلي من ذي الخلصة: صنم دوس برك على خيل قبيلته أحمس ورجالها خمس مرات )  [الإثابة على الهدية] وكان صلى الله عليه وسلم إذا أهديت إليه هدية فقبلها كافأ عليها بأكثر(2\/425)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "900",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9466",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منها وإن ردها اعتذر إلى مهديها ( كقوله صلى الله عليه وسلم للصعب بن جثامة لما أهدى إليه لحم الصيد: quot; إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم ) والله أعلم.  [الذكر عند نهيق الحمار والذكر في المجلس] فصل وأمر صلى الله عليه وسلم أمته إذا سمعوا نهيق الحمار أن يتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم وإذا سمعوا صياح الديكة أن يسألوا الله من فضله. ويروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه ( أمرهم بالتكبير عند رؤية الحريق ) فإن التكبير يطفئه. وكره صلى الله عليه وسلم لأهل المجلس أن يخلوا مجلسهم من ذكر الله عز وجل وقال ( ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة الحمار )(2\/426)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "901",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9467",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: ( من قعد مقعدا لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة ومن اضطجع مضجعا لا يذكر الله فيه كان عليه من الله ترة )  والترة الحسرة. وفي لفظ: ( وما سلك أحد طريقا لم يذكر الله فيه إلا كانت عليه ترة ) . وقال صلى الله عليه وسلم ( من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك ) وفي quot; سنن أبي داود quot; و quot; مستدرك الحاكم quot; أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك إذا أراد أن يقوم من المجلس فقال له رجل: يا رسول الله إنك لتقول قولا ما كنت تقوله فيما مضى. قال (ذلك كفارة لما يكون في المجلس )  [فصل الدعاء عند الأرق والفزع] ( وشكا إليه خالد بن الوليد الأرق بالليل فقال له: quot; إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم رب السماوات السبع وما أظلت ورب الأرضين السبع وما أقلت ورب الشياطين وما أضلت كن لي جارا من شر خلقك كلهم جميعا من أن يفرط(2\/427)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "902",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9468",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحد منهم علي أو أن يطغى علي عز جارك وجل ثناؤك ولا إله إلا أنت ) . وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه من الفزع: (أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه ومن شر عباده ومن شر همزات الشياطين وأن يحضرون)  ويذكر (أن رجلا شكا إليه صلى الله عليه وسلم أنه يفزع في منامه فقال: quot; إذا أويت إلى فراشك فقل. .. quot; ثم ذكرها فقالها فذهب عنه)  [فصل في ألفاظ كان صلى الله عليه وسلم يكره أن تقال] فمنها: أن يقول خبثت نفسي أو جاشت نفسي وليقل: لقست. ومنها: أن يسمي شجر العنب كرما نهى عن ذلك وقال ( لا تقولوا: الكرم ولكن قولوا: العنب والحبلة ) . وكره أن يقول الرجل: هلك الناس. وقال: quot; إذا قال ذلك فهو(2\/428)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "903",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9469",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أهلكهم . وفي معنى هذا: فسد الناس وفسد الزمان ونحوه. ونهى أن يقال: ما شاء الله وشاء فلان بل يقال ما شاء الله ثم شاء فلان. ( فقال له رجل ما شاء الله وشئت. فقال: أجعلتني لله ندا قل ما شاء الله وحده ) . وفي معنى هذا: لولا الله وفلان لما كان كذا بل وهو أقبح وأنكر وكذلك: أنا بالله وبفلان وأعوذ بالله وبفلان وأنا في حسب الله وحسب فلان وأنا متكل على الله وعلى فلان فقائل هذا قد جعل فلانا ندا لله عز وجل. ومنها: أن يقال: مطرنا بنوء كذا وكذا بل يقول: مطرنا بفضل الله ورحمته. ومنها: أن يحلف بغير الله. صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من حلف بغير الله فقد أشرك ) .(2\/429)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "904",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9470",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: أن يقول في حلفه: هو يهودي أو نصراني أو كافر إن فعل كذا. ومنها: أن يقول لمسلم: يا كافر. ومنها: أن يقول للسلطان: ملك الملوك. وعلى قياسه قاضي القضاة. ومنها: أن يقول: السيد لغلامه وجاريته: عبدي وأمتي ويقول: الغلام لسيده: ربي وليقل السيد: فتاي وفتاتي وليقل الغلام: سيدي وسيدتي. ومنها: سب الريح إذا هبت بل يسأل الله خيرها وخير ما أرسلت به ويعوذ بالله من شرها وشر ما أرسلت به. ومنها: سب الحمى نهى عنه وقال ( إنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد ) .(2\/430)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "905",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9471",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: النهي عن سب الديك صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة ) . ومنها: الدعاء بدعوى الجاهلية والتعزي بعزائهم كالدعاء إلى القبائل والعصبية لها وللأنساب ومثله التعصب للمذاهب والطرائق والمشايخ وتفضيل بعضها على بعض بالهوى والعصبية وكونه منتسبا إليه فيدعو إلى ذلك ويوالي عليه ويعادي عليه ويزن الناس به كل هذا من دعوى الجاهلية. ومنها: تسمية العشاء بالعتمة تسمية غالبة يهجر فيها لفظ العشاء. ومنها: النهي عن سباب المسلم وأن يتناجى اثنان دون الثالث. وأن تخبر المرأة زوجها بمحاسن امرأة أخرى. ومنها: أن يقول في دعائه: quot; اللهم اغفر لي إن شئت وارحمني إن شئت quot;.(2\/431)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "906",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9472",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: الإكثار من الحلف. ومنها: كراهة أن يقول: قوس قزح لهذا الذي يرى في السماء. ومنها: أن يسأل أحدا بوجه الله. ومنها: أن يسمي المدينة بيثرب. ومنها: أن يسأل الرجل فيم ضرب امرأته إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك. ومنها أن يقول: صمت رمضان كله أو قمت الليل كله.(2\/432)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "907",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9473",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومن الألفاظ المكروهة الإفصاح عن الأشياء التي ينبغي الكناية عنها بأسمائها الصريحة. ومنها: أن يقول أطال الله بقاءك وأدام أيامك وعشت ألف سنة ونحو ذلك. ومنها: أن يقول الصائم: وحق الذي خاتمه على فم الكافر. ومنها: أن يقول للمكوس: حقوقا. وأن يقول لما ينفقه في طاعة الله: غرمت أو خسرت كذا وكذا: وأن يقول أنفقت في هذه الدنيا مالا كثيرا. ومنها: أن يقول المفتي: أحل الله كذا وحرم الله كذا في المسائل الاجتهادية وإنما يقوله فيما ورد النص بتحريمه. ومنها: أن يسمي أدلة القرآن والسنة ظواهر لفظية ومجازات فإن هذه التسمية تسقط حرمتها من القلوب ولا سيما إذا أضاف إلى ذلك تسمية شبه المتكلمين والفلاسفة قواطع عقلية فلا إله إلا الله كم حصل بهاتين التسميتين من فساد في العقول والأديان والدنيا والدين.  فصل ومنها: أن يحدث الرجل بجماع أهله وما يكون بينه وبينها(2\/433)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "908",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9474",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كما يفعله السفلة. ومما يكره من الألفاظ: زعموا وذكروا وقالوا ونحوه. ومما يكره منها أن يقول للسلطان: خليفة الله أو نائب الله في أرضه فإن الخليفة والنائب إنما يكون عن غائب والله سبحانه وتعالى خليفة الغائب في أهله ووكيل عبده المؤمن.  فصل وليحذر كل الحذر من طغيان quot; أنا quot; quot; ولي quot; quot; وعندي quot; فإن هذه الألفاظ الثلاثة ابتلي بها إبليس وفرعون وقارون (فأنا خير منه) لإبليس و لي ملك مصر [الزخرف: 51] لفرعون و إنما أوتيته على علم عندي [القصص: 78] لقارون. وأحسن ما وضعت quot; أنا quot; في قول العبد: أنا العبد المذنب المخطئ المستغفر المعترف ونحوه. quot; ولي quot; في قوله: لي الذنب ولي الجرم ولي المسكنة ولي الفقر(2\/434)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "909",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9475",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والذل: quot; وعندي quot; في قوله: quot; اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي quot;.(2\/435)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "910",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9476",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الجهاد والمغازي والسرايا والبعوث] [الجهاد في أول الإسلام] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الجهاد والمغازي والسرايا والبعوث لما كان الجهاد ذروة سنام الإسلام وقبته ومنازل أهله أعلى المنازل في الجنة كما لهم الرفعة في الدنيا فهم الأعلون في الدنيا والآخرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذروة العليا منه واستولى على أنواعه كلها فجاهد في الله حق جهاده بالقلب والجنان والدعوة والبيان والسيف والسنان وكانت ساعاته موقوفة على الجهاد بقلبه ولسانه ويده. ولهذا كان أرفع العالمين ذكرا وأعظمهم عند الله قدرا. وأمره الله تعالى بالجهاد من حين بعثه وقال: ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا [الفرقان: 51] [الفرقان: 52]  فهذه سورة مكية أمر فيها بجهاد الكفار بالحجة والبيان وتبليغ القرآن وكذلك جهاد المنافقين إنما هو بتبليغ الحجة وإلا فهم تحت قهر أهل الإسلام قال تعالى: ياأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير [التوبة: 73] [التوبة: 73] فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار وهو جهاد خواص الأمة وورثة الرسل والقائمون به أفراد في العالم والمشاركون فيه والمعاونون عليه وإن كانوا هم الأقلين عددا فهم الأعظمون عند الله قدرا. ولما كان من أفضل الجهاد قول الحق مع شدة المعارض مثل أن تتكلم به عند من تخاف سطوته وأذاه كان للرسل - صلوات الله عليهم وسلامه - من ذلك الحظ الأوفر وكان لنبينا - صلوات الله وسلامه عليه - من ذلك أكمل الجهاد وأتمه. ولما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعا على جهاد العبد نفسه في ذات(3\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "911",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9477",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ) كان جهاد النفس مقدما على جهاد العدو في الخارج وأصلا له فإنه ما لم يجاهد نفسه أولا لتفعل ما أمرت به وتترك ما نهيت عنه ويحاربها في الله لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج فكيف يمكنه جهاد عدوه والانتصاف منه وعدوه الذي بين جنبيه قاهر له متسلط عليه لم يجاهده ولم يحاربه في الله بل لا يمكنه الخروج إلى عدوه حتى يجاهد نفسه على الخروج. فهذان عدوان قد امتحن العبد بجهادهما وبينهما عدو ثالث لا يمكنه جهادهما إلا بجهاده وهو واقف بينهما يثبط العبد عن جهادهما ويخذله ويرجف به ولا يزال يخيل له ما في جهادهما من المشاق وترك الحظوظ وفوت اللذات والمشتهيات ولا يمكنه أن يجاهد ذينك العدوين إلا بجهاده فكان جهاده هو الأصل لجهادهما وهو الشيطان قال تعالى: إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا [فاطر: 6] [فاطر: 6]  والأمر باتخاذه عدوا تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته ومجاهدته كأنه عدو لا يفتر ولا يقصر عن محاربة العبد على عدد الأنفاس. فهذه ثلاثة أعداء أمر العبد بمحاربتها وجهادها وقد بلي بمحاربتها في هذه الدار وسلطت عليه امتحانا من الله له وابتلاء فأعطى الله العبد مددا وعدة وأعوانا وسلاحا لهذا الجهاد وأعطى أعداءه مددا وعدة وأعوانا وسلاحا وبلا أحد الفريقين بالآخر وجعل بعضهم لبعض فتنة ليبلو أخبارهم ويمتحن من يتولاه ويتولى رسله ممن يتولى الشيطان وحزبه كما قال تعالى: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا [الفرقان: 20] [الفرقان: 20] .(3\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "912",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9478",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال تعالى: ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض [محمد: 4] [محمد: 4] وقال تعالى: ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم [محمد: 31] [محمد: 31] فأعطى عباده الأسماع والأبصار والعقول والقوى وأنزل عليهم كتبه وأرسل إليهم رسله وأمدهم بملائكته وقال لهم: أني معكم فثبتوا الذين آمنوا [الأنفال: 12] [الأنفال: 12]  وأمرهم من أمره بما هو من أعظم العون لهم على حرب عدوهم وأخبرهم أنهم إن امتثلوا ما أمرهم به لم يزالوا منصورين على عدوه وعدوهم وأنه إن سلطه عليهم فلتركهم بعض ما أمروا به ولمعصيتهم له ثم لم يؤيسهم ولم يقنطهم بل أمرهم أن يستقبلوا أمرهم ويداووا جراحهم ويعودوا إلى مناهضة عدوهم فينصرهم عليه ويظفرهم بهم فأخبرهم أنه مع المتقين منهم ومع المحسنين ومع الصابرين ومع المؤمنين وأنه يدافع عن عباده المؤمنين ما لا يدافعون عن أنفسهم بل بدفاعه عنهم انتصروا على عدوهم ولولا دفاعه عنهم لتخطفهم عدوهم واجتاحهم. وهذه المدافعة عنهم بحسب إيمانهم وعلى قدره فإن قوي الإيمان قويت المدافعة فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. وأمرهم أن يجاهدوا فيه حق جهاده كما أمرهم أن يتقوه حق تقاته وكما أن حق تقاته أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر فحق جهاده أن يجاهد العبد نفسه ليسلم قلبه ولسانه وجوارحه لله فيكون كله لله وبالله لا لنفسه ولا بنفسه ويجاهد شيطانه بتكذيب وعده ومعصية أمره وارتكاب نهيه فإنه يعد الأماني ويمني الغرور ويعد الفقر ويأمر بالفحشاء(3\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "913",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9479",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وينهى عن التقى والهدى والعفة والصبر وأخلاق الإيمان كلها فجاهده بتكذيب وعده ومعصية أمره فينشأ له من هذين الجهادين قوة وسلطان وعدة يجاهد بها أعداء الله في الخارج بقلبه ولسانه ويده وماله لتكون كلمة الله هي العليا. واختلفت عبارات السلف في حق الجهاد: فقال ابن عباس: هو استفراغ الطاقة فيه وألا يخاف في الله لومة لائم. وقال مقاتل: اعملوا لله حق عمله واعبدوه حق عبادته. وقال عبد الله بن المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى. ولم يصب من قال: إن الآيتين منسوختان لظنه أنهما تضمنتا الأمر بما لا يطاق وحق تقاته وحق جهاده: هو ما يطيقه كل عبد في نفسه وذلك يختلف باختلاف أحوال المكلفين في القدرة والعجز والعلم والجهل. فحق التقوى وحق الجهاد بالنسبة إلى القادر المتمكن العالم شيء وبالنسبة إلى العاجز الجاهل الضعيف شيء وتأمل كيف عقب الأمر بذلك بقوله: هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج [الحج: 78] [الحج: 78] والحرج: الضيق بل جعله واسعا يسع كل أحد كما جعل رزقه يسع كل حي وكلف العبد بما يسعه العبد ورزق العبد ما يسع العبد فهو يسع تكليفه ويسعه رزقه وما جعل على عبده في الدين من حرج بوجه ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( بعثت بالحنيفية السمحة ) أي: بالملة فهي حنيفية في التوحيد سمحة في العمل. وقد وسع الله سبحانه وتعالى على عباده غاية التوسعة في دينه ورزقه وعفوه ومغفرته وبسط عليهم التوبة ما دامت الروح في الجسد وفتح لهم بابا لها لا يغلقه عنهم إلى أن تطلع الشمس من مغربها وجعل لكل سيئة كفارة تكفرها من توبة أو صدقة أو حسنة ماحية أو مصيبة مكفرة وجعل بكل ما حرم عليهم عوضا من الحلال أنفع لهم منه وأطيب وألذ فيقوم مقامه ليستغني العبد(3\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "914",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9480",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن الحرام ويسعه الحلال فلا يضيق عنه وجعل لكل عسر يمتحنهم به يسرا قبله ويسرا بعده quot; فلن يغلب عسر يسرين quot; فإذا كان هذا شأنه سبحانه مع عباده فكيف يكلفهم ما لا يسعهم فضلا عما لا يطيقونه ولا يقدرون عليه.  [فصل في مراتب الجهاد] [فصل في مراتب جهاد النفس] فصل مراتب جهاد النفس إذا عرف هذا فالجهاد أربع مراتب: جهاد النفس وجهاد الشيطان وجهاد الكفار وجهاد المنافقين. فجهاد النفس أربع مراتب أيضا: إحداها: أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به ومتى فاتها علمه شقيت في الدارين. الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها. الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه من لا يعلمه وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات ولا ينفعه علمه ولا ينجيه من عذاب الله. الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق ويتحمل ذلك كله لله. فإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى ربانيا حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلمه فمن علم وعمل وعلم فذاك يدعى عظيما في ملكوت السماوات.(3\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "915",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9481",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في مراتب جهاد الشيطان] فصل وأما جهاد الشيطان فمرتبتان إحداهما: جهاده على دفع ما يلقي إلى العبد من الشبهات والشكوك القادحة في الإيمان. الثانية: جهاده على دفع ما يلقي إليه من الإرادات الفاسدة والشهوات فالجهاد الأول يكون بعده اليقين والثاني: يكون بعده الصبر. قال تعالى: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون [السجدة: 24] [السجدة: 24] فأخبر أن إمامة الدين إنما تنال بالصبر واليقين فالصبر يدفع الشهوات والإرادات الفاسدة واليقين يدفع الشكوك والشبهات.  [فصل في مراتب جهاد الكفار والمنافقين] فصل وأما جهاد الكفار والمنافقين فأربع مراتب: بالقلب واللسان والمال والنفس وجهاد الكفار أخص باليد وجهاد المنافقين أخص باللسان.  [فصل في جهاد أرباب الظلم والبدع والمنكرات] فصل وأما جهاد أرباب الظلم والبدع والمنكرات فثلاث مراتب الأولى: باليد إذا قدر فإن عجز انتقل إلى اللسان فإن عجز جاهد بقلبه فهذه ثلاثة عشر مرتبة من الجهاد و ( من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق ) .  [فصل في شرط الجهاد] فصل ولا يتم الجهاد إلا بالهجرة ولا الهجرة والجهاد إلا بالإيمان والراجون رحمة الله هم الذين قاموا بهذه الثلاثة. قال تعالى: إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم [البقرة: 218] [البقرة: 218] .(3\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "916",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9482",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكما أن الإيمان فرض على كل أحد ففرض عليه هجرتان في كل وقت: هجرة إلى الله عز وجل بالتوحيد والإخلاص والإنابة والتوكل والخوف والرجاء والمحبة والتوبة وهجرة إلى رسوله بالمتابعة والانقياد لأمره والتصديق بخبره وتقديم أمره وخبره على أمر غيره وخبره: ( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) . وفرض عليه جهاد نفسه في ذات الله وجهاد شيطانه فهذا كله فرض عين لا ينوب فيه أحد عن أحد. وأما جهاد الكفار والمنافقين فقد يكتفى فيه ببعض الأمة إذا حصل منهم مقصود الجهاد.  [فصل أكمل الخلق من كمل مراتب الجهاد] فصل وأكمل الخلق عند الله من كمل مراتب الجهاد كلها والخلق متفاوتون في منازلهم عند الله تفاوتهم في مراتب الجهاد ولهذا كان أكمل الخلق وأكرمهم على الله خاتم أنبيائه ورسله فإنه كمل مراتب الجهاد وجاهد في الله حق جهاده وشرع في الجهاد من حين بعث إلى أن توفاه الله عز وجل فإنه لما نزل عليه: ياأيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر [المدثر: 1] [المدثر: 1 - 4] شمر عن ساق الدعوة وقام في ذات الله أتم قيام ودعا إلى الله ليلا ونهارا وسرا وجهارا ولما نزل عليه: فاصدع بما تؤمر [الحجر: 94] [الحجر: 94] فصدع بأمر الله لا تأخذه فيه لومة لائم فدعا إلى الله الصغير والكبير والحر والعبد والذكر والأنثى والأحمر والأسود والجن والإنس. ولما صدع بأمر الله وصرح لقومه بالدعوة وناداهم بسب آلهتهم(3\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "917",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9483",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعيب دينهم اشتد أذاهم له ولمن استجاب له من أصحابه ونالوه ونالوهم بأنواع الأذى وهذه سنة الله عز وجل في خلقه كما قال تعالى: ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك [فصلت: 43] [فصلت: 43] وقال: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن [الأنعام: 112] [الأنعام: 112] وقال: كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون - أتواصوا به بل هم قوم طاغون [الذاريات: 52 - 53] [الذاريات: 52- 53] . فعزى سبحانه نبيه بذلك وأن له أسوة بمن تقدمه من المرسلين وعزى أتباعه بقوله: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب [البقرة: 214] [البقرة: 214] . وقوله: الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون - ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين [العنكبوت: 1 - 3] أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون - من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم - ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين - والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون - ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون - والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين - ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين [العنكبوت: 4 - 10] [العنكبوت: 1 - 11] .(3\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "918",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9484",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فليتأمل العبد سياق هذه الآيات وما تضمنته من العبر وكنوز الحكم فإن الناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين إما أن يقول أحدهم: آمنا وإما ألا يقول ذلك بل يستمر على السيئات والكفر فمن قال: آمنا امتحنه ربه وابتلاه وفتنه والفتنة الابتلاء والاختبار ليتبين الصادق من الكاذب ومن لم يقل آمنا فلا يحسب أنه يعجز الله ويفوته ويسبقه فإنه إنما يطوي المراحل في يديه. وكيف يفر المرء عنه بذنبه ... إذا كان تطوى في يديه المراحل فمن آمن بالرسل وأطاعهم عاداه أعداؤهم وآذوه فابتلي بما يؤلمه وإن لم يؤمن بهم ولم يطعهم عوقب في الدنيا والآخرة فحصل له ما يؤلمه وكان هذا المؤلم له أعظم ألما وأدوم من ألم اتباعهم فلا بد من حصول الألم لكل نفس آمنت أو رغبت عن الإيمان لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداء ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة والمعرض عن الإيمان تحصل له اللذة ابتداء ثم يصير إلى الألم الدائم. وسئل الشافعي رحمه الله أيما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى فقال: لا يمكن حتى يبتلى والله تعالى ابتلى أولي العزم من الرسل فلما صبروا مكنهم فلا يظن أحد أنه يخلص من الألم البتة وإنما يتفاوت أهل الآلام في العقول فأعقلهم من باع ألما مستمرا عظيما بألم منقطع يسير وأشقاهم من باع الألم المنقطع اليسير بالألم العظيم المستمر. فإن قيل: كيف يختار العاقل هذا قيل: الحامل له على هذا النقد والنسيئة. والنفس موكلة بحب العاجل كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة [القيامة: 20] [القيامة: 20] إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا [الإنسان: 27] [الدهر: 27]  وهذا يحصل لكل أحد فإن الإنسان مدني بالطبع لا بد له أن يعيش مع الناس والناس لهم إرادات وتصورات فيطلبون منه أن يوافقهم عليها فإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه وإن(3\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "919",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9485",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وافقهم حصل له الأذى والعذاب تارة منهم وتارة من غيرهم كمن عنده دين وتقى حل بين قوم فجار ظلمة ولا يتمكنون من فجورهم وظلمهم إلا بموافقته لهم أو سكوته عنهم فإن وافقهم أو سكت عنهم سلم من شرهم في الابتداء ثم يتسلطون عليه بالإهانة والأذى أضعاف ما كان يخافه ابتداء لو أنكر عليهم وخالفهم وإن سلم منهم فلا بد أن يهان ويعاقب على يد غيرهم فالحزم كل الحزم في الأخذ بما قالت عائشة أم المؤمنين لمعاوية: (من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئا) . ومن تأمل أحوال العالم رأى هذا كثيرا فيمن يعين الرؤساء على أغراضهم الفاسدة وفيمن يعين أهل البدع على بدعهم هربا من عقوبتهم فمن هداه الله وألهمه رشده ووقاه شر نفسه امتنع من الموافقة على فعل المحرم وصبر على عدوانهم ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة كما كانت للرسل وأتباعهم كالمهاجرين والأنصار ومن ابتلي من العلماء والعباد وصالحي الولاة والتجار وغيرهم. ولما كان الألم لا محيص منه البتة عزى الله - سبحانه - من اختار الألم اليسير المنقطع على الألم العظيم المستمر بقوله: من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم [العنكبوت: 5] [العنكبوت: 5] فضرب لمدة هذا الألم أجلا لا بد أن يأتي وهو يوم لقائه فيلتذ العبد أعظم اللذة(3\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "920",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9486",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بما تحمل من الألم من أجله وفي مرضاته وتكون لذته وسروره وابتهاجه بقدر ما تحمل من الألم في الله ولله وأكد هذا العزاء والتسلية برجاء لقائه ليحمل العبد اشتياقه إلى لقاء ربه ووليه على تحمل مشقة الألم العاجل بل ربما غيبه الشوق إلى لقائه عن شهود الألم والإحساس به ولهذا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه الشوق إلى لقائه فقال في الدعاء الذي رواه أحمد وابن حبان: ( اللهم إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضى وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسألك نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لا تنقطع وأسألك الرضى بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين ) . فالشوق يحمل المشتاق على الجد في السير إلى محبوبه ويقرب عليه الطريق ويطوي له البعيد ويهون عليه الآلام والمشاق وهو من أعظم نعمة أنعم الله بها على عبده ولكن لهذه النعمة أقوال وأعمال هما السبب الذي تنال به والله سبحانه سميع لتلك الأقوال عليم بتلك الأفعال وهو عليم بمن يصلح لهذه النعمة ويشكرها ويعرف قدرها ويحب المنعم عليه(3\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "921",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9487",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتصلح عنده هذه النعمة ويصلح بها كما قال تعالى: وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين [الأنعام: 53] [الأنعام: 53]  فإذا فاتت العبد نعمة من نعم ربه فليقرأ على نفسه: أليس الله بأعلم بالشاكرين [الأنعام: 53] . ثم عزاهم تعالى بعزاء آخر وهو أن جهادهم فيه إنما هو لأنفسهم وثمرته عائدة عليهم وأنه غني عن العالمين ومصلحة هذا الجهاد ترجع إليهم لا إليه سبحانه ثم أخبر أنه يدخلهم بجهادهم وإيمانهم في زمرة الصالحين. ثم أخبر عن حال الداخل في الإيمان بلا بصيرة وأنه إذا أوذي في الله جعل فتنة الناس له كعذاب الله وهي أذاهم له ونيلهم إياه بالمكروه والألم الذي لا بد أن يناله الرسل وأتباعهم ممن خالفهم جعل ذلك في فراره منهم وتركه السبب الذي ناله كعذاب الله الذي فر منه المؤمنون بالإيمان فالمؤمنون لكمال بصيرتهم فروا من ألم عذاب الله إلى الإيمان وتحملوا ما فيه من الألم الزائل المفارق عن قريب وهذا لضعف بصيرته فر من ألم عذاب أعداء الرسل إلى موافقتهم ومتابعتهم ففر من ألم عذابهم إلى ألم عذاب الله فجعل ألم فتنة الناس في الفرار منه بمنزلة ألم عذاب الله وغبن كل الغبن إذ استجار من الرمضاء بالنار وفر من ألم ساعة إلى ألم الأبد وإذا نصر الله جنده وأولياءه قال: إني كنت معكم والله عليم بما انطوى عليه صدره من النفاق. والمقصود: أن الله سبحانه اقتضت حكمته أنه لا بد أن يمتحن النفوس ويبتليها فيظهر بالامتحان طيبها من خبيثها ومن يصلح لموالاته وكراماته ومن لا يصلح وليمحص النفوس التي تصلح له ويخلصها بكير الامتحان كالذهب الذي لا يخلص ولا يصفو من غشه إلا بالامتحان إذ النفس في الأصل جاهلة ظالمة وقد حصل لها بالجهل والظلم من الخبث ما يحتاج(3\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "922",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9488",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خروجه إلى السبك والتصفية فإن خرج في هذه الدار وإلا ففي كير جهنم فإذا هذب العبد ونقي أذن له في دخول الجنة.  [فصل في ذكر السابقين إلى الإسلام] فصل ولما دعا صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل استجاب له عباد الله من كل قبيلة فكان حائز قصب سبقهم صديق الأمة وأسبقها إلى الإسلام أبو بكر رضي الله عنه فآزره في دين الله ودعا معه إلى الله على بصيرة فاستجاب لأبي بكر: عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص. وبادر إلى الاستجابة له صلى الله عليه وسلم صديقة النساء: خديجة بنت خويلد وقامت بأعباء الصديقية وقال لها: ( لقد خشيت على نفسي فقالت له: أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا ) ثم استدلت بما فيه من الصفات الفاضلة والأخلاق والشيم على أن من كان كذلك لا يخزى أبدا فعلمت بكمال عقلها وفطرتها أن الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والشيم الشريفة تناسب أشكالها من كرامة الله وتأييده وإحسانه ولا تناسب الخزي والخذلان وإنما يناسبه أضدادها فمن ركبه الله على أحسن الصفات وأحسن الأخلاق والأعمال إنما يليق به كرامته وإتمام نعمته عليه ومن ركبه على أقبح الصفات وأسوأ الأخلاق والأعمال إنما يليق به ما يناسبها وبهذا العقل والصديقية استحقت أن يرسل إليها ربها بالسلام منه مع رسوليه جبريل ومحمد صلى الله عليه وسلم.(3\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "923",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9489",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل من السابقين إلى الإسلام علي وزيد] فصل وبادر إلى الإسلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان ابن ثمان سنين وقيل: أكثر من ذلك وكان في كفالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذه من عمه أبي طالب إعانة له في سنة محل. وبادر زيد بن حارثة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان غلاما لخديجة فوهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوجها وقدم أبوه وعمه في فدائه فسألا عن النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: هو في المسجد فدخلا عليه فقالا: يا ابن عبد المطلب يا ابن هاشم يا ابن سيد قومه أنتم أهل حرم الله وجيرانه تفكون العاني وتطعمون الأسير جئناك في ابننا عندك فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه قال: ومن هو قالوا: زيد بن حارثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلا غير ذلك قالوا: ما هو قال: أدعوه فأخيره فإن اختاركم فهو لكم وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدا قالا: قد رددتنا على النصف وأحسنت فدعاه فقال: هل تعرف هؤلاء قال: نعم قال: من هذا  قال: هذا أبي وهذا عمي قال: فأنا من قد علمت ورأيت وعرفت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما قال: ما أنا بالذي أختار عليك أحدا أبدا أنت مني مكان الأب والعم فقالا: ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وعلى أهل بيتك  قال: نعم قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذي أختار عليه أحدا أبدا فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أخرجه إلى الحجر فقال: أشهدكم أن زيدا ابني يرثني وأرثه فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت نفوسهما فانصرفا ودعي زيد بن محمد حتى جاء الله بالإسلام فنزلت ادعوهم لآبائهم [الأحزاب: 5] [الأحزاب: 5](3\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "924",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9490",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فدعي من يومئذ: زيد بن حارثة . قال معمر في quot; جامعه quot; عن الزهري: ما علمنا أحدا أسلم قبل زيد بن حارثة وهو الذي أخبر الله عنه في كتابه أنه أنعم عليه وأنعم عليه رسوله وسماه باسمه. وأسلم القس ورقة بن نوفل وتمنى أن يكون جذعا إذ يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه وفي quot; جامع الترمذي quot; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( رآه في المنام في هيئة حسنة )  وفي حديث آخر: أنه رآه في ثياب بياض. ودخل الناس في الدين واحدا بعد واحد وقريش لا تنكر ذلك حتى بادأهم بعيب دينهم وسب آلهتهم وأنها لا تضر ولا تنفع فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة فحمى الله رسوله بعمه أبي طالب لأنه كان شريفا معظما في قريش مطاعا في أهله وأهل مكة لا يتجاسرون على مكاشفته بشيء من الأذى.(3\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "925",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9491",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "اشتداد أذى المشركين على من أسلم",
        "content": "وكان من حكمة أحكم الحاكمين بقاؤه على دين قومه لما في ذلك من المصالح التي تبدو لمن تأملها. وأما أصحابه فمن كان له عشيرة تحميه امتنع بعشيرته وسائرهم تصدوا له بالأذى والعذاب منهم: عمار بن ياسر وأمه سمية وأهل بيته عذبوا في الله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر بهم وهم يعذبون يقول: ( صبرا يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة ) . ومنهم: بلال بن رباح فإنه عذب في الله أشد العذاب فهان على قومه وهانت عليه نفسه في الله وكان كلما اشتد عليه العذاب يقول: أحد أحد فيمر به ورقة بن نوفل فيقول: إي والله يا بلال أحد أحد أما والله لئن قتلتموه لأتخذنه حنانا.  [اشتداد أذى المشركين على من أسلم] فصل ولما اشتد أذى المشركين على من أسلم وفتن منهم من فتن حتى يقولوا لأحدهم: اللات والعزى إلهك من دون الله فيقول: نعم وحتى إن الجعل ليمر بهم فيقولون: وهذا إلهك من دون الله فيقول: نعم ومر عدو الله أبو جهل(3\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "926",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9492",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بسمية أم عمار بن ياسر وهي تعذب وزوجها وابنها فطعنها بحربة في فرجها حتى قتلها. كان الصديق إذا مر بأحد من العبيد يعذب اشتراه منهم وأعتقه منهم: بلال وعامر بن فهيرة وأم عبيس وزنيرة والنهدية وابنتها وجارية لبني عدي كان عمر يعذبها على الإسلام قبل إسلامه وقال له أبوه: يا بني أراك تعتق رقابا ضعافا فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت قوما جلدا يمنعونك فقال له أبو بكر: (إني أريد ما أريد) . فلما اشتد البلاء أذن الله سبحانه لهم بالهجرة الأولى إلى أرض الحبشة وكان أول من هاجر إليها عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أهل هذه الهجرة الأولى اثني عشر رجلا وأربع نسوة: عثمان وامرأته وأبو حذيفة وامرأته سهلة بنت سهيل وأبو سلمة وامرأته أم سلمة هند بنت أبي أمية والزبير بن العوام ومصعب بن عمير وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن مظعون وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبي حثمة وأبو سبرة بن أبي رهم وحاطب بن عمرو وسهيل بن وهب وعبد الله بن مسعود. وخرجوا متسللين سرا فوفق الله لهم ساعة وصولهم إلى الساحل سفينتين للتجار فحملوهم فيهما إلى أرض الحبشة وكان مخرجهم في رجب في السنة الخامسة من المبعث وخرجت قريش في آثارهم حتى جاءوا البحر فلم يدركوا منهم أحدا ثم بلغهم أن قريشا قد كفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم فرجعوا فلما كانوا دون مكة بساعة من نهار بلغهم أن قريشا أشد ما كانوا عداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل من دخل بجوار وفي تلك المرة دخل ابن مسعود فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فلم يرد عليه فتعاظم ذلك على ابن مسعود حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الله قد أحدث من أمره أن لا تكلموا في الصلاة ) هذا هو الصواب وزعم ابن(3\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "927",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9493",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سعد وجماعة أن ابن مسعود لم يدخل وأنه رجع إلى الحبشة حتى قدم في المرة الثانية إلى المدينة مع من قدم ورد هذا بأن ابن مسعود شهد بدرا وأجهز على أبي جهل وأصحاب هذه الهجرة إنما قدموا المدينة مع جعفر بن أبي طالب وأصحابه بعد بدر بأربع سنين أو خمس. قالوا: فإن قيل: بل هذا الذي ذكره ابن سعد يوافق قول زيد بن أرقم: ( كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت وقوموا لله قانتين [البقرة: 238] [البقرة: 238] فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام )  وزيد بن أرقم من الأنصار والسورة مدنية وحينئذ فابن مسعود سلم عليه لما قدم وهو في الصلاة فلم يرد عليه حتى سلم وأعلمه بتحريم الكلام فاتفق حديثه وحديث ابن أرقم. قيل: يبطل هذا شهود ابن مسعود بدرا وأهل الهجرة الثانية إنما قدموا عام خيبر مع جعفر وأصحابه ولو كان ابن مسعود ممن قدم قبل بدر لكان لقدومه ذكر ولم يذكر أحد قدوم مهاجري الحبشة إلا في القدمة الأولى بمكة والثانية عام خيبر مع جعفر فمتى قدم ابن مسعود في غير هاتين المرتين ومع من وبنحو(3\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "928",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9494",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي قلنا في ذلك قال ابن إسحاق قال: وبلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خرجوا إلى الحبشة إسلام أهل مكة فأقبلوا لما بلغهم من ذلك حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن إسلام أهل مكة كان باطلا فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار أو مستخفيا. فكان ممن قدم منهم فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة فشهد بدرا وأحدا فذكر منهم عبد الله بن مسعود. فإن قيل: فما تصنعون بحديث زيد بن أرقم قيل: قد أجيب عنه بجوابين أحدهما: أن يكون النهي عنه قد ثبت بمكة ثم أذن فيه بالمدينة ثم نهي عنه. والثاني: أن زيد بن أرقم كان من صغار الصحابة وكان هو وجماعة يتكلمون في الصلاة على عادتهم ولم يبلغهم النهي فلما بلغهم انتهوا وزيد لم يخبر عن جماعة المسلمين كلهم بأنهم كانوا يتكلمون في الصلاة إلى حين نزول هذه الآية ولو قدر أنه أخبر بذلك لكان وهما منه. ثم اشتد البلاء من قريش على من قدم من مهاجري الحبشة وغيرهم وسطت بهم عشائرهم ولقوا منهم أذى شديدا فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى أرض الحبشة مرة ثانية وكان خروجهم الثاني أشق عليهم وأصعب ولقوا من قريش تعنيفا شديدا ونالوهم بالأذى وصعب عليهم ما بلغهم عن النجاشي من حسن جواره لهم وكان عدة من خرج في هذه المرة ثلاثة وثمانين رجلا إن كان فيهم عمار بن ياسر فإنه يشك فيه قاله ابن إسحاق ومن النساء تسع عشرة امرأة. قلت: قد ذكر في هذه الهجرة الثانية عثمان بن عفان وجماعة ممن شهد بدرا فإما أن يكون هذا وهما وإما أن يكون لهم قدمة أخرى قبل بدر فيكون لهم ثلاث قدمات: قدمة قبل الهجرة وقدمة قبل بدر وقدمة عام خيبر ولذلك قال ابن سعد وغيره: إنهم لما سمعوا مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلا ومن النساء ثمان نسوة فمات منهم رجلان بمكة وحبس بمكة سبعة وشهد بدرا منهم أربعة وعشرون رجلا.(3\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "929",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9495",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلما كان شهر ربيع الأول سنة سبع من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام وبعث به مع عمرو بن أمية الضمري فلما قرئ عليه الكتاب أسلم وقال لئن قدرت أن آتيه لآتينه . وكتب إليه أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان وكانت فيمن هاجر إلى أرض الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش فتنصر هناك ومات فزوجه النجاشي إياها وأصدقها عنه أربعمائة دينار وكان الذي ولي تزويجها خالد بن سعيد بن العاص. وكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه من بقي عنده من أصحابه ويحملهم ففعل وحملهم في سفينتين مع عمرو بن أمية الضمري فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فوجدوه قد فتحها فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يدخلوهم في سهامهم ففعلوا.(3\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "930",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9496",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعلى هذا فيزول الإشكال الذي بين حديث ابن مسعود وزيد بن أرقم ويكون ابن مسعود قدم في المرة الوسطى بعد الهجرة قبل بدر إلى المدينة وسلم عليه حينئذ فلم يرد عليه وكان العهد حديثا بتحريم الكلام كما قال زيد بن أرقم ويكون تحريم الكلام بالمدينة لا بمكة وهذا أنسب بالنسخ الذي وقع في الصلاة والتغيير بعد الهجرة كجعلها أربعا بعد أن كانت ركعتين ووجوب الاجتماع لها. فإن قيل: ما أحسنه من جمع وأثبته لولا أن محمد بن إسحاق قد قال: ما حكيتم عنه أن ابن مسعود أقام بمكة بعد رجوعه من الحبشة حتى هاجر إلى المدينة وشهد بدرا وهذا يدفع ما ذكر. قيل: إن كان محمد بن إسحاق قد قال هذا فقد قال محمد بن سعد في quot; طبقاته quot;: إن ابن مسعود مكث يسيرا بعد مقدمه ثم رجع إلى أرض الحبشة وهذا هو الأظهر لأن ابن مسعود لم يكن له بمكة من يحميه وما حكاه ابن سعد قد تضمن زيادة أمر خفي على ابن إسحاق وابن إسحاق لم يذكر من حدثه ومحمد بن سعد أسند ما حكاه إلى المطلب بن عبد الله بن حنطب فاتفقت الأحاديث وصدق بعضها بعضا وزال عنها الإشكال ولله الحمد والمنة. وقد ذكر ابن إسحاق في هذه الهجرة إلى الحبشة أبا موسى الأشعري عبد الله بن قيس وقد أنكر عليه ذلك أهل السير منهم: محمد بن عمر الواقدي وغيره وقالوا: كيف يخفى ذلك على ابن إسحاق أو على من دونه . قلت: وليس ذلك مما يخفى على من دون محمد بن إسحاق فضلا عنه وإنما نشأ الوهم أن أبا موسى هاجر من اليمن إلى أرض الحبشة إلى عند جعفر وأصحابه لما سمع بهم ثم قدم معهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر كما جاء مصرحا به في quot; الصحيح quot; فعد ذلك ابن إسحاق لأبي موسى هجرة ولم يقل: إنه هاجر من مكة إلى أرض الحبشة لينكر عليه.(3\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "931",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9497",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل محاولة المشركين رد النجاشي المهاجرين] فصل فانحاز المهاجرون إلى مملكة أصحمة النجاشي آمنين فلما علمت قريش بذلك بعثت في أثرهم عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص بهدايا وتحف من بلدهم إلى النجاشي ليردهم عليهم فأبى ذلك عليهم وشفعوا إليه بعظماء بطارقته فلم يجبهم إلى ما طلبوا فوشوا إليه: إن هؤلاء يقولون في عيسى قولا عظيما يقولون: إنه عبد الله فاستدعى المهاجرين إلى مجلسه ومقدمهم جعفر بن أبي طالب فلما أرادوا الدخول عليه قال جعفر: يستأذن عليك حزب الله فقال للآذن: ( قل له يعيد استئذانه فأعاده عليه فلما دخلوا عليه قال: ما تقولون في عيسى فتلا عليه جعفر صدرا من سورة quot; كهيعص quot; فأخذ النجاشي عودا من الأرض فقال: ما زاد عيسى على هذا ولا هذا العود فتناخرت بطارقته عنده فقال: وإن نخرتم قال: اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي من سبكم غرم ) والسيوم: الآمنون في لسانهم ثم قال للرسولين: لو أعطيتموني دبرا من ذهب يقول: جبلا من ذهب ما أسلمتهم إليكما ثم أمر فردت عليهما هداياهما ورجعا مقبوحين.  [فصل مقاطعة قريش لبني هاشم وبني المطلب] فصل ثم أسلم حمزة عمه وجماعة كثيرون وفشا الإسلام فلما رأت قريش أمر(3\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "932",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9498",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلو والأمور تتزايد أجمعوا على أن يتعاقدوا على بني هاشم وبني المطلب وبني عبد مناف أن لا يبايعوهم ولا يناكحوهم ولا يكلموهم ولا يجالسوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في سقف الكعبة يقال: كتبها: منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم ويقال: النضر بن الحارث والصحيح: أنه بغيض بن عامر بن هاشم فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشلت يده فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب مؤمنهم وكافرهم إلا أبا لهب فإنه ظاهر قريشا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبني هاشم وبني المطلب وحبس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه في الشعب شعب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من البعثة وعلقت الصحيفة في جوف الكعبة وبقوا محبوسين ومحصورين مضيقا عليهم جدا مقطوعا عنهم الميرة والمادة نحو ثلاث سنين حتى بلغهم الجهد وسمع أصوات صبيانهم بالبكاء من وراء الشعب وهناك عمل أبو طالب قصيدته اللامية المشهورة أولها: جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... عقوبة شر عاجلا غير آجل وكانت قريش في ذلك بين راض وكاره فسعى في نقض الصحيفة من كان كارها لها وكان القائم بذلك هشام بن عمرو بن الحارث بن حبيب بن نصر بن مالك مشى في ذلك إلى المطعم بن عدي وجماعة من قريش فأجابوه إلى ذلك ثم أطلع الله رسوله على أمر صحيفتهم وأنه أرسل عليها الأرضة فأكلت جميع ما فيها من جور وقطيعة وظلم إلا ذكر الله عز وجل فأخبر بذلك عمه فخرج إلى قريش فأخبرهم أن ابن أخيه قد قال كذا وكذا فإن كان كاذبا خلينا بينكم وبينه وإن كان صادقا رجعتم عن قطيعتنا وظلمنا قالوا: قد أنصفت فأنزلوا الصحيفة فلما رأوا الأمر كما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ازدادوا كفرا إلى(3\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "933",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9499",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كفرهم وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الشعب. قال ابن عبد البر: بعد عشرة أعوام من المبعث ومات أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر وماتت خديجة بعده بثلاثة أيام وقيل: غير ذلك.  [فصل في موت أبي طالب وموت خديجة والخروج إلى الطائف] فصل فلما نقضت الصحيفة وافق موت أبي طالب وموت خديجة وبينهما يسير فاشتد البلاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفهاء قومه وتجرءوا عليه فكاشفوه بالأذى فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف رجاء أن يؤووه وينصروه على قومه ويمنعوه منهم ودعاهم إلى الله عز وجل فلم ير من يؤوي ولم ير ناصرا وآذوه مع ذلك أشد الأذى ونالوا منه ما لم ينله قومه وكان معه زيد بن حارثة مولاه فأقام بينهم عشرة أيام لا يدع أحدا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه فقالوا: اخرج من بلدنا وأغروا به سفهاءهم فوقفوا له سماطين وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه فانصرف راجعا من الطائف إلى مكة محزونا وفي مرجعه ذلك دعا بالدعاء المشهور دعاء الطائف: ( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك أو أن ينزل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك.(3\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "934",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9500",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأرسل ربه تبارك وتعالى إليه ملك الجبال يستأمره أن يطبق الأخشبين على أهل مكة وهما جبلاها اللذان هي بينهما فقال: لا بل أستأني بهم لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئا ) . فلما نزل بنخلة مرجعه قام يصلي من الليل فصرف إليه نفر من الجن فاستمعوا قراءته ولم يشعر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل عليه: وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين - قالوا ياقومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم - ياقومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم - ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين [الأحقاف: 29 - 32] [الأحقاف: 29 - 32] .(3\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "935",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9501",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( وأقام بنخلة أياما فقال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك يعني قريشا فقال يا زيد: إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه ) . ثم انتهى إلى مكة فأرسل رجلا من خزاعة إلى مطعم بن عدي: أدخل في جوارك فقال: نعم ودعا بنيه وقومه فقال: البسوا السلاح وكونوا عند أركان البيت فإني قد أجرت محمدا فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى: يا معشر قريش إني قد أجرت محمدا فلا يهجه أحد منكم فانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الركن فاستلمه وصلى ركعتين وانصرف إلى بيته والمطعم بن عدي وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته.  [فصل في الإسراء والمعراج] فصل ثم أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم بجسده على الصحيح من المسجد الحرام إلى بيت المقدس راكبا على البراق صحبة جبريل عليهما الصلاة والسلام فنزل(3\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "936",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9502",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هناك وصلى بالأنبياء إماما وربط البراق بحلقة باب المسجد. وقد قيل: إنه نزل ببيت لحم وصلى فيه ولم يصح ذلك عنه البتة. ثم عرج به تلك الليلة من بيت المقدس إلى السماء الدنيا فاستفتح له جبريل ففتح له فرأى هنالك آدم أبا البشر فسلم عليه فرد عليه السلام ورحب به وأقر بنبوته وأراه الله أرواح السعداء عن يمينه وأرواح الأشقياء عن يساره ثم عرج به إلى السماء الثانية فاستفتح له فرأى فيها يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم فلقيهما وسلم عليهما فردا عليه ورحبا به وأقرا بنبوته ثم عرج به إلى السماء الثالثة فرأى فيها يوسف فسلم عليه فرد عليه ورحب به وأقر بنبوته ثم عرج به إلى السماء الرابعة فرأى فيها إدريس فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته ثم عرج به إلى السماء الخامسة فرأى فيها هارون بن عمران فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته ثم عرج به إلى السماء السادسة فلقي فيها موسى بن عمران فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته فلما جاوزه بكى موسى فقيل له: ما يبكيك فقال: أبكي لأن غلاما بعث من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي ثم عرج به إلى السماء السابعة فلقي فيها إبراهيم فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته ثم رفع إلى سدرة المنتهى ثم رفع له البيت المعمور ثم عرج به إلى الجبار جل جلاله فدنا منه حتى كان(3\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "937",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9503",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى [النجم: 9]  وفرض عليه خمسين صلاة. فرجع حتى مر على موسى فقال له: بم أمرت قال: بخمسين صلاة قال: إن أمتك لا تطيق ذلك ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فالتفت إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك فأشار أن نعم إن شئت فعلا به جبريل حتى أتى به الجبار تبارك وتعالى وهو في مكانه. هذا لفظ البخاري في بعض الطرق فوضع عنه عشرا ثم أنزل حتى مر بموسى فأخبره فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله عز وجل حتى جعلها خمسا فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف فقال: قد استحييت من ربي ولكن أرضى وأسلم فلما بعد نادى مناد: قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي .(3\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "938",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9504",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واختلف الصحابة: هل رأى ربه تلك الليلة أم لا فصح عن ابن عباس أنه رأى ربه وصح عنه أنه قال: (رآه بفؤاده) . وصح عن عائشة وابن مسعود إنكار ذلك وقالا: إن قوله: ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى [النجم: 13] [النجم: 13] إنما هو جبريل. وصح عن ( أبي ذر أنه سأله: هل رأيت ربك فقال: نور أنى أراه )  أي: حال بيني وبين رؤيته النور كما قال في لفظ آخر: (رأيت نورا) . وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على أنه لم يره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: وليس قول ابن عباس: quot; إنه رآه quot; مناقضا لهذا ولا قوله: (رآه بفؤاده)  وقد صح عنه أنه قال: quot; رأيت ربي تبارك وتعالى quot; ولكن لم يكن هذا في الإسراء ولكن كان في المدينة(3\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "939",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9505",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لما احتبس عنهم في صلاة الصبح ثم أخبرهم عن رؤية ربه تبارك وتعالى تلك الليلة في منامه وعلى هذا بنى الإمام أحمد رحمه الله تعالى وقال: نعم رآه حقا فإن رؤيا الأنبياء حق ولا بد ولكن لم يقل أحمد رحمه الله تعالى: إنه رآه بعيني رأسه يقظة ومن حكى عنه ذلك فقد وهم عليه ولكن قال مرة: رآه ومرة قال: رآه بفؤاده فحكيت عنه روايتان وحكيت عنه الثالثة من تصرف بعض أصحابه: أنه رآه بعيني رأسه وهذه نصوص أحمد موجودة ليس فيها ذلك. وأما قول ابن عباس: أنه رآه بفؤاده مرتين فإن كان استناده إلى قوله تعالى: ما كذب الفؤاد ما رأى [النجم: 11] [النجم: 11] ثم قال: ولقد رآه نزلة أخرى [النجم: 13] [النجم: 13] والظاهر أنه مستنده فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أن هذا المرئي جبريل رآه مرتين في صورته التي خلق عليها وقول ابن عباس هذا هو مستند الإمام أحمد في قوله: (رآه بفؤاده)  والله أعلم. وأما قوله تعالى في سورة النجم: ثم دنا فتدلى [النجم: 8] [النجم: 8] فهو غير الدنو والتدلي في قصة الإسراء فإن الذي في (سورة النجم) هو دنو جبريل وتدليه كما قالت عائشة وابن مسعود والسياق يدل عليه فإنه قال: علمه شديد القوى [النجم: 5] [النجم: 5] وهو جبريل: ذو مرة فاستوى - وهو بالأفق الأعلى - ثم دنا فتدلى [النجم: 6 - 8] [النجم: 6 - 8] فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المعلم الشديد القوى وهو ذو المرة أي: القوة وهو الذي استوى بالأفق الأعلى وهو الذي دنا فتدلى فكان من محمد صلى الله عليه وسلم قدر قوسين أو أدنى فأما الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء فذلك صريح في أنه دنو الرب تبارك وتدليه ولا تعرض في (سورة النجم) لذلك بل فيها أنه رآه نزلة(3\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "940",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9506",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أخرى عند سدرة المنتهى وهذا هو جبريل رآه محمد صلى الله عليه وسلم على صورته مرتين مرة في الأرض ومرة عند سدرة المنتهى والله أعلم.  [فصل في إخباره صلى الله عليه وسلم لقريش بالإسراء] فصل فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم في قومه أخبرهم بما أراه الله عز وجل من آياته الكبرى فاشتد تكذيبهم له وأذاهم وضراوتهم عليه وسألوه أن يصف لهم بيت المقدس فجلاه الله له حتى عاينه فطفق يخبرهم عن آياته ولا يستطيعون أن يردوا عليه شيئا. وأخبرهم عن عيرهم في مسراه ورجوعه وأخبرهم عن وقت قدومها وأخبرهم عن البعير الذي يقدمها وكان الأمر كما قال فلم يزدهم ذلك(3\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "941",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9507",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلا نفورا وأبى الظالمون إلا كفورا.  [فصل في الفرق بين من قال كان الإسراء بالروح وبين أن يقال كان الإسراء مناما] فصل وقد نقل ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية أنهما قالا: إنما كان الإسراء بروحه ولم يفقد جسده ونقل عن الحسن البصري نحو ذلك ولكن ينبغي أن يعلم الفرق بين أن يقال: كان الإسراء مناما وبين أن يقال كان بروحه دون جسده وبينهما فرق عظيم وعائشة ومعاوية لم يقولا: كان مناما وإنما قالا: أسري بروحه ولم يفقد جسده وفرق بين الأمرين فإن ما يراه النائم قد يكون أمثالا مضروبة للمعلوم في الصور المحسوسة فيرى كأنه قد عرج به إلى السماء أو ذهب به إلى مكة وأقطار الأرض وروحه لم تصعد ولم تذهب وإنما ملك الرؤيا ضرب له المثال والذين قالوا: عرج برسول الله صلى الله عليه وسلم طائفتان: طائفة قالت: عرج بروحه وبدنه وطائفة قالت: عرج بروحه ولم يفقد بدنه وهؤلاء لم يريدوا أن المعراج كان مناما وإنما أرادوا أن الروح ذاتها أسري بها وعرج بها حقيقة وباشرت من جنس ما تباشر بعد المفارقة وكان حالها في ذلك كحالها بعد المفارقة في صعودها إلى السماوات سماء سماء حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة فتقف بين يدي الله عز وجل فيأمر فيها بما يشاء ثم تنزل إلى الأرض والذي كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء أكمل مما يحصل للروح عند المفارقة. ومعلوم أن هذا أمر فوق ما يراه النائم لكن لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام خرق العوائد حتى شق بطنه وهو حي لا يتألم بذلك عرج بذات روحه المقدسة حقيقة من غير إماتة ومن سواه لا ينال بذات روحه الصعود إلى السماء إلا بعد الموت والمفارقة فالأنبياء إنما استقرت أرواحهم هناك بعد مفارقة(3\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "942",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9508",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأبدان وروح رسول الله صلى الله عليه وسلم صعدت إلى هناك في حال الحياة ثم عادت وبعد وفاته استقرت في الرفيق الأعلى مع أرواح الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ومع هذا فلها إشراف على البدن وإشراق وتعلق به بحيث يرد السلام على من سلم عليه وبهذا التعلق رأى موسى قائما يصلي في قبره ورآه في السماء السادسة. ومعلوم أنه لم يعرج بموسى من قبره ثم رد إليه وإنما ذلك مقام روحه واستقرارها وقبره مقام بدنه واستقراره إلى يوم معاد الأرواح إلى أجسادها فرآه يصلي في قبره ورآه في السماء السادسة كما أنه صلى الله عليه وسلم في أرفع مكان في الرفيق الأعلى مستقرا هناك وبدنه في ضريحه غير مفقود وإذا سلم عليه المسلم رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام ولم يفارق الملأ الأعلى ومن كثف إدراكه وغلظت طباعه عن إدراك هذا فلينظر إلى الشمس في علو محلها وتعلقها وتأثيرها في الأرض وحياة النبات والحيوان بها هذا وشأن الروح فوق هذا فلها شأن وللأبدان شأن وهذه النار تكون في محلها وحرارتها تؤثر في الجسم البعيد عنها مع أن الارتباط والتعلق الذي بين الروح والبدن أقوى وأكمل من ذلك وأتم فشأن الروح أعلى من ذلك وألطف. فقل للعيون الرمد إياك أن تري ... سنا الشمس فاستغشي ظلام اللياليا فصل قال موسى بن عقبة عن الزهري: عرج بروح رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس وإلى السماء قبل خروجه إلى المدينة بسنة . وقال ابن عبد البر وغيره: كان بين الإسراء والهجرة سنة وشهران انتهى. وكان الإسراء مرة واحدة. وقيل: مرتين: مرة يقظة ومرة مناما وأرباب(3\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "943",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9509",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا القول كأنهم أرادوا أن يجمعوا بين حديث شريك وقوله: ثم استيقظت وبين سائر الروايات ومنهم من قال: بل كان هذا مرتين مرة قبل الوحي لقوله في حديث شريك: quot; وذلك قبل أن يوحى إليه quot; ومرة بعد الوحي كما دلت عليه سائر الأحاديث. منهم من قال: بل ثلاث مرات: مرة قبل الوحي ومرتين بعده وكل هذا خبط وهذه طريقة ضعفاء الظاهرية من أرباب النقل الذين إذا رأوا في القصة لفظة تخالف سياق بعض الروايات جعلوه مرة أخرى فكلما اختلفت عليهم الروايات عددوا الوقائع والصواب الذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة. ويا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه مرارا كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة تفرض عليه الصلاة خمسين ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسا ثم يقول: quot; أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي quot; ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين ثم يحطها عشرا عشرا وقد غلط الحفاظ شريكا في ألفاظ من حديث الإسراء ومسلم أورد المسند منه ثم قال: فقدم وأخر وزاد ونقص ولم يسرد الحديث فأجاد رحمه الله.  [فصل في دعوته صلى الله عليه وسلم القبائل] فصل في مبدأ الهجرة التي فرق الله فيها بين أوليائه وأعدائه وجعلها مبدأ لإعزاز دينه ونصر عبده ورسوله:(3\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "944",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9510",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الواقدي: حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رومان وغيرهما قالوا: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث سنين من أول نبوته مستخفيا ثم أعلن في الرابعة فدعا الناس إلى الإسلام عشر سنين يوافي الموسم كل عام يتبع الحاج في منازلهم وفي المواسم بعكاظ ومجنة وذي المجاز يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة فلا يجد أحدا ينصره ولا يجيبه حتى إنه ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة ويقول: (يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا وتملكوا بها العرب وتذل لكم بها العجم فإذا آمنتم كنتم ملوكا في الجنة quot; وأبو لهب وراءه يقول: لا تطيعوه فإنه صابئ كذاب فيردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبح الرد ويؤذونه ويقولون: أسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك وهو يدعوهم إلى الله ويقول: اللهم لو شئت لم يكونوا هكذا قال: وكان ممن يسمى لنا من القبائل الذين أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم وعرض نفسه عليهم: بنو عامر بن صعصعة ومحارب بن حصفة وفزارة وغسان ومرة وحنيفة وسليم وعبس وبنو النضر وبنو البكاء وكندة وكلب والحارث بن كعب وعذرة والحضارمة فلم يستجب منهم أحد ) .  [فصل في لقياه صلى الله عليه وسلم لمن قدم من الأوس والخزرج] فصل ( وكان مما صنع الله لرسوله أن الأوس والخزرج كانوا يسمعون من حلفائهم(3\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "945",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9511",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من يهود المدينة أن نبيا من الأنبياء مبعوث في هذا الزمان سيخرج فنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم وكانت الأنصار يحجون البيت كما كانت العرب تحجه دون اليهود فلما رأى الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الله عز وجل وتأملوا أحواله قال بعضهم لبعض: تعلمون والله يا قوم أن هذا الذي توعدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه. وكان سويد بن الصامت من الأوس قد قدم مكة فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبعد ولم يجب حتى قدم أنس بن رافع أبو الحيسر في فتية من قومه من بني عبد الأشهل يطلبون الحلف فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فقال إياس بن معاذ وكان شابا حدثا: يا قوم هذا والله خير مما جئنا له فضربه أبو الحيسر وانتهره فسكت ثم لم يتم لهم الحلف فانصرفوا إلى المدينة ) .  [فصل في لقي النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر من الخزرج] فصل ( ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي عند العقبة في الموسم ستة نفر من الأنصار كلهم من الخزرج وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة وعوف بن الحارث ورافع بن مالك وقطبة بن عامر وعقبة بن عامر وجابر بن عبد الله بن رئاب فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فأسلموا ) . ثم رجعوا إلى المدينة فدعوهم إلى الإسلام ففشا الإسلام فيها حتى لم يبق دار إلا وقد دخلها الإسلام فلما كان العام المقبل جاء منهم اثنا عشر رجلا الستة الأول خلا جابر بن عبد الله ومعهم معاذ بن الحارث بن رفاعة أخو عوف المتقدم وذكوان بن عبد القيس وقد أقام ذكوان بمكة حتى هاجر إلى المدينة فيقال: إنه مهاجري أنصاري وعبادة بن الصامت ويزيد بن ثعلبة وأبو(3\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "946",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9512",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الهيثم بن التيهان وعويمر بن مالك هم اثنا عشر. وقال أبو الزبير: عن جابر ( إن النبي صلى الله عليه وسلم لبث بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في المواسم ومجنة وعكاظ يقول: من يؤويني من ينصرني حتى أبلغ رسالات ربي وله الجنة فلا يجد أحدا ينصره ولا يؤويه حتى إن الرجل ليرحل من مضر أو اليمن إلى ذي رحمه فيأتيه قومه فيقولون له: احذر غلام قريش لا يفتنك ويمشي بين رجالهم يدعوهم إلى الله عز وجل وهم يشيرون إليه بالأصابع حتى بعثنا الله من يثرب فيأتيه الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام وبعثنا الله إليه فائتمرنا واجتمعنا وقلنا: حتى متى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة ويخاف فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم فواعدنا بيعة العقبة فقال له عمه العباس: يا ابن أخي ما أدري ما هؤلاء القوم الذين جاءوك إني ذو معرفة بأهل يثرب فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين فلما نظر العباس في وجوهنا قال: هؤلاء قوم لا نعرفهم هؤلاء أحداث فقلنا: يا رسول الله علام نبايعك قال: quot; تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم لومة لائم وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة فقمنا نبايعه فأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغر السبعين فقال: رويدا يا أهل يثرب إنا لم نضرب إليه أكباد المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر لكم عند الله فقالوا: يا أسعد أمط عنا يدك فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها فقمنا إليه رجلا رجلا(3\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "947",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9513",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأخذ علينا وشرط يعطينا بذلك الجنة ) . ثم انصرفوا إلى المدينة وبعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أم مكتوم ومصعب بن عمير يعلمان من أسلم منهم القرآن ويدعوان إلى الله عز وجل فنزلا على أبي أمامة أسعد بن زرارة وكان مصعب بن عمير يؤمهم (وجمع بهم لما بلغوا أربعين)  فأسلم على يديهما بشر كثير منهم: أسيد بن الحضير وسعد بن معاذ وأسلم بإسلامهما يومئذ جميع بني عبد الأشهل الرجال والنساء إلا أصيرم عمرو بن ثابت بن وقش فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد وأسلم حينئذ وقاتل فقتل قبل أن يسجد لله سجدة فأخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( عمل قليلا وأجر كثيرا ) .(3\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "948",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9514",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكثر الإسلام بالمدينة وظهر ثم رجع مصعب إلى مكة ووافى الموسم ذلك العام خلق كثير من الأنصار من المسلمين والمشركين وزعيم القوم البراء بن معرور فلما كانت ليلة العقبة الثلث الأول من الليل تسلل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم خفية من قومهم ومن كفار مكة على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وأزرهم فكان أول من بايعه ليلتئذ البراء بن معرور وكانت له اليد البيضاء إذ أكد العقد وبادر إليه وحضر العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤكدا لبيعته كما تقدم وكان إذ ذاك على دين قومه واختار رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم تلك الليلة اثني عشر نقيبا وهم: أسعد بن زرارة وسعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة ورافع بن مالك والبراء بن معرور وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر وكان إسلامه تلك الليلة وسعد بن عبادة والمنذر بن عمرو وعبادة بن الصامت فهؤلاء تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس: أسيد بن الحضير وسعد بن خيثمة ورفاعة بن عبد المنذر. وقيل: بل أبو الهيثم بن التيهان مكانه. وأما المرأتان: فأم عمارة نسيبة بنت كعب بن عمرو وهي التي قتل مسيلمة ابنها حبيب بن زيد وأسماء بنت عمرو بن عدي. فلما تمت هذه البيعة استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يميلوا على أهل العقبة بأسيافهم فلم يأذن لهم في ذلك وصرخ الشيطان على العقبة بأنفذ صوت سمع: يا أهل الجباجب هل لكم في مذمم والصباة معه قد اجتمعوا على(3\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "949",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9515",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حربكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( هذا أزب العقبة هذا ابن أزيب أما والله يا عدو الله لأتفرغن لك ) . ثم أمرهم أن ينفضوا إلى رحالهم فلما أصبح القوم غدت عليهم جلة قريش وأشرافهم حتى دخلوا شعب الأنصار فقالوا: يا معشر الخزرج إنه بلغنا أنكم لقيتم صاحبنا البارحة وواعدتموه أن تبايعوه على حربنا وايم الله ما حي من العرب أبغض إلينا من أن ينشب بيننا وبينه الحرب منكم فانبعث من كان هناك من الخزرج من المشركين يحلفون لهم بالله: ما كان هذا وما علمنا وجعل عبد الله بن أبي بن سلول يقول: هذا باطل وما كان هذا وما كان قومي ليفتاتوا علي مثل هذا لو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يؤامروني فرجعت قريش من عندهم ورحل البراء بن معرور فتقدم إلى بطن يأجج وتلاحق أصحابه من المسلمين وتطلبتهم قريش فأدركوا سعد بن عبادة فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله وجعلوا يضربونه ويجرونه ويجذبونه بجمته حتى أدخلوه مكة فجاء مطعم بن عدي والحارث بن حرب بن أمية فخلصاه من أيديهم وتشاورت الأنصار حين فقدوه أن يكروا إليه فإذا سعد قد طلع عليهم فوصل القوم جميعا إلى المدينة. فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالهجرة إلى المدينة فبادر الناس إلى ذلك فكان أول من خرج إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم(3\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "950",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9516",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سلمة ولكنها احتبست دونه ومنعت من اللحاق به سنة وحيل بينها وبين ولدها سلمة ثم خرجت بعد السنة بولدها إلى المدينة وشيعها عثمان بن أبي طلحة. ثم خرج الناس أرسالا يتبع بعضهم بعضا ولم يبق بمكة من المسلمين إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعلي أقاما بأمره لهما وإلا من احتبسه المشركون كرها وقد أعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جهازه ينتظر متى يؤمر بالخروج وأعد أبو بكر جهازه.  [فصل في ائتمار قريش به صلى الله عليه وسلم لقتله] فصل فلما رأى المشركون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تجهزوا وخرجوا وحملوا وساقوا الذراري والأطفال والأموال إلى الأوس والخزرج وعرفوا أن الدار دار منعة وأن القوم أهل حلقة وشوكة وبأس فخافوا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ولحوقه بهم فيشتد عليهم أمره فاجتمعوا في دار الندوة ولم يتخلف أحد من أهل الرأي والحجا منهم ليتشاوروا في أمره وحضرهم وليهم وشيخهم إبليس في صورة شيخ كبير من أهل نجد مشتمل الصماء في كسائه فتذاكروا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار كل أحد منهم برأي والشيخ يرده ولا يرضاه إلى أن قال أبو جهل: قد فرق لي فيه رأي ما أراكم قد وقعتم عليه قالوا: ما هو قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة من قريش غلاما نهدا جلدا ثم نعطيه سيفا صارما فيضربونه(3\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "951",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9517",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فلا تدري بنو عبد مناف بعد ذلك كيف تصنع ولا يمكنها معاداة القبائل كلها ونسوق إليهم ديته فقال الشيخ: لله در الفتى هذا والله الرأي قال: فتفرقوا على ذلك واجتمعوا عليه فجاءه جبريل بالوحي من عند ربه تبارك وتعالى فأخبره بذلك وأمره أن لا ينام في مضجعه تلك الليلة. ( وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر نصف النهار في ساعة لم يكن يأتيه فيها متقنعا فقال له: quot; أخرج من عندك quot; فقال: إنما هم أهلك يا رسول الله فقال: إن الله قد أذن لي في الخروج فقال أبو بكر: الصحابة يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم فقال أبو بكر: فخذ بأبي وأمي إحدى راحلتي هاتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بالثمن ) . وأمر عليا أن يبيت في مضجعه تلك الليلة واجتمع أولئك النفر من قريش يتطلعون من صير الباب ويرصدونه ويريدون بياته ويأتمرون أيهم يكون أشقاها فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم فأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذره على رءوسهم وهم لا يرونه وهو يتلو: وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون [يس: 9] [يس: 9] ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر فخرجا من خوخة في دار أبي بكر ليلا وجاء رجل ورأى القوم ببابه فقال: ما تنتظرون قالوا: محمدا قال: خبتم وخسرتم قد والله مر بكم وذر على رءوسكم التراب قالوا: والله ما أبصرناه وقاموا ينفضون التراب عن رءوسهم وهم: أبو جهل والحكم بن العاص وعقبة بن أبي معيط(3\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "952",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9518",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنضر بن الحارث وأمية بن خلف وزمعة بن الأسود وطعيمة بن عدي وأبو لهب وأبي بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج فلما أصبحوا قام علي عن الفراش فسألوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا علم لي به. ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى غار ثور فدخلاه وضرب العنكبوت على بابه. وكانا قد استأجرا عبد الله بن أريقط الليثي وكان هاديا ماهرا بالطريق وكان على دين قومه من قريش وأمناه على ذلك وسلما إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث وجدت قريش في طلبهما وأخذوا معهم القافة حتى انتهوا إلى باب الغار فوقفوا عليه. ففي quot; الصحيحين quot; ( أن أبا بكر قال: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى(3\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "953",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9519",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما تحت قدميه لأبصرنا فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما لا تحزن فإن الله معنا ) وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يسمعان كلامهم فوق رءوسهما ولكن الله سبحانه عمى عليهم أمرهما وكان عامر بن فهيرة يرعى عليهما غنما لأبي بكر ويتسمع ما يقال بمكة ثم يأتيهما بالخبر فإذا كان السحر سرح مع الناس. قالت عائشة: وجهزناهما أحسن الجهاز ووضعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فأوكت به الجراب وقطعت الأخرى فصيرتها عصاما لفم القربة فلذلك لقبت ذات النطاقين. وذكر الحاكم في quot; مستدركه quot; عن عمر قال: ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار ومعه أبو بكر فجعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه حتى فطن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال له: يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك فقال: يا أبا بكر لو كان شيء أحببت أن يكون بك(3\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "954",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9520",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دوني قال: نعم والذي بعثك بالحق فلما انتهى إلى الغار قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار فدخل فاستبرأه حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنه لم يستبرئ الجحرة فقال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ الجحرة ثم قال: انزل يا رسول الله فنزل )  فمكثا في الغار ثلاث ليال حتى خمدت عنهما نار الطلب فجاءهما عبد الله بن أريقط بالراحلتين فارتحلا وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة وسار الدليل أمامهما وعين الله تكلؤهما وتأييده يصحبهما وإسعاده يرحلهما وينزلهما. ولما يئس المشركون من الظفر بهما جعلوا لمن جاء بهما دية كل واحد منهما فجد الناس في الطلب والله غالب على أمره فلما مروا بحي بني مدلج مصعدين من قديد بصر بهم رجل من الحي فوقف على الحي فقال: لقد رأيت آنفا بالساحل أسودة ما أراها إلا محمدا وأصحابه ففطن بالأمر سراقة بن مالك فأراد أن يكون الظفر له خاصة وقد سبق له من الظفر ما لم يكن في حسابه فقال: بل هم فلان وفلان خرجا في طلب حاجة لهما ثم مكث قليلا ثم قام فدخل خباءه وقال لخادمه: اخرج بالفرس من وراء الخباء وموعدك وراء الأكمة ثم أخذ رمحه وخفض عاليه يخط به الأرض حتى ركب فرسه فلما قرب منهم وسمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يكثر الالتفات ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلتفت فقال أبو بكر: يا رسول الله هذا سراقة بن مالك قد رهقنا فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فساخت يدا فرسه في الأرض فقال: قد علمت أن الذي أصابني بدعائكما فادعوا الله لي ولكما علي أن أرد الناس عنكما فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب له كتابا فكتب له أبو(3\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "955",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9521",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بكر بأمره في أديم وكان الكتاب معه إلى يوم فتح مكة فجاءه بالكتاب فوفاه له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يوم وفاء وبر وعرض عليهما الزاد والحملان فقالا: لا حاجة لنا به ولكن عم عنا الطلب فقال: قد كفيتم ورجع فوجد الناس في الطلب فجعل يقول: قد استبرأت لكم الخبر وقد كفيتم ما هاهنا وكان أول النهار جاهدا عليهما وآخره حارسا لهما.  [فصل في مروره صلى الله عليه وسلم بخيمتي أم معبد الخزاعية] فصل ثم مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره ذلك حتى مر بخيمتي أم معبد الخزاعية وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء الخيمة ثم تطعم وتسقي من مر بها فسألاها: هل عندها شيء فقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى والشاء عازب وكانت سنة شهباء فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة فقال: (ما هذه الشاة يا أم معبد قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم فقال: هل بها من لبن قالت: هي أجهد من ذلك فقال: أتأذنين لي أن أحلبها قالت: نعم بأبي وأمي إن رأيت بها حلبا فاحلبها فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ضرعها وسمى الله ودعا فتفاجت عليه ودرت فدعا بإناء لها يربض الرهط فحلب فيه حتى علته الرغوة فسقاها فشربت حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا ثم شرب وحلب فيه ثانيا حتى ملأ الإناء ثم غادره عندها فارتحلوا فقلما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزالا لا نقي بهن فلما رأى اللبن عجب فقال: من أين لك هذا والشاة عازب ولا حلوبة في البيت فقالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت ومن حاله كذا وكذا) قال: والله إني لأراه صاحب قريش الذي تطلبه صفيه لي يا أم معبد قالت: ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق لم تعبه ثجلة ولم تزر به(3\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "956",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9522",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صعلة وسيم قسيم في عينيه دعج وفي أشفاره وطف وفي صوته صحل وفي عنقه سطع أحور أكحل أزج أقرن شديد سواد الشعر إذا صمت علاه الوقار وإن تكلم علاه البهاء أجمل الناس وأبهاهم من بعيد وأحسنه وأحلاه من قريب حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن ربعة لا تقحمه عين من قصر ولا تشنؤه من طول غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا له رفقاء يحفون به إذا قال استمعوا لقوله وإذا أمر تبادروا إلى أمره محفود محشود لا عابس ولا مفند فقال أبو معبد: والله هذا صاحب قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا لقد هممت أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا وأصبح صوت بمكة عاليا يسمعونه ولا يرون القائل: جزى الله رب العرش خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلا بالبر وارتحلا به ... وأفلح من أمسى رفيق محمد فيا لقصي ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا يجازى وسودد ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاء تشهد(3\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "957",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9523",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالت أسماء بنت أبي بكر: ما درينا أين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة فأنشد هذه الأبيات والناس يتبعونه ويسمعون صوته ولا يرونه حتى خرج من أعلاها قالت: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن وجهه إلى المدينة .  [فصل في وصوله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة] فصل وبلغ الأنصار مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة وقصده المدينة وكانوا يخرجون كل يوم إلى الحرة ينتظرونه أول النهار فإذا اشتد حر الشمس رجعوا على عادتهم إلى منازلهم فلما كان يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول على رأس ثلاث عشرة سنة من النبوة خرجوا على عادتهم فلما حمي حر الشمس رجعوا وصعد رجل من اليهود على أطم من آطام المدينة لبعض شأنه فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب فصرخ بأعلى صوته: يا بني قيلة هذا صاحبكم قد جاء هذا جدكم الذي تنتظرونه فبادر الأنصار إلى السلاح ليتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت الرجة والتكبير في بني عمرو بن عوف وكبر المسلمون فرحا بقدومه وخرجوا للقائه فتلقوه وحيوه بتحية النبوة فأحدقوا به مطيفين حوله والسكينة تغشاه والوحي ينزل عليه: فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير [التحريم: 4] [التحريم: 4]  فسار حتى نزل بقباء في بني عمرو بن عوف فنزل على كلثوم بن الهدم وقيل: بل على سعد بن خيثمة والأول أثبت فأقام في بني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة وأسس مسجد قباء وهو أول مسجد أسس بعد النبوة.(3\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "958",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9524",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلما كان يوم الجمعة ركب بأمر الله له فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي. ثم ركب فأخذوا بخطام راحلته هلم إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة فقال: ( خلوا سبيلها فإنها مأمورة ) فلم تزل ناقته سائرة به لا تمر بدار من دور الأنصار إلا رغبوا إليه في النزول عليهم ويقول: ( دعوها فإنها مأمورة ) فسارت حتى وصلت إلى موضع مسجده اليوم وبركت ولم ينزل عنها حتى نهضت وسارت قليلا ثم التفتت فرجعت فبركت في موضعها الأول فنزل عنها وذلك في بني النجار أخواله صلى الله عليه وسلم. وكان من توفيق الله لها فإنه أحب أن ينزل على أخواله يكرمهم بذلك فجعل الناس يكلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في النزول عليهم وبادر أبو أيوب الأنصاري إلى رحله فأدخله بيته فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( المرء مع رحله )  وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلته وكانت عنده وأصبح كما قال أبو قيس صرمة الأنصاري وكان ابن عباس يختلف إليه يتحفظ منه هذه الأبيات: ثوى في قريش بضع عشرة حجة ... يذكر لو يلقى حبيبا مواتيا ويعرض في أهل المواسم نفسه ... فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا فلما أتانا واستقرت به النوى ... وأصبح مسرورا بطيبة راضيا وأصبح لا يخشى ظلامة ظالم ... بعيد ولا يخشى من الناس باغيا(3\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "959",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9525",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بذلنا له الأموال من حل مالنا وأنفسنا عند الوغى والتآسيا ... نعادي الذي عادى من الناس كلهم جميعا وإن كان الحبيب المصافيا ... ونعلم أن الله لا رب غيره وأن كتاب الله أصبح هاديا قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فأمر بالهجرة وأنزل عليه: وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا [الإسراء: 80]  ) [الإسراء: 80] . قال قتادة: أخرجه الله من مكة إلى المدينة مخرج صدق ونبي الله يعلم أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان فسأل الله سلطانا نصيرا وأراه الله عز وجل دار الهجرة وهو بمكة فقال: ( أريت دار هجرتكم بسبخة ذات نخل بين لابتين ) . وذكر الحاكم في quot; مستدركه quot; عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: ( من يهاجر معي قال: أبو بكر الصديق ) . قال البراء: ( أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم فجعلا يقرئان الناس القرآن ثم جاء عمار وبلال وسعد ثم جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عشرين راكبا ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فما(3\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "960",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9526",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رأيت الناس فرحوا بشيء كفرحهم به حتى رأيت النساء والصبيان والإماء يقولون: هذا رسول الله قد جاء ) . وقال أنس: ( شهدته يوم دخل المدينة فما رأيت يوما قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل المدينة علينا وشهدته يوم مات فما رأيت يوما قط كان أقبح ولا أظلم من يوم مات ) . فأقام في منزل أبي أيوب حتى بنى حجره ومسجده وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في منزل أبي أيوب زيد بن حارثة وأبا رافع وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه وسودة بنت زمعة زوجته وأسامة بن زيد وأمه أم أيمن وأما زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يمكنها زوجها أبو العاص بن الربيع من الخروج وخرج عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبي بكر ومنهم عائشة فنزلوا في بيت حارثة بن النعمان.  [فصل في بناء المسجد] فصل في بناء المسجد قال الزهري: بركت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم موضع مسجده وهو يومئذ يصلي فيه رجال من المسلمين وكان مربدا لسهل وسهيل غلامين يتيمين من الأنصار كانا في حجر أسعد بن زرارة فساوم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين بالمربد ليتخذه مسجدا فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتاعه منهما بعشرة دنانير وكان جدارا ليس له سقف وقبلته إلى بيت المقدس وكان يصلي فيه ويجمع أسعد بن زرارة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان فيه شجرة غرقد وخرب ونخل وقبور للمشركين فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقبور فنبشت وبالخرب(3\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "961",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9527",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فسويت وبالنخل والشجر فقطعت وصفت في قبلة المسجد وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع والجانبين مثل ذلك أو دونه وجعل أساسه قريبا من ثلاثة أذرع ثم بنوه باللبن وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يبني معهم وينقل اللبن والحجارة بنفسه ويقول: اللهم لا عيش إلا عيش الآخره ... فاغفر للأنصار والمهاجره وكان يقول: هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر وجعلوا يرتجزون وهم ينقلون اللبن ويقول بعضهم في رجزه: لئن قعدنا والرسول يعمل ... لذاك منا العمل المضلل  وجعل قبلته إلى بيت المقدس وجعل له ثلاثة أبواب بابا في مؤخره وبابا يقال له: باب الرحمة والباب الذي يدخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل عمده الجذوع وسقفه بالجريد وقيل له: ألا تسقفه فقال: ( لا عريش كعريش موسى ) وبنى إلى جنبه بيوت أزواجه باللبن وسقفها بالجريد والجذوع فلما فرغ من البناء بنى بعائشة في البيت الذي بناه لها شرقي المسجد قبليه وهو مكان حجرته اليوم وجعل لسودة بنت زمعة بيتا آخر.  [فصل في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار] فصل ثم آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك وكانوا تسعين رجلا نصفهم من المهاجرين ونصفهم من الأنصار آخى بينهم على المواساة يتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام إلى حين وقعة بدر فلما(3\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "962",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9528",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنزل الله عز وجل: وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله [الأحزاب: 6] [الأحزاب: 6] رد التوارث إلى الرحم دون عقد الأخوة. وقد قيل: إنه آخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض مؤاخاة ثانية واتخذ فيها عليا أخا لنفسه والثبت الأول والمهاجرون كانوا مستغنين بأخوة الإسلام(3\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "963",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9529",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأخوة الدار وقرابة النسب عن عقد مؤاخاة بخلاف المهاجرين مع الأنصار ولو آخى بين المهاجرين كان أحق الناس بأخوته أحب الخلق إليه ورفيقه في الهجرة وأنيسه في الغار وأفضل الصحابة وأكرمهم عليه أبو بكر الصديق وقد قال: ( لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أخوة الإسلام أفضل )  وفي لفظ: (ولكن أخي وصاحبي) وهذه الأخوة في الإسلام وإن كانت عامة كما قال: ( وددت أن قد رأينا إخواننا قالوا: ألسنا إخوانك قال: أنتم أصحابي وإخواني قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني ) فللصديق من هذه الأخوة أعلى مراتبها كما له من الصحبة أعلى مراتبها فالصحابة لهم الأخوة ومزية الصحبة ولأتباعه بعدهم الأخوة دون الصحبة.  [فصل في معاهدته صلى الله عليه وسلم مع يهود] فصل ووادع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بالمدينة من اليهود وكتب بينه وبينهم كتابا وبادر حبرهم وعالمهم عبد الله بن سلام فدخل في الإسلام(3\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "964",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9530",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأبى عامتهم إلا الكفر. وكانوا ثلاث قبائل: بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة وحاربه الثلاثة فمن على بني قينقاع وأجلى بني النضير وقتل بني قريظة وسبى ذريتهم ونزلت (سورة الحشر) في بني النضير و (سورة الأحزاب) في بني قريظة.  [فصل في تحويل القبلة] فصل وكان يصلي إلى قبلة بيت المقدس ويحب أن يصرف إلى الكعبة وقال لجبريل: ( وددت أن يصرف الله وجهي عن قبلة اليهود فقال: إنما أنا عبد فادع ربك واسأله فجعل يقلب وجهه في السماء يرجو ذلك حتى أنزل الله عليه: قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام [البقرة: 144] [البقرة: 144]  ) وذلك بعد ستة عشر شهرا من مقدمه المدينة قبل وقعة بدر بشهرين. قال محمد بن سعد: أخبرنا هاشم بن القاسم قال: أنبأنا أبو معشر عن محمد بن كعب القرظي قال: ( ما خالف نبي نبيا قط في قبلة ولا في سنة إلا أن(3\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "965",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9531",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل بيت المقدس حين قدم المدينة ستة عشر شهرا ثم قرأ: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك [الشورى: 13]  ) [الشورى: 13] . وكان لله في جعل القبلة إلى بيت المقدس ثم تحويلها إلى الكعبة حكم عظيمة ومحنة للمسلمين والمشركين واليهود والمنافقين. فأما المسلمون فقالوا: سمعنا وأطعنا وقالوا: آمنا به كل من عند ربنا [آل عمران: 7] [آل عمران: 7] وهم الذين هدى الله ولم تكن كبيرة عليهم. وأما المشركون فقالوا: كما رجع إلى قبلتنا يوشك أن يرجع إلى ديننا وما رجع إليها إلا أنه الحق. وأما اليهود فقالوا: خالف قبلة الأنبياء قبله ولو كان نبيا لكان يصلي إلى قبلة الأنبياء. وأما المنافقون فقالوا: ما يدري محمد أين يتوجه إن كانت الأولى حقا فقد تركها وإن كانت الثانية هي الحق فقد كان على باطل وكثرت أقاويل السفهاء من الناس وكانت كما قال الله تعالى: وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله [البقرة: 143] [البقرة: 143] وكانت محنة من الله امتحن بها عباده ليرى من يتبع الرسول منهم ممن ينقلب على عقبيه. ولما كان أمر القبلة وشأنها عظيما وطأ - سبحانه - قبلها أمر النسخ وقدرته عليه وأنه يأتي بخير من المنسوخ أو مثله ثم عقب ذلك بالتوبيخ لمن تعنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينقد له ثم ذكر بعده اختلاف اليهود والنصارى وشهادة بعضهم على بعض بأنهم ليسوا على شيء وحذر عباده المؤمنين من موافقتهم واتباع أهوائهم ثم ذكر كفرهم وشركهم به وقولهم: إن له ولدا سبحانه وتعالى عما يقولون علوا ثم أخبر أن له المشرق والمغرب وأينما يولي(3\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "966",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9532",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عباده وجوههم فثم وجهه وهو الواسع العليم فلعظمته وسعته وإحاطته أينما يوجه العبد فثم وجه الله. ثم أخبر أنه لا يسأل رسوله عن أصحاب الجحيم الذين لا يتابعونه ولا يصدقونه ثم أعلمه أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم وأنه إن فعل وقد أعاذه الله من ذلك فما له من الله من ولي ولا نصير ثم ذكر أهل الكتاب بنعمته عليهم وخوفهم من بأسه يوم القيامة ثم ذكر خليله باني بيته الحرام وأثنى عليه ومدحه وأخبر أنه جعله إماما للناس يأتم به أهل الأرض ثم ذكر بيته الحرام وبناء خليله له وفي ضمن هذا أن باني البيت كما هو إمام للناس فكذلك البيت الذي بناه إمام لهم ثم أخبر أنه لا يرغب عن ملة هذا الإمام إلا أسفه الناس ثم أمر عباده أن يأتموا برسوله الخاتم ويؤمنوا بما أنزل إليه وإلى إبراهيم وإلى سائر النبيين ثم رد على من قال: إن إبراهيم وأهل بيته كانوا هودا أو نصارى وجعل هذا كله توطئة ومقدمة بين يدي تحويل القبلة ومع هذا كله فقد كبر ذلك على الناس إلا من هدى الله منهم وأكد سبحانه هذا الأمر مرة بعد مرة بعد ثالثة وأمر به رسوله حيثما كان ومن حيث خرج وأخبر أن الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم هو الذي هداهم إلى هذه القبلة وأنها هي القبلة التي تليق بهم وهم أهلها لأنها أوسط القبل وأفضلها وهم أوسط الأمم وخيارهم فاختار أفضل القبل لأفضل الأمم كما اختار لهم أفضل الرسل وأفضل الكتب وأخرجهم في خير القرون وخصهم بأفضل الشرائع ومنحهم خير الأخلاق وأسكنهم خير الأرض وجعل منازلهم في الجنة خير المنازل وموقفهم في القيامة خير المواقف فهم على تل عال والناس تحتهم فسبحان من يختص برحمته من يشاء وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وأخبر سبحانه أنه فعل ذلك لئلا يكون للناس عليهم حجة ولكن الظالمون الباغون يحتجون عليهم بتلك الحجج التي ذكرت ولا يعارض الملحدون الرسل(3\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "967",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9533",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلا بها وبأمثالها من الحجج الداحضة وكل من قدم على أقوال الرسول سواها فحجته من جنس حجج هؤلاء. وأخبر سبحانه أنه فعل ذلك ليتم نعمته عليهم وليهديهم ثم ذكرهم نعمه عليهم بإرسال رسوله إليهم وإنزال كتابه عليهم ليزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون ثم أمرهم بذكره وبشكره إذ بهذين الأمرين يستوجبون إتمام نعمه والمزيد من كرامته ويستجلبون ذكره لهم ومحبته لهم ثم أمرهم بما لا يتم لهم ذلك إلا بالاستعانة به وهو الصبر والصلاة وأخبرهم أنه مع الصابرين.  [فصل في الأذان وزيادة الصلاة إلى رباعية] فصل وأتم نعمته عليهم مع القبلة بأن شرع لهم الأذان في اليوم والليلة خمس مرات وزادهم في الظهر والعصر والعشاء ركعتين أخريين بعد أن كانت ثنائية فكل هذا كان بعد مقدمه المدينة.  [فصل في الإذن بالقتال] فصل فلما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وأيده الله بنصره بعباده المؤمنين الأنصار وألف بين قلوبهم بعد العداوة والإحن التي كانت بينهم فمنعته أنصار الله وكتيبة الإسلام من الأسود والأحمر وبذلوا نفوسهم دونه وقدموا محبته على محبة الآباء والأبناء والأزواج وكان أولى بهم من أنفسهم رمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة وصاحوا بهم من كل جانب والله سبحانه يأمرهم بالصبر والعفو والصفح حتى قويت الشوكة(3\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "968",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9534",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واشتد الجناح فأذن لهم حينئذ في القتال ولم يفرضه عليهم فقال تعالى: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير [الحج: 39] [الحج: 39] . وقد قالت طائفة: إن هذا الإذن كان بمكة والسورة مكية وهذا غلط لوجوه: أحدها: أن الله لم يأذن بمكة لهم في القتال ولا كان لهم شوكة يتمكنون بها من القتال بمكة. الثاني: أن سياق الآية يدل على أن الإذن بعد الهجرة وإخراجهم من ديارهم فإنه قال: الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله [الحج: 40] [الحج: 40] وهؤلاء هم المهاجرون. الثالث: قوله تعالى: هذان خصمان اختصموا في ربهم [الحج: 19] [الحج: 19] نزلت في الذين تبارزوا يوم بدر من الفريقين. الرابع: أنه قد خاطبهم في آخرها بقوله: ياأيها الذين آمنوا [الحج: 77] والخطاب بذلك كله مدني فأما الخطاب ياأيها الناس [البقرة: 21] فمشترك. الخامس: أنه أمر فيها بالجهاد الذي يعم الجهاد باليد وغيره ولا ريب أن الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة فأما جهاد الحجة فأمر به في مكة بقوله: فلا تطع الكافرين وجاهدهم به [الفرقان: 52] أي: بالقرآن جهادا كبيرا [الفرقان: 52] [الفرقان: 52] فهذه سورة مكية والجهاد فيها هو التبليغ وجهاد الحجة وأما الجهاد المأمور به في (سورة الحج فيدخل فيه الجهاد بالسيف. السادس: أن الحاكم روى في quot; مستدركه quot; من حديث الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة(3\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "969",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9535",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكن فأنزل الله عز وجل: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا [الحج: 39] [الحج: 39] وهي أول آية نزلت في القتال. وإسناده على شرط quot; الصحيحين quot; وسياق السورة يدل على أن فيها المكي والمدني فإن قصة إلقاء الشيطان في أمنية الرسول مكية والله أعلم.  [فصل في فرض القتال] فصل ثم فرض عليهم القتال بعد ذلك لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم فقال: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم [البقرة: 190] [البقرة: 190] . ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة وكان محرما ثم مأذونا به ثم مأمورا به لمن بدأهم بالقتال ثم مأمورا به لجميع المشركين إما فرض عين على أحد القولين أو فرض كفاية على المشهور. والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين إما بالقلب وإما باللسان وإما بالمال وإما باليد فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع. أما الجهاد بالنفس ففرض كفاية وأما الجهاد بالمال ففي وجوبه قولان: والصحيح وجوبه لأن الأمر بالجهاد به وبالنفس في القرآن سواء كما قال تعالى: انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون [التوبة: 41] [التوبة: 41] وعلق النجاة من النار به ومغفرة الذنب ودخول الجنة فقال: ياأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم - تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون - يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم [الصف: 10 - 12] [الصف: 10] وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك أعطاهم ما يحبون من النصر والفتح القريب فقال:(3\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "970",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9536",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأخرى تحبونها [الصف: 13] [الصف: 13] أي: ولكم خصلة أخرى تحبونها في الجهاد وهي: نصر من الله وفتح قريب [الصف: 13] وأخبر سبحانه أنه: اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة [التوبة: 111] [التوبة: 111] وأعاضهم عليها الجنة وأن هذا العقد والوعد قد أودعه أفضل كتبه المنزلة من السماء وهي التوراة والإنجيل والقرآن ثم أكد ذلك بإعلامهم أنه لا أحد أوفى بعهده منه تبارك وتعالى ثم أكد ذلك بأن أمرهم بأن يستبشروا ببيعهم الذي عاقدوه عليه ثم أعلمهم أن ذلك هو الفوز العظيم. فليتأمل العاقد مع ربه عقد هذا التبايع ما أعظم خطره وأجله فإن الله عز وجل هو المشتري والثمن جنات النعيم والفوز برضاه والتمتع برؤيته هناك. والذي جرى على يده هذا العقد أشرف رسله وأكرمهم عليه من الملائكة والبشر وإن سلعة هذا شأنها لقد هيئت لأمر عظيم وخطب جسيم: قد هيئوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل مهر المحبة والجنة بذل النفس والمال لمالكهما الذي اشتراهما من المؤمنين فما للجبان المعرض المفلس وسوم هذه السلعة بالله ما هزلت فيستامها المفلسون ولا كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون لقد أقيمت للعرض في سوق من يريد فلم يرض ربها لها بثمن دون بذل النفوس فتأخر البطالون وقام المحبون ينتظرون أيهم يصلح أن يكون نفسه الثمن فدارت السلعة بينهم ووقعت في يد أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين [المائدة: 54] [المائدة: 54] . لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخلي حرفة الشجي فتنوع المدعون في الشهود فقيل: لا تثبت هذه الدعوى إلا ببينة قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله [آل عمران: 31] [آل عمران: 31] فتأخر الخلق كلهم وثبت أتباع الرسول في أفعاله وأقواله(3\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "971",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9537",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهديه وأخلاقه فطولبوا بعدالة البينة وقيل: لا تقبل العدالة إلا بتزكية يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم [المائدة: 54] [المائدة: 54] فتأخر أكثر المدعين للمحبة وقام المجاهدون فقيل لهم: إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم فسلموا ما وقع عليه العقد فإن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة [التوبة: 111] وعقد التبايع يوجب التسليم من الجانبين فلما رأى التجار عظمة المشتري وقدر الثمن وجلالة قدر من جرى عقد التبايع على يديه ومقدار الكتاب الذي أثبت فيه هذا العقد عرفوا أن للسلعة قدرا وشأنا ليس لغيرها من السلع فرأوا من الخسران البين والغبن الفاحش أن يبيعوها بثمن بخس دراهم معدودة تذهب لذتها وشهوتها وتبقى تبعتها وحسرتها فإن فاعل ذلك معدود في جملة السفهاء فعقدوا مع المشتري بيعة الرضوان رضى واختيارا من غير ثبوت خيار وقالوا: والله لا نقيلك ولا نستقيلك فلما تم العقد وسلموا المبيع قيل لهم: قد صارت أنفسكم وأموالكم لنا والآن فقد رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعاف أموالكم معها ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون [آل عمران: 169] [آل عمران: 169] لم نبتع منكم نفوسكم وأموالكم طلبا للربح عليكم بل ليظهر أثر الجود والكرم في قبول المعيب والإعطاء عليه أجل الأثمان ثم جمعنا لكم بين الثمن والمثمن. تأمل قصة جابر بن عبد الله quot; وقد اشترى منه صلى الله عليه وسلم بعيره ثم وفاه الثمن وزاده ورد عليه البعير وكان أبوه قد قتل مع النبي صلى الله عليه وسلم في وقعة أحد فذكره بهذا الفعل حال أبيه مع الله وأخبره ( أن الله أحياه وكلمه كفاحا وقال: يا عبدي تمن علي ) quot; فسبحان من(3\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "972",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9538",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عظم جوده وكرمه أن يحيط به علم الخلائق فقد أعطى السلعة وأعطى الثمن ووفق لتكميل العقد وقبل المبيع على عيبه وأعاض عليه أجل الأثمان واشترى عبده من نفسه بماله وجمع له بين الثمن والمثمن وأثنى عليه ومدحه بهذا العقد وهو سبحانه الذي وفقه له وشاءه منه. فحيهلا إن كنت ذا همة فقد ... حدا بك حادي الشوق فاطو المراحلا وقل لمنادي حبهم ورضاهم ... إذا ما دعا لبيك ألفا كواملا ولا تنظر الأطلال من دونهم فإن ... نظرت إلى الأطلال عدن حوائلا ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد ... ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا وخذ منهم زادا إليهم وسر على ... طريق الهدى والحب تصبح واصلا وأحي بذكراهم شراك إذا دنت ... ركابك فالذكرى تعيدك عاملا وإما تخافن الكلال فقل لها ... أمامك ورد الوصل فابغي المناهلا وخذ قبسا من نورهم ثم سر به ... فنورهم يهديك ليس المشاعلا وحي على وادي الأراك فقل به ... عساك تراهم ثم إن كنت قائلا وإلا ففي نعمان عندي معرف الـ ... أحبة فاطلبهم إذا كنت سائلا وإلا ففي جمع بليلته فإن ... تفت فمنى يا ويح من كان غافلا وحي على جنات عدن فإنها ... منازلك الأولى بها كنت نازلا ولكن سباك الكاشحون لأجل ذا ... وقفت على الأطلال تبكي المنازلا وحي على يوم المزيد بجنة الـ ... خلود فجد بالنفس إن كنت باذلا فدعها رسوما دارسات فما بها ... مقيل وجاوزها فليست منازلا رسوما عفت ينتابها الخلق كم بها ... قتيل وكم فيها لذا الخلق قاتلا وخذ يمنة عنها على المنهج الذي ... عليه سرى وفد الأحبة آهلا وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة ... فعند اللقا ذا الكد يصبح زائلا فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا لقد حرك الداعي إلى الله وإلى دار السلام النفوس الأبية والهمم العالية(3\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "973",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9539",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأسمع منادي الإيمان من كانت له أذن واعية وأسمع الله من كان حيا فهزه السماع إلى منازل الأبرار وحدا به في طريق سيره فما حطت به رحاله إلا بدار القرار فقال: ( انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ) . وقال: ( مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله وتوكل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه سالما مع أجر أو غنيمة ) . وقال: ( غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ) .(3\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "974",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9540",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: ( أيما عبد من عبادي خرج مجاهدا في سبيلي ابتغاء مرضاتي ضمنت له أن أرجعه إن أرجعته بما أصاب من أجر أو غنيمة وإن قبضته أن أغفر له وأرحمه وأدخله الجنة ) وقال: جاهدوا في سبيل الله فإن الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنة ينجي الله به من الهم والغم ) . وقال: أنا زعيم - والزعيم الحميل - لمن آمن بي وأسلم وهاجر ببيت في ربض الجنة وببيت في وسط الجنة وأنا زعيم لمن آمن بي وأسلم وجاهد في سبيل الله ببيت في ربض الجنة وببيت في وسط الجنة وببيت في أعلى غرف الجنة من فعل ذلك لم يدع للخير مطلبا ولا من الشر مهربا يموت حيث شاء أن يموت ) . وقال: من قاتل في سبيل الله من رجل مسلم فواق ناقة وجبت له الجنة ) .(3\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "975",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9541",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة ) . وقال لأبي سعيد: من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا وجبت له الجنة quot; فعجب لها أبو سعيد فقال: أعدها علي يا رسول الله ففعل ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض quot; قال: وما هي يا رسول الله قال: quot; الجهاد في سبيل الله ) . وقال: ( من أنفق زوجين في سبيل الله دعاه خزنة الجنة كل خزنة باب أي فل هلم فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها قال: نعم وأرجو أن تكون منهم ) .(3\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "976",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9542",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: ( من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبعمائة ومن أنفق على نفسه وأهله وعاد مريضا أو أماط الأذى عن طريق فالحسنة بعشر أمثالها والصوم جنة ما لم يخرقها ومن ابتلاه الله في جسده فهو له حطة ) . وذكر ابن ماجه عنه: ( من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق في وجهه ذلك فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم quot; ثم تلا هذه الآية: والله يضاعف لمن يشاء [البقرة: 261]  ) [البقرة 261] . وقال: ( من أعان مجاهدا في سبيل الله أو غارما في غرمه أو مكاتبا في رقبته أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ) . وقال: ( من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار ) .(3\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "977",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9543",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: ( لا يجتمع شح وإيمان في قلب رجل واحد ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في وجه عبد ) وفي لفظ quot; في قلب عبد quot; وفي لفظ quot; في جوف امرئ quot; وفي لفظ quot; في منخري مسلم quot;. وذكر الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ( من اغبرت قدماه في سبيل الله ساعة من نهار فهما حرام على النار ) . وذكر عنه أيضا أنه قال: ( لا يجمع الله في جوف رجل غبارا في سبيل الله ودخان جهنم ومن اغبرت قدماه في سبيل الله حرم الله سائر جسده على النار ومن صام يوما في سبيل الله باعد الله عنه النار مسيرة ألف سنة للراكب المستعجل ومن جرح جراحة في سبيل الله ختم له بخاتم الشهداء له نور يوم القيامة لونها لون الزعفران وريحها ريح المسك يعرفه بها الأولون والآخرون ويقولون: فلان عليه طابع الشهداء ومن قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة ) .(3\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "978",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9544",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر ابن ماجه عنه: ( من راح روحة في سبيل الله كان له بمثل ما أصابه من الغبار مسكا يوم القيامة ) . وذكر أحمد - رحمه الله - عنه: ( ما خالط قلب امرئ رهج في سبيل الله إلا حرم الله عليه النار ) . وقال: ( رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها ) . وقال: ( رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان ) . وقال: ( كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فتنة القبر ) .(3\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "979",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9545",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: ( رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل ) . وذكر ابن ماجه عنه: ( من رابط ليلة في سبيل الله كانت له كألف ليلة صيامها وقيامها ) . وقال: ( مقام أحدكم في سبيل الله خير من عبادة أحدكم في أهله ستين سنة أما تحبون أن يغفر الله لكم وتدخلون الجنة جاهدوا في سبيل الله من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة ) . وذكر أحمد عنه: ( من رابط في شيء من سواحل المسلمين ثلاثة أيام أجزأت عنه رباط سنة ) .(3\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "980",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9546",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر عنه أيضا: ( حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها ) . وقال: ( حرمت النار على عين دمعت أو بكت من خشية الله وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله ) . وذكر أحمد عنه: ( من حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعا لا يأخذه سلطان لم ير النار بعينيه إلا تحلة القسم فإن الله يقول: وإن منكم إلا واردها [مريم: 71]  ) . وقال لرجل حرس المسلمين ليلة في سفرهم من أولها إلى الصباح على ظهر فرسه لم ينزل إلا لصلاة أو قضاء حاجة: ( قد أوجبت فلا عليك ألا تعمل بعدها ) .  وقال: ( من بلغ بسهم في سبيل الله فله درجة في الجنة ) . وقال: ( من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر ومن شاب شيبة في(3\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "981",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9547",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبيل الله كانت له نورا يوم القيامة ) وعند النسائي تفسير الدرجة بمائة عام. وقال: ( إن الله يدخل بالسهم الواحد الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير والممد به والرامي به وارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا وكل شيء يلهو به الرجل فباطل إلا رميه بقوسه أو تأديبه فرسه وملاعبته امرأته ومن علمه الله الرمي فتركه رغبة عنه فنعمة كفرها ) رواه أحمد وأهل السنن وعند ابن ماجه ( من تعلم الرمي ثم تركه فقد(3\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "982",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9548",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عصاني ) . وذكر أحمد عنه أن رجلا قال له: أوصني فقال: ( أوصيك بتقوى الله فإنه رأس كل شيء وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن فإنه روحك في السماء وذكر لك في الأرض ) . وقال: ( ذروة سنام الإسلام الجهاد ) . وقال: ( ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله والمكاتب الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد العفاف ) .(3\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "983",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9549",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: ( من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق ) . وذكر أبو داود عنه: ( من لم يغز أو يجهز غازيا أو يخلف غازيا في أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة ) . وقال: ( إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم )(3\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "984",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9550",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر ابن ماجه عنه: ( من لقي الله عز وجل وليس له أثر في سبيل الله لقي الله وفيه ثلمة ) . وقال تعالى: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة [البقرة: 195] [البقرة: 195]  وفسر أبو أيوب الأنصاري الإلقاء باليد إلى التهلكة بترك الجهاد وصح عنه صلى الله عليه وسلم: ( إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف ) .(3\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "985",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9551",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصح عنه: ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) . وصح عنه: ( إن النار أول ما تسعر بالعالم والمنفق والمقتول في الجهاد إذا فعلوا ذلك ليقال ) . وصح عنه: ( أن من جاهد يبتغي عرض الدنيا فلا أجر له ) . وصح عنه أنه قال لعبد الله بن عمرو: ( إن قاتلت صابرا محتسبا بعثك الله صابرا محتسبا وإن قاتلت مرائيا مكاثرا بعثك الله مرائيا مكاثرا يا عبد الله بن عمرو على أي وجه قاتلت أو قتلت بعثك الله على تلك الحال ) .(3\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "986",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9552",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "فصل في فضل الشهيد",
        "content": "[فصل في استحباب القتال أول النهار] فصل ( وكان يستحب القتال أول النهار ) كما يستحب الخروج للسفر أوله فإن لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر.  [فصل في فضل الشهيد] فصل قال: ( والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله - والله أعلم بمن يكلم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك ) . وفي الترمذي عنه ( ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين أو أثرين قطرة دمعة من خشية الله وقطرة دم تهراق في سبيل الله وأما الأثران فأثر في سبيل الله وأثر في فريضة من فرائض الله ) . وصح عنه أنه قال: ( ما من عبد يموت له عند الله خير لا يسره أن يرجع إلى الدنيا وأن له الدنيا وما فيها إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى ) وفي لفظ: ( فيقتل عشر مرات لما(3\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "987",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9553",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يرى من الكرامة ) . ( وقال لأم حارثة بنت النعمان وقد قتل ابنها معه يوم بدر فسألته أين هو قال: إنه في الفردوس الأعلى ) . وقال: ( إن أرواح الشهداء في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئا فقالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ففعل بهم ذلك ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا ) . وقال: ( إن للشهيد عند الله خصالا أن يغفر له من أول دفعة من دمه ويرى مقعده من الجنة ويحلى حلية الإيمان ويزوج من الحور العين ويجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها. ويزوج اثنتين وسبعين من الحور العين ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه ) ذكره أحمد وصححه الترمذي. وقال لجابر: ( ألا أخبرك ما قال الله لأبيك قال: بلى قال: ما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب وكلم أباك كفاحا فقال: يا عبدي تمن علي أعطك(3\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "988",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9554",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية قال: إنه سبق مني (أنهم إليها لا يرجعون) قال: يا رب فأبلغ من ورائي فأنزل الله تعالى هذه الآية: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون [آل عمران: 169]  ) [آل عمران: 169] . وقال: ( لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله: أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله على رسوله هذه الآيات: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا [آل عمران: 169]  ) . وفي quot; المسند quot; مرفوعا: ( الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشية ) . وقال: ( لا تجف الأرض من دم الشهيد حتى يبتدره زوجتاه كأنهما طيران أضلتا فصيليهما ببراح من الأرض بيد كل واحدة منهما حلة خير من الدنيا وما فيها ) . وفي quot; المستدرك quot; والنسائي مرفوعا: ( لأن أقتل في سبيل الله أحب إلي من أن يكون لي أهل المدر والوبر ) .(3\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "989",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9555",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيهما: ( ما يجد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة ) . وفي quot; السنن quot;: ( يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته ) . وفي quot; المسند quot;: ( أفضل الشهداء الذين إن يلقوا في الصف لا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا أولئك يتلبطون في الغرف العلى من الجنة ويضحك إليهم ربك وإذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا فلا حساب عليه ) . وفيه: ( الشهداء أربعة: رجل مؤمن جيد الإيمان لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذلك الذي يرفع إليه الناس أعناقهم ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه حتى وقعت قلنسوته ورجل مؤمن جيد الإيمان لقي العدو فكأنما يضرب جلده بشوك الطلح أتاه سهم غرب فقتله هو في الدرجة الثانية ورجل مؤمن جيد الإيمان خلط عملا صالحا وآخر سيئا لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذاك في الدرجة الثالثة ورجل مؤمن أسرف على نفسه إسرافا كثيرا لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذلك في الدرجة الرابعة ) .(3\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "990",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9556",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; المسند quot; و quot; صحيح ابن حبان quot;: ( القتلى ثلاثة: رجل مؤمن جاهد بماله ونفسه في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل فذاك الشهيد الممتحن في خيمة الله تحت عرشه لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة ورجل مؤمن فرق على نفسه من الذنوب والخطايا جاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يقتل فتلك ممصمصة محت ذنوبه وخطاياه إن السيف محاء الخطايا وأدخل من أي أبواب الجنة شاء فإن لها ثمانية أبواب ولجهنم سبعة أبواب وبعضها أفضل من بعض ورجل منافق جاهد بنفسه وماله حتى إذا لقي العدو قاتل في سبيل الله حتى يقتل فإن ذلك في النار إن السيف لا يمحو النفاق ) . وصح عنه: ( أنه لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا ) . وسئل أي الجهاد أفضل فقال: ( من جاهد المشركين بماله ونفسه قيل: فأي القتل أفضل قال: من أهريق دمه وعقر جواده في سبيل الله ) .(3\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "991",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9557",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; سنن ابن ماجه quot;: ( إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر ) وهو لأحمد والنسائي مرسلا. وصح عنه: ( أنه لا تزال طائفة من أمته يقاتلون على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة ) وفي لفظ: ( حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال ) .  [فصل في مبايعته صلى الله عليه وسلم أصحابه] فصل وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع أصحابه في الحرب على ألا يفروا وربما بايعهم على الموت وبايعهم على الجهاد كما بايعهم على الإسلام وبايعهم على الهجرة قبل الفتح وبايعهم على التوحيد والتزام طاعة الله ورسوله وبايع نفرا من أصحابه ألا يسألوا الناس شيئا.(3\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "992",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9558",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(وكان السوط يسقط من يد أحدهم فينزل عن دابته فيأخذه ولا يقول لأحد: ناولني إياه) . وكان يشاور أصحابه في أمر الجهاد وأمر العدو وتخير المنازل وفي quot; المستدرك quot; عن أبي هريرة: ( ما رأيت أحدا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) . ( وكان يتخلف في ساقتهم في المسير فيزجي الضعيف ويردف المنقطع وكان أرفق الناس بهم في المسير ) . ( وكان إذا أراد غزوة ورى بغيرها )  فيقول مثلا إذا أراد غزوة حنين: كيف طريق نجد ومياهها ومن بها من العدو ونحو ذلك. وكان يقول: ( الحرب خدعة ) . ( وكان يبعث العيون يأتونه بخبر عدوه ويطلع الطلائع ويبيت(3\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "993",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9559",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحرس ) . ( وكان إذا لقي عدوه وقف ودعا واستنصر الله وأكثر هو وأصحابه من ذكر الله وخفضوا أصواتهم ) . وكان يرتب الجيش والمقاتلة ويجعل في كل جنبة كفئا لها وكان يبارز بين يديه بأمره وكان يلبس للحرب عدته ( وربما ظاهر بين درعين وكان له الألوية والرايات ) . ( وكان إذا ظهر على قوم أقام بعرصتهم ثلاثا ثم قفل ) . ( وكان إذا أراد أن يغير انتظر فإن سمع في الحي مؤذنا لم يغر وإلا أغار ) . ( وكان ربما بيت عدوه وربما فاجأهم نهارا ) . ( وكان يحب الخروج يوم الخميس بكرة النهار ) وكان العسكر إذا نزل(3\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "994",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9560",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "انضم بعضه إلى بعض حتى لو بسط عليهم كساء لعمهم. ( وكان يرتب الصفوف ويعبئهم عند القتال بيده ويقول: تقدم يا فلان تأخر يا فلان ) . وكان يستحب للرجل منهم أن يقاتل تحت راية قومه.  وكان إذا لقي العدو قال: ( اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم ) وربما قال: سيهزم الجمع ويولون الدبر - بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر [القمر: 45 - 46] . وكان يقول: ( اللهم أنزل نصرك ) وكان يقول: ( اللهم أنت عضدي وأنت نصيري وبك أقاتل ) . وكان إذا اشتد له بأس وحمي الحرب وقصده العدو يعلم بنفسه ويقول: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب وكان الناس إذا اشتد الحرب اتقوا به صلى الله عليه وسلم وكان أقربهم إلى العدو.(3\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "995",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9561",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان يجعل لأصحابه شعارا في الحرب يعرفون به إذا تكلموا وكان شعارهم مرة: ( أمت أمت ) ومرة: ( يا منصور ) ومرة: ( حم لا ينصرون ) .  وكان يلبس الدرع والخوذة ويتقلد السيف ويحمل الرمح والقوس العربية وكان يتترس بالترس وكان يحب الخيلاء في الحرب وقال: ( إن منها ما يحبه الله ومنها ما يبغضه الله فأما الخيلاء التي يحبها الله فاختيال الرجل بنفسه عند اللقاء واختياله عند الصدقة وأما التي يبغض الله عز وجل فاختياله في البغي والفخر ) . وقاتل مرة بالمنجنيق نصبه على أهل الطائف. وكان ينهى عن قتل النساء والولدان وكان ينظر في المقاتلة فمن رآه أنبت قتله ومن لم ينبت استحياه.(3\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "996",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9562",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( وكان إذا بعث سرية يوصيهم بتقوى الله ويقول: سيروا بسم الله وفي سبيل الله وقاتلوا من كفر بالله ولا تمثلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدا ) . وكان ينهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو.  وكان يأمر أمير سريته أن يدعو عدوه قبل القتال إما إلى الإسلام والهجرة أو إلى الإسلام دون الهجرة ويكونون كأعراب المسلمين ليس لهم في الفيء نصيب أو بذل الجزية فإن هم أجابوا إليه قبل منهم وإلا استعان بالله وقاتلهم. وكان إذا ظفر بعدوه أمر مناديا فجمع الغنائم كلها فبدأ بالأسلاب فأعطاها لأهلها ثم أخرج خمس الباقي فوضعه حيث أراه الله وأمره به من مصالح الإسلام ثم يرضخ من الباقي لمن لا سهم له من النساء والصبيان والعبيد ثم قسم الباقي بالسوية بين الجيش للفارس ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه وللراجل سهم هذا هو الصحيح الثابت عنه. وكان ينفل من صلب الغنيمة بحسب ما يراه من المصلحة وقيل: بل كان النفل من الخمس وقيل وهو أضعف الأقوال بل كان من خمس الخمس. وجمع لسلمة بن الأكوع في بعض مغازيه بين سهم الراجل والفارس فأعطاه(3\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "997",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9563",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أربعة أسهم لعظم غنائه في تلك الغزوة. وكان يسوي الضعيف والقوي في القسمة ما عدا النفل. وكان إذا أغار في أرض العدو بعث سرية بين يديه فما غنمت أخرج خمسه ونفلها ربع الباقي وقسم الباقي بينها وبين سائر الجيش وإذا رجع فعل ذلك ونفلها الثلث ومع ذلك فكان يكره النفل ويقول: ( ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم ) .  وكان له صلى الله عليه وسلم سهم من الغنيمة يدعى الصفي إن شاء عبدا وإن شاء أمة وإن شاء فرسا يختاره قبل الخمس .(3\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "998",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9564",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالت: عائشة: ( وكانت صفية من الصفي ) رواه أبو داود. ولهذا جاء في كتابه إلى بني زهير بن أقيش ( إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأديتم الخمس من المغنم وسهم النبي صلى الله عليه وسلم وسهم الصفي أنتم آمنون بأمان الله ورسوله ) . وكان سيفه ذو الفقار من الصفي. وكان يسهم لمن غاب عن الوقعة لمصلحة المسلمين كما ( أسهم لعثمان سهمه من بدر ولم يحضرها لمكان تمريضه لامرأته رقية ابنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله ) فضرب له سهمه وأجره. وكانوا يشترون معه في الغزو ويبيعون وهو يراهم ولا ينهاهم ( وأخبره رجل أنه ربح ربحا لم يربح أحد مثله فقال: quot; ما هو quot; قال: ما زلت أبيع وأبتاع حتى ربحت ثلاثمائة أوقية فقال: أنا أنبئك بخير رجل ربح قال: ما هو يا رسول الله قال: ركعتين بعد الصلاة ) . وكانوا يستأجرون الأجراء للغزو على نوعين أحدهما: أن يخرج الرجل ويستأجر من يخدمه في سفره. والثاني: أن يستأجر من ماله من يخرج في(3\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "999",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9565",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجهاد ويسمون ذلك الجعائل وفيها قال: النبي صلى الله عليه وسلم: ( للغازي أجره وللجاعل أجره وأجر الغازي ) .  وكانوا يتشاركون في الغنيمة على نوعين أيضا. أحدهما: شركة الأبدان. والثاني: أن يدفع الرجل بعيره إلى الرجل أو فرسه يغزو عليه على النصف مما يغنم حتى ربما اقتسما السهم فأصاب أحدهما قدحه والآخر نصله وريشه. وقال: ابن مسعود: (اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر فجاء سعد بأسيرين ولم أجئ أنا وعمار بشيء) . وكان يبعث بالسرية فرسانا تارة ورجالا أخرى وكان لا يسهم لمن قدم من المدد بعد الفتح.  [فصل في سهم ذي القربى] فصل وكان يعطي سهم ذي القربى في بني هاشم وبني المطلب دون إخوتهم من بني عبد شمس وبني نوفل وقال: ( إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد وشبك بين أصابعه وقال: إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام ) .(3\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1000",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9566",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في أنه صلى الله عليه وسلم لا يخمس الطعام] فصل وكان المسلمون يصيبون معه في مغازيهم العسل والعنب والطعام فيأكلونه ولا يرفعونه في المغانم قال ابن عمر: ( إن جيشا غنموا في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طعاما وعسلا ولم يؤخذ منهم الخمس ) ذكره أبو داود. ( وانفرد عبد الله بن المغفل يوم خيبر بجراب شحم وقال: لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبسم ولم يقل له شيئا ) . ( وقيل لابن أبي أوفى: كنتم تخمسون الطعام في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أصبنا طعاما يوم خيبر وكان الرجل يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف ) . ( وقال: بعض الصحابة quot; كنا نأكل الجوز في الغزو ولا نقسمه حتى إن كنا لنرجع إلى رحالنا وأجربتنا منه مملوءة ) .  [فصل في حكم النهبة والمثلة] فصل وكان ينهى في مغازيه عن النهبة والمثلة وقال: ( من انتهب نهبة فليس منا )(3\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1001",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9567",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( وأمر بالقدور التي طبخت من النهبى فأكفئت ) . وذكر أبو داود ( عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر فأصاب الناس حاجة شديدة وجهد وأصابوا غنما فانتهبوها وإن قدورنا لتغلي إذ جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشي على قوسه فأكفأ قدورنا بقوسه ثم جعل يرمل اللحم بالتراب ثم قال: quot; إن النهبة ليست بأحل من الميتة أو إن الميتة ليست بأحل من النهبة ) .  [فصل في النهي عن استعمال الفيء في غير حال الحرب] فصل وكان ينهى أن يركب الرجل دابة من الفيء حتى إذا أعجفها ردها فيه وأن يلبس الرجل ثوبا من الفيء حتى إذا أخلقه رده فيه ولم يمنع من الانتفاع به حال الحرب.  [فصل في الغلول] فصل وكان يشدد في الغلول جدا ويقول: ( هو عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة ) .(3\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1002",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9568",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولما ( أصيب غلامه مدعم قالوا: هنيئا له الجنة قال: كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا quot; فجاء رجل بشراك أو شراكين لما سمع ذلك فقال: quot; شراك أو شراكان من نار ) . وقال أبو هريرة: ( قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الغلول وعظمه وعظم أمره فقال: quot; لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء على رقبته فرس له حمحمة يقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك على رقبته صامت فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك على رقبته رقاع تخفق فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك ) . ( وقال لمن كان على ثقله وقد مات quot; هو في النار quot; فذهبوا ينظرون فوجدوا عباءة قد غلها ) . ( وقالوا في بعض غزواتهم: quot; فلان شهيد وفلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا: وفلان شهيد فقال: كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو(3\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1003",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9569",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عباءة quot; ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; اذهب يا ابن الخطاب اذهب فناد في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون ) . ( وتوفي رجل يوم خيبر فذكروا ذلك ل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: quot; صلوا على صاحبكم فتغيرت وجوه الناس لذلك فقال: إن صاحبكم غل في سبيل الله شيئا quot; ففتشوا متاعه فوجدوا خرزا من خرز يهود لا يساوي درهمين ) . ( وكان إذا أصاب غنيمة أمر بلالا فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم فيخمسه ويقسمه فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; سمعت بلالا نادى ثلاثا quot; قال: نعم قال: quot;فما منعك أن تجيء به quot; فاعتذر فقال: quot; كن أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله منك ) .  [فصل في تحريق متاع الغال وضربه] فصل وأمر بتحريق متاع الغال وضربه وحرقه الخليفتان الراشدان بعده(3\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1004",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9570",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "أسارى بدر",
        "content": "فقيل: هذا منسوخ بسائر الأحاديث التي ذكرت فإنه لم يجئ التحريق في شيء منها وقيل -وهو الصواب - إن هذا من باب التعزير والعقوبات المالية الراجعة إلى اجتهاد الأئمة بحسب المصلحة فإنه حرق وترك وكذلك خلفاؤه من بعده ونظير هذا قتل شارب الخمر في الثالثة أو الرابعة فليس بحد ولا منسوخ وإنما هو تعزير يتعلق باجتهاد الإمام.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الأسارى] [أسارى بدر] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الأسارى كان يمن على بعضهم ويقتل بعضهم ويفادي بعضهم بالمال وبعضهم بأسرى المسلمين وقد فعل ذلك كله بحسب المصلحة ففادى أسارى بدر بمال وقال: ( لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم(3\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1005",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9571",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له ) وهبط عليه في صلح الحديبية ثمانون متسلحون يريدون غرته فأسرهم ثم من عليهم. وأسر ثمامة بن أثال سيد بني حنيفة فربطه بسارية المسجد ثم أطلقه فأسلم. ( واستشار الصحابة في أسارى بدر فأشار عليه الصديق أن يأخذ منهم فدية تكون لهم قوة على عدوهم ويطلقهم لعل الله أن يهديهم إلى الإسلام وقال عمر: لا والله ما أرى الذي رأى أبو بكر ولكن أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قال عمر فلما كان من الغد أقبل عمر فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي هو وأبو بكر فقال: يا رسول الله! من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة وأنزل الله: ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض [الأنفال: 67]  ) [الأنفال: 67] .(3\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1006",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9572",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد تكلم الناس في أي الرأيين كان أصوب فرجحت طائفة قول عمر لهذا الحديث ورجحت طائفة قول أبي بكر لاستقرار الأمر عليه وموافقته الكتاب الذي سبق من الله بإحلال ذلك لهم ولموافقته الرحمة التي غلبت الغضب ولتشبيه النبي صلى الله عليه وسلم له في ذلك بإبراهيم وعيسى وتشبيهه لعمر بنوح وموسى ولحصول الخير العظيم الذي حصل بإسلام أكثر أولئك الأسرى ولخروج من خرج من أصلابهم من المسلمين ولحصول القوة التي حصلت للمسلمين بالفداء ولموافقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر أولا ولموافقة الله له آخرا حيث استقر الأمر على رأيه ولكمال نظر الصديق فإنه رأى ما يستقر عليه حكم الله آخرا وغلب جانب الرحمة على جانب العقوبة. قالوا: وأما بكاء النبي صلى الله عليه وسلم فإنما كان رحمة لنزول العذاب لمن أراد بذلك عرض الدنيا ولم يرد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر وإن أراده بعض الصحابة فالفتنة كانت تعم ولا تصيب من أراد ذلك خاصة كما هزم العسكر يوم حنين بقول أحدهم: (لن نغلب اليوم من قلة) وبإعجاب كثرتهم لمن أعجبته منهم فهزم الجيش بذلك فتنة ومحنة ثم استقر الأمر على النصر والظفر والله أعلم. ( واستأذنه الأنصار أن يتركوا للعباس عمه فداءه فقال: لا تدعوا منه درهما ) .(3\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1007",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9573",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واستوهب من سلمة بن الأكوع جارية نفله إياها أبو بكر في بعض مغازيه فوهبها له فبعث بها إلى مكة ففدى بها ناسا من المسلمين وفدى رجلين من المسلمين برجل من عقيل ورد سبي هوازن عليهم بعد القسمة واستطاب قلوب الغانمين فطيبوا له وعوض من لم يطيب من ذلك بكل إنسان ست فرائض وقتل عقبة بن أبي معيط من الأسرى وقتل النضر بن الحارث لشدة عداوتهما لله ورسوله. وذكر الإمام أحمد عن ابن عباس قال: ( كان ناس من الأسرى لم يكن لهم مال فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة ) وهذا يدل على جواز الفداء بالعمل كما يجوز بالمال.  وكان هديه أن من أسلم قبل الأسر لم يسترق وكان يسترق سبي العرب كما يسترق غيرهم من أهل الكتاب ( وكان عند عائشة سبية منهم فقال: أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل ) .(3\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1008",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9574",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الطبراني مرفوعا: ( من كان عليه رقبة من ولد إسماعيل فليعتق من بلعنبر ) . ولما قسم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السبي لثابت بن قيس بن شماس فكاتبته على نفسها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابتها وتزوجها فأعتق بتزوجه إياها مئة من أهل بيت بني المصطلق إكراما لصهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وهي من صريح العرب ولم يكونوا يتوقفون في وطء سبايا العرب على الإسلام بل كانوا يطئونهن بعد الاستبراء وأباح الله لهم ذلك ولم يشترط الإسلام بل قال تعالى: والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم [النساء: 24] [النساء: 24]  فأباح وطء ملك اليمين وإن كانت محصنة إذا انقضت عدتها بالاستبراء (وقال له سلمة بن الأكوع لما استوهبه الجارية الفزارية من السبي: والله يا رسول الله! لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا)  ولو كان وطؤها حراما قبل الإسلام عندهم لم يكن لهذا القول معنى ولم تكن قد أسلمت لأنه قد فدى بها ناسا من المسلمين بمكة والمسلم لا يفادى به وبالجملة فلا نعرف في أثر واحد قط اشتراط الإسلام منهم قولا أو فعلا في وطء المسبية فالصواب الذي كان عليه هديه وهدي أصحابه استرقاق العرب ووطء إمائهن المسبيات بملك اليمين من غير اشتراط الإسلام.  [فصل أنه لا يفرق في السبي بين الوالدة وولدها] فصل ( وكان صلى الله عليه وسلم يمنع التفريق في السبي بين الوالدة وولدها ويقول: من فرق(3\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1009",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9575",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة ) وكان يؤتى بالسبي فيعطي أهل البيت جميعا كراهية أن يفرق بينهم.  [فصل في هديه فيمن جس عليه] فصل في هديه فيمن جس عليه ثبت عنه أنه قتل جاسوسا من المشركين. وثبت عنه ( أنه لم يقتل حاطبا وقد جس عليه واستأذنه عمر في قتله فقال: وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) فاستدل به من لا يرى قتل المسلم الجاسوس كالشافعي وأحمد وأبي حنيفة رحمهم الله واستدل به من يرى قتله كمالك وابن عقيل من أصحاب أحمد -رحمه الله- وغيرهما قالوا: لأنه علل بعلة مانعة من القتل منتفية في غيره ولو كان الإسلام مانعا من قتله لم يعلل بأخص منه لأن الحكم إذا علل بالأعم كان الأخص عديم التأثير وهذا أقوى. والله أعلم.  [فصل من هديه صلى الله عليه وسلم عتق عبيد المشركين] فصل.(3\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1010",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9576",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان هديه صلى الله عليه وسلم عتق عبيد المشركين إذا خرجوا إلى المسلمين وأسلموا ويقول: ( هم عتقاء الله عز وجل ) . وكان هديه أن من أسلم على شيء في يده فهو له ولم ينظر إلى سببه قبل الإسلام بل يقره في يده كما كان قبل الإسلام ولم يكن يضمن المشركين إذا أسلموا ما أتلفوه على المسلمين من نفس أو مال حال الحرب ولا قبله ( وعزم الصديق على تضمين المحاربين من أهل الردة ديات المسلمين وأموالهم فقال عمر: تلك دماء أصيبت في سبيل الله وأجورهم على الله ولا دية لشهيد ) فاتفق الصحابة على ما قال عمر ولم يكن أيضا يرد على المسلمين أعيان أموالهم التي أخذها منهم الكفار قهرا بعد إسلامهم بل كانوا يرونها بأيديهم ولا يتعرضون لها سواء في ذلك العقار والمنقول هذا هديه الذي لا شك فيه. ولما فتح مكة قام إليه رجال من المهاجرين يسألونه أن يرد عليهم دورهم التي استولى عليها المشركون فلم يرد على واحد منهم داره وذلك لأنهم تركوها لله وخرجوا عنها ابتغاء مرضاته فأعاضهم عنها دورا خيرا منها في الجنة فليس لهم أن يرجعوا فيما تركوه لله بل أبلغ من ذلك أنه لم يرخص للمهاجر أن يقيم بمكة بعد نسكه أكثر من ثلاث لأنه قد ترك بلده لله وهاجر منه فليس له أن(3\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1011",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9577",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعود يستوطنه ولهذا رثى لسعد بن خولة وسماه بائسا أن مات بمكة ودفن بها بعد هجرته منها.  [فصل في هديه في الأرض المغنومة] فصل في هديه في الأرض المغنومة ثبت عنه أنه قسم أرض بني قريظة وبني النضير وخيبر بين الغانمين وأما المدينة ففتحت بالقرآن وأسلم عليها أهلها فأقرت بحالها. وأما مكة ففتحها عنوة ولم يقسمها فأشكل على كل طائفة من العلماء الجمع بين فتحها عنوة وترك قسمتها فقالت طائفة: لأنها دار المناسك وهي وقف على المسلمين كلهم وهم فيها سواء فلا يمكن قسمتها ثم من هؤلاء من منع بيعها وإجارتها ومنهم من جوز بيع رباعها ومنع إجارتها والشافعي لما لم يجمع بين العنوة وبين عدم القسمة قال: إنها فتحت صلحا فلذلك لم تقسم. قال: ولو فتحت عنوة لكانت غنيمة فيجب قسمتها كما تجب قسمة الحيوان والمنقول ولم ير بأسا من بيع رباع مكة وإجارتها واحتج بأنها ملك لأربابها تورث عنهم وتوهب وقد أضافها الله سبحانه إليهم إضافة الملك إلى مالكه واشترى عمر بن الخطاب دارا من صفوان بن أمية ( وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: أين تنزل غدا في دارك بمكة فقال: وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور ) وكان عقيل ورث أبا طالب فلما كان أصل الشافعي أن الأرض من الغنائم وأن الغنائم تجب(3\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1012",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9578",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قسمتها وأن مكة تملك وتباع ورباعها ودورها لم تقسم لم يجد بدا من القول بأنها فتحت صلحا. لكن من تأمل الأحاديث الصحيحة وجدها كلها دالة على قول الجمهور أنها فتحت عنوة. ثم اختلفوا لأي شيء لم يقسمها فقالت طائفة: لأنها دار النسك ومحل العبادة فهي وقف من الله على عباده المسلمين. وقالت طائفة: الإمام مخير في الأرض بين قسمتها وبين وقفها والنبي صلى الله عليه وسلم قسم خيبر ولم يقسم مكة فدل على جواز الأمرين. قالوا: والأرض لا تدخل في الغنائم المأمور بقسمتها بل الغنائم هي الحيوان والمنقول لأن الله تعالى لم يحل الغنائم لأمة غير هذه الأمة وأحل لهم ديار الكفر وأرضهم كما قال تعالى: وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم [المائدة: 20] إلى قوله: ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم [المائدة: 21] [المائدة: 20 21]  وقال في ديار فرعون وقومه وأرضهم: كذلك وأورثناها بني إسرائيل [الشعراء: 59] [الشعراء: 59]  فعلم أن الأرض لا تدخل في الغنائم والإمام مخير فيها بحسب المصلحة وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك وعمر لم يقسم بل أقرها على حالها وضرب عليها خراجا مستمرا في رقبتها يكون للمقاتلة فهذا معنى وقفها ليس معناه الوقف الذي يمنع من نقل الملك في الرقبة بل يجوز بيع هذه الأرض كما هو عمل الأمة وقد أجمعوا على أنها تورث والوقف لا يورث وقد نص الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - على أنها يجوز أن تجعل صداقا والوقف لا يجوز أن يكون مهرا في النكاح ولأن الوقف إنما امتنع بيعه ونقل الملك في رقبته لما في ذلك من إبطال حق البطون الموقوف عليهم من منفعته والمقاتلة حقهم في خراج الأرض فمن اشتراها صارت عنده خراجية كما كانت عند البائع سواء فلا يبطل حق أحد من المسلمين بهذا البيع كما لم يبطل بالميراث والهبة والصداق ونظير هذا بيع رقبة المكاتب وقد انعقد فيه سبب الحرية بالكتابة فإنه ينتقل إلى المشتري مكاتبا كما كان عند البائع ولا يبطل ما انعقد في حقه من سبب العتق ببيعه والله أعلم.(3\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1013",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9579",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومما يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم نصف أرض خيبر خاصة ولو كان حكمها حكم الغنيمة لقسمها كلها بعد الخمس ففي quot; السنن quot; و quot; المستدرك quot;: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ظهر على خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهما جمع كل سهم مائة سهم فكان ل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وللمسلمين النصف من ذلك وعزل النصف الباقي لمن نزل به من الوفود والأمور ونوائب الناس ) هذا لفظ أبي داود وفي لفظ: عزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سهما وهو الشطر لنوائبه وما ينزل به من أمر المسلمين وكان ذلك الوطيح والكتيبة والسلالم وتوابعها . وفي لفظ له أيضا: ( عزل نصفها لنوائبه وما نزل به: الوطيحة والكتيبة وما أحيز معهما وعزل النصف الآخر فقسمه بين المسلمين: الشق والنطاة وما أحيز معهما وكان سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما أحيز معهما ) .  [فصل في الأدلة على أن مكة فتحت عنوة] فصل والذي يدل على أن مكة فتحت عنوة وجوه: أحدها: أنه لم ينقل أحد قط أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح أهلها زمن الفتح ولا جاءه أحد منهم صالحه على البلد وإنما جاءه أبو سفيان فأعطاه الأمان لمن دخل داره أو أغلق بابه أو دخل المسجد أو ألقى سلاحه. ولو كانت قد فتحت(3\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1014",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9580",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلحا لم يقل: من دخل داره أو أغلق بابه أو دخل المسجد فهو آمن فإن الصلح يقتضي الأمان العام. الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين وإنه أذن لي فيها ساعة من نهار ) وفي لفظ: ( إنها لا تحل لأحد قبلي ولن تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار ) وفي لفظ: ( فإن أحد ترخص لقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وإنما أذن لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ) . وهذا صريح في أنها فتحت عنوة. وأيضا فإنه ثبت في quot; الصحيح quot;: ( أنه جعل يوم الفتح خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى وجعل الزبير على المجنبة اليسرى وجعل أبا عبيدة على الحسر وبطن الوادي فقال: يا أبا هريرة ادع لي الأنصار فجاءوا يهرولون فقال: يا معشر الأنصار هل ترون أوباش قريش قالوا: نعم قال: انظروا إذا لقيتموهم غدا أن تحصدوهم حصدا وأخفى بيده ووضع يمينه على شماله وقال: موعدكم الصفا قال: فما أشرف يومئذ لهم أحد إلا أناموه وصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفا وجاءت الأنصار فأطافوا بالصفا فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله! أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم. فقال(3\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1015",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9581",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن . وأيضا فإن أم هانئ أجارت رجلا فأراد علي بن أبي طالب قتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ ) وفي لفظ عنها: لما كان يوم فتح مكة أجرت رجلين من أحمائي فأدخلتهما بيتا وأغلقت عليهما بابا فجاء ابن أمي علي فتفلت عليهما بالسيف فذكرت حديث الأمان وقول النبي صلى الله عليه وسلم: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ ) وذلك ضحى بجوف مكة بعد الفتح. فإجارتها له وإرادة علي رضي الله عنه قتله وإمضاء النبي صلى الله عليه وسلم إجارتها صريح في أنها فتحت عنوة. وأيضا فإنه أمر بقتل مقيس بن صبابة وابن خطل وجاريتين ولو كانت فتحت صلحا لم يأمر بقتل أحد من أهلها ولكان ذكر هؤلاء مستثنى من عقد الصلح وأيضا ففي quot; السنن quot; بإسناد صحيح: quot; أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يوم فتح مكة قال: أمنوا الناس إلا امرأتين وأربعة نفر. اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة ) والله أعلم.(3\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1016",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9582",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في الإقامة بين المشركين] فصل ومنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من إقامة المسلم بين المشركين إذا قدر على الهجرة من بينهم وقال: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. قيل: يا رسول الله! ولم قال: لا تراءى ناراهما . وقال: من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله . وقال: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها  وقال: ستكون هجرة بعد هجرة فخيار أهل(3\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1017",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9583",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم ويبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضوهم تقذرهم نفس الله وتحشرهم النار مع القردة والخنازير .  [فصل في هديه في الأمان والصلح ومعاملة رسل الكفار وأخذ الجزية] فصل في هديه في الأمان والصلح ومعاملة رسل الكفار وأخذ الجزية ومعاملة أهل الكتاب والمنافقين وإجارة من جاءه من الكفار حتى يسمع كلام الله ورده إلى مأمنه ووفائه بالعهد وبراءته من الغدر ثبت عنه أنه قال: ( ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا ) . وقال: ( المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده من أحدث حدثا(3\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1018",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9584",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعلى نفسه ومن أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) . وثبت عنه أنه قال: ( من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة ولا يشدها حتى يمضي أمده أو ينبذ إليهم على سواء ) . وقال: ( من أمن رجلا على نفسه فقتله فأنا بريء من القاتل ) . وفي لفظ:  (أعطي لواء غدرة ) وقال: لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة يعرف به يقال: هذه غدرة فلان بن فلان ) .(3\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1019",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9585",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويذكر عنه أنه قال: ( ما نقض قوم العهد إلا أديل عليهم العدو ) .  [فصل في تقرير مصير الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم] فصل ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة صار الكفار معه ثلاثة أقسام: قسم صالحهم ووادعهم على ألا يحاربوه ولا يظاهروا عليه ولا يوالوا عليه عدوه وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم. وقسم: حاربوه ونصبوا له العداوة. وقسم: تاركوه فلم يصالحوه ولم يحاربوه بل انتظروا ما يئول إليه أمره وأمر أعدائه ثم من هؤلاء من كان يحب ظهوره وانتصاره في الباطن ومنهم: من كان يحب ظهور عدوه عليه وانتصارهم ومنهم: من دخل معه في الظاهر وهو مع عدوه في الباطن ليأمن الفريقين وهؤلاء هم المنافقون فعامل كل طائفة من هذه الطوائف بما أمره به ربه تبارك وتعالى. فصالح يهود المدينة وكتب بينهم وبينه كتاب أمن وكانوا ثلاث طوائف حول المدينة: بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة فحاربته بنو قينقاع بعد(3\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1020",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9586",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك بعد بدر وشرقوا بوقعة بدر وأظهروا البغي والحسد فسارت إليهم جنود الله يقدمهم عبد الله ورسوله يوم السبت للنصف من شوال على رأس عشرين شهرا من مهاجره وكان حلفاء عبد الله بن أبي بن سلول رئيس المنافقين وكانوا أشجع يهود المدينة وحامل لواء المسلمين يومئذ حمزة بن عبد المطلب واستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر وحاصرهم خمسة عشر ليلة إلى هلال ذي القعدة وهم أول من حارب من اليهود وتحصنوا في حصونهم فحاصرهم أشد الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب الذي إذا أراد خذلان قوم وهزيمتهم أنزله عليهم وقذفه في قلوبهم فنزلوا على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رقابهم وأموالهم ونسائهم وذريتهم فأمر بهم فكتفوا وكلم عبد الله بن أبي فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وألح عليه فوهبهم له وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها فخرجوا إلى أذرعات من أرض الشام فقل أن لبثوا فيها حتى هلك أكثرهم وكانوا صاغة وتجارا وكانوا نحو الستمائة مقاتل وكانت دارهم في طرف المدينة وقبض منهم أموالهم فأخذ منها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث قسي ودرعين وثلاثة أسياف وثلاثة رماح وخمس غنائمهم وكان الذي تولى جمع الغنائم محمد بن مسلمة.  [فصل في نقض بني النضير العهد] فصل ثم نقض العهد بنو النضير قال البخاري: وكان ذلك بعد بدر بستة أشهر قاله عروة وسبب ذلك أنه صلى الله عليه وسلم خرج إليهم في نفر من أصحابه وكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري فقالوا: نفعل يا أبا(3\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1021",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9587",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القاسم اجلس هاهنا حتى نقضي حاجتك وخلا بعضهم ببعض وسول لهم الشيطان الشقاء الذي كتب عليهم فتآمروا بقتله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أيكم يأخذ هذه الرحا ويصعد فيلقيها على رأسه يشدخه بها فقال: أشقاهم عمرو بن جحاش: أنا فقال: لهم سلام بن مشكم: لا تفعلوا فوالله ليخبرن بما هممتم به وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه وجاء الوحي على الفور إليه من ربه تبارك وتعالى بما هموا به فنهض مسرعا وتوجه إلى المدينة ولحقه أصحابه فقالوا: نهضت ولم نشعر بك فأخبرهم بما همت يهود به وبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها وقد أجلتكم عشرا فمن وجدت بعد ذلك بها ضربت عنقه فأقاموا أياما يتجهزون وأرسل إليهم المنافق عبد الله بن أبي: أن لا تخرجوا من دياركم فإن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم فيموتون دونكم وتنصركم قريظة وحلفاؤكم من غطفان وطمع رئيسهم حيي بن أخطب فيما قال له وبعث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إنا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ونهضوا إليه وعلي بن أبي طالب يحمل اللواء فلما انتهى إليهم قاموا على حصونهم يرمون بالنبل والحجارة واعتزلتهم قريظة وخانهم ابن أبي وحلفاؤهم من غطفان ولهذا شبه سبحانه وتعالى قصتهم وجعل مثلهم كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك [الحشر: 16] [الحشر: 16]  فإن سورة الحشر هي سورة بني النضير وفيها مبدأ قصتهم ونهايتها فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطع نخلهم وحرق فأرسلوا إليه: نحن نخرج عن المدينة فأنزلهم على أن يخرجوا عنها بنفوسهم وذراريهم وأن لهم ما حملت الإبل إلا السلاح وقبض النبي صلى الله عليه وسلم الأموال(3\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1022",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9588",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحلقة وهي السلاح وكانت بنو النضير خالصة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنوائبه ومصالح المسلمين ولم يخمسها لأن الله أفاءها عليه ولم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب. وخمس قريظة. قال مالك: خمس رسول الله صلى الله عليه وسلم قريظة ولم يخمس بني النضير لأن المسلمين لم يوجفوا بخيلهم ولا ركابهم على بني النضير كما أوجفوا على قريظة وأجلاهم إلى خيبر وفيهم حيي بن أخطب كبيرهم وقبض السلاح واستولى على أرضهم وديارهم وأموالهم فوجد من السلاح خمسين درعا وخمسين بيضة وثلاثمائة وأربعين سيفا وقال: ( هؤلاء في قومهم بمنزلة بني المغيرة في قريش ) وكانت قصتهم في ربيع الأول سنة أربع من الهجرة.  [فصل في نقض قريظة العهد] فصل وأما قريظة فكانت أشد اليهود عداوة ل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأغلظهم كفرا ولذلك جرى عليهم ما لم يجر على إخوانهم. وكان سبب غزوهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة الخندق والقوم معه صلح جاء حيي بن أخطب إلى بني قريظة في ديارهم فقال: قد جئتكم بعز الدهر جئتكم بقريش على سادتها وغطفان على قادتها وأنتم أهل الشوكة والسلاح فهلم حتى نناجز محمدا ونفرغ منه فقال له رئيسهم: بل جئتني والله بذل الدهر جئتني بسحاب قد أراق ماءه فهو يرعد ويبرق فلم يزل حيي(3\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1023",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9589",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يخادعه ويعده ويمنيه حتى أجابه بشرط أن يدخل معه في حصنه يصيبه ما أصابهم ففعل ونقضوا عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأظهروا سبه فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر فأرسل يستعلم الأمر فوجدهم قد نقضوا العهد فكبر وقال: ( أبشروا يا معشر المسلمين ) . فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لم يكن إلا أن وضع سلاحه فجاءه جبريل فقال: (أوضعت السلاح والله إن الملائكة لم تضع أسلحتها! فانهض بمن معك إلى بني قريظة فإني سائر أمامك أزلزل بهم حصونهم وأقذف في قلوبهم الرعب فسار جبريل في موكبه من الملائكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم على أثره في موكبه من المهاجرين والأنصار) وقال لأصحابه يومئذ: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة )  فبادروا إلى امتثال أمره ونهضوا من فورهم فأدركتهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصليها إلا في بني قريظة كما أمرنا فصلوها بعد عشاء الآخرة وقال بعضهم: لم يرد منا ذلك وإنما أراد سرعة الخروج فصلوها في الطريق فلم يعنف واحدة من الطائفتين. واختلف الفقهاء أيهما كان أصوب فقالت طائفة: الذين أخروها هم المصيبون ولو كنا معهم لأخرناها كما أخروها ولما صليناها إلا في بني قريظة(3\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1024",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9590",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "امتثالا لأمره وتركا للتأويل المخالف للظاهر. وقالت طائفة أخرى: بل الذين صلوها في الطريق في وقتها حازوا قصب السبق وكانوا أسعد بالفضيلتين فإنهم بادروا إلى امتثال أمره في الخروج وبادروا إلى مرضاته في الصلاة في وقتها ثم بادروا إلى اللحاق بالقوم فحازوا فضيلة الجهاد وفضيلة الصلاة في وقتها وفهموا ما يراد منهم وكانوا أفقه من الآخرين ولا سيما تلك الصلاة فإنها كانت صلاة العصر وهي الصلاة الوسطى بنص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيح الصريح الذي لا مدفع له ولا مطعن فيه ومجيء السنة بالمحافظة عليها والمبادرة إليها والتبكير بها وأن من فاتته فقد وتر أهله وماله أو قد حبط عمله فالذي جاء فيها أمر لم يجئ مثله في غيرها وأما المؤخرون لها فغايتهم أنهم معذورون بل مأجورون أجرا واحدا لتمسكهم بظاهر النص وقصدهم امتثال الأمر وأما أن يكونوا هم المصيبين في نفس الأمر ومن بادر إلى الصلاة وإلى الجهاد مخطئا فحاشا وكلا والذين صلوا في الطريق جمعوا بين الأدلة وحصلوا الفضيلتين فلهم أجران والآخرون مأجورون أيضا رضي الله عنهم. فإن قيل: كان تأخير الصلاة للجهاد حينئذ جائزا مشروعا ولهذا كان عقب تأخير النبي صلى الله عليه وسلم العصر يوم الخندق إلى الليل فتأخيرهم صلاة العصر إلى الليل كتأخيره صلى الله عليه وسلم لها يوم الخندق إلى الليل سواء ولا سيما أن ذلك كان قبل شروع صلاة الخوف. قيل: هذا سؤال قوي وجوابه من وجهين. أحدهما: أن يقال: لم يثبت أن تأخير الصلاة عن وقتها كان جائزا بعد بيان المواقيت ولا دليل على ذلك إلا قصة الخندق فإنها هي التي استدل بها من قال(3\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1025",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9591",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "فصل في حصار بني قريظة وتخييرهم بين ثلاث خصال",
        "content": "ذلك ولا حجة فيها لأنه ليس فيها بيان أن التأخير من النبي صلى الله عليه وسلم كان عن عمد بل لعله كان نسيانا وفي القصة ما يشعر بذلك فإن عمر لما قال له: ( يا رسول الله! ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; والله ما صليتها) ثم قام فصلاها . وهذا مشعر بأنه صلى الله عليه وسلم كان ناسيا بما هو فيه من الشغل والاهتمام بأمر العدو المحيط به وعلى هذا يكون قد أخرها بعذر النسيان كما أخرها بعذر النوم في سفره وصلاها بعد استيقاظه وبعد ذكره لتتأسى أمته به. والجواب الثاني: أن هذا على تقدير ثبوته إنما هو في حال الخوف والمسايفة عند الدهش عن تعقل أفعال الصلاة والإتيان بها والصحابة في مسيرهم إلى بني قريظة لم يكونوا كذلك بل كان حكمهم حكم أسفارهم إلى العدو قبل ذلك وبعده ومعلوم أنهم لم يكونوا يؤخرون الصلاة عن وقتها ولم تكن قريظة ممن يخاف فوتهم فإنهم كانوا مقيمين بدارهم فهذا منتهى أقدام الفريقين في هذا الموضع.  [فصل في حصار بني قريظة وتخييرهم بين ثلاث خصال] فصل. وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية علي بن أبي طالب ( واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ) ونازل حصون بني قريظة وحصرهم خمسا وعشرين ليلة ولما اشتد عليهم الحصار عرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد ثلاث خصال: إما أن يسلموا ويدخلوا مع محمد في دينه وإما أن يقتلوا ذراريهم ويخرجوا إليه بالسيوف مصلتة يناجزونه حتى يظفروا به أو يقتلوا عن آخرهم وإما أن يهجموا(3\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1026",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9592",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ويكبسوهم يوم السبت لأنهم قد أمنوا أن يقاتلوهم فيه فأبوا عليه أن يجيبوه إلى واحدة منهن فبعثوا إليه أن أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر نستشيره فلما رأوه قاموا في وجهه يبكون وقالوا: يا أبا لبابة! كيف ترى لنا أن ننزل على حكم محمد فقال: نعم وأشار بيده إلى حلقه يقول: إنه الذبح ثم علم من فوره أنه قد خان الله ورسوله فمضى على وجهه ولم يرجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أتى المسجد مسجد المدينة فربط نفسه بسارية المسجد وحلف ألا يحله إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وأنه لا يدخل أرض بني قريظة أبدا. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك قال: ( دعوه حتى يتوب الله عليه ) ثم تاب الله عليه وحله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثم إنهم نزلوا على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقامت إليه الأوس فقالوا: ( يا رسول الله! قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت وهم حلفاء إخواننا الخزرج وهؤلاء موالينا فأحسن فيهم فقال: ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم قالوا: بلى. قال: فذاك إلى سعد بن معاذ. قالوا: قد رضينا فأرسل إلى سعد بن معاذ وكان في المدينة لم يخرج معهم لجرح كان به فأركب حمارا وجاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعلوا يقولون له وهم كنفتاه: يا سعد أجمل إلى مواليك فأحسن فيهم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حكمك فيهم لتحسن فيهم وهو ساكت لا يرجع إليهم شيئا فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم فلما سمعوا ذلك منه رجع بعضهم إلى المدينة فنعى إليهم القوم فلما انتهى سعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابة: قوموا إلى سيدكم فلما أنزلوه قالوا: يا سعد! إن هؤلاء القوم قد نزلوا على حكمك قال: وحكمي نافذ عليهم . قالوا: نعم. قال: وعلى المسلمين قالوا: نعم. قال: على من هاهنا وأعرض بوجهه وأشار إلى ناحية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إجلالا له وتعظيما قال: نعم وعلي. قال: فإني أحكم فيهم أن يقتل الرجال وتسبى الذرية وتقسم الأموال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله من(3\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1027",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9593",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فوق سبع سماوات ) . وأسلم منهم تلك الليلة نفر قبل النزول وهرب عمرو بن سعد فانطلق فلم يعلم أين ذهب وكان قد أبى الدخول معهم في نقض العهد فلما حكم فيهم بذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل كل من جرت عليه الموسى منهم ومن لم ينبت ألحق بالذرية فحفر لهم خنادق في سوق المدينة وضربت أعناقهم وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة ولم يقتل من النساء أحد سوى امرأة واحدة كانت طرحت على رأس سويد بن الصامت رحى فقتلته وجعل يذهب بهم إلى الخنادق أرسالا أرسالا فقالوا لرئيسهم كعب بن أسد: يا كعب! ما تراه يصنع بنا فقال: أفي كل موطن لا تعقلون أما ترون الداعي لا ينزع والذاهب منكم لا يرجع هو والله القتل. قال مالك في رواية ابن القاسم: قال عبد الله بن أبي لسعد بن معاذ في أمرهم: إنهم أحد جناحي وهم ثلاثمائة دارع وستمائة حاسر فقال: قد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم ولما جيء بحيي بن أخطب إلى بين يديه ووقع بصره عليه قال: أما والله ما لمت نفسي في معاداتك ولكن من يغالب الله يغلب ثم قال: يا أيها الناس لا بأس قدر الله وملحمة كتبت على بني إسرائيل ثم حبس فضربت عنقه. واستوهب ثابت بن قيس الزبير بن باطا وأهله وماله من رسول الله فوهبهم له فقال له ثابت بن قيس: قد وهبك لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ووهب لي مالك وأهلك فهم لك. فقال: سألتك بيدي عندك يا ثابت إلا ألحقتني بالأحبة فضرب عنقه وألحقه(3\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1028",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9594",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالأحبة من اليهود فهذا كله في يهود المدينة وكانت غزوة كل طائفة منهم عقب كل غزوة من الغزوات الكبار. فغزوة بني قينقاع عقب بدر وغزوة بني النضير عقب غزوة أحد وغزوة بني قريظة عقب الخندق. وأما يهود خيبر فسيأتي ذكر قصتهم إن شاء الله تعالى.  [فصل في حكم من نقض العهد وأقر به الباقون] فصل وكان هديه صلى الله عليه وسلم أنه إذا صالح قوما فنقض بعضهم عهده وصلحه وأقرهم الباقون ورضوا به غزا الجميع وجعلهم كلهم ناقضين كما فعل بقريظة والنضير وبني قينقاع وكما فعل في أهل مكة فهذه سنته في أهل العهد وعلى هذا ينبغي أن يجري الحكم في أهل الذمة كما صرح به الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم وخالفهم أصحاب الشافعي فخصوا نقض العهد بمن نقضه خاصة دون من رضي به وأقر عليه وفرقوا بينهما بأن عقد الذمة أقوى وآكد ولهذا كان موضوعا على التأبيد بخلاف عقد الهدنة والصلح. والأولون يقولون: لا فرق بينهما وعقد الذمة لم يوضع للتأبيد بل بشرط استمرارهم ودوامهم على التزام ما فيه فهو كعقد الصلح الذي وضع للهدنة بشرط التزامهم أحكام ما وقع عليه العقد قالوا: والنبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت عقد الصلح والهدنة بينه وبين اليهود لما قدم المدينة بل أطلقه ما داموا كافين عنه غير محاربين له فكانت تلك ذمتهم غير أن الجزية لم يكن نزل فرضها بعد فلما نزل فرضها ازداد ذلك إلى الشروط المشترطة في العقد ولم يغير حكمه وصار(3\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1029",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9595",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مقتضاها التأبيد فإذا نقض بعضهم العهد وأقرهم الباقون ورضوا بذلك ولم يعلموا به المسلمين صاروا في ذلك كنقض أهل الصلح وأهل العهد والصلح سواء في هذا المعنى ولا فرق بينهما فيه وإن افترقا من وجه آخر يوضح هذا أن المقر الراضي الساكت إن كان باقيا على عهده وصلحه لم يجز قتاله ولا قتله في الموضعين وإن كان بذلك خارجا عن عهده وصلحه راجعا إلى حاله الأولى قبل العهد والصلح لم يفترق الحال بين عقد الهدنة وعقد الذمة في ذلك فكيف يكون عائدا إلى حاله في موضع دون موضع هذا أمر غير معقول. توضيحه: أن تجدد أخذ الجزية منه لا يوجب له أن يكون موفيا بعهده مع رضاه وممالأته ومواطأته لمن نقض وعدم الجزية يوجب له أن يكون ناقضا غادرا غير موف بعهده هذا بين الامتناع. فالأقوال ثلاثة: النقض في الصورتين وهو الذي دلت عليه سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكفار وعدم النقض في الصورتين وهو أبعد الأقوال عن السنة والتفريق بين الصورتين والأولى أصوبها وبالله التوفيق. وبهذا القول أفتينا ولي الأمر لما أحرقت النصارى أموال المسلمين بالشام ودورهم وراموا إحراق جامعهم الأعظم حتى أحرقوا منارته وكاد - لولا دفع الله - أن يحترق كله وعلم بذلك من علم من النصارى وواطئوا عليه وأقروه ورضوا به ولم يعلموا ولي الأمر فاستفتى فيهم ولي الأمر من حضره من الفقهاء فأفتيناه بانتقاض عهد من فعل ذلك وأعان عليه بوجه من الوجوه أو رضي به وأقر عليه وأن حده القتل حتما لا تخيير للإمام فيه كالأسير بل صار القتل له حدا والإسلام لا يسقط القتل إذا كان حدا ممن هو تحت الذمة ملتزما لأحكام الله بخلاف الحربي إذا أسلم فإن الإسلام يعصم دمه وماله ولا يقتل بما فعله قبل الإسلام فهذا له حكم والذمي الناقض للعهد إذا أسلم له حكم آخر وهذا الذي ذكرناه هو الذي تقتضيه نصوص الإمام أحمد وأصوله ونص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه وأفتى به في غير موضع.(3\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1030",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9596",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل من دخل في عقد المصالحين ثم حارب المسلمين فقد نقض العهد] فصل وكان هديه وسنته إذا صالح قوما وعاهدهم فانضاف إليهم عدو له سواهم فدخلوا معهم في عقدهم وانضاف إليه قوم آخرون فدخلوا معه في عقده صار حكم من حارب من دخل معه في عقده من الكفار حكم من حاربه وبهذا السبب غزا أهل مكة فإنه لما صالحهم على وضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين تواثبت بنو بكر بن وائل فدخلت في عهد قريش وعقدها وتواثبت خزاعة فدخلت في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعقده ثم عدت بنو بكر على خزاعة فبيتتهم وقتلت منهم وأعانتهم قريش في الباطن بالسلاح فعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا ناقضين للعهد بذلك واستجاز غزو بني بكر بن وائل لتعديهم على حلفائه وسيأتي ذكر القصة إن شاء الله تعالى. وبهذا أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بغزو نصارى المشرق لما أعانوا عدو المسلمين على قتالهم فأمدوهم بالمال والسلاح وإن كانوا لم يغزونا ولم يحاربونا ورآهم بذلك ناقضين للعهد كما نقضت قريش عهد النبي صلى الله عليه وسلم بإعانتهم بني بكر بن وائل على حرب حلفائه فكيف إذا أعان أهل الذمة المشركين على حرب المسلمين. والله أعلم.  [فصل في أن رسل الأعداء لا يتعرض لها] فصل وكانت تقدم عليه رسل أعدائه وهم على عداوته فلا يهيجهم ولا يقتلهم ولما قدم عليه رسولا مسيلمة الكذاب: وهما عبد الله بن النواحة وابن أثال قال لهما: ( فما تقولان أنتما قالا: نقول كما قال. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما ) فجرت سنته ألا يقتل رسول.(3\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1031",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9597",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان هديه أيضا ألا يحبس الرسول عنده إذا اختار دينه فلا يمنعه من اللحاق بقومه بل يرده إليهم كما قال: أبو رافع بعثتني قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما أتيته وقع في قلبي الإسلام فقلت: يا رسول الله! لا أرجع إليهم. فقال: ( إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد ارجع إليهم فإن كان في قلبك الذي فيه الآن فارجع ) . قال أبو داود: وكان هذا في المدة التي شرط لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد إليهم من جاء منهم وإن كان مسلما وأما اليوم فلا يصلح هذا. انتهى. وفي قوله: ( لا أحبس البرد ) إشعار بأن هذا حكم يختص بالرسل مطلقا وأما رده لمن جاء إليه منهم وإن كان مسلما فهذا إنما يكون مع الشرط كما قال أبو داود وأما الرسل فلهم حكم آخر ألا تراه لم يتعرض لرسولي مسيلمة وقد قالا له في وجهه: نشهد أن مسيلمة رسول الله. وكان من هديه أن أعداءه إذا عاهدوا واحدا من أصحابه على عهد لا يضر بالمسلمين من غير رضاه أمضاه لهم كما عاهدوا حذيفة وأباه الحسيل أن لا يقاتلاهم معه صلى الله عليه وسلم فأمضى لهم ذلك وقال لهما: ( انصرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم ) .  [فصل في صلحه صلى الله عليه وسلم مع قريش] فصل وصالح قريشا على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين على أن من جاءه(3\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1032",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9598",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منهم مسلما رده إليهم ومن جاءهم من عنده لا يردونه إليه وكان اللفظ عاما في الرجال والنساء فنسخ الله ذلك في حق النساء وأبقاه في حق الرجال وأمر الله نبيه والمؤمنين أن يمتحنوا من جاءهم من النساء فإن علموها مؤمنة لم يردوها إلى الكفار وأمرهم برد مهرها إليهم لما فات على زوجها من منفعة بضعها وأمر المسلمين أن يردوا على من ارتدت امرأته إليهم مهرها إذا عاقبوا بأن يجب عليهم رد مهر المهاجرة فيردونه إلى من ارتدت امرأته ولا يردونها إلى زوجها المشرك فهذا هو العقاب وليس من العذاب في شيء وكان في هذا دليل على أن خروج البضع من ملك الزوج متقوم وأنه متقوم بالمسمى الذي هو ما أنفق الزوج لا بمهر المثل وأن أنكحة الكفار لها حكم الصحة لا يحكم عليها بالبطلان وأنه لا يجوز رد المسلمة المهاجرة إلى الكفار ولو شرط ذلك وأن المسلمة لا يحل لها نكاح الكافر وأن المسلم له أن يتزوج المرأة المهاجرة إذا انقضت عدتها وآتاها مهرها وفي هذا أبين دلالة على خروج بضعها من ملك الزوج وانفساخ نكاحها منه بالهجرة والإسلام. وفيه دليل على تحريم نكاح المشركة على المسلم كما حرم نكاح المسلمة على الكافر. وهذه أحكام استفيدت من هاتين الآيتين وبعضها مجمع عليه وبعضها مختلف فيه وليس مع من ادعى نسخها حجة البتة فإن الشرط الذي وقع بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الكفار في رد من جاءه مسلما إليهم إن كان مختصا بالرجال لم تدخل النساء فيه وإن كان عاما للرجال والنساء فالله سبحانه وتعالى خصص منه(3\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1033",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9599",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رد النساء ونهاهم عن ردهن وأمرهم برد مهورهن وأن يردوا منها على من ارتدت امرأته إليهم من المسلمين المهر الذي أعطاها ثم أخبر أن ذلك حكمه الذي يحكم به بين عباده وأنه صادر عن علمه وحكمته ولم يأت عنه ما ينافي هذا الحكم ويكون بعده حتى يكون ناسخا. ولما صالحهم على رد الرجال كان يمكنهم أن يأخذوا من أتى إليه منهم ولا يكرهه على العود ولا يأمره به وكان إذا قتل منهم أو أخذ مالا وقد فصل عن يده ولما يلحق بهم لم ينكر عليه ذلك ولم يضمنه لهم لأنه ليس تحت قهره ولا في قبضته ولا أمره بذلك ولم يقتض عقد الصلح الأمان على النفوس والأموال إلا عمن هو تحت قهره وفي قبضته كما ( ضمن لبني جذيمة ما أتلفه عليهم خالد من نفوسهم وأموالهم ) وأنكره وتبرأ منه. ولما كان إصابته لهم عن نوع شبهة إذ لم يقولوا: أسلمنا وإنما قالوا: صبأنا فلم يكن إسلاما صريحا ضمنهم بنصف دياتهم لأجل التأويل والشبهة وأجراهم في ذلك مجرى(3\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1034",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9600",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أهل الكتاب الذين قد عصموا نفوسهم وأموالهم بعقد الذمة ولم يدخلوا في الإسلام ولم يقتض عهد الصلح أن ينصرهم على من حاربهم ممن ليس في قبضة النبي صلى الله عليه وسلم وتحت قهره فكان في هذا دليل على أن المعاهدين إذا غزاهم قوم ليسوا تحت قهر الإمام وفي يده وإن كانوا من المسلمين أنه لا يجب على الإمام ردهم عنهم ولا منعهم من ذلك ولا ضمان ما أتلفوه عليهم. وأخذ الأحكام المتعلقة بالحرب ومصالح الإسلام وأهله وأمره وأمور السياسات الشرعية من سيره ومغازيه أولى من أخذها من آراء الرجال فهذا لون وتلك لون وبالله التوفيق.  [فصل في الصلح مع أهل خيبر] فصل وكذلك صالح أهل خيبر لما ظهر عليهم على أن يجليهم منها ولهم ما حملت ركابهم ول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصفراء والبيضاء والحلقة وهي السلاح. واشترط في عقد الصلح ألا يكتموا ولا يغيبوا شيئا فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد فغيبوا مسكا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعم حيي بن أخطب واسمه سعية: ( ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير فقال: أذهبته النفقات والحروب فقال: العهد قريب والمال أكثر من ذلك ) وقد كان حيي قتل مع بني قريظة لما دخل معهم فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه إلى الزبير ليستقره فمسه بعذاب فقال: قد(3\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1035",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9601",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رأيت حييا يطوف في خربة هاهنا فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة فقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابني أبي الحقيق وأحدهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب وسبى نساءهم وذراريهم وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا وأراد أن يجليهم من خيبر فقالوا: دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها فنحن أعلم بها منكم ولم يكن ل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا لأصحابه غلمان يكفونهم مؤنتها فدفعها إليهم على أن ل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الشطر من كل شيء يخرج منها من ثمر أو زرع ولهم الشطر وعلى أن يقرهم فيها ما شاء. ولم يعمهم بالقتل كما عم قريظة لاشتراك أولئك في نقض العهد وأما هؤلاء فالذين علموا بالمسك وغيبوه وشرطوا له إن ظهر فلا ذمة لهم ولا عهد فإنه قتلهم بشرطهم على أنفسهم ولم يتعد ذلك إلى سائر أهل خيبر فإنه معلوم قطعا أن جميعهم لم يعلموا بمسك حيي وأنه مدفون في خربة فهذا نظير الذمي والمعاهد إذا نقض العهد ولم يمالئه عليه غيره فإن حكم النقض مختص به. ثم في دفعه إليهم الأرض على النصف دليل ظاهر على جواز المساقاة والمزارعة وكون الشجر نخلا لا أثر له البتة فحكم الشيء حكم نظيره فبلد شجرهم الأعناب والتين وغيرهما من الثمار في الحاجة إلى ذلك حكمه حكم بلد شجرهم النخل سواء ولا فرق.(3\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1036",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9602",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شجرهم الأعناب والتين وغيرهما من الثمار في الحاجة إلى ذلك حكمه حكم بلد شجرهم النخل سواء ولا فرق. وفي ذلك دليل على أنه لا يشترط كون البذر من رب الأرض فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالحهم عن الشطر ولم يعطهم بذرا البتة ولا كان يرسل إليهم ببذر وهذا مقطوع به من سيرته حتى قال بعض أهل العلم إنه لو قيل باشتراط كونه من العامل لكان أقوى من القول باشتراط كونه من رب الأرض لموافقته لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل خيبر. والصحيح: أنه يجوز أن يكون من العامل وأن يكون من رب الأرض ولا يشترط أن يختص به أحدهما والذين شرطوه من رب الأرض ليس معهم حجة أصلا أكثر من قياسهم المزارعة على المضاربة قالوا: كما يشترط في المضاربة أن يكون رأس المال من المالك والعمل من المضارب فهكذا في المزارعة وكذلك في المساقاة يكون الشجر من أحدهما والعمل عليها من الآخر وهذا القياس إلى أن يكون حجة عليهم أقرب من أن يكون حجة لهم فإن في المضاربة يعود رأس المال إلى المالك ويقتسمان الباقي ولو شرط ذلك في المزارعة فسدت عندهم فلم يجروا البذر مجرى رأس المال بل أجروه مجرى سائر البقل فبطل إلحاق المزارعة بالمضاربة على أصلهم. وأيضا فإن البذر جار مجرى الماء ومجرى المنافع فإن الزرع لا يتكون وينمو به وحده بل لا بد من السقي والعمل والبذر يموت في الأرض وينشئ الله الزرع من أجزاء أخر تكون معه من الماء والريح والشمس والتراب والعمل فحكم البذر حكم هذه الأجزاء. وأيضا فإن الأرض نظير رأس المال في القراض وقد دفعها مالكها إلى المزارع وبذرها وحرثها وسقيها نظير عمل المضارب وهذا يقتضي أن يكون المزارع أولى بالبذر من رب الأرض تشبيها له بالمضارب فالذي جاءت به السنة هو الصواب الموافق لقياس الشرع وأصوله.(3\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1037",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9603",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي القصة دليل على جواز عقد الهدنة مطلقا من غير توقيت بل ما شاء الإمام ولم يجئ بعد ذلك ما ينسخ هذا الحكم البتة فالصواب جوازه وصحته وقد نص عليه الشافعي في رواية المزني ونص عليه غيره من الأئمة ولكن لا ينهض إليهم ويحاربهم حتى يعلمهم على سواء ليستووا هم وهو في العلم بنقض العهد. وفيها دليل على جواز تعزير المتهم بالعقوبة وأن ذلك من السياسات الشرعية فإن الله سبحانه كان قادرا على أن يدل رسول الله صلى الله عليه وسلم على موضع الكنز بطريق الوحي ولكن أراد أن يسن للأمة عقوبة المتهمين ويوسع لهم طرق الأحكام رحمة بهم وتيسيرا لهم.  وفيها دليل على الأخذ بالقرائن في الاستدلال على صحة الدعوى وفسادها لقوله صلى الله عليه وسلم لسعية لما ادعى نفاد المال: ( العهد قريب والمال أكثر من ذلك ) . وكذلك فعل نبي الله سليمان بن داود في استدلاله بالقرينة على تعيين أم الطفل الذي ذهب به الذئب وادعت كل واحدة من المرأتين أنه ابنها واختصمتا في الآخر فقضى به داود للكبرى فخرجتا إلى سليمان فقال: (بم قضى بينكما نبي الله فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما فقالت الصغرى: لا تفعل رحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى) . فاستدل بقرينة الرحمة والرأفة التي في قلبها وعدم سماحتها بقتله وسماحة الأخرى بذلك لتصير أسوتها في فقد الولد على أنه ابن الصغرى. فلو اتفقت مثل هذه القضية في شريعتنا لقال أصحاب أحمد والشافعي(3\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1038",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9604",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومالك رحمهم الله: عمل فيها بالقافة وجعلوا القافة سببا لترجيح المدعي للنسب رجلا كان أو امرأة. قال أصحابنا: وكذلك لو ولدت مسلمة وكافرة ولدين وادعت الكافرة ولد المسلمة وقد سئل عنها أحمد فتوقف فيها. فقيل له: ترى القافة فقال: ما أحسنها فإن لم توجد قافة وحكم بينهما حاكم بمثل حكم سليمان لكان صوابا وكان أولى من القرعة فإن القرعة إنما يصار إليها إذا تساوى المدعيان من كل وجه ولم يترجح أحدهما على الآخر فلو ترجح بيد أو شاهد واحد أو قرينة ظاهرة من لوث أو نكول خصمه عن اليمين أو موافقة شاهد الحال لصدقه كدعوى كل واحد من الزوجين ما يصلح له من قماش البيت والآنية ودعوى كل واحد من الصانعين آلات صنعته ودعوى حاسر الرأس عن العمامة عمامة من بيده عمامة وهو يشتد عدوا وعلى رأسه أخرى ونظائر ذلك قدم ذلك كله على القرعة. ومن تراجم أبي عبد الرحمن النسائي على قصة سليمان (هذا باب: الحكم يوهم خلاف الحق ليستعلم به الحق)  والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقص علينا هذه القصة لنتخذها سمرا بل لنعتبر بها في الأحكام بل الحكم بالقسامة وتقديم أيمان مدعي القتل هو من هذا استنادا إلى القرائن الظاهرة بل ومن هذا رجم الملاعنة إذا التعن الزوج ونكلت عن الالتعان. فالشافعي ومالك رحمهما الله يقتلانها بمجرد التعان الزوج ونكولها استنادا إلى اللوث الظاهر الذي حصل بالتعانه ونكولها.  ومن هذا ما شرعه الله سبحانه وتعالى لنا من قبول شهادة أهل الكتاب على المسلمين في الوصية في السفر وأن وليي الميت إذا اطلعا على خيانة(3\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1039",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9605",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من الوصيين جاز لهما أن يحلفا ويستحقا ما حلفا عليه وهذا لوث في(3\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1040",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9606",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأموال وهذا نظير اللوث في الدماء وأولى بالجواز منه وعلى هذا إذا اطلع الرجل المسروق ماله على بعضه في يد خائن معروف بذلك ولم يتبين أنه اشتراه من غيره جاز له أن يحلف أن بقية ماله عنده وأنه صاحب السرقة استنادا إلى اللوث الظاهر والقرائن التي تكشف الأمر وتوضحه وهو نظير حلف أولياء المقتول في القسامة أن فلانا قتله: سواء بل أمر الأموال أسهل وأخف ولذلك ثبت بشاهد ويمين وشاهد وامرأتين ودعوى ونكول بخلاف الدماء. فإذا جاز إثباتها باللوث فإثبات الأموال به بالطريق الأولى والأحرى. والقرآن والسنة يدلان على هذا وهذا وليس مع من ادعى نسخ ما دل عليه القرآن من ذلك حجة أصلا فإن هذا الحكم في (سورة المائدة)  وهي من آخر ما نزل من القرآن وقد حكم بموجبها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده كأبي موسى الأشعري وأقره الصحابة. ومن هذا أيضا ما حكاه الله سبحانه في قصة يوسف من استدلال الشاهد بقرينة قد القميص من دبر على صدقه وكذب المرأة وأنه كان هاربا موليا فأدركته المرأة من ورائه فجبذته فقدت قميصه من دبر فعلم بعلها والحاضرون صدقه وقبلوا هذا الحكم وجعلوا الذنب ذنبها وأمروها بالتوبة وحكاه الله - سبحانه وتعالى - حكاية مقرر له غير منكر والتأسي بذلك وأمثاله في إقرار الله له وعدم إنكاره لا في مجرد حكايته فإنه إذا أخبر به مقرا عليه ومثنيا على فاعله ومادحا له دل على رضاه به وأنه(3\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1041",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9607",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "موافق لحكمه ومرضاته فليتدبر هذا الموضع فإنه نافع جدا ولو تتبعنا ما في القرآن والسنة وعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من ذلك لطال وعسى أن نفرد فيه مصنفا شافيا إن شاء الله تعالى. والمقصود: التنبيه على هديه واقتباس الأحكام من سيرته ومغازيه ووقائعه صلوات الله عليه وسلامه. ولما أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر في الأرض ( كان يبعث كل عام من يخرص عليهم الثمار فينظر: كم يجنى منها فيضمنهم نصيب المسلمين ويتصرفون فيها ) .(3\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1042",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9608",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان يكتفي بخارص واحد. ففي هذا دليل على جواز خرص الثمار البادي صلاحها كثمر النخل وعلى جواز قسمة الثمار خرصا على رءوس النخل ويصير نصيب أحد الشريكين معلوما وإن لم يتميز بعد لمصلحة النماء وعلى أن القسمة إفراز لا بيع وعلى جواز الاكتفاء بخارص واحد وقاسم واحد وعلى أن لمن الثمار في يده أن يتصرف فيها بعد الخرص ويضمن نصيب شريكه الذي خرص عليه. فلما كان في زمن عمر ذهب عبد الله ابنه إلى ماله بخيبر فعدوا عليه فألقوه من فوق بيت ففكوا يده فأجلاهم عمر منها إلى الشام وقسمها بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية.  [فصل في عقد الذمة وأخذ الجزية] فصل وأما هديه في عقد الذمة وأخذ الجزية فإنه لم يأخذ من أحد من الكفار جزية إلا بعد نزول (سورة براءة) في السنة الثامنة من الهجرة فلما نزلت آية الجزية أخذها من المجوس وأخذها من أهل الكتاب وأخذها من النصارى وبعث معاذا رضي الله عنه إلى اليمن فعقد لمن لم يسلم من يهودها الذمة وضرب عليهم الجزية ولم يأخذها من يهود خيبر فظن بعض الغالطين المخطئين أن هذا حكم مختص بأهل خيبر وأنه لا يؤخذ منهم جزية وإن أخذت من سائر أهل الكتاب وهذا من عدم فقهه في السير والمغازي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلهم وصالحهم على أن يقرهم في الأرض ما شاء ولم تكن الجزية نزلت بعد فسبق عقد صلحهم وإقرارهم في أرض خيبر نزول الجزية ثم أمره الله سبحانه وتعالى أن يقاتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية فلم يدخل في(3\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1043",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9609",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا يهود خيبر إذ ذاك لأن العقد كان قديما بينه وبينهم على إقرارهم وأن يكونوا عمالا في الأرض بالشطر فلم يطالبهم بشيء غير ذلك وطالب سواهم من أهل الكتاب ممن لم يكن بينه وبينهم عقد كعقدهم بالجزية كنصارى نجران ويهود اليمن وغيرهم. فلما أجلاهم عمر إلى الشام تغير ذلك العقد الذي تضمن إقرارهم في أرض خيبر وصار لهم حكم غيرهم من أهل الكتاب. ولما كان في بعض الدول التي خفيت فيها السنة وأعلامها أظهر طائفة منهم كتابا قد عتقوه وزوروه وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط عن يهود خيبر الجزية وفيه شهادة علي بن أبي طالب وسعد بن معاذ وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم فراج ذلك على من جهل سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومغازيه وسيره وتوهموا بل ظنوا صحته فجروا على حكم هذا الكتاب المزور حتى ألقي إلى شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - وطلب منه أن يعين على تنفيذه والعمل عليه فبصق عليه واستدل على كذبه بعشرة أوجه: منها: أن فيه شهادة سعد بن معاذ وسعد توفي قبل خيبر قطعا. ومنها: أن في الكتاب أنه أسقط عنهم الجزية والجزية لم تكن نزلت بعد ولا يعرفها الصحابة حينئذ فإن نزولها كان عام تبوك بعد خيبر بثلاثة أعوام. ومنها: أنه أسقط عنهم الكلف والسخر وهذا محال فلم يكن في زمانه كلف ولا سخر تؤخذ منهم ولا من غيرهم وقد أعاذه الله وأعاذ أصحابه من أخذ الكلف والسخر وإنما هي من وضع الملوك الظلمة واستمر الأمر عليها. ومنها: أن هذا الكتاب لم يذكره أحد من أهل العلم على اختلاف أصنافهم فلم يذكره أحد من أهل المغازي والسير ولا أحد من أهل الحديث والسنة ولا أحد من أهل الفقه والإفتاء ولا أحد من أهل التفسير ولا أظهروه في زمان السلف لعلمهم أنهم إن زوروا مثل ذلك عرفوا كذبه وبطلانه فلما استخفوا بعض الدول في وقت فتنة وخفاء بعض السنة زوروا ذلك وعتقوه وأظهروه وساعدهم على ذلك طمع بعض الخائنين لله ولرسوله ولم يستمر لهم ذلك حتى(3\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1044",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9610",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كشف الله أمره وبين خلفاء الرسل بطلانه وكذبه.  [فصل في أخذ الجزية من غير المجوس واليهود والنصارى] فصل فلما نزلت آية الجزية أخذها صلى الله عليه وسلم من ثلاث طوائف: من المجوس واليهود والنصارى ولم يأخذها من عباد الأصنام. فقيل: لا يجوز أخذها من كافر غير هؤلاء ومن دان بدينهم اقتداء بأخذه وتركه. وقيل بل تؤخذ من أهل الكتاب وغيرهم من الكفار كعبدة الأصنام من العجم دون العرب والأول: قول الشافعي رحمه الله وأحمد في إحدى روايتيه. والثاني: قول أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله في الرواية الأخرى. وأصحاب القول الثاني: يقولون إنما لم يأخذها من مشركي العرب لأنها إنما نزل فرضها بعد أن أسلمت دارة العرب ولم يبق فيها مشرك فإنها نزلت بعد فتح مكة ودخول العرب في دين الله أفواجا فلم يبق بأرض العرب مشرك ولهذا غزا بعد الفتح تبوك وكانوا نصارى ولو كان بأرض العرب مشركون لكانوا يلونه وكانوا أولى بالغزو من الأبعدين. ومن تأمل السير وأيام الإسلام علم أن الأمر كذلك فلم تؤخذ منهم الجزية لعدم من يؤخذ منه لا لأنهم ليسوا من أهلها قالوا: وقد أخذها من المجوس وليسوا بأهل كتاب ولا يصح أنه (كان لهم كتاب ورفع) وهو حديث لا يثبت مثله ولا يصح سنده. ولا فرق بين عباد النار وعباد الأصنام بل أهل الأوثان أقرب حالا من عباد النار وكان فيهم من التمسك بدين إبراهيم ما لم يكن في عباد النار بل عباد النار أعداء إبراهيم الخليل فإذا أخذت منهم الجزية فأخذها من عباد الأصنام أولى وعلى ذلك تدل سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت عنه في quot; صحيح مسلم quot; أنه(3\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1045",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9611",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: ( إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خلال ثلاث فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم quot;. ثم أمره أن يدعوهم إلى الإسلام أو الجزية أو يقاتلهم ) . وقال المغيرة لعامل كسرى: ( أمرنا نبينا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله أو تؤدوا الجزية ) . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش: ( هل لكم في كلمة تدين لكم بها العرب وتؤدي العجم إليكم بها الجزية. قالوا: ما هي قال quot; لا إله إلا الله ) .  [فصل في صلحه صلى الله عليه وسلم مع أهل نجران] فصل ولما كان في مرجعه من تبوك أخذت خيله أكيدر دومة فصالحه(3\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1046",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9612",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على الجزية وحقن له دمه quot;. ( وصالح أهل نجران من النصارى على ألفي حلة. النصف في صفر والبقية في رجب يؤدونها إلى المسلمين وعارية ثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم إن كان باليمن كيد أو غدرة على ألا تهدم لهم بيعة ولا يخرج لهم قس ولا يفتنوا عن دينهم ما لم يحدثوا حدثا أو يأكلوا الربا ) . وفي هذا دليل على انتقاض عهد الذمة بإحداث الحدث وأكل الربا إذا كان مشروطا عليهم. ولما وجه معاذا إلى اليمن (أمره أن يأخذ من كل محتلم دينارا أو قيمته من المعافري وهي ثياب تكون باليمن ) . وفي هذا دليل على أن الجزية غير مقدرة الجنس ولا القدر بل يجوز أن تكون ثيابا وذهبا وحللا وتزيد وتنقص بحسب حاجة المسلمين واحتمال من تؤخذ منه وحاله في الميسرة وما عنده من المال.(3\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1047",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9613",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولم يفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه في الجزية بين العرب والعجم بل أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم من نصارى العرب وأخذها من مجوس هجر وكانوا عربا فإن العرب أمة ليس لها في الأصل كتاب وكانت كل طائفة منهم تدين بدين من جاورها من الأمم فكانت عرب البحرين مجوسا لمجاورتها فارس وتنوخ وبهرة وبنو تغلب نصارى لمجاورتهم للروم وكانت قبائل من اليمن يهود لمجاورتهم ليهود اليمن فأجرى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحكام الجزية ولم يعتبر آباءهم ولا متى دخلوا في دين أهل الكتاب: هل كان دخولهم قبل النسخ والتبديل أو بعده ومن أين يعرفون ذلك وكيف ينضبط وما الذي دل عليه وقد ثبت في السير والمغازي أن من الأنصار من تهود أبناؤهم بعد النسخ بشريعة عيسى وأراد آباؤهم إكراههم على الإسلام فأنزل الله تعالى: لا إكراه في الدين [البقرة: 256] [البقرة: 256] وفي قوله لمعاذ: ( خذ من كل حالم دينارا ) دليل على أنها لا تؤخذ من صبي ولا امرأة. فإن قيل: فكيف تصنعون بالحديث الذي رواه عبد الرزاق في quot; مصنفه quot; وأبو عبيد في quot; الأموال quot; أن النبي صلى الله عليه وسلم ( أمر معاذ بن جبل: أن يأخذ من اليمن الجزية من كل حالم أو حالمة ) زاد أبو عبيد: عبدا أو أمة دينارا أو قيمته من المعافري quot; فهذا فيه أخذها من الرجل والمرأة والحر والرقيق قيل:(3\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1048",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9614",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا لا يصح وصله وهو منقطع وهذه الزيادة مختلف فيها لم يذكرها سائر الرواة ولعلها من تفسير بعض الرواة. وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم هذا الحديث فاقتصروا على قوله أمره quot; أن يأخذ من حالم دينارا quot; ولم يذكروا هذه الزيادة وأكثر من أخذ منهم النبي صلى الله عليه وسلم الجزية العرب من النصارى واليهود والمجوس ولم يكشف عن أحد منهم متى دخل في دينه وكان يعتبرهم بأديانهم لا بآبائهم.  [فصل في ترتيب سياق هديه مع الكفار والمنافقين من حين بعث إلى حين لقي الله عز وجل] [أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى أن يقرأ باسم ربه الذي خلق] فصل في ترتيب سياق هديه مع الكفار والمنافقين من حين بعث إلى حين لقي الله عز وجل أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى: أن يقرأ باسم ربه الذي خلق وذلك أول نبوته فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ ثم أنزل عليه: ياأيها المدثر - قم فأنذر [المدثر: 1 - 2] [المدثر: 1 2] فنبأه بقوله (اقرأ) وأرسله بـ: ياأيها المدثر [المدثر: 1] ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين ثم أنذر قومه ثم أنذر من حولهم من العرب ثم أنذر العرب قاطبة ثم أنذر العالمين فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية ويؤمر بالكف والصبر والصفح. ثم أذن له في الهجرة وأذن له في القتال ثم أمره أن يقاتل من قاتله ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام: أهل صلح وهدنة وأهل حرب وأهل ذمة فأمر بأن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد وأمر أن يقاتل من نقض عهده. ولما نزلت سورة (براءة) نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها فأمره فيها أن quot; يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام وأمره فيها بجهاد الكفار والمنافقين(3\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1049",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9615",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والغلظة عليهم فجاهد الكفار بالسيف والسنان والمنافقين بالحجة واللسان. وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار ونبذ عهودهم إليهم وجعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام: قسما أمره بقتالهم وهم الذين نقضوا عهده ولم يستقيموا له فحاربهم وظهر عليهم. وقسما لهم عهد مؤقت لم ينقضوه ولم يظاهروا عليه فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم. وقسما لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه أو كان لهم عهد مطلق فأمر أن يؤجلهم أربعة أشهر فإذا انسلخت قاتلهم وهي الأشهر الأربعة المذكورة في قوله: فسيحوا في الأرض أربعة أشهر [التوبة: 2] [التوبة: 2] وهي الحرم المذكورة في قوله: فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين [التوبة: 5] [التوبة: 5] فالحرم هاهنا: هي أشهر التسيير أولها يوم الأذان وهو اليوم العاشر من ذي الحجة وهو يوم الحج الأكبر الذي وقع فيه التأذين بذلك وآخرها العاشر من ربيع الآخر وليست هي الأربعة المذكورة في قوله: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم [التوبة: 36] [التوبة: 36] فإن تلك واحد فرد وثلاثة سرد: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم. ولم يسير المشركين في هذه الأربعة فإن هذا لا يمكن لأنها غير متوالية وهو إنما أجلهم أربعة أشهر ثم(3\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1050",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9616",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أمره بعد انسلاخها أن يقاتلهم فقتل الناقض لعهده وأجل من لا عهد له أو له عهد مطلق أربعة أشهر وأمره أن يتم للموفي بعهده عهده إلى مدته فأسلم هؤلاء كلهم ولم يقيموا على كفرهم إلى مدتهم وضرب على أهل الذمة الجزية. فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول (براءة) على ثلاثة أقسام: محاربين له وأهل عهد وأهل ذمة ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام فصاروا معه قسمين: محاربين وأهل ذمة والمحاربون له خائفون منه فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به ومسالم له آمن وخائف محارب. وأما سيرته في المنافقين فإنه أمر أن يقبل منهم علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله وأن يجاهدهم بالعلم والحجة وأمره أن يعرض عنهم ويغلظ عليهم وأن يبلغ بالقول البليغ إلى نفوسهم ونهاه أن يصلي عليهم وأن يقوم على قبورهم وأخبر أنه إن استغفر لهم فلن يغفر الله لهم فهذه سيرته في أعدائه من الكفار والمنافقين.  [فصل في سيرته صلى الله عليه وسلم في أوليائه وحزبه] فصل وأما سيرته في أوليائه وحزبه فأمره أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه وألا تعدو عيناه عنهم وأمره أن يعفو عنهم ويستغفر لهم ويشاورهم في الأمر وأن يصلي عليهم. وأمره بهجر من عصاه وتخلف عنه حتى يتوب ويراجع طاعته كما هجر الثلاثة الذين خلفوا. وأمره أن يقيم الحدود على من أتى موجباتها منهم وأن يكونوا عنده في ذلك سواء شريفهم ودنيئهم. وأمره في دفع عدوه من شياطين الإنس بأن يدفع بالتي هي أحسن فيقابل إساءة من أساء إليه بالإحسان وجهله بالحلم وظلمه بالعفو وقطيعته بالصلة وأخبره أنه إن فعل ذلك عاد عدوه كأنه ولي حميم. وأمره في دفعه عدوه من شياطين الجن بالاستعاذة بالله منهم وجمع له هذين الأمرين في ثلاثة مواضع من القرآن: في (سورة الأعراف) و (المؤمنون)(3\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1051",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9617",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "و (سورة حم فصلت) فقال في سورة الأعراف خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين - وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم [الأعراف: 199 - 200] [الأعراف: 199 - 200] فأمره باتقاء شر الجاهلين بالإعراض عنهم وباتقاء شر الشيطان بالاستعاذة منه وجمع له في هذه الآية مكارم الأخلاق والشيم كلها فإن ولي الأمر له مع الرعية ثلاثة أحوال: فإنه لا بد له من حق عليهم يلزمهم القيام به وأمر يأمرهم به ولا بد من تفريط وعدوان يقع منهم في حقه فأمر بأن يأخذ من الحق الذي عليهم ما طوعت به أنفسهم وسمحت به وسهل عليهم ولم يشق وهو العفو الذي لا يلحقهم ببذله ضرر ولا مشقة وأمر أن يأمرهم بالعرف وهو المعروف الذي تعرفه العقول السليمة والفطر المستقيمة وتقر بحسنه ونفعه وإذا أمر به يأمر بالمعروف أيضا لا بالعنف والغلظة. وأمره أن يقابل جهل الجاهلين منهم بالإعراض عنه دون أن يقابله بمثله فبذلك يكتفي شرهم. وقال تعالى في سورة المؤمنون: قل رب إما تريني ما يوعدون - رب فلا تجعلني في القوم الظالمين - وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون - ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون - وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين - وأعوذ بك رب أن يحضرون [المؤمنون: 93 - 98] [المؤمنون: 93 - 98] . وقال تعالى في سورة حم فصلت: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم - وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم - وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم [فصلت: 34 - 36] [فصلت: 34 - 36] فهذه سيرته مع أهل الأرض إنسهم وجنهم مؤمنهم وكافرهم.  [فصل في سياق مغازيه وبعوثه على وجه الاختصار] [سرية حمزة إلى سيف البحر] فصل في سياق مغازيه وبعوثه على وجه الاختصار وكان أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمزة بن عبد المطلب في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجره وكان لواء أبيض وكان حامله أبو(3\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1052",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9618",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مرثد كناز بن الحصين الغنوي حليف حمزة وبعثه في ثلاثين رجلا من المهاجرين خاصة يعترض عيرا لقريش جاءت من الشام وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة رجل. فبلغوا سيف البحر من ناحية العيص فالتقوا واصطفوا للقتال فمشى مجدي بن عمرو الجهني وكان حليفا للفريقين جميعا بين هؤلاء وهؤلاء حتى حجز بينهم ولم يقتتلوا.  [فصل في سرية عبيدة بن الحارث بن المطلب] فصل ثم بعث عبيدة بن الحارث بن المطلب في سرية إلى بطن رابغ في شوال على رأس ثمانية أشهر من الهجرة وعقد له لواء أبيض وحمله مسطح بن أثاثة بن عبد المطلب بن عبد مناف وكانوا في ستين من المهاجرين ليس فيهم أنصاري فلقي أبا سفيان بن حرب وهو في مائتين على بطن رابغ على عشرة أميال من الجحفة وكان بينهم الرمي ولم يسلوا السيوف ولم يصطفوا للقتال وإنما كانت مناوشة: (وكان سعد بن أبي وقاص فيهم وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله) ثم انصرف الفريقان على حاميتهم. قال ابن إسحاق: وكان على القوم عكرمة بن أبي جهل وقدم سرية عبيدة على سرية حمزة.  [فصل في سرية سعد إلى بطن رابغ] فصل ثم بعث سعد بن أبي وقاص إلى الخرار في ذي القعدة على رأس تسعة أشهر وعقد له لواء أبيض وحمله المقداد بن عمرو وكانوا عشرين راكبا يعترضون عيرا لقريش وعهد أن لا يجاوز الخرار فخرجوا على أقدامهم فكانوا يكمنون بالنهار ويسيرون بالليل حتى صبحوا المكان صبيحة خمس فوجدوا العير قد مرت بالأمس.(3\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1053",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9619",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في غزوة الأبواء] فصل ثم غزا بنفسه غزوة الأبواء ويقال لها: ودان وهي أول غزوة غزاها بنفسه وكانت في صفر على رأس اثني عشر شهرا من مهاجره وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب وكان أبيض واستخلف على المدينة سعد بن عبادة وخرج في المهاجرين خاصة يعترض عيرا لقريش فلم يلق كيدا وفي هذه الغزوة وادع مخشي بن عمرو الضمري وكان سيد بني ضمرة في زمانه على ألا يغزو بني ضمرة ولا يغزوه ولا أن يكثروا عليه جمعا ولا يعينوا عليه عدوا وكتب بينه وبينهم كتابا وكانت غيبته خمس عشرة ليلة.  [فصل في غزوة بواط] فصل ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بواط في شهر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا من مهاجره وحمل لواءه سعد بن أبي وقاص وكان أبيض واستخلف على المدينة سعد بن معاذ وخرج في مائتين من أصحابه يعترض عيرا لقريش فيها أمية بن خلف الجمحي ومائة رجل من قريش وألفان وخمسمائة بعير فبلغ بواطا وهما جبلان فرعان أصلهما واحد من جبال جهينة مما يلي طريق(3\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1054",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9620",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشام وبين بواط والمدينة نحو أربعة برد فلم يلق كيدا فرجع.  [فصل في خروجه صلى الله عليه وسلم في طلب كرز الفهري] فصل ثم خرج على رأس ثلاثة عشر شهرا من مهاجره يطلب كرز بن جابر الفهري وحمل لواءه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان أبيض واستخلف على المدينة زيد بن حارثة وكان كرز قد أغار على سرح المدينة فاستاقه وكان يرعى بالحمى فطلبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ واديا يقال له: سفوان من ناحية بدر وفاته كرز ولم يلحقه فرجع إلى المدينة.  [فصل في غزوة العشيرة] فصل ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمادى الآخرة على رأس ستة عشر شهرا وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب وكان أبيض واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي وخرج في خمسين ومائة ويقال: في مائتين من المهاجرين ولم يكره أحدا على الخروج وخرجوا على ثلاثين بعيرا يعتقبونها يعترضون عيرا لقريش ذاهبة إلى الشام وقد كان جاءه الخبر بفصولها من مكة فيها أموال لقريش فبلغ ذا العشيرة وقيل: العشيراء بالمد. وقيل: العسيرة بالمهملة وهي بناحية ينبع وبين ينبع والمدينة تسعة برد فوجد العير قد فاتته بأيام وهذه هي العير التي خرج في طلبها حين رجعت من الشام وهي التي وعده الله إياها أو المقاتلة وذات الشوكة ووفى له بوعده. وفي هذه الغزوة وادع بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة. قال عبد المؤمن بن خلف الحافظ: وفي هذه الغزوة كنى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا أبا(3\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1055",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9621",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تراب وليس كما قال فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كناه أبا تراب بعد نكاحه فاطمة وكان نكاحها بعد بدر فإنه ( لما دخل عليها وقال quot; أين ابن عمك quot; قالت خرج مغاضبا فجاء إلى المسجد فوجده مضطجعا فيه وقد لصق به التراب فجعل ينفضه عنه ويقول: quot; اجلس أبا تراب اجلس أبا تراب ) وهو أول يوم كني فيه أبا تراب.  [فصل في سرية نخلة] فصل ثم بعث عبد الله بن جحش الأسدي إلى نخلة في رجب على رأس سبعة عشر شهرا من الهجرة في اثني عشر رجلا من المهاجرين كل اثنين يعتقبان على بعير فوصلوا إلى بطن نخلة يرصدون عيرا لقريش وفي هذه السرية سمى عبد الله بن جحش أمير المؤمنين ( وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه ولما فتح الكتاب وجد فيه quot; إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم ) . فقال: سمعا وطاعة وأخبر أصحابه بذلك وبأنه لا يستكرههم فمن أحب الشهادة فلينهض ومن كره الموت فليرجع وأما أنا فناهض فمضوا كلهم فلما كان في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه وبعد عبد الله بن جحش حتى نزل بنخلة فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة فيها عمرو بن الحضرمي وعثمان ونوفل: ابنا عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان مولى بني المغيرة فتشاور المسلمون وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام فإن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم ثم أجمعوا على ملاقاتهم فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمي فقتله(3\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1056",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9622",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأسروا عثمان والحكم وأفلت نوفل ثم قدموا بالعير والأسيرين وقد عزلوا من ذلك الخمس وهو أول خمس كان في الإسلام وأول قتيل في الإسلام وأول أسيرين في الإسلام وأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ما فعلوه واشتد تعنت قريش وإنكارهم ذلك وزعموا أنهم قد وجدوا مقالا فقالوا: قد أحل محمد الشهر الحرام واشتد على المسلمين ذلك حتى أنزل الله تعالى: يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل [البقرة: 217] [البقرة: 217] . يقول سبحانه: هذا الذي أنكرتموه عليهم وإن كان كبيرا فما ارتكبتموه أنتم من الكفر بالله والصد عن سبيله وعن بيته وإخراج المسلمين الذين هم أهله منه والشرك الذي أنتم عليه والفتنة التي حصلت منكم به أكبر عند الله من قتالهم في الشهر الحرام وأكثر السلف فسروا الفتنة هاهنا بالشرك كقوله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة [البقرة: 193] [البقرة: 193] . ويدل عليه قوله: ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين [الأنعام: 23] [الأنعام: 23] أي: لم يكن مآل شركهم وعاقبته وآخر أمرهم إلا أن تبرءوا منه وأنكروه. وحقيقتها: أنها الشرك الذي يدعو صاحبه إليه ويقاتل عليه ويعاقب من لم يفتتن به ولهذا يقال لهم وقت عذابهم بالنار وفتنتهم بها: ذوقوا فتنتكم [الذاريات: 14] قال ابن عباس: تكذيبكم. وحقيقته ذوقوا نهاية فتنتكم وغايتها ومصير أمرها كقوله: ذوقوا ما كنتم تكسبون [الزمر: 24] [الزمر: 24]  وكما فتنوا عباده على الشرك فتنوا على النار وقيل لهم: ذوقوا فتنتكم ومنه قوله تعالى: إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا [البروج: 10] [البروج: 10]  فسرت الفتنة هاهنا بتعذيبهم المؤمنين وإحراقهم إياهم بالنار واللفظ أعم من ذلك وحقيقته:(3\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1057",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9623",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عذبوا المؤمنين ليفتتنوا عن دينهم فهذه الفتنة المضافة إلى المشركين. وأما الفتنة التي يضيفها الله سبحانه إلى نفسه أو يضيفها رسوله إليه كقوله: وكذلك فتنا بعضهم ببعض [الأنعام: 53]  وقول موسى: إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء [الأعراف: 155] [الأعراف: 155] فتلك بمعنى آخر وهي بمعنى الامتحان والاختبار والابتلاء من الله لعباده بالخير والشر بالنعم والمصائب فهذه لون وفتنة المشركين لون وفتنة المؤمن في ماله وولده وجاره لون آخر والفتنة التي يوقعها بين أهل الإسلام كالفتنة التي أوقعها بين أصحاب علي ومعاوية وبين أهل الجمل وصفين وبين المسلمين حتى يتقاتلوا ويتهاجروا لون آخر وهي الفتنة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: ( ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي ) . وأحاديث الفتنة التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها باعتزال الطائفتين هي هذه الفتنة. وقد تأتي الفتنة مرادا بها المعصية كقوله تعالى: ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني [التوبة: 49] [التوبة: 49]  يقوله الجد بن قيس لما ندبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك يقول: ائذن لي في القعود ولا تفتني بتعرضي لبنات بني الأصفر فإني لا أصبر عنهن قال تعالى: ألا في الفتنة سقطوا [التوبة: 49] [التوبة: 49] أي: وقعوا في فتنة النفاق وفروا إليها من فتنة بنات الأصفر. والمقصود: أن الله سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف ولم يبرئ أولياءه من ارتكاب الإثم بالقتال في الشهر الحرام بل أخبر أنه كبير(3\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1058",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9624",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأن ما عليه أعداؤه المشركون أكبر وأعظم من مجرد القتال في الشهر الحرام فهم أحق بالذم والعيب والعقوبة لا سيما وأولياؤه كانوا متأولين في قتالهم ذلك أو مقصرين نوع تقصير يغفره الله لهم في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات والهجرة مع رسوله وإيثار ما عند الله فهم كما قيل: وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع فكيف يقاس ببغيض عدو جاء بكل قبيح ولم يأت بشفيع واحد من المحاسن.  [فصل في تحويل القبلة] فصل ولما كان في شعبان من هذه السنة حولت القبلة وقد تقدم ذكر ذلك.  [فصل في غزوة بدر الكبرى] [خبر العير المقبلة من الشام لقريش صحبة أبي سفيان] فصل في غزوة بدر الكبرى فلما كان في رمضان من هذه السنة بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر العير المقبلة من الشام لقريش صحبة أبي سفيان وهي العير التي خرجوا في طلبها لما خرجت من مكة وكانوا نحو أربعين رجلا وفيها أموال عظيمة لقريش فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس للخروج إليها وأمر من كان ظهره حاضرا بالنهوض ولم يحتفل لها احتفالا بليغا لأنه خرج مسرعا في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ولم يكن معهم من الخيل إلا فرسان: فرس للزبير بن العوام وفرس للمقداد بن الأسود الكندي وكان معهم سبعون بعيرا يعتقب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرا وزيد بن حارثة وابنه وكبشة موالي رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتقبون بعيرا(3\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1059",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9625",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرا واستخلف على المدينة وعلى الصلاة ابن أم مكتوم فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة بن عبد المنذر واستعمله على المدينة ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير والراية الواحدة إلى علي بن أبي طالب والأخرى التي للأنصار إلى سعد بن معاذ وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة وسار فلما قرب من الصفراء بعث بسبس بن عمرو الجهني وعدي بن أبي الزغباء إلى بدر يتجسسان أخبار العير. وأما أبو سفيان فإنه بلغه مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصده إياه فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة مستصرخا لقريش بالنفير إلى عيرهم ليمنعوه من محمد وأصحابه وبلغ الصريخ أهل مكة فنهضوا مسرعين وأوعبوا في الخروج فلم يتخلف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب فإنه عوض عنه رجلا كان له عليه دين وحشدوا فيمن حولهم من قبائل العرب ولم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش إلا بني عدي فلم يخرج معهم منهم أحد وخرجوا من ديارهم كما قال تعالى: بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله [الأنفال: 47] [الأنفال: 47] وأقبلوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بحدهم وحديدهم تحاده وتحاد رسوله )  وجاءوا على حرد قادرين وعلى حمية وغضب وحنق على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لما يريدون من أخذ عيرهم وقتل من فيها وقد أصابوا بالأمس عمرو بن الحضرمي والعير التي كانت معه فجمعهم الله على غير ميعاد كما قال الله تعالى: ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا [الأنفال: 42] [الأنفال: 42] . ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خروج قريش استشار أصحابه فتكلم المهاجرون فأحسنوا ثم استشارهم ثانيا فتكلم المهاجرون فأحسنوا ثم استشارهم ثالثا(3\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1060",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9626",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ففهمت الأنصار أنه يعنيهم فبادر سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله! كأنك تعرض بنا وكان إنما يعنيهم لأنهم بايعوه على أن يمنعوه من الأحمر والأسود في ديارهم فلما عزم على الخروج استشارهم ليعلم ما عندهم فقال له سعد: لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقا عليها أن لا ينصروك إلا في ديارها وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم: فاظعن حيث شئت وصل حبل من شئت واقطع حبل من شئت وخذ من أموالنا ما شئت وأعطنا ما شئت وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك فوالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك ووالله لئن استعرضت بنا هذا البحر خضناه معك. وقال له المقداد: لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك. فأشرق وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسر بما سمع من أصحابه وقال: (سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين وإني قد رأيت مصارع القوم ) .(3\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1061",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9627",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر وخفض أبو سفيان فلحق بساحل البحر ولما رأى أنه قد نجا وأحرز العير كتب إلى قريش: أن ارجعوا فإنكم إنما خرجتم لتحرزوا عيركم فأتاهم الخبر وهم بالجحفة فهموا بالرجوع فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نقدم بدرا فنقيم بها ونطعم من حضرنا من العرب وتخافنا العرب بعد ذلك فأشار الأخنس بن شريق عليهم بالرجوع فعصوه فرجع هو وبنو زهرة فلم يشهد بدرا زهري فاغتبطت بنو زهرة بعد برأي الأخنس فلم يزل فيهم مطاعا معظما وأرادت بنو هاشم الرجوع فاشتد عليهم أبو جهل وقال: لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع فساروا وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل عشيا أدنى ماء من مياه بدر فقال: ( أشيروا علي في المنزل ) . فقال الحباب بن المنذر: يا رسول الله! أنا عالم بها وبقلبها إن رأيت أن نسير إلى قلب قد عرفناها فهي كثيرة الماء عذبة فننزل عليها ونسبق القوم إليها ونغور ما سواها من المياه. وسار المشركون سراعا يريدون الماء وبعث عليا وسعدا والزبير إلى بدر يلتمسون الخبر فقدموا بعبدين لقريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي فسألهما أصحابه من أنتما قالا: نحن سقاة لقريش فكره ذلك أصحابه وودوا لو كانا لعير أبي سفيان ( فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما: أخبراني أين قريش قالا:(3\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1062",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9628",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وراء هذا الكثيب. فقال: كم القوم فقالا: لا علم لنا فقال كم ينحرون كل يوم فقالا: يوما عشرا ويوما تسعا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القوم ما بين تسعمائة إلى الألف )  فأنزل الله عز وجل في تلك الليلة مطرا واحدا فكان على المشركين وابلا شديدا منعهم من التقدم وكان على المسلمين طلا طهرهم به وأذهب عنهم رجس الشيطان ووطأ به الأرض وصلب به الرمل وثبت الأقدام ومهد به المنزل وربط به على قلوبهم فسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى الماء فنزلوا عليه شطر الليل وصنعوا الحياض ثم غوروا ما عداها من المياه ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على الحياض. وبني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش يكون فيها على تل يشرف على المعركة ومشى في موضع المعركة ( وجعل يشير بيده: هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان إن شاء الله فما تعدى أحد منهم موضع إشارته ) . فلما طلع المشركون وتراءى الجمعان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها جاءت تحادك وتكذب رسولك وقام ورفع يديه واستنصر ربه وقال: اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك quot; فالتزمه الصديق من ورائه وقال: يا رسول الله! أبشر فوالذي نفسي بيده لينجزن الله لك ما وعدك ) .(3\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1063",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9629",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واستنصر المسلمون الله واستغاثوه وأخلصوا له وتضرعوا إليه فأوحى الله إلى ملائكته: أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب [الأنفال: 12] [الأنفال: 12]  وأوحى الله إلى رسوله: أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين [الأنفال: 9] [الأنفال: 9]  قرئ بكسر الدال وفتحها فقيل: المعنى إنهم ردف لكم. وقيل: يردف بعضهم بعضا أرسالا لم يأتوا دفعة واحدة. فإن قيل: هاهنا ذكر أنه أمدهم بألف وفي (سورة آل عمران) قال: إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين - بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين [آل عمران: 124 - 125] [آل عمران: 124- 125] فكيف الجمع بينهما قيل: قد اختلف في هذا الإمداد الذي بثلاثة آلاف والذي بالخمسة على قولين: أحدهما: أنه كان يوم أحد وكان إمدادا معلقا على شرط فلما فات شرطه فات الإمداد وهذا قول الضحاك ومقاتل وإحدى الروايتين عن عكرمة. والثاني: أنه كان يوم بدر وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة.(3\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1064",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9630",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والرواية الأخرى عن عكرمة اختاره جماعة من المفسرين. وحجة هؤلاء أن السياق يدل على ذلك فإنه سبحانه قال: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون - إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين - بلى إن تصبروا وتتقوا [آل عمران: 123 - 125] [آل عمران: 123 - 125] إلى أن قال: وما جعله الله [آل عمران: 126] أي: هذا الإمداد إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به [آل عمران: 126] قال هؤلاء: فلما استغاثوا أمدهم بتمام ثلاثة آلاف ثم أمدهم بتمام خمسة آلاف لما صبروا واتقوا فكان هذا التدريج ومتابعة الإمداد أحسن موقعا وأقوى لنفوسهم وأسر لها من أن يأتي به مرة واحدة وهو بمنزلة متابعة الوحي ونزوله مرة بعد مرة. وقالت الفرقة الأولى: القصة في سياق أحد وإنما أدخل ذكر بدر اعتراضا في أثنائها فإنه سبحانه قال: وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون [آل عمران: 121] [آل عمران: 121]  ثم قال: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون [آل عمران: 123] [آل عمران: 123]  فذكرهم نعمته عليهم لما نصرهم ببدر وهم أذلة ثم عاد إلى قصة أحد وأخبر عن قول رسوله لهم: ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين [آل عمران: 124]  ثم وعدهم أنهم إن صبروا واتقوا أمدهم بخمسة آلاف فهذا من قول رسوله والإمداد الذي ببدر من قوله تعالى وهذا بخمسة آلاف وإمداد بدر بألف وهذا معلق على شرط وذلك مطلق والقصة في (سورة آل عمران) هي قصة أحد مستوفاة مطولة وبدر ذكرت فيها اعتراضا والقصة في سورة الأنفال قصة بدر مستوفاة مطولة فالسياق في (آل عمران) غير السياق في الأنفال. يوضح هذا أن قوله: ويأتوكم من فورهم هذا [آل عمران: 125] [آل عمران: 125] قد قال مجاهد: إنه يوم أحد وهذا يستلزم أن يكون الإمداد المذكور فيه(3\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1065",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9631",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "فصل في بدء القتال يوم بدر بالمبارزة",
        "content": "فلا يصح قوله: إن الإمداد بهذا العدد كان يوم بدر وإتيانهم من فورهم هذا يوم أحد. والله أعلم.  [فصل في بدء القتال يوم بدر بالمبارزة] فصل وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جذع شجرة هناك وكانت ليلة الجمعة السابع عشر من رمضان في السنة الثانية فلما أصبحوا أقبلت قريش في كتائبها واصطف الفريقان فمشى حكيم بن حزام وعتبة بن ربيعة في قريش أن يرجعوا ولا يقاتلوا فأبى ذلك أبو جهل وجرى بينه وبين عتبة كلام أحفظه وأمر أبو جهل أخا عمرو بن الحضرمي أن يطلب دم أخيه عمرو فكشف عن استه وصرخ: واعمراه فحمي القوم ونشبت الحرب وعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف ثم رجع إلى العريش هو وأبو بكر خاصة وقام سعد بن معاذ في قوم من الأنصار على باب العريش يحمون رسول الله صلى الله عليه وسلم. وخرج عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة يطلبون المبارزة فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار: عبد الله بن رواحة وعوف ومعوذ ابنا عفراء فقالوا لهم: من أنتم فقالوا: من الأنصار. قالوا: أكفاء كرام وإنما نريد بني عمنا فبرز إليهم علي وعبيدة بن الحارث وحمزة فقتل علي قرنه الوليد وقتل حمزة قرنه عتبة وقيل: شيبة واختلف عبيدة وقرنه ضربتين فكر علي وحمزة على قرن عبيدة فقتلاه واحتملا عبيدة وقد قطعت رجله فلم يزل ضمنا حتى مات بالصفراء.(3\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1066",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9632",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان علي يقسم بالله: لنزلت هذه الآية فيهم: هذان خصمان اختصموا في ربهم [الحج: 19] الآية [الحج: 19] . ثم حمي الوطيس واستدارت رحى الحرب واشتد القتال وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعاء والابتهال ومناشدة ربه عز وجل حتى سقط رداؤه عن منكبيه فرده عليه الصديق وقال: (بعض مناشدتك ربك فإنه منجز لك ما وعدك ) . فأغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة واحدة وأخذ القوم النعاس في حال الحرب ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه فقال: ( أبشر يا أبا بكر! هذا جبريل على ثناياه النقع ) . وجاء النصر وأنزل الله جنده وأيد رسوله والمؤمنين ومنحهم أكتاف(3\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1067",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9633",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المشركين أسرا وقتلا فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين.  [ظهور إبليس في صورة سراقة الكناني ووسوسته لقريش] فصل ولما عزموا على الخروج ذكروا ما بينهم وبين بني كنانة من الحرب فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك المدلجي وكان من أشراف بني كنانة فقال لهم: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم من أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه فخرجوا والشيطان جار لهم لا يفارقهم فلما تعبئوا للقتال ورأى عدو الله جند الله قد نزلت من السماء فر ونكص على عقبيه فقالوا: إلى أين يا سراقة ألم تكن قلت: إنك جار لنا لا تفارقنا فقال: إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب وصدق في قوله: إني أرى ما لا ترون وكذب في قوله: إني أخاف الله وقيل: كان خوفه على نفسه أن يهلك معهم وهذا أظهر. ولما رأى المنافقون ومن في قلبه مرض قلة حزب الله وكثرة أعدائه ظنوا أن الغلبة إنما هي بالكثرة وقالوا: غر هؤلاء دينهم [الأنفال: 49] [الأنفال: 49]  فأخبر سبحانه أن النصر بالتوكل عليه لا بالكثرة ولا بالعدد والله عزيز لا يغالب حكيم ينصر من يستحق النصر وإن كان ضعيفا فعزته وحكمته أوجبت نصر الفئة المتوكلة عليه.  ولما دنا العدو وتواجه القوم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فوعظهم وذكرهم بما لهم في الصبر والثبات من النصر والظفر العاجل وثواب الله الآجل وأخبرهم أن الله قد أوجب الجنة لمن استشهد في سبيله فقام عمير بن الحمام فقال: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض قال: (quot; نعم quot;. قال: بخ بخ يا رسول الله قال: ما يحملك على قولك بخ بخ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها قال: quot; فإنك من أهلها quot; قال: فأخرج(3\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1068",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9634",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل. فكان أول قتيل ) . وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ملء كفه من الحصباء فرمى بها وجوه العدو فلم تترك رجلا منهم إلا ملأت عينيه وشغلوا بالتراب في أعينهم وشغل المسلمون بقتلهم فأنزل الله في شأن هذه الرمية على رسوله: وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى [الأنفال: 17] [الأنفال: 17] . وقد ظن طائفة أن الآية دلت على نفي الفعل عن العبد وإثباته لله وأنه هو الفاعل حقيقة وهذا غلط منهم من وجوه عديدة مذكورة في غير هذا الموضع. ومعنى الآية: أن الله سبحانه أثبت لرسوله ابتداء الرمي ونفى عنه الإيصال الذي لم يحصل برميته فالرمي يراد به الحذف والإيصال فأثبت لنبيه الحذف ونفى عنه الإيصال.(3\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1069",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9635",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكانت الملائكة يومئذ تبادر المسلمين إلى قتل أعدائهم قال ابن عباس: ( بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس فوقه يقول: أقدم حيزوم إذ نظر إلى المشرك أمامه مستلقيا فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط فاخضر ذلك أجمع فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة ) . وقال أبو داود المازني: ( إني لأتبع رجلا من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أنه قد قتله غيري ) . ( وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرا فقال العباس: إن هذا والله ما أسرني لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق ما أراه في القوم فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله فقال: quot; اسكت فقد أيدك الله بملك كريم ) . وأسر من بني عبد المطلب ثلاثة: العباس وعقيل ونوفل بن الحارث.  وذكر الطبراني في quot; معجمه الكبير quot; عن رفاعة بن رافع قال: (لما رأى إبليس ما تفعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص القتل إليه فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظنه سراقة بن مالك فوكز في صدر الحارث فألقاه ثم خرج هاربا حتى ألقى نفسه في البحر ورفع يديه وقال: اللهم إني أسألك نظرتك إياي وخاف أن يخلص إليه القتل فأقبل أبو جهل بن هشام فقال: يا(3\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1070",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9636",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معشر الناس! لا يهزمنكم خذلان سراقة إياكم فإنه كان على ميعاد من محمد ولا يهولنكم قتل عتبة وشيبة والوليد فإنهم قد عجلوا فواللات والعزى لا نرجع حتى نقرنهم بالحبال ولا ألفين رجلا منكم قتل رجلا منهم ولكن خذوهم أخذا حتى نعرفهم سوء صنيعهم) . واستفتح أبو جهل في ذلك اليوم فقال: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرفه فأحنه الغداة اللهم أينا كان أحب إليك وأرضى عندك فانصره اليوم فأنزل الله عز وجل: إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين [الأنفال: 19] [الأنفال: 19] .  ولما وضع المسلمون أيديهم في العدو يقتلون ويأسرون وسعد بن معاذ واقف على باب الخيمة التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي العريش متوشحا بالسيف في ناس من الأنصار رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (quot; كأنك تكره ما يصنع الناس quot; قال: أجل والله كانت أول وقعة أوقعها الله بالمشركين وكان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال ) .  ولما بردت الحرب وولى القوم منهزمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من ينظر لنا ما صنع أبو جهل quot; فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد وأخذ بلحيته فقال: أنت أبو جهل فقال: لمن الدائرة اليوم فقال: لله ولرسوله وهل أخزاك الله يا عدو الله فقال: وهل فوق رجل قتله قومه فقتله عبد الله ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قتلته: فقال: quot; الله الذي لا إله إلا هو quot; فرددها(3\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1071",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9637",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثلاثا ثم قال: الله أكبر الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده انطلق أرنيه. فانطلقنا فأريته إياه فقال: quot; هذا فرعون هذه الأمة ) . (وأسر عبد الرحمن بن عوف أمية بن خلف وابنه عليا فأبصره بلال وكان أمية يعذبه بمكة فقال: رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا ثم استوخى جماعة من الأنصار واشتد عبد الرحمن بهما يحرزهما منهم فأدركوهم فشغلهم عن أمية بابنه ففرغوا منه ثم لحقوهما فقال له عبد الرحمن: ابرك. فبرك فألقى نفسه عليه فضربوه بالسيوف من تحته حتى قتلوه وأصاب بعض السيوف رجل عبد الرحمن بن عوف قال له أمية قبل ذلك: من الرجل المعلم في صدره بريشة نعامة فقال: ذلك حمزة بن عبد المطلب. فقال ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل وكان مع عبد الرحمن أدراع قد استلبها فلما رآه أمية قال له: أنا خير لك من هذه الأدراع فألقاها وأخذه فلما قتله الأنصار كان يقول: يرحم الله بلالا فجعني بأدراعي وبأسيري) . وانقطع يومئذ سيف عكاشة بن محصن فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم جذلا من حطب فقال: (دونك هذا)  فلما أخذه عكاشة وهزه عاد في يده سيفا طويلا شديدا(3\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1072",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9638",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبيض فلم يزل عنده يقاتل به حتى قتل في الردة أيام أبي بكر. ولقي الزبير عبيدة بن سعيد بن العاص وهو مدجج في السلاح لا يرى منه إلا الحدق فحمل عليه الزبير بحربته فطعنه في عينه فمات فوضع رجله على الحربة ثم تمطى فكان الجهد أن نزعها وقد انثنى طرفاها قال عروة: فسأله إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه إياها فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها ثم طلبها أبو بكر فأعطاه إياها فلما قبض أبو بكر سأله إياها عمر فأعطاه إياها فلما قبض عمر أخذها ثم طلبها عثمان فأعطاه إياها فلما قبض عثمان وقعت عند آل علي فطلبها عبد الله بن الزبير وكانت عنده حتى قتل. وقال رفاعة بن رافع: (رميت بسهم يوم بدر ففقئت عيني فبصق فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا لي فما آذاني منها شيء ) .  ولما انقضت الحرب أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وقف على القتلى فقال: ( بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني وصدقني الناس وخذلتموني ونصرني الناس وأخرجتموني وآواني الناس.(3\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1073",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9639",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم أمر بهم فسحبوا إلى قليب من قلب بدر فطرحوا فيه ثم وقف عليهم فقال: quot; يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة ويا فلان ويا فلان هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني وجدت ما وعدني ربي حقا quot; فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله! ما تخاطب من أقوام قد جيفوا فقال: والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون الجواب quot;. ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرصة ثلاثا وكان إذا ظهر على قوم أقام بعرصتهم ثلاثا ) . ثم ارتحل مؤيدا منصورا قرير العين بنصر الله له ومعه الأسارى والمغانم فلما كان بالصفراء قسم الغنائم وضرب عنق النضر بن الحارث بن كلدة ثم لما نزل بعرق الظبية ضرب عنق عقبة بن أبي معيط. ودخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة مؤيدا مظفرا منصورا قد خافه كل عدو له المدينة وحولها فأسلم بشر كثير من أهل المدينة وحينئذ دخل عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه في الإسلام ظاهرا. وجملة من حضر بدرا من المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا من المهاجرين ستة وثمانون ومن الأوس أحد وستون ومن الخزرج مائة وسبعون وإنما قل عدد الأوس عن الخزرج وإن كانوا أشد منهم وأقوى شوكة وأصبر عند اللقاء لأن منازلهم كانت في عوالي المدينة وجاء النفير(3\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1074",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9640",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بغتة وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يتبعنا إلا من كان ظهره حاضرا )  فاستأذنه رجال ظهورهم في علو المدينة أن يستأني بهم حتى يذهبوا إلى ظهورهم فأبى ولم يكن عزمهم على اللقاء ولا أعدوا له عدته ولا تأهبوا له أهبته ولكن جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. واستشهد من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلا: ستة من المهاجرين وستة من الخزرج واثنان من الأوس وفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأن بدر والأسارى في شوال.  [فصل في غزوة بني سليم] فصل ثم نهض بنفسه صلوات الله وسلامه عليه بعد فراغه بسبعة أيام إلى غزو بني سليم واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة وقيل: ابن أم مكتوم فبلغ ماء يقال له: الكدر فأقام عليه ثلاثا ثم انصرف ولم يلق كيدا.  [فصل في غزوة السويق] فصل ولما رجع فل المشركين إلى مكة موتورين محزونين نذر أبو سفيان أن لا يمس رأسه ماء حتى يغزو رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج في مائتي راكب حتى أتى العريض في طرف المدينة وبات ليلة واحدة عند سلام بن مشكم اليهودي فسقاه الخمر وبطن له من خبر الناس فلما أصبح قطع أصوارا من النخل(3\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1075",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9641",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقتل رجلا من الأنصار وحليفا له ثم كر راجعا ونذر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج في طلبه فبلغ قرقرة الكدر وفاته أبو سفيان وطرح الكفار سويقا كثيرا من أزوادهم يتخففون به فأخذها المسلمون فسميت غزوة السويق وكان ذلك بعد بدر بشهرين. فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بقية ذي الحجة ثم غزا نجدا يريد غطفان واستعمل على المدينة عثمان بن عفان رضي الله عنه فأقام هناك صفرا كله من السنة الثالثة ثم انصرف ولم يلق حربا.  [فصل في غزوة الفرع] فصل فأقام بالمدينة ربيعا الأول ثم خرج يريد قريشا واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم فبلغ بحران معدنا بالحجاز من ناحية الفرع ولم يلق حربا فأقام هنالك ربيعا الآخر وجمادى الأولى ثم انصرف إلى المدينة.  [فصل في غزوة بني قينقاع] فصل ثم غزا بني قينقاع وكانوا من يهود المدينة فنقضوا عهده فحاصرهم خمسة عشر ليلة حتى نزلوا على حكمه فشفع فيهم عبد الله بن أبي وألح عليه فأطلقهم له وهم قوم عبد الله بن سلام وكانوا سبعمائة مقاتل وكانوا صاغة وتجارا.(3\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1076",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9642",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في قتل كعب بن الأشرف] وكان رجلا من اليهود وأمه من بني النضير وكان شديد الأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يشبب في أشعاره بنساء الصحابة فلما كانت وقعة بدر ذهب إلى مكة وجعل يؤلب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين ثم رجع إلى المدينة على تلك الحال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله quot;. فانتدب له محمد بن مسلمة وعباد بن بشر وأبو نائلة واسمه سلكان بن سلامة وهو أخو كعب من الرضاع والحارث بن أوس وأبو عبس بن جبر وأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقولوا ما شاءوا من كلام يخدعونه به فذهبوا إليه في ليلة مقمرة وشيعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد فلما انتهوا إليه قدموا سلكان بن سلامة إليه فأظهر له موافقته على الانحراف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه ضيق حاله فكلمه في أن يبيعه وأصحابه طعاما ويرهنونه سلاحهم فأجابهم إلى ذلك. ورجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم فأتوه فخرج إليهم من حصنه فتماشوا فوضعوا عليه سيوفهم ووضع محمد بن مسلمة مغولا كان معه في(3\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1077",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9643",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "أحداث غزوة أحد",
        "content": "ثنته فقتله وصاح عدو الله صيحة شديدة أفزعت من حوله. وأوقدوا النيران وجاء الوفد حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر الليل وهو قائم يصلي وجرح الحارث بن أوس ببعض سيوف أصحابه فتفل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فبرئ فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل من وجد من اليهود لنقضهم عهده ومحاربتهم الله ورسوله ) .  [فصل في غزوة أحد] [أحداث غزوة أحد] فصل في غزوة أحد ولما قتل الله أشراف قريش ببدر وأصيبوا بمصيبة لم يصابوا بمثلها ورأس فيهم أبو سفيان بن حرب لذهاب أكابرهم وجاء كما ذكرنا إلى أطراف المدينة في غزوة السويق ولم ينل ما في نفسه أخذ يؤلب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين ويجمع الجموع فجمع قريبا من ثلاثة آلاف من قريش والحلفاء والأحابيش وجاءوا بنسائهم لئلا يفروا وليحاموا عنهن ثم أقبل بهم نحو المدينة. فنزل قريبا من جبل أحد بمكان يقال له: عينين وذلك في(3\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1078",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9644",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شوال من السنة الثالثة واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة وكان رأيه ألا يخرجوا من المدينة وأن يتحصنوا بها فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة والنساء من فوق البيوت ووافقه على هذا الرأي عبد الله بن أبي وكان هو الرأي فبادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر وأشاروا عليه بالخروج وألحوا عليه في ذلك وأشار عبد الله بن أبي بالمقام في المدينة وتابعه على ذلك بعض الصحابة فألح أولئك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهض ودخل بيته ولبس لأمته وخرج عليهم وقد انثنى عزم أولئك وقالوا: أكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج فقالوا: يا رسول الله إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه ) . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألف من الصحابة واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بمن بقي في المدينة وكان رسول الله رأى رؤيا وهو بالمدينة رأى أن في سيفه ثلمة ورأى أن بقرا تذبح وأنه أدخل يده في درع حصينة فتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته وتأول البقر بنفر من أصحابه يقتلون وتأول الدرع بالمدينة. فخرج يوم الجمعة فلما صار بالشوط بين المدينة وأحد انخزل عبد الله بن أبي بنحو ثلث العسكر وقال: تخالفني وتسمع من غيري فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر بن عبد الله يوبخهم ويحضهم على الرجوع ويقول: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا. قالوا: لو نعلم أنكم(3\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1079",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9645",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تقاتلون لم نرجع فرجع عنهم وسبهم وسأله قوم من الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من يهود فأبى وسلك حرة بني حارثة وقال: ( من رجل يخرج بنا على القوم من كثب )   فخرج به بعض الأنصار حتى سلك في حائط لبعض المنافقين وكان أعمى فقام يحثو التراب في وجوه المسلمين ويقول: لا أحل لك أن تدخل في حائطي إن كنت رسول الله فابتدره القوم ليقتلوه فقال: ( لا تقتلوه فهذا أعمى القلب أعمى البصر ) . ونفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي وجعل ظهره إلى أحد ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم فلما أصبح يوم السبت تعبى للقتال وهو في سبعمائة فيهم خمسون فارسا واستعمل على الرماة - وكانوا خمسين - عبد الله بن جبير وأمره وأصحابه أن يلزموا مركزهم وألا يفارقوه ولو رأى الطير تتخطف العسكر وكانوا خلف الجيش وأمرهم أن ينضحوا المشركين بالنبل لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم. فظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين يومئذ وأعطى اللواء مصعب بن عمير وجعل على إحدى المجنبتين الزبير بن العوام وعلى الأخرى المنذر بن عمرو واستعرض الشباب يومئذ فرد من استصغره عن القتال وكان منهم عبد الله بن عمر وأسامة بن زيد وأسيد بن ظهير والبراء بن عازب وزيد بن أرقم(3\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1080",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9646",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وزيد بن ثابت وعرابة بن أوس وعمرو بن حزم وأجاز من رآه مطيقا وكان منهم سمرة بن جندب ورافع بن خديج ولهما خمس عشرة سنة. فقيل: أجاز من أجاز لبلوغه بالسن خمس عشرة سنة ورد من رد لصغره عن سن البلوغ وقالت طائفة: إنما أجاز من أجاز لإطاقته ورد من رد لعدم إطاقته ولا تأثير للبلوغ وعدمه في ذلك قالوا: وفي بعض ألفاظ حديث ابن عمر: ( فلما رآني مطيقا أجازني ) . وتعبت قريش للقتال وهم في ثلاثة آلاف وفيهم مائتا فارس فجعلوا على ميمنتهم خالد بن الوليد وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه إلى أبي دجانة سماك بن خرشة وكان شجاعا بطلا يختال عند الحرب.  وكان أول من بدر من المشركين أبو عامر الفاسق واسمه عبد عمرو بن صيفي وكان يسمى: الراهب فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق وكان رأس الأوس في الجاهلية فلما جاء الإسلام شرق به وجاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة فخرج من المدينة وذهب إلى قريش يؤلبهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحضهم على قتاله ووعدهم بأن قومه إذا رأوه أطاعوه ومالوا معه فكان أول من لقي المسلمين فنادى قومه وتعرف إليهم فقالوا له: لا أنعم الله بك عينا يا فاسق. فقال: لقد أصاب قومي بعدي شر ثم قاتل المسلمين قتالا شديدا وكان شعار المسلمين يومئذ أمت.(3\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1081",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9647",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأبلى يومئذ أبو دجانة الأنصاري وطلحة بن عبيد الله وأسد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وأنس بن النضر وسعد بن الربيع.  وكانت الدولة أول النهار للمسلمين على الكفار فانهزم عدو الله وولوا مدبرين حتى انتهوا إلى نسائهم فلما رأى الرماة هزيمتهم تركوا مركزهم الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه وقالوا: يا قوم الغنيمة. فذكرهم أميرهم عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسمعوا وظنوا أن ليس للمشركين رجعة فذهبوا في طلب الغنيمة وأخلو الثغر وكر فرسان المشركين فوجدوا الثغر خاليا قد خلا من الرماة فجازوا منه وتمكنوا حتى أقبل آخرهم فأحاطوا بالمسلمين فأكرم الله من أكرم منهم بالشهادة وهم سبعون وتولى الصحابة وخلص المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجرحوا وجهه وكسروا رباعيته اليمنى وكادت السفلى وهشموا البيضة على رأسه ورموه بالحجارة حتى وقع لشقه وسقط في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها المسلمين فأخذ علي بيده واحتضنه طلحة بن عبيد الله وكان الذي تولى أذاه صلى الله عليه وسلم عمرو بن قمئة وعتبة بن أبي وقاص وقيل: إن عبد الله بن شهاب الزهري عم محمد بن مسلم بن شهاب الزهري هو الذي شجه.  وقتل مصعب بن عمير بين يديه فدفع اللواء إلى علي بن أبي طالب ونشبت حلقتان من حلق المغفر في وجهه فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح(3\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1082",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9648",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعض عليهما حتى سقطت ثنيتاه من شدة غوصهما في وجهه وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنته وأدركه المشركون يريدون ما الله حائل بينهم وبينه فحال دونه نفر من المسلمين نحو عشرة حتى قتلوا ثم جالدهم طلحة حتى أجهضهم عنه وترس أبو دجانة عليه بظهره والنبل يقع فيه وهو لا يتحرك ( وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فردها عليه بيده وكانت أصح عينيه وأحسنهما )  وصرخ الشيطان بأعلى صوته: إن محمدا قد قتل ووقع ذلك في قلوب كثير من المسلمين وفر أكثرهم وكان أمر الله قدرا مقدورا. ( ومر أنس بن النضر بقوم من المسلمين قد ألقوا بأيديهم فقال ما تنتظرون فقالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما تصنعون في الحياة بعده قوموا فموتوا على ما مات عليه ثم استقبل الناس ولقي سعد بن معاذ(3\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1083",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9649",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال: يا سعد إني لأجد ريح الجنة من دون أحد فقاتل حتى قتل ووجد به سبعون ضربة وجرح يومئذ عبد الرحمن بن عوف نحوا من عشرين جراحة ) .  وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو المسلمين وكان أول من عرفه تحت المغفر كعب بن مالك فصاح بأعلى صوته يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إليه أن اسكت واجتمع إليه المسلمون ونهضوا معه إلى الشعب الذي نزل فيه وفيهم أبو بكر وعمر وعلي والحارث بن الصمة الأنصاري وغيرهم فلما استندوا إلى الجبل أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن خلف على جواد له يقال له: العوذ زعم عدو الله أنه يقتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما اقترب منه تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة فطعنه بها فجاءت في ترقوته فكر عدو الله منهزما فقال له المشركون: والله ما بك من بأس فقال: والله لو كان ما بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون وكان يعلف فرسه بمكة ويقول: أقتل عليه محمدا فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( بل أنا أقتله إن شاء الله تعالى )  فلما طعنه تذكر عدو الله قوله: أنا قاتله فأيقن بأنه مقتول من ذلك الجرح فمات منه في طريقه بسرف مرجعه إلى مكة.(3\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1084",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9650",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجاء علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء ليشرب منه فوجده آجنا فرده وغسل عن وجهه الدم وصب على رأسه. فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلو صخرة هنالك فلم يستطع لما به فجلس طلحة تحته حتى صعدها وحانت الصلاة فصلى بهم جالسا وصار رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم تحت لواء الأنصار.  وشد حنظلة الغسيل وهو حنظلة بن أبي عامر على أبي سفيان فلما تمكن منه حمل على حنظلة شداد بن الأسود فقتله ( وكان جنبا فإنه سمع الصيحة وهو على امرأته فقام من فوره إلى الجهاد فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه quot; أن الملائكة تغسله quot; ثم قال: quot; سلوا أهله ما شأنه quot; فسألوا امرأته فأخبرتهم الخبر ) . وجعل الفقهاء هذا حجة أن الشهيد إذا قتل جنبا يغسل اقتداء بالملائكة. وقتل المسلمون حامل لواء المشركين فرفعته لهم عمرة بنت علقمة الحارثية حتى اجتمعوا إليه وقاتلت أم عمارة وهي نسيبة بنت كعب المازنية قتالا شديدا وضربت عمرو بن قمئة بالسيف ضربات فوقته درعان كانتا عليه وضربها عمرو بالسيف فجرحها جرحا شديدا على عاتقها. وكان عمرو بن ثابت المعروف بالأصيرم من بني عبد الأشهل يأبى الإسلام فلما كان يوم أحد قذف الله الإسلام في قلبه للحسنى التي سبقت(3\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1085",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9651",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له منه فأسلم وأخذ سيفه ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فقاتل فأثبت بالجراح ولم يعلم أحد بأمره فلما انجلت الحرب طاف بنو عبد الأشهل في القتلى يلتمسون قتلاهم فوجدوا الأصيرم وبه رمق يسير فقالوا: والله إن هذا الأصيرم ما جاء به لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الأمر ثم سألوه ما الذي جاء بك أحدب على قومك أم رغبة في الإسلام فقال: بل رغبة في الإسلام آمنت بالله ورسوله ثم قاتلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصابني ما ترون ومات من وقته فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (هو من أهل الجنة ) . قال أبو هريرة: ولم يصل لله صلاة قط. ولما انقضت الحرب أشرف أبو سفيان على الجبل فنادى: أفيكم محمد فلم يجيبوه فقال: أفيكم ابن أبي قحافة فلم يجيبوه. فقال: أفيكم عمر بن الخطاب فلم يجيبوه ولم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة لعلمه وعلم قومه أن قوام الإسلام بهم فقال: أما هؤلاء فقد كفيتموهم فلم يملك عمر نفسه أن قال: يا عدو الله إن الذين ذكرتهم أحياء وقد أبقى الله لك ما يسوءك فقال: قد كان في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني ثم قال: اعل هبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (quot; ألا تجيبونه quot; فقالوا: ما نقول قال quot; قولوا: الله أعلى وأجل quot; ثم قال: لنا العزى ولا عزى لكم. قال: quot; ألا تجيبونه قالوا: ما نقول قال: quot; قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم quot;) .(3\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1086",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9652",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأمرهم بجوابه عند افتخاره بآلهته وبشركه تعظيما للتوحيد وإعلاما بعزة من عبده المسلمون وقوة جانبه وأنه لا يغلب ونحن حزبه وجنده ولم يأمرهم بإجابته حين قال: أفيكم محمد أفيكم ابن أبي قحافة أفيكم عمر بل قد روي أنه نهاهم عن إجابته وقال: لا تجيبوه لأن كلمهم لم يكن برد بعد في طلب القوم ونار غيظهم بعد متوقدة فلما قال لأصحابه: أما هؤلاء فقد كفيتموهم حمي عمر بن الخطاب واشتد غضبه وقال: كذبت يا عدو الله فكان في هذا الإعلام من الإذلال والشجاعة وعدم الجبن والتعرف إلى العدو في تلك الحال ما يؤذنهم بقوة القوم وبسالتهم وأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا وأنه وقومه جديرون بعدم الخوف منهم وقد أبقى الله لهم ما يسوءهم منهم وكان في الإعلام ببقاء هؤلاء الثلاثة وهلة بعد ظنه وظن قومه أنهم قد أصيبوا من المصلحة وغيظ العدو وحزبه والفت في عضده ما ليس في جوابه حين سأل عنهم واحدا واحدا فكان سؤاله عنهم ونعيهم لقومه آخر سهام العدو وكيده فصبر له النبي صلى الله عليه وسلم حتى استوفى كيده ثم انتدب له عمر فرد سهام كيده عليه وكان ترك الجواب أولا عليه أحسن وذكره ثانيا أحسن وأيضا فإن في ترك إجابته حين سأل عنهم إهانة له وتصغيرا لشأنه فلما منته نفسه موتهم وظن أنهم قد قتلوا وحصل له بذلك من الكبر والأشر ما حصل كان في جوابه إهانة له وتحقير وإذلال ولم يكن هذا مخالفا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تجيبوه) فإنه إنما نهى عن إجابته حين سأل: أفيكم محمد أفيكم فلان أفيكم فلان ولم ينه عن إجابته حين قال: أما هؤلاء فقد قتلوا. وبكل حال فلا أحسن من ترك إجابته أولا ولا أحسن من إجابته ثانيا. ثم قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال فأجابه عمر فقال: (لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار) .(3\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1087",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9653",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ابن عباس: ( ما نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في موطن نصره يوم أحد فأنكر ذلك عليه فقال بيني وبين من ينكر كتاب الله إن الله يقول: ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه [آل عمران: 152] [آل عمران: 152]  قال ابن عباس: والحس: القتل ولقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب المشركين سبعة أو تسعة ) . وذكر الحديث. وأنزل الله عليهم النعاس أمنة منه في غزاة بدر وأحد والنعاس في الحرب وعند الخوف دليل على الأمن وهو من الله وفي الصلاة ومجالس الذكر والعلم من الشيطان. وقاتلت الملائكة يوم أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي quot; الصحيحين quot;: عن سعد بن أبي وقاص قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه عليهما ثياب بيض كأشد القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد ) . وفي quot; صحيح مسلم quot;: ( أنه صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش فلما رهقوه قال: quot; من يردهم عنا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة quot; فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل ثم رهقوه فقال: من يردهم عنا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة quot; فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; ما أنصفنا أصحابنا ) وهذا يروى على وجهين: بسكون(3\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1088",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9654",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفاء ونصب quot; أصحابنا quot; على المفعولية وفتح الفاء ورفع quot; أصحابنا quot; على الفاعلية. ووجه النصب: أن الأنصار لما خرجوا للقتال واحدا بعد واحد حتى قتلوا ولم يخرج القرشيان قال ذلك أي: ما أنصفت قريش الأنصار. ووجه الرفع: أن يكون المراد بالأصحاب الذين فروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفرد في النفر القليل فقتلوا واحدا بعد واحد فلم ينصفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ثبت معه. وفي quot; صحيح ابن حبان quot; عن عائشة قالت: قال أبو بكر الصديق: ( لما كان يوم أحد انصرف الناس كلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم فكنت أول من فاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت بين يديه رجلا يقاتل عنه ويحميه قلت: كن طلحة فداك أبي وأمي كن طلحة فداك أبي وأمي. فلم أنشب أن أدركني أبو عبيدة بن الجراح وإذا هو يشتد كأنه طير حتى لحقني فدفعنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا طلحة بين يديه صريعا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; دونكم أخاكم فقد أوجب quot; وقد رمي النبي صلى الله عليه وسلم في جبينه وروي في وجنته حتى غابت حلقة من حلق المغفر في وجنته فذهبت لأنزعها عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو عبيدة: نشدتك بالله يا أبا بكر إلا تركتني قال: فأخذ أبو عبيدة السهم بفيه فجعل ينضنضه كراهة أن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استل السهم بفيه فندرت ثنية أبي عبيدة قال أبو بكر: ثم ذهبت لآخذ الآخر فقال أبو عبيدة: نشدتك بالله يا أبا بكر إلا تركتني قال فأخذه فجعل ينضنضه حتى استله فندرت ثنية أبي عبيدة الأخرى ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; دونكم أخاكم فقد أوجب quot; قال: فأقبلنا على طلحة نعالجه وقد أصابته بضعة عشر ضربة ) .(3\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1089",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9655",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; مغازي الأموي quot;: أن المشركين صعدوا على الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد quot; اجنبهم quot; يقول: ارددهم. فقال: كيف أجنبهم وحدي فقال: ذلك ثلاثا فأخذ سعد سهما من كنانته فرمى به رجلا فقتله قال: ثم أخذت سهمي أعرفه فرميت به آخر فقتلته ثم أخذته أعرفه فرميت به آخر فقتلته فهبطوا من مكانهم فقلت: هذا سهم مبارك فجعلته في كنانتي فكان عند سعد حتى مات ثم كان عند بنيه.  وفي quot; الصحيحين quot; عن أبي حازم أنه سئل عن جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كان يسكب الماء وبما دووي كانت فاطمة ابنته تغسله وعلي بن أبي طالب يسكب الماء بالمجن فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها فألصقتها فاستمسك الدم ) . وفي quot; الصحيح quot;: ( أنه كسرت رباعيته وشج في رأسه فجعل يسلت الدم عنه ويقول: quot; كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم quot; فأنزل الله عز وجل: ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون [آل عمران: 128]  ) [آل عمران: 128] .  ولما انهزم الناس لم ينهزم أنس بن النضر وقال: (اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ فقال: أين يا أبا عمر فقال أنس:(3\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1090",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9656",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واها لريح الجنة يا سعد إني أجده دون أحد ثم مضى فقاتل القوم حتى قتل فما عرف حتى عرفته أخته ببنانه وبه بضع وثمانون ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم) . وانهزم المشركون أول النهار كما تقدم فصرخ فيهم إبليس! أي عباد الله أخزاكم الله فارجعوا من الهزيمة فاجتلدوا. ( ونظر حذيفة إلى أبيه والمسلمون يريدون قتله وهم يظنونه من المشركين فقال: أي عباد الله! أبي فلم يفهموا قوله حتى قتلوه فقال: يغفر الله لكم فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يديه فقال قد تصدقت بديته على المسلمين فزاد ذلك حذيفة خيرا عند النبي صلى الله عليه وسلم ) . ( وقال زيد بن ثابت: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أطلب سعد بن الربيع فقال لي: إن رأيته فأقرئه مني السلام وقل له: يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تجدك قال: فجعلت أطوف بين القتلى فأتيته وهو بآخر رمق وفيه سبعون ضربة ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم فقلت: يا سعد إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليك السلام ويقول لك: أخبرني كيف تجدك فقال: وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام قل له: يا رسول الله أجد ريح الجنة وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم عين تطرف وفاضت نفسه من وقته ) .(3\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1091",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9657",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( ومر رجل من المهاجرين برجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه فقال: يا فلان أشعرت أن محمدا قد قتل فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلغ فقاتلوا عن دينكم فنزل: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل [آل عمران: 144]  ) الآية [آل عمران: 142] .  وقال ( عبد الله بن عمرو بن حرام: رأيت في النوم قبل أحد مبشر بن عبد المنذر يقول لي: أنت قادم علينا في أيام فقلت: وأين أنت فقال: في الجنة نسرح فيها كيف نشاء. قلت له: ألم تقتل يوم بدر قال: بلى ثم أحييت فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هذه الشهادة يا أبا جابر ) .  وقال خيثمة أبو سعد وكان ابنه استشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم بدر: (لقد أخطأتني وقعة بدر وكنت والله عليها حريصا حتى ساهمت ابني في الخروج فخرج سهمه فرزق الشهادة وقد رأيت البارحة ابني في النوم في أحسن صورة يسرح في ثمار الجنة وأنهارها ويقول: الحق بنا ترافقنا في الجنة فقد وجدت ما وعدني ربي حقا وقد والله يا رسول الله أصبحت مشتاقا إلى مرافقته في الجنة وقد كبرت سني ورق عظمي وأحببت لقاء ربي فادع الله يا رسول الله أن يرزقني الشهادة ومرافقة سعد في الجنة فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقتل بأحد شهيدا ) . وقال عبد الله بن جحش في ذلك اليوم: (اللهم إني أقسم عليك أن ألقى(3\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1092",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9658",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العدو غدا فيقتلوني ثم يبقروا بطني ويجدعوا أنفي وأذني ثم تسألني: فيم ذلك فأقول فيك) . وكان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج وكان له أربعة بنين شباب يغزون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا فلما توجه إلى أحد أراد أن يتوجه معه فقال له بنوه: إن الله قد جعل لك رخصة فلو قعدت ونحن نكفيك وقد وضع الله عنك الجهاد. فأتى عمرو بن الجموح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: إن بني هؤلاء يمنعوني أن أخرج معك ووالله إني لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد وقال لبنيه: quot; وما عليكم أن تدعوه لعل الله عز وجل أن يرزقه الشهادة)  فخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل يوم أحد شهيدا .  (وانتهى أنس بن النضر إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا بأيديهم فقال: ما يجلسكم  فقالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: فما تصنعون بالحياة بعده فقوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استقبل القوم فقاتل حتى(3\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1093",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9659",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قتل) .  وأقبل أبي بن خلف عدو الله وهو مقنع في الحديد يقول: لا نجوت إن نجا محمد وكان حلف بمكة أن يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبله مصعب بن عمير فقتل مصعب وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبي بن خلف من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة فطعنه بحربته فوقع عن فرسه فاحتمله أصحابه وهو يخور خوار الثور فقالوا: ما أجزعك إنما هو خدش فذكر لهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (بل أنا أقتله إن شاء الله تعالى)  فمات برابغ . قال ابن عمر: (إني لأسير ببطن رابغ بعد هوي من الليل إذا نار تأجج لي فيممتها وإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يصيح العطش وإذا رجل يقول: لا تسقه هذا قتيل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أبي بن خلف) . وقال نافع بن جبير: سمعت رجلا من المهاجرين يقول: شهدت أحدا فنظرت إلى النبل يأتي من كل ناحية ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها كل ذلك يصرف عنه ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذ: دلوني على محمد لا نجوت إن نجا ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ما معه أحد ثم جاوزه فعاتبه في ذلك صفوان فقال: والله ما رأيته أحلف بالله إنه منا ممنوع فخرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله فلم نخلص إلى ذلك.  ( ولما مص مالك أبو أبي سعيد الخدري جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنقاه قال له: quot; مجه quot; قال: والله لا أمجه أبدا ثم أدبر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا ) .(3\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1094",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9660",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الزهري وعاصم بن عمر ومحمد بن يحيى بن حبان وغيرهم: كان يوم أحد يوم بلاء وتمحيص اختبر الله عز وجل به المؤمنين وأظهر به المنافقين ممن كان يظهر الإسلام بلسانه وهو مستخف بالكفر فأكرم الله فيه من أراد كرامته بالشهادة من أهل ولايته فكان مما نزل من القرآن في يوم أحد ستون آية من آل عمران أولها: وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال [آل عمران: 121] [آل عمران: 121] إلى آخر القصة.  [فصل فيما اشتملت عليه هذه الغزاة من الأحكام والفقه] منها: أن الجهاد يلزم بالشروع فيه حتى إن من لبس لأمته وشرع في أسبابه وتأهب للخروج ليس له أن يرجع عن الخروج حتى يقاتل عدوه. ومنها: أنه لا يجب على المسلمين إذا طرقهم عدوهم في ديارهم الخروج إليه بل يجوز لهم أن يلزموا ديارهم ويقاتلوهم فيها إذا كان ذلك أنصر لهم على عدوهم كما أشار به رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم يوم أحد. ومنها: جواز سلوك الإمام بالعسكر في بعض أملاك رعيته إذا صادف ذلك طريقه وإن لم يرض المالك. ومنها: أنه لا يأذن لمن لا يطيق القتال من الصبيان غير البالغين بل يردهم إذا خرجوا كما رد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمر ومن معه. ومنها: جواز الغزو بالنساء والاستعانة بهن في الجهاد. ومنها: جواز الانغماس في العدو كما انغمس أنس بن النضر وغيره. ومنها: أن الإمام إذا أصابته جراحة صلى بهم قاعدا وصلوا وراءه قعودا(3\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1095",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9661",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة واستمرت على ذلك سنته إلى حين وفاته  ومنها: جواز دعاء الرجل أن يقتل في سبيل الله وتمنيه ذلك وليس هذا من تمني الموت المنهي عنه كما قال عبد الله بن جحش: ( اللهم لقني من المشركين رجلا عظيما كفره شديدا حرده فأقاتله فيقتلني فيك ويسلبني ثم يجدع أنفي وأذني فإذا لقيتك فقلت: يا عبد الله بن جحش فيم جدعت قلت: فيك يا رب ) .  ومنها: أن المسلم إذا قتل نفسه فهو من أهل النار لقوله صلى الله عليه وسلم في قزمان الذي أبلى يوم أحد بلاء شديدا فلما اشتدت به الجراح نحر نفسه فقال صلى الله عليه وسلم: ( هو من أهل النار ) .(3\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1096",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9662",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: أن السنة في الشهيد أنه لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يكفن في(3\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1097",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9663",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غير ثيابه بل يدفن فيها بدمه وكلومه إلا أن يسلبها فيكفن في غيرها. ومنها: أنه إذا كان جنبا غسل كما غسلت الملائكة حنظلة بن أبي عامر. ومنها: أن السنة في الشهداء أن يدفنوا في مصارعهم ولا ينقلوا إلى مكان آخر فإن قوما من الصحابة نقلوا قتلاهم إلى المدينة فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر برد القتلى إلى مصارعهم قال جابر: ( بينا أنا في النظارة إذ جاءت عمتي بأبي وخالي عادلتهما على ناضح فدخلت بهما المدينة لندفنهما في مقابرنا(3\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1098",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9664",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجاء رجل ينادي: ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت. قال: فرجعنا بهما فدفناهما في القتلى حيث قتلا فبينا أنا في خلافة معاوية بن أبي سفيان إذ جاءني رجل فقال: يا جابر والله لقد أثار أباك عمال معاوية فبدا فخرج طائفة منه قال: فأتيته فوجدته على النحو الذي تركته لم يتغير منه شيء. قال: فواريته فصارت سنة في الشهداء أن يدفنوا في مصارعهم ) . ومنها: جواز دفن الرجلين أو الثلاثة في القبر الواحد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كان يدفن الرجلين والثلاثة في القبر ويقول: أيهم أكثر أخذا للقرآن فإذا أشاروا إلى رجل قدمه في اللحد ) . ودفن عبد الله بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح في قبر واحد لما كان بينهما من المحبة فقال: ( ادفنوا هذين المتحابين في الدنيا في قبر واحد ) (3\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1099",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9665",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم حفر عنهما بعد زمن طويل ويد عبد الله بن عمرو بن حرام على جرحه كما وضعها حين جرح فأميطت يده عن جرحه فانبعث الدم فردت إلى مكانها فسكن الدم. وقال جابر: (رأيت أبي في حفرته حين حفر عليه كأنه نائم وما تغير من حاله قليل ولا كثير. وقيل له: أفرأيت أكفانه فقال: إنما دفن في نمرة خمر وجهه وعلى رجليه الحرمل فوجدنا النمرة كما هي والحرمل على رجليه على هيئته وبين ذلك ست وأربعون سنة) . وقد اختلف الفقهاء في أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يدفن شهداء أحد في ثيابهم هل هو على وجه الاستحباب والأولوية أو على وجه الوجوب على قولين: الثاني: أظهرهما وهو المعروف عن أبي حنيفة والأول هو المعروف عن أصحاب الشافعي وأحمد فإن قيل: فقد روى يعقوب بن شيبة وغيره بإسناد جيد أن(3\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1100",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9666",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صفيه أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثوبين ليكفن فيهما حمزة فكفنه في أحدهما وكفن في الآخر رجلا آخر . قيل: حمزة كان الكفار قد سلبوه ومثلوا به وبقروا عن بطنه واستخرجوا كبده فلذلك كفن في كفن آخر. وهذا القول في الضعف نظير قول من قال: يغسل الشهيد وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالاتباع. ومنها: أن شهيد المعركة لا يصلى عليه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل على شهداء أحد ولم يعرف عنه أنه صلى على أحد ممن استشهد معه في مغازيه وكذلك خلفاؤه الراشدون ونوابهم من بعدهم. فإن قيل: فقد ثبت في quot; الصحيحين quot; من حديث عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم (خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر ) . وقال ابن عباس: ( صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد ) . قيل: أما صلاته عليهم فكانت بعد ثماني سنين من قتلهم قرب موته كالمودع لهم ويشبه هذا خروجه إلى البقيع قبل موته يستغفر لهم كالمودع للأحياء والأموات فهذه كانت توديعا منه لهم لا أنها سنة الصلاة على الميت ولو كان ذلك كذلك لم يؤخرها ثماني سنين لا سيما عند من(3\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1101",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9667",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقول لا يصلى على القبر أو يصلى عليه إلى شهر. ومنها: أن من عذره الله في التخلف عن الجهاد لمرض أو عرج يجوز له الخروج إليه وإن لم يجب عليه كما خرج عمرو بن الجموح وهو أعرج. ومنها: أن المسلمين إذا قتلوا واحدا منهم في الجهاد يظنونه كافرا فعلى الإمام ديته من بيت المال لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يدي اليمان أبا حذيفة فامتنع حذيفة من أخذ الدية وتصدق بها على المسلمين.  [فصل في ذكر بعض الحكم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أحد] وقد أشار الله - سبحانه وتعالى - إلى أمهاتها وأصولها في سورة (آل عمران) حيث افتتح القصة بقوله: وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال [آل عمران: 121] [آل عمران: 121]  إلى تمام ستين آية. فمنها: تعريفهم سوء عاقبة المعصية والفشل والتنازع وأن الذي أصابهم إنما هو بشؤم ذلك كما قال تعالى: ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم [آل عمران: 152]  [آل عمران: 152] . فلما ذاقوا عاقبة معصيتهم للرسول وتنازعهم وفشلهم كانوا بعد ذلك أشد حذرا ويقظة وتحرزا من أسباب الخذلان. ومنها: أن حكمة الله وسنته في رسله وأتباعهم جرت بأن يدالوا مرة ويدال عليهم أخرى لكن تكون لهم العاقبة فإنهم لو انتصروا دائما دخل معهم المؤمنون وغيرهم ولم يتميز الصادق من غيره ولو انتصر عليهم دائما لم(3\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1102",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9668",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يحصل المقصود من البعثة والرسالة فاقتضت حكمة الله أن جمع لهم بين الأمرين ليتميز من يتبعهم ويطيعهم للحق وما جاءوا به ممن يتبعهم على الظهور والغلبة خاصة. ومنها: أن هذا من أعلام الرسل كما قال هرقل لأبي سفيان: (هل قاتلتموه قال: نعم قال: كيف الحرب بينكم وبينه قال: سجال يدال علينا المرة وندال عليه الأخرى قال: كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة) ومنها: أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب فإن المسلمين لما أظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر وطار لهم الصيت دخل معهم في الإسلام ظاهرا من ليس معهم فيه باطنا فاقتضت حكمة الله عز وجل أن سبب لعباده محنة ميزت بين المؤمن والمنافق فأطلع المنافقون رءوسهم في هذه الغزوة وتكلموا بما كانوا يكتمونه وظهرت مخبآتهم وعاد تلويحهم تصريحا وانقسم الناس إلى كافر ومؤمن ومنافق انقساما ظاهرا وعرف المؤمنون أن لهم عدوا في نفس دورهم وهم معهم لا يفارقونهم فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم. قال الله تعالى: ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء [آل عمران: 179] [آل عمران: 179] . أي ما كان الله ليذركم على ما أنتم عليه من التباس المؤمنين بالمنافقين حتى يميز أهل الإيمان من أهل النفاق كما ميزهم بالمحنة يوم أحد وما كان الله ليطلعكم على الغيب [آل عمران: 179] الذي يميز به بين هؤلاء وهؤلاء فإنهم متميزون في غيبه وعلمه وهو سبحانه يريد أن يميزهم تمييزا مشهودا فيقع معلومه الذي هو غيب شهادة. وقوله: ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء [آل عمران: 179] استدراك لما نفاه من اطلاع خلقه على الغيب سوى الرسل فإنه يطلعهم على ما يشاء من غيبه كما قال: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول [الجن: 26] [الجن: 27] فحظكم أنتم وسعادتكم في الإيمان بالغيب الذي يطلع عليه(3\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1103",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9669",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسله فإن آمنتم به وأيقنتم فلكم أعظم الأجر والكرامة. ومنها: استخراج عبودية أوليائه وحزبه في السراء والضراء وفيما يحبون وما يكرهون وفي حال ظفرهم وظفر أعدائهم بهم فإذا ثبتوا على الطاعة والعبودية فيما يحبون وما يكرهون فهم عبيده حقا وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحد من السراء والنعمة والعافية. ومنها: أنه سبحانه لو نصرهم دائما وأظفرهم بعدوهم في كل موطن وجعل لهم التمكين والقهر لأعدائهم أبدا لطغت نفوسهم وشمخت وارتفعت فلو بسط لهم النصر والظفر لكانوا في الحال التي يكونون فيها لو بسط لهم الرزق فلا يصلح عباده إلا السراء والضراء والشدة والرخاء والقبض والبسط فهو المدبر لأمر عباده كما يليق بحكمته إنه بهم خبير بصير. ومنها: أنه إذا امتحنهم بالغلبة والكسرة والهزيمة ذلوا وانكسروا وخضعوا فاستوجبوا منه العز والنصر فإن خلعة النصر إنما تكون مع ولاية الذل والانكسار قال تعالى: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة [آل عمران: 123] [آل عمران: 123] . وقال: ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا [التوبة: 25] [التوبة: 25] فهو - سبحانه - إذا أراد أن يعز عبده ويجبره وينصره كسره أولا ويكون جبره له ونصره على مقدار ذله وانكساره. ومنها: أنه سبحانه هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لم تبلغها أعمالهم ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحنة فقيض لهم الأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائه وامتحانه كما وفقهم للأعمال الصالحة التي هي من جملة أسباب وصولهم إليها. ومنها: أن النفوس تكتسب من العافية الدائمة والنصر والغنى طغيانا وركونا إلى العاجلة وذلك مرض يعوقها عن جدها في سيرها إلى الله والدار الآخرة فإذا أراد بها ربها ومالكها وراحمها كرامته قيض لها من الابتلاء والامتحان ما يكون دواء لذلك المرض العائق عن السير الحثيث إليه فيكون ذلك البلاء والمحنة(3\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1104",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9670",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بمنزلة الطبيب يسقي العليل الدواء الكريه ويقطع منه العروق المؤلمة لاستخراج الأدواء منه ولو تركه لغلبته الأدواء حتى يكون فيها هلاكه. ومنها: أن الشهادة عنده من أعلى مراتب أوليائه والشهداء هم خواصه والمقربون من عباده وليس بعد درجة الصديقية إلا الشهادة وهو سبحانه يحب أن يتخذ من عباده شهداء تراق دماؤهم في محبته ومرضاته ويؤثرون رضاه ومحابه على نفوسهم ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها من تسليط العدو. ومنها: أن الله سبحانه إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم قيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم ومبالغتهم في أذى أوليائه ومحاربتهم وقتالهم والتسلط عليهم فيتمحص بذلك أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم وهلاكهم وقد ذكر سبحانه وتعالى ذلك في قوله: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين - إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين - وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين [آل عمران: 139 - 141] [آل عمران: 139 140]  فجمع لهم في هذا الخطاب بين تشجيعهم وتقوية نفوسهم وإحياء عزائمهم وهممهم وبين حسن التسلية وذكر الحكم الباهرة التي اقتضت إدالة الكفار عليهم فقال: إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله [آل عمران: 140] [آل عمران: 140]  فقد استويتم في القرح والألم وتباينتم في الرجاء والثواب كما قال: إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون [النساء: 104] [النساء: 104]  فما بالكم تهنون وتضعفون عند القرح والألم فقد أصابهم ذلك في سبيل الشيطان وأنتم أصبتم في سبيلي وابتغاء مرضاتي.  ثم أخبر أنه يداول أيام هذه الحياة الدنيا بين الناس وأنها عرض حاضر(3\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1105",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9671",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقسمها دولا بين أوليائه وأعدائه بخلاف الآخرة فإن عزها ونصرها ورجاءها خالص للذين آمنوا. ثم ذكر حكمة أخرى وهي أن يتميز المؤمنون من المنافقين فيعلمهم علم رؤية ومشاهدة بعد أن كانوا معلومين في غيبه وذلك العلم الغيبي لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب وإنما يترتب الثواب والعقاب على المعلوم إذا صار مشاهدا واقعا في الحس. ثم ذكر حكمة أخرى وهي اتخاذه سبحانه منهم شهداء فإنه يحب الشهداء من عباده وقد أعد لهم أعلى المنازل وأفضلها وقد اتخذهم لنفسه فلا بد أن ينيلهم درجة الشهادة. وقوله: والله لا يحب الظالمين [آل عمران: 140] [آل عمران: 140]  تنبيه لطيف الموقع جدا على كراهته وبغضه للمنافقين الذين انخذلوا عن نبيه يوم أحد فلم يشهدوه ولم يتخذ منهم شهداء لأنه لم يحبهم فأركسهم وردهم ليحرمهم ما خص به المؤمنين في ذلك اليوم وما أعطاه من استشهد منهم فثبط هؤلاء الظالمين عن الأسباب التي وفق لها أولياءه وحزبه. ثم ذكر حكمة أخرى فيما أصابهم ذلك اليوم وهو تمحيص الذين آمنوا وهو تنقيتهم وتخليصهم من الذنوب ومن آفات النفوس وأيضا فإنه خلصهم ومحصهم من المنافقين فتميزوا منهم فحصل لهم تمحيصان: تمحيص من نفوسهم وتمحيص ممن كان يظهر أنه منهم وهو عدوهم. ثم ذكر حكمة أخرى وهي محق الكافرين بطغيانهم وبغيهم وعدوانهم ثم أنكر عليهم حسبانهم وظنهم أن يدخلوا الجنة بدون الجهاد في سبيله والصبر على أذى أعدائه وإن هذا ممتنع بحيث ينكر على من ظنه وحسبه. فقال: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين [آل عمران: 142] [آل عمران: 142]  أي ولما يقع ذلك منكم فيعلمه فإنه لو وقع لعلمه فجازاكم عليه بالجنة فيكون الجزاء على الواقع المعلوم لا على مجرد العلم فإن الله لا يجزي العبد على مجرد علمه فيه دون أن يقع معلومه ثم وبخهم على(3\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1106",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9672",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هزيمتهم من أمر كانوا يتمنونه ويودون لقاءه. فقال: ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون [آل عمران: 143] [آل عمران: 143] . قال ابن عباس: ولما أخبرهم الله تعالى على لسان نبيه بما فعل بشهداء بدر من الكرامة رغبوا في الشهادة فتمنوا قتالا يستشهدون فيه فيلحقون إخوانهم فأراهم الله ذلك يوم أحد وسببه لهم فلم يلبثوا أن انهزموا إلا من شاء الله منهم فأنزل الله تعالى: ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون [آل عمران: 143] .  ومنها: أن وقعة أحد كانت مقدمة وإرهاصا بين يدي موت رسول الله صلى الله عليه وسلم فثبتهم ووبخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قتل بل الواجب له عليهم أن يثبتوا على دينه وتوحيده ويموتوا عليه أو يقتلوا فإنهم إنما يعبدون رب محمد وهو حي لا يموت فلو مات محمد أو قتل لا ينبغي لهم أن يصرفهم ذلك عن دينه وما جاء به فكل نفس ذائقة الموت وما بعث محمد صلى الله عليه وسلم ليخلد لا هو ولا هم بل ليموتوا على الإسلام والتوحيد فإن الموت لا بد منه سواء مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بقي ولهذا وبخهم على رجوع من رجع منهم عن دينه لما صرخ الشيطان إن محمدا قد قتل فقال: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين [آل عمران: 144] [آل عمران: 144]  والشاكرون هم الذين عرفوا قدر النعمة فثبتوا عليها حتى ماتوا أو قتلوا فظهر أثر هذا العتاب وحكم هذا الخطاب يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتد من ارتد على عقبيه وثبت الشاكرون على دينهم فنصرهم الله وأعزهم وظفرهم بأعدائهم وجعل العاقبة لهم. ثم أخبر سبحانه أنه جعل لكل نفس أجلا لا بد أن تستوفيه ثم تلحق به فيرد الناس كلهم حوض المنايا موردا واحدا وإن تنوعت أسبابه ويصدرون عن موقف القيامة مصادر شتى فريق في الجنة وفريق في السعير. ثم أخبر سبحانه أن جماعة كثيرة من أنبيائه قتلوا وقتل معهم أتباع لهم(3\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1107",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9673",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كثيرون فما وهن من بقي منهم لما أصابهم في سبيله وما ضعفوا وما استكانوا وما وهنوا عند القتل ولا ضعفوا ولا استكانوا بل تلقوا الشهادة بالقوة والعزيمة والإقدام فلم يستشهدوا مدبرين مستكينين أذلة بل استشهدوا أعزة كراما مقبلين غير مدبرين والصحيح أن الآية تتناول الفريقين كليهما. ثم أخبر سبحانه عما استنصرت به الأنبياء وأممهم على قومهم من اعترافهم وتوبتهم واستغفارهم وسؤالهم ربهم أن يثبت أقدامهم وأن ينصرهم على أعدائهم فقال: وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين - فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين [آل عمران: 147 - 148] [آل عمران: 147] . لما علم القوم أن العدو إنما يدال عليهم بذنوبهم وأن الشيطان إنما يستزلهم ويهزمهم بها وأنها نوعان: تقصير في حق أو تجاوز لحد وأن النصرة منوطة بالطاعة قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ثم علموا أن ربهم تبارك وتعالى إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم لم يقدروا هم على تثبيت أقدام أنفسهم ونصرها على أعدائهم فسألوه ما يعلمون أنه بيده دونهم وأنه إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم لم يثبتوا ولم ينتصروا فوفوا المقامين حقهما: مقام المقتضي وهو التوحيد والالتجاء إليه سبحانه ومقام إزالة المانع من النصرة وهو الذنوب والإسراف ثم حذرهم سبحانه من طاعة عدوهم وأخبر أنهم إن أطاعوهم خسروا الدنيا والآخرة وفي ذلك تعريض بالمنافقين الذين أطاعوا المشركين لما انتصروا وظفروا يوم أحد. ثم أخبر سبحانه أنه مولى المؤمنين وهو خير الناصرين فمن والاه فهو المنصور. ثم أخبرهم أنه سيلقي في قلوب أعدائهم الرعب الذي يمنعهم من الهجوم عليهم والإقدام على حربهم وأنه يؤيد حزبه بجند من الرعب ينتصرون به على(3\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1108",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9674",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أعدائهم وذلك الرعب بسبب ما في قلوبهم من الشرك بالله وعلى قدر الشرك يكون الرعب فالمشرك بالله أشد شيء خوفا ورعبا والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بالشرك لهم الأمن والهدى والفلاح والمشرك له الخوف والضلال والشقاء. ثم أخبرهم أنه صدقهم وعده في نصرتهم على عدوهم وهو الصادق الوعد وأنهم لو استمروا على الطاعة ولزوم أمر الرسول لاستمرت نصرتهم ولكن انخلعوا عن الطاعة وفارقوا مركزهم فانخلعوا عن عصمة الطاعة ففارقتهم النصرة فصرفهم عن عدوهم عقوبة وابتلاء وتعريفا لهم بسوء عواقب المعصية وحسن عاقبة الطاعة. ثم أخبر أنه عفا عنهم بعد ذلك كله وأنه ذو فضل على عباده المؤمنين. قيل للحسن: كيف يعفو عنهم وقد سلط عليهم أعداءهم حتى قتلوا منهم من قتلوا ومثلوا بهم ونالوا منهم ما نالوه فقال: لولا عفوه عنهم لاستأصلهم ولكن بعفوه عنهم دفع عنهم عدوهم بعد أن كانوا مجمعين على استئصالهم. ثم ذكرهم بحالهم وقت الفرار مصعدين أي جادين في الهرب والذهاب في الأرض أو صاعدين في الجبل لا يلوون على أحد من نبيهم ولا أصحابهم والرسول يدعوهم في أخراهم إلى عباد الله أنا رسول الله. فأثابهم بهذا الهرب والفرار غما بعد غم: غم الهزيمة والكسرة وغم صرخة الشيطان فيهم بأن محمدا قد قتل. وقيل: جازاكم غما بما غممتم رسوله بفراركم عنه وأسلمتموه إلى عدوه فالغم الذي حصل لكم جزاء على الغم الذي أوقعتموه بنبيه والقول الأول أظهر لوجوه: أحدها: أن قوله: لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم [آل عمران: 153] تنبيه على حكمة هذا الغم بعد الغم وهو أن ينسيهم الحزن على ما فاتهم من(3\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1109",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9675",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الظفر وعلى ما أصابهم من الهزيمة والجراح فنسوا بذلك السبب وهذا إنما يحصل بالغم الذي يعقبه غم آخر. الثاني: أنه مطابق للواقع فإنه حصل لهم غم فوات الغنيمة ثم أعقبه غم الهزيمة ثم غم الجراح التي أصابتهم ثم غم القتل ثم غم سماعهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل ثم غم ظهور أعدائهم على الجبل فوقهم وليس المراد غمين اثنين خاصة بل غما متتابعا لتمام الابتلاء والامتحان. الثالث: أن قوله: quot; بغم quot; من تمام الثواب لا أنه سبب جزاء الثواب والمعنى: أثابكم غما متصلا بغم جزاء على ما وقع منهم من الهروب وإسلامهم نبيهم صلى الله عليه وسلم وأصحابه وترك استجابتهم له وهو يدعوهم ومخالفتهم له في لزوم مركزهم وتنازعهم في الأمر وفشلهم وكل واحد من هذه الأمور يوجب غما يخصه فترادفت عليهم الغموم كما ترادفت منهم أسبابها وموجباتها ولولا أن تداركهم بعفوه لكان أمرا آخر. ومن لطفه بهم ورأفته ورحمته أن هذه الأمور التي صدرت منهم كانت من موجبات الطباع وهي من بقايا النفوس التي تمنع من النصرة المستقرة فقيض لهم بلطفه أسبابا أخرجها من القوة إلى الفعل فترتب عليها آثارها المكروهة فعلموا حينئذ أن التوبة منها والاحتراز من أمثالها ودفعها بأضدادها أمر متعين لا يتم لهم الفلاح والنصرة الدائمة المستقرة إلا به فكانوا أشد حذرا بعدها ومعرفة بالأبواب التي دخل عليهم منها. وربما صحت الأجسام بالعلل ثم إنه تداركهم سبحانه برحمته وخفف عنهم ذلك الغم وغيبه عنهم بالنعاس الذي أنزله عليهم أمنا منه ورحمة والنعاس في الحرب علامة النصرة(3\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1110",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9676",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والأمن كما أنزله عليهم يوم بدر وأخبر أن من لم يصبه ذلك النعاس فهو ممن أهمته نفسه لا دينه ولا نبيه ولا أصحابه وأنهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية. وقد فسر هذا الظن الذي لا يليق بالله بأنه سبحانه لا ينصر رسوله وأن أمره سيضمحل وأنه يسلمه للقتل وقد فسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقضائه وقدره ولا حكمة له فيه ففسر بإنكار الحكمة وإنكار القدر وإنكار أن يتم أمر رسوله ويظهره على الدين كله وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون به سبحانه وتعالى في (سورة الفتح) حيث يقول: ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا [الفتح: 6] [الفتح: 6]  وإنما كان هذا ظن السوء وظن الجاهلية المنسوب إلى أهل الجهل وظن غير الحق لأنه ظن غير ما يليق بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وذاته المبرأة من كل عيب وسوء بخلاف ما يليق بحكمته وحمده وتفرده بالربوبية والإلهيه وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه وبكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصرهم ولا يخذلهم ولجنده بأنهم هم الغالبون فمن ظن بأنه لا ينصر رسوله ولا يتم أمره ولا يؤيده ويؤيد حزبه ويعليهم ويظفرهم بأعدائه ويظهرهم عليهم وأنه لا ينصر دينه وكتابه وأنه يديل الشرك على التوحيد والباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالا لا يقوم بعده أبدا فقد ظن بالله ظن السوء ونسبه إلى خلاف ما يليق بكماله وجلاله وصفاته ونعوته فإن حمده وعزته وحكمته وإلهيته تأبى ذلك وتأبى أن يذل حزبه وجنده وأن تكون النصرة المستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به العادلين به فمن ظن به ذلك فما عرفه ولا عرف أسماءه ولا عرف صفاته وكماله وكذلك من أنكر أن يكون ذلك بقضائه وقدره فما عرفه ولا عرف ربوبيته وملكه وعظمته وكذلك من أنكر أن يكون قدر ما قدره من ذلك وغيره لحكمة(3\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1111",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9677",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالغة وغاية محمودة يستحق الحمد عليها وأن ذلك إنما صدر عن مشيئة مجردة عن حكمة وغاية مطلوبة هي أحب إليه من فوتها وأن تلك الأسباب المكروهة المفضية إليها لا يخرج تقديرها عن الحكمة لإفضائها إلى ما يحب وإن كانت مكروهة له فما قدرها سدى ولا أنشأها عبثا ولا خلقها باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار [ص: 27] [ص: 27] وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظن السوء فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم ولا يسلم عن ذلك إلا من عرف الله وعرف أسماءه وصفاته وعرف موجب حمده وحكمته فمن قنط من رحمته وأيس من روحه فقد ظن به ظن السوء.  ومن جوز عليه أن يعذب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم ويسوي بينهم وبين أعدائه فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن به أن يترك خلقه سدى معطلين عن الأمر والنهي ولا يرسل إليهم رسله ولا ينزل عليهم كتبه بل يتركهم هملا كالأنعام فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن أنه لن يجمع عبيده بعد موتهم للثواب والعقاب في دار يجازي المحسن فيها بإحسانه والمسيء بإساءته ويبين لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه ويظهر للعالمين كلهم صدقه وصدق رسله وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن أنه يضيع عليه عمله الصالح الذي عمله خالصا لوجهه الكريم على امتثال أمره ويبطله عليه بلا سبب من العبد أو أنه يعاقبه بما لا صنع فيه ولا اختيار له ولا قدرة ولا إرادة في حصوله بل يعاقبه على فعله هو سبحانه به أو ظن به أنه يجوز عليه أن يؤيد أعداءه الكاذبين عليه بالمعجزات التي يؤيد بها أنبياءه ورسله ويجريها على أيديهم يضلون بها عباده وأنه يحسن منه كل شيء حتى تعذيب من أفنى عمره في طاعته فيخلده في(3\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1112",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9678",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجحيم أسفل السافلين وينعم من استنفد عمره في عداوته وعداوة رسله ودينه فيرفعه إلى أعلى عليين وكلا الأمرين عنده في الحسن سواء ولا يعرف امتناع أحدهما ووقوع الآخر إلا بخبر صادق وإلا فالعقل لا يقضي بقبح أحدهما وحسن الآخر فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن به أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل وتشبيه وتمثيل وترك الحق لم يخبر به وإنما رمز إليه رموزا بعيدة وأشار إليه إشارات ملغزة لم يصرح به وصرح دائما بالتشبيه والتمثيل والباطل وأراد من خلقه أن يتعبوا أذهانهم وقواهم وأفكارهم في تحريف كلامه عن مواضعه وتأويله على غير تأويله ويتطلبوا له وجوه الاحتمالات المستكرهة والتأويلات التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالكشف والبيان وأحالهم في معرفة أسمائه وصفاته على عقولهم وآرائهم لا على كتابه بل أراد منهم أن لا يحملوا كلامه على ما يعرفون من خطابهم ولغتهم مع قدرته على أن يصرح لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به ويريحهم من الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل فلم يفعل بل سلك بهم خلاف طريق الهدى والبيان فقد ظن به ظن السوء فإنه إن قال: إنه غير قادر على التعبير عن الحق باللفظ الصريح الذي عبر به هو وسلفه فقد ظن بقدرته العجز وإن قال: إنه قادر ولم يبين وعدل عن البيان وعن التصريح بالحق إلى ما يوهم بل يوقع في الباطل المحال والاعتقاد الفاسد فقد ظن بحكمته ورحمته ظن السوء وظن أنه هو وسلفه عبروا عن الحق بصريحه دون الله ورسوله وأن الهدى والحق في كلامهم وعباراتهم. وأما كلام الله فإنما يؤخذ من ظاهره التشبيه والتمثيل والضلال وظاهر كلام المتهوكين(3\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1113",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9679",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحيارى هو الهدى والحق وهذا من أسوأ الظن بالله فكل هؤلاء من الظانين بالله ظن السوء ومن الظانين به غير الحق ظن الجاهلية. ومن ظن به أن يكون في ملكه ما لا يشاء ولا يقدر على إيجاده وتكوينه فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن به أنه كان معطلا من الأزل إلى الأبد عن أن يفعل ولا يوصف حينئذ بالقدرة على الفعل ثم صار قادرا عليه بعد أن لم يكن قادرا فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن به أنه لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم الموجودات ولا عدد السماوات والأرض ولا النجوم ولا بني آدم وحركاتهم وأفعالهم ولا يعلم شيئا من الموجودات في الأعيان فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن أنه لا سمع له ولا بصر ولا علم له ولا إرادة ولا كلام يقول به وأنه لم يكلم أحدا من الخلق ولا يتكلم أبدا ولا قال ولا يقول ولا له أمر ولا نهي يقوم به فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن به أنه فوق سماواته على عرشه بائنا من خلقه وأن نسبة ذاته تعالى إلى عرشه كنسبتها إلى أسفل السافلين وإلى الأمكنة التي يرغب عن ذكرها وأنه أسفل كما أنه أعلى فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه. ومن ظن به أنه ليس يحب الكفر والفسوق والعصيان ويحب الفساد كما يحب الإيمان والبر والطاعة والإصلاح فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن به أنه لا يحب ولا يرضى ولا يغضب ولا يسخط ولا يوالي(3\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1114",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9680",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يعادي ولا يقرب من أحد من خلقه ولا يقرب منه أحد وأن ذوات الشياطين في القرب من ذاته كذوات الملائكة المقربين وأوليائه المفلحين فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن أنه يسوي بين المتضادين أو يفرق بين المتساويين من كل وجه أو يحبط طاعات العمر المديد الخالصة الصواب بكبيرة واحدة تكون بعدها فيخلد فاعل تلك الطاعات في النار أبد الآبدين بتلك الكبيرة ويحبط بها جميع طاعاته ويخلده في العذاب كما يخلد من لا يؤمن به طرفة عين وقد استنفد ساعات عمره في مساخطه ومعاداة رسله ودينه فقد ظن به ظن السوء. وبالجملة فمن ظن به خلاف ما وصف به نفسه ووصفه به رسله أو عطل حقائق ما وصف به نفسه ووصفته به رسله فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن أن له ولدا أو شريكا أو أن أحدا يشفع عنده بدون إذنه أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه أو أنه نصب لعباده أولياء من دونه يتقربون بهم إليه ويتوسلون بهم إليه ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه فيدعونهم ويحبونهم كحبه ويخافونهم ويرجونهم فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه. ومن ظن به أنه ينال ما عنده بمعصيته ومخالفته كما يناله بطاعته والتقرب إليه فقد ظن به خلاف حكمته وخلاف موجب أسمائه وصفاته وهو من ظن السوء. ومن ظن به أنه إذا ترك لأجله شيئا لم يعوضه خيرا منه أو من فعل لأجله شيئا لم يعطه أفضل منه فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن به أنه يغضب على عبده ويعاقبه ويحرمه بغير جرم ولا(3\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1115",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9681",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبب من العبد إلا بمجرد المشيئة ومحض الإرادة فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن به أنه إذا صدقه في الرغبة والرهبة وتضرع إليه وسأله واستعان به وتوكل عليه أنه يخيبه ولا يعطيه ما سأله فقد ظن به ظن السوء وظن به خلاف ما هو أهله. ومن ظن به أنه يثيبه إذا عصاه بما يثيبه به إذا أطاعه وسأله ذلك في دعائه فقد ظن به خلاف ما تقتضيه حكمته وحمده وخلاف ما هو أهله وما لا يفعله. ومن ظن به أنه إذا أغضبه وأسخطه وأوضع في معاصيه ثم اتخذ من دونه وليا ودعا من دونه ملكا أو بشرا حيا أو ميتا يرجو بذلك أن ينفعه عند ربه ويخلصه من عذابه فقد ظن به ظن السوء وذلك زيادة في بعده من الله وفي عذابه. ومن ظن به أنه يسلط على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أعداءه تسليطا مستقرا دائما في حياته وفي مماته وابتلاه بهم لا يفارقونه فلما مات استبدوا بالأمر دون وصية وظلموا أهل بيته وسلبوهم حقهم وأذلوهم وكانت العزة والغلبة والقهر لأعدائه وأعدائهم دائما من غير جرم ولا ذنب لأوليائه وأهل الحق وهو يرى قهرهم لهم وغصبهم إياهم حقهم وتبديلهم دين نبيهم وهو يقدر على نصرة أوليائه وحزبه وجنده ولا ينصرهم ولا يديلهم بل يديل أعداءهم عليهم أبدا أو أنه لا يقدر على ذلك بل حصل هذا بغير قدرته ولا مشيئته ثم جعل المبدلين لدينه مضاجعيه في حفرته تسلم أمته عليه وعليهم كل وقت كما تظنه الرافضة فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه سواء قالوا: إنه قادر على أن ينصرهم ويجعل لهم الدولة والظفر أو أنه غير قادر على ذلك فهم قادحون في قدرته أو في حكمته وحمده وذلك من ظن السوء به ولا ريب أن الرب الذي فعل هذا بغيض إلى من ظن به(3\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1116",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9682",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك غير محمود عندهم وكان الواجب أن يفعل خلاف ذلك لكن رفوا هذا الظن الفاسد بخرق أعظم منه واستجاروا من الرمضاء بالنار فقالوا: لم يكن هذا بمشيئة الله ولا له قدرة على دفعه ونصر أوليائه فإنه لا يقدر على أفعال عباده ولا هي داخلة تحت قدرته فظنوا به ظن إخوانهم المجوس والثنوية بربهم وكل مبطل وكافر ومبتدع مقهور مستذل فهو يظن بربه هذا الظن وأنه أولى بالنصر والظفر والعلو من خصومه فأكثر الخلق بل كلهم إلا من شاء الله يظنون بالله غير الحق ظن السوء فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مبخوس الحق ناقص الحظ وأنه يستحق فوق ما أعطاه الله ولسان حاله يقول: ظلمني ربي ومنعني ما أستحقه ونفسه تشهد عليه بذلك وهو بلسانه ينكره ولا يتجاسر على التصريح به ومن فتش نفسه وتغلغل في معرفة دفائنها وطواياها رأى ذلك فيها كامنا كمون النار في الزناد فاقدح زناد من شئت ينبئك شراره عما في زناده ولو فتشت من فتشته لرأيت عنده تعتبا على القدر وملامة له واقتراحا عليه خلاف ما جرى به وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا فمستقل ومستكثر وفتش نفسك هل أنت سالم من ذلك. فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجيا فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا الموضع وليتب إلى الله تعالى وليستغفره كل وقت من ظنه بربه ظن السوء وليظن السوء بنفسه التي هي مأوى كل سوء ومنبع كل شر المركبة على الجهل والظلم فهي أولى بظن السوء من أحكم الحاكمين وأعدل العادلين وأرحم الراحمين الغني الحميد الذي له الغنى التام والحمد التام والحكمة التامة المنزه عن كل سوء في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه فذاته لها الكمال المطلق من كل وجه وصفاته كذلك وأفعاله كذلك كلها حكمة ومصلحة ورحمة وعدل وأسماؤه كلها حسنى. فلا تظنن بربك ظن سوء ... فإن الله أولى بالجميل(3\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1117",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9683",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا تظنن بنفسك قط خيرا وكيف بظالم جان جهول ... وقل يا نفس مأوى كل سوء أيرجى الخير من ميت بخيل ... وظن بنفسك السوأى تجدها كذاك وخيرها كالمستحيل ... وما بك من تقى فيها وخير فتلك مواهب الرب الجليل ... وليس بها ولا منها ولكن من الرحمن فاشكر للدليل والمقصود ما ساقنا إلى هذا الكلام من قوله: وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية [آل عمران: 154] [آل عمران: 154]  ثم أخبر عن الكلام الذي صدر عن ظنهم الباطل وهو قولهم: هل لنا من الأمر من شيء [آل عمران: 154] [آل عمران: 154]  وقولهم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا [آل عمران: 154] [آل عمران: 154]  فليس مقصودهم بالكلمة الأولى والثانية إثبات القدر ورد الأمر كله إلى الله ولو كان ذلك مقصودهم بالكلمة الأولى لما ذموا عليه ولما حسن الرد عليه بقوله: قل إن الأمر كله لله [آل عمران: 154] . [سورة آل عمران]  ولا كان مصدر هذا الكلام ظن الجاهلية ولهذا قال غير واحد من المفسرين: إن ظنهم الباطل هاهنا: هو التكذيب بالقدر وظنهم أن الأمر لو كان إليهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه تبعا لهم يسمعون منهم لما أصابهم القتل ولكان النصر والظفر لهم فأكذبهم الله عز وجل في هذا الظن الباطل الذي هو ظن الجاهلية وهو الظن المنسوب إلى أهل الجهل الذين يزعمون بعد نفاذ القضاء والقدر الذي لم يكن بد من نفاذه أنهم كانوا قادرين على دفعه وأن الأمر لو كان إليهم لما نفذ القضاء فأكذبهم الله بقوله: قل إن الأمر كله لله [آل عمران: 154]  فلا يكون إلا ما سبق به قضاؤه وقدره وجرى به علمه وكتابه السابق وما شاء الله كان ولا بد شاء الناس أم أبوا وما لم يشأ لم يكن شاءه الناس أم لم يشاءوه وما جرى عليكم من الهزيمة والقتل فبأمره الكوني الذي لا سبيل إلى دفعه سواء كان لكم من الأمر شيء أو لم يكن لكم وأنكم لو كنتم في بيوتكم وقد كتب القتل على بعضكم لخرج الذين كتب عليهم القتل من بيوتهم إلى مضاجعهم ولا بد سواء كان لهم من الأمر(3\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1118",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9684",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "من حكم غزوة أحد",
        "content": "شيء أو لم يكن وهذا من أظهر الأشياء إبطالا لقول القدرية النفاة الذين يجوزون أن يقع ما لا يشاؤه الله وأن يشاء ما لا يقع.  [من حكم غزوة أحد] فصل ثم أخبر سبحانه عن حكمة أخرى في هذا التقدير هي ابتلاء ما في صدورهم وهو اختبار ما فيها من الإيمان والنفاق فالمؤمن لا يزداد بذلك إلا إيمانا وتسليما والمنافق ومن في قلبه مرض لا بد أن يظهر ما في قلبه على جوارحه ولسانه. ثم ذكر حكمة أخرى: وهو تمحيص ما في قلوب المؤمنين وهو تخليصه وتنقيته وتهذيبه فإن القلوب يخالطها بغلبات الطبائع وميل النفوس وحكم العادة وتزيين الشيطان واستيلاء الغفلة ما يضاد ما أودع فيها من الإيمان والإسلام والبر والتقوى فلو تركت في عافية دائمة مستمرة لم تتخلص من هذه المخالطة ولم تتمحص منه فاقتضت حكمة العزيز أن قيض لها من المحن والبلايا ما يكون كالدواء الكريه لمن عرض له داء إن لم يتداركه طبيبه بإزالته وتنقيته من جسده وإلا خيف عليه منه الفساد والهلاك فكانت نعمته سبحانه عليهم بهذه الكسرة والهزيمة وقتل من قتل منهم تعادل نعمته عليهم بنصرهم وتأييدهم وظفرهم بعدوهم فله عليهم النعمة التامة في هذا وهذا. ثم أخبر سبحانه وتعالى عن تولي من تولى من المؤمنين الصادقين في ذلك اليوم وأنه بسبب كسبهم وذنوبهم فاستزلهم الشيطان بتلك الأعمال حتى تولوا فكانت أعمالهم جندا عليهم ازداد بها عدوهم قوة فإن الأعمال جند للعبد وجند عليه ولا بد فللعبد كل وقت سرية من نفسه تهزمه أو تنصره فهو يمد عدوه بأعماله من حيث يظن أنه يقاتله بها ويبعث إليه سرية تغزوه مع عدوه من حيث يظن أنه يغزو عدوه فأعمال العبد تسوقه قسرا إلى مقتضاها من الخير والشر والعبد لا يشعر أو يشعر ويتعامى ففرار الإنسان من عدوه وهو يطيقه إنما هو بجند من عمله بعثه له الشيطان واستزله به(3\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1119",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9685",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم أخبر سبحانه أنه عفا عنهم لأن هذا الفرار لم يكن عن نفاق ولا شك وإنما كان عارضا عفا الله عنه فعادت شجاعة الإيمان وثباته إلى مركزها ونصابها. ثم كرر عليهم سبحانه أن هذا الذي أصابهم إنما أتوا فيه من قبل أنفسهم وبسبب أعمالهم فقال: أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير [آل عمران: 165] [آل عمران: 165]  وذكر هذا بعينه فيما هو أعم من ذلك في السور المكية فقال: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير [الشورى: 30] [الشورى: 30]  وقال: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك [النساء: 79] [النساء: 79]  فالحسنة والسيئة هاهنا: النعمة والمصيبة فالنعمة من الله من بها عليك والمصيبة إنما نشأت من قبل نفسك وعملك فالأول فضله والثاني عدله والعبد يتقلب بين فضله وعدله جار عليه فضله ماض فيه حكمه عدل فيه قضاؤه. وختم الآية الأولى بقوله: إن الله على كل شيء قدير [آل عمران: 165] بعد قوله: قل هو من عند أنفسكم [آل عمران: 165] إعلاما لهم بعموم قدرته مع عدله وأنه عادل قادر وفي ذلك إثبات القدر والسبب فذكر السبب وأضافه إلى نفوسهم وذكر عموم القدرة وأضافها إلى نفسه فالأول ينفي الجبر والثاني ينفي القول بإبطال القدر فهو يشاكل قوله: لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين [التكوير: 28] [التكوير: 30] . وفي ذكر قدرته هاهنا نكتة لطيفة وهي أن هذا الأمر بيده وتحت قدرته وأنه هو الذي لو شاء لصرفه عنكم فلا تطلبوا كشف أمثاله من غيره ولا تتكلوا على سواه وكشف هذا المعنى وأوضحه كل الإيضاح بقوله: وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله [آل عمران: 166]  وهو الإذن الكوني القدري لا الشرعي الديني كقوله في السحر: وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله [البقرة: 102] [البقرة: 102] . ثم أخبر عن حكمة هذا التقدير وهي أن يعلم المؤمنين من المنافقين علم عيان ورؤية يتميز فيه أحد الفريقين من الآخر تمييزا ظاهرا وكان من حكمة هذا التقدير(3\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1120",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9686",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تكلم المنافقين بما في نفوسهم فسمعه المؤمنون وسمعوا رد الله عليهم وجوابه لهم وعرفوا مؤدى النفاق وما يئول إليه وكيف يحرم صاحبه سعادة الدنيا والآخرة فيعود عليه بفساد الدنيا والآخرة فلله كم من حكمة في ضمن هذه القصة بالغة ونعمة على المؤمنين سابغة وكم فيها من تحذير وتخويف وإرشاد وتنبيه وتعريف بأسباب الخير والشر وما لهما وعاقبتهما! ثم عزى نبيه وأولياءه عمن قتل منهم في سبيله أحسن تعزية وألطفها وأدعاها إلى الرضى بما قضاه لها فقال: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون - فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون [آل عمران: 169 - 170] [آل عمران: 169 - 170]  فجمع لهم إلى الحياة الدائمة منزلة القرب منه وأنهم عنده وجريان الرزق المستمر عليهم وفرحهم بما آتاهم من فضله وهو فوق الرضى بل هو كمال الرضى واستبشارهم بإخوانهم الذين باجتماعهم بهم يتم سرورهم ونعيمهم واستبشارهم بما يجدد لهم كل وقت من نعمته وكرامته. وذكرهم سبحانه في أثناء هذه المحنة بما هو من أعظم مننه ونعمه عليهم التي إن قابلوا بها كل محنة تنالهم وبلية تلاشت في جنب هذه المنة والنعمة ولم يبق لها أثر البتة. وهي منته عليهم بإرسال رسول من أنفسهم إليهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وينقذهم من الضلال الذي كانوا فيه قبل إرساله إلى الهدى ومن الشقاء إلى الفلاح ومن الظلمة إلى النور ومن الجهل إلى العلم فكل بلية ومحنة تنال العبد بعد حصول هذا الخير العظيم له أمر يسير جدا في جنب الخير الكثير كما ينال الناس بأذى المطر في جنب ما يحصل لهم به من الخير فأعلمهم أن سبب المصيبة من عند أنفسهم ليحذروا وأنها بقضائه وقدره ليوحدوا ويتكلوا ولا يخافوا غيره وأخبرهم بما لهم فيها من الحكم لئلا يتهموه في قضائه وقدره وليتعرف إليهم بأنواع أسمائه وصفاته وسلاهم بما أعطاهم مما هو أجل قدرا وأعظم خطرا مما فاتهم من النصر والغنيمة وعزاهم(3\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1121",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9687",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن قتلاهم بما نالوه من ثوابه وكرامته لينافسوهم فيه ولا يحزنوا عليهم فله الحمد كما هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله.  [خروج علي في آثار المشركين] فصل ولما انقضت الحرب انكفأ المشركون فظن المسلمون أنهم قصدوا المدينة لإحراز الذراري والأموال فشق ذلك عليهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: ( اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون فإن هم جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة فوالذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم ثم لأناجزنهم فيها ) . قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة ولما عزموا على الرجوع إلى مكة أشرف على المسلمين أبو سفيان ثم ناداهم موعدكم الموسم ببدر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; قولوا: نعم قد فعلنا quot; قال أبو سفيان: quot; فذلكم الموعد quot; ثم انصرف هو وأصحابه فلما كان في بعض الطريق تلاوموا فيما بينهم وقال بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئا أصبتم شوكتهم وحدهم ثم تركتموهم وقد بقي منهم رءوس يجمعون لكم فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى في الناس وندبهم إلى المسير إلى لقاء عدوهم وقال: quot; لا يخرج معنا إلا من شهد القتال quot; فقال له عبد الله بن أبي: أركب معك قال: quot; لا فاستجاب له المسلمون على ما بهم من القرح الشديد والخوف وقالوا: سمعا وطاعة. واستأذنه جابر بن عبد الله وقال: يا رسول الله إني أحب ألا تشهد مشهدا إلا كنت معك وإنما خلفني أبي على بناته. فأذن لي أسير معك. فأذن له فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء الأسد quot; وأقبل معبد بن أبي معبد الخزاعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم فأمره أن يلحق بأبي سفيان فيخذله(3\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1122",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9688",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلحقه بالروحاء ولم يعلم بإسلامه فقال ما وراءك يا معبد فقال: محمد وأصحابه قد تحرقوا عليكم وخرجوا في جمع لم يخرجوا في مثله وقد ندم من كان تخلف عنهم من أصحابهم فقال: ما تقول فقال: ما أرى أن ترتحل حتى يطلع أول الجيش من وراء هذه الأكمة. فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم. قال: فلا تفعل فإني لك ناصح فرجعوا على أعقابهم إلى مكة ولقي أبو سفيان بعض المشركين يريد المدينة فقال: هل لك أن تبلغ محمدا رسالة وأوقر لك راحلتك زبيبا إذا أتيت إلى مكة قال: نعم. قال: أبلغ محمدا أنا قد أجمعنا الكرة لنستأصله ونستأصل أصحابه فلما بلغهم قوله قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم [آل عمران: 173] [آل عمران: 174](3\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1123",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9689",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في سرية أبي سلمة إلى بني أسد] فصل وكانت وقعة أحد يوم السبت في سابع شوال سنة ثلاث كما تقدم فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فأقام بها بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة والمحرم فلما استهل هلال المحرم بلغه أن طلحة وسلمة ابني خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعوان بني أسد بن خزيمة إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث أبا سلمة وعقد له لواء وبعث معه مائة وخمسين رجلا من الأنصار والمهاجرين فأصابوا إبلا وشاء ولم يلقوا كيدا فانحدر أبو سلمة بذلك كله إلى المدينة.  [فصل بعثه صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أنيس لقتل ابن نبيح الهذلي] فصل فلما كان خامس المحرم بلغه أن خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي قد جمع له الجموع فبعث إليه عبد الله بن أنيس فقتله قال عبد المؤمن بن خلف: وجاءه برأسه فوضعه بين يديه فأعطاه عصا فقال: ( هذه آية بيني وبينك يوم القيامة )  فلما حضرته الوفاة أوصى أن تجعل معه في أكفانه وكانت غيبته ثمان عشرة ليلة وقدم يوم السبت لسبع بقين من المحرم(3\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1124",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9690",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلما كان صفر قدم عليه قوم من عضل والقارة وذكروا أن فيهم إسلاما وسألوه أن يبعث معهم من يعلمهم الدين ويقرئهم القرآن فبعث معهم ستة نفر في قول ابن إسحاق وقال البخاري: كانوا عشرة وأمر عليهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي وفيهم خبيب بن عدي فذهبوا معهم فلما كانوا بالرجيع وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز غدروا بهم واستصرخوا عليهم هذيلا فجاءوا حتى أحاطوا بهم فقتلوا عامتهم واستأسروا خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فذهبوا بهما وباعوهما بمكة وكانا قتلا من رءوسهم يوم بدر فأما خبيب فمكث عندهم مسجونا ثم أجمعوا قتله فخرجوا به من الحرم إلى التنعيم فلما أجمعوا على صلبه قال: دعوني حتى أركع ركعتين فتركوه فصلاهما فلما سلم قال: والله لولا أن تقولوا إن ما بي جزع لزدت ثم قال: quot; اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تبق منهم أحدا ثم قال: لقد أجمع الأحزاب حولي وألبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع وكلهم مبدي العداوة جاهد ... علي لأني في وثاق بمضيع وقد قربوا أبناءهم ونساءهم ... وقربت من جذع طويل ممنع(3\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1125",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9691",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي ... فذا العرش صبرني على ما يراد بي فقد بضعوا لحمي وقد ياس مطمعي ... وقد خيروني الكفر والموت دونه فقد ذرفت عيناي من غير مجزع ... وما بي حذار الموت إني لميت وإن إلى ربي إيابي ومرجعي ... ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي شق كان في الله مضجعي ... وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع ... فلست بمبد للعدو تخشعا ولا جزعا إني إلى الله مرجعي فقال له أبو سفيان: أيسرك أن محمدا عندنا تضرب عنقه وإنك في أهلك فقال: لا والله ما يسرني أني في أهلي وأن محمدا في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه. وفي quot; الصحيح quot;: أن خبيبا أول من سن الركعتين عند القتل. وقد نقل أبو عمر بن عبد البر عن الليث بن سعد أنه بلغه عن زيد بن حارثة أنه صلاهما في قصة ذكرها وكذلك صلاهما حجر بن عدي حين أمر معاوية بقتله بأرض عذراء من أعمال دمشق. ثم صلبوا خبيبا ووكلوا به من يحرس جثته فجاء عمرو بن أمية الضمري فاحتمله بجذعه ليلا فذهب به فدفنه. ورئي خبيب وهو أسير يأكل قطفا من العنب وما بمكة ثمرة وأما زيد بن(3\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1126",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9692",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية فقتله بأبيه. وأما موسى بن عقبة فذكر سبب هذه الوقعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث هؤلاء الرهط يتحسسون له أخبار قريش فاعترضهم بنو لحيان.  [فصل في بئر معونة] فصل وفي هذا الشهر بعينه وهو صفر من السنة الرابعة كانت وقعة بئر معونة وملخصها أن أبا براء عامر بن مالك المدعو ملاعب الأسنة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فدعاه إلى الإسلام فلم يسلم ولم يبعد فقال: يا رسول الله لو بعثت أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى دينك لرجوت أن يجيبوهم. فقال: ( إني أخاف عليهم أهل نجد ) فقال أبو براء: أنا جار لهم فبعث معه أربعين رجلا في قول ابن إسحاق. وفي الصحيح quot; أنهم كانوا سبعين quot; والذي في الصحيح هو الصحيح. وأمر عليهم المنذر بن عمرو - أحد بني ساعدة الملقب بالمعنق ليموت - وكانوا من خيار المسلمين وفضلائهم وساداتهم وقرائهم فساروا حتى نزلوا بئر معونة وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سليم فنزلوا هناك ثم بعثوا حرام بن ملحان أخا أم سليم بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدو الله عامر بن الطفيل فلم ينظر فيه وأمر رجلا فطعنه بالحربة من خلفه فلما أنفذها فيه ورأى الدم قال: (فزت ورب الكعبة)  ثم استنفر عدو الله لفوره بني عامر إلى قتال الباقين فلم يجيبوه لأجل جوار أبي براء(3\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1127",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9693",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاستنفر بني سليم فأجابته عصية ورعل وذكوان فجاءوا حتى أحاطوا بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد بن النجار فإنه ارتث بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق وكان عمرو بن أمية الضمري والمنذر بن عقبة بن عامر في سرح المسلمين فرأيا الطير تحوم على موضع الوقعة فنزل المنذر بن محمد فقاتل المشركين حتى قتل مع أصحابه وأسر عمرو بن أمية الضمري فلما أخبر أنه من مضر جز عامر ناصيته وأعتقه عن رقبة كانت على أمه ورجع عمرو بن أمية فلما كان بالقرقرة من صدر قناة نزل في ظل شجرة وجاء رجلان من بني كلاب فنزلا معه فلما ناما فتك بهما عمرو وهو يرى أنه قد أصاب ثأرا من أصحابه وإذا معهما عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشعر به فلما قدم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فعل فقال: ( لقد قتلت قتيلين لأدينهما )  فكان هذا سبب غزوة بني النضير فإنه خرج إليهم ليعينوه في ديتهما لما بينه وبينهم من الحلف فقالوا: نعم وجلس هو وأبو بكر وعمر وعلي وطائفة من أصحابه فاجتمع اليهود وتشاوروا وقالوا: من رجل يلقي على محمد هذه الرحى فيقتله فانبعث أشقاها عمرو بن جحاش لعنه الله ونزل جبريل من عند رب العالمين على رسوله يعلمه بما هموا به فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم من وقته راجعا إلى المدينة ثم تجهز وخرج بنفسه لحربهم فحاصرهم ست ليال واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم وذلك في ربيع الأولى. قال ابن حزم: وحينئذ حرمت الخمر ونزلوا على أن لهم ما حملت إبلهم(3\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1128",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9694",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غير السلاح ويرحلون من ديارهم فترحل أكابرهم كحيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق إلى خيبر وذهبت طائفة منهم إلى الشام وأسلم منهم رجلان فقط يامين بن عمرو وأبو سعد بن وهب فأحرزا أموالهما وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أموال بني النضير بين المهاجرين الأولين خاصة لأنها كانت مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب إلا أنه أعطى أبا دجانة وسهل بن حنيف الأنصاريين لفقرهما. وفي هذه الغزوة نزلت سورة الحشر هذا الذي ذكرناه هو الصحيح عند أهل المغازي والسير. وزعم محمد بن شهاب الزهري أن غزوة بني النضير كانت بعد بدر بستة أشهر وهذا وهم منه أو غلط عليه بل الذي لا شك فيه أنها كانت بعد أحد والتي كانت بعد بدر بستة أشهر هي غزوة بني قينقاع وقريظة بعد الخندق وخيبر بعد الحديبية وكان له مع اليهود أربع غزوات أولها: غزوة بني قينقاع بعد بدر والثانية: بني النضير بعد أحد والثالثة: قريظة بعد الخندق والرابعة: خيبر بعد الحديبية.  [قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو على الذين قتلوا القراء] فصل وقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو على الذين قتلوا القراء أصحاب بئر معونة بعد الركوع ثم تركه لما جاءوا تائبين مسلمين.(3\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1129",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9695",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في غزوة ذات الرقاع] فصل ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه غزوة ذات الرقاع وهي غزوة نجد فخرج في جمادى الأولى من السنة الرابعة وقيل: في المحرم يريد محارب وبني ثعلبة بن سعد بن غطفان واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري وقيل: عثمان بن عفان وخرج في أربعمائة من أصحابه. وقيل سبعمائة فلقي جمعا من غطفان فتواقفوا ولم يكن بينهم قتال إلا أنه صلى بهم يومئذ صلاة الخوف هكذا قال ابن إسحاق وجماعة من أهل السير والمغازي في تاريخ هذه الغزاة وصلاة الخوف بها وتلقاه الناس عنهم وهو مشكل جدا فإنه قد صح ( أن المشركين حبسوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن صلاة العصر حتى غابت الشمس ) . وفي quot; السنن quot; و quot; مسند أحمد quot; والشافعي رحمهما الله ( أنهم حبسوه عن(3\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1130",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9696",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء فصلاهن جميعا ) . وذلك قبل نزول صلاة الخوف والخندق بعد ذات الرقاع سنة خمس. والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم أول صلاة صلاها للخوف بعسفان كما قال أبو عياش الزرقي: ( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان فصلى بنا الظهر وعلى المشركين يومئذ خالد بن الوليد فقالوا: لقد أصبنا منهم غفلة ثم قالوا: إن لهم صلاة بعد هذه هي أحب إليهم من أموالهم وأبنائهم فنزلت صلاة الخوف بين الظهر والعصر فصلى بنا العصر ففرقنا فرقتين )  وذكر الحديث رواه أحمد وأهل السنن. وقال أبو هريرة: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نازلا بين ضجنان وعسفان محاصرا للمشركين فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأموالهم أجمعوا أمركم ثم ميلوا عليهم ميلة واحدة فجاء جبريل فأمره أن يقسم أصحابه نصفين ) وذكر الحديث قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ولا خلاف بينهم أن غزوة عسفان كانت بعد الخندق وقد صح عنه أنه صلى صلاة الخوف بذات الرقاع فعلم أنها بعد الخندق وبعد عسفان ويؤيد هذا أن أبا هريرة وأبا موسى الأشعري شهدا ذات الرقاع كما في quot; الصحيحين quot; عن(3\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1131",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9697",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبي موسى أنه شهد غزوة ذات الرقاع وأنهم كانوا يلفون على أرجلهم الخرق لما نقبت. وأما أبو هريرة ففي quot; المسند quot; و quot; السنن quot; أن مروان بن الحكم سأله: هل صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف قال: نعم قال: متى قال: عام غزوة نجد. وهذا يدل على أن غزوة ذات الرقاع بعد خيبر وأن من جعلها قبل الخندق فقد وهم وهما ظاهرا ولما لم يفطن بعضهم لهذا ادعى أن غزوة ذات الرقاع كانت مرتين فمرة قبل الخندق ومرة بعدها على عادتهم في تعديد الوقائع إذا اختلفت ألفاظها أو تاريخها ولو صح لهذا القائل ما ذكره ولا يصح لم يمكن أن يكون قد صلى بهم صلاة الخوف في المرة الأولى لما تقدم من قصة عسفان وكونها بعد الخندق ولهم أن يجيبوا عن هذا بأن تأخير يوم الخندق جائز غير منسوخ وأن في حال المسايفة يجوز تأخير الصلاة إلى أن يتمكن من فعلها وهذا أحد القولين في مذهب أحمد - رحمه الله - وغيره لكن لا حيلة لهم في قصة عسفان أن أول صلاة صلاها للخوف بها وأنها بعد الخندق. فالصواب تحويل غزوة ذات الرقاع من هذا الموضع إلى ما بعد الخندق بل بعد خيبر وإنما ذكرناها هاهنا تقليدا لأهل المغازي والسير ثم تبين لنا وهمهم وبالله التوفيق. ومما يدل على أن غزوة ذات الرقاع بعد الخندق ما رواه مسلم في quot; صحيحه quot; عن جابر قال: ( أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بذات الرقاع قال: كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل من(3\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1132",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9698",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المشركين وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلق بالشجرة فأخذ السيف فاخترطه فذكر القصة وقال: فنودي بالصلاة فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان ) . وصلاة الخوف إنما شرعت بعد الخندق بل هذا يدل على أنها بعد عسفان والله أعلم. وقد ذكروا أن قصة بيع جابر جمله من النبي صلى الله عليه وسلم كانت في غزوة ذات الرقاع. وقيل: في مرجعه من تبوك ولكن في إخباره للنبي صلى الله عليه وسلم في تلك القضية أنه تزوج امرأة ثيبا تقوم على أخواته وتكفلهن إشعار بأنه بادر إلى ذلك بعد مقتل أبيه ولم يؤخر إلى عام تبوك والله أعلم. وفي مرجعهم من غزوة ذات الرقاع سبوا امرأة من المشركين فنذر زوجها ألا يرجع حتى يهريق دما في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فجاء ليلا وقد أرصد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين ربيئة للمسلمين من العدو وهما عباد بن بشر وعمار بن ياسر فضرب عبادا وهو قائم يصلي بسهم فنزعه ولم يبطل صلاته حتى رشقه بثلاثة أسهم فلم ينصرف منها حتى سلم فأيقظ صاحبه فقال: سبحان(3\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1133",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9699",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله هلا أنبهتني فقال إني كنت في سورة فكرهت أن أقطعها. وقال موسى بن عقبة في quot; مغازيه quot;: ولا يدرى متى كانت هذه الغزوة قبل بدر أو بعدها أو فيما بين بدر وأحد أو بعد أحد. ولقد أبعد جدا إذ جوز أن تكون قبل بدر وهذا ظاهر الإحالة ولا قبل أحد ولا قبل الخندق كما تقدم بيانه.  [فصل في غزوة بدر الآخرة] فصل وقد تقدم أن أبا سفيان قال عند انصرافه من أحد: موعدكم وإيانا العام القابل ببدر فلما كان شعبان وقيل: ذو القعدة من العام القابل خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لموعده في ألف وخمسمائة وكانت الخيل عشرة أفراس وحمل لواءه علي بن أبي طالب واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة فانتهى إلى بدر فأقام بها ثمانية أيام ينتظر المشركين وخرج أبو سفيان بالمشركين من مكة وهم ألفان ومعهم خمسون فرسا فلما انتهوا إلى مر الظهران - على مرحلة من مكة - قال لهم أبو سفيان: إن العام عام جدب وقد رأيت أني أرجع بكم فانصرفوا راجعين وأخلفوا الموعد فسميت هذه بدر الموعد وتسمى بدر الثانية.  [فصل في غزوة دومة الجندل] وهي بضم الدال وأما دومة بالفتح فمكان آخر. خرج إليها(3\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1134",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9700",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول سنة خمس وذلك أنه بلغه أن بها جمعا كثيرا يريدون أن يدنوا من المدينة وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة وهي من دمشق على خمس ليال فاستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري وخرج في ألف من المسلمين ومعه دليل من بني عذرة يقال له مذكور فلما دنا منهم إذا هم مغربون وإذا آثار النعم والشاء فهجم على ماشيتهم ورعاتهم فأصاب من أصاب وهرب من هرب وجاء الخبر أهل دومة الجندل فتفرقوا ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحتهم فلم يجد فيها أحدا فأقام بها أياما وبث السرايا وفرق الجيوش فلم يصب منهم أحدا فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ووادع في تلك الغزوة عيينة بن حصن.  [فصل في غزوة المريسيع] [غزوة المريسيع] فصل في غزوة المريسيع وكانت في شعبان سنة خمس وسببها: أنه لما بلغه صلى الله عليه وسلم أن الحارث بن(3\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1135",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9701",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبي ضرار سيد بني المصطلق سار في قومه ومن قدر عليه من العرب يريدون حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث بريدة بن الحصيب الأسلمي يعلم له ذلك فأتاهم ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلمه ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرهم فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فأسرعوا في الخروج وخرج معهم جماعة من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قبلها واستعمل على المدينة زيد بن حارثة وقيل: أبا ذر وقيل: نميلة بن عبد الله الليثي وخرج يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان وبلغ الحارث بن أبي ضرار ومن معه مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتله عينه الذي كان وجهه ليأتيه بخبره وخبر المسلمين فخافوا خوفا شديدا وتفرق عنهم من كان معهم من العرب وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المريسيع وهو مكان الماء فضرب عليه قبته ومعه عائشة وأم سلمة فتهيئوا للقتال وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وراية المهاجرين مع أبي بكر الصديق وراية الأنصار مع سعد بن عبادة فتراموا بالنبل ساعة ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فحملوا حملة رجل واحد فكانت النصرة وانهزم المشركون وقتل من قتل منهم وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء والذراري والنعم والشاء ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد هكذا قال عبد المؤمن بن خلف في quot; سيرته quot; وغيره وهو وهم فإنه لم يكن بينهم قتال وإنما أغار عليهم على الماء فسبى ذراريهم وأموالهم كما في(3\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1136",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9702",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot; الصحيح: ( أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون )  وذكر الحديث. . . quot;. وكان من جملة السبي جويرية بنت الحارث سيد القوم وقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبها فأدى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها فأعتق المسلمون بسبب هذا التزويج مائة أهل بيت من بني المصطلق قد أسلموا وقالوا: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن سعد: وفي هذه الغزوة سقط عقد لعائشة فاحتبسوا على طلبه فنزلت آية التيمم. وذكر الطبراني في quot; معجمه quot; من حديث محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت: ( ولما كان من أمر عقدي ما كان قال أهل الإفك ما قالوا فخرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة أخرى فسقط أيضا عقدي حتى حبس التماسه الناس ولقيت من أبي بكر ما شاء الله وقال لي: يا بنية في كل سفر تكونين عناء وبلاء وليس مع الناس ماء فأنزل الله الرخصة في التيمم )  وهذا يدل على أن قصة العقد التي نزل التيمم لأجلها بعد(3\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1137",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9703",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذه الغزوة وهو الظاهر ولكن فيها كانت قصة الإفك بسبب فقد العقد والتماسه فالتبس على بعضهم إحدى القصتين بالأخرى ونحن نشير إلى قصة الإفك.  وذلك أن عائشة رضي الله عنها كانت قد خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه في هذه الغزوة بقرعة أصابتها وكانت تلك عادته مع نسائه فلما رجعوا من الغزوة نزلوا في بعض المنازل فخرجت عائشة لحاجتها ثم رجعت ففقدت عقدا لأختها كانت أعارتها إياه فرجعت تلتمسه في الموضع الذي فقدته فيه فجاء النفر الذين كانوا يرحلون هودجها فظنوها فيه فحملوا الهودج ولا ينكرون خفته لأنها رضي الله عنها كانت فتية السن لم يغشها اللحم الذي كان يثقلها وأيضا فإن النفر لما تساعدوا على حمل الهودج لم ينكروا خفته ولو كان الذي حمله واحد أو اثنان لم يخف عليهما الحال فرجعت عائشة إلى منازلهم وقد أصابت العقد فإذا ليس بها داع ولا مجيب فقعدت في المنزل وظنت أنهم سيفقدونها فيرجعون في طلبها والله غالب على أمره يدبر الأمر فوق عرشه كما يشاء فغلبتها عيناها فنامت فلم تستيقظ إلا بقول صفوان بن المعطل: ( إنا لله وإنا إليه راجعون زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم )  وكان صفوان قد عرس في أخريات الجيش لأنه كان كثير النوم كما جاء عنه في quot; صحيح أبي حاتم quot;. وفي quot; السنن quot;:(3\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1138",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9704",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلما رآها عرفها وكان يراها قبل نزول الحجاب فاسترجع وأناخ راحلته فقربها إليها فركبتها وما كلمها كلمة واحدة ولم تسمع منه إلا استرجاعه ثم سار بها يقودها حتى قدم بها وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة فلما رأى ذلك الناس تكلم كل منهم بشاكلته وما يليق به ووجد الخبيث عدو الله ابن أبي متنفسا فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه فجعل يستحكي الإفك ويستوشيه ويشيعه ويذيعه ويجمعه ويفرقه وكان أصحابه يتقربون به إليه. فلما قدموا المدينة أفاض أهل الإفك في الحديث ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يتكلم ثم استشار أصحابه في فراقها فأشار عليه علي رضي الله عنه أن يفارقها ويأخذ غيرها تلويحا لا تصريحا وأشار عليه أسامة وغيره بإمساكها وألا يلتفت إلى كلام الأعداء فعلي لما رأى أن ما قيل مشكوك فيه أشار بترك الشك والريبة إلى اليقين ليتخلص رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهم والغم الذي لحقه من كلام الناس فأشار بحسم الداء وأسامة لما علم حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ولأبيها وعلم من عفتها وبراءتها وحصانتها وديانتها ما هي فوق ذلك وأعظم منه وعرف من كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ربه ومنزلته عنده ودفاعه عنه أنه لا يجعل ربة بيته وحبيبته من النساء وبنت صديقه بالمنزلة التي أنزلها به أرباب الإفك وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم على ربه وأعز عليه من أن يجعل تحته امرأة بغيا وعلم أن الصديقة حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم على ربها من أن يبتليها بالفاحشة وهي تحت رسوله ومن قويت معرفته لله ومعرفته لرسوله وقدره عند الله في قلبه قال كما قال أبو أيوب وغيره من سادات الصحابة لما سمعوا ذلك: سبحانك هذا بهتان عظيم [النور: 16] [النور: 16] .(3\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1139",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9705",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتأمل ما في تسبيحهم لله وتنزيههم له في هذا المقام من المعرفة به وتنزيهه عما لا يليق به أن يجعل لرسوله وخليله وأكرم الخلق عليه امرأة خبيثة بغيا فمن ظن به سبحانه هذا الظن فقد ظن به ظن السوء وعرف أهل المعرفة بالله ورسوله أن المرأة الخبيثة لا تليق إلا بمثلها كما قال تعالى: الخبيثات للخبيثين [النور: 26] [النور: 26]  فقطعوا قطعا لا يشكون فيه أن هذا بهتان عظيم وفرية ظاهرة. فإن قيل: فما بال رسول الله صلى الله عليه وسلم توقف في أمرها وسأل عنها وبحث واستشار وهو أعرف بالله وبمنزلته عنده وبما يليق به وهلا قال: سبحانك هذا بهتان عظيم [النور: 16] كما قاله فضلاء الصحابة فالجواب: أن هذا من تمام الحكم الباهرة التي جعل الله هذه القصة سببا لها وامتحانا وابتلاء لرسوله صلى الله عليه وسلم ولجميع الأمة إلى يوم القيامة ليرفع بهذه القصة أقواما ويضع بها آخرين ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وإيمانا ولا يزيد الظالمين إلا خسارا واقتضى تمام الامتحان والابتلاء أن حبس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي شهرا في شأنها لا يوحى إليه في ذلك شيء لتتم حكمته التي قدرها وقضاها وتظهر على أكمل الوجوه ويزداد المؤمنون الصادقون إيمانا وثباتا على العدل والصدق وحسن الظن بالله ورسوله وأهل بيته والصديقين من عباده ويزداد المنافقون إفكا ونفاقا ويظهر لرسوله وللمؤمنين سرائرهم ولتتم العبودية المرادة من الصديقة وأبويها وتتم نعمة الله عليهم ولتشتد الفاقة والرغبة منها ومن أبويها والافتقار إلى الله والذل له وحسن الظن به والرجاء له ولينقطع رجاؤها من المخلوقين وتيأس من حصول النصرة والفرج على يد أحد من الخلق ولهذا وفت هذا المقام حقه لما قال لها أبواها: قومي إليه وقد أنزل الله عليه براءتها فقالت: (والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي ) .  وأيضا فكان من حكمة حبس الوحي شهرا أن القضية محصت(3\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1140",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9706",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتمحضت واستشرفت قلوب المؤمنين أعظم استشراف إلى ما يوحيه الله إلى رسوله فيها وتطلعت إلى ذلك غاية التطلع فوافى الوحي أحوج ما كان إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته والصديق وأهله وأصحابه والمؤمنون فورد عليهم ورود الغيث على الأرض أحوج ما كانت إليه فوقع منهم أعظم موقع وألطفه وسروا به أتم السرور وحصل لهم به غاية الهناء فلو أطلع الله رسوله على حقيقة الحال من أول وهلة وأنزل الوحي على الفور بذلك لفاتت هذه الحكم وأضعافها بل أضعاف أضعافها. إظهار الله منزلته صلى الله عليه وسلم وأهل بيته عنده وأيضا فإن الله سبحانه أحب أن يظهر منزلة رسوله وأهل بيته عنده وكرامتهم عليه وأن يخرج رسوله عن هذه القضية ويتولى هو بنفسه الدفاع والمنافحة عنه والرد على أعدائه وذمهم وعيبهم بأمر لا يكون له فيه عمل ولا ينسب إليه بل يكون هو وحده المتولي لذلك الثائر لرسوله وأهل بيته. وأيضا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو المقصود بالأذى والتي رميت زوجته فلم يكن يليق به أن يشهد ببراءتها مع علمه أو ظنه الظن المقارب للعلم ببراءتها ولم يظن بها سوءا قط وحاشاه وحاشاها ولذلك لما استعذر من أهل الإفك قال: ( من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي والله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي )  فكان عنده من القرائن التي تشهد ببراءة الصديقة أكثر مما عند المؤمنين ولكن لكمال صبره وثباته ورفقه وحسن ظنه بربه وثقته به وفى مقام الصبر والثبات وحسن الظن بالله حقه حتى جاءه الوحي بما أقر عينه وسر قلبه وعظم قدره وظهر لأمته احتفال ربه به واعتناؤه بشأنه. ولما جاء الوحي ببراءتها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن صرح بالإفك فحدوا ثمانين ثمانين ولم يحد الخبيث عبد الله بن أبي مع أنه رأس أهل الإفك فقيل(3\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1141",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9707",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأن الحدود تخفيف عن أهلها وكفارة والخبيث ليس أهلا لذلك وقد وعده الله بالعذاب العظيم في الآخرة فيكفيه ذلك عن الحد وقيل: بل كان يستوشي الحديث ويجمعه ويحكيه ويخرجه في قوالب من لا ينسب إليه وقيل: الحد لا يثبت إلا بالإقرار أو ببينة وهو لم يقر بالقذف ولا شهد به عليه أحد فإنه إنما كان يذكره بين أصحابه ولم يشهدوا عليه ولم يكن يذكره بين المؤمنين. وقيل: حد القذف حق الآدمي لا يستوفى إلا بمطالبته وإن قيل: إنه حق لله فلا بد من مطالبة المقذوف وعائشة لم تطالب به ابن أبي. وقيل: بل ترك حده لمصلحة هي أعظم من إقامته كما ترك قتله مع ظهور نفاقه وتكلمه بما يوجب قتله مرارا وهي تأليف قومه وعدم تنفيرهم عن الإسلام فإنه كان مطاعا فيهم رئيسا عليهم فلم تؤمن إثارة الفتنة في حده ولعله ترك لهذه الوجوه كلها. فجلد مسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش وهؤلاء من المؤمنين الصادقين تطهيرا لهم وتكفيرا وترك عبد الله بن أبي إذا فليس هو من أهل ذاك.  [فصل في قوة إيمان عائشة] فصل ومن تأمل قول الصديقة وقد نزلت براءتها فقال لها أبواها: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: (والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله )  علم معرفتها وقوة إيمانها وتوليتها النعمة لربها وإفراده بالحمد في ذلك المقام وتجريدها التوحيد وقوة جأشها وإدلالها ببراءة ساحتها وأنها لم تفعل ما يوجب قيامها في مقام الراغب في الصلح الطالب له وثقتها بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها قالت ما قالت إدلالا للحبيب على حبيبه ولا سيما في مثل هذا المقام الذي هو أحسن مقامات الإدلال فوضعته موضعه ولله ما كان أحبها إليه حين قالت: لا أحمد إلا الله فإنه هو الذي أنزل براءتي ولله ذلك الثبات والرزانة منها وهو أحب شيء إليها ولا صبر لها عنه وقد تنكر قلب حبيبها لها شهرا ثم صادفت الرضى(3\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1142",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9708",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منه والإقبال فلم تبادر إلى القيام إليه والسرور برضاه وقربه مع شدة محبتها له وهذا غاية الثبات والقوة.  [طلبه صلى الله عليه وسلم فيمن يعذره فيمن تولى الإفك] فصل الاختلاف فيمن أجاب طلبه صلى الله عليه وسلم بعذره في رجل بلغه أذاه في أهل بيته وكذا في متى كانت غزوة بني المصطلق وفي هذه القضية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: ( من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي quot; قام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله )  وقد أشكل هذا على كثير من أهل العلم فإن سعد بن معاذ لا يختلف أحد من أهل العلم أنه توفي عقيب حكمه في بني قريظة عقيب الخندق وذلك سنة خمس على الصحيح وحديث الإفك لا شك أنه في غزوة بني المصطلق هذه وهي غزوة المريسيع والجمهور عندهم أنها كانت بعد الخندق سنة ست فاختلفت طرق الناس في الجواب عن هذا الإشكال فقال موسى بن عقبة: غزوة المريسيع كانت سنة أربع قبل الخندق حكاه عنه البخاري. وقال الواقدي: كانت سنة خمس. قال: وكانت قريظة والخندق بعدها. وقال القاضي إسماعيل بن إسحاق: اختلفوا في ذلك والأولى أن تكون المريسيع قبل الخندق وعلى هذا فلا إشكال ولكن الناس على خلافه. وفي حديث الإفك ما يدل على خلاف ذلك أيضا لأن عائشة قالت: إن القضية كانت بعدما أنزل الحجاب وآية الحجاب نزلت في شأن زينب بنت جحش وزينب إذ ذاك كانت تحته فإنه صلى الله عليه وسلم سألها عن عائشة فقالت: quot; أحمي سمعي وبصري quot; قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر أرباب التواريخ أن تزويجه بزينب كان في ذي القعدة سنة خمس وعلى هذا فلا يصح قول موسى بن عقبة. وقال محمد بن إسحاق: إن غزوة بني المصطلق كانت في سنة ست بعد الخندق وذكر فيها حديث الإفك إلا أنه قال(3\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1143",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9709",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "ما وقع في حديث الإفك من الوهم",
        "content": "عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة فذكر الحديث. فقال: فقام أسيد بن الحضير فقال: أنا أعذرك منه فرد عليه سعد بن عبادة ولم يذكر سعد بن معاذ. قال أبو محمد بن حزم: وهذا هو الصحيح الذي لا شك فيه وذكر سعد بن معاذ وهم لأن سعد بن معاذ مات إثر فتح بني قريظة بلا شك وكانت في آخر ذي القعدة من السنة الرابعة وغزوة بني المصطلق في شعبان من السنة السادسة بعد سنة وثمانية أشهر من موت سعد وكانت المقاولة بين الرجلين المذكورين بعد الرجوع من غزوة بني المصطلق بأزيد من خمسين ليلة. قلت: الصحيح أن الخندق كان في سنة خمس كما سيأتي.  [ما وقع في حديث الإفك من الوهم] فصل ومما وقع في حديث الإفك أن في بعض طرق البخاري عن أبي وائل عن مسروق قال: سألت أم رومان عن حديث الإفك فحدثتني. قال غير واحد: وهذا غلط ظاهر فإن أم رومان ماتت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبرها وقال: ( من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى هذه )  قالوا: ولو كان مسروق قدم المدينة في حياتها وسألها للقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع منه ومسروق إنما قدم المدينة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: وقد روى مسروق عن أم رومان حديثا غير هذا فأرسل الرواية عنها فظن بعض الرواة أنه سمع منها فحمل هذا الحديث على السماع قالوا: ولعل مسروقا قال: سئلت أم رومان فتصحفت على بعضهم: سألت لأن من الناس من(3\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1144",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9710",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكتب الهمزة بالألف على كل حال. وقال آخرون: كل هذا لا يرد الرواية الصحيحة التي أدخلها البخاري في quot; صحيحه quot; وقد قال إبراهيم الحربي وغيره: إن مسروقا سألها وله خمس عشرة سنة ومات وله ثمان وسبعون سنة وأم رومان أقدم من حدث عنه قالوا: وأما حديث موتها في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزوله في قبرها فحديث لا يصح وفيه علتان تمنعان صحته إحداهما: رواية علي بن زيد بن جدعان له وهو ضعيف الحديث لا يحتج بحديثه والثانية: أنه رواه عن القاسم بن محمد عن النبي صلى الله عليه وسلم والقاسم لم يدرك زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يقدم هذا على حديث إسناده كالشمس يرويه البخاري في quot; صحيحه quot; ويقول فيه مسروق: سألت أم رومان فحدثتني وهذا يرد أن يكون اللفظ: سئلت. وقد قال أبو نعيم في كتاب quot; معرفة الصحابة quot;: قد قيل: إن أم رومان توفيت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو وهم.  [فصل هل الجارية الشاهدة على عائشة هي بريرة] فصل ومما وقع في حديث الإفك أن في بعض طرقه أن عليا قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما استشاره سل الجارية تصدقك فدعا بريرة فسألها فقالت: ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على التبر أو كما قالت وقد استشكل هذا فإن بريرة إنما كاتبت وعتقت بعد هذا بمدة طويلة وكان العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذاك في المدينة والعباس إنما قدم المدينة بعد الفتح ولهذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم وقد شفع إلى بريرة أن تراجع زوجها فأبت أن تراجعه: ( يا عباس quot; ألا تعجب من بغض بريرة مغيثا وحبه لها! ) . ففي قصة الإفك لم تكن بريرة عند عائشة وهذا الذي ذكروه إن كان لازما فيكون الوهم من تسميته الجارية بريرة ولم يقل له علي سل بريرة وإنما(3\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1145",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9711",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال فسل الجارية تصدقك فظن بعض الرواة أنها بريرة فسماها بذلك وإن لم يلزم بأن يكون طلب مغيث لها استمر إلى بعد الفتح ولم ييأس منها زال الإشكال والله أعلم.  [مرجعه صلى الله عليه وسلم من غزوة المريسيع] فصل وفي مرجعهم من هذه الغزوة ( قال رأس المنافقين ابن أبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فبلغها زيد بن أرقم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء ابن أبي يعتذر ويحلف ما قال فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تصديق زيد في سورة المنافقين فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بأذنه فقال: أبشر فقد صدقك الله ثم قال: هذا الذي وفى لله بأذنه فقال له عمر: يا رسول الله مر عباد بن بشر فليضرب عنقه فقال: quot; فكيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ) .  [فصل في غزوة الخندق] [عام غزوة الخندق] فصل في غزوة الخندق وكانت في سنة خمس من الهجرة في شوال على أصح القولين إذ لا خلاف أن أحدا كانت في شوال سنة ثلاث وواعد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام المقبل وهو سنة أربع ثم أخلفوه لأجل جدب تلك السنة فرجعوا فلما كانت سنة خمس جاءوا لحربه هذا قول أهل السير والمغازي.(3\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1146",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9712",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وخالفهم موسى بن عقبة وقال بل كانت سنة أربع. قال أبو محمد بن حزم: وهذا هو الصحيح الذي لا شك فيه واحتج عليه بحديث ابن عمر في quot; الصحيحين quot; أنه عرض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه ثم عرض عليه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه. قال: فصح أنه لم يكن بينهما إلا سنة واحدة. وأجيب عن هذا بجوابين أحدهما: أن ابن عمر أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم رده لما استصغره عن القتال وأجازه لما وصل إلى السن التي رآه فيها مطيقا وليس في هذا ما ينفي تجاوزها بسنة أو نحوها. الثاني: أنه لعله كان يوم أحد في أول الرابعة عشرة ويوم الخندق في آخر الخامسة عشرة.  [سبب غزوة الخندق] فصل وكان سبب غزوة الخندق أن اليهود لما رأوا انتصار المشركين على المسلمين يوم أحد وعلموا بميعاد أبي سفيان لغزو المسلمين فخرج لذلك ثم رجع للعام المقبل خرج أشرافهم كسلام بن أبي الحقيق وسلام بن مشكم وكنانة بن الربيع وغيرهم إلى قريش بمكة يحرضونهم على غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم(3\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1147",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9713",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويؤلبونهم عليه ووعدوهم من أنفسهم بالنصر لهم فأجابتهم قريش ثم خرجوا إلى غطفان فدعوهم فاستجابوا لهم ثم طافوا في قبائل العرب يدعونهم إلى ذلك فاستجاب لهم من استجاب فخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان في أربعة آلاف ووافتهم بنو سليم بمر الظهران وخرجت بنو أسد وفزارة وأشجع وبنو مرة وجاءت غطفان وقائدهم عيينة بن حصن. وكان من وافى الخندق من الكفار عشرة آلاف. فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسيرهم إليه استشار الصحابة فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق يحول بين العدو وبين المدينة فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فبادر إليه المسلمون وعمل بنفسه فيه وبادروا هجوم الكفار عليهم وكان في حفره من آيات نبوته وأعلام رسالته ما قد تواتر الخبر به وكان حفر الخندق أمام سلع وسلع: جبل خلف ظهور المسلمين والخندق بينهم وبين الكفار. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة آلاف من المسلمين فتحصن بالجبل من خلفه وبالخندق أمامهم. وقال ابن إسحاق: خرج في سبعمائة وهذا غلط من خروجه يوم أحد. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء والذراري فجعلوا في آطام المدينة واستخلف عليها ابن أم مكتوم. وانطلق حيي بن أخطب إلى بني قريظة فدنا من حصنهم فأبى كعب بن أسد أن يفتح له فلم يزل يكلمه حتى فتح له فلما دخل عليه قال: لقد جئتك بعز الدهر جئتك بقريش وغطفان وأسد على قادتها لحرب محمد قال كعب: جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد هراق ماؤه فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء. فلم يزل به حتى نقض العهد الذي بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل مع(3\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1148",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9714",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المشركين في محاربته فسر بذلك المشركون وشرط كعب على حيي أنه إن لم يظفروا بمحمد أن يجيء حتى يدخل معه في حصنه فيصيبه ما أصابه فأجابه إلى ذلك ووفى له به. وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر بني قريظة ونقضهم للعهد فبعث إليهم السعدين وخوات بن جبير وعبد الله بن رواحة ليعرفوا: هل هم على عهدهم أو قد نقضوه فلما دنوا منهم فوجدوهم على أخبث ما يكون وجاهروهم بالسب والعداوة ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فانصرفوا عنهم ولحنوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لحنا يخبرونه أنهم قد نقضوا العهد وغدروا فعظم ذلك على المسلمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: ( الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين ) واشتد البلاء ونجم النفاق واستأذن بعض بني حارثة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذهاب إلى المدينة وقالوا: إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا [الأحزاب: 13] [الأحزاب: 13]  وهم بنو سلمة بالفشل ثم ثبت الله الطائفتين. وأقام المشركون محاصرين رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا ولم يكن بينهم قتال لأجل ما حال الله به من الخندق بينهم وبين المسلمين إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود وجماعة معه أقبلوا نحو الخندق فلما وقفوا عليه قالوا: إن هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق فاقتحموه وجالت بهم خيلهم في السبخة بين الخندق وسلع ودعوا إلى البراز فانتدب لعمرو علي بن أبي طالب رضي الله عنه فبارزه فقتله الله على يديه وكان من شجعان المشركين وأبطالهم وانهزم الباقون إلى أصحابهم (وكان شعار المسلمين يومئذ quot; حم لا ينصرون) .(3\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1149",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9715",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولما طالت هذه الحال على المسلمين أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصالح عيينة بن حصن والحارث بن عوف رئيسي غطفان على ثلث ثمار المدينة وينصرفا بقومهما وجرت المراوضة على ذلك فاستشار السعدين في ذلك فقالا: يا رسول الله إن كان الله أمرك بهذا فسمعا وطاعة وإن كان شيئا تصنعه لنا فلا حاجة لنا فيه لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك نعطيهم أموالنا والله لا نعطيهم إلا السيف فصوب رأيهما وقال: ( إنما هو شيء أصنعه لكم لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ) . ثم إن الله عز وجل - وله الحمد - صنع أمرا من عنده خذل به العدو وهزم جموعهم وفل حدهم فكان مما هيأ من ذلك أن رجلا من غطفان يقال له نعيم بن مسعود بن عامر رضي الله عنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت فمرني بما شئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنما أنت رجل واحد فخذل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة )  فذهب من فوره ذلك إلى بني قريظة وكان عشيرا لهم في الجاهلية فدخل عليهم وهم لا يعلمون بإسلامه فقال: يا بني قريظة إنكم قد حاربتم محمدا وإن قريشا إن أصابوا فرصة انتهزوها وإلا انشمروا إلى بلادهم راجعين وتركوكم ومحمدا فانتقم منكم قالوا: فما العمل يا نعيم قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن قالوا: لقد أشرت بالرأي ثم مضى على وجهه إلى قريش فقال لهم: تعلمون ودي لكم ونصحي لكم قالوا: نعم. قال: إن يهود قد ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ثم يمالئونه عليكم فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم ثم ذهب إلى غطفان فقال لهم مثل ذلك فلما كان ليلة السبت من شوال بعثوا إلى اليهود: إنا لسنا بأرض مقام وقد هلك الكراع والخف فانهضوا بنا حتى نناجز(3\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1150",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9716",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محمدا فأرسل إليهم اليهود: إن اليوم يوم السبت وقد علمتم ما أصاب من قبلنا حين أحدثوا فيه ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن فلما جاءتهم رسلهم بذلك قالت قريش: صدقكم والله نعيم فبعثوا إلى يهود إنا والله لا نرسل إليكم أحدا فاخرجوا معنا حتى نناجز محمدا فقالت قريظة: صدقكم والله نعيم فتخاذل الفريقان وأرسل الله على المشركين جندا من الريح فجعلت تقوض خيامهم ولا تدع لهم قدرا إلا كفأتها ولا طنبا إلا قلعته ولا يقر لهم قرار وجند الله من الملائكة يزلزلونهم ويلقون في قلوبهم الرعب والخوف وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان يأتيه بخبرهم فوجدهم على هذه الحال وقد تهيئوا للرحيل فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره برحيل القوم فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رد الله عدوه بغيظه لم ينالوا خيرا وكفاه الله قتالهم فصدق وعده وأعز جنده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده فدخل المدينة ووضع السلاح فجاءه جبريل عليه السلام وهو يغتسل في بيت أم سلمة فقال: أوضعتم السلاح! إن الملائكة لم تضع بعد أسلحتها انهض إلى غزوة هؤلاء يعني بني قريظة فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة )  فخرج المسلمون سراعا وكان(3\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1151",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9717",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من أمره وأمر بني قريظة ما قدمناه واستشهد يوم الخندق ويوم قريظة نحو عشرة من المسلمين.  [فصل اغتيال عبد الله بن أنيس أبا رافع] فصل وقد قدمنا أن أبا رافع كان ممن ألب الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقتل مع بني قريظة كما قتل صاحبه حيي بن أخطب ورغبت الخزرج في قتله مساواة للأوس في قتل كعب بن الأشرف وكان الله - سبحانه وتعالى - قد جعل هذين الحيين يتصاولان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخيرات فاستأذنوه في قتله فأذن لهم فانتدب له رجال كلهم من بني سلمة وهم عبد الله بن عتيك وهو أمير القوم وعبد الله بن أنيس وأبو قتادة الحارث بن ربعي ومسعود بن سنان وخزاعي بن أسود فساروا حتى أتوه في خيبر في دار له فنزلوا عليه ليلا فقتلوه ورجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلهم ادعى قتله فقال: ( أروني أسيافكم quot; فلما أروه إياها قال لسيف عبد الله بن أنيس: هذا الذي قتله أرى فيه أثر الطعام ) .  [فصل غزوة بني لحيان] فصل ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني لحيان بعد قريظة بستة أشهر ليغزوهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مائتي رجل وأظهر أنه يريد الشام واستخلف على(3\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1152",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9718",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المدينة ابن أم مكتوم ثم أسرع السير حتى انتهى إلى بطن غران واد من أودية بلادهم وهو بين أمج وعسفان حيث كان مصاب أصحابه فترحم عليهم ودعا لهم وسمعت بنو لحيان فهربوا في رءوس الجبال فلم يقدر منهم على أحد فأقام يومين بأرضهم وبعث السرايا فلم يقدروا عليهم فسار إلى عسفان فبعث عشرة فوارس إلى كراع الغميم لتسمع به قريش ثم رجع إلى المدينة وكانت غيبته عنها أربع عشرة ليلة.  [فصل في سرية نجد] ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد فجاءت بثمامة بن أثال الحنيفي سيد بني حنيفة فربطه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سارية من سواري المسجد ومر به فقال: ما عندك يا ثمامة فقال: يا محمد إن تقتل تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت فتركه ثم مر به مرة أخرى فقال له مثل ذلك فرد عليه كما رد عليه أولا ثم مر مرة ثالثة فقال: أطلقوا ثمامة فأطلقوه فذهب إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم جاءه فأسلم وقال: والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إلي من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي والله ما كان على وجه الأرض دين أبغض علي من دينك فقد أصبح دينك أحب الأديان إلي وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر فلما قدم على قريش قالوا: صبوت يا ثمامة قال: لا والله ولكني أسلمت مع محمد صلى الله عليه وسلم ولا والله لا(3\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1153",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9719",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت اليمامة ريف مكة فانصرف إلى بلاده ومنع الحمل إلى مكة حتى جهدت قريش فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة يخلي إليهم حمل الطعام ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.  [فصل في غزوة الغابة] [إغارة عيينة بن حصن الفزاري على لقاح النبي صلى الله عليه وسلم التي بالغابة] فصل في غزوة الغابة ثم أغار عيينة بن حصن الفزاري في بني عبد الله بن غطفان على لقاح النبي صلى الله عليه وسلم التي بالغابة فاستاقها وقتل راعيها وهو رجل من عسفان واحتملوا امرأته قال عبد المؤمن بن خلف وهو ابن أبي ذر وهو غريب جدا: فجاء الصريخ ونودي: يا خيل الله اركبي وكان أول ما نودي بها وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم مقنعا في الحديد فكان أول من قدم إليه المقداد بن عمرو في الدرع والمغفر فعقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء في رمحه وقال: امض حتى تلحقك الخيول إنا على أثرك واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم وأدرك سلمة بن الأكوع القوم وهو على رجليه فجعل يرميهم بالنبل ويقول: خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع حتى انتهى إلى ذي قرد وقد استنقذ منهم جميع اللقاح وثلاثين بردة قال سلمة: فلحقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والخيل عشاء فقلت: يا رسول الله إن القوم عطاش فلو بعثتني في مائة رجل استنقذت ما في أيديهم من السرح وأخذت(3\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1154",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9720",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأعناق القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ملكت فأسجح quot; ثم قال: إنهم الآن ليقرون في غطفان quot;. وذهب الصريخ بالمدينة إلى بني عمرو بن عوف فجاءت الأمداد ولم تزل الخيل تأتي والرجال على أقدامهم وعلى الإبل حتى انتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي قرد. قال عبد المؤمن بن خلف فاستنقذوا عشر لقاح وأفلت القوم بما بقي وهو عشر. قلت: وهذا غلط بين والذي في quot; الصحيحين quot;: أنهم استنقذوا اللقاح كلها ولفظ مسلم في quot; صحيحه quot; عن سلمة: ( حتى ما خلق الله من شيء من لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خلفته وراء ظهري واستلبت منهم ثلاثين بردة ) .  [كانت غزوة الغابة بعد الحديبية وتوهيم من قال بخلاف ذلك] فصل وهذه الغزوة كانت بعد الحديبية وقد وهم فيها جماعة من أهل المغازي والسير فذكروا أنها كانت قبل الحديبية والدليل على صحة ما قلناه ما رواه الإمام أحمد والحسن بن سفيان عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا هاشم بن القاسم قال: حدثنا عكرمة بن عمار قال: حدثني إياس بن سلمة عن أبيه قال: قدمت المدينة زمن الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( خرجت أنا ورباح بفرس لطلحة أنديه مع الإبل فلما كان بغلس أغار عبد الرحمن بن عيينة(3\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1155",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9721",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل راعيها )  وساق القصة رواها مسلم في quot; صحيحه quot; بطولها. ووهم عبد المؤمن بن خلف في quot; سيرته quot; في ذلك وهما بينا فذكر غزاة بني لحيان بعد قريظة بستة أشهر ثم قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة لم يمكث إلا ليالي حتى أغار عبد الرحمن بن عيينة وذكر القصة. والذي أغار عبد الرحمن وقيل: أبوه عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر فأين هذا من قول سلمة قدمت المدينة زمن الحديبية وقد ذكر الواقدي عدة سرايا في سنة ست من الهجرة قبل الحديبية فقال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول - أو قال الآخر - سنة ست من قدومه المدينة عكاشة بن محصن الأسدي في أربعين رجلا إلى الغمر وفيهم ثابت بن أقرم وسباع بن وهب فأجد السير ونذر القوم بهم فهربوا فنزل على مياههم وبعث الطلائع فأصابوا من دلهم على بعض ماشيتهم فوجدوا مائتي بعير فساقوها إلى المدينة. وبعث سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة فساروا ليلتهم مشاة ووافوها مع الصبح فأغاروا عليهم فأعجزوهم هربا في الجبال وأصابوا رجلا واحدا فأسلم.(3\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1156",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9722",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبعث محمد بن مسلمة في ربيع الأول في عشرة نفر سرية فكمن القوم لهم حتى ناموا فما شعروا إلا بالقوم فقتل أصحاب محمد بن مسلمة وأفلت محمد جريحا.  وفي هذه السنة - وهي سنة ست - كانت سرية زيد بن حارثة بالجموم فأصاب امرأة من مزينة يقال لها: حليمة فدلتهم على محلة من محال بني سليم فأصابوا نعما وشاء وأسرى وكان في الأسرى زوج حليمة فلما قفل زيد بن حارثة بما أصاب وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم للمزنية نفسها وزوجها. وفيها - يعني: سنة ست - كانت سرية زيد بن حارثة إلى الطرف في جمادى الأولى إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا فهربت الأعراب وخافوا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم سار إليهم فأصاب من نعمهم عشرين بعيرا وغاب أربع ليال. وفيها كانت سرية زيد بن حارثة إلى العيص في جمادى الأولى وفيها: أخذت الأموال التي كانت مع أبي العاص بن الربيع زوج زينب مرجعه من الشام وكانت أموال قريش قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن محمد بن حزم قال: خرج أبو العاص بن الربيع تاجرا إلى الشام وكان رجلا مأمونا وكانت معه بضائع لقريش فأقبل قافلا فلقيته سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فاستاقوا عيره وأفلت وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أصابوا فقسمه بينهم وأتى أبو العاص المدينة فدخل على زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستجار بها وسألها أن تطلب له من(3\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1157",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9723",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم رد ماله عليه وما كان معه من أموال الناس فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم السرية فقال: ( إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم وقد أصبتم له مالا ولغيره وهو فيء الله الذي أفاء عليكم فإن رأيتم أن تردوا عليه فافعلوا وإن كرهتم فأنتم وحقكم )  فقالوا: بل نرده عليه يا رسول الله فردوا عليه ما أصابوا حتى إن الرجل ليأتي بالشن والرجل بالإداوة والرجل بالحبل فما تركوا قليلا أصابوه ولا كثيرا إلا ردوه عليه ثم خرج حتى قدم مكة فأدى إلى الناس بضائعهم حتى إذا فرغ قال: يا معشر قريش هل بقي لأحد منكم معي مال لم أرده عليه قالوا: لا فجزاك الله خيرا قد وجدناك وفيا كريما فقال: أما والله ما منعني أن أسلم قبل أن أقدم عليكم إلا تخوفا أن تظنوا أني إنما أسلمت لأذهب بأموالكم فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. وهذا القول من الواقدي وابن إسحاق يدل على أن قصة أبي العاص كانت قبل الحديبية وإلا فبعد الهدنة لم تتعرض سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش. ولكن زعم موسى بن عقبة أن قصة أبي العاص كانت بعد الهدنة وأن الذي أخذ الأموال أبو بصير وأصحابه ولم يكن ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا منحازين بسيف البحر وكانت لا تمر بهم عير لقريش إلا أخذوها هذا قول الزهري. قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب في قصة أبي بصير: ولم يزل أبو جندل وأبو بصير وأصحابهما الذين اجتمعوا إليهما هنالك حتى مر بهم أبو العاص بن الربيع وكانت تحته زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من قريش فأخذوهم وما معهم وأسروهم ولم يقتلوا منهم أحدا لصهر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبي العاص وأبو العاص يومئذ مشرك وهو ابن أخت خديجة بنت خويلد لأبيها وأمها وخلوا سبيل أبي العاص فقدم المدينة على امرأته زينب فكلمها أبو العاص في أصحابه الذين أسرهم أبو جندل وأبو بصير وما أخذوا لهم فكلمت زينب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فخطب الناس فقال(3\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1158",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9724",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( إنا صاهرنا أناسا وصاهرنا أبا العاص فنعم الصهر وجدناه ) وإنه أقبل من الشام في أصحاب له من قريش فأخذهم أبو جندل وأبو بصير وأخذوا ما كان معهم ولم يقتلوا منهم أحدا وإن زينب بنت رسول الله سألتني أن أجيرهم فهل أنتم مجيرون أبا العاص وأصحابه quot; فقال الناس: نعم فلما بلغ أبا جندل وأصحابه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبي العاص وأصحابه الذين كانوا عنده من الأسرى رد إليهم كل شيء أخذ منهم حتى العقال وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي جندل وأبي بصير يأمرهم أن يقدموا عليه ويأمر من معهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم وألا يتعرضوا لأحد من قريش وعيرها فقدم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي بصير وهو في الموت فمات وهو على صدره ودفنه أبو جندل مكانه وأقبل أبو جندل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمنت عير قريش. وذكر باقي الحديث. وقول موسى بن عقبة أصوب وأبو العاص إنما أسلم زمن الهدنة وقريش إنما انبسطت عيرها إلى الشام زمن الهدنة وسياق الزهري للقصة بين ظاهر أنها كانت في زمن الهدنة. قال الواقدي: وفيها أقبل دحية بن خليفة الكلبي من عند قيصر وقد أجازه بمال وكسوة فلما كان بحسمى لقيه ناس من جذام فقطعوا عليه الطريق فلم يتركوا معه شيئا فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يدخل بيته فأخبره فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة إلى حسمى. قلت: وهذا بعد الحديبية بلا شك. قال الواقدي: وخرج علي في مائة رجل إلى فدك إلى حي من بني سعد بن بكر وذلك أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بها جمعا يريدون أن يمدوا يهود خيبر فسار إليهم يسير الليل ويكمن النهار فأصاب عينا لهم فأقر له أنهم بعثوه إلى خيبر فعرضوا عليهم نصرتهم على أن يجعلوا لهم ثمر خيبر.(3\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1159",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9725",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: وفيها سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل في شعبان فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن أطاعوك فتزوج ابنة ملكهم ) . فأسلم القوم وتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ وهي أم أبي سلمة وكان أبوها رأسهم وملكهم. قال: وكانت سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين الذين قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستاقوا الإبل في شوال سنة ست وكانت السرية عشرين فارسا. قلت: وهذا يدل على أنها كانت قبل الحديبية كانت في ذي القعدة كما سيأتي وقصة العرنيين في quot; الصحيحين quot; من حديث أنس ( أن رهطا من عكل وعرينة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله إنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف فاستوخمنا المدينة فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذود وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها فلما صحوا قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستاقوا الذود وكفروا بعد إسلامهم . وفي لفظ لمسلم: سملوا عين الراعي فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم فأمر بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وتركهم في ناحية الحرة حتى ماتوا )(3\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1160",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9726",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي حديث أبي الزبير عن جابر: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم عم عليهم الطريق واجعلها عليهم أضيق من مسك جمل ) . فعمى الله عليهم السبيل فأدركوا. وذكر القصة. وفيها من الفقه جواز شرب أبوال الإبل وطهارة بول مأكول اللحم والجمع للمحارب إذا أخذ المال وقتل بين قطع يده ورجله وقتله وأنه يفعل بالجاني كما فعل فإنهم لما سملوا عين الراعي سمل أعينهم وقد ظهر بهذا أن القصة محكمة ليست منسوخة وإن كانت قبل أن تنزل الحدود والحدود نزلت بتقريرها لا بإبطالها. والله أعلم.  [فصل في قصة الحديبية] [عام الحديبية] فصل في قصة الحديبية قال نافع: كانت سنة ست في ذي القعدة وهذا هو الصحيح وهو قول الزهري وقتادة وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق وغيرهم. وقال هشام بن عروة عن أبيه: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية في رمضان وكانت في شوال وهذا وهم وإنما كانت غزاة الفتح في رمضان وقد قال أبو الأسود عن عروة: إنها كانت في ذي القعدة على الصواب.(3\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1161",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9727",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; الصحيحين quot; عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة ) . فذكر منها عمرة الحديبية. وكان معه ألف وخمسمائة هكذا في quot; الصحيحين quot; عن جابر وعنه فيهما: (كانوا ألفا وأربعمائة)  وفيهما: عن عبد الله بن أبي أوفى: quot; كنا ألفا وثلاثمائة quot;. قال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان قال: خمس عشرة مائة. قال: قلت: فإن جابر بن عبد الله قال: كانوا أربع عشرة مائة. قال: يرحمه الله أوهم هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة. قلت: وقد صح عن جابر القولان وصح عنه أنهم نحروا عام الحديبية سبعين بدنة البدنة عن سبعة فقيل له: كم كنتم قال: ألفا وأربعمائة بخيلنا ورجلنا. يعني فارسهم وراجلهم والقلب إلى هذا أميل وهو قول البراء بن عازب ومعقل بن يسار وسلمة بن الأكوع في أصح(3\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1162",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9728",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الروايتين وقول المسيب بن حزن: قال شعبة: عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبيه: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ألفا وأربعمائة . وغلط غلطا بينا من قال: كانوا سبعمائة وعذره أنهم نحروا يومئذ سبعين بدنة والبدنة قد جاء إجزاؤها عن سبعة وعن عشرة وهذا لا يدل على ما قاله هذا القائل فإنه قد صرح بأن البدنة كانت في هذه العمرة عن سبعة فلو كانت السبعون عن جميعهم لكانوا أربعمائة وتسعين رجلا وقد قال في تمام الحديث بعينه: إنهم (كانوا ألفا وأربعمائة)  [فصل في تقليده صلى الله عليه وسلم الهدي بذي الحليفة وبعثه عينا له ابن خزاعة إلى قريش] فصل فلما كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش حتى إذا كان قريبا من عسفان أتاه عينه فقال: إني تركت كعب بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعا وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك واستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وقال: أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين وإن يجيئوا تكن عنقا قطعها الله أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه فقال أبو بكر: الله ورسوله أعلم إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فروحوا إذا) فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة(3\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1163",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9729",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فخذوا ذات اليمين quot; فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته فقال الناس: حل حل. فألحت فقالوا: خلأت القصواء خلأت القصواء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل) . ثم قال (والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)  ثم زجرها فوثبت به فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء إنما يتبرضه الناس تبرضا فلم يلبثه الناس أن نزحوه فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه. قال: فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه. وفزعت قريش لنزوله عليهم فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليهم رجلا من أصحابه فدعا عمر بن الخطاب ليبعثه إليهم فقال: يا رسول الله ليس لي بمكة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت فأرسل عثمان بن عفان فإن عشيرته بها وإنه مبلغ ما أردت. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان فأرسله إلى قريش وقال: أخبرهم أنا لم نأت لقتال وإنما جئنا عمارا وادعهم إلى الإسلام وأمره أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح ويخبرهم أن الله عز وجل مظهر دينه بمكة حتى لا يستخفى فيها بالإيمان فانطلق عثمان فمر على قريش ببلدح فقالوا: أين تريد فقال:(3\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1164",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9730",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام وأخبركم أنا لم نأت لقتال وإنما جئنا عمارا. فقالوا: قد سمعنا ما تقول فانفذ لحاجتك وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص فرحب به وأسرج فرسه فحمل عثمان على الفرس وأجاره وأردفه أبان حتى جاء مكة وقال المسلمون قبل أن يرجع عثمان: خلص عثمان قبلنا إلى البيت وطاف به. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون quot;. فقالوا: وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص قال quot; ذاك ظني به ألا يطوف بالكعبة حتى نطوف معه)   واختلط المسلمون بالمشركين في أمر الصلح فرمى رجل من أحد الفريقين رجلا من الفريق الآخر وكانت معركة وتراموا بالنبل والحجارة وصاح الفريقان كلاهما وارتهن كل واحد من الفريقين بمن فيهم وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان قد قتل فدعا إلى البيعة فثار المسلمون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة فبايعوه على ألا يفروا فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد نفسه وقال: (هذه عن عثمان) ولما تمت البيعة رجع عثمان فقال له المسلمون: اشتفيت يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت فقال: (بئس ما ظننتم بي والذي نفسي بيده لو مكثت بها سنة ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقيم بالحديبية ما طفت بها حتى يطوف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيت) . فقال المسلمون: رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أعلمنا بالله وأحسننا ظنا (وكان عمر آخذا بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم للبيعة تحت الشجرة فبايعه المسلمون كلهم إلا الجد بن قيس) . (وكان معقل بن يسار آخذا بغصنها يرفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان(3\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1165",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9731",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أول من بايعه أبو سنان الأسدي) وبايعه سلمة بن الأكوع ثلاث مرات في أول الناس وأوسطهم وآخرهم. فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل: وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنا لم نجئ لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاءوا ماددتهم ويخلوا بيني وبين الناس وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا وإن هم أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره) قال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشا فقال: إني قد جئتكم من عند هذا الرجل وقد سمعته يقول قولا فإن شئتم عرضته عليكم. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته. قال: سمعته يقول كذا وكذا. فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فقال عروة بن مسعود الثقفي: إن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته. فقالوا: ائته. فأتاه فجعل يكلمه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل فقال له عروة عند ذلك: أي محمد أرأيت لو استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوها وأرى أوشابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر: امصص بظر اللات أنحن نفر عنه وندعه! قال: من ذا قالوا: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم وكلما(3\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1166",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9732",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كلمه أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة عند رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم. فرفع عروة رأسه وقال: من ذا قالوا: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غدر أولست أسعى في غدرتك وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء) ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينيه فوالله ما تنخم النبي صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها جلده ووجهه وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم والله لقد وفدت على الملوك على كسرى وقيصر والنجاشي والله ما رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له. فبعثوها له واستقبله القوم يلبون فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت) فرجع إلى أصحابه فقال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت وما أرى أن يصدوا عن البيت. فقام مكرز بن حفص فقال: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (هذا مكرز بن حفص وهو رجل فاجر) . فجعل يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينا هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قد سهل لكم من أمركم) فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابا. فدعا الكاتب فقال: quot; اكتب بسم الله الرحمن الرحيم quot;. فقال(3\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1167",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9733",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سهيل: أما الرحمن فوالله ما ندري ما هو ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اكتب: باسمك اللهم quot;. ثم قال: اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله) . فقال سهيل: فوالله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب: محمد بن عبد الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني رسول الله وإن كذبتموني اكتب: محمد بن عبد الله) . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به. فقال سهيل والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ولكن ذلك من العام المقبل. فكتب فقال سهيل: على أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. فقال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما! بينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين ظهور المسلمين فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نقض الكتاب بعد. فقال: فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فأجزه لي. قال: ما أنا بمجيزه لك. قال: بلى فافعل. قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بلى قد أجزناه فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ألا ترون ما لقيت! وكان قد عذب في الله عذابا شديدا. قال عمر بن الخطاب: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله ألست نبي الله حقا قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل قال: بلى. فقلت: علام نعطي الدنية في ديننا إذا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبين أعدائنا فقال: (إني رسول الله وهو ناصري ولست أعصيه) . قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به قال: بلى أفأخبرتك أنك تأتيه العام قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال فأتيت أبا بكر فقلت له كما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورد علي أبو بكر كما رد علي رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء وزاد: فاستمسك بغرزه حتى تموت فوالله إنه لعلى(3\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1168",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9734",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحق. قال عمر: فعملت لذلك أعمالا. فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (قوموا فانحروا ثم احلقوا) . فوالله ما قام منهم رجل واحد حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت أم سلمة: يا رسول الله أتحب ذلك اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك. فقام فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله عز وجل: ياأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن [الممتحنة: 10]  حتى بلغ بعصم الكوافر [الممتحنة: 10] [الممتحنة 10]  فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك فتزوج إحداهما معاوية والأخرى صفوان بن أمية ثم رجع إلى المدينة وفي مرجعه أنزل الله عليه: إنا فتحنا لك فتحا مبينا - ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما - وينصرك الله نصرا عزيزا [الفتح: 1 - 3] [الفتح 1 - 3] فقال عمر: أوفتح هو يا رسول الله قال: نعم. فقال الصحابة: هنيئا لك يا رسول الله فما لنا فأنزل الله عز وجل: هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين [الفتح: 4]  ) [الفتح: 4]  ولما رجع إلى المدينة جاءه أبو بصير - رجل من قريش - مسلما فأرسلوا في طلبه رجلين وقالوا: العهد الذي جعلت لنا. فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا جيدا. فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه. فأمكنه منه فضربه به حتى(3\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1169",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9735",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "برد وفر الآخر يعدو حتى بلغ المدينة فدخل المسجد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: quot; لقد رأى هذا ذعرا quot;. فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول. فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم فأنجاني الله منهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد quot;. فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة فوالله لا يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم فمن أتاه منهم فهو آمن فأنزل الله عز وجل: وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم [الفتح: 24]  حتى بلغ حمية الجاهلية [الفتح: 26] [الفتح: 24]  وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم وحالوا بينهم وبين البيت .  قلت: في quot; الصحيح quot;: أن النبي صلى الله عليه وسلم ( توضأ ومج في بئر الحديبية من فمه فجاشت بالماء )  كذلك قال البراء بن عازب وسلمة بن الأكوع في quot; الصحيحين quot;.(3\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1170",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9736",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "فصل في ما جرى عليه صلح الحديبية",
        "content": "وقال عروة: عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أنه ( غرز فيها سهما من كنانته )  وهو في quot; الصحيحين quot; أيضا. وفي مغازي أبي الأسود عن عروة: توضأ في الدلو ومضمض فاه ثم مج فيه وأمر أن يصب في البئر ونزع سهما من كنانته وألقاه في البئر ودعا الله تعالى ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها وهم جلوس على شقها فجمع بين الأمرين وهذا أشبه. والله أعلم. وفي quot; صحيح البخاري quot;: عن جابر قال: عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة يتوضأ منها إذ جهش الناس نحوه فقال: ما لكم قالوا: يا رسول الله ما عندنا ماء نشرب ولا ما نتوضأ إلا ما بين يديك فوضع يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه أمثال العيون فشربوا وتوضئوا وكانوا خمس عشرة مائة  وهذه غير قصة البئر. وفي هذه الغزوة أصابهم ليلة مطر فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم الصبح قال: ( أتدرون ماذا قال ربكم الليلة quot;. قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: quot; أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب ) .  [فصل في ما جرى عليه صلح الحديبية] فصل(3\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1171",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9737",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجرى الصلح بين المسلمين وأهل مكة على وضع الحرب عشر سنين وأن يأمن الناس بعضهم من بعض وأن يرجع عنهم عامه ذلك حتى إذا كان العام المقبل قدمها وخلوا بينه وبين مكة فأقام بها ثلاثا وأن لا يدخلها إلا بسلاح الراكب والسيوف في القرب وأن من أتانا من أصحابك لم نرده عليك ومن أتاك من أصحابنا رددته علينا وأن بيننا وبينك عيبة مكفوفة وأنه لا إسلال ولا إغلال فقالوا: يا رسول الله نعطيهم هذا فقال: ( من أتاهم منا فأبعده الله ومن أتانا منهم فرددناه إليهم جعل الله له فرجا ومخرجا ) . وفي قصة الحديبية أنزل الله - عز وجل - فدية الأذى لمن حلق رأسه بالصيام أو الصدقة أو النسك في شأن كعب بن عجرة. وفيها دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين بالمغفرة ثلاثا وللمقصرين مرة. وفيها نحروا البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة. وفيها أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جملة هديه جملا كان لأبي جهل كان في أنفه برة من فضة ليغيظ به المشركين. وفيها أنزلت سورة الفتح ودخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده ودخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم وكان في الشرط أن من شاء أن يدخل(3\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1172",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9738",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في عقده صلى الله عليه وسلم دخل ومن شاء أن يدخل في عقد قريش دخل. ولما رجع إلى المدينة جاءه نساء مؤمنات منهن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط فجاء أهلها يسألونها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشرط الذي كان بينهم فلم يرجعها إليهم ونهاه الله عز وجل عن ذلك فقيل: هذا نسخ للشرط في النساء. وقيل: تخصيص للسنة بالقرآن وهو عزيز جدا. وقيل: لم يقع الشرط إلا على الرجال خاصة وأراد المشركون أن يعمموه في الصنفين فأبى الله ذلك.  [فصل في بعض ما في قصة الحديبية من الفوائد الفقهية] فصل في بعض ما في قصة الحديبية من الفوائد الفقهية فمنها: اعتمار النبي صلى الله عليه وسلم في أشهر الحج فإنه خرج إليها في ذي القعدة. ومنها: أن الإحرام بالعمرة من الميقات أفضل كما أن الإحرام بالحج كذلك فإنه أحرم بهما من ذي الحليفة وبينها وبين المدينة ميل أو نحوه وأما حديث ( من أحرم بعمرة من بيت المقدس غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ) وفي لفظ: ( كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ) فحديث لا يثبت وقد اضطرب فيه إسنادا ومتنا اضطرابا شديدا. ومنها: أن سوق الهدي مسنون في العمرة المفردة كما هو مسنون في القران. ومنها: أن إشعار الهدي سنة لا مثلة منهي عنها.(3\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1173",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9739",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: استحباب مغايظة أعداء الله فإن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى في جملة هديه جملا لأبي جهل في أنفه برة من فضة يغيظ به المشركين وقد قال تعالى في صفة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار [الفتح: 29] [الفتح: 29]  وقال عز وجل ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين [التوبة: 120] [التوبة: 120] . ومنها: أن أمير الجيش ينبغي له أن يبعث العيون أمامه نحو العدو. ومنها: أن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة لأن عينه الخزاعي كان كافرا إذ ذاك وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم. ومنها: استحباب مشورة الإمام رعيته وجيشه استخراجا لوجه الرأي واستطابة لنفوسهم وأمنا لعتبهم وتعرفا لمصلحة يختص بعلمها بعضهم دون بعض وامتثالا لأمر الرب في قوله تعالى: وشاورهم في الأمر [آل عمران: 159] [آل عمران: 159] وقد مدح سبحانه وتعالى عباده بقوله: وأمرهم شورى بينهم [الشورى: 38] [الشورى: 38] . ومنها: جواز سبي ذراري المشركين إذا انفردوا عن رجالهم قبل مقاتلة الرجال. ومنها: رد الكلام الباطل ولو نسب إلى غير مكلف فإنهم لما قالوا: خلأت القصواء. يعني حرنت وألحت فلم تسر والخلاء في الإبل بكسر الخاء والمد نظير الحران في الخيل فلما نسبوا إلى الناقة ما ليس من خلقها وطبعها رده عليهم وقال: ( ما خلأت وما ذاك لها بخلق ) ثم أخبر صلى الله عليه وسلم عن سبب بروكها وأن الذي حبس الفيل عن مكة حبسها للحكمة العظيمة التي ظهرت بسبب حبسها وما جرى بعده.(3\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1174",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9740",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: أن تسمية ما يلابسه الرجل من مراكبه ونحوها سنة. ومنها: جواز الحلف بل استحبابه على الخبر الديني الذي يريد تأكيده وقد حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم الحلف في أكثر من ثمانين موضعا وأمره الله تعالى بالحلف على تصديق ما أخبر به في ثلاثة مواضع: في (سورة يونس) و (سبأ) و (التغابن) . ومنها: أن المشركين وأهل البدع والفجور والبغاة والظلمة إذا طلبوا أمرا يعظمون فيه حرمة من حرمات الله تعالى أجيبوا إليه وأعطوه وأعينوا عليه وإن منعوا غيره فيعاونون على ما فيه تعظيم حرمات الله تعالى لا على كفرهم وبغيهم ويمنعون مما سوى ذلك فكل من التمس المعاونة على محبوب لله تعالى مرض له أجيب إلى ذلك كائنا من كان ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه وهذا من أدق المواضع وأصعبها وأشقها على النفوس ولذلك ضاق عنه من الصحابة من ضاق وقال عمر ما قال حتى عمل له أعمالا بعده والصديق تلقاه بالرضى والتسليم حتى كان قلبه فيه على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجاب عمر عما سأل عنه من ذلك بعين جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك يدل على أن الصديق رضي الله عنه أفضل الصحابة وأكملهم وأعرفهم بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وأعلمهم بدينه وأقومهم بمحابه وأشدهم موافقة له ولذلك لم يسأل عمر عما عرض له إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصديقه خاصة دون سائر أصحابه.(3\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1175",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9741",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم عدل ذات اليمين إلى الحديبية. قال الشافعي: بعضها من الحل وبعضها من الحرم. وروى الإمام أحمد في هذه القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يصلي في الحرم وهو مضطرب في الحل )  وفي هذا كالدلالة على أن مضاعفة الصلاة بمكة تتعلق بجميع الحرم لا يخص بها المسجد الذي هو مكان الطواف وأن قوله: ( صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي )  كقوله تعالى: فلا يقربوا المسجد الحرام [التوبة: 28] [التوبة: 28] وقوله تعالى: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام [الإسراء: 1] [الإسراء: 1] وكان الإسراء من بيت أم هانئ. ومنها: أن من نزل قريبا من مكة فإنه ينبغي له أن ينزل في الحل ويصلي في الحرم وكذلك كان ابن عمر يصنع. ومنها: جواز ابتداء الإمام بطلب صلح العدو إذا رأى المصلحة للمسلمين فيه ولا يتوقف ذلك على أن يكون ابتداء الطلب منهم. وفي قيام المغيرة بن شعبة على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف - ولم يكن عادته أن يقام على رأسه وهو قاعد - سنة يقتدى بها عند قدوم رسل العدو من إظهار العز والفخر وتعظيم الإمام وطاعته ووقايته بالنفوس وهذه هي العادة الجارية عند قدوم رسل المؤمنين على الكافرين وقدوم رسل الكافرين على المؤمنين وليس هذا من هذا النوع الذي ذمه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ( من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار ) كما أن الفخر والخيلاء في الحرب(3\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1176",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9742",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليسا من هذا النوع المذموم في غيره وفي بعث البدن في وجه الرسول الآخر دليل على استحباب إظهار شعائر الإسلام لرسل الكفار. وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم للمغيرة: ( أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء ) دليل على أن مال المشرك المعاهد معصوم وأنه لا يملك بل يرد عليه فإن المغيرة كان قد صحبهم على الأمان ثم غدر بهم وأخذ أموالهم فلم يتعرض النبي صلى الله عليه وسلم لأموالهم ولا ذب عنها ولا ضمنها لهم لأن ذلك كان قبل إسلام المغيرة. وفي قول الصديق لعروة: امصص بظر اللات. دليل على جواز التصريح باسم العورة إذا كان فيه مصلحة تقتضيها تلك الحال كما أذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يصرح لمن ادعى دعوى الجاهلية بهن أبيه ويقال له: اعضض أير أبيك ولا يكنى له فلكل مقام مقال. ومنها: احتمال قلة أدب رسول الكفار وجهله وجفوته ولا يقابل على ذلك لما فيه من المصلحة العامة ولم يقابل النبي صلى الله عليه وسلم عروة على أخذه بلحيته وقت خطابه وإن كانت تلك عادة العرب لكن الوقار والتعظيم خلاف ذلك. وكذلك لم يقابل رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولي مسيلمة حين قالا: نشهد أنه رسول الله وقال: ( لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما ) ومنها: طهارة النخامة سواء كانت من رأس أو صدر. ومنها: طهارة الماء المستعمل. ومنها: استحباب التفاؤل وأنه ليس من الطيرة المكروهة لقوله لما جاء سهيل quot; سهل أمركم quot;.(3\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1177",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9743",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: أن المشهود عليه إذا عرف باسمه واسم أبيه أغنى ذلك عن ذكر الجد لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزد على محمد بن عبد الله وقنع من سهيل بذكر اسمه واسم أبيه خاصة واشتراط ذكر الجد لا أصل له ولما اشترى العداء بن خالد منه صلى الله عليه وسلم الغلام فكتب له: ( هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة )  فذكر جده فهو زيادة بيان تدل على أنه جائز لا بأس به ولا تدل على اشتراطه ولما لم يكن في الشهرة بحيث يكتفى باسمه واسم أبيه ذكر جده فيشترط ذكر الجد عند الاشتراك في الاسم واسم الأب وعند عدم الاشتراك اكتفي بذكر الاسم واسم الأب. والله أعلم. ومنها: أن مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضيم على المسلمين جائزة للمصلحة الراجحة ودفع ما هو شر منه ففيه دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما. ومنها: أن من حلف على فعل شيء أو نذره أو وعد غيره به ولم يعين وقتا لا بلفظه ولا بنيته لم يكن على الفور بل على التراخي. ومنها: أن الحلاق نسك وأنه أفضل من التقصير وأنه نسك في العمرة كما هو نسك في الحج وأنه نسك في عمرة المحصور كما هو نسك في عمرة غيره.  ومنها: أن المحصر ينحر هديه حيث أحصر من الحل أو الحرم وأنه لا يجب عليه أن يواعد من ينحره في الحرم إذا لم يصل إليه وأنه لا يتحلل حتى(3\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1178",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9744",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يصل إلى محله بدليل قوله تعالى: والهدي معكوفا أن يبلغ محله [الفتح: 25] [الفتح: 25] . ومنها: أن الموضع الذي نحر فيه الهدي كان من الحل لا من الحرم لأن الحرم كله محل الهدي. ومنها: أن المحصر لا يجب عليه القضاء لأنه صلى الله عليه وسلم أمرهم بالحلق والنحر ولم يأمر أحدا منهم بالقضاء والعمرة من العام القابل لم تكن واجبة ولا قضاء عن عمرة الإحصار فإنهم كانوا في عمرة الإحصار ألفا وأربعمائة وكانوا في عمرة القضية دون ذلك وإنما سميت عمرة القضية والقضاء لأنها العمرة التي قاضاهم عليها فأضيفت العمرة إلى مصدر فعله. ومنها: أن الأمر المطلق على الفور وإلا لم يغضب لتأخيرهم الامتثال عن وقت الأمر وقد اعتذر عن تأخيرهم الامتثال بأنهم كانوا يرجون النسخ فأخروا متأولين لذلك وهذا الاعتذار أولى أن يعتذر عنه وهو باطل فإنه صلى الله عليه وسلم لو فهم منهم ذلك لم يشتد غضبه لتأخير أمره ويقول: ( ما لي لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا أتبع ) وإنما كان تأخيرهم من السعي المغفور لا المشكور وقد رضي الله عنهم وغفر لهم وأوجب لهم الجنة. ومنها: أن الأصل مشاركة أمته له في الأحكام إلا ما خصه الدليل ولذلك قالت أم سلمة: ( اخرج ولا تكلم أحدا حتى تحلق رأسك وتنحر هديك )  وعلمت أن الناس سيتابعونه. فإن قيل: فكيف فعلوا ذلك اقتداء بفعله ولم يمتثلوه حين أمرهم به قيل: هذا هو السبب الذي لأجله ظن من ظن أنهم أخروا الامتثال طمعا في النسخ فلما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك علموا حينئذ أنه حكم مستقر غير منسوخ وقد تقدم فساد هذا الظن ولكن لما تغيظ عليهم وخرج ولم يكلمهم وأراهم أنه بادر إلى امتثال ما أمر به وأنه لم يؤخر كتأخيرهم وأن اتباعهم له وطاعتهم توجب اقتداءهم به بادروا حينئذ إلى الاقتداء به وامتثال أمره.(3\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1179",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9745",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: جواز صلح الكفار على رد من جاء منهم إلى المسلمين وألا يرد من ذهب من المسلمين إليهم هذا في غير النساء وأما النساء فلا يجوز اشتراط ردهن إلى الكفار وهذا موضع النسخ خاصة في هذا العقد بنص القرآن ولا سبيل إلى دعوى النسخ في غيره بغير موجب. ومنها: أن خروج البضع من ملك الزوج متقوم ولذلك أوجب الله سبحانه رد المهر على من هاجرت امرأته وحيل بينه وبينها وعلى من ارتدت امرأته من المسلمين إذا استحق الكفار عليهم رد مهور من هاجر إليهم من أزواجهم وأخبر أن ذلك حكمه الذي حكم به بينهم ثم لم ينسخه شيء وفي إيجابه رد ما أعطى الأزواج من ذلك دليل على تقومه بالمسمى لا بمهر المثل. ومنها: أن رد من جاء من الكفار إلى الإمام لا يتناول من خرج منهم مسلما إلى غير بلد الإمام وأنه إذا جاء إلى بلد الإمام لا يجب عليه رده بدون الطلب فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد أبا بصير حين جاءه ولا أكرهه على الرجوع ولكن لما جاءوا في طلبه مكنهم من أخذه ولم يكرهه على الرجوع. ومنها أن المعاهدين إذا تسلموه وتمكنوا منه فقتل أحدا منهم لم يضمنه بدية ولا قود ولم يضمنه الإمام بل يكون حكمه في ذلك حكم قتله لهم في ديارهم حيث لا حكم للإمام عليهم فإن أبا بصير قتل أحد الرجلين المعاهدين بذي الحليفة وهي من حكم المدينة ولكن كان قد تسلموه وفصل عن يد الإمام وحكمه. ومنها: أن المعاهدين إذا عاهدوا الإمام فخرجت منهم طائفة فحاربتهم وغنمت أموالهم ولم يتحيزوا إلى الإمام لم يجب على الإمام دفعهم عنهم ومنعهم منهم وسواء دخلوا في عقد الإمام وعهده ودينه أو لم يدخلوا والعهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين لم يكن عهدا(3\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1180",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9746",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بين أبي بصير وأصحابه وبينهم وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين وبعض أهل الذمة من النصارى وغيرهم عهد جاز لملك آخر من ملوك المسلمين أن يغزوهم ويغنم أموالهم إذا لم يكن بينه وبينهم عهد كما أفتى به شيخ الإسلام في نصارى ملطية وسبيهم مستدلا بقصة أبي بصير مع المشركين.  [فصل في الإشارة إلى بعض الحكم التي تضمنتها هذه الهدنة] فصل في الإشارة إلى بعض الحكم التي تضمنتها هذه الهدنة وهي أكبر وأجل من أن يحيط بها إلا الله الذي أحكم أسبابها فوقعت الغاية على الوجه الذي اقتضته حكمته وحمده. فمنها: أنها كانت مقدمة بين يدي الفتح الأعظم الذي أعز الله به رسوله وجنده ودخل الناس به في دين الله أفواجا فكانت هذه الهدنة بابا له ومفتاحا ومؤذنا بين يديه وهذه عادة الله سبحانه في الأمور العظام التي يقضيها قدرا وشرعا أن يوطئ لها بين يديها مقدمات وتوطئات تؤذن بها وتدل عليها. ومنها: أن هذه الهدنة كانت من أعظم الفتوح فإن الناس أمن بعضهم بعضا واختلط المسلمون بالكفار وبادءوهم بالدعوة وأسمعوهم القرآن وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين وظهر من كان مختفيا بالإسلام ودخل فيه في مدة الهدنة من شاء الله أن يدخل ولهذا سماه الله فتحا مبينا. قال ابن قتيبة: قضينا لك قضاء عظيما. وقال مجاهد: هو ما قضى الله له بالحديبية. وحقيقة الأمر أن الفتح - في اللغة - فتح المغلق والصلح الذي حصل مع المشركين بالحديبية كان مسدودا مغلقا حتى فتحه الله وكان من أسباب فتحه صد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت وكان في الصورة الظاهرة ضيما وهضما للمسلمين وفي الباطن عزا وفتحا ونصرا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى ما وراءه من الفتح العظيم والعز والنصر من وراء ستر رقيق وكان يعطي المشركين كل(3\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1181",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9747",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما سألوه من الشروط التي لم يحتملها أكثر أصحابه ورءوسهم وهو صلى الله عليه وسلم يعلم ما في ضمن هذا المكروه من محبوب وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم [البقرة: 216] [البقرة 216] . وربما كان مكروه النفوس إلى ... محبوبها سببا ما مثله سبب فكان يدخل على تلك الشروط دخول واثق بنصر الله له وتأييده وأن العاقبة له وأن تلك الشروط واحتمالها هو عين النصرة وهو من أكبر الجند الذي أقامه المشترطون ونصبوه لحربهم وهم لا يشعرون فذلوا من حيث طلبوا العز وقهروا من حيث أظهروا القدرة والفخر والغلبة وعز رسول الله صلى الله عليه وسلم وعساكر الإسلام من حيث انكسروا لله واحتملوا الضيم له وفيه فدار الدور وانعكس الأمر وانقلب العز بالباطل ذلا بحق وانقلبت الكسرة لله عزا بالله وظهرت حكمة الله وآياته وتصديق وعده ونصرة رسوله على أتم الوجوه وأكملها التي لا اقتراح للعقول وراءها. ومنها: ما سببه سبحانه للمؤمنين من زيادة الإيمان والإذعان والانقياد على ما أحبوا وكرهوا وما حصل لهم في ذلك من الرضى بقضاء الله وتصديق موعوده وانتظار ما وعدوا به وشهود منة الله ونعمته عليهم بالسكينة التي أنزلها في قلوبهم أحوج ما كانوا إليها في تلك الحال التي تزعزع لها الجبال فأنزل الله عليهم من سكينته ما اطمأنت به قلوبهم وقويت به نفوسهم وازدادوا به إيمانا. ومنها: أنه سبحانه جعل هذا الحكم الذي حكم به لرسوله وللمؤمنين سببا لما ذكره من المغفرة لرسوله ما تقدم من ذنبه وما تأخر ولإتمام نعمته عليه ولهدايته الصراط المستقيم ونصره النصر العزيز ورضاه به ودخوله تحته وانشراح صدره به مع ما فيه من الضيم وإعطاء ما سألوه كان من الأسباب التي نال بها الرسول وأصحابه ذلك ولهذا ذكره الله سبحانه جزاء وغاية وإنما يكون ذلك على فعل قام بالرسول والمؤمنين عند حكمه تعالى وفتحه. وتأمل كيف وصف - سبحانه - النصر بأنه عزيز في هذا الموطن ثم ذكر(3\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1182",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9748",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنزال السكينة في قلوب المؤمنين في هذا الموطن الذي اضطربت فيه القلوب وقلقت أشد القلق فهي أحوج ما كانت إلى السكينة فازدادوا بها إيمانا إلى إيمانهم ثم ذكر سبحانه بيعتهم لرسوله وأكدها بكونها بيعة له سبحانه وأن يده تعالى كانت فوق أيديهم إذ كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك وهو رسوله ونبيه فالعقد معه عقد مع مرسله وبيعته بيعته فمن بايعه فكأنما بايع الله ويد الله فوق يده وإذا كان ( الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه ) فيد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بهذا من الحجر الأسود. ثم أخبر أن ناكث هذه البيعة إنما يعود نكثه على نفسه وأن للموفي بها أجرا عظيما فكل مؤمن قد بايع الله على لسان رسوله بيعة على الإسلام وحقوقه فناكث وموف. ثم ذكر حال من تخلف عنه من الأعراب وظنهم أسوأ الظن بالله أنه يخذل رسوله وأولياءه وجنده ويظفر بهم عدوهم فلن ينقلبوا إلى أهليهم وذلك من جهلهم بالله وأسمائه وصفاته وما يليق به وجهلهم برسوله وما هو أهل أن يعامله به ربه ومولاه. ثم أخبر سبحانه عن رضاه عن المؤمنين بدخولهم تحت البيعة لرسوله وأنه(3\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1183",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9749",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبحانه علم ما في قلوبهم حينئذ من الصدق والوفاء وكمال الانقياد والطاعة وإيثار الله ورسوله على ما سواه فأنزل الله السكينة والطمأنينة والرضى في قلوبهم وأثابهم على الرضى بحكمه والصبر لأمره فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان أول الفتح والمغانم فتح خيبر ومغانمها ثم استمرت الفتوح والمغانم إلى انقضاء الدهر. ووعدهم سبحانه مغانم كثيرة يأخذونها وأخبرهم أنه عجل لهم هذه الغنيمة وفيها قولان: أحدهما: أنه الصلح الذي جرى بينهم وبين عدوهم والثاني: أنها فتح خيبر وغنائمها. ثم قال وكف أيدي الناس عنكم [الفتح: 20] [الفتح: 20] فقيل: أيدي أهل مكة أن يقاتلوهم وقيل: أيدي اليهود حين هموا بأن يغتالوا من بالمدينة بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من الصحابة منها. وقيل: هم أهل خيبر وحلفاؤهم الذين أرادوا نصرهم من أسد وغطفان. والصحيح تناول الآية للجميع. وقوله: ولتكون آية للمؤمنين [الفتح: 20] قيل: هذه الفعلة التي فعلها بكم وهي كف أيدي أعدائكم عنكم مع كثرتهم فإنهم حينئذ كان أهل مكة ومن حولها وأهل خيبر ومن حولها وأسد وغطفان وجمهور قبائل العرب أعداء لهم وهم بينهم كالشامة فلم يصلوا إليهم بسوء فمن آيات الله سبحانه كف أيدي أعدائهم عنهم فلم يصلوا إليهم بسوء مع كثرتهم وشدة عداوتهم وتولي حراستهم وحفظهم في مشهدهم ومغيبهم وقيل: هي فتح خيبر جعلها آية لعباده المؤمنين وعلامة على ما بعدها من الفتوح فإن الله سبحانه وعدهم مغانم كثيرة وفتوحا عظيمة فعجل لهم فتح خيبر وجعلها آية لما بعدها وجزاء لصبرهم ورضاهم يوم الحديبية وشكرانا ولهذا خص بها وبغنائمها من شهد الحديبية. ثم قال: ويهديكم صراطا مستقيما [الفتح: 20]  فجمع لهم إلى النصر والظفر والغنائم الهداية فجعلهم مهديين منصورين غانمين ثم وعدهم مغانم كثيرة وفتوحا أخرى لم يكونوا ذلك الوقت قادرين عليها فقيل: هي مكة وقيل: هي فارس والروم(3\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1184",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9750",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقيل: الفتوح التي بعد خيبر من مشارق الأرض ومغاربها.  ثم أخبر سبحانه أن الكفار لو قاتلوا أولياءه لولى الكفار الأدبار غير منصورين وأن هذه سنته في عباده قبلهم ولا تبديل لسنته. فإن قيل: فقد قاتلوهم يوم أحد وانتصروا عليهم ولم يولوا الأدبار قيل: هذا وعد معلق بشرط مذكور في غير هذا الموضع وهو الصبر والتقوى وفات هذا الشرط يوم أحد بفشلهم المنافي للصبر وتنازعهم وعصيانهم المنافي للتقوى فصرفهم عن عدوهم ولم يحصل الوعد لانتفاء شرطه. ثم ذكر - سبحانه - أنه هو الذي كف أيدي بعضهم عن بعض من بعد أن أظفر المؤمنين بهم لما له في ذلك من الحكم البالغة التي منها: أنه كان فيهم رجال ونساء قد آمنوا وهم يكتمون إيمانهم لم يعلم بهم المسلمون فلو سلطكم عليهم لأصبتم أولئك بمعرة الجيش وكان يصيبكم منهم معرة العدوان والإيقاع بمن لا يستحق الإيقاع به. وذكر سبحانه حصول المعرة بهم من هؤلاء المستضعفين المستخفين بهم لأنها موجب المعرة الواقعة منهم بهم وأخبر سبحانه أنهم لو زايلوهم وتميزوا منهم لعذب أعداءه عذابا أليما في الدنيا إما بالقتل والأسر وإما بغيره ولكن دفع عنهم هذا العذاب لوجود هؤلاء المؤمنين بين أظهرهم كما كان يدفع عنهم عذاب الاستئصال ورسوله بين أظهرهم. ثم أخبر سبحانه عما جعله الكفار في قلوبهم من حمية الجاهلية التي مصدرها الجهل والظلم التي لأجلها صدوا رسوله وعباده عن بيته ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم ولم يقروا لمحمد بأنه رسول الله مع تحققهم صدقه وتيقنهم صحة رسالته بالبراهين التي شاهدوها وسمعوا بها في مدة عشرين سنة وأضاف هذا الجعل إليهم وإن كان بقضائه وقدره كما يضاف إليهم سائر أفعالهم التي هي بقدرتهم وإرادتهم. ثم أخبر - سبحانه - أنه أنزل في قلب رسوله وأوليائه من السكينة ما هو(3\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1185",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9751",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مقابل لما في قلوب أعدائه من حمية الجاهلية فكانت السكينة حظ رسوله وحزبه وحمية الجاهلية حظ المشركين وجندهم ثم ألزم عباده المؤمنين كلمة التقوى وهي جنس يعم كل كلمة يتقى الله بها وأعلى نوعها كلمة الإخلاص وقد فسرت ببسم الله الرحمن الرحيم وهي الكلمة التي أبت قريش أن تلتزمها فألزمها الله أولياءه وحزبه وإنما حرمها أعداءه صيانة لها عن غير كفئها وألزمها من هو أحق بها وأهلها فوضعها في موضعها ولم يضيعها بوضعها في غير أهلها وهو العليم بمحال تخصيصه ومواضعه. ثم أخبر سبحانه أنه صدق رسوله رؤياه في دخولهم المسجد آمنين وأنه سيكون ولا بد ولكن لم يكن قد آن وقت ذلك في هذا العام والله سبحانه علم من مصلحة تأخيره إلى وقته ما لم تعلموا أنتم فأنتم أحببتم استعجال ذلك والرب تعالى يعلم من مصلحة التأخير وحكمته ما لم تعلموه فقدم بين يدي ذلك فتحا قريبا توطئة له وتمهيدا. ثم أخبرهم بأنه هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله فقد تكفل الله لهذا الأمر بالتمام والإظهار على جميع أديان أهل الأرض ففي هذا تقوية لقلوبهم وبشارة لهم وتثبيت وأن يكونوا على ثقة من هذا الوعد الذي لا بد أن ينجزه فلا تظنوا أن ما وقع من الإغماض والقهر يوم الحديبية نصرة لعدوه ولا تخليا عن رسوله ودينه كيف وقد أرسله بدينه الحق ووعده أن يظهره على كل دين سواه. ثم ذكر - سبحانه - رسوله وحزبه الذين اختارهم له ومدحهم بأحسن المدح وذكر صفاتهم في التوراة والإنجيل فكان في هذا أعظم البراهين على صدق من جاء بالتوراة والإنجيل والقرآن وأن هؤلاء هم المذكورون في الكتب المتقدمة بهذه الصفات المشهورة فيهم لا كما يقول الكفار عنهم: إنهم متغلبون طالبو ملك ودنيا ولهذا لما رآهم نصارى الشام وشاهدوا هديهم وسيرتهم وعدلهم وعلمهم ورحمتهم وزهدهم في الدنيا ورغبتهم في الآخرة قالوا: ما(3\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1186",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9752",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "عام غزوة خيبر",
        "content": "الذين صحبوا المسيح بأفضل من هؤلاء. وكان هؤلاء النصارى أعرف بالصحابة وفضلهم من الرافضة أعدائهم والرافضة تصفهم بضد ما وصفهم الله به في هذه الآية وغيرها و: من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا [الكهف: 17] [الكهف: 17] .  [فصل في غزوة خيبر] [عام غزوة خيبر] فصل في غزوة خيبر قال موسى بن عقبة: ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من الحديبية مكث بها عشرين ليلة أو قريبا منها ثم خرج غازيا إلى خيبر وكان الله عز وجل وعده إياها وهو بالحديبية. وقال مالك: كان فتح خيبر في السنة السادسة والجمهور على أنها في السابعة. وقطع أبو محمد بن حزم بأنها كانت في السادسة بلا شك ولعل الخلاف مبني على أول التاريخ هل هو شهر ربيع الأول شهر مقدمه المدينة أو من المحرم في أول السنة وللناس في هذا طريقان: فالجمهور على أن التاريخ وقع من المحرم وأبو محمد بن حزم يرى أنه من شهر ربيع الأول حين قدم (وكان أول من أرخ بالهجرة يعلى بن أمية باليمن) كما رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح وقيل: عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة ست عشرة من الهجرة. وقال ابن إسحاق: حدثني الزهري عن عروة عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أنهما حدثاه جميعا قالا: انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة فأعطاه الله عز وجل فيها خيبر وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه [الفتح: 20] [الفتح: 20] خيبر فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في ذي الحجة فأقام بها(3\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1187",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9753",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حتى سار إلى خيبر في المحرم فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجيع - واد بين خيبر وغطفان - فتخوف أن تمدهم غطفان فبات به حتى أصبح فغدا إليهم. انتهى واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة وقدم أبو هريرة حينئذ المدينة فوافى سباع بن عرفطة في صلاة الصبح فسمعه يقرأ في الركعة الأولى: كهيعص وفي الثانية: ويل للمطففين. فقال في نفسه: ويل لأبي فلان له مكيالان إذا اكتال اكتال بالوافي وإذا كال كال بالناقص. فلما فرغ من صلاته أتى سباعا فزوده حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلم المسلمين فأشركوه وأصحابه في سهمانهم. وقال سلمة بن الأكوع: quot; خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنيهاتك وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فاغفر فداء لك ما اقتفينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا وأنزلن سكينة علينا ... إنا إذا صيح بنا أتينا وبالصياح عولوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من هذا السائق قالوا: عامر. فقال: رحمه الله ) فقال رجل من القوم: وجبت يا رسول الله لولا أمتعتنا به قال: فأتينا خيبر فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة ثم إن الله تعالى فتح عليهم فلما أمسوا أوقدوا نيرانا كثيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما هذه النيران على أي شيء توقدون قالوا: على لحم. قال: على أي لحم قالوا: على لحم حمر إنسية.(3\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1188",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9754",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهريقوها واكسروها. فقال رجل: يا رسول الله أونهريقها ونغسلها فقال: أو ذاك ) فلما تصاف القوم خرج مرحب يخطر بسيفه وهو يقول: قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فنزل إليه عامر وهو يقول: قد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مغامر فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر فذهب عامر يسفل له وكان سيف عامر فيه قصر فرجع عليه ذباب سيفه فأصاب عين ركبته فمات منه فقال سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم: زعموا أن عامرا حبط عمله. فقال: ( كذب من قاله إن له أجرين - وجمع بين أصبعيه - إنه لجاهد مجاهد قل عربي مشى بها مثله ) .  [فصل في القدوم إلى خيبر] فصل ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر صلى بها الصبح وركب المسلمون فخرج أهل خيبر بمساحيهم ومكاتلهم ولا يشعرون بل خرجوا لأرضهم فلما رأوا الجيش قالوا: محمد والله محمد والخميس ثم رجعوا هاربين إلى حصونهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( الله أكبر خربت خيبر الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين )(3\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1189",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9755",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولما دنا النبي صلى الله عليه وسلم وأشرف عليها قال: quot; قفوا quot; فوقف الجيش فقال: ( اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها ونعوذ بك من شر هذه القرية وشر أهلها وشر ما فيها أقدموا بسم الله ) ولما كانت ليلة الدخول قال: ( لأعطين هذه الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه. فبات الناس يدوكون أيهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها فقال: أين علي بن أبي طالب فقالوا: يا رسول الله هو يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه. فأتي به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا قال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما(3\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1190",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9756",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يجب عليهم من حق الله فيه فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير من أن يكون لك حمر النعم ) . فخرج مرحب وهو يقول: أنا الذي سمتني أمي مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فبرز إليه علي وهو يقول: أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظره أوفيهم بالصاع كيل السندره فضرب مرحبا ففلق هامته وكان الفتح. ولما دنا علي رضي الله عنه من حصونهم اطلع يهودي من رأس الحصن فقال: من أنت فقال أنا علي بن أبي طالب. فقال اليهودي: علوتم وما أنزل على موسى. هكذا في quot; صحيح مسلم quot; أن ( علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الذي قتل مرحبا )(3\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1191",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9757",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال موسى بن عقبة: عن الزهري وأبي الأسود عن عروة. ويونس بن بكير عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن سهل أحد بني حارثة عن جابر بن عبد الله أن محمد بن مسلمة هو الذي قتله قال جابر في حديثه: ( خرج مرحب اليهودي من حصن خيبر قد جمع سلاحه وهو يرتجز ويقول: من يبارز فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لهذا فقال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله أنا والله الموتور الثائر قتلوا أخي بالأمس. يعني محمود بن مسلمة وكان قتل بخيبر فقال: قم إليه اللهم أعنه عليه. فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة فجعل كل واحد منهما يلوذ بها من صاحبه كلما لاذ بها منه اقتطع صاحبه بسيفه ما دونه منها حتى برز كل واحد منهما لصاحبه وصارت بينهما كالرجل القائم ما فيها فنن ثم حمل على محمد فضربه فاتقاه بالدرقة فوقع سيفه فيها فعضت به فأمسكته وضربه محمد بن مسلمة فقتله ) . وكذلك قال سلمة بن سلامة ومجمع بن حارثة: إن محمد بن مسلمة قتل مرحبا. قال الواقدي: وقيل: إن محمد بن مسلمة ضرب ساقي مرحب فقطعهما فقال مرحب: أجهز علي يا محمد. فقال محمد: ذق الموت كما ذاقه أخي محمود. وجاوزه ومر به علي رضي الله عنه فضرب عنقه وأخذ سلبه فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سلبه فقال محمد بن مسلمة: يا رسول الله ما قطعت رجليه ثم تركته إلا ليذوق الموت وكنت قادرا أن أجهز عليه. فقال علي رضي الله عنه: صدق ضربت عنقه بعد أن قطع رجليه. فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة سيفه ورمحه ومغفره وبيضته . وكان عند آل محمد بن مسلمة سيفه فيه كتاب لا يدرى ما فيه حتى قرأه يهودي فإذا فيه: هذا سيف مرحب ... من يذقه يعطب(3\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1192",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9758",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم خرج [بعد مرحب أخوه] ياسر فبرز إليه الزبير فقالت صفية أمه: يا رسول الله يقتل ابني قال: quot; بل ابنك يقتله إن شاء الله quot;. فقتله الزبير.  قال موسى بن عقبة: ثم دخل اليهود حصنا لهم منيعا يقال له: القموص فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبا من عشرين ليلة وكانت أرضا وخمة شديدة الحر فجهد المسلمون جهدا شديدا فذبحوا الحمر فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكلها وجاء عبد أسود حبشي من أهل خيبر كان في غنم لسيده فلما رأى أهل خيبر قد أخذوا السلاح سألهم: ما تريدون قالوا: نقاتل هذا الذي يزعم أنه نبي فوقع في نفسه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ( فأقبل بغنمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ماذا تقول وما تدعو إليه قال: أدعو إلى الإسلام وأن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وأن لا تعبد إلا الله. قال العبد: فما لي إن شهدت وآمنت بالله عز وجل قال: لك الجنة إن مت على ذلك. فأسلم ثم قال: يا نبي الله إن هذه الغنم عندي أمانة. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرجها من عندك وارمها بالحصباء فإن الله سيؤدي عنك أمانتك. ففعل فرجعت الغنم إلى سيدها فعلم اليهودي أن غلامه قد أسلم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فوعظهم وحضهم على الجهاد فلما التقى المسلمون واليهود قتل فيمن قتل العبد الأسود فاحتمله المسلمون إلى معسكرهم فأدخل في الفسطاط فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلع في الفسطاط ثم أقبل على أصحابه وقال: لقد أكرم الله هذا العبد وساقه إلى خير ولقد رأيت عند رأسه اثنتين من الحور العين ولم يصل لله سجدة قط ) . قال حماد بن سلمة: عن ثابت عن أنس: ( أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله إني رجل أسود اللون قبيح الوجه منتن الريح لا مال لي فإن قاتلت هؤلاء حتى أقتل أأدخل الجنة قال: نعم. فتقدم فقاتل حتى قتل فأتى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقتول فقال: لقد أحسن الله وجهك وطيب ريحك وكثر مالك. ثم قال: لقد رأيت زوجتيه من الحور العين ينزعان جبته عنه يدخلان فيما بين جلده وجبته ) .(3\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1193",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9759",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال شداد بن الهاد: ( جاء رجل من الأعراب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه فقال: أهاجر معك. فأوصى به بعض أصحابه فلما كانت غزوة خيبر غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فقسمه وقسم للأعرابي فأعطى أصحابه ما قسمه له وكان يرعى ظهرهم فلما جاء دفعوه إليه فقال: ما هذا قالوا: قسم قسمه لك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخذه فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا يا رسول الله قال: قسم قسمته لك. قال: ما على هذا اتبعتك ولكن اتبعتك على أن أرمى هاهنا - وأشار إلى حلقه - بسهم فأموت فأدخل الجنة. فقال: إن تصدق الله يصدقك. ثم نهض إلى قتال العدو فأتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقتول فقال: أهو هو قالوا: نعم. قال: صدق الله فصدقه. فكفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبته ثم قدمه فصلى عليه وكان من دعائه له: اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك قتل شهيدا وأنا عليه شهيد ) . قال الواقدي ( وتحولت اليهود إلى قلعة الزبير - حصن منيع في رأس قلة - فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام فجاء رجل من اليهود يقال له: عزال فقال: يا أبا القاسم إنك لو أقمت شهرا ما بالوا إن لهم شرابا وعيونا تحت الأرض يخرجون بالليل فيشربون منها ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك فإن قطعت مشربهم عليهم أصحروا لك. فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مائهم فقطعه عليهم فلما قطع عليهم خرجوا فقاتلوا أشد القتال وقتل من المسلمين نفر وأصيب نحو العشرة من اليهود وافتتحه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل الكتيبة والوطيح والسلالم حصن ابن أبي الحقيق فتحصن أهله أشد التحصن وجاءهم كل فل كان انهزم من النطاة والشق فإن خيبر كانت جانبين الأول: الشق والنطاة وهو الذي افتتحه أولا والجانب الثاني: الكتيبة والوطيح والسلالم فجعلوا لا يخرجون من حصونهم حتى هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينصب(3\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1194",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9760",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليهم المنجنيق فلما أيقنوا بالهلكة وقد حصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة عشر يوما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح وأرسل ابن أبي الحقيق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنزل فأكلمك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; نعم quot; فنزل ابن أبي الحقيق فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم على حقن دماء من في حصونهم من المقاتلة وترك الذرية لهم ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم ويخلون بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ما كان لهم من مال وأرض وعلى الصفراء والبيضاء والكراع والحلقة إلا ثوبا على ظهر إنسان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتموني شيئا quot;. فصالحوه على ذلك ) . قال حماد بن سلمة: أنبأنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم فغلب على الزرع والنخل والأرض فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء واشترط عليهم أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئا فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد فغيبوا مسكا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعم حيي بن أخطب: ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير . قال: أذهبته النفقات والحروب. فقال: العهد قريب والمال أكثر من ذلك. فدفعه رسول الله إلى الزبير فمسه بعذاب وقد كان قبل ذلك دخل خربة فقال: قد رأيت حييا يطوف في خربة ها هنا. فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة فقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابني أبي الحقيق وأحدهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءهم وذراريهم وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا وأراد أن يجليهم منها فقالوا: يا محمد دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها فنحن أعلم بها منكم. ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها وكانوا لا يفرغون يقومون عليها فأعطاهم خيبر على أن لهم(3\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1195",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9761",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشطر من كل زرع وكل ثمر ما بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم. وكان عبد الله بن رواحة يخرصه عليهم كما تقدم. ولم يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الصلح إلا ابني أبي الحقيق للنكث الذي نكثوا فإنهم شرطوا إن غيبوا أو كتموا فقد برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله فغيبوا فقال لهم: أين المال الذي خرجتم به من المدينة حين أجليناكم قالوا: ذهب. فحلفوا على ذلك فاعترف ابن عم كنانة عليهما بالمال حين دفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الزبير يعذبه. فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانة إلى محمد بن مسلمة فقتله  ويقال: إن كنانة هو كان قتل أخاه محمود بن مسلمة.  ( وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي بن أخطب وابنة عمتها وكانت صفية تحت كنانة بن أبي الحقيق وكانت عروسا حديثة عهد بالدخول فأمر بلالا أن يذهب بها إلى رحله فمر بها بلال وسط القتلى فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أذهبت الرحمة منك يا بلال!) وعرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام فأسلمت فاصطفاها لنفسه وأعتقها وجعل عتقها صداقها وبنى بها في الطريق وأولم عليها ورأى بوجهها خضرة فقال: ما هذا قالت: يا رسول الله أريت قبل قدومك علينا كأن القمر زال من مكانه فسقط في حجري ولا والله ما أذكر من شأنك شيئا فقصصتها على زوجي فلطم وجهي وقال: تمنين هذا الملك الذي بالمدينة)(3\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1196",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9762",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وشك الصحابة هل اتخذها سرية أو زوجة فقالوا: انظروا إن حجبها فهي إحدى نسائه وإلا فهي مما ملكت يمينه فلما ركب (جعل ثوبه الذي ارتدى به على ظهرها ووجهها ثم شد طرفه تحته فتأخروا عنه في المسير وعلموا أنها إحدى نسائه ولما قدم ليحملها على الرحل أجلته أن تضع قدمها على فخذه فوضعت ركبتها على فخذه ثم ركبت. ولما بنى بها بات أبو أيوب ليلته قائما قريبا من قبته آخذا بقائم السيف حتى أصبح فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر أبو أيوب حين رآه قد خرج فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك يا أبا أيوب فقال له: أرقت ليلتي هذه يا رسول الله لما دخلت بهذه المرأة ذكرت أنك قتلت أباها وأخاها وزوجها وعامة عشيرتها فخفت أن تغتالك. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له معروفا ) .  [فصل في قسم خيبر على المسلمين] فصل وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر على ستة وثلاثين سهما جمع كل سهم مائة سهم فكانت ثلاثة آلاف وستمائة سهم فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين النصف من ذلك وهو ألف وثمانمائة سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم كسهم أحد المسلمين وعزل النصف الآخر وهو ألف وثمانمائة سهم لنوائبه وما ينزل به من أمور المسلمين. قال البيهقي: وهذا لأن خيبر فتح شطرها عنوة وشطرها صلحا فقسم ما فتح عنوة بين أهل الخمس والغانمين وعزل ما فتح صلحا لنوائبه وما يحتاج إليه من أمور المسلمين.(3\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1197",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9763",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت: وهذا بناء منه على أصل الشافعي رحمه الله أنه يجب قسم الأرض المفتتحة عنوة كما تقسم سائر المغانم فلما لم يجده قسم النصف من خيبر قال: إنه فتح صلحا. ومن تأمل السير والمغازي حق التأمل تبين له أن خيبر إنما فتحت عنوة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم استولى على أرضها كلها بالسيف عنوة ولو فتح شيء منها صلحا لم يجلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم منها فإنه لما عزم على إخراجهم منها قالوا: نحن أعلم بالأرض منكم دعونا نكون فيها ونعمرها لكم بشطر ما يخرج منها. وهذا صريح جدا في أنها إنما فتحت عنوة وقد حصل بين اليهود والمسلمين بها من الحراب والمبارزة والقتل من الفريقين ما هو معلوم ولكن لما ألجئوا إلى حصنهم نزلوا على الصلح الذي بذلوه أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء والحلقة والسلاح ولهم رقابهم وذريتهم ويجلوا من الأرض فهذا كان الصلح ولم يقع بينهم صلح أن شيئا من أرض خيبر لليهود ولا جرى ذلك البتة ولو كان كذلك لم يقل: نقركم ما شئنا فكيف يقرهم في أرضهم ما شاء ولما كان عمر أجلاهم كلهم من الأرض ولم يصالحهم أيضا على أن الأرض للمسلمين وعليها خراج يؤخذ منهم هذا لم يقع فإنه لم يضرب على خيبر خراجا البتة. فالصواب الذي لا شك فيه أنها فتحت عنوة والإمام مخير في أرض العنوة بين قسمها ووقفها أو قسم بعضها ووقف البعض وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنواع الثلاثة فقسم قريظة والنضير ولم يقسم مكة وقسم شطر خيبر وترك شطرها وقد تقدم تقرير كون مكة فتحت عنوة بما لا مدفع له. وإنما قسمت على ألف وثمانمائة سهم لأنها كانت طعمة من الله لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب وكانوا ألفا وأربعمائة وكان معهم مائتا فرس لكل فرس سهمان فقسمت على ألف وثمانمائة سهم ولم يغب عن خيبر من أهل الحديبية إلا جابر بن عبد الله فقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم كسهم من حضرها.(3\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1198",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9764",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقسم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما وكانوا ألفا وأربعمائة وفيهم مائتا فارس هذا هو الصحيح الذي لا ريب فيه. وروى عبد الله العمري عن نافع عن ابن عمر أنه ( أعطى الفارس سهمين والراجل سهما ) قال الشافعي رحمه الله: كأنه سمع نافعا يقول: للفرس سهمين وللراجل سهما فقال: للفارس وليس يشك أحد من أهل العلم في تقدم عبيد الله بن عمر على أخيه في الحفظ وقد أنبأنا الثقة من أصحابنا عن إسحاق الأزرق الواسطي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ضرب للفرس بسهمين وللفارس بسهم ) . ثم روى من حديث أبي معاوية عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم للفارس ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه )  وهو في quot; الصحيحين quot; وكذلك رواه الثوري وأبو أسامة عن عبيد الله. قال الشافعي رحمه الله: وروى مجمع بن جارية أن النبي صلى الله عليه وسلم ( قسم سهام خيبر على ثمانية عشر سهما وكان الجيش ألفا وخمسمائة منهم ثلاثمائة فارس فأعطى الفارس سهمين والراجل سهما )(3\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1199",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9765",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الشافعي رحمه الله: ومجمع بن يعقوب - يعني راوي هذا الحديث عن أبيه عن عمه عبد الرحمن بن يزيد عن عمه مجمع بن جارية - شيخ لا يعرف فأخذنا في ذلك بحديث عبيد الله ولم نر له مثله خبرا يعارضه ولا يجوز رد خبر إلا بخبر مثله. قال البيهقي: والذي رواه مجمع بن يعقوب بإسناده في عدد الجيش وعدد الفرسان قد خولف فيه ففي رواية جابر وأهل المغازي: أنهم كانوا ألفا وأربعمائة وهم أهل الحديبية وفي رواية ابن عباس وصالح بن كيسان وبشير بن يسار وأهل المغازي: أن الخيل كانت مائتي فرس وكان للفرس سهمان ولصاحبه سهم ولكل راجل سهم. وقال أبو داود: حديث أبي معاوية أصح والعمل عليه وأرى الوهم في حديث مجمع أنه قال: ثلاثمائة فارس وإنما كانوا مائتي فارس. وقد روى أبو داود أيضا من حديث أبي عمرة عن أبيه قال: ( أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة نفر ومعنا فرس فأعطى كل إنسان منا سهما وأعطى الفرس سهمين )  وهذا الحديث في إسناده عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود وهو المسعودي وفيه ضعف. وقد روي الحديث عنه على وجه آخر فقال: ( أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة نفر معنا فرس فكان للفارس ثلاثة أسهم ) . ذكره أبو داود أيضا.  [قدوم جعفر بن أبي طالب والأشعريين] فصل وفي هذه الغزوة قدم عليه صلى الله عليه وسلم ابن عمه جعفر بن أبي طالب وأصحابه(3\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1200",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9766",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومعهم الأشعريون عبد الله بن قيس أبو موسى وأصحابه وكان فيمن قدم معهم أسماء بنت عميس. قال أبو موسى: بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن فخرجنا مهاجرين أنا وأخوان لي أنا أصغرهما أحدهما أبو رهم والآخر أبو بردة في بضع وخمسين رجلا من قومي فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده فقال جعفر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا وأمرنا بالإقامة فأقيموا معنا فأقمنا معه حتي قدمنا جميعا فوافقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر فأسهم لنا وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر شيئا إلا لمن شهد معه إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه قسم لهم معهم وكان ناس يقولون لنا: سبقناكم بالهجرة. قال: ( ودخلت أسماء بنت عميس على حفصة فدخل عليها عمر فقال: من هذه قالت أسماء. فقال عمر: سبقناكم بالهجرة نحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم. فغضبت وقالت: يا عمر كلا والله لقد كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم وكنا في أرض البعداء البغضاء وذلك في الله وفي رسوله وايم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن كنا نؤذى ونخاف وسأذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك. فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله إن عمر قال كذا وكذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما قلت له قالت: قلت له كذا وكذا. فقال: ليس بأحق بي منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان ) . وكان أبو موسى وأصحاب السفينة يأتون أسماء أرسالا يسألونها عن هذا الحديث ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;.(3\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1201",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9767",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولما قدم جعفر على النبي صلى الله عليه وسلم تلقاه وقبل جبهته وقال: ( والله ما أدري بأيهما أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر )  . وأما ما روي في هذه القصة أن جعفرا لما نظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم حجل يعني: مشى على رجل واحدة إعظاما لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجعله أشباه الدباب الرقاصون أصلا لهم في الرقص فقال البيهقي وقد رواه من طريق الثوري عن أبي الزبير عن جابر: وفي إسناده إلى الثوري من لا يعرف. قلت: ولو صح لم يكن في هذا حجة على جواز التشبه بالدباب والتكسر والتخنث في المشي المنافي لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن هذا لعله كان من عادة الحبشة تعظيما لكبرائها كضرب الجوك عند الترك ونحو ذلك فجرى جعفر على تلك العادة وفعلها مرة ثم تركها لسنة الإسلام فأين هذا من القفز والتكسر والتثني والتخنث! وبالله التوفيق. قال موسى بن عقبة: ( كانت بنو فزارة ممن قدم على أهل خيبر ليعينوهم فراسلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يعينوهم وأن يخرجوا عنهم ولكم من خيبر كذا وكذا فأبوا عليه فلما فتح الله عليه خيبر أتاه من كان ثم من بني فزارة فقالوا: وعدك الذي وعدتنا. فقال: لكم ذو الرقيبة. جبل من جبال خيبر فقالوا: إذا نقاتلك. فقال: موعدكم كذا. فلما سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا هاربين ) وقال الواقدي: قال أبو شييم المزني - وكان قد أسلم فحسن إسلامه -: ( لما نفرنا إلى أهلنا مع عيينة بن حصن رجع بنا عيينة فلما كان دون خيبر عرسنا من الليل ففزعنا فقال عيينة: أبشروا إني أرى الليلة في النوم أنني أعطيت ذا الرقيبة - جبلا بخيبر - قد والله أخذت برقبة محمد. فلما قدمنا خيبر قدم عيينة فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فتح خيبر. فقال: يا محمد أعطني ما غنمت من(3\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1202",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9768",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حلفائي فإني انصرفت عنك وقد فرغنا لك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبت ولكن الصياح الذي سمعت نفرك إلى أهلك. قال: أجزني يا محمد قال: لك ذو الرقيبة. قال: وما ذو الرقيبة قال: الجبل الذي رأيت في النوم أنك أخذته ) فانصرف عيينة فلما رجع إلى أهله جاءه الحارث بن عوف فقال: ألم أقل لك: إنك توضع في غير شيء والله ليظهرن محمد على ما بين المشرق والمغرب يهود كانوا يخبروننا بهذا أشهد لسمعت أبا رافع سلام بن أبي الحقيق يقول: إنا نحسد محمدا على النبوة حيث خرجت من بني هارون وهو نبي مرسل ويهود لا تطاوعني على هذا ولنا منه ذبحان: واحد بيثرب وآخر بخيبر. قال الحارث: قلت لسلام: يملك الأرض جميعا قال: نعم والتوراة التي أنزلت على موسى وما أحب أن تعلم يهود بقولي فيه.  [قصة سم يهودية النبي صلى الله عليه وسلم] فصل وفي هذه الغزاة ( سم رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له زينب بنت الحارث اليهودية امرأة سلام بن مشكم شاة مشوية قد سمتها وسألت: أي اللحم أحب إليه فقالوا: الذراع. فأكثرت من السم في الذراع فلما انتهش من ذراعها أخبره الذراع بأنه مسموم فلفظ الأكلة ثم قال: quot; اجمعوا لي من ها هنا من اليهود. فجمعوا له فقال لهم: إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقي فيه قالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أبوكم قالوا: أبونا فلان. قال: كذبتم أبوكم فلان. قالوا: صدقت وبررت. قال: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه quot;. قالوا: نعم يا أبا القاسم وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أهل النار فقالوا: نكون فيها يسيرا ثم تخلفوننا فيها. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: اخسئوا فيها فوالله لا نخلفكم فيها أبدا. ثم قال: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه قالوا: نعم. قال: أجعلتم في هذه الشاة سما قالوا: نعم. قال: فما حملكم على ذلك قالوا:(3\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1203",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9769",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أردنا إن كنت كاذبا نستريح منك وإن كنت نبيا لم يضرك ) . ( وجيء بالمرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: أردت قتلك. فقال: ما كان الله ليسلطك علي. قالوا: ألا نقتلها قال: لا. ولم يتعرض لها ولم يعاقبها )  واحتجم على الكاهل وأمر من أكل منها فاحتجم فمات بعضهم واختلف في قتل المرأة فقال الزهري: أسلمت فتركها ذكره عبد الرزاق عن معمر عنه ثم قال معمر: والناس تقول: قتلها النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو داود: حدثنا وهب بن بقية قال: حدثنا خالد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له يهودية بخيبر شاة مصلية. وذكر القصة وقال: فمات بشر بن البراء بن معرور فأرسل إلى اليهودية: ما حملك على الذي صنعت قال جابر: فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلت ) قلت: كلاهما مرسل ورواه حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة متصلا أنه قتلها لما مات بشر بن البراء. وقد وفق بين الروايتين بأنه لم يقتلها أولا فلما مات بشر قتلها. وقد اختلف: هل أكل النبي صلى الله عليه وسلم منها أو لم يأكل وأكثر الروايات أنه أكل منها وبقي بعد ذلك ثلاث سنين حتى قال في وجعه الذي مات فيه: ( ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر فهذا أوان انقطاع الأبهر مني ) .(3\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1204",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9770",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الزهري: فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا. قال موسى بن عقبة وغيره: وكان بين قريش حين سمعوا بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر تراهن عظيم وتبايع فمنهم من يقول: يظهر محمد وأصحابه ومنهم يقول: يظهر الحليفان ويهود خيبر وكان الحجاج بن علاط السلمي قد أسلم وشهد فتح خيبر وكانت تحته أم شيبة أخت بني عبد الدار بن قصي وكان الحجاج مكثرا من المال كانت له معادن بأرض بني سليم فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على خيبر قال الحجاج بن علاط: إن لي ذهبا عند امرأتي وإن تعلم هي وأهلها بإسلامي فلا مال لي فأذن لي فلأسرع السير وأسبق الخبر ولأخبرن أخبارا إذا قدمت أدرأ بها عن مالي ونفسي. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قدم مكة قال لامرأته: أخفي علي واجمعي ما كان لي عندك من مال فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه فإنهم قد استبيحوا وأصيبت أموالهم وإن محمدا قد أسر وتفرق عنه أصحابه وإن اليهود قد أقسموا لتبعثن به إلى مكة ثم لتقتلنه بقتلاهم بالمدينة وفشا ذلك بمكة واشتد على المسلمين وبلغ منهم وأظهر المشركون الفرح والسرور فبلغ العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم زجلة الناس وجلبتهم وإظهارهم السرور فأراد أن يقوم ويخرج فانخزل ظهره فلم يقدر على القيام فدعا ابنا له يقال له: قثم وكان يشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل العباس يرتجز ويرفع صوته لئلا يشمت به أعداء الله: حبي قثم حبي قثم ... شبيه ذي الأنف الأشم نبي ربي ذي النعم ... برغم أنف من رغم(3\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1205",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9771",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحشر إلى باب داره رجال كثيرون من المسلمين والمشركين منهم المظهر للفرح والسرور ومنهم الشامت المغري ومنهم من به مثل الموت من الحزن والبلاء فلما سمع المسلمون رجز العباس وتجلده طابت نفوسهم وظن المشركون أنه قد أتاه ما لم يأتهم ثم أرسل العباس غلاما له إلى الحجاج وقال له: اخل به وقل له: ويلك ما جئت به وما تقول فالذي وعد الله خير مما جئت به. فلما كلمه الغلام قال له: اقرأ على أبي الفضل السلام وقل له: فليخل بي في بعض بيوته حتى آتيه فإن الخبر على ما يسره. فلما بلغ العبد باب الدار قال: أبشر يا أبا الفضل. فوثب العباس فرحا كأنه لم يصبه بلاء قط حتى جاءه وقبل ما بين عينيه فأخبره بقول الحجاج فأعتقه ثم قال: أخبرني. قال: يقول لك الحجاج: اخل به في بعض بيوتك حتى يأتيك ظهرا. فلما جاءه الحجاج وخلا به أخذ عليه لتكتمن خبري فوافقه عباس على ذلك فقال له الحجاج: جئت وقد افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وغنم أموالهم وجرت فيها سهام الله وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفى صفية بنت حيي لنفسه وأعرس بها ولكن جئت لمالي أردت أن أجمعه وأذهب به وإني استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقول فأذن لي أن أقول ما شئت فأخف علي ثلاثا ثم اذكر ما شئت. قال: فجمعت له امرأته متاعه ثم انشمر راجعا فلما كان بعد ثلاث أتى العباس امرأة الحجاج فقال: ما فعل زوجك قالت: ذهب وقالت: لا يحزنك الله يا أبا الفضل لقد شق علينا الذي بلغك. فقال: أجل لا يحزنني الله ولم يكن بحمد الله إلا ما أحب فتح الله على رسوله خيبر وجرت فيها سهام الله واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه فإن كان لك في زوجك حاجة فالحقي به. قالت: أظنك والله صادقا. قال: فإني والله صادق والأمر على ما أقول لك. قالت: فمن أخبرك بهذا قال: الذي أخبرك بما أخبرك. ثم ذهب حتى أتى مجالس قريش فلما رأوه قالوا: هذا والله التجلد يا أبا الفضل ولا يصيبك إلا خير. قال: أجل لم يصبني إلا خير والحمد لله أخبرني الحجاج بكذا وكذا وقد سألني أن أكتم(3\/300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1206",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9772",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه ثلاثا لحاجة فرد الله ما كان للمسلمين من كآبة وجزع على المشركين وخرج المسلمون من مواضعهم حتى دخلوا على العباس فأخبرهم الخبر فأشرقت وجوه المسلمين.  [فصل فيما كان في غزوة خيبر من الأحكام الفقهية] [جواز القتال في الأشهر الحرم] فصل فيما كان في غزوة خيبر من الأحكام الفقهية فمنها محاربة الكفار ومقاتلتهم في الأشهر الحرم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع من الحديبية في ذي الحجة فمكث بها أياما ثم سار إلى خيبر في المحرم كذلك قال الزهري عن عروة عن مروان والمسور بن مخرمة وكذلك قال الواقدي: خرج في أول سنة سبع من الهجرة. ولكن في الاستدلال بذلك نظر فإن خروجه كان في أواخر المحرم لا في أوله وفتحها إنما كان في صفر. وأقوى من هذا الاستدلال بيعة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عند الشجرة بيعة الرضوان على القتال وألا يفروا وكانت في ذي القعدة ولكن لا دليل في ذلك لأنه إنما بايعهم على ذلك لما بلغه أنهم قد قتلوا عثمان وهم يريدون قتاله فحينئذ بايع الصحابة ولا خلاف في جواز القتال في الشهر الحرام إذا بدأ العدو إنما الخلاف أن يقاتل فيه ابتداء فالجمهور جوزوه وقالوا: تحريم القتال فيه منسوخ وهو مذهب الأئمة الأربعة رحمهم الله. وذهب عطاء وغيره إلى أنه ثابت غير منسوخ وكان عطاء يحلف بالله ما يحل القتال في الشهر الحرام ولا نسخ تحريمه شيء. وأقوى من هذين الاستدلالين الاستدلال بحصار النبي صلى الله عليه وسلم للطائف فإنه خرج إليها في أواخر شوال فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة فبعضها كان في ذي(3\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1207",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9773",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القعدة فإنه ( فتح مكة لعشر بقين من رمضان وأقام بها بعد الفتح تسع عشرة يقصر الصلاة )  فخرج إلى هوازن وقد بقي من شوال عشرون يوما ففتح الله عليه هوازن وقسم غنائمها ثم ذهب منها إلى الطائف فحاصرها بضعا وعشرين ليلة وهذا يقتضي أن بعضها في ذي القعدة بلا شك. وقد قيل: إنما حاصرهم بضع عشرة ليلة. قال ابن حزم: وهو الصحيح بلا شك وهذا عجيب منه فمن أين له هذا التصحيح والجزم به وفي quot; الصحيحين quot; عن أنس بن مالك في قصة الطائف قال: ( فحاصرناهم أربعين يوما فاستعصوا وتمنعوا ) وذكر الحديث فهذا الحصار وقع في ذي القعدة بلا ريب ومع هذا فلا دليل في القصة لأن غزو الطائف كان من تمام غزوة هوازن وهم بدءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتال ولما انهزموا دخل ملكهم وهو مالك بن عوف النضري مع ثقيف في حصن الطائف محاربين رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان غزوهم من تمام الغزوة التي شرع فيها والله أعلم. وقال الله تعالى في سورة المائدة وهي من آخر القرآن نزولا وليس فيها منسوخ: ياأيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد [المائدة: 2] [المائدة: 2] . وقال في سورة البقرة: يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله [البقرة: 217] [البقرة: 217] فهاتان آيتان مدنيتان بينهما في النزول نحو ثمانية أعوام وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ناسخ لحكمهما ولا أجمعت الأمة على نسخه ومن استدل على نسخه بقوله تعالى:(3\/302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1208",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9774",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقاتلوا المشركين كافة [التوبة: 36] [التوبة: 36] ونحوها من العمومات فقد استدل على النسخ بما لا يدل عليه ومن استدل عليه بأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا عامر في سرية إلى أوطاس في ذي القعدة فقد استدل بغير دليل لأن ذلك كان من تمام الغزوة التي بدأ فيها المشركون بالقتال ولم يكن ابتداء منه لقتالهم في الشهر الحرام.  [فصل في قسمة الغنائم] فصل ومنها: قسمة الغنائم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم وقد تقدم تقريره. ومنها: أنه يجوز لآحاد الجيش إذا وجد طعاما أن يأكله ولا يخمسه كما أخذ عبد الله بن المغفل جراب الشحم الذي دلي يوم خيبر واختص به بمحضر النبي صلى الله عليه وسلم. ومنها: أنه إذا لحق مدد بالجيش بعد تقضي الحرب فلا سهم له إلا بإذن الجيش ورضاهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم كلم أصحابه في أهل السفينة حين قدموا عليه بخيبر - جعفر وأصحابه - أن يسهم لهم فأسهم لهم.  [فصل في تحريم لحوم الحمر الإنسية فصل ومنها تحريم لحوم الحمر الإنسية صح عنه تحريمها يوم خيبر وصح عنه تعليل التحريم بأنها رجس وهذا مقدم على قول من قال من الصحابة: إنما حرمها لأنها كانت ظهر القوم وحمولتهم فلما قيل له: فني الظهر وأكلت الحمر حرمها وعلى قول من قال: إنما حرمها لأنها لم تخمس وعلى قول من قال: إنما حرمها لأنها كانت حول القرية وكانت تأكل العذرة وكل هذا في quot; الصحيح quot; لكن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنها رجس) مقدم على هذا كله لأنه من ظن الراوي وقوله بخلاف التعليل بكونها رجسا.(3\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1209",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9775",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا تعارض بين هذا التحريم وبين قوله تعالى: قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله [الأنعام: 145] [الأنعام: 145]  فإنه لم يكن قد حرم حين نزول هذه الآية من المطاعم إلا هذه الأربعة والتحريم كان يتجدد شيئا فشيئا فتحريم الحمر بعد ذلك تحريم مبتدأ لما سكت عنه النص لا أنه رافع لما أباحه القرآن ولا مخصص لعمومه فضلا عن أن يكون ناسخا. والله أعلم.] [فصل في تحريم المتعة عام الفتح] فصل ولم تحرم المتعة يوم خيبر وإنما كان تحريمها عام الفتح هذا هو الصواب وقد ظن طائفة من أهل العلم أنه حرمها يوم خيبر واحتجوا بما في quot; الصحيحين quot; من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه quot; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية ) . وفي quot; الصحيحين quot; أيضا: ( أن عليا رضي الله عنه سمع ابن عباس يلين في متعة النساء فقال: مهلا يا ابن عباس فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية ) . وفي لفظ للبخاري عنه ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية ) .(3\/304)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1210",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9776",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولما رأى هؤلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباحها عام الفتح ثم حرمها قالوا: حرمت ثم أبيحت ثم حرمت. قال الشافعي: لا أعلم شيئا حرم ثم أبيح ثم حرم إلا المتعة قالوا: نسخت مرتين. وخالفهم في ذلك آخرون وقالوا: لم تحرم إلا عام الفتح وقبل ذلك كانت مباحة. قالوا: وإنما جمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه بين الإخبار بتحريمها وتحريم الحمر الأهلية لأن ابن عباس كان يبيحهما فروى له علي تحريمهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ردا عليه وكان تحريم الحمر يوم خيبر بلا شك وقد ذكر يوم خيبر ظرفا لتحريم الحمر وأطلق تحريم المتعة ولم يقيده بزمن كما جاء ذلك في quot; مسند الإمام أحمد quot; بإسناد صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( حرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر وحرم متعة النساء )  وفي لفظ: ( حرم متعة النساء وحرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر )  هكذا رواه سفيان بن عيينة مفصلا مميزا فظن بعض الرواة أن يوم خيبر زمن للتحريمين فقيدهما به ثم جاء بعضهم فاقتصر على أحد المحرمين وهو تحريم الحمر وقيده بالظرف فمن ها هنا نشأ الوهم. وقصة خيبر لم يكن فيها الصحابة يتمتعون باليهوديات ولا استأذنوا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نقله أحد قط في هذه الغزوة ولا كان للمتعة فيها ذكر البتة لا فعلا ولا تحريما بخلاف غزاة الفتح فإن قصة المتعة كانت فيها فعلا وتحريما مشهورة وهذه الطريقة أصح الطريقتين. وفيها طريقة ثالثة وهي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحرمها تحريما عاما البتة بل حرمها عند الاستغناء عنها وأباحها عند الحاجة إليها وهذه كانت طريقة ابن عباس حتى كان يفتي بها ويقول: (هي كالميتة والدم ولحم الخنزير تباح عند الضرورة وخشية العنت)  فلم يفهم عنه أكثر الناس ذلك وظنوا أنه أباحها إباحة مطلقة وشببوا في ذلك بالأشعار فلما رأى ابن عباس ذلك رجع إلى القول بالتحريم.(3\/305)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1211",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9777",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في جواز المساقاة والمزارعة بجزء مما يخرج من الأرض] فصل ومنها: جواز المساقاة والمزارعة بجزء مما يخرج من الأرض من ثمر أو زرع كما عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على ذلك واستمر ذلك إلى حين وفاته لم ينسخ البتة واستمر عمل خلفائه الراشدين عليه وليس هذا من باب المؤاجرة في شيء بل من باب المشاركة وهو نظير المضاربة سواء فمن أباح المضاربة وحرم ذلك فقد فرق بين متماثلين.  [فصل في عدم اشتراط كون البذر من رب الأرض] فصل ومنها أنه دفع إليهم الأرض على أن يعملوها من أموالهم ولم يدفع إليهم البذر ولا كان يحمل إليهم البذر من المدينة قطعا فدل على أن هديه عدم اشتراط كون البذر من رب الأرض وأنه يجوز أن يكون من العامل وهذا كان هدي خلفائه الراشدين من بعده وكما أنه هو المنقول فهو الموافق للقياس فإن الأرض بمنزلة رأس المال في القراض والبذر يجري مجرى سقي الماء ولهذا يموت في الأرض ولا يرجع إلى صاحبه ولو كان بمنزلة رأس مال المضاربة لاشترط عوده إلى صاحبه وهذا يفسد المزارعة فعلم أن القياس الصحيح هو الموافق لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين في ذلك. والله أعلم.  [فصل في خرص الثمار على رءوس النخل] فصل ومنها: خرص الثمار على رءوس النخل وقسمتها كذلك وأن القسمة ليست بيعا. ومنها: الاكتفاء بخارص واحد وقاسم واحد. ومنها: جواز عقد المهادنة عقدا جائزا للإمام فسخه متى شاء. ومنها: جواز تعليق عقد الصلح والأمان بالشرط كما عقد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرط أن لا يغيبوا ولا يكتموا.(3\/306)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1212",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9778",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: جواز تقرير أرباب التهم بالعقوبة وأن ذلك من الشريعة العادلة لا من السياسة الظالمة. ومنها: الأخذ في الأحكام بالقرائن والأمارات كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لكنانة: ( المال كثير والعهد قريب )  فاستدل بهذا على كذبه في قوله: أذهبته الحروب والنفقة. ومنها: أن من كان القول قوله إذا قامت قرينة على كذبه لم يلتفت إلى قوله ونزل منزلة الخائن. ومنها: أن أهل الذمة إذا خالفوا شيئا مما شرط عليهم لم يبق لهم ذمة وحلت دماؤهم وأموالهم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد لهؤلاء الهدنة وشرط عليهم أن لا يغيبوا ولا يكتموا فإن فعلوا حلت دماؤهم وأموالهم فلما لم يفوا بالشرط استباح دماءهم وأموالهم وبهذا اقتدى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الشروط التي اشترطها على أهل الذمة فشرط عليهم أنهم متى خالفوا شيئا منها فقد حل له منهم ما يحل من أهل الشقاق والعداوة. ومنها: جواز نسخ الأمر قبل فعله فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بكسر القدور ثم نسخه عنهم بالأمر بغسلها. ومنها: أن ما لا يؤكل لحمه لا يطهر بالذكاة لا جلده ولا لحمه وأن ذبيحته بمنزلة موته وأن الذكاة إنما تعمل في مأكول اللحم. ومنها: أن من أخذ من الغنيمة شيئا قبل قسمتها لم يملكه وإن كان دون حقه وأنه إنما يملكه بالقسمة ولهذا قال في صاحب الشملة التي غلها: (إنها تشتعل عليه نارا)  . وقال لصاحب الشراك الذي غله: (شراك من نار)  .(3\/307)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1213",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9779",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: أن الإمام مخير في أرض العنوة بين قسمتها وتركها وقسم بعضها وترك بعضها. ومنها: جواز التفاؤل بل استحبابه بما يراه أو يسمعه مما هو من أسباب ظهور الإسلام وإعلامه كما تفاءل النبي صلى الله عليه وسلم برؤية المساحي والفؤوس والمكاتل مع أهل خيبر فإن ذلك فأل في خرابها.  ومنها: جواز إجلاء أهل الذمة من دار الإسلام إذا استغني عنهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( نقركم ما أقركم الله )  وقال لكبيرهم: ( كيف بك إذا رقصت بك راحلتك نحو الشام يوما ثم يوما )  وأجلاهم عمر بعد موته صلى الله عليه وسلم وهذا مذهب محمد بن جرير الطبري وهو قول قوي يسوغ العمل به إذا رأى الإمام فيه المصلحة. ولا يقال: أهل خيبر لم تكن لهم ذمة بل كانوا أهل هدنة فهذا كلام لا حاصل تحته فإنهم كانوا أهل ذمة قد أمنوا بها على دمائهم وأموالهم أمانا مستمرا نعم لم تكن الجزية قد شرعت ونزل فرضها وكانوا أهل ذمة بغير جزية فلما نزل فرض الجزية استؤنف ضربها على من يعقد له الذمة من أهل الكتاب والمجوس فلم يكن عدم أخذ الجزية منهم لكونهم ليسوا أهل ذمة بل لأنها لم تكن نزل فرضها بعد. وأما كون العقد غير مؤبد فذاك لمدة إقرارهم في أرض خيبر لا لمدة حقن دمائهم ثم يستبيحها الإمام متى شاء فلهذا قال: ( نقركم ما أقركم الله أو ما شئنا )  ولم يقل: نحقن دماءكم ما شئنا. وهكذا كان عقد الذمة لقريظة والنضير عقدا مشروطا بأن لا يحاربوه ولا يظاهروا عليه ومتى فعلوا فلا ذمة لهم وكانوا أهل ذمة بلا جزية إذ لم يكن نزل فرضها إذ ذاك واستباح رسول الله صلى الله عليه وسلم سبي نسائهم وذراريهم وجعل نقض العهد ساريا في حق النساء والذرية وجعل حكم الساكت والمقر حكم الناقض والمحارب وهذا موجب هديه صلى الله عليه وسلم في أهل الذمة بعد الجزية أيضا أن يسري نقض العهد في(3\/308)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1214",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9780",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذريتهم ونسائهم ولكن هذا إذا كان الناقضون طائفة لهم شوكة ومنعة أما إذا كان الناقض واحدا من طائفة لم يوافقه بقيتهم فهذا لا يسري النقض إلى زوجته وأولاده كما أن من أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دماءهم ممن كان يسبه لم يسب نساءهم وذريتهم فهذا هديه في هذا وهو الذي لا محيد عنه وبالله التوفيق. ومنها: جواز عتق الرجل أمته وجعل عتقها صداقا لها ويجعلها زوجته بغير إذنها ولا شهود ولا ولي غيره ولا لفظ إنكاح ولا تزويج كما فعل صلى الله عليه وسلم بصفية ولم يقل قط: هذا خاص بي ولا أشار إلى ذلك مع علمه باقتداء أمته به ولم يقل أحد من الصحابة: إن هذا لا يصلح لغيره بل رووا القصة ونقلوها إلى الأمة ولم يمنعوهم ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاقتداء به في ذلك والله سبحانه لما خصه في النكاح بالموهوبة قال: خالصة لك من دون المؤمنين [الأحزاب: 50] [الأحزاب: 50]  فلو كانت هذه خالصة له من دون أمته لكان هذا التخصيص أولى بالذكر لكثرة ذلك من السادات مع إمائهم بخلاف المرأة التي تهب نفسها للرجل لندرته وقلته أو مثله في الحاجة إلى البيان ولا سيما والأصل مشاركة الأمة له واقتداؤها به فكيف يسكت عن منع الاقتداء به في ذلك الموضع الذي لا يجوز مع قيام مقتضى الجواز هذا شبه المحال ولم تجتمع الأمة على عدم الاقتداء به في ذلك فيجب المصير إلى إجماعهم وبالله التوفيق. والقياس الصحيح يقتضي جواز ذلك فإنه يملك رقبتها ومنفعة وطئها وخدمتها فله أن يسقط حقه من ملك الرقبة ويستبقي ملك المنفعة أو نوعا منها كما لو أعتق عبده وشرط عليه أن يخدمه ما عاش فإذا أخرج المالك رقبة ملكه واستثنى نوعا من منفعته لم يمنع من ذلك في عقد البيع فكيف يمنع منه في عقد النكاح ولما كانت منفعة البضع لا تستباح إلا بعقد نكاح أو ملك يمين وكان إعتاقها يزيل ملك اليمين عنها كان من ضرورة استباحة هذه المنفعة جعلها زوجة وسيدها كان يلي(3\/309)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1215",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9781",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نكاحها وبيعها ممن شاء بغير رضاها فاستثنى لنفسه ما كان يملكه منها ولما كان من ضرورته عقد النكاح ملكه لأن بقاء ملكه المستثنى لا يتم إلا به فهذا محض القياس الصحيح الموافق للسنة الصحيحة والله أعلم. ومنها: جواز كذب الإنسان على نفسه وعلى غيره إذا لم يتضمن ضرر ذلك الغير إذا كان يتوصل بالكذب إلى حقه كما كذب الحجاج بن علاط على المسلمين حتى أخذ ماله من مكة من غير مضرة لحقت المسلمين من ذلك الكذب وأما ما نال من بمكة من المسلمين من الأذى والحزن فمفسدة يسيرة في جنب المصلحة التي حصلت بالكذب ولا سيما تكميل الفرح والسرور وزيادة الإيمان الذي حصل بالخبر الصادق بعد هذا الكذب فكان الكذب سببا في حصول هذه المصلحة الراجحة ونظير هذا الإمام والحاكم يوهم الخصم خلاف الحق ليتوصل بذلك إلى استعلام الحق كما ( أوهم سليمان بن داود إحدى المرأتين بشق الولد نصفين حتى توصل بذلك إلى معرفة عين الأم ) ومنها: جواز بناء الرجل بامرأته في السفر وركوبها معه على دابة بين الجيش. ومنها: أن من قتل غيره بسم يقتل مثله قتل به قصاصا كما قتلت اليهودية ببشر بن البراء. ومنها: جواز الأكل من ذبائح أهل الكتاب وحل طعامهم. ومنها: قبول هدية الكافر فإن قيل: فلعل المرأة قتلت لنقض العهد لحرابها بالسم لا قصاصا قيل: لو كان قتلها لنقض العهد لقتلت من حين أقرت أنها سمت الشاة ولم يتوقف قتلها على موت الآكل منها.(3\/310)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1216",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9782",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: فهلا قتلت بنقض العهد قيل: هذا حجة من قال: إن الإمام مخير في ناقض العهد كالأسير. فإن قيل: فأنتم توجبون قتله حتما كما هو منصوص أحمد وإنما القاضي أبو يعلى ومن تبعه قالوا: يخير الإمام فيه قيل: إن كانت قصة الشاة قبل الصلح فلا حجة فيها وإن كانت بعد الصلح فقد اختلف في نقض العهد بقتل المسلم على قولين فمن لم ير النقض به فظاهر ومن رأى النقض به فهل يتحتم قتله أو يخير فيه أو يفصل بين بعض الأسباب الناقضة وبعضها فيتحتم قتله بسبب السبب ويخير فيه إذا نقضه بحرابه ولحوقه بدار الحرب وإن نقضه بسواهما كالقتل والزنى بالمسلمة والتجسس على المسلمين وإطلاع العدو على عوراتهم فالمنصوص تعين القتل وعلى هذا فهذه المرأة لما سمت الشاة صارت بذلك محاربة وكان قتلها مخيرا فيه فلما مات بعض المسلمين من السم قتلت حتما إما قصاصا وإما لنقض العهد بقتلها المسلم فهذا محتمل. والله أعلم.  واختلف في فتح خيبر: هل كان عنوة أو كان بعضها صلحا وبعضها عنوة فروى أبو داود من حديث أنس ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا خيبر فأصبناها عنوة فجمع السبي ) وقال ابن إسحاق: سألت ابن شهاب فأخبرني ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر عنوة بعد القتال ) وذكر أبو داود عن ابن شهاب: ( بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر(3\/311)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1217",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9783",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنوة بعد القتال ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال ) قال ابن عبد البر: هذا هو الصحيح في أرض خيبر أنها كانت عنوة كلها مغلوبا عليها بخلاف فدك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم جميع أرضها على الغانمين لها الموجفين عليها بالخيل والركاب وهم أهل الحديبية ولم يختلف العلماء أن أرض خيبر مقسومة وإنما اختلفوا: هل تقسم الأرض إذا غنمت البلاد أو توقف فقال الكوفيون: الإمام مخير بين قسمتها كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأرض خيبر وبين إيقافها كما فعل عمر بسواد العراق. وقال الشافعي: تقسم الأرض كلها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر لأن الأرض غنيمة كسائر أموال الكفار. وذهب مالك إلى إيقافها اتباعا لعمر لأن الأرض مخصوصة من سائر الغنيمة بما فعل عمر في جماعة من الصحابة من إيقافها لمن يأتي بعده من المسلمين وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر يقول: ( لولا أن يترك آخر الناس لا شيء لهم ما افتتح المسلمون قرية إلا قسمتها سهمانا كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر سهمانا ) وهذا يدل على أن أرض خيبر قسمت كلها سهمانا كما قال ابن إسحاق. وأما من قال: إن خيبر كان بعضها صلحا وبعضها عنوة فقد وهم وغلط وإنما دخلت عليهم الشبهة بالحصنين اللذين أسلمهما أهلهما في حقن دمائهم فلما لم يكن أهل ذينك الحصنين من الرجال والنساء والذرية(3\/312)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1218",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9784",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مغنومين ظن أن ذلك لصلح ولعمري إن ذلك في الرجال والنساء والذرية كضرب من الصلح ولكنهم لم يتركوا أرضهم إلا بالحصار والقتال فكان حكم أرضهما حكم سائر أرض خيبر كلها عنوة غنيمة مقسومة بين أهلها. وربما شبه على من قال: إن نصف خيبر صلح ونصفها عنوة بحديث يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( قسم خيبر نصفين: نصفا له ونصفا للمسلمين ) قال أبو عمر: ولو صح هذا لكان معناه أن النصف له مع سائر من وقع في ذلك النصف معه لأنها قسمت على ستة وثلاثين سهما فوقع السهم للنبي صلى الله عليه وسلم وطائفة معه في ثمانية عشر سهما ووقع سائر الناس في باقيها وكلهم ممن شهد الحديبية ثم خيبر وليست الحصون التي أسلمها أهلها بعد الحصار والقتال صلحا ولو كانت صلحا لملكها أهلها كما يملك أهل الصلح أرضهم وسائر أموالهم فالحق في هذا ما قاله ابن إسحاق دون ما قاله موسى بن عقبة وغيره عن ابن شهاب. هذا آخر كلام أبي عمر. قلت: ذكر مالك عن ابن شهاب أن خيبر كان بعضها عنوة وبعضها صلحا والكتيبة أكثرها عنوة وفيها صلح. قال مالك: والكتيبة أرض خيبر وهو أربعون ألف عذق. وقال مالك عن الزهري عن ابن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( افتتح بعض خيبر عنوة )  [فصل في انصرافه صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى وادي القرى] فصل ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى وادي القرى وكان بها جماعة من(3\/313)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1219",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9785",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اليهود وقد انضاف إليهم جماعة من العرب فلما نزلوا استقبلهم يهود بالرمي وهم على غير تعبئة فقتل مدعم عبد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الناس: هنيئا له الجنة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا)  فلما سمع بذلك الناس جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشراك أو شراكين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (شراك من نار أو شراكان من نار)  . فعبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للقتال وصفهم ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة وراية إلى الحباب بن المنذر وراية إلى سهل بن حنيف وراية إلى عباد بن بشر ثم دعاهم إلى الإسلام وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم وحقنوا دماءهم وحسابهم على الله فبرز رجل منهم فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله ثم برز آخر فقتله ثم برز آخر فبرز إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقتله حتى قتل منهم أحد عشر رجلا كلما قتل منهم رجل دعا من بقي إلى الإسلام وكانت الصلاة تحضر ذلك اليوم فيصلي بأصحابه ثم يعود فيدعوهم إلى الإسلام وإلى الله ورسوله فقاتلهم حتى أمسوا وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا ما بأيديهم وفتحها عنوة وغنمه الله أموالهم وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي القرى أربعة أيام وقسم ما أصاب على أصحابه بوادي القرى وترك الأرض والنخل بأيدي اليهود وعاملهم عليها فلما بلغ يهود تيماء ما واطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر وفدك ووادي القرى صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقاموا بأموالهم فلما كان زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخرج يهود خيبر وفدك ولم يخرج أهل تيماء.(3\/314)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1220",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9786",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ووادي القرى لأنهما داخلتان في أرض الشام ويرى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز وأن ما وراء ذلك من الشام وانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راجعا إلى المدينة. فلما كان ببعض الطريق سار ليله حتى إذا كان ببعض الطريق أدركهم الكرى عرس وقال لبلال: quot;اكلأ لنا الليل quot; [فصلى بلال ما قدر له ونام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر]  فغلبت بلالا عيناه وهو مستند إلى راحلته فلم يستيقظ النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولهم استيقاظا ففزع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: quot; أي بلال quot; فقال أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك بأبي أنت وأمي يا رسول الله فاقتادوا رواحلهم شيئا حتى خرجوا من ذلك الوادي ثم قال: quot; هذا واد به شيطان quot; فلما جاوزه أمرهم أن ينزلوا وأن يتوضئوا ثم صلى سنة الفجر ثم أمر بلالا فأقام الصلاة وصلى بالناس ثم انصرف إليهم وقد رأى من فزعهم وقال: quot; يا أيها الناس إن الله قبض أرواحنا ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا فإذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها ثم فزع إليها فليصلها كما كان يصليها في وقتها quot; ثم التفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي بكر فقال: quot; إن الشيطان أتى بلالا وهو قائم يصلي فأضجعه فلم يزل يهدئه كما يهدأ الصبي حتى نام quot; ثم دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلالا فأخبره بمثل ما أخبر به أبا بكر . وقد روي أن هذه القصة كانت في مرجعهم من الحديبية وروي أنها كانت(3\/315)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1221",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9787",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في مرجعهم من غزوة تبوك وقد روى قصة النوم عن صلاة الصبح عمران بن حصين ولم يوقت مدتها ولا ذكر في أي غزوة كانت وكذلك رواها أبو قتادة كلاهما في قصة طويلة محفوظة. وروى مالك عن زيد بن أسلم أن ذلك كان بطريق مكة وهذا مرسل. وقد روى شعبة عن جامع بن شداد قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي علقمة قال: سمعت عبد الله بن مسعود قال: أقبلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمن الحديبية فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: quot; من يكلؤنا quot; فقال بلال: أنا  فذكر القصة. لكن قد اضطربت الرواة في هذه القصة فقال عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن جامع: إن الحارس فيها كان ابن مسعود وقال غندر عنه: إن الحارس كان بلالا واضطربت الرواية في تاريخها فقال المعتمر بن سليمان عن شعبة عنه: إنها كانت في غزوة تبوك وقال غيره عنه: إنها كانت في مرجعهم من الحديبية فدل على وهم وقع فيها ورواية الزهري عن سعيد سالمة من ذلك وبالله التوفيق.  [فصل في فقه هذه القصة] فصل في فقه هذه القصة فيها: أن من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يستيقظ أو يذكرها.(3\/316)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1222",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9788",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيها: أن السنن الرواتب تقضى كما تقضى الفرائض وقد قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة الفجر معها وقضى سنة الظهر وحدها وكان هديه - صلى الله عليه وسلم - قضاء السنن الرواتب مع الفرائض. وفيها: أن الفائتة يؤذن لها ويقام فإن في بعض طرق هذه القصة أنه أمر بلالا فنادى بالصلاة وفي بعضها فأمر بلالا فأذن وأقام ذكره أبو داود. وفيها: قضاء الفائتة جماعة. وفيها: قضاؤها على الفور لقوله: quot;فليصلها إذا ذكرها quot; وإنما أخرها عن مكان معرسهم قليلا لكونه مكانا فيه شيطان فارتحل منه إلى مكان خير منه وذلك لا يفوت المبادرة إلى القضاء فإنهم في شغل الصلاة وشأنها. وفيها: تنبيه على اجتناب الصلاة في أمكنة الشيطان كالحمام والحش بطريق الأولى فإن هذه منازله التي يأوي إليها ويسكنها فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك المبادرة إلى الصلاة في ذلك الوادي وقال: إن به شيطانا فما الظن بمأوى الشيطان وبيته.  [فصل في رد المهاجرين منائح الأنصار] فصل ولما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم إياها من النخيل حين صار لهم بخيبر مال ونخيل فكانت أم سليم - وهي أم أنس بن مالك - أعطت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عذاقا فأعطاهن أم أيمن مولاته وهي أم أسامة بن زيد فرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أم سليم عذاقها وأعطى أم أيمن مكانهن من حائطه مكان كل عذق عشرة quot;.  [فصل في السرايا بين مقدمه من خيبر إلى شوال] فصل وأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المدينة بعد مقدمه من خيبر إلى شوال وبعث في(3\/317)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1223",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9789",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خلال ذلك السرايا. فمنها: quot; سرية أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - إلى نجد قبل بني فزارة ومعه سلمة بن الأكوع فوقع في سهمه جارية حسناء فاستوهبها منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفادى بها أسرى من المسلمين كانوا بمكة quot;. ومنها: سرية عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في ثلاثين راكبا نحو هوازن فجاءهم الخبر فهربوا وجاءوا محالهم فلم يلق منهم أحدا فانصرف راجعا إلى المدينة فقال له الدليل: هل لك في جمع من خثعم جاءوا سائرين وقد أجدبت بلادهم فقال عمر: لم يأمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهم. ولم يعرض لهم. ومنها: سرية عبد الله بن رواحة في ثلاثين راكبا فيهم عبد الله بن أنيس إلى يسير بن رزام اليهودي فإنه بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يجمع غطفان ليغزوه بهم فأتوه بخيبر فقالوا: أرسلنا إليك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليستعملك على خيبر فلم يزالوا حتى تبعهم في ثلاثين رجلا مع كل رجل منهم رديف من المسلمين فلما بلغوا قرقرة نيار - وهي من خيبر على ستة أميال - ندم يسير فأهوى بيده إلى سيف عبد الله بن أنيس ففطن له عبد الله بن أنيس فزجر بعيره ثم اقتحم عن البعير يسوق القوم حتى إذا استمكن من يسير ضرب رجله فقطعها واقتحم يسير وفي يده مخرش من شوحط فضرب به وجه عبد الله فشجه مأمومة فانكفأ كل رجل من المسلمين على رديفه فقتله غير رجل من اليهود أعجزهم شدا ولم يصب من المسلمين أحد وقدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبصق في شجة(3\/318)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1224",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9790",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبد الله بن أنيس فلم تقح ولم تؤذه حتى مات. ومنها: سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى بني مرة بفدك في ثلاثين رجلا فخرج إليهم فلقي رعاء الشاء فاستاق الشاء والنعم ورجع إلى المدينة فأدركه الطلب عند الليل فباتوا يرمونهم بالنبل حتى فني نبل بشير وأصحابه فولى منهم من ولى وأصيب منهم من أصيب وقاتل بشير قتالا شديدا ورجع القوم بنعمهم وشائهم وتحامل بشير حتى انتهى إلى فدك فأقام عند يهود حتى برئت جراحه فرجع إلى المدينة. ثم بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية إلى الحرقة من جهينة وفيهم أسامة بن زيد فلما دنا منهم بعث الأمير الطلائع فلما رجعوا بخبرهم أقبل حتى إذا دنا منهم ليلا وقد احتلبوا وهدءوا قام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له وأن تطيعوني ولا تعصوني ولا تخالفوا أمري فإنه لا رأي لمن لا يطاع ثم رتبهم وقال: يا فلان أنت وفلان ويا فلان أنت وفلان لا يفارق كل منكما صاحبه وزميله وإياكم أن يرجع أحد منكم فأقول: أين صاحبك فيقول: لا أدري فإذا كبرت فكبروا وجردوا السيوف ثم كبروا وحملوا حملة واحدة وأحاطوا بالقوم وأخذتهم سيوف الله فهم يضعونها منهم حيث شاءوا وشعارهم quot;أمت أمت . وخرج أسامة في أثر رجل منهم يقال له مرداس بن نهيك فلما دنا منه ولحمه بالسيف قال: لا إله إلا الله فقتله ثم استاقوا الشاء والنعم والذرية وكانت سهمانهم عشرة أبعرة لكل رجل أو عدلها من النعم فلما قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبر بما صنع أسامة فكبر ذلك عليه وقال: quot; أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله فقال: إنما قالها متعوذا قال: فهلا شققت عن قلبه quot; ثم قال: quot;من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة quot; فما زال يكرر ذلك عليه حتى تمنى أن يكون أسلم(3\/319)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1225",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9791",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يومئذ وقال: يا رسول الله أعطي الله عهدا ألا أقتل رجلا يقول: لا إله إلا الله فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - quot; بعديquot; فقال: أسامة بعدك .  [فصل في سرية غالب الكلبي إلى بني الملوح] فصل وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غالب بن عبد الله الكلبي إلى بني الملوح بالكديد وأمره أن يغير عليهم. قال ابن إسحاق: فحدثني يعقوب بن عتبة عن مسلم بن عبد الله الجهني عن جندب بن مكيث الجهني قال: كنت في سريته فمضينا حتى إذا كنا بقديد لقينا به الحارث بن مالك بن البرصاء الليثي فأخذناه فقال: إنما جئت لأسلم فقال له غالب بن عبد الله: إن كنت إنما جئت لتسلم فلا يضرك رباط يوم وليلة وإن كنت على غير ذلك استوثقنا منك فأوثقه رباطا وخلف عليه رويجلا أسود وقال له: امكث معه حتى نمر عليك فإذا عازك فاحتز رأسه فمضينا حتى أتينا بطن الكديد فنزلناه عشية بعد العصر فبعثني أصحابي إليه فعمدت إلى تل يطلعني على الحاضر فانبطحت عليه وذلك قبل غروب الشمس فخرج رجل منهم فنظر فرآني منبطحا على التل فقال لامرأته: إني لأرى سوادا على هذا التل ما رأيته في أول النهار فانظري لا تكون الكلاب اجترت بعض أوعيتك فنظرت فقالت: لا والله لا أفقد شيئا. قال: فناوليني قوسي وسهمين من نبلي(3\/320)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1226",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9792",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فناولته فرماني بسهم فوضعه في جنبي فنزعته فوضعته ولم أتحرك ثم رماني بالآخر فوضعه في رأس منكبي فنزعته فوضعته ولم أتحرك فقال لامرأته: أما والله لقد خالطه سهامي ولو كان ربيئة لتحرك فإذا أصبحت فابتغي سهمي فخذيهما لا تمضغهما الكلاب علي قال: فأمهلناهم حتى إذا راحت روائحهم واحتلبوا وسكنوا وذهبت عتمة الليل شننا عليهم الغارة فقتلنا من قتلنا واستقنا النعم فوجهنا قافلين به وخرج صريخهم إلى قومهم وخرجنا سراعا حتى نمر بالحارث بن مالك وصاحبه فانطلقنا به معنا وأتانا صريخ الناس فجاءنا ما لا قبل لنا به حتى إذا لم يكن بيننا وبينهم إلا بطن الوادي من قديد أرسل الله عز وجل من حيث شاء سيلا لا والله ما رأينا قبل ذلك مطرا فجاء بما لا يقدر أحد يقدم علي فلقد رأيتهم وقوفا ينظرون إلينا ما يقدر أحد منهم أن يقدم عليه ونحن نحدوها فذهبنا سراعا حتى أسندناها في المشلل ثم حدرناها عنه فأعجزنا القوم بما في أيدينا. وقد قيل: إن هذه السرية هي السرية التي قبلها. والله أعلم.  [فصل في سرية بشير بن سعد إلى جمع يمن وغطفان وحيان] فصل ثم قدم حسيل بن نويرة وكان دليل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: quot; ما وراءك quot; قال: تركت جمعا من يمن وغطفان وحيان وقد بعث إليهم عيينة إما أن تسيروا إلينا وإما أن نسير إليكم فأرسلوا إليه أن سر إلينا وهم يريدونك أو بعض أطرافك فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر وعمر فذكر لهما ذلك فقالا جميعا: ابعث بشير بن سعد فعقد له لواء وبعث معه ثلاثمائة(3\/321)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1227",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9793",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجل وأمرهم أن يسيروا الليل ويكمنوا النهار وخرج معهم حسيل دليلا فساروا الليل وكمنوا النهار حتى أتوا أسفل خيبر حتى دنوا من القوم فأغاروا على سرحهم وبلغ الخبر جمعهم فتفرقوا فخرج بشير في أصحابه حتى أتى محالهم فيجدها ليس بها أحد فرجع بالنعم فلما كانوا بسلاح لقوا عينا لعيينة فقتلوه ثم لقوا جمع عيينة وعيينة لا يشعر بهم فناوشوهم ثم انكشف جمع عيينة وتبعهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأصابوا منهم رجلين فقدموا بهما على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسلما فأرسلهما. وقال الحارث بن عوف لعيينة وقد لقيه منهزما تعدو به فرسه: قف. قال: لا أقدر خلفي الطلب. فقال له الحارث: أما آن لك أن تبصر بعض ما أنت عليه وأن محمدا قد وطئ البلاد وأنت توضع في غير شيء قال الحارث: فأقمت من حين زالت الشمس إلى الليل وما أرى أحدا ولا طلبوه إلا الرعب الذي دخله.  [فصل في سرية ابن أبي حدرد] فصل وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن أبي حدرد الأسلمي في سرية وكان من قصته ما ذكر ابن إسحاق: أن رجلا من جشم بن معاوية يقال له: قيس بن رفاعة أو رفاعة بن قيس أقبل في عدد كثير حتى نزلوا بالغابة يريد أن يجمع قيسا على محاربة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان ذا اسم وشرف في جشم قال: فدعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجلين من المسلمين فقال: quot;اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتوا منه بخبر وعلم quot; فقدم إلينا شارفا عجفاء فحمل عليها أحدنا فوالله ما قامت به ضعفا حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم حتى استقلت وما كادت وقال: quot;تبلغوا على هذه quot; فخرجنا ومعنا سلاحنا من النبل والسيوف حتى إذا جئنا قريبا من الحاضر مع غروب الشمس فكمنت في ناحية وأمرت صاحبي فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم قلت لهما: إذا سمعتماني قد كبرت وشددت في(3\/322)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1228",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9794",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ناحية العسكر فكبرا وشدا معي فوالله إنا كذلك ننتظر أن نرى غرة أو نرى شيئا وقد غشينا الليل حتى ذهبت فحمة العشاء وقد كان لهم راع قد سرح في ذلك البلد فأبطأ عليهم حتى تخوفوا عليه فقام صاحبهم رفاعة بن قيس فأخذ سيفه فجعله في عنقه وقال: والله لأتبعن أثر راعينا هذا والله لقد أصابه شر فقال نفر ممن معه: والله لا تذهب نحن نكفيك فقال: والله لا يذهب إلا أنا. قالوا: فنحن معك وقال: والله لا يتبعني منكم أحد وخرج حتى يمر بي فلما أمكنني نفحته بسهم فوضعته في فؤاده فوالله ما تكلم فوثبت إليه فاحتززت رأسه ثم شددت في ناحية العسكر وكبرت وشد صاحباي فكبرا فوالله ما كان إلا النجاء ممن كان فيه: عندك عندك بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خف معهم من أموالهم واستقنا إبلا عظيمة وغنما كثيرة فجئنا بها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجئت برأسه أحمله معي فأعطاني من تلك الإبل ثلاثة عشر بعيرا في صداقي فجمعت إلي أهلي وكنت قد تزوجت امرأة من قومي فأصدقتها مائتي درهم فجئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أستعينه على نكاحي فقال: والله ما عندي ما أعينك فلبثت أياما ثم ذكر هذه السرية.  [فصل في بعثه سرية إلى إضم] فصل وبعث سرية إلى إضم وكان فيهم أبو قتادة ومحلم بن جثامة في نفر من المسلمين فمر بهم عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له معه متيع له ووطب من لبن فسلم عليهم بتحية الإسلام فأمسكوا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله لشيء كان بينه وبينه وأخذ بعيره ومتيعه فلما قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبروه الخبر فنزل فيهم القرآن: ياأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا [النساء: 94](3\/323)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1229",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9795",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[النساء: 94]  فلما قدموا أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: quot;أقتلته بعدما قال: آمنت باللهquot; ولما كان عام خيبر جاء عيينة بن بدر يطلب بدم عامر بن الأضبط الأشجعي وهو سيد قيس وكان الأقرع بن حابس يرد عن محلم وهو سيد خندف فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقوم عامر: quot;هل لكم أن تأخذوا الآن منا خمسين بعيرا وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة quot; فقال عيينة بن بدر: والله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحرقة مثل ما أذاق نسائي فلم يزل به حتى رضوا بالدية فجاءوا بمحلم حتى يستغفر له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما قام بين يديه قال: اللهم لا تغفر لمحلم وقالها ثلاثا فقام وإنه ليتلقى دموعه بطرف ثوبه . قال ابن إسحاق: وزعم قومه أنه استغفر له بعد ذلك. قال ابن إسحاق: وحدثني سالم أبو النضر قال: لم يقبلوا الدية حتى قام الأقرع بن حابس فخلا بهم فقال: يا معشر قيس سألكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتيلا تتركونه ليصلح به بين الناس فمنعتموه إياه. أفأمنتم أن يغضب عليكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيغضب الله عليكم لغضبه أو يلعنكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيلعنكم الله بلعنته والله لتسلمنه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لآتين بخمسين من بني تميم كلهم يشهدون أن القتيل ما صلى قط فلأطلن دمه فلما قال ذلك أخذوا الدية.(3\/324)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1230",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9796",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في سرية عبد الله بن حذافة السهمي] فصل في سرية عبد الله بن حذافة السهمي ثبت في quot; الصحيحين quot; من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: نزل قوله تعالى: ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم [النساء: 59] [النساء: 59]  في عبد الله بن حذافة السهمي بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سرية. وثبت في quot; الصحيحين quot; أيضا من حديث الأعمش عن سعيد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي - رضي الله عنه - قال: استعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا من الأنصار على سرية بعثهم وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا قال: فأغضبوه في شيء فقال: اجمعوا لي حطبا فجمعوا فقال: أوقدوا نارا فأوقدوا ثم قال: ألم يأمركم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تسمعوا لي وتطيعوا قالوا: بلى قال: فادخلوها قال: فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من النار فسكن غضبه وطفئت النار فلما قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكروا ذلك له فقال: quot;لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف quot; وهذا هو عبد الله بن حذافة السهمي.(3\/325)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1231",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9797",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: فلو دخلوها دخلوها طاعة لله ورسوله في ظنهم فكانوا متأولين مخطئين فكيف يخلدون فيها قيل: لما كان إلقاء نفوسهم في النار معصية يكونون بها قاتلي أنفسهم فهموا بالمبادرة إليها من غير اجتهاد منهم: هل هو طاعة وقربة أو معصية كانوا مقدمين على ما هو محرم عليهم ولا تسوغ طاعة ولي الأمر فيه لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فكانت طاعة من أمرهم بدخول النار معصية لله ورسوله فكانت هذه الطاعة هي سبب العقوبة لأنها نفس المعصية فلو دخلوها لكانوا عصاة لله ورسوله وإن كانوا مطيعين لولي الأمر فلم تدفع طاعتهم لولي الأمر معصيتهم لله ورسوله لأنهم قد علموا أن من قتل نفسه فهو مستحق للوعيد والله قد نهاهم عن قتل أنفسهم فليس لهم أن يقدموا على هذا النهي طاعة لمن لا تجب طاعته إلا في المعروف. فإذا كان هذا حكم من عذب نفسه طاعة لولي الأمر فكيف من عذب مسلما لا يجوز تعذيبه طاعة لولي الأمر. وأيضا فإذا كان الصحابة المذكورون لو دخلوها لما خرجوا منها مع قصدهم طاعة الله ورسوله بذلك الدخول فكيف بمن حمله على ما لا يجوز من الطاعة الرغبة والرهبة الدنيوية. وإذا كان هؤلاء لو دخلوها لما خرجوا منها مع كونهم قصدوا طاعة الأمير وظنوا أن ذلك طاعة لله ورسوله فكيف بمن دخلها من هؤلاء الملبسين(3\/326)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1232",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9798",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "عام عمرة القضية",
        "content": "إخوان الشياطين وأوهموا الجهال أن ذلك ميراث من إبراهيم الخليل وأن النار قد تصير عليهم بردا وسلاما كما صارت على إبراهيم وخيار هؤلاء ملبوس عليه يظن أنه دخلها بحال رحماني وإنما دخلها بحال شيطاني فإذا كان لا يعلم بذلك فهو ملبوس عليه وإن كان يعلم به فهو ملبس على الناس يوهمهم أنه من أولياء الرحمن وهو من أولياء الشيطان وأكثرهم يدخلها بحال بهتاني وتحيل إنساني فهم في دخولها في الدنيا ثلاثة أصناف: ملبوس عليه وملبس ومتحيل ونار الآخرة أشد عذابا وأبقى.  [فصل في عمرة القضية] [عام عمرة القضية] فصل في عمرة القضية قال نافع: كانت في ذي القعدة سنة سبع وقال سليمان التيمي: لما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خيبر بعث السرايا وأقام بالمدينة حتى استهل ذو القعدة ثم نادى في الناس بالخروج. قال موسى بن عقبة: ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العام المقبل من عام الحديبية معتمرا في ذي القعدة سنة سبع وهو الشهر الذي صده فيه المشركون عن المسجد الحرام حتى إذا بلغ يأجج وضع الأداة كلها الحجف والمجان والنبل والرماح ودخلوا بسلاح الراكب السيوف وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى ميمونة بنت الحارث بن حزن العامرية فخطبها إليه فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب وكانت أختها أم الفضل تحته فزوجها العباس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه فقال: quot;اكشفوا عن المناكب واسعوا في الطواف quot; ليرى المشركون جلدهم وقوتهم. وكان يكايدهم بكل ما استطاع فوقف أهل مكة: الرجال والنساء(3\/327)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1233",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9799",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والصبيان ينظرون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وهم يطوفون بالبيت وعبد الله بن رواحة بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرتجز متوشحا بالسيف يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله ... قد أنزل الرحمن في تنزيله في صحف تتلى على رسوله ... يا رب إني مؤمن بقيله إني رأيت الحق في قبوله ... اليوم نضربكم على تأويله ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله وتغيب رجال من المشركين كراهية أن ينظروا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حنقا وغيظا فأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة ثلاثا فلما أصبح من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مجلس الأنصار يتحدث مع سعد بن عبادة فصاح حويطب: نناشدك الله والعقد لما خرجت من أرضنا فقد مضت الثلاث فقال سعد بن عبادة: كذبت لا أم لك ليست بأرضك ولا أرض آبائك والله لا نخرج ثم نادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حويطبا أو سهيلا فقال: quot;إني قد نكحت منكم امرأة فما يضركم أن أمكث حتى أدخل بها ونضع الطعام فنأكل وتأكلون معنا quot; فقالوا: نناشدك الله والعقد إلا خرجت عنا فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا رافع فأذن بالرحيل وركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نزل بطن سرف فأقام بها وخلف أبا رافع ليحمل ميمونة إليه حين يمسي فأقام حتى قدمت ميمونة ومن معها وقد لقوا أذى وعناء من سفهاء المشركين وصبيانهم(3\/328)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1234",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9800",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "فصل في زواجه صلى الله عليه وسلم بميمونة وهو محرم",
        "content": "فبنى بها بسرف ثم أدلج وسار حتى قدم المدينة وقدر الله أن يكون قبر ميمونة بسرف حيث بنى بها.  [فصل في زواجه صلى الله عليه وسلم بميمونة وهو محرم] فصل وأما قول ابن عباس: quot; إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - quot;تزوج ميمونة وهو محرم وبنى بها وهو حلال quot; فمما استدرك عليه وعد من وهمه قال سعيد بن المسيب: ووهم ابن عباس وإن كانت خالته ما تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بعد ما حل. ذكره البخاري. وقال يزيد بن الأصم عن ميمونة: quot; تزوجني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن حلالان بسرف quot; رواه مسلم. وقال أبو رافع: quot; تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ميمونة وهو حلال وبنى بها وهو حلال وكنت الرسول بينهما quot; صح ذلك عنه. وقال سعيد بن المسيب: هذا عبد الله بن عباس يزعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نكح(3\/329)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1235",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9801",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ميمونة وهو محرم وإنما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة وكان الحل والنكاح جميعا فشبه ذلك على الناس. وقد قيل: إنه تزوجها قبل أن يحرم وفي هذا نظر إلا أن يكون وكل في العقد عليها قبل إحرامه وأظن الشافعي ذكر ذلك قولا فالأقوال ثلاثة. أحدها: أنه تزوجها بعد حله من العمرة وهو قول ميمونة نفسها وقول السفير بينها وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أبو رافع وقول سعيد بن المسيب وجمهور أهل النقل. والثاني: أنه تزوجها وهو محرم وهو قول ابن عباس وأهل الكوفة وجماعة. والثالث: أنه تزوجها قبل أن يحرم. وقد حمل قول ابن عباس أنه quot;تزوجها وهو محرم quot; على أنه تزوجها في الشهر الحرام لا في حال الإحرام قالوا: ويقال: أحرم الرجل: إذا عقد الإحرام وأحرم: إذا دخل في الشهر الحرام وإن كان حلالا بدليل قول الشاعر: قتلوا ابن عفان الخليفة محرما ... ورعا فلم أر مثله مقتولا وإنما قتلوه في المدينة حلالا في الشهر الحرام. وقد روى مسلم في quot;صحيحهquot; من حديث عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: quot; لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب quot;. ولو قدر تعارض القول والفعل هاهنا لوجب تقديم القول لأن الفعل موافق(3\/330)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1236",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9802",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للبراءة الأصلية والقول ناقل عنها فيكون رافعا لحكم البراءة الأصلية وهذا موافق لقاعدة الأحكام ولو قدم الفعل لكان رافعا لموجب القول والقول رافع لموجب البراءة الأصلية فيلزم تغيير الحكم مرتين وهو خلاف قاعدة الأحكام والله أعلم.  [فصل في اختلاف علي وزيد وجعفر في حضانة بنت حمزة] فصل ولما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - الخروج من مكة تبعتهم ابنة حمزة تنادي: يا عم يا عم فتناولها علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فأخذ بيدها وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك فحملتها فاختصم فيها علي وزيد وجعفر فقال علي: أنا أخذتها وهي ابنة عمي وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي وقال زيد: ابنة أخي فقضى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخالتها: وقال: quot;الخالة بمنزلة الأم quot; وقال لعلي: quot;أنت مني وأنا منك quot; وقال لجعفر: quot;أشبهت خلقي وخلقي quot; وقال لزيد: quot;أنت أخونا ومولانا  متفق على صحته. وفي هذه القصة من الفقه: أن الخالة مقدمة في الحضانة على سائر الأقارب بعد الأبوين. وأن تزوج الحاضنة بقريب من الطفل لا يسقط حضانتها. نص أحمد - رحمه الله تعالى - في رواية عنه على أن تزويجها لا يسقط حضانتها في الجارية خاصة واحتج بقصة بنت حمزة هذه ولما كان ابن العم ليس محرما لم يفرق بينه وبين الأجنبي في ذلك وقال: تزوج الحاضنة لا يسقط حضانتها للجارية وقال الحسن البصري: لا يكون تزوجها مسقطا لحضانتها بحال ذكرا كان الولد أو أنثى. وقد اختلف في سقوط الحضانة بالنكاح على أربعة أقوال:(3\/331)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1237",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9803",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها: تسقط به ذكرا كان أو أنثى وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات عنه. والثاني: لا تسقط بحال وهو قول الحسن وابن حزم. والثالث: إن كان الطفل بنتا لم تسقط الحضانة وإن كان ذكرا سقطت وهذه رواية عن أحمد - رحمه الله تعالى - وقال في رواية مهنا: إذا تزوجت الأم وابنها صغير أخذ منها قيل له: والجارية مثل الصبي قال: لا الجارية تكون معها إلى سبع سنين وحكى ابن أبي موسى رواية أخرى عنه: أنها أحق بالبنت وإن تزوجت إلى أن تبلغ. والرابع: أنها إذا تزوجت بنسيب من الطفل لم تسقط حضانتها وإن تزوجت بأجنبي سقطت ثم اختلف أصحاب هذا القول على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يكفي كونه نسيبا فقط محرما كان أو غير محرم وهذا ظاهر كلام أصحاب أحمد وإطلاقهم. الثاني: أنه يشترط كونه مع ذلك ذا رحم محرم وهو قول الحنفية. الثالث: أنه يشترط مع ذلك أن يكون بينه وبين الطفل ولادة بأن يكون جدا للطفل وهذا قول بعض أصحاب أحمد ومالك والشافعي. وفي القصة حجة لمن قدم الخالة على العمة وقرابة الأم على قرابة الأب فإنه قضى بها لخالتها وقد كانت صفية عمتها موجودة إذ ذاك وهذا قول الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه. وعنه رواية ثانية: أن العمة مقدمة على الخالة - وهي اختيار شيخنا - وكذلك نساء الأب يقدمن على نساء الأم لأن الولاية على الطفل في الأصل للأب وإنما قدمت عليه الأم لمصلحة الطفل وكمال تربيته وشفقتها وحنوها والإناث أقوم بذلك من الرجال فإذا صار الأمر إلى النساء فقط أو الرجال فقط كانت قرابة الأب أولى من قرابة الأم كما يكون الأب أولى من كل ذكر سواه وهذا قوي جدا.(3\/332)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1238",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9804",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويجاب عن تقديم خالة ابنة حمزة على عمتها بأن العمة لم تطلب الحضانة والحضانة حق لها يقضى لها به بطلبه بخلاف الخالة فإن جعفرا كان نائبا عنها في طلب الحضانة ولهذا قضى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - لها في غيبتها. وأيضا فكما أن لقرابة الطفل أن يمنع الحاضنة من حضانة الطفل إذا تزوجت فللزوج أن يمنعها من أخذه وتفرغها له فإذا رضي الزوج بأخذه حيث لا تسقط حضانتها لقرابته أو لكون الطفل أنثى على رواية مكنت من أخذه وإن لم يرض فالحق له والزوج هاهنا قد رضي وخاصم في القصة وصفية لم يكن منها طلب. وأيضا فابن العم له حضانة الجارية التي لا تشتهى في أحد الوجهين بل وإن كانت تشتهى فله حضانتها أيضا وتسلم إلى امرأة ثقة يختارها هو أو إلى محرمه وهذا هو المختار لأنه قريب من عصباتها وهو أولى من الأجانب والحاكم وهذه إن كانت طفلة فلا إشكال وإن كانت ممن يشتهى فقد سلمت إلى خالتها فهي وزوجها من أهل الحضانة والله أعلم. وقول زيد: ابنة أخي يريد الإخاء الذي عقده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين حمزة لما واخى بين المهاجرين فإنه واخى بين أصحابه مرتين فواخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض قبل الهجرة على الحق والمواساة وآخى بين أبي بكر وعمر وبين حمزة وزيد بن حارثة وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف وبين الزبير وابن مسعود وبين عبيدة بن الحارث وبلال وبين مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص وبين أبي عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة وبين سعيد بن زيد وطلحة بن عبيد الله. والمرة الثانية: آخى بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك بعد مقدمه المدينة.  [فصل في الاختلاف في تسميتها بعمرة القضاء] فصل واختلف في تسمية هذه العمرة بعمرة القضاء هل هو لكونها قضاء للعمرة التي صدوا عنها أو من المقاضاة على قولين تقدما قال الواقدي: حدثني(3\/333)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1239",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9805",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال: لم تكن هذه العمرة قضاء ولكن كان شرطا على المسلمين أن يعتمروا في الشهر الذي حاصرهم فيه المشركون. واختلف الفقهاء في ذلك على أربعة أقوال: أحدها: أن من أحصر عن العمرة يلزمه الهدي والقضاء وهذا إحدى الروايات عن أحمد بل أشهرها عنه. والثاني: لا قضاء عليه وعليه الهدي وهو قول الشافعي ومالك في ظاهر مذهبه ورواية أبي طالب عن أحمد. والثالث: يلزمه القضاء ولا هدي عليه وهو قول أبي حنيفة. والرابع: لا قضاء عليه ولا هدي وهو إحدى الروايات عن أحمد. فمن أوجب عليه القضاء والهدي احتج بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه نحروا الهدي حين صدوا عن البيت ثم قضوا من قابل قالوا: والعمرة تلزم بالشروع فيها ولا يسقط الوجوب إلا بفعلها ونحر الهدي لأجل التحلل قبل تمامها وقالوا: وظاهر الآية يوجب الهدي لقوله تعالى: فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي [البقرة: 196] [البقرة: 196] . ومن لم يوجبهما قالوا: لم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين أحصروا معه بالقضاء ولا أحدا منهم ولا وقف الحل على نحرهم الهدي بل أمرهم أن يحلقوا رءوسهم وأمر من كان معه هدي أن ينحر هديه. ومن أوجب الهدي دون القضاء احتج بقوله: فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي [البقرة: 196] . ومن أوجب القضاء دون الهدي احتج بأن العمرة تلزم بالشروع فإذا أحصر جاز له تأخيرها لعذر الإحصار فإذا زال الحصر أتى بها بالوجوب السابق ولا يوجب تخلل التحلل بين الإحرام بها أولا وبين فعلها في وقت الإمكان شيئا وظاهر القرآن يرد هذا القول ويوجب الهدي دون القضاء لأنه جعل الهدي هو جميع ما على المحصر فدل على أنه يكتفى به منه. والله أعلم.(3\/334)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1240",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9806",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في وقت النحر للمحصر] فصل وفي نحره - صلى الله عليه وسلم - لما أحصر بالحديبية دليل على أن المحصر ينحر هديه وقت حصره وهذا لا خلاف فيه إذا كان محرما بعمرة وإن كان مفردا أو قارنا ففيه قولان: أحدهما: أن الأمر كذلك وهو الصحيح لأنه أحد النسكين فجاز الحل منه ونحر هديه وقت حصره كالعمرة لأن العمرة لا تفوت وجميع الزمان وقت لها فإذا جاز الحل منها ونحر هديها من غير خشية فواتها فالحج الذي يخشى فواته أولى وقد قال أحمد في رواية حنبل: إنه لا يحل ولا ينحر الهدي إلى يوم النحر ووجه هذا أن للهدي محل زمان ومحل مكان فإذا عجز عن محل المكان لم يسقط عنه محل الزمان لتمكنه من الإتيان بالواجب في محله الزماني وعلى هذا القول لا يجوز له التحلل قبل يوم النحر لقوله: ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله [البقرة: 196] [البقرة: 196] .  [المحصر بالعمرة يتحلل] فصل وفي نحره - صلى الله عليه وسلم - وحله دليل على أن المحصر بالعمرة يتحلل وهذا قول الجمهور. وقد روي عن مالك - رحمه الله - أن المعتمر لا يتحلل لأنه لا يخاف الفوت وهذا تبعد صحته عن مالك - رحمه الله - لأن الآية إنما نزلت في الحديبية وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كلهم محرمين بعمرة وحلوا كلهم وهذا مما لا يشك فيه أحد من أهل العلم.  [المحصر ينحر هديه حيث أحصر من حل أو حرم] فصل وفي ذبحه - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية وهي من الحل بالاتفاق دليل على أن المحصر ينحر هديه حيث أحصر من حل أو حرم وهذا قول الجمهور وأحمد ومالك والشافعي. وعن أحمد - رحمه الله - رواية أخرى أنه ليس له نحر هديه إلا في الحرم فيبعثه إلى الحرم ويواطئ رجلا على أن ينحره في وقت يتحلل فيه(3\/335)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1241",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9807",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "أحداث غزوة مؤتة",
        "content": "وهذا يروى عن ابن مسعود - رضي الله عنه - وجماعة من التابعين وهو قول أبي حنيفة. وهذا إن صح عنهم فينبغي حمله على الحصر الخاص: وهو أن يتعرض ظالم لجماعة أو لواحد وأما الحصر العام: فالسنة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تدل على خلافه والحديبية من الحل باتفاق الناس وقد قال الشافعي: بعضها من الحل وبعضها من الحرم قلت: ومراده أن أطرافها من الحرم وإلا فهي من الحل باتفاقهم. وقد اختلف أصحاب أحمد - رحمه الله - في المحصر إذا قدر على أطراف الحرم هل يلزمه أن ينحر فيه فيه وجهان لهم. والصحيح أنه لا يلزمه لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر هديه في موضعه مع قدرته على أطراف الحرم وقد أخبر الله سبحانه أن الهدي كان محبوسا عن بلوغ محله ونصب (الهدي) بوقوع فعل الصد عليه أي صدوكم عن المسجد الحرام وصدوا الهدي عن بلوغ محله ومعلوم أن صدهم وصد الهدي استمر ذلك العام ولم يزل فلم يصلوا فيه إلى محل إحرامهم ولم يصل الهدي إلى محل نحره والله أعلم.  [فصل في غزوة مؤتة] [أحداث غزوة مؤتة] فصل في غزوة مؤتة وهي بأدنى البلقاء من أرض الشام وكانت في جمادى الأولى سنة ثمان وكان سببها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث الحارث بن عمير الأزدي - أحد بني لهب - بكتابه إلى الشام إلى ملك الروم أو بصرى فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فأوثقه رباطا ثم قدمه فضرب عنقه ولم يقتل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - رسول غيره فاشتد ذلك عليه حين بلغه الخبر فبعث البعوث واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: quot; إن أصيب فجعفر بن أبي طالب على الناس فإن أصيب جعفر(3\/336)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1242",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9808",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعبد الله بن رواحة quot;. فتجهز الناس وهم ثلاثة آلاف فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسلموا عليهم فبكى عبد الله بن رواحة فقالوا: ما يبكيك فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم ولكني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا [مريم: 71] [مريم: 71]  فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود فقال المسلمون: صحبكم الله بالسلامة ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين فقال عبد الله بن رواحة: لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا أو طعنة بيدي حران مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا حتى يقال إذا مروا على جدثي ... يا أرشد الله من غاز وقد رشدا ثم مضوا حتى نزلوا معان فبلغ الناس أن هرقل بالبلقاء في مائة ألف من الروم وانضم إليهم من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبلي مائة ألف فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين ينظرون في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنخبره بعدد عدونا فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له فشجع الناس عبد الله بن رواحة فقال: يا قوم: والله إن الذي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا به الله فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظفر وإما شهادة. فمضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم الجموع بقرية يقال لها:(3\/337)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1243",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9809",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مشارف فدنا العدو وانحاز المسلمون إلى مؤتة فالتقى الناس عندها فتعبى المسلمون ثم اقتتلوا والراية في يد زيد بن حارثة فلم يزل يقاتل بها حتى شاط في رماح القوم وخر صريعا وأخذها جعفر فقاتل بها حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه فعقرها ثم قاتل حتى قتل فكان جعفر أول من عقر فرسه في الإسلام عند القتال فقطعت يمينه فأخذ الراية بيساره فقطعت يساره فاحتضن الراية حتى قتل وله ثلاث وثلاثون سنة ثم أخذها عبد الله بن رواحة وتقدم بها وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ثم نزل فأتاه ابن عم له بعرق من لحم فقال: شد بها صلبك فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت فأخذها من يده فانتهس منها نهسة ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال: وأنت في الدنيا ثم ألقاه من يده ثم أخذ سيفه وتقدم فقاتل حتى قتل ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني عجلان فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم قالوا: أنت قال: ما أنا بفاعل فاصطلح الناس على خالد بن الوليد فلما أخذ الراية دافع القوم وحاش بهم ثم انحاز بالمسلمين وانصرف بالناس. وقد ذكر ابن سعد أن الهزيمة كانت على المسلمين والذي في quot; صحيح البخاري quot; أن الهزيمة كانت على الروم. والصحيح ما ذكره ابن إسحاق أن كل فئة انحازت عن الأخرى. وأطلع الله سبحانه على ذلك رسوله من يومهم ذلك فأخبر به أصحابه وقال: quot; لقد رفعوا إلي في الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب فرأيت في(3\/338)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1244",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9810",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سرير صاحبيه quot; فقلت: quot; عم هذا quot; فقيل لي: مضيا وتردد عبد الله بعض التردد ثم مضى. وذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة عن ابن جدعان عن ابن المسيب قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: quot; مثل لي جعفر وزيد وابن رواحة في خيمة من در كل واحد منهم على سرير فرأيت زيدا وابن رواحة في أعناقهما صدود ورأيت جعفرا مستقيما ليس فيه صدود قال: فسألت أو قيل لي: إنهما حين غشيهما الموت أعرضا أو كأنهما صدا بوجوههما وأما جعفر فإنه لم يفعل quot;. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جعفر: quot; إن الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء quot;. قال أبو عمر: وروينا عن ابن عمر أنه قال: quot;وجدنا ما بين صدر جعفر ومنكبيه وما أقبل منه تسعين جراحة ما بين ضربة بالسيف وطعنة بالرمح quot;.  وقال موسى بن عقبة: قدم يعلى بن منية على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخبر أهل مؤتة فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: quot;إن شئت فأخبرني وإن شئت أخبرتكquot; قال: أخبرني يا رسول الله فأخبره - صلى الله عليه وسلم - خبرهم كله ووصفهم له فقال: والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا واحدا لم تذكره وإن أمرهم لكما ذكرت فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: quot; إن الله رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم واستشهد يومئذ: جعفر وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة(3\/339)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1245",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9811",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "أحداث غزوة ذات السلاسل",
        "content": "ومسعود بن الأوس ووهب بن سعد بن أبي سرح وعباد بن قيس وحارثة بن النعمان وسراقة بن عمرو بن عطية وأبو كليب وجابر ابنا عمرو بن زيد وعامر وعمرو ابنا سعيد بن الحارث وغيرهم. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث عن زيد بن أرقم قال: كنت يتيما لعبد الله بن رواحة في حجره فخرج بي في سفره ذلك مردفي على حقيبة رحله فوالله إنه ليسير ليلة إذ سمعته وهو ينشد: إذا أدنيتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحساء فشأنك فانعمي وخلاك ذم ... ولا أرجع إلى أهلي ورائي وجاء المسلمون وغادروني ... بأرض الشام مستنهى الثواء  [فصل وهم في الترمذي بإنشاد ابن رواحة يوم الفتح] فصل وقد وقع في الترمذي وغيره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة يوم الفتح وعبد الله بن رواحة بين يديه ينشد: خلوا بني الكفار عن سبيله الأبيات. وهذا وهم فإن ابن رواحة قتل في هذه الغزوة وهي قبل الفتح بأربعة أشهر وإنما كان ينشد بين يديه شعر ابن رواحة وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل النقل.  [فصل في غزوة ذات السلاسل] [أحداث غزوة ذات السلاسل] فصل في غزوة ذات السلاسل وهي وراء وادي القرى بضم السين الأولى وفتحها لغتان وبينها وبين(3\/340)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1246",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9812",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المدينة عشرة أيام وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان. قال ابن سعد: بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن جمعا من قضاعة قد تجمعوا يريدون أن يدنوا إلى أطراف المدينة فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن العاص فعقد له لواء أبيض وجعل معه راية سوداء وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار ومعهم ثلاثون فرسا وأمره أن يستعين بمن مر به من بلي وعذرة وبلقين فسار الليل وكمن النهار فلما قرب من القوم بلغه أن لهم جمعا كثيرا فبعث رافع بن مكيث الجهني إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستمده فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في مائتين وعقد له لواء وبعث له سراة المهاجرين والأنصار وفيهم أبو بكر وعمر وأمره أن يلحق بعمرو وأن يكونا جميعا ولا يختلفا فلما لحق به أراد أبو عبيدة أن يؤم الناس فقال عمرو: إنما قدمت علي مددا وأنا الأمير فأطاعه أبو عبيدة فكان عمرو يصلي بالناس وسار حتى وطئ بلاد قضاعة فدوخها حتى أتى إلى أقصى بلادهم. ولقي في آخر ذلك جمعا فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد وتفرقوا وبعث عوف بن مالك الأشجعي بريدا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بقفولهم وسلامتهم وما كان في غزاتهم. وذكر ابن إسحاق نزولهم على ماء لجذام يقال له: السلسل قال: وبذلك سميت ذات السلاسل. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي عن داود عن عامر قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جيش ذات السلاسل فاستعمل أبا عبيدة على المهاجرين واستعمل عمرو بن العاص على الأعراب وقال لهما: quot; تطاوعا quot; قال: وكانوا أمروا أن يغيروا على بكر فانطلق عمرو وأغار على قضاعة لأن بكرا أخواله قال: فانطلق المغيرة بن شعبة إلى أبي عبيدة فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعملك علينا وإن ابن فلان قد اتبع أمر القوم فليس لك(3\/341)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1247",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9813",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معه أمر فقال أبو عبيدة: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا أن نتطاوع فأنا أطيع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن عصاه عمرو.  [فصل في قصة تيمم ابن العاص من الجنابة] فصل وفي هذه الغزوة احتلم أمير الجيش عمرو بن العاص وكانت ليلة باردة فخاف على نفسه من الماء فتيمم وصلى بأصحابه الصبح فذكروا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: quot;يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب quot;. فأخبره بالذي منعه من الاغتسال وقال إني سمعت الله يقول: ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما [النساء: 29] [النساء: 29] . فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقل شيئا  وقد احتج بهذه القصة من قال: إن التيمم لا يرفع الحدث لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سماه جنبا بعد تيممه وأجاب من نازعهم في ذلك بثلاثة أجوبة: أحدها: أن الصحابة لما شكوه قالوا: صلى بنا الصبح وهو جنب فسأله النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك وقال: quot;صليت بأصحابك وأنت جنب quot; استفهاما واستعلاما فلما أخبره بعذره وأنه تيمم للحاجة أقره على ذلك. الثاني: أن الرواية اختلفت عنه فروي عنه فيها أنه غسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة ثم صلى بهم ولم يذكر التيمم وكأن هذه الرواية أقوى من رواية التيمم قال عبد الحق وقد ذكرها وذكر رواية التيمم قبلها ثم قال: وهذا أوصل من الأول لأنه عن عبد الرحمن بن جبير المصري عن أبي القيس مولى(3\/342)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1248",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9814",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "عام سرية الخبط",
        "content": "عمرو عن عمرو. والأولى التي فيها التيمم من رواية عبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص لم يذكر بينهما أبا قيس. الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يستعلم فقه عمرو في تركه الاغتسال فقال له: quot;صليت بأصحابك وأنت جنب quot; فلما أخبره أنه تيمم للحاجة علم فقهه فلم ينكر عليه ويدل عليه أن ما فعله عمرو من التيمم - والله أعلم - خشية الهلاك بالبرد كما أخبر به والصلاة بالتيمم في هذه الحال جائزة غير منكر على فاعلها فعلم أنه أراد استعلام فقهه وعلمه. والله أعلم.  [فصل في سرية الخبط] [عام سرية الخبط] فصل في سرية الخبط وكان أميرها أبا عبيدة بن الجراح وكانت في رجب سنة ثمان فيما أنبأنا به الحافظ أبو الفتح محمد بن سيد الناس في كتاب quot; عيون الأثر quot; له وهو عندي وهم كما سنذكره إن شاء الله تعالى. قالوا: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا عبيدة بن الجراح في ثلاثمائة رجل من المهاجرين والأنصار وفيهم عمر بن الخطاب إلى حي من جهينة بالقبلية مما يلي ساحل البحر وبينها وبين المدينة خمس ليال فأصابهم في الطريق جوع شديد فأكلوا الخبط وألقى إليهم البحر حوتا عظيما فأكلوا منه ثم انصرفوا ولم يلقوا كيدا وفي هذا نظر فإن في quot; الصحيحين quot; من حديث جابر قال: quot; بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثمائة راكب أميرنا أبو عبيدة بن الجراح نرصد عيرا لقريش فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط فسمي جيش الخبط فنحر رجل ثلاث جزائر ثم نحر ثلاث جزائر ثم نحر ثلاث جزائر ثم إن أبا عبيدة نهاه فألقى إلينا البحر دابة يقال لها: العنبر فأكلنا منها نصف شهر وادهنا من ودكها حتى(3\/343)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1249",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9815",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثابت إلينا أجسامنا وصلحت وأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه فنظر إلى أطول رجل في الجيش وأطول جمل فحمل عليه ومر تحته وتزودنا من لحمه وشائق فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرنا له ذلك فقال: quot; هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء تطعمونا فأرسلنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه فأكل quot;. قلت: وهذا السياق يدل على أن هذه الغزوة كانت قبل الهدنة وقبل عمرة الحديبية فإنه من حين صالح أهل مكة بالحديبية لم يكن يرصد لهم عيرا بل كان زمن أمن وهدنة إلى حين الفتح ويبعد أن تكون سرية الخبط على هذا الوجه مرتين مرة قبل الصلح ومرة بعده والله أعلم.  [فصل في فقه هذه القصة] فصل في فقه هذه القصة لم يحفظ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه غزا في الشهر الحرام ولا أغار فيه ولا بعث فيه سرية ففيها جواز القتال في الشهر الحرام إن كان ذكر التاريخ فيها برجب محفوظا والظاهر - والله أعلم - أنه وهم غير محفوظ إذ لم يحفظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه غزا في الشهر الحرام ولا أغار فيه ولا بعث فيه سرية وقد عير المشركون المسلمين بقتالهم في أول رجب في قصة العلاء بن الحضرمي فقالوا: استحل محمد الشهر الحرام. وأنزل الله في ذلك: يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير [البقرة: 217] الآية [البقرة: 217]  ولم يثبت نسخ هذا بنص(3\/344)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1250",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9816",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يجب المصير إليه ولا أجمعت الأمة على نسخه وقد استدل على تحريم القتال في الأشهر الحرم بقوله تعالى: فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [التوبة: 5] [التوبة: 5]  ولا حجة في هذا لأن الأشهر الحرم هاهنا هي أشهر التسيير الأربعة التي سير الله فيها المشركين في الأرض يأمنون فيها وكان أولها يوم الحج الأكبر عاشر ذي الحجة وآخرها عاشر ربيع الآخر هذا هو الصحيح في الآية لوجوه عديدة ليس هذا موضعها. وفيها: جواز أكل ورق الشجر عند المخمصة وكذلك عشب الأرض. وفيها: جواز نهي الإمام وأمير الجيش للغزاة عن نحر ظهورهم وإن احتاجوا إليه خشية أن يحتاجوا إلى ظهرهم عند لقاء عدوهم ويجب عليهم الطاعة إذا نهاهم. وفيها: جواز أكل ميتة البحر وأنها لم تدخل في قوله عز وجل: حرمت عليكم الميتة والدم [المائدة: 3] [المائدة: 3]  وقد قال تعالى: أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم [المائدة: 96] [المائدة: 5]  وقد صح عن أبي بكر الصديق وعبد الله بن عباس وجماعة من الصحابة أن صيد البحر ما صيد منه وطعامه ما مات فيه وفي السنن عن ابن عمر مرفوعا وموقوفا: quot; أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالسمك والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال quot; حديث حسن. وهذا الموقوف في حكم المرفوع لأن قول الصحابي: أحل لنا كذا وحرم(3\/345)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1251",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9817",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "علينا ينصرف إلى إحلال النبي - صلى الله عليه وسلم - وتحريمه. فإن قيل فالصحابة في هذه الواقعة كانوا مضطرين ولهذا لما هموا بأكلها قالوا: إنها ميتة وقالوا: نحن رسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن مضطرون فأكلوا وهذا دليل على أنهم لو كانوا مستغنين عنها لما أكلوا منها. قيل: لا ريب أنهم كانوا مضطرين ولكن هيأ الله لهم من الرزق أطيبه وأحله وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم بعد أن قدموا: quot; هل بقي معكم من لحمه شيء quot; قالوا: نعم فأكل منه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: quot; إنما هو رزق ساقه الله لكم quot; ولو كان هذا رزق مضطر لم يأكل منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حال الاختيار ثم لو كان أكلهم منها للضرورة فكيف ساغ لهم أن يدهنوا من ودكها وينجسوا به ثيابهم وأبدانهم وأيضا فكثير من الفقهاء لا يجوز الشبع من الميتة إنما يجوزون منها سد الرمق والسرية أكلت منها حتى ثابت إليهم أجسامهم وسمنوا وتزودوا منها. فإن قيل: إنما يتم لكم الاستدلال بهذه القصة إذا كانت تلك الدابة قد ماتت في البحر ثم ألقاها ميتة ومن المعلوم أنه كما يحتمل ذلك يحتمل أن يكون البحر قد جزر عنها وهي حية فماتت بمفارقة الماء وذلك ذكاتها وذكاة حيوان البحر ولا سبيل إلى دفع هذا الاحتمال كيف وفي بعض طرق الحديث: quot;فجزر البحر عن حوت كالظرب quot; قيل: هذا الاحتمال مع بعده جدا فإنه يكاد يكون خرقا للعادة فإن مثل هذه الدابة إذا كانت حية إنما تكون في لجة البحر وثبجه دون ساحله وما رق منه ودنا من البر وأيضا فإنه لا يكفي ذلك في الحل لأنه إذا شك في السبب الذي مات به الحيوان هل هو سبب مبيح له أو غير مبيح لم يحل الحيوان كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصيد يرمى بالسهم ثم يوجد في الماء: وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكله فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك quot; فلو كان الحيوان البحري حراما إذا مات في البحر لم يبح. وهذا مما لا يعلم فيه خلاف بين الأئمة. وأيضا فلو لم تكن هذه النصوص مع المبيحين لكان القياس الصحيح(3\/346)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1252",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9818",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "أسباب الفتح الأعظم",
        "content": "معهم فإن الميتة إنما حرمت لاحتقان الرطوبات والفضلات والدم الخبيث فيها والذكاة لما كانت تزيل ذلك الدم والفضلات كانت سبب الحل وإلا فالموت لا يقتضي التحريم فإنه حاصل بالذكاة كما يحصل بغيرها وإذا لم يكن في الحيوان دم وفضلات تزيلها الذكاة لم يحرم بالموت ولم يشترط لحله ذكاة كالجراد ولهذا لا ينجس بالموت ما لا نفس له سائلة كالذباب والنحلة ونحوهما والسمك من هذا الضرب فإنه لو كان له دم وفضلات تحتقن بموته لم يحل لموته بغير ذكاة ولم يكن فرق بين موته في الماء وموته خارجه إذ من المعلوم أن موته في البر لا يذهب تلك الفضلات التي تحرمه عند المحرمين إذا مات في البحر ولو لم يكن في المسألة نصوص لكان هذا القياس كافيا والله أعلم.  [فصل في جواز الاجتهاد في الوقائع في حياته صلى الله عليه وسلم] فصل وفيها دليل على جواز الاجتهاد في الوقائع في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإقراره على ذلك لكن هذا كان في حال الحاجة إلى الاجتهاد وعدم تمكنهم من مراجعة النص وقد اجتهد أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عدة من الوقائع وأقرهما على ذلك لكن في قضايا جزئية معينة لا في أحكام عامة وشرائع كلية فإن هذا لم يقع من أحد من الصحابة في حضوره - صلى الله عليه وسلم - البتة.  [فصل في الفتح الأعظم] [أسباب الفتح الأعظم] فصل في الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحزبه الأمين واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدى للعالمين من أيدي الكفار والمشركين وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء ودخل الناس به في دين الله أفواجا وأشرق به وجه الأرض ضياء وابتهاجا خرج له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكتائب الإسلام وجنود الرحمن سنة ثمان لعشر مضين من رمضان واستعمل على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين الغفاري. وقال ابن سعد: بل استعمل عبد الله بن أم مكتوم.(3\/347)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1253",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9819",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان السبب الذي جر إليه وحدا إليه فيما ذكر إمام أهل السير والمغازي والأخبار محمد بن إسحاق بن يسار أن بني بكر بن عبد مناة ابن كنانة عدت على خزاعة وهم على ماء يقال له: الوتير فبيتوهم وقتلوا منهم وكان الذي هاج ذلك أن رجلا من بني الحضرمي يقال له مالك بن عباد خرج تاجرا فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله فعدت بنو بكر على رجل من بني خزاعة فقتلوه فعدت خزاعة على بني الأسود وهم: سلمى وكلثوم وذؤيب فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم هذا كله قبل المبعث فلما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجاء الإسلام حجز بينهم وتشاغل الناس بشأنه فلما كان صلح الحديبية بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين قريش وقع الشرط أنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعهده فعل ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فعل فدخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم ودخلت خزاعة في عقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعهده فلما استمرت الهدنة اغتنمها بنو بكر من خزاعة وأرادوا أن يصيبوا منهم الثأر القديم. فخرج نوفل بن معاوية الديلي في جماعة من بني بكر فبيت خزاعة وهم على الوتير فأصابوا منهم رجالا وتناوشوا واقتتلوا وأعانت قريش بني بكر بالسلاح وقاتل معهم من قريش من قاتل مستخفيا ليلا ذكر ابن سعد منهم: صفوان بن أمية وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص حتى حازوا خزاعة إلى الحرم فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر: يا نوفل إنا قد دخلنا الحرم إلهك إلهك. فقال كلمة عظيمة: لا إله له اليوم يا بني بكر أصيبوا ثأركم فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم أفلا تصيبون ثأركم فيه! فلما دخلت خزاعة مكة لجأوا إلى دار بديل بن ورقاء الخزاعي ودار مولى لهم يقال له: رافع ويخرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة فوقف عليه وهو جالس في المسجد بين ظهراني أصحابه فقال: يا رب إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا(3\/348)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1254",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9820",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قد كنتم ولدا وكنا والدا ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا ... فانصر هداك الله نصرا أبدا وادع عباد الله يأتوا مددا ... فيهم رسول الله قد تجردا أبيض مثل البدر يسمو صعدا ... إن سيم خسفا وجهه تربدا في فيلق كالبحر يجري مزبدا ... إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا ... وجعلوا لي في كداء رصدا وزعموا أن لست تدعو أحدا ... وهم أذل وأقل عددا هم بيتونا بالوتير هجدا ... وقتلونا ركعا وسجدا يقول: قتلنا وقد أسلمنا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: quot; نصرت يا عمرو بن سالم quot; ثم عرضت سحابة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: quot; إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب quot; ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبروه بما أصيب منهم وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم ثم رجعوا إلى مكة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للناس: quot; كأنكم بأبي سفيان وقد جاء ليشد العقد ويزيد في المدة quot;. ومضى بديل بن ورقاء في أصحابه حتى لقوا أبا سفيان بن حرب بعسفان وقد بعثته قريش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليشد العقد ويزيد في المدة وقد رهبوا الذي صنعوا فلما لقي أبو سفيان بديل بن ورقاء قال: من أين أقبلت يا بديل فظن أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: سرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي قال: أوما جئت محمدا قال: لا فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان: لئن كان جاء المدينة لقد علف بها النوى فأتى مبرك راحلته فأخذ من بعرها ففته فرأى فيها النوى فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا.(3\/349)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1255",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9821",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم خرج أبو سفيان حتى قدم المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طوته عنه فقال: يا بنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني قالت: بل هو فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنت مشرك نجس فقال: والله لقد أصابك بعدي شر. ثم خرج حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكلمه فلم يرد عليه شيئا ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما أنا بفاعل ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال: أنا أشفع لكم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به ثم جاء فدخل على علي بن أبي طالب وعنده فاطمة وحسن غلام يدب بين يديهما فقال: يا علي إنك أمس القوم بي رحما وإني قد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائبا اشفع لي إلى محمد فقال: ويحك يا أبا سفيان والله لقد عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه فالتفت إلى فاطمة فقال: quot; هل لك أن تأمري ابنك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر قالت: والله ما يبلغ ابني ذاك أن يجير بين الناس وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: يا أبا الحسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني قال: والله ما أعلم لك شيئا يغني عنك ولكنك سيد بني كنانة فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك قال: أوترى ذلك مغنيا عني شيئا قال: لا والله ما أظنه ولكني ما أجد لك غير ذلك فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس ثم ركب بعيره فانطلق فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك قال: جئت محمدا فكلمته فوالله ما رد علي شيئا ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيرا ثم جئت عمر بن الخطاب فوجدته أعدى العدو ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم قد أشار علي بشيء صنعته فوالله ما أدري هل يغني عني شيئا أم لا قالوا: وبم أمرك قال: أمرني أن أجير بين الناس ففعلت فقالوا: فهل أجاز ذلك محمد قال: لا. قالوا: ويلك(3\/350)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1256",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9822",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والله إن زاد الرجل على أن لعب بك قال: لا والله ما وجدت غير ذلك.  وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس بالجهاز وأمر أهله أن يجهزوه فدخل أبو بكر على ابنته عائشة رضي الله عنها وهي تحرك بعض جهاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أي بنية أمركن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتجهيزه قالت: نعم فتجهز قال: فأين ترينه يريد قالت: لا والله ما أدري. ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلم الناس أنه سائر إلى مكة فأمرهم بالجد والتجهيز وقال: quot; اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها quot; فتجهز الناس. فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش كتابا يخبرهم بمسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم ثم أعطاه امرأة وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا فجعلته في قرون في رأسها ثم خرجت به وأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخبر من السماء بما صنع حاطب فبعث عليا والزبير - وغير ابن إسحاق يقول: بعث عليا والمقداد والزبير - فقال: انطلقا حتى تأتيا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب إلى قريش فانطلقا تعادى بهما خيلهما حتى وجدا المرأة بذلك المكان فاستنزلاها وقالا: معك كتاب فقالت: ما معي كتاب ففتشا رحلها فلم يجدا شيئا فقال لها علي -رضي الله عنه - أحلف بالله ما كذب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا كذبنا والله لتخرجن الكتاب أو لنجردنك فلما رأت الجد منه قالت: أعرض فأعرض فحلت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب منها فدفعته إليهما فأتيا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاطبا فقال: ما هذا يا حاطب فقال: لا تعجل علي يا رسول الله والله إني لمؤمن بالله ورسوله وما ارتددت ولا بدلت ولكني كنت امرءا ملصقا(3\/351)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1257",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9823",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في قريش لست من أنفسهم ولي فيهم أهل وعشيرة وولد وليس لي فيهم قرابة يحمونهم وكان من معك لهم قرابات يحمونهم فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أضرب عنقه فإنه قد خان الله ورسوله وقد نافق فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: quot;إنه قد شهد بدرا وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم quot; فذرفت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم . ثم مضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو صائم والناس صيام حتى إذا كانوا بالكديد - وهو الذي تسميه الناس اليوم قديدا - أفطر وأفطر الناس معه. ثم مضى حتى نزل مر الظهران وهو بطن مر ومعه عشرة آلاف وعمى الله الأخبار عن قريش فهم على وجل وارتقاب وكان أبو سفيان يخرج يتحسس الأخبار فخرج هو وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتحسسون الأخبار وكان العباس قد خرج قبل ذلك بأهله وعياله مسلما مهاجرا فلقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجحفة وقيل فوق ذلك وكان ممن لقيه في الطريق ابن عمه أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية لقياه بالأبواء وهما ابن عمه وابن عمته فأعرض عنهما لما كان يلقاه منهما من شدة الأذى والهجو فقالت له أم سلمة: لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك وقال علي لأبي سفيان فيما حكاه أبو عمر: ائت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قبل وجهه فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف: تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين [يوسف: 91](3\/352)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1258",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9824",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[يوسف: 91] . فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه قولا ففعل ذلك أبو سفيان فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين [يوسف: 92] [يوسف 92]  فأنشده أبو سفيان أبياتا منها: لعمرك إني حين أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد لكالمدلج الحيران أظلم ليله ... فهذا أواني حين أهدى فأهتدي هداني هاد غير نفسي ودلني ... على الله من طردت كل مطرد فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدره وقال: quot;أنت طردتني كل مطرد quot; وحسن إسلامه بعد ذلك. ويقال: إنه ما رفع رأسه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلم حياء منه وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحبه وشهد له بالجنة وقال: quot; أرجو أن يكون خلفا من حمزة quot; ولما حضرته الوفاة قال: quot;لا تبكوا علي فوالله ما نطقت بخطيئة منذ أسلمت quot; فلما نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر الظهران نزله عشاء فأمر الجيش فأوقدوا النيران فأوقدت عشرة آلاف نار وجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الحرس عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وركب العباس بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البيضاء وخرج يلتمس لعله يجد بعض الحطابة أو أحدا يخبر قريشا ليخرجوا يستأمنون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يدخلها عنوة قال: والله إني لأسير عليها إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة(3\/353)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1259",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9825",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نيرانا قط ولا عسكرا قال: يقول بديل: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب فيقول أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها قال: فعرفت صوته فقلت: أبا حنظلة فعرف صوتي فقال: أبا الفضل قلت: نعم قال: ما لك فداك أبي وأمي قال: قلت: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الناس واصباح قريش والله قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأستأمنه لك فركب خلفي ورجع صاحباه قال: فجئت به فكلما مررت به على نار من نيران المسلمين قالوا: quot; من هذا quot; فإذا رأوا بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا عليها قالوا: عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلته حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال: من هذا وقام إلي فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدو الله الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد ثم خرج يشتد نحو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وركضت البغلة فسبقت فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودخل عليه عمر فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان فدعني أضرب عنقه قال: قلت: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إني قد أجرته ثم جلست إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذت برأسه فقلت: والله لا يناجيه الليلة أحد دوني فلما أكثر عمر في شأنه قلت: مهلا يا عمر فوالله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت مثل هذا قال: مهلا يا عباس quot; فوالله لإسلامك كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إسلام الخطاب فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: quot; اذهب به يا عباس إلى رحلك فإذا أصبحت فأتني به فذهبت فلما أصبحت غدوت به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: quot; ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله quot; قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى شيئا بعد قال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله  quot; قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما هذه(3\/354)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1260",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9826",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن في النفس حتى الآن منها شيئا فقال له العباس: ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك فأسلم وشهد شهادة الحق quot; فقال العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا قال: نعم quot; من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن quot;. وأمر العباس أن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها ففعل فمرت القبائل على راياتها كلما مرت به قبيلة قال: يا عباس من هذه فأقول: سليم قال: فيقول: ما لي ولسليم ثم تمر به القبيلة فيقول: يا عباس من هؤلاء  فأقول: مزينة فيقول: ما لي ولمزينة حتى نفدت القبائل ما تمر به قبيلة إلا سألني عنها فإذا أخبرته بهم قال: ما لي ولبني فلان حتى مر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كتيبته الخضراء فيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد قال: سبحان الله يا عباس من هؤلاء قال: قلت: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المهاجرين والأنصار قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة ثم قال: والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما قال: قلت: يا أبا سفيان إنها النبوة قال: فنعم إذا قال: قلت: النجاء إلى قومك. وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة فلما مر بأبي سفيان قال له: اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة اليوم أذل الله قريشا. فلما حاذى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا سفيان قال: يا رسول الله ألم تسمع ما قال سعد قال: وما قال فقال: كذا وكذا فقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله ما نأمن أن يكون له في قريش صولة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: quot; بل اليوم يوم تعظم فيه الكعبة اليوم يوم أعز الله فيه قريشا quot;. ثم أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -(3\/355)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1261",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9827",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى سعد فنزع منه اللواء ودفعه إلى قيس ابنه ورأى أن اللواء لم يخرج عن سعد إذ صار إلى ابنه قال أبو عمر: وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نزع منه الراية دفعها إلى الزبير.  ومضى أبو سفيان حتى إذا جاء قريشا صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الحميت الدسم الأحمش الساقين قبح من طليعة قوم قال: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن قالوا: قاتلك الله وما تغني عنا دارك قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد. وسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخل مكة من أعلاها وضربت له هنالك قبة وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد أن يدخلها من أسفلها وكان على المجنبة اليمنى وفيها أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب وكان أبو عبيدة على الرجالة والحسر وهم الذين لا سلاح معهم وقال لخالد ومن معه: إن عرض لكم أحد من قريش فاحصدوهم حصدا حتى توافوني على الصفا فما عرض لهم أحد إلا أناموه. وتجمع سفهاء قريش وأخفاؤها مع عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو بالخندمة ليقاتلوا المسلمين وكان حماس بن قيس بن خالد أخو بني بكر يعد سلاحا قبل دخول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت له امرأته: لماذا تعد ما أرى قال: لمحمد وأصحابه قالت: والله ما يقوم لمحمد وأصحابه شيء قال: إني والله لأرجو أن أخدمك بعضهم ثم قال: إن يقبلوا اليوم فما لي عله ... هذا سلاح كامل وأله(3\/356)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1262",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9828",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذو غرارين سريع السله ثم شهد الخندمة مع صفوان وعكرمة وسهيل بن عمرو فلما لقيهم المسلمون ناوشوهم شيئا من قتال فقتل كرز بن جابر الفهري وخنيس بن خالد بن ربيعة من المسلمين وكانا في خيل خالد بن الوليد فشذا عنه فسلكا طريقا غير طريقه فقتلا جميعا وأصيب من المشركين نحو اثني عشر رجلا ثم انهزموا وانهزم حماس صاحب السلاح حتى دخل بيته فقال لامرأته: أغلقي علي بابي فقالت: وأين ما كنت تقول فقال: إنك لو شهدت يوم الخندمه ... إذ فر صفوان وفر عكرمه واستقبلتنا بالسيوف المسلمه ... يقطعن كل ساعد وجمجمه ضربا فلا نسمع إلا غمغمه ... لهم نهيت حولنا وهمهمه لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه وقال أبو هريرة: أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخل مكة فبعث الزبير على إحدى المجنبتين وبعث خالد بن الوليد على المجنبة الأخرى وبعث أبا عبيدة بن الجراح على الحسر وأخذوا بطن الوادي ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كتيبته قال: وقد وبشت قريش أوباشا لها فقالوا: نقدم هؤلاء فإن كان لقريش شيء كنا معهم وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا أبا هريرة فقلت: لبيك رسول الله وسعديك فقال: quot;اهتف لي بالأنصار ولا يأتيني إلا أنصاري quot; فهتف بهم فجاءوا فأطافوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: quot; أترون إلى أوباش قريش وأتباعهم quot; ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى: quot; احصدوهم حصدا حتى توافوني بالصفا quot; فانطلقنا فما يشاء أحد منا أن يقتل منهم إلا شاء وما أحد منهم وجه إلينا شيئا quot;.(3\/357)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1263",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9829",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وركزت راية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجون عند مسجد الفتح. ثم نهض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله حتى دخل المسجد فأقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه ثم طاف بالبيت وفي يده قوس وحول البيت وعليه ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعنها بالقوس ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا [الإسراء: 81] الإسراء: 81]  جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد [سبأ: 49] [سبأ:49]  والأصنام تتساقط على وجوهها.  وكان طوافه على راحلته ولم يكن محرما يومئذ فاقتصر على الطواف فلما أكمله دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة فأمر بها ففتحت فدخلها فرأى فيها الصور ورأى فيها صورة إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام فقال: quot; قاتلهم الله والله إن استقسما بها قط quot;. ورأى في الكعبة حمامة من عيدان فكسرها بيده وأمر بالصور فمحيت. ثم أغلق عليه الباب وعلى أسامة وبلال فاستقبل الجدار الذي يقابل الباب حتى إذا كان بينه وبينه قدر ثلاثة أذرع وقف وصلى هناك ثم دار في البيت وكبر في نواحيه ووحد الله ثم فتح الباب وقريش قد ملأت المسجد صفوفا ينتظرون ماذا يصنع فأخذ بعضادتي الباب وهم تحته فقال: quot; لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم(3\/358)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1264",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9830",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأحزاب وحده ألا كل مأثرة أو مال أو دم فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ألا وقتل الخطإ شبه العمد السوط والعصا ففيه الدية مغلظة مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها. يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس من آدم وآدم من تراب quot; ثم تلا هذه الآية ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير [الحجرات: 13] [الحجرات: 13]  ثم قال: quot; يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم quot; قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم قال: quot; فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم اذهبوا فأنتم الطلقاء quot;.(3\/359)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1265",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9831",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم جلس في المسجد فقام إليه علي - رضي الله عنه - ومفتاح الكعبة في يده فقال: يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: quot; أين عثمان بن طلحة quot;  فدعي له فقال له: quot; هاك مفتاحك يا عثمان اليوم يوم بر ووفاء quot;. وذكر ابن سعد في quot;الطبقاتquot;عن عثمان بن طلحة قال: كنا نفتح الكعبة في الجاهلية يوم الاثنين والخميس فأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما يريد أن يدخل الكعبة مع الناس فأغلظت له ونلت منه فحلم عني ثم قال: quot; يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت فقلت: لقد هلكت قريش يومئذ وذلت فقال: بل عمرت وعزت يومئذ ودخل الكعبة فوقعت كلمته مني موقعا ظننت يومئذ أن الأمر سيصير إلى ما قال فلما كان يوم الفتح قال: يا عثمان ائتني بالمفتاح فأتيته به فأخذه مني ثم دفعه إلي وقال: خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف quot; قال: فلما وليت ناداني فرجعت إليه فقال: quot; ألم يكن الذي قلت لك quot; قال: فذكرت قوله لي بمكة قبل الهجرة: لعلك سترى هذا المفتاح بيدي أضعه(3\/360)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1266",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9832",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حيث شئت فقلت: بلى أشهد أنك رسول الله quot;. وذكر سعيد بن المسيب: أن العباس تطاول يومئذ لأخذ المفتاح في رجال من بني هاشم فرده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عثمان بن طلحة quot;  quot; وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلالا أن يصعد فيؤذن على الكعبة وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام وأشراف قريش جلوس بفناء الكعبة فقال: عتاب لقد أكرم الله أسيدا ألا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه فقال الحارث: أما والله لو أعلم أنه حق لاتبعته فقال أبو سفيان: أما والله لا أقول شيئا لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصباء فخرج عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لهم: quot; قد علمت الذي قلتم quot; ثم ذكر ذلك لهم فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول: أخبرك quot;.  [فصل في صلاة الفتح] فصل ثم دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دار أم هانئ بنت أبي طالب فاغتسل وصلى ثمان ركعات في بيتها وكانت ضحى فظنها من ظنها صلاة الضحى وإنما هذه صلاة الفتح وكان أمراء الإسلام إذا فتحوا حصنا أو بلدا صلوا عقيب الفتح هذه الصلاة اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي القصة ما يدل على أنها بسبب الفتح شكرا لله عليه فإنها قالت: ما رأيته صلاها قبلها ولا بعدها. وأجارت أم هانئ حموين لها فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: quot; قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ .(3\/361)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1267",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9833",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل من أمر صلى الله عليه وسلم بقتلهم] فصل ولما استقر الفتح أمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس كلهم إلا تسعة نفر فإنه أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة وهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وعكرمة بن أبي جهل وعبد العزى بن خطل والحارث بن نفيل بن وهب ومقيس بن صبابة وهبار بن الأسود وقينتان لابن خطل كانتا تغنيان بهجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسارة مولاة لبعض بني عبد المطلب. فأما ابن أبي سرح فأسلم فجاء به عثمان بن عفان فاستأمن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقبل منه بعد أن أمسك عنه رجاء أن يقوم إليه بعض الصحابة فيقتله وكان قد أسلم قبل ذلك وهاجر ثم ارتد ورجع إلى مكة. وأما عكرمة بن أبي جهل فاستأمنت له امرأته بعد أن فر فأمنه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقدم وأسلم وحسن إسلامه. وأما ابن خطل والحارث ومقيس وإحدى القينتين فقتلوا وكان مقيس قد أسلم ثم ارتد وقتل ولحق بالمشركين وأما هبار بن الأسود فهو الذي عرض لزينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين هاجرت فنخس بها حتى سقطت على صخرة وأسقطت جنينها ففر ثم أسلم وحسن إسلامه واستؤمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسارة ولإحدى القينتين فأمنهما فأسلمتا. فلما كان الغد من يوم الفتح قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ومجده بما هو أهله ثم قال: quot; يا أيها الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما أو يعضد بها شجرة فإن أحد ترخص لقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وإنما(3\/362)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1268",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9834",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حلت لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب quot;. ولما فتح الله مكة على رسوله وهي بلده ووطنه ومولده قال الأنصار فيما بينهم: أترون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ فتح الله عليه أرضه وبلده أن يقيم بها وهو يدعو على الصفا رافعا يديه فلما فرغ من دعائه قال: ماذا قلتم قالوا: لا شيء يا رسول الله فلم يزل بهم حتى أخبروه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: quot; معاذ الله المحيا محياكم والممات مماتكم quot;. quot; وهم فضالة بن عمير بن الملوح أن يقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يطوف بالبيت فلما دنا منه قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أفضالة قال: نعم فضالة يا رسول الله قال: ماذا كنت تحدث به نفسك قال: لا شيء كنت أذكر الله فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: quot; استغفر الله quot; ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه وكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما خلق الله شيئا أحب إلي منه  قال فضالة: فرجعت إلى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها فقالت: هلم إلى الحديث فقلت: لا وانبعث فضالة يقول: قالت هلم إلى الحديث فقلت لا ... يأبى عليك الله والإسلام لو قد رأيت محمدا وقبيله ... بالفتح يوم تكسر الأصنام(3\/363)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1269",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9835",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لرأيت دين الله أضحى بينا والشرك يغشى وجهه الإظلام وفر يومئذ صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل فأما صفوان فاستأمن له عمير بن وهب الجمحي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمنه وأعطاه عمامته التي دخل بها مكة فلحقه عمير وهو يريد أن يركب البحر فرده فقال: اجعلني فيه بالخيار شهرين فقال: أنت بالخيار فيه أربعة أشهر. وكانت أم حكيم بنت الحارث بن هشام تحت عكرمة بن أبي جهل فأسلمت واستأمنت له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمنه فلحقت به باليمن فأمنته فردته وأقرهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو وصفوان على نكاحهما الأول. ثم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تميم بن أسيد الخزاعي فجدد أنصاب الحرم. وبث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سراياه إلى الأوثان التي كانت حول الكعبة فكسرت كلها منها: اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ونادى مناديه بمكة: quot; من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنما إلا كسره quot;. فبعث خالد بن الوليد إلى العزى لخمس ليال بقين من شهر رمضان ليهدمها فخرج إليها في ثلاثين فارسا من أصحابه حتى انتهوا إليها فهدمها ثم رجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فقال: quot; هل رأيت شيئا quot; قال: لا قال: quot; فإنك لم تهدمها فارجع إليها فاهدمها فرجع خالد وهو متغيظ فجرد سيفه فخرجت إليه امرأة عجوز عريانة سوداء ناشرة الرأس فجعل السادن يصيح بها فضربها خالد فجزلها باثنتين ورجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فقال: quot; نعم تلك العزى وقد أيست أن تعبد في بلادكم أبدا quot; وكانت بنخلة وكانت لقريش وجميع بني(3\/364)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1270",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9836",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كنانة وكانت أعظم أصنامهم وكان سدنتها بني شيبان. ثم بعث عمرو بن العاص إلى سواع وهو صنم لهذيل ليهدمه قال عمرو: فانتهيت إليه وعنده السادن فقال: ما تريد قلت: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أهدمه فقال: لا تقدر على ذلك قلت: لم قال: تمنع. قلت: حتى الآن أنت على الباطل ويحك فهل يسمع أو يبصر قال: فدنوت منه فكسرته وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته فلم نجد فيه شيئا ثم قلت للسادن: كيف رأيت قال: أسلمت لله. ثم بعث سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة وكانت بالمشلل عند قديد للأوس والخزرج وغسان وغيرهم فخرج في عشرين فارسا حتى انتهى إليها وعندها سادن فقال السادن: ما تريد قلت: هدم مناة قال: أنت وذاك فأقبل سعد يمشي إليها وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها فقال لها السادن: مناة دونك بعض عصاتك فضربها سعد فقتلها وأقبل إلى الصنم ومعه أصحابه فهدمه وكسروه ولم يجدوا في خزانته شيئا.  [ذكر سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة] قال ابن سعد: ولما رجع خالد بن الوليد من هدم العزى ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقيم بمكة بعثه إلى بني جذيمة داعيا إلى الإسلام ولم يبعثه مقاتلا فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار وبني سليم فانتهى إليهم فقال: ما أنتم قالوا: مسلمون قد صلينا وصدقنا بمحمد وبنينا المساجد في ساحتنا وأذنا فيها قال: فما بال السلاح عليكم قالوا: إن بيننا وبين قوم من(3\/365)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1271",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9837",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العرب عداوة فخفنا أن تكونوا هم وقد قيل: إنهم قالوا: صبأنا ولم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا قال: فضعوا السلاح فوضعوه فقال لهم: استأسروا فاستأسر القوم فأمر بعضهم فكتف بعضا وفرقهم في أصحابه فلما كان في السحر نادى خالد بن الوليد: من كان معه أسير فليضرب عنقه فأما بنو سليم فقتلوا من كان في أيديهم وأما المهاجرون والأنصار فأرسلوا أسراهم فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - ما صنع خالد فقال: quot; اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد quot; وبعث عليا يودي لهم قتلاهم وما ذهب منهم quot;. وكان بين خالد وعبد الرحمن بن عوف كلام وشر في ذلك فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: quot; مهلا يا خالد دع عنك أصحابي فوالله لو كان لك أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته quot;.  [فصل في إنشاد حسان في عمرة الحديبية] فصل وكان حسان بن ثابت - رضي الله عنه - قد قال في عمرة الحديبية: عفت ذات الأصابع فالجواء ... إلى عذراء منزلها خلاء(3\/366)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1272",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9838",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ديار من بني الحسحاس قفر تعفيها الروامس والسماء ... وكانت لا يزال بها أنيس خلال مروجها نعم وشاء ... فدع هذا ولكن من لطيف يؤرقني إذا ذهب العشاء ... لشعثاء التي قد تيمته فليس لقلبه منها شفاء ... كأن خبيئة من بيت رأس يكون مزاجها عسل وماء ... إذا ما الأشربات ذكرن يوما فهن لطيب الراح الفداء ... نوليها الملامة إن ألمنا إذا ما كان مغث أو لحاء ... ونشربها فتتركنا ملوكا وأسدا ما ينهنهنا اللقاء ... عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء ... ينازعن الأعنة مصعدات على أكتافها الأسل الظماء ... تظل جيادنا متمطرات تلطمهن بالخمر النساء(3\/367)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1273",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9839",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإما تعرضوا عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء وإلا فاصبروا لجلاد يوم ... يعز الله فيه من يشاء وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء وقال الله قد أرسلت عبدا ... يقول الحق إن نفع البلاء شهدت به فقوموا صدقوه ... فقلتم لا نقوم ولا نشاء وقال الله قد سيرت جندا ... هم الأنصار عرضتها اللقاء لنا في كل يوم من معد ... سباب أو قتال أو هجاء فنحكم بالقوافي من هجانا ... ونضرب حين تختلط الدماء ألا أبلغ أبا سفيان عني ... مغلغلة فقد برح الخفاء بأن سيوفنا تركتك عبدا ... وعبد الدار سادتها الإماء هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء هجوت مباركا برا حنيفا ... أمين الله شيمته الوفاء(3\/368)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1274",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9840",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "مقدمة وتوطئة الفتح العظيم",
        "content": "أمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء ... فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء ... لساني صارم لا عيب فيه وبحري لا تكدره الدلاء  [فصل في الإشارة إلى ما في الغزوة من الفقه واللطائف] [مقدمة وتوطئة الفتح العظيم] فصل في الإشارة إلى ما في الغزوة من الفقه واللطائف كانت صلح الحديبية مقدمة وتوطئة بين يدي هذا الفتح العظيم أمن الناس به وكلم بعضهم بعضا وناظره في الإسلام وتمكن من اختفى من المسلمين بمكة من إظهار دينه والدعوة إليه والمناظرة عليه ودخل بسببه بشر كثير في الإسلام ولهذا سماه الله فتحا في قوله: إنا فتحنا لك فتحا مبينا [الفتح: 1] [الفتح: 1]  نزلت في شأن الحديبية فقال عمر: يا رسول الله أوفتح هو قال: quot; نعم quot;. وأعاد سبحانه وتعالى ذكر كونه فتحا فقال: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق [الفتح: 27] إلى قوله: فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا [الفتح: 27] [الفتح: 27] وهذا شأنه - سبحانه - أن يقدم بين يدي الأمور العظيمة مقدمات تكون كالمدخل إليها المنبهة عليها كما قدم بين يدي قصة المسيح وخلقه من غير أب قصة زكريا وخلق الولد له مع كونه كبيرا لا يولد لمثله وكما قدم بين يدي نسخ القبلة قصة البيت وبنائه وتعظيمه والتنويه به وذكر بانيه وتعظيمه ومدحه ووطأ قبل ذلك كله بذكر النسخ وحكمته المقتضية له وقدرته الشاملة له وهكذا ما قدم بين يدي مبعث رسوله - صلى الله عليه وسلم - من قصة الفيل وبشارات الكهان به وغير ذلك وكذلك الرؤيا الصالحة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت مقدمة بين يدي(3\/369)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1275",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9841",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوحي في اليقظة وكذلك الهجرة كانت مقدمة بين يدي الأمر بالجهاد ومن تأمل أسرار الشرع والقدر رأى من ذلك ما تبهر حكمته الألباب.  [فصل أن أهل العهد إذا حاربوا من هم في ذمة الإمام وجواره وعهده صاروا حربا له بذلك] فصل وفيها: أن أهل العهد إذا حاربوا من هم في ذمة الإمام وجواره وعهده صاروا حربا له بذلك ولم يبق بينهم وبينه عهد فله أن يبيتهم في ديارهم ولا يحتاج أن يعلمهم على سواء وإنما يكون الإعلام إذا خاف منهم الخيانة فإذا تحققها صاروا نابذين لعهده.  [فصل في انتقاض عهد الردء والمباشرين إذا رضوا بذلك] فصل وفيها: انتقاض عهد جميعهم بذلك ردئهم ومباشريهم إذا رضوا بذلك وأقروا عليه ولم ينكروه فإن الذين أعانوا بني بكر من قريش بعضهم لم يقاتلوا كلهم معهم ومع هذا فغزاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلهم وهذا كما أنهم دخلوا في عقد الصلح تبعا ولم ينفرد كل واحد منهم بصلح إذ قد رضوا به وأقروا عليه فكذلك حكم نقضهم للعهد هذا هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي لا شك فيه كما ترى. وطرد هذا جريان هذا الحكم على ناقضي العهد من أهل الذمة إذا رضي جماعتهم به وإن لم يباشر كل واحد منهم ما ينقض عهده كما أجلى عمر يهود خيبر لما عدا بعضهم على ابنه ورموه من ظهر دار ففدعوا يده بل قد قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جميع مقاتلة بني قريظة ولم يسأل عن كل رجل منهم هل نقض العهد أم لا وكذلك أجلى بني النضير كلهم وإنما كان الذي هم بالقتل رجلان وكذلك فعل ببني قينقاع حتى استوهبهم منه عبد الله بن أبي فهذه سيرته وهديه الذي لا شك فيه وقد أجمع المسلمون على أن حكم الردء حكم المباشر في الجهاد ولا يشترط في قسمة الغنيمة ولا في الثواب مباشرة كل واحد واحد القتال. وهذا حكم قطاع الطريق حكم ردئهم حكم مباشرهم لأن المباشر إنما(3\/370)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1276",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9842",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "باشر الإفساد بقوة الباقين ولولاهم ما وصل إلى ما وصل إليه وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه وهو مذهب أحمد ومالك وأبي حنيفة وغيرهم.  [فصل في صلح أهل الحرب على وضع القتال عشر سنين] فصل وفيها: جواز صلح أهل الحرب على وضع القتال عشر سنين وهل يجوز فوق ذلك الصواب أنه يجوز للحاجة والمصلحة الراجحة كما إذا كان بالمسلمين ضعف وعدوهم أقوى منهم وفي العقد لما زاد عن العشر مصلحة للإسلام.  [فصل في الإمام وغيره إذا سئل ما لا يجوز بذله] فصل وفيها: أن الإمام وغيره إذا سئل ما لا يجوز بذله أو لا يجب فسكت عن بذله لم يكن سكوته بذلا له فإن أبا سفيان سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تجديد العهد فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يجبه بشيء ولم يكن بهذا السكوت معاهدا له.  [فصل في رسول الكفار لا يقتل] فصل وفيها: أن رسول الكفار لا يقتل فإن أبا سفيان كان ممن جرى عليه حكم انتقاض العهد ولم يقتله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ كان رسول قومه إليه.  [فصل في تبييت الكفار ومغافضتهم في ديارهم] فصل وفيها: جواز تبييت الكفار ومغافقتهم في ديارهم إذا كانت قد بلغتهم الدعوة وقد كانت سرايا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبيتون الكفار ويغيرون عليهم بإذنه بعد أن بلغتهم دعوته.  [فصل في جواز قتل الجاسوس وإن كان مسلما] فصل وفيها: جواز قتل الجاسوس وإن كان مسلما لأن عمر - رضي الله عنه - سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتل حاطب بن أبي بلتعة لما بعث يخبر أهل مكة بالخبر ولم يقل(3\/371)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1277",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9843",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا يحل قتله إنه مسلم بل قال: quot; وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم quot; فأجاب بأن فيه مانعا من قتله وهو شهوده بدرا وفي الجواب بهذا كالتنبيه على جواز قتل جاسوس ليس له مثل هذا المانع وهذا مذهب مالك وأحد الوجهين في مذهب أحمد وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يقتل وهو ظاهر مذهب أحمد والفريقان يحتجون بقصة حاطب. والصحيح: أن قتله راجع إلى رأي الإمام فإن رأى في قتله مصلحة للمسلمين قتله وإن كان استبقاؤه أصلح استبقاه. والله أعلم.  [جواز تجريد المرأة للمصلحة العامة] فصل وفيها: جواز تجريد المرأة كلها وتكشيفها للحاجة والمصلحة العامة فإن عليا والمقداد قالا للظعينة: لتخرجن الكتاب أو لنكشفنك وإذا جاز تجريدها لحاجتها إلى ذلك حيث تدعو إليها فتجريدها لمصلحة الإسلام والمسلمين أولى.  [فصل في الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق والكفر متأولا وغضبا لله ورسوله] فصل وفيها: أن الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق والكفر متأولا وغضبا لله ورسوله ودينه لا لهواه وحظه فإنه لا يكفر بذلك بل لا يأثم به بل يثاب على نيته وقصده وهذا بخلاف أهل الأهواء والبدع فإنهم يكفرون ويبدعون لمخالفة أهوائهم ونحلهم وهم أولى بذلك ممن كفروه وبدعوه.  [فصل في أن الكبيرة العظيمة مما دون الشرك قد تكفر بالحسنة الكبيرة الماحية] فصل وفيها: أن الكبيرة العظيمة مما دون الشرك قد تكفر بالحسنة الكبيرة الماحية كما وقع الجس من حاطب مكفرا بشهوده بدرا فإن ما اشتملت عليه هذه الحسنة العظيمة من المصلحة وتضمنته من محبة الله لها ورضاه بها وفرحه بها ومباهاته للملائكة بفاعلها أعظم مما اشتملت عليه سيئة الجس من المفسدة وتضمنته من بغض الله لها فغلب الأقوى على الأضعف فأزاله(3\/372)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1278",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9844",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأبطل مقتضاه وهذه حكمة الله في الصحة والمرض الناشئين من الحسنات والسيئات الموجبين لصحة القلب ومرضه وهي نظير حكمته تعالى في الصحة والمرض اللاحقين للبدن فإن الأقوى منهما يقهر المغلوب ويصير الحكم له حتى يذهب أثر الأضعف فهذه حكمته في خلقه وقضائه وتلك حكمته في شرعه وأمره. وهذا كما أنه ثابت في محو السيئات بالحسنات لقوله تعالى: إن الحسنات يذهبن السيئات [هود: 114] [هود: 14]  وقوله تعالى: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم [النساء: 31] [النساء: 31]  وقوله - صلى الله عليه وسلم -: quot; وأتبع السيئة الحسنة تمحها quot; فهو ثابت في عكسه لقوله تعالى: ياأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى [البقرة: 264] [البقرة: 264]  وقوله ياأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون [الحجرات: 2] [الحجرات: 2] . وقول عائشة عن زيد بن أرقم أنه لما باع بالعينة: quot;إنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يتوب quot; وكقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه البخاري في quot; صحيحه quot;: quot; من ترك صلاة العصر حبط(3\/373)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1279",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9845",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عمله quot; إلى غير ذلك من النصوص والآثار الدالة على تدافع الحسنات والسيئات وإبطال بعضها بعضا وذهاب أثر القوي منها بما دونه وعلى هذا مبنى الموازنة والإحباط. وبالجملة فقوة الإحسان ومرض العصيان متصاولان ومتحاربان ولهذا المرض مع هذه القوة حالة تزايد وترام إلى الهلاك وحالة انحطاط وتناقص وهي خير حالات المريض وحالة وقوف وتقابل إلى أن يقهر أحدهما الآخر وإذا دخل وقت البحران وهو ساعة المناجزة فحظ القلب أحد الخطتين إما السلامة وإما العطب وهذا البحران يكون وقت فعل الواجبات التي توجب رضى الرب تعالى ومغفرته أو توجب سخطه وعقوبته وفي الدعاء النبوي: quot; أسألك موجبات رحمتك quot; وقال عن طلحة يومئذ: quot; أوجب طلحة quot; ورفع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل وقالوا: يا رسول الله إنه قد أوجب فقال: quot;أعتقوا عنه quot;. وفي الحديث الصحيح quot; أتدرون ما الموجبتان quot; قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: quot; من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار quot;(3\/374)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1280",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9846",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يريد أن التوحيد والشرك رأس الموجبات وأصلها فهما بمنزلة السم القاتل قطعا والترياق المنجي قطعا. وكما أن البدن قد تعرض له أسباب رديئة لازمة توهن قوته وتضعفها فلا ينتفع معها بالأسباب الصالحة والأغذية النافعة بل تحيلها تلك المواد الفاسدة إلى طبعها وقوتها فلا يزداد بها إلا مرضا وقد تقوم به مواد صالحة وأسباب موافقة توجب قوته وتمكنه من الصحة وأسبابها فلا تكاد تضره الأسباب الفاسدة بل تحيلها تلك المواد الفاضلة إلى طبعها فهكذا مواد صحة القلب وفساده. فتأمل قوة إيمان حاطب التي حملته على شهود بدر وبذله نفسه مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإيثاره الله ورسوله على قومه وعشيرته وقرابته وهم بين ظهراني العدو وفي بلدهم ولم يثن ذلك عنان عزمه ولا فل من حد إيمانه ومواجهته للقتال لمن أهله وعشيرته وأقاربه عندهم فلما جاء مرض الجس برزت إليه هذه القوة وكان البحران صالحا فاندفع المرض وقام المريض كأن لم يكن به قلبة ولما رأى الطبيب قوة إيمانه قد استعلت على مرض جسه وقهرته قال لمن أراد فصده: لا يحتاج هذا العارض إلى فصاد وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم quot; وعكس هذا ذو الخويصرة التميمي وأضرابه من الخوارج الذين بلغ اجتهادهم في الصلاة والصيام والقراءة إلى حد يحقر أحد الصحابة عمله معه كيف قال فيهم: quot; لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد quot; وقال: quot; اقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم quot;. وقال: quot; شر قتلى تحت أديم السماء quot; فلم ينتفعوا بتلك الأعمال العظيمة مع تلك المواد الفاسدة المهلكة واستحالت فاسدة.(3\/375)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1281",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9847",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتأمل في حال إبليس لما كانت المادة المهلكة كامنة في نفسه لم ينتفع معها بما سلف من طاعاته ورجع إلى شاكلته وما هو أولى به وكذلك الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين وأضرابه وأشكاله فالمعول على السرائر والمقاصد والنيات والهمم فهي الإكسير الذي يقلب نحاس الأعمال ذهبا أو يردها خبثا وبالله التوفيق. ومن له لب وعقل يعلم قدر هذه المسألة وشدة حاجته إليها وانتفاعه بها ويطلع منها على باب عظيم من أبواب معرفة الله سبحانه وحكمته في خلقه وأمره وثوابه وعقابه وأحكام الموازنة وإيصال اللذة والألم إلى الروح والبدن في المعاش والمعاد وتفاوت المراتب في ذلك بأسباب مقتضية بالغة ممن هو قائم على كل نفس بما كسبت.  [فصل في جواز مباغتة المعاهدين إذا نقضوا العهد] فصل وفي هذه القصة جواز مباغتة المعاهدين إذا نقضوا العهد والإغارة عليهم وألا يعلمهم بمسيره إليهم وأما ما داموا قائمين بالوفاء بالعهد فلا يجوز ذلك حتى ينبذ إليهم على سواء.  [فصل في استحباب كثرة المسلمين لرسل العدو إذا جاءوا إلى الإمام] فصل وفيها: جواز بل استحباب كثرة المسلمين وقوتهم وشوكتهم وهيئتهم لرسل العدو إذا جاءوا إلى الإمام كما يفعل ملوك الإسلام كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإيقاد النيران ليلة الدخول إلى مكة وأمر العباس أن يحبس أبا سفيان عند خطم الجبل وهو ما تضايق منه حتى عرضت عليه عساكر الإسلام وعصابة التوحيد وجند الله وعرضت عليه خاصكية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم في السلاح منهم إلا الحدق ثم أرسله فأخبر قريشا بما رأى.(3\/376)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1282",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9848",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "فصل في بيان أن مكة فتحت عنوة",
        "content": "[فصل في جواز دخول مكة للقتال المباح بغير إحرام] فصل وفيها: جواز دخول مكة للقتال المباح بغير إحرام كما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون وهذا لا خلاف فيه ولا خلاف أنه لا يدخلها من أراد الحج أو العمرة إلا بإحرام واختلف فيما سوى ذلك إذا لم يكن الدخول لحاجة متكررة كالحشاش والحطاب على ثلاثة أقوال: أحدها: لا يجوز دخولها إلا بإحرام وهذا مذهب ابن عباس رضي الله عنه وأحمد في ظاهر مذهبه والشافعي في أحد قوليه. والثاني: أنه كالحشاش والحطاب فيدخلها بغير إحرام وهذا القول الآخر للشافعي ورواية عن أحمد. والثالث: أنه إن كان داخل المواقيت جاز دخوله بغير إحرام وإن كان خارج المواقيت لم يدخل إلا بإحرام وهذا مذهب أبي حنيفة وهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معلوم في المجاهد ومريد النسك وأما من عداهما فلا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله أو أجمعت عليه الأمة.  [فصل في بيان أن مكة فتحت عنوة] فصل وفيها البيان الصريح بأن مكة فتحت عنوة كما ذهب إليه جمهور أهل العلم ولا يعرف في ذلك خلاف إلا عن الشافعي وأحمد في أحد قوليه وسياق القصة أوضح شاهد لمن تأمله لقول الجمهور ولما استهجن أبو حامد الغزالي القول بأنها فتحت صلحا حكى قول الشافعي أنها فتحت عنوة في quot; وسيطه quot; وقال: هذا مذهبه. قال أصحاب الصلح: لو فتحت عنوة لقسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الغانمين كما قسم خيبر وكما قسم سائر الغنائم من المنقولات فكان يخمسها ويقسمها قالوا: ولما استأمن أبو سفيان لأهل مكة لما أسلم فأمنهم كان هذا عقد صلح معهم قالوا: ولو فتحت عنوة لملك الغانمون رباعها ودورها وكانوا أحق بها(3\/377)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1283",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9849",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من أهلها وجاز إخراجهم منها فحيث لم يحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها بهذا الحكم بل لم يرد على المهاجرين دورهم التي أخرجوا منها وهي بأيدي الذين أخرجوهم وأقرهم على بيع الدور وشرائها وإجارتها وسكناها والانتفاع بها وهذا مناف لأحكام فتوح العنوة وقد صرح بإضافة الدور إلى أهلها فقال: ( من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل داره فهو آمن ) . قال أرباب العنوة: لو كان قد صالحهم لم يكن لأمانه المقيد بدخول كل واحد داره وإغلاقه بابه وإلقائه سلاحه فائدة ولم يقاتلهم خالد بن الوليد حتى قتل منهم جماعة ولم ينكر عليه ولما قتل مقيس بن صبابة وعبد الله بن خطل ومن ذكر معهما فإن عقد الصلح لو كان قد وقع لاستثني فيه هؤلاء قطعا ولنقل هذا وهذا ولو فتحت صلحا لم يقاتلهم وقد قال: ( فإن أحد ترخص بقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم )  ومعلوم أن هذا الإذن المختص برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما هو الإذن في القتال لا في الصلح فإن الإذن في الصلح عام. وأيضا فلو كان فتحها صلحا لم يقل: إن الله قد أحلها له ساعة من نهار فإنها إذا فتحت صلحا كانت باقية على حرمتها ولم تخرج بالصلح عن الحرمة وقد أخبر بأنها في تلك الساعة لم تكن حراما وأنها بعد انقضاء ساعة الحرب عادت إلى حرمتها الأولى. وأيضا فإنها لو فتحت صلحا لم يعبئ جيشه: خيالتهم ورجالتهم ميمنة وميسرة ومعهم السلاح وقال لأبي هريرة: ( اهتف لي بالأنصار quot; فهتف بهم فجاءوا فأطافوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال quot; أترون إلى أوباش قريش وأتباعهم quot; ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى: quot; احصدوهم حصدا حتى توافوني على الصفا quot; حتى قال أبو سفيان: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: quot; من أغلق بابه فهو آمن ) وهذا محال أن يكون مع الصلح فإن كان قد تقدم صلح - وكلا - فإنه ينتقض بدون هذا.(3\/378)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1284",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9850",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأيضا فكيف يكون صلحا وإنما فتحت بإيجاف الخيل والركاب ولم يحبس الله خيل رسوله وركابه عنها كما حبسها يوم صلح الحديبية فإن ذلك اليوم كان يوم الصلح حقا فإن القصواء لما بركت به قالوا: خلأت القصواء قال: ( ما خلأت وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل ) ثم قال: ( والله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمة من حرمات الله إلا أعطيتهموها ) . وكذلك جرى عقد الصلح بالكتاب والشهود ومحضر ملإ من المسلمين والمشركين والمسلمون يومئذ ألف وأربعمائة فجرى مثل هذا الصلح في يوم الفتح ولا يكتب ولا يشهد عليه ولا يحضره أحد ولا ينقل كيفيته والشروط فيه هذا من الممتنع البين امتناعه وتأمل قوله ( إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين ) كيف يفهم منه أن قهر رسوله وجنده الغالبين لأهلها أعظم من قهر الفيل الذي كان يدخلها عليهم عنوة فحبسه عنهم وسلط رسوله والمؤمنين عليهم حتى فتحوها عنوة بعد القهر وسلطان العنوة وإذلال الكفر وأهله وكان ذلك أجل قدرا وأعظم خطرا وأظهر آية وأتم نصرة وأعلى كلمة من أن يدخلهم تحت رق الصلح واقتراح العدو وشروطهم ويمنعهم سلطان العنوة وعزها وظفرها في أعظم فتح فتحه على رسوله وأعز به دينه وجعله آية للعالمين. قالوا: وأما قولكم: إنها لو فتحت عنوة لقسمت بين الغانمين فهذا مبني على أن الأرض داخلة في الغنائم التي قسمها الله سبحانه بين الغانمين بعد تخميسها وجمهور الصحابة والأئمة بعدهم على خلاف ذلك وأن الأرض ليست داخلة في الغنائم التي تجب قسمتها وهذه كانت سيرة الخلفاء الراشدين فإن بلالا وأصحابه لما طلبوا من عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقسم بينهم الأرض التي افتتحوها عنوة وهي الشام وما حولها وقالوا له خذ خمسها واقسمها فقال عمر: هذا غير المال ولكن أحبسه فيئا يجري عليكم وعلى المسلمين فقال بلال وأصحابه رضي الله عنهم: اقسمها بيننا فقال عمر:(3\/379)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1285",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9851",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(اللهم اكفني بلالا وذويه) فما حال الحول ومنهم عين تطرف ثم وافق سائر الصحابة - رضي الله عنهم - عمر - رضي الله عنه - على ذلك وكذلك جرى في فتوح مصر والعراق وأرض فارس وسائر البلاد التي فتحت عنوة لم يقسم منها الخلفاء الراشدون قرية واحدة. ولا يصح أن يقال: إنه استطاب نفوسهم ووقفها برضاهم فإنهم قد نازعوه في ذلك وهو يأبى عليهم ودعا على بلال وأصحابه - رضي الله عنهم - وكان الذي رآه وفعله عين الصواب ومحض التوفيق إذ لو قسمت لتوارثها ورثة أولئك وأقاربهم فكانت القرية والبلد تصير إلى امرأة واحدة أو صبي صغير والمقاتلة لا شيء بأيديهم فكان في ذلك أعظم الفساد وأكبره وهذا هو الذي خاف عمر رضي الله عنه منه فوفقه الله سبحانه لترك قسمة الأرض وجعلها وقفا على المقاتلة تجري عليهم فيئا حتى يغزو منها آخر المسلمين وظهرت بركة رأيه ويمنه على الإسلام وأهله ووافقه جمهور الأئمة. واختلفوا في كيفية إبقائها بلا قسمة فظاهر مذهب الإمام أحمد وأكثر نصوصه على أن الإمام مخير فيها تخيير مصلحة لا تخيير شهوة فإن كان الأصلح للمسلمين قسمتها قسمها وإن كان الأصلح أن يقفها على جماعتهم وقفها وإن كان الأصلح قسمة البعض ووقف البعض فعله فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل الأقسام الثلاثة فإنه قسم أرض قريظة والنضير وترك قسمة مكة وقسم بعض خيبر وترك بعضها لما ينوبه من مصالح المسلمين. وعن أحمد رواية ثانية أنها تصير وقفا بنفس الظهور والاستيلاء عليها من غير أن ينشئ الإمام وقفها وهي مذهب مالك. وعنه رواية ثالثة: أنه يقسمها بين الغانمين كما يقسم بينهم المنقول إلا أن يتركوا حقوقهم منها وهي مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة: الإمام مخير بين القسمة وبين أن يقر أربابها فيها بالخراج وبين أن يجليهم عنها وينفذ إليها قوما آخرين يضرب عليهم الخراج.(3\/380)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1286",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9852",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وليس هذا الذي فعل عمر - رضي الله عنه - بمخالف للقرآن فإن الأرض ليست داخلة في الغنائم التي أمر الله بتخميسها وقسمتها ولهذا قال عمر: إنها غير المال ويدل عليه أن إباحة الغنائم لم تكن لغير هذه الأمة بل هو من خصائصها كما قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق على صحته: ( وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ) وقد أحل الله سبحانه الأرض التي كانت بأيدي الكفار لمن قبلنا من أتباع الرسل إذا استولوا عليها عنوة كما أحلها لقوم موسى فلهذا قال موسى لقومه ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين [المائدة: 21] [المائدة: 21] فموسى وقومه قاتلوا الكفار واستولوا على ديارهم وأموالهم فجمعوا الغنائم ثم نزلت النار من السماء فأكلتها وسكنوا الأرض والديار ولم تحرم عليهم فعلم أنها ليست من الغنائم وأنها لله يورثها من يشاء.  [فصل يمنع قسمة مكة لأنها دار نسك] فصل وأما مكة فإن فيها شيئا آخر يمنع من قسمتها ولو وجبت قسمة ما عداها من القرى وهي أنها لا تملك فإنها دار النسك ومتعبد الخلق وحرم الرب تعالى الذي جعله للناس سواء العاكف فيه والباد فهي وقف من الله على العالمين وهم فيها سواء ( ومنى مناخ من سبق ) قال تعالى: إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والبادي ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم [الحج: 25] [الحج: 25]  والمسجد الحرام هنا المراد به الحرم كله كقوله تعالى: إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا [التوبة: 28] [التوبة: 28]  فهذا المراد به الحرم كله وقوله سبحانه: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى [الإسراء: 1] [الإسراء: 1]  وفي الصحيح: إنه ( أسري به من بيت أم هانئ ) وقال(3\/381)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1287",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9853",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى: ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام [البقرة: 196] [البقرة: 196]  وليس المراد به حضور نفس موضع الصلاة اتفاقا وإنما هو حضور الحرم والقرب منه وسياق آية الحج تدل على ذلك فإنه قال: ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم [الحج: 25] وهذا لا يختص بمقام الصلاة قطعا بل المراد به الحرم كله فالذي جعله للناس سواء العاكف فيه والباد هو الذي توعد من صد عنه ومن أراد الإلحاد بالظلم فيه فالحرم ومشاعره كالصفا والمروة والمسعى ومنى وعرفة ومزدلفة لا يختص بها أحد دون أحد بل هي مشتركة بين الناس إذ هي محل نسكهم ومتعبدهم فهي مسجد من الله وقفه ووضعه لخلقه ولهذا امتنع النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبنى له بيت بمنى يظله من الحر وقال: ( منى مناخ من سبق ) . ولهذا ذهب جمهور الأئمة من السلف والخلف إلى أنه لا يجوز بيع أراضي مكة ولا إجارة بيوتها هذا مذهب مجاهد وعطاء في أهل مكة ومالك في أهل المدينة وأبي حنيفة في أهل العراق وسفيان الثوري والإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. وروى الإمام أحمد رحمه الله عن علقمة بن نضلة قال: ( كانت رباع مكة تدعى السوائب على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر من احتاج سكن ومن استغنى أسكن ) . وروي أيضا عن عبد الله بن عمر: ( من أكل أجور بيوت مكة فإنما يأكل في بطنه نار جهنم  رواه الدارقطني مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه ( إن الله حرم مكة فحرام بيع رباعها وأكل ثمنها .(3\/382)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1288",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9854",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الإمام أحمد: حدثنا معمر عن ليث عن عطاء وطاوس ومجاهد أنهم قالوا: يكره أن تباع رباع مكة أو تكرى بيوتها. وذكر الإمام أحمد عن القاسم بن عبد الرحمن قال: (من أكل من كراء بيوت مكة فإنما يأكل في بطنه نارا) . وقال أحمد: حدثنا هشيم حدثنا حجاج عن مجاهد عن عبد الله بن عمر قال نهي عن إجارة بيوت مكة وعن بيع رباعها . وذكر عن عطاء قال: نهي عن إجارة بيوت مكة. وقال أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف قال: حدثنا عبد الملك قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أمير أهل مكة ينهاهم عن إجارة بيوت مكة وقال إنه حرام. وحكى أحمد عن عمر أنه نهى أن يتخذ أهل مكة للدور أبوابا لينزل البادي حيث شاء وحكى عن عبد الله بن عمر عن أبيه أنه نهى أن تغلق أبواب دور مكة فنهى من لا باب لداره أن يتخذ لها بابا ومن لداره باب أن يغلقه وهذا في أيام الموسم. قال المجوزون للبيع والإجارة: الدليل على جواز ذلك كتاب الله وسنة رسوله وعمل أصحابه وخلفائه الراشدين. قال الله تعالى: للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم [الحشر: 8] [الحشر: 8]  وقال فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم [آل عمران: 195] [آل عمران: 195]  وقال إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم [الممتحنة: 9] [الممتحنة: 9] فأضاف الدور إليهم وهذه إضافة تمليك وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد قيل له: أين تنزل غدا بدارك بمكة فقال: (وهل ترك لنا عقيل من رباع)  ولم يقل: إنه لا دار لي بل أقرهم على الإضافة وأخبر أن عقيلا استولى عليها ولم ينزعها من يده وإضافة دورهم إليهم في الأحاديث أكثر من أن تذكر كدار أم هانئ ودار خديجة ودار أبي أحمد بن جحش(3\/383)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1289",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9855",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وغيرها وكانوا يتوارثونها كما يتوارثون المنقول ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( وهل ترك لنا عقيل من منزل ) وكان عقيل هو ورث دور أبي طالب فإنه كان كافرا ولم يرثه علي رضي الله عنه لاختلاف الدين بينهما فاستولى عقيل على الدور. ولم يزالوا قبل الهجرة وبعدها بل قبل المبعث وبعده من مات ورثته داره إلى الآن وقد باع صفوان بن أمية دارا لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بأربعة آلاف درهم فاتخذها سجنا وإذا جاز البيع والميراث فالإجارة أجوز وأجوز فهذا موقف أقدام الفريقين كما ترى وحججهم في القوة والظهور لا تدفع وحجج الله وبيناته لا يبطل بعضها بعضا بل يصدق بعضها بعضا ويجب العمل بموجبها كلها والواجب اتباع الحق أين كان. فالصواب القول بموجب الأدلة من الجانبين وأن الدور تملك وتوهب وتورث وتباع ويكون نقل الملك في البناء لا في الأرض والعرصة فلو زال بناؤه لم يكن له أن يبيع الأرض وله أن يبنيها ويعيدها كما كانت وهو أحق بها يسكنها ويسكن فيها من شاء وليس له أن يعاوض على منفعة السكنى بعقد الإجارة فإن هذه المنفعة إنما يستحق أن يقدم فيها على غيره ويختص بها لسبقه وحاجته فإذا استغنى عنها لم يكن له أن يعاوض عليها كالجلوس في الرحاب والطرق الواسعة والإقامة على المعادن وغيرها من المنافع والأعيان المشتركة التي من سبق إليها فهو أحق بها ما دام ينتفع فإذا استغنى لم يكن له أن يعاوض وقد صرح أرباب هذا القول بأن البيع ونقل الملك في رباعها إنما يقع على البناء لا على الأرض ذكره أصحاب أبي حنيفة. فإن قيل: فقد منعتم الإجارة وجوزتم البيع فهل لهذا نظير في الشريعة والمعهود في الشريعة أن الإجارة أوسع من البيع فقد يمتنع البيع وتجوز الإجارة كالوقف والحر فأما العكس فلا عهد لنا به قيل: كل واحد من البيع والإجارة عقد مستقل غير مستلزم للآخر في جوازه وامتناعه وموردهما مختلف وأحكامهما مختلفة وإنما جاز البيع لأنه وارد على المحل الذي كان البائع(3\/384)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1290",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9856",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أخص به من غيره وهو البناء وأما الإجارة فإنما ترد على المنفعة وهي مشتركة وللسابق إليها حق التقدم دون المعاوضة فلهذا أجزنا البيع دون الإجارة فإن أبيتم إلا النظير قيل هذا المكاتب يجوز لسيده بيعه ويصير مكاتبا عند مشتريه ولا يجوز له إجارته إذ فيها إبطال منافعه وأكسابه التي ملكها بعقد الكتابة والله أعلم. على أنه لا يمنع البيع وإن كانت منافع أرضها ورباعها مشتركة بين المسلمين فإنها تكون عند المشتري كذلك مشتركة المنفعة إن احتاج سكن وإن استغنى أسكن كما كانت عند البائع فليس في بيعها إبطال اشتراك المسلمين في هذه المنفعة كما أنه ليس في بيع المكاتب إبطال ملكه لمنافعه التي ملكها بعقد المكاتبة ونظير هذا جواز بيع أرض الخراج التي وقفها عمر رضي الله عنه على الصحيح الذي استقر الحال عليه من عمل الأمة قديما وحديثا فإنها تنتقل إلى المشتري خراجية كما كانت عند البائع وحق المقاتلة إنما هو في خراجها وهو لا يبطل بالبيع وقد اتفقت الأمة على أنها تورث فإن كان بطلان بيعها لكونها وقفا فكذلك ينبغي أن تكون وقفيتها مبطلة لميراثها وقد نص أحمد على جواز جعلها صداقا في النكاح فإذا جاز نقل الملك فيها بالصداق والميراث والهبة جاز البيع فيها قياسا وعملا وفقها. والله أعلم.  [فصل هل يضرب الخراج على مزارع مكة كسائر أرض العنوة] فصل فإذا كانت مكة قد فتحت عنوة فهل يضرب الخراج على مزارعها كسائر أرض العنوة وهل يجوز لكم أن تفعلوا ذلك أم لا قيل في هذه المسألة قولان لأصحاب العنوة: أحدهما: المنصوص المنصور الذي لا يجوز القول بغيره أنه لا خراج على مزارعها وإن فتحت عنوة فإنها أجل وأعظم من أن يضرب عليها الخراج لا سيما والخراج هو جزية الأرض وهو على الأرض كالجزية على الرءوس وحرم الرب أجل قدرا وأكبر من أن تضرب عليه جزية ومكة بفتحها عادت إلى ما(3\/385)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1291",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9857",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وضعها الله عليه من كونها حرما آمنا يشترك فيه أهل الإسلام إذ هو موضع مناسكهم ومتعبدهم وقبلة أهل الأرض. والثاني - وهو قول بعض أصحاب أحمد - أن على مزارعها الخراج كما هو على مزارع غيرها من أرض العنوة وهذا فاسد مخالف لنص أحمد رحمه الله ومذهبه ولفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين من بعده رضي الله عنهم فلا التفات إليه والله أعلم. وقد بنى بعض الأصحاب تحريم بيع رباع مكة على كونها فتحت عنوة وهذا بناء غير صحيح فإن مساكن أرض العنوة تباع قولا واحدا فظهر بطلان هذا البناء والله أعلم. وفيها: تعيين قتل الساب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن قتله حد لا بد من استيفائه فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يؤمن مقيس بن صبابة وابن خطل والجاريتين اللتين كانتا تغنيان بهجائه مع أن نساء أهل الحرب لا يقتلن كما لا تقتل الذرية وقد أمر بقتل هاتين الجاريتين ( وأهدر دم أم ولد الأعمى لما قتلها سيدها لأجل سبها النبي - صلى الله عليه وسلم - ) وقتل كعب بن الأشرف اليهودي وقال: ( من لكعب فإنه قد آذى الله ورسوله ) وكان يسبه وهذا إجماع من الخلفاء الراشدين ولا يعلم لهم في الصحابة مخالف فإن الصديق - رضي الله عنه - قال لأبي برزة الأسلمي وقد هم بقتل من سبه: (لم يكن هذا لأحد غير رسول الله) - صلى الله عليه وسلم - ومر عمر - رضي الله عنه - براهب فقيل له: هذا يسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال: (لو سمعته لقتلته إنا لم نعطهم الذمة على أن يسبوا نبينا - صلى الله عليه وسلم -) .(3\/386)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1292",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9858",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا ريب أن المحاربة بسب نبينا أعظم أذية ونكاية لنا من المحاربة باليد ومنع دينار جزية في السنة فكيف ينقض عهده ويقتل بذلك دون السب وأي نسبة لمفسدة منعه دينارا في السنة إلى مفسدة منع مجاهرته بسب نبينا أقبح سب على رءوس الأشهاد بل لا نسبة لمفسدة محاربته باليد إلى مفسدة محاربته بالسب فأولى ما انتقض به عهده وأمانه سب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا ينتقض عهده بشيء أعظم منه إلا سبه الخالق سبحانه فهذا محض القياس ومقتضى النصوص وإجماع الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - وعلى هذه المسألة أكثر من أربعين دليلا. فإن قيل: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقتل عبد الله بن أبي وقد قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولم يقتل ذا الخويصرة التميمي وقد قال له: اعدل فإنك لم تعدل ولم يقتل من قال له: يقولون إنك تنهى عن الغي وتستخلي به ولم يقتل القائل له: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله ولم يقتل من قال له لما حكم للزبير بتقديمه في السقي: أن كان ابن عمتك وغير هؤلاء ممن كان يبلغه عنهم أذى له وتنقص. قيل: الحق كان له فله أن يستوفيه وله أن يسقطه وليس لمن بعده أن يسقط حقه كما أن الرب تعالى له أن يستوفي حقه وله أن يسقط وليس لأحد أن يسقط حقه تعالى بعد وجوبه كيف وقد كان في ترك قتل من ذكرتم وغيرهم مصالح عظيمة في حياته زالت بعد موته من تأليف الناس وعدم تنفيرهم عنه فإنه لو بلغهم أنه يقتل أصحابه لنفروا وقد أشار إلى هذا بعينه وقال لعمر لما أشار عليه بقتل عبد الله بن أبي: ( لا يبلغ الناس أن محمدا يقتل أصحابه ) .(3\/387)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1293",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9859",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا ريب أن مصلحة هذا التأليف وجمع القلوب عليه كانت أعظم عنده وأحب إليه من المصلحة الحاصلة بقتل من سبه وآذاه ولهذا لما ظهرت مصلحة القتل وترجحت جدا قتل الساب كما فعل بكعب بن الأشرف فإنه جاهر بالعداوة والسب فكان قتله أرجح من إبقائه وكذلك قتل ابن خطل ومقيس والجاريتين وأم ولد الأعمى فقتل للمصلحة الراجحة وكف للمصلحة الراجحة فإذا صار الأمر إلى نوابه وخلفائه لم يكن لهم أن يسقطوا حقه.  [فصل فيما في خطبته العظيمة ثاني يوم الفتح من أنواع العلم] [تحريم الله لمكة] فصل فيما في خطبته العظيمة ثاني يوم الفتح من أنواع العلم فمنها قوله ( إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ) فهذا تحريم شرعي قدري سبق به قدره يوم خلق هذا العالم ثم ظهر به على لسان خليله إبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما كما في quot; الصحيح quot; عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ( اللهم إن إبراهيم خليلك حرم مكة وإني أحرم المدينة ) فهذا إخبار عن ظهور التحريم السابق يوم خلق السماوات والأرض على لسان إبراهيم ولهذا لم ينازع أحد من أهل الإسلام في تحريمها وإن تنازعوا في تحريم المدينة والصواب المقطوع به تحريمها إذ قد صح فيه بضعة وعشرون حديثا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا مطعن فيها بوجه.(3\/388)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1294",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9860",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: قوله ( فلا يحل لأحد أن يسفك بها دما ) هذا التحريم لسفك الدم المختص بها وهو الذي يباح في غيرها ويحرم فيها لكونها حرما كما أن تحريم عضد الشجر بها واختلاء خلائها والتقاط لقطتها هو أمر مختص بها وهو مباح في غيرها إذ الجميع في كلام واحد ونظام واحد وإلا بطلت فائدة التخصيص وهذا أنواع: أحدها وهو الذي ساقه أبو شريح العدوي لأجله -: أن الطائفة الممتنعة بها من مبايعة الإمام لا تقاتل لا سيما إن كان لها تأويل كما امتنع أهل مكة من مبايعة يزيد وبايعوا ابن الزبير فلم يكن قتالهم ونصب المنجنيق عليهما وإحلال حرم الله جائزا بالنص والإجماع وإنما خالف في ذلك عمرو بن سعيد الفاسق وشيعته وعارض نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برأيه وهواه فقال: إن الحرم لا يعيذ عاصيا فيقال له: هو لا يعيذ عاصيا من عذاب الله ولو لم يعذه من سفك دمه لم يكن حرما بالنسبة إلى الآدميين وكان حرما بالنسبة إلى الطير والحيوان البهيم وهو لم يزل يعيذ العصاة من عهد إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه وقام الإسلام على ذلك وإنما لم يعذ مقيس بن صبابة وابن خطل ومن سمي معهما لأنه في تلك الساعة لم يكن حرما بل حلا فلما انقضت ساعة الحرب عاد إلى ما وضع عليه يوم خلق الله السماوات والأرض. وكانت العرب في(3\/389)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1295",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9861",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جاهليتها يرى الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم فلا يهيجه وكان ذلك بينهم خاصية الحرم التي صار بها حرما ثم جاء الإسلام فأكد ذلك وقواه وعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من الأمة من يتأسى به في إحلاله بالقتال والقتل فقطع الإلحاق وقال لأصحابه: ( فإن أحد ترخص لقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا: quot; إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لك ) وعلى هذا فمن أتى حدا أو قصاصا خارج الحرم يوجب القتل ثم لجأ إليه لم يجز إقامته عليه فيه. وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: (لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه) . وذكر عن عبد الله بن عمر أنه قال: (لو لقيت فيه قاتل عمر ما ندهته) وعن ابن عباس أنه قال: (لو لقيت قاتل أبي في الحرم ما هجته حتى يخرج منه) وهذا قول جمهور التابعين ومن بعدهم بل لا يحفظ عن تابعي ولا صحابي خلافه وإليه ذهب أبو حنيفة ومن وافقه من أهل العراق والإمام أحمد ومن وافقه من أهل الحديث. وذهب مالك والشافعي إلى أنه يستوفى منه في الحرم كما يستوفى منه في الحل وهو اختيار ابن المنذر واحتج لهذا القول بعموم النصوص الدالة على استيفاء الحدود والقصاص في كل مكان وزمان ( وبأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة ) . وبما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا بخربة ) وبأنه لو كان الحدود والقصاص فيما دون النفس لم يعذه الحرم ولم يمنعه من إقامته عليه وبأنه لو أتى فيه بما يوجب حدا أو قصاصا لم يعذه الحرم ولم يمنع من إقامته عليه فكذلك إذا أتاه خارجه ثم لجأ إليه إذ كونه حرما بالنسبة إلى عصمته لا يختلف بين الأمرين(3\/390)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1296",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9862",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبأنه حيوان أبيح قتله لفساده فلم يفترق الحال بين قتله لاجئا إلى الحرم وبين كونه قد أوجب ما أبيح قتله فيه كالحية والحدأة والكلب العقور ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم ) فنبه بقتلهن في الحل والحرم على العلة وهي فسقهن ولم يجعل التجاءهن إلى الحرم مانعا من قتلهن وكذلك فاسق بني آدم الذي قد استوجب القتل. قال الأولون: ليس في هذا ما يعارض ما ذكرنا من الأدلة ولا سيما قوله تعالى: ومن دخله كان آمنا [آل عمران: 97] [آل عمران: 97]  وهذا إما خبر بمعنى الأمر لاستحالة الخلف في خبره تعالى وإما خبر عن شرعه ودينه الذي شرعه في حرمه وإما إخبار عن الأمر المعهود المستمر في حرمه في الجاهلية والإسلام كما قال تعالى: أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم [العنكبوت: 67] [العنكبوت: 67]  وقوله تعالى: وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء [القصص: 57] [القصص: 57] وما عدا هذا من الأقوال الباطلة فلا يلتفت إليه كقول بعضهم: ومن دخله كان آمنا [آل عمران: 97] من النار وقول بعضهم: كان آمنا من الموت على غير الإسلام ونحو ذلك فكم ممن دخله وهو في قعر الجحيم. وأما العمومات الدالة على استيفاء الحدود والقصاص في كل زمان ومكان فيقال أولا: لا تعرض في تلك العمومات لزمان الاستيفاء ولا مكانه كما لا تعرض فيها لشروطه وعدم موانعه فإن اللفظ لا يدل عليها بوضعه ولا بتضمنه فهو مطلق بالنسبة إليها ولهذا إذا كان للحكم شرط أو مانع لم يقل: إن توقف الحكم عليه تخصيص لذلك العام فلا يقول محصل: إن قوله تعالى: وأحل لكم ما وراء ذلكم [النساء: 24] [النساء: 24] مخصوص بالمنكوحة في عدتها أو بغير إذن وليها أو بغير شهود فهكذا النصوص العامة في استيفاء الحدود والقصاص لا تعرض فيها لزمنه ولا مكانه ولا شرطه ولا مانعه ولو قدر تناول اللفظ(3\/391)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1297",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9863",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لذلك لوجب تخصيصه بالأدلة الدالة على المنع لئلا يبطل موجبها ووجب حمل اللفظ العام على ما عداها كسائر نظائره وإذا خصصتم تلك العمومات بالحامل والمرضع والمريض الذي يرجى برؤه والحال المحرمة للاستيفاء كشدة المرض أو البرد أو الحر فما المانع من تخصيصها بهذه الأدلة وإن قلتم ليس ذلك تخصيصا بل تقييدا لمطلقها كلنا لكم بهذا الصاع سواء بسواء. وأما قتل ابن خطل فقد تقدم أنه كان في وقت الحل والنبي - صلى الله عليه وسلم - قطع الإلحاق ونص على أن ذلك من خصائصه وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ( وإنما أحلت لي ساعة من نهار ) صريح في أنه إنما أحل له سفك دم حلال في غير الحرم في تلك الساعة خاصة إذ لو كان حلالا في كل وقت لم يختص بتلك الساعة وهذا صريح في أن الدم الحلال في غيرها حرام فيها فيما عدا تلك الساعة وأما قوله ( الحرم لا يعيذ عاصيا ) فهو من كلام الفاسق عمرو بن سعيد الأشدق يرد به حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين روى له أبو شريح الكعبي هذا الحديث كما جاء مبينا في quot; الصحيح quot; فكيف يقدم على قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وأما قولكم: لو كان الحد والقصاص فيما دون النفس لم يعذه الحرم منه فهذه المسألة فيها قولان للعلماء وهما روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد فمن منع الاستيفاء نظر إلى عموم الأدلة العاصمة بالنسبة إلى النفس وما دونها ومن فرق قال: سفك الدم إنما ينصرف إلى القتل ولا يلزم من تحريمه في الحرم تحريم ما دونه لأن حرمة النفس أعظم والانتهاك بالقتل أشد قالوا: ولأن الحد بالجلد أو القطع يجري مجرى التأديب فلم يمنع منه كتأديب السيد عبده وظاهر هذا المذهب أنه لا فرق بين النفس وما دونها في ذلك قال أبو بكر: هذه مسألة وجدتها لحنبل عن عمه أن الحدود كلها تقام في الحرم إلا القتل قال: والعمل على أن كل جان دخل الحرم لم يقم عليه الحد حتى يخرج منه قالوا: وحينئذ فنجيبكم بالجواب المركب وهو أنه إن كان بين النفس وما دونها في ذلك فرق مؤثر بطل الإلزام وإن لم يكن بينهما فرق مؤثر سوينا(3\/392)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1298",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9864",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بينهما في الحكم وبطل الاعتراض فتحقق بطلانه على التقديرين. قالوا: وأما قولكم: إن الحرم لا يعيذ من انتهك فيه الحرمة إذ أتى فيه ما يوجب الحد فكذلك اللاجئ إليه فهو جمع بين ما فرق الله ورسوله والصحابة بينهما فروى الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: (من سرق أو قتل في الحل ثم دخل الحرم فإنه لا يجالس ولا يكلم ولا يؤوى ولكنه يناشد حتى يخرج فيؤخذ فيقام عليه الحد وإن سرق أو قتل في الحرم أقيم عليه في الحرم) وذكر الأثرم عن ابن عباس أيضا: (من أحدث حدثا في الحرم أقيم عليه ما أحدث فيه من شيء) . وقد أمر الله سبحانه بقتل من قاتل في الحرم فقال: ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم [البقرة: 191] [البقرة: 191] . والفرق بين اللاجئ والمنتهك فيه من وجوه: أحدها: أن الجاني فيه هاتك لحرمته بإقدامه على الجناية فيه بخلاف من جنى خارجه ثم لجأ إليه فإنه معظم لحرمته مستشعر بها بالتجائه إليه فقياس أحدهما على الآخر باطل. الثاني: أن الجاني فيه بمنزلة المفسد الجاني على بساط الملك في داره وحرمه ومن جنى خارجه ثم لجأ إليه فإنه بمنزلة من جنى خارج بساط السلطان وحرمه ثم دخل إلى حرمه مستجيرا. الثالث: أن الجاني في الحرم قد انتهك حرمة الله سبحانه وحرمة بيته وحرمه فهو هاتك لحرمتين بخلاف غيره. الرابع: أنه لو لم يقم الحد على الجناة في الحرم لعم الفساد وعظم الشر في حرم الله فإن أهل الحرم كغيرهم في الحاجة إلى صيانة نفوسهم وأموالهم وأعراضهم ولو لم يشرع الحد في حق من ارتكب الجرائم في الحرم لتعطلت حدود الله وعم الضرر للحرم وأهله.(3\/393)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1299",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9865",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والخامس: أن اللاجئ إلى الحرم بمنزلة التائب المتنصل اللاجئ إلى بيت الرب تعالى المتعلق بأستاره فلا يناسب حاله ولا حال بيته وحرمه أن يهاج بخلاف المقدم على انتهاك حرمته فظهر سر الفرق وتبين أن ما قاله ابن عباس هو محض الفقه. وأما قولكم: إنه حيوان مفسد فأبيح قتله في الحل والحرم كالكلب العقور فلا يصح القياس فإن الكلب العقور طبعه الأذى فلم يحرمه الحرم ليدفع أذاه عن أهله وأما الآدمي فالأصل فيه الحرمة وحرمته عظيمة وإنما أبيح لعارض فأشبه الصائل من الحيوانات المباحة من المأكولات فإن الحرم يعصمها. وأيضا فإن حاجة أهل الحرم إلى قتل الكلب العقور والحية والحدأة كحاجة أهل الحل سواء فلو أعاذها الحرم لعظم عليهم الضرر بها.  [فصل في قلع شجر مكة] فصل ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: ( ولا يعضد بها شجر )  وفي اللفظ الآخر: ( ولا يعضد شوكها )  وفي لفظ في quot; صحيح مسلم quot;: ( ولا يخبط شوكها ) لا خلاف بينهم أن الشجر البري الذي لم ينبته الآدمي على اختلاف أنواعه مراد من هذا اللفظ واختلفوا فيما أنبته الآدمي من الشجر في الحرم على ثلاثة أقوال وهي في مذهب أحمد: أحدها: أن له قلعه ولا ضمان عليه وهذا اختيار ابن عقيل وأبي الخطاب وغيرهما. والثاني: أنه ليس له قلعه وإن فعل ففيه الجزاء بكل حال وهو قول(3\/394)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1300",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9866",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشافعي وهو الذي ذكره ابن البناء في quot; خصاله quot;. الثالث: الفرق بين ما أنبته في الحل ثم غرسه في الحرم وبين ما أنبته في الحرم أولا فالأول: لا جزاء فيه والثاني: لا يقلع وفيه الجزاء بكل حال وهذا قول القاضي. وفيه قول رابع: وهو الفرق بين ما ينبت الآدمي جنسه كاللوز والجوز والنخل ونحوه وما لا ينبت الآدمي جنسه كالدوح والسلم ونحوه فالأول يجوز قلعه ولا جزاء فيه والثاني: لا يجوز وفيه الجزاء. قال صاحب quot; المغني quot;: والأولى الأخذ بعموم الحديث في تحريم الشجر كله إلا ما أنبت الآدمي من جنس شجرهم بالقياس على ما أنبتوه من الزرع والأهلي من الحيوان فإننا إنما أخرجنا من الصيد ما كان أصله إنسيا دون ما تأنس من الوحشي كذا هاهنا وهذا تصريح منه باختيار هذا القول الرابع فصار في مذهب أحمد أربعة أقوال. والحديث ظاهر جدا في تحريم قطع الشوك والعوسج وقال الشافعي: لا يحرم قطعه لأنه يؤذي الناس بطبعه فأشبه السباع وهذا اختيار أبي الخطاب وابن عقيل وهو مروي عن عطاء ومجاهد وغيرهما. وقوله - صلى الله عليه وسلم - ( لا يعضد شوكها ) وفي اللفظ الآخر: ( لا يختلى شوكها ) صريح في المنع ولا يصح قياسه على السباع العادية فإن تلك تقصد بطبعها الأذى وهذا لا يؤذي من لم يدن منه. والحديث لم يفرق بين الأخضر واليابس ولكن قد جوزوا قطع اليابس قالوا: لأنه بمنزلة الميت ولا يعرف فيه خلاف وعلى هذا فسياق الحديث يدل على أنه إنما أراد الأخضر فإنه جعله بمنزلة تنفير الصيد وليس في أخذ اليابس انتهاك حرمة الشجرة الخضراء التي تسبح بحمد ربها ولهذا غرس النبي - صلى الله عليه وسلم - على(3\/395)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1301",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9867",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القبرين غصنين أخضرين وقال: ( لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا ) . وفي الحديث دليل على أنه إذا انقلعت الشجرة بنفسها أو انكسر الغصن جاز الانتفاع به لأنه لم يعضده هو وهذا لا نزاع فيه. فإن قيل: فما تقولون فيما إذا قلعها قالع ثم تركها فهل يجوز له أو لغيره أن ينتفع بها قيل: قد سئل الإمام أحمد عن هذه المسألة فقال: من شبهه بالصيد لم ينتفع بحطبها وقال لم أسمع إذا قطعه ينتفع به. وفيه وجه آخر أنه يجوز لغير القاطع الانتفاع به لأنه قطع بغير فعله فأبيح له الانتفاع به كما لو قلعته الريح وهذا بخلاف الصيد إذا قتله محرم حيث يحرم على غيره فإن قتل المحرم له جعله ميتة. وقوله في اللفظ الآخر: ( ولا يخبط شوكها ) صريح أو كالصريح في تحريم قطع الورق وهذا مذهب أحمد - رحمه الله - وقال الشافعي: له أخذه ويروى عن عطاء والأول أصح لظاهر النص والقياس فإن منزلته من الشجرة منزلة ريش الطائر منه وأيضا فإن أخذ الورق ذريعة إلى يبس الأغصان فإنه لباسها ووقايتها.  [فصل لا يقلع حشيش مكة ما دام رطبا] فصل وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ( ولا يختلى خلاها ) لا خلاف أن المراد من ذلك ما ينبت بنفسه دون ما أنبته الآدميون ولا يدخل اليابس في الحديث بل هو للرطب خاصة فإن الخلا بالقصر الحشيش الرطب ما دام رطبا فإذا يبس فهو حشيش وأخلت الأرض كثر خلاها واختلاء الخلى: قطعه ومنه الحديث (كان ابن عمر يختلي لفرسه) أي يقطع لها الخلى ومنه سميت المخلاة وهي وعاء الخلى والإذخر مستثنى بالنص وفي تخصيصه بالاستثناء دليل على إرادة(3\/396)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1302",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9868",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "فصل في النهي عن تفير صيد مكة",
        "content": "العموم فيما سواه. فإن قيل: فهل يتناول الحديث الرعي أم لا قيل: هذا فيه قولان. أحدهما: لا يتناوله فيجوز الرعي وهذا قول الشافعي. والثاني: يتناوله بمعناه وإن لم يتناوله بلفظه فلا يجوز الرعي وهو مذهب أبي حنيفة والقولان لأصحاب أحمد. قال المحرمون: وأي فرق بين اختلائه وتقديمه للدابة وبين إرسال الدابة عليه ترعاه قال المبيحون: لما كانت عادة الهدايا أن تدخل الحرم وتكثر فيه ولم ينقل قط أنها كانت تسد أفواهها دل على جواز الرعي. قال المحرمون: الفرق بين أن يرسلها ترعى ويسلطها على ذلك وبين أن ترعى بطبعها من غير أن يسلطها صاحبها وهو لا يجب عليه أن يسد أفواهها كما لا يجب عليه أن يسد أنفه في الإحرام عن شم الطيب وإن لم يجز له أن يتعمد شمه وكذلك لا يجب عليه أن يمتنع من السير خشية أن يوطئ صيدا في طريقه وإن لم يجز له أن يقصد ذلك وكذلك نظائره. فإن قيل: فهل يدخل في الحديث أخذ الكمأة والفقع وما كان مغيبا في الأرض قيل: لا يدخل فيه لأنه بمنزلة الثمرة وقد قال أحمد: يؤكل من شجر الحرم الضغابيس والعشرق.  [فصل في النهي عن تفير صيد مكة] فصل وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ( ولا ينفر صيدها ) صريح في تحريم التسبب إلى قتل الصيد واصطياده بكل سبب حتى إنه لا ينفره عن مكانه لأنه حيوان محترم في هذا(3\/397)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1303",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9869",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المكان قد سبق إلى مكان فهو أحق به ففي هذا أن الحيوان المحترم إذا سبق إلى مكان لم يزعج عنه.  [فصل لا تملك لقطة الحرم] فصل وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ( ولا يلتقط ساقطتها إلا من عرفها ) . وفي لفظ: ( ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد )  فيه دليل على أن لقطة الحرم لا تملك بحال وأنها لا تلتقط إلا للتعريف لا للتمليك وإلا لم يكن لتخصيص مكة بذلك فائدة أصلا وقد اختلف في ذلك فقال مالك وأبو حنيفة: لقطة الحل والحرم سواء وهذا إحدى الروايتين عن أحمد وأحد قولي الشافعي ويروى عن ابن عمر وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم وقال أحمد في الرواية الأخرى والشافعي في القول الآخر: لا يجوز التقاطها للتمليك وإنما يجوز لحفظها لصاحبها فإن التقطها عرفها أبدا حتى يأتي صاحبها وهذا قول عبد الرحمن بن مهدي وأبي عبيد وهذا هو الصحيح والحديث صريح فيه والمنشد المعرف والناشد الطالب ومنه قوله: إصاخة الناشد للمنشد وقد روى أبو داود في quot; سننه quot;: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( نهى عن لقطة الحاج ) وقال ابن وهب: يعني يتركها حتى يجدها صاحبها. قال شيخنا: وهذا من خصائص مكة والفرق بينها وبين سائر الآفاق في ذلك: أن الناس يتفرقون عنها إلى الأقطار المختلفة فلا يتمكن صاحب الضالة من طلبها والسؤال عنها بخلاف غيرها من البلاد.(3\/398)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1304",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9870",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل لا يتعين في قتل العمد القصاص] فصل وقوله - صلى الله عليه وسلم - في الخطبة: ( ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يقتل وإما أن يأخذ الدية ) فيه دليل على أن الواجب بقتل العمد لا يتعين في القصاص بل هو أحد شيئين إما القصاص وإما الدية. وفي ذلك ثلاثة أقوال: وهي روايات عن الإمام أحمد. أحدها: أن الواجب أحد شيئين إما القصاص وإما الدية والخيرة في ذلك إلى الولي بين أربعة أشياء: العفو مجانا والعفو إلى الدية والقصاص ولا خلاف في تخييره بين هذه الثلاثة. والرابع: المصالحة على أكثر من الدية فيه وجهان: أشهرهما مذهبا: جوازه. والثاني: ليس له العفو على مال إلا الدية أو دونها وهذا أرجح دليلا فإن اختار الدية سقط القود ولم يملك طلبه بعد وهذا مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن مالك. والقول الثاني: أن موجبه القود عينا وأنه ليس له أن يعفو إلى الدية إلا برضى الجاني فإن عدل إلى الدية ولم يرض الجاني فقوده بحاله وهذا مذهب مالك في الرواية الأخرى وأبي حنيفة. والقول الثالث: أن موجبه القود عينا مع التخيير بينه وبين الدية وإن لم يرض الجاني فإذا عفا عن القصاص إلى الدية فرضي الجاني فلا إشكال وإن لم يرض فله العود إلى القصاص عينا فإن عفا عن القود مطلقا فإن قلنا: الواجب أحد الشيئين فله الدية وإن قلنا: الواجب القصاص عينا سقط حقه منها. فإن قيل: فما تقولون فيما لو مات القاتل قلنا: في ذلك قولان. أحدهما: تسقط الدية وهو مذهب أبي حنيفة لأن الواجب عندهم القصاص عينا وقد زال محل استيفائه بفعل الله تعالى فأشبه ما لو مات العبد الجاني فإن أرش الجناية لا ينتقل إلى ذمة السيد وهذا بخلاف تلف الرهن وموت الضامن حيث(3\/399)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1305",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9871",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يسقط الحق لثبوته في ذمة الراهن والمضمون عنه فلم يسقط بتلف الوثيقة. وقال الشافعي وأحمد: تتعين الدية في تركته لأنه تعذر استيفاء القصاص من غير إسقاط فوجب الدية لئلا يذهب الورثة من الدم والدية مجانا. فإن قيل: فما تقولون لو اختار القصاص ثم اختار بعده العفو إلى الدية هل له ذلك قلنا: هذا فيه وجهان أحدهما: أن له ذلك لأن القصاص أعلى فكان له الانتقال إلى الأدنى. والثاني: ليس له ذلك لأنه لما اختار القصاص فقد أسقط الدية باختياره له فليس له أن يعود إليها بعد إسقاطها. فإن قيل: فكيف تجمعون بين هذا الحديث وبين قوله - صلى الله عليه وسلم -: ( من قتل عمدا فهو قود ) . قيل: لا تعارض بينهما بوجه فإن هذا يدل على وجوب القود بقتل العمد وقوله: quot; فهو بخير النظرين quot; يدل على تخييره بين استيفاء هذا الواجب له وبين أخذ بدله وهو الدية فأي تعارض وهذا الحديث نظير قوله تعالى: كتب عليكم القصاص [البقرة: 178] [البقرة: 178]  وهذا لا ينفي تخيير المستحق له بين ما كتب له وبين بدله. والله أعلم.  [فصل في إباحة قطع الإذخر] فصل وقوله - صلى الله عليه وسلم - في الخطبة quot; إلا الإذخر quot; بعد قول العباس له: إلا الإذخر. يدل على مسألتين: إحداهما: إباحة قطع الإذخر.(3\/400)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1306",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9872",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثانية: أنه لا يشترط في الاستثناء أن ينويه من أول الكلام ولا قبل فراغه لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو كان ناويا لاستثناء الإذخر من أول كلامه أو قبل تمامه لم يتوقف استثناؤه له على سؤال العباس له ذلك وإعلامه أنهم لا بد لهم منه لقينهم وبيوتهم ونظير هذا استثناؤه - صلى الله عليه وسلم - لسهيل بن بيضاء من أسارى بدر بعد أن ذكره به ابن مسعود فقال: ( لا ينفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضربة عنق ) فقال ابن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام فقال: quot; إلا سهيل بن بيضاء quot; ومن المعلوم أنه لم يكن قد نوى الاستثناء في الصورتين من أول كلامه. ونظيره أيضا قول الملك لسليمان لما قال: ( لأطوفن الليلة على مائة امرأة تلد كل امرأة غلاما يقاتل في سبيل الله فقال له الملك: قل إن شاء الله تعالى فلم يقل فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لو قال إن شاء الله تعالى لقاتلوا في سبيل الله أجمعون وفي لفظ لكان دركا لحاجته ) فأخبر أن هذا الاستثناء لو وقع منه في هذه الحالة لنفعه ومن يشترط النية يقول لا ينفعه. ونظير هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: ( والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا ثلاثا ثم سكت ثم قال: إن شاء الله ) فهذا استثناء بعد سكوت وهو يتضمن إنشاء الاستثناء بعد الفراغ من الكلام والسكوت عليه وقد نص أحمد على جوازه وهو الصواب بلا ريب والمصير إلى موجب هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة أولى. وبالله التوفيق.(3\/401)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1307",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9873",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في الدليل على كتابة العلم] فصل وفي القصة: أن رجلا من الصحابة يقال له أبو شاه قام فقال: اكتبوا لي فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (اكتبوا لأبي شاه ) يريد خطبته ففيه دليل على كتابة العلم ونسخ النهي عن كتابة الحديث فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( من كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه ) وهذا كان في أول الإسلام خشية أن يختلط الوحي الذي يتلى بالوحي الذي لا يتلى ثم أذن في الكتابة لحديثه. وصح عن عبد الله بن عمرو أنه كان يكتب حديثه وكان مما كتبه صحيفة تسمى الصادقة وهي التي رواها حفيده عمرو بن شعيب عن أبيه عنه وهي من أصح الأحاديث وكان بعض أئمة أهل الحديث يجعلها في درجة أيوب عن نافع عن ابن عمر والأئمة الأربعة وغيرهم احتجوا بها.  [فصل في الصلاة في المكان المصور] فصل وفي القصة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل البيت وصلى فيه ولم يدخله حتى محيت الصور منه. ففيه دليل على كراهة الصلاة في المكان المصور وهذا أحق بالكراهة من الصلاة في الحمام لأن كراهة الصلاة في الحمام إما لكونه مظنة النجاسة وإما لكونه بيت الشيطان وهو الصحيح وأما محل الصور فمظنة الشرك غالب شرك الأمم كان من جهة الصور والقبور.  [فصل في جواز لبس السواد] فصل وفي القصة: أنه دخل مكة وعليه عمامة سوداء ففيه دليل على جواز لبس(3\/402)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1308",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9874",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السواد أحيانا ومن ثم جعل خلفاء بني العباس لبس السواد شعارا لهم ولولاتهم وقضاتهم وخطبائهم والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يلبسه لباسا راتبا ولا كان شعاره في الأعياد والجمع والمجامع العظام البتة وإنما اتفق له لبس العمامة السوداء يوم الفتح دون سائر الصحابة ولم يكن سائر لباسه يومئذ السواد بل كان لواؤه أبيض.  [فصل متى حرمت متعة النساء] فصل ومما وقع في هذه الغزوة إباحة متعة النساء ثم حرمها قبل خروجه من مكة واختلف في الوقت الذي حرمت فيه المتعة على أربعة أقوال: أحدها: أنه يوم خيبر وهذا قول طائفة من العلماء. منهم الشافعي وغيره. والثاني: أنه عام فتح مكة وهذا قول ابن عيينة وطائفة. والثالث: أنه عام حنين وهذا في الحقيقة هو القول الثاني لاتصال غزاة حنين بالفتح. والرابع: أنه عام حجة الوداع وهو وهم من بعض الرواة سافر فيه وهمه من فتح مكة إلى حجة الوداع كما سافر وهم معاوية من عمرة الجعرانة إلى حجة الوداع حيث قال: قصرت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمشقص على المروة في حجته وقد تقدم في الحج وسفر الوهم من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان ومن واقعة إلى واقعة كثيرا ما يعرض للحفاظ فمن دونهم. والصحيح: أن المتعة إنما حرمت عام الفتح لأنه قد ثبت في quot; صحيح مسلم quot; أنهم استمتعوا عام الفتح مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بإذنه ولو كان التحريم زمن خيبر لزم النسخ مرتين وهذا لا عهد بمثله في الشريعة البتة ولا يقع مثله فيها وأيضا: فإن خيبر لم يكن فيها مسلمات وإنما كن يهوديات وإباحة نساء أهل(3\/403)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1309",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9875",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكتاب لم تكن ثبتت بعد إنما أبحن بعد ذلك في سورة المائدة بقوله: اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم [المائدة: 5] [المائدة: 5]  وهذا متصل بقوله: اليوم أكملت لكم دينكم [المائدة: 3] [المائدة: 3]  وبقوله: اليوم يئس الذين كفروا من دينكم [المائدة: 3] [المائدة: 3]  وهذا كان في آخر الأمر بعد حجة الوداع أو فيها فلم تكن إباحة نساء أهل الكتاب ثابتة زمن خيبر ولا كان للمسلمين رغبة في الاستمتاع بنساء عدوهم قبل الفتح وبعد الفتح استرق من استرق منهن وصرن إماء للمسلمين. فإن قيل: فما تصنعون بما ثبت في quot; الصحيحين quot; من حديث علي بن أبي طالب: quot; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية )  وهذا صحيح صريح . قيل: هذا الحديث قد صحت روايته بلفظين هذا أحدهما. والثاني: الاقتصار على نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر هذه رواية ابن عيينة عن الزهري. قال قاسم بن أصبغ: قال سفيان بن عيينة: يعني أنه نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر لا عن نكاح المتعة ذكره أبو عمر وفي quot; التمهيد quot;: ثم قال على هذا أكثر الناس انتهى فتوهم بعض الرواة أن يوم خيبر ظرف لتحريمهن فرواه: حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتعة زمن خيبر والحمر الأهلية  واقتصر بعضهم على رواية بعض الحديث فقال: حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتعة زمن خيبر فجاء بالغلط البين. فإن قيل: فأي فائدة في الجمع بين التحريمين إذا لم يكونا قد وقعا في وقت واحد وأين المتعة من تحريم الحمر قيل: هذا الحديث رواه علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - محتجا به على ابن عمه عبد الله بن عباس في(3\/404)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1310",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9876",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المسألتين فإنه كان يبيح المتعة ولحوم الحمر فناظره علي بن أبي طالب في المسألتين وروى له التحريمين وقيد تحريم الحمر بزمن خيبر وأطلق تحريم المتعة وقال: إنك امرؤ تائه إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرم المتعة وحرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر كما قاله سفيان بن عيينة وعليه أكثر الناس فروى الأمرين محتجا عليه بهما لا مقيدا لهما بيوم خيبر والله الموفق. ولكن هاهنا نظر آخر وهو أنه هل حرمها تحريم الفواحش التي لا تباح بحال أو حرمها عند الاستغناء عنها وأباحها للمضطر هذا هو الذي نظر فيه ابن عباس وقال: أنا أبحتها للمضطر كالميتة والدم فلما توسع فيها من توسع ولم يقف عند الضرورة أمسك ابن عباس عن الإفتاء بحلها ورجع عنه. وقد كان ابن مسعود يرى إباحتها ويقرأ ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم [المائدة: 87] [المائدة: 78]  ففي quot; الصحيحين quot; عنه قال: ( كنا نغزو مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس لنا نساء فقلنا: ألا نختصي فنهانا ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ عبد الله: ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين [المائدة: 87]  ) [المائدة: 78] . وقراءة عبد الله هذه الآية عقيب هذا الحديث يحتمل أمرين: أحدهما: الرد على من يحرمها وأنها لو لم تكن من الطيبات لما أباحها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. والثاني: أن يكون أراد آخر هذه الآية وهو الرد على من أباحها مطلقا وأنه معتد فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما رخص فيها للضرورة وعند الحاجة في الغزو وعند عدم النساء وشدة الحاجة إلى المرأة. فمن رخص فيها في الحضر مع كثرة النساء وإمكان النكاح المعتاد فقد اعتدى والله لا يحب المعتدين. فإن قيل: فكيف تصنعون بما روى مسلم في quot; صحيحه quot; من حديث جابر(3\/405)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1311",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9877",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسلمة بن الأكوع قالا: خرج علينا منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (قد أذن لكم أن تستمتعوا) يعني: متعة النساء  قيل: هذا كان زمن الفتح قبل التحريم ثم حرمها بعد ذلك بدليل ما رواه مسلم في quot; صحيحه quot; عن سلمة بن الأكوع قال: رخص لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام أوطاس في المتعة ثلاثا ثم نهى عنها . وعام أوطاس: هو عام الفتح لأن غزاة أوطاس متصلة بفتح مكة. فإن قيل: فما تصنعون بما رواه مسلم في quot; صحيحه quot; عن جابر بن عبد الله قال: ( كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر حتى نهى عنها عمر في شأن عمرو بن حريث ) وفيما ثبت عن عمر أنه قال: ( متعتان كانتا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا أنهى عنهما: متعة النساء ومتعة الحج ) قيل: الناس في هذا طائفتان طائفة تقول: إن عمر هو الذي حرمها ونهى عنها وقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باتباع ما سنه الخلفاء الراشدون ولم تر هذه الطائفة تصحيح حديث سبرة بن معبد في تحريم المتعة عام الفتح فإنه من رواية عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده وقد تكلم فيه ابن معين ولم ير البخاري إخراج حديث في quot; صحيحه quot; مع شدة الحاجة إليه وكونه أصلا من أصول الإسلام ولو صح عنده لم يصبر عن إخراجه والاحتجاج به قالوا: ولو(3\/406)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1312",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9878",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صح حديث سبرة لم يخف على ابن مسعود حتى يروي أنهم فعلوها ويحتج بالآية وأيضا ولو صح لم يقل عمر: إنها كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أنهى عنها وأعاقب عليها بل كان يقول: إنه - صلى الله عليه وسلم - حرمها ونهى عنها. قالوا: ولو صح لم تفعل على عهد الصديق وهو عهد خلافة النبوة حقا. والطائفة الثانية: رأت صحة حديث سبرة ولو لم يصح فقد صح حديث علي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( حرم متعة النساء ) فوجب حمل حديث جابر على أن الذي أخبر عنها بفعلها لم يبلغه التحريم ولم يكن قد اشتهر حتى كان زمن عمر رضي الله عنه فلما وقع فيها النزاع ظهر تحريمها واشتهر وبهذا تأتلف الأحاديث الواردة فيها. وبالله التوفيق.  [فصل في إجارة المرأة وأمانها للرجلين] فصل وفي قصة الفتح من الفقه جواز إجارة المرأة وأمانها للرجل والرجلين كما أجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - أمان أم هانئ لحمويها . وفيها من الفقه جواز قتل المرتد الذي تغلظت ردته من غير استتابة فإن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان قد أسلم وهاجر وكان يكتب الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ارتد ولحق بمكة فلما كان يوم الفتح أتى به عثمان بن عفان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليبايعه فأمسك عنه طويلا ثم بايعه وقال: (إنما أمسكت عنه ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه فقال له رجل: هلا أومأت إلي يا رسول الله فقال: ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين ) فهذا كان قد تغلظ كفره بردته بعد إيمانه وهجرته وكتابة الوحي ثم ارتد ولحق بالمشركين يطعن على الإسلام ويعيبه وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد قتله فلما جاء به عثمان بن عفان(3\/407)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1313",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9879",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "تسميتها بأوطاس وهوازن",
        "content": "وكان أخاه من الرضاعة لم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتله حياء من عثمان ولم يبايعه ليقوم إليه بعض أصحابه فيقتله فهابوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقدموا على قتله بغير إذنه واستحيى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عثمان وساعد القدر السابق لما يريد الله سبحانه بعبد الله مما ظهر منه بعد ذلك من الفتوح فبايعه وكان ممن استثنى الله بقوله: كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين - أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين - خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون - إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم [آل عمران: 86 - 89] [آل عمران: 86 - 89]  وقوله - صلى الله عليه وسلم - ( ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين )  أي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يخالف ظاهره باطنه ولا سره علانيته وإذا نفذ حكم الله وأمره لم يوم به بل صرح به وأعلنه وأظهره.  [فصل في غزوة حنين وتسمى غزوة أوطاس] [تسميتها بأوطاس وهوازن] فصل في غزوة حنين وتسمى غزوة أوطاس وهما موضعان بين مكة والطائف فسميت الغزوة باسم مكانها وتسمى غزوة هوازن لأنهم الذين أتوا لقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال ابن إسحاق: ولما سمعت هوازن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما فتح الله عليه من مكة جمعها مالك بن عوف النصري واجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها واجتمعت إليه مضر وجشم كلها وسعد بن بكر وناس من بني هلال وهم قليل ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء ولم يحضرها من هوازن كعب ولا(3\/408)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1314",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9880",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كلاب وفي جشم دريد بن الصمة شيخ كبير ليس فيه إلا رأيه ومعرفته بالحرب وكان شجاعا مجربا وفي ثقيف سيدان لهم وفي الأحلاف قارب بن الأسود وفي بني مالك سبيع بن الحارث وأخوه أحمر بن الحارث وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف النصري فلما أجمع السير إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساق مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس وفيهم دريد بن الصمة فلما نزل قال: بأي واد أنتم قالوا: بأوطاس. قال: نعم مجال الخيل لا حزن ضرس ولا سهل دهس ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصبي ويعار الشاء قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس نساءهم وأموالهم وأبناءهم. قال: أين مالك قيل هذا مالك ودعي له. قال يا مالك إنك قد أصبحت رئيس قومك وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير ويعار الشاء  قال: سقت مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم. قال: ولم قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم. فقال: راعي ضأن والله وهل يرد المنهزم شيء إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب قالوا: لم يشهدها أحد منهم. قال: غاب الحد والجد لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب ولا كلاب ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب فمن شهدها منكم قالوا: عمرو بن عامر وعوف بن عامر قال: ذانك الجذعان من عامر لا ينفعان ولا يضران. يا مالك: إنك لم تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن(3\/409)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1315",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9881",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى نحور الخيل شيئا ارفعهم إلى متمنع بلادهم وعليا قومهم ثم الق الصباة على متون الخيل فإن كانت لك لحق بك من وراءك إن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك. قال: والله لا أفعل إنك قد كبرت وكبر عقلك والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري وكره أن يكون لدريد فيها ذكر ورأي فقالوا: أطعناك فقال دريد: هذا يوم لم أشهده ولم يفتني. يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع أقود وطفاء الزمع ... كأنها شاة صدع ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم ثم شدوا شدة رجل واحد وبعث عيونا من رجاله فأتوه وقد تفرقت أوصالهم قال: ويلكم ما شأنكم قالوا: رأينا رجالا بيضا على خيل بلق والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى فوالله ما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد. ولما سمع بهم نبي الله - صلى الله عليه وسلم - بعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم ثم يأتيه بخبرهم فانطلق ابن أبي حدرد فدخل فيهم حتى سمع وعلم ما قد جمعوا له من حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسمع من مالك وأمر هوازن ما هم عليه ثم أقبل حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره الخبر. فلما أجمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السير إلى هوازن ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعا وسلاحا فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك فقال: (يا أبا أمية أعرنا سلاحك(3\/410)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1316",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9882",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا نلقى فيه عدونا غدا فقال صفوان: أغصبا يا محمد قال: quot; بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك quot; فقال: ليس بهذا بأس فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح فزعموا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأله أن يكفيهم حملها ففعل ) . ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معه ألفان من أهل مكة مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه ففتح الله بهم مكة وكانوا اثني عشر ألفا واستعمل عتاب بن أسيد على مكة أميرا ثم مضى يريد لقاء هوازن. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله قال: لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط إنما ننحدر فيه انحدارا. قال: وفي عماية الصبح وكان القوم سبقونا إلى الوادي فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضايقه قد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا فوالله ما راعنا - ونحن منحطون - إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد وانشمر الناس راجعين لا يلوي أحد منهم على أحد وانحاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات اليمين ثم قال: ( إلى أين أيها الناس هلم إلي أنا رسول الله أنا محمد بن عبد الله ) وبقي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته وفيمن ثبت معه من المهاجرين أبو بكر وعمر ومن أهل بيته علي والعباس وأبو سفيان بن الحارث وابنه والفضل بن العباس وربيعة بن الحارث وأسامة بن زيد وأيمن ابن أم أيمن وقتل يومئذ. قال: ورجل من هوازن على جمل له أحمر بيده راية سوداء في رأس رمح طويل أمام هوازن وهوازن خلفه إذا أدرك طعن برمحه وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه فبينا هو كذلك(3\/411)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1317",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9883",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذ أهوى عليه علي بن أبي طالب ورجل من الأنصار يريدانه قال: فأتى علي من خلفه فضرب عرقوبي الجمل فوقع على عجزه ووثب الأنصاري على الرجل فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه فانجعف عن رحله قال: فاجتلد الناس. قال: فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال ابن إسحاق: ولما انهزم المسلمون ورأى من كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جفاة أهل مكة الهزيمة تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر وإن الأزلام لمعه في كنانته وصرخ جبلة بن الحنبل - وقال ابن هشام: صوابه كلدة - ألا بطل السحر اليوم فقال له صفوان أخوه لأمه وكان بعد مشركا: اسكت فض الله فاك فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن. وذكر ابن سعد عن شيبة بن عثمان الحجبي قال: لما كان عام الفتح دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة عنوة قلت: أسير مع قريش إلى هوازن بحنين فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمد غرة فأثأر منه فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها وأقول: لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدا ما تبعته أبدا وكنت مرصدا لما خرجت له لا يزداد الأمر في نفسي إلا قوة فلما اختلط الناس اقتحم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بغلته فأصلت السيف فدنوت أريد ما أريد منه ورفعت سيفي حتى كدت أشعره إياه فرفع لي شواظ من نار كالبرق كاد يمحشني فوضعت يدي على بصري خوفا عليه فالتفت إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فناداني: ( يا شيب ادن مني quot; فدنوت منه فمسح صدري ثم قال: quot; اللهم أعذه من الشيطان quot; قال: فوالله لهو كان ساعتئذ أحب إلي من(3\/412)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1318",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9884",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سمعي وبصري ونفسي وأذهب الله ما كان في نفسي ثم قال quot; ادن فقاتل ) فتقدمت أمامه أضرب بسيفي الله يعلم أني أحب أن أقيه بنفسي كل شيء ولو لقيت تلك الساعة أبي لو كان حيا لأوقعت به السيف فجعلت ألزمه فيمن لزمه حتى تراجع المسلمون فكروا كرة رجل واحد وقربت بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستوى عليها وخرج في أثرهم حتى تفرقوا في كل وجه ورجع إلى معسكره فدخل خباءه فدخلت عليه ما دخل عليه أحد غيري حبا لرؤية وجهه وسرورا به فقال: ( يا شيب الذي أراد الله بك خير مما أردت لنفسك quot; ثم حدثني بكل ما أضمرت في نفسي ما لم أكن أذكره لأحد قط قال فقلت: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قلت: استغفر لي. فقال quot; غفر الله لك ) . وقال ابن إسحاق: وحدثني الزهري عن كثير بن العباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب قال: إني لمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخذ بحكمة بغلته البيضاء قد شجرتها بها وكنت امرءا جسيما شديد الصوت قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول حين رأى ما رأى من الناس: ( إلى أين أيها الناس quot; قال: فلم أر الناس يلوون على شيء فقال: quot; يا عباس اصرخ يا معشر الأنصار يا معشر أصحاب السمرة quot; فأجابوا: لبيك لبيك ) قال: فيذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر على ذلك فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفه وقوسه وترسه ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله ويؤم الصوت حتى ينتهي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس فاقتتلوا فكانت الدعوة أول ما كانت: يا للأنصار ثم خلصت آخرا: يا للخزرج وكانوا صبرا عند الحرب فأشرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ركائبه فنظر إلى مجتلد القوم وهم يجتلدون فقال: ( الآن حمي الوطيس ) وزاد غيره.(3\/413)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1319",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9885",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب وفي quot; صحيح مسلم quot;: ثم أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصيات فرمى بها في وجوه الكفار ثم قال: (انهزموا ورب محمد) فما هو إلا أن رماهم فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا . وفي لفظ له: إنه نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب الأرض ثم استقبل بها وجوههم وقال: (شاهت الوجوه)  فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين . وذكر ابن إسحاق عن جبير بن مطعم قال: لقد رأيت - قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون يوم حنين - مثل البجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي فلم يكن إلا هزيمة القوم فلم أشك أنها الملائكة. قال ابن إسحاق: ولما انهزم المشركون أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف وعسكر بعضهم بأوطاس وتوجه بعضهم نحو نخلة وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الأشعري فأدرك من الناس بعض من انهزم فناوشوه القتال فرمي بسهم فقتل فأخذ الراية أبو موسى الأشعري وهو ابن أخيه فقاتلهم ففتح الله عليه فهزمهم الله وقتل قاتل أبي عامر فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( اللهم اغفر لعبيد أبي عامر وأهله واجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك )  واستغفر لأبي موسى.(3\/414)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1320",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9886",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومضى مالك بن عوف حتى تحصن بحصن ثقيف وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسبي والغنائم أن تجمع فجمع ذلك كله ووجهوه إلى الجعرانة وكان السبي ستة آلاف رأس والإبل أربعة وعشرين ألفا والغنم أكثر من أربعين ألف شاة وأربعة آلاف أوقية فضة فاستأنى بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقدموا عليه مسلمين بضع عشرة ليلة.  أول الناس منهم أبو سفيان وحكيم بن حزام] ثم بدأ بالأموال فقسمها وأعطى المؤلفة قلوبهم أول الناس فأعطى أبا سفيان بن حرب أربعين أوقية ومائة من الإبل فقال: ابني يزيد فقال: quot; أعطوه أربعين أوقية ومائة من الإبل quot; فقال: ابني معاوية قال quot; أعطوه أربعين أوقية ومائة من الإبل quot; وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل ثم سأله مائة أخرى فأعطاه وأعطى النضر بن الحارث بن كلدة مائة من الإبل وأعطى العلاء بن حارثة الثقفي خمسين وذكر أصحاب المائة - وأصحاب الخمسين - وأعطى العباس بن مرداس أربعين فقال في ذلك شعرا فكمل له المائة. ثم أمر زيد بن ثابت بإحصاء الغنائم والناس ثم فضها على الناس فكانت سهامهم لكل رجل أربعا من الإبل وأربعين شاة. فإن كان فارسا أخذ اثني عشر بعيرا وعشرين ومائة شاة. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن أبي سعيد الخدري قال: لما أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب ولم يكن في الأنصار منها شيء وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القالة حتى قال قائلهم: لقي والله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قومه فدخل عليه سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي(3\/415)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1321",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9887",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصبت قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شيء. قال: (فأين أنت من ذلك يا سعد quot; قال: يا رسول الله ما أنا إلا من قومي. قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة قال فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا وجاء آخرون فردهم فلما اجتمعوا أتى سعد فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار فأتاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: quot; يا معشر الأنصار ما قالة بلغتني عنكم وجدة وجدتموها في أنفسكم ألم آتكم ضلالا فهداكم الله بي وعالة فأغناكم الله بي وأعداء فألف الله بين قلوبكم quot; قالوا: الله ورسوله أمن وأفضل. ثم قال: quot; ألا تجيبوني يا معشر الأنصار قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله لله ولرسوله المن والفضل. قال: quot; أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك ومخذولا فنصرناك وطريدا فآويناك وعائلا فآسيناك أوجدتم علي يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير وترجعون برسول الله إلى رحالكم فوالذي نفس محمد بيده لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به ولولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار ولو سلك الناس شعبا وواديا وسلكت الأنصار شعبا وواديا لسلكت شعب الأنصار وواديها الأنصار شعار والناس دثار اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار quot; قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسما وحظا ثم انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتفرقوا ) . وقدمت الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى أخت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من(3\/416)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1322",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9888",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرضاعة فقالت: يا رسول الله! إني أختك من الرضاعة قال: وما علامة ذلك قالت: عضة عضضتنيها في ظهري وأنا متوركتك. قال: فعرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العلامة فبسط لها رداءه وأجلسها عليه وخيرها فقال: (إن أحببت الإقامة فعندي محببة مكرمة وإن أحببت أن أمتعك فترجعي إلى قومك quot; قالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي ففعل )  فزعمت بنو سعد أنه أعطاها غلاما يقال له مكحول وجارية فزوجت إحداهما من الآخر فلم يزل فيهم من نسلهما بقية. وقال أبو عمر: فأسلمت فأعطاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أعبد وجارية ونعما وشاء وسماها حذافة. وقال: والشيماء لقب.  [فصل في قدوم وفد هوازن] فصل وقدم وفد هوازن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم أربعة عشر رجلا ورأسهم زهير بن صرد وفيهم أبو برقان عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الرضاعة فسألوه أن يمن عليهم بالسبي والأموال فقال: ( إن معي من ترون وإن أحب الحديث إلي أصدقه فأبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم quot; قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا فقال: إذا صليت الغداة فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المؤمنين ونستشفع بالمؤمنين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يردوا علينا سبينا quot; فلما صلى الغداة قاموا فقالوا ذلك فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم وسأسأل لكم الناس فقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا وقال العباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا فقالت بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال العباس بن مرداس: وهنتموني فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: quot; إن هؤلاء القوم قد جاءوا مسلمين وقد كنت استأنيت سبيهم وقد خيرتهم فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئا فمن كان عنده منهن شيء فطابت نفسه بأن يرده فسبيل ذلك ومن أحب أن يستمسك بحقه فليرد عليهم وله بكل فريضة ست فرائض من أول ما يفيء الله علينا فقال الناس: قد طيبنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال: إنا لا نعرف من رضي منكم ممن لم يرض فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم فردوا عليهم نساءهم وأبناءهم ) .(3\/417)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1323",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9889",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولم يتخلف منهم أحد غير عيينة بن حصن فإنه أبى أن يرد عجوزا صارت في يديه ثم ردها بعد ذلك وكسا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السبي قبطية قبطية.  [فصل في الإشارة إلى بعض ما تضمنته هذه الغزوة من المسائل الفقهية والنكت الحكمية] [تسببت حرب هوازن له صلى الله عليه وسلم في إظهار أمر الله] فصل في الإشارة إلى بعض ما تضمنته هذه الغزوة من المسائل الفقهية والنكت الحكمية كان الله عز وجل قد وعد رسوله وهو صادق الوعد أنه إذا فتح مكة دخل الناس في دينه أفواجا ودانت له العرب بأسرها فلما تم له الفتح المبين اقتضت حكمته تعالى أن أمسك قلوب هوازن ومن تبعها عن الإسلام وأن يجمعوا ويتألبوا لحرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين ليظهر أمر الله وتمام إعزازه لرسوله ونصره لدينه ولتكون غنائمهم شكرانا لأهل الفتح وليظهر الله - سبحانه - رسوله وعباده وقهره لهذه الشوكة العظيمة التي لم يلق المسلمون مثلها فلا يقاومهم بعد أحد من العرب ولغير ذلك من الحكم الباهرة التي تلوح للمتأملين وتبدو للمتوسمين. واقتضت حكمته سبحانه أن أذاق المسلمين أولا مرارة الهزيمة والكسرة مع كثرة عددهم وعددهم وقوة شوكتهم ليطامن رءوسا رفعت بالفتح ولم تدخل(3\/418)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1324",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9890",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بلده وحرمه كما دخله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضعا رأسه منحنيا على فرسه حتى إن ذقنه تكاد تمس سرجه تواضعا لربه وخضوعا لعظمته واستكانة لعزته أن أحل له حرمه وبلده ولم يحل لأحد قبله ولا لأحد بعده وليبين سبحانه لمن قال: (لن نغلب اليوم عن قلة) أن النصر إنما هو من عنده وأنه من ينصره فلا غالب له ومن يخذله فلا ناصر له غيره وأنه سبحانه هو الذي تولى نصر رسوله ودينه لا كثرتكم التي أعجبتكم فإنها لم تغن عنكم شيئا فوليتم مدبرين فلما انكسرت قلوبهم أرسلت إليها خلع الجبر مع بريد النصر ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها [التوبة: 26] وقد اقتضت حكمته أن خلع النصر وجوائزه إنما تفيض على أهل الانكسار ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون [القصص: 5] [القصص: 6] . ومنها: أن الله سبحانه لما منع الجيش غنائم مكة فلم يغنموا منها ذهبا ولا فضة ولا متاعا ولا سبيا ولا أرضا كما روى أبو داود عن وهب بن منبه قال: سألت جابرا: (هل غنموا يوم الفتح شيئا قال لا) وكانوا قد فتحوها بإيجاف الخيل والركاب وهم عشرة آلاف وفيهم حاجة إلى ما يحتاج إليه الجيش من أسباب القوة فحرك سبحانه قلوب المشركين لغزوهم وقذف في قلوبهم إخراج أموالهم ونعمهم وشائهم وسبيهم معهم نزلا وضيافة وكرامة لحزبه وجنده وتمم تقديره سبحانه بأن أطمعهم في الظفر وألاح لهم مبادئ النصر ليقضي الله أمرا كان مفعولا فلما أنزل الله نصره على رسوله وأوليائه وبردت الغنائم لأهلها وجرت فيها سهام الله ورسوله قيل: لا حاجة لنا في دمائكم ولا في نسائكم وذراريكم فأوحى الله سبحانه إلى قلوبهم التوبة والإنابة فجاءوا مسلمين. فقيل: إن من شكر إسلامكم وإتيانكم أن نرد عليكم(3\/419)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1325",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9891",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نساءكم وأبناءكم وسبيكم و إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم [الأنفال: 70] [الأنفال: 70] . ومنها: أن الله سبحانه افتتح غزو العرب بغزوة بدر وختم غزوهم بغزوة حنين ولهذا يقرن بين هاتين الغزاتين بالذكر فيقال: بدر وحنين وإن كان بينهما سبع سنين والملائكة قاتلت بأنفسها مع المسلمين في هاتين الغزاتين والنبي - صلى الله عليه وسلم - رمى في وجوه المشركين بالحصباء فيهما وبهاتين الغزاتين طفئت جمرة العرب لغزو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين فالأولى: خوفتهم وكسرت من حدهم والثانية استفرغت قواهم واستنفدت سهامهم وأذلت جمعهم حتى لم يجدوا بدا من الدخول في دين الله. ومنها: أن الله سبحانه جبر بها أهل مكة وفرحهم بما نالوه من النصر والمغنم فكانت كالدواء لما نالهم من كسرهم وإن كان عين جبرهم وعرفهم تمام نعمته عليهم بما صرف عنهم من شر هوازن فإنه لم يكن لهم بهم طاقة وإنما نصروا عليهم بالمسلمين ولو أفردوا عنهم لأكلهم عدوهم إلى غير ذلك من الحكم التي لا يحيط بها إلا الله تعالى.  [فصل في إيجاب بعث العيون والسير إلى العدو إذا سمع بقصده له] فصل وفيها: من الفقه أن الإمام ينبغي له أن يبعث العيون ومن يدخل بين عدوه ليأتيه بخبرهم وأن الإمام إذا سمع بقصد عدوه له وفي جيشه قوة ومنعة لا يقعد ينتظرهم بل يسير إليهم كما سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هوازن حتى لقيهم بحنين. ومنها: أن الإمام له أن يستعير سلاح المشركين وعدتهم لقتال عدوه كما استعار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أدراع صفوان وهو يومئذ مشرك. ومنها: أن من تمام التوكل استعمال الأسباب التي نصبها الله لمسبباتها قدرا وشرعا فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه أكمل الخلق توكلا وإنما كانوا يلقون عدوهم وهم متحصنون بأنواع السلاح ودخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة والبيضة(3\/420)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1326",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9892",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على رأسه وقد أنزل الله عليه والله يعصمك من الناس [المائدة: 67] [المائدة: 67] . وكثير ممن لا تحقيق عنده ولا رسوخ في العلم يستشكل هذا ويتكايس في الجواب تارة بأن هذا فعله تعليما للأمة وتارة بأن هذا كان قبل نزول الآية. ووقعت في مصر مسألة سأل عنها بعض الأمراء وقد ذكر له حديث ذكره أبو القاسم بن عساكر في quot; تاريخه الكبير quot; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان بعد أن أهدت له اليهودية الشاة المسمومة لا يأكل طعاما قدم له حتى يأكل منه من قدمه. قالوا: وفي هذا أسوة للملوك في ذلك. فقال قائل: كيف يجمع بين هذا وبين قوله تعالى: والله يعصمك من الناس [المائدة: 67] فإذا كان الله سبحانه قد ضمن له العصمة فهو يعلم أنه لا سبيل لبشر إليه. وأجاب بعضهم بأن هذا يدل على ضعف الحديث وبعضهم بأن هذا كان قبل نزول الآية فلما نزلت لم يكن ليفعل ذلك بعدها. ولو تأمل هؤلاء أن ضمان الله له العصمة لا ينافي تعاطيه لأسبابها لأغناهم عن هذا التكلف فإن هذا الضمان له من ربه تبارك وتعالى لا يناقض احتراسه من الناس ولا ينافيه كما أن إخبار الله سبحانه له بأنه يظهر دينه على الدين كله ويعليه لا يناقض أمره بالقتال وإعداد العدة والقوة ورباط الخيل والأخذ بالجد والحذر والاحتراس من عدوه ومحاربته بأنواع الحرب والتورية فكان إذا أراد الغزوة ورى بغيرها وذلك لأن هذا إخبار من الله سبحانه عن عاقبة حاله ومآله بما يتعاطاه من الأسباب التي جعلها الله مفضية إلى ذلك مقتضية له وهو - صلى الله عليه وسلم - أعلم بربه وأتبع لأمره من أن يعطل الأسباب التي جعلها الله له بحكمته موجبة لما وعده به من النصر والظفر إظهار دينه وغلبته لعدوه وهذا كما أنه سبحانه ضمن له حياته حتى يبلغ رسالاته ويظهر دينه وهو يتعاطى أسباب الحياة من المأكل والمشرب والملبس والمسكن وهذا موضع يغلط فيه كثير من الناس حتى آل ذلك ببعضهم إلى أن ترك الدعاء وزعم أنه لا فائدة فيه لأن المسئول إن كان قد قدر ناله ولا بد وإن لم يقدر لم ينله فأي فائدة في الاشتغال بالدعاء(3\/421)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1327",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9893",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم تكايس في الجواب بأن قال: الدعاء عبادة فيقال لهذا الغالط: بقي عليك قسم آخر - وهو الحق - أنه قد قدر له مطلوبه بسبب إن تعاطاه حصل له المطلوب وإن عطل السبب فاته المطلوب والدعاء من أعظم الأسباب في حصول المطلوب وما مثل هذا الغالط إلا مثل من يقول: وإن كان الله قد قدر لي الشبع فأنا أشبع أكلت أو لم آكل إن لم يقدر لي الشبع لم أشبع أكلت أو لم آكل فما فائدة الأكل وأمثال هذه الترهات الباطلة المنافية لحكمة الله تعالى وشرعه وبالله التوفيق.  [فصل هل العارية مضمونة] فصل وفيها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرط لصفوان في العارية الضمان فقال: ( بل عارية مضمونة )  فهل هذا إخبار عن شرعه في العارية ووصف لها بوصف شرعه الله فيها وأن حكمها الضمان كما يضمن المغصوب أو إخبار عن ضمانها بالأداء بعينها ومعناه أني ضامن لك تأديتها وأنها لا تذهب بل أردها إليك بعينها هذا مما اختلف فيه الفقهاء. فقال الشافعي وأحمد بالأول وأنها مضمونة بالتلف. وقال أبو حنيفة ومالك بالثاني وأنها مضمونة بالرد على تفصيل في مذهب مالك وهو أن العين إن كانت مما لا يغاب عليه كالحيوان والعقار لم تضمن بالتلف إلا أن يظهر كذبه وإن كانت مما يغاب عليه كالحلي ونحوه ضمنت بالتلف إلا أن يأتي ببينة تشهد على التلف وسر مذهبه أن العارية أمانة غير مضمونة كما قال أبو حنيفة: إلا أنه لا يقبل قوله فيما يخالف الظاهر فلذلك فرق بين ما يغاب عليه وما لا يغاب عليه. ومأخذ المسألة أن ( قوله - صلى الله عليه وسلم - لصفوان: quot; بل عارية مضمونة ) هل أراد به أنها مضمونة بالرد أو بالتلف أي أضمنها إن تلفت أو أضمن لك ردها وهو يحتمل الأمرين وهو في ضمان الرد أظهر لثلاثة أوجه: أحدها: أن في اللفظ الآخر: quot; بل عارية مؤداة quot; فهذا يبين أن قوله:(3\/422)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1328",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9894",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot; مضمونة quot; المراد به: المضمونة بالأداء. الثاني: أنه لم يسأله عن تلفها وإنما سأله هل تأخذها مني أخذ غصب تحول بيني وبينها فقال: quot; لا بل أخذ عارية أؤديها إليك quot;. ولو كان سأله عن تلفها وقال: أخاف أن تذهب لناسب أن يقول: أنا ضامن لها إن تلفت. الثالث: أنه جعل الضمان صفة لها نفسها ولو كان ضمان تلف لكان الضمان لبدلها فلما وقع الضمان على ذاتها دل على أنه ضمان أداء. فإن قيل: ففي القصة أن بعض الدروع ضاع فعرض عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يضمنها فقال: أنا اليوم في الإسلام أرغب قيل: هل عرض عليه أمرا واجبا أو أمرا جائزا مستحبا الأولى فعله وهو من مكارم الأخلاق والشيم ومن محاسن الشريعة وقد يترجح الثاني بأنه عرض عليه الضمان ولو كان الضمان واجبا لم يعرضه عليه بل كان يفي له به ويقول: هذا حقك كما لو كان الذاهب بعينه موجودا فإنه لم يكن ليعرض عليه رده فتأمله.  [فصل في جواز عقر مركوب العدو إذا كان عونا على قتله] فصل وفيها: جواز عقر فرس العدو ومركوبه إذا كان ذلك عونا على قتله كما عقر علي - رضي الله عنه - جمل حامل راية الكفار وليس هذا من تعذيب الحيوان المنهي عنه. وفيها: عفو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمن هم بقتله ولم يعاجله بل دعا له ومسح صدره حتى عاد كأنه ولي حميم. ومنها: ما ظهر في هذه الغزاة من معجزات النبوة وآيات الرسالة من إخباره لشيبة بما أضمر في نفسه ومن ثباته وقد تولى عنه الناس وهو يقول أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب وقد استقبلته كتائب المشركين. ومنها: إيصال الله قبضته التي رمى بها إلى عيون أعدائه على البعد منه(3\/423)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1329",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9895",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبركته في تلك القبضة حتى ملأت أعين القوم إلى غير ذلك من معجزاته فيها كنزول الملائكة للقتال معه حتى رآهم العدو جهرة ورآهم بعض المسلمين. ومنها: جواز انتظار الإمام بقسم الغنائم إسلام الكفار ودخولهم في الطاعة فيرد عليهم غنائمهم وسبيهم وفي هذا دليل لمن يقول: إن الغنيمة إنما تملك بالقسمة لا بمجرد الاستيلاء عليها إذ لو ملكها المسلمون بمجرد الاستيلاء لم يستأن بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ليردها عليهم وعلى هذا فلو مات أحد من الغانمين قبل القسمة أو إحرازها بدار الإسلام رد نصيبه على بقية الغانمين دون ورثته وهذا مذهب أبي حنيفة لو مات قبل الاستيلاء لم يكن لورثته شيء ولو مات بعد القسمة فسهمه لورثته.  [فصل في العطاء الذي أعطاه صلى الله عليه وسلم لقريش والمؤلفة قلوبهم] فصل وهذا العطاء الذي أعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - لقريش والمؤلفة قلوبهم هل هو من أصل الغنيمة أو من الخمس أو من خمس الخمس فقال الشافعي ومالك: هو من خمس الخمس وهو سهمه - صلى الله عليه وسلم - الذي جعله الله له من الخمس وهو غير الصفي وغير ما يصيبه من المغنم لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستأذن الغانمين في تلك العطية. ولو كان العطاء من أصل الغنيمة لاستأذنهم لأنهم ملكوها بحوزها والاستيلاء عليها وليس من أصل الخمس لأنه مقسوم على خمسة فهو إذا من خمس الخمس. وقد نص الإمام أحمد على أن النفل يكون من أربعة أخماس الغنيمة وهذا العطاء هو من النفل نفل النبي - صلى الله عليه وسلم - به رءوس القبائل والعشائر ليتألفهم به وقومهم على الإسلام فهو أولى بالجواز من تنفيل الثلث بعد الخمس والربع بعده لما فيه من تقوية الإسلام وشوكته وأهله واستجلاب عدوه إليه هكذا وقع سواء كما قال بعض هؤلاء الذي نفلهم: لقد أعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنه لأبغض الخلق إلي فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إلي فما ظنك بعطاء قوى الإسلام وأهله وأذل الكفر وحزبه واستجلب به قلوب رءوس القبائل والعشائر الذين إذا غضبوا غضب لغضبهم أتباعهم وإذا(3\/424)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1330",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9896",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رضوا رضوا لرضاهم. فإذا أسلم هؤلاء لم يتخلف عنهم أحد من قومهم فلله ما أعظم موقع هذا العطاء وما أجداه وأنفعه للإسلام وأهله. ومعلوم أن الأنفال لله ولرسوله يقسمها رسوله حيث أمره لا يتعدى الأمر فلو وضع الغنائم بأسرها في هؤلاء لمصلحة الإسلام العامة لما خرج عن الحكمة والمصلحة والعدل ولما عميت أبصار ذي الخويصرة التميمي وأضرابه عن هذه المصلحة والحكمة. قال له قائلهم: اعدل فإنك لم تعدل. وقال مشبهه: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله ولعمر الله إن هؤلاء من أجهل الخلق برسوله ومعرفته بربه وطاعته له وتمام عدله وإعطائه لله ومنعه لله ولله - سبحانه - أن يقسم الغنائم كما يحب وله أن يمنعها الغانمين جملة كما منعهم غنائم مكة وقد أوجفوا عليها بخيلهم وركابهم وله أن يسلط عليها نارا من السماء تأكلها وهو في ذلك كله أعدل العادلين وأحكم الحاكمين وما فعل ما فعله من ذلك عبثا ولا قدره سدى بل هو عين المصلحة والحكمة والعدل والرحمة مصدره كمال علمه وعزته وحكمته ورحمته ولقد أتم نعمته على قوم ردهم إلى منازلهم برسوله - صلى الله عليه وسلم - يقودونه إلى ديارهم وأرضى من لم يعرف قدر هذه النعمة بالشاة والبعير كما يعطى الصغير ما يناسب عقله ومعرفته ويعطى العاقل اللبيب ما يناسبه وهذا فضله وليس هو سبحانه تحت حجر أحد من خلقه فيوجبون عليه بعقولهم ويحرمون ورسوله منفذ لأمره. فإن قيل فلو دعت حاجة الإمام في وقت من الأوقات إلى مثل هذا مع عدوه هل يسوغ له ذلك قيل: الإمام نائب عن المسلمين يتصرف لمصالحهم وقيام الدين. فإن تعين ذلك للدفع عن الإسلام والذب عن حوزته واستجلاب رءوس أعدائه إليه ليأمن المسلمون شرهم ساغ له ذلك بل تعين عليه وهل تجوز الشريعة غير هذا فإنه وإن كان في الحرمان مفسدة فالمفسدة المتوقعة من فوات تأليف هذا العدو أعظم ومبنى الشريعة على دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما(3\/425)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1331",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9897",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتحصيل أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما بل بناء مصالح الدنيا والدين على هذين الأصلين. وبالله التوفيق.  [فصل في بيع الرقيق والحيوان بعضه ببعض نسيئة ومتفاضلا] فصل وفيها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( من لم يطيب نفسه فله بكل فريضة ست فرائض من أول ما يفيء الله علينا ) . ففي هذا دليل على جواز بيع الرقيق بل الحيوان بعضه ببعض نسيئة ومتفاضلا. وفي quot; السنن quot; من حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( أمره أن يجهز جيشا فنفدت الإبل فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة وكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة ) . وفي quot; السنن quot; عن ابن عمر عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه ( نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ) ورواه الترمذي من حديث الحسن عن سمرة وصححه. وفي الترمذي من حديث الحجاج بن أرطاة عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( الحيوان اثنان بواحد لا يصلح نسيئا ولا بأس به يدا بيد ) قال الترمذي: حديث حسن.(3\/426)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1332",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9898",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاختلف الناس في هذه الأحاديث على أربعة أقوال وهي روايات عن أحمد. أحدها: جواز ذلك متفاضلا ومتساويا نسيئة ويدا بيد وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي. والثاني: لا يجوز ذلك نسيئة ولا متفاضلا. والثالث: يحرم الجمع بين النساء والتفاضل ويجوز البيع مع أحدهما وهو قول مالك - رحمه الله - والرابع: إن اتحد الجنس جاز التفاضل وحرم النساء وإن اختلف الجنس جاز التفاضل والنساء. وللناس في هذه الأحاديث والتأليف بينها ثلاثة مسالك: أحدها: تضعيف حديث الحسن عن سمرة لأنه لم يسمع منه سوى حديثين ليس هذا منهما وتضعيف حديث الحجاج بن أرطاة. والمسلك الثاني: دعوى النسخ وإن لم يتبين المتأخر منها من المتقدم ولذلك وقع الاختلاف. والمسلك الثالث: حملها على أحوال مختلفة وهو أن النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة إنما كان لأنه ذريعة إلى النسيئة في الربويات فإن البائع إذا رأى ما في هذا البيع من الربح لم تقتصر نفسه عليه بل تجره إلى بيع الربوي كذلك فسد عليهم الذريعة وأباحه يدا بيد ومنع من النساء فيه وما حرم للذريعة يباح للمصلحة الراجحة كما أباح من المزابنة العرايا للمصلحة الراجحة وأباح ما تدعو إليه الحاجة منها وكذلك بيع الحيوان بالحيوان نسيئة متفاضلا في هذه القصة وفي حديث ابن عمر إنما وقع في الجهاد وحاجة(3\/427)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1333",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9899",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "فصل في أن من قتل قتيلا فله سلبه",
        "content": "المسلمين إلى تجهيز الجيش ومعلوم أن مصلحة تجهيزه أرجح من المفسدة في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة والشريعة لا تعطل المصلحة الراجحة لأجل المرجوحة ونظير هذا جواز لبس الحرير في الحرب وجواز الخيلاء فيها إذ مصلحة ذلك أرجح من مفسدة لبسه ونظير ذلك لباسه القباء الحرير الذي أهداه له ملك أيلة ساعة ثم نزعه للمصلحة الراجحة في تأليفه وجبره وكان هذا بعد النهي عن لباس الحرير كما بيناه مستوفى في كتاب quot; التخيير فيما يحل ويحرم من لباس الحرير quot; وبينا أن هذا كان عام الوفود سنة تسع وأن النهي عن لباس الحرير كان قبل ذلك بدليل أنه نهى عمر عن لبس الحلة الحرير التي أعطاه إياها فكساها عمر أخا له مشركا بمكة وهذا كان قبل الفتح ولباسه - صلى الله عليه وسلم - هدية ملك أيلة كان بعد ذلك ونظير هذا نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة قبل طلوع الشمس وبعد العصر سدا لذريعة التشبه بالكفار وأباح ما فيه مصلحة راجحة من قضاء الفوائت وقضاء السنن وصلاة الجنازة وتحية المسجد لأن مصلحة فعلها أرجح من مفسدة النهي. والله أعلم. وفي القصة دليل على أن المتعاقدين إذا جعلا بينهما أجلا غير محدود جاز إذا اتفقا عليه ورضيا به وقد نص أحمد على جوازه في رواية عنه في الخيار مدة غير محدودة أنه يكون جائزا حتى يقطعاه وهذا هو الراجح إذ لا محذور في ذلك ولا عذر وكل منهما قد دخل على بصيرة ورضى بموجب العقد فكلاهما في العلم به سواء فليس لأحدهما مزية على الآخر فلا يكون ذلك ظلما.  [فصل في أن من قتل قتيلا فله سلبه] فصل وفي هذه الغزوة أنه قال: ( من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه ) وقاله في غزوة أخرى قبلها فاختلف الفقهاء هل هذا السلب مستحق بالشرع أو بالشرط على قولين هما روايتان عن أحمد.(3\/428)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1334",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9900",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدهما: أنه له بالشرع شرطه الإمام أو لم يشرطه وهو قول الشافعي. والثاني: أنه لا يستحق إلا بشرط الإمام وهو قول أبي حنيفة. وقال مالك رحمه الله: لا يستحق إلا بشرط الإمام بعد القتال. فلو نص قبله لم يجز. قال مالك: ولم يبلغني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك إلا يوم حنين وإنما نفل النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن برد القتال. ومأخذ النزاع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان هو الإمام والحاكم والمفتي وهو الرسول فقد يقول الحكم بمنصب الرسالة فيكون شرعا عاما إلى يوم القيامة كقوله: ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) . وقوله: ( من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته  وكحكمه بالشاهد واليمين وبالشفعة فيما لم يقسم) . وقد يقول بمنصب الفتوى كقوله لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان وقد شكت إليه شح زوجها وأنه لا يعطيها ما يكفيها: ( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) فهذه فتيا لا حكم إذ لم يدع بأبي سفيان ولم يسأله عن جواب الدعوى ولا سألها البينة. وقد يقوله بمنصب الإمامة فيكون مصلحة للأمة في ذلك الوقت وذلك المكان وعلى تلك الحال فيلزم من بعده من الأئمة مراعاة ذلك على حسب المصلحة التي راعاها النبي - صلى الله عليه وسلم - زمانا ومكانا وحالا ومن هاهنا تختلف الأئمة في(3\/429)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1335",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9901",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كثير من المواضع التي فيها أثر عنه - صلى الله عليه وسلم - كقوله - صلى الله عليه وسلم -: ( من قتل قتيلا فله سلبه ) هل قاله بمنصب الإمامة فيكون حكمه متعلقا بالأئمة أو بمنصب الرسالة والنبوة فيكون شرعا عاما وكذلك قوله: ( من أحيا أرضا ميتة فهي له ) هل هو شرع عام لكل أحد أذن فيه الإمام أو لم يأذن أو هو راجع إلى الأئمة فلا يملك بالإحياء إلا بإذن الإمام على القولين فالأول للشافعي وأحمد في ظاهر مذهبهما. والثاني: لأبي حنيفة وفرق مالك بين الفلوات الواسعة وما لا يتشاح فيه الناس وبين ما يقع فيه التشاح فاعتبر إذن الإمام في الثاني دون الأول.  [فصل في الاكتفاء في الأسلاب بشاهد واحد من غير يمين] فصل وقوله - صلى الله عليه وسلم - quot; له عليه بينة quot; دليل على مسألتين: إحداهما: أن دعوى القاتل أنه قتل هذا الكافر لا تقبل في استحقاق سلبه. الثانية: الاكتفاء في ثبوت هذه الدعوى بشاهد واحد من غير يمين لما ثبت في الصحيح عن أبي قتادة: ( قال خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام حنين فلما التقينا كانت للمسلمين جولة فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ثم أدركه الموت فأرسلني فلحقت عمر بن الخطاب فقال ما للناس فقلت: أمر الله ثم إن الناس رجعوا وجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: quot; من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه quot; قال فقمت فقلت: من يشهد لي ثم جلست ثم قال مثل ذلك قال: فقمت فقلت: من يشهد لي ثم قال ذلك الثالثة فقمت فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - quot; ما لك يا أبا قتادة quot; فقصصت عليه quot; القصة فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله وسلب ذلك القتيل عندي فأرضه من حقه فقال أبو بكر الصديق: لاها الله إذا لا يعمد إلى أسد من(3\/430)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1336",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9902",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: quot; صدق فأعطه إياه quot; فأعطاني فبعت الدرع فابتعت به مخرفا في بني سلمة فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام ) . وفي المسألة ثلاثة أقوال: هذا أحدها وهو وجه في مذهب أحمد. والثاني: أنه لا بد من شاهد ويمين كإحدى الروايتين عن أحمد. والثالث - وهو منصوص الإمام أحمد - أنه لا بد من شاهدين لأنها دعوى قتل فلا تقبل إلا بشاهدين. وفي القصة دليل على مسألة أخرى وهي أنه لا يشترط في الشهادة التلفظ بلفظ quot; أشهد quot; وهذا أصح الروايات عن أحمد في الدليل وإن كان الأشهر عند أصحابه الاشتراط وهي مذهب مالك. قال شيخنا: ولا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين اشتراط لفظ الشهادة وقد قال ابن عباس: شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح . ومعلوم أنهم لم يتلفظوا له بلفظ أشهد إنما كان مجرد إخبار. وفي حديث ماعز فلما شهد على نفسه أربع شهادات رجمه وإنما كان منه مجرد إخبار عن نفسه وهو إقرار وكذلك قوله تعالى: قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد [الأنعام: 19] [الأنعام: 19]  وقوله قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين [الأنعام: 130] [الأنعام: 130] . وقوله لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا [النساء: 166] [النساء: 166] . وقوله أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين [آل عمران: 81] [آل عمران: 81]  وقوله شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط [آل عمران: 18] [آل عمران: 18]  إلى(3\/431)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1337",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9903",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "فصل في أن السلب جميعه للقاتل",
        "content": "أضعاف ذلك مما ورد في القرآن والسنة من إطلاق لفظ الشهادة على الخبر المجرد عن لفظ أشهد. وقد تنازع الإمام أحمد وعلي بن المديني في الشهادة للعشرة بالجنة فقال علي: (أقول هم في الجنة ولا أقول أشهد أنهم في الجنة. فقال الإمام أحمد: متى قلت هم في الجنة فقد شهدت) وهذا تصريح منه بأنه لا يشترط في الشهادة لفظ أشهد. وحديث أبي قتادة من أبين الحجج في ذلك. فإن قيل: إخبار من كان عنده السلب إنما كان إقرارا بقوله هو عندي وليس ذلك من الشهادة في شيء. قيل: تضمن كلامه شهادة وإقرارا بقوله quot; صدق quot; شهادة له بأنه قتله وقوله: هو quot; عندي quot; إقرار منه بأنه عنده والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قضى بالسلب بعد البينة وكان تصديق هذا هو البينة.  [فصل في أن السلب جميعه للقاتل] فصل وقوله - صلى الله عليه وسلم - quot; فله سلبه quot; دليل على أن له سلبه كله غير مخمس وقد صرح بهذا في قوله لسلمة بن الأكوع لما قتل قتيلا: ( له سلبه أجمع ) . وفي المسألة ثلاثة مذاهب هذا أحدها. والثاني: أنه يخمس كالغنيمة وهذا قول الأوزاعي وأهل الشام وهو مذهب ابن عباس لدخوله في آية الغنيمة. والثالث: أن الإمام إن استكثره خمسه وإن استقله لم يخمسه وهو قول إسحاق وفعله عمر بن الخطاب فروى سعيد في quot; سننه quot; عن ابن سيرين أن البراء بن مالك بارز مرزبان المرازبة بالبحرين فطعنه فدق صلبه وأخذ سواريه وسلبه فلما صلى عمر الظهر أتى البراء في داره فقال: ( إنا كنا لا نخمس السلب وإن سلب البراء قد بلغ مالا وأنا خامسه )  فكان أول سلب خمس في الإسلام سلب البراء وبلغ ثلاثين ألفا. والأول أصح فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم(3\/432)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1338",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9904",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "عام غزوة الطائف",
        "content": "( لم يخمس السلب )  وقال: هو له أجمع ومضت على ذلك سنته وسنة الصديق بعده وما رآه عمر اجتهاد منه أداه إليه رأيه. والحديث يدل على أنه من أصل الغنيمة فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى به للقاتل ولم ينظر في قيمته وقدره واعتبار خروجه من خمس الخمس وقال مالك: هو من خمس الخمس ويدل على أنه يستحقه من يسهم له ومن لا يسهم له من صبي وامرأة وعبد ومشرك وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يستحق السلب إلا من يستحق السهم لأن السهم المجمع عليه إذا لم يستحقه العبد والصبي والمرأة والمشرك فالسلب أولى والأول أصح للعموم ولأنه جار مجرى قول الإمام: من فعل كذا وكذا أو دل على حصن أو جاء برأس فله كذا مما فيه تحريض على الجهاد والسهم مستحق بالحضور وإن لم يكن منه فعل والسلب مستحق بالفعل فجرى مجرى الجعالة.  [فصل يستحق القاتل سلب جميع من قتله وإن كثروا] فصل وفيه دلالة على أنه يستحق سلب جميع من قتله وإن كثروا. وقد ذكر أبو داود أن أبا طلحة قتل يوم حنين عشرين رجلا فأخذ أسلابهم.  [فصل في غزوة الطائف] [عام غزوة الطائف] فصل في غزوة الطائف في شوال سنة ثمان قال ابن سعد: قالوا: ولما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسير إلى الطائف بعث الطفيل بن عمرو إلى ذي الكفين صنم عمرو بن حممة الدوسي يهدمه وأمره أن يستمد قومه ويوافيه بالطائف فخرج سريعا إلى قومه فهدم ذا الكفين وجعل يحش النار في وجهه ويحرقه ويقول:(3\/433)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1339",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9905",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يا ذا الكفين لست من عبادكا ... ميلادنا أقدم من ميلادكا إني حششت النار في فؤادكا وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعا فوافوا النبي - صلى الله عليه وسلم - بالطائف بعد مقدمه بأربعة أيام وقدم بدبابة ومنجنيق. قال ابن سعد: ولما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حنين يريد الطائف قدم خالد بن الوليد على مقدمته وكانت ثقيف قد رموا حصنهم وأدخلوا فيه ما يصلح لهم لسنة فلما انهزموا من أوطاس دخلوا حصنهم وأغلقوه عليهم وتهيئوا للقتال وسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزل قريبا من حصن الطائف وعسكر هناك فرموا المسلمين بالنبل رميا شديدا كأنه رجل جراد حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة وقتل منهم اثنا عشر رجلا فارتفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى موضع مسجد الطائف اليوم وكان معه من نسائه أم سلمة وزينب فضرب لهما قبتين وكان يصلي بين القبتين مدة حصار الطائف فحاصرهم ثمانية عشر يوما وقال ابن إسحاق: بضعا وعشرين ليلة. ونصب عليهم المنجنيق وهو أول ما رمي به في الإسلام. وقال ابن سعد: حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن ثور بن يزيد عن مكحول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( نصب المنجنيق على أهل الطائف أربعين يوما )(3\/434)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1340",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9906",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ابن إسحاق: حتى إذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف دخل نفر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت دبابة ثم دخلوا بها إلى جدار الطائف ليحرقوه فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار فخرجوا من تحتها فرمتهم ثقيف بالنبل فقتلوا منهم رجالا فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقطع أعناب ثقيف فوقع الناس فيها يقطعون. قال ابن سعد: فسألوه أن يدعها لله وللرحم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: quot; فإني أدعها لله وللرحم quot; فنادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر فخرج منهم بضعة عشر رجلا منهم أبو بكرة فأعتقهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه فشق ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة. ولم يؤذن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فتح الطائف واستشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نوفل بن معاوية الديلي فقال: ما ترى فقال ثعلب: في جحر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك. فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب فأذن في الناس بالرحيل فضج الناس من ذلك وقالوا: نرحل ولم يفتح علينا الطائف فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( فاغدوا على القتال )  فغدوا فأصابت المسلمين جراحات فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( إنا قافلون غدا إن شاء الله ) فسروا بذلك وأذعنوا وجعلوا يرحلون ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضحك فلما ارتحلوا واستقلوا قال قولوا: ( آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون )  وقيل يا رسول الله ادع الله على ثقيف. فقال: ( اللهم اهد ثقيفا وائت بهم )(3\/435)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1341",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9907",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واستشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالطائف جماعة ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الطائف إلى الجعرانة ثم دخل منها محرما بعمرة فقضى عمرته ثم رجع إلى المدينة.  [فصل في قدوم وفد ثقيف] فصل قال ابن إسحاق: وقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة من تبوك في رمضان وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف وكان من حديثهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما انصرف عنهم اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يدخل المدينة فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما يتحدث قومك أنهم قاتلوك وعرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن فيهم نخوة الامتناع الذي كان منهم فقال عروة: يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبكارهم وكان فيهم كذلك محببا مطاعا فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء ألا يخالفوه لمنزلته فيهم فلما أشرف لهم على علية له وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله فقيل لعروة: ما ترى في دمك قال: كرامة أكرمني الله بها وشهادة ساقها الله إلي فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يرتحل عنكم فادفنوني معهم فدفنوه معهم فزعموا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال فيه: ( إن مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه ) . ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرا ثم إنهم ائتمروا بينهم ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا فأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا كما أرسلوا عروة فكلموا عبد ياليل بن عمرو بن عمير وكان في سن عروة بن مسعود وعرضوا عليه ذلك فأبى أن يفعل وخشي(3\/436)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1342",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9908",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن يصنع به كما صنع بعروة فقال: لست بفاعل حتى ترسلوا معي رجالا فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بني مالك فيكونون ستة فبعثوا معه الحكم بن عمرو بن وهب وشرحبيل بن غيلان ومن بني مالك عثمان بن أبي العاص وأوس بن عوف ونمير بن خرشة فخرج بهم فلما دنوا من المدينة ونزلو قناة لقوا بها المغيرة بن شعبة فاشتد ليبشر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقدومهم عليه فلقيه أبو بكر فقال: أقسمت عليك بالله لا تسبقني إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أكون أنا أحدثه ففعل فدخل أبو بكر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بقدومهم عليه ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروح الظهر معهم وأعلمهم كيف يحيون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية فلما قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضرب عليهم قبة في ناحية مسجده كما يزعمون. وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى اكتتبوا كتابهم وكان خالد هو الذي كتبه وكانوا لا يأكلون طعاما يأتيهم من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يأكل منه خالد حتى أسلموا. وقد كان فيما سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدع لهم الطاغية وهي اللات لا يهدمها ثلاث سنين فأبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهم فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى عليهم حتى سألوه شهرا واحدا بعد قدومهم فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام فأبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمانها وقد كانوا يسألونه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه ) . فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابا أمر عليهم عثمان بن أبي العاص(3\/437)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1343",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9909",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان من أحدثهم سنا وذلك أنه كان من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن. فلما فرغوا من أمرهم وتوجهوا إلى بلادهم راجعين بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية فخرجا مع القوم حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة بن شعبة أن يقدم أبا سفيان فأبى ذلك عليه أبو سفيان فقال: ادخل أنت على قومك وأقام أبو سفيان بماله بذي الهدم فلما دخل المغيرة بن شعبة علاها يضربها بالمعول وقام دونه بنو معتب خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها ويقول أبو سفيان - والمغيرة يضربها بالفأس - quot; واها لك واها لك quot; فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليها أرسل إلى أبي سفيان مجموع مالها من الذهب والفضة والجزع. وقد كان أبو مليح بن عروة وقارب بن الأسود قدما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل وفد ثقيف حين قتل عروة يريدان فراق ثقيف وأن لا يجامعاهم على شيء أبدا فأسلما فقال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( توليا من شئتما quot; قالا: نتولى الله ورسوله فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: quot; وخالكما أبا سفيان بن حرب quot; فقالا: وخالنا أبا سفيان ) . فلما أسلم أهل الطائف سأل أبو مليح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقضي عن أبيه عروة دينا كان عليه من مال الطاغية فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نعم فقال له قارب بن الأسود: وعن الأسود يا رسول الله فاقضه - وعروة والأسود أخوان لأب وأم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إن الأسود مات مشركا) فقال قارب بن الأسود: يا رسول الله لكن تصل مسلما ذا قرابة - يعني نفسه - وإنما الدين(3\/438)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1344",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9910",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "علي وأنا الذي أطلب به فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا سفيان أن يقضي دين عروة والأسود من مال الطاغية ففعل . وكان كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي كتب لهم: ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي رسول الله إلى المؤمنين إن عضاه وج وصيده حرام لا يعضد من وجد يصنع شيئا من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه فإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ به إلى النبي محمد وإن هذا أمر النبي محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) . فكتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبد الله فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله. فهذه قصة ثقيف من أولها إلى آخرها سقناها كما هي وإن تخلل بين غزوها وإسلامها غزاة تبوك وغيرها لكن آثرنا أن لا نقطع قصتهم وأن ينتظم أولها بآخرها ليقع الكلام على فقه هذه القصة وأحكامها في موضع واحد.  فنقول: فيها من الفقه جواز القتال في الأشهر الحرم ونسخ تحريم ذلك فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج من المدينة إلى مكة في أواخر شهر رمضان بعد مضي ثمان عشرة ليلة منه والدليل عليه ما رواه أحمد في quot; مسنده quot;: حدثنا إسماعيل عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس أنه مر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمن الفتح على رجل يحتجم بالبقيع لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان وهو آخذ بيدي فقال: (أفطر الحاجم والمحجوم)  وهذا أصح من قول من قال: إنه خرج لعشر خلون من(3\/439)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1345",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9911",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رمضان وهذا الإسناد على شرط مسلم فقد روى به بعينه ( إن الله كتب الإحسان على كل شيء ) . وأقام بمكة تسع عشرة ليلة يقصر الصلاة ثم خرج إلى هوازن فقاتلهم وفرغ منهم ثم قصد الطائف فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة في قول ابن إسحاق وثمان عشرة ليلة في قول ابن سعد وأربعين ليلة في قول مكحول. فإذا تأملت ذلك علمت أن بعض مدة الحصار في ذي القعدة ولا بد ولكن قد يقال: لم يبتدئ القتال إلا في شوال فلما شرع فيه لم يقطعه للشهر الحرام ولكن من أين لكم أنه - صلى الله عليه وسلم - ابتدأ قتالا في شهر حرام وفرق بين الابتداء والاستدامة.  [فصل في غزو الرجل وأهله معه] فصل ومنها: جواز غزو الرجل وأهله معه فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان معه في هذه الغزوة أم سلمة وزينب. ومنها: جواز نصب المنجنيق على الكفار ورميهم به وإن أفضى إلى قتل من لم يقاتل من النساء والذرية. ومنها: جواز قطع شجر الكفار إذا كان ذلك يضعفهم ويغيظهم وهو أنكى فيهم. ومنها: أن العبد إذا أبق من المشركين ولحق بالمسلمين صار حرا. قال سعيد بن منصور: حدثنا يزيد بن هارون عن الحجاج عن مقسم عن ابن عباس قال: ( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتق العبيد إذا جاءوا قبل مواليهم ) . وروى سعيد بن منصور أيضا قال قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العبد وسيده(3\/440)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1346",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9912",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قضيتين: قضى أن العبد إذا خرج من دار الحرب قبل سيده أنه حر فإن خرج سيده بعده لم يرد عليه وقضى أن السيد إذا خرج قبل العبد ثم خرج العبد رد على سيده. وعن الشعبي عن رجل من ثقيف قال: سألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد علينا أبا بكرة وكان عبدا لنا أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محاصر ثقيفا فأسلم فأبى أن يرده علينا فقال: (هو طليق الله ثم طليق رسوله) فلم يرده علينا . قال ابن المنذر: وهذا قول كل من يحفظ عنه من أهل العلم.  [فصل في الإمام إذا حاصر حصنا] فصل ومنها: أن الإمام إذا حاصر حصنا ولم يفتح عليه ورأى مصلحة المسلمين في الرحيل عنه لم يلزمه مصابرته وجاز له ترك مصابرته وإنما تلزم المصابرة إذا كان فيها مصلحة راجحة على مفسدتها.  [فصل في أنه أحرم من الجعرانة بعمرة] فصل ومنها: أنه أحرم من الجعرانة بعمرة وكان داخلا إلى مكة وهذه هي السنة لمن دخلها من طريق الطائف وما يليه وأما ما يفعله كثير ممن لا علم عندهم من الخروج من مكة إلى الجعرانة ليحرم منها بعمرة ثم يرجع إليها فهذا لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من أصحابه البتة ولا استحبه أحد من أهل العلم وإنما يفعله عوام الناس زعموا أنه اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وغلطوا فإنه إنما أحرم منها داخلا إلى مكة ولم يخرج منها إلى الجعرانة ليحرم منها فهذا لون وسنته لون وبالله التوفيق.  [فصل في استجابة دعائه صلى الله عليه وسلم بإسلام ثقيف] فصل ومنها: استجابة الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - دعاءه لثقيف أن يهديهم ويأتي بهم وقد(3\/441)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1347",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9913",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حاربوه وقاتلوه وقتلوا جماعة من أصحابه وقتلوا رسول رسوله الذي أرسله إليهم يدعوهم إلى الله ومع هذا كله فدعا لهم ولم يدع عليهم وهذا من كمال رأفته ورحمته ونصيحته صلوات الله وسلامه عليه.  [فصل في كمال محبة الصديق له صلى الله عليه وسلم] فصل ومنها: كمال محبة الصديق له وقصده التقرب إليه والتحبب بكل ما يمكنه ولهذا ناشد المغيرة أن يدعه هو يبشر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقدوم وفد الطائف ليكون هو الذي بشره وفرحه بذلك وهذا يدل على أنه يجوز للرجل أن يسأل أخاه أن يؤثره بقربة من القرب وأنه يجوز للرجل أن يؤثر بها أخاه وقول من قال من الفقهاء: لا يجوز الإيثار بالقرب لا يصح. وقد آثرت عائشة عمر بن الخطاب بدفنه في بيتها جوار النبي - صلى الله عليه وسلم - وسألها عمر ذلك فلم تكره له السؤال ولا لها البذل وعلى هذا فإذا سأل الرجل غيره أن يؤثره بمقامه في الصف الأول لم يكره له السؤال ولا لذلك البذل ونظائره. ومن تأمل سيرة الصحابة وجدهم غير كارهين لذلك ولا ممتنعين منه وهل هذا إلا كرم وسخاء وإيثار على النفس بما هو أعظم محبوباتها تفريحا لأخيه المسلم وتعظيما لقدره وإجابة له إلى ما سأله وترغيبا له في الخير وقد يكون ثواب كل واحد من هذه الخصال راجحا على ثواب تلك القربة فيكون المؤثر بها ممن تاجر فبذل قربة وأخذ أضعافها وعلى هذا فلا يمتنع أن يؤثر صاحب الماء بمائه أن يتوضأ به ويتيمم هو إذا كان لا بد من تيمم أحدهما فآثر أخاه وحاز فضيلة الإيثار وفضيلة الطهر بالتراب ولا يمنع هذا كتاب ولا سنة ولا مكارم أخلاق وعلى هذا فإذا اشتد العطش بجماعة وعاينوا التلف ومع بعضهم ماء فآثر على نفسه واستسلم للموت كان ذلك جائزا ولم يقل إنه قاتل لنفسه ولا أنه فعل محرما بل هذا غاية الجود والسخاء كما قال تعالى: ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة [الحشر: 9] [الحشر: 9]  وقد جرى هذا بعينه لجماعة من الصحابة في فتوح الشام وعد ذلك من مناقبهم وفضائلهم وهل إهداء القرب المجمع عليها(3\/442)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1348",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9914",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمتنازع فيها إلى الميت إلا إيثار بثوابها وهو عين الإيثار بالقرب فأي فرق بين أن يؤثره بفعلها ليحرز ثوابها وبين أن يعمل ثم يؤثره بثوابها وبالله التوفيق.  [فصل في أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك بعد القدرة على هدمها] فصل ومنها: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوما واحدا فإنها شعائر الكفر والشرك وهي أعظم المنكرات فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا وطواغيت تعبد من دون الله والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى أو أعظم شركا عندها وبها والله المستعان. ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلق وترزق وتميت وتحيي وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة وأخذوا مأخذهم شبرا بشبر وذراعا بذراع وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم فصار المعروف منكرا والمنكر معروفا والسنة بدعة والبدعة سنة ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير وطمست الأعلام واشتدت غربة الإسلام وقل العلماء وغلب السفهاء وتفاقم الأمر واشتد البأس وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين ولأهل الشرك والبدع مجاهدين إلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.  [فصل في جواز صرف الأموال التي في مواضع الشرك في مصالح المسلمين] فصل ومنها: جواز صرف الإمام الأموال التي تصير إلى هذه المشاهد والطواغيت في الجهاد ومصالح المسلمين فيجوز للإمام بل يجب عليه أن يأخذ أموال هذه(3\/443)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1349",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9915",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطواغيت التي تساق إليها كلها ويصرفها على الجند والمقاتلة ومصالح الإسلام كما أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - أموال اللات وأعطاها لأبي سفيان يتألفه بها وقضى منها دين عروة والأسود وكذلك يجب عليه أن يهدم هذه المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا وله أن يقطعها للمقاتلة أو يبيعها ويستعين بأثمانها على مصالح المسلمين وكذلك الحكم في أوقافها فإن وقفها فالوقف عليها باطل وهو مال ضائع فيصرف في مصالح المسلمين فإن الوقف لا يصح إلا في قربة وطاعة لله ورسوله فلا يصح الوقف على مشهد ولا قبر يسرج عليه ويعظم وينذر له ويحج إليه ويعبد من دون الله ويتخذ وثنا من دونه وهذا مما لا يخالف فيه أحد من أئمة الإسلام ومن اتبع سبيلهم.  [فصل في أن وادي وج حرم] فصل ومنها: أن وادي وج - وهو واد بالطائف - حرم يحرم صيده وقطع شجره وقد اختلف الفقهاء في ذلك والجمهور قالوا: ليس في البقاع حرم إلا مكة والمدينة وأبو حنيفة خالفهم في حرم المدينة وقال الشافعي - رحمه الله - في أحد قوليه: وج حرم يحرم صيده وشجره واحتج لهذا القول بحديثين: أحدهما: هذا الذي تقدم والثاني: حديث عروة بن الزبير عن أبيه الزبير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( إن صيد وج وعضاهه حرم محرم لله )  رواه الإمام أحمد وأبو داود. وهذا الحديث يعرف بمحمد بن عبد الله بن إنسان عن أبيه عن عروة. قال البخاري في quot; تاريخه quot;: لا يتابع عليه. قلت: وفي سماع عروة من أبيه نظر وإن كان قد رآه والله أعلم.(3\/444)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1350",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9916",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في بعث المصدقين لجلب الصدقات] فصل ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ودخلت سنة تسع بعث المصدقين يأخذون الصدقات من الأعراب. قال ابن سعد: ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المصدقين قالوا: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم هلال المحرم سنة تسع بعث المصدقين يصدقون العرب فبعث عيينة بن حصن إلى بني تميم وبعث يزيد بن الحصين إلى أسلم وغفار وبعث عباد بن بشر الأشهلي إلى سليم ومزينة وبعث رافع بن مكيث إلى جهينة وبعث عمرو بن العاص إلى بني فزارة وبعث الضحاك بن سفيان إلى بني كلاب وبعث بشر بن سفيان إلى بني كعب وبعث ابن اللتبية الأزدي إلى بني ذبيان وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المصدقين أن يأخذوا العفو منهم ويتوقوا كرائم أموالهم. قيل (ولما قدم ابن اللتبية حاسبه) وكان في هذا حجة على محاسبة العمال والأمناء فإن ظهرت خيانتهم عزلهم وولى أمينا. قال ابن إسحاق: وبعث المهاجر بن أبي أمية إلى صنعاء فخرج عليه العنسي وهو بها وبعث زياد بن لبيد إلى حضرموت وبعث عدي بن حاتم إلى طيئ وبني أسد وبعث مالك بن نويرة على صدقات بني حنظلة وفرق صدقات بني سعد على رجلين فبعث الزبرقان بن بدر على ناحية وقيس بن عاصم على ناحية وبعث العلاء بن الحضرمي على البحرين وبعث عليا - رضوان الله(3\/445)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1351",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9917",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه - إلى نجران ليجمع صدقاتهم ويقدم عليه بجزيتهم.  [فصل في السرايا والبعوث في سنة تسع] [سرية عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم] فصل في السرايا والبعوث في سنة تسع ذكر سرية عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم وذلك في المحرم من هذه السنة بعثه إليهم في سرية ليغزوهم في خمسين فارسا ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري فكان يسير الليل ويكمن النهار فهجم عليهم في صحراء وقد سرحوا مواشيهم فلما رأوا الجمع ولوا فأخذ منهم أحد عشر رجلا وإحدى وعشرين امرأة وثلاثين صبيا فساقهم إلى المدينة فأنزلوا في دار رملة بنت الحارث فقدم فيهم عدة من رؤسائهم ; عطارد بن حاجب والزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم والأقرع بن حابس وقيس بن الحارث ونعيم بن سعد وعمرو بن الأهتم ورباح بن الحارث فلما رأوا نساءهم وذراريهم بكوا إليهم فعجلوا فجاءوا إلى باب النبي صلى الله عليه وسلم فنادوا: يا محمد اخرج إلينا فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام بلال الصلاة وتعلقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمونه فوقف معهم ثم مضى فصلى الظهر ثم جلس في صحن المسجد فقدموا عطارد بن حاجب فتكلم وخطب فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس بن شماس فأجابهم وأنزل الله فيهم إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون - ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم [الحجرات: 4 - 5] [الحجرات: 45] فرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسرى والسبي فقام الزبرقان شاعر بني تميم فأنشد مفاخرا: نحن الكرام فلا حي يعادلنا ... منا الملوك وفينا تنصب البيع وكم قسرنا من الأحياء كلهم ... عند النهاب وفضل العز يتبع ونحن يطعم عند القحط مطعمنا ... من الشواء إذا لم يؤنس القزع(3\/446)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1352",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9918",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بما ترى الناس تأتينا سراتهم من كل أرض هويا ثم نصطنع ... فننحر الكوم عبطا في أرومتنا للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا ... فلا ترانا إلى حي نفاخرهم إلا استفادوا فكانوا الرأس يقتطع ... فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه فيرجع القوم والأخبار تستمع ... إنا أبينا ولا يأبى لنا أحد إنا كذلك عند الفخر نرتفع فقام شاعر الإسلام حسان بن ثابت فأجابه على البديهة إن الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد بينوا سنة للناس تتبع يرضى بها كل من كانت سريرته ... تقوى الإله وكل الخير مصطنع قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا سجية تلك فيهم غير محدثة ... إن الخلائق فاعلم شرها البدع إن كان في الناس سباقون بعدهم ... فكل سبق لأدنى سبقهم تبع لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم ... عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم ... أو وازنوا أهل مجد بالندى متعوا أعفة ذكرت في الوحي عفتهم ... لا يطبعون ولا يرديهم الطمع لا يبخلون على جار بفضلهم ... ولا يمسهم من مطمع طبع إذا نصبنا لحي لم ندب لهم ... كما يدب إلى الوحشية الذرع نسموا إذا الحرب نالتنا مخالبها ... إذا الزعانف من أظفارها خشعوا(3\/447)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1353",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9919",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "قدوم وفد بني تميم",
        "content": "لا يفخرون إذا نالوا عدوهم وإن أصيبوا فلا جور ولا هلع ... كأنهم في الوغى والموت مكتنع أسد بحلية في أرساغها فدع ... خذ منهم ما أتوا عفوا إذا غضبوا ولا يكن همك الأمر الذي منعوا ... فإن في حربهم فاترك عداوتهم شرا يخاض عليه السم والسلع ... أكرم بقوم رسول الله شيعتهم إذا تفاوتت الأهواء والشيع ... أهدى لهم مدحتي قلب يوازره فيما أحب لسان حائك صنع ... فإنهم أفضل الأحياء كلهم إن جد بالناس جد القول أو شمعوا فلما فرغ حسان قال الأقرع بن حابس: إن هذا الرجل لمؤتى له لخطيبه أخطب من خطيبنا ولشاعره أشعر من شاعرنا ولأصواتهم أعلى من أصواتنا ثم أسلموا فأجازهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم  [قدوم وفد بني تميم] فصل قال ابن إسحاق: ( فلما قدم وفد بني تميم دخلوا المسجد ونادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اخرج إلينا يا محمد فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من صياحهم فخرج إليهم فقالوا: جئنا لنفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا قال: نعم قد أذنت لخطيبكم فليقم فقام عطارد بن حاجب فقال: الحمد لله الذي جعلنا ملوكا الذي له الفضل علينا والذي وهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثره عددا وأيسره عدة فمن مثلنا في الناس! ألسنا رءوس الناس وأولي فضلهم فمن فاخرنا فليعد مثل ما عددنا فلو شئنا لأكثرنا من(3\/448)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1354",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9920",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكلام ولكن نستحيي من الإكثار لما أعطانا أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا أو أمر أفضل من أمرنا ثم جلس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس: quot; قم فأجبه quot; فقام فقال: الحمد لله الذي السماوات والأرض خلقه قضى فيهن أمره ووسع كرسيه علمه ولم يكن شيء قط إلا من فضله ثم كان من فضله أن جعلنا ملوكا واصطفى من خير خلقه رسولا أكرمه نسبا وأصدقه حديثا وأفضله حسبا فأنزل عليه كتابا وائتمنه على خلقه وكان خيرة الله من العالمين ثم دعا الناس إلى الإيمان بالله فآمن به المهاجرون من قومه ذوي رحمه أكرم الناس أحسابا وأحسنهم وجوها وخير الناس فعلا ثم كان أول الخلق إجابة واستجابة لله حين دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن فنحن أنصار الله ووزراء رسول الله صلى الله عليه وسلم نقاتل الناس حتى يؤمنوا فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه ومن نكث جاهدناه في الله أبدا وكان قتله علينا يسيرا أقول هذا وأستغفر الله العظيم للمؤمنين والمؤمنات والسلام عليكم ) . ثم ذكر قيام الزبرقان وإنشاده وجواب حسان له بالأبيات المتقدمة فلما فرغ حسان من قوله قال الأقرع بن حابس: إن هذا الرجل خطيبه أخطب من خطيبنا وشاعره أشعر من شاعرنا وأقوالهم أعلى من أقوالنا ثم أجازهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم  [فصل في ذكر سرية قطبة بن عامر بن حديدة إلى خثعم] فصل في ذكر سرية قطبة بن عامر بن حديدة إلى خثعم وكانت في صفر سنة تسع قال ابن سعد: قالوا: بعث رسول الله قطبة بن عامر في عشرين رجلا إلى حي من خثعم بناحية تبالة وأمره أن يشن الغارة فخرجوا على عشرة أبعرة يعتقبونها فأخذوا رجلا فسألوه فاستعجم عليهم فجعل يصيح بالحاضرة ويحذرهم فضربوا عنقه ثم أقاموا حتى نام الحاضرة(3\/449)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1355",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9921",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فشنوا عليهم الغارة فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثر الجرحى في الفريقين جميعا وقتل قطبة بن عامر من قتل وساقوا النعم والنساء والشاء إلى المدينة وفي القصة أنه اجتمع القوم وركبوا في آثارهم فأرسل الله سبحانه عليهم سيلا عظيما حال بينهم وبين المسلمين فساقوا النعم والشاء والسبي وهم ينظرون لا يستطيعون أن يعبروا إليهم حتى غابوا عنهم  [فصل ذكر سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب في ربيع الأول سنة تسع] فصل ذكر سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب في ربيع الأول سنة تسع قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا إلى بني كلاب وعليهم الضحاك بن سفيان بن عوف الطائي ومعه الأصيد بن سلمة فلقوهم بالزج زج لاوة فدعوهم إلى الإسلام فأبوا فقاتلوهم فهزموهم فلحق الأصيد أباه سلمة وسلمة على فرس له في غدير بالزج فدعاه إلى الإسلام وأعطاه الأمان فسبه وسب دينه فضرب الأصيد عرقوبي فرس أبيه فلما وقع الفرس على عرقوبيه ارتكز سلمة على الرمح في الماء ثم استمسك حتى جاء أحدهم فقتله ولم يقتله ابنه  [فصل ذكر سرية علقمة بن مجزز المدلجي إلى الحبشة سنة تسع في شهر ربيع الآخر] فصل ذكر سرية علقمة بن مجزز المدلجي إلى الحبشة سنة تسع في شهر ربيع الآخر قالوا: فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناسا من الحبشة تراياهم أهل جدة فبعث إليهم علقمة بن مجزز في ثلاثمائة فانتهى إلى جزيرة في البحر وقد خاض إليهم البحر فهربوا منه فلما رجع تعجل بعض القوم إلى أهليهم فأذن لهم فتعجل(3\/450)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1356",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9922",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبد الله بن حذافة السهمي فأمره على من تعجل وكانت فيه دعابة فنزلوا ببعض الطريق وأوقدوا نارا يصطلون عليها فقال: عزمت عليكم إلا تواثبتم في هذه النار فقام بعض القوم فتجهزوا حتى ظن أنهم واثبون فيها فقال: اجلسوا إنما كنت أضحك معكم فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( من أمركم بمعصية فلا تطيعوه ) قلت: في quot; الصحيحين quot; عن علي بن أبي طالب قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا فأغضبوه فقال: اجمعوا لي حطبا فجمعوا فقال: أوقدوا نارا ثم قال: ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا لي قالوا: بلى قال: فادخلوها فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار فكانوا كذلك حتى سكن غضبه وطفئت النار فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا ) وقال: ( لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف ) فهذا فيه أن الأمير كان من الأنصار وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي أمره وأن الغضب حمله على ذلك. وقد روى الإمام أحمد في quot; مسنده quot; عن ابن عباس في قوله تعالى: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم [النساء: 59] [النساء: 99] قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فإما أن(3\/451)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1357",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9923",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكونا واقعتين أو يكون حديث علي هو المحفوظ والله أعلم  [فصل في ذكر سرية علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى صنم طيئ ليهدمه في هذه السنة] فصل في ذكر سرية علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى صنم طيئ ليهدمه في هذه السنة قالوا: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب في مائة وخمسين رجلا من الأنصار على مائة بعير وخمسين فرسا ومعه راية سوداء لواء أبيض إلى الفلس وهو صنم طيئ ليهدمه فشنوا الغارة على محلة آل حاتم مع الفجر فهدموه وملئوا أيديهم من السبي والنعم والشاء وفي السبي أخت عدي بن حاتم وهرب عدي إلى الشام ووجدوا في خزانته ثلاثة أسياف وثلاثة أدراع فاستعمل على السبي أبا قتادة وعلى الماشية والرثة عبد الله بن عتيك وقسم الغنائم في الطريق وعزل الصفي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقسم على آل حاتم حتى قدم بهم المدينة. قال ابن إسحاق: (قال عدي بن حاتم: ما كان رجل من العرب أشد كراهية لرسول الله صلى الله عليه وسلم مني حين سمعت به صلى الله عليه وسلم وكنت امرءا شريفا وكنت نصرانيا وكنت أسير في قومي بالمرباع وكنت في نفسي على دين وكنت ملكا في قومي فلما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم كرهته فقلت لغلام عربي كان لي وكان راعيا لإبلي: لا أبا لك اعدد لي من إبلي أجمالا ذللا سمانا فاحبسها قريبا مني فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذني ففعل ثم إنه أتاني ذات غداة فقال: يا عدي ما كنت صانعا إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن فإني قد رأيت رايات فسألت عنها فقالوا: هذه جيوش محمد قال فقلت: فقرب إلي أجمالي فقربها فاحتملت بأهلي وولدي ثم قلت: ألحق بأهل ديني من النصارى(3\/452)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1358",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9924",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالشام وخلفت بنتا لحاتم في الحاضرة فلما قدمت الشام أقمت بها وتحالفني خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتصيب ابنة حاتم فيمن أصابت فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبايا من طيئ وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم هربي إلى الشام فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله غاب الوافد وانقطع الوالد وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة فمن علي من الله عليك قال: quot; من وافدك quot; قالت: عدي بن حاتم قال: quot; الذي فر من الله ورسوله quot; قالت: فمن علي قال: فلما رجع ورجل إلى جنبه يرى أنه علي قال: سليه الحملان قالت: فسألته فأمر لها به قال عدي: فأتتني أختي فقالت: لقد فعل فعلة ما كان أبوك يفعلها ائته راغبا أو راهبا فقد أتاه فلان فأصاب منه وأتاه فلان فأصاب منه قال عدي: فأتيته وهو جالس في المسجد فقال القوم: هذا عدي بن حاتم وجئت بغير أمان ولا كتاب فلما دفعت إليه أخذ بيدي وقد كان قبل ذلك قال: ( إني أرجو أن يجعل الله يده في يدي ) قال: فقام لي فلقيته امرأة ومعها صبي فقالا: إن لنا إليك حاجة فقام معهما حتى قضى حاجتهما ثم أخذ بيدي حتى أتى داره فألقت له الوليدة وسادة فجلس عليها وجلست بين يديه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (ما يفرك أيفرك أن تقول لا إله إلا الله فهل تعلم من إله سوى الله quot; قال قلت: لا قال: ثم تكلم ساعة ثم قال: quot; إنما تفر أن يقال: الله أكبر وهل تعلم شيئا أكبر من الله quot; قال: قلت: لا قال: quot; فإن اليهود مغضوب عليهم وإن النصارى ضالون quot; قال: فقلت: إني حنيف مسلم قال: فرأيت وجهه ينبسط فرحا قال: ثم أمرني فأنزلت عند رجل من الأنصار وجعلت أغشاه آتيه طرفي النهار قال: فبينا أنا عنده إذ جاء قوم في ثياب من الصوف من هذه النمار قال: فصلى وقام فحث عليهم ثم قال: quot; يا أيها الناس ارضخوا من الفضل ولو بصاع ولو بنصف صاع ولو بقبضة ولو ببعض قبضة يقي أحدكم وجهه حر جهنم أو النار ولو بتمرة ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة فإن أحدكم لاقي الله وقائل له ما أقول لكم: ألم أجعل لك مالا وولدا فيقول: بلى(3\/453)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1359",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9925",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيقول: أين ما قدمت لنفسك فينظر قدامه وبعده وعن يمينه وعن شماله ثم لا يجد شيئا يقي به وجهه حر جهنم ليق أحدكم وجهه النار ولو بشق تمرة فإن لم يجد فبكلمة طيبة فإني لا أخاف عليكم الفاقة فإن الله ناصركم ومعطيكم حتى تسير الظعينة ما بين يثرب والحيرة وأكثر ما يخاف على مطيتها السرق قال(3\/454)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1360",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9926",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فجعلت أقول في نفسي: فأين لصوص طيئ)  [فصل ذكر قصة كعب بن زهير مع النبي صلى الله عليه وسلم] فصل ذكر قصة كعب بن زهير مع النبي صلى الله عليه وسلم وكانت فيما بين رجوعه من الطائف وغزوة تبوك قال ابن إسحاق: ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف كتب بجير بن زهير إلى أخيه كعب يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه وأن من بقي من شعراء قريش ابن الزبعرى وهبيرة بن أبي وهب قد هربوا في كل وجه فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا مسلما وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك وكان كعب قد قال ألا أبلغا عني بجيرا رسالة ... فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا فبين لنا إن كنت لست بفاعل ... على أي شيء غير ذلك دلكا(3\/455)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1361",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9927",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على خلق لم تلف أما ولا أبا عليه ولم تدرك عليه أخا لكا ... فإن أنت لم تفعل فلست بآسف ولا قائل إما عثرت لعا لكا ... سقاك بها المأمون كأسا روية فأنهلك المأمون منها وعلكا قال: وبعث بها إلى بجير فلما أتت بجيرا كره أن يكتمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشده إياها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (سقاك المأمون صدق وإنه لكذوب أنا المأمون ولما سمع quot;على خلق لم تلف أما ولا أبا عليه quot; فقال: أجل. قال: لم يلف عليه أباه ولا أمه ثم قال بجير لكعب من مبلغ كعبا فهل لك في التي ... تلوم عليها باطلا وهي أحزم إلى الله لا العزى ولا اللات وحده ... فتنجو إذا كان النجاء وتسلم لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت ... من الناس إلا طاهر القلب مسلم فدين زهير وهو لا شيء دينه ... ودين أبي سلمى علي محرم فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه وأرجف به من كان في حاضره من عدوه فقال: هو مقتول فلما لم يجد من شيء بدا قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوه ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة كما ذكر لي فغدا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى الصبح فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أشار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هذا رسول الله فقم إليه فاستأمنه فذكر لي أنه قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس إليه فوضع يده في يده وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرفه فقال: يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمنك تائبا مسلما فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم قال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير(3\/456)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1362",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9928",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه وثب عليه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه عنك فقد جاء تائبا نازعا عما كان عليه قال: فغضب كعب على هذا الحي من الأنصار لما صنع به صاحبهم وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير فقال قصيدته اللامية التي يصف فيها محبوبته وناقته التي أولها: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول يسعى الغواة جنابيها وقولهم ... إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول وقال كل صديق كنت آمله ... لا ألهينك إني عنك مشغول فقلت خلوا طريقي لا أبا لكم ... فكل ما قدر الرحمن مفعول كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوما على آلة حدباء محمول نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول مهلا هداك الذي أعطاك نافلة ال ... قرآن فيها مواعيظ وتفصيل لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ... أذنب ولو كثرت في الأقاويل لقد أقوم مقاما لو يقوم به ... أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل لظل ترعد من خوف بوادره ... إن لم يكن من رسول الله تنويل(3\/457)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1363",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9929",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حتى وضعت يميني ما أنازعها في كف ذي نقمات قوله القيل ... فلهو أخوف عندي إذ أكلمه وقيل إنك منسوب ومسئول ... من ضيغم بضراء الأرض مخدره في بطن عثر غيل دونه غيل ... يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما لحم من الناس معفور خراديل ... إذا يساور قرنا لا يحل له أن يترك القرن إلا وهو مفلول ... منه تظل سباع الجو نافرة ولا تمشى بواديه الأراجيل ... ولا يزال بواديه أخو ثقة مضرج البز والدرسان مأكول ... إن الرسول لنور يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول ... في عصبة من قريش قال قائلهم ببطن مكة لما أسلموا زولوا ... زالوا فما زال أنكاس ولا كشف عند اللقاء ولا ميل معازيل(3\/458)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1364",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9930",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم ... ضرب إذا عرد السود التنابيل. شم العرانين أبطال لبوسهم ... من نسج داود في الهيجا سرابيل بيض سوابغ قد شكت لها حلق ... كأنها حلق القفعاء مجدول ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم ... قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا لا يقع الطعن إلا في نحورهم ... وما لهم عن حياض الموت تهليل قال ابن إسحاق: قال عاصم بن عمر بن قتادة: فلما قال كعب: quot; إذا عرد السود التنابيل quot; وإنما عنى معشر الأنصار لما كان صاحبنا صنع به ما صنع وخص المهاجرين بمدحته غضبت عليه الأنصار فقال بعد أن أسلم يمدح الأنصار في قصيدته التي يقول فيها: من سره كرم الحياة فلا يزل ... في مقنب من صالحي الأنصار ورثوا المكارم كابرا عن كابر ... إن الخيار هم بنو الأخيار(3\/459)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1365",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9931",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "عام غزوة تبوك",
        "content": "الباذلين نفوسهم لنبيهم يوم الهياج وسطوة الجبار ... والذائدين الناس عن أديانهم بالمشرفي وبالقنا الخطار ... والبائعين نفوسهم لنبيهم للموت يوم تعانق وكرار ... يتطهرون يرونه نسكا لهم بدماء من علقوا من الكفار ... وإذا حللت ليمنعوك إليهم أصبحت عند معاقل الأعفار ... قوم إذا خوت النجوم فإنهم للطارقين النازلين مقاري وكعب بن زهير من فحول الشعراء هو وأبوه وابنه عقبة وابن ابنه العوام بن عقبة ومما يستحسن لكعب قوله لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعي الفتى وهو مخبوء له القدر يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... فالنفس واحدة والهم منتشر والمرء ما عاش ممدود له أمل ... لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر ومما يستحسن له أيضا قوله في النبي صلى الله عليه وسلم: تحدى به الناقة الأدماء معتجرا ... للبرد كالبدر جلي ليلة الظلم ففي عطافيه أو أثناء بردته ... ما يعلم الله من دين ومن كرم  [فصل في غزوة تبوك] [عام غزوة تبوك] فصل في غزوة تبوك وكانت في شهر رجب سنة تسع قال ابن إسحاق: وكانت في زمن عسرة(3\/460)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1366",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9932",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من الناس وجدب من البلاد وحين طابت الثمار والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون شخوصهم على تلك الحال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها وورى بغيرها إلا ما كان من غزوة تبوك لبعد الشقة وشدة الزمان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في جهازه للجد بن قيس - أحد بني سلمة -: ( يا جد هل لك العام في جلاد بني الأصفر فقال: يا رسول الله أوتأذن لي ولا تفتني فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عجبا بالنساء مني وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قد أذنت لك ففيه نزلت الآية ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني [التوبة: 49]  [التوبة: 49] وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحر فأنزل الله فيهم: وقالوا لا تنفروا في الحر [التوبة: 81] الآية [التوبة: 81] ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد في سفره وأمر الناس بالجهاز وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا وأنفق عثمان بن عفان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها. قلت: كانت ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها وعدتها وألف دينار عينا.(3\/461)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1367",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9933",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر ابن سعد قال: (بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الروم قد جمعت جموعا كثيرة بالشام وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة وأجلبت معه لخم وجذام وعاملة وغسان وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء وجاء البكاءون وهم سبعة يستحملون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا أجد ما أحملكم عليه فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون  وهم سالم بن عمير وعلبة بن زيد وأبو ليلى المازني وعمرو بن عنمة وسلمة بن صخر والعرباض بن سارية وفي بعض الروايات: وعبد الله بن مغفل ومعقل بن يسار وبعضهم يقول: البكاءون بنو مقرن السبعة وهم من مزينة) وابن إسحاق: يعد فيهم عمرو بن الحمام بن الجموح ( وأرسل أبا موسى أصحابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملهم فوافاه غضبان فقال: والله لا أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه ثم أتاه إبل فأرسل إليهم ثم قال: ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم وإني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير )  [فصل قصة علبة بن زيد] فصل ( وقام علبة بن زيد فصلى من الليل وبكى وقال: اللهم إنك قد أمرت(3\/462)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1368",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9934",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالجهاد ورغبت فيه ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسولك ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها من مال أو جسد أو عرض ثم أصبح مع الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أين المتصدق هذه الليلة فلم يقم إليه أحد ثم قال: أين المتصدق فليقم فقام إليه فأخبره فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أبشر فوالذي نفس محمد بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة ) وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم فلم يعذرهم قال ابن سعد: وهم اثنان وثمانون رجلا وكان عبد الله بن أبي ابن سلول قد عسكر على ثنية الوداع في حلفائه من اليهود والمنافقين فكان يقال: ليس عسكره بأقل العسكرين واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري وقال ابن هشام: سباع بن عرفظة والأول أثبت فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عبد الله بن أبي ومن كان معه وتخلف نفر من المسلمين من غير شك ولا ارتياب منهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع وأبو خيثمة السالمي وأبو ذر ثم لحقه أبو خيثمة وأبو ذر. وشهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثين ألفا من الناس والخيل عشرة آلاف فرس وأقام بها عشرين ليلة يقصر الصلاة وهرقل يومئذ بحمص قال ابن إسحاق: ولما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج خلف علي بن أبي طالب على أهله فأرجف به المنافقون وقالوا: ما خلفه إلا استثقالا وتخففا منه فأخذ علي رضي الله عنه سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجرف فقال: يا نبي الله زعم المنافقون أنك إنما خلفتني لأنك استثقلتني(3\/463)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1369",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9935",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتخففت مني فقال: كذبوا ولكني خلفتك لما تركت ورائي فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك أفلا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي فرجع علي إلى المدينة (ثم إن أبا خيثمة رجع بعد أن سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما إلى أهله في يوم حار فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له ماء وهيأت له فيه طعاما فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم ما هذا بالنصف ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فهيئا لي زادا ففعلتا ثم قدم ناضحه فارتحله ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي في الطريق يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لي ذنبا فلا عليك أن تتخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بتبوك قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن أبا خيثمة قالوا: يا رسول الله هو والله أبو خيثمة فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولى لك يا أبا خيثمة فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير )(3\/464)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1370",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9936",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر بديار ثمود قال: لا تشربوا من مائها شيئا ولا تتوضئوا منه للصلاة وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئا ولا يخرجن أحد منكم إلا ومعه صاحب له ففعل الناس إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر في طلب بعيره فأما الذي خرج لحاجته فإنه خنق على مذهبه وأما الذي خرج في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلي طيئ فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألم أنهكم أن لا يخرج أحد منكم إلا ومعه صاحبه ثم دعا للذي خنق على مذهبه فشفي وأما الآخر فأهدته طيئ لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة ) قلت: والذي في quot; صحيح مسلم quot; من حديث أبي حميد: انطلقنا حتى قدمنا تبوك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ستهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقم منكم أحد فمن كان له بعير فليشد عقاله فهبت ريح شديدة فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيئ ) قال ابن هشام: بلغني عن الزهري أنه قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر سجى ثوبه على وجهه واستحث راحلته ثم قال: ( لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم باكون خوفا أن يصيبكم ما أصابهم ) قلت: في quot; الصحيحين quot; من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا(3\/465)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1371",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9937",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم مثل ما أصابهم ) . وفي quot; صحيح البخاري quot;: أنه ( أمرهم بإلقاء العجين وطرحه ) . وفي quot; صحيح مسلم quot;: ( أنه أمرهم أن يعلفوا الإبل العجين وأن يهريقوا الماء ويستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة ) . وقد رواه البخاري أيضا وقد حفظ راويه ما لم يحفظه من روى الطرح وذكر البيهقي أنه نادى فيهم: ( الصلاة جامعة فلما اجتمعوا قال: علام تدخلون على قوم غضب الله عليهم quot; فناداه رجل فقال: نعجب منهم يا رسول الله فقال: ألا أنبئكم بما هو أعجب من ذلك! رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم استقيموا وسددوا فإن الله عز وجل لا يعبأ بعذابكم شيئا وسيأتي الله بقوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا )  [فصل في استسقاؤه صلى الله عليه وسلم] فصل قال ابن إسحاق: وأصبح الناس ولا ماء معهم فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل الله سبحانه سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء(3\/466)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1372",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9938",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلت ناقته فقال زيد بن اللصيت - وكان منافقا -: أليس يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن رجلا يقول -وذكر مقالته - وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله وقد دلني الله عليها وهي في الوادي في شعب كذا وكذا وقد حبستها شجرة بزمامها فانطلقوا حتى تأتوني بها فذهبوا فأتوه بها ) وفي طريقه تلك (خرص حديقة المرأة بعشرة أوسق) ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يتخلف عنه الرجل فيقولون: تخلف فلان فيقول: ( دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه ) وتلوم على أبي ذر بعيره فلما أبطأ عليه أخذ متاعه على ظهره ثم خرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيا ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض منازله فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( كن أبا ذر فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله والله هو أبو ذر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده ) قال ابن إسحاق: فحدثني بريدة بن سفيان الأسلمي عن محمد بن كعب(3\/467)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1373",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9939",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القرظي عن عبد الله بن مسعود قال: لما نفى عثمان أبا ذر إلى الربذة وأصابه بها قدره لم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه فأوصاهما: أن غسلاني وكفناني ثم ضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمر بكم فقولوا: هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعينونا على دفنه فلما مات فعلا ذلك به ثم وضعاه على قارعة الطريق وأقبل عبد الله بن مسعود في رهط معه من أهل العراق عمارا فلم يرعهم إلا بالجنازة على ظهر الطريق قد كادت الإبل تطؤها وقام إليهم الغلام فقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعينونا على دفنه قال: فاستهل عبد الله يبكي ويقول: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تمشي وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك ثم نزل هو وأصحابه فواروه )  ثم حدثهم عبد الله بن مسعود حديثه وما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره إلى تبوك قلت: وفي هذه القصة نظر فقد ذكر أبو حاتم بن حبان في quot; صحيحه quot; وغيره في قصة وفاته عن مجاهد عن إبراهيم بن الأشتر عن أبيه (عن أم ذر قالت: لما حضرت أبا ذر الوفاة بكيت فقال: ما يبكيك فقلت: ما لي لا أبكي وأنت تموت بفلاة من الأرض وليس عندي ثوب يسعك كفنا ولا يدان لي في تغييبك قال: أبشري ولا تبكي فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنفر أنا فيهم: ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المسلمين  وليس أحد من أولئك النفر إلا وقد مات في قرية وجماعة فأنا ذلك الرجل فوالله ما كذبت ولا كذبت فأبصري الطريق فقلت: أنى وقد ذهب الحاج وتقطعت الطرق فقال اذهبي فتبصري قالت: فكنت أسند إلى الكثيب أتبصر ثم أرجع فأمرضه فبينا أنا وهو كذلك إذ أنا برجال على رحالهم كأنهم الرخم تخب بهم رواحلهم قالت: فأشرت إليهم فأسرعوا إلي حتى وقفوا علي فقالوا: يا أمة الله ما لك قلت: امرؤ من المسلمين يموت تكفنونه قالوا: ومن هو قلت: أبو ذر قالوا: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: نعم ففدوه بآبائهم وأمهاتهم(3\/468)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1374",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9940",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه فقال لهم: أبشروا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنفر أنا فيهم: ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين  وليس من أولئك النفر رجل إلا وقد هلك في جماعة والله ما كذبت ولا كذبت إنه لو كان عندي ثوب يسعني كفنا لي أو لامرأتي لم أكفن إلا في ثوب هو لي أو لها فإني أنشدكم الله أن لا يكفنني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو بريدا أو نقيبا وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد قارف بعض ما قال إلا فتى من الأنصار قال: أنا يا عم أكفنك في ردائي هذا وفي ثوبين من عيبتي من غزل أمي قال: أنت فكفني فكفنه الأنصاري وقاموا عليه ودفنوه في نفر كلهم يمان) رجعنا إلى قصة تبوك وقد كان رهط من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بني عمرو بن عوف ومنهم رجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له: مخشي بن حمير قال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم لبعض! والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال - إرجافا وترهيبا للمؤمنين - فقال مخشي بن حمير: والله لوددت أني أقاضى على أن يضرب كل منا مائة جلدة وإنا ننفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر: ( أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا فإن أنكروا فقل: بل قلتم كذا وكذا فانطلق إليهم عمار فقال لهم ذلك فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه فقال وديعة بن ثابت: كنا نخوض ونلعب فأنزل الله فيهم ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب [التوبة: 65] [التوبة: 65] فقال مخشي بن حمير: يا رسول الله قعد بي اسمي واسم أبي فكان الذي عفي عنه في هذه الآية وتسمى عبد الرحمن وسأل الله أن يقتل شهيدا لا يعلم بمكانه فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر ) .(3\/469)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1375",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9941",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر ابن عائذ في quot; مغازيه quot; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل تبوك في زمان قل ماؤها فيه فاغترف رسول الله صلى الله عليه وسلم غرفة بيده من ماء فمضمض بها فاه ثم بصقه فيها ففارت عينها حتى امتلأت فهي كذلك حتى الساعة قلت: في quot; صحيح مسلم quot; أنه قال قبل وصوله إليها: ( إنكم ستأتون غدا إن شاء الله تعالى عين تبوك وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار فمن جاءها فلا يمسن من مائها شيئا حتى آتي قال: فجئناها وقد سبق إليها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل مسستما من مائها شيئا قالا: نعم فسبهما النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهما ما شاء الله أن يقول ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء وغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وجهه ويديه ثم أعاده فيها فجرت العين بماء منهمر حتى استقى الناس ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا )  [فصل في الصلح مع صاحب أيلة] فصل ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه صاحب أيلة فصالحه وأعطاه الجزية وأتاه أهل جربا وأذرح فأعطوه الجزية وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا فهو عندهم وكتب لصاحب أيلة: بسم الله الرحمن الرحيم هذا أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة سفنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمة الله ومحمد النبي ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه وإنه لمن أخذه من الناس وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يردونه من بحر أو بر(3\/470)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1376",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9942",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة] فصل في بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة وهو أكيدر بن عبد الملك رجل من كندة وكان نصرانيا وكان ملكا عليها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد: (إنك ستجده يصيد البقر فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين وفي ليلة مقمرة صافية وهو على سطح له ومعه امرأته فباتت البقر تحك بقرونها باب القصر فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط قال: لا والله قالت: فمن يترك هذه قال: لا أحد فنزل فأمر بفرسه فأسرج له وركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له حسان فركب وخرجوا معه بمطاردهم فلما خرجوا تلقتهم خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذته وقتلوا أخاه وقد كان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب فاستلبه خالد فبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومه عليه ثم إن خالدا قدم بأكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فحقن له دمه وصالحه على الجزية ثم خلى سبيله فرجع إلى قريته ) وقال ابن سعد: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالدا في أربعمائة وعشرين فارسا فذكر نحو ما تقدم قال: وأجار خالد أكيدرا من القتل حتى يأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يفتح له دومة الجندل ففعل وصالحه على ألفي بعير وثمانمائة رأس وأربعمائة درع وأربعمائة رمح فعزل للنبي صلى الله عليه وسلم صفيه خالصا ثم قسم الغنيمة فأخرج الخمس فكان للنبي صلى الله عليه وسلم ثم قسم ما بقي في أصحابه فصار لكل واحد منهم خمس فرائض وذكر ابن عائذ في هذا الخبر أن أكيدرا قال عن البقر: والله ما رأيتها قط(3\/471)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1377",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9943",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أتتنا إلا البارحة ولقد كنت أضمر لها اليومين والثلاثة ولكن قدر الله قال موسى بن عقبة: واجتمع أكيدر ويحنة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهما إلى الإسلام فأبيا وأقرا بالجزية فقاضاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم على قضية دومة وعلى تبوك وعلى أيلة وعلى تيماء وكتب لهما كتابا رجعنا إلى قصة تبوك: قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك بضع عشرة ليلة لم يجاوزها ثم انصرف قافلا إلى المدينة وكان في الطريق ماء يخرج من وشل يروي الراكب والراكبين والثلاثة بواد يقال له: وادي المشقق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من سبقنا إلى ذلك الماء فلا يستقين منه شيئا حتى نأتيه قال: فسبقه إليه نفر من المنافقين فاستقوا فلم ير فيه شيئا فقال: من سبقنا إلى هذا الماء فقيل له: يا رسول الله فلان وفلان فقال: أولم أنههم أن يستقوا منه شيئا حتى آتيه! ثم لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا عليهم ثم نزل فوضع يده تحت الوشل فجعل يصب في يده ما شاء الله أن يصب ثم نضحه به ومسحه بيده ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما شاء الله أن يدعو به فانخرق من الماء - كما يقول من سمعه - ما إن له حسا كحس الصواعق فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن بقيتم أو من بقي منكم ليسمعن بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه ) قلت: ثبت في quot; صحيح مسلم quot; ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا )  الحديث وقد تقدم فإن كانت القصة واحدة فالمحفوظ حديث مسلم وإن كانت قصتين فهو ممكن قال: وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ( أن عبد الله بن مسعود كان يحدث قال: قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر فاتبعتها أنظر إليها فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم(3\/472)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1378",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9944",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأبو بكر وعمر وإذا عبد الله ذو البجادين المزني قد مات وإذا هم قد حفروا له ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته وأبو بكر وعمر يدليانه إليه وهو يقول: أدنيا إلي أخاكما فدلياه إليه فلما هيأه لشقه قال: اللهم إني قد أمسيت راضيا عنه فارض عنه قال: يقول عبد الله بن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفرة ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من غزوة تبوك: ( إن بالمدينة لأقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة قال: quot; نعم حبسهم العذر )  [فصل في خطبته صلى الله عليه وسلم بتبوك وصلاته] فصل في خطبته صلى الله عليه وسلم بتبوك وصلاته ذكر البيهقي في quot; الدلائل quot; والحاكم من حديث عقبة بن عامر قال: ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فاسترقد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة لما كان منها على ليلة فلم يستيقظ فيها حتى كانت الشمس قيد رمح قال: ألم أقل لك يا بلال اكلأ لنا الفجر فقال: يا رسول الله ذهب بي من النوم الذي ذهب بك فانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك المنزل غير بعيد ثم صلى ثم ذهب بقية يومه وليلته(3\/473)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1379",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9945",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأصبح بتبوك فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد! فإن أصدق الحديث كتاب الله وأوثق العرى كلمة التقوى وخير الملل ملة إبراهيم وخير السنن سنة محمد وأشرف الحديث ذكر الله وأحسن القصص هذا القرآن وخير الأمور عوازمها وشر الأمور محدثاتها وأحسن الهدي هدي الأنبياء وأشرف الموت قتل الشهداء وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى وخير الأعمال ما نفع وخير الهدى ما اتبع وشر العمى عمى القلب واليد العليا خير من اليد السفلى وما قل وكفى خير مما كثر وألهى وشر المعذرة حين يحضر الموت وشر الندامة يوم القيامة ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرا ومنهم من لا يذكر الله إلا هجرا ومن أعظم الخطايا اللسان الكذاب وخير الغنى غنى النفس وخير الزاد التقوى ورأس الحكم مخافة الله عز وجل وخير ما وقر في القلوب اليقين والارتياب من الكفر والنياحة من عمل الجاهلية والغلول من جثا جهنم والسكر كي من النار والشعر من إبليس والخمر جماع الإثم وشر المأكل مال اليتيم والسعيد من وعظ بغيره والشقي من شقي في بطن أمه وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع والأمر إلى الآخرة وملاك العمل خواتمه وشر الروايا روايا الكذب وكل ما هو آت قريب وسباب المؤمن فسوق وقتاله كفر وأكل لحمه من معصية الله وحرمة ماله كحرمة دمه ومن يتأل على الله يكذبه ومن يغفر يغفر له ومن يعف يعف الله عنه ومن يكظم الغيظ يأجره الله ومن يصبر على الرزية يعوضه الله ومن يبتغ السمعة يسمع الله به ومن يتصبر يضعف الله له ومن يعص الله يعذبه الله ثم استغفر ثلاثا )(3\/474)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1380",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9946",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر أبو داود في quot; سننه quot; من حديث ابن وهب: أخبرني معاوية عن سعيد بن غزوان عن أبيه أنه نزل بتبوك وهو حاج فإذا رجل مقعد فسألته عن أمره قال: سأحدثك حديثا فلا تحدث به ما سمعت أني حي ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بتبوك إلى نخلة فقال: هذه قبلتنا ثم صلى إليها قال: فأقبلت وأنا غلام أسعى حتى مررت بينه وبينها فقال: قطع صلاتنا قطع الله أثره قال: فما قمت عليهما إلى يومي هذا ) ثم ساقه أبو داود من طريق وكيع عن سعيد بن عبد العزيز عن مولى ليزيد بن نمران (عن يزيد بن نمران قال: رأيت رجلا بتبوك مقعدا فقال: مررت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار وهو يصلي فقال: اللهم اقطع أثره فما مشيت عليهما بعد  وفي هذا الإسناد والذي قبله ضعف)  [فصل في جمعه صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين في غزوة تبوك] فصل في جمعه بين الصلاتين في غزوة تبوك قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عامر بن واثلة عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعا وإذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب)  وقال الترمذي: (إذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجل العصر إلى الظهر وصلى الظهر والعصر جميعا) ; وقال: حديث حسن غريب. وقال أبو داود: هذا(3\/475)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1381",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9947",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حديث منكر وليس في تقديم الوقت حديث قائم وقال أبو محمد بن حزم: لا يعلم أحد من أصحاب الحديث ليزيد بن أبي حبيب سماعا من أبي الطفيل وقال الحاكم في حديث أبي الطفيل هذا: هو حديث رواته أئمة ثقات وهو شاذ الإسناد والمتن لا نعرف له علة نعلله بها فنظرنا فإذا الحديث موضوع وذكر عن البخاري: قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت عن الليث حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل قال: كتبته مع خالد المدائني وكان خالد المدائني يدخل الأحاديث على الشيوخ ورواه أبو داود أيضا: حدثنا يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب الرملي حدثنا مفضل بن فضالة والليث بن سعد عن هشام بن سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر وفي المغرب مثل ذلك ; إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء ثم يجمع بينهما وهشام بن سعد: ضعيف عندهم ضعفه الإمام أحمد وابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة ويحيى بن سعيد وكان لا يحدث عنه وضعفه النسائي أيضا وقال أبو بكر البزار: لم أر أحدا توقف عن حديث هشام بن سعد ولا اعتل عليه بعلة توجب التوقف عنه وقال أبو داود: حديث المفضل والليث حديث منكر(3\/476)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1382",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9948",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك] [ما هم المنافقون به من الكيد وعصمة الله للرسوله] فصل في رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك وما هم المنافقون به من الكيد به وعصمة الله إياه ذكر أبو الأسود في quot; مغازيه quot; عن عروة قال: ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا من تبوك إلى المدينة حتى إذا كان ببعض الطريق مكر برسول الله صلى الله عليه وسلم ناس من المنافقين فتآمروا أن يطرحوه من رأس عقبة في الطريق فلما بلغوا العقبة أرادوا أن يسلكوها معه فلما غشيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر خبرهم فقال: (من شاء منكم أن يأخذ ببطن الوادي فإنه أوسع لكم وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة وأخذ الناس ببطن الوادي إلا النفر الذين هموا بالمكر برسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمعوا بذلك استعدوا وتلثموا وقد هموا بأمر عظيم وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر فمشيا معه وأمر عمارا أن يأخذ بزمام الناقة وأمر حذيفة أن يسوقها فبينا هم يسيرون إذ سمعوا وكزة القوم من ورائهم قد غشوه فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر حذيفة أن يردهم وأبصر حذيفة غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع ومعه محجن واستقبل وجوه رواحلهم فضربها ضربا بالمحجن وأبصر القوم وهم متلثمون ولا يشعر إلا أن ذلك فعل المسافر فأرعبهم الله سبحانه حين أبصروا حذيفة وظنوا أن مكرهم قد ظهر عليه فأسرعوا حتى خالطوا الناس وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أدركه قال: اضرب الراحلة يا حذيفة وامش أنت يا عمار فأسرعوا حتى استووا بأعلاها فخرجوا من العقبة ينتظرون الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم لحذيفة: هل عرفت من هؤلاء الرهط أو الركب أحدا قال حذيفة: عرفت راحلة فلان وفلان وقال: كانت ظلمة الليل وغشيتهم وهم متلثمون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل علمتم ما كان شأن الركب وما أرادوا قالوا: لا والله يا رسول الله قال: فإنهم مكروا ليسيروا معي حتى إذا اطلعت في العقبة طرحوني منها قالوا: أولا تأمر بهم يا رسول الله إذا فنضرب أعناقهم قال: أكره أن(3\/477)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1383",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9949",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يتحدث الناس ويقولوا: إن محمدا قد وضع يده في أصحابه فسماهم لهما وقال اكتماهم)  . وقال ابن إسحاق في هذه القصة:  (إن الله قد أخبرني بأسمائهم وأسماء آبائهم وسأخبرك بهم إن شاء الله غدا عند وجه الصبح فانطلق حتى إذا أصبحت فاجمعهم فلما أصبح قال: ادع عبد الله بن أبي وسعد بن أبي سرح وأبا خاطر الأعرابي وعامرا وأبا عامر والجلاس بن سويد بن الصامت وهو الذي قال: لا ننتهي حتى نرمي محمدا من العقبة الليلة وإن كان محمد وأصحابه خيرا منا إنا إذا لغنم وهو الراعي ولا عقل لنا وهو العاقل وأمره أن يدعو مجمع بن حارثة ومليحا التيمي وهو الذي سرق طيب الكعبة وارتد عن الإسلام وانطلق هاربا في الأرض فلا يدرى أين ذهب وأمره أن يدعو حصن بن نمير الذي أغار على تمر الصدقة فسرقه وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ويحك ما حملك على هذا فقال: حملني عليه أني ظننت أن الله لا يطلعك عليه فأما إذا أطلعك الله عليه وعلمته فأنا أشهد اليوم أنك رسول الله وإني لم أومن بك قط قبل هذه الساعة فأقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عثرته وعفا عنه وأمره أن يدعو طعيمة بن أبيرق وعبد الله بن عيينة وهو الذي قال لأصحابه: اسهروا هذه الليلة تسلموا الدهر كله فوالله ما لكم أمر دون أن تقتلوا هذا الرجل فدعاه(3\/478)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1384",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9950",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال: ويحك ما كان ينفعك من قتلي لو أني قتلت فقال عبد الله: فوالله يا رسول الله لا نزال بخير ما أعطاك الله النصر على عدوك إنما نحن بالله وبك فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ادع مرة بن الربيع وهو الذي قال: نقتل الواحد الفرد فيكون الناس عامة بقتله مطمئنين فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ويحك ما حملك على أن تقول الذي قلت فقال: يا رسول الله إن كنت قلت شيئا من ذلك إنك لعالم به وما قلت شيئا من ذلك فجمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم اثنا عشر رجلا الذين حاربوا الله ورسوله وأرادوا قتله فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولهم ومنطقهم وسرهم وعلانيتهم)   وأطلع الله سبحانه نبيه على ذلك بعلمه ومات الاثنا عشر منافقين محاربين لله ولرسوله وذلك قوله عز وجل: وهموا بما لم ينالوا [التوبة: 74] [التوبة: 74] وكان أبو عامر رأسهم وله بنوا مسجد الضرار وهو الذي كان يقال له الراهب فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة فأرسلوا إليه فقدم عليهم فلما قدم عليهم أخزاه الله وإياهم فانهارت تلك البقعة في نار جهنم  [بيان وهم ابن إسحاق في روايته هذه] فصل قلت: وفي سياق ما ذكره ابن إسحاق وهم من وجوه: أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أسر إلى حذيفة أسماء أولئك المنافقين ولم يطلع عليهم أحدا غيره وبذلك كان يقال لحذيفة: إنه صاحب السر الذي لا يعلمه غيره ولم يكن عمر ولا غيره يعلم أسماءهم وكان إذا مات الرجل وشكوا فيه (يقول عمر: انظروا فإن صلى عليه حذيفة وإلا فهو منافق منهم) الثاني: ما ذكرناه من قوله: فيهم عبد الله بن أبي وهو وهم ظاهر وقد ذكر ابن إسحاق نفسه أن عبد الله بن أبي تخلف في غزوة تبوك(3\/479)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1385",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9951",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالث: أن قوله: وسعد بن أبي سرح وهم أيضا وخطأ ظاهر فإن سعد بن أبي سرح لم يعرف له إسلام البتة وإنما ابنه عبد الله كان قد أسلم وهاجر ثم ارتد ولحق بمكة حتى استأمن له عثمان النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح فأمنه وأسلم فحسن إسلامه ولم يظهر منه بعد ذلك شيء ينكر عليه ولم يكن مع هؤلاء الاثني عشر البتة فما أدري ما هذا الخطأ الفاحش الرابع: قوله: وكان أبو عامر رأسهم وهذا وهم ظاهر لا يخفى على من دون ابن إسحاق بل هو نفسه قد ذكر قصة أبي عامر هذا في قصة الهجرة عن عاصم بن عمر بن قتادة أن أبا عامر لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة خرج إلى مكة ببضعة عشر رجلا فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة خرج إلى الطائف فلما أسلم أهل الطائف خرج إلى الشام فمات بها طريدا وحيدا غريبا فأين كان الفاسق وغزوة تبوك ذهابا وإيابا  [فصل في أمر مسجد الضرار الذي نهى الله رسوله أن يقوم فيه] فصل في أمر مسجد الضرار الذي نهى الله رسوله أن يقوم فيه فهدمه صلى الله عليه وسلم وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك حتى نزل بذي أوان وبينها وبين المدينة ساعة وكان أصحاب مسجد الضرار أتوه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة الشاتية وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه فقال: ( إني على جناح سفر وحال شغل ولو قدمنا إن شاء الله لأتيناكم فصلينا لكم فيه فلما نزل بذي أوان جاءه خبر المسجد من السماء فدعا مالك بن الدخشم أخا بني سلمة بن عوف ومعن بن عدي العجلاني فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه فخرجا مسرعين حتى أتيا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي ودخل إلى أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه ـ وفيه(3\/480)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1386",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9952",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "خروج الناس لتلقيه صلى الله عليه وسلم عند مقدمه إلى المدينة",
        "content": "أهله ـ فحرقاه وهدماه فتفرقوا عنه فأنزل الله فيه: والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين [التوبة: 107]  ) [التوبة: 107] إلى آخر القصة وذكر ابن إسحاق الذين بنوه: وهم اثنا عشر رجلا منهم ثعلبة بن حاطب وذكر عثمان بن سعيد الدارمي: حدثنا عبد الله بن صالح حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا [التوبة: 107] هم أناس من الأنصار ابتنوا مسجدا فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدكم واستمدوا ما استطعتم من قوة ومن سلاح فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم فأخرج محمدا وأصحابه فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلي فيه وتدعو بالبركة فأنزل الله عز وجل: لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم [التوبة: 108] يعني مسجد قباء أحق أن تقوم فيه [التوبة: 108] [التوبة: 108] إلى قوله فانهار به في نار جهنم [التوبة: 109] [التوبة: 109] يعني قواعده لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم [التوبة: 110] يعني: الشك إلا أن تقطع قلوبهم [التوبة: 110] يعني بالموت  [خروج الناس لتلقيه صلى الله عليه وسلم عند مقدمه إلى المدينة] فصل فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة خرج الناس لتلقيه وخرج النساء(3\/481)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1387",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9953",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والصبيان والولائد يقلن طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داعي وبعض الرواة يهم في هذا ويقول: إنما كان ذلك عند مقدمه إلى المدينة من مكة وهو وهم ظاهر ; لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام لا يراها القادم من مكة إلى المدينة ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام فلما أشرف على المدينة قال: ( هذه طابة وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه ) فلما دخل قال العباس: يا رسول الله ائذن لي أمتدحك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قل لا يفضض الله فاك)  فقال: من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسرا وأهله الغرق تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندف عليا تحتها النطق(3\/482)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1388",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9954",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأنت لما ولدت أشرقت الـ أرض وضاءت بنورك الأفق ... فنحن في ذلك الضياء وفي النـ نور وسبل الرشاد نخترق  [فصل في اعتذار المخلفين] فصل ولما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم جلس للناس فجاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله وجاءه كعب بن مالك فلما سلم عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال له: تعال قال: فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي: ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك quot; فقلت: بلى إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلا ولكني والله لقد علمت إن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به علي ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله عني والله ما كان لي من عذر والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك. فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني يؤنبوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت(3\/483)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1389",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9955",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك قال: فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد قالوا: نعم رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك فقلت: من هما قالوا: مرارة بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي فذكروا لي رجلين صالحين شهدا بدرا فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا ـ أيها الثلاثة ـ من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي الأرض فما هي بالتي أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ثم أصلي قريبا منه فأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال علي ذلك من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فسكت فعدت فناشدته فسكت فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بالطعام(3\/484)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1390",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9956",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان فإذا فيه أما بعد: فإنه بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك فقلت لما قرأتها: وهذا أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرتها حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت: أطلقها أم ماذا قال: لا ولكن اعتزلها ولا تقربها وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر فجاءت امرأة هلال بن أمية فقالت: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه قال: لا ولكن لا يقربك قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا قال كعب: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريني ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب ولبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة على سطح بيت من بيوتنا بينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى ـ قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت ـ سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر فخررت ساجدا فعرفت أن قد جاء فرج من الله وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الفجر فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض إلي رجل فرسا وسعى ساع من أسلم فأوفى على ذروة الجبل ـ وكان الصوت أسرع من الفرس ـ فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه والله ما أملك غيرهما واستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاني الناس فوجا(3\/485)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1391",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9957",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فوجا يهنئوني بالتوبة يقولون: ليهنك توبة الله عليك قال كعب: حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد حوله الناس فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره ولست أنساها لطلحة فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ـ وهو يبرق وجهه من السرور ـ: (أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله قال: quot; لا بل من عند الله)  وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر وكنا نعرف ذلك منه فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله فقال: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر فقلت: يا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا ما أبلاني والله ما تعمدت بعد ذلك إلى يومي هذا كذبا وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت فأنزل الله تعالى على رسوله: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار [التوبة: 117] [التوبة: 117] إلى قوله ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين [التوبة: 119] [التوبة: 119]  فوالله ما أنعم الله علي نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد قال: سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم [التوبة: 95] [التوبة: 95] إلى قوله: فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين [التوبة: 96] [التوبة: 96] قال كعب: وكان تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ أمرنا حتى قضى الله فيه فبذلك قال الله: وعلى الثلاثة الذين خلفوا [التوبة: 118] [التوبة: 118] وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن(3\/486)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1392",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9958",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حلف له واعتذر إليه فقبل منه وقال عثمان بن سعيد الدارمي: حدثنا عبد الله بن صالح حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا [التوبة: 102] [التوبة: 102] قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فلما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد وكان يمر النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع في المسجد عليهم فلما رآهم قال: من هؤلاء الموثقون أنفسهم بالسواري قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله أوثقوا أنفسهم حتى يطلقهم النبي صلى الله عليه وسلم ويعذرهم قال: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين فلما بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا فأنزل الله عز وجل وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم [التوبة: 102] وعسى من الله واجب إنه هو التواب الرحيم [البقرة: 37] فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم فجاءوا بأموالهم فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا قال: ما أمرت أن آخذ أموالكم فأنزل الله خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم [التوبة: 103] [التوبة:(3\/487)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1393",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9959",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "103 -] يقول: استغفر لهم إن صلاتك سكن لهم [التوبة: 103] فأخذ منهم الصدقة واستغفر لهم وكان ثلاثة نفر لم يوثقوا أنفسهم بالسواري فأرجئوا لا يدرون أيعذبون أم يتاب عليهم فأنزل الله تعالى: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار [التوبة: 117] إلى قوله: وعلى الثلاثة الذين خلفوا [التوبة: 118] إلى قوله: إن الله هو التواب الرحيم [التوبة: 118] تابعه عطية بن سعد  [فصل في الإشارة إلى بعض ما تضمنته هذه الغزوة من الفقه والفوائد] [جواز القتال في الأشهر الحرم] فصل في الإشارة إلى بعض ما تضمنته هذه الغزوة من الفقه والفوائد فمنها: جواز القتال في الشهر الحرام إن كان خروجه في رجب محفوظا على ما قاله ابن إسحاق ولكن هاهنا أمر آخر وهو أن أهل الكتاب لم يكونوا يحرمون الشهر الحرام بخلاف العرب فإنها كانت تحرمه وقد تقدم أن في نسخ تحريم القتال فيه قولين وذكرنا حجج الفريقين. ومنها: تصريح الإمام للرعية وإعلامهم بالأمر الذي يضرهم ستره وإخفاؤه ; ليتأهبوا له ويعدوا له عدته وجواز ستر غيره عنهم والكناية عنه للمصلحة ومنها: أن الإمام إذا استنفر الجيش لزمهم النفير ولم يجز لأحد التخلف إلا بإذنه ولا يشترط في وجوب النفير تعيين كل واحد منهم بعينه بل متى استنفر الجيش لزم كل واحد منهم الخروج معه وهذا أحد المواضع الثلاثة التي يصير فيها الجهاد فرض عين. والثاني: إذا حضر العدو البلد. والثالث: إذا حضر بين الصفين. ومنها: وجوب الجهاد بالمال كما يجب بالنفس وهذا إحدى الروايتين عن أحمد وهي الصواب الذي لا ريب فيه فإن الأمر بالجهاد بالمال شقيق الأمر(3\/488)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1394",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9960",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالجهاد بالنفس في القرآن وقرينه ـ بل جاء مقدما على الجهاد بالنفس ـ في كل موضع إلا موضعا واحدا وهذا يدل على أن الجهاد به أهم وآكد من الجهاد بالنفس ولا ريب أنه أحد الجهادين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من جهز غازيا فقد غزا ) فيجب على القادر عليه كما يجب على القادر بالبدن ولا يتم الجهاد بالبدن إلا ببذله ولا ينتصر إلا بالعدد والعدد فإن لم يقدر أن يكثر العدد وجب عليه أن يمد بالمال والعدة وإذا وجب الحج بالمال على العاجز بالبدن فوجوب الجهاد بالمال أولى وأحرى ومنها: ما برز به عثمان بن عفان من النفقة العظيمة في هذه الغزوة وسبق به الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت وما أخفيت وما أبديت ثم قال: ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم ) وكان قد أنفق ألف دينار وثلاثمائة بعير بعدتها وأحلاسها وأقتابها ومنها: أن العاجز بماله لا يعذر حتى يبذل جهده ويتحقق عجزه فإن الله سبحانه إنما نفى الحرج عن هؤلاء العاجزين بعد أن أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملهم فقال: لا أجد ما أحملكم عليه [التوبة: 92] فرجعوا يبكون لما فاتهم من الجهاد فهذا العاجز الذي لا حرج عليه ومنها: استخلاف الإمام إذا سافر رجلا من الرعية على الضعفاء والمعذورين والنساء والذرية ويكون نائبه من المجاهدين ; لأنه من أكبر العون لهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستخلف ابن أم مكتوم فاستخلفه بضع عشرة مرة وأما في غزوة تبوك فالمعروف عند أهل الأثر أنه استخلف علي بن أبي طالب كما في quot; الصحيحين quot; عن سعد بن أبي وقاص قال: ( خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه في غزوة تبوك فقال: يا رسول الله تخلفني مع النساء(3\/489)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1395",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9961",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والصبيان فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي ) ولكن هذه كانت خلافة خاصة على أهله - صلى الله عليه وسلم - وأما الاستخلاف العام فكان لمحمد بن مسلمة الأنصاري ويدل على هذا أن المنافقين لما أرجفوا به وقالوا: خلفه استثقالا أخذ سلاحه ثم لحق بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فقال: ( كذبوا ولكن خلفتك لما تركت ورائي فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك ) ومنها: جواز الخرص للرطب على رءوس النخل وأنه من الشرع والعمل بقول الخارص وقد تقدم في غزاة خيبر وأن الإمام يجوز أن يخرص بنفسه كما خرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديقة المرأة ومنها: أن الماء الذي بآبار ثمود لا يجوز شربه ولا الطبخ منه ولا العجين به ولا الطهارة به ويجوز أن يسقى البهائم إلا ما كان من بئر الناقة وكانت معلومة باقية إلى زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم استمر علم الناس بها قرنا بعد قرن إلى وقتنا هذا فلا يرد الركوب بئرا غيرها وهي مطوية محكمة البناء واسعة الأرجاء آثار العتق عليها بادية لا تشتبه بغيرها ومنها: أن من مر بديار المغضوب عليهم والمعذبين لم ينبغ له أن يدخلها ولا يقيم بها بل يسرع السير ويتقنع بثوبه حتى يجاوزها ولا يدخل عليهم إلا باكيا معتبرا ومن هذا إسراع النبي - صلى الله عليه وسلم - السير في وادي محسر بين منى وعرفة فإنه المكان الذي أهلك الله فيه الفيل وأصحابه ومنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بين الصلاتين في السفر وقد جاء جمع التقديم في هذه القصة في حديث معاذ كما تقدم وذكرنا علة الحديث ومن أنكره ولم يجئ جمع التقديم عنه في سفر إلا هذا وصح عنه جمع(3\/490)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1396",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9962",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التقديم بعرفة قبل دخوله إلى عرفة فإنه جمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر فقيل: ذلك لأجل النسك كما قال أبو حنيفة وقيل: لأجل السفر الطويل كما قاله الشافعي وأحمد وقيل: لأجل الشغل وهو اشتغاله بالوقوف واتصاله إلى غروب الشمس قال أحمد: يجمع للشغل وهو قول جماعة من السلف والخلف وقد تقدم ومنها: جواز التيمم بالرمل فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه قطعوا الرمال التي بين المدينة وتبوك ولم يحملوا معهم ترابا بلا شك وتلك مفاوز معطشة شكوا فيها العطش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقطعا كانوا يتيممون بالأرض التي هم فيها نازلون هذا كله مما لا شك فيه مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: ( فحيثما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره ) ومنها: ( أنه - صلى الله عليه وسلم - أقام بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة ) ولم يقل للأمة: لا يقصر الرجل الصلاة إذا أقام أكثر من ذلك ولكن اتفقت إقامته هذه المدة وهذه الإقامة في حال السفر لا تخرج عن حكم السفر سواء طالت أو قصرت إذا كان غير مستوطن ولا عازم على الإقامة بذلك الموضع وقد اختلف السلف والخلف في ذلك اختلافا كثيرا ففي quot; صحيح البخاري quot; عن ابن عباس قال: ( أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره تسع عشرة يصلي ركعتين )  فنحن إذا أقمنا تسع عشرة نصلي ركعتين وإن زدنا على ذلك أتممنا وظاهر كلام أحمد أن ابن عباس أراد مدة مقامه بمكة زمن الفتح فإنه قال: ( أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة ثمان عشرة زمن الفتح ) ; لأنه أراد حنينا ولم يكن ثم أجمع المقام وهذه إقامته التي رواها ابن عباس وقال غيره: بل أراد ابن عباس مقامه بتبوك كما قال جابر بن عبد الله: ( أقام(3\/491)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1397",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9963",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النبي - صلى الله عليه وسلم - بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة ) رواه الإمام أحمد في quot; مسنده quot; (وقال عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة: أقمنا مع سعد ببعض قرى الشام أربعين ليلة يقصرها سعد ونتمها) وقال نافع: (أقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين وقد حال الثلج بينه وبين الدخول) وقال حفص بن عبيد الله: أقام أنس بن مالك بالشام سنتين يصلي صلاة المسافر(3\/492)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1398",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9964",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أنس: أقام أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برامهرمز سبعة أشهر يقصرون الصلاة وقال الحسن: أقمت مع عبد الرحمن بن سمرة بكابل سنتين يقصر الصلاة ولا يجمع وقال إبراهيم: كانوا يقيمون بالري السنة وأكثر من ذلك وسجستان السنتين فهذا هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كما ترى هو الصواب وأما مذاهب الناس: فقال الإمام أحمد: إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم وإن نوى دونها قصر وحمل هذه الآثار على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لم يجمعوا الإقامة البتة بل كانوا يقولون: اليوم نخرج غدا نخرج وفي هذا نظر لا يخفى فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتح مكة ـ وهي ما هي ـ وأقام فيها يؤسس قواعد الإسلام ويهدم قواعد الشرك ويمهد أمر ما حولها من العرب ومعلوم قطعا أن هذا يحتاج إلى إقامة أيام لا يتأتى في يوم واحد ولا يومين وكذلك إقامته بتبوك فإنه أقام ينتظر العدو ومن المعلوم قطعا أنه كان بينه وبينهم عدة مراحل يحتاج قطعها إلى أيام وهو يعلم أنهم لا يوافون في أربعة أيام وكذلك إقامة ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة من أجل الثلج ومن المعلوم أن مثل هذا الثلج لا يتحلل ويذوب في أربعة أيام بحيث تنفتح الطرق وكذلك إقامة أنس بالشام سنتين يقصر وإقامة الصحابة برامهرمز سبعة أشهر يقصرون ومن المعلوم أن مثل هذا الحصار والجهاد يعلم أنه لا ينقضي في أربعة أيام وقد قال أصحاب أحمد: إنه لو أقام لجهاد(3\/493)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1399",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9965",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عدو أو حبس سلطان أو مرض قصر سواء غلب على ظنه انقضاء الحاجة في مدة يسيرة أو طويلة وهذا هو الصواب لكن شرطوا فيه شرطا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا عمل الصحابة فقالوا: شرط ذلك احتمال انقضاء حاجته في المدة التي لا تقطع حكم السفر وهي ما دون الأربعة الأيام فيقال: من أين لكم هذا الشرط والنبي لما أقام زيادة على أربعة أيام يقصر الصلاة بمكة وتبوك لم يقل لهم شيئا ولم يبين لهم أنه لم يعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام وهو يعلم أنهم يقتدون به في صلاته ويتأسون به في قصرها في مدة إقامته فلم يقل لهم حرفا واحدا: لا تقصروا فوق إقامة أربع ليال وبيان هذا من أهم المهمات وكذلك اقتداء الصحابة به بعده ولم يقولوا لمن صلى معهم شيئا من ذلك وقال مالك والشافعي: إن نوى إقامة أكثر من أربعة أيام أتم وإن نوى دونها قصر وقال أبو حنيفة: إن نوى إقامة خمسة عشر يوما أتم وإن نوى دونها قصر وهو مذهب الليث بن سعد وروي عن ثلاثة من الصحابة ; عمر وابنه وابن عباس قال سعيد بن المسيب: إذا أقمت أربعا فصل أربعا وعنه كقول أبي حنيفة وقال علي بن أبي طالب: إن أقام عشرا أتم وهو رواية عن ابن عباس وقال الحسن: يقصر ما لم يقدم مصرا وقالت عائشة: يقصر ما لم يضع الزاد والمزاد والأئمة الأربعة متفقون على أنه إذا أقام لحاجة ينتظر قضاءها يقول: اليوم أخرج غدا أخرج فإنه يقصر أبدا إلا الشافعي في أحد قوليه فإنه يقصر عنده إلى سبعة عشر أو ثمانية عشر يوما ولا يقصر بعدها وقد قال(3\/494)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1400",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9966",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن المنذر في quot; إشرافه quot;: أجمع أهل العلم أن للمسافر أن يقصر ما لم يجمع إقامة وإن أتى عليه سنون  [فصل في استحباب حنث الحالف في يمينه إذا رأى غيرها خيرا منها] فصل ومنها: جواز ـ بل استحباب ـ حنث الحالف في يمينه إذا رأى غيرها خيرا منها فيكفر عن يمينه ويفعل الذي هو خير وإن شاء قدم الكفارة على الحنث وإن شاء أخرها. وقد روي حديث أبي موسى هذا: ( إلا أتيت الذي هو أخير وتحللتها ) . وفي لفظ: ( إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو أخير )  وفي لفظ: ( إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني )  وكل هذه الألفاظ في quot; الصحيحين quot; وهي تقتضي عدم الترتيب وفي السنن من حديث عبد الرحمن بن سمرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير )  وأصله في quot; الصحيحين quot; فذهب أحمد ومالك والشافعي إلى جواز تقديم الكفارة على الحنث واستثنى الشافعي التكفير بالصوم فقال: لا يجوز التقديم ومنع أبو حنيفة تقديم الكفارة مطلقا  [فصل في انعقاد اليمين في حال الغضب إلا حين الإغلاق] فصل ومنها: انعقاد اليمين في حال الغضب إذا لم يخرج بصاحبه إلى حد لا يعلم معه ما يقول وكذلك ينفذ حكمه وتصح عقوده فلو بلغ به الغضب إلى حد الإغلاق لم تنعقد يمينه ولا طلاقه قال أحمد في رواية حنبل في حديث عائشة:(3\/495)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1401",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9967",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( لا طلاق ولا عتاق في إغلاق ) يريد الغضب  [فصل لا متعلق للجبرية بقوله صلى الله عليه وسلم ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم] فصل ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: ( ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم ) قد يتعلق به الجبري ولا متعلق له به وإنما هذا مثل قوله: ( والله لا أعطي أحدا شيئا ولا أمنع وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت ) فإنه عبد الله ورسوله إنما يتصرف بالأمر فإذا أمره ربه بشيء نفذه فالله هو المعطي والمانع والحامل والرسول منفذ لما أمر به وأما قوله تعالى: وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى [الأنفال: 17] [الأنفال: 17] فالمراد به القبضة من الحصباء التي رمى بها وجوه المشركين فوصلت إلى عيون جميعهم فأثبت الله سبحانه له الرمي باعتبار النبذ والإلقاء فإنه فعله ونفاه عنه باعتبار الإيصال إلى جميع المشركين وهذا فعل الرب تعالى لا تصل إليه قدرة العبد والرمي يطلق على الخذف وهو مبدؤه وعلى الإيصال وهو نهايته  [فصل تركه صلى الله عليه وسلم قتل المنافقين] فصل ومنها: تركه قتل المنافقين وقد بلغه عنهم الكفر الصريح فاحتج به من قال: لا يقتل الزنديق إذا أظهر التوبة ; لأنهم حلفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم ما قالوا وهذا إذا لم يكن إنكارا فهو توبة وإقلاع وقد قال أصحابنا وغيرهم: ومن شهد(3\/496)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1402",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9968",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه بالردة فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لم يكشف عن شيء عنه بعد وقال بعض الفقهاء: إذا جحد الردة كفاه جحدها ومن لم يقبل توبة الزنديق قال: هؤلاء لم تقم عليهم بينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحكم عليهم بعلمه والذي بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم قولهم لم يبلغهم إياه نصاب البينة بل شهد به عليهم واحد فقط كما شهد زيد بن أرقم وحده على عبد الله بن أبي وكذلك غيره أيضا إنما شهد عليه واحد وفي هذا الجواب نظر فإن نفاق عبد الله بن أبي وأقواله في النفاق كانت كثيرة جدا كالمتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وبعضهم أقر بلسانه وقال: إنما كنا نخوض ونلعب وقد واجهه بعض الخوارج في وجهه بقوله: إنك لم تعدل والنبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: ألا تقتلهم لم يقل: ما قامت عليهم بينة بل قال: لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه فالجواب الصحيح إذن أنه كان في ترك قتلهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم مصلحة تتضمن تأليف القلوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع كلمة الناس عليه وكان في قتلهم تنفير والإسلام بعد في غربة ورسول الله صلى الله عليه وسلم أحرص شيء على تأليف الناس وأترك شيء لما ينفرهم عن الدخول في طاعته وهذا أمر كان يختص بحال حياته صلى الله عليه وسلم وكذلك ترك قتل من طعن عليه في حكمه بقوله في قصة الزبير وخصمه: أن كان ابن عمتك وفي قسمه بقوله: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله وقول الآخر له:(3\/497)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1403",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9969",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنك لم تعدل فإن هذا محض حقه له أن يستوفيه وله أن يتركه وليس للأمة بعده ترك استيفاء حقه بل يتعين عليهم استيفاؤه ولا بد ولتقرير هذه المسائل موضع آخر والغرض التنبيه والإشارة  [فصل في إذا أحدث أحد من أهل الذمة حدثا فيه ضرر على المسلمين انتقض عهده] فصل ومنها: أن أهل العهد والذمة إذا أحدث أحد منهم حدثا فيه ضرر على الإسلام انتقض عهده في ماله ونفسه وأنه إذا لم يقدر عليه الإمام فدمه وماله هدر وهو لمن أخذه كما قال في صلح أهل أيلة: فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه وهو لمن أخذه من الناس وهذا لأنه بالأحداث صار محاربا حكمه حكم أهل الحرب  [فصل في جواز الدفن ليلا] فصل ومنها: جواز الدفن بالليل كما دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا البجادين ليلا. وقد سئل أحمد عنه فقال: وما بأس بذلك وقال: أبو بكر دفن ليلا وعلي دفن فاطمة ليلا وقالت عائشة: (سمعنا صوت المساحي من آخر الليل في دفن النبي صلى الله عليه وسلم) . انتهى. ودفن عثمان وعائشة وابن مسعود ليلا وفي الترمذي عن ابن عباس ( أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل قبرا ليلا فأسرج له سراج فأخذه من قبل القبلة وقال: رحمك الله إن كنت لأواها تلاء للقرآن ) قال الترمذي: حديث حسن وفي البخاري: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عن رجل فقال: من هذا قالوا:(3\/498)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1404",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9970",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلان دفن البارحة فصلى عليه ) فإن قيل: فما تصنعون بما رواه مسلم في quot; صحيحه quot; ( أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوما فذكر رجلا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل وقبر ليلا فزجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك ) قال الإمام أحمد: إليه أذهب قيل: نقول بالحديثين بحمد الله ولا نرد أحدهما بالآخر فنكره الدفن بالليل بل نزجر عنه إلا لضرورة أو مصلحة راجحة كميت مات مع المسافرين بالليل ويتضررون بالإقامة به إلى النهار وكما إذا خيف على الميت الانفجار ونحو ذلك من الأسباب المرجحة للدفن ليلا. وبالله التوفيق  [فصل إذا بعث الإمام سرية فغنمت كان ما حصل من ذلك لها بعد تخميسه] فصل ومنها: أن الإمام إذا بعث سرية فغنمت غنيمة أو أسرت أسيرا أو فتحت حصنا كان ما حصل من ذلك لها بعد تخميسه فإن النبي صلى الله عليه وسلم قسم ما صالح عليه أكيدرا من فتح دومة الجندل بين السرية الذين بعثهم مع خالد وكانوا أربعمائة وعشرين فارسا وكانت غنائمهم ألفي بعير وثمانمائة رأس فأصاب كل رجل منهم خمس فرائض وهذا بخلاف ما إذا أخرجت السرية من الجيش في حال الغزو فأصابت ذلك بقوة الجيش فإن ما أصابوا يكون غنيمة للجميع بعد الخمس والنفل وهذا كان هديه صلى الله عليه وسلم  [فصل في ثواب من حبسه العذر] فصل ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: ( إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا(3\/499)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1405",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9971",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كانوا معكم )  فهذه المعية هي بقلوبهم وهممهم لا كما يظنه طائفة من الجهال أنهم معهم بأبدانهم فهذا محال ; لأنهم قالوا له: وهم بالمدينة قال: (وهم بالمدينة حبسهم العذر) وكانوا معه بأرواحهم وبدار الهجرة بأشباحهم وهذا من الجهاد بالقلب وهو أحد مراتبه الأربع وهي: القلب واللسان والمال والبدن وفي الحديث: ( جاهدوا المشركين بألسنتكم وقلوبكم وأموالكم )  [فصل في تحريق أمكنة المعصية وهدمها] فصل ومنها: تحريق أمكنة المعصية التي يعصى الله ورسوله فيها وهدمها كما حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد الضرار وأمر بهدمه وهو مسجد يصلى فيه ويذكر اسم الله فيه ; لما كان بناؤه ضرارا وتفريقا بين المؤمنين ومأوى للمنافقين وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام تعطيله إما بهدم وتحريق وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع له وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أندادا من دون الله أحق بالهدم وأوجب وكذلك محال المعاصي والفسوق كالحانات وبيوت الخمارين وأرباب المنكرات وقد حرق عمر بن الخطاب قرية بكمالها يباع فيها الخمر وحرق حانوت رويشد الثقفي وسماه فويسقا وحرق قصر سعد عليه لما احتجب فيه عن الرعية. وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريق بيوت تاركي حضور الجماعة والجمعة(3\/500)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1406",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9972",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإنما منعه من فيها من النساء والذرية الذين لا تجب عليهم كما أخبر هو عن ذلك ومنها: أن الوقف لا يصح على غير بر ولا قربة كما لم يصح وقف هذا المسجد وعلى هذا: فيهدم المسجد إذا بني على قبر كما ينبش الميت إذا دفن في المسجد نص على ذلك الإمام أحمد وغيره فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر بل أيهما طرأ على الآخر منع منه وكان الحكم للسابق فلو وضعا معا لم يجز ولا يصح هذا الوقف ولا يجوز ولا تصح الصلاة في هذا المسجد ; لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولعنه من اتخذ القبر مسجدا أو أوقد عليه سراجا فهذا دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله ونبيه وغربته بين الناس كما ترى  [فصل في جواز إنشاد الشعر للقادم فرحا به] فصل ومنها: جواز إنشاد الشعر للقادم فرحا وسرورا به ما لم يكن معه محرم من لهو كمزمار وشبابة وعود ولم يكن غناء يتضمن رقية الفواحش وما حرم الله فهذا لا يحرمه أحد وتعلق أرباب السماع الفسقي به كتعلق من يستحل شرب الخمر المسكر قياسا على أكل العنب وشرب العصير الذي لا يسكر ونحو هذا من القياسات التي تشبه قياس الذين قالوا: إنما البيع مثل الربا [البقرة: 275] ومنها: استماع النبي صلى الله عليه وسلم مدح المادحين له وترك الإنكار عليهم ولا يصح قياس غيره عليه في هذا ; لما بين المادحين والممدوحين من الفروق وقد قال: ( احثوا في وجوه المداحين التراب )(3\/501)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1407",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9973",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: ما اشتملت عليه قصة الثلاثة الذين خلفوا من الحكم والفوائد الجمة فنشير إلى بعضها: فمنها: جواز إخبار الرجل عن تفريطه وتقصيره في طاعة الله ورسوله وعن سبب ذلك وما آل إليه أمره وفي ذلك من التحذير والنصيحة وبيان طرق الخير والشر وما يترتب عليها ما هو من أهم الأمور ومنها: جواز مدح الإنسان نفسه بما فيه من الخير إذا لم يكن على سبيل الفخر والترفع. ومنها: تسلية الإنسان نفسه عما لم يقدر له من الخير بما قدر له من نظيره أو خير منه ومنها: أن بيعة العقبة كانت من أفضل مشاهد الصحابة حتى إن كعبا كان لا يراها دون مشهد بدر ومنها: أن الإمام إذا رأى المصلحة في أن يستر عن رعيته بعض ما يهم به ويقصده من العدو ويوري به عنه استحب له ذلك أو يتعين بحسب المصلحة ومنها: أن الستر والكتمان إذا تضمن مفسدة لم يجز ومنها: أن الجيش في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لهم ديوان وأول من دون الديوان عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهذا من سنته التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباعها وظهرت مصلحتها وحاجة المسلمين إليها ومنها: أن الرجل إذا حضرت له فرصة القربة والطاعة فالحزم كل الحزم في انتهازها والمبادرة إليها والعجز في تأخيرها والتسويف بها ولا سيما إذا لم يثق بقدرته وتمكنه من أسباب تحصيلها فإن العزائم والهمم سريعة الانتقاض قلما ثبتت والله سبحانه يعاقب من فتح له بابا من الخير فلم ينتهزه بأن يحول(3\/502)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1408",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9974",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بين قلبه وإرادته فلا يمكنه بعد من إرادته عقوبة له فمن لم يستجب لله ورسوله إذا دعاه حال بينه وبين قلبه وإرادته فلا يمكنه الاستجابة بعد ذلك قال تعالى: ياأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه [الأنفال: 24] [الأنفال: 24] وقد صرح الله سبحانه بهذا في قوله: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة [الأنعام: 110] [الأنعام: 110] وقال تعالى: فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم [الصف: 5] [الصف: 5]  وقال: وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم [التوبة: 115] [التوبة: 115] وهو كثير في القرآن ومنها: أنه لم يكن يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أحد رجال ثلاثة ; إما مغموص عليه في النفاق أو رجل من أهل الأعذار أو من خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم واستعمله على المدينة أو خلفه لمصلحة ومنها: أن الإمام والمطاع لا ينبغي له أن يهمل من تخلف عنه في بعض الأمور بل يذكره ليراجع الطاعة ويتوب فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال بتبوك: ما فعل كعب ولم يذكر سواه من المخلفين استصلاحا له ومراعاة وإهمالا للقوم المنافقين ومنها: جواز الطعن في الرجل بما يغلب على اجتهاد الطاعن حمية أو ذبا عن الله ورسوله ومن هذا طعن أهل الحديث فيمن طعنوا فيه من الرواة ومن هذا طعن ورثة الأنبياء وأهل السنة في أهل الأهواء والبدع لله لا لحظوظهم وأغراضهم ومنها: جواز الرد على الطاعن إذا غلب على ظن الراد أنه وهم وغلط كما قال معاذ للذي طعن في كعب: بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا ولم ينكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على واحد منهما ومنها: أن السنة للقادم من السفر أن يدخل البلد على وضوء وأن يبدأ(3\/503)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1409",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9975",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ببيت الله قبل بيته فيصلي فيه ركعتين ثم يجلس للمسلمين عليه ثم ينصرف إلى أهله ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل علانية من أظهر الإسلام من المنافقين ويكل سريرته إلى الله ويجري عليه حكم الظاهر ولا يعاقبه بما لم يعلم من سره ومنها: ترك الإمام والحاكم رد السلام على من أحدث حدثا ; تأديبا له وزجرا لغيره فإنه صلى الله عليه وسلم لم ينقل أنه رد على كعب بل قابل سلامه بتبسم المغضب ومنها: أن التبسم قد يكون عن الغضب كما يكون عن التعجب والسرور فإن كلا منهما يوجب انبساط دم القلب وثورانه ولهذا تظهر حمرة الوجه لسرعة ثوران الدم فيه فينشأ عن ذلك السرور والغضب تعجب يتبعه ضحك وتبسم فلا يغتر المغتر بضحك القادر عليه في وجهه ولا سيما عند المعتبة كما قيل إذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظنن أن الليث مبتسم ومنها: معاتبة الإمام والمطاع أصحابه ومن يعز عليه ويكرم عليه فإنه عاتب الثلاثة دون سائر من تخلف عنه وقد أكثر الناس من مدح عتاب الأحبة واستلذاذه والسرور به فكيف بعتاب أحب الخلق على الإطلاق إلى المعتوب عليه ولله ما كان أحلى ذلك العتاب وما أعظم ثمرته وأجل فائدته ولله ما نال به الثلاثة من أنواع المسرات وحلاوة الرضا وخلع القبول  ومنها: توفيق الله لكعب وصاحبيه فيما جاءوا به من الصدق ولم يخذلهم حتى كذبوا واعتذروا بغير الحق فصلحت عاجلتهم وفسدت عاقبتهم كل الفساد والصادقون تعبوا في العاجلة بعض التعب فأعقبهم صلاح العاقبة والفلاح كل الفلاح وعلى هذا قامت الدنيا والآخرة فمرارات المبادي حلاوات(3\/504)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1410",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9976",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في العواقب وحلاوات المبادي مرارات في العواقب. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لكعب: (أما هذا فقد صدق)   دليل ظاهر في التمسك بمفهوم اللقب عند قيام قرينة تقتضي تخصيص المذكور بالحكم كقوله تعالى: وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين - ففهمناها سليمان [الأنبياء: 78 - 79] [الأنبياء: 78 و 79]  وقوله صلى الله عليه وسلم: ( جعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا )  وقوله في هذا الحديث: (أما هذا فقد صدق)  وهذا مما لا يشك السامع أن المتكلم قصد تخصيصه بالحكم. وقول كعب: هل لقي هذا معي أحد فقالوا: نعم مرارة بن الربيع وهلال بن أمية فيه أن الرجل ينبغي له أن يرد حر المصيبة بروح التأسي بمن لقي مثل ما لقي وقد أرشد سبحانه إلى ذلك بقوله تعالى: ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون [النساء: 104] [النساء: 104]  وهذا هو الروح الذي منعه الله سبحانه أهل النار فيها بقوله: ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون [الزخرف: 39] [الزخرف: 39] . وقوله: quot; فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا لي فيهما أسوة quot;. هذا الموضع مما عد من أوهام الزهري فإنه لا يحفظ عن أحد من أهل المغازي والسير البتة ذكر هذين الرجلين في أهل بدر لا ابن إسحاق ولا موسى بن عقبة ولا الأموي ولا الواقدي ولا أحد ممن عد أهل بدر وكذلك ينبغي ألا يكونا من أهل بدر فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يهجر حاطبا ولا عاقبه وقد جس عليه وقال لعمر لما هم بقتله: ( وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )  وأين ذنب التخلف من ذنب الجس. قال أبو الفرج بن الجوزي: ولم أزل حريصا على كشف ذلك وتحقيقه حتى رأيت أبا بكر الأثرم قد ذكر الزهري وذكر فضله وحفظه وإتقانه وأنه لا يكاد يحفظ عليه غلط إلا في هذا الموضع فإنه قال: إن مرارة بن الربيع وهلال بن(3\/505)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1411",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9977",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أمية شهدا بدرا وهذا لم يقله أحد غيره والغلط لا يعصم منه إنسان.  [فصل في نهيه صلى الله عليه وسلم عن كلام هؤلاء الثلاثة لتأديبهم دليل على صدقهم] فصل وفي نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كلام هؤلاء الثلاثة من بين سائر من تخلف عنه دليل على صدقهم وكذب الباقين فأراد هجر الصادقين وتأديبهم على هذا الذنب وأما المنافقون فجرمهم أعظم من أن يقابل بالهجر فدواء هذا المرض لا يعمل في مرض النفاق ولا فائدة فيه وهكذا يفعل الرب سبحانه بعباده في عقوبات جرائمهم فيؤدب عبده المؤمن الذي يحبه وهو كريم عنده بأدنى زلة وهفوة فلا يزال مستيقظا حذرا وأما من سقط من عينه وهان عليه فإنه يخلي بينه وبين معاصيه وكلما أحدث ذنبا أحدث له نعمة والمغرور يظن أن ذلك من كرامته عليه ولا يعلم أن ذلك عين الإهانة وأنه يريد به العذاب الشديد والعقوبة التي لا عاقبة معها كما في الحديث المشهور: ( إذا أراد الله بعبد خيرا عجل له عقوبته في الدنيا وإذا أراد بعبد شرا أمسك عنه عقوبته في الدنيا فيرد يوم القيامة بذنوبه ) . وفيه دليل أيضا على هجران الإمام والعالم والمطاع لمن فعل ما يستوجب العتب ويكون هجرانه دواء له بحيث لا يضعف عن حصول الشفاء به ولا يزيد في الكمية والكيفية عليه فيهلكه إذ المراد تأديبه لا إتلافه. وقوله: ( حتى تنكرت لي الأرض فما هي بالتي أعرف )  هذا التنكر يجده الخائف والحزين والمهموم في الأرض وفي الشجر والنبات حتى يجده فيمن لا يعلم حاله من الناس ويجده أيضا المذنب العاصي بحسب جرمه حتى في خلق زوجته وولده وخادمه ودابته ويجده في نفسه أيضا فتتنكر له نفسه حتى ما(3\/506)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1412",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9978",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "تخلف أصحاب كعب عن صلاة الجماعة",
        "content": "كأنه هو ولا كأن أهله وأصحابه ومن يشفق عليه بالذين يعرفهم وهذا سر من الله لا يخفى إلا على من هو ميت القلب وعلى حسب حياة القلب يكون إدراك هذا التنكر والوحشة. وما لجرح بميت إيلام ومن المعلوم أن هذا التنكر والوحشة كانا لأهل النفاق أعظم ولكن لموت قلوبهم لم يكونوا يشعرون به وهكذا القلب إذا استحكم مرضه واشتد ألمه بالذنوب والإجرام لم يجد هذه الوحشة والتنكر ولم يحس بها وهذه علامة الشقاوة وأنه قد أيس من عافية هذا المرض وأعيا الأطباء شفاؤه والخوف والهم مع الريبة والأمن والسرور مع البراءة من الذنب. فما في الأرض أشجع من بريء ... ولا في الأرض أخوف من مريب وهذا القدر قد ينتفع به المؤمن البصير إذا ابتلي به ثم راجع فإنه ينتفع به نفعا عظيما من وجوه عديدة تفوت الحصر ولو لم يكن منها إلا استثماره من ذلك أعلام النبوة وذوقه نفس ما أخبر به الرسول فيصير تصديقه ضروريا عنده ويصير ما ناله من الشر بمعاصيه ومن الخير بطاعاته من أدلة صدق النبوة الذوقية التي لا تتطرق إليها الاحتمالات وهذا كمن أخبرك أن في هذه الطريق من المعاطب والمخاوف كيت وكيت على التفصيل فخالفته وسلكتها فرأيت عين ما أخبرك به فإنك تشهد صدقه في نفس خلافك له وأما إذا سلكت طريق الأمن وحدها ولم تجد من تلك المخاوف شيئا فإنه وإن شهد صدق المخبر بما ناله من الخير والظفر مفصلا فإن علمه بتلك يكون مجملا.  [تخلف أصحاب كعب عن صلاة الجماعة] فصل ومنها: أن هلال بن أمية ومرارة قعدا في بيوتهما وكانا يصليان في بيوتهما ولا يحضران الجماعة وهذا يدل على أن هجران المسلمين للرجل عذر يبيح له التخلف عن الجماعة أو يقال: من تمام هجرانه أن لا يحضر جماعة المسلمين لكن يقال: فكعب كان يحضر الجماعة ولم يمنعه النبي صلى الله عليه وسلم ولا عتب عليهما على التخلف وعلى هذا فيقال: لما أمر المسلمون بهجرهم تركوا:(3\/507)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1413",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9979",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يؤمروا ولم ينهوا ولم يكلموا فكان من حضر منهم الجماعة لم يمنع ومن تركها لم يكلم أو يقال: لعلهما ضعفا وعجزا عن الخروج ولهذا قال كعب: وكنت أنا أجلد القوم وأشبهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين. وقوله: وآتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا فيه دليل على أن الرد على من يستحق الهجر غير واجب إذ لو وجب الرد لم يكن بد من إسماعه. وقوله: حتى إذا طال ذلك علي تسورت جدار حائط أبي قتادة فيه دليل على دخول الإنسان دار صاحبه وجاره إذا علم رضاه بذلك وإن لم يستأذنه. وفي قول أبي قتادة له: الله ورسوله أعلم دليل على أن هذا ليس بخطاب ولا كلام له فلو حلف لا يكلمه فقال مثل هذا الكلام جوابا له لم يحنث ولا سيما إذا لم ينو به مكالمته وهو الظاهر من حال أبي قتادة. وفي إشارة الناس إلى النبطي - الذي كان يقول: من يدل على كعب بن مالك - دون نطقهم له تحقيق لمقصود الهجر وإلا فلو قالوا له صريحا: ذاك كعب بن مالك لم يكن ذلك كلاما له فلا يكونون به مخالفين للنهي ولكن لفرط تحريهم وتمسكهم بالأمر لم يذكروه له بصريح اسمه. وقد يقال: إن في الحديث عنه بحضرته وهو يسمع نوع مكالمة له ولا سيما إذا جعل ذلك ذريعة إلى المقصود بكلامه وهي ذريعة قريبة فالمنع من ذلك من باب منع الحيل وسد الذرائع وهذا أفقه وأحسن. وفي مكاتبة ملك غسان له بالمصير إليه ابتلاء من الله تعالى وامتحان لإيمانه ومحبته لله ورسوله وإظهار للصحابة أنه ليس ممن ضعف إيمانه بهجر النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين له ولا هو ممن تحمله الرغبة في الجاه والملك مع هجران الرسول والمؤمنين له على مفارقة دينه فهذا فيه من تبرئة الله له من النفاق وإظهار قوة إيمانه وصدقه لرسوله وللمسلمين ما هو من تمام نعمة الله عليه ولطفه به وجبره لكسره وهذا البلاء يظهر لب الرجل وسره(3\/508)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1414",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9980",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما ينطوي عليه فهو كالكير الذي يخرج الخبيث من الطيب. وقوله: فتيممت بالصحيفة التنور فيه المبادرة إلى إتلاف ما يخشى منه الفساد والمضرة في الدين وأن الحازم لا ينتظر به ولا يؤخره وهذا كالعصير إذا تخمر وكالكتاب الذي يخشى منه الضرر والشر فالحزم المبادرة إلى إتلافه وإعدامه. وكانت غسان إذ ذاك - وهم ملوك عرب الشام - حربا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم وكانوا ينعلون خيولهم لمحاربته وكان هذا (لما بعث شجاع بن وهب الأسدي إلى ملكهم الحارث بن أبي شمر الغساني يدعوه إلى الإسلام وكتب معه إليه قال شجاع: فانتهيت إليه وهو في غوطة دمشق وهو مشغول بتهيئة الأنزال والألطاف لقيصر وهو جاء من حمص إلى إيلياء فأقمت على بابه يومين أو ثلاثة فقلت لحاجبه: إني رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليه فقال: لا تصل إليه حتى يخرج يوم كذا وكذا وجعل حاجبه - وكان روميا اسمه مري - يسألني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم وكنت أحدثه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم وما يدعو إليه فيرق حتى يغلب عليه البكاء ويقول: إني قرأت الإنجيل فأجد صفة هذا النبي بعينه فأنا أؤمن به وأصدقه فأخاف من الحارث أن يقتلني وكان يكرمني ويحسن ضيافتي. وخرج الحارث يوما فجلس فوضع التاج على رأسه فأذن لي عليه فدفعت إليه كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأه ثم رمى به قال: من ينتزع مني ملكي وقال: أنا سائر إليه ولو كان باليمن جئته علي بالناس فلم تزل تعرض حتى قام وأمر بالخيول تنعل ثم قال: أخبر صاحبك بما ترى وكتب إلى قيصر يخبره خبري وما عزم عليه فكتب إليه قيصر: أن لا تسر ولا تعبر إليه واله عنه ووافني بإيلياء فلما جاءه جواب كتابه دعاني فقال: متى تريد أن تخرج إلى صاحبك فقلت: غدا فأمر لي بمائة مثقال ذهبا ووصلني حاجبه بنفقة وكسوة وقال: اقرأ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مني السلام فقدمت(3\/509)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1415",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9981",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته فقال: quot; باد ملكه quot; وأقرأته من حاجبه السلام وأخبرته بما قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; صدق quot;) : ومات الحارث بن أبي شمر عام الفتح ففي هذه المدة أرسل ملك غسان يدعو كعبا إلى اللحاق به فأبت له سابقة الحسنى أن يرغب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودينه.  [فصل في أمره صلى الله عليه وسلم لهؤلاء الثلاثة باعتزال نسائهم] فصل في أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهؤلاء الثلاثة أن يعتزلوا نساءهم لما مضى لهم أربعون ليلة كالبشارة بمقدمات الفرج والفتح من وجهين: أحدهما: كلامه لهم وإرساله إليهم بعد أن كان لا يكلمهم بنفسه ولا برسوله. الثاني: من خصوصية أمرهم باعتزال النساء وفيه تنبيه وإرشاد لهم إلى الجد والاجتهاد في العبادة وشد المئزر واعتزال محل اللهو واللذة والتعوض عنه بالإقبال على العبادة وفي هذا إيذان بقرب الفرج وأنه قد بقي من العتب أمر يسير. وفقه هذه القصة أن زمن العبادات ينبغي فيه تجنب النساء كزمن الإحرام وزمن الاعتكاف وزمن الصيام فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكون آخر هذه المدة في حق هؤلاء بمنزلة أيام الإحرام والصيام في توفرها على العبادة ولم يأمرهم بذلك من أول المدة رحمة بهم وشفقة عليهم إذ لعلهم يضعف صبرهم عن نسائهم في جميعها فكان من اللطف بهم والرحمة أن أمروا بذلك في آخر المدة كما يؤمر به الحاج من حين يحرم لا من حين يعزم على الحج. وقول كعب لامرأته: الحقي بأهلك دليل على أنه لم يقع بهذه اللفظة وأمثالها طلاق ما لم ينوه. والصحيح أن لفظ الطلاق والعتاق والحرية كذلك إذا أراد به غير تسييب الزوجة وإخراج الرقيق عن ملكه لا يقع به طلاق ولا عتاق هذا هو الصواب الذي ندين الله به ولا نرتاب فيه البتة. فإذا قيل له: إن غلامك(3\/510)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1416",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9982",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاجر أو جاريتك تزني فقال: ليس كذلك بل هو غلام عفيف حر وجارية عفيفة حرة ولم يرد بذلك حرية العتق وإنما أراد حرية العفة فإن جاريته وعبده لا يعتقان بهذا أبدا وكذا إذا قيل له: كم لغلامك عندك سنة فقال هو عتيق عندي وأراد قدم ملكه له لم يعتق بذلك وكذلك إذا ضرب امرأته الطلق فسئل عنها فقال: هي طالق ولم يخطر بقلبه إيقاع الطلاق وإنما أراد أنها في طلق الولادة لم تطلق بهذا وليست هذه الألفاظ مع هذه القرائن صريحة إلا فيما أريد بها ودل السياق عليها فدعوى أنها صريحة في العتاق والطلاق مع هذه القرائن مكابرة ودعوى باطلة قطعا.  [فصل في سجود الشكر من عادة الصحابة] فصل وفي سجود كعب حين سمع صوت المبشر دليل ظاهر أن تلك كانت عادة الصحابة وهي سجود الشكر عند النعم المتجددة والنقم المندفعة وقد سجد أبو بكر الصديق لما جاءه قتل مسيلمة الكذاب وسجد علي بن أبي طالب لما وجد ذا الثدية مقتولا في الخوارج وسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين بشره جبريل أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا وسجد حين شفع لأمته فشفعه الله فيهم ثلاث مرات وأتاه بشير فبشره بظفر جند له على عدوهم ورأسه في حجر عائشة فقام فخر ساجدا وقال أبو بكرة: كان رسول الله إذا أتاه أمر يسره خر لله ساجدا  وهي آثار صحيحة لا مطعن فيها. وفي استباق صاحب الفرس والراقي على سلع ليبشرا كعبا دليل على حرص القوم على الخير واستباقهم إليه وتنافسهم في مسرة بعضهم بعضا. وفي نزع كعب ثوبيه وإعطائهما للبشير دليل على أن إعطاء المبشرين من(3\/511)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1417",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9983",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مكارم الأخلاق والشيم وعادة الأشراف وقد أعتق العباس غلامه لما بشره أن عند الحجاج بن علاط من الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يسره. وفيه دليل على جواز إعطاء البشير جميع ثيابه. وفيه دليل على استحباب تهنئة من تجددت له نعمة دينية والقيام إليه إذا أقبل ومصافحته فهذه سنة مستحبة وهو جائز لمن تجددت له نعمة دنيوية وأن الأولى أن يقال له: ليهنك ما أعطاك الله وما من الله به عليك ونحو هذا الكلام فإن فيه تولية النعمة ربها والدعاء لمن نالها بالتهني بها. وفيه دليل على أن خير أيام العبد على الإطلاق وأفضلها يوم توبته إلى الله وقبول الله توبته لقول النبي صلى الله عليه وسلم: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك . فإن قيل: فكيف يكون هذا اليوم خيرا من يوم إسلامه قيل: هو مكمل ليوم إسلامه ومن تمامه فيوم إسلامه بداية سعادته ويوم توبته كمالها وتمامها والله المستعان. وفي سرور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك وفرحه به واستنارة وجهه دليل على ما جعل الله فيه من كمال الشفقة على الأمة والرحمة بهم والرأفة حتى لعل فرحه كان أعظم من فرح كعب وصاحبيه. وقول كعب: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي . دليل على استحباب الصدقة عند التوبة بما قدر عليه من المال. وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: quot; أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك )  دليل على أن من نذر الصدقة بكل ماله لم يلزمه إخراج جميعه بل يجوز له أن يبقي له منه بقية وقد اختلفت الرواية في ذلك ففي quot; الصحيحين quot; أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: quot; أمسك عليك بعض مالك quot; ولم يعين له قدرا بل أطلق ووكله إلى اجتهاده في قدر الكفاية وهذا هو الصحيح فإن ما نقص عن كفايته وكفاية أهله لا يجوز له التصدق به فنذره لا يكون طاعة فلا يجب الوفاء به وما زاد على قدر كفايته وحاجته فإخراجه والصدقة به أفضل فيجب إخراجه إذا نذره هذا قياس(3\/512)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1418",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9984",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المذهب ومقتضى قواعد الشريعة ولهذا تقدم كفاية الرجل وكفاية أهله على أداء الواجبات المالية سواء كانت حقا لله كالكفارات والحج أو حقا للآدميين كأداء الديون فإنا نترك للمفلس ما لا بد منه من مسكن وخادم وكسوة وآلة حرفة أو ما يتجر به لمؤنته إن فقدت الحرفة ويكون حق الغرماء فيما بقي. وقد نص الإمام أحمد على أن من نذر الصدقة بماله كله أجزاه ثلثه واحتج له أصحابه بما روي في قصة كعب هذه أنه قال: يا رسول الله! إن من توبتي إلى الله ورسوله أن أخرج من مالي كله إلى الله ورسوله صدقة قال: quot; لا quot; قلت: فنصفه قال: quot; لا quot; قلت: فثلثه قال: quot; نعم quot; قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر  رواه أبو داود. وفي ثبوت هذا ما فيه فإن الصحيح في قصة كعب هذه ما رواه أصحاب الصحيح من حديث الزهري عن ولد كعب بن مالك عنه أنه قال: quot; أمسك عليك بعض مالك quot; من غير تعيين لقدره وهم أعلم بالقصة من غيرهم فإنهم ولده وعنه نقلوها. فإن قيل: فما تقولون فيما رواه الإمام أحمد في quot; مسنده quot; أن أبا لبابة بن عبد المنذر لما تاب الله عليه قال: يا رسول الله! إن من توبتي أن أهجر دار قومي وأساكنك وأن أنخلع من مالي صدقة لله عز وجل ولرسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; يجزئ عنك الثلث ) . قيل: هذا هو الذي احتج به أحمد لا بحديث كعب فإنه قال في رواية ابنه عبد الله: إذا نذر أن يتصدق بماله كله أو ببعضه وعليه دين أكثر مما يملكه فالذي أذهب إليه أنه يجزئه من ذلك الثلث لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أبا لبابة بالثلث وأحمد أعلم بالحديث أن يحتج بحديث كعب(3\/513)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1419",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9985",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا الذي فيه ذكر الثلث إذ المحفوظ في هذا الحديث quot; أمسك عليك بعض مالك quot; وكأن أحمد رأى تقييد إطلاق حديث كعب هذا بحديث أبي لبابة. وقوله فيمن نذر أن يتصدق بماله كله أو ببعضه وعليه دين يستغرقه: إنه يجزئه من ذلك الثلث دليل على انعقاد نذره وعليه دين يستغرق ماله ثم إذا قضى الدين أخرج مقدار ثلث ماله يوم النذر وهكذا قال في رواية ابنه عبد الله: إذا وهب ماله وقضى دينه واستفاد غيره فإنما يجب عليه إخراج ثلث ماله يوم حنثه يريد بيوم حنثه يوم نذره فينظر قدر الثلث ذلك اليوم فيخرجه بعد قضاء دينه. وقوله: أو ببعضه. يريد أنه إذا نذر الصدقة بمعين من ماله أو بمقدار كألف ونحوها فيجزئه ثلثه كنذر الصدقة بجميع ماله والصحيح من مذهبه لزوم الصدقة بجميع المعين. وفيه رواية أخرى: أن المعين إن كان ثلث ماله فما دونه لزمه الصدقة بجميعه وإن زاد على الثلث لزمه منه بقدر الثلث وهي أصح عند أبي البركات. وبعد: فإن الحديث ليس فيه دليل على أن كعبا وأبا لبابة نذرا نذرا منجزا وإنما قالا: إن من توبتنا أن ننخلع من أموالنا وهذا ليس بصريح في النذر وإنما فيه العزم على الصدقة بأموالهما شكرا لله على قبول توبتهما فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن بعض المال يجزئ من ذلك ولا يحتاجان إلى إخراجه كله وهذا كما قال لسعد وقد استأذنه أن يوصي بماله كله فأذن له في قدر الثلث.(3\/514)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1420",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9986",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: هذا يدفعه أمران. أحدهما: قوله: quot; يجزئك quot; والإجزاء إنما يستعمل في الواجب والثاني: أن منعه من الصدقة بما زاد على الثلث دليل على أنه ليس بقربة إذ الشارع لا يمنع من القرب ونذر ما ليس بقربة لا يلزم الوفاء به. قيل: أما قوله: quot; يجزئك quot; فهو بمعنى يكفيك فهو من الرباعي وليس من quot; جزى عنه quot; إذا قضى عنه يقال: أجزأني: إذا كفاني وجزى عني: إذا قضى عني وهذا هو الذي يستعمل في الواجب ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بردة في الأضحية: quot; تجزي عنك ولن تجزي عن أحد بعدك  والكفاية تستعمل في الواجب والمستحب. وأما منعه من الصدقة بما زاد على الثلث فهو إشارة منه عليه بالأرفق به وما يحصل له به منفعة دينه ودنياه فإنه لو مكنه من إخراج ماله كله لم يصبر على الفقر والعدم كما فعل بالذي جاءه بالصرة ليتصدق بها فضربه بها ولم يقبلها منه خوفا عليه من الفقر وعدم الصبر. وقد يقال - وهو أرجح إن شاء الله تعالى - إن النبي - صلى الله عليه وسلم - عامل كل واحد ممن أراد الصدقة بماله بما يعلم من حاله فمكن أبا بكر الصديق من إخراج ماله كله وقال: ( ما أبقيت لأهلك quot;(3\/515)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1421",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9987",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال: أبقيت لهم الله ورسوله )  فلم ينكر عليه ( وأقر عمر على الصدقة بشطر ماله )  ومنع صاحب الصرة من التصدق بها وقال لكعب: ( أمسك عليك بعض مالك )  وهذا ليس فيه تعيين المخرج بأنه الثلث ويبعد جدا بأن يكون الممسك ضعفي المخرج في هذا اللفظ وقال لأبي لبابة: (يجزئك الثلث)   ولا تناقض بين هذه الأخبار وعلى هذا فمن نذر الصدقة بماله كله أمسك منه ما يحتاج إليه هو وأهله ولا يحتاجون معه إلى سؤال الناس مدة حياتهم من رأس مال أو عقار أو أرض يقوم مغلها بكفايتهم وتصدق بالباقي. والله أعلم. وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: يتصدق منه بقدر الزكاة ويمسك الباقي. وقال جابر بن زيد: إن كان ألفين فأكثر أخرج عشره وإن كان ألفا فما دون فسبعه وإن كان خمسمائة فما دون فخمسه. وقال أبو حنيفة رحمه الله: يتصدق بكل ماله الذي تجب فيه الزكاة وما لا تجب فيه الزكاة ففيه روايتان: أحدهما: يخرجه والثانية: لا يلزمه منه شيء. وقال الشافعي: تلزمه الصدقة بماله كله وقال مالك والزهري وأحمد: يتصدق بثلثه وقالت طائفة: يلزمه كفارة يمين فقط.  [فصل في عظمة الصدق] فصل ومنها: عظم مقدار الصدق وتعليق سعادة الدنيا والآخرة والنجاة من شرهما به فما أنجى الله من أنجاه إلا بالصدق ولا أهلك من أهلكه إلا(3\/516)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1422",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9988",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالكذب وقد أمر الله سبحانه عباده المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين فقال: ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين [التوبة: 119] [التوبة: 119] . وقد قسم سبحانه الخلق إلى قسمين: سعداء وأشقياء فجعل السعداء هم أهل الصدق والتصديق والأشقياء هم أهل الكذب والتكذيب وهو تقسيم حاصر مطرد منعكس. فالسعادة دائرة مع الصدق والتصديق والشقاوة دائرة مع الكذب والتكذيب. وأخبر سبحانه وتعالى: أنه لا ينفع العباد يوم القيامة إلا صدقهم وجعل علم المنافقين الذي تميزوا به هو الكذب في أقوالهم وأفعالهم فجميع ما نعاه عليهم أصله الكذب في القول والفعل فالصدق بريد الإيمان ودليله ومركبه وسائقه وقائده وحليته ولباسه بل هو لبه وروحه. والكذب: بريد الكفر والنفاق ودليله ومركبه وسائقه وقائده وحليته ولباسه ولبه فمضادة الكذب للإيمان كمضادة الشرك للتوحيد فلا يجتمع الكذب والإيمان إلا ويطرد أحدهما صاحبه ويستقر موضعه والله سبحانه أنجى الثلاثة بصدقهم وأهلك غيرهم من المخلفين بكذبهم فما أنعم الله على عبد بعد الإسلام بنعمة أفضل من الصدق الذي هو غذاء الإسلام وحياته ولا ابتلاه ببلية أعظم من الكذب الذي هو مرض الإسلام وفساده والله المستعان. وقوله تعالى: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم [التوبة: 117] [التوبة: 117]  هذا من أعظم ما يعرف العبد قدر التوبة وفضلها عند الله وأنها غاية كمال المؤمن فإنه سبحانه أعطاهم هذا الكمال بعد آخر الغزوات بعد أن قضوا نحبهم وبذلوا نفوسهم وأموالهم وديارهم لله وكان غاية أمرهم أن تاب عليهم ولهذا جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم توبة كعب خير يوم مر عليه منذ ولدته أمه إلى ذلك اليوم ولا يعرف هذا حق معرفته إلا من عرف الله وعرف حقوقه عليه وعرف ما ينبغي له من(3\/517)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1423",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9989",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبوديته وعرف نفسه وصفاتها وأفعالها وأن الذي قام به من العبودية بالنسبة إلى حق ربه عليه كقطرة في بحر هذا إذا سلم من الآفات الظاهرة والباطنة فسبحان من لا يسع عباده غير عفوه ومغفرته وتغمده لهم بمغفرته ورحمته وليس إلا ذلك أو الهلاك فإن وضع عليهم عدله فعذب أهل سماواته وأرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم وإن رحمهم فرحمته خير لهم من أعمالهم ولا ينجي أحدا منهم عمله.  [فصل في معنى تكرير الله للفظ التوبة في الآية] فصل وتأمل تكريره سبحانه توبته عليهم مرتين في أول الآية وآخرها فإنه تاب عليهم أولا بتوفيقهم للتوبة فلما تابوا تاب عليهم ثانيا بقبولها منهم وهو الذي وفقهم لفعلها وتفضل عليهم بقبولها فالخير كله منه وبه وله وفي يديه يعطيه من يشاء إحسانا وفضلا ويحرمه من يشاء حكمة وعدلا.  [فصل معنى كلمة خلفوا في الآية] فصل وقوله تعالى: وعلى الثلاثة الذين خلفوا [التوبة: 118] [التوبة: 118]  قد فسرها كعب بالصواب وهو أنهم خلفوا من بين من حلف لرسول الله صلى الله عليه وسلم واعتذر من المتخلفين فخلف هؤلاء الثلاثة عنهم وأرجأ أمرهم دونهم وليس ذلك تخلفهم عن الغزو لأنه لو أراد ذلك لقال: تخلفوا كما قال تعالى: ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله [التوبة: 120] [التوبة: 120]  وذلك لأنهم تخلفوا بأنفسهم بخلاف تخليفهم عن أمر المتخلفين سواهم فإن الله سبحانه هو الذي خلفهم عنهم ولم يتخلفوا عنه بأنفسهم. والله أعلم.  [فصل في حجة أبي بكر الصديق رضي الله عنه سنة تسع بعد مقدمه من تبوك] فصل في حجة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - سنة تسع بعد مقدمه من تبوك(3\/518)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1424",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9990",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منصرفه من تبوك بقية رمضان وشوالا وذا القعدة ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج سنة تسع ليقيم للمسلمين حجهم والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم فخرج أبو بكر والمؤمنون. قال ابن سعد: فخرج في ثلاثمائة رجل من المدينة وبعث معه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعشرين بدنة قلدها وأشعرها بيده عليها ناجية بن جندب الأسلمي وساق أبو بكر خمس بدنات. قال ابن إسحاق: فنزلت براءة في نقض ما بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه فخرج علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - على ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العضباء. قال ابن سعد: فلما كان بالعرج - وابن عائذ يقول: بضجنان - لحقه علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - على العضباء فلما رآه أبو بكر قال: أمير أو مأمور قال: لا بل مأمور ثم مضيا. وقال ابن سعد: فقال له أبو بكر: أستعملك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الحج قال: لا ولكن بعثني أقرأ براءة على الناس وأنبذ إلى كل ذي عهد عهده فأقام أبو بكر للناس حجهم حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب فأذن في الناس عند الجمرة بالذي أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونبذ إلى كل ذي عهد عهده وقال: أيها الناس! لا يدخل الجنة كافر ولا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عهد عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو إلى مدته.  وقال الحميدي: حدثنا سفيان قال: حدثني أبو إسحاق الهمداني عن زيد بن يثيع قال: سألنا عليا بأي شيء بعثت في الحجة قال: (بعثت بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يطوف بالبيت عريان ولا يجتمع مسلم وكافر في المسجد الحرام بعد عامه هذا ومن كان بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - عهد فعهده إلى(3\/519)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1425",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9991",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مدته ومن لم يكن له عهد فأجله إلى أربع أشهر)  . وفي quot; الصحيحين quot;: عن أبي هريرة قال: ( بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى: ألا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ثم أردف النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر بعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما فأمره أن يؤذن ببراءة قال: فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر ببراءة وألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ) . وفي هذه القصة دليل على أن يوم الحج الأكبر يوم النحر واختلف في حجة الصديق هذه هل هي التي أسقطت الفرض أو المسقطة هي حجة الوداع مع النبي صلى الله عليه وسلم على قولين: أصحهما: الثاني والقولان مبنيان على أصلين أحدهما: هل كان الحج فرض قبل عام حجة الوداع أو لا والثاني: هل كانت حجة الصديق - رضي الله عنه - في ذي الحجة أو وقعت في ذي القعدة من أجل النسيء الذي كان الجاهلية يؤخرون له الأشهر ويقدمونها على قولين والثاني: قول مجاهد وغيره. وعلى هذا فلم يؤخر النبي - صلى الله عليه وسلم - الحج بعد فرضه عاما واحدا بل بادر إلى الامتثال في العام الذي فرض فيه وهذا هو اللائق بهديه وحاله صلى الله عليه وسلم وليس بيد من ادعى تقدم فرض الحج سنة ست أو سبع أو ثمان أو تسع دليل واحد. وغاية ما احتج به من قال: فرض سنة ست قوله تعالى: وأتموا الحج والعمرة لله [البقرة: 196] [البقرة: 196]  وهي قد نزلت بالحديبية سنة ست وهذا ليس فيه ابتداء فرض الحج وإنما فيه الأمر بإتمامه إذا شرع فيه فأين هذا من وجوب ابتدائه وآية فرض الحج وهي قوله تعالى: ولله على الناس حج البيت من [آل عمران: 97](3\/520)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1426",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9992",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "وفد ثقيف",
        "content": "استطاع إليه سبيلا [آل عمران: 97] [آل عمران: 97] نزلت عام الوفود أواخر سنة تسع.  [فصل في قدوم وفود العرب وغيرهم على النبي صلى الله عليه وسلم] [وفد ثقيف] [قدوم وفد ثقيف] فصل في قدوم وفود العرب وغيرهم على النبي صلى الله عليه وسلم فقدم عليه وفد ثقيف وقد تقدم مع سياق غزوة الطائف. قال موسى بن عقبة: ( وأقام أبو بكر للناس حجهم وقدم عروة بن مسعود الثقفي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليرجع إلى قومه فذكر نحو ما تقدم وقال: فقدم وفدهم وفيهم كنانة بن عبد ياليل وهو رأسهم يومئذ وفيهم عثمان بن أبي العاص وهو أصغر الوفد فقال المغيرة بن شعبة: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنزل قومي علي فأكرمهم فإني حديث الجرح فيهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; لا أمنعك أن تكرم قومك ولكن أنزلهم حيث يسمعون القرآن quot; وكان من جرح المغيرة في قومه أنه كان أجيرا لثقيف وأنهم أقبلوا من مضر حتى إذا كانوا ببعض الطريق عدا عليهم وهم نيام فقتلهم ثم أقبل بأموالهم حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: quot; أما الإسلام فنقبل وأما المال فلا فإنا لا نغدر quot; وأبى أن يخمس ما معه وأنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفد ثقيف في المسجد وبنى لهم خياما لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلوا. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب لا يذكر نفسه فلما سمعه وفد ثقيف قالوا: يأمرنا أن نشهد أنه رسول الله ولا يشهد به في خطبته فلما بلغه قولهم قال: فإني أول من شهد أني رسول الله. وكانوا يغدون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل يوم ويخلفون عثمان بن أبي العاص على رحالهم لأنه أصغرهم فكان عثمان كلما رجع الوفد إليه وقالوا بالهاجرة عمد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم: فسأله عن الدين واستقرأه القرآن فاختلف إليه عثمان مرارا حتى فقه في الدين وعلم وكان إذا وجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نائما عمد إلى أبي بكر وكان يكتم ذلك من أصحابه فأعجب ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحبه فمكث الوفد يختلفون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يدعوهم إلى الإسلام فأسلموا فقال كنانة بن عبد ياليل: هل أنت مقاضينا حتى نرجع إلى قومنا قال:(3\/521)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1427",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9993",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot; نعم إن أنتم أقررتم بالإسلام أقاضيكم وإلا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم quot;. قال أفرأيت الزنى فإنا قوم نغترب ولا بد لنا منه قال: quot; هو عليكم حرام فإن الله عز وجل يقول: ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا [الإسراء: 32] [الإسراء: 32]  قالوا: أفرأيت الربا فإنه أموالنا كلها قال: quot; لكم رءوس أموالكم إن الله تعالى يقول: ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين [البقرة: 278] [البقرة: 278] . قالوا: أفرأيت الخمر فإنه عصير أرضنا لا بد لنا منها قال: quot; إن الله قد حرمها وقرأ: ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون [المائدة: 90] [المائدة: 90]  فارتفع القوم فخلا بعضهم ببعض فقالوا: ويحكم إنا نخاف إن خالفناه يوما كيوم مكة انطلقوا نكاتبه على ما سألناه فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: نعم لك ما سألت أرأيت الربة ماذا نصنع فيها قال quot; اهدموها quot;. قالوا: هيهات لو تعلم الربة أنك تريد هدمها لقتلت أهلها فقال عمر بن الخطاب: ويحك يا ابن عبد ياليل ما أجهلك إنما الربة حجر. فقالوا: إنا لم نأتك يا ابن الخطاب وقالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - تول أنت هدمها فأما نحن فإنا لا نهدمها أبدا. قال quot; فسأبعث إليكم من يكفيكم هدمها quot; فكاتبوه فقال كنانة بن عبد ياليل: ائذن لنا قبل رسولك ثم ابعث في آثارنا فإنا أعلم بقومنا فأذن لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأكرمهم وحباهم وقالوا: يا رسول الله! أمر علينا رجلا يؤمنا من قومنا فأمر عليهم عثمان بن أبي العاص لما رأى من حرصه على الإسلام وكان قد تعلم سورا من القرآن قبل أن يخرج فقال كنانة بن عبد ياليل: أنا أعلم الناس بثقيف فاكتموهم القضية وخوفوهم بالحرب والقتال وأخبروهم أن محمدا سألنا أمورا أبيناها عليه سألنا أن نهدم اللات والعزى وأن نحرم الخمر والزنى وأن نبطل أموالنا في الربا. فخرجت ثقيف حين دنا منهم الوفد يتلقونهم فلما رأوهم قد ساروا العنق وقطروا الإبل وتغشوا ثيابهم كهيئة القوم قد حزنوا وكربوا ولم يرجعوا بخير فقال بعضهم لبعض: ما جاء وفدكم بخير ولا رجعوا به وترجل(3\/522)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1428",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9994",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوفد وقصدوا اللات ونزلوا عندها - واللات وثن كان بين ظهراني الطائف يستر ويهدى له الهدي كما يهدى لبيت الله الحرام - فقال ناس من ثقيف حين نزل الوفد إليها: إنهم لا عهد لهم برؤيتها ثم رجع كل رجل منهم إلى أهله وجاء كلا منهم خاصته من ثقيف فسألوهم ماذا جئتم به وماذا رجعتم به قالوا: أتينا رجلا فظا غليظا يأخذ من أمره ما يشاء قد ظهر بالسيف وداخ له العرب ودان له الناس فعرض علينا أمورا شدادا: هدم اللات والعزى وترك الأموال في الربا إلا رءوس أموالكم وحرم الخمر والزنى فقالت ثقيف: والله لا نقبل هذا أبدا. فقال الوفد: أصلحوا السلاح وتهيئوا للقتال وتعبئوا له ورموا حصنكم. فمكثت ثقيف بذلك يومين أو ثلاثة يريدون القتال ثم ألقى الله عز وجل في قلوبهم الرعب وقالوا: والله ما لنا به طاقة وقد داخ له العرب كلها فارجعوا إليه فأعطوه ما سأل وصالحوه عليه. فلما رأى الوفد أنهم قد رغبوا واختاروا الأمان على الخوف والحرب قال الوفد: فإنا قد قاضيناه وأعطيناه ما أحببنا وشرطنا ما أردنا ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم وأصدقهم وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه وفيما قاضيناه عليه فاقبلوا عافية الله فقالت ثقيف: فلم كتمتمونا هذا الحديث وغممتمونا أشد الغم قالوا: أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان فأسلموا مكانهم ومكثوا أياما. ثم قدم عليهم رسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أمر عليهم خالد بن الوليد وفيهم المغيرة بن شعبة فلما قدموا عمدوا إلى اللات ليهدموها واستكفت ثقيف كلها الرجال والنساء والصبيان حتى خرج العواتق من الحجال لا ترى عامة ثقيف أنها مهدومة يظنون أنها ممتنعة فقام المغيرة بن شعبة فأخذ الكرزين وقال لأصحابه: والله لأضحكنكم من ثقيف فضرب بالكرزين ثم سقط يركض فارتج أهل الطائف بضجة واحدة وقالوا: أبعد الله المغيرة قتلته الربة وفرحوا حين رأوه ساقطا وقالوا: من شاء منكم فليقرب وليجتهد على هدمها فوالله لا تستطاع(3\/523)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1429",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9995",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فوثب المغيرة بن شعبة فقال: قبحكم الله يا معشر ثقيف إنما هي لكاع حجارة ومدر فاقبلوا عافية الله واعبدوه ثم ضرب الباب فكسره ثم علا سورها وعلا الرجال معه فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى سووها بالأرض وجعل صاحب المفتاح يقول: ليغضبن الأساس فليخسفن بهم فلما سمع ذلك المغيرة قال لخالد: دعني أحفر أساسها فحفره حتى أخرجوا ترابها وانتزعوا حليها ولباسها فبهتت ثقيف فقالت عجوز منهم: أسلمها الرضاع وتركوا المصاع. وأقبل الوفد حتى دخلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحليها وكسوتها فقسمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من يومه وحمد الله على نصرة نبيه وإعزاز دينه )  وقد تقدم أنه أعطاه لأبي سفيان بن حرب هذا لفظ موسى بن عقبة. وزعم ابن إسحاق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم من تبوك في رمضان وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف. وروينا في quot; سنن أبي داود quot; عن جابر قال: اشترطت ثقيف على النبي - صلى الله عليه وسلم - ألا صدقة عليها ولا جهاد فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك: (سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا ) . وروينا في quot; سنن أبي داود الطيالسي quot; عن عثمان بن أبي العاص (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طاغيتهم .) وفي quot; المغازي quot; لمعتمر بن سليمان قال: سمعت عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي يحدث عن عثمان بن عبد الله عن عمه عمرو بن أوس عن (عثمان بن أبي العاص قال: استعملني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أصغر الستة الذين وفدوا عليه من(3\/524)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1430",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9996",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "فصل ما في قصة قدوم وفد ثقيف من الأحكام",
        "content": "ثقيف وذلك أني كنت قرأت سورة البقرة فقلت: يا رسول الله! إن القرآن يتفلت مني فوضع يده على صدري وقال: quot; يا شيطان اخرج من صدر عثمان quot; فما نسيت شيئا بعده أريد حفظه)  . وفي quot; صحيح مسلم quot;  (عن عثمان بن أبي العاص قلت: يا رسول الله! إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي قال: quot; ذاك شيطان يقال له: خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا)  ففعلت فأذهبه الله عني .  [فصل ما في قصة قدوم وفد ثقيف من الأحكام] فصل وفي قصة هذا الوفد من الفقه أن الرجل من أهل الحرب إذا غدر بقومه وأخذ أموالهم ثم قدم مسلما لم يتعرض له الإمام ولا لما أخذه من المال ولا يضمن ما أتلفه قبل مجيئه من نفس ولا مال كما لم يتعرض النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أخذه المغيرة من أموال الثقفيين ولا ضمن ما أتلفه عليهم وقال: ( أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء ) . ومنها: جواز إنزال المشرك في المسجد ولا سيما إذا كان يرجو إسلامه وتمكينه من سماع القرآن ومشاهدة أهل الإسلام وعبادتهم. ومنها: حسن سياسة الوفد وتلطفهم حتى تمكنوا من إبلاغ ثقيف ما قدموا به فتصوروا لهم بصورة المنكر لما يكرهونه الموافق لهم فيما يهوونه حتى ركنوا إليهم واطمأنوا فلما علموا أنه ليس لهم بد من الدخول في دعوة الإسلام أذعنوا فأعلمهم الوفد أنهم بذلك قد جاءوهم ولو فاجئوهم به من أول وهلة لما أقروا به ولا أذعنوا وهذا من أحسن(3\/525)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1431",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9997",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدعوة وتمام التبليغ ولا يتأتى مع ألباء الناس وعقلاتهم. ومنها: أن المستحق لإمرة القوم وإمامتهم أفضلهم وأعلمهم بكتاب الله وأفقههم في دينه. ومنها: هدم مواضع الشرك التي تتخذ بيوتا للطواغيت وهدمها أحب إلى الله ورسوله وأنفع للإسلام والمسلمين من هدم الحانات والمواخير وهذا حال المشاهد المبنية على القبور التي تعبد من دون الله ويشرك بأربابها مع الله لا يحل إبقاؤها في الإسلام ويجب هدمها ولا يصح وقفها ولا الوقف عليها وللإمام أن يقطعها وأوقافها لجند الإسلام ويستعين بها على مصالح المسلمين وكذلك ما فيها من الآلات والمتاع والنذور التي تساق إليها يضاهى بها الهدايا التي تساق إلى البيت الحرام للإمام أخذها كلها وصرفها في مصالح المسلمين كما أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - أموال بيوت هذه الطواغيت وصرفها في مصالح الإسلام وكان يفعل عندها ما يفعل عند هذه المشاهد سواء من النذور لها والتبرك بها والتمسح بها وتقبيلها واستلامها هذا كان شرك القوم بها ولم يكونوا يعتقدون أنها خلقت السماوات والأرض بل كان شركهم بها كشرك أهل الشرك من أرباب المشاهد بعينه. ومنها: استحباب اتخاذ المساجد مكان بيوت الطواغيت فيعبد الله وحده لا يشرك به شيئا في الأمكنة التي كان يشرك به فيها وهكذا الواجب في مثل هذه المشاهد أن تهدم وتجعل مساجد إن احتاج إليها المسلمون وإلا أقطعها الإمام هي وأوقافها للمقاتلة وغيرهم. ومنها: أن العبد إذا تعوذ بالله من الشيطان الرجيم وتفل عن يساره لم يضره ذلك ولا يقطع صلاته بل هذا من تمامها وكمالها والله أعلم.(3\/526)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1432",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9998",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في الوفود] فصل قال ابن إسحاق: ولما افتتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف وبايعت ضربت إليه وفود العرب من كل وجه فدخلوا في دين الله أفواجا يضربون إليه من كل وجه.  [قدوم وفد بني عامر] فصل وقد تقدم ذكر وفد بني تميم ووفد طيئ. ذكر وفد بني عامر ودعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - على عامر بن الطفيل وكفاية الله شره وشر أربد بن قيس بعد أن عصم منهما نبيه. روينا في كتاب quot; الدلائل quot; للبيهقي عن يزيد بن عبد الله أبي العلاء قال: وفد أبي في وفد بني عامر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: أنت سيدنا وذو الطول علينا فقال: (مه مه قولوا بقولكم ولا يستجرينكم الشيطان السيد الله) (3\/527)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1433",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "9999",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "روينا عن ابن إسحاق قال لما قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفد بني عامر فيهم عامر بن الطفيل وأربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر وجبار بن سلمى بن مالك بن جعفر وكان هؤلاء النفر رؤساء القوم وشياطينهم: ( فقدم عدو الله عامر بن الطفيل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يريد الغدر به فقال له قومه: يا عامر! إن الناس قد أسلموا فقال: والله لقد كنت آليت ألا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي وأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش! ثم قال لأربد: إذا قدمنا على الرجل فإني شاغل عنك وجهه فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف. فلما قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال عامر: يا محمد! خالني. قال: quot; لا والله حتى تؤمن بالله وحده quot;. قال: يا محمد! خالني. قال: quot; حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له quot; فلما أبى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا. فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; اللهم اكفني عامر بن الطفيل quot; فلما خرجوا من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال عامر لأربد: ويحك يا أربد أين ما كنت أمرتك به والله ما كان على وجه الأرض أخوف عندي على نفسي منك وايم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا. قال: لا أبا لك لا تعجل علي فوالله ما هممت بالذي أمرتني به إلا دخلت بيني وبين الرجل أفأضربك بالسيف ) . ثم خرجوا راجعين إلى بلادهم حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فقتله الله في بيت امرأة من بني سلول ثم(3\/528)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1434",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10000",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خرج أصحابه حين رأوه حتى قدموا أرض بني عامر أتاهم قومهم فقالوا: ما وراءك يا أربد فقال: لقد دعاني إلى عبادة شيء لوددت أنه عندي فأرميه بنبلي هذه حتى أقتله فخرج بعد مقالته بيوم أو بيومين معه جمل يتبعه فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما وكان أربد أخا لبيد بن ربيعة لأمه فبكى ورثاه. وفي quot; صحيح البخاري quot; أن ( عامر بن الطفيل أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أخيرك بين ثلاث خصال: يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر أو أكون خليفتك من بعدك أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء فطعن في بيت امرأة فقال: أغدة كغدة البكر في بيت امرأة من بني فلان ائتوني بفرسي فركب فمات على ظهر فرسه )  [فصل في قدوم وفد عبد القيس] [قدوم وفد عبد القيس] فصل في قدوم وفد عبد القيس في quot; الصحيحين quot; من حديث ابن عباس: ( أن وفد عبد القيس قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: quot; ممن القوم quot; فقالوا: من ربيعة. فقال: quot; مرحبا بالوفد غير خزايا ولا ندامى quot;. فقالوا: يا رسول الله! إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام فمرنا بأمر فصل نأخذ به ونأمر به من وراءنا وندخل به الجنة فقال: quot; آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله وحده أتدرون ما الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا الخمس من المغنم. وأنهاكم عن أربع: عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت فاحفظوهن وادعوا(3\/529)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1435",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10001",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليهن من وراءكم ) . زاد مسلم: ( قالوا: يا رسول الله ما علمك بالنقير قال: بلى جذع تنقرونه ثم تلقون فيه من التمر ثم تصبون عليه الماء حتى يغلي فإذا سكن شربتموه فعسى أحدكم أن يضرب ابن عمه بالسيف وفي القوم رجل به ضربة كذلك. قال: وكنت أخبؤها حياء من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا: ففيم نشرب يا رسول الله قال: quot; اشربوا في أسقية الأدم التي يلاث على أفواهها quot;. قالوا: يا رسول الله! إن أرضنا كثيرة الجرذان لا تبقى فيها أسقية الأدم قال: quot; وإن أكلها الجرذان quot; مرتين أو ثلاثا ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأشج عبد القيس: quot; إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة ) . قال ابن إسحاق: ( قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجارود بن بشر بن المعلى وكان نصرانيا فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وفد عبد القيس فقال: يا رسول الله إني على دين وإني تارك ديني لدينك فتضمن لي بما فيه قال: quot; نعم أنا ضامن لذلك إن الذي أدعوك إليه خير من الذي كنت عليه quot; فأسلم وأسلم أصحابه ثم قال: يا رسول الله! احملنا. فقال: quot; والله ما عندي ما أحملكم عليه quot; فقال: يا رسول الله! إن بيننا وبين بلادنا ضوال من ضوال الناس أفنتبلغ عليها قال: quot; لا تلك حرق النار ) .(3\/530)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1436",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10002",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الإيمان بالله يتضمن خصالا أخرى من قول وفعل] فصل ففي هذه القصة: أن الإيمان بالله هو مجموع هذه الخصال من القول والعمل كما على ذلك أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعون وتابعوهم كلهم ذكره الشافعي في quot; المبسوط quot; وعلى ذلك ما يقارب مائة دليل من الكتاب والسنة. وفيها: أنه لم يعد الحج في هذه الخصال وكان قدومهم في سنة تسع وهذا أحد ما يحتج به على أن الحج لم يكن فرض بعد وأنه إنما فرض في العاشرة ولو كان فرض لعده من الإيمان كما عد الصوم والصلاة والزكاة. وفيها: أنه لا يكره أن يقال: رمضان للشهر خلافا لمن كره ذلك وقال: لا يقال: إلا شهر رمضان. وفي quot; الصحيحين quot;: ( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) . وفيها: وجوب أداء الخمس من الغنيمة وأنه من الإيمان. وفيها: النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية وهل تحريمه باق أو منسوخ على قولين وهما روايتان عن أحمد. والأكثرون على نسخه بحديث بريدة الذي رواه مسلم وقال فيه: ( وكنت نهيتكم عن الأوعية فانتبذوا فيما بدا لكم ولا تشربوا مسكرا ) . ومن قال: بإحكام أحاديث النهي وأنها غير منسوخة قال: هي أحاديث تكاد تبلغ التواتر في تعددها وكثرة طرقها وحديث الإباحة فرد فلا يبلغ مقاومتها وسر المسألة أن النهي عن الأوعية المذكورة من باب سد الذرائع(3\/531)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1437",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10003",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذ الشراب يسرع إليه الإسكار فيها. وقيل: بل النهي عنها لصلابتها وأن الشراب يسكر فيها ولا يعلم به بخلاف الظروف غير المزفتة فإن الشراب متى غلا فيها وأسكر انشقت فيعلم بأنه مسكر فعلى هذه العلة يكون الانتباذ في الحجارة والصفر أولى بالتحريم وعلى الأول لا يحرم إذ لا يسرع الإسكار إليه فيها كإسراعه في الأربعة المذكورة وعلى كلا العلتين فهو من باب سد الذريعة كالنهي أولا عن زيارة القبور سدا لذريعة الشرك فلما استقر التوحيد في نفوسهم وقوي عندهم أذن في زيارتها غير أن لا يقولوا هجرا. وهكذا قد يقال في الانتباذ في هذه الأوعية إنه فطمهم عن المسكر وأوعيته وسد الذريعة إليه إذ كانوا حديثي عهد بشربه فلما استقر تحريمه عندهم واطمأنت إليه نفوسهم أباح لهم الأوعية كلها غير أن لا يشربوا مسكرا فهذا فقه المسألة وسرها. وفيها: مدح صفتي الحلم والأناة وأن الله يحبهما وضدهما الطيش والعجلة وهما خلقان مذمومان مفسدان للأخلاق والأعمال. وفيه دليل على أن الله يحب من عبده ما جبله عليه من خصال الخير كالذكاء والشجاعة والحلم. وفيه دليل على أن الخلق قد يحصل بالتخلق والتكلف لقوله في هذا الحديث: ( خلقين تخلقت بهما أو جبلني الله عليهما quot; فقال: quot; بل جبلت عليهما ) . وفيه دليل على أنه سبحانه خالق أفعال العباد وأخلاقهم كما هو خالق ذواتهم وصفاتهم فالعبد كله مخلوق ذاته وصفاته وأفعاله ومن أخرج أفعاله عن خلق الله فقد جعل فيه خالقا مع الله ولهذا شبه السلف القدرية النفاة بالمجوس وقالوا: هم مجوس هذه الأمة صح ذلك عن ابن عباس.(3\/532)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1438",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10004",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيه إثبات الجبل لا الجبر لله تعالى وأنه يجبل عبده على ما يريد كما جبل الأشج على الحلم والأناة وهما فعلان ناشئان عن خلقين في النفس فهو سبحانه الذي جبل العبد على أخلاقه وأفعاله ولهذا قال الأوزاعي وغيره من أئمة السلف: نقول ( إن الله جبل العباد على أعمالهم ولا نقول جبرهم عليها ) وهذا من كمال علم الأئمة ودقيق نظرهم فإن الجبر أن يحمل العبد على خلاف مراده كجبر البكر الصغيرة على النكاح وجبر الحاكم من عليه الحق على أدائه والله سبحانه أقدر من أن يجبر عبده بهذا المعنى ولكنه يجبله على أن يفعل ما يشاء الرب بإرادة عبده واختياره ومشيئته فهذا لون والجبر لون. وفيها: أن الرجل لا يجوز له أن ينتفع بالضالة التي لا يجوز التقاطها كالإبل فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجوز للجارود ركوب الإبل الضالة وقال: ( ضالة المسلم حرق النار )  وذلك لأنه إنما أمر بتركها وأن لا يلتقطها حفظا على ربها حتى يجدها إذا طلبها فلو جوز له ركوبها والانتفاع بها لأفضى إلى أن لا يقدر عليها ربها وأيضا تطمع فيها النفوس وتتملكها فمنع الشارع من ذلك.  [فصل في قدوم وفد بني حنيفة] [قدوم وفد بني حنيفة] فصل في قدوم وفد بني حنيفة قال ابن إسحاق: قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفد بني حنيفة فيهم مسيلمة الكذاب وكان منزلهم في دار امرأة من الأنصار من بني النجار فأتوا بمسيلمة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستر بالثياب ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس مع أصحابه في يده عسيب من سعف النخل فلما انتهى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم يسترونه بالثياب كلمه وسأله فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( لو سألتني هذا العسيب الذي في يدي ما أعطيتك ) . قال ابن إسحاق: فقال لي شيخ من أهل اليمامة من بني حنيفة: إن حديثه كان على غير هذا زعم أن وفد بني حنيفة أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم وخلفوا مسيلمة في رحالهم فلما أسلموا ذكروا له مكانه فقالوا: يا رسول الله! إنا قد خلفنا صاحبا(3\/533)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1439",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10005",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لنا في رحالنا وركابنا يحفظها لنا فأمر له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما أمر به للقوم وقال: ( أما إنه ليس بشركم مكانا )  يعني حفظه ضيعة أصحابه وذلك الذي يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم انصرفوا وجاءوه بالذي أعطاه فلما قدموا اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وقال: إني أشركت في الأمر معه ألم يقل لكم حين ذكرتموني له: أما إنه ليس بشركم مكانا وما ذاك إلا لما كان يعلم أني قد أشركت في الأمر معه ثم جعل يسجع السجعات فيقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: لقد أنعم الله على الحبلى أخرج منها نسمة تسعى ومن بين صفاق وحشا. ووضع عنهم الصلاة وأحل لهم الخمر والزنى وهو مع ذلك يشهد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه نبي فأصفقت معه بنو حنيفة على ذلك. قال ابن إسحاق: وقد كان كتب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله أما بعد: فإني أشركت في الأمر معك وإن لنا نصف الأمر ولقريش نصف الأمر وليس قريش قوما يعدلون فقدم عليه رسوله بهذا الكتاب فكتب إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب سلام على من اتبع الهدى. أما بعد: فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين )  وكان ذلك في آخر سنة عشر. قال ابن إسحاق: فحدثني سعد بن طارق عن سلمة بن نعيم بن مسعود عن أبيه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين جاءه رسولا مسيلمة الكذاب بكتابه يقول لهما: ( وأنتما تقولان بمثل ما يقول quot; قالا: نعم. فقال: quot; أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما ) .(3\/534)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1440",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10006",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروينا في quot; مسند أبي داود الطيالسي quot; عن أبي وائل عن عبد الله قال: جاء ابن النواحة وابن أثال رسولين لمسيلمة الكذاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( تشهدان أني رسول الله quot; فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: quot; آمنت بالله ورسوله ولو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما )  قال عبد الله: فمضت السنة بأن الرسل لا تقتل. وفي quot; صحيح البخاري quot; عن أبي رجاء العطاردي قال: لما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - فسمعنا به لحقنا بمسيلمة الكذاب فلحقنا بالنار وكنا نعبد الحجر في الجاهلية فإذا وجدنا حجرا هو أحسن منه ألقينا ذلك وأخذناه فإذا لم نجد حجرا جمعنا جثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبناها عليه ثم طفنا به وكنا إذا دخل رجب قلنا: جاء منصل الأسنة فلا ندع رمحا فيه حديدة ولا سهما فيه حديدة إلا نزعناها وألقيناها . قلت: وفي quot; الصحيحين quot; من حديث نافع بن جبير عن ابن عباس قال: قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته وقدمها في بشر كثير من قومه فأقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه ثابت بن قيس بن شماس وفي يد النبي - صلى الله عليه وسلم - قطعة جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال: ( إن سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها ولن تعدو أمر الله فيك ولئن أدبرت ليعقرنك الله وإني أراك الذي أريت فيه ما أريت وهذا ثابت بن قيس يجيبك عني )  ثم انصرف. قال ابن عباس: فسألت عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم: ( إنك الذي أريت فيه ما أريت )  فأخبرني أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمني شأنهما فأوحي إلي في المنام أن انفخهما فنفختهما فطارا فأولتهما(3\/535)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1441",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10007",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كذابين يخرجان من بعدي فهذان هما أحدهما العنسي صاحب صنعاء والآخر مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة ) . وهذا أصح من حديث ابن إسحاق المتقدم. وفي quot; الصحيحين quot; من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( بينا أنا نائم إذا أتيت بخزائن الأرض فوضع في يدي سواران من ذهب فكبرا علي وأهماني فأوحي إلي أن انفخهما فنفختهما فذهبا فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة ) .  [فصل في فقه هذه القصة] فيها: جواز مكاتبة الإمام لأهل الردة إذا كان لهم شوكة ويكتب لهم ولإخوانهم من الكفار: سلام على من اتبع الهدى. ومنها: أن الرسول لا يقتل ولو كان مرتدا هذه السنة. ومنها: أن للإمام أن يأتي بنفسه إلى من قدم يريد لقاءه من الكفار. ومنها: أن الإمام ينبغي له أن يستعين برجل من أهل العلم يجيب عنه أهل الاعتراض والعناد. ومنها: توكيل العالم لبعض أصحابه أن يتكلم عنه ويجيب عنه. تأويل رؤيا للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأن الصديق يحبط أمر مسيلمة ومنها: أن هذا الحديث من أكبر فضائل الصديق فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفخ السوارين بروحه فطارا وكان الصديق هو ذلك الروح الذي نفخ مسيلمة وأطاره. قال الشاعر: فقلت له ارفعها إليك فأحيها ... بروحك واقتته لها قيتة قدرا(3\/536)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1442",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10008",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن هاهنا دل لباس الحلي للرجل على نكد يلحقه وهم يناله وأنبأني أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة بن سرور المقدسي المعروف بالشهاب العابر. قال: قال لي رجل: رأيت في رجلي خلخالا فقلت له: تتخلخل رجلك بألم وكان كذلك. وقال لي آخر: رأيت كأن في أنفي حلقة ذهب وفيها حب مليح أحمر فقلت له: يقع بك رعاف شديد فجرى كذلك. وقال آخر: رأيت كلابا معلقا في شفتي قلت: يقع بك ألم يحتاج إلى الفصد في شفتك فجرى كذلك. وقال لي آخر: رأيت في يدي سوارا والناس يبصرونه فقلت له: سوء يبصره الناس في يدك فعن قليل طلع في يده طلوع. ورأى ذلك آخر لم يكن يبصره الناس فقلت له: تتزوج امرأة حسنة وتكون رقيقة. قلت: عبر له السوار بالمرأة لما أخفاه وستره عن الناس ووصفها بالحسن لحسن منظر الذهب وبهجته وبالرقة لشكل السوار. والحلية للرجل تنصرف على وجوه. فربما دلت على تزويج العزاب لكونها من آلات التزويج وربما دلت على الإماء والسراري وعلى الغناء وعلى البنات وعلى الخدم وعلى الجهاز وذلك بحسب حال الرائي وما يليق به. قال أبو العباس العابر: وقال لي رجل: رأيت كأن في يدي سوارا منفوخا لا يراه الناس فقلت له: عندك امرأة بها مرض الاستسقاء فتأمل كيف عبر له(3\/537)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1443",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10009",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السوار بالمرأة ثم حكم عليها بالمرض لصفرة السوار وأنه مرض الاستسقاء الذي ينتفخ معه البطن. قال: وقال لي آخر: رأيت في يدي خلخالا وقد أمسكه آخر وأنا ممسك له وأصيح عليه وأقول: اترك خلخالي فتركه فقلت له: فكان الخلخال في يدك أملس فقال: بل كان خشنا تألمت منه مرة بعد مرة وفيه شراريف فقلته له: أمك وخالك شريفان ولست بشريف واسمك عبد القاهر وخالك لسانه نجس رديء يتكلم في عرضك ويأخذ مما في يدك قال: نعم قلت: ثم إنه يقع في يد ظالم متعد ويحتمي بك فتشد منه وتقول خل خالي فجرى ذلك عن قليل. قلت: تأمل أخذه الخال من لفظ quot; الخلخال quot; ثم عاد إلى اللفظ بتمامه حتى أخذ منه خل خالي وأخذ شرفه من شراريف الخلخال ودل على شرف أمه إذ هي شقيقة خاله وحكم عليه بأنه ليس بشريف إذ شرفات الخال الدالة على الشرف اشتقاقا هي في أمر خارج عن ذاته. واستدل على أن لسان خاله لسان رديء يتكلم في عرضه بالألم الذي حصل له بخشونة الخلخال مرة بعد مرة فهي خشونة لسان خاله في حقه. واستدل على أخذ خاله ما في يديه بتأذيه به وبأخذه من يديه في النوم بخشونته. واستدل بإمساك الأجنبي للخلخال ومجاذبة الرائي على وقوع الخال في يد ظالم متعد يطلب منه ما ليس له. واستدل بصياحه على المجاذب له وقوله: خل خالي على أنه يعين خاله على ظالمه وبشد منه. واستدل على قهره لذلك المجاذب له وأنه القاهر يده عليه على أنه اسمه عبد القاهر وهذه كانت حال شيخنا هذا ورسوخه في علم التعبير وسمعت عليه عدة أجزاء ولم يتفق لي قراءة هذا العلم عليه لصغر السن واخترام المنية له رحمه الله تعالى.  [فصل في قدوم وفد طيئ على النبي صلى الله عليه وسلم] قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفد طيئ وفيهم زيد الخيل(3\/538)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1444",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10010",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو سيدهم فلما انتهوا إليه كلمهم وعرض عليهم الإسلام فأسلموا وحسن إسلامهم وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل: فإنه لم يبلغ كل ما فيه )  ثم سماه: زيد الخير وقطع له فيدا وأرضين معه وكتب له بذلك فخرج من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راجعا إلى قومه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( إن ينج زيد من حمى المدينة )  فإنه قال: وقد سماها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باسم غير الحمى وغير أم ملدم فلم يثبته. فلما انتهى إلى ماء من مياه نجد يقال له فردة أصابته الحمى بها فمات فلما أحس بالموت أنشد: أمرتحل قومي المشارق غدوة ... وأترك في بيت بفردة منجد ألا رب يوم لو مرضت لعادني ... عوائد من لم يبر منهن يجهد قال ابن عبد البر: وقيل: مات في آخر خلافة عمر - رضي الله عنه - وله ابنان: مكنف وحريث أسلما وصحبا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشهدا قتال أهل الردة مع خالد بن الوليد.  [فصل في قدوم وفد كندة على رسول الله صلى الله عليه وسلم] قال ابن إسحاق: حدثني الزهري قال: قدم الأشعث بن قيس على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثمانين أو ستين راكبا من كندة فدخلوا عليه - صلى الله عليه وسلم - مسجده قد(3\/539)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1445",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10011",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجلوا جممهم وتسلحوا ولبسوا جباب الحبرات مكففة بالحرير فلما دخلوا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (أولم تسلموا quot; قالوا: بلى. قال: quot; فما بال هذا الحرير في أعناقكم)  فشقوه ونزعوه وألقوه ثم قال الأشعث: يا رسول الله! نحن بنو آكل المرار وأنت ابن آكل المرار فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: (ناسبوا بهذا النسب ربيعة بن الحارث: والعباس بن عبد المطلب ) . قال الزهري وابن إسحاق: كانا تاجرين وكانا إذا سارا في أرض العرب فسئلا من أنتما قالا: نحن بنو آكل المرار يتعززون بذلك في العرب ويدفعون به عن أنفسهم لأن بني آكل المرار من كندة كانوا ملوكا. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا ) . وفي quot; المسند quot; من حديث حماد بن سلمة عن عقيل بن طلحة عن مسلم بن هيضم عن الأشعث بن قيس قال: قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفد كندة ولا يرون إلا أني أفضلهم قلت: يا رسول الله! ألستم منا قال: (لا نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا )  وكان الأشعث يقول: (لا أوتى برجل نفى رجلا من قريش من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد) . وفي هذا من الفقه أن من كان من ولد النضر بن كنانة فهو من قريش. وفيه: جواز إتلاف المال المحرم استعماله كثياب الحرير على الرجال وأن ذلك ليس بإضاعة. والمرار: هو شجر من شجر البوادي وآكل المرار: هو الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية بن كندة وللنبي - صلى الله عليه وسلم - جدة من كندة مذكورة وهي أم كلاب بن مرة وإياها أراد الأشعث.(3\/540)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1446",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10012",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيه: أن من انتسب إلى غير أبيه فقد انتفى من أبيه وقفى أمه أي: رماها بالفجور. وفيها: أن كندة ليسوا من ولد النضر بن كنانة. وفيه: أن من أخرج رجلا عن نسبه المعروف جلد حد القذف.  [فصل في قدوم وفد الأشعريين وأهل اليمن] روى يزيد بن هارون عن حميد عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( يقدم قوم هم أرق منكم قلوبا )  فقدم الأشعريون فجعلوا يرتجزون غدا نلقى الأحبة ... محمدا وحزبه وفي quot; صحيح مسلم quot; عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( جاء أهل اليمن هم أرق أفئدة وأضعف قلوبا والإيمان يمان والحكمة يمانية والسكينة في أهل الغنم والفخر والخيلاء في الفدادين من أهل الوبر قبل مطلع الشمس ) . وروينا عن يزيد بن هارون أنبأنا ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر فقال: ( أتاكم أهل اليمن كأنهم السحاب هم خيار من في الأرض quot; فقال رجل من الأنصار: إلا نحن يا رسول الله فسكت ثم قال: إلا نحن يا رسول الله فسكت ثم قال: quot; إلا أنتم ) كلمة ضعيفة.(3\/541)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1447",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10013",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; صحيح البخاري quot;: أن نفرا من بني تميم جاءوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (أبشروا يا بني تميم quot; فقالوا: بشرتنا فأعطنا فتغير وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم وجاء نفر من أهل اليمن فقال: quot; اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم quot; قالوا: قد قبلنا ثم قالوا: يا رسول الله جئنا لنتفقه في الدين ونسألك عن أول هذا الأمر فقال: quot; كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ) .  [فصل في قدوم وفد الأزد على رسول الله صلى الله عليه وسلم] قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صرد بن عبد الله الأزدي فأسلم وحسن إسلامه في وفد من الأزد فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على من أسلم من قومه وأمره أن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن فخرج صرد يسير بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نزل بجرش وهي يومئذ مدينة مغلقة وبها قبائل من قبائل اليمن وقد ضوت إليهم خثعم فدخلوها معهم حين سمعوا بمسير المسلمين إليهم فحاصروهم فيها قريبا من شهر وامتنعوا فيها فرجع(3\/542)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1448",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10014",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنهم قافلا حتى إذا كان في جبل لهم يقال له: شكر ظن أهل جرش أنه إنما ولى عنهم منهزما فخرجوا في طلبه حتى إذا أدركوه عطف عليهم فقاتلهم فقتلهم قتلا شديدا وقد كان أهل جرش بعثوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلين منهم يرتادان وينظران فبينا هما عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشية بعد العصر إذ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (بأي بلاد الله شكر quot; فقام الجرشيان فقالا: يا رسول الله! ببلادنا جبل يقال له. كشر وكذلك تسميه أهل جرش فقال: quot; إنه ليس quot; بكشر ولكنه شكر quot; قالا: فما شأنه يا رسول الله قال: فقال: quot; إن بدن الله لتنحر عنده الآن quot; قال: فجلس الرجلان إلى أبي بكر وإلى عثمان فقالا لهما: ويحكما إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لينعى لكما قومكما فقوما إليه فاسألاه أن يدعو الله أن يرفع عن قومكما فقاما إليه فسألاه ذلك فقال: quot; اللهم ارفع عنهم quot; فخرجا من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راجعين إلى قومهما فوجدا قومهما أصيبوا في اليوم الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قال وفي الساعة التي ذكر فيها ما ذكر فخرج وفد جرش حتى قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلموا وحمى لهم حمى حول قريتهم .  [فصل في قدوم وفد بني الحارث بن كعب على رسول الله صلى الله عليه وسلم] قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا فإن استجابوا فاقبل منهم وإن لم يفعلوا فقاتلهم فخرج خالد حتى قدم عليهم فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون إلى الإسلام ويقولون: أيها الناس أسلموا لتسلموا فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام وكتب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك فكتب له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقبل ويقبل معه وفدهم فأقبل(3\/543)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1449",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10015",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأقبل معه وفدهم فيهم: قيس بن الحصين ذي الغصة ويزيد بن عبد المدان ويزيد بن المحجل وعبد الله بن قراد وشداد بن عبد الله وقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية quot; قالوا: لم نكن نغلب أحدا. قال: quot; بلى quot;. قالوا: كنا نجتمع ولا نتفرق ولا نبدأ أحدا بظلم. قال quot; صدقتم )  وأمر عليهم قيس بن الحصين فرجعوا إلى قومهم في بقية من شوال أو من ذي القعدة فلم يمكثوا إلا أربعة أشهر حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.  [فصل في قدوم وفد همدان عليه صلى الله عليه وسلم] وقدم عليه وفد همدان منهم: مالك بن النمط ومالك بن أيفع وضمام بن مالك وعمرو بن مالك فلقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرجعه من تبوك وعليهم مقطعات الحبرات والعمائم العدنية على الرواحل المهرية والأرحبية ومالك بن النمط يرتجز بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويقول: إليك جاوزن سواد الريف ... في هبوات الصيف والخريف مخطمات بحبال الليف وذكروا له كلاما حسنا فصيحا فكتب لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابا أقطعهم فيه ما سألوه وأمر عليهم مالك بن النمط واستعمله على من أسلم من قومه وأمره بقتال ثقيف وكان لا يخرج لهم سرح إلا أغاروا عليه. وقد روى البيهقي بإسناد صحيح من حديث أبي إسحاق عن البراء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فأمره أن يقفل خالدا إلا رجلا ممن كان مع خالد أحب أن يعقب مع علي رضي الله عنه فليعقب معه قال البراء: فكنت فيمن عقب مع علي فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا فصلى بنا علي رضي الله عنه ثم صفنا صفا واحدا ثم تقدم بين أيدينا وقرأ(3\/544)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1450",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10016",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليهم كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم فأسلمت همدان جميعا فكتب علي - رضي الله عنه - إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإسلامهم فلما قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكتاب خر ساجدا ثم رفع رأسه فقال: (السلام على همدان السلام على همدان)  . وأصل الحديث في quot; صحيح البخاري quot;. وهذا أصح مما تقدم ولم تكن همدان أن تقاتل ثقيفا ولا تغير على سرحهم فإن همدان باليمن وثقيفا بالطائف.  [فصل في قدوم وفد مزينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم] روينا من طريق البيهقي عن النعمان بن مقرن قال: ( قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعمائة رجل من مزينة فلما أردنا أن ننصرف قال: quot; يا عمر! زود القوم quot; فقال: ما عندي إلا شيء من تمر ما أظنه يقع من القوم موقعا قال: quot; انطلق فزودهم quot; قال: فانطلق بهم عمر فأدخلهم منزله ثم أصعدهم إلى علية فلما دخلنا إذا فيها من التمر مثل الجمل الأورق فأخذ القوم منه حاجتهم قال النعمان: فكنت في آخر من خرج فنظرت فما أفقد موضع تمرة من مكانها ) .(3\/545)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1451",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10017",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في قدوم وفد دوس على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك بخيبر] [قدوم وفد دوس على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك بخيبر] قال ابن إسحاق: كان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث أنه قدم مكة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بها فمشى إليه رجال من قريش وكان الطفيل رجلا شريفا شاعرا لبيبا قالوا له: إنك قدمت بلادنا وإن هذا الرجل - وهو الذي بين أظهرنا - فرق جماعتنا وشتت أمرنا وإنما قوله كالسحر يفرق بين المرء وابنه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجه وإنما نخشى عليك وعلى قومك ما قد حل علينا فلا تكلمه ولا تسمع منه قال: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلمه حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا فرقا من أن يبلغني شيء من قوله. قال: فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يصلي عند الكعبة فقمت قريبا منه فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله فسمعت كلاما حسنا فقلت في نفسي: واثكل أمياه والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول فإن كان ما يقول حسنا قبلت وإن كان قبيحا تركت. قال: فمكثت حتى انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بيته فتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فقلت: يا محمد! إن قومك قد قالوا لي: كذا وكذا فوالله ما برحوا يخوفوني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك ثم أبى الله إلا أن يسمعنيه فسمعت قولا حسنا فاعرض علي أمرك فعرض علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإسلام وتلا علي القرآن فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه ولا أمرا أعدل منه فأسلمت وشهدت شهادة الحق وقلت: يا نبي الله إني امرؤ مطاع في قومي وإني راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام فادع الله لي أن يجعل لي آية تكون عونا لي عليهم فيما أدعوهم إليه فقال: (اللهم اجعل له آية)  قال: فخرجت إلى قومي حتى إذا(3\/546)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1452",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10018",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كنت بثنية تطلعني على الحاضر وقع نور بين عيني مثل المصباح قلت: اللهم في غير وجهي إني أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت في وجهي لفراقي دينهم قال: فتحول فوقع في رأس سوطي كالقنديل المعلق وأنا أنهبط إليهم من الثنية حتى جئتهم وأصبحت فيهم فلما نزلت أتاني أبي وكان شيخا كبيرا فقلت: إليك عني يا أبت فلست مني ولست منك قال: لم يا بني قلت: قد أسلمت وتابعت دين محمد. قال: يا بني فديني دينك. قال فقلت: اذهب فاغتسل وطهر ثيابك ثم تعال حتى أعلمك ما علمت. قال: فذهب فاغتسل وطهر ثيابه ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم ثم أتتني صاحبتي فقلت لها: إليك عني فلست منك ولست مني. قالت: لم بأبي أنت وأمي قلت فرق الإسلام بيني وبينك أسلمت وتابعت دين محمد. قالت: فديني دينك. قال: قلت: فاذهبي فاغتسلي ففعلت ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام فأسلمت ثم دعوت دوسا إلى الإسلام فأبطئوا علي فجئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: ( يا رسول الله! إنه قد غلبني على دوس الزنى فادع الله عليهم فقال: quot; اللهم اهد دوسا quot; ثم قال: quot; ارجع إلى قومك فادعهم إلى الله وارفق بهم quot; فرجعت إليهم فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الله ثم قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر فنزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس ثم لحقنا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين) . قال ابن إسحاق: فلما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب خرج الطفيل مع المسلمين حتى فرغوا من طليحة ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة ومعه ابنه عمرو بن الطفيل فقال لأصحابه: إني قد رأيت رؤيا فاعبروها لي: رأيت أن رأسي قد حلق وأنه قد خرج من فمي طائر وأن امرأة لقيتني فأدخلتني في فرجها ورأيت أن ابني يطلبني طلبا حثيثا ثم رأيته حبس عني. قالوا: خيرا رأيت. قال: أما والله إني قد أولتها. قالوا: وما أولتها قال: أما حلق رأسي فوضعه وأما الطائر الذي خرج من فمي فروحي وأما المرأة التي أدخلتني في(3\/547)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1453",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10019",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فرجها فالأرض تحفر فأغيب فيها وأما طلب ابني إياي وحبسه عني فإني أراه سيجهد لأن يصيبه من الشهادة ما أصابني فقتل الطفيل شهيدا باليمامة وجرح ابنه عمرو جرحا شديدا ثم قتل عام اليرموك شهيدا في زمن عمر رضي الله عنه.  [فصل في فقه هذه القصة] فصل في فقه هذه القصة فيها: أن عادة المسلمين كانت غسل الإسلام قبل دخولهم فيه وقد صح أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - به. وأصح الأقوال: وجوبه على من أجنب في حال كفره ومن لم يجنب. وفيها: أنه لا ينبغي للعاقل أن يقلد الناس في المدح والذم ولا سيما تقليد من يمدح بهوى ويذم بهوى فكم حال هذا التقليد بين القلوب وبين الهدى ولم ينج منه إلا من سبقت له من الله الحسنى. ومنها: أن المدد إذا لحق بالجيش قبل انقضاء الحرب أسهم لهم. ومنها: وقوع كرامات الأولياء وأنها إنما تكون لحاجة في الدين أو لمنفعة للإسلام والمسلمين فهذه هي الأحوال الرحمانية سببها متابعة الرسول ونتيجتها إظهار الحق وكسر الباطل والأحوال الشيطانية ضدها سببا ونتيجة. ومنها: التأني والصبر في الدعوة إلى الله وأن لا يعجل بالعقوبة والدعاء على العصاة وأما تعبيره حلق رأسه بوضعه فهذا لأن حلق الرأس وضع شعره على الأرض وهو لا يدل بمجرده على وضع رأسه فإنه دال على خلاص من هم أو مرض أو شدة لمن يليق به ذلك وعلى فقر ونكد وزوال رياسة وجاه لمن لا يليق به ذلك ولكن في منام الطفيل قرائن اقتضت أنه وضع رأسه منها أنه(3\/548)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1454",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10020",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان في الجهاد ومقاتلة العدو ذي الشوكة والبأس. ومنها: أنه دخل في بطن المرأة التي رآها وهي الأرض التي هي بمنزلة أمه ورأى أنه قد دخل في الموضع الذي خرج منه وهذا هو إعادته إلى الأرض كما قال تعالى: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم [طه: 55] [طه: 155]  فأول المرأة بالأرض إذ كلاهما محل الوطء وأول دخوله في فرجها بعوده إليها كما خلق منها وأول الطائر الذي خرج من فيه بروحه فإنها كالطائر المحبوس في البدن فإذا خرجت منه كانت كالطائر الذي فارق حبسه فذهب حيث شاء ولهذا أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم ( أن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة )  وهذا هو الطائر الذي رئي داخلا في قبر ابن عباس لما دفن وسمع قارئ يقرأ: ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية [الفجر: 27] [الفجر: 27] . وعلى حسب بياض هذا الطائر وسواده وحسنه وقبحه تكون الروح ولهذا كانت أرواح آل فرعون في صورة طيور سود ترد النار بكرة وعشية وأول طلب ابنه له باجتهاده في أن يلحق به في الشهادة وحبسه عنه هو مدة حياته بين وقعة اليمامة واليرموك. والله أعلم.  [فصل في قدوم وفد نجران عليه صلى الله عليه وسلم] [قدوم وفد نجران عليه صلى الله عليه وسلم] فصل في قدوم وفد نجران عليه صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق: وفد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفد نصارى نجران بالمدينة فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: ( لما قدم وفد نجران على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخلوا عليه مسجده بعد صلاة العصر فحانت صلاتهم فقاموا يصلون في(3\/549)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1455",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10021",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مسجده فأراد الناس منعهم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: quot; دعوهم quot; فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم ) . قال: وحدثني يزيد بن سفيان عن ابن البيلماني عن كرز بن علقمة قال: قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفد نصارى نجران ستون راكبا منهم: أربعة وعشرون رجلا من أشرافهم والأربعة والعشرون منهم ثلاثة نفر إليهم يئول أمرهم العاقب أمير القوم وذو رأيهم وصاحب مشورتهم والذي لا يصدرون إلا عن رأيه وأمره واسمه عبد المسيح والسيد: ثمالهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم واسمه الأيهم وأبو حارثة بن علقمة أخو بني بكر بن وائل أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدراسهم. وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ودرس كتبهم وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وأخدموه وبنوا له الكنائس وبسطوا عليه الكرامات لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم. فلما وجهوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نجران جلس أبو حارثة على بغلة له موجها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى جنبه أخ له يقال له: كرز بن علقمة يسايره إذ عثرت بغلة أبي حارثة فقال له كرز: تعس الأبعد يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست. فقال: ولم يا أخي فقال: والله إنه النبي الأمي الذي كنا ننتظره. فقال له كرز: فما يمنعك من اتباعه وأنت تعلم هذا فقال: ما صنع بنا هؤلاء القوم شرفونا ومولونا وأكرمونا وقد أبوا إلا خلافه ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى فأضمر عليها منه أخوه كرز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال: حدثني سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس قال: اجتمعت نصارى(3\/550)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1456",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10022",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نجران وأحبار يهود عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم فتنازعوا عنده فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيا فأنزل الله عز وجل فيهم: يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون - ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون - ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين - إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين [آل عمران: 64 - 68] [آل عمران: 65 - 86] (فقال رجل من الأحبار: أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم وقال رجل من نصارى نجران: أوذلك تريد يا محمد وإليه تدعونا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غيره ما بذلك بعثني ولا أمرني فأنزل الله عز وجل في ذلك: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون - ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون [آل عمران: 79 - 80] ) [آل عمران: 79]  ثم ذكر ما أخذ عليهم وعلى آبائهم من الميثاق بتصديقه وإقرارهم به على أنفسهم فقال: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين [آل عمران: 81] إلى قوله: من الشاهدين [آل عمران: 81]  [آل عمران: 81] . وحدثني محمد بن سهل بن أبي أمامة قال: لما قدم وفد نجران على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألونه عن عيسى ابن مريم نزل فيهم فاتحة آل عمران إلى رأس الثمانين منها. وروينا عن أبي عبد الله الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن سلمة بن عبد يسوع عن أبيه عن جده - قال يونس - وكان نصرانيا فأسلم -: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى أهل نجران: ( باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب أما بعد: فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد فإن أبيتم فالجزية فإن(3\/551)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1457",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10023",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبيتم فقد آذنتكم بحرب والسلام ) ! فلما أتى الأسقف الكتاب فقرأه فظع به وذعر به ذعرا شديدا فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة وكان من همدان ولم يكن أحد يدعى إذا نزل معضلة قبله لا الأيهم ولا السيد ولا العاقب فدفع الأسقف كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليه فقرأه فقال الأسقف يا أبا مريم! ما رأيك فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة فما يؤمن أن يكون هذا هو ذلك الرجل ليس لي في النبوة رأي لو كان من أهل نجران يقال له: عبد الله بن شرحبيل وهو من ذي أصبح من حمير فاجلس فتنحى شرحبيل فجلس ناحية فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له عبد الله بن شرحبيل وهو من ذي أصبح من حمير فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه فقال له مثل قول شرحبيل. فقال له الأسقف: تنح فاجلس فتنحى فجلس ناحية فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له جبار بن فيض من بني الحارث بن كعب فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله فأمره الأسقف فتنحى. فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعا أمر الأسقف بالناقوس فضرب به ورفعت المسوح في الصوامع وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار وإذا كان فزعهم بالليل ضرب الناقوس ورفعت النيران في الصوامع فاجتمع - حين ضرب بالناقوس ورفعت المسوح - أهل الوادي أعلاه وأسفله وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع وفيه ثلاث وسبعون قرية وعشرون ومائة ألف مقاتل فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألهم عن الرأي فيه فاجتمع رأي أهل الوادي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني وعبد الله بن شرحبيل وجبار بن فيض الحارثي فيأتوهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم ولبسوا حللا لهم يجرونها من الحبرة وخواتيم الذهب ثم انطلقوا حتى أتوا(3\/552)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1458",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10024",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلموا عليه فلم يرد عليهم السلام وتصدوا لكلامه نهارا طويلا فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذهب فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وكانا معرفة لهم كانا يخرجان العير في الجاهلية إلى نجران فيشترى لهما من برها وثمرها وذرتها فوجدوهما في ناس من الأنصار والمهاجرين في مجلس فقالوا: يا عثمان ويا عبد الرحمن إن نبيكم كتب إلينا بكتاب فأقبلنا مجيبين له فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد علينا سلامنا وتصدينا لكلامه نهارا طويلا فأعيانا أن يكلمنا فما الرأي منكما أنعود فقالا لعلي بن أبي طالب وهو في القوم: ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم فقال علي لعثمان وعبد الرحمن رضي الله عنهما: أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يأتوا إليه ففعل الوفد ذلك فوضعوا حللهم وخواتيمهم ثم عادوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلموا عليه فرد سلامهم ثم سألهم وسألوه فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى عليه السلام فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى فيسرنا إن كنت نبيا أن نعلم ما تقول فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما عندي فيه شيء يومي هذا فأقيموا حتى أخبركم بما يقال لي في عيسى - عليه السلام - فأصبح الغد وقد أنزل الله عز وجل: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون - الحق من ربك فلا تكن من الممترين - فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين [آل عمران: 59 - 61] ) [آل عمران: 59 - 61]  فأبوا أن يقروا بذلك  فلما أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغد بعدما أخبرهم الخبر أقبل مشتملا على الحسن والحسين - رضي الله عنهما - في خميل له وفاطمة - رضي الله عنها - تمشي عند ظهره للمباهلة وله يومئذ عدة نسوة فقال شرحبيل لصاحبيه: يا عبد الله بن شرحبيل ويا جبار بن فيض قد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله(3\/553)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1459",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10025",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يردوا ولم يصدروا إلا عن رأيي وإني والله أرى أمرا مقبلا وأرى والله إن كان هذا الرجل ملكا مبعوثا فكنا أول العرب طعن في عينه ورد عليه أمره لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور قومه حتى يصيبونا بجائحة وإنا أدنى العرب منهم جوارا وإن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلاعناه فلا يبقى على وجه الأرض منا شعرة ولا ظفر إلا هلك فقال له صاحباه: فما الرأي فقد وضعتك الأمور على ذراع فهات رأيك فقال: رأيي أن أحكمه فإني أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا. فقالا له: أنت وذاك. فلقي شرحبيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني قد رأيت خيرا من ملاعنتك فقال: وما هو قال شرحبيل: حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح فمهما حكمت فينا فهو جائز. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لعل وراءك أحدا يثرب عليك فقال له شرحبيل: سل صاحبي فسألهما فقالا: ما يرد الوادي ولا يصدر إلا عن رأي شرحبيل. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: quot; كافر quot; أو قال quot; جاحد موفق) . فرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يلاعنهم حتى إذا كان من الغد أتوه فكتب لهم في الكتاب: ( بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما كتب محمد النبي رسول الله لنجران إذ كان عليهم حكمه في كل ثمرة وفي كل صفراء وبيضاء وسوداء ورقيق فأفضل عليهم وترك ذلك كله على ألفي حلة في كل رجب ألف حلة وفي كل صفر ألف حلة وكل حلة أوقية ما زادت على الخراج أو نقصت على الأواقي فبحساب وما قضوا من دروع أو خيل أو ركاب أو عرض أخذ منهم بحساب وعلى نجران مثواة رسلي ومتعتهم بها عشرين فدونه ولا يحبس رسول فوق شهر وعليهم عارية ثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا إذا كان كيد باليمن ومغدرة وما هلك مما أعاروا رسولي من دروع أو خيل أو ركاب فهو ضمان على رسولي حتى(3\/554)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1460",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10026",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يؤديه إليهم ولنجران وحسبها جوار الله وذمة محمد النبي على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وتبعهم وأن لا يغيروا مما كانوا عليه ولا يغير حق من حقوقهم ولا ملتهم ولا يغير أسقف من أسقفيته ولا راهب من رهبانيته ولا وافه عن وفهيته وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير وليس عليهم ريبة ولا دم جاهلية ولا يحشرون ولا يعشرون ولا يطأ أرضهم جيش ومن سأل منهم حقا فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين ومن أكل ربا من ذي قبل فذمتي منه بريئة ولا يؤخذ رجل منهم بظلم آخر وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله حتى يأتي الله بأمره ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير منقلبين بظلم ) شهد أبو سفيان بن حرب وغيلان بن عمرو ومالك بن عوف والأقرع بن حابس الحنظلي والمغيرة بن شعبة وكتب: حتى إذا قبضوا كتابهم انصرفوا إلى نجران فتلقاهم الأسقف ووجوه نجران على مسيرة ليلة ومع الأسقف أخ له من أمه وهو ابن عمه من النسب يقال له: بشر بن معاوية وكنيته أبو علقمة فدفع الوفد كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الأسقف فبينا هو يقرؤه وأبو علقمة معه وهما يسيران إذ كبت ببشر ناقته فتعس بشر غير أنه لا يكني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقال له الأسقف عند ذلك: قد تعست والله نبيا مرسلا فقال بشر: لا جرم والله لا أحل عنها عقدا حتى آتيه فضرب وجه ناقته نحو المدينة وثنى الأسقف ناقته عليه فقال له: افهم عني إنما قلت هذا لتبلغ عني العرب مخافة أن يقولوا: إنا أخذنا حمقة أو نخعنا لهذا الرجل بما لم تنخع به العرب ونحن أعزهم وأجمعهم دارا فقال له بشر: لا والله لا أقيلك ما خرج من رأسك أبدا فضرب بشر ناقته وهو مول ظهره للأسقف وهو يقول:(3\/555)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1461",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10027",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليك تعدو قلقا وضينها ... معترضا في بطنها جنينها مخالفا دين النصارى دينها  حتى أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يزل مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى استشهد أبو علقمة بعد ذلك. ودخل الوفد نجران فأتى الراهب ابن أبي شمر الزبيدي وهو في رأس صومعة له فقال له: إن نبيا قد بعث بتهامة وإنه كتب إلى الأسقف فأجمع أهل الوادي أن يسيروا إليه شرحبيل بن وداعة وعبد الله بن شرحبيل وجبار بن فيض فيأتونهم بخبره فساروا حتى أتوه فدعاهم إلى المباهلة فكرهوا ملاعنته وحكمه شرحبيل فحكم عليهم حكما وكتب لهم كتابا ثم أقبل الوفد بالكتاب حتى دفعوه إلى الأسقف فبينا الأسقف يقرؤه وبشر معه حتى كبت ببشر ناقته فتعسه فشهد الأسقف أنه نبي مرسل فانصرف أبو علقمة نحوه يريد الإسلام فقال الراهب: أنزلوني وإلا رميت بنفسي من هذه الصومعة فأنزلوه فانطلق الراهب بهدية إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم منها هذا البرد الذي يلبسه الخلفاء والقعب والعصا وأقام الراهب بعد ذلك يسمع كيف ينزل الوحي والسنن والفرائض والحدود وأبى الله للراهب الإسلام فلم يسلم واستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرجعة إلى قومه وقال: إن لي حاجة ومعادا إن شاء الله تعالى فرجع إلى قومه فلم يعد حتى قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم. وإن الأسقف أبا الحارث أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه السيد والعاقب ووجوه قومه وأقاموا عنده يستمعون ما ينزل الله عليه فكتب للأسقف هذا الكتاب وللأساقفة بنجران بعده: ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي إلى الأسقف أبي الحارث وأساقفة نجران وكهنتهم ورهبانهم وأهل بيعهم ورقيقهم وملتهم وسوقتهم وعلى كل ما تحت أيديهم من قليل وكثير جوار الله ورسوله لا يغير أسقف من أسقفته ولا راهب من رهبانيته ولا كاهن من كهانته ولا يغير حق من حقوقهم ولا سلطانهم ولا مما كانوا عليه على ذلك جوار الله ورسوله أبدا ما نصحوا وأصلحوا عليهم غير منقلبين بظالم ولا ظالمين ) . وكتب المغيرة بن شعبة فلما قبض الأسقف الكتاب استأذن في الانصراف إلى(3\/556)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1462",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10028",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قومه ومن معه فأذن لهم فانصرفوا. وروى البيهقي بإسناد صحيح إلى ابن مسعود أن السيد والعاقب أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم فأراد أن يلاعنهما فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه فوالله إن كان نبيا فلاعنته لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا قالوا له: نعطيك ما سألت فابعث معنا رجلا أمينا ولا تبعث معنا إلا أمينا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (quot; لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين quot; فاستشرف لها أصحابه فقال: quot; قم يا أبا عبيدة بن الجراح quot; فلما قام قال: quot; هذا أمين هذه الأمة ) . ورواه البخاري في quot; صحيحه quot; من حديث حذيفة بنحوه. وفي quot; صحيح مسلم quot; من حديث المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى نجران فقالوا فيما قالوا: أرأيت ما يقرءون (يا أخت هارون)  وقد كان بين عيسى وموسى ما قد علمتم قال: فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم فأخبرته قال: (أفلا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون - بأسماء أنبيائهم والصالحين الذين كانوا قبلهم ) . وروينا عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب إلى أهل نجران ليجمع صدقاتهم ويقدم عليه بجزيتهم.  [فصل في فقه هذه القصة] ففيها: جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين.(3\/557)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1463",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10029",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيها: تمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين وفي مساجدهم أيضا إذا كان ذلك عارضا ولا يمكنون من اعتياد ذلك. وفيها: أن إقرار الكاهن الكتابي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنه نبي لا يدخله في الإسلام ما لم يلتزم طاعته ومتابعته فإذا تمسك بدينه بعد هذا الإقرار لا يكون ردة منه ونظير هذا قول الحبرين له وقد سألاه عن ثلاث مسائل فلما أجابهما  قالا: نشهد أنك نبي قال: (فما يمنعكما من اتباعي)  قالا: نخاف أن تقتلنا اليهود ولم يلزمهما بذلك الإسلام. ونظير ذلك شهادة عمه أبي طالب له بأنه صادق وأن دينه من خير أديان البرية دينا ولم تدخله هذه الشهادة في الإسلام. ومن تأمل ما في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة وأنه صادق فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام علم أن الإسلام أمر وراء ذلك وأنه ليس هو المعرفة فقط ولا المعرفة والإقرار فقط بل المعرفة والإقرار والانقياد والتزام طاعته ودينه ظاهرا وباطنا. وقد اختلف أئمة الإسلام في الكافر إذا قال: أشهد أن محمدا رسول الله ولم يزد هل يحكم بإسلامه بذلك على ثلاثة أقوال وهي ثلاث روايات عن الإمام أحمد إحداها: يحكم بإسلامه بذلك. والثانية: لا يحكم بإسلامه حتى يأتي بشهادة أن لا إله إلا الله. والثالثة: أنه إذا كان مقرا بالتوحيد حكم بإسلامه وإن لم يكن مقرا لم يحكم بإسلامه حتى يأتي به وليس هذا موضع استيفاء هذه المسألة وإنما أشرنا إليه إشارة وأهل الكتابين مجمعون على أن نبيا يخرج في آخر الزمان وهم ينتظرونه ولا يشك علماؤهم في أنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وإنما يمنعهم من الدخول في الإسلام رئاستهم على قومهم وخضوعهم لهم وما ينالونه منهم من المال والجاه. ومنها: جواز مجادلة أهل الكتاب ومناظرتهم بل استحباب ذلك بل وجوبه إذا ظهرت مصلحته من إسلام من يرجى إسلامه منهم وإقامة الحجة(3\/558)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1464",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10030",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليهم ولا يهرب من مجادلتهم إلا عاجز عن إقامة الحجة فليول ذلك إلى أهله وليخل بين المطي وحاديها والقوس وباريها ولولا خشية الإطالة لذكرنا من الحجج التي تلزم أهل الكتابين الإقرار بأنه رسول الله بما في كتبهم وبما يعتقدونه بما لا يمكنهم دفعه ما يزيد على مائة طريق ونرجو من الله سبحانه إفرادها بمصنف مستقل. ودار بيني وبين بعض علمائهم مناظرة في ذلك فقلت له في أثناء الكلام: ولا يتم لكم القدح في نبوة نبينا - صلى الله عليه وسلم - إلا بالطعن في الرب تعالى والقدح فيه ونسبته إلى أعظم الظلم والسفه والفساد تعالى الله عن ذلك فقال كيف يلزمنا ذلك قلت: بل أبلغ من ذلك لا يتم لكم ذلك إلا بجحوده وإنكار وجوده تعالى وبيان ذلك أنه إذا كان محمد عندكم ليس بنبي صادق وهو بزعمكم ملك ظالم فقد تهيأ له أن يفتري على الله ويتقول عليه ما لم يقله ثم يتم له ذلك ويستمر حتى يحلل ويحرم ويفرض الفرائض ويشرع الشرائع وينسخ الملل ويضرب الرقاب ويقتل أتباع الرسل وهم أهل الحق ويسبي نساءهم وأولادهم ويغنم أموالهم وديارهم ويتم له ذلك حتى يفتح الأرض وينسب ذلك كله إلى أمر الله تعالى له به ومحبته له والرب تعالى يشاهده وما يفعل بأهل الحق وأتباع الرسل وهو مستمر في الافتراء عليه ثلاثا وعشرين سنة وهو مع ذلك كله يؤيده وينصره ويعلي أمره ويمكن له من أسباب النصر الخارجة عن عادة البشر وأعجب من ذلك أنه يجيب دعواته ويهلك أعداءه من غير فعل منه نفسه ولا سبب بل تارة بدعائه وتارة يستأصلهم سبحانه من غير دعاء منه - صلى الله عليه وسلم. ومع ذلك يقضي له كل حاجة سأله إياها ويعده كل وعد جميل ثم ينجز له وعده على أتم الوجوه وأهنئها وأكملها هذا وهو عندكم في غاية الكذب والافتراء والظلم فإنه لا أكذب ممن كذب على الله واستمر على ذلك ولا أظلم ممن أبطل شرائع أنبيائه ورسله وسعى في رفعها من الأرض وتبديلها بما يريد هو وقتل أولياءه وحزبه وأتباع رسله واستمرت نصرته عليهم دائما والله تعالى في ذلك كله(3\/559)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1465",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10031",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقره ولا يأخذ منه باليمين ولا يقطع منه الوتين وهو يخبر عن ربه أنه أوحى إليه أنه لا أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله [الأنعام: 93] [الأنعام: 93]  فيلزمكم معاشر من كذبه أحد أمرين لا بد لكم منهما: إما أن تقولوا: لا صانع للعالم ولا مدبر ولو كان للعالم صانع مدبر قدير حكيم لأخذ على يديه ولقابله أعظم مقابلة وجعله نكالا للظالمين إذ لا يليق بالملوك غير هذا فكيف بملك السماوات والأرض وأحكم الحاكمين . الثاني: نسبة الرب إلى ما لا يليق به من الجور والسفه والظلم وإضلال الخلق دائما أبد الآباد لا بل نصرة الكاذب والتمكين له من الأرض وإجابة دعواته وقيام أمره من بعده وإعلاء كلماته دائما وإظهار دعوته والشهادة له بالنبوة قرنا بعد قرن على رءوس الأشهاد في كل مجمع وناد فأين هذا من فعل أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين فلقد قدحتم في رب العالمين أعظم قدح وطعنتم فيه أشد طعن وأنكرتموه بالكلية ونحن لا ننكر أن كثيرا من الكذابين قام في الوجود وظهرت له شوكة ولكن لم يتم له أمره ولم تطل مدته بل سلط عليه رسله وأتباعهم فمحقوا أثره وقطعوا دابره واستأصلوا شأفته. هذه سنته في عباده منذ قامت الدنيا وإلى أن يرث الأرض ومن عليها. فلما سمع مني هذا الكلام قال: معاذ الله أن نقول إنه ظالم أو كاذب بل كل منصف من أهل الكتاب يقر بأن من سلك طريقه واقتفى أثره فهو من أهل النجاة والسعادة في الأخرى. قلت له: فكيف يكون سالك طريق الكذاب ومقتفي أثره بزعمكم من أهل النجاة والسعادة فلم يجد بدا من الاعتراف برسالته ولكن لم يرسل إليهم. قلت: فقد لزمك تصديقه ولا بد وهو قد تواترت عنه الأخبار بأنه رسول رب العالمين إلى الناس أجمعين كتابيهم وأميهم ودعا أهل الكتاب إلى دينه(3\/560)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1466",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10032",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقاتل من لم يدخل في دينه منهم حتى أقروا بالصغار والجزية فبهت الكافر ونهض من فوره. والمقصود: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يزل في جدال الكفار على اختلاف مللهم ونحلهم إلى أن توفي وكذلك أصحابه من بعده وقد أمره الله سبحانه بجدالهم بالتي هي أحسن في السورة المكية والمدنية وأمره أن يدعوهم بعد ظهور الحجة إلى المباهلة وبهذا قام الدين وإنما جعل السيف ناصرا للحجة وأعدل السيوف سيف ينصر حجج الله وبيناته وهو سيف رسوله وأمته.  [فصل من عظم مخلوقا بحيث أخرجه عن منزلة العبودية المحضة فقد أشرك] فصل ومنها: أن من عظم مخلوقا فوق منزلته التي يستحقها بحيث أخرجه عن منزلة العبودية المحضة فقد أشرك بالله وعبد مع الله غيره وذلك مخالف لجميع دعوة الرسل. وأما قوله: إنه - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى نجران: (باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب )  فلا أظن ذلك محفوظا وقد كتب إلى هرقل: (بسم الله الرحمن الرحيم )  وهذه كانت سنته في كتبه إلى الملوك كما سيأتي إن شاء الله تعالى وقد وقع في هذه الرواية هذا وقال ذلك قبل أن ينزل عليه: طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين [النمل: 1] [النمل: 1]  وذلك غلط على غلط فإن هذه السورة مكية باتفاق وكتابه إلى نجران بعد مرجعه من تبوك. وفيها: جواز إهانة رسل الكفار وترك كلامهم إذا ظهر منهم التعاظم والتكبر فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكلم الرسل ولم يرد السلام عليهم حتى لبسوا ثياب سفرهم وألقوا حللهم وحلاهم. ومنها: أن السنة في مجادلة أهل الباطل إذا قامت عليهم حجة الله ولم يرجعوا بل أصروا على العناد أن يدعوهم إلى المباهلة وقد أمر الله سبحانه بذلك رسوله ولم يقل: إن ذلك ليس لأمتك من بعدك ودعا إليه ابن عمه عبد الله بن عباس لمن أنكر عليه بعض مسائل الفروع ولم ينكر عليه الصحابة(3\/561)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1467",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10033",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ودعا إليه الأوزاعي سفيان الثوري في مسألة رفع اليدين ولم ينكر عليه ذلك وهذا من تمام الحجة. ومنها: جواز صلح أهل الكتاب على ما يريد الإمام من الأموال ومن الثياب وغيرها ويجرى ذلك مجرى ضرب الجزية عليهم فلا يحتاج إلى أن يفرد كل واحد منهم بجزية بل يكون ذلك المال جزية عليهم يقتسمونها كما أحبوا ولما بعث معاذا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافريا. والفرق بين الموضعين أن أهل نجران لم يكن فيهم مسلم وكانوا أهل صلح وأما اليمن فكانت دار الإسلام وكان فيهم يهود فأمره أن يضرب الجزية على كل واحد منهم والفقهاء يخصون الجزية بهذا القسم دون الأول وكلاهما جزية فإنه مال مأخوذ من الكفار على وجه الصغار في كل عام. منها: جواز ثبوت الحلل في الذمة كما تثبت في الدية أيضا وعلى هذا يجوز ثبوتها في الذمة بعقد السلم وبالضمان وبالتلف كما تثبت فيها بعقد الصداق والخلع. ومنها: أنه يجوز معاوضتهم على ما صالحوا عليه من المال بغيره من أموالهم بحسابه. ومنها: اشتراط الإمام على الكفار أن يؤووا رسله ويكرموهم ويضيفوهم أياما معدودة. ومنها: جواز اشتراطه عليهم عارية ما يحتاج المسلمون إليه من سلاح أو متاع أو حيوان وأن تلك العارية مضمونة لكن هل هي مضمونة بالشرط أو بالشرع هذا محتمل وقد تقدم الكلام عليه في غزوة حنين وقد صرح هاهنا بأنها مضمونة بالرد ولم يتعرض لضمان التلف. ومنها: أن الإمام لا يقر أهل الكتاب على المعاملات الربوية لأنها حرام في دينهم وهذا كما لا يقرهم على السكر ولا على اللواط والزنى بل يحدهم على ذلك.(3\/562)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1468",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10034",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: أنه لا يجوز أن يؤخذ رجل من الكفار بظلم آخر كما لا يجوز ذلك في حق المسلمين وكلاهما ظلم. ومنها: أن عقد العهد والذمة مشروط بنصح أهل العهد والذمة وإصلاحهم فإذا غشوا المسلمين وأفسدوا في دينهم فلا عهد لهم ولا ذمة وبهذا أفتينا نحن وغيرنا في انتقاض عهدهم لما حرقوا الحريق العظيم في دمشق حتى سرى إلى الجامع وبانتقاض عهد من واطأهم وأعانهم بوجه ما بل ومن علم ذلك ولم يرفعوا إلى ولي الأمر فإن هذا من أعظم الغش والضرر بالإسلام والمسلمين. . ومنها: بعث الإمام الرجل إلى أهل الهدنة في مصلحة الإسلام وأنه ينبغي أن يكون أمينا وهو الذي لا غرض له ولا هوى وإنما مراده مجرد مرضاة الله ورسوله لا يشوبها بغيرها فهذا هو الأمين حق الأمين كحال أبي عبيدة بن الجراح. ومنها: مناظرة أهل الكتاب وجوابهم عما سألوه عنه فإن أشكل على المسئول سأل أهل العلم. ومنها: أن الكلام عند الإطلاق يحمل على ظاهره حتى يقوم دليل على خلافه وإلا لم يشكل على المغيرة قوله تعالى: ياأخت هارون [مريم: 28] هذا وليس في الآية ما يدل على أنه هارون بن عمران حتى يلزم الإشكال بل المورد ضم إلى هذا أنه هارون بن عمران ولم يكتف بذلك حتى ضم إليه أنه أخو موسى بن عمران ومعلوم أنه لا يدل اللفظ على شيء من ذلك فإيراده إيراد فاسد وهو إما من سوء الفهم أو فساد القصد. وأما قول ابن إسحاق: إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى أهل نجران ليجمع صدقاتهم ويقدم عليه بجزيتهم فقد يظن أنه كلام متناقض لأن الصدقة والجزية لا تجتمعان وأشكل منه ما يذكره هو وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم(3\/563)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1469",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10035",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثلاثا فإن استجابوا فاقبل منهم وإن لم يفعلوا فقاتلهم. فخرج خالد حتى قدم عليهم فبعث الركاب يضربون في كل وجه ويدعون إلى الإسلام فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام وكتب بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبل ويقبل إليه بوفدهم وقد تقدم أنهم وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فصالحهم على ألفي حلة وكتب لهم كتاب أمن وأن لا يغيروا عن دينهم ولا يحشروا ولا يعشروا. وجواب هذا: أن أهل نجران كانوا صنفين: نصارى وأميين فصالح النصارى على ما تقدم وأما الأميون منهم فبعث إليهم خالد بن الوليد فأسلموا وقدم وفدهم على النبي صلى الله عليه وسلم وهم الذين قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية quot; قالوا: كنا نجتمع ولا نتفرق ولا نبدأ أحدا بظلم. قال: quot; صدقتم ) وأمر عليهم قيس بن الحصين وهؤلاء هم بنو الحارث بن كعب. فقوله: بعث عليا إلى أهل نجران ليأتيه بصدقاتهم أو جزيتهم أراد به الطائفتين من أهل نجران صدقات من أسلم منهم وجزية النصارى.  [فصل في قدوم رسول فروة بن عمرو الجذامي ملك عرب الروم] قال ابن إسحاق: وبعث فروة بن عمرو الجذامي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولا بإسلامه وأهدى له بغلة بيضاء وكان فروة عاملا للروم على من يليهم من العرب وكان منزله معان وما حوله من أرض الشام فلما بلغ الروم ذلك من إسلامه طلبوه حتى أخذوه فحبسوه عندهم فلما اجتمعت الروم لصلبه على ماء لهم يقال له: عفراء بفلسطين قال ألا هل أتى سلمى بأن حليلها ... على ماء عفرا فوق إحدى الرواحل(3\/564)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1470",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10036",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على ناقة لم يضرب الفحل أمها مشذبة أطرافها بالمناجل قال ابن إسحاق: وزعم الزهري أنهم لما قدموه ليقتلوه قال: بلغ سراة المسلمين بأنني ... سلم لربي أعظمي ومقامي ثم ضربوا عنقه وصلبوه على ذلك الماء يرحمه الله تعالى.  [فصل في قدوم وفد بني سعد بن بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم] قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن الوليد بن نويفع عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم عليه فأناخ بعيره على باب المسجد فعقله ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد جالس في أصحابه فقال: أيكم ابن عبد المطلب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أنا ابن عبد المطلب quot; فقال: محمد فقال: quot; نعم quot; فقال: يا ابن عبد المطلب إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة فلا تجدن في نفسك. فقال: quot; لا أجد في نفسي فسل عما بدا لك quot; فقال: أنشدك الله إلهك وإله أهلك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله بعثك إلينا رسولا قال: quot; اللهم نعم quot; قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله أمرك أن نعبده لا نشرك به شيئا وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; اللهم نعم quot; ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة: الصلاة والزكاة والصيام والحج وفرائض الإسلام كلها ينشده عند كل فريضة كما نشده في التي قبلها حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه لا أزيد ولا أنقص ثم انصرف راجعا إلى بعيره فقال(3\/565)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1471",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10037",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولى: quot; إن يصدق ذو العقيصتين يدخل الجنة ) . وكان ضمام رجلا جلدا أشعر ذا غديرتين ثم أتى بعيره فأطلق عقاله ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا عليه وكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى فقالوا: مه يا ضمام اتق البرص والجنون والجذام. قال: ويلكم إنهما ما يضران ولا ينفعان إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإني قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه فوالله ما أمسى من ذلك اليوم في حاضرته رجل ولا امرأة إلا مسلما. قال ابن إسحاق: فما سمعنا بوافد قوم أفضل من ضمام بن ثعلبة والقصة في quot; الصحيحين quot; من حديث أنس بنحو هذه. وذكر الحج في هذه القصة يدل على أن قدوم ضمام كان بعد فرض الحج وهذا بعيد فالظاهر أن هذه اللفظة مدرجة من كلام بعض الرواة والله أعلم.  [فصل في قدوم طارق بن عبد الله وقومه على رسول الله صلى الله عليه وسلم] روينا في ذلك لأبي بكر البيهقي عن جامع بن شداد قال: حدثني رجل يقال له: طارق بن عبد الله. قال: إني لقائم بسوق المجاز إذ أقبل رجل عليه(3\/566)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1472",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10038",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جبة له وهو يقول: ( يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا ) ورجل يتبعه يرميه بالحجارة يقول: يا أيها الناس! لا تصدقوه فإنه كذاب فقلت: من هذا فقالوا: هذا غلام من بني هاشم الذي يزعم أنه رسول الله قال: قلت: من هذا الذي يفعل به هذا قالوا: هذا عمه عبد العزى قال: فلما أسلم الناس وهاجروا خرجنا من الربذة نريد المدينة نمتار من تمرها فلما دنونا من حيطانها ونخلها قلنا: لو نزلنا فلبسنا ثيابا غير هذه فإذا رجل في طمرين له فسلم وقال: من أين أقبل القوم قلنا: من الربذة. قال: وأين تريدون قلنا: نريد هذه المدينة قال: ما حاجتكم فيها قلنا: نمتار من تمرها. قال: ومعنا ظعينة لنا ومعنا جمل أحمر مخطوم فقال: أتبيعون جملكم هذا قالوا: نعم بكذا وكذا صاعا من تمر قال: فما استوضعنا مما قلنا شيئا فأخذ بخطام الجمل فانطلق فلما توارى عنا بحيطان المدينة ونخلها قلنا: ما صنعنا والله ما بعنا جملنا ممن نعرف ولا أخذنا له ثمنا قال: تقول المرأة التي معنا: والله لقد رأيت رجلا كأن وجهه شقة القمر ليلة البدر أنا ضامنة لثمن جملكم. وفي رواية ابن إسحاق: قالت الظعينة: فلا تلاوموا فلقد رأيت وجه رجل لا يغدر بكم ما رأيت شيئا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه فبينما هم كذلك إذ أقبل رجل فقال: أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم هذا تمركم فكلوا واشبعوا واكتالوا واستوفوا فأكلنا حتى شبعنا واكتلنا واستوفينا ثم دخلنا المدينة فدخلنا المسجد فإذا هو قائم على المنبر يخطب الناس فأدركنا من خطبته وهو يقول: ( تصدقوا فإن الصدقة خير لكم اليد العليا خير من اليد السفلى أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك أدناك quot; إذ أقبل رجل من بني يربوع أو قال: من الأنصار فقال: يا رسول الله لنا في هؤلاء دماء في الجاهلية. فقال quot; إن أما لا تجني على ولد quot; ثلاث مرات ) .(3\/567)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1473",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10039",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في قدوم وفد تجيب] وقدم عليه صلى الله عليه وسلم وفد تجيب وهم من السكون ثلاثة عشر رجلا قد ساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم وأكرم منزلهم وقالوا: يا رسول الله: سقنا إليك حق الله في أموالنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ردوها فاقسموها على فقرائكم quot; قالوا: يا رسول الله ما قدمنا عليك إلا بما فضل عن فقرائنا فقال أبو بكر: يا رسول الله ما وفد من العرب بمثل ما وفد به هذا الحي من تجيب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; إن الهدى بيد الله عز وجل فمن أراد به خيرا شرح صدره للإيمان quot; وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء فكتب لهم بها وجعلوا يسألونه عن القرآن والسنن فازداد رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم رغبة وأمر بلالا أن يحسن ضيافتهم فأقاموا أياما ولم يطيلوا اللبث فقيل لهم: ما يعجبكم فقالوا: نرجع إلى من وراءنا فنخبرهم برؤيتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلامنا إياه وما رد علينا ثم جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعونه فأرسل إليهم بلالا فأجازهم بأرفع ما كان يجيز به الوفود. قال: quot; هل بقي منكم أحد quot; قالوا: نعم. غلام خلفناه على رحالنا هو أحدثنا سنا قال: quot; أرسلوه إلينا quot; فلما رجعوا إلى رحالهم قالوا للغلام: انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض حاجتك منه فإنا قد قضينا حوائجنا منه وودعناه فأقبل الغلام حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني امرؤ من بني أبذى يقول: من الرهط الذين أتوك آنفا فقضيت حوائجهم فاقض حاجتي يا رسول الله. قال: quot; وما حاجتك quot; قال إن حاجتي ليست كحاجة أصحابي وإن كانوا قدموا راغبين في الإسلام وساقوا ما ساقوا من صدقاتهم وإني والله ما أعملني من بلادي إلا أن تسأل الله عز وجل أن يغفر(3\/568)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1474",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10040",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لي ويرحمني وأن يجعل غناي في قلبي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وأقبل إلى الغلام -: اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه في قلبه quot; ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه فانطلقوا راجعين إلى أهليهم ثم وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم بمنى سنة عشر فقالوا: نحن بنو أبذى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل الغلام الذي أتاني معكم قالوا: يا رسول الله ما رأينا مثله قط ولا حدثنا بأقنع منه بما رزقه الله لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها ولا التفت إليها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحمد لله إني لأرجو أن يموت جميعا فقال رجل منهم: أوليس يموت الرجل جميعا يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تشعب أهواؤه وهمومه في أودية الدنيا فلعل أجله أن يدركه في بعض تلك الأودية فلا يبالي الله عز وجل في أيها هلك quot; قالوا: فعاش ذلك الغلام فينا على أفضل حال وأزهده في الدنيا وأقنعه بما رزق فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجع من رجع من أهل اليمن عن الإسلام قام في قومه فذكرهم الله والإسلام فلم يرجع منهم أحد وجعل أبو بكر الصديق يذكره ويسأل عنه حتى بلغه حاله وما قام به فكتب إلى زياد بن لبيد يوصيه به خيرا) .  [فصل في قدوم وفد بني سعد هذيم من قضاعة] قال الواقدي: عن أبي النعمان عن أبيه من بني سعد هذيم: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وافدا في نفر من قومي وقد أوطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاد غلبة وأداخ العرب والناس صنفان: إما داخل في الإسلام راغب فيه وإما خائف من السيف فنزلنا ناحية من المدينة ثم خرجنا نؤم المسجد حتى انتهينا إلى بابه فنجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على جنازة في المسجد فقمنا ناحية ولم ندخل مع الناس في صلاتهم حتى نلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبايعه ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم(3\/569)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1475",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10041",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فنظر إلينا فدعا بنا فقال quot; من أنتم quot; فقلنا: من بني سعد هذيم فقال: (أمسلمون أنتم quot; قلنا: نعم. قال: فهلا صليتم على أخيكم قلنا: يا رسول الله ظننا أن ذلك لا يجوز لنا حتى نبايعك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; أينما أسلمتم فأنتم مسلمون quot; قالوا: فأسلمنا وبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام ثم انصرفنا إلى رحالنا قد خلفنا عليها أصغرنا فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبنا فأتي بنا إليه فتقدم صاحبنا إليه فبايعه على الإسلام فقلنا: يا رسول الله إنه أصغرنا وإنه خادمنا فقال: quot; أصغر القوم خادمهم بارك الله عليه quot; قال: فكان والله خيرنا وأقرأنا للقرآن لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له ثم أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا فكان يؤمنا ولما أردنا الانصراف أمر بلالا فأجازنا بأواق من فضة لكل رجل منا فرجعنا إلى قومنا فرزقهم الله الإسلام )  [فصل في قدوم وفد بني فزارة] قال أبو الربيع بن سالم في كتاب quot; الاكتفاء quot;: ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك قدم عليه وفد بني فزارة بضعة عشر رجلا فيهم خارجة بن حصن والحر بن قيس ابن أخي عيينة بن حصن وهو أصغرهم فنزلوا في دار رملة بنت الحارث وجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرين بالإسلام وهم مسنتون على ركاب عجاف فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بلادهم فقال أحدهم: يا رسول الله(3\/570)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1476",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10042",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أسنتت بلادنا وهلكت مواشينا وأجدب جنابنا وغرث عيالنا فادع لنا ربك يغيثنا واشفع لنا إلى ربك وليشفع لنا ربك إليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( سبحان الله! ويلك هذا إنما شفعت إلى ربي عز وجل فمن الذي يشفع ربنا إليه لا إله إلا هو العظيم وسع كرسيه السماوات والأرض فهي تئط من عظمته وجلاله كما يئط الرحل الجديد quot; وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل ليضحك من شغفكم وأزلكم وقرب غياثكم quot; فقال الأعرابي: يا رسول الله ويضحك ربنا عز وجل قال: quot; نعم quot; فقال الأعرابي: لن نعدم من رب يضحك خيرا. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم من قوله وصعد المنبر فتكلم بكلمات وكان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا رفع الاستسقاء فرفع يديه حتى رئي بياض إبطيه وكان مما حفظ من دعائه: quot; اللهم اسق بلادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا طبقا واسعا عاجلا غير آجل نافعا غير ضار اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء ) .(3\/571)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1477",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10043",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في قدوم وفد بني أسد] وقدم عليه صلى الله عليه وسلم وفد بني أسد عشرة رهط فيهم وابصة بن معبد وطلحة بن خويلد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس مع أصحابه في المسجد فتكلموا فقال متكلمهم: يا رسول الله إنا شهدنا أن الله وحده لا شريك له وأنك عبده ورسوله وجئناك يا رسول الله ولم تبعث إلينا بعثا ونحن لمن وراءنا. قال محمد بن كعب القرظي: فأنزل الله على رسوله يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين [الحجرات: 17] [الحجرات: 17] وكان مما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه يومئذ: العيافة والكهانة وضرب الحصى فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك كله فقالوا: يا رسول الله إن هذه أمور كنا نفعلها في الجاهلية أرأيت خصلة بقيت قال: quot; وما هي quot; قالوا: الخط. قال: quot; علمه نبي من الأنبياء فمن صادف مثل علمه علم quot;.(3\/572)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1478",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10044",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في قدوم وفد بهراء] ذكر الواقدي عن كريمة بنت المقداد قالت: سمعت أمي ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب تقول: قدم وفد بهراء من اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ثلاثة عشر رجلا فأقبلوا يقودون رواحلهم حتى انتهوا إلى باب المقداد ونحن في منازلنا ببني حديلة فخرج إليهم المقداد فرحب بهم فأنزلهم وجاءهم بجفنة من حيس قد كنا هيأناها قبل أن يحلوا لنجلس عليها فحملها المقداد وكان كريما على الطعام فأكلوا منها حتى نهلوا وردت إلينا القصعة وفيها أكل فجمعنا تلك الأكل في قصعة صغيرة ثم بعثنا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سدرة مولاتي فوجدته في بيت أم سلمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ضباعة أرسلت بهذا قالت سدرة: نعم يا رسول الله قال: ضعي ثم قال: quot; ما فعل ضيف أبي معبد قلت: عندنا قالت: فأصاب منها رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلا هو ومن معه في البيت حتى نهلوا وأكلت معهم سدرة ثم قال: اذهبي بما بقي إلى ضيفكم quot; قالت سدرة: فرجعت بما بقي في القصعة إلى مولاتي قالت: فأكل منها الضيف ما أقاموا نرددها عليهم وما تغيض حتى جعل القوم يقولون: يا أبا معبد إنك لتنهلنا من أحب الطعام إلينا ما كنا نقدر على مثل هذا إلا في الحين وقد ذكر لنا أن الطعام ببلادكم إنما هو العلقة أو نحوه ونحن عندك في الشبع. فأخبرهم أبو معبد بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أكل منها أكلا وردها فهذه بركة أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل القوم يقولون: نشهد أنه رسول الله وازدادوا يقينا. وذلك الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتعلموا الفرائض وأقاموا أياما ثم جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعونه وأمر لهم بجوائزهم وانصرفوا إلى أهليهم )(3\/573)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1479",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10045",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في قدوم وفد عذرة] وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد عذرة في صفر سنة تسع اثنا عشر رجلا فيهم جمرة بن النعمان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من القوم quot; فقال متكلمهم: من لا تنكره نحن بنو عذرة إخوة قصي لأمه نحن الذين عضدوا قصيا وأزاحوا من بطن مكة خزاعة وبني بكر ولنا قرابات وأرحام. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مرحبا بكم وأهلا ما أعرفني بكم  فأسلموا وبشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بفتح الشام وهرب هرقل إلى ممتنع من بلاده ونهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سؤال الكاهنة وعن الذبائح التي كانوا يذبحونها وأخبرهم أن ليس عليهم إلا الأضحية فأقاموا أياما بدار رملة ثم انصرفوا وقد أجيزوا)  [فصل في قدوم وفد بلي] [قدوم وفد بلي] فصل في قدوم وفد بلي وقدم عليه وفد بلي في ربيع الأول من سنة تسع فأنزلهم رويفع بن ثابت البلوي عنده وقدم بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: هؤلاء قومي. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: مرحبا بك وبقومك quot; فأسلموا وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; الحمد لله الذي هداكم للإسلام فكل من مات على غير الإسلام فهو في النار quot; فقال له أبو الضبيب شيخ الوفد: يا رسول الله إن لي رغبة في الضيافة فهل لي في ذلك أجر قال: quot; نعم وكل معروف صنعته إلى غني أو فقير فهو صدقة quot;. قال يا رسول الله: ما وقت الضيافة قال: quot; ثلاثة أيام فما كان بعد(3\/574)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1480",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10046",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "ما يتعلق بقصة وفد بلي من فوائد",
        "content": "ذلك فهو صدقة ولا يحل للضيف أن يقيم عندك فيحرجك quot; قال يا رسول الله: أرأيت الضالة من الغنم أجدها في الفلاة من الأرض قال: هي لك أو لأخيك أو للذئب quot; قال: فالبعير قال: quot; ما لك وله دعه حتى يجده صاحبه quot; قال رويفع: ثم قاموا فرجعوا إلى منزلي فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي منزلي يحمل تمرا فقال: quot; استعن بهذا التمر quot; وكانوا يأكلون منه ومن غيره فأقاموا ثلاثا ثم ودعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجازهم ورجعوا إلى بلادهم ) .  [ما يتعلق بقصة وفد بلي من فوائد] فصل في هذه القصة من الفقه: إن للضيف حقا على من نزل به وهو ثلاث مراتب: حق واجب وتمام مستحب وصدقة من الصدقات. فالحق الواجب يوم وليلة وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم المراتب الثلاثة في الحديث المتفق على صحته من حديث أبي شريح الخزاعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته quot; قالوا: وما جائزته يا رسول الله قال: يومه وليلته والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه ) وفيه جواز التقاط الغنم وأن الشاة إذا لم يأت صاحبها فهي ملك الملتقط واستدل بهذا بعض أصحابنا على أن الشاة ونحوها مما يجوز التقاطه يخير الملتقط بين أكله في الحال وعليه قيمته وبين بيعه وحفظ ثمنه وبين تركه والإنفاق عليه من ماله وهل يرجع به على وجهين لأنه صلى الله عليه وسلم جعلها له إلا أن يظهر صاحبها وإذا كانت له خير بين هذه الثلاثة فإذا ظهر صاحبها دفعها إليه أو قيمتها وأما متقدمو أصحاب أحمد فعلى خلاف هذا. قال أبو الحسين: لا يتصرف فيها قبل الحول رواية واحدة قال: وإن قلنا: يأخذ ما لا يستقل بنفسه(3\/575)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1481",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10047",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كالغنم فإنه لا يتصرف بأكل ولا غيره رواية واحدة وكذلك قال ابن عقيل. ونص أحمد في رواية أبي طالب في الشاة: يعرفها سنة فإن جاء صاحبها ردها إليه وكذلك قال الشريفان: لا يملك الشاة قبل الحول رواية واحدة. وقال أبو بكر: وضالة الغنم إذا أخذها يعرفها سنة وهو الواجب فإذا مضت السنة ولم يعرف صاحبها كانت له والأول أفقه وأقرب إلى مصلحة الملتقط والمالك إذ قد يكون تعريفها سنة مستلزما لتغريم مالكها أضعاف قيمتها إن قلنا: يرجع عليه بنفقتها وإن قلنا: لا يرجع استلزم تغريم الملتقط ذلك وإن قيل يدعها ولا يلتقطها كانت للذئب وتلفت والشارع لا يأمر بضياع المال. فإن قيل: فهذا الذي رجحتموه مخالف لنصوص أحمد وأقوال أصحابه وللدليل أيضا. أما مخالفة نصوص أحمد فمما تقدم حكايته في رواية أبي طالب ونص أيضا في روايته في مضطر وجد شاة مذبوحة وشاة ميتة قال: يأكل من الميتة ولا يأكل من المذبوحة الميتة أحلت والمذبوحة لها صاحب قد ذبحها. يريد أن يعرفها ويطلب صاحبها فإذا أوجب إبقاء المذبوحة على حالها فإبقاء الشاة الحية بطريق الأولى وأما مخالفة كلام الأصحاب فقد تقدم وأما مخالفة الدليل ففي حديث عبد الله بن عمرو: يا رسول الله كيف ترى في ضالة الغنم فقال: (هي لك أو لأخيك أو للذئب احبس على أخيك ضالته quot; وفي لفظ: quot; رد على أخيك ضالته quot;) وهذا يمنع البيع والذبح. قيل: ليس في نص أحمد أكثر من التعريف ومن يقول: إنه مخير بين أكلها وبيعها وحفظها لا يقول بسقوط التعريف بل يعرفها مع ذلك وقد عرف شيتها وعلامتها فإن ظهر صاحبها أعطاه القيمة. فقول أحمد: يعرفها أعم من تعريفها(3\/576)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1482",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10048",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهي باقية أو تعريفها وهي مضمونة في الذمة لمصلحة صاحبها وملتقطها ولا سيما إذا التقطها في السفر فإن في إيجاب تعريفها سنة من الحرج والمشقة ما لا يرضى به الشارع وفي تركها من تعريضها للإضاعة والهلاك ما ينافي أمره بأخذها وإخباره أنه إن لم يأخذها كانت للذئب فيتعين ولا بد: إما بيعها وحفظ ثمنها وإما أكلها وضمان قيمتها أو مثلها. وأما مخالفة الأصحاب فالذي اختار التخيير من أكبر أئمة الأصحاب ومن يقاس بشيوخ المذهب الكبار الأجلاء وهو أبو محمد المقدسي قدس الله روحه ولقد أحسن في اختياره التخيير كل الإحسان. وأما مخالفة الدليل فأين في الدليل الشرعي المنع من التصرف في الشاة الملتقطة في المفازة وفي السفر بالبيع والأكل وإيجاب تعريفها والإنفاق عليها سنة مع الرجوع بالإنفاق أو مع عدمه هذا ما لا تأتي به شريعة فضلا أن يقوم عليه دليل وقوله صلى الله عليه وسلم: quot; احبس على أخيك ضالته quot; صريح في أن المراد به أن لا يستأثر بها دونه ويزيل حقه فإذا كان بيعها وحفظ ثمنها خيرا له من تعريفها سنة والإنفاق عليها وتغريم صاحبها أضعاف قيمتها كان حبسها وردها عليه هو بالتخيير الذي يكون له فيه الحظ والحديث يقتضيه بفحواه وقوته وهذا ظاهر وبالله التوفيق. ومنها: أن البعير لا يجوز التقاطه اللهم إلا أن يكون فلوا صغيرا لا يمتنع من الذئب ونحوه فحكمه حكم الشاة بتنبيه النص ودلالته.  [فصل في قدوم وفد ذي مرة] وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد ذي مرة ثلاثة عشر رجلا رأسهم الحارث بن عوف فقالوا: يا رسول الله إنا قومك وعشيرتك نحن قوم من بني لؤي بن(3\/577)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1483",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10049",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غالب. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال للحارث: ( أين تركت أهلك قال بسلاح وما والاها. قال وكيف البلاد قال: والله إنا لمسنتون ما في المال مخ فادع الله لنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; اللهم اسقهم الغيث quot; فأقاموا أياما ثم أرادوا الانصراف إلى بلادهم فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مودعين له فأمر بلالا أن يجيزهم فأجازهم بعشر أواق فضة وفضل الحارث بن عوف أعطاه اثنتي عشرة أوقية ورجعوا إلى بلادهم فوجدوا البلاد مطيرة فسألوا: متى مطرتم فإذا هو ذلك اليوم الذي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وأخصبت بعد ذلك بلادهم) .  [فصل في قدوم وفد خولان] (وقدم عليه صلى الله عليه وسلم في شهر شعبان سنة عشر وفد خولان وهم عشرة فقالوا: يا رسول الله نحن على من وراءنا من قومنا ونحن مؤمنون بالله عز وجل ومصدقون برسوله وقد ضربنا إليك آباط الإبل وركبنا حزون الأرض وسهولها والمنة لله ولرسوله علينا وقدمنا زائرين لك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; أما ما ذكرتم من مسيركم إلي فإن لكم بكل خطوة خطاها بعير أحدكم حسنة وأما قولكم زائرين لك فإنه من زارني بالمدينة كان في جواري يوم القيامة quot; قالوا: يا رسول الله هذا السفر الذي لا توى عليه ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; ما فعل عم أنس quot;. - وهو صنم خولان الذي كانوا يعبدونه - قالوا: أبشر بدلنا الله به ما جئت به وقد بقيت منا بقايا - من شيخ كبير وعجوز كبيرة - متمسكون به ولو قدمنا عليه لهدمناه إن شاء الله فقد كنا منه في غرور وفتنة. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; وما أعظم ما رأيتم من فتنته quot; قالوا: لقد رأيتنا أسنتنا حتى أكلنا الرمة فجمعنا ما قدرنا عليه وابتعنا به مائة ثور ونحرناها quot; لعم أنس quot; قربانا في غداة واحدة وتركناها تردها السباع ونحن أحوج إليها من السباع فجاءنا الغيث(3\/578)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1484",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10050",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من ساعتنا ولقد رأينا العشب يواري الرجال ويقول قائلنا: أنعم علينا quot; عم أنس quot; وذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانوا يقسمون لصنمهم هذا من أنعامهم وحروثهم وأنهم كانوا يجعلون من ذلك جزءا له وجزءا لله بزعمهم قالوا: كنا نزرع الزرع فنجعل له وسطه فنسميه له ونسمي زرعا آخر حجرة لله فإذا مالت الريح فالذي سميناه لله جعلناه لعم أنس وإذا مالت الريح فالذي جعلناه لعم أنس لم نجعله لله فذكر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله أنزل علي في ذلك وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا [الأنعام: 136] [الأنعام 136] قالوا: وكنا نتحاكم إليه فيتكلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot; تلك الشياطين تكلمكم quot; وسألوه عن فرائض الدين فأخبرهم وأمرهم بالوفاء بالعهد وأداء الأمانة وحسن الجوار لمن جاوروا وأن لا يظلموا أحدا. قال: quot; فإن الظلم ظلمات يوم القيامة quot; ثم ودعوه بعد أيام وأجازهم فرجعوا إلى قومهم فلم يحلوا عقدة حتى هدموا quot; عم أنس ) .  [فصل في قدوم وفد محارب] ( وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد محارب عام حجة الوداع وهم كانوا أغلظ العرب وأفظهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك المواسم أيام عرضه نفسه على القبائل يدعوهم إلى الله فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عشرة نائبين عمن وراءهم من قومهم فأسلموا وكان بلال يأتيهم بغداء وعشاء إلى أن جلسوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما من الظهر إلى العصر فعرف رجلا منهم فأمده النظر فلما رآه المحاربي يديم النظر إليه قال: كأنك يا رسول الله توهمني قال: quot; لقد رأيتك quot; قال المحاربي: أي والله لقد رأيتني وكلمتني وكلمتك بأقبح الكلام ورددتك بأقبح الرد بعكاظ وأنت تطوف على الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; نعم quot; ثم قال(3\/579)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1485",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10051",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المحاربي: يا رسول الله ما كان في أصحابي أشد عليك يومئذ ولا أبعد عن الإسلام مني فأحمد الله الذي أبقاني حتى صدقت بك ولقد مات أولئك النفر الذين كانوا معي على دينهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; إن هذه القلوب بيد الله عز وجل quot; فقال المحاربي: يا رسول الله استغفر لي من مراجعتي إياك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; إن الإسلام يجب ما كان قبله من الكفر quot; ثم انصرفوا إلى أهليهم )  [فصل في قدوم وفد صداء في سنة ثمان] [قدوم وفد صداء] فصل في قدوم وفد صداء في سنة ثمان وقدم عليه صلى الله عليه وسلم وفد صداء وذلك أنه لما انصرف من الجعرانة بعث بعوثا وهيأ بعثا استعمل عليه قيس بن سعد بن عبادة وعقد له لواء أبيض ودفع إليه راية سوداء وعسكر بناحية قناة في أربعمائة من المسلمين وأمره أن يطأ ناحية من اليمن كان فيها صداء فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل منهم وعلم بالجيش فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: جئتك وافدا على من ورائي فاردد الجيش وأنا لك بقومي فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم قيس بن سعد من صدر قناة وخرج الصدائي إلى قومه فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر رجلا منهم فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله دعهم ينزلوا علي فنزلوا عليه فحياهم وأكرمهم وكساهم ثم راح بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام فقالوا: نحن لك على من وراءنا من قومنا فرجعوا إلى قومهم ففشا فيهم الإسلام فوافى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مائة رجل في حجة الوداع ذكر هذا الواقدي عن بعض بني المصطلق وذكر من حديث زياد بن الحارث الصدائي أنه الذي قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: اردد الجيش وأنا لك بقومي فردهم. قال: وقدم وفد قومي عليه فقال لي: (يا أخا صداء إنك لمطاع في قومك quot; قال: قلت: بل يا(3\/580)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1486",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10052",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله من الله عز وجل ومن رسوله) . وكان زياد هذا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره قال: فاعتشى رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: سار ليلا واعتشينا معه وكنت رجلا قويا قال: فجعل أصحابه يتفرقون عنه ولزمت غرزه فلما كان في السحر قال: quot; أذن يا أخا صداء quot; فأذنت على راحلتي ثم سرنا حتى ذهبنا فنزل لحاجته ثم رجع فقال: يا أخا صداء هل معك ماء قلت: معي شيء في إداوتي فقال quot; هاته quot; فجئت به فقال quot; صب quot; فصببت ما في الإداوة في القعب فجعل أصحابه يتلاحقون ثم وضع كفه على الإناء فرأيت بين كل أصبعين من أصابعه عينا تفور ثم قال: quot; يا أخا صداء لولا أني أستحي من ربي عز وجل لسقينا واستقينا quot; ثم توضأ وقال: quot; أذن في أصحابي من كانت له حاجة بالوضوء فليرد quot; قال: فوردوا من آخرهم ثم جاء بلال يقيم فقال (إن أخا صداء أذن ومن أذن فهو يقيم) فأقمت ثم تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بنا وكنت سألته قبل أن يؤمرني على قومي ويكتب لي بذلك كتابا ففعل. فلما فرغ من صلاته قام رجل يتشكى من عامله فقال: يا رسول الله: إنه أخذنا بذحول كانت بيننا وبينه في الجاهلية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا خير في الإمارة لرجل مسلم) ثم قام آخر فقال: يا رسول الله أعطني من الصدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; إن الله لم يكل قسمتها إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل حتى جزأها ثمانية أجزاء فإن كنت جزءا منها أعطيتك وإن كنت غنيا عنها فإنما هي صداع في الرأس وداء في البطن quot; فقلت في نفسي: هاتان خصلتان حين سألت الإمارة وأنا رجل مسلم وسألته من الصدقة وأنا غني عنها فقلت: يا رسول الله هذان كتاباك فاقبلهما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; ولم quot; فقلت: إني سمعتك تقول: (لا خير في الإمارة لرجل مسلم) وأنا مسلم وسمعتك تقول: (من سأل من الصدقة وهو غني عنها فإنما هي صداع في الرأس وداء في البطن) وأنا غني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; أما إن الذي قلت كما قلت quot; فقبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال لي: quot; دلني على رجل من قومك أستعمله quot; فدللته على(3\/581)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1487",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10053",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجل منهم فاستعمله قلت: يا رسول الله إن لنا بئرا إذا كان الشتاء كفانا ماؤها وإذا كان الصيف قل علينا فتفرقنا على المياه والإسلام اليوم فينا قليل ونحن نخاف فادع الله عز وجل لنا في بئرنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; ناولني سبع حصيات quot; فناولته فعركهن بيده ثم دفعهن إلي وقال: quot; إذا انتهيت إليها فألق فيها حصاة حصاة وسم الله quot; قال: ففعلت فما أدركنا لها قعرا حتى الساعة .  [فصل في فقه هذه القصة] ففيها: استحباب عقد الألوية والرايات للجيش واستحباب كون اللواء أبيض وجواز كون الراية سوداء من غير كراهة. وفيها: قبول خبر الواحد فإن النبي صلى الله عليه وسلم رد الجيش من أجل خبر الصدائي وحده. وفيها: جواز سير الليل كله في السفر إلى الأذان فإن قوله quot; اعتشى quot; أي: سار عشية ولا يقال لما بعد نصف الليل. وفيها: جواز الأذان على الراحلة. وفيها: طلب الإمام الماء من أحد رعيته للوضوء وليس ذلك من السؤال. وفيها: أنه لا يتيمم حتى يطلب الماء فيعوزه. وفيها: المعجزة الظاهرة بفوران الماء من بين أصابعه لما وضعها فيه أمده الله به وكثره حتى جعل يفور من خلال الأصابع الكريمة والجهال تظن أنه(3\/582)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1488",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10054",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان يشق الأصابع ويخرج من خلال اللحم والدم وليس كذلك وإنما بوضعه أصابعه فيه حلت فيه البركة من الله والمدد فجعل يفور حتى خرج من بين الأصابع وقد جرى له هذا مرارا عديدة بمشهد أصحابه. وفيها: أن السنة أن يتولى الإقامة من تولى الأذان ويجوز أن يؤذن واحد ويقيم آخر كما ثبتت في قصة عبد الله بن زيد أنه لما رأى الأذان وأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ألقه على بلال quot; فألقاه عليه ثم أراد بلال أن يقيم فقال عبد الله بن زيد: يا رسول الله أنا رأيت أريد أن أقيم قال: quot; فأقم quot; فأقام هو وأذن بلال ) ذكره الإمام أحمد رحمه الله. وفيها: جواز تأمير الإمام وتوليته لمن سأله ذلك إذا رآه كفئا ولا يكون سؤاله مانعا من توليته ولا يناقض هذا قوله في الحديث الآخر: ( إنا لن نولي على عملنا من أراده ) فإن الصدائي إنما سأله أن يؤمره على قومه خاصة وكان مطاعا فيهم محببا إليهم وكان مقصوده إصلاحهم ودعاءهم إلى الإسلام فرأى النبي صلى الله عليه وسلم أن مصلحة قومه في توليته فأجابه إليها ورأى أن ذلك السائل(3\/583)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1489",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10055",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنما سأله الولاية لحظ نفسه ومصلحته هو فمنعه منها فولى للمصلحة ومنع للمصلحة فكانت توليته لله ومنعه لله. وفيها: جواز شكاية العمال الظلمة ورفعهم إلى الإمام والقدح فيهم بظلمهم وأن ترك الولاية خير للمسلم من الدخول فيها وأن الرجل إذا ذكر أنه من أهل الصدقة أعطي منها بقوله ما لم يظهر منه خلافه. ومنها: أن الشخص الواحد يجوز أن يكون وحده صنفا من الأصناف لقوله ( إن الله جزأها ثمانية أجزاء فإن كنت جزءا منها أعطيتك ) ومنها: جواز إقالة الإمام لولاية من ولاه إذا سأله ذلك. ومنها: استشارة الإمام لذي الرأي من أصحابه فيمن يوليه. ومنها: جواز الوضوء بالماء المبارك وأن بركته لا توجب كراهة الوضوء منه وعلى هذا فلا يكره الوضوء من ماء زمزم ولا من الماء الذي يجري على ظهر الكعبة. والله أعلم.  [فصل في قدوم وفد غسان] وقدموا في شهر رمضان سنة عشر وهم ثلاثة نفر فأسلموا وقالوا: لا ندري أيتبعنا قومنا أم لا وهم يحبون بقاء ملكهم وقرب قيصر فأجازهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوائز وانصرفوا راجعين فقدموا على قومهم فلم يستجيبوا لهم وكتموا إسلامهم حتى مات منهم رجلان على الإسلام وأدرك الثالث منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام اليرموك فلقي أبا عبيدة فأخبره بإسلامه فكان يكرمه.(3\/584)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1490",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10056",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في قدوم وفد سلامان] وقدم عليه صلى الله عليه وسلم وفد سلامان سبعة نفر فيهم حبيب بن عمرو فأسلموا. قال حبيب: فقلت: ( أي رسول الله ما أفضل الأعمال قال: الصلاة في وقتها ) ثم ذكر حديثا طويلا وصلوا معه يومئذ الظهر والعصر قال: فكانت صلاة العصر أخف من القيام في الظهر ثم شكوا إليه جدب بلادهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده: quot; اللهم اسقهم الغيث في دارهم quot; فقلت: يا رسول الله ارفع يديك فإنه أكثر وأطيب فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه ثم قام وقمنا عنه فأقمنا ثلاثا وضيافته تجري علينا ثم ودعناه وأمر لنا بجوائز فأعطينا خمس أواق لكل رجل منا واعتذر إلينا بلال وقال: ليس عندنا اليوم مال فقلنا: ما أكثر هذا وأطيبه ثم رحلنا إلى بلادنا فوجدناها قد مطرت في اليوم الذي دعا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الساعة . قال الواقدي: وكان مقدمهم في شوال سنة عشر صلى الله عليه وسلم.  [فصل في قدوم وفد بني عبس] وقدم عليه وفد بني عبس فقالوا: يا رسول الله قدم علينا قراؤنا فأخبرونا أنه لا إسلام لمن لا هجرة له ولنا أموال ومواش وهي معايشنا فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة له فلا خير في أموالنا بعناها وهاجرنا من آخرنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اتقوا الله حيث كنتم فلن يلتكم الله من أعمالكم شيئا ) وسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خالد بن سنان: هل له عقب فأخبروه أنه لا عقب له(3\/585)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1491",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10057",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كانت له ابنة فانقرضت وأنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه عن خالد بن سنان فقال: ( نبي ضيعه قومه )  [فصل في قدوم وفد غامد] قال الواقدي: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد غامد سنة عشر وهم عشرة فنزلوا ببقيع الغرقد وهو يومئذ أثل وطرفاء ثم انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفوا عند رحلهم أحدثهم سنا فنام عنه وأتى سارق فسرق عيبة لأحدهم فيها أثواب له وانتهى القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه وأقروا له بالإسلام وكتب لهم كتابا فيه شرائع من شرائع الإسلام وقال لهم: ( من خلفتم في رحالكم quot; فقالوا: أحدثنا يا رسول الله قال: فإنه قد نام عن متاعكم حتى أتى آت فأخذ عيبة أحدكم quot; فقال أحد القوم: يا رسول الله ما لأحد من القوم عيبة غيري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; فقد أخذت وردت إلى موضعها quot; فخرج القوم سراعا حتى أتوا رحلهم فوجدوا صاحبهم فسألوه عما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فزعت من نومي ففقدت العيبة فقمت في طلبها فإذا رجل قد كان قاعدا فلما رآني فثار يعدو مني فانتهيت إلى حيث انتهى فإذا أثر حفر وإذا هو قد غيب العيبة فاستخرجتها فقالوا: نشهد أنه رسول الله فإنه قد أخبرنا بأخذها وأنها قد ردت. فرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه وجاء الغلام الذي خلفوه فأسلم ) وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب فعلمهم قرآنا وأجازهم كما كان يجيز الوفود وانصرفوا.(3\/586)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1492",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10058",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في قدوم وفد الأزد على رسول الله صلى الله عليه وسلم] ذكر أبو نعيم في كتاب quot; معرفة الصحابة quot; والحافظ أبو موسى المديني من حديث أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني قال: حدثني علقمة بن يزيد بن سويد الأزدي قال: حدثني أبي عن جدي سويد بن الحارث قال: وفدت سابع سبعة من قومي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دخلنا عليه وكلمناه أعجبه ما رأى من سمتنا وزينا فقال quot; ما أنتم quot; قلنا: مؤمنون. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (إن لكل قول حقيقة فما حقيقة قولكم وإيمانكم quot; قلنا: خمس عشرة خصلة خمس منها أمرتنا بها رسلك أن نؤمن بها وخمس أمرتنا أن نعمل بها وخمس تخلقنا بها في الجاهلية فنحن عليها الآن إلا أن تكره منها شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; وما الخمس التي أمرتكم بها رسلي أن تؤمنوا بها quot; قلنا: أمرتنا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت. قال: quot; وما الخمس التي أمرتكم أن تعملوا بها quot; قلنا: أمرتنا أن نقول: لا إله إلا الله ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة ونصوم رمضان ونحج البيت الحرام من استطاع إليه سبيلا فقال: quot; وما الخمس التي تخلقتم بها في الجاهلية quot; قالوا: الشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء والرضى بمر القضاء والصدق في مواطن اللقاء وترك الشماتة بالأعداء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء quot; ثم قال: وأنا أزيدكم خمسا فتتم لكم عشرون خصلة إن كنتم كما تقولون فلا تجمعوا ما لا تأكلون ولا تبنوا ما لا تسكنون ولا تنافسوا في شيء أنتم عنه غدا تزولون واتقوا الله الذي إليه ترجعون وعليه تعرضون وارغبوا فيما عليه تقدمون وفيه تخلدون ) فانصرف القوم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظوا وصيته وعملوا بها.(3\/587)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1493",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10059",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في قدوم وفد بني المنتفق على رسول الله صلى الله عليه وسلم] روينا عن عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل في مسند أبيه قال: كتب إلي إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير الزبيري: كتبت إليك بهذا الحديث وقد عرضته وسمعته على ما كتبت به إليك فحدث بذلك عني قال: حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي قال: حدثنا عبد الرحمن بن عياش السمعي الأنصاري عن دلهم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلي عن أبيه عن عمه لقيط بن عامر قال دلهم: وحدثنيه أيضا أبي الأسود بن عبد الله عن عاصم بن لقيط: أن لقيط بن عامر خرج وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه صاحب له يقال له: نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق. قال لقيط: فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافيناه حين انصرف من صلاة الغداة فقام في الناس خطيبا فقال: ( أيها الناس ألا إني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام ألا لتسمعوا اليوم ألا فهل من امرئ بعثه قومه quot; فقالوا له: اعلم لنا ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم quot; ألا ثم رجل لعله يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه أو يلهيه ضال ألا إني مسئول هل بلغت ألا اسمعوا تعيشوا ألا اجلسوا quot; فجلس الناس وقمت أنا وصاحبي حتى إذا فرغ لنا فؤاده ونظره قلت: يا رسول الله ما عندك من علم الغيب فضحك لعمر الله. علم أني أبتغي السقطة فقال: quot; ضن ربك بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلا(3\/588)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1494",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10060",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله quot; وأشار بيده فقلت: ما هن يا رسول الله قال: quot; علم المنية قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه وعلم المني حين يكون في الرحم قد علمه وما تعلمونه وعلم ما في غد قد علم ما أنت طاعم ولا تعلمه وعلم يوم الغيث يشرف عليكم أزلين مشفقين فيظل يضحك قد علم أن غوثكم إلى قريب quot; قال لقيط: فقلت: لن نعدم من رب يضحك خيرا يا رسول الله. قال: quot; وعلم يوم الساعة quot; قلنا: يا رسول الله علمنا مما تعلم الناس وتعلم فإنا من قبيل لا يصدقون تصديقنا أحدا من مذحج التي تربو علينا وخثعم التي توالينا وعشيرتنا التي نحن منها قال: quot; تلبثون ما لبثتم ثم يتوفى نبيكم ثم تلبثون ما لبثتم ثم تبعث الصائحة فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها شيئا إلا مات والملائكة الذين مع ربك فأصبح ربك عز وجل يطوف في الأرض وخلت عليه البلاد فأرسل ربك السماء تهضب من عند العرش فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه حتى تخلفه من عند رأسه فيستوي جالسا فيقول ربك: مهيم لما كان فيه يقول: يا رب أمس اليوم لعهده بالحياة يحسبه حديثا بأهله quot; فقلت: يا رسول الله فكيف يجمعنا بعد ما تمزقنا الرياح والبلى والسباع قال: quot; أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله الأرض أشرفت عليها وهي في مدرة بالية quot; فقلت: لا تحيا أبدا ثم أرسل الله عليها السماء فلم تلبث عليك إلا أياما حتى أشرفت عليها وهي شربة واحدة ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الأرض فتخرجون من الأصواء ومن مصارعكم فتنظرون إليه وينظر إليكم quot; قال: قلت: يا رسول الله كيف ونحن ملء الأرض وهو شخص واحد ينظر إلينا وننظر إليه قال: quot; أنبئك بمثل هذا في آلاء الله الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ويريانكم ساعة واحدة ولا تضارون في رؤيتهما quot; ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه من أن تروا نورهما ويريانكم لا تضارون في رؤيتهما قلت: يا رسول الله فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه قال: quot; تعرضون عليه بادية له صفحاتكم لا يخفى عليه منكم خافية(3\/589)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1495",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10061",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيأخذ ربك عز وجل بيده غرفة من ماء فينضح بها قبلكم فلعمر إلهك ما يخطئ وجه أحد منكم منها قطرة. فأما المسلم فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء وأما الكافر فتنضحه أو قال: فتخطمه بمثل الحمم الأسود ألا ثم ينصرف نبيكم ويفترق على أثره الصالحون فيسلكون جسرا من النار يطأ أحدكم الجمرة يقول: حس يقول ربك عز وجل أو أنه ألا فتطلعون على حوض نبيكم على أظمأ - والله - ناهلة عليها قط رأيتها فلعمر إلهك ما يبسط أحد منكم يده إلا وقع عليها قدح يطهره من الطوف والبول والأذى وتخنس الشمس والقمر فلا ترون منهما واحدا quot;. قال: قلت يا رسول الله فبم نبصر قال: quot; بمثل بصرك ساعتك هذه وذلك قبل طلوع الشمس في يوم أشرقت الأرض وواجهت به الجبال quot; قال: قلت يا رسول الله فبم نجزى من سيئاتنا وحسناتنا قال صلى الله عليه وسلم: quot; الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها إلا أن يعفو quot; قال: قلت يا رسول الله ما الجنة وما النار قال: quot; لعمر إلهك إن النار لها سبعة أبواب ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما وإن الجنة لها ثمانية أبواب ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما quot;. قلت: يا رسول الله فعلام نطلع من الجنة قال: quot; على أنهار من عسل مصفى وأنهار من خمر ما بها صداع ولا ندامة وأنهار من لبن ما يتغير طعمه وماء غير آسن وفاكهة ولعمر إلهك ما تعلمون وخير من مثله معه وأزواج مطهرة. قلت: يا رسول الله أولنا فيها أزواج أو منهن مصلحات قال المصلحات للصالحين quot;. وفي لفظ الصالحات للصالحين تلذونهن ويلذونكم مثل لذاتكم في الدنيا غير أن لا توالد quot; قال لقيط فقلت: يا رسول الله أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه فلم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم قال: قلت يا رسول الله علام أبايعك فبسط النبي صلى الله عليه وسلم يده وقال: quot; على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وزيال المشرك وأن لا تشرك بالله إلها غيره quot; قال قلت: يا رسول الله وإن لنا ما بين المشرق والمغرب فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده وظن أني مشترط ما لا يعطينيه قال: قلت نحل منها حيث شئنا ولا يجني امرؤ إلا على نفسه فبسط يده.(3\/590)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1496",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10062",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: quot; لك ذلك تحل حيث شئت ولا يجني عليك إلا نفسك quot; قال: فانصرفنا عنه ثم قال: quot; ها إن ذين ها إن ذين - مرتين - لعمر إلهك من أتقى الناس في الأولى والآخرة quot; فقال له كعب بن الخدرية - أحد بني بكر بن كلاب -: من هم يا رسول الله قال: quot; بنو المنتفق بنو المنتفق بنو المنتفق أهل ذلك منهم quot; قال: فانصرفنا وأقبلت عليه فقلت: يا رسول الله هل لأحد ممن مضى من خير في جاهليتهم فقال رجل من عرض قريش: والله إن أباك المنتفق لفي النار قال: فكأنه وقع حر بين جلد وجهي ولحمه مما قال لأبي على رءوس الناس فهممت أن أقول: وأبوك يا رسول الله ثم إذا الأخرى أجمل فقلت: يا رسول الله وأهلك قال: quot; وأهلي لعمر الله حيث ما أتيت على قبر عامري أو قرشي من مشرك قل: أرسلني إليك محمد فأبشرك بما يسوءك تجر على وجهك وبطنك في النار quot;. قال: قلت يا رسول الله وما فعل بهم ذلك وقد كانوا على عمل لا يحسنون إلا إياه وكانوا يحسبون أنهم مصلحون قال صلى الله عليه وسلم: quot; ذلك بأن الله بعث في آخر كل سبع أمم نبيا فمن عصى نبيه كان من الضالين ومن أطاع نبيه كان من المهتدين ) . هذا حديث كبير جليل تنادي جلالته وفخامته وعظمته على أنه قد خرج من مشكاة النبوة لا يعرف إلا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني رواه عنه إبراهيم بن حمزة الزبيري وهما من كبار علماء المدينة ثقتان محتج بهما في الصحيح احتج بهما إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري ورواه أئمة أهل السنة في كتبهم وتلقوه بالقبول وقابلوه بالتسليم والانقياد ولم يطعن أحد منهم فيه ولا في أحد من رواته.(3\/591)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1497",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10063",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فممن رواه الإمام ابن الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل في مسند أبيه وفي كتاب quot; السنة quot; وقال: كتب إلي إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير الزبيري: كتبت إليك بهذا الحديث وقد عرضته وسمعته على ما كتبت به إليك فحدث به عني. ومنهم الحافظ الجليل أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل في كتاب quot; السنة quot; له. ومنهم الحافظ أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان العسال في كتاب quot; المعرفة quot;. ومنهم حافظ زمانه ومحدث أوانه أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني في كثير من كتبه. ومنهم الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن حيان أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب quot; السنة quot;. ومنهم الحافظ ابن الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده حافظ أصبهان. ومنهم الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه. ومنهم حافظ عصره أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن إسحاق الأصبهاني وجماعة من الحفاظ سواهم يطول ذكرهم. وقال ابن منده روى هذا الحديث محمد بن إسحاق الصنعاني وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهما وقد رواه بالعراق بمجمع العلماء وأهل الدين جماعة من الأئمة منهم أبو زرعة الرازي وأبو حاتم وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل ولم ينكره أحد ولم يتكلم في إسناده بل رووه على سبيل القبول والتسليم ولا ينكر هذا الحديث إلا جاحد أو جاهل أو مخالف للكتاب والسنة هذا كلام أبي عبد الله بن منده.(3\/592)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1498",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10064",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله: تهضب أي تمطر. والأصواء: القبور. والشربة - بفتح الراء -: الحوض الذي يجتمع فيه الماء وبالسكون والياء الحنظلة يريد أن الماء قد كثر فمن حيث شئت تشرب. وعلى رواية السكون والياء يكون قد شبه الأرض بخضرتها بالنبات بخضرة الحنظلة واستوائها. وقوله: حس كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه على غفلة ما يحرقه أو يؤلمه قال الأصمعي: وهي مثل أوه. وقوله يقول ربك عز وجل quot; أو أنه quot;. قال ابن قتيبة فيه قولان: أحدهما: أن يكون quot; أنه quot; بمعنى quot; نعم quot;. والآخر أن يكون الخبر محذوفا كأنه قال أنتم كذلك أو أنه على ما يقول. والطوف الغائط. وفي الحديث ( لا يصل أحدكم وهو يدافع الطوف والبول ) والجسر الصراط. وقوله quot; فيقول ربك. مهيم quot;: أي ( ما شأنك وما أمرك وفيم كنت ) . وقوله quot; يشرف عليكم أزلين quot;: الأزل - بسكون الزاي - الشدة والأزل على وزن كتف هو الذي قد أصابه الأزل واشتد به حتى كاد يقنط.  وقوله quot; فيظل يضحك quot; هو من صفات أفعاله سبحانه وتعالى التي لا يشبهه فيها شيء من مخلوقاته كصفات ذاته وقد وردت هذه الصفة في أحاديث كثيرة لا سبيل إلى ردها كما لا سبيل إلى تشبيهها وتحريفها وكذلك quot; فأصبح ربك يطوف في الأرض quot; هو من صفات فعله كقوله وجاء ربك والملك [الفجر: 22] هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك [الأنعام: 158] ( وينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا )  ( ويدنو عشية عرفة فيباهي بأهل الموقف الملائكة )  والكلام في الجميع صراط واحد مستقيم إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تحريف ولا تعطيل. وقوله quot; والملائكة الذين عند ربك quot;: لا أعلم موت الملائكة جاء في حديث صريح إلا هذا وحديث إسماعيل بن رافع الطويل وهو حديث الصور(3\/593)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1499",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10065",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد يستدل عليه بقوله تعالى: ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله [الزمر: 68] [الزمر 68] . وقوله ( فلعمر إلهك ) هو قسم بحياة الرب جل جلاله وفيه دليل على جواز الإقسام بصفاته وانعقاد اليمين بها وأنها قديمة وأنه يطلق عليه منها أسماء المصادر ويوصف بها وذلك قدر زائد على مجرد الأسماء وأن الأسماء الحسنى مشتقة من هذه المصادر دالة عليها. وقوله ( ثم تجيء الصائحة ) هي صيحة البعث ونفخته. وقوله ( حتى يخلفه من عند رأسه ) هو من أخلف الزرع إذا نبت بعد حصاده شبه النشأة الآخرة بعد الموت بإخلاف الزرع بعد ما حصد وتلك الخلفة من عند رأسه كما ينبت الزرع. وقوله (فيستوي جالسا) هذا عند تمام خلقته وكمال حياته ثم يقوم بعد جلوسه قائما ثم يساق إلى موقف القيامة إما راكبا وإما ماشيا. وقوله ( يقول: يا رب أمس اليوم ) استقلال لمدة لبثه في الأرض كأنه لبث فيها يوما فقال: أمس أو بعض يوم فقال: اليوم يحسب أنه حديث عهد بأهله وأنه إنما فارقهم أمس أو اليوم. وقوله ( كيف يجمعنا بعد ما تمرقنا الرياح والبلى والسباع ) وإقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم له على هذا السؤال رد على من زعم أن القوم لم يكونوا يخوضون في دقائق المسائل ولم يكونوا يفهمون حقائق الإيمان بل كانوا مشغولين بالعمليات وأن أفراخ الصابئة والمجوس من الجهمية والمعتزلة والقدرية أعرف منهم بالعلميات. وفيه دليل على أنه كانوا يوردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشكل عليهم من الأسئلة والشبهات فيجيبهم عنها بما يثلج صدورهم وقد أورد عليه صلى الله عليه وسلم الأسئلة أعداؤه وأصحابه أعداؤه للتعنت والمغالبة وأصحابه: للفهم والبيان وزيادة الإيمان وهو يجيب كلا عن سؤاله إلا ما لا جواب عنه كسؤاله عن وقت(3\/594)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1500",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10066",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الساعة وفي هذا السؤال دليل على أنه سبحانه يجمع أجزاء العبد بعدما فرقها وينشئها نشأة أخرى ويخلقه خلقا جديدا كما سماه في كتابه كذلك في موضعين منه. وقوله: quot; أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله quot; آلاؤه: نعمه وآياته التي تعرف بها إلى عباده. وفيه إثبات القياس في أدلة التوحيد والمعاد والقرآن مملوء منه. وفيه أن حكم الشيء حكم نظيره وأنه سبحانه إذا كان قادرا على شيء فكيف تعجز قدرته عن نظيره ومثله فقد قرر الله سبحانه أدلة المعاد في كتابه أحسن تقرير وأبينه وأبلغه وأوصله إلى العقول والفطر فأبى أعداؤه الجاحدون إلا تكذيبا له وتعجيزا له وطعنا في حكمته تعالى عما يقولون علوا كبيرا. وقوله في الأرض ( أشرفت عليها وهي مدرة بالية ) هو كقوله تعالى: ويحيي الأرض بعد موتها [الروم: 19] [الروم: 19] . وقوله ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت [فصلت: 39] [فصلت 39] ونظائره في القرآن كثيرة. وقوله ( فتنظرون إليه وينظر إليكم ) فيه إثبات صفة النظر لله عز وجل وإثبات رؤيته في الآخرة. وقوله quot; كيف ونحن ملء الأرض وهو شخص واحد quot; قد جاء هذا في هذا الحديث. وفي قوله في حديث آخر ( لا شخص أغير من الله ) والمخاطبون بهذا قوم عرب يعلمون المراد منه ولا يقع في قلوبهم تشبيهه سبحانه بالأشخاص بل هم أشرف عقولا وأصح أذهانا وأسلم قلوبا من ذلك وحقق صلى الله عليه وسلم وقوع الرؤية عيانا برؤية الشمس والقمر تحقيقا لها ونفيا لتوهم المجاز الذي يظنه المعطلون. وقوله ( فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلكم ) فيه إثبات صفة(3\/595)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1501",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10067",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اليد له سبحانه بقوله وإثبات الفعل الذي هو النضح. والريطة: الملاءة. والحمم: جمع حممة وهي الفحمة. وقوله ( ثم ينصرف نبيكم ) هذا انصراف من موقف القيامة إلى الجنة. وقوله ( ويفرق على أثره الصالحون ) أي يفزعون ويمضون على أثره. وقوله ( فتطلعون على حوض نبيكم ) ظاهر هذا أن الحوض من وراء الجسر فكأنهم لا يصلون إليه حتى يقطعوا الجسر وللسلف في ذلك قولان حكاهما القرطبي في quot; تذكرته quot; والغزالي وغلطا من قال: إنه بعد الجسر وقد روى البخاري: عن أبي هريرة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( بينا أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال لهم: هلم فقلت: إلى أين فقال: إلى النار والله قلت: ما شأنهم قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم ) . قال: فهذا الحديث مع صحته أدل دليل على أن الحوض يكون في الموقف قبل الصراط لأن الصراط إنما هو جسر ممدود على جهنم فمن جازه سلم من النار. قلت: وليس بين أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تعارض ولا تناقض ولا اختلاف وحديثه كله يصدق بعضه بعضا وأصحاب هذا القول إن أرادوا أن الحوض لا يرى ولا يوصل إليه إلا بعد قطع الصراط فحديث أبي هريرة هذا وغيره يرد قولهم وإن أرادوا أن المؤمنين إذا جازوا الصراط وقطعوه بدا لهم الحوض فشربوا منه فهذا يدل عليه حديث لقيط هذا وهو لا يناقض كونه قبل الصراط فإن قوله طوله شهر وعرضه شهر فإذا كان بهذا الطول والسعة فما الذي يحيل امتداده إلى وراء الجسر فيرده المؤمنون قبل الصراط وبعده فهذا في حيز الإمكان ووقوعه موقوف على خبر الصادق والله أعلم. وقوله ( - والله على أظمأ - ناهلة قط ) الناهلة العطاش الواردون(3\/596)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1502",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10068",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الماء أي يردونه أظمأ ما هم إليه وهذا يناسب أن يكون بعد الصراط فإنه جسر النار وقد وردوها كلهم فلما قطعوه اشتد ظمؤهم إلى الماء فوردوا حوضه صلى الله عليه وسلم كما وردوه في موقف القيامة. وقوله ( تخنس الشمس والقمر ) أي تختفيان فتحتبسان ولا يريان. والاختناس التواري والاختفاء. ومنه قول أبي هريرة فانخنست منه. وقوله ( ما بين البابين مسيرة سبعين عاما ) يحتمل أن يريد به أن ما بين الباب والباب هذا المقدار ويحتمل أن يريد بالبابين المصراعين ولا يناقض هذا ما جاء من تقديره بأربعين عاما لوجهين: أحدهما: إنه لم يصرح فيه راويه بالرفع بل قال: ولقد ذكر لنا أن ما بين المصراعين مسيرة أربعين عاما. والثاني: أن المسافة تختلف باختلاف سرعة السير فيها وبطئه والله أعلم. وقوله ( في خمر الجنة أنه ما بها صداع ولا ندامة ) تعريض بخمر الدنيا وما يلحقها من صداع الرأس والندامة على ذهاب العقل والمال وحصول الشر الذي يوجبه زوال العقل. والماء غير الآسن هو الذي لم يتغير بطول مكثه. وقوله في نساء أهل الجنة (غير أن لا توالد) قد اختلف الناس هل تلد نساء أهل الجنة على قولين: فقالت طائفة: لا يكون فيها حبل ولا ولادة واحتجت هذه الطائفة بهذا الحديث وبحديث آخر أظنه في quot; المسند quot; وفيه: ( غير أن لا مني ولا منية ) وأثبتت طائفة من السلف الولادة في(3\/597)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1503",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10069",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجنة واحتجت بما رواه الترمذي في quot; جامعه quot; من حديث أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنه في ساعة كما يشتهي ) قال الترمذي حسن غريب ورواه ابن ماجه. قالت الطائفة الأولى: هذا لا يدل على وقوع الولادة في الجنة فإنه علقه بالشرط فقال: إذا اشتهى ولكنه لا يشتهي وهذا تأويل إسحاق بن راهويه حكاه البخاري عنه. قالوا: والجنة دار جزاء على الأعمال وهؤلاء ليسوا من أهل الجزاء قالوا: والجنة دار خلود لا موت فيها فلو توالد فيها أهلها على الدوام والأبد لما وسعتهم وإنما وسعتهم الدنيا بالموت. وأجابت الطائفة الأخرى عن ذلك كله وقالت quot; إذا quot; إنما تكون لمحقق الوقوع لا المشكوك فيه وقد صح أنه سبحانه ينشئ للجنة خلقا يسكنهم إياها بلا عمل منهم قالوا: وأطفال المسلمين أيضا فيها بغير عمل. وأما حديث سعتها: فلو رزق كل واحد منهم عشرة آلاف من الولد وسعتهم فإن أدناهم من ينظر في ملكه مسيرة ألفي عام. وقوله ( يا رسول الله أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه ) لا جواب لهذه المسألة لأنه إن أراد أقصى مدة الدنيا وانتهائها فلا يعلمه إلا الله وإن أراد أقصى ما نحن منتهون إليه بعد دخول الجنة والنار فلا تعلم نفس أقصى ما ينتهي إليه من ذلك وإن كان الانتهاء إلى نعيم وجحيم ولهذا لم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله في عقد البيعة ( وزيال المشرك ) أي مفارقته ومعاداته فلا(3\/598)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1504",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10070",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يجاوره ولا يواليه كما جاء في الحديث الذي في السنن ( لا تراءى ناراهما ) يعني المسلمين والمشركين. وقوله ( حيثما مررت بقبر كافر فقل أرسلني إليك محمد ) هذا إرسال تقريع وتوبيخ لا تبليغ أمر ونهي وفيه دليل على سماع أصحاب أهل القبور كلام الأحياء وخطابهم لهم ودليل على أن من مات مشركا فهو في النار وإن مات قبل البعثة لأن المشركين كانوا قد غيروا الحنيفية دين إبراهيم واستبدلوا بها الشرك وارتكبوه وليس معهم حجة من الله به وقبحه والوعيد عليه بالنار لم يزل معلوما من دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم وأخبار عقوبات الله لأهله متداولة بين الأمم قرنا بعد قرن فلله الحجة البالغة على المشركين في كل وقت ولو لم يكن إلا ما فطر عباده عليه من توحيد ربوبيته المستلزم لتوحيد إلهيته وأنه يستحيل في كل فطرة وعقل أن يكون معه إله آخر وإن كان سبحانه لا يعذب بمقتضى هذه الفطرة وحدها فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد في الأرض معلومة لأهلها فالمشرك يستحق العذاب بمخالفته دعوة الرسل والله أعلم.  [فصل في قدوم وفد النخع على رسول الله صلى الله عليه وسلم] وقدم عليه وفد النخع وهم آخر الوفود قدوما عليه في نصف المحرم سنة إحدى عشرة في مائتي رجل فنزلوا دار الأضياف ثم جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرين بالإسلام وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل فقال رجل منهم يقال له زرارة بن عمرو: يا رسول الله إني رأيت في سفري هذا عجبا قال: quot; وما(3\/599)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1505",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10071",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رأيت quot; قال رأيت أتانا تركتها في الحي كأنها ولدت جديا أسفع أحوى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; هل تركت أمة لك مصرة على حمل quot; قال نعم قال: quot; فإنها قد ولدت غلاما وهو ابنك quot; قال: يا رسول الله فما باله أسفع أحوى فقال: quot; ادن مني quot; فدنا منه فقال: quot; هل بك من برص تكتمه quot; قال: والذي بعثك بالحق ما علم به أحد ولا اطلع عليه غيرك قال: quot; فهو ذلك quot; قال: يا رسول الله ورأيت النعمان بن المنذر عليه قرطان مدملجان ومسكتان قال: quot; ذلك ملك العرب رجع إلى أحسن زيه وبهجته quot; قال: يا رسول الله ورأيت عجوزا شمطاء قد خرجت من الأرض. قال: quot; تلك بقية الدنيا quot; قال: ورأيت نارا خرجت من الأرض فحالت بيني وبين ابن لي يقال له عمرو وهي تقول: لظى لظى بصير وأعمى أطعموني آكلكم أهلكم ومالكم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; تلك فتنة تكون في آخر الزمان quot;. قال يا رسول الله وما الفتنة قال: quot; يقتل الناس إمامهم ويشتجرون اشتجار أطباق الرأس quot;. وخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصابعه - يحسب المسيء فيها أنه محسن - quot; ويكون دم المؤمن عند المؤمن فيها أحلى من شرب الماء إن مات ابنك أدركت الفتنة وإن مت أنت أدركها ابنك quot; فقال: يا رسول الله ادع الله أن لا أدركها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم quot; اللهم لا يدركها quot; فمات وبقي ابنه وكان ممن خلع عثمان .  [ذكر هديه صلى الله عليه وسلم في مكاتباته إلى الملوك وغيرهم] [فصل كتابه صلى الله عليه وسلم إلى هرقل وكسرى والنجاشي] فصل ذكر هديه صلى الله عليه وسلم في مكاتباته إلى الملوك وغيرهم ثبت في quot; الصحيحين quot; عنه صلى الله عليه وسلم أنه كتب ( إلى هرقل: بسم الله الرحمن(3\/600)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1506",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10072",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون [آل عمران: 64]  ) وكتب ( إلى كسرى: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أدعوك بدعاية الله فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين أسلم تسلم فإن أبيت فعليك إثم المجوس quot; فلما قرئ عليه الكتاب مزقه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال quot; مزق الله ملكه ) ( وكتب إلى النجاشي: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة أسلم أنت فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو(3\/601)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1507",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10073",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة فحملت بعيسى فخلقه الله من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني فإني رسول الله وإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي والسلام على من اتبع الهدى ) وبعث بالكتاب مع عمرو بن أمية الضمري فقال ابن إسحاق: إن عمرا قال له يا أصحمة إن علي القول وعليك الاستماع إنك كأنك في الرقة علينا وكأنا في الثقة بك منك لأنا لم نظن بك خيرا قط إلا نلناه ولم نخفك على شيء قط إلا أمناه وقد أخذنا الحجة عليك من فيك الإنجيل بيننا وبينك شاهد لا يرد وقاض لا يجور وفي ذلك موقع الحز وإصابة المفصل وإلا فأنت في هذا النبي الأمي كاليهود في عيسى ابن مريم وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم رسله إلى الناس فرجاك لما لم يرجهم له وأمنك على ما خافهم عليه بخير سالف وأجر ينتظر. فقال النجاشي: أشهد بالله أنه النبي الأمي الذي ينتظره أهل الكتاب وأن بشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل وأن العيان ليس بأشفى من الخبر ثم كتب النجاشي جواب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم quot; بسم الله الرحمن الرحيم إلى محمد رسول الله من النجاشي أصحمة سلام عليك يا نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته الله الذي لا إله إلا هو أما بعد: فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى فورب السماء والأرض إن عيسى لا يزيد على ما ذكرت ثفروقا إنه كما ذكرت وقد عرفنا ما بعثت به إلينا وقد قربنا ابن عمك وأصحابه فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين quot;. والثفروق علاقة ما بين النواة والقشر.(3\/602)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1508",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10074",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتوفي النجاشي سنة تسع وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بموته ذلك اليوم فخرج بالناس إلى المصلى فصلى عليه وكبر أربعا. قلت: وهذا وهم - والله أعلم - وقد خلط راويه ولم يميز بين النجاشي الذي صلى عليه وهو الذي آمن به وأكرم أصحابه وبين النجاشي الذي كتب إليه يدعوه فهما اثنان وقد جاء ذلك مبينا في quot; صحيح مسلم quot; إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى النجاشي وليس بالذي صلى عليه.  [فصل كتابه صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس] فصل وكتب إلى المقوقس ملك مصر والإسكندرية: ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط سلام على من اتبع الهدى أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم القبط ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون [آل عمران: 64]  ) [آل عمران 64] . وبعث به مع حاطب بن أبي بلتعة فلما دخل عليه قال له: إنه كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى فانتقم به ثم انتقم منه فاعتبر بغيرك ولا يعتبر غيرك بك. فقال: إن لنا دينا لن ندعه إلا لما هو خير منه فقال حاطب: ندعوك إلى دين الله وهو الإسلام الكافي به الله فقد ما سواه إن هذا النبي دعا الناس فكان أشدهم عليه قريش وأعداهم له اليهود وأقربهم منه النصارى ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل وكل نبي أدرك قوما فهم من(3\/603)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1509",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10075",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أمته فالحق عليهم أن يطيعوه وأنت ممن أدركه هذا النبي ولسنا ننهاك عن دين المسيح ولكنا نأمرك به. فقال المقوقس: إني قد نظرت في أمر هذا النبي فوجدته لا يأمر بمزهود فيه ولا ينهى عن مرغوب فيه ولم أجده بالساحر الضال ولا الكاهن الكاذب ووجدت معه آية النبوة بإخراج الخبء والإخبار بالنجوى وسأنظر. وأخذ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فجعله في حق من عاج وختم عليه ودفعه إلى جارية له ثم دعا كاتبا له يكتب بالعربية فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط سلام عليك أما بعد: فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه وقد علمت أن نبيا بقي وكنت أظن أنه يخرج بالشام وقد أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم وبكسوة وأهديت إليك بغلة لتركبها والسلام عليك. ولم يزد على هذا ولم يسلم والجاريتان مارية وسيرين والبغلة دلدل بقيت إلى زمن معاوية.  [فصل كتابه صلى الله عليه وسلم إلى المنذر بن ساوى عامل البحرين] فصل وكتب إلى المنذر بن ساوى فذكر الواقدي بإسناده عن عكرمة قال: وجدت هذا الكتاب في كتب ابن عباس بعد موته فنسخته فإذا فيه بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى وكتب إليه كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام فكتب المنذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أما بعد: يا رسول الله فإني قرأت كتابك على أهل البحرين فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه ودخل فيه ومنهم من كرهه وبأرضي مجوس ويهود فأحدث إلي في ذلك أمرك فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى(3\/604)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1510",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10076",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المنذر بن ساوى سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله أما بعد: فإني أذكرك الله عز وجل فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه وإنه من يطع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني ومن نصح لهم فقد نصح لي وإن رسلي قد أثنوا عليك خيرا وإني قد شفعتك في قومك فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل منهم وإنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية ) .  [فصل كتابه صلى الله عليه وسلم إلى ملك عمان] فصل وكتب إلى ملك عمان كتابا وبعثه مع عمرو بن العاص: ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله إلى جيفر وعبد ابني الجلندى سلام على من اتبع الهدى أما بعد: فإني أدعوكما بدعاية الإسلام أسلما تسلما فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل عنكما وخيلي تحل بساحتكما وتظهر نبوتي على ملككما ) . وكتب أبي بن كعب وختم الكتاب. قال عمرو: فخرجت حتى انتهيت إلى عمان فلما قدمتها عمدت إلى عبد وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقا فقلت: إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك وإلى أخيك فقال: أخي المقدم علي بالسن والملك وأنا أوصلك إليه حتى يقرأ كتابك ثم قال: وما تدعو إليه قلت: أدعوك إلى الله وحده لا شريك له وتخلع ما عبد من دونه وتشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال: يا عمرو إنك ابن سيد قومك فكيف صنع أبوك فإن لنا فيه قدوة قلت مات ولم يؤمن(3\/605)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1511",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10077",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بمحمد صلى الله عليه وسلم ووددت أنه كان أسلم وصدق به وقد كنت أنا على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام قال: فمتى تبعته قلت: قريبا فسألني أين كان إسلامك قلت: عند النجاشي وأخبرته أن النجاشي قد أسلم قال: فكيف صنع قومه بملكه فقلت: أقروه واتبعوه قال: والأساقفة والرهبان تبعوه قلت: نعم. قال: انظر يا عمرو ما تقول إنه ليس من خصلة في رجل أفضح له من الكذب قلته: ما كذبت وما نستحله في ديننا ثم قال: ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي قلت: بلى. قال: بأي شيء علمت ذلك قلت: كان النجاشي يخرج له خرجا فلما أسلم وصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم قال: لا والله لو سألني درهما واحدا ما أعطيته فبلغ هرقل قوله فقال له: يناق أخوه: أتدع عبدك لا يخرج لك خرجا ويدين دينا محدثا قال هرقل: رجل رغب في دين فاختاره لنفسه ما أصنع به والله لولا الضن بملكي لصنعت كما صنع قال: انظر ما تقول يا عمرو قلت: والله صدقتك. قال عبد: فأخبرني ما الذي يأمر به وينهى عنه قلت: يأمر بطاعة الله عز وجل وينهى عن معصيته ويأمر بالبر وصلة الرحم وينهى عن الظلم والعدوان وعن الزنى وعن الخمر وعن عبادة الحجر والوثن والصليب. قال: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه لو كان أخي يتابعني عليه لركبنا حتى نؤمن بمحمد ونصدق به ولكن أخي أضن بملكه من أن يدعه ويصير ذنبا قلت: إنه إن أسلم ملكه رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه فأخذ الصدقة من غنيهم فردها على فقيرهم. قال: إن هذا لخلق حسن وما الصدقة فأخبرته بما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصدقات في الأموال حتى انتهيت إلى الإبل. قال يا عمرو: وتؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى الشجر وترد المياه فقلت: نعم. فقال: والله ما أرى قومي في بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون بهذا قال: فمكثت ببابه أياما وهو يصل إلى أخيه فيخبره كل خبري ثم إنه دعاني يوما فدخلت عليه فأخذ أعوانه بضبعي فقال: دعوه فأرسلت فذهبت لأجلس فأبوا أن يدعوني أجلس فنظرت إليه فقال: تكلم بحاجتك فدفعت إليه الكتاب مختوما ففض(3\/606)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1512",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10078",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خاتمه وقرأ حتى انتهى إلى آخره ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثل قراءته إلا أني رأيت أخاه أرق منه قال: ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت فقلت: تبعوه إما راغب في الدين وإما مقهور بالسيف. قال ومن معه قلت: الناس قد رغبوا في الإسلام واختاروه على غيره وعرفوا بعقولهم مع هدى الله إياهم أنهم كانوا في ضلال فما أعلم أحدا بقي غيرك في هذه الحرجة وأنت إن لم تسلم اليوم وتتبعه يوطئك الخيل ويبيد خضراءك فأسلم تسلم ويستعملك على قومك ولا تدخل عليك الخيل والرجال. قال: دعني يومي هذا وارجع إلي غدا فرجعت إلى أخيه فقال: يا عمرو إني لأرجو أن يسلم إن لم يضن بملكه حتى إذا كان الغد أتيت إليه فأبى أن يأذن لي فانصرفت إلى أخيه فأخبرته أني لم أصل إليه فأوصلني إليه فقال: إني فكرت فيما دعوتني إليه فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجلا ما في يدي وهو لا تبلغ خيله هاهنا وإن بلغت خيله ألفت قتالا ليس كقتال من لاقى. قلت: وأنا خارج غدا فلما أيقن بمخرجي خلا به أخوه فقال: ما نحن فيما قد ظهر عليه وكل من أرسل إليه قد أجابه فأصبح فأرسل إلي فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعا وصدقا النبي صلى الله عليه وسلم وخليا بيني وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم وكانا لي عونا على من خالفني.  [فصل كتابه صلى الله عليه وسلم إلى صاحب اليمامة] فصل وكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى صاحب اليمامة هوذة بن علي وأرسل به مع سليط بن عمرو العامري: ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي سلام على من اتبع الهدى واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر فأسلم تسلم وأجعل لك ما تحت يديك ) فلما قدم عليه سليط بكتاب(3\/607)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1513",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10079",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم مختوما أنزله وحياه واقترأ عليه الكتاب فرد ردا دون رد وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله والعرب تهاب مكاني فاجعل إلي بعض الأمر أتبعك وأجاز سليطا بجائزة وكساه أثوابا من نسج هجر فقدم بذلك كله على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم كتابه فقال: ( لو سألني سيابة من الأرض ما فعلت باد وباد ما في يديه ) . فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفتح جاءه جبريل عليه السلام: بأن هوذة قد مات فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أما إن اليمامة سيخرج بها كذاب يتنبأ يقتل بعدي quot; فقال قائل: يا رسول الله من يقتله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; أنت وأصحابك ) فكان كذلك. وذكر الواقدي أن أركون دمشق عظيم من عظماء النصارى كان عند هوذة فسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: جاءني كتابه يدعوني إلى الإسلام فلم أجبه قال الأركون: لم لا تجيبه قال: ضننت بديني وأنا ملك قومي وإن تبعته لم أملك قال: بلى والله لئن تبعته ليملكنك فإن الخيرة لك في اتباعه وإنه للنبي العربي الذي بشر به عيسى ابن مريم وإنه لمكتوب عندنا في الإنجيل محمد رسول الله.  [فصل في كتابه صلى الله عليه وسلم إلى الحارث بن أبي شمر الغساني] فصل في كتابه إلى الحارث بن أبي شمر الغساني وكان بدمشق بغوطتها فكتب إليه كتابا مع شجاع بن وهب مرجعه من الحديبية: ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي(3\/608)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1514",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10080",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شمر سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله وصدق وإني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى لك ملكك )  وقد تقدم ذلك. بعونه تعالى تم طبع الجزء الثالث من زاد المعاد في هدي خير العباد ويليه الجزء الرابع وأوله فصل في الطب النبوي(3\/609)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1515",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10081",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "فصل الطب النبوي",
        "content": "[فصل الطب النبوي] [فصل مرض القلوب] وقد أتينا على جمل من هديه صلى الله عليه وسلم في المغازي والسير والبعوث والسرايا والرسائل والكتب التي كتب بها إلى الملوك ونوابهم. ونحن نتبع ذلك بذكر فصول نافعة في هديه في الطب الذي تطبب به ووصفه لغيره ونبين ما فيه من الحكمة التي تعجز عقول أكثر الأطباء عن الوصول إليها وأن نسبة طبهم إليها كنسبة طب العجائز إلى طبهم فنقول وبالله المستعان ومنه نستمد الحول والقوة. المرض نوعان: مرض القلوب ومرض الأبدان وهما مذكوران في القرآن. ومرض القلوب نوعان: مرض شبهة وشك ومرض شهوة وغي وكلاهما في القرآن. قال تعالى في مرض الشبهة: في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا [البقرة: 10] [البقرة: 10] وقال تعالى: وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا [المدثر: 31] [المدثر: 31] وقال تعالى في حق من دعي إلى تحكيم القرآن والسنة فأبى وأعرض: وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون - وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين - أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون [النور: 48 - 50] [النور: 48 و 49] فهذا مرض الشبهات والشكوك. وأما مرض الشهوات فقال تعالى: يانساء النبي لستن كأحد من النساء [الأحزاب: 32](4\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1516",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10082",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض [الأحزاب: 32] [الأحزاب: 32] . فهذا مرض شهوة الزنى والله أعلم.  [فصل مرض الأبدان] فصل وأما مرض الأبدان فقال تعالى: ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج [النور: 61] [النور: 61]  وذكر مرض البدن في الحج والصوم والوضوء لسر بديع يبين لك عظمة القرآن والاستغناء به لمن فهمه وعقله عن سواه وذلك أن قواعد طب الأبدان ثلاثة: حفظ الصحة والحمية عن المؤذي واستفراغ المواد الفاسدة فذكر سبحانه هذه الأصول الثلاثة في هذه المواضع الثلاثة. فقال في آية الصوم: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر [البقرة: 184] [البقرة: 184] فأباح الفطر للمريض لعذر المرض وللمسافر طلبا لحفظ صحته وقوته لئلا يذهبها الصوم في السفر لاجتماع شدة الحركة وما يوجبه من التحليل وعدم الغذاء الذي يخلف ما تحلل فتخور القوة وتضعف فأباح للمسافر الفطر حفظا لصحته وقوته عما يضعفها. وقال في آية الحج: فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك [البقرة: 196] [البقرة: 196]  فأباح للمريض ومن به أذى من رأسه من قمل أو حكة أو غيرهما أن يحلق رأسه في الإحرام استفراغا لمادة الأبخرة الرديئة التي أوجبت له الأذى في رأسه باحتقانها تحت الشعر فإذا حلق رأسه تفتحت المسام فخرجت تلك الأبخرة منها فهذا الاستفراغ يقاس عليه كل استفراغ يؤذي انحباسه. والأشياء التي يؤذي انحباسها ومدافعتها عشرة: الدم إذا هاج والمني إذا تبيغ والبول والغائط والريح والقيء والعطاس والنوم والجوع(4\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1517",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10083",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعطش. وكل واحد من هذه العشرة يوجب حبسه داء من الأدواء بحسبه. وقد نبه سبحانه باستفراغ أدناها وهو البخار المحتقن في الرأس على استفراغ ما هو أصعب منه كما هي طريقة القرآن التنبيه بالأدنى على الأعلى. وأما الحمية: فقال تعالى في آية الوضوء: وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا [النساء: 43] [النساء: 43]  فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التراب حمية له أن يصيب جسده ما يؤذيه وهذا تنبيه على الحمية عن كل مؤذ له من داخل أو خارج فقد أرشد - سبحانه - عباده إلى أصول الطب ومجامع قواعده ونحن نذكر هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ونبين أن هديه فيه أكمل هدي. فأما طب القلوب فمسلم إلى الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ولا سبيل إلى حصوله إلا من جهتهم وعلى أيديهم فإن صلاح القلوب أن تكون عارفة بربها وفاطرها وبأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه وأن تكون مؤثرة لمرضاته ومحابه متجنبة لمناهيه ومساخطه ولا صحة لها ولا حياة البتة إلا بذلك ولا سبيل إلى تلقيه إلا من جهة الرسل وما يظن من حصول صحة القلب بدون اتباعهم فغلط ممن يظن ذلك وإنما ذلك حياة نفسه البهيمية الشهوانية وصحتها وقوتها وحياة قلبه وصحته وقوته عن ذلك بمعزل ومن لم يميز بين هذا وهذا فليبك على حياة قلبه فإنه من الأموات وعلى نوره فإنه منغمس في بحار الظلمات.  [فصل طب الأبدان] فصل وأما طب الأبدان: فإنه نوعان: نوع قد فطر الله عليه الحيوان ناطقه وبهيمه فهذا لا يحتاج فيه إلى معالجة طبيب كطب الجوع والعطش والبرد والتعب بأضدادها وما يزيلها.(4\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1518",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10084",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثاني: ما يحتاج إلى فكر وتأمل كدفع الأمراض المتشابهة الحادثة في المزاج بحيث يخرج بها عن الاعتدال إما إلى حرارة أو برودة أو يبوسة أو رطوبة أو ما يتركب من اثنين منها وهي نوعان: إما مادية وإما كيفية أعني: إما أن يكون بانصباب مادة أو بحدوث كيفية والفرق بينهما أن أمراض الكيفية تكون بعد زوال المواد التي أوجبتها فتزول موادها ويبقى أثرها كيفية في المزاج. وأمراض المادة أسبابها معها تمدها وإذا كان سبب المرض معه فالنظر في السبب ينبغي أن يقع أولا ثم في المرض ثانيا ثم في الدواء ثالثا. أو الأمراض الآلية وهي التي تخرج العضو عن هيئته إما في شكل أو تجويف أو مجرى أو خشونة أو ملاسة أو عدد أو عظم أو وضع فإن هذه الأعضاء إذا تألفت وكان منها البدن سمي تألفها اتصالا والخروج عن الاعتدال فيه يسمى تفرق الاتصال أو الأمراض العامة التي تعم المتشابهة والآلية. والأمراض المتشابهة: هي التي يخرج بها المزاج عن الاعتدال وهذا الخروج يسمى مرضا بعد أن يضر بالفعل إضرارا محسوسا. وهي على ثمانية أضرب: أربعة بسيطة وأربعة مركبة فالبسيطة: البارد والحار والرطب واليابس. والمركبة: الحار الرطب والحار اليابس والبارد الرطب والبارد اليابس. وهي إما أن تكون بانصباب مادة أو بغير انصباب مادة وإن لم يضر المرض بالفعل يسمى خروجا عن الاعتدال صحة. وللبدن ثلاثة أحوال حال طبيعية وحال خارجة عن الطبيعية وحال متوسطة بين الأمرين. فالأولى: بها يكون البدن صحيحا والثانية بها يكون مريضا. والحال الثالثة هي متوسطة بين الحالتين فإن الضد لا ينتقل إلى ضده إلا بمتوسط وسبب خروج البدن عن طبيعته إما من داخله لأنه مركب من الحار والبارد والرطب واليابس وإما من خارج فلأن ما يلقاه قد يكون موافقا(4\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1519",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10085",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد يكون غير موافق والضرر الذي يلحق الإنسان قد يكون من سوء المزاج بخروجه عن الاعتدال وقد يكون من فساد في العضو وقد يكون من ضعف في القوى أو الأرواح الحاملة لها ويرجع ذلك إلى زيادة ما الاعتدال في عدم زيادته أو نقصان ما الاعتدال في عدم نقصانه أو تفرق ما الاعتدال في اتصاله أو اتصال ما الاعتدال في تفرقه أو امتداد ما الاعتدال في انقباضه أو خروج ذي وضع وشكل عن وضعه وشكله بحيث يخرجه عن اعتداله. فالطبيب: هو الذي يفرق ما يضر بالإنسان جمعه أو يجمع فيه ما يضره تفرقه أو ينقص منه ما يضره زيادته أو يزيد فيه ما يضره نقصه فيجلب الصحة المفقودة أو يحفظها بالشكل والشبه ويدفع العلة الموجودة بالضد والنقيض ويخرجها أو يدفعها بما يمنع من حصولها بالحمية وسترى هذا كله في هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم شافيا كافيا بحول الله وقوته وفضله ومعونته.  [فصل التداوي] فصل فكان من هديه صلى الله عليه وسلم فعل التداوي في نفسه والأمر به لمن أصابه مرض من أهله وأصحابه ولكن لم يكن من هديه ولا هدي أصحابه استعمال هذه الأدوية المركبة التي تسمى أقرباذين بل كان غالب أدويتهم بالمفردات وربما أضافوا إلى المفرد ما يعاونه أو يكسر سورته وهذا غالب طب الأمم على اختلاف أجناسها من العرب والترك وأهل البوادي قاطبة وإنما عني بالمركبات الروم واليونانيون وأكثر طب الهند بالمفردات. وقد اتفق الأطباء على أنه متى أمكن التداوي بالغذاء لا يعدل عنه إلى الدواء ومتى أمكن بالبسيط لا يعدل عنه إلى المركب. قالوا: وكل داء قدر على دفعه بالأغذية والحمية لم يحاول دفعه بالأدوية. قالوا: ولا ينبغي للطبيب أن يولع بسقي الأدوية فإن الدواء إذا لم يجد في(4\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1520",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10086",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البدن داء يحلله أو وجد داء لا يوافقه أو وجد ما يوافقه فزادت كميته عليه أو كيفيته تشبث بالصحة وعبث بها. وأرباب التجارب من الأطباء طبهم بالمفردات غالبا وهم أحد فرق الطب الثلاث. والتحقيق في ذلك أن الأدوية من جنس الأغذية فالأمة والطائفة التي غالب أغذيتها المفردات أمراضها قليلة جدا وطبها بالمفردات وأهل المدن الذين غلبت عليهم الأغذية المركبة يحتاجون إلى الأدوية المركبة وسبب ذلك أن أمراضهم في الغالب مركبة فالأدوية المركبة أنفع لها وأمراض أهل البوادي والصحاري مفردة فيكفي في مداواتها الأدوية المفردة فهذا برهان بحسب الصناعة الطبية. ونحن نقول: إن هاهنا أمرا آخر نسبة طب الأطباء إليه كنسبة طب الطرقية والعجائز إلى طبهم وقد اعترف به حذاقهم وأئمتهم فإن ما عندهم من العلم بالطب منهم من يقول هو قياس. ومنهم من يقول: هو تجربة. ومنهم من يقول: هو إلهامات ومنامات وحدس صائب. ومنهم من يقول: أخذ كثير منه من الحيوانات البهيمية كما نشاهد السنانير إذا أكلت ذوات السموم تعمد إلى السراج فتلغ في الزيت تتداوى به وكما رئيت الحيات إذا خرجت من بطون الأرض وقد عشيت أبصارها تأتي إلى ورق الرازيانج فتمر عيونها عليها. وكما عهد من الطير الذي يحتقن بماء البحر عند انحباس طبعه وأمثال ذلك مما ذكر في مبادئ الطب. وأين يقع هذا وأمثاله من الوحي الذي يوحيه الله إلى رسوله بما ينفعه ويضره فنسبة ما عندهم من الطب إلى هذا الوحي كنسبة ما عندهم من العلوم إلى ما جاءت به الأنبياء بل هاهنا من الأدوية التي تشفي من الأمراض ما لم يهتد إليها عقول أكابر الأطباء ولم تصل إليها علومهم وتجاربهم وأقيستهم من الأدوية القلبية والروحانية وقوة القلب واعتماده على الله والتوكل عليه والالتجاء إليه والانطراح والانكسار بين يديه والتذلل له والصدقة والدعاء(4\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1521",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10087",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتوبة والاستغفار والإحسان إلى الخلق وإغاثة الملهوف والتفريج عن المكروب فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها فوجدوا لها من التأثير في الشفاء ما لا يصل إليه علم أعلم الأطباء ولا تجربته ولا قياسه. وقد جربنا نحن وغيرنا من هذا أمورا كثيرة ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية الحسية بل تصير الأدوية الحسية عندها بمنزلة أدوية الطرقية عند الأطباء وهذا جار على قانون الحكمة الإلهية ليس خارجا عنها ولكن الأسباب متنوعة فإن القلب متى اتصل برب العالمين وخالق الداء والدواء ومدبر الطبيعة ومصرفها على ما يشاء كانت له أدوية أخرى غير الأدوية التي يعانيها القلب البعيد منه المعرض عنه وقد علم أن الأرواح متى قويت وقويت النفس والطبيعة تعاونا على دفع الداء وقهره فكيف ينكر لمن قويت طبيعته ونفسه وفرحت بقربها من بارئها وأنسها به وحبها له وتنعمها بذكره وانصراف قواها كلها إليه وجمعها عليه واستعانتها به وتوكلها عليه أن يكون ذلك لها من أكبر الأدوية وأن توجب لها هذه القوة دفع الألم بالكلية ولا ينكر هذا إلا أجهل الناس وأغلظهم حجابا وأكثفهم نفسا وأبعدهم عن الله وعن حقيقة الإنسانية وسنذكر إن شاء الله السبب الذي به أزالت قراءة الفاتحة داء اللدغة عن اللديغ التي رقي بها فقام حتى كأن ما به قلبة. فهذان نوعان من الطب النبوي نحن بحول الله نتكلم عليهما بحسب الجهد والطاقة ومبلغ علومنا القاصرة ومعارفنا المتلاشية جدا وبضاعتنا المزجاة ولكنا نستوهب من بيده الخير كله ونستمد من فضله فإنه العزيز الوهاب.(4\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1522",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10088",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الحث على التداوي وربط الأسباب بالمسببات] فصل روى مسلم في quot; صحيحه quot;: من حديث أبي الزبير عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل ) . وفي quot; الصحيحين quot;: عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء ) . وفي quot; مسند الإمام أحمد quot;: من حديث زياد بن علاقة ( عن أسامة بن شريك قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت الأعراب فقالوا: يا رسول الله أنتداوى فقال quot; نعم يا عباد الله تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد quot; قالوا: ما هو قال quot; الهرم ) . وفي لفظ: ( إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله ) . وفي quot; المسند quot;: من حديث ابن مسعود يرفعه: ( إن الله عز وجل لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله ) .(4\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1523",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10089",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; المسند quot; و quot; السننquot;: ( عن أبي خزامة قال: قلت: يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا فقال: quot; هي من قدر الله ) . فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات وإبطال قول من أنكرها ويجوز أن يكون قوله: ( لكل داء دواء )  على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة والأدواء التي لا يمكن لطبيب أن يبرئها ويكون الله عز وجل قد جعل لها أدوية تبرئها ولكن طوى علمها عن البشر ولم يجعل لهم إليه سبيلا لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم الله ولهذا علق النبي صلى الله عليه وسلم الشفاء على مصادفة الدواء للداء فإنه لا شيء من المخلوقات إلا له ضد وكل داء له ضد من الدواء يعالج بضده فعلق النبي صلى الله عليه وسلم البرء بموافقة الداء للدواء وهذا قدر زائد على مجرد وجوده فإن الدواء متى جاوز درجة الداء في الكيفية أو زاد في الكمية على ما ينبغي نقله إلى داء آخر ومتى قصر عنها لم يف بمقاومته وكان العلاج قاصرا ومتى لم يقع المداوي على الدواء أو لم يقع الدواء على الداء لم يحصل الشفاء ومتى لم يكن الزمان صالحا لذلك الدواء لم ينفع ومتى كان البدن غير قابل له أو القوة عاجزة عن حمله أو ثم مانع يمنع من تأثيره لم يحصل البرء لعدم المصادفة ومتى تمت المصادفة حصل البرء بإذن الله ولا بد وهذا أحسن المحملين في الحديث. والثاني: أن يكون من العام المراد به الخاص لا سيما والداخل في اللفظ أضعاف أضعاف الخارج منه وهذا يستعمل في كل لسان ويكون(4\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1524",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10090",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المراد أن الله لم يضع داء يقبل الدواء إلا وضع له دواء فلا يدخل في هذا الأدواء التي لا تقبل الدواء وهذا كقوله تعالى في الريح التي سلطها على قوم عاد: تدمر كل شيء بأمر ربها [الأحقاف: 25] [الأحقاف: 25] أي: كل شيء يقبل التدمير ومن شأن الريح أن تدمره ونظائره كثيرة. ومن تأمل خلق الأضداد في هذا العالم ومقاومة بعضها لبعض ودفع بعضها ببعض وتسليط بعضها على بعض تبين له كمال قدرة الرب تعالى وحكمته وإتقانه ما صنعه وتفرده بالربوبية والوحدانية والقهر وأن كل ما سواه فله ما يضاده ويمانعه كما أنه الغني بذاته وكل ما سواه محتاج بذاته. وفي الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي وأنه لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرا وشرعا وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل كما يقدح في الأمر والحكمة ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل فإن تركها عجزا ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه ودفع ما يضره في دينه ودنياه ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب وإلا كان معطلا للحكمة والشرع فلا يجعل العبد عجزه توكلا ولا توكله عجزا. وفيها رد على من أنكر التداوي وقال: إن كان الشفاء قد قدر فالتداوي لا يفيد وإن لم يكن قد قدر فكذلك. وأيضا فإن المرض حصل بقدر الله وقدر الله لا يدفع ولا يرد وهذا السؤال هو الذي أورده الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما أفاضل الصحابة فأعلم بالله وحكمته وصفاته من أن يوردوا مثل هذا وقد أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بما شفى وكفى فقال: هذه الأدوية والرقى والتقى (هي من قدر الله فما خرج شيء عن قدره بل يرد(4\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1525",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10091",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قدره بقدره وهذا الرد من قدره)  فلا سبيل إلى الخروج عن قدره بوجه ما وهذا كرد قدر الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها وكرد قدر العدو بالجهاد وكل من قدر الله الدافع والمدفوع والدفع. ويقال لمورد هذا السؤال: هذا يوجب عليك أن لا تباشر سببا من الأسباب التي تجلب بها منفعة أو تدفع بها مضرة لأن المنفعة والمضرة إن قدرتا لم يكن بد من وقوعهما وإن لم تقدرا لم يكن سبيل إلى وقوعهما وفي ذلك خراب الدين والدنيا وفساد العالم وهذا لا يقوله إلا دافع للحق معاند له فيذكر القدر ليدفع حجة المحق عليه كالمشركين الذين قالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا [الأنعام: 148] [الأنعام 148] و لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا [النحل: 35] [النحل: 35] فهذا قالوه دفعا لحجة الله عليهم بالرسل. وجواب هذا السائل أن يقال: بقي قسم ثالث لم تذكره وهو أن الله قدر كذا وكذا بهذا السبب فإن أتيت بالسبب حصل المسبب وإلا فلا فإن قال: إن كان قدر لي السبب فعلته وإن لم يقدره لي لم أتمكن من فعله. قيل: فهل تقبل هذا الاحتجاج من عبدك وولدك وأجيرك إذا احتج به عليك فيما أمرته به ونهيته عنه فخالفك فإن قبلته فلا تلم من عصاك وأخذ مالك وقذف عرضك وضيع حقوقك وإن لم تقبله فكيف يكون مقبولا منك في دفع حقوق الله عليك . وقد روي في أثر إسرائيلي أن إبراهيم الخليل قال: يا رب ممن الداء قال: quot; مني quot;. قال: فممن الدواء quot; قال quot; مني quot;. قال فما بال الطبيب . قال quot; رجل أرسل الدواء على يديه quot;. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: ( لكل داء دواء ) تقوية لنفس المريض والطبيب وحث على طلب ذلك الدواء والتفتيش عليه فإن المريض إذا استشعرت نفسه أن لدائه دواء يزيله تعلق قلبه بروح الرجاء وبردت عنده حرارة اليأس وانفتح(4\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1526",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10092",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له باب الرجاء ومتى قويت نفسه انبعثت حرارته الغريزية وكان ذلك سببا لقوة الأرواح الحيوانية والنفسانية والطبيعية ومتى قويت هذه الأرواح قويت القوى التي هي حاملة لها فقهرت المرض ودفعته. وكذلك الطبيب إذا علم أن لهذا الداء دواء أمكنه طلبه والتفتيش عليه. وأمراض الأبدان على وزان أمراض القلوب وما جعل الله للقلب مرضا إلا جعل له شفاء بضده فإن علمه صاحب الداء واستعمله وصادف داء قلبه أبرأه بإذن الله تعالى.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في الاحتماء من التخم والزيادة في الأكل على قدر الحاجة] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الاحتماء من التخم والزيادة في الأكل على قدر الحاجة والقانون الذي ينبغي مراعاته في الأكل والشرب في quot; المسند quot; وغيره: عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا بد فاعلا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ) . الأمراض نوعان: أمراض مادية تكون عن زيادة مادة أفرطت في البدن حتى أضرت بأفعاله الطبيعية وهي الأمراض الأكثرية وسببها إدخال الطعام على البدن قبل هضم الأول والزيادة في القدر الذي يحتاج إليه البدن وتناول الأغذية القليلة النفع البطيئة الهضم والإكثار من الأغذية المختلفة التراكيب المتنوعة فإذا ملأ الآدمي بطنه من هذه الأغذية واعتاد ذلك أورثته أمراضا متنوعة منها بطيء الزوال وسريعه فإذا توسط في الغذاء وتناول منه قدر الحاجة وكان معتدلا في كميته وكيفيته كان انتفاع البدن به أكثر من انتفاعه بالغذاء الكثير.(4\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1527",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10093",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومراتب الغذاء ثلاثة: أحدها: مرتبة الحاجة. والثانية: مرتبة الكفاية. والثالثة: مرتبة الفضلة. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم: أنه يكفيه لقيمات يقمن صلبه فلا تسقط قوته ولا تضعف معها فإن تجاوزها فليأكل في ثلث بطنه ويدع الثلث الآخر للماء والثالث للنفس وهذا من أنفع ما للبدن والقلب فإن البطن إذا امتلأ من الطعام ضاق عن الشراب فإذا ورد عليه الشراب ضاق عن النفس وعرض له الكرب والتعب بحمله بمنزلة حامل الحمل الثقيل هذا إلى ما يلزم ذلك من فساد القلب وكسل الجوارح عن الطاعات وتحركها في الشهوات التي يستلزمها الشبع. فامتلاء البطن من الطعام مضر للقلب والبدن. هذا إذا كان دائما أو أكثريا. وأما إذا كان في الأحيان فلا بأس به فقد شرب أبو هريرة بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم من اللبن حتى قال: (والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكا )  وأكل الصحابة بحضرته مرارا حتى شبعوا. والشبع المفرط يضعف القوى والبدن وإن أخصبه وإنما يقوى البدن بحسب ما يقبل من الغذاء لا بحسب كثرته. ولما كان في الإنسان جزء أرضي وجزء هوائي وجزء مائي قسم النبي صلى الله عليه وسلم طعامه وشرابه ونفسه على الأجزاء الثلاثة. فإن قيل: فأين حظ الجزء الناري قيل هذه مسألة تكلم فيها الأطباء وقالوا: إن في البدن جزءا ناريا بالفعل وهو أحد أركانه واسطقساته.(4\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1528",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10094",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونازعهم في ذلك آخرون من العقلاء من الأطباء وغيرهم وقالوا: ليس في البدن جزء ناري بالفعل واستدلوا بوجوه: أحدها: أن ذلك الجزء الناري إما أن يدعى أنه نزل عن الأثير واختلط بهذه الأجزاء المائية والأرضية أو يقال: إنه تولد فيها وتكون والأول مستبعد لوجهين أحدهما: أن النار بالطبع صاعدة فلو نزلت لكانت بقاسر من مركزها إلى هذا العالم. الثاني: أن تلك الأجزاء النارية لا بد في نزولها أن تعبر على كرة الزمهرير التي هي في غاية البرد ونحن نشاهد في هذا العالم أن النار العظيمة تنطفئ بالماء القليل فتلك الأجزاء الصغيرة عند مرورها بكرة الزمهرير التي هي في غاية البرد ونهاية العظم أولى بالانطفاء. وأما الثاني: - وهو أن يقال إنها تكونت هاهنا - فهو أبعد وأبعد لأن الجسم الذي صار نارا بعد أن لم يكن كذلك قد كان قبل صيرورته إما أرضا وإما ماء وإما هواء لانحصار الأركان في هذه الأربعة وهذا الذي قد صار نارا أولا كان مختلطا بأحد هذه الأجسام ومتصلا بها والجسم الذي لا يكون نارا إذا اختلط بأجسام عظيمة ليست بنار ولا واحد منها لا يكون مستعدا لأن ينقلب نارا لأنه في نفسه ليس بنار والأجسام المختلطة باردة فكيف يكون مستعدا لانقلابه نارا فإن قلتم لم لا تكون هناك أجزاء نارية تقلب هذه الأجسام وتجعلها نارا بسبب مخالطتها إياها قلنا: الكلام في حصول تلك الأجزاء النارية كالكلام في الأول فإن قلتم: إنا نرى من رش الماء على النورة المطفأة تنفصل منها نار وإذا وقع شعاع الشمس على البلورة ظهرت النار منها وإذا ضربنا الحجر على الحديد ظهرت(4\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1529",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10095",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النار وكل هذه النارية حدثت عند الاختلاط وذلك يبطل ما قررتموه في القسم الأول أيضا. قال المنكرون: نحن لا ننكر أن تكون المصاكة الشديدة محدثة للنار كما في ضرب الحجارة على الحديد أو تكون قوة تسخين الشمس محدثة للنار كما في البلورة لكنا نستبعد ذلك جدا في أجرام النبات والحيوان إذ ليس في أجرامها من الاصطكاك ما يوجب حدوث النار ولا فيها من الصفاء والصقال ما يبلغ إلى حد البلورة كيف وشعاع الشمس يقع على ظاهرها فلا تتولد النار البتة فالشعاع الذي يصل إلى باطنها كيف يولد النار الوجه الثاني: في أصل المسألة: أن الأطباء مجمعون على أن الشراب العتيق في غاية السخونة بالطبع فلو كانت تلك السخونة بسبب الأجزاء النارية لكانت محالا إذ تلك الأجزاء النارية مع حقارتها كيف يعقل بقاؤها في الأجزاء المائية الغالبة دهرا طويلا بحيث لا تنطفئ مع أنا نرى النار العظيمة تطفأ بالماء القليل. الوجه الثالث: أنه لو كان في الحيوان والنبات جزء ناري بالفعل لكان مغلوبا بالجزء المائي الذي فيه وكان الجزء الناري مقهورا به وغلبة بعض الطبائع والعناصر على بعض يقتضي انقلاب طبيعة المغلوب إلى طبيعة الغالب فكان يلزم بالضرورة انقلاب تلك الأجزاء النارية القليلة جدا إلى طبيعة الماء الذي هو ضد النار الوجه الرابع: أن الله سبحانه وتعالى ذكر خلق الإنسان في كتابه في مواضع متعددة يخبر في بعضها أنه خلقه من ماء وفي بعضها أنه خلقه من تراب وفي بعضها أنه خلقه من المركب منهما وهو الطين وفي بعضها أنه خلقه من صلصال كالفخار وهو الطين الذي ضربته الشمس والريح حتى صار صلصالا كالفخار ولم يخبر في موضع واحد أنه خلقه من نار بل جعل ذلك خاصية إبليس. وثبت(4\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1530",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10096",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في quot; صحيح مسلم quot;: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم )  وهذا صريح في أنه خلق مما وصفه الله في كتابه فقط ولم يصف لنا سبحانه أنه خلقه من نار ولا أن في مادته شيئا من النار. الوجه الخامس: أن غاية ما يستدلون به ما يشاهدون من الحرارة في أبدان الحيوان وهي دليل على الأجزاء النارية وهذا لا يدل فإن أسباب الحرارة أعم من النار فإنها تكون عن النار تارة وعن الحركة أخرى وعن انعكاس الأشعة وعن سخونة الهواء وعن مجاورة النار وذلك بواسطة سخونة الهواء أيضا وتكون عن أسباب أخر فلا يلزم من الحرارة النار. قال أصحاب النار: من المعلوم أن التراب والماء إذا اختلطا فلا بد لهما من حرارة تقتضي طبخهما وامتزاجهما وإلا كان كل منهما غير ممازج للآخر ولا متحدا به وكذلك إذا ألقينا البذر في الطين بحيث لا يصل إليه الهواء ولا الشمس فسد فلا يخلو إما أن يحصل في المركب جسم منضج طابخ بالطبع أو لا فإن حصل فهو الجزء الناري وإن لم يحصل لم يكن المركب مسخنا بطبعه بل إن سخن كان التسخين عرضيا فإذا زال التسخين العرضي لم يكن الشيء حارا في طبعه ولا في كيفيته وكان باردا مطلقا لكن من الأغذية والأدوية ما يكون حارا بالطبع فعلمنا أن حرارتها إنما كانت لأن فيها جوهرا ناريا. وأيضا فلو لم يكن في البدن جزء مسخن لوجب أن يكون في نهاية البرد لأن الطبيعة إذا كانت مقتضية للبرد وكانت خالية عن المعاون والمعارض وجب انتهاء البرد إلى أقصى الغاية ولو كان كذلك لما حصل لها الإحساس بالبرد لأن البرد الواصل إليه إذا كان في الغاية كان مثله والشيء لا ينفعل عن مثله وإذا لم ينفعل عنه لم يحس به وإذا لم يحس به لم يتألم عنه وإن كان(4\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1531",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10097",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دونه فعدم الانفعال يكون أولى فلو لم يكن في البدن جزء مسخن بالطبع لما انفعل عن البرد ولا تألم به. قالوا: وأدلتكم إنما تبطل قول من يقول: الأجزاء النارية باقية في هذه المركبات على حالها وطبيعتها النارية ونحن لا نقول بذلك بل نقول: إن صورتها النوعية تفسد عند الامتزاج. قال الآخرون: لم لا يجوز أن يقال: إن الأرض والماء والهواء إذا اختلطت فالحرارة المنضجة الطابخة لها هي حرارة الشمس وسائر الكواكب ثم ذلك المركب عند كمال نضجه مستعد لقبول الهيئة التركيبية بواسطة السخونة نباتا كان أو حيوانا أو معدنا وما المانع أن تلك السخونة والحرارة التي في المركبات هي بسبب خواص وقوى يحدثها الله تعالى عند ذلك الامتزاج لا من أجزاء نارية بالفعل ولا سبيل لكم إلى إبطال هذا الإمكان البتة وقد اعترف جماعة من فضلاء الأطباء بذلك. وأما حديث إحساس البدن بالبرد فنقول: هذا يدل على أن في البدن حرارة وتسخينا ومن ينكر ذلك لكن ما الدليل على انحصار المسخن في النار فإنه وإن كان كل نار مسخنا فإن هذه القضية لا تنعكس كلية بل عكسها الصادق بعض المسخن نار. وأما قولكم بفساد صورة النار النوعية فأكثر الأطباء على بقاء صورتها النوعية والقول بفسادها قول فاسد قد اعترف بفساده أفضل متأخريكم في كتابه المسمى بالشفا وبرهن على بقاء الأركان أجمع على طبائعها في المركبات. وبالله التوفيق.(4\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1532",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10098",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل أنواع علاجه صلى الله عليه وسلم] [القسم الأول العلاج بالأدوية الطبيعية] [فصل في هديه في علاج الحمى] فصل وكان علاجه صلى الله عليه وسلم للمرض ثلاثة أنواع. . . أحدها: بالأدوية الطبيعية. والثاني: بالأدوية الإلهية. والثالث بالمركب من الأمرين. ونحن نذكر الأنواع الثلاثة من هديه صلى الله عليه وسلم فنبدأ بذكر الأدوية الطبيعية التي وصفها واستعملها ثم نذكر الأدوية الإلهية ثم المركبة. وهذا إنما نشير إليه إشارة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعث هاديا وداعيا إلى الله وإلى جنته ومعرفا بالله ومبينا للأمة مواقع رضاه وآمرا لهم بها ومواقع سخطه وناهيا لهم عنها ومخبرهم أخبار الأنبياء والرسل وأحوالهم مع أممهم وأخبار تخليق العالم وأمر المبدأ والمعاد وكيفية شقاوة النفوس وسعادتها وأسباب ذلك. وأما طب الأبدان: فجاء من تكميل شريعته ومقصودا لغيره بحيث إنما يستعمل عند الحاجة إليه فإذا قدر على الاستغناء عنه كان صرف الهمم والقوى إلى علاج القلوب والأرواح وحفظ صحتها ودفع أسقامها وحميتها مما يفسدها هو المقصود بالقصد الأول وإصلاح البدن بدون إصلاح القلب لا ينفع وفساد البدن مع إصلاح القلب مضرته يسيرة جدا وهي مضرة زائلة تعقبها المنفعة الدائمة التامة وبالله التوفيق.(4\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1533",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10099",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذكر القسم الأول: وهو العلاج بالأدوية الطبيعية فصل في هديه في علاج الحمى ثبت في quot; الصحيحين quot;: عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الحمى أو شدة الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء ) . وقد أشكل هذا الحديث على كثير من جهلة الأطباء ورأوه منافيا لدواء الحمى وعلاجها ونحن نبين بحول الله وقوته وجهه وفقهه فنقول: خطاب النبي صلى الله عليه وسلم نوعان: عام لأهل الأرض وخاص ببعضهم فالأول: كعامة خطابه والثاني: كقوله: ( لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا ) فهذا ليس بخطاب لأهل المشرق والمغرب ولا العراق(4\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1534",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10100",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولكن لأهل المدينة وما على سمتها كالشام وغيرها. وكذلك قوله ( ما بين المشرق والمغرب قبلة ) . وإذا عرف هذا فخطابه في هذا الحديث خاص بأهل الحجاز ما والاهم إذ كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من نوع الحمى اليومية العرضية الحادثة عن شدة حرارة الشمس وهذه ينفعها الماء البارد شربا واغتسالا فإن الحمى حرارة غريبة تشتعل في القلب وتنبث منه بتوسط الروح والدم في الشرايين والعروق إلى جميع البدن فتشتعل فيه اشتعالا يضر بالأفعال الطبيعية. وهي تنقسم إلى قسمين: عرضية: وهي الحادثة إما عن الورم أو الحركة أو إصابة حرارة الشمس أو القيظ الشديد ونحو ذلك. ومرضية: وهي ثلاثة أنواع وهي لا تكون إلا في مادة أولى ثم منها يسخن جميع البدن. فإن كان مبدأ تعلقها بالروح سميت حمى يوم لأنها في الغالب تزول في يوم ونهايتها ثلاثة أيام وإن كان مبدأ تعلقها بالأخلاط سميت عفنية وهي أربعة أصناف: صفراوية وسوداوية وبلغمية ودموية. وإن كان مبدأ تعلقها بالأعضاء الصلبة الأصلية سميت حمى دق وتحت هذه الأنواع أصناف كثيرة. وقد ينتفع البدن بالحمى انتفاعا عظيما لا يبلغه الدواء وكثيرا ما يكون حمى يوم وحمى العفن سببا لإنضاج مواد غليظة لم تكن تنضج بدونها وسببا لتفتح سدد لم يكن تصل إليها الأدوية المفتحة. وأما الرمد الحديث والمتقادم فإنها تبرئ أكثر أنواعه برءا عجيبا سريعا(4\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1535",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10101",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتنفع من الفالج واللقوة والتشنج الامتلائي وكثير من الأمراض الحادثة عن الفضول الغليظة. وقال لي بعض فضلاء الأطباء: إن كثيرا من الأمراض نستبشر فيها بالحمى كما يستبشر المريض بالعافية فتكون الحمى فيه أنفع من شرب الدواء بكثير فإنها تنضج من الأخلاط والمواد الفاسدة ما يضر بالبدن فإذا أنضجتها صادفها الدواء متهيئة للخروج بنضاجها فأخرجها فكانت سببا للشفاء. وإذا عرف هذا فيجوز أن يكون مراد الحديث من أقسام الحميات العرضية فإنها تسكن على المكان بالانغماس في الماء البارد وسقي الماء البارد المثلوج ولا يحتاج صاحبها مع ذلك إلى علاج آخر فإنها مجرد كيفية حارة متعلقة بالروح فيكفي في زوالها مجرد وصول كيفية باردة تسكنها وتخمد لهبها من غير حاجة إلى استفراغ مادة أو انتظار نضج. ويجوز أن يراد به جميع أنواع الحميات وقد اعترف فاضل الأطباء جالينوس: بأن الماء البارد ينفع فيها قال في المقالة العاشرة من كتاب quot; حيلة البرء quot;: ولو أن رجلا شابا حسن اللحم خصب البدن في وقت القيظ وفي وقت منتهى الحمى وليس في أحشائه ورم استحم بماء بارد أو سبح فيه لانتفع بذلك. قال: ونحن نأمر بذلك لا توقف.(4\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1536",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10102",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الرازي في كتابه الكبير: إذا كانت القوة قوية والحمى حادة جدا والنضج بين ولا ورم في الجوف ولا فتق ينفع الماء البارد شربا وإن كان العليل خصب البدن والزمان حار وكان معتادا لاستعمال الماء البارد من خارج فليؤذن فيه. وقوله: ( الحمى من فيح جهنم ) هو شدة لهبها وانتشارها ونظيره قوله: ( شدة الحر من فيح جهنم )  وفيه وجهان: أحدهما: أن ذلك أنموذج ورقيقة اشتقت من جهنم ليستدل بها العباد عليها ويعتبروا بها ثم إن الله سبحانه قدر ظهورها بأسباب تقتضيها كما أن الروح والفرح والسرور واللذة من نعيم الجنة أظهرها الله في هذه الدار عبرة ودلالة وقدر ظهورها بأسباب توجبها. والثاني: أن يكون المراد التشبيه فشبه شدة الحمى ولهبها بفيح جهنم وشبه شدة الحر به أيضا تنبيها للنفوس على شدة عذاب النار وأن هذه الحرارة العظيمة مشبهة بفيحها وهو ما يصيب من قرب منها من حرها. وقوله: quot; فأبردوها quot; روي بوجهين: بقطع الهمزة وفتحها رباعي: من أبرد الشيء إذا صيره باردا مثل: أسخنه إذا صيره سخنا. والثاني: بهمزة الوصل مضمومة من برد الشيء يبرده وهو أفصح لغة واستعمالا والرباعي لغة رديئة عندهم قال: إذا وجدت لهيب الحب في كبدي ... أقبلت نحو سقاء القوم أبترد(4\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1537",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10103",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هبني بردت ببرد الماء ظاهره فمن لنار على الأحشاء تتقد وقوله quot; بالماء quot; فيه قولان. أحدهما: أنه كل ماء وهو الصحيح. والثاني: أنه ماء زمزم واحتج أصحاب هذا القول بما رواه البخاري في quot; صحيحه quot; عن أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي قال: كنت أجالس ابن عباس بمكة فأخذتني الحمى فقال: أبردها عنك بماء زمزم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء أو قال: بماء زمزم ) . وراوي هذا قد شك فيه ولو جزم به لكان أمرا لأهل مكة بماء زمزم إذ هو متيسر عندهم ولغيرهم بما عندهم من الماء. ثم اختلف من قال: إنه على عمومه هل المراد به الصدقة بالماء أو استعماله على قولين. والصحيح أنه استعمال وأظن أن الذي حمل من قال: المراد الصدقة به أنه أشكل عليه استعمال الماء البارد في الحمى ولم يفهم وجهه مع أن لقوله وجها حسنا وهو أن الجزاء من جنس العمل فكما أخمد لهيب العطش عن الظمآن بالماء البارد أخمد الله لهيب الحمى عنه جزاء وفاقا ولكن هذا يؤخذ من فقه الحديث وإشارته وأما المراد به فاستعماله. وقد ذكر أبو نعيم وغيره من حديث أنس يرفعه: ( إذا حم أحدكم فليرش عليه الماء البارد ثلاث ليال من السحر ) .(4\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1538",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10104",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; سنن ابن ماجه quot; عن أبي هريرة يرفعه: ( الحمى كير من كير جهنم فنحوها عنكم بالماء البارد ) . وفي quot; المسند quot; وغيره من حديث الحسن عن سمرة يرفعه: ( الحمى قطعة من النار فأبردوها عنكم بالماء البارد ) . ( وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حم دعا بقربة من ماء فأفرغها على رأسه فاغتسل ) . وفي quot; السنن quot;: من حديث أبي هريرة قال: ذكرت الحمى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبها رجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تسبها فإنها تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الحديد ) . لما كانت الحمى يتبعها حمية عن الأغذية الرديئة وتناول الأغذية والأدوية النافعة وفي ذلك إعانة على تنقية البدن ونفي أخباثه وفضوله وتصفيته من مواده الرديئة وتفعل فيه كما تفعل النار في الحديد في نفي خبثه وتصفية جوهره كانت أشبه الأشياء بنار الكير التي تصفي جوهر الحديد وهذا القدر هو المعلوم عند أطباء الأبدان. وأما تصفيتها القلب من وسخه ودرنه وإخراجها خبائثه فأمر يعلمه أطباء القلوب ويجدونه كما أخبرهم به نبيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن مرض القلب إذا(4\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1539",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10105",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صار مأيوسا من برئه لم ينفع فيه هذا العلاج. فالحمى تنفع البدن والقلب وما كان بهذه المثابة فسبه ظلم وعدوان وذكرت مرة وأنا محموم قول بعض الشعراء يسبها: زارت مكفرة الذنوب وودعت ... تبا لها من زائر ومودع قالت وقد عزمت على ترحالها ... ماذا تريد فقلت أن لا ترجعي فقلت: تبا له إذ سب ما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبه ولو قال: زارت مكفرة الذنوب لصبها ... أهلا بها من زائر ومودع قالت وقد عزمت على ترحالها ... ماذا تريد فقلت: أن لا تقلعي لكان أولى به ولأقلعت عنه فأقلعت عني سريعا. وقد روي في أثر لا أعرف حاله ( حمى يوم كفارة سنة )  وفيه قولان أحدهما: أن الحمى تدخل في كل الأعضاء والمفاصل وعدتها ثلاثمائة وستون مفصلا فتكفر عنه - بعدد كل مفصل - ذنوب يوم. والثاني: أنها تؤثر في البدن تأثيرا لا يزول بالكلية إلى سنة كما قيل في قوله صلى الله عليه وسلم: ( من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما ) : إن أثر الخمر يبقى في جوف العبد وعروقه وأعضائه أربعين يوما والله أعلم. قال أبو هريرة: ( ما من مرض يصيبني أحب إلي من الحمى لأنها تدخل في(4\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1540",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10106",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كل عضو مني وإن الله سبحانه يعطي كل عضو حظه من الأجر ) . وقد روى الترمذي في quot; جامعه quot; من حديث رافع بن خديج يرفعه: ( إذا أصابت أحدكم الحمى - وإن الحمى قطعة من النار - فليطفئها بالماء البارد ويستقبل نهرا جاريا فليستقبل جرية الماء بعد الفجر وقبل طلوع الشمس وليقل: بسم الله اللهم اشف عبدك وصدق رسولك وينغمس فيه ثلاث غمسات ثلاثة أيام فإن برئ وإلا ففي خمس فإن لم يبرأ في خمس فسبع فإن لم يبرأ في سبع فتسع فإنها لا تكاد تجاوز تسعا بإذن الله ) . قلت: وهو ينفع فعله في فصل الصيف في البلاد الحارة على الشرائط التي تقدمت فإن الماء في ذلك الوقت أبرد ما يكون لبعده عن ملاقاة الشمس ووفور القوى في ذلك الوقت لما أفادها النوم والسكون وبرد الهواء فتجتمع فيه قوة القوى وقوة الدواء وهو الماء البارد على حرارة الحمى العرضية أو الغب الخالصة أعني التي لا ورم معها ولا شيء من الأعراض الرديئة والمواد الفاسدة فيطفئها بإذن الله لا سيما في أحد الأيام المذكورة في الحديث وهي الأيام التي يقع فيها بحران الأمراض الحادة كثيرا سيما في البلاد المذكورة لرقة أخلاط سكانها وسرعة انفعالهم عن الدواء النافع.  [فصل هديه في علاج استطلاق البطن] فصل في هديه في علاج استطلاق البطن في quot; الصحيحين quot;: من حديث أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي يشتكي بطنه وفي رواية: استطلق بطنه فقال: (quot;اسقه عسلا quot; فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فلم يغن عنه شيئا وفي(4\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1541",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10107",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لفظ: فلم يزده إلا استطلاقا مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول له: quot;اسقه عسلا quot; فقال له في الثالثة أو الرابعة: صدق الله وكذب بطن أخيك ) . وفي quot; صحيح مسلم quot; في لفظ له: quot; إن أخي عرب بطنه quot; أي: فسد هضمه واعتلت معدته والاسم: العرب بفتح الراء والذرب أيضا. والعسل فيه منافع عظيمة فإنه جلاء للأوساخ التي في العروق والأمعاء وغيرها محلل للرطوبات أكلا وطلاء نافع للمشايخ وأصحاب البلغم ومن كان مزاجه باردا رطبا وهو مغذ ملين للطبيعة حافظ لقوى المعاجين ولما استودع فيه مذهب لكيفيات الأدوية الكريهة منق للكبد والصدر مدر للبول موافق للسعال الكائن عن البلغم وإذا شرب حارا بدهن الورد نفع من نهش الهوام وشرب الأفيون وإن شرب وحده ممزوجا بماء نفع من عضة الكلب الكلب وأكل الفطر القتال وإذا جعل فيه اللحم الطري حفظ طراوته ثلاثة أشهر وكذلك إن جعل فيه القثاء والخيار والقرع والباذنجان ويحفظ كثيرا من الفاكهة ستة أشهر ويحفظ جثة الموتى ويسمى الحافظ الأمين. وإذا لطخ به البدن المقمل والشعر قتل قمله وصئبانه وطول الشعر وحسنه ونعمه وإن اكتحل به جلا ظلمة البصر وإن استن به بيض الأسنان وصقلها وحفظ صحتها وصحة اللثة ويفتح أفواه العروق ويدر الطمث ولعقه على الريق يذهب البلغم ويغسل خمل المعدة ويدفع الفضلات عنها ويسخنها تسخينا معتدلا ويفتح سددها ويفعل ذلك بالكبد والكلى والمثانة وهو أقل ضررا لسدد الكبد والطحال من كل حلو. وهو مع هذا كله مأمون الغائلة قليل المضار مضر بالعرض للصفراويين(4\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1542",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10108",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ودفعها بالخل ونحوه فيعود حينئذ نافعا له جدا. وهو غذاء مع الأغذية ودواء مع الأدوية وشراب مع الأشربة وحلو مع الحلوى وطلاء مع الأطلية ومفرح مع المفرحات فما خلق لنا شيء في معناه أفضل منه ولا مثله ولا قريب منه ولم يكن معول القدماء إلا عليه وأكثر كتب القدماء لا ذكر فيها للسكر البتة ولا يعرفونه فإنه حديث العهد حدث قريبا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشربه بالماء على الريق وفي ذلك سر بديع في حفظ الصحة لا يدركه إلا الفطن الفاضل وسنذكر ذلك إن شاء الله عند ذكر هديه في حفظ الصحة. وفي quot; سنن ابن ماجه quot; مرفوعا من حديث أبي هريرة ( من لعق العسل ثلاث غدوات كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء )  وفي أثر آخر: ( عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن ) فجمع بين الطب البشري والإلهي وبين طب الأبدان وطب الأرواح وبين الدواء الأرضي والدواء السمائي. إذا عرف هذا فهذا الذي وصف له النبي صلى الله عليه وسلم العسل كان استطلاق بطنه عن تخمة أصابته عن امتلاء فأمره بشرب العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة والأمعاء فإن العسل فيه جلاء ودفع للفضول وكان قد أصاب المعدة أخلاط لزجة تمنع استقرار الغذاء فيها للزوجتها فإن المعدة لها خمل كخمل القطيفة فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة أفسدتها(4\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1543",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10109",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأفسدت الغذاء فدواؤها بما يجلوها من تلك الأخلاط والعسل جلاء والعسل من أحسن ما عولج به هذا الداء لا سيما إن مزج بالماء الحار. وفي تكرار سقيه العسل معنى طبي بديع وهو أن الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية بحسب حال الداء إن قصر عنه لم يزله بالكلية وإن جاوزه أوهى القوى فأحدث ضررا آخر فلما أمره أن يسقيه العسل سقاه مقدارا لا يفي بمقاومة الداء ولا يبلغ الغرض فلما أخبره علم أن الذي سقاه لا يبلغ مقدار الحاجة فلما تكرر ترداده إلى النبي صلى الله عليه وسلم أكد عليه المعاودة ليصل إلى المقدار المقاوم للداء فلما تكررت الشربات بحسب مادة الداء برأ بإذن الله واعتبار مقادير الأدوية وكيفياتها ومقدار قوة المرض مرض من أكبر قواعد الطب. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: ( صدق الله وكذب بطن أخيك ) إشارة إلى تحقيق نفع هذا الدواء وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في نفسه ولكن لكذب البطن وكثرة المادة الفاسدة فيه فأمره بتكرار الدواء لكثرة المادة. وليس طبه صلى الله عليه وسلم كطب الأطباء فإن طب النبي صلى الله عليه وسلم متيقن قطعي إلهي صادر عن الوحي ومشكاة النبوة وكمال العقل. وطب غيره أكثره حدس وظنون وتجارب ولا ينكر عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة فإنه إنما ينتفع به من تلقاه بالقبول واعتقاد الشفاء به وكمال التلقي له بالإيمان والإذعان فهذا القرآن الذي هو شفاء لما في الصدور - إن لم يتلق هذا التلقي - لم يحصل به شفاء الصدور من أدوائها بل لا يزيد المنافقين إلا رجسا إلى رجسهم ومرضا إلى مرضهم وأين يقع طب الأبدان منه فطب النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطيبة كما أن شفاء القرآن لا يناسب إلا الأرواح الطيبة والقلوب الحية فإعراض الناس عن طب النبوة كإعراضهم عن الاستشفاء بالقرآن الذي هو الشفاء النافع وليس ذلك لقصور في الدواء ولكن لخبث الطبيعة وفساد المحل وعدم قبوله والله الموفق.(4\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1544",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10110",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل بيان أن العسل فيه شفاء للناس] فصل وقد اختلف الناس في قوله تعالى: يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس [النحل: 69] [النحل: 69]  هل الضمير في quot; فيه quot; راجع إلى الشراب أو راجع إلى القرآن على قولين: الصحيح رجوعه إلى الشراب وهو قول ابن مسعود وابن عباس والحسن وقتادة والأكثرين فإنه هو المذكور والكلام سيق لأجله ولا ذكر للقرآن في الآية وهذا الحديث الصحيح وهو قوله: quot; صدق الله quot; كالصريح فيه والله تعالى أعلم.  [فصل هديه في الطاعون وعلاجه والاحتراز منه] فصل في هديه في الطاعون وعلاجه والاحتراز منه في quot; الصحيحين quot; عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد: ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعون فقال أسامة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل وعلى من كان قبلكم فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارا منه ) . وفي quot; الصحيحين quot; أيضا: عن حفصة بنت سيرين قالت: قال أنس بن مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الطاعون شهادة لكل مسلم ) .(4\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1545",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10111",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطاعون - من حيث اللغة - نوع من الوباء قاله صاحب quot; الصحاح quot; وهو عند أهل الطب: ورم رديء قتال يخرج معه تلهب شديد مؤلم جدا يتجاوز المقدار في ذلك ويصير ما حوله في الأكثر أسود أو أخضر أو أكمد ويئول أمره إلى التقرح سريعا. وفي الأكثر يحدث في ثلاثة مواضع في الإبط وخلف الأذن والأرنبة وفي اللحوم الرخوة. وفي أثر عن عائشة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: الطعن قد عرفناه فما الطاعون قال: (غدة كغدة البعير يخرج في المراق والإبط ) . قال الأطباء: إذا وقع الخراج في اللحوم الرخوة والمغابن وخلف الأذن والأرنبة وكان من جنس فاسد سمي طاعونا وسببه دم رديء مائل إلى العفونة والفساد مستحيل إلى جوهر سمي يفسد العضو ويغير ما يليه وربما رشح دما وصديدا ويؤدي إلى القلب كيفية رديئة فيحدث القيء والخفقان والغشي وهذا الاسم وإن كان يعم كل ورم يؤدي إلى القلب كيفية رديئة حتى يصير لذلك قتالا فإنه يختص به الحادث في اللحم الغددي لأنه لرداءته لا يقبله من الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع وأردؤه ما حدث في الإبط وخلف الأذن لقربهما من الأعضاء التي هي أرأس وأسلمه الأحمر ثم الأصفر. والذي إلى السواد فلا يفلت منه أحد. ولما كان الطاعون يكثر في الوباء وفي البلاد الوبيئة عبر عنه بالوباء كما قال الخليل: الوباء الطاعون. وقيل: هو كل مرض يعم والتحقيق أن بين الوباء(4\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1546",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10112",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والطاعون عموما وخصوصا فكل طاعون وباء وليس كل وباء طاعونا وكذلك الأمراض العامة أعم من الطاعون فإنه واحد منها والطواعين خراجات وقروح وأورام رديئة حادثة في المواضع المتقدم ذكرها. قلت: هذه القروح والأورام والجراحات هي آثار الطاعون وليست نفسه ولكن الأطباء لما لم تدرك منه إلا الأثر الظاهر جعلوه نفس الطاعون. والطاعون يعبر به عن ثلاثة أمور: أحدها: هذا الأثر الظاهر وهو الذي ذكره الأطباء. والثاني: الموت الحادث عنه وهو المراد بالحديث الصحيح في قوله: ( الطاعون شهادة لكل مسلم ) . والثالث: السبب الفاعل لهذا الداء وقد ورد في الحديث الصحيح: ( أنه بقية رجز أرسل على بني إسرائيل )  وورد فيه quot; أنه وخز الجن quot; وجاء أنه دعوة نبي. وهذه العلل والأسباب ليس عند الأطباء ما يدفعها كما ليس عندهم ما يدل عليها والرسل تخبر بالأمور الغائبة وهذه الآثار التي أدركوها من أمر الطاعون ليس معهم ما ينفي أن تكون بتوسط الأرواح فإن تأثير الأرواح في الطبيعة وأمراضها وهلاكها أمر لا ينكره إلا من هو أجهل الناس بالأرواح وتأثيراتها وانفعال الأجسام وطبائعها عنها والله سبحانه قد يجعل لهذه الأرواح تصرفا في أجسام بني آدم عند حدوث الوباء وفساد الهواء كما يجعل لها تصرفا عند بعض المواد الرديئة التي تحدث للنفوس هيئة رديئة ولا سيما عند هيجان الدم والمرة السوداء وعند هيجان المني فإن الأرواح الشيطانية تتمكن من فعلها بصاحب(4\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1547",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10113",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذه العوارض ما لا تتمكن من غيره ما لم يدفعها دافع أقوى من هذه الأسباب من الذكر والدعاء والابتهال والتضرع والصدقة وقراءة القرآن فإنه يستنزل بذلك من الأرواح الملكية ما يقهر هذه الأرواح الخبيثة ويبطل شرها ويدفع تأثيرها وقد جربنا نحن وغيرنا هذا مرارا لا يحصيها إلا الله ورأينا لاستنزال هذه الأرواح الطيبة واستجلاب قربها تأثيرا عظيما في تقوية الطبيعة ودفع المواد الرديئة وهذا يكون قبل استحكامها وتمكنها ولا يكاد ينخرم فمن وفقه الله بادر عند إحساسه بأسباب الشر إلى هذه الأسباب التي تدفعها عنه وهي له من أنفع الدواء وإذا أراد الله عز وجل إنفاذ قضائه وقدره أغفل قلب العبد عن معرفتها وتصورها وإرادتها فلا يشعر بها ولا يريدها ليقضي الله فيه أمرا كان مفعولا. وسنزيد هذا المعنى إن شاء الله تعالى إيضاحا وبيانا عند الكلام على التداوي بالرقى والعوذ النبوية والأذكار والدعوات وفعل الخيرات ونبين أن نسبة طب الأطباء إلى هذا الطب النبوي كنسبة طب الطرقية والعجائز إلى طبهم كما اعترف به حذاقهم وأئمتهم ونبين أن الطبيعة الإنسانية أشد شيء انفعالا عن الأرواح وأن قوى العوذ والرقى والدعوات فوق قوى الأدوية حتى إنها تبطل قوى السموم القاتلة. والمقصود أن فساد الهواء جزء من أجزاء السبب التام والعلة الفاعلة للطاعون فإن فساد جوهر الهواء الموجب لحدوث الوباء وفساده يكون لاستحالة جوهره إلى الرداءة لغلبة إحدى الكيفيات الرديئة عليه كالعفونة والنتن والسمية في أي وقت كان من أوقات السنة وإن كان أكثر حدوثه في أواخر الصيف وفي الخريف غالبا لكثرة اجتماع الفضلات المرارية الحادة وغيرها في فصل الصيف وعدم تحللها في آخره وفي الخريف لبرد الجو وردغة الأبخرة والفضلات التي كانت تتحلل في زمن الصيف فتنحصر فتسخن وتعفن فتحدث الأمراض العفنة ولا سيما إذا صادفت البدن مستعدا قابلا رهلا قليل(4\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1548",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10114",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحركة كثير المواد فهذا لا يكاد يفلت من العطب. وأصح الفصول فيه فصل الربيع. قال أبقراط: إن في الخريف أشد ما تكون من الأمراض وأقتل وأما الربيع فأصح الأوقات كلها وأقلها موتا وقد جرت عادة الصيادلة ومجهزي الموتى أنهم يستدينون ويتسلفون في الربيع والصيف على فصل الخريف فهو ربيعهم وهم أشوق شيء إليه وأفرح بقدومه وقد روي في حديث: ( إذا طلع النجم ارتفعت العاهة عن كل بلد ) . وفسر بطلوع الثريا وفسر بطلوع النبات زمن الربيع ومنه: والنجم والشجر يسجدان [الرحمن: 6] [الرحمن: 7]  فإن كمال طلوعه وتمامه يكون في فصل الربيع وهو الفصل الذي ترتفع فيه الآفات. وأما الثريا فالأمراض تكثر وقت طلوعها مع الفجر وسقوطها. قال التميمي في كتاب quot; مادة البقاء quot;: أشد أوقات السنة فسادا وأعظمها بلية على الأجساد وقتان: أحدهما: وقت سقوط الثريا للمغيب عند طلوع الفجر.(4\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1549",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10115",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثاني: وقت طلوعها من المشرق قبل طلوع الشمس على العالم بمنزلة من منازل القمر وهو وقت تصرم فصل الربيع وانقضائه غير أن الفساد الكائن عند طلوعها أقل ضررا من الفساد الكائن عند سقوطها. وقال أبو محمد بن قتيبة: يقال: ما طلعت الثريا ولا نأت إلا بعاهة في الناس والإبل وغروبها أعوه من طلوعها. وفي الحديث قول ثالث - ولعله أولى الأقوال به - أن المراد بالنجم: الثريا وبالعاهة: الآفة التي تلحق الزروع والثمار في فصل الشتاء وصدر فصل الربيع فحصل الأمن عليها عند طلوع الثريا في الوقت المذكور ولذلك نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة وشرائها قبل أن يبدو صلاحها. والمقصود: الكلام على هديه صلى الله عليه وسلم عند وقوع الطاعون.  [فصل النهي عن الدخول إلى أرض الطاعون والخروج منها] فصل وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم للأمة في نهيه عن الدخول إلى الأرض التي هو بها ونهيه عن الخروج منها بعد وقوعه كمال التحرز منه فإن في الدخول في الأرض التي هو بها تعرضا للبلاء وموافاة له في محل سلطانه وإعانة للإنسان على نفسه وهذا مخالف للشرع والعقل بل تجنب الدخول إلى أرضه من باب الحمية التي أرشد الله سبحانه إليها وهي حمية عن الأمكنة والأهوية المؤذية. وأما نهيه عن الخروج من بلده ففيه معنيان: أحدهما: حمل النفوس على الثقة بالله والتوكل عليه والصبر على أقضيته والرضا بها. والثاني: ما قاله أئمة الطب: أنه يجب على كل محترز من الوباء أن يخرج(4\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1550",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10116",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن بدنه الرطوبات الفضلية ويقلل الغذاء ويميل إلى التدبير المجفف من كل وجه إلا الرياضة والحمام فإنهما مما يجب أن يحذرا لأن البدن لا يخلو غالبا من فضل رديء كامن فيه فتثيره الرياضة والحمام ويخلطانه بالكيموس الجيد وذلك يجلب علة عظيمة بل يجب عند وقوع الطاعون السكون والدعة وتسكين هيجان الأخلاط ولا يمكن الخروج من أرض الوباء والسفر منها إلا بحركة شديدة وهي مضرة جدا. هذا كلام أفضل الأطباء المتأخرين فظهر المعنى الطبي من الحديث النبوي وما فيه من علاج القلب والبدن وصلاحهما. فإن قيل: ففي قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تخرجوا فرارا منه )  ما يبطل أن يكون أراد هذا المعنى الذي ذكرتموه وأنه لا يمنع الخروج لعارض ولا يحبس مسافرا عن سفره قيل: لم يقل أحد طبيب ولا غيره: إن الناس يتركون حركاتهم عند الطواعين ويصيرون بمنزلة الجمادات وإنما ينبغي فيه التقلل من الحركة بحسب الإمكان والفار منه لا موجب لحركته إلا مجرد الفرار منه ودعته وسكونه أنفع لقلبه وبدنه وأقرب إلى توكله على الله تعالى واستسلامه لقضائه. وأما من لا يستغني عن الحركة كالصناع والأجراء والمسافرين والبرد وغيرهم فلا يقال لهم: اتركوا حركاتكم جملة وإن أمروا أن يتركوا منها ما لا حاجة لهم إليه كحركة المسافر فارا منه والله تعالى أعلم. وفي المنع من الدخول إلى الأرض التي قد وقع بها عدة حكم: أحدها: تجنب الأسباب المؤذية والبعد منها. الثاني: الأخذ بالعافية التي هي مادة المعاش والمعاد. الثالث: أن لا يستنشقوا الهواء الذي قد عفن وفسد فيمرضون.(4\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1551",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10117",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرابع: أن لا يجاوروا المرضى الذين قد مرضوا بذلك فيحصل لهم بمجاورتهم من جنس أمراضهم. وفي quot; سنن أبي داود quot; مرفوعا: ( إن من القرف التلف ) . قال ابن قتيبة: القرف مداناة الوباء ومداناة المرضى. الخامس: حمية النفوس عن الطيرة والعدوى فإنها تتأثر بهما فإن الطيرة على من تطير بها وبالجملة ففي النهي عن الدخول في أرضه الأمر بالحذر والحمية والنهي عن التعرض لأسباب التلف. وفي النهي عن الفرار منه الأمر بالتوكل والتسليم والتفويض فالأول: تأديب وتعليم والثاني: تفويض وتسليم. وفي الصحيح: ( أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام فاختلفوا فقال لابن عباس: ادع لي المهاجرين الأولين قال: فدعوتهم فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام فاختلفوا فقال له بعضهم: خرجت لأمر فلا نرى أن ترجع عنه. وقال آخرون معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء فقال عمر: ارتفعوا عني ثم قال: ادع لي الأنصار فدعوتهم له فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم فقال: ارتفعوا عني ثم قال: ادع لي من هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فدعوتهم له فلم يختلف عليه منهم رجلان قالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء فأذن عمر في الناس إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه فقال أبو عبيدة بن الجراح: يا أمير المؤمنين أفرارا من قدر الله تعالى قال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة نعم نفر من قدر الله تعالى إلى قدر الله(4\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1552",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10118",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له عدوتان إحداهما - خصبة والأخرى جدبة ألست إن رعيتها الخصبة رعيتها بقدر الله تعالى وإن رعيتها الجدبة رعيتها بقدر الله تعالى قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبا في بعض حاجاته فقال: إن عندي في هذا علما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه ) .  [فصل هديه في داء الاستسقاء وعلاجه] فصل في هديه في داء الاستسقاء وعلاجه في quot; الصحيحين quot;: من حديث أنس بن مالك قال: quot; قدم رهط من عرينة وعكل على النبي صلى الله عليه وسلم فاجتووا المدينة فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (لو خرجتم إلى إبل الصدقة فشربتم من أبوالها وألبانها ففعلوا فلما صحوا عمدوا إلى الرعاة فقتلوهم واستاقوا الإبل وحاربوا الله ورسوله فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم فأخذوا فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وألقاهم في الشمس حتى ماتوا ) .(4\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1553",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10119",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والدليل على أن هذا المرض كان الاستسقاء ما رواه مسلم في quot; صحيحه quot; في هذا الحديث أنهم قالوا: إنا اجتوينا المدينة فعظمت بطوننا وارتهشت أعضاؤنا وذكر تمام الحديث. . . والجوى: داء من أدواء الجوف - والاستسقاء: مرض مادي سببه مادة غريبة باردة تتخلل الأعضاء فتربو لها إما الأعضاء الظاهرة كلها وإما المواضع الخالية من النواحي التي فيها تدبير الغذاء والأخلاط وأقسامه ثلاثة: لحمي وهو أصعبها. وزقي وطبلي. ولما كانت الأدوية المحتاج إليها في علاجه هي الأدوية الجالبة التي فيها إطلاق معتدل وإدرار بحسب الحاجة وهذه الأمور موجودة في أبوال الإبل وألبانها أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بشربها فإن في لبن اللقاح جلاء وتليينا وإدرارا وتلطيفا وتفتيحا للسدد إذ كان أكثر رعيها الشيح والقيصوم والبابونج والأقحوان والإذخر وغير ذلك من الأدوية النافعة للاستسقاء. وهذا المرض لا يكون إلا مع آفة في الكبد خاصة أو مع مشاركة وأكثرها عن السدد فيها ولبن اللقاح العربية نافع من السدد لما فيه من التفتيح والمنافع المذكورة. قال الرازي: لبن اللقاح يشفي أوجاع الكبد وفساد المزاج وقال الإسرائيلي: لبن اللقاح أرق الألبان وأكثرها مائية وحدة وأقلها غذاء فلذلك صار أقواها على تلطيف الفضول وإطلاق البطن وتفتيح السدد ويدل على ذلك ملوحته اليسيرة التي فيه لإفراط حرارة حيوانية بالطبع ولذلك صار أخص الألبان بتطرية الكبد وتفتيح سددها وتحليل صلابة الطحال إذا كان حديثا(4\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1554",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10120",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنفع من الاستسقاء خاصة إذا استعمل لحرارته التي يخرج بها من الضرع مع بول الفصيل وهو حار كما يخرج من الحيوان فإن ذلك مما يزيد في ملوحته وتقطيعه الفضول وإطلاقه البطن فإن تعذر انحداره وإطلاقه البطن وجب أن يطلق بدواء مسهل. قال صاحب quot; القانون quot;: ولا يلتفت إلى ما يقال: من أن طبيعة اللبن مضادة لعلاج الاستسقاء. قال: واعلم أن لبن النوق دواء نافع لما فيه من الجلاء برفق وما فيه من خاصية وأن هذا اللبن شديد المنفعة فلو أن إنسانا أقام عليه بدل الماء والطعام شفي به وقد جرب ذلك في قوم دفعوا إلى بلاد العرب فقادتهم الضرورة إلى ذلك فعوفوا. وأنفع الأبوال: بول الجمل الأعرابي وهو النجيب انتهى. وفي القصة دليل على التداوي والتطبب وعلى طهارة بول مأكول اللحم فإن التداوي بالمحرمات غير جائز ولم يؤمروا مع قرب عهدهم بالإسلام بغسل أفواههم وما أصابته ثيابهم من أبوالها للصلاة وتأخير البيان لا يجوز عن وقت الحاجة. وعلى مقاتلة الجاني بمثل ما فعل فإن هؤلاء قتلوا الراعي وسملوا عينيه ثبت ذلك في quot; صحيح مسلم quot;. وعلى قتل الجماعة وأخذ أطرافهم بالواحد. وعلى أنه إذا اجتمع في حق الجاني حد وقصاص استوفيا معا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قطع أيديهم وأرجلهم حدا لله على حرابهم وقتلهم لقتلهم الراعي.(4\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1555",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10121",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعلى أن المحارب إذا أخذ المال وقتل قطعت يده ورجله في مقام واحد وقتل. وعلى أن الجنايات إذا تعددت تغلظت عقوباتها فإن هؤلاء ارتدوا بعد إسلامهم وقتلوا النفس ومثلوا بالمقتول وأخذوا المال وجاهروا بالمحاربة. وعلى أن حكم ردء المحاربين حكم مباشرهم فإنه من المعلوم أن كل واحد منهم لم يباشر القتل بنفسه ولا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وعلى أن قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حدا فلا يسقطه العفو ولا تعتبر فيه المكافأة وهذا مذهب أهل المدينة وأحد الوجهين في مذهب أحمد اختاره شيخنا وأفتى به.  [فصل هديه في علاج الجرح] فصل في هديه في علاج الجرح في quot; الصحيحين quot;: عن أبي حازم أنه سمع سهل بن سعد يسأل عما دووي به جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقال: ( جرح وجهه وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه وكانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسل الدم وكان علي بن أبي طالب يسكب عليها بالمجن فلما رأت فاطمة الدم لا يزيد إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقتها حتى إذا صارت رمادا ألصقته بالجرح فاستمسك الدم )  برماد الحصير المعمول من البردي وله فعل قوي في حبس الدم لأن فيه تجفيفا قويا وقلة لذع فإن الأدوية القوية التجفيف إذا كان فيها لذع(4\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1556",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10122",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هيجت الدم وجلبته وهذا الرماد إذا نفخ وحده أو مع الخل في أنف الراعف قطع رعافه. وقال صاحب quot; القانون quot;: البردي ينفع من النزف ويمنعه ويذر على الجراحات الطرية فيدملها والقرطاس المصري كان قديما يعمل منه ومزاجه بارد يابس ورماده نافع من أكلة الفم ويحبس نفث الدم ويمنع القروح الخبيثة أن تسعى.  [فصل هديه في العلاج بشرب العسل والحجامة والكي] فصل في هديه في العلاج بشرب العسل والحجامة والكي في quot; صحيح البخاري quot;: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الشفاء في ثلاث: شربة عسل وشرطة محجم وكية نار وأنا أنهى أمتي عن الكي ) . قال أبو عبد الله المازري: الأمراض الامتلائية: إما أن تكون دموية أو صفراوية أو بلغمية أو سوداوية. فإن كانت دموية فشفاؤها إخراج الدم وإن كانت من الأقسام الثلاثة الباقية فشفاؤها بالإسهال الذي يليق بكل خلط منها وكأنه صلى الله عليه وسلم نبه بالعسل على المسهلات وبالحجامة على الفصد وقد قال بعض الناس: إن الفصد يدخل في قوله: ( شرطة محجم ) . فإذا أعيا الدواء فآخر الطب الكي فذكره صلى الله عليه وسلم في الأدوية لأنه يستعمل عند غلبة الطباع لقوى الأدوية وحيث لا ينفع الدواء المشروب. وقوله: ( وأنا أنهى أمتي عن الكي ) وفي الحديث الآخر: ( وما أحب أن أكتوي ) إشارة إلى أن يؤخر العلاج به حتى(4\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1557",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10123",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تدفع الضرورة إليه ولا يعجل التداوي به لما فيه من استعجال الألم الشديد في دفع ألم قد يكون أضعف من ألم الكي انتهى كلامه. وقال بعض الأطباء: الأمراض المزاجية إما أن تكون بمادة أو بغير مادة والمادية منها: إما حارة أو باردة أو رطبة أو يابسة أو ما تركب منها وهذه الكيفيات الأربع منها كيفيتان فاعلتان: وهما الحرارة والبرودة وكيفيتان منفعلتان وهما الرطوبة واليبوسة ويلزم من غلبة إحدى الكيفيتين الفاعلتين استصحاب كيفية منفعلة معها وكذلك كان لكل واحد من الأخلاط الموجودة في البدن وسائر المركبات كيفيتان: فاعلة ومنفعلة. فحصل من ذلك أن أصل الأمراض المزاجية هي التابعة لأقوى كيفيات الأخلاط التي هي الحرارة والبرودة فجاء كلام النبوة في أصل معالجة الأمراض التي هي الحارة والباردة على طريق التمثيل فإن كان المرض حارا عالجناه بإخراج الدم بالفصد كان أو بالحجامة لأن في ذلك استفراغا للمادة وتبريدا للمزاج. وإن كان باردا عالجناه بالتسخين وذلك موجود في العسل فإن كان يحتاج مع ذلك إلى استفراغ المادة الباردة فالعسل أيضا يفعل في ذلك لما فيه من الإنضاج والتقطيع والتلطيف والجلاء والتليين فيحصل بذلك استفراغ تلك المادة برفق وأمن من نكاية المسهلات القوية. وأما الكي: فلأن كل واحد من الأمراض المادية إما أن يكون حادا فيكون سريع الإفضاء لأحد الطرفين فلا يحتاج إليه فيه وإما أن يكون مزمنا وأفضل علاجه بعد الاستفراغ الكي في الأعضاء التي يجوز فيها الكي لأنه لا يكون مزمنا إلا عن مادة باردة غليظة قد رسخت في العضو وأفسدت مزاجه وأحالت جميع ما يصل إليه إلى مشابهة جوهرها فيشتعل في ذلك العضو فيستخرج بالكي تلك المادة من ذلك المكان الذي هو فيه بإفناء الجزء الناري الموجود بالكي لتلك المادة.(4\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1558",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10124",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتعلمنا بهذا الحديث الشريف أخذ معالجة الأمراض المادية جميعها كما استنبطنا معالجة الأمراض الساذجة من قوله صلى الله عليه وسلم: ( إن شدة الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء ) .  [فصل العلاج بالحجامة] فصل وأما الحجامة ففي quot; سنن ابن ماجه quot; من حديث جبارة بن المغلس - وهو ضعيف - عن كثير بن سليم قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما مررت ليلة أسري بي بملإ إلا قالوا: يا محمد مر أمتك بالحجامة ) . وروى الترمذي في quot; جامعه quot; من حديث ابن عباس هذا الحديث وقال فيه: ( عليك بالحجامة يا محمد ) . وفي quot; الصحيحين quot;: من حديث طاوس عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( احتجم وأعطى الحجام أجره ) . وفي quot; الصحيحين quot; أيضا عن حميد الطويل عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حجمه أبو طيبة فأمر له بصاعين من طعام وكلم مواليه فخففوا عنه من ضريبته وقال: (خير ما تداويتم به الحجامة ) .(4\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1559",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10125",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; جامع الترمذي quot; عن عباد بن منصور قال: سمعت عكرمة يقول: كان لابن عباس غلمة ثلاثة حجامون فكان اثنان يغلان عليه وعلى أهله وواحد لحجمه وحجم أهله. قال: وقال ابن عباس: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: ( نعم العبد الحجام يذهب بالدم ويخف الصلب ويجلو البصر ) وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث عرج به ( ما مر على ملإ من الملائكة إلا قالوا: عليك بالحجامة وقال: إن خير ما تحتجمون فيه يوم سبع عشرة ويوم تسع عشرة ويوم إحدى وعشرين ) وقال: ( إن خير ما تداويتم به السعوط واللدود والحجامة والمشي وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لد فقال: من لدني فكلهم أمسكوا فقال: لا يبقى أحد في البيت إلا لد إلا العباس ) قال: هذا حديث غريب ورواه ابن ماجه.  [فصل منافع الحجامة] فصل وأما منافع الحجامة فإنها تنقي سطح البدن أكثر من الفصد والفصد لأعماق البدن أفضل والحجامة تستخرج الدم من نواحي الجلد. قلت: والتحقيق في أمرها وأمر الفصد أنهما يختلفان باختلاف الزمان والمكان والأسنان والأمزجة فالبلاد الحارة والأزمنة الحارة والأمزجة الحارة التي دم أصحابها في غاية النضج الحجامة فيها أنفع من الفصد بكثير فإن الدم ينضج ويرق ويخرج إلى سطح الجسد الداخل فتخرج الحجامة ما لا يخرجه الفصد ولذلك كانت أنفع للصبيان من الفصد ولمن لا يقوى على الفصد وقد نص الأطباء على أن البلاد الحارة الحجامة فيها أنفع وأفضل من الفصد وتستحب في وسط الشهر وبعد وسطه. وبالجملة في الربع الثالث من أرباع الشهر لأن الدم في أول الشهر لم يكن بعد قد هاج وتبيغ وفي آخره يكون(4\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1560",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10126",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قد سكن. وأما في وسطه وبعيده فيكون في نهاية التزيد. قال صاحب quot; القانون quot;: ويؤمر باستعمال الحجامة لا في أول الشهر لأن الأخلاط لا تكون قد تحركت وهاجت ولا في آخره لأنها تكون قد نقصت بل في وسط الشهر حين تكون الأخلاط هائجة بالغة في تزايدها لتزيد النور في جرم القمر. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( خير ما تداويتم به الحجامة والفصد ) . وفي حديث: ( خير الدواء الحجامة والفصد ) . انتهى. وقوله صلى الله عليه وسلم: ( خير ما تداويتم به الحجامة ) إشارة إلى أهل الحجاز والبلاد الحارة لأن دماءهم رقيقة وهي أميل إلى ظاهر أبدانهم لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح الجسد واجتماعها في نواحي الجلد ولأن مسام أبدانهم واسعة وقواهم متخلخلة ففي الفصد لهم خطر والحجامة تفرق اتصالي إرادي يتبعه استفراغ كلي من العروق وخاصة العروق التي لا تفصد كثيرا ولفصد كل واحد منها نفع خاص ففصد الباسليق: ينفع من(4\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1561",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10127",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حرارة الكبد والطحال والأورام الكائنة فيهما من الدم وينفع من أورام الرئة وينفع من الشوصة وذات الجنب وجميع الأمراض الدموية العارضة من أسفل الركبة إلى الورك. وفصد الأكحل: ينفع من الامتلاء العارض في جميع البدن إذا كان دمويا وكذلك إذا كان الدم قد فسد في جميع البدن. وفصد القيفال: ينفع من العلل العارضة في الرأس والرقبة من كثرة الدم أو فساده. وفصد الودجين: ينفع من وجع الطحال والربو والبهر ووجع الجبين. والحجامة على الكاهل: تنفع من وجع المنكب والحلق. والحجامة على الأخدعين: تنفع من أمراض الرأس وأجزائه: كالوجه والأسنان والأذنين والعينين والأنف والحلق إذا كان حدوث ذلك عن كثرة الدم أو فساده أو عنهما جميعا. قال أنس رضي الله تعالى عنه: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتجم في الأخدعين والكاهل ) . وفي quot; الصحيحين quot; عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتجم ثلاثا: واحدة على كاهله واثنتين على الأخدعين .(4\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1562",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10128",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الصحيح عنه أنه ( احتجم وهو محرم في رأسه لصداع كان به ) . وفي quot; سنن ابن ماجه quot; عن علي ( نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بحجامة الأخدعين والكاهل ) . وفي quot; سنن أبي داود quot; من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( احتجم في وركه من وثء كان به )  [فصل اختلاف الأطباء في الحجامة على نقرة القفا] فصل واختلف الأطباء في الحجامة على نقرة القفا وهي القمحدوة. وذكر أبو نعيم في كتاب الطب النبوي حديثا مرفوعا: ( عليكم بالحجامة في جوزة القمحدوة فإنها تشفي من خمسة أدواء ذكر منها الجذام ) . وفي حديث آخر: ( عليكم بالحجامة في جوزة القمحدوة فإنها شفاء من اثنين وسبعين داء ) . فطائفة منهم استحسنته وقالت: إنها تنفع من جحظ العين والنتوء العارض(4\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1563",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10129",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيها وكثير من أمراضها ومن ثقل الحاجبين والجفن وتنفع من جربه. وروي أن أحمد بن حنبل احتاج إليها فاحتجم في جانبي قفاه ولم يحتجم في النقرة وممن كرهها صاحب quot; القانون quot; وقال: إنها تورث النسيان حقا كما قال سيدنا ومولانا وصاحب شريعتنا محمد صلى الله عليه وسلم فإن مؤخر الدماغ موضع الحفظ والحجامة تذهبه انتهى كلامه. ورد عليه آخرون وقالوا: الحديث لا يثبت وإن ثبت فالحجامة إنما تضعف مؤخر الدماغ إذا استعملت لغير ضرورة فأما إذا استعملت لغلبة الدم عليه فإنها نافعة له طبا وشرعا فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه احتجم في عدة أماكن من قفاه بحسب ما اقتضاه الحال في ذلك واحتجم في غير القفا بحسب ما دعت إليه حاجته.  [فصل تتمة الكلام على مواضع الحجامة ونفعها] فصل والحجامة تحت الذقن تنفع من وجع الأسنان والوجه والحلقوم إذا استعملت في وقتها وتنقي الرأس والفكين والحجامة على ظهر القدم تنوب عن فصد الصافن وهو عرق عظيم عند الكعب وتنفع من قروح الفخذين والساقين وانقطاع الطمث والحكة العارضة في الأنثيين والحجامة في أسفل الصدر نافعة من دماميل الفخذ وجربه وبثوره ومن النقرس والبواسير والفيل وحكة الظهر.  [فصل هديه في أوقات الحجامة] فصل في هديه في أوقات الحجامة روى الترمذي في quot; جامعه quot;: من حديث ابن عباس يرفعه: ( إن خير ما تحتجمون في يوم سابع عشرة أو تاسع عشرة ويوم إحدى وعشرين ) .(4\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1564",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10130",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيه عن أنس ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتجم في الأخدعين والكاهل وكان يحتجم لسبعة عشر وتسعة عشر وفي إحدى وعشرين ) . وفي quot; سنن ابن ماجه quot; عن أنس مرفوعا: ( من أراد الحجامة فليتحر سبعة عشر أو تسعة عشر أو إحدى وعشرين لا يتبيغ بأحدكم الدم فيقتله ) . وفي quot; سنن أبي داود quot; من حديث أبي هريرة مرفوعا: ( من احتجم لسبع عشرة أو تسع عشرة أو إحدى وعشرين كانت شفاء من كل داء ) وهذا معناه من كل داء سببه غلبة الدم. وهذه الأحاديث موافقة لما أجمع عليه الأطباء أن الحجامة في النصف الثاني وما يليه من الربع الثالث من أرباعه أنفع من أوله وآخره وإذا استعملت عند الحاجة إليها نفعت أي وقت كان من أول الشهر وآخره. قال الخلال: أخبرني عصمة بن عصام قال: حدثنا حنبل قال: كان أبو عبد الله أحمد بن حنبل يحتجم أي وقت هاج به الدم وأي ساعة كانت. وقال صاحب quot; القانون quot;: أوقاتها في النهار الساعة الثانية أو الثالثة ويجب توقيها بعد الحمام إلا فيمن دمه غليظ فيجب أن يستحم ثم يستجم ساعة ثم يحتجم انتهى. وتكره عندهم الحجامة على الشبع فإنها ربما أورثت سددا وأمراضا رديئة لا سيما إذا كان الغذاء رديئا غليظا. وفي أثر: ( الحجامة على الريق دواء(4\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1565",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10131",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعلى الشبع داء وفي سبعة عشر من الشهر شفاء ) . واختيار هذه الأوقات للحجامة فيما إذا كانت على سبيل الاحتياط والتحرز من الأذى وحفظا للصحة. وأما في مداواة الأمراض فحيثما وجد الاحتياج إليها وجب استعمالها. وفي قوله: quot; لا يتبيغ بأحدكم الدم فيقتله quot; دلالة على ذلك يعني: لئلا يتبيغ فحذف حرف الجر مع (أن) ثم حذفت (أن) . والتبيغ: الهيج وهو مقلوب البغي وهو بمعناه فإنه بغي الدم وهيجانه. وقد تقدم أن الإمام أحمد كان يحتجم أي وقت احتاج من الشهر.  [فصل اختيار أيام الأسبوع للحجامة] فصل وأما اختيار أيام الأسبوع للحجامة فقال الخلال في quot; جامعه quot;: أخبرنا حرب بن إسماعيل قال: قلت لأحمد: تكره الحجامة في شيء من الأيام قال: قد جاء في الأربعاء والسبت. وفيه عن الحسين بن حسان أنه سأل أبا عبد الله عن الحجامة: أي يوم تكره فقال: في يوم السبت ويوم الأربعاء ويقولون: يوم الجمعة. وروى الخلال عن أبي سلمة وأبي سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعا: ( من احتجم يوم الأربعاء أو يوم السبت فأصابه بياض أو برص فلا يلومن إلا نفسه ) . وقال الخلال: أخبرنا محمد بن علي بن جعفر أن يعقوب بن بختان حدثهم قال: سئل أحمد عن النورة والحجامة يوم السبت ويوم الأربعاء فكرهها. وقال: بلغني عن رجل أنه تنور واحتجم يعني يوم الأربعاء فأصابه(4\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1566",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10132",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البرص. قلت له: كأنه تهاون بالحديث قال: نعم. وفي كتاب quot; الأفراد quot; للدارقطني من حديث نافع قال: قال لي عبد الله بن عمر: تبيغ بي الدم فابغ لي حجاما ولا يكن صبيا ولا شيخا كبيرا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( الحجامة تزيد الحافظ حفظا والعاقل عقلا فاحتجموا على اسم الله تعالى ولا تحتجموا الخميس والجمعة والسبت والأحد واحتجموا الاثنين وما كان من جذام ولا برص إلا نزل يوم الأربعاء ) . قال الدارقطني: تفرد به زياد بن يحيى وقد رواه أيوب عن نافع وقال فيه: ( واحتجموا يوم الاثنين والثلاثاء ولا تحتجموا يوم الأربعاء ) . وقد روى أبو داود في quot; سننه quot; من حديث أبي بكرة أنه كان يكره الحجامة يوم الثلاثاء وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( يوم الثلاثاء يوم الدم وفيه ساعة لا يرقأ فيها الدم ) .  [فصل جواز احتجام الصائم والخلاف في فطره] فصل وفي ضمن هذه الأحاديث المتقدمة استحباب التداوي واستحباب الحجامة وأنها تكون في الموضع الذي يقتضيه الحال وجواز احتجام المحرم وإن آل إلى قطع شيء من الشعر فإن ذلك جائز. وفي وجوب الفدية عليه نظر ولا يقوى الوجوب وجواز احتجام الصائم فإن في quot; صحيح البخاري quot; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احتجم وهو صائم ) . ولكن هل يفطر بذلك أم لا مسألة أخرى الصواب: الفطر بالحجامة لصحته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير معارض(4\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1567",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10133",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأصح ما يعارض به حديث حجامته وهو صائم ولكن لا يدل على عدم الفطر إلا بعد أربعة أمور. أحدها: أن الصوم كان فرضا. الثاني: أنه كان مقيما. الثالث: أنه لم يكن به مرض احتاج معه إلى الحجامة. الرابع: أن هذا الحديث متأخر عن قوله: ( أفطر الحاجم والمحجوم ) . فإذا ثبتت هذه المقدمات الأربع أمكن الاستدلال بفعله صلى الله عليه وسلم على بقاء الصوم مع الحجامة وإلا فما المانع أن يكون الصوم نفلا يجوز الخروج منه بالحجامة وغيرها أو من رمضان لكنه في السفر أو من رمضان في الحضر لكن دعت الحاجة إليها كما تدعو حاجة من به مرض إلى الفطر أو يكون فرضا من رمضان في الحضر من غير حاجة إليها لكنه مبقى على الأصل. وقوله: ( أفطر الحاجم والمحجوم ) ناقل ومتأخر فيتعين المصير إليه ولا سبيل إلى إثبات واحدة من هذه المقدمات الأربع فكيف بإثباتها كلها. وفيها دليل على استئجار الطبيب وغيره من غير عقد إجارة بل يعطيه أجرة المثل أو ما يرضيه. وفيها دليل على جواز التكسب بصناعة الحجامة وإن كان لا يطيب للحر(4\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1568",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10134",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أكل أجرته من غير تحريم عليه فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه أجره ولم يمنعه من أكله وتسميته إياه خبيثا كتسميته للثوم والبصل خبيثين ولم يلزم من ذلك تحريمهما. وفيها دليل على جواز ضرب الرجل الخراج على عبده كل يوم شيئا معلوما بقدر طاقته وأن للعبد أن يتصرف فيما زاد على خراجه ولو منع من التصرف لكان كسبه كله خراجا ولم يكن لتقديره فائدة بل ما زاد على خراجه فهو تمليك من سيده له يتصرف فيه كما أراد والله أعلم.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في قطع العروق والكي] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في قطع العروق والكي ثبت في quot; الصحيح quot; من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم ( بعث إلى أبي بن كعب طبيبا فقطع له عرقا وكواه عليه ) . ( ولما رمي سعد بن معاذ في أكحله حسمه النبي صلى الله عليه وسلم ثم ورمت فحسمه الثانية ) . والحسم هو الكي. وفي طريق آخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كوى سعد بن معاذ في أكحله بمشقص ثم حسمه سعد بن معاذ أو غيره من أصحابه ) . وفي لفظ آخر: ( أن رجلا من الأنصار رمي في أكحله بمشقص فأمر النبي صلى الله عليه وسلم به فكوي ) . وقال أبو عبيد: وقد أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل نعت له الكي فقال: (اكووه وارضفوه)   قال أبو عبيد: الرضف: الحجارة تسخن ثم يكمد بها.(4\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1569",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10135",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الفضل بن دكين: حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كواه في أكحله ) . وفي quot; صحيح البخاري quot; من حديث (أنس أنه كوي من ذات الجنب والنبي صلى الله عليه وسلم حي ) . وفي الترمذي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم (كوى أسعد بن زرارة من الشوكة )  وقد تقدم الحديث المتفق عليه وفيه ( وما أحب أن أكتوي ) وفي لفظ آخر: ( وأنا أنهى أمتي عن الكي ) . وفي quot; جامع الترمذي quot; وغيره عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم ( نهى عن الكي قال: فابتلينا فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا ) . وفي لفظ: ( نهينا عن الكي وقال: فما أفلحن ولا أنجحن ) . قال الخطابي: إنما كوى سعدا ليرقأ الدم من جرحه وخاف عليه أن ينزف فيهلك. والكي مستعمل في هذا الباب كما يكوى من تقطع يده أو رجله. وأما النهي عن الكي فهو أن يكتوي طلبا للشفاء وكانوا يعتقدون أنه(4\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1570",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10136",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "متى لم يكتو هلك فنهاهم عنه لأجل هذه النية. وقيل: إنما نهى عنه عمران بن حصين خاصة لأنه كان به ناصور وكان موضعه خطرا فنهاه عن كيه فيشبه أن يكون النهي منصرفا إلى الموضع المخوف منه والله أعلم. وقال ابن قتيبة: الكي جنسان: كي الصحيح لئلا يعتل فهذا الذي قيل فيه: لم يتوكل من اكتوى لأنه يريد أن يدفع القدر عن نفسه. والثاني: كي الجرح إذا نغل والعضو إذا قطع ففي هذا الشفاء. وأما إذا كان الكي للتداوي الذي يجوز أن ينجع ويجوز أن لا ينجع فإنه إلى الكراهة أقرب. انتهى. وثبت في quot; الصحيح quot; في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم ( الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون ) . فقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع أحدها: فعله. والثاني: عدم محبته له. والثالث: الثناء على من تركه. والرابع: النهي عنه ولا تعارض بينها بحمد الله تعالى فإن فعله يدل على جوازه وعدم محبته له لا يدل على المنع منه. وأما الثناء على تاركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل. وأما النهي عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهة أو عن النوع الذي لا يحتاج إليه بل يفعل خوفا من حدوث الداء والله أعلم.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الصرع] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الصرع أخرجا في quot; الصحيحين quot; من حديث عطاء بن أبي رباح قال: قال ابن(4\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1571",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10137",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عباس: ( ألا أريك امرأة من أهل الجنة قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي فقال: quot; إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك quot; فقالت: أصبر. قالت: فإني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف فدعا لها ) . قلت: الصرع صرعان: صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية وصرع من الأخلاط الرديئة. والثاني: هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه. وأما صرع الأرواح فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به ولا يدفعونه ويعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة فتدافع آثارها وتعارض أفعالها وتبطلها وقد نص على ذلك أبقراط في بعض كتبه فذكر بعض علاج الصرع وقال: هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة. وأما الصرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع فيه هذا العلاج. وأما جهلة الأطباء وسقطهم وسفلتهم ومن يعتقد بالزندقة فضيلة فأولئك ينكرون صرع الأرواح ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع وليس معهم إلا الجهل وإلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك والحس والوجود شاهد به وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط هو صادق في بعض أقسامه لا في كلها. وقدماء الأطباء كانوا يسمون هذا الصرع: المرض الإلهي وقالوا: إنه من الأرواح وأما جالينوس وغيره فتأولوا عليهم هذه التسمية وقالوا: إنما سموه بالمرض الإلهي لكون هذه العلة تحدث في الرأس فتضر بالجزء الإلهي الطاهر الذي مسكنه الدماغ.(4\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1572",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10138",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا التأويل نشأ لهم من جهلهم بهذه الأرواح وأحكامها وتأثيراتها وجاءت زنادقة الأطباء فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده. ومن له عقل ومعرفة بهذه الأرواح وتأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء وضعف عقولهم. وعلاج هذا النوع يكون بأمرين: أمر من جهة المصروع وأمر من جهة المعالج فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وبارئها والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان فإن هذا نوع محاربة والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين: أن يكون السلاح صحيحا في نفسه جيدا وأن يكون الساعد قويا فمتى تخلف أحدهما لم يغن السلاح كثير طائل فكيف إذا عدم الأمران جميعا: يكون القلب خرابا من التوحيد والتوكل والتقوى والتوجه ولا سلاح له. والثاني: من جهة المعالج بأن يكون فيه هذان الأمران أيضا حتى إن من المعالجين من يكتفي بقوله: quot; اخرج منه quot;. أو بقول: quot; بسم الله quot; أو بقول: quot; لا حول ولا قوة إلا بالله quot;. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: ( اخرج عدو الله أنا رسول الله ) . وشاهدت شيخنا يرسل إلى المصروع من يخاطب الروح التي فيه ويقول: قال لك الشيخ: اخرجي فإن هذا لا يحل لك فيفيق المصروع وربما خاطبها بنفسه وربما كانت الروح ماردة فيخرجها بالضرب فيفيق المصروع ولا يحس(4\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1573",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10139",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بألم وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مرارا. وكان كثيرا ما يقرأ في أذن المصروع: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون [المؤمنون: 115] [المؤمنون: 115] . وحدثني أنه قرأها مرة في أذن المصروع فقالت الروح: نعم ومد بها صوته. قال: فأخذت له عصا وضربته بها في عروق عنقه حتى كلت يداي من الضرب ولم يشك الحاضرون أنه يموت لذلك الضرب. ففي أثناء الضرب قالت: أنا أحبه فقلت لها: هو لا يحبك قالت: أنا أريد أن أحج به فقلت لها: هو لا يريد أن يحج معك فقالت: أنا أدعه كرامة لك قال: قلت: لا ولكن طاعة لله ولرسوله قالت: فأنا أخرج منه قال: فقعد المصروع يلتفت يمينا وشمالا وقال: ما جاء بي إلى حضرة الشيخ قالوا له: وهذا الضرب كله فقال وعلى أي شيء يضربني الشيخ ولم أذنب ولم يشعر بأنه وقع به ضرب البتة. وكان يعالج بآية الكرسي وكان يأمر بكثرة قراءتها المصروع ومن يعالجه بها وبقراءة المعوذتين. وبالجملة فهذا النوع من الصرع وعلاجه لا ينكره إلا قليل الحظ من العلم والعقل والمعرفة وأكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله تكون من جهة قلة دينهم وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذكر والتعاويذ والتحصنات النبوية والإيمانية فتلقى الروح الخبيثة الرجل أعزل لا سلاح معه وربما كان عريانا فيؤثر فيه هذا. ولو كشف الغطاء لرأيت أكثر النفوس البشرية صرعى هذه الأرواح الخبيثة وهي في أسرها وقبضتها تسوقها حيث شاءت ولا يمكنها الامتناع عنها ولا مخالفتها وبها الصرع الأعظم الذي لا يفيق صاحبه إلا عند المفارقة والمعاينة فهناك يتحقق أنه كان هو المصروع حقيقة وبالله المستعان.(4\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1574",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10140",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعلاج هذا الصرع باقتران العقل الصحيح إلى الإيمان بما جاءت به الرسل وأن تكون الجنة والنار نصب عينيه وقبلة قلبه ويستحضر أهل الدنيا وحلول المثلات والآفات بهم ووقوعها خلال ديارهم كمواقع القطر وهم صرعى لا يفيقون وما أشد داء هذا الصرع ولكن لما عمت البلية به بحيث لا يرى إلا مصروعا لم يصر مستغربا ولا مستنكرا بل صار لكثرة المصروعين عين المستنكر المستغرب خلافه. فإذا أراد الله بعبد خيرا أفاق من هذه الصرعة ونظر إلى أبناء الدنيا مصروعين حوله يمينا وشمالا على اختلاف طبقاتهم فمنهم من أطبق به الجنون ومنهم من يفيق أحيانا قليلة ويعود إلى جنونه ومنهم من يفيق مرة ويجن أخرى فإذا أفاق عمل عمل أهل الإفاقة والعقل ثم يعاوده الصرع فيقع في التخبط.  [فصل صرع الأخلاط] فصل وأما صرع الأخلاط: فهو علة تمنع الأعضاء النفسية عن الأفعال والحركة والانتصاب منعا غير تام وسببه خلط غليظ لزج يسد منافذ بطون الدماغ سدة غير تامة فيمتنع نفوذ الحس والحركة فيه وفي الأعضاء نفوذا تاما من غير انقطاع بالكلية وقد تكون لأسباب أخر كريح غليظ يحتبس في منافذ الروح أو بخار رديء يرتفع إليه من بعض الأعضاء أو كيفية لاذعة فينقبض الدماغ لدفع المؤذي فيتبعه تشنج في جميع الأعضاء ولا يمكن أن يبقى الإنسان معه منتصبا بل يسقط ويظهر في فيه الزبد غالبا. وهذه العلة تعد من جملة الأمراض الحادة باعتبار وقت وجوده المؤلم خاصة وقد تعد من جملة الأمراض المزمنة باعتبار طول مكثها وعسر برئها لا سيما أن تجاوز في السن خمسا وعشرين سنة وهذه العلة في دماغه وخاصة في(4\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1575",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10141",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جوهره فإن صرع هؤلاء يكون لازما. قال أبقراط: إن الصرع يبقى في هؤلاء حتى يموتوا. إذا عرف هذا فهذه المرأة التي جاء الحديث أنها كانت تصرع وتتكشف يجوز أن يكون صرعها من هذا النوع فوعدها النبي صلى الله عليه وسلم الجنة بصبرها على هذا المرض ودعا لها أن لا تتكشف وخيرها بين الصبر والجنة وبين الدعاء لها بالشفاء من غير ضمان فاختارت الصبر والجنة. وفي ذلك دليل على جواز ترك المعالجة والتداوي وأن علاج الأرواح بالدعوات والتوجه إلى الله يفعل ما لا يناله علاج الأطباء وأن تأثيره وفعله وتأثر الطبيعة عنه وانفعالها أعظم من تأثير الأدوية البدنية وانفعال الطبيعة عنها وقد جربنا هذا مرارا نحن وغيرنا وعقلاء الأطباء معترفون بأن لفعل القوى النفسية وانفعالاتها في شفاء الأمراض عجائب وما على الصناعة الطبية أضر من زنادقة القوم وسفلتهم وجهالهم. والظاهر: أن صرع هذه المرأة كان من هذا النوع ويجوز أن يكون من جهة الأرواح ويكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خيرها بين الصبر على ذلك مع الجنة وبين الدعاء لها بالشفاء فاختارت الصبر والستر والله أعلم.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج عرق النسا] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج عرق النسا روى ابن ماجه في quot; سننه quot; من حديث محمد بن سيرين عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( دواء عرق النسا ألية شاة أعرابية تذاب ثم تجزأ ثلاثة أجزاء ثم يشرب على الريق في كل يوم جزء ) .(4\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1576",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10142",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عرق النساء: وجع يبتدئ من مفصل الورك وينزل من خلف على الفخذ وربما على الكعب وكلما طالت مدته زاد نزوله وتهزل معه الرجل والفخذ وهذا الحديث فيه معنى لغوي ومعنى طبي. فأما المعنى اللغوي: فدليل على جواز تسمية هذا المرض بعرق النسا خلافا لمن منع هذه التسمية وقال: النسا هو العرق نفسه فيكون من باب إضافة الشيء إلى نفسه وهو ممتنع وجواب هذا القائل من وجهين: أحدهما: أن العرق أعم من النسا فهو من باب إضافة العام إلى الخاص نحو: كل الدراهم أو بعضها. الثاني: أن النسا: هو المرض الحال بالعرق والإضافة فيه من باب إضافة الشيء إلى محله وموضعه. قيل: وسمي بذلك لأن ألمه ينسي ما سواه وهذا العرق ممتد من مفصل الورك وينتهي إلى آخر القدم وراء الكعب من الجانب الوحشي فيما بين عظم الساق والوتر. وأما المعنى الطبي: فقد تقدم أن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم نوعان: أحدهما: عام: بحسب الأزمان والأماكن والأشخاص والأحوال. والثاني: خاص: بحسب هذه الأمور أو بعضها وهذا من هذا القسم فإن هذا خطاب للعرب وأهل الحجاز ومن جاورهم ولا سيما أعراب البوادي فإن هذا العلاج من أنفع العلاج لهم فإن هذا المرض يحدث من يبس وقد يحدث من مادة غليظة لزجة فعلاجها بالإسهال والألية فيها الخاصيتان: الإنضاج والتليين ففيها الإنضاج والإخراج. وهذا المرض يحتاج علاجه إلى هذين الأمرين وفي تعيين الشاة الأعرابية لقلة فضولها وصغر مقدارها ولطف جوهرها وخاصية مرعاها لأنها ترعى أعشاب البر الحارة كالشيح والقيصوم ونحوهما وهذه النباتات إذا تغذى بها الحيوان صار في لحمه من طبعها بعد أن يلطفها تغذيه بها ويكسبها مزاجا ألطف منها ولا سيما الألية وظهور فعل هذه النباتات في اللبن أقوى منه في اللحم ولكن الخاصية التي في الألية من الإنضاج(4\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1577",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10143",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتليين لا توجد في اللبن وهذا كما تقدم أن أدوية غالب الأمم والبوادي هي الأدوية المفردة وعليه أطباء الهند. وأما الروم واليونان فيعتنون بالمركبة وهم متفقون كلهم على أن من مهارة الطبيب أن يداوي بالغذاء فإن عجز فبالمفرد فإن عجز فبما كان أقل تركيبا. وقد تقدم أن غالب عادات العرب وأهل البوادي الأمراض البسيطة فالأدوية البسيطة تناسبها وهذا لبساطة أغذيتهم في الغالب. وأما الأمراض المركبة فغالبا ما تحدث عن تركيب الأغذية وتنوعها واختلافها فاختيرت لها الأدوية المركبة والله تعالى أعلم.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج يبس الطبع واحتياجه إلى ما يمشيه ويلينه] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج يبس الطبع واحتياجه إلى ما يمشيه ويلينه روى الترمذي في quot; جامعه quot; وابن ماجه في quot; سننه quot; من حديث أسماء بنت عميس قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بماذا كنت تستمشين قالت بالشبرم قال quot; حار جار quot; قالت: ثم استمشيت بالسنا فقال quot; لو كان شيء يشفي من الموت لكان السنا ) .(4\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1578",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10144",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; سنن ابن ماجه quot; عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: سمعت عبد الله بن أم حرام وكان قد صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلتين يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( عليكم بالسنا والسنوت فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام quot; قيل يا رسول الله! وما السام قال: الموت ) . قوله ( بماذا كنت تستمشين )  أي تلينين الطبع حتى يمشي ولا يصير بمنزلة الواقف فيؤذي باحتباس النجو ولهذا سمي الدواء المسهل مشيا على وزن فعيل. وقيل: لأن المسهول يكثر المشي والاختلاف للحاجة وقد روي: ( بماذا تستشفين فقالت بالشبرم ) وهو من جملة الأدوية اليتوعية وهو قشر عرق شجرة وهو حار يابس في الدرجة الرابعة وأجوده المائل إلى الحمرة الخفيف الرقيق الذي يشبه الجلد الملفوف وبالجملة فهو من الأدوية التي أوصى الأطباء بترك استعمالها لخطرها وفرط إسهالها. وقوله صلى الله عليه وسلم: quot; حار جار quot; ويروى: (حار يار)  قال أبو عبيد: وأكثر كلامهم بالياء. قلت: وفيه قولان أحدهما: أن الحار الجار بالجيم: الشديد الإسهال فوصفه بالحرارة وشدة الإسهال وكذلك هو قاله أبو حنيفة الدينوري. والثاني - وهو الصواب - أن هذا من الإتباع الذي يقصد به تأكيد الأول ويكون بين التأكيد اللفظي والمعنوي ولهذا يراعون فيه إتباعه في أكثر حروفه كقولهم: حسن بسن أي كامل الحسن وقولهم حسن قسن بالقاف ومنه شيطان ليطان وحار جار مع أن في الجار معنى آخر وهو(4\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1579",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10145",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي يجر الشيء الذي يصيبه من شدة حرارته وجذبه له كأنه ينزعه ويسلخه. ويار إما لغة في جار كقولهم صهري وصهريج والصهاري والصهاريج وإما إتباع مستقل. وأما السنا ففيه لغتان: المد والقصر وهو نبت حجازي أفضله المكي وهو دواء شريف مأمون الغائلة قريب من الاعتدال حار يابس في الدرجة الأولى يسهل الصفراء والسوداء ويقوي جرم القلب وهذه فضيلة شريفة فيه وخاصيته النفع من الوسواس السوداوي ومن الشقاق العارض في البدن ويفتح العضل وينفع من انتشار الشعر ومن القمل والصداع العتيق والجرب والبثور والحكة والصرع وشرب مائه مطبوخا أصلح من شربه مدقوقا ومقدار الشربة منه ثلاثة دراهم ومن مائه خمسة دراهم وإن طبخ معه شيء من زهر البنفسج والزبيب الأحمر المنزوع العجم كان أصلح. قال الرازي: السناء والشاهترج يسهلان الأخلاط المحترقة وينفعان من الجرب والحكة والشربة من كل واحد منهما من أربعة دراهم إلى سبعة دراهم. وأما السنوت ففيه ثمانية أقوال: أحدها: أنه العسل. والثاني: أنه رب عكة السمن يخرج خططا سوداء على السمن حكاهما عمرو بن بكر السكسكي. الثالث: أنه حب يشبه الكمون وليس به قاله ابن الأعرابي. الرابع: أنه الكمون الكرماني. الخامس: أنه الرازيانج. حكاهما أبو حنيفة الدينوري عن بعض الأعراب. السادس: أنه الشبت. السابع: أنه التمر حكاهما أبو بكر بن السني الحافظ. الثامن: أنه العسل الذي يكون في زقاق السمن حكاه عبد اللطيف البغدادي. قال بعض الأطباء: وهذا أجدر(4\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1580",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10146",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالمعنى وأقرب إلى الصواب أي يخلط السناء مدقوقا بالعسل المخالط للسمن ثم يلعق فيكون أصلح من استعماله مفردا لما في العسل والسمن من إصلاح السنا وإعانته له على الإسهال. والله أعلم. وقد روى الترمذي وغيره من حديث ابن عباس يرفعه: ( إن خير ما تداويتم به السعوط واللدود والحجامة والمشي ) والمشي هو الذي يمشي الطبع ويلينه ويسهل خروج الخارج.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج حكة الجسم وما يولد القمل] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج حكة الجسم وما يولد القمل في quot; الصحيحين quot; من حديث قتادة عن أنس بن مالك قال: ( رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهما في لبس الحرير لحكة كانت بهما ) وفي رواية ( أن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهما شكوا القمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة لهما فرخص لهما في قمص الحرير ورأيته عليهما ) . هذا الحديث يتعلق به أمران: أحدهما: فقهي والآخر طبي. فأما الفقهي: فالذي استقرت عليه سنته صلى الله عليه وسلم إباحة الحرير للنساء مطلقا وتحريمه على الرجال إلا لحاجة ومصلحة راجحة فالحاجة إما من شدة البرد ولا يجد غيره أو لا يجد سترة سواه. ومنها: لباسه للجرب والمرض والحكة وكثرة القمل كما دل عليه حديث أنس هذا الصحيح.(4\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1581",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10147",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والجواز: أصح الروايتين عن الإمام أحمد وأصح قولي الشافعي إذ الأصل عدم التخصيص والرخصة إذا ثبتت في حق بعض الأمة لمعنى تعدت إلى كل من وجد فيه ذلك المعنى إذ الحكم يعم بعموم سببه. ومن منع منه قال أحاديث التحريم عامة وأحاديث الرخصة يحتمل اختصاصها بعبد الرحمن بن عوف والزبير ويحتمل تعديها إلى غيرهما. وإذا احتمل الأمران كان الأخذ بالعموم أولى ولهذا قال بعض الرواة في هذا الحديث: فلا أدري أبلغت الرخصة من بعدهما أم لا والصحيح عموم الرخصة فإنه عرف خطاب الشرع في ذلك ما لم يصرح بالتخصيص وعدم إلحاق غير من رخص له أولا به كقوله لأبي بردة في تضحيته بالجذعة من المعز: ( تجزيك ولن تجزي عن أحد بعدك ) وكقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في نكاح من وهبت نفسها له: خالصة لك من دون المؤمنين [الأحزاب: 50] [الأحزاب: 50] . وتحريم الحرير إنما كان سدا للذريعة ولهذا أبيح للنساء وللحاجة والمصلحة الراجحة وهذه قاعدة ما حرم لسد الذرائع فإنه يباح عند الحاجة والمصلحة الراجحة كما حرم النظر سدا لذريعة الفعل وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة والمصلحة الراجحة وكما حرم التنفل بالصلاة في أوقات النهي سدا لذريعة المشابهة الصورية بعباد الشمس وأبيحت للمصلحة الراجحة وكما حرم ربا الفضل سدا لذريعة ربا النسيئة وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة من العرايا(4\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1582",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10148",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد أشبعنا الكلام فيما يحل ويحرم من لباس الحرير في كتاب quot; التحبير لما يحل ويحرم من لباس الحرير quot;  [فصل فوائد الحرير] فصل وأما الأمر الطبي: فهو أن الحرير من الأدوية المتخذة من الحيوان ولذلك يعد في الأدوية الحيوانية لأن مخرجه من الحيوان وهو كثير المنافع جليل الموقع ومن خاصيته تقوية القلب وتفريحه والنفع من كثير من أمراضه ومن غلبة المرة السوداء والأدواء الحادثة عنها ; وهو مقو للبصر إذا اكتحل به والخام منه - وهو المستعمل في صناعة الطب - حار يابس في الدرجة الأولى. وقيل حار رطب فيها: وقيل معتدل. وإذا اتخذ منه ملبوس كان معتدل الحرارة في مزاجه مسخنا للبدن وربما برد البدن بتسمينه إياه. قال الرازي: الإبريسم أسخن من الكتان وأبرد من القطن يربي اللحم وكل لباس خشن فإنه يهزل ويصلب البشرة وبالعكس. قلت: والملابس ثلاثة أقسام: قسم يسخن البدن ويدفئه وقسم يدفئه ولا يسخنه وقسم لا يسخنه ولا يدفئه وليس هناك ما يسخنه ولا يدفئه إذ ما يسخنه فهو أولى بتدفئته فملابس الأوبار والأصواف تسخن وتدفئ وملابس الكتان والحرير والقطن تدفئ ولا تسخن فثياب الكتان باردة يابسة وثياب الصوف حارة يابسة وثياب القطن معتدلة الحرارة وثياب الحرير ألين من القطن وأقل حرارة منه. قال صاحب quot; المنهاج quot;: ولبسه لا يسخن كالقطن بل هو معتدل وكل لباس أملس صقيل فإنه أقل إسخانا للبدن وأقل عونا في تحلل ما يتحلل منه وأحرى أن يلبس في الصيف وفي البلاد الحارة. ولما كانت ثياب الحرير كذلك وليس فيها شيء من اليبس والخشونة(4\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1583",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10149",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكائنين في غيرها صارت نافعة من الحكة إذ الحكة لا تكون إلا عن حرارة ويبس وخشونة فلذلك رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير وعبد الرحمن في لباس الحرير لمداواة الحكة وثياب الحرير أبعد عن تولد القمل فيها إذ كان مزاجها مخالفا لمزاج ما يتولد منه القمل. وأما القسم الذي لا يدفئ ولا يسخن فالمتخذ من الحديد والرصاص والخشب والتراب ونحوها فإن قيل: فإذا كان لباس الحرير أعدل اللباس وأوفقه للبدن فلماذا حرمته الشريعة الكاملة الفاضلة التي أباحت الطيبات وحرمت الخبائث قيل: هذا السؤال يجيب عنه كل طائفة من طوائف المسلمين بجواب فمنكرو الحكم والتعليل لما رفعت قاعدة التعليل من أصلها لم يحتاجوا إلى جواب عن هذا السؤال. ومثبتو التعليل والحكم - وهم الأكثرون - منهم من يجيب عن هذا بأن الشريعة حرمته لتصبر النفوس عنه وتتركه لله فتثاب على ذلك لا سيما ولها عوض عنه بغيره. ومنهم من يجيب عنه بأنه خلق في الأصل للنساء كالحلية بالذهب فحرم على الرجال لما فيه من مفسدة تشبه الرجال بالنساء ومنهم من قال: حرم لما يورثه من الفخر والخيلاء والعجب. ومنهم من قال حرم لما يورثه بملامسته للبدن من الأنوثة والتخنث وضد الشهامة والرجولة فإن لبسه يكسب القلب صفة من صفات الإناث ولهذا لا تكاد تجد من يلبسه في الأكثر إلا وعلى شمائله من التخنث والتأنث والرخاوة ما لا يخفى حتى لو كان من أشهم الناس وأكثرهم فحولية ورجولية فلا بد أن ينقصه لبس الحرير منها وإن لم يذهبها ومن غلظت طباعه وكثفت عن فهم هذا فليسلم للشارع الحكيم ولهذا كان(4\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1584",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10150",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصح القولين: أنه يحرم على الولي أن يلبسه الصبي لما ينشأ عليه من صفات أهل التأنيث. وقد روى النسائي من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إن الله أحل لإناث أمتي الحرير والذهب: وحرمه على ذكورها ) وفي لفظ ( حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم ) وفي quot; صحيح البخاري quot; عن حذيفة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير والديباج وأن يجلس عليه وقال: (هو لهم في الدنيا ولكم في الآخرة)  .  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج ذات الجنب] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج ذات الجنب روى الترمذي في quot; جامعه quot; من حديث زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تداووا من ذات الجنب بالقسط البحري والزيت ) وذات الجنب عند الأطباء نوعان: حقيقي وغير حقيقي. فالحقيقي ورم حار يعرض في نواحي الجنب في الغشاء المستبطن للأضلاع. وغير الحقيقي: ألم يشبهه يعرض في نواحي الجنب عن رياح غليظة مؤذية تحتقن بين الصفاقات(4\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1585",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10151",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتحدث وجعا قريبا من وجع ذات الجنب الحقيقي إلا أن الوجع في هذا القسم ممدود وفي الحقيقي ناخس. قال صاحب quot; القانون quot;: قد يعرض في الجنب والصفاقات والعضل التي في الصدر والأضلاع ونواحيها أورام مؤذية جدا موجعة تسمى شوصة وبرساما وذات الجنب. وقد تكون أيضا أوجاعا في هذه الأعضاء ليست من ورم ولكن من رياح غليظة فيظن أنها من هذه العلة ولا تكون منها. قال: واعلم أن كل وجع في الجنب قد يسمى ذات الجنب اشتقاقا من مكان الألم لأن معنى ذات الجنب صاحبة الجنب والغرض به هاهنا وجع الجنب فإذا عرض في الجنب ألم عن أي سبب كان نسب إليه وعليه حمل كلام بقراط في قوله: إن أصحاب ذات الجنب ينتفعون بالحمام. قيل: المراد به كل من به وجع جنب أو وجع رئة من سوء مزاج أو من أخلاط غليظة أو لذاعة من غير ورم ولا حمى. قال بعض الأطباء: وأما معنى ذات الجنب في لغة اليونان: فهو ورم الجنب الحار وكذلك ورم كل واحد من الأعضاء الباطنة وإنما سمي ذات الجنب ورم ذلك العضو إذا كان ورما حارا فقط. ويلزم ذات الجنب الحقيقي خمسة أعراض: وهي الحمى والسعال والوجع الناخس وضيق النفس والنبض المنشاري. والعلاج الموجود في الحديث ليس هو لهذا القسم لكن للقسم الثاني الكائن عن الريح الغليظة فإن القسط البحري - وهو العود الهندي على ما جاء مفسرا في أحاديث أخر - صنف من القسط إذا دق دقا ناعما وخلط بالزيت المسخن ودلك به مكان الريح المذكور أو لعق كان دواء موافقا لذلك نافعا(4\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1586",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10152",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له محللا لمادته مذهبا لها مقويا للأعضاء الباطنة مفتحا للسدد والعود المذكور في منافعه كذلك. قال المسبحي: العود حار يابس قابض يحبس البطن ويقوي الأعضاء الباطنة ويطرد الريح ويفتح السدد نافع من ذات الجنب ويذهب فضل الرطوبة والعود المذكور جيد للدماغ. قال: ويجوز أن ينفع القسط من ذات الجنب الحقيقية أيضا إذا كان حدوثها عن مادة بلغمية لا سيما في وقت انحطاط العلة والله أعلم. وذات الجنب من الأمراض الخطرة وفي الحديث الصحيح عن أم سلمة أنها قالت: بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرضه في بيت ميمونة وكان كلما خف عليه خرج وصلى بالناس وكان كلما وجد ثقلا قال: ( مروا أبا بكر فليصل بالناس quot; واشتد شكواه حتى غمر عليه من شدة الوجع فاجتمع عنده نساؤه وعمه العباس وأم الفضل بنت الحارث وأسماء بنت عميس فتشاوروا في لده فلدوه وهو مغمور فلما أفاق قال quot; من فعل بي هذا هذا من عمل نساء جئن من هاهنا وأشار بيده إلى أرض الحبشة وكانت أم سلمة وأسماء لدتاه فقالوا: يا رسول الله! خشينا أن يكون بك ذات الجنب. قال: quot; فبم لددتموني quot; قالوا: بالعود الهندي وشيء من ورس وقطرات من زيت. فقال quot; ما كان الله ليقذفني بذلك الداء quot; ثم قال: quot; عزمت عليكم أن لا يبقى في البيت أحد إلا لد إلا عمي العباس ) .(4\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1587",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10153",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; الصحيحين quot; عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لددنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار أن لا تلدوني فقلنا: كراهية المريض للدواء فلما أفاق قال: ( ألم أنهكم أن تلدوني لا يبقى منكم أحد إلا لد غير عمي العباس فإنه لم يشهدكم quot;) قال أبو عبيد عن الأصمعي: اللدود: ما يسقى الإنسان في أحد شقي الفم أخذ من لديدي الوادي وهما جانباه. وأما الوجور فهو في وسط الفم. قلت: واللدود - بالفتح - هو الدواء الذي يلد به. والسعوط ما أدخل من أنفه. وفي هذا الحديث من الفقه معاقبة الجاني بمثل ما فعل سواء إذا لم يكن فعله محرما لحق الله وهذا هو الصواب المقطوع به لبضعة عشر دليلا قد ذكرناها في موضع آخر وهو منصوص أحمد وهو ثابت عن الخلفاء الراشدين وترجمة المسألة بالقصاص في اللطمة والضربة وفيها عدة أحاديث لا معارض لها البتة فيتعين القول بها.(4\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1588",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10154",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الصداع والشقيقة] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الصداع والشقيقة روى ابن ماجه في quot; سننه quot; حديثا في صحته نظر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صدع غلف رأسه بالحناء ويقول: (إنه نافع بإذن الله من الصداع)  والصداع: ألم في بعض أجزاء الرأس أو كله فما كان منه في أحد شقي الرأس لازما يسمى شقيقة وإن كان شاملا لجميعه لازما يسمى بيضة وخودة تشبيها ببيضة السلاح التي تشتمل على الرأس كله وربما كان في مؤخر الرأس أو في مقدمه. وأنواعه كثيرة وأسبابه مختلفة. وحقيقة الصداع سخونة الرأس واحتماؤه لما دار فيه من البخار يطلب النفوذ من الرأس فلا يجد منفذا فيصدعه كما يصدع الوعي إذا حمي ما فيه وطلب النفوذ فكل شيء رطب إذا حمي طلب مكانا أوسع من مكانه الذي كان فيه فإذا عرض هذا البخار في الرأس كله بحيث لا يمكنه التفشي والتحلل وجال في الرأس سمي السدر.(4\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1589",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10155",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والصداع يكون عن أسباب عديدة: أحدها: من غلبة واحد من الطبائع الأربعة. والخامس: يكون من قروح تكون في المعدة فيألم الرأس لذلك الورم لاتصال العصب المنحدر من الرأس بالمعدة. والسادس: من ريح غليظة تكون في المعدة فتصعد إلى الرأس فتصدعه. والسابع: يكون من ورم في عروق المعدة فيألم الرأس بألم المعدة للاتصال الذي بينهما. والثامن: صداع يحصل عن امتلاء المعدة من الطعام ثم ينحدر ويبقى بعضه نيئا فيصدع الرأس ويثقله. والتاسع: يعرض بعد الجماع لتخلخل الجسم فيصل إليه من حر الهواء أكثر من قدره. والعاشر: صداع يحصل بعد القيء والاستفراغ إما لغلبة اليبس وإما لتصاعد الأبخرة من المعدة إليه. والحادي عشر: صداع يعرض عن شدة الحر وسخونة الهواء. والثاني عشر: ما يعرض عن شدة البرد وتكاثف الأبخرة في الرأس وعدم تحللها. والثالث عشر: ما يحدث من السهر وعدم النوم. والرابع عشر: ما يحدث من ضغط الرأس وحمل الشيء الثقيل عليه. والخامس عشر: ما يحدث من كثرة الكلام فتضعف قوة الدماغ لأجله. والسادس عشر: ما يحدث من كثرة الحركة والرياضة المفرطة. والسابع عشر: ما يحدث من الأعراض النفسانية كالهموم والغموم والأحزان والوساوس والأفكار الرديئة.(4\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1590",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10156",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثامن عشر: ما يحدث من شدة الجوع فإن الأبخرة لا تجد ما تعمل فيه فتكثر وتتصاعد إلى الدماغ فتؤلمه. والتاسع عشر: ما يحدث عن ورم في صفاق الدماغ ويجد صاحبه كأنه يضرب بالمطارق على رأسه. والعشرون: ما يحدث بسبب الحمى لاشتعال حرارتها فيه فيتألم والله أعلم.  [فصل سبب صداع الشقيقة] فصل وسبب صداع الشقيقة مادة في شرايين الرأس وحدها حاصلة فيها أو مرتقية إليها فيقبلها الجانب الأضعف من جانبيه وتلك المادة إما بخارية وإما أخلاط حارة أو باردة وعلامتها الخاصة بها ضربان الشرايين وخاصة في الدموي. وإذا ضبطت بالعصائب ومنعت من الضربان سكن الوجع. وقد ذكر أبو نعيم في كتاب quot; الطب النبوي quot; له: أن هذا النوع كان يصيب النبي صلى الله عليه وسلم فيمكث اليوم واليومين ولا يخرج. وفيه عن ابن عباس قال: ( خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عصب رأسه بعصابة ) وفي quot; الصحيح quot; أنه قال في مرض موته: (وارأساه) وكان يعصب رأسه(4\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1591",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10157",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في مرضه  وعصب الرأس ينفع في وجع الشقيقة وغيرها من أوجاع الرأس.  [فصل علاج الصداع] فصل وعلاجه يختلف باختلاف أنواعه وأسبابه فمنه ما علاجه بالاستفراغ ومنه ما علاجه بتناول الغذاء ومنه ما علاجه بالسكون والدعة ومنه ما علاجه بالضمادات ومنه ما علاجه بالتبريد ومنه ما علاجه بالتسخين ومنه ما علاجه بأن يجتنب سماع الأصوات والحركات. إذا عرف هذا فعلاج الصداع في هذا الحديث بالحناء هو جزئي لا كلي وهو علاج نوع من أنواعه فإن الصداع إذا كان من حرارة ملهبة ولم يكن من مادة يجب استفراغها نفع فيه الحناء نفعا ظاهرا وإذا دق وضمدت به الجبهة مع الخل سكن الصداع وفيه قوة موافقة للعصب إذا ضمد به سكنت أوجاعه وهذا لا يختص بوجع الرأس بل يعم الأعضاء وفيه قبض تشد به الأعضاء وإذا ضمد به موضع الورم الحار والملتهب سكنه. وقد روى البخاري في quot; تاريخه quot; وأبو داود في quot; السنن quot; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شكى إليه أحد وجعا في رأسه إلا قال له: quot; احتجم quot; ولا شكى إليه وجعا في رجليه إلا قال له: quot; اختضب بالحناء quot;. وفي الترمذي عن سلمى أم رافع خادمة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان لا يصيب النبي صلى الله عليه وسلم قرحة ولا شوكة إلا وضع عليها الحناء .(4\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1592",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10158",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل منافع الحناء وخواصه] فصل والحناء بارد في الأولى يابس في الثانية وقوة شجر الحناء وأغصانها مركبة من قوة محللة اكتسبتها من جوهر فيها مائي حار باعتدال ومن قوة قابضة اكتسبتها من جوهر فيها أرضي بارد. ومن منافعه إنه محلل نافع من حرق النار وفيه قوة موافقة للعصب إذا ضمد به وينفع إذا مضغ من قروح الفم والسلاق العارض فيه ويبرئ القلاع الحادث في أفواه الصبيان والضماد به ينفع من الأورام الحارة الملهبة ويفعل في الجراحات فهل دم الأخوين. وإذا خلط نوره مع الشمع المصفى ودهن الورد ينفع من أوجاع الجنب. ومن خواصه أنه إذا بدأ الجدري يخرج بصبي فخضبت أسافل رجليه بحناء فإنه يؤمن على عينيه أن يخرج فيها شيء منه وهذا صحيح مجرب لا شك فيه. وإذا جعل نوره بين طي ثياب الصوف طيبها ومنع السوس عنها وإذا نقع ورقه في ماء يغمره ثم عصر وشرب من صفوه أربعين يوما كل يوم عشرون درهما مع عشرة دراهم سكر ويغذى عليه بلحم الضأن الصغير فإنه ينفع من ابتداء الجذام بخاصية فيه عجيبة. وحكي أن رجلا تشققت أظافير أصابع يده وأنه بذل لمن يبرئه مالا فلم يجد فوصفت له امرأة أن يشرب عشرة أيام حناء فلم يقدم عليه ثم نقعه بماء وشربه فبرأ ورجعت أظافيره إلى حسنها. والحناء إذا ألزمت به الأظفار معجونا حسنها ونفعها وإذا عجن بالسمن(4\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1593",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10159",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وضمد به بقايا الأورام الحارة التي ترشح ماء أصفر نفعها ونفع من الجرب المتقرح المزمن منفعة بليغة وهو ينبت الشعر ويقويه ويحسنه ويقوي الرأس وينفع من النفاطات والبثور العارضة في الساقين والرجلين وسائر البدن.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في معالجة المرضى بترك إعطائهم ما يكرهونه من الطعام والشراب] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في معالجة المرضى بترك إعطائهم ما يكرهونه من الطعام والشراب وأنهم لا يكرهون على تناولهما روى الترمذي في quot; جامعه quot; وابن ماجه عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب فإن الله عز وجل يطعمهم ويسقيهم ) . قال بعض فضلاء الأطباء: ما أغزر فوائد هذه الكلمة النبوية المشتملة على حكم إلهية لا سيما للأطباء ولمن يعالج المرضى وذلك أن المريض إذا عاف الطعام أو الشراب فذلك لاشتغال الطبيعة بمجاهدة المرض أو لسقوط شهوته أو نقصانها لضعف الحرارة الغريزية أو خمودها وكيفما كان فلا يجوز حينئذ إعطاء الغذاء في هذه الحالة. واعلم أن الجوع إنما هو طلب الأعضاء للغذاء لتخلف الطبيعة به عليها عوض ما يتحلل منها فتجذب الأعضاء القصوى من الأعضاء الدنيا حتى ينتهي(4\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1594",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10160",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجذب إلى المعدة فيحس الإنسان بالجوع فيطلب الغذاء وإذا وجد المرض اشتغلت الطبيعة بمادته وإنضاجها وإخراجها عن طلب الغذاء أو الشراب فإذا أكره المريض على استعمال شيء من ذلك تعطلت به الطبيعة عن فعلها واشتغلت بهضمه وتدبيره عن إنضاج مادة المرض ودفعه فيكون ذلك سببا لضرر المريض ولا سيما في أوقات البحران أو ضعف الحار الغريزي أو خموده فيكون ذلك زيادة في البلية وتعجيل النازلة المتوقعة ولا ينبغي أن يستعمل في هذا الوقت والحال إلا ما يحفظ عليه قوته ويقويها من غير استعمال مزعج للطبيعة البتة وذلك يكون بما لطف قوامه من الأشربة والأغذية واعتدل مزاجه كشراب اللينوفر والتفاح والورد الطري وما أشبه ذلك ومن الأغذية مرق الفراريج المعتدلة الطيبة فقط وإنعاش قواه بالأراييح العطرة الموافقة والأخبار السارة فإن الطبيب خادم الطبيعة ومعينها لا معيقها. واعلم أن الدم الجيد هو المغذي للبدن وأن البلغم دم فج قد نضج بعض النضج فإذا كان بعض المرضى في بدنه بلغم كثير وعدم الغذاء عطفت الطبيعة عليه وطبخته وأنضجته وصيرته دما وغذت به الأعضاء واكتفت به عما سواه والطبيعة هي القوة التي وكلها الله سبحانه بتدبير البدن وحفظه وصحته وحراسته مدة حياته. واعلم أنه قد يحتاج في الندرة إلى إجبار المريض على الطعام والشراب وذلك في الأمراض التي يكون معها اختلاط العقل وعلى هذا فيكون الحديث من العام المخصوص أو من المطلق الذي قد دل على تقييده دليل ومعنى الحديث أن المريض قد يعيش بلا غذاء أياما لا يعيش الصحيح في مثلها.(4\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1595",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10161",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot; وفي قوله صلى الله عليه وسلم ( فإن الله يطعمهم ويسقيهم ) معنى لطيف زائد على ما ذكره الأطباء لا يعرفه إلا من له عناية بأحكام القلوب والأرواح وتأثيرها في طبيعة البدن وانفعال الطبيعة عنها كما تنفعل هي كثيرا عن الطبيعة ونحن نشير إليه إشارة فنقول: النفس إذا حصل لها ما يشغلها من محبوب أو مكروه أو مخوف اشتغلت به عن طلب الغذاء والشراب فلا تحس بجوع ولا عطش بل ولا حر ولا برد بل تشتغل به عن الإحساس المؤلم الشديد الألم فلا تحس به وما من أحد إلا وقد وجد في نفسه ذلك أو شيئا منه وإذا اشتغلت النفس بما دهمها وورد عليها لم تحس بألم الجوع فإن كان الوارد مفرحا قوي التفريح قام لها مقام الغذاء فشبعت به وانتعشت قواها وتضاعفت وجرت الدموية في الجسد حتى تظهر في سطحه فيشرق وجهه وتظهر دمويته فإن الفرح يوجب انبساط دم القلب فينبعث في العروق فتمتلئ به فلا تطلب الأعضاء حظها من الغذاء المعتاد لاشتغالها بما هو أحب إليها وإلى الطبيعة منه والطبيعة إذا ظفرت بما تحب آثرته على ما هو دونه. وإن كان الوارد مؤلما أو محزنا أو مخوفا اشتغلت بمحاربته ومقاومته ومدافعته عن طلب الغذاء فهي في حال حربها في شغل عن طلب الطعام والشراب. فإن ظفرت في هذا الحرب انتعشت قواها وأخلفت عليها نظير ما فاتها من قوة الطعام والشراب وإن كانت مغلوبة مقهورة انحطت قواها بحسب ما حصل لها من ذلك وإن كانت الحرب بينها وبين هذا العدو سجالا فالقوة تظهر تارة وتختفي أخرى وبالجملة فالحرب بينهما على مثال الحرب الخارج بين العدوين المتقاتلين والنصر للغالب والمغلوب إما قتيل وإما جريح وإما أسير. فالمريض له مدد من الله تعالى يغذيه به زائدا على ما ذكره الأطباء من تغذيته بالدم وهذا المدد بحسب ضعفه وانكساره وانطراحه بين يدي ربه عز وجل فيحصل له من ذلك ما يوجب له قربا من ربه فإن العبد أقرب ما يكون(4\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1596",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10162",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من ربه إذا انكسر قلبه ورحمة ربه عندئذ قريبة منه فإن كان وليا له حصل له من الأغذية القلبية ما تقوى به قوى طبيعته وتنتعش به قواه أعظم من قوتها وانتعاشها بالأغذية البدنية وكلما قوي إيمانه وحبه لربه وأنسه به وفرحه به وقوي يقينه بربه واشتد شوقه إليه ورضاه به وعنه وجد في نفسه من هذه القوة ما لا يعبر عنه ولا يدركه وصف طبيب ولا يناله علمه. ومن غلظ طبعه وكثفت نفسه عن فهم هذا والتصديق به فلينظر حال كثير من عشاق الصور الذين قد امتلأت قلوبهم بحب ما يعشقونه من صورة أو جاه أو مال أو علم وقد شاهد الناس من هذا عجائب في أنفسهم وفي غيرهم. وقد ثبت في quot; الصحيح quot;: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يواصل في الصيام الأيام ذوات العدد وينهى أصحابه عن الوصال ويقول: (لست كهيئتكم إني أظل يطعمني ربي ويسقيني ) ومعلوم أن هذا الطعام والشراب ليس هو الطعام الذي يأكله الإنسان بفمه وإلا لم يكن مواصلا ولم يتحقق الفرق بل لم يكن صائما فإنه قال: ( أظل يطعمني ربي ويسقيني ) وأيضا فإنه فرق بينه وبينهم في نفس الوصال وأنه يقدر منه على ما لا يقدرون عليه فلو كان يأكل ويشرب بفمه لم يقل لست كهيئتكم وإنما فهم هذا من الحديث من قل نصيبه من غذاء الأرواح والقلوب وتأثيره في القوة وإنعاشها واغتذائها به فوق تأثير الغذاء الجسماني والله الموفق.(4\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1597",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10163",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج العذرة وفي العلاج بالسعوط] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج العذرة وفي العلاج بالسعوط ثبت عنه في quot; الصحيحين quot; أنه قال ( خير ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري ولا تعذبوا صبيانكم بالغمز من العذرة ) وفي quot; السنن quot; و quot; المسند quot; عنه من حديث جابر بن عبد الله قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة وعندها صبي يسيل منخراه دما فقال: (ما هذا quot;. فقالوا: به العذرة أو وجع في رأسه فقال quot; ويلكن لا تقتلن أولادكن أيما امرأة أصاب ولدها عذرة أو وجع في رأسه فلتأخذ قسطا هنديا فلتحكه بماء ثم تسعطه إياه) فأمرت عائشة رضي الله عنها فصنع ذلك بالصبي فبرأ . قال أبو عبيد عن أبي عبيدة: العذرة تهيج في الحلق من الدم فإذا عولج منه قيل قد عذر به فهو معذور انتهى. وقيل العذرة: قرحة تخرج فيما بين الأذن والحلق وتعرض للصبيان غالبا. وأما نفع السعوط منها بالقسط المحكوك فلأن العذرة مادتها دم يغلب عليه البلغم لكن تولده في أبدان الصبيان أكثر وفي القسط تجفيف يشد اللهاة ويرفعها إلى مكانها وقد يكون نفعه في هذا الداء بالخاصية وقد ينفع في الأدواء الحارة والأدوية الحارة بالذات تارة وبالعرض أخرى. وقد ذكر صاحب quot; القانون quot; في معالجة سقوط اللهاة: القسط مع الشب اليماني وبزر المرو.(4\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1598",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10164",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "التمر خاصية عجيبة لهذا الداء",
        "content": "والقسط البحري المذكور في الحديث: هو العود الهندي وهو الأبيض منه وهو حلو وفيه منافع عديدة وكانوا يعالجون أولادهم بغمز اللهاة وبالعلاق وهو شيء يعلقونه على الصبيان فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وأرشدهم إلى ما هو أنفع للأطفال وأسهل عليهم. والسعوط ما يصب في الأنف وقد يكون بأدوية مفردة ومركبة تدق وتنخل وتعجن وتجفف ثم تحل عند الحاجة ويسعط بها في أنف الإنسان وهو مستلق على ظهره وبين كتفيه ما يرفعهما لتنخفض رأسه فيتمكن السعوط من الوصول إلى دماغه ويستخرج ما فيه من الداء بالعطاس وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم التداوي بالسعوط فيما يحتاج إليه فيه. وذكر أبو داود في quot; سننه quot; أن النبي صلى الله عليه وسلم استعط .  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج المفئود] [التمر خاصية عجيبة لهذا الداء] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج المفئود روى أبو داود في quot; سننه quot; من حديث مجاهد عن سعد قال: ( مرضت مرضا فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني فوضع يده بين ثديي حتى وجدت بردها على فؤادي وقال لي: quot; إنك رجل مفئود فأت الحارث بن كلدة من ثقيف فإنه رجل يتطبب فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة فليجأهن بنواهن ثم ليلدك بهن ) المفئود الذي أصيب فؤاده فهو يشتكيه كالمبطون الذي يشتكي بطنه.(4\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1599",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10165",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واللدود: ما يسقاه الإنسان من أحد جانبي الفم. وفي التمر خاصية عجيبة لهذا الداء ولا سيما تمر المدينة ولا سيما العجوة منه. وفي كونها سبعا خاصية أخرى تدرك بالوحي وفي quot; الصحيحين quot;: من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من تصبح بسبع تمرات من تمر العالية لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر ) . وفي لفظ: ( من أكل سبع تمرات مما بين لابتيها حين يصبح لم يضره سم حتى يمسي ) . والتمر حار في الثانية يابس في الأولى. وقيل: رطب فيها. وقيل: معتدل وهو غذاء فاضل حافظ للصحة لا سيما لمن اعتاد الغذاء به كأهل المدينة وغيرهم وهو من أفضل الأغذية في البلاد الباردة والحارة التي حرارتها في الدرجة الثانية وهو لهم أنفع منه لأهل البلاد الباردة لبرودة بواطن سكانها وحرارة بواطن سكان البلاد الباردة ولذلك يكثر أهل الحجاز واليمن والطائف وما يليهم من البلاد المشابهة لها من الأغذية الحارة ما لا يتأتى لغيرهم كالتمر والعسل وشاهدناهم يضعون في أطعمتهم من الفلفل والزنجبيل فوق ما يضعه غيرهم نحو عشرة أضعاف أو أكثر ويأكلون الزنجبيل كما يأكل غيرهم الحلوى ولقد شاهدت من يتنقل به منهم كما يتنقل بالنقل ويوافقهم ذلك ولا يضرهم لبرودة أجوافهم وخروج الحرارة إلى ظاهر الجسد كما تشاهد مياه الآبار تبرد في الصيف وتسخن في الشتاء وكذلك تنضج المعدة من الأغذية الغليظة في الشتاء ما لا تنضجه في الصيف.(4\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1600",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10166",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما أهل المدينة فالتمر لهم يكاد أن يكون بمنزلة الحنطة لغيرهم وهو قوتهم ومادتهم وتمر العالية من أجود أصناف تمرهم فإنه متين الجسم لذيذ الطعم صادق الحلاوة والتمر يدخل في الأغذية والأدوية والفاكهة وهو يوافق أكثر الأبدان مقو للحار الغريزي ولا يتولد عنه من الفضلات الرديئة ما يتولد عن غيره من الأغذية والفاكهة بل يمنع لمن اعتاده من تعفن الأخلاط وفسادها. وهذا الحديث من الخطاب الذي أريد به الخاص كأهل المدينة ومن جاورهم ولا ريب أن للأمكنة اختصاصا بنفع كثير من الأدوية في ذلك المكان دون غيره فيكون الدواء الذي قد ينبت في هذا المكان نافعا من الداء ولا يوجد فيه ذلك النفع إذا نبت في مكان غيره لتأثير نفس التربة أو الهواء أو هما جميعا فإن للأرض خواصا وطبائع يقارب اختلافها اختلاف طبائع الإنسان وكثير من النبات يكون في بعض البلاد غذاء مأكولا وفي بعضها سما قاتلا ورب أدوية لقوم أغذية لآخرين وأدوية لقوم من أمراض هي أدوية لآخرين في أمراض سواها وأدوية لأهل بلد لا تناسب غيرهم ولا تنفعهم وأما خاصية السبع فإنها قد وقعت قدرا وشرعا فخلق الله عز وجل السماوات سبعا والأرضين سبعا والأيام سبعا والإنسان كمل خلقه في سبعة أطوار وشرع الله سبحانه لعباده الطواف سبعا والسعي بين الصفا والمروة سبعا ورمي الجمار سبعا سبعا وتكبيرات العيدين سبعا في الأولى. وقال صلى الله عليه وسلم ( مروهم بالصلاة لسبع ) : ( وإذا صار للغلام سبع سنين خير بين أبويه ) في(4\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1601",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10167",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رواية. وفي رواية أخرى: quot; أبوه أحق به من أمه quot; وفي ثالثة: ( أمه أحق به ) وأمر النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه أن يصب عليه من سبع قرب وسخر الله الريح على قوم عاد سبع ليال ودعا النبي صلى الله عليه وسلم أن يعينه الله على قومه بسبع كسبع يوسف ومثل الله سبحانه ما يضاعف به صدقة المتصدق بحبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والسنابل التي رآها صاحب يوسف سبعا والسنين التي زرعوها دأبا سبعا وتضاعف الصدقة إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ويدخل الجنة من هذه الأمة بغير حساب سبعون ألفا. فلا ريب أن لهذا العدد خاصية ليست لغيره والسبعة جمعت معاني العدد كله وخواصه فإن العدد شفع ووتر. والشفع أول وثان. والوتر كذلك فهذه أربع مراتب: شفع أول وثان. ووتر أول وثان ولا تجتمع هذه المراتب في أقل من سبعة وهي عدد كامل جامع لمراتب العدد الأربعة أعني الشفع والوتر(4\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1602",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10168",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والأوائل والثواني ونعني بالوتر الأول الثلاثة وبالثاني الخمسة وبالشفع الأول الاثنين وبالثاني الأربعة وللأطباء اعتناء عظيم بالسبعة ولا سيما في البحارين. وقد قال بقراط: كل شيء من هذا العالم فهو مقدر على سبعة أجزاء والنجوم سبعة والأيام سبعة وأسنان الناس سبعة أولها طفل إلى سبع ثم صبي إلى أربع عشرة ثم مراهق ثم شاب ثم كهل ثم شيخ ثم هرم إلى منتهى العمر والله تعالى أعلم بحكمته وشرعه وقدره في تخصيص هذا العدد هل هو لهذا المعنى أو لغيره ونفع هذا العدد من هذا التمر من هذا البلد من هذه البقعة بعينها من السم والسحر بحيث تمنع إصابته من الخواص التي لو قالها بقراط وجالينوس وغيرهما من الأطباء لتلقاها عنهم الأطباء بالقبول والإذعان والانقياد مع أن القائل إنما معه الحدس والتخمين والظن فمن كلامه كله يقين وقطع وبرهان ووحي أولى أن تتلقى أقواله بالقبول والتسليم وترك الاعتراض. وأدوية السموم تارة تكون بالكيفية وتارة تكون بالخاصية كخواص كثير من الأحجار والجواهر واليواقيت والله أعلم.  [من شرط انتفاع العليل بالدواء قبوله واعتقاد النفع به] فصل ويجوز نفع التمر المذكور في بعض السموم فيكون الحديث من العام المخصوص ويجوز نفعه لخاصية تلك البلد وتلك التربة الخاصة من كل سم ولكن هاهنا أمر لا بد من بيانه وهو أن من شرط انتفاع العليل بالدواء قبوله واعتقاد النفع به فتقبله الطبيعة فتستعين به على دفع العلة حتى إن كثيرا من المعالجات ينفع بالاعتقاد وحسن القبول وكمال التلقي وقد شاهد الناس من ذلك عجائب وهذا لأن الطبيعة يشتد قبولها له وتفرح النفس به فتنتعش القوة ويقوى سلطان الطبيعة وينبعث الحار الغريزي فيساعد على دفع المؤذي وبالعكس يكون كثير من الأدوية نافعا لتلك العلة فيقطع عمله سوء اعتقاد العليل فيه وعدم أخذ الطبيعة له بالقبول فلا يجدي عليها شيئا. واعتبر هذا بأعظم(4\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1603",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10169",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأدوية والأشفية وأنفعها للقلوب والأبدان والمعاش والمعاد والدنيا والآخرة وهو القرآن الذي هو شفاء من كل داء كيف لا ينفع القلوب التي لا تعتقد فيه الشفاء والنفع بل لا يزيدها إلا مرضا إلى مرضها وليس لشفاء القلوب دواء قط أنفع من القرآن فإنه شفاؤها التام الكامل الذي لا يغادر فيها سقما إلا أبرأه ويحفظ عليها صحتها المطلقة ويحميها الحمية التامة من كل مؤذ ومضر ومع هذا فإعراض أكثر القلوب عنه وعدم اعتقادها الجازم الذي لا ريب فيه أنه كذلك وعدم استعماله والعدول عنه إلى الأدوية التي ركبها بنو جنسها حال بينها وبين الشفاء به وغلبت العوائد واشتد الإعراض وتمكنت العلل والأدواء المزمنة من القلوب وتربى المرضى والأطباء على علاج بني جنسهم وما وضعه لهم شيوخهم ومن يعظمونه ويحسنون به ظنونهم فعظم المصاب واستحكم الداء وتركبت أمراض وعلل أعيا عليهم علاجها وكلما عالجوها بتلك العلاجات الحادثة تفاقم أمرها وقويت ولسان الحال ينادي عليهم: ومن العجائب والعجائب جمة ... قرب الشفاء وما إليه وصول كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في دفع ضرر الأغذية والفاكهة وإصلاحها بما يدفع ضررها ويقوي نفعها] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في دفع ضرر الأغذية والفاكهة وإصلاحها بما يدفع ضررها ويقوي نفعها ثبت في quot; الصحيحين quot; من حديث عبد الله بن جعفر قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل الرطب بالقثاء ) . والرطب: حار رطب في الثانية يقوي المعدة الباردة ويوافقها ويزيد في(4\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1604",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10170",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباه ولكنه سريع التعفن معطش معكر للدم مصدع مولد للسدد ووجع المثانة ومضر بالأسنان والقثاء بارد رطب في الثانية مسكن للعطش منعش للقوى بشمه لما فيه من العطرية مطفئ لحرارة المعدة الملتهبة وإذا جفف بزره ودق واستحلب بالماء وشرب سكن العطش وأدر البول ونفع من وجع المثانة وإذا دق ونخل ودلك به الأسنان جلاها وإذا دق ورقه وعمل منه ضماد مع الميبختج نفع من عضة الكلب الكلب. وبالجملة فهذا حار وهذا بارد وفي كل منهما صلاح الآخر وإزالة لأكثر ضرره ومقاومة كل كيفية بضدها ودفع سورتها بالأخرى وهذا أصل العلاج كله وهو أصل في حفظ الصحة بل علم الطب كله يستفاد من هذا. وفي استعمال ذلك وأمثاله في الأغذية والأدوية إصلاح لها وتعديل ودفع لما فيها من الكيفيات المضرة لما يقابلها وفي ذلك عون على صحة البدن وقوته وخصبه قالت عائشة رضي الله عنها: سمنوني بكل شيء فلم أسمن فسمنوني بالقثاء والرطب فسمنت. وبالجملة: فدفع ضرر البارد بالحار والحار بالبارد والرطب باليابس واليابس بالرطب وتعديل أحدهما بالآخر من أبلغ أنواع العلاجات وحفظ الصحة ونظير هذا ما تقدم من أمره بالسنا والسنوت وهو العسل الذي فيه شيء من السمن يصلح به السنا ويعدله فصلوات الله وسلامه على من بعث بعمارة القلوب والأبدان وبمصالح الدنيا والآخرة.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في الحمية] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الحمية الدواء كله شيئان: حمية وحفظ صحة. فإذا وقع التخليط احتيج إلى(4\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1605",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10171",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاستفراغ الموافق وكذلك مدار الطب كله على هذه القواعد الثلاثة. والحمية: حميتان: حمية عما يجلب المرض وحمية عما يزيده فيقف على حاله فالأول: حمية الأصحاء. والثانية: حمية المرضى فإن المريض إذا احتمى وقف مرضه عن التزايد وأخذت القوى في دفعه. والأصل في الحمية قوله تعالى: وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا [النساء: 43] [النساء: 43 المائدة 6] فحمى المريض من استعمال الماء لأنه يضره. وفي quot; سنن ابن ماجه quot; وغيره عن أم المنذر بنت قيس الأنصارية قالت: ( دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي وعلي ناقه من مرض ولنا دوالي معلقة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل منها وقام علي يأكل منها فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي: quot; إنك ناقه quot; حتى كف. قالت: وصنعت شعيرا وسلقا فجئت به فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: quot; من هذا أصب فإنه أنفع لك quot; وفي لفظ فقال: quot; من هذا فأصب فإنه أوفق لك ) . وفي quot; سنن ابن ماجه quot; أيضا عن صهيب قال: ( قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وبين يديه خبز وتمر فقال: quot; ادن فكل quot; فأخذت تمرا فأكلت فقال: quot; أتأكل تمرا وبك رمد quot; فقلت: يا رسول الله أمضغ من الناحية الأخرى فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . وفي حديث محفوظ عنه صلى الله عليه وسلم ( إن الله إذا أحب عبدا حماه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه عن الطعام والشراب ) . وفي لفظ: ( إن الله يحمي عبده(4\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1606",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10172",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المؤمن من الدنيا ) . وأما الحديث الدائر على ألسنة كثير من الناس: ( الحمية رأس الدواء والمعدة بيت الداء وعودوا كل جسم ما اعتاد ) فهذا الحديث إنما هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب ولا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قاله غير واحد من أئمة الحديث. ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( أن المعدة حوض البدن والعروق إليها واردة فإذا صحت المعدة صدرت العروق بالصحة وإذا سقمت المعدة صدرت العروق بالسقم ) . وقال الحارث: رأس الطب الحمية والحمية عندهم للصحيح في المضرة بمنزلة التخليط للمريض والناقه وأنفع ما تكون الحمية للناقه من المرض فإن طبيعته لم ترجع بعد إلى قوتها والقوة الهاضمة ضعيفة والطبيعة قابلة والأعضاء مستعدة فتخليطه يوجب انتكاسها وهو أصعب من ابتداء مرضه. واعلم أن في منع النبي صلى الله عليه وسلم لعلي من الأكل من الدوالي وهو ناقه أحسن التدبير فإن الدوالي أقناء من الرطب تعلق في البيت للأكل بمنزلة عناقيد العنب والفاكهة تضر بالناقه من المرض لسرعة استحالتها وضعف الطبيعة عن دفعها فإنها لم تتمكن بعد من قوتها وهي مشغولة بدفع آثار العلة وإزالتها من البدن. وفي الرطب خاصة نوع ثقل على المعدة فتشتغل بمعالجته وإصلاحه عما هي بصدده من إزالة بقية المرض وآثاره فإما أن تقف تلك البقية وإما(4\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1607",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10173",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن تتزايد فلما وضع بين يديه السلق والشعير أمره أن يصيب منه فإنه من أنفع الأغذية للناقه فإن في ماء الشعير من التبريد والتغذية والتلطيف والتليين وتقوية الطبيعة ما هو أصلح للناقه ولا سيما إذا طبخ بأصول السلق فهذا من أوفق الغذاء لمن في معدته ضعف ولا يتولد عنه من الأخلاط ما يخاف منه. وقال زيد بن أسلم: حمى عمر رضي الله عنه مريضا له حتى إنه من شدة ما حماه كان يمص النوى. وبالجملة: فالحمية من أنفع الأدوية قبل الداء فتمنع حصوله وإذا حصل فتمنع تزايده وانتشاره.  [فصل لا حرج في تناول الإنسان ما يشتهيه عن جوع صادق وكان فيه ضرر ما] فصل ومما ينبغي أن يعلم أن كثيرا مما يحمى عنه العليل والناقه والصحيح إذا اشتدت الشهوة إليه ومالت إليه الطبيعة فتناول منه الشيء اليسير الذي لا تعجز الطبيعة عن هضمه لم يضره تناوله بل ربما انتفع به فإن الطبيعة والمعدة تتلقيانه بالقبول والمحبة فيصلحان ما يخشى من ضرره وقد يكون أنفع من تناول ما تكرهه الطبيعة وتدفعه من الدواء ولهذا أقر النبي صلى الله عليه وسلم صهيبا وهو أرمد على تناول التمرات اليسيرة وعلم أنها لا تضره ومن هذا ما يروى عن ( علي أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أرمد وبين يدي النبي صلى الله عليه وسلم تمر يأكله فقال: يا علي! تشتهيه ورمى إليه بتمرة ثم بأخرى حتى رمى إليه سبعا ثم قال: quot; حسبك يا علي ) . ومن هذا ما رواه ابن ماجه في quot; سننه quot; من حديث عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ( عاد رجلا فقال له: quot; ما تشتهي quot; فقال أشتهي خبز بر. وفي لفظ أشتهي كعكا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; من كان عنده خبز بر فليبعث إلى أخيه quot; ثم قال:(4\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1608",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10174",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا اشتهى مريض أحدكم شيئا فليطعمه ) . ففي هذا الحديث سر طبي لطيف فإن المريض إذا تناول ما يشتهيه عن جوع صادق طبيعي وكان فيه ضرر ما كان أنفع وأقل ضررا مما لا يشتهيه وإن كان نافعا في نفسه فإن صدق شهوته ومحبة الطبيعة يدفع ضرره وبغض الطبيعة وكراهتها للنافع قد يجلب لها منه ضررا. وبالجملة: فاللذيذ المشتهى تقبل الطبيعة عليه بعناية فتهضمه على أحمد الوجوه سيما عند انبعاث النفس إليه بصدق الشهوة وصحة القوة والله أعلم.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الرمد بالسكون والدعة وترك الحركة] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الرمد بالسكون والدعة وترك الحركة والحمية مما يهيج الرمد وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى صهيبا من التمر وأنكر عليه أكله وهو أرمد  وحمى عليا من الرطب لما أصابه الرمد. وذكر أبو نعيم في كتاب quot; الطب النبوي quot;: أنه صلى الله عليه وسلم ( كان إذا رمدت عين امرأة من نسائه لم يأتها حتى تبرأ عينها ) . الرمد ورم حار يعرض في الطبقة الملتحمة من العين وهو بياضها الظاهر وسببه انصباب أحد الأخلاط الأربعة أو ريح حارة تكثر كميتها في الرأس والبدن فينبعث منها قسط إلى جوهر العين أو ضربة تصيب العين فترسل الطبيعة إليها من الدم والروح مقدارا كثيرا تروم بذلك شفاءها مما عرض لها ولأجل ذلك يرم العضو المضروب والقياس يوجب ضده.(4\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1609",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10175",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واعلم أنه كما يرتفع من الأرض إلى الجو بخاران أحدهما: حار يابس والآخر حار رطب فينعقدان سحابا متراكما ويمنعان أبصارنا من إدراك السماء فكذلك يرتفع من قعر المعدة إلى منتهاها مثل ذلك فيمنعان النظر ويتولد عنهما علل شتى فإن قويت الطبيعة على ذلك ودفعته إلى الخياشيم أحدث الزكام وإن دفعته إلى اللهاة والمنخرين أحدث الخناق وإن دفعته إلى الجنب أحدث الشوصة وإن دفعته إلى الصدر أحدث النزلة وإن انحدر إلى القلب أحدث الخبطة وإن دفعته إلى العين أحدث رمدا وإن انحدر إلى الجوف أحدث السيلان وإن دفعته إلى منازل الدماغ أحدث النسيان وإن ترطبت أوعية الدماغ منه وامتلأت به عروقه أحدث النوم الشديد ولذلك كان النوم رطبا والسهر يابسا. وإن طلب البخار النفوذ من الرأس فلم يقدر عليه أعقبه الصداع والسهر وإن مال البخار إلى أحد شقي الرأس أعقبه الشقيقة وإن ملك قمة الرأس ووسط الهامة أعقبه داء البيضة وإن برد منه حجاب الدماغ أو سخن أو ترطب وهاجت منه أرياح أحدث العطاس وإن أهاج الرطوبة البلغمية فيه حتى غلب الحار الغريزي أحدث الإغماء والسكات وإن أهاج المرة السوداء حتى أظلم هواء الدماغ أحدث الوسواس وإن فاض ذلك إلى مجاري العصب أحدث الصرع الطبيعي وإن ترطبت مجامع عصب الرأس وفاض ذلك في مجاريه أعقبه الفالج وإن كان البخار من مرة صفراء ملتهبة محمية للدماغ أحدث البرسام فإن شركه الصدر في ذلك كان سرساما فافهم هذا الفصل. والمقصود أن أخلاط البدن والرأس تكون متحركة هائجة في حال الرمد والجماع مما يزيد حركتها وثورانها فإنه حركة كلية للبدن والروح والطبيعة. فأما البدن فيسخن بالحركة لا محالة والنفس تشتد حركتها طلبا للذة واستكمالها(4\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1610",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10176",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والروح تتحرك تبعا لحركة النفس والبدن فإن أول تعلق الروح من البدن بالقلب ومنه ينشأ الروح وتنبث في الأعضاء. وأما حركة الطبيعة فلأجل أن ترسل ما يجب إرساله من المني على المقدار الذي يجب إرساله. وبالجملة: فالجماع حركة كلية عامة يتحرك فيها البدن وقواه وطبيعته وأخلاطه والروح والنفس فكل حركة فهي مثيرة للأخلاط مرققة لها توجب دفعها وسيلانها إلى الأعضاء الضعيفة والعين في حال رمدها أضعف ما تكون فأضر ما عليها حركة الجماع. قال بقراط في كتاب quot; الفصول quot;: وقد يدل ركوب السفن أن الحركة تثور الأبدان. هذا مع أن في الرمد منافع كثيرة منها ما يستدعيه من الحمية والاستفراغ وتنقية الرأس والبدن من فضلاتهما وعفوناتهما والكف عما يؤذي النفس والبدن من الغضب والهم والحزن والحركات العنيفة والأعمال الشاقة. وفي أثر سلفي: لا تكرهوا الرمد فإنه يقطع عروق العمى. علاجه ومن أسباب علاجه ملازمة السكون والراحة وترك مس العين والاشتغال بها فإن أضداد ذلك يوجب انصباب المواد إليها. وقد قال بعض السلف: مثل أصحاب محمد مثل العين ودواء العين ترك مسها. وقد روي في حديث مرفوع الله أعلم به: ( علاج الرمد تقطير الماء البارد في العين ) وهو من أنفع الأدوية للرمد الحار فإن الماء دواء بارد يستعان به على إطفاء حرارة الرمد إذا كان حارا ولهذا قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لامرأته زينب وقد اشتكت عينها: لو فعلت كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كان خيرا لك وأجدر أن تشفي تنضحين في عينك الماء ثم تقولين: (أذهب البأس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما)  . وهذا مما تقدم مرارا أنه خاص ببعض البلاد وبعض أوجاع العين فلا يجعل كلام النبوة الجزئي الخاص كليا عاما ولا الكلي العام(4\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1611",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10177",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جزئيا خاصا فيقع من الخطأ وخلاف الصواب ما يقع والله أعلم.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الخدران الكلي الذي يجمد معه البدن] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الخدران الكلي الذي يجمد معه البدن ذكر أبو عبيد في quot; غريب الحديث quot; من حديث أبي عثمان النهدي: أن قوما مروا بشجرة فأكلوا منها فكأنما مرت بهم ريح فأجمدتهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قرسوا الماء في الشنان وصبوا عليهم فيما بين الأذانين)   ثم قال أبو عبيد: قرسوا: يعني بردوا. وقول الناس: قد قرس البرد إنما هو من هذا بالسين ليس بالصاد. والشنان: الأسقية والقرب الخلقان يقال للسقاء: شن وللقربة شنة. وإنما ذكر الشنان دون الجدد لأنها أشد تبريدا للماء. وقوله: quot; بين الأذانين quot; يعني أذان الفجر والإقامة فسمى الإقامة أذانا انتهى كلامه. قال بعض الأطباء: وهذا العلاج من النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل علاج هذا الداء إذا كان وقوعه بالحجاز وهي بلاد حارة يابسة والحار الغريزي ضعيف في بواطن سكانها وصب الماء البارد عليهم في الوقت المذكور - وهو أبرد أوقات اليوم - يوجب جمع الحار الغريزي المنتشر في البدن الحامل لجميع قواه فيقوي القوة الدافعة ويجتمع من أقطار البدن إلى باطنه الذي هو محل ذاك الداء ويستظهر بباقي القوى على دفع المرض المذكور فيدفعه بإذن الله عز وجل ولو أن بقراط أو جالينوس أو غيرهما وصف هذا الدواء لهذا الداء لخضعت له الأطباء وعجبوا من كمال معرفته.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في إصلاح الطعام الذي يقع فيه الذباب وإرشاده إلى دفع مضرات السموم بأضدادها] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في إصلاح الطعام الذي يقع فيه الذباب وإرشاده إلى دفع مضرات السموم بأضدادها في quot; الصحيحين quot; من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر(4\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1612",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10178",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شفاء ) . وفي quot; سنن ابن ماجه quot; عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أحد جناحي الذباب سم والآخر شفاء فإذا وقع في الطعام فامقلوه فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء ) . هذا الحديث فيه أمران: أمر فقهي وأمر طبي فأما الفقهي فهو دليل ظاهر الدلالة جدا على أن الذباب إذا مات في ماء أو مائع فإنه لا ينجسه وهذا قول جمهور العلماء ولا يعرف في السلف مخالف في ذلك. ووجه الاستدلال به أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بمقله وهو غمسه في الطعام ومعلوم أنه يموت من ذلك ولا سيما إذا كان الطعام حارا. فلو كان ينجسه لكان أمرا بإفساد الطعام وهو صلى الله عليه وسلم إنما أمر بإصلاحه ثم عدي هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة كالنحلة والزنبور والعنكبوت وأشباه ذلك إذ الحكم يعم بعموم علته وينتفي لانتفاء سببه فلما كان سبب التنجيس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته وكان ذلك مفقودا فيما لا دم له سائل انتفى الحكم بالتنجيس لانتفاء علته. ثم قال من لم يحكم بنجاسة عظم الميتة: إذا كان هذا ثابتا في الحيوان الكامل مع ما فيه من الرطوبات والفضلات وعدم الصلابة فثبوته في العظم الذي هو أبعد عن الرطوبات والفضلات واحتقان الدم أولى وهذا في غاية القوة فالمصير إليه أولى. وأول من حفظ عنه في الإسلام أنه تكلم بهذه اللفظة فقال: ما لا نفس له(4\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1613",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10179",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سائلة إبراهيم النخعي وعنه تلقاها الفقهاء - والنفس في اللغة: يعبر بها عن الدم ومنه نفست المرأة - بفتح النون - إذا حاضت ونفست - بضمها - إذا ولدت. وأما المعنى الطبي فقال أبو عبيد: معنى امقلوه: اغمسوه ليخرج الشفاء منه كما خرج الداء يقال للرجلين: هما يتماقلان إذا تغاطا في الماء. واعلم أن في الذباب عندهم قوة سمية يدل عليها الورم والحكة العارضة عن لسعه وهي بمنزلة السلاح فإذا سقط فيما يؤذيه اتقاه بسلاحه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقابل تلك السمية بما أودعه الله سبحانه في جناحه الآخر من الشفاء فيغمس كله في الماء والطعام فيقابل المادة السمية المادة النافعة فيزول ضررها وهذا طب لا يهتدي إليه كبار الأطباء وأئمتهم بل هو خارج من مشكاة النبوة ومع هذا فالطبيب العالم العارف الموفق يخضع لهذا العلاج ويقر لمن جاء به بأنه أكمل الخلق على الإطلاق وأنه مؤيد بوحي إلهي خارج عن القوى البشرية. وقد ذكر غير واحد من الأطباء أن لسع الزنبور والعقرب إذا دلك موضعه بالذباب نفع منه نفعا بينا وسكنه وما ذاك إلا للمادة التي فيه من الشفاء وإذا دلك به الورم الذي يخرج في شعر العين المسمى شعرة بعد قطع رءوس الذباب أبرأه.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج البثرة] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج البثرة ذكر ابن السني في كتابه ( عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خرج في أصبعي بثرة فقال: quot; عندك ذريرة قلت: نعم. قال quot; ضعيها عليها quot; وقولي: اللهم مصغر الكبير ومكبر الصغير صغر ما(4\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1614",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10180",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بي ) . الذريرة: دواء هندي يتخذ من قصب الذريرة وهي حارة يابسة تنفع من أورام المعدة والكبد والاستسقاء وتقوي القلب لطيبها وفي quot; الصحيحين quot; عن عائشة أنها قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي بذريرة في حجة الوداع للحل والإحرام . والبثرة: خراج صغير يكون عن مادة حارة تدفعها الطبيعة فتسترق مكانا من الجسد تخرج منه فهي محتاجة إلى ما ينضجها ويخرجها والذريرة أحد ما يفعل بها ذلك فإن فيها إنضاجا وإخراجا مع طيب رائحتها مع أن فيها تبريدا للنارية التي في تلك المادة وكذلك قال صاحب quot; القانون quot;: إنه لا أفضل لحرق النار من الذريرة بدهن الورد والخل.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الأورام والخرجات التي تبرأ بالبط والبزل] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الأورام والخرجات التي تبرأ بالبط والبزل يذكر عن (علي أنه قال دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل يعوده بظهره(4\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1615",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10181",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورم فقالوا: يا رسول الله! بهذه مدة. قال: quot; بطوا عنه quot; قال علي: فما برحت حتى بطت والنبي صلى الله عليه وسلم شاهد ) . ويذكر عن أبي هريرة ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر طبيبا أن يبط بطن رجل أجوى البطن فقيل يا رسول الله: هل ينفع الطب قال: quot; الذي أنزل الداء أنزل الشفاء فيما شاء ) . الورم: مادة في حجم العضو لفضل مادة غير طبيعية تنصب إليه ويوجد في أجناس الأمراض كلها والمواد التي تكون عنها من الأخلاط الأربعة والمائية والريح وإذا اجتمع الورم سمي خراجا وكل ورم حار يؤول أمره إلى أحد ثلاثة أشياء: إما تحلل وإما جمع مدة وإما استحالة إلى الصلابة. فإن كانت القوة قوية استولت على مادة الورم وحللته وهي أصلح الحالات التي يؤول حال الورم إليها وإن كانت دون ذلك أنضجت المادة وأحالتها مدة بيضاء وفتحت لها مكانا أسالتها منه. وإن نقصت عن ذلك أحالت المادة مدة غير مستحكمة النضج وعجزت عن فتح مكان في العضو تدفعها منه فيخاف على العضو الفساد بطول لبثها فيه فيحتاج حينئذ إلى إعانة الطبيب بالبط أو غيره لإخراج تلك المادة الرديئة المفسدة للعضو. وفي البط فائدتان: إحداهما: إخراج المادة الرديئة المفسدة. والثانية: منع اجتماع مادة أخرى إليها تقويها. وأما قوله في الحديث الثاني: ( إنه أمر طبيبا أن يبط بطن رجل أجوى(4\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1616",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10182",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البطن ) فالجوى يقال على معان منها: الماء المنتن الذي يكون في البطن يحدث عنه الاستسقاء. وقد اختلف الأطباء في بزله لخروج هذه المادة فمنعته طائفة منهم لخطره وبعد السلامة معه وجوزته طائفة أخرى وقالت: لا علاج له سواه وهذا عندهم إنما هو في الاستسقاء الزقي فإنه كما تقدم ثلاثة أنواع: طبلي وهو الذي ينتفخ معه البطن بمادة ريحية إذا ضربت عليه سمع له صوت كصوت الطبل. ولحمي: وهو الذي يربو معه لحم جميع البدن بمادة بلغمية تفشو مع الدم في الأعضاء وهو أصعب من الأول. وزقي وهو الذي يجتمع معه في البطن الأسفل مادة رديئة يسمع لها عند الحركة خضخضة كخضخضة الماء في الزق وهو أردأ أنواعه عند الأكثرين من الأطباء. وقالت طائفة: أردأ أنواعه اللحمي لعموم الآفة به. ومن جملة علاج الزقي إخراج ذلك بالبزل ويكون ذلك بمنزلة فصد العروق لإخراج الدم الفاسد لكنه خطر كما تقدم وإن ثبت هذا الحديث فهو دليل على جواز بزله والله أعلم.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج المرضى بتطييب نفوسهم وتقوية قلوبهم] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج المرضى بتطييب نفوسهم وتقوية قلوبهم روى ابن ماجه quot; في سننه quot; من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل فإن ذلك لا يرد شيئا وهو يطيب نفس المريض ) . وفي هذا الحديث نوع شريف جدا من أشرف أنواع العلاج وهو الإرشاد(4\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1617",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10183",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى ما يطيب نفس العليل من الكلام الذي تقوى به الطبيعة وتنتعش به القوة وينبعث به الحار الغريزي فيتساعد على دفع العلة أو تخفيفها الذي هو غاية تأثير الطبيب. وتفريح نفس المريض وتطييب قلبه وإدخال ما يسره عليه له تأثير عجيب في شفاء علته وخفتها فإن الأرواح والقوى تقوى بذلك فتساعد الطبيعة على دفع المؤذي وقد شاهد الناس كثيرا من المرضى تنتعش قواه بعيادة من يحبونه ويعظمونه ورؤيتهم لهم ولطفهم بهم ومكالمتهم إياهم وهذا أحد فوائد عيادة المرضى التي تتعلق بهم فإن فيها أربعة أنواع من الفوائد: نوع يرجع إلى المريض ونوع يعود على العائد ونوع يعود على أهل المريض ونوع يعود على العامة. وقد تقدم في هديه صلى الله عليه وسلم أنه كان يسأل المريض عن شكواه وكيف يجده ويسأله عما يشتهيه ويضع يده على جبهته وربما وضعها بين ثدييه ويدعو له ويصف له ما ينفعه في علته وربما توضأ وصب على المريض من وضوئه وربما كان يقول للمريض: ( لا بأس طهور إن شاء الله )  وهذا من كمال اللطف وحسن العلاج والتدبير.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الأبدان بما اعتادته من الأدوية والأغذية دون ما لم تعتده] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الأبدان بما اعتادته من الأدوية والأغذية دون ما لم تعتده هذا أصل عظيم من أصول العلاج وأنفع شيء فيه وإذا أخطأه الطبيب أضر المريض من حيث يظن أنه ينفعه ولا يعدل عنه إلى ما يجده من الأدوية في كتب الطب إلا طبيب جاهل فإن ملاءمة الأدوية والأغذية للأبدان بحسب(4\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1618",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10184",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "استعدادها وقبولها وهؤلاء أهل البوادي والأكارون وغيرهم لا ينجع فيهم شراب اللينوفر والورد الطري ولا المغلي ولا يؤثر في طباعهم شيئا بل عامة أدوية أهل الحضر وأهل الرفاهية لا تجدي علهم والتجربة شاهدة بذلك ومن تأمل ما ذكرناه من العلاج النبوي رآه كله موافقا لعادة العليل وأرضه وما نشأ عليه. فهذا أصل عظيم من أصول العلاج يجب الاعتناء به وقد صرح به أفاضل أهل الطب حتى قال طبيب العرب بل أطبهم الحارث بن كلدة وكان فيهم كأبقراط في قومه: الحمية رأس الدواء والمعدة بيت الداء وعودوا كل بدن ما اعتاد. وفي لفظ عنه: الأزم دواء والأزم: الإمساك عن الأكل يعني به الجوع وهو من أكبر الأدوية في شفاء الأمراض الامتلائية كلها بحيث إنه أفضل في علاجها من المستفرغات إذا لم يخف من كثرة الامتلاء وهيجان الأخلاط وحدتها أو غليانها. وقوله المعدة بيت الداء. المعدة: عضو عصبي مجوف كالقرعة في شكلها مركب من ثلاث طبقات مؤلفة من شظايا دقيقة عصبية تسمى الليف ويحيط بها لحم وليف إحدى الطبقات بالطول والأخرى بالعرض والثالثة بالورب وفم المعدة أكثر عصبا وقعرها أكثر لحما وفي باطنها خمل وهي محصورة في وسط البطن وأميل إلى الجانب الأيمن قليلا خلقت على هذه الصفة لحكمة لطيفة من الخالق الحكيم سبحانه وهي بيت الداء وكانت محلا للهضم الأول وفيها ينضج الغذاء وينحدر منها بعد ذلك إلى الكبد والأمعاء ويتخلف منه فيها فضلات قد عجزت القوة الهاضمة عن تمام هضمها إما لكثرة الغذاء أو لرداءته أو لسوء ترتيب في استعماله أو لمجموع ذلك وهذه الأشياء بعضها مما لا يتخلص الإنسان منه غالبا فتكون المعدة بيت الداء لذلك وكأنه يشير بذلك إلى الحث على تقليل الغذاء ومنع النفس من اتباع الشهوات والتحرز عن الفضلات. وأما العادة فلأنها كالطبيعة للإنسان ولذلك يقال: العادة طبع ثان وهي(4\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1619",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10185",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوة عظيمة في البدن حتى إن أمرا واحدا إذا قيس إلى أبدان مختلفة العادات كان مختلف النسبة إليها. وإن كانت تلك الأبدان متفقة في الوجوه الأخرى مثال ذلك أبدان ثلاثة حارة المزاج في سن الشباب أحدها: عود تناول الأشياء الحارة والثاني: عود تناول الأشياء الباردة والثالث عود تناول الأشياء المتوسطة. فإن الأول متى تناول عسلا لم يضر به والثاني: متى تناوله أضر به والثالث: يضر به قليلا فالعادة ركن عظيم في حفظ الصحة ومعالجة الأمراض ولذلك جاء العلاج النبوي بإجراء كل بدن على عادته في استعمال الأغذية والأدوية وغير ذلك.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في تغذية المريض بألطف ما اعتاده من الأغذية] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في تغذية المريض بألطف ما اعتاده من الأغذية في quot; الصحيحين quot; من حديث عروة عن عائشة أنها كانت إذا مات الميت من أهلها واجتمع لذلك النساء ثم تفرقن إلى أهلهن أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت وصنعت ثريدا ثم صبت التلبينة عليه ثم قالت: كلوا منها فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب ببعض الحزن ) وفي quot; السنن quot; من حديث عائشة أيضا قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( عليكم بالبغيض النافع التلبين )  قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى أحد من أهله لم تزل البرمة على النار حتى ينتهي أحد طرفيه . يعني يبرأ أو يموت. وعنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قيل له إن فلانا وجع لا يطعم الطعام قال:(4\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1620",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10186",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(عليكم بالتلبينة فحسوه إياها quot; ويقول: quot;والذي نفسي بيده إنها تغسل بطن أحدكم كما تغسل إحداكن وجهها من الوسخ ) التلبين: هو الحساء الرقيق الذي هو في قوام اللبن ومنه اشتق اسمه قال الهروي: سميت تلبينة لشبهها باللبن لبياضها ورقتها وهذا الغذاء هو النافع للعليل وهو الرقيق النضيح لا الغليظ النيء وإذا شئت أن تعرف فضل التلبينة فاعرف فضل ماء الشعير بل هي ماء الشعير لهم فإنها حساء متخذ من دقيق الشعير بنخالته والفرق بينها وبين ماء الشعير أنه يطبخ صحاحا والتلبينة تطبخ منه مطحونا وهي أنفع منه لخروج خاصية الشعير بالطحن وقد تقدم أن للعادات تأثيرا في الانتفاع بالأدوية والأغذية وكانت عادة القوم أن يتخذوا ماء الشعير منه مطحونا لا صحاحا وهو أكثر تغذية وأقوى فعلا وأعظم جلاء وإنما اتخذه أطباء المدن منه صحاحا ليكون أرق وألطف فلا يثقل على طبيعة المريض وهذا بحسب طبائع أهل المدن ورخاوتها وثقل ماء الشعير المطحون عليها. والمقصود: أن ماء الشعير مطبوخا صحاحا ينفذ سريعا ويجلو جلاء ظاهرا ويغذي غذاء لطيفا. وإذا شرب حارا كان جلاؤه أقوى ونفوذه أسرع وإنماؤه للحرارة الغريزية أكثر وتلميسه لسطوح المعدة أوفق. وقوله صلى الله عليه وسلم فيها: ( مجمة لفؤاد المريض ) يروى بوجهين. بفتح الميم والجيم وبضم الميم وكسر الجيم والأول: أشهر ومعناه: أنها مريحة له أي تريحه وتسكنه من الإجمام وهو الراحة. وقوله quot; تذهب ببعض الحزن quot; هذا - والله أعلم - لأن الغم والحزن يبردان المزاج ويضعفان الحرارة الغريزية لميل الروح الحامل لها إلى جهة القلب الذي هو منشؤها وهذا الحساء يقوي الحرارة الغريزية بزيادته في مادتها فتزيل أكثر ما عرض له من الغم والحزن. وقد يقال - وهو أقرب - إنها تذهب ببعض الحزن بخاصية فيها من(4\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1621",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10187",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جنس خواص الأغذية المفرحة فإن من الأغذية ما يفرح بالخاصية والله أعلم. وقد يقال: إن قوى الحزين تضعف باستيلاء اليبس على أعضائه وعلى معدته خاصة لتقليل الغذاء وهذا الحساء يرطبها ويقويها ويغذيها ويفعل مثل ذلك بفؤاد المريض لكن المريض كثيرا ما يجتمع في معدته خلط مراري أو بلغمي أو صديدي وهذا الحساء يجلو ذلك عن المعدة ويسروه ويحدره ويميعه ويعدل كيفيته ويكسر سورته فيريحها ولا سيما لمن عادته الاغتذاء بخبز الشعير وهي عادة أهل المدينة إذ ذاك وكان هو غالب قوتهم وكانت الحنطة عزيزة عندهم. والله أعلم.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج السم الذي أصابه بخيبر من اليهود] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج السم الذي أصابه بخيبر من اليهود ذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك: ( أن امرأة يهودية أهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاة مصلية بخيبر فقال: quot; ما هذه quot; قالت: هدية وحذرت أن تقول: من الصدقة فلا يأكل منها فأكل النبي صلى الله عليه وسلم وأكل الصحابة ثم قال: quot; أمسكوا quot; ثم قال للمرأة: quot; هل سممت هذه الشاة quot; قالت: من أخبرك بهذا قال: quot; هذا العظم لساقها quot; وهو في يده قالت: نعم. قال: quot; لم quot; قالت: أردت إن كنت كاذبا أن يستريح منك الناس وإن كنت نبيا لم يضرك قال فاحتجم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة على الكاهل وأمر أصحابه أن يحتجموا فاحتجموا فمات بعضهم ) .(4\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1622",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10188",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي طريق أخرى: ( واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة حجمه أبو هند بالقرن والشفرة وهو مولى لبني بياضة من الأنصار وبقي بعد ذلك ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي توفي فيه فقال: quot;ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر حتى كان هذا أوان انقطاع الأبهر مني فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا قاله موسى بن عقبة. معالجة السم تكون بالاستفراغات وبالأدوية التي تعارض فعل السم وتبطله إما بكيفياتها وإما بخواصها فمن عدم الدواء فليبادر إلى الاستفراغ الكلي وأنفعه الحجامة ولا سيما إذا كان البلد حارا والزمان حارا فإن القوة(4\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1623",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10189",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السمية تسري إلى الدم فتنبعث في العروق والمجاري حتى تصل إلى القلب فيكون الهلاك فالدم هو المنفذ الموصل للسم إلى القلب والأعضاء فإذا بادر المسموم وأخرج الدم خرجت معه تلك الكيفية السمية التي خالطته فإن كان استفراغا تاما لم يضره السم بل إما أن يذهب وإما أن يضعف فتقوى عليه الطبيعة فتبطل فعله أو تضعفه. ولما احتجم النبي صلى الله عليه وسلم احتجم في الكاهل وهو أقرب المواضع التي يمكن فيها الحجامة إلى القلب فخرجت المادة السمية مع الدم لا خروجا كليا بل بقي أثرها مع ضعفه لما يريد الله سبحانه من تكميل مراتب الفضل كلها له فلما أراد الله إكرامه بالشهادة ظهر تأثير ذلك الأثر الكامن من السم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وظهر سر قوله تعالى لأعدائه من اليهود: أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون [البقرة: 87] [البقرة: 87] فجاء بلفظ كذبتم بالماضي الذي قد وقع منه وتحقق وجاء بلفظ quot; تقتلون quot; بالمستقبل الذي يتوقعونه وينتظرونه والله أعلم.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج السحر الذي سحرته اليهود به] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج السحر الذي سحرته اليهود به قد أنكر هذا طائفة من الناس وقالوا: لا يجوز هذا عليه وظنوه نقصا وعيبا وليس الأمر كما زعموا بل هو من جنس ما كان يعتريه صلى الله عليه وسلم من الأسقام والأوجاع وهو مرض من الأمراض وإصابته به كإصابته بالسم لا فرق بينهما وقد ثبت في quot; الصحيحين quot; عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( سحر(4\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1624",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10190",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إن كان ليخيل إليه أنه يأتي نساءه ولم يأتهن ) وذلك أشد ما يكون من السحر. قال القاضي عياض: والسحر مرض من الأمراض وعارض من العلل يجوز عليه صلى الله عليه وسلم كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته وأما كونه يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من صدقه لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا وإنما هذا فيما يجوز طروه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث لسببها ولا فضل من أجلها وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر فغير بعيد أنه يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له ثم ينجلي عنه كما كان. والمقصود: ذكر هديه في علاج هذا المرض وقد روي عنه فيه نوعان: أحدهما - وهو أبلغهما - استخراجه وإبطاله كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سأل ربه سبحانه في ذلك فدل عليه فاستخرجه من بئر فكان في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر فلما استخرجه ذهب ما به حتى كأنما أنشط من عقال فهذا من أبلغ ما يعالج به المطبوب وهذا بمنزلة إزالة المادة الخبيثة وقلعها من الجسد بالاستفراغ. والنوع الثاني: الاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر فإن للسحر تأثيرا في الطبيعة وهيجان أخلاطها وتشويش مزاجها فإذا ظهر أثره في(4\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1625",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10191",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عضو وأمكن استفراغ المادة الرديئة من ذلك العضو نفع جدا. وقد ذكر أبو عبيد في كتاب quot; غريب الحديث quot; له بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ( أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم على رأسه بقرن حين طب ) . قال أبو عبيد: معنى طب: أي سحر. وقد أشكل هذا على من قل علمه وقال ما للحجامة والسحر وما الرابطة بين هذا الداء وهذا الدواء ولو وجد هذا القائل أبقراط أو ابن سينا أو غيرهما قد نص على هذا العلاج لتلقاه بالقبول والتسليم وقال: قد نص عليه من لا يشك في معرفته وفضله. فاعلم أن مادة السحر الذي أصيب به صلى الله عليه وسلم انتهت إلى رأسه إلى إحدى قواه التي فيه بحيث كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله وهذا تصرف من الساحر في الطبيعة والمادة الدموية بحيث غلبت تلك المادة على البطن المقدم منه فغيرت مزاجه عن طبيعته الأصلية. والسحر: هو مركب من تأثيرات الأرواح الخبيثة وانفعال القوى الطبيعية عنها وهو أشد ما يكون من السحر ولا سيما في الموضع الذي انتهى السحر إليه واستعمال الحجامة على ذلك المكان الذي تضررت أفعاله بالسحر من أنفع المعالجة إذا استعملت على القانون الذي ينبغي. قال أبقراط: الأشياء التي ينبغي أن تستفرغ يجب أن تستفرغ من المواضع التي هي إليها أميل بالأشياء التي تصلح لاستفراغها. وقالت طائفة من الناس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصيب بهذا الداء وكان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله ظن أن ذلك عن مادة دموية أو غيرها مالت إلى جهة الدماغ وغلبت على البطن المقدم منه فأزالت مزاجه عن الحالة(4\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1626",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10192",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطبيعية له وكان استعمال الحجامة إذ ذاك من أبلغ الأدوية وأنفع المعالجة فاحتجم وكان ذلك قبل أن يوحى إليه أن ذلك من السحر فلما جاءه الوحي من الله تعالى وأخبره أنه قد سحر عدل إلى العلاج الحقيقي وهو استخراج السحر وإبطاله فسأل الله سبحانه فدله على مكانه فاستخرجه فقام كأنما أنشط من عقال وكان غاية هذا السحر فيه إنما هو في جسده وظاهر جوارحه لا على عقله وقلبه ولذلك لم يكن يعتقد صحة ما يخيل إليه من إتيان النساء بل يعلم أنه خيال لا حقيقة له ومثل هذا قد يحدث من بعض الأمراض والله أعلم.  [فصل علاج السحر بالأذكار والآيات] فصل ومن أنفع علاجات السحر الأدوية الإلهية بل هي أدويته النافعة بالذات فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية ودفع تأثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها وكلما كانت أقوى وأشد كانت أبلغ في النشرة وذلك بمنزلة التقاء جيشين مع كل واحد منهما عدته وسلاحه فأيهما غلب الآخر قهره وكان الحكم له فالقلب إذا كان ممتلئا من الله مغمورا بذكره وله من التوجهات والدعوات والأذكار والتعوذات ورد لا يخل به يطابق فيه قلبه لسانه كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له ومن أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه. وعند السحرة: أن سحرهم إنما يتم تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة والنفوس الشهوانية التي هي معلقة بالسفليات ولهذا فإن غالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجهال وأهل البوادي ومن ضعف حظه من الدين(4\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1627",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10193",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتوكل والتوحيد ومن لا نصيب له من الأوراد الإلهية والدعوات والتعوذات النبوية. وبالجملة: فسلطان تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة التي يكون ميلها إلى السفليات قالوا: والمسحور هو الذي يعين على نفسه فإنا نجد قلبه متعلقا بشيء كثير الالتفات إليه فيتسلط على قلبه بما فيه من الميل والالتفات والأرواح الخبيثة إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدة لتسلطها عليها بميلها إلى ما يناسب تلك الأرواح الخبيثة وبفراغها من القوة الإلهية وعدم أخذها للعدة التي تحاربها بها فتجدها فارغة لا عدة معها وفيها ميل إلى ما يناسبها فتتسلط عليها ويتمكن تأثيرها فيها بالسحر وغيره والله أعلم.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في الاستفراغ بالقيء] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الاستفراغ بالقيء روى الترمذي في quot; جامعه quot; عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم (قاء فتوضأ) فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت له ذلك فقال: (صدق: أنا صببت له وضوءه)  . قال الترمذي: وهذا أصح شيء في الباب. القيء: أحد الاستفراغات الخمسة التي هي أصول الاستفراغ وهي الإسهال والقيء وإخراج الدم وخروج الأبخرة والعرق وقد جاءت بها السنة.(4\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1628",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10194",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأما الإسهال: فقد مر في حديث ( خير ما تداويتم به المشي ) وفي حديث quot; السنا quot;. وأما إخراج الدم فقد تقدم في أحاديث الحجامة. وأما استفراغ الأبخرة فنذكره عقيب هذا الفصل إن شاء الله. وأما الاستفراغ بالعرق فلا يكون غالبا بالقصد بل بدفع الطبيعة له إلى ظاهر الجسد فيصادف المسام مفتحة فيخرج منها. والقيء استفراغ من أعلى المعدة, والحقنة من أسفلها والدواء من أعلاها وأسفلها والقيء: نوعان: نوع بالغلبة والهيجان ونوع بالاستدعاء والطلب. فأما الأول: فلا يسوغ حبسه ودفعه إلا إذا أفرط وخيف منه التلف. فيقطع بالأشياء التي تمسكه. وأما الثاني: فأنفعه عند الحاجة إذا روعي زمانه وشروطه التي تذكر. وأسباب القيء عشرة. أحدها: غلبة المرة الصفراء وطفوها على رأس المعدة فتطلب الصعود. الثاني: من غلبة بلغم لزج قد تحرك في المعدة واحتاج إلى الخروج. الثالث: أن يكون من ضعف المعدة في ذاتها فلا تهضم الطعام فتقذفه إلى جهة فوق. الرابع: أن يخالطها خلط رديء ينصب إليها فيسيء هضمها ويضعف فعلها. الخامس: أن يكون من زيادة المأكول أو المشروب على القدر الذي تحتمله المعدة فتعجز عن إمساكه فتطلب دفعه وقذفه. السادس: أن يكون من عدم موافقة المأكول والمشروب لها وكراهتها له فتطلب دفعه وقذفه.(4\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1629",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10195",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السابع: أن يحصل فيها ما يثور الطعام بكيفيته وطبيعته فتقذف به. الثامن: القرف وهو موجب غثيان النفس وتهوعها. التاسع: من الأعراض النفسانية كالهم الشديد والغم والحزن وغلبة اشتغال الطبيعة والقوى الطبيعية به واهتمامها بوروده عن تدبير البدن وإصلاح الغذاء وإنضاجه وهضمه فتقذفه المعدة وقد يكون لأجل تحرك الأخلاط عند تخبط النفس فإن كل واحد من النفس والبدن ينفعل عن صاحبه ويؤثر في كيفيته. العاشر: نقل الطبيعة بأن يرى من يتقيأ فيغلبه هو القيء من غير استدعاء فإن الطبيعة نقالة. وأخبرني بعض حذاق الأطباء قال: كان لي ابن أخت حذق في الكحل فجلس كحالا فكان إذا فتح عين الرجل ورأى الرمد وكحله رمد هو وتكرر ذلك منه فترك الجلوس. قلت له: فما سبب ذلك قال: نقل الطبيعة فإنها نقالة قال: وأعرف آخر كان رأى خراجا في موضع من جسم رجل يحكه فحك هو ذلك الموضع فخرجت فيه خراجة. قلت: وكل هذا لا بد فيه من استعداد الطبيعة وتكون المادة ساكنة فيها غير متحركة فتتحرك لسبب من هذه الأسباب فهذه أسباب لتحرك المادة لا أنها هي الموجبة لهذا العارض.  [فصل أنفع الأمكنة والأزمنة للقيء والإسهال] فصل ولما كانت الأخلاط في البلاد الحارة والأزمنة الحارة ترق وتنجذب إلى فوق كان القيء فيها أنفع. ولما كانت في الأزمنة الباردة والبلاد الباردة تغلظ ويصعب جذبها إلى فوق كان استفراغها بالإسهال أنفع. وإزالة الأخلاط ودفعها تكون بالجذب والاستفراغ والجذب يكون من أبعد الطرق والاستفراغ من أقربها والفرق بينهما أن المادة إذا كانت عاملة في(4\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1630",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10196",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الانصباب أو الترقي لم تستقر بعد فهي محتاجة إلى الجذب فإن كانت متصاعدة جذبت من أسفل وإن كانت منصبة جذبت من فوق وأما إذا استقرت في موضعها استفرغت من أقرب الطرق إليها فمتى أضرت المادة بالأعضاء العليا اجتذبت من أسفل ومتى أضرت بالأعضاء السفلى اجتذبت من فوق ومتى استقرت استفرغت من أقرب مكان إليها ولهذا احتجم النبي صلى الله عليه وسلم على كاهله تارة وفي رأسه أخرى وعلى ظهر قدمه تارة فكان يستفرغ مادة الدم المؤذي من أقرب مكان إليه. والله أعلم.  [فصل فوائد القيء] فصل والقيء ينقي المعدة ويقويها ويحد البصر ويزيل ثقل الرأس وينفع قروح الكلى والمثانة والأمراض المزمنة كالجذام والاستسقاء والفالج والرعشة وينفع اليرقان. وينبغي أن يستعمله الصحيح في الشهر مرتين متواليتين من غير حفظ دور ليتدارك الثاني ما قصر عنه الأول وينقي الفضلات التي انصبت بسببه والإكثار منه يضر المعدة ويجعلها قابلة للفضول ويضر بالأسنان والبصر والسمع وربما صدع عرقا ويجب أن يجتنبه من به ورم في الحلق أو ضعف في الصدر أو دقيق الرقبة أو مستعد لنفث الدم أو عسر الإجابة له. وأما ما يفعله كثير ممن يسيء التدبير وهو أن يمتلئ من الطعام ثم يقذفه ففيه آفات عديدة منها: أنه يعجل الهرم ويوقع في أمراض رديئة ويجعل القيء له عادة. والقيء مع اليبوسة وضعف الأحشاء وهزال المراق أو ضعف المستقيء خطر. . .(4\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1631",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10197",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأحمد أوقاته الصيف والربيع دون الشتاء والخريف وينبغي عند القيء أن يعصب العينين ويقمط البطن ويغسل الوجه بماء بارد عند الفراغ وأن يشرب عقيبه شراب التفاح مع يسير من مصطكى وماء الورد ينفعه نفعا بينا. والقيء يستفرغ من أعلى المعدة ويجذب من أسفل والإسهال بالعكس قال أبقراط: وينبغي أن يكون الاستفراغ في الصيف من فوق أكثر من الاستفراغ بالدواء وفي الشتاء من أسفل.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في الإرشاد إلى معالجة أحذق الطبيبين] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الإرشاد إلى معالجة أحذق الطبيبين ذكر مالك في quot; موطئه quot;: عن زيد بن أسلم ( أن رجلا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابه جرح فاحتقن الجرح الدم وأن الرجل دعا رجلين من بني أنمار فنظرا إليه فزعما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما: quot; أيكما أطب quot; فقال: أو في الطب خير يا رسول الله فقال: quot; أنزل الدواء الذي أنزل الداء ) ففي هذا الحديث أنه ينبغي الاستعانة في كل علم وصناعة بأحذق من فيها فالأحذق فإنه إلى الإصابة أقرب. وهكذا يجب على المستفتي أن يستعين على ما نزل به بالأعلم فالأعلم لأنه أقرب إصابة ممن هو دونه. وكذلك من خفيت عليه القبلة فإنه يقلد أعلم من يجده وعلى هذا فطر الله عباده كما أن المسافر في البر والبحر إنما سكون نفسه وطمأنينته إلى(4\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1632",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10198",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحذق الدليلين وأخبرهما وله يقصد وعليه يعتمد فقد اتفقت على هذا الشريعة والفطرة والعقل. وقوله صلى الله عليه وسلم ( أنزل الدواء الذي أنزل الداء )  قد جاء مثله عنه في أحاديث كثيرة فمنها ما رواه عمرو بن دينار عن هلال بن يساف قال: ( دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مريض يعوده فقال: quot; أرسلوا إلى طبيب quot; فقال قائل: وأنت تقول ذلك يا رسول الله قال: quot; نعم إن الله عز وجل لم ينزل داء إلا أنزل له دواء ) . وفي quot; الصحيحين quot; من حديث أبي هريرة يرفعه: ( ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء )  وقد تقدم هذا الحديث وغيره. واختلف في معنى ( أنزل الداء والدواء )  فقالت طائفة: إنزاله إعلام العباد به وليس بشيء فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بعموم الإنزال لكل داء ودوائه وأكثر الخلق لا يعلمون ذلك ولهذا قال ( علمه من علمه وجهله من جهله ) . وقالت طائفة: إنزالهما: خلقهما ووضعهما في الأرض كما في الحديث الآخر: ( إن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء )  وهذا وإن كان أقرب من الذي قبله فلفظة الإنزال أخص من لفظة الخلق والوضع فلا ينبغي إسقاط خصوصية اللفظة بلا موجب. وقالت طائفة: إنزالهما بواسطة الملائكة الموكلين بمباشرة الخلق من داء ودواء وغير ذلك فإن الملائكة موكلة بأمر هذا العالم وأمر النوع الإنساني من حين سقوطه في رحم أمه إلى حين موته فإنزال الداء والدواء مع الملائكة وهذا أقرب من الوجهين قبله. وقالت طائفة: إن عامة الأدواء والأدوية هي بواسطة إنزال الغيث من السماء الذي تتولد به الأغذية والأقوات والأدوية والأدواء وآلات ذلك كله وأسبابه ومكملاته وما كان منها من المعادن العلوية فهي تنزل من الجبال وما(4\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1633",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10199",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان منها من الأودية والأنهار والثمار فداخل في اللفظ على طريق التغليب والاكتفاء عن الفعلين بفعل واحد يتضمنهما وهو معروف من لغة العرب بل وغيرها من الأمم كقول الشاعر: علفتها تبنا وماء باردا ... حتى غدت همالة عيناها وقول الآخر: ورأيت زوجك قد غدا ... متقلدا سيفا ورمحا وقول الآخر: إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا وهذا أحسن مما قبله من الوجوه والله أعلم. وهذا من تمام حكمة الرب عز وجل وتمام ربوبيته فإنه كما ابتلى عباده بالأدواء أعانهم عليها بما يسره لهم من الأدوية وكما ابتلاهم بالذنوب أعانهم عليها بالتوبة والحسنات الماحية والمصائب المكفرة وكما ابتلاهم بالأرواح الخبيثة من الشياطين أعانهم عليها بجند من الأرواح الطيبة وهم الملائكة. وكما ابتلاهم بالشهوات أعانهم على قضائها بما يسره لهم شرعا وقدرا من المشتهيات اللذيذة النافعة فما ابتلاهم سبحانه بشيء إلا أعطاهم ما يستعينون به(4\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1634",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10200",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على ذلك البلاء ويدفعونه به ويبقى التفاوت بينهم في العلم بذلك والعلم بطريق حصوله والتوصل إليه وبالله المستعان.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في تضمين من طب الناس وهو جاهل بالطب] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في تضمين من طب الناس وهو جاهل بالطب روى أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من تطبب ولم يعلم منه الطب قبل ذلك فهو ضامن ) . هذا الحديث يتعلق به ثلاثة أمور: أمر لغوي وأمر فقهي وأمر طبي. فأما اللغوي: فالطب بكسر الطاء في لغة العرب يقال: على معان. منها الإصلاح يقال طببته: إذا أصلحته. ويقال: له طب بالأمور. أي: لطف وسياسة. قال الشاعر: وإذا تغير من تميم أمرها ... كنت الطبيب لها برأي ثاقب ومنها: الحذق. قال الجوهري: كل حاذق طبيب عند العرب قال أبو عبيد: أصل الطب: الحذق بالأشياء والمهارة بها. يقال للرجل: طب وطبيب: إذا كان كذلك وإن كان في غير علاج المريض. وقال غيره: رجل طبيب أي حاذق سمي طبيبا لحذقه وفطنته. قال علقمة: فإن تسألوني بالنساء فإنني ... خبير بأدواء النساء طبيب إذا شاب رأس المرء أو قل ماله ... فليس له من ودهن نصيب(4\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1635",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10201",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال عنترة: إن تغد في دوني القناع فإنني ... طب بأخذ الفارس المستلئم أي: إن ترخي عني قناعك وتستري وجهك رغبة عني فإني خبير حاذق بأخذ الفارس الذي قد لبس لأمة حربه. ومنها: العادة يقال: ليس ذاك بطبي أي عادتي قال فروة بن مسيك:(4\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1636",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10202",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا وقال أحمد بن الحسين المتنبي: وما التيه طبي فيهم غير أنني ... بغيض إلي الجاهل المتعاقل ومنها: السحر يقال رجل مطبوب أي مسحور وفي quot; الصحيح quot; في حديث عائشة لما سحرت يهود رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس الملكان عند رأسه وعند رجليه فقال أحدهما: ما بال الرجل قال الآخر: مطبوب. قال: من طبه قال: فلان اليهودي . قال أبو عبيد: إنما قالوا للمسحور: مطبوب لأنهم كنوا بالطب عن السحر كما كنوا عن اللديغ فقالوا: سليم تفاؤلا بالسلامة وكما كنوا بالمفازة عن الفلاة المهلكة التي لا ماء فيها فقالوا: مفازة تفاؤلا بالفوز من الهلاك. ويقال: الطب لنفس الداء. قال ابن أبي الأسلت: ألا من مبلغ حسان عني ... أسحر كان طبك أم جنون وأما قول الحماسي: فإن كنت مطبوبا فلا زلت هكذا ... وإن كنت مسحورا فلا برئ السحر(4\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1637",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10203",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنه أراد بالمطبوب الذي قد سحر وأراد بالمسحور: العليل بالمرض. قال الجوهري: ويقال للعليل مسحور. وأنشد البيت. ومعناه: إن كان هذا الذي قد عراني منك ومن حبك أسأل الله دوامه ولا أريد زواله سواء كان سحرا أو مرضا. والطب: مثلث الطاء فالمفتوح الطاء هو العالم بالأمور وكذلك الطبيب يقال له: طب أيضا. والطب: بكسر الطاء: فعل الطبيب والطب بضم الطاء: اسم موضع قاله ابن السيد وأنشد: فقلت هل انهلتم بطب ركابكم ... بجائزة الماء التي طاب طينها وقوله صلى الله عليه وسلم: ( من تطبب ) ولم يقل: من طب لأن لفظ التفعل يدل على تكلف الشيء والدخول فيه بعسر وكلفة وأنه ليس من أهله كتحلم وتشجع وتصبر ونظائرها وكذلك بنوا تكلف على هذا الوزن قال الشاعر: وقيس عيلان ومن تقيسا وأما الأمر الشرعي فإيجاب الضمان على الطبيب الجاهل فإذا تعاطى علم الطب وعمله ولم يتقدم له به معرفة فقد هجم بجهله على إتلاف الأنفس وأقدم بالتهور على ما لم يعلمه فيكون قد غرر بالعليل فيلزمه الضمان لذلك(4\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1638",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10204",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا إجماع من أهل العلم. قال الخطابي: لا أعلم خلافا في أن المعالج إذا تعدى فتلف المريض كان ضامنا والمتعاطي علما أو عملا لا يعرفه متعد فإذا تولد من فعله التلف ضمن الدية وسقط عنه القود لأنه لا يستبد بذلك بدون إذن المريض وجناية المتطبب في قول عامة الفقهاء على عاقلته.  [أقسام الأطباء من جهة إتلاف الأعضاء] [الأول طبيب حاذق أعطى الصنعة حقها ولم تجن يده] قلت: الأقسام خمسة: أحدها: طبيب حاذق أعطى الصنعة حقها ولم تجن يده فتولد من فعله المأذون فيه من جهة الشارع ومن جهة من يطبه تلف العضو أو النفس أو ذهاب صفة فهذا لا ضمان عليه اتفاقا فإنها سراية مأذون فيه وهذا كما إذا ختن الصبي في وقت وسنه قابل للختان وأعطى الصنعة حقها فتلف العضو أو الصبي لم يضمن وكذلك إذا بط من عاقل أو غيره ما ينبغي بطه في وقته على الوجه الذي ينبغي فتلف به لم يضمن وهكذا سراية كل مأذون فيه لم يتعد الفاعل في سببها كسراية الحد بالاتفاق. وسراية القصاص عند الجمهور خلافا لأبي حنيفة في إيجابه الضمان بها وسراية التعزير وضرب الرجل امرأته والمعلم الصبي والمستأجر الدابة خلافا لأبي حنيفة والشافعي في إيجابهما الضمان في ذلك واستثنى الشافعي ضرب الدابة. وقاعدة الباب إجماعا ونزاعا: أن سراية الجناية مضمونة بالاتفاق وسراية الواجب مهدرة بالاتفاق وما بينهما ففيه النزاع. فأبو حنيفة أوجب ضمانه مطلقا وأحمد ومالك أهدرا ضمانه وفرق الشافعي بين المقدر فأهدر ضمانه وبين غير المقدر فأوجب ضمانه. فأبو حنيفة نظر إلى أن الإذن في الفعل إنما وقع مشروطا بالسلامة وأحمد ومالك نظرا إلى أن الإذن أسقط الضمان والشافعي نظر إلى أن المقدر لا يمكن النقصان منه فهو بمنزلة النص وأما غير المقدر كالتعزيرات والتأديبات فاجتهادية فإذا تلف بها ضمن لأنه في مظنة العدوان.(4\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1639",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10205",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[الثاني مطبب جاهل باشرت يده من يطبه فتلف به] فصل القسم الثاني: مطبب جاهل باشرت يده من يطبه فتلف به فهذا إن علم المجني عليه أنه جاهل لا علم له وأذن له في طبه لم يضمن ولا تخالف هذه الصورة ظاهر الحديث فإن السياق وقوة الكلام يدل على أنه غر العليل وأوهمه أنه طبيب وليس كذلك وإن ظن المريض أنه طبيب وأذن له في طبه لأجل معرفته ضمن الطبيب ما جنت يده وكذلك إن وصف له دواء يستعمله والعليل يظن أنه وصفه لمعرفته وحذقه فتلف به ضمنه والحديث ظاهر فيه أو صريح.  [الثالث طبيب حاذق أذن له وأعطى الصنعة حقها] فصل القسم الثالث: طبيب حاذق أذن له وأعطى الصنعة حقها لكنه أخطأت يده وتعدت إلى عضو صحيح فأتلفه مثل أن سبقت يد الخاتن إلى الكمرة فهذا يضمن لأنها جناية خطأ ثم إن كانت الثلث فما زاد فهو على عاقلته فإن لم تكن عاقلة فهل تكون الدية في ماله أو في بيت المال على قولين هما روايتان عن أحمد. وقيل: إن كان الطبيب ذميا ففي ماله وإن كان مسلما ففيه الروايتان فإن لم يكن بيت مال أو تعذر تحميله فهل تسقط الدية أو تجب في مال الجاني فيه وجهان أشهرهما: سقوطها.  [الرابع الطبيب الحاذق الماهر بصناعته اجتهد فوصف للمريض دواء فأخطأ] فصل القسم الرابع: الطبيب الحاذق الماهر بصناعته اجتهد فوصف للمريض دواء فأخطأ في اجتهاده فقتله فهذا يخرج على روايتين: إحداهما: أن دية المريض في بيت المال. والثانية: أنها على عاقلة الطبيب وقد نص عليهما الإمام أحمد في خطأ الإمام والحاكم.(4\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1640",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10206",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[الخامس طبيب حاذق أعطى الصنعة حقها فقطع سلعة بغير إذن فأخطأ] فصل القسم الخامس: طبيب حاذق أعطى الصنعة حقها فقطع سلعة من رجل أو صبي أو مجنون بغير إذنه أو إذن وليه أو ختن صبيا بغير إذن وليه فتلف فقال أصحابنا: يضمن لأنه تولد من فعل غير مأذون فيه وإن أذن له البالغ أو ولي الصبي والمجنون لم يضمن ويحتمل أن لا يضمن مطلقا لأنه محسن وما على المحسنين من سبيل. وأيضا فإنه إن كان متعديا فلا أثر لإذن الولي في إسقاط الضمان وإن لم يكن متعديا فلا وجه لضمانه. فإن قلت: هو متعد عند عدم الإذن غير متعد عند الإذن قلت: العدوان وعدمه إنما يرجع إلى فعله هو فلا أثر للإذن وعدمه فيه وهذا موضع نظر.  [فصل الطبيب في هذا الحديث يتناول من يطب بوصفه وقوله] فصل: أقسام الأطباء المذكورة سابقا تتناول الطب عملا أو قولا إنسانا أو حيوانا واسم كل منهم والطبيب في هذا الحديث يتناول من يطب بوصفه وقوله وهو الذي يخص باسم الطبائعي وبمروده وهو الكحال وبمبضعه ومراهمه وهو الجرائحي وبموساه وهو الخاتن وبريشته وهو الفاصد وبمحاجمه ومشرطه وهو الحجام وبخلعه ووصله ورباطه وهو المجبر وبمكواته وناره وهو الكواء وبقربته وهو الحاقن وسواء كان طبه لحيوان بهيم أو إنسان فاسم الطبيب يطلق لغة على هؤلاء كلهم كما تقدم وتخصيص الناس له ببعض أنواع الأطباء عرف حادث كتخصيص لفظ الدابة بما يخصها به كل قوم.  [فصل ما يراعيه الطبيب الحاذق من الأمور] فصل والطبيب الحاذق: هو الذي يراعي في علاجه عشرين أمرا: أحدها: النظر في نوع المرض من أي الأمراض هو(4\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1641",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10207",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني: النظر في سببه من أي شيء حدث والعلة الفاعلة التي كانت سبب حدوثه ما هي . الثالث: قوة المريض وهل هي مقاومة للمرض أو أضعف منه فإن كانت مقاومة للمرض مستظهرة عليه تركها والمرض ولم يحرك بالدواء ساكنا. الرابع: مزاج البدن الطبيعي ما هو الخامس: المزاج الحادث على غير المجرى الطبيعي. السادس: سن المريض. السابع: عادته. الثامن: الوقت الحاضر من فصول السنة وما يليق به. التاسع: بلد المريض وتربته. العاشر: حال الهواء في وقت المرض. الحادي عشر: النظر في الدواء المضاد لتلك العلة. الثاني عشر: النظر في قوة الدواء ودرجته والموازنة بينها وبين قوة المريض. الثالث عشر: ألا يكون كل قصده إزالة تلك العلة فقط بل إزالتها على وجه يأمن معه حدوث أصعب منها فمتى كان إزالتها لا يأمن معها حدوث علة أخرى أصعب منها أبقاها على حالها وتلطيفها هو الواجب وهذا كمرض أفواه العروق فإنه متى عولج بقطعه وحبسه خيف حدوث ما هو أصعب منه. الرابع عشر: أن يعالج بالأسهل فالأسهل فلا ينتقل من العلاج بالغذاء إلى الدواء إلا عند تعذره ولا ينتقل إلى الدواء المركب إلا عند تعذر الدواء البسيط فمن حذق الطبيب علاجه بالأغذية بدل الأدوية وبالأدوية البسيطة بدل المركبة. الخامس عشر: أن ينظر في العلة هل هي مما يمكن علاجها أو لا فإن(4\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1642",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10208",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يمكن علاجها حفظ صناعته وحرمته ولا يحمله الطمع على علاج لا يفيد شيئا. وإن أمكن علاجها نظر هل يمكن زوالها أم لا فإن علم أنه لا يمكن زوالها نظر هل يمكن تخفيفها وتقليلها أم لا فإن لم يكن تقليلها ورأى أن غاية الإمكان إيقافها وقطع زيادتها قصد بالعلاج ذلك وأعان القوة وأضعف المادة. السادس عشر: ألا يتعرض للخلط قبل نضجه باستفراغ بل يقصد إنضاجه فإذا تم نضجه بادر إلى استفراغه. السابع عشر: أن يكون له خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها وذلك أصل عظيم في علاج الأبدان فإن انفعال البدن وطبيعته عن النفس والقلب أمر مشهود والطبيب إذا كان عارفا بأمراض القلب والروح وعلاجهما كان هو الطبيب الكامل والذي لا خبرة له بذلك وإن كان حاذقا في علاج الطبيعة وأحوال البدن نصف طبيب. وكل طبيب لا يداوي العليل بتفقد قلبه وصلاحه وتقوية روحه وقواه بالصدقة وفعل الخير والإحسان والإقبال على الله والدار الآخرة فليس بطبيب بل متطبب قاصر. ومن أعظم علاجات المرض فعل الخير والإحسان والذكر والدعاء والتضرع والابتهال إلى الله والتوبة ولهذه الأمور تأثير في دفع العلل وحصول الشفاء أعظم من الأدوية الطبيعية ولكن بحسب استعداد النفس وقبولها وعقيدتها في ذلك ونفعه. الثامن عشر: التلطف بالمريض والرفق به كالتلطف بالصبي. التاسع عشر: أن يستعمل أنواع العلاجات الطبيعية والإلهية والعلاج بالتخييل فإن لحذاق الأطباء في التخييل أمورا عجيبة لا يصل إليها الدواء فالطبيب الحاذق يستعين على المرض بكل معين. العشرون: - وهو ملاك أمر الطبيب - أن يجعل علاجه وتدبيره دائرا على ستة أركان: حفظ الصحة الموجودة ورد الصحة المفقودة بحسب الإمكان(4\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1643",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10209",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإزالة العلة أو تقليلها بحسب الإمكان واحتمال أدنى المفسدتين لإزالة أعظمهما وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعظمهما فعلى هذه الأصول الستة مدار العلاج وكل طبيب لا تكون هذه أخيته التي يرجع إليها فليس بطبيب والله أعلم.  [فصل مراعاة الطبيب لأحوال المرض] فصل ولما كان للمرض أربعة أحوال: ابتداء وصعود وانتهاء وانحطاط تعين على الطبيب مراعاة كل حال من أحوال المرض بما يناسبها ويليق بها ويستعمل في كل حال ما يجب استعماله فيها. فإذا رأى في ابتداء المرض أن الطبيعة محتاجة إلى ما يحرك الفضلات ويستفرغها لنضجها بادر إليه فإن فاته تحريك الطبيعة في ابتداء المرض لعائق منع من ذلك أو لضعف القوة وعدم احتمالها للاستفراغ أو لبرودة الفصل أو لتفريط وقع فينبغي أن يحذر كل الحذر أن يفعل ذلك في صعود المرض لأنه إن فعله تحيرت الطبيعة لاشتغالها بالدواء وتخلت عن تدبير المرض ومقاومته بالكلية ومثاله: أن يجيء إلى فارس مشغول بمواقعة عدوه فيشغله عنه بأمر آخر ولكن الواجب في هذه الحال أن يعين الطبيعة على حفظ القوة ما أمكنه. فإذا انتهى المرض ووقف وسكن أخذ في استفراغه واستئصال أسبابه فإذا أخذ في الانحطاط كان أولى بذلك. ومثال هذا مثال العدو إذا انتهت قوته وفرغ سلاحه كان أخذه سهلا فإذا ولى وأخذ في الهرب كان أسهل أخذا وحدته وشوكته إنما هي في ابتدائه وحال استفراغه وسعة قوته فهكذا الداء والدواء سواء.  [فصل من حذق الطبيب التدبير بالأسهل] فصل ومن حذق الطبيب أنه حيث أمكن التدبير بالأسهل فلا يعدل إلى(4\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1644",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10210",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأصعب ويتدرج من الأضعف إلى الأقوى إلا أن يخاف فوت القوة حينئذ فيجب أن يبتدئ بالأقوى ولا يقيم في المعالجة على حال واحدة فتألفها الطبيعة ويقل انفعالها عنه ولا تجسر على الأدوية القوية في الفصول القوية وقد تقدم أنه إذا أمكنه العلاج بالغذاء فلا يعالج بالدواء وإذا أشكل عليه المرض أحار هو أم بارد فلا يقدم حتى يتبين له ولا يجربه بما يخاف عاقبته ولا بأس بتجربته بما لا يضر أثره. وإذا اجتمعت أمراض بدأ بما تخصه واحدة من ثلاث خصال: إحداها: أن يكون برء الآخر موقوفا على برئه كالورم والقرحة فإنه يبدأ بالورم. الثانية: أن يكون أحدها سببا للآخر كالسدة والحمى العفنة فإنه يبدأ بإزالة السبب. الثالثة: أن يكون أحدهما أهم من الآخر كالحاد والمزمن فيبدأ بالحاد ومع هذا فلا يغفل عن الآخر. وإذا اجتمع المرض والعرض بدأ بالمرض إلا أن يكون العرض أقوى كالقولنج فيسكن الوجع أولا ثم يعالج السدة وإذا أمكنه أن يعتاض عن المعالجة بالاستفراغ بالجوع أو الصوم أو النوم لم يستفرغه وكل صحة أراد حفظها حفظها بالمثل أو الشبه وإن أراد نقلها إلى ما هو أفضل منها نقلها بالضد.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في التحرز من الأدواء المعدية بطبعها وإرشاده الأصحاء إلى مجانبة أهلها] فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في التحرز من الأدواء المعدية بطبعها وإرشاده الأصحاء إلى مجانبة أهلها ثبت في quot; صحيح مسلم quot; من حديث جابر بن عبد الله أنه ( كان في وفد ثقيف(4\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1645",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10211",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجل مجذوم فأرسل إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ارجع فقد بايعناك ) . وروى البخاري في quot; صحيحه quot; تعليقا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( فر من المجذوم كما تفر من الأسد ) . وفي quot; سنن ابن ماجه quot; من حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( لا تديموا النظر إلى المجذومين ) . وفي quot; الصحيحين quot; من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( لا يوردن ممرض على مصح ) . ويذكر عنه - صلى الله عليه وسلم -: ( كلم المجذوم وبينك وبينه قيد رمح أو رمحين ) .(4\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1646",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10212",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجذام: علة رديئة تحدث من انتشار المرة السوداء في البدن كله فيفسد مزاج الأعضاء وهيئتها وشكلها وربما فسد في آخره اتصالها حتى تتأكل الأعضاء وتسقط ويسمى داء الأسد. وفي هذه التسمية ثلاثة أقوال للأطباء: أحدها: أنها لكثرة ما تعتري الأسد. والثاني: لأن هذه العلة تجهم وجه صاحبها وتجعله في سحنة الأسد. والثالث: أنه يفترس من يقربه أو يدنو منه بدائه افتراس الأسد. وهذه العلة عند الأطباء من العلل المعدية المتوارثة ومقارب المجذوم وصاحب السل يسقم برائحته فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لكمال شفقته على الأمة ونصحه لهم نهاهم عن الأسباب التي تعرضهم لوصول العيب والفساد إلى أجسامهم وقلوبهم ولا ريب أنه قد يكون في البدن تهيؤ واستعداد كامن لقبول هذا الداء وقد تكون الطبيعة سريعة الانفعال قابلة للاكتساب من أبدان من تجاوره وتخالطه فإنها نقالة وقد يكون خوفها من ذلك ووهمها من أكبر أسباب إصابة تلك العلة لها فإن الوهم فعال مستول على القوى والطبائع وقد تصل رائحة العليل إلى الصحيح فتسقمه وهذا معاين في بعض الأمراض والرائحة أحد أسباب العدوى ومع هذا كله فلا بد من وجود استعداد البدن وقبوله لذلك الداء وقد(4\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1647",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10213",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأة فلما أراد الدخول بها وجد بكشحها بياضا فقال: quot;الحقي بأهلك ) . وقد ظن طائفة من الناس أن هذه الأحاديث معارضة بأحاديث أخر تبطلها وتناقضها فمنها: ما رواه الترمذي من حديث جابر ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيد رجل مجذوم فأدخلها معه في القصعة وقال: quot;كل بسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه ) ورواه ابن ماجه. وبما ثبت في quot; الصحيح quot; عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( لا عدوى ولا طيرة ) . ونحن نقول: لا تعارض بحمد الله بين أحاديثه الصحيحة. فإذا وقع التعارض فإما أن يكون أحد الحديثين ليس من كلامه - صلى الله عليه وسلم - وقد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقة ثبتا فالثقة يغلط أو يكون أحد الحديثين ناسخا للآخر إذا كان مما يقبل النسخ أو يكون التعارض في فهم السامع لا في نفس كلامه - صلى الله عليه وسلم - فلا بد من وجه من هذه الوجوه الثلاثة. وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كل وجه ليس أحدهما ناسخا للآخر فهذا لا يوجد أصلا ومعاذ الله أن يوجد في كلام الصادق المصدوق الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحق والآفة من التقصير في معرفة المنقول والتمييز بين صحيحه ومعلوله أو من القصور في فهم مراده - صلى الله عليه وسلم -(4\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1648",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10214",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحمل كلامه على غير ما عناه به أو منهما معا ومن هاهنا وقع من الاختلاف والفساد ما وقع وبالله التوفيق. قال ابن قتيبة في كتاب quot; اختلاف الحديث quot; له حكاية عن أعداء الحديث وأهله قالوا: حديثان متناقضان رويتم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( لا عدوى ولا طيرة ) وقيل له: ( إن النقبة تقع بمشفر البعير فيجرب لذلك الإبل. قال: فما أعدى الأول ) ثم رويتم ( لا يورد ذو عاهة على مصح وفر من المجذوم فرارك من الأسد ) ( وأتاه رجل مجذوم ليبايعه بيعة الإسلام فأرسل إليه البيعة وأمره بالانصراف ولم يأذن له وقال: quot;الشؤم في المرأة والدار والدابة ) . قالوا: وهذا كله مختلف لا يشبه بعضه بعضا. قال أبو محمد: ونحن نقول: إنه ليس في هذا اختلاف ولكل معنى منها(4\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1649",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10215",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقت وموضع فإذا وضع موضعه زال الاختلاف. والعدوى جنسان: أحدهما: عدوى الجذام فإن المجذوم تشتد رائحته حتى يسقم من أطال مجالسته ومحادثته وكذلك المرأة تكون تحت المجذوم فتضاجعه في شعار واحد فيوصل إليها الأذى وربما جذمت وكذلك ولده ينزعون في الكبر إليه وكذلك من كان به سل ودق ونقب. والأطباء تأمر أن لا يجالس المسلول ولا المجذوم ولا يريدون بذلك معنى العدوى وإنما يريدون به معنى تغير الرائحة وأنها قد تسقم من أطال اشتمامها والأطباء أبعد الناس عن الإيمان بيمن وشؤم وكذلك النقبة تكون بالبعير - وهو جرب رطب - فإذا خالط الإبل أو حاكها وأوى في مباركها وصل إليها بالماء الذي يسيل منه وبالنطف نحو ما به فهذا هو المعنى الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( لا يورد ذو عاهة على مصح ) كره أن يخالط المعيوه الصحيح لئلا يناله من نطفه وحكته نحو مما به. قال: وأما الجنس الآخر من العدوى فهو الطاعون ينزل ببلد فيخرج منه خوف العدوى وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: ( إذا وقع ببلد وأنتم به فلا تخرجوا منه وإذا كان ببلد فلا تدخلوه ) . يريد بقوله: لا تخرجوا من البلد إذا كان فيه كأنكم تظنون أن الفرار من قدر الله ينجيكم من الله ويريد إذا كان ببلد فلا تدخلوه أي مقامكم في الموضع الذي لا طاعون فيه أسكن لقلوبكم وأطيب لعيشكم ومن ذلك المرأة تعرف بالشؤم أو الدار فينال الرجل مكروه أو جائحة فيقول: أعدتني بشؤمها فهذا هو العدوى الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( لا عدوى ) وقالت فرقة أخرى: بل الأمر باجتناب المجذوم والفرار منه على الاستحباب والاختيار والإرشاد وأما الأكل معه ففعله لبيان الجواز وأن هذا ليس بحرام. وقالت فرقة أخرى: بل الخطاب بهذين الخطابين جزئي لا كلي فكل(4\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1650",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10216",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحد خاطبه النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يليق بحاله فبعض الناس يكون قوي الإيمان قوي التوكل تدفع قوة توكله قوة العدوى كما تدفع قوة الطبيعة قوة العلة فتبطلها وبعض الناس لا يقوى على ذلك فخاطبه بالاحتياط والأخذ بالتحفظ وكذلك هو - صلى الله عليه وسلم - فعل الحالتين معا لتقتدي به الأمة فيهما فيأخذ من قوي من أمته بطريقة التوكل والقوة والثقة بالله ويأخذ من ضعف منهم بطريقة التحفظ والاحتياط وهما طريقان صحيحان. أحدهما: للمؤمن القوي والآخر للمؤمن الضعيف فتكون لكل واحد من الطائفتين حجة وقدوة بحسب حالهم وما يناسبهم وهذا كما أنه - صلى الله عليه وسلم - كوى وأثنى على تارك الكي وقرن تركه بالتوكل وترك الطيرة ولهذا نظائر كثيرة وهذه طريقة لطيفة حسنة جدا من أعطاها حقها ورزق فقه نفسه فيها أزالت عنه تعارضا كثيرا يظنه بالسنة الصحيحة. وذهبت فرقة أخرى: إلى أن الأمر بالفرار منه ومجانبته لأمر طبيعي وهو انتقال الداء منه بواسطة الملامسة والمخالطة والرائحة إلى الصحيح وهذا يكون مع تكرير المخالطة والملامسة له وأما أكله معه مقدارا يسيرا من الزمان لمصلحة راجحة فلا بأس به ولا تحصل العدوى من مرة واحدة ولحظة واحدة فنهى سدا للذريعة وحماية للصحة وخالطه مخالطة ما للحاجة والمصلحة فلا تعارض بين الأمرين. وقالت طائفة أخرى: يجوز أن يكون هذا المجذوم الذي أكل معه به من الجذام أمر يسير لا يعدي مثله وليس الجذمى كلهم سواء ولا العدوى حاصلة من جميعهم بل منهم من لا تضر مخالطته ولا تعدي وهو من أصابه من ذلك شيء يسير ثم وقف واستمر على حاله ولم يعد بقية جسمه فهو أن لا يعدي غيره أولى وأحرى. وقالت فرقة أخرى: إن الجاهلية كانت تعتقد أن الأمراض المعدية تعدي بطبعها من غير إضافة إلى الله سبحانه فأبطل النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتقادهم ذلك وأكل مع المجذوم ليبين لهم أن الله سبحانه هو الذي يمرض ويشفي ونهى عن القرب منه(4\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1651",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10217",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليتبين لهم أن هذا من الأسباب التي جعلها الله مفضية إلى مسبباتها ففي نهيه إثبات الأسباب وفي فعله بيان أنها لا تستقل بشيء بل الرب سبحانه إن شاء سلبها قواها فلا تؤثر شيئا وإن شاء أبقى عليها قواها فأثرت. وقالت فرقة أخرى: بل هذه الأحاديث فيها الناسخ والمنسوخ فينظر في تاريخها فإن علم المتأخر منها حكم بأنه الناسخ وإلا توقفنا فيها. وقالت فرقة أخرى: بل بعضها محفوظ وبعضها غير محفوظ وتكلمت في حديث quot; لا عدوى quot; وقالت: قد كان أبو هريرة يرويه أولا ثم شك فيه فتركه وراجعوه فيه وقالوا: سمعناك تحدث به فأبى أن يحدث به. قال أبو سلمة: فلا أدري أنسي أبو هريرة أم نسخ أحد الحديثين الآخر وأما حديث جابر: ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة ) فحديث لا يثبت ولا يصح وغاية ما قال فيه الترمذي: إنه غريب لم يصححه ولم يحسنه. وقد قال شعبة وغيره: اتقوا هذه الغرائب. قال الترمذي: ويروى هذا من فعل عمر وهو أثبت فهذا شأن هذين الحديثين اللذين عورض بهما أحاديث النهي أحدهما: رجع أبو هريرة عن التحديث به وأنكره والثاني: لا يصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله أعلم وقد أشبعنا الكلام في هذه المسألة في كتاب quot; المفتاح quot; بأطول من هذا وبالله التوفيق.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في المنع من التداوي بالمحرمات] فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في المنع من التداوي بالمحرمات روى أبو داود في quot; سننه quot; من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا(4\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1652",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10218",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تداووا بالمحرم ) . وذكر البخاري في quot; صحيحه quot; عن ابن مسعود: ( إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم ) . وفي quot; السنن quot;: عن أبي هريرة قال: ( نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الدواء الخبيث ) . وفي quot; صحيح مسلم quot; عن طارق بن سويد الجعفي أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها فقال: إنما أصنعها للدواء فقال: ( إنه ليس بدواء ولكنه داء ) . وفي quot; السنن quot; أنه - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الخمر يجعل في الدواء فقال quot; ( إنها داء(4\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1653",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10219",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وليست بالدواء )  رواه أبو داود والترمذي. وفي quot; صحيح مسلم quot; عن طارق بن سويد الحضرمي قال: قلت: (يا رسول الله: إن بأرضنا أعنابا نعتصرها فنشرب منها قال: quot; لا quot; فراجعته قلت إنا نستشفي للمريض قال: إن ذلك ليس بشفاء ولكنه داء)  . وفي quot; سنن النسائي quot;: ( أن طبيبا ذكر ضفدعا في دواء عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنهاه عن قتلها ) . ويذكر عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( من تداوى بالخمر فلا شفاه الله ) . المعالجة بالمحرمات قبيحة عقلا وشرعا أما الشرع فما ذكرنا من هذه الأحاديث وغيرها وأما العقل فهو أن الله سبحانه إنما حرمه لخبثه فإنه لم يحرم على هذه الأمة طيبا عقوبة لها كما حرمه على بني إسرائيل بقوله: فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم [النساء: 160] [النساء: 160] ; وإنما حرم على هذه الأمة ما حرم لخبثه وتحريمه له حمية لهم وصيانة عن تناوله فلا يناسب أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل فإنه وإن أثر في إزالتها لكنه يعقب سقما أعظم منه في القلب بقوة الخبث الذي فيه فيكون المداوى به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب.(4\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1654",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10220",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأيضا فإن تحريمه يقتضي تجنبه والبعد عنه بكل طريق وفي اتخاذه دواء حض على الترغيب فيه وملابسته وهذا ضد مقصود الشارع وأيضا فإنه داء كما نص عليه صاحب الشريعة فلا يجوز أن يتخذ دواء. وأيضا فإنه يكسب الطبيعة والروح صفة الخبث لأن الطبيعة تنفعل عن كيفية الدواء انفعالا بينا فإذا كانت كيفيته خبيثة اكتسبت الطبيعة منه خبثا فكيف إذا كان خبيثا في ذاته ولهذا حرم الله سبحانه على عباده الأغذية والأشربة والملابس الخبيثة لما تكسب النفس من هيئة الخبث وصفته. وأيضا فإن في إباحة التداوي به ولا سيما إذا كانت النفوس تميل إليه ذريعة إلى تناوله للشهوة واللذة لا سيما إذا عرفت النفوس أنه نافع لها مزيل لأسقامها جالب لشفائها فهذا أحب شيء إليها والشارع سد الذريعة إلى تناوله بكل ممكن ولا ريب أن بين سد الذريعة إلى تناوله وفتح الذريعة إلى تناوله تناقضا وتعارضا. وأيضا فإن في هذا الدواء المحرم من الأدواء ما يزيد على ما يظن فيه من الشفاء ولنفرض الكلام في أم الخبائث التي ما جعل الله لنا فيها شفاء قط فإنها شديدة المضرة بالدماغ الذي هو مركز العقل عند الأطباء وكثير من الفقهاء والمتكلمين. قال أبقراط في أثناء كلامه في الأمراض الحادة: ضرر الخمرة بالرأس شديد لأنه يسرع الارتفاع إليه. ويرتفع بارتفاعه الأخلاط التي تعلو في البدن وهو كذلك يضر بالذهن. وقال صاحب quot; الكامل quot;: إن خاصية الشراب الإضرار بالدماغ والعصب. وأما غيره من الأدوية المحرمة فنوعان: أحدهما: تعافه النفس ولا تنبعث لمساعدته الطبيعة على دفع المرض به كالسموم ولحوم الأفاعي وغيرها من المستقذرات فيبقى كلا على الطبيعة مثقلا لها فيصير حينئذ داء لا دواء.(4\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1655",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10221",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثاني: ما لا تعافه النفس كالشراب الذي تستعمله الحوامل مثلا فهذا ضرره أكثر من نفعه والعقل يقضي بتحريم ذلك فالعقل والفطرة مطابق للشرع في ذلك. وهاهنا سر لطيف في كون المحرمات لا يستشفى بها فإن شرط الشفاء بالدواء تلقيه بالقبول واعتقاد منفعته وما جعل الله فيه من بركة الشفاء فإن النافع هو المبارك وأنفع الأشياء أبركها والمبارك من الناس أينما كان هو الذي ينتفع به حيث حل ومعلوم أن اعتقاد المسلم تحريم هذه العين مما يحول بينه وبين اعتقاد بركتها ومنفعتها وبين حسن ظنه بها وتلقي طبعه لها بالقبول بل كلما كان العبد أعظم إيمانا كان أكره لها وأسوأ اعتقادا فيها وطبعه أكره شيء لها فإذا تناولها في هذه الحال كانت داء له لا دواء إلا أن يزول اعتقاد الخبث فيها وسوء الظن والكراهة لها بالمحبة وهذا ينافي الإيمان فلا يتناولها المؤمن قط إلا على وجه داء والله أعلم.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج القمل الذي في الرأس وإزالته] فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في علاج القمل الذي في الرأس وإزالته في quot; الصحيحين quot; عن كعب بن عجرة قال: كان بي أذى من رأسي فحملت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والقمل يتناثر على وجهي فقال: (ما كنت أرى الجهد قد بلغ بك ما أرى)  وفي رواية: ( فأمره أن يحلق رأسه وأن يطعم فرقا بين ستة أو يهدي شاة أو يصوم ثلاثة أيام ) .(4\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1656",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10222",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القمل يتولد في الرأس والبدن من شيئين: خارج عن البدن وداخل فيه فالخارج الوسخ والدنس المتراكم في سطح الجسد والثاني من خلط رديء عفن تدفعه الطبيعة بين الجلد واللحم فيتعفن بالرطوبة الدموية في البشرة بعد خروجها من المسام فيكون منه القمل وأكثر ما يكون ذلك بعد العلل والأسقام وبسبب الأوساخ وإنما كان في رءوس الصبيان أكثر لكثرة رطوباتهم وتعاطيهم الأسباب التي تولد القمل ولذلك حلق النبي - صلى الله عليه وسلم - رءوس بني جعفر. ومن أكبر علاجه حلق الرأس لتنفتح مسام الأبخرة فتتصاعد الأبخرة الرديئة فتضعف مادة الخلط وينبغي أن يطلى الرأس بعد ذلك بالأدوية التي تقتل القمل وتمنع تولده. وحلق الرأس ثلاثة أنواع: أحدها: نسك وقربة. والثاني: بدعة وشرك. والثالث: حاجة ودواء فالأول الحلق في أحد النسكين الحج أو العمرة. والثاني: حلق الرأس لغير الله سبحانه كما يحلقها المريدون لشيوخهم فيقول أحدهم: أنا حلقت رأسي لفلان وأنت حلقته لفلان وهذا بمنزلة أن يقول: سجدت لفلان فإن حلق الرأس خضوع وعبودية وذل ولهذا كان من تمام الحج حتى إنه عند الشافعي ركن من أركانه لا يتم إلا به فإنه وضع النواصي بين يدي ربها خضوعا لعظمته وتذللا لعزته وهو من أبلغ أنواع العبودية ولهذا كانت العرب إذا أرادت إذلال الأسير منهم وعتقه حلقوا رأسه وأطلقوه فجاء شيوخ الضلال والمزاحمون للربوبية الذين أساس مشيختهم على الشرك والبدعة فأرادوا من مريديهم أن يتعبدوا لهم فزينوا لهم حلق رءوسهم لهم كما زينوا لهم السجود لهم وسموه بغير اسمه وقالوا: هو وضع الرأس بين يدي الشيخ ولعمر الله إن السجود لله هو وضع الرأس بين يديه سبحانه وزينوا لهم أن(4\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1657",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10223",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ينذروا لهم ويتوبوا لهم ويحلفوا بأسمائهم وهذا هو اتخاذهم أربابا وآلهة من دون الله قال تعالى: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون - ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون [آل عمران: 79 - 80] [آل عمران 79 - 80] . وأشرف العبودية عبودية الصلاة وقد تقاسمها الشيوخ والمتشبهون بالعلماء والجبابرة فأخذ الشيوخ منها أشرف ما فيها وهو السجود وأخذ المتشبهون بالعلماء منها الركوع فإذا لقي بعضهم بعضا ركع له كما يركع المصلي لربه سواء وأخذ الجبابرة منهم القيام فيقوم الأحرار والعبيد على رءوسهم عبودية لهم وهم جلوس وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الأمور الثلاثة على التفصيل فتعاطيها مخالفة صريحة له فنهى عن السجود لغير الله وقال: ( لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد ) ( وأنكر على معاذ لما سجد له وقال quot; مه ) .(4\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1658",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10224",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتحريم هذا معلوم من دينه بالضرورة وتجويز من جوزه لغير الله مراغمة لله ورسوله وهو من أبلغ أنواع العبودية فإذا جوز هذا المشرك هذا النوع للبشر فقد جوز العبودية لغير الله وقد صح أنه ( قيل له: الرجل يلقى أخاه أينحني له قال: quot; لا quot;. قيل: أيلتزمه ويقبله قال: quot; لا quot;. قيل أيصافحه قال quot; نعم ) . وأيضا: فالانحناء عند التحية سجود ومنه قوله تعالى: وادخلوا الباب سجدا [البقرة: 58] [البقرة: 58] أي منحنين وإلا فلا يمكن الدخول على الجباه وصح عنه النهي عن القيام وهو جالس كما تعظم الأعاجم بعضها بعضا حتى منع من ذلك في الصلاة وأمرهم إذا صلى جالسا أن يصلوا جلوسا وهم أصحاء لا عذر لهم لئلا يقوموا على رأسه وهو جالس مع أن قيامهم لله فكيف إذا كان القيام تعظيما وعبودية لغيره سبحانه. والمقصود: أن النفوس الجاهلة الضالة أسقطت عبودية الله سبحانه وأشركت فيها من تعظمه من الخلق فسجدت لغير الله وركعت له وقامت بين يديه قيام الصلاة وحلفت بغيره ونذرت لغيره وحلقت لغيره وذبحت لغيره وطافت لغير بيته وعظمته بالحب والخوف والرجاء والطاعة كما يعظم الخالق بل أشد وسوت من تعبده من المخلوقين برب العالمين وهؤلاء هم المضادون لدعوة الرسل وهم الذين بربهم يعدلون وهم الذين يقولون - وهم في النار مع آلهتهم يختصمون - تالله إن كنا لفي ضلال مبين - إذ نسويكم برب العالمين [الشعراء: 97 - 98] )(4\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1659",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10225",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[الشعراء 98] . وهم الذين قال فيهم: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله [البقرة: 165] [البقرة 165]  وهذا كله من الشرك والله لا يغفر أن يشرك به. فهذا فصل معترض في هديه في حلق الرأس ولعله أهم مما قصد الكلام فيه والله الموفق.  [القسم الثاني والثالث هديه صلى الله عليه وسلم في العلاج بالأدوية الروحانية الإلهية المفردة والمركبة منها ومن الأدوية الطبيعية] [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج المصاب بالعين] فصل فصول في هديه - صلى الله عليه وسلم - في العلاج بالأدوية الروحانية الإلهية المفردة والمركبة منها ومن الأدوية الطبيعية فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في علاج المصاب بالعين روى مسلم في quot; صحيحه quot; عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين ) . وفي quot; صحيحه quot; أيضا عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( رخص في الرقية من الحمة والعين والنملة ) وفي quot; الصحيحين quot; من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( العين حق ) . وفي سنن أبي داود quot; عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( كان يؤمر العائن فيتوضأ ثم يغتسل منه المعين ) .(4\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1660",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10226",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; الصحيحين quot; عن عائشة قالت: ( أمرني النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أمر أن نسترقي من العين ) . وذكر الترمذي من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عروة بن عامر عن عبيد بن رفاعة الزرقي ( أن أسماء بنت عميس قالت: يا رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم فقال: quot; نعم فلو كان شيء يسبق القضاء لسبقته العين ) قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وروى مالك - رحمه الله - عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: ( رأى عامر بن ربيعة سهل بن حنيف يغتسل فقال: والله ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة قال: فلبط سهل فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عامرا فتغيظ عليه وقال: quot; علام يقتل أحدكم أخاه ألا بركت اغتسل له quot; فغسل له عامر: وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح ثم صب عليه فراح مع الناس ) . وروى مالك - رحمه الله - أيضا عن محمد بن أبي أمامة بن سهل عن أبيه هذا الحديث وقال فيه: quot; إن العين حق توضأ له quot;فتوضأ له . وذكر عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه مرفوعا: ( العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين وإذا استغسل أحدكم(4\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1661",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10227",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فليغتسل ) ووصله صحيح. قال الزهري: يؤمر الرجل العائن بقدح فيدخل كفه فيه فيتمضمض ثم يمجه في القدح ويغسل وجهه في القدح ثم يدخل يده اليسرى فيصب على ركبته اليمنى في القدح ثم يدخل يده اليمنى فيصب على ركبته اليسرى ثم يغسل داخلة إزاره ولا يوضع القدح في الأرض ثم يصب على رأس الرجل الذي تصيبه العين من خلفه صبة واحدة. والعين عينان عين إنسية وعين جنية فقد صح عن أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة فقال: ( استرقوا لها فإن بها النظرة ) . قال الحسين بن مسعود الفراء: وقوله quot; سفعة quot; أي نظرة يعني: من الجن يقول بها عين أصابتها من نظر الجن أنفذ من أسنة الرماح. ويذكر عن جابر يرفعه ( إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر ) .(4\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1662",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10228",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعن أبي سعيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( كان يتعوذ من الجان ومن عين الإنسان ) . فأبطلت طائفة ممن قل نصيبهم من السمع والعقل أمر العين وقالوا: إنما ذلك أوهام لا حقيقة له وهؤلاء من أجهل الناس بالسمع والعقل ومن أغلظهم حجابا وأكثفهم طباعا وأبعدهم معرفة عن الأرواح والنفوس. وصفاتها وأفعالها وتأثيراتها وعقلاء الأمم على اختلاف مللهم ونحلهم لا تدفع أمر العين ولا تنكره وإن اختلفوا في سبب وجهة تأثير العين. فقالت طائفة: إن العائن إذا تكيفت نفسه بالكيفية الرديئة انبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعين فيتضرر. قالوا: ولا يستنكر هذا كما لا يستنكر انبعاث قوة سمية من الأفعى تتصل بالإنسان فيهلك وهذا أمر قد اشتهر عن نوع من الأفاعي أنها إذا وقع بصرها على الإنسان هلك فكذلك العائن. وقالت فرقة أخرى: لا يستبعد أن ينبعث من عين بعض الناس جواهر لطيفة غير مرئية فتتصل بالمعين وتتخلل مسام جسمه فيحصل له الضرر. وقالت فرقة أخرى: قد أجرى الله العادة بخلق ما يشاء من الضرر عند مقابلة عين العائن لمن يعينه من غير أن يكون منه قوة ولا سبب ولا تأثير أصلا وهذا مذهب منكري الأسباب والقوى والتأثيرات في العالم وهؤلاء قد سدوا على أنفسهم باب العلل والتأثيرات والأسباب وخالفوا العقلاء أجمعين. ولا ريب أن الله سبحانه خلق في الأجسام والأرواح قوى وطبائع مختلفة(4\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1663",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10229",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجعل في كثير منها خواص وكيفيات مؤثرة ولا يمكن لعاقل إنكار تأثير الأرواح في الأجسام فإنه أمر مشاهد محسوس وأنت ترى الوجه كيف يحمر حمرة شديدة إذا نظر إليه من يحتشمه ويستحي منه ويصفر صفرة شديدة عند نظر من يخافه إليه وقد شاهد الناس من يسقم من النظر وتضعف قواه وهذا كله بواسطة تأثير الأرواح ولشدة ارتباطها بالعين ينسب الفعل إليها وليست هي الفاعلة وإنما التأثير للروح والأرواح مختلفة في طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها فروح الحاسد مؤذية للمحسود أذى بينا. ولهذا أمر الله - سبحانه - رسوله أن يستعيذ به من شره وتأثير الحاسد في أذى المحسود أمر لا ينكره إلا من هو خارج عن حقيقة الإنسانية وهو أصل الإصابة بالعين فإن النفس الخبيثة الحاسدة تتكيف بكيفية خبيثة وتقابل المحسود فتؤثر فيه بتلك الخاصية وأشبه الأشياء بهذا الأفعى فإن السم كامن فيها بالقوة فإذا قابلت عدوها انبعثت منها قوة غضبية وتكيفت بكيفية خبيثة مؤذية. فمنها: ما تشتد كيفيتها وتقوى حتى تؤثر في إسقاط الجنين. ومنها: ما تؤثر في طمس البصر كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأبتر وذي الطفيتين من الحيات: ( إنهما يلتمسان البصر ويسقطان الحبل ) . ومنها: ما تؤثر في الإنسان كيفيتها بمجرد الرؤية من غير اتصال به لشدة خبث تلك النفس وكيفيتها الخبيثة المؤثرة والتأثير غير موقوف على الاتصالات الجسمية كما يظنه من قل علمه ومعرفته بالطبيعة والشريعة بل التأثير يكون تارة بالاتصال وتارة بالمقابلة وتارة بالرؤية وتارة بتوجه الروح نحو من يؤثر فيه وتارة بالأدعية والرقى والتعوذات وتارة بالوهم والتخيل ونفس العائن لا يتوقف(4\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1664",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10230",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تأثيرها على الرؤية بل قد يكون أعمى فيوصف له الشيء فتؤثر نفسه فيه وإن لم يره وكثير من العائنين يؤثر في المعين بالوصف من غير رؤية وقد قال تعالى لنبيه وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر [القلم: 51] [القلم:51] . وقال: قل أعوذ برب الفلق - من شر ما خلق - ومن شر غاسق إذا وقب - ومن شر النفاثات في العقد - ومن شر حاسد إذا حسد [الفلق: 1 - 5]  فكل عائن حاسد وليس كل حاسد عائنا فلما كان الحاسد أعم من العائن كانت الاستعاذة منه استعاذة من العائن وهي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمعين تصيبه تارة وتخطئه تارة فإن صادفته مكشوفا لا وقاية عليه أثرت فيه ولا بد وإن صادفته حذرا شاكي السلاح لا منفذ فيه للسهام لم تؤثر فيه وربما ردت السهام على صاحبها وهذا بمثابة الرمي الحسي سواء فهذا من النفوس والأرواح وذاك من الأجسام والأشباح. وأصله من إعجاب العائن بالشيء ثم تتبعه كيفية نفسه الخبيثة ثم تستعين على تنفيذ سمها بنظرة إلى المعين وقد يعين الرجل نفسه وقد يعين بغير إرادته بل بطبعه وهذا أردأ ما يكون من النوع الإنساني وقد قال أصحابنا وغيرهم من الفقهاء: إن من عرف بذلك حبسه الإمام وأجرى له ما ينفق عليه إلى الموت وهذا هو الصواب قطعا.  [فصل علاج المعيون بالتعوذات والرقى] فصل والمقصود: العلاج النبوي لهذه العلة وهو أنواع وقد روى أبو داود في quot; سننه quot; عن سهل بن حنيف قال: ( مررنا بسيل فدخلت فاغتسلت فيه فخرجت محموما فنمي ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: quot; مروا أبا ثابت يتعوذ quot; قال: فقلت: يا سيدي! والرقى صالحة فقال: لا رقية إلا في نفس أو حمة أو لدغة ) .(4\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1665",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10231",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنفس: العين يقال: أصابت فلانا نفس أي: عين. والنافس: العائن. واللدغة - بدال مهملة وغين معجمة - وهي ضربة العقرب ونحوها. فمن التعوذات والرقى الإكثار من قراءة المعوذتين وفاتحة الكتاب وآية الكرسي ومنها التعوذات النبوية. نحو: ( أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ) . ونحو: ( أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ) . ونحو: ( أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر طوارق الليل إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن ) . ومنها: ( أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون ) . ومنها: ( اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم وكلماتك التامات من شر ما أنت آخذ بناصيته اللهم أنت تكشف المأثم والمغرم اللهم إنه لا يهزم جندك ولا يخلف وعدك سبحانك وبحمدك ) . ومنها: ( أعوذ بوجه الله العظيم الذي لا شيء أعظم منه وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر وأسماء الله الحسنى ما علمت منها وما لم أعلم من شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر كل ذي شر لا أطيق شره ومن شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته إن ربي على صراط مستقيم ) . ومنها: ( اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن لا حول ولا قوة إلا بالله أعلم أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء(4\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1666",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10232",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عددا اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ) . وإن شاء قال: ( تحصنت بالله الذي لا إله إلا هو إلهي وإله كل شيء واعتصمت بربي ورب كل شيء وتوكلت على الحي الذي لا يموت واستدفعت الشر بلا حول ولا قوة إلا بالله حسبي الله ونعم الوكيل حسبي الرب من العباد حسبي الخالق من المخلوق حسبي الرازق من المرزوق حسبي الذي هو حسبي حسبي الذي بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه حسبي الله وكفى سمع الله لمن دعا ليس وراء الله مرمى حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ) . ومن جرب هذه الدعوات والعوذ عرف مقدار منفعتها وشدة الحاجة إليها وهي تمنع وصول أثر العائن وتدفعه بعد وصوله بحسب قوة إيمان قائلها وقوة نفسه واستعداده وقوة توكله وثبات قلبه فإنها سلاح والسلاح بضاربه.  [فصل ما يقوله العائن خشية من ضرر عينه] فصل وإذا كان العائن يخشى ضرر عينه وإصابتها للمعين فليدفع شرها بقوله اللهم بارك عليه كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعامر بن ربيعة لما عان سهل بن حنيف: quot; ألا بركت quot; أي: قلت اللهم بارك عليه. ومما يدفع به إصابة العين قول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله روى هشام بن عروة عن أبيه أنه كان إذا رأى شيئا يعجبه أو دخل حائطا من حيطانه قال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. ومنها: رقية جبريل عليه السلام للنبي - صلى الله عليه وسلم - التي رواها مسلم في(4\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1667",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10233",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot; صحيحه quot; ( باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك ) . ورأى جماعة من السلف أن تكتب له الآيات من القرآن ثم يشربها. قال مجاهد: لا بأس أن يكتب القرآن ويغسله ويسقيه المريض ومثله عن أبي قلابة. ويذكر عن ابن عباس: ( أنه أمر أن يكتب لامرأة تعسر عليها ولادها أثر من القرآن ثم يغسل وتسقى ) وقال أيوب: ( رأيت أبا قلابة كتب كتابا من القرآن ثم غسله بماء وسقاه رجلا كان به وجع ) .  [فصل استغسال العائن للمعين والرد على من أنكره من الأطباء] فصل ومنها: أن يؤمر العائن بغسل مغابنه وأطرافه وداخلة إزاره وفيه قولان. أحدهما: أنه فرجه. والثاني: أنه طرف إزاره الداخل الذي يلي جسده من الجانب الأيمن ثم يصب على رأس المعين من خلفه بغتة وهذا مما لا يناله علاج الأطباء ولا ينتفع به من أنكره أو سخر منه أو شك فيه أو فعله مجربا لا يعتقد أن ذلك ينفعه. وإذا كان في الطبيعة خواص لا تعرف الأطباء عللها البتة بل هي عندهم خارجة عن قياس الطبيعة تفعل بالخاصية فما الذي ينكره زنادقتهم وجهلتهم من الخواص الشرعية هذا مع أن في المعالجة بهذا الاستغسال ما تشهد له العقول الصحيحة وتقر لمناسبته فاعلم أن ترياق سم الحية في لحمها وأن علاج تأثير النفس الغضبية في تسكين غضبها وإطفاء ناره بوضع يدك عليه والمسح عليه وتسكين غضبه وذلك بمنزلة رجل معه شعلة من نار وقد أراد أن يقذفك بها فصببت عليها الماء وهي في يده حتى طفئت ولذلك أمر العائن أن يقول:(4\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1668",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10234",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( اللهم بارك عليه )  ليدفع تلك الكيفية الخبيثة بالدعاء الذي هو إحسان إلى المعين فإن دواء الشيء بضده. ولما كانت هذه الكيفية الخبيثة تظهر في المواضع الرقيقة من الجسد لأنها تطلب النفوذ فلا تجد أرق من المغابن وداخلة الإزار ولا سيما إن كان كناية عن الفرج فإذا غسلت بالماء بطل تأثيرها وعملها وأيضا فهذه المواضع للأرواح الشيطانية بها اختصاص. والمقصود: أن غسلها بالماء يطفئ تلك النارية ويذهب بتلك السمية. وفيه أمر آخر وهو وصول أثر الغسل إلى القلب من أرق المواضع وأسرعها تنفيذا فيطفئ تلك النارية والسمية بالماء فيشفى المعين وهذا كما أن ذوات السموم إذا قتلت بعد لسعها خف أثر اللسعة عن الملسوع ووجد راحة فإن أنفسها تمد أذاها بعد لسعها وتوصله إلى الملسوع. فإذا قتلت خف الألم وهذا مشاهد. وإن كان من أسبابه فرح الملسوع واشتفاء نفسه بقتل عدوه فتقوى الطبيعة على الألم فتدفعه. وبالجملة غسل العائن يذهب تلك الكيفية التي ظهرت منه وإنما ينفع غسله عند تكيف نفسه بتلك الكيفية. فإن قيل: فقد ظهرت مناسبة الغسل فما مناسبة صب ذلك الماء على المعين قيل هو في غاية المناسبة فإن ذلك الماء ماء طفئ به تلك النارية وأبطل تلك الكيفية الرديئة من الفاعل فكما طفئت به النارية القائمة بالفاعل طفئت به وأبطلت عن المحل المتأثر بعد ملابسته للمؤثر العائن والماء الذي يطفأ به الحديد يدخل في أدوية عدة طبيعية ذكرها الأطباء فهذا الذي طفئ به نارية العائن لا يستنكر أن يدخل في دواء يناسب هذا الداء. وبالجملة: فطب الطبائعية وعلاجهم بالنسبة إلى العلاج النبوي كطب الطرقية بالنسبة إلى طبهم بل أقل فإن التفاوت الذي بينهم وبين الأنبياء أعظم وأعظم من التفاوت الذي بينهم وبين الطرقية بما لا يدرك الإنسان مقداره فقد ظهر لك عقد الإخاء الذي(4\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1669",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10235",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بين الحكمة والشرع وعدم مناقضة أحدهما للآخر والله يهدي من يشاء إلى الصواب ويفتح لمن أدام قرع باب التوفيق منه كل باب وله النعمة السابغة والحجة البالغة.  [فصل للاحتراز من الإصابة بالعين ستر محاسن من يخاف عليه العين] فصل ومن علاج ذلك أيضا والاحتراز منه ستر محاسن من يخاف عليه العين بما يردها عنه كما ذكر البغوي في كتاب quot; شرح السنة quot;: أن عثمان رضي الله عنه رأى صبيا مليحا فقال: ( دسموا نونته لئلا تصيبه العين ) ثم قال في تفسيره ومعنى: دسموا نونته أي: سودوا نونته والنونة: النقرة التي تكون في ذقن الصبي الصغير. وقال الخطابي في quot; غريب الحديث quot; له عن عثمان: إنه رأى صبيا تأخذه العين فقال: ( دسموا نونته ) فقال أبو عمرو: سألت أحمد بن يحيى عنه فقال: أراد بالنونة النقرة التي في ذقنه. والتدسيم: التسويد. أراد: سودوا ذلك الموضع من ذقنه ليرد العين. قال: ومن هذا حديث عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( خطب ذات يوم وعلى رأسه عمامة دسماء ) أي: سوداء. أراد الاستشهاد على اللفظة ومن هذا أخذ الشاعر قوله:(4\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1670",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10236",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما كان أحوج ذا الكمال إلى ... عيب يوقيه من العين  [فصل ذكر رقية ترد العين] فصل ومن الرقى التي ترد العين ما ذكر عن أبي عبد الله الساجي أنه كان في بعض أسفاره للحج أو الغزو على ناقة فارهة وكان في الرفقة رجل عائن قلما نظر إلى شيء إلا أتلفه فقيل لأبي عبد الله: احفظ ناقتك من العائن فقال: ليس له إلى ناقتي سبيل فأخبر العائن بقوله فتحين غيبة أبي عبد الله فجاء إلى رحله فنظر إلى الناقة فاضطربت وسقطت فجاء أبو عبد الله فأخبر أن العائن قد عانها وهي كما ترى فقال: دلوني عليه فدل فوقف عليه وقال: بسم الله حبس حابس وحجر يابس وشهاب قابس رددت عين العائن عليه وعلى أحب الناس إليه: فارجع البصر هل ترى من فطور - ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير [الملك: 3 - 4] [الملك: 3 4] فخرجت حدقتا العائن وقامت الناقة لا بأس بها.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في العلاج العام لكل شكوى بالرقية الإلهية] فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في العلاج العام لكل شكوى بالرقية الإلهية روى أبو داود في quot; سننه quot;: من حديث أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( من اشتكى منكم شيئا أو اشتكاه أخ له فليقل ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض واغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ بإذن الله ) .(4\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1671",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10237",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; صحيح مسلم quot; عن أبي سعيد الخدري: أن جبريل - عليه السلام - أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد اشتكيت فقال: quot; نعم quot; فقال: جبريل - عليه السلام -: ( باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك ) . فإن قيل: فما تقولون في الحديث الذي رواه أبو داود: ( لا رقية إلا من عين أو حمة ) والحمة: ذوات السموم كلها. فالجواب: أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يرد به نفي جواز الرقية في غيرها بل المراد به لا رقية أولى وأنفع منها في العين والحمة ويدل عليه سياق الحديث فإن سهل بن حنيف قال له لما أصابته العين: أوفي الرقى خير فقال: ( لا رقية إلا في نفس أو حمة ) ويدل عليه سائر أحاديث الرقى العامة والخاصة وقد روى أبو داود من حديث أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( لا رقية إلا من عين أو حمة أو دم يرقأ ) . وفي quot; صحيح مسلم quot; عنه أيضا: ( رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرقية من العين والحمة والنملة ) .(4\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1672",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10238",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل هديه صلى الله عليه وسلم في رقية اللديغ بالفاتحة] فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في رقية اللديغ بالفاتحة أخرجا في quot; الصحيحين quot; من حديث أبي سعيد الخدري قال: ( انطلق نفر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعلهم أن يكون عند بعضهم شيء فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه فهل عند أحد منكم من شيء فقال بعضهم: نعم والله إني لأرقي ولكن استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براق حتى تجعلوا لنا جعلا فصالحوهم على قطيع من الغنم فانطلق يتفل عليه ويقرأ: الحمد لله رب العالمين فكأنما أنشط من عقال فانطلق يمشي وما به قلبة قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه فقال بعضهم: اقتسموا فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنذكر له الذي كان فننظر ما يأمرنا فقدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكروا له ذلك فقال: quot; وما يدريك أنها رقية quot; ثم قال: قد أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم سهما ) . وقد روى ابن ماجه في quot; سننه quot; من حديث علي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( خير الدواء القرآن ) . ومن المعلوم أن بعض الكلام له خواص ومنافع مجربة فما الظن بكلام رب العالمين الذي فضله على كل كلام كفضل الله على خلقه الذي هو الشفاء(4\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1673",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10239",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التام والعصمة النافعة والنور الهادي والرحمة العامة الذي لو أنزل على جبل لتصدع من عظمته وجلالته. قال تعالى: وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين [الإسراء: 82] [الإسراء: 82]  وquot; من quot; هاهنا لبيان الجنس لا للتبعيض هذا أصح القولين كقوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما [الفتح: 29] [الفتح: 29] وكلهم من الذين آمنوا وعملوا الصالحات فما الظن بفاتحة الكتاب التي لم ينزل في القرآن ولا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور مثلها المتضمنة لجميع معاني كتب الله المشتملة على ذكر أصول أسماء الرب - تعالى - ومجامعها وهي الله والرب والرحمن وإثبات المعاد وذكر التوحيدين: توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية وذكر الافتقار إلى الرب سبحانه في طلب الإعانة وطلب الهداية وتخصيصه سبحانه بذلك وذكر أفضل الدعاء على الإطلاق وأنفعه وأفرضه وما العباد أحوج شيء إليه وهو الهداية إلى صراطه المستقيم المتضمن كمال معرفته وتوحيده وعبادته بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه والاستقامة عليه إلى الممات ويتضمن ذكر أصناف الخلائق وانقسامهم إلى منعم عليه بمعرفة الحق والعمل به ومحبته وإيثاره ومغضوب عليه بعدوله عن الحق بعد معرفته له وضال بعدم معرفته له. وهؤلاء أقسام الخليقة مع تضمنها لإثبات القدر والشرع والأسماء والصفات والمعاد والنبوات وتزكية النفوس وإصلاح القلوب وذكر عدل الله وإحسانه والرد على جميع أهل البدع والباطل كما ذكرنا ذلك في كتابنا الكبير quot; مدارج السالكين quot; في شرحها. وحقيق بسورة هذا بعض شأنها أن يستشفى بها من الأدواء ويرقى بها اللديغ. وبالجملة فما تضمنته الفاتحة من إخلاص العبودية والثناء على الله وتفويض الأمر كله إليه والاستعانة به والتوكل عليه وسؤاله مجامع النعم كلها وهي الهداية التي تجلب النعم وتدفع النقم من أعظم الأدوية الشافية الكافية.(4\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1674",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10240",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد قيل: إن موضع الرقية منها: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5]  ولا ريب أن هاتين الكلمتين من أقوى أجزاء هذا الدواء فإن فيهما من عموم التفويض والتوكل والالتجاء والاستعانة والافتقار والطلب والجمع بين أعلى الغايات وهي عبادة الرب وحده وأشرف الوسائل وهي الاستعانة به على عبادته ما ليس في غيرها ولقد مر بي وقت بمكة سقمت فيه وفقدت الطبيب والدواء فكنت أتعالج بها آخذ شربة من ماء زمزم وأقرؤها عليها مرارا ثم أشربه فوجدت بذلك البرء التام ثم صرت أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع فأنتفع بها غاية الانتفاع.  [فصل نفس الراقي تفعل في نفس المرقي فتدفع عنه المرض بإذن الله] فصل وفي تأثير الرقى بالفاتحة وغيرها في علاج ذوات السموم سر بديع فإن ذوات السموم أثرت بكيفيات نفوسها الخبيثة كما تقدم وسلاحها حماتها التي تلدغ بها وهي لا تلدغ حتى تغضب فإذا غضبت ثار فيها السم فتقذفه بآلتها وقد جعل الله سبحانه لكل داء دواء ولكل شيء ضدا ونفس الراقي تفعل في نفس المرقي فيقع بين نفسيهما فعل وانفعال كما يقع بين الداء والدواء فتقوى نفس الراقي وقوته بالرقية على ذلك الداء فيدفعه بإذن الله ومدار تأثير الأدوية والأدواء على الفعل والانفعال وهو كما يقع بين الداء والدواء الطبيعيين يقع بين الداء والدواء الروحانيين والروحاني والطبيعي وفي النفث والتفل استعانة بتلك الرطوبة والهواء والنفس المباشر للرقية والذكر والدعاء فإن الرقية تخرج من قلب الراقي وفمه فإذا صاحبها شيء من أجزاء باطنه من الريق والهواء والنفس كانت أتم تأثيرا وأقوى فعلا ونفوذا ويحصل بالازدواج بينهما كيفية مؤثرة شبيهة بالكيفية الحادثة عند تركيب الأدوية. وبالجملة: فنفس الراقي تقابل تلك النفوس الخبيثة وتزيد بكيفية نفسه(4\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1675",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10241",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتستعين بالرقية وبالنفث على إزالة ذلك الأثر وكلما كانت كيفية نفس الراقي أقوى كانت الرقية أتم واستعانته بنفثه كاستعانة تلك النفوس الرديئة بلسعها. وفي النفث سر آخر فإنه مما تستعين به الأرواح الطيبة والخبيثة ولهذا تفعله السحرة كما يفعله أهل الإيمان. قال تعالى: ومن شر النفاثات في العقد [الفلق: 4] وذلك لأن النفس تتكيف بكيفية الغضب والمحاربة وترسل أنفاسها سهاما لها وتمدها بالنفث والتفل الذي معه شيء من الريق مصاحب لكيفية مؤثرة والسواحر تستعين بالنفث استعانة بينة وإن لم تتصل بجسم المسحور بل تنفث على العقدة وتعقدها وتتكلم بالسحر فيعمل ذلك في المسحور بتوسط الأرواح السفلية الخبيثة فتقابلها الروح الزكية الطيبة بكيفية الدفع والتكلم بالرقية وتستعين بالنفث فأيهما قوي كان الحكم له ومقابلة الأرواح بعضها لبعض ومحاربتها وآلتها من جنس مقابلة الأجسام ومحاربتها وآلتها سواء بل الأصل في المحاربة والتقابل للأرواح والأجسام آلتها وجندها ولكن من غلب عليه الحس لا يشعر بتأثيرات الأرواح وأفعالها وانفعالاتها لاستيلاء سلطان الحس عليه وبعده من عالم الأرواح وأحكامها وأفعالها. والمقصود: أن الروح إذا كانت قوية وتكيفت بمعاني الفاتحة واستعانت بالنفث والتفل قابلت ذلك الأثر الذي حصل من النفوس الخبيثة فأزالته والله أعلم.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج لدغة العقرب بالرقية] فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في علاج لدغة العقرب بالرقية روى ابن أبي شيبة في quot; مسنده quot; من حديث عبد الله بن مسعود قال: ( بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي إذ سجد فلدغته عقرب في أصبعه فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: quot; لعن الله العقرب ما تدع نبيا ولا غيره quot; قال: ثم دعا بإناء فيه ماء وملح(4\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1676",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10242",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فجعل يضع موضع اللدغة في الماء والملح ويقرأ: قل هو الله أحد [الإخلاص: 1] والمعوذتين حتى سكنت ) . ففي هذا الحديث العلاج بالدواء المركب من الأمرين: الطبيعي والإلهي فإن في سورة الإخلاص من كمال التوحيد العلمي الاعتقادي وإثبات الأحدية لله المستلزمة نفي كل شركة عنه وإثبات الصمدية المستلزمة لإثبات كل كمال له مع كون الخلائق تصمد إليه في حوائجها أي: تقصده الخليقة وتتوجه إليه علويها وسفليها ونفي الوالد والولد والكفء عنه المتضمن لنفي الأصل والفرع والنظير والمماثل مما اختصت به وصارت تعدل ثلث القرآن ففي اسمه الصمد إثبات كل الكمال وفي نفي الكفء التنزيه عن الشبيه والمثال. وفي الأحد نفي كل شريك لذي الجلال وهذه الأصول الثلاثة هي مجامع التوحيد. وفي المعوذتين الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلا فإن الاستعاذة من شر ما خلق تعم كل شر يستعاذ منه سواء كان في الأجسام أو الأرواح. والاستعاذة من شر الغاسق وهو الليل وآيته وهو القمر إذا غاب تتضمن الاستعاذة من شر ما ينتشر فيه من الأرواح الخبيثة التي كان نور النهار يحول بينها وبين الانتشار فلما أظلم الليل عليها وغاب القمر انتشرت وعاثت. والاستعاذة من شر النفاثات في العقد تتضمن الاستعاذة من شر السواحر وسحرهن. والاستعاذة من شر الحاسد تتضمن الاستعاذة من النفوس الخبيثة المؤذية بحسدها ونظرها. والسورة الثانية تتضمن الاستعاذة من شر شياطين الإنس والجن فقد(4\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1677",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10243",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جمعت السورتان الاستعاذة من كل شر ولهما شأن عظيم في الاحتراس والتحصن من الشرور قبل وقوعها ولهذا أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - عقبة بن عامر بقراءتهما عقب كل صلاة ذكره الترمذي في quot; جامعه quot; وفي هذا سر عظيم في استدفاع الشرور من الصلاة إلى الصلاة. وقال: ما تعوذ المتعوذون بمثلهما. وقد ذكر أنه - صلى الله عليه وسلم - سحر في إحدى عشرة عقدة وأن جبريل نزل عليه بهما فجعل كلما قرأ آية منهما انحلت عقدة حتى انحلت العقد كلها وكأنما أنشط من عقال. وأما العلاج الطبيعي فيه فإن في الملح نفعا لكثير من السموم ولا سيما لدغة العقرب قال صاحب quot; القانون quot;: يضمد به مع بزر الكتان للسع العقرب وذكره غيره أيضا. وفي الملح من القوة الجاذبة المحللة ما يجذب السموم ويحللها ولما كان في لسعها قوة نارية تحتاج إلى تبريد وجذب وإخراج جمع بين الماء المبرد لنار اللسعة والملح الذي فيه جذب وإخراج وهذا أتم ما يكون من العلاج وأيسره وأسهله وفيه تنبيه على أن علاج هذا الداء بالتبريد والجذب والإخراج والله أعلم. وقد روى مسلم في quot; صحيحه quot; عن أبي هريرة قال: ( جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة فقال: quot; أما لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك ) . واعلم أن الأدوية الطبيعية الإلهية تنفع من الداء بعد حصوله وتمنع من وقوعه وإن وقع لم يقع وقوعا مضرا وإن كان مؤذيا والأدوية الطبيعية إنما تنفع بعد حصول الداء فالتعوذات والأذكار إما أن تمنع وقوع هذه الأسباب وإما أن تحول بينها وبين كمال تأثيرها بحسب كمال التعوذ وقوته وضعفه فالرقى(4\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1678",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10244",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعوذ تستعمل لحفظ الصحة ولإزالة المرض أما الأول فكما في quot; الصحيحين quot; من حديث عائشة: ( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه قل هو الله أحد [الإخلاص: 1] والمعوذتين. ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يده من جسده ) . وكما في حديث عوذة أبي الدرداء المرفوع: ( اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم )  وقد تقدم وفيه: من قالها أول نهاره لم تصبه مصيبة حتى يمسي ومن قالها آخر نهاره لم تصبه مصيبة حتى يصبح. وكما في quot; الصحيحين quot;: ( من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه ) . وكما في quot; صحيح مسلم quot; عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك ) . وكما في quot; سنن أبي داود quot;: ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في السفر يقول بالليل: quot; يا أرض ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما يدب عليك أعوذ بالله من أسد وأسود ومن الحية والعقرب ومن ساكن البلد ومن والد وما ولد ) .(4\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1679",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10245",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الثاني: فكما تقدم من الرقية بالفاتحة والرقية للعقرب وغيرها مما يأتي.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في رقية النملة] فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في رقية النملة قد تقدم من حديث أنس الذي في quot; صحيح مسلم quot;: ( أنه - صلى الله عليه وسلم - رخص في الرقية من الحمة والعين والنملة ) . وفي quot; سنن أبي داود quot; ( عن الشفاء بنت عبد الله دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا عند حفصة فقال: quot; ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة ) . النملة: قروح تخرج في الجنبين وهو داء معروف وسمي نملة لأن صاحبه يحس في مكانه كأن نملة تدب عليه وتعضه وأصنافها ثلاثة قال ابن قتيبة وغيره: كان المجوس يزعمون أن ولد الرجل من أخته إذا خط على النملة شفى صاحبها ومنه قول الشاعر: ولا عيب فينا غير عرف لمعشر ... كرام وأنا لا نخط على النمل وروى الخلال: أن الشفاء بنت عبد الله كانت ترقي في الجاهلية من النملة فلما هاجرت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانت قد بايعته بمكة قالت: يا رسول الله! إني كنت أرقي في الجاهلية من النملة وإني أريد أن أعرضها عليك فعرضت عليه فقالت: بسم الله ضلت حتى تعود من أفواهها ولا تضر أحدا اللهم اكشف البأس رب الناس قال: ترقي بها على عود سبع مرات وتقصد مكانا نظيفا(4\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1680",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10246",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتدلكه على حجر بخل خمر حاذق وتطليه على النملة. وفي الحديث: دليل على جواز تعليم النساء الكتابة.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في رقية الحية] فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في رقية الحية قد تقدم قوله: ( لا رقية إلا في عين أو حمة )  الحمة: بضم الحاء وفتح الميم وتخفيفها. وفي quot; سنن ابن ماجه quot; من حديث عائشة: رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرقية من الحية والعقرب. ويذكر عن ابن شهاب الزهري قال: ( لدغ بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حية فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: quot; هل من راق quot; فقالوا: يا رسول الله! إن آل حزم كانوا يرقون رقية الحية فلما نهيت عن الرقى تركوها فقال: quot; ادعوا عمارة بن حزم quot; فدعوه فعرض عليه رقاه فقال: quot; لا بأس بها quot; فأذن له فيها فرقاه ) .  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في رقية القرحة والجرح] فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في رقية القرحة والجرح أخرجا في quot; الصحيحين quot; عن عائشة قالت: ( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اشتكى(4\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1681",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10247",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإنسان أو كانت به قرحة أو جرح قال بأصبعه: هكذا ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها وقال: quot; بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا ) . هذا من العلاج الميسر النافع المركب وهي معالجة لطيفة يعالج بها القروح والجراحات الطرية لا سيما عند عدم غيرها من الأدوية إذ كانت موجودة بكل أرض وقد علم أن طبيعة التراب الخالص باردة يابسة مجففة لرطوبات القروح والجراحات التي تمنع الطبيعة من جودة فعلها وسرعة اندمالها لا سيما في البلاد الحارة وأصحاب الأمزجة الحارة فإن القروح والجراحات يتبعها في أكثر الأمر سوء مزاج حار فيجتمع حرارة البلد والمزاج والجراح وطبيعة التراب الخالص باردة يابسة أشد من برودة جميع الأدوية المفردة الباردة فتقابل برودة التراب حرارة المرض لا سيما إن كان التراب قد غسل وجفف ويتبعها أيضا كثرة الرطوبات الرديئة والسيلان والتراب مجفف لها مزيل لشدة يبسه وتجفيفه للرطوبة الرديئة المانعة من برئها ويحصل به - مع ذلك - تعديل مزاج العضو العليل ومتى اعتدل مزاج العضو قويت قواه المدبرة ودفعت عنه الألم بإذن الله. ومعنى الحديث: أنه يأخذ من ريق نفسه على أصبعه السبابة ثم يضعها على التراب فيعلق بها منه شيء فيمسح به على الجرح ويقول هذا الكلام لما فيه من بركة ذكر اسم الله وتفويض الأمر إليه والتوكل عليه فينضم أحد العلاجين إلى الآخر فيقوى التأثير. وهل المراد بقوله: quot; تربة أرضنا quot; جميع الأرض أو أرض المدينة خاصة فيه قولان ولا ريب أن من التربة ما تكون فيه خاصية ينفع بخاصيته من أدواء كثيرة(4\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1682",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10248",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويشفي به أسقاما رديئة. قال جالينوس: رأيت بالإسكندرية مطحولين ومستسقين كثيرا يستعملون طين مصر ويطلون به على سوقهم وأفخاذهم وسواعدهم وظهورهم وأضلاعهم فينتفعون به منفعة بينة. قال: وعلى هذا النحو فقد ينفع هذا الطلاء للأورام العفنة والمترهلة الرخوة قال: وإني لأعرف قوما ترهلت أبدانهم كلها من كثرة استفراغ الدم من أسفل انتفعوا بهذا الطين نفعا بينا وقوما آخرين شفوا به أوجاعا مزمنة كانت متمكنة في بعض الأعضاء تمكنا شديدا فبرأت وذهبت أصلا. وقال صاحب الكتاب المسيحي: قوة الطين المجلوب من كنوس - وهي جزيرة المصطكى - قوة تجلو وتغسل وتنبت اللحم في القروح وتختم القروح. انتهى. وإذا كان هذا في هذه التربات فما الظن بأطيب تربة على وجه الأرض وأبركها وقد خالطت ريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقارنت رقيته باسم ربه وتفويض الأمر إليه وقد تقدم أن قوى الرقية وتأثيرها بحسب الراقي وانفعال المرقي عن رقيته وهذا أمر لا ينكره طبيب فاضل عاقل مسلم فإن انتفى أحد الأوصاف فليقل ما شاء.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الوجع بالرقية] فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في علاج الوجع بالرقية روى مسلم في quot; صحيحه quot;: ( عن عثمان بن أبي العاص أنه شكى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعا يجده في جسده منذ أسلم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: quot; ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل بسم الله ثلاثا وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر )  ففي هذا العلاج من ذكر الله والتفويض إليه والاستعاذة بعزته وقدرته من شر الألم ما يذهب به وتكراره ليكون أنجع وأبلغ كتكرار الدواء لأخراج المادة وفي السبع خاصية لا توجد في غيرها وفي(4\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1683",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10249",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot; الصحيحين quot;: ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعوذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: quot; اللهم رب الناس أذهب الباس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما )  ففي هذه الرقية توسل إلى الله بكمال ربوبيته وكمال رحمته بالشفاء وأنه وحده الشافي وأنه لا شفاء إلا شفاؤه فتضمنت التوسل إليه بتوحيده وإحسانه وربوبيته.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج حر المصيبة وحزنها] فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في علاج حر المصيبة وحزنها قال تعالى: وبشر الصابرين - الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون - أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون [البقرة: 155 - 157] [البقرة: 155] . وفي quot; المسند quot; عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( ما من أحد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا أجاره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها ) . وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في عاجلته وآجلته فإنها تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلى عن مصيبته. أحدهما: أن العبد وأهله وماله ملك لله عز وجل حقيقة وقد جعله عند العبد عارية فإذا أخذه منه فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير وأيضا فإنه محفوف بعدمين: عدم قبله وعدم بعده وملك العبد له متعة معارة في زمن يسير وأيضا فإنه ليس الذي أوجده عن عدمه حتى يكون ملكه حقيقة ولا هو(4\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1684",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10250",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي يحفظه من الآفات بعد وجوده ولا يبقي عليه وجوده فليس له فيه تأثير ولا ملك حقيقي وأيضا فإنه متصرف فيه بالأمر تصرف العبد المأمور المنهي لا تصرف الملاك ولهذا لا يباح له من التصرفات فيه إلا ما وافق أمر مالكه الحقيقي. والثاني: أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق ولا بد أن يخلف الدنيا وراء ظهره ويجيء ربه فردا كما خلقه أول مرة: بلا أهل ولا مال ولا عشيرة ولكن بالحسنات والسيئات فإذا كانت هذه بداية العبد وما خوله ونهايته فكيف يفرح بموجود أو يأسى على مفقود ففكره في مبدئه ومعاده من أعظم علاج هذا الداء ومن علاجه أن يعلم علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه. قال تعالى: ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير - لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور [الحديد: 22 - 23] [الحديد: 22] . ومن علاجه أن ينظر إلى ما أصيب به فيجد ربه قد أبقى عليه مثله أو أفضل منه وادخر له - إن صبر ورضي - ما هو أعظم من فوات تلك المصيبة بأضعاف مضاعفة وأنه لو شاء لجعلها أعظم مما هي. ومن علاجه أن يطفئ نار مصيبته ببرد التأسي بأهل المصائب وليعلم أنه في كل واد بنو سعد ولينظر يمنة فهل يرى إلا محنة ثم ليعطف يسرة فهل يرى إلا حسرة وأنه لو فتش العالم لم ير فيهم إلا مبتلى إما بفوات محبوب أو حصول مكروه وأن شرور الدنيا أحلام نوم أو كظل زائل إن أضحكت قليلا أبكت كثيرا وإن سرت يوما ساءت دهرا وإن متعت قليلا(4\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1685",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10251",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منعت طويلا وما ملأت دارا خيرة إلا ملأتها عبرة ولا سرته بيوم سرور إلا خبأت له يوم شرور قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: quot; لكل فرحة ترحة وما ملئ بيت فرحا إلا ملئ ترحا quot; وقال ابن سيرين: quot; ما كان ضحك قط إلا كان من بعده بكاء quot;. وقالت هند بنت النعمان: لقد رأيتنا ونحن من أعز الناس وأشدهم ملكا ثم لم تغب الشمس حتى رأيتنا ونحن أقل الناس وأنه حق على الله ألا يملأ دارا خيرة إلا ملأها عبرة. وسألها رجل أن تحدثه عن أمرها فقالت: quot; أصبحنا ذا صباح وما في العرب أحد إلا يرجونا ثم أمسينا وما في العرب أحد إلا يرحمنا quot;. وبكت أختها حرقة بنت النعمان يوما وهي في عزها فقيل لها: ما يبكيك لعل أحدا آذاك قالت: لا ولكن رأيت غضارة في أهلي وقلما امتلأت دار سرورا إلا امتلأت حزنا. قال إسحاق بن طلحة: دخلت عليها يوما فقلت لها: كيف رأيت عبرات الملوك فقالت: ما نحن فيه اليوم خير مما كنا فيه الأمس إنا نجد في الكتب أنه ليس من أهل بيت يعيشون في خيرة إلا سيعقبون بعدها عبرة وأن الدهر لم يظهر لقوم بيوم يحبونه إلا بطن لهم بيوم يكرهونه ثم قالت: فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصف فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تارات بنا وتصرف(4\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1686",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10252",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن علاجها أن يعلم أن الجزع لا يردها بل يضاعفها وهو في الحقيقة من تزايد المرض. ومن علاجها أن يعلم أن فوت ثواب الصبر والتسليم وهو الصلاة والرحمة والهداية التي ضمنها الله على الصبر والاسترجاع أعظم من المصيبة في الحقيقة. ومن علاجها أن يعلم أن الجزع يشمت عدوه ويسوء صديقه ويغضب ربه ويسر شيطانه ويحبط أجره ويضعف نفسه وإذا صبر واحتسب أنضى شيطانه ورده خاسئا وأرضى ربه وسر صديقه وساء عدوه وحمل عن إخوانه وعزاهم هو قبل أن يعزوه فهذا هو الثبات والكمال الأعظم لا لطم الخدود وشق الجيوب والدعاء بالويل والثبور والسخط على المقدور. ومن علاجها: أن يعلم أن ما يعقبه الصبر والاحتساب من اللذة والمسرة أضعاف ما كان يحصل له ببقاء ما أصيب به لو بقي عليه ويكفيه من ذلك بيت الحمد الذي يبنى له في الجنة على حمده لربه واسترجاعه فلينظر: أي المصيبتين أعظم : مصيبة العاجلة أو مصيبة فوات بيت الحمد في جنة الخلد. وفي الترمذي مرفوعا: ( يود ناس يوم القيامة أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض في الدنيا لما يرون من ثواب أهل البلاء ) . وقال: بعض السلف لولا مصائب الدنيا لوردنا القيام مفاليس. ومن علاجها: أن يروح قلبه بروح رجاء الخلف من الله فإنه من كل شيء عوض إلا الله فما منه عوض كما قيل:(4\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1687",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10253",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من كل شيء إذا ضيعته عوض ... وما من الله إن ضيعته عوض ومن علاجها: أن يعلم أن حظه من المصيبة ما تحدثه له فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط فحظك منها ما أحدثته لك فاختر خير الحظوظ أو شرها فإن أحدثت له سخطا وكفرا كتب في ديوان الهالكين وإن أحدثت له جزعا وتفريطا في ترك واجب أو فعل محرم كتب في ديوان المفرطين وإن أحدثت له شكاية وعدم صبر كتب في ديوان المغبونين وإن أحدثت له اعتراضا على الله وقدحا في حكمته فقد قرع باب الزندقة أو ولجه وإن أحدثت له صبرا وثباتا لله كتب في ديوان الصابرين وإن أحدثت له الرضى عن الله كتب في ديوان الراضين وإن أحدثت له الحمد والشكر كتب في ديوان الشاكرين وكان تحت لواء الحمد مع الحمادين وإن أحدثت له محبة واشتياقا إلى لقاء ربه كتب في ديوان المحبين المخلصين. وفي مسند quot; الإمام أحمد quot; والترمذي من حديث محمود بن لبيد يرفعه ( إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط ) زاد أحمد: ( ومن جزع فله الجزع ) . ومن علاجها: أن يعلم أنه وإن بلغ في الجزع غايته فآخر أمره إلى صبر الاضطرار وهو غير محمود ولا مثاب قال بعض الحكماء: العاقل يفعل في أول يوم من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام ومن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم. وفي quot; الصحيح quot; مرفوعا: ( الصبر عند الصدمة الأولى ) وقال(4\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1688",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10254",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأشعث بن قيس: quot; إنك إن صبرت إيمانا واحتسابا وإلا سلوت سلو البهائم quot;. ومن علاجها: أن يعلم أن أنفع الأدوية له موافقة ربه وإلهه فيما أحبه ورضيه له وأن خاصية المحبة وسرها موافقة المحبوب فمن ادعى محبة محبوب ثم سخط ما يحبه وأحب ما يسخطه فقد شهد على نفسه بكذبه وتمقت إلى محبوبه. وقال أبو الدرداء: إن الله إذا قضى قضاء أحب أن يرضى به وكان عمران بن حصين يقول في علته: أحبه إلي أحبه إليه وكذلك قال أبو العالية. وهذا دواء وعلاج لا يعمل إلا مع المحبين ولا يمكن كل أحد أن يتعالج به. ومن علاجها: أن يوازن بين أعظم اللذتين والمتعتين وأدومهما: لذة تمتعه بما أصيب به ولذة تمتعه بثواب الله له فإن ظهر له الرجحان فآثر الراجح فليحمد الله على توفيقه وإن آثر المرجوح من كل وجه فليعلم أن مصيبته في عقله وقلبه ودينه أعظم من مصيبته التي أصيب بها في دنياه. ومن علاجها أن يعلم أن الذي ابتلاه بها أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأنه سبحانه لم يرسل إليه البلاء ليهلكه به ولا ليعذبه به ولا ليجتاحه وإنما افتقده به ليمتحن صبره ورضاه عنه وإيمانه وليسمع تضرعه وابتهاله وليراه طريحا ببابه لائذا بجنابه مكسور القلب بين يديه رافعا قصص الشكوى إليه. قال الشيخ عبد القادر: يا بني إن المصيبة ما جاءت لتهلكك وإنما جاءت لتمتحن صبرك وإيمانك يا بني القدر سبع والسبع لا يأكل الميتة. والمقصود: أن المصيبة كير العبد الذي يسبك به حاصله فإما أن يخرج(4\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1689",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10255",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذهبا أحمر وإما أن يخرج خبثا كله كما قيل: سبكناه ونحسبه لجينا ... فأبدى الكير عن خبث الحديد فإن لم ينفعه هذا الكير في الدنيا فبين يديه الكير الأعظم فإذا علم العبد أن إدخاله كير الدنيا ومسبكها خير له من ذلك الكير والمسبك وأنه لا بد من أحد الكيرين فليعلم قدر نعمة الله عليه في الكير العاجل. ومن علاجها: أن يعلم أنه لولا محن الدنيا ومصائبها لأصاب العبد - من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب - ما هو سبب هلاكه عاجلا وآجلا فمن رحمة أرحم الراحمين أن يتفقده في الأحيان بأنواع من أدوية المصائب تكون حمية له من هذه الأدواء وحفظا لصحة عبوديته واستفراغا للمواد الفاسدة الرديئة المهلكة منه فسبحان من يرحم ببلائه ويبتلي بنعمائه كما قيل: قد ينعم بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنعم فلولا أنه - سبحانه - يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء لطغوا وبغوا وعتوا والله - سبحانه - إذا أراد بعبد خيرا سقاه دواء من الابتلاء والامتحان على قدر حاله يستفرغ به من الأدواء المهلكة حتى إذا هذبه ونقاه وصفاه أهله لأشرف مراتب الدنيا وهي عبوديته وأرفع ثواب الآخرة وهو رؤيته وقربه. ومن علاجها: أن يعلم أن مرارة الدنيا هي بعينها حلاوة الآخرة يقلبها الله سبحانه كذلك وحلاوة الدنيا بعينها مرارة الآخرة ولأن ينتقل من مرارة منقطعة إلى حلاوة دائمة خير له من عكس ذلك فإن خفي عليك هذا فانظر إلى قول الصادق المصدوق: ( حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ) . وفي هذا المقام تفاوتت عقول الخلائق وظهرت حقائق الرجال فأكثرهم(4\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1690",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10256",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "آثر الحلاوة المنقطعة على الحلاوة الدائمة التي لا تزول ولم يحتمل مرارة ساعة لحلاوة الأبد ولا ذل ساعة لعز الأبد ولا محنة ساعة لعافية الأبد فإن الحاضر عنده شهادة والمنتظر غيب والإيمان ضعيف وسلطان الشهوة حاكم فتولد من ذلك إيثار العاجلة ورفض الآخرة وهذا حال النظر الواقع على ظواهر الأمور وأوائلها ومبادئها وأما النظر الثاقب الذي يخرق حجب العاجلة ويجاوزه إلى العواقب والغايات فله شأن آخر. فادع نفسك إلى ما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته من النعيم المقيم والسعادة الأبدية والفوز الأكبر وما أعد لأهل البطالة والإضاعة من الخزي والعقاب والحسرات الدائمة ثم اختر أي القسمين أليق بك وكل يعمل على شاكلته وكل أحد يصبو إلى ما يناسبه وما هو الأولى به ولا تستطل هذا العلاج فشدة الحاجة إليه من الطبيب والعليل دعت إلى بسطه وبالله التوفيق.  [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الكرب والهم والغم والحزن] أخرجا في quot; الصحيحين quot; من حديث ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول عند الكرب: ( لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرض رب العرش الكريم ) . وفي quot; جامع الترمذي quot; عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( كان إذا حزبه أمر قال: quot; يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث ) . وفيه: عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أهمه الأمر رفع طرفه إلى(4\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1691",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10257",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السماء فقال: (سبحان الله العظيم) وإذا اجتهد في الدعاء قال: (يا حي يا قيوم) . وفي quot; سنن أبي داود quot; عن أبي بكرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( دعوات المكروب اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت ) . وفيها أيضا عن أسماء بنت عميس قالت: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( ألا أعلمك كلمات تقوليهن عند الكرب أو في الكرب الله ربي لا أشرك به شيئا ) وفي رواية أنها تقال سبع مرات.(4\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1692",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10258",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; مسند الإمام أحمد quot; عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( ما أصاب عبدا هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي. إلا أذهب الله حزنه وهمه وأبدله مكانه فرحا ) . وفي الترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( دعوة ذي النون إذ دعا ربه وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له ) . وفي رواية: ( إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه كلمة أخي يونس ) . وفي quot; سنن أبي داود quot; عن أبي سعيد الخدري قال: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم المسجد فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة فقال: ( يا أبا أمامة مالي أراك في المسجد في غير وقت الصلاة quot; فقال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله فقال: quot; ألا أعلمك كلاما إذا أنت قلته أذهب الله عز وجل همك وقضى دينك quot; قال: قلت: بلى يا رسول الله قال: quot; قل إذا أصبحت وإذا أمسيت اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين(4\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1693",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10259",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقهر الرجال قال: ففعلت ذلك فأذهب الله عز وجل همي وقضى عني ديني ) . وفي quot; سنن أبي داود quot; عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب ) . وفي quot; المسند أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ) وقد قال تعالى: واستعينوا بالصبر والصلاة [البقرة: 45] [البقرة: 45] . وفي quot; السنن: ( عليكم بالجهاد فإنه باب من أبواب الجنة يدفع الله به عن النفوس الهم والغم ) . ويذكر عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( من كثرت همومه وغمومه فليكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله ) . وثبت في quot; الصحيحين quot;: أنها كنز من كنوز الجنة.(4\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1694",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10260",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الترمذي: quot; أنها باب من أبواب الجنة quot;. هذه الأدوية تتضمن خمسة عشر نوعا من الدواء فإن لم تقو على إذهاب داء الهم والغم والحزن فهو داء قد استحكم وتمكنت أسبابه ويحتاج إلى استفراغ كلي. الأول: توحيد الربوبية. الثاني: توحيد الإلهية. الثالث: التوحيد العلمي الاعتقادي. الرابع: تنزيه الرب تعالى عن أن يظلم عبده أو يأخذه بلا سبب من العبد يوجب ذلك. الخامس: اعتراف العبد بأنه هو الظالم. السادس: التوسل إلى الرب تعالى بأحب الأشياء وهو أسماؤه وصفاته ومن أجمعها لمعاني الأسماء والصفات الحي القيوم. السابع: الاستعانة به وحده. الثامن: إقرار العبد له بالرجاء. التاسع: تحقيق التوكل عليه والتفويض إليه والاعتراف له بأن ناصيته في يده يصرفه كيف يشاء وأنه ماض فيه حكمه عدل فيه قضاؤه. العاشر: أن يرتع قلبه في رياض القرآن ويجعله لقلبه كالربيع للحيوان وأن يستضيء به في ظلمات الشبهات والشهوات وأن يتسلى به عن كل فائت ويتعزى به عن كل مصيبة ويستشفي به من أدواء صدره فيكون جلاء حزنه وشفاء همه وغمه. الحادي عشر: الاستغفار.(4\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1695",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10261",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني عشر: التوبة. الثالث عشر: الجهاد. الرابع عشر: الصلاة. الخامس عشر: البراءة من الحول والقوة وتفويضهما إلى من هما بيده.  [فصل بيان جهة تأثير هذه الأدوية في هذه الأمراض] فصل في بيان جهة تأثير هذه الأدوية في هذه الأمراض خلق الله - سبحانه - ابن آدم وأعضاءه وجعل لكل عضو منها كمالا إذا فقده أحس بالألم وجعل لملكها وهو القلب كمالا إذا فقده حضرته أسقامه وآلامه من الهموم والغموم والأحزان. فإذا فقدت العين ما خلقت له من قوة الإبصار وفقدت الأذن ما خلقت له من قوة السمع واللسان ما خلق له من قوة الكلام فقدت كمالها. والقلب: خلق لمعرفة فاطره ومحبته وتوحيده والسرور به والابتهاج بحبه والرضى عنه والتوكل عليه والحب فيه والبغض فيه والموالاة فيه والمعاداة فيه ودوام ذكره وأن يكون أحب إليه من كل ما سواه وأرجى عنده من كل ما سواه وأجل في قلبه من كل ما سواه ولا نعيم له ولا سرور ولا لذة بل ولا حياة إلا بذلك وهذا له بمنزلة الغذاء والصحة والحياة فإذا فقد غذاءه وصحته وحياته فالهموم والغموم والأحزان مسارعة من كل صوب إليه ورهن مقيم عليه. ومن أعظم أدوائه: الشرك والذنوب والغفلة والاستهانة بمحابه ومراضيه وترك التفويض إليه وقلة الاعتماد عليه والركون إلى ما سواه والسخط بمقدوره والشك في وعده ووعيده. وإذا تأملت أمراض القلب وجدت هذه الأمور وأمثالها هي أسبابها لا(4\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1696",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10262",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبب لها سواها فدواؤه الذي لا دواء له سواه ما تضمنته هذه العلاجات النبوية من الأمور المضادة لهذه الأدواء فإن المرض يزال بالضد والصحة تحفظ بالمثل فصحته تحفظ بهذه الأمور النبوية وأمراضه بأضدادها. فالتوحيد: يفتح للعبد باب الخير والسرور واللذة والفرح والابتهاج والتوبة استفراغ للأخلاط والمواد الفاسدة التي هي سبب أسقامه وحمية له من التخليط فهي تغلق عنه باب الشرور فيفتح له باب السعادة والخير بالتوحيد ويغلق باب الشرور بالتوبة والاستغفار. قال بعض المتقدمين من أئمة الطب: من أراد عافية الجسم فليقلل من الطعام والشراب ومن أراد عافية القلب فليترك الآثام. وقال ثابت بن قرة: راحة الجسم في قلة الطعام وراحة الروح في قلة الآثام وراحة اللسان في قلة الكلام. والذنوب للقلب بمنزلة السموم إن لم تهلكه أضعفته ولا بد وإذا ضعفت قوته لم يقدر على مقاومة الأمراض قال طبيب القلوب عبد الله بن المبارك: رأيت الذنوب تميت القلوب ... وقد يورث الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها فالهوى أكبر أدوائها ومخالفته أعظم أدويتها والنفس في الأصل خلقت جاهلة ظالمة فهي لجهلها تظن شفاءها في اتباع هواها وإنما فيه تلفها وعطبها ولظلمها لا تقبل من الطبيب الناصح بل تضع الداء موضع الدواء فتعتمده وتضع الدواء موضع الداء فتجتنبه فيتولد من بين إيثارها للداء واجتنابها للدواء أنواع من الأسقام والعلل التي تعيي الأطباء ويتعذر معها الشفاء. والمصيبة العظمى أنها تركب ذلك على القدر فتبرئ نفسها وتلوم ربها بلسان الحال دائما ويقوى اللوم حتى يصرح به اللسان.(4\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1697",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10263",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا وصل العليل إلى هذه الحال فلا يطمع في برئه إلا أن تتداركه رحمة من ربه فيحييه حياة جديدة ويرزقه طريقة حميدة فلهذا كان حديث ابن عباس في دعاء الكرب مشتملا على توحيد الإلهية والربوبية ووصف الرب سبحانه بالعظمة والحلم وهاتان الصفتان مستلزمتان لكمال القدرة والرحمة والإحسان والتجاوز ووصفه بكمال ربوبيته للعالم العلوي والسفلي والعرش الذي هو سقف المخلوقات وأعظمها والربوبية التامة تستلزم توحيده وأنه الذي لا تنبغي العبادة والحب والخوف والرجاء والإجلال والطاعة إلا له. وعظمته المطلقة تستلزم إثبات كل كمال له وسلب كل نقص وتمثيل عنه. وحلمه يستلزم كمال رحمته وإحسانه إلى خلقه. فعلم القلب ومعرفته بذلك توجب محبته وإجلاله وتوحيده فيحصل له من الابتهاج واللذة والسرور ما يدفع عنه ألم الكرب والهم والغم وأنت تجد المريض إذا ورد عليه ما يسره ويفرحه ويقوي نفسه كيف تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسي فحصول هذا الشفاء للقلب أولى وأحرى. ثم إذا قابلت بين ضيق الكرب وسعة هذه الأوصاف التي تضمنها دعاء الكرب وجدته في غاية المناسبة لتفريج هذا الضيق وخروج القلب منه إلى سعة البهجة والسرور وهذه الأمور إنما يصدق بها من أشرقت فيه أنوارها وباشر قلبه حقائقها. quot; وفي تأثير قوله: ( يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث ) في دفع هذا الداء مناسبة بديعة فإن صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال مستلزمة لها وصفة القيومية متضمنة لجميع صفات الأفعال ولهذا كان اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى: هو اسم الحي القيوم والحياة التامة تضاد جميع الأسقام والآلام ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم هم ولا غم ولا حزن ولا شيء من الآفات. ونقصان الحياة تضر بالأفعال وتنافي القيومية(4\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1698",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10264",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكمال القيومية لكمال الحياة فالحي المطلق التام الحياة لا تفوته صفة الكمال البتة والقيوم لا يتعذر عليه فعل ممكن البتة فالتوسل بصفة الحياة القيومية له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة ويضر بالأفعال. ونظير هذا توسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ربه بربوبيته لجبريل وميكائيل وإسرافيل أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه فإن حياة القلب بالهداية وقد وكل الله سبحانه هؤلاء الأملاك الثلاثة بالحياة. فجبريل: موكل بالوحي الذي هو حياة القلوب. وميكائيل: بالقطر الذي هو حياة الأبدان والحيوان. وإسرافيل: بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم وعود الأرواح إلى أجسادها. فالتوسل إليه سبحانه بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة له تأثير في حصول المطلوب. والمقصود أن لاسم الحي القيوم تأثيرا خاصا في إجابة الدعوات وكشف الكربات وفي quot; السنن quot; و quot; صحيح أبي حاتم quot; مرفوعا: ( اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم [البقرة: 163] [البقرة: 163]  وفاتحة آل عمران: الم - الله لا إله إلا هو الحي القيوم [آل عمران: 1 - 2]  ) قال الترمذي: حديث صحيح. وفي quot;السننquot; وquot;صحيح ابن حبان quot; أيضا: من حديث أنس أن رجلا دعا(4\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1699",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10265",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى ) . ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اجتهد في الدعاء قال: ( يا حي يا قيوم ) . quot; وفي قوله: ( اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت ) من تحقيق الرجاء لمن الخير كله بيديه والاعتماد عليه وحده وتفويض الأمر إليه والتضرع إليه أن يتولى إصلاح شأنه ولا يكله إلى نفسه والتوسل إليه بتوحيده مما له تأثير قوي في دفع هذا الداء وكذلك قوله: ( الله ربي لا أشرك به شيئا ) . وأما حديث ابن مسعود: ( اللهم إني عبدك ابن عبدك ) ففيه من المعارف الإلهية وأسرار العبودية ما لا يتسع له كتاب فإنه يتضمن الاعتراف بعبوديته وعبودية آبائه وأمهاته وأن ناصيته بيده يصرفها كيف يشاء فلا يملك العبد دونه لنفسه: نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا لأن من ناصيته بيد غيره فليس إليه شيء من أمره بل هو عان في قبضته ذليل تحت سلطان قهره. وقوله: ( ماض في حكمك عدل في قضاؤك ) متضمن لأصلين عظيمين عليهما مدار التوحيد. أحدهما: إثبات القدر وأن أحكام الرب تعالى نافذة في عبده ماضية فيه لا انفكاك له عنها ولا حيلة له في دفعها. والثاني: أنه - سبحانه - عدل في هذه الأحكام غير ظالم لعبده بل لا(4\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1700",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10266",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يخرج فيها عن موجب العدل والإحسان فإن الظلم سببه حاجة الظالم أو جهله أو سفهه فيستحيل صدوره ممن هو بكل شيء عليم ومن هو غني عن كل شيء وكل شيء فقير إليه ومن هو أحكم الحاكمين فلا تخرج ذرة من مقدوراته عن حكمته وحمده كما لم تخرج عن قدرته ومشيئته فحكمته نافذة حيث نفذت مشيئته وقدرته ولهذا قال نبي الله هود صلى الله على نبينا وعليه وسلم وقد خوفه قومه بآلهتهم: إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون - من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظروني - إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم [هود: 54 - 56] [هود: 54 - 57] أي: مع كونه سبحانه آخذا بنواصي خلقه وتصريفهم كما يشاء فهو على صراط مستقيم لا يتصرف فيهم إلا بالعدل والحكمة والإحسان والرحمة. فقوله: ( ماض في حكمك ) مطابق لقوله ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها [هود: 56] وقوله: ( عدل في قضاؤك ) مطابق لقوله: إن ربي على صراط مستقيم [هود: 56]  ثم توسل إلى ربه بأسمائه التي سمى بها نفسه ما علم العباد منها وما لم يعلموا. ومنها: ما استأثره في علم الغيب عنده فلم يطلع عليه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا وهذه الوسيلة أعظم الوسائل وأحبها إلى الله وأقربها تحصيلا للمطلوب. quot; ثم سأله أن يجعل القرآن لقلبه كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان وكذلك القرآن ربيع القلوب وأن يجعله شفاء همه وغمه فيكون له بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء ويعيد البدن إلى صحته واعتداله وأن يجعله لحزنه كالجلاء الذي يجلو الطبوع والأصدية وغيرها فأحرى بهذا العلاج إذا صدق العليل في استعماله أن يزيل عنه داءه ويعقبه شفاء تاما وصحة وعافية والله الموفق. وأما دعوة ذي النون: فإن فيها من كمال التوحيد والتنزيه للرب تعالى واعتراف العبد بظلمه وذنبه ما هو من أبلغ أدوية الكرب والهم والغم وأبلغ الوسائل إلى الله - سبحانه - في قضاء الحوائج فإن التوحيد والتنزيه يتضمنان إثبات كل كمال الله وسلب كل نقص وعيب وتمثيل عنه. والاعتراف بالظلم(4\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1701",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10267",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يتضمن إيمان العبد بالشرع والثواب والعقاب ويوجب انكساره ورجوعه إلى الله واستقالته عثرته والاعتراف بعبوديته وافتقاره إلى ربه فهاهنا أربعة أمور قد وقع التوسل بها: التوحيد والتنزيه والعبودية والاعتراف. وأما حديث أبي أمامة: ( اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ) فقد تضمن الاستعاذة من ثمانية أشياء كل اثنين منها قرينان مزدوجان فالهم والحزن أخوان والعجز والكسل أخوان والجبن والبخل أخوان وضلع الدين وغلبة الرجال أخوان فإن المكروه المؤلم إذا ورد على القلب فإما أن يكون سببه أمرا ماضيا فيوجب له الحزن وإن كان أمرا متوقعا في المستقبل أوجب الهم وتخلف العبد عن مصالحه وتفويتها عليه إما أن يكون من عدم القدرة وهو العجز أو من عدم الإرادة وهو الكسل وحبس خيره ونفعه عن نفسه وعن بني جنسه إما أن يكون منع نفعه ببدنه فهو الجبن أو بماله فهو البخل وقهر الناس له إما بحق فهو ضلع الدين أو بباطل فهو غلبة الرجال فقد تضمن الحديث الاستعاذة من كل شر وأما تأثير الاستغفار في دفع الهم والغم والضيق فلما اشترك في العلم به أهل الملل وعقلاء كل أمة أن المعاصي والفساد توجب الهم والغم والخوف والحزن وضيق الصدر وأمراض القلب حتى إن أهلها إذا قضوا منها أوطارهم وسئمتها نفوسهم ارتكبوها دفعا لما يجدونه في صدورهم من الضيق والهم والغم كما قال شيخ الفسوق: وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها وإذا كان هذا تأثير الذنوب والآثام في القلوب فلا دواء لها إلا التوبة والاستغفار.(4\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1702",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10268",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الصلاة فشأنها في تفريح القلب وتقويته وشرحه وابتهاجه ولذته أكبر شأن وفيها من اتصال القلب والروح بالله وقربه والتنعم بذكره والابتهاج بمناجاته والوقوف بين يديه واستعمال جميع البدن وقواه وآلاته في عبوديته وإعطاء كل عضو حظه منها واشتغاله عن التعلق بالخلق وملابستهم ومحاوراتهم وانجذاب قوى قلبه وجوارحه إلى ربه وفاطره وراحته من عدوه حالة الصلاة ما صارت به من أكبر الأدوية والمفرحات والأغذية التي لا تلائم إلا القلوب الصحيحة. وأما القلوب العليلة فهي كالأبدان لا تناسبها إلا الأغذية الفاضلة. فالصلاة من أكبر العون على تحصيل مصالح الدنيا والآخرة ودفع مفاسد الدنيا والآخرة وهي منهاة عن الإثم ودافعة لأدواء القلوب ومطردة للداء عن الجسد ومنورة للقلب ومبيضة للوجه ومنشطة للجوارح والنفس وجالبة للرزق ودافعة للظلم وناصرة للمظلوم وقامعة لأخلاط الشهوات وحافظة للنعمة ودافعة للنقمة ومنزلة للرحمة وكاشفة للغمة ونافعة من كثير من أوجاع البطن. وقد روى ابن ماجه في quot; سننه quot; من حديث مجاهد عن أبي هريرة قال: ( رآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا نائم أشكو من وجع بطني فقال لي: quot; يا أبا هريرة أشكمت درد quot; قال: قلت: نعم يا رسول الله قال: quot; قم فصل فإن في الصلاة شفاء ) . وقد روي هذا الحديث موقوفا على أبي هريرة وأنه هو الذي قال ذلك لمجاهد وهو أشبه. ومعنى هذه اللفظة بالفارسي: أيوجعك بطنك . فإن لم ينشرح صدر زنديق الأطباء بهذا العلاج فيخاطب بصناعة الطب ويقال له الصلاة رياضة النفس والبدن جميعا إذ كانت تشتمل على حركات وأوضاع مختلفة: من الانتصاب والركوع والسجود والتورك والانتقالات وغيرها من الأوضاع التي يتحرك معها أكثر المفاصل وينغمز معها أكثر الأعضاء(4\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1703",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10269",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباطنة كالمعدة والأمعاء وسائر آلات النفس والغذاء فما ينكر أن يكون في هذه الحركات تقوية وتحليل للمواد ولا سيما بواسطة قوة النفس وانشراحها في الصلاة فتقوى الطبيعة فيندفع الألم ولكن داء الزندقة والإعراض عما جاءت به الرسل والتعوض عنه بالإلحاد داء ليس له دواء إلا نار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى. وأما تأثير الجهاد في دفع الهم والغم فأمر معلوم بالوجدان فإن النفس متى تركت صائل الباطل وصولته واستيلاءه اشتد همها وغمها وكربها وخوفها فإذا جاهدته لله أبدل الله ذلك الهم والحزن فرحا ونشاطا وقوة كما قال تعالى: قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين - ويذهب غيظ قلوبهم [التوبة: 14 - 15] [التوبة: 14 15] فلا شيء أذهب لجوى القلب وغمه وهمه وحزنه من الجهاد والله المستعان. وأما تأثير quot; لا حول ولا قوة إلا بالله quot; في دفع هذا الداء فلما فيها من كمال التفويض والتبري من الحول والقوة إلا به وتسليم الأمر كله له وعدم منازعته في شيء منه وعموم ذلك لكل تحول من حال إلى حال في العالم العلوي والسفلي والقوة على ذلك التحول وأن ذلك كله بالله وحده فلا يقوم لهذه الكلمة شيء. وفي بعض الآثار إنه ما ينزل ملك من السماء ولا يصعد إليها إلا بلا حول ولا قوة إلا بالله ولها تأثير عجيب في طرد الشيطان والله المستعان.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الفزع والأرق المانع من النوم] فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في علاج الفزع والأرق المانع من النوم روى الترمذي في quot; جامعه quot; عن بريدة قال: ( شكى خالد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! ما أنام الليل من الأرق فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم رب السماوات السبع وما أظلت ورب الأرضين وما أقلت ورب(4\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1704",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10270",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشياطين وما أضلت كن لي جارا من شر خلقك كلهم جميعا أن يفرط علي أحد منهم أو يبغي علي عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك ) . وفيه أيضا: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعلمهم من الفزع: ( أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون ) قال: وكان عبد الله بن عمرو يعلمهن من عقل من بنيه. ومن لم يعقل كتبه فأعلقه عليه ولا يخفى مناسبة هذه العوذة لعلاج هذا الداء.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج داء الحريق وإطفائه] فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في علاج داء الحريق وإطفائه يذكر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( إذا رأيتم الحريق فكبروا فإن التكبير يطفئه ) لما كان الحريق سببه النار وهي مادة الشيطان التي خلق منها وكان فيه من الفساد العام ما يناسب الشيطان بمادته وفعله كان للشيطان إعانة عليه وتنفيذ له وكانت النار تطلب بطبعها العلو والفساد وهذان الأمران: وهما العلو في الأرض والفساد هما هدي الشيطان وإليهما يدعو وبهما يهلك بني آدم فالنار والشيطان كل منهما يريد العلو في(4\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1705",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10271",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأرض والفساد وكبرياء الرب - عز وجل - تقمع الشيطان وفعله. ولهذا كان تكبير الله - عز وجل - له أثر في إطفاء الحريق فإن كبرياء الله - عز وجل - لا يقوم لها شيء فإذا كبر المسلم ربه أثر تكبيره في خمود النار وخمود الشيطان التي هي مادته فيطفئ الحريق وقد جربنا نحن وغيرنا هذا فوجدناه كذلك والله أعلم.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ الصحة] فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في حفظ الصحة لما كان اعتدال البدن وصحته وبقاؤه إنما هو بواسطة الرطوبة المقاومة للحرارة فالرطوبة مادته والحرارة تنضجها وتدفع فضلاتها وتصلحها وتلطفها وإلا أفسدت البدن ولم يمكن قيامه وكذلك الرطوبة هي غذاء الحرارة فلولا الرطوبة لأحرقت البدن وأيبسته وأفسدته فقوام كل واحدة منهما بصاحبتها وقوام البدن بهما جميعا وكل منهما مادة للأخرى. فالحرارة مادة للرطوبة تحفظها وتمنعها من الفساد والاستحالة والرطوبة مادة للحرارة تغذوها وتحملها ومتى مالت احداهما إلى الزيادة على الأخرى حصل لمزاج البدن الانحراف بحسب ذلك فالحرارة دائما تحلل الرطوبة فيحتاج البدن إلى ما به يخلف عليه ما حللته الحرارة - لضرورة بقائه - وهو الطعام والشراب ومتى زاد على مقدار التحلل ضعفت الحرارة عن تحليل فضلاته فاستحالت مواد رديئة فعاثت في البدن وأفسدت فحصلت الأمراض المتنوعة بحسب تنوع موادها وقبول الأعضاء واستعدادها وهذا كله مستفاد من قوله تعالى: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا [الأعراف: 31] [الأعراف: 31]  فأرشد عباده إلى إدخال ما يقيم البدن من الطعام والشراب عوض ما تحلل منه وأن يكون بقدر ما ينتفع به البدن في الكمية والكيفية فمتى جاوز ذلك كان إسرافا وكلاهما مانع من الصحة جالب للمرض أعني عدم الأكل والشرب أو الإسراف فيه.(4\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1706",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10272",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فحفظ الصحة كله في هاتين الكلمتين الإلهيتين ولا ريب أن البدن دائما في التحلل والاستخلاف وكلما كثر التحلل ضعفت الحرارة لفناء مادتها فإن كثرة التحلل تفني الرطوبة وهي مادة الحرارة وإذا ضعفت الحرارة ضعف الهضم ولا يزال كذلك حتى تفنى الرطوبة وتنطفئ الحرارة جملة فيستكمل العبد الأجل الذي كتب الله له أن يصل إليه. فغاية علاج الإنسان لنفسه ولغيره حراسة البدن إلى أن يصل إلى هذه الحالة لا أنه يستلزم بقاء الحرارة والرطوبة اللتين بقاء الشباب والصحة والقوة بهما فإن هذا مما لم يحصل لبشر في هذه الدار وإنما غاية الطبيب أن يحمي الرطوبة عن مفسداتها من العفونة وغيره ويحمي الحرارة عن مضعفاتها ويعدل بينهما بالعدل في التدبير الذي به قام بدن الإنسان كما أن به قامت السماوات والأرض وسائر المخلوقات إنما قوامها بالعدل ومن تأمل هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وجده أفضل هدي يمكن حفظ الصحة به فإن حفظها موقوف على حسن تدبير المطعم والمشرب والملبس والمسكن والهواء والنوم واليقظة والحركة والسكون والمنكح والاستفراغ والاحتباس فإذا حصلت هذه على الوجه المعتدل الموافق الملائم للبدن والبلد والسن والعادة كان أقرب إلى دوام الصحة أو غلبتها إلى انقضاء الأجل. ولما كانت الصحة والعافية من أجل نعم الله على عبده وأجزل عطاياه وأوفر منحه بل العافية المطلقة أجل النعم على الإطلاق فحقيق لمن رزق حظا من التوفيق مراعاتها وحفظها وحمايتها عما يضادها وقد روى البخاري في quot; صحيحه quot; من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ) . وفي الترمذي وغيره من حديث عبيد الله بن محصن الأنصاري قال: قال(4\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1707",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10273",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( من أصبح معافى في جسده آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا ) . وفي الترمذي أيضا من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصح لك جسمك ونروك من الماء البارد ) . ومن هاهنا قال من قال من السلف في قوله تعالى: ثم لتسألن يومئذ عن النعيم [التكاثر: 8] [التكاثر: 8]  قال: عن الصحة. وفي quot; مسند الإمام أحمد quot; أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للعباس: ( يا عباس يا عم رسول الله! سل الله العافية في الدنيا والآخرة ) . وفيه عن أبي بكر الصديق قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( سلوا الله اليقين والمعافاة فما أوتي أحد بعد اليقين خيرا من العافية )  فجمع بين عافيتي الدين والدنيا ولا يتم صلاح العبد في الدارين إلا باليقين والعافية فاليقين يدفع عنه عقوبات الآخرة والعافية تدفع عنه أمراض الدنيا في قلبه وبدنه. وفي quot; سنن النسائي quot; من حديث أبي هريرة يرفعه: ( سلوا الله العفو والعافية(4\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1708",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10274",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمعافاة فما أوتي أحد بعد يقين خيرا من معافاة ) . وهذه الثلاثة تتضمن إزالة الشرور الماضية بالعفو والحاضرة بالعافية والمستقبلة بالمعافاة فإنها تتضمن المداومة والاستمرار على العافية. وفي الترمذي مرفوعا: ( ما سئل الله شيئا أحب إليه من العافية ) . وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: عن أبي الدرداء قلت: يا رسول الله! لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( ورسول الله يحب معك العافية ) . ويذكر عن ابن عباس أن أعرابيا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: ما أسأل الله بعد الصلوات الخمس فقال: (quot; سل الله العافية quot; فأعاد عليه فقال له في الثالثة: سل الله العافية في الدنيا والآخرة ) . وإذا كان هذا شأن العافية والصحة فنذكر من هديه - صلى الله عليه وسلم - في مراعاة هذه الأمور ما يتبين لمن نظر فيه أنه أكمل هدي على الإطلاق ينال به حفظ صحة البدن والقلب وحياة الدنيا والآخرة والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في المطعم والمشرب] فصل فأما المطعم والمشرب فلم يكن من عادته - صلى الله عليه وسلم - حبس النفس على نوع واحد من الأغذية لا يتعداه إلى ما سواه فإن ذلك يضر بالطبيعة جدا وقد يتعذر عليها أحيانا فإن لم يتناول غيره ضعف أو هلك وإن تناول غيره لم تقبله الطبيعة واستضر به فقصرها على نوع واحد دائما - ولو أنه أفضل الأغذية - خطر مضر.(4\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1709",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10275",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بل كان يأكل ما جرت عادة أهل بلده بأكله من اللحم والفاكهة والخبز والتمر وغيره مما ذكرناه في هديه في المأكول فعليك بمراجعته هناك. وإذا كان في أحد الطعامين كيفية تحتاج إلى كسر وتعديل كسرها وعدلها بضدها إن أمكن كتعديل حرارة الرطب بالبطيخ وإن لم يجد ذلك تناوله على حاجة وداعية من النفس من غير إسراف فلا تتضرر به الطبيعة. وكان إذا عافت نفسه الطعام لم يأكله ولم يحملها إياه على كره وهذا أصل عظيم في حفظ الصحة فمتى أكل الإنسان ما تعافه نفسه ولا يشتهيه كان تضرره به أكثر من انتفاعه. قال أبو هريرة: ( ما عاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طعاما قط إن اشتهاه أكله وإلا تركه ولم يأكل منه )  ( ولما قدم إليه الضب المشوي لم يأكل منه فقيل له: أهو حرام قال: لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه )  فراعى عادته وشهوته فلما لم يكن يعتاد أكله بأرضه وكانت نفسه لا تشتهيه أمسك عنه ولم يمنع من أكله من يشتهيه ومن عادته أكله. وكان يحب اللحم وأحبه إليه الذراع ومقدم الشاة ولذلك سم فيه وفي quot; الصحيحين quot;: ( أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه ) . وذكر أبو عبيدة وغيره عن ضباعة بنت الزبير أنها ذبحت في بيتها شاة(4\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1710",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10276",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأرسل إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أطعمينا من شاتكم فقالت للرسول: ما بقي عندنا إلا الرقبة وإني لأستحيي أن أرسل بها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم فرجع الرسول فأخبره فقال: ( ارجع إليها فقل لها: أرسلي بها فإنها هادية الشاة وأقرب إلى الخير وأبعدها من الأذى ) . ولا ريب أن أخف لحم الشاة لحم الرقبة ولحم الذراع والعضد وهو أخف على المعدة وأسرع انهضاما وفي هذا مراعاة الأغذية التي تجمع ثلاثة أوصاف. أحدها: كثرة نفعها وتأثيرها في القوى. الثاني: خفتها على المعدة وعدم ثقلها عليها. الثالث: سرعة هضمها وهذا أفضل ما يكون من الغذاء والتغذي باليسير من هذا أنفع من الكثير من غيره. وكان يحب الحلواء والعسل وهذه الثلاثة - أعني: اللحم والعسل والحلواء - من أفضل الأغذية وأنفعها للبدن والكبد والأعضاء وللاغتذاء بها نفع عظيم في حفظ الصحة والقوة ولا ينفر منها إلا من به علة وآفة. وكان يأكل الخبز مأدوما ما وجد له إداما فتارة يأدمه باللحم ويقول: ( هو سيد طعام أهل الدنيا والآخرة ) . رواه ابن ماجه وغيره. وتارة بالبطيخ وتارة بالتمر فإنه وضع تمرة على كسرة شعير وقال: ( هذا إدام هذه )  وفي هذا من تدبير الغذاء أن خبز الشعير بارد يابس والتمر حار رطب على أصح القولين فأدم(4\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1711",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10277",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خبز الشعير به من أحسن التدبير لا سيما لمن تلك عادتهم كأهل المدينة وتارة بالخل ويقول: ( نعم الإدام الخل )  وهذا ثناء عليه بحسب مقتضى الحال الحاضر لا تفضيل له على غيره كما يظن الجهال وسبب الحديث أنه دخل على أهله يوما فقدموا له خبزا فقال: (quot; هل عندكم من إدام quot; قالوا: ما عندنا إلا خل فقال: quot; نعم الإدام الخل quot;) . والمقصود: أن أكل الخبز مأدوما من أسباب حفظ الصحة بخلاف الاقتصار على أحدهما وحده. وسمي الأدم أدما لإصلاحه الخبز وجعله ملائما لحفظ الصحة. ومنه قوله في إباحته للخاطب النظر: ( إنه أحرى أن يؤدم بينهما )  أي أقرب إلى الالتئام والموافقة فإن الزوج يدخل على بصيرة فلا يندم. وكان يأكل من فاكهة بلده عند مجيئها ولا يحتمي عنها وهذا أيضا من أكبر أسباب حفظ الصحة فإن الله سبحانه بحكمته جعل في كل بلدة من الفاكهة ما ينتفع به أهلها في وقته فيكون تناوله من أسباب صحتهم وعافيتهم ويغني عن كثير من الأدوية وقل من احتمى عن فاكهة بلده خشية السقم إلا وهو من أسقم الناس جسما وأبعدهم من الصحة والقوة. وما في تلك الفاكهة من الرطوبات فحرارة الفصل والأرض وحرارة المعدة تنضجها وتدفع شرها إذا لم يسرف في تناولها ولم يحمل منها الطبيعة فوق ما تحتمله ولم يفسد بها الغذاء قبل هضمه ولا أفسدها بشرب الماء عليها وتناول الغذاء بعد التحلي منها فإن القولنج كثيرا ما يحدث عند ذلك فمن أكل منها ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي كانت له دواء نافعا.(4\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1712",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10278",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل هديه صلى الله عليه وسلم في هيئة الجلوس للأكل] فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في هيئة الجلوس للأكل صح عنه أنه قال: (quot; لا آكل متكئا quot; وقال: quot; إنما أجلس كما يجلس العبد وآكل كما يأكل العبد quot;) . وروى ابن ماجه في سننه quot; أنه ( نهى أن يأكل الرجل وهو منبطح على وجهه ) . وقد فسر الاتكاء بالتربع وفسر بالاتكاء على الشيء وهو الاعتماد عليه وفسر بالاتكاء على الجنب. والأنواع الثلاثة من الاتكاء فنوع منها يضر بالآكل وهو الاتكاء على الجنب فإنه يمنع مجرى الطعام الطبيعي عن هيئته ويعوقه عن سرعة نفوذه إلى المعدة ويضغط المعدة فلا يستحكم فتحها للغذاء وأيضا فإنها تميل ولا تبقى منتصبة فلا يصل الغذاء إليها بسهولة.(4\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1713",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10279",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما النوعان الآخران: فمن جلوس الجبابرة المنافي للعبودية ولهذا قال: ( آكل كما يأكل العبد )  ( وكان يأكل وهو مقع )  ويذكر عنه أنه كان يجلس للأكل متوركا على ركبتيه ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر قدمه اليمنى تواضعا لربه عز وجل وأدبا بين يديه واحتراما للطعام وللمؤاكل فهذه الهيئة أنفع هيئات الأكل وأفضلها لأن الأعضاء كلها تكون على وضعها الطبيعي الذي خلقها الله سبحانه عليه مع ما فيها من الهيئة الأدبية وأجود ما اغتذى الإنسان إذا كانت أعضاؤه على وضعها الطبيعي ولا يكون كذلك إلا إذا كان الإنسان منتصبا الانتصاب الطبيعي وأردأ الجلسات للأكل الاتكاء على الجنب لما تقدم من أن المريء وأعضاء الازدراد تضيق عند هذه الهيئة والمعدة لا تبقى على وضعها الطبيعي لأنها تنعصر مما يلي البطن بالأرض ومما يلي الظهر بالحجاب الفاصل بين آلات الغذاء وآلات التنفس. وإن كان المراد بالاتكاء الاعتماد على الوسائد والوطاء الذي تحت الجالس فيكون المعنى أني إذا أكلت لم أقعد متكئا على الأوطية والوسائد كفعل الجبابرة ومن يريد الإكثار من الطعام لكني آكل بلغة كما يأكل العبد.  [فصل الأكل بالأصابع الثلاث] فصل وكان يأكل بأصابعه الثلاث وهذا أنفع ما يكون من الأكلات فإن الأكل بأصبع أو أصبعين لا يستلذ به الآكل ولا يمريه ولا يشبعه إلا بعد(4\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1714",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10280",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طول ولا تفرح آلات الطعام والمعدة بما ينالها في كل أكلة فتأخذها على إغماض كما يأخذ الرجل حقه حبة أو حبتين أو نحو ذلك فلا يلتذ بأخذه ولا يسر به والأكل بالخمسة والراحة يوجب ازدحام الطعام على آلاته وعلى المعدة وربما انسدت الآلات فمات وتغصب الآلات على دفعه والمعدة على احتماله ولا يجد له لذة ولا استمراء فأنفع الأكل أكله صلى الله عليه وسلم وأكل من اقتدى به بالأصابع الثلاث.  [فصل عدم الأكل أو الجمع بين بعض الأطعمة] فصل ومن تدبر أغذيته - صلى الله عليه وسلم وما كان يأكله وجده لم يجمع قط بين لبن وسمك ولا بين لبن وحامض ولا بين غذاءين حارين ولا باردين ولا لزجين ولا قابضين ولا مسهلين ولا غليظين ولا مرخيين ولا مستحيلين إلى خلط واحد ولا بين مختلفين كقابض ومسهل وسريع الهضم وبطيئه ولا بين شوي وطبيخ ولا بين طري وقديد ولا بين لبن وبيض ولا بين لحم ولبن ولم يكن يأكل طعاما في وقت شدة حرارته ولا طبيخا بائتا يسخن له بالغد ولا شيئا من الأطعمة العفنة والمالحة كالكوامخ والمخللات والملوحات وكل هذه الأنواع ضار مولد لأنواع من الخروج عن الصحة والاعتدال. وكان يصلح ضرر بعض الأغذية ببعض إذا وجد إليه سبيلا فيكسر حرارة هذا ببرودة هذا ويبوسة هذا برطوبة هذا كما فعل في القثاء والرطب وكما كان يأكل التمر بالسمن وهو الحيس ويشرب نقيع التمر يلطف به كيموسات الأغذية الشديدة. وكان يأمر بالعشاء ولو بكف من تمر ويقول: ( ترك العشاء مهرمة ) ذكره الترمذي في quot; جامعه quot; وابن ماجه في(4\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1715",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10281",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot; سننه quot;. وذكر أبو نعيم عنه أنه ( كان ينهى عن النوم على الأكل ويذكر أنه يقسي القلب )  ولهذا في وصايا الأطباء لمن أراد حفظ الصحة أن يمشي بعد العشاء خطوات ولو مائة خطوة ولا ينام عقبه فإنه مضر جدا وقال مسلموهم: أو يصلي عقيبه ليستقر الغذاء بقعر المعدة فيسهل هضمه ويجود بذلك. ولم يكن من هديه أن يشرب على طعامه فيفسده ولا سيما إن كان الماء حارا أو باردا فإنه رديء جدا. قال الشاعر: لا تكن عند أكل سخن وبرد ... ودخول الحمام تشرب ماء فإذا ما اجتنبت ذلك حقا ... لم تخف ما حييت في الجوف داء ويكره شرب الماء عقيب الرياضة والتعب وعقيب الجماع وعقيب الطعام وقبله وعقيب أكل الفاكهة وإن كان الشرب عقيب بعضها أسهل من بعض وعقب الحمام وعند الانتباه من النوم فهذا كله مناف لحفظ الصحة ولا اعتبار بالعوائد فإنها طبائع ثوان.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في الشراب] فصل وأما هديه في الشراب فمن أكمل هدي يحفظ به الصحة فإنه كان يشرب العسل الممزوج بالماء البارد وفي هذا من حفظ الصحة ما لا يهتدي إلى معرفته إلا أفاضل الأطباء فإن شربه ولعقه على الريق يذيب البلغم ويغسل خمل المعدة ويجلو لزوجتها ويدفع عنها الفضلات(4\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1716",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10282",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويسخنها باعتدال ويفتح سددها ويفعل مثل ذلك بالكبد والكلى والمثانة وهو أنفع للمعدة من كل حلو دخلها وإنما يضر بالعرض لصاحب الصفراء لحدته وحدة الصفراء فربما هيجها ودفع مضرته لهم بالخل فيعود حينئذ لهم نافعا جدا وشربه أنفع من كثير من الأشربة المتخذة من السكر أو أكثرها ولا سيما لمن لم يعتد هذه الأشربة ولا ألفها طبعه فإنه إذا شربها لا تلائمه ملاءمة العسل ولا قريبا منه والمحكم في ذلك العادة فإنها تهدم أصولا وتبني أصولا. وأما الشراب إذا جمع وصفي الحلاوة والبرودة فمن أنفع شيء للبدن ومن أكبر أسباب حفظ الصحة وللأرواح والقوى والكبد والقلب عشق شديد له واستمداد منه وإذا كان فيه الوصفان حصلت به التغذية وتنفيذ الطعام إلى الأعضاء وإيصاله إليها أتم تنفيذ. والماء البارد رطب يقمع الحرارة ويحفظ على البدن رطوباته الأصلية ويرد عليه بدل ما تحلل منها ويرقق الغذاء وينفذه في العروق. واختلف الأطباء هل يغذي البدن على قولين: فأثبتت طائفة التغذية به بناء على ما يشاهدونه من النمو والزيادة والقوة في البدن به ولا سيما عند شدة الحاجة إليه. قالوا: وبين الحيوان والنبات قدر مشترك من وجوه عديدة منها: النمو والاغتذاء والاعتدال وفي النبات قوة حس تناسبه ولهذا كان غذاء النبات بالماء فما ينكر أن يكون للحيوان به نوع غذاء وأن يكون جزءا من غذائه التام. قالوا: ونحن لا ننكر أن قوة الغذاء ومعظمه في الطعام وإنما أنكرنا أن لا يكون للماء تغذية البتة. قالوا: وأيضا الطعام إنما يغذي بما فيه من المائية ولولاها لما حصلت به التغذية.(4\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1717",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10283",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: ولأن الماء مادة حياة الحيوان والنبات ولا ريب أن ما كان أقرب إلى مادة الشيء حصلت به التغذية فكيف إذا كانت مادته الأصلية قال الله تعالى: وجعلنا من الماء كل شيء حي [الأنبياء: 30] [الأنبياء: 30]  فكيف ننكر حصول التغذية بما هو مادة الحياة على الإطلاق . قالوا: وقد رأينا العطشان إذا حصل له الري بالماء البارد تراجعت إليه قواه ونشاطه وحركته وصبر عن الطعام وانتفع بالقدر اليسير منه ورأينا العطشان لا ينتفع بالقدر الكثير من الطعام ولا يجد به القوة والاغتذاء ونحن لا ننكر أن الماء ينفذ الغذاء إلى أجزاء البدن وإلى جميع الأعضاء وأنه لا يتم أمر الغذاء إلا به وإنما ننكر على من سلب قوة التغذية عنه البتة ويكاد قوله عندنا يدخل في إنكار الأمور الوجدانية. وأنكرت طائفة أخرى حصول التغذية به واحتجت بأمور يرجع حاصلها إلى عدم الاكتفاء به وأنه لا يقوم مقام الطعام وأنه لا يزيد في نمو الأعضاء ولا يخلف عليها بدل ما حللته الحرارة ونحو ذلك مما لا ينكره أصحاب التغذية فإنهم يجعلون تغذيته بحسب جوهره ولطافته ورقته وتغذية كل شيء بحسبه وقد شوهد الهواء الرطب البارد اللين اللذيذ يغذي بحسبه والرائحة الطيبة تغذي نوعا من الغذاء فتغدية الماء أظهر وأظهر. والمقصود: أنه إذا كان باردا وخالطه ما يحليه كالعسل أو الزبيب أو التمر أو السكر كان من أنفع ما يدخل البدن وحفظ عليه صحته فلهذا كان أحب الشراب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البارد الحلو. والماء الفاتر ينفخ ويفعل ضد هذه الأشياء. ولما كان الماء البائت أنفع من الذي يشرب وقت استقائه قال النبي - صلى الله عليه وسلم: وقد دخل إلى حائط أبي الهيثم بن التيهان: ( هل من ماء بات في(4\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1718",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10284",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شنة quot; فأتاه به فشرب منه )  رواه البخاري ولفظه: ( إن كان عندك ماء بات في شنة وإلا كرعنا ) . والماء البائت بمنزلة العجين الخمير والذي شرب لوقته بمنزلة الفطير وأيضا فإن الأجزاء الترابية والأرضية تفارقه إذا بات وقد ذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( كان يستعذب له الماء ويختار البائت منه ) . وقالت عائشة: ( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستقى له الماء العذب من بئر السقيا ) . والماء الذي في القرب والشنان ألذ من الذي يكون في آنية الفخار والأحجار وغيرهما ولا سيما أسقية الأدم ولهذا التمس النبي - صلى الله عليه وسلم - ماء بات في شنة دون غيرها من الأواني وفي الماء إذا وضع في الشنان وقرب الأدم خاصة لطيفة لما فيها من المسام المنفتحة التي يرشح منها الماء ولهذا كان الماء في الفخار الذي يرشح ألذ منه وأبرد في الذي لا يرشح فصلاة الله وسلامه على أكمل الخلق وأشرفهم نفسا وأفضلهم هديا في كل شيء لقد دل أمته على أفضل الأمور وأنفعها لهم في القلوب والأبدان والدنيا والآخرة. قالت عائشة: كان أحب الشراب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (الحلو البارد ) . وهذا يحتمل أن يريد به الماء العذب كمياه العيون والآبار(4\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1719",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10285",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحلوة فإنه كان يستعذب له الماء. ويحتمل أن يريد به الماء الممزوج بالعسل أو الذي نقع فيه التمر أو الزبيب. وقد يقال - وهو الأظهر -: يعمهما جميعا. وقوله في الحديث الصحيح: ( إن كان عندك ماء بات في شن وإلا كرعنا )  فيه دليل على جواز الكرع وهو الشرب بالفم من الحوض والمقراة ونحوها وهذه - والله أعلم - واقعة عين دعت الحاجة فيها إلى الكرع بالفم أو قاله مبينا لجوازه فإن من الناس من يكرهه والأطباء تكاد تحرمه ويقولون: إنه يضر بالمعدة وقد روي في حديث لا أدري ما حاله عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهانا أن نشرب على بطوننا وهو الكرع ونهانا أن نغترف باليد الواحدة وقال: ( لا يلغ أحدكم كما يلغ الكلب ولا يشرب بالليل من إناء حتى يختبره إلا أن يكون مخمرا ) . وحديث البخاري أصح من هذا وإن صح فلا تعارض بينهما إذ لعل الشرب باليد لم يكن يمكن حينئذ فقال: وإلا كرعنا والشرب بالفم إنما يضر إذا انكب الشارب على وجهه وبطنه كالذي يشرب من النهر والغدير فأما إذا شرب منتصبا بفمه من حوض مرتفع ونحوه فلا فرق بين أن يشرب بيده أو بفمه.  [فصل بيان الاختلاف في جواز الشرب قائما] فصل وكان من هديه الشرب قاعدا هذا كان هديه المعتاد وصح عنه أنه(4\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1720",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10286",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نهى عن الشرب قائما وصح عنه أنه أمر الذي شرب قائما أن يستقيء وصح عنه أنه شرب قائما. قالت طائفة: هذا ناسخ للنهي وقالت طائفة: بل مبين أن النهي ليس للتحريم بل للإرشاد وترك الأولى وقالت طائفة: لا تعارض بينهما أصلا فإنه إنما شرب قائما للحاجة فإنه جاء إلى زمزم وهم يستقون منها فاستقى فناولوه الدلو فشرب وهو قائم وهذا كان موضع حاجة. وللشرب قائما آفات عديدة منها: أنه لا يحصل به الري التام ولا يستقر في المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء وينزل بسرعة وحدة إلى المعدة فيخشى منه أن يبرد حرارتها ويشوشها ويسرع النفوذ إلى أسفل البدن بغير تدريج وكل هذا يضر بالشارب وأما إذا فعله نادرا أو لحاجة لم يضره ولا يعترض بالعوائد على هذا فإن العوائد طبائع ثوان ولها أحكام أخرى وهي بمنزلة الخارج عن القياس عند الفقهاء.  [فصل تنفسه صلى الله عليه وسلم في الشرب ثلاثا] فصل وفي quot; صحيح مسلم quot; من حديث أنس بن مالك قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتنفس في الشراب ثلاثا ويقول: (إنه أروى وأمرأ وأبرأ)  . الشراب في لسان الشارع وحملة الشرع: هو الماء ومعنى تنفسه في الشراب: إبانته القدح عن فيه وتنفسه خارجه ثم يعود إلى الشراب كما جاء مصرحا به في الحديث الآخر: ( إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في القدح ولكن ليبن الإناء عن فيه ) .(4\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1721",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10287",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي هذا الشرب حكم جمة وفوائد مهمة وقد نبه - صلى الله عليه وسلم - على مجامعها بقوله: ( إنه أروى وأمرأ وأبرأ )  فأروى: أشد ريا وأبلغه وأنفعه وأبرأ: أفعل من البرء وهو الشفاء أي يبرئ من شدة العطش ودائه لتردده على المعدة الملتهبة دفعات فتسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه والثالثة ما عجزت الثانية عنه وأيضا فإنه أسلم لحرارة المعدة وأبقى عليها من أن يهجم عليها البارد وهلة واحدة ونهلة واحدة. وأيضا فإنه لا يروي لمصادفته لحرارة العطش لحظة ثم يقلع عنها ولما تكسر سورتها وحدتها وإن انكسرت لم تبطل بالكلية بخلاف كسرها على التمهل والتدريج. وأيضا فإنه أسلم عاقبة وآمن غائلة من تناول جميع ما يروي دفعة واحدة فإنه يخاف منه أن يطفئ الحرارة الغريزية بشدة برده وكثرة كميته أو يضعفها فيؤدي ذلك إلى فساد مزاج المعدة والكبد وإلى أمراض رديئة خصوصا في سكان البلاد الحارة كالحجاز واليمن ونحوهما أو في الأزمنة الحارة كشدة الصيف فإن الشرب وهلة واحدة مخوف عليهم جدا فإن الحار الغريزي ضعيف في بواطن أهلها وفي تلك الأزمنة الحارة.(4\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1722",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10288",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله: quot; وأمرأ quot;: هو أفعل من مرئ الطعام والشراب في بدنه إذا دخله وخالطه بسهولة ولذة ونفع. ومنه: فكلوه هنيئا مريئا [النساء: 4] [النساء: 4] هنيئا في عاقبته مريئا في مذاقه. وقيل: معناه أنه أسرع انحدارا عن المريء لسهولته وخفته عليه بخلاف الكثير فإنه لا يسهل على المريء انحداره. ومن آفات الشرب نهلة واحدة أنه يخاف منه الشرق بأن ينسد مجرى الشراب لكثرة الوارد عليه فيغص به فإذا تنفس رويدا ثم شرب أمن من ذلك. ومن فوائده: أن الشارب إذا شرب أول مرة تصاعد البخار الدخاني الحار الذي كان على القلب والكبد لورود الماء البارد عليه فأخرجته الطبيعة عنها فإذا شرب مرة واحدة اتفق نزول الماء البارد وصعود البخار فيتدافعان ويتعالجان ومن ذلك يحدث الشرق والغصة ولا يتهنأ الشارب بالماء ولا يمرئه ولا يتم ريه. وقد روى عبد الله بن المبارك والبيهقي وغيرهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم: ( إذا شرب أحدكم فليمص الماء مصا ولا يعب عبا فإنه من الكباد ) . والكباد - بضم الكاف وتخفيف الباء - هو وجع الكبد وقد علم بالتجربة أن ورود الماء جملة واحدة على الكبد يؤلمها ويضعف حرارتها وسبب ذلك المضادة التي بين حرارتها وبين ما ورد عليها من كيفية المبرود وكميته. ولو ورد بالتدريج شيئا فشيئا لم يضاد حرارتها ولم يضعفها وهذا مثاله صب الماء البارد على القدر وهي تفور لا يضرها صبه قليلا قليلا. وقد روى الترمذي في quot; جامعه quot; عنه - صلى الله عليه وسلم: ( لا تشربوا نفسا واحدا كشرب(4\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1723",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10289",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث وسموا إذا أنتم شربتم واحمدوا إذا أنتم فرغتم ) . وللتسمية في أول الطعام والشراب وحمد الله في آخره تأثير عجيب في نفعه واستمرائه ودفع مضرته. قال الإمام أحمد: إذا جمع الطعام أربعا فقد كمل إذا ذكر اسم الله في أوله وحمد الله في آخره وكثرت عليه الأيدي وكان من حل.  [فصل تغطية الإناء وإيكاء السقاء] فصل وقد روى مسلم في quot; صحيحه quot;: من حديث جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( غطوا الإناء وأوكوا السقاء فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا وقع فيه من ذلك الداء ) . وهذا مما لا تناله علوم الأطباء ومعارفهم وقد عرفه من عرفه عقلاء الناس بالتجربة. قال الليث بن سعد أحد رواة الحديث: الأعاجم عندنا يتقون تلك الليلة في السنة في كانون الأول منها. وصح عنه أنه ( أمر بتخمير الإناء ولو أن يعرض عليه عودا ) . وفي عرض(4\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1724",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10290",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العود عليه من الحكمة أنه لا ينسى تخميره بل يعتاده حتى بالعود وفيه: أنه ربما أراد الدبيب أن يسقط فيه فيمر على العود فيكون العود جسرا له يمنعه من السقوط فيه. وصح عنه: أنه أمر عند إيكاء الإناء بذكر اسم الله فإن ذكر اسم الله عند تخمير الإناء يطرد عنه الشيطان وإيكاؤه يطرد عنه الهوام ولذلك أمر بذكر اسم الله في هذين الموضعين لهذين المعنيين. وروى البخاري في quot; صحيحه quot; من حديث ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( نهى عن الشرب من في السقاء ) . وفي هذا آداب عديدة منها: أن تردد أنفاس الشارب فيه يكسبه زهومة ورائحة كريهة يعاف لأجلها. ومنها: أنه ربما غلب الداخل إلى جوفه من الماء فتضرر به. ومنها: أنه ربما كان فيه حيوان لا يشعر به فيؤذيه. ومنها: أن الماء ربما كان فيه قذاة أو غيرها لا يراها عند الشرب فتلج جوفه. ومنها: أن الشرب كذلك يملأ البطن من الهواء فيضيق عن أخذ حظه من الماء أو يزاحمه أو يؤذيه ولغير ذلك من الحكم. فإن قيل: فما تصنعون بما في quot; جامع الترمذي quot;: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا بإداوة يوم أحد فقال: ( اخنث فم الإداوة )  ثم شرب منها من فيها قلنا:(4\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1725",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10291",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نكتفي فيه بقول الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بصحيح وعبد الله بن عمر العمري يضعف من قبل حفظه ولا أدري سمع من عيسى أو لا انتهى. يريد عيسى بن عبد الله الذي رواه عنه عن رجل من الأنصار.  [فصل النهي عن الشرب من ثلمة القدح وبيان مفاسده] فصل وفي quot; سنن أبي داود quot; من حديث أبي سعيد الخدري قال: ( نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الشرب من ثلمة القدح وأن ينفخ في الشراب )  وهذا من الآداب التي تتم بها مصلحة الشارب فإن الشرب من ثلمة القدح فيه عدة مفاسد: أحدها: أن ما يكون على وجه الماء من قذى أو غيره يجتمع إلى الثلمة بخلاف الجانب الصحيح. الثاني: أنه ربما شوش على الشارب ولم يتمكن من حسن الشرب من الثلمة. الثالث: أن الوسخ والزهومة تجتمع في الثلمة ولا يصل إليها الغسل كما يصل إلى الجانب الصحيح. الرابع: أن الثلمة محل العيب في القدح وهي أردأ مكان فيه فينبغي تجنبه وقصد الجانب الصحيح فإن الرديء من كل شيء لا خير فيه ورأى بعض السلف رجلا يشتري حاجة رديئة فقال: لا تفعل أما علمت أن الله نزع البركة من كل رديء.(4\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1726",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10292",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخامس: أنه ربما كان في الثلمة شق أو تحديد يجرح فم الشارب ولغير هذه من المفاسد. وأما النفخ في الشراب فإنه يكسبه من فم النافخ رائحة كريهة يعاف لأجلها ولا سيما إن كان متغير الفم. وبالجملة: فأنفاس النافخ تخالطه ولهذا جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين النهي عن التنفس في الإناء والنفخ فيه في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: ( نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه ) . فإن قيل: فما تصنعون بما في quot; الصحيحين quot; من حديث أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( كان يتنفس في الإناء ثلاثا )  قيل: نقابله بالقبول والتسليم ولا معارضة بينه وبين الأول فإن معناه أنه كان يتنفس في شربه ثلاثا وذكر الإناء لأنه آلة الشرب وهذا كما جاء في الحديث الصحيح: ( أن إبراهيم ابن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مات في الثدي أي في مدة الرضاع ) .  [فصل شرب اللبن خالصا ومشوبا بالماء ومنافعه] فصل وكان - صلى الله عليه وسلم - يشرب اللبن خالصا تارة ومشوبا بالماء أخرى. وفي شرب اللبن الحلو في تلك البلاد الحارة خالصا ومشوبا نفع عظيم في حفظ الصحة وترطيب البدن وري الكبد ولا سيما اللبن الذي ترعى دوابه الشيح والقيصوم والخزامى(4\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1727",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10293",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما أشبهها فإن لبنها غذاء مع الأغذية وشراب مع الأشربة ودواء مع الأدوية وفي quot; جامع الترمذي quot; عنه - صلى الله عليه وسلم -: ( إذا أكل أحدكم طعاما فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه وإذا سقي لبنا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإنه ليس شيء يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن ) . قال الترمذي هذا حديث حسن.  [فصل الانتباذ في الماء] فصل وثبت في quot; صحيح مسلم quot; أنه - صلى الله عليه وسلم - ( كان ينبذ له أول الليل ويشربه إذا أصبح يومه ذلك والليلة التي تجيء والغد والليلة الأخرى والغد إلى العصر فإن بقي منه شيء سقاه الخادم أو أمر به فصب ) . وهذا النبيذ: هو ما يطرح فيه تمر يحليه وهو يدخل في الغذاء والشراب وله نفع عظيم في زيادة القوة وحفظ الصحة ولم يكن يشربه بعد ثلاث خوفا من تغيره إلى الإسكار.  [فصل في تدبيره لأمر الملبس] فصل في تدبيره لأمر الملبس وكان من أتم الهدي وأنفعه للبدن وأخفه عليه وأيسره لبسا وخلعا وكان أكثر لبسه الأردية والأزر وهي أخف على البدن من غيرها وكان يلبس القميص بل كان أحب الثياب إليه. وكان هديه في لبسه لما يلبسه أنفع شيء للبدن فإنه لم يكن يطيل أكمامه ويوسعها بل كانت كم قميصه إلى الرسغ لا(4\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1728",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10294",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يجاوز اليد فتشق على لابسها وتمنعه خفة الحركة والبطش ولا تقصر عن هذه فتبرز للحر والبرد وكان ذيل قميصه وإزاره إلى أنصاف الساقين لم يتجاوز الكعبين فيؤذي الماشي ويؤوده ويجعله كالمقيد ولم يقصر عن عضلة ساقيه فتنكشف ويتأذى بالحر والبرد ولم تكن عمامته بالكبيرة التي تؤذي الرأس حملها ويضعفه ويجعله عرضة للضعف والآفات كما يشاهد من حال أصحابها ولا بالصغيرة التي تقصر عن وقاية الرأس من الحر والبرد بل وسطا بين ذلك وكان يدخلها تحت حنكه وفي ذلك فوائد عديدة: فإنها تقي العنق الحر والبرد وهو أثبت لها ولا سيما عند ركوب الخيل والإبل والكر والفر وكثير من الناس اتخذ الكلاليب عوضا عن الحنك ويا بعد ما بينهما في النفع والزينة وأنت إذا تأملت هذه اللبسة وجدتها من أنفع اللبسات وأبلغها في حفظ صحة البدن وقوته وأبعدها من التكلف والمشقة على البدن. وكان يلبس الخفاف في السفر دائما أو أغلب أحواله لحاجة الرجلين إلى ما يقيهما من الحر والبرد وفي الحضر أحيانا. وكان أحب ألوان الثياب إليه البياض والحبرة وهي البرود المحبرة ولم يكن من هديه لبس الأحمر ولا الأسود ولا المصبغ ولا المصقول. وأما الحلة الحمراء التي لبسها فهي الرداء اليماني الذي فيه سواد وحمرة وبياض كالحلة الخضراء فقد لبس هذه وهذه وقد تقدم تقرير ذلك وتغليط من زعم أنه لبس الأحمر القاني بما فيه كفاية.  [فصل في تدبيره لأمر المسكن] فصل في تدبيره لأمر المسكن لما علم - صلى الله عليه وسلم - أنه على ظهر سير وأن الدنيا مرحلة مسافر ينزل فيها مدة عمره ثم ينتقل عنها إلى الآخرة لم يكن من هديه وهدي أصحابه ومن تبعه(4\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1729",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10295",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاعتناء بالمساكن وتشييدها وتعليتها وزخرفتها وتوسيعها بل كانت من أحسن منازل المسافر تقي الحر والبرد وتستر عن العيون وتمنع من ولوج الدواب ولا يخاف سقوطها لفرط ثقلها ولا تعشش فيها الهوام لسعتها ولا تعتور عليها الأهوية والرياح المؤذية لارتفاعها وليست تحت الأرض فتؤذي ساكنها ولا في غاية الارتفاع عليها بل وسط وتلك أعدل المساكن وأنفعها وأقلها حرا وبردا ولا تضيق عن ساكنها فينحصر ولا تفضل عنه بغير منفعة ولا فائدة فتأوي الهوام في خلوها ولم يكن فيها كنف تؤذي ساكنها برائحتها بل رائحتها من أطيب الروائح لأنه كان يحب الطيب ولا يزال عنده وريحه هو من أطيب الرائحة وعرقه من أطيب الطيب ولم يكن في الدار كنيف تظهر رائحته ولا ريب أن هذه من أعدل المساكن وأنفعها وأوفقها للبدن وحفظ صحته.  [فصل في تدبيره لأمر النوم واليقظة] فصل في تدبيره لأمر النوم واليقظة من تدبر نومه ويقظته - صلى الله عليه وسلم - وجده أعدل نوم وأنفعه للبدن والأعضاء والقوى فإنه كان ينام أول الليل ويستيقظ في أول النصف الثاني فيقوم ويستاك ويتوضأ ويصلي ما كتب الله له فيأخذ البدن والأعضاء والقوى حظها من النوم والراحة وحظها من الرياضة مع وفور الأجر وهذا غاية صلاح القلب والبدن والدنيا والآخرة. ولم يكن يأخذ من النوم فوق القدر المحتاج إليه ولا يمنع نفسه من القدر المحتاج إليه منه وكان يفعله على أكمل الوجوه فينام إذا دعته الحاجة إلى النوم على شقه الأيمن ذاكرا الله حتى تغلبه عيناه غير ممتلئ البدن من الطعام والشراب ولا مباشر بجنبه الأرض ولا متخذ للفرش المرتفعة بل له ضجاع من أدم حشوه ليف وكان يضطجع على الوسادة ويضع يده تحت خده أحيانا.(4\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1730",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10296",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونحن نذكر فصلا في النوم والنافع منه والضار فنقول: النوم حالة للبدن يتبعها غور الحرارة الغريزية والقوى إلى باطن البدن لطلب الراحة وهو نوعان: طبيعي وغير طبيعي. فالطبيعي إمساك القوى النفسانية عن أفعالها وهي قوى الحس والحركة الإرادية ومتى أمسكت هذه القوى عن تحريك البدن استرخى واجتمعت الرطوبات والأبخرة التي كانت تتحلل وتتفرق بالحركات واليقظة في الدماغ الذي هو مبدأ هذه القوى فيتخدر ويسترخي وذلك النوم الطبيعي. وأما النوم غير الطبيعي فيكون لعرض أو مرض وذلك بأن تستولي الرطوبات على الدماغ استيلاء لا تقدر اليقظة على تفريقها أو تصعد أبخرة رطبة كثيرة كما يكون عقيب الامتلاء من الطعام والشراب فتثقل الدماغ وترخيه فيتخدر ويقع إمساك القوى النفسانية عن أفعالها فيكون النوم. وللنوم فائدتان جليلتان إحداهما: سكون الجوارح وراحتها مما يعرض لها من التعب فيريح الحواس من نصب اليقظة ويزيل الإعياء والكلال. والثانية: هضم الغذاء ونضج الأخلاط لأن الحرارة الغريزية في وقت النوم تغور إلى باطن البدن فتعين على ذلك ولهذا يبرد ظاهره ويحتاج النائم إلى فضل دثار. وأنفع النوم أن ينام على الشق الأيمن ليستقر الطعام بهذه الهيئة في المعدة استقرارا حسنا فإن المعدة أميل إلى الجانب الأيسر قليلا ثم يتحول إلى الشق الأيسر قليلا ليسرع الهضم بذلك لاستمالة المعدة على الكبد ثم يستقر نومه على الجانب الأيمن ليكون الغذاء أسرع انحدارا عن المعدة فيكون النوم على الجانب الأيمن بداءة نومه ونهايته وكثرة النوم على الجانب الأيسر مضر بالقلب بسبب ميل الأعضاء إليه فتنصب إليه المواد. وأردأ النوم النوم على الظهر ولا يضر الاستلقاء عليه للراحة من غير(4\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1731",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10297",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نوم وأردأ منه أن ينام منبطحا على وجهه وفي quot; المسند quot; و quot; سنن ابن ماجه quot; عن أبي أمامة قال: ( مر النبي - صلى الله عليه وسلم - على رجل نائم في المسجد منبطح على وجهه فضربه برجله وقال: قم أو اقعد فإنها نومة جهنمية ) قال أبقراط في كتاب quot; التقدمة quot;: وأما نوم المريض على بطنه من غير أن يكون عادته في صحته جرت بذلك يدل على اختلاط عقل وعلى ألم في نواحي البطن قال الشراح لكتابه: لأنه خالف العادة الجيدة إلى هيئة رديئة من غير سبب ظاهر ولا باطن. والنوم المعتدل ممكن للقوى الطبيعية من أفعالها مريح للقوة النفسانية مكثر من جوهر حاملها حتى إنه ربما عاد بإرخائه مانعا من تحلل الأرواح. ونوم النهار رديء يورث الأمراض الرطوبية والنوازل ويفسد اللون ويورث الطحال ويرخي العصب ويكسل ويضعف الشهوة إلا في الصيف وقت الهاجرة وأردؤه نوم أول النهار وأردأ منه النوم آخره بعد العصر ورأى عبد الله بن عباس ابنا له نائما نومة الصبحة فقال له: (قم أتنام في الساعة التي تقسم فيها الأرزاق)  . وقيل: نوم النهار ثلاثة: خلق وحرق وحمق. فالخلق: نومة الهاجرة وهي خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. والحرق: نومة الضحى تشغل عن أمر الدنيا والآخرة. والحمق: نومة العصر. قال بعض السلف: من نام بعد(4\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1732",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10298",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العصر فاختلس عقله فلا يلومن إلا نفسه. وقال الشاعر: ألا إن نومات الضحى تورث الفتى ... خبالا ونومات العصير جنون ونوم الصبحة يمنع الرزق لأن ذلك وقت تطلب فيه الخليقة أرزاقها وهو وقت قسمة الأرزاق فنومه حرمان إلا لعارض أو ضرورة وهو مضر جدا بالبدن لإرخائه البدن وإفساده للفضلات التي ينبغي تحليلها بالرياضة فيحدث تكسرا وعيا وضعفا. وإن كان قبل التبرز والحركة والرياضة وإشغال المعدة بشيء فذلك الداء العضال المولد لأنواع من الأدواء. والنوم في الشمس يثير الداء الدفين ونوم الإنسان بعضه في الشمس وبعضه في الظل رديء وقد روى أبو داود في quot; سننه quot; من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( إذا كان أحدكم في الشمس فقلص عنه الظل فصار بعضه في الشمس وبعضه في الظل فليقم ) . وفي quot; سنن ابن ماجه quot; وغيره من حديث بريدة بن الحصيب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( نهى أن يقعد الرجل بين الظل والشمس )  وهذا تنبيه على منع النوم بينهما. وفي quot; الصحيحين quot; عن البراء بن عازب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت(4\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1733",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10299",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت واجعلهن آخر كلامك فإن مت من ليلتك مت على الفطرة ) . وفي quot; صحيح البخاري quot; عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( كان إذا صلى ركعتي الفجر - يعني سنتها - اضطجع على شقه الأيمن ) . وقد قيل: إن الحكمة في النوم على الجانب الأيمن أن لا يستغرق النائم في نومه لأن القلب فيه ميل إلى جهة اليسار فإذا نام على جنبه الأيمن طلب القلب مستقره من الجانب الأيسر وذلك يمنع من استقرار النائم واستثقاله في نومه بخلاف قراره في النوم على اليسار فإنه مستقره فيحصل بذلك الدعة التامة فيستغرق الإنسان في نومه ويستثقل فيفوته مصالح دينه ودنياه. ولما كان النائم بمنزلة الميت والنوم أخو الموت - ولهذا يستحيل على الحي الذي لا يموت وأهل الجنة لا ينامون فيها - كان النائم محتاجا إلى من يحرس نفسه ويحفظها مما يعرض لها من الآفات ويحرس بدنه أيضا من طوارق الآفات وكان ربه وفاطره تعالى هو المتولي لذلك وحده. علم النبي - صلى الله عليه وسلم - النائم أن يقول كلمات التفويض والالتجاء والرغبة والرهبة ليستدعي بها كمال حفظ الله له وحراسته لنفسه وبدنه وأرشده مع ذلك إلى أن يستذكر الإيمان وينام عليه ويجعل التكلم به آخر كلامه فإنه ربما توفاه الله في منامه فإذا كان الإيمان آخر كلامه دخل الجنة فتضمن هذا الهدي في المنام مصالح القلب والبدن والروح في النوم واليقظة والدنيا والآخرة فصلوات الله وسلامه على من نالت به أمته كل خير.(4\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1734",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10300",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله: ( أسلمت نفسي إليك )  أي: جعلتها مسلمة لك تسليم العبد المملوك نفسه إلى سيده ومالكه. وتوجيه وجهه إليه يتضمن إقباله بالكلية على ربه وإخلاص القصد والإرادة له وإقراره بالخضوع والذل والانقياد قال تعالى: فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن [آل عمران: 20] [سورة آل عمران الآية: 20] . وذكر الوجه إذ هو أشرف ما في الإنسان ومجمع الحواس وأيضا ففيه معنى التوجه والقصد من قوله: أستغفر الله ذنبا لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل وتفويض الأمر إليه رده إلى الله سبحانه وذلك يوجب سكون القلب وطمأنينته والرضى بما يقضيه ويختاره له مما يحبه ويرضاه والتفويض من أشرف مقامات العبودية ولا علة فيه وهو من مقامات الخاصة خلافا لزاعمي خلاف ذلك. وإلجاء الظهر إليه سبحانه يتضمن قوة الاعتماد عليه والثقة به والسكون إليه والتوكل عليه فإن من أسند ظهره إلى ركن وثيق لم يخف السقوط. ولما كان للقلب قوتان: قوة الطلب وهي الرغبة وقوة الهرب وهي الرهبة وكان العبد طالبا لمصالحه هاربا من مضاره جمع الأمرين في هذا التفويض والتوجه فقال: رغبة ورهبة إليك ثم أثنى على ربه بأنه لا ملجأ للعبد سواه ولا منجا له منه غيره فهو الذي يلجأ إليه العبد لينجيه من نفسه كما في الحديث الآخر: ( أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك )  فهو سبحانه الذي يعيذ عبده وينجيه من بأسه الذي هو بمشيئته وقدرته(4\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1735",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10301",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فمنه البلاء ومنه الإعانة ومنه ما يطلب النجاة منه وإليه الالتجاء في النجاة فهو الذي يلجأ إليه في أن ينجي مما منه ويستعاذ به مما منه فهو رب كل شيء ولا يكون شيء إلا بمشيئته: وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو [الأنعام: 17] [سورة الأنعام الآية: 17] قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة [الأحزاب: 17] [سورة الأحزاب الآية: 17]  ثم ختم الدعاء بالإقرار بالإيمان بكتابه ورسوله الذي هو ملاك النجاة والفوز في الدنيا والآخرة فهذا هديه في نومه. لو لم يقل إني رسول لكا ... ن شاهد في هديه ينطق  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في اليقظة] فصل وأما هديه في يقظته فكان يستيقظ إذا صاح الصارخ وهو الديك فيحمد الله تعالى ويكبره ويهلله ويدعوه ثم يستاك ثم يقوم إلى وضوئه ثم يقف للصلاة بين يدي ربه مناجيا له بكلامه مثنيا عليه راجيا له راغبا راهبا فأي حفظ لصحة القلب والبدن والروح والقوى ولنعيم الدنيا والآخرة فوق هذا.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في الرياضة] فصل وأما تدبير الحركة والسكون وهو الرياضة فنذكر منها فصلا يعلم منه مطابقة هديه في ذلك لأكمل أنواعه وأحمدها وأصوبها فنقول: من المعلوم افتقار البدن في بقائه إلى الغذاء والشراب ولا يصير الغذاء بجملته جزءا من البدن بل لا بد أن يبقى منه عند كل هضم بقية ما إذا كثرت على ممر الزمان اجتمع منها شيء له كمية وكيفية فيضر بكميته بأن يسد ويثقل البدن ويوجب أمراض الاحتباس وإن استفرغ تأذى البدن بالأدوية لأن أكثرها سمية ولا تخلو من إخراج الصالح المنتفع به ويضر بكيفيته بأن يسخن بنفسه أو بالعفن أو يبرد بنفسه أو يضعف الحرارة الغريزية عن إنضاجه. وسدد الفضلات لا محالة ضارة تركت أو استفرغت والحركة أقوى(4\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1736",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10302",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأسباب في منع تولدها فإنها تسخن الأعضاء وتسيل فضلاتها فلا تجتمع على طول الزمان وتعود البدن الخفة والنشاط وتجعله قابلا للغذاء وتصلب المفاصل وتقوي الأوتار والرباطات وتؤمن جميع الأمراض المادية وأكثر الأمراض المزاجية إذا استعمل القدر المعتدل منها في وقته وكان باقي التدبير صوابا. ووقت الرياضة بعد انحدار الغذاء وكمال الهضم والرياضة المعتدلة هي التي تحمر فيها البشرة وتربو ويتندى بها البدن وأما التي يلزمها سيلان العرق فمفرطة وأي عضو كثرت رياضته قوي وخصوصا على نوع تلك الرياضة بل كل قوة فهذا شأنها فإن من استكثر من الحفظ قويت حافظته ومن استكثر من الفكر قويت قوته المفكرة ولكل عضو رياضة تخصه فللصدر القراءة فليبتدئ فيها من الخفية إلى الجهر بتدريج ورياضة السمع بسمع الأصوات والكلام بالتدريج فينتقل من الأخف إلى الأثقل وكذلك رياضة اللسان في الكلام وكذلك رياضة البصر وكذلك رياضة المشي بالتدريج شيئا فشيئا. وأما ركوب الخيل ورمي النشاب والصراع والمسابقة على الأقدام فرياضة للبدن كله وهي قالعة لأمراض مزمنة كالجذام والاستسقاء والقولنج. ورياضة النفوس بالتعلم والتأدب والفرح والسرور والصبر والثبات والإقدام والسماحة وفعل الخير ونحو ذلك مما ترتاض به النفوس ومن أعظم رياضتها: الصبر والحب والشجاعة والإحسان فلا تزال ترتاض بذلك شيئا فشيئا حتى تصير لها هذه الصفات هيئات راسخة وملكات ثابتة. وأنت إذا تأملت هديه - صلى الله عليه وسلم - في ذلك وجدته أكمل هدي حافظ للصحة والقوى ونافع في المعاش والمعاد. ولا ريب أن الصلاة نفسها فيها من حفظ صحة البدن وإذابة أخلاطه وفضلاته ما هو من أنفع شيء له سوى ما فيها من حفظ صحة الإيمان وسعادة(4\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1737",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10303",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدنيا والآخرة وكذلك قيام الليل من أنفع أسباب حفظ الصحة ومن أمنع الأمور لكثير من الأمراض المزمنة ومن أنشط شيء للبدن والروح والقلب كما في quot; الصحيحين quot; عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب على كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد فإن هو استيقظ فذكر الله انحلت عقدة فإن توضأ انحلت عقدة ثانية فإن صلى انحلت عقده كلها فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان ) . وفي الصوم الشرعي من أسباب حفظ الصحة ورياضة البدن والنفس ما لا يدفعه صحيح الفطرة. وأما الجهاد وما فيه من الحركات الكلية التي هي من أعظم أسباب القوة وحفظ الصحة وصلابة القلب والبدن ودفع فضلاتهما وزوال الهم والغم والحزن فأمر إنما يعرفه من له منه نصيب. وكذلك الحج وفعل المناسك وكذلك المسابقة على الخيل وبالنصال والمشي في الحوائج وإلى الإخوان وقضاء حقوقهم وعيادة مرضاهم وتشييع جنائزهم والمشي إلى المساجد للجمعات والجماعات وحركة الوضوء والاغتسال وغير ذلك. وهذا أقل ما فيه الرياضة المعينة على حفظ الصحة ودفع الفضلات وأما ما شرع له من التوصل به إلى خيرات الدنيا والآخرة ودفع شرورهما فأمر وراء ذلك. فعلمت أن هديه فوق كل هدي في طب الأبدان والقلوب وحفظ صحتها ودفع أسقامهما ولا مزيد على ذلك لمن قد أحضر رشده وبالله التوفيق.(4\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1738",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10304",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل هديه صلى الله عليه وسلم في الجماع] فصل وأما الجماع والباه فكان هديه فيه أكمل هدي يحفظ به الصحة وتتم به اللذة وسرور النفس ويحصل به مقاصده التي وضع لأجلها فإن الجماع وضع في الأصل لثلاثة أمور هي مقاصده الأصلية: أحدها: حفظ النسل ودوام النوع إلى أن تتكامل العدة التي قدر الله بروزها إلى هذا العالم. الثاني: إخراج الماء الذي يضر احتباسه واحتقانه بجملة البدن. الثالث: قضاء الوطر ونيل اللذة والتمتع بالنعمة وهذه وحدها هي الفائدة التي في الجنة إذ لا تناسل هناك ولا احتقان يستفرغه الإنزال. وفضلاء الأطباء يرون أن الجماع من أحد أسباب حفظ الصحة. قال جالينوس: الغالب على جوهر المني النار والهواء ومزاجه حار رطب لأن كونه من الدم الصافي الذي تغتذي به الأعضاء الأصلية وإذا ثبت فضل المني فاعلم أنه لا ينبغي إخراجه إلا في طلب النسل أو إخراج المحتقن منه فإنه إذا دام احتقانه أحدث أمراضا رديئة منها: الوسواس والجنون والصرع وغير ذلك وقد يبرئ استعماله من هذه الأمراض كثيرا فإنه إذا طال احتباسه فسد واستحال إلى كيفية سمية توجب أمراضا رديئة كما ذكرنا ولذلك تدفعه الطبيعة بالاحتلام إذا كثر عندها من غير جماع. وقال بعض السلف: ينبغي للرجل أن يتعاهد من نفسه ثلاثا: أن لا يدع المشي فإن احتاج إليه يوما قدر عليه وينبغي أن لا يدع الأكل فإن أمعاءه تضيق وينبغي أن لا يدع الجماع فإن البئر إذا لم تنزح ذهب ماؤها. وقال محمد بن زكريا: من ترك الجماع مدة طويلة ضعفت قوى أعصابه وانسدت مجاريها وتقلص ذكره. قال: ورأيت جماعة تركوه لنوع من التقشف فبردت(4\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1739",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10305",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبدانهم وعسرت حركاتهم ووقعت عليهم كآبة بلا سبب وقلت شهواتهم وهضمهم انتهى. ومن منافعه: غض البصر وكف النفس والقدرة على العفة عن الحرام وتحصيل ذلك للمرأة فهو ينفع نفسه في دنياه وأخراه وينفع المرأة ولذلك كان - صلى الله عليه وسلم - يتعاهده ويحبه ويقول: ( حبب إلي من دنياكم: النساء والطيب ) . وفي كتاب quot; الزهد quot; للإمام أحمد في هذا الحديث زيادة لطيفة وهي: ( أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن ) . وحث على التزويج أمته فقال: ( تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم ) . وقال ابن عباس: ( خير هذه الأمة أكثرها نساء ) . وقال: ( إني أتزوج النساء وأنام وأقوم وأصوم وأفطر فمن رغب عن سنتي فليس مني ) . وقال: ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض(4\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1740",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10306",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للبصر وأحفظ للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) . ولما تزوج جابر ثيبا قال له: ( هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك ) . وروى ابن ماجه في quot; سننه quot;: من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( من أراد أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر ) . وفي quot; سننه quot; أيضا من حديث ابن عباس يرفعه قال: ( لم نر للمتحابين مثل النكاح ) . وفي quot; صحيح مسلم quot; من حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة ) . وكان - صلى الله عليه وسلم - يحرض أمته على نكاح الأبكار الحسان وذوات الدين وفي quot; سنن النسائي quot; عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي النساء خير(4\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1741",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10307",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: (التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه فيما يكره في نفسها وماله ) . وفي quot; الصحيحين quot; عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( تنكح المرأة لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك ) . وكان يحث على نكاح الولود ويكره المرأة التي لا تلد كما في quot; سنن أبي داود quot; عن معقل بن يسار أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال وإنها لا تلد أفأتزوجها قال: quot; لا quot; ثم أتاه الثانية فنهاه ثم أتاه الثالثة فقال: (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم ) . وفي الترمذي عنه مرفوعا: ( أربع من سنن المرسلين: النكاح والسواك والتعطر والحناء )  روي في quot; الجامع quot; بالنون والياء وسمعت أبا الحجاج الحافظ يقول: الصواب أنه الختان وسقطت النون من الحاشية وكذلك رواه المحاملي عن شيخ أبي عيسى الترمذي. ومما ينبغي تقديمه على الجماع ملاعبة المرأة وتقبيلها ومص(4\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1742",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10308",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لسانها وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلاعب أهله ويقبلها. وروى أبو داود في quot; سننه quot; أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقبل عائشة ويمص لسانها . ويذكر عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المواقعة قبل الملاعبة . وكان - صلى الله عليه وسلم - ربما جامع نساءه كلهن بغسل واحد وربما اغتسل عند كل واحدة منهن فروى مسلم في quot; صحيحه quot; عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( كان يطوف على نسائه بغسل واحد ) . وروى أبو داود في quot; سننه quot; عن أبي رافع مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طاف على نسائه في ليلة فاغتسل عند كل امرأة منهن غسلا فقلت: يا رسول الله! لو اغتسلت غسلا واحدا فقال: (هذا أزكى وأطهر وأطيب ) . وشرع للمجامع إذا أراد العود قبل الغسل الوضوء بين الجماعين كما روى مسلم في quot; صحيحه quot; من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ ) . وفي الغسل والوضوء بعد الوطء من النشاط وطيب النفس وإخلاف بعض ما تحلل بالجماع وكمال الطهر والنظافة واجتماع الحار الغريزي إلى(4\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1743",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10309",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "داخل البدن بعد انتشاره بالجماع وحصول النظافة التي يحبها الله ويبغض خلافها ما هو من أحسن التدبير في الجماع وحفظ الصحة والقوى فيه.  [فصل وقت الجماع] فصل وأنفع الجماع: ما حصل بعد الهضم وعند اعتدال البدن في حره وبرده ويبوسته ورطوبته وخلائه وامتلائه. وضرره عند امتلاء البدن أسهل وأقل من ضرره عند خلوه وكذلك ضرره عند كثرة الرطوبة أقل منه عند اليبوسة وعند حرارته أقل منه عند برودته وإنما ينبغي أن يجامع إذا اشتدت الشهوة وحصل الانتشار التام الذي ليس عن تكلف ولا فكر في صورة ولا نظر متتابع ولا ينبغي أن يستدعي شهوة الجماع ويتكلفها ويحمل نفسه عليها وليبادر إليه إذا هاجت به كثرة المني واشتد شبقه. وليحذر جماع العجوز والصغيرة التي لا يوطأ مثلها والتي لا شهوة لها والمريضة والقبيحة المنظر والبغيضة فوطء هؤلاء يوهن القوى ويضعف الجماع بالخاصية. وغلط من قال من الأطباء: إن جماع الثيب أنفع من جماع البكر وأحفظ للصحة وهذا من القياس الفاسد حتى ربما حذر منه بعضهم وهو مخالف لما عليه عقلاء الناس ولما اتفقت عليه الطبيعة والشريعة. وفي جماع البكر من الخاصية وكمال التعلق بينها وبين مجامعها وامتلاء قلبها من محبته وعدم تقسيم هواها بينه وبين غيره ما ليس للثيب. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لجابر: ( هلا تزوجت بكرا )  وقد جعل الله سبحانه من كمال نساء أهل الجنة من الحور العين أنهن لم يطمثهن أحد قبل من جعلن له من أهل الجنة. وقالت عائشة للنبي - صلى الله عليه وسلم: أرأيت لو مررت بشجرة قد أرتع فيها وشجرة لم يرتع فيها ففي أيهما كنت ترتع بعيرك قال: (في التي لم يرتع فيها ) .(4\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1744",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10310",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تريد أنه لم يأخذ بكرا غيرها. وجماع المرأة المحبوبة في النفس يقل إضعافه للبدن مع كثرة استفراغه للمني وجماع البغيضة يحل البدن ويوهن القوى مع قلة استفراغه وجماع الحائض حرام طبعا وشرعا فإنه مضر جدا والأطباء قاطبة تحذر منه.  [أشكال الجماع] وأحسن أشكال الجماع أن يعلو الرجل المرأة مستفرشا لها بعد الملاعبة والقبلة وبهذا سميت المرأة فراشا كما قال - صلى الله عليه وسلم: ( الولد للفراش )  وهذا من تمام قوامية الرجل على المرأة كما قال تعالى: الرجال قوامون على النساء [النساء: 34] [النساء: 34]  وكما قيل إذا رمتها كانت فراشا يقلني ... وعند فراغي خادم يتملق وقد قال تعالى: هن لباس لكم وأنتم لباس لهن [البقرة: 187] [البقرة: 187]  وأكمل اللباس وأسبغه على هذه الحال فإن فراش الرجل لباس له وكذلك لحاف المرأة لباس لها فهذا الشكل الفاضل مأخوذ من هذه الآية وبه يحسن موقع استعارة اللباس من كل من الزوجين للآخر. وفيه وجه آخر وهو أنها تنعطف عليه أحيانا فتكون عليه كاللباس قال الشاعر: إذا ما الضجيع ثنى جيدها ... تثنت فكانت عليه لباسا وأردأ أشكاله أن تعلوه المرأة ويجامعها على ظهره وهو خلاف الشكل الطبيعي الذي طبع الله عليه الرجل والمرأة بل نوع الذكر والأنثى وفيه من المفاسد أن المني يتعسر خروجه كله فربما بقي في العضو منه فيتعفن ويفسد فيضر وأيضا: فربما سال إلى الذكر رطوبات من الفرج وأيضا فإن الرحم لا(4\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1745",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10311",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يتمكن من الاشتمال على الماء واجتماعه فيه وانضمامه عليه لتخليق الولد وأيضا: فإن المرأة مفعول بها طبعا وشرعا وإذا كانت فاعلة خالفت مقتضى الطبع والشرع. وكان أهل الكتاب إنما يأتون النساء على جنوبهن على حرف ويقولون: هو أيسر للمرأة. وكانت قريش والأنصار تشرح النساء على أقفائهن فعابت اليهود عليهم ذلك فأنزل الله عز وجل: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم [البقرة: 223] [البقرة: 223] . وفي quot; الصحيحين quot; عن جابر قال: ( كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول )  فأنزل الله عز وجل: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم [البقرة: 223]  وفي لفظ لمسلم: ( إن شاء مجبية وإن شاء غير مجبية غير أن ذلك في صمام واحد ) . والمجبية: المنكبة على وجهها والصمام الواحد: الفرج وهو موضع الحرث والولد.  [تحريم الدبر] وأما الدبر: فلم يبح قط على لسان نبي من الأنبياء ومن نسب إلى بعض السلف إباحة وطء الزوجة في دبرها فقد غلط عليه وفي quot; سنن أبي داود quot; عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( ملعون من أتى المرأة في دبرها ) .(4\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1746",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10312",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي لفظ لأحمد وابن ماجه: ( لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها ) . وفي لفظ للترمذي وأحمد: ( من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم ) . وفي لفظ للبيهقي: ( من أتى شيئا من الرجال والنساء في الأدبار فقد كفر ) . وفي quot; مصنف وكيع quot;: حدثني زمعة بن صالح عن ابن طاووس عن أبيه عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن يزيد قال: قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله لا يستحيي من الحق ( لا تأتوا النساء في أعجازهن )  وقال مرة: quot; في أدبارهن quot;. وفي الترمذي: عن علي بن طلق قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( لا تأتوا النساء في أعجازهن فإن الله لا يستحيي من الحق ) . وفي quot; الكامل quot; لابن عدي: من حديثه عن المحاملي عن سعيد بن يحيى(4\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1747",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10313",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأموي قال: حدثنا محمد بن حمزة عن زيد بن رفيع عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود يرفعه: ( لا تأتوا النساء في أعجازهن ) . وروينا في حديث الحسن بن علي الجوهري عن أبي ذر مرفوعا: ( من أتى الرجال أو النساء في أدبارهن فقد كفر ) . وروى إسماعيل بن عياش عن سهيل بن أبي صالح عن محمد بن المنكدر عن جابر يرفعه: ( استحيوا من الله فإن الله لا يستحيي من الحق لا تأتوا النساء في حشوشهن ) . ورواه الدارقطني من هذه الطريق ولفظه: ( إن الله لا يستحيي من الحق لا يحل مأتاك النساء في حشوشهن ) . وقال البغوي: حدثنا هدبة حدثنا همام قال: سئل قتادة عن الذي يأتي امرأته في دبرها فقال: حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( تلك اللوطية الصغرى ) . وقال أحمد في quot; مسنده quot;: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا همام أخبرنا عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فذكره.(4\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1748",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10314",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; المسند quot; أيضا: عن ابن عباس أنزلت هذه الآية: نساؤكم حرث لكم [البقرة: 223] في أناس من الأنصار أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألوه فقال: ( ائتها على كل حال إذا كان في الفرج ) . وفي quot; المسند quot; أيضا: عن ابن عباس قال: جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هلكت فقال: ( وما الذي أهلكك quot; قال: حولت رحلي البارحة قال: فلم يرد عليه شيئا فأوحى الله إلى رسوله: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم [البقرة: 223] أقبل وأدبر واتق الحيضة والدبر ) . وفي الترمذي عن ابن عباس مرفوعا: ( لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في الدبر ) . وروينا من حديث أبي علي الحسن بن الحسين بن دوما عن البراء بن عازب يرفعه: ( كفر بالله العظيم عشرة من هذه الأمة: القاتل والساحر والديوث وناكح المرأة في دبرها ومانع الزكاة ومن وجد سعة فمات ولم يحج وشارب الخمر والساعي في الفتن وبائع السلاح من أهل الحرب ومن نكح ذات محرم منه ) . وقال عبد الله بن وهب: حدثنا عبد الله بن لهيعة عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( ملعون من يأتي النساء في محاشهن ) .(4\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1749",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10315",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعني: أدبارهن quot;. وفي quot; مسند الحارث بن أبي أسامة quot; من حديث أبي هريرة وابن عباس قالا: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل وفاته وهي آخر خطبة خطبها بالمدينة حتى لحق بالله عز وجل وعظنا فيها وقال: quot; ( من نكح امرأة في دبرها أو رجلا أو صبيا حشر يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة يتأذى به الناس حتى يدخل النار وأحبط الله أجره ولا يقبل منه صرفا ولا عدلا ويدخل في تابوت من نار ويشد عليه مسامير من نار ) . قال أبو هريرة: هذا لمن لم يتب. وذكر أبو نعيم الأصبهاني من حديث خزيمة بن ثابت يرفعه: ( إن الله لا يستحيي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن ) . وقال الشافعي: أخبرني عمي محمد بن علي بن شافع قال: أخبرني عبد الله بن علي بن السائب عن عمرو بن أحيحة بن الجلاح عن خزيمة بن ثابت أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم عن إتيان النساء في أدبارهن فقال: ( حلال quot; فلما ولى دعاه فقال: quot; كيف قلت في أي الخربتين أو في أي الخرزتين أو في أي الخصفتين أمن دبرها في قبلها فنعم أم من دبرها في دبرها فلا إن الله لا يستحيي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن ) . قال الربيع: فقيل للشافعي: فما تقول فقال: عمي ثقة وعبد الله بن علي ثقة وقد أثنى على الأنصاري خيرا يعني عمرو بن الجلاح وخزيمة(4\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1750",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10316",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ممن لا يشك في ثقته فلست أرخص فيه بل أنهى عنه. قلت: ومن هاهنا نشأ الغلط على من نقل عنه الإباحة من السلف والأئمة فإنهم أباحوا أن يكون الدبر طريقا إلى الوطء في الفرج فيطأ من الدبر لا في الدبر فاشتبه على السامع quot; من quot; ب quot; في quot; ولم يظن بينهما فرقا فهذا الذي أباحه السلف والأئمة فغلط عليهم الغالط أقبح الغلط وأفحشه. وقد قال تعالى: فأتوهن من حيث أمركم الله [البقرة: 222]  قال مجاهد: سألت ابن عباس عن قوله تعالى: فأتوهن من حيث أمركم الله [البقرة: 222]  فقال: تأتيها من حيث أمرت أن تعتزلها يعني في الحيض. وقال علي بن أبي طلحة عنه يقول: في الفرج ولا تعده إلى غيره. وقد دلت الآية على تحريم الوطء في دبرها من وجهين: أحدهما: أنه أباح إتيانها في الحرث وهو موضع الولد لا في الحش الذي هو موضع الأذى وموضع الحرث هو المراد من قوله: من حيث أمركم الله [البقرة: 222] الآية قال: فأتوا حرثكم أنى شئتم [البقرة: 223]  وإتيانها في قبلها من دبرها مستفاد من الآية أيضا لأنه قال أنى شئتم أي: من أين شئتم من أمام أو من خلف. قال ابن عباس: فأتوا حرثكم [البقرة: 223] يعني: الفرج. وإذا كان الله حرم الوطء في الفرج لأجل الأذى العارض فما الظن بالحش الذي هو محل الأذى اللازم مع زيادة المفسدة بالتعرض لانقطاع النسل والذريعة القريبة جدا من أدبار النساء إلى أدبار الصبيان. وأيضا: فللمرأة حق على الزوج في الوطء ووطؤها في دبرها يفوت حقها ولا يقضي وطرها ولا يحصل مقصودها. وأيضا: فإن الدبر لم يتهيأ لهذا العمل ولم يخلق له وإنما الذي هيئ له الفرج فالعادلون عنه إلى الدبر خارجون عن حكمة الله وشرعه جميعا.(4\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1751",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10317",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأيضا: فإن ذلك مضر بالرجل ولهذا ينهى عنه عقلاء الأطباء من الفلاسفة وغيرهم لأن للفرج خاصية في اجتذاب الماء المحتقن وراحة الرجل منه والوطء في الدبر لا يعين على اجتذاب جميع الماء ولا يخرج كل المحتقن لمخالفته للأمر الطبيعي. وأيضا: يضر من وجه آخر وهو إحواجه إلى حركات متعبة جدا لمخالفته للطبيعة. وأيضا فإنه محل القذر والنجو فيستقبله الرجل بوجهه ويلابسه. وأيضا: فإنه يضر بالمرأة جدا لأنه وارد غريب بعيد عن الطباع منافر لها غاية المنافرة. وأيضا: فإنه يحدث الهم والغم والنفرة عن الفاعل والمفعول. وأيضا: فإنه يسود الوجه ويظلم الصدر ويطمس نور القلب ويكسو الوجه وحشة تصير عليه كالسيماء يعرفها من له أدنى فراسة. وأيضا: فإنه يوجب النفرة والتباغض الشديد والتقاطع بين الفاعل والمفعول ولا بد. وأيضا: فإنه يفسد حال الفاعل والمفعول فسادا لا يكاد يرجى بعده صلاح إلا أن يشاء الله بالتوبة النصوح. وأيضا: فإنه يذهب بالمحاسن منهما ويكسوهما ضدها كما يذهب بالمودة بينهما ويبدلهما بها تباغضا وتلاعنا. وأيضا: فإنه من أكبر أسباب زوال النعم وحلول النقم فإنه يوجب اللعنة والمقت من الله وإعراضه عن فاعله وعدم نظره إليه فأي خير(4\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1752",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10318",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يرجوه بعد هذا وأي شر يأمنه وكيف حياة عبد قد حلت عليه لعنة الله ومقته وأعرض عنه بوجهه ولم ينظر إليه. وأيضا: فإنه يذهب بالحياء جملة والحياء هو حياة القلوب فإذا فقدها القلب استحسن القبيح واستقبح الحسن وحينئذ فقد استحكم فساده. وأيضا: فإنه يحيل الطباع عما ركبها الله ويخرج الإنسان عن طبعه إلى طبع لم يركب الله عليه شيئا من الحيوان بل هو طبع منكوس وإذا نكس الطبع انتكس القلب والعمل والهدى فيستطيب حينئذ الخبيث من الأعمال والهيئات ويفسد حاله وعمله وكلامه بغير اختياره. وأيضا: فإنه يورث من الوقاحة والجرأة ما لا يورثه سواه. وأيضا: فإنه يورث من المهانة والسفال والحقارة ما لا يورثه غيره. وأيضا: فإنه يكسو العبد من حلة المقت والبغضاء وازدراء الناس له واحتقارهم إياه واستصغارهم له ما هو مشاهد بالحس فصلاة الله وسلامه على من سعادة الدنيا والآخرة في هديه واتباع ما جاء به وهلاك الدنيا والآخرة في مخالفة هديه وما جاء به.  [فصل أنواع الجماع الضار] فصل والجماع الضار نوعان: ضار شرعا وضار طبعا. فالضار شرعا: المحرم وهو مراتب بعضها أشد من بعض. والتحريم العارض منه أخف من اللازم كتحريم الإحرام والصيام والاعتكاف وتحريم المظاهر منها قبل التكفير وتحريم وطء الحائض ونحو ذلك ولهذا لا حد في هذا الجماع.(4\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1753",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10319",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما اللازم: فنوعان. نوع لا سبيل إلى حله البتة كذوات المحارم فهذا من أضر الجماع وهو يوجب القتل حدا عند طائفة من العلماء كأحمد بن حنبل رحمه الله وغيره وفيه حديث مرفوع ثابت. والثاني: ما يمكن أن يكون حلالا كالأجنبية فإن كانت ذات زوج ففي وطئها حقان. حق لله وحق للزوج. فإن كانت مكرهة ففيه ثلاثة حقوق وإن كان لها أهل وأقارب يلحقهم العار بذلك صار فيه أربعة حقوق فإن كانت ذات محرم منه صار فيه خمسة حقوق. فمضرة هذا النوع بحسب درجاته في التحريم. وأما الضار طبعا فنوعان أيضا: نوع ضار بكيفيته كما تقدم ونوع ضار بكميته كالإكثار منه فإنه يسقط القوة ويضر بالعصب ويحدث الرعشة والفالج والتشنج ويضعف البصر وسائر القوى ويطفئ الحرارة الغريزية(4\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1754",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10320",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويوسع المجاري ويجعلها مستعدة للفضلات المؤذية. وأنفع أوقاته ما كان بعد انهضام الغذاء في المعدة وفي زمان معتدل لا على جوع فإنه يضعف الحار الغريزي ولا على شبع فإنه يوجب أمراضا شديدة ولا على تعب ولا إثر حمام ولا استفراغ ولا انفعال نفساني كالغم والهم والحزن وشدة الفرح. وأجود أوقاته بعد هزيع من الليل إذا صادف انهضام الطعام ثم يغتسل أو يتوضأ وينام عليه وينام عقبه فتراجع إليه قواه وليحذر الحركة والرياضة عقبه فإنها مضرة جدا.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج العشق] فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في علاج العشق هذا مرض من أمراض القلب مخالف لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه وعلاجه وإذا تمكن واستحكم عز على الأطباء دواؤه وأعيا العليل داؤه وإنما حكاه الله سبحانه في كتابه عن طائفتين من الناس: من النساء وعشاق الصبيان المردان فحكاه عن امرأة العزيز في شأن يوسف وحكاه عن قوم لوط فقال تعالى إخبارا عنهم لما جاءت الملائكة لوطا: وجاء أهل المدينة يستبشرون - قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون - واتقوا الله ولا تخزون - قالوا أولم ننهك عن العالمين - قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين - لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون [الحجر: 67 - 72] [الحجر: 68:73] . وأما ما زعمه بعض من لم يقدر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حق قدره أنه ابتلي به في شأن زينب بنت جحش وأنه رآها فقال: ( سبحان مقلب القلوب ) . وأخذت بقلبه وجعل يقول لزيد بن حارثة: أمسكها حتى أنزل الله عليه: وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه [الأحزاب: 37](4\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1755",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10321",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[الأحزاب: 37]  فظن هذا الزاعم أن ذلك في شأن العشق وصنف بعضهم كتابا في العشق وذكر فيه عشق الأنبياء وذكر هذه الواقعة وهذا من جهل هذا القائل بالقرآن وبالرسل وتحميله كلام الله ما لا يحتمله ونسبته رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ما برأه الله منه فإن زينب بنت جحش كانت تحت زيد بن حارثة وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد تبناه وكان يدعى زيد بن محمد وكانت زينب فيها شمم وترفع عليه فشاور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في طلاقها فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك زوجك واتق الله [الأحزاب: 37]  وأخفى في نفسه أن يتزوجها إن طلقها زيد وكان يخشى من قالة الناس أنه تزوج امرأة ابنه لأن زيدا كان يدعى ابنه فهذا هو الذي أخفاه في نفسه وهذه هي الخشية من الناس التي وقعت له. ولهذا ذكر سبحانه هذه الآية يعدد فيها نعمه عليه لا يعاتبه فيها وأعلمه أنه لا ينبغي له أن يخشى الناس فيما أحل الله له وأن الله أحق أن يخشاه فلا يتحرج ما أحله له لأجل قول الناس ثم أخبره أنه سبحانه زوجه إياها بعد قضاء زيد وطره منها لتقتدي أمته به في ذلك ويتزوج الرجل بامرأة ابنه من التبني لا امرأة ابنه لصلبه ولهذا قال في آية التحريم: وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم [النساء: 23](4\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1756",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10322",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[النساء: 23] . وقال في هذه السورة: ما كان محمد أبا أحد من رجالكم [الأحزاب: 40] [الأحزاب: 40]  وقال في أولها: وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم [الأحزاب: 4] [الأحزاب: 4]  فتأمل هذا الذب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودفع طعن الطاعنين عنه وبالله التوفيق. نعم كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب نساءه وكان أحبهن إليه عائشة - رضي الله عنها ولم تكن تبلغ محبته لها ولا لأحد سوى ربه نهاية الحب بل صح أنه قال: ( لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ) وفي لفظ: ( وإن صاحبكم خليل الرحمن ) .  [فصل الإخلاص سبب لدفع العشق] فصل وعشق الصور إنما تبتلى به القلوب الفارغة من محبة الله تعالى المعرضة عنه المتعوضة بغيره عنه فإذا امتلأ القلب من محبة الله والشوق إلى لقائه دفع ذلك عنه مرض عشق الصور ولهذا قال تعالى في حق يوسف كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين [يوسف: 24] [يوسف: 24]  فدل على أن الإخلاص سبب لدفع العشق وما يترتب عليه من السوء والفحشاء التي هي ثمرته ونتيجته فصرف المسبب صرف لسببه ولهذا قال بعض السلف: العشق حركة قلب فارغ يعني فارغا مما سوى معشوقه. قال تعالى: وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به [القصص: 10] [القصص: 11] أي فارغا من كل شيء إلا من موسى لفرط محبتها له وتعلق قلبها به.(4\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1757",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10323",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[علة العشق] والعشق مركب من أمرين: استحسان للمعشوق وطمع في الوصول إليه فمتى انتفى أحدهما انتفى العشق وقد أعيت علة العشق على كثير من العقلاء وتكلم فيها بعضهم بكلام يرغب عن ذكره إلى الصواب. فنقول: قد استقرت حكمة الله - عز وجل - في خلقه وأمره على وقوع التناسب والتآلف بين الأشباه وانجذاب الشيء إلى موافقه ومجانسه بالطبع وهروبه من مخالفه ونفرته عنه بالطبع فسر التمازج والاتصال في العالم العلوي والسفلي إنما هو التناسب والتشاكل والتوافق وسر التباين والانفصال إنما هو بعدم التشاكل والتناسب وعلى ذلك قام الخلق والأمر فالمثل إلى مثله مائل وإليه صائر والضد عن ضده هارب وعنه نافر وقد قال تعالى: هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها [الأعراف: 189] [الأعراف: 189]  فجعل سبحانه علة سكون الرجل إلى امرأته كونها من جنسه وجوهره فعلة السكون المذكور - وهو الحب - كونها منه فدل على أن العلة ليست بحسن الصورة ولا الموافقة في القصد والإرادة ولا في الخلق والهدي وإن كانت هذه أيضا من أسباب السكون والمحبة. وقد ثبت في quot; الصحيح quot; عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف )  وفي quot; مسند الإمام أحمد quot; وغيره في سبب هذا الحديث: أن امرأة بمكة كانت تضحك الناس فجاءت إلى المدينة فنزلت على امرأة تضحك الناس فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: ( الأرواح جنود مجندة ) الحديث.(4\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1758",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10324",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد استقرت شريعته سبحانه أن حكم الشيء حكم مثله فلا تفرق شريعته بين متماثلين أبدا ولا تجمع بين متضادين ومن ظن خلاف ذلك فإما لقلة علمه بالشريعة وإما لتقصيره في معرفة التماثل والاختلاف وإما لنسبته إلى شريعته ما لم ينزل به سلطانا بل يكون من آراء الرجال فبحكمته وعدله ظهر خلقه وشرعه وبالعدل والميزان قام الخلق والشرع وهو التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين. وهذا كما أنه ثابت في الدنيا فهو كذلك يوم القيامة. قال تعالى: احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم [الصافات: 22] [الصافات: 22] . قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وبعده الإمام أحمد رحمه الله: ( أزواجهم أشباههم ونظراؤهم ) . وقال تعالى: وإذا النفوس زوجت [التكوير: 7] [التكوير: 7] أي: قرن كل صاحب عمل بشكله ونظيره فقرن بين المتحابين في الله في الجنة وقرن بين المتحابين في طاعة الشيطان في الجحيم فالمرء مع من أحب شاء أو أبى وفي quot; مستدرك الحاكم quot; وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( لا يحب المرء قوما إلا حشر معهم ) .(4\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1759",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10325",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[أنواع المحبة] والمحبة أنواع متعددة: فأفضلها وأجلها: المحبة في الله ولله وهي تستلزم محبة ما أحب الله وتستلزم محبة الله ورسوله. ومنها محبة الاتفاق في طريقة أو دين أو مذهب أو نحلة أو قرابة أو صناعة أو مراد ما. ومنها: محبة لنيل غرض من المحبوب إما من جاهه أو من ماله أو من تعليمه وإرشاده أو قضاء وطر منه وهذه هي المحبة العرضية التي تزول بزوال موجبها فإن من ودك لأمر ولى عنك عند انقضائه. وأما محبة المشاكلة والمناسبة التي بين المحب والمحبوب فمحبة لازمة لا تزول إلا لعارض يزيلها ومحبة العشق من هذا النوع فإنها استحسان روحاني وامتزاج نفساني ولا يعرض في شيء من أنواع المحبة من الوسواس والنحول وشغل البال والتلف ما يعرض من العشق.  [سبب كون العشق أحيانا من طرف واحد] فإن قيل: فإذا كان سبب العشق ما ذكرتم من الاتصال والتناسب الروحاني فما باله لا يكون دائما من الطرفين بل تجده كثيرا من طرف العاشق وحده فلو كان سببه الاتصال النفسي والامتزاج الروحاني لكانت المحبة مشتركة بينهما. فالجواب: أن السبب قد يتخلف عنه مسببه لفوات شرط أو لوجود مانع وتخلف المحبة من الجانب الآخر لا بد أن يكون لأحد ثلاثة أسباب: الأول: علة في المحبة وأنها محبة عرضية لا ذاتية ولا يجب الاشتراك في المحبة العرضية بل قد يلزمها نفرة من المحبوب. الثاني: مانع يقوم بالمحب يمنع محبة محبوبه له إما في خلقه أو في خلقه أو هديه أو فعله أو هيئته أو غير ذلك.(4\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1760",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10326",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالث: مانع يقوم بالمحبوب يمنع مشاركته للمحب في محبته ولولا ذلك المانع لقام به من المحبة لمحبه مثل ما قام بالآخر فإذا انتفت هذه الموانع وكانت المحبة ذاتية فلا يكون قط إلا من الجانبين ولولا مانع الكبر والحسد والرياسة والمعاداة في الكفار لكانت الرسل أحب إليهم من أنفسهم وأهليهم وأموالهم ولما زال هذا المانع من قلوب أتباعهم كانت محبتهم لهم فوق محبة الأنفس والأهل والمال.  [فصل علاج العشق بالزواج بالمعشوق] فصل والمقصود: أن العشق لما كان مرضا من الأمراض كان قابلا للعلاج وله أنواع من العلاج فإن كان مما للعاشق سبيل إلى وصل محبوبه شرعا وقدرا فهو علاجه كما ثبت في quot; الصحيحين quot; من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) . فدل المحب على علاجين: أصلي وبدلي. وأمره بالأصلي وهو العلاج الذي وضع لهذا الداء فلا ينبغي العدول عنه إلى غيره ما وجد إليه سبيلا. وروى ابن ماجه في quot; سننه quot; عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( لم نر للمتحابين مثل النكاح )  وهذا هو المعنى الذي أشار إليه سبحانه عقيب إحلال النساء حرائرهن وإمائهن عند الحاجة بقوله: يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا [النساء: 28] [النساء: 28] . فذكر تخفيفه في هذا الموضع وإخباره عن ضعف الإنسان يدل على ضعفه عن احتمال هذه الشهوة وأنه - سبحانه - خفف عنه أمرها بما أباحه له من أطايب النساء مثنى وثلاث ورباع وأباح له ما شاء مما ملكت يمينه ثم أباح له أن يتزوج بالإماء إن احتاج(4\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1761",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10327",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى ذلك علاجا لهذه الشهوة وتخفيفا عن هذا الخلق الضعيف ورحمة به.  [فصل من علاجه إشعار النفس اليأس منه إن كان الوصال متعذرا قدرا وشرعا] فصل وإن كان لا سبيل للعاشق إلى وصال معشوقه قدرا أو شرعا أو هو ممتنع عليه من الجهتين وهو الداء العضال فمن علاجه إشعار نفسه اليأس منه فإن النفس متى يئست من الشيء استراحت منه ولم تلتفت إليه فإن لم يزل مرض العشق مع اليأس فقد انحرف الطبع انحرافا شديدا فينتقل إلى علاج آخر وهو علاج عقله بأن يعلم بأن تعلق القلب بما لا مطمع في حصوله نوع من الجنون وصاحبه بمنزلة من يعشق الشمس وروحه متعلقة بالصعود إليها والدوران معها في فلكها وهذا معدود عند جميع العقلاء في زمرة المجانين.  [إن كان الوصال متعذرا شرعا فعلاجه إنزاله منزلة المتعذر قدرا وذكر علاجات أخرى] وإن كان الوصال متعذرا شرعا لا قدرا فعلاجه بأن ينزله منزلة المتعذر قدرا إذ ما لم يأذن فيه الله فعلاج العبد ونجاته موقوف على اجتنابه فليشعر نفسه أنه معدوم ممتنع لا سبيل له إليه وأنه بمنزلة سائر المحالات فإن لم تجبه النفس الأمارة فليتركه لأحد أمرين: إما خشية وإما فوات محبوب هو أحب إليه وأنفع له وخير له منه وأدوم لذة وسرورا فإن العاقل متى وازن بين نيل محبوب سريع الزوال بفوات محبوب أعظم منه وأدوم وأنفع وألذ أو بالعكس ظهر له التفاوت فلا تبع لذة الأبد التي لا خطر لها بلذة ساعة تنقلب آلاما وحقيقتها أنها أحلام نائم أو خيال لا ثبات له فتذهب اللذة وتبقى التبعة وتزول الشهوة وتبقى الشقوة. الثاني: حصول مكروه أشق عليه من فوات هذا المحبوب بل يجتمع له الأمران أعني: فوات ما هو أحب إليه من هذا المحبوب وحصول ما هو أكره إليه من فوات هذا المحبوب فإذا تيقن أن في إعطاء النفس حظها من هذا المحبوب هذين الأمرين هان عليه تركه ورأى أن صبره على فوته أسهل من صبره عليهما بكثير فعقله ودينه ومروءته وإنسانيته تأمره باحتمال الضرر(4\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1762",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10328",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اليسير الذي ينقلب سريعا لذة وسرورا وفرحا لدفع هذين الضررين العظيمين. وجهله وهواه وظلمه وطيشه وخفته يأمره بإيثار هذا المحبوب العاجل بما فيه جالبا عليه ما جلب والمعصوم من عصمه الله. فإن لم تقبل نفسه هذا الدواء ولم تطاوعه لهذه المعالجة فلينظر ما تجلب عليه هذه الشهوة من مفاسد عاجلته وما تمنعه من مصالحها فإنها أجلب شيء لمفاسد الدنيا وأعظم شيء تعطيلا لمصالحها فإنها تحول بين العبد وبين رشده الذي هو ملاك أمره وقوام مصالحه. فإن لم تقبل نفسه هذا الدواء فليتذكر قبائح المحبوب وما يدعوه إلى النفرة عنه فإنه إن طلبها وتأملها وجدها أضعاف محاسنه التي تدعو إلى حبه وليسأل جيرانه عما خفي عليه منها فإنها المحاسن كما هي داعية الحب والإرادة فالمساوئ داعية البغض والنفرة فليوازن بين الداعيين وليحب أسبقهما وأقربهما منها بابا ولا يكن ممن غره لون جمال على جسم أبرص مجذوم وليجاوز بصره حسن الصورة إلى قبح الفعل وليعبر من حسن المنظر والجسم إلى قبح المخبر والقلب. فإن عجزت عنه هذه الأدوية كلها لم يبق له إلا صدق اللجأ إلى من يجيب المضطر إذا دعاه وليطرح نفسه بين يديه على بابه مستغيثا به متضرعا متذللا مستكينا فمتى وفق لذلك فقد قرع باب التوفيق فليعف وليكتم ولا يشبب بذكر المحبوب ولا يفضحه بين الناس ويعرضه للأذى فإنه يكون ظالما معتديا.  [بطلان حديث quot; من عشق فعف ... quot;] ولا يغتر بالحديث الموضوع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رواه سويد بن سعيد عن علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم. ورواه عن أبي مسهر أيضا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم ورواه الزبير بن بكار عن عبد الملك بن عبد(4\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1763",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10329",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العزيز بن الماجشون عن عبد العزيز بن أبي حازم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( من عشق فعف فمات فهو شهيد )  وفي رواية: ( من عشق وكتم وعف وصبر غفر الله له وأدخله الجنة ) . فإن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ولا يجوز أن يكون من كلامه فإن الشهادة درجة عالية عند الله مقرونة بدرجة الصديقية ولها أعمال وأحوال هي شرط في حصولها وهي نوعان: عامة وخاصة فالخاصة: الشهادة في سبيل الله. والعامة خمس مذكورة في quot; الصحيح quot; ليس العشق واحدا منها.(4\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1764",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10330",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكيف يكون العشق الذي هو شرك في المحبة وفراغ القلب عن الله وتمليك القلب والروح والحب لغيره تنال به درجة الشهادة هذا من المحال فإن إفساد عشق الصور للقلب فوق كل إفساد بل هو خمر الروح الذي يسكرها ويصدها عن ذكر الله وحبه والتلذذ بمناجاته والأنس به ويوجب عبودية القلب لغيره فإن قلب العاشق متعبد لمعشوقه بل العشق لب العبودية فإنها كمال الذل والحب والخضوع والتعظيم فكيف يكون تعبد القلب لغير الله مما تنال به درجة أفاضل الموحدين وساداتهم وخواص الأولياء فلو كان إسناد هذا الحديث كالشمس كان غلطا ووهما ولا يحفظ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لفظ العشق في حديث صحيح البتة. ثم إن العشق منه حلال ومنه حرام فكيف يظن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يحكم على كل عاشق يكتم ويعف بأنه شهيد فترى من يعشق امرأة غيره أو يعشق المردان والبغايا ينال بعشقه درجة الشهداء وهل هذا إلا خلاف المعلوم من دينه - صلى الله عليه وسلم - بالضرورة كيف والعشق مرض من الأمراض التي جعل الله سبحانه لها الأدوية شرعا وقدرا والتداوي منه إما واجب إن كان عشقا حراما وإما مستحب. وأنت إذا تأملت الأمراض والآفات التي حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابها بالشهادة وجدتها من الأمراض التي لا علاج لها كالمطعون والمبطون والمجنوب والغريق وموت المرأة يقتلها ولدها في بطنها فإن هذه(4\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1765",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10331",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بلايا من الله لا صنع للعبد فيها ولا علاج لها وليست أسبابها محرمة ولا يترتب عليها من فساد القلب وتعبده لغير الله ما يترتب على العشق فإن لم يكف هذا في إبطال نسبة هذا الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلد أئمة الحديث العالمين به وبعلله فإنه لا يحفظ عن إمام واحد منهم قط أنه شهد له بصحة بل ولا بحسن كيف وقد أنكروا على سويد هذا الحديث ورموه لأجله بالعظائم واستحل بعضهم غزوه لأجله. قال أبو أحمد بن عدي في quot; كامله quot;: هذا الحديث أحد ما أنكر على سويد وكذلك قال البيهقي: إنه مما أنكر عليه وكذلك قال ابن طاهر في quot; الذخيرة quot; وذكره الحاكم في quot; تاريخ نيسابور quot; وقال: أنا أتعجب من هذا الحديث فإنه لم يحدث به عن غير سويد وهو ثقة وذكره أبو الفرج بن الجوزي في كتاب quot; الموضوعات quot; وكان أبو بكر الأزرق يرفعه أولا عن سويد فعوتب فيه فأسقط النبي صلى الله عليه وسلم وكان لا يجاوز به ابن عباس رضي الله عنهما. ومن المصائب التي لا تحتمل جعل هذا الحديث من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن له أدنى إلمام بالحديث وعلله لا يحتمل هذا البتة ولا يحتمل أن يكون من حديث الماجشون عن ابن أبي حازم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا وفي صحته موقوفا على ابن عباس نظر وقد رمى الناس سويد بن سعيد راوي هذا الحديث بالعظائم وأنكره عليه يحيى بن معين وقال: هو ساقط كذاب لو كان لي فرس ورمح كنت أغزوه وقال الإمام أحمد: متروك الحديث وقال النسائي: ليس بثقة وقال البخاري: كان قد عمي فيلقن ما ليس من حديثه وقال ابن حبان: يأتي بالمعضلات عن الثقات يجب مجانبة ما روى. انتهى. وأحسن ما قيل فيه قول أبي حاتم الرازي: إنه صدوق كثير التدليس ثم قول الدارقطني: هو ثقة غير أنه لما كبر كان ربما قرئ عليه حديث فيه بعض النكارة فيجيزه انتهى. وعيب على مسلم(4\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1766",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10332",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إخراج حديثه وهذه حاله ولكن مسلم روى من حديثه ما تابعه عليه غيره ولم ينفرد به ولم يكن منكرا ولا شاذا بخلاف هذا الحديث والله أعلم.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ الصحة بالطيب] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ الصحة بالطيب لما كانت الرائحة الطيبة غذاء الروح والروح مطية القوى والقوى تزداد بالطيب وهو ينفع الدماغ والقلب وسائر الأعضاء الباطنية ويفرح القلب ويسر النفس ويبسط الروح وهو أصدق شيء للروح وأشده ملاءمة لها وبينه وبين الروح الطيبة نسبة قريبة. كان أحد المحبوبين من الدنيا إلى أطيب الطيبين صلوات الله عليه وسلامه. وفي quot; صحيح البخاري quot; أنه صلى الله عليه وسلم ( كان لا يرد الطيب ) وفي quot; صحيح مسلم quot; عنه صلى الله عليه وسلم: ( من عرض عليه ريحان فلا يرده. فإنه طيب الريح خفيف المحمل ) . وفي quot; سنن أبي داود quot; والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( من عرض عليه طيب فلا يرده فإنه خفيف المحمل طيب الرائحة ) . وفي quot; مسند البزار quot;: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن الله طيب يحب الطيب نظيف يحب النظافة كريم يحب الكرم جواد يحب الجود فنظفوا أفناءكم(4\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1767",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10333",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وساحاتكم ولا تشبهوا باليهود يجمعون الأكب في دورهم ) . الأكب: الزبالة. وذكر ابن أبي شيبة أنه صلى الله عليه وسلم ( كان له سكة يتطيب منها ) . وصح عنه أنه قال: ( إن لله حقا على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام وإن كان له طيب أن يمس منه ) . وفي الطيب من الخاصية أن الملائكة تحبه والشياطين تنفر عنه وأحب شيء إلى الشياطين الرائحة المنتنة الكريهة فالأرواح الطيبة تحب الرائحة الطيبة والأرواح الخبيثة تحب الرائحة الخبيثة وكل روح تميل إلى ما يناسبها فالخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات وهذا وإن كان في النساء والرجال فإنه يتناول الأعمال والأقوال والمطاعم والمشارب والملابس والروائح إما بعموم لفظه أو بعموم معناه.  [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ صحة العين] فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ صحة العين روى أبو داود في quot; سننه quot; عن عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة الأنصاري عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالإثمد(4\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1768",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10334",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المروح عند النوم وقال: (ليتقه الصائم)  قال أبو عبيد: المروح: المطيب بالمسك. وفي quot; سنن ابن ماجه quot; وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( كانت للنبي صلى الله عليه وسلم مكحلة يكتحل منها ثلاثا في كل عين ) . وفي الترمذي: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اكتحل يجعل في اليمنى ثلاثا يبتدئ بها ويختم بها وفي اليسرى ثنتين ) . وقد روى أبو داود عنه صلى الله عليه وسلم: ( من اكتحل فليوتر ) . فهل الوتر بالنسبة إلى العينين كلتيهما فيكون في هذه ثلاث وفي هذه ثنتان واليمنى أولى بالابتداء(4\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1769",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10335",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتفضيل أو هو بالنسبة إلى كل عين فيكون في هذه ثلاث وفي هذه ثلاث وهما قولان في مذهب أحمد وغيره. وفي الكحل حفظ لصحة العين وتقوية للنور الباصر وجلاء لها وتلطيف للمادة الرديئة واستخراج لها مع الزينة في بعض أنواعه وله عند النوم مزيد فضل لاشتمالها على الكحل وسكونها عقيبه عن الحركة المضرة بها وخدمة الطبيعة لها وللإثمد من ذلك خاصية. وفي quot; سنن ابن ماجه quot; عن سالم عن أبيه يرفعه: ( عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر ) . وفي quot; كتاب أبي نعيم quot;: ( فإنه منبتة للشعر مذهبة للقذى مصفاة للبصر ) . وفي quot; سنن ابن ماجه quot; أيضا: عن ابن عباس - رضي الله عنهما - يرفعه: ( خير أكحالكم الإثمد يجلو البصر وينبت الشعر ) .(4\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1770",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10336",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في ذكر شيء من الأدوية والأغذية المفردة التي جاءت على لسانه صلى الله عليه وسلم مرتبة على حروف المعجم] [حرف الهمزة] [إثمد] فصل في ذكر شيء من الأدوية والأغذية المفردة التي جاءت على لسانه صلى الله عليه وسلم مرتبة على حروف المعجم حرف الهمزة إثمد: هو حجر الكحل الأسود يؤتى به من أصبهان وهو أفضله ويؤتى به من جهة المغرب أيضا وأجوده السريع التفتيت الذي لفتاته بصيص وداخله أملس ليس فيه شيء من الأوساخ. ومزاجه بارد يابس ينفع العين ويقويها ويشد أعصابها ويحفظ صحتها ويذهب اللحم الزائد في القروح ويدملها وينقي أوساخها ويجلوها ويذهب الصداع إذا اكتحل به مع العسل المائي الرقيق وإذا دق وخلط ببعض الشحوم الطرية ولطخ على حرق النار لم تعرض فيه خشكريشة ونفع من التنفط الحادث بسببه وهو أجود أكحال العين لا سيما للمشايخ والذين قد ضعفت أبصارهم إذا جعل معه شيء من المسك.  [أترج] : ثبت في quot; الصحيح quot;: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ) في الأترج منافع كثيرة وهو مركب من أربعة أشياء: قشر ولحم وحمض وبزر ولكل واحد منها مزاج يخصه فقشره حار يابس ولحمه حار رطب وحمضه بارد يابس وبزره حار يابس.(4\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1771",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10337",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن منافع قشره: أنه إذا جعل في الثياب منع السوس ورائحته تصلح فساد الهواء والوباء ويطيب النكهة إذا أمسكه في الفم ويحلل الرياح وإذا جعل في الطعام كالأبازير أعان على الهضم. قال صاحب quot; القانون quot;: وعصارة قشره تنفع من نهش الأفاعي شربا وقشره ضمادا وحراقة قشره طلاء جيد للبرص. انتهى. وأما لحمه: فملطف لحرارة المعدة نافع لأصحاب المرة الصفراء قامع للبخارات الحارة. وقال الغافقي: أكل لحمه ينفع البواسير. انتهى. وأما حمضه: فقابض كاسر للصفراء ومسكن للخفقان الحار نافع من اليرقان شربا واكتحالا قاطع للقيء الصفراوي مشه للطعام عاقل للطبيعة نافع من الإسهال الصفراوي وعصارة حمضه يسكن غلمة النساء وينفع طلاء من الكلف ويذهب بالقوباء ويستدل على ذلك من فعله في الحبر إذا وقع في الثياب قلعه وله قوة تلطف وتقطع وتبرد وتطفئ حرارة الكبد وتقوي المعدة وتمنع حدة المرة الصفراء وتزيل الغم العارض منها وتسكن العطش. وأما بزره: فله قوة محللة مجففة. وقال ابن ماسويه: خاصية حبه النفع من السموم القاتلة إذا شرب منه وزن مثقال مقشرا بماء فاتر وطلاء مطبوخ. وإن دق ووضع على موضع اللسعة نفع وهو ملين للطبيعة مطيب للنكهة وأكثر هذا الفعل موجود في قشره وقال غيره: خاصية حبه النفع من لسعات العقارب إذا شرب منه وزن مثقالين مقشرا بماء فاتر وكذلك إذا دق ووضع على موضع(4\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1772",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10338",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اللدغة. وقال غيره: حبه يصلح للسموم كلها وهو نافع من لدغ الهوام كلها. وذكر أن بعض الأكاسرة غضب على قوم من الأطباء فأمر بحبسهم وخيرهم أدما لا يزيد لهم عليه فاختاروا الأترج فقيل لهم: لم اخترتموه على غيره فقالوا: لأنه في العاجل ريحان ومنظره مفرح وقشره طيب الرائحة ولحمه فاكهة وحمضه أدم وحبه ترياق وفيه دهن. وحقيق بشيء هذه منافعه أن يشبه به خلاصة الوجود وهو المؤمن الذي يقرأ القرآن وكان بعض السلف يحب النظر إليه لما في منظره من التفريح.  [أرز] : فيه حديثان باطلان موضوعان على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما: أنه لو كان رجلا لكان حليما) . الثاني: كل شيء أخرجته الأرض ففيه داء وشفاء إلا الأرز فإنه شفاء لا داء فيه ) ذكرناهما تنبيها وتحذيرا من نسبتهما إليه صلى الله عليه وسلم. وبعد فهو حار يابس وهو أغذى الحبوب بعد الحنطة وأحمدها خلطا يشد البطن شدا يسيرا ويقوي المعدة ويدبغها ويمكث فيها. وأطباء الهند تزعم أنه أحمد الأغذية وأنفعها إذا طبخ بألبان البقر وله تأثير في خصب البدن وزيادة المني وكثرة التغذية وتصفية اللون.  [أرز] : بفتح الهمزة وسكون الراء: وهو الصنوبر ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ( مثل المؤمن مثل الخامة من الزرع تفيئها الرياح تقيمها مرة وتميلها أخرى ومثل المنافق مثل الأرزة لا تزال قائمة على أصلها حتى يكون انجعافها مرة واحدة ) وحبه حار رطب وفيه إنضاج وتليين وتحليل ولذع يذهب بنقعه في الماء وهو عسر الهضم وفيه تغذية كثيرة وهو جيد للسعال ولتنقية(4\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1773",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10339",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رطوبات الرئة ويزيد في المني ويولد مغصا وترياقه حب الرمان المز.  [إذخر] : ثبت في quot; الصحيح quot; عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في مكة: ( لا يختلى خلاها فقال له العباس رضي الله عنه: إلا الإذخر يا رسول الله فإنه لقينهم ولبيوتهم فقال: quot; إلا الإذخر ) . والإذخر حار في الثانية يابس في الأولى لطيف مفتح للسدد وأفواه العروق يدر البول والطمث ويفتت الحصى ويحلل الأورام الصلبة في المعدة والكبد والكليتين شربا وضمادا وأصله يقوي عمود الأسنان والمعدة ويسكن الغثيان ويعقل البطن.  [حرف الباء] [بطيخ] حرف الباء بطيخ: روى أبو داود والترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأكل البطيخ بالرطب يقول (نكسر حر هذا ببرد هذا وبرد هذا بحر هذا)  . وفي البطيخ عدة أحاديث لا يصح منها شيء غير هذا الحديث الواحد والمراد به الأخضر وهو بارد رطب وفيه جلاء وهو أسرع انحدارا عن المعدة من القثاء والخيار وهو سريع الاستحالة إلى أي خلط كان صادفه في المعدة وإذا كان آكله محرورا انتفع به جدا وإن كان مبرودا دفع ضرره بيسير من الزنجبيل ونحوه وينبغي أكله قبل الطعام ويتبع به وإلا غثى وقيأ وقال بعض الأطباء:(4\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1774",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10340",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنه قبل الطعام يغسل البطن غسلا ويذهب بالداء أصلا.  [بلح] : روى النسائي وابن ماجه في quot; سننهما quot;: من هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( كلوا البلح بالتمر فإن الشيطان إذا نظر إلى ابن آدم يأكل البلح بالتمر يقول: بقي ابن آدم حتى أكل الحديث بالعتيق ) . وفي رواية: ( كلوا البلح بالتمر فإن الشيطان يحزن إذا رأى ابن آدم يأكله يقول: عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخلق )  رواه البزار في quot; مسنده quot; وهذا لفظه. قلت: الباء في الحديث بمعنى: مع أي: كلوا هذا مع هذا قال بعض أطباء الإسلام: إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأكل البلح بالتمر ولم يأمر بأكل البسر مع التمر لأن البلح بارد يابس والتمر حار رطب ففي كل منهما إصلاح للآخر وليس كذلك البسر مع التمر فإن كل واحد منهما حار وإن كانت حرارة التمر أكثر ولا ينبغي من جهة الطب الجمع بين حارين أو باردين كما تقدم. وفي هذا الحديث: التنبيه على صحة أصل صناعة الطب ومراعاة التدبير الذي يصلح في دفع كيفيات الأغذية والأدوية بعضها ببعض ومراعاة القانون الطبي الذي تحفظ به الصحة. وفي البلح برودة ويبوسة وهو ينفع الفم واللثة والمعدة وهو رديء للصدر والرئة بالخشونة التي فيه بطيء في المعدة يسير التغذية وهو للنخلة كالحصرم لشجرة العنب وهما جميعا يولدان رياحا وقراقر ونفخا ولا سيما إذا شرب عليهما الماء ودفع مضرتهما بالتمر أو بالعسل والزبد.  [بسر] : ثبت في quot; الصحيح quot;: ( أن أبا الهيثم بن التيهان لما ضافه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما جاءهم بعذق - وهو من النخلة كالعنقود من(4\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1775",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10341",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العنب - فقال له: quot; هلا انتقيت لنا من رطبه فقال: أحببت أن تنتقوا من بسره ورطبه ) . البسر: حار يابس ويبسه أكثر من حره ينشف الرطوبة ويدبغ المعدة ويحبس البطن وينفع اللثة والفم وأنفعه ما كان هشا وحلوا وكثرة أكله وأكل البلح يحدث السدد في الأحشاء.  [بيض] : ذكر البيهقي في quot; شعب الإيمان quot; أثرا مرفوعا: ( أن نبيا من الأنبياء شكى إلى الله سبحانه الضعف فأمره بأكل البيض ) . وفي ثبوته نظر ويختار من البيض الحديث على العتيق وبيض الدجاج على سائر بيض الطير وهو معتدل يميل إلى البرودة قليلا. قال صاحب quot; القانون quot;: ومحه: حار رطب يولد دما صحيحا محمودا ويغذي غذاء يسيرا ويسرع الانحدار من المعدة إذا كان رخوا. وقال غيره: مح البيض: مسكن للألم مملس للحلق وقصبة الرئة نافع للحلق والسعال وقروح الرئة والكلى والمثانة مذهب للخشونة لا سيما إذا أخذ بدهن اللوز الحلو ومنضج لما في الصدر ملين له مسهل لخشونة الحلق وبياضه إذا قطر في العين الوارمة ورما حارا برده وسكن الوجع وإذا لطخ به حرق النار أو ما يعرض له لم يدعه يتنفط وإذا لطخ به الوجع منع الاحتراق العارض من الشمس إذا خلط بالكندر ولطخ على الجبهة نفع من النزلة. وذكره صاحب quot; القانون quot; في الأدوية القلبية ثم قال: وهو - وإن لم يكن من الأدوية المطلقة - فإنه مما له مدخل في تقوية القلب جدا أعني الصفرة وهي(4\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1776",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10342",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تجمع ثلاثة معان: سرعة الاستحالة إلى الدم وقلة الفضلة وكون الدم المتولد منه مجانسا للدم الذي يغذو القلب خفيفا مندفعا إليه بسرعة ولذلك هو أوفق ما يتلافى به عادية الأمراض المحللة لجوهر الروح.  [بصل] : روى أبو داود في quot; سننه quot;: عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن البصل فقالت: (إن آخر طعام أكله رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيه بصل ) . وثبت عنه في quot; الصحيحين quot; أنه ( منع آكله من دخول المسجد ) . والبصل: حار في الثالثة وفيه رطوبة فضلية ينفع من تغير المياه ويدفع ريح السموم ويفتق الشهوة ويقوي المعدة ويهيج الباه ويزيد في المني ويحسن اللون ويقطع البلغم ويجلو المعدة وبزره يذهب البهق ويدلك به حول داء الثعلب فينفع جدا وهو بالملح يقلع الثآليل وإذا شمه من شرب دواء مسهلا منعه من القيء والغثيان وأذهب رائحة ذلك الدواء وإذا استعط بمائه نقى الرأس ويقطر في الأذن لثقل السمع والطنين والقيح والماء الحادث في الأذنين وينفع من الماء النازل في العينين اكتحالا يكتحل ببزره مع العسل لبياض العين والمطبوخ منه كثير الغذاء ينفع من اليرقان والسعال وخشونة الصدر ويدر البول ويلين الطبع وينفع من عضة الكلب غير الكلب إذا نطل عليها ماؤه بملح وسذاب وإذا احتمل فتح أفواه البواسير. وأما ضرره: فإنه يورث الشقيقة ويصدع الرأس ويولد أرياحا ويظلم البصر وكثرة أكله تورث النسيان ويفسد العقل ويغير رائحة الفم والنكهة(4\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1777",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10343",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويؤذي الجليس والملائكة وإماتته طبخا تذهب بهذه المضرات منه. وفي السنن: أنه صلى الله عليه وسلم ( أمر آكله وآكل الثوم أن يميتهما طبخا ) ويذهب رائحته مضغ ورق السذاب عليه.  [باذنجان] : في الحديث الموضوع المختلق على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الباذنجان لما أكل له )  وهذا الكلام مما يستقبح نسبته إلى آحاد العقلاء فضلا عن الأنبياء وبعد: فهو نوعان: أبيض وأسود وفيه خلاف هل هو بارد أو حار. والصحيح: أنه حار وهو مولد للسوداء والبواسير والسدد والسرطان والجذام ويفسد اللون ويسوده ويضر بنتن الفم والأبيض منه المستطيل عار من ذلك.  [حرف التاء] [تمر] حرف التاء تمر: ثبت في quot; الصحيح quot; عنه صلى الله عليه وسلم: ( من تصبح بسبع تمرات وفي لفظ: من تمر العالية لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر ) وثبت عنه أنه قال: ( بيت لا تمر فيه جياع أهله ) . وثبت عنه أكل التمر بالزبد وأكل التمر بالخبز وأكله مفردا. وهو حار في الثانية وهل هو رطب في الأولى أو يابس فيها. على(4\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1778",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10344",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قولين. وهو مقو للكبد ملين للطبع يزيد في الباه ولا سيما مع حب الصنوبر ويبرئ من خشونة الحلق ومن لم يعتده كأهل البلاد الباردة فإنه يورث لهم السدد ويؤذي الأسنان ويهيج الصداع ودفع ضرره باللوز والخشخاش وهو من أكثر الثمار تغذية للبدن بما فيه من الجوهر الحار الرطب وأكله على الريق يقتل الدود فإنه مع حرارته فيه قوة ترياقية فإذا أديم استعماله على الريق خفف مادة الدود وأضعفه وقلله أو قتله وهو فاكهة وغذاء ودواء وشراب وحلوى.  [تين] : لما لم يكن التين بأرض الحجاز والمدينة لم يأت له ذكر في السنة فإن أرضه تنافي أرض النخل ولكن قد أقسم الله به في كتابه لكثرة منافعه وفوائده والصحيح أن المقسم به: هو التين المعروف. وهو حار وفي رطوبته ويبوسته قولان وأجوده: الأبيض الناضج القشر يجلو رمل الكلى والمثانة ويؤمن من السموم وهو أغذى من جميع الفواكه وينفع خشونة الحلق والصدر وقصبة الرئة ويغسل الكبد والطحال وينقي الخلط البلغمي من المعدة ويغذو البدن غذاء جيدا إلا أنه يولد القمل إذا أكثر منه جدا. ويابسه يغذو وينفع العصب وهو مع الجوز واللوز محمود قال: جالينوس: quot; وإذا أكل مع الجوز والسذاب قبل أخذ السم القاتل نفع وحفظ من الضرر. ويذكر عن أبي الدرداء: ( أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم طبق من تين فقال: quot; كلوا quot; وأكل منه وقال: quot; لو قلت: إن فاكهة نزلت من الجنة قلت: هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوا منها فإنها تقطع البواسير وتنفع من(4\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1779",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10345",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النقرس ) وفي ثبوت هذا نظر. واللحم منه أجود ويعطش المحرورين ويسكن العطش الكائن عن البلغم المالح وينفع السعال المزمن ويدر البول ويفتح سدد الكبد والطحال ويوافق الكلى والمثانة ولأكله على الريق منفعة عجيبة في تفتيح مجاري الغذاء وخصوصا باللوز والجوز وأكله مع الأغذية الغليظة رديء جدا والتوت الأبيض قريب منه لكنه أقل تغذية وأضر بالمعدة.  [تلبينة] : قد تقدم إنها ماء الشعير المطحون وذكرنا منافعها وأنها أنفع لأهل الحجاز من ماء الشعير الصحيح.  [حرف الثاء] [ثلج] حرف الثاء ثلج: ثبت في quot; الصحيح quot;: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد ) . وفي هذا الحديث من الفقه: أن الداء يداوى بضده فإن في الخطايا من الحرارة والحريق ما يضاده الثلج والبرد والماء البارد ولا يقال: إن الماء الحار أبلغ في إزالة الوسخ لأن في الماء البارد من تصليب الجسم وتقويته ما ليس في الحار والخطايا توجب أثرين: التدنيس والإرخاء فالمطلوب مداواتها بما ينظف القلب ويصلبه فذكر الماء البارد والثلج والبرد إشارة إلى هذين الأمرين. وبعد فالثلج بارد على الأصح وغلط من قال: حار وشبهته تولد الحيوان فيه وهذا لا يدل على حرارته فإنه يتولد في الفواكه الباردة وفي الخل وأما تعطيشه فلتهييجه الحرارة لا لحرارته في نفسه ويضر المعدة والعصب وإذا(4\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1780",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10346",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان وجع الأسنان من حرارة مفرطة سكنها.  [ثوم] : هو قريب من البصل وفي الحديث ( من أكلهما فليمتهما طبخا ) . وأهدي إليه طعام فيه ثوم فأرسل به إلى أبي أيوب الأنصاري فقال: يا رسول الله تكرهه وترسل به إلي فقال: (إني أناجي من لا تناجي)  وبعد فهو حار يابس في الرابعة يسخن تسخينا قويا ويجفف تجفيفا بالغا نافع للمبرودين ولمن مزاجه بلغمي ولمن أشرف على الوقوع في الفالج وهو مجفف للمني مفتح للسدد محلل للرياح الغليظة هاضم للطعام قاطع للعطش مطلق للبطن مدر للبول يقوم في لسع الهوام وجميع الأورام الباردة مقام الترياق وإذا دق وعمل منه ضماد على نهش الحيات أو على لسع العقارب نفعها وجذب السموم منها ويسخن البدن ويزيد في حرارته ويقطع البلغم ويحلل النفخ ويصفي الحلق ويحفظ صحة أكثر الأبدان وينفع من تغير المياه والسعال المزمن ويؤكل نيئا ومطبوخا ومشويا(4\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1781",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10347",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وينفع من وجع الصدر من البرد ويخرج العلق من الحلق وإذا دق مع الخل والملح والعسل ثم وضع على الضرس المتأكل فتته وأسقطه وعلى الضرس الوجع سكن وجعه. وإن دق منه مقدار درهمين وأخذ مع ماء العسل أخرج البلغم والدود وإذا طلي بالعسل على البهق نفع. ومن مضاره: أنه يصدع ويضر الدماغ والعينين ويضعف البصر والباه ويعطش ويهيج الصفراء ويجيف رائحة الفم ويذهب رائحته أن يمضغ عليه ورق السذاب.  [ثريد] : ثبت في quot; الصحيحين quot; عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ) . والثريد وإن كان مركبا فإنه مركب من خبز ولحم فالخبز أفضل الأقوات واللحم سيد الإدام فإذا اجتمعا لم يكن بعدهما غاية. وتنازع الناس أيهما أفضل والصواب أن الحاجة إلى الخبز أكثر وأعم واللحم أجل وأفضل وهو أشبه بجوهر البدن من كل ما عداه وهو طعام أهل الجنة وقد قال تعالى لمن طلب البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل: أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير [البقرة: 61] [البقرة 62]  وكثير من السلف على أن الفوم الحنطة وعلى هذا فالآية نص على أن اللحم خير من الحنطة.  [حرف الجيم] [جمار] حرف الجيم جمار: قلب النخل ثبت في quot; الصحيحين quot;: عن عبد الله بن عمر قال: ( بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس إذ أتي بجمار نخلة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن من(4\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1782",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10348",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشجر شجرة مثل الرجل المسلم لا يسقط ورقها. . . ) الحديث quot;. والجمار: بارد يابس في الأولى يختم القروح وينفع من نفث الدم واستطلاق البطن وغلبة المرة الصفراء وثائرة الدم وليس برديء الكيموس ويغذو غذاء يسيرا وهو بطيء الهضم وشجرته كلها منافع ولهذا مثلها النبي صلى الله عليه وسلم بالرجل المسلم لكثرة خيره ومنافعه.  [جبن] : في quot; السنن quot; عن عبد الله بن عمر قال: ( أتي النبي صلى الله عليه وسلم بجبنة في تبوك فدعا بسكين وسمى وقطع ) رواه أبو داود وأكله الصحابة رضي الله عنهم بالشام والعراق والرطب منه غير المملوح جيد للمعدة هين السلوك في الأعضاء يزيد في اللحم ويلين البطن تليينا معتدلا والمملوح أقل غذاء من الرطب وهو رديء للمعدة مؤذ للأمعاء والعتيق يعقل البطن وكذا المشوي وينفع القروح ويمنع الإسهال. وهو بارد رطب فإن استعمل مشويا كان أصلح لمزاجه فإن النار تصلحه وتعدله وتلطف جوهره وتطيب طعمه ورائحته. والعتيق المالح حار يابس وشيه يصلحه أيضا بتلطيف جوهره وكسر حرافته لما تجذبه النار منه من الأجزاء الحارة اليابسة المناسبة لها والمملح منه يهزل ويولد حصاة الكلى والمثانة وهو رديء للمعدة وخلطه بالملطفات أردأ بسبب تنفيذها له إلى المعدة.  [حرف الحاء] [حناء] حرف الحاء حناء: قد تقدمت الأحاديث في فضله وذكر منافعه فأغنى عن إعادته.(4\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1783",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10349",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[حبة السوداء] : ثبت في quot; الصحيحين quot;: من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( عليكم بهذه الحبة السوداء فإن فيها شفاء من كل داء إلا السام ) . والسام: الموت. الحبة السوداء: هي الشونيز في لغة الفرس وهي الكمون الأسود وتسمى الكمون الهندي قال الحربي عن الحسن: إنها الخردل وحكى الهروي: أنها الحبة الخضراء ثمرة البطم وكلاهما وهم والصواب: أنها الشونيز. وهي كثيرة المنافع جدا وقوله: quot; شفاء من كل داء quot; مثل قوله تعالى: تدمر كل شيء بأمر ربها [الأحقاف: 25] [الأحقاف: 25] أي: كل شيء يقبل التدمير ونظائره وهي نافعة من جميع الأمراض الباردة وتدخل في الأمراض الحارة اليابسة بالعرض فتوصل قوى الأدوية الباردة الرطبة إليها بسرعة تنفيذها إذا أخذ يسيرها. وقد نص صاحب quot; القانون quot; وغيره على الزعفران في قرص الكافور لسرعة تنفيذه وإيصاله قوته وله نظائر يعرفها حذاق الصناعة ولا تستبعد منفعة الحار في أمراض حارة بالخاصية فإنك تجد ذلك في أدوية كثيرة منها: الأنزروت وما يركب معه من أدوية الرمد كالسكر وغيره من المفردات الحارة والرمد ورم حار باتفاق الأطباء وكذلك نفع الكبريت الحار جدا من الجرب. والشونيز حار يابس في الثالثة مذهب للنفخ مخرج لحب القرع نافع من البرص وحمى الربع والبلغمية مفتح للسدد ومحلل للرياح مجفف لبلة المعدة ورطوبتها. وإن دق وعجن بالعسل وشرب بالماء الحار أذاب الحصاة التي تكون في الكليتين والمثانة ويدر البول والحيض واللبن إذا أديم شربه أياما(4\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1784",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10350",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن سخن بالخل وطلي على البطن قتل حب القرع فإن عجن بماء الحنظل الرطب أو المطبوخ كان فعله في إخراج الدود أقوى ويجلو ويقطع ويحلل ويشفي من الزكام البارد إذا دق وصير في خرقة واشتم دائما أذهبه. ودهنه نافع لداء الحية ومن الثآليل والخيلان وإذا شرب منه مثقال بماء نفع من البهر وضيق النفس والضماد به ينفع من الصداع البارد وإذا نقع منه سبع حبات عددا في لبن امرأة وسعط به صاحب اليرقان نفعه نفعا بليغا. وإذا طبخ بخل وتمضمض به نفع من وجع الأسنان عن برد وإذا استعط به مسحوقا نفع من ابتداء الماء العارض في العين وإن ضمد به مع الخل قلع البثور والجرب المتقرح وحلل الأورام البلغمية المزمنة والأورام الصلبة وينفع من اللقوة إذا تسعط بدهنه وإذا شرب منه مقدار نصف مثقال إلى مثقال نفع من لسع الرتيلاء وإن سحق ناعما وخلط بدهن الحبة الخضراء وقطر منه في الأذن ثلاث قطرات نفع من البرد العارض فيها والريح والسدد. وإن قلي ثم دق ناعما ثم نقع في زيت وقطر في الأنف ثلاث قطرات أو أربع نفع من الزكام العارض معه عطاس كثير. وإذا أحرق وخلط بشمع مذاب بدهن السوسن أو دهن الحناء وطلي به القروح الخارجة من الساقين بعد غسلها بالخل نفعها وأزال القروح. وإذا سحق بخل وطلي به البرص والبهق الأسود والحزاز الغليظ نفعها وأبرأها.(4\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1785",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10351",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا سحق ناعما واستف منه كل يوم درهمين بماء بارد من عضه كلب كلب قبل أن يفرغ من الماء نفعه نفعا بليغا وأمن على نفسه من الهلاك. وإذا استعط بدهنه نفع من الفالج والكزاز وقطع موادهما وإذا دخن به طرد الهوام. وإذا أذيب الأنزروت بماء ولطخ على داخل الحلقة ثم ذر عليها الشونيز كان من الذرورات الجيدة العجيبة النفع من البواسير ومنافعه أضعاف ما ذكرنا والشربة منه درهمان وزعم قوم أن الإكثار منه قاتل.  [حرير] : قد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم أباحه للزبير ولعبد الرحمن بن عوف من حكة كانت بهما وتقدم منافعه ومزاجه فلا حاجة إلى إعادته.  [حرف] : قال أبو حنيفة الدينوري: هذا هو الحب الذي يتداوى به وهو الثفاء الذي جاء فيه الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ونباته يقال له: الحرف وتسميه العامة: الرشاد وقال أبو عبيد: الثفاء: هو الحرف. قلت: والحديث الذي أشار إليه ما رواه أبو عبيد وغيره من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ماذا في الأمرين من الشفاء الصبر والثفاء ) رواه أبو داود في المراسيل. وقوته في الحرارة واليبوسة في الدرجة الثالثة وهو يسخن ويلين البطن ويخرج الدود وحب القرع ويحلل أورام الطحال ويحرك شهوة الجماع ويجلو الجرب المتقرح والقوباء. وإذا ضمد به مع العسل حلل ورم الطحال وإذا طبخ مع الحناء أخرج الفضول التي في الصدر وشربه ينفع من نهش الهوام ولسعها وإذا دخن به في(4\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1786",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10352",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "موضع طرد الهوام عنه ويمسك الشعر المتساقط وإذا خلط بسويق الشعير والخل وتضمد به نفع من عرق النسا وحلل الأورام الحارة في آخرها. وإذا تضمد به مع الماء والملح أنضج الدماميل وينفع من الاسترخاء في جميع الأعضاء ويزيد في الباه ويشهي الطعام وينفع الربو وعسر التنفس وغلظ الطحال وينقي الرئة ويدر الطمث وينفع من عرق النسا ووجع حق الورك مما يخرج من الفضول إذا شرب أو احتقن به ويجلو ما في الصدر والرئة من البلغم اللزج. وإن شرب منه بعد سحقه وزن خمسة دراهم بالماء الحار أسهل الطبيعة وحلل الرياح ونفع من وجع القولنج البارد السبب وإذا سحق وشرب نفع من البرص. وإن لطخ عليه وعلى البهق الأبيض بالخل نفع منهما وينفع من الصداع الحادث من البرد والبلغم وإن قلي وشرب عقل الطبع لا سيما إذا لم يسحق لتحلل لزوجته بالقلي وإذا غسل بمائه الرأس نقاه من الأوساخ والرطوبات اللزجة. قال جالينوس: قوته مثل قوة بزر الخردل ولذلك قد يسخن به أوجاع الورك المعروفة بالنسا وأوجاع الرأس وكل واحد من العلل التي تحتاج إلى التسخين كما يسخن بزر الخردل وقد يخلط أيضا في أدوية يسقاها أصحاب الربو من طريق أن الأمر فيه معلوم أنه يقطع الأخلاط الغليظة تقطيعا قويا كما يقطعها بزر الخردل لأنه شبيه به في كل شيء.  [حلبة] : يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عاد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بمكة فقال: (ادعوا له طبيبا فدعي الحارث بن كلدة فنظر إليه فقال:(4\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1787",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10353",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليس عليه بأس فاتخذوا له فريقة وهي الحلبة مع تمر عجوة رطب يطبخان فيحساهما ففعل ذلك فبرئ ) . وقوة الحلبة من الحرارة في الدرجة الثانية ومن اليبوسة في الأولى وإذا طبخت بالماء لينت الحلق والصدر والبطن وتسكن السعال والخشونة والربو وعسر النفس وتزيد في الباه وهي جيدة للريح والبلغم والبواسير محدرة الكيموسات المرتبكة في الأمعاء وتحلل البلغم اللزج من الصدر وتنفع من الدبيلات وأمراض الرئة وتستعمل لهذه الأدواء في الأحشاء مع السمن والفانيذ. وإذا شربت مع وزن خمسة دراهم فوة أدرت الحيض وإذا طبخت وغسل بها الشعر جعدته وأذهبت الحزاز. ودقيقها إذا خلط بالنطرون والخل وضمد به حلل ورم الطحال وقد تجلس المرأة في الماء الذي طبخت فيه الحلبة فتنتفع به من وجع الرحم العارض من ورم فيه. وإذا ضمد به الأورام الصلبة القليلة الحرارة نفعتها وحللتها وإذا شرب ماؤها نفع من المغص العارض من الرياح وأزلق الأمعاء. وإذا أكلت مطبوخة بالتمر أو العسل أو التين على الريق حللت البلغم اللزج العارض في الصدر والمعدة ونفعت من السعال المتطاول منه.(4\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1788",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10354",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهي نافعة من الحصر مطلقة للبطن وإذا وضعت على الظفر المتشنج أصلحته ودهنها ينفع إذا خلط بالشمع من الشقاق العارض من البرد ومنافعها أضعاف ما ذكرنا. ويذكر عن القاسم بن عبد الرحمن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( استشفوا بالحلبة ) وقال بعض الأطباء: لو علم الناس منافعها لاشتروها بوزنها ذهبا.  [حرف الخاء] [خبز] حرف الخاء خبز: ثبت في quot; الصحيحين quot; عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يكفؤ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة ) وروى أبو داود في quot; سننه quot;: من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( كان أحب الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الثريد من الخبز والثريد من الحيس ) وروى أبو داود في quot; سننه quot; أيضا من حديث ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وددت أن عندي خبزة بيضاء من برة سمراء ملبقة بسمن ولبن فقام رجل من القوم فاتخذه فجاء به فقال: في أي شيء كان هذا(4\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1789",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10355",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السمن فقال: في عكة ضب فقال:: quot; ارفعه ) . وذكر البيهقي من حديث عائشة رضي الله عنها ترفعه: ( أكرموا الخبز ومن كرامته أن لا ينتظر به الإدام ) والموقوف أشبه فلا يثبت رفعه ولا رفع ما قبله. وأما حديث النهي عن قطع الخبز بالسكين فباطل لا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما المروي: النهي عن قطع اللحم بالسكين ولا يصح أيضا. قال مهنا: سألت أحمد عن حديث أبي معشر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تقطعوا اللحم بالسكين فإن ذلك من فعل الأعاجم ) . فقال: ليس بصحيح ولا يعرف هذا وحديث عمرو بن أمية خلاف هذا وحديث المغيرة - يعني بحديث عمرو بن أمية -: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتز من لحم الشاة ) . وبحديث المغيرة أنه ( لما أضافه أمر بجنب فشوي ثم أخذ الشفرة فجعل يحز ) فصل وأحمد أنواع الخبز أجودها اختمارا وعجنا ثم خبز التنور أجود أصنافه(4\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1790",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10356",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبعده خبز الفرن ثم خبز الملة في المرتبة الثالثة وأجوده ما اتخذ من الحنطة الحديثة. وأكثر أنواعه تغذية خبز السميذ وهو أبطؤها هضما لقلة نخالته ويتلوه خبز الحوارى ثم الخشكار. وأحمد أوقات أكله في آخر اليوم الذي خبز فيه واللين منه أكثر تليينا وغذاء وترطيبا وأسرع انحدارا واليابس بخلافه. ومزاج الخبز من البر حار في وسط الدرجة الثانية وقريب من الاعتدال في الرطوبة واليبوسة واليبس يغلب على ما جففته النار منه والرطوبة على ضده. وفي خبز الحنطة خاصية وهو أنه يسمن سريعا وخبز القطائف يولد خلطا غليظا والفتيت نفاخ بطيء الهضم والمعمول باللبن مسدد كثير الغذاء بطيء الانحدار. وخبز الشعير بارد يابس في الأولى وهو أقل غذاء من خبز الحنطة.  [خل] : روى مسلم في quot; صحيحه quot;: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( سأل أهله الإدام فقالوا: ما عندنا إلا خل فدعا به وجعل يأكل ويقول: نعم الإدام الخل نعم الإدام الخل ) . وفي quot; سنن ابن ماجه quot; عن أم سعد رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( نعم الإدام الخل اللهم بارك في الخل فإنه كان إدام الأنبياء قبلي ولم يفتقر بيت فيه الخل ) . الخل: مركب من الحرارة والبرودة أغلب عليه وهو يابس في الثالثة قوي التجفيف يمنع من انصباب المواد ويلطف الطبيعة وخل الخمر ينفع(4\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1791",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10357",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعدة الملتهبة ويقمع الصفراء ويدفع ضرر الأدوية القتالة ويحلل اللبن والدم إذا جمدا في الجوف وينفع الطحال ويدبغ المعدة ويعقل البطن ويقطع العطش ويمنع الورم حيث يريد أن يحدث ويعين على الهضم ويضاد البلغم ويلطف الأغذية الغليظة ويرق الدم. وإذا شرب بالملح نفع من أكل الفطر القتال وإذا احتسي قطع العلق المتعلق بأصل الحنك وإذا تمضمض به مسخنا نفع من وجع الأسنان وقوى اللثة. وهو نافع للداحس إذا طلي به والنملة والأورام الحارة وحرق النار وهو مشه للأكل مطيب للمعدة صالح للشباب وفي الصيف لسكان البلاد الحارة.  [خلال] : فيه حديثان لا يثبتان أحدهما: يروى من حديث أبي أيوب الأنصاري يرفعه: ( يا حبذا المتخللون من الطعام إنه ليس شيء أشد على الملك من بقية تبقى في الفم من الطعام ) وفيه واصل بن السائب قال: البخاري والرازي: منكر الحديث وقال النسائي والأزدي: متروك الحديث. الثاني: يروى من حديث ابن عباس قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن شيخ روى عنه صالح الوحاظي يقال له: محمد بن عبد الملك الأنصاري حدثنا عطاء عن ابن عباس قال: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخلل بالليط والآس وقال: إنهما يسقيان عروق الجذام ) فقال أبي: رأيت محمد بن عبد الملك -وكان أعمى- يضع الحديث ويكذب.(4\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1792",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10358",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبعد: فالخلال نافع للثة والأسنان حافظ لصحتها نافع من تغير النكهة وأجوده ما اتخذ من عيدان الأخلة وخشب الزيتون والخلاف والتخلل بالقصب والآس والريحان والباذروج مضر.  [حرف الدال] [دهن] حرف الدال دهن: روى الترمذي في كتاب quot; الشمائل quot; من حديث أنس بن مالك رضي الله عنهما قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته ويكثر القناع كأن ثوبه ثوب زيات ) . الدهن يسد مسام البدن ويمنع ما يتحلل منه وإذا استعمل بعد الاغتسال بالماء الحار حسن البدن ورطبه وإن دهن به الشعر حسنه وطوله ونفع من الحصبة ودفع أكثر الآفات عنه. وفي الترمذي: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: ( كلوا الزيت وادهنوا به ) . وسيأتي إن شاء الله تعالى. والدهن في البلاد الحارة كالحجاز ونحوه من آكد أسباب حفظ الصحة وإصلاح البدن وهو كالضروري لهم وأما البلاد الباردة فلا يحتاج إليه أهلها والإلحاح به في الرأس فيه خطر بالبصر.(4\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1793",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10359",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأنفع الأدهان البسيطة: الزيت ثم السمن ثم الشيرج. وأما المركبة: فمنها بارد رطب كدهن البنفسج ينفع من الصداع الحار وينوم أصحاب السهر ويرطب الدماغ وينفع من الشقاق وغلبة اليبس والجفاف ويطلى به الجرب والحكة اليابسة فينفعها ويسهل حركة المفاصل ويصلح لأصحاب الأمزجة الحارة في زمن الصيف وفيه حديثان باطلان موضوعان على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما: ( فضل دهن البنفسج على سائر الأدهان كفضلي على سائر الناس ) . والثاني: ( فضل دهن البنفسج على سائر الأدهان كفضل الإسلام على سائر الأديان ) . ومنها: حار رطب كدهن البان وليس دهن زهره بل دهن يستخرج من حب أبيض أغبر نحو الفستق كثير الدهنية والدسم ينفع من صلابة العصب ويلينه وينفع من البرش والنمش والكلف والبهق ويسهل بلغما غليظا ويلين الأوتار اليابسة ويسخن العصب وقد روي فيه حديث باطل مختلق لا أصل له: ( ادهنوا بالبان فإنه أحظى لكم عند نسائكم ) . ومن منافعه أنه يجلو الأسنان ويكسبها بهجة وينقيها من الصدأ ومن مسح به وجهه وأطرافه لم يصبه حصى ولا شقاق وإذا دهن به حقوه ومذاكيره وما والاها نفع من برد الكليتين وتقطير البول.  [حرف الذال] [ذريرة] حرف الذال ذريرة: ثبت في quot; الصحيحين quot;: عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( طيبت رسول الله كله بيدي بذريرة في حجة الوداع لحله وإحرامه .) تقدم الكلام في(4\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1794",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10360",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذريرة ومنافعها وماهيتها فلا حاجة لإعادته.  [ذباب] : تقدم في حديث أبي هريرة المتفق عليه في أمره صلى الله عليه وسلم بغمس الذباب في الطعام إذا سقط فيه لأجل الشفاء الذي في جناحه وهو كالترياق للسم الذي في الجناح الآخر وذكرنا منافع الذباب هناك.  [ذهب] : روى أبو داود والترمذي: quot; أن النبي صلى الله عليه وسلم ( رخص لعرفجة بن أسعد لما قطع أنفه يوم الكلاب واتخذ أنفا من ورق فأنتن عليه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفا من ذهب ) . وليس لعرفجة عندهم غير هذا الحديث الواحد. الذهب: زينة الدنيا وطلسم الوجود ومفرح النفوس ومقوي الظهور وسر الله في أرضه ومزاجه في سائر الكيفيات وفيه حرارة لطيفة تدخل في سائر المعجونات اللطيفة والمفرحات وهو أعدل المعادن على الإطلاق وأشرفها. ومن خواصه أنه إذا دفن في الأرض لم يضره التراب ولم ينقصه شيئا وبرادته إذا خلطت بالأدوية نفعت من ضعف القلب والرجفان العارض من السوداء وينفع من حديث النفس والحزن والغم والفزع والعشق ويسمن البدن ويقويه ويذهب الصفار ويحسن اللون وينفع من الجذام وجميع الأوجاع والأمراض السوداوية ويدخل بخاصية في أدوية داء الثعلب وداء الحية شربا وطلاء ويجلو العين ويقويها وينفع من كثير من أمراضها ويقوي جميع الأعضاء.(4\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1795",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10361",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإمساكه في الفم يزيل البخر ومن كان به مرض يحتاج إلى الكي وكوي به لم يتنفط موضعه ويبرأ سريعا وإن اتخذ منه ميلا واكتحل به قوى العين وجلاها وإذا اتخذ منه خاتم فصه منه وأحمي وكوي به قوادم أجنحة الحمام ألفت أبراجها ولم تنتقل عنها. وله خاصية عجيبة في تقوية النفوس لأجلها أبيح في الحرب والسلاح منه ما أبيح وقد روى الترمذي من حديث مزيدة العصري رضي الله عنه قال: ( دخل رسول الله يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة ) . وهو معشوق النفوس التي متى ظفرت به سلاها عن غيره من محبوبات الدنيا قال تعالى: زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث [آل عمران: 14] [آل عمران: 14] . وفي quot; الصحيحين quot;: عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( لو كان لابن آدم واد من ذهب لابتغى إليه ثانيا ولو كان له ثان لابتغى إليه ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب ) . هذا وإنه أعظم حائل بين الخليقة وبين فوزها الأكبر يوم معادها وأعظم شيء عصي الله به وبه قطعت الأرحام وأريقت الدماء واستحلت المحارم ومنعت الحقوق وتظالم العباد وهو المرغب في الدنيا وعاجلها والمزهد في(4\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1796",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10362",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الآخرة وما أعده الله لأوليائه فيها فكم أميت به من حق وأحيي به من باطل ونصر به ظالم وقهر به مظلوم وما أحسن ما قال فيه الحريري: تبا له من خادع مماذق ... أصفر ذي وجهين كالمنافق يبدو بوصفين لعين الرامق ... زينة معشوق ولون عاشق وحبه عند ذوي الحقائق ... يدعو إلى ارتكاب سخط الخالق لولاه لم تقطع يمين السارق ... ولا بدت مظلمة من فاسق ولا اشمأز باخل من طارق ... ولا اشتكى الممطول مطل العائق ولا استعيذ من حسود راشق ... وشر ما فيه من الخلائق أن ليس يغني عنك في المضايق ... إلا إذا فر فرار الآبق  [حرف الراء] [رطب] حرف الراء رطب: قال الله تعالى لمريم: وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا [مريم: 25] [مريم: 25] . وفي quot; الصحيحين quot; عن عبد الله بن جعفر قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل القثاء بالرطب ) . وفي quot; سنن أبي داود quot; عن أنس قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي فإن لم تكن رطبات فتمرات فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء ) .(4\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1797",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10363",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طبع الرطب طبع المياه حار رطب يقوي المعدة الباردة ويوافقها ويزيد في الباه ويخصب البدن ويوافق أصحاب الأمزجة الباردة ويغذو غذاء كثيرا. وهو من أعظم الفاكهة موافقة لأهل المدينة وغيرها من البلاد التي هو فاكهتهم فيها وأنفعها للبدن وإن كان من لم يعتده يسرع التعفن في جسده ويتولد عنه دم ليس بمحمود ويحدث في إكثاره منه صداع وسوداء ويؤذي أسنانه وإصلاحه بالسكنجبين ونحوه. وفي فطر النبي صلى الله عليه وسلم من الصوم عليه أو على التمر أو الماء تدبير لطيف جدا فإن الصوم يخلي المعدة من الغذاء فلا تجد الكبد فيها ما تجذبه وترسله إلى القوى والأعضاء والحلو أسرع شيء وصولا إلى الكبد وأحبه إليها ولا سيما إن كان رطبا فيشتد قبولها له فتنتفع به هي والقوى فإن لم يكن فالتمر لحلاوته وتغذيته فإن لم يكن فحسوات الماء تطفئ لهيب المعدة وحرارة الصوم فتتنبه بعده للطعام وتأخذه بشهوة.  [ريحان] : قال تعالى: فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم [الواقعة: 88] [الواقعة: 88] . وقال تعالى: والحب ذو العصف والريحان [الرحمن: 12] [الرحمن: 12] . وفي quot; صحيح مسلم quot; عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( من عرض عليه ريحان فلا يرده فإنه خفيف المحمل طيب الرائحة ) وفي quot; سنن ابن ماجه quot;: من حديث أسامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ألا مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد ونهر مطرد وثمرة نضيجة وزوجة(4\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1798",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10364",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حسناء جميلة وحلل كثيرة في مقام أبدا في حبرة ونضرة في دور عالية سليمة بهية قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها قال: قولوا: إن شاء الله تعالى فقال القوم: إن شاء الله ) الريحان كل نبت طيب الريح فكل أهل بلد يخصونه بشيء من ذلك فأهل الغرب يخصونه بالآس وهو الذي يعرفه العرب من الريحان وأهل العراق والشام يخصونه بالحبق. فأما الآس فمزاجه بارد في الأولى يابس في الثانية وهو مع ذلك مركب من قوى متضادة والأكثر فيه الجوهر الأرضي البارد وفيه شيء حار لطيف وهو يجفف تجفيفا قويا وأجزاؤه متقاربة القوة وهي قوة قابضة حابسة من داخل وخارج معا. وهو قاطع للإسهال الصفراوي دافع للبخار الحار الرطب إذا شم مفرح للقلب تفريحا شديدا وشمه مانع للوباء وكذلك افتراشه في البيت. ويبرئ الأورام الحادثة في الحالبين إذا وضع عليها وإذا دق ورقه وهو غض وضرب بالخل ووضع على الرأس قطع الرعاف وإذا سحق ورقه اليابس وذر على القروح ذوات الرطوبة نفعها ويقوي الأعضاء الواهية إذا ضمد به وينفع داء الداحس وإذا ذر على البثور والقروح التي في اليدين والرجلين نفعها. وإذا دلك به البدن قطع العرق ونشف الرطوبات الفضلية وأذهب نتن الإبط وإذا جلس في طبيخه نفع من خراريج المقعدة والرحم ومن استرخاء المفاصل وإذا صب على كسور العظام التي لم تلتحم نفعها.(4\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1799",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10365",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويجلو قشور الرأس وقروحه الرطبة وبثوره ويمسك الشعر المتساقط ويسوده وإذا دق ورقه وصب عليه ماء يسير وخلط به شيء من زيت أو دهن الورد وضمد به وافق القروح الرطبة والنملة والحمرة والأورام الحادة والشرى والبواسير. وحبه نافع من نفث الدم العارض في الصدر والرئة دابغ للمعدة وليس بضار للصدر ولا الرئة لجلاوته وخاصيته النفع من استطلاق البطن مع السعال وذلك نادر في الأدوية وهو مدر للبول نافع من لذع المثانة وعض الرتيلاء ولسع العقارب والتخلل بعرقه مضر فليحذر. وأما الريحان الفارسي الذي يسمى الحبق فحار في أحد القولين ينفع شمه من الصداع الحار إذا رش عليه الماء ويبرد ويرطب بالعرض وبارد في الآخر وهل هو رطب أو يابس على قولين. والصحيح: أن فيه من الطبائع الأربع ويجلب النوم وبزره حابس للإسهال الصفراوي ومسكن للمغص مقو للقلب نافع للأمراض السوداوية.  [رمان] : قال تعالى: فيهما فاكهة ونخل ورمان [الرحمن: 68] [الرحمن: 68] . ويذكر عن ابن عباس موقوفا ومرفوعا: ( ما من رمان من رمانكم هذا إلا وهو ملقح بحبة من رمان الجنة والموقوف أشبه. وذكر حرب وغيره عن علي أنه قال: (كلوا الرمان بشحمه فإنه دباغ المعدة. حلو الرمان حار رطب جيد للمعدة مقو لها بما فيه من قبض لطيف نافع للحلق والصدر والرئة جيد للسعال ماؤه ملين للبطن يغذو البدن غذاء فاضلا يسيرا سريع التحلل لرقته ولطافته ويولد حرارة يسيرة في المعدة وريحا ولذلك يعين على الباه ولا يصلح للمحمومين وله خاصية(4\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1800",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10366",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عجيبة إذا أكل بالخبز يمنعه من الفساد في المعدة. وحامضه بارد يابس قابض لطيف ينفع المعدة الملتهبة ويدر البول أكثر من غيره من الرمان ويسكن الصفراء ويقطع الإسهال ويمنع القيء ويلطف الفضول. ويطفئ حرارة الكبد ويقوي الأعضاء نافع من الخفقان الصفراوي والآلام العارضة للقلب وفم المعدة ويقوي المعدة ويدفع الفضول عنها ويطفئ المرة الصفراء والدم. وإذا استخرج ماؤه بشحمه وطبخ بيسير من العسل حتى يصير كالمرهم واكتحل به قطع الصفرة من العين ونقاها من الرطوبات الغليظة وإذا لطخ على اللثة نفع من الأكلة العارضة لها وإن استخرج ماؤهما بشحمهما أطلق البطن وأحدر الرطوبات العفنة المرية ونفع من حميات الغب المتطاولة. وأما الرمان المز فمتوسط طبعا وفعلا بين النوعين وهذا أميل إلى لطافة الحامض قليلا وحب الرمان مع العسل طلاء للداحس والقروح الخبيثة وأقماعه للجراحات قالوا: ومن ابتلع ثلاثة من جنبذ الرمان في كل سنة أمن من الرمد سنته كلها.  [حرف الزاي] [زيت] حرف الزاي زيت: قال تعالى: يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار [النور: 35] [النور: 35] . وفي الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم(4\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1801",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10367",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنه قال: ( كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة ) . وللبيهقي وابن ماجه أيضا: عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة ) . الزيت حار رطب في الأولى وغلط من قال: يابس والزيت بحسب زيتونه فالمعتصر من النضيج أعدله وأجوده ومن الفج فيه برودة ويبوسة ومن الزيتون الأحمر متوسط بين الزيتين ومن الأسود يسخن ويرطب باعتدال وينفع من السموم ويطلق البطن ويخرج الدود والعتيق منه أشد تسخينا وتحليلا وما استخرج منه بالماء فهو أقل حرارة وألطف وأبلغ في النفع وجميع أصنافه ملينة للبشرة وتبطئ الشيب. وماء الزيتون المالح يمنع من تنفط حرق النار ويشد اللثة وورقه ينفع من الحمرة والنملة والقروح الوسخة والشرى ويمنع العرق ومنافعه أضعاف ما ذكرنا.  [زبد] : روى أبو داود في quot; سننه quot; عن ابني بسر السلميين رضي الله عنهما قالا: ( دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدمنا له زبدا وتمرا وكان يحب الزبد والتمر ) . الزبد حار رطب فيه منافع كثيرة منها الإنضاج والتحليل ويبرئ الأورام التي تكون إلى جانب الأذنين والحالبين وأورام الفم وسائر الأورام التي تعرض في أبدان النساء والصبيان إذا استعمل وحده وإذا لعق منه نفع في نفث(4\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1802",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10368",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدم الذي يكون من الرئة وأنضج الأورام العارضة فيها. وهو ملين للطبيعة والعصب والأورام الصلبة العارضة من المرة السوداء والبلغم نافع من اليبس العارض في البدن وإذا طلي به على منابت أسنان الطفل كان معينا على نباتها وطلوعها وهو نافع من السعال العارض من البرد واليبس ويذهب القوباء والخشونة التي في البدن ويلين الطبيعة ولكنه يضعف شهوة الطعام ويذهب بوخامته الحلو كالعسل والتمر وفي جمعه صلى الله عليه وسلم بين التمر وبينه من الحكمة إصلاح كل منهما بالآخر.  [زبيب] : روي فيه حديثان لا يصحان. أحدهما: ( نعم الطعام الزبيب يطيب النكهة ويذيب البلغم ) . والثاني: ( نعم الطعام الزبيب يذهب النصب ويشد العصب ويطفئ الغضب ويصفي اللون ويطيب النكهة ) وهذا أيضا لا يصح فيه شيء عن رسول الله. وبعد: فأجود الزبيب ما كبر جسمه وسمن شحمه ولحمه ورق قشره ونزع عجمه وصغر حبه. وجرم الزبيب حار رطب في الأولى وحبه بارد يابس وهو كالعنب المتخذ منه الحلو منه حار والحامض قابض بارد والأبيض أشد قبضا من غيره وإذا أكل لحمه وافق قصبة الرئة ونفع من السعال ووجع الكلى والمثانة ويقوي المعدة ويلين البطن. والحلو اللحم أكثر غذاء من العنب وأقل غذاء من التين اليابس وله قوة منضجة هاضمة قابضة محللة باعتدال وهو بالجملة يقوي المعدة والكبد والطحال نافع من وجع الحلق والصدر والرئة والكلى والمثانة وأعدله أن يؤكل بغير عجمه. وهو يغذي غذاء صالحا ولا يسدد كما يفعل التمر وإذا أكل منه بعجمه كان أكثر نفعا للمعدة والكبد والطحال وإذا لصق لحمه على الأظافير المتحركة(4\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1803",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10369",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أسرع قلعها والحلو منه وما لا عجم له نافع لأصحاب الرطوبات والبلغم وهو يخصب الكبد وينفعها بخاصيته. وفيه نفع للحفظ: قال الزهري: من أحب أن يحفظ الحديث فليأكل الزبيب وكان المنصور يذكر عن جده عبد الله بن عباس: (عجمه داء ولحمه دواء) .  [زنجبيل] : قال تعالى: ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا [الإنسان: 17] [الإنسان: 17] . وذكر أبو نعيم في كتاب quot; الطب النبوي quot; من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ( أهدى ملك الروم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جرة زنجبيل فأطعم كل إنسان قطعة وأطعمني قطعة ) . الزنجبيل حار في الثانية رطب في الأولى مسخن معين على هضم الطعام ملين للبطن تليينا معتدلا نافع من سدد الكبد العارضة عن البرد والرطوبة ومن ظلمة البصر الحادثة عن الرطوبة أكلا واكتحالا معين على الجماع وهو محلل للرياح الغليظة الحادثة في الأمعاء والمعدة. وبالجملة فهو صالح للكبد والمعدة الباردتي المزاج وإذا أخذ منه مع السكر وزن درهمين بالماء الحار أسهل فضولا لزجة لعابية ويقع في المعجونات التي تحلل البلغم وتذيبه. والمزي منه حار يابس يهيج الجماع ويزيد في المني ويسخن المعدة والكبد ويعين على الاستمراء وينشف البلغم الغالب على البدن ويزيد في الحفظ ويوافق برد الكبد والمعدة ويزيل بلتها الحادثة عن أكل الفاكهة ويطيب النكهة ويدفع به ضرر الأطعمة الغليظة الباردة.  [حرف السين] [سنا] حرف السين سنا: قد تقدم وتقدم سنوت أيضا وفيه سبعة أقوال: أحدها: أنه العسل.(4\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1804",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10370",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني: أنه رب عكة السمن يخرج خططا سوداء على السمن. الثالث: أنه حب يشبه الكمون وليس بكمون. الرابع: الكمون الكرماني. الخامس: أنه الشبت. السادس: أنه التمر. السابع: أنه الرازيانج.  [سفرجل] : روى ابن ماجه في quot; سننه quot;: من حديث إسماعيل بن محمد الطلحي عن نقيب بن حاجب عن أبي سعيد عن عبد الملك الزبيري عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وبيده سفرجلة فقال: (دونكها يا طلحة فإنها تجم الفؤاد ) . ورواه النسائي من طريق آخر وقال: quot; أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في جماعة من أصحابه وبيده سفرجلة يقلبها فلما جلست إليه دحا بها إلي ثم قال: (دونكها أبا ذر فإنها تشد القلب وتطيب النفس وتذهب بطخاء الصدر ) . وقد روي في السفرجل أحاديث أخر هذا أمثلها ولا تصح. والسفرجل بارد يابس ويختلف في ذلك باختلاف طعمه وكله بارد قابض جيد للمعدة والحلو منه أقل برودة ويبسا وأميل إلى الاعتدال والحامض أشد قبضا ويبسا وبرودة وكله يسكن العطش والقيء ويدر البول ويعقل الطبع وينفع من قرحة الأمعاء ونفث الدم والهيضة وينفع من الغثيان ويمنع من تصاعد الأبخرة إذا استعمل بعد الطعام وحراقة أغصانه وورقه المغسولة كالتوتياء في فعلها.(4\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1805",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10371",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو قبل الطعام يقبض وبعده يلين الطبع ويسرع بانحدار الثفل والإكثار منه مضر بالعصب مولد للقولنج ويطفئ المرة الصفراء المتولدة في المعدة. وإن شوي كان أقل لخشونته وأخف وإذا قور وسطه ونزع حبه وجعل فيه العسل وطين جرمه بالعجين وأودع الرماد الحار نفع نفعا حسنا. وأجود ما أكل مشويا أو مطبوخا بالعسل وحبه ينفع من خشونة الحلق وقصبة الرئة وكثير من الأمراض ودهنه يمنع العرق ويقوي المعدة والمربى منه يقوي المعدة والكبد ويشد القلب ويطيب النفس. ومعنى تجم الفؤاد: تريحه. وقيل: تفتحه وتوسعه من جمام الماء وهو اتساعه وكثرته والطخاء للقلب مثل الغيم على السماء. قال أبو عبيد: الطخاء ثقل وغشي تقول: ما في السماء طخاء أي: سحاب وظلمة.  [سواك] : في quot; الصحيحين quot; عنه صلى الله عليه وسلم: ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ) . وفيهما: أنه صلى الله عليه وسلم ( كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك ) . وفي quot; صحيح البخاري quot; تعليقا عنه صلى الله عليه وسلم: ( السواك مطهرة للفم مرضاة للرب ) .(4\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1806",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10372",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; صحيح مسلم quot;: أنه صلى الله عليه وسلم ( كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك ) . والأحاديث فيه كثيرة وصح عنه من حديث أنه ( استاك عند موته بسواك عبد الرحمن بن أبي بكر ) وصح عنه أنه قال: ( أكثرت عليكم في السواك ) . وأصلح ما اتخذ السواك من خشب الأراك ونحوه ولا ينبغي أن يؤخذ من شجرة مجهولة فربما كانت سما وينبغي القصد في استعماله فإن بالغ فيه فربما أذهب طلاوة الأسنان وصقالتها وهيأها لقبول الأبخرة المتصاعدة من المعدة والأوساخ ومتى استعمل باعتدال جلا الأسنان وقوى العمود وأطلق اللسان ومنع الحفر وطيب النكهة ونقى الدماغ وشهى الطعام. وأجود ما استعمل مبلولا بماء الورد ومن أنفعه أصول الجوز قال صاحب quot; التيسير quot;: زعموا أنه إذا استاك به المستاك كل خامس من الأيام نقى الرأس وصفى الحواس وأحد الذهن. وفي السواك عدة منافع: يطيب الفم ويشد اللثة ويقطع البلغم ويجلو البصر ويذهب بالحفر ويصح المعدة ويصفي الصوت ويعين على هضم الطعام ويسهل مجاري الكلام وينشط للقراءة والذكر والصلاة ويطرد النوم ويرضي الرب ويعجب الملائكة ويكثر الحسنات. ويستحب كل وقت ويتأكد عند الصلاة والوضوء والانتباه من النوم وتغيير رائحة الفم ويستحب للمفطر والصائم في كل وقت لعموم الأحاديث فيه ولحاجة الصائم إليه ولأنه مرضاة للرب ومرضاته مطلوبة في الصوم(4\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1807",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10373",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أشد من طلبها في الفطر ولأنه مطهرة للفم والطهور للصائم من أفضل أعماله. وفي quot; السنن quot;: عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يستاك وهو صائم ) وقال البخاري: قال ابن عمر: ( يستاك أول النهار وآخره ) . وأجمع الناس على أن الصائم يتمضمض وجوبا واستحبابا والمضمضة أبلغ من السواك وليس لله غرض في التقرب إليه بالرائحة الكريهة ولا هي من جنس ما شرع التعبد به وإنما ذكر طيب الخلوف عند الله يوم القيامة حثا منه على الصوم لا حثا على إبقاء الرائحة بل الصائم أحوج إلى السواك من المفطر. وأيضا فإن رضوان الله أكبر من استطابته لخلوف فم الصائم. وأيضا فإن محبته للسواك أعظم من محبته لبقاء خلوف فم الصائم. وأيضا فإن السواك لا يمنع طيب الخلوف الذي يزيله السواك عند الله يوم القيامة بل يأتي الصائم يوم القيامة وخلوف فمه أطيب من المسك علامة على صيامه ولو أزاله بالسواك كما أن الجريح يأتي يوم القيامة ولون دم جرحه لون الدم وريحه ريح المسك وهو مأمور بإزالته في الدنيا. وأيضا فإن الخلوف لا يزول بالسواك فإن سببه قائم وهو خلو المعدة عن الطعام وإنما يزول أثره وهو المنعقد على الأسنان واللثة. وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم علم أمته ما يستحب لهم في الصيام وما يكره(4\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1808",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10374",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لهم ولم يجعل السواك من القسم المكروه وهو يعلم أنهم يفعلونه وقد حضهم عليه بأبلغ ألفاظ العموم والشمول وهم يشاهدونه يستاك وهو صائم مرارا كثيرة تفوت الإحصاء ويعلم أنهم يقتدون به ولم يقل لهم يوما من الدهر: لا تستاكوا بعد الزوال وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع والله أعلم.  [سمن] : روى محمد بن جرير الطبري بإسناده من حديث صهيب يرفعه: ( عليكم بألبان البقر فإنها شفاء وسمنها دواء ولحومها داء ) رواه عن أحمد بن الحسن الترمذي حدثنا محمد بن موسى النسائي حدثنا دفاع بن دغفل السدوسي عن عبد الحميد بن صيفي بن صهيب عن أبيه عن جده ولا يثبت ما في هذا الإسناد. والسمن حار رطب في الأولى وفيه جلاء يسير ولطافة وتفشية الأورام الحادثة من الأبدان الناعمة وهو أقوى من الزبد في الإنضاج والتليين وذكر جالينوس: أنه أبرأ به الأورام الحادثة في الأذن وفي الأرنبة وإذا دلك به موضع الأسنان نبتت سريعا وإذا خلط مع عسل ولوز مر جلا ما في الصدر والرئة والكيموسات الغليظة اللزجة إلا أنه ضار بالمعدة سيما إذا كان مزاج صاحبها بلغميا. وأما سمن البقر والمعز فإنه إذا شرب مع العسل نفع من شرب السم القاتل ومن لدغ الحيات والعقارب وفي quot; كتاب ابن السني quot; عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (لم يستشف الناس بشيء أفضل من السمن) .  [سمك] : روى الإمام أحمد بن حنبل وابن ماجه في quot; سننه quot; من(4\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1809",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10375",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد والكبد والطحال ) . أصناف السمك كثيرة وأجوده ما لذ طعمه وطاب ريحه وتوسط مقداره وكان رقيق القشر ولم يكن صلب اللحم ولا يابسه وكان في ماء عذب جار على الحصباء ويغتذي بالنبات لا الأقذار وأصلح أماكنه ما كان في نهر جيد الماء وكان يأوي إلى الأماكن الصخرية ثم الرملية والمياه الجارية العذبة التي لا قذر فيها ولا حمأة الكثيرة الاضطراب والتموج المكشوفة للشمس والرياح. والسمك البحري فاضل محمود لطيف والطري منه بارد رطب عسر الانهضام يولد بلغما كثيرا إلا البحري وما جرى مجراه فإنه يولد خلطا محمودا وهو يخصب البدن ويزيد في المني ويصلح الأمزجة الحارة. وأما المالح فأجوده ما كان قريب العهد بالتملح وهو حار يابس وكلما تقادم عهده ازداد حره ويبسه والسلور منه كثير اللزوجة ويسمى الجري واليهود لا تأكله وإذا أكل طريا كان ملينا للبطن وإذا ملح وعتق وأكل صفى قصبة الرئة وجود الصوت وإذا دق ووضع من خارج أخرج السلى والفضول من عمق البدن من طريق أن له قوة جاذبة. وماء ملح الجري المالح إذا جلس فيه من كانت به قرحة الأمعاء في(4\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1810",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10376",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابتداء العلة وافقه بجذبه المواد إلى ظاهر البدن وإذا احتقن به أبرأ من عرق النسا. وأجود ما في السمك ما قرب من مؤخرها والطري السمين منه يخصب البدن لحمه وودكه. وفي quot; الصحيحين quot;: من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: بعثنا النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثمائة راكب وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح فأتينا الساحل فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط فألقى لنا البحر حوتا يقال لها: عنبر فأكلنا منه نصف شهر وائتدمنا بودكه حتى ثابت أجسامنا فأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه وحمل رجلا على بعيره ونصبه فمر تحته .  [سلق] : روى الترمذي وأبو داود عن أم المنذر قالت: ( دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي رضي الله عنه ولنا دوال معلقة قالت فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل وعلي معه يأكل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; مه يا علي فإنك ناقه quot; قالت: فجعلت لهم سلقا وشعيرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا علي فأصب من هذا فإنه أوفق لك ) . قال الترمذي: حديث حسن غريب. السلق حار يابس في الأولى وقيل رطب فيها وقيل مركب منهما وفيه برودة ملطفة وتحليل. وتفتيح وفي الأسود منه قبض ونفع من داء الثعلب والكلف والحزاز والثآليل إذا طلي بمائه ويقتل القمل ويطلى به القوباء مع العسل ويفتح سدد الكبد والطحال وأسوده يعقل البطن ولا سيما مع العدس وهما رديئان. والأبيض: يلين مع العدس ويحقن بمائه للإسهال وينفع من القولنح مع المري والتوابل وهو قليل الغذاء رديء(4\/300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1811",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10377",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكيموس يحرق الدم ويصلحه الخل والخردل والإكثار منه يولد القبض والنفخ.  [حرف الشين] [شونيز] حرف الشين شونيز: هو الحبة السوداء وقد تقدم في حرف الحاء.  [شبرم] : روى الترمذي وابن ماجه في quot; سننهما quot;: من حديث أسماء بنت عميس قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بماذا كنت تستمشين quot; قالت: بالشبرم. قال: حار جار ) . الشبرم شجر صغير وكبير كقامة الرجل وأرجح له قضبان حمر ملمعة ببياض وفي رءوس قضبانه جمة من ورق وله نور صغار أصفر إلى البياض يسقط ويخلفه مراود صغار فيها حب صغير مثل البطم في قدره أحمر اللون ولها عروق عليها قشور حمر والمستعمل منه قشر عروقه ولبن قضبانه. وهو حار يابس في الدرجة الرابعة ويسهل السوداء والكيموسات الغليظة والماء الأصفر والبلغم مكرب مغث والإكثار منه يقتل وينبغي إذا استعمل أن ينقع في اللبن الحليب يوما وليلة ويغير عليها اللبن في اليوم مرتين أو ثلاثا ويخرج ويجفف في الظل ويخلط معه الورود والكثيراء ويشرب بماء العسل أو عصير العنب والشربة منه ما بين أربع دوانق إلى دانقين على حسب القوة قال حنين: (أما لبن الشبرم فلا خير فيه ولا أرى شربه البتة فقد قتل به أطباء الطرقات كثيرا من الناس) .  [شعير] : روى ابن ماجه: من حديث عائشة قالت ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا(4\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1812",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10378",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أخذ أحدا من أهله الوعك أمر بالحساء من الشعير فصنع ثم أمرهم فحسوا منه ثم يقول: quot; إنه ليرتو فؤاد الحزين ويسرو فؤاد السقيم كما تسروا إحداكن الوسخ بالماء عن وجهها ) . ومعنى يرتوه: يشده ويقويه. ويسرو يكشف ويزيل. وقد تقدم أن هذا هو ماء الشعير المغلي وهو أكثر غذاء من سويقه وهو نافع للسعال وخشونة الحلق صالح لقمع حدة الفضول مدر للبول جلاء لما في المعدة قاطع للعطش مطفئ للحرارة وفيه قوة يجلو بها ويلطف ويحلل. وصفته: أن يؤخذ من الشعير الجيد المرضوض مقدار ومن الماء الصافي العذب خمسة أمثاله ويلقى في قدر نظيف ويطبخ بنار معتدلة إلى أن يبقى منه خمساه ويصفى ويستعمل منه مقدار الحاجة محلا.  [شواء] : قال الله تعالى في ضيافة خليله إبراهيم عليه السلام لأضيافه: فما لبث أن جاء بعجل حنيذ [هود: 69] [هود: 69] والحنيذ: المشوي على الرضف وهي الحجارة المحماة. وفي الترمذي: عن أم سلمة رضي الله عنها أنها ( قربت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جنبا مشويا فأكل منه ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ ) . قال الترمذي: حديث صحيح. وفيه أيضا: عن عبد الله بن الحارث قال: ( أكلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم شواء في(4\/302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1813",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10379",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المسجد ) . وفيه أيضا: عن المغيرة بن شعبة قال: ( ضفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فأمر بجنب فشوي ثم أخذ الشفرة فجعل يحز لي بها منه قال: فجاء بلال يؤذن للصلاة فألقى الشفرة فقال: quot; ما له تربت يداه ) . أنفع الشواء شواء الضأن الحولي ثم العجل اللطيف السمين وهو حار رطب إلى اليبوسة كثير التوليد للسوداء وهو من أغذية الأقوياء والأصحاء والمرتاضين والمطبوخ أنفع وأخف على المعدة وأرطب منه ومن المطجن. وأردؤه المشوي في الشمس والمشوي على الجمر خير من المشوي باللهب وهو الحنيذ.  [شحم] : ثبت في quot; المسند quot;: عن أنس ( أن يهوديا أضاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم له خبز شعير وإهالة سنخة  والإهالة: الشحم المذاب والألية والسنخة: المتغيرة) . وثبت في quot; الصحيح quot;: عن عبد الله بن مغفل قال: ( دلي جراب من شحم يوم خيبر فالتزمته وقلت: والله لا أعطي أحدا منه شيئا فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك ولم يقل شيئا ) . أجود الشحم ما كان من حيوان مكتمل وهو حار رطب وهو أقل رطوبة من السمن ولهذا لو أذيب الشحم والسمن كان الشحم أسرع جمودا وهو ينفع(4\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1814",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10380",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من خشونة الحلق ويرخي ويعفن ويدفع ضرره بالليمون المملوح والزنجبيل وشحم المعز أقبض الشحوم وشحم التيوس أشد تحليلا وينفع من قروح الأمعاء وشحم العنز أقوى في ذلك ويحتقن به للسحج والزحير.  [حرف الصاد] [صلاة] حرف الصاد صلاة: قال الله تعالى: واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين [البقرة: 45] [البقرة: 45]  وقال: ياأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين [البقرة: 153] [البقرة: 153] . وقال تعالى: وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى [طه: 132] [طه: 132] . وفي quot; السنن quot;: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ) . وقد تقدم ذكر الاستشفاء بالصلاة من عامة الأوجاع قبل استحكامها. والصلاة مجلبة للرزق حافظة للصحة دافعة للأذى مطردة للأدواء مقوية للقلب مبيضة للوجه مفرحة للنفس مذهبة للكسل منشطة للجوارح ممدة للقوى شارحة للصدر مغذية للروح منورة للقلب حافظة للنعمة دافعة للنقمة جالبة للبركة مبعدة من الشيطان مقربة من الرحمن. وبالجملة: فلها تأثير عجيب في حفظ صحة البدن والقلب وقواهما ودفع المواد الرديئة عنهما وما ابتلي رجلان بعاهة أو داء أو محنة أو بلية إلا كان حظ المصلي منهما أقل وعاقبته أسلم. وللصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا ولا سيما إذا أعطيت حقها من(4\/304)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1815",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10381",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التكميل ظاهرا وباطنا فما استدفعت شرور الدنيا والآخرة ولا استجلبت مصالحهما بمثل الصلاة وسر ذلك أن الصلاة صلة بالله عز وجل وعلى قدر صلة العبد بربه عز وجل تفتح عليه من الخيرات أبوابها وتقطع عنه من الشرور أسبابها وتفيض عليه مواد التوفيق من ربه عز وجل والعافية والصحة والغنيمة والغنى والراحة والنعيم والأفراح والمسرات كلها محضرة لديه ومسارعة إليه.  [صبر] : (الصبر نصف الإيمان)  فإنه ماهية مركبة من صبر وشكر كما قال بعض السلف: الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر قال تعالى: إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور [إبراهيم: 5] [إبراهيم: 5] والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد وهو ثلاثة أنواع: صبر على فرائض الله فلا يضيعها وصبر عن محارمه فلا يرتكبها وصبر على أقضيته وأقداره فلا يتسخطها ومن استكمل هذه المراتب الثلاث استكمل الصبر ولذة الدنيا والآخرة ونعيمها والفوز والظفر فيهما لا يصل إليه أحد إلا على جسر الصبر كما لا يصل أحد إلى الجنة إلا على الصراط قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (خير عيش أدركناه بالصبر) . وإذا تأملت مراتب الكمال المكتسب في العالم رأيتها كلها منوطة بالصبر وإذا تأملت النقصان الذي يذم صاحبه عليه ويدخل تحت قدرته رأيته كله من عدم الصبر فالشجاعة والعفة والجود والإيثار كله صبر ساعة. فالصبر طلسم على كنز العلى ... من حل ذا الطلسم فاز بكنزه وأكثر أسقام البدن والقلب إنما تنشأ عن عدم الصبر فما حفظت صحة(4\/305)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1816",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10382",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القلوب والأبدان والأرواح بمثل الصبر فهو الفاروق الأكبر والترياق الأعظم ولو لم يكن فيه إلا معية الله مع أهله فإن الله مع الصابرين ومحبته لهم فإن الله يحب الصابرين ونصره لأهله فإن النصر مع الصبر وإنه خير لأهله ولئن صبرتم لهو خير للصابرين [النحل: 126] [النحل: 126]  وإنه سبب الفلاح: ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون [آل عمران: 200] [آل عمران: 200] .  [صبر] : روى أبو داود في كتاب (المراسيل) من حديث قيس بن رافع القيسي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ماذا في الأمرين من الشفاء الصبر والثفاء ) . وفي quot; السنن quot; لأبي داود: من حديث أم سلمة قالت: ( دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت علي صبرا فقال: ماذا يا أم سلمة quot; فقلت: إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب قال: quot; إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل ) ونهى عنه بالنهار. الصبر كثير المنافع لا سيما الهندي منه ينقي الفضول الصفراوية التي في الدماغ وأعصاب البصر وإذا طلي على الجبهة والصدغ بدهن الورد نفع من الصداع وينفع من قروح الأنف والفم ويسهل السوداء والماليخوليا. والصبر الفارسي يذكي العقل ويمد الفؤاد وينقي الفضول الصفراوية والبلغميه من المعدة إذا شرب منه ملعقتان بماء ويرد الشهوة الباطلة والفاسدة وإذا شرب في البرد خيف أن يسهل دما.(4\/306)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1817",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10383",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[صوم] : الصوم جنة من أدواء الروح والقلب والبدن منافعه تفوت الإحصاء وله تأثير عجيب في حفظ الصحة وإذابة الفضلات وحبس النفس عن تناول مؤذياتها ولا سيما إذا كان باعتدال وقصد في أفضل أوقاته شرعا وحاجة البدن إليه طبعا. ثم إن فيه من إراحة القوى والأعضاء ما يحفظ عليها قواها وفيه خاصية تقتضي إيثاره وهي تفريحه للقلب عاجلا وآجلا وهو أنفع شيء لأصحاب الأمزجة الباردة والرطبة وله تأثير عظيم في حفظ صحتهم. وهو يدخل في الأدوية الروحانية والطبيعية وإذا راعى الصائم فيه ما ينبغي مراعاته طبعا وشرعا عظم انتفاع قلبه وبدنه به وحبس عنه المواد الغريبة الفاسدة التي هو مستعد لها وأزال المواد الرديئة الحاصلة بحسب كماله ونقصانه ويحفظ الصائم مما ينبغي أن يتحفظ منه ويعينه على قيامه بمقصود الصوم وسره وعلته الغائية فإن القصد منه أمر آخر وراء ترك الطعام والشراب وباعتبار ذلك الأمر اختص من بين الأعمال بأنه لله سبحانه ولما كان وقاية وجنة بين العبد وبين ما يؤذي قلبه وبدنه عاجلا وآجلا قال الله تعالى: ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون [البقرة: 183] [البقرة: 183]  فأحد مقصودي الصيام الجنة والوقاية وهي حمية عظيمة النفع والمقصود الآخر: اجتماع القلب والهم على الله تعالى وتوفير قوى النفس على محابه وطاعته وقد تقدم الكلام في بعض أسرار الصوم عند ذكر هديه صلى الله عليه وسلم فيه.  [حرف الضاد] [ضب] حرف الضاد ضب: ثبت في quot; الصحيحين quot;: من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنه لما قدم إليه وامتنع من أكله: أحرام هو فقال: ( لا ولكن لم يكن(4\/307)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1818",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10384",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأرض قومي فأجدني أعافه. وأكل بين يديه وعلى مائدته وهو ينظر ) . وفي quot; الصحيحين quot;: من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا أحله ولا أحرمه ) . وهو حار يابس يقوي شهوة الجماع وإذا دق ووضع على موضع الشوكة اجتذبها.  [ضفدع] : قال الإمام أحمد: الضفدع لا يحل في الدواء نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلها يريد الحديث الذي رواه في quot; مسنده quot; من حديث عثمان بن عبد الرحمن رضي الله عنه ( أن طبيبا ذكر ضفدعا في دواء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاه عن قتلها ) . قال صاحب القانون: من أكل من دم الضفدع أو جرمه ورم بدنه وكمد لونه وقذف المني حتى يموت ولذلك ترك الأطباء استعماله خوفا من ضرره وهي نوعان: مائية وترابية والترابية يقتل أكلها.  [حرف الطاء] [طيب] حرف الطاء طيب: ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( حبب إلي من دنياكم: النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة ) . ( وكان صلى الله عليه وسلم يكثر التطيب وتشتد عليه الرائحة الكريهة وتشق عليه ) والطيب غذاء الروح التي هي مطية القوى تتضاعف وتزيد بالطيب كما تزيد بالغذاء(4\/308)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1819",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10385",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والشراب والدعة والسرور ومعاشرة الأحبة وحدوث الأمور المحبوبة وغيبة من تسر غيبته ويثقل على الروح مشاهدته كالثقلاء والبغضاء فإن معاشرتهم توهن القوى وتجلب الهم والغم وهي للروح بمنزلة الحمى للبدن وبمنزلة الرائحة الكريهة ولهذا كان مما حبب الله سبحانه الصحابة بنهيهم عن التخلق بهذا الخلق في معاشرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لتأذيه بذلك فقال: إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق [الأحزاب: 53] [الأحزاب: 53] . والمقصود أن ( الطيب كان من أحب الأشياء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وله تأثير في حفظ الصحة ودفع كثير من الآلام وأسبابها بسبب قوة الطبيعة به.  [طين] : ورد في أحاديث موضوعة لا يصح منها شيء مثل حديث ( من أكل الطين فقد أعان على قتل نفسه ) ومثل حديث: ( يا حميراء لا تأكلي الطين فإنه يعصم البطن ويصفر اللون ويذهب بهاء الوجه ) . وكل حديث في الطين فإنه لا يصح ولا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه رديء مؤذ يسد مجاري العروق وهو بارد يابس قوي التجفيف ويمنع استطلاق البطن ويوجب نفث الدم وقروح الفم.  [طلح] : قال تعالى: وطلح منضود [الواقعة: 29] [الواقعة: 29]  قال أكثر المفسرين هو الموز. والمنضود: هو الذي قد نضد بعضه على بعض كالمشط. وقيل: الطلح: الشجر ذو الشوك نضد مكان كل شوكة ثمرة فثمره قد نضد بعضه إلى بعض فهو مثل الموز وهذا القول أصح ويكون من ذكر الموز من السلف أراد التمثيل لا التخصيص والله أعلم. وهو حار رطب أجوده النضيج الحلو ينفع من خشونة الصدر والرئة(4\/309)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1820",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10386",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والسعال وقروح الكليتين والمثانة ويدر البول ويزيد في المني ويحرك الشهوة للجماع ويلين البطن ويؤكل قبل الطعام ويضر المعدة ويزيد في الصفراء والبلغم ودفع ضرره بالسكر أو العسل.  [طلع] : قال تعالى: والنخل باسقات لها طلع نضيد [ق: 10] [ق: 10] وقال تعالى: ونخل طلعها هضيم [الشعراء: 148] [الشعراء: 148] . طلع النخل: ما يبدو من ثمرته في أول ظهوره وقشره يسمى الكفرى والنضيد: المنضود الذي قد نضد بعضه على بعض وإنما يقال له: نضيد ما دام في كفراه فإذا انفتح فليس بنضيد. وأما الهضيم: فهو المنضم بعضه إلى بعض فهو كالنضيد أيضا وذلك يكون قبل تشقق الكفرى عنه. والطلع نوعان: ذكر وأنثى والتلقيح هو أن يؤخذ من الذكر وهو مثل دقيق الحنطة فيجعل في الأنثى وهو التأبير فيكون ذلك بمنزلة اللقاح بين الذكر والأنثى وقد روى مسلم في quot; صحيحه quot;: عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال: مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في نخل فرأى قوما يلقحون فقال: (ما يصنع هؤلاء quot; قالوا: يأخذون من الذكر فيجعلونه في الأنثى قال: quot; ما أظن ذلك يغني شيئا quot; فبلغهم فتركوه فلم يصلح فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; إنما هو ظن فإن كان يغني شيئا فاصنعوه فإنما أنا بشر مثلكم وإن الظن يخطئ ويصيب ولكن ما قلت لكم عن الله عز وجل. فلن أكذب على الله ) انتهى.(4\/310)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1821",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10387",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طلع النخل ينفع من الباه ويزيد في المباضعة ودقيق طلعه إذا تحملت به المرأة قبل الجماع أعان على الحبل إعانة بالغة وهو في البرودة واليبوسة في الدرجة الثانية يقوي المعدة ويجففها ويسكن ثائرة الدم مع غلظة وبطء هضم. ولا يحتمله إلا أصحاب الأمزجة الحارة ومن أكثر منه فإنه ينبغي أن يأخذ عليه شيئا من الجوارشات الحارة وهو يعقل الطبع ويقوي الأحشاء والجمار يجري مجراه وكذلك البلح والبسر والإكثار منه يضر بالمعدة والصدر وربما أورث القولنج وإصلاحه بالسمن أو بما تقدم ذكره.  [حرف العين] [عنب] حرف العين عنب: في quot; الغيلانيات quot; من حديث حبيب بن يسار عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل العنب خرطا. ) قال أبو جعفر العقيلي: لا أصل لهذا الحديث قلت: وفيه داود بن عبد الجبار أبو سليم الكوفي قال يحيى بن معين: كان يكذب. ويذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ( كان يحب العنب والبطيخ ) .(4\/311)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1822",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10388",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد ذكر الله سبحانه العنب في ستة مواضع من كتابه في جملة نعمه التي أنعم بها على عباده في هذه الدار وفي الجنة وهو من أفضل الفواكه وأكثرها منافع وهو يؤكل رطبا ويابسا وأخضر ويانعا وهو فاكهة مع الفواكه وقوت مع الأقوات وأدم مع الإدام ودواء مع الأدوية وشراب مع الأشربة وطبعه طبع الحبات: الحرارة والرطوبة وجيده الكبار المائي والأبيض أحمد من الأسود إذا تساويا في الحلاوة والمتروك بعد قطفه يومين أو ثلاثة أحمد من المقطوف في يومه فإنه منفخ مطلق للبطن والمعلق حتى يضمر قشره جيد للغذاء مقو للبدن وغذاؤه كغذاء التين والزبيب وإذا ألقي عجم العنب كان أكثر تليينا للطبيعة والإكثار منه مصدع للرأس ودفع مضرته بالرمان المز. ومنفعة العنب يسهل الطبع ويسمن ويغذو جيده غذاء حسنا وهو أحد الفواكه الثلاث التي هي ملوك الفواكه هو والرطب والتين.  [عسل] : قد تقدم ذكر منافعه. قال ابن جريج: قال الزهري: عليك بالعسل فإنه جيد للحفظ وأجوده أصفاه وأبيضه وألينه حدة وأصدقه حلاوة وما يؤخذ من الجبال والشجر له فضل على ما يؤخذ من الخلايا وهو بحسب مرعى نحله.  [عجوة] : في quot; الصحيحين quot;: من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر )(4\/312)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1823",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10389",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; سنن النسائي quot; وابن ماجه: من حديث جابر وأبي سعيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( العجوة من الجنة وهي شفاء من السم والكمأة من المن وماؤها شفاء للعين ) . وقد قيل: إن هذا في عجوة المدينة وهي أحد أصناف التمر بها ومن أنفع تمر الحجاز على الإطلاق وهو صنف كريم ملذذ متين للجسم والقوة من ألين التمر وأطيبه وألذه وقد تقدم ذكر التمر وطبعه ومنافعه في حرف التاء والكلام على دفع العجوة للسم والسحر فلا حاجة لإعادته.  [عنبر] : تقدم في quot; الصحيحين quot; من حديث جابر في قصة أبي عبيدة وأكلهم من العنبر شهرا وأنهم تزودوا من لحمه وشائق إلى المدينة وأرسلوا منه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو أحد ما يدل على أن إباحة ما في البحر لا يختص بالسمك وعلى أن ميتته حلال واعترض على ذلك بأن البحر ألقاه حيا ثم جزر عنه الماء فمات وهذا حلال فإن موته بسبب مفارقته للماء وهذا لا يصح فإنهم إنما وجدوه ميتا بالساحل ولم يشاهدوه قد خرج عنه حيا ثم جزر عنه الماء. وأيضا: فلو كان حيا لما ألقاه البحر إلى ساحله فإنه من المعلوم أن البحر إنما يقذف إلى ساحله الميت من حيواناته لا الحي منها. وأيضا: فلو قدر احتمال ما ذكروه لم يجز أن يكون شرطا في الإباحة فإنه لا يباح الشيء مع الشك في سبب إباحته ولهذا منع النبي صلى الله عليه وسلم من أكل الصيد إذا(4\/313)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1824",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10390",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجده الصائد غريقا في الماء للشك في سبب موته هل هو الآلة أم الماء. وأما العنبر الذي هو أحد أنواع الطيب فهو من أفخر أنواعه بعد المسك وأخطأ من قدمه على المسك وجعله سيد أنواع الطيب وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المسك: ( هو أطيب الطيب )  وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر الخصائص والمنافع التي خص بها المسك حتى إنه طيب الجنة والكثبان التي هي مقاعد الصديقين هناك من مسك لا من عنبر. والذي غر هذا القائل أنه لا يدخله التغير على طول الزمان فهو كالذهب وهذا يدل على أنه أفضل من المسك فإنه بهذه الخاصية الواحدة لا يقاوم ما في المسك من الخواص. وبعد فضروبه كثيرة وألوانه مختلفة فمنه الأبيض والأشهب والأحمر والأصفر والأخضر والأزرق والأسود وذو الألوان وأجوده: الأشهب ثم الأزرق ثم الأصفر وأردؤه الأسود. وقد اختلف الناس في عنصره فقالت طائفة: هو نبات ينبت في قعر البحر فيبتلعه بعض دوابه فإذا ثملت منه قذفته رجيعا فيقذفه البحر إلى ساحله. وقيل: طل ينزل من السماء في جزائر البحر فتلقيه الأمواج إلى الساحل وقيل: روث دابة بحرية تشبه البقرة. وقيل: بل هو جفاء من جفاء البحر أي زبد. وقال صاحب quot; القانون quot;: هو فيما يظن ينبع من عين في البحر والذي يقال: إنه زبد البحر أو روث دابة بعيد انتهى. ومزاجه حار يابس مقو للقلب والدماغ والحواس وأعضاء البدن نافع من الفالج واللقوة والأمراض البلغمية وأوجاع المعدة الباردة والرياح(4\/314)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1825",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10391",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الغليظة ومن السدد إذا شرب أو طلي به من خارج وإذا تبخر به نفع من الزكام والصداع والشقيقة الباردة.  [عود] : العود الهندي نوعان أحدهما: يستعمل في الأدوية وهو الكست ويقال له: القسط وسيأتي في حرف القاف. الثاني: يستعمل في الطيب ويقال له: الألوة. وقد روى مسلم في quot; صحيحه quot;: عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه ( كان يستجمر بالألوة غير مطراة وبكافور يطرح معها ويقول: هكذا كان يستجمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وثبت عنه في صفة نعيم أهل الجنة ( مجامرهم الألوة ) والمجامر: جمع مجمر وهو ما يتجمر به من عود وغيره وهو أنواع. أجودها: الهندي ثم الصيني ثم القماري ثم المندلي وأجوده: الأسود والأزرق الصلب الرزين الدسم وأقله جودة ما خف وطفا على الماء ويقال: إنه شجر يقطع ويدفن في الأرض سنة فتأكل الأرض منه ما لا ينفع ويبقى عود الطيب لا تعمل فيه الأرض شيئا يتعفن منه قشره وما لا طيب فيه. وهو حار يابس في الثالثة يفتح السدد ويكسر الرياح ويذهب بفضل الرطوبة ويقوي الأحشاء والقلب ويفرحه وينفع الدماغ ويقوي الحواس ويحبس البطن وينفع من سلس البول الحادث عن برد المثانة. قال ابن سمجون: العود ضروب كثيرة يجمعها اسم الألوة ويستعمل(4\/315)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1826",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10392",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من داخل وخارج ويتجمر به مفردا ومع غيره وفي الخلط للكافور به عند التجمير معنى طبي وهو إصلاح كل منهما بالآخر وفي التجمر مراعاة جوهر الهواء وإصلاحه فإنه أحد الأشياء الستة الضرورية التي في صلاحها صلاح الأبدان.  [عدس] : قد ورد فيه أحاديث كلها باطلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل شيئا منها كحديث: ( إنه قدس على لسان سبعين نبيا ) وحديث: ( إنه يرق القلب ويغزر الدمعة وإنه مأكول الصالحين ) وأرفع شيء جاء فيه وأصحه أنه شهوة اليهود التي قدموها على المن والسلوى وهو قرين الثوم والبصل في الذكر. وطبعه طبع المؤنث بارد يابس وفيه قوتان متضادتان. إحداهما: يعقل الطبيعة. والأخرى: يطلقها وقشره حار يابس في الثالثة حريف مطلق للبطن وترياقه في قشره ولهذا كان صحاحه أنفع من مطحونه وأخف على المعدة وأقل ضررا فإن لبه بطيء الهضم لبرودته ويبوسته وهو مولد للسوداء ويضر بالماليخوليا ضررا بينا ويضر بالأعصاب والبصر. وهو غليظ الدم وينبغي أن يتجنبه أصحاب السوداء وإكثارهم منه يولد لهم أدواء رديئة كالوسواس والجذام وحمى الربع ويقلل ضرره السلق والإسفاناخ وإكثار الدهن. وأردأ ما أكل بالنمكسود وليتجنب خلط الحلاوة به فإنه يورث سددا كبدية وإدمانه يظلم البصر لشدة تجفيفه ويعسر البول ويوجب الأورام الباردة والرياح الغليظة. وأجوده الأبيض السمين السريع النضج. وأما ما يظنه الجهال أنه كان سماط الخليل الذي يقدمه لأضيافه(4\/316)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1827",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10393",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكذب مفترى وإنما حكى الله عنه الضيافة بالشواء وهو العجل الحنيذ. وذكر البيهقي عن إسحاق قال: سئل ابن المبارك عن الحديث الذي جاء في العدس ( أنه قدس على لسان سبعين نبيا ) فقال: ولا على لسان نبي واحد وإنه لمؤذ منفخ من حدثكم به قالوا: سلم بن سالم فقال: عمن قالوا: عنك. قال: وعني أيضا!!.  [حرف الغين] [غيث] حرف الغين غيث: مذكور في القرآن في عدة مواضع وهو لذيذ الاسم على السمع والمسمى على الروح والبدن تبتهج الأسماع بذكره والقلوب بوروده وماؤه أفضل المياه وألطفها وأنفعها وأعظمها بركة ولا سيما إذا كان من سحاب راعد واجتمع في مستنقعات الجبال وهو أرطب من سائر المياه لأنه لم تطل مدته على الأرض فيكتسب من يبوستها ولم يخالطه جوهر يابس ولذلك يتغير ويتعفن سريعا للطافته وسرعة انفعاله وهل الغيث الربيعي ألطف من الشتوي أو بالعكس فيه قولان. قال من رجح الغيث الشتوي: حرارة الشمس تكون حينئذ أقل فلا تجتذب من ماء البحر إلا ألطفه والجو صاف وهو خال من الأبخرة الدخانية والغبار المخالط للماء وكل هذا يوجب لطفه وصفاءه وخلوه من مخالط. قال من رجح الربيعي: الحرارة توجب تحلل الأبخرة الغليظة وتوجب رقة الهواء ولطافته فيخف بذلك الماء وتقل أجزاؤه الأرضية وتصادف وقت حياة النبات والأشجار وطيب الهواء.(4\/317)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1828",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10394",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر الشافعي رحمه الله عن أنس بن مالك رضي الله عنهما قال: ( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابنا مطر فحسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه وقال: إنه حديث عهد بربه ) وقد تقدم في هديه في الاستسقاء ذكر استمطاره صلى الله عليه وسلم وتبركه بماء الغيث عند أول مجيئه.  [حرف الفاء] [فاتحة الكتاب] حرف الفاء فاتحة الكتاب: وأم القرآن والسبع المثاني والشفاء التام والدواء النافع والرقية التامة ومفتاح الغنى والفلاح وحافظة القوة ودافعة الهم والغم والخوف والحزن لمن عرف مقدارها وأعطاها حقها وأحسن تنزيلها على دائه وعرف وجه الاستشفاء والتداوي بها والسر الذي لأجله كانت كذلك. ولما وقع بعض الصحابة على ذلك رقى بها اللديغ فبرأ لوقته فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( وما أدراك أنها رقية ) . ومن ساعده التوفيق وأعين بنور البصيرة حتى وقف على أسرار هذه السورة وما اشتملت عليه من التوحيد ومعرفة الذات والأسماء والصفات والأفعال وإثبات الشرع والقدر والمعاد وتجريد توحيد الربوبية والإلهية وكمال التوكل والتفويض إلى من له الأمر كله وله الحمد كله وبيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله والافتقار إليه في طلب الهداية التي هي أصل سعادة الدارين وعلم ارتباط معانيها بجلب مصالحهما ودفع مفاسدهما وأن العاقبة المطلقة التامة والنعمة الكاملة منوطة بها موقوفة على التحقق بها أغنته عن كثير من الأدوية والرقى واستفتح بها من الخير أبوابه ودفع بها من الشر أسبابه.(4\/318)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1829",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10395",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا أمر يحتاج استحداث فطرة أخرى وعقل آخر وإيمان آخر وتالله لا تجد مقالة فاسدة ولا بدعة باطلة إلا وفاتحة الكتاب متضمنة لردها وإبطالها بأقرب الطرق وأصحها وأوضحها ولا تجد بابا من أبواب المعارف الإلهية وأعمال القلوب وأدويتها من عللها وأسقامها إلا وفي فاتحة الكتاب مفتاحه وموضع الدلالة عليه ولا منزلا من منازل السائرين إلى رب العالمين إلا وبدايته ونهايته فيها. ولعمر الله إن شأنها لأعظم من ذلك وهي فوق ذلك. وما تحقق عبد بها واعتصم بها وعقل عمن تكلم بها وأنزلها شفاء تاما وعصمة بالغة ونورا مبينا وفهمها وفهم لوازمها كما ينبغي ووقع في بدعة ولا شرك ولا أصابه مرض من أمراض القلوب إلا لماما غير مستقر. هذا وإنها المفتاح الأعظم لكنوز الأرض كما أنها المفتاح لكنوز الجنة ولكن ليس كل واحد يحسن الفتح بهذا المفتاح ولو أن طلاب الكنوز وقفوا على سر هذه السورة وتحققوا بمعانيها وركبوا لهذا المفتاح أسنانا وأحسنوا الفتح به لوصلوا إلى تناول الكنوز من غير معاوق ولا ممانع. ولم نقل هذا مجازفة ولا استعارة بل حقيقة ولكن لله تعالى حكمة بالغة في إخفاء هذا السر عن نفوس أكثر العالمين كما له حكمة بالغة في إخفاء كنوز الأرض عنهم والكنوز المحجوبة قد استخدم عليها أرواح خبيثة شيطانية تحول بين الإنس وبينها ولا تقهرها إلا أرواح علوية شريفة غالبة لها بحالها الإيماني معها منه أسلحة لا تقوم لها الشياطين وأكثر نفوس الناس ليست بهذه المثابة فلا يقاوم تلك الأرواح ولا يقهرها ولا ينال من سلبها شيئا فإن من قتل قتيلا فله سلبه.  [فاغية] : هي نور الحناء وهي من أطيب الرياحين وقد روى البيهقي في كتابه quot; شعب الإيمان quot; من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه يرفعه:(4\/319)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1830",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10396",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( سيد الرياحين في الدنيا والآخرة الفاغية ) . وروى فيه أيضا عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ( كان أحب الرياحين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاغية ) . والله أعلم بحال هذين الحديثين فلا نشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا نعلم صحته. وهي معتدلة في الحر واليبس فيها بعض القبض وإذا وضعت بين طي ثياب الصوف حفظتها من السوس وتدخل في مراهم الفالج والتمدد ودهنها يحلل الأعضاء ويلين العصب.  [فضة] : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كان خاتمه من فضة وفصه منه وكانت قبيعة سيفه فضة )  ولم يصح عنه في المنع من لباس الفضة والتحلي بها شيء البتة كما صح عنه المنع من الشرب في آنيتها وباب الآنية أضيق من باب اللباس والتحلي ولهذا يباح للنساء لباسا وحلية ما يحرم عليهن استعماله آنية فلا يلزم من تحريم الآنية تحريم اللباس والحلية. وفي quot; السنن quot; عنه: ( وأما الفضة فالعبوا بها لعبا ) . فالمنع يحتاج إلى دليل يبينه إما نص أو إجماع فإن ثبت أحدهما وإلا ففي القلب من تحريم ذلك على الرجال شيء والنبي صلى الله عليه وسلم أمسك بيده ذهبا وبالأخرى حريرا وقال: ( هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم ) .(4\/320)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1831",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10397",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والفضة سر من أسرار الله في الأرض وطلسم الحاجات وإحسان أهل الدنيا بينهم وصاحبها مرموق بالعيون بينهم معظم في النفوس مصدر في المجالس لا تغلق دونه الأبواب ولا تمل مجالسته ولا معاشرته ولا يستثقل مكانه تشير الأصابع إليه وتعقد العيون نطاقها عليه إن قال سمع قوله وإن شفع قبلت شفاعته وإن شهد زكيت شهادته وإن خطب فكفء لا يعاب وإن كان ذا شيبة بيضاء فهي أجمل عليه من حلية الشباب. وهي من الأدوية المفرحة النافعة من الهم والغم والحزن وضعف القلب وخفقانه وتدخل في المعاجين الكبار وتجتذب بخاصيتها ما يتولد في القلب من الأخلاط الفاسدة خصوصا إذا أضيفت إلى العسل المصفى والزعفران. ومزاجها إلى اليبوسة والبرودة ويتولد عنها من الحرارة والرطوبة ما يتولد والجنان التي أعدها الله عز وجل لأوليائه يوم يلقونه أربع: جنتان من ذهب وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في quot; الصحيح quot; من حديث أم سلمة أنه قال: ( الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم ) . وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة ) . فقيل: علة التحريم تضييق النقود فإنها إذا اتخذت أواني فاتت الحكمة(4\/321)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1832",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10398",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التي وضعت لأجلها من قيام مصالح بني آدم وقيل: العلة الفخر والخيلاء. وقيل: العلة كسر قلوب الفقراء والمساكين إذا رأوها وعاينوها. وهذه العلل فيها ما فيها فإن التعليل بتضييق النقود يمنع من التحلي بها وجعلها سبائك ونحوها مما ليس بآنية ولا نقد والفخر والخيلاء حرام بأي شيء كان وكسر قلوب المساكين لا ضابط له فإن قلوبهم تنكسر بالدور الواسعة والحدائق المعجبة والمراكب الفارهة والملابس الفاخرة والأطعمة اللذيذة وغير ذلك من المباحات وكل هذه علل منتقضة إذ توجد العلة ويتخلف معلولها. فالصواب أن العلة - والله أعلم - ما يكسب استعمالها القلب من الهيئة والحالة المنافية للعبودية منافاة ظاهرة ولهذا علل النبي صلى الله عليه وسلم بأنها للكفار في الدنيا إذ ليس لهم نصيب من العبودية التي ينالون بها في الآخرة نعيمها فلا يصلح استعمالها لعبيد الله في الدنيا وإنما يستعملها من خرج عن عبوديته ورضي بالدنيا وعاجلها من الآخرة.  [حرف القاف] [قرآن] حرف القاف قرآن: قال الله تعالى: وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين [الإسراء: 82] [الإسراء: 82] والصحيح: أن quot; من quot; هاهنا لبيان الجنس لا للتبعيض وقال تعالى: ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور [يونس: 57] [يونس: 57] . فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية وأدواء الدنيا والآخرة وما كل أحد يؤهل ولا يوفق للاستشفاء به وإذا أحسن العليل التداوي به ووضعه على دائه بصدق وإيمان وقبول تام واعتقاد جازم واستيفاء شروطه لم يقاومه الداء أبدا.(4\/322)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1833",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10399",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء الذي لو نزل على الجبال لصدعها أو على الأرض لقطعها فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه والحمية منه لمن رزقه الله فهما في كتابه وقد تقدم في أول الكلام على الطب بيان إرشاد القرآن العظيم إلى أصوله ومجامعه التي هي حفظ الصحة والحمية واستفراغ المؤذي والاستدلال بذلك على سائر أفراد هذه الأنواع. وأما الأدوية القلبية فإنه يذكرها مفصلة ويذكر أسباب أدوائها وعلاجها. قال: أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم [العنكبوت: 51] [العنكبوت: 51]  فمن لم يشفه القرآن فلا شفاه الله ومن لم يكفه فلا كفاه الله.  [قثاء] : في quot; السنن quot;: من حديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كان يأكل القثاء بالرطب )  ورواه الترمذي وغيره. القثاء بارد رطب في الدرجة الثانية مطفئ لحرارة المعدة الملتهبة بطيء الفساد فيها نافع من وجع المثانة ورائحته تنفع من الغشي وبزره يدر البول وورقه إذا اتخذ ضمادا نفع من عضة الكلب وهو بطيء الانحدار عن المعدة وبرده مضر ببعضها فينبغي أن يستعمل معه ما يصلحه ويكسر برودته ورطوبته كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أكله بالرطب فإذا أكل بتمر أو زبيب أو عسل عدله.  [قسط وكست] : بمعنى واحد. وفي quot; الصحيحين quot;: من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( خير ما تداويتم به الحجامة والقسط(4\/323)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1834",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10400",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البحري ) . وفي quot; المسند quot;: من حديث أم قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم ( عليكم بهذا العود الهندي فإن فيه سبعة أشفية منها ذات الجنب ) . القسط: نوعان أحدهما: الأبيض الذي يقال له: البحري. والآخر الهندي وهو أشدهما حرا والأبيض ألينهما ومنافعهما كثيرة جدا. وهما حاران يابسان في الثالثة ينشفان البلغم قاطعان للزكام وإذا شربا نفعا من ضعف الكبد والمعدة ومن بردهما ومن حمى الدور والربع وقطعا وجع الجنب ونفعا من السموم وإذا طلي به الوجه معجونا بالماء والعسل قلع الكلف وقال جالينوس: ينفع من الكزاز ووجع الجنبين ويقتل حب القرع. وقد خفي على جهال الأطباء نفعه من وجع ذات الجنب فأنكروه ولو ظفر هذا الجاهل بهذا النقل عن جالينوس لنزوله منزلة النص كيف وقد نص كثير من الأطباء المتقدمين على أن القسط يصلح للنوع البلغمي من ذات الجنب ذكره الخطابي عن محمد بن الجهم. وقد تقدم أن طب الأطباء بالنسبة إلى طب الأنبياء أقل من نسبة طب الطرقية والعجائز إلى طب الأطباء وأن بين ما يلقى بالوحي وبين ما يلقى بالتجربة والقياس من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق. ولو أن هؤلاء الجهال وجدوا دواء منصوصا عن بعض اليهود والنصارى والمشركين من الأطباء لتلقوه بالقبول والتسليم ولم يتوقفوا على تجربته. نعم نحن لا ننكر أن للعادة تأثيرا في الانتفاع بالدواء وعدمه فمن اعتاد(4\/324)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1835",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10401",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دواء وغذاء كان أنفع له وأوفق ممن لم يعتده بل ربما لم ينتفع به من لم يعتده. وكلام فضلاء الأطباء وإن كان مطلقا فهو بحسب الأمزجة والأزمنة والأماكن والعوائد وإذا كان التقييد بذلك لا يقدح في كلامهم ومعارفهم فكيف يقدح في كلام الصادق المصدوق ولكن نفوس البشر مركبة على الجهل والظلم إلا من أيده الله بروح الإيمان ونور بصيرته بنور الهدى.  [قصب السكر] : جاء في بعض ألفاظ السنة الصحيحة في الحوض ( ماؤه أحلى من السكر ) ولا أعرف السكر في الحديث إلا في هذا الموضع. والسكر حادث لم يتكلم فيه متقدمو الأطباء ولا كانوا يعرفونه ولا يصفونه في الأشربة وإنما يعرفون العسل ويدخلونه في الأدوية وقصب السكر حار رطب ينفع من السعال ويجلو الرطوبة والمثانة وقصبة الرئة وهو أشد تليينا من السكر وفيه معونة على القيء ويدر البول ويزيد في(4\/325)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1836",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10402",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباه. قال عفان بن مسلم الصفار: من مص قصب السكر بعد طعامه لم يزل يومه أجمع في سرور انتهى. وهو ينفع من خشونة الصدر والحلق إذا شوي ويولد رياحا دفعها بأن يقشر ويغسل بماء حار. والسكر حار رطب على الأصح وقيل: بارد وأجوده: الأبيض الشفاف الطبرزد وعتيقه ألطف من جديده وإذا طبخ ونزعت رغوته سكن العطش والسعال وهو يضر المعدة التي تتولد فيها الصفراء لاستحالته إليها ودفع ضرره بماء الليمون أو النارنج أو الرمان اللفان. وبعض الناس يفضله على العسل لقلة حرارته ولينه وهذا تحامل منه على العسل فإن منافع العسل أضعاف منافع السكر وقد جعله الله شفاء ودواء وإداما وحلاوة وأين نفع السكر من منافع العسل: من تقوية المعدة وتليين الطبع وإحداد البصر وجلاء ظلمته ودفع الخوانيق بالغرغرة به وإبرائه من الفالج واللقوة ومن جميع العلل الباردة التي تحدث في جميع البدن من الرطوبات فيجذبها من قعر البدن ومن جميع البدن وحفظ صحته وتسمينه وتسخينه والزيادة في الباه والتحليل والجلاء وفتح أفواه العروق وتنقية المعى وإحدار الدود ومنع التخم وغيره من العفن والأدم النافع وموافقة من غلب عليه البلغم والمشايخ وأهل الأمزجة الباردة وبالجملة: فلا شيء أنفع منه للبدن وفي العلاج وعجز الأدوية وحفظ قواها وتقوية المعدة إلى أضعاف هذه المنافع فأين للسكر مثل هذه المنافع والخصائص أو قريب منها.  [حرف الكاف] [كتاب للحمى] حرف الكاف كتاب للحمى: قال المروزي: بلغ أبا عبد الله أني حممت فكتب لي من(4\/326)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1837",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10403",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحمى رقعة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله وبالله محمد رسول الله قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم [الأنبياء: 69]  وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين [الأنبياء: 70]  اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل اشف صاحب هذا الكتاب بحولك وقوتك وجبروتك إله الحق آمين. قال المروزي: وقرأ على أبي عبد الله - وأنا أسمع - أبو المنذر عمرو بن مجمع حدثنا يونس بن حبان قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي أن أعلق التعويذ فقال: إن كان من كتاب الله أو كلام عن نبي الله فعلقه واستشف به ما استطعت. قلت: أكتب هذه من حمى الربع: باسم الله وبالله ومحمد رسول الله إلى آخره قال: أي نعم. وذكر أحمد عن عائشة رضي الله عنها وغيرها أنهم سهلوا في ذلك. قال حرب: ولم يشدد فيه أحمد بن حنبل قال أحمد: وكان ابن مسعود يكرهه كراهة شديدة جدا. وقال أحمد وقد سئل عن التمائم تعلق بعد نزول البلاء قال: أرجو أن لا يكون به بأس. قال الخلال: وحدثنا عبد الله بن أحمد قال: رأيت أبي يكتب التعويذ للذي يفزع وللحمى بعد وقوع البلاء.  [كتاب لعسر الولادة] : قال الخلال: حدثني عبد الله بن أحمد: قال رأيت أبي يكتب للمرأة إذا عسر عليها ولادتها في جام أبيض أو شيء نظيف يكتب حديث ابن عباس رضي الله عنه: لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين: كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ [الأحقاف: 35] [الأحقاف: 35]  كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها [النازعات: 46] [النازعات: 46] . قال الخلال: أنبأنا أبو بكر المروزي أن أبا عبد الله جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله! تكتب لامرأة قد عسر عليها ولدها منذ يومين فقال: قل له: يجيء بجام(4\/327)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1838",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10404",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واسع وزعفران ورأيته يكتب لغير واحد ويذكر عن عكرمة عن ابن عباس قال: ( مر عيسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم على بقرة قد اعترض ولدها في بطنها فقالت: يا كلمة الله! ادع الله لي أن يخلصني مما أنا فيه فقال: يا خالق النفس من النفس ويا مخلص النفس من النفس ويا مخرج النفس من النفس خلصها. قال: فرمت بولدها فإذا هي قائمة تشمه ) . قال: فإذا عسر على المرأة ولدها فاكتبه لها. وكل ما تقدم من الرقى فإن كتابته نافعة. ورخص جماعة من السلف في كتابة بعض القرآن وشربه وجعل ذلك من الشفاء الذي جعل الله فيه. كتاب آخر لذلك: يكتب في إناء نظيف: إذا السماء انشقت - وأذنت لربها وحقت - وإذا الأرض مدت - وألقت ما فيها وتخلت [الانشقاق: 1 - 4] [الانشقاق: 1-4] وتشرب منه الحامل ويرش على بطنها.  [كتاب للرعاف] : كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يكتب على جبهته: وقيل ياأرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر [هود: 44] [هود: 44] . وسمعته يقول: كتبتها لغير واحد فبرأ فقال: ولا يجوز كتابتها بدم الراعف كما يفعله الجهال فإن الدم نجس فلا يجوز أن يكتب به كلام الله تعالى. كتاب آخر له: خرج موسى عليه السلام برداء فوجد شعيبا فشده بردائه يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب [الرعد: 39] [الرعد: 39] . كتاب آخر للحزاز: يكتب عليه: فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت [البقرة: 266] [البقرة: 266] بحول الله وقوته. كتاب آخر له: عند اصفرار الشمس يكتب عليه: ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم [الحديد: 28] [الحديد: 28] .(4\/328)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1839",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10405",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كتاب آخر للحمى المثلثة: يكتب على ثلاث ورقات لطاف: بسم الله فرت بسم الله مرت بسم الله قلت ويأخذ كل يوم ورقة ويجعلها في فمه ويبتلعها بماء. كتاب آخر لعرق النسا: بسم الله الرحمن الرحيم اللهم رب كل شيء ومليك كل شيء وخالق كل شيء أنت خلقتني وأنت خلقت النسا فلا تسلطه علي بأذى ولا تسلطني عليه بقطع واشفني شفاء لا يغادر سقما لا شافي إلا أنت.  [كتاب للعرق الضارب] : روى الترمذي في quot; جامعه quot;: من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم من الحمى ومن الأوجاع كلها أن يقولوا: ( بسم الله الكبير أعوذ بالله العظيم من شر كل عرق نعار ومن شر حر النار ) .  [كتاب لوجع الضرس] : يكتب على الخد الذي يلي الوجع: بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون [الملك: 23] [النحل: 78]  وإن شاء كتب وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم [الأنعام: 13] [الأنعام: 13] .  [كتاب للخراج] : يكتب عليه: ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا [طه: 105] [طه: 105] .  [كمأة] : ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين ) أخرجاه في quot; الصحيحين quot;.(4\/329)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1840",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10406",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ابن الأعرابي: الكمأة: جمع واحده كمء وهذا خلاف قياس العربية فإن ما بينه وبين واحده التاء فالواحد منه التاء وإذا حذفت كان للجمع. وهل هو جمع أو اسم جمع على قولين مشهورين: قالوا: ولم يخرج عن هذا إلا حرفان: كمأة وكمء وجبأة وجبء وقال غير ابن الأعرابي: بل هي على القياس: الكمأة للواحد والكمء للكثير وقال غيرهما: الكمأة تكون واحدا وجمعا. واحتج أصحاب القول الأول بأنهم قد جمعوا كمئا على أكمؤ قال الشاعر: ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر وهذا يدل على أن quot; كمئا quot; مفرد quot; وكمأة quot; جمع. والكمأة تكون في الأرض من غير أن تزرع وسميت كمأة لاستتارها ومنه كمأ الشهادة إذا سترها وأخفاها والكمأة مخفية تحت الأرض لا ورق لها ولا ساق ومادتها من جوهر أرضي بخاري محتقن في الأرض نحو سطحها يحتقن ببرد الشتاء وتنميه أمطار الربيع فيتولد ويندفع نحو سطح الأرض متجسدا ولذلك يقال لها: جدري الأرض تشبيها بالجدري في صورته ومادته لأن مادته رطوبة دموية فتندفع عند سن الترعرع في الغالب وفي ابتداء استيلاء الحرارة ونماء القوة. وهي مما يوجد في الربيع ويؤكل نيئا ومطبوخا وتسميها العرب: نبات(4\/330)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1841",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10407",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرعد لأنها تكثر بكثرته وتنفطر عنها الأرض وهي من أطعمة أهل البوادي وتكثر بأرض العرب وأجودها ما كانت أرضها رملية قليلة الماء. وهي أصناف: منها صنف قتال يضرب لونه إلى الحمرة يحدث الاختناق. وهي باردة رطبة في الدرجة الثالثة رديئة للمعدة بطيئة الهضم وإذا أدمنت أورثت القولنج والسكتة والفالج ووجع المعدة وعسر البول والرطبة أقل ضررا من اليابسة ومن أكلها فليدفنها في الطين الرطب ويسلقها بالماء والملح والصعتر ويأكلها بالزيت والتوابل الحارة لأن جوهرها أرضي غليظ وغذاؤها رديء لكن فيها جوهر مائي لطيف يدل على خفتها والاكتحال بها نافع من ظلمة البصر والرمد الحار وقد اعترف فضلاء الأطباء بأن ماءها يجلو العين وممن ذكره المسيحي وصاحب القانون وغيرهما. وقوله صلى الله عليه وسلم ( الكمأة من المن ) فيه قولان: أحدهما: أن المن الذي أنزل على بني إسرائيل لم يكن هذا الحلو فقط بل أشياء كثيرة من الله عليهم بها من النبات الذي يوجد عفوا من غير صنعة ولا علاج ولا حرث فإن المن مصدر بمعنى المفعول أي quot; ممنون quot; به فكل ما رزقه الله العبد عفوا بغير كسب منه ولا علاج فهو من محض وإن كانت سائر نعمه منا منه على عبده فخص منها ما لا كسب له فيه ولا صنع باسم المن فإنه من بلا واسطة العبد وجعل سبحانه قوتهم بالتيه الكمأة وهي تقوم مقام الخبز وجعل أدمهم السلوى وهو يقوم مقام اللحم وجعل حلواهم الطل الذي ينزل على الأشجار يقوم لهم مقام الحلوى فكمل عيشهم. وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: ( الكمأة من المن الذي أنزله الله على بني إسرائيل ) فجعلها من جملته وفردا من أفراده والترنجبين الذي يسقط على الأشجار نوع من(4\/331)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1842",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10408",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المن ثم غلب استعمال المن عليه عرفا حادثا. والقول الثاني: أنه شبه الكمأة بالمن المنزل من السماء لأنه يجمع من غير تعب ولا كلفة ولا زرع بزر ولا سقي. فإن قلت: فإن كان هذا شأن الكمأة فما بال هذا الضرر فيها ومن أين أتاها ذلك فاعلم أن الله سبحانه أتقن كل شيء صنعه وأحسن كل شيء خلقه فهو عند مبدأ خلقه بريء من الآفات والعلل تام المنفعة لما هيئ وخلق له وإنما تعرض له الآفات بعد ذلك بأمور أخر من مجاورة أو امتزاج واختلاط أو أسباب أخر تقتضي فساده فلو ترك على خلقته الأصلية من غير تعلق أسباب الفساد به لم يفسد. ومن له معرفة بأحوال العالم ومبدئه يعرف أن جميع الفساد في جوه ونباته وحيوانه وأحوال أهله حادث بعد خلقه بأسباب اقتضت حدوثه ولم تزل أعمال بني آدم ومخالفتهم للرسل تحدث لهم من الفساد العام والخاص ما يجلب عليهم من الآلام والأمراض والأسقام والطواعين والقحوط والجدوب وسلب بركات الأرض وثمارها ونباتها وسلب منافعها أو نقصانها أمورا متتابعة يتلو بعضها بعضا فإن لم يتسع علمك لهذا فاكتف بقوله تعالى: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس [الروم: 41] [الروم: 41] ونزل هذه الآية على أحوال العالم وطابق بين الواقع وبينها وأنت ترى كيف تحدث الآفات والعلل كل وقت في الثمار والزرع والحيوان وكيف يحدث من تلك الآفات آفات أخر متلازمة بعضها آخذ برقاب بعض وكلما أحدث الناس ظلما وفجورا أحدث لهم ربهم تبارك وتعالى من الآفات والعلل في أغذيتهم وفواكههم وأهويتهم ومياههم وأبدانهم وخلقهم وصورهم وأشكالهم وأخلاقهم من النقص والآفات ما هو موجب أعمالهم وظلمهم وفجورهم.(4\/332)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1843",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10409",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولقد كانت الحبوب من الحنطة وغيرها أكبر مما هي اليوم كما كانت البركة فيها أعظم. وقد روى الإمام أحمد بإسناده: أنه وجد في خزائن بعض بني أمية صرة فيها حنطة أمثال نوى التمر مكتوب عليها: هذا كان ينبت أيام العدل. وهذه القصة ذكرها في quot; مسنده quot; على أثر حديث رواه. وأكثر هذه الأمراض والآفات العامة بقية عذاب عذبت به الأمم السالفة ثم بقيت منها بقية مرصدة لمن بقيت عليه بقية من أعمالهم حكما قسطا وقضاء عدلا وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله في الطاعون: ( إنه بقية رجز أو عذاب أرسل على بني إسرائيل ) . وكذلك سلط الله سبحانه وتعالى الريح على قوم سبع ليال وثمانية أيام ثم أبقى في العالم منها بقية في تلك الأيام وفي نظيرها عظة وعبرة. وقد جعل الله سبحانه أعمال البر والفاجر مقتضيات لآثارها في هذا العالم اقتضاء لا بد منه فجعل منع الإحسان والزكاة والصدقة سببا لمنع الغيث من السماء والقحط والجدب وجعل ظلم المساكين والبخس في المكاييل والموازين وتعدي القوي على الضعيف سببا لجور الملوك والولاة الذين لا(4\/333)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1844",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10410",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يرحمون إن استرحموا ولا يعطفون إن استعطفوا وهم في الحقيقة أعمال الرعايا ظهرت في صور ولاتهم فإن الله سبحانه بحكمته وعدله يظهر للناس أعمالهم في قوالب وصور تناسبها فتارة بقحط وجدب وتارة بعدو وتارة بولاة جائرين وتارة بأمراض عامة وتارة بهموم وآلام وغموم تحضرها نفوسهم لا ينفكون عنها وتارة بمنع بركات السماء والأرض عنهم وتارة بتسليط الشياطين عليهم تؤزهم إلى أسباب العذاب أزا لتحق عليهم الكلمة وليصير كل منهم إلى ما خلق له والعاقل يسير بصيرته بين أقطار العالم فيشاهده وينظر مواقع عدل الله وحكمته وحينئذ يتبين له أن الرسل وأتباعهم خاصة على سبيل النجاة وسائر الخلق على سبيل الهلاك سائرون وإلى دار البوار صائرون والله بالغ أمره لا معقب لحكمه ولا راد لأمره وبالله التوفيق. وقوله صلى الله عليه وسلم في الكمأة: ( وماؤها شفاء للعين ) فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن ماءها يخلط في الأدوية التي يعالج بها العين لا أنه يستعمل وحده ذكره أبو عبيد. الثاني: أنه يستعمل بحتا بعد شيها واستقطار مائها لأن النار تلطفه وتنضجه وتذيب فضلاته ورطوبته المؤذية وتبقي المنافع. الثالث: أن المراد بمائها الماء الذي يحدث به من المطر وهو أول قطر ينزل إلى الأرض فتكون الإضافة إضافة اقتران لا إضافة جزء ذكره ابن الجوزي وهو أبعد الوجوه وأضعفها. وقيل: إن استعمل ماؤها لتبريد ما في العين فماؤها مجردا شفاء وإن كان لغير ذلك فمركب مع غيره. وقال الغافقي: ماء الكمأة أصلح الأدوية للعين إذا عجن به الإثمد واكتحل به ويقوي أجفانها ويزيد الروح الباصرة قوة وحدة ويدفع عنها نزول النوازل.(4\/334)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1845",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10411",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[كباث] : في quot; الصحيحين quot;: من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: ( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نجني الكباث فقال: quot; عليكم بالأسود منه فإنه أطيبه ) . الكباث بفتح الكاف والباء الموحدة المخففة والثاء المثلثة - ثمر الأراك وهو بأرض الحجاز وطبعه حار يابس ومنافعه كمنافع الأراك يقوي المعدة ويجيد الهضم ويجلو البلغم وينفع من أوجاع الظهر وكثير من الأدواء. قال ابن جلجل: إذا شرب طحينه أدر البول ونقى المثانة وقال ابن رضوان: يقوي المعدة ويمسك الطبيعة.  [كتم] : روى البخاري في quot; صحيحه quot;: عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال: دخلنا على أم سلمة رضي الله عنها فأخرجت إلينا شعرا من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو مخضوب بالحناء والكتم . وفي quot; السنن الأربعة quot;: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم ) . وفي quot; الصحيحين quot;: عن أنس رضي الله عنه أن أبا بكر رضي الله عنه اختضب بالحناء والكتم.(4\/335)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1846",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10412",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; سنن أبي داود quot;: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل قد خضب بالحناء فقال ما أحسن هذا فمر آخر قد خضب بالحناء والكتم فقال: quot; هذا أحسن من هذا quot; فمر آخر قد خضب بالصفرة فقال: quot; هذا أحسن من هذا كله ) . قال الغافقي: الكتم نبت ينبت بالسهول ورقه قريب من ورق الزيتون يعلو فوق القامة وله ثمر قدر حب الفلفل في داخله نوى إذا رضخ اسود وإذا استخرجت عصارة ورقه وشرب منها قدر أوقية قيأ قيئا شديدا وينفع عن عضة الكلب وأصله إذا طبخ بالماء كان منه مداد يكتب به. وقال الكندي: بزر الكتم إذا اكتحل به حلل الماء النازل في العين وأبرأها. وقد ظن بعض الناس أن الكتم هو الوسمة وهي ورق النيل وهذا وهم فإن الوسمة غير الكتم. قال صاحب quot; الصحاح quot;: الكتم بالتحريك: نبت يخلط بالوسمة يختضب به قيل: والوسمة نبات له ورق طويل يضرب لونه إلى الزرقة أكبر من ورق الخلاف يشبه ورق اللوبيا وأكبر منه يؤتى به من الحجاز واليمن. فإن قيل: قد ثبت في quot; الصحيح quot; عن أنس رضي الله عنه أنه قال: لم يختضب النبي صلى الله عليه وسلم . قيل: قد أجاب أحمد بن حنبل عن هذا وقال: قد شهد به غير أنس رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم أنه خضب وليس من شهد بمنزلة من لم يشهد(4\/336)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1847",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10413",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأحمد أثبت خضاب النبي صلى الله عليه وسلم ومعه جماعة من المحدثين ومالك أنكره. فإن قيل: فقد ثبت في quot; صحيح مسلم quot; النهي عن الخضاب بالسواد في شأن أبي قحافة لما أتي به ورأسه ولحيته كالثغامة بياضا فقال: ( غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد ) . والكتم يسود الشعر. فالجواب من وجهين أحدهما: أن النهي عن التسويد البحت فأما إذا أضيف إلى الحناء شيء آخر كالكتم ونحوه فلا بأس به فإن الكتم والحناء يجعل الشعر بين الأحمر والأسود بخلاف الوسمة فإنها تجعله أسود فاحما وهذا أصح الجوابين. الجواب الثاني: أن الخضاب بالسواد المنهي عنه خضاب التدليس كخضاب شعر الجارية والمرأة الكبيرة تغر الزوج والسيد بذلك وخضاب الشيخ يغر المرأة بذلك فإنه من الغش والخداع فأما إذا لم يتضمن تدليسا ولا خداعا فقد صح عن الحسن والحسين رضي الله عنهما أنهما كانا يخضبان بالسواد ذكر ذلك ابن جرير عنهما في كتاب quot; تهذيب الآثار quot; وذكره عن عثمان بن عفان وعبد الله بن جعفر وسعد بن أبي وقاص وعقبة بن عامر والمغيرة بن شعبة وجرير بن عبد الله وعمرو بن العاص وحكاه عن جماعة من التابعين: منهم عمرو بن عثمان وعلي بن عبد الله بن عباس وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن بن الأسود وموسى بن طلحة والزهري وأيوب وإسماعيل بن معدي كرب. وحكاه ابن الجوزي عن محارب بن دثار ويزيد وابن جريج وأبي يوسف وأبي إسحاق وابن أبي ليلى وزياد بن علاقة وغيلان بن جامع(4\/337)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1848",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10414",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونافع بن جبير وعمرو بن علي المقدمي والقاسم بن سلام.  [كرم] : شجرة العنب وهي الحبلة ويكره تسميتها كرما لما روى مسلم في quot; صحيحه quot; عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا يقولن أحدكم للعنب الكرم. الكرم: الرجل المسلم ) . وفي رواية: ( إنما الكرم قلب المؤمن ) وفي أخرى: ( لا تقولوا: الكرم وقولوا: العنب والحبلة ) . وفي هذا معنيان: أحدهما: أن العرب كانت تسمي شجرة العنب الكرم لكثرة منافعها وخيرها فكره النبي صلى الله عليه وسلم تسميتها باسم يهيج النفوس على محبتها ومحبة ما يتخذ منها من المسكر وهو أم الخبائث فكره أن يسمى أصله بأحسن الأسماء وأجمعها للخير. والثاني: أنه من باب قوله: ( ليس الشديد بالصرعة ) . ( وليس المسكين بالطواف ) . أي: أنكم تسمون شجرة العنب كرما لكثرة منافعه وقلب المؤمن أو الرجل المسلم أولى بهذا الاسم منه فإن المؤمن خير كله(4\/338)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1849",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10415",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونفع فهو من باب التنبيه والتعريف لما في قلب المؤمن من الخير والجود والإيمان والنور والهدى والتقوى والصفات التي يستحق بها هذا الاسم أكثر من استحقاق الحبلة له. وبعد: فقوة الحبلة باردة يابسة وورقها وعلائقها وعرموشها مبرد في آخر الدرجة الأولى وإذا دقت وضمد بها من الصداع سكنته ومن الأورام الحارة والتهاب المعدة. وعصارة قضبانه إذا شربت سكنت القيء وعقلت البطن وكذلك إذا مضغت قلوبها الرطبة. وعصارة ورقها تنفع من قروح الأمعاء ونفث الدم وقيئه ووجع المعدة ودمع شجره الذي يحمل على القضبان كالصمغ إذا شرب أخرج الحصاة وإذا لطخ به أبرأ القوب والجرب المتقرح وغيره وينبغي غسل العضو قبل استعمالها بالماء والنطرون وإذا تمسح بها مع الزيت حلق الشعر ورماد قضبانه إذا تضمد به مع الخل ودهن الورد والسذاب نفع من الورم العارض في الطحال وقوة دهن زهرة الكرم قابضة شبيهة بقوة دهن الورد ومنافعها كثيرة قريبة من منافع النخلة.  [كرفس] : روي في حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من أكله ثم نام عليه نام ونكهته طيبة وينام آمنا من وجع الأضراس والأسنان ) وهذا باطل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن البستاني منه يطيب النكهة جدا وإذا علق أصله في الرقبة نفع من وجع الأسنان. وهو حار يابس وقيل: رطب مفتح لسداد الكبد والطحال وورقه رطبا ينفع المعدة والكبد الباردة ويدر البول والطمث ويفتت الحصاة وحبه أقوى في ذلك ويهيج الباه وينفع من البخر. قال الرازي: وينبغي أن يجتنب أكله إذا خيف من لدغ العقارب.  [كراث] : فيه حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو باطل موضوع(4\/339)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1850",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10416",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ": ( من أكل الكراث ثم نام عليه نام آمنا من ريح البواسير واعتزله الملك لنتن نكهته حتى يصبح ) . وهو نوعان: نبطي وشامي فالنبطي: البقل الذي يوضع على المائدة. والشامي: الذي له رءوس وهو حار يابس مصدع وإذا طبخ وأكل أو شرب ماؤه نفع من البواسير الباردة. وإن سحق بزره وعجن بقطران وبخرت به الأضراس التي فيها الدود نثرها وأخرجها ويسكن الوجع العارض فيها وإذا دخنت المقعدة ببزره خفت البواسير هذا كله في الكراث النبطي. وفيه مع ذلك فساد الأسنان واللثة ويصدع ويري أحلاما رديئة ويظلم البصر وينتن النكهة وفيه إدرار للبول والطمث وتحريك للباه وهو بطيء الهضم.  [حرف اللام] [لحم] حرف اللام لحم: قال الله تعالى: وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون [الطور: 22] [الطور: 22] . وقال: ولحم طير مما يشتهون [الواقعة: 21] [الواقعة: 21] . وفي quot; سنن ابن ماجه quot; من حديث أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( سيد طعام أهل الدنيا وأهل الجنة اللحم ) . ومن حديث بريدة يرفعه: ( خير الإدام في الدنيا والآخرة اللحم ) . وفي quot; الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: ( فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر(4\/340)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1851",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10417",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطعام ) . والثريد الخبز واللحم قال الشاعر: إذا ما الخبز تأدمه بلحم ... فذاك أمانة الله الثريد وقال الزهري: أكل اللحم يزيد سبعين قوة. وقال محمد بن واسع: اللحم يزيد في البصر ويروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (quot; كلوا اللحم quot; فإنه يصفي اللون ويخمص البطن ويحسن الخلق)  وقال نافع: كان ابن عمر إذا كان رمضان لم يفته اللحم وإذا سافر لم يفته اللحم ويذكر عن علي: (من تركه أربعين ليلة ساء خلقه) . وأما حديث عائشة رضي الله عنها الذي رواه أبو داود مرفوعا: ( لا تقطعوا اللحم بالسكين فإنه من صنيع الأعاجم وانهسوه فإنه أهنأ وأمرأ ) . فرده الإمام أحمد بما صح عنه صلى الله عليه وسلم من قطعه بالسكين في حديثين وقد تقدما. واللحم أجناس يختلف باختلاف أصوله وطبائعه فنذكر حكم كل جنس وطبعه ومنفعته ومضرته. لحم الضأن: حار في الثانية رطب في الأولى جيده الحولي يولد الدم المحمود القوي لمن جاد هضمه يصلح لأصحاب الأمزجة الباردة والمعتدلة ولأهل الرياضات التامة في المواضع والفصول الباردة نافع لأصحاب المرة السوداء يقوي الذهن والحفظ. ولحم الهرم والعجيف رديء وكذلك لحم(4\/341)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1852",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10418",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النعاج وأجوده: لحم الذكر الأسود منه فإنه أخف وألذ وأنفع والخصي أنفع وأجود والأحمر من الحيوان السمين أخف وأجود غذاء والجذع من المعز أقل تغذية ويطفو في المعدة. وأفضل اللحم عائذه بالعظم والأيمن أخف وأجود من الأيسر والمقدم أفضل من المؤخر وكان أحب الشاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمها وكل ما علا منه سوى الرأس كان أخف وأجود مما سفل وأعطى الفرزدق رجلا يشتري له لحما وقال له: خذ المقدم وإياك والرأس والبطن فإن الداء فيهما. ولحم العنق جيد لذيذ سريع الهضم خفيف ولحم الذراع أخف اللحم وألذه وألطفه وأبعده من الأذى وأسرعه انهضاما. وفي quot; الصحيحين quot;: ( أنه كان يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم )  ولحم الظهر كثير الغذاء يولد دما محمودا. وفي quot; سنن ابن ماجه quot; مرفوعا: ( أطيب اللحم لحم الظهر ) .  [لحم المعز]  قليل الحرارة يابس وخلطه المتولد منه ليس بفاضل وليس بجيد الهضم ولا محمود الغذاء. ولحم التيس رديء مطلقا شديد اليبس عسر الانهضام مولد للخلط السوداوي. قال الجاحظ: قال لي فاضل من الأطباء: يا أبا عثمان! إياك ولحم المعز فإنه يورث الغم ويحرك السوداء ويورث النسيان ويفسد الدم وهو والله يخبل الأولاد.(4\/342)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1853",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10419",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال بعض الأطباء: إنما المذموم منه المسن ولا سيما للمسنين ولا رداءة فيه لمن اعتاده. وجالينوس جعل الحولي منه من الأغذية المعتدلة المعدلة للكيموس المحمود وإناثه أنفع من ذكوره. وقد روى النسائي في quot; سننه quot; عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( أحسنوا إلى الماعز وأميطوا عنها الأذى فإنها من دواب الجنة ) . وفي ثبوت هذا الحديث نظر. وحكم الأطباء عليه بالمضرة حكم جزئي ليس بكلي عام وهو بحسب المعدة الضعيفة والأمزجة الضعيفة التي لم تعتده واعتادت المأكولات اللطيفة وهؤلاء أهل الرفاهية من أهل المدن وهم القليلون من الناس.  [لحم الجدي ولحم البقر] لحم الجدي: قريب إلى الاعتدال خاصة ما دام رضيعا ولم يكن قريب العهد بالولادة وهو أسرع هضما لما فيه من قوة اللبن ملين للطبع موافق لأكثر الناس في أكثر الأحوال وهو ألطف من لحم الجمل والدم المتولد عنه معتدل. لحم البقر: بارد يابس عسر الانهضام بطيء الانحدار يولد دما سوداويا لا يصلح إلا لأهل الكد والتعب الشديد ويورث إدمانه الأمراض السوداوية كالبهق والجرب والقوباء والجذام وداء الفيل والسرطان والوسواس وحمى الربع وكثير من الأورام وهذا لمن لم يعتده أو لم يدفع ضرره بالفلفل والثوم والدارصيني والزنجبيل ونحوه وذكره أقل برودة وأنثاه أقل يبسا. ولحم العجل ولا سيما السمين من أعدل الأغذية وأطيبها وألذها وأحمدها وهو حار رطب وإذا انهضم غذى غذاء قويا.  [لحم الفرس] : ثبت في quot; الصحيح quot; عن أسماء رضي الله عنها قالت: ( نحرنا فرسا فأكلناه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ( أذن في لحوم الخيل(4\/343)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1854",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10420",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونهى عن لحوم الحمر ) أخرجاه في quot; الصحيحين quot;. ولا يثبت عنه حديث المقدام بن معدي كرب - رضي الله عنه - أنه نهى عنه. قاله أبو داود وغيره من أهل الحديث. واقترانه بالبغال والحمير في القرآن لا يدل على أن حكم لحمه حكم لحومها بوجه من الوجوه كما لا يدل على أن حكمها في السهم في الغنيمة حكم الفرس والله سبحانه يقرن في الذكر بين المتماثلات تارة وبين المختلفات وبين المتضادات وليس في قوله: لتركبوها [النحل: 8] [النحل: 8] ما يمنع من أكلها كما ليس فيه ما يمنع من غير الركوب من وجوه الانتفاع وإنما نص على أجل منافعها وهو الركوب والحديثان في حلها صحيحان لا معارض لهما وبعد: فلحمها حار يابس غليظ سوداوي مضر لا يصلح للأبدان اللطيفة.  [لحم الجمل] : فرق ما بين الرافضة وأهل السنة كما أنه أحد الفروق بين اليهود وأهل الإسلام فاليهود والرافضة تذمه ولا تأكله وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام حله وطالما أكله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حضرا وسفرا. ولحم الفصيل منه من ألذ اللحوم وأطيبها وأقواها غذاء وهو لمن اعتاده بمنزلة لحم الضأن لا يضرهم البتة ولا يولد لهم داء وإنما ذمه بعض الأطباء بالنسبة إلى أهل الرفاهية من أهل الحضر الذين لم يعتادوه فإن فيه حرارة ويبسا وتوليدا للسوداء وهو عسر الانهضام وفيه قوة غير محمودة لأجلها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوضوء من أكله في حديثين صحيحين لا معارض لهما ولا يصح تأويلهما بغسل اليد لأنه خلاف المعهود من الوضوء في(4\/344)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1855",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10421",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كلامه صلى الله عليه وسلم لتفريقه بينه وبين لحم الغنم فخير بين الوضوء وتركه منها وحتم الوضوء من لحوم الإبل. ولو حمل الوضوء على غسل اليد فقط لحمل على ذلك في قوله: ( من مس فرجه فليتوضأ ) . وأيضا: فإن آكلها قد لا يباشر أكلها بيده بأن يوضع في فمه فإن كان وضوءه غسل يده فهو عبث وحمل لكلام الشارع على غير معهوده وعرفه ولا يصح معارضته بحديث: ( كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار ) لعدة أوجه: أحدها: أن هذا عام والأمر بالوضوء منها خاص. الثاني: أن الجهة مختلفة فالأمر بالوضوء منها بجهة كونها لحم إبل سواء كان نيئا أو مطبوخا أو قديدا ولا تأثير للنار في الوضوء وأما ترك الوضوء مما مست النار ففيه بيان أن مس النار ليس بسبب للوضوء فأين أحدهما من الآخر هذا فيه إثبات سبب الوضوء وهو كونه لحم إبل وهذا فيه نفي لسبب الوضوء وهو كونه ممسوس النار فلا تعارض بينهما بوجه. الثالث: أن هذا ليس فيه حكاية لفظ عام عن صاحب الشرع وإنما هو إخبار عن واقعة فعل في أمرين أحدهما متقدم على الآخر كما جاء ذلك مبينا في نفس الحديث أنهم قربوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لحما فأكل ثم حضرت(4\/345)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1856",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10422",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصلاة فتوضأ فصلى ثم قربوا إليه فأكل ثم صلى ولم يتوضأ فكان آخر الأمرين منه ترك الوضوء مما مست النار  هكذا جاء الحديث فاختصره الراوي لمكان الاستدلال فأين في هذا ما يصلح لنسخ الأمر بالوضوء منه حتى لو كان لفظا عاما متأخرا مقاوما لم يصلح للنسخ ووجب تقديم الخاص عليه وهذا في غاية الظهور.  [لحم الضب والغزال والظبي] لحم الضب: تقدم الحديث في حله ولحمه حار يابس يقوي شهوة الجماع. لحم الغزال: الغزال أصلح الصيد وأحمده لحما وهو حار يابس وقيل: معتدل جدا نافع للأبدان المعتدلة الصحيحة وجيده الخشف. لحم الظبي: حار يابس في الأولى مجفف للبدن صالح للأبدان الرطبة. قال صاحب quot; القانون quot;: وأفضل لحوم الوحش لحم الظبي مع ميله إلى السوداوية.  [لحم الأرانب] : ثبت في quot; الصحيحين quot;: عن أنس بن مالك ( قال أنفجنا أرنبا فسعوا في طلبها فأخذوها فبعث أبو طلحة بوركها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله ) . لحم الأرنب: معتدل إلى الحرارة واليبوسة وأطيبها وركها وأحمده أكل لحمها مشويا وهو يعقل البطن ويدر البول ويفتت الحصى وأكل رءوسها ينفع من الرعشة.  [لحم حمار الوحش] : ثبت في quot; الصحيحين quot;: من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض عمره وأنه صاد حمار(4\/346)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1857",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10423",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحش فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأكله وكانوا محرمين ولم يكن أبو قتادة محرما . وفي quot; سنن ابن ماجه quot;: عن جابر قال: ( أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش ) .  [لحم الوحوش] لحمه حار يابس كثير التغذية مولد دما غليظا سوداويا إلا أن شحمه نافع مع دهن القسط لوجع الظهر والريح الغليظة المرخية للكلى وشحمه جيد للكلف طلاء وبالجملة فلحوم الوحوش كلها تولد دما غليظا سوداويا وأحمده الغزال وبعده الأرنب.  [لحوم الأجنة وحكم أكلها] لحوم الأجنة: غير محمودة لاحتقان الدم فيها وليست بحرام لقوله صلى الله عليه وسلم: ( ذكاة الجنين ذكاة أمه ) . ومنع أهل العراق من أكله إلا أن يدركه حيا فيذكيه وأولوا الحديث على أن المراد به أن ذكاته كذكاة أمه. قالوا: فهو حجة على التحريم وهذا فاسد فإن أول الحديث أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ( يا رسول الله نذبح الشاة فنجد في بطنها جنينا أفنأكله فقال: quot; كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه ) . وأيضا: فالقياس يقتضي حله فإنه ما دام حملا فهو جزء من أجزاء الأم فذكاتها ذكاة لجميع أجزائها وهذا هو الذي أشار إليه صاحب الشرع(4\/347)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1858",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10424",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بقوله: quot; ذكاته ذكاة أمه quot; كما تكون ذكاتها ذكاة سائر أجزائها فلو لم تأت عنه السنة الصريحة بأكله لكان القياس الصحيح يقتضي حله.  [لحم القديد] : في quot; السنن quot; من حديث ثوبان رضي الله عنه قال: ( ذبحت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة ونحن مسافرون فقال: quot; أصلح لحمها quot; فلم أزل أطعمه منه إلى المدينة ) . القديد: أنفع من النمكسود ويقوي الأبدان ويحدث حكة ودفع ضرره بالأبازير الباردة الرطبة ويصلح الأمزجة الحارة والنمكسود: حار يابس مجفف جيده من السمين الرطب يضر بالقولنج ودفع مضرته طبخه باللبن والدهن ويصلح للمزاج الحار الرطب.  [فصل في لحوم الطير] قال الله تعالى: ولحم طير مما يشتهون [الواقعة: 21] [الواقعة: 21] . وفي quot; مسند البزار quot; وغيره مرفوعا: ( إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر مشويا بين يديك ) . ومنه حلال ومنه حرام. فالحرام: ذو المخلب كالصقر والبازي(4\/348)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1859",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10425",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والشاهين وما يأكل الجيف كالنسر والرخم واللقلق والعقعق والغراب الأبقع والأسود الكبير وما نهي عن قتله كالهدهد والصرد وما أمر بقتله كالحدأة والغراب. والحلال أصناف كثيرة فمنه الدجاج ففي quot; الصحيحين quot;: من حديث أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم (أكل لحم الدجاج)  . وهو حار رطب في الأولى خفيف على المعدة سريع الهضم جيد الخلط يزيد في الدماغ والمني ويصفي الصوت ويحسن اللون ويقوي العقل ويولد دما جيدا وهو مائل إلى الرطوبة ويقال: إن مداومة أكله تورث النقرس ولا يثبت ذلك. ولحم الديك أسخن مزاجا وأقل رطوبة والعتيق منه دواء ينفع القولنج والربو والرياح الغليظة إذا طبخ بماء القرطم والشبث وخصيها محمود الغذاء سريع الانهضام والفراريج سريعة الهضم ملينة للطبع والدم المتولد منها دم لطيف جيد. لحم الدراج: حار يابس في الثانية خفيف لطيف سريع الانهضام مولد للدم المعتدل والإكثار منه يحد البصر. لحم الحجل: يولد الدم الجيد سريع الانهضام. لحم الإوز: حار يابس رديء الغذاء إذا اعتيد وليس بكثير الفضول. لحم البط: حار رطب كثير الفضول عسر الانهضام غير موافق للمعدة. لحم الحبارى: في quot; السنن quot; من حديث بريه بن عمر بن سفينة عن أبيه(4\/349)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1860",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10426",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن جده رضي الله عنه قال: ( أكلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حبارى ) . وهو حار يابس عسر الانهضام نافع لأصحاب الرياضة والتعب. لحم الكركي: يابس خفيف وفي حره وبرده خلاف يولد دما سوداويا ويصلح لأصحاب الكد والتعب وينبغي أن يترك بعد ذبحه يوما أو يومين ثم يؤكل. لحم العصافير والقنابر: روى النسائي في quot; سننه quot;: من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من إنسان يقتل عصفورا فما فوقه بغير حقه إلا سأله الله عز وجل عنها. قيل: يا رسول الله! وما حقه قال quot; تذبحه فتأكله ولا تقطع رأسه وترمي به ) . وفي quot; سننه quot; أيضا: عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من قتل عصفورا عبثا عج إلى الله يقول: يا رب إن فلانا قتلني عبثا ولم يقتلني لمنفعة ) . ولحمه حار يابس عاقل للطبيعة يزيد في الباه ومرقه يلين الطبع وينفع المفاصل وإذا أكلت أدمغتها بالزنجبيل والبصل هيجت شهوة الجماع وخلطها غير محمود.(4\/350)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1861",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10427",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لحم الحمام: حار رطب وحشيه أقل رطوبة وفراخه أرطب خاصية وما ربي في الدور وناهضه أخف لحما وأحمد غذاء ولحم ذكورها شفاء من الاسترخاء والخدر والسكتة والرعشة وكذلك شم رائحة أنفاسها وأكل فراخها معين على النساء وهو جيد للكلى يزيد في الدم وقد روي فيها حديث باطل لا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلا شكا إليه الوحدة فقال: quot; اتخذ زوجا من الحمام quot;. وأجود من هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم ( رأى رجلا يتبع حمامة فقال: شيطان يتبع شيطانة ) . وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه في خطبته يأمر بقتل الكلاب وذبح الحمام. لحم القطا: يابس يولد السوداء ويحبس الطبع وهو من شر الغذاء إلا أنه ينفع من الاستسقاء. لحم السمانى: حار يابس ينفع المفاصل ويضر بالكبد الحار ودفع مضرته بالخل والكسفرة وينبغي أن يجتنب من لحوم الطير ما كان في الآجام والمواضع العفنة ولحوم الطير كلها أسرع انهضاما من المواشي وأسرعها انهضاما أقلها غذاء وهي الرقاب والأجنحة وأدمغتها أحمد من أدمغة المواشي. الجراد: في quot; الصحيحين quot;: عن عبد الله بن أبي أوفى قال: ( غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد ) .(4\/351)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1862",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10428",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; المسند quot; عنه: ( أحلت لنا ميتتان ودمان: الحوت والجراد والكبد والطحال ) يروى مرفوعا وموقوفا على ابن عمر رضي الله عنه. وهو حار يابس قليل الغذاء وإدامة أكله تورث الهزال وإذا تبخر به نفع من تقطير البول وعسره وخصوصا للنساء ويتبخر به للبواسير وسمانه يشوى ويؤكل للسع العقرب وهو ضار لأصحاب الصرع رديء الخلط وفي إباحة ميتته بلا سبب قولان فالجمهور على حله وحرمه مالك ولا خلاف في إباحة ميتته إذا مات بسبب كالكبس والتحريق ونحوه.  [ضرر المداومة على اللحم] فصل وينبغي أن لا يداوم على أكل اللحم فإنه يورث الأمراض الدموية والامتلائية والحميات الحادة وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إياكم واللحم فإن له ضراوة كضراوة الخمر) ذكره مالك في quot; الموطأ quot; عنه. وقال أبقراط: لا تجعلوا أجوافكم مقبرة للحيوان.  [اللبن] : قال الله تعالى: وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين [النحل: 66] [النحل: 66] وقال في الجنة: فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه [محمد: 15] [محمد: 15] . وفي quot; السنن quot; مرفوعا: ( من أطعمه الله طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وارزقنا خيرا منه ومن سقاه الله لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإني لا أعلم ما(4\/352)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1863",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10429",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن ) . اللبن: وإن كان بسيطا في الحس إلا أنه مركب في أصل الخلقة تركيبا طبيعيا من جواهر ثلاثة: الجبنية والسمنية والمائية فالجبنية: باردة رطبة مغذية للبدن والسمنية: معتدلة الحرارة والرطوبة ملائمة للبدن الإنساني الصحيح كثيرة المنافع والمائية: حارة رطبة مطلقة للطبيعة مرطبة للبدن واللبن على الإطلاق أبرد وأرطب من المعتدل. وقيل: قوته عند حلبه الحرارة والرطوبة وقيل معتدل في الحرارة والبرودة. وأجود ما يكون اللبن حين يحلب ثم لا يزال تنقص جودته على مر الساعات فيكون حين يحلب أقل برودة وأكثر رطوبة والحامض بالعكس ويختار اللبن بعد الولادة بأربعين يوما وأجوده ما اشتد بياضه وطاب ريحه ولذ طعمه وكان فيه حلاوة يسيرة ودسومة معتدلة واعتدل قوامه في الرقة والغلظ وحلب من حيوان فتي صحيح معتدل اللحم محمود المرعى والمشرب. وهو محمود يولد دما جيدا ويرطب البدن اليابس ويغذو غذاء حسنا وينفع من الوسواس والغم والأمراض السوداوية وإذا شرب مع العسل نقى القروح الباطنة من الأخلاط العفنة وشربه مع السكر يحسن اللون جدا والحليب يتدارك ضرر الجماع ويوافق الصدر والرئة جيد لأصحاب السل رديء للرأس والمعدة والكبد والطحال والإكثار منه مضر بالأسنان واللثة ولذلك ينبغي أن يتمضمض بعده بالماء وفي quot; الصحيحين quot;: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب لبنا ثم دعا بماء فتمضمض وقال: quot; إن له دسما ) .(4\/353)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1864",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10430",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "لبن الضأن والمعز",
        "content": "وهو رديء للمحمومين وأصحاب الصداع مؤذ للدماغ والرأس الضعيف والمداومة عليه تحدث ظلمة البصر والغشاء ووجع المفاصل وسدة الكبد والنفخ في المعدة والأحشاء وإصلاحه بالعسل والزنجبيل المربى ونحوه وهذا كله لمن لم يعتده.  [لبن الضأن والمعز] لبن الضأن: أغلظ الألبان وأرطبها وفيه من الدسومة والزهومة ما ليس في لبن الماعز والبقر يولد فضولا بلغميا ويحدث في الجلد بياضا إذا أدمن استعماله ولذلك ينبغي أن يشاب هذا اللبن بالماء ليكون ما نال البدن منه أقل وتسكينه للعطش أسرع وتبريده أكثر. لبن المعز: لطيف معتدل مطلق للبطن مرطب للبدن اليابس نافع من قروح الحلق والسعال اليابس ونفث الدم. واللبن المطلق أنفع المشروبات للبدن الإنساني لما اجتمع فيه من التغذية والدموية ولاعتياده حال الطفولية وموافقته للفطرة الأصلية وفي quot; الصحيحين quot;: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي ليلة أسري به بقدح من خمر وقدح من لبن فنظر إليهما ثم أخذ اللبن فقال جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة لو أخذت الخمر غوت أمتك ) . والحامض منه بطيء الاستمراء خام الخلط والمعدة الحارة تهضمه وتنتفع به.  [لبن البقر والإبل] لبن البقر: يغذو البدن ويخصبه ويطلق البطن باعتدال وهو من أعدل الألبان وأفضلها بين لبن الضأن ولبن المعز في الرقة والغلظ والدسم وفي quot; السنن quot;: من حديث عبد الله بن مسعود يرفعه: ( عليكم بألبان البقر(4\/354)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1865",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10431",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنها ترم من كل الشجر quot;. لبن الإبل: تقدم ذكره في أول الفصل وذكر منافعه فلا حاجة لإعادته.  [لبان] : هو الكندر: قد ورد فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ( بخروا بيوتكم باللبان والصعتر )  ولا يصح عنه ولكن يروى عن علي أنه قال لرجل شكا إليه النسيان: (عليك باللبان فإنه يشجع القلب ويذهب بالنسيان) . ويذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أن شربه مع السكر على الريق جيد للبول والنسيان. ويذكر عن أنس رضي الله عنه أنه شكا إليه رجل النسيان فقال: عليك بالكندر وانقعه من الليل فإذا أصبحت فخذ منه شربة على الريق فإنه جيد للنسيان. ولهذا سبب طبيعي ظاهر فإن النسيان إذا كان لسوء مزاج بارد رطب يغلب على الدماغ فلا يحفظ ما ينطبع فيه نفع منه اللبان وأما إذا كان النسيان لغلبة شيء عارض أمكن زواله سريعا بالمرطبات. والفرق بينهما أن اليبوسي يتبعه سهر وحفظ الأمور الماضية دون الحالية والرطوبي بالعكس. وقد يحدث النسيان أشياء بالخاصية كحجامة نقرة القفا وإدمان أكل الكسفرة الرطبة والتفاح الحامض وكثرة الهم والغم والنظر في الماء الواقف والبول فيه والنظر إلى المصلوب والإكثار من قراءة ألواح القبور والمشي بين جملين مقطورين وإلقاء القمل في الحياض وأكل سؤر الفأر وأكثر هذا معروف بالتجربة.(4\/355)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1866",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10432",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمقصود: أن اللبان مسخن في الدرجة الثانية ومجفف في الأولى وفيه قبض يسير وهو كثير المنافع قليل المضار فمن منافعه: أن ينفع من قذف الدم ونزفه ووجع المعدة واستطلاق البطن ويهضم الطعام ويطرد الرياح ويجلو قروح العين وينبت اللحم في سائر القروح ويقوي المعدة الضعيفة ويسخنها ويجفف البلغم وينشف رطوبات الصدر ويجلو ظلمة البصر ويمنع القروح الخبيثة من الانتشار وإذا مضغ وحده أو مع الصعتر الفارسي جلب البلغم ونفع من اعتقال اللسان ويزيد في الذهن ويذكيه وإن بخر به ماء نفع من الوباء وطيب رائحة الهواء.  [حرف الميم] [ماء] حرف الميم ماء: مادة الحياة وسيد الشراب وأحد أركان العالم بل ركنه الأصلي فإن السماوات خلقت من بخاره والأرض من زبده وقد جعل الله منه كل شيء حي. وقد اختلف فيه: هل يغذو أو ينفذ الغذاء فقط على قولين وقد تقدما وذكرنا القول الراجح ودليله. وهو بارد رطب يقمع الحرارة ويحفظ على البدن رطوباته ويرد عليه بدل ما تحلل منه ويرقق الغذاء وينفذه في العروق. وتعتبر جودة الماء من عشرة طرق: أحدها: من لونه بأن يكون صافيا. الثاني: من رائحته بأن لا تكون له رائحة البتة.(4\/356)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1867",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10433",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالث: من طعمه بأن يكون عذب الطعم حلوه كماء النيل والفرات. الرابع: من وزنه بأن يكون خفيفا رقيق القوام. الخامس: من مجراه. بأن يكون طيب المجرى والمسلك. السادس: من منبعه بأن يكون بعيد المنبع. السابع: من بروزه للشمس والريح بأن لا يكون مختفيا تحت الأرض فلا تتمكن الشمس والريح من قصارته. الثامن: من حركته بأن يكون سريع الجري والحركة. التاسع: من كثرته بأن يكون له كثرة يدفع الفضلات المخالطة له. العاشر: من مصبه بأن يكون آخذا من الشمال إلى الجنوب أو من المغرب إلى المشرق. وإذا اعتبرت هذه الأوصاف لم تجدها بكمالها إلا في الأنهار الأربعة النيل والفرات وسيحون وجيحون. وفي quot; الصحيحين quot;: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة ) . وتعتبر خفة الماء من ثلاثة أوجه أحدها: سرعة قبوله للحر والبرد قال أبقراط: الماء الذي يسخن سريعا ويبرد سريعا أخف المياه. الثاني: بالميزان الثالث: أن تبل قطنتان متساويتا الوزن بماءين مختلفين ثم يجففا بالغا ثم توزنا فأيتهما كانت أخف فماؤها كذلك.(4\/357)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1868",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10434",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والماء وإن كان في الأصل باردا رطبا فإن قوته تنتقل وتتغير لأسباب عارضة توجب انتقالها فإن الماء المكشوف للشمال المستور عن الجهات الأخر يكون باردا وفيه يبس مكتسب من ريح الشمال وكذلك الحكم على سائر الجهات الأخر. والماء الذي ينبع من المعادن يكون على طبيعة ذلك المعدن ويؤثر في البدن تأثيره والماء العذب نافع للمرضى والأصحاء والبارد منه أنفع وألذ ولا ينبغي شربه على الريق ولا عقيب الجماع ولا الانتباه من النوم ولا عقيب الحمام ولا عقيب أكل الفاكهة وقد تقدم. وأما على الطعام فلا بأس به إذا اضطر إليه بل يتعين ولا يكثر منه بل يتمصصه مصا فإنه لا يضره البتة بل يقوي المعدة وينهض الشهوة ويزيل العطش. والماء الفاتر ينفخ ويفعل ضد ما ذكرناه وبائته أجود من طريه وقد تقدم. والبارد ينفع من داخل أكثر من نفعه من خارج والحار بالعكس وينفع البارد من عفونة الدم وصعود الأبخرة إلى الرأس ويدفع العفونات ويوافق الأمزجة والأسنان والأزمان والأماكن الحارة ويضر على كل حالة تحتاج إلى نضج وتحليل كالزكام والأورام والشديد البرودة منه يؤذي الأسنان والإدمان عليه يحدث انفجار الدم والنزلات وأوجاع الصدر. والبارد والحار بإفراط ضاران للعصب ولأكثر الأعضاء لأن أحدهما محلل والآخر مكثف والماء الحار يسكن لذع الأخلاط الحادة ويحلل وينضج ويخرج الفضول ويرطب ويسخن ويفسد الهضم شربه ويطفو بالطعام إلى أعلى المعدة ويرخيها ولا يسرع في تسكين العطش ويذبل البدن ويؤدي إلى أمراض رديئة ويضر في أكثر الأمراض على أنه صالح للشيوخ وأصحاب الصرع والصداع البارد والرمد. وأنفع ما استعمل من خارج. ولا يصح في الماء المسخن بالشمس حديث ولا أثر ولا كرهه أحد من(4\/358)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1869",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10435",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "ماء الآبار والقني",
        "content": "قدماء الأطباء ولا عابوه والشديد السخونة يذيب شحم الكلى وقد تقدم الكلام على ماء الأمطار في حرف العين.  [ماء الثلج والبرد] ثبت في quot; الصحيحين quot;: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو في الاستفتاح وغيره: (اللهم اغسلني من خطاياي بماء الثلج والبرد) . الثلج له في نفسه كيفية حادة دخانية فماؤه كذلك وقد تقدم وجه الحكمة في طلب الغسل من الخطايا بمائه لما يحتاج إليه القلب من التبريد والتصليب والتقوية ويستفاد من هذا أصل طب الأبدان والقلوب ومعالجة أدوائها بضدها. وماء البرد ألطف وألذ من ماء الثلج وأما ماء الجمد وهو الجليد فبحسب أصله. والثلج يكتسب كيفية الجبال والأرض التي يسقط عليها في الجودة والرداءة وينبغي تجنب شرب الماء المثلوج عقيب الحمام والجماع والرياضة والطعام الحار ولأصحاب السعال ووجع الصدر وضعف الكبد وأصحاب الأمزجة الباردة.  [ماء الآبار والقني] : مياه الآبار قليلة اللطافة وماء القني المدفونة تحت الأرض ثقيل لأن أحدهما محتقن لا يخلو عن تعفن والآخر محجوب عن الهواء وينبغي ألا يشرب على الفور حتى يصمد للهواء وتأتي عليه ليلة وأردؤه ما كانت مجاريه من رصاص أو كانت بئره معطلة ولا سيما إذا كانت تربتها رديئة فهذا الماء وبيء وخيم.  [ماء زمزم] : سيد المياه وأشرفها وأجلها قدرا وأحبها إلى النفوس وأغلاها ثمنا وأنفسها عند الناس وهو هزمة جبريل وسقيا الله إسماعيل.(4\/359)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1870",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10436",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وثبت في quot; الصحيح quot; عن ( النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي ذر وقد أقام بين الكعبة وأستارها أربعين ما بين يوم وليلة ليس له طعام غيره فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; إنها طعام طعم ) وزاد غير مسلم بإسناده (وشفاء سقم) . وفي quot; سنن ابن ماجه quot;. من حديث جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ماء زمزم لما شرب له ) وقد ضعف هذا الحديث طائفة بعبد الله بن المؤمل راويه عن محمد بن المنكدر. وقد روينا عن عبد الله بن المبارك أنه لما حج أتى زمزم فقال: اللهم إن ابن أبي الموالي حدثنا عن محمد بن المنكدر عن(4\/360)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1871",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10437",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جابر رضي الله عنه عن نبيك صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ماء زمزم لما شرب له ) وإني أشربه لظمأ يوم القيامة وابن أبي الموالي ثقة فالحديث إذا حسن وقد صححه بعضهم وجعله بعضهم موضوعا وكلا القولين فيه مجازفة. وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أمورا عجيبة واستشفيت به من عدة أمراض فبرأت بإذن الله وشاهدت من يتغذى به الأيام ذوات العدد قريبا من نصف الشهر أو أكثر ولا يجد جوعا ويطوف مع الناس كأحدهم وأخبرني أنه ربما بقي عليه أربعين يوما وكان له قوة يجامع بها أهله ويصوم ويطوف مرارا.  [ماء النيل] : أحد أنهار الجنة أصله من وراء جبال القمر في أقصى بلاد الحبشة من أمطار تجتمع هناك وسيول يمد بعضها بعضا فيسوقه الله تعالى إلى الأرض الجرز التي لا نبات لها فيخرج به زرعا تأكل منه الأنعام والأنام ولما كانت الأرض التي يسوقه إليها إبليزا صلبة إن أمطرت مطر العادة لم ترو ولم تتهيأ للنبات وإن أمطرت فوق العادة ضرت المساكن والساكن وعطلت المعايش والمصالح فأمطر البلاد البعيدة ثم ساق تلك الأمطار إلى هذه الأرض في نهر عظيم وجعل سبحانه زيادته في أوقات معلومة على قدر ري البلاد وكفايتها فإذا أروى البلاد وعمها أذن سبحانه بتناقصه وهبوطه لتتم المصلحة بالتمكن من الزرع واجتمع في هذا الماء الأمور العشرة التي تقدم ذكرها وكان من ألطف المياه وأخفها وأعذبها وأحلاها.  [ماء البحر] : ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر: ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) وقد جعله الله سبحانه ملحا أجاجا مرا زعاقا لتمام مصالح من هو على وجه الأرض من الآدميين والبهائم فإنه دائم راكد كثير الحيوان وهو يموت فيه(4\/361)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1872",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10438",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كثيرا ولا يقبر فلو كان حلوا لأنتن من إقامته وموت حيواناته فيه وأجاف وكان الهواء المحيط بالعالم يكتسب منه ذلك وينتن ويجيف فيفسد العالم فاقتضت حكمة الرب سبحانه وتعالى أن جعله كالملاحة التي لو ألقي فيه جيف العالم كلها وأنتانه وأمواته لم تغيره شيئا ولا يتغير على مكثه من حين خلق وإلى أن يطوي الله العالم فهذا هو السبب الغائي الموجب لملوحته وأما الفاعلي فكون أرضه سبخة مالحة. وبعد فالاغتسال به نافع من آفات عديدة في ظاهر الجلد وشربه مضر بداخله وخارجه فإنه يطلق البطن ويهزل ويحدث حكة وجربا ونفخا وعطشا ومن اضطر إلى شربه فله طرق من العلاج يدفع بها مضرته. منها: أن يجعل في قدر ويجعل فوق القدر قصبات وعليها صوف جديد منفوش ويوقد تحت القدر حتى يرتفع بخارها إلى الصوف فإذا كثر عصره ولا يزال يفعل ذلك حتى يجتمع له ما يريد فيحصل في الصوف من البخار ما عذب ويبقى في القدر الزعاق. ومنها: أن يحفر على شاطئه حفرة واسعة يرشح ماؤه إليها ثم إلى جانبها قريبا منها أخرى ترشح هي إليها ثم ثالثة إلى أن يعذب الماء. وإذا ألجأته الضرورة إلى شرب الماء الكدر فعلاجه أن يلقي فيه نوى المشمش أو قطعة من خشب الساج أو جمرا ملتهبا يطفأ فيه أو طينا أرمنيا أو سويق حنطة فإن كدرته ترسب إلى أسفل.  [مسك] : ثبت في quot; صحيح مسلم quot; عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أطيب الطيب المسك ) . وفي quot; الصحيحين quot;: عن (عائشة رضي الله عنها: كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم قبل(4\/362)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1873",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10439",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن يحرم ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك ) . المسك: ملك أنواع الطيب وأشرفها وأطيبها وهو الذي تضرب به الأمثال ويشبه به غيره ولا يشبه بغيره وهو كثبان الجنة وهو حار يابس في الثانية يسر النفس ويقويها ويقوي الأعضاء الباطنة جميعها شربا وشما والظاهرة إذا وضع عليها. نافع للمشايخ والمبرودين لا سيما زمن الشتاء جيد للغشي والخفقان وضعف القوة بإنعاشه للحرارة الغريزية ويجلو بياض العين وينشف رطوبتها ويفش الرياح منها ومن جميع الأعضاء ويبطل عمل السموم وينفع من نهش الأفاعي ومنافعه كثيرة جدا وهو من أقوى المفرحات.  [مرزنجوش] : ورد فيه حديث لا نعلم صحته: ( عليكم بالمرزنجوش فإنه جيد للخشام ) . والخشام الزكام. وهو حار في الثالثة يابس في الثانية ينفع شمه من الصداع البارد والكائن عن البلغم والسوداء والزكام والرياح الغليظة ويفتح السدد الحادثة في الرأس والمنخرين ويحلل أكثر الأورام الباردة فينفع من أكثر الأورام والأوجاع الباردة الرطبة وإذا احتمل أدر الطمث وأعان على الحبل وإذا دق ورقه اليابس وكمد به أذهب آثار الدم العارض تحت العين وإذا ضمد به مع الخل نفع لسعة العقرب. ودهنه نافع لوجع الظهر والركبتين ويذهب بالإعياء ومن أدمن شمه لم ينزل في عينيه الماء وإذا استعط بمائه مع دهن اللوز المر فتح سدد المنخرين ونفع من الريح العارضة فيها وفي الرأس.(4\/363)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1874",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10440",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[ملح] : روى ابن ماجه في quot; سننه quot;: من حديث أنس يرفعه ( سيد إدامكم الملح ) . وسيد الشيء: هو الذي يصلحه ويقوم عليه وغالب الإدام إنما يصلح بالملح وفي quot; مسند البزار quot; مرفوعا: ( سيوشك أن تكونوا في الناس مثل الملح في الطعام ولا يصلح الطعام إلا بالملح ) . وذكر البغوي في quot; تفسيره quot;: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعا: ( إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: الحديد والنار والماء والملح ) . والموقوف أشبه. الملح يصلح أجسام الناس وأطعمتهم ويصلح كل شيء يخالطه حتى الذهب والفضة وذلك أن فيه قوة تزيد الذهب صفرة والفضة بياضا وفيه جلاء وتحليل وإذهاب للرطوبات الغليظة وتنشيف لها وتقوية للأبدان ومنع من عفونتها وفسادها ونفع من الجرب المتقرح. وإذا اكتحل به قلع اللحم الزائد من العين ومحق الظفرة. والأندراني أبلغ في ذلك ويمنع القروح الخبيثة من الانتشار ويحدر البراز وإذا دلك به بطون أصحاب الاستسقاء نفعهم وينقي الأسنان ويدفع عنها العفونة ويشد اللثة ويقويها ومنافعه كثيرة جدا.  [حرف النون] [نخل] حرف النون نخل: مذكور في القرآن في غير موضع وفي quot; الصحيحين quot;: عن (ابن عمر(4\/364)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1875",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10441",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رضي الله عنهما قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتي بجمار نخلة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; إن من الشجر شجرة مثلها مثل الرجل المسلم لا يسقط ورقها أخبروني ما هي فوقع الناس في شجر البوادي فوقع في نفسي أنها النخلة فأردت أن أقول: هي النخلة ثم نظرت فإذا أنا أصغر القوم سنا فسكت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot; هي النخلة quot; فذكرت ذلك لعمر فقال لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا ) . ففي هذا الحديث إلقاء العالم المسائل على أصحابه وتمرينهم واختبار ما عندهم. وفيه ضرب الأمثال والتشبيه. وفيه ما كان عليه الصحابة من الحياء من أكابرهم وإجلالهم وإمساكهم عن الكلام بين أيديهم. وفيه فرح الرجل بإصابة ولده وتوفيقه للصواب. وفيه أنه لا يكره للولد أن يجيب بما يعرف بحضرة أبيه وإن لم يعرفه الأب وليس في ذلك إساءة أدب عليه. وفيه ما تضمنه تشبيه المسلم بالنخلة من كثرة خيرها ودوام ظلها وطيب ثمرها ووجوده على الدوام. وثمرها يؤكل رطبا ويابسا وبلحا ويانعا وهو غذاء ودواء وقوت وحلوى وشراب وفاكهة وجذوعها للبناء والآلات والأواني ويتخذ من خوصها الحصر والمكاتل والأواني والمراوح وغير ذلك ومن ليفها الحبال(4\/365)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1876",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10442",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحشايا وغيرها ثم آخر شيء نواها علف للإبل ويدخل في الأدوية والأكحال ثم جمال ثمرتها ونباتها وحسن هيئتها وبهجة منظرها وحسن نضد ثمرها وصنعته وبهجته ومسرة النفوس عند رؤيته فرؤيتها مذكرة لفاطرها وخالقها وبديع صنعته وكمال قدرته وتمام حكمته ولا شيء أشبه بها من الرجل المؤمن إذ هو خير كله ونفع ظاهر وباطن. وهي الشجرة التي حن جذعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فارقه شوقا إلى قربه وسماع كلامه وهي التي نزلت تحتها مريم لما ولدت عيسى عليه السلام. وقد ورد في حديث في إسناده نظر ( أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم ) . وقد اختلف الناس في تفضيلها على الحبلة أو بالعكس على قولين وقد قرن الله بينهما في كتابه في غير موضع وما أقرب أحدهما من صاحبه وإن كان كل واحد منهما في محل سلطانه ومنبته والأرض التي توافقه أفضل وأنفع.  [نرجس] : فيه حديث لا يصح ( عليكم بشم النرجس فإن في القلب حبة الجنون والجذام والبرص لا يقطعها إلا شم النرجس ) . وهو حار يابس في الثانية وأصله يدمل القروح الغائرة إلى العصب وله قوة غسالة جالية جابذة وإذا طبخ وشرب ماؤه أو أكل مسلوقا هيج القيء وجذب الرطوبة من قعر المعدة وإذا طبخ مع الكرسنة والعسل نقى أوساخ القروح وفجر الدبيلات العسرة النضج.(4\/366)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1877",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10443",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وزهره معتدل الحرارة لطيف ينفع الزكام البارد وفيه تحليل قوي ويفتح سدد الدماغ والمنخرين وينفع من الصداع الرطب والسوداوي ويصدع الرءوس الحارة والمحرق منه إذا شق بصله صليبا وغرس صار مضاعفا ومن أدمن شمه في الشتاء أمن من البرسام في الصيف وينفع من أوجاع الرأس الكائنة من البلغم والمرة السوداء وفيه من العطرية ما يقوي القلب والدماغ وينفع من كثير من أمراضها. وقال صاحب التيسير: شمه يذهب بصرع الصبيان.  [نورة] : روى ابن ماجه: من حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( كان إذا اطلى بدأ بعورته فطلاها بالنورة وسائر جسده أهله ) وقد ورد فيها عدة أحاديث هذا أمثلها. قيل: إن أول من دخل الحمام وصنعت له النورة سليمان بن داود وأصلها: كلس جزءان وزرنيخ جزء يخلطان بالماء ويتركان في الشمس أو الحمام بقدر ما تنضج وتشتد زرقته ثم يطلى به ويجلس ساعة ريثما يعمل ولا يمس بماء ثم يغسل ويطلى مكانها بالحناء لإذهاب ناريتها.  [نبق] : ذكر أبو نعيم في كتابه quot; الطب النبوي quot; مرفوعا: ( إن آدم لما أهبط إلى الأرض كان أول شيء أكل من ثمارها النبق ) . وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم النبق في الحديث المتفق على صحته أنه ( رأى سدرة المنتهى ليلة أسري به وإذا نبقها مثل قلال هجر ) . والنبق: ثمر شجر السدر يعقل الطبيعة وينفع من الإسهال ويدبغ المعدة ويسكن الصفراء ويغذو البدن ويشهي الطعام ويولد بلغما وينفع(4\/367)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1878",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10444",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذرب الصفراوي وهو بطيء الهضم وسويقه يقوي الحشا وهو يصلح الأمزجة الصفراوية وتدفع مضرته بالشهد. واختلف فيه هل هو رطب أو يابس على قولين. والصحيح: أن رطبه بارد رطب ويابسه بارد يابس  [حرف الهاء] [هندبا] حرف الهاء هندبا: ورد فيها ثلاثة أحاديث لا تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يثبت مثلها بل هي موضوعة أحدها: ( كلوا الهندباء ولا تنفضوه فإنه ليس يوم من الأيام إلا وقطرات من الجنة تقطر عليه ) . الثاني: ( من أكل الهندباء ثم نام عليها لم يحل فيه سم ولا سحر ) . الثالث: ( ما من ورقة من ورق الهندباء إلا وعليها قطرة من الجنة ) . وبعد فهي مستحيلة المزاج منقلبة بانقلاب فصول السنة فهي في الشتاء باردة رطبة وفي الصيف حارة يابسة وفي الربيع والخريف معتدلة وفي الغالب أحوالها تميل إلى البرودة واليبس وهي قابضة مبردة جيدة للمعدة وإذا طبخت وأكلت بخل عقلت البطن وخاصة البري منها فهي أجود للمعدة وأشد قبضا وتنفع من ضعفها. وإذا تضمد بها سلبت الالتهاب العارض في المعدة وتنفع من النقرس ومن أورام العين الحارة وإذا تضمد بورقها وأصولها نفعت من لسع العقرب وهي تقوي المعدة وتفتح السدد العارضة في الكبد وتنفع من أوجاعها حارها وباردها وتفتح سدد الطحال والعروق والأحشاء وتنقي مجاري الكلى.(4\/368)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1879",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10445",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأنفعها للكبد أمرها وماؤها المعتصر ينفع من اليرقان السددي ولا سيما إذا خلط به ماء الرازيانج الرطب وإذا دق ورقها ووضع على الأورام الحارة بردها وحللها ويجلو ما في المعدة ويطفئ حرارة الدم والصفراء وأصلح ما أكلت غير مغسولة ولا منفوضة لأنها متى غسلت أو نفضت فارقتها قوتها وفيها مع ذلك قوة ترياقية تنفع من جميع السموم. وإذا اكتحل بمائها نفع من العشا ويدخل ورقها في الترياق وينفع من لدغ العقرب ويقاوم أكثر السموم وإذا اعتصر ماؤها وصب عليه الزيت خلص من الأدوية القتالة وإذا اعتصر أصلها وشرب ماؤه نفع من لسع الأفاعي ولسع العقرب ولسع الزنبور ولبن أصلها يجلو بياض العين.  [حرف الواو] [ورس] حرف الواو ورس: ذكر الترمذي في quot; جامعه quot;: من حديث زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ( كان ينعت الزيت والورس من ذات الجنب ) قال قتادة: يلد به ويلد من الجانب الذي يشتكيه. وروى ابن ماجه في quot; سننه quot; من حديث زيد بن أرقم أيضا قال: نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذات الجنب ورسا وقسطا وزيتا يلد به . وصح عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (كانت النفساء تقعد بعد نفاسها(4\/369)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1880",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10446",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أربعين يوما وكانت إحدانا تطلي الورس على وجهها من الكلف) . قال أبو حنيفة اللغوي: الورس يزرع زرعا وليس ببري ولست أعرفه بغير أرض العرب ولا من أرض العرب بغير بلاد اليمن. وقوته في الحرارة واليبوسة في أول الدرجة الثانية وأجوده الأحمر اللين في اليد القليل النخالة ينفع من الكلف والحكة والبثور الكائنة في سطح البدن إذا طلي به وله قوة قابضة صابغة وإذا شرب نفع من الوضح ومقدار الشربة منه وزن درهم. وهو في مزاجه ومنافعه قريب من منافع القسط البحري وإذا لطخ به على البهق والحكة والبثور والسفعة نفع منها والثوب المصبوغ بالورس يقوي على الباه.  [وسمة] : هي ورق النيل وهي تسود الشعر وقد تقدم قريبا ذكر الخلاف في جواز الصبغ بالسواد ومن فعله.  [حرف الياء] [يقطين] حرف الياء يقطين: وهو الدباء والقرع وإن كان اليقطين أعم فإنه في اللغة كل شجر لا تقوم على ساق كالبطيخ والقثاء والخيار قال الله تعالى: وأنبتنا عليه شجرة من يقطين [الصافات: 146] [الصافات: 146] . فإن قيل: ما لا يقوم على ساق يسمى نجما لا شجرا والشجر: ما له ساق قاله أهل اللغة: فكيف قال: شجرة من يقطين [الصافات: 146]  .(4\/370)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1881",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10447",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالجواب: أن الشجر إذا أطلق كان ما له ساق يقوم عليه وإذا قيد بشيء تقيد به فالفرق بين المطلق والمقيد في الأسماء باب مهم عظيم النفع في الفهم ومراتب اللغة. واليقطين المذكور في القرآن: هو نبات الدباء وثمره يسمى الدباء والقرع وشجرة اليقطين. وقد ثبت في quot; الصحيحين quot;: من حديث أنس بن مالك أن خياطا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه قال أنس رضي الله عنه: فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرب إليه خبزا من شعير ومرقا فيه دباء وقديد قال أنس: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حوالي الصحفة فلم أزل أحب الدباء من ذلك اليوم . وقال أبو طالوت: دخلت على أنس بن مالك رضي الله عنه وهو يأكل القرع ويقول يا لك من شجرة ما أحبك إلي لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياك . وفي quot; الغيلانيات quot;: من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن ( عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; يا عائشة إذا طبختم قدرا فأكثروا فيها من الدباء فإنها تشد قلب الحزين ) . اليقطين: بارد رطب يغذو غذاء يسيرا وهو سريع الانحدار وإن لم يفسد قبل الهضم تولد منه خلط محمود ومن خاصيته أنه يتولد منه خلط محمود مجانس لما يصحبه فإن أكل بالخردل تولد منه خلط حريف وبالملح خلط مالح ومع القابض قابض وإن طبخ بالسفرجل غذا البدن غذاء جيدا. وهو لطيف مائي يغذو غذاء رطبا بلغميا وينفع المحرورين ولا يلائم المبرودين ومن الغالب عليهم البلغم وماؤه يقطع العطش ويذهب الصداع(4\/371)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1882",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10448",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحار إذا شرب أو غسل به الرأس وهو ملين للبطن كيف استعمل ولا يتداوى المحرورون بمثله ولا أعجل منه نفعا. ومن منافعه: أنه إذا لطخ بعجين وشوي في الفرن أو التنور واستخرج ماؤه وشرب ببعض الأشربة اللطيفة سكن حرارة الحمى الملتهبة وقطع العطش وغذى غذاء حسنا وإذا شرب بترنجبين وسفرجل مربى أسهل صفراء محضة. وإذا طبخ القرع وشرب ماؤه بشيء من عسل وشيء من نطرون أحدر بلغما ومرة معا وإذا دق وعمل منه ضماد على اليافوخ نفع من الأورام الحارة في الدماغ. وإذا عصرت جرادته وخلط ماؤها بدهن الورد وقطر منها في الأذن نفعت من الأورام الحارة وجرادته نافعة من أورام العين الحارة ومن النقرس الحار وهو شديد النفع لأصحاب الأمزجة الحارة والمحمومين ومتى صادف في المعدة خلطا رديئا استحال إلى طبيعته وفسد وولد في البدن خلطا رديئا ودفع مضرته بالخل والمري. وبالجملة فهو من ألطف الأغذية وأسرعها انفعالا ويذكر عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر من أكله.  [فصل الوصايا الكلية لحفظ الصحة] [فصل محاذير طبية لابن ماسويه] فصل وقد رأيت أن أختم الكلام في هذا الباب بفصل مختصر عظيم النفع في المحاذر والوصايا الكلية النافعة لتتم منفعة الكتاب ورأيت لابن ماسويه فصلا في كتاب quot; المحاذير quot; نقلته بلفظه قال:(4\/372)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1883",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10449",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من أكل البصل أربعين يوما وكلف فلا يلومن إلا نفسه. ومن افتصد فأكل مالحا فأصابه بهق أو جرب فلا يلومن إلا نفسه. ومن جمع في معدته البيض والسمك فأصابه فالج أو لقوة فلا يلومن إلا نفسه. ومن دخل الحمام وهو ممتلئ فأصابه فالج فلا يلومن إلا نفسه. ومن جمع في معدته اللبن والسمك فأصابه جذام أو برص أو نقرس فلا يلومن إلا نفسه. ومن جمع في معدته اللبن والنبيذ فأصابه برص أو نقرس فلا يلومن إلا نفسه. ومن احتلم فلم يغتسل حتى وطئ أهله فولدت مجنونا أو مخبلا فلا يلومن إلا نفسه. ومن أكل بيضا مسلوقا باردا وامتلأ منه فأصابه ربو فلا يلومن إلا نفسه. ومن جامع فلم يصبر حتى يفرغ فأصابه حصاة فلا يلومن إلا نفسه. ومن نظر في المرآة ليلا فأصابه لقوة أو أصابه داء فلا يلومن إلا نفسه.  [فصل محاذير طبية لابن بختيشوع وبعض الوصايا لغيره] فصل وقال ابن بختيشوع: احذر أن تجمع البيض والسمك فإنهما يورثان القولنج والبواسير ووجع الأضراس. وإدامة أكل البيض يولد الكلف في الوجه وأكل الملوحة والسمك المالح والافتصاد بعد الحمام يولد البهق والجرب.(4\/373)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1884",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10450",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إدامة أكل كلى الغنم يعقر المثانة. الاغتسال بالماء البارد بعد أكل السمك الطري يولد الفالج. وطء المرأة الحائض يولد الجذام الجماع من غير أن يهريق الماء عقيبه يولد الحصاة طول المكث في المخرج يولد الداء الدوي. قال أبقراط: الإقلال من الضار خير من الإكثار من النافع. وقال استديموا الصحة بترك التكاسل عن التعب وبترك الامتلاء من الطعام والشراب. وقال بعض الحكماء: من أراد الصحة فليجود الغذاء وليأكل على نقاء وليشرب على ظمأ وليقلل من شرب الماء ويتمدد بعد الغداء ويتمش بعد العشاء ولا ينم حتى يعرض نفسه على الخلاء وليحذر دخول الحمام عقيب الامتلاء ومرة في الصيف خير من عشر في الشتاء وأكل القديد اليابس بالليل معين على الفناء ومجامعة العجائز تهرم أعمار الأحياء وتسقم أبدان الأصحاء ويروى هذا عن علي رضي الله عنه ولا يصح عنه وإنما بعضه من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب وكلام غيره. وقال الحارث: من سره البقاء - ولا بقاء - فليباكر الغداء وليعجل العشاء وليخفف الرداء وليقلل غشيان النساء. وقال الحارث: أربعة أشياء تهدم البدن: الجماع على البطنة ودخول الحمام على الامتلاء وأكل القديد وجماع العجوز. ولما احتضر الحارث اجتمع إليه الناس فقالوا: مرنا بأمر ننتهي إليه من بعدك فقال: لا تتزوجوا من النساء إلا شابة ولا تأكلوا من الفاكهة إلا في أوان نضجها ولا يتعالجن أحدكم ما احتمل بدنه الداء وعليكم بتنظيف المعدة في كل شهر فإنها مذيبة للبلغم مهلكة للمرة منبتة للحم وإذا تغدى أحدكم فلينم(4\/374)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1885",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10451",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على إثر غدائه ساعة وإذا تعشى فليمش أربعين خطوة. وقال بعض الملوك لطبيبه: لعلك لا تبقى لي فصف لي صفة آخذها عنك فقال لا تنكح إلا شابة ولا تأكل من اللحم إلا فتيا ولا تشرب الدواء إلا من علة ولا تأكل الفاكهة إلا في نضجها وأجد مضغ الطعام. وإذا أكلت نهارا فلا بأس أن تنام وإذا أكلت ليلا فلا تنم حتى تمشي ولو خمسين خطوة ولا تأكلن حتى تجوع ولا تتكارهن على الجماع ولا تحبس البول وخذ من الحمام قبل أن يأخذ منك ولا تأكلن طعاما وفي معدتك طعام وإياك أن تأكل ما تعجز أسنانك عن مضغه فتعجز معدتك عن هضمه وعليك في كل أسبوع بقيئة تنقي جسمك ونعم الكنز الدم في جسدك فلا تخرجه إلا عند الحاجة إليه وعليك بدخول الحمام فإنه يخرج من الأطباق ما لا تصل الأدوية إلى إخراجه. وقال الشافعي: أربعة تقوي البدن: أكل اللحم وشم الطيب وكثرة الغسل من غير جماع ولبس الكتان. وأربعة توهن البدن: كثرة الجماع وكثرة الهم وكثرة شرب الماء على الريق وكثرة أكل الحامض. وأربعة تقوي البصر: الجلوس حيال الكعبة والكحل عند النوم والنظر إلى الخضرة وتنظيف المجلس. وأربعة توهن البصر: النظر إلى القذر وإلى المصلوب وإلى فرج المرأة والقعود مستدبر القبلة. وأربعة تزيد في الجماع: أكل العصافير والإطريفل والفستق والخروب.(4\/375)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1886",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10452",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأربعة تزيد في العقل: ترك الفضول من الكلام والسواك ومجالسة الصالحين ومجالسة العلماء. وقال أفلاطون: خمس يذبن البدن وربما قتلن: قصر ذات اليد وفراق الأحبة وتجرع المغايظ ورد النصح وضحك ذوي الجهل بالعقلاء. وقال طبيب المأمون: عليك بخصال من حفظها فهو جدير أن لا يعتل إلا علة الموت لا تأكل طعاما وفي معدتك طعام وإياك أن تأكل طعاما يتعب أضراسك في مضغه فتعجز معدتك عن هضمه وإياك وكثرة الجماع فإنه يطفئ نور الحياة وإياك ومجامعة العجوز فإنه يورث موت الفجأة وإياك والفصد إلا عند الحاجة إليه وعليك بالقيء في الصيف. ومن جوامع كلمات أبقراط قوله: كل كثير فهو معاد للطبيعة. وقيل لجالينوس: ما لك لا تمرض فقال لأني لم أجمع بين طعامين رديئين ولم أدخل طعاما على طعام ولم أحبس في المعدة طعاما تأذيت به.  [فصل في مضار البدن والأكل والجماع] فصل وأربعة أشياء تمرض الجسم: الكلام الكثير والنوم الكثير والأكل الكثير والجماع الكثير. فالكلام الكثير: يقلل مخ الدماغ ويضعفه ويعجل الشيب. والنوم الكثير: يصفر الوجه ويعمي القلب ويهيج العين ويكسل عن العمل ويولد الرطوبات في البدن.(4\/376)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1887",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10453",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والأكل الكثير يفسد فم المعدة ويضعف الجسم ويولد الرياح الغليظة والأدواء العسرة. والجماع الكثير يهد البدن ويضعف القوى ويجفف رطوبات البدن ويرخي العصب ويورث السدد ويعم ضرره جميع البدن ويخص الدماغ لكثرة ما يتحلل به من الروح النفساني وإضعافه أكثر من إضعاف جميع المستفرغات ويستفرغ من جوهر الروح شيئا كثيرا. وأنفع ما يكون إذا صادف شهوة صادقة من صورة جميلة حديثة السن حلالا مع سن الشبوبية وحرارة المزاج ورطوبته وبعد العهد به وخلاء القلب من الشواغل النفسانية ولم يفرط فيه ولم يقارنه ما ينبغي تركه معه من امتلاء مفرط أو خواء أو استفراغ أو رياضة تامة أو حر مفرط أو برد مفرط فإذا راعى فيه هذه الأمور العشرة انتفع به جدا وأيها فقد فقد حصل له من الضرر بحسبه وإن فقدت كلها أو أكثرها فهو الهلاك المعجل.  [فصل وصايا لجالينوس] فصل والحمية المفرطة في الصحة كالتخليط في المرض والحمية المعتدلة نافعة وقال جالينوس لأصحابه: اجتنبوا ثلاثا وعليكم بأربع ولا حاجة بكم إلى طبيب اجتنبوا الغبار والدخان والنتن وعليك بالدسم والطيب والحلوى والحمام ولا تأكلوا فوق شبعكم ولا تتخللوا بالباذروج والريحان ولا تأكلوا الجوز عند المساء ولا ينم من به زكمة على قفاه ولا يأكل من به غم حامضا ولا يسرع المشي من افتصد فإنه مخاطرة الموت ولا يتقيأ من تؤلمه عينه ولا تأكلوا في الصيف لحما كثيرا ولا ينم صاحب الحمى الباردة في الشمس ولا تقربوا الباذنجان العتيق المبزر ومن شرب كل يوم في الشتاء(4\/377)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1888",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10454",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قدحا من ماء حار أمن من الأعلال ومن دلك جسمه في الحمام بقشور الرمان أمن من الجرب والحكة ومن أكل خمس سوسنات مع قليل مصطكى رومي وعود خام ومسك بقي طول عمره لا تضعف معدته ولا تفسد ومن أكل بزر البطيخ مع السكر نظف الحصى من معدته وزالت عنه حرقة البول.  [فصل وصايا عامة] فصل أربعة تهدم البدن: الهم والحزن والجوع والسهر. وأربعة تفرح: النظر إلى الخضرة وإلى الماء الجاري والمحبوب والثمار. وأربعة تظلم البصر: المشي حافيا والتصبح والتمسي بوجه البغيض والثقيل والعدو وكثرة البكاء وكثرة النظر في الخط الدقيق. وأربعة تقوي الجسم: لبس الثوب الناعم ودخول الحمام المعتدل وأكل الطعام الحلو والدسم وشم الروائح الطيبة. وأربعة تيبس الوجه وتذهب ماءه وبهجته وطلاوته: الكذب والوقاحة وكثرة السؤال عن غير علم وكثرة الفجور. وأربعة تزيد في ماء الوجه وبهجته: المروءة والوفاء والكرم والتقوى. وأربعة تجلب البغضاء والمقت: الكبر والحسد والكذب والنميمة. وأربعة تجلب الرزق: قيام الليل وكثرة الاستغفار بالأسحار وتعاهد الصدقة والذكر أول النهار وآخره. وأربعة تمنع الرزق: نوم الصبحة وقلة الصلاة والكسل والخيانة. وأربعة تضر بالفهم والذهن: إدمان أكل الحامض والفواكه والنوم على القفا والهم والغم.(4\/378)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1889",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10455",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأربعة تزيد في الفهم: فراغ القلب وقلة التملي من الطعام والشراب وحسن تدبير الغذاء بالأشياء الحلوة والدسمة وإخراج الفضلات المثقلة للبدن. ومما يضر بالعقل: إدمان أكل البصل والباقلا والزيتون والباذنجان وكثرة الجماع والوحدة والأفكار والسكر وكثرة الضحك والغم. قال بعض أهل النظر: قطعت في ثلاث مجالس فلم أجد لذلك علة إلا أني أكثرت من أكل الباذنجان في أحد تلك الأيام ومن الزيتون في الآخر ومن الباقلا في الثالث.  [فصل فضل الطب النبوي] فصل قد أتينا على جملة نافعة من أجزاء الطب العلمي والعملي لعل الناظر لا يظفر بكثير منها إلا في هذا الكتاب وأريناك قرب ما بينها وبين الشريعة وأن الطب النبوي نسبة طب الطبائعيين إليه أقل من نسبة طب العجائز إلى طبهم. والأمر فوق ما ذكرناه وأعظم مما وصفناه بكثير ولكن فيما ذكرناه تنبيه باليسير على ما وراءه ومن لم يرزقه الله بصيرة على التفصيل فليعلم ما بين القوة المؤيدة بالوحي من عند الله والعلوم التي رزقها الله الأنبياء والعقول والبصائر التي منحهم الله إياها وبين ما عند غيرهم. ولعل قائلا يقول: ما لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم وما لهذا الباب وذكر قوى الأدوية وقوانين العلاج وتدبير أمر الصحة . وهذا من تقصير هذا القائل في فهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فإن هذا وأضعافه وأضعاف أضعافه من فهم بعض ما جاء به وإرشاده إليه ودلالته عليه وحسن الفهم عن الله ورسوله من يمن الله به على من يشاء من عباده.(4\/379)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1890",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10456",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقد أوجدناك أصول الطب الثلاثة في القرآن وكيف تنكر أن تكون شريعة المبعوث بصلاح الدنيا والآخرة مشتملة على صلاح الأبدان كاشتمالها على صلاح القلوب وأنها مرشدة إلى حفظ صحتها ودفع آفاتها بطرق كلية قد وكل تفصيلها إلى العقل الصحيح والفطرة السليمة بطريق القياس والتنبيه والإيماء كما هو في كثير من مسائل فروع الفقه ولا تكن ممن إذا جهل شيئا عاداه. ولو رزق العبد تضلعا من كتاب الله وسنة رسوله وفهما تاما في النصوص ولوازمها لاستغنى بذلك عن كل كلام سواه ولاستنبط جميع العلوم الصحيحة منه. فمدار العلوم كلها على معرفة الله وأمره وخلقه وذلك مسلم إلى الرسل صلوات الله عليهم وسلامه فهم أعلم الخلق بالله وأمره وخلقه وحكمته في خلقه وأمره. وطب أتباعهم: أصح وأنفع من طب غيرهم. وطب أتباع خاتمهم وسيدهم وإمامهم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وعليهم: أكمل الطب وأصحه وأنفعه ولا يعرف هذا إلا من عرف طب الناس سواهم وطبهم ثم وازن بينهما فحينئذ يظهر له التفاوت وهم أصح الأمم عقولا وفطرا وأعظمهم علما وأقربهم في كل شيء إلى الحق لأنهم خيرة الله من الأمم كما أن رسولهم خيرته من الرسل. والعلم الذي وهبهم إياه والحلم والحكمة أمر لا يدانيهم فيه غيرهم وقد روى الإمام أحمد في quot; مسنده quot;: من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله ) . فظهر أثر كرامتها على الله سبحانه في علومهم وعقولهم وأحلامهم وفطرهم وهم الذين عرضت عليهم علوم الأمم قبلهم وعقولهم وأعمالهم ودرجاتهم فازدادوا بذلك علما وحلما وعقولا إلى ما(4\/380)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1891",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10457",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أفاض الله سبحانه وتعالى عليهم من علمه وحلمه. ولذلك كانت الطبيعة الدموية لهم والصفراوية لليهود والبلغمية للنصارى ولذلك غلب على النصارى البلادة وقلة الفهم والفطنة وغلب على اليهود الحزن والهم والغم والصغار وغلب على المسلمين العقل والشجاعة والفهم والنجدة والفرح والسرور. وهذه أسرار وحقائق إنما يعرف مقدارها من حسن فهمه ولطف ذهنه وغزر علمه وعرف ما عند الناس وبالله التوفيق. بعونه تعالى تم الجزء الرابع من زاد المعاد في هدي خير العباد ويليه الجزء الخامس وأوله فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في أقضيته وأحكامه(4\/381)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1892",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10458",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الأقضية والأنكحة والبيوع] [فصل جواز الحبس] وليس الغرض من ذلك ذكر التشريع العام وإن كانت أقضيته الخاصة تشريعا عاما وإنما الغرض ذكر هديه في الحكومات الجزئية التي فصل بها بين الخصوم وكيف كان هديه في الحكم بين الناس ونذكر مع ذلك قضايا من أحكامه الكلية. فصل ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلا في تهمة . قال أحمد وعلي بن المديني: هذا إسناد صحيح. وذكر ابن زياد عنه صلى الله عليه وسلم في quot; أحكامه quot;: أنه صلى الله عليه وسلم سجن رجلا أعتق شركا له في عبد فوجب عليه استتمام عتقه حتى باع غنيمة له .  [فصل في حكمه فيمن قتل عبده] روى الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا قتل عبده متعمدا فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة جلدة ونفاه سنة وأمره أن يعتق رقبة ولم يقده به .(5\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1893",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10459",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروى الإمام أحمد: من حديث الحسن عن سمرة رضي الله عنه عنه صلى الله عليه وسلم: ( من قتل عبده قتلناه ) فإن كان هذا محفوظا وقد سمعه منه الحسن كان قتله تعزيرا إلى الإمام بحسب ما يراه من المصلحة. وأمر رجلا بملازمة غريمه كما ذكر أبو داود عن النضر بن شميل عن الهرماس بن حبيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بغريم لي فقال لي: quot; الزمه quot; ثم قال لي: quot; يا أخا بني سهم ما تريد أن تفعل بأسيرك quot;. وروى أبو عبيد أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل القاتل وصبر الصابر . قال أبو عبيد: أي: بحبسه للموت حتى يموت. وذكر عبد الرزاق في quot; مصنفه quot; عن علي: يحبس الممسك في السجن حتى يموت.  [فصل في حكمه في المحاربين] حكم بقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم كما سملوا عين الرعاء(5\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1894",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10460",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتركهم حتى ماتوا جوعا وعطشا كما فعلوا بالرعاء.  [فصل في حكمه بين القاتل وولي المقتول] ثبت في quot; صحيح مسلم quot;: عنه صلى الله عليه وسلم أن رجلا ادعى على آخر أنه قتل أخاه فاعترف فقال: quot; دونك صاحبك quot; فلما ولى قال: quot; إن قتله فهو مثله quot; فرجع فقال: إنما أخذته بأمرك فقال صلى الله عليه وسلم: quot; أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك quot; فقال: بلى فخلى سبيله . وفي قوله: quot; فهو مثله quot; قولان أحدهما: أن القاتل إذا قيد منه سقط ما عليه فصار هو والمستقيد بمنزلة واحدة وهو لم يقل: إنه بمنزلته قبل القتل وإنما قال: إن قتله فهو مثله وهذا يقتضي المماثلة بعد قتله فلا إشكال في الحديث وإنما فيه التعريض لصاحب الحق بترك القود والعفو. والثاني: أنه إن كان لم يرد قتل أخيه فقتله به فهو متعد مثله إذ كان القاتل متعديا بالجناية والمقتص متعد بقتل من لم يتعمد القتل ويدل على هذا التأويل ما روى الإمام أحمد في quot; مسنده quot;: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قتل رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفعه إلى ولي المقتول فقال القاتل: يا رسول الله! ما أردت قتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للولي:(5\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1895",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10461",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot; أما إنه إذا كان صادقا ثم قتلته دخلت النار quot; فخلى سبيله . وفي كتاب ابن حبيب في هذا الحديث زيادة وهي: قال النبي صلى الله عليه وسلم: عمد يد وخطأ قلب .  [فصل في حكمه بالقود على من قتل جارية وأنه يفعل به كما فعل] ثبت في quot; الصحيحين quot;: أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين على أوضاح لها أي: حلي فأخذ فاعترف فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرض رأسه بين حجرين . وفي هذا الحديث دليل على قتل الرجل بالمرأة وعلى أن الجاني يفعل به كما فعل وأن القتل غيلة لا يشترط فيه إذن الولي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدفعه إلى أوليائها ولم يقل: إن شئتم فاقتلوه وإن شئتم فاعفوا عنه بل قتله حتما وهذا مذهب مالك واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ومن قال: إنه فعل ذلك لنقض العهد لم يصح فإن ناقض العهد لا ترضخ رأسه بالحجارة بل يقتل بالسيف.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيمن ضرب امرأة حاملا فطرحها] في quot; الصحيحين quot;: أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فقضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة: عبد أو وليدة في الجنين(5\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1896",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10462",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجعل دية المقتولة على عصبة القاتلة  هكذا في quot; الصحيحين quot;. وفي النسائي: فقضى في حملها بغرة وأن تقتل بها  وكذلك قال غيره أيضا: إنه قتلها مكانها والصحيح: أنه لم يقتلها لما تقدم. وقد روى البخاري في quot; صحيحه quot; عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في جنين امرأة من بني لحيان بغرة: عبد أو وليدة ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها . وفي هذا الحكم أن شبه العمد لا يوجب القود وأن العاقلة تحمل الغرة تبعا للدية وأن العاقلة هم العصبة وأن زوج القاتلة لا يدخل معهم وأن أولادها أيضا ليسوا من العاقلة.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم بالقسامة فيمن لم يعرف قاتله] ثبت في quot; الصحيحين quot;: أنه صلى الله عليه وسلم حكم بها بين الأنصار واليهود وقال لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: ( أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم ) وقال(5\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1897",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10463",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البخاري: quot; وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم quot; فقالوا: أمر لم نشهده ولم نره فقال: quot; فتبرئكم يهود بأيمان خمسين quot; فقالوا: كيف نقبل أيمان قوم كفار فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده . وفي لفظ: ( ويقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته إليه )  واختلف لفظ الأحاديث الصحيحة في محل الدية ففي بعضها أنه صلى الله عليه وسلم وداه من عنده وفي بعضها وداه من إبل الصدقة. وفي quot; سنن أبي داود quot;: أنه صلى الله عليه وسلم ألقى ديته على اليهود لأنه وجد بينهم . وفي quot; مصنف عبد الرزاق quot;: أنه صلى الله عليه وسلم بدأ بيهود فأبوا أن يحلفوا فرد القسامة على الأنصار فأبوا أن يحلفوا فجعل عقله على يهود . وفي quot; سنن النسائي quot;: فجعل عقله على اليهود وأعانهم ببعضها وقد تضمنت هذه الحكومة أمورا: منها: الحكم بالقسامة وأنها من دين الله وشرعه.(5\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1898",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10464",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: القتل بها لقوله: ( فيدفع برمته إليه )  وقوله في لفظ آخر ( وتستحقون دم صاحبكم ) فظاهر القرآن والسنة القتل بأيمان الزوج الملاعن وأيمان الأولياء في القسامة وهو مذهب أهل المدينة. وأما أهل العراق فلا يقتلون في واحد منهما وأحمد يقتل في القسامة دون اللعان والشافعي عكسه. ومنها: أنه يبدأ بأيمان المدعين في القسامة بخلاف غيرها من الدعاوى. ومنها: أن أهل الذمة إذا منعوا حقا عليهم انتقض عهدهم لقوله صلى الله عليه وسلم: إما أن تدوه وإما أن تأذنوا بحرب . ومنها: أن المدعى عليه إذا بعد عن مجلس الحكم كتب إليه ولم يشخصه. ومنها: جواز العمل والحكم بكتاب القاضي وإن لم يشهد عليه. ومنها: القضاء على الغائب. ومنها: أنه لا يكتفى في القسامة بأقل من خمسين إذا وجدوا. ومنها: الحكم على أهل الذمة بحكم الإسلام وإن لم يتحاكموا إلينا إذا كان الحكم بينهم وبين المسلمين. ومنها: - وهو الذي أشكل على كثير من الناس - إعطاؤه الدية من إبل الصدقة وقد ظن بعض الناس أن ذلك من سهم الغارمين وهذا لا يصح فإن غارم أهل الذمة لا يعطى من الزكاة وظن بعضهم أن ذلك مما فضل من الصدقة عن أهلها فللإمام أن يصرفه في المصالح وهذا أقرب من الأول وأقرب منه: أنه صلى الله عليه وسلم وداه من عنده واقترض الدية من إبل الصدقة ويدل عليه: quot; فوداه من عنده quot; وأقرب من هذا كله أن يقال: لما تحملها النبي صلى الله عليه وسلم لإصلاح ذات البين بين الطائفتين كان حكمها حكم القضاء على الغارم لما غرمه لإصلاح ذات البين ولعل هذا مراد من قال: إنه قضاها من سهم الغارمين وهو صلى الله عليه وسلم لم يأخذ منها(5\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1899",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10465",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لنفسه شيئا فإن الصدقة لا تحل له ولكن جرى إعطاء الدية منها مجرى إعطاء الغارم منها لإصلاح ذات البين. والله أعلم. فإن قيل: فكيف تصنعون بقوله quot; فجعل عقله على اليهود quot; فيقال: هذا مجمل لم يحفظ راويه كيفية جعله عليهم فإنه صلى الله عليه وسلم لما كتب إليهم أن يدوا القتيل أو يأذنوا بحرب كان هذا كالإلزام لهم بالدية ولكن الذي حفظوا أنهم أنكروا أن يكونوا قتلوا وحلفوا على ذلك وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وداه من عنده حفظوا زيادة على ذلك فهم أولى بالتقديم. فإن قيل: فكيف تصنعون برواية النسائي: quot; أنه قسمها على اليهود وأعانهم ببعضها quot; قيل: هذا ليس بمحفوظ قطعا فإن الدية لا تلزم المدعى عليهم بمجرد دعوى أولياء القتيل بل لا بد من إقرار أو بينة أو أيمان المدعين ولم يوجد هنا شيء من ذلك وقد عرض النبي صلى الله عليه وسلم أيمان القسامة على المدعين فأبوا أن يحلفوا فكيف يلزم اليهود بالدية بمجرد الدعوى.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في أربعة سقطوا في بئر فتعلق بعضهم ببعض فهلكوا] ذكر الإمام أحمد والبزار وغيرهما أن قوما احتفروا بئرا باليمن فسقط فيها رجل فتعلق بآخر والثاني بالثالث والثالث بالرابع فسقطوا جميعا فماتوا فارتفع أولياؤهم إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: اجمعوا من حفر البئر من الناس وقضى للأول بربع الدية لأنه هلك فوقه ثلاثة وللثاني بثلثها لأنه هلك فوقه اثنان وللثالث بنصفها لأنه هلك فوقه واحد وللرابع بالدية تامة فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العام المقبل فقصوا عليه القصة فقال: quot; هو ما قضى بينكم  هكذا سياق البزار. وسياق أحمد نحوه وقال: إنهم أبوا أن يرضوا بقضاء علي فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عند مقام إبراهيم عليه السلام فقصوا عليه القصة فأجازه(5\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1900",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10466",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل الدية على قبائل الذين ازدحموا .  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيمن تزوج امرأة أبيه] روى الإمام أحمد والنسائي وغيرهما: عن البراء رضي الله عنه قال: لقيت خالي أبا بردة ومعه الراية فقال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن أقتله وآخذ ماله . وذكر ابن أبي خيثمة في quot; تاريخه quot; من حديث معاوية بن قرة عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى رجل أعرس بامرأة أبيه فضرب عنقه وخمس ماله . قال يحيى بن معين: هذا حديث صحيح. وفي quot; سنن ابن ماجه quot; من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من وقع على ذات محرم فاقتلوه .(5\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1901",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10467",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر الجوزجاني أنه رفع إلى الحجاج رجل اغتصب أخته على نفسها فقال: احبسوه وسلوا من هاهنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوا عبد الله بن أبي مطرف رضي الله عنه فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot; من تخطى حرم المؤمنين فخطوا وسطه بالسيف quot;. وقد نص أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد في رجل تزوج امرأة أبيه أو بذات محرم فقال: يقتل ويدخل ماله في بيت المال. وهذا القول هو الصحيح وهو مقتضى حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة: حده حد الزاني ثم قال أبو حنيفة: إن وطئها بعقد عزر ولا حد عليه وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضاؤه أحق وأولى.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم بقتل من اتهم بأم ولده فلما ظهرت براءته أمسك عنه] روى ابن أبي خيثمة وابن السكن وغيرهما من حديث ثابت عن أنس رضي الله عنه أن ابن عم مارية كان يتهم بها فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: quot; اذهب فإن وجدته عند مارية فاضرب عنقه quot; فأتاه علي فإذا هو في ركي يتبرد فيها فقال له علي: اخرج فناوله يده فأخرجه فإذا هو مجبوب ليس له ذكر فكف عنه علي ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنه مجبوب ما له ذكر . وفي لفظ آخر: أنه وجده في نخلة يجمع تمرا وهو(5\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1902",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10468",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ملفوف بخرقة فلما رأى السيف ارتعد وسقطت الخرقة فإذا هو مجبوب لا ذكر له . وقد أشكل هذا القضاء على كثير من الناس فطعن بعضهم في الحديث ولكن ليس في إسناده من يتعلق عليه وتأوله بعضهم على أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد حقيقة القتل إنما أراد تخويفه ليزدجر عن مجيئه إليها. قال: وهذا كما قال سليمان للمرأتين اللتين اختصمتا إليه في الولد: quot; علي بالسكين حتى أشق الولد بينهما quot; ولم يرد أن يفعل ذلك بل قصد استعلام الأمر من هذا القول ولذلك كان من تراجم الأئمة على هذا الحديث: باب الحاكم يوهم خلاف الحق ليتوصل به إلى معرفة الحق فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرف الصحابة براءته وبراءة مارية وعلم أنه إذا عاين السيف كشف عن حقيقة حاله فجاء الأمر كما قدره رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأحسن من هذا أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا رضي الله عنه بقتله تعزيرا لإقدامه وجرأته على خلوته بأم ولده فلما تبين لعلي حقيقة الحال وأنه بريء من الريبة كف عن قتله واستغنى عن القتل بتبيين الحال والتعزير بالقتل ليس بلازم كالحد بل هو تابع للمصلحة دائر معها وجودا وعدما.  [فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم في القتيل يوجد بين قريتين] روى الإمام أحمد وابن أبي شيبة من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: وجد قتيل بين قريتين فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فذرع ما بينهما فوجد إلى أحدهما أقرب فكأني أنظر إلى شبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقاه على أقربهما . وفي quot; مصنف عبد الرزاق quot; قال عمر بن عبد العزيز: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا في القتيل يوجد بين ظهراني ديار قوم: أن الأيمان على المدعى عليهم(5\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1903",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10469",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن نكلوا حلف المدعون واستحقوا فإن نكل الفريقان كانت الدية نصفها على المدعى عليهم وبطل النصف إذا لم يحلفوا . وقد نص الإمام أحمد في رواية المروزي على القول بمثل رواية أبي سعيد فقال: قلت لأبي عبد الله: القوم إذا أعطوا الشيء فتبينوا أنه ظلم فيه قوم فقال: يرد عليهم إن عرف القوم. قلت: فإن لم يعرفوا قال: يفرق على مساكين ذلك الموضع فقلت: فما الحجة في أن يفرق على مساكين ذلك الموضع فقال: عمر بن الخطاب رضي الله عنه جعل الدية على أهل المكان يعني القرية التي وجد فيها القتيل فأراه قال: كما أن عليهم الدية هكذا يفرق فيهم يعني: إذا ظلم قوم منهم ولم يعرفوا فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد قضى بموجب هذا الحديث وجعل الدية على أهل المكان الذي وجد فيه القتيل واحتج به أحمد وجعل هذا أصلا في تفريق المال الذي ظلم فيه أهل ذلك المكان عليهم إذا لم يعرفوا بأعيانهم. وأما الأثر الآخر فمرسل لا تقوم بمثله حجة ولو صح تعين القول بمثله ولم تجز مخالفته ولا يخالف باب الدعاوى ولا باب القسامة فإنه ليس فيهم لوث ظاهر يوجب تقديم المدعين فيقدم المدعى عليهم في اليمين فإذا نكلوا قوي جانب المدعين من وجهين: أحدهما: وجود القتيل بين ظهرانيهم. والثاني: نكولهم عن براءة ساحتهم باليمين وهذا يقوم مقام اللوث الظاهر فيحلف المدعون ويستحقون فإذا نكل الفريقان كلاهما أورث ذلك شبهة مركبة من نكول كل واحد منهما فلم ينهض ذلك سببا لإيجاب كمال الدية عليهم(5\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1904",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10470",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا لم يحلف غرماؤهم ولا إسقاطها عنهم بالكلية حيث لم يحلفوا فجعلت الدية نصفين ووجب نصفها على المدعى عليهم لثبوت الشبهة في حقهم بترك اليمين ولم تجب عليهم بكمالها لأن خصومهم لم يحلفوا فلما كان اللوث متركبا من يمين المدعين ونكول المدعى عليهم ولم يتم سقط ما يقابل أيمان المدعين وهو النصف ووجب ما يقابل نكول المدعى عليهم وهو النصف وهذا من أحسن الأحكام وأعدلها وبالله التوفيق.  [فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم بتأخير القصاص من الجرح حتى يندمل] ذكر عبد الرزاق في quot; مصنفه quot; وغيره: من حديث ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجل طعن آخر بقرن في رجله فقال: يا رسول الله أقدني فقال: quot; حتى تبرأ جراحك quot; فأبى الرجل إلا أن يستقيده فأقاده النبي صلى الله عليه وسلم فصح المستقاد منه وعرج المستقيد فقال: عرجت وبرأ صاحبي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; ألم آمرك أن لا تستقيد حتى تبرأ جراحك فعصيتني فأبعدك الله وبطل عرجك quot; ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان به جرح بعد الرجل الذي عرج أن لا يستقاد منه حتى يبرأ جرح صاحبه . فالجراح على ما بلغ حتى يبرأ فما كان من عرج أو شلل فلا قود فيه وهو عقل ومن استقاد جرحا فأصيب المستقاد منه فعقل ما فضل من ديته على جرح صاحبه له. قلت: الحديث في quot; مسند الإمام أحمد quot; من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده متصل أن رجلا طعن بقرن في ركبته فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقدني. فقال: quot; حتى تبرأ quot; فقال: أقدني. فأقاده ثم جاء إليه فقال: يا(5\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1905",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10471",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله! عرجت فقال: quot; قد نهيتك فعصيتني فأبعدك الله وبطل عرجتك quot; ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه . وفي سنن الدارقطني: عن جابر رضي الله عنه أن رجلا جرح فأراد أن يستقيد فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح . وقد تضمنت هذه الحكومة أنه لا يجوز الاقتصاص من الجرح حتى يستقر أمره إما باندمال أو بسراية مستقرة وأن سراية الجناية مضمونة بالقود وجواز القصاص في الضربة بالعصا والقرن ونحوهما ولا ناسخ لهذه الحكومة ولا معارض لها والذي نسخ بها تعجيل القصاص قبل الاندمال لا نفس القصاص فتأمله وأن المجني عليه إذا بادر واقتص من الجاني ثم سرت الجناية إلى عضو من أعضائه أو إلى نفسه بعد القصاص فالسراية هدر. وأنه يكتفى بالقصاص وحده دون تعزير الجاني وحبسه قال عطاء: الجروح قصاص وليس للإمام أن يضربه ولا يسجنه إنما هو القصاص وما كان ربك نسيا ولو شاء لأمر بالضرب والسجن. وقال مالك: يقتص منه بحق الآدمي ويعاقب لجرأته. والجمهور يقولون: القصاص يغني عن العقوبة الزائدة فهو كالحد إذا أقيم على المحدود لم يحتج معه إلى عقوبة أخرى. والمعاصي ثلاثة أنواع: نوع عليه حد مقدر فلا يجمع بينه وبين(5\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1906",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10472",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التعزير. ونوع لا حد فيه ولا كفارة فهذا يردع فيه بالتعزير ونوع فيه كفارة ولا حد فيه كالوطء في الإحرام والصيام فهل يجمع فيه بين الكفارة والتعزير على قولين للعلماء وهما وجهان لأصحاب أحمد والقصاص يجري مجرى الحد فلا يجمع بينه وبين التعزير.  [فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم بالقصاص في كسر السن] في quot; الصحيحين quot;: من حديث أنس أن ابنة النضر أخت الربيع لطمت جارية فكسرت سنها فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بالقصاص فقالت أم الربيع: يا رسول الله! أيقتص من فلانة لا والله لا يقتص منها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; سبحان الله يا أم الربيع كتاب الله القصاص quot; فقالت: لا والله لا يقتص منها أبدا فعفا القوم وقبلوا الدية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره .  [فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم فيمن عض يد رجل فانتزع يده من فيه فسقطت ثنية العاض بإهدارها] ثبت في quot; الصحيحين quot; أن رجلا عض يد رجل فنزع يده من فيه فوقعت ثناياه فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: quot; يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل لا دية لك . وقد تضمنت هذه الحكومة أن من خلص نفسه من يد ظالم له فتلفت نفس(5\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1907",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10473",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الظالم أو شيء من أطرافه أو ماله بذلك فهو هدر غير مضمون.  [فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم فيمن اطلع في بيت رجل بغير إذنه فحذفه بحصاة أو عود ففقأ عينه فلا شيء عليه] ثبت في quot; الصحيحين quot; من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو أن امرءا اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح . وفي لفظ فيهما: من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقؤوا عينه فلا دية له ولا قصاص . وفيهما: أن رجلا اطلع من جحر في بعض حجر النبي صلى الله عليه وسلم فقام إليه بمشقص وجعل يختله ليطعنه  فذهب إلى القول بهذه الحكومة وإلى التي قبلها فقهاء الحديث منهم: الإمام أحمد والشافعي ولم يقل بها أبو حنيفة ومالك.  [فصل ما يفعل بالحامل إذا قتلت عمدا] فصل وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحامل إذا قتلت عمدا لا تقتل حتى تضع ما في بطنها وحتى تكفل ولدها. ذكره ابن ماجه في quot; سننه quot;.(5\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1908",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10474",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقضى أن لا يقتل الوالد بالولد. ذكره النسائي وأحمد. وقضى أن المؤمنين تتكافأ دماؤهم ولا يقتل مؤمن بكافر.(5\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1909",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10475",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقضى أن من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إما أن يقتلوا أو يأخذوا العقل. وقضى أن في دية الأصابع من اليدين والرجلين في كل واحدة عشرا من الإبل. وقضى في الأسنان في كل سن بخمس من الإبل وأنها كلها سواء وقضى في المواضح بخمس خمس. وقضى في العين السادة لمكانها إذا طمست بثلث ديتها وفي اليد الشلاء إذا قطعت بثلث ديتها وفي السن السوداء إذا نزعت بثلث ديتها.(5\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1910",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10476",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقضى في الأنف إذا جدع كله بالدية كاملة وإذا جدعت أرنبته بنصف الدية. وقضى في المأمومة بثلث الدية وفي الجائفة بثلثها وفي المنقلة بخمسة عشر من الإبل. وقضى في اللسان بالدية وفي الشفتين بالدية وفي البيضتين بالدية وفي الذكر بالدية وفي الصلب بالدية وفي العينين بالدية وفي إحداهما بنصفها وفي الرجل الواحدة بنصف الدية وفي اليد بنصف الدية وقضى أن الرجل يقتل بالمرأة. وقضى أن دية الخطأ على العاقلة مائة من الإبل واختلفت الرواية عنه في أسنانها ففي السنن الأربعة عنه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ثلاثون بنت مخاض وثلاثون بنت لبون وثلاثون حقة وعشرة بني لبون ذكر .(5\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1911",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10477",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الخطابي: ولا أعلم أحدا من الفقهاء قال بهذا. وفيها أيضا من حديث ابن مسعود: أنها أخماس: عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن مخاض وعشرون حقة وعشرون جذعة. وقضى في العمد إذا رضوا بالدية ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة وما صولحوا عليه فهو لهم. فذهب أحمد وأبو حنيفة إلى القول بحديث ابن مسعود رضي الله عنهما وجعل الشافعي ومالك بدل ابن مخاض ابن لبون وليس في واحد من الحديثين. وفرضها النبي صلى الله عليه وسلم على أهل الإبل مائة من الإبل وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة. وقال عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم جعلها ثمانمائة دينار أو ثمانمائة آلاف درهم ذكر أهل السنن الأربعة من حديث عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا قتل فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ديته اثني(5\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1912",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10478",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عشر ألفا . وثبت عن عمر أنه خطب فقال: إن الإبل قد غلت ففرضها على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة وترك دية أهل الذمة فلم يرفعها فيما رفع من الدية. وقد روى أهل السنن الأربعة عنه صلى الله عليه وسلم: ( دية المعاهد نصف دية الحر ) . ولفظ ابن ماجه: quot; قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين وهم اليهود والنصارى quot;. واختلف الفقهاء في ذلك فقال مالك: ديتهم نصف دية المسلمين في الخطأ والعمد وقال الشافعي: ثلثها في الخطأ والعمد. وقال أبو حنيفة: بل كدية المسلم في الخطأ والعمد. وقال الإمام أحمد: مثل دية المسلم في العمد. وعنه في الخطأ روايتان إحداهما: نصف الدية وهي ظاهر مذهبه. والثانية: ثلثها(5\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1913",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10479",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأخذ مالك بظاهر حديث عمرو بن شعيب وأخذ الشافعي بأن عمر جعل ديته أربعة آلاف وهي ثلث دية المسلم وأخذ أحمد بحديث عمرو إلا أنه في العمد ضعف الدية عقوبة لأجل سقوط القصاص وهكذا عنده من سقط عنه القصاص ضعفت عليه الدية عقوبة نص عليه توقيفا وأخذ أبو حنيفة بما هو أصله من جريان القصاص بينهما فتتساوى ديتهما. وقضى صلى الله عليه وسلم أن عقل المرأة مثل عقل الرجل إلى الثلث من ديتها ذكره النسائي. فتصير على النصف من ديته وقضى بالدية على العاقلة وبرأ منها الزوج وولد المرأة القاتلة. وقضى في المكاتب أنه إذا قتل يودى بقدر ما أدى من كتابته دية الحر وما بقي فدية المملوك قلت: يعني قيمته. وقضى بهذا القضاء علي بن أبي طالب وإبراهيم النخعي ويذكر رواية عن أحمد وقال عمر: إذا أدى شطر كتابته كان غريما ولا يرجع رقيقا وبه قضى عبد الملك بن مروان. وقال ابن مسعود: إذا أدى الثلث وقال عطاء: إذا أدى ثلاثة أرباع الكتابة فهو غريم والمقصود: أن هذا القضاء النبوي لم تجمع الأمة على تركه ولم يعلم نسخه. وأما حديث ( المكاتب عبد ما بقي عليه درهم ) فلا معارضة بينه وبين هذا القضاء فإنه في الرق بعد ولا تحصل حريته التامة إلا بالأداء.  [فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم على من أقر بالزنى] ثبت في صحيح البخاري ومسلم أن رجلا من أسلم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم(5\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1914",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10480",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاعترف بالزنى فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم حتى شهد على نفسه أربع مرات فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; أبك جنون quot; قال: لا. قال: quot; أحصنت quot; قال: نعم فأمر به فرجم في المصلى فلما أذلقته الحجارة فر فأدرك فرجم حتى مات فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خيرا وصلى عليه . وفي لفظ لهما: أنه قال له: أحق ما بلغني عنك quot; قال: وما بلغك عني قال: quot; بلغني أنك وقعت بجارية بني فلان quot; فقال: نعم قال: فشهد على نفسه أربع شهادات ثم دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: quot; أبك جنون quot; قال: لا قال: quot; أحصنت quot; قال: نعم ثم أمر به فرجم . وفي لفظ لهما: فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: quot; أبك جنون quot; قال: لا. قال: quot; أحصنت quot; قال: نعم. قال: quot; اذهبوا به فارجموه . وفي لفظ للبخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت quot;! قال: لا يا رسول الله. قال: quot; أنكتها quot; لا يكني قال: نعم فعند ذلك أمر برجمه . وفي لفظ لأبي داود: أنه شهد على نفسه أربع مرات كل ذلك يعرض عنه فأقبل في الخامسة قال: quot; أنكتها quot; قال: نعم. قال: quot; حتى غاب ذلك منك في ذلك منها quot; قال: نعم. قال: quot; كما يغيب الميل في المكحلة والرشاء في البئر quot; قال: نعم. قال: quot; فهل تدري ما الزنى quot; قال: نعم أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا. قال: quot; فما تريد بهذا القول quot; قال: أريد أن تطهرني قال: فأمر به فرجم .(5\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1915",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10481",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; السنن quot;: أنه لما وجد مس الحجارة قال: يا قوم ردوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن قومي قتلوني وغروني من نفسي وأخبروني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير قاتلي . وفي quot; صحيح مسلم quot;: فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله إني قد زنيت فطهرني وأنه ردها فلما كان من الغد قالت: يا رسول الله لم تردني لعلك أن تردني كما رددت ماعزا فوالله إني لحبلى قال: quot; إما لا فاذهبي حتى تلدي quot; فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة قالت: هذا قد ولدته قال: quot; اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه quot; فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها فأقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فانتضح الدم على وجهه فسبها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له quot; ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت . وفي quot; صحيح البخاري quot;: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيمن زنى ولم يحصن(5\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1916",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10482",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بنفي عام وإقامة الحد عليه . وفي quot; الصحيحين quot;: أن رجلا قال له: أنشدك بالله إلا قضيت بيننا بكتاب الله فقام خصمه وكان أفقه منه فقال: صدق اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي فقال: quot; قل quot; قال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم وإني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا الرجم فقال: quot; والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله المائة والخادم رد عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا أنيس على امرأة هذا فاسألها فإن اعترفت فارجمها quot; فاعترفت فرجمها . وفي quot; صحيح مسلم quot; عنه صلى الله عليه وسلم: quot; الثيب بالثيب جلد مائة والرجم والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام quot;.(5\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1917",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10483",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتضمنت هذه الأقضية رجم الثيب وأنه لا يرجم حتى يقر أربع مرات وأنه إذا أقر دون الأربع لم يلزم بتكميل نصاب الإقرار بل للإمام أن يعرض عنه ويعرض له بعدم تكميل الإقرار. وأن إقرار زائل العقل بجنون أو سكر ملغى لا عبرة به وكذلك طلاقه وعتقه وأيمانه ووصيته. وجواز إقامة الحد في المصلى وهذا لا يناقض نهيه أن تقام الحدود في المساجد. وأن الحر المحصن إذا زنى بجارية فحده الرجم كما لو زنى بحرة. وأن الإمام يستحب له أن يعرض للمقر بأن لا يقر وأنه يجب استفسار المقر في محل الإجمال لأن اليد والفم والعين لما كان استمتاعها زنى استفسر عنه دفعا لاحتماله. وأن الإمام له أن يصرح باسم الوطء الخاص به عند الحاجة إليه كالسؤال عن الفعل. وأن الحد لا يجب على جاهل بالتحريم لأنه صلى الله عليه وسلم سأله عن حكم الزنى فقال: أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من أهله حلالا. وأن الحد لا يقام على الحامل وأنها إذا ولدت الصبي أمهلت حتى ترضعه وتفطمه وأن المرأة يحفر لها دون الرجل وأن الإمام لا يجب عليه أن يبدأ بالرجم. وأنه لا يجوز سب أهل المعاصي إذا تابوا وأنه يصلى على من قتل في حد الزنى وأن المقر إذا استقال في أثناء الحد وفر ترك ولم يتمم عليه الحد(5\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1918",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10484",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقيل: لأنه رجوع. وقيل: لأنه توبة قبل تكميل الحد فلا يقام عليه كما لو تاب قبل الشروع فيه. وهذا اختيار شيخنا. وأن الرجل إذا أقر أنه زنى بفلانة لم يقم عليه حد القذف مع حد الزنى. وأن ما قبض من المال بالصلح الباطل باطل يجب رده. وأن الإمام له أن يوكل في استيفاء الحد. وأن الثيب لا يجمع عليه بين الجلد والرجم لأنه صلى الله عليه وسلم لم يجلد ماعزا ولا الغامدية ولم يأمر أنيسا أن يجلد المرأة التي أرسله إليها وهذا قول الجمهور وحديث عبادة: خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا: الثيب بالثيب جلد مائة والرجم منسوخ. فإن هذا كان في أول الأمر عند نزول حد الزاني ثم رجم ماعزا والغامدية ولم يجلدهما وهذا كان بعد حديث عبادة بلا شك وأما حديث جابر في quot; السنن quot;: أن رجلا زنى فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فجلد الحد ثم أقر أنه محصن فأمر به فرجم. فقد قال جابر في الحديث نفسه: إنه لم يعلم بإحصانه فجلد ثم علم بإحصانه فرجم . رواه أبو داود. وفيه: أن الجهل بالعقوبة لا يسقط الحد إذا كان عالما بالتحريم فإن ماعزا لم يعلم أن عقوبته القتل ولم يسقط هذا الجهل الحد عنه. وفيه: أنه يجوز للحاكم أن يحكم بالإقرار في مجلسه وإن لم يسمعه معه شاهدان نص عليه أحمد فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لأنيس: فإن اعترفت بحضرة شاهدين فارجمها. وأن الحكم إذا كان حقا محضا لله لم يشترط الدعوى به عند الحاكم. وأن الحد إذا وجب على امرأة جاز للإمام أن يبعث إليها من يقيمه عليها ولا(5\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1919",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10485",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يحضرها وترجم النسائي على ذلك: صونا للنساء عن مجلس الحكم. وأن الإمام والحاكم والمفتي يجوز له الحلف على أن هذا حكم الله عز وجل إذا تحقق ذلك وتيقنه بلا ريب وأنه يجوز التوكيل في إقامة الحدود وفيه نظر فإن هذا استنابة من النبي صلى الله عليه وسلم وتضمن تغريب المرأة كما يغرب الرجل لكن يغرب معها محرمها إن أمكن وإلا فلا وقال مالك: لا تغريب على النساء لأنهن عورة.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم على أهل الكتاب في الحدود بحكم الإسلام] ثبت في quot; الصحيحين quot; و quot; المسانيد quot;: أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; ما تجدون في التوراة في شأن الرجم quot; قالوا: نفضحهم ويجلدون فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم فقالوا: صدق يا محمد إن فيها الرجم فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما . فتضمنت هذه الحكومة أن الإسلام ليس بشرط في الإحصان وأن الذمي يحصن الذمية وإلى هذا ذهب أحمد والشافعي ومن لم يقل بذلك اختلفوا في(5\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1920",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10486",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجه هذا الحديث فقال مالك في غير quot; الموطأ quot;: لم يكن اليهود بأهل ذمة. والذي في quot; صحيح البخاري quot;: أنهم أهل ذمة ولا شك أن هذا كان بعد العهد الذي وقع بين النبي صلى الله عليه وسلم وبينهم ولم يكونوا إذ ذاك حربا كيف وقد تحاكموا إليه ورضوا بحكمه وفي بعض طرق الحديث: أنهم قالوا: اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف وفي بعض طرقه: أنهم دعوه إلى بيت مدراسهم فأتاهم وحكم بينهم فهم كانوا أهل عهد وصلح بلا شك. وقالت طائفة أخرى: إنما رجمهما بحكم التوراة. قالوا: وسياق القصة صريح في ذلك وهذا مما لا يجدي عليهم شيئا البتة فإنه حكم بينهم بالحق المحض فيجب اتباعه بكل حال فماذا بعد الحق إلا الضلال. وقالت طائفة: رجمهما سياسة وهذا من أقبح الأقوال بل رجمهما بحكم الله الذي لا حكم سواه. وتضمنت هذه الحكومة أن أهل الذمة إذا تحاكموا إلينا لا نحكم بينهم إلا بحكم الإسلام. وتضمنت قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض لأن الزانيين لم يقرا ولم يشهد عليهما المسلمون فإنهم لم يحضروا زناهما كيف وفي quot; السنن quot; في هذه القصة: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود فجاءوا أربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة .(5\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1921",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10487",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي بعض طرق هذا الحديث: فجاء أربعة منهم وفي بعضها: فقال لليهود: ائتوني بأربعة منكم . وتضمنت الاكتفاء بالرجم وأن لا يجمع بينه وبين الجلد قال ابن عباس: الرجم في كتاب الله لا يغوص عليه إلا غواص وهو قوله تعالى: ياأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب [المائدة: 15] [المائدة: 15]  واستنبطه غيره من قوله: إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا [المائدة: 44] [المائدة: 44] . قال الزهري في حديثه: فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا [المائدة: 44]  كان النبي صلى الله عليه وسلم منهم.  [فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم في الرجل يزني بجارية امرأته] في quot; المسند quot; و quot; السنن quot; الأربعة: من حديث قتادة عن حبيب بن سالم أن رجلا يقال له: عبد الرحمن بن حنين وقع على جارية امرأته فرفع إلى النعمان بن بشير وهو أمير على الكوفة فقال: لأقضين فيك بقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة جلدة وإن لم تكن أحلتها رجمتك بالحجارة فوجدوه أحلتها له فجلده مائة . قال الترمذي: في إسناد هذا الحديث اضطراب سمعت محمدا يعني البخاري يقول: لم يسمع قتادة من حبيب بن سالم هذا الحديث إنما رواه عن خالد بن عرفطة وأبو بشر لم يسمعه(5\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1922",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10488",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أيضا من حبيب بن سالم إنما رواه عن خالد بن عرفطة وسألت محمدا عنه فقال: أنا أنفي هذا الحديث. وقال النسائي: هو مضطرب وقال أبو حاتم الرازي: خالد بن عرفطة مجهول. وفي quot; المسند quot; و quot; السنن quot; عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في رجل وقع على جارية امرأته إن كان استكرهها فهي حرة وعليه لسيدتها مثلها وإن كانت طاوعته فهي له وعليه لسيدتها مثلها . فاختلف الناس في القول بهذا الحكم فأخذ به أحمد في ظاهر مذهبه فإن الحديث حسن وخالد بن عرفطة قد روى عنه ثقتان: قتادة وأبو بشر ولم يعرف فيه قدح والجهالة ترتفع عنه برواية ثقتين والقياس وقواعد الشريعة يقتضي القول بموجب هذه الحكومة فإن إحلال الزوجة شبهة توجب سقوط الحد ولا تسقط التعزير فكانت المائة تعزيرا فإذا لم تكن أحلتها كان زنى لا شبهة فيه ففيه الرجم فأي شيء في هذه الحكومة مما يخالف القياس.(5\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1923",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10489",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث سلمة بن المحبق: فإن صح تعين القول به ولم يعدل عنه ولكن قال النسائي: لا يصح هذا الحديث. قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الذي رواه عن سلمة بن المحبق شيخ لا يعرف ولا يحدث عنه غير الحسن يعني قبيصة بن حريث. وقال البخاري في quot; التاريخ quot;: قبيصة بن حريث سمع سلمة بن المحبق في حديثه نظر وقال ابن المنذر: لا يثبت خبر سلمة بن المحبق وقال البيهقي: وقبيصة بن حريث غير معروف وقال الخطابي: هذا حديث منكر وقبيصة غير معروف والحجة لا تقوم بمثله وكان الحسن لا يبالي أن يروي الحديث ممن سمع. وطائفة أخرى قبلت الحديث ثم اختلفوا فيه فقالت طائفة: هو منسوخ وكان هذا قبل نزول الحدود. وقالت طائفة: بل وجهه أنه إذا استكرهها فقد أفسدها على سيدتها ولم تبق ممن تصلح لها ولحق بها العار وهذا مثلة معنوية فهي كالمثلة الحسية أو أبلغ منها وهو قد تضمن أمرين: إتلافها على سيدتها والمثلة المعنوية بها فيلزمه غرامتها لسيدتها وتعتق عليه وأما إن طاوعته فقد أفسدها على سيدتها فتلزمه قيمتها لها ويملكها لأن القيمة قد استحقت عليه وبمطاوعتها وإرادتها خرجت عن شبهة المثلة. قالوا: ولا بعد في تنزيل الإتلاف المعنوي منزلة الإتلاف الحسي إذ كلاهما يحول بين المالك وبين الانتفاع بملكه ولا ريب أن جارية الزوجة إذا صارت موطوءة لزوجها فإنها لا تبقى لسيدتها كما كانت قبل الوطء فهذا الحكم من أحسن الأحكام وهو موافق للقياس الأصولي. وبالجملة: فالقول به مبني على قبول الحديث ولا تضر كثرة المخالفين له ولو كانوا أضعاف أضعافهم.  [فصل الحكم في اللواط] فصل ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قضى في اللواط بشيء لأن هذا لم تكن تعرفه(5\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1924",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10490",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العرب ولم يرفع إليه صلى الله عليه وسلم ولكن ثبت عنه أنه قال: اقتلوا الفاعل والمفعول به . رواه أهل السنن الأربعة وإسناده صحيح وقال الترمذي: حديث حسن. وحكم به أبو بكر الصديق وكتب به إلى خالد بعد مشاورة الصحابة وكان علي أشدهم في ذلك. وقال ابن القصار وشيخنا: أجمعت الصحابة على قتله وإنما اختلفوا في كيفية قتله فقال أبو بكر الصديق: يرمى من شاهق وقال علي رضي الله عنه: يهدم عليه حائط. وقال ابن عباس: يقتلان بالحجارة. فهذا اتفاق منهم على قتله وإن اختلفوا في كيفيته وهذا موافق لحكمه صلى الله عليه وسلم فيمن وطئ ذات محرم لأن الوطء في الموضعين لا يباح للواطئ بحال ولهذا جمع بينهما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما فإنه روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوه  وروى أيضا عنه: من وقع على ذات محرم فاقتلوه  وفي حديثه أيضا بالإسناد: من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه .(5\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1925",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10491",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا الحكم على وفق حكم الشارع فإن المحرمات كلما تغلظت تغلظت عقوباتها ووطء من لا يباح بحال أعظم جرما من وطء من يباح في بعض الأحوال فيكون حده أغلظ وقد نص أحمد في إحدى الروايتين عنه أن حكم من أتى بهيمة حكم اللواط سواء فيقتل بكل حال أو يكون حده حد الزاني. واختلف السلف في ذلك فقال الحسن: حده حد الزاني. وقال أبو سلمة عنه: يقتل بكل حال وقال الشعبي والنخعي: يعزر وبه أخذ الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد في رواية فإن ابن عباس رضي الله عنه أفتى بذلك وهو راوي الحديث.  [فصل الحكم فيمن أقر بالزنى بامرأة معينة] فصل وحكم صلى الله عليه وسلم على من أقر بالزنى بامرأة معينة بحد الزنى دون حد القذف ففي quot; السنن quot;: من حديث سهل بن سعد أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأقر عنده أنه زنى بامرأة سماها فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المرأة فسألها عن ذلك فأنكرت أن تكون زنت فجلده الحد وتركها . فتضمنت هذه الحكومة أمرين: أحدهما: وجوب الحد على الرجل وإن كذبته المرأة خلافا لأبي حنيفة وأبي يوسف أنه لا يحد. الثاني: أنه لا يجب عليه حد القذف للمرأة. وأما ما رواه أبو داود في quot; سننه quot;: من حديث ابن عباس رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأقر أنه زنى بامرأة أربع مرات فجلده مائة جلدة وكان بكرا ثم سأله البينة على المرأة فقالت: كذب والله يا رسول الله فجلد حد الفرية(5\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1926",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10492",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثمانين  فقال النسائي: هذا حديث منكر. انتهى وفي إسناده القاسم بن فياض الأنباري الصنعاني تكلم فيه غير واحد وقال ابن حبان: بطل الاحتجاج به.  [فصل الحكم في الأمة الزانية] فصل وحكم في الأمة إذا زنت ولم تحصن بالجلد. وأما قوله تعالى في الإماء: فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب [النساء: 25] [النساء: 25]  فهو نص في أن حدها بعد التزويج نصف حد الحرة من الجلد وأما قبل التزويج فأمر بجلدها. وفي هذا الجلد قولان: أحدهما: أنه الحد ولكن يختلف الحال قبل التزويج وبعده فإن للسيد إقامته قبله وأما بعده فلا يقيمه إلا الإمام. والقول الثاني: أن جلدها قبل الإحصان تعزير لا حد ولا يبطل هذا ما رواه مسلم في quot; صحيحه quot;: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه: إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يعيرها ثلاث مرات فإن عادت في الرابعة فليجلدها وليبعها ولو بضفير  وفي لفظ: فليضربها كتاب الله .(5\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1927",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10493",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; صحيحه quot; أيضا: من حديث علي رضي الله عنه أنه قال: أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهن ومن لم يحصن فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: quot; أحسنت . فإن التعزير يدخل تحته لفظ الحد في لسان الشارع كما في قوله صلى الله عليه وسلم: لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى . وقد ثبت التعزير بالزيادة على العشرة جنسا وقدرا في مواضع عديدة لم يثبت نسخها ولم تجمع الأمة على خلافها. وعلى كل حال فلا بد أن يخالف حالها بعد الإحصان حالها قبله وإلا لم يكن للتقييد فائدة فإما أن يقال قبل الإحصان: لا حد عليها والسنة الصحيحة تبطل ذلك وإما أن يقال: حدها قبل الإحصان حد الحرة وبعده نصفه وهذا باطل قطعا مخالف لقواعد الشرع وأصوله وإما أن يقال: جلدها قبل الإحصان تعزير وبعده حد وهذا أقوى وإما أن يقال: الافتراق بين الحالتين في إقامة الحد لا في قدره وأنه في إحدى الحالتين للسيد وفي الأخرى للإمام وهذا أقرب ما يقال. وقد يقال: إن تنصيصه على التنصيف بعد الإحصان لئلا يتوهم متوهم أن بالإحصان يزول التنصيف ويصير حدها حد الحرة كما أن الجلد زال عن البكر بالإحصان وانتقل إلى الرجم فبقي على التنصيف في أكمل حالتيها وهي(5\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1928",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10494",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإحصان تنبيها على أنه إذا اكتفي به فيها ففيما قبل الإحصان أولى وأحرى والله أعلم. وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مريض زنى ولم يحتمل إقامة الحد بأن يؤخذ له عثكال فيه مائة شمراخ فيضرب بها ضربة واحدة.  [فصل متى نزل حد القذف] فصل وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحد القذف لما أنزل الله سبحانه براءة زوجته من السماء فجلد رجلين وامرأة. وهما: حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة. قال أبو جعفر النفيلي: ويقولون: المرأة حمنة بنت جحش. وحكم فيمن بدل دينه بالقتل ولم يخص رجلا من امرأة وقتل الصديق(5\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1929",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10495",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "امرأة ارتدت بعد إسلامها يقال لها: أم قرفة. وحكم في شارب الخمر بضربه بالجريد والنعال وضربه أربعين وتبعه أبو بكر رضي الله عنه على الأربعين. وفي quot; مصنف عبد الرزاق quot;: أنه صلى الله عليه وسلم جلد في الخمر ثمانين . وقال ابن عباس رضي الله عنه: لم يوقت فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا. وقال علي رضي الله عنه: جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر أربعين وأبو بكر أربعين وكملها عمر ثمانين وكل سنة . وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتله في الرابعة أو الخامسة. واختلف الناس في ذلك فقيل: هو منسوخ وناسخه لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث .(5\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1930",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10496",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقيل: هو محكم ولا تعارض بين الخاص والعام ولا سيما إذا لم يعلم تأخر العام. وقيل: ناسخه حديث عبد الله حمار فإنه أتي به مرارا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلده ولم يقتله. وقيل: قتله تعزير بحسب المصلحة فإذا كثر منه ولم ينهه الحد واستهان به فللإمام قتله تعزيرا لا حدا وقد صح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه قال: ائتوني به في الرابعة فعلي أن أقتله لكم وهو أحد رواة الأمر بالقتل عن النبي صلى الله عليه وسلم وهم: معاوية وأبو هريرة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وقبيصة بن ذؤيب رضي الله عنهم.(5\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1931",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10497",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحديث قبيصة: فيه دلالة على أن القتل ليس بحد أو أنه منسوخ فإنه قال فيه: فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب فجلده ثم أتي به فجلده ثم أتي به فجلده ورفع القتل وكانت رخصة . رواه أبو داود. فإن قيل: فما تصنعون بالحديث المتفق عليه عن علي رضي الله عنه أنه قال: ما كنت لأدي من أقمت عليه الحد إلا شارب الخمر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسن فيه شيئا إنما هو شيء قلناه نحن . لفظ أبي داود. ولفظهما: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات ولم يسنه . قيل: المراد بذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقدر فيه بقوله تقديرا لا يزاد عليه ولا ينقص كسائر الحدود وإلا فعلي رضي الله عنه قد شهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ضرب فيها أربعين. وقوله: إنما هو شيء قلناه نحن يعني التقدير بثمانين فإن عمر رضي الله عنه جمع الصحابة رضي الله عنهم واستشارهم فأشاروا بثمانين فأمضاها ثم جلد علي في خلافته أربعين وقال: هذا أحب إلي. ومن تأمل الأحاديث رآها تدل على أن الأربعين حد والأربعون الزائدة عليها تعزير اتفق عليه الصحابة رضي الله عنهم والقتل إما منسوخ وإما أنه إلى رأي الإمام بحسب تهالك الناس فيها واستهانتهم بحدها فإذا رأى قتل واحد لينزجر الباقون فله ذلك وقد حلق فيها عمر رضي الله عنه وغرب وهذا من الأحكام المتعلقة بالأئمة وبالله التوفيق.(5\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1932",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10498",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في السارق] قطع سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم. وقضى أنه لا تقطع اليد في أقل من ربع دينار. وصح عنه أنه قال: اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك ذكره الإمام أحمد رحمه الله. وقالت عائشة رضي الله عنها: لم تكن تقطع يد السارق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أدنى من ثمن المجن ترس أو جحفة وكان كل منهما ذا ثمن . وصح عنه أنه قال: لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده ويسرق البيضة فتقطع يده. فقيل: هذا حبل السفينة وبيضة الحديد وقيل: بل كل حبل وبيضة  وقيل: هو إخبار بالواقع أي: إنه يسرق هذا فيكون سببا لقطع يده(5\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1933",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10499",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بتدرجه منه إلى ما هو أكبر منه. قال الأعمش: كانوا يرون أنه بيض الحديد والحبل كانوا يرون أن منه ما يساوي دراهم. وحكم في امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده بقطع يدها. وقال أحمد - رحمه الله - بهذه الحكومة ولا معارض لها. وحكم صلى الله عليه وسلم بإسقاط القطع عن المنتهب والمختلس والخائن والمراد بالخائن: خائن الوديعة. وأما جاحد العارية فيدخل في اسم السارق شرعا لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما كلموه في شأن المستعيرة الجاحدة قطعها وقال: والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها . فإدخاله صلى الله عليه وسلم جاحد العارية في اسم السارق كإدخاله سائر أنواع المسكر في اسم الخمر فتأمله وذلك تعريف للأمة بمراد الله من كلامه. وأسقط صلى الله عليه وسلم القطع عن سارق الثمر والكثر وحكم أن من أصاب منه شيئا(5\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1934",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10500",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بفمه وهو محتاج فلا شيء عليه ومن خرج منه بشيء فعليه غرامة مثليه والعقوبة ومن سرق منه شيئا في جرينه هو بيدره فعليه القطع إذا بلغ ثمن المجن فهذا قضاؤه الفصل وحكمه العدل. وقضى في الشاة التي تؤخذ من مراتعها بثمنها مرتين وضرب نكال وما أخذ من عطنه ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن. وقضى بقطع سارق رداء صفوان بن أمية وهو نائم عليه في المسجد. فأراد صفوان أن يهبه إياه أو يبيعه منه فقال: quot; هلا كان قبل أن تأتيني به . وقطع سارقا سرق ترسا من صفة النساء في المسجد. ودرأ القطع عن عبد من رقيق الخمس سرق من الخمس. وقال: quot; مال الله سرق بعضه بعضا quot; رواه ابن ماجه. ورفع إليه سارق فاعترف ولم يوجد معه متاع فقال له: ما إخاله(5\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1935",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10501",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سرق quot; قال: بلى فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا فأمر به فقطع . ورفع إليه آخر فقال: quot; ما إخاله سرق quot; فقال: بلى فقال: quot; اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه ثم ائتوني به quot; فقطع ثم أتي به النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: quot; تب إلى الله quot; فقال: تبت إلى الله فقال: quot; تاب الله عليك quot;. وفي الترمذي عنه أنه قطع سارقا وعلق يده في عنقه. قال: حديث حسن.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم على من اتهم رجلا بسرقة] روى أبو داود: عن أزهر بن عبد الله أن قوما سرق لهم متاع فاتهموا ناسا من الحاكة فأتوا النعمان بن بشير صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فحبسهم أياما ثم خلى سبيلهم فأتوه فقالوا: خليت سبيلهم بغير ضرب ولا امتحان فقال: ما شئتم إن شئتم أن أضربهم فإن خرج متاعكم فذاك وإلا أخذت من ظهوركم مثل الذي أخذت من ظهورهم. فقالوا: هذا حكمك فقال: حكم الله وحكم رسوله .(5\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1936",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10502",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل ما تضمنته الأقضية السابقة في السرقة من الأمور] فصل وقد تضمنت هذه الأقضية أمورا: أحدها: أنه لا يقطع في أقل من ثلاثة دراهم أو ربع دينار. الثاني: جواز لعن أصحاب الكبائر بأنواعهم دون أعيانهم كما لعن السارق ولعن آكل الربا وموكله ولعن شارب الخمر وعاصرها ولعن من عمل عمل قوم لوط ونهى عن لعن عبد الله حمار وقد شرب الخمر ولا تعارض بين الأمرين فإن الوصف الذي علق عليه اللعن مقتض. وأما المعين فقد يقوم به ما يمنع لحوق اللعن به من حسنات ماحية أو توبة أو مصائب مكفرة أو عفو من الله عنه فتلعن الأنواع دون الأعيان. الثالث: الإشارة إلى سد الذرائع فإنه أخبر أن سرقة الحبل والبيضة لا تدعه حتى تقطع يده. الرابع: قطع جاحد العارية وهو سارق شرعا كما تقدم. الخامس: أن من سرق مالا قطع فيه ضوعف عليه الغرم وقد نص عليه الإمام أحمد - رحمه الله - فقال: كل من سقط عنه القطع ضوعف عليه الغرم وقد تقدم الحكم النبوي به في صورتين: سرقة الثمار المعلقة والشاة من المرتع.(5\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1937",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10503",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السادس: اجتماع التعزير مع الغرم وفي ذلك الجمع بين العقوبتين: مالية وبدنية. السابع: اعتبار الحرز فإنه صلى الله عليه وسلم أسقط القطع عن سارق الثمار من الشجرة وأوجبه على سارقه من الجرين وعند أبي حنيفة أن هذا لنقصان ماليته لإسراع الفساد إليه وجعل هذا أصلا في كل ما نقصت ماليته بإسراع الفساد إليه. وقول الجمهور أصح فإنه صلى الله عليه وسلم جعل له ثلاثة أحوال: حالة لا شيء فيها وهو ما إذا أكل منه بفيه وحالة يغرم مثليه ويضرب من غير قطع وهو ما إذا أخذه من شجره وأخرجه وحالة يقطع فيها وهو ما إذا سرقه من بيدره سواء كان قد انتهى جفافه أو لم ينته فالعبرة للمكان والحرز لا ليبسه ورطوبته ويدل عليه أنه صلى الله عليه وسلم أسقط القطع عن سارق الشاة من مرعاها وأوجبه على سارقها من عطنها فإنه حرزها. الثامن: إثبات العقوبات المالية وفيه عدة سنن ثابتة لا معارض لها وقد عمل بها الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم وأكثر من عمل بها عمر رضي الله عنه. التاسع: أن الإنسان حرز لثيابه ولفراشه الذي هو نائم عليه أين كان سواء كان في المسجد أو في غيره. العاشر: أن المسجد حرز لما يعتاد وضعه فيه فإن النبي صلى الله عليه وسلم قطع من سرق منه ترسا وعلى هذا فيقطع من سرق من حصيره وقناديله وبسطه وهو أحد القولين في مذهب أحمد وغيره. ومن لم يقطعه قال: له فيها حق فإن لم يكن فيها حق قطع كالذمي. الحادي عشر: أن المطالبة في المسروق شرط في القطع فلو وهبه إياه أو باعه قبل رفعه إلى الإمام سقط عنه القطع كما صرح به النبي صلى الله عليه وسلم وقال:(5\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1938",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10504",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هلا كان قبل أن تأتيني به . الثاني عشر: أن ذلك لا يسقط القطع بعد رفعه إلى الإمام وكذلك كل حد بلغ الإمام وثبت عنده لا يجوز إسقاطه وفي quot; السنن quot;: عنه: إذا بلغت الحدود الإمام فلعن الله الشافع والمشفع . الثالث عشر: أن من سرق من شيء له فيه حق لم يقطع. الرابع عشر: أنه لا يقطع إلا بالإقرار مرتين أو بشهادة شاهدين لأن السارق أقر عنده مرة فقال: quot; ما إخالك سرقت quot; فقال: بلى فقطعه حينئذ ولم يقطعه حتى أعاد عليه مرتين. الخامس عشر: التعريض للسارق بعدم الإقرار وبالرجوع عنه وليس هذا حكم كل سارق بل من السراق من يقر بالعقوبة والتهديد كما سيأتي إن شاء الله تعالى. السادس عشر: أنه يجب على الإمام حسمه بعد القطع لئلا يتلف. وفي قوله: quot; احسموه quot; دليل على أن مؤنة الحسم ليست على السارق. السابع عشر: تعليق يد السارق في عنقه تنكيلا له وبه ليراه غيره. الثامن عشر: ضرب المتهم إذا ظهر منه أمارات الريبة وقد عاقب النبي صلى الله عليه وسلم في تهمة وحبس في تهمة.(5\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1939",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10505",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التاسع عشر: وجوب تخلية المتهم إذا لم يظهر عنده شيء مما اتهم به وأن المتهم إذا رضي بضرب المتهم فإن خرج ماله عنده وإلا ضرب هو مثل ضرب من اتهمه إن أجيب إلى ذلك وهذا كله مع أمارات الريبة كما قضى به النعمان بن بشير رضي الله عنه وأخبر أنه قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. العشرون: ثبوت القصاص في الضربة بالسوط والعصا ونحوهما.  [فصل من تكرر منه الحد في السرقة] فصل وقد روى عنه أبو داود: أنه أمر بقتل سارق فقالوا: إنما سرق فقال: quot; اقطعوه quot; ثم جيء به ثانيا فأمر بقتله فقالوا: إنما سرق فقال: quot; اقطعوه quot; ثم جيء به في الثالثة فأمر بقتله فقالوا: إنما سرق فقال: quot; اقطعوه quot; ثم جيء به رابعة فقال: quot; اقتلوه quot; فقالوا: إنما سرق فقال: quot; اقطعوه quot; فأتي به في الخامسة فأمر بقتله فقتلوه . فاختلف الناس في هذه الحكومة: فالنسائي وغيره لا يصححون هذا الحديث. قال النسائي: هذا حديث منكر ومصعب بن ثابت ليس بالقوي وغيره يحسنه ويقول: هذا حكم خاص بذلك الرجل وحده لما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المصلحة في قتله وطائفة ثالثة تقبله وتقول به وأن السارق إذا سرق خمس مرات قتل في الخامسة وممن ذهب إلى هذا المذهب أبو مصعب من المالكية. وفي هذه الحكومة الإتيان على أطراف السارق الأربعة. وقد روى عبد الرزاق في quot; مصنفه quot;: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بعبد سرق فأتي به أربع مرات(5\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1940",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10506",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتركه ثم أتي به الخامسة فقطع يده ثم السادسة فقطع رجله ثم السابعة فقطع يده ثم الثامنة فقطع رجله . واختلف الصحابة ومن بعدهم هل يؤتى على أطرافه كلها أم لا على قولين. فقال الشافعي ومالك وأحمد في إحدى روايتيه: يؤتى عليها كلها وقال أبو حنيفة وأحمد في رواية ثانية: لا يقطع منه أكثر من يد ورجل وعلى هذا القول فهل المحذور تعطيل منفعة الجنس أو ذهاب عضوين من شق فيه وجهان يظهر أثرهما فيما لو كان أقطع اليد اليمنى فقط أو أقطع الرجل اليسرى فقط فإن قلنا: يؤتى على أطرافه لم يؤثر ذلك وإن قلنا: لا يؤتى عليها قطعت رجله اليسرى في الصورة الأولى ويده اليمنى في الثانية على العلتين وإن كان أقطع اليد اليسرى مع الرجل اليمنى لم يقطع على العلتين وإن كان أقطع اليد اليسرى فقط لم تقطع يمناه على العلتين وفيه نظر فتأمل. وهل قطع رجله اليسرى يبتنى على العلتين فإن عللنا بذهاب منفعة الجنس قطعت رجله وإن عللنا بذهاب عضوين من شق لم تقطع. وإن كان أقطع اليدين فقط وعللنا بذهاب منفعة الجنس قطعت رجله اليسرى وإن عللنا بذهاب عضوين من شق لم تقطع هذا طرد هذه القاعدة. وقال صاحب quot; المحرر quot; فيه: تقطع يمنى يديه على الروايتين وفرق بينها وبين مسألة مقطوع اليدين والذي يقال في الفرق: إنه إذا كان أقطع الرجلين فهو كالمقعد وإذا قطعت إحدى يديه انتفع بالأخرى في الأكل والشرب والوضوء والاستجمار وغيره وإذا كان أقطع اليدين لم ينتفع إلا برجليه فإذا ذهبت إحداهما لم يمكنه الانتفاع بالرجل الواحدة بلا يد ومن الفرق أن اليد الواحدة(5\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1941",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10507",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تنفع مع عدم منفعة المشي والرجل الواحدة لا تنفع مع عدم منفعة البطش.  [فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم فيمن سبه من مسلم أو ذمي أو معاهد] ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قضى بإهدار دم أم ولد الأعمى لما قتلها مولاها على السب. وقتل جماعة من اليهود على سبه وأذاه وأمن الناس يوم الفتح إلا نفرا ممن كان يؤذيه ويهجوه وهم أربعة رجال وامرأتان. وقال: من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله . وأهدر دمه ودم أبي رافع. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لأبي برزة الأسلمي وقد أراد قتل من(5\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1942",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10508",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبه: ليس هذا لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا قضاؤه صلى الله عليه وسلم وقضاء خلفائه من بعده ولا مخالف لهم من الصحابة وقد أعاذهم الله من مخالفة هذا الحكم. وقد روى أبو داود في quot; سننه quot;: عن علي رضي الله عنه أن يهودية كانت تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه فخنقها رجل حتى ماتت فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم دمها . وذكر أصحاب السير والمغازي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هجت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: quot; من لي بها quot; فقال رجل من قومها: أنا فنهض فقتلها فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: quot; لا ينتطح فيها عنزان . وفي ذلك بضعة عشر حديثا ما بين صحاح وحسان ومشاهير وهو إجماع الصحابة. وقد ذكر حرب في quot; مسائله quot;: عن مجاهد قال: أتي عمر رضي الله عنه برجل سب النبي صلى الله عليه وسلم فقتله ثم قال عمر رضي الله عنه: من سب الله ورسوله أو سب أحدا من الأنبياء فاقتلوه. ثم قال مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما: أيما مسلم سب الله ورسوله أو سب أحدا من الأنبياء فقد كذب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ردة يستتاب فإن رجع وإلا قتل وأيما معاهد عاند فسب الله أو سب أحدا من الأنبياء أو جهر به فقد نقض العهد فاقتلوه. وذكر أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه مر به راهب فقيل له: هذا يسب النبي صلى الله عليه وسلم فقال ابن عمر رضي الله عنه: لو سمعته لقتلته إنا لم نعطهم الذمة على أن يسبوا نبينا. والآثار عن الصحابة بذلك كثيرة وحكى غير واحد من الأئمة الإجماع على قتله. قال شيخنا: وهو محمول على إجماع الصدر الأول من(5\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1943",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10509",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصحابة والتابعين. والمقصود: إنما هو ذكر حكم النبي صلى الله عليه وسلم وقضائه فيمن سبه. وأما تركه صلى الله عليه وسلم قتل من قدح في عدله بقوله: quot; اعدل فإنك لم تعدل quot; وفي حكمه بقوله: quot; أن كان ابن عمتك quot; وفي قصده بقوله: quot; إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله quot; أو في خلوته بقوله: quot; يقولون إنك تنهى عن الغي وتستخلي به quot; وغير ذلك فذلك أن الحق له فله أن يستوفيه وله أن يتركه وليس لأمته ترك استيفاء حقه صلى الله عليه وسلم. وأيضا فإن هذا كان في أول الأمر حيث كان صلى الله عليه وسلم مأمورا بالعفو والصفح. وأيضا فإنه كان يعفو عن حقه لمصلحة التأليف وجمع الكلمة ولئلا ينفر الناس عنه ولئلا يتحدثوا أنه يقتل أصحابه وكل هذا يختص بحياته صلى الله عليه وسلم.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيمن سمه] ثبت في quot; الصحيحين quot;: أن يهودية سمته في شاة فأكل منها لقمة ثم(5\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1944",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10510",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لفظها وأكل معه بشر بن البراء فعفا عنها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبها  هكذا في quot; الصحيحين quot;. وعند أبي داود: أنه أمر بقتلها فقيل: إنه عفا عنها في حقه فلما مات بشر بن البراء قتلها به. وفيه دليل على أن من قدم لغيره طعاما مسموما يعلم به دون آكله فمات به أقيد منه.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الساحر] في الترمذي: عنه صلى الله عليه وسلم: حد الساحر ضربة بالسيف . والصحيح أنه موقوف على جندب بن عبد الله. وصح عن عمر رضي الله عنه أنه أمر بقتله وصح عن حفصة رضي الله عنها أنها قتلت مدبرة سحرتها فأنكر عليها عثمان إذ فعلته دون أمره. وروي عن عائشة رضي الله عنها أيضا أنها قتلت مدبرة سحرتها وروي أنها باعتها ذكره ابن المنذر وغيره. وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل من سحره من اليهود فأخذ بهذا الشافعي وأبو حنيفة - رحمهما الله - وأما مالك وأحمد - رحمهما الله - فإنهما يقتلانه ولكن منصوص أحمد - رحمه الله - أن ساحر أهل الذمة لا يقتل واحتج(5\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1945",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10511",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل لبيد بن الأعصم اليهودي حين سحره ومن قال بقتل ساحرهم يجيب عن هذا بأنه لم يقر ولم يقم عليه بينة وبأنه خشي صلى الله عليه وسلم أن يثير على الناس شرا بترك إخراج السحر من البئر فكيف لو قتله.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في أول غنيمة كانت في الإسلام وأول قتيل] لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش ومن معه سرية إلى نخلة ترصد عيرا لقريش وأعطاه كتابا مختوما وأمره أن لا يقرأه إلا بعد يومين فقتلوا عمرو بن الحضرمي وأسروا عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان وكان ذلك في الشهر الحرام فعنفهم المشركون ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنيمة والأسيرين حتى أنزل الله سبحانه وتعالى: يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله [البقرة: 217] [البقرة: 217]  فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسيرين وبعثت إليه قريش في فدائهما فقال: لا حتى يقدم صاحبانا - يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان - فإنا نخشاكم عليهما فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم فلما قدما فاداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثمان والحكم وقسم الغنيمة . وذكر ابن وهب: أن النبي صلى الله عليه وسلم رد الغنيمة وودى القتيل. والمعروف في السير خلاف هذا. وفي هذه القصة من الفقه إجازة الشهادة على الوصية المختومة وهو قول مالك وكثير من السلف ويدل عليه حديث ابن عمر رضي الله عنهما في quot; الصحيحين quot;: ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده .(5\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1946",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10512",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيها: أنه لا يشترط في كتاب الإمام والحاكم البينة ولا أن يقرأه الإمام والحاكم على الحامل له وكل هذا لا أصل له في كتاب ولا سنة وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفع كتبه مع رسله ويسيرها إلى من يكتب إليه ولا يقرؤها على حاملها ولا يقيم عليها شاهدين وهذا معلوم بالضرورة من هديه وسنته.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الجاسوس] ثبت أن حاطب بن أبي بلتعة لما جس عليه سأله عمر رضي الله عنه ضرب عنقه فلم يمكنه وقال: quot; ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم quot;. وقد تقدم حكم المسألة مستوفى. واختلف الفقهاء في ذلك فقال سحنون: إذا كاتب المسلم أهل الحرب قتل ولم يستتب وماله لورثته وقال غيره من أصحاب مالك - رحمه الله -: يجلد جلدا وجيعا ويطال حبسه وينفى من موضع يقرب من الكفار. وقال ابن القاسم: يقتل ولا يعرف لهذا توبة وهو كالزنديق. وقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد - رحمهم الله -: لا يقتل والفريقان احتجوا بقصة حاطب وقد تقدم ذكر وجه احتجاجهم ووافق ابن عقيل من أصحاب أحمد مالكا وأصحابه.  [فصل في حكمه في الأسرى] ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الأسرى أنه قتل بعضهم ومن على بعضهم وفادى(5\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1947",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10513",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعضهم بمال وبعضهم بأسرى من المسلمين واسترق بعضهم ولكن المعروف أنه لم يسترق رجلا بالغا. فقتل يوم بدر من الأسرى عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث. وقتل من يهود جماعة كثيرين من الأسرى وفادى أسرى بدر بالمال بأربعة آلاف إلى أربعمائة وفادى بعضهم على تعليم جماعة من المسلمين الكتابة ومن على أبي عزة الشاعر يوم بدر وقال في أسارى بدر: quot; لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له quot;. وفدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين. وفدى رجالا من المسلمين بامرأة من السبي استوهبها من سلمة بن الأكوع. ومن على ثمامة بن أثال وأطلق يوم فتح مكة جماعة من قريش فكان يقال لهم الطلقاء. وهذه أحكام لم ينسخ منها شيء بل يخير الإمام فيها بحسب المصلحة(5\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1948",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10514",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واسترق من أهل الكتاب وغيرهم فسبايا أوطاس وبني المصطلق لم يكونوا كتابيين وإنما كانوا عبدة أوثان من العرب. واسترق الصحابة من سبي بني حنيفة ولم يكونوا كتابيين. قال ابن عباس رضي الله عنهما: خير رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأسرى بين الفداء والمن والقتل والاستعباد يفعل ما شاء  وهذا هو الحق الذي لا قول سواه.  [فصل حكمه صلى الله عليه وسلم في اليهود] فصل وحكم في اليهود بعدة قضايا فعاهدهم أول مقدمه المدينة ثم حاربه بنو قينقاع فظفر بهم ومن عليهم ثم حاربه بنو النضير فظفر بهم وأجلاهم ثم حاربه بنو قريظة فظفر بهم وقتلهم ثم حاربه أهل خيبر فظفر بهم وأقرهم في أرض خيبر ما شاء سوى من قتل منهم. ولما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة بأن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتغنم أموالهم أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن هذا حكم الله عز وجل من فوق سبع سماوات. وتضمن هذا الحكم: أن ناقضي العهد يسري نقضهم إلى نسائهم وذريتهم إذا كان نقضهم بالحرب ويعودون أهل حرب وهذا عين حكم الله عز وجل.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في فتح خيبر] حكم يومئذ بإقرار يهود فيها على شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع.(5\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1949",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10515",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحكم بقتل ابني أبي الحقيق لما نقضوا الصلح بينهم وبينه: على أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئا من أموالهم فكتموا وغيبوا وحكم بعقوبة المتهم بتغييب المال حتى أقر به وقد تقدم ذلك مستوفى في غزوة خيبر. وكانت لأهل الحديبية خاصة ولم يغب عنها إلا جابر بن عبد الله فقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمه.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في فتح مكة] حكم بأن من أغلق بابه أو دخل دار أبي سفيان أو دخل المسجد أو وضع السلاح فهو آمن وحكم بقتل نفر ستة منهم: مقيس بن صبابة وابن خطل ومغنيتان كانتا تغنيان بهجائه وحكم بأنه لا يجهز على جريح ولا يتبع مدبر ولا يقتل أسير ذكره أبو عبيد في quot; الأموال quot;. وحكم لخزاعة أن يبذلوا سيوفهم في بني بكر إلى صلاة العصر ثم قال لهم: quot; يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل quot;.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في قسمة الغنائم] حكم صلى الله عليه وسلم أن للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم هذا حكمه الثابت عنه في مغازيه كلها وبه أخذ جمهور الفقهاء.(5\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1950",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10516",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحكم أن السلب للقاتل. وأما حكمه بإخراج الخمس فقال ابن إسحاق: كانت الخيل يوم بني قريظة ستة وثلاثين فرسا وكان أول فيء وقعت فيه السهمان وأخرج منه الخمس ومضت به السنة ووافقه على ذلك القاضي إسماعيل بن إسحاق فقال إسماعيل: وأحسب أن بعضهم قال: ترك أمر الخمس بعد ذلك ولم يأت في ذلك من الحديث ما فيه بيان شاف وإنما جاء ذكر الخمس يقينا في غنائم حنين. وقال الواقدي: أول خمس خمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام نزلوا على حكمه فصالحهم على أن له أموالهم ولهم النساء والذرية وخمس أموالهم. وقال عبادة بن الصامت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر فلما هزم الله العدو تبعتهم طائفة يقتلونهم وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم وطائفة استولت على العسكر والغنيمة فلما رجع الذين طلبوهم قالوا: لنا النفل نحن طلبنا العدو وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن أحق به لأنا أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ينال العدو غرته وقال الذين استولوا على العسكر: هو لنا نحن حويناه. فأنزل الله عز وجل: يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول [الأنفال: 1] [الأنفال: 1] . فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بواء قبل أن ينزل: واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه [الأنفال: 41] [الأنفال: 41]  .(5\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1951",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10517",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال القاضي إسماعيل: إنما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أموال بني النضير بين المهاجرين وثلاثة من الأنصار: سهل بن حنيف وأبي دجانة والحارث بن الصمة لأن المهاجرين حين قدموا المدينة شاطرهم الأنصار ثمارهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئتم قسمت أموال بني النضير بينكم وبينهم وأقمتم على مواساتهم في ثماركم وإن شئتم أعطيناها للمهاجرين دونكم وقطعتم عنهم ما كنتم تعطونهم من ثماركم فقالوا: بل تعطيهم دوننا ونمسك ثمارنا فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين فاستغنوا بما أخذوا واستغنى الأنصار بما رجع إليهم من ثمارهم  وهؤلاء الثلاثة من الأنصار شكوا حاجة.(5\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1952",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10518",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل من ضرب له سهم ولم يحضر] فصل وكان طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد رضي الله عنهما بالشام لم يشهدا بدرا فقسم لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم سهميهما فقالا: وأجورنا يا رسول الله فقال: quot; وأجوركما quot;. وذكر ابن هشام وابن حبيب أن ( أبا لبابة والحارث بن حاطب وعاصم بن عدي خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فردهم وأمر أبا لبابة على المدينة وابن أم مكتوم على الصلاة وأسهم لهم ) . ( والحارث بن الصمة كسر بالروحاء فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه ) . قال ابن هشام: ( وخوات بن جبير ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه. ولم يختلف أحد أن عثمان بن عفان رضي الله عنه تخلف على امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب له بسهمه فقال: وأجري يا رسول الله قال: وأجرك )  قال ابن حبيب: وهذا خاص للنبي صلى الله عليه وسلم وأجمع المسلمون أن لا يقسم لغائب. قلت: وقد قال أحمد ومالك وجماعة من السلف والخلف: إن الإمام إذا بعث أحدا في مصالح الجيش فله سهمه. قال ابن حبيب: ( ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يسهم للنساء والصبيان والعبيد ولكن كان يحذيهم من الغنيمة ) .(5\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1953",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10519",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل ما يعدل البعير من الغنم والبقر] فصل وعدل في قسمة الإبل والغنم كل عشرة منها ببعير فهذا في التقويم وقسمة المال المشترك. وأما في الهدي فقد قال ( جابر: نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة ) . فهذا في الحديبية. وأما في حجة الوداع فقال ( جابر أيضا: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة )  وكلاهما في الصحيح. وفي quot; السنن quot; من حديث ابن عباس أن ( رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن علي بدنة وأنا موسر بها ولا أجدها فأشتريها فأمره أن يبتاع سبع شياه فيذبحهن ) .  [فصل هل السلب من الخمس] حكم النبي صلى الله عليه وسلم بالسلب كله للقاتل ولم يخمسه ولم يجعله من الخمس بل من أصل الغنيمة وهذا حكمه وقضاؤه. قال البخاري في quot; صحيحه quot;: السلب للقاتل إنما هو من غير الخمس وحكم به بشهادة واحد وحكم به بعد القتل فهذه أربعة أحكام تضمنها حكمه صلى الله عليه وسلم بالسلب لمن قتل قتيلا. وقال مالك وأصحابه: السلب لا يكون إلا من الخمس وحكمه حكم(5\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1954",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10520",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النفل قال مالك: ولم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك ولا فعله في غير يوم حنين ولا فعله أبو بكر ولا عمر رضي الله عنهما. قال ابن المواز: ولم يعط غير البراء بن مالك سلب قتيله وخمسه. قال أصحابه قال الله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه [الأنفال: 41] فجعل أربعة أخماس الغنيمة لمن غنمها فلا يجوز أن يؤخذ شيء مما جعله الله لهم بالاحتمال. وأيضا فلو كانت هذه الآية إنما هي في غير الأسلاب لم يؤخر النبي صلى الله عليه وسلم حكمها إلى حنين وقد نزلت في قصة بدر وأيضا إنما قال: ( من قتل قتيلا فله سلبه )  بعد أن برد القتال. ولو كان أمرا متقدما لعلمه أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد أكابر أصحابه وهو لم يطلبه حتى سمع منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك. قالوا: وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم أعطاه إياه بشهادة واحد بلا يمين فلو كان من رأس الغنيمة لم يخرج حق مغنم إلا بما تخرج به الأملاك من البينات أو شاهد ويمين. قالوا: وأيضا فلو وجب للقاتل ولم يجد بينة لكان يوقف كاللقطة ولا يقسم وهو إذا لم تكن بينة يقسم فخرج من معنى الملك ودل على أنه إلى اجتهاد الإمام يجعله من الخمس الذي يجعل في غيره هذا مجموع ما احتج به لهذا القول. قال الآخرون: قد قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله قبل حنين بستة أعوام فذكر البخاري في quot; صحيحه quot;: ( أن معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء الأنصاريين ضربا أبا جهل بن هشام يوم بدر بسيفيهما حتى قتلاه فانصرفا إلى(5\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1955",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10521",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال: أيكما قتله فقال كل واحد منهما: أنا قتلته فقال: هل مسحتما سيفيكما قالا: لا فنظر إلى السيفين فقال: كلاكما قتله وسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح )  وهذا يدل على أن كون السلب للقاتل أمر مقرر معلوم من أول الأمر وإنما تجدد يوم حنين الإعلام العام والمناداة به لا شرعيته. وأما قول ابن المواز: إن أبا بكر وعمر لم يفعلاه فجوابه من وجهين أحدهما: أن هذا شهادة على النفي فلا تسمع الثاني: أنه يجوز أن يكون ترك المناداة بذلك على عهدهما اكتفاء بما تقرر وثبت من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضائه وحتى لو صح عنهما ترك ذلك تركا صحيحا لا احتمال فيه لم يقدم على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما قوله: ولم يعط غير البراء بن مالك سلب قتيله فقد أعطى السلب لسلمة بن الأكوع ولمعاذ بن عمرو ولأبي طلحة الأنصاري قتل عشرين يوم حنين فأخذ أسلابهم وهذه كلها وقائع صحيحة معظمها في الصحيح فالشهادة على النفي لا تكاد تسلم من النقض. وأما قوله: quot; وخمسه quot; فهذا لم يحفظ به أثر البتة بل المحفوظ خلافه ففي quot; سنن أبي داود quot;: عن خالد ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخمس السلب ) . وأما قوله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه [الأنفال: 41] فهذا(5\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1956",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10522",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عام والحكم بالسلب للقاتل خاص ويجوز تخصيص عموم الكتاب بالسنة ونظائره معلومة ولا يمكن دفعها. وقوله: quot; لا يجعل شيء من الغنيمة لغير أهلها بالاحتمال quot; جوابه من وجهين أحدهما: أنا لم نجعل السلب لغير الغانمين. الثاني: إنما جعلناه للقاتل بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بالاحتمال ولم يؤخر النبي صلى الله عليه وسلم حكم الآية إلى يوم حنين كما ذكرتم بل قد حكم بذلك يوم بدر ولا يمنع كونه قاله بعد القتال من استحقاقه بالقتل. وأما كون أبي قتادة لم يطلبه حتى سمع منادي النبي صلى الله عليه وسلم يقوله فلا يدل على أنه لم يكن متقررا معلوما وإنما سكت عنه أبو قتادة لأنه لم يكن يأخذه بمجرد دعواه فلما شهد له به شاهد أعطاه. والصحيح أنه يكتفى في هذا بالشاهد الواحد ولا يحتاج إلى شاهد آخر ولا يمين كما جاءت به السنة الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها وقد تقدم هذا في موضعه. وأما قوله: quot; إنه لو كان للقاتل لوقف ولم يقسم كاللقطة quot; فجوابه أنه للغانمين وإنما للقاتل حق التقديم فإذا لم تعلم عين القاتل اشترك فيه الغانمون فإنه حقهم ولم يظهر مستحق التقديم منهم فاشتركوا فيه.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيما حازه المشركون من أموال المسلمين ثم ظهر عليه المسلمون أو أسلم عليه المشركون] في quot; البخاري quot;: أن فرسا لابن عمر رضي الله عنه ذهب وأخذه العدو فظهر عليه المسلمون فرد عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبق له عبد فلحق بالروم فظهر عليه المسلمون فرده عليه خالد في زمن أبي بكر رضي الله(5\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1957",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10523",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنه. وفي quot; سنن أبي داود quot;: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي رد عليه الغلام ) . وفي quot; المدونة quot; وquot; الواضحة quot; ( أن رجلا من المسلمين وجد بعيرا له في المغانم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن وجدته لم يقسم فخذه وإن وجدته قد قسم فأنت أحق به بالثمن إن أردته ) . وصح عنه: أن المهاجرين طلبوا منه دورهم يوم الفتح بمكة فلم يرد على أحد داره. ( وقيل له: أين تنزل غدا من دارك بمكة فقال: وهل ترك لنا عقيل منزلا )  وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وثب عقيل على رباع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فحازها كلها وحوى عليها ثم أسلم وهي في يده وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من أسلم على شيء فهو له وكان عقيل ورث أبا طالب ولم يرثه علي لتقدم إسلامه على موت أبيه ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ميراث من عبد المطلب فإن أباه عبد الله مات وأبوه عبد المطلب حي ثم مات عبد المطلب فورثه أولاده وهم أعمام النبي صلى الله عليه وسلم ومات أكثر أولاده ولم يعقبوا فحاز أبو طالب رباعه ثم مات فاستولى عليها عقيل دون علي لاختلاف الدين ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم فاستولى عقيل على داره فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وهل ترك لنا عقيل منزلا ) . وكان المشركون يعمدون إلى من هاجر من المسلمين ولحق بالمدينة فيستولون على داره وعقاره فمضت السنة أن الكفار المحاربين إذا أسلموا لم يضمنوا ما أتلفوه على المسلمين من نفس أو مال ولم يردوا عليهم أموالهم التي غصبوها عليهم بل من أسلم على شيء فهو له هذا حكمه وقضاؤه صلى الله عليه وسلم.(5\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1958",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10524",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيما كان يهدى إليه] كان أصحابه رضي الله عنهم يهدون إليه الطعام وغيره فيقبل منهم ويكافئهم أضعافها. وكانت الملوك تهدي إليه فيقبل هداياهم ويقسمها بين أصحابه ويأخذ منها لنفسه ما يختاره فيكون كالصفي الذي له من المغنم. وفي quot; صحيح البخاري quot;: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أهديت إليه أقبية ديباج مزررة بالذهب فقسمها في ناس من أصحابه وعزل منها واحدا لمخرمة بن نوفل فجاء ومعه المسور ابنه فقام على الباب فقال: ادعه لي فسمع النبي صلى الله عليه وسلم صوته فتلقاه به فاستقبله وقال: يا أبا المسور خبأت هذا لك ) . وأهدى له المقوقس مارية أم ولده وسيرين التي وهبها لحسان وبغلة شهباء وحمارا. وأهدى له النجاشي هدية فقبلها منه وبعث إليه هدية عوضها وأخبر أنه مات قبل أن تصل إليه وأنها ترجع فكان الأمر كما قال. وأهدى له فروة بن نفاثة الجذامي بغلة بيضاء ركبها يوم حنين ذكره مسلم.(5\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1959",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10525",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر البخاري: أن ملك أيلة أهدى له بغلة بيضاء فكساه رسول الله صلى الله عليه وسلم بردة وكتب له ببحرهم . وأهدى له أبو سفيان هدية فقبلها. وذكر أبو عبيد: ( أن عامر بن مالك ملاعب الأسنة أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم فرسا فرده وقال: إنا لا نقبل هدية مشرك وكذلك قال لعياض المجاشعي: إنا لا نقبل زبد المشركين )  يعني: رفدهم. قال أبو عبيد: وإنما قبل هدية أبي سفيان لأنها كانت في مدة الهدنة بينه وبين أهل مكة وكذلك المقوقس صاحب الإسكندرية إنما قبل هديته لأنه أكرم حاطب بن أبي بلتعة رسوله إليه وأقر بنبوته ولم يؤيسه من إسلامه ولم يقبل صلى الله عليه وسلم هدية مشرك محارب له قط.  [فصل حكم المهدى للأئمة] فصل وأما حكم هدايا الأئمة بعده فقال سحنون من أصحاب مالك: إذا أهدى أمير الروم هدية إلى الإمام فلا بأس بقبولها وتكون له خاصة وقال الأوزاعي: تكون للمسلمين ويكافئه عليها من بيت المال. وقال الإمام أحمد رحمه الله وأصحابه: ما أهداه الكفار للإمام أو لأمير الجيش أو قواده فهو غنيمة حكمها حكم الغنائم.(5\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1960",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10526",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في قسمة الأموال] الأموال التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسمها ثلاثة: الزكاة والغنائم والفيء. فأما الزكاة والغنائم فقد تقدم حكمهما وبينا أنه لم يكن يستوعب الأصناف الثمانية وأنه كان ربما وضعها في واحد. وأما حكمه في الفيء فثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قسم يوم حنين في المؤلفة قلوبهم من الفيء ولم يعط الأنصار شيئا فعتبوا عليه فقال لهم: ( ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير وتنطلقون برسول الله صلى الله عليه وسلم تقودونه إلى رحالكم فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به ) وقد تقدم ذكر القصة وفوائدها في موضعها. والقصة هنا أن الله سبحانه أباح لرسوله من الحكم في مال الفيء ما لم يبحه لغيره وفي quot; الصحيح quot; عنه صلى الله عليه وسلم: ( إني لأعطي أقواما وأدع غيرهم والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي ) . وفي quot; الصحيح quot; عنه ( إني لأعطي أقواما أخاف ظلعهم وجزعهم وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير منهم: عمرو بن تغلب) . قال عمرو بن تغلب: فما أحب أن لي بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حمر النعم .(5\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1961",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10527",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; الصحيح: ( أن عليا بعث إليه بذهيبة من اليمن فقسمها أرباعا فأعطى الأقرع بن حابس وأعطى زيد الخيل وأعطى علقمة بن علاثة وعيينة بن حصن فقام إليه رجل غائر العينين ناتئ الجبهة كث اللحية محلوق الرأس فقال: يا رسول الله اتق الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله! ) الحديث. وفي quot; السنن quot;: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع سهم ذي القربى في بني هاشم وفي بني المطلب وترك بني نوفل وبني عبد شمس فانطلق جبير بن مطعم وعثمان بن عفان إليه فقالا: يا رسول الله لا ننكر فضل بني هاشم لموضعهم منك فما بال إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام إنما نحن وهم شيء واحد وشبك بين أصابعه ) . وذكر بعض الناس أن هذا الحكم خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وأن سهم ذوي القربى يصرف بعده في بني عبد شمس وبني نوفل كما يصرف في بني هاشم وبني المطلب قال: لأن عبد شمس وهاشما والمطلب ونوفلا إخوة وهم أولاد عبد مناف. ويقال: إن عبد شمس وهاشما توأمان. والصواب: استمرار هذا الحكم النبوي وأن سهم ذوي القربى لبني هاشم وبني المطلب حيث خصه رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم وقول هذا القائل: إن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم باطل فإنه بين مواضع الخمس الذي جعله الله لذوي القربى فلا(5\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1962",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10528",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يتعدى به تلك المواضع ولا يقصر عنها ولكن لم يكن يقسمه بينهم على السواء بين أغنيائهم وفقرائهم ولا كان يقسمه قسمة الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين بل كان يصرفه فيهم بحسب المصلحة والحاجة فيزوج منه عزبهم ويقضي منه عن غارمهم ويعطي منه فقيرهم كفايته. وفي quot; سنن أبي داود quot;: عن ( علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ولاني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس الخمس فوضعته مواضعه حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياة أبي بكر رضي الله عنه وحياة عمر رضي الله عنه ) . وقد استدل به على أنه كان يصرف في مصارفه الخمسة ولا يقوى هذا الاستدلال إذ غاية ما فيه أنه صرفه في مصارفه التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرفه فيها ولم يعدها إلى سواها فأين تعميم الأصناف الخمسة به والذي يدل عليه هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحكامه أنه كان يجعل مصارف الخمس كمصارف الزكاة ولا يخرج بها عن الأصناف المذكورة لا أنه يقسمه بينهم كقسمة الميراث ومن تأمل سيرته وهديه حق التأمل لم يشك في ذلك. وفي quot; الصحيحين quot;: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ( كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ينفق منها على أهله نفقة سنة وفي لفظ: quot; يحبس لأهله قوت سنتهم ويجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله ) . وفي quot; السنن quot;: عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الفيء قسمه من يومه فأعطى الآهل حظين وأعطى العزب(5\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1963",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10529",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حظا . فهذا تفضيل منه للآهل بحسب المصلحة والحاجة وإن لم تكن زوجه من ذوي القربى. وقد اختلف الفقهاء في الفيء هل كان ملكا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يتصرف فيه كيف يشاء أو لم يكن ملكا له على قولين في مذهب أحمد وغيره. والذي تدل عليه سنته وهديه أنه كان يتصرف فيه بالأمر فيضعه حيث أمره الله ويقسمه على من أمر بقسمته عليهم فلم يكن يتصرف فيه تصرف المالك بشهوته وإرادته يعطي من أحب ويمنع من أحب وإنما كان يتصرف فيه تصرف العبد المأمور ينفذ ما أمره به سيده ومولاه فيعطي من أمر بإعطائه ويمنع من أمر بمنعه. وقد صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا فقال: ( والله إني لا أعطي أحدا ولا أمنعه إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت )  فكان عطاؤه ومنعه وقسمه بمجرد الأمر فإن الله سبحانه خيره بين أن يكون عبدا رسولا وبين أن يكون ملكا رسولا فاختار أن يكون عبدا رسولا. والفرق بينهما أن العبد الرسول لا يتصرف إلا بأمر سيده ومرسله والملك الرسول له أن يعطي من يشاء ويمنع من يشاء كما قال تعالى للملك الرسول سليمان: هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب [ص: 39] [ص: 39] . أي: أعط من شئت وامنع من شئت لا نحاسبك وهذه المرتبة هي التي عرضت على نبينا صلى الله عليه وسلم فرغب عنها إلى ما هو أعلى منها وهي مرتبة العبودية المحضة التي تصرف صاحبها فيها مقصور على أمر السيد في كل دقيق وجليل. والمقصود: أن تصرفه في الفيء بهذه المثابة فهو ملك يخالف حكم(5\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1964",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10530",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غيره من المالكين ولهذا كان ينفق مما أفاء الله عليه مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب على نفسه وأهله نفقة سنتهم ويجعل الباقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله عز وجل وهذا النوع من الأموال هو السهم الذي وقع بعده فيه من النزاع ما وقع إلى اليوم. فأما الزكوات والغنائم وقسمة المواريث فإنها معينة لأهلها لا يشركهم غيرهم فيها فلم يشكل على ولاة الأمر بعده من أمرها ما أشكل عليهم من الفيء ولم يقع فيها من النزاع ما وقع فيه ولولا إشكال أمره عليهم لما طلبت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثها من تركته وظنت أنه يورث عنه ما كان ملكا له كسائر المالكين وخفي عليها رضي الله عنها حقيقة الملك الذي ليس مما يورث عنه بل هو صدقة بعده ولما علم ذلك خليفته الراشد البار الصديق ومن بعده من الخلفاء الراشدين لم يجعلوا ما خلفه من الفيء ميراثا يقسم بين ورثته بل دفعوه إلى علي والعباس يعملان فيه عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تنازعا فيه وترافعا إلى أبي بكر الصديق وعمر ولم يقسم أحد منهما ذلك ميراثا ولا مكنا منه عباسا وعليا وقد قال الله تعالى: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب - للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون - والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم [الحشر: 7 - 9] إلى قوله: والذين جاءوا من بعدهم [الحشر: 10] إلى آخر الآية [الحشر: 7 - 10] . فأخبر سبحانه أن ما أفاء على رسوله بجملته لمن ذكر في هذه الآيات ولم يخص منه خمسه بالمذكورين بل عمم وأطلق واستوعب. ويصرف على المصارف الخاصة وهم أهل الخمس ثم على المصارف العامة وهم المهاجرون والأنصار وأتباعهم إلى(5\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1965",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10531",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يوم الدين. فالذي عمل به هو وخلفاؤه الراشدون هو المراد من هذه الآيات ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما رواه أحمد رحمه الله وغيره عنه: (ما أحد أحق بهذا المال من أحد وما أنا أحق به من أحد والله ما من المسلمين أحد إلا وله في هذا المال نصيب إلا عبد مملوك ولكنا على منازلنا من كتاب الله وقسمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فالرجل وبلاؤه في الإسلام والرجل وقدمه في الإسلام والرجل وغناؤه في الإسلام والرجل وحاجته ووالله لئن بقيت لهم ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو يرعى مكانه) . فهؤلاء المسمون في آية الفيء هم المسمون في آية الخمس ولم يدخل المهاجرون والأنصار وأتباعهم في آية الخمس لأنهم المستحقون لجملة الفيء وأهل الخمس لهم استحقاقان: استحقاق خاص من الخمس واستحقاق عام من جملة الفيء فإنهم داخلون في النصيبين. وكما أن قسمته من جملة الفيء بين من جعل له ليس قسمة الأملاك التي يشترك فيها المالكون كقسمة المواريث والوصايا والأملاك المطلقة بل بحسب الحاجة والنفع والغناء في الإسلام والبلاء فيه فكذلك قسمة الخمس في أهله فإن مخرجهما واحد في كتاب الله والتنصيص على الأصناف الخمسة يفيد تحقيق إدخالهم وأنهم لا يخرجون من أهل الفيء بحال وأن الخمس لا يعدوهم إلى غيرهم كأصناف الزكاة لا تعدوهم إلى غيرهم كما أن الفيء العام في آية الحشر للمذكورين فيها لا يتعداهم إلى غيرهم ولهذا أفتى أئمة الإسلام كمالك والإمام أحمد وغيرهما أن الرافضة لا حق لهم في الفيء لأنهم ليسوا من المهاجرين ولا من الأنصار ولا من الذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذي سبقونا بالإيمان وهذا مذهب أهل المدينة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وعليه يدل القرآن وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين.(5\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1966",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10532",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد اختلف الناس في آية الزكاة وآية الخمس فقال الشافعي: تجب قسمة الزكاة والخمس على الأصناف كلها ويعطي من كل صنف من يطلق عليه اسم الجمع. وقال مالك رحمه الله وأهل المدينة: بل يعطي في الأصناف المذكورة فيهما ولا يعدوهم إلى غيرهم ولا تجب قسمة الزكاة ولا الفيء في جميعهم. وقال الإمام أحمد وأبو حنيفة: بقول مالك رحمهم الله في آية الزكاة وبقول الشافعي رحمه الله في آية الخمس. ومن تأمل النصوص وعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه وجده يدل على قول أهل المدينة فإن الله سبحانه جعل أهل الخمس هم أهل الفيء وعينهم اهتماما بشأنهم وتقديما لهم ولما كانت الغنائم خاصة بأهلها لا يشركهم فيها سواهم نص على خمسها لأهل الخمس ولما كان الفيء لا يختص بأحد دون أحد جعل جملته لهم وللمهاجرين والأنصار وتابعيهم فسوى بين الخمس وبين الفيء في المصرف وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف سهم الله وسهمه في مصالح الإسلام وأربعة أخماس الخمس في أهلها مقدما للأهم فالأهم والأحوج فالأحوج فيزوج منه عزابهم ويقضي منه ديونهم ويعين ذا الحاجة منهم ويعطي عزبهم حظا ومتزوجهم حظين ولم يكن هو ولا أحد من خلفائه يجمعون اليتامى والمساكين وأبناء السبيل وذوي القربى ويقسمون أربعة أخماس الفيء بينهم على السوية ولا على التفضيل كما لم يكونوا يفعلون ذلك في الزكاة فهذا هديه وسيرته وهو فصل الخطاب ومحض الصواب.(5\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1967",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10533",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الوفاء بالعهد لعدوه وفي رسلهم أن لا يقتلوا ولا يحبسوا]  وفي النبذ إلى من عاهده على سواء إذا خاف منه نقض العهد ثبت عنه أنه قال لرسولي مسيلمة الكذاب لما قالا: نقول إنه رسول الله: ( لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما ) . وثبت عنه أنه (قال لأبي رافع وقد أرسلته إليه قريش فأراد المقام عنده وأنه لا يرجع إليهم فقال: إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد ولكن ارجع إلى قومك فإن كان في نفسك الذي فيها الآن فارجع ) . وثبت عنه أنه ( رد إليهم أبا جندل للعهد الذي كان بينه وبينهم أن يرد إليهم من جاءه منهم مسلما ) ولم يرد النساء وجاءت سبيعة الأسلمية مسلمة فخرج زوجها في طلبها فأنزل الله عز وجل: ياأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار [الممتحنة: 10] الآية [الممتحنة: 10]  فاستحلفها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يخرجها إلا الرغبة في الإسلام وأنها لم تخرج لحدث أحدثته في قومها ولا بغضا لزوجها فحلفت فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجها مهرها ولم يردها عليه. فهذا حكمه الموافق لحكم الله ولم يجئ شيء ينسخه البتة. ومن زعم أنه منسوخ فليس(5\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1968",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10534",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بيده إلا الدعوى المجردة وقد تقدم بيان ذلك في قصة الحديبية. وقال تعالى: وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين [الأنفال: 58] [الأنفال: 58] . وقال صلى الله عليه وسلم: ( من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدا ولا يشدنه حتى يمضي أمده أو ينبذ إليهم على سواء )  قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ( ولما أسرت قريش حذيفة بن اليمان وأباه أطلقوهما وعاهدوهما أن لا يقاتلاهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا خارجين إلى بدر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انصرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم ) .  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الأمان الصادر من الرجال والنساء] ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ) . وثبت عنه أنه ( أجار رجلين أجارتهما أم هانئ ابنة عمه )  وثبت عنه أنه(5\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1969",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10535",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( أجار أبا العاص بن الربيع لما أجارته ابنته زينب ثم قال: يجير على المسلمين أدناهم ) . وفي حديث آخر: ( يجير على المسلمين أدناهم ويرد عليهم أقصاهم ) . فهذه أربع قضايا كلية أحدها: تكافؤ دمائهم وهو يمنع قتل مسلمهم بكافرهم. والثانية: أنه يسعى بذمتهم أدناهم وهو يوجب قبول أمان المرأة والعبد. وقال ابن الماجشون: لا يجوز الأمان إلا لوالي الجيش أو والي السرية. قال ابن شعبان: وهذا خلاف قول الناس كلهم. والثالثة: أن المسلمين يد على من سواهم وهذا يمنع من تولية الكفار شيئا من الولايات فإن للوالي يدا على المولى عليه. والرابعة: أنه يرد عليهم أقصاهم وهذا يوجب أن السرية إذا غنمت غنيمة بقوة جيش الإسلام كانت لهم وللقاصي من الجيش إذ بقوته غنموها وأن ما صار في بيت المال من الفيء كان لقاصيهم ودانيهم وإن كان سبب أخذه دانيهم فهذه الأحكام وغيرها مستفادة من كلماته الأربعة صلوات الله وسلامه عليه.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الجزية ومقدارها وممن تقبل] [الأمر بأخذ الجزية] قد تقدم أن أول ما بعث الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وسلم الدعوة إليه بغير قتال ولا جزية فأقام على ذلك بضع عشرة سنة بمكة ثم أذن له في القتال لما هاجر من(5\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1970",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10536",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غير فرض له ثم أمره بقتال من قاتله والكف عمن لم يقاتله ثم لما نزلت (براءة) سنة ثمان أمره بقتال جميع من لم يسلم من العرب: من قاتله أو كف عن قتاله إلا من عاهده ولم ينقصه من عهده شيئا فأمره أن يفي له بعهده ولم يأمره بأخذ الجزية من المشركين وحارب اليهود مرارا ولم يؤمر بأخذ الجزية منهم. ثم أمره بقتال أهل الكتاب كلهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية فامتثل أمر ربه فقاتلهم فأسلم بعضهم وأعطى بعضهم الجزية واستمر بعضهم على محاربته فأخذها صلى الله عليه وسلم من أهل نجران وأيلة وهم من نصارى العرب ومن أهل دومة الجندل وأكثرهم عرب وأخذها من المجوس ومن أهل الكتاب باليمن وكانوا يهودا. ولم يأخذها من مشركي العرب فقال أحمد والشافعي: لا تؤخذ إلا من الطوائف الثلاث التي أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم وهم: اليهود والنصارى والمجوس. ومن عداهم فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل. وقالت طائفة: في الأمم كلها إذا بذلوا الجزية قبلت منهم أهل الكتابين بالقرآن والمجوس بالسنة ومن عداهم ملحق بهم لأن المجوس أهل شرك لا كتاب لهم فأخذها منهم دليل على أخذها من جميع المشركين وإنما لم يأخذها صلى الله عليه وسلم من عبدة الأوثان من العرب لأنهم أسلموا كلهم قبل نزول آية الجزية فإنها نزلت بعد تبوك وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فرغ من قتال العرب واستوثقت كلها له بالإسلام ولهذا لم يأخذها من اليهود الذين حاربوه لأنها لم تكن نزلت بعد فلما نزلت أخذها من نصارى العرب ومن المجوس ولو بقي حينئذ أحد من عبدة الأوثان بذلها لقبلها منه كما قبلها من عبدة الصلبان والنيران ولا فرق ولا تأثير لتغليظ كفر بعض الطوائف على بعض ثم إن كفر عبدة الأوثان ليس أغلظ من كفر المجوس وأي فرق بين عبدة الأوثان والنيران بل كفر المجوس أغلظ وعباد الأوثان كانوا يقرون بتوحيد الربوبية وأنه لا خالق إلا الله وأنهم إنما يعبدون آلهتهم لتقربهم إلى الله سبحانه وتعالى ولم يكونوا يقرون بصانعين للعالم أحدهما: خالق للخير(5\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1971",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10537",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والآخر للشر كما تقوله المجوس ولم يكونوا يستحلون نكاح الأمهات والبنات والأخوات وكانوا على بقايا من دين إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه. وأما المجوس فلم يكونوا على كتاب أصلا ولا دانوا بدين أحد من الأنبياء لا في عقائدهم ولا في شرائعهم والأثر الذي فيه أنه كان لهم كتاب فرفع ورفعت شريعتهم لما وقع ملكهم على ابنته لا يصح البتة ولو صح لم يكونوا بذلك من أهل الكتاب فإن كتابهم رفع وشريعتهم بطلت فلم يبقوا على شيء منها. ومعلوم أن العرب كانوا على دين إبراهيم عليه السلام وكان له صحف وشريعة وليس تغيير عبدة الأوثان لدين إبراهيم عليه السلام وشريعته بأعظم من تغيير المجوس لدين نبيهم وكتابهم لو صح فإنه لا يعرف عنهم التمسك بشيء من شرائع الأنبياء عليهم الصلوات والسلام بخلاف العرب فكيف يجعل المجوس الذين دينهم أقبح الأديان أحسن حالا من مشركي العرب وهذا القول أصح في الدليل كما ترى. وفرقت طائفة ثالثة بين العرب وغيرهم فقالوا: تؤخذ من كل كافر إلا مشركي العرب. ورابعة: فرقت بين قريش وغيرهم وهذا لا معنى له فإن قريشا لم يبق فيهم كافر يحتاج إلى قتاله وأخذ الجزية منه البتة وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل هجر وإلى المنذر بن ساوى وإلى ملوك الطوائف يدعوهم إلى الإسلام أو الجزية ولم يفرق بين عربي وغيره. وأما حكمه في قدرها فإنه بعث معاذا إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو قيمته معافر  وهي ثياب معروفة باليمن. ثم زاد فيها عمر(5\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1972",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10538",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رضي الله عنه فجعلها أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعين درهما على أهل الورق في كل سنة فرسول الله صلى الله عليه وسلم علم ضعف أهل اليمن وعمر رضي الله عنه علم غنى أهل الشام وقوتهم.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الهدنة وما ينقضها] ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه صالح أهل مكة على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين ودخل حلفاؤهم من بني بكر معهم وحلفاؤه من خزاعة معه فعدت حلفاء قريش على حلفائه فغدروا بهم فرضيت قريش ولم تنكره فجعلهم بذلك ناقضين للعهد واستباح غزوهم من غير نبذ عهدهم إليهم لأنهم صاروا محاربين له ناقضين لعهده برضاهم وإقرارهم لحلفائهم على الغدر بحلفائه وألحق ردأهم في ذلك بمباشرهم. وثبت عنه أنه صالح اليهود وعاهدهم لما قدم المدينة فغدروا به ونقضوا عهده مرارا وكل ذلك يحاربهم ويظفر بهم وآخر ما صالح يهود خيبر على أن الأرض له ويقرهم فيها عمالا له ما شاء وكان هذا الحكم منه فيهم حجة على جواز صلح الإمام لعدوه ما شاء من المدة فيكون العقد جائزا له فسخه متى شاء وهذا هو الصواب وهو موجب حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ناسخ له.(5\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1973",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10539",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل ما كان في صلحه لأهل مكة من دخول بعضهم في عهده صلى الله عليه وسلم] فصل وكان في صلحه لأهل مكة أن من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده دخل ومن أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدهم دخل وأن من جاءهم من عنده لا يردونه إليه ومن جاءه منهم رده إليهم وأنه يدخل العام القابل إلى مكة فيخلونها له ثلاثا ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح وقد تقدم ذكر هذه القصة وفقهها في موضعه.(5\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1974",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10540",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[ذكر أقضيته وأحكامه صلى الله عليه وسلم في النكاح وتوابعه] [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الثيب والبكر يزوجهما أبوهما] فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الثيب والبكر يزوجهما أبوهما ثبت عنه في quot; الصحيحين quot;: ( أن خنساء بنت خدام زوجها أبوها وهي كارهة وكانت ثيبا فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها ) . وفي quot; السنن quot;: من حديث ابن عباس: ( أن جارية بكرا أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم ) . وهذه غير خنساء(5\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1975",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10541",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهما قضيتان قضى في إحداهما بتخيير الثيب وقضى في الأخرى بتخيير البكر. وثبت عنه في quot; الصحيح quot; أنه قال: ( لا تنكح البكر حتى تستأذن قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها قال: أن تسكت ) . وفي quot; صحيح مسلم quot;: ( البكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها ) . وموجب هذا الحكم أنه لا تجبر البكر البالغ على النكاح ولا تزوج إلا برضاها وهذا قول جمهور السلف ومذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات عنه وهو القول الذي ندين الله به ولا نعتقد سواه وهو الموافق لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره ونهيه وقواعد شريعته ومصالح أمته. أما موافقته لحكمه فإنه حكم بتخيير البكر الكارهة وليس رواية هذا الحديث مرسلة بعلة فيه فإنه قد روي مسندا ومرسلا فإن قلنا بقول الفقهاء: إن الاتصال زيادة ومن وصله مقدم على من أرسله فظاهر وهذا تصرفهم في غالب الأحاديث فما بال هذا خرج عن حكم أمثاله وإن حكمنا بالإرسال كقول كثير من المحدثين فهذا مرسل قوي قد عضدته الآثار الصحيحة الصريحة والقياس وقواعد الشرع كما سنذكره فيتعين القول به.(5\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1976",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10542",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما موافقة هذا القول لأمره فإن قال: quot; والبكر تستأذن quot; وهذا أمر مؤكد لأنه ورد بصيغة الخبر الدال على تحقق المخبر به وثبوته ولزومه والأصل في أوامره صلى الله عليه وسلم أن تكون للوجوب ما لم يقم إجماع على خلافه. وأما موافقته لنهيه فلقوله: ( لا تنكح البكر حتى تستأذن ) فأمر ونهى وحكم بالتخيير وهذا إثبات للحكم بأبلغ الطرق. وأما موافقته لقواعد شرعه فإن البكر البالغة العاقلة الرشيدة لا يتصرف أبوها في أقل شيء من مالها إلا برضاها ولا يجبرها على إخراج اليسير منه بدون رضاها فكيف يجوز أن يرقها ويخرج بضعها منها بغير رضاها إلى من يريده هو وهي من أكره الناس فيه أبغض شيء إليها ومع هذا فينكحها إياه قهرا بغير رضاها إلى من يريده ويجعلها أسيرة عنده كما قال النبي: ( اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم ) أي: أسرى ومعلوم أن إخراج مالها كله بغير رضاها أسهل عليها من تزويجها بمن لا تختاره بغير رضاها ولقد أبطل من قال: إنها إذا عينت كفئا تحبه وعين أبوها كفئا فالعبرة بتعيينه ولو كان بغيضا إليها قبيح الخلقة. وأما موافقته لمصالح الأمة فلا يخفى مصلحة البنت في تزويجها بمن تختاره وترضاه وحصول مقاصد النكاح لها به وحصول ضد ذلك بمن تبغضه وتنفر عنه فلو لم تأت السنة الصريحة بهذا القول لكان القياس الصحيح وقواعد الشريعة لا تقتضي غيره وبالله التوفيق. فإن قيل: فقد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفرق بين البكر والثيب وقال: ( ولا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن )  وقال: ( الأيم أحق بنفسها(5\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1977",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10543",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من وليها والبكر يستأذنها أبوها ) فجعل الأيم أحق بنفسها من وليها فعلم أن ولي البكر أحق بها من نفسها وإلا لم يكن لتخصيص الأيم بذلك معنى. وأيضا فإنه فرق بينهما في صفة الإذن فجعل إذن الثيب النطق وإذن البكر الصمت وهذا كله يدل على عدم اعتبار رضاها وأنها لا حق لها مع أبيها. فالجواب: أنه ليس في ذلك ما يدل على جواز تزويجها بغير رضاها مع بلوغها وعقلها ورشدها وأن يزوجها بأبغض الخلق إليها إذا كان كفئا والأحاديث التي احتججتم بها صريحة في إبطال هذا القول وليس معكم أقوى من قوله: ( الأيم أحق بنفسها من وليها ) هذا إنما يدل بطريق المفهوم ومنازعوكم ينازعونكم في كونه حجة ولو سلم أنه حجة فلا يجوز تقديمه على المنطوق الصريح وهذا أيضا إنما يدل إذا قلت: إن للمفهوم عموما والصواب أنه لا عموم له إذ دلالته ترجع إلى أن التخصيص بالمذكور لا بد له من فائدة وهي نفي الحكم عما عداه ومعلوم أن انقسام ما عداه إلى ثابت الحكم ومنتفيه فائدة وأن إثبات حكم آخر للمسكوت عنه فائدة وإن لم يكن ضد حكم المنطوق وأن تفصيله فائدة كيف وهذا مفهوم مخالف للقياس الصريح بل قياس الأولى كما تقدم ويخالف النصوص المذكورة. وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: ( والبكر يستأذنها أبوها ) عقيب قوله: ( الأيم أحق بنفسها من وليها ) قطعا لتوهم هذا القول وأن البكر تزوج بغير رضاها ولا إذنها فلا حق لها في نفسها البتة فوصل إحدى الجملتين بالأخرى دفعا لهذا التوهم. ومن المعلوم أنه لا يلزم من كون الثيب أحق بنفسها من وليها أن لا يكون للبكر في نفسها حق البتة. وقد اختلف الفقهاء في مناط الإجبار على ستة أقوال.(5\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1978",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10544",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها: أنه يجبر بالبكارة وهو قول الشافعي ومالك وأحمد في رواية. الثاني: أنه يجبر بالصغر وهو قول أبي حنيفة وأحمد في الرواية الثانية. الثالث: أنه يجبر بهما معا وهو الرواية الثالثة عن أحمد. الرابع: أنه يجبر بأيهما وجد وهو الرواية الرابعة عنه. الخامس: أنه يجبر بالإيلاد فتجبر الثيب البالغ حكاه القاضي إسماعيل عن الحسن البصري قال: وهو خلاف الإجماع. قال: وله وجه حسن من الفقه فيا ليت شعري ما هذا الوجه الأسود المظلم! . السادس: أنه يجبر من يكون في عياله ولا يخفى عليك الراجح من هذه المذاهب.  [فصل إذن البكر الصمات وإذن الثيب الكلام] فصل وقضى صلى الله عليه وسلم بأن إذن البكر الصمات وإذن الثيب الكلام فإن نطقت البكر بالإذن بالكلام فهو آكد وقال ابن حزم: لا يصح أن تزوج إلا بالصمات وهذا هو اللائق بظاهريته.  [فصل جواز نكاح اليتيمة قبل البلوغ] فصل وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اليتيمة تستأمر في نفسها ولا يتم بعد احتلام فدل ذلك على جواز نكاح اليتيمة قبل البلوغ وهذا مذهب عائشة رضي الله عنها وعليه يدل القرآن والسنة وبه قال أحمد وأبو حنيفة وغيرهما. قال تعالى: ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن [النساء: 127](5\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1979",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10545",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[النساء: 127] . (قالت عائشة رضي الله عنها: هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في نكاحها ولا يقسط لها سنة صداقها فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن سنة صداقهن) . وفي السنن الأربعة عنه صلى الله عليه وسلم: ( اليتيمة تستأمر في نفسها فإن صمتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز عليها ) .  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في النكاح بلا ولي] في quot; السنن quot; عنه من حديث عائشة رضي الله عنها: ( أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل فإن أصابها فلها مهرها بما أصاب منها فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له ) . قال الترمذي: حديث حسن. وفي السنن الأربعة عنه: ( لا نكاح إلا بولي ) .(5\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1980",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10546",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيها عنه: ( لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها ) .  [فصل إذا زوج المرأة الوليان فهي للأول منهما] فصل وحكم أن المرأة إذا زوجها الوليان فهي للأول منهما وأن الرجل إذا باع للرجلين فالبيع للأول منهما.  [فصل في قضائه في نكاح التفويض] ثبت عنه أنه ( قضى في رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل(5\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1981",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10547",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بها حتى مات أن لها مهر مثلها ولا وكس ولا شطط ولها الميراث وعليها العدة أربعة أشهر وعشرا ) . وفي quot; سنن أبي داود quot; عنه أنه ( قال لرجل: أترضى أن أزوجك فلانة قال: نعم وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلانا قالت: نعم فزوج أحدهما صاحبه فدخل بها الرجل ولم يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا فلما كان عند موته عوضها من صداقها سهما له بخيبر ) . وقد تضمنت هذه الأحكام جواز النكاح من غير تسمية صداق وجواز الدخول قبل التسمية واستقرار مهر المثل بالموت وإن لم يدخل بها ووجوب عدة الوفاة بالموت وإن لم يدخل بها الزوج وبهذا أخذ ابن مسعود وفقهاء العراق وعلماء الحديث منهم: أحمد والشافعي في أحد قوليه.(5\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1982",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10548",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(وقال علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت رضي الله عنهما: لا صداق لها) وبه أخذ أهل المدينة ومالك والشافعي في قوله الآخر. وتضمنت جواز تولي الرجل طرفي العقد كوكيل من الطرفين أو ولي فيهما أو ولي وكله الزوج أو زوج وكله الولي ويكفي أن يقول: زوجت فلانا فلانة مقتصرا على ذلك أو تزوجت فلانة إذا كان هو الزوج وهذا ظاهر مذهب أحمد. وعنه رواية ثانية: لا يجوز ذلك إلا للولي المجبر كمن زوج أمته أو ابنته المجبرة بعبده المجبر ووجه هذه الرواية أنه لا يعتبر رضى واحد من الطرفين. وفي مذهبه قول ثالث: أنه يجوز ذلك إلا للزوج خاصة فإنه لا يصح منه تولي الطرفين لتضاد أحكام الطرفين فيه.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيمن تزوج امرأة فوجدها في الحبل] في quot; السنن quot; وquot; المصنف quot;: عن سعيد بن المسيب عن بصرة بن أكثم قال: تزوجت امرأة بكرا في سترها فدخلت عليها فإذا هي حبلى فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لها الصداق بما استحللت من فرجها والولد عبد لك وإذا ولدت فاجلدوها) وفرق بينهما .(5\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1983",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10549",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد تضمن هذا الحكم بطلان نكاح الحامل من زنى وهو قول أهل المدينة والإمام أحمد وجمهور الفقهاء ووجوب المهر المسمى في النكاح الفاسد وهذا هو الصحيح من الأقوال الثلاثة. والثاني: يجب مهر المثل وهو قول الشافعي رحمه الله. والثالث: يجب أقل الأمرين. وتضمنت وجوب الحد بالحبل وإن لم تقم بينة ولا اعتراف والحبل من أقوى البينات وهذا مذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأهل المدينة وأحمد في إحدى الروايتين عنه. وأما حكمه بكون الولد عبدا للزوج فقد قيل: إنه لما كان ولد زنى لا أب له وقد غرته من نفسها وغرم صداقها أخدمه ولدها وجعله له بمنزلة العبد لا أنه أرقه فإنه انعقد حرا تبعا لحرية أمه وهذا محتمل ويحتمل أن يكون أرقه عقوبة لأمه على زناها وتغريرها للزوج ويكون هذا خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبذلك الولد لا يتعدى الحكم إلى غيره ويحتمل أن يكون هذا منسوخا. وقد قيل: إنه(5\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1984",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10550",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان في أول الإسلام يسترق الحر في الدين وعليه حمل بيعه - صلى الله عليه وسلم - لسرق في دينه. والله أعلم.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الشروط في النكاح] في quot; الصحيحين quot; عنه: ( إن أحق الشروط أن توفوا ما استحللتم به الفروج ) . وفيهما عنه: ( لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ولتنكح فإنما لها ما قدر لها ) . وفيهما: أنه ( نهى أن تشترط المرأة طلاق أختها ) . وفي quot; مسند أحمد quot;: عنه ( لا يحل أن تنكح امرأة بطلاق أخرى ) فتضمن هذا الحكم وجوب الوفاء بالشروط التي شرطت في العقد إذا لم تتضمن تغييرا لحكم الله ورسوله. وقد اتفق على وجوب الوفاء بتعجيل المهر أو تأجيله والضمين والرهن به ونحو ذلك وعلى عدم الوفاء باشتراط ترك الوطء والإنفاق والخلو عن المهر ونحو ذلك.(5\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1985",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10551",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واختلف في شرط الإقامة في بلد الزوجة وشرط دار الزوجة وأن لا يتسرى عليها ولا يتزوج عليها فأوجب أحمد وغيره الوفاء به ومتى لم يف به فلها الفسخ عند أحمد. واختلف في اشتراط البكارة والنسب والجمال والسلامة من العيوب التي لا يفسخ بها النكاح وهل يؤثر عدمها في فسخه على ثلاثة أقوال. ثالثها: الفسخ عند عدم النسب خاصة. وتضمن حكمه صلى الله عليه وسلم بطلان اشتراط المرأة طلاق أختها وأنه لا يجب الوفاء به فإن قيل: فما الفرق بين هذا وبين اشتراطها أن لا يتزوج عليها حتى صححتم هذا وأبطلتم شرط طلاق الضرة قيل: الفرق بينهما أن في اشتراط طلاق الزوجة من الإضرار بها وكسر قلبها وخراب بيتها وشماتة أعدائها ما ليس في اشتراط عدم نكاحها ونكاح غيرها وقد فرق النص بينهما فقياس أحدهما على الآخر فاسد.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في نكاح الشغار والمحلل والمتعة ونكاح المحرم ونكاح الزانية] أما الشغار فصح النهي عنه من حديث ابن عمر وأبي هريرة ومعاوية. وفي quot; صحيح مسلم quot;: عن ابن عمر مرفوعا ( لا شغار في الإسلام ) . وفي حديث ابن عمر ( والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق ) .(5\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1986",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10552",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي حديث أبي هريرة: ( والشغار: أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي أو زوجني أختك وأزوجك أختي ) . وفي حديث معاوية: أن العباس بن عبد الله بن عباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته وأنكحه عبد الرحمن ابنته وكانا جعلا صداقا فكتب معاوية رضي الله عنه إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما وقال: ( هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . فاختلف الفقهاء في ذلك فقال الإمام أحمد: الشغار الباطل أن يزوجه وليته على أن يزوجه الآخر وليته ولا مهر بينهما على حديث ابن عمر فإن سموا مع ذلك مهرا صح العقد بالمسمى عنده. وقال الخرقي: لا يصح ولو سموا مهرا على حديث معاوية. وقال أبو البركات ابن تيمية وغيره من أصحاب أحمد: إن سموا مهرا وقالوا: مع ذلك بضع كل واحدة مهر الأخرى لم يصح وإن لم يقولوا ذلك صح. واختلف في علة النهي فقيل: هي جعل كل واحد من العقدين شرطا في الآخر وقيل: العلة التشريك في البضع وجعل بضع كل واحدة مهرا للأخرى وهي لا تنتفع به فلم يرجع إليها المهر بل عاد المهر إلى الولي وهو ملكه لبضع زوجته بتمليكه لبضع موليته وهذا ظلم لكل واحدة من المرأتين وإخلاء لنكاحهما عن مهر تنتفع به وهذا هو الموافق للغة العرب فإنهم يقولون: بلد شاغر من أمير ودار شاغرة من أهلها: إذا خلت وشغر الكلب: إذا رفع رجله وأخلى مكانها. فإذا سموا مهرا مع ذلك زال المحذور ولم يبق إلا اشتراط كل(5\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1987",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10553",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحد على الآخر شرطا لا يؤثر في فساد العقد فهذا منصوص أحمد. وأما من فرق فقال: إن قالوا مع التسمية: إن بضع كل واحدة مهر للأخرى فسد لأنها لم يرجع إليها مهرها وصار بضعها لغير المستحق وإن لم يقولوا ذلك صح والذي يجيء على أصله أنهم متى عقدوا على ذلك وإن لم يقولوه بألسنتهم أنه لا يصح لأن القصود في العقود معتبرة والمشروط عرفا كالمشروط لفظا فيبطل العقد بشرط ذلك والتواطؤ عليه ونيته فإن سمى لكل واحدة مهر مثلها صح وبهذا تظهر حكمة النهي واتفاق الأحاديث في هذا الباب.  [فصل نكاح التحليل] فصل وأما نكاح المحلل ففي quot; المسند quot; والترمذي من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له ) . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي quot; المسند quot;: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: ( لعن الله المحلل والمحلل له ) وإسناده حسن. وفيه عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. وفي quot; سنن ابن ماجه quot;: من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال(5\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1988",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10554",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ألا أخبركم بالتيس المستعار قالوا: بلى يا رسول الله قال: هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له ) . فهؤلاء الأربعة من سادات الصحابة رضي الله عنهم وقد شهدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلعنه أصحاب التحليل وهم: المحلل والمحلل له وهذا إما خبر عن الله فهو خبر صدق وإما دعاء فهو دعاء مستجاب قطعا وهذا يفيد أنه من الكبائر الملعون فاعلها ولا فرق عند أهل المدينة وأهل الحديث وفقهائهم بين اشتراط ذلك بالقول أو بالتواطؤ والقصد فإن القصود في العقود عندهم معتبرة والأعمال بالنيات والشرط المتواطأ عليه الذي دخل عليه المتعاقدان كالملفوظ عندهم والألفاظ لا تراد لعينها بل للدلالة على المعاني فإذ ظهرت المعاني والمقاصد فلا عبرة بالألفاظ لأنها وسائل وقد تحققت غاياتها فترتبت عليها أحكامها.  [فصل النهي عن نكاح المتعة] فصل وأما نكاح المتعة فثبت عنه أنه أحلها عام الفتح وثبت عنه أنه نهى عنها عام الفتح واختلف هل نهى عنها يوم خيبر على قولين والصحيح: أن النهي إنما كان عام الفتح وأن النهي يوم خيبر إنما كان عن الحمر الأهلية وإنما قال علي لابن عباس: ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن متعة النساء ونهى عن(5\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1989",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10555",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحمر الأهلية ) محتجا عليه في المسألتين فظن بعض الرواة أن التقييد بيوم خيبر راجع إلى الفصلين فرواه بالمعنى ثم أفرد بعضهم أحد الفصلين وقيده بيوم خيبر وقد تقدم بيان المسألة في غزاة الفتح. وظاهر كلام ابن مسعود إباحتها فإن في quot; الصحيحين quot; عنه: ( كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا نساء فقلنا: يا رسول الله ألا نستخصي فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا بعد أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ عبد الله ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين [المائدة: 87]  ) [المائدة: 87] ولكن في quot; الصحيحين quot;: عن علي رضي الله عنه ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم متعة النساء ) . وهذا التحريم إنما كان بعد الإباحة وإلا لزم منه النسخ مرتين ولم يحتج به على علي ابن عباس رضي الله عنهم ولكن النظر: هل هو تحريم بتات أو تحريم مثل تحريم الميتة والدم وتحريم نكاح الأمة فيباح عند الضرورة وخوف العنت هذا هو الذي لحظه ابن عباس وأفتى بحلها للضرورة فلما توسع الناس فيها ولم يقتصروا على موضع الضرورة أمسك عن فتياه ورجع عنها.  [فصل نكاح المحرم في حج أو عمرة] وأما نكاح المحرم فثبت عنه في quot; صحيح مسلم quot; من رواية عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا ينكح المحرم ولا ينكح ) . واختلف عنه صلى الله عليه وسلم هل تزوج ميمونة حلالا أو حراما فقال ابن عباس:(5\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1990",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10556",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تزوجها محرما وقال أبو رافع: تزوجها حلالا وكنت الرسول بينهما. وقول أبي رافع أرجح لعدة أوجه. أحدها: أنه إذ ذاك كان رجلا بالغا وابن عباس لم يكن حينئذ ممن بلغ الحلم بل كان له نحو العشر سنين فأبو رافع إذ ذاك كان أحفظ منه. الثاني: أنه كان الرسول بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينها وعلى يده دار الحديث فهو أعلم به منه بلا شك وقد أشار بنفسه إلى هذا إشارة متحقق له ومتيقن ولم ينقله عن غيره بل باشره بنفسه. الثالث: أن ابن عباس لم يكن معه في تلك العمرة فإنها كانت عمرة القضية وكان ابن عباس إذ ذاك من المستضعفين الذين عذرهم الله من الولدان وإنما سمع القصة من غير حضور منه لها. الرابع: أنه صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة بدأ بالطواف بالبيت ثم سعى بين الصفا والمروة وحلق ثم حل. ومن المعلوم: أنه لم يتزوج بها في طريقه ولا بدأ بالتزويج بها قبل الطواف بالبيت ولا تزوج في حال طوافه هذا من المعلوم أنه لم يقع فصح قول أبي رافع يقينا. الخامس: أن الصحابة رضي الله عنهم غلطوا ابن عباس ولم يغلطوا أبا رافع. السادس: أن قول أبي رافع موافق لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن نكاح المحرم وقول ابن عباس يخالفه وهو مستلزم لأحد أمرين إما لنسخه وإما لتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بجواز النكاح محرما وكلا الأمرين مخالف للأصل ليس عليه دليل فلا يقبل.(5\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1991",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10557",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السابع: أن ابن أختها يزيد بن الأصم شهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها حلالا قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس. ذكره مسلم.  [فصل تحريم نكاح الزانية] فصل وأما نكاح الزانية فقد صرح الله سبحانه وتعالى بتحريمه في سورة النور وأخبر أن من نكحها فهو إما زان أو مشرك فإنه إما أن يلتزم حكمه سبحانه ويعتقد وجوبه عليه أو لا فإن لم يلتزمه ولم يعتقده فهو مشرك. وإن التزمه واعتقد وجوبه وخالفه فهو زان ثم صرح بتحريمه فقال: وحرم ذلك على المؤمنين [النور: 3] [النور: 3] ولا يخفى أن دعوى نسخ الآية بقوله: وأنكحوا الأيامى منكم [النور: 32] [النور: 34] من أضعف ما يقال وأضعف منه حمل النكاح على الزنى إذ يصير معنى الآية الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة والزانية لا يزني بها إلا زان أو مشرك وكلام الله ينبغي أن يصان عن مثل هذا. وكذلك حمل الآية على امرأة بغي مشركة في غاية البعد عن لفظها وسياقها كيف وهو سبحانه إنما أباح نكاح الحرائر والإماء بشرط الإحصان وهو العفة فقال: فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان [النساء: 25] [النساء: 25] فإنما أباح نكاحها في هذه الحالة دون غيرها وليس هذا من باب دلالة المفهوم فإن الأبضاع في الأصل على التحريم فيقتصر في إباحتها على ما ورد به الشرع وما عداه فعلى أصل التحريم. وأيضا فإنه سبحانه قال: الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات [النور: 26](5\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1992",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10558",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[النور: 26] والخبيثات: الزواني. وهذا يقتضي أن من تزوج بهن فهو خبيث مثلهن. وأيضا فمن أقبح القبائح أن يكون الرجل زوج بغي وقبح هذا مستقر في فطر الخلق وهو عندهم غاية المسبة. وأيضا: فإن البغي لا يؤمن أن تفسد على الرجل فراشه وتعلق عليه أولادا من غيره والتحريم يثبت بدون هذا. وأيضا: فإن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين الرجل وبين المرأة التي وجدها حبلى من الزنى. وأيضا فإن ( مرثد بن أبي مرثد الغنوي استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج عناق وكانت بغيا فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم آية النور وقال: لا تنكحها ) .  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيمن أسلم على أكثر من أربع نسوة أو على أختين] في الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما: ( أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اختر منهن أربعا ) . وفي طريق أخرى: ( وفارق سائرهن ) .(5\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1993",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10559",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( وأسلم فيروز الديلمي وتحته أختان فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اختر أيتهما شئت ) . فتضمن هذا الحكم صحة نكاح الكفار وأنه له أن يختار من شاء من السوابق واللواحق لأنه جعل الخيرة إليه وهذا قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: إن تزوجهن في عقد واحد فسد نكاح الجميع وإن تزوجهن مترتبات ثبت(5\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1994",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10560",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نكاح الأربع وفسد نكاح من بعدهن ولا تخيير.  [فصل إذا تزوج العبد بغير إذن مواليه فهو عاهر] فصل ( وحكم صلى الله عليه وسلم أن العبد إذا تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر ) . قال الترمذي: حديث حسن.  [فصل منعه صلى الله عليه وسلم عليا أن يجمع بين فاطمة وبنت أبي جهل] فصل ( واستأذنه بنو هشام بن المغيرة أن يزوجوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ابنة أبي جهل فلم يأذن في ذلك وقال: إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها إني أخاف أن تفتن فاطمة في دينها وإني لست أحرم حلالا ولا أحل حراما ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله في مكان واحد أبدا ) . وفي لفظ فذكر صهرا له فأثنى عليه وقال: ( حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي ) . فتضمن هذا الحكم أمورا. أحدها: أن الرجل إذا شرط لزوجته أن لا يتزوج عليها لزمه الوفاء بالشرط ومتى تزوج عليها فلها الفسخ ووجه تضمن الحديث لذلك أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أن ذلك يؤذي فاطمة ويريبها وأنه يؤذيه صلى الله عليه وسلم ويريبه ومعلوم قطعا أنه صلى الله عليه وسلم إنما زوجه فاطمة رضي الله عنها على أن لا يؤذيها ولا يريبها ولا يؤذي أباها صلى الله عليه وسلم ولا يريبه وإن لم يكن هذا مشترطا في صلب العقد فإنه من المعلوم بالضرورة أنه إنما دخل عليه وفي ذكره صلى الله عليه وسلم صهره الآخر وثناءه عليه بأنه حدثه فصدقه(5\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1995",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10561",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ووعده فوفى له تعريض بعلي رضي الله عنه وتهييج له على الاقتداء به وهذا يشعر بأنه جرى منه وعد له بأنه لا يريبها ولا يؤذيها فهيجه على الوفاء له كما وفى له صهره الآخر. فيؤخذ من هذا أن المشروط عرفا كالمشروط لفظا وأن عدمه يملك الفسخ لمشترطه فلو فرض من عادة قوم أنهم لا يخرجون نساءهم من ديارهم ولا يمكنون أزواجهم من ذلك البتة واستمرت عادتهم بذلك كان كالمشروط لفظا وهو مطرد على قواعد أهل المدينة وقواعد أحمد رحمه الله أن الشرط العرفي كاللفظي سواء ولهذا أوجبوا الأجرة على من دفع ثوبه إلى غسال أو قصار أو عجينه إلى خباز أو طعامه إلى طباخ يعملون بالأجرة أو دخل الحمام أو استخدم من يغسله ممن عادته يغسل بالأجرة ونحو ذلك ولم يشرط لهم أجرة أنه يلزمه أجرة المثل. وعلى هذا فلو فرض أن المرأة من بيت لا يتزوج الرجل على نسائهم ضرة ولا يمكنونه من ذلك وعادتهم مستمرة بذلك كان كالمشروط لفظا. وكذلك لو كانت ممن يعلم أنها لا تمكن إدخال الضرة عليها عادة لشرفها وحسبها وجلالتها كان ترك التزوج عليها كالمشروط لفظا سواء. وعلى هذا فسيدة نساء العالمين وابنة سيد ولد آدم أجمعين أحق النساء بهذا فلو شرطه علي في صلب العقد كان تأكيدا لا تأسيسا. وفي منع علي من الجمع بين فاطمة رضي الله عنها وبين بنت أبي جهل حكمة بديعة وهي أن المرأة مع زوجها في درجته تبع له فإن كانت في نفسها ذات درجة عالية وزوجها كذلك كانت في درجة عالية بنفسها وبزوجها وهذا شأن فاطمة وعلي رضي الله عنهما ولم يكن الله عز وجل ليجعل ابنة أبي جهل مع فاطمة رضي الله عنها في درجة واحدة لا بنفسها ولا تبعا وبينهما من الفرق ما بينهما فلم يكن نكاحها على سيدة نساء العالمين مستحسنا لا شرعا ولا قدرا(5\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1996",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10562",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله: ( والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله في مكان واحد أبدا ) فهذا إما أن يتناول درجة الآخر بلفظه أو إشارته.  [فصل فيما حكم الله سبحانه بتحريمه من النساء على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم] حرم الأمهات وهن كل من بينك وبينه إيلاد من جهة الأمومة أو الأبوة كأمهاته وأمهات آبائه وأجداده من جهة الرجال والنساء وإن علون. وحرم البنات وهن كل من انتسب إليه بإيلاد كبنات صلبه وبنات بناته وأبنائهن وإن سفلن. وحرم الأخوات من كل جهة وحرم العمات وهن أخوات آبائه وإن علون من كل جهة. وأما عمة العم فإن كان العم لأب فهي عمة أبيه وإن كان لأم فعمته أجنبية منه فلا تدخل في العمات وأما عمة الأم فهي داخلة في عماته كما دخلت عمة أبيه في عماته. وحرم الخالات وهن أخوات أمهاته وأمهات آبائه وإن علون وأما خالة العمة فإن كانت العمة لأب فخالتها أجنبية وإن كانت لأم فخالتها حرام لأنها خالة وأما عمة الخالة فإن كانت الخالة لأم فعمتها أجنبية وإن كانت لأب فعمتها حرام لأنها عمة الأم. وحرم بنات الأخ وبنات الأخت فيعم الأخ والأخت من كل جهة وبناتهما وإن نزلت درجتهن. وحرم الأم من الرضاعة فيدخل فيه أمهاتها من قبل الآباء والأمهات وإن علون وإذا صارت المرضعة أمه صار صاحب اللبن - وهو الزوج أو السيد إن كانت جارية - أباه وآباؤه أجداده فنبه بالمرضعة صاحبة اللبن التي هي مودع(5\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1997",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10563",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيها للأب على كونه أبا بطريق الأولى لأن اللبن له وبوطئه ثاب ولهذا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريم لبن الفحل فثبت بالنص وإيمائه انتشار حرمة الرضاع إلى أم المرتضع وأبيه من الرضاعة وأنه قد صار ابنا لهما وصارا أبوين له فلزم من ذلك أن يكون إخوتهما وأخواتهما خالات له وعمات وأبناؤهما وبناتهما إخوة له وأخوات فنبه بقوله: وأخواتكم من الرضاعة [النساء: 23] [النساء: 22] على انتشار حرمة الرضاع إلى إخوتهما وأخواتهما كما انتشرت منهما إلى أولادهما فكما صاروا إخوة وأخوات للمرتضع فأخوالهما وخالاتهما أخوال وخالات له وأعمام وعمات له الأول بطريق النص والآخر بتنبيهه كما أن الانتشار إلى الأم بطريق النص وإلى الأب بطريق تنبيهه. وهذه طريقة عجيبة مطردة في القرآن لا يقع عليها إلا كل غائص على معانيه ووجوه دلالاته ومن هنا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب )  ولكن الدلالة دلالتان: خفية وجلية فجمعهما للأمة ليتم البيان ويزول الالتباس ويقع على الدلالة الجلية الظاهرة من قصر فهمه عن الخفية. وحرم أمهات النساء فدخل في ذلك أم المرأة وإن علت من نسب أو رضاع دخل بالمرأة أو لم يدخل بها لصدق الاسم على هؤلاء كلهن. وحرم الربائب اللاتي في حجور الأزواج وهن بنات نسائهم المدخول بهن فتناول بذلك بناتهن وبنات بناتهن وبنات أبنائهن فإنهن داخلات في اسم الربائب وقيد التحريم بقيدين أحدهما: كونهن في حجور الأزواج. والثاني:(5\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1998",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10564",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدخول بأمهاتهن. فإذا لم يوجد الدخول لم يثبت التحريم وسواء حصلت الفرقة بموت أو طلاق هذا مقتضى النص. وذهب زيد بن ثابت ومن وافقه وأحمد في رواية عنه: إلى أن موت الأم في تحريم الربيبة كالدخول بها لأنه يكمل الصداق ويوجب العدة والتوارث فصار كالدخول والجمهور أبوا ذلك وقالوا: الميتة غير مدخول بها فلا تحرم ابنتها والله تعالى قيد التحريم بالدخول وصرح بنفيه عند عدم الدخول. وأما كونها في حجره فلما كان الغالب ذلك ذكره لا تقييدا للتحريم به بل هو بمنزلة قوله: ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق [الإسراء: 31] [الإسراء: 31] ولما كان من شأن بنت المرأة أن تكون عند أمها فهي في حجر الزوج وقوعا وجوازا فكأنه قال: اللاتي من شأنهن أن يكن في حجوركم ففي ذكر هذا فائدة شريفة وهي جواز جعلها في حجره وأنه لا يجب عليه إبعادها عنه وتجنب مؤاكلتها والسفر والخلوة بها فأفاد هذا الوصف عدم الامتناع من ذلك. ولما خفي هذا على بعض أهل الظاهر شرط في تحريم الربيبة أن تكون في حجر الزوج وقيد تحريمها بالدخول بأمها وأطلق تحريم أم المرأة ولم يقيده بالدخول فقال جمهور العلماء من الصحابة ومن بعدهم: إن الأم تحرم بمجرد العقد على البنت دخل بها أو لم يدخل ولا تحرم البنت إلا بالدخول بالأم وقالوا: أبهموا ما أبهم الله. وذهبت طائفة إلى أن قوله: اللاتي دخلتم بهن [النساء: 23] وصف لنسائكم الأولى والثانية وأنه لا تحرم الأم إلا بالدخول بالبنت وهذا يرده نظم الكلام وحيلولة المعطوف بين الصفة والموصوف وامتناع جعل الصفة للمضاف إليه دون المضاف إلا عند البيان فإذا قلت: مررت بغلام زيد العاقل فهو صفة للغلام لا لزيد إلا عند زوال اللبس كقولك: مررت بغلام هند الكاتبة ويرده أيضا جعله صفة واحدة لموصوفين مختلفي الحكم والتعلق والعامل وهذا لا يعرف في اللغة التي نزل بها القرآن.(5\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1999",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10565",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأيضا فإن الموصوف الذي يلي الصفة أولى بها لجواره والجار أحق بصقبه ما لم تدع ضرورة إلى نقلها عنه أو تخطيها إياه إلى الأبعد. فإن قيل: فمن أين أدخلتم ربيبته التي هي بنت جاريته التي دخل بها وليست من نسائه . قلنا: السرية قد تدخل في جملة نسائه كما دخلت في قوله: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم [البقرة: 223] [البقرة: 223] ودخلت في قوله: أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم [البقرة: 187] [البقرة: 187] ودخلت في قوله: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء [النساء: 22] [النساء: 22] . فإن قيل: فيلزمكم على هذا إدخالها في قوله: وأمهات نسائكم [النساء: 23] [النساء: 23] فتحرم عليه أم جاريته . قلنا: نعم وكذلك نقول: إذا وطئ أمته حرمت عليه أمها وابنتها. فإن قيل: فأنتم قد قررتم أنه لا يشترط الدخول بالبنت في تحريم أمها فكيف تشترطونه ها هنا . قلنا: لتصير من نسائه فإن الزوجة صارت من نسائه بمجرد العقد وأما المملوكة فلا تصير من نسائه حتى يطأها فإذا وطئها صارت من نسائه فحرمت عليه أمها وابنتها. فإن قيل: فكيف أدخلتم السرية في نسائه في آية التحريم ولم تدخلوها في نسائه في آية الظهار والإيلاء . قيل: السياق والواقع يأبى ذلك فإن الظهار كان عندهم طلاقا وإنما محله الأزواج لا الإماء فنقله الله سبحانه من الطلاق إلى التحريم الذي تزيله الكفارة(5\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2000",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10566",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونقل حكمه وأبقى محله وأما الإيلاء فصريح في أن محله الزوجات لقوله تعالى: للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم - وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم [البقرة: 226 - 227] [البقرة: 226 - 227] . وحرم سبحانه حلائل الأبناء وهن موطوآت الأبناء بنكاح أو ملك يمين فإنها حليلة بمعنى محللة ويدخل في ذلك ابن صلبه وابن ابنه وابن ابنته ويخرج بذلك ابن التبني وهذا التقييد قصد به إخراجه. وأما حليلة ابنه من الرضاع فإن الأئمة الأربعة ومن قال بقولهم يدخلونها في قوله: وحلائل أبنائكم [النساء: 23] [النساء: 23] ولا يخرجونها بقوله: الذين من أصلابكم [النساء: 23] [النساء: 23] ويحتجون بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( حرموا من الرضاع ما تحرمون من النسب )  قالوا: وهذه الحليلة تحرم إذا كانت لابن النسب فتحرم إذا كانت لابن الرضاع. قالوا: والتقييد لإخراج ابن التبني لا غير وحرموا من الرضاع بالصهر نظير ما يحرم بالنسب. ونازعهم في ذلك آخرون وقالوا: لا تحرم حليلة ابنه من الرضاعة لأنه ليس من صلبه والتقييد كما يخرج حليلة ابن التبني يخرج حليلة ابن الرضاع سواء ولا فرق بينهما. قالوا: وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) فهو من أكبر أدلتنا وعمدتنا في المسألة فإن تحريم حلائل الآباء والأبناء إنما هو بالصهر لا بالنسب والنبي صلى الله عليه وسلم قد قصر تحريم الرضاع على نظيره من النسب لا على شقيقه من الصهر فيجب الاقتصار بالتحريم على مورد النص. قالوا: والتحريم بالرضاع فرع على تحريم النسب لا على تحريم المصاهرة فتحريم المصاهرة أصل قائم بذاته والله سبحانه لم ينص في كتابه(5\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2001",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10567",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على تحريم الرضاع إلا من جهة النسب ولم ينبه على التحريم به من جهة الصهر البتة لا بنص ولا إيماء ولا إشارة والنبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يحرم به ما يحرم من النسب وفي ذلك إرشاد وإشارة إلى أنه لا يحرم به ما يحرم بالصهر ولولا أنه أراد الاقتصار على ذلك لقال: quot; حرموا من الرضاع ما يحرم من النسب والصهر quot;. قالوا: وأيضا فالرضاع مشبه بالنسب ولهذا أخذ منه بعض أحكامه وهو الحرمة والمحرمية فقط دون التوارث والإنفاق وسائر أحكام النسب فهو نسب ضعيف فأخذ بحسب ضعفه بعض أحكام النسب ولم يقو على سائر أحكام النسب وهو ألصق به من المصاهرة فكيف يقوى على أخذ أحكام المصاهرة مع قصوره عن أحكام مشبهة وشقيقة! . وأما المصاهرة والرضاع فإنه لا نسب بينهما ولا شبهة نسب ولا بعضية ولا اتصال. قالوا: ولو كان تحريم الصهرية ثابتا لبينه الله ورسوله بيانا شافيا يقيم الحجة ويقطع العذر فمن الله البيان وعلى رسوله البلاغ وعلينا التسليم والانقياد فهذا منتهى النظر في هذه المسألة فمن ظفر فيها بحجة فليرشد إليها وليدل عليها فإنا لها منقادون وبها معتصمون والله الموفق للصواب.  [فصل تحريم نكاح من نكحهن الآباء] فصل وحرم سبحانه وتعالى نكاح من نكحهن الآباء وهذا يتناول منكوحاتهم بملك اليمين أو عقد نكاح ويتناول آباء الآباء وآباء الأمهات وإن علون والاستثناء بقوله: إلا ما قد سلف [النساء: 22] من مضمون جملة النهي وهو التحريم المستلزم للتأثيم والعقوبة فاستثنى منه ما سلف قبل إقامة الحجة بالرسول والكتاب.  [فصل تحريم الجمع بين الأختين والاختلاف في الجمع بين الأختين من ملك اليمين] فصل وحرم سبحانه الجمع بين الأختين وهذا يتناول الجمع بينهما في عقد النكاح وملك اليمين كسائر محرمات الآية وهذا قول جمهور الصحابة ومن(5\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2002",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10568",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعدهم وهو الصواب وتوقفت طائفة في تحريمه بملك اليمين لمعارضة هذا العموم بعموم قوله سبحانه: والذين هم لفروجهم حافظون - إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين [المؤمنون: 5 - 6] [المؤمنون: 5 6] و [المعارج 29 - 30] ولهذا قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه: ( أحلتهما آية وحرمتهما آية ) . وقال الإمام أحمد في رواية عنه: لا أقول هو حرام ولكن ننهى عنه فمن أصحابه من جعل القول بإباحته رواية عنه. والصحيح أنه لم يبحه ولكن تأدب مع الصحابة أن يطلق لفظ الحرام على أمر توقف فيه عثمان بل قال ننهى عنه. والذين جزموا بتحريمه رجحوا آية التحريم من وجوه. أحدها: أن سائر ما ذكر فيها من المحرمات عام في النكاح وملك اليمين فما بال هذا وحده حتى يخرج منها فإن كانت آية الإباحة مقتضية لحل الجمع بالملك فلتكن مقتضية لحل أم موطوءته بالملك ولموطوءة أبيه وابنه بالملك إذ لا فرق بينهما البتة ولا يعلم بهذا قائل. الثاني: أن آية الإباحة بملك اليمين مخصوصة قطعا بصور عديدة لا يختلف فيها اثنان كأمه وابنته وأخته وعمته وخالته من الرضاعة بل كأخته وعمته من النسب عند من لا يرى عتقهن بالملك كمالك والشافعي ولم يكن عموم قوله: أو ما ملكت أيمانكم [النساء: 3] معارضا لعموم تحريمهن بالعقد والملك فهذا حكم الأختين سواء. الثالث: أن حل الملك ليس فيه أكثر من بيان جهة الحل وسببه ولا تعرض فيه لشروط الحل ولا لموانعه وآية التحريم فيها بيان موانع الحل من النسب والرضاع والصهر وغيره فلا تعارض بينهما البتة وإلا كان كل موضع ذكر فيه شرط الحل وموانعه معارضا لمقتضى الحل وهذا باطل قطعا بل هو بيان لما(5\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2003",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10569",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سكت عنه دليل الحل من الشروط والموانع. الرابع: أنه لو جاز الجمع بين الأختين المملوكتين في الوطء جاز الجمع بين الأم وابنتها المملوكتين فإن نص التحريم شامل للصورتين شمولا واحدا وأن إباحة المملوكات إن عمت الأختين عمت الأم وابنتها. الخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمع ماءه في رحم أختين ) ولا ريب أن جمع الماء كما يكون بعقد النكاح يكون بملك اليمين والإيمان يمنع منه.  [فصل تحريم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها] فصل ( وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها )  وهذا التحريم مأخوذ من تحريم الجمع بين الأختين لكن بطريق خفي وما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرمه الله ولكن هو مستنبط من دلالة الكتاب. وكان الصحابة رضي الله عنهم أحرص شيء على استنباط أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن ومن ألزم نفسه ذلك وقرع بابه ووجه قلبه إليه واعتنى به بفطرة سليمة وقلب ذكي رأى السنة كلها تفصيلا للقرآن وتبيينا(5\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2004",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10570",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لدلالته وبيانا لمراد الله منه وهذا أعلى مراتب العلم فمن ظفر به فليحمد الله ومن فاته فلا يلومن إلا نفسه وهمته وعجزه. واستفيد من تحريم الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها أن كل امرأتين بينهما قرابة لو كان أحدهما ذكرا حرم على الآخر فإنه يحرم الجمع بينهما ولا يستثنى من هذا صورة واحدة فإن لم يكن بينهما قرابة لم يحرم الجمع بينهما وهل يكره على قولين: وهذا كالجمع بين امرأة رجل وابنته من غيرها. واستفيد من عموم تحريمه سبحانه المحرمات المذكورة: أن كل امرأة حرم نكاحها حرم وطؤها بملك اليمين إلا إماء أهل الكتاب فإن نكاحهن حرام عند الأكثرين ووطؤهن بملك اليمين جائز وسوى أبو حنيفة بينهما فأباح نكاحهن كما يباح وطؤهن بالملك. والجمهور: احتجوا عليه بأن الله سبحانه وتعالى إنما أباح نكاح الإماء بوصف الإيمان. فقال تعالى: ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم [النساء: 25] [النساء: 25] . وقال تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن [البقرة: 221] [البقرة: 221] . خص ذلك بحرائر أهل الكتاب بقي الإماء على قضية التحريم وقد فهم عمر رضي الله عنه وغيره من الصحابة إدخال الكتابيات في هذه الآية فقال: ( لا أعلم شركا أعظم من أن تقول: إن المسيح إلهها ) . وأيضا فالأصل في الأبضاع الحرمة وإنما أبيح نكاح الإماء المؤمنات فمن عداهن على أصل التحريم وليس تحريمهن مستفادا من المفهوم. واستفيد من سياق الآية ومدلولها أن كل امرأة حرمت حرمت ابنتها إلا العمة والخالة وحليلة الابن وحليلة الأب وأم الزوجة وأن كل الأقارب(5\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2005",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10571",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حرام إلا الأربعة المذكورات في سورة الأحزاب وهن بنات الأعمام والعمات وبنات الأخوال والخالات.  [فصل الإشكال الوارد في استثناء ملك اليمين من تحريم المتزوجات] فصل ومما حرمه النص نكاح المزوجات وهن المحصنات واستثنى من ذلك ملك اليمين فأشكل هذا الاستثناء على كثير من الناس فإن الأمة المزوجة يحرم وطؤها على مالكها فأين محل الاستثناء . فقالت طائفة: هو منقطع أي لكن ما ملكت أيمانكم ورد هذا لفظا ومعنى أما اللفظ فإن الانقطاع إنما يقع حيث يقع التفريغ وبابه غير الإيجاب من النفي والنهي والاستفهام فليس الموضع موضع انقطاع وأما المعنى: فإن المنقطع لا بد فيه من رابط بينه وبين المستثنى منه بحيث يخرج ما توهم دخوله فيه بوجه ما فإنك إذا قلت: ما بالدار من أحد دل على انتفاء من بها بدوابهم وأمتعتهم فإذا قلت: إلا حمارا أو إلا الأثافي ونحو ذلك أزلت توهم دخول المستثنى في حكم المستثنى منه. وأبين من هذا قوله تعالى: لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما [مريم: 62] [مريم: 62] فاستثناء السلام أزال توهم نفي السماع العام فإن عدم سماع اللغو يجوز أن يكون لعدم سماع كلام ما وأن يكون مع سماع غيره وليس في تحريم نكاح المزوجة ما يوهم تحريم وطء الإماء بملك اليمين حتى يخرجه. وقالت طائفة: بل الاستثناء على بابه ومتى ملك الرجل الأمة المزوجة كان ملكه طلاقا لها وحل له وطؤها وهي مسألة بيع الأمة: هل يكون طلاقا لها أم لا فيه مذهبان للصحابة: فابن عباس رضي الله عنه يراه طلاقا ويحتج له بالآية وغيره يأبى ذلك ويقول: كما يجامع الملك السابق للنكاح اللاحق اتفاقا ولا يتنافيان كذلك الملك اللاحق لا ينافي النكاح السابق قالوا: وقد خير(5\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2006",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10572",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة لما بيعت ولو انفسخ نكاحها لم يخيرها. قالوا: وهذا حجة على ابن عباس رضي الله عنه فإنه هو راوي الحديث والأخذ برواية الصحابي لا برأيه. وقالت طائفة ثالثة: إن كان المشتري امرأة لم ينفسخ النكاح لأنها لم تملك الاستمتاع ببضع الزوجة وإن كان رجلا انفسخ لأنه يملك الاستمتاع به وملك اليمين أقوى من ملك النكاح وهذا الملك يبطل النكاح دون العكس قالوا: وعلى هذا فلا إشكال في حديث بريرة. وأجاب الأولون عن هذا بأن المرأة وإن لم تملك الاستمتاع ببضع أمتها فهي تملك المعاوضة عليه وتزويجها وأخذ مهرها وذلك كملك الرجل وإن لم تستمتع بالبضع. وقالت فرقة أخرى: الآية خاصة بالمسبيات فإن المسبية إذا سبيت حل وطؤها لسابيها بعد الاستبراء وإن كانت مزوجة وهذا قول الشافعي وأحد الوجهين لأصحاب أحمد وهو الصحيح كما روى مسلم في quot; صحيحه quot; عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بعث جيشا إلى أوطاس فلقي عدوا فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا سبايا وكأن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين فأنزل الله عز وجل في ذلك: والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم [النساء: 24]  ) [النساء: 24](5\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2007",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10573",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أي: فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن. فتضمن هذا الحكم إباحة وطء المسبية وإن كان لها زوج من الكفار وهذا يدل على انفساخ نكاحه وزوال عصمة بضع امرأته وهذا هو الصواب لأنه قد استولى على محل حقه وعلى رقبة زوجته وصار سابيها أحق بها منه فكيف يحرم بضعها عليه فهذا القول لا يعارضه نص ولا قياس.  والذين قالوا من أصحاب أحمد وغيرهم إن وطأها إنما يباح إذا سبيت وحدها. قالوا: لأن الزوج يكون بقاؤه مجهولا والمجهول كالمعدوم فيجوز وطؤها بعد الاستبراء فإذا كان الزوج معها لم يجز وطؤها مع بقائه فأورد عليهم ما لو سبيت وحدها وتيقنا بقاء زوجها في دار الحرب فإنهم يجوزون وطأها فأجابوا بما لا يجدي شيئا وقالوا: الأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب فيقال لهم: الأعم الأغلب بقاء أزواج المسبيات إذا سبين منفردات وموتهم كلهم نادر جدا ثم يقال: إذا صارت رقبة زوجها وأملاكه ملكا للسابي وزالت العصمة عن سائر أملاكه وعن رقبته فما الموجب لثبوت العصمة في فرج امرأته خاصة وقد صارت هي وهو وأملاكهما للسابي . ودل هذا القضاء النبوي على جواز وطء الإماء الوثنيات بملك اليمين فإن سبايا أوطاس لم يكن كتابيات ولم يشترط رسول الله صلى الله عليه وسلم في وطئهن إسلامهن ولم يجعل المانع منه إلا الاستبراء فقط وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع مع أنهم حديثو عهد بالإسلام حتى خفي عليهم حكم هذه المسألة وحصول الإسلام من جميع السبايا وكانوا عدة آلاف بحيث لم يتخلف منهم عن الإسلام جارية واحدة مما يعلم أنه في غاية البعد فإنهن لم(5\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2008",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10574",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكرهن على الإسلام ولم يكن لهن من البصيرة والرغبة والمحبة في الإسلام ما يقتضي مبادرتهن إليه جميعا فمقتضى السنة وعمل الصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده جواز وطء المملوكات على أي دين كن وهذا مذهب طاووس وغيره وقواه صاحب quot; المغني quot; فيه ورجح أدلته وبالله التوفيق. ومما يدل على عدم اشتراط إسلامهن ما روى الترمذي في quot; جامعه quot; عن عرباض بن سارية أن النبي صلى الله عليه وسلم ( حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهن ) فجعل للتحريم غاية واحدة وهي وضع الحمل ولو كان متوقفا على الإسلام لكان بيانه أهم من بيان الاستبراء. وفي quot; السنن quot; وquot; المسند quot; عنه ( لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها ) ولم يقل حتى تسلم ولأحمد: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكحن شيئا من السبايا حتى تحيض ) ولم يقل: وتسلم. وفي quot; السنن quot; عنه أنه قال في سبايا أوطاس: ( لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير حامل حتى تحيض حيضة واحدة )  ولم يقل: وتسلم فلم يجئ عنه اشتراط إسلام المسبية في موضع واحد البتة.(5\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2009",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10575",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الزوجين يسلم أحدهما قبل الآخر] قال ابن عباس رضي الله عنهما: ( رد رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب ابنته على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول ولم يحدث شيئا ) رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وفي لفظ: ( بعد ست سنين ولم يحدث نكاحا )  قال الترمذي: ليس بإسناده بأس وفي لفظ: ( وكان إسلامها قبل إسلامه بست سنين ولم يحدث شهادة ولا صداقا ) . وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ( أسلمت امرأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوجت فجاء زوجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني كنت أسلمت(5\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2010",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10576",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعلمت بإسلامي فانتزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم من زوجها الآخر وردها على زوجها الأول ) رواه أبو داود. وقال أيضا: ( إن رجلا جاء مسلما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاءت امرأته مسلمة بعده فقال يا رسول الله: إنها أسلمت معي فردها عليه )  قال الترمذي: حديث صحيح. وقال مالك: إن أم حكيم بنت الحارث بن هشام أسلمت يوم الفتح بمكة وهرب زوجها عكرمة بن أبي جهل من الإسلام حتى قدم اليمن فارتحلت أم حكيم حتى قدمت عليه باليمن فدعته إلى الإسلام فأسلم فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وثب إليه فرحا وما عليه رداء حتى بايعه فثبتا على نكاحهما ذلك قال: ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وزوجها كافر مقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبينه إلا أن يقدم زوجها مهاجرا قبل أن تنقضي عدتها ذكره مالك رحمه الله في quot; الموطأ quot; فتضمن هذا الحكم أن الزوجين إذا أسلما معا فهما على نكاحهما ولا يسأل عن كيفية وقوعه قبل الإسلام هل وقع صحيحا أم لا ما لم يكن المبطل قائما كما إذا أسلما وقد نكحها وهي في عدة من غيره أو تحريما مجمعا عليه أو مؤبدا كما إذا كانت محرما له بنسب أو رضاع أو كانت مما لا يجوز له الجمع بينها(5\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2011",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10577",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبين من معه كالأختين والخمس وما فوقهن فهذه ثلاث صور أحكامها مختلفة. فإذا أسلما وبينها وبينه محرمية من نسب أو رضاع أو صهر أو كانت أخت الزوجة أو عمتها أو خالتها أو من يحرم الجمع بينها وبينها فرق بينهما بإجماع الأمة لكن إن كان التحريم لأجل الجمع خير بين إمساك أيتهما شاء وإن كانت بنته من زنى فرق بينهما أيضا عند الجمهور وإن كان يعتقد ثبوت النسب بالزنى فرق بينهما اتفاقا وإن أسلم أحدهما وهي في عدة من مسلم متقدمة على عقده فرق بينهما اتفاقا وإن كانت العدة من كافر فإن اعتبرنا دوام المفسد أو الإجماع عليه لم يفرق بينهما لأن عدة الكافر لا تدوم ولا تمنع النكاح عند من يبطل أنكحة الكفار ويجعل حكمها حكم الزنى. وإن أسلم أحدهما وهي حبلى من زنى قبل العقد فقولان مبنيان على اعتبار قيام المفسد أو كونه مجمعا عليه. وإن أسلما وقد عقداه بلا ولي أو بلا شهود أو في عدة وقد انقضت أو على أخت وقد ماتت أو على خامسة كذلك أقرا عليه وكذلك إن قهر حربي حربية واعتقداه نكاحا ثم أسلما أقرا عليه. وتضمن أن أحد الزوجين إذا أسلم قبل الآخر لم ينفسخ النكاح بإسلامه فرقت الهجرة بينهما أو لم تفرق فإنه لا يعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جدد نكاح زوجين سبق أحدهما الآخر بإسلامه قط ولم يزل الصحابة يسلم الرجل قبل امرأته وامرأته قبله ولم يعرف عن أحد منهم البتة أنه تلفظ بإسلامه هو وامرأته وتساوقا فيه حرفا بحرف هذا مما يعلم أنه لم يقع البتة وقد رد النبي صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع وهو إنما أسلم زمن الحديبية وهي أسلمت من أول البعثة فبين إسلامهما أكثر من ثماني عشرة سنة. وأما قوله في الحديث: كان بين إسلامها وإسلامه ست سنين فوهم إنما أراد بين هجرتها وإسلامه.(5\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2012",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10578",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: وعلى ذلك فالعدة تنقضي في هذه المدة فكيف لم يجدد نكاحها قيل: تحريم المسلمات على المشركين إنما نزل بعد صلح الحديبية لا قبل ذلك فلم ينفسخ النكاح في تلك المدة لعدم شرعية هذا الحكم فيها ولما نزل تحريمهن على المشركين أسلم أبو العاص فردت عليه. وأما مراعاة زمن العدة فلا دليل عليه من نص ولا إجماع وقد ذكر حماد بن سلمة عن قتادة عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال في الزوجين الكافرين يسلم أحدهما: هو أملك ببضعها ما دامت في دار هجرتها. ذكر سفيان بن عيينة عن مطرف بن طريف عن الشعبي عن علي هو أحق بها ما لم يخرج من مصرها. وذكر ابن أبي شيبة عن معتمر بن سليمان عن معمر عن الزهري إن أسلمت ولم يسلم زوجها فهما على نكاحهما إلا أن يفرق بينهما سلطان. ولا يعرف اعتبار العدة في شيء من الأحاديث ولا كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل المرأة هل انقضت عدتها أم لا ولا ريب أن الإسلام لو كان بمجرده فرقة لم تكن فرقة رجعية بل بائنة فلا أثر للعدة في بقاء النكاح وإنما أثرها في منع نكاحها للغير فلو كان الإسلام قد نجز الفرقة بينهما لم يكن أحق بها في العدة ولكن الذي دل عليه حكمه صلى الله عليه وسلم أن النكاح موقوف فإن أسلم قبل انقضاء عدتها فهي زوجته وإن انقضت عدتها فلها أن تنكح من شاءت وإن أحبت انتظرته فإن أسلم كانت زوجته من غير حاجة إلى تجديد النكاح. ولا نعلم أحدا جدد للإسلام نكاحه البتة بل كان الواقع أحد أمرين: إما افتراقهما ونكاحها غيره وإما بقاؤها عليه وإن تأخر إسلامها أو إسلامه وإما(5\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2013",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10579",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تنجيز الفرقة أو مراعاة العدة فلا نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بواحدة منهما مع كثرة من أسلم في عهده من الرجال وأزواجهن وقرب إسلام أحد الزوجين من الآخر وبعده منه ولولا إقراره صلى الله عليه وسلم الزوجين على نكاحهما وإن تأخر إسلام أحدهما عن الآخر بعد صلح الحديبية وزمن الفتح لقلنا بتعجيل الفرقة بالإسلام من غير اعتبار عدة لقوله تعالى: لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن [الممتحنة: 10]  وقوله: ولا تمسكوا بعصم الكوافر [الممتحنة: 10] [الممتحنة: 10] وأن الإسلام سبب الفرقة وكل ما كان سببا للفرقة تعقبه الفرقة كالرضاع والخلع والطلاق وهذا اختيار الخلال وأبي بكر صاحبه وابن المنذر وابن حزم وهو مذهب الحسن وطاووس وعكرمة وقتادة والحكم. قال ابن حزم: وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجابر بن عبد الله وابن عباس وبه قال حماد بن زيد والحكم بن عتيبة وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز وعدي بن عدي الكندي والشعبي وغيرهم. قلت: وهو أحد الروايتين عن أحمد ولكن الذي أنزل عليه قوله تعالى: ولا تمسكوا بعصم الكوافر [الممتحنة: 10] وقوله: لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن [الممتحنة: 10] لم يحكم بتعجيل الفرقة فروى مالك في quot; موطئه quot; عن ابن شهاب قال: كان بين إسلام صفوان بن أمية وبين إسلام امرأته بنت الوليد بن المغيرة نحو من شهر أسلمت يوم الفتح وبقي صفوان حتى شهد حنينا والطائف وهو كافر ثم أسلم ولم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح . وقال ابن عبد البر وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده. وقال ابن شهاب: أسلمت أم حكيم يوم الفتح وهرب زوجها عكرمة حتى أتى اليمن فدعته إلى الإسلام فأسلم وقدم فبايع النبي صلى الله عليه وسلم فبقيا على نكاحهما.(5\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2014",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10580",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن المعلوم يقينا أن أبا سفيان بن حرب خرج فأسلم عام الفتح قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة ولم تسلم هند امرأته حتى فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فبقيا على نكاحهما. وأسلم حكيم بن حزام قبل امرأته وخرج أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية عام الفتح فلقيا النبي صلى الله عليه وسلم بالأبواء فأسلما قبل منكوحتيهما فبقيا على نكاحهما ولم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرق بين أحد ممن أسلم وبين امرأته. وجواب من أجاب بتجديد نكاح من أسلم في غاية البطلان ومن القول على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا علم واتفاق الزوجين في التلفظ بكلمة الإسلام معا في لحظة واحدة معلوم الانتفاء. ويلي هذا القول مذهب من يقف الفرقة على انقضاء العدة مع ما فيه إذ فيه آثار وإن كانت منقطعة ولو صحت لم يجز القول بغيرها. قال ابن شبرمة: كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم الرجل قبل المرأة والمرأة قبل الرجل فأيهما أسلم قبل انقضاء عدة المرأة فهي امرأته وإن أسلم بعد العدة فلا نكاح بينهما وقد تقدم قول الترمذي في أول الفصل وما حكاه ابن حزم عن عمر رضي الله عنه فما أدري من أين حكاه والمعروف عنه خلافه فإنه ثبت عنه من طريق حماد بن سلمة عن أيوب وقتادة كلاهما عن ابن سيرين عن عبد الله بن يزيد الخطمي (أن نصرانيا أسلمت امرأته فخيرها عمر بن الخطاب رضي الله عنه إن شاءت فارقته وإن شاءت أقامت عليه) ومعلوم بالضرورة أنه إنما خيرها بين انتظاره إلى أن يسلم فتكون زوجته كما هي أو تفارقه وكذلك صح عنه أن نصرانيا أسلمت امرأته فقال عمر رضي الله عنه إن أسلم فهي امرأته وإن لم يسلم فرق بينهما فلم يسلم ففرق بينهما) .(5\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2015",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10581",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك قال لعبادة بن النعمان التغلبي وقد أسلمت امرأته إما أن تسلم وإلا نزعتها منك فأبى فنزعها منه. فهذه الآثار صريحة في خلاف ما حكاه أبو محمد بن حزم عنه وهو حكاها وجعلها روايات أخر وإنما تمسك أبو محمد بآثار فيها أن عمر وابن عباس وجابرا فرقوا بين الرجل وبين امرأته بالإسلام وهي آثار مجملة ليست بصريحة في تعجيل التفرقة ولو صحت فقد صح عن عمر ما حكيناه وعن علي ما تقدم وبالله التوفيق.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في العزل] ثبت في quot; الصحيحين quot;: عن ( أبي سعيد قال أصبنا سبيا فكنا نعزل فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: quot; وإنكم لتفعلون quot; قالها ثلاثا. quot; ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة ) . وفي السنن عنه ( أن رجلا قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لي جارية وأنا أعزل عنها وأنا أكره أن تحمل وأنا أريد ما يريد الرجال وإن اليهود تحدث أن العزل الموءودة الصغرى قال: quot; كذبت يهود لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه ) .(5\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2016",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10582",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; الصحيحين quot;: عن (جابر قال: كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل ) . وفي quot; صحيح مسلم quot; عنه ( كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا ) . وفي quot; صحيح مسلم quot; أيضا: عنه قال: ( سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن عندي جارية وأنا أعزل عنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; إن ذلك لا يمنع شيئا أراده الله quot;. قال: فجاء الرجل فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الجارية التي كنت ذكرتها لك حملت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; أنا عبد الله ورسوله ) . وفي quot; صحيح مسلم quot; أيضا: عن (أسامة بن زيد أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني أعزل عن امرأتي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; لم تفعل ذلك quot; فقال الرجل: أشفق على ولدها أو قال على أولادها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; لو كان ضارا ضر فارس والروم ) . وفي quot; مسند أحمد quot; و quot; سنن ابن ماجه quot; من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها ) . وقال أبو داود: سمعت أبا عبد الله ذكر حديث ابن لهيعة عن جعفر بن ربيعة عن الزهري عن المحرر بن أبي هريرة عن أبي هريرة رضي الله عنه(5\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2017",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10583",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها ) فقال ما أنكره. فهذه الأحاديث صريحة في جواز العزل وقد رويت الرخصة فيه عن عشرة من الصحابة علي وسعد بن أبي وقاص وأبي أيوب وزيد بن ثابت وجابر وابن عباس والحسن بن علي وخباب بن الأرت وأبي سعيد الخدري وابن مسعود رضي الله عنهم. قال ابن حزم: وجاءت الإباحة للعزل صحيحة عن جابر وابن عباس وسعد بن أبي وقاص وزيد بن ثابت وابن مسعود رضي الله عنهم وهذا هو الصحيح. وحرمه جماعة منهم أبو محمد ابن حزم وغيره. وفرقت طائفة بين أن تأذن له الحرة فيباح أو لا تأذن فيحرم وإن كانت زوجته أمة أبيح بإذن سيدها ولم يبح بدون إذنه وهذا منصوص أحمد ومن أصحابه من قال: لا يباح بحال. ومنهم من قال: يباح بكل حال. ومنهم من قال: يباح بإذن الزوجة حرة كانت أو أمة ولا يباح بدون إذنها حرة كانت أو أمة. فمن أباحه مطلقا احتج بما ذكرنا من الأحاديث وبأن حق المرأة في ذوق العسيلة لا في الإنزال ومن حرمه مطلقا احتج بما رواه مسلم في quot; صحيحه quot; من حديث عائشة رضي الله عنها عن (جدامة بنت وهب أخت عكاشة قال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم - في أناس فسألوه عن العزل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; ذلك الوأد الخفي quot; وهي وإذا الموءودة سئلت [التكوير: 8]  ) قالوا: وهذا ناسخ لأخبار الإباحة فإنه ناقل عن الأصل وأحاديث الإباحة على وفق البراءة الأصلية وأحكام الشرع ناقلة عن البراءة الأصلية. قالوا: وقول جابر رضي الله عنه ( كنا نعزل والقرآن ينزل فلو كان شيئا ينهى عنه لنهى عنه القرآن ) .(5\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2018",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10584",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيقال: قد نهى عنه من أنزل عليه القرآن بقوله ( إنه الموءودة الصغرى ) والوأد كله حرام. قالوا: وقد فهم الحسن البصري النهي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه لما ذكر العزل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا عليكم ألا تفعلوا ذاكم فإنما هو القدر ) . قال ابن عون: فحدثت به الحسن فقال: والله لكأن هذا زجر. قالوا: ولأن فيه قطع النسل المطلوب من النكاح وسوء العشرة وقطع اللذة عند استدعاء الطبيعة لها. قالوا: ولهذا كان ابن عمر رضي الله عنه لا يعزل وقال: (لو علمت أن أحدا من ولدي يعزل لنكلته)  وكان علي يكره العزل ذكره شعبة عن عاصم عن زر عنه. وصح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال في العزل: هو الموءودة الصغرى. وصح عن أبي أمامة أنه سئل عنه فقال: (ما كنت أرى مسلما يفعله) وقال نافع عن ابن عمر (ضرب عمر على العزل بعض بنيه) . وقال يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب قال: (كان عمر وعثمان ينهيان عن العزل) . وليس في هذا ما يعارض أحاديث الإباحة مع صراحتها وصحتها أما حديث جدامة بنت وهب فإنه وإن كان رواه مسلم فإن الأحاديث الكثيرة على خلافه وقد قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبان حدثنا يحيى أن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان حدثه أن رفاعة حدثه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ( أن رجلا قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لي جارية وأنا أعزل عنها وأنا أكره أن تحمل وأنا أريد ما يريد الرجال وإن اليهود تحدث أن العزل الموءودة الصغرى. قال: quot; كذبت يهود لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه ) . وحسبك بهذا الإسناد صحة فكلهم ثقات حفاظ وقد أعله بعضهم بأنه(5\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2019",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10585",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مضطرب فإنه اختلف فيه على يحيى بن أبي كثير فقيل عنه عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر بن عبد الله ومن هذه الطريق أخرجه الترمذي والنسائي. وقيل: فيه عن أبي مطيع بن رفاعة وقيل: عن أبي رفاعة وقيل عن أبي سلمة عن أبي هريرة وهذا لا يقدح في الحديث فإنه قد يكون عند يحيى عن محمد بن عبد الرحمن عن جابر وعنده عن ابن ثوبان عن أبي سلمة عن أبي هريرة وعنده عن ابن ثوبان عن رفاعة عن أبي سعيد. ويبقى الاختلاف في اسم أبي رفاعة هل هو أبو رافع أو ابن رفاعة أو أبو مطيع وهذا لا يضر مع العلم بحال رفاعة. ولا ريب أن أحاديث جابر صريحة صحيحة في جواز العزل وقد قال الشافعي رحمه الله: ونحن نروي عن عدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم رخصوا في ذلك ولم يروا به بأسا. قال البيهقي: وقد روينا الرخصة فيه عن سعد بن أبي وقاص وأبي أيوب الأنصاري وزيد بن ثابت وابن عباس وغيرهم وهو مذهب مالك والشافعي وأهل الكوفة وجمهور أهل العلم. وقد أجيب عن حديث جدامة بأنه على طريق التنزيه وضعفته طائفة وقالوا: كيف يصح أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كذب اليهود في ذلك ثم يخبر به كخبرهم! هذا من المحال البين وردت عليه طائفة أخرى وقالوا: حديث تكذيبهم فيه اضطراب وحديث جدامة في quot; الصحيح quot;. وجمعت طائفة أخرى بين الحديثين وقالت: إن اليهود كانت تقول: إن العزل لا يكون معه حمل أصلا فكذبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: ( لو أراد الله أن يخلقه لما استطعت أن تصرفه )  وقوله: ( إنه الوأد الخفي ) فإنه وإن لم يمنع الحمل بالكلية كترك الوطء فهو مؤثر في تقليله.(5\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2020",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10586",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالت طائفة أخرى: الحديثان صحيحان ولكن حديث التحريم ناسخ وهذه طريقة أبي محمد ابن حزم وغيره. قالوا: لأنه ناقل عن الأصل والأحكام كانت قبل التحريم على الإباحة ودعوى هؤلاء تحتاج إلى تاريخ محقق يبين تأخر أحد الحديثين عن الآخر وأنى لهم به وقد اتفق عمر وعلي رضي الله عنهما على أنها لا تكون موءودة حتى تمر عليها التارات السبع فروى القاضي أبو يعلى وغيره بإسناده عن عبيد بن رفاعة عن أبيه قال: (جلس إلى عمر علي والزبير وسعد رضي الله عنهم في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتذاكروا العزل فقالوا: لا بأس به فقال: رجل إنهم يزعمون أنها الموءودة الصغرى فقال علي رضي الله عنه: لا تكون موءودة حتى تمر عليها التارات السبع حتى تكون من سلالة من طين ثم تكون نطفة ثم تكون علقة ثم تكون مضغة ثم تكون عظاما ثم تكون لحما ثم تكون خلقا آخر فقال عمر رضي الله عنه: صدقت أطال الله بقاءك) وبهذا احتج من احتج على جواز الدعاء للرجل بطول البقاء. وأما من جوزه بإذن الحرة فقال للمرأة حق في الولد كما للرجل حق فيه ولهذا كانت أحق بحضانته قالوا: ولم يعتبر إذن السرية فيه لأنها لا حق لها في القسم ولهذا لا تطالبه بالفيئة. ولو كان لها حق في الوطء لطولب المؤلي منها بالفيئة. قالوا: وأما زوجته الرقيقة فله أن يعزل عنها بغير إذنها صيانة لولده عن الرق ولكن يعتبر إذن سيدها لأن له حقا في الولد فاعتبر إذنه في العزل كالحرة ولأن بدل البضع يحصل للسيد كما يحصل للحرة فكان إذنه في العزل كإذن الحرة. قال أحمد رحمه الله في رواية أبي طالب في الأمة إذا نكحها: يستأذن أهلها يعني في العزل لأنهم يريدون الولد والمرأة لها حق تريد الولد وملك يمينه لا يستأذنها.(5\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2021",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10587",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال في رواية صالح وابن منصور وحنبل وأبي الحارث والفضل ابن زياد والمروذي: يعزل عن الحرة بإذنها والأمة بغير إذنها يعني: أمته. وقال في رواية ابن هانئ: إذا عزل عنها لزمه الولد قد يكون الولد مع العزل. وقد قال بعض من قال: ما لي ولد إلا من العزل. وقال في رواية المروذي: في العزل عن أم الولد إن شاء فإن قالت: لا يحل لك ليس لها ذلك.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الغيل وهو وطء المرضعة] ثبت عنه في quot; صحيح مسلم quot;: أنه قال: ( لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم ) . وفي quot; سنن أبي داود quot; عنه من حديث أسماء بنت يزيد: ( لا تقتلوا أولادكم سرا فوالذي نفسي بيده إنه ليدرك الفارس فيدعثره ) . قال: قلت: ما يعني قالت: الغيلة يأتي الرجل امرأته وهي ترضع. قلت: أما الحديث الأول فهو حديث جدامة بنت وهب وقد تضمن(5\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2022",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10588",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أمرين لكل منهما معارض فصدره هو الذي تقدم: ( لقد هممت أن أنهى عن الغيلة ) وقد عارضه حديث أسماء وعجزه: ثم سألوه عن العزل فقال: ( ذلك الوأد الخفي ) وقد عارضه حديث أبي سعيد: ( كذبت يهود )  وقد يقال إن قوله: ( لا تقتلوا أولادكم سرا ) نهي أن يتسبب إلى ذلك فإنه شبه الغيل بقتل الولد وليس بقتل حقيقة وإلا كان من الكبائر وكان قرين الإشراك بالله. ولا ريب أن وطء المراضع مما تعم به البلوى ويتعذر على الرجل الصبر عن امرأته مدة الرضاع ولو كان وطؤهن حراما لكان معلوما من الدين وكان بيانه من أهم الأمور ولم تهمله الأمة وخير القرون ولا يصرح أحد منهم بتحريمه فعلم أن حديث أسماء على وجه الإرشاد والاحتياط للولد وأن لا يعرضه لفساد اللبن بالحمل الطارئ عليه ولهذا كان عادة العرب أن يسترضعوا لأولادهم غير أمهاتهم والمنع منه غايته أن يكون من باب سد الذرائع التي قد تفضي إلى الإضرار بالولد وقاعدة باب سد الذرائع إذا عارضه مصلحة راجحة قدمت عليه كما تقدم بيانه مرارا والله أعلم.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في قسم الابتداء والدوام بين الزوجات] ثبت في quot; الصحيحين quot;: عن أنس رضي الله عنه أنه قال: من السنة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب أقام عندها سبعا وقسم وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا ثم قسم . قال أبو قلابة: ولو شئت لقلت إن أنسا رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا الذي قاله أبو قلابة قد جاء مصرحا به عن أنس كما رواه البزار في quot; مسنده quot; من طريق أيوب السختياني عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه أن(5\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2023",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10589",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النبي صلى الله عليه وسلم: ( جعل للبكر سبعا وللثيب ثلاثا ) . وروى الثوري عن أيوب وخالد الحذاء كلاهما عن أبي قلابة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا تزوج البكر أقام عندها سبعا وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا ) . وفي quot; صحيح مسلم quot;: عن ( أم سلمة رضي الله عنها لما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها أقام عندها ثلاثا ثم قال: quot; إنه ليس بك على أهلك هوان إن شئت سبعت لك وإن سبعت لك سبعت لنسائي )  وله في لفظ quot; لما أراد أن يخرج أخذت بثوبه فقال: ( إن شئت زدتك وحاسبتك به للبكر سبع وللثيب ثلاث ) . وفي quot; السنن quot;: عن عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل ويقول: ( اللهم إن هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ) يعني القلب. وفي quot; الصحيحين quot;: أنه صلى الله عليه وسلم: ( كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه ) . وفي quot; الصحيحين ( أن سودة وهبت يومها لعائشة رضي الله عنها وكان(5\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2024",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10590",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة ) . وفي quot; السنن quot;: عن عائشة رضي الله عنها كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا جميعا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت عندها . وفي quot; صحيح مسلم quot;: ( إنهن كن يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها ) . وفي quot; الصحيحين quot;: عن (عائشة رضي الله عنها في قوله: وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا [النساء: 128] أنزلت في المرأة تكون عند الرجل فتطول صحبتها فيريد طلاقها فتقول: لا تطلقني وأمسكني وأنت في حل من النفقة علي والقسم لي فذلك قوله فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير [النساء: 128] ) . وقضى خليفته الراشد وابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه إذا تزوج الحرة على الأمة قسم للأمة ليلة وللحرة ليلتين. وقضاء خلفائه وإن لم يكن مساويا لقضائه فهو كقضائه في وجوبه على الأمة وقد احتج الإمام أحمد بهذا القضاء عن علي رضي الله عنه وقد ضعفه أبو محمد بن حزم بالمنهال بن عمرو وبابن أبي ليلى ولم يصنع شيئا فإنهما ثقتان حافظان جليلان ولم يزل الناس يحتجون بابن أبي ليلى على شيء ما في حفظه يتقى منه ما خالف فيه(5\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2025",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10591",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأثبات وما تفرد به عن الناس وإلا فهو غير مدفوع عن الأمانة والصدق فتضمن هذا القضاء أمورا. منها وجوب قسم الابتداء وهو أنه إذا تزوج بكرا على ثيب أقام عندها سبعا ثم سوى بينهما وإن كانت ثيبا خيرها بين أن يقيم عندها سبعا ثم يقضيها للبواقي وبين أن يقيم عندها ثلاثا ولا يحاسبها هذا قول الجمهور وخالف فيه إمام أهل الرأي وإمام أهل الظاهر وقالوا: لا حق للجديدة غير ما تستحقه التي عنده فيجب عليه التسوية بينهما. ومنها. أن الثيب إذا اختارت السبع قضاهن للبواقي واحتسب عليها بالثلاث ولو اختارت الثلاث لم يحتسب عليها بها وعلى هذا من سومح بثلاث دون ما فوقها ففعل أكثر منها دخلت الثلاث في الذي لم يسامح به بحيث لو ترتب عليه إثم أثم على الجميع وهذا كما رخص النبي صلى الله عليه وسلم للمهاجر أن يقيم بعد قضاء نسكه ثلاثا. فلو أقام أبدا ذم على الإقامة كلها. ومنها: أنه لا تجب التسوية بين النساء في المحبة فإنها لا تملك وكانت عائشة رضي الله عنها أحب نسائه إليه. وأخذ من هذا أنه لا تجب التسوية بينهن في الوطء لأنه موقوف على المحبة والميل وهي بيد مقلب القلوب. وفي هذا تفصيل: وهو أنه إن تركه لعدم الداعي إليه وعدم الانتشار فهو معذور وإن تركه مع الداعي إليه ولكن داعيه إلى الضرة أقوى فهذا مما يدخل تحت قدرته وملكه فإن أدى الواجب عليه منه لم يبق لها حق ولم يلزمه التسوية وإن ترك الواجب منه فلها المطالبة به. ومنها: إذا أراد السفر لم يجز له أن يسافر بإحداهن إلا بقرعة. ومنها: أنه لا يقضي للبواقي إذا قدم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يقضي للبواقي.(5\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2026",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10592",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي هذا ثلاثة مذاهب. أحدها: أنه لا يقضي سواء أقرع أو لم يقرع وبه قال أبو حنيفة ومالك. والثاني: أنه يقضي للبواقي أقرع أو لم يقرع وهذا مذهب أهل الظاهر. والثالث: أنه إن أقرع لم يقض وإن لم يقرع قضى وهذا قول أحمد والشافعي. ومنها: أن للمرأة أن تهب ليلتها لضرتها فلا يجوز له جعلها لغير الموهوبة وإن وهبتها للزوج فله جعلها لمن شاء منهن والفرق بينهما أن الليلة حق للمرأة فإذا أسقطتها وجعلتها لضرتها تعينت لها وإذا جعلتها للزوج جعلها لمن شاء من نسائه فإذا اتفق أن تكون ليلة الواهبة تلي ليلة الموهوبة قسم لها ليلتين متواليتين وإن كانت لا تليها فهل له نقلها إلى مجاورتها فيجعل الليلتين متجاورتين على قولين للفقهاء وهما في مذهب أحمد والشافعي. ومنها: أن الرجل له أن يدخل على نسائه كلهن في يوم إحداهن ولكن لا يطؤها في غير نوبتها. ومنها: أن لنسائه كلهن أن يجتمعن في بيت صاحبة النوبة يتحدثن إلى أن يجيء وقت النوم فتؤوب كل واحدة إلى منزلها. ومنها: أن الرجل إذا قضى وطرا من امرأته وكرهتها نفسه أو عجز عن حقوقها فله أن يطلقها وله أن يخيرها إن شاءت أقامت عنده ولا حق لها في القسم والوطء والنفقة أو في بعض ذلك بحسب ما يصطلحان عليه فإذا رضيت بذلك لزم وليس لها المطالبة به بعد الرضى. هذا موجب السنة ومقتضاها وهو الصواب الذي لا يسوغ غيره وقول من قال إن حقها يتجدد فلها الرجوع في ذلك متى شاءت فاسد فإن هذا خرج مخرج المعاوضة وقد سماه الله تعالى صلحا فيلزم كما يلزم ما صالح عليه من(5\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2027",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10593",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحقوق والأموال ولو مكنت من طلب حقها بعد ذلك لكان فيه تأخير الضرر إلى أكمل حالتيه ولم يكن صلحا بل كان من أقرب أسباب المعاداة والشريعة منزهة عن ذلك ومن علامات المنافق أنه إذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر والقضاء النبوي يرد هذا. ومنها: أن الأمة المزوجة على النصف من الحرة كما قضى به أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ولا يعرف له في الصحابة مخالف وهو قول جمهور الفقهاء إلا رواية عن مالك أنهما سواء وبها قال أهل الظاهر وقول الجمهور هو الذي يقتضيه العدل فإن الله سبحانه لم يسو بين الحرة والأمة لا في الطلاق ولا في العدة ولا في الحد ولا في الملك ولا في الميراث ولا في الحج ولا في مدة الكون عند الزوج ليلا ونهارا ولا في أصل النكاح - بل جعل نكاحها بمنزلة الضرورة - ولا في عدد المنكوحات فإن العبد لا يتزوج أكثر من اثنتين هذا قول الجمهور وروى الإمام أحمد بإسناده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (يتزوج العبد ثنتين ويطلق ثنتين وتعتد امرأته حيضتين) واحتج به أحمد ورواه أبو بكر عبد العزيز عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لا يحل للعبد من النساء إلا ثنتان. وروى الإمام أحمد بإسناده عن محمد بن سيرين قال: (سأل عمر رضي الله عنه الناس كم يتزوج العبد فقال عبد الرحمن ثنتين وطلاقه ثنتين) . فهذا عمر وعلي وعبد الرحمن رضي الله عنهم ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة مع انتشار هذا القول وظهوره وموافقته للقياس.  [فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم في تحريم وطء المرأة الحبلى من غير الواطئ] ثبت في quot; صحيح مسلم quot;: من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه ( أن(5\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2028",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10594",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النبي صلى الله عليه وسلم أتى بامرأة مجح على باب فسطاط فقال: quot; لعله يريد أن يلم بها quot;. فقالوا: نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره كيف يورثه وهو لا يحل له كيف يستخدمه وهو لا يحل له ) . قال أبو محمد ابن حزم: لا يصح في تحريم وطء الحامل خبر غير هذا. انتهى وقد روى أهل quot; السنن quot; من حديث أبي سعيد رضي الله عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سبايا أوطاس: quot; لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير حامل حتى تحيض حيضة ) . وفي الترمذي وغيره من حديث رويفع بن ثابت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه ولد غيره ) قال الترمذي: حديث حسن. وفيه عن العرباض بن سارية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهن ) . وقوله صلى الله عليه وسلم: ( كيف يورثه وهو لا يحل له كيف يستخدمه وهو لا يحل له ) كان شيخنا يقول في معناه: كيف يجعله عبدا موروثا عنه ويستخدمه استخدام العبيد وهو ولده لأن وطأه زاد في خلقه قال الإمام أحمد: الوطء يزيد في سمعه وبصره. قال: فيمن اشترى جارية حاملا من غيره فوطئها قبل وضعها فإن الولد لا يلحق بالمشتري ولا يتبعه لكن يعتقه لأنه قد شرك فيه لأن الماء يزيد في(5\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2029",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10595",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الولد وقد روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن ( النبي صلى الله عليه وسلم مر بامرأة مجح على باب فسطاط فقال: quot; لعله يريد أن يلم بها ) وذكر الحديث. يعني: أنه إن استلحقه وشركه في ميراثه لم يحل له لأنه ليس بولده وإن أخذه مملوكا يستخدمه لم يحل له لأنه قد شرك فيه لكون الماء يزيد في الولد. وفي هذا دلالة ظاهرة على تحريم نكاح الحامل سواء كان حملها من زوج أو سيد أو شبهة أو زنى وهذا لا خلاف فيه إلا فيما إذا كان الحمل من زنى ففي صحة العقد قولان: أحدهما: بطلانه وهو مذهب أحمد ومالك. والثاني: صحته وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ثم اختلفا فمنع أبو حنيفة من الوطء حتى تنقضي العدة وكرهه الشافعي وقال أصحابه لا يحرم.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الرجل يعتق أمته ويجعل عتقها صداقها] ثبت عنه في quot; الصحيح quot;: أنه ( أعتق صفية وجعل عتقها صداقها. قيل: لأنس ما أصدقها قال: أصدقها نفسها ) وذهب إلى جواز ذلك علي بن أبي طالب وفعله أنس بن مالك وهو مذهب أعلم التابعين وسيدهم سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن والحسن البصري والزهري وأحمد وإسحاق. وعن أحمد رواية أخرى أنه لا يصح حتى يستأنف نكاحها بإذنها فإن أبت ذلك فعليها قيمتها. وعنه رواية ثالثة أنه يوكل رجلا يزوجه إياها. والصحيح هو القول الأول الموافق للسنة وأقوال الصحابة والقياس فإنه كان يملك رقبتها فأزال ملكه عن رقبتها وأبقى ملك المنفعة بعقد النكاح(5\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2030",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10596",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهو أولى بالجواز مما لو أعتقها واستثنى خدمتها. وقد تقدم تقرير ذلك في غزاة خيبر.  [فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم في صحة النكاح الموقوف على الإجازة] في quot; السنن quot;: عن ابن عباس رضي الله عنهما ( أن جارية بكرا أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم ) . وقد نص الإمام أحمد على القول بمقتضى هذا فقال في رواية صالح في صغير زوجه عمه قال: إن رضي به في وقت من الأوقات جاز وإن لم يرض فسخ ونقل عنه ابنه عبد الله إذا زوجت اليتيمة فإذا بلغت فلها الخيار وكذلك نقل ابن منصور عنه حكي له قول سفيان في يتيمة زوجت ودخل بها الزوج ثم حاضت عند الزوج بعد قال: تخير فإن اختارت نفسها لم يقع التزويج وهي أحق بنفسها وإن قالت: اخترت زوجي فليشهدوا على نكاحهما. قال أحمد جيد. وقال في رواية حنبل في العبد إذا تزوج بغير إذن سيده ثم علم السيد بذلك: فإن شاء يطلق عليه فالطلاق بيد السيد وإذا أذن له في التزويج فالطلاق بيد العبد ومعنى قوله يطلق أي: يبطل العقد ويمنع تنفيذه وإجازته هكذا أوله القاضي وهو خلاف ظاهر النص وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك على تفصيل في مذهبه والقياس يقتضي صحة هذا القول فإن الإذن إذا جاز أن يتقدم القبول والإيجاب جاز أن يتراخى عنه. وأيضا فإنه كما يجوز وقفه على الفسخ يجوز وقفه على الإجازة كالوصية(5\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2031",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10597",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولأن المعتبر هو التراضي وحصوله في ثاني الحال كحصوله في الأول ولأن إثبات الخيار في عقد البيع هو وقف للعقد في الحقيقة على إجازة من له الخيار ورده وبالله التوفيق.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الكفاءة في النكاح] قال الله تعالى: ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم [الحجرات: 13] [الحجرات: 13] . وقال تعالى: إنما المؤمنون إخوة [الحجرات: 10] [الحجرات: 10] . وقال: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض [التوبة: 71] [التوبة 71] وقال تعالى: فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض [آل عمران: 195] [آل عمران: 195] وقال صلى الله عليه وسلم: ( لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأبيض على أسود. ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب ) . وقال صلى الله عليه وسلم: ( إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء إن أوليائي المتقون حيث كانوا وأين كانوا ) .(5\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2032",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10598",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الترمذي: عنه صلى الله عليه وسلم ( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)  قالوا: يا رسول الله وإن كان فيه فقال إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ثلاث مرات . وقال النبي صلى الله عليه وسلم لبني بياضة (أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه ) وكان حجاما. وزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش القرشية من زيد بن حارثة مولاه ( وزوج فاطمة بنت قيس الفهرية القرشية من أسامة ابنه ) وتزوج بلال بن رباح بأخت عبد الرحمن بن عوف وقد قال الله تعالى: والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات [النور: 26] [النور: 26] وقد قال تعالى: فانكحوا ما طاب لكم من النساء [النساء: 3] [النساء: 3] فالذي يقتضيه حكمه صلى الله عليه وسلم اعتبار الدين في الكفاءة أصلا وكمالا فلا تزوج مسلمة بكافر ولا عفيفة بفاجر ولم يعتبر القرآن والسنة في الكفاءة أمرا وراء ذلك فإنه حرم على المسلمة نكاح الزاني الخبيث ولم يعتبر نسبا ولا صناعة ولا غنى ولا حرية فجوز للعبد القن نكاح الحرة النسيبة الغنية إذا كان عفيفا مسلما وجوز لغير القرشيين نكاح القرشيات ولغير الهاشميين نكاح الهاشميات وللفقراء نكاح الموسرات. وقد تنازع الفقهاء في أوصاف الكفاءة فقال مالك في ظاهر مذهبه إنها(5\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2033",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10599",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدين وفي رواية عنه إنها ثلاثة الدين والحرية والسلامة من العيوب. وقال أبو حنيفة: هي النسب والدين. وقال أحمد في رواية عنه هي الدين والنسب خاصة. وفي رواية أخرى: هي خمسة الدين والنسب والحرية والصناعة والمال. وإذا اعتبر فيها النسب فعنه فيه روايتان: إحداهما: أن العرب بعضهم لبعض أكفاء. الثانية: أن قريشا لا يكافئهم إلا قرشي وبنو هاشم لا يكافئهم إلا هاشمي. وقال أصحاب الشافعي: يعتبر فيها الدين والنسب والحرية والصناعة والسلامة من العيوب المنفرة. ولهم في اليسار ثلاثة أوجه: اعتباره فيها وإلغاؤه واعتباره في أهل المدن دون أهل البوادي فالعجمي ليس عندهم كفئا للعربي ولا غير القرشي للقرشية ولا غير الهاشمي للهاشمية ولا غير المنتسبة إلى العلماء والصلحاء المشهورين كفئا لمن ليس منتسبا إليهما ولا العبد كفئا للحرة ولا العتيق كفئا لحرة الأصل ولا من مس الرق أحد آبائه كفئا لمن لم يمسها رق ولا أحدا من آبائها وفي تأثير رق الأمهات وجهان ولا من به عيب مثبت للفسخ كفئا للسليمة منه فإن لم يثبت الفسخ وكان منفرا كالعمى والقطع وتشويه الخلقة فوجهان: واختار الروياني أن صاحبه ليس بكفء ولا الحجام والحائك والحارس كفئا لبنت التاجر والخياط ونحوهما ولا المحترف لبنت العالم ولا الفاسق كفئا للعفيفة ولا المبتدع للسنية ولكن الكفاءة عند الجمهور هي حق للمرأة والأولياء. ثم اختلفوا فقال أصحاب الشافعي: هي لمن له ولاية في الحال. وقال أحمد في رواية: حق لجميع الأولياء قريبهم وبعيدهم فمن لم يرض منهم فله الفسخ. وقال أحمد في رواية ثالثة: إنها حق الله فلا يصح رضاهم بإسقاطه ولكن على هذه الرواية لا تعتبر الحرية ولا اليسار ولا الصناعة ولا النسب إنما يعتبر الدين فقط فإنه لم يقل أحمد ولا أحد من(5\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2034",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10600",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العلماء إن نكاح الفقير للموسرة باطل وإن رضيت ولا يقول هو ولا أحد: إن نكاح الهاشمية لغير الهاشمي والقرشية لغير القرشي باطل وإنما نبهنا على هذا لأن كثيرا من أصحابنا يحكون الخلاف في الكفاءة هل هي حق لله أو للآدمي ويطلقون مع قولهم إن الكفاءة هي الخصال المذكورة وفي هذا من التساهل وعدم التحقيق ما فيه.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في ثبوت الخيار للمعتقة تحت العبد] ثبت في quot; الصحيحين quot; و quot; السنن quot;: أن بريرة كاتبت أهلها وجاءت تسأل النبي صلى الله عليه وسلم في كتابتها فقالت عائشة رضي الله عنها: إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت فذكرت ذلك لأهلها فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: (اشتريها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق)  ثم خطب الناس فقال: quot; ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط قضاء الله أحق وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق quot; ثم خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أن تبقى على نكاح زوجها وبين أن تفسخه فاختارت نفسها فقال لها: quot; إنه زوجك وأبو ولدك quot; فقالت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: تأمرني بذلك قال: quot; لا إنما أنا شافع قالت: فلا حاجة لي فيه وقال لها إذ خيرها: (إن قربك فلا خيار لك quot; وأمرها أن تعتد وتصدق عليها بلحم فأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم وقال quot; هو عليها صدقة ولنا هدية ) .(5\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2035",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10601",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان في قصة بريرة من الفقه جواز مكاتبة المرأة وجواز بيع المكاتب وإن لم يعجزه سيده وهذا مذهب أحمد المشهور عنه وعليه أكثر نصوصه. وقال في رواية أبي طالب: لا يطأ مكاتبته ألا ترى أنه لا يقدر أن يبيعها. وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي. والنبي صلى الله عليه وسلم أقر عائشة رضي الله عنها على شرائها وأهلها على بيعها ولم يسأل: أعجزت أم لا ومجيئها تستعين في كتابتها لا يستلزم عجزها وليس في بيع المكاتب محذور فإن بيعه لا يبطل كتابته فإنه يبقى عند المشتري كما كان عند البائع إن أدى إليه عتق وإن عجز عن الأداء فله أن يعيده إلى الرق كما كان عند بائعه فلو لم تأت السنة بجواز بيعه لكان القياس يقتضيه. وقد ادعى غير واحد الإجماع القديم على جواز بيع المكاتب. قالوا: لأن قصة بريرة وردت بنقل الكافة ولم يبق بالمدينة من لم يعرف ذلك لأنها صفقة. جرت بين أم المؤمنين وبين بعض الصحابة رضي الله عنهم وهم موالي بريرة ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس في أمر بيعها خطبة في غير وقت الخطبة ولا يكون شيء أشهر من هذا ثم كان من مشي زوجها خلفها باكيا في أزقة المدينة ما زاد الأمر شهرة عند النساء والصبيان قالوا: فظهر يقينا أنه إجماع من الصحابة إذ لا يظن بصاحب أنه يخالف من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل هذا الأمر الظاهر المستفيض. قالوا: ولا يمكن أن توجدوا عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم المنع من بيع المكاتب إلا رواية شاذة عن ابن عباس لا يعرف لها إسناد. واعتذر من منع بيعه بعذرين. أحدهما: أن بريرة كانت قد عجزت وهذا(5\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2036",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10602",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عذر أصحاب الشافعي. والثاني: أن البيع ورد على مال الكتابة لا على رقبتها وهذا عذر أصحاب مالك. وهذان العذران أحوج إلى أن يعتذر عنهما من الحديث ولا يصح واحد منهما أما الأول: فلا ريب أن هذه القصة كانت بالمدينة وقد شهدها العباس وابنه عبد الله وكانت الكتابة تسع سنين في كل سنة أوقية ولم تكن بعد أدت شيئا ولا خلاف أن العباس وابنه إنما سكنا المدينة بعد فتح مكة ولم يعش النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إلا عامين وبعض الثالث فأين العجز وحلول النجوم! . وأيضا فإن بريرة لم تقل: عجزت ولا قالت لها عائشة: أعجزت ولا اعترف أهلها بعجزها ولا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعجزها ولا وصفها به ولا أخبر عنها البتة فمن أين لكم هذا العجز الذي تعجزون عن إثباته! . وأيضا فإنها إنما قالت لعائشة: كاتبت أهلي على تسع أواق في كل سنة أوقية وإني أحب أن تعينيني ولم تقل: لم أؤد لهم شيئا ولا مضت علي نجوم عدة عجزت عن الأداء فيها ولا قالت عجزني أهلي. وأيضا فإنهم لو عجزوها لعادت في الرق ولم تكن حينئذ لتسعى في كتابتها وتستعين بعائشة على أمر قد بطل. فإن قيل الذي يدل على عجزها قول عائشة: إن أحب أهلك أن أشتريك وأعتقك ويكون ولاؤك لي فعلت. وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: quot; اشتريها فأعتقيها quot; وهذا يدل على إنشاء عتق من عائشة رضي الله عنها وعتق المكاتب بالأداء لا بإنشاء من السيد. قيل هذا هو الذي أوجب لهم القول ببطلان الكتابة. قالوا: ومن المعلوم أنها لا تبطل إلا بعجز المكاتب أو تعجيزه نفسه وحينئذ فيعود في الرق فإنما ورد البيع على رقيق لا على مكاتب. وجواب هذا: أن ترتيب العتق على الشراء لا يدل على إنشائه فإنه ترتيب للمسبب على سببه ولا سيما فإن عائشة لما أرادت أن تعجل كتابتها جملة(5\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2037",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10603",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحدة كان هذا سببا في إعتاقها وقد قلتم أنتم إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه ) . إن هذا من ترتيب المسبب على سببه وأنه بنفس الشراء يعتق عليه لا يحتاج إلى إنشاء عتق. وأما العذر الثاني: فأمره أظهر وسياق القصة يبطله فإن أم المؤمنين اشترتها فأعتقتها وكان ولاؤها لها وهذا مما لا ريب فيه ولم تشتر المال والمال كان تسع أواق منجمة فعدتها لهم جملة واحدة ولم تتعرض للمال الذي في ذمتها ولا كان غرضها بوجه ما ولا كان لعائشة غرض في شراء الدراهم المؤجلة بعددها حالة. وفي القصة جواز المعاملة بالنقود عددا إذا لم يختلف مقدارها وفيها أنه لا يجوز لأحد من المتعاقدين أن يشترط على الآخر شرطا يخالف حكم الله ورسوله وهذا معنى قوله quot; ليس في كتاب الله quot; أي: ليس في حكم الله جوازه وليس المراد أنه ليس في القرآن ذكره وإباحته ويدل عليه قوله ( كتاب الله أحق وشرط الله أوثق ) . وقد استدل به من صحح العقد الذي شرط فيه شرط فاسد ولم يبطل العقد به وهذا فيه نزاع وتفصيل يظهر الصواب منه في تبيين معنى الحديث فإنه قد أشكل على الناس قوله quot; اشترطي لهم الولاء فإن الولاء لمن أعتق quot; فأذن لها في هذا الاشتراط وأخبر أنه لا يفيد. والشافعي طعن في هذه اللفظة وقال: إن هشام بن عروة انفرد بها وخالفه غيره فردها الشافعي ولم يثبتها ولكن أصحاب quot; الصحيحين quot; وغيرهم أخرجوها ولم يطعنوا فيها ولم يعللها أحد سوى الشافعي فيما نعلم.(5\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2038",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10604",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم اختلفوا في معناها فقالت طائفة: اللام ليست على بابها بل هي بمعنى quot; على quot; كقوله إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها [الإسراء: 7] [الإسراء: 7] أي فعليها كما قال تعالى: من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها [فصلت: 46] [فصلت 46] وردت طائفة هذا الاعتذار بخلافه لسياق القصة ولموضوع الحرف وليس نظير الآية فإنها قد فرقت بين ما للنفس وبين ما عليها بخلاف قوله: (اشترطي لهم) . وقالت طائفة بل اللام على بابها ولكن في الكلام محذوف تقديره: اشترطي لهم أو لا تشترطي فإن الاشتراط لا يفيد شيئا لمخالفته لكتاب الله. ورد غيرهم هذا الاعتذار لاستلزامه إضمار ما لا دليل عليه والعلم به من نوع علم الغيب. وقالت طائفة أخرى: بل هذا أمر تهديد لا إباحة كقوله تعالى: اعملوا ما شئتم [فصلت: 40] [فصلت: 40] وهذا في البطلان من جنس ما قبله وأظهر فسادا فما لعائشة وما للتهديد هنا وأين في السياق ما يقتضي التهديد لها نعم هم أحق بالتهديد لا أم المؤمنين. وقالت طائفة: بل هو أمر إباحة وإذن وأنه يجوز اشتراط مثل هذا ويكون ولاء المكاتب للبائع قاله بعض الشافعية وهذا أفسد من جميع ما تقدم وصريح الحديث يقتضي بطلانه ورده. وقالت طائفة: إنما أذن لها في الاشتراط ليكون وسيلة إلى ظهور بطلان هذا الشرط وعلم الخاص والعام به وتقرر حكمه صلى الله عليه وسلم وكان القوم قد علموا حكمه صلى الله عليه وسلم في ذلك فلم يقنعوا دون أن يكون الولاء لهم فعاقبهم بأن أذن لعائشة في الاشتراط ثم خطب الناس فأذن فيهم ببطلان هذا الشرط وتضمن حكما من(5\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2039",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10605",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحكام الشريعة وهو أن الشرط الباطل إذا شرط في العقد لم يجز الوفاء به ولولا الإذن في الاشتراط لما علم ذلك فإن الحديث تضمن فساد هذا الحكم وهو كون الولاء لغير المعتق. وأما بطلانه إذا شرط فإنما استفيد من تصريح النبي صلى الله عليه وسلم ببطلانه بعد اشتراطه ولعل القوم اعتقدوا أن اشتراطه يفيد الوفاء به وإن كان خلاف مقتضى العقد المطلق فأبطله النبي صلى الله عليه وسلم وإن شرط كما أبطله بدون الشرط. فإن قيل: فإذا فات مقصود المشترط ببطلان الشرط فإنه إما أن يسلط على الفسخ أو يعطى من الأرش بقدر ما فات من غرضه والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقض بواحد من الأمرين. قيل: هذا إنما يثبت إذا كان المشترط جاهلا بفساد الشرط. فأما إذا علم بطلانه ومخالفته لحكم الله كان عاصيا آثما بإقدامه على اشتراطه فلا فسخ له ولا أرش وهذا أظهر الأمرين في موالي بريرة والله أعلم.  [فصل ما في إنما الولاء لمن أعتق من العموم] فصل وفي قوله صلى الله عليه وسلم: quot; إنما الولاء لمن أعتق quot; من العموم ما يقتضي ثبوته لمن أعتق سائبة أو في زكاة أو كفارة أو عتق واجب وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات وقال في الرواية الأخرى: لا ولاء عليه وقال في الثالثة: يرد ولاؤه في عتق مثله ويحتج بعمومه أحمد ومن وافقه في أن المسلم إذا أعتق عبدا ذميا ثم مات العتيق ورثه بالولاء وهذا العموم أخص من قوله: ( لا يرث المسلم الكافر ) فيخصصه أو يقيده وقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة: لا يرثه بالولاء إلا أن يموت العبد مسلما ولهم أن يقولوا: إن عموم قوله quot; الولاء لمن أعتق quot; مخصوص بقوله ( لا يرث المسلم الكافر ) .(5\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2040",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10606",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل تخيير الأمة المزوجة إذا أعتقت وزوجها عبد] فصل وفي القصة من الفقه تخيير الأمة المزوجة إذا أعتقت وزوجها عبد وقد اختلفت الرواية في زوج بريرة هل كان عبدا أو حرا . فقال القاسم عن عائشة رضي الله عنها: (كان عبدا ولو كان حرا لم يخيرها) وقال عروة عنها: كان حرا. وقال ابن عباس: (كان عبدا أسود يقال له مغيث عبدا لبني فلان كأني أنظر إليه يطوف وراءها في سكك المدينة) وكل هذا في الصحيح. وفي quot; سنن أبي داود quot; عن عروة عن عائشة كان عبدا لآل أبي أحمد فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها: ( إن قربك فلا خيار لك ) . وفي quot; مسند أحمد quot; عن عائشة رضي الله عنها: أن بريرة كانت تحت عبد فلما أعتقتها قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اختاري فإن شئت أن تمكثي تحت هذا العبد وإن شئت أن تفارقيه ) . وقد روي في quot; الصحيح quot;: أنه كان حرا. وأصح الروايات وأكثرها: أنه كان عبدا وهذا الخبر رواه عن عائشة رضي الله عنها ثلاثة الأسود وعروة والقاسم أما الأسود فلم يختلف عنه عن عائشة أنه كان حرا وأما عروة فعنه روايتان صحيحتان متعارضتان: إحداهما: أنه كان حرا والثانية: أنه كان عبدا وأما عبد الرحمن بن القاسم فعنه روايتان صحيحتان: إحداهما: أنه كان حرا والثانية: الشك. قال داود بن مقاتل ولم تختلف الرواية عن ابن عباس أنه كان عبدا. واتفق الفقهاء على تخيير الأمة إذا أعتقت وزوجها عبد واختلفوا إذا كان حرا فقال الشافعي ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه: لا تخيير. وقال أبو(5\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2041",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10607",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حنيفة وأحمد في الرواية الثانية تخير. وليست الروايتان مبنيتين على كون زوجها عبدا أو حرا بل على تحقيق المناط في إثبات الخيار لها وفيه ثلاثة مآخذ للفقهاء: أحدها: زوال الكفاءة وهو المعبر عنه بقولهم كملت تحت ناقص. الثاني: أن عتقها أوجب للزوج ملك طلقة ثالثة عليها لم تكن مملوكة له بالعقد وهذا مأخذ أصحاب أبي حنيفة وبنوا على أصلهم أن الطلاق معتبر بالنساء لا بالرجال. الثالث: ملكها نفسها ونحن نبين ما في هذه. المأخذ الأول: وهو كمالها تحت ناقص فهذا يرجع إلى أن الكفاءة معتبرة في الدوام كما هي معتبرة في الابتداء فإذا زالت خيرت المرأة كما تخير إذا بان الزوج غير كفء لها. وهذا ضعيف من وجهين: أحدهما: أن شروط النكاح لا يعتبر دوامها واستمرارها وكذلك توابعه المقارنة لعقده لا يشترط أن تكون توابع في الدوام فإن رضى الزوجة غير المجبرة شرط في الابتداء دون الدوام وكذلك الولي والشاهدان وكذلك مانع الإحرام والعدة والزنى عند من يمنع نكاح الزانية إنما يمنع ابتداء العقد دون استدامته فلا يلزم من اشتراط الكفاءة ابتداء اشتراط استمرارها ودوامها. الثاني: أنه لو زالت الكفاءة في أثناء النكاح بفسق الزوج أو حدوث عيب موجب للفسخ لم يثبت الخيار على ظاهر المذهب وهو اختيار قدماء الأصحاب ومذهب مالك. وأثبت القاضي الخيار بالعيب الحادث ويلزمه إثباته بحدوث فسق الزوج وقال الشافعي: إن حدث بالزوج ثبت الخيار وإن حدث بالزوجة فعلى قولين. وأما المأخذ الثاني: وهو أن عتقها أوجب للزوج عليها ملك طلقة ثالثة فمأخذ ضعيف جدا فأي مناسبة بين ثبوت طلقة ثالثة وبين ثبوت الخيار لها وهل نصب الشارع ملك الطلقة الثالثة سببا لملك الفسخ وما يتوهم - من أنها كانت تبين منه باثنتين فصارت لا تبين إلا بثلاث وهو زيادة إمساك وحبس لم(5\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2042",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10608",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقتضه العقد - فاسد فإنه يملك ألا يفارقها البتة ويمسكها حتى يفرق الموت بينهما والنكاح عقد على مدة العمر فهو يملك استدامة إمساكها وعتقها لا يسلبه هذا الملك فكيف يسلبه إياه ملكه عليها طلقة ثالثة وهذا لو كان الطلاق معتبرا بالنساء فكيف والصحيح أنه معتبر بمن هو بيده وإليه ومشروع في جانبه. وأما المأخذ الثالث: وهو ملكها نفسها فهو أرجح المآخذ وأقربها إلى أصول الشرع وأبعدها من التناقض وسر هذا المأخذ أن السيد عقد عليها بحكم الملك حيث كان مالكا لرقبتها ومنافعها والعتق يقتضي تمليك الرقبة والمنافع للمعتق وهذا مقصود العتق وحكمته فإذا ملكت رقبتها ملكت بضعها ومنافعها ومن جملتها منافع البضع فلا يملك عليها إلا باختيارها فخيرها الشارع بين أن تقيم مع زوجها وبين أن تفسخ نكاحه إذ قد ملكت منافع بضعها وقد جاء في بعض طرق حديث بريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال لها: ( ملكت نفسك فاختاري ) . فإن قيل: هذا ينتقض بما لو زوجها ثم باعها فإن المشتري قد ملك رقبتها وبضعها ومنافعه ولا تسلطونه على فسخ النكاح. قلنا: لا يرد هذا نقضا فإن البائع نقل إلى المشتري ما كان مملوكا له فصار المشتري خليفته وهو لما زوجها أخرج منفعة البضع عن ملكه إلى الزوج ثم نقلها إلى المشتري مسلوبة منفعة البضع فصار كما لو آجر عبده مدة ثم باعه. فإن قيل: فهب أن هذا يستقيم لكم فيما إذا باعها فهلا قلتم ذلك إذا أعتقها وأنها ملكت نفسها مسلوبة منفعة البضع كما لو آجرها ثم أعتقها ولهذا ينتقض عليكم هذا المأخذ . قيل الفرق بينهما: أن العتق في تمليك العتيق رقبته ومنافعه أقوى من البيع ولهذا ينفذ فيما لم يعتقه ويسري في حصة الشريك بخلاف البيع فالعتق إسقاط ما كان السيد يملكه من عتيقه وجعله له محررا وذلك يقتضي إسقاط ملك نفسه ومنافعها كلها. وإذا كان العتق يسري في ملك الغير المحض الذي لا(5\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2043",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10609",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حق له فيه البتة فكيف لا يسري إلى ملكه الذي تعلق به حق الزوج فإذا سرى إلى نصيب الشريك الذي حق للمعتق فيه فسريانه إلى ملك الذي يتعلق به حق الزوج أولى وأحرى فهذا محض العدل والقياس الصحيح. فإن قيل: فهذا فيه إبطال حق الزوج من هذه المنفعة بخلاف الشريك فإنه يرجع إلى القيمة. قيل الزوج قد استوفى المنفعة بالوطء فطريان ما يزيل دوامها لا يسقط له حقا كما لو طرأ ما يفسده أو يفسخه برضاع أو حدوث عيب أو زوال كفاءة عند من يفسخ به. فإن قيل فما تقولون فيما رواه النسائي من حديث ابن موهب عن القاسم بن محمد قال: كان لعائشة رضي الله عنها غلام وجارية قالت: فأردت أن أعتقهما فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ابدئي بالغلام قبل الجارية ) ولولا أن التخيير يمنع إذا كان الزوج حرا لم يكن للبداءة بعتق الغلام فائدة فإذا بدأت به عتقت تحت حر فلا يكون لها اختيار. وفي quot; سنن النسائي quot; أيضا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أيما أمة كانت تحت عبد فعتقت فهي بالخيار ما لم يطأها زوجها ) . قيل: أما الحديث الأول فقال أبو جعفر العقيلي وقد رواه: هذا خبر لا يعرف إلا بعبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب وهو ضعيف. وقال ابن حزم: هو(5\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2044",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10610",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خبر لا يصح. ثم لما صح لم يكن فيه حجة لأنه ليس فيه أنهما كانا زوجين بل قال: كان لها عبد وجارية. ثم لو كانا زوجين لم يكن في أمرها لها بعتق العبد أولا ما يسقط خيار المعتقة تحت الحر وليس في الخبر أنه أمرها بالابتداء بالزوج لهذا المعنى بل الظاهر أنه أمرها بأن تبتدئ بالذكر لفضل عتقه على الأنثى وأن عتق أنثيين يقوم مقام عتق ذكر كما في الحديث الصحيح مبينا. وأما الحديث الثاني: فضعف لأنه من رواية الفضل بن حسن بن عمرو بن أمية الضمري وهو مجهول. فإذا تقرر هذا وظهر حكم الشرع في إثبات الخيار لها فقد روى الإمام أحمد بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا أعتقت الأمة فهي بالخيار ما لم يطأها إن شاءت فارقته وإن وطئها فلا خيار لها ولا تستطيع فراقه ) ويستفاد من هذا قضيتان: إحداهما: أن خيارها على التراخي ما لم تمكنه من وطئها وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد. وللشافعي ثلاثة أقوال: هذا أحدها. والثاني: أنه على الفور والثالث: أنه إلى ثلاثة أيام. الثانية: أنها إذا مكنته من نفسها فوطئها سقط خيارها وهذا إذا علمت بالعتق وثبوت الخيار به فلو جهلتهما لم يسقط خيارها بالتمكين من الوطء. وعن أحمد رواية ثانية: أنها لا تعذر بجهلها بملك الفسخ بل إذا علمت بالعتق ومكنته من وطئها سقط خيارها ولو لم تعلم أن لها الفسخ والرواية الأولى أصح فإن عتق الزوج قبل أن تختار - وقلنا: إنه لا خيار للمعتقة تحت حر - بطل خيارها لمساواة الزوج لها وحصول الكفاءة قبل الفسخ. قال الشافعي في أحد قوليه - وليس هو المنصور عند أصحابه -: لها الفسخ لتقدم ملك الخيار على العتق فلا يبطله والأول أقيس لزوال سبب الفسخ بالعتق وكما لو زال العيب(5\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2045",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10611",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في البيع والنكاح قبل الفسخ به وكما لو زال الإعسار في زمن ملك الزوجة الفسخ به. وإذا قلنا: العلة ملكها نفسها فلا أثر لذلك فإن طلقها طلاقا رجعيا فعتقت في عدتها فاختارت الفسخ بطلت الرجعة وإن اختارت المقام معه صح وسقط اختيارها للفسخ لأن الرجعية كالزوجة. وقال الشافعي وبعض أصحاب أحمد: لا يسقط خيارها إذا رضيت بالمقام دون الرجعة ولها أن تختار نفسها بعد الارتجاع ولا يصح اختيارها في زمن الطلاق فإن الاختيار في زمن هي فيه صائرة إلى بينونة ممتنع. فإذا راجعها صح حينئذ أن تختاره وتقيم معه لأنها صارت زوجة وعمل الاختيار عمله وترتب أثره عليه. ونظير هذا إذا ارتد زوج الأمة بعد الدخول ثم عتقت في زمن الردة فعلى القول الأول لها الخيار قبل إسلامه فإن اختارته ثم أسلم سقط ملكها للفسخ وعلى قول الشافعي: لا يصح لها خيار قبل إسلامه لأن العقد صائر إلى البطلان. فإذا أسلم صح خيارها. فإن قيل: فما تقولون إذا طلقها قبل أن تفسخ هل يقع الطلاق أم لا . قيل: نعم يقع لأنها زوجة وقال بعض أصحاب أحمد وغيرهم: يوقف الطلاق فإن فسخت تبينا أنه لم يقع وإن اختارت زوجها تبينا وقوعه. فإن قيل فما حكم المهر إذا اختارت الفسخ . قيل: إما أن تفسخ قبل الدخول أو بعده. فإن فسخت بعده لم يسقط المهر وهو لسيدها سواء فسخت أو أقامت وإن فسخت قبله ففيه قولان هما روايتان عن أحمد: إحداهما: لا مهر لأن الفرقة من جهتها والثانية: يجب نصفه ويكون لسيدها لا لها. فإن قيل فما تقولون في المعتق نصفها هل لها خيار قيل فيها قولان وهما روايتان عن أحمد فإن قلنا: لا خيار لها كزوج مدبرة له لا يملك غيرها وقيمتها مائة فعقد على مائتين مهرا ثم مات عتقت ولم تملك الفسخ قبل(5\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2046",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10612",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدخول لأنها لو ملكت سقط المهر أو انتصف فلم تخرج من الثلث فيرق بعضها فيمتنع الفسخ قبل الدخول بخلاف ما إذا لم تملكه فإنها تخرج من الثلث فيعتق جميعها.  [فصل في قوله صلى الله عليه وسلم لو راجعته فقالت أتأمرني]  فقال: quot; لا إنما أنا شافع quot; فقالت: لا حاجة لي فيه ) فيه ثلاث قضايا. إحداها: أن أمره على الوجوب ولهذا فرق بين أمره وشفاعته ولا ريب أن امتثال شفاعته من أعظم المستحبات. الثانية: أنه صلى الله عليه وسلم لم يغضب على بريرة ولم ينكر عليها إذ لم تقبل شفاعته لأن الشفاعة في إسقاط المشفوع عنده حقه وذلك إليه إن شاء أسقطه وإن شاء أبقاه فلذلك لا يحرم عصيان شفاعته صلى الله عليه وسلم ويحرم عصيان أمره. الثالثة: أن اسم المراجعة في لسان الشارع قد يكون مع زوال عقد النكاح بالكلية فيكون ابتداء عقد وقد يكون مع تشعثه فيكون إمساكا وقد سمى سبحانه ابتداء النكاح للمطلق ثلاثا بعد الزوج الثاني مراجعة فقال: فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا [البقرة: 230] [البقرة: 230] أي إن طلقها الثاني فلا جناح عليها وعلى الأول أن يتراجعا نكاحا مستأنفا.  [فصل ما يستنبط من أكله صلى الله عليه وسلم من اللحم الذي تصدق به على بريرة] فصل وفي أكله صلى الله عليه وسلم من اللحم الذي تصدق به على بريرة وقال: ( هو عليها صدقة ولنا هدية ) دليل على جواز أكل الغني وبني هاشم وكل من تحرم عليه الصدقة مما يهديه إليه الفقير من الصدقة لاختلاف جهة المأكول ولأنه قد بلغ محله وكذلك يجوز له أن يشتريه منه بماله. هذا إذا لم تكن صدقة نفسه فإن كانت صدقته لم يجز له أن يشتريها ولا يهبها ولا يقبلها هدية. كما نهى(5\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2047",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10613",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه عن شراء صدقته وقال: (لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم ) .  [فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم في الصداق بما قل وكثر وقضائه بصحة النكاح على ما مع الزوج من القرآن] ثبت في quot; صحيح مسلم quot;: عن عائشة رضي الله عنها: ( كان صداق النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشا فذلك خمسمائة ) . وقال عمر رضي الله عنه: ( ما علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئا من نسائه ولا أنكح شيئا من بناته على أكثر من ثنتي عشرة أوقية ) . قال الترمذي حديث حسن صحيح. انتهى. والأوقية أربعون درهما. وفي quot; صحيح البخاري quot;: من حديث سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: (تزوج ولو بخاتم من حديد ) . وفي quot; سنن أبي داود quot;: من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أعطى في صداق ملء كفيه سويقا أو تمرا فقد استحل ) .(5\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2048",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10614",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الترمذي: ( أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; رضيت من نفسك ومالك بنعلين قالت: نعم. فأجازه ) . قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي quot; مسند الإمام أحمد quot;: من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن أعظم النكاح بركة أيسره مئونة ) . وفي quot; الصحيحين quot;: ( أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك فقامت طويلا فقال رجل: يا رسول الله زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهل عندك من شيء تصدقها إياه قال: ما عندي إلا إزاري هذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; إنك إن أعطيتها إزارك جلست ولا إزار لك فالتمس شيئا quot; قال: لا أجد شيئا قال: quot; فالتمس ولو خاتما من حديد quot; فالتمس فلم يجد شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; هل معك شيء من القرآن قال: نعم سورة كذا وسورة كذا لسور سماها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; قد زوجتكها بما معك من القرآن ) .(5\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2049",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10615",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي النسائي ( أن أبا طلحة خطب أم سليم فقالت: والله يا أبا طلحة ما مثلك يرد ولكنك رجل كافر وأنا امرأة مسلمة ولا يحل لي أن أتزوجك فإن تسلم فذاك مهري وما أسالك غيره. فأسلم فكان ذلك مهرها. قال ثابت فما سمعنا بامرأة قط كانت أكرم مهرا من أم سليم فدخل بها فولدت له ) . فتضمن هذا الحديث أن الصداق لا يتقدر أقله وأن قبضة السويق وخاتم الحديد والنعلين يصح تسميتها مهرا وتحل بها الزوجة. وتضمن أن المغالاة في المهر مكروهة في النكاح وأنها من قلة بركته وعسره. وتضمن أن المرأة إذا رضيت بعلم الزوج وحفظه للقرآن أو بعضه من مهرها جاز ذلك وكان ما يحصل لها من انتفاعها بالقرآن والعلم هو صداقها كما إذا جعل السيد عتقها صداقها وكان انتفاعها بحريتها وملكها لرقبتها هو صداقها وهذا هو الذي اختارته أم سليم من انتفاعها بإسلام أبي طلحة وبذلها نفسها له إن أسلم وهذا أحب إليها من المال الذي يبذله الزوج. فإن الصداق شرع في الأصل حقا للمرأة تنتفع به فإذا رضيت بالعلم والدين وإسلام الزوج وقراءته للقرآن كان هذا من أفضل المهور وأنفعها وأجلها فما خلا العقد عن مهر وأين الحكم بتقدير المهر بثلاثة دراهم أو عشرة من النص . والقياس إلى الحكم بصحة كون المهر ما ذكرنا نصا وقياسا وليس هذا مستويا بين هذه المرأة وبين الموهوبة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وهي خالصة له من دون المؤمنين فإن تلك وهبت نفسها هبة مجردة عن ولي وصداق بخلاف ما نحن فيه فإنه نكاح بولي وصداق وإن كان غير مالي فإن المرأة جعلته عوضا عن المال لما يرجع إليها من نفعه ولم تهب نفسها للزوج هبة مجردة كهبة شيء من مالها بخلاف(5\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2050",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10616",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الموهوبة التي خص الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم هذا مقتضى هذه الأحاديث. وقد خالف في بعضه من قال: لا يكون الصداق إلا مالا ولا تكون منافع أخرى ولا علمه ولا تعليمه صداقا كقول أبي حنيفة وأحمد في رواية عنه. ومن قال: لا يكون أقل من ثلاثة دراهم كمالك وعشرة دراهم كأبي حنيفة وفيه أقوال أخر شاذة لا دليل عليها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا قول صاحب. ومن ادعى في هذه الأحاديث التي ذكرناها اختصاصها بالنبي صلى الله عليه وسلم أو أنها منسوخة أو أن عمل أهل المدينة على خلافها فدعوى لا يقوم عليها دليل. والأصل يردها وقد زوج سيد أهل المدينة من التابعين سعيد بن المسيب ابنته على درهمين ولم ينكر عليه أحد بل عد ذلك في مناقبه وفضائله وقد تزوج عبد الرحمن بن عوف على صداق خمسة دراهم وأقره النبي صلى الله عليه وسلم ولا سبيل إلى إثبات المقادير إلا من جهة صاحب الشرع.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم وخلفائه في أحد الزوجين يجد بصاحبه برصا أو جنونا أو جذاما أو يكون الزوج عنينا] في quot; مسند أحمد quot;: من حديث يزيد بن كعب بن عجرة رضي الله عنه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من بني غفار فلما دخل عليها ووضع ثوبه وقعد على الفراش أبصر بكشحها بياضا فاماز عن الفراش ثم قال: خذي عليك ثيابك quot; ولم يأخذ مما آتاها شيئا ) . وفي quot; الموطأ quot;: عن عمر أنه قال: ( أيما امرأة غر بها رجل بها جنون أو(5\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2051",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10617",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جذام أو برص فلها المهر بما أصاب منها وصداق الرجل على من غره ) . وفي لفظ آخر: ( قضى عمر في البرصاء والجذماء والمجنونة إذا دخل بها فرق بينهما والصداق لها بمسيسه إياها وهو له على وليها ) . وفي quot; سنن أبي داود quot;: من حديث عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: ( طلق عبد يزيد أبو ركانة زوجته أم ركانة ونكح امرأة من مزينة فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة - لشعرة أخذتها من رأسها - ففرق بيني وبينه فأخذت النبي صلى الله عليه وسلم حمية فذكر الحديث. وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال له: quot; طلقها quot; ففعل ثم قال: quot; راجع امرأتك أم ركانة quot; فقال: إني طلقتها ثلاثا يا رسول الله. قال: quot; قد علمت ارجعها quot; وتلا: ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن [الطلاق: 1]  ) [الطلاق:1] . ولا علة لهذا الحديث إلا رواية ابن جريج له عن بعض بني أبي رافع وهو مجهول ولكن هو تابعي وابن جريج من الأئمة الثقات العدول ورواية العدل عن غيره تعديل له ما لم يعلم فيه جرح ولم يكن الكذب ظاهرا في التابعين ولا سيما التابعين من أهل المدينة ولا سيما موالي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا سيما مثل هذه السنة التي تشتد حاجة الناس إليها لا يظن بابن جريج أنه حملها عن كذاب ولا عن غير ثقة عنده ولم يبين حاله. وجاء التفريق بالعنة عن عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وسمرة بن(5\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2052",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10618",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جندب ومعاوية بن أبي سفيان والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة والمغيرة بن شعبة لكن عمر وابن مسعود والمغيرة أجلوه سنة وعثمان ومعاوية وسمرة لم يؤجلوه والحارث بن عبد الله أجله عشرة أشهر. وذكر سعيد بن منصور حدثنا هشيم أنبأنا عبد الله بن عوف عن ابن سيرين: ( أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث رجلا على بعض السعاية فتزوج امرأة وكان عقيما فقال له عمر: أعلمتها أنك عقيم . قال: لا قال: فانطلق فأعلمها ثم خيرها ) . وأجل مجنونا سنة فإن أفاق وإلا فرق بينه وبين امرأته. فاختلف الفقهاء في ذلك فقال داود وابن حزم ومن وافقهما: لا يفسخ النكاح بعيب البتة وقال أبو حنيفة: لا يفسخ إلا بالجب والعنة خاصة. وقال الشافعي ومالك: يفسخ بالجنون والبرص والجذام والقرن والجب والعنة خاصة وزاد الإمام أحمد عليهما: أن تكون المرأة فتقاء منخرقة ما بين السبيلين ولأصحابه في نتن الفرج والفم وانخراق مخرجي البول والمني في الفرج والقروح السيالة فيه والبواسير والناصور والاستحاضة واستطلاق البول والنجو والخصي وهو قطع البيضتين والسل وهو سل البيضتين والوجء وهو رضهما وكون أحدهما خنثى مشكلا والعيب الذي بصاحبه مثله من العيوب السبعة والعيب الحادث بعد العقد وجهان. وذهب بعض أصحاب الشافعي: إلى رد المرأة بكل عيب ترد به الجارية في البيع وأكثرهم لا يعرف هذا الوجه ولا مظنته ولا من قاله. وممن حكاه أبو(5\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2053",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10619",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عاصم العباداني في كتاب طبقات أصحاب الشافعي وهذا القول هو القياس أو قول ابن حزم ومن وافقه. وأما الاقتصار على عيبين أو ستة أو سبعة أو ثمانية دون ما هو أولى منها أو مساو لها فلا وجه له فالعمى والخرس والطرش وكونها مقطوعة اليدين أو الرجلين أو إحداهما أو كون الرجل كذلك من أعظم المنفرات والسكوت عنه من أقبح التدليس والغش وهو مناف للدين والإطلاق إنما ينصرف إلى السلامة فهو كالمشروط عرفا وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه quot; لمن تزوج امرأة وهو لا يولد له: أخبرها أنك عقيم وخيرها quot; فماذا يقول رضي الله عنه في العيوب التي هذا عندها كمال لا نقص! . والقياس أن كل عيب ينفر الزوج الآخر منه ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة يوجب الخيار وهو أولى من البيع كما أن الشروط المشترطة في النكاح أولى بالوفاء من شروط البيع وما ألزم الله ورسوله مغرورا قط ولا مغبونا بما غر به وغبن به ومن تدبر مقاصد الشرع في مصادره وموارده وعدله وحكمته وما اشتمل عليه من المصالح لم يخف عليه رجحان هذا القول وقربه من قواعد الشريعة. وقد روى يحيى بن سعيد الأنصاري عن ابن المسيب قال قال عمر: (أيما امرأة زوجت وبها جنون أو جذام أو برص فدخل بها ثم اطلع على ذلك فلها مهرها بمسيسه إياها وعلى الولي الصداق بما دلس كما غره) . ورد هذا بأن ابن المسيب لم يسمع من عمر من باب الهذيان البارد المخالف لإجماع أهل الحديث قاطبة قال الإمام أحمد: إذا لم يقبل سعيد بن المسيب عن عمر فمن يقبل. وأئمة الإسلام وجمهورهم يحتجون بقول سعيد بن المسيب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف بروايته عن عمر رضي الله عنه وكان عبد الله بن عمر يرسل إلى سعيد يسأله عن قضايا عمر فيفتي بها ولم يطعن أحد قط من أهل(5\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2054",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10620",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عصره ولا من بعدهم ممن له في الإسلام قول معتبر في رواية سعيد بن المسيب عن عمر ولا عبرة بغيرهم. وروى الشعبي عن علي: (أيما امرأة نكحت وبها برص أو جنون أو جذام أو قرن فزوجها بالخيار ما لم يمسها إن شاء أمسك وإن شاء طلق وإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها) . وقال وكيع: عن سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن عمر قال: (إذا تزوجها برصاء أو عمياء فدخل بها فلها الصداق ويرجع به على من غره) . وهذا يدل على أن عمر لم يذكر تلك العيوب المتقدمة على وجه الاختصاص والحصر دون ما عداها وكذلك حكم قاضي الإسلام - حقا - الذي يضرب المثل بعلمه ودينه وحكمه: شريح. قال عبد الرزاق: عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين خاصم رجل إلى شريح فقال: إن هؤلاء قالوا لي: إنا نزوجك بأحسن الناس فجاءوني بامرأة عمشاء فقال شريح: إن كان دلس لك بعيب لم يجز فتأمل هذا القضاء وقوله: إن كان دلس لك بعيب. كيف يقتضي أن كل عيب دلست به المرأة فللزوج الرد به وقال الزهري: يرد النكاح من كل داء عضال. ومن تأمل فتاوى الصحابة والسلف علم أنهم لم يخصوا الرد بعيب دون عيب إلا رواية رويت عن عمر رضي الله عنه (لا ترد النساء إلا من العيوب الأربعة: الجنون والجذام والبرص والداء في الفرج) وهذه الرواية لا نعلم لها إسنادا أكثر من أصبغ عن ابن وهب عن عمر وعلي. روي عن ابن عباس ذلك بإسناد متصل ذكره سفيان عن عمرو بن دينار عنه. هذا كله إذا أطلق الزوج(5\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2055",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10621",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما إذا اشترط السلامة أو شرط الجمال فبانت شوهاء أو شرطها شابة حديثة السن فبانت عجوزا شمطاء أو شرطها بيضاء فبانت سوداء أو بكرا فبانت ثيبا فله الفسخ في ذلك كله. فإن كان قبل الدخول فلا مهر لها وإن كان بعده فلها المهر وهو غرم على وليها إن كان غره وإن كانت هي الغارة سقط مهرها أو رجع عليها به إن كانت قبضته ونص على هذا أحمد في إحدى الروايتين عنه وهو أقيسهما وأولاهما بأصوله فيما إذا كان الزوج هو المشترط. وقال أصحابه: إذا شرطت فيه صفة فبان بخلافها فلا خيار لها إلا في شرط الحرية إذا بان عبدا فلها الخيار. وفي شرط النسب إذا بان بخلافه وجهان والذي يقتضيه مذهبه وقواعده: أنه لا فرق بين اشتراطه واشتراطها بل إثبات الخيار لها إذا فات ما اشترطته أولى لأنها لا تتمكن من المفارقة بالطلاق فإذا جاز له الفسخ مع تمكنه من الفراق بغيره فلأن يجوز لها الفسخ مع عدم تمكنها أولى وإذا جاز لها الفسخ إذا ظهر الزوج ذا صناعة دنيئة لا تشينه في دينه ولا في عرضه وإنما تمنع كمال لذتها واستمتاعها به فإذا شرطته شابا جميلا صحيحا فبان شيخا مشوها أعمى أطرش أخرس أسود فكيف تلزم به وتمنع من الفسخ! هذا في غاية الامتناع والتناقض والبعد عن القياس وقواعد الشرع وبالله التوفيق. وكيف يمكن أحد الزوجين من الفسخ بقدر العدسة من البرص ولا يمكن منه بالجرب المستحكم المتمكن وهو أشد إعداء من ذلك البرص اليسير وكذلك غيره من أنواع الداء العضال . وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم حرم على البائع كتمان عيب سلعته وحرم على من علمه أن يكتمه من المشتري فكيف بالعيوب في النكاح وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس حين استشارته في نكاح معاوية أو أبي الجهم: (أما معاوية(5\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2056",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10622",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه)  فعلم أن بيان العيب في النكاح أولى وأوجب فكيف يكون كتمانه وتدليسه والغش الحرام به سببا للزومه وجعل ذا العيب غلا لازما في عنق صاحبه مع شدة نفرته عنه ولا سيما مع شرط السلامة منه وشرط خلافه وهذا مما يعلم يقينا أن تصرفات الشريعة وقواعدها وأحكامها تأباه والله أعلم. وقد ذهب أبو محمد ابن حزم إلى أن الزوج إذا شرط السلامة من العيوب فوجد أي عيب كان فالنكاح باطل من أصله غير منعقد ولا خيار له فيه ولا إجازة ولا نفقة ولا ميراث. قال لأن التي أدخلت عليه غير التي تزوج إذ السالمة غير المعيبة بلا شك فإذا لم يتزوجها فلا زوجية بينهما.  [فصل في حكم النبي صلى الله عليه وسلم في خدمة المرأة لزوجها] قال ابن حبيب في quot; الواضحة quot;: ( حكم النبي صلى الله عليه وسلم بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبين زوجته فاطمة رضي الله عنها حين اشتكيا إليه الخدمة فحكم على فاطمة بالخدمة الباطنة خدمة البيت وحكم على علي بالخدمة الظاهرة ) ثم قال ابن حبيب والخدمة الباطنة: العجين والطبخ والفرش وكنس البيت واستقاء الماء وعمل البيت كله. وفي quot; الصحيحين quot;: ( أن فاطمة رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه ما تلقى في يديها من الرحى وتسأله خادما فلم تجده فذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته. قال علي: فجاءنا وقد أخذنا(5\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2057",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10623",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مضاجعنا فذهبنا نقوم فقال مكانكما quot; فجاء فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على بطني فقال: quot; ألا أدلكما على ما هو خير لكما مما سألتما إذا أخذتما مضاجعكما فسبحا الله ثلاثا وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين وكبرا أربعا وثلاثين فهو خير لكما من خادم quot;. قال علي: فما تركتها بعد قيل ولا ليلة صفين قال ولا ليلة صفين ) . وصح عن أسماء أنها قالت: ( كنت أخدم الزبير خدمة البيت كله وكان له فرس وكنت أسوسه وكنت أحتش له وأقوم عليه ) . وصح عنها أنها كانت تعلف فرسه وتسقي الماء وتخرز الدلو وتعجن وتنقل النوى على رأسها من أرض له على ثلثي فرسخ. فاختلف الفقهاء في ذلك فأوجب طائفة من السلف والخلف خدمتها له في مصالح البيت وقال أبو ثور: عليها أن تخدم زوجها في كل شيء ومنعت طائفة وجوب خدمته عليها في شيء وممن ذهب إلى ذلك مالك والشافعي وأبو حنيفة وأهل الظاهر قالوا: لأن عقد النكاح إنما اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام وبذل المنافع قالوا: والأحاديث المذكورة إنما تدل على التطوع ومكارم الأخلاق فأين الوجوب منها . واحتج من أوجب الخدمة بأن هذا هو المعروف عند من خاطبهم الله سبحانه بكلامه وأما ترفيه المرأة وخدمة الزوج وكنسه وطحنه(5\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2058",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10624",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعجنه وغسيله وفرشه وقيامه بخدمة البيت فمن المنكر والله تعالى يقول ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف [البقرة: 228] [البقرة:228]  وقال: الرجال قوامون على النساء [النساء: 34] [النساء: 34] وإذا لم تخدمه المرأة بل يكون هو الخادم لها فهي القوامة عليه. وأيضا: فإن المهر في مقابلة البضع وكل من الزوجين يقضي وطره من صاحبه فإنما أوجب الله سبحانه نفقتها وكسوتها ومسكنها في مقابلة استمتاعه بها وخدمتها وما جرت به عادة الأزواج. وأيضا فإن العقود المطلقة إنما تنزل على العرف والعرف خدمة المرأة وقيامها بمصالح البيت الداخلة وقولهم: إن خدمة فاطمة وأسماء كانت تبرعا وإحسانا يرده أن فاطمة كانت تشتكي ما تلقى من الخدمة فلم يقل لعلي: لا خدمة عليها وإنما هي عليك وهو صلى الله عليه وسلم لا يحابي في الحكم أحدا ولما رأى أسماء والعلف على رأسها والزبير معه لم يقل: له لا خدمة عليها وأن هذا ظلم لها بل أقره على استخدامها وأقر سائر أصحابه على استخدام أزواجهم مع علمه بأن منهن الكارهة والراضية هذا أمر لا ريب فيه. ولا يصح التفريق بين شريفة ودنيئة وفقيرة وغنية فهذه أشرف نساء العالمين كانت تخدم زوجها وجاءته صلى الله عليه وسلم تشكو إليه الخدمة فلم يشكها وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المرأة عانية فقال: ( اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم ) . والعاني: الأسير ومرتبة الأسير خدمة من هو تحت يده ولا ريب أن النكاح نوع من الرق كما قال بعض السلف: النكاح رق فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته ولا يخفى على المنصف الراجح من المذهبين والأقوى من الدليلين.(5\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2059",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10625",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الزوجين يقع الشقاق بينهما] روى أبو داود في quot; سننه quot;: من حديث عائشة رضي الله عنها: ( أن حبيبة بنت سهل كانت عند ثابت بن قيس بن شماس فضربها فكسر بعضها فأتت النبي صلى الله عليه وسلم بعد الصبح فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ثابتا فقال: خذ بعض مالها وفارقها quot; فقال: ويصلح ذلك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم. قال: فإني أصدقتها حديقتين وهما بيدها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خذهما وفارقها ففعل ) . وقد حكم الله تعالى بين الزوجين يقع الشقاق بينهما بقوله تعالى: وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا [النساء: 35] [النساء 35] وقد اختلف السلف والخلف في الحكمين: هل هما حاكمان أو وكيلان على قولين: أحدهما: أنهما وكيلان وهو قول أبي حنيفة والشافعي في قول وأحمد في رواية. والثاني: أنهما حاكمان وهذا قول أهل المدينة ومالك وأحمد في الرواية الأخرى والشافعي في القول الآخر وهذا هو الصحيح. والعجب كل العجب ممن يقول هما وكيلان لا حاكمان والله تعالى قد نصبهما حكمين وجعل نصبهما إلى غير الزوجين ولو كانا وكيلين لقال: فليبعث وكيلا من أهله ولتبعث وكيلا من أهلها. وأيضا فلو كانا وكيلين لم يختصا بأن يكونا من الأهل.(5\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2060",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10626",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأيضا فإنه جعل الحكم إليهما فقال: إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما [النساء: 35] والوكيلان لا إرادة لهما إنما يتصرفان بإرادة موكليهما. وأيضا فإن الوكيل لا يسمى حكما في لغة القرآن ولا في لسان الشارع ولا في العرف العام ولا الخاص. وأيضا فالحكم من له ولاية الحكم والإلزام وليس للوكيل شيء من ذلك. وأيضا فإن الحكم أبلغ من حاكم لأنه صفة مشبهة باسم الفاعل دالة على الثبوت ولا خلاف بين أهل العربية في ذلك فإذا كان اسم الحاكم لا يصدق على الوكيل المحض فكيف بما هو أبلغ منه. وأيضا فإنه سبحانه خاطب بذلك غير الزوجين وكيف يصح أن يوكل عن الرجل والمرأة غيرهما وهذا يحوج إلى تقدير الآية هكذا: وإن خفتم شقاق بينهما [النساء: 35] فمروهما أن يوكلا وكيلين: وكيلا من أهله ووكيلا من أهلها ومعلوم بعد لفظ الآية ومعناها عن هذا التقدير وأنها لا تدل عليه بوجه بل هي دالة على خلافه وهذا بحمد الله واضح. (وبعث عثمان بن عفان عبد الله بن عباس ومعاوية حكمين بين عقيل بن أبي طالب وامرأته فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فقيل لهما: إن رأيتما أن تفرقا فرقتما) . وصح عن علي بن أبي طالب أنه قال للحكمين بين الزوجين عليكما (إن رأيتما أن تفرقا فرقتما وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما)(5\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2061",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10627",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا عثمان وعلي وابن عباس ومعاوية جعلوا الحكم إلى الحكمين ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف وإنما يعرف الخلاف بين التابعين فمن بعدهم والله أعلم. وإذا قلنا: إنهما وكيلان فهل يجبر الزوجان على توكيل الزوج في الفرقة بعوض وغيره وتوكيل الزوجة في بذل العوض أو لا يجبران على روايتين فإن قلنا: يجبران فلم يوكلا جعل الحاكم ذلك إلى الحكمين بغير رضى الزوجين وإن قلنا: إنهما حكمان لم يحتج إلى رضى الزوجين. وعلى هذا النزاع ينبني ما لو غاب الزوجان أو أحدهما فإن قيل: إنهما وكيلان لم ينقطع نظر الحكمين وإن قيل: حكمان انقطع نظرهما لعدم الحكم على الغائب وقيل: يبقى نظرهما على القولين لأنهما يتطرفان لحظهما فهما كالناظرين. وإن جن الزوجان انقطع نظر الحكمين إن قيل: إنهما وكيلان لأنهما فرع الموكلين ولم ينقطع إن قيل: إنهما حكمان لأن الحاكم يلي على المجنون. وقيل: ينقطع أيضا لأنهما منصوبان عنهما فكأنهما وكيلان ولا ريب أنهما حكمان فيهما شائبة الوكالة ووكيلان منصوبان للحكم فمن العلماء من رجح جانب الحكم ومنهم من رجح جانب الوكالة ومنهم من اعتبر الأمرين.  [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخلع] في quot; صحيح البخاري quot;: عن ابن عباس رضي الله عنه: ( أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس ما أعيب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; تردين عليه حديقته quot; قالت: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; اقبل الحديقة وطلقها(5\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2062",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10628",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تطليقة ) . وفي quot; سنن النسائي quot; عن الربيع بنت معوذ ( أن ثابت بن قيس بن شماس ضرب امرأته فكسر يدها وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي فأتى أخوها يشتكيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه فقال: quot; خذ الذي لها عليك وخل سبيلها quot; قال: نعم. فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها ) . وفي quot; سنن أبي داود quot;: عن ابن عباس: ( أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس اختلعت من زوجها فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد حيضة ) . وفي quot; سنن الدارقطني quot; في هذه القصة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أتردين عليه حديقته التي أعطاك quot; قالت: نعم وزيادة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; أما الزيادة فلا ولكن حديقته quot; قالت: نعم. فأخذ ماله وخلى سبيلها فلما بلغ ذلك ثابت بن قيس قال: قد قبلت قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . قال الدارقطني إسناده صحيح. فتضمن هذا الحكم النبوي عدة أحكام: أحدها: جواز الخلع كما دل عليه القرآن قال تعالى:(5\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2063",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10629",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به [البقرة: 229] [البقرة: 229] ومنع الخلع طائفة شاذة من الناس خالفت النص والإجماع. وفي الآية دليل على جوازه مطلقا بإذن السلطان وغيره ومنعه طائفة بدون إذنه والأئمة الأربعة والجمهور على خلافه. وفي الآية دليل على حصول البينونة به لأنه سبحانه سماه فدية ولو كان رجعيا كما قاله بعض الناس لم يحصل للمرأة الافتداء من الزوج بما بذلته له ودل قوله سبحانه: فلا جناح عليهما فيما افتدت به [البقرة: 229] على جوازه بما قل وكثر وأن له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها. وقد ذكر عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن محمد بن عقيل أن الربيع بنت معوذ بن عفراء حدثته أنها اختلعت من زوجها بكل شيء تملكه فخوصم في ذلك إلى عثمان بن عفان فأجازه وأمره أن يأخذ عقاص رأسها فما دونه. وذكر أيضا عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع: أن ابن عمر جاءته مولاة لامرأته اختلعت من كل شيء لها وكل ثوب لها حتى نقبتها. ورفعت إلى عمر بن الخطاب امرأة نشزت عن زوجها فقال: (اخلعها ولو من قرطها) ذكره حماد بن سلمة عن أيوب عن كثير بن أبي كثير عنه.(5\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2064",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10630",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر عبد الرزاق عن معمر عن ليث عن الحكم بن عتيبة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ( لا يأخذ منها فوق ما أعطاها ) . وقال طاووس: لا يحل أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها وقال عطاء: إن أخذ زيادة على صداقها فالزيادة مردودة إليها. وقال الزهري: لا يحل له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها. وقال ميمون بن مهران: إن أخذ منها أكثر مما أعطاها لم يسرح بإحسان. وقال الأوزاعي: كانت القضاة لا تجيز أن يأخذ منها شيئا إلا ما ساق إليها. والذين جوزوه احتجوا بظاهر القرآن وآثار الصحابة والذين منعوه احتجوا بحديث أبي الزبير أن ثابت بن قيس بن شماس لما أراد خلع امرأته قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أتردين عليه حديقته quot; قالت: نعم وزيادة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما الزيادة فلا)  . قال الدارقطني سمعه أبو الزبير من غير واحد وإسناده صحيح. قالوا: والآثار من الصحابة مختلفة فمنهم من روي عنه تحريم الزيادة ومنهم من روي عنه إباحتها ومنهم من روي عنه كراهتها كما روى وكيع عن أبي حنيفة عن عمار بن عمران الهمداني عن أبيه عن علي رضي الله عنه: أنه كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها والإمام أحمد أخذ بهذا القول ونص على الكراهة وأبو بكر من أصحابه حرم الزيادة وقال: ترد عليها. وقد ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال لي عطاء أتت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أبغض زوجي وأحب فراقه قال(5\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2065",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10631",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(فتردين عليه حديقته التي أصدقك quot; قالت: نعم وزيادة من مالي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; أما الزيادة من مالك فلا ولكن الحديقة quot; قالت: نعم ) فقضى بذلك على الزوج وهذا وإن كان مرسلا فحديث أبي الزبير مقو له وقد رواه ابن جريج عنهما.  [فصل حكم الرجعة من الخلع في العدة] فصل وفي تسميته سبحانه الخلع فدية دليل على أن فيه معنى المعاوضة ولهذا اعتبر فيه رضى الزوجين فإذا تقايلا الخلع ورد عليها ما أخذ منها وارتجعها في العدة فهل لهما ذلك منعه الأئمة الأربعة وغيرهم وقالوا: قد بانت منه بنفس الخلع وذكر عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال في المختلعة: (إن شاء أن يراجعها فليرد عليها ما أخذ منها في العدة وليشهد على رجعتها) قال معمر: وكان الزهري يقول مثل ذلك. قال قتادة: وكان الحسن يقول لا يراجعها إلا بخطبة. ولقول سعيد بن المسيب والزهري وجه دقيق من الفقه لطيف المأخذ تتلقاه قواعد الفقه وأصوله بالقبول ولا نكارة فيه غير أن العمل على خلافه فإن المرأة ما دامت في العدة فهي في حبسه ويلحقها صريح طلاقه المنجز عند طائفة من العلماء فإذا تقايلا عقد الخلع وتراجعا إلى ما كانا عليه بتراضيهما لم تمنع قواعد الشرع ذلك وهذا بخلاف ما بعد العدة فإنها قد صارت منه أجنبية محضة فهو خاطب من الخطاب ويدل على هذا أن له أن يتزوجها في عدتها منه بخلاف غيره.(5\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2066",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10632",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل ما يستنبط من أمره صلى الله عليه وسلم المختلعة أن تعتد بحيضة واحدة] فصل وفي أمره صلى الله عليه وسلم المختلعة أن تعتد بحيضة واحدة دليل على حكمين: أحدهما: أنه لا يجب عليها ثلاث حيض بل تكفيها حيضة واحدة وهذا كما أنه صريح السنة فهو مذهب أمير المؤمنين عثمان بن عفان وعبد الله بن عمر بن الخطاب والربيع بنت معوذ وعمها وهو من كبار الصحابة لا يعرف لهم مخالف منهم كما رواه الليث بن سعد عن نافع مولى ابن عمر: أنه سمع الربيع بنت معوذ بن عفراء وهي تخبر عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنها اختلعت من زوجها على عهد عثمان بن عفان فجاء عمها إلى عثمان بن عفان فقال له: إن ابنة معوذ اختلعت من زوجها اليوم أفتنتقل فقال عثمان: (لتنتقل ولا ميراث بينهما ولا عدة عليها إلا أنها لا تنكح حتى تحيض حيضة خشية أن يكون بها حبل ) فقال عبد الله بن عمر: فعثمان خيرنا وأعلمنا وذهب إلى هذا المذهب إسحاق بن راهويه والإمام أحمد في رواية عنه اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية. قال من نصر هذا القول: هو مقتضى قواعد الشريعة فإن العدة إنما جعلت ثلاث حيض ليطول زمن الرجعة فيتروى الزوج ويتمكن من الرجعة في مدة العدة فإذا لم تكن عليها رجعة فالمقصود مجرد براءة رحمها من الحمل وذلك يكفي فيه حيضة كالاستبراء. قالوا: ولا ينتقض هذا علينا بالمطلقة ثلاثا فإن باب الطلاق جعل حكم العدة فيه واحدا بائنة ورجعية. قالوا: وهذا دليل على أن الخلع فسخ وليس بطلاق وهو مذهب ابن عباس وعثمان وابن عمر والربيع وعمها ولا يصح عن صحابي أنه طلاق(5\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2067",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10633",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البتة فروى الإمام أحمد عن يحيى بن سعيد عن سفيان عن عمرو عن طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهم أنه قال: (الخلع تفريق وليس بطلاق) . وذكر عبد الرزاق عن سفيان عن عمرو عن طاووس أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله عن رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه أينكحها قال ابن عباس: (نعم ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها والخلع بين ذلك) . فإن قيل كيف تقولون: إنه لا مخالف لمن ذكرتم من الصحابة وقد روى حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن جمهان: أن أم بكرة الأسلمية كانت تحت عبد الله بن أسيد واختلعت منه فندما فارتفعا إلى عثمان بن عفان فأجاز ذلك وقال: (هي واحدة إلا أن تكون سمت شيئا فهو على ما سمت) . وذكر ابن أبي شيبة: حدثنا علي بن هاشم عن ابن أبي ليلى عن طلحة بن مصرف عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود قال: (لا تكون تطليقة بائنة إلا في فدية أو إيلاء) . وروي عن علي بن أبي طالب فهؤلاء ثلاثة من أجلاء الصحابة رضي الله عنهم. قيل: لا يصح هذا عن واحد منهم أما أثر عثمان رضي الله عنه فطعن فيه الإمام أحمد والبيهقي وغيرهما قال شيخنا: وكيف يصح عن عثمان وهو لا يرى فيه عدة وإنما يرى الاستبراء فيه بحيضة فلو كان عنده طلاقا لأوجب فيه العدة وجمهان الراوي لهذه القصة عن عثمان لا نعرفه بأكثر من أنه مولى الأسلميين. وأما أثر علي بن أبي طالب فقال أبو محمد ابن حزم رويناه من طريق لا(5\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2068",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10634",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يصح عن علي رضي الله عنه. وأمثلها: أثر ابن مسعود على سوء حفظ ابن أبي ليلى ثم غايته إن كان محفوظا أن يدل على أن الطلقة في الخلع تقع بائنة لا أن الخلع يكون طلاقا بائنا وبين الأمرين فرق ظاهر. والذي يدل على أنه ليس بطلاق أن الله سبحانه وتعالى رتب على الطلاق بعد الدخول الذي لم يستوف عدده ثلاثة أحكام كلها منتفية عن الخلع. أحدها: أن الزوج أحق بالرجعة فيه. الثاني: أنه محسوب من الثلاث فلا تحل بعد استيفاء العدد إلا بعد زوج وإصابة. الثالث أن العدة فيه ثلاثة قروء. وقد ثبت بالنص والإجماع أنه لا رجعة في الخلع وثبت بالسنة وأقوال الصحابة أن العدة فيه حيضة واحدة وثبت بالنص جوازه بعد طلقتين ووقوع ثالثة بعده وهذا ظاهر جدا في كونه ليس بطلاق فإنه سبحانه قال: الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به [البقرة: 229] [البقرة: 229] وهذا وإن لم يختص بالمطلقة تطليقتين فإنه يتناولها وغيرهما ولا يجوز أن يعود الضمير إلى من لم يذكر ويخلى منه المذكور بل إما أن يختص بالسابق أو يتناوله وغيره. ثم قال: فإن طلقها فلا تحل له من بعد [البقرة: 230] وهذا يتناول من طلقت بعد فدية وطلقتين قطعا لأنها هي المذكورة فلا بد من دخولها تحت اللفظ وهكذا فهم ترجمان القرآن الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلمه الله تأويل القرآن وهي دعوة مستجابة بلا شك. وإذا كانت أحكام الفدية غير أحكام الطلاق دل على أنها من غير جنسه فهذا مقتضى النص والقياس وأقوال الصحابة ثم من نظر إلى حقائق العقود ومقاصدها دون ألفاظها يعد الخلع فسخا بأي لفظ كان حتى بلفظ الطلاق وهذا أحد الوجهين لأصحاب أحمد وهو اختيار شيخنا. قال: وهذا ظاهر كلام أحمد وكلام ابن عباس وأصحابه. قال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة مولى ابن عباس يقول ما أجازه المال فليس بطلاق. قال(5\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2069",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10635",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبد الله بن أحمد رأيت أبي كان يذهب إلى قول ابن عباس. وقال عمرو عن طاووس عن ابن عباس (الخلع تفريق وليس بطلاق) وقال ابن جريج عن ابن طاووس كان أبي لا يرى الفداء طلاقا ويخيره. ومن اعتبر الألفاظ ووقف معها واعتبرها في أحكام العقود جعله بلفظ الطلاق طلاقا وقواعد الفقه وأصوله تشهد أن المرعي في العقود حقائقها ومعانيها لا صورها وألفاظها وبالله التوفيق. ومما يدل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ثابت بن قيس أن يطلق امرأته في الخلع تطليقة ومع هذا أمرها أن تعتد بحيضة وهذا صريح في أنه فسخ ولو وقع بلفظ الطلاق. وأيضا فإنه سبحانه علق عليه أحكام الفدية بكونه فدية ومعلوم أن الفدية لا تختص بلفظ ولم يعين الله سبحانه لها لفظا معينا وطلاق الفداء طلاق مقيد ولا يدخل تحت أحكام الطلاق المطلق كما لا يدخل تحتها في ثبوت الرجعة والاعتداد بثلاثة قروء بالسنة الثابتة وبالله التوفيق.  [ذكر أحكام الرسول صلى الله عليه وسلم في الطلاق] [ذكر حكمه صلى الله عليه وسلم في طلاق الهازل وزائل العقل والمكره والتطليق في نفسه] ذكر أحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطلاق ذكر حكمه صلى الله عليه وسلم في طلاق الهازل وزائل العقل والمكره والتطليق في نفسه. في quot; السنن quot;: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة ) .(5\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2070",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10636",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيها: عنه من حديث ابن عباس quot;: ( إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) . وفيها: عنه صلى الله عليه وسلم: ( لا طلاق ولا عتاق في إغلاق ) . وصح عنه أنه قال للمقر بالزنى: (أبك جنون)   . وثبت عنه أنه أمر به أن يستنكه. وذكر البخاري في quot; صحيحه quot;: عن علي أنه قال لعمر: ( ألم تعلم أن القلم رفع عن ثلاث عن المجنون حتى يفيق وعن الصبي حتى يدرك وعن النائم حتى يستيقظ ) .(5\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2071",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10637",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; الصحيح quot; عنه صلى الله عليه وسلم: ( إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل به ) . فتضمنت هذه السنن أن ما لم ينطق به اللسان من طلاق أو عتاق أو يمين أو نذر ونحو ذلك عفو غير لازم بالنية والقصد وهذا قول الجمهور وفي المسألة قولان آخران: أحدهما: التوقف فيها قال عبد الرزاق عن معمر: سئل ابن سيرين عمن طلق في نفسه فقال أليس قد علم الله ما في نفسك قال: بلى. قال: فلا أقول فيها شيئا. والثاني: وقوعه إذا جزم عليه وهذا رواية أشهب عن مالك وروي عن الزهري وحجة هذا القول قوله صلى الله عليه وسلم: ( إنما الأعمال بالنيات ) وأن من كفر في نفسه فهو كفر وقوله تعالى: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله [البقرة: 284] [البقرة: 248] وأن المصر على المعصية فاسق مؤاخذ وإن لم يفعلها(5\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2072",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10638",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبأن أعمال القلوب في الثواب والعقاب كأعمال الجوارح ولهذا يثاب على الحب والبغض والموالاة والمعاداة في الله وعلى التوكل والرضى والعزم على الطاعة ويعاقب على الكبر والحسد والعجب والشك والرياء وظن السوء بالأبرياء. ولا حجة في شيء من هذا على وقوع الطلاق والعتاق بمجرد النية من غير تلفظ أما حديث ( الأعمال بالنيات ) فهو حجة عليهم لأنه أخبر فيه أن العمل مع النية هو المعتبر لا النية وحدها وأما من اعتقد الكفر بقلبه أو شك فهو كافر لزوال الإيمان الذي هو عقد القلب مع الإقرار فإذا زال العقد الجازم كان نفس زواله كفرا فإن الإيمان أمر وجودي ثابت قائم بالقلب فما لم يقم بالقلب حصل ضده وهو الكفر وهذا كالعلم والجهل إذا فقد العلم حصل الجهل وكذلك كل نقيضين زال أحدهما خلفه الآخر. وأما الآية فليس فيها أن المحاسبة بما يخفيه العبد إلزامه بأحكامه بالشرع وإنما فيها محاسبته بما يبديه أو يخفيه ثم هو مغفور له أو معذب فأين هذا من وقوع الطلاق بالنية. وأما أن المصر على المعصية فاسق مؤاخذ فهذا إنما هو فيمن عمل المعصية ثم أصر عليها فهنا عمل اتصل به العزم على معاودته فهذا هو المصر وأما من عزم على المعصية ولم يعملها فهو بين أمرين: إما أن لا تكتب عليه وإما أن تكتب له حسنة إذا تركها لله عز وجل. وأما الثواب والعقاب على أعمال القلوب فحق والقرآن والسنة مملوءان به ولكن وقوع الطلاق والعتاق بالنية من غير تلفظ أمر خارج عن الثواب والعقاب ولا تلازم بين الأمرين فإن ما يعاقب عليه من أعمال القلوب هو معاص قلبية يستحق العقوبة عليها كما يستحقه على المعاصي البدنية إذ هي منافية لعبودية القلب فإن الكبر والعجب والرياء وظن السوء محرمات على القلب وهي أمور اختيارية يمكن اجتنابها فيستحق العقوبة على فعلها وهي أسماء لمعان مسمياتها قائمة بالقلب. وأما العتاق والطلاق فاسمان لمسميين قائمين باللسان أو ما ناب عنه من(5\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2073",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10639",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إشارة أو كتابة وليسا اسمين لما في القلب مجردا عن النطق. وتضمنت أن المكلف إذا هزل بالطلاق أو النكاح أو الرجعة لزمه ما هزل به فدل ذلك على أن كلام الهازل معتبر وإن لم يعتبر كلام النائم والناسي وزائل العقل والمكره والفرق بينهما أن الهازل قاصد للفظ غير مريد لحكمه وذلك ليس إليه فإنما إلى المكلف الأسباب وأما ترتب مسبباتها وأحكامها فهو إلى الشارع قصده المكلف أو لم يقصده والعبرة بقصده السبب اختيارا في حال عقله وتكليفه فإذا قصده رتب الشارع عليه حكمه جد به أو هزل وهذا بخلاف النائم والمبرسم والمجنون والسكران وزائل العقل فإنهم ليس لهم قصد صحيح وليسوا مكلفين فألفاظهم لغو بمنزلة ألفاظ الطفل الذي لا يعقل معناها ولا يقصده. وسر المسألة الفرق بين من قصد اللفظ وهو عالم به ولم يرد حكمه وبين من لم يقصد اللفظ ولم يعلم معناه فالمراتب التي اعتبرها الشارع أربعة: إحداها: أن لا يقصد الحكم ولا يتلفظ به. الثانية: أن لا يقصد اللفظ ولا حكمه. الثالثة: أن يقصد اللفظ دون حكمه. الرابعة: أن يقصد اللفظ والحكم فالأوليان لغو والآخرتان معتبرتان. هذا الذي استفيد من مجموع نصوصه وأحكامه وعلى هذا فكلام المكره كله لغو لا عبرة به وقد دل القرآن على أن من أكره على التكلم بكلمة الكفر لا يكفر ومن أكره على الإسلام لا يصير به مسلما ودلت السنة على أن الله سبحانه تجاوز عن المكره فلم يؤاخذه بما أكره عليه وهذا يراد به كلامه قطعا وأما أفعاله ففيها تفصيل فما أبيح منها بالإكراه فهو متجاوز عنه كالأكل في نهار رمضان والعمل في الصلاة ولبس المخيط في الإحرام ونحو ذلك. وما لا يباح بالإكراه فهو مؤاخذ به كقتل المعصوم وإتلاف ماله وما اختلف فيه كشرب الخمر(5\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2074",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10640",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والزنى والسرقة هل يحد به أو لا فالاختلاف هل يباح ذلك بالإكراه أو لا فمن لم يبحه حده به ومن أباحه بالإكراه لم يحده وفيه قولان للعلماء وهما روايتان عن الإمام أحمد. والفرق بين الأقوال والأفعال في الإكراه أن الأفعال إذا وقعت لم ترتفع مفسدتها بل مفسدتها معها بخلاف الأقوال فإنها يمكن إلغاؤها وجعلها بمنزلة أقوال النائم والمجنون فمفسدة الفعل الذي لا يباح بالإكراه ثابتة بخلاف مفسدة القول فإنها إنما تثبت إذا كان قائله عالما به مختارا له. وقد روى وكيع عن ابن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة عن خيثمة عن عبد الرحمن قال: قالت امرأة لزوجها: سمني فسماها الظبية فقالت: ما قلت شيئا قال: فهات ما أسميك به قالت: سمني خلية طالقا قال: أنت خلية طالق فأتت عمر بن الخطاب فقالت: إن زوجي طلقني فجاء زوجها فقص عليه القصة فأوجع عمر رأسها وقال لزوجها: (خذ بيدها وأوجع رأسها) . فهذا الحكم من أمير المؤمنين بعدم الوقوع لما لم يقصد الزوج اللفظ الذي يقع به الطلاق بل قصد لفظا لا يريد به الطلاق فهو كما لو قال لأمته أو غلامه: إنها حرة. وأراد أنها ليست بفاجرة أو قال لامرأته: أنت مسرحة أو سرحتك. ومراده تسريح الشعر ونحو ذلك فهذا لا يقع عتقه ولا طلاقه بينه وبين الله تعالى وإن قامت قرينة أو تصادقا في الحكم لم يقع به. فإن قيل فهذا من أي الأقسام فإنكم جعلتم المراتب أربعة ومعلوم أن هذا ليس بمكره ولا زائل العقل ولا هازل ولا قاصد لحكم اللفظ قيل: هذا متكلم باللفظ مريد به أحد معنييه فلزم حكم ما أراده بلفظه دون ما لم يرده فلا يلزم بما لم يرده باللفظ إذا كان صالحا لما أراده وقد استحلف النبي صلى الله عليه وسلم ركانة لما طلق امرأته البتة فقال: (ما أردت قال:(5\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2075",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10641",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحدة. قال: آلله. قال: آلله. قال: هو ما أردت ) فقبل منه نيته في اللفظ المحتمل. وقد قال مالك: إذا قال أنت طالق البتة وهو يريد أن يحلف على شيء ثم بدا له فترك اليمين فليست طالقا لأنه لم يرد أن يطلقها وبهذا أفتى الليث بن سعد والإمام أحمد حتى إن أحمد في رواية عنه يقبل منه ذلك في الحكم. وهذه المسألة لها ثلاث صور: إحداها: أن يرجع عن يمينه ولم يكن التنجيز مراده فهذه لا تطلق عليه في الحال ولا يكون حالفا. الثانية: أن يكون مقصوده اليمين لا التنجيز فيقول: أنت طالق ومقصوده إن كلمت زيدا. الثالثة: أن يكون مقصوده اليمين من أول كلامه ثم يرجع عن اليمين في أثناء الكلام ويجعل الطلاق منجزا فهذا لا يقع به لأنه لم ينو به الإيقاع وإنما نوى به التعليق فكان قاصرا عن وقوع المنجز فإذا نوى التنجيز بعد ذلك لم يكن قد أتى في التنجيز بغير النية المجردة وهذا قول أصحاب أحمد. وقد قال تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم [البقرة: 225] [البقرة: 225] واللغو نوعان: أحدهما: أن يحلف على الشيء يظنه كما حلف عليه فيتبين بخلافه. والثاني: أن تجري اليمين على لسانه من غير قصد للحلف كلا والله وبلى والله في أثناء كلامه وكلاهما رفع الله المؤاخذة به لعدم(5\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2076",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10642",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قصد الحالف إلى عقد اليمين وحقيقتها وهذا تشريع منه سبحانه لعباده ألا يرتبوا الأحكام على الألفاظ التي لم يقصد المتكلم بها حقائقها ومعانيها وهذا غير الهازل حقيقة وحكما. وقد أفتى الصحابة بعدم وقوع طلاق المكره وإقراره فصح عن عمر أنه قال: ليس الرجل بأمين على نفسه إذا أوجعته أو ضربته أو أوثقته وصح عنه أن رجلا تدلى بحبل ليشتار عسلا فأتت امرأته فقالت: لأقطعن الحبل أو لتطلقني. فناشدها الله فأبت فطلقها فأتى عمر فذكر له ذلك فقال له: ارجع إلى امرأتك فإن هذا ليس بطلاق. وكان علي لا يجيز طلاق المكره وقال ثابت الأعرج: سألت ابن عمر وابن الزبير عن طلاق المكره فقالا جميعا: ليس بشيء. فإن قيل: فما تصنعون بما رواه الغازي بن جبلة عن صفوان بن عمران الأصم عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلا جلست امرأته على صدره وجعلت السكين على حلقه وقالت له: طلقني أو لأذبحنك فناشدها فأبت فطلقها ثلاثا فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (لا قيلولة في الطلاق ) رواه سعيد بن منصور في quot; سننه quot;. وروى عطاء بن عجلان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه والمغلوب على عقله ) . وروى سعيد بن منصور: حدثنا فرج بن فضالة حدثني عمرو بن شراحيل المعافري أن امرأة استلت سيفا فوضعته على بطن زوجها وقالت: والله لأنفذنك أو لتطلقني فطلقها ثلاثا فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فأمضى طلاقها. وقال علي: (كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه) .(5\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2077",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10643",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل أما خبر الغازي بن جبلة ففيه ثلاث علل: إحداها: ضعف صفوان بن عمرو والثانية: لين الغازي بن جبلة والثالثة: تدليس بقية الراوي عنه ومثل هذا لا يحتج به قال أبو محمد ابن حزم: وهذا خبر في غاية السقوط. وأما حديث ابن عباس: (كل الطلاق جائز) فهو من رواية عطاء بن عجلان وضعفه مشهور وقد رمي بالكذب. قال أبو محمد ابن حزم: وهذا الخبر شر من الأول. وأما أثر عمر فالصحيح عنه خلافه كما تقدم ولا يعلم معاصرة المعافري لعمر وفرج بن فضالة فيه ضعف. وأما أثر علي فالذي رواه عنه الناس أنه كان لا يجيز طلاق المكره وروى عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كان لا يجيز طلاق المكره. فإن صح عنه ما ذكرتم فهو عام مخصوص بهذا.  [فصل طلاق السكران] فصل وأما طلاق السكران فقال تعالى: ياأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون [النساء: 43] [النساء: 43] فجعل سبحانه قول السكران غير معتبر لأنه لا يعلم ما يقول وصح عنه أنه أمر بالمقر بالزنى أن يستنكه ليعتبر قوله الذي أقر به أو يلغى. وفي quot; صحيح البخاري quot; في قصة حمزة لما عقر بعيري علي فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فوقف عليه يلومه فصعد فيه النظر وصوبه وهو سكران ثم قال: هل gt;(5\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2078",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10644",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنتم إلا عبيد لأبي فنكص النبي - صلى الله عليه وسلم - على عقبيه . وهذا القول لو قاله غير سكران لكان ردة وكفرا ولم يؤاخذ بذلك حمزة. وصح عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أنه قال: (ليس لمجنون ولا سكران طلاق)  رواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن أبان بن عثمان عن أبيه. وقال عطاء: (طلاق السكران لا يجوز)  وقال ابن طاووس عن أبيه: (طلاق السكران لا يجوز) . وقال القاسم بن محمد: لا يجوز طلاقه. وصح عن عمر بن عبد العزيز أنه أتي بسكران طلق فاستحلفه بالله الذي لا إله إلا هو: لقد طلقها وهو لا يعقل فحلف فرد إليه امرأته وضربه الحد. وهو مذهب يحيى بن سعيد الأنصاري وحميد بن عبد الرحمن وربيعة والليث بن سعد وعبد الله بن الحسن وإسحاق بن راهويه وأبي ثور والشافعي في أحد قوليه واختاره المزني وغيره من الشافعية ومذهب أحمد في إحدى الروايات عنه وهي التي استقر عليها مذهبه وصرح برجوعه إليها فقال في رواية أبي طالب: الذي لا يأمر بالطلاق إنما أتى خصلة واحدة والذي يأمر بالطلاق فقد أتى خصلتين حرمها عليه وأحلها لغيره فهذا خير من هذا وأنا أتقي جميعا. وقال في رواية الميموني: قد كنت أقول إن طلاق السكران يجوز حتى تبينته فغلب علي أنه لا يجوز طلاقه لأنه لو أقر لم يلزمه ولو باع لم(5\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2079",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10645",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يجز بيعه قال: وألزمه الجناية وما كان من غير ذلك فلا يلزمه. قال أبو بكر عبد العزيز: وبهذا أقول وهذا مذهب أهل الظاهر كلهم واختاره من الحنفية أبو جعفر الطحاوي وأبو الحسن الكرخي. والذين أوقعوه لهم سبعة مآخذ. أحدها: أنه مكلف ولهذا يؤاخذ بجناياته. والثاني: أن إيقاع الطلاق عقوبة له. والثالث: أن ترتب الطلاق على التطليق من باب ربط الأحكام بأسبابها فلا يؤثر فيه السكر. والرابع: أن الصحابة أقاموه مقام الصاحي في كلامه فإنهم قالوا: إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى وحد المفتري ثمانون. والخامس: حديث: ( لا قيلولة في الطلاق )  وقد تقدم. السادس: حديث: ( كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه )  وقد تقدم. والسابع: أن الصحابة أوقعوا عليه الطلاق فرواه أبو عبيد عن عمر ومعاوية ورواه غيره عن ابن عباس. قال أبو عبيد: حدثنا يزيد بن هارون عن جرير بن حازم عن الزبير بن الحارث عن أبي لبيد أن رجلا طلق امرأته وهو سكران فرفع إلى عمر بن الخطاب وشهد عليه أربع نسوة ففرق عمر بينهما. قال: وحدثنا ابن أبي مريم عن نافع بن يزيد عن جعفر بن ربيعة عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن معاوية أجاز طلاق السكران. هذا جميع ما احتجوا به وليس في شيء منه حجة أصلا.(5\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2080",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10646",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأما المأخذ الأول وهو أنه مكلف فباطل إذ الإجماع منعقد على أن شرط التكليف العقل ومن لا يعقل ما يقول فليس بمكلف. وأيضا فلو كان مكلفا لوجب أن يقع طلاقه إذا كان مكرها على شربها أو غير عالم بأنها خمر وهم لا يقولون به. وأما خطابه فيجب حمله على الذي يعقل الخطاب أو على الصاحي وأنه نهي عن السكر إذا أراد الصلاة وأما من لا يعقل فلا يؤمر ولا ينهى. وأما إلزامه بجناياته فمحل نزاع لا محل وفاق فقال عثمان البتي: لا يلزمه عقد ولا بيع ولا حد إلا حد الخمر فقط وهذا إحدى الروايتين عن أحمد أنه كالمجنون في كل فعل يعتبر له العقل. والذين اعتبروا أفعاله دون أقواله فرقوا بفرقين أحدهما: أن إسقاط أفعاله ذريعة إلى تعطيل القصاص إذ كل من أراد قتل غيره أو الزنى أو السرقة أو الحراب سكر وفعل ذلك فيقام عليه الحد إذا أتى جرما واحدا فإذا تضاعف جرمه بالسكر كيف يسقط عنه الحد هذا مما تأباه قواعد الشريعة وأصولها وقال أحمد منكرا على من قال ذلك: وبعض من يرى طلاق السكران ليس بجائز يزعم أن السكران لو جنى جناية أو أتى حدا أو ترك الصيام أو الصلاة كان بمنزلة المبرسم والمجنون هذا كلام سوء. والفرق الثاني: أن إلغاء أقواله لا يتضمن مفسدة لأن القول المجرد من غير العاقل لا مفسدة فيه بخلاف الأفعال فإن مفاسدها لا يمكن إلغاؤها إذا وقعت فإلغاء أفعاله ضرر محض وفساد منتشر بخلاف أقواله فإن صح هذان الفرقان بطل الإلحاق وإن لم يصحا كانت التسوية بين أقواله وأفعاله متعينة. وأما المأخذ الثاني - وهو أن إيقاع الطلاق به عقوبة له - ففي غاية الضعف فإن الحد يكفيه عقوبة وقد حصل رضى الله سبحانه من هذه العقوبة(5\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2081",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10647",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالحد ولا عهد لنا في الشريعة بالعقوبة بالطلاق والتفريق بين الزوجين. وأما المأخذ الثالث: أن إيقاع الطلاق به من ربط الأحكام بالأسباب ففي غاية الفساد والسقوط فإن هذا يوجب إيقاع الطلاق ممن سكر مكرها أو جاهلا بأنها خمر وبالمجنون والمبرسم بل وبالنائم ثم يقال: وهل ثبت لكم أن طلاق السكران سبب حتى يربط الحكم به وهل النزاع إلا في ذلك . وأما المأخذ الرابع: وهو أن الصحابة جعلوه كالصاحي في قولهم: إذا شرب سكر وإذا سكر هذى. فهو خبر لا يصح البتة. قال أبو محمد بن حزم: وهو خبر مكذوب قد نزه الله عليا وعبد الرحمن بن عوف منه وفيه من المناقضة ما يدل على بطلانه فإن فيه إيجاب الحد على من هذى والهاذي لا حد عليه. وأما المأخذ الخامس وهو حديث: ( لا قيلولة في الطلاق )  فخبر لا يصح ولو صح لوجب حمله على طلاق مكلف يعقل دون من لا يعقل ولهذا لم يدخل فيه طلاق المجنون والمبرسم والصبي. وأما المأخذ السادس وهو خبر: ( كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه )  فمثله سواء لا يصح ولو صح لكان في المكلف وجواب ثالث: أن السكران الذي لا يعقل إما معتوه وإما ملحق به وقد ادعت طائفة أنه معتوه. قالوا: المعتوه في اللغة: الذي لا عقل له ولا يدري ما يتكلم به. وأما المأخذ السابع: وهو أن الصحابة أوقعوا عليه الطلاق فالصحابة(5\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2082",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10648",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مختلفون في ذلك فصح عن عثمان ما حكيناه عنه. وأما أثر ابن عباس فلا يصح عنه لأنه من طريقين في أحدهما الحجاج بن أرطاة وفي الثانية إبراهيم بن أبي يحيى وأما ابن عمر ومعاوية فقد خالفهما عثمان بن عفان.  [فصل طلاق الإغلاق] فصل وأما طلاق الإغلاق فقد قال الإمام أحمد في رواية حنبل: وحديث عائشة - رضي الله عنها - سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( لا طلاق ولا عتاق في إغلاق )  يعني الغضب هذا نص أحمد حكاه عنه الخلال وأبو بكر في quot; الشافي quot; و quot; زاد المسافر quot;. فهذا تفسير أحمد. وقال أبو داود في quot; سننه quot;: أظنه الغضب وترجم عليه: quot; باب الطلاق على غلط quot;. وفسره أبو عبيد وغيره بأنه الإكراه وفسره غيرهما بالجنون وقيل: هو نهي عن إيقاع الطلقات الثلاث دفعة واحدة فيغلق عليه الطلاق حتى لا يبقى منه شيء كغلق الرهن حكاه أبو عبيد الهروي. قال شيخنا: وحقيقة الإغلاق أن يغلق على الرجل قلبه فلا يقصد الكلام أو لا يعلم به كأنه انغلق عليه قصده وإرادته. قلت: قال أبو العباس المبرد: الغلق: ضيق الصدر وقلة الصبر بحيث لا يجد مخلصا قال شيخنا: ويدخل في ذلك طلاق المكره والمجنون ومن زال عقله بسكر أو غضب وكل من لا قصد له ولا معرفة له بما قال. والغضب على ثلاثة أقسام:(5\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2083",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10649",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها: ما يزيل العقل فلا يشعر صاحبه بما قال وهذا لا يقع طلاقه بلا نزاع. والثاني: ما يكون في مباديه بحيث لا يمنع صاحبه من تصور ما يقول وقصده فهذا يقع طلاقه. الثالث: أن يستحكم ويشتد به فلا يزيل عقله بالكلية ولكن يحول بينه وبين نيته بحيث يندم على ما فرط منه إذا زال فهذا محل نظر وعدم الوقوع في هذه الحالة قوي متجه.  [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطلاق قبل النكاح] في quot; السنن quot;: من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ولا عتق له فيما لا يملك ولا طلاق له فيما لا يملك ) . قال الترمذي: هذا حديث حسن وهو أحسن شيء في هذا الباب وسألت محمد بن إسماعيل فقلت: أي شيء أصح في الطلاق قبل النكاح فقال: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وروى أبو داود: ( لا بيع إلا فيما يملك ولا وفاء نذر إلا فيما يملك ) . وفي quot; سنن ابن ماجه quot;: عن المسور بن مخرمة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( لا طلاق قبل النكاح ولا عتق قبل ملك ) . وقال وكيع: حدثنا ابن أبي ذئب عن محمد بن المنكدر وعطاء بن أبي(5\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2084",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10650",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رباح كلاهما عن جابر بن عبد الله يرفعه: ( لا طلاق قبل نكاح ) . وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال: سمعت عطاء يقول: قال ابن عباس رضي الله عنه: (لا طلاق إلا من بعد نكاح) . قال ابن جريج: بلغ ابن عباس أن ابن مسعود يقول: (إن طلق ما لم ينكح فهو جائز)  فقال ابن عباس: (أخطأ في هذا إن الله تعالى يقول: إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن [الأحزاب: 49] ) [الأحزاب: 49]  ولم يقل: إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن. وذكر أبو عبيد: عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه سئل عن رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق فقال علي: (ليس طلاق إلا من بعد ملك) . وثبت عنه - رضي الله عنه - أنه قال: (لا طلاق إلا من بعد نكاح وإن سماها)  وهذا قول عائشة وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأصحابهم وداود وأصحابه وجمهور أهل الحديث. ومن حجة هذا القول: أن القائل: إن تزوجت فلانة فهي طالق مطلق لأجنبية وذلك محال فإنها حين الطلاق المعلق أجنبية والمتجدد هو نكاحها والنكاح لا يكون طلاقا فعلم أنها لو طلقت فإنما يكون ذلك استنادا إلى الطلاق المتقدم معلقا وهي إذ ذاك أجنبية وتجدد الصفة لا يجعله متكلما بالطلاق عند وجودها فإنه عند وجودها مختار للنكاح غير مريد للطلاق فلا يصح كما لو(5\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2085",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10651",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق فدخلت وهي زوجته لم تطلق بغير خلاف. فإن قيل: فما الفرق بين تعليق الطلاق وتعليق العتق فإنه لو قال: إن ملكت فلانا فهو حر صح التعليق وعتق بالملك . قيل: في تعليق العتق قولان وهما روايتان عن أحمد كما عنه روايتان في تعليق الطلاق والصحيح من مذهبه الذي عليه أكثر نصوصه وعليه أصحابه - صحة تعليق العتق دون الطلاق والفرق بينهما أن العتق له قوة وسراية ولا يعتمد نفوذ الملك فإنه ينفذ في ملك الغير ويصح أن يكون الملك سببا لزواله بالعتق عقلا وشرعا كما يزول ملكه بالعتق عن ذي رحمه المحرم بشرائه وكما لو اشترى عبدا ليعتقه في كفارة أو نذر أو اشتراه بشرط العتق وكل هذا يشرع فيه جعل الملك سببا للعتق فإنه قربة محبوبة لله تعالى فشرع الله سبحانه التوسل إليه بكل وسيلة مفضية إلى محبوبه وليس كذلك الطلاق فإنه بغيض إلى الله وهو أبغض الحلال إليه ولم يجعل ملك البضع بالنكاح سببا لإزالته البتة وفرق ثان أن تعليق العتق بالملك من باب نذر القرب والطاعات والتبرر كقوله: لئن آتاني الله من فضله لأتصدقن بكذا وكذا فإذا وجد الشرط لزمه ما علقه به من الطاعة المقصودة فهذا لون وتعليق الطلاق على الملك لون آخر.  [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم طلاق الحائض والنفساء والموطوءة في طهرها وتحريم إيقاع الثلاث جملة] في quot; الصحيحين quot; أن ابن عمر - رضي الله عنه - طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد ذلك وإن شاء يطلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء ) .(5\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2086",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10652",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولمسلم: ( مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا ) . وفي لفظ: ( إن شاء طلقها طاهرا قبل أن يمس فذلك الطلاق للعدة كما أمره الله تعالى ) . وفي لفظ للبخاري: ( مره فليراجعها ثم ليطلقها في قبل عدتها ) . وفي لفظ لأحمد وأبي داود والنسائي عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: قال طلق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض فردها عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يرها شيئا وقال: (إذا طهرت فليطلق أو ليمسك ) . وقال ابن عمر رضي الله عنه: ( قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: quot; يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن quot;. ) في قبل عدتهن [الطلاق: 1] .  [أنواع الطلاق من حيث الحل والحرمة] فتضمن هذا الحكم أن الطلاق على أربعه أوجه: وجهان حلال ووجهان حرام. فالحلالان: أن يطلق امرأته طاهرا من غير جماع أو يطلقها حاملا مستبينا حملها.(5\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2087",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10653",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحرامان: أن يطلقها وهي حائض أو يطلقها في طهر جامعها فيه هذا في طلاق المدخول بها. وأما من لم يدخل بها فيجوز طلاقها حائضا وطاهرا كما قال تعالى: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة [البقرة: 236] [البقرة: 236] . وقال تعالى: ياأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها [الأحزاب: 49] [الأحزاب: 49]  وقد دل على هذا قوله تعالى: فطلقوهن لعدتهن [الطلاق: 1] [الطلاق: 1]  وهذه لا عدة لها ونبه عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: ( فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء )  ولولا هاتان الآيتان اللتان فيهما إباحة الطلاق قبل الدخول لمنع من طلاق من لا عدة له عليها. وفي quot; سنن النسائي quot; وغيره من حديث محمود بن لبيد قال: أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقام غضبان فقال: (أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم)  حتى قام رجل فقال: يا رسول الله! أفلا أقتله . وفي quot; الصحيحين quot;: عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه كان إذا سئل عن الطلاق قال: أما أنت إن طلقت امرأتك مرة أو مرتين فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرني بهذا وإن كنت طلقتها ثلاثا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك وعصيت(5\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2088",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10654",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله فيما أمرك من طلاق امرأتك . فتضمنت هذه النصوص أن المطلقة نوعان: مدخول بها وغير مدخول بها وكلاهما لا يجوز تطليقها ثلاثا مجموعة ويجوز تطليق غير المدخول بها طاهرا وحائضا. وأما المدخول بها فإن كانت حائضا أو نفساء حرم طلاقها وإن كانت طاهرا فإن كانت مستبينة الحمل جاز طلاقها بعد الوطء وقبله وإن كانت حائلا لم يجز طلاقها بعد الوطء في طهر الإصابة ويجوز قبله. هذا الذي شرعه الله على لسان رسوله من الطلاق وأجمع المسلمون على وقوع الطلاق الذي أذن الله فيه وأباحه إذا كان من مكلف مختار عالم بمدلول اللفظ قاصد له.  [الاختلاف في وقوع المحرم من الطلاق] واختلفوا في وقوع المحرم من ذلك وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الطلاق في الحيض أو في الطهر الذي واقعها فيه. المسألة الثانية: في جمع الثلاث ونحن نذكر المسألتين تحريرا وتقريرا كما ذكرناهما تصويرا ونذكر حجج الفريقين ومنتهى أقدام الطائفتين مع العلم بأن المقلد المتعصب لا يترك من قلده ولو جاءته كل آية وأن طالب الدليل لا يأتم بسواه ولا يحكم إلا إياه ولكل من الناس مورد لا يتعداه وسبيل لا يتخطاه ولقد عذر من حمل ما انتهت إليه قواه وسعى إلى حيث انتهت إليه خطاه.  [هل يقع الطلاق في الحيض أو في الطهر الذي واقعها فيه] فأما المسألة الأولى فإن الخلاف في وقوع الطلاق المحرم لم يزل ثابتا بين السلف والخلف وقد وهم من ادعى الإجماع على وقوعه وقال بمبلغ علمه وخفي عليه من الخلاف ما اطلع عليه غيره وقد قال الإمام أحمد:(5\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2089",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10655",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من ادعى الإجماع فهو كاذب وما يدريه لعل الناس اختلفوا. كيف والخلاف بين الناس في هذه المسألة معلوم الثبوت عن المتقدمين والمتأخرين قال محمد بن عبد السلام الخشني: حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع مولى ابن عمر (عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال في رجل طلق امرأته وهي حائض: قال ابن عمر: لا يعتد بذلك)  ذكره أبو محمد بن حزم في quot; المحلى quot; بإسناده إليه. وقال عبد الرزاق في quot; مصنفه quot;: عن ابن جريج (عن ابن طاووس عن أبيه أنه قال: كان لا يرى طلاقا ما خالف وجه الطلاق ووجه العدة وكان يقول: وجه الطلاق أن يطلقها طاهرا من غير جماع وإذا استبان حملها) . وقال الخشني: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا همام بن يحيى عن قتادة (عن خلاس بن عمرو أنه قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض قال: لا يعتد بها)  قال أبو محمد بن حزم: والعجب من جرأة من ادعى الإجماع على خلاف هذا وهو لا يجد فيما يوافق قوله في إمضاء الطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه كلمة عن أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - غير رواية عن ابن عمر قد عارضها ما هو أحسن منا عن ابن عمر وروايتين ساقطتين عن عثمان وزيد بن ثابت - رضي الله عنهما. إحداهما: رويناها من طريق ابن وهب عن ابن سمعان عن رجل أخبره أن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - كان يقضي في المرأة التي يطلقها زوجها وهي حائض أنها لا تعتد بحيضتها تلك وتعتد بعدها بثلاثة قروء.(5\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2090",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10656",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت: وابن سمعان هو عبد الله بن زياد بن سمعان الكذاب وقد رواه عن مجهول لا يعرف. قال أبو محمد: والأخرى من طريق عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن قيس بن سعد مولى أبي علقمة عن رجل سماه (عن زيد بن ثابت أنه قال فيمن طلق امرأته وهي حائض: يلزمه الطلاق وتعتد بثلاث حيض سوى تلك الحيضة) . قال أبو محمد: بل نحن أسعد بدعوى الإجماع هاهنا لو استجزنا ما يستجيزون ونعوذ بالله من ذلك وذلك أنه لا خلاف بين أحد من أهل العلم قاطبة ومن جملتهم جميع المخالفين لنا في ذلك أن الطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه بدعة نهى عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مخالفة لأمره فإذا كان لا شك في هذا عندهم فكيف يستجيزون الحكم بتجويز البدعة التي يقرون أنها بدعة وضلالة أليس بحكم المشاهدة مجيز البدعة مخالفا لإجماع القائلين بأنها بدعة قال أبو محمد: وحتى لو لم يبلغنا الخلاف لكان القاطع على جميع أهل الإسلام بما لا يقين عنده ولا بلغه عن جميعهم- كاذبا على جميعهم.  [أدلة المانعين من وقوع الطلاق المحرم] قال المانعون من وقوع الطلاق المحرم: لا يزال النكاح المتيقن إلا بيقين مثله من كتاب أو سنة أو إجماع متيقن. فإذا أوجدتمونا واحدا من هذه الثلاثة رفعنا حكم النكاح به لا سبيل إلى رفعه بغير ذلك. قالوا: وكيف والأدلة المتكاثرة تدل على عدم وقوعه فإن هذا الطلاق لم يشرعه الله تعالى البتة ولا أذن فيه فليس في شرعه فكيف يقال بنفوذه وصحته . قالوا: وإنما يقع من الطلاق المحرم ما ملكه الله تعالى للمطلق ولهذا لا يقع به الرابعة لأنه لم يملكها إياه ومن المعلوم أنه لم يملكه الطلاق المحرم ولا أذن له فيه فلا يصح ولا يقع. قالوا: ولو وكل وكيلا أن يطلق امرأته طلاقا جائزا فطلق طلاقا(5\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2091",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10657",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محرما لم يقع لأنه غير مأذون له فيه فكيف كان إذن المخلوق معتبرا في صحة إيقاع الطلاق دون إذن الشارع ومن المعلوم أن المكلف إنما يتصرف بالإذن فما لم يأذن به الله ورسوله لا يكون محلا للتصرف البتة. قالوا: وأيضا فالشارع قد حجر على الزوج أن يطلق في حال الحيض أو بعد الوطء في الطهر فلو صح طلاقه لم يكن لحجر الشارع معنى وكان حجر القاضي على من منعه التصرف أقوى من حجر الشارع حيث يبطل التصرف بحجره. قالوا: وبهذا أبطلنا البيع وقت النداء يوم الجمعة لأنه بيع حجر الشارع على بائعه هذا الوقت فلا يجوز تنفيذه وتصحيحه. قالوا: ولأنه طلاق محرم منهي عنه فالنهي يقتضي فساد المنهي عنه فلو صححناه لكان لا فرق بين المنهي عنه والمأذون فيه من جهة الصحة والفساد. قالوا: وأيضا فالشارع إنما نهى عنه وحرمه لأنه يبغضه ولا يحب وقوعه بل وقوعه مكروه إليه فحرمه لئلا يقع ما يبغضه ويكرهه وفي تصحيحه وتنفيذه ضد هذا المقصود. قالوا: وإذا كان النكاح المنهي عنه لا يصح لأجل النهي فما الفرق بينه وبين الطلاق وكيف أبطلتم ما نهى الله عنه من النكاح وصححتم ما حرمه ونهى عنه من الطلاق والنهي يقتضي البطلان في الموضعين قالوا: ويكفينا من هذا حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العام الذي لا تخصيص فيه برد ما خالف أمره وإبطاله وإلغائه كما في quot; الصحيح quot; عنه من حديث عائشة - رضي الله عنها -: ( كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد )  وفي رواية ( من(5\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2092",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10658",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) . وهذا صريح أن هذا الطلاق المحرم الذي ليس عليه أمره - صلى الله عليه وسلم - مردود باطل فكيف يقال: إنه صحيح لازم نافذ فأين هذا من الحكم برده قالوا: وأيضا فإنه طلاق لم يشرعه الله أبدا وكان مردودا باطلا كطلاق الأجنبية ولا ينفعكم الفرق بأن الأجنبية ليست محلا للطلاق بخلاف الزوجة فإن هذه الزوجة ليست محلا للطلاق المحرم ولا هو مما ملكه الشارع إياه. قالوا: وأيضا فإن الله سبحانه إنما أمر بالتسريح بإحسان ولا أشر من التسريح الذي حرمه الله ورسوله وموجب عقد النكاح أحد أمرين: إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان والتسريح المحرم أمر ثالث غيرهما فلا عبرة به البتة. قالوا: وقد قال الله تعالى: ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن [الطلاق: 1]  وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - المبين عن الله مراده من كلامه أن الطلاق المشروع المأذون فيه هو الطلاق في زمن الطهر الذي لم يجامع فيه أو بعد استبانة الحمل وما عداهما فليس بطلاق للعدة في حق المدخول بها فلا يكون طلاقا فكيف تحرم المرأة به قالوا: وقد قال تعالى: الطلاق مرتان [البقرة: 229] [البقرة: 269]  ومعلوم أنه إنما أراد الطلاق المأذون فيه وهو الطلاق للعدة فدل على أن ما عداه ليس من الطلاق فإنه حصر الطلاق المشروع المأذون فيه الذي يملك به الرجعة في مرتين فلا يكون ما عداه طلاقا. قالوا: ولهذا كان الصحابة - رضي الله عنهم - يقولون: إنهم لا طاقة لهم بالفتوى في الطلاق المحرم كما روى ابن وهب عن جرير بن حازم عن الأعمش أن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال:(5\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2093",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10659",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(من طلق كما أمره الله فقد بين الله له ومن خالف فإنا لا نطيق خلافه ولو وقع طلاق المخالف لم يكن الإفتاء به غير مطاق لهم ولم يكن للتفريق معنى إذ كان النوعان واقعين نافذين) . (وقال ابن مسعود - رضي الله عنه - أيضا: من أتى الأمر على وجهه فقد بين الله له وإلا فوالله ما لنا طاقة بكل ما تحدثون) . وقال بعض الصحابة وقد سئل عن الطلاق الثلاث مجموعة: (من طلق كما أمر فقد بين له ومن لبس تركناه وتلبيسه) . قالوا: ويكفي من ذلك كله (ما رواه أبو داود بالسند الصحيح الثابت: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الرزاق حدثنا ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة يسأل ابن عمر قال أبو الزبير وأنا أسمع: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضا فقال: طلق ابن عمر امرأته حائضا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأل عمر عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض قال عبد الله: فردها علي ولم يرها شيئا وقال: إذا طهرت فليطلق أو ليمسك قال ابن عمر: وقرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - quot; يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن) في قبل عدتهن. قالوا: وهذا إسناد في غاية الصحة فإن أبا الزبير غير مدفوع عن الحفظ والثقة وإنما يخشى من تدليسه فإذا قال: سمعت أو حدثني زال محذور التدليس وزالت العلة المتوهمة وأكثر أهل الحديث يحتجون به إذا قال: quot; عن quot; ولم يصرح بالسماع ومسلم يصحح ذلك من حديثه فأما إذا صرح بالسماع فقد زال الإشكال وصح الحديث وقامت الحجة. قالوا: ولا نعلم في خبر أبي الزبير هذا ما يوجب رده وإنما رده من(5\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2094",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10660",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رده استبعادا واعتقادا أنه خلاف الأحاديث الصحيحة ونحن نحكي كلام من رده ونبين أنه ليس فيه ما يوجب الرد. قال أبو داود: والأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير. وقال الشافعي: ونافع أثبت عن ابن عمر من أبي الزبير والأثبت من الحديثين أولى أن يقال به إذا خالفه. وقال الخطابي: حديث يونس بن جبير أثبت من هذا يعني قوله: ( مره فليراجعها quot; وقوله: quot; أرأيت إن عجز واستحمق quot; قال: فمه ) . قال ابن عبد البر: وهذا لم ينقله عنه أحد غير أبي الزبير وقد رواه عنه جماعة أجلة فلم يقل ذلك أحد منهم وأبو الزبير ليس بحجة فيما خالفه فيه مثله فكيف بخلاف من هو أثبت منه. وقال بعض أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثا أنكر من هذا. فهذا جملة ما رد به خبر أبي الزبير وهو عند التأمل لا يوجب رده ولا بطلانه.  [الرد على من ضعف حديث أبي الزبير] أما قول أبي داود الأحاديث كلها على خلافه فليس بأيديكم سوى تقليد أبي داود وأنتم لا ترضون ذلك وتزعمون أن الحجة من جانبكم فدعوا التقليد وأخبرونا أين في الأحاديث الصحيحة ما يخالف حديث أبي الزبير فهل فيها حديث واحد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتسب عليه تلك الطلقة وأمره أن يعتد بها فإن كان ذلك فنعم والله هذا خلاف صريح لحديث أبي الزبير ولا تجدون إلى ذلك سبيلا وغاية ما بأيديكم ( مره فليراجعها )  والرجعة تستلزم وقوع الطلاق. (وقول ابن عمر وقد سئل أتعتد بتلك التطليقة فقال: quot; أرأيت إن عجز واستحمق quot; وقول نافع أو من دونه: quot; فحسبت من طلاقها)  وليس وراء ذلك حرف واحد يدل على وقوعها(5\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2095",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10661",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والاعتداد بها ولا ريب في صحة هذه الألفاظ ولا مطعن فيها وإنما الشأن كل الشأن في معارضتها لقوله: ( فردها علي ولم يرها شيئا )  وتقديمها عليه ومعارضتها لتلك الأدلة المتقدمة التي سقناها وعند الموازنة يظهر التفاوت وعدم المقاومة ونحن نذكر ما في كلمة كلمة منها.  [معنى المراجعة في كلام الله ورسوله] أما قوله: ( مره فليراجعها )  فالمراجعة قد وقعت في كلام الله ورسوله على ثلاث معان: أحدها: ابتداء النكاح كقوله تعالى: فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله [البقرة: 230] [البقرة: 230]  ولا خلاف بين أحد من أهل العلم بالقرآن أن المطلق هاهنا: هو الزوج الثاني وأن التراجع بينها وبين الزوج الأول وذلك نكاح مبتدأ. وثانيهما: الرد الحسي إلى الحالة التي كان عليها أولا ( كقوله لأبي النعمان بن بشير لما نحل ابنه غلاما خصه به دون ولده: رده )  فهذا رد ما لم تصح فيه الهبة الجائزة التي سماها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -جورا وأخبر أنها لا تصلح وأنها خلاف العدل كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى. ومن هذا قوله لمن فرق بين جارية وولدها في البيع فنهاه عن ذلك ورد البيع وليس هذا الرد مستلزما لصحة البيع فإنه بيع باطل بل هو رد شيئين إلى حالة اجتماعهما كما كانا وهكذا الأمر بمراجعة ابن عمر امرأته ارتجاع ورد إلى حالة الاجتماع كما كانا قبل الطلاق وليس في ذلك ما يقتضي وقوع الطلاق في الحيض البتة. وأما قوله: ( أرأيت إن عجز واستحمق )  فيا سبحان الله أين البيان في هذا اللفظ بأن تلك الطلقة حسبها عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأحكام لا تؤخذ بمثل هذا ولو كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد حسبها عليه واعتد عليه بها - لم يعدل عن الجواب بفعله وشرعه إلى: أرأيت وكان ابن عمر أكره ما إليه quot; أرأيت quot;(5\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2096",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10662",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكيف يعدل للسائل عن صريح السنة إلى لفظة quot; أرأيت quot; الدالة على نوع من الرأي سببه عجز المطلق وحمقه عن إيقاع الطلاق على الوجه الذي أذن الله له فيه والأظهر فيما هذه صفته أنه لا يعتد به وأنه ساقط من فعل فاعله لأنه ليس في دين الله تعالى حكم نافذ سببه العجز والحمق عن امتثال الأمر إلا أن يكون فعلا لا يمكن رده بخلاف العقود المحرمة التي من عقدها على الوجه المحرم فقد عجز واستحمق وحينئذ فيقال: هذا أدل على الرد منه على الصحة واللزوم فإنه عقد عاجز أحمق على خلاف أمر الله ورسوله فيكون مردودا باطلا فهذا الرأي والقياس أدل على بطلان طلاق من عجز واستحمق منه على صحته واعتباره. وأما قوله: فحسبت من طلاقها. ففعل مبني لما لم يسم فاعله فإذا سمي فاعله ظهر وتبين هل في حسبانه حجة أو لا وليس في حسبان الفاعل المجهول دليل البتة. وسواء كان القائل quot; فحسبت quot; ابن عمر أو نافعا أو من دونه وليس فيه بيان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي حسبها حتى تلزم الحجة به وتحرم مخالفته فقد تبين أن سائر الأحاديث لا تخالف حديث أبي الزبير وأنه صريح في أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يرها شيئا وسائر الأحاديث مجملة لا بيان فيها.  [رد الموقعين للطلاق على المانعين] قال الموقعون: لقد ارتقيتم أيها المانعون مرتقى صعبا وأبطلتم أكثر طلاق المطلقين فإن غالبه طلاق بدعي وجاهرتم بخلاف الأئمة ولم تتحاشوا خلاف الجمهور وشذذتم بهذا القول الذي أفتى جمهور الصحابة ومن بعدهم بخلافه والقرآن والسنن تدل على بطلانه. قال تعالى: فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره [البقرة: 230]  وهذا يعم كل طلاق وكذلك قوله: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [البقرة: 228] [البقرة: 228]  ولم يفرق وكذلك قوله تعالى: الطلاق مرتان [البقرة: 229]  وقوله: وللمطلقات متاع [البقرة: 241](5\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2097",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10663",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[البقرة: 241]  وهذه مطلقة وهي عمومات لا يجوز تخصيصها إلا بنص أو إجماع. قالوا: وحديث ابن عمر دليل على وقوع الطلاق المحرم من وجوه. أحدها: الأمر بالمراجعة وهي لم شعث النكاح وإنما شعثه وقوع الطلاق. الثاني: قول ابن عمر فراجعتها وحسبت لها التطليقة التي طلقها وكيف يظن بابن عمر أنه يخالف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيحسبها من طلاقها ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يرها شيئا. الثالث: ( قول ابن عمر لما قيل له: أيحتسب بتلك التطليقة قال: أرأيت إن عجز واستحمق ) أي: عجزه وحمقه لا يكون عذرا له في عدم احتسابه بها. الرابع: أن ابن عمر قال: وما يمنعني أن أعتد بها وهذا إنكار منه لعدم الاعتداد بها وهذا يبطل تلك اللفظة التي رواها عنه أبو الزبير إذ كيف يقول ابن عمر: وما يمنعني أن أعتد بها وهو يرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد ردها عليه ولم يرها شيئا. الخامس: أن مذهب ابن عمر الاعتداد بالطلاق في الحيض وهو صاحب القصة وأعلم الناس بها وأشدهم اتباعا للسنن وتحرجا من مخالفتها. قالوا: وقد روى ابن وهب في quot; جامعه quot; حدثنا ابن أبي ذئب أن نافعا أخبرهم ( عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فسأل عمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: quot; مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد ذلك وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء وهي واحدة )  هذا لفظ حديثه.(5\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2098",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10664",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: وروى عبد الرزاق ( عن ابن جريج قال: أرسلنا إلى نافع وهو يترجل في دار الندوة ذاهبا إلى المدينة ونحن مع عطاء: هل حسبت تطليقة عبد الله بن عمر امرأته حائضا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال: نعم ) . قالوا: وروى حماد بن زيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( من طلق في بدعة ألزمناه بدعته ) رواه عبد الباقي بن قانع عن زكريا الساجي حدثنا إسماعيل بن أمية الذارع حدثنا حماد فذكره. قالوا: وقد تقدم مذهب عثمان بن عفان وزيد بن ثابت في فتواهما بالوقوع. قالوا: وتحريمه لا يمنع ترتب أثره وحكمه عليه كالظهار فإنه منكر من القول وزور وهو محرم بلا شك وترتب أثره عليه وهو تحريم الزوجة إلى أن يكفر فهكذا الطلاق البدعي محرم ويترتب عليه أثره إلى أن يراجع ولا فرق بينهما. قالوا: وهذا (ابن عمر يقول للمطلق ثلاثا: حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك وعصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك)  فأوقع عليه الطلاق الذي عصى به المطلق ربه عز وجل.(5\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2099",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10665",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: وكذلك القذف محرم وترتب عليه أثره من الحد ورد الشهادة وغيرهما. قالوا: والفرق بين النكاح المحرم والطلاق المحرم أن النكاح عقد يتضمن حل الزوجة وملك بضعها فلا يكون إلا على الوجه المأذون فيه شرعا فإن الأبضاع في الأصل على التحريم ولا يباح منها إلا ما أباحه الشارع بخلاف الطلاق فإنه إسقاط لحقه وإزالة لملكه وذلك لا يتوقف على كون السبب المزيل مأذونا فيه شرعا كما يزول ملكه عن العين بالإتلاف المحرم وبالإقرار الكاذب وبالتبرع المحرم كهبتها لمن يعلم أنه يستعين بها على المعاصي والآثام. قالوا: والإيمان أصل العقود وأجلها وأشرفها يزول بالكلام المحرم إذا كان كفرا فكيف لا يزول عقد النكاح بالطلاق المحرم الذي وضع لإزالته. قالوا: ولو لم يكن معنا في المسألة إلا طلاق الهازل فإنه يقع مع تحريمه لأنه لا يحل له الهزل بآيات الله وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( ما بال أقوام يتخذون آيات الله هزوا: طلقتك راجعتك طلقتك راجعتك )  فإذا وقع طلاق الهازل مع تحريمه فطلاق الجاد أولى أن يقع مع تحريمه. قالوا: وفرق آخر بين النكاح المحرم والطلاق المحرم أن النكاح نعمة فلا تستباح بالمحرمات وإزالته وخروج البضع عن ملكه نقمة فيجوز أن يكون سببها محرما. قالوا: وأيضا فإن الفروج يحتاط لها والاحتياط يقتضي وقوع الطلاق وتجديد الرجعة والعقد. قالوا: وقد عهدنا النكاح لا يدخل فيه إلا بالتشديد والتأكيد من الإيجاب والقبول والولي والشاهدين ورضى الزوجة المعتبر رضاها(5\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2100",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10666",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويخرج منه بأيسر شيء فلا يحتاج الخروج منه إلى شيء من ذلك بل يدخل فيه بالعزيمة ويخرج منه بالشبهة فأين أحدهما من الآخر حتى يقاس عليه. قالوا: ولو لم يكن بأيدينا إلا قول حملة الشرع كلهم قديما وحديثا: طلق امرأته وهي حائض والطلاق نوعان طلاق سنة وطلاق بدعة (وقول ابن عباس - رضي الله عنه - الطلاق على أربعة أوجه: وجهان حلال ووجهان حرام)  فهذا الإطلاق والتقسيم دليل على أنه عندهم طلاق حقيقة وشمول اسم الطلاق له كشموله للطلاق الحلال ولو كان لفظا مجردا لغوا لم يكن له حقيقة ولا قيل: طلق امرأته فإن هذا اللفظ إذا كان لغوا كان وجوده كعدمه ومثل هذا لا يقال فيه طلق ولا يقسم الطلاق - وهو غير واقع - إليه وإلى الواقع فإن الألفاظ اللاغية التي ليس لها معان ثابتة لا تكون هي ومعانيها قسما من الحقيقة الثابتة لفظا فهذا أقصى ما تمسك به الموقعون وربما ادعى بعضهم الإجماع لعدم علمه بالنزاع.  [رد المانعين على الموقعين] قال المانعون من الوقوع: الكلام معكم في ثلاث مقامات بها يستبين الحق في المسألة. المقام الأول: بطلان ما زعمتم من الإجماع وأنه لا سبيل لكم إلى إثباته البتة بل العلم بانتفائه معلوم. المقام الثاني: أن فتوى الجمهور بالقول لا يدل على صحته وقول الجمهور ليس بحجة.(5\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2101",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10667",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المقام الثالث: أن الطلاق المحرم لا يدخل تحت نصوص الطلاق المطلقة التي رتب الشارع عليها أحكام الطلاق فإن ثبتت لنا هذه المقامات الثلاث كنا أسعد بالصواب منكم في المسألة. فنقول: أما المقام الأول فقد تقدم من حكاية النزاع ما يعلم معه بطلان دعوى الإجماع كيف ولو لم يعلم ذلك لم يكن لكم سبيل إلى إثبات الإجماع الذي تقوم به الحجة وتنقطع معه المعذرة وتحرم معه المخالفة فإن الإجماع الذي يوجب ذلك هو الإجماع القطعي المعلوم. وأما المقام الثاني: وهو أن الجمهور على هذا القول فأوجدونا في الأدلة الشرعية أن قول الجمهور حجة مضافة إلى كتاب الله وسنة رسوله وإجماع أمته. ومن تأمل مذاهب العلماء قديما وحديثا من عهد الصحابة وإلى الآن واستقرأ أحوالهم وجدهم مجمعين على تسويغ خلاف الجمهور ووجد لكل منهم أقوالا عديدة انفرد بها عن الجمهور ولا يستثنى من ذلك أحد قط ولكن مستقل ومستكثر فمن شئتم سميتموه من الأئمة تتبعوا ما له من الأقوال التي خالف فيها الجمهور ولو تتبعنا ذلك وعددناه لطال الكتاب به جدا ونحن نحيلكم على الكتب المتضمنة لمذاهب العلماء واختلافهم ومن له معرفة بمذاهبهم وطرائقهم يأخذ إجماعهم على ذلك من اختلافهم ولكن هذا في المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد ولا تدفعها السنة الصحيحة الصريحة وأما ما كان هذا سبيله فإنهم كالمتفقين على إنكاره ورده وهذا هو المعلوم من مذاهبهم في الموضعين. وأما المقام الثالث: وهو دعواكم دخول الطلاق المحرم تحت نصوص الطلاق وشمولها للنوعين إلى آخر كلامكم فنسألكم: ما تقولون فيمن ادعى دخول أنواع البيع المحرم والنكاح المحرم تحت نصوص البيع(5\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2102",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10668",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنكاح وقال: شمول الاسم للصحيح من ذلك والفاسد سواء بل وكذلك سائر العقود المحرمة إذا ادعى دخولها تحت ألفاظ العقود الشرعية وكذلك العبادات المحرمة المنهي عنها إذا ادعى دخولها تحت الألفاظ الشرعية وحكم لها بالصحة لشمول الاسم لها هل تكون دعواه صحيحة أو باطلة فإن قلتم: صحيحة ولا سبيل لكم إلى ذلك كان قولا معلوم الفساد بالضرورة من الدين وإن قلتم: دعواه باطلة تركتم قولكم ورجعتم إلى ما قلناه وإن قلتم: تقبل في موضع وترد في موضع قيل لكم: ففرقوا بفرقان صحيح مطرد منعكس معكم به برهان من الله بين ما يدخل من العقود المحرمة تحت ألفاظ النصوص فيثبت له حكم الصحة وبين ما لا يدخل تحتها فيثبت له حكم البطلان وإن عجزتم عن ذلك فاعلموا أنه ليس بأيديكم سوى الدعوى التي يحسن كل أحد مقابلتها بمثلها أو الاعتماد على من يحتج لقوله لا بقوله وإذا كشف الغطاء عما قررتموه في هذه الطريق وجد عين محل النزاع فقد جعلتموه مقدمة في الدليل وذلك عين المصادرة على المطلوب فهل وقع النزاع إلا في دخول الطلاق المحرم المنهي عنه تحت قوله: وللمطلقات متاع [البقرة: 241]  وتحت قوله: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [البقرة: 228]  وأمثال ذلك وهل سلم لكم منازعوكم قط ذلك حتى تجعلوه مقدمة لدليلكم قالوا: وأما استدلالكم بحديث ابن عمر فهو إلى أن يكون حجة عليكم أقرب منه إلى أن يكون حجة لكم من وجوه: أحدها: صريح قوله: ( فردها علي ولم يرها شيئا )  وقد تقدم بيان صحته. قالوا: فهذا الصريح الصحيح ليس بأيديكم ما يقاومه في الموضعين بل جميع تلك الألفاظ إما صحيحة غير صريحة وإما صريحة غير صحيحة كما ستقفون عليه. الثاني: أنه قد صح عن ابن عمر - رضي الله عنه - بإسناد كالشمس من(5\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2103",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10669",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رواية عبيد الله عن نافع عنه في الرجل يطلق امرأته وهي حائض قال: لا يعتد بذلك وقد تقدم. الثالث: أنه لو كان صريحا في الاعتداد به لما عدل به إلى مجرد الرأي وقوله للسائل: أرأيت الرابع: أن الألفاظ قد اضطربت عن ابن عمر في ذلك اضطرابا شديدا وكلها صحيحة عنه وهذا يدل على أنه لم يكن عنده نص صريح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وقوع تلك الطلقة والاعتداد بها وإذا تعارضت تلك الألفاظ نظرنا إلى مذهب ابن عمر وفتواه فوجدناه صريحا في عدم الوقوع ووجدنا أحد ألفاظ حديثه صريحا في ذلك فقد اجتمع صريح روايته وفتواه على عدم الاعتداد وخالف في ذلك ألفاظ مجملة مضطربة كما تقدم بيانه. وأما قول ابن عمر - رضي الله عنه -: وما لي لا أعتد بها وقوله: أرأيت إن عجز واستحمق فغاية هذا أن يكون رواية صريحة عنه بالوقوع ويكون عنه روايتان. وقولكم: كيف يفتي بالوقوع وهو يعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد ردها عليه ولم يعتد عليه بها فليس هذا بأول حديث خالفه راويه وله بغيره من الأحاديث التي خالفها راويها أسوة حسنة في تقديم رواية الصحابي ومن بعده على رأيه. وقد روى ابن عباس حديث بريرة وأن بيع الأمة ليس بطلاقها وأفتى بخلافه فأخذ الناس بروايته وتركوا رأيه وهذا هو الصواب فإن الرواية معصومة عن معصوم والرأي بخلافها كيف وأصرح الروايتين عنه موافقته لما رواه من عدم الوقوع على أن في هذا فقها دقيقا إنما يعرفه من له غور على أقوال الصحابة ومذاهبهم وفهمهم عن الله ورسوله واحتياطهم للأمة gt;(5\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2104",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10670",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولعلك تراه قريبا عند الكلام على حكمه - صلى الله عليه وسلم - في إيقاع الطلاق الثلاث جملة. وأما قوله في حديث ابن وهب عن ابن أبي ذئب في آخره وهي واحدة فلعمر الله لو كانت هذه اللفظة من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قدمنا عليها شيئا ولصرنا إليها بأول وهلة ولكن لا ندري أقالها ابن وهب من عنده أم ابن أبي ذئب أم نافع فلا يجوز أن يضاف إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لا يتيقن أنه من كلامه ويشهد به عليه وترتب عليه الأحكام ويقال: هذا من عند الله بالوهم والاحتمال والظاهر أنها من قول من دون ابن عمر - رضي الله عنه - ومراده بها أن ابن عمر إنما طلقها طلقة واحدة ولم يكن ذلك منه ثلاثا أي طلق ابن عمر - رضي الله عنه - امرأته واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكره. وأما حديث ابن جريج عن عطاء عن نافع أن تطليقة عبد الله حسبت عليه فهذا غايته أن يكون من كلام نافع ولا يعرف من الذي حسبها أهو عبد الله نفسه أو أبوه عمر أو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يجوز أن يشهد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالوهم والحسبان وكيف يعارض صريح قوله: ولم يرها شيئا بهذا المجمل والله يشهد - وكفى بالله شهيدا - أنا لو تيقنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي حسبها عليه لم نتعد ذلك ولم نذهب إلى سواه. وأما حديث أنس: ( من طلق في بدعة ألزمناه بدعته )  فحديث باطل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نشهد بالله أنه حديث باطل عليه ولم يروه أحد من الثقات من أصحاب حماد بن زيد وإنما هو من حديث إسماعيل بن أمية الذارع الكذاب الذي يذرع ويفصل ثم الراوي له عنه عبد الباقي بن قانع وقد ضعفه البرقاني وغيره وكان قد اختلط في آخر عمره وقال(5\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2105",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10671",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدارقطني: يخطئ كثيرا ومثل هذا إذا تفرد بحديث لم يكن حديثه حجة. وأما إفتاء عثمان بن عفان وزيد بن ثابت - رضي الله عنهما - بالوقوع فلو صح ذلك ولا يصح أبدا فإن أثر عثمان فيه كذاب عن مجهول لا يعرف عينه ولا حاله فإنه من رواية ابن سمعان عن رجل وأثر زيد: فيه مجهول عن مجهول: قيس بن سعد عن رجل سماه عن زيد فيالله العجب أين هاتان الروايتان من رواية عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن عبيد الله حافظ الأمة عن نافع عن ابن عمر أنه قال: لا يعتد بها. فلو كان هذا الأثر من قبلكم لصلتم به وجلتم. وأما قولكم: إن تحريمه لا يمنع ترتب أثره عليه كالظهار فيقال أولا: هذا قياس يدفعه ما ذكرناه من النص وسائر تلك الأدلة التي هي أرجح منه ثم يقال ثانيا: هذا معارض بمثله سواء معارضة القلب بأن يقال: تحريمه يمنع ترتب أثره عليه كالنكاح ويقال ثالثا: ليس للظهار جهتان: جهة حل وجهة حرمة بل كله حرام فإنه منكر من القول وزور فلا يمكن أن ينقسم إلى حلال جائز وحرام باطل بل هو بمنزلة القذف من الأجنبي والردة فإذا وجد لم يوجد إلا مع مفسدته فلا يتصور أن يقال: منه حلال صحيح وحرام باطل بخلاف النكاح والطلاق والبيع فالظهار نظير الأفعال المحرمة التي إذا وقعت قارنتها مفاسدها فترتبت عليها أحكامها وإلحاق الطلاق بالنكاح والبيع والإجارة والعقود المنقسمة إلى حلال وحرام وصحيح وباطل - أولى. وأما قولكم: إن النكاح عقد يملك به البضع والطلاق عقد يخرج به فنعم. من أين لكم برهان من الله ورسوله بالفرق بين العقدين في اعتبار حكم أحدهما والإلزام به وتنفيذه وإلغاء الآخر وإبطاله وأما زوال ملكه عن العين بالإتلاف المحرم فذلك ملك قد زال حسا(5\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2106",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10672",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولم يبق له محل. وأما زواله بالإقرار الكاذب فأبعد وأبعد فإنا صدقناه ظاهرا في إقراره وأزلنا ملكه بالإقرار المصدق فيه وإن كان كاذبا. وأما زوال الإيمان بالكلام الذي هو كفر فقد تقدم جوابه وأنه ليس في الكفر حلال وحرام. وأما طلاق الهازل فإنما وقع لأنه صادف محلا وهو طهر لم يجامع فيه فنفذ وكونه هزل به إرادة منه أن لا يترتب أثره عليه وذلك ليس إليه بل إلى الشارع فهو قد أتى بالسبب التام وأراد ألا يكون سببه فلم ينفعه ذلك بخلاف من طلق في غير زمن الطلاق فإنه لم يأت بالسبب الذي نصبه الله سبحانه مفضيا إلى وقوع الطلاق وإنما أتى بسبب من عنده وجعله هو مفضيا إلى حكمه وذلك ليس إليه. وأما قولكم: إن النكاح نعمة فلا يكون سببه إلا طاعة بخلاف الطلاق فإنه من باب إزالة النعم فيجوز أن يكون سببه معصية فيقال: قد يكون الطلاق من أكبر النعم التي يفك بها المطلق الغل من عنقه والقيد من رجله فليس كل طلاق نقمة بل من تمام نعمة الله على عباده أن مكنهم من المفارقة بالطلاق إذا أراد أحدهم استبدال زوج مكان زوج والتخلص ممن لا يحبها ولا يلائمها فلم ير للمتحابين مثل النكاح ولا للمتباغضين مثل الطلاق ثم كيف يكون نقمة والله تعالى يقول: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن [البقرة: 236] [البقرة: 236]  ويقول: ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن [الطلاق: 1] [الطلاق: 1]  . وأما قولكم: إن الفروج يحتاط لها فنعم وهكذا قلنا سواء فإنا احتطنا وأبقينا الزوجين على يقين النكاح حتى يأتي ما يزيله بيقين فإذا أخطأنا فخطؤنا في جهة واحدة وإن أصبنا فصوابنا في جهتين جهة الزوج الأول وجهة الثاني وأنتم ترتكبون أمرين: تحريم الفرج على من(5\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2107",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10673",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان حلالا له بيقين وإحلاله لغيره فإن كان خطأ فهو خطأ من جهتين فتبين أنا أولى بالاحتياط منكم وقد قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب في طلاق السكران نظير هذا الاحتياط سواء فقال: الذي لا يأمر بالطلاق إنما أتى خصلة واحدة والذي يأمر بالطلاق أتى خصلتين حرمها عليه وأحلها لغيره فهذا خير من هذا. وأما قولكم: إن النكاح يدخل فيه بالعزيمة والاحتياط ويخرج منه بأدنى شيء قلنا: ولكن لا يخرج منه إلا بما نصبه الله سببا يخرج به منه وأذن فيه: وأما ما ينصبه المؤمن عنده ويجعله هو سببا للخروج منه فكلا. فهذا منتهى أقدام الطائفتين في هذه المسألة الضيقة المعترك الوعرة المسلك التي يتجاذب أعنة أدلتها الفرسان وتتضاءل لدى صولتها شجاعة الشجعان وإنما نبهنا على مأخذها وأدلتها ليعلم الغر الذي بضاعته من العلم مزجاة أن هناك شيئا آخر وراء ما عنده وأنه إذا كان ممن قصر في العلم باعه فضعف خلف الدليل وتقاصر عن جني ثماره ذراعه فليعذر من شمر عن ساق عزمه وحام حول آثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتحكيمها والتحاكم إليها بكل همة وإن كان غير عاذر لمنازعه في قصوره ورغبته عن هذا الشأن البعيد فليعذر منازعه في رغبته عما ارتضاه لنفسه من محض التقليد ولينظر مع نفسه أيهما هو المعذور وأي السعيين أحق بأن يكون هو السعي المشكور والله المستعان وعليه التكلان وهو الموفق للصواب الفاتح لمن أم بابه طالبا لمرضاته من الخير كل باب.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيمن طلق ثلاثا بكلمة واحدة] قد تقدم حديث محمود بن لبيد رضي الله عنه: ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبر عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقام مغضبا ثم قال: quot; أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ! )  quot; وإسناده على شرط مسلم فإن ابن وهب قد رواه عن(5\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2108",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10674",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مخرمة بن بكير بن الأشج عن أبيه قال: سمعت محمود بن لبيد فذكره ومخرمة ثقة بلا شك وقد احتج مسلم في quot; صحيحه quot; بحديثه عن أبيه. والذين أعلوه قالوا: لم يسمع منه وإنما هو كتاب. قال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عن مخرمة بن بكير فقال: هو ثقة ولم يسمع من أبيه إنما هو كتاب مخرمة فنظر فيه كل شيء يقول: بلغني عن سليمان بن يسار فهو من كتاب مخرمة. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: مخرمة بن بكير وقع إليه كتاب أبيه ولم يسمعه. وقال في رواية عباس الدوري: هو ضعيف وحديثه عن أبيه كتاب ولم يسمعه منه وقال أبو داود: لم يسمع من أبيه إلا حديثا واحدا حديث الوتر وقال سعيد بن أبي مريم عن خاله موسى بن سلمة: أتيت مخرمة فقلت: حدثك أبوك قال: لم أدرك أبي ولكن هذه كتبه. والجواب عن هذا من وجهين. أحدهما: أن كتاب أبيه كان عنده محفوظا مضبوطا فلا فرق في قيام الحجة بالحديث بين ما حدثه به أو رآه في كتابه بل الأخذ عن النسخة أحوط إذا تيقن الراوي أنها نسخة الشيخ بعينها وهذه طريقة الصحابة والسلف وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبعث كتبه إلى الملوك وتقوم عليهم بها الحجة وكتب كتبه إلى عماله في بلاد الإسلام فعملوا بها واحتجوا بها ودفع الصديق كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الزكاة إلى أنس بن مالك فحمله وعملت به الأمة وكذلك كتابه إلى عمرو بن حزم في الصدقات الذي كان عند آل عمرو ولم يزل السلف والخلف يحتجون بكتاب بعضهم إلى بعض ويقول المكتوب إليه: كتب إلي فلان أن فلانا أخبره ولو بطل الاحتجاج بالكتب لم يبق بأيدي الأمة إلا أيسر اليسير فإن الاعتماد إنما هو على النسخ لا على الحفظ والحفظ خوان والنسخة لا تخون ولا يحفظ في زمن من الأزمان المتقدمة أن أحدا من أهل العلم رد الاحتجاج بالكتاب وقال: لم يشافهني به الكاتب فلا أقبله بل كلهم(5\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2109",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10675",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مجمعون على قبول الكتاب والعمل به إذا صح عنده أنه كتابه. الجواب الثاني: أن قول من قال: لم يسمع من أبيه معارض بقول من قال سمع منه ومعه زيادة علم وإثبات قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سئل أبي عن مخرمة بن بكير فقال: صالح الحديث. قال: وقال ابن أبي أويس: وجدت في ظهر كتاب مالك: سألت مخرمة عما يحدث به عن أبيه سمعها من أبيه فحلف لي: ورب هذه البنية - يعني المسجد - سمعت من أبي. وقال علي بن المديني: سمعت معن بن عيسى يقول: مخرمة سمع من أبيه وعرض عليه ربيعة أشياء من رأي سليمان بن يسار وقال علي: ولا أظن مخرمة سمع من أبيه كتاب سليمان لعله سمع منه الشيء اليسير ولم أجد أحدا بالمدينة يخبرني عن مخرمة بن بكير أنه كان يقول في شيء من حديثه: سمعت أبي ومخرمة ثقة. انتهى. ويكفي أن مالكا أخذ كتابه فنظر فيه واحتج به في quot; موطئه quot; وكان يقول: حدثني مخرمة وكان رجلا صالحا. وقال أبو حاتم: سألت إسماعيل بن أبي أويس قلت: هذا الذي يقول مالك بن أنس: حدثني الثقة من هو قال: مخرمة بن بكير. وقيل لأحمد بن صالح المصري: كان مخرمة من ثقات الرجال قال: نعم وقال ابن عدي عن ابن وهب ومعن بن عيسى عن مخرمة: أحاديث حسان مستقيمة وأرجو أنه لا بأس به. وفي quot; صحيح مسلم quot; (قول ابن عمر للمطلق ثلاثا: quot; حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك وعصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك)  وهذا تفسير منه للطلاق المأمور به وتفسير الصحابي حجة. وقال الحاكم: هو عندنا مرفوع.(5\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2110",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10676",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن تأمل القرآن حق التأمل تبين له ذلك وعرف أن الطلاق المشروع بعد الدخول هو الطلاق الذي يملك به الرجعة ولم يشرع الله سبحانه إيقاع الثلاث جملة واحدة البتة قال تعالى: الطلاق مرتان [البقرة: 229]  ولا تعقل العرب في لغتها وقوع المرتين إلا متعاقبتين كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمده ثلاثا وثلاثين وكبره أربعا وثلاثين )  ونظائره فإنه لا يعقل من ذلك إلا تسبيح وتكبير وتحميد متوال يتلو بعضه بعضا فلو قال: سبحان الله ثلاثا وثلاثين والحمد لله ثلاثا وثلاثين والله أكبر أربعا وثلاثين بهذا اللفظ - لكان ثلاث مرات فقط. وأصرح من هذا قوله سبحانه: والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله [النور: 6] [النور: 6]  فلو قال: أشهد بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين كانت مرة وكذلك قوله: ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين [النور: 8] [النور: 8]  فلو قالت أشهد بالله أربع شهادات إنه لمن الكاذبين كانت واحدة وأصرح من ذلك قوله تعالى: سنعذبهم مرتين [التوبة: 101] [التوبة: 101]  فهذا مرة بعد مرة ولا ينتقض هذا بقوله تعالى:(5\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2111",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10677",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نؤتها أجرها مرتين [الأحزاب: 31] [الأحزاب: 31]  وقوله - صلى الله عليه وسلم: ( ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين )  فإن المرتين هنا هما الضعفان وهما المثلان وهما مثلان في القدر كقوله تعالى: يضاعف لها العذاب ضعفين [الأحزاب: 30] [الأحزاب: 30]  وقوله: فآتت أكلها ضعفين [البقرة: 265] [البقرة: 265]  أي: ضعفي ما يعذب به غيرها وضعفي ما كانت تؤتي ومن هذا قول أنس: انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرتين أي: شقتين وفرقتين  كما قال في اللفظ الآخر: ( انشق القمر فلقتين ) وهذا أمر معلوم قطعا أنه إنما انشق القمر مرة واحدة والفرق معلوم بين ما يكون مرتين في الزمان وبين ما يكون مثلين وجزأين ومرتين في المضاعفة. فالثاني: يتصور فيه اجتماع المرتين في آن واحد والأول لا يتصور فيه ذلك. ومما يدل على أن الله لم يشرع الثلاث جملة أنه قال تعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [البقرة: 228] إلى أن قال: وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا [البقرة: 228] [البقرة: 228]  فهذا يدل على أن كل طلاق بعد الدخول فالمطلق أحق فيه بالرجعة سوى الثالثة المذكورة بعد هذا وكذلك قوله تعالى: ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن [الطلاق: 1]  إلى قوله: فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف [الطلاق: 2]  فهذا هو الطلاق المشروع وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أقسام الطلاق كلها في القرآن وذكر أحكامها فذكر(5\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2112",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10678",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطلاق قبل الدخول وأنه لا عدة فيه وذكر الطلقة الثالثة وأنها تحرم الزوجة على المطلق حتى تنكح زوجا غيره [البقرة: 230]  وذكر طلاق الفداء الذي هو الخلع وسماه فدية ولم يحسبه من الثلاث كما تقدم وذكر الطلاق الرجعي الذي المطلق أحق فيه بالرجعة وهو ما عدا هذه الأقسام الثلاثة. وبهذا احتج أحمد والشافعي وغيرهما على أنه ليس في الشرع طلقة واحدة بعد الدخول بغير عوض بائنة وأنه إذا قال لها: أنت طالق طلقة بائنة كانت رجعية ويلغو وصفها بالبينونة وأنه لا يملك إبانتها إلا بعوض. وأما أبو حنيفة فقال: تبين بذلك لأن الرجعة حق له وقد أسقطها والجمهور يقولون: وإن كانت الرجعة حقا له لكن نفقة الرجعية وكسوتها حق عليه فلا يملك إسقاطه إلا باختيارها وبذلها العوض أو سؤالها أن تفتدي نفسها منه بغير عوض في أحد القولين وهو جواز الخلع بغير عوض. وأما إسقاط حقها من الكسوة والنفقة بغير سؤالها ولا بذلها العوض فخلاف النص والقياس. قالوا: وأيضا فالله سبحانه شرع الطلاق على أكمل الوجوه وأنفعها للرجل والمرأة فإنهم كانوا يطلقون في الجاهلية بغير عدد فيطلق أحدهم المرأة كلما شاء ويراجعها وهذا وإن كان فيه رفق بالرجل ففيه إضرار بالمرأة فنسخ سبحانه ذلك بثلاث وقصر الزوج عليها وجعله أحق بالرجعة ما لم تنقض عدتها فإذا استوفى العدد الذي ملكه حرمت عليه فكان في هذا رفق بالرجل إذ لم تحرم عليه بأول طلقة وبالمرأة حيث لم يجعل إليه أكثر من ثلاث فهذا شرعه وحكمته وحدوده التي حدها لعباده فلو حرمت عليه بأول طلقة يطلقها كان خلاف شرعه وحكمته وهو لم يملك إيقاع الثلاث جملة بل إنما ملك واحدة فالزائد عليها غير مأذون له فيه. قالوا: وهذا كما أنه لم يملك إبانتها بطلقة واحدة إذ هو خلاف ما شرعه(5\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2113",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10679",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يملك إبانتها بثلاث مجموعة إذ هو خلاف شرعه. ونكتة المسألة أن الله لم يجعل للأمة طلاقا بائنا قط إلا في موضعين: أحدهما: طلاق غير المدخول بها. والثاني: الطلقة الثالثة وما عداه من الطلاق فقد جعل للزوج فيه الرجعة هذا مقتضى الكتاب كما تقدم تقريره وهذا قول الجمهور منهم: الإمام أحمد والشافعي وأهل الظاهر قالوا: لا يملك إبانتها بدون الثلاث إلا في الخلع. ولأصحاب مالك ثلاثة أقوال فيما إذا قال: أنت طالق طلقة لا رجعة فيها: أحدها: أنها ثلاث قاله ابن الماجشون لأنه قطع حقه من الرجعة وهي لا تنقطع إلا بثلاث فجاءت الثلاث ضرورة. الثاني: أنها واحدة بائنة كما قال هذا قول ابن القاسم لأنه يملك إبانتها بطلقة بعوض فملكها بدونه والخلع عنده طلاق. الثالث: أنها واحدة رجعية وهذا قول ابن وهب وهو الذي يقتضيه الكتاب والسنة والقياس وعليه الأكثرون.  [فصل هل يقع الطلاق ثلاثا فيمن قاله بكلمة واحدة] فصل وأما المسألة الثانية وهي وقوع الثلاث بكلمة واحدة فاختلف الناس فيها على أربعة مذاهب: أحدها: أنها تقع وهذا قول الأئمة الأربعة وجمهور التابعين وكثير من الصحابة رضي الله عنهم. الثاني: أنها لا تقع بل ترد لأنها بدعة محرمة والبدعة مردودة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد )  وهذا المذهب حكاه أبو محمد بن حزم وحكي للإمام أحمد فأنكره وقال: هو قول الرافضة.(5\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2114",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10680",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالث: أنه يقع به واحدة رجعية وهذا ثابت عن ابن عباس ذكره أبو داود عنه. قال الإمام أحمد: وهذا مذهب ابن إسحاق يقول: خالف السنة فيرد إلى السنة انتهى وهو قول طاووس وعكرمة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. الرابع: أنه يفرق بين المدخول بها وغيرها فتقع الثلاث بالمدخول بها ويقع بغيرها واحدة وهذا قول جماعة من أصحاب ابن عباس وهو مذهب إسحاق بن راهويه فيما حكاه عنه محمد بن نصر المروزي في كتاب quot; اختلاف العلماء quot;.  فأما من لم يوقعها جملة فاحتجوا بأنه طلاق بدعة محرم والبدعة مردودة وقد اعترف أبو محمد بن حزم بأنها لو كانت بدعة محرمة لوجب أن ترد وتبطل ولكنه اختار مذهب الشافعي أن جمع الثلاث جائز غير محرم وستأتي حجة هذا القول.  وأما من جعلها واحدة فاحتج بالنص والقياس فأما النص فما رواه معمر وابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه ( أن أبا الصهباء قال لابن عباس: ألم تعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر قال: نعم ) . رواه مسلم في quot; صحيحه quot;. وفي لفظ: ( ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر ترد إلى واحدة قال: نعم ) .(5\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2115",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10681",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الرزاق أن ابن جريج قال: أخبرني بعض بني أبي رافع مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن عكرمة (عن ابن عباس قال: طلق عبد يزيد - أبو ركانة وإخوته - أم ركانة ونكح امرأة من مزينة فجاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة لشعرة أخذتها من رأسها ففرق بيني وبينه فأخذت النبي - صلى الله عليه وسلم - حمية فدعا بركانة وإخوته ثم قال لجلسائه: quot; ألا ترون أن فلانا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد وفلانا منه كذا وكذا quot; قالوا: نعم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد يزيد: quot; طلقها quot; ففعل ثم قال: quot; راجع امرأتك أم ركانة وإخوته quot; فقال: إني طلقتها ثلاثا يا رسول الله قال: quot; قد علمت(5\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2116",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10682",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "راجعها quot; وتلا: ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن [الطلاق: 1]  ) . وقال الإمام أحمد: حدثنا سعد بن إبراهيم قال: حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق قال: حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس ( عن عبد الله بن عباس قال: طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا قال: فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: quot; كيف طلقتها quot; فقال: طلقتها ثلاثا فقال: quot; في مجلس واحد quot; قال: نعم قال: quot; فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت quot; قال: فراجعها ) . فكان ابن عباس يرى أنما الطلاق عند كل طهر. قالوا: وأما القياس فقد تقدم أن جمع الثلاث محرم وبدعة والبدعة مردودة لأنها ليست على أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا: وسائر ما تقدم في بيان التحريم يدل على عدم وقوعها جملة. قالوا: ولو لم يكن معنا إلا قوله تعالى: فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله [النور: 6] [النور: 6]  وقوله: ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله [النور: 8] [النور: 8]  قالوا: وكذلك كل ما يعتبر له التكرار من حلف أو إقرار أو شهادة وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم ) . فلو قالوا: نحلف بالله خمسين يمينا: إن فلانا قتله كانت يمينا واحدة. قالوا: وكذلك الإقرار بالزنى كما في الحديث: أن بعض الصحابة قال لماعز: إن أقررت أربعا رجمك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهذا لا يعقل أن تكون الأربع فيه مجموعة بفم واحد.  وأما الذين فرقوا بين المدخول بها وغيرها فلهم حجتان:(5\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2117",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10683",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إحداهما: ما رواه أبو داود بإسناد صحيح ( عن طاووس أن رجلا يقال له: أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس قال له: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر فلما رأى عمر الناس قد تتايعوا فيها قال: أجيزوهن عليهم ) . الحجة الثانية: أنها تبين بقوله: أنت طالق فيصادفها ذكر الثلاث وهي بائن فتلغو ورأى هؤلاء أن إلزام عمر بالثلاث هو في حق المدخول بها وحديث أبي الصهباء في غير المدخول بها. قالوا: ففي هذا التفريق موافقة المنقول من الجانبين وموافقة القياس وقال بكل قول من هذه الأقوال جماعة من أهل الفتوى كما حكاه أبو محمد بن حزم وغيره ولكن عدم الوقوع جملة هو مذهب الإمامية وحكوه عن جماعة من أهل البيت.  قال الموقعون للثلاث: الكلام معكم في مقامين: أحدهما: تحريم جمع الثلاث. والثاني: وقوعها جملة ولو كانت محرمة ونحن نتكلم معكم في المقامين. فأما الأول: فقد قال الشافعي وأبو ثور وأحمد بن حنبل في إحدى الروايات عنه وجماعة من أهل الظاهر: إن جمع الثلاث سنة واحتجوا عليه بقوله تعالى: فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره [البقرة: 230] [البقرة: 236]  ولم يفرق بين أن تكون الثلاث مجموعة أو مفرقة ولا يجوز أن نفرق بين ما جمع الله بينه كما لا نجمع بين ما فرق الله بينه. وقال تعالى: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن [البقرة: 237] [البقرة: 227]  ولم يفرق وقال: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن [البقرة: 236] الآية ولم يفرق وقال:(5\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2118",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10684",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وللمطلقات متاع بالمعروف [البقرة: 241] [البقرة: 241]  وقال: ياأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن [الأحزاب: 49] [الأحزاب: 49]  ولم يفرق. قالوا: وفي quot; الصحيحين quot; ( أن عويمرا العجلاني طلق امرأته ثلاثا بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يأمره بطلاقها ) . قالوا: فلو كان جمع الثلاث معصية لما أقر عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يخلو طلاقها أن يكون قد وقع وهي امرأته أو حين حرمت عليه باللعان. فإن كان الأول فالحجة منه ظاهرة وإن كان الثاني فلا شك أنه طلقها وهو يظنها امرأته فلو كان حراما لبينها له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن كانت قد حرمت عليه. قالوا: وفي quot; صحيح البخاري quot; من حديث القاسم بن محمد عن عائشة أم المؤمنين ( أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت فطلقت فسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتحل للأول قال: quot; لا حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول )  فلم ينكر - صلى الله عليه وسلم - ذلك وهذا يدل على إباحة جمع الثلاث وعلى وقوعها إذ لو لم تقع لم يوقف رجوعها إلى الأول على ذوق الثاني عسيلتها. قالوا: وفي quot; الصحيحين quot; من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن ( أن فاطمة بنت قيس أخبرته أن زوجها أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثا ثم انطلق إلى اليمن فانطلق خالد بن الوليد في نفر فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيت ميمونة أم المؤمنين فقالوا: إن أبا حفص طلق امرأته ثلاثا فهل لها من نفقة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: quot; ليس لها نفقة وعليها العدة ) .(5\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2119",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10685",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; صحيح مسلم quot; في هذه القصة: ( قالت فاطمة فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: quot; كم طلقك quot;  قلت: ثلاثا فقال: quot; صدق ليس لك نفقة ) . وفي لفظ له: ( قالت: يا رسول الله! إن زوجي طلقني ثلاثا وإني أخاف أن يقتحم علي ) . وفي لفظ له: عنها ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المطلقة ثلاثا: quot; ليس لها سكنى ولا نفقة ) . قالوا: وقد روى عبد الرزاق في quot; مصنفه quot; عن يحيى بن العلاء عن عبيد الله بن الوليد الوصافي عن إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة بن الصامت ( عن داود بن عبادة بن الصامت قال: طلق جدي امرأة له ألف تطليقة فانطلق أبي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر له ذلك فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: quot; ما اتقى الله جدك أما ثلاث فله وأما تسعمائة وسبعة وتسعون فعدوان وظلم إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له ) . ورواه بعضهم عن صدقة بن أبي عمران (عن إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده قال: طلق بعض آبائي امرأته فانطلق بنوه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا رسول الله! إن أبانا طلق أمنا ألفا فهل له من مخرج فقال: إن أباكم لم يتق الله فيجعل له مخرجا بانت منه بثلاث(5\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2120",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10686",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على غير السنة وتسعمائة وسبعة وتسعون إثم في عنقه ) . قالوا: وروى محمد بن شاذان عن معلى بن منصور عن شعيب بن زريق أن عطاء الخراساني حدثهم عن الحسن قال: ( حدثنا عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أنه طلق امرأته وهي حائض ثم أراد أن يتبعها بطلقتين أخريين عند القرأين الباقيين فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: quot; يا ابن عمر! ما هكذا أمرك الله أخطأت السنة quot;.. وذكر الحديث وفيه فقلت: يا رسول الله! لو كنت طلقتها ثلاثا أكان لي أن أجمعها قال: quot; لا كانت تبين وتكون معصية ) . قالوا: وقد روى أبو داود في quot; سننه quot;: (عن نافع بن عجير بن عبد يزيد بن ركانة أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة البتة فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: والله ما أردت إلا واحدة quot; فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة فردها إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فطلقها الثانية في زمن عمر والثالثة في زمن عثمان ) . وفي quot; جامع الترمذي quot;: (عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده أنه طلق امرأته البتة فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: quot; أردت بها قال: واحدة قال: quot; آلله quot; قال: آلله قال: quot; هو على ما أردت )  قال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه وسألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال فيه اضطراب. ووجه الاستدلال بالحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - أحلفه أنه أراد بالبتة واحدة فدل على أنه لو أراد بها أكثر لوقع ما أراده ولو لم يفترق الحال لم يحلفه.(5\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2121",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10687",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: وهذا أصح من حديث ابن جريج عن بعض بني أبي رافع عن عكرمة عن ابن عباس أنه طلقها ثلاثا. قال أبو داود: لأنهم ولد الرجل وأهله أعلم به أن ركانة إنما طلقها البتة. قالوا: وابن جريج إنما رواه عن بعض بني أبي رافع. فإن كان عبيد الله فهو ثقة معروف وإن كان غيره من إخوته فمجهول العدالة لا تقوم به حجة. قالوا: وأما طريق الإمام أحمد ففيها ابن إسحاق والكلام فيه معروف وقد حكى الخطابي أن الإمام أحمد كان يضعف طرق هذا الحديث كلها. قالوا: وأصح ما معكم حديث أبي الصهباء عن ابن عباس وقد قال البيهقي: هذا الحديث أحد ما اختلف فيه البخاري ومسلم فأخرجه مسلم وتركه البخاري وأظنه تركه لمخالفته سائر الروايات عن ابن عباس ثم ساق الروايات عنه بوقوع الثلاث ثم قال: فهذه رواية سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وعكرمة وعمرو بن دينار ومالك بن الحارث ومحمد بن إياس بن البكير - قال: ورويناه عن معاوية بن أبي عياش الأنصاري - كلهم عن ابن عباس أنه أجاز الثلاث وأمضاهن. وقال ابن المنذر: فغير جائز أن يظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا ثم يفتي بخلافه. وقال الشافعي: فإن كان معنى قول ابن عباس: إن الثلاث كانت تحسب على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدة يعني أنه بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فالذي يشبه - والله أعلم - أن يكون ابن عباس قد علم أنه كان شيئا فنسخ. قال البيهقي: ورواية عكرمة عن ابن عباس فيها تأكيد لصحة هذا التأويل - يريد البيهقي - ما رواه أبو داود والنسائي من حديث عكرمة في قوله تعالى:(5\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2122",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10688",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [البقرة: 228] الآية. .. وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا فنسخ ذلك فقال: الطلاق مرتان [البقرة: 229] ) قالوا: فيحتمل أن الثلاث كانت تجعل واحدة من هذا الوقت بمعنى أن الزوج كان يتمكن من المراجعة بعدها كما يتمكن من المراجعة بعد الواحدة ثم نسخ ذلك. وقال ابن سريج: يمكن أن يكون ذلك إنما جاء في نوع خاص من الطلاق الثلاث وهو أن يفرق بين الألفاظ كأن يقول: أنت طالق أنت طالق أنت طالق وكان في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعهد أبي بكر - رضي الله عنه - الناس على صدقهم وسلامتهم لم يكن فيهم الخب والخداع فكانوا يصدقون أنهم أرادوا به التأكيد ولا يريدون به الثلاث فلما رأى عمر - رضي الله عنه - في زمانه أمورا ظهرت وأحوالا تغيرت منع من حمل اللفظ على التكرار وألزمهم الثلاث. وقالت طائفة: معنى الحديث أن الناس كانت عادتهم على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إيقاع الواحدة ثم يدعها حتى تنقضي عدتها ثم اعتادوا الطلاق الثلاث جملة وتتابعوا فيه ومعنى الحديث على هذا: كان الطلاق الذي يوقعه المطلق الآن ثلاثا يوقعه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر واحدة فهو إخبار عن الواقع لا عن المشروع.(5\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2123",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10689",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالت طائفة: ليس في الحديث بيان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي كان يجعل الثلاث واحدة ولا أنه أعلم بذلك فأقر عليه ولا حجة إلا فيما قاله أو فعله أو علم به فأقر عليه ولا يعلم صحة واحدة من هذه الأمور في حديث أبي الصهباء. قالوا: وإذا اختلفت علينا الأحاديث نظرنا إلى ما عليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنهم أعلم بسنته فنظرنا فإذا الثابت عن عمر بن الخطاب الذي لا يثبت عنه غيره ما رواه عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل (حدثنا زيد بن وهب أنه رفع إلى عمر بن الخطاب رجل طلق امرأته ألفا فقال له عمر: أطلقت امرأتك فقال: إنما كنت ألعب فعلاه عمر بالدرة وقال: إنما يكفيك من ذلك ثلاث) . وروى وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت قال: (جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: إني طلقت امرأتي ألفا فقال له علي: بانت منك بثلاث واقسم سائرهن بين نسائك) . وروى وكيع أيضا عن جعفر بن برقان عن معاوية بن أبي يحيى قال: (جاء رجل إلى عثمان بن عفان فقال: طلقت امرأتي ألفا فقال: بانت منك بثلاث) . وروى عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير قال: (قال رجل لابن عباس: طلقت امرأتي ألفا فقال له ابن عباس: ثلاث تحرمها عليك وبقيتها عليك وزر اتخذت آيات الله هزوا) .(5\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2124",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10690",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروى عبد الرزاق أيضا عن معمر عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: (جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: إني طلقت امرأتي تسعا وتسعين فقال له ابن مسعود: ثلاث تبينها منك وسائرهن عدوان) . وذكر أبو داود في quot; سننه quot; (عن محمد بن إياس أن ابن عباس وأبا هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص سئلوا عن البكر يطلقها زوجها ثلاثا فكلهم قال: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره) . قالوا: فهؤلاء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما تسمعون قد أوقعوا الثلاث جملة ولو لم يكن فيهم إلا عمر المحدث الملهم وحده لكفى فإنه لا يظن به تغيير ما شرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - من الطلاق الرجعي فيجعله محرما وذلك يتضمن تحريم فرج المرأة على من لم تحرم عليه وإباحته لمن لا تحل له ولو فعل ذلك عمر لما أقره عليه الصحابة فضلا عن أن يوافقوه ولو كان عند ابن عباس حجة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الثلاث واحدة لم يخالفها. ويفتي بغيرها موافقة لعمر وقد علم مخالفته له في العول وحجب الأم بالاثنين من الإخوة والأخوات وغير ذلك. قالوا: ونحن في هذه المسألة تبع لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهم أعلم بسنته وشرعه ولو كان مستقرا من شريعته أن الثلاث واحدة وتوفي والأمر على ذلك لم يخف عليهم ويعلمه من بعدهم ولم يحرموا الصواب فيه ويوفق له من بعدهم ويروي حبر الأمة وفقيهها خبر كون الثلاث واحدة ويخالفه.  قال المانعون من وقوع الثلاث: التحاكم في هذه المسألة وغيرها إلى من أقسم الله سبحانه وتعالى أصدق قسم وأبره أنا لا نؤمن حتى نحكمه(5\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2125",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10691",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيما شجر بيننا ثم نرضى بحكمه ولا يلحقنا فيه حرج ونسلم له تسليما لا إلى غيره كائنا من كان اللهم إلا أن تجمع أمته إجماعا متيقنا لا نشك فيه على حكم فهو الحق الذي لا يجوز خلافه ويأبى الله أن تجتمع الأمة على خلاف سنة ثابتة عنه أبدا ونحن قد أوجدناكم من الأدلة ما تثبت المسألة به بل وبدونه ونحن نناظركم فيما طعنتم به في تلك الأدلة وفيما عارضتمونا به على أنا لا نحكم على أنفسنا إلا نصا عن الله أو نصا ثابتا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو إجماعا متيقنا لا شك فيه وما عدا هذا فعرضة لنزاع وغايته أن يكون سائغ الاتباع لا لازمه فلتكن هذه المقدمة سلفا لنا عندكم وقد قال تعالى: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول [النساء: 59] [النساء: 59]  فقد تنازعنا نحن وأنتم في هذه المسألة فلا سبيل إلى ردها إلى غير الله ورسوله البتة وسيأتي أننا أحق بالصحابة وأسعد بهم فيها فنقول: أما منعكم لتحريم جمع الثلاث فلا ريب أنها مسألة نزاع ولكن الأدلة الدالة على التحريم حجة عليكم. أما قولكم: إن القرآن دل على جواز الجمع فدعوى غير مقبولة بل باطلة وغاية ما تمسكتم به إطلاق القرآن للفظ الطلاق وذلك لا يعم جائزه ومحرمه كما لا يدخل تحته طلاق الحائض وطلاق الموطوءة في طهرها وما مثلكم في ذلك إلا كمثل من عارض السنة الصحيحة في تحريم الطلاق المحرم بهذه الإطلاقات سواء ومعلوم أن القرآن لم يدل على جواز كل طلاق حتى تحملوه ما لا يطيقه وإنما دل على أحكام الطلاق والمبين عن الله عز وجل بين حلاله وحرامه ولا ريب أنا أسعد بظاهر القرآن كما بينا في صدر الاستدلال وأنه سبحانه لم يشرع قط طلاقا بائنا بغير عوض لمدخول بها إلا أن يكون آخر العدد وهذا كتاب الله بيننا وبينكم وغاية ما تمسكتم به ألفاظ مطلقة قيدتها السنة وبينت شروطها وأحكامها.(5\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2126",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10692",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما استدلالكم بأن الملاعن طلق امرأته ثلاثا بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما أصحه من حديث وما أبعده من استدلالكم على جواز الطلاق الثلاث بكلمة واحدة في نكاح يقصد بقاؤه ودوامه ثم المستدل بهذا إن كان ممن يقول: إن الفرقة وقعت عقيب لعان الزوج وحده كما يقوله الشافعي أو عقيب لعانهما وإن لم يفرق الحاكم كما يقوله أحمد في إحدى الروايات عنه فالاستدلال به باطل لأن الطلاق الثلاث حينئذ لغو لم يفد شيئا وإن كان ممن يوقف الفرقة على تفريق الحاكم لم يصح الاستدلال به أيضا لأن هذا النكاح لم يبق سبيل إلى بقائه ودوامه بل هو واجب الإزالة ومؤبد التحريم فالطلاق الثلاث مؤكد لمقصود اللعان ومقرر له فإن غايته أن يحرمها عليه حتى تنكح زوجا غيره وفرقة اللعان تحرمها عليه على الأبد ولا يلزم من نفوذ الطلاق في نكاح قد صار مستحق التحريم على التأبيد نفوذه في نكاح قائم مطلوب البقاء والدوام ولهذا لو طلقها في هذا الحال وهي حائض أو نفساء أو في طهر جامعها فيه لم يكن عاصيا لأن هذا النكاح مطلوب الإزالة مؤبد التحريم ومن العجب أنكم متمسكون بتقرير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذا الطلاق المذكور ولا تتمسكون بإنكاره وغضبه للطلاق الثلاث من غير الملاعن وتسميته لعبا بكتاب الله كما تقدم فكم بين هذا الإقرار وهذا الإنكار ونحن بحمد الله قائلون بالأمرين مقرون لما أقره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منكرون لما أنكره. وأما استدلالكم بحديث عائشة - رضي الله عنها - ( أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت فسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل تحل للأول قال: quot; لا حتى تذوق العسيلة )  فهذا لا ننازعكم فيه نعم هو حجة على من اكتفى بمجرد عقد الثاني ولكن أين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم واحد بل الحديث حجة لنا فإنه لا يقال: فعل ذلك ثلاثا وقال ثلاثا إلا من فعل وقال: مرة بعد(5\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2127",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10693",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مرة هذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم كما يقال: قذفه ثلاثا وشتمه ثلاثا وسلم عليه ثلاثا. قالوا: وأما استدلالكم بحديث فاطمة بنت قيس فمن العجب العجاب فإنكم خالفتموه فيما هو صريح فيه لا يقبل تأويلا صحيحا وهو سقوط النفقة والكسوة للبائن مع صحته وصراحته وعدم ما يعارضه مقاوما له وتمسكتم به فيما هو مجمل بل بيانه في نفس الحديث مما يبطل تعلقكم به فإن قوله: طلقها ثلاثا ليس بصريح في جمعها بل كما تقدم كيف وفي quot; الصحيح quot; في خبرها نفسه من رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن زوجها أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها. وفي لفظ في quot; الصحيح quot;: أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات وهو سند صحيح متصل مثل الشمس فكيف ساغ لكم تركه إلى التمسك بلفظ مجمل وهو أيضا حجة عليكم كما تقدم قالوا: وأما استدلالكم بحديث عبادة بن الصامت الذي رواه عبد الرزاق فخبر في غاية السقوط لأن في طريقه يحيى بن العلاء عن عبيد الله بن الوليد الوصافي عن إبراهيم بن عبيد الله ضعيف عن هالك عن مجهول ثم الذي يدل على كذبه وبطلانه أنه لم يعرف في شيء من الآثار صحيحها ولا سقيمها ولا متصلها ولا منقطعها أن والد عبادة بن الصامت أدرك الإسلام فكيف بجده فهذا محال بلا شك وأما حديث عبد الله بن عمر فأصله صحيح بلا شك لكن هذه الزيادة والوصلة التي فيه فقلت: يا رسول الله لو طلقتها ثلاثا أكانت تحل لي إنما جاءت من رواية شعيب بن زريق وهو الشامي وبعضهم يقلبه فيقول: زريق بن شعيب(5\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2128",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10694",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكيفما كان فهو ضعيف ولو صح لم يكن فيه حجة لأن قوله: لو طلقتها ثلاثا بمنزلة قوله: لو سلمت ثلاثا أو أقررت ثلاثا أو نحوه مما لا يعقل جمعه. وأما حديث نافع بن عجير الذي رواه أبو داود أن ركانة طلق امرأته البتة فأحلفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أراد إلا واحدة فمن العجب تقديم نافع بن عجير المجهول الذي لا يعرف حاله البتة ولا يدرى من هو ولا ما هو على ابن جريج ومعمر وعبد الله بن طاووس في قصة أبي الصهباء وقد شهد إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري بأن فيه اضطرابا هكذا قال الترمذي في quot; الجامع quot; وذكر عنه في موضع آخر: أنه مضطرب. فتارة يقول: طلقها ثلاثا وتارة يقول: واحدة وتارة يقول: البتة. وقال الإمام أحمد: وطرقه كلها ضعيفة وضعفه أيضا البخاري حكاه المنذري عنه. ثم كيف يقدم هذا الحديث المضطرب المجهول رواية على حديث عبد الرزاق عن ابن جريج لجهالة بعض بني أبي رافع هذا وأولاده تابعيون وإن كان عبيد الله أشهرهم وليس فيهم متهم بالكذب وقد روى عنه ابن جريج ومن يقبل رواية المجهول أو يقول: رواية العدل عنه تعديل له فهذا حجة عنده فأما أن يضعفه ويقدم عليه رواية من هو مثله في الجهالة أو أشد فكلا فغاية الأمر أن تتساقط روايتا هذين المجهولين ويعدل إلى غيرهما وإذا فعلنا ذلك نظرنا في حديث سعد بن إبراهيم فوجدناه صحيح الإسناد وقد زالت علة تدليس محمد بن إسحاق بقوله: حدثني داود بن الحصين وقد احتج أحمد بإسناده في مواضع وقد صحح هو وغيره بهذا(5\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2129",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10695",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإسناد بعينه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رد زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول ولم يحدث شيئا. وأما داود بن الحصين عن عكرمة فلم تزل الأئمة تحتج به وقد احتجوا به في حديث العرايا فيما شك فيه ولم يجزم به من تقديرها بخمسة أوسق أو دونها مع كونها على خلاف الأحاديث التي نهى فيها عن بيع الرطب بالتمر فما ذنبه في هذا الحديث سوى رواية ما لا يقولون به وإن قدحتم في عكرمة - ولعلكم فاعلون - جاءكم ما لا قبل لكم به من التناقض فيما احتججتم به أنتم وأئمة الحديث من روايته وارتضاء البخاري لإدخال حديثه في quot; صحيحه quot;.  [فصل المسالك الوعرة في حديث أبي الصهباء لا يصح شيء منها] فصل وأما تلك المسالك الوعرة التي سلكتموها في حديث أبي الصهباء فلا يصح شيء منها. أما المسلك الأول وهو انفراد مسلم بروايته وإعراض البخاري عنه فتلك شكاة ظاهر عنك عارها وما ضر ذلك الحديث انفراد مسلم به شيئا ثم هل تقبلون أنتم أو أحد مثل هذا في كل حديث ينفرد به مسلم عن البخاري وهل قال البخاري قط: إن كل حديث لم أدخله في كتابي فهو باطل أو ليس بحجة أو ضعيف وكم قد احتج البخاري بأحاديث خارج الصحيح ليس لها ذكر في quot; صحيحه quot; وكم صحح من حديث خارج عن صحيحه فأما مخالفة سائر الروايات له عن ابن عباس فلا ريب أن عن ابن عباس روايتين صحيحتين بلا شك. إحداهما: توافق هذا الحديث والأخرى: تخالفه فإن أسقطنا رواية(5\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2130",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10696",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "برواية سلم الحديث على أنه بحمد الله سالم. ولو اتفقت الروايات عنه على مخالفته فله أسوة أمثاله وليس بأول حديث خالفه راويه فنسألكم: هل الأخذ بما رواه الصحابي عندكم أو بما رآه فإن قلتم: الأخذ بروايته وهو قول جمهوركم بل جمهور الأمة على هذا كفيتمونا مئونة الجواب. وإن قلتم: الأخذ برأيه أريناكم من تناقضكم ما لا حيلة لكم في دفعه ولا سيما عن ابن عباس نفسه فإنه روى حديث بريرة وتخييرها ولم يكن بيعها طلاقا ورأى خلافه وأن بيع الأمة طلاقها فأخذتم - وأصبتم - بروايته وتركتم رأيه فهلا فعلتم ذلك فيما نحن فيه وقلتم: الرواية معصومة وقول الصحابي غير معصوم ومخالفته لما رواه يحتمل احتمالات عديدة من نسيان أو تأويل أو اعتقاد معارض راجح في ظنه أو اعتقاد أنه منسوخ أو مخصوص أو غير ذلك من الاحتمالات فكيف يسوغ ترك روايته مع قيام هذه الاحتمالات وهل هذا إلا ترك معلوم لمظنون بل مجهول قالوا: وقد روى أبو هريرة - رضي الله عنه - حديث التسبيع من ولوغ الكلب وأفتى بخلافه فأخذتم بروايته وتركتم فتواه. ولو تتبعنا ما أخذتم فيه برواية الصحابي دون فتواه لطال. قالوا: وأما دعواكم نسخ الحديث فموقوفة على ثبوت معارض مقاوم متراخ فأين هذا وأما حديث عكرمة عن ابن عباس في نسخ المراجعة بعد الطلاق الثلاث فلو صح لم يكن فيه حجة فإنه إنما فيه أن الرجل كان يطلق امرأته ويراجعها بغير عدد فنسخ ذلك وقصر على ثلاث فيها تنقطع الرجعة فأين في ذلك الإلزام بالثلاث بفم واحد ثم كيف يستمر المنسوخ(5\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2131",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10697",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر لا تعلم به الأمة وهو من أهم الأمور المتعلقة بحل الفروج ثم كيف يقول عمر: (إن الناس قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة)  وهل للأمة أناة في المنسوخ بوجه ما ! ثم كيف يعارض الحديث الصحيح بهذا الذي فيه علي بن الحسين بن واقد وضعفه معلوم وأما حملكم الحديث على قول المطلق: أنت طالق أنت طالق أنت طالق ومقصوده التأكيد بما بعد الأول فسياق الحديث من أوله إلى آخره يرده فإن هذا الذي أولتم الحديث عليه لا يتغير بوفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يختلف على عهده وعهد خلفائه وهلم جرا إلى آخر الدهر ومن ينويه في قصد التأكيد لا يفرق بين بر وفاجر وصادق وكاذب بل يرده إلى نيته وكذلك من لا يقبله في الحكم لا يقبله مطلقا برا كان أو فاجرا. وأيضا فإن قوله: إن الناس قد استعجلوا وتتايعوا في شيء كانت لهم فيه أناة (فلو أنا أمضيناه عليهم) . إخبار من عمر بأن الناس قد استعجلوا ما جعلهم الله في فسحة منه وشرعه متراخيا بعضه عن بعض رحمة بهم ورفقا وأناة لهم لئلا يندم مطلق فيذهب حبيبه من يديه من أول وهلة فيعز عليه تداركه فجعل له أناة ومهلة يستعتبه فيها ويرضيه ويزول ما أحدثه العتب الداعي إلى الفراق ويراجع كل منهما الذي عليه بالمعروف فاستعجلوا فيما جعل لهم فيه أناة ومهلة وأوقعوه بفم واحد فرأى عمر - رضي الله عنه - أنه يلزمهم ما التزموه عقوبة لهم فإذا علم المطلق أن زوجته وسكنه تحرم عليه من أول مرة بجمعه الثلاث كف عنها ورجع إلى الطلاق المشروع المأذون فيه وكان هذا من تأديب عمر لرعيته لما أكثروا من الطلاق الثلاث كما سيأتي مزيد تقريره عند الاعتذار عن عمر - رضي الله عنه - في إلزامه بالثلاث(5\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2132",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10698",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا وجه الحديث الذي لا وجه له غيره فأين هذا من تأويلكم المستكره المستبعد الذي لا توافقه ألفاظ الحديث بل تنبو عنه وتنافره. وأما قول من قال: إن معناه كان وقوع الطلاق الثلاث الآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدة فإن حقيقة هذا التأويل: كان الناس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطلقون واحدة وعلى عهد عمر صاروا يطلقون ثلاثا والتأويل إذا وصل إلى هذا الحد كان من باب الإلغاز والتحريف لا من باب بيان المراد ولا يصح ذلك بوجه ما فإن الناس ما زالوا يطلقون واحدة وثلاثا وقد طلق رجال نساءهم على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثا فمنهم من ردها إلى واحدة كما في حديث عكرمة عن ابن عباس ومنهم من أنكر عليه وغضب وجعله متلاعبا بكتاب الله ولم يعرف ما حكم به عليهم وفيهم من أقره لتأكيد التحريم الذي أوجبه اللعان ومنهم من ألزمه بالثلاث لكون ما أتى به من الطلاق آخر الثلاث فلا يصح أن يقال: إن الناس ما زالوا يطلقون واحدة إلى أثناء خلافة عمر فطلقوا ثلاثا ولا يصح أن يقال: إنهم قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة فنمضيه عليهم ولا يلائم هذا الكلام الفرق بين عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين عهده بوجه ما فإنه ماض منكم على عهده وبعد عهده. ثم إن في بعض ألفاظ الحديث الصحيحة: ( ألم تعلم أنه من طلق ثلاثا جعلت واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . وفي لفظ: ( أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر فقال ابن عباس: بلى كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر(5\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2133",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10699",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلما رأى الناس - يعني عمر - قد تتايعوا فيها قال: أجيزوهن عليهم )  هذا لفظ الحديث وهو بأصح إسناد وهو لا يحتمل ما ذكرتم من التأويل بوجه ما ولكن هذا كله عمل من جعل الأدلة تبعا للمذهب فاعتقد ثم استدل. وأما من جعل المذهب تبعا للدليل واستدل ثم اعتقد لم يمكنه هذا العمل. وأما قول من قال: ليس في الحديث بيان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان هو الذي يجعل ذلك ولا أنه علم به وأقره عليه فجوابه أن يقال: سبحانك هذا بهتان عظيم أن يستمر هذا الجعل الحرام المتضمن لتغيير شرع الله ودينه وإباحة الفرج لمن هو عليه حرام وتحريمه على من هو عليه حلال على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه خير الخلق وهم يفعلونه ولا يعلمونه ولا يعلمه هو والوحي ينزل عليه وهو يقرهم عليه فهب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يعلمه وكان الصحابة يعلمونه ويبدلون دينه وشرعه والله يعلم ذلك ولا يوحيه إلى رسوله ولا يعلمه به ثم يتوفى الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - والأمر على ذلك فيستمر هذا الضلال العظيم والخطأ المبين عندكم مدة خلافة الصديق كلها يعمل به ولا يغير إلى أن فارق الصديق الدنيا واستمر الخطأ والضلال المركب صدرا من خلافة عمر حتى رأى بعد ذلك برأيه أن يلزم الناس بالصواب فهل في الجهل بالصحابة وما كانوا عليه في عهد نبيهم وخلفائه أقبح من هذا وتالله لو كان جعل الثلاث واحدة خطأ محضا لكان أسهل من هذا الخطأ الذي ارتكبتموه والتأويل الذي تأولتموه ولو تركتم المسألة بهيئتها لكان أقوى لشأنها من هذه الأدلة والأجوبة. قالوا: وليس التحاكم في هذه المسألة إلى مقلد متعصب ولا هياب للجمهور ولا مستوحش من التفرد إذا كان الصواب في جانبه وإنما(5\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2134",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10700",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التحاكم فيها إلى راسخ في العلم قد طال منه باعه ورحب بنيله ذراعه وفرق بين الشبهة والدليل وتلقى الأحكام من نفس مشكاة الرسول وعرف المراتب وقام فيها بالواجب وباشر قلبه أسرار الشريعة وحكمها الباهرة وما تضمنته من المصالح الباطنة والظاهرة وخاض في مثل هذه المضايق لججها واستوفى من الجانبين حججها والله المستعان وعليه التكلان. قالوا: وأما قولكم: إذا اختلفت علينا الأحاديث نظرنا فيما عليه الصحابة - رضي الله عنهم - فنعم والله وحيهلا بيرك الإسلام وعصابة الإيمان. فلا تطلب لي الأعواض بعدهم ... فإن قلبي لا يرضى بغيرهم ولكن لا يليق بكم أن تدعونا إلى شيء وتكونوا أول نافر عنه ومخالف له فقد توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أكثر من مائة ألف عين كلهم قد رآه وسمع منه فهل صح لكم عن هؤلاء كلهم أو عشرهم أو عشر عشرهم أو عشر عشر عشرهم القول بلزوم الثلاث بفم واحد هذا ولو جهدتم كل الجهد لم تطيقوا نقله عن عشرين نفسا منهم أبدا مع اختلاف عنهم في ذلك فقد صح عن ابن عباس القولان وصح عن ابن مسعود القول باللزوم وصح عنه التوقف ولو كاثرناكم بالصحابة الذين كان الثلاث على عهدهم واحدة لكانوا أضعاف من نقل عنه خلاف ذلك ونحن نكاثركم بكل صحابي مات إلى صدر من خلافة عمر ويكفينا مقدمهم وخيرهم وأفضلهم ومن كان معه من الصحابة على عهده بل لو شئنا لقلنا ولصدقنا: إن هذا كان إجماعا قديما لم يختلف فيه على عهد الصديق اثنان ولكن لا ينقرض عصر المجمعين حتى حدث الاختلاف فلم يستقر الإجماع الأول حتى صار الصحابة على قولين واستمر الخلاف بين الأمة في ذلك إلى اليوم ثم نقول: لم يخالف عمر إجماع من تقدمه بل رأى إلزامهم(5\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2135",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10701",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالثلاث عقوبة لهم لما علموا أنه حرام وتتايعوا فيه ولا ريب أن هذا سائغ للأئمة أن يلزموا الناس بما ضيقوا به على أنفسهم ولم يقبلوا فيه رخصة الله عز وجل وتسهيله بل اختاروا الشدة والعسر فكيف بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكمال نظره للأمة وتأديبه لهم ولكن العقوبة تختلف باختلاف الأزمنة والأشخاص والتمكن من العلم بتحريم الفعل المعاقب عليه وخفائه وأمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - لم يقل لهم: إن هذا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما هو رأي رآه مصلحة للأمة يكفهم به عن التسارع إلى إيقاع الثلاث ولهذا قال: (فلو أنا أمضيناه عليهم وفي لفظ آخر: quot; فأجيزوهن عليهم)  أفلا يرى أن هذا رأي منه رآه للمصلحة لا إخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما علم - رضي الله عنه - أن تلك الأناة والرخصة نعمة من الله على المطلق ورحمة به وإحسان إليه وأنه قابلها بضدها ولم يقبل رخصة الله وما جعله له من الأناة عاقبه بأن حال بينه وبينها وألزمه ما ألزمه من الشدة والاستعجال وهذا موافق لقواعد الشريعة بل هو موافق لحكمة الله في خلقه قدرا وشرعا. فإن الناس إذا تعدوا حدوده ولم يقفوا عندها ضيق عليهم ما جعله لمن اتقاه من المخرج وقد أشار إلى هذا المعنى بعينه من قال من الصحابة للمطلق ثلاثا: إنك لو اتقيت الله لجعل لك مخرجا كما قاله ابن مسعود وابن عباس. فهذا نظر أمير المؤمنين ومن معه من الصحابة لا أنه - رضي الله عنه - غير أحكام الله وجعل حلالها حراما فهذا غاية التوفيق بين النصوص وفعل أمير المؤمنين ومن معه وأنتم لم يمكنكم ذلك إلا بإلغاء أحد الجانبين فهذا نهاية أقدام الفريقين في هذا المقام الضنك والمعترك الصعب وبالله التوفيق.(5\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2136",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10702",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في العبد يطلق زوجته تطليقتين ثم يعتق بعد ذلك هل تحل له بدون زوج وإصابة] روى أهل السنن: (من حديث أبي الحسن مولى بني نوفل أنه استفتى ابن عباس في مملوك كانت تحته مملوكة فطلقها تطليقتين ثم عتقا بعد ذلك هل يصلح له أن يخطبها قال: نعم قضى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . وفي لفظ: (قال ابن عباس: بقيت لك واحدة قضى به رسول الله) . قال الإمام أحمد: عن عبد الرزاق أن ابن المبارك قال لمعمر: من أبو حسن هذا لقد تحمل صخرة عظيمة انتهى. قال المنذري: وأبو حسن هذا قد ذكر بخير وصلاح وقد وثقه أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان غير أن الراوي عنه عمر بن معتب وقد قال علي بن المديني: هو منكر الحديث وقال النسائي: ليس بالقوي. وإذا عتق العبد والزوجة في حباله مالك تمام الثلاث وإن عتق وقد طلقها اثنتين ففيها أربعة أقوال للفقهاء: أحدها: أنها لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره حرة كانت أو أمة وهذا قول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين بناء على أن الطلاق بالرجال وأن العبد إنما يملك طلقتين ولو كانت زوجته حرة. والثاني: أن له أن يعقد عليها عقدا مستأنفا من غير اشتراط زوج وإصابة كما دل عليه حديث عمر بن معتب هذا وهذا إحدى الروايتين عن أحمد وهو(5\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2137",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10703",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قول ابن عباس وأحد الوجهين للشافعية ولهذا القول فقه دقيق فإنها إنما حرمتها عليه التطليقتان لنقصه بالرق فإذا عتق وهي في العدة زال النقص ووجد سبب ملك الثلاث وآثار النكاح باقية فملك عليها تمام الثلاث وله رجعتها وإن عتق بعد انقضاء عدتها بانت منه وحلت له بدون زوج وإصابة فليس هذا القول ببعيد في القياس. والثالث: أن له أن يرتجعها في عدتها وأن ينكحها بعدها بدون زوج وإصابة ولو لم يعتق وهذا مذهب أهل الظاهر جميعهم فإن عندهم أن العبد والحر في الطلاق سواء. وذكر سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار (عن أبي معبد مولى ابن عباس عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن عبدا له طلق امرأته تطليقتين فأمره ابن عباس أن يراجعها فأبى فقال ابن عباس: هي لك فاستحلها بملك اليمين) . والقول الرابع: أن زوجته إن كانت حرة ملك عليها تمام الثلاث وإن كانت أمة حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره وهذا قول أبي حنيفة. وهذا موضع اختلف فيه السلف والخلف على أربعة أقوال: أحدها: أن طلاق العبد والحر سواء وهذا مذهب أهل الظاهر جميعهم حكاه عنهم أبو محمد بن حزم واحتجوا بعموم النصوص الواردة في الطلاق وإطلاقها وعدم تفريقها بين حر وعبد ولم تجمع الأمة على التفريق فقد صح عن ابن عباس أنه أفتى غلاما له برجعة زوجته بعد طلقتين وكانت أمة. وفي هذا النقل عن ابن عباس نظر فإن عبد الرزاق روى عن ابن جريج عن عمرو بن دينار أن أبا معبد أخبره (أن عبدا كان لابن عباس وكانت له امرأة جارية لابن عباس فطلقها فبتها فقال له ابن عباس: لا طلاق لك فارجعها) .(5\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2138",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10704",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن سماك بن الفضل (أن العبد سأل ابن عمر - رضي الله عنهما - فقال: لا ترجع إليها وإن ضرب رأسك) . فمأخذ هذه الفتوى أن طلاق العبد بيد سيده كما أن نكاحه بيده كما روى عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري عن عبد الكريم الجزري عن عطاء عن (ابن عباس قال: ليس طلاق العبد ولا فرقته بشيء) . وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن أبي الزبير أنه سمع (جابر بن عبد الله يقول في الأمة والعبد: سيدهما يجمع بينهما ويفرق)  وهذا قول أبي الشعثاء وقال الشعبي: أهل المدينة لا يرون للعبد طلاقا إلا بإذن سيده فهذا مأخذ ابن عباس لا أنه يرى طلاق العبد ثلاثا إذا كانت تحته أمة وما علمنا أحدا من الصحابة قال بذلك. والقول الثاني: أن أي الزوجين رق كان الطلاق بسبب رقه اثنتين كما روى حماد بن سلمة عن عبد الله بن عمر عن نافع عن (ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: الحر يطلق الأمة تطليقتين وتعتد بحيضتين والعبد يطلق الحرة تطليقتين وتعتد ثلاث حيض)  وإلى هذا ذهب عثمان البتي. والقول الثالث: أن الطلاق بالرجال فيملك الحر ثلاثا. وإن كانت زوجته أمة والعبد ثنتين وإن كانت زوجته حرة وهذا قول الشافعي ومالك وأحمد في ظاهر كلامه هذا قول زيد بن ثابت وعائشة وأم سلمة أمي المؤمنين وعثمان بن عفان وعبد الله بن عباس وهذا مذهب القاسم وسالم وأبي سلمة وعمر بن عبد العزيز ويحيى بن سعيد وربيعة وأبي الزناد وسليمان بن يسار وعمرو بن شعيب وابن المسيب وعطاء.(5\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2139",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10705",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والقول الرابع: أن الطلاق بالنساء كالعدة كما روى شعبة عن أشعث بن سوار عن الشعبي عن مسروق عن (ابن مسعود. السنة: الطلاق والعدة بالنساء) . وروى عبد الرزاق: عن محمد بن يحيى وغير واحد عن عيسى عن الشعبي (عن اثني عشر من صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا: الطلاق والعدة بالمرأة)  هذا لفظه وهذا قول الحسن وابن سيرين وقتادة وإبراهيم والشعبي وعكرمة ومجاهد والثوري والحسن بن حي وأبي حنيفة وأصحابه. فإن قيل: فما حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه المسألة قيل: قد قال أبو داود: حدثنا محمد بن مسعود حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن مظاهر بن أسلم عن القاسم بن محمد عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( طلاق الأمة تطليقتان وقرؤها حيضتان ) . وروى زكريا بن يحيى الساجي حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي حدثنا عمر بن شبيب المسلي حدثنا عبد الله بن عيسى عن عطية عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( طلاق الأمة ثنتان وعدتها حيضتان ) .(5\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2140",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10706",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج قال: كتب إلي عبد الله بن زياد بن سمعان أن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري أخبره عن نافع (عن أم سلمة أم المؤمنين أن غلاما لها طلق امرأة له حرة تطليقتين فاستفتت أم سلمة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: quot; حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره )  وقد تقدم حديث عمر بن معتب عن أبي حسن عن ابن عباس - رضي الله عنه - ولا يعرف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - غير هذه الآثار الأربعة على عجرها وبجرها. أما الأول فقال أبو داود: هو حديث مجهول وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث مظاهر بن أسلم ومظاهر لا يعرف له في العلم غير هذا الحديث انتهى. وقال أبو القاسم ابن عساكر في quot; أطرافه quot; بعد ذكر هذا الحديث: روى أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه أنه كان جالسا عند أبيه فأتاه رسول الأمير فأخبره أنه سأل القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله عن ذلك فقالا هذا وقالا له: إن هذا ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن عمل به المسلمون. قال الحافظ: فدل على أن الحديث المرفوع غير محفوظ. وقال أبو عاصم النبيل: مظاهر بن أسلم ضعيف وقال يحيى بن معين: ليس بشيء مع أنه لا يعرف وقال أبو حاتم الرازي: منكر الحديث. وقال البيهقي: لو كان ثابتا لقلنا به إلا أنا لا نثبت حديثا يرويه من نجهل عدالته. وأما الأثر الثاني: ففيه عمر بن شبيب المسلي ضعيف وفيه عطية وهو ضعيف أيضا. وأما الأثر الثالث: ففيه ابن سمعان الكذاب وعبد الله بن عبد الرحمن مجهول.(5\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2141",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10707",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الأثر الرابع: ففيه عمر بن معتب وقد تقدم الكلام فيه. والذي سلم في المسألة الآثار عن الصحابة - رضي الله عنهم - والقياس. أما الآثار فهي متعارضة كما تقدم فليس بعضها أولى من بعض بقي القياس وتجاذبه طرفان: طرف المطلق وطرف المطلقة. فمن راعى طرف المطلق قال: هو الذي يملك الطلاق وهو بيده فيتنصف برقه كما يتنصف نصاب المنكوحات برقه ومن راعى طرف المطلقة قال: الطلاق يقع عليها وتلزمها العدة والتحريم وتوابعها فتنصف برقها كالعدة ومن نصف برقها كالعدة ومن نصف برق أي الزوجين كان راعى الأمرين وأعمل الشبهين ومن كمله وجعله ثلاثا رأى أن الآثار لم تثبت والمنقول عن الصحابة متعارض والقياس كذلك فلم يتعلق بشيء من ذلك وتمسك بإطلاق النصوص الدالة على أن الطلاق الرجعي طلقتان ولم يفرق الله بين حر وعبد ولا بين حرة وأمة وما كان ربك نسيا [مريم: 64] قالوا: والحكمة التي لأجلها جعل الطلاق الرجعي اثنتين في الحر والعبد سواء قالوا: وقد قال مالك: إن له أن ينكح أربعا كالحر لأن حاجته إلى ذلك كحاجة الحر وقال الشافعي وأحمد: أجله في الإيلاء كأجل الحر لأن ضرر الزوجة في الصورتين سواء. وقال أبو حنيفة: إن طلاقه وطلاق الحر سواء إذا كانت امرأتاهما حرتين إعمالا لإطلاق نصوص الطلاق وعمومها للحر والعبد. وقال أحمد بن حنبل والناس معه: صيامه في الكفارات كلها وصيام الحر سواء وحده في السرقة والشراب وحد الحر سواء. قالوا: ولو كانت هذه الآثار أو بعضها ثابتا لما سبقتمونا إليه ولا غلبتمونا عليه ولو اتفقت آثار الصحابة لم نعدها إلى غيرها فإن الحق لا يعدوهم وبالله التوفيق.  [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الطلاق بيد الزوج لا بيد غيره] قال الله تعالى: ياأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن [الأحزاب: 49](5\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2142",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10708",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[الأحزاب: 49]  وقال: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف [البقرة: 231] [البقرة: 231]  فجعل الطلاق لمن نكح لأن له الإمساك وهو الرجعة وروى ابن ماجه في quot; سننه quot;: من حديث ابن عباس قال: ( أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: يا رسول الله! سيدي زوجني أمته وهو يريد أن يفرق بيني وبينها. قال: فصعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المنبر فقال: يا أيها الناس ما بال أحدكم يزوج عبده أمته ثم يريد أن يفرق بينهما إنما الطلاق لمن أخذ بالساق ) . وقد روى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء عن (ابن عباس - رضي الله عنهما - كان يقول: طلاق العبد بيد سيده إن طلق جاز وإن فرق فهي واحدة إذا كانا له جميعا فإن كان العبد له والأمة لغيره طلق السيد أيضا إن شاء) . وروى الثوري عن عبد الكريم الجزري عن (عطاء عنه: ليس طلاق العبد ولا فرقته بشيء) . وذكر عبد الرزاق حدثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير سمع (جابرا يقول في الأمة والعبد: سيدهما يجمع بينهما ويفرق) . وقضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن يتبع وحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - المتقدم وإن كان في إسناده ما فيه فالقرآن يعضده وعليه عمل الناس.  [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن طلق دون الثلاث ثم راجعها بعد زوج أنها على بقية الطلاق] ذكر ابن المبارك عن عثمان بن مقسم أنه أخبره أنه سمع نبيه بن وهب(5\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2143",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10709",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يحدث عن رجل من قومه عن رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في المرأة يطلقها زوجها دون الثلاث ثم يرتجعها بعد زوج أنها على ما بقي من الطلاق ) . وهذا الأثر وإن كان فيه ضعيف ومجهول فعليه أكابر الصحابة كما ذكر عبد الرزاق في quot; مصنفه quot; عن مالك وابن عيينة عن الزهري عن ابن المسيب وحميد بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (وسليمان بن يسار كلهم يقول: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: أيما امرأة طلقها زوجها تطليقة أو تطليقتين ثم تركها حتى تنكح زوجا غيره فيموت عنها أو يطلقها ثم ينكحها زوجها الأول فإنها عنده على ما بقي من طلاقها) . وعن علي بن أبي طالب وأبي بن كعب وعمران بن حصين - رضي الله عنهم - مثله. قال الإمام أحمد: هذا قول الأكابر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. (وقال ابن مسعود وابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم -: تعود على الثلاث قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: نكاح جديد وطلاق جديد) . وذهب إلى القول الأول أهل الحديث فيهم أحمد والشافعي ومالك وذهب إلى الثاني أبو حنيفة هذا إذا أصابها الثاني فإن لم يصبها فهي على ما بقي من طلاقها عند الجميع وقال النخعي: لم أسمع فيها اختلافا ولو ثبت الحديث(5\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2144",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10710",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لكان فصل النزاع في المسألة ولو اتفقت آثار الصحابة لكانت فصلا أيضا. وأما فقه المسألة فمتجاذب فإن الزوج الثاني إذا هدمت إصابته الثلاث وأعادتها إلى الأول بطلاق جديد فما دونها أولى وأصحاب القول الأول يقولون: لما كانت إصابة الثاني شرطا في حل المطلقة ثلاثا للأول لم يكن بد من هدمها وإعادتها على طلاق جديد وأما من طلقت دون الثلاث فلم تصادف إصابة الثاني فيها تحريما يزيله ولا هي شرط في الحل للأول فلم تهدم شيئا فوجودها كعدمها بالنسبة إلى الأول وإحلالها له فعادت على ما بقي كما لو لم يصبها فإن إصابته لا أثر لها البتة ولا نكاحه وطلاقه معلق بها بوجه ما ولا تأثير لها فيه.  [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المطلقة ثلاثا لا تحل للأول حتى يطأها الزوج الثاني] ثبت في quot; الصحيحين quot;: عن عائشة رضي الله عنها ( أن امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إن رفاعة طلقني فبت طلاقي وإني نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي وإن ما معه مثل الهدبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة. لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ) . وفي quot; سنن النسائي quot;: عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( العسيلة الجماع ولو لم ينزل ) .(5\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2145",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10711",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيها عن ابن عمر قال: ( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا فيتزوجها الرجل فيغلق الباب ويرخي الستر ثم يطلقها قبل أن يدخل بها قال: لا تحل للأول حتى يجامعها الآخر ) . فتضمن هذا الحكم أمورا: أحدها: أنه لا يقبل قول المرأة على الرجل أنه لا يقدر على جماعها. الثاني: أن إصابة الزوج الثاني شرط في حلها للأول خلافا لمن اكتفى بمجرد العقد فإن قوله مردود بالسنة التي لا مرد لها. الثالث: أنه لا يشترط الإنزال بل يكفي مجرد الجماع الذي هو ذوق العسيلة. الرابع: أنه صلى الله عليه وسلم لم يجعل مجرد العقد المقصود الذي هو نكاح رغبة كافيا ولا اتصال الخلوة به وإغلاق الأبواب وإرخاء الستور حتى يتصل به الوطء وهذا يدل على أنه لا يكفي مجرد عقد التحليل الذي لا غرض للزوج والزوجة فيه سوى صورة العقد وإحلالها للأول بطريق الأولى فإنه إذا كان عقد الرغبة المقصود للدوام غير كاف حتى يوجد فيه الوطء فكيف يكفي عقد تيس مستعار ليحلها لا رغبة له في إمساكها وإنما هو عارية كحمار العشريين المستعار للضراب .(5\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2146",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10712",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرأة تقيم شاهدا واحدا على طلاق زوجها والزوج منكر] ذكر ابن وضاح عن ابن أبي مريم عن عمرو بن أبي سلمة عن زهير بن محمد عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا ادعت المرأة طلاق زوجها فجاءت على ذلك بشاهد واحد عدل استحلف زوجها فإن حلف بطلت عنه شهادة الشاهد وإن نكل فنكوله بمنزلة شاهد آخر وجاز طلاقه ) فتضمن هذا الحكم أربعة أمور: أحدها: أنه لا يكتفى بشهادة الشاهد الواحد في الطلاق ولا مع يمين المرأة قال الإمام أحمد: الشاهد واليمين إنما يكون في الأموال خاصة لا يقع في حد ولا نكاح ولا طلاق ولا إعتاق ولا سرقة ولا قتل. وقد نص في رواية أخرى عنه على أن العبد إذا ادعى أن سيده أعتقه وأتى بشاهد حلف مع شاهده وصار حرا واختاره الخرقي ونص أحمد في شريكين في عبد ادعى كل واحد منهما أن شريكه أعتق حقه منه وكانا معسرين عدلين فللعبد أن يحلف مع كل واحد منهما ويصير حرا ويحلف مع أحدهما ويصير نصفه حرا ولكن لا يعرف عنه أن الطلاق يثبت بشاهد ويمين. وقد دل حديث عمرو بن شعيب هذا على أنه يثبت بشاهد ونكول الزوج وهو الصواب إن شاء الله تعالى فإن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لا يعرف من أئمة الإسلام إلا من احتج به وبنى عليه وإن خالفه في بعض المواضع وزهير بن محمد الراوي عن ابن جريج ثقة محتج به في quot; الصحيحين quot; وعمرو بن أبي سلمة هو أبو حفص التنيسي محتج به في quot; الصحيحين quot; أيضا فمن احتج بحديث عمرو بن شعيب. فهذا من أصح حديثه.(5\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2147",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10713",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني: أن الزوج يستحلف في دعوى الطلاق إذا لم تقم المرأة به بينة لكن إنما استحلفه مع قوة جانب الدعوى بالشاهد. الثالث: أنه يحكم في الطلاق بشاهد ونكول المدعى عليه وأحمد في إحدى الروايتين عنه يحكم بوقوعه بمجرد النكول من غير شاهد فإذا ادعت المرأة على زوجها الطلاق وأحلفناه لها في إحدى الروايتين فنكل قضي عليه فإذا أقامت شاهدا واحدا ولم يحلف الزوج على عدم دعواها فالقضاء بالنكول عليه في هذه الصورة أقوى. وظاهر الحديث: أنه لا يحكم على الزوج بالنكول إلا إذا أقامت المرأة شاهدا واحدا كما هو إحدى الروايتين عن مالك وأنه لا يحكم عليه بمجرد دعواها مع نكوله لكن من يقضي عليه به يقول: النكول إما إقرار وإما بينة وكلاهما يحكم به ولكن ينتقض هذا عليه بالنكول في دعوى القصاص ويجاب بأن النكول بدل استغني به فيما يباح بالبدل وهو الأموال وحقوقها دون النكاح وتوابعه. الرابع: أن النكول بمنزلة البينة فلما أقامت شاهدا واحدا وهو شطر البينة كان النكول قائما مقام تمامها. ونحن نذكر مذاهب الناس في هذه المسألة فقال أبو القاسم بن الجلاب في quot; تفريعه quot;: وإذا ادعت المرأة الطلاق على زوجها لم يحلف بدعواها فإن أقامت على ذلك شاهدا واحدا لم تحلف مع شاهدها ولم يثبت الطلاق على زوجها وهذا الذي قاله لا يعلم فيه نزاع بين الأئمة الأربعة. قال: ولكن يحلف لها زوجها فإن حلف برئ من دعواها. قلت هذا فيه قولان للفقهاء وهما روايتان عن الإمام أحمد. إحداهما: أنه يحلف لدعواها وهو مذهب الشافعي ومالك وأبي(5\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2148",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10714",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حنيفة. والثانية لا يحلف. فإن قلنا: لا يحلف فلا إشكال. وإن قلنا: يحلف فنكل عن اليمين فهل يقضى عليه بطلاق زوجته بالنكول فيه روايتان عن مالك إحداهما: أنها تطلق عليه بالشاهد والنكول عملا بهذا الحديث وهذا اختيار أشهب هذا فيه غاية القوة لأن الشاهد والنكول سببان من جهتين مختلفتين فقوي جانب المدعي بهما فحكم له فهذا مقتضى الأثر والقياس. والرواية الثانية عنه: أن الزوج إذا نكل عن اليمين حبس فإن طال حبسه ترك. واختلفت الرواية عن الإمام أحمد هل يقضى بالنكول في دعوى المرأة الطلاق على روايتين. ولا أثر عنده لإقامة الشاهد الواحد بل إذا ادعت عليه الطلاق ففيه روايتان في استحلافه فإن قلنا: لا يستحلف لم يكن لدعواها أثر وإن قلنا: يستحلف فأبى فهل يحكم عليه بالطلاق فيه روايتان: وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في القضاء بالنكول وهل هو إقرار أو بدل أو قائم مقام البينة في موضعه من هذا الكتاب .  [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تخيير أزواجه بين المقام معه وبين مفارقتهن له] ثبت في quot; الصحيحين quot; عن (عائشة رضي الله عنها قالت: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: إني ذاكر لك أمرا فلا عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك. قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه ثم قرأ ياأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا - وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما [الأحزاب: 28 - 29] [الأحزاب: 28]  فقلت في هذا أستأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. قالت عائشة: ثم فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت فلم يكن ذلك طلاقا )(5\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2149",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10715",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ربيعة وابن شهاب: فاختارت واحدة منهن نفسها فذهبت وكانت البتة. قال ابن شهاب: وكانت بدوية. قال عمرو بن شعيب: وهي ابنة الضحاك العامرية رجعت إلى أهلها وقال ابن حبيب: قد كان دخل بها. انتهى. وقيل لم يدخل بها وكانت تلتقط بعد ذلك البعر وتقول أنا الشقية. واختلف الناس في هذا التخيير في موضعين. أحدهما: في أي شيء كان والثاني: في حكمه فأما الأول فالذي عليه الجمهور أنه كان بين المقام معه والفراق وذكر عبد الرزاق في quot; مصنفه quot; عن الحسن أن الله تعالى إنما خيرهن بين الدنيا والآخرة ولم يخيرهن في الطلاق وسياق القرآن وقول عائشة رضي الله عنه يرد قوله ولا ريب أنه سبحانه خيرهن بين الله ورسوله والدار الآخرة وبين الحياة الدنيا وزينتها وجعل موجب اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة المقام مع رسوله وموجب اختيارهن الدنيا وزينتها أن يمتعهن ويسرحهن سراحا جميلا وهو الطلاق بلا شك ولا نزاع.  [كان التخيير بين المقام معه والفراق] وأما اختلافهم في حكمه ففي موضعين. أحدهما: في حكم اختيار الزوج والثاني: في حكم اختيار النفس فأما الأول فالذي عليه معظم أصحاب النبي ونساؤه كلهن ومعظم الأمة أن من اختارت زوجها لم تطلق ولا يكون التخيير بمجرده طلاقا صح ذلك عن عمر وابن مسعود وابن عباس وعائشة. (قالت عائشة: خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه  فلم نعده طلاقا وعن أم سلمة وقريبة أختها وعبد الرحمن بن أبي بكر) وصح عن علي وزيد بن ثابت وجماعة من الصحابة أنها إن اختارت زوجها فهي طلقة رجعية وهو قول الحسن ورواية عن أحمد رواها عنه(5\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2150",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10716",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إسحاق بن منصور قال: إن اختارت زوجها فواحدة يملك الرجعة وإن اختارت نفسها فثلاث قال أبو بكر: انفرد بهذا إسحاق بن منصور والعمل على ما رواه الجماعة. قال صاحب quot; المغني quot;: ووجه هذه الرواية أن التخيير كناية نوى بها الطلاق فوقع بمجردها كسائر كناياته وهذا هو الذي صرحت به عائشة رضي الله عنها والحق معها بإنكاره ورده فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اختاره أزواجه لم يقل وقع بكن طلقة ولم يراجعهن وهي أعلم الأمة بشأن التخيير وقد صح عن (عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لم يكن ذلك طلاقا) وفي لفظ: (لم نعده طلاقا)  وفي لفظ: ( خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفكان طلاقا )  . والذي لحظه من قال: إنها طلقة رجعية أن التخيير تمليك ولا تملك المرأة نفسها إلا وقد طلقت فالتمليك مستلزم لوقوع الطلاق وهذا مبني على مقدمتين. إحداهما: أن التخيير تمليك. والثانية أن التمليك يستلزم وقوع الطلاق وكلا المقدمتين ممنوعة فليس التخيير بتمليك ولو كان تمليكا لم يستلزم وقوع الطلاق قبل إيقاع من ملكه فإن غاية أمره أن تملكه الزوجة كما كان الزوج يملكه فلا يقع بدون إيقاع من ملكه ولو صح ما ذكروه لكان بائنا لأن الرجعية لا تملك نفسها.  [هل التخيير يستلزم الطلاق] وقد اختلف الفقهاء في التخيير: هل هو تمليك أو توكيل أو بعضه تمليك وبعضه توكيل أو هو تطليق منجز أو لغو لا أثر له البتة على مذاهب خمسة. التفريق هو مذهب أحمد ومالك. قال أبو الخطاب في quot; رءوس المسائل quot;: هو تمليك يقف على القبول وقال صاحب quot; المغني quot; فيه: إذا قال أمرك بيدك أو اختاري فقالت قبلت لم يقع شيء لأن quot; أمرك بيدك quot; توكيل فقولها في جوابه قبلت ينصرف إلى قبول الوكالة فلم يقع شيء كما لو قال لأجنبية: أمر امرأتي بيدك فقالت: قبلت وقوله اختاري: في معناه وكذلك(5\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2151",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10717",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن قالت: أخذت أمري دخل عليهما أحمد في رواية إبراهيم بن هانئ إذا قال لامرأته: أمرك بيدك فقالت: قبلت ليس بشيء حتى يتبين وقال: إذا قالت أخذت أمري ليس بشيء قال: وإذا قال لامرأته اختاري فقالت قبلت نفسي أو اخترت نفسي كان أبين. انتهى. وفرق مالك بين quot; اختاري quot; وبين quot; أمرك بيدك quot; فجعل quot; أمرك بيدك quot; تمليكا و quot; اختاري quot; تخييرا لا تمليكا. قال أصحابه: وهو توكيل. وللشافعي قولان: أحدهما: أنه تمليك وهو الصحيح عند أصحابه والثاني: أنه توكيل وهو القديم وقالت الحنفية: تمليك. وقال الحسن وجماعة من الصحابة: هو تطليق تقع به واحدة منجزة وله رجعتها وهي رواية ابن منصور عن أحمد. وقال أهل الظاهر وجماعة من الصحابة: لا يقع به طلاق سواء اختارت نفسها أو اختارت زوجها ولا أثر للتخيير في وقوع الطلاق. ونحن نذكر مآخذ هذه الأقوال على وجه الإشارة إليها.  [حجج من قال بأن التخيير تمليك] قال أصحاب التمليك: لما كان البضع يعود إليها بعد ما كان للزوج كان هذا حقيقة التمليك. قالوا: وأيضا فالتوكيل يستلزم أهلية الوكيل لمباشرة ما وكل فيه والمرأة ليست بأهل لإيقاع الطلاق ولهذا لو وكل امرأة في طلاق زوجته لم يصح في أحد القولين لأنها لا تباشر الطلاق والذين صححوه قالوا: كما يصح أن يوكل رجلا في طلاق امرأته يصح أن يوكل امرأة في طلاقها.  [حجج من قال بأنه توكيل] قالوا: وأيضا فالتوكيل لا يعقل معناه هاهنا فإن الوكيل هو الذي يتصرف لموكله لا لنفسه والمرأة هاهنا إنما تتصرف لنفسها ولحظها وهذا ينافي تصرف الوكيل. قال أصحاب التوكيل: واللفظ لصاحب quot; المغني quot;: وقولهم إنه توكيل لا يصح فإن الطلاق لا يصح تمليكه ولا ينتقل عن الزوج وإنما ينوب فيه غيره(5\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2152",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10718",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنه فإذا استناب غيره فيه كان توكيلا لا غير. قالوا: ولو كان تمليكا لكان مقتضاه انتقال الملك إليها في بضعها وهو محال فإنه لم يخرج عنها ولهذا لو وطئت بشبهة كان المهر لها لا للزوج ولو ملك البضع لملك عوضه كمن ملك منفعة عين كان عوض تلك المنفعة له. قالوا: وأيضا فلو كان تمليكا لكانت المرأة مالكة للطلاق وحينئذ يجب أن لا يبقى الزوج مالكا لاستحالة كون الشيء الواحد بجميع أجزائه ملكا لمالكين في زمن واحد والزوج مالك للطلاق بعد التخيير فلا تكون هي مالكة له بخلاف ما إذا قلنا: هو توكيل واستنابة كان الزوج مالكا وهي نائبة ووكيلة عنه. قالوا: وأيضا فلو قال لها: طلقي نفسك ثم حلف أن لا يطلق فطلقت نفسها حنث فدل على أنها نائبة عنه وأنه هو المطلق. قالوا: وأيضا فقولكم: إنه تمليك إما أن تريدوا به أنه ملكها نفسها أو أنه ملكها أن تطلق فإن أردتم الأول لزمكم أن يقع الطلاق بمجرد قولها: قبلت لأنه أتى بما يقتضي خروج بضعها عن ملكه واتصل به القبول وإن أردتم الثاني فهو معنى التوكيل وإن غيرت العبارة.  [حجج المفرقين بين بعض صور التخيير وبعض] قال المفرقون بين بعض صوره وبعض - وهم أصحاب مالك - إذا قال لها: أمرك بيدك أو جعلت أمرك إليك أو ملكتك أمرك فذاك تمليك. وإذا قال اختاري فهو تخيير قالوا: والفرق بينهما حقيقة وحكما. أما الحقيقة فلأن quot; اختاري quot; لم يتضمن أكثر من تخييرها لم يملكها نفسها وإنما خيرها بين أمرين بخلاف قوله أمرك بيدك فإنه لا يكون بيدها إلا وهي مالكته وأما الحكم فلأنه إذا قال لها: أمرك بيدك وقال أردت به واحدة فالقول قوله مع يمينه وإذا قال اختاري فطلقت نفسها ثلاثا وقعت ولو قال أردت واحدة إلا أن تكون غير مدخول بها فالقول قوله في إرادته الواحدة. قالوا: لأن التخيير يقتضي أن لها أن تختار نفسها ولا يحصل لها ذلك إلا بالبينونة فإن كانت مدخولا بها لم تبن إلا(5\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2153",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10719",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالثلاث وإن لم تكن مدخولا بها بانت بالواحدة وهذا بخلاف: أمرك بيدك فإنه لا يقتضي تخييرها بين نفسها وبين زوجها بل تمليكها أمرها وهو أعم من تمليكها الإبانة بثلاث أو بواحدة تنقضي بها عدتها فإن أراد بها أحد محتمليه قبل قوله وهذا بعينه يرد عليهم في quot; اختاري quot; فإنه أعم من أن تختار البينونة بثلاث أو بواحدة تنقضي بها عدتها بل quot; أمرك بيدك quot; أصرح في تمليك الثلاث من quot; اختاري quot; لأنه مضاف ومضاف إليه فيعم جميع أمرها. بخلاف quot; اختاري quot; فإنه مطلق لا عموم له فمن أين يستفاد منه الثلاث وهذا منصوص الإمام أحمد فإنه قال في اختاري: إنه لا تملك به المرأة أكثر من طلقة واحدة إلا بنية الزوج ونص في quot; أمرك بيدك وطلاقك بيدك ووكلتك في الطلاق quot;: على أنها تملك به الثلاث. وعنه رواية أخرى: أنها لا تملكها إلا بنيته.  [حجة من جعله تطليقا منجزا وحجة من جعله لغوا] وأما من جعله تطليقا منجزا فقد تقدم وجه قوله وضعفه. وأما من جعله لغوا فلهم مأخذان أحدهما: أن الطلاق لم يجعله الله بيد النساء إنما جعله بيد الرجال ولا يتغير شرع الله باختيار العبد فليس له أن يختار نقل الطلاق إلى من لم يجعل الله إليه الطلاق البتة. قال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا أبو بكر بن عياش حدثنا حبيب بن أبي ثابت (أن رجلا قال لامرأة له إن أدخلت هذا العدل إلى هذا البيت فأمر صاحبتك بيدك فأدخلته ثم قالت هي طالق فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأبانها منه فمروا بعبد الله بن مسعود فأخبروه فذهب بهم إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين إن الله تبارك وتعالى جعل الرجال قوامين على النساء ولم يجعل النساء قوامات على الرجال فقال له عمر فما ترى قال: أراها امرأته. قال: وأنا أرى ذلك فجعلها واحدة) قلت: يحتمل أنه جعلها واحدة بقول الزوج فأمر صاحبتك بيدك ويكون كناية في الطلاق ويحتمل أنه جعلها واحدة بقول ضرتها: هي طالق ولم يجعل(5\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2154",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10720",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للضرة إبانتها لئلا تكون هي القوامة على الزوج فليس في هذا دليل لما ذهبت إليه هذه الفرقة بل هو حجة عليها. وقال أبو عبيد: حدثنا عبد الغفار بن داود عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب (أن رميثة الفارسية كانت تحت محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر فملكها أمرها فقالت: أنت طالق ثلاث مرات فقال عثمان بن عفان: أخطأت لا طلاق لها لأن المرأة لا تطلق) وهذا أيضا لا يدل لهذه الفرقة لأنه إنما لم يوقع الطلاق لأنها أضافته إلى غير محله وهو الزوج وهو لم يقل أنا منك طالق وهذا نظير ما رواه عبد الرزاق حدثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أن مجاهدا أخبره أن (رجلا جاء إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: ملكت امرأتي أمرها فطلقتني ثلاثا فقال ابن عباس: خطأ الله نوأها إنما الطلاق لك عليها وليس لها عليك) قال الأثرم: (سألت أبا عبد الله عن الرجل يقول لامرأته: أمرك بيدك فقال: قال عثمان وعلي رضي الله عنهما: القضاء ما قضت قلت: فإن قالت قد طلقت نفسي ثلاثا قال القضاء ما قضت. قلت: فإن قالت طلقتك ثلاثا قال: المرأة لا تطلق) واحتج بحديث (ابن عباس رضي الله عنهما: خطأ الله نوأها) (ورواه عن وكيع عن شعبة عن الحكم عن ابن عباس رضي الله عنه في رجل جعل أمر امرأته في يدها فقالت: قد طلقتك ثلاثا قال ابن عباس: خطأ الله نوأها أفلا طلقت نفسها) قال أحمد: صحف أبو مطر فقال: quot; خطأ الله فوها quot; ولكن روى عبد الرزاق عن (ابن جريج قال: سألت عبد الله بن طاووس كيف كان أبوك يقول في رجل ملك امرأته أمرها أتملك أن تطلق(5\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2155",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10721",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفسها أم لا قال كان يقول: ليس إلى النساء طلاق فقلت له فكيف كان أبوك يقول في رجل ملك رجلا أمر امرأته أيملك الرجل أن يطلقها قال: لا) فهذا صريح من مذهب طاووس أنه لا يطلق إلا الزوج وأن تمليك الزوجة أمرها لغو وكذلك توكيله غيره في الطلاق. قال أبو محمد ابن حزم: وهذا قول أبي سليمان وجميع أصحابنا. الحجة الثانية لهؤلاء: أن الله سبحانه إنما جعل أمر الطلاق إلى الزوج دون النساء لأنهن ناقصات عقل ودين والغالب عليهن السفه وتذهب بهن الشهوة والميل إلى الرجال كل مذهب فلو جعل أمر الطلاق إليهن لم يستقم للرجال معهن أمر وكان في ذلك ضرر عظيم بأزواجهن فاقتضت حكمته ورحمته أنه لم يجعل بأيديهن شيئا من أمر الفراق وجعله إلى الأزواج. فلو جاز للأزواج نقل ذلك إليهن لناقض حكمة الله ورحمته ونظره للأزواج. قالوا: والحديث إنما دل على التخيير فقط فإن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة كما وقع كن أزواجه بحالهن وإن اخترن أنفسهن متعهن وطلقهن هو بنفسه وهو السراح الجميل لا أن اختيارهن لأنفسهن يكون هو نفس الطلاق وهذا في غاية الظهور كما ترى. قال هؤلاء: والآثار عن الصحابة في ذلك مختلفة اختلافا شديدا فصح عن عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت في رجل جعل أمر امرأته بيدها فطلقت نفسها ثلاثا أنها طلقة واحدة رجعية وصح عن (عثمان رضي الله عنه أن القضاء ما قضت) ورواه سعيد بن منصور عن ابن عمر وغيره عن ابن الزبير. وصح عن (علي وزيد وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنها إن اختارت نفسها فواحدة بائنة وإن اختارت زوجها فواحدة رجعية) وصح عن بعض الصحابة أنها إن اختارت نفسها فثلاث بكل حال وروي عن (ابن مسعود فيمن جعل أمر امرأته بيد آخر فطلقها فليس بشيء)(5\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2156",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10722",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أبو محمد ابن حزم: وقد تقصينا من روينا عنه من الصحابة أنه يقع به الطلاق فلم يكونوا بين من صح عنه ومن لم يصح عنه إلا سبعة ثم اختلفوا وليس قول بعضهم أولى من قول بعض ولا أثر في شيء منها إلا ما رويناه من طريق النسائي أخبرنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد قال: قلت لأيوب السختياني: هل علمت أحدا قال في quot; أمرك بيدك quot;: إنها ثلاث غير الحسن قال: لا اللهم غفرا إلا ما حدثني به قتادة عن كثير مولى ابن سمرة عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاث. قال أيوب: فلقيت كثيرا مولى ابن سمرة فسألته فلم يعرفه فرجعت إلى قتادة فأخبرته فقال نسي. قال أبو محمد: كثير مولى ابن سمرة مجهول ولو كان مشهورا بالثقة والحفظ لما خالفنا هذا الخبر وقد أوقفه بعض رواته على أبي هريرة. انتهى. (وقال المروذي: سألت أبا عبد الله ما تقول في امرأة خيرت فاختارت نفسها قال: قال فيها خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها واحدة ولها الرجعة عمر وابن مسعود وابن عمر وعائشة)  وذكر آخر قال غير المروذي هو زيد بن ثابت. قال أبو محمد ومن خير امرأته فاختارت نفسها أو اختارت الطلاق أو اختارت زوجها أو لم تختر شيئا فكل ذلك لا شيء وكل ذلك سواء ولا تطلق بذلك ولا تحرم عليه ولا لشيء من ذلك حكم ولو كرر التخيير وكررت هي اختيار نفسها أو اختيار الطلاق ألف مرة وكذلك إن ملكها نفسها أو جعل أمرها بيدها. ولا فرق. ولا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذ لم يأت في القرآن ولا عن(5\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2157",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10723",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قول الرجل لامرأته أمرك بيدك أو قد ملكتك أمرك أو اختاري يوجب أن يكون طلاقا أو أن لها أن تطلق نفسها أو تختار طلاقا فلا يجوز أن يحرم على الرجل فرج أباحه الله تعالى له ورسوله صلى الله عليه وسلم بأقوال لم يوجبها الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا في غاية البيان. انتهى كلامه. قالوا: واضطراب أقوال الموقعين وتناقضها ومعارضة بعضها لبعض يدل على فساد أصلها ولو كان الأصل صحيحا لاطردت فروعه ولم تتناقض ولم تختلف ونحن نشير إلى طرف من اختلافهم. فاختلفوا: هل يقع الطلاق بمجرد التخيير أو لا يقع حتى تختار نفسها على قولين: تقدم حكايتهما ثم اختلف الذين لا يوقعونه بمجرد قوله أمرك بيدك: هل يختص اختيارها بالمجلس أو يكون في يدها ما لم يفسخ أو يطأ على قولين: أحدهما: أنه يتقيد بالمجلس وهذا قول أبي حنيفة والشافعي ومالك في إحدى الروايتين عنه. الثاني: أنه في يدها أبدا حتى يفسخ أو يطأ وهذا قول أحمد وابن المنذر وأبي ثور. والرواية الثانية عن مالك. ثم قال بعض أصحابه: وذلك ما لم تطل حتى يتبين أنها تركته وذلك بأن يتعدى شهرين ثم اختلفوا هل عليها يمين أنها تركت أم لا على قولين. ثم اختلفوا إذا رجع الزوج فيما جعل إليها فقال أحمد وإسحاق والأوزاعي والشعبي ومجاهد وعطاء: له ذلك ويبطل خيارها. وقال مالك وأبو حنيفة والثوري والزهري: ليس له الرجوع وللشافعية خلاف مبني على أنه توكيل فيملك الموكل الرجوع أو تمليك فلا يملكه قال بعض أصحاب التمليك: ولا يمتنع الرجوع. وإن قلنا إنه تمليك لأنه لم يتصل به القبول فجاز الرجوع فيه كالهبة والبيع. واختلفوا: فيما يلزم من اختيارها نفسها. فقال أحمد والشافعي: واحدة(5\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2158",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10724",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجعية وهو قول ابن عمر وابن مسعود وابن عباس واختاره أبو عبيد وإسحاق. وعن علي: واحدة بائنة وهو قول أبي حنيفة وعن زيد بن ثابت: ثلاث وهو قول الليث وقال مالك: إن كانت مدخولا بها فثلاث وإن كانت غير مدخول بها قبل منه دعوى الواحدة. واختلفوا: هل يفتقر قوله: أمرك بيدك إلى نية أم لا فقال أحمد والشافعي وأبو حنيفة: يفتقر إلى نية وقال مالك: لا يفتقر إلى نية واختلفوا: هل يفتقر وقوع الطلاق إلى نية المرأة إذا قالت: اخترت نفسي أو فسخت نكاحك فقال أبو حنيفة: لا يفتقر وقوع الطلاق إلى نيتها إذا نوى الزوج. وقال أحمد والشافعي: لا بد من نيتها إذا اختارت بالكناية ثم قال أصحاب مالك: إن قالت اخترت نفسي أو قبلت نفسي لزم الطلاق ولو قالت لم أرده وإن قالت: قبلت أمري سئلت عما أرادت فإن أرادت الطلاق كان طلاقا وإن لم ترده لم يكن طلاقا. ثم قال مالك: إذا قال لها: أمرك بيدك وقال: قصدت طلقة واحدة فالقول قوله مع يمينه وإن لم تكن له نية فله أن يوقع ما شاء. وإذا قال: اختاري وقال: أردت واحدة فاختارت نفسها طلقت ثلاثا ولا يقبل قوله. ثم هاهنا فروع كثيرة مضطربة غاية الاضطراب لا دليل عليها من كتاب ولا سنة ولا إجماع والزوجة زوجته حتى يقوم دليل على زوال عصمته عنها. قالوا: ولم يجعل الله إلى النساء شيئا من النكاح ولا من الطلاق وإنما جعل ذلك إلى الرجال وقد جعل الله سبحانه الرجال قوامين على النساء إن شاءوا أمسكوا وإن شاءوا طلقوا فلا يجوز للرجل أن يجعل المرأة قوامة عليه إن شاءت أمسكت وإن شاءت طلقت. قالوا: ولو أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء لم نتعد إجماعهم ولكن اختلفوا فطلبنا الحجة لأقوالهم من غيرها فلم نجد الحجة تقوم إلا على هذا القول. وإن(5\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2159",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10725",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان من روي عنه قد روي عنه خلافه أيضا وقد أبطل من ادعى الإجماع في ذلك فالنزاع ثابت بين الصحابة والتابعين كما حكيناه والحجة لا تقوم بالخلاف فهذا (ابن عباس وعثمان بن عفان قد قالا: إن تمليك الرجل لامرأته أمرها ليس بشيء) (وابن مسعود يقول فيمن جعل أمر امرأته بيد آخر فطلقها: ليس بشيء) (وطاووس يقول فيمن ملك امرأته أمرها: ليس إلى النساء طلاق ويقول فيمن ملك رجلا أمر امرأته: أيملك الرجل أن يطلقها قال: لا) قلت: أما المنقول عن طاووس فصحيح صريح لا مطعن فيه سندا وصراحة. وأما المنقول عن ابن مسعود فمختلف فنقل عنه موافقة علي وزيد في الوقوع كما رواه ابن أبي ليلى عن الشعبي: أن أمرك بيدك واختاري سواء في قول علي وابن مسعود وزيد ونقل عنه فيمن قال لامرأته: أمر فلانة بيدك إن أدخلت هذا العدل البيت ففعلت أنها امرأته ولم يطلقها عليه. وأما المنقول عن ابن عباس وعثمان فإنما هو فيما إذا أضافت المرأة الطلاق إلى الزوج وقالت: أنت طالق. وأحمد ومالك يقولان ذلك مع قولهما بوقوع الطلاق إذا اختارت نفسها أو طلقت نفسها فلا يعرف عن أحد من الصحابة إلغاء التخيير والتمليك البتة إلا هذه الرواية عن ابن مسعود وقد روي عنه خلافها والثابت عن الصحابة اعتبار ذلك ووقوع الطلاق به وإن اختلفوا فيما تملك به المرأة كما تقدم والقول بأن ذلك لا أثر له لا يعرف عن أحد من الصحابة البتة وإنما وهم أبو محمد في المنقول عن ابن عباس وعثمان ولكن هذا مذهب طاووس وقد نقل عن عطاء ما يدل على ذلك فروى عبد الرزاق عن (ابن جريج قلت لعطاء: رجل قال لامرأته: أمرك بيدك بعد يوم أو يومين قال: ليس هذا بشيء. قلت: فأرسل إليها رجلا أن أمرها بيدها يوما أو ساعة قال: ما أدري ما هذا ما أظن هذا(5\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2160",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10726",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شيئا. قلت لعطاء: أملكت عائشة حفصة حين ملكها المنذر أمرها قال عطاء: لا إنما عرضت عليها أتطلقها أم لا ولم تملكها أمرها) ولولا هيبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عدلنا عن هذا القول ولكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم القدوة وإن اختلفوا في حكم التخيير ففي ضمن اختلافهم اتفاقهم على اعتبار التخيير وعدم إلغائه ولا مفسدة في ذلك والمفسدة التي ذكرتموها في كون الطلاق بيد المرأة إنما تكون لو كان ذلك بيدها استقلالا فأما إذا كان الزوج هو المستقل بها فقد تكون المصلحة له في تفويضها إلى المرأة ليصير حاله معها على بينة إن أحبته أقامت معه وإن كرهته فارقته فهذا مصلحة له ولها وليس في هذا ما يقتضي تغيير شرع الله وحكمته ولا فرق بين توكيل المرأة في طلاق نفسها وتوكيل الأجنبي ولا معنى لمنع توكيل الأجنبي في الطلاق كما يصح توكيله في النكاح والخلع. وقد جعل الله سبحانه للحكمين النظر في حال الزوجين عند الشقاق إن رأيا التفريق فرقا وإن رأيا الجمع جمعا وهو طلاق أو فسخ من غير الزوج إما برضاه إن قيل هما وكيلان أو بغير رضاه إن قيل هما حكمان وقد جعل للحاكم أن يطلق على الزوج في مواضع بطريق النيابة عنه فإذا وكل الزوج من يطلق عنه أو يخالع لم يكن في هذا تغيير لحكم الله ولا مخالفة لدينه فإن الزوج هو الذي يطلق إما بنفسه أو بوكيله وقد يكون أتم نظرا للرجل من نفسه وأعلم بمصلحته فيفوض إليه ما هو أعلم بوجه المصلحة فيه منه وإذا جاز التوكيل في العتق والنكاح والخلع والإبراء وسائر الحقوق من المطالبة بها وإثباتها واستيفائها والمخاصمة فيها فما الذي حرم التوكيل في الطلاق نعم الوكيل يقوم مقام الموكل فيما يملكه من الطلاق وما لا يملكه وما يحل له منه وما يحرم عليه ففي(5\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2161",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10727",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحقيقة لم يطلق إلا الزوج إما بنفسه أو بوكيله.  [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بينه عن ربه تبارك وتعالى فيمن حرم أمته أو زوجته أو متاعه] قال تعالى: ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم - قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم [التحريم: 1 - 2] [التحريم: 1] ثبت في quot; الصحيحين quot;: ( أنه صلى الله عليه وسلم شرب عسلا من بيت زينب بنت جحش فاحتالت عليه عائشة وحفصة حتى قال لن أعود له ) . وفي لفظ: (وقد حلفت) . وفي quot; سنن النسائي quot;: عن أنس رضي الله عنه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها فأنزل الله عز وجل ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك [التحريم: 1]  ) . وفي quot; صحيح مسلم quot;: عن (ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها وقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) .  وفي quot; جامع الترمذي quot;: عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه وحرم فجعل الحرام حلالا وجعل في اليمين(5\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2162",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10728",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كفارة ) هكذا رواه مسلمة بن علقمة عن داود عن الشعبي عن مسروق عن عائشة ورواه علي بن مسهر وغيره عن الشعبي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا وهو أصح انتهى كلام أبي عيسى. وقولها: جعل الحرام حلالا أي جعل الشيء الذي حرمه وهو العسل أو الجارية حلالا بعد تحريمه إياه. وقال الليث بن سعد: عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن هبيرة عن (قبيصة بن ذؤيب قال: سألت زيد بن ثابت وابن عمر رضي الله عنهم عمن قال لامرأته: أنت علي حرام فقالا جميعا: كفارة يمين) . وقال عبد الرزاق عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن (ابن مسعود رضي الله عنه قال في التحريم: هي يمين يكفرها) . قال ابن حزم وروي ذلك عن أبي بكر الصديق وعائشة أم المؤمنين. وقال الحجاج بن منهال حدثنا (جرير بن حازم قال: سألت نافعا مولى ابن عمر رضي الله عنه عن الحرام أطلاق هو قال: لا أوليس قد حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم جاريته فأمره الله عز وجل أن يكفر عن يمينه ولم يحرمها عليه ) . وقال عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير وأيوب السختياني كلاهما عن عكرمة أن (عمر بن الخطاب قال: هي يمين يعني التحريم) . وقال إسماعيل بن إسحاق: حدثنا المقدمي حدثنا حماد بن زيد عن(5\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2163",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10729",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صخر بن جويرية عن نافع عن (ابن عمر رضي الله عنهما قال: الحرام يمين) .  وفي quot; صحيح البخاري quot;: عن سعيد بن جبير أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول: إذا حرم امرأته ليس بشيء وقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة [الأحزاب: 21] فقيل هذا رواية أخرى عن ابن عباس. وقيل إنما أراد أنه ليس بطلاق وفيه كفارة يمين ولهذا احتج بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الثاني أظهر وهذه المسألة فيها عشرون مذهبا للناس ونحن نذكرها ونذكر وجوهها ومآخذها والراجح منها بعون الله تعالى وتوفيقه. أحدها: أن التحريم لغو لا شيء فيه لا في الزوجة ولا في غيرها لا طلاق ولا إيلاء ولا يمين ولا ظهار روى وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن مسروق: (ما أبالي حرمت امرأتي أو قصعة من ثريد) وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن صالح بن مسلم عن الشعبي أنه (قال في تحريم المرأة: لهي أهون علي من نعلي) وذكر عن ابن جريج أخبرني عبد الكريم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: ما أبالي حرمتها يعني امرأته أو حرمت ماء النهر. وقال قتادة: سأل رجل حميد بن عبد الرحمن الحميري عن ذلك فقال: قال الله تعالى: فإذا فرغت فانصب - وإلى ربك فارغب [الشرح: 7 - 8] [ألم نشرح: 7] وأنت رجل تلعب فاذهب فالعب هذا قول أهل الظاهر كلهم. المذهب الثاني: أن التحريم في الزوجة طلاق ثلاث. قال ابن حزم قاله علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن عمر وهو قول الحسن ومحمد بن(5\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2164",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10730",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبد الرحمن بن أبي ليلى وروي عن الحكم بن عتيبة. قلت: الثابت عن زيد بن ثابت وابن عمر ما رواه هو من طريق الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي هبيرة عن قبيصة أنه سأل زيد بن ثابت وابن عمر عمن قال لامرأته. أنت علي حرام فقالا جميعا: كفارة يمين ولم يصح عنهما خلاف ذلك وأما علي فقد روى أبو محمد ابن حزم من طريق يحيى القطان حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: يقول رجال في الحرام هي حرام حتى تنكح زوجا غيره ولا والله ما قال ذلك علي وإنما قال علي: (ما أنا بمحلها ولا بمحرمها عليك إن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر) وأما الحسن فقد روى أبو محمد من طريق قتادة عنه أنه قال: (كل حلال علي حرام فهو يمين) ولعل أبا محمد غلط على علي وزيد وابن عمر من مسألة الخلية والبرية والبتة فإن أحمد حكى عنهم أنها ثلاث. وقال هو عن علي وابن عمر صحيح فوهم أبو محمد وحكاه في: أنت علي حرام وهو وهم ظاهر فإنهم فرقوا بين التحريم فأفتوا فيه بأنه يمين وبين الخلية فأفتوا فيها بالثلاث ولا أعلم أحدا قال إنه ثلاث بكل حال. المذهب الثالث: أنه ثلاث في حق المدخول بها لا يقبل منه غير ذلك وإن كانت غير مدخول بها وقع ما نواه من واحدة واثنتين وثلاث فإن أطلق فواحدة وإن قال لم أرد طلاقا فإن كان قد تقدم كلام يجوز صرفه إليه قبل منه وإن كان ابتداء لم يقبل وإن حرم أمته أو طعامه أو متاعه فليس بشيء وهذا مذهب مالك. المذهب الرابع: أنه إن نوى الطلاق كان طلاقا ثم إن نوى به الثلاث فثلاث وإن نوى دونها فواحدة بائنة وإن نوى يمينا فهو يمين فيها كفارة وإن لم ينو شيئا فهو إيلاء فيه حكم الإيلاء. فإن نوى الكذب صدق في الفتيا ولم يكن شيئا ويكون في القضاء إيلاء وإن صادف غير الزوجة الأمة والطعام وغيره فهو يمين فيه كفارتها وهذا مذهب أبي حنيفة. المذهب الخامس: أنه إن نوى به الطلاق كان طلاقا ويقع ما نواه فإن(5\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2165",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10731",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أطلق وقعت واحدة وإن نوى الظهار كان ظهارا وإن نوى اليمين كان يمينا وإن نوى تحريم عينها من غير طلاق ولا ظهار فعليه كفارة يمين وإن لم ينو شيئا ففيه قولان: أحدهما: لا يلزمه شيء. والثاني: يلزمه كفارة يمين. وإن صادف جارية فنوى عتقها وقع العتق وإن نوى تحريمها لزمه بنفس اللفظ كفارة يمين وإن نوى الظهار منها لم يصح ولم يلزمه شيء وقيل بل يلزمه كفارة يمين وإن لم ينو شيئا ففيه قولان: أحدهما: لا يلزمه شيء. والثاني: عليه كفارة يمين. وإن صادف غير الزوجة والأمة لم يحرم ولم يلزمه به شيء وهذا مذهب الشافعي. المذهب السادس: أنه ظهار بإطلاقه نواه أو لم ينوه إلا أن يصرفه بالنية إلى الطلاق أو اليمين فينصرف إلى ما نواه هذا ظاهر مذهب أحمد. وعنه رواية ثانية أنه بإطلاقه يمين إلا أن يصرفه بالنية إلى الظهار أو الطلاق فينصرف إلى ما نواه وعنه رواية أخرى ثالثة أنه ظهار بكل حال ولو نوى غيره وفيه رواية رابعة حكاها أبو الحسين في quot; فروعه quot; أنه طلاق بائن. ولو وصله بقوله أعني به الطلاق فعنه فيه روايتان. إحداهما: أنه طلاق فعلى هذا هل تلزمه الثلاث أو واحدة على روايتين والثانية أنه ظهار أيضا كما لو قال: أنت علي كظهر أمي: أعني به الطلاق هذا تلخيص مذهبه. المذهب السابع: أنه إن نوى به ثلاثا فهي ثلاث وإن نوى به واحدة فهي واحدة بائنة وإن نوى به يمينا فهي يمين وإن لم ينو شيئا فهي كذبة لا شيء فيها وهذا مذهب سفيان الثوري حكاه عنه أبو محمد ابن حزم. المذهب الثامن: أنه طلقة واحدة بائنة بكل حال وهذا مذهب حماد بن أبي سليمان. المذهب التاسع: أنه إن نوى ثلاثا فثلاث وإن نوى واحدة أو لم ينو شيئا فواحدة بائنة وهذا مذهب إبراهيم النخعي حكاه عنه أبو محمد ابن حزم.(5\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2166",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10732",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المذهب العاشر: أنه طلقة رجعية حكاه ابن الصباغ وصاحبه أبو بكر الشاشي عن الزهري عن عمر بن الخطاب. المذهب الحادي عشر: أنها حرمت عليه بذلك فقط ولم يذكر هؤلاء ظهارا ولا طلاقا ولا يمينا بل ألزموه موجب تحريمه. قال ابن حزم صح هذا عن علي بن أبي طالب ورجال من الصحابة لم يسموا وعن أبي هريرة. وصح عن الحسن وخلاس بن عمرو وجابر بن زيد وقتادة أنهم أمروه باجتنابها فقط. المذهب الثاني عشر: التوقف في ذلك لا يحرمها المفتي على الزوج ولا يحللها له كما رواه الشعبي عن علي أنه قال: (ما أنا بمحلها ولا محرمها عليك إن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر) المذهب الثالث عشر: الفرق بين أن يوقع التحريم منجزا أو معلقا تعليقا مقصودا وبين أن يخرجه مخرج اليمين فالأول ظهار بكل حال ولو نوى به الطلاق ولو وصله بقوله: أعني به الطلاق. والثاني: يمين يلزمه به كفارة يمين فإذا قال أنت علي حرام أو إذا دخل رمضان فأنت علي حرام فظهار وإذا قال إن سافرت أو إن أكلت هذا الطعام أو كلمت فلانا فامرأتي علي حرام فيمين مكفرة وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية فهذه أصول المذاهب في هذه المسألة وتتفرع إلى أكثر من عشرين مذهبا.  [فصل حجج من قال بأن التحريم لغو] فصل فأما من قال: التحريم كله لغو لا شيء فيه فاحتجوا بأن الله سبحانه لم يجعل للعبد تحريما ولا تحليلا وإنما جعل له تعاطي الأسباب التي تحل بها العين وتحرم كالطلاق والنكاح والبيع والعتق وأما مجرد قوله: حرمت كذا وهو علي حرام فليس إليه قال تعالى: ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب [النحل: 116] [النحل: 116] وقال تعالى:(5\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2167",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10733",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك [التحريم: 1] [التحريم: 1] فإذا كان سبحانه لم يجعل لرسوله أن يحرم ما أحل الله له فكيف يجعل لغيره التحريم قالوا: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد ) وهذا التحريم كذلك فيكون ردا باطلا. قالوا: ولأنه لا فرق بين تحريم الحلال وتحليل الحرام وكما أن هذا الثاني لغو لا أثر له فكذلك الأول. قالوا: ولا فرق بين قوله لامرأته: أنت علي حرام وبين قوله لطعامه: هو علي حرام. قالوا: وقوله: أنت علي حرام إما أن يريد به إنشاء تحريمها أو الإخبار عنها بأنها حرام وإنشاء تحريم محال فإنه ليس إليه إنما هو إلى من أحل الحلال وحرم الحرام وشرع الأحكام وإن أراد الإخبار فهو كذب فهو إما خبر كاذب أو إنشاء باطل وكلاهما لغو من القول. قالوا: ونظرنا فيما سوى هذا القول فرأيناها أقوالا مضطربة متعارضة يرد بعضها بعضا فلم نحرم الزوجة بشيء منها بغير برهان من الله ورسوله فنكون قد ارتكبنا أمرين: تحريمها على الأول وإحلالها لغيره والأصل بقاء النكاح حتى تجمع الأمة أو يأتي برهان من الله ورسوله على زواله فيتعين القول به فهذا حجة هذا الفريق.  [فصل حجج من قال بأنها ثلاث] فصل وأما من قال: إنه ثلاث بكل حال إن ثبت هذا عنه فيحتج له بأن التحريم جعل كناية في الطلاق وأعلى أنواعه تحريم الثلاث فيحمل على أعلى أنواعه احتياطا للأبضاع.(5\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2168",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10734",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأيضا فإنا تيقنا التحريم بذلك وشككنا: هل هو تحريم تزيله الكفارة كالظهار أو يزيله تجديد العقد كالخلع أو لا يزيله إلا زوج وإصابة كتحريم الثلاث وهذا متيقن وما دونه مشكوك فيه فلا يحل بالشك. قالوا: ولأن الصحابة أفتوا في الخلية والبرية بأنها ثلاث. قال أحمد: هو عن علي وابن عمر صحيح ومعلوم أن غاية الخلية والبرية أن تصير إلى التحريم فإذا صرح بالغاية فهي أولى أن تكون ثلاثا ولأن المحرم لا يسبق إلى وهمه تحريم امرأته بدون الثلاث فكأن هذا اللفظ صار حقيقة عرفية في إيقاع الثلاث. وأيضا فالواحدة لا تحرم إلا بعوض أو قبل الدخول أو عند تقييدها بكونها بائنة عند من يراه فالتحريم بها مقيد فإذا أطلق التحريم ولم يقيد انصرف إلى التحريم المطلق الذي يثبت قبل الدخول أو بعده وبعوض وغيره وهو الثلاث.  [فصل حجج المذهب الثالث] فصل وأما من جعله ثلاثا في حق المدخول بها وواحدة بائنة في حق غيرها فحجته أن المدخول بها لا يحرمها إلا الثلاث وغير المدخول بها تحرمها الواحدة فالزائدة عليها ليست من لوازم التحريم فأورد على هؤلاء أن المدخول بها يملك الزوج إبانتها بواحدة بائنة فأجابوا بما لا يجدي عليهم شيئا وهو أن الإبانة بالواحدة الموصوفة بأنها بائنة إبانة مقيدة بخلاف التحريم فإن الإبانة به مطلقة ولا يكون ذلك إلا بالثلاث وهذا القدر لا يخلصهم من هذا الإلزام فإن إبانة التحريم أعظم تقييدا من قوله: أنت طالق طلقة بائنة فإن غاية البائنة أن تحرمها وهذا قد صرح بالتحريم فهو أولى بالإبانة من قوله: أنت طالق طلقة بائنة.  [فصل حجج من قال بأنها واحدة بائنة] فصل وأما من جعلها واحدة بائنة في حق المدخول بها وغيرها فمأخذ هذا القول(5\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2169",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10735",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنها لا تفيد عددا بوضعها وإنما تقتضي بينونة يحصل بها التحريم وهو يملك إبانتها بعد الدخول بها بواحدة بدون عوض كما إذا قال أنت طالق طلقة بائنة فإن الرجعة حق له فإذا أسقطها سقطت ولأنه إذا ملك إبانتها بعوض يأخذه منها ملك الإبانة بدونه فإنه محسن بتركه ولأن العوض مستحق له لا عليه فإذا أسقطه وأبانها فله ذلك.  [فصل حجج من قال بأنها واحدة رجعية] فصل وأما من قال: إنها واحدة رجعية فمأخذه أن التحريم يفيد مطلق انقطاع الملك وهو يصدق بالمتيقن منه وهو الواحدة وما زاد عليها فلا تعرض في اللفظ له فلا يسوغ إثباته بغير موجب وإذا أمكن إعمال اللفظ في الواحدة فقد وفى بموجبه فالزيادة عليه لا موجب لها. قالوا: وهذا ظاهر جدا على أصل من يجعل الرجعية محرمة وحينئذ فنقول التحريم أعم من تحريم رجعية أو تحريم بائن فالدال على الأعم لا يدل على الأخص وإن شئت قلت: الأعم لا يستلزم الأخص أو ليس الأخص من لوازم الأعم أو الأعم لا ينتج الأخص.  [فصل حجج من قال يسأل عن نيته] فصل وأما من قال يسأل عما أراد من ظهار أو طلاق رجعي أو محرم أو يمين فيكون ما أراد من ذلك فمأخذه أن اللفظ لم يوضع لإيقاع الطلاق خاصة بل هو محتمل للطلاق والظهار والإيلاء فإذا صرف إلى بعضها بالنية فقد استعمله فيما هو صالح له وصرفه إليه بنيته فينصرف إلى ما أراده ولا يتجاوز به ولا يقصر عنه وكذلك لو نوى عتق أمته بذلك عتقت وكذلك لو نوى الإيلاء من الزوجة واليمين من الأمة لزمه ما نواه قالوا: وأما إذا نوى تحريم عينها لزمه بنفس اللفظ كفارة يمين اتباعا لظاهر القرآن وحديث ابن عباس الذي رواه مسلم في quot; صحيحه quot;: ( إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها وتلا:(5\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2170",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10736",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة [الأحزاب: 21]  ) وهذا يشبه ما قاله مجاهد في الظهار إنه يلزمه بمجرد التكلم به كفارة الظهار وهو في الحقيقة قول الشافعي رحمه الله فإنه يوجب الكفارة إذا لم يطلق عقيبه على الفور. قالوا: ولأن اللفظ يحتمل الإنشاء والإخبار فإن أراد الإخبار فقد استعمله فيما هو صالح له فيقبل منه. وإن أراد الإنشاء سئل عن السبب الذي حرمها به. فإن قال: أردت ثلاثا أو واحدة أو اثنتين قبل منه لصلاحية اللفظ له واقترانه بنيته وإن نوى الظهار كان كذلك لأنه صرح بموجب الظهار لأن قوله: أنت علي كظهر أمي موجبه التحريم فإذا نوى ذلك بلفظ التحريم كان ظهارا واحتماله للطلاق بالنية لا يزيد على احتماله للظهار بها وإن أراد تحريمها مطلقا فهو يمين مكفرة لأنه امتناع منها بالتحريم فهو كامتناعه منها باليمين.  [فصل حجج من قال بأنها ظهار إلا أن ينوي به طلاقا] فصل وأما من قال: إنه ظهار إلا أن ينوي به طلاقا فمأخذ قوله: أن اللفظ موضوع للتحريم فهو منكر من القول وزور فإن العبد ليس إليه التحريم والتحليل وإنما إليه إنشاء الأسباب التي يرتب عليها ذلك فإذا حرم ما أحل الله له فقد قال المنكر والزور فيكون كقوله أنت علي كظهر أمي بل هذا أولى أن يكون ظهارا لأنه إذا شبهها بمن تحرم عليه دل على التحريم باللزوم فإذا صرح بتحريمها فقد صرح بموجب التشبيه في لفظ الظهار فهو أولى أن يكون ظهارا. قالوا: وإنما جعلناه طلاقا بالنية فصرفناه إليه بها لأنه يصلح كناية في الطلاق فينصرف إليه بالنية بخلاف إطلاقه فإنه ينصرف إلى الظهار فإذا نوى به اليمين كان يمينا إذ من أصل أرباب هذا القول أن تحريم الطعام ونحوه يمين مكفرة فإذا نوى بتحريم الزوجة اليمين نوى ما يصلح له اللفظ فقبل منه.(5\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2171",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10737",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل حجج من قال بأنه ظهار] فصل وأما من قال: إنه ظهار وإن نوى به الطلاق أو وصله بقوله: أعني به الطلاق فمأخذ قوله ما ذكرنا من تقرير كونه ظهارا ولا يخرج عن كونه ظهارا بنية الطلاق كما لو قال: أنت علي كظهر أمي ونوى به الطلاق أو قال: أعني به الطلاق فإنه لا يخرج بذلك عن الظهار ويصير طلاقا عند الأكثرين إلا على قول شاذ لا يلتفت إليه لموافقته ما كان الأمر عليه في الجاهلية من جعل الظهار طلاقا ونسخ الإسلام لذلك وإبطاله فإذا نوى به الطلاق فقد نوى ما أبطله الله ورسوله مما كان عليه أهل الجاهلية عند إطلاق لفظ الظهار طلاقا وقد نوى ما لا يحتمله شرعا فلا تؤثر نيته في تغيير ما استقر عليه حكم الله الذي حكم به بين عباده ثم جرى أحمد وأصحابه على أصله من التسوية بين إيقاع ذلك والحلف به كالطلاق والعتاق وفرق شيخ الإسلام بين البابين على أصله في التفريق بين الإيقاع والحلف كما فرق الشافعي وأحمد - رحمهما الله - ومن وافقهما بين البابين في النذر بين أن يحلف به فيكون يمينا مكفرة وبين أن ينجزه أو يعلقه بشرط يقصد وقوعه فيكون نذرا لازم الوفاء كما سيأتي تقريره في الأيمان إن شاء الله تعالى. قال: فيلزمهم على هذا أن يفرقوا بين إنشاء التحريم وبين الحلف فيكون في الحلف به حالفا يلزمه كفارة يمين وفي تنجيزه أو تعليقه بشرط مقصود مظاهرا يلزمه كفارة الظهار وهذا مقتضى المنقول عن ابن عباس رضي الله عنهما فإنه مرة جعله ظهارا ومرة جعله يمينا.  [فصل حجج من قال بأنه يمين مكفرة بكل حال] فصل وأما من قال: إنه يمين مكفرة بكل حال فمأخذ قوله أن تحريم الحلال من الطعام والشراب واللباس يمين تكفر بالنص والمعنى وآثار الصحابة فإن الله سبحانه قال: ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم - قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم [التحريم: 1 - 2] [التحريم: 1 و2] ولا بد(5\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2172",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10738",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن يكون تحريم الحلال داخلا تحت هذا الفرض لأنه سببه وتخصيص محل السبب من جملة العام ممتنع قطعا إذ هو المقصود بالبيان أولا فلو خص لخلا سبب الحكم عن البيان وهو ممتنع وهذا الاستدلال في غاية القوة فسألت عنه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فقال: نعم التحريم يمين كبرى في الزوجة كفارتها كفارة الظهار ويمين صغرى فيما عداها كفارتها كفارة اليمين بالله. قال: وهذا معنى قول ابن عباس وغيره من الصحابة ومن بعدهم إن التحريم يمين تكفر فهذا تحرير المذاهب في هذه المسألة نقلا وتقريرها استدلالا ولا يخفى - على من آثر العلم والإنصاف وجانب التعصب ونصرة ما بني عليه من الأقوال - الراجح من المرجوح وبالله المستعان.  [فصل الاختلاف في تحريم غير الزوجة] فصل وقد تبين بما ذكرنا أن من حرم شيئا غير الزوجة من الطعام والشراب واللباس أو أمته لم يحرم عليه بذلك وعليه كفارة يمين وفي هذا خلاف في ثلاثة مواضع. أحدها: أنه لا يحرم وهذا قول الجمهور وقال أبو حنيفة: يحرم تحريما مقيدا تزيله الكفارة كما إذا ظاهر من امرأته فإنه لا يحل له وطؤها حتى يكفر ولأن الله سبحانه سمى الكفارة في ذلك تحلة وهي ما يوجب الحل فدل على ثبوت التحريم قبلها ولأنه سبحانه قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: لم تحرم ما أحل الله لك [التحريم: 1]  ولأنه تحريم لما أبيح له فيحرم بتحريمه كما لو حرم زوجته. ومنازعوه يقولون: إنما سميت الكفارة تحلة من الحل الذي هو ضد العقد لا من الحل الذي هو مقابل التحريم فهي تحل اليمين بعد عقدها وأما قوله: لم تحرم ما أحل الله لك [التحريم: 1] فالمراد تحريم الأمة أو العسل ومنع نفسه منه وذلك يسمى تحريما فهو تحريم بالقول لا إثبات للتحريم شرعا. وأما قياسه على تحريم الزوجة بالظهار أو بقوله: أنت علي حرام فلو(5\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2173",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10739",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صح هذا القياس لوجب تقديم التكفير على الحنث قياسا على الظهار إذ كان في معناه وعندهم لا يجوز التكفير إلا بعد الحنث فعلى قولهم يلزم أحد أمرين: ولا بد إما أن يفعله حراما وقد فرض الله تحلة اليمين فيلزم كون المحرم مفروضا أو من ضرورة المفروض لأنه لا يصل إلى التحلة إلا بفعل المحلوف عليه أو أنه لا سبيل له إلى فعله حلالا لأنه لا يجوز تقديم الكفارة فيستفيد بها الحل وإقدامه عليه وهو حرام ممتنع هذا ما قيل في المسألة من الجانبين. وبعد فلها غور وفيها دقة وغموض فإن من حرم شيئا فهو بمنزلة من حلف بالله على تركه ولو حلف على تركه لم يجز له هتك حرمة المحلوف به بفعله إلا بالتزام الكفارة فإذا التزمها جاز له الإقدام على فعل المحلوف عليه فلو عزم على ترك الكفارة فإن الشارع لا يبيح له الإقدام على فعل ما حلف عليه ويأذن له فيه وإنما يأذن له فيه ويبيحه إذا التزم ما فرض الله من الكفارة فيكون إذنه له فيه وإباحته بعد امتناعه منه بالحلف أو التحريم رخصة من الله له ونعمة منه عليه بسبب التزامه لحكمه الذي فرض له من الكفارة فإذا لم يلتزمه بقي المنع الذي عقده على نفسه إصرا عليه فإن الله إنما رفع الآصار عمن اتقاه والتزم حكمه وقد كانت اليمين في شرع من قبلنا يتحتم الوفاء بها ولا يجوز الحنث فوسع الله على هذه الأمة وجوز لها الحنث بشرط الكفارة فإذا لم يكفر لا قبل ولا بعد لم يوسع له في الحنث فهذا معنى قوله: إنه يحرم حتى يكفر. وليس هذا من مفردات أبي حنيفة بل هو أحد القولين في مذهب أحمد يوضحه: أن هذا التحريم والحلف قد تعلق به منعان: منع من نفسه لفعله ومنع من الشارع للحنث بدون الكفارة فلو لم يحرمه تحريمه أو يمينه لم يكن لمنعه نفسه ولا لمنع الشارع له أثر بل كان غاية الأمر أن الشارع أوجب في ذمته بهذا المنع صدقة أو عتقا أو صوما لا يتوقف عليه حل المحلوف عليه ولا تحريمه البتة بل هو قبل المنع وبعده على السواء من غير فرق فلا يكون للكفارة أثر البتة لا في المنع منه ولا في الإذن وهذا لا يخفى فساده.(5\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2174",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10740",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما إلزامه بالإقدام عليه مع تحريمه حيث لا يجوز تقديم الكفارة فجوابه أنه إنما يجوز له الإقدام عند عزمه على التكفير فعزمه على التكفير منع من بقاء تحريمه عليه وإنما يكون التحريم ثابتا إذا لم يلتزم الكفارة ومع التزامها لا يستمر التحريم.  [فصل كفارة التحريم] فصل الثاني: أن يلزمه كفارة بالتحريم وهو بمنزلة اليمين وهذا قول من سميناه من الصحابة وقول فقهاء الرأي والحديث إلا الشافعي ومالكا فإنهما قالا: لا كفارة عليه بذلك. والذين أوجبوا الكفارة أسعد بالنص من الذين أسقطوها فإن الله سبحانه ذكر تحلة الأيمان عقب قوله: لم تحرم ما أحل الله لك [التحريم: 1] وهذا صريح في أن تحريم الحلال قد فرض فيه تحلة الأيمان إما مختصا به وإما شاملا له ولغيره فلا يجوز أن يخلى سبب الكفارة المذكورة في السياق عن حكم الكفارة ويعلق بغيره وهذا ظاهر الامتناع. وأيضا فإن المنع من فعله بالتحريم كالمنع منه باليمين بل أقوى فإن اليمين إن تضمن هتك حرمة اسمه سبحانه فالتحريم تضمن هتك حرمة شرعه وأمره فإنه إذا شرع الشيء حلالا فحرمه المكلف كان تحريمه هتكا لحرمة ما شرعه ونحن نقول: لم يتضمن الحنث في اليمين هتك حرمة الاسم ولا التحريم هتك حرمة الشرع كما يقوله من يقول من الفقهاء وهو تعليل فاسد جدا فإن الحنث إما جائز وإما واجب أو مستحب وما جوز الله لأحد البتة أن يهتك حرمة اسمه وقد شرع لعباده الحنث مع الكفارة وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا حلف على يمين ورأى غيرها خيرا كفر عن يمينه وأتى المحلوف عليه  ومعلوم أن هتك حرمة اسمه تبارك وتعالى لم يبح في شريعة قط وإنما الكفارة كما سماها الله تعالى تحلة وهي تفعلة من الحل فهي تحل ما عقد به اليمين ليس إلا وهذا(5\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2175",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10741",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العقد كما يكون باليمين يكون بالتحريم وظهر سر قوله تعالى: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم [التحريم: 2] عقيب قوله: لم تحرم ما أحل الله لك [التحريم: 1]  [فصل الحكم في تحريم الأمة] فصل الثالث: أنه لا فرق بين التحريم في غير الزوجة بين الأمة وغيرها عند الجمهور إلا الشافعي وحده أوجب في تحريم الأمة خاصة كفارة يمين إذ التحريم له تأثير في الأبضاع عنده دون غيرها. وأيضا فإن سبب نزول الآية تحريم الجارية فلا يخرج محل السبب عن الحكم ويتعلق بغيره ومنازعوه يقولون: النص علق فرض تحلة اليمين بتحريم الحلال وهو أعم من تحريم الأمة وغيرها فتجب الكفارة حيث وجد سببها وقد تقدم تقريره.  [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الرجل لامرأته الحقي بأهلك] ثبت في quot; صحيح البخاري quot;: ( أن ابنة الجون لما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك فقال: عذت بعظيم الحقي بأهلك ) . وثبت في quot; الصحيحين quot;: أن كعب بن مالك رضي الله عنه لما أتاه رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره أن يعتزل امرأته قال لها: (الحقي بأهلك) (5\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2176",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10742",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاختلف الناس في هذا فقالت طائفة: ليس هذا بطلاق ولا يقع به الطلاق نواه أو لم ينوه وهذا قول أهل الظاهر. قالوا: والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن عقد على ابنة الجون وإنما أرسل إليها ليخطبها. قالوا: ويدل على ذلك ما في quot; صحيح البخاري quot;: من حديث حمزة بن أبي أسيد عن أبيه أنه ( كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أتي بالجونية فأنزلت في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل في نخل ومعها دابتها فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هبي لي نفسك quot; فقالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة فأهوى ليضع يده عليها لتسكن فقالت: أعوذ بالله منك فقال: quot; قد عذت بمعاذ ثم خرج فقال: quot; يا أبا أسيد اكسها رازقيين وألحقها بأهلها ) وفي quot; صحيح مسلم quot;: عن سهل بن سعد قال: ( ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من العرب فأمر أبا أسيد أن يرسل إليها فأرسل إليها فقدمت فنزلت في أجم بني ساعدة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءها دخل عليها فإذا امرأة منكسة رأسها فلما كلمها قالت: أعوذ بالله منك قال: quot; قد أعذتك مني quot; فقالوا لها: أتدرين من هذا قالت: لا قالوا: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءك ليخطبك قالت: أنا كنت أشقى من ذلك ) قالوا: وهذه كلها أخبار عن قصة واحدة في امرأة واحدة في مقام واحد وهي صريحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن تزوجها بعد وإنما دخل عليها ليخطبها. وقال الجمهور - منهم الأئمة الأربعة وغيرهم - بل هذا من ألفاظ الطلاق إذا نوى به الطلاق وقد ثبت في quot; صحيح البخاري quot;: أن أبانا إسماعيل بن إبراهيم(5\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2177",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10743",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طلق به امرأته لما قال لها إبراهيم: ( مريه فليغير عتبة بابه quot; فقال لها: أنت العتبة وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك ) وحديث عائشة كالصريح في أنه صلى الله عليه وسلم كان عقد عليها فإنها قالت لما أدخلت عليه فهذا دخول الزوج بأهله ويؤكده قولها: ودنا منها. وأما حديث أبي أسيد فغاية ما فيه قوله: (هبي لي نفسك) وهذا لا يدل على أنه لم يتقدم نكاحه لها وجاز أن يكون هذا استدعاء منه صلى الله عليه وسلم للدخول لا للعقد. وأما حديث سهل بن سعد فهو أصرحها في أنه لم يكن وجد عقد فإن فيه أنه صلى الله عليه وسلم لما جاء إليها قالوا: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ليخطبك والظاهر أنها هي الجونية لأن سهلا قال في حديثه: فأمر أبا أسيد أن يرسل إليها فأرسل إليها. فالقصة واحدة دارت على عائشة رضي الله عنها وأبي أسيد وسهل وكل منهم رواها وألفاظهم فيها متقاربة ويبقى التعارض بين قوله: جاء ليخطبك وبين قوله: فلما دخل عليها ودنا منها فإما أن يكون أحد اللفظين وهما أو الدخول ليس دخول الرجل على امرأته بل الدخول العام وهذا محتمل. وحديث ابن عباس رضي الله عنهما في قصة إسماعيل صريح ولم يزل هذا اللفظ من الألفاظ التي يطلق بها في الجاهلية والإسلام ولم يغيره النبي صلى الله عليه وسلم بل أقرهم عليه وقد أوقع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الطلاق وهم القدوة: بأنت حرام وأمرك بيدك واختاري. ووهبتك لأهلك وأنت خلية وقد خلوت مني وأنت برية وقد أبرأتك وأنت مبرأة وحبلك على غاربك وأنت الحرج. فقال علي وابن عمر: (الخلية ثلاث) وقال عمر: (واحدة وهو أحق بها) وفرق معاوية بين رجل وامرأته قال لها: إن خرجت فأنت خلية وقال علي وابن عمر رضي الله(5\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2178",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10744",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنهما وزيد في البرية: إنها ثلاث. وقال عمر رضي الله عنه: (هي واحدة وهو أحق بها) وقال علي في الحرج: هي ثلاث وقال عمر: واحدة وقد تقدم ذكر أقوالهم في أمرك بيدك وأنت حرام. والله سبحانه ذكر الطلاق ولم يعين له لفظا فعلم أنه رد الناس إلى ما يتعارفونه طلاقا فأي لفظ جرى عرفهم به وقع به الطلاق مع النية. والألفاظ لا تراد لعينها بل للدلالة على مقاصد لافظها فإذا تكلم بلفظ دال على معنى وقصد به ذلك المعنى ترتب عليه حكمه ولهذا يقع الطلاق من العجمي والتركي والهندي بألسنتهم بل لو طلق أحدهم بصريح الطلاق بالعربية ولم يفهم معناه لم يقع به شيء قطعا فإنه تكلم بما لا يفهم معناه ولا قصده وقد دل حديث كعب بن مالك على أن الطلاق لا يقع بهذا اللفظ وأمثاله إلا بالنية. والصواب أن ذلك جار في سائر الألفاظ صريحها وكنايتها ولا فرق بين ألفاظ العتق والطلاق فلو قال: غلامي غلام حر لا يأتي الفواحش أو أمتي أمة حرة لا تبغي الفجور ولم يخطر بباله العتق ولا نواه لم يعتق بذلك قطعا وكذلك لو كانت معه امرأته في طريق فافترقا فقيل له أين امرأتك فقال: فارقتها أو سرح شعرها وقال: سرحتها ولم يرد طلاقا لم تطلق. كذلك إذا ضربها الطلق وقال لغيره إخبارا عنها بذلك: إنها طالق لم تطلق بذلك وكذلك إذا كانت المرأة في وثاق فأطلقت منه فقال لها: أنت طالق وأراد من الوثاق. هذا كله مذهب مالك وأحمد في بعض هذه الصور وبعضها نظير ما نص عليه ولا يقع الطلاق به حتى ينويه ويأتي بلفظ دال عليه فلو انفرد أحد الأمرين عن الآخر لم يقع الطلاق ولا العتاق وتقسيم الألفاظ إلى صريح وكناية وإن كان تقسيما صحيحا في أصل الوضع لكن يختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة فليس حكما ثابتا للفظ لذاته فرب لفظ صريح عند قوم كناية عند آخرين أو صريح في زمان أو مكان كناية في غير ذلك الزمان والمكان والواقع شاهد بذلك فهذا لفظ السراح لا يكاد أحد يستعمله في الطلاق لا صريحا ولا(5\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2179",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10745",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كناية فلا يسوغ أن يقال إن من تكلم به لزمه طلاق امرأته نواه أو لم ينوه ويدعي أنه ثبت له عرف الشرع والاستعمال فإن هذه دعوى باطلة شرعا واستعمالا أما الاستعمال فلا يكاد أحد يطلق به البتة وأما الشرع فقد استعمله في غير الطلاق كقوله تعالى: ياأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا [الأحزاب: 49] [الأحزاب: 49] فهذا السراح غير الطلاق قطعا وكذلك الفراق استعمله الشرع في غير الطلاق كقوله تعالى: ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن [الطلاق: 1] إلى قوله: فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف [الطلاق: 2] [الطلاق: 2] فالإمساك هنا: الرجعة والمفارقة: ترك الرجعة لا إنشاء طلقة ثانية هذا مما لا خلاف فيه البتة فلا يجوز أن يقال: إن من تكلم به طلقت زوجته فهم معناه أو لم يفهم وكلاهما في البطلان سواء وبالله التوفيق.  [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهار وبيان ما أنزل الله فيه ومعنى العود الموجب للكفارة] حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الظهار وبيان ما أنزل الله فيه ومعنى العود الموجب للكفارة قال تعالى: الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور - والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير - فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم [المجادلة: 2 - 4] [المجادلة: 2 - 4] . ثبت في السنن والمسانيد: أن أوس بن الصامت ظاهر من زوجته خولة بنت مالك بن ثعلبة وهي التي جادلت فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واشتكت إلى الله وسمع الله شكواها من فوق سبع سماوات فقالت: ( يا رسول الله إن أوس بن الصامت تزوجني وأنا شابة مرغوب في فلما خلا سني ونثرت له بطني جعلني(5\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2180",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10746",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كأمه عنده فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما عندي في أمرك شيء فقالت: اللهم إني أشكو إليك ) وروي أنها قالت: ( إن لي صبية صغارا إن ضمهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا فنزل القرآن. ) وقالت عائشة: ( الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت خولة بنت ثعلبة تشكو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا في كسر البيت يخفى علي بعض كلامها فأنزل الله عز وجل: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير [المجادلة: 1]  ) [المجادلة: 1] . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( ليعتق رقبة قالت: لا يجد قال: فيصوم شهرين متتابعين قالت: يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام قال: فليطعم ستين مسكينا قالت: ما عنده من شيء يتصدق به قالت: فأتي ساعتئذ بعرق من تمر قلت: يا رسول الله فإني أعينه بعرق آخر قال: أحسنت فأطعمي عنه ستين مسكينا وارجعي إلى ابن عمك ) وفي السنن أن ( سلمة بن صخر البياضي ظاهر من امرأته مدة شهر رمضان ثم واقعها ليلة قبل انسلاخه فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنت بذاك يا سلمة quot;(5\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2181",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10747",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: قلت: أنا بذاك يا رسول الله مرتين وأنا صابر لأمر الله فاحكم في بما أراك الله قال: quot; حرر رقبة quot; قلت: والذي بعثك بالحق نبيا ما أملك رقبة غيرها وضربت صفحة رقبتي قال: فصم شهرين متتابعين قال: وهل أصبت الذي أصبت إلا في الصيام قال: فأطعم وسقا من تمر بين ستين مسكينا قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا وحشين ما لنا طعام قال فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك فأطعم ستين مسكينا وسقا من تمر وكل أنت وعيالك بقيتها قال: فرحت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ووجدت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السعة وحسن الرأي وقد أمر لي بصدقتكم ) وفي quot; جامع الترمذي quot; عن ابن عباس أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ظاهر من امرأته فوقع عليها فقال: يا رسول الله إني ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفر قال: (وما حملك على ذلك يرحمك الله قال رأيت خلخالها في ضوء القمر قال فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله ) قال: هذا حديث حسن غريب صحيح.(5\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2182",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10748",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيه أيضا: عن سلمة بن صخر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المظاهر يواقع قبل أن يكفر فقال: (كفارة واحدة) وقال: حسن غريب انتهى وفيه انقطاع بين سليمان بن يسار وسلمة بن صخر. وفي مسند البزار عن إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار عن طاووس عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ( أتى رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني ظاهرت من امرأتي ثم وقعت عليها قبل أن أكفر فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ألم يقل الله من قبل أن يتماسا [المجادلة: 3]  فقال: أعجبتني فقال: أمسك عنها حتى تكفر ) قال البزار: لا نعلمه يروى بإسناد أحسن من هذا على أن إسماعيل بن مسلم قد تكلم فيه وروى عنه جماعة كثيرة من أهل العلم. فتضمنت هذه الأحكام أمورا. أحدها: إبطال ما كانوا عليه في الجاهلية وفي صدر الإسلام من كون الظهار طلاقا ولو صرح بنيته له فقال: أنت علي كظهر أمي أعني به الطلاق لم يكن طلاقا وكان ظهارا وهذا بالاتفاق إلا ما عساه من خلاف شاذ وقد نص عليه أحمد والشافعي وغيرهما. قال الشافعي: ولو ظاهر يريد طلاقا كان ظهارا أو طلق يريد ظهارا كان طلاقا هذا لفظه فلا يجوز أن ينسب إلى مذهبه خلاف هذا ونص أحمد: على أنه إذا قال: أنت علي كظهر أمي أعني به الطلاق أنه ظهار ولا تطلق به وهذا لأن الظهار كان طلاقا في الجاهلية فنسخ فلم يجز أن يعاد إلى الحكم المنسوخ. وأيضا فأوس بن الصامت إنما نوى به الطلاق على ما كان عليه وأجرى عليه حكم الظهار دون الطلاق. وأيضا فإنه صريح في حكمه فلم يجز جعله كناية في الحكم الذي(5\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2183",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10749",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبطله عز وجل بشرعه وقضاء الله أحق وحكم الله أوجب. ومنها أن الظهار حرام لا يجوز الإقدام عليه لأنه كما أخبر الله عنه منكر من القول وزور وكلاهما حرام والفرق بين جهة كونه منكرا وجهة كونه زورا أن قوله: أنت علي كظهر أمي يتضمن إخباره عنها بذلك وإنشاءه تحريمها فهو يتضمن إخبارا وإنشاء فهو خبر زور وإنشاء منكر فإن الزور هو الباطل خلاف الحق الثابت والمنكر خلاف المعروف وختم سبحانه الآية بقوله تعالى: وإن الله لعفو غفور [المجادلة: 2] وفيه إشعار بقيام سبب الإثم الذي لولا عفو الله ومغفرته لآخذ به. ومنها: أن الكفارة لا تجب بنفس الظهار وإنما تجب بالعود وهذا قول الجمهور وروى الثوري عن ابن أبي نجيح عن طاووس قال: إذا تكلم بالظهار فقد لزمه وهذه رواية ابن أبي نجيح عنه وروى معمر عن طاووس عن أبيه في قوله تعالى: ثم يعودون لما قالوا [المجادلة: 3] قال: جعلها عليه كظهر أمه ثم يعود فيطؤها فتحرير رقبة. وحكى الناس عن مجاهد: أنه تجب الكفارة بنفس الظهار وحكاه ابن حزم عن الثوري وعثمان البتي وهؤلاء لم يخف عليهم أن العود شرط في الكفارة ولكن العود عندهم هو العود إلى ما كانوا عليه في الجاهلية من التظاهر كقوله تعالى في جزاء الصيد: ومن عاد فينتقم الله منه [المائدة: 95] [المائدة: 95] أي عاد إلى الاصطياد بعد نزول تحريمه ولهذا قال: عفا الله عما سلف [المائدة: 95] [المائدة: 95] قالوا: ولأن الكفارة إنما وجبت في مقابلة ما تكلم به من المنكر والزور وهو الظهار دون الوطء أو العزم عليه قالوا: ولأن الله سبحانه لما حرم الظهار ونهى عنه كان العود هو فعل المنهي عنه كما قال تعالى: عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا [الإسراء: 8] [الإسراء: 8] أي إن عدتم إلى الذنب عدنا إلى العقوبة فالعود هنا نفس فعل المنهي عنه. قالوا: ولأن الظهار كان طلاقا في الجاهلية فنقل حكمه من الطلاق(5\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2184",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10750",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى الظهار ورتب عليه التكفير وتحريم الزوجة حتى يكفر وهذا يقتضي أن يكون حكمه معتبرا بلفظه كالطلاق. ونازعهم الجمهور في ذلك وقالوا: إن العود أمر وراء مجرد لفظ الظهار ولا يصح حمل الآية على العود إليه في الإسلام لثلاثة أوجه: أحدها: أن هذه الآية بيان لحكم من يظاهر في الإسلام ولهذا أتى فيها بلفظ الفعل مستقبلا فقال: يظاهرون وإذا كان هذا بيانا لحكم ظهار الإسلام فهو عندكم نفس العود فكيف يقول بعده: ثم يعودون وأن معنى هذا العود غير الظهار عندكم الثاني: أنه لو كان العود ما ذكرتم وكان المضارع بمعنى الماضي كان تقديره: والذين ظاهروا من نسائهم ثم عادوا في الإسلام ولما وجبت الكفارة إلا على من تظاهر في الجاهلية ثم عاد في الإسلام فمن أين توجبونها على من ابتدأ الظهار في الإسلام غير عائد فإن هنا أمرين: ظهار سابق وعود إليه وذلك يبطل حكم الظهار الآن بالكلية إلا أن تجعلوا quot; يظاهرون quot; لفرقة ويعودون لفرقة ولفظ المضارع نائبا عن لفظ الماضي وذلك مخالف للنظم ومخرج عن الفصاحة. الثالث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أوس بن الصامت وسلمة بن صخر بالكفارة ولم يسألهما: هل تظاهرا في الجاهلية أم لا فإن قلتم: ولم يسألهما عن العود الذي تجعلونه شرطا ولو كان شرطا لسألهما عنه. قيل: أما من يجعل العود نفس الإمساك بعد الظهار زمنا يمكن وقوع الطلاق فيه فهذا جار على قوله وهو نفس حجته ومن جعل العود هو الوطء والعزم قال: سياق القصة بين في أن المتظاهرين كان قصدهم الوطء وإنما أمسكوا له وسيأتي تقرير ذلك إن شاء الله تعالى. وأما كون الظهار منكرا من القول وزورا فنعم هو كذلك ولكن(5\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2185",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10751",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله عز وجل إنما أوجب الكفارة في هذا المنكر والزور بأمرين: به وبالعود كما أن حكم الإيلاء إنما يترتب عليه وعلى الوطء لا على أحدهما.  [فصل قول الظاهرية بأن معنى العود أي إعادة اللفظ] فصل وقال الجمهور: لا تجب الكفارة إلا بالعود بعد الظهار ثم اختلفوا في معنى العود هل هو إعادة لفظ الظهار بعينه أو أمر وراءه على قولين: فقال أهل الظاهر كلهم: هو إعادة لفظ الظهار ولم يحكوا هذا عن أحد من السلف البتة وهو قول لم يسبقوا إليه وإن كانت هذه الشكاة لا يكاد مذهب من المذاهب يخلو عنها. قالوا: فلم يوجب الله سبحانه الكفارة إلا بالظهار المعاد لا المبتدأ. قالوا: والاستدلال بالآية من ثلاثة وجوه أحدها: أن العرب لا يعقل في لغاتها العود إلى الشيء إلا فعل مثله مرة ثانية قالوا: وهذا كتاب الله وكلام رسوله وكلام العرب بيننا وبينكم. قال تعالى: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه [الأنعام: 28] [الأنعام: 28] فهذا نظير الآية سواء في أنه عدى فعل العود باللام وهو إتيانهم مرة ثانية بمثل ما أتوا به أولا وقال تعالى: وإن عدتم عدنا [الإسراء: 8] [الإسراء: 8] أي إن كررتم الذنب كررنا العقوبة ومنه قوله تعالى: ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه [المجادلة: 8] [المجادلة: 8] وهذا في سورة الظهار نفسها وهو يبين المراد من العود فيه فإنه نظيره فعلا وإرادة والعهد قريب بذكره. قالوا: وأيضا فالذي قالوه: هو لفظ الظهار فالعود إلى القول هو الإتيان به مرة ثانية لا تعقل العرب غير هذا. قالوا: وأيضا فما عدا تكرار اللفظ إما إمساك وإما عزم وإما فعل وليس واحد منها بقول فلا يكون الإتيان به عودا لا لفظا ولا معنى ولأن العزم والوطء والإمساك ليس ظهارا فيكون الإتيان بها عودا إلى الظهار. قالوا: ولو أريد بالعود الرجوع في الشيء الذي منع منه نفسه كما يقال: عاد(5\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2186",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10752",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في الهبة لقال: ثم يعودون فيما قالوا كما في الحديث: ( العائد في هبته كالعائد في قيئه ) واحتج أبو محمد ابن حزم بحديث عائشة رضي الله عنها أن أوس بن الصامت كان به لمم فكان إذا اشتد به لممه ظاهر من زوجته فأنزل الله عز وجل فيه كفارة الظهار. فقال: هذا يقتضي التكرار ولا بد قال: ولا يصح في الظهار إلا هذا الخبر وحده. قال: وأما تشنيعكم علينا بأن هذا القول لم يقل به أحد من الصحابة فأرونا من الصحابة من قال: إن العود هو الوطء أو العزم أو الإمساك أو هو العود إلى الظهار في الجاهلية ولو عن رجل واحد من الصحابة فلا تكونون أسعد بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منا أبدا.  [فصل رد الجمهور على الظاهرية] فصل ونازعهم الجمهور في ذلك وقالوا: ليس معنى العود إعادة اللفظ الأول لأن ذلك لو كان هو العود لقال: ثم يعيدون ما قالوا لأنه يقال أعاد كلامه بعينه وأما عاد فإنما هو في الأفعال كما يقال: عاد في فعله وفي هبته فهذا استعماله ب quot; في quot;. ويقال عاد إلى عمله وإلى ولايته وإلى حاله وإلى إحسانه وإساءته ونحو ذلك وعاد له أيضا. وأما القول: فإنما يقال: أعاده كما ( قال ضماد بن ثعلبة للنبي صلى الله عليه وسلم أعد علي كلماتك ) وكما ( قال أبو سعيد quot; أعدها علي يا رسول الله ) وهذا ليس بلازم(5\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2187",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10753",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنه يقال: أعاد مقالته وعاد لمقالته وفي الحديث: (فعاد لمقالته) بمعنى أعادها سواء وأفسد من هذا رد من رد عليهم بأن إعادة القول محال كإعادة أمس. قال: لأنه لا يتهيأ اجتماع زمانين وهذا في غاية الفساد فإن إعادة القول من جنس إعادة الفعل وهي الإتيان بمثل الأول لا بعينه والعجب من متعصب يقول: لا يعتد بخلاف الظاهرية ويبحث معهم بمثل هذه البحوث ويرد عليهم بمثل هذا الرد وكذلك رد من رد عليهم بمثل العائد في هبته فإنه ليس نظير الآية وإنما نظيرها ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه [المجادلة: 8] ومع هذا فهذه الآية تبين المراد من آية الظهار فإن عودهم لما نهوا عنه هو رجوعهم إلى نفس المنهي عنه وهو النجوى وليس المراد به إعادة تلك النجوى بعينها بل رجوعهم إلى المنهي عنه وكذلك قوله تعالى في الظهار يعودون لما قالوا [المجادلة: 3] أي لقولهم. فهو مصدر بمعنى المفعول وهو تحريم الزوجة بتشبيهها بالمحرمة فالعود إلى المحرم هو العود إليه وهو فعله فهذا مأخذ من قال إنه الوطء. ونكتة المسألة أن القول في معنى المقول والمقول هو التحريم والعود له هو العود إليه وهو استباحته عائدا إليه بعد تحريمه وهذا جار على قواعد اللغة العربية واستعمالها وهذا الذي عليه جمهور السلف والخلف كما قال قتادة وطاووس والحسن والزهري ومالك وغيرهم ولا يعرف عن أحد من السلف أنه فسر الآية بإعادة اللفظ البتة لا من الصحابة ولا من التابعين ولا من بعدهم وهاهنا أمر خفي على من جعله إعادة اللفظ وهو أن العود إلى الفعل يستلزم مفارقة الحال التي هو عليها الآن وعوده إلى الحال التي كان عليها أولا كما قال تعالى: وإن عدتم عدنا [الإسراء: 8] [الإسراء: 8] ألا ترى أن عودهم مفارقة ما هم عليه من الإحسان وعودهم إلى الإساءة وكقول الشاعر وإن عاد للإحسان فالعود أحمد والحال التي هو عليها الآن التحريم بالظهار والتي كان عليها إباحة الوطء(5\/300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2188",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10754",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالنكاح الموجب للحل فعود المظاهر عود إلى حل كان عليه قبل الظهار وذلك هو الموجب للكفارة فتأمله فالعود يقتضي أمرا يعود إليه بعد مفارقته وظهر سر الفرق بين العود في الهبة وبين العود لما قال المظاهر فإن الهبة بمعنى الموهوب وهو عين يتضمن عوده فيه إدخاله في ملكه وتصرفه فيه كما كان أولا بخلاف المظاهر فإنه بالتحريم قد خرج عن الزوجية وبالعود قد طلب الرجوع إلى الحال التي كان عليها معها قبل التحريم فكان الأليق أن يقال عاد لكذا يعني: عاد إليه. وفي الهبة عاد إليها وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أوس بن الصامت وسلمة بن صخر بكفارة الظهار ولم يتلفظا به مرتين فإنهما لم يخبرا بذلك عن أنفسهما ولا أخبر به أزواجهما عنهما ولا أحد من الصحابة ولا سألهما النبي صلى الله عليه وسلم هل قلتما ذلك مرة أو مرتين ومثل هذا لو كان شرطا لما أهمل بيانه. وسر المسألة أن العود يتضمن أمرين: أمرا يعود إليه وأمرا يعود عنه ولا بد منهما فالذي يعود عنه يتضمن نقضه وإبطاله والذي يعود إليه يتضمن إيثاره وإرادته فعود المظاهر يقتضي نقض الظهار وإبطاله وإيثار ضده وإرادته وهذا عين فهم السلف من الآية فبعضهم يقول: إن العود هو الإصابة وبعضهم يقول: الوطء وبعضهم يقول: اللمس وبعضهم يقول: العزم. وأما قولكم: إنه إنما أوجب الكفارة في الظهار المعاد إن أردتم به المعاد لفظه فدعوى بحسب ما فهمتموه وإن أردتم به الظهار المعاد فيه لما قال المظاهر لم يستلزم ذلك إعادة اللفظ الأول. وأما حديث عائشة رضي الله عنها في ظهار أوس بن الصامت فما أصحه وما أبعد دلالته على مذهبكم.  [فصل من قال بأن العود هو إمساكها زمنا يتسع لقوله أنت طالق] فصل ثم الذين جعلوا العود أمرا غير إعادة اللفظ اختلفوا فيه هل هو مجرد إمساكها بعد الظهار أو أمر غيره على قولين. فقالت طائفة: هو إمساكها زمنا(5\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2189",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10755",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يتسع لقوله: أنت طالق فمتى لم يصل الطلاق بالظهار لزمته الكفارة وهو قول الشافعي. قال منازعوه: وهو في المعنى قول مجاهد والثوري فإن هذا النفس الواحد لا يخرج الظهار عن كونه موجب الكفارة ففي الحقيقة لم يوجب الكفارة إلا لفظ الظهار وزمن قوله: أنت طالق لا تأثير له في الحكم إيجابا ولا نفيا فتعليق الإيجاب به ممتنع ولا تسمى تلك اللحظة والنفس الواحد من الأنفاس عودا لا في لغة العرب ولا في عرف الشارع وأي شيء في هذا الجزء اليسير جدا من الزمان من معنى العود أو حقيقته قالوا: وهذا ليس بأقوى من قول من قال هو إعادة اللفظ بعينه فإن ذلك قول معقول يفهم منه العود لغة وحقيقة وأما هذا الجزء من الزمان فلا يفهم من الإنسان فيه العود البتة. قالوا: ونحن نطالبكم بما طالبتم به الظاهرية من قال هذا القول قبل الشافعي قالوا: والله سبحانه أوجب الكفارة بالعود بحرف quot; ثم quot; الدالة على التراخي عن الظهار فلا بد أن يكون بين العود وبين الظهار مدة متراخية وهذا ممتنع عندكم وبمجرد انقضاء قوله: أنت علي كظهر أمي صار عائدا ما لم يصله بقوله: أنت طالق فأين التراخي والمهلة بين العود والظهار والشافعي لم ينقل هذا عن أحد من الصحابة والتابعين وإنما أخبر أنه أولى المعاني بالآية فقال: الذي عقلت مما سمعت في يعودون لما قالوا [المجادلة: 3] أنه إذا أتت على المظاهر مدة بعد القول بالظهار لم يحرمها بالطلاق الذي يحرم به وجبت عليه الكفارة كأنهم يذهبون إلى أنه إذا أمسك ما حرم على نفسه أنه حلال فقد عاد لما قال فخالفه فأحل ما حرم ولا أعلم له معنى أولى به من هذا. انتهى.  [فصل من قال بأن العود هو العزم على الوطء] فصل والذين جعلوه أمرا وراء الإمساك اختلفوا فيه فقال مالك في إحدى(5\/302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2190",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10756",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الروايات الأربع عنه وأبو عبيد: هو العزم على الوطء وهذا قول القاضي أبي يعلى وأصحابه وأنكره الإمام أحمد وقال مالك: يقول إذا أجمع لزمته الكفارة فكيف يكون هذا لو طلقها بعد ما يجمع أكان عليه كفارة إلا أن يكون يذهب إلى قول طاووس إذا تكلم بالظهار لزمه مثل الطلاق ثم اختلف أرباب هذا القول فيما لو مات أحدهما أو طلق بعد العزم وقبل الوطء هل تستقر عليه الكفارة فقال مالك وأبو الخطاب: تستقر الكفارة. وقال القاضي وعامة أصحابه: لا تستقر وعن مالك رواية ثانية أنه العزم على الإمساك وحده ورواية quot; الموطأ quot; خلاف هذا كله أنه العزم على الإمساك والوطء معا. وعنه رواية رابعة أنه الوطء نفسه وهذا قول أبي حنيفة وأحمد. وقد قال أحمد في قوله تعالى: ثم يعودون لما قالوا [المجادلة: 3] قال الغشيان: إذا أراد أن يغشى كفر وليس هذا باختلاف رواية بل مذهبه الذي لا يعرف عنه غيره أنه الوطء ويلزمه إخراجها قبله عند العزم عليه. واحتج أرباب هذا القول بأن الله سبحانه قال في الكفارة: من قبل أن يتماسا [المجادلة: 3] فأوجب الكفارة بعد العود وقبل التماس وهذا صريح في أن العود غير التماس وأن ما يحرم قبل الكفارة لا يجوز كونه متقدما عليها. قالوا: ولأنه قصد بالظهار تحريمها والعزم على وطئها عود فيما قصده. قالوا: ولأن الظهار تحريم فإذا أراد استباحتها فقد رجع في ذلك التحريم فكان عائدا. قال: الذين جعلوه الوطء: لا ريب أن العود فعل ضد قوله كما تقدم تقريره والعائد فيما نهي عنه وإليه وله: هو فاعله لا مريده كما قال تعالى: ثم يعودون لما نهوا عنه [المجادلة: 8] فهذا فعل المنهي عنه نفسه لا إرادته ولا يلزم أرباب هذا القول ما ألزمهم به أصحاب العزم فإن قولهم: إن العود يتقدم التكفير والوطء متأخر عنه فهم يقولون إن قوله تعالى: ثم يعودون لما قالوا [المجادلة: 3] أي يريدون العود كما قال تعالى: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله [النحل: 98] وكقوله تعالى: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم [المائدة: 6] [المائدة: 6] ونظائره مما يطلق الفعل فيه على إرادته(5\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2191",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10757",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لوقوعه بها. قالوا: وهذا أولى من تفسير العود بنفس اللفظ الأول وبالإمساك نفسا واحدا بعد الظهار وبتكرار لفظ الظهار وبالعزم المجرد لو طلق بعده فإن هذه الأقوال كلها قد تبين ضعفها فأقرب الأقوال إلى دلالة اللفظ وقواعد الشريعة وأقوال المفسرين هو هذا. وبالله التوفيق.  [فصل من عجز عن الكفارة لم تسقط عنه] فصل ومنها: أن من عجز عن الكفارة لم تسقط عنه فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعان أوس بن الصامت بعرق من تمر وأعانته امرأته بمثله حتى كفر وأمر سلمة بن صخر أن يأخذ صدقة قومه فيكفر بها عن نفسه ولو سقطت بالعجز لما أمرهما بإخراجها بل تبقى في ذمته دينا عليه وهذا قول الشافعي وأحد الروايتين عن أحمد. وذهبت طائفة إلى سقوطها بالعجز كما تسقط الواجبات بعجزه عنها وعن إبدالها. وذهبت طائفة أن كفارة رمضان لا تبقى في ذمته بل تسقط وغيرها من الكفارات لا تسقط وهذا الذي صححه أبو البركات ابن تيمية. واحتج من أسقطها بأنها لو وجبت مع العجز لما صرفت إليه فإن الرجل لا يكون مصرفا لكفارته كما لا يكون مصرفا لزكاته وأرباب القول الأول يقولون إذا عجز عنها وكفر الغير عنه جاز أن يصرفها إليه كما صرف النبي صلى الله عليه وسلم كفارة من جامع في رمضان إليه وإلى أهله وكما أباح لسلمة بن صخر أن يأكل هو وأهله من كفارته التي أخرجها عنه من صدقة قومه وهذا مذهب أحمد رواية واحدة عنه في كفارة من وطئ أهله في رمضان وعنه في سائر الكفارات روايتان. والسنة تدل على أنه إذا أعسر بالكفارة وكفر عنه غيره جاز صرف كفارته إليه وإلى أهله.(5\/304)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2192",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10758",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: فهل يجوز له إذا كان فقيرا له عيال وعليه زكاة يحتاج إليها أن يصرفها إلى نفسه وعياله قيل لا يجوز ذلك لعدم الإخراج المستحق عليه ولكن للإمام أو الساعي أن يدفع زكاته إليه بعد قبضها منه في أصح الروايتين عن أحمد. فإن قيل: فهل له أن يسقطها عنه قيل لا نص عليه والفرق بينهما واضح. فإن قيل: فإذا أذن السيد لعبده في التكفير بالعتق فهل له أن يعتق نفسه قيل: اختلفت الرواية فيما إذا أذن له في التكفير بالمال هل له أن ينتقل عن الصيام إليه على روايتين: إحداهما: أنه ليس له ذلك وفرضه الصيام والثانية له الانتقال إليه ولا يلزمه لأن المنع لحق السيد وقد أذن فيه فإذا قلنا: له ذلك فهل له العتق اختلفت الرواية فيه عن أحمد فعنه في ذلك روايتان ووجه المنع أنه ليس من أهل الولاء والعتق يعتمد الولاء واختار أبو بكر وغيره أن له الإعتاق فعلى هذا هل له عتق نفسه فيه قولان في المذهب ووجه الجواز إطلاق الإذن ووجه المنع أن الإذن في الإعتاق ينصرف إلى إعتاق غيره كما لو أذن له في الصدقة انصرف الإذن إلى الصدقة على غيره.  [فصل لا يجوز وطء المظاهر منها قبل التكفير] فصل ومنها: أنه لا يجوز وطء المظاهر منها قبل التكفير وقد اختلف هاهنا في موضعين. أحدهما: هل له مباشرتها دون الفرج قبل التكفير أم لا والثاني: أنه إذا كانت كفارته الإطعام فهل له الوطء قبله أم لا وفي المسألتين قولان للفقهاء وهما روايتان عن أحمد وقولان للشافعي. ووجه منع الاستمتاع بغير الوطء ظاهر قوله تعالى: من قبل أن يتماسا [المجادلة: 3]  ولأنه شبهها بمن يحرم وطؤها ودواعيه ووجه الجواز أن التماس كناية عن الجماع ولا يلزم من تحريم الجماع تحريم دواعيه فإن الحائض يحرم جماعها دون دواعيه والصائم يحرم منه الوطء دون دواعيه والمسبية يحرم(5\/305)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2193",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10759",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وطؤها دون دواعيه وهذا قول أبي حنيفة. وأما المسألة الثانية: وهي وطؤها قبل التكفير: إذا كان بالإطعام فوجه الجواز أن الله سبحانه قيد التكفير بكونه قبل المسيس في العتق والصيام وأطلقه في الإطعام ولكل منهما حكمة فلو أراد التقييد في الإطعام لذكره كما ذكره في العتق والصيام وهو سبحانه لم يقيد هذا ويطلق هذا عبثا بل لفائدة مقصودة ولا فائدة إلا تقييد ما قيده وإطلاق ما أطلقه. ووجه المنع استفادة حكم ما أطلقه مما قيده إما بيانا على الصحيح وإما قياسا قد ألغي فيه الفارق بين الصورتين وهو سبحانه لا يفرق بين المتماثلين وقد ذكر من قبل أن يتماسا [المجادلة: 3] مرتين فلو أعاده ثالثا لطال به الكلام ونبه بذكره مرتين على تكرر حكمه في الكفارات ولو ذكره في آخر الكلام مرة واحدة لأوهم اختصاصه بالكفارة الأخيرة ولو ذكره في أول مرة لأوهم اختصاصه بالأولى وإعادته في كل كفارة تطويل وكان أفصح الكلام وأبلغه وأوجزه ما وقع. وأيضا فإنه نبه بالتكفير قبل المسيس بالصوم مع تطاول زمنه وشدة الحاجة إلى مسيس الزوجة على أن اشتراط تقدمه في الإطعام الذي لا يطول زمنه أولى.  [فصل هل يبطل المس تتابع الصيام] فصل ومنها: أنه سبحانه أمر بالصيام قبل المسيس وذلك يعم المسيس ليلا ونهارا ولا خلاف بين الأئمة في تحريم وطئها في زمن الصوم ليلا ونهارا وإنما اختلفوا هل يبطل التتابع به فيه قولان: أحدهما: يبطل وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه والثاني: لا يبطل وهو قول الشافعي وأحمد في رواية أخرى عنه. والذين أبطلوا التتابع معهم ظاهر القرآن فإنه سبحانه أمر بشهرين متتابعين قبل المسيس ولم يوجد ولأن ذلك يتضمن النهي عن المسيس قبل إكمال الصيام وتحريمه وهو يوجب عدم الاعتداد بالصوم لأنه عمل ليس عليه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون ردا.(5\/306)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2194",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10760",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسر المسألة أنه سبحانه أوجب أمرين: أحدهما: تتابع الشهرين والثاني: وقوع صيامهما قبل التماس فلا يكون قد أتى بما أمر به إلا بمجموع الأمرين.  [فصل لا يشترط في إطعام المساكين التمليك ولا إطعامهم جملة أو مفرقين] فصل ومنها: أنه سبحانه وتعالى أطلق إطعام المساكين ولم يقيده بقدر ولا تتابع وذلك يقتضي أنه لو أطعمهم فغداهم وعشاهم من غير تمليك حب أو تمر جاز وكان ممتثلا لأمر الله وهذا قول الجمهور ومالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه وسواء أطعمهم جملة أو متفرقين.  [فصل لا بد من إطعام ستين مسكينا مختلفين] فصل ومنها: أنه لا بد من استيفاء عدد الستين فلو أطعم واحدا ستين يوما لم يجزه إلا عن واحد هذا قول الجمهور: مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه. والثانية: أن الواجب إطعام ستين مسكينا ولو لواحد وهو مذهب أبي حنيفة. والثالثة: إن وجد غيره لم يجز وإلا أجزأه وهو ظاهر مذهبه وهي أصح الأقوال.  [فصل لا تدفع الكفارة إلا إلى المساكين ويدخل فيهم الفقراء] فصل ومنها: أنه لا يجزئه دفع الكفارة إلا إلى المساكين ويدخل فيهم الفقراء كما يدخل المساكين في لفظ الفقراء عند الإطلاق وعمم أصحابنا وغيرهم الحكم في كل من يأخذ من الزكاة لحاجته وهم أربعة: الفقراء والمساكين وابن السبيل والغارم لمصلحته والمكاتب. وظاهر القرآن اختصاصها بالمساكين فلا يتعداهم.  [فصل ترجيح المصنف اشتراط الإيمان في الرقبة] فصل ومنها: أن الله سبحانه أطلق الرقبة هاهنا ولم يقيدها بالإيمان وقيدها في كفارة القتل بالإيمان فاختلف الفقهاء في اشتراط الإيمان في غير كفارة القتل على قولين: فشرطه الشافعي ومالك وأحمد في ظاهر مذهبه ولم يشترطه أبو(5\/307)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2195",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10761",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حنيفة ولا أهل الظاهر والذين لم يشترطوا الإيمان قالوا: لو كان شرطا لبينه الله سبحانه كما بينه في كفارة القتل بل يطلق ما أطلقه ويقيد ما قيده فيعمل بالمطلق والمقيد. وزادت الحنفية أن اشتراط الإيمان زيادة على النص وهو نسخ والقرآن لا ينسخ إلا بالقرآن أو خبر متواتر. قال الآخرون: - واللفظ للشافعي - شرط الله سبحانه في رقبة القتل مؤمنة كما شرط العدل في الشهادة وأطلق الشهود في مواضع فاستدللنا به على أن ما أطلق من الشهادات على مثل معنى ما شرط وإنما رد الله أموال المسلمين على المسلمين لا على المشركين وفرض الله الصدقات فلم تجز إلا للمؤمنين فكذلك ما فرض من الرقاب لا يجوز إلا لمؤمن فاستدل الشافعي بأن لسان العرب يقتضي حمل المطلق على المقيد إذا كان من جنسه فحمل عرف الشرع على مقتضى لسانهم. وهاهنا أمران أحدهما: أن حمل المطلق على المقيد بيان لا قياس. الثاني: أنه إنما يحمل عليه بشرطين: أحدهما: اتحاد الحكم. والثاني: أن لا يكون للمطلق إلا أصل واحد. فإن كان بين أصلين مختلفين لم يحمل إطلاقه على أحدهما إلا بدليل يعينه. قال الشافعي: ولو نذر رقبة مطلقة لم يجزه إلا مؤمنة وهذا بناء على هذا الأصل وأن النذر محمول على واجب الشرع وواجب العتق لا يتأدى إلا بعتق المسلم. ومما يدل على هذا أن ( النبي صلى الله عليه وسلم قال: لمن استفتى في عتق رقبة منذورة ائتني بها فسألها أين الله فقالت: في السماء فقال: من أنا قالت: أنت رسول الله فقال: أعتقها فإنها مؤمنة ) قال الشافعي: فلما وصفت الإيمان أمر بعتقها. انتهى.(5\/308)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2196",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10762",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا ظاهر جدا أن العتق المأمور به شرعا لا يجزئ إلا في رقبة مؤمنة وإلا لم يكن للتعليل بالإيمان فائدة فإن الأعم متى كان علة للحكم كان الأخص عديم التأثير. وأيضا فإن المقصود من إعتاق المسلم تفريغه لعبادة ربه وتخليصه من عبودية المخلوق إلى عبودية الخالق ولا ريب أن هذا أمر مقصود للشارع محبوب له فلا يجوز إلغاؤه وكيف يستوي عند الله ورسوله تفريغ العبد لعبادته وحده وتفريغه لعبادة الصليب أو الشمس والقمر والنار وقد بين سبحانه اشتراط الإيمان في كفارة القتل وأحال ما سكت عنه على بيانه كما بين اشتراط العدالة في الشاهدين وأحال ما أطلقه وسكت عنه على ما بينه وكذلك غالب مطلقات كلامه سبحانه ومقيداته لمن تأملها وهي أكثر من أن تذكر فمنها: قوله تعالى فيمن أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما [النساء: 114] [النساء: 114] وفي موضع آخر بل مواضع يعلق الأجر بنفس العمل اكتفاء بالشرط المذكور في موضعه وكذلك قوله تعالى: فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه [الأنبياء: 94] [الأنبياء: 94]  وفي موضع يعلق الجزاء بنفس الأعمال الصالحة اكتفاء بما علم من شرط الإيمان وهذا غالب في نصوص الوعد والوعيد.  [فصل لو أعتق نصفي رقبتين لم يكن معتقا لرقبة] فصل ومنها: أنه لو أعتق نصفي رقبتين لم يكن معتقا لرقبة وفي هذا ثلاثة أقوال للناس وهي روايات عن أحمد ثانيها الإجزاء وثالثها وهو أصحها: أنه إن تكملت الحرية في الرقبتين أجزأه وإلا فلا فإنه يصدق عليه أنه حرر رقبة أي جعلها حرة بخلاف ما إذا لم تكمل الحرية.  [فصل لا تسقط الكفارة بالوطء قبل التكفير ولا تتضاعف] فصل ومنها: أن الكفارة لا تسقط بالوطء قبل التكفير ولا تتضاعف بل هي(5\/309)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2197",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10763",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بحالها كفارة واحدة كما دل عليه حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تقدم قال الصلت بن دينار: سألت عشرة من الفقهاء عن المظاهر يجامع قبل أن يكفر فقالوا: كفارة واحدة. قال: وهم الحسن وابن سيرين ومسروق وبكر وقتادة وعطاء وطاووس ومجاهد وعكرمة. قال: والعاشر أراه نافعا وهذا قول الأئمة الأربعة. وصح عن ابن عمر وعمرو بن العاص أن عليه كفارتين وذكر سعيد بن منصور عن الحسن وإبراهيم في الذي يظاهر ثم يطؤها قبل أن يكفر: عليه ثلاث كفارات وذكر عن الزهري وسعيد بن جبير وأبي يوسف أن الكفارة تسقط ووجه هذا أنه فات وقتها ولم يبق له سبيل إلى إخراجها قبل المسيس. وجواب هذا أن فوات وقت الأداء لا يسقط الواجب في الذمة كالصلاة والصيام وسائر العبادات ووجه وجوب الكفارتين أن إحداهما للظهار الذي اقترن به العود والثانية للوطء المحرم كالوطء في نهار رمضان وكوطء المحرم ولا يعلم لإيجاب الثلاث وجه إلا أن يكون عقوبة على إقدامه على الحرام وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على خلاف هذه الأقوال والله أعلم.  [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإيلاء] ثبت في quot; صحيح البخاري quot;: عن أنس قال: ( آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه وكانت انفكت رجله فأقام في مشربة له تسعا وعشرين ليلة ثم نزل فقالوا: يا رسول الله آليت شهرا فقال: quot; إن الشهر يكون تسعا وعشرين ) وقد قال سبحانه للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم [البقرة: 226] [البقرة: 226](5\/310)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2198",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10764",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم [البقرة: 227] الإيلاء لغة: الامتناع باليمين وخص في عرف الشرع بالامتناع باليمين من وطء الزوجة ولهذا عدي فعله بأداة quot; من quot; تضمينا له معنى quot; يمتنعون quot; من نسائهم وهو أحسن من إقامة quot; من quot; مقام quot; على quot; وجعل سبحانه للأزواج مدة أربعة أشهر يمتنعون فيها من وطء نسائهم بالإيلاء فإذا مضت فإما أن يفيء وإما أن يطلق وقد اشتهر عن علي وابن عباس أن الإيلاء إنما يكون في حال الغضب دون الرضى كما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسائه وظاهر القرآن مع الجمهور. وقد تناظر في هذه المسألة محمد بن سيرين ورجل آخر فاحتج على محمد بقول علي فاحتج عليه محمد بالآية فسكت. وقد دلت الآية على أحكام. منها: هذا. ومنها: أن من حلف على ترك الوطء أقل من أربعة أشهر لم يكن مؤليا وهذا قول الجمهور وفيه قول شاذ أنه مؤل. ومنها: أنه لا يثبت له حكم الإيلاء حتى يحلف على أكثر من أربعة أشهر فإن كانت مدة الامتناع أربعة أشهر لم يثبت له حكم الإيلاء لأن الله جعل لهم مدة أربعة أشهر وبعد انقضائها إما أن يطلقوا وإما أن يفيئوا وهذا قول الجمهور منهم أحمد والشافعي ومالك وجعله أبو حنيفة مؤليا بأربعة أشهر سواء وهذا بناء على أصله أن المدة المضروبة أجل لوقوع الطلاق بانقضائها والجمهور يجعلون المدة أجلا لاستحقاق المطالبة وهذا موضع اختلف فيه السلف من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين ومن بعدهم فقال الشافعي: حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار قال: ( أدركت بضعة عشر(5\/311)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2199",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10765",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجلا من الصحابة كلهم يوقف المؤلي ) يعني: بعد أربعة أشهر. وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال: (سألت اثني عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المؤلي فقالوا: ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر) وهذا قول الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. (وقال عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت: إذا مضت أربعة أشهر ولم يفئ فيها طلقت منه بمضيها) وهذا قول جماعة من التابعين وقول أبي حنيفة وأصحابه فعند هؤلاء يستحق المطالبة قبل مضي الأربعة الأشهر فإن فاء وإلا طلقت بمضيها. وعند الجمهور لا يستحق المطالبة حتى تمضي الأربعة الأشهر فحينئذ يقال: إما أن تفيء وإما أن تطلق وإن لم يفئ أخذ بإيقاع الطلاق إما بالحاكم وإما بحبسه حتى يطلق. قال الموقعون للطلاق بمضي المدة: آية الإيلاء تدل على ذلك من ثلاثة أوجه. أحدها: أن عبد الله بن مسعود قرأ quot; فإن فاءوا فيهن فإن الله غفور رحيم quot; فإضافة الفيئة إلى المدة تدل على استحقاق الفيئة فيها وهذه القراءة إما أن تجرى مجرى الخبر الواحد فتوجب العمل وإن لم توجب كونها من القرآن وإما أن تكون قرآنا نسخ لفظه وبقي حكمه لا يجوز فيها غير هذا البتة. الثاني: أن الله سبحانه جعل مدة الإيلاء أربعة أشهر فلو كانت الفيئة بعدها لزادت على مدة النص وذلك غير جائز.(5\/312)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2200",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10766",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالث: أنه لو وطئها في مدة الإيلاء لوقعت الفيئة موقعها فدل على استحقاق الفيئة فيها. قالوا: ولأن الله سبحانه وتعالى جعل لهم تربص أربعة أشهر ثم قال: فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم - وإن عزموا الطلاق [البقرة: 226 - 227] وظاهر هذا أن هذا التقسيم في المدة التي لهم فيها تربص كما إذا قال لغريمه: أصبر عليك بديني أربعة أشهر فإن وفيتني وإلا حبستك ولا يفهم من هذا إلا إن وفيتني في هذه المدة ولا يفهم منه إن وفيتني بعدها وإلا كانت مدة الصبر أكثر من أربعة أشهر وقراءة ابن مسعود صريحة في تفسير الفيئة بأنها في المدة وأقل مراتبها أن تكون تفسيرا. قالوا: ولأنه أجل مضروب للفرقة فتعقبه الفرقة كالعدة وكالأجل الذي ضرب لوقوع الطلاق كقوله: إذا مضت أربعة أشهر فأنت طالق. قال الجمهور: لنا من آية الإيلاء عشرة أدلة. أحدها: أنه أضاف مدة الإيلاء إلى الأزواج وجعلها لهم ولم يجعلها عليهم فوجب ألا يستحق المطالبة فيها بل بعدها كأجل الدين ومن أوجب المطالبة فيها لم يكن عنده أجلا لهم ولا يعقل كونها أجلا لهم ويستحق عليهم فيها المطالبة. الدليل الثاني: قوله: فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم [البقرة: 226] فذكر الفيئة بعد المدة بفاء التعقيب وهذا يقتضي أن يكون بعد المدة ونظيره قوله سبحانه: الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان [البقرة: 229] [البقرة: 229] . وهذا بعد الطلاق قطعا. فإن قيل: فاء التعقيب توجب أن يكون بعد الإيلاء لا بعد المدة قيل: قد تقدم في الآية ذكر الإيلاء ثم تلاه ذكر المدة ثم أعقبها بذكر الفيئة فإذا أوجبت الفاء التعقيب بعد ما تقدم ذكره لم يجز أن يعود إلى أبعد المذكورين ووجب عودها إليهما أو إلى أقربهما.(5\/313)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2201",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10767",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدليل الثالث: قوله: وإن عزموا الطلاق [البقرة: 227] [البقرة: 227] وإنما العزم ما عزم العازم على فعله كقوله تعالى: ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله [البقرة: 235] [البقرة: 235] فإن قيل: فترك الفيئة عزم على الطلاق قيل: العزم هو إرادة جازمة لفعل المعزوم عليه أو تركه وأنتم توقعون الطلاق بمجرد مضي المدة وإن لم يكن منه عزم لا على وطء ولا على تركه بل لو عزم على الفيئة ولم يجامع طلقتم عليه بمضي المدة ولم يعزم الطلاق فكيفما قدرتم فالآية حجة عليكم. الدليل الرابع: أن الله سبحانه خيره في الآية بين أمرين: الفيئة أو الطلاق والتخيير بين أمرين لا يكون إلا في حالة واحدة كالكفارات ولو كان في حالتين لكان ترتيبا لا تخييرا وإذا تقرر هذا فالفيئة عندكم في نفس المدة وعزم الطلاق بانقضاء المدة فلم يقع التخيير في حالة واحدة. فإن قيل: هو مخير بين أن يفيء في المدة وبين أن يترك الفيئة فيكون عازما للطلاق بمضي المدة. قيل: ترك الفيئة لا يكون عزما للطلاق وإنما يكون عزما عندكم إذا انقضت المدة فلا يتأتى التخيير بين عزم الطلاق وبين الفيئة البتة فإنه بمضي المدة يقع الطلاق عندكم فلا يمكنه الفيئة وفي المدة يمكنه الفيئة ولم يحضر وقت عزم الطلاق الذي هو مضي المدة وحينئذ فهذا دليل خامس مستقل. الدليل السادس: أن التخيير بين أمرين يقتضي أن يكون فعلهما إليه ليصح منه اختيار فعل كل منهما وتركه وإلا لبطل حكم خياره ومضي المدة ليس إليه. الدليل السابع: أنه سبحانه قال: وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم [البقرة: 227] فاقتضى أن يكون الطلاق قولا يسمع ليحسن ختم الآية بصفة السمع. الدليل الثامن: أنه لو قال لغريمه: لك أجل أربعة أشهر فإن وفيتني قبلت(5\/314)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2202",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10768",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منك وإن لم توفني حبستك كان مقتضاه أن الوفاء والحبس بعد المدة لا فيها: ولا يعقل المخاطب غير هذا. فإن قيل: ما نحن فيه نظير قوله لك الخيار ثلاثة أيام فإن فسخت البيع وإلا لزمك ومعلوم أن الفسخ إنما يقع في الثلاث لا بعدها قيل هذا من أقوى حججنا عليكم فإن موجب العقد اللزوم فجعل له الخيار في مدة ثلاثة أيام فإذا انقضت ولم يفسخ عاد العقد إلى حكمه وهو اللزوم وهكذا الزوجة لها حق على الزوج في الوطء كما له حق عليها قال تعالى: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف [البقرة: 228] [البقرة: 228] فجعل له الشارع امتناع أربعة أشهر لا حق لها فيهن فإذا انقضت المدة عادت على حقها بموجب العقد وهو المطالبة لا وقوع الطلاق وحينئذ فهذا دليل تاسع مستقل. الدليل العاشر أنه سبحانه جعل للمؤلين شيئا وعليهم شيئين فالذي لهم تربص المدة المذكورة والذي عليهم إما الفيئة وإما الطلاق وعندكم ليس عليهم إلا الفيئة فقط وأما الطلاق فليس عليهم بل ولا إليهم وإنما هو إليه سبحانه عند انقضاء المدة فيحكم بطلاقها عقيب انقضاء المدة شاء أو أبى ومعلوم أن هذا ليس إلى المؤلي ولا عليه وهو خلاف ظاهر النص. قالوا: ولأنها يمين بالله تعالى توجب الكفارة فلم يقع بها الطلاق كسائر الأيمان ولأنها مدة قدرها الشرع لم تتقدمها الفرقة فلا يقع بها بينونة كأجل العنين ولأنه لفظ لا يصح أن يقع به الطلاق المعجل فلم يقع به المؤجل كالظهار ولأن الإيلاء كان طلاقا في الجاهلية فنسخ كالظهار فلا يجوز أن يقع به الطلاق لأنه استيفاء للحكم المنسوخ ولما كان عليه أهل الجاهلية. قال الشافعي: كانت الفرق الجاهلية تحلف بثلاثة أشياء بالطلاق والظهار والإيلاء فنقل الله سبحانه وتعالى الإيلاء والظهار عما كانا عليه في الجاهلية من إيقاع الفرقة على الزوجة إلى ما استقر عليه حكمهما في الشرع(5\/315)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2203",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10769",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبقي حكم الطلاق على ما كان عليه هذا لفظه. قالوا: ولأن الطلاق إنما يقع بالصريح والكناية وليس الإيلاء واحدا منهما إذ لو كان صريحا لوقع معجلا إن أطلقه أو إلى أجل مسمى إن قيده ولو كان كناية لرجع فيه إلى نيته ولا يرد على هذا اللعان فإنه يوجب الفسخ دون الطلاق والفسخ يقع بغير قول والطلاق لا يقع إلا بالقول. قالوا: وأما قراءة ابن مسعود فغايتها أن تدل على جواز الفيئة في مدة التربص لا على استحقاق المطالبة بها في المدة وهذا حق لا ننكره. وأما قولكم: جواز الفيئة في المدة دليل على استحقاقها فيها فهو باطل بالدين المؤجل. وأما قولكم: إنه لو كانت الفيئة بعد المدة لزادت على أربعة أشهر فليس بصحيح لأن الأربعة الأشهر مدة لزمن الصبر الذي لا يستحق فيه المطالبة فبمجرد انقضائها يستحق عليه الحق فلها أن تعجل المطالبة به. وإما أن تنظره وهذا كسائر الحقوق المعلقة بآجال معدودة إنما تستحق عند انقضاء آجالها ولا يقال: إن ذلك يستلزم الزيادة على الأجل فكذا أجل الإيلاء سواء.  [فصل الحجة في أن المؤلي مخير بين الطلاق والعود] ودلت الآية على أن كل من صح منه الإيلاء بأي يمين حلف فهو مؤل حتى يبر إما أن يفيء وإما أن يطلق فكان في هذا حجة لما ذهب إليه من يقول من السلف والخلف: إن المؤلي باليمين بالطلاق إما أن يفيء وإما أن يطلق ومن يلزمه الطلاق على كل حال لم يمكنه إدخال هذه اليمين في حكم الإيلاء فإنه إذا قال: إن وطئتك إلى سنة فأنت طالق ثلاثا فإذا مضت أربعة أشهر لا يقولون له إما أن تطأ وإما أن تطلق بل يقولون له إن وطئتها طلقت وإن لم تطأها(5\/316)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2204",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10770",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طلقنا عليك وأكثرهم لا يمكنه من الإيلاج لوقوع النزع الذي هو جزء الوطء في أجنبية ولا جواب عن هذا إلا أن يقال بأنه غير مؤل وحينئذ فيقال: فلا توقفوه بعد مضي الأربعة الأشهر وقولوا: إن له أن يمتنع من وطئها بيمين الطلاق دائما فإن ضربتم له الأجل أثبتم له حكم الإيلاء من غير يمين وإن جعلتموه مؤليا ولم تجيزوه خالفتم حكم الإيلاء وموجب النص فهذا بعض حجج هؤلاء على منازعيهم. فإن قيل: فما حكم هذه المسألة وهي إذا قال: إن وطئتك فأنت طالق ثلاثا. قيل: اختلف الفقهاء فيها هل يكون مؤليا أم لا على قولين: وهما روايتان عن أحمد وقولان للشافعي في الجديد أنه يكون مؤليا وهو مذهب أبي حنيفة ومالك. وعلى قولين: فهل يمكن من الإيلاج فيه وجهان لأصحاب أحمد والشافعي. أحدهما: أنه لا يمكن منه بل يحرم عليه لأنها بالإيلاج تطلق عندهم ثلاثا فيصير ما بعد الإيلاج محرما فيكون الإيلاج محرما وهذا كالصائم إذا تيقن أنه لم يبق إلى طلوع الفجر إلا قدر إيلاج لذكر دون إخراجه حرم عليه الإيلاج وإن كان في زمن الإباحة لوجود الإخراج في زمن الحظر كذلك هاهنا يحرم عليه الإيلاج وإن كان قبل الطلاق لوجود الإخراج بعده. والثاني: أنه لا يحرم عليه الإيلاج قال الماوردي: وهو قول سائر أصحابنا لأنها زوجته ولا يحرم عليه الإخراج لأنه ترك. وإن طلقت بالإيلاج ويكون المحرم بهذا الوطء استدامة الإيلاج لا الابتداء والنزع وهذا ظاهر نص الشافعي فإنه قال لو طلع الفجر على الصائم وهو مجامع وأخرجه مكانه كان على صومه فإن مكث بغير إخراجه أفطر ويكفر. وقال في كتاب الإيلاء ولو قال إن وطئتك فأنت طالق ثلاثا وقف فإن فاء فإذا غيب(5\/317)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2205",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10771",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحشفة طلقت منه ثلاثا فإن أخرجه ثم أدخله فعليه مهر مثلها. قال هؤلاء ويدل على الجواز أن رجلا لو قال لرجل: ادخل داري ولا تقم استباح الدخول لوجوده عن إذن ووجب عليه الخروج لمنعه من المقام ويكون الخروج وإن كان في زمن الحظر مباحا لأنه ترك كذلك هذا المؤلي يستبيح أن يولج ويستبيح أن ينزع ويحرم عليه استدامة الإيلاج والخلاف في الإيلاج قبل الفجر والنزع بعده للصائم كالخلاف في المؤلي وقيل يحرم على الصائم الإيلاج قبل الفجر ولا يحرم على المؤلي والفرق أن التحريم قد يطرأ على الصائم بغير الإيلاج فجاز أن يحرم عليه الإيلاج والمؤلي لا يطرأ عليه التحريم بغير الإيلاج فافترقا. وقالت طائفة ثالثة: لا يحرم عليه الوطء ولا تطلق عليه الزوجة بل يوقف ويقال له: ما أمر الله إما أن تفيء وإما أن تطلق. قالوا: وكيف يكون مؤليا ولا يمكن من الفيئة بل يلزم بالطلاق وإن مكن منها وقع به الطلاق فالطلاق واقع به على التقديرين مع كونه مؤليا فهذا خلاف ظاهر القرآن بل يقال لهذا: إن فاء لم يقع به الطلاق وإن لم يفئ ألزم بالطلاق وهذا مذهب من يرى اليمين بالطلاق لا يوجب طلاقا وإنما يجزئه كفارة يمين وهو قول أهل الظاهر وطاووس وعكرمة وجماعة من أهل الحديث واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه.  [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في اللعان] قال تعالى: والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين - والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين - ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين - والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين [النور: 6 - 9] [النور: 69] . وثبت في quot; الصحيحين quot;: من حديث سهل بن سعد أن عويمرا العجلاني(5\/318)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2206",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10772",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال لعاصم بن عدي: أرأيت لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل فسل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إن عويمرا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: quot; قد نزل فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها quot; فتلاعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغا قال: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . قال الزهري: فكانت تلك سنة المتلاعنين. قال سهل: وكانت حاملا وكان ابنها ينسب إلى أمه ثم جرت السنة أن يرثها وترث منه ما فرض الله لها. وفي لفظ: ( فتلاعنا في المسجد ففارقها عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذاكم التفريق بين كل متلاعنين ) وقول سهل: وكانت حاملا إلى آخره هو عند البخاري من قول الزهري وللبخاري: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( انظروا فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين خدلج الساقين فلا أحسب عويمرا إلا قد صدق عليها وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أحسب عويمرا إلا قد كذب عليها quot; فجاءت به على النعت الذي نعت به رسول الله صلى الله عليه وسلم من تصديق عويمر ) وفي لفظ: quot; وكانت حاملا فأنكر حملها وفي quot; صحيح مسلم quot; من حديث ابن عمر أن فلان بن فلان قال: يا رسول الله أرأيت لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة كيف يصنع إن تكلم(5\/319)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2207",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10773",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تكلم بأمر عظيم وإن سكت سكت على مثل ذلك فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات في سورة النور: والذين يرمون أزواجهم [النور: 6] فتلاهن عليه ووعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة قال: لا والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها ثم دعاها فوعظها وذكرها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة قالت: لا والذي بعثك بالحق إنه لكاذب فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم ثنى بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ثم فرق بينهما . وفي quot; الصحيحين quot; عنه ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين quot; حسابكما على الله أحدكما كاذب لا سبيل لك عليها quot; قال: يا رسول الله مالي قال لا مال لك إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منها . وفي لفظ لهما: فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين وقال: quot; والله إن أحدكما كاذب فهل منكما تائب quot;. وفيهما عنه: ( أن رجلا لاعن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق الولد بأمه وفي quot; صحيح مسلم quot;: ( من حديث ابن مسعود رضي الله عنه في قصة(5\/320)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2208",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10774",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المتلاعنين فشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ثم لعن الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فذهبت لتلعن فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; مه quot; فأبت فلعنت فلما أدبر قال: لعلها أن تجيء به أسود جعدا quot; فجاءت به أسود جعدا . وفي quot; صحيح مسلم quot; من حديث أنس بن مالك ( أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك ابن سحماء ـ وكان أخا البراء بن مالك لأمه ـ وكان أول رجل لاعن في الإسلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; أبصروها فإن جاءت به أبيض سبطا قضيء العينين فهو لهلال بن أمية وإن جاءت به أكحل جعدا حمش الساقين فهو لشريك ابن سحماء قال: فأنبئت أنها جاءت به أكحل جعدا حمش الساقين ) وفي quot; الصحيحين quot; من حديث ابن عباس نحو هذه القصة فقال له رجل: أهي المرأة التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; لو رجمت أحدا بغير بينة لرجمت هذه quot; فقال ابن عباس: لا تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام السوء . ولأبي داود في هذا الحديث عن ابن عباس: ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقضى أن لا يدعى ولدها لأب ولا ترمى ولا يرمى ولدها ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد وقضى ألا بيت لها عليه ولا قوت من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق ولا متوفى عنها .(5\/321)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2209",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10775",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي القصة قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميرا على مصر وما يدعى لأب. وذكر البخاري: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشريك ابن سحماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; البينة أو حد في ظهرك quot; فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot; البينة وإلا حد في ظهرك quot; فقال: والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد فنزل جبريل عليه السلام وأنزل عليه: والذين يرمون أزواجهم. . [النور: 6] .. الآيات فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم إليها فجاء هلال فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: quot; إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب quot; فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة قال ابن عباس رضي الله عنهما: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك ابن سحماء quot; فجاءت به كذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; لولا ما مضى من كتاب الله كان لي ولها شأن)  وفي quot; الصحيحين quot;: أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله أرأيت الرجل يجد مع امرأته رجلا أيقتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا فقال سعد: بلى والذي بعثك بالحق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; اسمعوا إلى ما يقول سيدكم . وفي لفظ آخر: يا رسول الله إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء قال: quot; نعم . وفي لفظ آخر: لو وجدت مع أهلي رجلا لم أهجه حتى آتي بأربعة شهداء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; نعم quot; قال كلا والذي(5\/322)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2210",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10776",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعثك بالحق نبيا إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; اسمعوا إلى ما يقول سيدكم إنه لغيور وأنا أغير منه والله أغير مني . وفي لفظ: لو رأيت مع امرأتي رجلا لضربته بالسيف غير مصفح فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; أتعجبون من غيرة سعد فوالله لأنا أغير منه والله أغير مني ومن أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا شخص أغير من الله ولا شخص أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين ولا شخص أحب إليه المدحة من الله من أجل ذلك وعد الله الجنة )  [فصل يصح اللعان من كل زوجين وإن كانا فاسقين محدودين في قذف أو كافرين] فصل واستفيد من هذا الحكم النبوي عدة أحكام الحكم الأول: أن اللعان يصح من كل زوجين سواء كانا مسلمين أو كافرين عدلين أو فاسقين محدودين في قذف أو غير محدودين أو أحدهما كذلك قال الإمام أحمد في رواية إسحاق بن منصور: جميع الأزواج يلتعنون الحر من الحرة والأمة إذا كانت زوجة والعبد من الحرة والأمة إذا كانت زوجة والمسلم من اليهودية والنصرانية وهذا قول مالك وإسحاق وقول سعيد بن المسيب والحسن وربيعة وسليمان بن يسار. وذهب أهل الرأي والأوزاعي والثوري وجماعة إلى أن اللعان لا يكون إلا بين زوجين مسلمين عدلين حرين غير محدودين في قذف وهو رواية عن أحمد. ومأخذ القولين أن اللعان يجمع وصفين: اليمين والشهادة وقد سماه(5\/323)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2211",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10777",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله سبحانه شهادة وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينا حيث يقول: quot; لولا الأيمان لكان لي ولها شأن quot; فمن غلب عليه حكم الأيمان قال: يصح من كل من يصح يمينه قالوا: ولعموم قوله تعالى: والذين يرمون أزواجهم [النور: 6] قالوا: وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينا. قالوا: ولأنه مفتقر إلى اسم الله وإلى ذكر القسم المؤكد وجوابه. قالوا: ولأنه يستوي فيه الذكر والأنثى بخلاف الشهادة. قالوا: ولو كان شهادة لما تكرر لفظه بخلاف اليمين فإنه قد يشرع فيها التكرار كأيمان القسامة. قالوا: ولأن حاجة الزوج التي لا تصح منه الشهادة إلى اللعان ونفي الولد كحاجة من تصح شهادته سواء والأمر الذي ينزل به مما يدعو إلى اللعان كالذي ينزل بالعدل الحر والشريعة لا ترفع ضرر أحد النوعين وتجعل له فرجا ومخرجا مما نزل به وتدع النوع الآخر في الآصار والأغلال لا فرج له مما نزل به ولا مخرج بل يستغيث فلا يغاث ويستجير فلا يجار إن تكلم تكلم بأمر عظيم وإن سكت سكت على مثله قد ضاقت عنه الرحمة التي وسعت من تصح شهادته وهذا تأباه الشريعة الواسعة الحنيفية السمحة. قال الآخرون: قال الله تعالى: والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله [النور: 6] وفي الآية دليل من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه سبحانه استثنى أنفسهم من الشهداء وهذا استثناء متصل قطعا ولهذا جاء مرفوعا. والثاني: أنه صرح بأن التعانهم شهادة ثم زاد سبحانه هذا بيانا فقال: ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين [النور: 8] والثالث: أنه جعله بدلا من الشهود وقائما مقامهم عند عدمهم. قالوا: وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا لعان بين مملوكين ولا كافرين ) ذكره أبو عمر بن عبد البر في quot; التمهيد quot;.(5\/324)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2212",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10778",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر الدارقطني من حديثه أيضا عن أبيه عن جده مرفوعا: ( أربعة ليس بينهم لعان ليس بين الحر والأمة لعان وليس بين الحرة والعبد لعان وليس بين المسلم واليهودية لعان وليس بين المسلم والنصرانية لعان ) وذكر عبد الرزاق في quot; مصنفه quot; عن ابن شهاب قال: من وصية النبي صلى الله عليه وسلم لعتاب بن أسيد: أن لا لعان بين أربع. فذكر معناه. قالوا: ولأن اللعان جعل بدل الشهادة وقائما مقامها عند عدمها فلا يصح إلا ممن تصح منه ولهذا تحد المرأة بلعان الزوج ونكولها تنزيلا للعانه منزلة أربعة شهود. قالوا: وأما الحديث: ( لولا ما مضى من الأيمان لكان لي ولها شأن ) فالمحفوظ فيه: quot; لولا ما مضى من كتاب الله quot; هذا لفظ البخاري في quot; صحيحه quot;. وأما قوله: quot; لولا ما مضى من الأيمان quot; فمن رواية عباد بن منصور وقد تكلم فيه غير واحد. قال يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال علي بن الحسين بن الجنيد الرازي: متروك قدري. وقال النسائي: ضعيف. وقد استقرت قاعدة الشريعة أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه والزوج هاهنا مدع فلعانه شهادة ولو كان يمينا لم تشرع في جانبه. قال الأولون: أما تسميته شهادة فلقول الملتعن في يمينه: أشهد بالله فسمي بذلك شهادة وإن كان يمينا اعتبارا بلفظها. قالوا: وكيف وهو مصرح فيه(5\/325)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2213",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10779",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالقسم وجوابه وكذلك لو قال: أشهد بالله انعقدت يمينه بذلك سواء نوى اليمين أو أطلق والعرب تعد ذلك يمينا في لغتها واستعمالها. قال قيس: فأشهد عند الله أني أحبها ... فهذا لها عندي فما عندها ليا وفي هذا حجة لمن قال: إن قوله quot; أشهد quot; تنعقد به اليمين ولو لم يقل quot;باللهquot; كما هو إحدى الروايتين عن أحمد. والثانية: لا يكون يمينا إلا بالنية وهو قول الأكثرين. كما أن قوله: أشهد بالله يمين عند الأكثرين بمطلقه. قالوا: وأما استثناؤه سبحانه أنفسهم من الشهداء فيقال: أولا: quot; إلا quot; هاهنا: صفة بمعنى quot;غيرquot; والمعنى: ولم يكن لهم شهداء غير أنفسهم فإن quot; غير quot; و quot; وإلا quot; يتعاوضان الوصفية والاستثناء فيستثنى بـ quot; غير quot; حملا على quot; إلا quot; ويوصف بـ quot; إلا quot; حملا على quot; غير quot;. ويقال ثانيا: إن quot; أنفسهم quot; مستثنى من الشهداء ولكن يجوز أن يكون منقطعا على لغة بني تميم فإنهم يبدلون في الانقطاع كما يبدل أهل الحجاز وهم في الاتصال. ويقال ثالثا: إنما استثنى quot; أنفسهم quot; من الشهداء لأنه نزلهم منزلتهم في قبول قولهم وهذا قوي جدا على قول من يرجم المرأة بالتعان الزوج إذا نكلت وهو الصحيح كما يأتي تقريره إن شاء الله تعالى. والصحيح أن لعانهم يجمع الوصفين اليمين والشهادة فهو شهادة مؤكدة بالقسم والتكرار ويمين مغلظة بلفظ الشهادة والتكرار لاقتضاء الحال تأكيد الأمر ولهذا اعتبر فيه من التأكيد عشرة أنواع. أحدها: ذكر لفظ الشهادة.(5\/326)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2214",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10780",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني: ذكر القسم بأحد أسماء الرب سبحانه وأجمعها لمعاني أسمائه الحسنى وهو اسم الله جل ذكره. الثالث: تأكيد الجواب بما يؤكد به المقسم عليه من quot; إن واللام quot; وإتيانه باسم الفاعل الذي هو صادق وكاذب دون الفعل الذي هو صدق وكذب. الرابع: تكرار ذلك أربع مرات. الخامس: دعاؤه على نفسه في الخامسة بلعنة الله إن كان من الكاذبين. السادس: إخباره عند الخامسة أنها الموجبة لعذاب الله وأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. السابع: جعل لعانه مقتض لحصول العذاب عليها وهو إما الحد أو الحبس وجعل لعانها دارئا للعذاب عنها. الثامن: أن هذا اللعان يوجب العذاب على أحدهما إما في الدنيا وإما في الآخرة. التاسع: التفريق بين المتلاعنين وخراب بيتها وكسرها بالفراق. العاشر: تأبيد تلك الفرقة ودوام التحريم بينهما فلما كان شأن هذا اللعان هذا الشأن جعل يمينا مقرونا بالشهادة وشهادة مقرونة باليمين وجعل الملتعن لقبول قوله كالشاهد فإن نكلت المرأة مضت شهادته وحدت وأفادت شهادته ويمينه شيئين سقوط الحد عنه ووجوبه عليها. وإن التعنت المرأة وعارضت لعانه بلعان آخر منها أفاد لعانه سقوط الحد عنه دون وجوبه عليها فكان شهادة ويمينا بالنسبة إليه دونها لأنه إن كان يمينا محضة فهي لا تحد بمجرد حلفه وإن كان شهادة فلا تحد بمجرد شهادته عليها وحده. فإذا انضم إلى ذلك نكولها قوي جانب الشهادة واليمين في حقه بتأكده ونكولها فكان دليلا ظاهرا على صدقه فأسقط الحد عنه وأوجبه عليها وهذا أحسن ما يكون من الحكم ومن أحسن(5\/327)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2215",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10781",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من الله حكما لقوم يوقنون. وقد ظهر بهذا أنه يمين فيها معنى الشهادة وشهادة فيها معنى اليمين. وأما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فما أبين دلالته لو كان صحيحا بوصوله إلى عمرو ولكن في طريقه إلى عمرو مهالك ومفاوز. قال أبو عمر بن عبد البر: ليس دون عمرو بن شعيب من يحتج به. وأما حديثه الآخر الذي رواه الدارقطني فعلى طريق الحديث عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي وهو متروك بإجماعهم فالطريق به مقطوعة. وأما حديث عبد الرزاق فمراسيل الزهري عندهم ضعيفة لا يحتج بها وعتاب بن أسيد كان عاملا للنبي صلى الله عليه وسلم على مكة ولم يكن بمكة يهودي ولا نصراني البتة حتى يوصيه أن لا يلاعن بينهما. قالوا: وأما ردكم لقوله: ( لولا ما مضى من الأيمان لكان لي ولها شأن ) وهو حديث رواه أبو داود في quot; سننه quot; وإسناده لا بأس به وأما تعلقكم فيه على عباد بن منصور فأكثر ما عيب عليه أنه قدري داعية إلى القدر وهذا لا يوجب رد حديثه ففي الصحيح الاحتجاج بجماعة من القدرية والمرجئة والشيعة ممن علم صدقه ولا تنافي بين قوله: quot; لولا ما مضى من كتاب الله تعالى quot; , و quot; لولا ما مضى من الأيمان quot; فيحتاج إلى ترجيح أحد اللفظين وتقديمه على الآخر بل(5\/328)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2216",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10782",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأيمان المذكورة هي في كتاب الله وكتاب الله تعالى حكمه الذي حكم به بين المتلاعنين وأراد صلى الله عليه وسلم لولا ما مضى من حكم الله الذي فصل بين المتلاعنين لكان لها شأن آخر. قالوا: وأما قولكم: إن قاعدة الشريعة استقرت على أن الشهادة في جانب المدعي واليمين في جانب المدعى عليه فجوابه من وجوه: أحدها: أن الشريعة لم تستقر على هذا بل قد استقرت في القسامة بأن يبدأ بأيمان المدعين وهذا لقوة جانبهم باللوث وقاعدة الشريعة أن اليمين تكون من جنبة أقوى المتداعيين فلما كان جانب المدعى عليه قويا بالبراءة الأصلية شرعت اليمين في جانبه فلما قوي جانب المدعي في القسامة باللوث كانت اليمين في جانبه وكذلك على الصحيح لما قوي جانبه بالنكول صارت اليمين في جانبه فيقال له: احلف واستحق وهذا من كمال حكمة الشارع واقتضائه للمصالح بحسب الإمكان ولو شرعت اليمين من جانب واحد دائما لذهبت قوة الجانب الراجح هدرا وحكمة الشارع تأبى ذلك فالذي جاء به هو غاية الحكمة والمصلحة. وإذا عرف هذا فجانب الزوج هاهنا أقوى من جانبها فإن المرأة تنكر زناها وتبهته والزوج ليس له غرض في هتك حرمته وإفساد فراشه ونسبة أهله إلى الفجور بل ذلك أشوش عليه وأكره شيء إليه فكان هذا لوثا ظاهرا فإذا انضاف إليه نكول المرأة قوي الأمر جدا في قلوب الناس خاصهم وعامهم فاستقل ذلك بثبوت حكم الزنى عليها شرعا فحدت بلعانه ولكن لما لم تكن أيمانه بمنزلة الشهداء الأربعة حقيقة كان لها أن تعارضها بأيمان أخرى مثلها يدرأ عنها بها العذاب عذاب الحد المذكور في قوله تعالى: وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين [النور: 2] [النور: 2] ولو كان لعانه بينة حقيقة لما دفعت أيمانها عنها شيئا وهذا يتضح بالفصل الثاني المستفاد من قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أن المرأة إذا لم تلتعن فهل تحد أو تحبس حتى تقر أو تلاعن فيه قولان للفقهاء: فقال الشافعي وجماعة من السلف والخلف: تحد وهو قول أهل الحجاز.(5\/329)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2217",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10783",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أحمد: تحبس حتى تقر أو تلاعن وهو قول أهل العراق. وعنه رواية ثانية: لا تحبس ويخلى سبيلها. قال أهل العراق ومن وافقهم: لو كان لعان الرجل بينة توجب الحد عليها لم تملك إسقاطه باللعان وتكذيب البينة كما لو شهد عليها أربعة. قالوا: ولأنه لو شهد عليها مع ثلاثة غيره لم تحد بهذه الشهادة فلأن لا تحد بشهادته وحده أولى وأحرى. قالوا: ولأنه أحد المتلاعنين فلا يوجب حد الآخر كما لم يوجب لعانها حده. قالوا: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( البينة على المدعي ) ولا ريب أن الزوج هاهنا مدع. قالوا: ولأن موجب لعانه إسقاط الحد عن نفسه لا إيجاب الحد عليها ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( البينة وإلا حد في ظهرك ) فإن موجب قذف الزوج كموجب قذف الأجنبي وهو الحد فجعل الله سبحانه له طريقا إلى التخلص منه باللعان وجعل طريق إقامة الحد على المرأة أحد أمرين إما أربعة شهود أو اعتراف أو الحبل عند من يحد به من الصحابة كعمر بن الخطاب ومن وافقه وقد قال عمر بن الخطاب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والرجم واجب على كل من زنى من الرجال والنساء إذا كان محصنا إذا قامت بينة أو كان الحبل أو الاعتراف)  وكذلك قال علي رضي الله عنه فجعلا طريق الحد ثلاثة لم يجعلا فيها اللعان. قالوا: وأيضا فهذه لم يتحقق زناها فلا يجب عليها الحد لأن تحقق زناها(5\/330)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2218",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10784",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إما أن يكون بلعان الزوج وحده لأنه لو تحقق به لم يسقط بلعانها الحد ولما وجب بعد ذلك حد على قاذفها ولا يجوز أن يتحقق بنكولها أيضا لأن الحد لا يثبت بالنكول فإن الحد يدرأ بالشبهات فكيف يجب بالنكول فإن النكول يحتمل أن يكون لشدة خفرها أو لعقلة لسانها أو لدهشها في ذلك المقام الفاضح المخزي أو لغير ذلك من الأسباب فكيف يثبت الحد الذي اعتبر في بينته من العدد ضعف ما اعتبر في سائر الحدود وفي إقراره أربع مرات بالسنة الصحيحة الصريحة واعتبر في كل من الإقرار والبينة أن يتضمن وصف الفعل والتصريح به مبالغة في الستر ودفعا لإثبات الحد بأبلغ الطرق وآكدها وتوسلا إلى إسقاط الحد بأدنى شبهة فكيف يجوز أن يقضى فيه بالنكول الذي هو في نفسه شبهة لا يقضى به في شيء من الحدود والعقوبات البتة ولا فيما عدا الأموال . قالوا: والشافعي رحمه الله تعالى لا يرى القضاء بالنكول في درهم فما دونه ولا في أدنى تعزير فكيف يقضى به في أعظم الأمور وأبعدها ثبوتا وأسرعها سقوطا ولأنها لو أقرت بلسانها ثم رجعت لم يجب عليها الحد فلأن لا يجب بمجرد امتناعها من اليمين على براءتها أولى وإذا ظهر أنه لا تأثير لواحد منهما في تحقق زناها لم يجز أن يقال بتحققه بهما لوجهين. أحدهما: أن ما في كل واحد منهما من الشبهة لا يزول بضم أحدهما إلى الآخر كشهادة مائة فاسق فإن احتمال نكولها لفرط حيائها وهيبة ذلك المقام والجمع وشدة الخفر وعجزها عن النطق وعقلة لسانها لا يزول بلعان الزوج ولا بنكولها. الثاني: أن ما لا يقضى فيه باليمين المفردة لا يقضى فيه باليمين مع النكول كسائر الحقوق. قالوا: وأما قوله تعالى: ويدرأ عنها العذاب أن تشهد [النور: 8] فالعذاب هاهنا(5\/331)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2219",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10785",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يجوز أن يراد به الحد وأن يراد به الحبس والعقوبة المطلوبة فلا يتعين إرادة الحد به فإن الدال على المطلق لا يدل على المقيد إلا بدليل من خارج وأدنى درجات ذلك الاحتمال فلا يثبت الحد مع قيامه وقد يرجح هذا بما تقدم من قول عمر وعلي رضي الله عنهما: (إن الحد إنما يكون بالبينة أو الاعتراف أو الحبل) ثم اختلف هؤلاء فيما يصنع بها إذا لم تلاعن فقال أحمد: إذا أبت المرأة أن تلتعن بعد التعان الرجل أجبرتها عليه وهبت أن أحكم عليها بالرجم لأنها لو أقرت بلسانها لم أرجمها إذا رجعت فكيف إذا أبت اللعان وعنه رحمه الله تعالى رواية ثانية: يخلى سبيلها اختارها أبو بكر لأنها لا يجب عليها الحد فيجب تخلية سبيلها كما لو لم تكمل البينة.  [فصل حجج الموجبين للحد] فصل قال الموجبون للحد: معلوم أن الله سبحانه وتعالى جعل التعان الزوج بدلا عن الشهود وقائما مقامهم بل جعل الأزواج الملتعنين شهداء كما تقدم وصرح بأن لعانهم شهادة وأوضح ذلك بقوله: ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله [النور: 8]  وهذا يدل على أن سبب العذاب الدنيوي قد وجد وأنه لا يدفعه عنها إلا لعانها والعذاب المدفوع عنها بلعانها هو المذكور في قوله تعالى: وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين [النور: 2]  وهذا عذاب الحد قطعا فذكره مضافا ومعرفا بلام العهد فلا يجوز أن ينصرف إلى عقوبة لم تذكر في اللفظ ولا دل عليها بوجه ما من حبس أو غيره فكيف يخلى سبيلها ويدرأ عنها العذاب بغير لعان وهل هذا إلا مخالفة لظاهر القرآن قالوا: وقد جعل الله سبحانه لعان الزوج دارئا لحد القذف عنه وجعل لعان الزوجة دارئا لعذاب حد الزنى عنها فكما أن الزوج إذا لم يلاعن يحد حد القذف فكذلك الزوجة إذا لم تلاعن يجب عليها الحد.(5\/332)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2220",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10786",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: وأما قولكم: إن لعان الزوج لو كان بينة توجب الحد عليها لم تملك هي إسقاطه باللعان كشهادة الأجنبي. فالجواب: أن حكم اللعان حكم مستقل بنفسه غير مردود إلى أحكام الدعاوى والبينات بل هو أصل قائم بنفسه شرعه الذي شرع نظيره من الأحكام وفصله الذي فصل الحلال والحرام ولما كان لعان الزوج بدلا عن الشهود لا جرم نزل عن مرتبة البينة فلم يستقل وحده بحكم البينة وجعل للمرأة معارضته بلعان نظيره وحينئذ فلا يظهر ترجيح أحد اللعانين على الآخر لنا والله يعلم أن أحدهما كاذب فلا وجه لحد المرأة بمجرد لعان الزوج. فإذا مكنت من معارضته وإتيانها بما يبرئ ساحتها فلم تفعل ونكلت عن ذلك عمل المقتضى عمله وانضاف إليه قرينة قوته وأكدته وهي نكول المرأة وإعراضها عما يخلصها من العذاب ويدرؤه عنها. قالوا: وأما قولكم: إنه لو شهد عليها مع ثلاثة غيره لم تحد بهذه الشهادة فكيف تحد بشهادته وحده فجوابه: أنها لم تحد بشهادة مجردة وإنما حدت بمجموع لعانه خمس مرات ونكولها عن معارضته مع قدرتها عليها فقام من مجموع ذلك دليل في غاية الظهور والقوة على صحة قوله والظن المستفاد منه أقوى بكثير من الظن المستفاد من شهادة الشهود. وأما قولكم: إنه أحد اللعانين فلا يوجب حد الآخر كما لم يوجب لعانها حده. فجوابه: أن لعانها إنما شرع للدفع لا للإيجاب كما قال تعالى: ويدرأ عنها العذاب أن تشهد [النور: 8] فدل النص على أن لعانه مقتض لإيجاب الحد ولعانها دافع ودارئ لا موجب فقياس أحد اللعانين على الآخر جمع بين ما فرق الله سبحانه بينهما وهو باطل. قالوا: وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( البينة على المدعي ) فسمعا وطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ريب أن لعان الزوج المذكور المكرر بينة وقد انضم إليه نكولها الجاري مجرى إقرارها عند قوم ومجرى بينة المدعين عند(5\/333)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2221",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10787",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "آخرين وهذا من أقوى البينات. ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ( البينة وإلا حد في ظهرك ) ولم يبطل الله سبحانه هذا وإنما نقله عند عجزه عن بينة منفصلة تسقط الحد عنه يعجز عن إقامتها إلى بينة يتمكن من إقامتها ولما كانت دونها في الرتبة اعتبر لها مقو منفصل وهو نكول المرأة عن دفعها ومعارضتها مع قدرتها وتمكنها. قالوا: وأما قولكم: إن موجب لعانه إسقاط الحد عن نفسه لا إيجاب الحد عليها إلى آخره فإن أردتم أن من موجبه إسقاط الحد عن نفسه فحق وإن أردتم أن سقوط الحد عنه يسقط جميع موجبه ولا موجب له سواه فباطل قطعا فإن وقوع الفرقة أو وجوب التفريق والتحريم المؤبد أو المؤقت ونفي الولد المصرح بنفيه أو المكتفى في نفيه باللعان ووجوب العذاب على الزوجة إما عذاب الحد أو عذاب الحبس كل ذلك من موجب اللعان فلا يصح أن يقال: إنما يوجب سقوط حد القذف عن الزوج فقط. قالوا: وأما قولكم: إن الصحابة جعلوا حد الزنى بأحد ثلاثة أشياء إما البينة أو الاعتراف أو الحبل واللعان ليس منها فجوابه أن منازعيكم يقولون: إن كان إيجاب الحد عليها باللعان خلافا لأقوال هؤلاء الصحابة فإن إسقاط الحد بالحبل أدخل في خلافهم وأظهر فما الذي سوغ لكم إسقاط حد أوجبوه بالحبل وصريح مخالفتهم وحرم على منازعيكم مخالفتهم في إيجاب الحد بغير هذه الثلاثة مع أنهم أعذر منكم لثلاثة أوجه. أحدها: أنهم لم يخالفوا صريح قولهم وإنما هو مخالفة لمفهوم سكتوا عنه فهو مخالفة لسكوتهم وأنتم خالفتم صريح أقوالهم. الثاني: أن غاية ما خالفوه مفهوم قد خالفه صريح عن جماعة منهم بإيجاب الحد فلم يخالفوا ما أجمع عليه الصحابة وأنتم خالفتم منطوقا لا يعلم لهم فيه مخالف البتة هاهنا وهو إيجاب الحد بالحبل فلا يحفظ عن صحابي قط مخالفة عمر وعلي رضي الله عنهما في إيجاب الحد به.(5\/334)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2222",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10788",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالث: أنهم خالفوا هذا المفهوم لمنطوق تلك الأدلة التي تقدمت ولمفهوم قوله: ويدرأ عنها العذاب أن تشهد [النور: 8] [النور: 8]  ولا ريب أن هذا المفهوم أقوى من مفهوم سقوط الحد بقولهم: إذا كانت البينة أو الحبل أو الاعتراف فهم تركوا مفهوما لما هو أقوى منه وأولى هذا لو كانوا قد خالفوا الصحابة فكيف وقولهم موافق لأقوال الصحابة فإن اللعان مع نكول المرأة من أقوى البينات كما تقرر. قالوا: وأما قولكم: لم يتحقق زناها إلى آخره فجوابه: إن أردتم بالتحقيق اليقين المقطوع به كالمحرمات فهذا لا يشترط في إقامة الحد ولو كان هذا شرطا لما أقيم الحد بشهادة أربعة إذ شهادتهم لا تجعل الزنى محققا بهذا الاعتبار. وإن أردتم بعدم التحقق أنه مشكوك فيه على السواء بحيث لا يترجح ثبوته فباطل قطعا وإلا لما وجب عليها العذاب المدرأ بلعانها ولا ريب أن التحقق المستفاد من لعانه المؤكد المكرر مع إعراضها عن معارضة ممكنة منه أقوى من التحقق بأربع شهود ولعل لهم غرضا في قذفها وهتكها وإفسادها على زوجها والزوج لا غرض له في ذلك منها. وقولكم: إنه لو تحقق فإما أن يتحقق بلعان الزوج أو بنكولها أو بهما فجوابه أنه تحقق بهما ولا يلزم من عدم استقلال أحد الأمرين بالحد وضعفه عنه عدم استقلالهما معا إذ هذا شأن كل مفرد لم يستقل بالحكم بنفسه ويستقل به مع غيره لقوته به. وأما قولكم: عجبا للشافعي! كيف لا يقضي بالنكول في درهم ويقضي به في إقامة حد بالغ الشارع في ستره واعتبر له أكمل بينة فهذا موضع لا ينتصر فيه للشافعي ولا لغيره من الأئمة وليس لهذا وضع كتابنا هذا ولا قصدنا به نصرة أحد من العالمين وإنما قصدنا به مجرد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيرته وأقضيته وأحكامه وما تضمن سوى ذلك فتبع مقصود لغيره(5\/335)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2223",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10789",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهب أن من لم يقض بالنكول تناقض فماذا يضر ذلك هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتلك شكاة ظاهر عنك عارها على أن الشافعي رحمه الله تعالى لم يتناقض فإنه فرق بين نكول مجرد لا قوة له وبين نكول قد قارنه التعان مؤكد مكرر أقيم في حق الزوج مقام البينة مع شهادة الحال بكراهة الزوج لزنى امرأته وفضيحتها وخراب بيتها وإقامة نفسه وحبه في ذلك المقام العظيم بمشهد المسلمين يدعو على نفسه باللعنة إن كان كاذبا بعد حلفه بالله جهد أيمانه أربع مرات إنه لمن الصادقين. والشافعي رحمه الله إنما حكم بنكول قد قارنه ما هذا شأنه فمن أين يلزمه أن يحكم بنكول مجرد . قالوا: وأما قولكم: إنها لو أقرت بالزنى ثم رجعت لسقط عنها الحد فكيف يجب بمجرد امتناعها من اليمين بجوابه: ما تقرر آنفا. قالوا: وأما قولكم: إن العذاب المدرأ عنها بلعانها هو عذاب الحبس أو غيره فجوابه أن العذاب المذكور إما عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة وحمل الآية على عذاب الآخرة باطل قطعا فإن لعانها لا يدرؤه إذا وجب عليها وإنما هو عذاب الدنيا وهو الحد قطعا فإنه عذاب المحدود وهو فداء له من عذاب الآخرة ولهذا شرعه سبحانه طهرة وفدية من ذلك العذاب(5\/336)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2224",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10790",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كيف وقد صرح به في أول السورة بقوله وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين [النور: 2] [النور: 2] ثم أعاده بعينه بقوله ويدرأ عنها العذاب [النور: 8] فهذا هو العذاب المشهود مكنها من دفعه بلعانها فأين هنا عذاب غيره حتى تفسر الآية به وإذا تبين هذا فهذا هو القول الصحيح الذي لا نعتقد سواه ولا نرتضي إلا إياه. وبالله التوفيق. فإن قيل: فلو نكل الزوج عن اللعان بعد قذفه فما حكم نكوله قلنا: يحد حد القذف عند جمهور العلماء من السلف والخلف وهو قول الشافعي ومالك وأحمد وأصحابهم وخالف في ذلك أبو حنيفة وقال: يحبس حتى يلاعن أو تقر الزوجة وهذا الخلاف مبني على أن موجب قذف الزوج لامرأته هل هو الحد كقذف الأجنبي وله إسقاطه باللعان أو موجبه اللعان نفسه فالأول قول الجمهور. والثاني: قول أبي حنيفة واحتجوا عليه بعموم قوله تعالى: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة [النور: 4] [النور: 4] وبقوله صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية: ( البينة أو حد في ظهرك ) وبقوله له: ( عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ) وهذا قاله لهلال بن أمية قبل شروعه في اللعان. فلو لم يجب الحد بقذفه لم يكن لهذا معنى وبأنه قذف حرة عفيفة يجري بينه وبينها القود فحد بقذفها كالأجنبي وبأنه لو لاعنها ثم أكذب نفسه بعد لعانها لوجب عليه الحد فدل على أن قذفه سبب لوجوب الحد عليه وله إسقاطه باللعان إذ لو لم يكن سببا لما وجب بإكذابه نفسه بعد اللعان وأبو حنيفة يقول: قذفه لها دعوى توجب أحد أمرين إما لعانه وإما إقرارها فإذا لم يلاعن حبس حتى يلاعن إلا أن تقر فيزول موجب الدعوى وهذا بخلاف قذف الأجنبي فإنه لا حق له عند المقذوفة فكان قاذفا محضا والجمهور يقولون: بل قذفه جناية منه(5\/337)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2225",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10791",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على عرضها فكان موجبها الحد كقذف الأجنبي ولما كان فيها شائبة الدعوى عليها بإتلافها لحقه وخيانتها فيه ملك إسقاط ما يوجبه القذف من الحد بلعانه فإذا لم يلاعن مع قدرته على اللعان وتمكنه منه عمل مقتضى القذف عمله واستقل بإيجاب الحد إذ لا معارض له. وبالله التوفيق.  [فصل ومن الأحكام المستنبطة من أحاديث اللعان أنه صلى الله عليه وسلم إنما كان يقضي بالوحي] فصل ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان يقضي بالوحي وبما أراه الله لا بما رآه هو فإنه صلى الله عليه وسلم لم يقض بين المتلاعنين حتى جاءه الوحي ونزل القرآن فقال لعويمر حينئذ: ( قد نزل فيك وفي صحابتك فاذهب فأت بها ) وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( لا يسألني الله عز وجل عن سنة أحدثتها فيكم لم أومر بها ) وهذا في الأقضية والأحكام والسنن الكلية وأما الأمور الجزئية التي لا ترجع إلى أحكام كالنزول في منزل معين وتأمير رجل معين ونحو ذلك مما هو متعلق بالمشاورة المأمور بها بقوله: وشاورهم في الأمر [آل عمران: 159] [آل عمران:159] فتلك للرأي فيها مدخل ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم في شأن تلقيح النخل: (إنما هو رأي رأيته) فهذا القسم شيء والأحكام والسنن الكلية شيء آخر.  [فصل يكون اللعان بحضرة الإمام أو نائبه] فصل ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بأن يأتي بها فتلاعنا بحضرته فكان في هذا بيان أن اللعان إنما يكون بحضرة الإمام أو نائبه وأنه ليس لآحاد الرعية أن يلاعن بينهما كما أنه ليس له إقامة الحد بل هو للإمام أو نائبه.(5\/338)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2226",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10792",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل يسن التلاعن بمحضر جماعة من الناس] فصل ومنها: أنه يسن التلاعن بمحضر جماعة من الناس يشهدونه فإن ابن عباس وابن عمر وسهل بن سعد حضروه مع حداثة أسنانهم فدل ذلك على أنه حضره جمع كثير فإن الصبيان إنما يحضرون مثل هذا الأمر تبعا للرجال. قال سهل بن سعد: فتلاعنا وأنا مع الناس عند النبي صلى الله عليه وسلم . وحكمة هذا - والله أعلم - أن اللعان بني على التغليظ مبالغة في الردع والزجر وفعله في الجماعة أبلغ في ذلك.  [فصل القيام عند الملاعنة] فصل ومنها: أنهما يتلاعنان قياما وفي قصة هلال بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: قم فاشهد أربع شهادات بالله . وفي quot; الصحيحين quot;: في قصة المرأة: ثم قامت فشهدت ولأنه إذا قام شاهده الحاضرون فكان أبلغ في شهرته وأوقع في النفوس وفيه سر آخر وهو أن الدعوة التي تطلب إصابتها إذا صادفت المدعو عليه قائما نفذت فيه ولهذا لما دعا خبيب على المشركين حين صلبوه أخذ أبو سفيان معاوية فأضجعه وكانوا يرون أن الرجل إذا لطئ بالأرض زلت عنه الدعوة.  [فصل البداءة بالرجل في اللعان] فصل ومنها: البداءة بالرجل في اللعان كما بدأ الله عز وجل ورسوله به فلو بدأت هي لم يعتد بلعانها عند الجمهور واعتد به أبو حنيفة. وقد بدأ الله سبحانه في الحد بذكر المرأة فقال: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة [النور: 2] [النور: 2] وفي اللعان بذكر الزوج وهذا في غاية المناسبة لأن الزنى من المرأة أقبح منه بالرجل لأنها تزيد على هتك حق الله إفساد فراش بعلها وتعليق(5\/339)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2227",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10793",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نسب من غيره عليه وفضيحة أهلها وأقاربها والجناية على محض حق الزوج وخيانته فيه وإسقاط حرمته عند الناس وتعييره بإمساك البغي وغير ذلك من مفاسد زناها فكانت البداءة بها في الحد أهم وأما اللعان فالزوج هو الذي قذفها وعرضها للعان وهتك عرضها ورماها بالعظيمة وفضحها عند قومها وأهلها ولهذا يجب عليه الحد إذا لم يلاعن فكانت البداءة به في اللعان أولى من البداءة بها.  [فصل وعظهما قبل اللعان] فصل ومنها: وعظ كل واحد من المتلاعنين عند إرادة الشروع في اللعان فيوعظ ويذكر ويقال له: عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فإذا كان عند الخامسة أعيد ذلك عليهما كما صحت السنة بهذا وهذا.  [فصل لا يقبل منهما أقل من خمس مرات] فصل ومنها: أنه لا يقبل من الرجل أقل من خمس مرات ولا من المرأة ولا يقبل منه إبدال اللعنة بالغضب والإبعاد والسخط ولا منها إبدال الغضب باللعنة والإبعاد والسخط بل يأتي كل منهما بما قسم الله له من ذلك شرعا وقدرا وهذا أصح القولين في مذهب أحمد ومالك وغيرهما. ومنها: أنه لا يفتقر أن يزيد على الألفاظ المذكورة في القرآن والسنة شيئا بل لا يستحب ذلك فلا يحتاج أن يقول: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية ونحو ذلك بل يكفيه أن يقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين وهي تقول: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين ولا يحتاج أن يقول: فيما رميتها به من الزنى ولا أن تقول هي: إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنى ولا يشترط أن يقول إذا ادعى الرؤية: رأيتها تزني كالمرود في المكحلة ولا أصل لذلك في كتاب الله ولا سنة رسوله فإن الله سبحانه بعلمه وحكمته كفانا بما شرعه لنا وأمرنا به عن تكلف زيادة عليه.(5\/340)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2228",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10794",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال صاحب quot; الإفصاح quot; وهو يحيى بن محمد بن هبيرة في quot; إفصاحه quot;: من الفقهاء من اشترط أن يزاد بعد قوله: من الصادقين فيما رميتها به من الزنى واشترط في نفيها عن نفسها أن تقول: فيما رماني به من الزنى. قال: ولا أراه يحتاج إليه لأن الله تعالى أنزل ذلك وبينه ولم يذكر هذا الاشتراط. وظاهر كلام أحمد: أنه لا يشترط ذكر الزنى في اللعان فإن إسحاق بن منصور قال: قلت لأحمد: كيف يلاعن قال: على ما في كتاب الله يقول أربع مرات: أشهد بالله إني فيما رميتها به لمن الصادقين ثم يقف عند الخامسة فيقول: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين والمرأة مثل ذلك. ففي هذا النص أنه لا يشترط أن يقول: من الزنى ولا تقوله هي ولا يشترط أن يقول عند الخامسة: فيما رميتها به وتقول هي: فيما رماني به والذين اشترطوا ذلك حجتهم أن قالوا: ربما نوى: إني لمن الصادقين في شهادة التوحيد أو غيره من الخبر الصادق ونوت: إنه لمن الكاذبين في شأن آخر فإذا ذكرا ما رميت به من الزنى انتفى هذا التأويل. قال الآخرون: هب أنهما نويا ذلك فإنهما لا ينتفعان بنيتهما فإن الظالم لا ينفعه تأويله ويمينه على نية خصمه ويمينه بما أمر الله به إذا كان مجاهرا فيها بالباطل والكذب موجبة عليه اللعنة أو الغضب نوى ما ذكرتم أو لم ينوه فإنه لا يموه على من يعلم السر وأخفى بمثل هذا.  [فصل هل ينتفي الحمل باللعان] فصل ومنها: أن الحمل ينتفي بلعانه ولا يحتاج أن يقول: وما هذا الحمل مني ولا يحتاج أن يقول: وقد استبرأتها هذا قول أبي بكر عبد العزيز من أصحاب أحمد وقول بعض أصحاب مالك وأهل الظاهر. وقال الشافعي: يحتاج الرجل إلى ذكر الولد ولا تحتاج المرأة إلى ذكره وقال الخرقي وغيره: يحتاجان إلى ذكره وقال القاضي: يشترط أن يقول: هذا الولد من زنى وليس هو مني. وهو(5\/341)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2229",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10795",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قول الشافعي وقول أبي بكر أصح الأقوال وعليه تدل السنة الثابتة. فإن قيل: فقد روى مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لاعن بين رجل وامرأته وانتفى من ولدها ففرق بينهما وألحق الولد بالمرأة ) . وفي حديث سهل بن سعد: وكانت حاملا فأنكر حملها. وقد حكم صلى الله عليه وسلم (بأن الولد للفراش) وهذه كانت فراشا له حال كونها حاملا فالولد له فلا ينتفي عنه إلا بنفيه. قيل: هذا موضع تفصيل لا بد منه وهو أن الحمل إن كان سابقا على ما رماها به وعلم أنها زنت وهي حامل منه فالولد له قطعا ولا ينتفي عنه بلعانه ولا يحل له أن ينفيه عنه في اللعان فإنها لما علقت به كانت فراشا له وكان الحمل لاحقا به فزناها لا يزيل حكم لحوقه به. وإن لم يعلم حملها حال زناها الذي قد قذفها به فهذا ينظر فيه فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر من الزنى الذي رماها به فالولد له ولا ينتفي عنه بلعانه وإن ولدته لأكثر من ستة أشهر من الزنى الذي رماها به نظر فإما أن يكون استبرأها قبل زناها أو لم يستبرئها فإن كان استبرأها انتفى الولد عنه بمجرد اللعان سواء نفاه أو لم ينفه ولا بد من ذكره عند من يشترط ذكره وإن لم يستبرئها فهاهنا أمكن أن يكون الولد منه وأن يكون من الزاني فإن نفاه في اللعان انتفى وإلا لحق به لأنه أمكن كونه منه ولم ينفه.(5\/342)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2230",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10796",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: فالنبي صلى الله عليه وسلم قد حكم بعد اللعان ونفى الولد بأنه إن جاء يشبه الزوج صاحب الفراش فهو له وإن جاء يشبه الذي رميت به فهو له فما قولكم في مثل هذه الواقعة إذا لاعن امرأته وانتفى من ولدها ثم جاء الولد يشبهه هل تلحقونه به بالشبه عملا بالقافة أو تحكمون بانقطاع نسبه منه عملا بموجب لعانه قيل: هذا مجال ضنك وموضع ضيق تجاذب أعنته اللعان المقتضي لانقطاع النسب وانتفاء الولد وأنه يدعى لأمه ولا يدعى لأب والشبه الدال على ثبوت نسبه من الزوج وأنه ابنه مع شهادة النبي صلى الله عليه وسلم بأنها إن جاءت به على شبهه فالولد له وأنه كذب عليها فهذا مضيق لا يتخلص منه إلا المستبصر البصير بأدلة الشرع وأسراره والخبير بجمعه وفرقه الذي سافرت به همته إلى مطلع الأحكام والمشكاة التي منها ظهر الحلال والحرام. والذي يظهر في هذا والله المستعان وعليه التكلان أن حكم اللعان قطع حكم الشبه وصار معه بمنزلة أقوى الدليلين مع أضعفهما فلا عبرة للشبه بعد مضي حكم اللعان في تغيير أحكامه والنبي صلى الله عليه وسلم لم يخبر عن شأن الولد وشبهه ليغير بذلك حكم اللعان وإنما أخبر عنه ليتبين الصادق منهما من الكاذب الذي قد استوجب اللعنة والغضب فهو إخبار عن أمر قدري كوني يتبين به الصادق من الكاذب بعد تقرر الحكم الديني وأن الله سبحانه سيجعل في الولد دليلا على ذلك ويدل عليه أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك بعد انتفائه من الولد وقال: (إن جاءت به كذا وكذا فلا أراه إلا صدق عليها وإن جاءت به كذا وكذا فلا أراه إلا كذب عليها) فجاءت به على النعت المكروه فعلم أنه صدق عليها ولم يعرض لها ولم يفسخ حكم اللعان فيحكم عليها بحكم الزانية مع العلم بأنه صدق عليها فكذلك لو جاءت به على شبه الزوج يعلم أنه كذب عليها ولا يغير ذلك حكم اللعان فيحد الزوج ويلحق به الولد فليس قوله: إن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية إلحاقا له به في الحكم كيف وقد نفاه باللعان وانقطع نسبه به كما أن قوله: وإن جاءت به كذا وكذا فهو للذي رميت به. ليس إلحاقا به وجعله ابنه وإنما هو إخبار عن(5\/343)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2231",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10797",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الواقع وهذا كما لو حكم بأيمان القسامة ثم أظهر الله سبحانه آية تدل على كذب الحالفين لم ينتقض حكمها بذلك وكذا لو حكم بالبراءة من الدعوى بيمين ثم أظهر الله سبحانه آية تدل على أنها يمين فاجرة لم يبطل الحكم بذلك.  [فصل هل يحد إذا قذف امرأته بالزنى برجل بعينه] فصل ومنها: أن الرجل إذا قذف امرأته بالزنى برجل بعينه ثم لاعنها سقط الحد عنه لهما ولا يحتاج إلى ذكر الرجل في لعانه وإن لم يلاعن فعليه لكل واحد منهما حده وهذا موضع اختلف فيه فقال أبو حنيفة ومالك: يلاعن للزوجة ويحد للأجنبي وقال الشافعي في أحد قوليه: يجب عليه حد واحد ويسقط عنه الحد لهما بلعانه وهو قول أحمد والقول الثاني للشافعي: أنه يحد لكل واحد حدا فإن ذكر المقذوف في لعانه سقط الحد وإن لم يذكره فعلى قولين: أحدهما: يستأنف اللعان ويذكره فيه فإن لم يذكره حد له. والثاني: أنه يسقط حده بلعانه كما يسقط حد الزوجة. وقال بعض أصحاب أحمد: القذف للزوجة وحدها ولا يتعلق بغيرها حق المطالبة ولا الحد. وقال بعض أصحاب الشافعي: يجب الحد لهما. وهل يجب حد واحد أو حدان على وجهين وقال بعض أصحابه: لا يجب إلا حد واحد قولا واحدا ولا خلاف بين أصحابه أنه إذا لاعن وذكر الأجنبي في لعانه أنه يسقط عنه حكمه وإن لم يذكره فعلى قولين الصحيح عندهم أنه لا يسقط. والذين أسقطوا حكم قذف الأجنبي باللعان حجتهم ظاهرة وقوية جدا فإنه صلى الله عليه وسلم لم يحد الزوج بشريك ابن سحماء وقد سماه صريحا وأجاب الآخرون عن هذا بجوابين: أحدهما: أن المقذوف كان يهوديا ولا يجب الحد بقذف الكافر. والثاني: أنه لم يطالب به وحد القذف إنما يقام بعد المطالبة. وأجاب الآخرون عن هذين الجوابين وقالوا: قول من قال: إنه يهودي باطل فإنه شريك بن عبدة وأمه سحماء وهو حليف الأنصار وهو أخو(5\/344)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2232",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10798",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البراء بن مالك لأمه. قال عبد العزيز بن بزيزة في شرحه لأحكام عبد الحق: قد اختلف أهل العلم في شريك ابن سحماء المقذوف فقيل: إنه كان يهوديا. وهو باطل والصحيح أنه شريك بن عبدة حليف الأنصار وهو أخو البراء بن مالك لأمه. وأما الجواب الثاني: فهو ينقلب حجة عليكم لأنه لما استقر عنده أنه لا حق له في هذا القذف لم يطالب به ولم يتعرض له وإلا كيف يسكت عن براءة عرضه وله طريق إلى إظهارها بحد قاذفه والقوم كانوا أشد حمية وأنفة من ذلك وقد تقدم أن اللعان أقيم مقام البينة للحاجة وجعل بدلا من الشهود الأربعة ولهذا كان الصحيح أنه يوجب الحد عليها إذا نكلت فإذا كان بمنزلة الشهادة في أحد الطرفين كان بمنزلتها في الطرف الآخر ومن المحال أن تحد المرأة باللعان إذا نكلت ثم يحد القاذف حد القذف وقد أقام البينة على صدق قوله وكذلك إن جعلناه يمينا فإنها كما درأت عنه الحد من طرف الزوجة درأت عنه من طرف المقذوف ولا فرق لأنه به حاجة إلى قذف الزاني لما أفسد عليه من فراشه وربما يحتاج إلى ذكره ليستدل بشبه الولد له على صدق قاذفه كما استدل النبي صلى الله عليه وسلم على صدق هلال بشبه الولد بشريك ابن سحماء فوجب أن يسقط حكم قذفه ما أسقط حكم قذفها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للزوج: ( البينة وإلا حد في ظهرك ) ولم يقل: وإلا حدان هذا والمرأة لم تطالب بحد القذف فإن المطالبة شرط في إقامة الحد لا في وجوبه وهذا جواب آخر عن قولهم: إن شريكا لم يطالب بالحد فإن المرأة أيضا لم تطالب به وقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( البينة وإلا حد في ظهرك ) .(5\/345)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2233",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10799",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: فما تقولون لو قذف أجنبية بالزنى برجل سماه فقال: زنى بك فلان أو زنيت به قيل: هاهنا يجب عليه حدان لأنه قاذف لكل واحد منهما ولم يأت بما يسقط موجب قذفه فوجب عليه حكمه إذ ليس هنا بينة بالنسبة إلى أحدهما ولا ما يقوم مقامها.  [فصل إذا لاعنها وهي حامل وانتفى من حملها انتفى عنه ولم يحتج إلى أن يلاعن بعد وضعه] فصل ومنها: أنه إذا لاعنها وهي حامل وانتفى من حملها انتفى عنه ولم يحتج إلى أن يلاعن بعد وضعه كما دلت عليه السنة الصحيحة الصريحة وهذا موضع اختلف فيه. فقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يلاعن لنفيه حتى تضع لاحتمال أن يكون ريحا فتنفش ولا يكون للعان حينئذ معنى وهذا هو الذي ذكره الخرقي في quot; مختصره quot; فقال: وإن نفى الحمل في التعانه لم ينتف عنه حتى ينفيه عند وضعها له ويلاعن وتبعه الأصحاب على ذلك وخالفهم أبو محمد المقدسي كما يأتي كلامه. وقال جمهور أهل العلم: له أن يلاعن في حال الحمل اعتمادا على قصة هلال بن أمية فإنها صريحة صحيحة في اللعان حال الحمل ونفي الولد في تلك الحال وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن جاءت به على صفة كذا وكذا فلا أراه إلا قد صدق عليها . . .) الحديث. قال الشيخ في quot; المغني quot;: وقال مالك والشافعي وجماعة من أهل الحجاز: يصح نفي الحمل وينتفي عنه محتجين بحديث هلال وأنه نفى حملها فنفاه عنه النبي صلى الله عليه وسلم وألحقه بالأم ولا خفاء أنه كان حملا ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( انظروها فإن جاءت به كذا وكذا ) قال: ولأن الحمل مظنون بأمارات تدل عليه ولهذا تثبت للحامل أحكام تخالف فيها الحائل من النفقة والفطر في الصيام وترك إقامة الحد عليها وتأخير القصاص عنها وغير ذلك مما يطول ذكره ويصح استلحاق الحمل فكان كالولد بعد وضعه. قال: وهذا القول هو الصحيح لموافقته ظواهر الأحاديث وما خالف الحديث لا يعبأ به كائنا ما كان وقال أبو بكر: ينتفي الولد بزوال الفراش ولا يحتاج إلى(5\/346)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2234",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10800",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذكره في اللعان احتجاجا بظاهر الأحاديث حيث لم ينقل نفي الحمل ولا تعرض لنفيه. وأما مذهب أبي حنيفة رحمه الله فإنه لا يصح نفي الحمل واللعان عليه فإن لاعنها حاملا ثم أتت بالولد لزمه عنده ولم يتمكن من نفيه أصلا لأن اللعان لا يكون إلا بين الزوجين وهذه قد بانت بلعانها في حال حملها. قال المنازعون له: هذا فيه إلزامه ولدا ليس منه وسد باب الانتفاء من أولاد الزنى. والله سبحانه قد جعل له إلى ذلك طريقا فلا يجوز سدها قالوا: وإنما تعتبر الزوجية في الحال التي أضاف الزنى إليها فيها لأن الولد الذي تأتي به يلحقه إذا لم ينفه فيحتاج إلى نفيه وهذه كانت زوجته في تلك الحال فملك نفي ولدها. وقال أبو يوسف ومحمد: له أن ينفي الحمل ما بين الولادة إلى تمام أربعين ليلة منها. وقال عبد الملك بن الماجشون: لا يلاعن لنفي الحمل إلا أن ينفيه ثانية بعد الولادة. وقال الشافعي: إذا علم بالحمل فأمكنه الحاكم من اللعان فلم يلاعن لم يكن له أن ينفيه بعد.  [مسألة فيما لو استلحق الحمل وقذفها بالزنى] فإن قيل: فما تقولون لو استلحق الحمل وقذفها بالزنى فقال: هذا الولد مني وقد زنت ما حكم هذه المسألة قيل: قد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال أحدها: أنه يحد ويلحق به الولد ولا يمكن من اللعان. والثاني: أنه يلاعن وينتفي الولد. والثالث: أنه يلاعن للقذف ويلحقه الولد. والثلاثة روايات عن مالك والمنصوص عن أحمد: أنه لا يصح استلحاق الولد كما لا يصح نفيه. قال أبو محمد: وإن استلحق الحمل فمن قال: لا يصح نفيه قال: لا يصح استلحاقه وهو المنصوص عن أحمد. ومن أجاز نفيه قال: يصح(5\/347)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2235",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10801",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "استلحاقه وهو مذهب الشافعي لأنه محكوم بوجوده بدليل وجوب النفقة ووقف الميراث فصح الإقرار به كالمولود وإذا استلحقه لم يملك نفيه بعد ذلك كما لو استلحقه بعد الوضع. ومن قال: لا يصح استلحاقه قال: لو صح استلحاقه للزمه بترك نفيه كالمولود ولا يلزمه ذلك بالإجماع وليس للشبه أثر في الإلحاق بدليل حديث الملاعنة وذلك مختص بما بعد الوضع فاختص صحة الإلحاق به فعلى هذا لو استلحقه ثم نفاه بعد وضعه كان له ذلك فأما إن سكت عنه فلم ينفه ولم يستلحقه لم يلزمه عند أحد علمنا قوله لأنه تركه محتمل لأنه لا يتحقق وجوده إلا أن يلاعنها فإن أبا حنيفة ألزمه الولد على ما أسلفناه.  [فصل قول ابن عباس ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما] فصل وقول ابن عباس: ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقضى ألا يدعى ولدها لأب ولا ترمى ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد وقضى أن لا بيت لها عليه ولا قوت من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ولا متوفى عنها. وقول سهل: فكان ابنها يدعى إلى أمه ثم جرت السنة أنه يرثها وترث منه ما فرض الله لها. وقوله: (مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا) . وقال الزهري عن سهل بن سعد: ( فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقال: لا يجتمعان أبدا ) . وقول الزوج: ( يا رسول الله مالي قال quot; لا مال لك إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منها ) . فتضمنت هذه الجملة عشرة أحكام.(5\/348)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2236",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10802",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحكم الأول: التفريق بين المتلاعنين وفي ذلك خمسة مذاهب. أحدها: أن الفرقة تحصل بمجرد القذف هذا قول أبي عبيد والجمهور خالفوه في ذلك ثم اختلفوا فقال جابر بن زيد: وعثمان البتي ومحمد بن أبي صفرة وطائفة من فقهاء البصرة: لا يقع باللعان فرقة ألبتة وقال ابن أبي صفرة: اللعان لا يقطع العصمة واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليه الطلاق بعد اللعان بل هو أنشأ طلاقها ونزه نفسه أن يمسك من قد اعترف بأنها زنت أو أن يقوم عليه دليل كذب بإمساكها فجعل النبي صلى الله عليه وسلم فعله سنة ونازع هؤلاء جمهور العلماء وقالوا: اللعان يوجب الفرقة ثم اختلفوا على ثلاثة مذاهب. أحدها: أنها تقع بمجرد لعان الزوج وحده وإن لم تلتعن المرأة وهذا القول مما تفرد به الشافعي واحتج له بأنها فرقة حاصلة بالقول فحصلت بقول الزوج وحده كالطلاق. المذهب الثاني: أنها لا تحصل إلا بلعانهما جميعا فإذا تم لعانهما وقعت الفرقة ولا يعتبر تفريق الحاكم وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه اختارها أبو بكر وقول مالك وأهل الظاهر واحتج لهذا القول بأن الشرع إنما ورد بالتفريق بين المتلاعنين ولا يكونان متلاعنين بلعان الزوج وحده وإنما فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما بعد تمام اللعان منهما فالقول بوقوع الفرقة قبله مخالف لمدلول السنة وفعل النبي صلى الله عليه وسلم واحتجوا بأن لفظ اللعان لا يقتضي فرقة فإنه إما أيمان على زناها وإما شهادة به وكلاهما لا يقتضي فرقة وإنما ورد الشرع بالتفريق بينهما بعد تمام لعانهما لمصلحة ظاهرة وهي أن الله سبحانه جعل بين الزوجين مودة ورحمة وجعل كلا منهما سكنا للآخر وقد زال هذا بالقذف وأقامها مقام الخزي والعار والفضيحة فإنه إن كان كاذبا فقد فضحها وبهتها ورماها بالداء العضال ونكس رأسها ورءوس قومها وهتكها على رءوس الأشهاد. وإن كانت كاذبة فقد أفسدت فراشه وعرضته للفضيحة والخزي والعار بكونه زوج بغي(5\/349)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2237",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10803",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتعليق ولد غيره عليه فلا يحصل بعد هذا بينهما من المودة والرحمة والسكن ما هو مطلوب بالنكاح فكان من محاسن شريعة الإسلام التفريق بينهما والتحريم المؤبد على ما سنذكره ولا يترتب هذا على بعض اللعان كما لا يترتب على بعض لعان الزوج قالوا: ولأنه فسخ ثبت بأيمان متحالفين فلم يثبت بأيمان أحدهما كالفسخ لتخالف المتبايعين عند الاختلاف. المذهب الثالث: أن الفرقة لا تحصل إلا بتمام لعانهما وتفريق الحاكم وهذا مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد وهي ظاهر كلام الخرقي فإنه قال: ومتى تلاعنا وفرق الحاكم بينهما لم يجتمعا أبدا. واحتج أصحاب هذا القول بقول ابن عباس في حديثه: ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما. وهذا يقتضي أن الفرقة لم تحصل قبله واحتجوا بأن عويمرا قال: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا حجة من وجهين: أحدهما: أنه يقتضي إمكان إمساكها. والثاني: وقوع الطلاق ولو حصلت الفرقة باللعان وحده لما ثبت واحد من الأمرين وفي حديث سهل بن سعد أنه طلقها ثلاثا فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أبو داود. قال الموقعون للفرقة بتمام اللعان بدون تفريق الحاكم: اللعان معنى يقتضي التحريم المؤبد كما سنذكره فلم يقف على تفريق الحاكم كالرضاع قالوا: ولأن الفرقة لو وقعت على تفريق الحاكم لساغ ترك التفريق إذا كرهه الزوجان كالتفريق بالعيب والإعسار قالوا: وقوله: quot; فرق النبي صلى الله عليه وسلمquot; يحتمل أمورا ثلاثة أحدها: إنشاء الفرقة. والثاني: الإعلام بها. والثالث: إلزامه بموجبها من الفرقة الحسية. وأما قوله: كذبت عليها إن أمسكتها فهذا لا يدل على أن إمساكها بعد(5\/350)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2238",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10804",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اللعان مأذون فيه شرعا بل هو بادر إلى فراقها وإن كان الأمر صائرا إلى ما بادر إليه وأما طلاقه ثلاثة فما زاد الفرقة الواقعة إلا تأكيدا فإنها حرمت عليه تحريما مؤبدا فالطلاق تأكيد لهذا التحريم وكأنه قال: لا تحل لي بعد هذا. وأما إنفاذ الطلاق عليه فتقرير لموجبه من التحريم فإنها إذا لم تحل له باللعان أبدا كان الطلاق الثلاث تأكيدا للتحريم الواقع باللعان فهذا معنى إنفاذه فلما لم ينكره عليه وأقره على التكلم به وعلى موجبه جعل هذا إنفاذا من النبي صلى الله عليه وسلم وسهل لم يحك لفظ النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: وقع طلاقك وإنما شاهد القصة وعدم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم للطلاق فظن ذلك تنفيذا وهو صحيح بما ذكرنا من الاعتبار والله أعلم.  [فصل فرقة اللعان فسخ] فصل الحكم الثاني: أن فرقة اللعان فسخ وليست بطلاق وإلى هذا ذهب الشافعي وأحمد ومن قال بقولهما واحتجوا بأنها فرقة توجب تحريما مؤبدا فكانت فسخا كفرقة الرضاع واحتجوا بأن اللعان ليس صريحا في الطلاق ولا نوى الزوج به الطلاق فلا يقع به الطلاق قالوا: ولو كان اللعان صريحا في الطلاق أو كناية فيه لوقع بمجرد لعان الزوج ولم يتوقف على لعان المرأة قالوا: ولأنه لو كان طلاقا فهو طلاق من مدخول بها بغير عوض لم ينو به الثلاث فكان يكون رجعيا. قالوا: ولأن الطلاق بيد الزوج إن شاء طلق وإن شاء أمسك وهذا الفسخ حاصل بالشرع وبغير اختياره قالوا: وإذا ثبت بالسنة وأقوال الصحابة ودلالة القرآن أن فرقة الخلع ليست بطلاق بل هي فسخ مع كونها بتراضيهما فكيف تكون فرقة اللعان طلاقا .  [فصل توجب هذه الفرقة تحريما مؤبدا والحكمة من ذلك] فصل الحكم الثالث: أن هذه الفرقة توجب تحريما مؤبدا لا يجتمعان بعدها أبدا. قال الأوزاعي: حدثنا الزبيدي حدثنا الزهري عن سهل بن سعد فذكر قصة المتلاعنين وقال: ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقال: (لا يجتمعان(5\/351)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2239",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10805",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبدا ) وذكر البيهقي من حديث سعيد بن جبير عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدا ) قال: وروينا عن علي وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم قالا: (مضت السنة في المتلاعنين أن لا يجتمعا أبدا) قال: وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: (يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا) وإلى هذا ذهب أحمد والشافعي ومالك والثوري وأبو عبيد وأبو يوسف. وعن أحمد رواية أخرى: أنه إن أكذب نفسه حلت له وعاد فراشه بحاله وهي رواية شاذة شذ بها حنبل عنه. قال أبو بكر: لا نعلم أحدا رواها غيره وقال صاحب quot; المغني quot;: وينبغي أن تحمل هذه الرواية على ما إذا لم يفرق بينهما. فأما مع تفريق الحاكم بينهما فلا وجه لبقاء النكاح بحاله. قلت: الرواية مطلقة ولا أثر لتفريق الحاكم في دوام التحريم فإن الفرقة الواقعة بنفس اللعان أقوى من الفرقة الحاصلة بتفريق الحاكم فإذا كان إكذاب نفسه مؤثرا في تلك الفرقة القوية رافعا للتحريم الناشئ منها فلأن يؤثر في الفرقة التي هي دونها ويرفع تحريمها أولى. وإنما قلنا: إن الفرقة بنفس اللعان أقوى من الفرقة بتفريق الحاكم لأن فرقة اللعان تستند إلى حكم الله ورسوله سواء رضي الحاكم والمتلاعنان التفريق(5\/352)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2240",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10806",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو أبوه فهي فرقة من الشارع بغير رضا أحد منهم ولا اختياره بخلاف فرقة الحاكم فإنه إنما يفرق باختياره. وأيضا فإن اللعان يكون قد اقتضى بنفسه التفريق لقوته وسلطانه عليه بخلاف ما إذا توقف على تفريق الحاكم فإنه لم يقو بنفسه على اقتضاء الفرقة ولا كان له سلطان عليها وهذه الرواية هي مذهب سعيد بن المسيب قال: فإن أكذب نفسه فهو خاطب من الخطاب ومذهب أبي حنيفة ومحمد وهذا على أصله اطرد لأن فرقة اللعان عنده طلاق. وقال سعيد بن جبير: إن أكذب نفسه ردت إليه ما دامت في العدة. والصحيح القول الأول الذي دلت عليه السنة الصحيحة الصريحة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم وهو الذي تقتضيه حكمة اللعان ولا تقتضي سواه فإن لعنة الله تعالى وغضبه قد حل بأحدهما لا محالة ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عند الخامسة: (إنها الموجبة) أي الموجبة لهذا الوعيد ونحن لا نعلم عين من حلت به يقينا ففرق بينهما خشية أن يكون هو الملعون الذي قد وجبت عليه لعنة الله وباء بها فيعلو امرأة غير ملعونة وحكمة الشرع تأبى هذا كما أبت أن يعلو الكافر مسلمة والزاني عفيفة. فإن قيل: فهذا يوجب ألا يتزوج غيرها لما ذكرتم بعينه . قيل: لا يوجب ذلك لأنا لم نتحقق أنه هو الملعون وإنما تحققنا أن أحدهما كذلك وشككنا في عينه فإذا اجتمعا لزمه أحد الأمرين ولا بد إما هذا وإما إمساكه ملعونة مغضوبا عليها قد وجب عليها غضب الله وباءت به فأما إذا تزوجت بغيره أو تزوج بغيرها لم تتحقق هذه المفسدة فيهما. وأيضا فإن النفرة الحاصلة من إساءة كل واحد منهما إلى صاحبه لا تزول أبدا فإن الرجل إن كان صادقا عليها فقد أشاع فاحشتها وفضحها على رءوس الأشهاد وأقامها مقام الخزي وحقق عليها الخزي والغضب وقطع نسب(5\/353)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2241",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10807",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولدها وإن كان كاذبا فقد أضاف إلى ذلك بهتها بهذه الفرية العظيمة وإحراق قلبها بها والمرأة إن كانت صادقة فقد أكذبته على رءوس الأشهاد وأوجبت عليه لعنة الله. وإن كانت كاذبة فقد أفسدت فراشه وخانته في نفسها وألزمته العار والفضيحة وأحوجته إلى هذا المقام المخزي فحصل لكل واحد منهما من صاحبه من النفرة والوحشة وسوء الظن ما لا يكاد يلتئم معه شملهما أبدا فاقتضت حكمة من شرعه كله حكمة ومصلحة وعدل ورحمة تحتم الفرقة بينهما وقطع الصحبة المتمحضة مفسدة. وأيضا فإنه إذا كان كاذبا عليها فلا ينبغي أن يسلط على إمساكها مع ما صنع من القبيح إليها وإن كان صادقا فلا ينبغي أن يمسكها مع علمه بحالها ويرضى لنفسه أن يكون زوج بغي. فإن قيل: فما تقولون لو كانت أمة ثم اشتراها هل يحل له وطؤها بملك اليمين قلنا: لا تحل له لأنه تحريم مؤبد فحرمت على مشتريها كالرضاع ولأن المطلق ثلاثا إذا اشترى مطلقته لم تحل له قبل زوج وإصابة فهاهنا أولى لأن هذا التحريم مؤبد وتحريم الطلاق غير مؤبد.  [فصل لا يسقط صداق الملاعنة بعد الدخول] فصل الحكم الرابع: أنها لا يسقط صداقها بعد الدخول فلا يرجع به عليها فإنه إن كان صادقا فقد استحل من فرجها عوض الصداق وإن كان كاذبا فأولى وأحرى. فإن قيل: فما تقولون لو وقع اللعان قبل الدخول هل تحكمون عليه بنصف المهر أو تقولون يسقط جملة قيل: في ذلك قولان للعلماء وهما روايتان عن أحمد مأخذهما: أن الفرقة إذا كانت بسبب من الزوجين كلعانهما أو منهما ومن أجنبي كشرائها لزوجها قبل الدخول فهل يسقط الصداق تغليبا لجانبها كما لو كانت مستقلة بسبب الفرقة أو(5\/354)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2242",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10808",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نصفه تغليبا لجانبه وأنه هو المشارك في سبب الإسقاط والسيد الذي باعه متسبب إلى إسقاطه ببيعه إياها فهذا الأصل فيه قولان. وكل فرقة جاءت من قبل الزوج نصفت الصداق كطلاقه إلا فسخه لعيبها أو فوات شرط شرطه فإنه يسقط كله وإن كان هو الذي فسخ لأن سبب الفسخ منها وهي الحاملة له عليه. ولو كانت الفرقة بإسلامه فهل يسقط عنه أو تنصفه على روايتين. فوجه إسقاطه أنه فعل الواجب عليه وهي الممتنعة من فعل ما يجب عليها فهي المتسببة إلى إسقاط صداقها بامتناعها من الإسلام ووجه التنصيف أن سبب الفسخ من جهته. فإن قيل: فما تقولون في الخلع هل ينصفه أو يسقطه . قيل: إن قلنا: هو طلاق نصفه وإن قلنا: هو فسخ فقال أصحابنا: فيه وجهان أحدهما: كذلك تغليبا لجانبه. والثاني: يسقطه لأنه لم يستقل بسبب الفسخ وعندي أنه إن كان مع أجنبي نصفه وجها واحدا وإن كان معها ففيه وجهان. فإن قيل: فما تقولون لو كانت الفرقة بشرائه لزوجته من سيدها: هل يسقطه أو ينصفه قيل: فيه وجهان. أحدهما: يسقطه لأن مستحق مهرها تسبب إلى إسقاطه ببيعها. والثاني: ينصفه لأن الزوج تسبب إليه بالشراء وكل فرقة جاءت من قبلها كردتها وإرضاعها من يفسخ إرضاعه نكاحها وفسخها لإعساره أو عيبه فإنه يسقط مهرها. فإن قيل: فقد قلتم: إن المرأة إذا فسخت لعيب في الزوج سقط مهرها إذ الفرقة من جهتها وقلتم: إن الزوج إذا فسخ لعيب في المرأة سقط أيضا ولم تجعلوا الفسخ من جهته فتنصفوه كما جعلتموه لفسخها لعيبه من جهتها فأسقطتموه فما الفرق قيل: الفرق بينهما أنه إنما بذل المهر في مقابلة بضع(5\/355)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2243",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10809",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سليم من العيوب فإذا لم يتبين كذلك وفسخ عاد إليها كما خرج منها ولم يستوفه ولا شيئا منه فلا يلزمه شيء من الصداق كما أنها إذا فسخت لعيبه لم تسلم إليه المعقود عليه ولا شيئا منه فلا تستحق عليه شيئا من الصداق. فصل الحكم الخامس: أنها لا نفقة لها عليه ولا سكنى كما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا موافق لحكمه في المبتوتة التي لا رجعة لزوجها عليها كما سيأتي بيان حكمه في ذلك وأنه موافق لكتاب الله لا مخالف له بل سقوط النفقة والسكنى للملاعنة أولى من سقوطها للمبتوتة لأن المبتوتة له سبيل إلى أن ينكحها في عدتها وهذه لا سبيل له إلى نكاحها لا في العدة ولا بعدها فلا وجه أصلا لوجوب نفقتها وسكناها وقد انقطعت العصمة انقطاعا كليا. فأقضيته صلى الله عليه وسلم يوافق بعضها بعضا وكلها توافق كتاب الله والميزان الذي أنزله ليقوم الناس بالقسط وهو القياس الصحيح كما ستقر عينك إن شاء الله تعالى بالوقوف عليه عن قريب. وقال مالك والشافعي: لها السكنى. وأنكر القاضي إسماعيل بن إسحاق هذا القول إنكارا شديدا. وقوله: quot; من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق ولا متوفى عنها quot; لا يدل مفهومه على أن كل مطلقة ومتوفى عنها لها النفقة والسكنى وإنما يدل على أن هاتين الفرقتين قد يجب معهما نفقة وسكنى وذلك إذا كانت المرأة حاملا فلها ذلك في فرقة الطلاق اتفاقا وفي فرقة الموت ثلاثة أقوال أحدها: أنه لا نفقة لها ولا سكنى كما لو كان حائلا وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى روايتيه والشافعي في أحد قوليه لزوال سبب النفقة بالموت على وجه لا يرجى عوده فلم يبق إلا نفقة قريب فهي في مال الطفل إن كان له مال وإلا فعلى من تلزمه نفقته من أقاربه.(5\/356)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2244",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10810",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثاني: أن لها النفقة والسكنى في تركته تقدم بها على الميراث وهذا إحدى الروايتين عن أحمد لأن انقطاع العصمة بالموت لا يزيد على انقطاعها بالطلاق البائن بل انقطاعها بالطلاق أشد ولهذا تغسل المرأة زوجها بعد موته عند جمهور العلماء حتى المطلقة الرجعية عند أحمد ومالك في إحدى الروايتين عنه فإذا وجبت النفقة والسكنى للبائن الحامل فوجوبها للمتوفى عنها زوجها أولى وأحرى. والثالث: أن لها السكنى دون النفقة حاملا كانت أو حائلا وهذا قول مالك وأحد قولي الشافعي إجراء لها مجرى المبتوتة في الصحة وليس هذا موضع بسط هذه المسائل وذكر أدلتها والتمييز بين راجحها ومرجوحها إذ المقصود أن قوله: quot; من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ولا متوفى عنها زوجها quot; إنما يدل على أن المطلقة والمتوفى عنها قد يجب لهما القوت والبيت في الجملة فهذا إن كان هذا الكلام من كلام الصحابي والظاهر - والله أعلم - أنه مدرج من قول الزهري.  [فصل انقطاع نسب ولد اللعان من جهة الأب] فصل الحكم السادس: انقطاع نسب الولد من جهة الأب لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى ألا يدعى ولدها لأب وهذا هو الحق وهو قول الجمهور وهو أجل فوائد اللعان. وشذ بعض أهل العلم وقال: المولود للفراش لا ينفيه اللعان البتة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن الولد للفراش  وإنما ينفي اللعان الحمل فإن لم يلاعنها حتى ولدت لاعن لإسقاط الحد فقط ولا ينتفي ولدها منه وهذا مذهب أبي محمد بن حزم واحتج عليه بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن الولد لصاحب الفراش قال: فصح أن كل من ولد على فراشه ولد فهو ولده إلا حيث نفاه الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أو حيث يوقن بلا شك أنه ليس ولده ولم ينفه صلى الله عليه وسلم إلا وهي حامل باللعان فقط فبقي ما عدا ذلك على لحاق النسب قال: ولذلك قلنا: إن صدقته(5\/357)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2245",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10811",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في أن الحمل ليس منه فإن تصديقها له لا يلتفت إليه لأن الله تعالى يقول: ولا تكسب كل نفس إلا عليها [الأنعام: 164] [الأنعام: 164] فوجب أن إقرار الأبوين يصدق على نفي الولد فيكون كسبا على غيرهما وإنما نفى الله سبحانه الولد إذا أكذبته الأم والتعنت هي والزوج فقط فلا ينتفي في غير هذا الموضع. انتهى كلامه. وهذا ضد مذهب من يقول: إنه لا يصح اللعان على الحمل حتى تضع كما يقول أحمد وأبو حنيفة والصحيح صحته على الحمل وعلى الولد بعد وضعه كما قاله مالك والشافعي فالأقوال ثلاثة. ولا تنافي بين هذا الحكم وبين الحكم بكون الولد للفراش بوجه ما فإن الفراش قد زال باللعان وإنما حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الولد للفراش عند تعارض الفراش ودعوى الزاني فأبطل دعوى الزاني للولد وحكم به لصاحب الفراش. وهاهنا صاحب الفراش قد نفى الولد عنه. فإن قيل: فما تقولون لو لاعن لمجرد نفي الولد مع قيام الفراش فقال: لم تزن ولكن ليس هذا الولد ولدي . قيل: في ذلك قولان للشافعي وهما روايتان منصوصتان عن أحمد. إحداهما: أنه لا لعان بينهما ويلزمه الولد وهي اختيار الخرقي. والثانية: أن له أن يلاعن لنفي الولد فينتفي عنه بلعانه وحده وهي اختيار أبي البركات ابن تيمية وهي الصحيحة. فإن قيل: فخالفتم حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم (أن الولد للفراش) قلنا: معاذ الله بل وافقنا أحكامه حيث وقع غيرنا في خلاف بعضها تأويلا فإنه إنما حكم بالولد للفراش حيث ادعاه صاحب الفراش فرجح دعواه بالفراش وجعله له وحكم بنفيه عن صاحب الفراش حيث نفاه عن نفسه وقطع نسبه منه وقضى ألا يدعى(5\/358)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2246",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10812",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأب فوافقنا الحكمين وقلنا بالأمرين ولم نفرق تفريقا باردا جدا سمجا لا أثر له في نفي الولد حملا ونفيه مولودا فإن الشريعة لا تأتي على هذا الفرق الصوري الذي لا معنى تحته البتة وإنما يرتضي هذا من قل نصيبه من ذوق الفقه وأسرار الشريعة وحكمها ومعانيها والله المستعان وبه التوفيق.  [فصل إلحاق ولد اللعان بأمه] فصل الحكم السابع: إلحاق الولد بأمه عند انقطاع نسبه من جهة أبيه وهذا الإلحاق يفيد حكما زائدا على إلحاقه بها مع ثبوت نسبه من الأب وإلا كان عديم الفائدة فإن خروج الولد منها أمر محقق فلا بد في الإلحاق من أمر زائد عليه وعلى ما كان حاصلا مع ثبوت النسب من الأب وقد اختلف في ذلك. فقالت طائفة: أفاد هذا الإلحاق قطع توهم انقطاع نسب الولد من الأم كما انقطع من الأب وأنه لا ينسب إلى أم ولا إلى أب فقطع النبي صلى الله عليه وسلم هذا الوهم وألحق الولد بالأم وأكد هذا بإيجابه الحد على من قذفه أو قذف أمه وهذا قول الشافعي ومالك وأبي حنيفة وكل من لا يرى أن أمه وعصباتها له. وقالت طائفة ثانية: بل أفادنا هذا الإلحاق فائدة زائدة وهي تحويل النسب الذي كان إلى أبيه إلى أمه وجعل أمه قائمة مقام أبيه في ذلك فهي عصبته وعصباتها أيضا عصبته فإذا مات حازت ميراثه وهذا قول ابن مسعود ويروى عن علي وهذا القول هو الصواب لما روى أهل السنن الأربعة من حديث واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( تحوز المرأة ثلاثة مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه ) ورواه الإمام أحمد وذهب إليه. وروى أبو داود في quot; سننه quot;: من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن(5\/359)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2247",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10813",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ( جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها ) وفي quot; السنن quot; أيضا مرسلا: من حديث مكحول قال: ( جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها ) وهذه الآثار موافقة لمحض القياس فإن النسب في الأصل للأب فإذا انقطع من جهته صار للأم كما أن الولاء في الأصل لمعتق الأب فإذا كان الأب رقيقا كان لمعتق الأم. فلو أعتق الأب بعد هذا انجر الولاء من موالي الأم إليه ورجع إلى أصله وهو نظير ما إذا كذب الملاعن نفسه واستلحق الولد رجع النسب والتعصيب من الأم وعصبتها إليه. فهذا محض القياس وموجب الأحاديث والآثار وهو مذهب حبر الأمة وعالمها عبد الله بن مسعود ومذهب إمامي أهل الأرض في زمانهما أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعليه يدل القرآن بألطف إيماء وأحسنه فإن الله سبحانه جعل عيسى من ذرية إبراهيم بواسطة مريم أمه وهي من صميم ذرية إبراهيم وسيأتي مزيد تقرير لهذا عند ذكر أقضية النبي صلى الله عليه وسلم وأحكامه في الفرائض إن شاء الله تعالى. فإن قيل: فما تصنعون بقوله في حديث سهل الذي رواه مسلم في quot; صحيحه quot; في قصة اللعان وفي آخره: ثم جرت السنة أن يرث منها وترث منه ما فرض الله لها قيل: نتلقاه بالقبول والتسليم والقول بموجبه وإن أمكن أن يكون مدرجا من كلام ابن شهاب وهو الظاهر فإن تعصيب الأم لا يسقط ما فرض الله لها من ولدها في كتابه وغايتها أن تكون كالأب حيث يجتمع له الفرض والتعصيب فهي تأخذ فرضها ولا بد فإن فضل شيء أخذته(5\/360)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2248",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10814",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالتعصيب وإلا فازت بفرضها فنحن قائلون بالآثار كلها في هذا الباب بحمد الله وتوفيقه.  [فصل يحد قاذفها وقاذف ولدها] فصل الحكم الثامن: quot; أنها لا ترمى ولا يرمى ولدها ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد quot; وهذا لأن لعانها نفى عنها تحقيق ما رميت به فيحد قاذفها وقاذف ولدها هذا الذي دلت عليه السنة الصحيحة الصريحة وهو قول جمهور الأمة وقال أبو حنيفة: إن لم يكن هناك ولد نفي نسبه حد قاذفها وإن كان هناك ولد نفي نسبه لم يحد قاذفها والحديث إنما هو فيمن لها ولد نفاه الزوج والذي أوجب له هذا الفرق أنه متى نفى نسب ولدها فقد حكم بزناها بالنسبة إلى الولد فأثر ذلك شبهة في سقوط حد القذف.  [فصل لا تترتب الأحكام السابقة إلا بعد تمام اللعان] فصل الحكم التاسع: أن هذه الأحكام إنما ترتبت على لعانهما معا وبعد أن تم اللعانان فلا يترتب شيء منها على لعان الزوج وحده وقد خرج أبو البركات ابن تيمية على هذا المذهب انتفاء الولد بلعان الزوج وحده وهو تخريج صحيح فإن لعانه كما أفاد سقوط الحد وعار القذف عنه من غير اعتبار لعانها أفاد سقوط النسب الفاسد عنه وإن لم تلاعن هي بطريق الأولى فإن تضرره بدخول النسب الفاسد عليه أعظم من تضرره بحد القذف وحاجته إلى نفيه عنه أشد من حاجته إلى دفع الحد فلعانه كما استقل بدفع الحد استقل بنفي الولد والله أعلم.  [فصل وجوب النفقة والسكنى للمطلقة والمتوفى عنها إذا كانتا حاملين] فصل الحكم العاشر: وجوب النفقة والسكنى للمطلقة والمتوفى عنها إذا كانتا حاملين فإنه قال: quot; من أجل أنهما يفترقان عن غير طلاق ولا متوفى عنها quot; فأفاد ذلك أمرين: أحدهما: سقوط نفقة البائن وسكناها إذا لم تكن حاملا من الزوج. والثاني: وجوبهما لها وللمتوفى عنها إذا كانتا حاملين من الزوج.(5\/361)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2249",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10815",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل اعتبار الحكم بالقافة في الإلحاق بالنسب] وقوله صلى الله عليه وسلم: ( أبصروها فإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية وإن جاءت به كذا وكذا فهو لشريك ابن سحماء ) إرشاد منه صلى الله عليه وسلم إلى اعتبار الحكم بالقافة وأن للشبه مدخلا في معرفة النسب وإلحاق الولد بمنزلة الشبه وإنما لم يلحق بالملاعن لو قدر أن الشبه له لمعارضة اللعان الذي هو أقوى من الشبه له كما تقدم.  [فصل من قتل رجلا في داره مدعيا زناه بحريمه قتل به إن لم يأت ببينة أو إقرار الولي] فصل وقوله في الحديث: ( لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا يقتله فتقتلونه به ) دليل على أن من قتل رجلا في داره وادعى أنه وجده مع امرأته أو حريمه قتل فيه ولا يقبل قوله إذ لو قبل قوله لأهدرت الدماء وكان كل من أراد قتل رجل أدخله داره وادعى أنه وجده مع امرأته. ولكن هاهنا مسألتان يجب التفريق بينهما: إحداهما: هل يسعه فيما بينه وبين الله تعالى أن يقتله أم لا والثاني: هل يقبل قوله في ظاهر الحكم أم لا وبهذا التفريق يزول الإشكال فيما نقل عن الصحابة رضي الله عنهم في ذلك حتى جعلها بعض العلماء مسألة نزاع بين الصحابة وقال: مذهب عمر رضي الله عنه أنه لا يقتل به ومذهب علي: أنه يقتل به والذي غره ما رواه سعيد بن منصور في quot; سننه (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بينا هو يوما يتغدى إذ جاءه رجل يعدو وفي يده سيف ملطخ بدم ووراءه قوم يعدون فجاء حتى جلس مع عمر فجاء الآخرون فقالوا: يا أمير المؤمنين إن هذا قتل صاحبنا فقال له عمر رضي الله عنه: ما تقول فقال له: يا أمير المؤمنين إني ضربت بين فخذي امرأتي فإن كان بينهما أحد فقد قتلته فقال عمر: ما تقولون فقالوا: يا أمير المؤمنين إنه ضرب بالسيف فوقع في وسط الرجل وفخذي المرأة فأخذ عمر رضي الله عنه سيفه فهزه ثم دفعه إليه وقال: إن عادوا فعد) فهذا ما نقل عن عمر رضي الله عنه. وأما علي فسئل عمن وجد مع امرأته رجلا فقتله فقال: إن لم يأت بأربعة(5\/362)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2250",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10816",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شهداء فليعط برمته. فظن أن هذا خلاف المنقول عن عمر فجعلها مسألة خلاف بين الصحابة وأنت إذا تأملت حكميهما لم تجد بينهما اختلافا فإن عمر إنما أسقط عنه القود لما اعترف الولي بأنه كان مع امرأته وقد قال أصحابنا - واللفظ لصاحب quot; المغني quot;: فإن اعترف الولي بذلك فلا قصاص ولا دية لما روي عن عمر. ثم ساق القصة وكلامه يعطي أنه لا فرق بين أن يكون محصنا وغير محصن وكذلك حكم عمر في هذا القتيل وقوله أيضا: quot; فإن عادوا فعد quot; ولم يفرق بين المحصن وغيره وهذا هو الصواب وإن كان صاحب quot; المستوعب quot; قد قال: وإن وجد مع امرأته رجلا ينال منها ما يوجب الرجم فقتله وادعى أنه قتله لأجل ذلك فعليه القصاص في ظاهر الحكم إلا أن يأتي ببينة بدعواه فلا يلزمه القصاص قال: وفي عدد البينة روايتان إحداهما: شاهدان اختارها أبو بكر لأن البينة على الوجود لا على الزنى. والأخرى: لا يقبل أقل من أربعة والصحيح أن البينة متى قامت بذلك أو أقر به الولي سقط القصاص محصنا كان أو غيره وعليه يدل كلام علي فإنه قال فيمن وجد مع امرأته رجلا فقتله: (إن لم يأت بأربعة شهداء quot; فليعط برمته) وهذا لأن هذا القتل ليس بحد للزنى ولو كان حدا لما كان بالسيف ولاعتبر له شروط إقامة الحد وكيفيته وإنما هو عقوبة لمن تعدى عليه وهتك حريمه وأفسد أهله وكذلك فعل الزبير رضي الله عنه لما تخلف عن الجيش ومعه جارية له فأتاه رجلان فقالا: أعطنا شيئا فأعطاهما طعاما كان معه فقالا: خل عن الجارية فضربهما بسيفه فقطعهما بضربة واحدة. وكذلك من اطلع في بيت قوم من ثقب أو شق في الباب بغير إذنهم فنظر حرمة أو عورة فلهم خذفه وطعنه في عينه فإن انقلعت عينه فلا ضمان عليهم. قال القاضي أبو يعلى: هذا ظاهر كلام أحمد أنهم يدفعونه ولا ضمان عليهم من غير تفصيل.(5\/363)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2251",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10817",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفصل ابن حامد فقال: يدفعه بالأسهل فالأسهل فيبدأ بقوله: انصرف واذهب وإلا نفعل بك كذا. قلت: وليس في كلام أحمد ولا في السنة الصحيحة ما يقتضي هذا التفصيل بل الأحاديث الصحيحة تدل على خلافه فإن في quot; الصحيحين quot; عن أنس أن رجلا اطلع من جحر في بعض حجر النبي صلى الله عليه وسلم فقام إليه بمشقص أو بمشاقص وجعل يختله ليطعنه  فأين الدفع بالأسهل وهو صلى الله عليه وسلم يختله أو يختبئ له ويختفي ليطعنه. وفي quot; الصحيحين quot; أيضا: من حديث سهل بن سعد ( أن رجلا اطلع في جحر في باب النبي صلى الله عليه وسلم وفي يد النبي صلى الله عليه وسلم مدرى يحك به رأسه فلما رآه قال: لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به في عينك إنما جعل الإذن من أجل البصر ) وفيهما أيضا: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لو أن امرءا اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح ) وفيهما أيضا: ( من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقئوا عينه فلا دية له ولا قصاص )(5\/364)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2252",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10818",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقال: ليس هذا من باب دفع الصائل بل من باب عقوبة المعتدي المؤذي وعلى هذا فيجوز له فيما بينه وبين الله تعالى قتل من اعتدى على حريمه سواء كان محصنا أو غير محصن معروفا بذلك أو غير معروف كما دل عليه كلام الأصحاب وفتاوى الصحابة وقد قال الشافعي وأبو ثور: يسعه قتله فيما بينه وبين الله تعالى إذا كان الزاني محصنا جعلاه من باب الحدود. وقال أحمد وإسحاق: يهدر دمه إذا جاء بشاهدين ولم يفصلا بين المحصن وغيره. واختلف قول مالك في هذه المسألة فقال ابن حبيب: إن كان المقتول محصنا وأقام الزوج البينة فلا شيء عليه وإلا قتل به وقال ابن القاسم: إذا قامت البينة فالمحصن وغير المحصن سواء ويهدر دمه واستحب ابن القاسم الدية في غير المحصن. فإن قيل: فما تقولون في الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة رضي الله عنه ( أن سعد بن عبادة رضي الله عنه قال: يا رسول الله أرأيت الرجل يجد مع امرأته رجلا أيقتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; لا quot; فقال سعد: بلى والذي بعثك بالحق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; اسمعوا إلى ما يقول سيدكم ) وفي اللفظ الآخر: ( إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء قال: quot; نعم quot; قال: والذي بعثك بالحق إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; اسمعوا إلى ما يقول سيدكم إنه لغيور وأنا أغير منه والله أغير مني ) قلنا: نتلقاه بالقبول والتسليم والقول بموجبه وآخر الحديث دليل على أنه لو قتله لم يقد به لأنه قال: بلى والذي أكرمك بالحق ولو وجب عليه القصاص بقتله لما أقره على هذا الحلف ولما أثنى على غيرته ولقال: لو قتلته قتلت به. وحديث أبي هريرة صريح في هذا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال(5\/365)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2253",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10819",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ": ( أتعجبون من غيرة سعد فوالله لأنا أغير منه والله أغير مني ) ولم ينكر عليه ولا نهاه عن قتله لأن قوله صلى الله عليه وسلم حكم ملزم وكذلك فتواه حكم عام للأمة فلو أذن له في قتله لكان ذلك حكما منه بأن دمه هدر في ظاهر الشرع وباطنه ووقعت المفسدة التي درأها الله بالقصاص وتهالك الناس في قتل من يريدون قتله في دورهم ويدعون أنهم كانوا يرونهم على حريمهم فسد الذريعة وحمى المفسدة وصان الدماء وفي ذلك دليل على أنه لا يقبل قول القاتل ويقاد به في ظاهر الشرع فلما حلف سعد أنه يقتله ولا ينتظر به الشهود عجب النبي صلى الله عليه وسلم من غيرته وأخبر أنه غيور وأنه صلى الله عليه وسلم أغير منه والله أشد غيرة وهذا يحتمل معنيين: أحدهما: إقراره وسكوته على ما حلف عليه سعد أنه جائز له فيما بينه وبين الله ونهيه عن قتله في ظاهر الشرع ولا يناقض أول الحديث آخره. والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك كالمنكر على سعد فقال: ( ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم ) يعني: أنا أنهاه عن قتله وهو يقول: بلى والذي أكرمك بالحق ثم أخبر عن الحامل له على هذه المخالفة وأنه شدة غيرته ثم قال: أنا أغير منه والله أغير مني. وقد شرع إقامة الشهداء الأربعة مع شدة غيرته سبحانه فهي مقرونة بحكمة ومصلحة ورحمة وإحسان فالله سبحانه مع شدة غيرته أعلم بمصالح عباده وما شرعه لهم من إقامة الشهود الأربعة دون المبادرة إلى القتل وأنا أغير من سعد وقد نهيته عن قتله وقد يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا الأمرين وهو الأليق بكلامه وسياق القصة.  [فصل لحوق النسب بالزوج إذا خالف لون ولده لونه] في حكمه صلى الله عليه وسلم في لحوق النسب بالزوج إذا خالف لون ولده لونه ثبت عنه في quot; الصحيحين ( أن رجلا قال له: إن امرأتي ولدت غلاما أسود -كأنه يعرض بنفيه - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; هل لك من إبل quot; قال نعم. قال quot; ما(5\/366)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2254",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10820",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لونها quot; قال: حمر. قال: quot; فهل فيها من أورق quot; قال نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; فأنى أتاها ذلك quot; قال: لعله يا رسول الله يكون نزعه عرق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; وهذا لعله يكون نزعه عرق quot;. وفي هذا الحديث من الفقه أن الحد لا يجب بالتعريض إذا كان على وجه السؤال والاستفتاء. ومن أخذ منه أنه لا يجب بالتعريض ولو كان على وجه المقابحة والمشاتمة فقد أبعد النجعة ورب تعريض أفهم وأوجع للقلب وأبلغ في النكاية من التصريح وبساط الكلام وسياقه يرد ما ذكروه من الاحتمال ويجعل الكلام قطعي الدلالة على المراد. وفيه أن مجرد الريبة لا يسوغ اللعان ونفي الولد. وفيه ضرب الأمثال والأشباه والنظائر في الأحكام ومن تراجم البخاري في quot; صحيحه quot; على هذا الحديث: باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين قد بين الله حكمه ليفهم السائل وساق معه حديث: ( أرأيت لو كان على أمك دين ) .  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم بالولد للفراش وأن الأمة تكون فراشا وفيمن استلحق بعد موت أبيه] ثبت في quot; الصحيحين quot; من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ( اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه انظر إلى شبهه وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي من وليدته فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى شبها بينا بعتبة فقال: quot; هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر(5\/367)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2255",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10821",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "الفراش",
        "content": "واحتجبي منه يا سودة ) فلم تره سودة قط. فهذا الحكم النبوي أصل في ثبوت النسب بالفراش وفي أن الأمة تكون فراشا بالوطء وفي أن الشبه إذا عارض الفراش قدم عليه الفراش وفي أن أحكام النسب تتبعض فتثبت من وجه دون وجه وهو الذي يسميه بعض الفقهاء: حكما بين حكمين وفي أن القافة حق وأنها من الشرع.  [جهات ثبوت النسب] [الفراش] فأما ثبوت النسب بالفراش فأجمعت عليه الأمة. وجهات ثبوت النسب أربعة: الفراش والاستلحاق والبينة والقافة فالثلاثة الأول متفق عليها واتفق المسلمون على أن النكاح يثبت به الفراش واختلفوا في التسري فجعله جمهور الأمة موجبا للفراش واحتجوا بصريح حديث عائشة الصحيح وأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالولد لزمعة وصرح بأنه صاحب الفراش وجعل ذلك علة للحكم بالولد له فسبب الحكم ومحله إنما كان في الأمة فلا يجوز إخلاء الحديث منه وحمله على الحرة التي لم تذكر البتة وإنما كان الحكم في غيرها فإن هذا يستلزم إلغاء ما اعتبره الشارع وعلق الحكم به صريحا وتعطيل محل الحكم الذي كان لأجله وفيه. ثم لو لم يرد الحديث الصحيح فيه لكان هو مقتضى الميزان الذي أنزله الله تعالى ليقوم الناس بالقسط وهو التسوية بين المتماثلين فإن السرية فراش حسا وحقيقة وحكما كما أن الحرة كذلك وهي تراد لما تراد له الزوجة من الاستمتاع والاستيلاد ولم يزل الناس قديما وحديثا يرغبون في السراري لاستيلادهن واستفراشهن والزوجة إنما سميت فراشا لمعنى هي والسرية فيه على حد سواء.(5\/368)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2256",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10822",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو حنيفة: لا تكون الأمة فراشا بأول ولد ولدته من السيد فلا يلحقه الولد إلا إذا استلحقه فيلحقه حينئذ بالاستلحاق لا بالفراش فما ولدت بعد ذلك لحقه إلا أن ينفيه فعندهم ولد الأمة لا يلحق السيد بالفراش إلا أن يتقدمه ولد مستلحق ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم ألحق الولد بزمعة وأثبت نسبه منه ولم يثبت قط أن هذه الأمة ولدت له قبل ذلك غيره ولا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولا استفصل فيه. قال منازعوهم: ليس لهذا التفصيل أصل في كتاب ولا سنة ولا أثر عن صاحب ولا تقتضيه قواعد الشرع وأصوله قالت الحنفية: ونحن لا ننكر كون الأمة فراشا في الجملة ولكنه فراش ضعيف وهي فيه دون الحرة فاعتبرنا ما تعتق به بأن تلد منه ولدا فيستلحقه فما ولدت بعد ذلك لحق به إلا أن ينفيه وأما الولد الأول فلا يلحقه إلا بالاستلحاق ولهذا قلتم: إنه إذا استلحق ولدا من أمته لم يلحقه ما بعده إلا باستلحاق مستأنف بخلاف الزوجة والفرق بينهما: أن عقد النكاح إنما يراد للوطء والاستفراش بخلاف ملك اليمين فإن الوطء والاستفراش فيه تابع ولهذا يجوز وروده على من يحرم عليه وطؤها بخلاف عقد النكاح. قالوا: والحديث لا حجة لكم فيه لأن وطء زمعة لم يثبت وإنما ألحقه النبي صلى الله عليه وسلم لعبد أخا لأنه استلحقه فألحقه باستلحاقه لا بفراش الأب. قال الجمهور: إذا كانت الأمة موطوءة فهي فراش حقيقة وحكما واعتبار ولادتها السابقة في صيرورتها فراشا اعتبار ما لا دليل على اعتباره شرعا والنبي صلى الله عليه وسلم لم يعتبره في فراش زمعة فاعتباره تحكم. وقولكم: إن الأمة لا تراد للوطء فالكلام في الأمة الموطوءة التي اتخذت سرية وفراشا وجعلت كالزوجة أو أحظى منها لا في أمته التي هي أخته من الرضاع ونحوها.(5\/369)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2257",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10823",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقولكم: إن وطء زمعة لم يثبت حتى يلحق به الولد ليس علينا جوابه بل جوابه على من حكم بلحوق الولد بزمعة وقال لابنه: هو أخوك. وقولكم: إنما ألحقه بالأخ لأنه استلحقه باطل فإن المستلحق إن لم يقر به جميع الورثة لم يلحق بالمقر إلا أن يشهد منهم اثنان أنه ولد على فراش الميت وعبد لم يكن يقر له جميع الورثة فإن سودة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم أخته وهي لم تقر به ولم تستلحقه وحتى لو أقرت به مع أخيها عبد لكان ثبوت النسب بالفراش لا بالاستلحاق فإن النبي صلى الله عليه وسلم صرح عقيب حكمه بإلحاق النسب بأن: ( الولد للفراش ) معللا بذلك منبها على قضية كلية عامة تتناول هذه الواقعة وغيرها. ثم جواب هذا الاعتراض الباطل المحرم أن ثبوت كون الأمة فراشا بالإقرار من الواطئ أو وارثه كاف في لحوق النسب فإن النبي صلى الله عليه وسلم ألحقه به بقوله: ابن وليدة أبي ولد على فراشه كيف وزمعة كان صهر النبي صلى الله عليه وسلم وابنته تحته فكيف لا يثبت عنده الفراش الذي يلحق به النسب . وأما ما نقضتم به علينا أنه إذا استلحق ولدا من أمته لم يلحقه ما بعده إلا بإقرار مستأنف فهذا فيه قولان لأصحاب أحمد هذا أحدهما والثاني: أنه يلحقه وإن لم يستأنف إقرارا ومن رجح القول الأول قال: قد يستبرئها السيد بعد الولادة فيزول حكم الفراش بالاستبراء فلا يلحقه ما بعد الأول إلا باعتراف مستأنف أنه وطئها كالحال في أول ولد ومن رجح الثاني قال: قد يثبت كونها فراشا أولا والأصل بقاء الفراش حتى يثبت ما يزيله إذ ليس هذا نظير قولكم: إنه لا يلحقه الولد مع اعترافه بوطئها حتى يستلحقه وأبطل من هذا الاعتراض قول بعضهم: إنه لم يلحقه به أخا وإنما جعله له عبدا ولهذا أتى فيه بلام التمليك فقال: (هو لك) أي: مملوك لك وقوى هذا الاعتراض بأن في بعض ألفاظ الحديث quot; هو لك عبد quot; وبأنه أمر سودة أن تحتجب منه ولو كان أخا لها لما أمرها بالاحتجاب منه فدل على أنه أجنبي منها. قال: وقوله: ( الولد للفراش ) تنبيه على عدم لحوق نسبه بزمعة أي لم تكن هذه الأمة فراشا له لأن(5\/370)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2258",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10824",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأمة لا تكون فراشا والولد إنما هو للفراش وعلى هذا يصح أمر احتجاب سودة منه قال: ويؤكده أن في بعض طرق الحديث: quot; احتجبي منه فإنه ليس لك بأخ quot; قالوا: وحينئذ فتبين أنا أسعد بالحديث وبالقضاء النبوي منكم. قال الجمهور: الآن حمي الوطيس والتقت حلقتا البطان فنقول - والله المستعان - أما قولكم: إنه لم يلحقه به أخا وإنما جعله عبدا يرده ما رواه محمد بن إسماعيل البخاري في quot; صحيحه quot; في هذا الحديث: ( هو لك هو أخوك يا عبد بن زمعة ) وليس اللام للتمليك وإنما هي للاختصاص كقوله: ( الولد للفراش ) فأما لفظة قوله ( هو لك عبد ) فرواية باطلة لا تصح أصلا. وأما أمره سودة بالاحتجاب منه فإما أن يكون على طريق الاحتياط والورع لمكان الشبهة التي أورثها الشبه البين بعتبة وإما أن يكون مراعاة للشبهين وإعمالا للدليلين فإن الفراش دليل لحوق النسب والشبه بغير صاحبه دليل نفيه فأعمل أمر الفراش بالنسبة إلى المدعي لقوته وأعمل الشبه بعتبة بالنسبة إلى ثبوت المحرمية بينه وبين سودة وهذا من أحسن الأحكام وأبينها وأوضحها ولا يمنع ثبوت النسب من وجه دون وجه فهذا الزاني يثبت النسب منه بينه وبين الولد في التحريم والبعضية دون الميراث والنفقة والولاية وغيرها وقد يتخلف بعض أحكام النسب عنه مع ثبوته لمانع وهذا كثير في الشريعة فلا ينكر من تخلف المحرمية بين سودة وبين هذا الغلام لمانع الشبه بعتبة وهل هذا إلا محض الفقه وقد علم بهذا معنى قوله quot; ليس لك بأخ quot; لو صحت هذه اللفظة مع أنها لا تصح وقد ضعفها أهل العلم بالحديث ولا نبالي بصحتها مع قوله لعبد: (هو أخوك) وإذا جمعت أطراف كلام النبي صلى الله عليه وسلم وقرنت قوله quot; هو أخوك quot; بقوله: ( الولد للفراش وللعاهر الحجر ) تبين لك بطلان ما ذكروه من التأويل وأن الحديث صريح في خلافه لا يحتمله بوجه والله أعلم. والعجب أن منازعينا في هذه المسألة يجعلون الزوجة فراشا لمجرد العقد وإن كان بينها وبين الزوج بعد(5\/371)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2259",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10825",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المشرقين ولا يجعلون سريته التي يتكرر استفراشه لها ليلا ونهارا فراشا.  [فصل الاختلاف فيما تصير به الزوجة فراشا] فصل واختلف الفقهاء فيما تصير به الزوجة فراشا على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه نفس العقد وإن علم أنه لم يجتمع بها بل لو طلقها عقيبه في المجلس وهذا مذهب أبي حنيفة. والثاني: أنه العقد مع إمكان الوطء وهذا مذهب الشافعي وأحمد. والثالث: أنه العقد مع الدخول المحقق لا إمكانه المشكوك فيه وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: إن أحمد أشار إليه في رواية حرب فإنه نص في روايته فيمن طلق قبل البناء وأتت امرأته بولد فأنكره أنه ينتفي عنه بغير لعان وهذا هو الصحيح المجزوم به وإلا فكيف تصير المرأة فراشا ولم يدخل بها الزوج ولم يبن بها لمجرد إمكان بعيد  وهل يعد أهل العرف واللغة المرأة فراشا قبل البناء بها وكيف تأتي الشريعة بإلحاق نسب بمن لم يبن بامرأته ولا دخل بها ولا اجتمع بها بمجرد إمكان ذلك وهذا الإمكان قد يقطع بانتفائه عادة فلا تصير المرأة فراشا إلا بدخول محقق. وبالله التوفيق. وهذا الذي نص عليه في رواية حرب هو الذي تقتضيه قواعده وأصول مذهبه. والله أعلم. واختلفوا أيضا فيما تصير به الأمة فراشا فالجمهور على أنها لا تصير فراشا إلا بالوطء , وذهب بعض المتأخرين من المالكية إلى أن الأمة التي تشترى للوطء دون الخدمة كالمرتفعة التي يفهم من قرائن الأحوال أنها إنما تراد للتسري فتصير فراشا بنفس الشراء والصحيح أن الأمة والحرة لا تصيران فراشا إلا بالدخول.  فصل فهذا أحد الأمور الأربعة التي يثبت بها النسب وهو الفراش.(5\/372)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2260",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10826",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[الاستلحاق] الثاني: الاستلحاق وقد اتفق أهل العلم على أن للأب أن يستلحق فأما الجد فإن كان الأب موجودا لم يؤثر استلحاقه شيئا وإن كان معدوما وهو كل الورثة صح إقراره وثبت نسب المقر به وإن كان بعض الورثة وصدقوه فكذلك وإلا لم يثبت نسبه إلا أن يكون أحد الشاهدين فيه. والحكم في الأخ كالحكم في الجد سواء والأصل في ذلك أن من حاز المال يثبت النسب بإقراره واحدا كان أو جماعة وهذا أصل مذهب أحمد والشافعي لأن الورثة قاموا مقام الميت وحلوا محله. وأورد بعض الناس على هذا الأصل أنه لو كان إجماع الورثة على إلحاق النسب يثبت النسب للزم إذا اجتمعوا على نفي حمل من أمة وطئها الميت أن يحلوا محله في نفي النسب كما حلوا محله في إلحاقه وهذا لا يلزم لأنا اعتبرنا جميع الورثة والحمل من الورثة فلم يجمع الورثة على نفيه. فإن قيل فأنتم اعتبرتم في ثبوت النسب إقرار جميع الورثة والمقر هاهنا إنما هو عبد وسودة لم تقر به وهي أخته والنبي صلى الله عليه وسلم ألحقه بعبد باستلحاقه ففيه دليل على استلحاق الأخ وثبوت النسب بإقراره ودليل على أن استلحاق أحد الإخوة كاف. قيل: سودة لم تكن منكرة فإن عبدا استلحقه وأقرته سودة على استلحاقه وإقرارها وسكوتها على هذا الأمر المتعدي حكمه إليها من خلوته بها ورؤيته إياها وصيرورته أخا لها تصديق لأخيها عبد وإقرار بما أقر به وإلا لبادرت إلى الإنكار والتكذيب فجرى رضاها وإقرارها مجرى تصديقها هذا إن كان لم يصدر منها تصديق صريح فالواقعة واقعة عين ومتى استلحق الأخ أو الجد أو غيرهما نسب من لو أقر به مورثهم لحقه ثبت نسبه ما لم يكن هنا وارث منازع فالاستلحاق مقتض لثبوت النسب ومنازعة غيره من الورثة مانع من الثبوت فإذا وجد المقتضي ولم يمنع مانع من اقتضائه ترتب عليه حكمه.(5\/373)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2261",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10827",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولكن هاهنا أمر آخر وهو أن إقرار من حاز الميراث واستلحاقه هل هو إقرار خلافة عن الميت أو إقرار شهادة هذا فيه خلاف فمذهب أحمد والشافعي رحمهما الله أنه إقرار خلافة فلا تشترط عدالة المستلحق بل ولا إسلامه بل يصح ذلك من الفاسق والدين وقالت المالكية: هو إقرار شهادة فتعتبر فيه أهلية الشهادة وحكى ابن القصار عن مذهب مالك: أن الورثة إذا أقروا بالنسب لحق وإن لم يكونوا عدولا والمعروف من مذهب مالك خلافه.  [فصل البينة] فصل الثالث: البينة بأن يشهد شاهدان أنه ابنه أو أنه ولد على فراشه من زوجته أو أمته وإذا شهد بذلك اثنان من الورثة لم يلتفت إلى إنكار بقيتهم وثبت نسبه ولا يعرف في ذلك نزاع.  [فصل القافة] فصل الرابع: القافة حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضاؤه باعتبار القافة وإلحاق النسب بها. ثبت في quot; الصحيحين quot;: من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ( دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال: quot; ألم تري أن مجززا المدلجي نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد وعليهما قطيفة قد غطيا رءوسهما وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض ) فسر(5\/374)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2262",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10828",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النبي صلى الله عليه وسلم بقول القائف ولو كانت كما يقول المنازعون من أمر الجاهلية كالكهانة ونحوها لما سر بها ولا أعجب بها ولكانت بمنزلة الكهانة. وقد صح عنه وعيد من صدق كاهنا. قال الشافعي: والنبي صلى الله عليه وسلم أثبته علما ولم ينكره ولو كان خطأ لأنكره لأن في ذلك قذف المحصنات ونفي الأنساب انتهى. كيف والنبي صلى الله عليه وسلم قد صرح في الحديث الصحيح بصحتها واعتبارها فقال في ولد الملاعنة: ( إن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية وإن جاءت به كذا وكذا فهو لشريك ابن سحماء ) فلما جاءت به على شبه الذي رميت به قال: ( لولا الأيمان لكان لي ولها شأن ) وهل هذا إلا اعتبار للشبه وهو عين القافة فإن القائف يتبع أثر الشبه وينظر إلى من يتصل فيحكم به لصاحب الشبه وقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم الشبه وبين سببه ولهذا لما قالت له أم سلمة: أوتحتلم المرأة فقال quot; مم يكون الشبه quot;. وأخبر في الحديث الصحيح ( أن ماء الرجل إذا سبق ماء المرأة كان الشبه له وإذا سبق ماؤها ماءه كان الشبه لها ) فهذا اعتبار منه للشبه شرعا وقدرا وهذا أقوى ما يكون من طرق الأحكام أن يتوارد عليه الخلق والأمر والشرع والقدر ولهذا تبعه خلفاؤه الراشدون في الحكم بالقافة. قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن(5\/375)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2263",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10829",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يسار عن عمر في امرأة وطئها رجلان في طهر فقال القائف: قد اشتركا فيه جميعا فجعله بينهما. قال الشعبي: وعلي يقول: (هو ابنهما وهما أبواه يرثانه) ذكره سعيد أيضا. وروى الأثرم بإسناده عن سعيد بن المسيب (في رجلين اشتركا في طهر امرأة فحملت فولدت غلاما يشبههما فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فدعا القافة فنظروا فقالوا: نراه يشبههما فألحقه بهما وجعله يرثهما ويرثانه) ولا يعرف قط في الصحابة من خالف عمر وعليا رضي الله عنهما في ذلك بل حكم عمر بهذا في المدينة وبحضرته المهاجرون والأنصار فلم ينكره منهم منكر. قالت الحنفية: قد أجلبتم علينا في القافة بالخيل والرجل والحكم بالقيافة تعويل على مجرد الشبه والظن والتخمين ومعلوم أن الشبه قد يوجد من الأجانب وينتفي عن الأقارب وذكرتم قصة أسامة وزيد ونسيتم قصة الذي ولدت امرأته غلاما أسود يخالف لونهما فلم يمكنه النبي صلى الله عليه وسلم من نفيه ولا جعل للشبه ولا لعدمه أثرا ولو كان للشبه أثر لاكتفى به في ولد الملاعنة ولم يحتج إلى اللعان ولكان ينتظر ولادته ثم يلحق بصاحب الشبه ويستغني بذلك عن اللعان بل كان لا يصح نفيه مع وجود الشبه بالزوج وقد دلت السنة الصحيحة الصريحة على نفيه عن الملاعن ولو كان الشبه له فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أبصروها فإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية ) وهذا قاله بعد اللعان ونفي النسب عنه فعلم أنه لو جاء على الشبه المذكور لم يثبت نسبه منه وإنما كان مجيئه على شبهه دليلا على كذبه لا على لحوق الولد به. قالوا: وأما قصة أسامة وزيد فالمنافقون كانوا يطعنون في نسبه من زيد(5\/376)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2264",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10830",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لمخالفة لونه لون أبيه ولم يكونوا يكتفون بالفراش وحكم الله ورسوله في أنه ابنه فلما شهد به القائف وافقت شهادته حكم الله ورسوله فسر به النبي صلى الله عليه وسلم لموافقتها حكمه ولتكذيبها قول المنافقين لا أنه أثبت نسبه بها فأين في هذا إثبات النسب بقول القائف قالوا: وهذا معنى الأحاديث التي ذكر فيها اعتبار الشبه فإنها إنما اعتبرت فيه الشبه بنسب ثابت بغير القافة ونحن لا ننكر ذلك. قالوا: وأما حكم عمر وعلي فقد اختلف على عمر فروي عنه ما ذكرتم وروي عنه أن القائف لما قال له: قد اشتركا فيه قال: وال أيهما شئت. فلم يعتبر قول القائف. قالوا: وكيف تقولون بالشبه ولو أقر أحد الورثة بأخ وأنكره الباقون والشبه موجود لم تثبتوا النسب به وقلتم: إن لم تتفق الورثة على الإقرار به لم يثبت النسب قال أهل الحديث: من العجب أن ينكر علينا القول بالقافة ويجعلها من باب الحدس والتخمين من يلحق ولد المشرقي بمن في أقصى المغرب مع القطع بأنهما لم يتلاقيا طرفة عين ويلحق الولد باثنين مع القطع بأنه ليس ابنا لأحدهما ونحن إنما ألحقنا الولد بقول القائف المستند إلى الشبه المعتبر شرعا وقدرا فهو استناد إلى ظن غالب ورأي راجح وأمارة ظاهرة بقول من هو من أهل الخبرة فهو أولى بالقبول من قول المقومين وهل ينكر مجيء كثير من الأحكام مستندا إلى الأمارات الظاهرة والظنون الغالبة وأما وجود الشبه بين الأجانب وانتفاؤه بين الأقارب وإن كان واقعا(5\/377)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2265",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10831",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهو من أندر شيء وأقله والأحكام إنما هي للغالب الكثير والنادر في حكم المعدوم. وأما قصة من ولدت امرأته غلاما أسود فهو حجة عليكم لأنها دليل على أن العادة التي فطر الله عليها الناس اعتبار الشبه وأن خلافه يوجب ريبة وأن في طباع الخلق إنكار ذلك ولكن لما عارض ذلك دليل أقوى منه وهو الفراش كان الحكم للدليل القوي وكذلك نقول نحن وسائر الناس: إن الفراش الصحيح إذا كان قائما فلا يعارض بقافة ولا شبه فمخالفة ظاهر الشبه لدليل أقوى منه - وهو الفراش - غير مستنكر وإنما المستنكر مخالفة هذا الدليل الظاهر بغير شيء. وأما تقديم اللعان على الشبه وإلغاء الشبه مع وجوده فكذلك أيضا هو من تقديم أقوى الدليلين على أضعفهما وذلك لا يمنع العمل بالشبه مع عدم ما يعارضه كالبينة تقدم على اليد والبراءة الأصلية ويعمل بهما عند عدمهما. وأما ثبوت نسب أسامة من زيد بدون القيافة فنحن لم نثبت نسبه بالقيافة والقيافة دليل آخر موافق لدليل الفراش فسرور النبي صلى الله عليه وسلم وفرحه بها واستبشاره لتعاضد أدلة النسب وتضافرها لا لإثبات النسب بقول القائف وحده بل هو من باب الفرح بظهور أعلام الحق وأدلته وتكاثرها ولو لم تصلح القيافة دليلا لم يفرح بها ولم يسر وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يفرح ويسر إذا تعاضدت عنده أدلة الحق ويخبر بها الصحابة ويحب أن يسمعوها من المخبر بها لأن النفوس تزداد تصديقا بالحق إذا تعاضدت أدلته وتسر به وتفرح وعلى هذا فطر الله عباده فهذا حكم اتفقت عليه الفطرة والشرعة. وبالله التوفيق. وأما ما روي عن عمر أنه قال: وال أيهما شئت فلا تعرف صحته عن(5\/378)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2266",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10832",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عمر ولو صح عنه لكان قولا عنه فإن ما ذكرنا عنه في غاية الصحة مع أن قوله: وال أيهما شئت ليس بصريح في إبطال قول القائف ولو كان صريحا في إبطال قوله لكان في مثل هذا الموضع إذا ألحقه باثنين كما يقوله الشافعي ومن وافقه. وأما إذا أقر أحد الورثة بأخ وأنكره الباقون فإنما لم يثبت نسبه لمجرد الإقرار فأما إذا كان هناك شبه يستند إليه القائف فإنه لا يعتبر إنكار الباقين ونحن لا نقصر القافة على بني مدلج ولا نعتبر تعدد القائف بل يكفي واحد على الصحيح بناء على أنه خبر وعن أحمد رواية أخرى: أنه شهادة فلا بد من اثنين ولفظ الشهادة بناء على اشتراط اللفظ. فإن قيل: فالمنقول عن عمر أنه ألحقه بأبوين فما تقولون فيما إذا ألحقته القافة بأبوين هل تلحقونه بهما أو لا تلحقونه إلا بواحد وإذا ألحقتموه بأبوين فهل يختص ذلك باثنين أم يلحق بهم وإن كثروا وهل حكم الاثنين في ذلك حكم الأبوين أم ماذا حكمهما قيل: هذه مسائل فيها نزاع بين أهل العلم فقال الشافعي ومن وافقه: لا يلحق بأبوين ولا يكون للرجل إلا أب واحد ومتى ألحقته القافة باثنين سقط قولها. وقال الجمهور: بل يلحق باثنين. ثم اختلفوا فنص أحمد في رواية مهنا بن يحيى: أنه يلحق بثلاثة وقال صاحب المغني: ومقتضى هذا أنه يلحق بمن ألحقته القافة به وإن كثروا لأنه إذا جاز إلحاقه باثنين جاز إلحاقه بأكثر من ذلك وهذا مذهب أبي حنيفة لكنه لا يقول بالقافة فهو يلحقه بالمدعين وإن كثروا وقال القاضي: يجب أن لا يلحق بأكثر من ثلاثة وهو قول محمد بن الحسن وقال ابن حامد: لا يلحق بأكثر من(5\/379)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2267",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10833",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اثنين وهو قول أبي يوسف فمن لم يلحقه بأكثر من واحد قال: قد أجرى الله سبحانه عادته أن للولد أبا واحدا وأما واحدة ولذلك يقال: فلان بن فلان وفلان بن فلانة فقط. ولو قيل: فلان بن فلان وفلان لكان ذلك منكرا وعد قذفا ولهذا إنما يقال يوم القيامة: أين فلان بن فلان وهذه غدرة فلان بن فلان ولم يعهد قط في الوجود نسبة ولد إلى أبوين قط ومن ألحقه باثنين احتج بقول عمر وإقرار الصحابة له على ذلك وبأن الولد قد ينعقد من ماء رجلين كما ينعقد من ماء الرجل والمرأة ثم قال أبو يوسف: إنما جاء الأثر بذلك فيقتصر عليه. وقال القاضي: لا يتعدى به ثلاثة لأن أحمد إنما نص على الثلاثة والأصل ألا يلحق بأكثر من واحد وقد دل قول عمر على إلحاقه باثنين مع انعقاده من ماء الأم فدل على إمكان انعقاده من ماء ثلاثة وما زاد على ذلك فمشكوك فيه. قال الملحقون له بأكثر من ثلاثة: إذا جاز تخليقه من ماء رجلين وثلاثة جاز خلقه من ماء أربعة وخمسة ولا وجه لاقتصاره على ثلاثة فقط بل إما أن يلحق بهم وإن كثروا وإما أن لا يتعدى به أحد ولا قول سوى القولين. والله أعلم. فإن قيل: إذا اشتمل الرحم على ماء الرجل وأراد الله أن يخلق منه الولد انضم عليه أحكم انضمام وأتمه حتى لا يفسد فكيف يدخل عليه ماء آخر قيل: لا يمتنع أن يصل الماء الثاني إلى حيث وصل الأول فينضم عليهما وهذا كما أن الولد ينعقد من ماء الأبوين وقد سبق ماء الرجل ماء المرأة أو بالعكس ومع هذا فلا يمتنع وصول الماء الثاني إلى حيث وصل الأول وقد علم بالعادة أن الحامل إذا توبع وطؤها جاء الولد عبل(5\/380)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2268",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10834",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجسم ما لم يعارض ذلك مانع ولهذا ألهم الله سبحانه الدواب إذا حملت أن لا تمكن الفحل أن ينزو عليها بل تنفر عنه كل النفار. وقال الإمام أحمد: إن الوطء الثاني يزيد في سمع الولد وبصره وقد شبهه النبي صلى الله عليه وسلم بسقي الزرع ومعلوم أن سقيه يزيد في ذاته والله أعلم.  فإن قيل: فقد دل الحديث على حكم استلحاق الولد وعلى أن الولد للفراش فما تقولون لو استلحق الزاني ولدا لا فراش هناك يعارضه هل يلحقه نسبه ويثبت له أحكام النسب قيل: هذه مسألة جليلة اختلف أهل العلم فيها فكان إسحاق بن راهويه يذهب إلى أن المولود من الزنى إذا لم يكن مولودا على فراش يدعيه صاحبه وادعاه الزاني - ألحق به وأول قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الولد للفراش ) على أنه حكم بذلك عند تنازع الزاني وصاحب الفراش كما تقدم وهذا مذهب الحسن البصري رواه عنه إسحاق بإسناده في رجل زنى بامرأة فولدت ولدا فادعى ولدها فقال: يجلد ويلزمه الولد. وهذا مذهب عروة بن الزبير وسليمان بن يسار ذكر عنهما أنهما قالا: (أيما رجل أتى إلى غلام يزعم أنه ابن له وأنه زنى بأمه ولم يدع ذلك الغلام أحد فهو ابنه) . واحتج سليمان بأن عمر بن الخطاب كان يليط أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام وهذا المذهب كما تراه قوة ووضوحا وليس مع الجمهور أكثر من ( الولد للفراش ) وصاحب هذا المذهب أول قائل به والقياس الصحيح يقتضيه فإن الأب أحد الزانيين وهو إذا كان يلحق بأمه وينسب إليها وترثه ويرثها ويثبت النسب بينه وبين أقارب أمه مع كونها زنت به وقد(5\/381)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2269",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10835",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجد الولد من ماء الزانيين وقد اشتركا فيه واتفقا على أنه ابنهما فما المانع من لحوقه بالأب إذا لم يدعه غيره فهذا محض القياس وقد قال جريج للغلام الذي زنت أمه بالراعي: من أبوك يا غلام قال: فلان الراعي وهذا إنطاق من الله لا يمكن فيه الكذب. فإن قيل: فهل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة حكم قيل: قد روي عنه فيها حديثان نحن نذكر شأنهما.  [فصل ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في استلحاق ولد الزنى وتوريثه] فصل ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في استلحاق ولد الزنى وتوريثه ذكر أبو داود في quot; سننه quot; من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا مساعاة في الإسلام من ساعى في الجاهلية فقد لحق بعصبته ومن ادعى ولدا من غير رشدة فلا يرث ولا يورث ) . المساعاة الزنى وكان الأصمعي يجعلها في الإماء دون الحرائر لأنهن يسعين لمواليهن فيكتسبن لهم وكان عليهن ضرائب مقررة فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم المساعاة في الإسلام ولم يلحق النسب بها وعفا عما كان في الجاهلية منها وألحق النسب به. وقال الجوهري: يقال زنى الرجل وعهر فهذا قد يكون في الحرة والأمة ويقال في الأمة خاصة: قد ساعاها. ولكن في إسناد هذا الحديث رجل مجهول فلا تقوم به حجة. وروى أيضا في quot; سننه quot; من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده quot; أن(5\/382)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2270",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10836",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النبي صلى الله عليه وسلم ( قضى أن كل مستلحق استلحق ) بعد أبيه الذي يدعى له ادعاه ورثته فقضى أن كل من كان من أمة يملكها يوم أصابها فقد لحق بمن استلحقه وليس له مما قسم قبله من الميراث وما أدرك من ميراث لم يقسم فله نصيبه ولا يلحق إذا كان أبوه الذي يدعى له أنكره وإن كان من أمة لم يملكها أو من حرة عاهر بها فإنه لا يلحق ولا يرث وإن كان الذي يدعى له هو ادعاه فهو من ولد زنية من حرة كان أو أمة. وفي رواية: وهو ولد زنى لأهل أمه من كانوا - حرة أو أمة. وذلك فيما استلحق في أول الإسلام فما اقتسم من مال قبل الإسلام فقد مضى quot; وهذا لأهل الحديث في إسناده مقال لأنه من رواية محمد بن راشد المكحولي. وكان قوم في الجاهلية لهم إماء بغايا فإذا ولدت أمة أحدهم وقد وطئها غيره بالزنى فربما ادعاه سيدها وربما ادعاه الزاني واختصما في ذلك حتى قام الإسلام فحكم النبي صلى الله عليه وسلم بالولد للسيد لأنه صاحب الفراش ونفاه على الزاني. ثم تضمن هذا الحديث أمورا: منها: أن المستلحق إذا استلحق بعد أبيه الذي يدعى له ادعاه ورثته فإن كان الولد من أمة يملكها الواطئ يوم أصابها فقد لحق بمن استلحقه يعني إذا كان الذي استلحقه ورثة مالك الأمة وصار ابنه من يومئذ ليس له مما قسم قبله من الميراث شيء لأن هذا تجديد حكم نسبه ومن يومئذ يثبت نسبه فلا يرجع بما اقتسم قبله من الميراث إذ لم يكن حكم البنوة ثابتا وما أدرك من ميراث لم يقسم فله نصيبه منه لأن الحكم ثبت قبل قسمه الميراث فيستحق منه نصيبه(5\/383)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2271",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10837",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا نظير من أسلم على ميراث قبل قسمه قسم له في أحد قولي العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد وإن أسلم بعد قسم الميراث فلا شيء له فثبوت النسب هاهنا بمنزلة الإسلام بالنسبة إلى الميراث. قوله: quot; ولا يلحق إذا كان أبوه الذي يدعى له أنكره quot; هذا يبين أن التنازع بين الورثة وأن الصورة الأولى أن يستلحقه ورثة أبيه الذي كان يدعى له وهذه الصورة إذا استلحقه ورثته وأبوه الذي يدعى له كان ينكر فإنه لا يلحق لأن الأصل الذي الورثة خلف عنه منكر له فكيف يلحق به مع إنكاره فهذا إذا كان من أمة يملكها أما إذا كان من أمة لم يملكها أو من حرة عاهر بها فإنه لا يلحق ولا يرث وإن ادعاه الواطئ وهو ولد زنية من أمة كان أو من حرة وهذا حجة الجمهور على إسحاق ومن قال بقوله: إنه لا يلحق بالزاني إذا ادعاه ولا يرثه وأنه ولد زنى لأهل أمه من كانوا حرة كانت أو أمة. وأما ما اقتسم من مال قبل الإسلام فقد مضى فهذا الحديث يرد قول إسحاق ومن وافقه لكن فيه محمد بن راشد ونحن نحتج بعمرو بن شعيب فلا يعلل الحديث به فإن ثبت هذا الحديث تعين القول بموجبه والمصير إليه وإلا فالقول قول إسحاق ومن معه والله المستعان.  [ذكر الحكم الذي حكم به علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الجماعة الذين وقعوا على امرأة في طهر واحد ثم تنازعوا الولد]  فأقرع بينهم فيه ثم بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فضحك ولم ينكره ذكر أبو داود والنسائي في quot; سننهما quot; من حديث عبد الله بن الخليل عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: ( كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجل من أهل اليمن فقال: إن ثلاثة نفر من أهل اليمن أتوا عليا يختصمون إليه في ولد قد وقعوا على امرأة في طهر واحد فقال لاثنين: طيبا بالولد لهذا فغليا ثم قال:(5\/384)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2272",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10838",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لاثنين طيبا بالولد لهذا فغليا ثم قال: لاثنين طيبا بالولد لهذا فغليا فقال أنتم شركاء متشاكسون إني مقرع بينكم فمن قرع فله الولد وعليه لصاحبيه ثلثا الدية فأقرع بينهم فجعله لمن قرع فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت أضراسه أو نواجذه ) . وفي إسناده يحيى بن عبد الله الكندي الأجلح ولا يحتج بحديثه لكن رواه أبو داود والنسائي بإسناد كلهم ثقات إلى عبد خير عن زيد بن أرقم قال: ( أتي علي بن أبي طالب بثلاثة - وهو باليمن - وقعوا على امرأة في طهر واحد فسأل اثنين: أتقران لهذا بالولد قالا: لا. حتى سألهم جميعا فجعل كلما سأل اثنين قالا: لا فأقرع بينهم فألحق الولد بالذي صارت عليه القرعة وجعل عليه ثلثي الدية قال فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه ) . وقد أعل هذا الحديث بأنه روي عن عبد خير بإسقاط زيد بن أرقم فيكون مرسلا. قال النسائي: وهذا أصوب. وهذا أعجب فإن إسقاط زيد بن أرقم من هذا الحديث لا يجعله مرسلا فإن عبد خير أدرك عليا وسمع منه وعلي صاحب القصة فهب أن زيد بن أرقم لا ذكر له في السند فمن أين يجيء الإرسال إلا أن يقال: عبد خير لم يشاهد ضحك النبي صلى الله عليه وسلم! وعلي إذ ذاك كان باليمن وإنما شاهد ضحكه صلى الله عليه وسلم زيد بن أرقم أو غيره من الصحابة وعبد خير لم يذكر من شاهد ضحكه فصار الحديث به مرسلا. فيقال إذا: قد صح السند عن عبد خير عن زيد بن أرقم متصلا فمن رجح الاتصال لكونه زيادة من الثقة فظاهر ومن رجح رواية الأحفظ والأضبط وكان الترجيح من جانبه ولم يكن علي قد أخبره(5\/385)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2273",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10839",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالقصة - فغايتها أن تكون مرسلة وقد يقوى الحديث بروايته من طريق أخرى متصلا. وبعد فاختلف الفقهاء في هذا الحكم فذهب إليه إسحاق بن راهويه وقال: هو السنة في دعوى الولد وكان الشافعي يقول به في القديم وأما الإمام أحمد فسئل عن هذا الحديث فرجح عليه حديث القافة وقال: حديث القافة أحب إلي. وهاهنا أمران أحدهما: دخول القرعة في النسب والثاني: تغريم من خرجت له القرعة ثلثي دية ولده لصاحبيه. وأما القرعة فقد تستعمل عند فقدان مرجح سواها من بينة أو إقرار أو قافة وليس ببعيد تعيين المستحق بالقرعة في هذه الحال إذ هي غاية المقدور عليه من أسباب ترجيح الدعوى ولها دخول في دعوى الأملاك المرسلة التي لا تثبت بقرينة ولا أمارة فدخولها في النسب الذي يثبت بمجرد الشبه الخفي المستند إلى قول القائف أولى وأحرى. وأما أمر الدية فمشكل جدا فإن هذا ليس بموجب الدية وإنما هو تفويت نسبه بخروج القرعة فيقال وطء كل واحد صالح لجعل الولد له فقد فوته كل واحد منهم على صاحبيه بوطئه ولكن لم يتحقق من كان له الولد منهم فلما أخرجته القرعة لأحدهم صار مفوتا لنسبه عن صاحبيه فأجري ذلك مجرى إتلاف الولد ونزل الثلاثة منزلة أب واحد فحصة المتلف منه ثلث الدية إذ قد عاد الولد له فيغرم لكل من صاحبيه ما يخصه وهو ثلث الدية. ووجه آخر أحسن من هذا أنه لما أتلفه عليهما بوطئه ولحوق الولد به وجب عليه ضمان قيمته وقيمة الولد شرعا هي ديته فلزمه لهما ثلثا قيمته وهي ثلثا الدية وصار هذا كمن أتلف عبدا بينه وبين شريكين له فإنه يجب عليه ثلثا القيمة لشريكيه فإتلاف الولد الحر عليهما بحكم القرعة كإتلاف الرقيق الذي بينهم.(5\/386)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2274",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10840",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونظير هذا تضمين الصحابة المغرور بحرية الأمة قيمة أولاده لسيد الأمة لما فات رقهم على السيد لحريتهم وكانوا بصدد أن يكونوا أرقاء وهذا ألطف ما يكون من القياس وأدقه وأنت إذا تأملت كثيرا من أقيسة الفقهاء وتشبيهاتهم وجدت هذا أقوى منها وألطف مسلكا وأدق مأخذا ولم يضحك منه النبي صلى الله عليه وسلم سدى. وقد يقال: لا تعارض بين هذا وبين حديث القافة بل إن وجدت القافة تعين العمل بها وإن لم توجد قافة أو أشكل عليهم تعين العمل بهذا الطريق والله أعلم.  [فصل ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الولد من أحق به في الحضانة] فصل ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الولد من أحق به في الحضانة روى أبو داود في quot; سننه quot; من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص ( أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وثديي له سقاء وحجري له حواء وإن أباه طلقني فأراد أن ينتزعه مني فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; أنت أحق به ما لم تنكحي ) . وفي quot; الصحيحين quot;: من حديث البراء بن عازب ( أن ابنة حمزة اختصم فيها علي وجعفر وزيد. فقال علي: أنا أحق بها وهي ابنة عمي وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي وقال زيد: ابنة أخي فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالتها وقال: الخالة بمنزلة الأم ) .(5\/387)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2275",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10841",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروى أهل السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( خير غلاما بين أبيه وأمه ) . قال الترمذي: حديث صحيح. وروى أهل السنن أيضا عنه ( أن امرأة جاءت فقالت: يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة وقد نفعني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; استهما عليه quot; فقال زوجها: من يحاقني في ولدي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; هذا أبوك وهذه أمك وخذ بيد أيهما شئت quot; فأخذ بيد أمه فانطلقت به ) . قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي quot; سنن النسائي quot;: عن عبد الحميد بن سلمة الأنصاري عن أبيه عن جده ( أن جده أسلم وأبت امرأته أن تسلم فجاء بابن له صغير لم يبلغ قال: فأجلس النبي صلى الله عليه وسلم الأب هاهنا والأم هاهنا ثم خيره وقال: quot; اللهم اهده quot; فذهب إلى أبيه ) .(5\/388)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2276",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10842",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورواه أبو داود عنه وقال: أخبرني جدي رافع بن سنان ( أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ابنتي وهي فطيم أو شبهه وقال رافع: ابنتي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; اقعد ناحية quot; وقال لها: quot; اقعدي ناحية quot; فأقعد الصبية بينهما ثم قال: quot; ادعواها quot; فمالت إلى أمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; اللهم اهدها quot; فمالت إلى أبيها فأخذها ) .  [فصل الكلام على هذه الأحكام] أما الحديث الأول فهو حديث احتاج الناس فيه إلى عمرو بن شعيب ولم يجدوا بدا من الاحتجاج هنا به ومدار الحديث عليه وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في سقوط الحضانة بالتزويج غير هذا وقد ذهب إليه الأئمة الأربعة وغيرهم وقد صرح بأن الجد هو عبد الله بن عمرو فبطل قول من يقول: لعله محمد والد شعيب فيكون الحديث مرسلا. وقد صح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو فبطل قول من قال: إنه منقطع وقد احتج به البخاري خارج صحيحه ونص على صحة حديثه وقال: كان عبد الله بن الزبير الحميدي وأحمد وإسحاق وعلي بن عبد الله يحتجون بحديثه فمن الناس بعدهم ! هذا لفظه. وقال إسحاق بن راهويه: هو عندنا كأيوب عن نافع عن ابن عمر. وحكى الحاكم في quot; علوم الحديث quot; له الاتفاق على صحة حديثه. وقال أحمد بن صالح: لا يختلف على عبد الله أنها صحيفة. وقولها: quot; كان بطني وعاء quot; إلى آخره إدلاء منها وتوسل إلى اختصاصها به كما اختص بها في هذه المواطن الثلاثة والأب لم يشاركها في ذلك فنبهت(5\/389)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2277",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10843",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في هذا الاختصاص الذي لم يشاركها فيه الأب على الاختصاص الذي طلبته بالاستفتاء والمخاصمة. وفي هذا دليل على اعتبار المعاني والعلل وتأثيرها في الأحكام وإناطتها بها وأن ذلك أمر مستقر في الفطر السليمة حتى فطر النساء وهذا الوصف الذي أدلت به المرأة وجعلته سببا لتعليق الحكم به قد قرره النبي صلى الله عليه وسلم ورتب عليه أثره ولو كان باطلا ألغاه بل ترتيبه الحكم عقيبه دليل على تأثيره فيه وأنه سببه. واستدل بالحديث على القضاء على الغائب فإن الأب لم يذكر له حضور ولا مخاصمة ولا دلالة فيه لأنها واقعة عين فإن كان الأب حاضرا فظاهر وإن كان غائبا فالمرأة إنما جاءت مستفتية أفتاها النبي صلى الله عليه وسلم بمقتضى مسألتها وإلا فلا يقبل قولها على الزوج إنه طلقها حتى يحكم لها بالولد بمجرد قولها.  [فصل الأم أحق بالولد من الأب] ودل الحديث على أنه إذا افترق الأبوان وبينهما ولد فالأم أحق به من الأب ما لم يقم بالأم ما يمنع تقديمها أو بالولد وصف يقتضي تخييره وهذا ما لا يعرف فيه نزاع وقد قضى به خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر على عمر بن الخطاب ولم ينكر عليه منكر. فلما ولي عمر قضى بمثله فروى مالك في quot; الموطأ quot; عن يحيى بن سعيد أنه قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: (كانت عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأة من الأنصار فولدت له عاصم بن عمر ثم إن عمر فارقها فجاء عمر قباء فوجد ابنه عاصما يلعب بفناء المسجد فأخذ بعضده فوضعه بين يديه على الدابة فأدركته جدة الغلام فنازعته إياه حتى أتيا أبا بكر الصديق رضي الله عنه فقال عمر: ابني وقالت المرأة: ابني. فقال أبو بكر رضي الله عنه: خل بينها وبينه فما راجعه عمر الكلام) .(5\/390)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2278",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10844",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ابن عبد البر: هذا خبر مشهور من وجوه منقطعة ومتصلة تلقاه أهل العلم بالقبول والعمل وزوجة عمر أم ابنه عاصم: هي جميلة ابنة عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري. قال: وفيه دليل على أن عمر كان مذهبه في ذلك خلاف أبي بكر ولكنه سلم للقضاء ممن له الحكم والإمضاء ثم كان بعد في خلافته يقضي به ويفتي ولم يخالف أبا بكر في شيء منه ما دام الصبي صغيرا لا يميز ولا مخالف لهما من الصحابة. وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج أنه أخبره عن عطاء الخراساني عن ابن عباس قال: (طلق عمر بن الخطاب امرأته الأنصارية أم ابنه عاصم فلقيها تحمله بمحسر وقد فطم ومشى فأخذ بيده لينتزعه منها ونازعها إياه حتى أوجع الغلام وبكى وقال: أنا أحق بابني منك فاختصما إلى أبي بكر فقضى لها به وقال: ريحها وفراشها وحجرها خير له منك حتى يشب ويختار لنفسه) . ومحسر: سوق بين قباء والمدينة. وذكر عن الثوري عن عاصم عن عكرمة قال: (خاصمت امرأة عمر عمر إلى أبي بكر رضي الله عنه وكان طلقها فقال أبو بكر رضي الله عنه: الأم أعطف وألطف وأرحم وأحنى وأرأف هي أحق بولدها ما لم تتزوج.) وذكر عن معمر قال: سمعت الزهري يقول: إن أبا بكر قضى على عمر في ابنه مع أمه وقال: (أمه أحق به ما لم تتزوج) فإن قيل: فقد اختلفت الرواية: هل كانت المنازعة وقعت بينه وبين الأم(5\/391)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2279",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10845",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أولا ثم بينه وبين الجدة أو وقعت مرة واحدة بينه وبين إحداهما قيل: الأمر في ذلك قريب لأنها إن كانت من الأم فواضح وإن كانت من الجدة فقضاء الصديق رضي الله عنه لها يدل على أن الأم أولى.  [فصل يقدم الأب في ولاية المال والنكاح وتقدم الأم في ولاية الحضانة والرضاع] فصل والولاية على الطفل نوعان: نوع يقدم فيه الأب على الأم ومن في جهتها وهي ولاية المال والنكاح ونوع تقدم فيه الأم على الأب وهي ولاية الحضانة والرضاع وقدم كل من الأبوين فيما جعل له من ذلك لتمام مصلحة الولد وتوقف مصلحته على من يلي ذلك من أبويه وتحصل به كفايته. ولما كان النساء أعرف بالتربية وأقدر عليها وأصبر وأرأف وأفرغ لها لذلك قدمت الأم فيها على الأب. ولما كان الرجال أقوم بتحصيل مصلحة الولد والاحتياط له في البضع قدم الأب فيها على الأم فتقديم الأم في الحضانة من محاسن الشريعة والاحتياط للأطفال والنظر لهم وتقديم الأب في ولاية المال والتزويج كذلك. إذا عرف هذا فهل قدمت الأم لكون جهتها مقدمة على جهة الأبوة في الحضانة فقدمت لأجل الأمومة أو قدمت على الأب لكون النساء أقوم بمقاصد الحضانة والتربية من الذكور فيكون تقديمها لأجل الأنوثة ففي هذا للناس قولان وهما في مذهب أحمد يظهر أثرهما في تقديم نساء العصبة على أقارب الأم أو بالعكس كأم الأم وأم الأب والأخت من الأب والأخت من الأم والخالة والعمة وخالة الأم وخالة الأب ومن يدلي من الخالات والعمات بأم ومن يدلي منهن بأب ففيه روايتان عن الإمام أحمد. إحداهما: تقديم أقارب الأم على أقارب الأب. والثانية وهي أصح دليلا واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: تقديم أقارب الأب وهذا هو الذي ذكره الخرقي في quot; مختصره quot; فقال: والأخت من الأب أحق من الأخت من الأم وأحق من الخالة(5\/392)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2280",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10846",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وخالة الأب أحق من خالة الأم وعلى هذا فأم الأب مقدمة على أم الأم كما نص عليه أحمد في إحدى الروايتين عنه. وعلى هذه الرواية فأقارب الأب من الرجال مقدمون على أقارب الأم والأخ للأب أحق من الأخ للأم والعم أولى من الخال هذا إن قلنا: إن لأقارب الأم من الرجال مدخلا في الحضانة وفي ذلك وجهان في مذهب أحمد والشافعي. أحدهما: أنه لا حضانة إلا لرجل من العصبة محرم أو لامرأة وارثة أو مدلية بعصبة أو وارث. والثاني: أن لهم الحضانة والتفريع على هذا الوجه وهو قول أبي حنيفة وهذا يدل على رجحان جهة الأبوة على جهة الأمومة في الحضانة وأن الأم إنما قدمت لكونها أنثى لا لتقديم جهتها إذ لو كان جهتها راجحة لترجح رجالها ونساؤها على الرجال والنساء من جهة الأب ولما لم يترجح رجالها اتفاقا فكذلك النساء وما الفرق المؤثر ! وأيضا فإن أصول الشرع وقواعده شاهدة بتقديم أقارب الأب في الميراث وولاية النكاح وولاية الموت وغير ذلك ولم يعهد في الشرع تقديم قرابة الأم على قرابة الأب في حكم من الأحكام فمن قدمها في الحضانة فقد خرج عن موجب الدليل. فالصواب في المأخذ هو أن الأم إنما قدمت لأن النساء أرفق بالطفل وأخبر بتربيته وأصبر على ذلك وعلى هذا فالجدة أم الأب أولى من أم الأم والأخت للأب أولى من الأخت للأم والعمة أولى من الخالة كما نص عليه أحمد في إحدى الروايتين وعلى هذا فتقدم أم الأب على أب الأب كما تقدم الأم على الأب. وإذا تقرر هذا الأصل فهو أصل مطرد منضبط لا تتناقض فروعه بل إن اتفقت القرابة والدرجة واحدة قدمت الأنثى على الذكر فتقدم الأخت على الأخ(5\/393)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2281",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10847",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعمة على العم والخالة على الخال والجدة على الجد وأصله تقديم الأم على الأب. وإن اختلفت القرابة قدمت قرابة الأب على قرابة الأم فتقدم الأخت للأب على الأخت للأم والعمة على الخالة وعمة الأب على خالته وهلم جرا. وهذا هو الاعتبار الصحيح والقياس المطرد وهذا هو الذي قضى به سيد قضاة الإسلام شريح كما روى وكيع في quot; مصنفه quot; عن الحسن بن عقبة عن سعيد بن الحارث قال: اختصم عم وخال إلى شريح في طفل فقضى به للعم فقال الخال: أنا أنفق عليه من مالي فدفعه إليه شريح. ومن سلك غير هذا المسلك لم يجد بدا من التناقض مثاله: أن الثلاثة وأحمد في إحدى روايتيه يقدمون أم الأم على أم الأب ثم قال الشافعي في ظاهر مذهبه وأحمد في المنصوص عنه: تقدم الأخت للأب على الأخت للأم فتركوا القياس وطرده أبو حنيفة والمزني وابن سريج فقالوا: تقدم الأخت للأم على الأخت للأب. قالوا: لأنها تدلي بالأم والأخت للأب بالأب فلما قدمت الأم على الأب قدم من يدلي بها على من يدلي به ولكن هذا أشد تناقضا من الأول لأن أصحاب القول الأول جروا على القياس والأصول في تقديم قرابة الأب على قرابة الأم وخالفوا ذلك في أم الأم وأم الأب وهؤلاء تركوا القياس في الموضعين وقدموا القرابة التي أخرها الشرع وأخروا القرابة التي قدمها ولم يمكنهم تقديمها في كل موضع فقدموها في موضع وأخروها في غيره مع تساويهما ومن ذلك تقديم الشافعي في الجديد الخالة على العمة مع تقديمه الأخت للأب على الأخت للأم وطرد قياسه في تقديم أم الأم على أم الأب فوجب تقديم الأخت للأم والخالة على الأخت للأب والعمة وكذلك من قدم من أصحاب أحمد الخالة على العمة وقدم الأخت للأب على الأخت للأم كقول القاضي وأصحابه وصاحب quot; المغني quot;: فقد تناقضوا.(5\/394)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2282",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10848",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: الخالة تدلي بالأم والعمة تدلي بالأب فكما قدمت الأم على الأب قدم من يدلي بها ويزيده بيانا كون الخالة أما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فالعمة بمنزلة الأب. قيل: قد بينا أنه لم يقدم الأم على الأب لقوة الأمومة وتقديم هذه الجهة بل لكونها أنثى فإذا وجد عمة وخالة فالمعنى الذي قدمت له الأم موجود فيهما وامتازت العمة بأنها تدلي بأقوى القرابتين وهي قرابة الأب والنبي صلى الله عليه وسلم ( قضى بابنة حمزة لخالتها وقال: الخالة أم ) حيث لم يكن لها مزاحم من أقارب الأب تساويها في درجتها. فإن قيل: فقد كان لها عمة وهي صفية بنت عبد المطلب أخت حمزة وكانت إذ ذاك موجودة في المدينة فإنها هاجرت وشهدت الخندق وقتلت رجلا من اليهود كان يطيف بالحصن الذي هي فيه وهي أول امرأة قتلت رجلا من المشركين وبقيت إلى خلافة عمر رضي الله عنه فقدم النبي صلى الله عليه وسلم الخالة عليها وهذا يدل على تقديم من في جهة الأم على من في جهة الأب. قيل إنما يدل هذا إذا كانت صفية قد نازعت معهم وطلبت الحضانة فلم يقض لها بها بعد طلبها وقدم عليها الخالة هذا إذا كانت لم تمنع منها لعجزها عنها فإنها توفيت سنة عشرين عن ثلاث وسبعين سنة فيكون لها وقت هذه الحكومة بضع وخمسون سنة فيحتمل أنها تركتها لعجزها عنها ولم تطلبها مع قدرتها والحضانة حق للمرأة فإذا تركتها انتقلت إلى غيرها. وبالجملة فإنما يدل الحديث على تقديم الخالة على العمة إذا ثبت أن صفية خاصمت في ابنة أخيها وطلبت كفالتها فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخالة وهذا لا سبيل إليه.(5\/395)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2283",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10849",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل تناقض من قدم أم أم ثم الخالة على الأب وأم الأب] فصل ومن ذلك أن مالكا لما قدم أم الأم على أم الأب قدم الخالة بعدها على الأب وأمه واختلف أصحابه في تقديم خالة الخالة على هؤلاء على وجهين فأحد الوجهين: تقديم خالة الخالة على الأب نفسه وعلى أمه وهذا في غاية البعد فكيف تقدم قرابة الأم وإن بعدت على الأب نفسه وعلى قرابته مع أن الأب وأقاربه أشفق على الطفل وأرعى لمصلحته من قرابة الأم فإنه ليس إليهم بحال ولا ينسب إليهم بل هو أجنبي منهم وإنما نسبه وولاؤه إلى أقارب أبيه وهم أولى به يعقلون عنه وينفقون عليه عند الجمهور ويتوارثون بالتعصيب وإن بعدت القرابة بينهم بخلاف قرابة الأم فإنه لا يثبت فيها ذلك ولا توارث فيها إلا في أمهاتها وأول درجة من فروعها وهم ولدها فكيف تقدم هذه القرابة على الأب ومن في جهته ولا سيما إذا قيل بتقديم خالة الخالة على الأب نفسه وعلى أمه فهذا القول مما تأباه أصول الشريعة وقواعدها. وهذا نظير إحدى الروايتين عن أحمد في تقديم الأخت على الأم والخالة على الأب وهذا أيضا في غاية البعد ومخالفة القياس. وحجة هذا القول: أن كلتيهما تدليان بالأم المقدمة على الأب فتقدمان عليه وهذا ليس بصحيح فإن الأم لما ساوت الأب في الدرجة وامتازت عليه بكونها أقوم بالحضانة وأقدر عليها وأصبر قدمت عليه وليس كذلك الأخت من الأم والخالة مع الأب فإنهما لا يساويانه وليس أحد أقرب إلى ولده منه فكيف تقدم عليه بنت امرأته أو أختها وهل جعل الله الشفقة فيهما أكمل منه ثم اختلف أصحاب الإمام أحمد في فهم نصه هذا على ثلاثة أوجه: أحدها: إنما قدمها على الأب لأنوثتها فعلى هذا تقدم نساء الحضانة على كل رجل فتقدم خالة الخالة وإن علت وبنت الأخت على الأب. الثاني: أن الخالة والأخت للأم لم تدليا بالأب وهما من أهل الحضانة(5\/396)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2284",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10850",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "فصل ضابط في الحضانة لأصحاب أحمد",
        "content": "فتقدم نساء الحضانة على كل رجل إلا على من أدلين به فلا تقدمن عليه لأنهن فرعه فعلى هذا الوجه لا تقدم أم الأب على الأب ولا الأخت والعمة عليه وتقدم عليه أم الأم والخالة والأخت للأم وهذا أيضا ضعيف جدا إذ يستلزم تقديم قرابة الأم البعيدة على الأب وأمه ومعلوم أن الأب إذا قدم على الأخت للأب فتقديمه على الأخت للأم أولى لأن الأخت للأب مقدمة عليها فكيف تقدم على الأب نفسه هذا تناقض بين. الثالث: تقديم نساء الأم على الأب وأمهاته وسائر من في جهته قالوا: فعلى هذا فكل امرأة في درجة رجل تقدم عليه ويقدم من أدلى بها على من أدلى بالرجل فلما قدمت الأم على الأب وهي في درجته قدمت الأخت من الأم على الأخت من الأب وقدمت الخالة على العمة. هذا تقرير ما ذكره أبو البركات بن تيمية في quot; محرره quot; من تنزيل نص أحمد على هذه المحامل الثلاث وهو مخالف لعامة نصوصه في تقديم الأخت للأب على الأخت للأم وعلى الخالة وتقديم خالة الأب على خالة الأم وهو الذي لم يذكر الخرقي في quot; مختصره quot; غيره وهو الصحيح وخرجها ابن عقيل على الروايتين في أم الأم وأم الأب ولكن نصه ما ذكره الخرقي وهذه الرواية التي حكاها صاحب quot; المحرر quot; ضعيفة مرجوحة فلهذا جاءت فروعها ولوازمها أضعف منها بخلاف سائر نصوصه في جادة مذهبه.  [فصل ضابط في الحضانة لأصحاب أحمد] فصل وقد ضبط بعض أصحابه هذا الباب بضابط فقال: كل عصبة فإنه يقدم على كل امرأة هي أبعد منه ويتأخر عمن هي أقرب منه وإذا تساويا فعلى وجهين. فعلى هذا الضابط يقدم الأب على أمه وعلى أم الأم ومن معها ويقدم الأخ على ابنته وعلى العمة والعم على عمة الأب وتقدم أم الأب على جد الأب وفي تقديمها على أب الأب وجهان. وفي تقديم الأخت للأب على الأخ للأب وجهان وفي تقديم العمة على العم وجهان.(5\/397)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2285",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10851",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "فصل بيان تناقض الضابط السابق",
        "content": "والصواب: تقديم الأنثى مع التساوي كما قدمت الأم على الأب لما استويا فلا وجه لتقديم الذكر على الأنثى مع مساواتها له وامتيازها بقوة أسباب الحضانة والتربية فيها. واختلف في بنات الإخوة والأخوات هل يقدمن على الخالات والعمات أو تقدم الخالات والعمات عليهن على وجهين مأخذهما: أن الخالة والعمة تدليان بأخوة الأم والأب وبنات الإخوة والأخوات يدلين ببنوة الأب فمن قدم بنات الإخوة راعى قوة البنوة على الأخوة وليس ذلك بجيد بل الصواب تقديم العمة والخالة لوجهين. أحدهما: أنها أقرب إلى الطفل من بنات أخيه فإن العمة أخت أبيه وابنة الأخ ابنة ابن أبيه وكذلك الخالة أخت أمه وبنت الأخت من الأم أو لأب بنت بنت أمه أو أبيه ولا ريب أن العمة والخالة أقرب إليه من هذه القرابة. الثاني: أن صاحب هذا القول إن طرد أصله لزمه ما لا قبل له به من تقديم بنت بنت الأخت وإن نزلت على الخالة التي هي أم وهذا فاسد من القول وإن خص ذلك ببنت الأخت دون من سفل منها تناقض. واختلف أصحاب أحمد أيضا في الجد والأخت للأب أيهما أولى فالمذهب: أن الجد أولى منها وحكى القاضي في quot; المجرد quot; وجها: أنها أولى منه وهذا يجيء على أحد التأويلات التي تأول عليها الأصحاب نص أحمد وقد تقدمت.  [فصل بيان تناقض الضابط السابق] فصل ومما يبين صحة الأصل المتقدم: أنهم قالوا: إذا عدم الأمهات ومن في جهتهن انتقلت الحضانة إلى العصبات وقدم الأقرب فالأقرب منهم كما في الميراث فهذا جار على القياس فيقال لهم: هلا راعيتم هذا في جنس القرابة فقدمتم القرابة القوية الراجحة على الضعيفة المرجوحة كما فعلتم في العصبات(5\/398)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2286",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10852",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأيضا فإن الصحيح في الأخوات عندكم أنه يقدم منهن من كانت لأبوين ثم من كانت لأب ثم من كانت لأم وهذا صحيح موافق للأصول والقياس لكن إذا ضم هذا إلى قولهم بتقديم قرابة الأم على قرابة الأب جاء التناقض وتلك الفروع المشكلة المتناقضة. وأيضا فقد قالوا بتقديم أمهات الأب والجد على الخالات والأخوات للأم وهو الصواب الموافق لأصول الشرع لكنه مناقض لتقديمهم أمهات الأم على أمهات الأب ويناقض تقديم الخالة والأخت للأم على الأب كما هو إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله والقول القديم للشافعي. ولا ريب أن القول به أطرد للأصل لكنه في غاية البعد من قياس الأصول كما تقدم ويلزمهم من طرده أيضا تقديم من كان من الأخوات لأم على من كان منهن لأب وقد التزمه أبو حنيفة والمزني وابن سريج ويلزمهم من طرده أيضا تقديم بنت الخالة على الأخت للأب وقد التزمه زفر وهو رواية عن أبي حنيفة ولكن أبو يوسف استشنع ذلك فقدم الأخت للأب كقول الجمهور ورواه عن أبي حنيفة. ويلزمهم أيضا من طرده تقديم الخالة والأخت للأم على الجدة أم الأب وهذا في غاية البعد والوهن وقد التزمه زفر ومثل هذا من المقاييس التي حذر منها أبو حنيفة أصحابه وقال: لا تأخذوا بمقاييس زفر فإنكم إن أخذتم بمقاييس زفر حرمتم الحلال وحللتم الحرام.  [فصل ضابط آخر في الحضانة لبعض أصحاب أحمد وبيان تناقضه] وقد رام بعض أصحاب أحمد ضبط هذا الباب بضابط زعم أنه يتخلص به من التناقض فقال: الاعتبار في الحضانة بالولادة المتحققة وهي الأمومة ثم الولادة الظاهرة وهي الأبوة ثم الميراث. قال ولذلك تقدم الأخت من الأب على الأخت من الأم وعلى الخالة لأنها أقوى إرثا منهما. قال: ثم الإدلاء فتقدم الخالة على العمة لأن الخالة تدلي بالأم والعمة تدلي بالأب فذكر أربع(5\/399)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2287",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10853",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أسباب للحضانة مرتبة الأمومة ثم بعدها الأبوة ثم بعدها الميراث ثم الإدلاء وهذه طريقة صاحب quot; المستوعب quot; وما زادته هذه الطريقة إلا تناقضا وبعدا عن قواعد الشريعة وهي من أفسد الطرق وإنما يتبين فسادها بلوازمها الباطلة فإنه إن أراد بتقديم الأمومة على الأبوة تقديم من في جهتها على الأب ومن في جهته - كانت تلك اللوازم الباطلة المتقدمة من تقديم الأخت للأم وبنت الخالة على الأب وأمه وتقديم الخالة على العمة وتقديم خالة الأم على الأب وأمه وتقديم بنات الأخت من الأم على أم الأب وهذا مع مخالفته لنصوص إمامه فهو مخالف لأصول الشرع وقواعده. وإن أراد أن الأم نفسها تقدم على الأب فهذا حق لكن الشان في مناط هذا التقديم: هل هو لكون الأم ومن في جهتها تقدم على الأب ومن في جهته أو لكونها أنثى في درجة ذكر وكل أنثى كانت في درجة ذكر قدمت عليه مع تقديم قرابة الأب على قرابة الأم وهذا هو الصواب كما تقدم وكذلك قوله: quot; ثم الميراث quot; إن أراد به أن المقدم في الميراث مقدم في الحضانة فصحيح وطرده تقديم قرابة الأب على قرابة الأم لأنها مقدمة عليها في الميراث فتقدم الأخت على العمة والخالة. وقوله: quot; وكذلك تقديم الأخت للأب على الأخت للأم والخالة لأنها أقوى إرثا منهما فيقال: لم يكن تقديمها لأجل الإرث وقوته ولو كان لأجل ذلك لكان العصبات أحق بالحضانة من النساء فيكون العم أولى من الخالة والعمة وهذا باطل.  [ضابط الحضانة عند ابن قدامة] فصل وقد ضبط الشيخ في quot; المغني quot; هذا الباب بضابط آخر فقال: فصل في بيان الأولى فالأولى من أهل الحضانة عند اجتماع الرجال والنساء. وأولى الكل بها: الأم ثم أمهاتها وإن علون يقدم منهن الأقرب فالأقرب لأنهن نساء ولادتهن متحققة فهن في معنى الأم وعن أحمد أن أم الأب وأمهاتها يقدمن على أم الأم فعلى هذه الرواية يكون الأب أولى بالتقديم لأنهن يدلين به فيكون الأب(5\/400)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2288",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10854",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعد الأم ثم أمهاته والأولى هي المشهورة عند أصحابنا فإن المقدم الأم ثم أمهاتها ثم الأب ثم أمهاته ثم الجد ثم أمهاته ثم جد الأب ثم أمهاته وإن كن غير وارثات لأنهن يدلين بعصبة من أهل الحضانة بخلاف أم أب الأم. وحكي عن أحمد رواية أخرى: أن الأخت من الأم والخالة أحق من الأب فتكون الأخت من الأبوين أحق منه ومنهما ومن جميع العصبات والأولى هي المشهورة من المذهب فإذا انقرض الآباء والأمهات انتقلت الحضانة إلى الأخوات وتقدم الأخت من الأبوين ثم الأخت من الأب ثم الأخت من الأم وتقدم الأخت على الأخ لأنها امرأة من أهل الحضانة فقدمت على من في درجتها من الرجال كالأم تقدم على الأب وأم الأب على أب الأب وكل جدة في درجة جد تقدم عليه لأنها تلي الحضانة بنفسها والرجل لا يليها بنفسه. وفيه وجه آخر: أنه يقدم عليها لأنه عصبة بنفسه والأول أولى وفي تقديم الأخت من الأبوين أو من الأب على الجد وجهان وإذا لم تكن أخت فالأخ للأبوين أولى ثم الأخ للأب ثم ابناهما ولا حضانة للأخ من الأم لما ذكرنا. فإذا عدموا صارت الحضانة للخالات على الصحيح وترتيبهن فيها كترتيب الأخوات ولا حضانة للأخوال فإذا عدموا صارت للعمات ويقدمن على الأعمام كتقديم الأخوات على الإخوة ثم للعم للأبوين ثم للعم للأب ولا حضانة للعم من الأم ثم ابناهما ثم إلى خالات الأب على قول الخرقي وعلى القول الآخر: إلى خالات الأم ثم إلى عمات الأب ولا حضانة لعمات الأم لأنهن يدلين بأب الأم ولا حضانة له. وإن اجتمع شخصان أو أكثر من أهل الحضانة في درجة قدم المستحق منهم بالقرعة انتهى كلامه. وهذا خير مما قبله من الضوابط ولكن فيه تقديم أم الأم وإن علت على الأب وأمهاته فإن طرد تقديم من في جهة الأم على من في جهة الأب جاءت تلك اللوازم الباطلة وهو لم يطرده وإن قدم بعض من في جهة الأب على بعض من في جهة الأم كما فعل - طولب بالفرق وبمناط التقديم.(5\/401)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2289",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10855",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيه إثبات الحضانة للأخت من الأم دون الأخ من الأم وهو في درجتها ومساو لها من كل وجه فإن كان ذلك لأنوثتها وهو ذكر انتقض برجال العصبة كلهم وإن كان ذلك لكونه ليس من العصبة والحضانة لا تكون لرجل إلا أن يكون من العصبة. قيل: فكيف جعلتموها لنساء ذوي الأرحام مع مساواة قرابتهن لقرابة من في درجتهن من الذكور من كل وجه فإما أن تعتبروا الأنوثة فلا تجعلوها للذكر أو الميراث فلا تجعلوها لغير وارث أو القرابة فلا تمنعوا منها الأخ من الأم والخال وأبا الأم أو التعصيب فلا تعطوها لغير عصبة. فإن قلتم: بقي قسم آخر وهو قولنا وهو اعتبار التعصيب في الذكور والقرابة في النساء. قيل: هذا مخالف لباب الولايات وباب الميراث والحضانة ولاية على الطفل فإن سلكتم بها مسلك الولايات فخصوها بالأب والجد وإن سلكتم بها مسلك الميراث فلا تعطوها لغير وارث وكلاهما خلاف قولكم وقول الناس أجمعين. وفي كلامه أيضا: تقديم ابن الأخ وإن نزلت درجته على الخالة التي هي أم وهو في غاية البعد وجمهور الأصحاب إنما جعلوا أولاد الإخوة بعد أب الأب والعمات وهو الصحيح فإن الخالة أخت الأم وبها تدلي والأم مقدمة على الأب وابن الأخ إنما يدلي بالأخ الذي يدلي بالأب فكيف يقدم على الخالة! وكذا العمة أخت الأب وشقيقته فكيف يقدم ابن ابنه عليها! وقد ضبط هذا الباب شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية بضابط آخر فقال: أقرب ما يضبط به باب الحضانة أن يقال: لما كانت الحضانة ولاية تعتمد الشفقة والتربية والملاطفة كان أحق الناس بها أقومهم بهذه الصفات وهم أقاربه يقدم منهم أقربهم إليه وأقومهم بصفات الحضانة. فإن اجتمع منهم اثنان فصاعدا فإن استوت درجتهم قدم الأنثى على الذكر فتقدم الأم على الأب والجدة على(5\/402)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2290",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10856",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجد والخالة على الخال والعمة على العم والأخت على الأخ. فإن كانا ذكرين أو أنثيين قدم أحدهما بالقرعة يعني مع استواء درجتهما وإن اختلفت درجتهما من الطفل فإن كانوا من جهة واحدة قدم الأقرب إليه فتقدم الأخت على ابنتها والخالة على خالة الأبوين وخالة الأبوين على خالة الجد والجدة والجد أبو الأم على الأخ للأم هذا هو الصحيح لأن جهة الأبوة والأمومة في الحضانة أقوى من جهة الأخوة فيها. وقيل يقدم الأخ للأم لأنه أقوى من أب الأم في الميراث. والوجهان في مذهب أحمد. وفيه وجه ثالث: أنه لا حضانة للأخ من الأم بحال لأنه ليس من العصبات ولا من نساء الحضانة وكذلك الخال أيضا فإن صاحب هذا الوجه يقول: لا حضانة له ولا نزاع أن أبا الأم وأمهاته أولى من الخال وإن كانوا من جهتين كقرابة الأم وقرابة الأب مثل العمة والخالة والأخت للأب والأخت للأم وأم الأب وأم الأم وخالة الأب وخالة الأم قدم من في جهة الأب في ذلك كله على إحدى الروايتين فيه. هذا كله إذا استوت درجتهم أو كانت جهة الأب أقرب إلى الطفل وأما إذا كانت جهة الأم أقرب وقرابة الأب أبعد كأم الأم وأم أب الأب وكخالة الطفل وعمة أبيه فقد تقابل الترجيحان ولكن يقدم الأقرب إلى الطفل لقوة شفقته وحنوه على شفقة الأبعد ومن قدم قرابة الأب فإنما يقدمها مع مساواة قرابة الأم لها فأما إذا كانت أبعد منها قدمت قرابة الأم القريبة وإلا لزم من تقديم القرابة البعيدة لوازم باطلة لا يقول بها أحد فبهذا الضابط يمكن حصر جميع مسائل هذا الباب وجريها على القياس الشرعي واطرادها وموافقتها لأصول الشرع فأي مسألة وردت عليك أمكن أخذها من هذا الضابط مع كونه مقتضى الدليل ومع سلامته من التناقض ومناقضة قياس الأصول وبالله التوفيق.  [فصل الحضانة حق للأم وهل تحق لها الأجرة] فصل وقوله صلى الله عليه وسلم: ( أنت أحق به ما لم تنكحي ) فيه دليل على أن الحضانة حق(5\/403)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2291",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10857",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للأم وقد اختلف الفقهاء هل هي للحاضن أم عليه على قولين في مذهب أحمد ومالك وينبني عليهما: هل لمن له الحضانة أن يسقطها فينزل عنها على قولين. وأنه لا يجب عليه خدمة الولد أيام حضانته إلا بالأجرة إن قلنا: الحق له وإن قلنا: الحق عليه وجب خدمته مجانا. وإن كان الحاضن فقيرا فله الأجرة على القولين. وإذا وهبت الحضانة للأب وقلنا: الحق لها لزمت الهبة ولم ترجع فيها وإن قلنا: الحق عليها فلها العود إلى طلبها. والفرق بين هذه المسألة وبين ما لم يثبت بعد كهبة الشفعة قبل البيع حيث لا تلزم في أحد القولين - أن الهبة في الحضانة قد وجد سببها فصار بمنزلة ما قد وجد وكذلك إذا وهبت المرأة نفقتها لزوجها شهرا ألزمت الهبة ولم ترجع فيها. هذا كله كلام أصحاب مالك وتفريعهم والصحيح أن الحضانة حق لها وعليها إذا احتاج الطفل إليها ولم يوجد غيرها وإن اتفقت هي وولي الطفل على نقلها إليه جاز والمقصود أن في قوله صلى الله عليه وسلم: ( أنت أحق به ) دليلا على أن الحضانة حق لها.  [فصل هل سقوط الحضانة بالنكاح للتعليل أو للتوقيت] فصل وقوله: ( ما لم تنكحي ) اختلف فيه: هل هو تعليل أو توقيت على قولين ينبني عليهما: ما لو تزوجت وسقطت حضانتها ثم طلقت فهل تعود الحضانة فإن قيل: اللفظ تعليل عادت الحضانة بالطلاق لأن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها وعلة سقوط الحضانة التزويج فإن طلقت زالت العلة فزال حكمها وهذا قول الأكثرين منهم الشافعي وأحمد وأبو حنيفة. ثم اختلفوا فيما إذا كان الطلاق رجعيا هل يعود حقها بمجرده أو يتوقف عودها على انقضاء العدة على قولين وهما في مذهب أحمد والشافعي أحدهما: تعود بمجرده وهو ظاهر مذهب الشافعي. والثاني: لا تعود حتى(5\/404)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2292",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10858",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تنقضي العدة وهو قول أبي حنيفة والمزني وهذا كله تفريع على أن قوله: quot; ما لم تنكحي quot; تعليل وهو قول الأكثرين. وقال مالك في المشهور من مذهبه: إذا تزوجت ودخل بها لم يعد حقها من الحضانة وإن طلقت. قال بعض أصحابه: وهذا بناء على أن قوله quot; ما لم تنكحي quot; للتوقيت أي: حقك من الحضانة موقت إلى حين نكاحك فإذا نكحت انقضى وقت الحضانة فلا تعود بعد انقضاء وقتها كما لو انقضى وقتها ببلوغ الطفل واستغنائه عنها. وقال بعض أصحابه: يعود حقها إذا فارقها زوجها كقول الجمهور وهو قول المغيرة وابن أبي حازم. قالوا: لأن المقتضي لحقها من الحضانة هو قرابتها الخاصة وإنما عارضها مانع النكاح لما يوجبه من إضاعة الطفل واشتغالها بحقوق الزوج الأجنبي منه عن مصالحه ولما فيه من تغذيته وتربيته في نعمة غير أقاربه وعليهم في ذلك منة وغضاضة فإذا انقطع النكاح بموت أو فرقة زال المانع والمقتضي قائم فترتب عليه أثره وهكذا كل من قام به من أهل الحضانة مانع منها ككفر أو رق أو فسق أو بدو فإنه لا حضانة له فإن زالت الموانع عاد حقهم من الحضانة فهكذا النكاح والفرقة. وأما النزاع في عود الحضانة بمجرد الطلاق الرجعي أو بوقفه على انقضاء العدة - فمأخذه كون الرجعية زوجة في عامة الأحكام فإنه يثبت بينهما التوارث والنفقة ويصح منها الظهار والإيلاء: ويحرم أن ينكح عليها أختها أو عمتها أو خالتها أو أربعا سواها وهي زوجة فمن راعى ذلك لم تعد إليها الحضانة بمجرد الطلاق الرجعي حتى تنقضي العدة فتبين حينئذ ومن أعاد الحضانة بمجرد الطلاق قال: قد عزلها عن فراشه ولم يبق لها عليه قسم ولا لها به شغل والعلة التي سقطت الحضانة لأجلها قد زالت بالطلاق وهذا هو الذي رجحه الشيخ في quot; المغني quot; وهو ظاهر كلام الخرقي فإنه قال: وإذا أخذ الولد من الأم إذا تزوجت ثم طلقت رجعت على حقها من كفالته.(5\/405)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2293",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10859",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل هل مجرد عقد النكاح يسقط الحضانة] فصل وقوله: ( ما لم تنكحي ) اختلف فيه هل المراد به مجرد العقد أو العقد مع الدخول وفي ذلك وجهان. أحدهما: أن بمجرد العقد تزول حضانتها وهو قول الشافعي وأبي حنيفة لأنه بالعقد يملك الزوج منافع الاستمتاع بها ويملك نفعها من حضانة الولد. والثاني: أنها لا تزول إلا بالدخول وهو قول مالك فإن بالدخول يتحقق اشتغالها عن الحضانة والحديث يحتمل الأمرين والأشبه سقوط حضانتها بالعقد لأنها حينئذ صارت في مظنة الاشتغال عن الولد والتهيؤ للدخول وأخذها حينئذ في أسبابه وهذا قول الجمهور.  [فصل اختلاف الفقهاء في سقوط الحضانة بالنكاح] فصل واختلف الناس في سقوط الحضانة بالنكاح على أربعة أقوال. أحدها: سقوطها به مطلقا سواء كان المحضون ذكرا أو أنثى وهذا مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم وقضى به شريح. والقول الثاني: أنها لا تسقط بالتزويج بحال ولا فرق في الحضانة بين الأيم وذوات البعل وحكي هذا المذهب عن الحسن البصري وهو قول أبي محمد بن حزم. القول الثالث: أن الطفل إن كان بنتا لم تسقط الحضانة بنكاح أمها وإن كان ذكرا سقطت وهذه إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله نص عليه في رواية مهنا بن يحيى الشامي فقال: إذا تزوجت الأم وابنها صغير أخذ منها. قيل له: والجارية مثل الصبي قال: لا الجارية تكون مع أمها إلى سبع سنين. وعلى هذه الرواية: فهل تكون عندها إلى سبع سنين أو إلى أن تبلغ على روايتين. قال ابن أبي موسى: وعن أحمد أن الأم أحق بحضانة البنت وإن تزوجت إلى أن تبلغ.(5\/406)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2294",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10860",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والقول الرابع: أنها إذا تزوجت بنسيب من الطفل لم تسقط حضانتها ثم اختلف أصحاب هذا القول على ثلاثة أقوال أحدها: أن المشترط أن يكون الزوج نسيبا للطفل فقط وهذا ظاهر قول أصحاب أحمد. الثاني: أنه يشترط أن يكون مع ذلك ذا رحم محرم وهو قول أصحاب أبي حنيفة. الثالث: أنه يشترط أن يكون بين الزوج وبين الطفل إيلاد بأن يكون جدا للطفل وهذا قول مالك وبعض أصحاب أحمد فهذا تحرير المذاهب في هذه المسألة. فأما حجة من أسقط الحضانة بالتزويج مطلقا فثلاث حجج: إحداها: حديث عمرو بن شعيب المتقدم ذكره. الثانية: اتفاق الصحابة على ذلك وقد تقدم قول الصديق لعمر: هي أحق به ما لم تتزوج وموافقة عمر له على ذلك ولا مخالف لهما من الصحابة البتة وقضى به شريح والقضاة بعده إلى اليوم في سائر الأعصار والأمصار. الثالثة: ما رواه عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج حدثنا أبو الزبير عن رجل صالح من أهل المدينة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: كانت امرأة من الأنصار تحت رجل من الأنصار فقتل عنها يوم أحد وله منها ولد فخطبها عم ولدها ورجل آخر إلى أبيها فأنكح الآخر فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: أنكحني أبي رجلا لا أريده وترك عم ولدي فيؤخذ مني ولدي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أباها فقال: أنكحت فلانا فلانة قال نعم قال: quot; أنت الذي لا نكاح لك اذهبي فانكحي عم ولدك quot; فلم ينكر أخذ الولد منها لما تزوجت بل أنكحها عم الولد لتبقى لها الحضانة ففيه دليل على سقوط الحضانة بالنكاح وبقائها إذا تزوجت بنسيب من الطفل. واعترض أبو محمد ابن حزم على هذا الاستدلال بأن حديث عمرو بن شعيب صحيفة وحديث أبي سلمة هذا مرسل وفيه مجهول. وهذان الاعتراضان ضعيفان فقد بينا احتجاج الأئمة بعمرو في(5\/407)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2295",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10861",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تصحيحهم حديثه وإذا تعارض معنا في الاحتجاج برجل قول ابن حزم وقول البخاري وأحمد وابن المديني والحميدي وإسحاق بن راهويه وأمثالهم لم يلتفت إلى سواهم. وأما حديث أبي سلمة هذا فإن أبا سلمة من كبار التابعين وقد حكى القصة عن الأنصارية ولا ينكر لقاؤه لها فلا يتحقق الإرسال ولو تحقق فمرسل جيد له شواهد مرفوعة وموقوفة وليس الاعتماد عليه وحده وعنى بالمجهول الرجل الصالح الذي شهد له أبو الزبير بالصلاح ولا ريب أن هذه الشهادة لا تعرف به ولكن المجهول إذا عدله الراوي عنه الثقة ثبتت عدالته وإن كان واحدا على أصح القولين فإن التعديل من باب الإخبار والحكم لا من باب الشهادة ولا سيما التعديل في الرواية فإنه يكتفى فيه بالواحد ولا يزيد على أصل نصاب الرواية هذا مع أن أحد القولين: إن مجرد رواية العدل عن غيره تعديل له وإن لم يصرح بالتعديل كما هو إحدى الروايتين عن أحمد وأما إذا روى عنه وصرح بتعديله فقد خرج عن الجهالة التي ترد لأجلها روايته لا سيما إذا لم يكن معروفا بالرواية عن الضعفاء والمتهمين وأبو الزبير وإن كان فيه تدليس فليس معروفا بالتدليس عن المتهمين والضعفاء بل تدليسه من جنس تدليس السلف لم يكونوا يدلسون عن متهم ولا مجروح وإنما كثر هذا النوع من التدليس في المتأخرين. واحتج أبو محمد على قوله بما رواه من طريق البخاري عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: ( قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس له خادم فأخذ أبو طلحة بيدي وانطلق بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أنسا غلام كيس فليخدمك. قال فخدمته في السفر والحضر ) وذكر الخبر.(5\/408)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2296",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10862",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أبو محمد: فهذا أنس في حضانة أمه ولها زوج وهو أبو طلحة بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الاحتجاج في غاية السقوط والخبر في غاية الصحة فإن أحدا من أقارب أنس لم ينازع أمه فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو طفل صغير لم يثغر ولم يأكل وحده ولم يشرب وحده ولم يميز وأمه مزوجة فحكم به لأمه وإنما يتم الاستدلال بهذه المقدمات كلها والنبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كان لأنس من العمر عشر سنين فكان عند أمه فلما تزوجت أبا طلحة لم يأت أحد من أقارب أنس ينازعها في ولدها ويقول: قد تزوجت فلا حضانة لك وأنا أطلب انتزاعه منك ولا ريب أنه لا يحرم على المرأة المزوجة حضانة ابنها إذا اتفقت هي والزوج وأقارب الطفل على ذلك ولا ريب أنه لا يجب بل لا يجوز أن يفرق بين الأم وولدها إذا تزوجت من غير أن يخاصمها من له الحضانة ويطلب انتزاع الولد فالاحتجاج بهذه القصة من أبعد الاحتجاج وأبرده. ونظير هذا أيضا احتجاجهم بأن أم سلمة لما تزوجت برسول الله صلى الله عليه وسلم لم تسقط كفالتها لابنها بل استمرت على حضانتها فيا عجبا من الذي نازع أم سلمة في ولدها ورغب عن أن يكون في حجر النبي صلى الله عليه وسلم. واحتج لهذا القول أيضا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بابنة حمزة لخالتها وهي مزوجة بجعفر فلا ريب أن للناس في قصة ابنة حمزة ثلاث مآخذ. أحدها: أن النكاح لا يسقط الحضانة. الثاني: أن المحضونة إذا كانت بنتا فنكاح أمها لا يسقط حضانتها ويسقطها إذا كان ذكرا. الثالث: أن الزوج إذا كان نسيبا من الطفل لم تسقط حضانتها وإلا سقطت فالاحتجاج بالقصة على أن النكاح لا يسقط الحضانة مطلقا لا يتم إلا بعد إبطال ذينك الاحتمالين الآخرين.  [فصل قضاؤه صلى الله عليه وسلم بالولد لأمه] فصل وقضاؤه صلى الله عليه وسلم بالولد لأمه وقوله: ( أنت أحق به ما لم تنكحي ) لا يستفاد منه عموم القضاء لكل أم حتى يقضي به للأم. وإن كانت كافرة أو رقيقة أو(5\/409)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2297",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10863",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاسقة أو مسافرة فلا يصح الاحتجاج به على ذلك ولا نفيه فإذا دل دليل منفصل على اعتبار الإسلام والحرية والديانة والإقامة لم يكن ذلك تخصيصا ولا مخالفة لظاهر الحديث. وقد اشترط في الحاضن ستة شروط: اتفاقهما في الدين فلا حضانة لكافر على مسلم لوجهين: أحدهما: أن الحاضن حريص على تربية الطفل على دينه وأن ينشأ عليه ويتربى عليه فيصعب بعد كبره وعقله انتقاله عنه وقد يغيره عن فطرة الله التي فطر عليها عباده فلا يراجعها أبدا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) . فلا يؤمن تهويد الحاضن وتنصيره للطفل المسلم. فإن قيل: الحديث إنما جاء في الأبوين خاصة. قيل: الحديث خرج مخرج الغالب إذ الغالب المعتاد نشوء الطفل بين أبويه فإن فقد الأبوان أو أحدهما قام ولي الطفل من أقاربه مقامهما. الوجه الثاني: أن الله سبحانه قطع الموالاة بين المسلمين والكفار وجعل المسلمين بعضهم أولياء بعض والكفار بعضهم من بعض والحضانة من أقوى أسباب الموالاة التي قطعها الله بين الفريقين. وقال أهل الرأي وابن القاسم وأبو ثور: تثبت الحضانة لها مع كفرها وإسلام الولد واحتجوا بما روى النسائي في سننه من حديث عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن جده رافع بن سنان ( أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ابنتي وهي فطيم أو يشبهه وقال رافع: ابنتي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; اقعد ناحية quot; وقال لها: quot; اقعدي ناحية quot;(5\/410)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2298",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10864",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال لهما: quot; ادعواها quot; فمالت الصبية إلى أمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; اللهم اهدها quot; فمالت إلى أبيها فأخذها ) . قالوا: ولأن الحضانة لأمرين: الرضاع وخدمة الطفل وكلاهما يجوز من الكافرة. قال الآخرون: هذا الحديث من رواية عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان الأنصاري الأوسي وقد ضعفه إمام العلل يحيى بن سعيد القطان وكان سفيان الثوري يحمل عليه وضعف ابن المنذر الحديث وضعفه غيره وقد اضطرب في القصة فروى أن المخير كان بنتا وروى أنه كان ابنا. وقال الشيخ في quot; المغني quot;: وأما الحديث فقد روي على غير هذا الوجه ولا يثبته أهل النقل. وفي إسناده مقال قاله ابن المنذر. ثم إن الحديث قد يحتج به على صحة مذهب من اشترط الإسلام فإن الصبية لما مالت إلى أمها دعا النبي صلى الله عليه وسلم لها بالهداية فمالت إلى أبيها وهذا يدل على أن كونها مع الكافر خلاف هدى الله الذي أراده من عباده ولو استقر جعلها مع أمها لكان فيه حجة بل أبطله الله سبحانه بدعوة رسوله. ومن العجب أنهم يقولون: لا حضانة للفاسق فأي فسق أكبر من الكفر وأين الضرر المتوقع من الفاسق بنشوء الطفل على طريقته إلى الضرر المتوقع من الكافر مع أن الصواب أنه لا تشترط العدالة في الحاضن قطعا وإن شرطها أصحاب أحمد والشافعي وغيرهم واشتراطها في غاية البعد.(5\/411)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2299",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10865",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولو اشترط في الحاضن العدالة لضاع أطفال العالم ولعظمت المشقة على الأمة واشتد العنت ولم يزل من حين قام الإسلام إلى أن تقوم الساعة أطفال الفساق بينهم لا يتعرض لهم أحد في الدنيا مع كونهم الأكثرين. ومتى وقع في الإسلام انتزاع الطفل من أبويه أو أحدهما بفسقه وهذا في الحرج والعسر - واستمرار العمل المتصل في سائر الأمصار والأعصار على خلافه - بمنزلة اشتراط العدالة في ولاية النكاح فإنه دائم الوقوع في الأمصار والأعصار والقرى والبوادي مع أن أكثر الأولياء الذين يلون ذلك فساق ولم يزل الفسق في الناس ولم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة فاسقا من تربية ابنه وحضانته له ولا من تزويجه موليته والعادة شاهدة بأن الرجل ولو كان من الفساق فإنه يحتاط لابنته ولا يضيعها ويحرص على الخير لها بجهده وإن قدر خلاف ذلك فهو قليل بالنسبة إلى المعتاد والشارع يكتفي في ذلك بالباعث الطبيعي ولو كان الفاسق مسلوب الحضانة وولاية النكاح لكان بيان هذا للأمة من أهم الأمور واعتناء الأمة بنقله وتوارث العمل به مقدما على كثير مما نقلوه وتوارثوا العمل به فكيف يجوز عليهم تضييعه واتصال العمل بخلافه. ولو كان الفسق ينافي الحضانة لكان من زنى أو شرب خمرا أو أتى كبيرة فرق بينه وبين أولاده الصغار والتمس لهم غيره والله أعلم. نعم العقل مشترط في الحضانة فلا حضانة لمجنون ولا معتوه ولا طفل لأن هؤلاء يحتاجون إلى من يحضنهم ويكفلهم فكيف يكونون كافلين لغيرهم. وأما اشتراط الحرية فلا ينتهض عليه دليل يركن القلب إليه وقد اشترطه أصحاب الأئمة الثلاثة. وقال مالك في حر له ولد من أمة: إن الأم أحق به إلا أن تباع فتنتقل فيكون الأب أحق بها وهذا هو الصحيح لأن(5\/412)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2300",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10866",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا توله والدة عن ولدها ) . وقال: ( من فرق بين الوالدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة ) . وقد قالوا: لا يجوز التفريق في البيع بين الأم وولدها الصغير فكيف يفرقون بينهما في الحضانة وعموم الأحاديث تمنع من التفريق مطلقا في الحضانة والبيع واستدلالهم بكون منافعها مملوكة للسيد فهي مستغرقة في خدمته فلا تفرغ لحضانة الولد - ممنوع بل حق الحضانة لها تقدم به في أوقات حاجة الولد على حق السيد كما في البيع سواء. وأما اشتراط خلوها من النكاح فقد تقدم. وهاهنا مسألة ينبغي التنبيه عليها وهي أنا إذا أسقطنا حقها من الحضانة بالنكاح ونقلناها إلى غيرها فاتفق أنه لم يكن له سواها - لم يسقط حقها من الحضانة وهي أحق به من الأجنبي الذي يدفعه القاضي إليه وتربيته في حجر أمه ورأيه أصلح من تربيته في بيت أجنبي محض لا قرابة بينهما توجب شفقته ورحمته وحنوه ومن المحال أن تأتي الشريعة بدفع مفسدة بمفسدة أعظم منها بكثير والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم حكما عاما كليا: أن كل امرأة تزوجت سقطت حضانتها في جميع الأحوال حتى يكون إثبات الحضانة للأم في هذه الحالة مخالفة للنص. وأما اتحاد الدار فإن كان سفر أحدهما لحاجة ثم يعود والآخر مقيم فهو أحق به لأن السفر بالولد الطفل ولا سيما إن كان رضيعا إضرار به وتضييع له هكذا أطلقوه ولم يستثنوا سفر الحج من غيره وإن كان(5\/413)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2301",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10867",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدهما منتقلا عن بلد الآخر للإقامة والبلد وطريقه مخوفان أو أحدهما فالمقيم أحق وإن كان هو وطريقه آمنين ففيه قولان وهما روايتان عن أحمد إحداهما: أن الحضانة للأب ليتمكن من تربية الولد وتأديبه وتعليمه وهو قول مالك والشافعي وقضى به شريح. والثانية: أن الأم أحق. وفيها قول ثالث: أن المنتقل إن كان هو الأب فالأم أحق وإن كان الأم فإن انتقلت إلى البلد الذي كان فيه أصل النكاح فهي أحق به وإن انتقلت إلى غيره فالأب أحق وهو قول الحنفية. وحكوا عن أبي حنيفة رواية أخرى: أن نقلها إن كان من بلد إلى قرية فالأب أحق وإن كان من بلد إلى بلد فهي أحق وهذه أقوال كلها كما ترى لا يقوم عليها دليل يسكن القلب إليه فالصواب النظر والاحتياط للطفل في الأصلح له والأنفع من الإقامة أو النقلة فأيهما كان أنفع له وأصون وأحفظ روعي ولا تأثير لإقامة ولا نقلة هذا كله ما لم يرد أحدهما بالنقلة مضارة الآخر وانتزاع الولد منه. فإن أراد ذلك لم يجب إليه والله الموفق.  [فصل قول من اشترط لسقوط الحضانة مع عقد النكاح والدخول حكم الحاكم] فصل وقوله: ( أنت أحق به ما لم تنكحي ) قيل: فيه إضمار تقديره: ما لم تنكحي ويدخل بك الزوج ويحكم الحاكم بسقوط الحضانة. وهذا تعسف بعيد لا يشعر به اللفظ ولا يدل عليه بوجه ولا هو من دلالة الاقتضاء التي تتوقف صحة المعنى عليها والدخول داخل في قوله quot; تنكحي quot; عند من اعتبره فهو كقوله: حتى تنكح زوجا غيره [البقرة: 230] ومن لم يعتبره فالمراد بالنكاح عنده العقد. وأما حكم الحاكم بسقوط الحضانة فذاك إنما يحتاج إليه عند التنازع والخصومة بين المتنازعين فيكون منفذا لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوقف سقوط الحضانة على حكمه بل قد حكم هو بسقوطها حكم به الحكام بعده أو لم يحكموا. والذي دل عليه هذا الحكم النبوي أن الأم أحق بالطفل ما لم يوجد منها النكاح فإذا نكحت زال ذلك الاستحقاق وانتقل(5\/414)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2302",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10868",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحق إلى غيرها. فأما إذا طلبه من له الحق وجب على خصمه أن يبذله له فإن امتنع أجبره الحاكم عليه وإن أسقط حقه أو لم يطالب به بقي على ما كان عليه أولا فهذه قاعدة عامة مستفادة من غير هذا الحديث.  [فصل اختلاف الفقهاء في التخيير بين الأبوين] [التخيير بين الأبوين في الحضانة] فصل وقد احتج من لا يرى التخيير بين الأبوين بظاهر هذا الحديث ووجه الاستدلال أنه قال: ( أنت أحق به ) ولو خير الطفل لم تكن هي أحق به إلا إذا اختارها كما أن الأب لا يكون أحق به إلا إذا اختاره فإن قدر: أنت أحق به إن اختارك قدر ذلك في جانب الأب والنبي صلى الله عليه وسلم جعلها أحق به مطلقا عند المنازعة وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك. ونحن نذكر هذه المسألة ومذاهب الناس فيها والاحتجاج لأقوالهم ونرجح ما وافق حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم منها.  [ذكر قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه] ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: طلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأته فذكر الأثر المتقدم وقال فيه: ريحها وفراشها خير له منك حتى يشب ويختار لنفسه فحكم به لأمه حين لم يكن له تمييز إلى أن يشب ويميز ويخير حينئذ.  [ذكر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه] قال الشافعي: حدثنا ابن عيينة عن يزيد بن يزيد بن جابر عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر عن عبد الرحمن بن غنم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه (خير غلاما بين أبيه وأمه) . وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: خير عمر رضي الله عنه غلاما ما بين أبيه وأمه فاختار أمه فانطلقت به.(5\/415)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2303",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10869",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر عبد الرزاق أيضا: عن معمر عن أيوب عن إسماعيل بن عبيد الله عن عبد الرحمن بن غنم قال: (اختصم إلى عمر بن الخطاب في غلام فقال: هو مع أمه حتى يعرب عنه لسانه ليختار) . وذكر سعيد بن منصور عن هشيم عن خالد عن الوليد بن مسلم قال: اختصموا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في يتيم فخيره فاختار أمه على عمه فقال عمر: (إن لطف أمك خير من خصب عمك) .  [ذكر قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه] قال الشافعي رحمه الله تعالى: أنبأنا ابن عيينة عن يونس بن عبد الله الجرمي عن عمارة الجرمي قال: خيرني علي بين أمي وعمي ثم قال لأخ لي أصغر مني: (وهذا أيضا لو بلغ مبلغ هذا لخيرته) قال الشافعي رحمه الله: قال إبراهيم عن يونس عن عمارة عن علي مثله قال في الحديث: وكنت ابن سبع سنين أو ثمان سنين. قال يحيى القطان: حدثنا يونس بن عبد الله الجرمي حدثني عمارة ابن رويبة أنه تخاصمت فيه أمه وعمه إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: فخيرني علي ثلاثا كلهن أختار أمي ومعي أخ لي صغير فقال علي: (هذا إذا بلغ مبلغ هذا خير) .  [ذكر قول أبي هريرة رضي الله عنه] قال أبو خيثمة زهير بن حرب: حدثنا سفيان بن عيينة عن زياد بن سعد(5\/416)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2304",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10870",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن هلال بن أبي ميمونة قال: شهدت أبا هريرة خير غلاما بين أبيه وأمه وقال: ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير غلاما بين أبيه وأمه ) .  [مذهب ابن راهويه في التخيير] فهذا ما ظفرت به عن الصحابة. وأما الأئمة فقال حرب بن إسماعيل: سألت إسحاق بن راهويه إلى متى يكون الصبي والصبية مع الأم إذا طلقت قال: أحب إلي أن يكون مع الأم إلى سبع سنين ثم يخير. قلت له: أترى التخيير قال: شديدا. قلت: فأقل من سبع سنين لا يخير قال: قد قال بعضهم: إلى خمس وأنا أحب إلي سبع.  [مذهب أحمد] وأما مذهب الإمام أحمد فإما أن يكون الطفل ذكرا أو أنثى فإن كان ذكرا فإما أن يكون ابن سبع أو دونها فإن كان له دون السبع فأمه أحق بحضانته من غير تخيير وإن كان له سبع ففيه ثلاث روايات. إحداها - وهي الصحيحة المشهورة من مذهبه - أنه يخير وهي اختيار أصحابه فإن لم يختر واحدا منهما أقرع بينهما وكان لمن قرع وإذا اختار أحدهما ثم عاد فاختار الآخر نقل إليه وهكذا أبدا. والثانية: أن الأب أحق به من غير تخيير. والثالثة: أن الأم أحق به كما قبل السبع. وأما إذا كان أنثى فإن كان لها دون سبع سنين فأمها أحق بها من غير تخيير وإن بلغت سبعا فالمشهور من مذهبه أن الأم أحق بها إلى تسع سنين فإذا بلغت تسعا فالأب أحق بها من غير تخيير. وعنه رواية رابعة: أن الأم أحق بها حتى تبلغ ولو تزوجت الأم. وعنه رواية خامسة: أنها تخير بعد السبع كالغلام نص عليها وأكثر(5\/417)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2305",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10871",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصحابه إنما حكوا ذلك وجها في المذهب هذا تلخيص مذهبه وتحريره.  [مذهب الشافعي] وقال الشافعي: الأم أحق بالطفل ذكرا كان أو أنثى إلى أن يبلغا سبع سنين فإذا بلغا سبعا وهما يعقلان عقل مثلهما خير كل منهما بين أبيه وأمه وكان مع من اختار.  [مذهب مالك وأبي حنيفة والليث والحسن بن حي] وقال مالك وأبو حنيفة لا تخيير بحال ثم اختلفا فقال أبو حنيفة: الأم أحق بالجارية حتى تبلغ وبالغلام حتى يأكل وحده ويشرب وحده ويلبس وحده ثم يكونان عند الأب ومن سوى الأبوين أحق بهما حتى يستغنيا ولا يعتبر البلوغ. وقال مالك: الأم أحق بالولد ذكرا كان أو أنثى حثى يثغر هذه رواية ابن وهب وروى ابن القاسم: حتى يبلغ ولا يخير بحال. وقال الليث بن سعد: الأم أحق بالابن حتى يبلغ ثمان سنين وبالبنت حتى تبلغ ثم الأب أحق بهما بعد ذلك. وقال الحسن بن حي: الأم أولى بالبنت حتى يكعب ثدياها وبالغلام حتى ييفع فيخيران بعد ذلك بين أبويهما الذكر والأنثى سواء.  [مذهب من قال بالتخيير في الغلام دون الجارية] قال المخيرون في الغلام دون الجارية: قد ثبت التخيير عن النبي صلى الله عليه وسلم في الغلام من حديث أبي هريرة وثبت عن الخلفاء الراشدين وأبي هريرة ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة البتة ولا أنكره منكر. قالوا: وهذا غاية في العدل الممكن فإن الأم إنما قدمت في حال الصغر لحاجة الولد إلى التربية والحمل والرضاع والمداراة التي لا تتهيأ لغير النساء وإلا فالأم أحد الأبوين فكيف تقدم عليه فإذا بلغ الغلام حدا يعرب فيه عن نفسه ويستغني عن الحمل والوضع وما تعانيه النساء تساوى الأبوان وزال السبب الموجب لتقديم الأم والأبوان متساويان فيه فلا يقدم أحدهما إلا بمرجح والمرجح إما من خارج وهو القرعة وإما من جهة الولد وهو اختياره وقد جاءت السنة بهذا وهذا وقد جمعهما حديث أبي هريرة فاعتبرناهما جميعا ولم ندفع أحدهما بالآخر.(5\/418)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2306",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10872",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقدمنا ما قدمه النبي صلى الله عليه وسلم وأخرنا ما أخره فقدم التخيير لأن القرعة إنما يصار إليها إذا تساوت الحقوق من كل وجه ولم يبق مرجح سواها وهكذا فعلنا هاهنا قدمنا أحدهما بالاختيار فإن لم يختر أو اختارهما جميعا عدلنا إلى القرعة فهذا لو لم يكن فيه موافقة السنة لكان من أحسن الأحكام وأعدلها وأقطعها للنزاع بتراضي المتنازعين. وفيه وجه آخر في مذهب أحمد والشافعي أنه إذا لم يختر واحدا منهما كان عند الأم بلا قرعة لأن الحضانة كانت لها وإنما ننقله عنها باختياره فإذا لم يختر بقي عندها على ما كان. فإن قيل: فقد قدمتم التخيير على القرعة والحديث فيه تقديم القرعة أولا ثم التخيير وهذا أولى لأن القرعة طريق شرعي للتقديم عند تساوي المستحقين وقد تساوى الأبوان فالقياس تقديم أحدهما بالقرعة فإن أبيا القرعة لم يبق إلا اختيار الصبي فيرجح به فما بال أصحاب أحمد والشافعي قدموا التخيير على القرعة. قيل: إنما قدم التخيير لاتفاق ألفاظ الحديث عليه وعمل الخلفاء الراشدين به وأما القرعة فبعض الرواة ذكرها في الحديث وبعضهم لم يذكرها وإنما كانت في بعض طرق أبي هريرة رضي الله عنه وحده فقدم التخيير عليها فإذا تعذر القضاء بالتخيير تعينت القرعة طريقا للترجيح إذ لم يبق سواها.  [رد المخيرين على من اقتصر بالتخيير على الغلام] ثم قال المخيرون للغلام والجارية: روى النسائي في quot; سننه quot; والإمام أحمد في quot; مسنده quot; من حديث رافع بن سنان رضي الله عنه: ( أنه تنازع هو وأم في ابنتهما وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقعده ناحية وأقعد المرأة ناحية وأقعد الصبية بينهما وقال: quot; ادعواها quot; فمالت إلى أمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; اللهم اهدها quot; فمالت إلى أبيها فأخذها ) . قالوا: ولو لم يرد هذا الحديث لكان حديث أبي هريرة رضي الله(5\/419)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2307",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10873",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنه والآثار المتقدمة حجة في تخيير الأنثى لأن كون الطفل ذكرا لا تأثير له في الحكم بل هي كالذكر في قوله صلى الله عليه وسلم: ( من وجد متاعه عند رجل قد أفلس ) . وفي قوله: ( من أعتق شركا له في عبد ) بل حديث الحضانة أولى بعدم اشتراط الذكورية فيه لأن لفظ الصبي ليس من كلام الشارع إنما الصحابي حكى القصة وأنها كانت في صبي فإذا نقح المناط تبين أنه لا تأثير لكونه ذكرا.  [رد الحنابلة على من أجاز التخيير للذكر والأنثى] قالت الحنابلة: الكلام معكم في مقامين أحدهما: استدلالكم بحديث رافع والثاني: إلغاؤكم وصف الذكورية في أحاديث التخيير. فأما الأول فالحديث قد ضعفه ابن المنذر وغيره وضعف يحيى بن سعيد والثوري عبد الحميد بن جعفر وأيضا فقد اختلف فيه على قولين. أحدهما: أن المخير كان بنتا وروي أنه كان ابنا. فقال عبد الرزاق: أخبرنا سفيان عن عثمان البتي عن عبد الحميد بن سلمة عن أبيه عن جده ( أن أبويه اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم أحدهما مسلم والآخر كافر فتوجه إلى الكافر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; اللهم اهده quot; فتوجه إلى المسلم فقضى له به ) . قال أبو الفرج بن الجوزي: ورواية من روى أنه كان غلاما أصح. قالوا: ولو سلم لكم أنه كان أنثى فأنتم لا تقولون به فإن فيه أن أحدهما كان مسلما(5\/420)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2308",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10874",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والآخر كافرا فكيف تحتجون بما لا تقولون به. فلو كانا مسلمين ففي الحديث أن الطفل كان فطيما وهذا قطعا دون السبع والظاهر أنه دون الخمس وأنتم لا تخيرون من له دون السبع فظهر أنه لا يمكنكم الاستدلال بحديث رافع هذا على كل تقدير. فبقي المقام الثاني وهو إلغاء وصف الذكورة في أحاديث التخيير وغيرها فنقول: لا ريب أن من الأحكام ما يكفي فيها وصف الذكورة أو وصف الأنوثة قطعا ومنها ما لا يكفي فيه بل يعتبر فيه إما هذا وإما هذا فيلغى الوصف في كل حكم تعلق بالنوع الإنساني المشترك بين الأفراد ويعتبر وصف الذكورة في كل موضع كان له تأثير فيه كالشهادة والميراث والولاية في النكاح ويعتبر وصف الأنوثة في كل موضع يختص بالإناث أو يقدمن فيه على الذكور كالحضانة إذا استوى في الدرجة الذكر والأنثى قدمت الأنثى. بقي النظر فيما نحن فيه من شأن التخيير هل لوصف الذكورة تأثير في ذلك فيلحق بالقسم الذي تعتبر فيه أو لا تأثير له فيلحق بالقسم الذي يلغى فيه ولا سبيل إلى جعلها من القسم الملغى فيه وصف الذكورة لأن التخيير هاهنا تخيير شهوة لا تخيير رأي ومصلحة ولهذا إذا اختار غير من اختاره أولا نقل إليه فلو خيرت البنت أفضى ذلك إلى أن تكون عند الأب تارة وعند الأم أخرى فإنها كلما شاءت الانتقال أجيبت إليه وذلك عكس ما شرع للإناث من لزوم البيوت وعدم البروز ولزوم الخدور وراء الأستار فلا يليق بها أن تمكن من خلاف ذلك. وإذا كان هذا الوصف معتبرا قد شهد له الشرع بالاعتبار لم يمكن إلغاؤه. قالوا: وأيضا فإن ذلك يفضي إلى ألا يبقى الأب موكلا بحفظها ولا الأم لتنقلها بينهما وقد عرف بالعادة أن ما يتناوب الناس على حفظه ويتواكلون فيه فهو آيل إلى ضياع ومن الأمثال السائرة quot; لا يصلح القدر بين طباخين quot;.(5\/421)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2309",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10875",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: وأيضا فالعادة شاهدة بأن اختيار أحدهما يضعف رغبة الآخر فيه بالإحسان إليه وصيانته فإذا اختار أحدهما ثم انتقل إلى الآخر لم يبق أحدهما تام الرغبة في حفظه والإحسان إليه. فإن قلتم فهذا بعينه موجود في الصبي ولم يمنع ذلك تخييره. قلنا: صدقتم لكن عارضه كون القلوب مجبولة على حب البنين واختيارهم على البنات فإذا اجتمع نقص الرغبة ونقص الأنوثة وكراهة البنات في الغالب - ضاعت الطفلة وصارت إلى فساد يعسر تلافيه والواقع شاهد بهذا والفقه تنزيل المشروع على الواقع وسر الفرق أن البنت تحتاج من الحفظ والصيانة فوق ما يحتاج إليه الصبي ولهذا شرع في حق الإناث من الستر والخفر ما لم يشرع مثله للذكور في اللباس وإرخاء الذيل شبرا أو أكثر وجمع نفسها في الركوع والسجود دون التجافي ولا ترفع صوتها بقراءة القرآن ولا ترمل في الطواف ولا تتجرد في الإحرام عن المخيط ولا تكشف رأسها ولا تسافر وحدها هذا كله مع كبرها ومعرفتها فكيف إذا كانت في سن الصغر وضعف العقل الذي يقبل فيه الانخداع ولا ريب أن ترددها بين الأبوين مما يعود على المقصود بالإبطال أو يخل به أو ينقصه لأنها لا تستقر في مكان معين فكان الأصلح لها أن تجعل عند أحد الأبوين من غير تخيير كما قاله الجمهور: مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق فتخييرها ليس منصوصا عليه ولا هو في معناه فيلحق به.  [اختلاف الفقهاء في تعيين أحد الأبوين لمقام البنت عنده] ثم هاهنا حصل الاجتهاد في تعيين أحد الأبوين لمقامها عنده وأيهما أصلح لها فمالك وأبو حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه عينوا الأم وهو الصحيح دليلا وأحمد رحمه الله في المشهور عنه واختيار عامة أصحابه عينوا الأب. قال من رجح الأم: قد جرت العادة بأن الأب يتصرف في المعاش(5\/422)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2310",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10876",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والخروج ولقاء الناس والأم في خدرها مقصورة في بيتها فالبنت عندها أصون وأحفظ بلا شك وعينها عليها دائما بخلاف الأب فإنه في غالب الأوقات غائب عن البنت أو في مظنة ذلك فجعلها عند أمها أصون لها وأحفظ. قالوا: وكل مفسدة يعرض وجودها عند الأم فإنها تعرض أو أكثر منها عند الأب فإنه إذا تركها في البيت وحدها لم يأمن عليها وإن ترك عندها امرأته أو غيرها فالأم أشفق عليها وأصون لها من الأجنبية. قالوا: وأيضا فهي محتاجة إلى تعلم ما يصلح للنساء من الغزل والقيام بمصالح البيت وهذا إنما تقوم به النساء لا الرجال فهي أحوج إلى أمها لتعلمها ما يصلح للمرأة وفي دفعها إلى أبيها تعطيل هذه المصلحة وإسلامها إلى امرأة أجنبية تعلمها ذلك وترديدها بين الأم وبينه وفي ذلك تمرين لها على البروز والخروج فمصلحة البنت والأم والأب أن تكون عند أمها وهذا القول هو الذي لا نختار سواه. قال من رجح الأب: الرجال أغير على البنات من النساء فلا تستوي غيرة الرجل على ابنته وغيرة الأم أبدا وكم من أم تساعد ابنتها على ما تهواه ويحملها على ذلك ضعف عقلها وسرعة انخداعها وضعف داعي الغيرة في طبعها بخلاف الأب ولهذا المعنى وغيره جعل الشارع تزويجها إلى أبيها دون أمها ولم يجعل لأمها ولاية على بضعها البتة ولا على مالها فكان من محاسن الشريعة أن تكون عند أمها ما دامت محتاجة إلى الحضانة والتربية فإذا بلغت حدا تشتهى فيه وتصلح للرجال فمن محاسن الشريعة أن تكون عند من هو أغير عليها وأحرص على مصلحتها وأصون لها من الأم. قالوا: ونحن نرى في طبيعة الأب وغيره من الرجال من الغيرة ولو مع فسقه وفجوره ما يحمله على قتل ابنته وأخته وموليته إذا رأى منها ما يريبه لشدة الغيرة ونرى في طبيعة النساء من الانحلال والانخداع ضد ذلك قالوا: فهذا هو(5\/423)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2311",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10877",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الغالب على النوعين ولا عبرة بما خرج عن الغالب على أنا إذا قدمنا أحد الأبوين فلا بد أن نراعي صيانته وحفظه للطفل ولهذا قال مالك والليث: إذا لم تكن الأم في موضع حرز وتحصين أو كانت غير مرضية فللأب أخذ البنت منها وكذلك الإمام أحمد رحمه الله في الرواية المشهورة عنه فإنه يعتبر قدرته على الحفظ والصيانة. فإن كان مهملا لذلك أو عاجزا عنه أو غير مرضي أو ذا دياثة والأم بخلافه - فهي أحق بالبنت بلا ريب فمن قدمناه بتخيير أو قرعة أو بنفسه فإنما نقدمه إذا حصلت به مصلحة الولد ولو كانت الأم أصون من الأب وأغير منه قدمت عليه ولا التفات إلى قرعة ولا اختيار الصبي في هذه الحالة فإنه ضعيف العقل يؤثر البطالة واللعب فإذا اختار من يساعده على ذلك لم يلتفت إلى اختياره وكان عند من هو أنفع له وأخير ولا تحتمل الشريعة غير هذا والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال: ( مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم على تركها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع )  والله تعالى يقول: ياأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة [التحريم: 6] [التحريم 6] . وقال الحسن: علموهم وأدبوهم وفقهوهم فإذا كانت الأم تتركه في المكتب وتعلمه القرآن والصبي يؤثر اللعب ومعاشرة أقرانه وأبوه يمكنه من ذلك فإنه أحق به بلا تخيير ولا قرعة وكذلك العكس ومتى أخل أحد الأبوين بأمر الله ورسوله في الصبي وعطله والآخر مراع له فهو أحق وأولى به. وسمعت شيخنا رحمه الله يقول: تنازع أبوان صبيا عند بعض الحكام فخيره بينهما فاختار أباه فقالت له أمه: سله لأي شيء يختار أباه فسأله فقال: أمي تبعثني كل يوم للكتاب والفقيه يضربني وأبي يتركني للعب مع الصبيان فقضى به للأم قال: أنت أحق به. قال شيخنا: وإذا ترك أحد الأبوين تعليم الصبي وأمره الذي أوجبه الله(5\/424)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2312",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10878",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه فهو عاص ولا ولاية له عليه بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته فلا ولاية له بل إما أن ترفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب وإما أن يضم إليه من يقوم معه بالواجب إذ المقصود طاعة الله ورسوله بحسب الإمكان. قال شيخنا: وليس هذا الحق من جنس الميراث الذي يحصل بالرحم والنكاح والولاء سواء كان الوارث فاسقا أو صالحا بل هذا من جنس الولاية التي لا بد فيها من القدرة على الواجب والعلم به وفعله بحسب الإمكان. قال: فلو قدر أن الأب تزوج امرأة لا تراعي مصلحة ابنته ولا تقوم بها وأمها أقوم بمصلحتها من تلك الضرة فالحضانة هنا للأم قطعا قال: ومما ينبغي أن يعلم أن الشارع ليس عنه نص عام في تقديم أحد الأبوين مطلقا ولا تخيير الولد بين الأبوين مطلقا والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقا بل لا يقدم ذو العدوان والتفريط على البر العادل المحسن والله أعلم.  [مذهب من قال ببطلان التخيير] قالت الحنفية والمالكية: الكلام معكم في مقامين أحدهما: بيان الدليل الدال على بطلان التخيير والثاني: بيان عدم الدلالة في الأحاديث التي استدللتم بها على التخيير فأما الأول: فيدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: ( أنت أحق به )  ولم يخيره. وأما المقام الثاني: فما رويتم من أحاديث التخيير مطلقة لا تقييد فيها وأنتم لا تقولون بها على إطلاقها بل قيدتم التخيير بالسبع فما فوقها وليس في شيء من الأحاديث ما يدل على ذلك ونحن نقول: إذا صار للغلام اختيار معتبر خير بين أبويه وإنما يعتبر اختياره إذا اعتبر قوله وذلك بعد البلوغ وليس تقييدكم وقت التخيير بالسبع أولى من تقييدنا بالبلوغ بل الترجيح من جانبنا لأنه حينئذ يعتبر قوله ويدل عليه قولها: quot; وقد سقاني من بئر أبي عنبة quot; وهي على أميال من المدينة وغير البالغ لا يتأتى منه عادة أن يحمل الماء من هذه المسافة ويستقي من البئر سلمنا أنه ليس في الحديث ما يدل على البلوغ فليس فيه ما ينفيه والواقعة واقعة عين وليس عن الشارع نص عام في تخيير من هو دون البلوغ حتى يجب(5\/425)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2313",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10879",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المصير إليه سلمنا أنه فيه ما ينفي البلوغ فمن أين فيه ما يقتضي التقييد بسبع كما قلتم  [رد المثبتين للتخيير على مبطليه] قالت الشافعية والحنابلة ومن قال بالتخيير: لا يتأتى لكم الاحتجاج بقوله صلى الله عليه وسلم: ( أنت أحق به ما لم تنكحي ) بوجه من الوجوه فإن منكم من يقول: إذا استغنى بنفسه وأكل بنفسه وشرب بنفسه فالأب أحق به بغير تخيير ومنكم من يقول: إذا اثغر فالأب أحق به. فنقول: النبي صلى الله عليه وسلم قد حكم لها به ما لم تنكح ولم يفرق بين أن تنكح قبل بلوغ الصبي السن الذي يكون عنده أو بعده وحينئذ فالجواب يكون مشتركا بيننا وبينكم ونحن فيه على سواء فما أجبتم به أجاب به منازعوكم سواء فإن أضمرتم أضمروا وإن قيدتم قيدوا وإن خصصتم خصصوا. وإذا تبين هذا فنقول: الحديث اقتضى أمرين. أحدهما: أنها لا حق لها في الولد بعد النكاح. والثاني: أنها أحق به ما لم تنكح وكونها أحق به له حالتان إحداهما: أن يكون الولد صغيرا لم يميز فهي أحق به مطلقا من غير تخيير. الثاني: أن يبلغ سن التمييز فهي أحق به أيضا ولكن هذه الأولوية مشروطة بشرط والحكم إذا علق بشرط صدق إطلاقه اعتمادا على تقدير الشرط وحينئذ فهي أحق به بشرط اختياره لها وغاية هذا أنه تقييد للمطلق بالأدلة الدالة على تخييره. ولو حمل على إطلاقه - وليس بممكن البتة - لاستلزم ذلك إبطال أحاديث التخيير وأيضا فإذا كنتم قيدتموه بأنها أحق به إذا كانت مقيمة وكانت حرة ورشيدة وغير ذلك من القيود التي لا ذكر لشيء منها في الأحاديث البتة - فتقييده بالاختيار الذي دلت عليه السنة واتفق عليه الصحابة أولى.  [الرد على من قال إن التخيير يحصل بعد البلوغ] وأما حملكم أحاديث التخيير على ما بعد البلوغ فلا يصح لخمسة أوجه: أحدها: أن لفظ الحديث أنه خير غلاما بين أبويه وحقيقة الغلام من لم(5\/426)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2314",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10880",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يبلغ فحمله على البالغ إخراج له عن حقيقته إلى مجازه بغير موجب ولا قرينة صارفة. الثاني: أن البالغ لا حضانة عليه فكيف يصح أن يخير ابن أربعين سنة بين أبوين هذا من الممتنع شرعا وعادة فلا يجوز حمل الحديث عليه. الثالث: أنه لم يفهم أحد من السامعين أنهم تنازعوا في رجل كبير بالغ عاقل وأنه خير بين أبويه ولا يسبق إلى هذا فهم أحد البتة ولو فرض تخييره لكان بين ثلاثة أشياء: الأبوين والانفراد بنفسه. الرابع: أنه لا يعقل في العادة ولا العرف ولا الشرع أن تنازع الأبوان في رجل كبير بالغ عاقل كما لا يعقل في الشرع تخيير من هذه حاله بين أبويه. الخامس: أن في بعض ألفاظ الحديث أن الولد كان صغيرا لم يبلغ ذكره النسائي وهو حديث رافع بن سنان وفيه: فجاء ابن لها صغير لم يبلغ فأجلس النبي صلى الله عليه وسلم الأب هاهنا والأم هاهنا ثم خيره. وأما قولكم: إن بئر أبي عنبة على أميال من المدينة فجوابه: مطالبتكم أولا بصحة هذا الحديث ومن ذكره وثانيا: بأن مسكن هذه المرأة كان بعيدا من هذه البئر وثالثا بأن من له نحو العشر سنين لا يمكنه أن يستقي من البئر المذكور عادة وكل هذا مما لا سبيل إليه فإن العرب وأهل البوادي يستقي أولادهم الصغار من آبار هي أبعد من ذلك. وأما تقييدنا له بالسبع فلا ريب أن الحديث لا يقتضي ذلك ولا هو أمر مجمع عليه فإن للمخيرين قولين أحدهما: أنه يخير لخمس حكاه إسحاق بن راهويه ذكره عنه حرب في quot; مسائله quot; ويحتج لهؤلاء بأن الخمس هي السن التي يصح فيها سماع الصبي ويمكن أن يعقل فيها وقد قال محمود بن الربيع:(5\/427)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2315",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10881",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "( عقلت عن النبي صلى الله عليه وسلم مجة مجها في في وأنا ابن خمس سنين ) . والقول الثاني: أنه إنما يخير لسبع وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق رحمهم الله واحتج لهذا القول بأن التخيير يستدعي التمييز والفهم ولا ضابط له في الأطفال فضبط بمظنته وهي السبع فإنها أول سن التمييز ولهذا جعلها النبي صلى الله عليه وسلم حدا للوقت الذي يؤمر فيه الصبي بالصلاة. وقولكم: إن الأحاديث وقائع أعيان فنعم هي كذلك ولكن يمتنع حملها على تخيير الرجال البالغين كما تقدم. وفي بعضها لفظ quot; غلام quot; وفي بعضها لفظ quot; صغير لم يبلغ quot; وبالله التوفيق.  [الاختلاف في قصة بنت حمزة] فصل وأما قصة بنت حمزة واختصام علي وزيد وجعفر رضي الله عنهم فيها وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بها لجعفر فإن هذه الحكومة كانت عقيب فراغهم من عمرة القضاء فإنهم لما خرجوا من مكة تبعتهم ابنة حمزة تنادي يا عم يا عم فأخذ علي بيدها ثم تنازع فيها هو وجعفر وزيد وذكر كل واحد من الثلاثة ترجيحا فذكر زيد أنها ابنة أخيه للمؤاخاة التي عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين حمزة وذكر علي كونها ابنة عمه وذكر جعفر مرجحين: القرابة وكون خالتها عنده فتكون عند خالتها فاعتبر النبي صلى الله عليه وسلم مرجح جعفر دون مرجح الآخرين فحكم له وجبر كل واحد منهم وطيب قلبه بما هو أحب إليه من أخذ البنت. فأما مرجح المؤاخاة فليس بمقتض للحضانة ولكن زيدا كان وصي حمزة وكان الإخاء حينئذ يثبت به التوارث فظن زيد أنه أحق بها لذلك. وأما مرجح القرابة هاهنا وهي بنوة العم فهل يستحق بها الحضانة على قولين أحدهما: يستحق بها وهو منصوص الشافعي وقول مالك وأحمد وغيره لأنه عصبة وله ولاية بالقرابة فقدم على الأجانب كما يقدم عليهم(5\/428)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2316",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10882",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في الميراث وولاية النكاح وولاية الموت ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينكر على جعفر وعلي ادعاءهما حضانتها ولو لم يكن لهما ذلك لأنكر عليهما الدعوى الباطلة فإنها دعوى ما ليس لهما وهو لا يقر على باطل. والقول الثاني: أنه لا حضانة لأحد من الرجال سوى الآباء والأجداد هذا قول بعض أصحاب الشافعي وهو مخالف لنصه وللدليل. فعلى قول الجمهور - وهو الصواب - إذا كان الطفل أنثى وكان ابن العم محرما لها برضاع أو نحوه - كان له حضانتها وإن جاوزت السبع وإن لم يكن محرما فله حضانتها صغيرة حتى تبلغ سبعا فلا يبقى له حضانتها بل تسلم إلى محرمها أو امرأة ثقة. وقال أبو البركات في quot; محرره quot;: لا حضانة له ما لم يكن محرما برضاع أو نحوه. فإن قيل: فالحكم بالحضانة من النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القصة هل وقع للخالة أو لجعفر قيل: هذا مما اختلف فيه على قولين منشؤهما اختلاف ألفاظ الحديث في ذلك ففي quot; صحيح البخاري quot; من حديث البراء: فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها. وعن أبي داود: من حديث رافع بن عجير عن أبيه عن علي في هذه القصة. ( وأما الجارية فأقضي بها لجعفر تكون مع خالتها وإنما الخالة أم ) . ثم ساقه من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى وقال: قضى بها لجعفر لأن خالتها عنده ثم ساقه من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ وهبيرة بن يريم وقال: ( فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها وقال: الخالة بمنزلة الأم ) .(5\/429)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2317",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10883",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واستشكل كثير من الفقهاء هذا وهذا فإن القضاء إن كان لجعفر فليس محرما لها وهو وعلي في القرابة منها سواء وإن كان للخالة فهي مزوجة والحاضنة إذا تزوجت سقطت حضانتها ولما ضاق هذا على ابن حزم طعن في القصة بجميع طرقها. وقال أما حديث البخاري فمن رواية إسرائيل وهو ضعيف وأما حديث هانئ وهبيرة فمجهولان وأما حديث ابن أبي ليلى فمرسل وأبو فروة الراوي عنه هو مسلم بن سالم الجهني ليس بالمعروف وأما حديث نافع بن عجير فهو وأبوه مجهولان ولا حجة في مجهول قال: إلا أن هذا الخبر بكل وجه حجة على الحنفية والمالكية والشافعية لأن خالتها كانت مزوجة بجعفر وهو أجمل شاب في قريش وليس هو ذا رحم محرم من بنت حمزة. قال ونحن لا ننكر قضاءه بها لجعفر من أجل خالتها لأن ذلك أحفظ لها. قلت وهذا من تهوره رحمه الله وإقدامه على تضعيف ما اتفقت الناس على صحته فخالفهم وحده فإن هذه القصة شهرتها في الصحاح والسنن والمسانيد والسير والتواريخ تغني عن إسنادها فكيف وقد اتفق عليها صاحب الصحيح ولم يحفظ عن أحد قبله الطعن فيها البتة وقوله: إسرائيل ضعيف فالذي غره في ذلك تضعيف علي بن المديني له ولكن أبى ذلك سائر أهل الحديث واحتجوا به ووثقوه وثبتوه قال أحمد: ثقة وتعجب من حفظه وقال أبو حاتم. وهو من أتقن أصحاب أبي إسحاق ولا سيما وقد روى هذا الحديث عن أبي إسحاق وكان يحفظ حديثه كما يحفظ السورة من القرآن وروى له الجماعة كلهم محتجين به. وأما قوله: إن هانئا وهبيرة مجهولان فنعم مجهولان عنده معروفان عند أهل السنن وثقهما الحفاظ فقال النسائي: هانئ بن هانئ ليس به بأس وهبيرة روى له أهل السنن الأربعة وقد وثق.(5\/430)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2318",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10884",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما قوله: حديث ابن أبي ليلى وأبو فروة الراوي عنه مسلم بن مسلم الجهني ليس بالمعروف فالتعليلان باطلان فإن عبد الرحمن بن أبي ليلى روى عن علي غير حديث وعن عمر ومعاذ رضي الله عنهما. والذي غر أبا محمد أن أبا داود قال: حدثنا محمد بن عيسى حدثنا سفيان عن أبي فروة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى بهذا الخبر وظن أبو محمد أن عبد الرحمن لم يذكر عليا في الرواية فرماه بالإرسال وذلك من وهمه فإن ابن أبي ليلى روى القصة عن علي فاختصرها أبو داود وذكر مكان الاحتجاج وأحال على العلم المشهور برواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي وهذه القصة قد رواها علي وسمعها منه أصحابه: هانئ بن هانئ وهبيرة بن يريم وعجير بن عبد يزيد وعبد الرحمن بن أبي ليلى فذكر أبو داود حديث الثلاثة الأولين لسياقهم لها بتمامها وأشار إلى حديث ابن أبي ليلى لأنه لم يتمه وذكر السند منه إليه فبطل الإرسال ثم رأيت أبا بكر الإسماعيلي قد روى هذا الحديث في مسند علي مصرحا فيه بالاتصال فقال: أخبرنا الهيثم بن خلف حدثنا عثمان بن سعيد المقري حدثنا يوسف بن عدي حدثنا سفيان عن أبي فروة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي أنه اختصم هو وجعفر وزيد وذكر الحديث. وأما قوله: إن أبا فروة ليس بالمعروف فقد عرفه سفيان بن عيينة وغيره وخرجا له في quot; الصحيحين quot;. وأما رميه نافع بن عجير وأباه بالجهالة فنعم ولا يعرف حالهما وليسا من المشهورين بنقل العلم وإن كان نافع أشهر من أبيه لرواية ثقتين عنه: محمد بن إبراهيم التميمي وعبد الله بن علي فليس الاعتماد على روايتهما وبالله التوفيق فثبتت صحة الحديث. وأما الجواب عن استشكال من استشكله فنقول وبالله التوفيق: لا إشكال(5\/431)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2319",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10885",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سواء كان القضاء لجعفر أو للخالة فإن ابنة العم إذا لم يكن لها قرابة سوى ابن عمها جاز أن تجعل مع امرأته في بيته بل يتعين ذلك وهو أولى من الأجنبي لا سيما إن كان ابن العم مبرزا في الديانة والعفة والصيانة فإنه في هذه الحال أولى من الأجانب بلا ريب. فإن قيل: فالنبي صلى الله عليه وسلم كان ابن عمها وكان محرما لها لأن حمزة كان أخاه من الرضاعة فهلا أخذها هو قيل: رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في شغل شاغل بأعباء الرسالة وتبليغ الوحي والدعوة إلى الله وجهاد أعداء الله عن فراغه للحضانة فلو أخذها لدفعها إلى بعض نسائه فخالتها أمس بها رحما وأقرب. وأيضا فإن المرأة من نسائه لم تكن تجيئها النوبة إلا بعد تسع ليال فإن دارت الصبية معه حيث دار كان مشقة عليها وكان فيه من بروزها وظهورها كل وقت ما لا يخفى وإن جلست في بيت إحداهن كانت لها الحضانة وهي أجنبية. هذا إن كان القضاء لجعفر وإن كان للخالة - وهو الصحيح وعليه يدل الحديث الصحيح الصريح - فلا إشكال لوجوه: أحدها: أن نكاح الحاضنة لا يسقط حضانة البنت كما هو إحدى الروايتين عن أحمد وأحد قولي العلماء وحجة هذا القول الحديث وقد تقدم سر الفرق بين الذكر والأنثى. الثاني: أن نكاحها قريبا من الطفل لا يسقط حضانتها وجعفر ابن عمها. الثالث: أن الزوج إذا رضي بالحضانة وآثر كون الطفل عنده في حجره لم تسقط الحضانة هذا هو الصحيح وهو مبني على أصل وهو أن سقوط الحضانة بالنكاح هو مراعاة لحق الزوج فإنه يتنغص عليه الاستمتاع المطلوب من المرأة لحضانتها لولد غيره ويتنكد عليه عيشه مع المرأة لا(5\/432)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2320",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10886",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يؤمن أن يحصل بينهما خلاف المودة والرحمة ولهذا كان للزوج أن يمنعها من هذا مع اشتغالها هي بحقوق الزوج فتضيع مصلحة الطفل فإذا آثر الزوج ذلك وطلبه وحرص عليه زالت المفسدة التي لأجلها سقطت الحضانة والمقتضي قائم فيترتب عليه أثره يوضحه أن سقوط الحضانة بالنكاح ليست حقا لله وإنما هي حق للزوج وللطفل وأقاربه فإذا رضي من له الحق جاز فزال الإشكال على كل تقدير وظهر أن هذا الحكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الأحكام وأوضحها وأشدها موافقة للمصلحة والحكمة والرحمة والعدل وبالله التوفيق. فهذه ثلاثة مدارك في الحديث للفقهاء أحدها: أن نكاح الحاضنة لا يسقط حضانتها كما قاله الحسن البصري وقضى به يحيى بن حمزة وهو مذهب أبي محمد ابن حزم. والثاني: أن نكاحها لا يسقط حضانة البنت ويسقط حضانة الابن كما قاله أحمد في إحدى روايتيه. والثالث: أن نكاحها لقريب الطفل لا يسقط حضانتها ونكاحها للأجنبي يسقطها كما هو المشهور من مذهب أحمد. وفيه مدرك رابع لمحمد بن جرير الطبري وهو أن الحاضنة إن كانت أما والمنازع لها الأب سقطت حضانتها بالتزويج وإن كانت خالة أو غيرها من نساء الحضانة لم تسقط حضانتها بالتزويج وكذلك إن كانت أما والمنازع لها غير الأب من أقارب الطفل لم تسقط حضانتها. ونحن نذكر كلامه وما له وعليه فيه قال في quot; تهذيب الآثار quot; بعد ذكر حديث ابنة حمزة: فيه الدلالة الواضحة على أن قيم الصبية الصغيرة والطفل الصغير من قرابتهما من قبل أمهاتهما من النساء أحق بحضانتهما من عصباتهما من قبل الأب وإن كن ذوات أزواج غير الأب الذي هما منه وذلك أن(5\/433)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2321",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10887",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بابنة حمزة لخالتها في الحضانة وقد تنازع فيها ابنا عمها علي وجعفر ومولاها وأخو أبيها الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبينه وخالتها يومئذ لها زوج غير أبيها وذلك بعد مقتل حمزة وكان معلوما بذلك صحة قول من قال: لا حق لعصبة الصغير والصغيرة من قبل الأب في حضانته ما لم تبلغ حد الاختيار بل قرابتهما من النساء من قبل أمهما أحق وإن كن ذوات أزواج. فإن قال قائل: فإن كان الأمر في ذلك عندك على ما وصفت من أن أم الصغير والصغيرة وقرابتهما من النساء من قبل أمهاتهما أحق بحضانتهما وإن كن ذوات أزواج من قرابتهما من قبل الأب من الرجال الذين هم عصبتهما فهلا كانت الأم ذات الزوج كذلك مع والدهما الأدنى والأبعد كما كانت الخالة أحق بهما وإن كان لها زوج غير أبيهما وإلا فما الفرق قيل: الفرق بينهما واضح وذلك لقيام الحجة بالنقل المستفيض روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الأم أحق بحضانة الأطفال إذا كانت بانت من والدهم ما لم تنكح زوجا غيره ولم يخالف في ذلك من يجوز الاعتراض به على الحجة فيما نعلمه. وقد روي في ذلك خبر وإن كان في إسناده نظر فإن النقل الذي وصفت أمره دال على صحته وإن كان واهي السند. ثم ساق حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ( أنت أحق به ما لم تنكحي ) من طريق المثنى بن الصباح عنه. ثم قال: وأما إذا نازعها فيه عصبة أبيه فصحة الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي ذكرناه أنه جعل الخالة ذات الزوج غير أبي الصبية أحق بها من بني عمها وهم عصبتها فكانت الأم أحق بأن تكون أولى منهم وإن كان لها زوج غير أبيها لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل الخالة أولى منهم لقرابتها من الأم وإذا كان ذلك كالذي وصفنا تبين أن القول الذي قلناه في المسألتين أصل إحداهما من جهة النقل المستفيض والأخرى من جهة نقل الآحاد العدول فإذا كان(5\/434)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2322",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10888",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كذلك فغير جائز رد حكم إحداهما إلى حكم الأخرى إذ القياس إنما يجوز استعماله فيما لا نص فيه من الأحكام فأما ما فيه نص من كتاب الله أو خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا حظ فيه للقياس. فإن قال قائل: زعمت أنك إنما أبطلت حق الأم من الحضانة إذا نكحت زوجا غير أبي الطفل وجعلت الأب أولى بحضانتها منها بالنقل المستفيض فكيف يكون ذلك كما قلت وقد علمت أن الحسن البصري كان يقول: المرأة أحق بولدها وإن تزوجت وقضى بذلك يحيى بن حمزة. قيل: إن النقل المستفيض الذي تلزم به الحجة في الدين عندنا ليس صفته ألا يكون له مخالف ولكن صفته أن ينقله قولا وعملا من علماء الأمة من ينتفي عنه أسباب الكذب والخطأ وقد نقل من صفته ذلك من علماء الأمة أن المرأة إذا نكحت بعد بينونتها من زوجها زوجا غيره أن الأب أولى بحضانة ابنتها منها فكان ذلك حجة لازمة غير جائز الاعتراض عليها بالرأي وهو قول من يجوز عليه الغلط في قوله انتهى كلامه.  [ذكر ما في هذا الكلام من مقبول ومردود] فأما قوله: إن فيه الدلالة على أن قرابة الطفل من قبل أمهاته من النساء أحق بحضانته من عصباته من قبل الأب وإن كن ذوات أزواج فلا دلالة فيه على ذلك البتة بل أحد ألفاظ الحديث صريح في خلافه وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ( وأما الابنة فإني أقضي بها لجعفر )  وأما اللفظ الآخر: ( فقضى بها لخالتها وقال: هي أم ) وهو اللفظ الذي احتج به أبو جعفر فلا دليل على أن قرابة الأم مطلقا أحق من قرابة الأب بل إقرار النبي صلى الله عليه وسلم عليا وجعفرا على دعوى الحضانة يدل على أن لقرابة الأب مدخلا فيها وإنما قدم الخالة لكونها أنثى من أهل الحضانة فتقديمها على قرابة الأب كتقديم الأم على الأب والحديث ليس فيه لفظ عام يدل على ما ادعاه لا من أن من كان من قرابة الأم أحق بالحضانة من العصبة من قبل الأب(5\/435)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2323",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10889",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حتى تكون بنت الأخت للأم أحق من العم وبنت الخالة أحق من العم والعمة فأين في الحديث دلالة على هذا فضلا عن أن تكون واضحة. قوله: وكان معلوما بذلك صحة قول من قال: لا حق لعصبة الصغير والصغيرة من قبل الأب في حضانته ما لم يبلغ حد الاختيار يعني: فيخير بين قرابة أبيه وأمه فيقال: ليس ذلك معلوما من الحديث ولا مظنونا وإنما دل الحديث على أن ابن العم المزوج بالخالة أولى من ابن العم الذي ليس تحته خالة الطفل ويبقى تحقيق المناط: هل كانت جهة التعصيب مقتضية للحضانة فاستوت في شخصين فرجح أحدهما بكون خالة الطفل عنده وهي من أهل الحضانة كما فهمه طائفة من أهل الحديث أو أن قرابة الأم وهي الخالة أولى بحضانة الطفل من عصبة الأب ولم تسقط حضانتها بالتزويج إما لكون الزوج لا يسقط الحضانة مطلقا كقول الحسن ومن وافقه وإما لكون المحضونة بنتا كما قاله أحمد في رواية وإما لكون الزوج قرابة الطفل كالمشهور من مذهب أحمد وإما لكون الحاضنة غير أم نازعها الأب كما قاله أبو جعفر فهذه أربعة مدارك ولكن المدرك الذي اختاره أبو جعفر ضعيف جدا فإن المعنى الذي أسقط حضانة الأم بتزويجها هو بعينه موجود في سائر نساء الحضانة والخالة غايتها أن تقوم مقام الأم وتشبه بها فلا تكون أقوى منها وكذلك سائر قرابة الأم والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم حكما عاما أن سائر أقارب الأم من كن لا تسقط حضانتهن بالتزويج وإنما حكم حكما معينا لخالة ابنة حمزة بالحضانة مع كونها مزوجة بقريب من الطفل والطفل ابنة. وأما الفرق الذي فرق بين الأم وغيرها بالنقل المستفيض إلى آخره فيريد به الإجماع الذي لا ينقضه عنده مخالفة الواحد والاثنين وهذا أصل تفرد به ونازعه فيه الناس. وأما حكمه على حديث عمرو بن شعيب بأنه واه فمبني على ما وصل إليه من طريقه فإن فيه المثنى بن الصباح وهو ضعيف أو متروك ولكن الحديث قد(5\/436)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2324",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10890",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رواه الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رواه أبو داود في quot; سننه quot;.  [فصل المسلك الخامس في قصة بنت حمزة] فصل وفي الحديث مسلك خامس وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بها لخالتها وإن كانت ذات زوج لأن البنت تحرم على الزوج تحريم الجمع بين المرأة وخالتها وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم على هذا بعينه في حديث داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس فذكر الحديث بطوله وقال فيه: ( وأنت يا جعفر أولى بها: تحتك خالتها ولا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها )  وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم نص يقتضي أن يكون الحاضن ذا رحم تحرم عليه البنت على التأبيد حتى يعترض به على هذا المسلك بل هذا مما لا تأباه قواعد الفقه وأصول الشريعة فإن الخالة ما دامت في عصمة الحاضن فبنت أختها محرمة عليه فإذا فارقها فهي مع خالتها فلا محذور في ذلك أصلا ولا ريب أن القول بهذا أخير وأصلح للبنت من رفعها إلى الحاكم يدفعها إلى أجنبي تكون عنده إذ الحاكم غير متصد للحضانة بنفسه فهل يشك أحد أن ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة هو عين المصلحة والحكمة والعدل وغاية الاحتياط للبنت والنظر لها وأن كل حكم خالفه لا ينفك عن جور أو فساد لا تأتي به الشريعة فلا إشكال في حكمه صلى الله عليه وسلم والإشكال كل الإشكال فيما خالفه والله المستعان وعليه التكلان.  [ذكر حكمه صلى الله عليه وسلم في النفقة على الزوجات] وأنه لم يقدرها ولا ورد عنه ما يدل على تقديرها وإنما رد الأزواج فيها إلى العرف. ثبت عنه في quot; صحيح مسلم quot; أنه قال في خطبة حجة الوداع بمحضر الجمع العظيم قبل وفاته ببضعة وثمانين يوما: ( واتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولهن عليكم رزقهن(5\/437)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2325",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10891",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكسوتهن بالمعروف ) . وثبت عنه صلى الله عليه وسلم في quot; الصحيحين quot;: ( أن هندا امرأة أبي سفيان قالت له: إن أبا سفيان رجل شحيح ليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) . وفي quot; سنن أبي داود quot; من حديث حكيم بن معاوية عن أبيه رضي الله عنه قال: ( أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله ما تقول في نسائنا قال: أطعموهن مما تأكلون واكسوهن مما تلبسون ولا تضربوهن ولا تقبحوهن ) . وهذا الحكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم مطابق لكتاب الله عز وجل حيث يقول تعالى: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف [البقرة: 233] [البقرة: 233] والنبي صلى الله عليه وسلم جعل نفقة المرأة مثل نفقة الخادم وسوى بينهما في عدم التقدير وردهما إلى المعروف فقال: ( للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ) فجعل نفقتهما بالمعروف ولا ريب أن نفقة الخادم غير مقدرة ولم يقل أحد بتقديرها. وصح عنه في الرقيق أنه قال: ( أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ) . رواه مسلم كما قال في الزوجة سواء.(5\/438)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2326",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10892",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (امرأتك تقول: إما أن تطعمني وإما أن تطلقني ويقول العبد: أطعمني واستعملني. ويقول الابن: أطعمني إلى من تدعني) فجعل نفقة الزوجة والرقيق والولد كلها الإطعام لا التمليك. وروى النسائي هذا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي. وقال تعالى: من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم [المائدة: 89] [المائدة: 89]  وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (الخبز والزيت)  وصح عن ابن عمر رضي الله عنه: (الخبز والسمن والخبز والتمر ومن أفضل ما تطعمون الخبز واللحم) . ففسر الصحابة إطعام الأهل بالخبز مع غيره من الأدم والله ورسوله ذكرا الإنفاق مطلقا من غير تحديد ولا تقدير ولا تقييد فوجب رده إلى العرف لو لم يرده إليه النبي صلى الله عليه وسلم فكيف وهو الذي رد ذلك إلى العرف وأرشد أمته إليه ومن المعلوم أن أهل العرف إنما يتعارفون بينهم في الإنفاق على أهليهم حتى من يوجب التقدير: الخبز والإدام دون الحب والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إنما كانوا ينفقون على أزواجهم كذلك دون تمليك الحب وتقديره ولأنها نفقة واجبة بالشرع فلم تقدر بالحب كنفقة الرقيق ولو كانت مقدرة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم هندا أن تأخذ المقدر لها شرعا ولما أمرها أن تأخذ ما يكفيها من غير تقدير ورد الاجتهاد في ذلك إليها ومن المعلوم أن قدر كفايتها لا ينحصر في مدين ولا في رطلين بحيث لا يزيد عليهما ولا ينقص ولفظه لم يدل على ذلك بوجه ولا إيماء ولا إشارة وإيجاب مدين أو رطلين خبزا قد يكون أقل من الكفاية فيكون تركا(5\/439)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2327",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10893",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للمعروف وإيجاب قدر الكفاية مما يأكل الرجل وولده ورقيقه وإن كان أقل من مد أو من رطلي خبز إنفاق بالمعروف فيكون هذا هو الواجب بالكتاب والسنة ولأن الحب يحتاج إلى طحنه وخبزه وتوابع ذلك فإن أخرجت ذلك من مالها لم تحصل الكفاية بنفقة الزوج وإن فرض عليه ذلك لها من ماله كان الواجب حبا ودراهم ولو طلبت مكان الخبز دراهم أو حبا أو دقيقا أو غيره لم يلزمه بذله ولو عرض عليها ذلك أيضا لم يلزمها قبوله لأن ذلك معاوضة فلا يجبر أحدهما على قبولها ويجوز تراضيهما على ما اتفقا عليه. والذين قدروا النفقة اختلفوا فمنهم من قدرها بالحب وهو الشافعي فقال: نفقة الفقير مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم لأن أقل ما يدفع في الكفارة إلى الواحد مد والله سبحانه اعتبر الكفارة بالنفقة على الأهل فقال: فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم [المائدة: 89] [المائدة: 89]  قال: وعلى الموسر مدان لأن أكثر ما أوجب الله سبحانه للواحد مدان في كفارة الأذى وعلى المتوسط مد ونصف نصف نفقة الموسر ونصف نفقة الفقير. وقال القاضي أبو يعلى: مقدرة بمقدار لا يختلف في القلة والكثرة والواجب رطلان من الخبز في كل يوم في حق الموسر والمعسر اعتبارا بالكفارات وإنما يختلفان في صفته وجودته لأن الموسر والمعسر سواء في قدر المأكول وما تقوم به البنية وإنما يختلفان في جودته فكذلك النفقة الواجبة. والجمهور قالوا: لا يحفظ عن أحد من الصحابة قط تقدير النفقة لا بمد ولا برطل والمحفوظ عنهم بل الذي اتصل به العمل في كل عصر ومصر ما ذكرناه. قالوا: ومن الذي سلم لكم التقدير بالمد والرطل في الكفارة والذي دل عليه القرآن والسنة أن الواجب في الكفارة الإطعام فقط لا التمليك قال تعالى في كفارة اليمين: فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم [المائدة: 89](5\/440)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2328",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10894",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[المائدة: 89]  وقال في كفارة الظهار: فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا [المجادلة: 4] [المجادلة: 4] وقال في فدية الأذى: ففدية من صيام أو صدقة أو نسك [البقرة: 196] [البقرة: 196] وليس في القرآن في إطعام الكفارات غير هذا وليس في موضع واحد منها تقدير ذلك بمد ولا رطل وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمن وطئ في نهار رمضان: (أطعم ستين مسكينا)   وكذلك قال للمظاهر ولم يحد ذلك بمد ولا رطل. فالذي دل عليه القرآن والسنة أن الواجب في الكفارات والنفقات هو الإطعام لا التمليك وهذا هو الثابت عن الصحابة رضي الله عنهم. قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو خالد عن حجاج عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي: يغديهم ويعشيهم خبزا وزيتا. وقال إسحاق عن الحارث: كان علي يقول في إطعام المساكين في كفارة اليمين: يغديهم ويعشيهم خبزا وزيتا أو خبزا وسمنا. وقال ابن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن يعلى عن ليث قال: كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: من أوسط ما تطعمون أهليكم [المائدة: 89] قال: الخبز والسمن والخبز والزيت والخبز واللحم.(5\/441)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2329",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10895",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (أوسط ما يطعم الرجل أهله الخبز واللبن والخبز والزيت والخبز والسمن ومن أفضل ما يطعم الرجل أهله الخبز واللحم) . وقال يزيد بن زريع: حدثنا يونس عن محمد بن سيرين أن أبا موسى الأشعري كفر عن يمين له مرة فأمر بجيرا أو جبيرا يطعم عنه عشرة مساكين خبزا ولحما وأمر لهم بثوب معقد أو ظهراني. وقال ابن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا يحيى بن أيوب عن حميد أن أنسا رضي الله عنه مرض قبل أن يموت فلم يستطع أن يصوم وكان يجمع ثلاثين مسكينا فيطعمهم خبزا ولحما أكلة واحدة. وأما التابعون فثبت ذلك عن الأسود بن يزيد وأبي رزين وعبيدة ومحمد بن سيرين والحسن البصري وسعيد بن جبير وشريح وجابر بن زيد وطاووس والشعبي وابن بريدة والضحاك والقاسم وسالم ومحمد بن إبراهيم ومحمد بن كعب وقتادة وإبراهيم النخعي والأسانيد عنهم بذلك في أحكام القرآن لإسماعيل بن إسحاق منهم من يقول: يغدي المساكين ويعشيهم. ومنهم من يقول: أكلة واحدة. ومنهم من يقول: خبز ولحم خبز وزيت خبز وسمن وهذا مذهب أهل المدينة وأهل العراق(5\/442)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2330",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10896",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأحمد في إحدى الروايتين عنه والرواية الأخرى: أن طعام الكفارة مقدر دون نفقة الزوجات. فالأقوال ثلاثة: التقدير فيهما كقول الشافعي وحده وعدم التقدير فيهما كقول مالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين. والتقدير في الكفارة دون النفقة كالرواية الأخرى عنه. قال من نصر هذا القول: الفرق بين النفقة والكفارة أن الكفارة لا تختلف باليسار والإعسار ولا هي مقدرة بالكفاية ولا أوجبها الشارع بالمعروف كنفقة الزوجة والخادم والإطعام فيها حق لله تعالى لا لآدمي معين فيرضى بالعوض عنه ولهذا لو أخرج القيمة لم يجزه وروي التقدير فيها عن الصحابة فقال القاضي إسماعيل: حدثنا حجاج بن المنهال حدثنا أبو عوانة عن منصور عن أبي وائل عن يسار بن نمير قال: قال عمر: (إن ناسا يأتوني يسألوني فأحلف أني لا أعطيهم ثم يبدو لي أن أعطيهم فإذا أمرتك أن تكفر فأطعم عني عشرة مساكين لكل مسكين صاعا من تمر أو شعير أو نصف صاع من بر) . حدثنا حجاج بن المنهال وسليمان بن حرب قالا: حدثنا حماد بن سلمة عن سلمة بن كهيل عن يحيى بن عباد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (يا يرفا إذا حلفت فحنثت فأطعم عني ليميني خمسة أصوع عشرة مساكين) . وقال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع عن ابن أبي ليلى عن عمر بن أبي مرة عن عبد الله بن سلمة عن علي قال: (كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع) . حدثنا عبد الرحيم وأبو خالد الأحمر عن حجاج عن قرط عن جدته(5\/443)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2331",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10897",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن عائشة رضي الله عنها قالت: (إنا نطعم نصف صاع من بر أو صاعا من تمر في كفارة اليمين) . وقال إسماعيل: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام بن أبي عبد الله حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن زيد بن ثابت قال: (يجزئ في كفارة اليمين لكل مسكين مد حنطة) . حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن يزيد عن أيوب عن نافع أن ابن عمر رضي الله عنه كان إذا ذكر اليمين أعتق وإذا لم يذكرها أطعم عشرة مساكين لكل مسكين مد مد. وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما: (في كفارة اليمين مد ومعه أدمه) . وأما التابعون فثبت ذلك عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ومجاهد وقال: كل طعام ذكر في القرآن للمساكين فهو نصف صاع وكان يقول في كفارة الأيمان كلها: مدان لكل مسكين. وقال حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار: أدركت الناس وهم يعطون في كفارة اليمين مدا بالمد الأول. وقال القاسم وسالم وأبو سلمة: مد مد من بر وقال عطاء: فرقا بين عشرة ومرة قال: مد مد. قالوا: وقد ثبت في quot; الصحيحين quot; ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة في كفارة فدية الأذى: أطعم ستة مساكين نصف صاع نصف صاع طعاما لكل مسكين ) . فقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم فدية الأذى فجعلنا تقديرها أصلا وعديناها إلى سائر الكفارات. ثم قال من قدر طعام الزوجة: ثم رأينا النفقات والكفارات قد اشتركا في الوجوب فاعتبرنا إطعام النفقة بإطعام الكفارة ورأينا الله سبحانه(5\/444)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2332",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10898",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قد قال في جزاء الصيد: أو كفارة طعام مساكين [المائدة: 95] [المائدة: 95]  وما أجمعت الأمة أن الطعام مقدر فيها ولهذا لو عدم الطعام صام عن كل مد يوما كما أفتى به ابن عباس والناس بعده فهذا ما احتجت به هذه الطائفة على تقدير طعام الكفارة. قال الآخرون: لا حجة في أحد دون الله ورسوله وإجماع الأمة وقد أمرنا تعالى أن نرد ما تنازعنا فيه إليه وإلى رسوله وذلك خير لنا حالا وعاقبة ورأينا الله سبحانه إنما قال في الكفارة: إطعام عشرة مساكين [المائدة: 89]  و فإطعام ستين مسكينا [المجادلة: 4]  فعلق الأمر بالمصدر الذي هو الإطعام ولم يحد لنا جنس الطعام ولا قدره وحد لنا جنس المطعمين وقدرهم فأطلق الطعام وقيد المطعومين ورأيناه سبحانه حيث ذكر إطعام المسكين في كتابه فإنما أراد به الإطعام المعهود المتعارف كقوله تعالى: وما أدراك ما العقبة - فك رقبة - أو إطعام في يوم ذي مسغبة - يتيما [البلد: 12 - 15] [البلد: 12] . وقال: ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا [الإنسان: 8] [الإنسان: 8] وكان من المعلوم يقينا أنهم لو غدوهم أو عشوهم أو أطعموهم خبزا ولحما أو خبزا ومرقا ونحوه لكانوا ممدوحين داخلين فيمن أثنى عليهم وهو سبحانه عدل عن الطعام الذي هو اسم للمأكول إلى الإطعام الذي هو مصدر صريح وهذا نص في أنه إذا أطعم المساكين ولم يملكهم فقد امتثل ما أمر به وصح في كل لغة وعرف: أنه أطعمهم. قالوا: وفي أي لغة لا يصدق لفظ الإطعام إلا بالتمليك ولما قال أنس رضي الله عنه ( إن النبي صلى الله عليه وسلم أطعم الصحابة في وليمة زينب خبزا ولحما ) . كان قد اتخذ طعاما ودعاهم إليه على عادة الولائم وكذلك قوله في وليمة صفية (أطعمهم حيسا)  وهذا أظهر من أن نذكر شواهده قالوا: وقد زاد ذلك(5\/445)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2333",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10899",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إيضاحا وبيانا بقوله: من أوسط ما تطعمون أهليكم [المائدة: 89] [المائدة: 89]  ومعلوم يقينا أن الرجل إنما يطعم أهله الخبز واللحم والمرق واللبن ونحو ذلك فإذا أطعم المساكين من ذلك فقد أطعمهم من أوسط ما يطعم أهله بلا شك ولهذا اتفق الصحابة رضي الله عنهم في إطعام الأهل على أنه غير مقدر كما تقدم والله سبحانه جعله أصلا لطعام الكفارة فدل بطريق الأولى على أن طعام الكفارة غير مقدر. وأما من قدر طعام الأهل فإنما أخذ من تقدير طعام الكفارة فيقال: هذا خلاف مقتضى النص فإن الله أطلق طعام الأهل وجعله أصلا لطعام الكفارة فعلم أن طعام الكفارة لا يتقدر كما لا يتقدر أصله ولا يعرف عن صحابي ألبتة تقدير طعام الزوجة مع عموم هذه الواقعة في كل وقت. قالوا: فأما الفروق التي ذكرتموها فليس فيها ما يستلزم تقدير طعام الكفارة وحاصلها خمسة فروق أنها لا تختلف باليسار والإعسار وأنها لا تتقدر بالكفاية ولا أوجبها الشارع بالمعروف ولا يجوز إخراج العوض عنها وهي حق لله لا تسقط بالإسقاط بخلاف نفقة الزوجة فيقال: نعم لا شك في صحة هذه الفروق ولكن من أين يستلزم وجوب تقديرها بمد ومدين بل هي إطعام واجب من جنس ما يطعم أهله ومع ثبوت هذه الأحكام لا يدل على تقديرها بوجه. وأما ما ذكرتم عن الصحابة من تقديرها فجوابه من وجهين. أحدهما: أنا قد ذكرنا عن جماعة منهم: علي وأنس وأبو موسى وابن(5\/446)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2334",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10900",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مسعود رضي الله عنهم أنهم قالوا: يجزئ أن يغديهم ويعشيهم. الثاني: أن من روي عنهم المد والمدان لم يذكروا ذلك تقديرا وتحديدا بل تمثيلا فإن منهم من روي عنه المد وروي عنه مدان وروي عنه مكوك وروي عنه جواز التغدية والتعشية وروي عنه أكلة وروي عنه رغيف أو رغيفان فإن كان هذا اختلافا فلا حجة فيه وإن كان بحسب حال المستفتي وبحسب حال الحالف والمكفر فظاهر وإن كان ذلك على سبيل التمثيل فكذلك. فعلى كل تقدير لا حجة فيه على التقديرين. قالوا: وأما الإطعام في فدية الأذى فليس من هذا الباب فإن الله سبحانه قال: ففدية من صيام أو صدقة أو نسك [البقرة: 196] [البقرة: 196]  والله سبحانه أطلق هذه الثلاثة ولم يقيدها. وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تقييد الصيام بثلاثة أيام وتقييد النسك بذبح شاة وتقييد الإطعام بستة مساكين لكل مسكين نصف صاع ولم يقل سبحانه في فدية الأذى: فإطعام ستة مساكين ولكن أوجب صدقة مطلقة وصوما مطلقا ودما مطلقا فعينه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالفرق والثلاثة الأيام والشاة. وأما جزاء الصيد فإنه من غير هذا الباب فإن المخرج إنما يخرج قيمة الصيد من الطعام وهي تختلف بالقلة والكثرة فإنها بدل متلف لا ينظر فيها إلى عدد المساكين وإنما ينظر فيها إلى مبلغ الطعام فيطعمه المساكين على ما يرى من إطعامهم وتفضيل بعضهم على بعض فتقدير الطعام فيها على حسب المتلف وهو يقل ويكثر وليس ما يعطاه كل مسكين مقدرا. ثم إن التقدير بالحب يستلزم أمرا باطلا بين البطلان فإنه إذا كان الواجب لها عليه شرعا الحب وأكثر الناس إنما يطعم أهله الخبز فإن جعلتم هذا معاوضة كان ربا ظاهرا وإن لم تجعلوه معاوضة فالحب ثابت لها في ذمته ولم تعتض عنه فلم تبرأ ذمته منه إلا بإسقاطها وإبرائها فإذا لم تبرئه طالبته بالحب مدة طويلة مع إنفاقه عليها كل يوم حاجتها من الخبز والأدم وإن مات أحدهما(5\/447)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2335",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10901",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان الحب دينا له أو عليه يؤخذ من التركة مع سعة الإنفاق عليها كل يوم. ومعلوم أن الشريعة الكاملة المشتملة على العدل والحكمة والمصلحة تأبى ذلك كل الإباء وتدفعه كل الدفع كما يدفعه العقل والعرف ولا يمكن أن يقال: إن النفقة التي في ذمته تسقط بالذي له عليها من الخبز والأدم لوجهين أحدهما: أنه لم يبعه إياها ولا اقترضه منها حتى يثبت في ذمتها بل هي معه فيه على حكم الضيف لامتناع المعاوضة عن الحب بذلك شرعا. ولو قدر ثبوته في ذمتها لما أمكنت المقاصة لاختلاف الدينين جنسا والمقاصة تعتمد اتفاقهما. هذا وإن قيل بأحد الوجهين إنه لا يجوز المعاوضة على النفقة مطلقا لا بدراهم ولا بغيرها لأنه معاوضة عما لم يستقر ولم يجب فإنها إنما تجب شيئا فشيئا فإنه لا تصح المعاوضة عليها حتى تستقر بمضي الزمان فيعاوض عنها كما يعاوض عما هو مستقر في الذمة من الديون ولما لم يجد بعض أصحاب الشافعي من هذا الإشكال مخلصا قال: الصحيح أنها إذا أكلت سقطت نفقتها. قال الرافعي في quot; محرره quot;: أولى الوجهين السقوط وصححه النووي لجريان الناس عليه في كل عصر ومصر واكتفاء الزوجة به. وقال الرافعي في quot; الشرح الكبير quot; و quot; الأوسط quot;: فيه وجهان. أقيسهما: أنها لا تسقط لأنه لم يوف الواجب وتطوع بما ليس بواجب وصرحوا بأن هذين الوجهين في الرشيدة التي أذن لها قيمها فإن لم يأذن لها لم تسقط وجها واحدا.  [فصل ما استنبط من حديث شكوى هند] فصل وفي حديث هند: دليل على جواز قول الرجل في غريمه ما فيه من العيوب عند شكواه وأن ذلك ليس بغيبة ونظير ذلك قول الآخر في خصمه: يا رسول الله إنه فاجر لا يبالي ما حلف عليه. وفيه دليل على تفرد الأب بنفقة أولاده ولا تشاركه فيها الأم وهذا إجماع من العلماء إلا قول شاذ لا يلتفت إليه أن على الأم من النفقة بقدر ميراثها وزعم(5\/448)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2336",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10902",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صاحب هذا القول أنه طرد القياس على كل من له ذكر وأنثى في درجة واحدة وهما وارثان فإن النفقة عليهما كما لو كان له أخ وأخت أو أم وجد أو ابن وبنت فالنفقة عليهما على قدر ميراثهما فكذلك الأب والأم. والصحيح: انفراد العصبة بالنفقة وهذا كله كما ينفرد الأب دون الأم بالإنفاق وهذا هو مقتضى قواعد الشرع فإن العصبة تنفرد بحمل العقل وولاية النكاح وولاية الموت والميراث بالولاء وقد نص الشافعي على أنه إذا اجتمع أم وجد أو أب فالنفقة على الجد وحده وهو إحدى الروايات عن أحمد وهي الصحيحة في الدليل وكذلك إن اجتمع ابن وبنت أو أم وابن أو بنت وابن ابن فقال الشافعي: النفقة في هذه المسائل الثلاث على الابن لأنه العصبة وهي إحدى الروايات عن أحمد. والثانية أنها على قدر الميراث في المسائل الثلاث وقال أبو حنيفة: النفقة في مسألة الابن والبنت عليهما نصفان لتساويهما في القرب وفي مسألة بنت وابن ابن: النفقة على البنت لأنها أقرب وفي مسألة أم وبنت على الأم الربع والباقي على البنت وهو قول أحمد وقال الشافعي: تنفرد بها البنت لأنها تكون عصبة مع أخيها والصحيح: انفراد العصبة بالإنفاق لأنه الوارث المطلق. وفيه دليل على أن نفقة الزوجة والأقارب مقدرة بالكفاية وأن ذلك بالمعروف وأن لمن له النفقة له أن يأخذها بنفسه إذا منعه إياها من هي عليه. وقد احتج بهذا على جواز الحكم على الغائب ولا دليل فيه لأن أبا سفيان كان حاضرا في البلد لم يكن مسافرا والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسألها البينة ولا يعطى المدعي بمجرد دعواه وإنما كان هذا فتوى منه - صلى الله عليه وسلم -. وقد احتج به على مسألة الظفر وأن للإنسان أن يأخذ من مال غريمه إذا ظفر به بقدر حقه الذي جحده إياه ولا يدل لثلاثة أوجه أحدها: أن سبب الحق هاهنا ظاهر وهو الزوجية فلا يكون الأخذ خيانة في الظاهر فلا يتناوله قول(5\/449)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2337",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10903",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النبي - صلى الله عليه وسلم - ( أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ) ولهذا نص أحمد على المسألتين مفرقا بينهما فمنع من الأخذ في مسألة الظفر وجوز للزوجة الأخذ وعمل بكلا الحديثين. الثاني: أنه يشق على الزوجة أن ترفعه إلى الحاكم فيلزمه بالإنفاق أو الفراق وفي ذلك مضرة عليها مع تمكنها من أخذ حقها. الثالث: أن حقها يتجدد كل يوم فليس هو حقا واحدا مستقرا يمكن أن تستدين عليه أو ترفعه إلى الحاكم بخلاف حق الدين.  [فصل هل تسقط النفقة بمضي الزمن] فصل وقد احتج بقصة هند هذه على أن نفقة الزوجة تسقط بمضي الزمان لأنه لم يمكنها من أخذ ما مضى لها من قدر الكفاية مع قولها: إنه لا يعطيها ما يكفيها ولا دليل فيها لأنها لم تدع به ولا طلبته وإنما استفتته: هل تأخذ في المستقبل ما يكفيها فأفتاها بذلك. وبعد فقد اختلف الناس في نفقة الزوجات والأقارب هل يسقطان بمضي الزمان كلاهما أو لا يسقطان أو تسقط نفقة الأقارب دون الزوجات على ثلاثة أقوال. أحدها: أنهما يسقطان بمضي الزمان وهذا مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد. والثاني: أنهما لا يسقطان إذا كان القريب طفلا وهذا وجه للشافعية.(5\/450)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2338",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10904",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثالث: تسقط نفقة القريب دون نفقة الزوجة وهذا هو المشهور من مذهب الشافعي وأحمد ومالك. ثم الذين أسقطوه بمضي الزمان منهم من قال: إذا كان الحاكم قد فرضها لم تسقط وهذا قول بعض الشافعية والحنابلة. ومنهم من قال: لا يؤثر فرض الحاكم في وجوبها شيئا إذا سقطت بمضي الزمان والذي ذكره أبو البركات في quot; محرره quot; الفرق بين نفقة الزوجة ونفقة القريب في ذلك فقال: وإذا غاب مدة ولم ينفق لزمه نفقة الماضي وعنه: لا يلزمه إلا أن يكون الحاكم قد فرضها. وأما نفقة أقاربه فلا تلزمه لما مضى وإن فرضت إلا أن يستدان عليه بإذن الحاكم وهذا هو الصواب وأنه لا تأثير لفرض الحاكم في وجوب نفقة القريب لما مضى من الزمان نقلا وتوجيها أما النقل: فإنه لا يعرف عن أحمد ولا عن قدماء أصحابه استقرار نفقة القريب بمضي الزمان إذا فرضها الحاكم ولا عن الشافعي وقدماء أصحابه والمحققين لمذهبه منهم كصاحب quot; المهذب quot; و quot; الحاوي quot; و quot; الشامل quot; و quot; النهاية quot; و quot; التهذيب quot; و quot; البيان quot; و quot; الذخائر quot; وليس في هذه الكتب إلا السقوط بدون استثناء فرض وإنما يوجد استقرارها إذا فرضها الحاكم في quot; الوسيط quot; و quot; الوجيز quot; وشرح الرافعي وفروعه وقد صرح نصر المقدسي في quot; تهذيبه quot; والمحاملي في quot; العدة quot; ومحمد بن عثمان في quot; التمهيد quot; والبندنيجي في quot; المعتمد quot; بأنها لا تستقر ولو فرضها الحاكم وعللوا السقوط بأنها تجب على وجه المواساة لإحياء النفس ولهذا لا تجب مع يسار المنفق عليه وهذا التعليل يوجب سقوطها فرضت أو لم تفرض. وقال أبو(5\/451)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2339",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10905",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعالي: ومما يدل على ذلك أن نفقة القريب إمتاع لا تمليك وما لا يجب فيه التمليك وانتهى إلى الكفاية استحال مصيره دينا في الذمة واستبعد لهذا التعليل قول من يقول: إن نفقة الصغير تستقر بمضي الزمان وبالغ في تضعيفه من جهة أن إيجاب الكفاية مع إيجاب عوض ما مضى متناقض ثم اعتذر عن تقديرها في صورة الحمل على الأصح. إذا قلنا: إن النفقة له بأن الحامل مستحقة لها أو منتفعة بها فهي كنفقة الزوجة. قال: ولهذا قلنا: تتقدر ثم قال: هذا في الحمل والولد الصغير أما نفقة غيرهما فلا تصير دينا أصلا. انتهى. وهذا الذي قاله هؤلاء هو الصواب فإن في تصور فرض الحاكم نظرا لأنه إما أن يعتقد سقوطها بمضي الزمان أو لا فإن كان يعتقده لم يسغ له الحكم بخلافه وإلزام ما يعتقد أنه غير لازم وإن كان لا يعتقد سقوطها مع أنه لا يعرف به قائل إلا في الطفل الصغير على وجه لأصحاب الشافعي. فإما أن يعني بالفرض الإيجاب أو إثبات الواجب أو تقديره أو أمرا رابعا فإن أريد به الإيجاب فهو تحصيل الحاصل ولا أثر لفرضه وكذلك إن أريد به إثبات الواجب ففرضه وعدمه سيان وإن أريد به تقدير الواجب فالتقدير إنما يؤثر في صفة الواجب من الزيادة والنقصان لا في سقوطه ولا ثبوته فلا أثر لفرضه في الواجب ألبتة هذا مع ما في التقدير من مصادمة الأدلة التي تقدمت على أن الواجب النفقة بالمعروف فيطعمهم مما يأكل ويكسوهم مما يلبس. وإن أريد به أمر رابع فلا بد من بيانه لينظر فيه. فإن قيل: الأمر الرابع المراد هو عدم السقوط بمضي الزمان فهذا هو محل الحكم وهو الذي أثر فيه حكم الحاكم وتعلق به. قيل: فكيف يمكن أن يعتقد السقوط ثم يلزم ويقضي بخلافه وإن اعتقد عدم السقوط فخلاف الإجماع ومعلوم أن حكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته فإذا كانت صفة هذا الواجب سقوطه بمضي الزمان شرعا لم يزله حكم الحاكم عن صفته. فإن قيل: بقي قسم آخر وهو أن يعتقد الحاكم السقوط بمضي الزمان ما لم(5\/452)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2340",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10906",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يفرض فإن فرضت استقرت فهو يحكم باستقرارها لأجل الفرض لا بنفس مضي الزمان. قيل: هذا لا يجدي شيئا فإنه إذا اعتقد سقوطها بمضي الزمان وإن هذا هو الحق والشرع لم يجز له أن يلزم بما يعتقد سقوطه وعدم ثبوته وما هذا إلا بمثابة ما لو ترافع إليه مضطر وصاحب طعام غير مضطر فقضي به للمضطر بعوضه فلم يتفق أخذه حتى زال الاضطرار ولم يعط صاحبه العوض أنه يلزمه بالعوض ويلزم صاحب الطعام ببذله له والقريب يستحق النفقة لإحياء مهجته فإذا مضى زمن الوجوب حصل مقصود الشارع من إحيائه فلا فائدة في الرجوع بما فات من سبب الإحياء ووسيلته مع حصول المقصود والاستغناء عن السبب بسبب آخر. فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بنفقة الزوجة فإنها تستقر بمضي الزمان ولو لم تفرض مع حصول هذا المعنى الذي ذكرتموه بعينه. قيل: النقض لا بد أن يكون بمعلوم الحكم بالنص أو الإجماع وسقوط نفقة الزوجة بمضي الزمان مسألة نزاع فأبو حنيفة وأحمد في رواية يسقطانها والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى لا يسقطانها والذين لا يسقطونها فرقوا بينها وبين نفقة القريب بفروق. أحدها: أن نفقة القريب صلة. الثاني: أن نفقة الزوجة تجب مع اليسار والإعسار بخلاف نفقة القريب. الثالث: أن نفقة الزوجة تجب مع استغنائها بمالها ونفقة القريب لا تجب إلا مع إعساره وحاجته. الرابع: أن الصحابة - رضي الله عنهم - أوجبوا للزوجة نفقة ما مضى ولا يعرف عن أحد منهم قط أنه أوجب للقريب نفقة ما مضى فصح عن عمر(5\/453)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2341",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10907",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "- رضي الله عنه - أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم بأن ينفقوا أو يطلقوا فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى ولم يخالف عمر - رضي الله عنه - في ذلك منهم مخالف. قال ابن المنذر - رحمه الله -: هذه نفقة وجبت بالكتاب والسنة والإجماع ولا يزول ما وجب بهذه الحجج إلا بمثلها. قال المسقطون: قد شكت هند إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أبا سفيان لا يعطيها كفايتها فأباح لها أن تأخذ في المستقبل قدر الكفاية ولم يجوز لها أخذ ما مضى وقولكم: إنها نفقة معاوضة فالمعاوضة إنما هي بالصداق وإنما النفقة لكونها في حبسه فهي عانية عنده كالأسير فهي من جملة عياله ونفقتها مواساة وإلا فكل من الزوجين يحصل له من الاستمتاع مثل ما يحصل للآخر وقد عاوضها على المهر فإذا استغنت عن نفقة ما مضى فلا وجه لإلزام الزوج به والنبي - صلى الله عليه وسلم - جعل نفقة الزوجة كنفقة القريب بالمعروف وكنفقة الرقيق فالأنواع الثلاثة إنما وجبت بالمعروف مواساة لإحياء نفس من هو في ملكه وحبسه ومن بينه وبينه رحم وقرابة فإذا استغنى عنها بمضي الزمان فلا وجه لإلزام الزوج بها وأي معروف في إلزامه نفقة ما مضى وحبسه على ذلك والتضييق عليه وتعذيبه بطول الحبس وتعريض الزوجة لقضاء أوطارها من الدخول والخروج وعشرة الأخدان بانقطاع زوجها عنها وغيبة نظره عليها كما هو الواقع وفي ذلك من الفساد المنتشر ما لا يعلمه إلا الله حتى إن الفروج لتعج إلى الله من حبس حماتها ومن يصونها عنها وتسييبها في أوطارها ومعاذ الله أن يأتي شرع الله لهذا الفساد الذي قد استطار شراره واستعرت ناره وإنما أمر عمر بن الخطاب الأزواج إذا طلقوا أن يبعثوا بنفقة ما مضى ولم يأمرهم إذا قدموا أن يفرضوا نفقة ما مضى ولا يعرف ذلك عن صحابي ألبتة ولا يلزم من الإلزام بالنفقة الماضية بعد الطلاق وانقطاعها بالكلية الإلزام بها إذا عاد الزوج إلى النفقة والإقامة واستقبل الزوجة بكل ما تحتاج إليه فاعتبار أحدهما بالآخر غير صحيح ونفقة الزوجة تجب يوما بيوم فهي كنفقة القريب وما مضى فقد(5\/454)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2342",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10908",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "استغنت عنه بمضي وقته فلا وجه لإلزام الزوج به وذلك منشأ العداوة والبغضاء بين الزوجين وهو ضد ما جعله الله بينهما من المودة والرحمة وهذا القول هو الصحيح المختار الذي لا تقتضي الشريعة غيره وقد صرح أصحاب الشافعي بأن كسوة الزوجة وسكنها يسقطان بمضي الزمان إذا قيل: إنهما إمتاع لا تمليك فإن لهم في ذلك وجهين.  [فصل فرض الدراهم في النفقة لا أصل له في الكتاب والسنة] فصل وأما فرض الدراهم فلا أصل له في كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - ألبتة ولا التابعين ولا تابعيهم ولا نص عليه أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم من أئمة الإسلام وهذه كتب الآثار والسنن وكلام الأئمة بين أظهرنا فأوجدونا من ذكر فرض الدراهم. والله سبحانه أوجب نفقة الأقارب والزوجات والرقيق بالمعروف وليس من المعروف فرض الدراهم بل المعروف الذي نص عليه صاحب الشرع أن يطعمهم مما يأكل ويكسوهم مما يلبس ليس المعروف سوى هذا وفرض الدراهم على المنفق من المنكر وليست الدراهم من الواجب ولا عوضه ولا يصح الاعتياض عما لم يستقر ولم يملك فإن نفقة الأقارب والزوجات إنما تجب يوما فيوما ولو كانت مستقرة لم تصح المعاوضة عنها بغير رضى الزوج والقريب فإن الدراهم تجعل عوضا عن الواجب الأصلي وهو إما البر عند الشافعي أو الطعام المعتاد عند الجمهور فكيف يجبر على المعاوضة على ذلك بدراهم من غير رضاه ولا إجبار صاحب الشرع له على ذلك فهذا مخالف لقواعد الشرع ونصوص الأئمة ومصالح العباد ولكن إن اتفق المنفق والمنفق عليه على ذلك جاز باتفاقهما هذا مع أنه في جواز اعتياض الزوجة عن النفقة الواجبة لها نزاع معروف في مذهب الشافعي وغيره فقيل: لا تعتاض لأن نفقتها طعام ثبت في الذمة عوضا فلا تعتاض عنه قبل القبض كالمسلم فيه وعلى هذا فلا يجوز الاعتياض لا بدراهم ولا ثياب ولا شيء البتة وقيل: تعتاض بغير الخبز والدقيق فإن(5\/455)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2343",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10909",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاعتياض بهما ربا هذا إذا كان الاعتياض عن الماضي فإن كان عن المستقبل لم يصح عندهم وجها واحدا لأنها بصدد السقوط فلا يعلم استقرارها.  [ذكر ما روي من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمكين المرأة من فراق زوجها إذا أعسر بنفقتها] روى البخاري في quot; صحيحه quot; من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:  (أفضل الصدقة ما ترك غنى)  وفي لفظ: (ما كان عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول)  تقول المرأة: إما أن تطعمني وإما أن تطلقني ويقول العبد: أطعمني واستعملني ويقول الولد: أطعمني إلى من تدعني قالوا: يا أبا هريرة سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لا. هذا من كيس أبي هريرة . وذكر النسائي هذا الحديث في كتابه وقال فيه: وابدأ بمن تعول quot; فقيل: من أعول يا رسول الله قال: (امرأتك تقول: أطعمني وإلا فارقني خادمك يقول: أطعمني واستعملني ولدك يقول: أطعمني إلى من تتركني)  . وهذا في جميع نسخ كتاب النسائي هكذا وهو عنده من حديث سعيد بن أيوب عن محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - وسعيد ومحمد ثقتان. وقال الدارقطني: حدثنا أبو بكر الشافعي حدثنا محمد بن بشر بن مطر حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( المرأة تقول لزوجها: أطعمني أو طلقني ) الحديث.(5\/456)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2344",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10910",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الدارقطني: حدثنا عثمان بن أحمد بن السماك وعبد الباقي بن قانع وإسماعيل بن علي قالوا: أخبرنا أحمد بن علي الخزاز حدثنا إسحاق بن إبراهيم الباوردي حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته قال: يفرق بينهما. وبهذا الإسناد إلى حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله. وقال سعيد بن منصور في quot; سننه quot;: حدثنا سفيان عن أبي الزناد قال: سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته أيفرق بينهما قال: نعم. قلت: سنة قال: سنة. وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فغايته أن يكون من مراسيل سعيد بن المسيب. واختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة على أقوال. أحدها: أنه يجبر على أن ينفق أو يطلق روى سفيان عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن ابن المسيب قال: إذا لم يجد الرجل ما ينفق على امرأته أجبر على طلاقها. الثاني: إنما يطلقها عليه الحاكم وهذا قول مالك لكنه قال: يؤجل في عدم النفقة شهرا ونحوه فإن انقضى الأجل وهي حائض أخر حتى تطهر وفي الصداق عامين ثم يطلقها عليه الحاكم طلقة رجعية فإن أيسر في العدة فله ارتجاعها وللشافعي قولان. أحدهما: أن الزوجة تخير إن شاءت أقامت معه وتبقى نفقة المعسر دينا لها في ذمته. قال أصحابه: هذا إذا أمكنته من نفسها وإن لم تمكنه سقطت نفقتها وإن شاءت فسخت النكاح.(5\/457)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2345",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10911",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والقول الثاني: ليس لها أن تفسخ لكن يرفع الزوج يده عنها لتكتسب والمذهب أنها تملك الفسخ. قالوا: وهل هو طلاق أو فسخ فيه وجهان. أحدهما: أنه طلاق فلا بد من الرفع إلى القاضي حتى يلزمه أن يطلقها أو ينفق فإن أبى طلق الحاكم عليه طلقة رجعية فإن راجعها طلق عليه ثانية فإن راجعها طلق عليه ثالثة. والثاني: أنه فسخ فلا بد من الرفع إلى الحاكم ليثبت الإعسار ثم تفسخ هي وإن اختارت المقام ثم أرادت الفسخ ملكته لأن النفقة يتجدد وجوبها كل يوم وهل تملك الفسخ في الحال أو لا تملكه إلا بعد مضي ثلاثة أيام وفيه قولان. الصحيح عندهم: الثاني. قالوا: فلو وجد في اليوم الثالث نفقتها وتعذر عليه نفقة اليوم الرابع فهل يجب استئناف هذا الإمهال فيه وجهان. وقال حماد بن أبي سليمان: يؤجل سنة ثم يفسخ قياسا على العنين. وقال عمر بن عبد العزيز: يضرب له شهر أو شهران. وقال مالك: الشهر ونحوه. وعن أحمد روايتان. إحداهما وهي ظاهر مذهبه: أن المرأة تخير بين المقام معه وبين الفسخ فإن اختارت الفسخ رفعته إلى الحاكم فيخير الحاكم بين أن يفسخ عليه أو يجبره على الطلاق أو يأذن لها في الفسخ فإن فسخ أو أذن في الفسخ فهو فسخ لا طلاق ولا رجعة له وإن أيسر في العدة. وإن أجبره على الطلاق فطلق رجعيا فله رجعتها فإن راجعها وهو معسر أو امتنع من الإنفاق عليها فطلبت الفسخ فسخ عليه ثانيا وثالثا وإن رضيت المقام معه مع عسرته ثم بدا لها الفسخ أو تزوجته عالمة بعسرته ثم اختارت الفسخ فلها ذلك. قال القاضي: وظاهر كلام أحمد: أنه ليس لها الفسخ في الموضعين ويبطل خيارها وهو قول مالك لأنها رضيت بعيبه ودخلت في العقد عالمة به فلم تملك الفسخ كما لو تزوجت عنينا عالمة بعنته. وقالت بعد العقد: قد(5\/458)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2346",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10912",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رضيت به عنينا. وهذا الذي قاله القاضي: هو مقتضى المذهب والحجة. والذين قالوا: لها الفسخ - وإن رضيت بالمقام - قالوا: حقها متجدد كل يوم فيتجدد لها الفسخ بتجدد حقها قالوا: ولأن رضاها يتضمن إسقاط حقها فيما لم يجب فيه من الزمان فلم يسقط كإسقاط الشفعة قبل البيع. قالوا: وكذلك لو أسقطت النفقة المستقبلة لم تسقط وكذلك لو أسقطتها قبل العقد جملة ورضيت بلا نفقة وكذلك لو أسقطت المهر قبله لم يسقط وإذا لم يسقط وجوبها لم يسقط الفسخ الثابت به. والذين قالوا بالسقوط أجابوا عن ذلك بأن حقها في الجماع يتجدد ومع هذا إذا أسقطت حقها من الفسخ بالعنة سقط ولم تملك الرجوع فيه. قالوا: وقياسكم ذلك على إسقاط نفقتها قياس على أصل غير متفق عليه ولا ثابت بالدليل بل الدليل يدل على سقوط الشفعة بإسقاطها قبل البيع كما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق بالبيع ) وهذا صريح في أنه إذا أسقطها قبل البيع لم يملك طلبها بعده وحينئذ فيجعل هذا أصلا لسقوط حقها من النفقة بالإسقاط ونقول: خيار لدفع الضرر فسقط بإسقاطه قبل ثبوته كالشفعة ثم ينتقض هذا بالعيب في العين المؤجرة فإن المستأجر إذا دخل عليه أو علم به ثم اختار ترك الفسخ لم يكن له الفسخ بعد هذا وتجدد حقه بالانتفاع كل وقت كتجدد حق المرأة من النفقة سواء ولا فرق وأما قوله: لو أسقطها قبل النكاح أو أسقط المهر قبله لم يسقط فليس إسقاط الحق قبل انعقاد سببه بالكلية كإسقاطه بعد انعقاد سببه هذا إن كان في المسألة إجماع وإن كان فيها خلاف فلا فرق بين الإسقاطين وسوينا بين الحكمين وإن كان بينهما فرق امتنع القياس.(5\/459)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2347",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10913",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعنه رواية أخرى: ليس لها الفسخ وهذا قول أبي حنيفة وصاحبيه. وعلى هذا لا يلزمها تمكينه من الاستمتاع لأنه لم يسلم إليها عوضه فلم يلزمها تسليمه كما لو أعسر المشتري بثمن المبيع لم يجب تسليمه إليه وعليه تخلية سبيلها لتكتسب لها وتحصل ما تنفقه على نفسها لأن في حبسها بغير نفقة إضرارا بها. فإن قيل فلو كانت موسرة فهلا يملك حبسها قيل قد قالوا أيضا: لا يملك حبسها لأنه إنما يملكه إذا كفاها المؤنة وأغناها عما لا بد لها منه من النفقة والكسوة ولحاجته إلى الاستمتاع الواجب له عليها فإذا انتفى هذا وهذا لم يملك حبسها وهذا قول جماعة من السلف والخلف. ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال: سألت عطاء عمن لا يجد ما يصلح امرأته من النفقة قال: ليس لها إلا ما وجدت ليس لها أن يطلقها. وروى حماد بن سلمة عن جماعة عن الحسن البصري أنه قال في الرجل يعجز عن نفقة امرأته: قال: تواسيه وتتقي الله وتصبر وينفق عليها ما استطاع. وذكر عبد الرزاق عن معمر قال: سألت الزهري عن رجل لا يجد ما ينفق على امرأته أيفرق بينهما قال: تستأني به ولا يفرق بينهما وتلا: لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا [الطلاق: 7] [الطلاق: 7] . قال معمر: وبلغني عن عمر بن عبد العزيز مثل قول الزهري سواء. وذكر عبد الرزاق عن سفيان الثوري في المرأة يعسر زوجها بنفقتها: قال: هي امرأة ابتليت فلتصبر ولا تأخذ بقول من فرق بينهما. قلت: عن عمر بن عبد العزيز ثلاث روايات هذه إحداها. والثانية: روى ابن وهب عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: شهدت عمر بن عبد العزيز يقول لزوج امرأة شكت إليه أنه لا ينفق عليها: اضربوا له أجلا شهرا أو شهرين فإن لم ينفق عليها إلى ذلك الأجل فرقوا بينه وبينها.(5\/460)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2348",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10914",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثالثة: ذكر ابن وهب عن ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمن أن رجلا شكى إلى عمر بن عبد العزيز بأنه أنكح ابنته رجلا لا ينفق عليها فأرسل إلى الزوج فأتى فقال: أنكحني وهو يعلم أنه ليس لي شيء فقال عمر: أنكحته وأنت تعرفه قال: نعم. قال: فما الذي أصنع اذهب بأهلك. والقول بعدم التفريق مذهب أهل الظاهر كلهم وقد تناظر فيها مالك وغيره فقال مالك: أدركت الناس يقولون: إذا لم ينفق الرجل على امرأته فرق بينهما. فقيل له قد كانت الصحابة - رضي الله عنهم - يعسرون ويحتاجون فقال مالك: ليس الناس اليوم كذلك إنما تزوجته رجاء. ومعنى كلامه: أن نساء الصحابة - رضي الله عنهم - كن يردن الدار الآخرة وما عند الله ولم يكن مرادهن الدنيا فلم يكن يبالين بعسر أزواجهن لأن أزواجهن كانوا كذلك. وأما النساء اليوم فإنما يتزوجن رجاء دنيا الأزواج ونفقتهم وكسوتهم فالمرأة إنما تدخل اليوم على رجاء الدنيا فصار هذا المعروف كالمشروط في العقد وكان عرف الصحابة ونسائهم كالمشروط في العقد والشرط العرفي في أصل مذهبه كاللفظي وإنما أنكر على مالك كلامه هذا من لم يفهمه ويفهم غوره. وفي المسألة مذهب آخر وهو: أن الزوج إذا أعسر بالنفقة حبس حتى يجد ما ينفقه وهذا مذهب حكاه الناس عن ابن حزم وصاحب quot; المغني quot; وغيرهما عن عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة. ويالله العجب! لأي شيء يسجن ويجمع عليه بين عذاب السجن وعذاب الفقر وعذاب البعد عن أهله سبحانك هذا بهتان عظيم وما أظن من شم رائحة العلم يقول هذا. وفي المسألة مذهب آخر وهو: أن المرأة تكلف الإنفاق عليه إذا كان عاجزا عن نفقة نفسه وهذا مذهب أبي محمد ابن حزم وهو خير بلا شك من مذهب العنبري. قال في quot; المحلى quot;: فإن عجز الزوج عن نفقة نفسه وامرأته غنية(5\/461)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2349",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10915",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كلفت النفقة عليه ولا ترجع بشيء من ذلك إن أيسر برهان ذلك قول الله عز وجل وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك [البقرة: 233] [البقرة: 233] فالزوجة وارثة فعليها النفقة بنص القرآن. ويا عجبا لأبي محمد! لو تأمل سياق الآية لتبين له منها خلاف ما فهمه فإن الله سبحانه قال: وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف [البقرة: 233] وهذا ضمير الزوجات بلا شك ثم قال: وعلى الوارث مثل ذلك [البقرة: 233] فجعل سبحانه على وارث المولود له أو وارث الولد من رزق الوالدات وكسوتهن بالمعروف مثل ما على الموروث فأين في الآية نفقة على غير الزوجات حتى يحمل عمومها على ما ذهب إليه. واحتج من لم ير الفسخ بالإعسار بقوله تعالى: لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها [الطلاق: 7] [الطلاق: 7] قالوا: وإذا لم يكلفه الله النفقة في هذه الحال فقد ترك ما لا يجب عليه ولم يأثم بتركه فلا يكون سببا للتفريق بينه وبين حبه وسكنه وتعذيبه بذلك. قالوا: وقد روى مسلم في quot; صحيحه quot; من حديث أبي الزبير عن جابر ( دخل أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجداه جالسا حوله نساؤه واجما ساكتا فقال أبو بكر: يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: هن حولي كما ترى يسألنني النفقة فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها كلاهما يقول: تسألن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ليس عنده فقلن: والله لا نسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا أبدا ما ليس عنده ثم اعتزلهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرا ) وذكر الحديث.(5\/462)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2350",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10916",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: فهذا أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - يضربان ابنتيهما بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ سألاه نفقة لا يجدها. ومن المحال أن يضربا طالبتين للحق ويقرهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك فدل على أنه لا حق لهما فيما طلبتاه من النفقة في حال الإعسار وإذا كان طلبهما لها باطلا فكيف تمكن المرأة من فسخ النكاح بعدم ما ليس لها طلبه ولا يحل لها وقد أمر الله سبحانه صاحب الدين أن ينظر المعسر إلى الميسرة وغاية النفقة أن تكون دينا والمرأة مأمورة بإنظار الزوج إلى الميسرة بنص القرآن هذا إن قيل: تثبت في ذمة الزوج وإن قيل: تسقط بمضي الزمان فالفسخ أبعد وأبعد. قالوا: فالله تعالى أوجب على صاحب الحق الصبر على المعسر وندبه إلى الصدقة بترك حقه وما عدا هذين الأمرين فجور لم يبحه له ونحن نقول لهذه المرأة كما قال الله تعالى لها سواء بسواء: إما أن تنظريه إلى الميسرة وإما أن تصدقي ولا حق لك فيما عدا هذين الأمرين. قالوا: ولم يزل في الصحابة المعسر والموسر وكان معسروهم أضعاف أضعاف موسريهم فما مكن النبي - صلى الله عليه وسلم - قط امرأة واحدة من الفسخ بإعسار زوجها ولا أعلمها أن الفسخ حق لها فإن شاءت صبرت وإن شاءت فسخت وهو يشرع الأحكام عن الله تعالى بأمره فهب أن الأزواج تركن حقهن أفما كان فيهن امرأة واحدة تطالب بحقها وهؤلاء نساؤه - صلى الله عليه وسلم - خير نساء العالمين يطالبنه بالنفقة حتى أغضبنه وحلف ألا يدخل عليهن شهرا من شدة موجدته عليهن فلو كان من المستقر في شرعه أن المرأة تملك الفسخ بإعسار زوجها لرفع إليه ذلك ولو من امرأة واحدة وقد رفع إليه ما ضرورته دون ضرورة فقد النفقة من فقد النكاح وقالت له امرأة رفاعة: إني نكحت بعد رفاعة عبد الرحمن بن الزبير وإن ما معه مثل هدبة الثوب. تريد أن يفرق بينه وبينها. ومن المعلوم أن هذا كان فيهم في(5\/463)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2351",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10917",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غاية الندرة بالنسبة إلى الإعسار فما طلبت منه امرأة واحدة أن يفرق بينه وبينها بالإعسار. قالوا: وقد جعل الله الفقر والغنى مطيتين للعباد فيفتقر الرجل الوقت ويستغني الوقت فلو كان كل من افتقر فسخت عليه امرأته لعم البلاء وتفاقم الشر وفسخت أنكحة أكثر العالم وكان الفراق بيد أكثر النساء فمن الذي لم تصبه عسرة ويعوز النفقة أحيانا. قالوا: ولو تعذر من المرأة الاستمتاع بمرض متطاول وأعسرت بالجماع لم يمكن الزوج من فسخ النكاح بل يوجبون عليه النفقة كاملة مع إعسار زوجته بالوطء فكيف يمكنونها من الفسخ بإعساره عن النفقة التي غايتها أن تكون عوضا عن الاستمتاع قالوا: وأما حديث أبي هريرة فقد صرح فيه بأن قوله: امرأتك تقول: أنفق علي وإلا طلقني من كيسه لا من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا في quot; الصحيح quot; عنه. ورواه عنه سعيد بن أبي سعيد وقال: ثم يقول أبو هريرة إذا حدث بهذا الحديث: امرأتك تقول فذكر الزيادة. وأما حديث حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثله فأشار إلى حديث يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته. قال: يفرق بينهما فحديث منكر لا يحتمل أن يكون عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أصلا وأحسن أحواله أن يكون عن أبي هريرة - رضي الله عنه - موقوفا والظاهر: أنه روي بالمعنى وأراد قول أبي هريرة - رضي الله عنه - امرأتك تقول: أطعمني أو طلقني وأما أن يكون عند أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته فقال: يفرق بينهما فوالله ما قال هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا سمعه أبو هريرة ولا حدث به كيف وأبو هريرة لا يستجيز أن يروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (امرأتك تقول: أطعمني وإلا طلقني)(5\/464)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2352",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10918",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويقول: هذا من كيس أبي هريرة لئلا يتوهم نسبته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. والذي تقتضيه أصول الشريعة وقواعدها في هذه المسألة: أن الرجل إذا غر المرأة بأنه ذو مال فتزوجته على ذلك فظهر معدما لا شيء له أو كان ذا مال وترك الإنفاق على امرأته ولم تقدر على أخذ كفايتها من ماله بنفسها ولا بالحاكم أن لها الفسخ وإن تزوجته عالمة بعسرته أو كان موسرا ثم أصابته جائحة اجتاحت ماله فلا فسخ لها في ذلك ولم تزل الناس تصيبهم الفاقة بعد اليسار ولم ترفعهم أزواجهم إلى الحكام ليفرقوا بينهم وبينهن وبالله التوفيق. وقد قال جمهور الفقهاء: لا يثبت لها الفسخ بالإعسار بالصداق وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه وهو الصحيح من مذهب أحمد - رحمه الله - اختاره عامة أصحابه وهو قول كثير من أصحاب الشافعي. وفصل الشيخ أبو إسحاق وأبو علي بن أبي هريرة فقالا: إن كان قبل الدخول ثبت به الفسخ وبعده لا يثبت وهو أحد الوجوه من مذهب أحمد هذا مع أنه عوض محض وهو أحق أن يوفى من ثمن المبيع كما دل عليه النص كل ما تقرر في عدم الفسخ به فمثله في النفقة وأولى. فإن قيل: في الإعسار بالنفقة من الضرر اللاحق بالزوجة ما ليس في الإعسار بالصداق فإن البنية تقوم بدونه بخلاف النفقة. قيل: والبنية قد تقوم بدون نفقته بأن تنفق من مالها أو ينفق عليها ذو قرابتها أو تأكل من غزلها وبالجملة فتعيش بما تعيش به زمن العدة وتقدر زمن عسرة الزوج كله عدة. ثم الذين يجوزون لها الفسخ يقولون: لها أن تفسخ ولو كان معها القناطير المقنطرة من الذهب والفضة إذا عجز الزوج عن نفقتها وبإزاء هذا القول قول منجنيق الغرب أبي محمد ابن حزم: إنه يجب عليها أن تنفق عليه في هذه الحال فتعطيه مالها وتمكنه من نفسها ومن العجب قول العنبري بأنه يحبس. وإذا تأملت أصول الشريعة وقواعدها وما اشتملت عليه من المصالح ودرء(5\/465)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2353",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10919",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المفاسد ودفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما تبين لك القول الراجح من هذه الأقوال وبالله التوفيق.  [فصل في حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الموافق لكتاب الله أنه لا نفقة للمبتوتة ولا سكنى] روى مسلم في quot; صحيحه quot; ( عن فاطمة بنت قيس: أن أبا عمرو بن حفص طلقها ألبتة وهو غائب فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته فقال: والله ما لك علينا من شيء فجاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له وما قال فقال: quot; ليس لك عليه نفقة quot; فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال quot; تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك فإذا حللت فآذنيني quot;. قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له انكحي أسامة بن زيد quot; فكرهته ثم قال: quot; انكحي أسامة بن زيد quot; فنكحته فجعل الله فيه خيرا واغتبطت ) وفي quot; صحيحه quot; أيضا: عنها أنها طلقها زوجها في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أنفق عليها نفقة دونا فلما رأت ذلك قالت: والله لأعلمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن كانت لي نفقة أخذت الذي يصلحني وإن لم تكن لي نفقة لم آخذ منه شيئا قالت: فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال (لا نفقة لك ولا سكنى) . وفي quot; صحيحه quot; أيضا عنها أن (أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثا ثم انطلق إلى اليمن فقال لها أهله: ليس لك علينا نفقة فانطلق خالد بن الوليد في نفر فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيت ميمونة فقالوا: إن أبا حفص طلق(5\/466)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2354",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10920",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "امرأته ثلاثا فهل لها من نفقة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: quot; ليست لها نفقة وعليها العدة quot; وأرسل إليها: quot; أن لا تسبقيني بنفسك quot; وأمرها أن تنتقل إلى أم شريك ثم أرسل إليها: quot; أن أم شريك يأتيها المهاجرون الأولون فانطلقي إلى ابن أم مكتوم الأعمى فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك quot; فانطلقت إليه فلما انقضت عدتها أنكحها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسامة بن زيد بن حارثة)  . وفي quot; صحيحه quot; أيضا عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ( أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة خرج مع علي بن أبي طالب إلى اليمن فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها وأمر لها الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة بنفقة فقالا لها: والله ما لك نفقة إلا أن تكوني حاملا فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له قولهما فقال quot; لا نفقة لك quot; فاستأذنته في الانتقال فأذن لها فقالت: أين يا رسول الله قال quot; إلى ابن أم مكتوم quot; وكان أعمى تضع ثيابها عنده ولا يراها فلما مضت عدتها أنكحها النبي - صلى الله عليه وسلم - أسامة بن زيد فأرسل إليها مروان قبيصة بن ذؤيب يسألها عن الحديث فحدثته به فقال مروان: لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان: بيني وبينكم القرآن قال الله عز وجل: لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة [الطلاق: 1] إلى قوله: لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا [الطلاق: 1] [الطلاق: 1] قالت: هذا لمن كان له مراجعة فأي أمر يحدث بعد الثلاث فكيف تقولون: لا نفقة لها إذا لم تكن حاملا فعلام تحبسونها! ) . وروى أبو داود في هذا الحديث بإسناد مسلم عقيب قول عياش بن أبي ربيعة والحارث بن هشام: ( لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم -(5\/467)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2355",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10921",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال quot; لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا ) . وفي quot; صحيحه quot; أيضا ( عن الشعبي قال: دخلت على فاطمة بنت قيس فسألتها عن قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليها فقالت: طلقها زوجها ألبتة فخاصمته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السكنى والنفقة قالت: فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة وأمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم ) . وفي quot; صحيحه quot; عن أبي بكر بن أبي الجهم العدوي قال: سمعت ( فاطمة بنت قيس تقول: طلقها زوجها ثلاثا فلم يجعل لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سكنى ولا نفقة قالت: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: quot; إذا حللت فآذنيني quot; فآذنته فخطبها معاوية وأبو جهم وأسامة بن زيد فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: quot; أما معاوية فرجل ترب لا مال له وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء ولكن أسامة بن زيد quot; فقالت بيدها هكذا: أسامة! أسامة! فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - quot; طاعة الله وطاعة رسوله خير لك quot; فتزوجته فاغتبطت ) . وفي quot; صحيحه quot; أيضا عنها قالت: ( أرسل إلي زوجي أبو عمرو بن حفص بن المغيرة عياش بن أبي ربيعة بطلاقي فأرسل معه بخمسة آصع تمر وخمسة آصع شعير فقلت: أما لي نفقة إلا هذا ولا أعتد في منزلكم قال: لا فشددت علي ثيابي وأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: quot; كم طلقك quot; قلت: ثلاثا. قال: quot; صدق ليس لك نفقة اعتدي في بيت ابن عمك ابن أم مكتوم فإنه ضرير البصر تضعين ثوبك عنده فإذا انقضت عدتك فآذنيني ) .(5\/468)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2356",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10922",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروى النسائي في quot; سننه quot; هذا الحديث بطرقه وألفاظه وفي بعضها بإسناد صحيح لا مطعن فيه فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - ( إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة )  ورواه الدارقطني وقال: فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له قالت: (فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة) وقال: (إنما السكنى والنفقة لمن يملك الرجعة)  . وروى النسائي أيضا هذا اللفظ وإسنادهما صحيح.  [ذكر موافقة هذا الحكم لكتاب الله عز وجل] قال الله تعالى: ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا - فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله [الطلاق: 1 - 2] إلى قوله: قد جعل الله لكل شيء قدرا [الطلاق: 3] [الطلاق: 1 - 3] فأمر الله سبحانه الأزواج الذين لهم عند بلوغ الأجل الإمساك والتسريح بأن لا يخرجوا أزواجهم من بيوتهم وأمر أزواجهن أن لا يخرجن فدل على جواز إخراج من ليس لزوجها إمساكها بعد الطلاق فإنه سبحانه ذكر لهؤلاء المطلقات أحكاما متلازمة لا ينفك بعضها عن بعض. أحدها: أن الأزواج لا يخرجوهن من بيوتهن. والثاني: أنهن لا يخرجن من بيوت أزواجهن. والثالث: أن لأزواجهن إمساكهن بالمعروف قبل انقضاء الأجل وترك الإمساك فيسرحوهن بإحسان.(5\/469)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2357",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10923",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والرابع: إشهاد ذوي عدل وهو إشهاد على الرجعة إما وجوبا وإما استحبابا وأشار سبحانه إلى حكمة ذلك وأنه في الرجعيات خاصة بقوله: لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا [الطلاق: 1] والأمر الذي يرجى إحداثه هاهنا: هو المراجعة. هكذا قال السلف ومن بعدهم قال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية عن داود الأودي عن الشعبي: لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا [الطلاق: 1] قال: لعلك تندم فيكون لك سبيل إلى الرجعة وقال الضحاك: لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا [الطلاق: 1] قال: لعله أن يراجعها في العدة وقاله عطاء وقتادة والحسن وقد تقدم قول فاطمة بنت قيس: أي أمر يحدث بعد الثلاث فهذا يدل على أن الطلاق المذكور هو الرجعي الذي ثبتت فيه هذه الأحكام وأن حكمة أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين اقتضته لعل الزوج أن يندم ويزول الشر الذي نزغه الشيطان بينهما فتتبعها نفسه فيراجعها كما قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - quot; لو أن الناس أخذوا بأمر الله في الطلاق ما تتبع رجل نفسه امرأة يطلقها أبدا. ثم ذكر سبحانه الأمر بإسكان هؤلاء المطلقات فقال: أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم [الطلاق: 6] [الطلاق: 6] فالضمائر كلها يتحد مفسرها وأحكامها كلها متلازمة وكان قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة ) مشتقا من كتاب الله عز وجل ومفسرا له وبيانا لمراد المتكلم به منه فقد تبين اتحاد قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكتاب الله عز وجل والميزان العادل معهما أيضا لا يخالفهما فإن النفقة إنما تكون للزوجة فإذا بانت منه صارت أجنبية حكمها حكم سائر الأجنبيات ولم يبق إلا مجرد اعتدادها منه وذلك لا يوجب لها نفقة كالموطوءة بشبهة أو زنى ولأن النفقة إنما تجب في مقابلة التمكن من الاستمتاع وهذا لا يمكن استمتاعه بها بعد بينونتها ولأن النفقة لو وجبت لها عليه لأجل عدتها لوجبت للمتوفى عنها من ماله ولا فرق بينهما ألبتة فإن كل واحد منهما قد بانت عنه وهي معتدة منه قد تعذر منهما الاستمتاع ولأنها لو وجبت لها السكنى لوجبت لها النفقة كما(5\/470)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2358",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10924",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقوله من يوجبها. فأما أن تجب لها السكنى دون النفقة فالنص والقياس يدفعه وهذا قول عبد الله بن عباس وأصحابه وجابر بن عبد الله وفاطمة بنت قيس إحدى فقهاء نساء الصحابة وكانت فاطمة تناظر عليه وبه يقول أحمد بن حنبل وأصحابه وإسحاق بن راهويه وأصحابه وداود بن علي وأصحابه وسائر أهل الحديث. وللفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال وهي ثلاث روايات عن أحمد: أحدها: هذا. والثاني: أن لها النفقة والسكنى وهو قول عمر بن الخطاب وابن مسعود وفقهاء الكوفة. والثالث: أن لها السكنى دون النفقة وهذا مذهب أهل المدينة وبه يقول مالك والشافعي.  [ذكر المطاعن التي طعن بها على حديث فاطمة بنت قيس قديما وحديثا] فأولها طعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فروى مسلم في quot; صحيحه quot;: عن أبي إسحاق قال: كنت مع الأسود بن يزيد جالسا في المسجد الأعظم ومعنا الشعبي فحدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يجعل لها سكنى ولا نفقة ثم أخذ الأسود كفا من حصى فحصبه به فقال: ويلك تحدث بمثل هذا قال عمر (لا نترك كتاب الله وسنة نبينا - صلى الله عليه وسلم - لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت لها السكنى والنفقة) قال الله عز وجل: لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة [الطلاق: 1]  قالوا: فهذا عمر يخبر أن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لها النفقة والسكنى ولا ريب أن هذا مرفوع فإن الصحابي إذا قال: من السنة كذا كان مرفوعا فكيف إذا قال: من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكيف إذا كان القائل عمر بن الخطاب وإذا تعارضت رواية عمر - رضي الله عنه - ورواية فاطمة فرواية عمر - رضي الله عنه - أولى لا سيما ومعها ظاهر القرآن كما سنذكر. وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية(5\/471)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2359",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10925",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حدثنا الأعمش عن إبراهيم قال: كان عمر بن الخطاب إذا ذكر عنده حديث فاطمة بنت قيس قال: ما كنا نغير في ديننا بشهادة امرأة.  [ذكر طعن عائشة رضي الله عنها في خبر فاطمة بنت قيس] في quot; الصحيحين quot;: من حديث هشام بن عروة عن أبيه قال: تزوج يحيى بن سعيد بن العاص بنت عبد الرحمن بن الحكم فطلقها فأخرجها من عنده فعاب ذلك عليهم عروة فقالوا: إن فاطمة قد خرجت قال عروة: فأتيت عائشة - رضي الله عنها - فأخبرتها بذلك فقالت: ما لفاطمة بنت قيس خير أن تذكر هذا الحديث. وقال البخاري: فانتقلها عبد الرحمن فأرسلت عائشة إلى مروان وهو أمير المدينة: اتق الله وارددها إلى بيتها. قال مروان: إن عبد الرحمن بن الحكم غلبني وقال القاسم بن محمد: أوما بلغك شأن فاطمة بنت قيس قالت: لا يضرك ألا تذكر حديث فاطمة فقال مروان: إن كان بك شر فحسبك ما بين هذين من الشر. ومعنى كلامه: إن كان خروج فاطمة لما يقال من شر كان في لسانها فيكفيك ما بين يحيى بن سعيد بن العاص وبين امرأته من الشر. وفي quot; الصحيحين quot;: عن عروة أنه قال لعائشة - رضي الله عنها -: ألم تري إلى فلانة بنت الحكم طلقها زوجها ألبتة فخرجت فقالت: بئس ما صنعت فقلت: ألم تسمعي إلى قول فاطمة فقالت: أما إنه لا خير لها في ذكر ذلك. وفي حديث القاسم عن عائشة - رضي الله عنها - يعني: في قولها: لا سكنى لها ولا نفقة. وفي quot; صحيح البخاري quot;: عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت(5\/472)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2360",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10926",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لفاطمة: ألا تتقي الله تعني في قولها لا سكنى لها ولا نفقة وفي quot; صحيحه quot; أيضا: عنها قالت: إن فاطمة كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها فلذلك أرخص النبي - صلى الله عليه وسلم - لها. وقال عبد الرزاق: عن ابن جريح أخبرني ابن شهاب عن عروة أن عائشة - رضي الله عنها - أنكرت ذلك على فاطمة بنت قيس تعني: quot; انتقال المطلقة ثلاثا quot;. وذكر القاضي إسماعيل حدثنا نصر بن علي حدثني أبي عن هارون عن محمد بن إسحاق قال: أحسبه عن محمد بن إبراهيم أن عائشة - رضي الله عنها - قالت لفاطمة بنت قيس: إنما أخرجك هذا اللسان) .  [ذكر طعن أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه على حديث فاطمة] روى عبد الله بن صالح كاتب الليث قال حدثني الليث بن سعد حدثني جعفر عن ابن هرمز عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال كان محمد بن أسامة بن زيد يقول: كان أسامة إذا ذكرت فاطمة شيئا من ذلك - يعني انتقالها في عدتها - رماها بما في يده  [ذكر طعن مروان على حديث فاطمة] روى مسلم في quot; صحيحه quot;: من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة حديث فاطمة هذا: أنه حدث به مروان فقال مروان: لم نسمع هذا إلا من امرأة سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها.(5\/473)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2361",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10927",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[ذكر طعن سعيد بن المسيب] روى أبو داود في quot; سننه quot;: من حديث ميمون بن مهران قال: قدمت المدينة فدفعت إلى سعيد بن المسيب فقلت: فاطمة بنت قيس طلقت فخرجت من بيتها فقال سعيد: تلك امرأة فتنت الناس إنها كانت امرأة لسنة فوضعت على يدي ابن أم مكتوم الأعمى.  [ذكر طعن سليمان بن يسار] روى أبو داود في quot; سننه quot; أيضا قال في خروج فاطمة: إنما كان من سوء الخلق.  [ذكر طعن الأسود بن يزيد] تقدم حديث مسلم: أن الشعبي حدث بحديث فاطمة فأخذ الأسود كفا من حصباء فحصبه به وقال: ويلك تحدث بمثل هذا وقال النسائي: ويلك لم تفتي بمثل هذا قال عمر لها: إن جئت بشاهدين يشهدان أنهما سمعاه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلا لم نترك كتاب ربنا لقول امرأة.  [ذكر طعن أبي سلمة بن عبد الرحمن] قال الليث: حدثني عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن فذكر حديث فاطمة ثم قال: فأنكر الناس عليها ما كانت تحدث من خروجها قبل أن تحل قالوا: وقد عارض رواية فاطمة صريح رواية عمر في إيجاب النفقة والسكنى فروى حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان أنه أخبر إبراهيم النخعي بحديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس فقال له إبراهيم: إن(5\/474)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2362",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10928",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عمر أخبر بقولها فقال: لسنا بتاركي آية من كتاب الله وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لقول امرأة لعلها أوهمت سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( لها السكنى والنفقة ) ذكره أبو محمد في quot; المحلى quot; فهذا نص صريح يجب تقديمه على حديث فاطمة لجلالة رواته وترك إنكار الصحابة عليه وموافقته لكتاب الله.  [ذكر الأجوبة عن هذه المطاعن وبيان بطلانها] وحاصلها أربعة. أحدها: أن راويتها امرأة لم تأت بشاهدين يتابعانها على حديثها. الثاني: أن روايتها تضمنت مخالفة القرآن. الثالث: أن خروجها من المنزل لم يكن لأنه لا حق لها في السكنى بل لأذاها أهل زوجها بلسانها. الرابع: معارضة روايتها برواية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. ونحن نبين ما في كل واحد من هذه الأمور الأربعة بحول الله وقوته هذا مع أن في بعضها من الانقطاع وفي بعضها من الضعف وفي بعضها من البطلان ما سننبه عليه وبعضها صحيح عمن نسب إليه بلا شك. فأما المطعن الأول: وهو كون الراوي امرأة فمطعن باطل بلا شك والعلماء قاطبة على خلافه والمحتج بهذا من أتباع الأئمة أول مبطل له ومخالف له فإنهم لا يختلفون في أن السنن تؤخذ عن المرأة كما تؤخذ عن الرجل هذا وكم من سنة تلقاها الأئمة بالقبول عن امرأة واحدة من الصحابة وهذه مسانيد نساء الصحابة بأيدي الناس لا تشاء أن ترى فيها سنة تفردت بها امرأة منهن إلا رأيتها فما ذنب فاطمة بنت قيس دون نساء العالمين وقد أخذ الناس بحديث فريعة بنت مالك بن سنان أخت أبي سعيد في اعتداد المتوفى عنها في بيت(5\/475)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2363",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10929",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "زوجها وليست فاطمة بدونها علما وجلالة وثقة وأمانة بل هي أفقه منها بلا شك فإن فريعة لا تعرف إلا في هذا الخبر وأما شهرة فاطمة ودعاؤها من نازعها من الصحابة إلى كتاب الله ومناظرتها على ذلك فأمر مشهور وكانت أسعد بهذه المناظرة ممن خالفها كما مضى تقريره وقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - يختلفون في الشيء فتروي لهم إحدى أمهات المؤمنين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا فيأخذون به ويرجعون إليه ويتركون ما عندهم له وإنما فضلن على فاطمة بنت قيس بكونهن أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلا فهي من المهاجرات الأول وقد رضيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحبه وابن حبه أسامة بن زيد وكان الذي خطبها له. وإذا شئت أن تعرف مقدار حفظها وعلمها فاعرفه من حديث الدجال الطويل الذي حدث به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر فوعته فاطمة وحفظته وأدته كما سمعته ولم ينكره عليها أحد مع طوله وغرابته فكيف بقصة جرت لها وهي سببها وخاصمت فيها وحكم فيها بكلمتين وهي: لا نفقة ولا سكنى والعادة توجب حفظ مثل هذا وذكره واحتمال النسيان فيه أمر مشترك بينها وبين من أنكر عليها فهذا عمر قد نسي تيمم الجنب وذكره عمار بن ياسر أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهما بالتيمم من الجنابة فلم يذكره عمر - رضي الله عنه - وأقام على أن الجنب لا يصلي حتى يجد الماء. ونسي قوله تعالى: وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا [النساء: 20](5\/476)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2364",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10930",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[النساء: 20] حتى ذكرته به امرأة فرجع إلى قولها. ونسي قوله إنك ميت وإنهم ميتون [الزمر: 30] [الزمر: 30] حتى ذكر به فإن كان جواز النسيان على الراوي يوجب سقوط روايته سقطت رواية عمر التي عارضتم بها خبر فاطمة وإن كان لا يوجب سقوط روايته بطلت المعارضة بذلك فهي باطلة على التقديرين ولو ردت السنن بمثل هذا لم يبق بأيدي الأمة منها إلا اليسير ثم كيف يعارض خبر فاطمة ويطعن فيه بمثل هذا من يرى قبول خبر الواحد العدل ولا يشترط للرواية نصابا وعمر - رضي الله عنه - أصابه في مثل هذا ما أصابه في رد خبر أبي موسى في الاستئذان حتى شهد له أبو سعيد ورد خبر المغيرة بن شعبة في إملاص المرأة حتى شهد له محمد بن مسلمة وهذا كان تثبيتا منه - رضي الله عنه - حتى لا يركب الناس الصعب والذلول في الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلا فقد قبل خبر الضحاك بن سفيان الكلابي وحده وهو أعرابي وقبل لعائشة - رضي الله عنها - عدة أخبار تفردت بها وبالجملة فلا يقول أحد: إنه لا يقبل قول الراوي الثقة العدل حتى يشهد له شاهدان لا سيما إن كان من الصحابة.  [فصل رد القول بأن رواية فاطمة مخالفة للقرآن] فصل وأما المطعن الثاني: وهو أن روايتها مخالفة للقرآن فنجيب بجوابين مجمل ومفصل أما المجمل: فنقول: لو كانت مخالفة كما ذكرتم لكانت(5\/477)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2365",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10931",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مخالفة لعمومه فتكون تخصيصا للعام فحكمها حكم تخصيص قوله يوصيكم الله في أولادكم [النساء: 11] [النساء: 11] بالكافر والرقيق والقاتل وتخصيص قوله وأحل لكم ما وراء ذلكم [النساء: 24] [النساء: 24] بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها ونظائره فإن القرآن لم يخص البائن بأنها لا تخرج ولا تخرج وبأنها تسكن من حيث يسكن زوجها بل إما أن يعمها ويعم الرجعية وإما أن يخص الرجعية. فإن عم النوعين فالحديث مخصص لعمومه وإن خص الرجعيات وهو الصواب للسياق الذي من تدبره وتأمله قطع بأنه في الرجعيات من عدة أوجه قد أشرنا إليها فالحديث ليس مخالفا لكتاب الله بل موافق له ولو ذكر أمير المؤمنين - رضي الله عنه - بذلك لكان أول راجع إليه فإن الرجل كما يذهل عن النص يذهل عن دلالته وسياقه وما يقترن به مما يتبين المراد منه وكثيرا ما يذهل عن دخول الواقعة المعينة تحت النص العام واندراجه تحتها فهذا كثير جدا والتفطن له من الفهم الذي يؤتيه الله من يشاء من عباده ولقد كان أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - من ذلك بالمنزلة التي لا تجهل ولا تستغرقها عبارة غير أن النسيان والذهول عرضة للإنسان وإنما الفاضل العالم من إذا ذكر ذكر ورجع. فحديث فاطمة - رضي الله عنها - مع كتاب الله على ثلاثة أطباق لا يخرج عن واحد منها إما أن يكون تخصيصا لعامه. الثاني: أن يكون بيانا لما لم يتناوله بل سكت عنه. الثالث: أن يكون بيانا لما أريد به وموافقا لما أرشد إليه سياقه وتعليله وتنبيهه وهذا هو الصواب فهو إذن موافق له لا مخالف وهكذا ينبغي قطعا ومعاذ الله أن يحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما يخالف كتاب الله تعالى أو يعارضه وقد أنكر الإمام أحمد - رحمه الله - هذا من قول عمر - رضي الله عنه - وجعل يتبسم ويقول: أين في كتاب الله إيجاب السكنى والنفقة للمطلقة ثلاثا وأنكرته قبله الفقيهة الفاضلة فاطمة وقالت: بيني وبينكم كتاب الله قال الله تعالى: لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا [الطلاق: 1] [الطلاق: 1] وأي أمر يحدث بعد(5\/478)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2366",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10932",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثلاث وقد تقدم أن قوله فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن [الطلاق: 2] [الطلاق: 2] يشهد بأن الآيات كلها في الرجعيات.  [فصل رد مطعن أن خروجها كان لفحش لسانها] فصل وأما المطعن الثالث: وهو أن خروجها لم يكن إلا لفحش من لسانها فما أبرده من تأويل وأسمجه فإن المرأة من خيار الصحابة - رضي الله عنهم - وفضلائهم ومن المهاجرات الأول وممن لا يحملها رقة الدين وقلة التقوى على فحش يوجب إخراجها من دارها وأن يمنع حقها الذي جعله الله لها ونهى عن إضاعته فيا عجبا! كيف لم ينكر عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الفحش ويقول لها: اتقي الله وكفي لسانك عن أذى أهل زوجك واستقري في مسكنك وكيف يعدل عن هذا إلى قوله ( لا نفقة لك ولا سكنى ) إلى قوله ( إنما السكنى والنفقة للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة ) فيا عجبا! كيف يترك هذا المانع الصريح الذي خرج من بين شفتي النبي - صلى الله عليه وسلم - ويعلل بأمر موهوم لم يعلل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألبتة ولا أشار إليه ولا نبه عليه هذا من المحال البين. ثم لو كانت فاحشة اللسان وقد أعاذها الله من ذلك لقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - وسمعت وأطاعت: كفي لسانك حتى تنقضي عدتك وكان من دونها يسمع ويطيع لئلا تخرج من سكنه.  [فصل رد مطعن معارضة روايتها برواية عمر] فصل وأما المطعن الرابع: وهو معارضة روايتها برواية عمر - رضي الله عنه - فهذه المعارضة تورد من وجهين. أحدهما: قوله لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا وأن هذا من حكم المرفوع. الثاني: قوله: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( لها السكنى والنفقة ) . ونحن نقول: قد أعاذ الله أمير المؤمنين من هذا الكلام الباطل الذي لا يصح عنه أبدا. قال الإمام أحمد: لا يصح ذلك عن عمر. وقال أبو الحسن الدارقطني:(5\/479)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2367",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10933",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بل السنة بيد فاطمة بنت قيس قطعا ومن له إلمام بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشهد شهادة الله أنه لم يكن عند عمر - رضي الله عنه - سنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن للمطلقة ثلاثا السكنى والنفقة وعمر كان أتقى لله وأحرص على تبليغ سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تكون هذه السنة عنده ثم لا يرويها أصلا ولا يبينها ولا يبلغها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وأما حديث حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن عمر - رضي الله عنه - سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ( لها السكنى والنفقة ) فنحن نشهد بالله شهادة نسأل عنها إذا لقيناه أن هذا كذب على عمر - رضي الله عنه - وكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وينبغي أن لا يحمل الإنسان فرط الانتصار للمذاهب والتعصب لها على معارضة سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة الصريحة بالكذب البحت فلو يكون هذا عند عمر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لخرست فاطمة وذووها ولم ينبسوا بكلمة ولا دعت فاطمة إلى المناظرة ولا احتيج إلى ذكر إخراجها لبذاء لسانها ولما فات هذا الحديث أئمة الحديث والمصنفين في السنن والأحكام المنتصرين للسنن فقط لا لمذهب ولا لرجل هذا قبل أن نصل به إلى إبراهيم ولو قدر وصولنا بالحديث إلى إبراهيم لانقطع نخاعه فإن إبراهيم لم يولد إلا بعد موت عمر - رضي الله عنه - بسنين فإن كان مخبر أخبر به إبراهيم عن عمر - رضي الله عنه - وحسنا به الظن كان قد روى له قول عمر - رضي الله عنه - بالمعنى وظن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي حكم بثبوت النفقة والسكنى للمطلقة حتى قال عمر - رضي الله عنه - لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة فقد يكون الرجل صالحا ويكون مغفلا ليس تحمل الحديث وحفظه وروايته من شأنه وبالله التوفيق. وقد تناظر في هذه المسألة ميمون بن مهران وسعيد بن المسيب فذكر له ميمون خبر فاطمة فقال سعيد: (تلك امرأة فتنت الناس فقال له ميمون: لئن كانت إنما أخذت بما أفتاها به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما فتنت الناس وإن لنا في(5\/480)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2368",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10934",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة مع أنها أحرم الناس عليه ليس لها عليه رجعة ولا بينهما ميراث) . انتهى. ولا يعلم أحد من الفقهاء - رحمهم الله - إلا وقد احتج بحديث فاطمة بنت قيس هذا وأخذ به في بعض الأحكام كمالك والشافعي. وجمهور الأمة يحتجون به في سقوط نفقة المبتوتة إذا كانت حائلا والشافعي نفسه احتج به على جواز جمع الثلاث لأن في بعض ألفاظه فطلقني ثلاثا وقد بينا أنه إنما طلقها آخر ثلاث كما أخبرت به عن نفسها. واحتج به من يرى جواز نظر المرأة إلى الرجال واحتج به الأئمة كلهم على جواز خطبة الرجل على خطبة أخيه إذا لم تكن المرأة قد سكنت إلى الخاطب الأول واحتجوا به على جواز بيان ما في الرجل إذا كان على وجه النصيحة لمن استشاره أن يزوجه أو يعامله أو يسافر معه وأن ذلك ليس بغيبة واحتجوا به على جواز نكاح القرشية من غير القرشي واحتجوا به على وقوع الطلاق في حال غيبة أحد الزوجين عن الآخر وأنه لا يشترط حضوره ومواجهته به واحتجوا به على جواز التعريض بخطبة المعتدة البائن وكانت هذه الأحكام كلها حاصلة ببركة روايتها وصدق حديثها فاستنبطتها الأمة منها وعملت بها فما بال روايتها ترد في حكم واحد من أحكام هذا الحديث وتقبل فيما عداه! فإن كانت حفظته قبلت في جميعه وإن لم تكن حفظته وجب أن لا يقبل في شيء من أحكامه وبالله التوفيق. فإن قيل: بقي عليكم شيء واحد وهو أن قوله سبحانه: أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم [الطلاق: 6] [الطلاق: 6] إنما هو في البوائن لا في الرجعيات بدليل قوله عقيبه: ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن [الطلاق: 6] [الطلاق: 6] فهذا في البائن إذ لو كانت رجعية لما قيد النفقة عليها بالحمل ولكان عديم التأثير فإنها تستحقها حائلا كانت أو حاملا والظاهر أن الضمير في (أسكنوهن) هو والضمير في قوله وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن [الطلاق: 6] واحد. فالجواب: أن مورد هذا السؤال إما أن يكون من الموجبين النفقة(5\/481)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2369",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10935",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والسكنى أو ممن يوجب السكنى دون النفقة فإن كان الأول: فالآية على زعمه حجة عليه لأنه سبحانه شرط في إيجاب النفقة عليهن كونهن حوامل والحكم المعلق على الشرط ينتفي عند انتفائه فدل على أن البائن الحائل لا نفقة لها. فإن قيل: فهذه دلالة على المفهوم ولا يقول بها. قيل: ليس ذلك من دلالة المفهوم بل من انتفاء الحكم عند انتفاء شرطه فلو بقي الحكم بعد انتفائه لم يكن شرطا وإن كان ممن يوجب السكنى وحدها فيقال له: ليس في الآية ضمير واحد يخص البائن بل ضمائرها نوعان: نوع يخص الرجعية قطعا كقوله فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف [الطلاق: 2] [الطلاق: 2] ونوع يحتمل أن يكون للبائن وأن يكون للرجعية وأن يكون لهما وهو قوله: لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن [الطلاق: 1] وقوله أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم [الطلاق: 6] [الطلاق: 6] فحمله على الرجعية هو المتعين لتتحد الضمائر ومفسرها فلو حمل على غيرها لزم اختلاف الضمائر ومفسرها وهو خلاف الأصل والحمل على الأصل أولى. فإن قيل: فما الفائدة في تخصيص نفقة الرجعية بكونها حاملا قيل: ليس في الآية ما يقتضي أنه لا نفقة للرجعية الحائل بل الرجعية نوعان قد بين الله حكمهما في كتابه: حائل: فلها النفقة بعقد الزوجية إذ حكمها حكم الأزواج أو حامل: فلها النفقة بهذه الآية إلى أن تضع حملها فتصير النفقة بعد الوضع نفقة قريب لا نفقة زوج فيخالف حالها قبل الوضع حالها بعده فإن الزوج ينفق عليها وحده إذا كانت حاملا فإذا وضعت صارت نفقتها على من تجب عليه نفقة الطفل ولا يكون حالها في حال حملها كذلك بحيث تجب نفقتها على من تجب عليه نفقة الطفل فإنه في حال حملها جزء من أجزائها فإذا انفصل كان له حكم آخر وانتقلت النفقة من حكم إلى حكم فظهرت فائدة التقييد وسر الاشتراط والله أعلم بما أراد من كلامه.(5\/482)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2370",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10936",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الموافق لكتاب الله تعالى من وجوب النفقة للأقارب] روى أبو داود في quot; سننه quot; عن كليب بن منفعة عن جده أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله ( من أبر قال: أمك وأباك وأختك وأخاك ومولاك الذي يلي ذاك حق واجب ورحم موصولة ) . وروى النسائي عن طارق المحاربي قال: قدمت المدينة فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم على المنبر يخطب الناس وهو يقول: ( يد المعطي العليا وابدأ بمن تعول: أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك فأدناك ) . وفي quot; الصحيحين quot; عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال ( جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي قال: أمك قال: ثم من قال: أمك قال: ثم من قال: أمك قال: ثم من قال: أبوك ثم أدناك أدناك ) . وفي الترمذي عن معاوية القشيري - رضي الله عنه - قال: قلت: يا رسول الله ( من أبر قال: أمك قلت: ثم من قال: أمك قلت: ثم من قال: أمك قلت: ثم من قال: أباك ثم الأقرب فالأقرب ) .(5\/483)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2371",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10937",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند: ( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) . وفي quot; سنن أبي داود quot; من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم فكلوه هنيئا ) ورواه أيضا من حديث عائشة - رضي الله عنها - مرفوعا. وروى النسائي من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك فإن فضل عن ذي قرابتك فهكذا وهكذا ) . وهذا كله تفسير لقوله تعالى: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى [النساء: 36] [النساء: 36] وقوله تعالى: وآت ذا القربى حقه [الإسراء: 26] [الإسراء: 26] فجعل سبحانه حق ذي القربى يلي حق الوالدين كما جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - سواء بسواء وأخبر سبحانه أن لذي القربى حقا على قرابته وأمر بإتيانه إياه فإن لم يكن ذلك حق النفقة فلا ندري أي حق هو. وأمر تعالى بالإحسان إلى ذي القربى. ومن أعظم الإساءة أن يراه يموت جوعا وعريا وهو قادر على سد خلته وستر عورته ولا يطعمه لقمة ولا يستر له عورة إلا بأن يقرضه ذلك في ذمته وهذا الحكم من النبي - صلى الله عليه وسلم - مطابق لكتاب الله تعالى حيث يقول: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك [البقرة: 233](5\/484)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2372",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10938",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[البقرة: 233] فأوجب سبحانه وتعالى على الوارث مثل ما أوجب على المولود له وبمثل هذا الحكم حكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. فروى سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب أن عمر - رضي الله عنه - حبس عصبة صبي على أن ينفقوا عليه الرجال دون النساء. وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج أخبرني عمرو بن شعيب أن ابن المسيب أخبره أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقف بني عم على منفوس كلالة بالنفقة عليه مثل العاقلة فقالوا: لا مال له فقال: ولو وقوفهم بالنفقة عليه كهيئة العقل قال ابن المديني: قوله: ولو أي ولو لم يكن له مال. وذكر ابن أبي شيبة عن أبي خالد الأحمر عن حجاج عن عمرو عن سعيد بن المسيب قال: جاء ولي يتيم إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: أنفق عليه ثم قال: لو لم أجد إلا أقضي عشيرته لفرضت عليهم وحكم بمثل ذلك أيضا زيد بن ثابت. قال ابن أبي شيبة: حدثنا حميد بن عبد الرحمن عن حسن عن مطرف عن إسماعيل عن الحسن عن زيد بن ثابت قال: إذا كان أم وعم فعلى الأم بقدر ميراثها وعلى العم بقدر ميراثه ولا يعرف لعمر وزيد مخالف في الصحابة ألبتة. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: وعلى الوارث مثل ذلك [البقرة: 233] [البقرة:(5\/485)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2373",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10939",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "233 -] قال: على ورثة اليتيم أن ينفقوا عليه كما يرثونه. قلت له: أيحبس وارث المولود إن لم يكن للمولود مال قال: أفيدعه يموت وقال الحسن: وعلى الوارث مثل ذلك [البقرة: 233] قال: على الرجل الذي يرث أن ينفق عليه حتى يستغني. وبهذا فسر الآية جمهور السلف منهم قتادة ومجاهد والضحاك وزيد بن أسلم وشريح القاضي وقبيصة بن ذؤيب وعبد الله بن عتبة بن مسعود وإبراهيم النخعي والشعبي وأصحاب ابن مسعود ومن بعدهم: سفيان الثوري وعبد الرزاق وأبو حنيفة وأصحابه ومن بعدهم: أحمد وإسحاق وداود وأصحابهم. وقد اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة على عدة أقوال. أحدها: أنه لا يجبر أحد على نفقة أحد من أقاربه وإنما ذلك بر وصلة وهذا مذهب يعزى إلى الشعبي. قال عبد بن حميد الكشي: حدثنا قبيصة عن سفيان الثوري عن أشعث عن الشعبي قال: ما رأيت أحدا أجبر أحدا على أحد - يعني على نفقته -. وفي إثبات هذا المذهب بهذا الكلام نظر والشعبي أفقه من هذا والظاهر أنه أراد أن الناس كانوا أتقى لله من أن يحتاج الغني أن يجبره الحاكم على الإنفاق على قريبه المحتاج فكان الناس يكتفون بإيجاب الشرع عن إيجاب الحاكم أو إجباره. المذهب الثاني: أنه يجب عليه النفقة على أبيه الأدنى وأمه التي ولدته خاصة فهذان الأبوان يجبر الذكر والأنثى من الولد على النفقة عليهما إذا كانا فقيرين فأما نفقة الأولاد فالرجل يجبر على نفقة ابنه الأدنى حتى يبلغ فقط وعلى نفقة بنته الدنيا حتى تزوج ولا يجبر على نفقة ابن ابنه ولا بنت ابنه وإن سفلا ولا تجبر الأم على نفقة ابنها وابنتها ولو كانا في غاية الحاجة والأم في غاية الغنى ولا تجب على أحد النفقة على ابن ابن ولا جد ولا أخ ولا أخت ولا(5\/486)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2374",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10940",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عم ولا عمة ولا خال ولا خالة ولا أحد من الأقارب البتة سوى ما ذكرنا. وتجب النفقة مع اتحاد الدين واختلافه حيث وجبت وهذا مذهب مالك وهو أضيق المذاهب في النفقات. المذهب الثالث: أنه تجب نفقة عمودي النسب خاصة دون من عداهم مع اتفاق الدين ويسار المنفق وقدرته وحاجة المنفق عليه وعجزه عن الكسب بصغر أو جنون أو زمانة إن كان من العمود الأسفل. وإن كان من العمود الأعلى: فهل يشترط عجزهم عن الكسب على قولين. ومنهم من طرد القولين أيضا في العمود الأسفل. فإذا بلغ الولد صحيحا سقطت نفقته ذكرا كان أو أنثى وهذا مذهب الشافعي وهو أوسع من مذهب مالك. المذهب الرابع: أن النفقة تجب على كل ذي رحم محرم لذي رحمه فإن كان من الأولاد وأولادهم أو الآباء والأجداد وجبت نفقتهم مع اتحاد الدين واختلافه. وإن كان من غيرهم لم تجب إلا مع اتحاد الدين فلا يجب على المسلم أن ينفق على ذي رحمه الكافر ثم إنما تجب النفقة بشرط قدرة المنفق وحاجة المنفق عليه. فإن كان صغيرا اعتبر فقره فقط وإن كان كبيرا فإن كان أنثى فكذلك وإن كان ذكرا فلا بد مع فقره من عماه أو زمانته فإن كان صحيحا بصيرا لم تجب نفقته وهي مرتبة عنده على الميراث إلا في نفقة الولد فإنها على أبيه خاصة على المشهور من مذهبه. وروي عن الحسن بن زياد اللؤلئي: أنها على أبويه خاصة بقدر ميراثهما طردا للقياس وهذا مذهب أبي حنيفة وهو أوسع من مذهب الشافعي. المذهب الخامس: أن القريب إن كان من عمودي النسب وجبت نفقته مطلقا سواء كان وارثا أو غير وارث وهل يشترط اتحاد الدين بينهم على روايتين وعنه رواية أخرى: أنه لا تجب نفقتهم إلا بشرط أن يرثهم بفرض أو تعصيب كسائر الأقارب. وإن كان من غير عمودي النسب وجبت نفقتهم بشرط(5\/487)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2375",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10941",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن يكون بينه وبينهم توارث. ثم هل يشترط أن يكون التوارث من الجانبين أو يكفي أن يكون من أحدهما على روايتين. وهل يشترط ثبوت التوارث في الحال أو أن يكون من أهل الميراث في الجملة على روايتين: فإن كان الأقارب من ذوي الأرحام الذين لا يرثون فلا نفقة لهم على المنصوص عنه وخرج بعض أصحابه وجوبها عليهم من مذهبه من توارثهم ولا بد عنده من اتحاد الدين بين المنفق والمنفق عليه حيث وجبت النفقة إلا في عمودي النسب في إحدى الروايتين. فإن كان الميراث بغير القرابة كالولاء وجبت النفقة به في ظاهر مذهبه على الوارث دون الموروث وإذا لزمته نفقة رجل لزمته نفقة زوجته في ظاهر مذهبه. وعنه: لا تلزمه. وعنه: تلزمه في عمودي النسب خاصة دون من عداهم. وعنه: تلزمه لزوجة الأب خاصة ويلزمه إعفاف عمودي نسبه بتزويج أو تسر إذا طلبوا ذلك. قال القاضي أبو يعلى: وكذلك يجيء في كل من لزمته نفقته أخ أو عم أو غيرهما يلزمه إعفافه لأن أحمد - رحمه الله - قد نص في العبد يلزمه أن يزوجه إذا طلب ذلك وإلا بيع عليه وإذا لزمه إعفاف رجل لزمه نفقة زوجته لأنه لا تمكن من الإعفاف إلا بذلك وهذه غير المسألة المتقدمة وهو وجوب الإنفاق على زوجة المنفق عليه ولهذه مأخذ ولتلك مأخذ وهذا مذهب الإمام أحمد وهو أوسع من مذهب أبي حنيفة وإن كان مذهب أبي حنيفة أوسع منه من وجه آخر حيث يوجب النفقة على ذوي الأرحام وهو الصحيح في الدليل وهو الذي تقتضيه أصول أحمد ونصوصه وقواعد الشرع وصلة الرحم التي أمر الله أن توصل وحرم الجنة على كل قاطع رحم فالنفقة تستحق بشيئين: بالميراث بكتاب الله وبالرحم بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقد تقدم أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حبس عصبة صبي أن ينفقوا عليه وكانوا بني عمه وتقدم قول زيد بن ثابت: إذا كان عم وأم فعلى العم بقدر ميراثه وعلى الأم بقدر ميراثها فإنه لا مخالف لهما في(5\/488)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2376",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10942",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصحابة ألبتة وهو قول جمهور السلف وعليه يدل قوله تعالى وآت ذا القربى حقه [الإسراء: 26] [الإسراء: 26] وقوله تعالى: وبالوالدين إحسانا وبذي القربى [النساء: 36] [النساء: 36] وقد أوجب النبي - صلى الله عليه وسلم - العطية للأقارب وصرح بأنسابهم فقال: ( وأختك وأخاك ثم أدناك فأدناك حق واجب ورحم موصولة ) . فإن قيل: فالمراد بذلك البر والصلة دون الوجوب. قيل: يرد هذا أنه سبحانه أمر به وسماه حقا وأضافه إليه بقوله: (حقه)  وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه حق وأنه واجب وبعض هذا ينادي على الوجوب جهارا. فإن قيل: المراد بحقه ترك قطيعته. فالجواب من وجهين. أحدهما: أن يقال: فأي قطيعة أعظم من أن يراه يتلظى جوعا وعطشا ويتأذى غاية الأذى بالحر والبرد ولا يطعمه لقمة ولا يسقيه جرعة ولا يكسوه ما يستر عورته ويقيه الحر والبرد ويسكنه تحت سقف يظله هذا وهو أخوه ابن أمه وأبيه أو عمه صنو أبيه أو خالته التي هي أمه إنما يجب عليه من ذلك ما يجب بذله للأجنبي البعيد بأن يعاوضه على ذلك في الذمة إلى أن يوسر ثم يسترجع به عليه هذا مع كونه في غاية اليسار والجدة وسعة الأموال. فإن لم تكن هذه قطيعة فإنا لا ندري ما هي القطيعة المحرمة والصلة التي أمر الله بها وحرم الجنة على قاطعها. الوجه الثاني: أن يقال: فما هذه الصلة الواجبة التي نادت عليها النصوص وبالغت في إيجابها وذمت قاطعها فأي قدر زائد فيها على حق الأجنبي حتى تعقله القلوب وتخبر به الألسنة وتعمل به الجوارح أهو السلام عليه إذا لقيه وعيادته إذا مرض وتشميته إذا عطس وإجابته إذا(5\/489)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2377",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10943",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دعاه وإنكم لا توجبون شيئا من ذلك إلا ما يجب نظيره للأجنبي على الأجنبي وإن كانت هذه الصلة ترك ضربه وسبه وأذاه والإزراء به ونحو ذلك فهذا حق يجب لكل مسلم على كل مسلم بل للذمي البعيد على المسلم فما خصوصية صلة الرحم الواجبة ولهذا كان بعض فضلاء المتأخرين يقول: أعياني أن أعرف صلة الرحم الواجبة. ولما أورد الناس هذا على أصحاب مالك وقالوا لهم: ما معنى صلة الرحم عندكم صنف بعضهم في صلة الرحم كتابا كبيرا وأوعب فيه من الآثار المرفوعة والموقوفة وذكر جنس الصلة وأنواعها وأقسامها ومع هذا فلم يتخلص من هذا الإلزام فإن الصلة معروفة يعرفها الخاص والعام والآثار فيها أشهر من العلم ولكن ما الصلة التي تختص بها الرحم وتجب له الرحمة ولا يشاركه فيها الأجنبي فلا يمكنكم أن تعينوا وجوب شيء إلا وكانت النفقة أوجب منه ولا يمكنكم أن تذكروا مسقطا لوجوب النفقة إلا وكان ما عداها أولى بالسقوط منه والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد قرن حق الأخ والأخت بالأب والأم فقال: ( أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك فأدناك ) فما الذي نسخ هذا وما الذي جعل أوله للوجوب وآخره للاستحباب وإذا عرف هذا فليس من بر الوالدين أن يدع الرجل أباه يكنس الكنف ويكاري على الحمر ويوقد في أتون الحمام ويحمل للناس على رأسه ما يتقوت بأجرته وهو في غاية الغنى واليسار وسعة ذات اليد وليس من بر أمه أن يدعها تخدم الناس وتغسل ثيابهم وتسقي لهم الماء ونحو ذلك ولا يصونها بما ينفقه عليها ويقول: الأبوان مكتسبان صحيحان وليسا بزمنين ولا أعميين فيالله العجب: أين شرط الله ورسوله في بر الوالدين وصلة الرحم أن يكون أحدهم زمنا أو أعمى وليست صلة الرحم ولا بر الوالدين موقوفة على ذلك شرعا ولا لغة ولا عرفا وبالله التوفيق.(5\/490)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2378",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10944",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرضاعة وما يحرم بها وما لا يحرم وحكمه في القدر المحرم منها وحكمه في إرضاع الكبير هل له تأثير أم لا] ثبت في quot; الصحيحين quot;: من حديث عائشة - رضي الله عنها - عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة ) . وثبت فيهما: من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أن ( النبي - صلى الله عليه وسلم - أريد على ابنة حمزة فقال: quot; إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة ويحرم من الرضاعة ما يحرم من الرحم ) . وثبت فيهما: أنه قال لعائشة - رضي الله عنها -: ( ائذني لأفلح أخي أبي القعيس فإنه عمك quot; وكانت امرأته أرضعت عائشة - رضي الله عنها - ) . وبهذا أجاب ابن عباس لما سئل عن: رجل له جاريتان أرضعت إحداهما جارية والأخرى غلاما أيحل للغلام أن يتزوج الجارية قال: لا اللقاح واحد.(5\/491)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2379",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10945",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وثبت في quot; صحيح مسلم quot; عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( لا تحرم المصة والمصتان ) . وفي رواية: ( لا تحرم الإملاجة والإملاجتان ) . وفي لفظ له: ( أن رجلا قال: يا رسول الله هل تحرم الرضعة الواحدة قال: لا ) . وثبت في quot; صحيحه quot; أيضا: عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ( كان فيما نزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهن فيما يقرأ من القرآن ) . وثبت في quot; الصحيحين quot;: من حديث عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( إنما الرضاعة من المجاعة ) . وثبت في quot; جامع الترمذي quot;: من حديث أم سلمة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام ) quot; وقال الترمذي: حديث صحيح.(5\/492)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2380",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10946",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; سنن الدارقطني quot; بإسناد صحيح عن ابن عباس يرفعه: ( لا رضاع إلا ما كان في الحولين ) . وفي quot; سنن أبي داود quot;: من حديث ابن مسعود يرفعه: ( لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم وأنشر العظم ) . وثبت في quot; صحيح مسلم quot;: عن عائشة - رضي الله عنها - قالت ( جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم وهو حليفه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أرضعيه تحرمي عليه ) . وفي رواية له عنها قالت: ( جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم وهو حليفه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أرضعيه فقالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: قد علمت أنه كبير ) . وفي لفظ لمسلم ( أن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت لعائشة - رضي الله عنها -: إنه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي فقالت عائشة - رضي الله عنها -: أما لك في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة إن امرأة أبي حذيفة قالت: يا رسول الله إن سالما يدخل علي وهو رجل وفي نفس أبي حذيفة منه شيء فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أرضعيه حتى يدخل عليك ) .(5\/493)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2381",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10947",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وساقه أبو داود في quot; سننه quot; سياقة تامة مطولة فرواه من حديث الزهري عن عروة عن عائشة وأم سلمة - رضي الله عنهما: أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس كان تبنى سالما وأنكحه ابنة أخيه هندا بنت الوليد بن عتبة وهو مولى لامرأة من الأنصار كما تبنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيدا وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس إليه وورث ميراثه حتى أنزل الله تعالى في ذلك: ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم [الأحزاب: 5] [الأحزاب: 5] فردوا إلى آبائهم فمن لم يعلم له أب كان مولى وأخا في الدين ( فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري وهي امرأة أبي حذيفة فقالت: يا رسول الله إنا كنا نرى سالما ولدا وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد ويراني فضلا وقد أنزل الله تعالى فيهم ما قد علمت فكيف ترى فيه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: quot; أرضعيه ) فأرضعته خمس رضعات فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة فبذلك كانت عائشة - رضي الله عنها - تأمر بنات إخوتها وبنات أخواتها أن يرضعن من أحبت عائشة - رضي الله عنها - أن يراها ويدخل عليها وإن كان كبيرا خمس رضعات ثم يدخل عليها وأبت ذلك أم سلمة وسائر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدخلن عليهن أحدا بتلك الرضاعة من الناس حتى يرضع في المهد وقلن لعائشة: والله ما ندري لعلها كانت رخصة من النبي - صلى الله عليه وسلم - لسالم دون الناس. فتضمنت هذه السنن الثابتة أحكاما عديدة بعضها متفق عليه بين الأمة وفي بعضها نزاع.  [الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة] الحكم الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم -: ( الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة )  وهذا الحكم متفق عليه بين الأمة حتى عند من قال: إن الزيادة على النص نسخ والقرآن لا(5\/494)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2382",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10948",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ينسخ بالسنة فإنه اضطر إلى قبول هذا الحكم وإن كان زائدا على ما في القرآن سواء سماه نسخا أو لم يسمه كما اضطر إلى تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها مع أنه زيادة على نص القرآن وذكرها هذا مع حديث أبي القعيس في تحريم لبن الفحل على أن المرضعة والزوج صاحب اللبن قد صارا أبوين للطفل وصار الطفل ولدا لهما فانتشرت الحرمة من هذه الجهات الثلاث فأولاد الطفل وإن نزلوا أولاد ولدهما وأولاد كل واحد من المرضعة والزوج من الآخر ومن غيره إخوته وأخواته من الجهات الثلاث فأولاد أحدهما من الآخر إخوته وأخواته لأبيه وأمه وأولاد الزوج من غيرها إخوته وأخواته من أبيه وأولاد المرضعة من غيره إخوته وأخواته لأمه وصار آباؤها أجداده وجداته وصار إخوة المرأة وأخواتها أخواله وخالاته وإخوة صاحب اللبن وأخواته أعمامه وعماته فحرمة الرضاع تنتشر من هذه الجهات الثلاث فقط. ولا يتعدى التحريم إلى غير المرتضع ممن هو في درجته من إخوته وأخواته فيباح لأخيه نكاح من أرضعت أخاه وبناتها وأمهاتها ويباح لأخته نكاح صاحب اللبن وأباه وبنيه وكذلك لا ينتشر إلى من فوقه من آبائه وأمهاته ومن في درجته من أعمامه وعماته وأخواله وخالاته فلأبي المرتضع من النسب وأجداده أن ينكحوا أم الطفل من الرضاع وأمهاتها وأخواتها وبناتها وأن ينكحوا أمهات صاحب اللبن وأخواته وبناته إذ نظير هذا من النسب حلال فللأخ من الأب أن يتزوج أخت أخيه من الأم وللأخ من الأم أن ينكح أخت أخيه من الأب وكذلك ينكح الرجل أم ابنه من النسب وأختها وأما أمها وبنتها فإنما حرمتا بالمصاهرة.  [هل يحرم نظير المصاهرة بالرضاع] وهل يحرم نظير المصاهرة بالرضاع فيحرم عليه أم امرأته من الرضاع وبنتها من الرضاعة وامرأة ابنه من الرضاعة أو يحرم الجمع بين الأختين من الرضاعة أو بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها من الرضاعة فحرمه الأئمة(5\/495)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2383",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10949",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأربعة وأتباعهم وتوقف فيه شيخنا وقال: إن كان قد قال أحد بعدم التحريم فهو أقوى. قال المحرمون: تحريم هذا يدخل في قوله - صلى الله عليه وسلم -: ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) فأجرى الرضاعة مجرى النسب وشبهها به فثبت تنزيل ولد الرضاعة وأبي الرضاعة منزلة ولد النسب وأبيه فما ثبت للنسب من التحريم ثبت للرضاعة فإذا حرمت امرأة الأب والابن وأم المرأة وابنتها من النسب حرمن بالرضاعة. وإذا حرم الجمع بين أختي النسب حرم بين أختي الرضاعة هذا تقدير احتجاجهم على التحريم. قال شيخ الإسلام: الله سبحانه حرم سبعا بالنسب وسبعا بالصهر كذا قال ابن عباس. قال: ومعلوم أن تحريم الرضاعة لا يسمى صهرا وإنما يحرم منه ما يحرم من النسب والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة )  وفي رواية: ( ما يحرم من النسب ) . ولم يقل: وما يحرم بالمصاهرة ولا ذكره الله سبحانه في كتابه كما ذكر تحريم الصهر ولا ذكر تحريم الجمع في الرضاع كما ذكره في النسب والصهر قسيم النسب وشقيقه قال الله تعالى: وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا [الفرقان: 54] [الفرقان: 54] فالعلاقة بين الناس بالنسب والصهر وهما سببا التحريم والرضاع فرع على النسب ولا تعقل المصاهرة إلا بين الأنساب والله تعالى إنما حرم الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها لئلا يفضي إلى قطيعة الرحم المحرمة. ومعلوم أن الأختين من الرضاع ليس بينهما رحم محرمة في غير النكاح ولا ترتب على ما بينهما من أخوة الرضاع حكم قط غير تحريم أحدهما على الآخر فلا يعتق عليه بالملك ولا يرثه ولا يستحق النفقة(5\/496)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2384",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10950",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه ولا يثبت له عليه ولاية النكاح ولا الموت ولا يعقل عنه ولا يدخل في الوصية والوقف على أقاربه وذوي رحمه ولا يحرم التفريق بين الأم وولدها الصغير من الرضاعة ويحرم من النسب والتفريق بينهما في الملك كالجمع بينهما في النكاح سواء ولو ملك شيئا من المحرمات بالرضاع لم يعتق عليه بالملك وإذا حرمت على الرجل أمه وبنته وأخته وعمته وخالته من الرضاعة لم يلزم أن يحرم عليه أم امرأته التي أرضعت امرأته فإنه لا نسب بينه وبينها ولا مصاهرة ولا رضاع والرضاعة إذا جعلت كالنسب في حكم لا يلزم أن تكون مثله في كل حكم بل ما افترقا فيه من الأحكام أضعاف ما اجتمعا فيه منها وقد ثبت جواز الجمع بين اللتين بينهما مصاهرة محرمة كما جمع عبد الله بن جعفر بين امرأة علي وابنته من غيرها. وإن كان بينهما تحريم يمنع جواز نكاح أحدها للآخر لو كان ذكرا فهذا نظير الأختين من الرضاعة سواء لأن سبب تحريم النكاح بينهما في أنفسهما ليس بينهما وبين الأجنبي منهما الذي لا رضاع بينه وبينهما ولا صهر وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم. واحتج أحمد بأن عبد الله بن جعفر جمع بين امرأة علي وابنته ولم ينكر ذلك أحد قال البخاري: وجمع الحسن بن الحسن بن علي بين بنتي عم في ليلة وجمع عبد الله بن جعفر بين امرأة علي وابنته وقال ابن شبرمة: لا بأس به وكرهه الحسن مرة ثم قال: لا بأس به. وكرهه جابر بن زيد للقطيعة وليس فيه تحريم لقوله عز وجل: وأحل لكم ما وراء ذلكم [النساء: 24] [النساء: 24] هذا كلام البخاري.(5\/497)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2385",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10951",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبالجملة: فثبوت أحكام النسب من وجه لا يستلزم ثبوتها من كل وجه أو من وجه آخر فهؤلاء نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - هن أمهات المؤمنين في التحريم والحرمة فقط لا في المحرمية فليس لأحد أن يخلو بهن ولا ينظر إليهن بل قد أمرهن الله بالاحتجاب عمن حرم عليه نكاحهن من غير أقاربهن ومن بينهن وبينه رضاع فقال تعالى: وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب [الأحزاب: 53] [الأحزاب: 53] ثم هذا الحكم لا يتعدى إلى أقاربهن ألبتة فليس بناتهن أخوات المؤمنين يحرمن على رجالهم ولا بنوهن إخوة لهم يحرم عليهن بناتهن ولا أخواتهن وإخوانهن خالات وأخوالا بل هن حلال للمسلمين باتفاق المسلمين وقد كانت أم الفضل أخت ميمونة زوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت العباس وكانت أسماء بنت أبي بكر أخت عائشة - رضي الله عنها - تحت الزبير وكانت أم عائشة - رضي الله عنها - تحت أبي بكر وأم حفصة تحت عمر - رضي الله عنه - وليس لرجل أن يتزوج أمه وقد تزوج عبد الله بن عمر وإخوته وأولاد أبي بكر وأولاد أبي سفيان من المؤمنات ولو كانوا أخوالا لهن لم يجز أن ينكحوهن فلم تنتشر الحرمة من أمهات المؤمنين إلى أقاربهن وإلا لزم من ثبوت حكم من أحكام النسب بين الأمة وبينهن ثبوت غيره من الأحكام. ومما يدل على ذلك أيضا قوله تعالى في المحرمات: وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم [النساء: 23] [النساء: 23] . ومعلوم أن لفظ الابن إذا أطلق لم يدخل فيه ابن الرضاع فكيف إذا قيد بكونه ابن صلب وقصد إخراج ابن التبني بهذا لا يمنع إخراج ابن الرضاع ويوجب دخوله وقد ثبت في quot; الصحيح quot;: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( أمر سهلة بنت سهيل أن ترضع سالما مولى أبي حذيفة ليصير محرما لها ) فأرضعته بلبن أبي حذيفة زوجها وصار ابنها ومحرمها بنص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سواء كان هذا الحكم مختصا بسالم أو عاما كما قالته أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - فبقي سالم محرما لها لكونها أرضعته وصارت أمه ولم يصر محرما لها لكونها امرأة أبيه من(5\/498)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2386",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10952",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرضاعة فإن هذا لا تأثير فيه لرضاعة سهلة له بل لو أرضعته جارية له أو امرأة أخرى صارت سهلة امرأة أبيه وإنما التأثير لكونه ولدها نفسها وقد علل بهذا في الحديث نفسه ولفظه: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أرضعيه) فأرضعته خمس رضعات وكان بمنزلة ولدها من الرضاعة ولا يمكن دعوى الإجماع في هذه المسألة ومن ادعاه فهو كاذب فإن سعيد بن المسيب وأبا سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار وأبا قلابة لم يكونوا يثبتون التحريم بلبن الفحل وهو مروي عن الزبير وجماعة من الصحابة كما سيأتي إن شاء الله تعالى وكانوا يرون أن التحريم إنما هو من قبل الأمهات فقط فهؤلاء إذا لم يجعلوا المرتضع من لبن الفحل ولدا له فإنهم لا يحرموا عليه امرأته ولا على الرضيع امرأة الفحل بطريق الأولى فعلى قول هؤلاء فلا يحرم على المرأة أبو زوجها من الرضاعة ولا ابنه من الرضاعة. فإن قيل: هؤلاء لم يثبتوا البنوة بين المرتضع وبين الفحل فلم تثبت المصاهرة لأنها فرع ثبوت بنوة الرضاع فإذا لم تثبت له لم يثبت فرعها وأما من أثبت بنوة الرضاع من جهة الفحل كما دلت عليه السنة الصحيحة الصريحة وقال به جمهور أهل الإسلام فإنه تثبت المصاهرة بهذه البنوة فهل قال أحد ممن ذهب إلى التحريم بلبن الفحل: إن زوجة أبيه وابنه من الرضاعة لا تحرم قيل: المقصود أن في تحريم هذه نزاعا وأنه ليس مجمعا عليه وبقي النظر في مأخذه هل هو إلغاء لبن الفحل وأنه لا تأثير له أو إلغاء المصاهرة من جهة الرضاع وأنه لا تأثير لها وإنما التأثير لمصاهرة النسب ولا شك أن المأخذ الأول باطل لثبوت السنة الصريحة بالتحريم بلبن الفحل وقد بينا أنه لا يلزم من القول بالتحريم به إثبات المصاهرة به إلا بالقياس وقد تقدم أن الفارق بين الأصل والفرع أضعاف أضعاف الجامع وأنه لا يلزم من ثبوت حكم من أحكام النسب ثبوت حكم آخر.(5\/499)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2387",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10953",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويدل على هذا أيضا أنه سبحانه لم يجعل أم الرضاع وأخت الرضاعة داخلة تحت أمهاتنا وأخواتنا فإنه سبحانه قال: حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم [النساء: 23] [النساء: 23] ثم قال: وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة [النساء: 23] [النساء: 23] فدل على أن لفظ أمهاتنا عند الإطلاق: إنما يراد به الأم من النسب وإذا ثبت هذا فقوله تعالى: وأمهات نسائكم [النساء: 23] مثل قوله: (وأمهاتكم) إنما هن أمهات نسائنا من النسب فلا يتناول أمهاتهن من الرضاعة ولو أريد تحريمهن لقال: وأمهاتهن اللاتي أرضعنهن كما ذكر ذلك في أمهاتنا وقد بينا أن قوله: ( يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب ) إنما يدل على أن من حرم على الرجل من النسب حرم عليه نظيره من الرضاعة ولا يدل على أن من حرم عليه بالصهر أو بالجمع حرم عليه نظيره من الرضاعة بل يدل مفهومه على خلاف ذلك مع عموم قوله: وأحل لكم ما وراء ذلكم [النساء: 24] [النساء 24] .  [من جوز من السلف نكاح بنات الزوجة إذا لم تكن في حجره] ومما يدل على أن تحريم امرأة أبيه وابنه من الرضاعة ليس مسألة إجماع أنه قد ثبت عن جماعة من السلف جواز نكاح بنت امرأته إذا لم تكن في حجره كما صح عن مالك بن أوس بن الحدثان النصري قال: كانت عندي امرأة وقد ولدت لي فتوفيت فوجدت عليها فلقيت علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال لي: ما لك قلت: توفيت المرأة قال: لها ابنة قلت: نعم قال: كانت في حجرك قلت: لا هي في الطائف. قال: فانكحها قلت: فأين قوله تعالى: وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم [النساء: 23]  [النساء: 23] . قال: إنها لم تكن في حجرك وإنما ذلك إذا كانت في حجرك.(5\/500)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2388",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10954",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصح عن إبراهيم بن ميسرة أن رجلا من بني سواءة يقال له: عبيد الله بن معبد أثنى عليه خيرا أخبره أن أباه أو جده كان قد نكح امرأة ذات ولد من غيره ثم اصطحبا ما شاء الله ثم نكح امرأة شابة فقال أحد بني الأولى: قد نكحت على أمنا وكبرت واستغنيت عنها بامرأة شابة فطلقها قال: لا والله إلا أن تنكحني ابنتك قال: فطلقها وأنكحه ابنته ولم تكن في حجره هي ولا أبوها. قال فجئت سفيان بن عبد الله فقلت: استفت لي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: لتحجن معي فأدخلني على عمر - رضي الله عنه - بمنى فقصصت عليه الخبر فقال عمر: لا بأس بذلك فاذهب فسل فلانا ثم تعال فأخبرني. قال: ولا أراه إلا عليا قال: فسألته فقال: لا بأس بذلك وهذا مذهب أهل الظاهر. فإذا كان عمر وعلي - رضي الله عنهما - ومن يقول بقولهما قد أباحا الربيبة إذا لم تكن في حجر الزوج مع أنها ابنة امرأته من النسب فكيف يحرمان عليه ابنتها من الرضاع وهذه ثلاثة قيود ذكرها الله سبحانه وتعالى في تحريمها أن تكون في حجره وأن تكون من امرأته وأن يكون قد دخل بأمها. فكيف يحرم عليه مجرد ابنتها من الرضاعة وليست في حجره ولا هي ربيبته لغة فإن الربيبة بنت الزوجة والربيب ابنها باتفاق الناس وسميا ربيبا وربيبة لأن زوج أمهما يربهما في العادة وأما من أرضعتهما امرأته بغير لبنه ولم يربها قط ولا كانت في حجره فدخولها في هذا النص في غاية البعد لفظا ومعنى وقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - بتحريم الربيبة بكونها في الحجر. ففي quot; صحيح البخاري quot; من حديث الزهري عن عروة أن زينب بنت أم سلمة أخبرته أن ( أم حبيبة بنت أبي سفيان قالت: يا رسول الله أخبرت أنك تخطب بنت أبي سلمة فقال: بنت أم سلمة قالت: نعم فقال: إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري لما حلت لي ) . وهذا يدل على(5\/501)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2389",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10955",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اعتباره - صلى الله عليه وسلم - القيد الذي قيده الله في التحريم وهو أن تكون في حجر الزوج. ونظير هذا سواء أن يقال في زوجة ابن الصلب إذا كانت محرمة برضاع: لو لم تكن حليلة ابني الذي لصلبي لما حلت لي سواء ولا فرق بينهما وبالله التوفيق.  [فصل التحريم بلبن الفحل] فصل الحكم الثاني: المستفاد من هذه السنة أن لبن الفحل يحرم وأن التحريم ينتشر منه كما ينتشر من المرأة وهذا هو الحق الذي لا يجوز أن يقال بغيره وإن خالف فيه من خالف من الصحابة ومن بعدهم فسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن تتبع ويترك ما خالفها لأجلها ولا تترك هي لأجل قول أحد كائنا من كان. ولو تركت السنن لخلاف من خالفها لعدم بلوغها له أو لتأويلها أو غير ذلك لترك سنن كثيرة جدا وتركت الحجة إلى غيرها وقول من يجب اتباعه إلى قول من لا يجب اتباعه وقول المعصوم إلى قول غير المعصوم وهذه بلية نسأل الله العافية منها وأن لا نلقاه بها يوم القيامة. قال الأعمش: كان عمارة وإبراهيم وأصحابنا لا يرون بلبن الفحل بأسا حتى أتاهم الحكم بن عتيبة بخبر أبي القعيس يعني: فتركوا قولهم ورجعوا عنه وهكذا يصنع أهل العلم إذا أتتهم السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجعوا إليها وتركوا قولهم بغيرها. قال الذين لا يحرمون بلبن الفحل: إنما ذكر الله سبحانه في كتابه التحريم بالرضاعة من جهة الأم فقال وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة [النساء: 23] [النساء: 23] واللام: للعهد ترجع إلى الرضاعة المذكورة وهي رضاعة الأم وقد قال الله تعالى: وأحل لكم ما وراء ذلكم [النساء: 24] [النساء: 24](5\/502)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2390",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10956",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلو أثبتنا التحريم بالحديث لكنا قد نسخنا القرآن بالسنة وهذا - على أصل من يقول: الزيادة على النص نسخ - ألزم قالوا: وهؤلاء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هم أعلم الأمة بسنته وكانوا لا يرون التحريم به فصح عن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة أن أمه زينب بنت أم سلمة أم المؤمنين أرضعتها أسماء بنت أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - امرأة الزبير بن العوام قالت زينب: وكان الزبير يدخل علي وأنا أمتشط فيأخذ بقرن من قرون رأسي ويقول: أقبلي علي فحدثيني أرى أنه أبي وما ولد منه فهم إخوتي ثم إن عبد الله بن الزبير أرسل إلي يخطب أم كلثوم ابنتي على حمزة بن الزبير وكان حمزة للكلبية فقالت لرسوله: وهل تحل له وإنما هي ابنة أخته فقال عبد الله: إنما أردت بهذا المنع من قبلك. أما ما ولدت أسماء فهم إخوتك وما كان من غير أسماء فليسوا لك بإخوة فأرسلي فاسألي عن هذا فأرسلت فسألت وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوافرون فقالوا لها: إن الرضاعة من قبل الرجل لا تحرم شيئا فأنكحيها إياه فلم تزل عنده حتى هلك عنها. قالوا: ولم ينكر ذلك الصحابة - رضي الله عنهم - قالوا: ومن المعلوم أن الرضاعة من جهة المرأة لا من الرجل. قال الجمهور: ليس فيما ذكرتم ما يعارض السنة الصحيحة الصريحة فلا يجوز العدول عنها. أما القرآن فإنه بين أمرين: إما أن يتناول الأخت من الأب من الرضاعة فيكون دالا على تحريمها وإما أن لا يتناولها فيكون ساكتا عنها فيكون تحريم السنة لها تحريما مبتدءا ومخصصا لعموم قوله: وأحل لكم ما وراء ذلكم [النساء: 24] [النساء: 24] والظاهر يتناول لفظ الأخت لها فإنه سبحانه عمم لفظ الأخوات من الرضاعة فدخل فيه كل من أطلق عليها أخته ولا يجوز أن يقال: إن أخته من أبيه من الرضاعة ليست أختا له ( فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة(5\/503)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2391",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10957",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "- رضي الله عنها -: ائذني لأفلح فإنه عمك )  فأثبت العمومة بينها وبينه بلبن الفحل وحده فإذا ثبتت العمومة بين المرتضعة وبين أخي صاحب اللبن فثبوت الأخوة بينها وبين ابنه بطريق الأولى أو مثله. فالسنة بينت مراد الكتاب لا أنها خالفته وغايتها أن تكون أثبتت تحريم ما سكت عنه أو تخصيص ما لم يرد عمومه. وأما قولكم: إن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يرون التحريم بذلك فدعوى باطلة على جميع الصحابة فقد صح عن علي - رضي الله عنه - إثبات التحريم به وذكر البخاري في quot; صحيحه quot; أن ابن عباس سئل عن رجل كانت له امرأتان أرضعت إحداهما جارية والأخرى غلاما أيحل أن ينكحها فقال ابن عباس: لا اللقاح واحد وهذا الأثر الذي استدللتم به صريح عن الزبير أنه كان يعتقد أن زينب ابنته بتلك الرضاعة وهذه عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - كانت تفتي: أن لبن الفحل ينشر الحرمة فلم يبق بأيديكم إلا عبد الله بن الزبير وأين يقع من هؤلاء. وأما الذين سألتهم فأفتوها بالحل فمجهولون غير مسمين ولم يقل الراوي: فسألت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم متوافرون بل لعلها أرسلت فسألت من لم تبلغه السنة الصحيحة منهم فأفتاها بما أفتاها به عبد الله بن الزبير ولم يكن الصحابة إذ ذاك متوافرين بالمدينة بل كان معظمهم وأكابرهم بالشام والعراق ومصر. وأما قولكم: إن الرضاعة إنما هي من جهة الأم فالجواب أن يقال: إنما اللبن للأب الذي ثار بوطئه والأم وعاء له وبالله التوفيق. فإن قيل: فهل تثبت أبوة صاحب اللبن وإن لم تثبت أمومة المرضعة أو(5\/504)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2392",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10958",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثبوت أبوته فرع على ثبوت أمومة المرضعة قيل: هذا الأصل فيه قولان للفقهاء وهما وجهان في مذهب أحمد والشافعي وعليه مسألة من له أربع زوجات فأرضعن طفلة كل واحدة منهن رضعتين فإنهن لا يصرن أما لها لأن كل واحدة منهن لم ترضعها خمس رضعات. وهل يصير الزوج أبا للطفلة فيه وجهان. أحدهما: لا يصير أبا كما لم تصر المرضعات أمهات والثاني وهو الأصح: يصير أبا لكون الولد ارتضع من لبنه خمس رضعات ولبن الفحل أصل بنفسه غير متفرع على أمومة المرضعة فإن الأبوة إنما تثبت بحصول الارتضاع من لبنه لا لكون المرضعة أمه ولا يجيء هذا على أصلي أبي حنيفة ومالك فإن عندهما قليل الرضاع وكثيره محرم فالزوجات الأربع أمهات للمرتضع فإذا قلنا بثبوت الأبوة - وهو الصحيح - حرمت المرضعات على الطفل لأنه ربيبهن وهن موطوآت أبيه فهو ابن بعلهن. وإن قلنا: لا تثبت الأبوة لم يحرمن عليه بهذا الرضاع. وعلى هذه المسألة: ما لو كان لرجل خمس بنات فأرضعن طفلا كل واحدة رضعة لم يصرن أمهات له. وهل يصير الرجل جدا له وأولاده الذين هم إخوة المرضعات أخوالا له وخالات على وجهين أحدهما: يصير جدا وأخوهن خالا لأنه قد كمل المرتضع خمس رضعات من لبن بناته فصار جدا كما لو كان المرتضع بنتا واحدة. وإذا صار جدا كان أولاده الذين هم إخوة البنات أخوالا وخالات لأنهن إخوة من كمل له منهن خمس رضعات فنزلوا بالنسبة إليه منزلة أم واحدة والآخر: لا يصير جدا ولا أخواتهن خالات لأن كونه جدا فرع على كون ابنته أما وكون أخيها خالا فرع على كون أخته أما ولم يثبت الأصل فلا يثبت فرعه وهذا الوجه أصح في هذه المسألة بخلاف التي قبلها فإن ثبوت الأبوة فيها لا يستلزم ثبوت الأمومة على الصحيح. والفرق بينهما: أن الفرعية متحققة في هذه المسألة بين المرضعات وأبيهن فإنهن بناته واللبن ليس له فالتحريم هنا بين المرضعة وابنها فإذا لم تكن أما لم يكن أبوها جدا(5\/505)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2393",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10959",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بخلاف تلك فإن التحريم بين المرتضع وبين صاحب اللبن فسواء ثبتت أمومة المرضعة أو لا فعلى هذا إذا قلنا: يصير أخوهن خالا فهل تكون كل واحدة منهن خالة له فيه وجهان. أحدهما: لا تكون خالة لأنه لم يرتضع من لبن أخواتها خمس رضعات فلا تثبت الخؤولة. والثاني: تثبت لأنه قد اجتمع من اللبن المحرم خمس رضعات وكان ما ارتضع منها ومن أخواتها مثبتا للخؤولة ولا تثبت أمومة واحدة منهن إذ لم يرتضع منها خمس رضعات ولا يستبعد ثبوت خؤولة بلا أمومة كما ثبت في لبن الفحل أبوة بلا أمومة وهذا ضعيف. والفرق بينهما: أن الخؤولة فرع محض على الأمومة فإذا لم يثبت الأصل فكيف يثبت فرعه بخلاف الأبوة والأمومة فإنهما أصلان لا يلزم من انتفاء أحدهما انتفاء الآخر. وعلى هذا مسألة ما لو كان لرجل أم وأخت وابنة وزوجة ابن فأرضعن طفلة كل واحدة منهن رضعة لم تصر واحدة منهن أمها وهل تحرم على الرجل على وجهين: أوجههما: ما تقدم. والتحريم هاهنا بعيد فإن هذا اللبن الذي كمل للطفل لا يجعل الرجل أبا له ولا جدا ولا أخا ولا خالا والله أعلم.  [فصل تحريم المخلوقة من ماء الزاني] فصل وقد دل التحريم بلبن الفحل على تحريم المخلوقة من ماء الزاني دلالة الأولى والأحرى لأنه إذا حرم عليه أن ينكح من قد تغذت بلبن ثار بوطئه فكيف يحل له أن ينكح من قد خلق من نفس مائه بوطئه وكيف يحرم الشارع بنته من الرضاع لما فيها من لبن كان وطء الرجل سببا فيه ثم يبيح له نكاح من خلقت بنفس وطئه ومائه هذا من المستحيل فإن البعضية التي بينه وبين المخلوقة من مائه أكمل وأتم من البعضية التي بينه وبين من تغذت بلبنه فإن بنت الرضاع فيها جزء ما من البعضية والمخلوقة من مائه كاسمها مخلوقة من مائه فنصفها أو أكثرها بعضه قطعا والشطر الآخر للأم وهذا قول جمهور المسلمين ولا يعرف(5\/506)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2394",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10960",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في الصحابة من أباحها ونص الإمام أحمد رحمه الله على أن من تزوجها قتل بالسيف محصنا كان أو غيره. وإذا كانت بنته من الرضاعة بنتا في حكمين فقط: الحرمة والمحرمية وتخلف سائر أحكام البنت عنها لم تخرجها عن التحريم وتوجب حلها فكذا بنته من الزنى تكون بنتا في التحريم وتخلف أحكام البنت عنها لا يوجب حلها والله سبحانه خاطب العرب بما تعقله في لغاتها ولفظ البنت لفظ لغوي لم ينقله الشارع عن موضعه الأصلي كلفظ الصلاة والإيمان ونحوهما فيحمل على موضوعه اللغوي حتى يثبت نقل الشارع له عنه إلى غيره فلفظ البنت كلفظ الأخ والعم والخال ألفاظ باقية على موضوعاتها اللغوية. وقد ثبت في quot; الصحيح quot; أن الله تعالى أنطق ابن الراعي الزاني بقوله: أبي فلان الراعي وهذا الإنطاق لا يحتمل الكذب وأجمعت الأمة على تحريم أمه عليه. وخلقه من مائها وماء الزاني خلق واحد وإثمهما فيه سواء وكونه بعضا له مثل كونه بعضا لها وانقطاع الإرث بين الزاني والبنت لا يوجب جواز نكاحها ثم من العجب كيف يحرم صاحب هذا القول أن يستمني الإنسان بيده ويقول: هو نكاح ليده ويجوز للإنسان أن ينكح بعضه ثم يجوز له أن يستفرش بعضه الذي خلقه الله من مائه وأخرجه من صلبه كما يستفرش الأجنبية.  [فصل لا تحرم المصة والمصتان من الرضاع] فصل والحكم الثالث: أنه لا تحرم المصة والمصتان كما نص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يحرم إلا خمس رضعات وهذا موضع اختلف فيه العلماء. فأثبتت طائفة من السلف والخلف التحريم بقليل الرضاع وكثيره وهذا يروى عن علي وابن عباس وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والزهري وقتادة والحكم وحماد والأوزاعي والثوري وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وزعم الليث بن سعد أن المسلمين أجمعوا على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم في(5\/507)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2395",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10961",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المهد ما يفطر به الصائم وهذا رواية عن الإمام أحمد رحمه الله. وقالت طائفة أخرى: لا يثبت التحريم بأقل من ثلاث رضعات وهذا قول أبي ثور وأبي عبيد وابن المنذر وداود بن علي وهو رواية ثانية عن أحمد. وقالت طائفة أخرى: لا يثبت بأقل من خمس رضعات وهذا قول عبد الله بن مسعود وعبد الله بن الزبير وعطاء وطاوس وهو إحدى الروايات الثلاث عن عائشة رضي الله عنها والرواية الثانية عنها: أنه لا يحرم أقل من سبع والثالثة: لا يحرم أقل من عشر. والقول بالخمس مذهب الشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه وهو قول ابن حزم وخالف داود في هذه المسألة. فحجة الأولين أنه سبحانه علق التحريم باسم الرضاعة فحيث وجد اسمها وجد حكمها والنبي صلى الله عليه وسلم قال: يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب وهذا موافق لإطلاق القرآن. وثبت في quot; الصحيحين quot; عن عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عني قال: فتنحيت فذكرت ذلك له قال: وكيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما فنهاه عنها  ولم يسأل عن عدد الرضاع قالوا: ولأنه فعل يتعلق به التحريم فاستوى قليله وكثيره كالوطء الموجب له قالوا: ولأن إنشاز العظم وإنبات اللحم يحصل بقليله وكثيره. قالوا: ولأن أصحاب العدد قد اختلفت أقوالهم في الرضعة وحقيقتها واضطربت أشد الاضطراب وما كان هكذا لم(5\/508)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2396",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10962",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يجعله الشارع نصابا لعدم ضبطه والعلم به. قال أصحاب الثلاث: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تحرم المصة والمصتان  وعن أم الفضل بنت الحارث قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحرم الإملاجة والإملاجتان . وفي حديث آخر: أن رجلا قال: يا رسول الله هل تحرم الرضعة الواحدة قال: لا . وهذه أحاديث صحيحة صريحة رواها مسلم في quot; صحيحه quot; فلا يجوز العدول عنها فأثبتنا التحريم بالثلاث لعموم الآية ونفينا التحريم بما دونها بصريح السنة قالوا: ولأن ما يعتبر فيه العدد والتكرار يعتبر فيه الثلاث. قالوا: ولأنها أول مراتب الجمع وقد اعتبرها الشارع في مواضع كثيرة جدا. قال أصحاب الخمس: الحجة لنا ما تقدم في أول الفصل من الأحاديث الصحيحة الصريحة وقد أخبرت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي والأمر على ذلك قالوا: ويكفي في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لسهلة بنت سهيل: أرضعي سالما خمس رضعات تحرمي عليه . قالوا: وعائشة أعلم الأمة بحكم هذه المسألة هي ونساء النبي صلى الله عليه وسلم وكانت عائشة رضي الله عنها إذا أرادت أن يدخل عليها أحد أمرت إحدى بنات إخوتها أو أخواتها فأرضعته خمس رضعات. قالوا: ونفي التحريم بالرضعة والرضعتين صريح في عدم تعليق التحريم بقليل الرضاع وكثيره وهي ثلاثة أحاديث صحيحة صريحة بعضها خرج جوابا للسائل وبعضها تأسيس حكم مبتدأ. قالوا: وإذا علقنا التحريم بالخمس لم نكن قد خالفنا شيئا من النصوص التي استدللتم بها وإنما نكون قد قيدنا مطلقها بالخمس وتقييد المطلق بيان لا نسخ ولا تخصيص. وأما من علق التحريم بالقليل والكثير فإنه يخالف أحاديث نفي التحريم(5\/509)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2397",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10963",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالرضعة والرضعتين وأما صاحب الثلاث فإنه وإن لم يخالفها فهو مخالف لأحاديث الخمس. قال من لم يقيده بالخمس: حديث الخمس لم تنقله عائشة رضي الله عنها نقل الأخبار فيحتج به وإنما نقلته نقل القرآن والقرآن إنما يثبت بالتواتر والأمة لم تنقل ذلك قرآنا فلا يكون قرآنا وإذا لم يكن قرآنا ولا خبرا امتنع إثبات الحكم به. قال أصحاب الخمس: الكلام فيما نقل من القرآن آحادا في فصلين أحدهما: كونه من القرآن والثاني: وجوب العمل به ولا ريب أنهما حكمان متغايران فإن الأول يوجب انعقاد الصلاة به وتحريم مسه على المحدث وقراءته على الجنب وغير ذلك من أحكام القرآن فإذا انتفت هذه الأحكام لعدم التواتر لم يلزم انتفاء العمل به فإنه يكفي فيه الظن وقد احتج كل واحد من الأئمة الأربعة به في موضع فاحتج به الشافعي وأحمد في هذا الموضع واحتج به أبو حنيفة في وجوب التتابع في صيام الكفارة بقراءة ابن مسعود quot; فصيام ثلاثة أيام متتابعات quot;. واحتج به مالك والصحابة قبله في فرض الواحد من ولد الأم أنه السدس بقراءة أبي quot; وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما السدس quot; فالناس كلهم احتجوا بهذه القراءة ولا مستند للإجماع سواها. قالوا: وأما قولكم: إما أن يكون نقله قرآنا أو خبرا قلنا: بل قرآنا صريحا. قولكم: فكان يجب نقله متواترا قلنا: حتى إذا نسخ لفظه أو بقي أما الأول فممنوع والثاني مسلم وغاية ما في الأمر أنه قرآن نسخ لفظه وبقي حكمه فيكون له حكم قوله: quot; الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما quot; مما اكتفي بنقله آحادا وحكمه ثابت وهذا مما لا جواب عنه. وفي المسألة مذهبان آخران ضعيفان.(5\/510)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2398",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10964",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدهما: أن التحريم لا يثبت بأقل من سبع كما سئل طاوس عن قول من يقول: لا يحرم من الرضاع دون سبع رضعات فقال: قد كان ذلك ثم حدث بعد ذلك أمر جاء بالتحريم المرة الواحدة تحرم وهذا المذهب لا دليل عليه. الثاني: التحريم إنما يثبت بعشر رضعات وهذا يروى عن حفصة وعائشة رضي الله عنهما. وفيها مذهب آخر وهو الفرق بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن قال طاوس: كان لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم رضعات محرمات ولسائر الناس رضعات معلومات ثم ترك ذلك بعد وقد تبين الصحيح من هذه الأقوال وبالله التوفيق.  [فصل حد الرضعة] فصل فإن قيل ما هي الرضعة التي تنفصل من أختها وما حدها قيل: الرضعة فعلة من الرضاع فهي مرة منه بلا شك كضربة وجلسة وأكلة فمتى التقم الثدي فامتص منه ثم تركه باختياره من غير عارض كان ذلك رضعة لأن الشرع ورد بذلك مطلقا فحمل على العرف والعرف هذا والقطع العارض لتنفس أو استراحة يسيرة أو لشيء يلهيه ثم يعود عن قرب لا يخرجه عن كونه رضعة واحدة كما أن الآكل إذا قطع أكلته بذلك ثم عاد عن قريب لم يكن ذلك أكلتين بل واحدة هذا مذهب الشافعي ولهم فيما إذا قطعت المرضعة عليه ثم أعادته وجهان. أحدهما: أنها رضعة واحدة ولو قطعته مرارا حتى يقطع باختياره. قالوا: لأن الاعتبار بفعله لا بفعل المرضعة ولهذا لو ارتضع منها وهي نائمة حسبت رضعة فإذا قطعت عليه لم يعتد به كما لو شرع في أكلة واحدة أمره بها الطبيب فجاء شخص فقطعها عليه ثم عاد فإنها أكلة واحدة. والوجه الثاني: أنها رضعة أخرى لأن الرضاع يصح من المرتضع ومن المرضعة ولهذا لو أوجرته وهو نائم احتسب رضعة. ولهم فيما إذا انتقل من ثدي المرأة إلى ثدي غيرها وجهان. أحدهما: لا(5\/511)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2399",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10965",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعتد بواحد منهما لأنه انتقل من إحداهما إلى الأخرى قبل تمام الرضعة فلم تتم الرضعة من إحداهما. ولهذا لو انتقل من ثدي المرأة إلى ثديها الآخر كانا رضعة واحدة. والثاني: أنه يحتسب من كل واحد منهما رضعة لأنه ارتضع وقطعه باختياره من شخصين. وأما مذهب الإمام أحمد رحمه الله فقال صاحب quot; المغني quot;: إذا قطع قطعا بينا باختياره كان ذلك رضعة فإن عاد كان رضعة أخرى فأما إن قطع لضيق نفس أو للانتقال من ثدي إلى ثدي أو لشيء يلهيه أو قطعت عليه المرضعة نظرنا فإن لم يعد قريبا فهي رضعة وإن عاد في الحال ففيه وجهان أحدهما: أن الأولى رضعة فإذا عاد فهي رضعة أخرى قال: وهذا اختيار أبي بكر وظاهر كلام أحمد في رواية حنبل فإنه قال: أما ترى الصبي يرتضع من الثدي فإذا أدركه النفس أمسك عن الثدي ليتنفس أو ليستريح فإذا فعل ذلك فهي رضعة قال الشيخ: وذلك أن الأولى رضعة لو لم يعد فكانت رضعة وإن عاد كما لو قطع باختياره. والوجه الآخر أن جميع ذلك رضعة وهو مذهب الشافعي إلا فيما إذا قطعت عليه المرضعة ففيه وجهان لأنه لو حلف: لا أكلت اليوم إلا أكلة واحدة فاستدام الأكل زمنا أو انقطع لشرب ماء أو انتقال من لون إلى لون أو انتظار لما يحمل إليه من الطعام لم يعد إلا أكلة واحدة فكذا هاهنا والأول أصح لأن اليسير من السعوط والوجور رضعة فكذا هذا. قلت: وكلام أحمد يحتمل أمرين أحدهما: ما ذكره الشيخ ويكون قوله: quot; فهي رضعة quot; عائدا إلى الرضعة الثانية. الثاني: أن يكون المجموع رضعة فيكون قوله: quot; فهي رضعة quot; عائدا إلى الأول والثاني وهذا أظهر(5\/512)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2400",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10966",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محتمليه لأنه استدل بقطعه للتنفس أو الاستراحة على كونها رضعة واحدة. ومعلوم أن هذا الاستدلال أليق بكون الثانية مع الأولى واحدة من كون الثانية رضعة مستقلة فتأمله. وأما قياس الشيخ له على يسير السعوط والوجور فالفرق بينهما أن ذلك مستقل ليس تابعا لرضعة قبله ولا هو من تمامها فيقال: رضعة بخلاف مسألتنا فإن الثانية تابعة للأولى وهي من تمامها فافترقا.  [فصل زمن الرضاع المحرم] فصل والحكم الرابع: أن الرضاع الذي يتعلق به التحريم ما كان قبل الفطام في زمن الارتضاع المعتاد وقد اختلف الفقهاء في ذلك فقال الشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد: هو ما كان في الحولين ولا يحرم ما كان بعدهما وصح ذلك عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس وابن عمر وروي عن سعيد بن المسيب والشعبي وابن شبرمة وهو قول سفيان وإسحاق وأبي عبيد وابن حزم وابن المنذر وداود وجمهور أصحابه. وقالت طائفة: الرضاع المحرم ما كان قبل الفطام ولم يحدوه بزمن صح ذلك عن أم سلمة وابن عباس وروي عن علي ولم يصح عنه وهو قول الزهري والحسن وقتادة وعكرمة والأوزاعي. قال الأوزاعي: إن فطم وله عام واحد واستمر فطامه ثم رضع في الحولين لم يحرم هذا الرضاع شيئا فإن تمادى رضاعه ولم يفطم فما كان في الحولين فإنه يحرم. وما كان بعدهما فإنه لا يحرم وإن تمادى الرضاع. وقالت طائفة: الرضاع المحرم ما كان في الصغر ولم يوقته هؤلاء بوقت وروي هذا عن ابن عمر وابن المسيب وأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا عائشة رضي الله عنها. وقال أبو حنيفة وزفر: ثلاثون شهرا وعن أبي حنيفة رواية أخرى كقول أبي يوسف ومحمد. وقال مالك في المشهور من مذهبه: يحرم في الحولين وما قاربهما ولا حرمة له بعد ذلك. ثم روي عنه(5\/513)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2401",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10967",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اعتبار أيام يسيرة وروي عنه شهران. وروي شهر ونحوه. وروى عنه الوليد بن مسلم وغيره: أن ما كان بعد الحولين من رضاع بشهر أو شهرين أو ثلاثة أشهر فإنه عندي من الحولين وهذا هو المشهور عند كثير من أصحابه. والذي رواه عنه أصحاب الموطأ وكان يقرأ عليه إلى أن مات قوله فيه: وما كان من الرضاع بعد الحولين كان قليله وكثيره لا يحرم شيئا إنما هو بمنزلة الطعام هذا لفظه. وقال: إذا فصل الصبي قبل الحولين واستغنى بالطعام عن الرضاع فما ارتضع بعد ذلك لم يكن للرضاع حرمة. وقال الحسن بن صالح وابن أبي ذئب وجماعة من أهل الكوفة: مدة الرضاع المحرم ثلاث سنين فما زاد عليها لم يحرم وقال عمر بن عبد العزيز: مدته إلى سبع سنين وكان يزيد بن هارون يحكيه عنه كالمتعجب من قوله. وروي عنه خلاف هذا وحكى عنه ربيعة أن مدته حولان واثنا عشر يوما.  [من قال بتحريم رضاع الكبير] وقالت طائفة من السلف والخلف: يحرم رضاع الكبير ولو أنه شيخ فروى مالك عن ابن شهاب أنه سئل عن رضاع الكبير فقال: أخبرني عروة بن الزبير بحديث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سهلة بنت سهيل برضاع سالم ففعلت وكانت تراه ابنا لها. قال عروة: فأخذت بذلك عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فيمن كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال فكانت تأمر أختها أم كلثوم وبنات أخيها يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال. وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج قال: سمعت عطاء بن أبي رباح وسأله رجل فقال: سقتني امرأة من لبنها بعد ما كنت رجلا كبيرا أفأنكحها قال(5\/514)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2402",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10968",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عطاء: لا تنكحها فقلت له: وذلك رأيك قال: نعم كانت عائشة رضي الله عنها تأمر بذلك بنات أخيها. وهذا قول ثابت عن عائشة رضي الله عنها. ويروى عن علي وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح وهو قول الليث بن سعد وأبي محمد بن حزم قال: ورضاع الكبير ولو أنه شيخ يحرم كما يحرم رضاع الصغير. ولا فرق فهذه مذاهب الناس في هذه المسألة. ولنذكر مناظرة أصحاب الحولين والقائلين برضاع الكبير فإنهما طرفان وسائر الأقوال متقاربة.  [حجة من قال بعدم التحريم برضاع الكبير] قال أصحاب الحولين: قال الله تعالى: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة [البقرة: 233] [البقرة: 233]  قالوا: فجعل تمام الرضاعة حولين فدل على أنه لا حكم لما بعدهما فلا يتعلق به التحريم. قالوا: وهذه المدة هي مدة المجاعة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصر الرضاعة المحرمة عليها. قالوا: وهذه مدة الثدي الذي قال فيها: لا رضاع إلا ما كان في الثدي  أي في زمن الثدي وهذه لغة معروفة عند العرب فإن العرب يقولون: فلان مات في الثدي أي في زمن الرضاع قبل الفطام ومنه الحديث المشهور: إن إبراهيم مات في الثدي وإن له مرضعا في الجنة تتم رضاعه . يعني إبراهيم ابنه صلوات الله وسلامه عليه. قالوا: وأكد ذلك بقوله: لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان في الثدي قبل الفطام فهذه ثلاثة أوصاف للرضاع المحرم ومعلوم أن رضاع الشيخ الكبير عار من الثلاثة.(5\/515)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2403",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10969",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: وأصرح من هذا حديث ابن عباس: لا رضاع إلا ما كان في الحولين . قالوا: وأكده أيضا حديث ابن مسعود: لا يحرم من الرضاعة إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظم  ورضاع الكبير لا ينبت لحما ولا ينشز عظما. قالوا: ولو كان رضاع الكبير محرما لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة - وقد تغير وجهه وكره دخول أخيها من الرضاعة عليها لما رآه كبيرا: - quot; انظرن من إخوانكن quot; فلو حرم رضاع الكبير لم يكن فرق بينه وبين الصغير ولما كره ذلك وقال: انظرن من إخوانكن ثم قال: فإنما الرضاعة من المجاعة وتحت هذا من المعنى خشية أن يكون قد ارتضع في غير زمن الرضاع وهو زمن المجاعة فلا ينشر الحرمة فلا يكون أخا. قالوا: وأما حديث سهلة في رضاع سالم فهذا كان في أول الهجرة لأن قصته كانت عقيب نزول قوله تعالى: ادعوهم لآبائهم [الأحزاب: 5] [الأحزاب: 5]  وهي نزلت في أول الهجرة. وأما أحاديث اشتراط الصغر وأن يكون في الثدي قبل الفطام فهي من رواية ابن عباس وأبي هريرة وابن عباس إنما قدم المدينة قبل الفتح وأبو هريرة إنما أسلم عام فتح خيبر بلا شك كلاهما قدم المدينة بعد قصة سالم في رضاعه من امرأة أبي حذيفة.  [حجة من حرم برضاع الكبير] قال المثبتون للتحريم برضاع الشيوخ: قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم صحة لا يمتري فيها أحد أنه أمر سهلة بنت سهيل أن ترضع سالما مولى أبي حذيفة وكان كبيرا ذا لحية وقال: أرضعيه تحرمي عليه ثم ساقوا الحديث وطرقه وألفاظه وهي صحيحة صريحة بلا شك. ثم قالوا: فهذه الأخبار ترفع الإشكال وتبين مراد الله عز وجل في الآيات المذكورات أن الرضاعة التي تتم بتمام الحولين أو بتراضي الأبوين قبل الحولين إذا رأيا في ذلك صلاحا للرضيع إنما هي الموجبة(5\/516)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2404",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10970",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للنفقة على المرأة المرضعة والتي يجبر عليها الأبوان أحبا أم كرها. ولقد كان في الآية كفاية من هذا لأنه تعالى قال: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف [البقرة: 233] [البقرة: 233]  فأمر الله تعالى الوالدات بإرضاع المولود عامين وليس في هذا تحريم للرضاعة بعد ذلك ولا أن التحريم ينقطع بتمام الحولين وكان قوله تعالى: وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة [النساء: 23] [النساء: 23]  ولم يقل في حولين ولا في وقت دون وقت زائدا على الآيات الأخر وعمومها لا يجوز تخصيصه إلا بنص يبين أنه تخصيص له لا بظن ولا محتمل لا بيان فيه وكانت هذه الآثار يعني التي فيها التحريم برضاع الكبير قد جاءت مجيء التواتر رواها نساء النبي صلى الله عليه وسلم وسهلة بنت سهيل وهي من المهاجرات وزينب بنت أم سلمة وهي ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم ورواها من التابعين: القاسم بن محمد وعروة بن الزبير وحميد بن نافع ورواها عن هؤلاء: الزهري وابن أبي مليكة وعبد الرحمن بن القاسم ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة ثم رواها عن هؤلاء: أيوب السختياني وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وشعبة ومالك وابن جريج وشعيب ويونس وجعفر بن ربيعة ومعمر وسليمان بن بلال وغيرهم ثم رواها عن هؤلاء الجم الغفير والعدد الكثير فهي نقل كافة لا يختلف مؤالف ولا مخالف في صحتها فلم يبق من الاعتراض إلا قول القائل: كان ذلك خاصا بسالم كما قال بعض أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهن في ذلك فليعلم من تعلق بهذا أنه ظن ممن ظن ذلك منهن رضي الله عنهن. هكذا في الحديث أنهن قلن: ما نرى هذا إلا خاصا بسالم وما ندري لعلها كانت رخصة لسالم. فإذا هو ظن بلا شك فإن الظن لا يعارض به السنن الثابتة قال الله تعالى: إن الظن لا يغني من الحق شيئا [يونس: 36] [يونس: 36] وشتان بين احتجاج أم سلمة رضي الله عنها بظنها وبين احتجاج عائشة رضي الله عنها بالسنة الثابتة ولهذا لما قالت لها عائشة: أما لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة سكتت أم سلمة ولم تنطق بحرف وهذا إما(5\/517)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2405",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10971",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجوع إلى مذهب عائشة وإما انقطاع في يدها. قالوا: وقول سهلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أرضعه وهو رجل كبير بيان جلي أنه بعد نزول الآيات المذكورات. قالوا: ونعلم يقينا أنه لو كان ذلك خاصا بسالم لقطع النبي صلى الله عليه وسلم الإلحاق ونص على أنه ليس لأحد بعده كما بين لأبي بردة بن نيار أن جذعته تجزئ عنه ولا تجزئ عن أحد بعده. . وأين يقع ذبح جذعة أضحية من هذا الحكم العظيم المتعلق به حل الفرج وتحريمه وثبوت المحرمية والخلوة بالمرأة والسفر بها فمعلوم قطعا أن هذا أولى ببيان التخصيص لو كان خاصا. قالوا: وقول النبي صلى الله عليه وسلم: إنما الرضاعة من المجاعة حجة لنا لأن شرب الكبير للبن يؤثر في دفع مجاعته قطعا كما يؤثر في الصغير أو قريبا منه. فإن قلتم: فما فائدة ذكره إذا كان الكبير والصغير فيه سواء قلنا: فائدته إبطال تعلق التحريم بالقطرة من اللبن أو المصة الواحدة التي لا تغني من جوع ولا تنبت لحما ولا تنشز عظما. قالوا: وقوله صلى الله عليه وسلم: لا رضاع إلا ما كان في الحولين وكان في الثدي قبل الفطام ليس بأبلغ من قوله صلى الله عليه وسلم: لا ربا إلا في النسيئة  وإنما الربا في النسيئة  ولم يمنع ذلك ثبوت ربا الفضل بالأدلة الدالة عليه فكذا هذا. فأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه الثابتة كلها حق يجب اتباعها ولا يضرب بعضها ببعض بل تستعمل كل منها على وجهه. قالوا: ومما يدل على ذلك أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأفقه نساء الأمة هي التي روت هذا وهذا(5\/518)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2406",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10972",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهي التي روت: إنما الرضاعة من المجاعة وروت حديث سهلة وأخذت به فلو كان عندها حديث إنما الرضاعة من المجاعة مخالفا لحديث سهلة لما ذهبت إليه وتركت حديثا واجهها به رسول الله صلى الله عليه وسلم وتغير وجهه وكره الرجل الذي رآه عندها وقالت: هو أخي. قالوا: وقد صح عنها أنها كانت تدخل عليها الكبير إذا أرضعته - في حال كبره أخت من أخواتها الرضاع المحرم ونحن نشهد بشهادة الله ونقطع قطعا نلقاه به يوم القيامة أن أم المؤمنين لم تكن لتبيح ستر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحيث ينتهكه من لا يحل له انتهاكه ولم يكن الله عز وجل ليبيح ذلك على يد الصديقة بنت الصديق المبرأة من فوق سبع سماوات وقد عصم الله سبحانه ذلك الجناب الكريم والحمى المنيع والشرف الرفيع أتم عصمة وصانه أعظم صيانة وتولى صيانته وحمايته والذب عنه بنفسه ووحيه وكلامه قالوا: فنحن نوقن ونقطع ونبت الشهادة لله بأن فعل عائشة رضي الله عنها هو الحق وأن رضاع الكبير يقع به من التحريم والمحرمية ما يقع برضاع الصغير ويكفينا أمنا أفقه نساء الأمة على الإطلاق وقد كانت تناظر في ذلك نساءه صلى الله عليه وسلم ولا يجبنها بغير قولهن: ما أحد داخل علينا بتلك الرضاعة ويكفينا في ذلك أنه مذهب ابن عم نبينا وأعلم أهل الأرض على الإطلاق حين كان خليفة ومذهب الليث بن سعد الذي شهد له الشافعي بأنه كان أفقه من مالك إلا أنه ضيعه أصحابه ومذهب عطاء بن أبي رباح ذكره عبد الرزاق عن ابن جريج عنه. وذكر مالك عن الزهري أنه سئل عن رضاع الكبير فاحتج بحديث سهلة بنت سهيل في قصة سالم مولى أبي حذيفة وقال عبد الرزاق: وأخبرني ابن جريج قال: أخبرني عبد الكريم أن سالم بن أبي جعد المولى الأشجعي أخبره أن أباه أخبره أنه سأل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: أردت أن أتزوج امرأة قد سقتني من لبنها وأنا كبير تداويت به فقال له علي: لا تنكحها ونهاه عنها.(5\/519)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2407",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10973",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهؤلاء سلفنا في هذه المسألة وتلك نصوصنا كالشمس صحة وصراحة. قالوا: وأصرح أحاديثكم حديث أم سلمة ترفعه: لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام فما أصرحه لو كان سليما من العلة لكن هذا حديث منقطع لأنه من رواية فاطمة بنت المنذر عن أم سلمة ولم تسمع منها شيئا لأنها كانت أسن من زوجها هشام باثني عشر عاما فكان مولده في سنة ستين ومولد فاطمة في سنة ثمان وأربعين وماتت أم سلمة سنة تسع وخمسين وفاطمة صغيرة لم تبلغها فكيف تحفظ عنها ولم تسمع من خالة أبيها شيئا وهي في حجرها كما حصل سماعها من جدتها أسماء بنت أبي بكر قالوا: وإذا نظر العالم المنصف في هذا القول ووازن بينه وبين قول من يحد مدة الرضاع المحرم بخمسة وعشرين شهرا أو ستة وعشرين شهرا أو سبعة وعشرين شهرا أو ثلاثين شهرا من تلك الأقوال التي لا دليل عليها من كتاب الله أو سنة رسوله ولا قول أحد من الصحابة تبين له فضل ما بين القولين فهذا(5\/520)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2408",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10974",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منتهى أقدام الطائفتين في هذه المسألة ولعل الواقف عليها لم يكن يخطر له أن هذا القول تنتهي قوته إلى هذا الحد وأنه ليس بأيدي أصحابه قدرة على تقديره وتصحيحه فاجلس أيها العالم المنصف مجلس الحكم بين هذين المتنازعين وافصل بينهما بالحجة والبيان لا بالتقليد وقال فلان.  [رد القائلين بالحولين على حديث سهلة وأولها رده بالنسخ] واختلف القائلون بالحولين في حديث سهلة هذا على ثلاثة مسالك أحدها: أنه منسوخ وهذا مسلك كثير منهم ولم يأتوا على النسخ بحجة سوى الدعوى فإنهم لا يمكنهم إثبات التاريخ المعلوم التأخر بينه وبين تلك الأحاديث. ولو قلب أصحاب هذا القول عليهم الدعوى وادعوا نسخ تلك الأحاديث بحديث سهلة لكانت نظير دعواهم. وأما قولهم: إنها كانت في أول الهجرة وحين نزول قوله تعالى: ادعوهم لآبائهم [الأحزاب: 5] [الأحزاب: 5] ورواية ابن عباس رضي الله عنه وأبي هريرة بعد ذلك فجوابه من وجوه. أحدها: أنهما لم يصرحا بسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم بل لم يسمع منه ابن عباس إلا دون العشرين حديثا وسائرها عن الصحابة رضي الله عنهم. الثاني: أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم لم تحتج واحدة منهن بل ولا غيرهن على عائشة رضي الله عنها بذلك بل سلكن في الحديث بتخصيصه بسالم وعدم إلحاق غيره به. الثالث: أن عائشة رضي الله عنها نفسها روت هذا وهذا فلو كان حديث سهلة منسوخا لكانت عائشة رضي الله عنها قد أخذت به وتركت الناسخ أو خفي عليها تقدمه مع كونها هي الراوية له وكلاهما ممتنع وفي غاية البعد. الرابع: أن عائشة رضي الله عنها ابتليت بالمسألة وكانت تعمل بها وتناظر عليها وتدعو إليها صواحباتها فلها بها مزيد اعتناء فكيف يكون هذا حكما منسوخا قد بطل كونه من الدين جملة ويخفى عليها ذلك ويخفى على(5\/521)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2409",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10975",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نساء النبي صلى الله عليه وسلم فلا تذكره لها واحدة منهن.  [رد حديث سهلة بالخصوصية بسالم] المسلك الثاني: أنه مخصوص بسالم دون من عداه وهذا مسلك أم سلمة ومن معها من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعهن وهذا المسلك أقوى مما قبله فإن أصحابه قالوا مما يبين اختصاصه بسالم أن فيه: أن سهلة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول آية الحجاب وهي تقتضي أنه لا يحل للمرأة أن تبدي زينتها إلا لمن ذكر في الآية وسمي فيها ولا يخص من عموم من عداهم أحد إلا بدليل. قالوا: والمرأة إذا أرضعت أجنبيا فقد أبدت زينتها له فلا يجوز ذلك تمسكا بعموم الآية فعلمنا أن إبداء سهلة زينتها لسالم خاص به. قالوا: وإذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا من الأمة بأمر أو أباح له شيئا أو نهاه عن شيء وليس في الشريعة ما يعارضه ثبت ذلك في حق غيره من الأمة ما لم ينص على تخصيصه وأما إذا أمر الناس بأمر أو نهاهم عن شيء ثم أمر واحدا من الأمة بخلاف ما أمر به الناس أو أطلق له ما نهاهم عنه فإن ذلك يكون خاصا به وحده ولا نقول في هذا الموضع: إن أمره للواحد أمر للجميع وإباحته للواحد إباحة للجميع لأن ذلك يؤدي إلى إسقاط الأمر الأول والنهي الأول بل نقول: إنه خاص بذلك الواحد لتتفق النصوص وتأتلف ولا يعارض بعضها بعضا فحرم الله في كتابه أن تبدي المرأة زينتها لغير محرم وأباح رسول الله صلى الله عليه وسلم لسهلة أن تبدي زينتها لسالم وهو غير محرم عند إبداء الزينة قطعا فيكون ذلك رخصة خاصة بسالم مستثناة من عموم التحريم ولا نقول: إن حكمها عام فيبطل حكم الآية المحرمة. قالوا: ويتعين هذا المسلك لأنا لو لم نسلكه لزمنا أحد مسلكين ولا بد منهما إما نسخ هذا الحديث بالأحاديث الدالة على اعتبار الصغر في التحريم وإما نسخها به ولا سبيل إلى واحد من الأمرين لعدم العلم بالتاريخ ولعدم تحقق المعارضة ولإمكان العمل بالأحاديث كلها فإنا إذا حملنا حديث سهلة على الرخصة الخاصة والأحاديث الأخر على عمومها فيما عدا سالما لم تتعارض ولم ينسخ بعضها بعضا وعمل بجميعها.(5\/522)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2410",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10976",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد بين أن الرضاع إنما يكون في الحولين وأنه إنما يكون في الثدي وإنما يكون قبل الفطام كان ذلك ما يدل على أن حديث سهلة على الخصوص سواء تقدم أو تأخر فلا ينحصر بيان الخصوص في قوله هذا لك وحدك حتى يتعين طريقا. قالوا: وأما تفسير حديث إنما الرضاعة من المجاعة بما ذكرتموه ففي غاية البعد من اللفظ ولا تتبادر إليه أفهام المخاطبين بل القول في معناه ما قاله أبو عبيد والناس قال أبو عبيد: قوله: إنما الرضاعة من المجاعة يقول: إن الذي إذا جاع كان طعامه الذي يشبعه اللبن إنما هو الصبي الرضيع. فأما الذي شبعه من جوعه الطعام فإن رضاعه ليس برضاع ومعنى الحديث: إنما الرضاع في الحولين قبل الفطام هذا تفسير أبي عبيد والناس وهو الذي يتبادر فهمه من الحديث إلى الأذهان حتى لو احتمل الحديث التفسيرين على السواء لكان هذا المعنى أولى به لمساعدة سائر الأحاديث لهذا المعنى وكشفها له وإيضاحها ومما يبين أن غير هذا التفسير خطأ وأنه لا يصح أن يراد به رضاعة الكبير أن لفظة quot; المجاعة quot; إنما تدل على رضاعة الصغير فهي تثبت رضاعة المجاعة وتنفي غيرها ومعلوم يقينا أنه إنما أراد مجاعة اللبن لا مجاعة الخبز واللحم فهذا لا يخطر ببال المتكلم ولا السامع فلو جعلنا حكم الرضاعة عاما لم يبق لنا ما ينفي ويثبت. وسياق قوله: لما رأى الرجل الكبير فقال: إنما الرضاعة من المجاعة  يبين المراد وأنه إنما يحرم رضاعة من يجوع إلى لبن المرأة والسياق ينزل اللفظ منزلة الصريح فتغير وجهه الكريم صلوات الله وسلامه عليه وكراهته لذلك الرجل وقوله: انظرن من إخوانكن إنما هو للتحفظ في الرضاعة وأنها لا تحرم كل وقت وإنما تحرم وقتا دون وقت ولا يفهم أحد من هذا أنما الرضاعة ما كان عددها خمسا فيعبر عن هذا المعنى بقوله من المجاعة وهذا ضد البيان الذي كان عليه صلى الله عليه وسلم. وقولكم: إن الرضاعة تطرد الجوع عن الكبير كما تطرد الجوع عن الصغير(5\/523)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2411",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10977",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كلام باطل فإنه لا يعهد ذو لحية قط يشبعه رضاع المرأة ويطرد عنه الجوع بخلاف الصغير فإنه ليس له ما يقوم مقام اللبن فهو يطرد عنه الجوع فالكبير ليس ذا مجاعة إلى اللبن أصلا والذي يوضح هذا أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد حقيقة المجاعة وإنما أراد مظنتها وزمنها ولا شك أنه الصغر فإن أبيتم إلا الظاهرية وأنه أراد حقيقتها لزمكم أن لا يحرم رضاع الكبير إلا إذا ارتضع وهو جائع فلو ارتضع وهو شبعان لم يؤثر شيئا. وأما حديث الستر المصون والحرمة العظيمة والحمى المنيع فرضي الله عن أم المؤمنين فإنها وإن رأت أن هذا الرضاع يثبت المحرمية فسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يخالفنها في ذلك ولا يرين دخول هذا الستر المصون والحمى الرفيع بهذه الرضاعة فهي مسألة اجتهاد وأحد الحزبين مأجور أجرا واحدا والآخر مأجور أجرين وأسعدهما بالأجرين من أصاب حكم الله ورسوله في هذه الواقعة فكل من المدخل للستر المصون بهذه الرضاعة والمانع من الدخول فائز بالأجر مجتهد في مرضاة الله وطاعة رسوله وتنفيذ حكمه ولهما أسوة بالنبيين الكريمين - داود وسليمان اللذين أثنى الله عليهما بالحكمة والحكم وخص بفهم الحكومة أحدهما.  [فصل تقوية حديث أم سلمة] فصل وأما ردكم لحديث أم سلمة فتعسف بارد فلا يلزم انقطاع الحديث من أجل أن فاطمة بنت المنذر لقيت أم سلمة صغيرة فقد يعقل الصغير جدا أشياء ويحفظها وقد عقل محمود بن الربيع المجة وهو ابن سبع سنين ويعقل أصغر منه. وقد قلتم: إن فاطمة كانت وقت وفاة أم سلمة بنت إحدى عشرة سنة وهذا سن جيد لا سيما للمرأة فإنها تصلح فيه للزوج فمن هي في حد الزواج كيف يقال: إنها لا تعقل ما تسمع ولا تدري ما تحدث به هذا هو الباطل الذي(5\/524)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2412",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10978",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا ترد به السنن مع أن أم سلمة كانت مصادقة لجدتها أسماء وكانت دارهما واحدة فنشأت فاطمة هذه في حجر جدتها أسماء مع خالة أبيها عائشة رضي الله عنها وأم سلمة وماتت عائشة رضي الله عنها سنة سبع وخمسين. وقيل: سنة ثمان وخمسين وقد يمكن سماع فاطمة منها وأما جدتها أسماء فماتت سنة ثلاث وسبعين وفاطمة إذ ذاك بنت خمس وعشرين سنة فلذلك كثر سماعها منها وقد أفتت أم سلمة بمثل الحديث الذي روته أسماء. فقال أبو عبيد: حدثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أم سلمة أنها سئلت ما يحرم من الرضاع فقالت: ما كان في الثدي قبل الفطام. فروت الحديث وأفتت بموجبه. وأفتى به عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما رواه الدارقطني من حديث سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: سمعت عمر يقول: لا رضاع إلا في الحولين في الصغر. وأفتى به ابنه عبد الله رضي الله عنه فقال مالك رحمه الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان يقول: لا رضاعة إلا لمن أرضع في الصغر ولا رضاعة لكبير. وأفتى به ابن عباس رضي الله عنهما فقال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان الثوري عن عاصم الأحول عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا رضاع بعد فطام.(5\/525)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2413",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10979",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[رجوع أبي موسى الأشعري إلى عدم التحريم إلا برضاع الصغير] وتناظر في هذه المسألة عبد الله بن مسعود وأبو موسى فأفتى ابن مسعود بأنه لا يحرم إلا في الصغر فرجع إليه أبو موسى فذكر الدارقطني أن ابن مسعود قال لأبي موسى: أنت تفتي بكذا وكذا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا رضاع إلا ما شد العظم وأنبت اللحم وقد روى أبو داود: حدثنا محمد بن سليمان الأنباري حدثنا وكيع حدثنا سليمان بن المغيرة عن أبي موسى الهلالي عن أبيه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظم . ثم أفتى بذلك كما ذكره عبد الرزاق عن الثوري حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي حصين عن أبي عطية الوادعي قال: جاء رجل إلى أبي موسى فقال: إن امرأتي ورم ثديها فمصصته فدخل حلقي شيء سبقني فشدد عليه أبو موسى فأتى عبد الله بن مسعود فقال: سألت أحدا غيري قال: نعم أبا موسى فشدد علي فأتى أبا موسى فقال: أرضيع هذا فقال أبو موسى: لا تسألوني ما دام هذا الحبر بين أظهركم. فهذه روايته وفتواه. وأما علي بن أبي طالب فذكر عبد الرزاق عن الثوري عن جويبر عن الضحاك عن النزال بن سبرة عن علي: لا رضاع بعد الفصال. وهذا خلاف رواية عبد الكريم عن سالم بن أبي الجعد عن أبيه عنه. لكن جويبر لا يحتج بحديثه وعبد الكريم أقوى منه.(5\/526)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2414",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10980",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل رد حديث سهلة بأنه رخصة للحاجة لمن لا يستغني عن دخوله على المرأة] فصل المسلك الثالث: أن حديث سهلة ليس بمنسوخ ولا مخصوص ولا عام في حق كل أحد وإنما هو رخصة للحاجة لمن لا يستغني عن دخوله على المرأة ويشق احتجابها عنه كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة فمثل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجة أثر رضاعه وأما من عداه فلا يؤثر إلا رضاع الصغير وهذا مسلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى والأحاديث النافية للرضاع في الكبير إما مطلقة فتقيد بحديث سهلة أو عامة في الأحوال فتخصيص هذه الحال من عمومها وهذا أولى من النسخ ودعوى التخصيص بشخص بعينه وأقرب إلى العمل بجميع الأحاديث من الجانبين وقواعد الشرع تشهد له والله الموفق.  [ذكر حكمه صلى الله عليه وسلم في العدد] [عدة الحامل] ذكر حكمه صلى الله عليه وسلم في العدد هذا الباب قد تولى الله - سبحانه - بيانه في كتابه أتم بيان وأوضحه وأجمعه بحيث لا تشذ عنه معتدة فذكر أربعة أنواع من العدد وهي جملة أنواعها. النوع الأول: عدة الحامل بوضع الحمل مطلقا بائنة كانت أو رجعية مفارقة في الحياة أو متوفى عنها فقال: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [الطلاق: 4] [الطلاق: 4] وهذا فيه عموم من ثلاث جهات. أحدها: عموم المخبر عنه وهو أولات الأحمال فإنه يتناول جميعهن. الثاني: عموم الأجل فإنه أضافه إليهن وإضافة اسم الجمع إلى المعرفة يعم فجعل وضع الحمل جميع أجلهن فلو كان لبعضهن أجل غيره لم يكن جميع أجلهن. الثالث: أن المبتدأ والخبر معرفتان أما المبتدأ: فظاهر وأما الخبر - وهو قوله تعالى: أن يضعن حملهن [الطلاق: 4] [الطلاق: 4]  ففي تأويل مصدر مضاف(5\/527)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2415",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10981",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أي أجلهن وضع حملهن والمبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين اقتضى ذلك حصر الثاني في الأول كقوله: ياأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد [فاطر: 15] [فاطر: 15] . وبهذا احتج جمهور الصحابة على أن الحامل المتوفى عنها زوجها عدتها وضع حملها ولو وضعته والزوج على المغتسل كما أفتى به النبي صلى الله عليه وسلم لسبيعة الأسلمية وكان هذا الحكم والفتوى منه مشتقا من كتاب الله مطابقا له.  [عدة المطلقة التي تحيض] فصل النوع الثاني: عدة المطلقة التي تحيض وهي ثلاثة قروء كما قال الله تعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [البقرة: 228] . [البقرة: 228] .  [عدة التي لا حيض لها] النوع الثالث: عدة التي لا حيض لها وهي نوعان: صغيرة لا تحيض وكبيرة قد يئست من الحيض. فبين الله سبحانه عدة النوعين بقوله: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن [الطلاق: 4] [الطلاق: 4] أي: فعدتهن كذلك.  [عدة المتوفى عنها زوجها] النوع الرابع: المتوفى عنها زوجها فبين عدتها - سبحانه - بقوله: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [البقرة: 234] [البقرة: 234]  فهذا يتناول المدخول بها وغيرها والصغيرة والكبيرة ولا تدخل فيه الحامل لأنها خرجت بقوله: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [الطلاق: 4] فجعل وضع حملهن جميع أجلهن وحصره فيه بخلاف قوله في المتوفى عنهن: يتربصن فإنه فعل مطلق لا عموم له وأيضا فإن قوله:(5\/528)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2416",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10982",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أجلهن أن يضعن حملهن [الطلاق: 4] [الطلاق: 4] متأخر في النزول عن قوله: (يتربصن) وأيضا فإن قوله: يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [البقرة: 234] [البقرة: 234] في غير الحامل بالاتفاق فإنها لو تمادى حملها فوق ذلك تربصته فعمومها مخصوص اتفاقا وقوله: أجلهن أن يضعن حملهن [الطلاق: 4] [الطلاق: 4] غير مخصوص بالاتفاق هذا لو لم تأت السنة الصحيحة بذلك ووقعت الحوالة على القرآن فكيف والسنة الصحيحة موافقة لذلك مقررة له. فهذه أصول العدد في كتاب الله مفصلة مبينة ولكن اختلف في فهم المراد من القرآن ودلالته في مواضع من ذلك وقد دلت السنة بحمد الله على مراد الله منها ونحن نذكرها ونذكر أولى المعاني وأشبهها بها ودلالة السنة عليها. فمن ذلك اختلاف السلف في المتوفى عنها إذا كانت حاملا فقال علي وابن عباس وجماعة من الصحابة: أبعد الأجلين من وضع الحمل أو أربعة أشهر وعشرا وهذا أحد القولين في مذهب مالك رحمه الله اختاره سحنون. قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب عنه: علي بن أبي طالب وابن عباس يقولان في المعتدة الحامل: أبعد الأجلين وكان ابن مسعود يقول: من شاء باهلته أن سورة النساء القصرى نزلت بعد وحديث سبيعة يقضي بينهم quot; إذا وضعت(5\/529)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2417",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10983",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقد حلت quot;. وابن مسعود يتأول القرآن: أجلهن أن يضعن حملهن [الطلاق: 4] [الطلاق: 4] هي في المتوفى عنها والمطلقة مثلها إذا وضعت فقد حلت وانقضت عدتها ولا تنقضي عدة الحامل إذا أسقطت حتى يتبين خلقه فإذا بان له يد أو رجل عتقت به الأمة وتنقضي به العدة وإذا ولدت ولدا وفي بطنها آخر لم تنقض العدة حتى تلد الآخر ولا تغيب عن منزلها الذي أصيب فيه زوجها أربعة أشهر وعشرا إذا لم تكن حاملا والعدة من يوم يموت أو يطلق هذا كلام أحمد. وقد تناظر في هذه المسألة: ابن عباس وأبو هريرة رضي الله عنهما فقال أبو هريرة: عدتها وضع الحمل وقال ابن عباس: تعتد أقصى الأجلين فحكما أم سلمة رضي الله عنها فحكمت لأبي هريرة واحتجت بحديث سبيعة. وقد قيل: إن ابن عباس رجع. وقال جمهور الصحابة ومن بعدهم والأئمة الأربعة: إن عدتها وضع الحمل ولو كان الزوج على مغتسله فوضعت حلت. قال أصحاب الأجلين: هذه قد تناولها عمومان وقد أمكن دخولها في كليهما فلا تخرج من عدتها بيقين حتى تأتي بأقصى الأجلين قالوا: ولا يمكن تخصيص عموم إحداهما بخصوص الأخرى لأن كل آية عامة من وجه خاصة من وجه قالوا: فإذا أمكن دخول بعض الصور في عموم الآيتين يعني إعمالا للعموم في مقتضاه. فإذا اعتدت أقصى الأجلين دخل أدناهما في أقصاهما.(5\/530)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2418",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10984",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والجمهور أجابوا عن هذا بثلاثة أجوبة. أحدها: أن صريح السنة يدل على اعتبار الحمل فقط كما في quot; الصحيحين quot;: أن سبيعة الأسلمية توفي عنها زوجها وهي حبلى فوضعت فأرادت أن تنكح فقال لها أبو السنابل: ما أنت بناكحة حتى تعتدي آخر الأجلين فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: quot; كذب أبو السنابل قد حللت فانكحي من شئت quot;. الثاني أن قوله: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [الطلاق: 4] [الطلاق: 4] نزلت بعد قوله: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [البقرة: 234] [البقرة: 234] وهذا جواب عبد الله بن مسعود كما في quot; صحيح البخاري quot; عنه: أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون لها الرخصة أشهد لنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [الطلاق: 4] [الطلاق: 4] . وهذا الجواب يحتاج إلى تقرير فإن ظاهره أن آية الطلاق مقدمة على آية البقرة لتأخرها عنها فكانت ناسخة لها ولكن النسخ عند الصحابة والسلف أعم منه عند المتأخرين فإنهم يريدون به ثلاثة معان. أحدها: رفع الحكم الثابت بخطاب. الثاني: رفع دلالة الظاهر إما بتخصيص وإما بتقييد وهو أعم مما قبله. الثالث: بيان المراد باللفظ الذي بيانه من خارج وهذا أعم من المعنيين(5\/531)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2419",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10985",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "لا تنقضي العدة حتى تضع جميع الحمل",
        "content": "الأولين فابن مسعود رضي الله عنه أشار بتأخر نزول سورة الطلاق إلا أن آية الاعتداد بوضع الحمل ناسخة لآية البقرة إن كان عمومها مرادا أو مخصصة لها إن لم يكن عمومها مرادا أو مبينة للمراد منها أو مقيدة لإطلاقها وهذا من كمال فقهه رضي الله عنه ورسوخه في العلم ومما يبين أن أصول الفقه سجية للقوم وطبيعة لا يتكلفونها كما أن العربية والمعاني والبيان وتوابعها لهم كذلك فمن بعدهم فإنما يجهد نفسه ليتعلق بغبارهم وأنى له ! الثالث: أنه لو لم تأت السنة الصريحة باعتبار الحمل ولم تكن آية الطلاق متأخرة لكان تقديمها هو الواجب لما قررناه أولا من جهات العموم الثلاثة فيها وإطلاق قوله يتربصن [البقرة: 234]  وقد كانت الحوالة على هذا الفهم ممكنة ولكن لغموضه ودقته على كثير من الناس أحيل في ذلك الحكم على بيان السنة وبالله التوفيق.  [لا تنقضي العدة حتى تضع جميع الحمل] ودل قوله سبحانه: أجلهن أن يضعن حملهن [الطلاق: 4] [الطلاق: 4] على أنها إذا كانت حاملا بتوأمين لم تنقض العدة حتى تضعهما جميعا ودلت على أن من عليها الاستبراء فعدتها وضع الحمل أيضا ودلت على أن العدة تنقضي بوضعه على أي صفة كان حيا أو ميتا تام الخلقة أو ناقصها نفخ فيه الروح أو لم ينفخ. ودل قوله: يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [البقرة: 234] [البقرة: 234] على الاكتفاء بذلك وإن لم تحض وهذا قول الجمهور وقال مالك: إذا كان عادتها أن تحيض في كل سنة مرة فتوفي عنها زوجها لم تنقض عدتها حتى تحيض حيضتها فتبرأ من عدتها. فإن لم تحض انتظرت تمام تسعة أشهر من يوم وفاته وعنه رواية ثانية: كقول الجمهور أنه تعتد أربعة أشهر وعشرا ولا تنتظر حيضها.  [فصل من قال إن الأقراء هي الحيض] فصل ومن ذلك اختلافهم في الأقراء هل هي الحيض أو الأطهار فقال أكابر(5\/532)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2420",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10986",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصحابة: إنها الحيض هذا قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي موسى وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء وابن عباس ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم وهو قول أصحاب عبد الله بن مسعود كلهم كعلقمة والأسود وإبراهيم وشريح وقول الشعبي والحسن وقتادة وقول أصحاب ابن عباس سعيد بن جبير وطاوس وهو قول سعيد بن المسيب وهو قول أئمة الحديث: كإسحاق بن إبراهيم وأبي عبيد القاسم والإمام أحمد رحمه الله فإنه رجع إلى القول به واستقر مذهبه عليه فليس له مذهب سواه وكان يقول: إنها الأطهار فقال في رواية الأثرم: رأيت الأحاديث عمن قال: القروء الحيض تختلف. والأحاديث عمن قال: إنه أحق بها حتى تدخل في الحيضة الثالثة أحاديث صحاح قوية وهذا النص وحده هو الذي ظفر به أبو عمر بن عبد البر فقال: رجع أحمد إلى أن الأقراء: الأطهار وليس كما قال: بل كان يقول هذا أولا ثم توقف فيه فقال في رواية الأثرم أيضا: قد كنت أقول الأطهار ثم وقفت كقول الأكابر ثم جزم أنها الحيض وصرح بالرجوع عن الأطهار فقال في رواية ابن هانئ. كنت أقول: إنها الأطهار وأنا اليوم أذهب إلى أن الأقراء الحيض قال القاضي أبو يعلى: وهذا هو الصحيح عن أحمد رحمه الله وإليه ذهب أصحابنا ورجع عن قوله بالأطهار ثم ذكر نص رجوعه من رواية ابن هانئ كما تقدم وهو قول أئمة أهل الرأي كأبي حنيفة وأصحابه.  [من قال بأن الأقراء هي الأطهار] وقالت طائفة: الأقراء: الأطهار وهذا قول عائشة أم المؤمنين وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر. ويروى عن الفقهاء السبعة وأبان بن عثمان والزهري وعامة فقهاء المدينة وبه قال مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه. وعلى هذا القول فمتى طلقها في أثناء طهر فهل تحتسب ببقيته قرءا على ثلاثة أقوال.(5\/533)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2421",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10987",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها: تحتسب به وهو المشهور. والثاني: لا تحتسب به وهو قول الزهري. كما لا تحتسب ببقية الحيضة عند من يقول: القرء: الحيض اتفاقا. والثالث: إن كان قد جامعها في ذلك الطهر لم تحتسب ببقيته وإلا احتسبت وهذا قول أبي عبيد. فإذا طعنت في الحيضة الثالثة أو الرابعة على قول الزهري انقضت عدتها. وعلى قول الأول لا تنقضي العدة حتى تنقضي الحيضة الثالثة.  [هل يقف انقضاء العدة على اغتسال المعتدة من حيضتها الثالثة] وهل يقف انقضاء عدتها على اغتسالها منها على ثلاثة أقوال. أحدها: لا تنقضي عدتها حتى تغتسل وهذا هو المشهور عن أكابر الصحابة قال الإمام أحمد: وعمر وعلي وابن مسعود يقولون: له رجعتها قبل أن تغتسل من الحيضة الثالثة انتهى. وروي ذلك عن أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان وأبي موسى وعبادة وأبي الدرداء ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم كما في مصنف وكيع عن عيسى الخياط عن الشعبي عن ثلاثة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الخير فالخير منهم: أبو بكر وعمر وابن عباس: أنه أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة. وفي quot; مصنفه quot; أيضا عن محمد بن راشد عن مكحول عن معاذ بن جبل وأبي الدرداء مثله. وفي quot; مصنف عبد الرزاق quot;: عن معمر عن زيد بن رفيع عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال: أرسل عثمان إلى أبي بن كعب في ذلك فقال أبي بن كعب: أرى أنه أحق بها حتى تغتسل من حيضتها الثالثة وتحل لها الصلاة قال: فما أعلم عثمان إلا أخذ بذلك.(5\/534)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2422",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10988",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; مصنفه quot; أيضا: عن عمر بن راشد عن يحيى بن أبي كثير أن عبادة بن الصامت قال: لا تبين حتى تغتسل من الحيضة الثالثة وتحل لها الصلاة. فهؤلاء بضعة عشر من الصحابة وهو قول سعيد بن المسيب وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه. قال شريك: له الرجعة وإن فرطت في الغسل عشرين سنة وهذا إحدى الروايات عن الإمام أحمد رحمه الله. والثاني: أنها تنقضي بمجرد طهرها من الحيضة الثالثة ولا تقف على الغسل وهذا قول سعيد بن جبير والأوزاعي والشافعي في قوله القديم حيث كان يقول: الأقراء: الحيض وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد اختارها أبو الخطاب. والثالث: أنها في عدتها بعد انقطاع الدم ولزوجها رجعتها حتى يمضي عليها وقت الصلاة التي طهرت في وقتها وهذا قول الثوري والرواية الثالثة عن أحمد: حكاها أبو بكر عنه وهو قول أبي حنيفة رحمه الله لكن إذا انقطع الدم لأقل الحيض وإن انقطع الدم لأكثره انقضت العدة عنها بمجرد انقطاعه.  [هل يشترط كون الطهر مسبوقا بدم قبله على من قال بالأطهار] وأما من قال: إنها الأطهار اختلفوا في موضعين أحدهما: هل يشترط كون الطهر مسبوقا بدم قبله أو لا يشترط ذلك على قولين لهم وهما وجهان في مذهب الشافعي وأحمد. أحدهما: يحتسب لأنه طهر بعده حيض فكان قرءا كما لو كان قبله حيض. والثاني: لا يحتسب وهو ظاهر نص الشافعي في الجديد لأنها لا تسمى من ذوات الأقراء إلا إذا رأت الدم.  [هل تنقضي العدة بالطعن في الحيضة الثالثة على من قال بالأطهار] الموضع الثاني: هل تنقضي العدة بالطعن في الحيضة الثالثة أو لا تنقضي(5\/535)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2423",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10989",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "الدليل الأول لمن حمل القرء على الحيض",
        "content": "حتى تحيض يوما وليلة على وجهين لأصحاب أحمد وهما قولان منصوصان للشافعي ولأصحابه وجه ثالث: إن حاضت للعادة انقضت العدة بالطعن في الحيضة. وإن حاضت لغير العادة بأن كانت عادتها ترى الدم في عاشر الشهر فرأته في أوله لم تنقض حتى يمضي عليها يوم وليلة. ثم اختلفوا: هل يكون هذا الدم محسوبا من العدة على وجهين تظهر فائدتهما في رجعتها في وقته فهذا تقرير مذاهب الناس في الأقراء.  [حجة من فسر الأقراء بالحيض] [الدليل الأول لمن حمل القرء على الحيض] [الوجه الأول الدال على أولوية حمل القرء في الآية على الحيض] قال من نص: أنها الحيض: الدليل عليه وجوه. أحدها: أن قوله تعالى: يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [البقرة: 228] [البقرة: 228] إما أن يراد به الأطهار فقط أو الحيض فقط أو مجموعهما. والثالث: محال إجماعا حتى عند من يحمل اللفظ المشترك على معنييه. وإذا تعين حمله على أحدهما فالحيض أولى به لوجوه. أحدها: أنها لو كانت الأطهار فالمعتدة بها يكفيها قرآن ولحظة من الثالث وإطلاق الثلاثة على هذا مجاز بعيد لنصية الثلاثة في العدد المخصوص. فإن قلتم: بعض الطهر المطلق فيه عندنا قرء كامل قيل: جوابه من ثلاثة أوجه. أحدها: أن هذا مختلف فيه كما تقدم فلم تجمع الأمة على أن بعض القرء قرء قط فدعوى هذا يفتقر إلى دليل. الثاني: أن هذا دعوى مذهبية أوجب حمل الآية عليها إلزام كون الأقراء الأطهار والدعاوى المذهبية لا يفسر بها القرآن وتحمل عليها اللغة ولا يعقل في اللغة قط أن اللحظة من الطهر تسمى قرءا كاملا ولا اجتمعت الأمة على ذلك فدعواه لا تثبت نقلا ولا إجماعا وإنما هو مجرد الحمل ولا ريب أن الحمل شيء والوضع شيء آخر وإنما يفيد ثبوت الوضع لغة أو شرعا أو عرفا.(5\/536)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2424",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10990",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالث: أن القرء إما أن يكون اسما لمجموع الطهر كما يكون اسما لمجموع الحيضة أو لبعضه أو مشتركا بين الأمرين اشتراكا لفظيا أو اشتراكا معنويا والأقسام الثلاثة باطلة فتعين الأول أما بطلان وضعه لبعض الطهر فلأنه يلزم أن يكون الطهر الواحد عدة أقراء ويكون استعمال لفظ quot; القرء quot; فيه مجازا. وأما بطلان الاشتراك المعنوي فمن وجهين أحدهما: أنه يلزم أن يصدق على الطهر الواحد أنه عدة أقراء حقيقة. والثاني: أن نظيره - وهو الحيض - لا يسمى جزؤه قرءا اتفاقا ووضع القرء لهما لغة لا يختلف وهذا لا خفاء به. فإن قيل: نختار من هذه الأقسام أن يكون مشتركا بين كله وجزئه اشتراكا لفظيا ويحمل المشترك على معنييه فإنه أحفظ وبه تحصل البراءة بيقين. قيل الجواب من وجهين. أحدهما: أنه لا يصح اشتراكه كما تقدم. الثاني: أنه لو صح اشتراكه لم يجز حمله على مجموع معنييه. أما على قول من لا يجوز حمل المشترك على معنييه فظاهر وأما من يجوز حمله عليهما فإنما يجوزونه إذا دل الدليل على إرادتهما معا. فإذا لم يدل الدليل وقفوه حتى يقوم الدليل على إرادة أحدهما أو إرادتهما وحكى المتأخرون عن الشافعي والقاضي أبي بكر أنه إذا تجرد عن القرائن وجب حمله على معنييه كالاسم العام لأنه أحوط إذ ليس أحدهما أولى به من الآخر ولا سبيل إلى معنى ثالث وتعطيله غير ممكن ويمتنع تأخير البيان عن وقت الحاجة. فإذا جاء وقت العمل ولم يتبين أن أحدهما هو المقصود بعينه علم أن الحقيقة غير مرادة إذ لو أريدت لبينت فتعين المجاز وهو مجموع المعنيين ومن يقول: إن الحمل عليهما بالحقيقة يقول: لما لم يتبين أن المراد أحدهما علم أنه أراد كليهما. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: في هذه الحكاية عن الشافعي والقاضي نظر أما القاضي فمن أصله الوقف في صيغ العموم وأنه لا يجوز حملها على الاستغراق إلا بدليل فمن يقف في ألفاظ العموم كيف يجزم في الألفاظ المشتركة بالاستغراق من غير دليل وإنما الذي ذكره في كتبه إحالة(5\/537)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2425",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10991",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاشتراك رأسا وما يدعى فيه الاشتراك فهو عنده من قبيل المتواطئ وأما الشافعي فمنصبه في العلم أجل من أن يقول مثل هذا وإنما استنبط هذا من قوله: إذا أوصى لمواليه تناول المولى من فوق ومن أسفل وهذا قد يكون قاله لاعتقاده أن المولى من الأسماء المتواطئة وأن موضعه القدر المشترك بينهما فإنه من الأسماء المتضايفة كقوله quot; من كنت مولاه فعلي مولاه ولا يلزم من هذا أن يحكى عنه قاعدة عامة في الأسماء التي ليس من معانيها قدر مشترك أن تحمل عند الإطلاق على جميع معانيها ثم الذي يدل على فساد هذا القول وجوه. أحدها: أن استعمال اللفظ في معنييه إنما هو مجاز إذ وضعه لكل واحد منهما على سبيل الانفراد هو الحقيقة واللفظ المطلق لا يجوز حمله على المجاز بل يجب حمله على حقيقته. الثاني: أنه لو قدر أنه موضوع لهما منفردين ولكل واحد منهما مجتمعين فإنه يكون له حينئذ ثلاثة مفاهيم فالحمل على أحد مفاهيمه دون غيره بغير موجب ممتنع. الثالث: أنه حينئذ يستحيل حمله على جميع معانيه إذ حمله على هذا وحده وعليهما معا مستلزم للجمع بين النقيضين فيستحيل حمله على جميع معانيه وحمله عليهما معا حمل له على بعض مفهوماته فحمله على جميعها يبطل حمله على جميعها.(5\/538)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2426",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10992",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرابع: أن هاهنا أمورا. أحدها: هذه الحقيقة وحدها والثاني: الحقيقة الأخرى وحدها والثالث: مجموعهما والرابع: مجاز هذه وحدها والخامس: مجاز الأخرى وحدها والسادس: مجازهما معا والسابع: الحقيقة وحدها مع مجازها والثامن: الحقيقة مع مجاز الأخرى. والتاسع: الحقيقة الواحدة مع مجازهما والعاشر: الحقيقة الأخرى مع مجازها والحادي عشر: مع مجاز الأخرى والثاني عشر: مع مجازهما فهذه اثنا عشر محملا بعضها على سبيل الحقيقة وبعضها على سبيل المجاز فتعيين معنى واحد مجازي دون سائر المجازات والحقائق ترجيح من غير مرجح وهو ممتنع. الخامس: أنه لو وجب حمله على المعنيين جميعا لصار من صيغ العموم لأن حكم الاسم العام وجوب حمله على جميع مفرداته عند التجرد من التخصيص ولو كان كذلك لجاز استثناء أحد المعنيين منه ولسبق إلى الذهن منه عند الإطلاق العموم وكان المستعمل له في أحد معنييه بمنزلة المستعمل للاسم العام في بعض معانيه فيكون متجوزا في خطابه غير متكلم بالحقيقة وأن يكون من استعمله في معنييه غير محتاج إلى دليل وإنما يحتاج إليه من نفى المعنى الآخر ولوجب أن يفهم منه الشمول قبل البحث عن التخصيص عند من يقول بذلك في صيغ العموم ولا ينفي الإجمال عنه إذ يصير بمنزلة سائر الألفاظ العامة وهذا باطل قطعا وأحكام الأسماء المشتركة لا تفارق أحكام الأسماء العامة وهذا مما يعلم بالاضطرار من اللغة ولكانت الأمة قد أجمعت في هذه الآية على حملها على خلاف ظاهرها ومطلقها إذ لم يصر أحد منهم إلى حمل quot; القرء quot; على الطهر والحيض معا وبهذا يتبين بطلان قولهم: حمله عليهما أحوط فإنه لو قدر حمل الآية على ثلاثة من الحيض والأطهار لكان فيه خروج عن الاحتياط. وإن قيل: نحمله على ثلاثة من كل منهما فهو خلاف نص القرآن إذ تصير الأقراء ستة.(5\/539)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2427",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10993",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قولهم: إما أن يحمل على أحدهما بعينه أو عليهما إلى آخره قلنا: مثل هذا لا يجوز أن يعرى عن دلالة تبين المراد منه كما في الأسماء المجملة وإن خفيت الدلالة على بعض المجتهدين فلا يلزم أن تكون خفية عن مجموع الأمة وهذا هو الجواب عن الوجه الثالث فالكلام إذا لم يكن مطلقه يدل على المعنى المراد فلا بد من بيان المراد.  [الوجه الثاني الدال على أولوية حمل القرء في الآية على الحيض] وإذا تعين أن المراد بالقرء في الآية أحدهما لا كلاهما فإرادة الحيض أولى لوجوه. منها: ما تقدم. الثاني: أن استعمال القرء في الحيض أظهر منه في الطهر فإنهم يذكرونه تفسيرا للفظه ثم يردفونه بقولهم: وقيل أو قال فلان أو يقال: على الطهر أو وهو أيضا الطهر فيجعلون تفسيره بالحيض كالمستقر المعلوم المستفيض وتفسيره بالطهر قول قيل. وهاك حكاية ألفاظهم. قال الجوهري: القرء بالفتح: الحيض والجمع أقراء وقروء. وفي الحديث: لا صلاة أيام أقرائك . والقرء أيضا: الطهر وهو من الأضداد. وقال أبو عبيد: الأقراء: الحيض ثم قال: الأقراء الأطهار وقال الكسائي والفراء: أقرأت المرأة: إذا حاضت. وقال ابن فارس: القروء: أوقات يكون للطهر مرة وللحيض مرة والواحد قرء ويقال: القرء: وهو الطهر ثم قال: وقوم يذهبون إلى أن القرء الحيض فحكى قول من جعله مشتركا بين أوقات الطهر والحيض وقول من جعله لأوقات الطهر وقول من جعله لأوقات الحيض وكأنه لم يختر واحدا منهما بل جعله لأوقاتهما. قال وأقرأت المرأة إذا خرجت من حيض إلى طهر ومن طهر إلى حيض وهذا يدل على أنه لا بد من مسمى الحيض في حقيقته يوضحه أن من قال: أوقات الطهر تسمى قروءا فإنما يريد أوقات الطهر التي(5\/540)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2428",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10994",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يحتوشها الدم وإلا فالصغيرة والآيسة لا يقال لزمن طهرهما أقراء ولا هما من ذوات الأقراء باتفاق أهل اللغة.  [الدليل الثاني لمن حمل القرء على الحيض] الدليل الثاني: أن لفظ القرء لم يستعمل في كلام الشارع إلا للحيض ولم يجئ عنه في موضع واحد استعماله للطهر فحمله في الآية على المعهود المعروف من خطاب الشارع أولى بل متعين فإنه صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة quot; دعي الصلاة أيام أقرائك quot; وهو صلى الله عليه وسلم المعبر عن الله تعالى وبلغة قومه نزل القرآن فإذا ورد المشترك في كلامه على أحد معنييه وجب حمله في سائر كلامه عليه إذا لم تثبت إرادة الآخر في شيء من كلامه البتة ويصير هو لغة القرآن التي خوطبنا بها وإن كان له معنى آخر في كلام غيره ويصير هذا المعنى الحقيقة الشرعية في تخصيص المشترك بأحد معنييه كما يخص المتواطئ بأحد أفراده بل هذا أولى لأن أغلب أسباب الاشتراك تسمية أحد القبيلتين الشيء باسم وتسمية الأخرى بذلك الاسم مسمى آخر ثم تشيع الاستعمالات بل قال المبرد وغيره:(5\/541)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2429",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10995",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يقع الاشتراك في اللغة إلا بهذا الوجه خاصة والواضع لم يضع لفظا مشتركا البتة فإذا ثبت استعمال الشارع لفظ القروء في الحيض علم أن هذا لغته فيتعين حمله على ما في كلامه. ويوضح ذلك ما في سياق الآية من قوله ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن [البقرة: 228] [البقرة: 228] وهذا هو الحيض والحمل عند عامة المفسرين والمخلوق في الرحم إنما هو الحيض الوجودي ولهذا قال السلف والخلف: هو الحمل والحيض وقال بعضهم: الحمل وبعضهم: الحيض ولم يقل أحد قط: إنه الطهر ولهذا لم ينقله من عني بجمع أقوال أهل التفسير كابن الجوزي وغيره. وأيضا فقد قال سبحانه: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن [الطلاق: 4] [الطلاق: 4] فجعل كل شهر بإزاء حيضة وعلق الحكم بعدم الحيض لا بعدم الطهر من الحيض.  وأيضا فحديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان  رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث مظاهر بن أسلم ومظاهر لا يعرف له في العلم غير هذا الحديث وفي لفظ للدارقطني فيه: طلاق العبد ثنتان  وروى ابن ماجه من حديث عطية العوفي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم طلاق الأمة اثنتان وعدتها حيضتان. وأيضا: قال ابن ماجه في quot; سننه quot;: حدثنا علي بن محمد حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرت بريرة أن تعتد ثلاث حيض.(5\/542)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2430",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10996",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي quot; المسند quot;: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم خير بريرة فاختارت نفسها وأمرها أن تعتد عدة الحرة. وقد فسر عدة الحرة بثلاث حيض في حديث عائشة رضي الله عنها. فإن قيل: فمذهب عائشة رضي الله عنها أن الأقراء: الأطهار قيل: ليس هذا بأول حديث خالفه راويه فأخذ بروايته دون رأيه وأيضا ففي حديث الربيع بنت معوذ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر امرأة ثابت بن قيس بن شماس لما اختلعت من زوجها أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها رواه النسائي. وفي quot; سنن أبي داود quot; عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة  وفي الترمذي: أن الربيع بنت معوذ اختلعت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أو أمرت أن تعتد بحيضة. قال الترمذي: حديث الربيع الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة. وأيضا فإن الاستبراء هو عدة الأمة وقد ثبت عن أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سبايا أوطاس: لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة رواه أحمد وأبو داود. فإن قيل: لا نسلم أن استبراء الأمة بالحيضة وإنما هو بالطهر الذي هو(5\/543)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2431",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10997",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قبل الحيضة كذلك قال ابن عبد البر وقال: قولهم: إن استبراء الأمة حيضة بإجماع ليس كما ظنوا بل جائز لها عندنا أن تنكح إذا دخلت في الحيضة واستيقنت أن دمها دم حيض كذلك قال إسماعيل بن إسحاق ليحيى بن أكثم حين أدخل عليه في مناظرته إياه. قلنا: هذا يرده قوله صلى الله عليه وسلم: لا توطأ الحامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة وأيضا فالمقصود الأصلي من العدة إنما هو استبراء الرحم وإن كان لها فوائد أخر ولشرف الحرة المنكوحة وخطرها جعل العلم الدال على براءة رحمها ثلاثة أقراء فلو كان القرء: هو الطهر لم تحصل بالقرء الأول دلالة فإنه لو جامعها في الطهر ثم طلقها ثم حاضت كان ذلك قرءا محسوبا من الأقراء عند من يقول: الأقراء الأطهار. ومعلوم: أن هذا لم يدل على شيء وإنما الذي يدل على البراءة الحيض الحاصل بعد الطلاق ولو طلقها في طهر لم يصبها فيه فإنما يعلم هنا براءة الرحم بالحيض الموجود قبل الطلاق والعدة لا تكون قبل الطلاق لأنها حكمه والحكم لا يسبق سببه فإذا كان الطهر الموجود بعد الطلاق لا دلالة له على البراءة أصلا لم يجز إدخاله في العدد الدالة على براءة الرحم وكان مثله كمثل شاهد غير مقبول ولا يجوز تعليق الحكم بشهادة شاهد لا شهادة له يوضحه أن العدة في المنكوحات كالاستبراء في المملوكات. وقد ثبت بصريح السنة أن الاستبراء بالحيض لا بالطهر فكذلك العدة إذ لا فرق بينهما إلا بتعدد العدة والاكتفاء بالاستبراء بقرء واحد وهذا لا يوجب اختلافهما في حقيقة القرء وإنما يختلفان في القدر المعتبر منهما ولهذا قال الشافعي في أصح القولين عنه: إن استبراء الأمة يكون بالحيض وفرق أصحابه بين البابين بأن العدة وجبت قضاء لحق الزوج فاختصت بأزمان حقه وهي أزمان الطهر وبأنها تتكرر فتعلم معها البراءة بتوسط(5\/544)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2432",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10998",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحيض بخلاف الاستبراء فإنه لا يتكرر والمقصود منه مجرد البراءة فاكتفي فيه بحيضة. وقال في القول الآخر: تستبرأ بطهر طردا لأصله في العدد وعلى هذا فهل تحتسب ببعض الطهر على وجهين لأصحابه فإذا احتسبت به فلا بد من ضم حيضة كاملة إليه. فإذا طعنت في الطهر الثاني حلت وإن لم تحتسب به فلا بد من ضم طهر كامل إليه ولا تحتسب ببعض الطهر عنده قرءا قولا واحدا.  والمقصود: أن الجمهور على أن عدة الاستبراء حيضة لا طهر وهذا الاستبراء في حق الأمة كالعدة في حق الحرة قالوا: بل الاعتداد في حق الحرة بالحيض أولى من الأمة من وجهين. أحدهما: أن الاحتياط في حقها ثابت بتكرير القرء ثلاث استبراءات فهكذا ينبغي أن يكون الاعتداد في حقها بالحيض الذي هو أحوط من الطهر فإنها لا تحتسب ببقية الحيضة قرءا وتحتسب ببقية الطهر قرءا. الثاني: أن استبراء الأمة فرع على عدة الحرة وهي الثابتة بنص القرآن والاستبراء إنما ثبت بالسنة فإذا كان قد احتاط له الشارع بأن جعله بالحيض فاستبراء الحرة أولى فعدة الحرة استبراء لها واستبراء الأمة عدة لها. وأيضا فالأدلة والعلامات والحدود والغايات إنما تحصل بالأمور الظاهرة المتميزة عن غيرها والطهر هو الأمر الأصلي ولهذا متى كان مستمرا مستصحبا لم يكن له حكم يفرد به في الشريعة وإنما الأمر المتميز هو الحيض فإن المرأة إذا حاضت تغيرت أحكامها من بلوغها وتحريم العبادات عليها من الصلاة والصوم والطواف واللبث في المسجد وغير ذلك من الأحكام. ثم إذا انقطع الدم واغتسلت فلم تتغير أحكامها بتجدد الطهر لكن(5\/545)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2433",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "10999",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لزوال المغير الذي هو الحيض فإنها تعود بعد الطهر إلى ما كانت عليه قبل الحيض من غير أن يجدد لها الطهر حكما والقرء أمر يغير أحكام المرأة وهذا التغيير إنما يحصل بالحيض دون الطهر. فهذا الوجه دال على فساد قول من يحتسب بالطهر الذي قبل الحيضة قرءا فيما إذا طلقت قبل أن تحيض ثم حاضت فإن من اعتد بهذا الطهر قرءا جعل شيئا ليس له حكم في الشريعة قرءا من الأقراء وهذا فاسد.  [فصل حجة من فسر الأقراء بالأطهار] [فصل دليلهم على أن الأقراء هي الأطهار] فصل قال من جعل الأقراء الأطهار: الكلام معكم في مقامين. أحدهما: بيان الدليل على أنها الأطهار. الثاني: في الجواب عن أدلتكم. أما المقام الأول: فقوله تعالى: ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن [الطلاق: 1] [الطلاق: 1] ووجه الاستدلال به: أن اللام هي لام الوقت أي: فطلقوهن في وقت عدتهن كما في قوله تعالى: ونضع الموازين القسط ليوم القيامة [الأنبياء: 47]  [الأنبياء: 47] أي: في يوم القيامة وقوله: أقم الصلاة لدلوك الشمس [الإسراء: 78]  [الإسراء: 78] أي: وقت الدلوك وتقول العرب: جئتك لثلاث بقين من الشهر أي: في ثلاث بقين منه وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية بهذا التفسير ففي quot; الصحيحين quot;: عن ابن عمر رضي الله عنه: أنه لما طلق امرأته وهي حائض أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يراجعها ثم يطلقها وهي طاهر قبل أن يمسها ثم قال: فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء هي الطهر الذي بعد الحيضة ولو كان القرء هو الحيض(5\/546)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2434",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11000",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان قد طلقها قبل العدة لا في العدة وكان ذلك تطويلا عليها وهو غير جائز كما لو طلقها في الحيض. قال الشافعي: قال الله تعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [البقرة: 228] [البقرة: 228]  فالأقراء عندنا - والله أعلم - الأطهار فإن قال قائل: ما دل على أنها الأطهار وقد قال غيركم: الحيض قيل: له دلالتان. إحداهما: الكتاب الذي دلت عليه السنة والأخرى: اللسان. فإن قال: وما الكتاب قيل: قال الله تبارك وتعالى: إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن [الطلاق: 1] [الطلاق: 1] وأخبرنا مالك: عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مره فليراجعها تم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء أخبرنا مسلم وسعيد بن سالم عن ابن جريج عن أبي الزبير أنه سمع ابن عمر يذكر طلاق امرأته حائضا فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا طهرت فليطلق أو يمسك وتلا النبي صلى الله عليه وسلم: إذا طلقتم النساء فطلقوهن [الطلاق: 1] لقبل أو في قبل عدتهن [الطلاق: 1] قال الشافعي رحمه الله: أنا شككت فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل: أن العدة الطهر دون الحيض وقرأ: فطلقوهن(5\/547)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2435",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11001",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لقبل عدتهن وهو أن يطلقها طاهرا لأنها حينئذ تستقبل عدتها ولو طلقت حائضا لم تكن مستقبلة عدتها إلا بعد الحيض. فإن قال: فما اللسان قيل: القرء: اسم وضع لمعنى فلما كان الحيض دما يرخيه الرحم فيخرج والطهر دما يحتبس فلا يخرج وكان معروفا من لسان العرب أن القرء الحبس. تقول العرب: هو يقري الماء في حوضه وفي سقائه وتقول العرب: هو يقري الطعام في شدقه يعني: يحبسه في شدقه. وتقول العرب: إذا حبس الرجل الشيء قرأه. يعني: خبأه وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تقرى في صحافها أي: تحبس في صحافها. قال الشافعي: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة. قال ابن شهاب: فذكر ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن فقالت: صدق عروة. وقد جادلها في ذلك ناس. وقالوا: إن الله تعالى يقول ثلاثة قروء [البقرة: 228] فقالت عائشة رضي الله عنها: صدقتم وهل تدرون ما الأقراء الأقراء: الأطهار. أخبرنا مالك عن ابن شهاب قال: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحدا من فقهائنا إلا وهو يقول هذا. يريد الذي قالت عائشة رضي الله عنها. قال الشافعي رحمه الله: وأخبرنا سفيان عن الزهري عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها: إذا طعنت المطلقة في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وأخبرنا مالك رحمه الله عن نافع وزيد بن أسلم عن سليمان بن يسار أن الأحوص - يعني ابن حكيم - هلك بالشام حين دخلت امرأته في الحيضة(5\/548)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2436",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11002",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالثة وقد كان طلقها فكتب معاوية إلى زيد بن ثابت يسأله عن ذلك فكتب إليه زيد: إنها إذا دخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرئ منها ولا ترثه ولا يرثها. وأخبرنا سفيان عن الزهري قال: حدثني سليمان بن يسار عن زيد بن ثابت قال: إذا طعنت المرأة في الحيضة الثالثة فقد برئت. وفي حديث سعيد بن أبي عروبة عن رجل عن سليمان بن يسار أن عثمان بن عفان وابن عمر قالا: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا رجعة له عليها. وأخبرنا مالك: عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إذا طلق الرجل امرأته فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه ولا ترثه ولا يرثها. أخبرنا مالك رحمه الله أنه بلغه عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وأبي بكر بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وابن شهاب أنهم كانوا يقولون: إذا دخلت المطلقة في الدم من الحيضة الثالثة فقد بانت منه ولا ميراث بينهما. زاد غير الشافعي عن مالك رحمهما الله: ولا رجعة له عليها. قال مالك: وذلك الأمر الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا. قال الشافعي رحمه الله: ولا بعد أن تكون الأقراء الأطهار كما قالت عائشة رضي الله عنها والنساء بهذا أعلم لأنه فيهن لا في الرجال أو الحيض فإذا جاءت بثلاث حيض حلت ولا نجد في كتاب الله للغسل معنى ولستم تقولون بواحد من القولين يعني: أن الذين قالوا: إنها الحيض قالوا: وهو أحق برجعتها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة كما قاله علي وابن مسعود وأبو(5\/549)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2437",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11003",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "موسى وهو قول عمر بن الخطاب أيضا. فقال الشافعي: فقيل لهم يعني للعراقيين: لم تقولوا بقول من احتججتم بقوله ورويتم هذا عنه ولا بقول أحد من السلف علمناه فإن قال قائل: أين خالفناهم قلنا. قالوا: حتى تغتسل وتحل لها الصلاة وقلتم: إن فرطت في الغسل حتى يذهب وقت الصلاة حلت وهي لم تغتسل ولم تحل لها الصلاة. انتهى كلام الشافعي رحمه الله. قالوا: ويدل على أنها الأطهار في اللسان قول الأعشى: أفي كل عام أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عزائكا مورثة عزا وفي الحي رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا فالقروء في البيت: الأطهار لأنه ضيع أطهارهن في غزاته وآثرها عليهن. قالوا: ولأن الطهر أسبق إلى الوجود من الحيض فكان أولى بالاسم قالوا: فهذا أحد المقامين.  [فصل رد المفسرين بالأطهار على أدلة المفسرين بالحيض] وأما المقام الآخر وهو الجواب عن أدلتكم: فنجيبكم بجوابين مجمل ومفصل. أما المجمل: فنقول: من أنزل عليه القرآن فهو أعلم بتفسيره وبمراد المتكلم به من كل أحد سواه وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء بالأطهار فلا التفات بعد ذلك إلى شيء خالفه بل كل تفسير يخالف هذا فباطل. قالوا: وأعلم الأمة بهذه المسألة أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمهن بها عائشة رضي الله عنها لأنها فيهن لا في الرجال ولأن الله تعالى جعل قولهن في(5\/550)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2438",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11004",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك مقبولا في وجود الحيض والحمل لأنه لا يعلم إلا من جهتهن فدل على أنهن أعلم بذلك من الرجال فإذا قالت أم المؤمنين رضي الله عنها: إن الأقراء الأطهار. فقد قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام قالوا: وأما الجواب المفصل فنفرد كل واحد من أدلتكم بجواب خاص فهاكم الأجوبة. أما قولكم: إما أن يراد بالأقراء في الآية الأطهار فقط أو الحيض فقط أو مجموعهما إلى آخره. فجوابه أن نقول: الأطهار فقط لما ذكرنا من الدلالة. قولكم النص اقتضى ثلاثة إلى آخره. قلنا: عنه جوابان  أحدهما: أن بقية الطهر عندنا قرء كامل فما اعتدت إلا بثلاث كوامل. الثاني: أن العرب توقع اسم الجمع على اثنين وبعض الثالث كقوله تعالى: الحج أشهر معلومات [البقرة: 197] [البقرة: 197] فإنها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة أو تسع أو ثلاثة عشر. ويقولون: لفلان ثلاث عشرة سنة إذ دخل في السنة الثالثة عشر. فإذا كان هذا معروفا في لغتهم وقد دل الدليل عليه وجب المصير إليه.(5\/551)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2439",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11005",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما قولكم: إن استعمال القرء في الحيض أظهر منه في الطهر فمقابل بقول منازعيكم. قولكم: إن أهل اللغة يصدرون كتبهم بأن القرء هو الحيض فيذكرونه تفسيرا للفظ ثم يردفونه بقولهم: بقيل أو وقال بعضهم: هو الطهر. قلنا: أهل اللغة يحكون أن له مسميين في اللغة ويصرحون بأنه يقال على هذا وعلى هذا ومنهم من يجعله في الحيض أظهر ومنهم من يحكي إطلاقه عليهما من غير ترجيح فالجوهري: رجح الحيض. والشافعي من أئمة اللغة وقد رجح أنه الطهر وقال أبو عبيد: القرء يصلح للطهر والحيض. وقال الزجاج: أخبرني من أثق به عن يونس أن القرء عنده يصلح للطهر والحيض وقال أبو عمرو بن العلاء: القرء الوقت وهو يصلح للحيض ويصلح للطهر وإذا كانت هذه نصوص أهل اللغة فكيف يحتجون بقولهم: إن الأقراء الحيض قولكم: إن من جعله الطهر فإنه يريد أوقات الطهر التي يحتوشها الدم وإلا فالصغيرة والآيسة ليستا من ذوات الأقراء وعنه جوابان. أحدهما: المنع بل إذا طلقت الصغيرة التي لم تحض ثم حاضت فإنها تعتد بالطهر الذي طلقت فيه قرءا على أصح الوجهين عندنا لأنه طهر بعده حيض وكان قرءا كما لو كان قبله حيض.  الثاني: إنا وإن سلمنا ذلك فإن هذا يدل على أن الطهر لا يسمى قرءا حتى يحتوشه دمان وكذلك نقول: فالدم شرط في تسميته قرءا وهذا لا يدل على أن مسماه الحيض وهذا كالكأس الذي لا يقال على الإناء إلا بشرط كون الشراب فيه وإلا فهو زجاجة أو قدح والمائدة التي لا تقال للخوان إلا إذا كان عليه طعام وإلا فهو خوان والكوز الذي لا يقال لمسماه: إلا إذا كان ذا عروة وإلا فهو كوب والقلم الذي يشترط في صحة إطلاقه على القصبة كونها مبرية وبدون البري فهو أنبوب أو قصبة والخاتم شرط إطلاقه أن يكون ذا فص منه أو من(5\/552)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2440",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11006",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غيره وإلا فهو فتخة والفرو شرط إطلاقه على مسماه الصوف وإلا فهو جلد. والريطة شرط إطلاقها على مسماها أن تكون قطعة واحدة فإن كانت ملفقة من قطعتين فهي ملاءة والحلة شرط إطلاقها أن تكون ثوبين إزارا ورداء وإلا فهو ثوب والأريكة لا تقال على السرير إلا إذا كان عليه حجلة وهي التي تسمى بشخانة وخركاه وإلا فهو سرير واللطيمة لا تقال للجمال إلا إذا كان فيها طيب وإلا فهي عير والنفق لا يقال إلا لما له منفذ وإلا فهو سرب والعهن لا يقال للصوف إلا إذا كان مصبوغا وإلا فهو صوف والخدر لا يقال إلا لما اشتمل على المرأة وإلا فهو ستر. والمحجن لا يقال للعصا إلا إذا كان محنية الرأس وإلا فهي عصا. والركية لا تقال على البئر إلا بشرط كون الماء فيها وإلا فهي بئر. والوقود لا يقال للحطب إلا إذا كانت النار فيه وإلا فهو حطب ولا يقال للتراب ثرى إلا بشرط نداوته وإلا فهو تراب. ولا يقال للرسالة: مغلغلة إلا إذا حملت من بلد إلى بلد وإلا فهي رسالة ولا يقال للأرض قراح إلا إذا هيئت للزراعة ولا يقال لهروب العبد: إباق إلا إذا كان هروبه من غير خوف ولا جوع ولا جهد وإلا فهو هروب والريق لا يقال له رضاب إلا إذا كان في الفم فإذا فارقه فهو بصاق وبساق والشجاع لا يقال له: كمي إلا إذا كان شاكي السلاح وإلا فهو بطل وفي تسميته بطلا قولان أحدهما: لأنه تبطل شجاعته قرنه وضربه وطعنه والثاني: لأنه تبطل شجاعة الشجعان عنده فعلى الأول فهو فعل بمعنى فاعل وعلى الثاني فعل بمعنى مفعول وهو قياس اللغة. والبعير لا يقال له: راوية إلا بشرط حمله للماء والطبق لا يسمى مهدى إلا أن يكون عليه هدية والمرأة لا تسمى ظعينة إلا بشرط كونها في الهودج هذا في الأصل وإلا فقد تسمى المرأة ظعينة وإن لم تكن في هودج ومنه في الحديث: فمرت ظعن يجرين والدلو لا يقال له: سجل إلا ما دام فيه ماء ولا يقال لها: ذنوب إلا(5\/553)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2441",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11007",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا امتلأت به والسرير لا يقال له: نعش إلا إذا كان عليه ميت والعظم لا يقال له: عرق إلا إذا اشتمل عليه لحم والخيط لا يسمى سمطا إلا إذا كان فيه خرز. ولا يقال للحبل: قرن إلا إذا قرن فيه اثنان فصاعدا والقوم لا يسمون رفقة إلا إذا انضموا في مجلس واحد وسير واحد فإذا تفرقوا زال هذا الاسم ولم يزل عنهم اسم الرفيق والحجارة لا تسمى رضفا إلا إذا حميت بالشمس أو بالنار والشمس لا يقال لها: غزالة إلا عند ارتفاع النهار والثوب لا يسمى مطرفا إلا إذا كان في طرفيه علمان والمجلس لا يقال له: النادي إلا إذا كان أهله فيه. والمرأة لا يقال لها: عاتق إلا إذا كانت في بيت أبويها ولا يسمى الماء الملح أجاجا إلا إذا كان مع ملوحته مرا ولا يقال للسير: إهطاع إلا إذا كان معه خوف ولا يقال للفرس: محجل إلا إذا كان البياض في قوائمها كلها أو أكثرها وهذا باب طويل لو تقصيناه فكذلك لا يقال للطهر: قرء إلا إذا كان قبله دم وبعده دم فأين في هذا ما يدل على أنه حيض  قالوا: وأما قولكم: إنه لم يجئ في كلام الشارع إلا للحيض فنحن نمنع مجيئه في كلام الشارع للحيض البتة فضلا عن الحصر. قالوا: إنه قال للمستحاضة: دعي الصلاة أيام أقرائك  فقد أجاب الشافعي عنه في كتاب حرملة بما فيه شفاء وهذا لفظه. قال: وزعم إبراهيم بن إسماعيل بن علية أن الأقراء: الحيض واحتج بحديث سفيان عن أيوب عن سليمان بن يسار عن أم سلمة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في امرأة استحيضت تدع الصلاة أيام أقرائها قال الشافعي رحمه الله: وما حدث بهذا سفيان قط إنما قال سفيان عن أيوب عن سليمان بن يسار عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تدع الصلاة عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن أو قال: quot; أيام أقرائها quot; الشك من أيوب لا يدري. قال: هذا أو هذا فجعله هو حديثا على ناحية ما يريد فليس هذا بصدق وقد أخبرنا مالك عن نافع عن سليمان بن يسار عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لتنظر عدد(5\/554)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2442",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11008",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها ثم لتدع الصلاة ثم لتغتسل ولتصل. ونافع أحفظ عن سليمان من أيوب وهو يقول: بمثل أحد معنيي أيوب اللذين رواهما انتهى كلامه. قالوا: وأما الاستدلال بقوله تعالى: ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن [البقرة: 228] [البقرة: 228] . وأنه الحيض أو الحبل أو كلاهما فلا ريب أن الحيض داخل في ذلك ولكن تحريم كتمانه لا يدل على أن القروء المذكورة في الآية هي الحيض فإنها إذا كانت الأطهار فإنها تنقضي بالطعن في الحيضة الرابعة أو الثالثة فإذا أرادت كتمان انقضاء العدة لأجل النفقة أو غيرها قالت: لم أحض فتنقضي عدتي وهي كاذبة وقد حاضت وانقضت عدتها وحينئذ فتكون دلالة الآية على أن القروء الأطهار أظهر ونحن نقنع باتفاق الدلالة بها وإن أبيتم إلا الاستدلال فهو من جانبنا أظهر فإن أكثر المفسرين قالوا: الحيض والولادة. فإذا كانت العدة تنقضي بظهور الولادة فهكذا تنقضي بظهور الحيض تسوية بينهما في إتيان المرأة على كل واحد منهما. وأما استدلالكم بقوله تعالى: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر [الطلاق: 4] [الطلاق: 4] فجعل كل شهر بإزاء حيضة فليس هذا بصريح في أن القروء هي الحيض بل غاية الآية أنه جعل اليأس من الحيض شرطا في الاعتداد بالأشهر فما دامت حائضا لا تنتقل إلى عدة الآيسات وذلك أن الأقراء التي هي الأطهار عندنا لا توجد إلا مع الحيض لا تكون بدونه فمن أين يلزم أن تكون هي الحيض  وأما استدلالكم بحديث عائشة رضي الله عنها: طلاق الأمة طلقتان وقرؤها حيضتان فهو حديث لو استدللنا به عليكم لم تقبلوا ذلك منا فإنه(5\/555)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2443",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11009",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حديث ضعيف معلول قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث مظاهر بن أسلم ومظاهر لا يعرف له في العلم غير هذا الحديث انتهى. ومظاهر بن أسلم هذا قال فيه أبو حاتم الرازي: منكر الحديث. وقال يحيى بن معين: ليس بشيء مع أنه لا يعرف وضعفه أبو عاصم أيضا. وقال أبو داود: هذا حديث مجهول وقال الخطابي: أهل الحديث ضعفوا هذا الحديث وقال البيهقي: لو كان ثابتا لقلنا به إلا أنا لا نثبت حديثا يرويه من تجهل عدالته وقال الدارقطني: الصحيح عن القاسم بخلاف هذا ثم روي عن زيد بن أسلم قال: سئل القاسم عن الأمة كم تطلق قال: طلاقها ثنتان وعدتها حيضتان. قال: فقيل له: هل بلغك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا فقال: لا. وقال البخاري في quot; تاريخه quot;: مظاهر بن أسلم عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها يرفعه: طلاق الأمة طلقتان وعدتها حيضتان. قال أبو عاصم: أخبرنا ابن جريج عن مظاهر ثم لقيت مظاهرا فحدثنا به وكان أبو عاصم يضعف مظاهرا وقال يحيى بن سليمان: حدثنا ابن وهب قال: حدثني أسامة بن زيد بن أسلم أنه كان جالسا عند أبيه فأتاه رسول الأمير فقال: إن الأمير يقول لك: كم عدة الأمة فقال: عدة الأمة حيضتان وطلاق الحر الأمة ثلاث وطلاق العبد الحرة تطليقتان وعدة الحرة ثلاث حيض ثم قال للرسول: أين تذهب قال: أمرني أن أسأل القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله قال: فأقسم عليك إلا رجعت إلي فأخبرتني ما يقولان فذهب ورجع إلى أبي فأخبره أنهما قالا كما قال وقالا له: قل له: إن هذا ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن عمل به المسلمون. وقال أبو القاسم بن عساكر في quot; أطرافه quot;: فدل ذلك على أن الحديث المرفوع غير محفوظ. وأما استدلالكم بحديث ابن عمر مرفوعا طلاق الأمة ثنتان وعدتها(5\/556)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2444",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11010",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حيضتان  فهو من رواية عطية بن سعد العوفي وقد ضعفه غير واحد من الأئمة. قال الدارقطني: والصحيح عن ابن عمر رضي الله عنه ما رواه سالم ونافع من قوله وروى الدارقطني أيضا عن سالم ونافع أن ابن عمر كان يقول: طلاق العبد الحرة تطليقتان وعدتها ثلاثة قروء وطلاق الحر الأمة تطليقتان وعدتها عدة الأمة حيضتان. قالوا: والثابت بلا شك عن ابن عمر رضي الله عنه أن الأقراء: الأطهار. قال الشافعي رحمه الله: أخبرنا مالك رحمه الله عن نافع عن ابن عمر قال: إذا طلق الرجل امرأته فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه ولا ترثه ولا يرثها. قالوا: فهذا الحديث مداره على ابن عمر وعائشة ومذهبهما بلا شك أن الأقراء: الأطهار فكيف يكون عندهما عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف ذلك ولا يذهبان إليه قالوا: وهذا بعينه هو الجواب عن حديث عائشة الآخر: أمرت بريرة أن تعتد ثلاث حيض. قالوا: وقد روي هذا الحديث بثلاثة ألفاظ: أمرت أن تعتد وأمرت أن تعتد عدة الحرة وأمرت أن تعتد ثلاث حيض فلعل رواية من روى quot; ثلاث حيض quot; محمولة على المعنى ومن العجب أن يكون عند عائشة رضي الله عنها هذا وهي تقول: الأقراء: الأطهار وأعجب منه أن يكون هذا الحديث بهذا السند المشهور الذي كلهم أئمة ولا يخرجه أصحاب الصحيح ولا المساند ولا من اعتنى بأحاديث الأحكام وجمعها ولا الأئمة الأربعة وكيف يصبر عن إخراج هذا الحديث من هو مضطر إليه ولا سيما بهذا السند المعروف الذي هو كالشمس شهرة ولا شك أن بريرة أمرت أن تعتد وأما إنها أمرت بثلاث حيض فهذا لو صح لم نعده إلى غيره ولبادرنا إليه.(5\/557)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2445",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11011",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: وأما استدلالكم بشأن الاستبراء فلا ريب أن الصحيح كونه بحيضة وهو ظاهر النص الصحيح فلا وجه للاشتغال بالتعلل بالقول: إنها تستبرأ بالطهر فإنه خلاف ظاهر نص الرسول صلى الله عليه وسلم وخلاف القول الصحيح من قول الشافعي وخلاف قول الجمهور من الأمة فالوجه العدول إلى الفرق بين البابين فنقول: الفرق بينهما ما تقدم أن العدة وجبت قضاء لحق الزوج فاختصت بزمان حقه وهو الطهر بأنها تتكرر فيعلم منها البراءة بواسطة الحيض بخلاف الاستبراء. قولكم: لو كانت الأقراء الأطهار لم تحصل بالقرء الأول دلالة لأنه لو جامعها ثم طلقها فيه حسبت بقيته قرءا ومعلوم قطعا أن هذا الطهر لا يدل على شيء. فجوابه أنها إذا طهرت بعد طهرين كاملين صحت دلالته بانضمامه إليهما. قولكم: إن الحدود والعلامات والأدلة إنما تحصل بالأمور الظاهرة إلى آخره. جوابه أن الطهر إذا احتوشه دمان كان كذلك وإذا لم يكن قبله دم ولا بعده دم فهذا لا يعتد به البتة. قالوا: ويزيد ما ذهبنا إليه قوة أن القرء هو الجمع وزمان الطهر أولى به فإنه حينئذ يجتمع الحيض وإنما يخرج بعد جمعه. قالوا: وإدخال التاء في (ثلاثة قروء) يدل على أن القرء مذكر وهو الطهر فلو كان الحيض لكان بغير تاء لأن واحدها حيضة. فهذا ما احتج به أرباب هذا القول استدلالا وجوابا وهذا موضع لا يمكن فيه التوسط بين الفريقين إذ لا توسط بين القولين فلا بد من التحيز إلى أحد الفئتين ونحن متحيزون في هذه المسألة إلى أكابر الصحابة وقائلون فيها بقولهم:(5\/558)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2446",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11012",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن القرء الحيض وقد تقدم الاستدلال على صحة هذا القول فنجيب عما عارض به أرباب القول الآخر ليتبين ما رجحناه وبالله التوفيق.  فنقول: أما استدلالكم بقوله تعالى: فطلقوهن لعدتهن [الطلاق: 1] [الطلاق: 1]  فهو إلى أن يكون حجة عليكم أقرب منه إلى أن يكون حجة لكم فإن المراد طلاقها قبل العدة ضرورة إذ لا يمكن حمل الآية على الطلاق في العدة فإن هذا - مع تضمنه لكون اللام للظرفية بمعنى - في - فاسد معنى إذ لا يمكن إيقاع الطلاق في العدة فإنه سببها والسبب يتقدم الحكم وإذا تقرر ذلك فمن قال: الأقراء الحيض فقد عمل بالآية وطلق قبل العدة. فإن قلتم: ومن قال إنها الأطهار فالعدة تتعقب الطلاق فقد طلق قبل العدة قلنا: فبطل احتجاجكم حينئذ وصح أن المراد الطلاق قبل العدة لا فيها وكلا الأمرين يصح أن يراد بالآية لكن إرادة الحيض أرجح وبيانه أن العدة فعلة مما تعد يعني معدودة لأنها تعد وتحصى كقوله: وأحصوا العدة [الطلاق: 1] [الطلاق: 1]  والطهر الذي قبل الحيضة مما يعد ويحصى فهو من العدة وليس الكلام فيه وإنما الكلام في أمر آخر وهو دخوله في مسمى القروء الثلاثة المذكورة في الآية أم لا فلو كان النص: فطلقوهن لقروئهن لكان فيه تعلق فهنا أمران. قوله تعالى: يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [البقرة: 228] [البقرة: 228]  والثاني: قوله: فطلقوهن لعدتهن [الطلاق: 1] [الطلاق: 1]  ولا ريب أن القائل: افعل كذا لثلاث بقين من الشهر إنما يكون المأمور ممتثلا إذا فعله قبل مجيء الثلاث وكذلك إذا قال: فعلته لثلاث مضين من الشهر إنما يصدق إذا فعله بعد مضي الثلاث وهو بخلاف حرف الظرف الذي هو quot; في quot; فإنه إذا قال: فعلته في ثلاث بقين كان الفعل واقعا في نفس الثلاث وهاهنا نكتة حسنة وهي أنهم يقولون: فعلته لثلاث ليال خلون أو بقين من الشهر وفعلته في الثاني أو الثالث من الشهر أو في ثانيه أو ثالثه فمتى أرادوا مضي الزمان أو استقباله أتوا باللام ومتى أرادوا وقوع الفعل فيه أتوا بفي وسر ذلك أنهم إذا أرادوا مضي زمن الفعل أو استقباله(5\/559)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2447",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11013",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أتوا بالعلامة الدالة على اختصاص العدد الذي يلفظون به بما مضى أو بما يستقبل وإذا أرادوا وقوع الفعل في ذلك الزمان أتوا بالأداة المعينة له وهي أداة quot; في quot; وهذا خير من قول كثير من النحاة: إن اللام تكون بمعنى قبل في قولهم: كتبته لثلاث بقين وقوله: فطلقوهن لعدتهن [الطلاق: 1] [الطلاق: 1] . وبمعنى بعد كقولهم: لثلاث خلون. وبمعنى في: كقوله تعالى: ونضع الموازين القسط ليوم القيامة [الأنبياء: 47] [الأنبياء: 47]  وقوله: فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه [آل عمران: 25] [آل عمران: 25]  والتحقيق أن اللام على بابها للاختصاص بالوقت المذكور كأنهم جعلوا الفعل للزمان المذكور اتساعا لاختصاصه به فكأنه له فتأمله. وفرق آخر: وهو أنك إذا أتيت باللام لم يكن الزمان المذكور بعده إلا ماضيا أو منتظرا ومتى أتيت بفي لم يكن الزمان المجرور بها إلا مقارنا للفعل وإذا تقرر هذا من قواعد العربية فقوله تعالى: فطلقوهن لعدتهن [الطلاق: 1] [الطلاق: 1]  معناه: لاستقبال عدتهن لا فيها وإذا كانت العدة التي يطلق لها النساء مستقبلة بعد الطلاق فالمستقبل بعدها إنما هو الحيض فإن الطاهر لا تستقبل الطهر إذ هي فيه وإنما تستقبل الحيض بعد حالها التي هي فيها هذا المعروف لغة وعقلا وعرفا فإنه لا يقال لمن هو في عافية: هو مستقبل العافية ولا لمن هو في أمن: هو مستقبل الأمن ولا لمن هو في قبض مغله وإحرازه: هو مستقبل المغل وإنما المعهود لغة وعرفا أن يستقبل الشيء من هو على حال ضده وهذا أظهر من أن نكثر شواهده. فإن قيل: فيلزم من هذا أن يكون من طلق في الحيض مطلقا للعدة عند من يقول: الأقراء الأطهار لأنها تستقبل طهرها بعد حالها التي هي فيها قلنا: نعم يلزمهم ذلك فإنه لو كان أول العدة التي تطلق لها المرأة هو الطهر لكان إذا طلقها في أثناء الحيض مطلقا للعدة لأنها تستقبل الطهر بعد ذلك الطلاق. فإن قيل: quot; اللام quot; بمعنى quot; في quot; والمعنى: فطلقوهن في عدتهن وهذا إنما(5\/560)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2448",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11014",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يمكن إذا طلقها في الطهر بخلاف ما إذا طلقها في الحيض. قيل: الجواب من وجهين. أحدهما: أن الأصل عدم الاشتراك في الحروف والأصل إفراد كل حرف بمعناه فدعوى خلاف ذلك مردودة بالأصل. الثاني: أنه يلزم منه أن يكون بعض العدة ظرفا لزمن الطلاق فيكون الطلاق واقعا في نفس العدة ضرورة صحة الظرفية كما إذا قلت: فعلته في يوم الخميس بل الغالب في الاستعمال من هذا أن يكون بعض الظرف سابقا على الفعل ولا ريب في امتناع هذا فإن العدة تتعقب الطلاق ولا تقارنه ولا تتقدم عليه. قالوا: ولو سلمنا أن quot; اللام quot; بمعنى quot; في quot; وساعد على ذلك قراءة ابن عمر رضي الله عنه وغيره: (فطلقوهن في قبل عدتهن)  فإنه لا يلزم من ذلك أن يكون القرء: هو الطهر فإن القرء حينئذ يكون هو الحيض وهو المعدود والمحسوب وما قبله من الطهر يدخل في حكمه تبعا وضمنا لوجهين.  أحدهما: أن من ضرورة الحيض أن يتقدمه طهر فإذا قيل: تربصي ثلاث حيض وهي في أثناء الطهر كان ذلك الطهر من مدة التربص كما لو قيل لرجل: أقم هاهنا ثلاثة أيام وهو في أثناء ليلة فإنه يدخل بقية تلك الليلة في اليوم الذي يليها كما تدخل ليلة اليومين الآخرين في يوميهما. ولو قيل له في النهار: أقم ثلاث ليال دخل تمام ذلك النهار تبعا لليلة التي تليه.  الثاني: أن الحيض إنما يتم باجتماع الدم في الرحم قبله فكان الطهر مقدمة وسببا لوجود الحيض فإذا علق الحكم بالحيض فمن لوازمه ما لا يوجد الحيض إلا بوجوده وبهذا يظهر أن هذا أبلغ من الأيام والليالي فإن الليل والنهار متلازمان وليس أحدهما سببا لوجود الآخر وهاهنا الطهر سبب لاجتماع الدم في الرحم فقوله سبحانه وتعالى: لعدتهن [الطلاق: 1] أي لاستقبال العدة التي(5\/561)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2449",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11015",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تتربصها وهي تتربص ثلاث حيض بالأطهار التي قبلها. فإذا طلقت في أثناء الطهر فقد طلقت في الوقت الذي تستقبل فيه العدة المحسوبة وتلك العدة هي الحيض بما قبلها من الأطهار بخلاف ما لو طلقت في أثناء حيضة فإنها لم تطلق لعدة تحسبها لأن بقية ذلك الحيض ليس هو العدة التي تعتد بها المرأة أصلا ولا تبعا لأصل وإنما تسمى عدة لأنها تحبس فيها عن الأزواج إذا عرف هذا فقوله: ونضع الموازين القسط ليوم القيامة [الأنبياء: 47] [الأنبياء: 47]  يجوز أن تكون اللام لام التعليل أي: لأجل يوم القيامة. وقد قيل: إن القسط منصوب على أنه مفعول له أي نضعها لأجل القسط وقد استوفى شروط نصبه وأما قوله تعالى: أقم الصلاة لدلوك الشمس [الإسراء: 78] [الإسراء: 78]  فليست اللام بمعنى quot; في quot; قطعا بل قيل: إنها لام التعليل أي: لأجل دلوك الشمس وقيل: إنها بمعنى بعد فإنه ليس المراد إقامتها وقت الدلوك سواء فسر بالزوال أو الغروب وإنما يؤمر بالصلاة بعده ويستحيل حمل آية العدة على ذلك وهكذا يستحيل حمل آية العدة عليه إذ يصير المعنى: فطلقوهن بعد عدتهن. فلم يبق إلا أن يكون المعنى: فطلقوهن لاستقبال عدتهن ومعلوم أنها إذا طلقت طاهرا استقبلت العدة بالحيض. ولو كانت الأقراء الأطهار لكانت السنة أن تطلق حائضا لتستقبل العدة بالأطهار فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء هي أن تطلق طاهرا لتستقبل عدتها بعد الطلاق. فإن قيل: فإذا جعلنا الأقراء: الأطهار استقبلت عدتها بعد الطلاق بلا فصل ومن جعلها الحيض لم تستقبلها على قوله حتى ينقضي الطهر. قيل: كلام الرب تبارك وتعالى لا بد أن يحمل على فائدة مستقلة وحمل الآية على معنى: فطلقوهن طلاقا تكون العدة بعده لا فائدة فيه وهذا بخلاف ما إذا كان المعنى: فطلقوهن طلاقا يستقبلن فيه العدة لا يستقبلن فيه طهرا لا تعتد به فإنها إذا طلقت حائضا استقبلت طهرا لا تعتد به فلم تطلق لاستقبال العدة ويوضحه قراءة من قرأ: فطلقوهن في قبل عدتهن. وقبل العدة: هو الوقت الذي(5\/562)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2450",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11016",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكون بين يدي العدة تستقبل به كقبل الحائض يوضحه أنه لو أريد ما ذكروه لقيل: في أول عدتهن فالفرق بين بين قبل الشيء وأوله. وأما قولكم: لو كانت القروء هي الحيض لكان قد طلقها قبل العدة. قلنا: أجل وهذا هو الواجب عقلا وشرعا فإن العدة لا تفارق الطلاق ولا تسبقه بل يجب تأخرها عنه.  قولكم: وكان ذلك تطويلا عليها كما لو طلقها في الحيض قيل: هذا مبني على أن العلة في تحريم طلاق الحائض خشية التطويل عليها وكثير من الفقهاء لا يرضون هذا التعليل ويفسدونه بأنها لو رضيت بالطلاق فيه واختارت التطويل لم يبح له ولو كان ذلك لأجل التطويل لم تبح له برضاها كما يباح إسقاط الرجعة الذي هو حق المطلق بتراضيهما بإسقاطها بالعوض اتفاقا وبدونه في أحد القولين وهذا هو مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد ومالك ويقولون: إنما حرم طلاقها في الحيض لأنه طلقها في وقت رغبة عنها ولو سلمنا أن التحريم لأجل التطويل عليها فالتطويل المضر أن يطلقها حائضا فتنتظر مضي الحيضة والطهر الذي يليها ثم تأخذ في العدة فلا تكون مستقبلة لعدتها بالطلاق وأما إذا طلقت طاهرا فإنها تستقبل العدة عقيب انقضاء الطهر فلا يتحقق التطويل. وقولكم: إن القرء مشتق من الجمع وإنما يجمع الحيض في زمن الطهر. عنه ثلاثة أجوبة.  أحدها: أن هذا ممنوع والذي هو مشتق من الجمع إنما هو من باب الياء من المعتل من قرى يقري كقضى يقضي والقرء من المهموز من بنات الهمز من قرأ يقرأ كنحر ينحر وهما أصلان مختلفان فإنهم يقولون: قريت الماء في الحوض أقريه أي: جمعته ومنه سميت القرية ومنه قرية النمل: للبيت الذي تجتمع فيه لأنه يقريها أي يضمها ويجمعها. وأما المهموز فإنه من الظهور والخروج على وجه التوقيت والتحديد ومنه قراءة(5\/563)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2451",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11017",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القرآن لأن قارئه يظهره ويخرجه مقدارا محدودا لا يزيد ولا ينقص ويدل عليه قوله: إن علينا جمعه وقرآنه [القيامة: 17] [القيامة: 17]  ففرق بين الجمع والقرآن. ولو كانا واحدا لكان تكريرا محضا ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: فإذا قرأناه فاتبع قرآنه [القيامة: 18] [القيامة: 18]  فإذا بيناه فجعل قراءته نفس إظهاره وبيانه لا كما زعم أبو عبيدة أن القرآن مشتق من الجمع. ومنه قولهم: ما قرأت هذه الناقة سلى قط وما قرأت جنينا هو من هذا الباب أي ما ولدته وأخرجته وأظهرته ومنه: فلان يقرؤك السلام ويقرأ عليك السلام هو من الظهور والبيان ومنه قولهم: قرأت المرأة حيضة أو حيضتين أي: حاضتهما لأن الحيض ظهور ما كان كامنا كظهور الجنين ومنه: قروء الثريا وقروء الريح: وهو الوقت الذي يظهر المطر والريح فإنهما يظهران في وقت مخصوص وقد ذكر هذا الاشتقاق المصنفون في كتب الاشتقاق وذكره أبو عمرو وغيره ولا ريب أن هذا المعنى في الحيض أظهر منه في الطهر.  قولكم: إن عائشة رضي الله عنها قالت: القروء: الأطهار والنساء أعلم بهذا من الرجال. فالجواب أن يقال: من جعل النساء أعلم بمراد الله من كتابه وأفهم لمعناه من أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبي الدرداء رضي الله عنهم وأكابر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزول ذلك في شأنهن لا يدل على أنهن أعلم به من الرجال وإلا كانت كل آية نزلت في النساء تكون النساء أعلم بها من الرجال ويجب على الرجال تقليدهن في معناها وحكمها فيكن أعلم من(5\/564)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2452",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11018",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرجال بآية الرضاع وآية الحيض وتحريم وطء الحائض وآية عدة المتوفى عنها وآية الحمل والفصال ومدتهما وآية تحريم إبداء الزينة إلا لمن ذكر فيها وغير ذلك من الآيات التي تتعلق بهن وفي شأنهن نزلت ويجب على الرجال تقليدهن في حكم هذه الآيات ومعناها وهذا لا سبيل إليه البتة. وكيف ومدار العلم بالوحي على الفهم والمعرفة ووفور العقل والرجال أحق بهذا من النساء وأوفر نصيبا منه بل لا يكاد يختلف الرجال والنساء في مسألة إلا والصواب في جانب الرجال وكيف يقال: إذا اختلفت عائشة وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود في مسألة: إن الأخذ بقول عائشة رضي الله عنها أولى وهل الأولى إلا قول فيه خليفتان راشدان وإن كان الصديق معهما كما حكي عنه فذلك القول مما لا يعدوه(5\/565)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2453",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11019",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصواب البتة فإن النقل عن عمر وعلي ثابت وأما عن الصديق ففيه غرابة ويكفينا قول جماعة من الصحابة فيهم مثل: عمر وعلي وابن مسعود وأبي الدرداء وأبي موسى فكيف نقدم قول أم المؤمنين وفهمها على أمثال هؤلاء ثم يقال: فهذه عائشة رضي الله عنها ترى رضاع الكبير ينشر الحرمة ويثبت المحرمية ومعها جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وقد خالفها غيرها من الصحابة وهي روت حديث التحريم به فهلا قلتم: النساء أعلم بهذا من الرجال ورجحتم قولها على قول من خالفها ونقول لأصحاب مالك رحمه الله: وهذه عائشة رضي الله عنها لا ترى التحريم إلا بخمس رضعات ومعها جماعة من الصحابة وروت فيه حديثين فهلا قلتم: النساء أعلم بهذا من الرجال وقدمتم قولها على قول من خالفها فإن قلتم: هذا حكم يتعدى إلى الرجال فيستوي النساء معهم فيه قيل: ويتعدى حكم العدة مثله إلى الرجال فيجب أن يستوي النساء معهم فيه وهذا لا خفاء به. ثم يرجح قول الرجال في هذه المسألة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد لواحد من هذا الحزب بأن الله ضرب الحق على لسانه وقلبه. وقد وافق ربه تبارك وتعالى في عدة مواضع قال فيها قولا فنزل القرآن بمثل ما قال وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم فضل إنائه في النوم وأوله(5\/566)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2454",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11020",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالعلم وشهد له بأنه محدث ملهم فإذا لم يكن بد من التقليد فتقليده أولى وإن كانت الحجة هي التي تفصل بين المتنازعين فتحكيمها هو الواجب.  قولكم: إن من قال: إن الأقراء الحيض لا يقولون بقول علي وابن مسعود ولا بقول عائشة فإن عليا يقول: هو أحق برجعتها ما لم تغتسل وأنتم لا تقولون بواحد من القولين فهذا غايته أن يكون تناقضا ممن لا يقول بذلك كأصحاب أبي حنيفة وتلك شكاة ظاهر عنك عارها عمن يقول بقول علي وهو الإمام أحمد وأصحابه كما تقدم حكاية ذلك فإن العدة تبقى عنده إلى أن تغتسل كما قاله علي ومن وافقه ونحن نعتذر عمن يقول: الأقراء الحيض في ذلك ولا يقول: هو أحق بها ما لم تغتسل فإنه وافق من يقول: الأقراء الحيض في ذلك وخالفه في توقف انقضائها على الغسل لمعارض أوجب له مخالفته كما يفعله سائر الفقهاء. ولو ذهبنا نعد ما تصرفتم فيه هذا التصرف بعينه فإن كان هذا المعارض صحيحا لم يكن تناقضا منهم وإن لم يكن صحيحا لم يكن ضعيف قولهم في إحدى المسألتين عندهم بمانع لهم من موافقتهم لهم في المسألة الأخرى فإن موافقة أكابر الصحابة وفيهم من فيهم من الخلفاء الراشدين في معظم قولهم خير وأولى من مخالفتهم في قولهم جميعه وإلغائه بحيث لا يعتبر البتة.(5\/567)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2455",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11021",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: ثم لم نخالفهم في توقف انقضائها على الغسل بل قلنا: لا تنقضي حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة فوافقناهم في قولهم بالغسل وزدنا عليهم انقضاءها بمضي وقت الصلاة لأنها صارت في حكم الطاهرات بدليل استقرار الصلاة في ذمتها فأين المخالفة الصريحة للخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم.  وقولكم: لا نجد في كتاب الله للغسل معنى. فيقال: كتاب الله تعالى لم يتعرض للغسل بنفي ولا إثبات وإنما علق الحل والبينونة بانقضاء الأجل. وقد اختلف السلف والخلف فيما ينقضي به الأجل فقيل: بانقطاع الحيض. وقيل: بالغسل أو مضي صلاة أو انقطاعه لأكثره. وقيل: بالطعن في الحيضة الثالثة وحجة من وقفه على الغسل قضاء الخلفاء الراشدين قال الإمام أحمد: عمر وعلي وابن مسعود يقولون: حتى تغتسل من الحيضة الثالثة. قالوا: وهم أعلم بكتاب الله وحدود ما أنزل على رسوله وقد روي هذا المذهب عن أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان وأبي موسى وعبادة وأبي الدرداء حكاه صاحب quot; المغني quot; وغيره عنهم. ومن هاهنا قيل: إن مذهب الصديق ومن ذكر معه أن الأقراء: الحيض. قالوا: وهذا القول له حظ وافر من الفقه فإن المرأة إذا انقطع حيضها صارت في حكم الطاهرات من وجه وفي حكم الحيض من وجه والوجوه التي هي فيها في حكم الحيض أكثر من الوجوه التي هي فيها في حكم الطاهرات فإنها في حكم الطاهرات في صحة الصيام ووجوب الصلاة وفي حكم الحيض في تحريم قراءة القرآن عند من حرمه على الحائض واللبث في المسجد والطواف بالبيت وتحريم الوطء وتحريم الطلاق في أحد القولين فاحتاط الخلفاء الراشدون وأكابر الصحابة للنكاح ولم يخرجوها منه بعد ثبوته إلا بقيد لا ريب فيه وهو ثبوت حكم الطاهرات في(5\/568)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2456",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11022",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حقها من كل وجه إزالة لليقين بيقين مثله إذ ليس جعلها حائضا في تلك الأحكام أولى من جعلها حائضا في بقاء الزوجية وثبوت الرجعة وهذا من أدق الفقه وألطفه مأخذا. قالوا: وأما قول الأعشى: لما ضاع فيها من قروء نسائكا فغايته استعمال القروء في الطهر ونحن لا ننكره.  قولكم: إن الطهر أسبق من الحيض فكان أولى بالاسم فترجيح طريف جدا فمن أين يكون أولى بالاسم إذا كان سابقا في الوجود ثم ذلك السابق لا يسمى قرءا ما لم يسبقه دم عند جمهور من يقول: الأقراء الأطهار وهل يقال في كل لفظ مشترك: إن أسبق معانيه إلى الوجود أحق به فيكون عسعس من قوله: والليل إذا عسعس [التكوير: 17] [التكوير: 17]  أولى بكونه لإقبال الليل لسبقه في الوجود فإن الظلام سابق على الضياء. وأما قولكم: إن النبي صلى الله عليه وسلم فسر القروء بالأطهار فلعمر الله لو كان الأمر كذلك لما سبقتمونا إلى القول بأنها الأطهار ولبادرنا إلى هذا القول اعتقادا وعملا وهل المعول إلا على تفسيره وبيانه: تقول سليمى لو أقمتم بأرضنا ... ولم تدر أني للمقام أطوف فقد بينا من صريح كلامه ومعناه ما يدل على تفسيره للقروء بالحيض وفي ذلك كفاية.  [فصل في الأجوبة عن اعتراضكم على أدلتنا] قولكم في الاعتراض على الاستدلال بقوله: quot; ثلاثة قروء quot; فإنه يقتضي أن تكون كوامل أي: بقية الطهر قرء كامل فهذا ترجمة المذهب والشأن في كونه(5\/569)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2457",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11023",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قرءا في لسان الشارع أو في اللغة فكيف تستدلون علينا بالمذهب مع منازعة غيركم لكم فيه ممن يقول: الأقراء: الأطهار كما تقدم ولكن أوجدونا في لسان الشارع أو في لغة العرب أن اللحظة من الطهر تسمى قرءا كاملا وغاية ما عندكم أن بعض من قال: القروء الأطهار لا كلهم يقولون: بقية القرء المطلق فيه قرء وكان ماذا كيف وهذا الجزء من الطهر بعض طهر بلا ريب فإذا كان مسمى القرء في الآية هو الطهر وجب أن يكون هذا بعض قرء يقينا أو يكون القرء مشتركا بين الجميع والبعض وقد تقدم إبطال ذلك وأنه لم يقل به أحد.  قولكم: إن العرب توقع اسم الجمع على اثنين وبعض الثالث جوابه من وجوه. أحدها: أن هذا إن وقع فإنما يقع في أسماء الجموع التي هي ظواهر في مسماها وأما صيغ العدد التي هي نصوص في مسماها فكلا ولما ولم ترد صيغة العدد إلا مسبوقة بمسماها كقوله: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله [التوبة: 36] [التوبة: 36] . وقوله: ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا [الكهف: 25] [الكهف: 25] . وقوله: فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة [البقرة: 196] [البقرة: 196] . وقوله سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما [الحاقة: 7] [الحاقة: 7]  ونظائره مما لا يراد به في موضع واحد دون مسماه من العدد. وقوله: ثلاثة قروء [البقرة: 228]  اسم عدد ليس بصيغة جمع فلا يصح إلحاقه بأشهر معلومات لوجهين. أحدهما: أن اسم العدد نص في مسماه لا يقبل التخصيص المنفصل بخلاف الاسم العام فإنه يقبل التخصيص المنفصل فلا يلزم من التوسع في الاسم الظاهر التوسع في الاسم الذي هو نص فيما يتناوله. الثاني: أن اسم الجمع يصح استعماله في اثنين فقط مجازا عند الأكثرين وحقيقة عند بعضهم فصحة استعماله في اثنين وبعض الثالث أولى بخلاف(5\/570)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2458",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11024",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثلاثة ولهذا لما قال الله تعالى: فإن كان له إخوة فلأمه السدس [النساء: 11] [النساء 11] حمله الجمهور على أخوين ولما قال: فشهادة أحدهم أربع شهادات [النور: 6] [النور 6] لم يحملها أحد على ما دون الأربع. والجواب الثاني: أنه وإن صح استعمال الجمع في اثنين وبعض الثالث إلا أنه مجاز والحقيقة أن يكون المعنى على وفق اللفظ وإذا دار اللفظ بين حقيقته ومجازه فالحقيقة أولى به.  الجواب الثالث: أنه إنما جاء استعمال الجمع في اثنين وبعض الثالث في أسماء الأيام والشهور والأعوام خاصة لأن التاريخ إنما يكون في أثناء هذه الأزمنة فتارة يدخلون السنة الناقصة في التاريخ وتارة لا يدخلونها. وكذلك الأيام وقد توسعوا في ذلك ما لم يتوسعوا في غيره فأطلقوا الليالي وأرادوا الأيام معها تارة وبدونها أخرى وبالعكس. الجواب الرابع: أن هذا التجوز جاء في جمع القلة وهو قوله الحج أشهر معلومات [البقرة: 197] [البقرة 197] . وقوله ثلاثة قروء [البقرة: 228] جمع كثرة وكان من الممكن أن يقال: ثلاثة أقراء إذ هو الأغلب على الكلام بل هو الحقيقة عند أكثر النحاة والعدول عن صيغة القلة إلى صيغة الكثرة لا بد له من فائدة ونفي التجوز في هذا الجمع يصلح أن يكون فائدة ولا يظهر غيرها فوجب اعتبارها.  الجواب الخامس: أن اسم الجمع إنما يطلق على اثنين وبعض الثالث فيما يقبل التبعيض وهو اليوم والشهر والعام ونحو ذلك دون ما لا يقبله والحيض والطهر لا يتبعضان ولهذا جعلت عدة الأمة ذات الأقراء قرأين كاملين بالاتفاق ولو أمكن تنصيف القرء لجعلت قرءا ونصفا هذا مع قيام المقتضي للتبعيض فأن لا يجوز التبعيض مع قيام المقتضي للتكميل أولى وسر المسألة أن القرء ليس لبعضه حكم في الشرع. الجواب السادس أنه سبحانه قال في الآيسة والصغيرة: فعدتهن ثلاثة أشهر [الطلاق: 4](5\/571)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2459",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11025",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": " ثم اتفقت الأمة على أنها ثلاثة كوامل وهي بدل عن الحيض فتكميل المبدل أولى. قولكم: إن أهل اللغة يصرحون بأن له مسميين الحيض والطهر لا ننازعكم فيه ولكن حمله على الحيض أولى للوجوه التي ذكرناها والمشترك إذا اقترن به قرائن ترجح أحد معانيه وجب الحمل على الراجح. قولكم: إن الطهر الذي لم يسبقه دم قرء على الأصح فهذا ترجيح وتفسير للفظه بالمذهب وإلا فلا يعرف في لغة العرب قط أن طهر بنت أربع سنين يسمى قرءا ولا تسمى من ذوات الأقراء لا لغة ولا عرفا ولا شرعا فثبت أن الدم داخل في مسمى القرء ولا يكون قرءا إلا مع وجوده.  قولكم: إن الدم شرط للتسمية كالكأس والقلم وغيرهما من الألفاظ المذكورة تنظير فاسد فإن مسمى تلك الألفاظ حقيقة واحدة مشروطة بشروط والقرء مشترك بين الطهر والحيض يقال على كل منهما حقيقة فالحيض مسماه حقيقة لا أنه شرط في استعماله في أحد مسمييه فافترقا.  قولكم: لم يجئ في لسان الشارع للحيض قلنا: قد بينا مجيئه في كلامه للحيض بل لم يجئ في كلامه للطهر البتة في موضع واحد وقد تقدم أن سفيان بن عيينة روى عن أيوب عن سليمان بن يسار عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم في المستحاضة (تدع الصلاة أيام أقرائها)  قولكم: إن الشافعي قال: ما حدث بهذا سفيان قط جوابه أن الشافعي لم يسمع سفيان يحدث به فقال بموجب ما سمعه من سفيان أو عنه من قوله ( لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر ) وقد سمعه من سفيان من لا يستراب بحفظه وصدقه وعدالته. وثبت في السنن من حديث فاطمة بنت أبي حبيش أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه الدم فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما ذلك عرق فانظري فإذا أتى قرؤك فلا تصلي وإذا مر(5\/572)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2460",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11026",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء)  رواه أبو داود بإسناد صحيح فذكر فيه لفظ القرء أربع مرات في كل ذلك يريد به الحيض لا الطهر وكذلك إسناد الذي قبله وقد صححه جماعة من الحفاظ. وأما حديث سفيان الذي قال فيه: ( لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر ) فلا تعارض بينه وبين اللفظ الذي احتججنا به بوجه ما حتى يطلب ترجيح أحدهما على الآخر بل أحد اللفظين يجري من الآخر مجرى التفسير والبيان وهذا يدل على أن القرء اسم لتلك الليالي والأيام فإنه إن كانا جميعا لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو الظاهر - فظاهر وإن كان قد روي بالمعنى فلولا أن معنى أحد اللفظين معنى الآخر لغة وشرعا لم يحل للراوي أن يبدل لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يقوم مقامه ولا يسوغ له أن يبدل اللفظ بما يوافق مذهبه ولا يكون مرادفا للفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا سيما والراوي لذلك من لا يدفع عن الإمامة والصدق والورع وهو أيوب السختياني وهو أجل من نافع وأعلم. وقد روى عثمان بن سعد الكاتب حدثنا ابن أبي مليكة قال: جاءت خالتي فاطمة بنت أبي حبيش إلى عائشة رضي الله عنها فقالت: إني أخاف أن أقع في النار أدع الصلاة السنة والسنتين قالت: انتظري حتى يجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء فقالت عائشة رضي الله عنها: هذه فاطمة تقول كذا وكذا قال: (قولي لها فلتدع الصلاة في كل شهر أيام قرئها)  قال الحاكم: هذا حديث صحيح وعثمان بن سعد الكاتب بصري ثقة عزيز الحديث يجمع حديثه قال البيهقي: وتكلم فيه غير واحد. وفيه: أنه تابعه الحجاج بن أرطاة(5\/573)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2461",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11027",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها. وفي quot; المسند quot;: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: (إذا أقبلت أيام أقرائك فأمسكي عليك)  الحديث. وفي quot; سنن أبي داود quot; من حديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم في المستحاضة (تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي)  . وفي quot; سننه quot; أيضا: أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه الدم فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما ذلك عرق فانظري فإذا أتى قرؤك فلا تصلي فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء)  وقد تقدم. قال أبو داود: وروى قتادة عن عروة عن زينب عن أم سلمة رضي الله عنها ( أن أم حبيبة بنت جحش رضي الله عنها استحيضت فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تدع الصلاة أيام أقرائها ) وتعليل هذه الأحاديث بأن هذا من تغيير الرواة رووه بالمعنى لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه فلو كانت من جانب من عللها لأعاد ذكرها وأبداه وشنع على من خالفها. وأما قولكم: إن الله سبحانه وتعالى جعل اليأس من الحيض شرطا في الاعتداد بالأشهر فمن أين يلزم أن تكون القروء هي الحيض قلنا: لأنه جعل الأشهر الثلاثة بدلا عن الأقراء الثلاثة وقال: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم [الطلاق: 4] [الطلاق 4] فنقلهن إلى الأشهر عند تعذر مبدلهن وهو الحيض(5\/574)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2462",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11028",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فدل على أن الأشهر بدل عن الحيض الذي يئسن منه لا عن الطهر وهذا واضح.  قولكم: حديث عائشة رضي الله عنها معلول بمظاهر بن أسلم ومخالفة عائشة له فنحن إنما احتججنا عليكم بما استدللتم به علينا في كون الطلاق بالنساء لا بالرجال فكل من صنف من أصحابكم في طريق الخلاف أو استدل على أن طلاق العبد طلقتان احتج علينا بهذا الحديث. وقال: جعل النبي صلى الله عليه وسلم طلاق العبد تطليقتين فاعتبر الطلاق بالرجال لا بالنساء واعتبر العدة بالنساء فقال: وعدة الأمة حيضتان. فيا سبحان الله يكون الحديث سليما من العلل إذا كان حجة لكم فإذا احتج به منازعوكم عليكم اعتورته العلل المختلفة فما أشبهه بقول القائل يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى ... إليكم تلقى نشركم فيطيب فنحن إنما كلنا لكم بالصاع الذي كلتم لنا به بخسا ببخس وإيفاء بإيفاء ولا ريب أن مظاهرا ممن لا يحتج به لكن لا يمتنع أن يعتضد بحديثه ويقوى به والدليل غيره. وأما تعليله بخلاف عائشة رضي الله عنها له فأين ذلك من تقريركم أن مخالفة الراوي لا توجب رد حديثه وأن الاعتبار بما رواه لا بما رآه وتكثركم من الأمثلة التي أخذ الناس فيها بالرواية دون مخالفة راويها لها كما أخذوا برواية ابن عباس المتضمنة لبقاء النكاح مع بيع الزوجة وتركوا رأيه بأن بيع الأمة طلاقها وغير ذلك. وأما ردكم لحديث ابن عمر رضي الله عنه: ( طلاق الأمة طلقتان وقرؤها حيضتان ) بعطية العوفي فهو وإن ضعفه أكثر أهل الحديث فقد احتمل الناس حديثه وخرجوه في السنن وقال يحيى بن معين في رواية عباس الدوري عنه صالح الحديث وقال أبو أحمد بن عدي رحمه الله: روى عنه جماعة من(5\/575)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2463",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11029",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثقات وهو مع ضعفه يكتب حديثه فيعتضد به وإن لم يعتمد عليه وحده. وأما ردكم الحديث بأن ابن عمر مذهبه: أن القروء الأطهار فلا ريب أن هذا يورث شبهة في الحديث ولكن ليس هذا بأول حديث خالفه راويه فكان الاعتبار بما رواه لا بما ذهب إليه: وهذا هو الجواب عن ردكم لحديث عائشة رضي الله عنها بمذهبها ولا يعترض على الأحاديث بمخالفة الرواة لها.  وأما ردكم لحديث المختلعة وأمرها أن تعتد بحيضة فإنا لا نقول به فللناس في هذه المسألة قولان وهما روايتان عن أحمد أحدهما: أن عدتها ثلاث حيض كقول الشافعي ومالك وأبي حنيفة. والثاني: أن عدتها حيضة وهو قول أمير المؤمنين عثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وهو مذهب أبان بن عثمان وبه يقول إسحاق بن راهويه وابن المنذر وهذا هو الصحيح في الدليل والأحاديث الواردة فيه لا معارض لها والقياس يقتضيه حكما وسنبين هذه المسألة عند ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة المختلعة. قالوا: ومخالفتنا لحديث اعتداد المختلعة بحيضة في بعض ما اقتضاه من جواز الاعتداد بحيضة لا يكون عذرا لكم في مخالفة ما اقتضاه من أن القروء الحيض فنحن وإن خالفناه في حكم فقد وافقناه في الحكم الآخر وهو أن القرء الحيض وأنتم خالفتموه في الأمرين جميعا هذا مع أن من يقول: الأقراء الحيض ويقول: المختلعة تعتد بحيضة قد سلم من هذه المطالبة فماذا تردون به قوله  وأما قولكم: في الفرق بين الاستبراء والعدة: إن العدة وجبت قضاء لحق الزوج فاختصت بزمان حقه كلام لا تحقيق وراءه فإن حقه في جنس الاستمتاع في زمن الحيض والطهر وليس حقه مختصا بزمن الطهر ولا العدة مختصة بزمن الطهر دون الحيض وكلا الوقتين محسوب من العدة وعدم تكرر(5\/576)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2464",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11030",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاستبراء لا يمنع أن يكون طهرا محتوشا بدمين كقرء المطلقة فتبين أن الفرق غير طائل. قولكم: إن انضمام قرأين إلى الطهر الذي جامع فيه يجعله علما جوابه: أن هذا يفضي إلى أن تكون العدة قرأين حسب فإن ذلك الذي جامع فيه لا دلالة له على البراءة البتة وإنما الدال القرآن بعده وهذا خلاف موجب النص وهذا لا يلزم من جعل الأقراء الحيض فإن الحيضة وحدها علم ولهذا اكتفي بها في استبراء الإماء. قولكم: إن القرء هو الجمع والحيض يجتمع في زمان الطهر فقد تقدم جوابه وأن ذلك في المعتل لا في المهموز. قولكم: دخول التاء في ثلاثة يدل على أن واحدها مذكر وهو الطهر جوابه: أن واحد القروء قرء وهو مذكر فأتى بالتاء مراعاة للفظه وإن كان مسماه حيضة وهذا كما يقال جاءني ثلاثة أنفس وهن نساء باعتبار اللفظ. والله أعلم.  [فصل قول من سوى بين عدة الحرة والأمة] فصل وقد احتج بعموم آيات العدد الثلاث من يرى أن عدة الحرة والأمة سواء قال أبو محمد بن حزم: وعدة الأمة المتزوجة من الطلاق والوفاة كعدة الحرة سواء بسواء ولا فرق لأن الله تعالى علمنا العدد في الكتاب فقال والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [البقرة: 228] [البقرة 288]  وقال والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [البقرة: 234] [البقرة 234]  وقال الله تعالى: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [الطلاق: 4] [الطلاق 4] وقد علم الله تعالى إذ أباح لنا زواج الإماء أنه يكون(5\/577)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2465",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11031",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليهن العدد المذكورات. وما فرق عز وجل بين حرة ولا أمة في ذلك وما كان ربك نسيا. وثبت عمن سلف مثل قولنا: قال محمد بن سيرين رحمه الله: ما أرى عدة الأمة إلا كعدة الحرة إلا أن يكون مضت في ذلك سنة فالسنة أحق أن تتبع. قال: وقد ذكر أحمد بن حنبل أن قول مكحول: إن عدة الأمة في كل شيء كعدة الحرة وهو قول أبي سليمان وجميع أصحابنا هذا كلامه.  وقد خالفهم في ذلك جمهور الأمة فقالوا: عدتها نصف عدة الحرة هذا قول فقهاء المدينة سعيد بن المسيب والقاسم وسالم وزيد بن أسلم وعبد الله بن عتبة والزهري ومالك وفقهاء أهل مكة كعطاء بن أبي رباح ومسلم بن خالد وغيرهما وفقهاء البصرة كقتادة وفقهاء الكوفة كالثوري وأبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله وفقهاء الحديث كأحمد وإسحاق والشافعي وأبي ثور رحمهم الله وغيرهم. وسلفهم في ذلك الخليفتان الراشدان عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما صح ذلك عنهما وهو قول عبد الله بن عمر رضي الله عنه كما رواه مالك عن نافع عنه (عدة الأمة حيضتان وعدة الحرة ثلاث حيض)  وهو قول زيد بن ثابت كما رواه الزهري عن قبيصة بن ذؤيب عن زيد بن ثابت (عدة الأمة حيضتان وعدة الحرة ثلاث حيض) . وروى حماد بن زيد عن عمرو بن أوس الثقفي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (لو استطعت أن أجعل عدة الأمة حيضة ونصفا لفعلت فقال له: رجل يا أمير المؤمنين فاجعلها شهرا ونصفا) . وقال عبد الرزاق حدثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: جعل لها عمر رضي الله عنه حيضتين يعني: الأمة المطلقة. وروى عبد الرزاق أيضا: عن ابن عيينة عن محمد بن عبد الرحمن عن(5\/578)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2466",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11032",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سليمان بن يسار عن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عمر رضي الله عنه (ينكح العبد اثنتين ويطلق تطليقتين وتعتد الأمة حيضتين فإن لم تحض فشهرين أو قال فشهرا ونصفا ) . وذكر عبد الرزاق أيضا: عن معمر عن المغيرة عن إبراهيم النخعي عن ابن مسعود قال (يكون عليها نصف العذاب ولا يكون لها نصف الرخصة) . وقال ابن وهب: أخبرني رجال من أهل العلم أن نافعا وابن قسيط ويحيى بن سعيد وربيعة وغير واحد من أصحاب رسول الله والتابعين قالوا: عدة الأمة حيضتان. قالوا: ولم يزل هذا عمل المسلمين. قال ابن وهب: أخبرني هشام بن سعد عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم قال: عدة الأمة حيضتان. قال القاسم: مع أن هذا ليس في كتاب الله عز وجل ولا نعلمه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن قد مضى أمر الناس على هذا وقد تقدم هذا الحديث بعينه وقول القاسم وسالم فيه لرسول الأمير: قل له إن هذا ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن عمل به المسلمون. قالوا: ولو لم يكن في المسألة إلا قول عمر: وابن مسعود: وزيد بن ثابت: وعبد الله بن عمر لكفى به. وفي قول ابن مسعود رضي الله عنه تجعلون عليها نصف العذاب ولا تجعلون لها نصف الرخصة دليل على اعتبار الصحابة للأقيسة والمعاني وإلحاق النظير بالنظير. ولما كان هذا الأثر مخالفا لقول الظاهرية في الأصل والفرع طعن ابن حزم(5\/579)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2467",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11033",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيه وقال لا يصح عن ابن مسعود قال: وهذا بعيد على رجل من عرض الناس فكيف عن مثل ابن مسعود وإنما جرأه على الطعن فيه أنه من رواية إبراهيم النخعي عنه رواه عبد الرزاق عن معمر عن المغيرة عن إبراهيم وإبراهيم لم يسمع من عبد الله ولكن الواسطة بينه وبينه أصحاب عبد الله كعلقمة ونحوه. وقد قال إبراهيم: إذا قلت قال عبد الله فقد حدثني به غير واحد عنه وإذا قلت: قال فلان عنه فهو عمن سميت أو كما قال. ومن المعلوم أن بين إبراهيم وعبد الله أئمة ثقات لم يسم قط متهما ولا مجروحا ولا مجهولا فشيوخه الذين أخذ عنهم عن عبد الله أئمة أجلاء نبلاء وكانوا كما قيل: سرج الكوفة وكل من له ذوق في الحديث إذا قال إبراهيم: قال عبد الله لم يتوقف في ثبوته عنه وإن كان غيره ممن في طبقته لو قال: قال عبد الله لا يحصل لنا الثبت بقوله فإبراهيم عن عبد الله نظير ابن المسيب عن عمر ونظير مالك عن ابن عمر فإن الوسائط بين هؤلاء وبين الصحابة رضي الله عنهم إذا سموهم وجدوا من أجل الناس وأوثقهم وأصدقهم ولا يسمون سواهم البتة ودع ابن مسعود في هذه المسألة فكيف يخالف عمر وزيدا وابن عمر وهم أعلم بكتاب الله وسنة رسوله ويخالف عمل المسلمين لا إلى قول صاحب البتة ولا إلى حديث صحيح ولا حسن بل إلى عموم أمره ظاهر عند جميع الأمة ليس هو مما تخفى دلالته ولا موضعه حتى يظفر به الواحد والاثنان دون سائر الناس هذا من أبين المحال. ولو ذهبنا نذكر الآثار عن التابعين بتنصيف عدة الأمة لطالت جدا ثم إذا تأملت سياق الآيات التي فيها ذكر العدد وجدتها لا تتناول الإماء وإنما تتناول الحرائر فإنه سبحانه قال والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف [البقرة: 228] [البقرة 228] إلى أن قال ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به [البقرة: 229](5\/580)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2468",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11034",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[البقرة 229] وهذا في حق الحرائر دون الإماء فإن افتداء الأمة إلى سيدها لا إليها. ثم قال فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا [البقرة: 230] [البقرة 230] فجعل ذلك إليهما والتراجع المذكور في حق الأمة وهو العقد إنما هو إلى سيدها لا إليها بخلاف الحرة فإنه إليها بإذن وليها وكذلك قوله سبحانه في عدة الوفاة والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف [البقرة: 234] [البقرة 234]  وهذا إنما هو في حق الحرة وأما الأمة فلا فعل لها في نفسها البتة فهذا في العدة الأصلية. وأما عدة الأشهر ففرع وبدل. وأما عدة وضع الحمل فيستويان فيها كما ذهب إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون وعمل به المسلمون وهو محض الفقه وموافق لكتاب الله في تنصيف الحد عليها ولا يعرف في الصحابة مخالف في ذلك وفهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله أولى من فهم من شذ عنهم من المتأخرين وبالله التوفيق. ولا تعرف التسوية بين الحرة والأمة في العدة عن أحد من السلف إلا عن محمد بن سيرين ومكحول. فأما ابن سيرين فلم يجزم بذلك وأخبر به عن رأيه وعلق القول به على عدم سنة تتبع. وأما قول مكحول فلم يذكر له سندا وإنما حكاه عنه أحمد رحمه الله وهو لا يقبل عند أهل الظاهر ولا يصح فلم يبق معكم أحد من السلف إلا رأي ابن سيرين وحده المعلق على عدم سنة متبعة ولا ريب أن سنة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ذلك متبعة ولم يخالفه في ذلك أحد من الصحابة رضي الله عنهم والله أعلم.  فإن قيل: كيف تدعون إجماع الصحابة وجماهير الأمة وقد صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن عدة الأمة التي لم تبلغ ثلاثة أشهر وصح ذلك عن عمر بن عبد العزيز ومجاهد والحسن وربيعة والليث بن سعد(5\/581)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2469",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11035",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والزهري وبكر بن الأشج ومالك وأصحابه وأحمد بن حنبل في إحدى الروايات عنه. ومعلوم أن الأشهر في حق الآيسة والصغيرة بدل عن الأقراء الثلاث فدل على أن بدلها في حقها ثلاثة. فالجواب أن القائلين بهذا هم بأنفسهم القائلون إن عدتها حيضتان وقد أفتوا بهذا وهذا ولهم في الاعتداد بالأشهر ثلاثة أقوال وهي للشافعي وهي ثلاث روايات عن أحمد. فأكثر الروايات عنه أنها شهران رواه عنه جماعة من أصحابه وهو إحدى الروايتين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذكرها الأثرم وغيره عنه. وحجة هذا القول أن عدتها بالأقراء حيضتان فجعل كل شهر مكان حيضة. والقول الثاني: إن عدتها شهر ونصف نقلها عنه الأثرم والميموني وهذا قول علي بن أبي طالب وابن عمر وابن المسيب وأبي حنيفة والشافعي في أحد أقواله. وحجته أن التنصيف في الأشهر ممكن فتنصفت بخلاف القروء. ونظير هذا: أن المحرم إذا وجب عليه في جزاء الصيد نصف مد أخرجه فإن أراد الصيام مكانه لم يجزه إلا صوم يوم كامل. والقول الثالث: أن عدتها ثلاثة أشهر كوامل وهو إحدى الروايتين عن عمر رضي الله عنه وقول ثالث للشافعي وهو فيمن ذكرتموه. والفرق عند هؤلاء بين اعتدادها بالأقراء وبين اعتدادها بالشهور أن الاعتبار بالشهور للعلم ببراءة رحمها وهو لا يحصل بدون ثلاثة أشهر في حق الحرة والأمة جميعا لأن الحمل يكون نطفة أربعين يوما ثم علقة أربعين ثم مضغة أربعين وهو الطور الثالث الذي يمكن أن يظهر فيه الحمل وهو بالنسبة إلى الحرة والأمة سواء بخلاف الأقراء فإن الحيضة الواحدة علم ظاهر على(5\/582)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2470",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11036",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاستبراء ولهذا اكتفي بها في حق المملوكة فإذا زوجت فقد أخذت شبها من الحرائر وصارت أشرف من ملك اليمين فجعلت عدتها بين العدتين. قال الشيخ في quot; المغني quot;: ومن رد هذا القول قال: هو مخالف لإجماع الصحابة لأنهم اختلفوا على القولين الأولين ومتى اختلفوا على قولين لم يجز إحداث قول ثالث لأنه يفضي إلى تخطئتهم وخروج الحق عن قول جميعهم. قلت: وليس في هذا إحداث قول ثالث بل هو إحدى الروايتين عن عمر ذكرها ابن وهب وغيره وقال به من التابعين من ذكرناهم وغيرهم.  [فصل عدة الآيسة والتي لم تحض] فصل وأما عدة الآيسة والتي لم تحض فقد بينها سبحانه في كتابه فقال واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن [الطلاق: 4] [الطلاق 4] وقد اضطرب الناس في حد الإياس اضطرابا شديدا فمنهم من حده بخمسين سنة وقال لا تحيض المرأة بعد الخمسين وهذا قول إسحاق ورواية عن أحمد رحمه الله واحتج أرباب هذا القول بقول عائشة رضي الله عنها: (إذا بلغت خمسين سنة خرجت من حد الحيض) وحده طائفة بستين سنة وقالوا: لا تحيض بعد الستين وهذه رواية ثانية عن أحمد. وعنه رواية ثالثة الفرق بين نساء العرب وغيرهم فحده ستون في نساء العرب وخمسون في نساء العجم. وعنه رواية رابعة أن ما بين الخمسين والستين دم مشكوك فيه تصوم وتصلي وتقضي الصوم المفروض وهذه اختيار الخرقي. وعنه رواية خامسة أن الدم إن عاود بعد الخمسين وتكرر فهو حيض وإلا فلا.  وأما الشافعي رحمه الله فلا نص له في تقدير الإياس بمدة وله قولان بعد. أحدهما: أنه يعرف بيأس أقاربها. والثاني: أنه يعتبر بيأس جميع النساء فعلى القول الأول هل المعتبر جميع أقاربها أو نساء عصباتها أو نساء بلدها خاصة فيه ثلاثة أوجه ثم إذا قيل: يعتبر بالأقارب فاختلفت عادتهن فهل يعتبر بأقل عادة منهن أو بأكثرهن عادة أو بأقصر امرأة في العالم عادة على(5\/583)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2471",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11037",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثلاثة أوجه والقول الثاني للشافعي رحمه الله أن المعتبر جميع النساء. ثم اختلف أصحابه هل لذلك حد أم لا على وجهين أحدهما: ليس له حد وهو ظاهر نصه. والثاني: له حد ثم اختلفوا فيه على وجهين أحدهما: أنه ستون سنة قاله أبو العباس بن القاص والشيخ أبو حامد. والثاني: اثنان وستون سنة قاله الشيخ أبو إسحاق في quot;quot; المهذب quot;quot; وابن الصباغ في quot;quot; الشامل quot;quot;. وأما أصحاب مالك رحمه الله فلم يحدوا سن الإياس بحد البتة. وقال آخرون منهم شيخ الإسلام ابن تيمية: اليأس يختلف باختلاف النساء وليس له حد يتفق فيه النساء. والمراد بالآية أن يأس كل امرأة من نفسها لأن اليأس ضد الرجاء فإذا كانت المرأة قد يئست من الحيض ولم ترجه فهي آيسة وإن كان لها أربعون أو نحوها وغيرها لا تيأس منه وإن كان لها خمسون. وقد ذكر الزبير بن بكار: أن بعضهم قال: لا تلد لخمسين سنة إلا عربية ولا تلد لستين سنة إلا قرشية. وقال: إن هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن ربيعة ولدت موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ولها ستون سنة. وقد صح ( عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم يرتفع حيضها لا تدري ما رفعه أنها تتربص تسعة أشهر فإن استبان بها حمل وإلا اعتدت ثلاثة أشهر) وقد وافقه الأكثرون على هذا منهم مالك وأحمد والشافعي في القديم. قالوا: تتربص غالب مدة الحمل ثم تعتد عدة الآيسة ثم تحل للأزواج ولو كانت بنت ثلاثين سنة أو أربعين وهذا يقتضي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن وافقه من السلف والخلف تكون المرأة آيسة عندهم قبل الخمسين وقبل الأربعين وأن اليأس عندهم ليس وقتا محدودا للنساء بل مثل هذه تكون آيسة وإن كانت بنت ثلاثين وغيرها لا تكون آيسة وإن بلغت خمسين. وإذا كانوا فيمن ارتفع حيضها ولا تدري ما رفعه جعلوها آيسة بعد تسعة أشهر فالتي تدري ما رفعه إما بدواء يعلم أنه لا(5\/584)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2472",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11038",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعود معه وإما بعادة مستقرة لها من أهلها وأقاربها أولى أن تكون آيسة. وإن لم تبلغ الخمسين وهذا بخلاف ما إذا ارتفع لمرض أو رضاع أو حمل فإن هذه ليست آيسة فإن ذلك يزول. فالمراتب ثلاثة. أحدها: أن ترتفع ليأس معلوم متيقن بأن تنقطع عاما بعد عام ويتكرر انقطاعه أعواما متتابعة ثم يطلق بعد ذلك فهذه تتربص ثلاثة أشهر بنص القرآن سواء كانت بنت أربعين أو أقل أو أكثر وهي أولى بالتربص بثلاثة أشهر من التي حكم فيها الصحابة والجمهور بتربصها تسعة أشهر ثم ثلاثة فإن تلك كانت تحيض وطلقت وهي حائض ثم ارتفع حيضها بعد طلاقها لا تدري ما رفعه فإذا حكم فيها بحكم الآيسات بعد انقضاء غالب مدة الحمل فكيف بهذه  ولهذا قال القاضي إسماعيل في quot; أحكام القرآن quot;: إذا كان الله سبحانه قد ذكر اليأس مع الريبة فقال تعالى: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر [الطلاق: 4] [الطلاق 4]  ثم جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لفظ موافق لظاهر القرآن لأنه قال (أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم ارتفعت حيضتها لا تدري ما رفعها فإنها تنتظر تسعة أشهر ثم تعتد ثلاثة أشهر) . فلما كانت لا تدري ما الذي رفع الحيضة كان موضع الارتياب فحكم فيها بهذا الحكم وكان اتباع ذلك ألزم وأولى من قول من يقول إن الرجل يطلق امرأته تطليقة أو تطليقتين فيرتفع حيضها وهي شابة أنها تبقى ثلاثين سنة معتدة وإن جاءت بولد لأكثر من سنتين لم يلزمه فخالف ما كان من إجماع المسلمين الذي مضوا لأنهم كانوا مجمعين على أن الولد يلحق بالأب ما دامت المرأة في عدتها فكيف يجوز أن يقول قائل إن الرجل يطلق امرأته تطليقة أو تطليقتين ويكون بينها وبين زوجها أحكام الزوجات ما دامت في عدتها من الموارثة وغيرها فإن جاءت بولد لم يلحقه وظاهر عدة الطلاق أنها جعلت من الدخول الذي يكون منه الولد فكيف تكون المرأة معتدة والولد لا يلزم قلت: هذا إلزام منه لأبي حنيفة فإن عنده أقصر مدة الحمل سنتان(5\/585)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2473",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11039",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمرتابة في أثناء عدتها لا تزال في عدة حتى تبلغ سن الإياس فتعتد به وهو يلزم الشافعي في قوله الجديد سواء إلا أن مدة الحمل عنده أربع سنين. فإذا جاءت به بعدها لم يلحقه وهي في عدتها منه. قال القاضي إسماعيل: واليأس يكون بعضه أكثر من بعض وكذلك القنوط وكذلك الرجاء وكذلك الظن ومثل هذا يتسع الكلام فيه فإذا قيل منه شيء أنزل على قدر ما يظهر من المعنى فيه فمن ذلك أن الإنسان يقول قد يئست من مريضي إذا كان الأغلب عنده أنه لا يبرأ ويئست من غائبي إذا كان الأغلب عنده أنه لا يقدم ولو قال إذا مات غائبه أو مات مريضه قد يئست منه لكان الكلام عند الناس على غير وجهه إلا أن يتبين معنى ما قصد له في كلامه مثل أن يقول كنت وجلا في مرضه مخافة أن يموت فلما مات وقع اليأس فينصرف الكلام على هذا وما أشبهه. إلا أن أكثر ما يلفظ باليأس إنما يكون فيما هو الأغلب عند اليأس أنه لا يكون وليس واحد من اليائس والطامع يعلم يقينا أن ذلك الشيء يكون أو لا يكون وقال الله تعالى: والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة [النور: 60] [النور 60] والرجاء ضد اليأس والقاعدة من النساء قد يمكن أن تزوج غير أن الأغلب عند الناس فيها أن الأزواج لا يرغبون فيها. وقال الله تعالى: وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا [الشورى: 28] [الشورى: 28] والقنوط شبه اليأس وليس يعلمون يقينا أن المطر لا يكون ولكن اليأس دخلهم حين تطاول إبطاؤه. وقال الله تعالى: حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا [يوسف: 110] [يوسف 110] فلما ذكر أن الرسل هم الذين استيأسوا كان فيه دليل على أنهم دخل قلوبهم يأس من غير يقين استيقنوه لأن اليقين في ذلك إنما يأتيهم من عند الله كما قال في قصة نوح وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون [هود: 36] [هود: 36]  وقال الله تعالى في قصة إخوة يوسف فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا [يوسف: 80] [يوسف 80] فدل الظاهر على أن يأسهم ليس بيقين وقد حدثنا ابن أبي أويس حدثنا مالك(5\/586)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2474",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11040",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن هشام بن عروة عن أبيه أن (عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول في خطبته: تعلمن أيها الناس أن الطمع فقر وأن اليأس غنى وأن المرء إذا يئس من شيء استغنى عنه) فجعل عمر اليأس بإزاء الطمع وسمعت أحمد بن المعدل ينشد شعرا لرجل من القدماء يصف ناقة صفراء من تلد بني العباس ... صيرتها كالظبي في الكناس تدر أن تسمع بالإبساس ... فالنفس بين طمع وياس فجعل الطمع بإزاء اليأس. وحدثنا سليمان بن حرب حدثنا جرير بن حازم عن الأعمش عن سلام بن شرحبيل قال سمع (حبة بن خالد وسواء بن خالد أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم قالا: علمنا شيئا ثم قال quot; لا تيأسا من الخير ما تهزهزت رءوسكما فإن كل عبد يولد أحمر ليس عليه قشرة ثم يرزقه الله ويعطيه)  وحدثنا علي بن عبد الله حدثنا ابن عيينة قال قال هشام بن عبد الملك لأبي حازم يا أبا حازم ما مالك. قال خير مال ثقتي بالله ويأسي مما في أيدي الناس. قال: وهذا أكثر من أن يحصى انتهى. قال شيخنا: وليس للنساء في ذلك عادة مستمرة بل فيهن من لا تحيض وإن بلغت وفيهن من تحيض حيضا يسيرا يتباعد ما بين أقرائها حتى تحيض في السنة مرة ولهذا اتفق العلماء على أن أكثر الطهر بين الحيضتين لا حد له وغالب النساء يحضن كل شهر مرة ويحضن ربع الشهر ويكون طهرهن ثلاثة أرباعه. ومنهن من تطهر الشهور المتعددة لقلة رطوبتها ومنهن من يسرع إليها الجفاف(5\/587)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2475",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11041",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فينقطع حيضها وتيأس منه وإن كان لها دون الخمسين بل والأربعين. ومنهن من لا يسرع إليها الجفاف فتجاوز الخمسين وهي تحيض. قال وليس في الكتاب ولا السنة تحديد اليأس بوقت ولو كان المراد بالآيسة من المحيض من لها خمسون سنة أو ستون سنة أو غير ذلك لقيل: واللائي يبلغن من السن كذا وكذا ولم يقل يئسن. وأيضا فقد ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم جعلوا من ارتفع حيضها قبل ذلك يائسة كما تقدم. والوجود مختلف في وقت يأسهن غير متفق وأيضا فإنه سبحانه قال واللائي يئسن [الطلاق: 4] ولو كان له وقت محدود لكانت المرأة وغيرها سواء في معرفة يأسهن وهو سبحانه قد خص النساء بأنهن اللائي يئسن كما خصهن بقوله واللائي لم يحضن [الطلاق: 4] فالتي تحيض هي التي تيأس وهذا بخلاف الارتياب فإنه سبحانه قال إن ارتبتم ولم يقل إن ارتبن أي إن ارتبتم في حكمهن وشككتم فيه فهو هذا لا هذا الذي عليه جماعة أهل التفسير كما روى ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث جرير وموسى بن أعين واللفظ له عن مطرف بن طريف عن عمرو بن سالم عن أبي بن كعب قال: ( قلت: يا رسول الله إن ناسا بالمدينة يقولون في عدد النساء ما لم يذكر الله في القرآن الصغار والكبار وأولات الأحمال فأنزل الله سبحانه في هذه السورة واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [الطلاق: 4]  ) [الطلاق 4] فأجل إحداهن أن تضع حملها فإذا وضعت فقد قضت عدتها. ولفظ جرير: قلت يا رسول الله إن ناسا من أهل المدينة لما نزلت هذه الآية التي في البقرة في عدة النساء قالوا: لقد بقي من عدد النساء عدد لم يذكرن في القرآن الصغار والكبار التي قد انقطع عنها الحيض وذوات الحمل قال: فأنزلت التي في النساء القصرى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم [الطلاق: 4] (5\/588)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2476",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11042",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[الطلاق 4] ثم روي (عن سعيد بن جبير في قوله: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم [الطلاق: 4] يعني الآيسة العجوز التي لا تحيض أو المرأة التي قعدت عن الحيضة فليست هذه من القروء في شيء) . وفي قوله: إن ارتبتم [الطلاق: 4] في الآية يعني إن شككتم فعدتهن ثلاثة أشهر وعن مجاهد: إن ارتبتم لم تعلموا عدة التي قعدت عن الحيض أو التي لم تحض فعدتهن ثلاثة أشهر [الطلاق: 4] . فقوله تعالى: إن ارتبتم [الطلاق: 4] يعني: إن سألتم عن حكمهن ولم تعلموا حكمهن وشككتم فيه فقد بيناه لكم فهو بيان لنعمته على من طلب عليه ذلك ليزول ما عنده من الشك والريب بخلاف المعرض عن طلب العلم. وأيضا فإن النساء لا يستوين في ابتداء الحيض بل منهن من تحيض لعشر أو اثنتي عشرة أو خمس عشرة أو أكثر من ذلك فكذلك لا يستوين في آخر سن الحيض الذي هو سن اليأس والوجود شاهد بذلك. وأيضا فإنهم تنازعوا فيمن بلغت ولم تحض هل تعتد بثلاثة أشهر أو بالحول كالتي ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه وفيه روايتان عن أحمد. قلت: والجمهور على أنها تعتد بثلاثة أشهر ولم يجعلوا للصغر الموجب للاعتداد بها حدا فكذلك يجب أن لا يكون للكبر الموجب للاعتداد بالشهور حد وهو ظاهر ولله الحمد.  [فصل عدة الوفاة] فصل وأما عدة الوفاة فتجب بالموت سواء دخل بها أو لم يدخل اتفاقا كما دل عليه عموم القرآن والسنة واتفقوا على أنهما يتوارثان قبل الدخول وعلى أن الصداق يستقر إذا كان مسمى لأن الموت لما كان انتهاء العقد استقرت به الأحكام فتوارثا واستقر المهر ووجبت العدة.  واختلفوا في مسألتين إحداهما: وجوب مهر المثل إذا لم يكن مسمى فأوجبه أحمد وأبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه ولم يوجبه مالك والشافعي(5\/589)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2477",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11043",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في القول الآخر وقضى بوجوبه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في السنة الصحيحة الصريحة من حديث بروع بنت واشق وقد تقدم. ولو لم ترد به السنة لكان هو محض القياس لأن الموت أجري مجرى الدخول في تقرير المسمى ووجوب العدة. والمسألة الثانية هل يثبت تحريم الربيبة بموت الأم كما يثبت بالدخول بها وفيه قولان للصحابة وهما روايتان عن أحمد. والمقصود أن العدة فيه ليست للعلم ببراءة الرحم فإنها تجب قبل الدخول بخلاف عدة الطلاق. وقد اضطرب الناس في حكمة عدة الوفاة وغيرها فقيل: هي لبراءة الرحم وأورد على هذا القول وجوه كثيرة. منها: وجوبها قبل الدخول في الوفاة ومنها: أنها ثلاثة قروء وبراءة الرحم يكفي فيها حيضة كما في المستبرأة ومنها: وجوب ثلاثة أشهر في حق من يقطع ببراءة رحمها لصغرها أو كبرها. ومن الناس من يقول هو تعبد لا يعقل معناه وهذا فاسد لوجهين. أحدهما: أنه ليس في الشريعة حكم إلا وله حكمة وإن لم يعقلها كثير من الناس أو أكثرهم. الثاني: أن العدد ليست من العبادات المحضة بل فيها من المصالح رعاية حق الزوجين والولد والناكح.  قال شيخنا: والصواب أن يقال أما عدة الوفاة فهي حرم لانقضاء النكاح ورعاية لحق الزوج ولهذا تحد المتوفى عنها في عدة الوفاة رعاية لحق الزوج فجعلت العدة حريما لحق هذا العقد الذي له خطر وشأن فيحصل بهذه فصل بين نكاح الأول ونكاح الثاني ولا يتصل الناكحان ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما(5\/590)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2478",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11044",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عظم حقه حرم نساؤه بعده وبهذا اختص الرسول لأن أزواجه في الدنيا هن أزواجه في الآخرة بخلاف غيره فإنه لو حرم على المرأة أن تتزوج بغير زوجها تضررت المتوفى عنها وربما كان الثاني خيرا لها من الأول ولكن لو تأيمت على أولاد الأول لكانت محمودة على ذلك مستحبا لها وفي الحديث: أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة وأومأ بالوسطى والسبابة امرأة آمت من زوجها ذات منصب وجمال وحبست نفسها على يتامى لها حتى بانوا أو ماتوا . وإذا كان المقتضي لتحريمها قائما فلا أقل من مدة تتربصها وقد كانت في الجاهلية تتربص سنة فخففها الله سبحانه بأربعة أشهر وعشر وقيل لسعيد بن المسيب: ما بال العشر قال فيها ينفخ الروح فيحصل بهذه المدة براءة الرحم حيث يحتاج إليه وقضاء حق الزوج إذا لم يحتج إلى ذلك.  [فصل حكمة عدة الطلاق] فصل وأما عدة الطلاق فهي التي أشكلت فإنه لا يمكن تعليلها بذلك لأنها إنما تجب بعد المسيس ولأن الطلاق قطع للنكاح ولهذا يتنصف فيه المسمى ويسقط فيه مهر المثل. فيقال والله الموفق للصواب - عدة الطلاق وجبت ليتمكن الزوج فيها من الرجعة ففيها حق للزوج وحق لله وحق للولد وحق للناكح الثاني. فحق الزوج ليتمكن من الرجعة في العدة وحق الله لوجوب ملازمتها المنزل كما نص عليه سبحانه وهو منصوص أحمد ومذهب أبي حنيفة. وحق الولد لئلا يضيع نسبه ولا يدرى لأي الواطئين. وحق المرأة لما لها من النفقة زمن العدة لكونها زوجة ترث وتورث ويدل على أن العدة حق للزوج قوله تعالى: ياأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن [الأحزاب: 49](5\/591)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2479",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11045",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من عدة تعتدونها [الأحزاب: 49] [الأحزاب 49] فقوله: فما لكم عليهن من عدة دليل على أن العدة للرجل على المرأة وأيضا فإنه سبحانه قال: وبعولتهن أحق بردهن في ذلك [البقرة: 228] [البقرة 228] فجعل الزوج أحق بردها في العدة وهذا حق له. فإذا كانت العدة ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر طالت مدة التربص لينظر في أمره هل يمسكها أو يسرحها كما جعل سبحانه للمؤلي تربص أربعة أشهر لينظر في أمره هل يمسك ويفيء أو يطلق وكان تخيير المطلق كتخيير المؤلي لكن المؤلي جعل له أربعة أشهر كما جعل مدة التسيير أربعة أشهر لينظروا في أمرهم.  ومما يبين ذلك أنه سبحانه قال وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف [البقرة: 232] [البقرة 231] وبلوغ الأجل هو الوصول والانتهاء إليه وبلوغ الأجل في هذه الآية مجاوزته وفي قوله فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف [الطلاق: 2] مقاربته ومشارفته ثم فيه قولان أحدهما: أنه حد من الزمان وهو الطعن في الحيضة الثالثة أو انقطاع الدم منها أو من الرابعة وعلى هذا فلا يكون مقدورا لها وقيل: بل هو فعلها وهو الاغتسال كما قاله جمهور الصحابة وهذا كما أنه بالاغتسال يحل للزوج وطؤها ويحل لها أن تمكنه من نفسها فالاغتسال عندهم شرط في النكاح الذي هو العقد وفي النكاح الذي هو الوطء. وللناس في ذلك أربعة أقوال أحدهما: أنه ليس شرطا لا في هذا ولا في هذا كما يقوله من يقول من أهل الظاهر. والثاني: أنه شرط فيهما كما قاله أحمد وجمهور الصحابة كما تقدم حكايته عنهم. والثالث: أنه شرط في نكاح الوطء لا في نكاح العقد كما قاله مالك والشافعي. والرابع: أنه شرط فيهما أو ما يقوم مقامه وهو الحكم بالطهر بمضي وقت صلاة وانقطاعه لأكثره كما يقوله أبو حنيفة فإذا ارتجعها قبل غسلها كان غسلها لأجل وطئه لها وإلا كان لأجل حلها لغيره وبالاغتسال(5\/592)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2480",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11046",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يتحقق كمال الحيض وتمامه كما قال الله تعالى: ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله [البقرة: 222] [البقرة 222] والله سبحانه أمرها أن تتربص ثلاثة قروء فإذا مضت الثلاثة فقد بلغت أجلها وهو سبحانه لم يقل إنها عقيب القرأين تبين من الزوج خير الزوج عند بلوغ الأجل بين الإمساك والتسريح فظاهر القرآن كما فهمه الصحابة رضي الله عنهم أنه عند انقضاء القروء الثلاثة يخير الزوج بين الإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان وعلى هذا فيكون بلوغ الأجل في القرآن واحدا لا يكون قسمين بل يكون باستيفاء المدة واستكمالها. وهذا كقوله تعالى إخبارا عن أهل النار وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا [الأنعام: 128] [الأنعام 128] وقوله فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف [البقرة: 234] [البقرة 234] . وإنما حمل من قال إن بلوغ الأجل هو مقارنته أنها بعد أن تحل للخطاب لا يبقى الزوج أحق برجعتها وإنما يكون أحق بها ما لم تحل لغيره فإذا حل لغيره أن يتزوج بها صار هو خاطبا من الخطاب. ومنشأ هذا ظن أنها ببلوغ الأجل تحل لغيره والقرآن لم يدل على هذا بل القرآن جعل عليها أن تتربص ثلاثة قروء وذكر أنها إذا بلغت أجلها فإما أن تمسك بمعروف وإما أن تسرح بإحسان. وقد ذكر سبحانه هذا الإمساك أو التسريح عقيب الطلاق فقال الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان [البقرة: 229] [البقرة 229]  ثم قال وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن [البقرة: 232] [البقرة 232]  وهذا هو تزوجها بزوجها الأول المطلق الذي كان أحق بها فالنهي عن عضلهن مؤكد لحق الزوج وليس في القرآن أنها بعد بلوغ الأجل تحل للخطاب بل فيه أنه في هذه الحال إما أن يمسك بمعروف أو يسرح بإحسان فإن سرح بإحسان حلت حينئذ للخطاب وعلى هذا فدلالة القرآن بينة أنها إذا بلغت أجلها وهو انقضاء ثلاثة قروء بانقطاع الدم فإما أن يمسكها قبل أن تغتسل فتغتسل عنده وإما أن يسرحها فتغتسل وتنكح من شاءت وبهذا يعرف قدر فهم الصحابة رضي الله عنهم وأن من بعدهم إنما يكون(5\/593)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2481",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11047",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غاية اجتهاده أن يفهم ما فهموه ويعرف ما قالوه. فإن قيل: فإذا كان له أن يرتجعها في جميع هذه المدة ما لم تغتسل فلم قيد التخيير ببلوغ الأجل قيل: ليتبين أنها في مدة العدة كانت متربصة لأجل حق الزوج والتربص الانتظار وكانت منتظرة هل يمسكها أو يسرحها  وهذا التخيير ثابت له من أول المدة إلى آخرها كما خير المؤلي بين الفيئة وعدم الطلاق وهنا لما خيره عند بلوغ الأجل كان تخييره قبله أولى وأحرى لكن التسريح بإحسان إنما يمكن إذا بلغت الأجل وقبل ذلك هي في العدة.  وقد قيل: إن تسريحها بإحسان مؤثر فيها حين تنقضي العدة ولكن ظاهر القرآن يدل على خلاف ذلك فإنه سبحانه جعل التسريح بإحسان عند بلوغ الأجل ومعلوم أن هذا الترك ثابت من أول المدة فالصواب أن التسريح إرسالها إلى أهلها بعد بلوغ الأجل ورفع يده عنها فإنه كان يملك حبسها مدة العدة فإذا بلغت أجلها فحينئذ إن أمسكها كان له حبسها وإن لم يمسكها كان عليه أن يسرحها بإحسان ويدل على هذا قوله تعالى في المطلقة قبل المسيس فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا [الأحزاب: 49] [الأحزاب 49] فأمر بالسراح الجميل ولا عدة فعلم أن تخلية سبيلها إرسالها كما يقال سرح الماء والناقة إذا مكنها من الذهاب وبهذا الإطلاق والسراح يكون قد تم تطليقها وتخليتها وقبل ذلك لم يكن الإطلاق تاما وقبل ذلك كان له أن يمسكها وأن يسرحها وكان مع كونه مطلقا قد جعل أحق بها من غيره مدة التربص وجعل التربص ثلاثة قروء لأجله ويؤيد هذا أشياء. أحدها: أن الشارع جعل عدة المختلعة حيضة كما ثبتت به السنة وأقر به عثمان بن عفان وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وحكاه أبو جعفر النحاس في quot; ناسخه ومنسوخه quot; إجماع الصحابة وهو مذهب إسحاق وأحمد بن حنبل في أصح الروايتين عنه دليلا كما سيأتي تقرير المسألة عن قرب إن شاء الله تعالى. فلما لم يكن على المختلعة رجعة لم يكن عليها عدة بل(5\/594)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2482",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11048",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "استبراء بحيضة لأنها لما افتدت منه وبانت ملكت نفسها فلم يكن أحق بإمساكها فلا معنى لتطويل العدة عليها بل المقصود العلم ببراءة رحمها فيكفي مجرد الاستبراء. والثاني: أن المهاجرة من دار الحرب قد جاءت السنة بأنها إنما تستبرأ بحيضة ثم تزوج كما سيأتي. الثالث أن الله سبحانه لم يشرع لها طلاقا بائنا بعد الدخول إلا الثالثة وكل طلاق في القرآن سواها فرجعي وهو سبحانه إنما ذكر القروء الثلاثة في هذا الطلاق الذي شرعه لهذه الحكمة. وأما المفتدية فليس افتداؤها طلاقا بل خلعا غير محسوب من الثلاث والمشروع فيه حيضة. فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بصورتين. إحداهما: بمن استوفت عدد طلاقها فإنها تعتد ثلاثة قروء ولا يتمكن زوجها من رجعتها. الثانية: بالمخيرة إذا عتقت تحت حر أو عبد فإن عدتها ثلاثة قروء بالسنة كما في السنن من حديث عائشة رضي الله عنها: ( أمرت بريرة أن تعتد عدة الحرة ) وفي quot; سنن ابن ماجه quot;: ( أمرت أن تعتد ثلاث حيض ولا رجعة لزوجها عليها )  فالجواب أن الطلاق المحرم للزوجة لا يجب فيه التربص لأجل رجعة(5\/595)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2483",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11049",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الزوج بل جعل حريما للنكاح وعقوبة للزوج بتطويل مدة تحريمها عليه فإنه لو سوغ لها أن تتزوج بعد مجرد الاستبراء بحيضة لأمكن أن يتزوجها الثاني ويطلقها بسرعة إما على قصد التحليل أو بدونه فكان تيسير عودها إلى المطلق والشارع حرمها عليه بعد الثالثة عقوبة له لأن الطلاق الذي أبغض الحلال إلى الله إنما أباح منه قدر الحاجة وهو الثلاث وحرم المرأة بعد الثالثة حتى تنكح زوجا غيره وكان من تمام الحكمة أنها لا تنكح حتى تتربص ثلاثة قروء وهذا لا ضرر عليها به فإنها في كل مرة من الطلاق لا تنكح حتى تتربص ثلاثة قروء فكان التربص هناك نظرا في مصلحته لما لم يوقع الثلاث المحرمة وهنا التربص بالثلاث من تمام عقوبته فإنه عوقب بثلاثة أشياء أن حرمت عليه حبيبته وجعل تربصها ثلاثة قروء ولم يجز أن تعود إليه حتى يحظى بها غيره حظوة الزوج الراغب بزوجته المرغوب فيها وفي كل من ذلك عقوبة مؤلمة على إيقاع البغيض إلى الله المكروه له. فإذا علم أنه بعد الثالثة لا تحل له إلا بعد تربص وتزوج بزوج آخر وأن الأمر بيد ذلك الزوج ولا بد أن تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها علم أن المقصود أن ييأس منها فلا تعود إليه إلا باختيارها لا باختياره ومعلوم أن الزوج الثاني إذا كان قد نكح نكاح رغبة وهو النكاح الذي شرعه الله لعباده وجعله سببا لمصالحهم في المعاش والمعاد وسببا لحصول الرحمة والوداد فإنه لا يطلقها لأجل الأول بل يمسك امرأته فلا يصير لأحد من الناس اختيار في عودها إليه فإذا اتفق فراق الثاني لها بموت أو طلاق كما يفترق الزوجان اللذان هما زوجان أبيح للمطلق الأول نكاحها كما يباح للرجل نكاح مطلقة الرجل ابتداء وهذا أمر لم يحرمه الله سبحانه في الشريعة الكاملة المهيمنة على جميع الشرائع بخلاف الشريعتين قبلنا فإنه في شريعة التوراة قد قيل: إنها متى تزوجت بزوج آخر لم تحل للأول أبدا. وفي شريعة الإنجيل قد قيل: إنه ليس له أن يطلقها البتة فجاءت هذه الشريعة الكاملة الفاضلة على أكمل الوجوه وأحسنها وأصلحها للخلق ولهذا لما كان التحليل مباينا للشرائع كلها(5\/596)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2484",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11050",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعقل والفطرة ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المحلل والمحلل له. ولعنه صلى الله عليه وسلم لهما إما خبر عن الله تعالى بوقوع لعنته عليهما أو دعاء عليهما باللعنة وهذا يدل على تحريمه وأنه من الكبائر. والمقصود أن إيجاب القروء الثلاث في هذا الطلاق من تمام تأكيد تحريمها على الأول على أنه ليس في المسألة إجماع فذهب ابن اللبان الفرضي صاحب quot;quot; الإيجاز quot;quot; وغيره إلى أن المطلقة ثلاثا ليس عليها غير استبراء بحيضة ذكره عنه أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى فقال: مسألة إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا بعد الدخول فعدتها ثلاثة أقراء إن كانت من ذوات الأقراء وقال ابن اللبان عليها الاستبراء بحيضة دليلنا قوله تعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [البقرة: 228] ولم يقف شيخ الإسلام على هذا القول وعلق تسويغه على ثبوت الخلاف فقال: إن كان فيه نزاع كان القول بأنه ليس عليها ولا على المعتقة المخيرة إلا الاستبراء قولا متوجها ثم قال: ولازم هذا القول أن الآيسة لا تحتاج إلى عدة بعد الطلقة الثالثة. قال: وهذا لا نعلم أحدا قاله. وقد ذكر الخلاف أبو الحسين فقال: مسألة: إذا طلق الرجل زوجته ثلاثا وكانت ممن لا تحيض لصغر أو هرم فعدتها ثلاثة أشهر خلافا لابن اللبان أنه لا عدة عليها دليلنا: قوله تعالى: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن [الطلاق: 4] . قال شيخنا: وإذا مضت السنة بأن على هذه ثلاثة أقراء لم يجز مخالفتها ولو لم يجمع عليها فكيف إذا كان مع السنة إجماع قال: وقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس: اعتدي قد فهم منه العلماء أنها تعتد ثلاثة قروء فإن الاستبراء قد يسمى(5\/597)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2485",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11051",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عدة. قلت: كما في حديث أبي سعيد في سبايا أوطاس أنه فسر قوله تعالى: والمحصنات من النساء [النساء: 24] بالسبايا ثم قال: أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن فجعل الاستبراء عدة. قال فأما حديث ( عائشة رضي الله عنها: أمرت بريرة أن تعتد ثلاث حيض ) فحديث منكر فإن مذهب عائشة رضي الله عنها أن الأقراء الأطهار. قلت: ومن جعل أن عدة المختلعة حيضة فبطريق الأولى تكون عدة الفسوخ كلها عنده حيضة لأن الخلع الذي هو شقيق الطلاق وأشبه به لا يجب فيه الاعتداد عنده بثلاثة قروء فالفسخ أولى وأحرى من وجوه. أحدها: أن كثيرا من الفقهاء يجعل الخلع طلاقا ينقص به عدده بخلاف الفسخ لرضاع ونحوه. الثاني: أن أبا ثور ومن وافقه يقولون إن الزوج إذا رد العوض ورضيت المرأة برده وراجعها فلهما ذلك بخلاف الفسخ. الثالث: أن الخلع يمكن فيه رجوع المرأة إلى زوجها في عدتها بعقد جديد بخلاف الفسخ لرضاع أو عدد أو محرمية حيث لا يمكن عودها إليه فهذه بطريق الأولى يكفيها استبراء بحيضة ويكون المقصود مجرد العلم ببراءة رحمها كالمسبية والمهاجرة والمختلعة والزانية على أصح القولين فيهما دليلا وهما روايتان عن أحمد.  [فصل الفرق بين عدة الرجعية والبائن] فصل ومما يبين الفرق بين عدة الرجعية والبائن أن عدة الرجعية لأجل الزوج وللمرأة فيها النفقة والسكنى باتفاق المسلمين ولكن سكناها هل هي كسكنى الزوجة فيجوز أن ينقلها المطلق حيث شاء أم يتعين عليها المنزل فلا تخرج ولا تخرج فيه قولان. وهذا الثاني هو المنصوص عن أحمد وأبي حنيفة(5\/598)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2486",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11052",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعليه يدل القرآن. والأول قول الشافعي وهو قول بعض أصحاب أحمد. والصواب ما جاء به القرآن فإن سكنى الرجعية من جنس سكنى المتوفى عنها ولو تراضيا بإسقاطها لم يجز كما أن العدة فيها كذلك بخلاف البائن فإنها لا سكنى لها ولا عليها فالزوج له أن يخرجها ولها أن تخرج كما ( قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس: لا نفقة لك ولا سكنى )  وأما الرجعة فهل هي حق للزوج يملك إسقاطها بأن يطلقها واحدة بائنة أم هي حق لله فلا يملك إسقاطها ولو قال أنت طالق طلقة بائنة وقعت رجعية أم هي حق لهما فإن تراضيا بالخلع بلا عوض وقع طلاقا بائنا ولا رجعة فيه فيه ثلاثة أقوال. فالأول: مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايات عن أحمد. والثاني: مذهب الشافعي والرواية الثانية عن أحمد. والثالث مذهب مالك والرواية الثالثة عن أحمد. والصواب أن الرجعة حق لله تعالى ليس لهما أن يتفقا على إسقاطها وليس له أن يطلقها طلقة بائنة ولو رضيت الزوجة كما أنه ليس لهما أن يتراضيا بفسخ النكاح بلا عوض بالاتفاق. فإن قيل: فكيف يجوز الخلع بغير عوض في أحد القولين في مذهب مالك وأحمد وهل هذا إلا اتفاق من الزوجين على فسخ النكاح بغير عوض قيل: إنما يجوز أحمد في إحدى الروايتين الخلع بلا عوض إذا كان طلاقا فأما إذا كان فسخا فلا يجوز بالاتفاق قاله شيخنا رحمه الله. قال: ولو جاز هذا لجاز أن يتفقا على أن يبينها مرة بعد مرة من غير أن ينقص عدد الطلاق ويكون الأمر إليهما إذا أرادا أن يجعلا الفرقة بين الثلاث جعلاها وإن أرادا لم يجعلاها من الثلاث ويلزم من هذا إذا قالت فادني بلا طلاق أن يبينها بلا طلاق ويكون(5\/599)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2487",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11053",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مخيرا إذا سألته إن شاء أن يجعله رجعيا وإن شاء أن يجعله بائنا وهذا ممتنع فإن مضمونه أنه يخير إن شاء أن يحرمها بعد المرة الثالثة وإن شاء لم يحرمها ويمتنع أن يخير الرجل بين أن يجعل الشيء حلالا وأن يجعله حراما ولكن إنما يخير بين مباحين له وله أن يباشر أسباب الحل وأسباب التحريم وليس له إنشاء نفس التحليل والتحريم والله سبحانه إنما شرع له الطلاق واحدة بعد واحدة ولم يشرع له إيقاعه مرة واحدة لئلا يندم وتزول نزغة الشيطان التي حملته على الطلاق فتتبع نفسه المرأة فلا يجد إليها سبيلا فلو ملكه الشارع أن يطلقها طلقة بائنة ابتداء لكان هذا المحذور بعينه موجودا والشريعة المشتملة على مصالح العباد تأبى ذلك فإنه يبقى الأمر بيدها إن شاءت راجعته وإن شاءت فلا والله سبحانه جعل الطلاق بيد الزوج لا بيد المرأة رحمة منه وإحسانا ومراعاة لمصلحة الزوجين. نعم له أن يملكها أمرها باختياره فيخيرها بين القيام معه وفراقها. وإما أن يخرج الأمر عن يد الزوج بالكلية إليها فهذا لا يمكن فليس له أن يسقط حقه من الرجعة ولا يملك ذلك فإن الشارع إنما يملك العبد ما ينفعه ملكه ولا يتضرر به ولهذا لم يملكه أكثر من ثلاث ولا ملكه جمع الثلاث ولا ملكه الطلاق في زمن الحيض والطهر المواقع فيه ولا ملكه نكاح أكثر من أربع ولا ملك المرأة الطلاق وقد نهى سبحانه الرجال أن يؤتوا السفهاء أموالهم التي جعل الله لهم قياما فكيف يجعلون أمر الأبضاع إليهن في الطلاق والرجعة فكما لا يكون الطلاق بيدها لا تكون الرجعة بيدها فإن شاءت راجعته وإن شاءت فلا فتبقى الرجعة موقوفة على اختيارها وإذا كان لا يملك الطلاق البائن فلأن لا يملك الطلاق المحرم ابتداء أولى وأحرى لأن الندم في الطلاق المحرم أقوى منه في البائن. فمن قال إنه لا يملك الإبانة ولو أتى بها لم تبن كما هو قول فقهاء الحديث لزمه أن يقول إنه لا يملك الثلاث المحرمة ابتداء بطريق الأولى والأحرى وأن له رجعتها. وإن أوقعها كان له رجعتها. وإن قال أنت طالق(5\/600)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2488",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11054",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحدة بائنة فإذا كان لا يملك إسقاط الرجعة فكيف يملك إثبات التحريم الذي لا تعود بعده إلا بزوج وإصابة فإن قيل: فلازم هذا أنه لا يملكه ولو بعد اثنتين قلنا: ليس ذلك بلازم فإن الله سبحانه ملكه الطلاق على وجه معين وهو أن يطلق واحدة ويكون أحق برجعتها ما لم تنقض عدتها ثم إن شاء طلق الثانية كذلك ويبقى له واحدة وأخبر أنه إن أوقعها حرمت عليه ولا تعود إليه إلا أن تتزوج غيره ويصيبها ويفارقها فهذا هو الذي ملكه إياه لم يملكه أن يحرمها ابتداء تحريما تاما من غير تقدم تطليقتين. وبالله التوفيق.  [فصل عدة المختلعة] فصل قد ذكرنا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المختلعة أنها ( تعتد بحيضة ) وأن هذا مذهب عثمان بن عفان وابن عباس وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه اختارها شيخنا. ونحن نذكر الأحاديث بذلك بإسنادها. قال النسائي في quot; سننه الكبير quot;: باب في عدة المختلعة. أخبرني أبو علي محمد بن يحيى المروزي حدثنا شاذان عبد العزيز بن عثمان أخو عبدان حدثنا أبي حدثنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير قال أخبرني محمد بن عبد الرحمن أن ( ربيع بنت معوذ بن عفراء أخبرته أن ثابت بن قيس بن شماس ضرب امرأته فكسر يدها وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي فجاء أخوها يشتكيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثابت فقال: خذ الذي لها عليك وخل سبيلها. فقال: نعم. فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها ) أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد قال حدثني عمي قال أخبرنا أبي عن ابن إسحاق قال حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت(5\/601)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2489",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11055",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": " عن ( ربيع بنت معوذ قال قلت لها: حدثيني حديثك قالت: اختلعت من زوجي ثم جئت عثمان فسألت: ماذا علي من العدة قال: لا عدة عليك إلا أن يكون حديث عهد بك فتمكثين حتى تحيضي حيضة. قالت: وإنما تبع في ذلك قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مريم المغالية كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس فاختلعت منه ) وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه أن ( امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة ) رواه أبو داود عن محمد بن عبد الرحيم البزاز عن علي بن بحر القطان عن هشام بن يوسف عن معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة. ورواه الترمذي عن محمد بن عبد الرحيم بهذا السند بعينه. وقال حديث حسن غريب. وهذا كما أنه موجب السنة وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وموافق لأقوال الصحابة فهو مقتضى القياس فإنه استبراء لمجرد العلم ببراءة الرحم فكفت فيه حيضة كالمسبية والأمة المستبرأة والحرة والمهاجرة والزانية إذا أرادت أن تنكح. وقد تقدم أن الشارع من تمام حكمته جعل عدة الرجعية ثلاثة قروء لمصلحة المطلق والمرأة ليطول زمان الرجعة وقد تقدم النقص على هذه الحكمة والجواب عنه.(5\/602)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2490",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11056",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتداد المتوفى عنها في منزلها الذي توفي زوجها وهي فيه]  وأنه غير مخالف لحكمه بخروج المبتوتة واعتدادها حيث شاءت ثبت في quot; السنن quot; عن زينب بنت كعب بن عجرة عن ( الفريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كانوا بطرف القدوم لحقهم فقتلوه: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي فإني لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. فخرجت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني أو أمر بي فدعيت له فقال: كيف قلت فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي قالت: فقال: quot; امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا قالت: فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته فقضى به واتبعه ) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وقال أبو عمر بن عبد البر: هذا حديث مشهور معروف عند علماء الحجاز والعراق. وقال أبو محمد بن حزم: هذا الحديث لا يثبت فإن زينب هذه مجهولة لم يرو حديثها غير سعد بن إسحاق بن كعب وهو غير مشهور بالعدالة ومالك رحمه الله وغيره يقول فيه(5\/603)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2491",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11057",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سعد بن إسحاق وسفيان يقول: سعيد. وما قاله أبو محمد غير صحيح فالحديث حديث صحيح مشهور في الحجاز والعراق وأدخله مالك في quot; موطئه quot; واحتج به وبنى عليه مذهبه. وأما قوله: إن زينب بنت كعب مجهولة فنعم مجهولة عنده فكان ماذا وزينب هذه من التابعيات وهي امرأة أبي سعيد روى عنها سعد بن إسحاق بن كعب وليس بسعيد وقد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات. والذي غر أبا محمد قول علي بن المديني: لم يرو عنها غير سعد بن إسحاق وقد روينا في quot; مسند الإمام أحمد quot;: حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم عن سليمان بن محمد بن كعب بن عجرة عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة وكانت عند أبي سعيد الخدري عن أبي سعيد قال: ( اشتكى الناس عليا رضي الله عنه فقام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا فسمعته يقول: يا أيها الناس لا تشكوا عليا فوالله إنه لأخشن في ذات الله أو في سبيل الله ) فهذه امرأة تابعية كانت تحت صحابي وروى عنها الثقات ولم يطعن فيها بحرف واحتج الأئمة بحديثها وصححوه. وأما قوله: إن سعد بن إسحاق غير مشهور بالعدالة فقد قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة وقال النسائي أيضا والدارقطني أيضا: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح وذكره ابن حبان في كتاب الثقات وقد روى عنه الناس: حماد بن زيد وسفيان الثوري وعبد العزيز الدراوردي وابن جريج ومالك بن أنس ويحيى بن سعيد الأنصاري والزهري وهو أكبر منه وحاتم بن إسماعيل وداود بن قيس وخلق سواهم من الأئمة ولم يعلم فيه قدح ولا جرح البتة ومثل هذا يحتج به اتفاقا.  وقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم في حكم هذه المسألة(5\/604)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2492",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11058",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن (عائشة رضي الله عنها. أنها كانت تفتي المتوفى عنها بالخروج في عدتها وخرجت بأختها أم كلثوم حين قتل عنها طلحة بن عبيد الله إلى مكة في عمرة) ومن طريق عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج أخبرني عطاء عن (ابن عباس أنه قال: إنما قال الله عز وجل: تعتد أربعة أشهر وعشرا ولم يقل: تعتد في بيتها فتعتد حيث شاءت) وهذا الحديث سمعه عطاء من ابن عباس فإن علي بن المديني قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن (عطاء قال: سمعت ابن عباس يقول: قال الله تعالى: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [البقرة: 234] ولم يقل: يعتددن في بيوتهن تعتد حيث شاءت) قال سفيان: قاله لنا ابن جريج كما أخبرنا. وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج أخبرني (أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: تعتد المتوفى عنها حيث شاءت) وقال عبد الرزاق عن الثوري عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي أن (علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يرحل المتوفى عنهن في عدتهن) وذكر عبد الرزاق أيضا عن محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن طاوس وعطاء قالا جميعا: المبتوتة والمتوفى عنها تحجان وتعتمران وتنتقلان وتبيتان.(5\/605)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2493",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11059",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر أيضا عن ابن جريج عن (عطاء قال: لا يضر المتوفى عنها أين اعتدت) وقال ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن (عطاء وأبي الشعثاء قالا جميعا: المتوفى عنها تخرج في عدتها حيث شاءت) وذكر ابن أبي شيبة حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن (حبيب المعلم قال: سألت عطاء عن المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها أتحجان في عدتهما قال: نعم. وكان الحسن يقول بمثل ذلك) وقال ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة عن حنين بن أبي حكيم أن (امرأة مزاحم لما توفي عنها زوجها بخناصرة سألت عمر بن عبد العزيز أأمكث حتى تنقضي عدتي فقال لها: بل الحقي بقرارك ودار أبيك فاعتدي فيها) قال ابن وهب: وأخبرني يحيى بن أيوب عن (يحيى بن سعيد الأنصاري أنه قال في رجل توفي بالإسكندرية ومعه امرأته وله بها دار وله بالفسطاط دار فقال: إن أحبت أن تعتد حيث توفي زوجها فلتعتد وإن أحبت أن ترجع إلى دار(5\/606)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2494",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11060",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "زوجها وقراره بالفسطاط فتعتد فيها فلترجع) قال ابن وهب: وأخبرني عمرو بن الحارث عن (بكير بن الأشج قال: سألت سالم بن عبد الله بن عمر عن المرأة يخرج بها زوجها إلى بلد فيتوفى قال: تعتد حيث توفي عنها زوجها أو ترجع إلى بيت زوجها حتى تنقضي عدتها) وهذا مذهب أهل الظاهر كلهم. ولأصحاب هذا القول حجتان احتج بهما ابن عباس وقد حكينا إحداهما وهي: أن الله سبحانه إنما أمرها باعتداد أربعة أشهر وعشر ولم يأمرها بمكان معين. والثانية: ما رواه أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد المروزي حدثنا موسى بن مسعود حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح قال: قال عطاء: (قال ابن عباس: نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها فتعتد حيث شاءت وهو قول الله عز وجل: غير إخراج [البقرة: 240] قال عطاء: إن شاءت اعتدت عند أهله وسكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت لقول الله عز وجل: فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن [البقرة: 240] قال عطاء: ثم جاء الميراث فنسخ السكنى تعتد حيث شاءت) وقالت طائفة ثانية من الصحابة والتابعين ومن بعدهم: تعتد في منزلها التي توفي زوجها وهي فيه قال وكيع: حدثنا الثوري عن منصور عن مجاهد عن سعيد بن المسيب (أن عمر رد نسوة من ذي الحليفة حاجات أو معتمرات توفي عنهن أزواجهن)(5\/607)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2495",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11061",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج أخبرنا حميد الأعرج عن مجاهد قال: (كان عمر وعثمان يرجعانهن حاجات ومعتمرات من الجحفة وذي الحليفة) وذكر عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن يوسف بن ماهك عن أمه مسيكة (أن امرأة متوفى عنها زارت أهلها في عدتها فضربها الطلق فأتوا عثمان فقال: احملوها إلى بيتها وهي تطلق) وذكر أيضا عن معمر عن أيوب عن نافع (عن ابن عمر أنه كانت له ابنة تعتد من وفاة زوجها وكانت تأتيهم بالنهار فتتحدث إليهم فإذا كان الليل أمرها أن ترجع إلى بيتها) وقال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع عن علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان (أن عمر رخص للمتوفى عنها أن تأتي أهلها بياض يومها وأن زيد بن ثابت لم يرخص لها إلا في بياض يومها أو ليلها) وذكر عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي عن علقمة قال: (سأل ابن مسعود نساء من همدان نعي إليهن أزواجهن فقلن: إنا نستوحش فقال ابن مسعود: تجتمعن بالنهار ثم ترجع كل امرأة منكن إلى بيتها بالليل)(5\/608)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2496",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11062",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر الحجاج بن المنهال حدثنا أبو عوانة عن منصور عن إبراهيم (أن امرأة بعثت إلى أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها: إن أبي مريض وأنا في عدة أفآتيه أمرضه قالت: نعم ولكن بيتي أحد طرفي الليل في بيتك) وقال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي أنه سئل عن المتوفى عنها: أتخرج في عدتها فقال: (كان أكثر أصحاب ابن مسعود أشد شيء في ذلك يقولون: لا تخرج وكان الشيخ - يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه - يرحلها) وقال حماد بن سلمة: أخبرنا هشام بن عروة أن أباه قال: (المتوفى عنها زوجها تعتد في بيتها إلا أن ينتوي أهلها فتنتوي معهم) وقال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم أخبرنا يحيى بن سعيد هو الأنصاري (أن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وسعيد بن المسيب قالوا في المتوفى عنها: لا تبرح حتى تنقضي عدتها) وذكر أيضا (عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء وجابر كلاهما قال في المتوفى عنها: لا تخرج) وذكر وكيع عن الحسن بن صالح عن المغيرة (عن إبراهيم في المتوفى عنها: لا بأس أن تخرج بالنهار ولا تبيت عن بيتها) وذكر حماد بن زيد عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين (أن امرأة توفي عنها زوجها وهي مريضة فنقلها أهلها ثم سألوا فكلهم يأمرهم أن ترد(5\/609)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2497",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11063",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى بيت زوجها قال ابن سيرين: فرددناها في نمط)  وهذا قول الإمام أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة رحمهم الله وأصحابهم والأوزاعي وأبي عبيد وإسحاق. قال أبو عمر بن عبد البر: وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر. وحجة هؤلاء حديث الفريعة بنت مالك وقد تلقاه عثمان بن عفان رضي الله عنه بالقبول وقضى به بمحضر المهاجرين والأنصار وتلقاه أهل المدينة والحجاز والشام والعراق ومصر بالقبول ولم يعلم أن أحدا منهم طعن فيه ولا في رواته وهذا مالك مع تحريه وتشدده في الرواية. وقوله للسائل له عن رجل: أثقة هو فقال: لو كان ثقة لرأيته في كتبي: قد أدخله في quot; موطئه quot; وبنى عليه مذهبه. قالوا: ونحن لا ننكر النزاع بين السلف في المسألة ولكن السنة تفصل بين المتنازعين. قال أبو عمر بن عبد البر: أما السنة فثابتة بحمد الله وأما الإجماع فمستغنى عنه مع السنة لأن الاختلاف إذا نزل في مسألة كانت الحجة في قول من وافقته السنة. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري قال: (أخذ المترخصون في المتوفى عنها بقول عائشة رضي الله عنها وأخذ أهل العزم والورع بقول ابن عمر) .  فإن قيل: فهل ملازمة المنزل حق عليها أو حق لها قيل: بل هو حق عليها إذا تركه لها الورثة ولم يكن عليها فيه ضرر أو كان المسكن لها فلو حولها الوراث أو طلبوا منها الأجرة لم يلزمها السكن وجاز لها التحول.(5\/610)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2498",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11064",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": " ثم اختلف أصحاب هذا القول هل لها أن تتحول حيث شاءت أو يلزمها التحول إلى أقرب المساكن إلى مسكن الوفاة على قولين. فإن خافت هدما أو غرقا أو عدوا أو نحو ذلك أو حولها صاحب المنزل لكونه عارية رجع فيها أو بإجارة انقضت مدتها أو منعها السكنى تعديا أو امتنع من إجارته أو طلب به أكثر من أجر المثل أو لم تجد ما تكتري به أو لم تجد إلا من مالها فلها أن تنتقل لأنها حال عذر ولا يلزمها بذل أجر المسكن وإنما الواجب عليها فعل السكنى لا تحصيل المسكن وإذا تعذرت السكنى سقطت وهذا قول أحمد والشافعي.  فإن قيل: فهل الإسكان حق على الورثة تقدم الزوجة به على الغرماء وعلى الميراث أم لا حق لها في التركة سوى الميراث قيل: هذا موضوع اختلف فيه. فقال الإمام أحمد: إن كانت حائلا فلا سكنى لها في التركة ولكن عليها ملازمة المنزل إذا بذل لها كما تقدم وإن كانت حاملا ففيه روايتان إحداهما أن الحكم كذلك. والثاني: أن لها السكنى حق ثابت في المال تقدم به على الورثة والغرماء ويكون من رأس المال لا تباع الدار في دينه بيعا يمنعها سكناها حتى تنقضي عدتها وإن تعذر ذلك فعلى الوارث أن يكتري لها سكنا من مال الميت. فإن لم يفعل أجبره الحاكم وليس لها أن تنتقل عنه إلا لضرورة. وإن اتفق الوارث والمرأة على نقلها عنه لم يجز لأنه يتعلق بهذه السكنى حق الله تعالى فلم يجز اتفاقهما على إبطالها بخلاف سكنى النكاح فإنها حق لله تعالى لأنها وجبت من حقوق العدة والعدة فيها حق للزوجين. والصحيح المنصوص أن سكنى الرجعية كذلك ولا يجوز اتفاقهما على إبطالها هذا مقتضى نص الآية وهو منصوص أحمد وعنه رواية ثالثة أن للمتوفى عنها السكنى بكل حال حاملا كانت أو حائلا فصار في مذهبه ثلاث روايات:(5\/611)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2499",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11065",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجوبها للحامل والحائل وإسقاطها في حقهما ووجوبها للحامل دون الحائل هذا تحصيل مذهب أحمد في سكنى المتوفى عنها. وأما مذهب مالك فإيجاب السكنى لها حاملا كانت أو حائلا وإيجاب السكنى عليها مدة العدة قال أبو عمر: فإذا كان المسكن بكراء فقال مالك: هي أحق بسكناه من الورثة والغرماء وهو من رأس مال المتوفى إلا أن يكون فيه عقد لزوجها وأراد أهل المسكن إخراجها. وإذا كان المسكن لزوجها لم يبع في دينه حتى تنقضي عدتها انتهى كلامه. وقال غيره من أصحاب مالك: هي أحق بالسكنى من الورثة والغرماء إذا كان الملك للميت أو كان قد أدى كراءه وإن لم يكن قد أدى ففي quot; التهذيب quot;: لا سكنى لها في مال الميت وإن كان موسرا وروى محمد عن مالك: الكراء لازم للميت في ماله ولا تكون الزوجة أحق به وتحاص الورثة في السكنى وللورثة إخراجها إلا أن تحب أن تسكن في حصتها وتؤدي كراء حصتهم. وأما مذهب الشافعي: فإن له في سكنى المتوفى عنها قولين أحدهما: لها السكنى حاملا كانت أو حائلا. والثاني: لا سكنى لها حاملا كانت أو حائلا ويجب عنده ملازمتها للمسكن في العدة بائنا كانت أو متوفى عنها وملازمة البائن للمنزل عنده آكد من ملازمة المتوفى عنها فإنه يجوز للمتوفى عنها الخروج نهارا لقضاء حوائجها ولا يجوز ذلك في البائن في أحد قوليه وهو القديم ولا يوجبه في الرجعية بل يستحبه. وأما أحمد فعنده ملازمة المتوفى عنها آكد من الرجعية ولا يوجبه في البائن. وأورد أصحاب الشافعي رحمه الله على نصه بوجوب ملازمة المنزل على المتوفى عنها مع نصه في أحد القولين على أنه لا سكنى لها سؤالا. وقالوا: كيف يجتمع النصان وأجابوا بجوابين. أحدهما: أنه لا تجب عليها ملازمة المسكن على ذلك القول لكن لو ألزم الوارث أجرة المسكن وجبت عليها(5\/612)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2500",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11066",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الملازمة حينئذ وأطلق أكثر أصحابه الجواب هكذا. والثاني: أن ملازمة المنزل واجبة عليها ما لم يكن عليها فيه ضرر بأن تطالب بالأجرة أو يخرجها الوارث أو المالك فتسقط حينئذ. وأما أصحاب أبي حنيفة فقالوا: لا يجوز للمطلقة الرجعية ولا للبائن الخروج من بيتها ليلا ولا نهارا وأما المتوفى عنها فتخرج نهارا وبعض الليل ولكن لا تبيت في منزلها قالوا: والفرق أن المطلقة نفقتها في مال زوجها. فلا يجوز لها الخروج كالزوجة بخلاف المتوفى عنها فإنها لا نفقة لها فلا بد أن تخرج بالنهار لإصلاح حالها قالوا: وعليها أن تعتد في المنزل الذي يضاف إليها بالسكنى حال وقوع الفرقة قالوا: فإن كان نصيبها من دار الميت لا يكفيها أو أخرجها الورثة من نصيبهم انتقلت لأن هذا عذر والكون في بيتها عبادة والعبادة تسقط بالعذر قالوا: فإن عجزت عن كراء البيت الذي هي فيه لكثرته فلها أن تنتقل إلى بيت أقل كراء منه وهذا من كلامهم يدل على أن أجرة السكن عليها وإنما يسقط السكن عنها لعجزها عن أجرته ولهذا صرحوا بأنها تسكن في نصيبها من التركة إن كفاها وهذا لأنه لا سكنى عندهم للمتوفى عنها حاملا كانت أو حائلا وإنما عليها أن تلزم مسكنها الذي توفي زوجها وهي فيه ليلا لا نهارا فإن بذله لها الورثة وإلا كانت الأجرة عليها فهذا تحرير مذاهب الناس في هذه المسألة ومأخذ الخلاف فيها وبالله التوفيق. ولقد أصاب فريعة بنت مالك في هذا الحديث نظير ما أصاب فاطمة بنت قيس في حديثها فقال بعض المنازعين في هذه المسألة لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة فإن الله سبحانه إنما أمرها بالاعتداد أربعة أشهر وعشرا ولم يأمرها بالمنزل. وقد أنكرت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وجوب المنزل وأفتت المتوفى عنها بالاعتداد حيث شاءت كما أنكرت حديث فاطمة بنت قيس وأوجبت السكنى للمطلقة. وقال بعض من نازغ في حديث الفريعة قد قتل من الصحابة رضي الله(5\/613)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2501",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11067",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم خلق كثير يوم أحد ويوم بئر معونة ويوم مؤتة وغيرها واعتد أزواجهم بعدهم فلو كان كل امرأة منهن تلازم منزلها زمن العدة لكان ذلك من أظهر الأشياء وأبينها بحيث لا يخفى على من هو دون ابن عباس وعائشة فكيف خفي هذا عليهما وعلى غيرهما من الصحابة الذين حكى أقوالهم مع استمرار العمل به استمرارا شائعا هذا من أبعد الأشياء ثم لو كانت السنة جارية بذلك لم تأت الفريعة تستأذنه صلى الله عليه وسلم أن تلحق بأهلها ولما أذن لها في ذلك ثم يأمر بردها بعد ذهابها ويأمرها بأن تمكث في بيتها فلو كان ذلك أمرا مستمرا ثابتا لكان قد نسخ بإذنه لها في اللحاق بأهلها ثم نسخ ذلك الإذن بأمره لها بالمكث في بيتها فيفضي إلى تغيير الحكم مرتين وهذا لا عهد لنا به في الشريعة في موضع متيقن. قال الآخرون: ليس في هذا ما يوجب رد هذه السنة الصحيحة الصريحة التي تلقاها أمير المؤمنين عثمان بن عفان وأكابر الصحابة بالقبول ونفذها عثمان وحكم بها ولو كنا لا نقبل رواية النساء عن النبي صلى الله عليه وسلم لذهبت سنن كثيرة من سنن الإسلام لا يعرف أنه رواها عنه إلا النساء وهذا كتاب الله ليس فيه ما ينبغي وجوب الاعتداد في المنزل حتى تكون السنة مخالفة له بل غايتها أن تكون بيانا لحكم سكت عنه الكتاب ومثل هذا لا ترد به السنن وهذا الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينه أن تترك السنة إذا لم يكن نظير حكمها في الكتاب. وأما ترك أم المؤمنين رضي الله عنها لحديث الفريعة - فلعله لم يبلغها ولو بلغها فلعلها تأولته ولو لم تتأوله فلعله قام عندها معارض له وبكل حال فالقائلون به في تركهم لتركها لهذا الحديث أعذر من التاركين له لترك أم المؤمنين له فبين التركين فرق عظيم. وأما من قتل مع النبي صلى الله عليه وسلم ومن مات في حياته فلم يأت قط أن نساءهم كن يعتددن حيث شئن ولم يأت عنهن ما يخالف حكم حديث فريعة البتة فلا يجوز ترك السنة الثابتة لأمر لا يعلم كيف كان ولو علم أنهن كن يعتددن حيث(5\/614)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2502",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11068",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شئن ولم يأت عنهن ما يخالف حكم حديث الفريعة فلعل ذلك قبل استقرار هذا الحكم وثبوته حيث كان الأصل براءة الذمة وعدم الوجوب. وقد ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد الله بن كثير قال: قال مجاهد: ( استشهد رجال يوم أحد فجاء نساؤهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن إنا نستوحش يا رسول الله بالليل فنبيت عند إحدانا حتى إذا أصبحنا تبددنا في بيوتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تحدثن عند إحداكن ما بدا لكن فإذا أردتن النوم فلتؤب كل امرأة إلى بيتها ) وهذا وإن كان مرسلا فالظاهر أن مجاهدا إما أن يكون سمعه من تابعي ثقة أو من صحابي والتابعون لم يكن الكذب معروفا فيهم وهم ثاني القرون المفضلة وقد شاهدوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذوا العلم عنهم وهم خير الأمة بعدهم فلا يظن بهم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الرواية عن الكذابين ولا سيما العالم منهم إذا جزم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرواية وشهد له بالحديث فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر ونهى فيبعد كل البعد أن يقدم على ذلك مع كون الواسطة بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم كذابا أو مجهولا وهذا بخلاف مراسيل من بعدهم فكلما تأخرت القرون ساء الظن بالمراسيل ولم يشهد بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالجملة فليس الاعتماد على هذا المرسل وحده وبالله التوفيق.  [ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحداد المعتدة نفيا وإثباتا] ثبت في quot; الصحيحين quot;: عن حميد بن نافع عن زينب بنت أبي سلمة أنها أخبرته هذه الأحاديث الثلاثة قالت زينب: دخلت على أم حبيبة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أبوها أبو سفيان فدعت أم حبيبة رضي الله عنها بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر ( لا(5\/615)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2503",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11069",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ) قالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست منه ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ) قالت زينب: وسمعت أمي أم سلمة رضي الله عنها تقول ( جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن بنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot; لا quot; مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول quot; لا quot; ثم قال إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول ) فقالت زينب: ( كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى يمر بها سنة ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتفتض به فقلما تفتض بشيء إلا مات ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره. ) قال مالك: تفتض تمسح به جلدها. وفي quot; الصحيحين quot;: (  عن أم سلمة رضي الله عنها أن امرأة توفي عنها زوجها فخافوا على عينها فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنوه في الكحل فقال:(5\/616)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2504",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11070",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; قد كانت إحداكن تكون في شر بيتها أو في شر أحلاسها في بيتها حولا فإذا مر كلب رمت ببعرة فخرجت أفلا أربعة أشهر وعشرا ) وفي quot; الصحيحين quot; عن أم عطية الأنصارية رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( قال: لا تحد المرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب ولا تكتحل ولا تمس طيبا إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار ) وفي quot; سنن أبي داود quot;: من حديث الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي ولا تكتحل ولا تختضب ) وفي quot; سننه quot; أيضا: من حديث ابن وهب أخبرني مخرمة عن أبيه قال سمعت المغيرة بن الضحاك يقول أخبرتني أم حكيم بنت أسيد عن أمها أن زوجها توفي وكانت تشتكي عينيها فتكتحل بالجلاء. قال أحمد بن صالح رحمه الله: الصواب بكحل الجلاء ( فأرسلت مولاة لها إلى أم سلمة رضي الله عنها فسألتها عن كحل الجلاء فقالت: لا تكتحلي به إلا من أمر لا بد منه يشتد عليك(5\/617)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2505",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11071",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتكتحلين بالليل وتمسحينه بالنهار ثم قالت عند ذلك أم سلمة: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت على عيني صبرا فقال quot; ما هذا يا أم سلمة فقلت: إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب. فقال quot; إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب quot; قالت: قلت: بأي شيء أمتشط يا رسول الله قال quot; بالسدر تغلفين به رأسك )  وقد تضمنت هذه السنة أحكاما عديدة. أحدها: أنه لا يجوز الإحداد على ميت فوق ثلاثة أيام كائنا من كان إلا الزوج وحده. وتضمن الحديث الفرق بين الإحدادين من وجهين. أحدهما: من جهة الوجوب والجواز فإن الإحداد على الزوج واجب وعلى غيره جائز. الثاني: من مقدار مدة الإحداد فالإحداد على الزوج عزيمة وعلى غيره رخصة وأجمعت الأمة على وجوبه على المتوفى عنها زوجها إلا ما حكي عن الحسن والحكم بن عتيبة. أما الحسن فروى حماد بن سلمة عن حميد عنه (أن المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها زوجها تكتحلان وتمتشطان وتتطيبان وتختضبان وتنتقلان وتصنعان ما شاءتا) وأما الحكم فذكر عنه شعبة: (أن المتوفى عنها لا تحد) قال ابن حزم: واحتج أهل هذه المقالة ثم ساق من طريق أبي الحسن محمد بن عبد السلام حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة حدثنا الحكم بن عتيبة عن عبد الله بن شداد بن الهاد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم(5\/618)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2506",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11072",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال لامرأة جعفر بن أبي طالب: ( إذا كان ثلاثة أيام فالبسي ما شئت أو إذا كان بعد ثلاثة أيام ) شعبة شك. ومن طريق حماد بن سلمة حدثنا الحجاج بن أرطاة عن الحسن بن سعد عن عبد الله بن شداد ( أن أسماء بنت عميس استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تبكي على جعفر وهي امرأته فأذن لها ثلاثة أيام ثم بعث إليها بعد ثلاثة أيام أن تطهري واكتحلي ) قالوا: وهذا ناسخ لأحاديث الإحداد لأنه بعدها فإن أم سلمة رضي الله عنها روت حديث الإحداد وأنه صلى الله عليه وسلم أمرها به إثر موت أبي سلمة ولا خلاف أن موت أبي سلمة كان قبل موت جعفر رضي الله عنهما. وأجاب الناس عن ذلك بأن هذا حديث منقطع فإن عبد الله بن شداد بن الهاد لم يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رآه فكيف يقدم حديثه على الأحاديث الصحيحة المسندة التي لا مطعن فيها وفي الحديث الثاني: الحجاج بن أرطاة ولا يعارض بحديثه حديث الأئمة الأثبات الذين هم فرسان الحديث.  [فصل تبعية الإحداد للعدة] فصل. الحكم الثاني: إن الإحداد تابع للعدة بالشهور أما الحامل فإذا انقضى حملها سقط وجوب الإحداد عنها اتفاقا فإن لها أن تتزوج وتتجمل وتتطيب لزوجها وتتزين له ما شاءت. فإن قيل: فإذا زادت مدة الحمل على أربعة أشهر وعشر فهل يسقط وجوب الإحداد أم يستمر إلى حين الوضع قيل: بل يستمر الإحداد إلى حين الوضع فإنه من توابع العدة ولهذا قيد بمدتها وهو حكم من أحكام العدة(5\/619)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2507",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11073",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وواجب من واجباتها فكان معها وجودا وعدما.  [فصل تستوي الزوجات بالإحداد حتى الكافرة والأمة والصغيرة] فصل. 50 الحكم الثالث أن الإحداد تستوي فيه جميع الزوجات المسلمة والكافرة والحرة والأمة الصغيرة والكبيرة وهذا قول الجمهور أحمد والشافعي ومالك. إلا (أن أشهب وابن نافع قالا لا إحداد على الذمية) رواه أشهب عن مالك وهو قول أبي حنيفة ولا إحداد عنده على الصغيرة. واحتج أرباب هذا القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الإحداد من أحكام من يؤمن بالله واليوم الآخر فلا تدخل فيه الكافرة ولأنها غير مكلفة بأحكام الفروع. قالوا: وعدوله عن اللفظ العام المطلق إلى الخاص المقيد بالإيمان يقتضي أن هذا من أحكام الإيمان ولوازمه وواجباته فكأنه قال من التزم الإيمان فهذا من شرائعه وواجباته. والتحقيق أن نفي حل الفعل عن المؤمنين لا يقتضي نفي حكمه عن الكفار ولا إثبات لهم أيضا وإنما يقتضي أن من التزم الإيمان وشرائعه فهذا لا يحل له ويجب على كل حال أن يلزم الإيمان وشرائعه ولكن لا يلزمه الشارع شرائع الإيمان إلا بعد دخوله فيه وهذا كما لو قيل: لا يحل لمؤمن أن يترك الصلاة والحج والزكاة فهذا لا يدل على أن ذلك حل للكافر وهذا كما قال في لباس الحرير ( لا ينبغي هذا للمتقين ) فلا يدل أنه ينبغي لغيرهم. وكذا قوله ( لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعانا ) وسر المسألة أن شرائع الحلال والحرام والإيجاب إنما شرعت لمن التزم أصل الإيمان ومن لم يلتزمه وخلي بينه وبين دينه فإنه يخلى بينه وبين(5\/620)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2508",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11074",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شرائع الدين الذي التزمه كما خلي بينه وبين أصله ما لم يحاكم إلينا وهذه القاعدة متفق عليها بين العلماء ولكن عذر الذين أوجبوا الإحداد على الذمية أنه يتعلق به حق الزوج المسلم وكان منه إلزامها به كأصل العدة ولهذا لا يلزمونها به في عدتها من الذمي ولا يتعرض لها فيها فصار هذا كعقودهم مع المسلمين فإنهم يلزمون فيها بأحكام الإسلام وإن لم يتعرض لعقودهم مع بعضهم بعضا ومن ينازعهم في ذلك يقولون الإحداد حق لله تعالى ولهذا لو اتفقت هي والأولياء والمتوفى على سقوطه بأن أوصاها بتركه لم يسقط ولزمها الإتيان به فهو جار مجرى العبادات وليست الذمية من أهلها فهذا سر المسألة.  [فصل لا يجب الإحداد على الأمة ولا أم الولد] فصل الحكم الرابع أن الإحداد لا يجب على الأمة ولا أم الولد إذا مات سيدهما لأنهما ليسا بزوجين. قال ابن المنذر: لا أعلمهم يختلفون في ذلك. فإن قيل: فهل لهما أن تحدا ثلاثة أيام قيل: نعم لهما ذلك فإن النص إنما حرم الإحداد فوق الثلاث على غير الزوج وأوجبه أربعة أشهر وعشرا على الزوج فدخلت الأمة وأم الولد فيمن يحل لهن الإحداد لا فيمن يحرم عليهن ولا فيمن يجب. فإن قيل: فهل يجب على المعتدة من طلاق أو وطء شبهة أو زنى أو استبراء إحداد قلنا: هذا هو الحكم الخامس الذي دلت عليه السنة أنه لا إحداد على واحدة من هؤلاء لأن السنة أثبتت ونفت فخصت بالإحداد الواجب الزوجات وبالجائز غيرهن على الأموات خاصة وما عداهما فهو داخل في حكم التحريم على الأموات فمن أين لكم دخوله في الإحداد على المطلقة البائن  وقد قال سعيد بن المسيب وأبو عبيد وأبو ثور وأبو حنيفة وأصحابه والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه اختارها الخرقي: إن البائن يجب عليها الإحداد وهو(5\/621)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2509",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11075",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محض القياس لأنها معتدة بائن من نكاح فلزمها الإحداد كالمتوفى عنها لأنهما اشتركا في العدة واختلفا في سببها ولأن العدة تحرم النكاح فحرمت دواعيه. قالوا: ولا ريب أن الإحداد معقول المعنى وهو أن إظهار الزينة والطيب والحلي مما يدعو المرأة إلى الرجال ويدعو الرجال إليها: فلا يؤمن أن تكذب في انقضاء عدتها استعجالا لذلك فمنعت من دواعي ذلك وسدت إليه الذريعة هذا مع أن الكذب في عدة الوفاة يتعذر غالبا بظهور موت الزوج وكون العدة أياما معدودة بخلاف عدة الطلاق فإنها بالأقراء وهي لا تعلم إلا من جهتها فكان الاحتياط لها أولى. قيل: قد أنكر الله سبحانه وتعالى على من حرم زينته التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق وهذا يدل على أنه لا يجوز أن يحرم من الزينة إلا ما حرمه الله ورسوله والله سبحانه قد حرم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم زينة الإحداد على المتوفى عنها مدة العدة وأباح رسوله الإحداد بتركها على غير الزوج فلا يجوز تحريم غير ما حرمه بل هو على أصل الإباحة وليس الإحداد من لوازم العدة ولا توابعها. ولهذا لا يجب على الموطوءة بشبهة ولا المزني بها ولا المستبرأة ولا الرجعية اتفاقا وهذا القياس أولى من قياسها على المتوفى عنها لما بين العدتين من القروء قدرا أو سببا وحكما فإلحاق عدة الأقراء بالأقراء أولى من إلحاق عدة الأقراء بعدة الوفاة وليس المقصود من الإحداد على الزوج الميت مجرد ما ذكرتم من طلب الاستعجال فإن العدة فيه لم تكن لمجرد العلم ببراءة الرحم ولهذا تجب قبل الدخول وإنما هو من تعظيم هذا العقد وإظهار خطره وشرفه وأنه عند الله بمكان فجعلت العدة حريما له وجعل الإحداد من تمام هذا المقصود وتأكده ومزيد الاعتناء به حتى جعلت الزوجة أولى بفعله على زوجها من أبيها وابنها وأخيها وسائر أقاربها. وهذا من تعظيم هذا العقد وتشريفه وتأكد الفرق بينه وبين السفاح من جميع أحكامه ولهذا شرع في ابتدائه إعلانه والإشهاد عليه والضرب بالدف لتحقق المضادة بينه وبين السفاح وشرع في(5\/622)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2510",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11076",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "آخره وانتهائه من العدة والإحداد ما لم يشرع في غيره.  [فصل الخصال التي تجتنبها الحادة] فصل الحكم السادس في الخصال التي تجتنبها الحادة وهي التي دل عليها النص دون الآراء والأقوال التي لا دليل عليها وهي أربعة. أحدها: الطيب بقوله في الحديث الصحيح ( لا تمس طيبا )  ولا خلاف في تحريمه عند من أوجب الإحداد ولهذا لما خرجت أم حبيبة رضي الله عنها من إحدادها على أبيها أبي سفيان دعت بطيب فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها ثم ذكرت الحديث ويدخل في الطيب المسك والعنبر والكافور والند والغالية والزباد والذريرة والبخور والأدهان المطيبة كدهن البان والورد والبنفسج والياسمين والمياه المعتصرة من الأدهان الطيبة كماء الورد وماء القرنفل وماء زهر النارنج فهذا كله طيب ولا يدخل فيه الزيت ولا الشيرج ولا السمن ولا تمنع من الأدهان بشيء من ذلك.  [فصل تجتنب الحادة الزينة في بدنها] فصل الحكم السابع وهي ثلاثة أنواع. أحدها: الزينة في بدنها فيحرم عليها الخضاب والنقش والتطريف والحمرة والاسفيداج فإن النبي صلى الله عليه وسلم نص على الخضاب منبها به على هذه الأنواع التي هي أكثر زينة منه وأعظم فتنة وأشد مضادة لمقصود الإحداد ومنها: الكحل والنهي عنه ثابت بالنص بالصريح الصحيح. ثم قال طائفة من أهل العلم من السلف والخلف منهم أبو محمد بن حزم: لا تكتحل ولو ذهبت عيناها لا ليلا ولا نهارا ويساعد قولهم حديث أم سلمة المتفق عليه ( أن امرأة توفي عنها زوجها فخافوا على عينها فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنوه في الكحل فما أذن فيه بل قال quot; لا quot; مرتين أو ثلاثا ثم ذكر لهم ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من الإحداد البليغ سنة ويصبرن على ذلك أفلا(5\/623)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2511",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11077",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يصبرن أربعة أشهر وعشرا ) ولا ريب أن الكحل من أبلغ الزينة فهو كالطيب أو أشد منه. وقال بعض الشافعية: للسوداء أن تكتحل وهذا تصرف مخالف للنص والمعنى وأحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفرق بين السود والبيض كما لا تفرق بين الطوال والقصار ومثل هذا القياس بالرأي الفاسد الذي اشتد نكير السلف له وذمهم إياه. وأما جمهور العلماء كمالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي وأصحابهم فقالوا: إن اضطرت إلى الكحل بالإثمد تداويا لا زينة فلها أن تكتحل به ليلا وتمسحه نهارا وحجتهم حديث أم سلمة المتقدم رضي الله عنها فإنها قالت في كحل الجلاء: ( لا تكتحل إلا لما لا بد منه يشتد عليك فتكتحلين بالليل وتغسلينه بالنهار ) ومن حجتهم حديث أم سلمة رضي الله عنها الآخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وقد جعلت عليها صبرا فقال ( ما هذا يا أم سلمة فقلت: صبر يا رسول الله ليس فيه طيب فقال: إنه يشب الوجه فقال: quot; لا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار ) وهما حديث واحد فرقه الرواة وأدخل مالك هذا القدر منه في quot; موطئه quot; بلاغا وذكر أبو عمر في quot; التمهيد quot; له طرقا يشد بعضها بعضا ويكفي احتجاج مالك به وأدخله أهل السنن في كتبهم واحتج به الأئمة وأقل درجاته أن يكون حسنا ولكن حديثها هذا مخالف في الظاهر لحديثها المسند المتفق عليه فإنه يدل على المتوفى عنها لا تكتحل بحال فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأذن للمشتكية عينها في الكحل لا ليلا ولا نهارا ولا من ضرورة ولا غيرها وقال quot; لا quot; مرتين أو ثلاثا ولم يقل إلا أن تضطر. وقد ذكر مالك عن نافع (  عن صفية ابنة عبيد أنها اشتكت عينها وهي حاد على زوجها عبد الله بن عمر فلم تكتحل حتى كادت عيناها ترمصان )(5\/624)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2512",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11078",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أبو عمر: وهذا عندي وإن كان ظاهره مخالفا لحديثها الآخر لما فيه من إباحته بالليل وقوله في الحديث الآخر quot; لا quot; مرتين أو ثلاثا على الإطلاق أن ترتيب الحديثين والله أعلم على أن الشكاة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم لا لم تبلغ - والله أعلم - منها مبلغا لا بد لها فيه من الكحل فلذلك نهاها ولو كانت محتاجة مضطرة تخاف ذهاب بصرها لأباح لها ذلك كما فعل بالتي قال لها: ( اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار ) والنظر يشهد لهذا التأويل لأن الضرورات تنقل المحظورات إلى حال المباح في الأصول ولهذا جعل مالك فتوى أم سلمة رضي الله عنها تفسيرا للحديث المسند في الكحل لأن أم سلمة رضي الله عنها روته وما كانت لتخالفه إذا صح عندها وهي أعلم بتأويله ومخرجه والنظر يشهد لذلك لأن المضطر إلى شيء لا يحكم له بحكم المرفه المتزين بالزينة وليس الدواء والتداوي من الزينة في شيء وإنما نهيت الحادة عن الزينة لا عن التداوي وأم سلمة رضي الله عنها أعلم بما روت مع صحته في النظر وعليه أهل الفقه وبه قال مالك والشافعي وأكثر الفقهاء. وقد ذكر مالك رحمه الله في quot; موطئه quot; أنه بلغه عن سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار أنهما كانا يقولان في المرأة يتوفى عنها زوجها: إنها إذا خشيت على بصرها من رمد بعينيها أو شكوى أصابتها أنها تكتحل وتتداوى بالكحل وإن كان فيه طيب. قال أبو عمر: لأن القصد إلى التداوي لا إلى التطيب والأعمال بالنيات. وقال الشافعي رحمه الله: الصبر يصفر فيكون زينة وليس بطيب وهو كحل الجلاء فأذنت أم سلمة رضي الله عنها للمرأة بالليل حيث لا ترى وتمسحه بالنهار حيث يرى وكذلك ما أشبهه. وقال أبو محمد بن قدامة في quot; المغني quot;: وإنما تمنع الحادة من الكحل(5\/625)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2513",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11079",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالإثمد لأنه الذي تحصل به الزينة فأما الكحل بالتوتيا والعنزروت ونحوهما فلا بأس به لأنه لا زينة فيه بل يقبح العين ويزيدها مرها. قال: ولا تمنع من جعل الصبر على غير وجهها من بدنها لأنه إنما منع منه في الوجه لأنه يصفره فيشبه الخضاب فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إنه يشب الوجه ) قال: ولا تمنع من تقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق الشعر المندوب إلى حلقه ولا من الاغتسال بالسدر والامتشاط به لحديث أم سلمة رضي الله عنها ولأنه يراد للتنظيف لا للتطيب وقال إبراهيم بن هانئ النيسابوري في quot; مسائله quot; قيل لأبي عبد الله: المتوفى عنها تكتحل بالإثمد قال: لا ولكن إذا أرادت اكتحلت بالصبر إذا خافت على عينها واشتكت شكوى شديدة.  [فصل تجتنب الحادة زينة الثياب] فصل النوع الثاني: زينة الثياب فيحرم عليها ما نهاها عنه النبي صلى الله عليه وسلم وما هو أولى بالمنع منه وما هو مثله. وقد صح عنه أنه قال quot;: ولا تلبس ثوبا مصبوغا quot; وهذا يعم المعصفر والمزعفر وسائر المصبوغ بالأحمر والأصفر والأخضر والأزرق الصافي وكل ما يصبغ للتحسين والتزيين. وفي اللفظ الآخر (  ولا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشق ) وههنا نوعان آخران. أحدهما: مأذون فيه وهو ما نسج من الثياب على وجهه ولم يدخل فيه صبغ من خز أو قز أو قطن أو كتان أو صوف أو وبر أو شعر أو صبغ غزله ونسج مع غيره كالبرود. والثاني: ما لا يراد بصبغه الزينة مثل السواد وما صبغ لتقبيح أو ليستر الوسخ فهذا لا يمنع منه. قال الشافعي رحمه الله في الثياب زينتان. إحداهما: جمال الثياب على اللابسين والسترة للعورة. فالثياب زينة لمن يلبسها وإنما نهيت الحادة عن زينة بدنها ولم تنه عن ستر عورتها فلا بأس أن تلبس كل ثوب من البياض لأن(5\/626)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2514",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11080",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البياض ليس بمزين وكذلك الصوف والوبر وكل ما ينسج على وجهه ولم يدخل عليه صبغ من خز أو غيره وكذلك كل صبغ لم يرد به تزيين الثوب مثل السواد وما صبغ لتقبيحه أو لنفي الوسخ عنه فأما ما كان من زينة أو وشي في ثوبه أو غيره فلا تلبسه الحادة وذلك لكل حرة أو أمة كبيرة أو صغيرة مسلمة أو ذمية. انتهى كلامه. قال أبو عمر: وقول الشافعي رحمه الله في هذا الباب نحو قول مالك وقال أبو حنيفة: لا تلبس ثوب عصب ولا خز وإن لم يكن مصبوغا إذا أرادت به الزينة وإن لم ترد بلبس الثوب المصبوغ الزينة فلا بأس أن تلبسه. وإذا اشتكت عينها اكتحلت بالأسود وغيره وإن لم تشتك عينها لم تكتحل.  [فصل لا تتزين المعتدة ولا تتطيب بشيء من الطيب] فصل وأما الإمام أحمد رحمه الله فقال في رواية أبي طالب: ولا تتزين المعتدة ولا تتطيب بشيء من الطيب ولا تكتحل بكحل زينة وتدهن بدهن ليس فيه طيب ولا تقرب مسكا ولا زعفرانا للطيب والمطلقة واحدة أو اثنتين تتزين وتتشوف لعله أن يراجعها. وقال أبو داود في quot; مسائله quot;: سألت أحمد قال: المتوفى عنها زوجها والمطلقة ثلاثا والمحرمة يجتنبن الطيب والزينة. وقال حرب في quot; مسائله quot;: سألت أحمد رحمه الله قلت: المتوفى عنها زوجها والمطلقة هل تلبسان البرد ليس بحرير فقال: لا تتطيب المتوفى عنها ولا تتزين بزينة وشدد في الطيب إلا أن يكون قليلا عند طهرها. ثم قال: وشبهت المطلقة ثلاثا بالمتوفى عنها لأنه ليس لزوجها عليها رجعة ثم ساق حرب بإسناده إلى أم سلمة قال المتوفى عنها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا(5\/627)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2515",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11081",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تختضب ولا تكتحل ولا تتطيب ولا تمتشط بطيب. وقال إبراهيم بن هانئ النيسابوري في quot; مسائله quot;: سألت أبا عبد الله عن المرأة تنتقب في عدتها أو تدهن في عدتها قال: لا بأس به وإنما كره للمتوفى عنها زوجها أن تتزين. وقال أبو عبد الله: كل دهن فيه طيب فلا تدهن به فقد دار كلام الإمام أحمد والشافعي وأبي حنيفة رحمهم الله على أن الممنوع منه من الثياب ما كان من لباس الزينة من أي نوع كان وهذا هو الصواب قطعا فإن المعنى الذي منعت من المعصفر والممشق لأجله مفهوم والنبي صلى الله عليه وسلم خصه بالذكر مع المصبوغ تنبيها على ما هو مثله وأولى بالمنع فإذا كان الأبيض والبرود المحبرة الرفيعة الغالية الأثمان مما يراد للزينة لارتفاعهما وتناهي جودتهما كان أولى بالمنع من الثوب المصبوغ. وكل من عقل عن الله ورسوله لم يسترب في ذلك لا كما قال أبو محمد بن حزم: إنها تجتنب الثياب المصبغة فقط ومباح لها أن تلبس بعد ما شاءت من حرير أبيض وأصفر من لونه الذي لم يصبغ وصوف البحر الذي هو لونه وغير ذلك. ومباح لها أن تلبس المنسوج بالذهب والحلي كله من الذهب والفضة والجوهر والياقوت والزمرد وغير ذلك فهي خمسة أشياء تجتنبها فقط وهي الكحل كله لضرورة أو لغير ضرورة ولو ذهبت عيناها لا ليلا ولا نهارا وتجتنب فرضا كل ثوب مصبوغ مما يلبس في الرأس والجسد أو على شيء منه سواء في ذلك السواد والخضرة والحمرة والصفرة وغير ذلك إلا العصب وحده وهي ثياب موشاة تعمل في اليمن فهو مباح لها. وتجتنب أيضا: فرضا الخضاب كله جملة وتجتنب الامتشاط حاشا التسريح بالمشط فقط فهو حلال لها وتجتنب أيضا فرضا الطيب كله ولا تقرب شيئا حاشا شيئا من قسط أو أظفار عند طهرها فقط فهذه الخمسة التي ذكرها حكينا كلامه فيها بنصه.  وليس بعجيب منه تحريم لبس ثوب أسود عليها من الزينة في شيء وإباحة ثوب يتقد ذهبا ولؤلؤا وجوهرا ولا تحريم المصبوغ الغليظ لحمل الوسخ(5\/628)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2516",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11082",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإباحة الحرير الذي يأخذ بالعيون حسنه وبهاؤه ورواؤه وإنما العجب منه أن يقول هذا دين الله في نفس الأمر وأنه لا يحل لأحد خلافه. وأعجب من هذا إقدامه على خلاف الحديث الصحيح في نهيه صلى الله عليه وسلم لها عن لباس الحلي. وأعجب من هذا أنه ذكر الخبر بذلك ثم قال ولا يصح ذلك لأنه من رواية إبراهيم بن طهمان وهو ضعيف ولو صح لقلنا به فلله ما لقي إبراهيم بن طهمان من أبي محمد بن حزم وهو من الحفاظ الأثبات الثقات الذين اتفق الأئمة الستة على إخراج حديثه واتفق أصحاب الصحيح وفيهم الشيخان على الاحتجاج بحديثه وشهد له الأئمة بالثقة والصدق ولم يحفظ عن أحد منهم فيه جرح ولا خدش ولا يحفظ عن أحد من المحدثين قط تعليل حديث رواه ولا تضعيفه به. وقرئ على شيخنا أبي الحجاج الحافظ في quot; التهذيب quot; وأنا أسمع قال: إبراهيم بن طهمان بن سعيد الخراساني أبو سعيد الهروي ولد بهراة وسكن نيسابور وقدم بغداد وحدث بها ثم سكن بمكة حتى مات بها ثم ذكر عمن روى ومن روى عنه ثم قال: قال نوح بن عمرو بن المروزي عن سفيان بن عبد الملك عن ابن المبارك: صحيح الحديث وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه وأبي حاتم: ثقة وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن يحيى بن معين: لا بأس به وكذلك قال العجلي وقال أبو حاتم: صدوق حسن الحديث وقال عثمان بن سعيد الدارمي: كان ثقة في الحديث ثم لم تزل الأئمة يشتهون حديثه ويرغبون فيه ويوثقونه. وقال أبو داود: ثقة. وقال إسحاق بن راهويه: كان صحيح الحديث حسن الرواية كثير السماع ما كان بخراسان أكثر حديثا منه وهو ثقة وروى له الجماعة. وقال يحيى بن أكثم القاضي: كان من أنبل من حدث بخراسان والعراق والحجاز وأوثقهم وأوسعهم علما. وقال المسعودي: سمعت مالك بن سليمان يقول مات إبراهيم بن طهمان سنة ثمان وستين ومائة بمكة ولم يخلف مثله.(5\/629)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2517",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11083",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد أفتى الصحابة رضي الله عنهم بما هو مطابق لهذه النصوص وكاشف عن معناها ومقصودها فصح عن ابن عمر أنه قال (لا تكتحل ولا تتطيب ولا تختضب ولا تلبس المعصفر ولا ثوبا مصبوغا ولا بردا ولا تتزين بحلي ولا تلبس شيئا تريد به الزينة ولا تكتحل بكحل تريد به الزينة إلا أن تشتكي عينها) وصح عنه من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: ( ولا تمس المتوفى عنها طيبا ولا تختضب ولا تكتحل ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب تتجلبب به) وصح عن أم عطية: (لا تلبس الثياب المصبغة إلا العصب ولا تمس طيبا إلا أدنى الطيب بالقسط والأظفار ولا تكتحل بكحل زينة) وصح عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال (تجتنب الطيب والزينة) وصح عن أم سلمة رضي الله عنها: (لا تلبس من الثياب المصبغة شيئا ولا تكتحل ولا تلبس حليا ولا تختضب ولا تتطيب) وقالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: (لا تلبس معصفرا ولا تقرب طيبا وتكتحل وتلبس حليا وتلبس إن شاءت ثياب العصب)  [فصل هل تجتنب الحادة النقاب] فصل وأما النقاب فقال الخرقي في quot; مختصره quot;: وتجتنب الزوجة المتوفى عنها زوجها الطيب والزينة والبيتوتة في غير منزلها والكحل بالإثمد والنقاب. ولم أجد بهذا نصا عن أحمد وقد قال إسحاق بن هانئ في quot; مسائله quot;: سألت أبا عبد الله عن المرأة(5\/630)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2518",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11084",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تنتقب في عدتها أو تدهن في عدتها قال لا بأس به وإنما كره للمتوفى عنها زوجها أن تتزين. ولكن قد قال أبو داود في quot; مسائله quot; عن المتوفى عنها زوجها والمطلقة ثلاثا والمحرمة تجتنبن الطيب والزينة. فجعل المتوفى عنها بمنزلة المحرمة فيما تجتنبه فظاهر هذا أنها تجتنب النقاب فلعل أبا القاسم أخذ من نصه هذا - والله أعلم - وبهذا علله أبو محمد في quot; المغني quot; فقال فصل الثالث فيما تجتنبه الحادة النقاب وما في معناه مثل البرقع ونحوه لأن المعتدة مشبهة بالمحرمة والمحرمة تمتنع من ذلك. وإذا احتاجت إلى ستر وجهها سدلت عليه كما تفعل المحرمة.  [فصل هل تلبس الحادة الثوب إذا صبغ غزله ثم نسج] فصل فإن قيل: فما تقولون في الثوب إذا صبغ غزله ثم نسج هل لها لبسه قيل: فيه وجهان وهما احتمالان في المغني أحدهما: يحرم لبسه لأنه أحسن وأرفع ولأنه مصبوغ للحسن فأشبه ما صبغ بعد نسجه والثاني: لا يحرم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أم سلمة رضي الله عنها: ( إلا ثوب عصب )  وهو ما صبغ غزله قبل نسجه ذكره القاضي قال الشيخ: والأول أصح وأما العصب فالصحيح أنه نبت تصبغ به الثياب قال السهيلي: الورس والعصب نبتان باليمن لا ينبتان إلا به فأرخص النبي صلى الله عليه وسلم للحادة في لبس ما يصبغ بالعصب لأنه في معنى ما يصبغ لغير تحسين كالأحمر والأصفر فلا معنى لتجويز لبسه مع حصول الزينة بصبغه كحصولها بما صبغ بعد نسجه. والله أعلم.  [ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستبراء] ثبت في quot; صحيح مسلم quot;: من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس فلقي عدوا فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا سبايا فكأن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين فأنزل الله عز وجل في ذلك(5\/631)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2519",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11085",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم [النساء: 24]  ) [النساء 24] أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن. وفي quot; صحيحه quot; أيضا: من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بامرأة مجح على باب فسطاط فقال quot; لعله يريد أن يلم بها quot;. فقالوا: نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot; لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره كيف يورثه وهو لا يحل له كيف يستخدمه وهو لا يحل له ) . وفي الترمذي: من حديث عرباض بن سارية ( أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهن ) وفي quot; المسند quot; و quot; سنن أبي داود quot;: من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سبايا أوطاس: ( لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة ) . وفي الترمذي: من حديث رويفع بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه ولد غيره ) . قال الترمذي: حديث حسن. ولأبي داود من حديثه أيضا: ( لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن(5\/632)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2520",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11086",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها ) . ولأحمد: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكحن ثيبا من السبايا حتى تحيض ) . وذكر البخاري في quot; صحيحه quot;: قال ابن عمر: ( إذا وهبت الوليدة التي توطأ أو بيعت أو عتقت فلتستبرأ بحيضة ولا تستبرأ العذراء ) . وذكر عبد الرزاق عن معمر عن عمرو بن مسلم عن طاووس: ( أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا في بعض مغازيه: لا يقعن رجل على حامل ولا حائل حتى تحيض ) . وذكر عن سفيان الثوري عن زكريا عن الشعبي قال ( أصاب المسلمون سبايا يوم أوطاس فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يقعوا على حامل حتى تضع ولا على غير حامل حتى تحيض ) .  [لا يجوز وطء المسبية حتى يعلم براءة رحمها] فصل فتضمنت هذه السنن أحكاما عديدة. أحدها: أنه لا يجوز وطء المسبية حتى يعلم براءة رحمها فإن كانت حاملا فبوضع حملها وإن كانت حائلا فبأن تحيض حيضة. فإن لم تكن من ذوات الحيض فلا نص فيها واختلف فيها وفي البكر وفي التي يعلم براءة رحمها بأن حاضت عند البائع ثم باعها عقيب الحيض ولم يطأها ولم يخرجها عن ملكه أو كانت عند امرأة وهي مصونة فانتقلت عنها إلى رجل فأوجب الشافعي وأبو(5\/633)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2521",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11087",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حنيفة وأحمد الاستبراء في ذلك كله أخذا بعموم الأحاديث واعتبارا بالعدة حيث تجب مع العلم ببراءة الرحم واحتجاجا بآثار الصحابة كما ذكر عبد الرزاق. حدثنا ابن جريج قال قال عطاء: تداول ثلاثة من التجار جارية فولدت فدعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه القافة فألحقوا ولدها بأحدهم ثم قال عمر رضي الله عنه (من ابتاع جارية قد بلغت المحيض فليتربص بها حتى تحيض فإن كانت لم تحض فليتربص بها خمسا وأربعين ليلة) قالوا: وقد أوجب الله العدة على من يئست من المحيض وعلى من لم تبلغ سن المحيض وجعلها ثلاثة أشهر والاستبراء عدة الأمة فيجب على الآيسة ومن لم تبلغ سن المحيض. وقال آخرون: المقصود من الاستبراء العلم ببراءة الرحم فحيث تيقن المالك براءة رحم الأمة فله وطؤها ولا استبراء عليه كما رواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع ( عن ابن عمر رضي الله عنه قال: إذا كانت الأمة عذراء لم يستبرئها إن شاء) وذكره البخاري في quot; صحيحه quot; عنه. وذكر حماد بن سلمة حدثنا علي بن زيد عن أيوب بن عبد الله اللخمي عن ابن عمر قال (وقعت في سهمي جارية يوم جلولاء كأن عنقها إبريق فضة قال ابن عمر: فما ملكت نفسي أن جعلت أقبلها والناس ينظرون) ومذهب مالك إلى هذا يرجع وهاك قاعدته وفروعها: قال أبو عبد الله المازري وقد عقد قاعدة لباب الاستبراء فنذكرها بلفظها: والقول الجامع في ذلك أن كل أمة أمن عليها الحمل فلا يلزم فيها الاستبراء وكل من غلب على الظن كونها حاملا أو شك في حملها أو تردد(5\/634)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2522",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11088",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيه فالاستبراء لازم فيها وكل من غلب الظن ببراءة رحمها لكنه مع الظن الغالب يجوز حصوله فإن المذهب على قولين في ثبوت الاستبراء وسقوطه. ثم خرج على ذلك الفروع المختلفة فيها كاستبراء الصغيرة التي تطيق الوطء والآيسة وفيه روايتان عن مالك قال صاحب (الجواهر) : ويجب في الصغيرة إذا كانت ممن قارب سن الحمل كبنت ثلاث عشرة أو أربع عشرة وفي إيجاب الاستبراء إذا كانت ممن تطيق الوطء ولا يحمل مثلها كبنت تسع وعشر روايتان أثبته في رواية ابن القاسم ونفاه في رواية ابن عبد الحكم وإن كانت ممن لا يطيق الوطء فلا استبراء فيها. قال: ويجب الاستبراء فيمن جاوزت سن الحيض ولم تبلغ سن الآيسة مثل ابنة الأربعين والخمسين. وأما التي قعدت عن المحيض ويئست عنه فهل يجب فيها الاستبراء أو لا يجب روايتان لابن القاسم وابن عبد الحكم. قال المازري: ووجه استبراء الصغيرة التي تطيق الوطء والآيسة أنه يمكن فيهما الحمل على الندور أو لحماية الذريعة لئلا يدعى في مواضع الإمكان أن لا إمكان. قال: ومن ذلك استبراء الأمة خوفا أن تكون زنت وهو المعبر عنه بالاستبراء لسوء الظن وفيه قولان والنفي لأشهب. قال ومن ذلك استبراء الأمة الوخش فيه قولان الغالب: عدم وطء السادات لهن وإن كان يقع في النادر. ومن ذلك استبراء من باعها مجبوب أو امرأة أو ذو محرم ففي وجوبه روايتان عن مالك. ومن ذلك استبراء المكاتبة إذا كانت تتصرف ثم عجزت فرجعت إلى سيدها فابن القاسم يثبت الاستبراء وأشهب ينفيه. ومن ذلك استبراء البكر قال أبو الحسن اللخمي: هو مستحب على(5\/635)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2523",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11089",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجه الاحتياط غير واجب وقال غيره من أصحاب مالك: هو واجب. ومن ذلك إذا استبرأ البائع الأمة وعلم المشتري أنه قد استبرأها فإنه يجزئ استبراء البائع عن استبراء المشتري. ومن ذلك إذا أودعه أمة فحاضت عند المودع حيضة ثم استبرأها لم يحتج إلى استبراء ثان وأجزأت تلك الحيضة عن استبرائها وهذا بشرط أن لا تخرج ولا يكون سيدها يدخل عليها. ومن ذلك أن يشتريها من زوجته أو ولد له صغير في عياله وقد حاضت عند البائع فابن القاسم يقول: إن كانت لا تخرج أجزأه ذلك وأشهب يقول: إن كان مع المشتري في دار وهو الذاب عنها والناظر في أمرها أجزأه ذلك سواء كانت تخرج أو لا تخرج. ومن ذلك إن كان سيد الأمة غائبا فحين قدم اشتراها منه رجل قبل أن تخرج أو خرجت وهي حائض فاشتراها قبل أن تطهر فلا استبراء عليه. ومن ذلك إذا بيعت وهي حائض في أول حيضها فالمشهور من مذهبه أن ذلك يكون استبراء لها لا يحتاج إلى حيضة مستأنفة. ومن ذلك الشريك يشتري نصيب شريكه من الجارية وهي تحت يد المشتري منهما وقد حاضت في يده فلا استبراء عليه. وهذه الفروع كلها من مذهبه تنبيك عن مأخذه في الاستبراء وأنه إنما يجب حيث لا يعلم ولا يظن براءة الرحم فإن علمت أو ظنت فلا استبراء وقد قال أبو العباس ابن سريج وأبو العباس ابن تيمية: إنه لا يجب استبراء البكر كما صح عن ابن عمر - رضي الله عنهما - وبقولهم نقول وليس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص عام في وجوب استبراء كل من تجدد له عليها ملك على أي(5\/636)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2524",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11090",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حالة كانت وإنما نهى عن وطء السبايا حتى تضع حواملهن وتحيض حوائلهن. فإن قيل: فعمومه يقتضي تحريم وطء أبكارهن قبل الاستبراء كما يمتنع وطء الثيب قيل: نعم وغايته أنه عموم أو إطلاق ظهر القصد منه فيخص أو يقيد عند انتفاء موجب الاستبراء ويخص أيضا بمفهوم قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث رويفع: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكح ثيبا من السبايا حتى تحيض ) . ويخص أيضا بمذهب الصحابي ولا يعلم له مخالف. وفي (صحيح البخاري) : من حديث بريدة قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليا - رضي الله عنه - إلى خالد يعني باليمين ليقبض الخمس فاصطفى علي منها سبية فأصبح وقد اغتسل فقلت لخالد: أما ترى إلى هذا وفي رواية: فقال خالد لبريدة: ألا ترى ما صنع هذا قال بريدة: وكنت أبغض عليا - رضي الله عنه - فلما قدمنا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكرت ذلك له فقال: (يا بريدة أتبغض عليا)  قلت: نعم. قال: (لا تبغضه فإن له في الخمس أكثر من ذلك)  . فهذه الجارية إما أن تكون بكرا فلم ير علي وجوب استبرائها وإما أن تكون في آخر حيضها فاكتفى بالحيضة قبل تملكه لها. وبكل حال فلا بد أن يكون تحقق براءة رحمها بحيث أغناه عن الاستبراء. فإذا تأملت قول النبي - صلى الله عليه وسلم - حق التأمل وجدت قوله: ( ولا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض )  ظهر لك منه أن المراد بغير ذات الحمل من يجوز أن تكون حاملا وأن لا تكون فيمسك عن وطئها(5\/637)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2525",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11091",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مخافة الحمل لأنه لا علم له بما اشتمل عليه رحمها وهذا قاله في المسبيات لعدم علم السابي بحالهن.  وعلى هذا فكل من ملك أمة لا يعلم حالها قبل الملك هل اشتمل رحمها على حمل أم لا لم يطأها حتى يستبرئها بحيضة هذا أمر معقول وليس بتعبد محض لا معنى له فلا معنى لاستبراء العذراء والصغيرة التي لا يحمل مثلها والتي اشتراها من امرأته وهي في بيته لا تخرج أصلا ونحوها ممن يعلم براءة رحمها فكذلك إذا زنت المرأة وأرادت أن تتزوج استبرأها بحيضة ثم تزوجت وكذلك إذا زنت وهي مزوجة أمسك عنها زوجها حتى تحيض حيضة وكذلك أم الولد إذا مات عنها سيدها اعتدت بحيضة. قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي كم عدة أم الولد إذا توفي عنها مولاها أو أعتقها قال: عدتها حيضة وإنما هي أمة في كل أحوالها إن جنت فعلى سيدها قيمتها وإن جني عليها فعلى الجاني ما نقص من قيمتها. وإن ماتت فما تركت من شيء فلسيدها وإن أصابت حدا فحد أمة وإن زوجها سيدها فما ولدت فهم بمنزلتها يعتقون بعتقها ويرقون برقها. وقد اختلف الناس في عدتها فقال بعض الناس: أربعة أشهر وعشرا فهذه عدة الحرة وهذه عدة أمة خرجت من الرق إلى الحرية فيلزم من قال: أربعة أشهر وعشرا أن يورثها وأن يجعل حكمها حكم الحرة لأنه قد أقامها في العدة مقام الحرة. وقال بعض الناس: عدتها ثلاث حيض وهذا قول ليس له وجه إنما تعتد ثلاث حيض المطلقة وليست هي بمطلقة ولا حرة وإنما ذكر الله العدة فقال: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [البقرة: 234] [البقرة: 234]  وليست أم الولد بحرة ولا زوجة فتعتد بأربعة أشهر وعشر. قال: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [البقرة: 228](5\/638)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2526",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11092",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": " وإنما هي أمة خرجت من الرق إلى الحرية وهذا لفظ أحمد - رحمه الله -. وكذلك قال في رواية صالح: تعتد أم الولد إذا توفي عنها مولاها أو أعتقها حيضة وإنما هي أمة في كل أحوالها. وقال في رواية محمد بن العباس: عدة أم الولد أربعة أشهر وعشر إذا توفي عنها سيدها. وقال الشيخ في (المغني) : وحكى أبو الخطاب رواية ثالثة عن أحمد: أنها تعتد بشهرين وخمسة أيام. قال: ولم أجد هذه الرواية عن أحمد - رحمه الله - في (الجامع) ولا أظنها صحيحة عن أحمد - رحمه الله - وروي ذلك عن عطاء وطاووس وقتادة لأنها حين الموت أمة فكانت عدتها عدة الأمة كما لو مات رجل عن زوجته الأمة فعتقت بعد موته فليست هذه رواية إسحاق بن منصور عن أحمد. قال أبو بكر عبد العزيز في (زاد المسافر) : باب القول في عدة أم الولد من الطلاق والوفاة. قال أبو عبد الله في رواية ابن القاسم: إذا مات السيد وهي عند زوج فلا عدة عليها كيف تعتد وهي مع زوجها وقال في رواية مهنا: إذا أعتق أم الولد فلا يتزوج أختها حتى تخرج من عدتها. وقال في رواية إسحاق بن منصور: وعدة أم الولد عدة الأمة في الوفاة والطلاق والفرقة انتهى كلامه. وحجة من قال: عدتها أربعة أشهر وعشر ما رواه أبو داود عن عمرو بن العاص أنه قال لا تفسدوا علينا سنة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر. وهذا قول السعيدين(5\/639)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2527",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11093",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومحمد بن سيرين ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وخلاس بن عمرو والزهري والأوزاعي وإسحاق. قالوا: لأنها حرة تعتد للوفاة فكانت عدتها أربعة أشهر وعشرا كالزوجة الحرة. وقال عطاء والنخعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه: تعتد بثلاث حيض وحكي عن علي وابن مسعود قالوا: لأنها لا بد لها من عدة وليست زوجة فتدخل في آية الأزواج المتوفى عنهن ولا أمة فتدخل في نصوص استبراء الإماء بحيضة فهي أشبه شيء بالمطلقة فتعتد بثلاثة أقراء. والصواب من هذه الأقوال أنها تستبرأ بحيضة وهو قول عثمان بن عفان وعائشة وعبد الله بن عمر والحسن والشعبي والقاسم بن محمد وأبي قلابة ومكحول ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل في أشهر الروايات عنه وهو قول أبي عبيد وأبي ثور وابن المنذر فإن هذا إنما هو لمجرد الاستبراء لزوال الملك عن الرقبة فكان حيضة واحدة في حق من تحيض كسائر استبراءات المعتقات والمملوكات والمسبيات. وأما حديث عمرو بن العاص فقال ابن المنذر: ضعف أحمد وأبو عبيد حديث عمرو بن العاص. وقال محمد بن موسى: سألت أبا عبد الله عن حديث عمرو بن العاص فقال لا يصح. وقال الميموني: رأيت أبا عبد الله يعجب من حديث عمرو بن العاص هذا ثم قال: أين سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا وقال: أربعة أشهر وعشرا [البقرة: 234] إنما هي عدة الحرة من النكاح وإنما هذه أمة خرجت من الرق إلى الحرية ويلزم من قال بهذا أن يورثها وليس لقول من قال: تعتد ثلاث حيض وجه إنما تعتد بذلك المطلقة. انتهى كلامه. وقال المنذري: في إسناد حديث عمرو مطر بن طهمان أبو رجاء الوراق وقد ضعفه غير واحد وأخبرنا شيخنا أبو الحجاج الحافظ في كتاب (التهذيب) قال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عن مطر الوراق. فقال: كان يحيى بن سعيد يضعف حديثه عن عطاء وقال عبد الله بن أحمد بن(5\/640)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2528",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11094",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حنبل: سألت أبي عن مطر الوراق قال: كان يحيى بن سعيد يشبه حديث مطر الوراق بابن أبي ليلى في سوء الحفظ قال عبد الله: فسألت أبي عنه فقال ما أقربه من ابن أبي ليلى في عطاء خاصة وقال مطر في عطاء: ضعيف الحديث قال عبد الله: قلت ليحيى بن معين: مطر الوراق فقال: ضعيف في حديث عطاء بن أبي رباح وقال النسائي: ليس بالقوي. وبعد فهو ثقة قال أبو حاتم الرازي: صالح الحديث وذكره ابن حبان في كتاب الثقات واحتج به مسلم فلا وجه لضعف الحديث به. وإنما علة الحديث أنه من رواية قبيصة بن ذؤيب عن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - ولم يسمع منه قاله الدارقطني وله علة أخرى وهي أنه موقوف لم يقل: لا تلبسوا علينا سنة نبينا. قال الدارقطني: والصواب: لا تلبسوا علينا ديننا. موقوف. وله علة أخرى وهي اضطراب الحديث واختلافه عن عمرو على ثلاثة أوجه: أحدها: هذا. والثاني: عدة أم الولد عدة الحرة. والثالث: عدتها إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر فإذا أعتقت فعدتها ثلاث حيض والأقاويل الثلاثة عنه ذكرها البيهقي. قال الإمام أحمد: هذا حديث منكر حكاه البيهقي عنه وقد روى خلاس عن علي مثل رواية قبيصة عن عمرو أن عدة أم الولد أربعة أشهر وعشر ولكن خلاس بن عمرو قد تكلم في حديثه فقال أيوب: لا يروى عنه فإنه صحفي وكان مغيرة لا يعبأ بحديثه. وقال أحمد: روايته عن علي يقال: إنه كتاب وقال البيهقي: روايات خلاس عن علي ضعيفة عند أهل العلم بالحديث فقال: هي من صحيفة. ومع ذلك فقد روى مالك عن نافع عن ابن عمر في أم الولد يتوفى عنها سيدها قال: تعتد بحيضة. فإن ثبت عن(5\/641)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2529",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11095",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "علي وعمرو ما روي عنهما فهي مسألة نزاع بين الصحابة والدليل هو الحاكم وليس مع من جعلها أربعة أشهر وعشرا إلا التعلق بعموم المعنى إذ لم يكن معهم لفظ عام ولكن شرط عموم المعنى تساوي الأفراد في المعنى الذي ثبت الحكم لأجله فما لم يعلم ذلك لا يتحقق الإلحاق والذين ألحقوا أم الولد بالزوجة رأوا أن الشبه الذي بين أم الولد وبين الزوجة أقوى من الشبه الذي بينها وبين الأمة من جهة أنها بالموت صارت حرة فلزمتها العدة مع حريتها بخلاف الأمة ولأن المعنى الذي جعلت له عدة الزوجة أربعة أشهر وعشرا موجود في أم الولد وهو أدنى الأوقات الذي يتيقن فيها خلق الولد وهذا لا يفترق الحال فيه بين الزوجة وأم الولد والشريعة لا تفرق بين متماثلين ومنازعوهم يقولون: أم الولد أحكامها أحكام الإماء لا أحكام الزوجات ولهذا لم تدخل في قوله: ولكم نصف ما ترك أزواجكم [النساء: 12] [النساء: 12]  وغيرها. فكيف تدخل في قوله: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا [البقرة: 234] [البقرة: 234]  قالوا: والعدة لم تجعل أربعة أشهر وعشرا لأجل مجرد براءة الرحم فإنها تجب على من يتيقن براءة رحمها وتجب قبل الدخول والخلوة فهي من حريم عقد النكاح وتمامه. وأما استبراء الأمة فالمقصود منه العلم ببراءة رحمها وهذا يكفي فيه حيضة ولهذا لم يجعل استبراؤها ثلاثة قروء كما جعلت عدة الحرة كذلك تطويلا لزمان الرجعة ونظرا للزوج وهذا المعنى مقصود في المستبرأة فلا نص يقتضي إلحاقها بالزوجات ولا معنى فأولى الأمور بها أن يشرع لها ما شرعه صاحب الشرع في المسبيات والمملوكات ولا تتعداه وبالله التوفيق.  [فصل لا يحصل استبراء المسبية بطهر بل لا بد من حيضة] فصل الحكم الثاني: أنه لا يحصل الاستبراء بطهر البتة بل لا بد من حيضة وهذا قول الجمهور وهو الصواب وقال أصحاب مالك والشافعي في قول له:(5\/642)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2530",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11096",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يحصل بطهر كامل ومتى طعنت في الحيضة تم استبراؤها بناء على قولهما: إن الأقراء الأطهار ولكن يرد هذا قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة ) . وقال رويفع بن ثابت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول يوم حنين: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يطأ جارية من السبي حتى يستبرئها بحيضة ) رواه الإمام أحمد وعنده فيه ثلاثة ألفاظ هذا أحدها. الثاني: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا توطأ الأمة حتى تحيض وعن الحبالى حتى تضعن . الثالث: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكحن ثيبا من السبايا حتى تحيض ) . فعلق الحل في ذلك كله بالحيض وحده لا بالطهر فلا يجوز إلغاء ما اعتبره واعتبار ما ألغاه ولا تعويل على ما خالف نصه وهو مقتضى القياس المحض فإن الواجب هو الاستبراء والذي يدل على البراءة هو الحيض فأما الطهر فلا دلالة فيه على البراءة فلا يجوز أن يعول في الاستبراء على ما لا دلالة له فيه عليه دون ما يدل عليه وبناؤهم هذا على أن الأقراء هي الأطهار بناء على الخلاف للخلاف وليس بحجة ولا شبهة ثم لم يمكنهم بناء هذا على ذاك حتى خالفوه فجعلوا الطهر الذي طلقها فيه قرءا ولم يجعلوا طهر المستبرأة التي تجدد عليها الملك فيه أو مات سيدها فيه قرءا وحتى خالفوا الحديث أيضا كما تبين وحتى خالفوا المعنى كما بيناه ولم يمكنهم هذا البناء إلا بعد هذه الأنواع الثلاثة من المخالفة وغاية ما قالوا: إن بعض الحيضة المقترن بالطهر يدل على البراءة فيقال لهم فيكون الاعتماد عليهم حينئذ على بعض الحيضة وليس ذلك قرءا عند أحد فإن قالوا: هو اعتماد على بعض حيضة وطهر. قلنا: هذا قول ثالث في مسمى القروء ولا يعرف وهو أن تكون حقيقته مركبة من حيض وطهر.(5\/643)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2531",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11097",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قالوا: بل هو اسم للطهر بشرط الحيض. فإذا انتفى الشرط انتفى المشروط قلنا: هذا إنما يمكن لو علق الشارع الاستبراء بقرء فأما مع تصريحه على التعليق بحيضة فلا.  [فصل لا يحصل ببعض حيضة في يد المشتري اكتفاء بها] فصل الحكم الثالث: أنه لا يحصل ببعض حيضة في يد المشتري اكتفاء بها. قال صاحب (الجواهر) : فإن بيعت الأمة في آخر أيام حيضها لم يكن ما بقي من أيام حيضها استبراء لها من غير خلاف وإن بيعت وهي في أول حيضتها فالمشهور من المذهب أن ذلك يكون استبراء لها. وقد احتج من نازع مالكا بهذا الحديث فإنه علق الحل بحيضة فلا بد من تمامها ولا دليل فيه على بطلان قوله فإنه لا بد من الحيضة بالاتفاق ولكن النزاع في أمر آخر وهو أنه هل يشترط أن يكون جميع الحيضة وهي في ملكه أو يكفي أن يكون معظمها في ملكه فهذا لا ينفيه الحديث ولا يثبته ولكن لمنازعيه أن يقولوا: لما اتفقنا على أنه لا يكفي أن يكون بعضها في ملك المشتري وبعضها في ملك البائع إذا كان أكثرها عند البائع علم أن الحيضة المعتبرة أن تكون وهي عند المشتري ولهذا لو حاضت عند البائع لم يكن ذلك كافيا في الاستبراء. ومن قال بقول مالك يجيب عن هذا بأنها إذا حاضت قبل البيع وهي مودعة عند المشتري ثم باعها عقيب الحيضة ولم تخرج من بيته اكتفي بتلك الحيضة ولم يجب على المشتري استبراء ثان وهذا أحد القولين في مذهب مالك كما تقدم فهو يجوز أن يكون الاستبراء واقعا قبل البيع في صور منها هذه. ومنها إذا وضعت للاستبراء عند ثالث فاستبرأها ثم بيعت بعده. قال في (الجواهر) : ولا يجزئ الاستبراء قبل البيع إلا في حالات منها: أن تكون تحت يده(5\/644)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2532",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11098",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للاستبراء أو بالوديعة فتحيض عنده ثم يشتريها حينئذ أو بعد أيام وهي لا تخرج ولا يدخل عليها سيدها. ومنها: أن يشتريها ممن هو ساكن معه من زوجته أو ولد له صغير في عياله. وقد حاضت فابن القاسم يقول: إن كانت لا تخرج أجزأه ذلك. وقال أشهب: إن كانت معه في دار وهو الذاب عنها والناظر في أمرها فهو استبراء سواء كانت تخرج أو لا تخرج. ومنها: إذا كان سيدها غائبا فحين قدم استبرأها قبل أن تخرج أو خرجت وهي حائض فاشتراها منه قبل أن تطهر. ومنها: الشريك يشتري نصيب شريكه من الجارية وهي تحت يد المشتري منهما وقد حاضت في يده. وقد تقدمت هذه المسائل فهذه وما في معناها تضمنت الاستبراء قبل البيع واكتفى به مالك عن استبراء ثان. فإن قيل: فكيف يجتمع قوله هذا وقوله: إن الحيضة إذا وجد معظمها عند البائع لم يكن استبراء قيل: لا تناقض بينهما وهذه لها موضع وهذه لها موضع فكل موضع يحتاج فيه المشتري إلى استبراء مستقل لا يجزئ إلا حيضة لم يوجد معظمها عند البائع وكل موضع لا يحتاج فيه إلى استبراء مستقل لا يحتاج فيه إلى حيضة ولا بعضها ولا اعتبار بالاستبراء قبل البيع كهذه الصور ونحوها.  [فصل استبراء المسبية الحامل بوضع الحمل] فصل الحكم الرابع: أنها إذا كانت حاملا فاستبراؤها بوضع الحمل وهذا كما أنه حكم النص فهو مجمع عليه بين الأمة.  [فصل لا يجوز وطء المسبية الحامل قبل وضع حملها] فصل الحكم الخامس: أنه لا يجوز وطؤها قبل وضع حملها أي حمل كان سواء كان يلحق بالواطئ كحمل الزوجة والمملوكة والموطوءة بشبهة أو لا يلحق به كحمل الزانية فلا يحل وطء حامل من غير الواطئ البتة كما صرح(5\/645)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2533",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11099",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به النص وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه زرع غيره )  وهذا يعم الزرع الطيب والخبيث ولأن صيانة ماء الواطئ عن الماء الخبيث حتى لا يختلط به أولى من صيانته عن الماء الطيب ولأن حمل الزاني وإن كان لا حرمة له ولا لمائه فحمل هذا الواطئ وماؤه محترم فلا يجوز له خلطه بغيره ولأن هذا مخالف لسنة الله في تمييز الخبيث من الطيب وتخليصه منه وإلحاق كل قسم بمجانسه ومشاكله. والذي يقضي منه العجب تجويز من جوز من الفقهاء الأربعة العقد على الزانية قبل استبرائها ووطئها عقيب العقد فتكون الليلة عند الزاني وقد علقت منه والليلة التي تليها فراشا للزوج. ومن تأمل كمال هذه الشريعة علم أنها تأبى ذلك كل الإباء وتمنع منه كل المنع  ومن محاسن مذهب الإمام أحمد أن حرم نكاحها بالكلية حتى تتوب ويرتفع عنها اسم الزانية والبغي والفاجرة فهو - رحمه الله - لا يجوز أن يكون الرجل زوج بغي ومنازعوه يجوزون ذلك وهو أسعد منهم في هذه المسألة بالأدلة كلها من النصوص والآثار والمعاني والقياس والمصلحة والحكمة وتحريم ما رآه المسلمون قبيحا. والناس إذا بالغوا في سب الرجل صرحوا له بالزاي والقاف فكيف تجوز الشريعة مثل هذا مع ما فيه من تعرضه لإفساد فراشه وتعليق أولاد عليه من غيره وتعرضه للاسم المذموم عند جميع الأمم وقياس قول من جوز العقد على الزانية ووطئها قبل استبرائها حتى لو كانت حاملا أن لا يوجب استبراء الأمة إذا كانت حاملا من الزنى بل يطؤها عقيب ملكها وهو مخالف لصريح السنة. فإن أوجب استبراءها نقض قوله بجواز وطء الزانية قبل استبرائها وإن لم يوجب استبراءها خالف النصوص ولا ينفعه الفرق بينهما بأن الزوج لا استبراء عليه بخلاف السيد فإن الزوج إنما لم يجب عليه الاستبراء لأنه لم يعقد على معتدة ولا حامل من غيره بخلاف السيد ثم إن الشارع إنما حرم الوطء بل(5\/646)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2534",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11100",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العقد في العدة خشية إمكان الحمل فيكون واطئا حاملا من غيره وساقيا ماءه لزرع غيره مع احتمال أن لا يكون كذلك فكيف إذا تحقق حملها. وغاية ما يقال: إن ولد الزانية ليس لاحقا بالواطئ الأول فإن الولد للفراش وهذا لا يجوز إقدامه على خلط مائه ونسبه بغيره وإن لم يلحق بالواطئ الأول فصيانة مائه ونسبه عن نسب لا يلحق بواضعه لصيانته عن نسب يلحق به. والمقصود: أن الشرع حرم وطء الأمة الحامل حتى تضع سواء كان حملها محرما أو غير محرم وقد فرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الرجل والمرأة التي تزوج بها فوجدها حبلى وجلدها الحد وقضى لها بالصداق وهذا صريح في بطلان العقد على الحامل من الزنى. (وصح عنه أنه مر بامرأة مجح على باب فسطاط فقال: (لعل سيدها يريد أن يلم بها)  قالوا: نعم. قال: (لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره كيف يستخدمه وهو لا يحل له كيف يورثه وهو لا يحل له ) . فجعل سبب همه بلعنته وطأه للأمة الحامل ولم يستفصل عن حملها هل هو لاحق بالواطئ أم غير لاحق به وقوله: (كيف يستخدمه وهو لا يحل له) أي: كيف يجعله عبدا له يستخدمه وذلك لا يحل فإن ماء هذا الواطئ يزيد في خلق الحمل فيكون بعضه منه قال الإمام أحمد يزيد وطؤه في سمعه وبصره. وقوله: (كيف يورثه وهو لا يحل له)  سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول فيه: أي كيف يجعله تركة موروثة عنه فإنه يعتقده عبده فيجعله تركة تورث عنه ولا يحل له ذلك لأن ماءه زاد في خلقه ففيه جزء منه. وقال غيره: المعنى: كيف يورثه على أنه ابنه ولا يحل له ذلك لأن(5\/647)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2535",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11101",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحمل من غيره وهو بوطئه يريد أن يجعله منه فيورثه ماله وهذا يرده أول الحديث وهو قوله: (كيف يستعبده)  أي: كيف يجعله عبده وهذا إنما يدل على المعنى الأول. وعلى القولين فهو صريح في تحريم وطء الحامل من غيره سواء كان الحمل من زنى أو من غيره وأن فاعل ذلك جدير باللعن بل قد صرح جماعة من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم: بأن الرجل إذا ملك زوجته الأمة لم يطأها حتى يستبرئها خشية أن تكون حاملا منه في صلب النكاح فيكون على ولده الولاء لموالي أمه بخلاف ما علقت به في ملكه فإنه لا ولاء عليه وهذا كله احتياط لولده: هل هو صريح الحرية لا ولاء عليه أو عليه ولاء فكيف إذا كانت حاملا من غيره  [فصل لا تحيض الحامل] فصل الحكم السادس: استنبط من قوله: ( لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة )  أن الحامل لا تحيض وأن ما تراه من الدم يكون دم فساد بمنزلة الاستحاضة تصوم وتصلي وتطوف بالبيت وتقرأ القرآن وهذه مسألة اختلف فيها الفقهاء فذهب عطاء والحسن وعكرمة ومكحول وجابر بن زيد ومحمد بن المنكدر والشعبي والنخعي والحكم وحماد والزهري وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر والإمام أحمد في المشهور من مذهبه والشافعي في أحد قوليه إلى أنه ليس دم حيض. وقال قتادة وربيعة ومالك والليث بن سعد وعبد الرحمن بن مهدي وإسحاق بن راهويه: إنه دم حيض وقد ذكره البيهقي في (سننه) وقال إسحاق بن راهويه: قال لي أحمد بن حنبل: ما تقول في الحامل ترى الدم فقلت: تصلي واحتججت بخبر عطاء عن عائشة - رضي الله عنها -. قال: فقال أحمد بن حنبل: أين أنت عن خبر المدنيين خبر أم علقمة مولاة عائشة - رضي الله عنها - فإنه أصح. قال إسحاق: فرجعت إلى قول أحمد وهو كالتصريح من أحمد بأن دم الحامل دم حيض وهو الذي فهمه إسحاق عنه والخبر الذي أشار إليه أحمد(5\/648)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2536",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11102",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو ما رويناه من طريق البيهقي أخبرنا الحاكم حدثنا أبو بكر بن إسحاق حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا ابن بكير حدثنا الليث عن بكير بن عبد الله عن أم علقمة مولاة عائشة أن عائشة - رضي الله عنها - سئلت عن الحامل ترى الدم فقالت: لا تصلي قال البيهقي: ورويناه عن أنس بن مالك. وروينا عن عمر بن الخطاب ما يدل على ذلك. وروينا عن عائشة - رضي الله عنها - أنها أنشدت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيت أبي كبير الهذلي: ومبرأ من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل  قال: وفي هذا دليل على ابتداء الحمل في حال الحيض حيث لم ينكر الشعر. قال: وروينا عن مطر عن عطاء (عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: الحبلى لا تحيض إذا رأت الدم صلت.) . قال: وكان يحيى القطان ينكر هذه الرواية ويضعف رواية ابن أبي ليلى ومطر عن عطاء. قال: وروى محمد بن راشد عن سليمان بن موسى عن عطاء عن عائشة - رضي الله عنها - نحو رواية مطر فإن كانت محفوظة فيشبه أن تكون عائشة كانت تراها لا تحيض ثم كانت تراها تحيض فرجعت إلى ما رواه المدنيون والله أعلم.  قال المانعون من كون دم الحامل دم حيض: قد قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - الإماء قسمين: حاملا وجعل عدتها وضع الحمل وحائلا فجعل عدتها حيضة فكانت(5\/649)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2537",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11103",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحيضة علما على براءة رحمها فلو كان الحيض يجامع الحمل لما كانت الحيضة علما على عدمه قالوا: ولذلك جعل عدة المطلقة ثلاثة أقراء ليكون دليلا على عدم حملها فلو جامع الحمل الحيض لم يكن دليلا على عدمه. قالوا: وقد ثبت في (الصحيح)  ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين طلق ابنه امرأته وهي حائض: (مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسكها بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء ))  ووجه الاستدلال به أن طلاق الحامل ليس ببدعة في زمن الدم وغيره إجماعا فلو كانت تحيض لكان طلاقها فيه وفي طهرها بعد المسيس بدعة عملا بعموم الخبر قالوا: وروى مسلم في (صحيحه) من حديث ابن عمر أيضا: ( مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا )  وهذا يدل على أن ما تراه من الدم لا يكون حيضا فإنه جعل الطلاق في وقته نظير الطلاق في وقت الطهر سواء. فلو كان ما تراه من الدم حيضا لكان لها حالان حال طهر وحال حيض ولم يجز طلاقها في حال حيضها فإنه يكون بدعة قالوا: وقد روى أحمد في (مسنده) من حديث رويفع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( لا يحل لأحد أن يسقي ماءه زرع غيره ولا يقع على أمة حتى تحيض أو يتبين حملها ) فجعل وجود الحيض علما على براءة الرحم من الحمل. قالوا: وقد روي عن علي أنه قال: ( إن الله رفع الحيض عن الحبلى وجعل الدم مما تغيض الأرحام ) . وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: ( إن الله رفع الحيض عن الحبلى وجعل الدم رزقا للولد ) . رواهما أبو حفص بن شاهين.(5\/650)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2538",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11104",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: وروى الأثرم والدارقطني بإسنادهما ( عن عائشة - رضي الله عنها - في الحامل ترى الدم فقالت: الحامل لا تحيض وتغتسل وتصلي. ) وقولها: وتغتسل بطريق الندب لكونها مستحاضة قالوا: ولا يعرف عن غيرهم خلافهم لكن عائشة قد ثبت عنها أنها قالت: الحامل لا تصلي. وهذا محمول على ما تراه قريبا من الولادة باليومين ونحوهما وأنه نفاس جمعا بين قوليها قالوا: ولأنه دم لا تنقضي به العدة فلم يكن حيضا كالاستحاضة. وحديث عائشة - رضي الله عنها - يدل على أن الحائض قد تحبل ونحن نقول بذلك لكنه يقطع حيضها ويرفعه. قالوا: ولأن الله سبحانه أجرى العادة بانقلاب دم الطمث لبنا غذاء للولد فالخارج وقت الحمل يكون غيره فهو دم فساد.  قال المحيضون: لا نزاع أن الحامل قد ترى الدم على عادتها لا سيما في أول حملها وإنما النزاع في حكم هذا الدم لا في وجوده. وقد كان حيضا قبل الحمل بالاتفاق فنحن نستصحب حكمه حتى يأتي ما يرفعه بيقين. قالوا: والحكم إذا ثبت في محل فالأصل بقاؤه حتى يأتي ما يرفعه فالأول استصحاب لحكم الإجماع في محل النزاع والثاني استصحاب للحكم الثابت في المحل حتى يتحقق ما يرفعه والفرق بينهما ظاهر. قالوا: وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف ) . وهذا أسود يعرف فكان حيضا. قالوا: وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( أليست إحداكن إذا حاضت لم تصم ولم تصل ) . وحيض المرأة خروج دمها في أوقات معلومة من الشهر لغة وشرعا(5\/651)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2539",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11105",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا كذلك لغة والأصل في الأسماء تقريرها لا تغييرها. قالوا: ولأن الدم الخارج من الفرج الذي رتب الشارع عليه الأحكام قسمان: حيض واستحاضة ولم يجعل لهما ثالثا وهذا ليس باستحاضة فإن الاستحاضة الدم المطبق والزائد على أكثر الحيض أو الخارج عن العادة وهذا ليس واحدا منها فبطل أن يكون استحاضة فهو حيض قالوا: ولا يمكنكم إثبات قسم ثالث في هذا المحل وجعله دم فساد فإن هذا لا يثبت إلا بنص أو إجماع أو دليل يجب المصير إليه وهو منتف. قالوا: وقد رد النبي - صلى الله عليه وسلم - المستحاضة إلى عادتها وقال: ( اجلسي قدر الأيام التي كنت تحيضين ) . فدل على أن عادة النساء معتبرة في وصف الدم وحكمه فإذا جرى دم الحامل على عادتها المعتادة ووقتها من غير زيادة ولا نقصان ولا انتقال دلت عادتها على أنه حيض ووجب تحكيم عادتها وتقديمها على الفساد الخارج عن العبادة. قالوا: وأعلم الأمة بهذه المسألة نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - وأعلمهن عائشة وقد صح عنها من رواية أهل المدينة أنها لا تصلي وقد شهد له الإمام أحمد بأنه أصح من الرواية الأخرى عنها ولذلك رجع إليه إسحاق وأخبر أنه قول أحمد بن حنبل قالوا: ولا تعرف صحة الآثار بخلاف ذلك عمن ذكرتم من الصحابة ولو صحت فهي مسألة نزاع بين الصحابة ولا دليل يفصل. قالوا: ولأن عدم مجامعة الحيض للحمل إما أن يعلم بالحس أو بالشرع وكلاهما منتف أما الأول: فظاهر وأما الثاني: فليس عن صاحب الشرع ما يدل على أنهما لا يجتمعان. وأما قولكم: إنه جعله دليلا على براءة الرحم من الحمل في العدة والاستبراء. قلنا: جعل دليلا ظاهرا أو قطعيا الأول: صحيح. والثاني: باطل فإنه لو كان دليلا قطعيا لما تخلف عنه مدلوله ولكانت أول مدة الحمل من حين(5\/652)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2540",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11106",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "انقطاع الحيض وهذا لم يقله أحد بل أول المدة من حين الوطء ولو حاضت بعده عدة حيض فلو وطئها ثم جاءت بولد لأكثر من ستة أشهر من حين الوطء ولأقل منها من حين انقطاع الحيض لحقه النسب اتفاقا فعلم أنه أمارة ظاهرة قد يتخلف عنها مدلولها تخلف المطر عن الغيم الرطب وبهذا يخرج الجواب عما استدللتم به من السنة فإنا بها قائلون وإلى حكمها صائرون وهي الحكم بين المتنازعين. والنبي - صلى الله عليه وسلم - قسم النساء إلى قسمين: حامل فعدتها وضع حملها وحائل فعدتها بالحيض ونحن قائلون بموجب هذا غير منازعين فيه ولكن أين فيه ما يدل على أن ما تراه الحامل من الدم على عادتها تصوم معه وتصلي هذا أمر آخر لا تعرض للحديث به وهذا يقول القائلون: بأن دمها دم حيض هذه العبارة بعينها ولا يعد هذا تناقضا ولا خللا في العبارة. قالوا: وهكذا قوله في شأن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه -: ( مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا قبل أن يمسها )  إنما فيه إباحة الطلاق إذا كانت حائلا بشرطين: الطهر وعدم المسيس فأين في هذا التعرض لحكم الدم الذي تراه على حملها وقولكم إن الحامل لو كانت تحيض لكان طلاقها في زمن الدم بدعة وقد اتفق الناس على أن طلاق الحامل ليس ببدعة وإن رأت الدم . قلنا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم أحوال المرأة التي يريد طلاقها إلى حال حمل وحال خلو عنه وجوز طلاق الحامل مطلقا من غير استثناء وأما غير ذات الحمل فإنما أباح طلاقها بالشرطين المذكورين وليس في هذا ما يدل على أن دم الحامل دم فساد بل على أن الحامل تخالف غيرها في الطلاق وأن غيرها إنما تطلق طاهرا غير مصابة ولا يشترط في الحامل شيء من هذا بل تطلق عقيب الإصابة وتطلق وإن رأت الدم فكما لا يحرم طلاقها عقيب إصابتها لا يحرم حال حيضها. وهذا الذي تقتضيه حكمة الشارع في وقت الطلاق إذنا ومنعا فإن المرأة متى استبان حملها كان المطلق على بصيرة من أمره ولم يعرض له من الندم ما يعرض لهن كلهن بعد الجماع ولا يشعر بحملها فليس ما منع منه نظير(5\/653)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2541",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11107",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما أذن فيه لا شرعا ولا واقعا ولا اعتبارا ولا سيما من علل المنع من الطلاق في الحيض بتطويل العدة فهذا لا أثر له في الحامل. قالوا: وأما قولكم: إنه لو كان حيضا لانقضت به العدة فهذا لا يلزم لأن الله - سبحانه - جعل عدة الحامل بوضع الحمل وعدة الحائل بالأقراء ولا يمكن انقضاء عدة الحامل بالأقراء لإفضاء ذلك إلى أن يملكها الثاني ويتزوجها وهي حامل من غيره فيسقي ماءه زرع غيره. قالوا: وإذا كنتم سلمتم لنا أن الحائض قد تحبل وحملتم على ذلك حديث عائشة - رضي الله عنها - ولا يمكنكم منع ذلك لشهادة الحس به فقد أعطيتم أن الحيض والحبل يجتمعان فبطل استدلالكم من رأسه لأن مداره على أن الحيض لا يجامع الحبل. فإن قلتم: نحن إنما جوزنا ورود الحمل على الحيض وكلامنا في عكسه وهو ورود الحيض على الحمل وبينهما فرق. قيل: إذا كانا متنافيين لا يجتمعان فأي فرق بين ورود هذا على هذا وعكسه . وأما قولكم: إن الله - سبحانه - أجرى العادة بانقلاب دم الطمث لبنا يتغذى به الولد ولهذا لا تحيض المراضع. قلنا: وهذا من أكبر حجتنا عليكم فإن هذا الانقلاب والتغذية باللبن إنما يستحكم بعد الوضع وهو زمن سلطان اللبن وارتضاع المولود وقد أجرى الله العادة بأن المرضع لا تحيض. ومع هذا فلو رأت دما في وقت عادتها لحكم له بحكم الحيض بالاتفاق فلأن يحكم له بحكم الحيض في الحال التي لم يستحكم فيها انقلابه ولا تغذى الطفل به أولى وأحرى. قالوا: وهب أن هذا كما تقولون فهذا إنما يكون عند احتياج الطفل إلى التغذية باللبن وهذا بعد أن ينفخ فيه الروح. فأما قبل ذلك فإنه لا ينقلب لبنا لعدم حاجة الحمل إليه.(5\/654)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2542",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11108",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأيضا فإنه لا يستحيل كله لبنا بل يستحيل بعضه ويخرج الباقي وهذا القول هو الراجح كما تراه نقلا ودليلا والله المستعان.  فإن قيل: فهل تمنعون من الاستمتاع بالمستبرأة بغير الوطء في الموضع الذي يجب فيه الاستبراء قيل: أما إذا كانت صغيرة لا يوطأ مثلها فهذه لا تحرم قبلتها ولا مباشرتها وهذا منصوص أحمد في إحدى الروايتين عنه اختارها أبو محمد المقدسي وشيخنا وغيرهما فإنه قال: إن كانت صغيرة بأي شيء تستبرأ إذا كانت رضيعة وقال في رواية أخرى: تستبرأ بحيضة إن كانت تحيض وإلا ثلاثة أشهر إن كانت ممن توطأ وتحبل. قال أبو محمد: فظاهر هذا أنه لا يجب استبراؤها ولا تحرم مباشرتها وهذا اختيار ابن أبي موسى وقول مالك وهو الصحيح لأن سبب الإباحة متحقق وليس على تحريمها دليل فإنه لا نص فيها ولا معنى نص فإن تحريم مباشرة الكبيرة إنما كان لكونه داعيا إلى الوطء المحرم أو خشية أن تكون أم ولد لغيره ولا يتوهم هذا في هذه فوجب العمل بمقتضى الإباحة انتهى كلامه.  [فصل مباشرة البكر في وقت الاستبراء] فصل وإن كانت ممن يوطأ مثلها فإن كانت بكرا وقلنا: لا يجب استبراؤها فظاهر وإن قلنا: يجب استبراؤها فقال أصحابنا: تحرم قبلتها ومباشرتها وعندي أنه لا يحرم ولو قلنا بوجوب استبرائها لأنه لا يلزم من تحريم الوطء تحريم دواعيه كما في حق الصائم لا سيما وهم إنما حرموا تحريم مباشرتها لأنها قد تكون حاملا فيكون مستمتعا بأمة الغير هكذا عللوا تحريم المباشرة ثم قالوا: ولهذا لا يحرم الاستمتاع بالمسبية بغير الوطء قبل الاستبراء في إحدى الروايتين لأنها لا يتوهم فيها انفساخ الملك لأنه قد استقر بالسبي فلم يبق لمنع الاستمتاع بالقبلة وغيرها من البكر معنى. وإن كانت ثيبا فقال أصحاب أحمد والشافعي وغيرهم: يحرم الاستمتاع بها قبل الاستبراء قالوا: لأنه استبراء يحرم الوطء فحرم الاستمتاع بها قبل الاستبراء كالعدة ولأنه لا يأمن(5\/655)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2543",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11109",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كونها حاملا فتكون أم ولد والبيع باطل فيكون مستمتعا بأم ولد غيره. قالوا: ولهذا فارق وطء تحريم الحائض والصائم. وقال الحسن البصري: لا يحرم من المستبرأة إلا فرجها وله أن يستمتع منها بما شاء ما لم يطأ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما منع من الوطء قبل الاستبراء ولم يمنع مما دونه ولا يلزم من تحريم الوطء تحريم ما دونه كالحائض والصائمة وقد قيل: إن ابن عمر قبل جاريته من السبي حين وقعت في سهمه قبل استبرائها. ولمن نصر هذا القول أن يقول: الفرق بين المشتراة والمعتدة: أن المعتدة قد صارت أجنبية منه فلا يحل وطؤها ولا دواعيه بخلاف المملوكة فإن وطأها إنما يحرم قبل الاستبراء خشية اختلاط مائه بماء غيره وهذا لا يوجب تحريم الدواعي فهي أشبه بالحائض والصائمة ونظير هذا أنه لو زنت امرأته أو جاريته حرم عليه وطؤها قبل الاستبراء ولا يحرم دواعيه وكذلك المسبية كما سيأتي. وأكثر ما يتوهم كونها حاملا من سيدها فينفسخ البيع فهذا بناء على تحريم بيع أمهات الأولاد على علاته ولا يلزم القائل به لأنه لما استمتع بها كانت ملكه ظاهرا وذلك يكفي في جواز الاستمتاع كما يخلو بها ويحدثها وينظر منها ما لا يباح من الأجنبية وما كان جوابكم عن هذه الأمور فهو الجواب عن القبلة والاستمتاع ولا يعلم في جواز هذا نزاع فإن المشتري لا يمنع من قبض أمته وحوزها إلى بيته وإن كان وحده قبل الاستبراء ولا يجب عليها أن تستر وجهها منه ولا يحرم عليه النظر إليها والخلوة بها والأكل معها واستخدامها والانتفاع بمنافعها وإن لم يجز له ذلك في ملك الغير.  [فصل الاستمتاع بغير الوطء للمسبية] فصل وإن كانت مسبية ففي جواز الاستمتاع بغير الوطء قولان للفقهاء وهما روايتان عن أحمد - رحمه الله -.(5\/656)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2544",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11110",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إحداهما: أنها كغير المسبية فيحرم الاستمتاع منها بما دون الفرج وهو ظاهر كلام الخرقي لأنه قال: ومن ملك أمة لم يصبها ولم يقبلها حتى يستبرئها بعد تمام ملكه لها. والثانية: لا يحرم وهو قول ابن عمر - رضي الله عنه - والفرق بينها وبين المملوكة بغير السبي أن المسبية لا يتوهم فيها كونها أم ولد بل هي مملوكة له على كل حال بخلاف غيرها كما تقدم والله أعلم. فإن قيل: فهل يكون أول مدة الاستبراء من حين البيع أو من حين القبض قيل: فيه قولان وهما وجهان في مذهب أحمد - رحمه الله -. أحدهما: من حين البيع لأن الملك ينتقل به. والثاني: من حين القبض لأن القصد معرفة براءة رحمها من ماء البائع وغيره ولا يحصل ذلك مع كونها في يده وهذا على أصل الشافعي وأحمد. أما على أصل مالك فيكفي عنده الاستبراء قبل البيع في المواضع التي تقدمت. فإن قيل: فإن كان في البيع خيار فمتى يكون ابتداء مدة الاستبراء قيل: هذا ينبني على الخلاف في انتقال الملك في مدة الخيار فمن قال: ينتقل فابتداء المدة عنده من حين البيع ومن قال لا ينتقل فابتداؤها عنده من حين انقطاع الخيار. فإن قيل: فما تقولون لو كان الخيار خيار عيب قيل: ابتداء المدة من حين البيع قولا واحدا لأن خيار العيب لا يمنع نقل الملك بغير خلاف والله أعلم.  [فصل هل سكتت السنة عن استبراء الآيسة والتي لم تحض] فصل فإن قيل: قد دلت السنة على استبراء الحامل بوضع الحمل وعلى استبراء الحائل بحيضة فكيف سكتت عن استبراء الآيسة والتي لم تحض ولم تسكت عنهما في العدة(5\/657)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2545",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11111",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل: لم تسكت عنهما بحمد الله بل بينتهما بطريق الإيماء والتنبيه فإن الله - سبحانه - جعل عدة الحرة ثلاثة قروء ثم جعل عدة الآيسة والتي لم تحض ثلاثة أشهر فعلم أنه - سبحانه - جعل في مقابلة كل قرء شهرا. ولهذا أجرى سبحانه عادته الغالبة في إمائه أن المرأة تحيض في كل شهر حيضة وبينت السنة أن استبراء الأمة الحائض بحيضة فيكون الشهر قائما مقام الحيضة وهذا إحدى الروايات عن أحمد وأحد قولي الشافعي. وعن أحمد رواية ثانية: أنها تستبرأ بثلاثة أشهر وهي المشهورة عنه وهو أحد قولي الشافعي. ووجه هذا القول ما احتج به أحمد في رواية أحمد بن القاسم فإنه قال: قلت لأبي عبد الله: كيف جعلت ثلاثة أشهر مكان حيضة وإنما جعل الله - سبحانه - في القرآن مكان كل حيضة شهرا فقال أحمد: إنما قلنا: ثلاثة أشهر من أجل الحمل فإنه لا يتبين في أقل من ذلك فإن عمر بن عبد العزيز سأل عن ذلك وجمع أهل العلم والقوابل فأخبروا أن الحمل لا يتبين في أقل من ثلاثة أشهر فأعجبه ذلك ثم قال: ألا تسمع قول ابن مسعود: إن النطفة تكون أربعين يوما علقة ثم أربعين يوما مضغة بعد ذلك فإذا خرجت الثمانون صارت بعدها مضغة وهي لحم فيتبين حينئذ. قال ابن القاسم: قال لي: هذا معروف عند النساء. فأما شهر فلا معنى فيه انتهى كلامه. وعنه رواية ثالثة أنها: تستبرأ بشهر ونصف فإنه قال في رواية حنبل: قال عطاء: إن كانت لا تحيض فخمسة وأربعون ليلة. قال حنبل: قال عمي: لذلك أذهب لأن عدة المطلقة الآيسة كذلك انتهى كلامه. ووجه هذا القول: أنها لو طلقت وهي آيسة اعتدت بشهر ونصف في رواية فلأن تستبرأ الأمة بهذا القدر أولى. وعن أحمد رواية رابعة: أنها تستبرأ بشهرين حكاها القاضي عنه(5\/658)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2546",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11112",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واستشكلها كثير من أصحابه حتى قال صاحب (المغني) : ولم أر لذلك وجها. قال ولو كان استبراؤها بشهرين لكان استبراء ذات القروء بقرءين ولم نعلم به قائلا. ووجه هذه الرواية أنها اعتبرت بالمطلقة ولو طلقت وهي أمة لكانت عدتها شهرين هذا هو المشهور عن أحمد - رحمه الله - واحتج فيه بقول عمر - رضي الله عنه - وهو الصواب لأن الأشهر قائمة مقام القروء وعدة ذات القروء قرءان فبدلهما شهران وإنما صرنا إلى استبراء ذات القرء بحيضة لأنها علم ظاهر على براءتها من الحمل ولا يحصل ذلك بشهر واحد فلا بد من مدة تظهر فيها براءتها وهي إما شهران أو ثلاثة فكانت الشهران أولى لأنها جعلت علما على البراءة في حق المطلقة ففي حق المستبرأة أولى فهذا وجه هذه الرواية. وبعد فالراجح من الدليل: الاكتفاء بشهر واحد وهو الذي دل عليه إيماء النص وتنبيهه وفي جعل مدة استبرائها ثلاثة أشهر تسوية بينها وبين الحرة وجعلها بشهرين تسوية بينها وبين المطلقة فكان أولى المدد بها شهرا فإنه البدل التام والشارع قد اعتبر نظير هذا البدل في نظير الأمة وهي الحرة واعتبره الصحابة في الأمة المطلقة فصح عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: عدتها حيضتان فإن لم تكن تحيض فشهران احتج به أحمد - رحمه الله -. وقد نص أحمد - رحمه الله - في أشهر الروايات عنه على أنها إذا ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه اعتدت بعشرة أشهر تسعة للحمل وشهر مكان الحيضة. وعنه رواية ثانية: تعتد بسنة هذه طريقة الشيخ أبي محمد قال: وأحمد هاهنا جعل مكان الحيضة شهرا لأن اعتبار تكرارها في الآيسة لتعلم براءتها من الحمل وقد علم براءتها منه هاهنا بمضي غالب مدته فجعل الشهر مكان الحيضة على وفق القياس وهذا هو الذي ذكره الخرقي مفرقا بين الآيسة وبين من ارتفع حيضها فقال: فإن كانت آيسة فبثلاثة أشهر وإن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه اعتدت بتسعة أشهر للحمل وشهر مكان الحيضة.(5\/659)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2547",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11113",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الشيخ أبو البركات فجعل الخلاف في الذي ارتفع حيضها كالخلاف في الآيسة وجعل فيها الروايات الأربع بعد غالب مدة الحمل تسوية بينها وبين الآيسة فقال في (محرره) : والآيسة والصغيرة بمضي شهر. وعنه: بمضي ثلاثة أشهر. وعنه: شهرين وعنه: شهر ونصف. وإن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه فبذلك بعد تسعة أشهر. وطريقة الخرقي والشيخ أبي محمد أصح وهذا الذي اخترناه من الاكتفاء بشهر هو الذي مال إليه الشيخ في (المغني) فإنه قال: ووجه استبرائها بشهر أن الله جعل الشهر مكان الحيضة ولذلك اختلفت الشهور باختلاف الحيضات فكانت عدة الحرة الآيسة ثلاثة أشهر مكان الثلاثة قروء وعدة الأمة شهرين مكان القرءين وللأمة المستبرأة التي ارتفع حيضها عشرة أشهر تسعة للحمل وشهر مكان الحيضة فيجب أن يكون مكان الحيضة هنا شهر كما في حق من ارتفع حيضها. قال: فإن قيل: فقد وجدتم ما دل على البراءة وهو تربص تسعة أشهر. قلنا: وهاهنا ما يدل على البراءة وهو الإياس فاستويا.  [ذكر أحكامه صلى الله عليه وسلم في البيوع] [ذكر حكمه صلى الله عليه وسلم فيما يحرم بيعه] ثبت في (الصحيحين) : من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال: (لا هو حرام) . ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك: (قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها(5\/660)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2548",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11114",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه ) . وفيهما أيضا: عن ابن عباس قال بلغ عمر - رضي الله عنه - أن سمرة باع خمرا فقال: قاتل الله سمرة ألم يعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها ) . فهذا من (مسند عمر) - رضي الله عنه - وقد رواه البيهقي والحاكم في (مستدركه) فجعلاه من (مسند ابن عباس)  وفيه زيادة ولفظه: عن ابن عباس قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد يعني الحرام فرفع بصره إلى السماء فتبسم فقال: (لعن الله اليهود لعن الله اليهود لعن الله اليهود إن الله - عز وجل - حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه ) وإسناده صحيح فإن البيهقي رواه عن ابن عبدان عن الصفار عن إسماعيل القاضي حدثنا مسدد حدثنا بشر بن المفضل حدثنا خالد الحذاء عن بركة أبي الوليد عن ابن عباس. وفي (الصحيحين) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - نحوه دون قوله: ( إن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه ) . فاشتملت هذه الكلمات الجوامع على تحريم ثلاثة أجناس: مشارب تفسد العقول ومطاعم تفسد الطباع وتغذي غذاء خبيثا وأعيان تفسد الأديان وتدعو إلى الفتنة والشرك.(5\/661)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2549",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11115",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصان بتحريم النوع الأول العقول عما يزيلها ويفسدها وبالثاني: القلوب عما يفسدها من وصول أثر الغذاء الخبيث إليها والغاذي شبيه بالمغتذي وبالثالث: الأديان عما وضع لإفسادها. فتضمن هذا التحريم صيانة العقول والقلوب والأديان. ولكن الشأن في معرفة حدود كلامه - صلوات الله عليه - وما يدخل فيه وما لا يدخل فيه لتستبين عموم كلماته وجمعها وتناولها لجميع الأنواع التي شملها عموم كلماته وتأويلها بجميع الأنواع التي شملها عموم لفظه ومعناه وهذه خاصية الفهم عن الله ورسوله التي تفاوت فيه العلماء ويؤتيه الله من يشاء.  فأما تحريم بيع الخمر فيدخل فيه تحريم بيع كل مسكر مائعا كان أو جامدا عصيرا أو مطبوخا فيدخل فيه عصير العنب وخمر الزبيب والتمر والذرة والشعير والعسل والحنطة واللقمة الملعونة لقمة الفسق والقلب التي تحرك القلب الساكن إلى أخبث الأماكن فإن هذا كله خمر بنص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيح الصريح الذي لا مطعن في سنده ولا إجمال في متنه إذ صح عنه قوله: ( كل مسكر خمر ) . وصح عن أصحابه - رضي الله عنهم - الذين هم أعلم الأمة بخطابه ومراده: أن الخمر ما خامر العقل فدخول هذه الأنواع تحت اسم الخمر كدخول جميع أنواع الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والزبيب تحت قوله: ( لا تبيعوا(5\/662)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2550",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11116",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا مثلا بمثل ) . فكما لا يجوز إخراج صنف من هذه الأصناف عن تناول اسمه له فهكذا لا يجوز إخراج صنف من أصناف المسكر عن اسم الخمر فإنه يتضمن محذورين. أحدهما: أن يخرج من كلامه ما قصد دخوله فيه. والثاني: أن يشرع لذلك النوع الذي أخرج حكم غير حكمه فيكون تغييرا لألفاظ الشارع ومعانيه فإنه إذا سمى ذلك النوع بغير الاسم الذي سماه به الشارع أزال عنه حكم ذلك المسمى وأعطاه حكما آخر. ولما علم النبي - صلى الله عليه وسلم - من أمته من يبتلى بهذا كما قال: ( ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ) قضى قضية كلية عامة لا يتطرق إليها إجمال ولا احتمال بل هي شافية كافية فقال: ( كل مسكر خمر )  هذا ولو أن أبا عبيدة والخليل وأضرابهما من أئمة اللغة ذكروا هذه الكلمة هكذا لقالوا: قد نص أئمة اللغة على(5\/663)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2551",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11117",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن كل مسكر خمر وقولهم حجة وسيأتي إن شاء الله تعالى عند ذكر هديه في الأطعمة والأشربة مزيد تقرير لهذا وأنه لو لم يتناوله لفظه لكان القياس الصريح الذي استوى فيه الأصل والفرع من كل وجه حاكما بالتسوية بين أنواع المسكر في تحريم البيع والشرب فالتفريق بين نوع ونوع تفريق بين متماثلين من جميع الوجوه.  [فصل تحريم بيع الميتة] فصل وأما تحريم بيع الميتة فيدخل فيه كل ما يسمى ميتة سواء مات حتف أنفه أو ذكي ذكاة لا تفيد حله. ويدخل فيه أبعاضها أيضا ولهذا استشكل الصحابة - رضي الله عنهم - تحريم بيع الشحم مع ما لهم فيه من المنفعة فأخبرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه حرام وإن كان فيه ما ذكروا من المنفعة وهذا موضع اختلف الناس فيه لاختلافهم في فهم مراده - صلى الله عليه وسلم - وهو أن قوله: ( لا هو حرام ) هل هو عائد إلى البيع أو عائد إلى الأفعال التي سألوا عنها فقال شيخنا: هو راجع إلى البيع فإنه - صلى الله عليه وسلم - لما أخبرهم أن الله حرم بيع الميتة قالوا: إن في شحومها من المنافع كذا وكذا يعنون فهل ذلك مسوغ لبيعها فقال: ( لا هو حرام ) . قلت: كأنهم طلبوا تخصيص الشحوم من جملة الميتة بالجواز كما طلب العباس - رضي الله عنه - تخصيص الإذخر من جملة تحريم نبات الحرم بالجواز فلم يجبهم إلى ذلك فقال: ( لا هو حرام ) . وقال غيره من أصحاب أحمد وغيرهم: التحريم عائد إلى الأفعال المسؤول عنها وقال: هو حرام ولم يقل: هي لأنه أراد المذكور جميعه ويرجح قولهم عود الضمير إلى أقرب مذكور ويرجحه من جهة المعنى أن إباحة هذه الأشياء(5\/664)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2552",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11118",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذريعة إلى اقتناء الشحوم وبيعها ويرجحه أيضا: أن في بعض ألفاظ الحديث فقال: ( لا هي حرام )  وهذا الضمير إما أن يرجع إلى الشحوم وإما إلى هذه الأفعال وعلى التقديرين فهو حجة على تحريم الأفعال التي سألوا عنها. ويرجحه أيضا قوله في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في الفأرة التي وقعت في السمن: (إن كان جامدا فألقوها وما حولها وكلوه وإن كان مائعا فلا تقربوه ) . وفي الانتفاع به في الاستصباح وغيره قربان له. ومن رجح الأول يقول: ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( إنما حرم من الميتة أكلها ) وهذا صريح في أنه لا يحرم الانتفاع بها في غير الأكل كالوقيد وسد البثوق ونحوهما. قالوا: والخبيث إنما تحرم ملابسته باطنا وظاهرا كالأكل واللبس وأما الانتفاع به من غير ملابسة فلأي شيء يحرم . قالوا: ومن تأمل سياق حديث جابر علم أن السؤال إنما كان منهم عن البيع وأنهم طلبوا منه أن يرخص لهم في بيع الشحوم لما فيها من المنافع فأبى عليهم وقال: (هو حرام)  فإنهم لو سألوه عن حكم هذه الأفعال لقالوا: أرأيت شحوم الميتة هل يجوز أن يستصبح بها الناس وتدهن بها الجلود ولم يقولوا: فإنه يفعل بها كذا وكذا فإن هذا إخبار منهم لا سؤال وهم لم يخبروه بذلك عقيب تحريم هذه الأفعال عليهم ليكون قوله: (لا هو حرام) صريحا في تحريمها وإنما أخبروه به عقيب تحريم بيع الميتة فكأنهم طلبوا منه أن يرخص لهم في بيع الشحوم لهذه المنافع التي ذكروها فلم يفعل. ونهاية الأمر أن الحديث يحتمل الأمرين فلا يحرم ما لم يعلم أن الله ورسوله حرمه. قالوا: وقد ثبت عنه أنه نهاهم عن الاستسقاء من آبار ثمود وأباح لهم أن(5\/665)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2553",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11119",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يطعموا ما عجنوا منه من تلك الآبار للبهائم قالوا: ومعلوم أن إيقاد النجاسة والاستصباح بها انتفاع خال عن هذه المفسدة وعن ملابستها باطنا وظاهرا فهو نفع محض لا مفسدة فيه. وما كان هكذا فالشريعة لا تحرمه فإن الشريعة إنما تحرم المفاسد الخالصة أو الراجحة وطرقها وأسبابها الموصلة إليها. قالوا: وقد أجاز أحمد في إحدى الروايتين الاستصباح بشحوم الميتة إذا خالطت دهنا طاهرا فإنه في أكثر الروايات عنه يجوز الاستصباح بالزيت النجس وطلي السفن به وهو اختيار طائفة من أصحابه منهم: الشيخ أبو محمد وغيره واحتج بأن ابن عمر أمر أن يستصبح به. وقال في رواية ابنيه: صالح وعبد الله: لا يعجبني بيع النجس ويستصبح به إذا لم يمسوه لأنه نجس وهذا يعم النجس والمتنجس ولو قدر أنه إنما أراد به المتنجس فهو صريح في القول بجواز الاستصباح بما خالطه نجاسة ميتة أو غيرها وهذا مذهب الشافعي وأي فرق بين الاستصباح بشحم الميتة إذا كان منفردا وبين الاستصباح به إذا خالطه دهن طاهر فنجسه . فإن قيل: إذا كان مفردا فهو نجس العين وإذا خالطه غيره تنجس به فأمكن تطهيره بالغسل فصار كالثوب النجس ولهذا يجوز بيع الدهن المتنجس على أحد القولين دون دهن الميتة. قيل: لا ريب أن هذا هو الفرق الذي عول عليه المفرقون بينهما ولكنه ضعيف لوجهين.(5\/666)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2554",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11120",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدهما: أنه لا يعرف عن الإمام أحمد ولا عن الشافعي البتة غسل الدهن النجس وليس عنهم في ذلك كلمة واحدة وإنما ذلك من فتوى بعض المنتسبين وقد روي عن مالك أنه يطهر بالغسل هذه رواية ابن نافع وابن القاسم عنه. الثاني: أن هذا الفرق وإن تأتى لأصحابه في الزيت والشيرج ونحوهما فلا يتأتى لهم في جميع الأدهان فإن منها ما لا يمكن غسله وأحمد والشافعي قد أطلقا القول بجواز الاستصباح بالدهن النجس من غير تفريق. وأيضا فإن هذا الفرق لا يفيد في دفع كونه مستعملا للخبيث والنجاسة سواء كانت عينية أو طارئة فإنه إن حرم الاستصباح به لما فيه من استعمال الخبيث فلا فرق وإن حرم لأجل دخان النجاسة فلا فرق وإن حرم لكون الاستصباح به ذريعة إلى اقتنائه فلا فرق فالفرق بين المذهبين في جواز الاستصباح بهذا دون هذا لا معنى له. وأيضا فقد جوز جمهور العلماء الانتفاع بالسرقين النجس في عمارة الأرض للزرع والثمر والبقل مع نجاسة عينه وملابسة المستعمل له أكثر من ملابسة الموقد وظهور أثره في البقول والزروع والثمار فوق ظهور أثر الوقيد وإحالة النار أتم من إحالة الأرض والهواء والشمس للسرقين فإن كان التحريم لأجل دخان النجاسة فمن سلم أن دخان النجاسة نجس وبأي كتاب أم بأية سنة ثبت ذلك وانقلاب النجاسة إلى الدخان أتم من انقلاب عين السرقين والماء النجس ثمرا أو زرعا وهذا أمر لا يشك فيه بل معلوم بالحس والمشاهدة حتى جوز بعض أصحاب مالك وأبي حنيفة - رحمهما الله - بيعه فقال ابن الماجشون: لا بأس ببيع العذرة لأن ذلك من منافع الناس. وقال ابن القاسم: لا بأس ببيع الزبل. قال اللخمي: وهذا يدل من قوله على أنه يرى بيع العذرة. وقال أشهب في الزبل: المشتري أعذر فيه من البائع يعني في اشترائه. وقال ابن عبد الحكم: لم(5\/667)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2555",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11121",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعذر الله واحدا منهما وهما سيان في الإثم. قلت: وهذا هو الصواب وأن بيع ذلك حرام وإن جاز الانتفاع به والمقصود أنه لا يلزم من تحريم بيع الميتة تحريم الانتفاع بها في غير ما حرم الله ورسوله منها كالوقيد وإطعام الصقور والبزاة وغير ذلك. وقد نص مالك على جواز الاستصباح بالزيت النجس في غير المساجد وعلى جواز عمل الصابون منه وينبغي أن يعلم أن باب الانتفاع أوسع من باب البيع فليس كل ما حرم بيعه حرم الانتفاع به بل لا تلازم بينهما فلا يؤخذ تحريم الانتفاع من تحريم البيع.  [فصل تحريم بيع أجزاء الميتة التي تحلها الحياة وتفارقها بالموت وحل بيع الشعر والوبر والصوف] فصل ويدخل في تحريم بيع الميتة بيع أجزائها التي تحلها الحياة وتفارقها بالموت كاللحم والشحم والعصب وأما الشعر والوبر والصوف فلا يدخل في ذلك لأنه ليس بميتة ولا تحله الحياة. وكذلك قال جمهور أهل العلم: إن شعور الميتة وأصوافها وأوبارها طاهرة إذا كانت من حيوان طاهر هذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل والليث والأوزاعي والثوري وداود وابن المنذر والمزني ومن التابعين: الحسن وابن سيرين وأصحاب عبد الله بن مسعود وانفرد الشافعي بالقول بنجاستها واحتج له بأن اسم الميتة يتناولها كما يتناول سائر أجزائها بدليل الأثر والنظر أما الأثر ففي (الكامل) لابن عدي: من حديث ابن عمر يرفعه: ( ادفنوا الأظفار والدم والشعر فإنها ميتة ) . وأما النظر فإنه متصل بالحيوان ينمو بنمائه فينجس بالموت كسائر أعضائه وبأنه شعر نابت في محل نجس فكان نجسا كشعر الخنزير وهذا لأن ارتباطه بأصله خلقة يقتضي أن يثبت له حكمه تبعا فإنه محسوب منه عرفا والشارع أجرى الأحكام فيه على وفق ذلك فأوجب غسله في الطهارة وأوجب الجزاء يأخذه من الصيد كالأعضاء وألحقه بالمرأة في النكاح والطلاق حلا وحرمة وكذلك هاهنا وبأن الشارع له تشوف إلى إصلاح الأموال وحفظها وصيانتها وعدم إضاعتها. وقد قال لهم في شاة ميمونة: ( هلا أخذتم إهابها(5\/668)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2556",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11122",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فدبغتموه فانتفعتم به ) . ولو كان الشعر طاهرا لكان إرشادهم إلى أخذه أولى لأنه أقل كلفة وأسهل تناولا. قال المطهرون للشعور: قال الله تعالى: ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين [النحل: 80] [النحل: 80]  وهذا يعم أحياءها وأمواتها وفي (مسند أحمد) : عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بشاة لميمونة ميتة فقال: (ألا انتفعتم بإهابها قالوا: وكيف وهي ميتة قال: إنما حرم لحمها ) . وهذا ظاهر جدا في إباحة ما سوى اللحم والشحم والكبد والطحال والألية كلها داخلة في اللحم كما دخلت في تحريم لحم الخنزير ولا ينتقض هذا بالعظم والقرن والظفر والحافر فإن الصحيح طهارة ذلك كما سنقرره عقيب هذه المسألة. قالوا: ولأنه لو أخذ حال الحياة لكان طاهرا فلم ينجس بالموت كالبيض وعكسه الأعضاء. قالوا: ولأنه لما لم ينجس بجزه في حال حياة الحيوان بالإجماع دل على أنه ليس جزءا من الحيوان وأنه لا روح فيه لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( ما أبين من حي فهو ميتة ) . رواه أهل السنن. ولأنه لا يتألم بأخذه ولا يحس بمسه وذلك دليل عدم الحياة فيه وأما النماء فلا يدل على(5\/669)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2557",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11123",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحياة والحيوانية التي يتنجس الحيوان بمفارقتها فإن مجرد النماء لو دل على الحياة ونجس المحل بمفارقة هذه الحياة لتنجس الزرع بيبسه لمفارقة حياة النمو والاغتذاء له. قالوا: فالحياة نوعان: حياة حس وحركة وحياة نمو واغتذاء فالأولى: هي التي يؤثر فقدها في طهارة الحي دون الثانية. قالوا: واللحم إنما ينجس لاحتقان الرطوبات والفضلات الخبيثة فيه والشعور والأصواف بريئة من ذلك ولا ينتقض بالعظام والأظفار لما سنذكره. قالوا: والأصل في الأعيان الطهارة وإنما يطرأ عليها التنجيس باستحالتها كالرجيع المستحيل عن الغذاء وكالخمر المستحيل عن العصير وأشباهها والشعور في حال استحالتها كانت طاهرة ثم لم يعرض لها ما يوجب نجاستها بخلاف أعضاء الحيوان فإنها عرض لها ما يقتضي نجاستها وهو احتقان الفضلات الخبيثة. قالوا: وأما حديث عبد الله بن عمر ففي إسناده عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد. قال أبو حاتم الرازي: أحاديثه منكرة ليس محله عندي الصدق وقال علي بن الحسين بن الجنيد: لا يساوي فلسا يحدث بأحاديث كذب. وأما حديث الشاة الميتة وقوله: ( ألا انتفعتم بإهابها )  ولم يتعرض للشعر فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه أطلق الانتفاع بالإهاب ولم يأمرهم بإزالة ما عليه من الشعر مع أنه لا بد فيه من شعر وهو - صلى الله عليه وسلم - لم يقيد الإهاب المنتفع به بوجه دون وجه فدل على أن الانتفاع به فروا وغيره مما لا يخلو من الشعر.(5\/670)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2558",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11124",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثاني: أنه - صلى الله عليه وسلم - قد أرشدهم إلى الانتفاع بالشعر في الحديث نفسه حيث يقول: ( إنما حرم من الميتة أكلها أو لحمها ) . والثالث: أن الشعر ليس من الميتة ليتعرض له في الحديث لأنه لا يحله الموت وتعليلهم بالتبعية يبطل بجلد الميتة إذا دبغ وعليه شعر فإنه يطهر دون الشعر عندهم وتمسكهم بغسله في الطهارة يبطل بالجبيرة وتمسكهم بضمانه من الصيد يبطل بالبيض وبالحمل. وأما في النكاح فإنه يتبع الجملة لاتصاله وزوال الجملة بانفصاله عنها وهاهنا لو فارق الجملة بعد أن تبعها في التنجس لم يفارقها فيه عندهم فعلم الفرق.  [فصل هل يحرم بيع عظم الميتة وقرنها وجلدها بعد الدباغ] فصل فإن قيل: فهل يدخل في تحريم بيعها تحريم بيع عظمها وقرنها وجلدها بعد الدباغ لشمول اسم الميتة لذلك قيل: الذي يحرم بيعه منها هو الذي يحرم أكله واستعماله كما أشار إليه النبي بقوله: ( إن الله تعالى إذا حرم شيئا حرم ثمنه ) . وفي اللفظ الآخر: ( إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه ) . فنبه على أن الذي يحرم بيعه يحرم أكله. وأما الجلد إذا دبغ فقد صار عينا طاهرة ينتفع في اللبس والفرش وسائر وجوه الاستعمال فلا يمتنع جواز بيعه وقد نص الشافعي في كتابه القديم على أنه لا يجوز بيعه واختلف أصحابه فقال القفال: لا يتجه هذا إلا بتقدير قول يوافق مالكا في أنه يطهر ظاهره دون باطنه وقال بعضهم: لا يجوز بيعه وإن طهر ظاهره وباطنه على قوله الجديد فإنه جزء من الميتة حقيقة فلا يجوز بيعه كعظمها ولحمها. وقال بعضهم: بل يجوز بيعه بعد الدبغ لأنه عين طاهرة ينتفع بها فجاز بيعها كالمذكى وقال بعضهم: بل هذا ينبني على أن الدبغ إزالة أو(5\/671)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2559",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11125",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إحالة فإن قلنا: إحالة جاز بيعه لأنه قد استحال من كونه جزء ميتة إلى عين أخرى وإن قلنا: إزالة لم يجز بيعه لأن وصف الميتة هو المحرم لبيعه وذلك باق لم يستحل. وبنوا على هذا الخلاف جواز أكله ولهم فيه ثلاثة أوجه: أكله مطلقا وتحريمه مطلقا والتفصيل بين جلد المأكول وغير المأكول فأصحاب الوجه الأول غلبوا حكم الإحالة وأصحاب الوجه الثاني غلبوا حكم الإزالة وأصحاب الوجه الثالث أجروا الدباغ مجرى الذكاة فأباحوا بها ما يباح أكله بالذكاة إذا ذكي دون غيره والقول بجواز أكله باطل مخالف لصريح السنة ولهذا لم يمكن قائله القول به إلا بعد منعه كون الجلد بعد الدبغ ميتة وهذا منع باطل فإنه جلد ميتة حقيقة وحسا وحكما ولم يحدث له حياة بالدبغ ترفع عنه اسم الميتة وكون الدبغ إحالة باطل حسا فإن الجلد لم يستحل ذاته وأجزاؤه وحقيقته بالدباغ فدعوى أن الدباغ إحالة عن حقيقة إلى حقيقة أخرى كما تحيل النار الحطب إلى الرماد والملاحة ما يلقى فيها من الميتات إلى الملح دعوى باطلة. وأما أصحاب مالك - رحمه الله - ففي (المدونة) لابن القاسم المنع من بيعها وإن دبغت وهو الذي ذكره صاحب (التهذيب) . وقال المازري: هذا هو مقتضى القول بأنها لا تطهر بالدباغ. قال: وأما إذا فرعنا على أنها تطهر بالدباغ طهارة كاملة فإنا نجيز بيعها لإباحة جملة منافعها. قلت: عن مالك في طهارة الجلد المدبوغ روايتان. إحداهما: يطهر ظاهره وباطنه وبها قال وهب وعلى هذه الرواية جوز أصحابه بيعه. والثانية - وهي أشهر الروايتين عنه - أنه يطهر طهارة مخصوصة يجوز معها استعماله في اليابسات وفي الماء وحده دون سائر المائعات قال أصحابه: وعلى هذه الرواية لا يجوز بيعه ولا الصلاة فيه ولا الصلاة عليه.(5\/672)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2560",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11126",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما مذهب الإمام أحمد: فإنه لا يصح عنده بيع جلد الميتة قبل دبغه. وعنه في جوازه بعد الدبغ روايتان هكذا أطلقهما الأصحاب وهما عندي مبنيتان على اختلاف الرواية عنه في طهارته بعد الدباغ.  وأما بيع الدهن النجس ففيه ثلاثة أوجه في مذهبه. أحدها: أنه لا يجوز بيعه. والثاني: أنه يجوز بيعه لكافر يعلم نجاسته وهو المنصوص عنه. قلت: والمراد بعلم النجاسة: العلم بالسبب المنجس لا اعتقاد الكافر نجاسته. والثالث: يجوز بيعه لكافر ومسلم. وخرج هذا الوجه من جواز إيقاده وخرج أيضا من طهارته بالغسل فيكون كالثوب النجس وخرج بعض أصحابه وجها ببيع السرقين النجس للوقيد من بيع الزيت النجس له وهو تخريج صحيح. وأما أصحاب أبي حنيفة فجوزوا بيع السرقين النجس إذا كان تبعا لغيره ومنعوه إذا كان مفردا.  [فصل بيع عظم الميتة] فصل وأما عظمها فمن لم ينجسه بالموت كأبي حنيفة وبعض أصحاب أحمد واختيار ابن وهب من أصحاب مالك فيجوز بيعه عندهم وإن اختلف مأخذ الطهارة فأصحاب أبي حنيفة قالوا: لا يدخل في الميتة ولا يتناوله اسمها ومنعوا كون الألم دليل حياته قالوا: وإنما تؤلمه لما جاوره من اللحم لا ذات العظم وحملوا قوله تعالى: قال من يحيي العظام وهي رميم [يس: 78] [يس: 78] على حذف مضاف أي أصحابها. وغيرهم ضعف هذا المأخذ جدا وقال: العظم يألم حسا وألمه أشد من ألم اللحم ولا يصح حمل الآية على حذف مضاف لوجهين أحدهما: أنه تقدير ما لا دليل عليه فلا سبيل إليه. الثاني: أن هذا التقدير يستلزم الإضراب عن جواب سؤال السائل الذي استشكل حياة(5\/673)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2561",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11127",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العظام فإن أبي بن خلف أخذ عظما باليا ثم جاء به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ففته في يده فقال: يا محمد! أترى الله يحيي هذا بعدما رم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (نعم ويبعثك ويدخلك النار)  . فمأخذ الطهارة أن سبب تنجيس الميتة منتف في العظام فلم يحكم بنجاستها ولا يصح قياسها على اللحم لأن احتقان الرطوبات والفضلات الخبيثة يختص به دون العظام كما أن ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت وهو حيوان كامل لعدم سبب التنجيس فيه. فالعظم أولى وهذا المأخذ أصح وأقوى من الأول وعلى هذا فيجوز بيع عظام الميتة إذا كانت من حيوان طاهر العين. وأما من رأى نجاستها فإنه لا يجوز بيعها إذ نجاستها عينية قال ابن القاسم: قال مالك: لا أرى أن تشترى عظام الميتة ولا تباع ولا أنياب الفيل ولا يتجر فيها ولا يمتشط بأمشاطها ولا يدهن بمداهنها وكيف يجعل الدهن في الميتة ويمشط لحيته بعظام الميتة وهي مبلولة وكره أن يطبخ بعظام الميتة وأجاز مطرف وابن الماجشون بيع أنياب الفيل مطلقا وأجازه ابن وهب وأصبغ إن غليت وسلقت وجعلا ذلك دباغا لها.  [فصل تحريم بيع الخنزير] فصل وأما تحريم بيع الخنزير فيتناول جملته وجميع أجزائه الظاهرة والباطنة وتأمل كيف ذكر لحمه عند تحريم الأكل إشارة إلى تحريم أكله ومعظمه اللحم فذكر اللحم تنبيها على تحريم أكله دون ما قبله بخلاف الصيد فإنه لم يقل فيه: وحرم عليكم لحم الصيد بل حرم نفس الصيد ليتناول ذلك أكله وقتله. وهاهنا لما حرم البيع ذكر جملته ولم يخص التحريم بلحمه ليتناول بيعه حيا وميتا.(5\/674)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2562",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11128",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل تحريم بيع الأصنام] فصل وأما تحريم بيع الأصنام فيستفاد منه تحريم بيع كل آلة متخذة للشرك على أي وجه كانت ومن أي نوع كانت صنما أو وثنا أو صليبا وكذلك الكتب المشتملة على الشرك وعبادة غير الله فهذه كلها يجب إزالتها وإعدامها وبيعها ذريعة إلى اقتنائها واتخاذها فهو أولى بتحريم البيع من كل ما عداها فإن مفسدة بيعها بحسب مفسدتها في نفسها والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يؤخر ذكرها لخفة أمرها ولكنه تدرج من الأسهل إلى ما هو أغلظ منه فإن الخمر أحسن حالا من الميتة فإنها قد تصير مالا محترما إذا قلبها الله سبحانه ابتداء خلا أو قلبها الآدمي بصنعته عند طائفة من العلماء وتضمن إذا أتلفت على الذمي عند طائفة بخلاف الميتة وإنما لم يجعل الله في أكل الميتة حدا اكتفاء بالزاجر الذي جعله الله في الطباع من كراهتها والنفرة عنها وإبعادها عنها بخلاف الخمر. والخنزير أشد تحريما من الميتة ولهذا أفرده الله تعالى بالحكم عليه أنه رجس في قوله: قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا [الأنعام: 145] [الأنعام: 145]  فالضمير في قوله (فإنه) وإن كان عوده إلى الثلاثة المذكورة باعتبار لفظ المحرم فإنه يترجح اختصاص لحم الخنزير به لثلاثة أوجه. أحدها: قربه منه والثاني: تذكيره دون قوله فإنها رجس والثالث: أنه أتى (بالفاء) و (إن) تنبيها على علة التحريم لتزجر النفوس عنه ويقابل هذه العلة ما في طباع بعض الناس من استلذاذه واستطابته فنفى عنه ذلك وأخبر أنه رجس وهذا لا يحتاج إليه في الميتة والدم لأن كونهما رجسا أمر مستقر معلوم عندهم ولهذا في القرآن نظائر فتأملها. ثم ذكر بعد تحريم بيع الأصنام وهو أعظم تحريما وإثما وأشد منافاة للإسلام من بيع الخمر والميتة والخنزير.(5\/675)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2563",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11129",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل تحريم الشيء تحريم لثمنه] فصل وفي قوله: ( إن الله إذا حرم شيئا أو حرم أكل شيء حرم ثمنه )  يراد به أمران أحدهما: ما هو حرام العين والانتفاع جملة كالخمر والميتة والدم والخنزير وآلات الشرك فهذه ثمنها حرام كيفما اتفقت. والثاني: ما يباح الانتفاع به في غير الأكل وإنما يحرم أكله كجلد الميتة بعد الدباغ وكالحمر الأهلية والبغال ونحوها مما يحرم أكله دون الانتفاع به فهذا قد يقال: إنه لا يدخل في الحديث وإنما يدخل فيه ما هو حرام على الإطلاق. وقد يقال: إنه داخل فيه ويكون تحريم ثمنه إذا بيع لأجل المنفعة التي حرمت منه فإذا بيع البغل والحمار لأكلهما حرم ثمنهما بخلاف ما إذا بيعا للركوب وغيره وإذا بيع جلد الميتة للانتفاع به حل ثمنه. وإذا بيع لأكله حرم ثمنه وطرد هذا ما قاله جمهور من الفقهاء كأحمد ومالك وأتباعهما: إنه إذا بيع العنب لمن يعصره خمرا حرم أكل ثمنه. بخلاف ما إذا بيع لمن يأكله وكذلك السلاح إذا بيع لمن يقاتل به مسلما حرم أكل ثمنه وإذا بيع لمن يغزو به في سبيل الله فثمنه من الطيبات وكذلك ثياب الحرير إذا بيعت لمن يلبسها ممن يحرم عليه حرم أكل ثمنها بخلاف بيعها ممن يحل له لبسها. فإن قيل: فهل تجوزون للمسلم بيع الخمر والخنزير من الذمي لاعتقاد الذمي حلهما كما جوزتم بيعه الدهن المتنجس إذا بين حاله لاعتقاده طهارته وحله قيل: لا يجوز ذلك وثمنه حرام والفرق بينهما: أن الدهن المتنجس عين طاهرة خالطها نجاسة ويسوغ فيها النزاع. وقد ذهبت طائفة من العلماء إلى أنه لا ينجس إلا بالتغير. وإن تغير فذهب طائفة إلى إمكان تطهيره بالغسل بخلاف العين التي حرمها الله في كل ملة وعلى لسان كل رسول كالميتة والدم والخنزير فإن استباحته مخالفة لما أجمعت الرسل على تحريمه وإن اعتقد الكافر حله فهو كبيع الأصنام للمشركين وهذا هو الذي حرمه الله(5\/676)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2564",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11130",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورسوله بعينه وإلا فالمسلم لا يشتري صنما. فإن قيل: فالخمر حلال عند أهل الكتاب فجوزوا بيعها منهم. قيل: هذا هو الذي توهمه من توهمه من عمال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حتى كتب إليهم عمر - رضي الله عنه - ينهاهم عنه وأمر عماله أن يولوا أهل الكتاب بيعها بأنفسهم وأن يأخذوا ما عليهم من أثمانها فقال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان بن سعيد عن إبراهيم بن عبد الأعلى الجعفي عن سويد بن غفلة قال بلغ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن ناسا يأخذون الجزية من الخنازير فقام بلال فقال: إنهم ليفعلون فقال عمر - رضي الله عنه -: (لا تفعلوا ولوهم بيعها) . قال أبو عبيد: وحدثنا الأنصاري عن إسرائيل عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة أن بلالا قال لعمر - رضي الله عنه - إن عمالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج فقال: (لا تأخذوا منهم ولكن ولوهم بيعها وخذوا أنتم من الثمن) . قال أبو عبيد: يريد أن المسلمين كانوا يأخذون من أهل الذمة الخمر والخنازير من جزية رؤوسهم وخراج أرضهم بقيمتها ثم يتولى المسلمون بيعها فهذا الذي أنكره بلال ونهى عنه عمر ثم رخص لهم أن يأخذوا ذلك من أثمانها إذا كان أهل الذمة هم المتولين لبيعها لأن الخمر والخنازير مال من أموال أهل الذمة ولا تكون مالا للمسلمين. قال: ومما يبين ذلك حديث آخر لعمر - رضي الله عنه - حدثنا علي بن معبد عن عبيد الله بن عمرو عن ليث بن أبي سليم أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كتب إلى العمال يأمرهم بقتل الخنازير وقبض أثمانها لأهل الجزية من(5\/677)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2565",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11131",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جزيتهم. قال أبو عبيد: فهو لم يجعلها قصاصا من الجزية إلا وهو يراها من أموالهم. فأما إذا مر الذمي بالخمر والخنازير على العاشر فإنه لا يطيب له أن يعشرها ولا يأخذ ثمن العشر منها. وإن كان الذمي هو المتولي لبيعها أيضا وهذا ليس من الباب الأول ولا يشبهه لأن ذلك حق وجب على رقابهم وأرضيهم وأن العشر هاهنا إنما هو شيء يوضع على الخمر والخنازير أنفسها وكذلك ثمنها لا يطيب لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه ) . وقد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه أفتى في مثل هذا بغير ما أفتى به في ذاك وكذلك قال عمر بن عبد العزيز. حدثنا أبو الأسود المصري حدثنا عبد الله بن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة السبائي أن عتبة بن فرقد بعث إلى عمر بن الخطاب بأربعين ألف درهم صدقة الخمر فكتب إليه عمر - رضي الله عنه -: (بعثت إلي بصدقة الخمر وأنت أحق بها من المهاجرين وأخبر بذلك الناس وقال: والله لا استعملتك على شيء بعدها قال: فتركه) . حدثنا عبد الرحمن عن المثنى بن سعيد الضبعي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة أن ابعث إلي بتفصيل الأموال التي قبلك من أين دخلت فكتب إليه بذلك وصنفه له وكان فيما كتب إليه من عشر الخمر أربعة آلاف درهم. قال: فلبثنا ما شاء الله ثم جاء جواب كتابه: إنك كتبت إلي تذكر من عشور الخمر أربعة آلاف درهم وإن الخمر لا يعشرها مسلم ولا يشتريها ولا يبيعها فإذا أتاك كتابي هذا فاطلب الرجل فارددها عليه فهو أولى بما كان فيها. فطلب الرجل فردت عليه. قال أبو عبيد: فهذا عندي الذي عليه العمل وإن كان إبراهيم النخعي قد(5\/678)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2566",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11132",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال غير ذلك. ثم ذكر عنه في الذمي يمر بالخمر على العاشر قال: يضاعف عليه العشور. قال أبو عبيد: وكان أبو حنيفة يقول: إذا مر على العاشر بالخمر والخنازير عشر الخمر ولم يعشر الخنازير سمعت محمد بن الحسن يحدث بذلك عنه قال أبو عبيد: وقول الخليفتين عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز - رضي الله عنهما - أولى بالاتباع والله أعلم.  [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمن الكلب والسنور] في (الصحيحين) : عن أبي مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن ) . وفي (صحيح مسلم) : عن أبي الزبير قال: ( سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور فقال: زجر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ) . وفي (سنن أبي داود) : عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( نهى عن ثمن الكلب والسنور ) . وفي (صحيح مسلم) : من حديث رافع بن خديج عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( شر الكسب مهر البغي وثمن الكلب وكسب الحجام ) .(5\/679)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2567",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11133",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتضمنت هذه السنن أربعة أمور.  أحدها: تحريم بيع الكلب وذلك يتناول كل كلب صغيرا كان أو كبيرا للصيد أو للماشية أو للحرث وهذا مذهب فقهاء أهل الحديث قاطبة والنزاع في ذلك معروف عن أصحاب مالك وأبي حنيفة فجوز أصحاب أبي حنيفة بيع الكلاب وأكل أثمانها وقال القاضي عبد الوهاب: اختلف أصحابنا في بيع ما أذن في اتخاذه من الكلاب فمنهم من قال: يكره ومنهم من قال: يحرم انتهى. وعقد بعضهم فصلا لما يصح بيعه وبنى عليه اختلافهم في بيع الكلب فقال: ما كانت منافعه كلها محرمة لم يجز بيعه إذ لا فرق بين المعدوم حسا والممنوع شرعا وما تنوعت منافعه إلى محللة ومحرمة فإن كان المقصود من العين خاصة كان الاعتبار بها - والحكم تابع لها - فاعتبر نوعها وصار الآخر كالمعدوم. وإن توزعت في النوعين لم يصح البيع لأن ما يقابل ما حرم منها أكل مال بالباطل وما سواه من بقية الثمن يصير مجهولا. قال: وعلى هذا الأصل مسألة بيع كلب الصيد فإذا بني الخلاف فيها على هذا الأصل قيل: في الكلب من المنافع كذا وكذا وعددت جملة منافعه ثم نظر فيها فمن رأى أن جملتها محرمة منع ومن رأى جميعها محللة أجاز ومن رآها متنوعة نظر: هل المقصود المحلل أو المحرم فجعل الحكم للمقصود ومن رأى منفعة واحدة منها محرمة وهي مقصودة منع أيضا ومن التبس عليه كونها مقصودة وقف أو كره فتأمل هذا التأصيل والتفصيل وطابق بينهما يظهر لك ما فيهما من التناقض والخلل وأن بناء بيع كلب الصيد على هذا الأصل من أفسد البناء فإن قوله: من رأى أن جملة منافع كلب الصيد محرمة بعد(5\/680)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2568",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11134",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعديدها لم يجز بيعه فإن هذا لم يقله أحد من الناس قط وقد اتفقت الأمة على إباحة منافع كلب الصيد من الاصطياد والحراسة وهما جل منافعه ولا يقتنى إلا لذلك فمن الذي رأى منافعه كلها محرمة ولا يصح أن تراد منافعه الشرعية فإن إعارته جائزة. وقوله: ومن رأى جميعها محللة أجاز كلام فاسد أيضا فإن منافعه المذكورة محللة اتفاقا والجمهور على عدم جواز بيعه. وقوله: ومن رآها متنوعة نظر هل المقصود المحلل أو المحرم كلام لا فائدة تحته البتة فإن منفعة كلب الصيد هي الاصطياد دون الحراسة فأين التنوع وما يقدر في المنافع من التحريم يقدر مثله في الحمار والبغل وقوله: ومن رأى منفعة واحدة محرمة وهي مقصودة منع. أظهر فسادا مما قبله فإن هذه المنفعة المحرمة ليست هي المقصودة من كلب الصيد وإن قدر أن مشتريه قصدها فهو كما لو قصد منفعة محرمة من سائر ما يجوز بيعه وتبين فساد هذا التأصيل وأن الأصل الصحيح هو الذي دل عليه النص الصريح الذي لا معارض له البتة من تحريم بيعه.  فإن قيل: كلب الصيد مستثنى من النوع الذي نهى عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدليل ما رواه الترمذي من حديث جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( نهى عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد ) . وقال النسائي: أخبرني إبراهيم بن الحسن المصيصي حدثنا حجاج بن محمد عن حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر - رضي الله عنه - أن(5\/681)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2569",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11135",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( نهى عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب الصيد ) . وقال قاسم بن أصبغ: حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا ابن أبي مريم أخبرنا يحيى بن أيوب حدثنا المثنى بن الصباح عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( ثمن الكلب سحت إلا كلب صيد ) . وقال ابن وهب: عمن أخبره عن ابن شهاب عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( ثلاث هن سحت: حلوان الكاهن ومهر الزانية وثمن الكلب العقور ) . وقال ابن وهب: حدثني الشمر بن عبد الله بن ضميرة عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن الكلب العقور ) . ويدل على صحة هذا الاستثناء أيضا أن جابرا أحد من روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - النهي عن ثمن الكلب وقد رخص جابر نفسه في ثمن كلب الصيد وقول الصحابي صالح لتخصيص عموم الحديث عند من جعله حجة فكيف إذا كان معه النص باستثنائه والقياس وأيضا لأنه يباح الانتفاع به ويصح نقل اليد فيه بالميراث والوصية والهبة وتجوز إعارته وإجارته في أحد قولي العلماء(5\/682)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2570",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11136",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهما وجهان للشافعية فجاز بيعه كالبغل والحمار. فالجواب: أنه لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - استثناء كلب الصيد بوجه: أما حديث جابر - رضي الله عنه - فقال الإمام أحمد وقد سئل عنه: هذا من الحسن بن أبي جعفر وهو ضعيف وقال الدارقطني: الصواب أنه موقوف على جابر. وقال الترمذي: لا يصح إسناد هذا الحديث. وقال في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - هذا لا يصح أبو المهزم ضعيف يريد راويه عنه. وقال البيهقي: روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - النهي عن ثمن الكلب جماعة منهم ابن عباس وجابر بن عبد الله وأبو هريرة ورافع بن خديج وأبو جحيفة اللفظ مختلف والمعنى واحد. والحديث الذي روي في استثناء كلب الصيد لا يصح وكأن من رواه أراد حديث النهي عن اقتنائه فشبه عليه والله أعلم. وأما حديث حماد بن سلمة عن أبي الزبير فهو الذي ضعفه الإمام أحمد - رحمه الله - بالحسن بن أبي جعفر وكأنه لم يقع له طريق حجاج بن محمد وهو الذي قال فيه الدارقطني: الصواب أنه موقوف وقد أعله ابن حزم بأن أبا الزبير لم يصرح فيه بالسماع من جابر وهو مدلس وليس من رواية الليث عنه. وأعله البيهقي بأن أحد رواته وهم من استثناء كلب الصيد مما نهي عن اقتنائه من الكلاب فنقله إلى البيع. قلت: ومما يدل على بطلان حديث جابر هذا وأنه خلط عليه أنه صح عنه أنه قال: ( أربع من السحت: ضراب الفحل وثمن الكلب ومهر البغي وكسب الحجام ) . وهذا علة أيضا للموقوف عليه من استثناء كلب الصيد فهو علة للموقوف والمرفوع. وأما حديث المثنى بن الصباح عن عطاء عن أبي هريرة - رضي الله عنه - فباطل لأن فيه يحيى بن أيوب وقد شهد مالك عليه بالكذب وجرحه الإمام(5\/683)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2571",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11137",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحمد. وفيه المثنى بن الصباح وضعفه عندهم مشهور ويدل على بطلان الحديث ما رواه النسائي حدثنا الحسن بن أحمد بن حبيب حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أسباط حدثنا الأعمش عن عطاء بن أبي رباح قال: قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: ( أربع من السحت: ضراب الفحل وثمن الكلب ومهر البغي وكسب الحجام ) . وأما الأثر عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فلا يدرى من أخبر ابن وهب عن ابن شهاب ولا من أخبر ابن شهاب عن الصديق - رضي الله عنه - ومثل هذا لا يحتج به. وأما الأثر عن علي - رضي الله عنه - ففيه ابن ضميرة في غاية الضعف ومثل هذه الآثار الساقطة المعلولة لا تقدم على الآثار التي رواها الأئمة الثقات الأثبات حتى قال بعض الحفاظ: إن نقلها نقل تواتر وقد ظهر أنه لم يصح عن صحابي خلافها البتة بل هذا جابر وأبو هريرة وابن عباس يقولون: ثمن الكلب خبيث. قال وكيع: حدثنا إسرائيل عن عبد الكريم عن قيس بن حبتر عن ابن عباس - رضي الله عنهما - يرفعه: ( ثمن الكلب ومهر البغي وثمن الخمر حرام ) . وهذا أقل ما فيه أن يكون قول ابن عباس. وأما قياس الكلب على البغل والحمار فمن أفسد القياس بل قياسه على الخنزير أصح من قياسه عليهما لأن الشبه الذي بينه وبين الخنزير أقرب من الشبه الذي بينه وبين البغل والحمار ولو تعارض القياسان لكان القياس المؤيد بالنص(5\/684)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2572",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11138",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الموافق له أصح وأولى من القياس المخالف له. فإن قيل: كان النهي عن ثمنها حين كان الأمر بقتلها فلما حرم قتلها وأبيح اتخاذ بعضها نسخ النهي فنسخ تحريم البيع. قيل: هذه دعوى باطلة ليس مع مدعيها لصحتها دليل ولا شبهة وليس في الأثر ما يدل على صحة هذه الدعوى البتة بوجه من الوجوه ويدل على بطلانها: أن أحاديث تحريم بيعها وأكل ثمنها مطلقة عامة كلها وأحاديث الأمر بقتلها والنهي عن اقتنائها نوعان: نوع كذلك وهو المتقدم ونوع مقيد مخصص وهو المتأخر فلو كان النهي عن بيعها مقيدا مخصوصا لجاءت به الآثار كذلك فلما جاءت عامة مطلقة علم أن عمومها وإطلاقها مراد فلا يجوز إبطاله. والله أعلم.  [فصل تحريم بيع السنور] فصل الحكم الثاني: تحريم بيع السنور كما دل عليه الحديث الصحيح الصريح الذي رواه جابر وأفتى بموجبه كما رواه قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن وضاح حدثنا محمد بن آدم حدثنا عبد الله بن المبارك حدثنا حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أنه كره ثمن الكلب والسنور قال أبو محمد: فهذه فتيا جابر بن عبد الله أنه كره بما رواه ولا يعرف له مخالف من الصحابة وكذلك أفتى أبو هريرة - رضي الله عنه - وهو مذهب طاووس ومجاهد وجابر بن زيد وجميع أهل الظاهر وإحدى الروايتين عن أحمد وهي اختيار أبي بكر عبد العزيز وهو الصواب لصحة الحديث بذلك وعدم ما يعارضه فوجب القول به. قال البيهقي: ومن العلماء من حمل الحديث على أن ذلك حين كان محكوما بنجاستها فلما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ( الهرة ليست بنجس ) صار ذلك(5\/685)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2573",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11139",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منسوخا في البيع. ومنهم من حمله على السنور إذا توحش ومتابعة ظاهر السنة أولى. ولو سمع الشافعي - رحمه الله - الخبر الواقع فيه لقال به إن شاء الله وإنما لا يقول به من توقف في تثبيت روايات أبي الزبير وقد تابعه أبو سفيان عن جابر على هذه الرواية من جهة عيسى بن يونس وحفص بن غياث عن الأعمش عن أبي سفيان انتهى كلامه. ومنهم من حمله على الهر الذي ليس بمملوك ولا يخفى ما في هذه المحامل من الوهن.  [فصل تحريم مهر البغي] فصل والحكم الثالث: مهر البغي وهو ما تأخذه الزانية في مقابلة الزنى بها فحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك خبيث على أي وجه كان حرة كانت أو أمة ولا سيما فإن البغاء إنما كان على عهدهم في الإماء دون الحرائر ولهذا قالت هند: وقت البيعة: (أو تزني الحرة!) ولا نزاع بين الفقهاء في أن الحرة البالغة العاقلة إذا مكنت رجلا من نفسها فزنى بها أنه لا مهر لها واختلف في مسألتين. إحداهما: الحرة المكرهة. والثانية: الأمة المطاوعة فأما الحرة المكرهة على الزنى ففيها أربعة أقوال وهي روايات منصوصات عن أحمد. أحدها: أن لها المهر بكرا كانت أو ثيبا سواء وطئت في قبلها أو دبرها. والثاني: أنها إن كانت ثيبا فلا مهر لها وإن كانت بكرا فلها المهر وهل يجب معه أرش البكارة على روايتين منصوصتين وهذا القول اختيار أبي بكر.(5\/686)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2574",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11140",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثالث: أنها إن كانت ذات محرم فلا مهر لها وإن كانت أجنبية فلها المهر. والرابع: أن من تحرم ابنتها كالأم والبنت والأخت فلا مهر لها ومن تحل ابنتها كالعمة والخالة فلها المهر. وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: لا مهر للمكرهة على الزنى بحال بكرا كانت أو ثيبا. فمن أوجب المهر قال: إن استيفاء هذه المنفعة جعل مقوما في الشرع بالمهر وإنما لم يجب للمختارة لأنها باذلة للمنفعة التي عوضها لها فلم يجب لها شيء كما لو أذنت في إتلاف عضو من أعضائها لمن أتلفه. ومن لم يوجبه قال: الشارع إنما جعل هذه المنفعة متقومة بالمهر في عقد أو شبهة عقد ولم يقومها بالمهر في الزنى البتة وقياس السفاح على النكاح من أفسد القياس. قالوا: وإنما جعل الشارع في مقابلة هذا الاستمتاع الحد والعقوبة فلا يجمع بينه وبين ضمان المهر. قالوا: والوجوب إنما يتلقى من الشارع من نص خطابه أو عمومه أو فحواه أو تنبيهه أو معنى نصه وليس شيء من ذلك ثابتا متحققا عنه. وغاية ما يدعى قياس السفاح على النكاح ويا بعد ما بينهما. قالوا: والمهر إنما هو من خصائص النكاح لفظا ومعنى ولهذا إنما يضاف إليه فيقال: مهر النكاح ولا يضاف إلى الزنى فلا يقال: مهر الزنا وإنما أطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - المهر وأراد به العقد كما قال: ( إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ) . وكما قال: ( ورجل باع حرا فأكل ثمنه ) . ونظائره كثيرة.(5\/687)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2575",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11141",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والأولون يقولون: الأصل في هذه المنفعة أن تقوم بالمهر وإنما أسقطه الشارع في حق البغي وهي التي تزني باختيارها وأما المكرهة على الزنى فليست بغيا فلا يجوز إسقاط بدل منفعتها التي أكرهت على استيفائها كما لو أكره الحر على استيفاء منافعه فإنه يلزمه عوضها وعوض هذه المنفعة شرعا هو المهر فهذا مأخذ القولين. ومن فرق بين البكر والثيب رأى أن الواطئ لم يذهب على الثيب شيئا وحسبه العقوبة التي ترتبت على فعله وهذه المعصية لا يقابلها شرعا مال يلزم من أقدم عليها بخلاف البكر فإنه أزال بكارتها فلا بد من ضمان ما أزاله فكانت هذه الجناية مضمونة عليه في الجملة فضمن ما أتلفه من جزء منفعة وكانت المنفعة تابعة للجزء في الضمان كما كانت تابعة له في عدمه من البكر المطاوعة. ومن فرق بين ذوات المحارم وغيرهن رأى أن تحريمهن لما كان تحريما مستقرا وأنهن غير محل الوطء شرعا كان استيفاء هذه المنفعة منهن بمنزلة التلوط فلا يوجب مهرا وهذا قول الشعبي وهذا بخلاف تحريم المصاهرة فإنه عارض يمكن زواله. قال صاحب (المغني) : وهكذا ينبغي أن يكون الحكم فيمن حرمت بالرضاع لأنه طارئ أيضا. ومن فرق في ذوات المحارم بين من تحرم ابنتها وبين من لا تحرم فكأنه رأى أن من لا تحرم ابنتها تحريمها أخف من تحريم الأخرى فأشبه العارض. فإن قيل: فما حكم المكرهة على الوطء في دبرها أو الأمة المطاوعة على ذلك قيل: هو أولى بعدم الوجوب فهذا كاللواط لا يجب فيه المهر اتفاقا.(5\/688)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2576",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11142",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد اختلف في هذه المسألة الشيخان أبو البركات ابن تيمية وأبو محمد بن قدامة فقال أبو البركات في (محرره) : ويجب مهر المثل للموطوءة بشبهة والمكرهة على الزنى في قبل أو دبر وقال أبو محمد في (المغني) : لا يجب المهر بالوطء في الدبر ولا اللواط لأن الشرع لم يرد ببدله ولا هو إتلاف لشيء فأشبه القبلة والوطء دون الفرج وهذا القول هو الصواب قطعا فإن هذا الفعل لم يجعل له الشارع قيمة أصلا ولا قدر له مهرا بوجه من الوجوه وقياسه على وطء الفرج من أفسد القياس ولازم من قاله إيجاب المهر لمن فعلت به اللوطية من الذكور وهذا لم يقل به أحد البتة.  [فصل هل للحرة المكرهة على الزنى مهر] فصل وأما المسألة الثانية: وهي الأمة المطاوعة فهل يجب لها المهر فيه قولان. أحدهما: يجب وهو قول الشافعي وأكثر أصحاب أحمد - رحمه الله -. قالوا: لأن هذه المنفعة لغيرها فلا يسقط بدلها مجانا كما لو أذنت في قطع طرفها. والصواب المقطوع به: أنه لا مهر لها وهذه هي البغي التي نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مهرها وأخبر أنه خبيث وحكم عليه وعلى ثمن الكلب وأجر الكاهن بحكم واحد والأمة داخلة في هذا الحكم دخولا أوليا فلا يجوز تخصيصها من عمومه لأن الإماء هن اللاتي كن يعرفن بالبغاء وفيهن وفي ساداتهن أنزل الله تعالى: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا [النور: 33] [النور: 33]  فكيف يجوز أن تخرج الإماء من نص أردن به قطعا ويحمل على غيرهن. وأما قولكم: إن منفعتها لسيدها ولم يأذن في استيفائها فيقال: هذه المنفعة يملك السيد استيفاءها بنفسه ويملك المعاوضة عليها بعقد النكاح أو شبهته ولا يملك المعاوضة عليها إلا إذا أذنت ولم يجعل الله ورسوله للزنى عوضا قط غير العقوبة فيفوت على السيد حتى يقضى له بل هذا تقويم مال(5\/689)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2577",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11143",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أهدره الله ورسوله وإثبات عوض حكم الشارع بخبثه وجعله بمنزلة ثمن الكلب وأجر الكاهن وإن كان عوضا خبيثا شرعا لم يجز أن يقضي به. ولا يقال: فأجر الحجام خبيث ويقضى له به لأن منفعة الحجامة منفعة مباحة وتجوز بل يجب على مستأجره أن يوفيه أجره فأين هذا من المنفعة الخبيثة المحرمة التي عوضها من جنسها وحكمه حكمها وإيجاب عوض في مقابلة هذه المعصية كإيجاب عوض في مقابلة اللواط إذ الشارع لم يجعل في مقابلة هذا الفعل عوضا. فإن قيل: فقد جعل في مقابلة الوطء في الفرج عوضا وهو المهر من حيث الجملة بخلاف اللواطة. قلنا: إنما جعل في مقابلته عوضا إذا استوفي بعقد أو بشبهة عقد ولم يجعل له عوضا إذا استوفي بزنى محض لا شبهة فيه وبالله التوفيق. ولم يعرف في الإسلام قط أن زانيا قضي عليه بالمهر للمزني بها ولا ريب أن المسلمين يرون هذا قبيحا فهو عند الله - عز وجل - قبيح.  [فصل ما تفعل الزانية بكسبها إذا قبضته ثم تابت] فصل فإن قيل: فما تقولون في كسب الزانية إذا قبضته ثم تابت هل يجب عليها رد ما قبضته إلى أربابه أم يطيب لها أم تصدق به قيل هذا ينبني على قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهي أن من قبض ما ليس له قبضه شرعا ثم أراد التخلص منه فإن كان المقبوض قد أخذ بغير رضى صاحبه ولا استوفى عوضه رده عليه. فإن تعذر رده عليه قضى به دينا يعلمه عليه فإن تعذر ذلك رده إلى ورثته فإن تعذر ذلك تصدق به عنه فإن اختار صاحب الحق ثوابه يوم القيامة كان له. وإن أبى إلا أن يأخذ من حسنات القابض استوفى منه نظير ماله وكان ثواب الصدقة للمتصدق بها كما ثبت عن الصحابة - رضي الله عنهم.(5\/690)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2578",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11144",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن كان المقبوض برضى الدافع وقد استوفى عوضه المحرم كمن عاوض على خمر أو خنزير أو على زنى أو فاحشة فهذا لا يجب رد العوض على الدافع لأنه أخرجه باختياره واستوفى عوضه المحرم فلا يجوز أن يجمع له بين العوض والمعوض فإن في ذلك إعانة له على الإثم والعدوان وتيسير أصحاب المعاصي عليه. وماذا يريد الزاني وفاعل الفاحشة إذا علم أنه ينال غرضه ويسترد ماله فهذا مما تصان الشريعة عن الإتيان به ولا يسوغ القول به وهو يتضمن الجمع بين الظلم والفاحشة والغدر. ومن أقبح القبيح أن يستوفي عوضه من المزني بها ثم يرجع فيما أعطاها قهرا وقبح هذا مستقر في فطر جميع العقلاء فلا تأتي به شريعة ولكن لا يطيب للقابض أكله بل هو خبيث كما حكم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن خبثه لخبث مكسبه لا لظلم من أخذ منه فطريق التخلص منه وتمام التوبة بالصدقة به فإن كان محتاجا إليه فله أن يأخذ قدر حاجته ويتصدق بالباقي فهذا حكم كل كسب خبيث لخبث عوضه عينا كان أو منفعة ولا يلزم من الحكم بخبثه وجوب رده على الدافع فإن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بخبث كسب الحجام ولا يجب رده على دافعه. فإن قيل: فالدافع ماله في مقابلة العوض المحرم دفع ما لا يجوز دفعه بل حجر عليه فيه الشارع فلم يقع قبضه موقعه بل وجود هذا القبض كعدمه فيجب رده على مالكه كما لو تبرع المريض لوارثه بشيء أو لأجنبي بزيادة على الثلث أو تبرع المحجور عليه بفلس أو سفه أو تبرع المضطر إلى قوته بذلك ونحو ذلك وسر المسألة أنه محجور عليه شرعا في هذا الدفع فيجب رده. قيل: هذا قياس فاسد لأن الدفع في هذه الصور تبرع محض لم يعاوض عليه والشارع قد منعه منه لتعلق حق غيره به أو حق نفسه المقدمة على غيره وأما ما نحن فيه فهو قد عاوض بماله على استيفاء منفعة أو استهلاك عين محرمة فقد قبض عوضا محرما وأقبض مالا محرما فاستوفى ما لا يجوز استيفاؤه وبذل فيه ما لا يجوز بذله فالقابض قبض مالا محرما والدافع(5\/691)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2579",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11145",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "استوفى عوضا محرما وقضية العدل تراد العوضين لكن قد تعذر رد أحدهما فلا يوجب رد الآخر من غير رجوع عوضه. نعم لو كان الخمر قائما بعينه لم يستهلكه أو دفع إليها المال ولم يفجر بها وجب رد المال في الصورتين قطعا كما في سائر العقود الباطلة إذا لم يتصل بها القبض. فإن قيل: وأي تأثير لهذا القبض المحرم حتى جعل له حرمة ومعلوم أن قبض ما لا يجوز قبضه بمنزلة عدمه إذ الممنوع شرعا كالممنوع حسا فقابض المال قبضه بغير حق فعليه أن يرده إلى دافعه قيل: والدافع قبض العين واستوفى المنفعة بغير حق كلاهما قد اشتركا في دفع ما ليس لهما دفعه وقبض ما ليس لهما قبضه وكلاهما عاص لله فكيف يخص أحدهما بأن يجمع له بين العوض والمعوض عنه ويفوت على الآخر العوض والمعوض. فإن قيل: هو فوت المنفعة على نفسه باختياره. قيل: والآخر فوت العوض على نفسه باختياره فلا فرق بينهما وهذا واضح بحمد الله. وقد توقف شيخنا في وجوب رد عوض هذه المنفعة المحرمة على باذله أو الصدقة به في كتاب quot; اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم quot; وقال: الزاني ومستمع الغناء والنوح قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم فاستوفوا العوض المحرم والتحريم الذي فيه ليس لحقهم وإنما هو لحق الله تعالى وقد فاتت هذه المنفعة بالقبض والأصول تقتضي أنه إذا رد أحد العوضين رد الآخر فإذا تعذر على المستأجر رد المنفعة لم يرد عليه المال وهذا الذي استوفيت منفعته عليه ضرر في أخذ منفعته وأخذ عوضها جميعا منه بخلاف ما إذا كان العوض خمرا أو ميتة فإن تلك لا ضرر عليه في فواتها فإنها لو كانت باقية لأتلفناها عليه ومنفعة الغناء والنوح لو لم تفت لتوفرت عليه بحيث كان يتمكن من صرف تلك المنفعة في أمر آخر أعني من صرف القوة التي(5\/692)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2580",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11146",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عمل بها. ثم أورد على نفسه سؤالا فقال: فيقال على هذا فينبغي أن تقضوا بها إذا طالب بقبضها. وأجاب عنه بأن قال: قيل نحن لا نأمر بدفعها ولا بردها كعقود الكفار المحرمة فإنهم إذا أسلموا قبل القبض لم يحكم بالقبض ولو أسلموا بعد القبض لم يحكم بالرد ولكن المسلم تحرم عليه هذه الأجرة لأنه كان معتقدا لتحريمها بخلاف الكافر وذلك لأنه إذا طلب الأجرة فقلنا له: أنت فرطت حيث صرفت قوتك في عمل يحرم فلا يقضى لك بالأجرة. فإذا قبضها وقال الدافع هذا المال: اقضوا لي برده فإني أقبضته إياه عوضا عن منفعة محرمة قلنا له: دفعته معاوضة رضيت بها فإذا طلبت استرجاع ما أخذ فاردد إليه ما أخذت إذا كان له في بقائه معه منفعة فهذا محتمل. قال: وإن كان ظاهر القياس ردها لأنها مقبوضة بعقد فاسد انتهى.  وقد نص أحمد في رواية أبي النضر فيمن حمل خمرا أو خنزيرا أو ميتة لنصراني: أكره أكل كرائه ولكن يقضى للحمال بالكراء. وإذا كان لمسلم فهو أشد كراهة. فاختلف أصحابه في هذا النص على ثلاث طرق. إحداها: إجراؤه على ظاهره وأن المسألة رواية واحدة. قال ابن أبي موسى: وكره أحمد أن يؤجر المسلم نفسه لحمل ميتة أو خنزير لنصراني. فإن فعل قضي له بالكراء وهل يطيب له أم لا على وجهين. أوجههما: أنه لا يطيب له ويتصدق به وكذا ذكر أبو الحسن الآمدي قال: إذا أجر نفسه من رجل في حمل خمر أو خنزير أو ميتة كره نص عليه وهذه كراهة تحريم لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن حاملها. إذا ثبت ذلك فيقضى له بالكراء وغير ممتنع أن يقضى له بالكراء وإن كان محرما كإجارة الحجام انتهى. فقد صرح هؤلاء بأنه يستحق الأجرة مع كونها محرمة عليه على الصحيح. الطريقة الثانية: تأويل هذه الرواية بما يخالف ظاهرها وجعل المسألة رواية واحدة وهي أن هذه الإجارة لا تصح وهذه طريقة القاضي في quot; المجرد quot; وهي طريقة ضعيفة وقد رجع عنها في كتبه المتأخرة فإنه صنف quot; المجرد quot; قديما.(5\/693)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2581",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11147",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطريقة الثالثة: تخريج هذه المسألة على روايتين إحداهما: أن هذه الإجارة صحيحة يستحق بها الأجرة مع الكراهة للفعل والأجرة. والثانية: لا تصح الإجارة ولا يستحق بها أجرة وإن حمل. وهذا على قياس قوله في الخمر: لا يجوز إمساكها وتجب إراقتها. قال في رواية أبي طالب إذا أسلم وله خمر أو خنازير تصب الخمر وتسرح الخنازير وقد حرما عليه وإن قتلها فلا بأس. فقد نص أحمد أنه لا يجوز إمساكها ولأنه قد نص في رواية ابن منصور: أنه يكره أن يؤاجر نفسه لنطارة كرم لنصراني لأن أصل ذلك يرجع إلى الخمر إلا أن يعلم أنه يباع لغير الخمر فقد منع من إجارة نفسه على حمل الخمر وهذه طريقة القاضي في quot; تعليقه quot; وعليها أكثر أصحابه والمنصور عندهم: الرواية المخرجة وهي عدم الصحة وأنه لا يستحق أجرة ولا يقضى له بها وهي مذهب مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد. وهذا إذا استأجر على حملها إلى بيته للشرب أو لأكل الخنزير أو مطلقا فأما إذا استأجره لحملها ليريقها أو لينقل الميتة إلى الصحراء لئلا يتأذى بها فإن الإجارة تجوز حينئذ لأنه عمل مباح لكن إن كانت الأجرة جلد الميتة لم تصح واستحق أجرة المثل وإن كان قد سلخ الجلد وأخذه رده على صاحبه هذا قول شيخنا وهو مذهب مالك. والظاهر أنه مذهب الشافعي. وأما مذهب أبي حنيفة رحمه الله: فمذهبه كالرواية الأولى أنه تصح الإجارة ويقضى له بالأجرة ومأخذه في ذلك أن الحمل إذا كان مطلقا لم يكن المستحق نفس حمل الخمر فذكره وعدم ذكره سواء وله أن يحمل شيئا آخر غيره كخل وزيت وهكذا قال: فيما لو أجره داره أو حانوته ليتخذها كنيسة أو ليبيع فيها الخمر قال أبو بكر الرازي: لا فرق عند أبي حنيفة بين أن يشترط أن يبيع فيها الخمر أو لا يشترط وهو يعلم أنه يبيع فيه الخمر: أن الإجارة تصح لأنه لا يستحق عليه بعقد الإجارة فعل هذه الأشياء وإن شرط ذلك لأن له أن لا يبيع فيه الخمر ولا يتخذ الدار كنيسة ويستحق عليه الأجرة بالتسليم في المدة فإذا لم يستحق عليه فعل هذه الأشياء(5\/694)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2582",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11148",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان ذكرها وتركها سواء كما لو اكترى دارا لينام فيها أو ليسكنها فإن الأجرة تستحق عليه وإن لم يفعل ذلك وكذا يقول: فيما إذا استأجر رجلا ليحمل خمرا أو ميتة أو خنزيرا: أنه يصح لأنه لا يتعين حمل الخمر بل لو حمله بدله عصيرا استحق الأجرة فهذا التقييد عندهم لغو فهو بمنزلة الإجارة المطلقة والمطلقة عنده جائزة. وإن غلب على ظنه أن المستأجر يعصي فيها كما يجوز بيع العصير لمن يتخذه خمرا ثم إنه كره بيع السلاح في الفتنة. قال: لأن السلاح معمول للقتال لا يصلح لغيره وعامة الفقهاء خالفوه في المقدمة الأولى وقالوا: ليس المقيد كالمطلق بل المنفعة المعقود عليها هي المستحقة فتكون هي المقابلة بالعوض وهي منفعة محرمة وإن كان للمستأجر أن يقيم غيرها مقامها وألزموه فيما لو اكترى دارا ليتخذها مسجدا فإنه لا يستحق عليه فعل المعقود عليه ومع هذا فإنه أبطل هذه الإجارة بناء على أنها اقتضت فعل الصلاة وهي لا تستحق بعقد إجارة. ونازعه أصحاب أحمد ومالك في المقدمة الثانية وقالوا: إذا غلب على ظنه أن المستأجر ينتفع بها في محرم حرمت الإجارة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن عاصر الخمر ومعتصرها والعاصر إنما يعصر عصيرا ولكن لما علم أن المعتصر يريد أن يتخذه خمرا فيعصره له استحق اللعنة. قالوا: وأيضا فإن في هذا معاونة على نفس ما يسخطه الله ويبغضه ويلعن فاعله فأصول الشرع وقواعده تقتضي تحريمه وبطلان العقد عليه وسيأتي مزيد تقرير هذا عند الكلام على حكمه صلى الله عليه وسلم بتحريم العينة وما يترتب عليها من العقوبة. قال شيخنا: والأشبه طريقة ابن موسى يعني أنه يقضى له بالأجرة وإن كانت المنفعة محرمة ولكن لا يطيب له أكلها. قال: فإنها أقرب إلى مقصود أحمد وأقرب إلى القياس وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن عاصر الخمر ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه. فالعاصر والحامل قد عاوضا على منفعة تستحق(5\/695)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2583",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11149",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عوضا وهي ليست محرمة في نفسها وإنما حرمت بقصد المعتصر والمستحمل فهو كما لو باع عنبا وعصيرا لمن يتخذه خمرا وفات العصير والخمر في يد المشتري فإن مال البائع لا يذهب مجانا بل يقضى له بعوضه. كذلك هنا المنفعة التي وفاها المؤجر لا تذهب مجانا بل يعطى بدلها فإن تحريم الانتفاع بها إنما كان من جهة المستأجر لا من جهة المؤجر فإنه لو حملها للإراقة أو لإخراجها إلى الصحراء خشية التأذي بها جاز. ثم نحن نحرم الأجرة عليه لحق الله سبحانه لا لحق المستأجر والمشتري بخلاف من استؤجر للزنى أو التلوط أو القتل أو السرقة فإن نفس هذا العمل محرم لأجل قصد المستأجر فهو كما لو باع ميتة أو خمرا فإنه لا يقضى له بثمنها لأن نفس هذه العين محرمة وكذلك لا يقضى له بعوض هذه المنفعة المحرمة. قال شيخنا: ومثل هذه الإجارة والجعالة يعني الإجارة على حمل الخمر والميتة لا توصف بالصحة مطلقا ولا بالفساد مطلقا بل يقال: هي صحيحة بالنسبة إلى المستأجر بمعنى أنه يجب عليه العوض وفاسدة بالنسبة إلى الأجير بمعنى أنه يحرم عليه الانتفاع بالأجر ولهذا في الشريعة نظائر. قال: ولا ينافي هذا نص أحمد على كراهة نطارة كرم النصراني فإنا ننهاه عن هذا الفعل وعن عوضه ثم نقضي له بكرائه قال: ولو لم يفعل هذا لكان في هذا منفعة عظيمة للعصاة فإن كل من استأجروه على عمل يستعينون به على المعصية قد حصلوا غرضهم منه فإذا لم يعطوه شيئا ووجب أن يرد عليهم ما أخذ منهم كان ذلك أعظم العون لهم وليسوا بأهل أن يعاونوا على ذلك بخلاف من سلم إليهم عملا لا قيمة له بحال يعني كالزانية والمغني والنائحة فإن هؤلاء لا يقضى لهم بأجرة ولو قبضوا منهم المال فهل يلزمهم رده عليهم أم يتصدقون به فقد تقدم الكلام مستوفى في ذلك وبينا أن الصواب أنه لا يلزمهم رده ولا يطيب لهم أكله والله الموفق للصواب.  [فصل تحريم حلوان الكاهن] فصل. الحكم الخامس: حلوان الكاهن. قال أبو عمر بن عبد البر: لا خلاف في(5\/696)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2584",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11150",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حلوان الكاهن أنه ما يعطاه على كهانته وهو من أكل المال بالباطل والحلوان في أصل اللغة: العطية. قال علقمة: فمن رجل أحلوه رحلي وناقتي ... يبلغ عني الشعر إذ مات قائله انتهى. وتحريم حلوان الكاهن تنبيه على تحريم حلوان المنجم والزاجر وصاحب القرعة التي هي شقيقة الأزلام وضاربة الحصا والعراف والرمال ونحوهم ممن تطلب منهم الأخبار عن المغيبات وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إتيان الكهان وأخبر أن ( من أتى عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل عليه صلى الله عليه وسلم ) ولا ريب أن الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وبما يجيء به هؤلاء لا يجتمعان في قلب واحد وإن كان أحدهم قد يصدق أحيانا فصدقه بالنسبة إلى كذبه قليل من كثير وشيطانه الذي يأتيه بالأخبار لا بد له أن يصدقه أحيانا ليغوي به الناس ويفتنهم به. وأكثر الناس مستجيبون لهؤلاء مؤمنون بهم ولا سيما ضعفاء العقول كالسفهاء والجهال والنساء وأهل البوادي ومن لا علم لهم بحقائق الإيمان فهؤلاء هم المفتونون بهم وكثير منهم يحسن الظن بأحدهم ولو كان مشركا كافرا بالله مجاهرا بذلك ويزوره وينذر له ويلتمس دعاءه. فقد رأينا وسمعنا من ذلك كثيرا وسبب هذا كله خفاء ما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق على هؤلاء وأمثالهم ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور [النور: 40] وقد قال الصحابة رضي الله عنهم للنبي صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء يحدثوننا أحيانا بالأمر فيكون كما(5\/697)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2585",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11151",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا فأخبرهم: أن ذلك من جهة الشياطين يلقون إليهم الكلمة تكون حقا فيزيدون هم معها مائة كذبة فيصدقون من أجل تلك الكلمة.  وأما أصحاب الملاحم فركبوا ملاحمهم من أشياء. أحدها: من أخبار الكهان. والثاني: من أخبار منقولة عن الكتب السالفة متوارثة بين أهل الكتاب. والثالث: من أمور أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم بها جملة وتفصيلا. والرابع: من أمور أخبر بها من له كشف من الصحابة ومن بعدهم. والخامس: من منامات متواطئة على أمر كلي وجزئي. فالجزئي: يذكرونه بعينه والكلي: يفصلونه بحدس وقرائن تكون حقا أو تقارب. والسادس: من استدلال بآثار علوية جعلها الله تعالى علامات وأدلة وأسبابا لحوادث أرضية لا يعلمها أكثر الناس فإن الله سبحانه لم يخلق شيئا سدى ولا عبثا. وربط سبحانه العالم العلوي بالسفلي وجعل علويه مؤثرا في سفليه دون العكس فالشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته وإن كان كسوفهما لسبب شر يحدث في الأرض ولهذا شرع سبحانه تغيير الشر عند كسوفهما بما يدفع ذلك الشر المتوقع من الصلاة والذكر والدعاء والتوبة والاستغفار والعتق فإن هذه الأشياء تعارض أسباب الشر وتقاومها وتدفع موجباتها إن قويت عليها. وقد جعل الله سبحانه حركة الشمس والقمر واختلاف مطالعهما سببا للفصول التي هي سبب الحر والبرد والشتاء والصيف وما يحدث فيهما مما يليق بكل فصل منها فمن له اعتناء بحركاتهما واختلاف مطالعهما يستدل(5\/698)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2586",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11152",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بذلك على ما يحدث في النبات والحيوان وغيرهما وهذا أمر يعرفه كثير من أهل الفلاحة والزراعة ونواتي السفن لهم استدلالات بأحوالهما وأحوال الكواكب على أسباب السلامة والعطب من اختلاف الرياح وقوتها وعصوفها لا تكاد تختل. والأطباء لهم استدلالات بأحوال القمر والشمس على اختلاف طبيعة الإنسان وتهيئها لقبول التغير واستعدادها لأمور غريبة ونحو ذلك. وواضعو الملاحم لهم عناية شديدة بهذا وأمور متوارثة عن قدماء المنجمين ثم يستنتجون من هذا كله قياسات وأحكاما تشبه ما تقدم ونظيره. وسنة الله في خلقه جارية على سنن اقتضته حكمته فحكم النظير حكم نظيره وحكم الشيء حكم مثله وهؤلاء صرفوا قوى أذهانهم إلى أحكام القضاء والقدر واعتبار بعضه ببعض والاستدلال ببعضه على بعض كما صرف أئمة الشرع قوى أذهانهم إلى أحكام الأمر والشرع واعتبار بعضه ببعض والاستدلال ببعضه على بعض والله سبحانه له الخلق والأمر ومصدر خلقه وأمره عن حكمة لا تختل ولا تتعطل ولا تنتقض ومن صرف قوى ذهنه وفكره واستنفد ساعات عمره في شيء من أحكام هذا العالم وعلمه كان له فيه من النفوذ والمعرفة والاطلاع ما ليس لغيره. ويكفي الاعتبار بفرع واحد من فروعه وهو عبارة الرؤيا فإن العبد إذا نفذ فيها وكمل اطلاعه جاء بالعجائب. وقد شاهدنا نحن وغيرنا من ذلك أمورا عجيبة يحكم فيها المعبر بأحكام متلازمة صادقة سريعة وبطيئة ويقول سامعها: هذه علم غيب. وإنما هي معرفة ما غاب عن غيره بأسباب انفرد هو بعلمها وخفيت على غيره والشارع صلوات الله عليه حرم من تعاطي ذلك ما مضرته راجحة على منفعته أو ما لا منفعة فيه أو ما يخشى على صاحبه أن يجره إلى الشرك وحرم بذل المال في ذلك وحرم أخذه به صيانة للأمة عما يفسد عليها الإيمان أو يخدشه بخلاف علم عبارة الرؤيا فإنه حق لا باطل لأن الرؤيا(5\/699)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2587",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11153",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مستندة إلى الوحي المنامي وهي جزء من أجزاء النبوة ولهذا كلما كان الرائي أصدق كانت رؤياه أصدق وكلما كان المعبر أصدق وأبر وأعلم كان تعبيره أصح بخلاف الكاهن والمنجم وأضرابهما ممن لهم مدد من إخوانهم من الشياطين فإن صناعتهم لا تصح من صادق ولا بار ولا متقيد بالشريعة بل هم أشبه بالسحرة الذين كلما كان أحدهم أكذب وأفجر وأبعد عن الله ورسوله ودينه كان السحر معه أقوى وأشد تأثيرا بخلاف علم الشرع والحق فإن صاحبه كلما كان أبر وأصدق وأدين كان علمه به ونفوذه فيه أقوى وبالله التوفيق.  [فصل خبث كسب الحجام] فصل. الحكم السادس: خبث كسب الحجام ويدخل فيه الفاصد والشارط وكل من يكون كسبه من إخراج الدم ولا يدخل فيه الطبيب ولا الكحال ولا البيطار لا في لفظه ولا في معناه وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه حكم بخبثه وأمر صاحبه أن يعلفه ناضحه أو رقيقه ) وصح عنه أنه ( احتجم وأعطى الحجام أجره ) .(5\/700)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2588",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11154",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأشكل الجمع بين هذين على كثير من الفقهاء وظنوا أن النهي عن كسبه منسوخ بإعطائه أجره وممن سلك هذا المسلك الطحاوي فقال في احتجاجه للكوفيين في إباحة بيع الكلاب وأكل أثمانها: لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ثم قال: ( ما لي وللكلاب )  ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم وكان بيع الكلاب إذ ذاك والانتفاع به حراما وكان قاتله مؤديا للفرض عليه في قتله ثم نسخ ذلك وأباح الاصطياد به فصار كسائر الجوارح في جواز بيعه قال: ومثل ذلك نهيه صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام وقال: ( كسب الحجام خبيث ) ثم أعطى الحجام أجره وكان ذلك ناسخا لمنعه وتحريمه ونهيه. انتهى كلامه. وأسهل ما في هذه الطريقة أنها دعوى مجردة لا دليل عليها فلا تقبل كيف وفي الحديث نفسه ما يبطلها فإنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب ثم قال: ( ما بالهم وبال الكلاب ) ثم رخص لهم في كلب الصيد. (وقال ابن عمر: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب إلا كلب الصيد أو كلب غنم أو ماشية  وقال عبد الله بن مغفل: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ثم قال: ما بالهم وبال الكلاب ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم ) والحديثان في quot; الصحيح quot; فدل على أن الرخصة في كلب الصيد وكلب الغنم وقعت بعد الأمر بقتل الكلاب فالكلب الذي أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في اقتنائه هو الذي حرم ثمنه وأخبر أنه خبيث دون الكلب الذي أمر بقتله فإن المأمور بقتله غير مستبقى حتى تحتاج الأمة إلى بيان حكم ثمنه ولم تجر العادة ببيعه وشرائه بخلاف الكلب المأذون في اقتنائه فإن الحاجة داعية إلى بيان حكم ثمنه أولى من حاجتهم إلى بيان ما لم تجر عادتهم ببيعه بل قد أمروا بقتله.(5\/701)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2589",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11155",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومما يبين هذا أنه صلى الله عليه وسلم ذكر الأربعة التي تبذل فيها الأموال عادة لحرص النفوس عليها وهي ما تأخذه الزانية والكاهن والحجام وبائع الكلب فكيف يحمل هذا على كلب لم تجر العادة ببيعه وتخرج منه الكلاب التي إنما جرت العادة ببيعها هذا من الممتنع البين امتناعه وإذا تبين هذا ظهر فساد ما شبه به من نسخ خبث أجرة الحجام بل دعوى النسخ فيها أبعد. وأما إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم الحجام أجره فلا يعارض قوله: ( كسب الحجام خبيث )  فإنه لم يقل: إن إعطاءه خبيث بل إعطاؤه إما واجب وإما مستحب وإما جائز ولكن هو خبيث بالنسبة إلى الآخذ وخبثه بالنسبة إلى أكله فهو خبيث الكسب ولم يلزم من ذلك تحريمه فقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم الثوم والبصل خبيثين مع إباحة أكلهما ولا يلزم من إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم الحجام أجره حل أكله فضلا عن كون أكله طيبا فإنه قال: ( إني لأعطي الرجل العطية يخرج بها يتأبطها نارا )  والنبي صلى الله عليه وسلم قد كان يعطي المؤلفة قلوبهم من مال الزكاة والفيء مع غناهم وعدم حاجتهم إليه ليبذلوا من الإسلام والطاعة ما يجب عليهم بذله بدون العطاء ولا يحل لهم توقف بذله على الأخذ بل يجب عليهم المبادرة إلى بذله بلا عوض. وهذا أصل معروف من أصول الشرع أن العقد والبذل قد يكون جائزا أو مستحبا أو واجبا من أحد الطرفين مكروها أو محرما من الطرف الآخر فيجب على الباذل أن يبذل ويحرم على الآخذ أن يأخذه. وبالجملة فخبث أجر الحجام من جنس خبث أكل الثوم والبصل لكن هذا خبيث الرائحة وهذا خبيث لكسبه. فإن قيل: فما أطيب المكاسب وأحلها قيل: هذا فيه ثلاثة أقوال للفقهاء. أحدها: أنه كسب التجارة.(5\/702)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2590",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11156",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثاني: أنه عمل اليد في غير الصنائع الدنيئة كالحجامة ونحوها. والثالث: أنه الزراعة ولكل قول من هذه وجه من الترجيح أثرا ونظرا والراجح أن أحلها الكسب الذي جعل منه رزق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كسب الغانمين وما أبيح لهم على لسان الشارع وهذا الكسب قد جاء في القرآن مدحه أكثر من غيره وأثني على أهله ما لم يثن على غيرهم ولهذا اختاره الله لخير خلقه وخاتم أنبيائه ورسله حيث يقول: ( بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري )  وهو الرزق المأخوذ بعزة وشرف وقهر لأعداء الله وجعل أحب شيء إلى الله فلا يقاومه كسب غيره. والله أعلم.  [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في بيع عسب الفحل وضرابه] في حكمه صلى الله عليه وسلم في بيع عسب الفحل وضرابه في quot; صحيح البخاري quot; عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ( نهى عن عسب الفحل ) . وفي quot; صحيح مسلم quot; عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ( نهى عن بيع ضراب الفحل ) . وهذا الثاني تفسير للأول وسمى أجرة ضرابه بيعا إما لكون المقصود هو الماء الذي له فالثمن مبذول في مقابلة عين مائه وهو حقيقة البيع وإما أنه سمى إجارته لذلك بيعا إذ هي عقد معاوضة وهي بيع المنافع والعادة أنهم يستأجرون الفحل للضراب وهذا هو الذي نهي عنه والعقد الوارد عليه باطل سواء كان بيعا أو إجارة وهذا قول جمهور العلماء منهم أحمد والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم.(5\/703)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2591",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11157",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو الوفاء بن عقيل: ويحتمل عندي الجواز لأنه عقد على منافع الفحل ونزوه على الأنثى وهي منفعة مقصودة وماء الفحل يدخل تبعا والغالب حصوله عقيب نزوه فيكون كالعقد على الظئر ليحصل اللبن في بطن الصبي وكما لو استأجر أرضا وفيها بئر ماء فإن الماء يدخل تبعا وقد يغتفر في الأتباع ما لا يغتفر في المتبوعات. وأما مالك فحكي عنه جوازه والذي ذكره أصحابه التفصيل فقال صاحب quot; الجواهر quot; في باب فساد العقد من جهة نهي الشارع ومنها بيع عسب الفحل ويحمل النهي فيه على استئجار الفحل على لقاح الأنثى وهو فاسد لأنه غير مقدور على تسليمه فأما أن يستأجره على أن ينزو عليه دفعات معلومة فذلك جائز إذ هو أمد معلوم في نفسه ومقدور على تسليمه.  والصحيح تحريمه مطلقا وفساد العقد به على كل حال ويحرم على الآخر أخذ أجرة ضرابه ولا يحرم على المعطي لأنه بذل ماله في تحصيل مباح يحتاج إليه ولا يمنع من هذا كما في كسب الحجام وأجرة الكساح والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عما يعتادونه من استئجار الفحل للضراب وسمى ذلك بيع عسبه فلا يجوز حمل كلامه على غير الواقع والمعتاد وإخلاء الواقع من البيان مع أنه الذي قصد بالنهي ومن المعلوم أنه ليس للمستأجر غرض صحيح في نزو الفحل على الأنثى الذي له دفعات معلومة وإنما غرضه نتيجة ذلك وثمرته ولأجله بذل ماله. وقد علل التحريم بعدة علل.(5\/704)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2592",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11158",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إحداها: أنه لا يقدر على تسليم المعقود عليه فأشبه إجارة الآبق فإن ذلك متعلق باختيار الفحل وشهوته. الثانية: أن المقصود هو الماء وهو مما لا يجوز إفراده بالعقد فإنه مجهول القدر والعين وهذا بخلاف إجارة الظئر فإنها احتملت بمصلحة الآدمي فلا يقاس عليها غيرها وقد يقال - والله أعلم - إن النهي عن ذلك من محاسن الشريعة وكمالها فإن مقابلة ماء الفحل بالأثمان وجعله محلا لعقود المعاوضات مما هو مستقبح ومستهجن عند العقلاء وفاعل ذلك عندهم ساقط من أعينهم في أنفسهم وقد جعل الله سبحانه فطر عباده لا سيما المسلمين ميزانا للحسن والقبيح فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح. ويزيد هذا بيانا أن ماء الفحل لا قيمة له ولا هو مما يعاوض عليه ولهذا لو نزا فحل الرجل على رمكة غيره فأولدها فالولد لصاحب الرمكة اتفاقا لأنه لم ينفصل عن الفحل إلا مجرد الماء وهو لا قيمة له فحرمت هذه الشريعة الكاملة المعاوضة على ضرابه ليتناوله الناس بينهم مجانا لما فيه من تكثير النسل المحتاج إليه من غير إضرار بصاحب الفحل ولا نقصان من ماله فمن محاسن الشريعة إيجاب بذل هذا مجانا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن من حقها إطراق فحلها وإعارة دلوها ) فهذه حقوق يضر بالناس منعها إلا بالمعاوضة فأوجبت الشريعة بذلها مجانا. فإن قيل: فإذا أهدى صاحب الأنثى إلى صاحب الفحل هدية أو ساق إليه كرامة فهل له أخذها قيل: إن كان ذلك على وجه المعاوضة والاشتراط في(5\/705)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2593",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11159",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباطن لم يحل له أخذه وإن لم يكن كذلك فلا بأس به قال أصحاب أحمد والشافعي: وإن أعطى صاحب الفحل هدية أو كرامة من غير إجارة جاز واحتج أصحابنا بحديث روي عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا كان إكراما فلا بأس )  ذكره صاحب quot; المغني quot; ولا أعرف حال هذا الحديث ولا من خرجه وقد نص أحمد في رواية ابن القاسم على خلافه فقيل له: ألا يكون مثل الحجام يعطى وإن كان منهيا عنه فقال: لم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى في مثل هذا شيئا كما بلغنا في الحجام. واختلف أصحابنا في حمل كلام أحمد رحمه الله على ظاهره أو تأويله فحمله القاضي على ظاهره وقال: هذا مقتضى النظر لكن ترك مقتضاه في الحجام فبقي فيما عداه على مقتضى القياس. وقال أبو محمد في quot; المغني quot;: كلام أحمد يحمل على الورع لا على التحريم والجواز أرفق بالناس وأوفق للقياس.  [ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنع من بيع الماء الذي يشترك فيه الناس] ثبت في quot; صحيح مسلم quot; من حديث جابر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع فضل الماء . وفيه عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ضراب الفحل وعن بيع الماء والأرض لتحرث  فعن ذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي quot; الصحيحين quot; عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ ) وفي لفظ آخر ( لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به(5\/706)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2594",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11160",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكلأ )  وقال البخاري في بعض طرقه: ( لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلإ ) وفي quot; المسند quot; من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من منع فضل مائه أو فضل كلئه منعه الله فضله يوم القيامة ) . وفي quot; سنن ابن ماجه quot; من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ثلاث لا يمنعن: الماء والكلأ والنار ) . وفي quot; سننه quot; أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والنار والكلأ وثمنه حرام ) . وفي quot; صحيح البخاري quot; من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ثلاثة لا ينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل ورجل بايع إمامه لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطاه منها رضي وإن لم يعطه منها سخط ورجل أقام سلعة بعد العصر فقال: والله الذي لا إله غيره لقد أعطيت بها كذا(5\/707)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2595",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11161",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذا فصدقه رجل ثم قرأ هذه الآية إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا [آل عمران: 77]  ) الآية. وفي quot; سنن أبي داود quot; ( عن بهيسة قالت: استأذن أبي النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يدنو منه ويلتزمه ثم قال: يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه قال: الماء قال: quot; يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه قال: الملح قال: يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه قال: أن تفعل الخير خير لك ) . الماء خلقه الله في الأصل مشتركا بين العباد والبهائم وجعله سقيا لهم فلا يكون أحد أخص به من أحد ولو أقام عليه وتنأ عليه قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ابن السبيل أحق بالماء من التانئ عليه ذكره أبو عبيد عنه. وقال أبو هريرة: ( ابن السبيل أول شارب ) .  فأما من حازه في قربته أو إنائه فذاك غير المذكور في الحديث وهو بمنزلة سائر المباحات إذا حازها إلى ملكه ثم أراد بيعها كالحطب والكلأ والملح وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه ) رواه البخاري. وفي quot; الصحيحين quot; ( عن علي رضي الله عنه قال: أصبت شارفا مع(5\/708)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2596",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11162",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغنم يوم بدر وأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم شارفا آخر فأنختهما يوما عند باب رجل من الأنصار وأنا أريد أن أحمل عليهما إذخرا لأبيعه ) . وذكر الحديث فهذا في الكلأ والحطب المباح بعد أخذه وإحرازه وكذلك السمك وسائر المباحات وليس هذا محل النهي بالضرورة ولا محل النهي أيضا بيع مياه الأنهار الكبار المشتركة بين الناس فإن هذا لا يمكن منعها والحجر عليها وإنما محل النهي صور أحدها: المياه المنتقعة من الأمطار إذا اجتمعت في أرض مباحة فهي مشتركة بين الناس وليس أحد أحق بها من أحد إلا بالتقديم لقرب أرضه كما سيأتي إن شاء الله تعالى فهذا النوع لا يحل بيعه ولا منعه ومانعه عاص مستوجب لوعيد الله ومنع فضله إذ منع فضل ما لم تعمل يداه. فإن قيل: فلو اتخذ في أرضه المملوكة له حفرة يجمع فيها الماء أو حفر بئرا فهل يملكه بذلك ويحل له بيعه قيل: لا ريب أنه أحق به من غيره ومتى كان الماء النابع في ملكه والكلأ والمعدن فوق كفايته لشربه وشرب ماشيته ودوابه لم يجب عليه بذله نص عليه أحمد وهذا لا يدخل تحت وعيد النبي صلى الله عليه وسلم فإنه إنما توعد من منع فضل الماء ولا فضل في هذا.  [فصل يجب بذل ما فضل من الماء عن حاجته وحاجة بهائمه وزرعه لمن طلبه لحاجته أو حاجة بهائمه والاختلاف في بذله لزرع غيره] فصل. وما فضل منه عن حاجته وحاجة بهائمه وزرعه واحتاج إليه آدمي مثله أو بهائمه بذله بغير عوض ولكل واحد أن يتقدم إلى الماء ويشرب. ويسقي ماشيته وليس لصاحب الماء منعه من ذلك ولا يلزم الشارب وساقي البهائم عوض. وهل يلزمه أن يبذل له الدلو والبكرة والحبل مجانا أو له أن يأخذ أجرته على قولين وهما وجهان لأصحاب أحمد في وجوب إعارة المتاع عند الحاجة إليه أظهرهما دليلا وجوبه وهو من الماعون. قال أحمد: إنما هذا في(5\/709)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2597",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11163",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصحاري والبرية دون البنيان يعني: أن البنيان إذا كان فيه الماء فليس لأحد الدخول إليه إلا بإذن صاحبه وهل يلزمه بذل فضل مائه لزرع غيره فيه وجهان وهما روايتان عن أحمد. أحدهما: لا يلزمه وهو مذهب الشافعي لأن الزرع لا حرمة له في نفسه ولهذا لا يجب على صاحبه سقيه بخلاف الماشية. والثاني: يلزمه بذله واحتج لهذا القول بالأحاديث المتقدمة وعمومها ومما روي ( عن عبد الله بن عمرو أن قيم أرضه بالوهط كتب إليه يخبره أنه سقى أرضه وفضل له من الماء فضل يطلب بثلاثين ألفا فكتب إليه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أقم قلدك ثم اسق الأدنى فالأدنى فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع فضل الماء ) . قالوا: وفي منعه من سقي الزرع إهلاكه وإفساده فحرم كالماشية. وقولكم: لا حرمة له فلصاحبه حرمة فلا يجوز التسبب إلى إهلاك ماله ومن سلم لكم أنه لا حرمة للزرع قال أبو محمد المقدسي: ويحتمل أن يمنع نفي الحرمة عنه فإن إضاعة المال منهي عنها وإتلافه محرم وذلك دليل على حرمته.  فإن قيل: فإذا كان في أرضه أو داره بئر نابعة أو عين مستنبطة فهل تكون ملكا له تبعا لملك الأرض والدار قيل: أما نفس البئر وأرض العين فمملوكة لمالك الأرض وأما الماء ففيه قولان وهما روايتان عن أحمد ووجهان لأصحاب الشافعي.(5\/710)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2598",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11164",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدهما: أنه غير مملوك لأنه يجري من تحت الأرض إلى ملكه فأشبه الجاري في النهر إلى ملكه. والثاني: أنه مملوك له قال أحمد في رجل له أرض ولآخر ماء فاشترك صاحب الأرض وصاحب الماء في الزرع: يكون بينهما فقال: لا بأس وهذا القول اختيار أبي بكر. وفي معنى الماء المعادن الجارية في الأملاك كالقار والنفط والموميا والملح وكذلك الكلأ النابت في أرضه كل ذلك يخرج على الروايتين في الماء وظاهر المذهب أن هذا الماء لا يملك وكذلك هذه الأشياء قال أحمد: لا يعجبني بيع الماء البتة وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن قوم بينهم نهر تشرب منه أرضهم لهذا يوم ولهذا يومان يتفقون عليه بالحصص فجاء يومي ولا أحتاج إليه أكريه بدراهم قال: ما أدري أما النبي صلى الله عليه وسلم فنهى عن بيع الماء قيل: إنه ليس يبيعه إنما يكريه قال: إنما احتالوا بهذا ليحسنوه فأي شيء هذا إلا البيع انتهى.  وأحاديث اشتراك الناس في الماء دليل ظاهر على المنع من بيعه وهذه المسألة التي سئل عنها أحمد هي التي قد ابتلي بها الناس في أرض الشام وبساتينه وغيرها فإن الأرض والبستان يكون له حق من الشرب من نهر فيفصل عنه أو يبنيه دورا وحوانيت ويؤجر ماءه فقد توقف أحمد أولا ثم أجاب بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الماء فلما قيل له: إن هذه إجارة قال: هذه التسمية حيلة وهي تحسين اللفظ وحقيقة العقد البيع وقواعد الشريعة تقتضي المنع من بيع هذا الماء فإنه إنما كان له حق التقديم في سقي أرضه من هذا الماء المشترك بينه وبين غيره فإذا استغنى عنه لم يجز له المعاوضة عنه وكان المحتاج إليه أولى به بعده وهذا كمن أقام على معدن فأخذ منه حاجته لم يجز له أن يبيع باقيه بعد نزعه عنه.(5\/711)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2599",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11165",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك من سبق إلى الجلوس في رحبة أو طريق واسعة فهو أحق بها ما دام جالسا فإذا استغنى عنها وأجر مقعده لم يجز وكذلك الأرض المباحة إذا كان فيها كلأ أو عشب فسبق بدوابه إليه فهو أحق برعيه ما دامت دوابه فيه فإذا طلب الخروج منها وبيع ما فضل عنه لم يكن له ذلك وهكذا هذا الماء سواء فإنه إذا فارق أرضه لم يبق له فيه حق وصار بمنزلة الكلأ الذي لا اختصاص له به ولا هو في أرضه. فإن قيل: الفرق بينهما أن هذا الماء في نفس أرضه فهو منفعة من منافعها فملكه بملكها كسائر منافعها بخلاف ما ذكرتم من الصور فإن تلك الأعيان ليست من ملكه وإنما له حق الانتفاع والتقديم إذا سبق خاصة. قيل: هذه النكتة التي لأجلها جوز من جوز بيعه وجعل ذلك حقا من حقوق أرضه فملك المعاوضة عليه وحده كما يملك المعاوضة عليه مع الأرض فيقال: حق أرضه في الانتفاع لا في ملك العين التي أودعها الله فيها بوصف الاشتراك وجعل حقه في تقديم الانتفاع على غيره في التحجر والمعاوضة فهذا القول هو الذي تقتضيه قواعد الشرع وحكمته واشتماله على مصالح العالم وعلى هذا فإذا دخل غيره بغير إذنه فأخذ منه شيئا ملكه لأنه مباح في الأصل فأشبه ما لو عشش في أرضه طائر أو حصل فيها ظبي أو نضب ماؤها عن سمك فدخل إليه فأخذه.  فإن قيل: فهل له منعه من دخول ملكه وهل يجوز دخوله في ملكه بغير إذنه قيل: قد قال بعض أصحابنا: لا يجوز له دخول ملكه لأخذ ذلك بغير إذنه وهذا لا أصل له في كلام الشارع ولا في كلام الإمام أحمد بل قد نص أحمد على جواز الرعي في أرض غير مباحة مع أن الأرض ليست مملوكة له ولا مستأجرة ودخولها لغير الرعي ممنوع منه. فالصواب أنه(5\/712)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2600",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11166",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يجوز له دخولها لأخذ ما له أخذه وقد يتعذر عليه غالبا استئذان مالكها ويكون قد احتاج إلى الشرب وسقي بهائمه ورعي الكلأ ومالك الأرض غائب فلو منعناه من دخولها إلا بإذنه كان في ذلك إضرار ببهائمه. وأيضا فإنه لا فائدة لهذا الإذن لأنه ليس لصاحب الأرض منعه من الدخول بل يجب عليه تمكينه فغاية ما يقدر أنه لم يأذن له وهذا حرام عليه شرعا لا يحل له منعه من الدخول فلا فائدة في توقف دخوله على الإذن. وأيضا فإنه إذا لم يتمكن من أخذ حقه الذي جعله له الشارع إلا بالدخول فهو مأذون فيه شرعا بل لو كان دخوله بغير إذنه لغيرة على حريمه وعلى أهله فلا يجوز له الدخول بغير إذن فأما إذا كان في الصحراء أو دار فيها بئر ولا أنيس بها فله الدخول بإذن وغيره وقد قال الله تعالى: ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم [النور: 29] [النور: 29]  وهذا الدخول الذي رفع عنه الجناح هو الدخول بلا إذن فإنه قد منعهم قبل من الدخول لغير بيوتهم حتى يستأنسوا ويسلموا على أهلها والاستئناس هنا: الاستئذان وهي في قراءة بعض السلف كذلك ثم رفع عنهم الجناح في دخول البيوت غير المسكونة لأخذ متاعهم فدل ذلك على جواز الدخول إلى بيت غيره وأرضه غير المسكونة لأخذ حقه من الماء والكلأ فهذا ظاهر القرآن وهو مقتضى نص أحمد وبالله التوفيق.  فإن قيل: فما تقولون في بيع البئر والعين نفسها: هل يجوز قال الإمام أحمد: إنما نهي عن بيع فضل ماء البئر والعيون في قراره ويجوز بيع البئر نفسها والعين ومشتريها أحق بمائها وهذا الذي قاله الإمام أحمد هو الذي دلت عليه السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من يشتري بئر رومة يوسع بها على(5\/713)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2601",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11167",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المسلمين وله الجنة ) أو كما قال فاشتراها عثمان بن عفان رضي الله عنه من يهودي بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وسبلها للمسلمين وكان اليهودي يبيع ماءها. وفي الحديث أن عثمان رضي الله عنه اشترى منه نصفها باثني عشر ألفا ثم قال لليهودي: اختر إما أن تأخذها يوما وآخذها يوما وإما أن تنصب لك عليها دلوا وأنصب عليها دلوا فاختار يوما ويوما فكان الناس يستقون منها في يوم عثمان لليومين فقال اليهودي: أفسدت علي بئري فاشتر باقيها فاشتراه بثمانية آلاف فكان في هذا حجة على صحة بيع البئر وجواز شرائها وتسبيلها وصحة بيع ما يسقى منها وجواز قسمة الماء بالمهايأة وعلى كون المالك أحق بمائها وجواز قسمة ما فيه حق وليس بمملوك.  فإن قيل: فإذا كان الماء عندكم لا يملك ولكل واحد أن يستقي منه حاجته فكيف أمكن اليهودي تحجره حتى اشترى عثمان البئر وسبلها فإن قلتم: اشترى نفس البئر وكانت مملوكة ودخل الماء تبعا أشكل عليكم من وجه آخر وهو أنكم قررتم أنه يجوز للرجل دخول أرض غيره لأخذ الكلأ والماء وقضية بئر اليهودي تدل على أحد أمرين ولا بد إما ملك الماء بملك قراره وإما على أنه لا يجوز دخول الأرض لأخذ ما فيها من المباح إلا بإذن مالكها. قيل: هذا سؤال قوي وقد يتمسك به من ذهب إلى واحد من هذين المذهبين ومن منع الأمرين يجيب عنه بأن هذا كان في أول الإسلام وحين قدم النبي صلى الله عليه وسلم وقبل تقرر الأحكام وكان اليهود إذ ذاك لهم شوكة بالمدينة ولم تكن أحكام الإسلام جارية عليهم والنبي صلى الله عليه وسلم لما قدم صالحهم وأقرهم على ما بأيديهم ولم يتعرض له ثم استقرت الأحكام(5\/714)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2602",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11168",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وزالت شوكة اليهود لعنهم الله وجرت عليهم أحكام الشريعة وسياق قصة هذه البئر ظاهر في أنها كانت حين مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في أول الأمر.  [فصل هل يملك ماء البرك والمصانع] فصل. وأما المياه الجارية فما كان نابعا من غير ملك كالأنهار الكبار وغير ذلك لم يملك بحال ولو دخل إلى أرض رجل لم يملكه بذلك وهو كالطير يدخل إلى أرضه فلا يملك بذلك ولكل واحد أخذه وصيده فإن جعل له في أرضه مصنعا أو بركة يجتمع فيها ثم يخرج منها فهو كنقع البئر سواء وفيه من النزاع ما فيه وإن كان لا يخرج منها فهو أحق به للشرب والسقي وما فضل عنه فحكمه حكم ما تقدم. وقال الشيخ في quot; المغني quot;: وإن كان ماء يسير في البركة لا يخرج منها فالأولى أنه يملكه بذلك على ما سنذكره في مياه الأمطار. ثم قال: فأما المصانع المتخذة لمياه الأمطار تجتمع فيها ونحوها من البرك وغيرها فالأولى أن يملك ماؤها ويصح بيعه إذا كان معلوما لأنه مباح حصله في شيء معد له فلا يجوز أخذ شيء منه إلا بإذن مالكه. وفي هذا نظر مذهبا ودليلا أما المذهب فإن أحمد قال: إنما نهى عن بيع فضل ماء البئر والعيون في قراره ومعلوم أن ماء البئر لا يفارقها فهو كالبركة التي اتخذت مقرا كالبئر سواء ولا فرق بينهما وقد تقدم من نصوص أحمد ما يدل على المنع من بيع هذا وأما الدليل فما تقدم من النصوص التي سقناها وقوله في الحديث الذي رواه البخاري في وعيد الثلاثة: ( والرجل على فضل ماء يمنعه ابن السبيل ) ولم يفرق بين أن يكون ذلك الفضل في أرضه المختصة به أو في الأرض المباحة وقوله: ( الناس شركاء في ثلاث ) ولم يشترط في هذه الشركة كون مقره مشتركا وقوله وقد سئل: ما الشيء الذي لا يحل منعه فقال: الماء ولم يشترط كون مقره مباحا فهذا مقتضى الدليل في هذه المسألة أثرا ونظرا.(5\/715)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2603",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11169",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في منع الرجل من بيع ما ليس عنده]  في quot; السنن quot; و quot; المسند quot; من حديث ( حكيم بن حزام قال: قلت يا رسول الله يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندي فأبيعه منه ثم أبتاعه من السوق فقال: لا تبع ما ليس عندك ) قال الترمذي: حديث حسن. وفي quot; السنن quot; نحوه من حديث ابن عمرو رضي الله عنه ولفظه: ( لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك ) قال الترمذي: حديث حسن صحيح. فاتفق لفظ الحديثين على نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عنده فهذا هو المحفوظ من لفظه صلى الله عليه وسلم وهو يتضمن نوعا من الغرر فإنه إذا باعه شيئا معينا وليس في ملكه ثم مضى ليشتريه أو يسلمه له كان مترددا بين الحصول وعدمه فكان غررا يشبه القمار فنهي عنه. وقد ظن بعض الناس أنه إنما نهى عنه لكونه معدوما فقال: لا يصح بيع المعدوم وروى في ذلك حديثا أنه صلى الله عليه وسلم ( نهى عن بيع المعدوم )  وهذا الحديث لا يعرف في شيء من كتب الحديث ولا له أصل والظاهر أنه مروي بالمعنى من هذا الحديث وغلط من ظن أن معناهما واحد وأن هذا المنهي عنه في حديث حكيم وابن عمرو رضي الله عنه لا يلزم أن يكون معدوما وإن كان فهو معدوم خاص فهو كبيع حبل الحبلة وهو معدوم يتضمن غررا وترددا في حصوله.  والمعدوم ثلاثة أقسام: معدوم موصوف في الذمة فهذا يجوز بيعه اتفاقا(5\/716)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2604",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11170",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن كان أبو حنيفة شرط في هذا النوع أن يكون وقت العقد في الوجود من حيث الجملة وهذا هو السلم وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. والثاني: معدوم تبع للموجود وإن كان أكثر منه وهو نوعان: نوع متفق عليه ونوع مختلف فيه فالمتفق عليه بيع الثمار بعد بدو صلاح ثمرة واحدة منها فاتفق الناس على جواز بيع ذلك الصنف الذي بدا صلاح واحدة منه وإن كانت بقية أجزاء الثمار معدومة وقت العقد ولكن جاز بيعها تبعا للموجود وقد يكون المعدوم متصلا بالموجود وقد يكون أعيانا أخر منفصلة عن الوجود لم تخلق بعد.  والنوع المختلف فيه كبيع المقاثئ والمباطخ إذا طابت فهذا فيه قولان أحدهما: أنه يجوز بيعها جملة ويأخذها المشتري شيئا بعد شيء كما جرت به العادة ويجري مجرى بيع الثمرة بعد بدو صلاحها وهذا هو الصحيح من القولين الذي استقر عليه عمل الأمة ولا غنى لهم عنه ولم يأت بالمنع منه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا أثر ولا قياس صحيح وهو مذهب مالك وأهل المدينة وأحد القولين في مذهب أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. والذين قالوا: لا يباع إلا لقطة لقطة لا ينضبط قولهم شرعا ولا عرفا ويتعذر العمل به غالبا وإن أمكن ففي غاية العسر ويؤدي إلى التنازع والاختلاف الشديد فإن المشتري يريد أخذ الصغار والكبار ولا سيما إذا كان صغاره أطيب من كباره والبائع لا يؤثر ذلك وليس في ذلك عرف منضبط وقد تكون المقثأة كثيرة فلا يستوعب المشتري اللقطة الظاهرة حتى يحدث فيها لقطة أخرى ويختلط المبيع بغيره ويتعذر تمييزه ويتعذر أو يتعسر على صاحب المقثأة أن يحضر لها كل وقت من يشتري ما تجدد فيها ويفرده بعقد وما كان هكذا فإن الشريعة لا تأتي به فهذا غير مقدور ولا مشروع ولو ألزم الناس به لفسدت أموالهم وتعطلت مصالحهم ثم إنه يتضمن التفريق بين متماثلين من كل الوجوه فإن بدو الصلاح في المقاثئ بمنزلة بدو الصلاح في الثمار وتلاحق أجزائها(5\/717)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2605",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11171",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كتلاحق أجزاء الثمار وجعل ما لم يخلق منها تبعا لما خلق في الصورتين واحد فالتفريق بينهما تفريق بين متماثلين. ولما رأى هؤلاء ما في بيعها لقطة لقطة من الفساد والتعذر قالوا: طريق رفع ذلك بأن يبيع أصلها معها ويقال: إذا كان بيعها جملة مفسدة عندكم وهو بيع معدوم وغرر فإن هذا لا يرتفع ببيع العروق التي لا قيمة لها وإن كان لها قيمة فيسيرة جدا بالنسبة إلى الثمن المبذول وليس للمشتري قصد في العروق ولا يدفع فيها الجملة من المال وما الذي حصل ببيع العروق معها من المصلحة لهما حتى شرط وإذا لم يكن بيع أصول الثمار شرطا في صحة بيع الثمرة المتلاحقة كالتين والتوت وهي مقصودة فكيف يكون بيع أصول المقاثئ شرطا في صحة بيعها وهي غير مقصودة والمقصود أن هذا المعدوم يجوز بيعه تبعا للموجود ولا تأثير للمعدوم وهذا كالمنافع المعقود عليها في الإجارة فإنها معدومة وهي مورد العقد لأنها لا يمكن أن تحدث دفعة واحدة والشرائع مبناها على رعاية مصالح العباد وعدم الحجر عليهم فيما لا بد لهم منه ولا تتم مصالحهم في معاشهم إلا به.  [فصل التفريق بين هذا وبين السلم] فصل. الثالث: معدوم لا يدرى يحصل أو لا يحصل ولا ثقة لبائعه بحصوله بل يكون المشتري منه على خطر فهذا الذي منع الشارع بيعه لا لكونه معدوما بل لكونه غررا فمنه صورة النهي التي تضمنها حديث حكيم بن حزام وابن عمر رضي الله عنهما فإن البائع إذا باع ما ليس في ملكه ولا له قدرة على تسليمه ليذهب ويحصله ويسلمه إلى المشتري كان ذلك شبيها بالقمار والمخاطرة من غير حاجة بهما إلى هذا العقد ولا تتوقف مصلحتهما عليه وكذلك بيع حبل الحبلة - وهو بيع حمل ما تحمل ناقته - ولا يختص هذا النهي بحمل الحمل بل لو باعه ما تحمل ناقته أو بقرته أو أمته كان من بيوع الجاهلية التي يعتادونها وقد ظن طائفة أن بيع السلم مخصوص من النهي عن بيع ما ليس عنده وليس هو(5\/718)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2606",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11172",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كما ظنوه فإن السلم يرد على أمر مضمون في الذمة ثابت فيها مقدور على تسليمه عند محله ولا غرر في ذلك ولا خطر بل هو جعل المال في ذمة المسلم إليه يجب عليه أداؤه عند محله فهو يشبه تأجيل الثمن في ذمة المشتري فهذا شغل لذمة المشتري بالثمن المضمون وهذا شغل لذمة البائع بالمبيع المضمون فهذا لون وبيع ما ليس عنده لون ورأيت لشيخنا في هذا الحديث فصلا مفيدا وهذه سياقته.  قال: للناس في هذا الحديث أقوال قيل: المراد بذلك أن يبيع السلعة المعينة التي هي مال الغير فيبيعها ثم يتملكها ويسلمها إلى المشتري والمعنى: لا تبع ما ليس عندك من الأعيان ونقل هذا التفسير عن الشافعي فإنه يجوز السلم الحال وقد لا يكون عند المسلم إليه ما باعه فحمله على بيع الأعيان ليكون بيع ما في الذمة غير داخل تحته سواء كان حالا أو مؤجلا. وقال آخرون: هذا ضعيف جدا فإن حكيم بن حزام ما كان يبيع شيئا معينا هو ملك لغيره ثم ينطلق فيشتريه منه ولا كان الذين يأتونه يقولون: نطلب عبد فلان ولا دار فلان وإنما الذي يفعله الناس أن يأتيه الطالب فيقول: أريد طعاما كذا وكذا أو ثوبا كذا وكذا أو غير ذلك فيقول: نعم أعطيك فيبيعه منه ثم يذهب فيحصله من عند غيره إذا لم يكن عنده هذا هو الذي يفعله من يفعله من الناس ولهذا قال: quot; يأتيني فيطلب مني المبيع ليس عندي quot; لم يقل يطلب مني ما هو مملوك لغيري فالطالب طلب الجنس لم يطلب شيئا معينا كما جرت به عادة الطالب لما يؤكل ويلبس ويركب إنما يطلب جنس ذلك ليس له غرض في ملك شخص بعينه دون ما سواه مما هو مثله أو خير منه ولهذا صار الإمام أحمد وطائفة إلى القول الثاني فقالوا: الحديث على عمومه يقتضي النهي عن بيع ما في الذمة إذا لم يكن عنده وهو يتناول النهي عن السلم إذا لم يكن عنده لكن جاءت الأحاديث بجواز السلم المؤجل فبقي هذا في السلم الحال. والقول الثالث - وهو أظهر الأقوال -: إن الحديث لم يرد به النهي عن(5\/719)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2607",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11173",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السلم المؤجل ولا الحال مطلقا وإنما أريد به أن يبيع ما في الذمة مما ليس هو مملوكا له ولا يقدر على تسليمه ويربح فيه قبل أن يملكه ويضمنه ويقدر على تسليمه فهو نهي عن السلم الحال إذا لم يكن عند المستسلف ما باعه فيلزم ذمته بشيء حال ويربح فيه وليس هو قادرا على إعطائه وإذا ذهب يشتريه فقد يحصل وقد لا يحصل فهو من نوع الغرر والمخاطرة وإذا كان السلم حالا وجب عليه تسليمه في الحال وليس بقادر على ذلك ويربح فيه على أن يملكه ويضمنه وربما أحاله على الذي ابتاع منه فلا يكون قد عمل شيئا بل أكل المال بالباطل وعلى هذا فإذا كان السلم الحال والمسلم إليه قادرا على الإعطاء فهو جائز وهو كما قال الشافعي: إذا جاز المؤجل فالحال أولى بالجواز. ومما يبين أن هذا مراد النبي صلى الله عليه وسلم أن السائل إنما سأله عن بيع شيء مطلق في الذمة كما تقدم لكن إذا لم يجز بيع ذلك فبيع المعين الذي لم يملكه أولى بالمنع وإذا كان إنما سأله عن بيع شيء في الذمة فإنما سأله عن بيعه حالا فإنه قال: أبيعه ثم أذهب فأبتاعه فقال له: ( لا تبع ما ليس عندك )  فلو كان السلف الحال لا يجوز مطلقا لقال له ابتداء: لا تبع هذا سواء كان عنده أو ليس عنده فإن صاحب هذا القول يقول: بيع ما في الذمة حالا لا يجوز ولو كان عنده ما يسلمه بل إذا كان عنده فإنه لا يبيع إلا معينا لا يبيع شيئا في الذمة فلما لم ينه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك مطلقا بل قال: ( لا تبع ما ليس عندك ) علم أنه صلى الله عليه وسلم فرق بين ما هو عنده ويملكه ويقدر على تسليمه وما ليس كذلك وإن كان كلاهما في الذمة. ومن تدبر هذا تبين له أن القول الثالث هو الصواب فإن قيل: إن بيع المؤجل جائز للضرورة وهو بيع المفاليس لأن البائع احتاج أن يبيع إلى أجل وليس عنده ما يبيعه الآن فأما الحال فيمكنه أن يحضر المبيع فيراه فلا حاجة إلى بيع موصوف في الذمة أو بيع عين غائبة موصوفة لا يبيع شيئا مطلقا . قيل:(5\/720)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2608",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11174",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا نسلم أن السلم على خلاف الأصل بل تأجيل المبيع كتأجيل الثمن كلاهما من مصالح العالم.  والناس لهم في مبيع الغائب ثلاثة أقوال: منهم من يجوزه مطلقا ولا يجوزه معينا موصوفا كالشافعي في المشهور عنه ومنهم من يجوزه معينا موصوفا ولا يجوزه مطلقا كأحمد وأبي حنيفة والأظهر جواز هذا وهذا ويقال للشافعي مثل ما قال هو لغيره: إذا جاز بيع المطلق الموصوف في الذمة فالمعين الموصوف أولى بالجواز فإن المطلق فيه من الغرر والخطر والجهل أكثر مما في المعين فإذا جاز بيع حنطة مطلقة بالصفة فجواز بيعها معينة بالصفة أولى بل لو جاز بيع المعين بالصفة فللمشتري الخيار إذا رآه جاز أيضا كما نقل عن الصحابة وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين وقد جوز القاضي وغيره من أصحاب أحمد السلم الحال بلفظ البيع.  والتحقيق: أنه لا فرق بين لفظ ولفظ فالاعتبار في العقود بحقائقها ومقاصدها لا بمجرد ألفاظها ونفس بيع الأعيان الحاضرة التي يتأخر قبضها يسمى سلفا إذا عجل له الثمن كما في quot; المسند quot; عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يسلم في الحائط بعينه إلا أن يكون قد بدا صلاحه فإذا بدا صلاحه وقال: أسلمت إليك في عشرة أوسق من تمر هذا الحائط جاز كما يجوز أن يقول: ابتعت عشرة أوسق من هذه الصبرة ولكن الثمن يتأخر قبضه إلى كمال صلاحه فإذا عجل له الثمن قيل له: سلف لأن السلف هو الذي تقدم والسالف المتقدم قال الله تعالى: فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين [الزخرف: 56] [الزخرف: 56] . والعرب تسمي أول الرواحل السالفة ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الحقي بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون ) . وقول الصديق رضي الله عنه: لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي. وهي العنق.(5\/721)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2609",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11175",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولفظ السلف يتناول القرض والسلم لأن المقرض أيضا أسلف القرض أي: قدمه ومنه هذا الحديث: ( لا يحل سلف وبيع )  ومنه الحديث الآخر ( أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بكرا وقضى جملا رباعيا ) والذي يبيع ما ليس عنده لا يقصد إلا الربح وهو تاجر فيستلف بسعر ثم يذهب فيشتري بمثل ذلك الثمن فإنه يكون قد أتعب نفسه لغيره بلا فائدة وإنما يفعل هذا من يتوكل لغيره فيقول: أعطني فأنا أشتري لك هذه السلعة فيكون أمينا أما أنه يبيعها بثمن معين يقبضه ثم يذهب فيشتريها بمثل ذلك الثمن من غير فائدة في الحال فهذا لا يفعله عاقل نعم إذا كان هناك تاجر فقد يكون محتاجا إلى الثمن فيستسلفه وينتفع به مدة إلى أن يحصل تلك السلعة فهذا يقع في السلم المؤجل وهو الذي يسمى بيع المفاليس فإنه يكون محتاجا إلى الثمن وهو مفلس وليس عنده في الحال ما يبيعه ولكن له ما ينتظره من مغل أو غيره فيبيعه في الذمة فهذا يفعل مع الحاجة ولا يفعل بدونها إلا أن يقصد أن يتجر بالثمن في الحال أو يرى أنه يحصل به من الربح أكثر مما يفوت بالسلم فإن المستسلف يبيع السلعة في الحال بدون ما تساوي نقدا والمسلف يرى أن يشتريها إلى أجل بأرخص مما يكون عند حصولها وإلا فلو علم أنها عند طرد الأصل تباع بمثل رأس مال السلم لم يسلم(5\/722)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2610",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11176",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيها فيذهب نفع ماله بلا فائدة وإذا قصد الأجر أقرضه ذلك قرضا ولا يجعل ذلك سلما إلا إذا ظن أنه في الحال أرخص منه وقت حلول الأجل فالسلم المؤجل في الغالب لا يكون إلا مع حاجة المستسلف إلى الثمن وأما الحال فإن كان عنده فقد يكون محتاجا إلى الثمن فيبيع ما عنده معينا تارة وموصوفا أخرى وأما إذا لم يكن عنده فإنه لا يفعله إلا إذا قصد التجارة والربح فيبيعه بسعر ويشتريه بأرخص منه. ثم هذا الذي قدره قد يحصل كما قدره وقد لا يحصل له تلك السلعة التي يسلف فيها إلا بثمن أغلى مما أسلف فيندم وإن حصلت بسعر أرخص من ذلك قدم السلف إذ كان يمكنه أن يشتريه هو بذلك الثمن فصار هذا من نوع الميسر والقمار والمخاطرة كبيع العبد الآبق والبعير الشارد يباع بدون ثمنه فإن حصل ندم البائع وإن لم يحصل ندم المشتري وكذلك بيع حبل الحبلة وبيع الملاقيح والمضامين ونحو ذلك مما قد يحصل وقد لا يحصل فبائع ما ليس عنده من جنس بائع الغرر الذي قد يحصل وقد لا يحصل وهو من جنس القمار والميسر. والمخاطرة مخاطرتان: مخاطرة التجارة. وهو أن يشتري السلعة بقصد أن يبيعها ويربح ويتوكل على الله في ذلك. والخطر الثاني: الميسر الذي يتضمن أكل المال بالباطل فهذا الذي حرمه الله تعالى ورسوله مثل بيع الملامسة والمنابذة وحبل الحبلة والملاقيح والمضامين وبيع الثمار قبل بدو صلاحها ومن هذا النوع يكون أحدهما قد قمر الآخر وظلمه ويتظلم أحدهما من الآخر بخلاف التاجر الذي قد اشترى السلعة ثم بعد هذا نقص سعرها فهذا من الله سبحانه ليس لأحد فيه حيلة ولا يتظلم مثل هذا من البائع وبيع ما ليس عنده من قسم القمار والميسر لأنه قصد أن يربح على هذا لما باعه ما ليس عنده والمشتري لا يعلم أنه يبيعه ثم يشتري من غيره وأكثر الناس لو علموا ذلك لم يشتروا منه بل يذهبون ويشترون من حيث اشترى هو وليست هذه المخاطرة مخاطرة التجار بل مخاطرة المستعجل بالبيع قبل القدرة على التسليم فإذا اشترى(5\/723)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2611",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11177",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بيع الحصاة",
        "content": "التاجر السلعة وصارت عنده ملكا وقبضا فحينئذ دخل في خطر التجارة وباع بيع التجارة كما أحله الله بقوله: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم [النساء: 29] [النساء 29] والله أعلم.  [ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيع الحصاة والغرر والملامسة والمنابذة] ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيع الحصاة والغرر والملامسة والمنابذة. في quot; صحيح مسلم quot; عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر  ) وفي quot; الصحيحين quot; عنه ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الملامسة والمنابذة ) زاد مسلم: ( أما الملامسة: فأن يلمس كل منهما ثوب صاحبه بغير تأمل والمنابذة: أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر ولم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه الآخر ) . وفي quot; الصحيحين quot; عن أبي سعيد قال: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين ولبستين: نهى عن الملامسة والمنابذة في البيع . والملامسة: لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقلبه إلا بذلك والمنابذة: أن ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه وينبذ الآخر ثوبه ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض) .  [بيع الحصاة] أما بيع الحصاة فهو من باب إضافة المصدر إلى نوعه كبيع الخيار وبيع النسيئة ونحوهما وليس من باب إضافة المصدر إلى مفعوله كبيع الميتة والدم.(5\/724)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2612",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11178",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والبيوع المنهي عنها ترجع إلى هذين القسمين ولهذا فسر بيع الحصاة بأن يقول: ارم هذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بدرهم وفسر بأن بيعه من أرضه قدر ما انتهت إليه رمية الحصاة وفسر بأن يقبض على كف من حصا ويقول: لي بعدد ما خرج في القبضة من الشيء المبيع أو يبيعه سلعة ويقبض على كف من الحصا ويقول: لي بكل حصاة درهم وفسر بأن يمسك أحدهما حصاة في يده ويقول: أي وقت سقطت الحصاة وجب البيع وفسر بأن يتبايعا ويقول أحدهما: إذا نبذت إليك الحصاة فقد وجب البيع وفسر بأن يعترض القطيع من الغنم فيأخذ حصاة ويقول: أي شاة أصبتها فهي لك بكذا وهذه الصور كلها فاسدة لما تتضمنه من أكل المال بالباطل ومن الغرر والخطر الذي هو شبيه بالقمار.  [فصل بيع الغرر] فصل. وأما بيع الغرر فمن إضافة المصدر إلى مفعوله كبيع الملاقيح والمضامين والغرر: هو المبيع نفسه وهو فعل بمعنى مفعول أي: مغرور به كالقبض والسلب بمعنى المقبوض والمسلوب وهذا كبيع العبد الآبق الذي لا يقدر على تسليمه والفرس الشارد والطير في الهواء وكبيع ضربة الغائص وما تحمل شجرته أو ناقته أو ما يرضى له به زيد أو يهبه له أو يورثه إياه ونحو ذلك مما لا يعلم حصوله أو لا يقدر على تسليمه أو لا يعرف حقيقته ومقداره ومنه بيع حبل الحبلة كما ثبت في quot; الصحيحين quot; أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه وهو نتاج النتاج في أحد الأقوال والثاني: أنه أجل فكانوا يتبايعون إليه هكذا رواه مسلم وكلاهما غرر والثالث: أنه بيع حمل الكرم قبل أن يبلغ قاله المبرد. قال: والحبلة: الكرم بسكون الباء وفتحها وأما ابن عمر رضي الله عنه فإنه فسره بأنه(5\/725)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2613",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11179",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أجل كانوا يتبايعون إليه وإليه ذهب مالك والشافعي وأما أبو عبيدة ففسره ببيع نتاج النتاج وإليه ذهب أحمد ومنه بيع الملاقيح والمضامين كما ثبت في حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المضامين والملاقيح ) . قال أبو عبيد: الملاقيح ما في البطون من الأجنة والمضامين: ما في أصلاب الفحول وكانوا يبيعون الجنين في بطن الناقة وما يضربه الفحل في عام أو أعوام وأنشد: إن المضامين التي في الصلب ... ماء الفحول في الظهور الحدب ومنه بيع المجر فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه. قال ابن الأعرابي: المجر ما في بطن الناقة والمجر: الربا والمجر: القمار والمجر: المحاقلة والمزابنة.  ومنه بيع الملامسة والمنابذة وقد جاء تفسيرهما في نفس الحديث ففي quot; صحيح مسلم quot; عن أبي هريرة رضي الله عنه ( نهى عن بيعتين: الملامسة والمنابذة أما الملامسة: فأن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل والمنابذة: أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر ولم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه ) هذا لفظ مسلم. وفي quot; الصحيحين quot; عن ( أبي سعيد قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين ولبستين في البيع والملامسة: لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقلبه إلا بذلك والمنابذة: أن ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه وينبذ الآخر إليه(5\/726)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2614",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11180",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثوبه ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض ) وفسرت الملامسة بأن يقول: بعتك ثوبي هذا على أنك متى لمسته فهو عليك بكذا والمنابذة بأن يقول: أي ثوب نبذته إلي فهو علي بكذا وهذا أيضا نوع من الملامسة والمنابذة وهو ظاهر كلام أحمد رحمه الله والغرر في ذلك ظاهر وليس العلة تعليق البيع شرط بل ما تضمنه من الخطر والغرر.  [فصل بيع المغيبات] فصل وليس من بيع الغرر بيع المغيبات في الأرض كاللفت والجزر والفجل والقلقاس والبصل ونحوها فإنها معلومة بالعادة يعرفها أهل الخبرة بها وظاهرها عنوان باطنها فهو كظاهر الصبرة مع باطنها ولو قدر أن في ذلك غررا فهو غرر يسير يغتفر في جنب المصلحة العامة التي لا بد للناس منها فإن ذلك غرر لا يكون موجبا للمنع فإن إجارة الحيوان والدار والحانوت مساناة لا تخلو عن غرر لأنه يعرض فيه موت الحيوان وانهدام الدار وكذا دخول الحمام وكذا الشرب من فم السقاء فإنه غير مقدر مع اختلاف الناس في قدره وكذا بيوع السلم وكذا بيع الصبرة العظيمة التي لا يعلم مكيلها وكذا بيع البيض والرمان والبطيخ والجوز واللوز والفستق وأمثال ذلك مما لا يخلو من الغرر فليس كل غرر سببا للتحريم. والغرر إذا كان يسيرا أو لا يمكن الاحتراز منه لم يكن مانعا من صحة العقد فإن الغرر الحاصل في أساسات الجدران وداخل بطون الحيوان أو آخر الثمار التي بدا صلاح بعضها دون بعض لا يمكن الاحتراز منه والغرر الذي في دخول الحمام والشرب من السقاء ونحوه غرر يسير فهذان النوعان لا يمنعان البيع بخلاف الغرر الكثير الذي يمكن الاحتراز منه وهو(5\/727)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2615",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11181",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المذكور في الأنواع التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان مساويا لها لا فرق بينها وبينه فهذا هو المانع من صحة العقد. فإذا عرف هذا فبيع المغيبات في الأرض انتفى عنه الأمران فإن غرره يسير ولا يمكن الاحتراز منه فإن الحقول الكبار لا يمكن بيع ما فيها من ذلك إلا وهو في الأرض فلو شرط لبيعه إخراجه دفعة واحدة كان في ذلك من المشقة وفساد الأموال ما لا يأتي به شرع وإن منع بيعه إلا شيئا فشيئا كلما أخرج شيئا باعه ففي ذلك من الحرج والمشقة وتعطيل مصالح أرباب تلك الأموال ومصالح المشتري ما لا يخفى وذلك مما لا يوجبه الشارع ولا تقوم مصالح الناس بذلك البتة حتى إن الذين يمنعون من بيعها في الأرض إذا كان لأحدهم خراج كذلك أو كان ناظرا عليه لم يجد بدا من بيعه في الأرض اضطرارا إلى ذلك وبالجملة فليس هذا من الغرر الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نظيرا لما نهى عنه من البيوع.  [فصل بيع المسك في فأرته] فصل. وليس منه بيع المسك في فأرته بل هو نظير ما مأكوله في جوفه كالجوز واللوز والفستق وجوز الهند فإن فأرته وعاء له تصونه من الآفات وتحفظ عليه رطوبته ورائحته وبقاؤه فيها أقرب إلى صيانته من الغش والتغير والمسك الذي في الفأرة عند الناس خير من المنفوض وجرت عادة التجار ببيعه وشرائه فيها ويعرفون قدره وجنسه معرفة لا تكاد تختلف فليس من الغرر في شيء فإن الغرر هو ما تردد بين الحصول والفوات وعلى القاعدة الأخرى: هو ما طويت معرفته وجهلت عينه وأما هذا ونحوه فلا يسمى غررا لا لغة ولا شرعا ولا عرفا ومن حرم بيع شيء وادعى أنه غرر طولب بدخوله في مسمى الغرر لغة وشرعا وجواز بيع المسك في الفأرة أحد الوجهين لأصحاب الشافعي وهو الراجح دليلا والذين منعوه جعلوه مثل بيع النوى في التمر والبيض في الدجاج واللبن في الضرع والسمن في الوعاء والفرق بين النوعين ظاهر.(5\/728)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2616",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11182",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنازعوهم يجعلونه مثل بيع قلب الجوز واللوز والفستق في صوانه لأنه من مصلحته ولا ريب أنه أشبه بهذا منه بالأول فلا هو مما نهى عنه الشارع ولا في معناه فلم يشمله نهيه لفظا ولا معنى.  وأما بيع السمن في الوعاء ففيه تفصيل فإنه إن فتحه ورأى رأسه بحيث يدله على جنسه ووصفه جاز بيعه في السقاء لكنه يصير كبيع الصبرة التي شاهد ظاهرها وإن لم يره ولم يوصف له لم يجز بيعه لأنه غرر فإنه يختلف جنسا ونوعا ووصفا وليس مخلوقا في وعائه كالبيض والجوز واللوز والمسك في أوعيتها فلا يصح إلحاقه بها.  وأما بيع اللبن في الضرع فمنعه أصحاب أحمد والشافعي وأبي حنيفة والذي يجب فيه التفصيل فإن باع الموجود المشاهد في الضرع فهذا لا يجوز مفردا ويجوز تبعا للحيوان لأنه إذا بيع مفردا تعذر تسليم المبيع بعينه لأنه لا يعرف مقدار ما وقع عليه البيع فإنه وإن كان مشاهدا كاللبن في الظرف لكنه إذا حلبه خلفه مثله مما لم يكن في الضرع فاختلط المبيع بغيره على وجه لا يتميز وإن صح الحديث الذي رواه الطبراني في quot; معجمه quot; من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نهى أن يباع صوف على ظهر أو لبن في ضرع ) فهذا إن شاء الله محمله وأما إن باعه آصعا معلومة من اللبن يأخذه من هذه الشاة أو باعه لبنها(5\/729)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2617",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11183",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أياما معلومة فهذا بمنزلة بيع الثمار قبل بدو صلاحها لا يجوز وأما إن باعه لبنا مطلقا موصوفا في الذمة واشترط كونه من هذه الشاة أو البقرة فقال شيخنا: هذا جائز واحتج بما في quot; المسند quot; من أن النبي صلى الله عليه وسلم ( نهى أن يسلم في حائط بعينه إلا أن يكون قد بدا صلاحه ) . قال: فإذا بدا صلاحه وقال: أسلمت إليك في عشرة أوسق من تمر هذا الحائط جاز كما يجوز أن يقول: ابتعت منك عشرة أوسق من هذه الصبرة ولكن الثمن يتأخر قبضه إلى كمال صلاحه هذا لفظه.  [فصل إجارة الحلوبة مدة معلومة لأخذ لبنها] فصل. وأما إن أجره الشاة أو البقرة أو الناقة مدة معلومة لأخذ لبنها في تلك المدة فهذا لا يجوزه الجمهور واختار شيخنا جوازه وحكاه قولا لبعض أهل العلم وله فيها مصنف مفرد قال: إذا استأجر غنما أو بقرا أو نوقا أيام اللبن بأجرة مسماة وعلفها على المالك أو بأجرة مسماة مع علفها على أن يأخذ اللبن جاز ذلك في أظهر قولي العلماء كما في الظئر قال: وهذا يشبه البيع ويشبه الإجارة ولهذا يذكره بعض الفقهاء في البيع وبعضهم في الإجارة لكن إذا كان اللبن يحصل بعلف المستأجر وقيامه على الغنم فإنه يشبه استئجار الشجر وإن كان المالك هو الذي يعلفها وإنما يأخذ المشتري لبنا مقدرا فهذا بيع محض وإن كان يأخذ اللبن مطلقا فهو بيع أيضا فإن صاحب اللبن يوفيه اللبن بخلاف الظئر فإنما هي تسقي الطفل وليس هذا داخلا فيما نهى عنه صلى الله عليه وسلم من بيع الغرر لأن الغرر تردد بين الوجود والعدم فنهى عن بيعه لأنه من جنس القمار الذي هو الميسر والله حرم ذلك لما فيه من أكل المال بالباطل وذلك من الظلم الذي حرمه الله تعالى وهذا إنما يكون قمارا إذا كان أحد المتعاوضين يحصل له مال والآخر قد يحصل له وقد لا يحصل فهذا الذي لا يجوز كما في بيع العبد الآبق والبعير الشارد وبيع حبل الحبلة فإن البائع يأخذ مال المشتري والمشتري قد يحصل له شيء وقد لا يحصل ولا يعرف قدر الحاصل فأما إذا كان شيئا معروفا بالعادة كمنافع الأعيان بالإجارة مثل منفعة الأرض والدابة ومثل لبن الظئر(5\/730)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2618",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11184",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعتاد ولبن البهائم المعتاد ومثل الثمر والزرع المعتاد فهذا كله من باب واحد وهو جائز. ثم إن حصل على الوجه المعتاد وإلا حط عن المستأجر بقدر ما فات من المنفعة المقصودة وهو مثل وضع الجائحة في البيع ومثل ما إذا تلف بعض المبيع قبل التمكن من القبض في سائر البيوع. فإن قيل: مورد عقد الإجارة إنما هو المنافع لا الأعيان ولهذا لا يصح استئجار الطعام ليأكله والماء ليشربه وأما إجارة الظئر فعلى المنفعة وهي: وضع الطفل في حجرها وإلقامه ثديها واللبن يدخل ضمنا وتبعا فهو كنقع البئر في إجارة الدار ويغتفر فيما دخل ضمنا وتبعا ما لا يغتفر في الأصول والمتبوعات. قيل: الجواب عن هذا من وجوه. أحدها: منع كون عقد الإجارة لا يرد إلا على منفعة فإن هذا ليس ثابتا بالكتاب ولا بالسنة ولا بالإجماع بل الثابت عن الصحابة خلافه كما صح عن عمر رضي الله عنه أنه قبل حديقة أسيد بن حضير ثلاث سنين وأخذ الأجرة فقضى بها دينه والحديقة: هي النخل فهذه إجارة الشجر لأخذ ثمرها وهو مذهب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولا يعلم له في الصحابة مخالف واختاره أبو الوفاء بن عقيل من أصحاب أحمد واختيار شيخنا فقولكم: إن مورد عقد الإجارة لا يكون إلا منفعة غير مسلم ولا ثابت بالدليل وغاية ما معكم قياس محل النزاع على إجارة الخبز للأكل والماء للشرب وهذا من أفسد القياس فإن الخبز تذهب عينه ولا يستخلف مثله بخلاف اللبن ونقع البئر فإنه لما كان يستخلف ويحدث شيئا فشيئا كان بمنزلة المنافع. يوضحه الوجه الثاني: وهو أن الثمر يجري مجرى المنافع والفوائد في الوقف والعارية ونحوها فيجوز أن يقف الشجرة لينتفع أهل الوقف بثمراتها كما(5\/731)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2619",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11185",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقف الأرض لينتفع أهل الوقف بغلتها ويجوز إعارة الشجرة كما يجوز إعارة الظهر وعارية الدار ومنيحة اللبن وهذا كله تبرع بنماء المال وفائدته فإن من دفع عقاره إلى من يسكنه فهو بمنزلة من دفع دابته إلى من يركبها وبمنزلة من دفع شجرة إلى من يستثمرها وبمنزلة من دفع أرضه إلى من يزرعها وبمنزلة من دفع شاته إلى من يشرب لبنها فهذه الفوائد تدخل في عقود التبرع سواء كان الأصل محبسا بالوقف أو غير محبس. ويدخل أيضا في عقود المشاركات فإنه إذا دفع شاة أو بقرة أو ناقة إلى من يعمل عليها بجزء من درها ونسلها صح على أصح الروايتين عن أحمد فكذلك يدخل في العقود للإجارات. يوضحه الوجه الثالث: وهو أن الأعيان نوعان: نوع لا يستخلف شيئا فشيئا بل إذا ذهب ذهب جملة ونوع يستخلف شيئا فشيئا كلما ذهب منه شيء خلفه شيء مثله فهذا رتبة وسطى بين المنافع وبين الأعيان التي لا تستخلف فينبغي أن ينظر في شبهه بأي النوعين فيلحق به ومعلوم أن شبهه بالمنافع أقوى فإلحاقه بها أولى. يوضحه الوجه الرابع: وهو أن الله سبحانه نص في كتابه على إجارة الظئر وسمى ما تأخذه أجرا وليس في القرآن إجارة منصوص عليها في شريعتنا إلا إجارة الظئر بقوله تعالى: فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف [الطلاق: 6] [الطلاق: 6] . قال شيخنا: وإنما ظن الظان أنها خلاف القياس حيث توهم أن الإجارة لا تكون إلا على منفعة وليس الأمر كذلك بل الإجارة تكون على كل ما يستوفى مع بقاء أصله سواء كان عينا أو منفعة كما أن هذه العين هي التي توقف وتعار فيما استوفاه الموقوف عليه والمستعير بلا عوض يستوفيه المستأجر وبالعوض فلما كان لبن الظئر مستوفى مع بقاء الأصل جازت الإجارة عليه كما جازت على المنفعة وهذا محض القياس فإن هذه الأعيان يحدثها الله شيئا بعد شيء وأصلها باق كما يحدث الله المنافع شيئا بعد شيء وأصلها باق.(5\/732)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2620",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11186",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويوضحه الوجه الخامس: وهو أن الأصل في العقود وجوب الوفاء إلا ما حرمه الله ورسوله فإن المسلمين على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا فلا يحرم من الشروط والعقود إلا ما حرمه الله ورسوله وليس مع المانعين نص بالتحريم البتة وإنما معهم قياس قد علم أن بين الأصل والفرع فيه من الفرق ما يمنع الإلحاق وأن القياس الذي مع من أجاز ذلك أقرب إلى مساواة الفرع لأصله وهذا ما لا حيلة فيه وبالله التوفيق. يوضحه الوجه السادس: وهو أن الذين منعوا هذه الإجارة لما رأوا إجارة الظئر ثابتة بالنص والإجماع والمقصود بالعقد إنما هو اللبن وهو عين تمحلوا لجوازها أمرا يعلمون هم والمرضعة والمستأجر بطلانه فقالوا: العقد إنما وقع على وضعها الطفل في حجرها وإلقامه ثديها فقط واللبن يدخل تبعا والله يعلم والعقلاء قاطبة أن الأمر ليس كذلك وأن وضع الطفل في حجرها ليس مقصودا أصلا ولا ورد عليه عقد الإجارة لا عرفا ولا حقيقة ولا شرعا ولو أرضعت الطفل وهو في حجر غيرها أو في مهده لاستحقت الأجرة ولو كان المقصود إلقام الثدي المجرد لاستؤجر له كل امرأة لها ثدي ولو لم يكن لها لبن فهذا هو القياس الفاسد حقا والفقه البارد فكيف يقال: إن إجارة الظئر على خلاف القياس ويدعى أن هذا هو القياس الصحيح. الوجه السابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم ندب إلى منيحة العنز والشاة للبنها وحض على ذلك وذكر ثواب فاعله ومعلوم أن هذا ليس ببيع ولا هبة فإن هبة(5\/733)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2621",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11187",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعدوم المجهول لا تصح وإنما هو عارية الشاة للانتفاع بلبنها كما يعيره الدابة لركوبها فهذا إباحة للانتفاع بدرها وكلاهما في الشرع واحد وما جاز أن يستوفى بالعارية جاز أن يستوفى بالإجارة فإن موردهما واحد وإنما يختلفان في التبرع بهذا والمعاوضة على الآخر. والوجه الثامن: ما رواه حرب الكرماني في quot; مسائله quot;: حدثنا سعيد بن منصور حدثنا عباد بن عباد عن هشام بن عروة عن أبيه أسيد بن حضير توفي وعليه ستة آلاف درهم دين فدعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه quot; غرماءه فقبلهم أرضه سنتين quot; وفيها الشجر والنخل وحدائق المدينة الغالب عليها النخل والأرض البيضاء فيها قليل فهذا إجارة الشجر لأخذ ثمرها ومن ادعى أن ذلك خلاف الإجماع فمن عدم علمه بل ادعاء الإجماع على جواز ذلك أقرب فإن عمر رضي الله عنه فعل ذلك بالمدينة النبوية بمشهد المهاجرين والأنصار وهي قصة في مظنة الاشتهار ولم يقابلها أحد بالإنكار بل تلقاها الصحابة بالتسليم والإقرار وقد كانوا ينكرون ما هو دونها وإن فعله عمر رضي الله عنه كما أنكر عليه عمران بن حصين وغيره شأن متعة الحج ولم ينكر أحد هذه الواقعة وسنبين إن شاء الله تعالى أنها محض القياس وأن المانعين منها لا بد لهم منها وأنهم يتحيلون عليها بحيل لا تجوز. الوجه التاسع: أن المستوفى بعقد الإجارة على زرع الأرض هو عين من الأعيان وهو المغل الذي يستغله المستأجر وليس له مقصود في منفعة الأرض(5\/734)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2622",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11188",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غير ذلك وإن كان له قصد جرى في الانتفاع بغير الزرع فذلك تبع. فإن قيل: المعقود عليه هو منفعة شق الأرض وبذرها وفلاحتها والعين تتولد من هذه المنفعة كما لو استأجر لحفر بئر فخرج منها الماء فالمعقود عليه هو نفس العمل لا الماء. قيل: مستأجر الأرض ليس له مقصود في غير المغل والعمل وسيلة مقصودة لغيرها ليس له فيه منفعة بل هو تعب ومشقة وإنما مقصوده ما يحدثه الله من الحب بسقيه وعمله وهكذا مستأجر الشاة للبنها سواء مقصوده ما يحدثه الله من لبنها بعلفها وحفظها والقيام عليها فلا فرق بينهما البتة إلا ما لا تناط به الأحكام من الفروق الملغاة وتنظيركم بالاستئجار لحفر البئر تنظير فاسد بل نظير حفر البئر أن يستأجر أكارا لحرث أرضه ويبذرها ويسقيها ولا ريب أن تنظير إجارة الحيوان للبنه بإجارة الأرض لمغلها هو محض القياس وهو كما تقدم أصح من التنظير بإجارة الخبز للأكل. يوضحه الوجه العاشر: وهو أن الغرر والخطر الذي في إجارة الأرض لحصول مغلها أعظم بكثير من الغرر الذي في إجارة الحيوان للبنه فإن الآفات والموانع التي تعرض للزرع أكثر من آفات اللبن فإذا اغتفر ذلك في إجارة الأرض فلأن يغتفر في إجارة الحيوان للبنه أولى وأحرى.  [فصل الاختلاف في العقد على اللبن في الضرع] فصل. فالأقوال في العقد على اللبن في الضرع ثلاثة. أحدها: منعه بيعا وإجارة وهو مذهب أحمد والشافعي وأبي حنيفة. والثاني: جوازه بيعا وإجارة. والثالث: جوازه إجارة لا بيعا وهو اختيار شيخنا رحمه الله. وفي المنع من بيع اللبن في الضرع حديثان أحدهما: حديث عمر بن فروخ(5\/735)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2623",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11189",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو ضعيف عن حبيب بن الزبير عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا quot; نهى أن يباع صوف على ظهر أو سمن في لبن أو لبن في ضرع quot; وقد رواه أبو إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما من قوله دون ذكر السمن رواه البيهقي وغيره.  والثاني: حديث رواه ابن ماجه عن هشام بن عمار حدثنا حاتم بن إسماعيل حدثنا جهضم بن عبد الله اليماني عن محمد بن إبراهيم الباهلي عن محمد بن زيد العبدي عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: quot; نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع وعما في ضروعها إلا بكيل أو وزن وعن شراء العبد وهو آبق وعن شراء المغانم حتى تقسم وعن شراء الصدقات حتى تقبض وعن ضربة الغائص quot; ولكن هذا الإسناد لا تقوم به حجة والنهي عن شراء ما في بطون الأنعام ثابت بالنهي عن الملاقيح والمضامين والنهي عن شراء العبد الآبق وهو آبق معلوم بالنهي عن بيع الغرر والنهي عن شراء المغانم حتى تقسم داخل في النهي عن بيع ما ليس عنده فهو بيع غرر ومخاطرة وكذلك الصدقات قبل قبضها وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام قبل قبضه مع انتقاله إلى المشتري وثبوت ملكه عليه وتعيينه له وانقطاع تعلق غيره به فالمغانم والصدقات قبل قبضها أولى بالنهي. وأما ضربة الغائص فغرر ظاهر لا خفاء به.  وأما بيع اللبن في الضرع فإن كان معينا لم يمكن تسليم المبيع بعينه وإن كان بيع لبن موصوف في الذمة فهو نظير بيع عشرة أقفزة مطلقة من هذه الصبرة(5\/736)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2624",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11190",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا النوع له جهتان: جهة إطلاق وجهة تعيين ولا تنافي بينهما وقد دل على جوازه نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يسلم في حائط بعينه إلا أن يكون قد بدا صلاحه رواه الإمام أحمد فإذا أسلم إليه في كيل معلوم من لبن هذه الشاة وقد صارت لبونا جاز ودخل تحت قوله: ( ونهى عن بيع ما في ضروعها إلا بكيل أو وزن ) فهذا إذن لبيعه بالكيل والوزن معينا أو مطلقا لأنه لم يفصل ولم يشترط سوى الكيل والوزن ولو كان التعيين شرطا لذكره. فإن قيل: فما تقولون لو باعه لبنها أياما معلومة من غير كيل ولا وزن. قيل: إن ثبت الحديث لم يجز بيعه إلا بكيل أو وزن وإن لم يثبت وكان لبنها معلوما لا يختلف بالعادة جاز بيعه أياما وجرى حكمه بالعادة مجرى كيله أو وزنه وإن كان مختلفا فمرة يزيد ومرة ينقص أو ينقطع فهذا غرر لا يجوز وهذا بخلاف الإجارة فإن اللبن يحدث على ملكه بعلفه الدابة كما يحدث الحب على ملكه بالسقي فلا غرر في ذلك نعم إن نقص اللبن عن العادة أو انقطع فهو بمنزلة نقصان المنفعة في الإجارة أو تعطيلها يثبت للمستأجر حق الفسخ أو ينقص عنه من الأجرة بقدر ما نقص عليه من المنفعة هذا قياس المذهب وقال ابن عقيل وصاحب quot; المغني quot;: إذا اختار الإمساك لزمته جميع الأجرة لأنه رضي بالمنفعة ناقصة فلزمه جميع العوض كما لو رضي بالمبيع معيبا والصحيح أنه يسقط عنه من الأجرة بقدر ما نقص من المنفعة لأنه إنما بذل العوض الكامل في منفعة كاملة سليمة فإذا لم تسلم له لم يلزمه جميع العوض. وقولهم: إنه رضي بالمنفعة معيبة فهو كما لو رضي بالبيع معيبا جوابه من وجهين. أحدهما: أنه إن رضي به معيبا بأن يأخذ أرشه كان له ذلك على ظاهر المذهب فرضاه بالعيب مع الأرش لا يسقط حقه.(5\/737)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2625",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11191",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني: إن قلنا: إنه لا أرش لممسك له الرد لم يلزم سقوط الأرش في الإجارة لأنه قد استوفى بعض المعقود عليه فلم يمكنه رد المنفعة كما قبضها ولأنه قد يكون عليه ضرر في رد باقي المنفعة وقد لا يتمكن من ذلك فقد لا يجد بدا من الإمساك فإلزامه بجميع الأجرة مع العيب المنقص ظاهرا ومنعه من استدراك ظلامته إلا بالفسخ ضرر عليه ولا سيما لمستأجر الزرع والغرس والبناء أو مستأجر دابة للسفر فتتعيب في الطريق فالصواب: أنه لا أرش في المبيع لممسك له الرد وأنه في الإجارة له الأرش. والذي يوضح هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بوضع الجوائح وهي أن يسقط عن مشتري الثمار من الثمرة بقدر ما أذهبت عليه الجائحة من ثمرته ويمسك الباقي بقسطه من الثمن وهذا لأن الثمار لم تستكمل صلاحها دفعة واحدة ولم تجر العادة بأخذها جملة واحدة وإنما تؤخذ شيئا فشيئا فهي بمنزلة المنافع في الإجارة سواء والنبي صلى الله عليه وسلم في المصراة خير المشتري بين الرد وبين الإمساك بلا أرش وفي الثمار جعل له الإمساك مع الأرش والفرق ما ذكرناه والإجارة أشبه ببيع الثمار وقد ظهر اعتبار هذا الشبه في وضع الشارع الجائحة قبل قبض الثمن. فإن قيل: فالمنافع لا توضع فيها الجائحة باتفاق العلماء. قيل: ليس هذا من باب وضع الجوائح في المنافع ومن ظن ذلك فقد وهم قال شيخنا: وليس هذا من باب وضع الجائحة في المبيع كما في الثمر المشترى بل هو من باب تلف المنفعة المقصودة بالعقد أو فواتها. وقد اتفق العلماء على أن المنفعة في الإجارة إذا تلفت قبل التمكن من استيفائها فإنه لا تجب الأجرة مثل أن يستأجر حيوانا فيموت قبل التمكن من قبضه وهو بمنزلة أن يشتري قفيزا من صبرة فتتلف الصبرة قبل القبض والتمييز فإنه من ضمان البائع بلا نزاع ولهذا لو لم يتمكن المستأجر من ازدراع الأرض لآفة حصلت لم يكن عليه الأجرة.(5\/738)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2626",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11192",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن نبت الزرع ثم حصلت آفة سماوية أتلفته قبل التمكن من حصاده ففيه نزاع فطائفة ألحقته بالثمرة والمنفعة وطائفة فرقت والذين فرقوا بينه وبين الثمرة والمنفعة قالوا: الثمرة هي المعقود عليها وكذلك المنفعة وهنا الزرع ليس معقودا عليه بل المعقود عليه هو المنفعة وقد استوفاها والذين سووا بينهما قالوا: المقصود بالإجارة هو الزرع فإذا حالت الآفة السماوية بينه وبين المقصود بالإجارة كأن قد تلف المقصود بالعقد قبل التمكن من قبضه وإن لم يعاوض على زرع فقد عاوض على المنفعة التي يتمكن بها المستأجر من حصول الزرع فإذا حصلت الآفة السماوية المفسدة للزرع قبل التمكن من حصاده لم تسلم المنفعة المعقود عليها بل تلفت قبل التمكن من الانتفاع ولا فرق بين تعطيل منفعة الأرض في أول المدة أو في آخرها إذا لم يتمكن من استيفاء شيء من المنفعة ومعلوم أن الآفة السماوية إذا كانت بعد الزرع مطلقا بحيث لا يتمكن من الانتفاع بالأرض مع تلك الآفة فلا فرق بين تقدمها وتأخرها.  [فصل بيع الصوف على الظهر] فصل. وأما بيع الصوف على الظهر فلو صح هذا الحديث بالنهي عنه لوجب القول به ولم تسغ مخالفته وقد اختلف الرواية فيه عن أحمد فمرة منعه ومرة أجازه بشرط جزه في الحال ووجه هذا القول: أنه معلوم يمكن تسليمه فجاز بيعه كالرطبة وما يقدر من اختلاط المبيع الموجود بالحادث على ملك البائع يزول بجزه في الحال والحادث يسير جدا لا يمكن ضبطه هذا ولو قيل: بعدم اشتراط جزه في الحال ويكون كالرطبة التي تؤخذ شيئا فشيئا وإن كانت تطول في زمن أخذها كان له وجه صحيح وغايته بيع معدوم لم يخلق تبعا للموجود فهو كأجزاء الثمار التي لم تخلق فإنها تتبع الموجود منها فإذا جعلا للصوف وقتا معينا يؤخذ فيه كان بمنزلة أخذ الثمرة وقت كمالها. ويوضح هذا أن الذين منعوه قاسوه على أعضاء الحيوان وقالوا: متصل(5\/739)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2627",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11193",
        "book_id": "qym_4007",
        "book_name": " زاد المعاد في هدي خير العباد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالحيوان فلم يجز إفراده بالبيع كأعضائه وهذا من أفسد القياس لأن الأعضاء لا يمكن تسليمها مع سلامة الحيوان. فإن قيل: فما الفرق بينه وبين اللبن في الضرع وقد سوغتم هذا دونه قيل: اللبن في الضرع يختلط ملك المشتري فيه بملك البائع سريعا فإن اللبن سريع الحدوث كلما حلبه در بخلاف الصوف. والله أعلم وأحكم.(5\/740)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2628",
        "book_number": "24",
        "slug": " -qym_4007"
    },
    {
        "id": "11194",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "مقدمة",
        "content": "مقدمة ... شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل. الإمام ابن قيم الجوزية بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ذي الإفضال والإنعام وصلى الله تعالى وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والأئمة الأعلام أما بعد فإن أهم ما يجب معرفته على المكلف النبيل فضلا عن الفاضل الجليل ما ورد في القضاء والقدر والحكمة والتعليل فهو من أسنى المقاصد والإيمان به قطب رحى التوحيد ونظامه ومبدأ الدين المبين وختامه فهو أحد أركان الإيمان وقاعدة أساس الإحسان التي يرجع إليها ويدور في جميع تصاريفه عليها فالعدل قوام الملك والحكمة مظهر الحمد والتوحيد متضمن لنهاية الحكمة وكمال النعمة ولا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير فبالقدر والحكمة ظهر خلقه وشرعه المبين: ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين . فصل: وقد سلك جماهير العقلاء في هذا الباب في كل واد وأخذوا في كل طريق وتولجوا كل مضيق وركبوا كل صعب وذلول وقصدوا الوصول إلى معرفته والوقوف على حقيقته وتكلمت فيه الأمم قديما وحديثا وساروا للوصول إلى مغزاه سيرا حثيثا وخاضت فيه الفرق على تباينها واختلافها وصنف فيه المصنفون الكتب على تنوع أصنافها فلا أحد إلا وهو يحدث نفسه بهذا الشأن ويطلب الوصول فيه إلى حقيقة العرفان فتراه إما مترددا فيه مع نفسه أو مناظرا لبني جنسه وكل قد اختار لنفسه قولا لا يعتقد الصواب في سواه ولا يرتضي إلا إياه وكلهم إلا من تمسك بالوحي عن طريق الصواب مردود وباب الهدى في وجهه مسدود تحسى علما غير طائل وارتوى من ماء آجن قد طاف على أبواب الأفكار ففاز بأخس الآراء والمطالب فرح بما عنده من العلم الذي لا يسمن ولا يغني من جوع وقدم آراء من أحسن به الظن على الوحي المنزل المشروع والنص المرفوع حيران يأتم بكل حيران يحسب كل شراب ماء فهو طول عمره ظمآن(1\/2)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11195",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ينادى إلى الصواب من مكان بعيد أقبل إلى الهدى فلا يستجيب إلى يوم الوعيد قد فرح بما عنده من الضلال وقنع بأنواع الباطل وأصناف المحال منعه الكفر الذي اعتقده هدى وما هو ببالغه عن الهداة المهتدين ولسان حاله أو قاله يقول: أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين . فصل: ولما كان الكلام في هذا الباب نفيا وإثباتا موقوفا على الخبر عن أسماء الله وصفاته وأفعاله وخلقه وأمره وأسعد الناس بالصواب فيه من تلقى ذلك من مشكاة الوحي المبين ورغب بعقله وفطرته وإيمانه عن آراء المتهوكين وتشكيكات المشككين وتكلفات المتنطعين واستمطر ديم الهداية من كلمات أعلم الخلق برب العالمين فإن كلماته الجوامع النوافع في هذا الباب وفي غيره كفت وشفت وجمعت وفرقت وأوضحت وبينت وحلت محل التفسير والبيان لما تضمنه القرآن ثم تلاه أصحابه من بعده على نهجه المستقيم وطريقه القويم فجاءت كلماتهم كافية شافية مختصرة نافعة لقرب العهد ومباشرة التلقي من تلك المشكاة التي هي مظهر كل نور ومنبع كل خير وأساس كل هدى ثم سلك آثارهم التابعون لهم بإحسان فاقتفوا طريقهم وركبوا مناهجهم واهتدوا بهداهم ودعوا إلى ما دعوا إليه ومضوا على ما كانوا عليه ثم نبغ في عهدهم وأواخر عهد الصحابة القدرية مجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر وأن الأمر أنف فمن شاء هدى نفسه ومن شاء أضلها ومن شاء بخسها حظها وأهملها ومن شاء وفقها للخير وكملها كل ذلك مردود إلى مشيئة العبد ومقتطع من مشيئة العزيز الحميد فأثبتوا في ملكه مالا يشاء وفي مشيئته ما لا يكون ثم جاء خلف هذا السلف فقرروا ما أسسه أولئك من نفي القدر وسموه عدلا وزادوا عليه نفي صفاته سبحانه وحقائق أسمائه وسموه توحيدا فالعدل عندهم إخراج أفعال الملائكة والإنس والجن وحركاتهم وأقوالهم وإراداتهم من قدرته ومشيئته وخلقه والتوحيد عند متأخريهم تعطيله عن صفات كماله ونعوت جلاله وأنه لا سمع له ولا بصر ولا قدرة ولا حياة ولا إرادة تقوم به ولا كلام ما تكلم ولا يتكلم ولا أمر ولا يأمر ولا قال ولا يقول إن ذلك إلا أصوات وحروف مخلوقة منه في الهواء أو في محل مخلوق ولا استوى على عرشه فوق سماواته ولا ترفع إليه الأيدي ولا تعرج الملائكة والروح إليه ولا ينزل الأمر والوحي من عنده وليس فوق العرش إله يعبد ولا رب يصلى له ويسجد ما فوقه إلا العدم المحض والنفي الصرف فهذا توحيدهم وذاك عدلهم. فصل: ثم نبغت طائفة أخرى من القدرية فنفت فعل العبد وقدرته واختياره وزعمت أن حركته الاختيارية ولا اختيار كحركة الأشجار عند هبوب الرياح وكحركات الأمواج وإنه على الطاعة والمعصية مجبور وإنه غير ميسر لما خلق له بل هو عليه مقسور ومجبور ثم تلاهم أتباعهم على آثارهم مقتدين ولمناهجهم مقتفين فقرروا هذا المذهب وانتموا إليه وحققوه وزادوا عليه أن تكاليف الرب تعالى لعباده كلها تكليف ما لا يطاق وإنها في الحقيقة كتكليف المقعد أن يرقى إلى السبع الطباق فالتكليف بالإيمان وشرائعه تكليف بما ليس من فعل العبد ولا هو له بمقدور وإنما هو تكليف بفعل من هو متفرد بالخلق وهو على كل شيء قدير فكلف عباده بأفعاله وليسوا عليها قادرين ثم عاقبهم عليها وليسوا في الحقيقة لها فاعلين ثم تلاهم على آثارهم محققوهم من العباد فقالوا ليس في الكون(1\/3)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11196",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معصية البتة إذ الفاعل مطيع للإرادة موافق للمراد كما قيل: أصبحت منفعلا لما يختاره ... منى ففعلي كله طاعات ولاموا بعض هؤلاء على فعله فقال إن كنت عصيت أمره فقد أطعت إرادته ومطيع الإرادة غير ملوم وهو في الحقيقة غير مذموم وقرر محققوهم من المتكلمين هذا المذهب بأن الإرادة والمشيئة والمحبة في حق الرب سبحانه هي واحد فمحبته هي نفس مشيئته وكل ما في الكون فقد أراده وشاءه وكل ما شاءه فقد أحبه وأخبرني شيخ الإسلام قدس الله روحه أنه لام بعض هذه الطائفة على محبة ما يبغضه الله ورسوله فقال له الملوم المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب وجميع ما في الكون مراده فأي شيء أبغض منه قال الشيخ فقلت له إذا كان قد سخط على أقوام ولعنهم وغضب عليهم وذمهم فواليتهم أنت وأحببتهم وأحببت أفعالهم ورضيتها تكون مواليا له أو معاديا قال فبهت الجبري ولم ينطق بكلمة وزعمت هذه الفرقة أنهم بذلك للسنة ناصرون وللقدر مثبتون ولأقوال أهل البدع مبطلون هذا وقد طووا بساط التكليف وطففوا في الميزان غاية التطفيف وحملوا ذنوبهم على الأقدار وبرأوا أنفسهم في الحقيقة من فعل الذنوب والأوزار وقالوا أنها في الحقيقة فعل الخلاق العليم وإذا سمع المنزه لربه هذا قال: سبحانك هذا بهتان عظيم فالشر ليس إليك والخير كله في يديك ولقد ظنت هذه الطائفة بالله أسوأ الظن ونسبته إلى أقبح الظلم وقالوا أن أوامر الرب ونواهيه كتكليف العبد أن يرقى فوق السماوات وكتكليف الميت إحياء الأموات والله يعذب عباده أشد العذاب على فعل ما لا يقدرون يقدرون على تركه وعلى ترك مالا يقدرون على فعله بل يعاقبهم على نفس فعله الذي هو لهم غير مقدور وليس أحد ميسر له بل هو عليه مقهور ونرى العارف منهم ينشد مترنما ومن ربه متشكيا ومتظلما: ألقاه في اليم مكتوفا وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء وليس عند القوم في نفس الأمر سبب ولا غاية ولا حكمة ولا قوة في الأجسام ولا طبيعة ولا غريزة فليس في الماء قوة التبريد ولا في النار قوة التسخين ولا في الأغذية قوة الغذاء ولا في الأدوية قوة الدواء ولا في العين قوة الإبصار ولا في الأذن قوة السماع ولا في الأنف قوة الشم ولا في الحيوان قوة فاعلة ولا جاذبة ولا ممسكة ولا دافعة والرب تعالى لم يفعل شيئا بشيء ولا شيئا لشيء فليس في أفعاله باء تسبب ولا لام تعليل وما ورد من ذلك فمحمول على باء المصاحبة ولام العاقبة وزادوا على ذلك أن الأفعال لا تنقسم في نفسها إلى حسن وقبيح ولا فرق في نفس الأمر بين الصدق والكذب والبر والفجور والعدل والظلم والسجود للرحمن والسجود للشيطان والإحسان إلى الخلق والإساءة إليهم ومسبة الخالق والثناء عليه وإنما نعلم الحسن من ذلك من القبيح بمجرد الأمر والنهي ولذلك يجوز النهي عن كل ما أمر به والأمر بكل ما نهى عنه ولو فعل ذلك لكان هذا قبيحا وهذا حسنا وزاد بعض محققيهم على هذا أن الأجسام كلها متماثلة فلا فرق في الحقيقة بين جسم النار وجسم الماء ولا بين جسم الذهب وجسم الخشب ولا بين المسك والرجيع وإنما تفترق بصفاتها وأعراضها مع تماثلها في الحد والحقيقة وزادوا على ذلك بأن قالوا الأعراض كلها لا تبقى زمانين ولا تستقر وقتين فإذا جمعت بين قولهم بعدم بقاء الأعراض وقولهم بتماثل الأجسام وتساوي الأفعال وأن العبد لا فعل له البتة وأنه لا سبب في(1\/4)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11197",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجود ولا قوة ولا غريزة ولا طبيعة وقولهم أن الرب تعالى ليس له فعل يقوم به وفعله غير مفعوله وقولهم أنه ليس بمباين لخلقه ولا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه وقولهم أنه لا يتكلم ولا يكلم ولا قال ولا يقول ولا سمع أحد خطابه ولا يسمعه ولا يراه المؤمنون يوم القيامة جهرة بأبصارهم من فوقهم أنتجت لك هذه الأصول عقلا يعارض السمع ويناقض الوحي وقد أوصاك الأشياخ عند التعارض بتقديم هذا المعقول على ما جاء به الرسول فلو أني بليت بهاشمي ... ؤلته بنو عبد المدان لهان علي ما ألقى ولكن ... عالوا فانظروا بمن ابتلاني فصل: ولما كانت معرفة الصواب في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل واقعة في مرتبة الحاجة بل في مرتبة الضرورة اجتهدت في جمع هذا الكتاب وتهذيبه وتحريره وتقريبه فجاء فردا في معناه بديعا في مغزاه وسميته شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل وجعلته أبوابا: الباب الأول: في تقدير المقادير قبل خلق السماوات والأرض. الباب الثاني: في تقدير الرب تعالى شقاوة العباد وسعادتهم وأرزاقهم وآجالهم قبل خلقهم وهو تقدير ثان بعد الأول. الباب الثالث: في ذكر احتجاج آدم وموسى في ذلك وحكم النبي صلى الله عليه وسلم لآدم. الباب الرابع: في ذكر التقدير الثالث والجنين في بطن أمه. الباب الخامس: في التقدير الرابع ليلة القدر. الباب السادس: في ذكر التقدير الخامس اليومي. الباب السابع: في أن سبق المقادير بالسعادة والشقاوة لا يقتضي ترك الأعمال بل يوجب الاجتهاد والحرص لأنه تقدير بالأسباب. الباب الثامن: في قوله تعالى أن الذين سبقت لهم منا الحسنى. الباب التاسع: في قوله إنا كل شيء خلقناه بقدر. الباب العاشر: في مراتب القضاء والقدر التي من استكمل معرفتها والإيمان بها فقد آمن بالقدر وذكر المرتبة الأولى. الباب الحادي عشر: في ذكر المرتبة الثانية من مراتب القضاء والقدر وهي مرتبة الكتابة الباب الثاني عشر في ذكر المرتبة الثالثة وهي مرتبة المشيئة. الباب الثالث عشر: في ذكر المرتبة الرابعة وهي مرتبة خلق الأعمال. الباب الرابع عشر: في الهدي والضلال ومراتبهما. الباب الخامس عشر: في الطبع والختم والقفل والغل والسد والغشاوة ونحوها وأنه مفعول الرب. الباب السادس عشر: في تفرد الرب بالخلق للذات والصفات والأفعال. الباب السابع عشر: في الكتب والجبر ومعناهما لغة واصطلاحا وإطلاقهما نفيا وإثباتا. الباب الثامن عشر: في فعل وافعل في القضاء والقدر وذكر الفعل والانفعال. الباب التاسع عشر: في ذكر مناظرة بين جبري وسني. الباب العشرون: في مناظرة بين قدري وسني. الباب الحادي والعشرون: في تنزيه القضاء الإلهي عن الشر ودخوله في المقضي. الباب الثاني والعشرون: في طرق إثبات حكمة الرب تعالى في خلقه وأمره واثبات الغايات المطلوبة والعواقب الحميدة التي فعل وأمر لأجلها وهو من أجل أبواب الكتاب. الباب الثالث والعشرون: في استيفاء شبه نفاة الحكمة وذكر الأجوبة المفصلة عنها. الباب الرابع والعشرون: في معنى قول السلف في الإيمان بالقدر خيره وشره وحلوه ومره. الباب الخامس والعشرون: في بيان بطلان قول من قال إن الرب تعالى مريد للشر وفاعل له وامتناع إطلاق ذلك نفيا وإثباتا. الباب السادس والعشرون: فيما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: quot;أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ(1\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11198",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منكquot; من تحقيق القدر وإثباته وأسرار هذا الدعاء. الباب السابع والعشرون: في دخول الإيمان بالقضاء والقدر والعدل والتوحيد تحت قوله: quot;ماض في حكمك عدل في قضاؤكquot; وما تضمنه الحديث من قواعد الدين. الباب الثامن والعشرون: في أحكام الرضا بالقضاء واختلاف الناس في ذلك وتحقيق القول فيه. الباب التاسع والعشرون: في انقسام القضاء والقدر والإرادة والكتابة والحكم والأمر والإذن والجعل والكلمات والبعث والإرسال والتحريم والعطاء والمنع إلى كوني يتعلق بخلقه وديني يتعلق بأمره وما في تحقيق ذلك من إزالة اللبس والإشكال. الباب الموفي ثلاثين: في الفطرة الأولى التي فطر الله عباده عليها وبيان أنها لا تنافي القضاء والعدل بل توافقه وتجامعه وهذا حين الشروع في المقصود فما كان فيه من صواب فمن الله وحده هو المان به وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان والله بريء منه ورسوله. فيا أيها المتأمل له الواقف عليه لك غنمه وعلى مؤلفه غرمه ولك فائدته وعليه عائدته فلا تعجل بإنكار ما لم يتقدم لك أسباب معرفته ولا يحملنك شنآن مؤلفه وأصحابه على أن تحرم ما فيه من الفوائد التي لعلك لا تظفر بها في كتاب ولعل أكثر من تعظمه ماتوا بحسرتها ولم يصلوا إلى معرفتها والله يقسم فضله بين خلقه بعلمه وحكمته وهو العليم الحكيم والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.(1\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11199",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "الباب الأول: في تقدير المقادير قبل خلق السموات والأرض",
        "content": "الباب الأول: في تقدير المقادير قبل خلق السموات والأرض عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماءquot; رواه مسلم في الصحيح وفيه دليل على أن خلق العرش سابق على خلق القلم وهذا أصح القولين لما روى أبو داود في سننه عن أبي حفصة الشامي قال عبادة بن الصامت لإبنه: quot;يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يك ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبكquot; سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فقال رب وماذا أكتب قال أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعةquot; يا بني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;من مات على غير هذا فليس منيquot; وكتابة القلم للقدر كان في الساعة التي خلق فيها لما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث عبادة بن الصامت قال: حدثني أبي قال دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي فقال: أجلسوني فلما أجلسوه قال: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان ولن تبلغ حق حقيقة العلم بالله تبارك وتعالى حتى تؤمن بالقدر خيره وشره قلت يا أبتاه وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره قال تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك يا بني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول ما خلق الله تعالى القلم ثم قال أكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة: يا بني إن مت ولست على ذلك دخلت النار وهذا الذي كتبه القلم هو القدر لما رواه ابن وهب أخبرني عمر بن محمد أن سليمان بن مهران حدثه قال قال عبادة بن الصامت ادع لي ابني وهو يموت لعلي أخبره بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;إن أول شيء خلقه الله من حلقه القلم فقال له: أكتب فقال: يا رب ماذا أكتب قال: القدر قال رسول الله(1\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11200",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلى الله عليه وسلم فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنارquot; وعن عبد الله بن عباس قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال لي: quot;يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فسل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحفquot; رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله إني رجل شاب وأنا أخاف على نفسي العنت ولا أجد ما أتزوج به النساء فسكت عني ثم قلت مثل ذلك فسكت عني ثم قلت مثل ذلك فسكت عني ثم قلت مثل ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق فاختص على ذلك أو ذرquot; رواه البخاري في صحيحه قال حدثنا أصبغ ثنا ابن وهب عن يونس عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ورواه ابن وهب في كتاب القدر وقال فيه: quot;فأذن لي أن أختصي قال فسكت عنى حتى قلت ذلك ثلاث مرات فقال جف القلم بما أنت لاقquot; وقال أبو داود الطيالسي ثنا عبد المؤمن هو ابن عبد الله قال كنا عند الحسن فأتاه يزيد بن أبي مريم السلولي يتوكأ على عصا فقال يا أبا سعيد أخبرني عن قول الله عز وجل: ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها فقال الحسن: نعم والله إن الله ليقضي القضية في السماء ثم يضرب لها أجلا أنه كائن في يوم كذا وكذا في ساعة كذا وكذا في الخاصة والعامة حتى إن الرجل ليأخذ العصا ما يأخذها إلا بقضاء وقدر قال: يا أبا سعيد والله لقد أخذتها وإني عنها لغني ثم لا صبر لي عنها قال الحسن: أولا ترى واختلف في الضمير قوله من قبل أن نبرأها فقيل هو عائد على الأنفس لقربها منه وقيل هو عائد على الأرض وقيل عائد على المصيبة والتحقيق أن يقال هو عائد على البرية التي تعم هذا كله ودل عليه السياق وقوله نبرأها فينتظم التقادير الثلاثة انتظاما واحدا والله أعلم وقال ابن وهب أخبرني عمر بن محمد أن سليمان بن مهران حدثه قال قال عبد الله بن مسعود: quot;إن أول شيء خلقه الله عز وجل من خلقه القلم فقال له اكتب فكتب كل شيء يكون في الدنيا إلى يوم القيامة فيجمع بين الكتاب الأول وبين أعمال العباد فلا يخالف ألفا ولا واوا وميماquot; وعن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور شيء اهتدى ومن أخطأه ضلquot; قال عبد الله: فلذلك أقول جف القلم بما هو كائن رواه الإمام أحمد وقال أبو داود حدثنا عباس بن الوليد بن مزيد قال أخبرني أبي قال سمعت الأوزاعي قال حدثني ربيعة بن يزيد ويحيى بن أبي عمرو الشيباني قال حدثني عبد الله بن فيروز الديلمي قال: دخلت على عبد الله بن عمرو ابن العاص وهو في حائط له بالطائف يقال له الوهط فقلت خصال بلغتني عنك تحدث بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;من شرب الخمر لم تقبل توبته أربعين صباحا وأن الشقي من شقي في بطن أمهquot; وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;أن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور يومئذ اهتدى ومن أخطأه ضلquot; فلذلك أقول جف القلم على علم الله ورواه الإمام أحمد في مسنده أطول من هذا عن عبد الله بن فيروز الديلمي قال: دخلت على عبد الله بن عمرو وهو في حائط له بالطائف يقال له الوهط وهو محاضر فتى من قريش يزن بشرب الخمر(1\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11201",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقلت: بلغني عنك حديث: quot;أن من شرب شربة خمر لم تقبل توبته أربعين صباحا وأن الشقي من شقي في بطن أمه وأن من أتى بيت المقدس لا ينهزه إلا الصلاة فيه خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمهquot; فلما سمع الفتى ذكر الخمر اجتذب يده من يده ثم انطلق فقال عبد الله بن عمرو أني لا أحل لأحد أن يقول علي ما لم أقل سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: quot;من شرب من الخمر شربة لم تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة قال: فإن عاد كان حقا على الله أن يسقيه من ردغة الخبال يوم القيامةquot; قال وسمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: quot;أن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمه ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من نوره يومئذ اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك أقول جف القلم على علم اللهquot; وسمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: quot;إن سليمان بن داود سأل الله عز وجل ثلاثا فأعطاه اثنتين ونحن نرجوا أن تكون لنا الثالثة سأل الله تعالى حكما يصادف حكمه فأعطاه الله إياه وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه فنحن نرجوا أن يكون الله تعالى عز وجل قد أعطانا إياهquot; ورواه الحاكم في صحيحه وهو على شرط الشيخين ولا علة له.(1\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11202",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "الباب الثاني: في تقدير الرب تبارك وتعالى شقاوة العباد وسعادتهم وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم قبل خلقهم وهو تقدير ثان بعد التقدير الأول",
        "content": "الباب الثاني: في تقدير الرب تبارك وتعالى شقاوة العباد وسعادتهم وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم قبل خلقهم وهو تقدير ثان بعد التقدير الأول عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكث بمخصرته ثم قال: quot;ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة قال: فقال رجل: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل فقال من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة ثم قرأ: فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى quot; وفي لفظ اعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ: فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى  وعن عمران بن حصين قال: quot;قيل يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار فقال: نعم قيل ففيم يعمل العاملون قال كل ميسر لما خلق لهquot; متفق عليه وفي بعض طرق البخاري كل يعمل لما خلق له أو لما يسر له وعن أبي الأسود الدؤلي قال: قال لي عمران بن حصين أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون(1\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11203",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيه أشيء قضى عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم فقلت بل شيء قضى عليهم ومضى عليهم قال فقال أفلا يكون ظلما قال ففزعت من ذلك فزعا شديدا وقلت كل شيء خلق الله وملك يده فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون قال فقال لي يرحمك الله إني لم أرد بما سألتك إلا لأحزر عقلك إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضى عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم فقال: quot;بل شيء قضى عليهم ومضى فيهمquot; وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها  رواه مسلم في صحيحه وعن شغي الأصبحي عن عبد الله بن عمرو قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان فقال: quot;أتدرون ما هذان الكتابان قال قلنا لا ألا أن تخبرنا يا رسول الله قال للذي في يده اليمنى هذا كتاب من رب العالمين تبارك وتعالى بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل عليهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص أبدا ثم قال للذي في يساره هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا فقال أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلأي شيء نعمل إن كان هذا أمر قد فرغ منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل الجنة وإن عمل أي عمل وإن صاحب النار يختم له بعمل النار وإن عمل أي عمل ثم قال: بيده فقبضها ثم قال: فرغ ربكم عز وجل من العباد ثم قال: باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنة ونبذ باليسرى فقال: فريق في السعيرquot; رواه الترمذي عن قتيبة عن ليث أبي قبيل عن شغى وعن قتيبة عن بكر بن نصر عن أبي قبيل به وقال حديث حسن صحيح غريب ورواه النسائي والإمام أحمد وهذا السياق له وفي صحيح الحاكم وغيره من حديث أبي جعفر الرازي ثنا الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله تعالى: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم قال جمعهم له يومئذ جمعا ما هو كائن إلى يوم القيامة فجعلهم أزواجا ثم صورهم واستنطقهم فتكلموا وأخذ عليهم العهد والميثاق وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين إلى قوله المبطلون قال فإني أشهد عليكم السماوات السبع والأرضين السبع وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم أو تقولوا إنا كنا عن هذا غافلين فلا تشركوا بي شيئا فإني أرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي فقالوا نشهد أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك ورفع لهم أبوهم آدم فرأى فيهم الغني والفقير وحسن الصورة وغير ذلك فقال رب لو سويت بين عبادك فقال إني أحب أن أشكر ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج وذكر تمام الحديث وفي صحيحه وجامع الترمذي من حديث هشام بن يزيد عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: quot;لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة أمثال الذر ثم جعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم فقال من هؤلاء يا رب فقال هؤلاء ذريتك فرأى فيهم رجلا أعجبه وبيص ما بين عينيه فقال يا رب من هذا قال ابنك داود يكون في آخر الأمم قال كم جعلت له من العمر قال ستين سنة قال يا رب زده من عمري أربعين سنة قال الله: إذا يكتب ويختم لا يبدل فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت قال أولم يبق من عمري أربعون سنة قال له أولم تجعلها لابنك داود قال: فجحد فجحدت ذريته ونسي فنسيت ذريته وخطئ فخطئت ذريتهquot; قال هذا على شرط مسلم وفي موطأ مالك عن زيد بن أبي أنيسة أن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم فقال عمر سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سئل عنها فقال: quot;إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره(1\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11204",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل فقال: إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله النارquot; قال الحاكم هذا الحديث على شرط مسلم وليس كما قاله بل هو حديث منقطع قال أبو عمر: هو حديث منقطع فإن مسلم بن يسار هذا لم يلق عمر بن الخطاب بينهما نعيم بن ربيعة هذا إن صح أن الذي رواه عن زيد بن أبي أنيسة فذكر فيه نعيم بن ربيعة إذ ليس هو بأحفظ من مالك ولا ممن يحتج به إذا خالفه مالك ومع ذلك فإن نعيم بن ربيعة ومسلم بن يسار جميعا مجهولان غير معروفين بحمل العلم ونقل الحديث وليس هو مسلم بن يسار العابد البصري وإنما هو رجل مدني مجهول ثم ذكر من تاريخ ابن أبي خيثمة قال: قرأت على يحي بن معين حدث مالك هذا فكتب بيده على مسلم بن يسار لا يعرف قال أبو عمر: هذا الحديث وإن كان عليل الإسناد فإن معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم قد روي من وجوه كثيرة من حديث عمر بن الخطاب وغيره وممن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه في القدر علي بن أبي طالب وأبي بن كعب وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وأبو سريحة العبادي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص وذو اللحية الكلابي وعمران بن حصين وعائشة وأنس بن مالك وسراقة بن جعثم وأبو موسى الأشعري وعبادة بن الصامت قلت وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وأبو ذر ومعاذ بن جبل وهشام بن حكيم وأبو عبد الله رجل من الصحابة روى عنه أبو نصر وعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وأبو الدرداء وعمرو بن العاص وعائشة أم المؤمنين وعبد الله بن الزبير وأبو أمامة الباهلي وأبو الطفيل وعبد الرحمن بن عوف وبعض أحاديثهم موقوفة وستمر بك جميعا متفرقة في أبواب الكتاب إن شاء الله عز وجل وقال إسحاق بن راهوية أخبرنا بقية بن الوليد قال أخبرني الزبيدي محمد بن الوليد عن راشد بن سعد عن عبد الرحمن بن أبي قتادة عن أبيه عن هشام بن حكيم بن حزام أن رجلا قال: يا رسول الله أتبتدأ الأعمال أم قد مضى القضاء فقال إن الله لما أخرج ذرية آدم من ظهره أشهدهم على أنفسهم ثم أفاض بهم في كفيه فقال هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار قال إسحاق وأخبرنا عبد الصمد حدثنا حماد حدثنا الحريري عن أبي نصرة أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقال له أبو عبد الله دخل عليه أصحابه يعودونه وهو يبكي فقالوا له ما يبكي قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: quot;إن الله قبض قبضة بيمينه وأخرى بيده الأخرى قال هذه لهذه وهذه لهذه ولا أبالي فلا أدري في أي القبضتين أناquot; أخبرنا عمرو بن محمد بن إسماعيل بن رافع عن المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: quot;إن الله تعالى خلق آدم من تراب ثم جعله طينا ثم تركه حتى إذا كان صلصالا كالفخار كان إبليس يمر به فيقول خلقت لأمر عظيم ثم نفخ الله فيه من روحه قال يا رب ما ذريتي قال اختر يا آدم قال اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين فبسط الله كفه فإذا كل من هو كائن من ذريته في كف الرحمنquot; أخبرنا النضر أخبرنا أبو معشر عن أبي سعيد المقبري ونافع مولى الزبير عن أبي هريرة قال: لما أراد الله(1\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11205",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن يخلق آدم فذكر خلق آدم فقال له يا آدم أي يدي أحب إليك أن أريك ذريتك فيها قال يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين فبسط يمينه وإذا فيها ذريته كلهم ما هو خالق إلى يوم القيامة الصحيح على هيئته والمبتلى على هيئته والأنبياء على هيئاتهم فقال ألا أعفيهم كلهم فقال أني أحببت أن أشكر وذكر الحديث وقال محمد بن نصر المروزي حدثنا محمد بن يحيى ثنا سعيد بن أبي مريم أنا الليث بن سعد حدثني ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن عبد الله بن سلام قال: quot;خلق الله آدم ثم قال بيده فقبضها فقال اختر يا آدم فقال اخترت يمين ربي وكلتا يديك يمين فبسطها فإذا فيها ذريته فقال من هؤلاء يا رب قال من قضيت أن أخلق من ذريتك من أهل الجنة إلى أن تقوم الساعةquot; قال وثنا إسحاق بن راهوية أنا جعفر بن عون أنا هشام بن سعد عن زيد بن سالم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة وذكر الحديث وقال إسحاق بن الملاي ثنا المسعودي عن علي بن نديمة عن سعد عن ابن عباس في قوله تعالى: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم قال: إن الله أخذ على آدم ميثاقه أنه ربه وكتب رزقه وأجله ومصيباته ثم أخرج من ظهره ولده كهيئة الذر فأخذ عليهم الميثاق أنه ربهم وكتب رزقهم وأجلهم ومصيباتهم قال وحدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس قال مسح الله ظهر آدم فأخرج كل طيب في يمينه وفي يده الأخرى كل خبيث وقال محمد بن نصر حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني وثنا حجاج عن أبن جريج عن الزبير بن موسى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: quot;إن الله ضرب منكبه الأيمن فخرجت كل نفس مخلوقة للجنة بيضاء نقية فقال هؤلاء أهل الجنة ثم ضرب منكبه الأيسر فخرجت كل نفس مخلوقة للنار سوداء فقال هؤلاء أهل النار ثم أخذ عهده على الإيمان والمعرفة به والتصديق له وبأمره من بني آدم كلهم وأشهدهم على أنفسهم فآمنوا وصدقوا وعرفوا وأقرواquot; حدثنا إسحاق ثنا روح بن عبادة بن محمد بن عبد الملك عن أبيه عن الزبير بن موسى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس بهذا الحديث وزاد قال ابن جريج وبلغني أنه أخرجهم على كفه أمثال الخردل قال إسحاق وأخبرنا جرير عن منصور عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو في قوله: وإذ أخذ ربك من بني آدم قال أخذهم كما يؤخذ بالمشط وفي تفسير أسباط عن السدي عن أصحابه أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود عن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: وإذ أخذ ربك من بني آدم الآية قال: لما أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يهبط من السماء مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر فقال لهم ادخلوا الجنة برحمتي ومسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر فقال أدخلوا النار ولا أبالي فذلك حين يقول أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ثم أخذ منهم الميثاق فقال ألست بربكم قالوا بلى فأعطاه طائفة طائعين وطائفة كارهين على وجه التقية فقال هو والملائكة: شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل الآية فلذلك ليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف أن الله ربه ولا مشرك إلا وهو يقول:: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون فذلك قوله عز وجل: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وذلك حين يقول: وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وذلك حين يقول: قل فلله الحجة البالغة(1\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11206",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلو شاء لهداكم أجمعين قال يعني يوم أخذ الميثاق وقال إسحاق حدثنا وكيع حدثنا مضر عن ابن سليط قال قال أبو بكر رضي الله عنه: quot;خلق الله الخلق قبضتين فقال لمن في يمينه ادخلوا الجنة بسلام وقال لمن في يده الأخرى ادخلوا النار ولا أباليquot; وأخبرنا جرير بن الأعمش عن أبي ظبيان عن رجل من الأنصار من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قال: quot;لما خلق الله الخلق قبض قبضتين بيده فقال لمن في يمينه أنتم أصحاب اليمين وقال لمن في اليد الأخرى أنتم أصحاب الشمال فذهبت إلى يوم القيامةquot; وقال عبد الله بن وهب في كتاب القدر أخبرني جرير بن حازم عن أيوب السختياني عن أبي قلابة قال: quot;إن الله عز وجل لما خلق آدم أخرج ذريته ثم نشرهم في كفه ثم أفاضهم فألقى التي في يمينه عن يمينه والتي في يده الأخرى عن شماله ثم قال هؤلاء لهذه ولا أبالي وهؤلاء لهذه ولا أبالي وكتب أهل النار وما هم عاملون وأهل الجنة وما هم عاملون فطوى الكتاب ورفع القلمquot; وقال أبو داود ثنا مسدد ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي صالح فذكره قال ابن وهب وأخبرني عمرو بن الحرث وحيوة ابن شريح عن ابن أبي أسيد هكذا قال عن أبي فراس حدثه أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: quot;إن الله عز وجل لما خلق آدم نفضه نفض المرود فأخرج من ظهره ذريته أمثال النغف فقبضهم قبضتين ثم ألقاهما ثم قبضهما فقال فريق في الجنة وفريق في السعيرquot; قال ابن وهب وأخبرني يونس بن يزيد عن الأوزاعي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: quot;من كان يزعم أن مع الله قاضيا أو رازقا أو يملك لنفسه ضرا أو نفعا أو موتا أو حياة أو نشورا لقي الله فأدحض حجته وأحرق لسانه وجعل صلاته وصيامه هباء وقطع به الأسباب وأكبه الله على وجهه في النار وقال أن الله خلق الخلق فأخذ منهم الميثاق وكان عرشه على الماءquot; وذكر أبو داود ثنا يحيى بن حبيب ثنا معتمر ثنا أبي عن أبي العالية في قوله عز وجل: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون قال صاروا فريقين وقال لمن سود وجوههم وغيرهم أكفرتم بعد أيمانكم قال هو الإيمان الذي كان حيث كانوا أمة واحدة مسلمين قال أبو داود وحدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا أبو نعامة السعدي قال كنا عند أبي عثمان النهدي فحمدنا الله عز وجل فذكرناه ودعوناه فقلت لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحا مني بآخره فقال أبو عثمان ثبتك الله كنا عند سلمان فحمدنا الله عز وجل وذكرناه ودعوناه فقلت لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحا مني بآخره فقال سلمان: quot;ثبتك الله إن الله تبارك وتعالى لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج من ظهره ما هو ذارئ إلى يوم القيامة فخلق الذكر والأنثى والشقوة والسعادة والأرزاق والآجال والألوان ومن علم السعادة فعل الخير ومجالس الخير ومن علم الشقاوة فعل الشر ومجالس الشرquot; وقال أبو داود حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: quot;مسح ربك تعالى ظهر آدم فأخرج منه ما هو ذارئ إلى يوم القيامة أخذ عهودهم ومواثيقهمquot; قال سعيد: فيرون أن القلم جف يومئذ وقال الضحاك خرجوا كأمثال الذر ثم أعادهم فهذه وغيرها تدل على أن الله سبحانه قدر أعمال بني آدم وأرزاقهم وآجالهم وسعادتهم وشقاوتهم عقيب خلق أبيهم وأراهم لأبيهم آدم صورهم وأشكالهم وحلاهم وهذا والله أعلم أمثالهم وصورهم وأما تفسير قوله تعالى: وإذ أخذ ربك من بني آدم الآية به ففيه ما فيه وحديث عمر لو صح لم يكن تفسيرا للآية وبيان(1\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11207",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن ذلك هو المراد بها فلا يدل الحديث عليه ولكن الآية دلت على أن هذا الآخذ من بني آدم لا من آدم وأنه من ظهورهم لا من ظهره وأنهم ذرياتهم أمة بعد أمة وأنه إشهاد تقوم به الحجة له سبحانه فلا يقول الكافر يوم القيامة كنت غافلا عن هذا ولا يقول الولد أشرك أبي وتبعته فإن ما فطرهم الله عليه من الإقرار بربوبيته وأنه ربهم وخالقهم وفاطرهم حجة عليهم ثم دل حديث عمر وغيره على أمر آخر لم تدل عليه الآية وهو القدر السابق والميثاق الأول وهو سبحانه لا يحتج عليهم بذلك وإنما يحتج عليهم برسله وهو الذي دلت عليه الآية فتضمنت الآية والأحاديث إثبات القدر والشرع وإقامة الحجة والإيمان بالقدر فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عنها بما يحتاج العبد إلى معرفته والإقرار به معها وبالله التوفيق.(1\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11208",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "الباب الثالث: في ذكر احتجاج آدم وموسى في ذلك حكم النبي صلى الله عليه وسلم لآدم صلوات الله وسلامه عليهم",
        "content": "الباب الثالث: في ذكر احتجاج آدم وموسى في ذلك حكم النبي صلى الله عليه وسلم لآدم صلوات الله وسلامه عليهم. عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فقال له آدم أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة فقال النبي صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسى فحج آدم موسى فحج آدم موسىquot; وفي رواية quot;كتب لك التوراة بيدهquot; وفي لفظ آخر: quot;تحاج آدم وموسى فحج آدم موسى فقال له موسى أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة فقال آدم أنت موسى الذي أعطاه الله علم كل شيء واصطفاه على الناس برسالته قال نعم قال أفتلومني على أمر قدر على قبل أن أخلقquot; وفي لفظ آخر: quot;احتج آدم وموسى عند ربهما فحج آدم موسى فقال موسى أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك في جنته ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض قال آدم أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيا فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق قال موسى بأربعين عاما قال آدم هل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى قال نعم قال أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله على أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسىquot; وفي لفظ آخر: quot;احتج آدم وموسى فقال له موسى أنت الذي أخرجتنا خطيئتك من الجنةquot; وذكر الحديث متفق على صحته وهذا التقدير بعد التقدير الأول السابق بخلق السماوات بخمسين ألف سنة وقد رد هذا الحديث من لم يفهمه من المعتزلة كأبي علي الجبائي ومن وافقه على ذلك وقال لو صح لبطلت نبوات الأنبياء فإن القدر إذا كان حجة للعاصي بطل الأمر والنهي فإن العاصي بترك الأمر أو فعل النهي إذا صحت له الحجة بالقدر السابق ارتفع اللوم عنه وهذا من ضلال فريق الاعتزال وجهلهم بالله ورسوله وسنته فإن هذا حديث صحيح متفق على صحته لم تزل الأمة تتلقاه بالقبول من عهد نبيها قرنا بعد قرن وتقابله بالتصديق والتسليم ورواه أهل الحديث في كتبهم وشهدوا به على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قاله وحكموا بصحته فما لأجهل الناس بالسنة ومن عرف بعداوتها وعداوة حملتها والشهادة عليهم بأنهم مجسمة ومشبهة حشوية وهذا الشأن ولم يزل أهل الكلام الباطل المذموم موكلين برد أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم(1\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11209",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التي تخالف قواعدهم الباطلة وعقائدهم الفاسدة كما ردوا أحاديث الرؤية وأحاديث علو الله على خلقه وأحاديث صفاته القائمة به وأحاديث الشفاعة وأحاديث نزوله إلى سمائه ونزوله إلى الأرض للفصل بين عباده وأحاديث تكلمه بالوحي كلاما يسمعه من شاء من خلقه حقيقة إلى أمثال ذلك وكما ردت الخوارج والمعتزلة أحاديث خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة وغيرها وكما ردت الرافضة أحاديث فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة وكما ردت المعطلة أحاديث الصفات والأفعال الاختيارية وكما ردت القدرية المجوسية أحاديث القضاء والقدر السابق وكل من أصل أصلا لم يؤصله الله ورسوله قاده قسرا إلى رد السنة وتحريفها عن مواضعها فلذلك لم يؤصل حزب الله ورسوله أصلا غير ما جاء به الرسول فهو أصلهم الذي عليه يعولون وجنتهم التي إليها يرجعون ثم اختلف الناس في فهم هذا الحديث ووجه الحجة التي توجهت لآدم على موسى فقالت فرقة إنما حجه لأن آدم أبوه فحجه كما يحج الرجل ابنه وهذا الكلام لا محصل فيه البتة فإن حجة الله يجب المصير إليها مع الأب كانت أو الابن أو العبد أو السيد ولو حج الرجل أباه بحق وجب المصير إلى الحجة وقالت فرقة إنما حجه لأن الذنب كان في شريعة واللوم في شريعة وهذا من جنس ما قبله إذ لا تأثير لهذا في الحجة بوجه وهذه الأمة تلوم الأمم المخالفة لرسلها المتقدمة عليها وإن كان لم تجمعهم شريعة واحدة ويقبل الله شهادتهم عليهم وإن كانوا من غير أهل شريعتهم وقالت فرقة أخرى إنما حجه لأنه كان قد تاب من الذنب والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ولا يجوز لومه وهذا وإن كان أقرب مما قبله فلا يصح لثلاثة أوجه أحدها: أن آدم لم يذكر ذلك الوجه ولا جعله حجة على موسى ولم يقل أتلومني على ذنب قد تبت منه الثاني: أن موسى أعرف بالله سبحانه وبأمره ودينه من أن يلوم على ذنب قد أخبره سبحانه أنه قد تاب على فاعله واجتباه بعده وهداه فإن هذا لا يجوز لآحاد المؤمنين أن يفعله فضلا عن كليم الرحمن الثالث: أن هذا يستلزم إلغاء ما علق به النبي صلى الله عليه وسلم وجه الحجة واعتبار ما ألغاه فلا يلتفت إليه وقالت فرقة أخرى إنما حجه لأنه لامه في غير دار التكليف ولو لامه في دار التكليف لكانت الحجة لموسى عليه وهذا أيضا فاسد من وجهين أحدهما: أن آدم لم يقل له لمتني في غير دار التكليف وإنما قال أتلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق فلم يتعرض للدار وإنما احتج في القدر السابق الثاني أن الله سبحانه يلوم الملومين من عباده في غير دار التكليف فيلومهم بعد الموت ويلومهم يوم القيامة وقالت فرقة أخرى إنما حجه لأن آدم شهد الحكم وجريانه على الخليقة وتفرد الرب سبحانه بربوبيته وإنه لا تحرك ذرة إلا بمشيئته وعلمه وأنه لا راد لقضائه وقدره وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن قالوا ومشاهدة العبد الحكم لا يدع له استقباح سيئة لأنه شهد نفسه عدما محضا والأحكام جارية عليه معروفة له وهو مقهور مربوب مدبر لا حيلة له ولا قوة له قالوا ومن شهد هذا المشهد سقط عنه اللوم وهذا المسلك أبطل مسلك سلك في هذا الحديث وهو شر من مسلك القدرية في رده وهم إنما ردوه إبطالا لهذا القول وردا على قائليه وأصابوا في ردهم عليهم وإبطال قولهم وأخطأوا في رد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن هذا المسلك لو صح لبطلت الديانات جملة وكان القدر حجة لكل مشرك وكافر وظالم ولم يبق للحدود معنى ولا يلام جان على جنايته ولا ظالم على ظلمه ولا ينكر منكر أبدا ولهذا قال شيخ الملحدين ابن سينا في إشارته العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسر الله تعالى في القدر وهذا كلام(1\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11210",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منسلخ من الملل ومتابعة الرسل وأعرف خلق الله به رسله وأنبياؤه وهم أعظم الناس إنكارا للمنكر وإنما أرسلوا لإنكار المنكر فالعارف أعظم الناس إنكارا للمنكر وإنما أرسلوا لإنكار المنكر فالعارف أعظم الناس إنكارا للمنكر لبصرته بالأمر والقدر فإن الأمر يوجب عليه الإنكار والقدر يعينه عليه وينفذه له فيقوم في مقام: إياك نعبد وإياك نستعين وفي مقام فاعبده وتوكل عليه فنعبده بأمره وقدره ونتوكل عليه في تنفيذ أمره بقدره فهذا حقيقة المعرفة وصاحب هذا المقام هو العارف بالله وعلى هذا أجمعت الرسل من أولهم إلى خاتمهم وأما من يقول: أصبحت منفعلا لما يختاره منى ففعلي كله طاعات ويقول أنا وإن عصيت أمره فقد أطعت إرادته ومشيئته ويقول العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسر الله في القدر فخارج عما عليه الرسل قاطبة وليس هو من أتباعهم وإنما حكى الله سبحانه الاحتجاج في القدر عن المشركين أعداء الرسل فقال تعالى: سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا إلى قوله: قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين وقال تعالى: وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء إلى قوله: فهل على الرسل إلا البلاغ المبين وقال تعالى: وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه وقال تعالى: وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون فهذه أربع مواضع حكى فيها الاحتجاج بالقدر عن أعدائه وشيخهم وإمامهم في ذلك عدوه الأحقر إبليس حيث احتج عليه بقضائه فقال:: قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين فإن قيل قد علم بالنصوص والمعقول صحة قولهم لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولو شاء الرحمن ما عبدناهم فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وقد قال تعالى: ولو شاء ربك ما فعلوه وقال: ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها فكيف أكذبهم ونفى عنهم العلم وأثبت لهم الخرص فيما هم فيه صادقون وأهل السنة جميعا يقولون لو شاء الله ما أشرك به مشرك ولا كفر به كافر ولا عصاه أحد من خلقه فكيف ينكر عليهم ما هم فيه صادقون قيل أنكر سبحانه عليهم ما هم فيه أكذب الكاذبين وأفجر الفاجرين ولم ينكر عليهم صدقا ولا حقا بل أنكر عليهم أبطل الباطل فإنهم لم يذكروا ما ذكروه إثباتا لقدره وربوبيته ووحدانيته وافتقارا إليه وتوكلا عليه واستعانة به ولو قالوا كذلك لكانوا مصيبين وإنما قالوه معارضين به لشرعه ودافعين به لأمره فعارضوا شرعه وأمره ودفعوه بقضائه وقدره ووافقهم على ذلك كل من عارض الأمر ودفعه بالقدر وأيضا فإنهم احتجوا بمشيئتة العامة وقدره على محبته لما شاءه ورضاه به وإذنه فيه فجمعوا بين أنواع من الضلال معارضة الأمر بالقدر ودفعه به والإخبار عن الله أنه يحب ذلك منهم ويرضاه حيث شاءه وقضاه وأن لهم الحجة على الرسل بالقضاء والقدر وقد ورثهم في هذا الضلال وتبعهم عليه طوائف من الناس ممن يدعي التحقيق والمعرفة أو يدعي فيه ذلك وقالوا العارف إذا شاهد الحكم سقط عنه اللوم وقد وقع في كلام شيخ الإسلام أبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري ما يوهم ذلك وقد أعاذه الله منه فإنه قال في باب التوبة من منازل السائرين ولطائف التوبة ثلاثة أشياء أولها: أن ننظر في الجناية والقضية فنعرف مراد الله فيها إذ خلاك وإتيانها فإن الله تعالى إنما يخلي العبد والذنب لأحد معنيين: أن يعرف عبرته في قضائه وبره في مسيره وحلمه في إمهال راكبه وكرمه في قبول العذر منه وفضله في مغفرته والثاني: ليقيم على العبد حجة عدله فيعاقبه(1\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11211",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على ذنبه بحجته واللطيفة الثانية: أن يعلم أن طلب البصير الصادق سنته لم تبق له حسنه بحال لأنه يسير بين مشاهدة المنة ويطلب عيب النفس والعمل واللطيفة الثالثة: أن مشاهدة العبد الحكم لم يدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحكم فهذا الكلام الأخير ظاهره يبطل استحسان الحسن واستقباح القبيح والشرائع كلها مبناها على استحسان هذا واستقباح هذا بل مشاهدة الحكم تزيد البصير استحسانا للحسن واستقباحا للقبيح وكلما ازدادت معرفته بالله وأسمائه وصفاته وأمره قوي استحسانه واستقباله فإنه يوافق في ذلك ربه ورسله ومقتضى الأسماء الحسنى والصفات العلى وقد كان شيخ الإسلام في ذلك موافقا للأمر وغضبه لله ولحدوده ومحارمه ومقاماته في ذلك شهيرة عند الخاصة والعامة وكلامه المتقدم بين في رسوخ قدمه في استقباح ما قبحه الله واستحسان ما حسنه الله وهو كالمحكم فيه وهذا متشابه فيرد إلى محكم كلامه والذي يليق به ما ذكره شيخنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الواسطي في شرحه فذكر قاعدة في الفناء والاصطلام فقال الفناء عبارة عن اصطلام العبد لغلبة وجود الحق وقوة العلم به في العبد فيزيد بذلك يقينه به ومعرفته به وبصفاته سبحانه فيذهل بذلك كما يذهل الإنسان في أمر عظيم دهمه فإنه ربما غاب عن شعوره بما دهمه من الأمور المهمة مثاله رجل وقف بين يدي سلطان عظيم قاهر من ملوك الأرض فأذهله ما يلاحظه من هيبته وسلطانه عن كثير مما يشعر به وهذا تقريب والأمر فوق ذلك فكيف بمن أشهده الله عز وجل فردانيته حيث كان ولا شيء معه فرأى الأشياء مواتا لا قوام لها إلا بقدرته فشهدها خيالا كالهباء بالنسبة إلى وجود الحق تعالى وذلك في البصائر القلبية بالكشف الصحيح بعد التصفية والتدرب في القيام بأعباء الشريعة وحمل أثقالها والتخلق بأخلاقها وصفى الله عبده من درنه ويكشف لقلبه فيرى حقائق الأشياء فمتى تجلت على العبد أنوار المشاهدة الحقيقية الروحية الدالة على عظمة الفردانية تلاشى الوجود الذي للعبد واضمحل كما يتلاشى الليل إذا أسفر عليه الصباح ويكون العبد في ذلك آكلا شاربا فلا يظهر عليه شيء مغاير لما اعتاده لكن يزداد إيمانه ويقينه حتى ربما غطى إيمانه عن قلبه كل شيء في أوقات سكره ويبقى وجوده كالخيال قائما بالعبودية في حضرة ذي الجلال وتعود عليه البصائر الصحيحة في معرفة الأشياء عند صحوه ثم يزول عنه عدم التمييز ويقوى على حاله فيتصرف وذلك هو البقاء بحيث يتصرف في الأشياء ولا يحجب عنه ما وجده من الإيمان والإيقان في حال البقاء بل يعود عليه شعوره الأول بوجود آخر يتولاه الله عز وجل مشهده فيه قيامه عليه بتدبيره ويصل إلى مقام المراد بعد عبوره على مقام المريد فيصير به يسمع وبه ينطق كما جاء في الحديث الصحيح ووجه آخر وهو أن الفاني في حال فنائه قبل أن يبلغ إلى مقام البقاء والصحوة والتمييز فيستر من قلبه محل الزهد والصبر والورع لا بمعنى أن تلك المقامات ذهبت وارتفع عنها العبد لكن بمعنى أن الشهود ستر محلها من القلب وانطوت واندرجت في ضمن ما وجده اندراج الحال النازل في الحال العالي فصارت فيما وجده الواجد من وجود الحق ضمنا وتبعا وصار القلب مشتغلا بالحال الأعلى عن الحال الأدنى بحيث لو فتش قلب العبد لوجد فيه الزهد والورع وحقائق الخوف والرجاء مستورا بأمثال الجبال من الأحوال الوجودية التي يضيق القلب عن الاتساع لمجموعها وفي حال البقاء والصحو والتمييز تعود عليه تلك المقامات بالله لا بوجود نفسه إذا علمت ذلك انحل إشكال قوله إن مشاهدة العبد لم تدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة(1\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11212",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لصعوده إلى معنى الحكم أي أن صفة حكم الله حشت بصيرته وملأتها فشهد قيام الله على الأشياء وتصرفه فيها وحكمه عليها فرأى الأشياء كلها منه صادرة عن نفاذ حكمه وتقديره وإرادته القدرية فغاب بما لاحظ من الجمع عن التمييز والفرق ويسمى هذا جمعا لأن العبد اجتمع نظره إلى مولاه في كل حكم وقع في الكون وفي ملاحظة هذا الحكم الذي صدرت عنه التصرفات اجتمع قلبه ولضعف قلبه حين هذا الاجتماع لم يتسع للتمييز الشرعي بين الحسن والقبيح بمعنى أنه انطوى حكم معرفته بالحسن والقبيح في طي هذه المعرفة الساترة له عن التمييز لا بمعنى أنه ارتفع عن قلبه حكم التحسين والتقبيح بل اندرج في مشهده وانطوى بحيث لو فتش لوجد حكم التحسين والتقبيح مستورا في طي مشهده ذلك وبالله التوفيق وتلخيص ما ذكره شيخنا رحمه الله أن للفعل وجهين وجه قائم بالرب تعالى وهو قضاؤه وقدره له وعلمه به والعبد له ملاحظتان: ملاحظة للوجه الأول وملاحظة للوجه الثاني والكمال أن لا يغيب بأحد الملاحظتين عن الأخرى بل يشهد قضاء الرب وقدره ومشيئته ويشهد مع ذلك فعله وجنايته وطاعته ومعصيته فيشهد الربوبية والعبودية فيجتمع في قلبه معنى قوله: لمن شاء منكم أن يستقيم مع قوله: وما تشاءون إلا أن يشاء الله وقوله: إنه تذكرة فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله فمن الناس من يتسع قلبه لهذين الشهودين ومنهم من يضيق قلبه عن اجتماعهما بقوة الوارد عليه وضعف المحل فيغيب بشهود العبودية والكسب وجهة الطاعة والمعصية عن شهود الحكم القائم بالرب تعالى من غير إنكار له فلا يظهر عليه إلا أثر الفعل وحكمه الشرعي وهذا لا يضره إذا كان الإيمان بالحكم قائما في قلبه ومنهم من يغيب بشهود الحكم وسبقه وأولية الرب تعالى وسبقه للأشياء عن جهة عبوديته وكسبه وطاعته ومعصيته فيغيب بشهود الحكم عن المحكوم به فضلا عن صفته فإذا لم يشهد له فعلا فكيف يشهد كونه حسنا أو قبيحا وهذا أيضا لا يضره إذا كان علمه بحسن الفعل وقبحه قائما في قلبه وإنما توارى عنه لاستيلاء شهود الحكم على قلبه وبالله التوفيق فأين هذا من احتجاج أعداء الله بمشيئته وقدره على إبطال أمره ونهيه وعباد هؤلاء الكفرة يشهدون أفعالهم كلها طاعات لموافقتها المشيئة السابقة ولو أغضبهم غيرهم وقصر في حقوقهم لم يشهدوا فعله طاعة مع أنه وافق فيه المشيئة فما احتج بالقدر على إبطال الأمر والنهي الآمن هو من أجهل الناس وأظلمهم وأتبعهم لهواه وتأمل قوله سبحانه بعد حكايته عن أعدائه واحتجاجهم بمشيئته وقدره على إبطال ما أمرهم به رسوله وأنه لولا محبته ورضاه به لما شاءه منهم: قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين فأخبر سبحانه أن الحجة له عليهم برسله وكتبه وبيان ما ينفعهم ويضرهم وتمكنهم من الإيمان بمعرفة أوامره ونواهيه وأعطاهم الأسماع والأبصار والعقول فثبتت حجته البالغة عليهم بذلك واضمحلت حجتهم الباطلة عليه بمشيئته وقضائه ثم قرر تمام الحجة بقوله: فلو شاء لهداكم أجمعين فإن هذا يتضمن أنه المتفرد بالربوبية والملك والتصرف في خلقه وأنه لا رب غيره ولا إله سواه فكيف يعبدون معه إلها غيره فإثبات القدر والمشيئة من تمام حجته البالغة عليهم وأن الأمر كله لله وأن كل شيء ما خلا الله باطل فالقضاء والقدر والمشيئة النافذة من أعظم أدلة التوحيد فجعلها الظالمون الجاحدون حجة لهم على الشرك فكانت حجة الله هي البالغة وحجتهم هي الداحضة وبالله التوفيق إذا عرفت هذا فموسى أعرف بالله وأسمائه وصفاته من أن يلوم على ذنب قد تاب منه فاعله فاجتباه ربه بعده وهداه واصطفاه وآدم(1\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11213",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أعرف بربه من أن يحتج بقضائه وقدره على معصيته بل إنما لام موسى آدم على المعصية التي نالت الذرية بخروجهم من الجنة ونزولهم إلى دار الابتلاء والمحنة بسبب خطيئة أبيهم فذكر الخطيئة تنبيها على سبب المصيبة المحنة التي نالت الذرية ولهذا قال له أخرجتنا ونفسك من الجنة وفي لفظ خيبتنا فاحتج آدم بالقدر على المصيبة وقال أن هذه المصيبة التي نالت الذرية بسبب خطيئتي كانت مكتوبة بقدره قبل خلقي والقدر يحتج به في المصائب دون المعائب أي أتلومني على مصيبة قدرت علي وعليكم قبل خلقي بكذا وكذا سنة هذا جواب شيخنا رحمه الله وقد يتوجه جواب آخر وهو أن الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع ويضر في موضع ويضر في موضع فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه وترك معاودته كما فعل آدم فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع لأنه لا يدفع بالقدر أمرا ولا نهيا ولا يبطل به شريعة بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقوة يوضحه أن آدم قال لموسى أتلومني على أن عملت عملا كان مكتوبا علي قبل أن أخلق فإذا أذنب الرجل ذنبا ثم تاب منه توبة وزال أمره حتى كأن لم يكن فأنبه مؤنب عليه ولامه حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك ويقول هذا أمر كان قد قدر علي قبل أن أخلق فإنه لم يدفع بالقدر حقا ولا ذكره حجة له على باطل ولا محذور في الاحتجاج به وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل بأن يرتكب فعلا محرما أو يترك واجبا فيلومه عليه لائم فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره فيبطل بالاحتجاج به حقا ويرتكب باطلا كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله فقالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا : لو شاء الرحمن ما عبدناهم فاحتجوا به مصوبين لما هم عليه وأنهم لم يندموا على فعله ولم يعزموا على تركه ولم يقروا بفساده فهذا ضد احتجاج من تبين له خطأ نفسه وندم وعزم كل العزم على أن لا يعود فإذا لامه لائم بعد ذلك قال كان ما كان بقدر الله ونكتة المسألة أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر وإذا كان اللوم واقعا فالاحتجاج بالقدر باطل فإن قيل فقد احتج علي بالقدر في ترك قيام الليل وأقره النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح عن علي: quot;أن رسول الله صلى الله عيه وسلم طرقه وفاطمة ليلا فقال لهم ألا تصلون قال فقلت يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثها بعثها فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قلت له ذلك ولم يرجع إلي شيئا ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه وهو يقول: وكان الإنسان أكثر شيء جدلا quot; قيل علي لم يحتج بالقدر على ترك واجب ولا فعل محرم وإنما قال أن نفسه ونفس فاطمة بيد الله فإذا شاء أن يوقظها ويبعث أنفسها بعثها وهذا موافق لقول النبي صلى الله عليه وسلم ليلة ناموا في الوادي: quot;إن الله قبض أرواحنا حيث شاء وردها حيث شاءquot; وهذا احتجاج صحيح صاحبه يعذر فيه فالنائم غير مفرط واحتجاج غير المفرط بالقدر صحيح وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاحتجاج بالقدر في الموضع الذي ينفع العبد الاحتجاج به فروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قل قدر الله ما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطانquot; فتضمن هذا الحديث الشريف أصولا عظيمة من أصول الإيمان أحدها: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالمحبة وأنه(1\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11214",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يحب حقيقة الثاني: أنه يحب مقتضى أسمائه وصفاته وما يوافقها فهو القوي ويحب المؤمن القوي وهو وتر يحب الوتر وجميل يحب الجمال وعليم يحب العلماء ونظيف يحب النظافة ومؤمن يحب المؤمنين ومحسن يحب المحسنين وصابر يحب الصابرين وشاكر يحب الشاكرين ومنها أن محبته للمؤمنين تتفاضل فيحب بعضهم أكثر من بعض ومنها أن سعادة الإنسان في حرصه على ما ينفعه في معاشه ومعاده والحرص هو بذل الجهد واستفراغ الوسع فإذا صادف ما ينتفع به الحريص كان حرصه محمودا وكماله كله في مجموع هذين الأمرين أن يكون حريصا وأن يكون حرصه على ما ينتفع به فإن حرص على مالا ينفعه أو فعل ما ينفعه بغير حرص فاته من الكمال بحسب ما فاته من ذلك فالخير كله في الحرص على ما ينفع ولما كان حرص الإنسان وفعله إنما هو بمعونة الله ومشيئته وتوفيقه أمره أن يستعين به ليجتمع له مقام: إياك نعبد وإياك نستعين فإن حرصه على ما ينفعه عبادة لله ولا تتم إلا بمعونته فأمره بأن يعبده وأن يستعين به ثم قال ولا تعجز فإن العجز ينافي حرصه على ما ينفعه وينافي استعانته بالله فالحريص على ما ينفعه المستعين بالله ضد العاجز فهذا إرشاد له قبل رجوع المقدور إلى ما هو من أعظم أسباب حصوله وهو الحرص عليه مع الاستعانة بمن أزمة الأمور بيده ومصدرها منه ومردها إليه فإن فاته ما لم يقدر له فله حالتان حالة عجز وهي مفتاح عمل الشيطان فيلقيه العجز إلى لو ولا فائدة في لو ههنا بل هي مفتاح اللوم والجزع والسخط والأسف والحزن وذلك كله من عمل الشيطان فنهاه صلى الله عليه وسلم عن افتتاح عمله بهذا المفتاح وأمره بالحالة الثانية وهي النظر إلى القدر وملاحظته وأنه لو قدر له لم يفته ولم يغلبه عليه أحد فلم يبق له ههنا أنفع من شهود القدر ومشيئة الرب النافذة التي توجب وجود المقدور وإذا انتفت امتنع وجوده فلهذا قال فإن غلبك أمر فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فأرشده إلى ما ينفعه في الحالتين حالة حصول مطلوبة وحالة فواته فلهذا كان هذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد أبدا بل هو أشد شيء إليه ضرورة وهو يتضمن إثبات القدر والكسب والاختيار والقيام والعبودية ظاهرا وباطنا في حالتي حصول المطلوب وعدمه وبالله التوفيق.(1\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11215",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "الباب الرابع: في ذكر التقدير الثالث والجنين في بطن أمه وهو تقدير شقاوته وسعادته ورزقه وأجله وعمله وسائر ما يلقاه وذكر الجمع بين الأحاديث الواردة في ذلك",
        "content": "الباب الرابع: في ذكر التقدير الثالث والجنين في بطن أمه وهو تقدير شقاوته وسعادته ورزقه وأجله وعمله وسائر ما يلقاه وذكر الجمع بين الأحاديث الواردة في ذلك عن عبد الله بن مسعود قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: quot;إن أحدكم ليجمع خلقا في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلهاquot; متفق عليه وعن حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة فيقول يا رب أشقي أم سعيد فيكتبان فيقول أي رب أذكر أم أنثى(1\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11216",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيكتبان ويكتب عمله وأثره واجله ورزقه ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ينقصquot; رواه مسلم وعن عامر بن واثلة أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: quot;الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيرهquot; فأتى رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري فحدثه بذلك من قول ابن مسعود فقال وكيف يشقى رجل بغير عمل فقال له الرجل أتعجب من ذلك فأنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها ثم قال يا رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك ثم يقول يا رب أجله فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك ثم يقول يا رب رزقه فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقصquot; وفي لفظ آخر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني هاتين يقول: quot;إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الملكquot; قال زهير بن معاوية أحسبه قال: quot;الذي يخلقها فيقول يا رب أذكر أم أنثى فيجعله الله ذكرا أو أنثى ثم يقول يا رب أسوي أم غير سوي فيجعله الله سويا أو غير سوي ثم يقول يا رب ما رزقه وما أجله وما خلقه ثم يجعله الله شقيا أو سعيداquot; وفي لفظ آخر إن ملكا موكلا بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئا بإذن الله ولبضع وأربعين ليلة ثم ذكر نحوه وهذا الحديث بطرقه انفرد به مسلم وعن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;إن الله عز وجل وكل بالرحم ملكا فيقول أي رب نطفة أي رب علقة أي رب مضغة وإذا أراد أن يقضي خلقا قال الملك أي رب ذكر أو أنثى شقي أو سعيد فما الرزق فما الأجل فيكتب كذلك في بطن أمهquot; متفق عليه وقال ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أن سعيد بن عبد الرحمن بن هنيدة حدثهم أن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;إذا أراد الله أن يخلق النسمة قال ملك الأرحام معها يا رب أذكر أم أنثى فيقضي الله بأمره ثم يقول يا رب شقي أم سعيد فيقضي الله أمره ثم يكتب بين عينيه ما هو لاق حتى النكبة ينكبهاquot; قال ابن وهب وأخبرني عبد الله بن لهيعة عن بكر بن سوادة الجدمي عن أبي تميم الجيشاني عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;إذا دخلت يعني النطفة في الرحم أربعين أتى ملك النفس فعرج إلى الرب فقال يا رب عبدك أذكر أو أنثى فيقضي الله بما هو قاض أشقي أم سعيد فيكتب ما هو كائن وذكر بقية الحديث وقال ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن كعب بن علقمة عن عيسى عن هلال عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: quot;إذا مكثت النطفة في رحم المرأة أربعين ليلة جاءها ملك فاختلجها ثم عرج بها إلى الله تعالى أخلق يا أحسن الخالقين فيقضي الله فيها بما يشاء من أمره ثم تدفع إلى الملك فيسأل الملك عند ذلك فيقول يا رب أسقط أم يتم فيبين له ثم يقول يا رب أواحد أم توأم فيبين له ثم يقول له أقطع رزقه مع خلقه فيقضيهما جميعا فوالذي نفس محمد بيده لا ينال إلا ما قسم له يومئذ إذا أكل رزقه قبضquot; وقال عبد الله بن أحمد أنا العلاء ثنا أبو الأشعث ثنا أبو عامر عن الزبير بن عبد الله حدثني جعفر بن مصعب قال سمعت عروة بن الزبير يحدث عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;إن الله سبحانه حين يريد أن يخلق الخلق يبعث ملكا فيدخل الرحم فيقول أي رب ماذا فيقول غلام أو جارية أو ما شاء أن يخلق في الرحم فيقول أي رب أشقي أم سعيد فيقول شقي أو سعيد فيقول أي رب ما أجله فيقول كذا وكذا فيقول ما خلقه ما خلائقه فيقول(1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11217",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كذا وكذا فما شيء إلا وهو يخلق معه في الرحمquot; وفي المسند من حديث إسماعيل بن عبيد الله وهو ابن أبي المهاجر أن أم الدرداء حدثته عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;فرغ الله عز وجل إلى كل عبد من خمس من أجله ورزقه ومضجعه وأثره وشقي أم سعيدquot; وقال ابن حميد ثنا يعقوب بن عبد الله عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: quot;إذا وقعت النطفة في الرحم تلبث أربعة أشهر وعشرا ثم تنفخ فيها الروح ثم تلبث أربعين ليلة ثم يبعث إليها ملك فنقفها في نقرة القفا وكتب شقيا أو سعيداquot; وروى ابن أبي خيثمة ثنا عبد الرحمن بن المبارك ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;السعيد من سعد في بطن أمهquot; رواه أبو داود في القدر عن عبد الرحمن عن حماد عن هشام بن حسان عن محمد به وقال أحمد بن عبد أنبأنا علي بن عبد الله بن ميسر ثنا عبد الحميد بن بيان ثنا خالد بن عبد الله عن يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمهquot; وقال سعيد عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: quot;الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيرهquot; وقال شعبة عن مخارق عن طارق عن عبد الله بن مسعود قال: quot;إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها فاتبعوا ولا تبتدعوا فإن الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره وأن شر الروايا روايا الكذب وشر الأمور محدثاتها وكل ما هو آت قريبquot; رواهن أبو داود في القدر وذكر الطبري من رواية أبي إسحاق عن أبي عبدة عنه أنه كان يجيء كل يوم خميس يقوم قائما لا يجلس فيقول إنما هما اثنتان فأحسن الهدى هدى محمد وأصدق الحديث كتاب الله وشر الأمور محدثاتها وكل محدث ضلالة إن الشقي من شقي في بطن أمه وأن السعيد من وعظ بغيره ألا فلا يطولن عليكم الأمد ولا يلهينكم الأمل فإن كل ما هو آت قريب وإنما البعيد ما ليس آتيا وأن من شرار الناس بطال النهار جيفة الليل وأن قتل المؤمن كفر وإن سبابه فسوق ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ألا إن شر الروايا روايا الكذب وأنه لا يصلح من الكذب جد ولا هزل ولا أن يعد الرجل صفيه ثم لا ينجزه ألا وأن الكذب يهدى إلى الفجور وأن الفجور يهدي إلى النار وأن الصدق يهدي إلى البر وأن البر يهدي إلى الجنة وأن الصادق يقال له صدق وبر وأن الكاذب يقال له كذب وفجر وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;أن العبد ليصدق فيكتب عند الله صديقا وأنه ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا ألا هل تدرون ما العضة هي النميمة التي تفسد بين الناسquot; وهذا متواتر عن عبد الله وبلغ معاوية أن الوباء اشتد بأهل دار فقال لو حولناهم عن مكانهم فقال له أبو الدرداء: كيف لك يا معاوية بأنفس قد حضرت آجالها فكأن معاوية وجد على أبي الدرداء فقال له كعب يا معاوية لا تجد على أخيك فإن الله سبحانه لم يدع نفسا حين تستقر نطفتها في الرحم أربعين ليلة إلا كتب خلقها وخلقها وأجلها ورزقها ثم لكل نفس ورقة خضراء معلقة بالعرش فإذا دنا أجلها خلقت تلك الورقة حتى تيبس ثم تسقط فإذا يبست سقطت تلك النفس وانقطع أجلها ورزقها ذكره أبو داود عن محمود بن خالد ثنا مروان ثنا معاوية بن سلام حدثني أخي زيد بن سلام عن جده ابن سلام قال بلغ معاوية فذكره وقال أبو داود ثنا واصل بن عبد الأعلى ثنا ابن فضيل عن الحسن بن عمرو الفقيمي عن الحكم عن مجاهد في قوله تعالى: وكل إنسان ألزمناه طائره في(1\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11218",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنقه قال ما من مولود يولد إلا في عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد وفي الصحيحين عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: quot;توفي صبي من الأنصار فقلت طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه فقال أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهمquot; ولا يناقض هذا حديث سمرة بن جندب الذي رواه البخاري في صحيحه من رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم أطفال المشركين حول إبراهيم الخليل في الروضة فإن الأطفال منقسمون إلى شقي وسعيد كالبالغين فالذي رآه حول إبراهيم السعداء من أطفال المسلمين والمشركين وأنكر على عائشة شهادتها للطفل المعين أنه عصفور من عصافير الجنة فاجتمعت هذه الأحاديث والآثار على تقدير رزق العبد وأجله وشقاوته وسعادته وهو في بطن أمه واختلفت في وقت هذا التقدير وهذا تقدير بعد التقدير الأول السابق على خلق السماوات والأرض وبعد التقدير الذي وقع يوم استخراج الذرية بعد خلق أبيهم آدم ففي حديث ابن مسعود أن هذا التقدير يقع بعد مائة وعشرين يوما من حصول النطفة في الرحم وحديث أنس غير مؤقت وأما حديث حذيفة بن أسيد فقد وقت فيه التقدير بأربعين يوما وفي لفظ بأربعين ليلة وفي لفظ ثنتين وأربعين ليلة وفي لفظ بثلاث وأربعين ليلة وهو حديث تفرد به مسلم ولم يروه البخاري وكثير من الناس يظن التعارض بين الحديثين ولا تعارض بينهما بحمد الله وأن الملك الموكل بالنطفة يكتب ما يقدره الله سبحانه على رأس الأربعين الأولى حتى يأخذ في الطور الثاني وهو العلقة وأما الملك الذي ينفخ فيه فإنما ينفخها بعد الأربعين الثالثة فيؤمر عند نفخ الروح فيه بكتي رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته وهذا تقدير آخر غير التقدير الذي كتبه الملك الموكل بالنطفة ولهذا قال في حديث ابن مسعود ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات وأما الملك الموكل بالنطفة فذاك راتب معها ينقلها بإذن الله من حال إلى حال فيقدر الله سبحانه شأن النطفة حتى تأخذ في مبدأ التخليق وهو العلق ويقدر شأن الروح حين تتعلق بالجسد بعد مائة وعشرين يوما فهو تقدير بعد تقدير فاتفقت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق بعضها بعضا ودلت كلها على إثبات القدر السابق ومراتب التقدير وما يؤتى أحد إلا من غلط الفهم أو غلط في الرواية ومتى صحت الرواية وفهمت كما ينبغي تبين أن الأمر كله من مشكاة واحدة صادقة متضمنة لنفس الحق وبالله التوفيق.(1\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11219",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "الباب الخامس: في ذكر التقدير الرابع ليلة القدر",
        "content": "الباب الخامس: في ذكر التقدير الرابع ليلة القدر قال تعالى: حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين وهذه هي ليلة القدر قطعا لقوله تعالى: إنا أنزلناه في ليلة القدر ومن زعم أنها ليلة النصف من شعبان فقد غلط قال سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ليلة القدر ليلة الحكم وقال سفيان عن محمد بن سوقة عن سعيد بن جبير يؤذن للحجاج في ليلة القدر فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم فلا يغادر منهم أحد ولا يزاد فيهم ولا ينقص منهم وقال ابن علية ثنا ربيعة بن كلثوم قال قال رجل للحسن وأنا أسمع أرأيت ليلة القدر في كل رمضان هي قال نعم والله الذي لا إله إلا هو(1\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11220",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنها لفي كل رمضان وأنها لليلة القدر يفرق فيها كل أمر حكيم فيها يقضي الله كل أجل وعمل ورزق إلى مثلها وذكر يوسف بن مهران عن ابن عباس قال يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت وحياة ورزق ومطر حتى الحجاج يقال يحج فلان ويحج فلان وذكر عن سعيد بن جبير في هذه الآية أنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى وقال مقاتل يقدر الله في ليلة القدر أمر السنة في بلاده وعباده إلى السنة القابلة وقال أبو عبد الرحمن السلمي يقدر أمر السنة كلها في ليلة القدر وهذا هو الصحيح أن القدر مصدر قدر الشيء يقدره قدرا فهي ليلة الحكم والتقدير وقالت طائفة ليلة القدر ليلة الشرف والعظمة من قولهم لفلان قدر في الناس فإن أراد صاحب هذا القول أن لها قدرا وشرفا مع ما يكون فيها من التقدير فقد أصاب وإن أراد أن معنى القدر فيها هو الشرف والخطر فقد غلط أن الله سبحانه أخبر أن فيها يفرق أي يفصل الله ويبين ويبرم كل أمر حكيم.(1\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11221",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "الباب السادس: في التقدير الخامس اليومي",
        "content": "الباب السادس: في التقدير الخامس اليومي قال الله تعالى: يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن ذكر الحاكم في صحيحه من حديث أبي حمزة الثمالي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن مما خلق الله لوحا محفوظا من درة بيضاء دفتاه من ياقوتة حمراء قلمه نور وكتابه نور ينظر فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة أو مرة ففي كل نظرة منها يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء فذلك قوله: كل يوم هو في شأن وقال مجاهد والكلبي وعبيد ابن عمير وأبو ميسرة وعطاء ومقاتل من شأنه أنه يحيي ويميت ويرزق ويمنع وينصر ويعز ويذل ويفك عانيا ويشفي مريضا ويجيب داعيا ويعطي سائلا ويتوب على قوم ويكشف كربا ويغفر ذنبا ويضع أقواما ويرفع آخرين دخل كلام بعضهم في بعض وقد ذكر الطبراني في المعجم والستة وعثمان بن سعيد الدارمي في كتاب الرد على المريسي عن عبد الله بن مسعود قال: quot;إن ربكم عز وجل ليس عنده ليل ولا نهار نور السماوات والأرض نور وجهه وأن مقدار كل يوم من أيامكم عنده ثنتي عشرة ساعة فيعرض عليه أعمالكم فيها على ما يكره فيغضبه ذلك وأول من يعلم غضبه العرش يجدونه يثقل عليهم فيسبحه حملة العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة ثم ينفخ جبريل في القرن فلا يبقى شيء إلا سمع صوته فيسبحون الرحمن ثلاث ساعات حتى يمتلئ الرحمن عز وجل رحمة فتلك ست ساعات ثم يؤتى بالأرحام فينظر فيها ثلاث ساعات فذلك قوله في كتابه: هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء وقوله: يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير فتلك تسع ساعات ثم يؤتى بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات فذلك قوله في كتابه: يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر : كل يوم هو في شأن قال هذا شأنكم وشأن ربكم تبارك وتعالىquot; قال الطبراني ثنا بشر بن موسى ثنا يحيى بن إسحاق أنا حماد بن سلمة عن أبي عبد السلام عن عبد الله أو عبيد الله ابن مكرز عن ابن مسعود فذكره وقال عثمان بن سعيد الدارمي ثنا موسى بن إسماعيل ثنا حماد بن سلمة عن الزبير بن أبي عبد السلام عن أيوب بن عبيد الله الفهري أن ابن مسعود قال: quot;أن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار..quot; فذكر الحديث إلى قوله quot;فيسبحه حملة العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكةquot; فهذا تقدير يومي والذي قبله تقدير حولي والذي قبله تقدير عمري عند تعلق النفس(1\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11222",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به والذي قبله كذلك عند أول تخليقه وكونه مضغة والذي قبله تقدير سابق على وجوده لكن بعد خلق السماوات والأرض والذي قبله تقدير سابق على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكل واحد من هذه التقادير كالتفصيل من التقدير السابق وفي ذلك دليل على كمال علم الرب وقدرته وحكمته وزيادة تعريف لملائكته وعباده المؤمنين بنفسه وأسمائه وقد قال تعالى: إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون وأكثر المفسرين على أن هذا الاستنساخ من اللوح المحفوظ فتستنسخ الملائكة ما يكون من أعمال بني آدم قبل أن يعملوها فيجدون ذلك موافقا لما يعملونه فيثبت الله تعالى منه ما فيه ثواب أو عقاب ويطرح منه اللغو وذكر ابن مردويه في تفسيره من طرق إلى بقية عن أرطأة بن المنذر عن مجاهد عن ابن عمر يرفعه أن أول خلق الله القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين فكتب الدنيا وما يكون فيها من عمل معمول من بر أو فجور رطب أو يابس فأحصاه عند الذكر وقال اقرؤا إن شئتم: هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون فهل تكون النسخة إلا من شيء قد فرغ منه وقال آدم ثنا ورقاء عن عطاء بن السائب عن مقسم عن ابن عباس إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون قال تستنسخ الحفظة من أم الكتاب ما يعمل بنو آدم فإنما يعمل الإنسان على ما استنسخ الملك من أم الكتاب وفي تفسير الأشجع عن سفيان عن منصور عن مقسم عن ابن عباس قال كتب في الذكر عنده كل شيء هو كائن ثم بعث الحفظة على آدم وذريته وكل ملائكته ينسخون من الذكر ما يعمل العباد ثم قرأ: هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون وفي تفسير الضحاك عن ابن عباس في هذه الآية قال هي أعمال أهل الدنيا الحسنات والسيئات تنزل من السماء كل غداة وعشية ما يصيب الإنسان في ذلك اليوم أو الليلة الذي يقتل والذي يغرق والذي يقع من فوق بيت والذي يتردى من جبل والذي يقع والذي يحرق بالنار فيحفظوا عليه ذلك كله وإذا كان الشيء صعدوا به إلى السماء فيجدونه كما في السماء مكتوبا في الذكر الحكيم.(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11223",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "الباب السابع: في أن سبق المقادير بالشقاوة والسعادة لا يقضي ترك الأعمال بل يقضي الاجتهاد والحرص",
        "content": "الباب السابع: في أن سبق المقادير بالشقاوة والسعادة لا يقضي ترك الأعمال بل يقضي الاجتهاد والحرص يسبق إلى أفهام كثير من الناس أن القضاء والقدر إذا كان قد سبق فلا فائدة في الأعمال وإن ما قضاه الرب سبحانه وقدره لا بد من وقوعه فتوسط العمل لا فائدة فيه وقد سبق إيراد هذا السؤال من الصحابة على النبي صلى الله عليه وسلم فأجابهم بما فيه الشفاء والهدى ففي الصحيحين عن علي بن أبي طالب قال: quot;كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكث بمخصرته ثم قال: quot;ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة فقال رجل يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة فقال اعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ: فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى وفي بعض طرق البخاري أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل فمن(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11224",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة من كل من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة وعن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: quot; جاء سراقة بن مالك بن جعشم قال: يا رسول الله بين لنا ديننا كأننا خلقنا الآن فيم العمل اليوم أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما يستقبل قال: quot;لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير قال: ففيم العمل فقال: اعملوا فكل ميسرquot; رواه مسلم وعن عمران بن حصين قال: قيل يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار فقال: نعم قيل ففيم يعمل العاملون فقال كل ميسر لما خلق لهquot; متفق عليه وفي بعض طرق البخاري quot;كل يعمل لما خلق له أو لما يسر لهquot; ورواه الإمام أحمد أطول من هذا فقال: ثنا صفوان بن عيسى ثنا عروة بن ثابت عن يحي بن عقيل عن أبي نعيم عن أبي الأسود الدؤلي قال: غدوت على عمران بن حصين يوما من الأيام فقال: إن رجلا من جهينة أو مزينة أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه شيء قضى عليهم أو مضى عليهم في قدر قد سبق أو فيما يستقبلونه مما أتاهم به نبيهم واتخذت عليهم الحجة قال بل شيء قضى عليهم قال فلم يعملون إذا يا رسول الله قال من كان الله عز وجل خلقه لواحدة من المنزلتين فهيأه لعملها وتصديق ذلك في كتاب الله: ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها وقال المحاملي ثنا أحمد بن المقدام ثنا المعتمر بن سليمان قال سمعت أبا سفيان يحدث عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أنه قال نزل فمنهم شقي وسعيد فقال عمر: يا نبي الله على م نعمل على أمر قد فرغ منه أم لم يفرغ منه قال لا على أمر قد فرغ منه قد جرت الأقلام ولكن كل ميسر: فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى فاتفقت هذه الأحاديث ونظائرها على أن القدر السابق لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال عليه بل يوجب الجد والاجتهاد ولهذا لما سمع بعض الصحابة ذلك قال ما كنت أشد اجتهادا مني الآن وهذا مما يدل على جلالة فقه الصحابة ودقة أفهامهم وصحة علومهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم بالقدر السابق وجريانه على الخليقة بالأسباب فإن العبد ينال ما قدر له بالسبب الذي أقدر عليه ومكن منه وهيئ له فإذا أتى بالسبب أوصله إلى القدر الذي سبق له في أم الكتاب وكلما زاد اجتهادا في تحصيل السبب كان حصول المقدور أدنى إليه وهذا كما إذا قدر له أن يكون من أعلم أهل زمانه فإنه لا ينال ذلك إلا بالاجتهاد والحرص على التعلم وأسبابه وإذا قدر له أن يرزق الولد لم ينل ذلك إلا بالنكاح أو التسري والوطء وإذا قدر له أن يستغل من أرضه من المغل كذا وكذا لم ينله إلا بالبذر وفعل أسباب الزرع وإذا قدر الشبع والري فذلك موقوف على الأسباب المحصلة لذلك من الأكل والشرب واللبس وهذا شأن أمور المعاش والمعاد فمن عطل العمل اتكالا على القدر السابق فهو بمنزلة من عطل الأكل والشرب والحركة في المعاش وسائر أسبابه اتكالا على ما قدر له وقد فطر الله سبحانه عباده على الحرص على الأسباب التي بها مرام معاشهم ومصالحهم الدنيوية بل فطر الله على ذلك سائر الحيوانات فهكذا الأسباب التي بها مصالحهم الأخروية في معادهم فإنه سبحانه رب الدنيا والآخرة وهو الحكيم بما نصه من الأسباب في المعاش والمعاد وقد يسر كلا من خلقه لما خلقه له في الدنيا والآخرة فهو مهيأ له ميسر له فإذا علم العبد أن مصالح آخرته مرتبطة بالأسباب الموصلة إليها كان أشد اجتهادا في فعلها من القيام بها منه في أسباب معاشه ومصالح دنياه وقد فقه هذا كل الفقه من قال(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11225",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما كنت أشد اجتهادا مني الآن فإن العبد إذا علم أن سلوك هذا الطريق يقضي به إلى رياض مونقة وبساتين معجبة ومساكن طيبة ولذة ونعيم لا يشوبه نكد ولا تعب كان حرصه على سلوكها واجتهاده في السير فيها بحسب علمه بما يفضي إليه ولهذا قال أبو عثمان النهدي لسلمان لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحا مني بآخره وذلك لأنه إذا كان قد سبق له من الله سابقة وهيأه ويسره للوصول إليها كان فرحه بالسابقة التي سبقت له من الله أعظم من فرحه بالأسباب التي تأتي بها فإنها سبقت له من الله قبل الوسيلة منه وعلمها الله وشاءها وكتبها وقدرها وهيأ له أسبابها لتوصله إليها فالأمر كله من فضله وجوده السابق فسبق له من الله سابقة السعادة ووسيلتها وغايتها فالمؤمن أشد فرحا بذلك من كون أمره مجعولا إليه كما قال بعض السلف والله ما أحب أن يجعل أمري إلي إنه إذا كان بيد الله خيرا من أن يكون بيدي فالقدر السابق معين على الأعمال وما يحث عليها ومقتض لها لا أنه مناف لها وصاد عنها وهذا موضع مزلة قدم من ثبتت قدمه فاز بالنعيم المقيم ومن زلت قدمه عنه هوى إلى قرار الجحيم فالنبي صلى الله عليه وسلم أرشد الأمة في القدر إلي أمرين هما سببا السعادة الإيمان بالأقدار فإنه نظام التوحيد والإتيان بالأسباب التي توصل إلى خيره وتحجز عن شره وذلك نظام الشرع فأرشدهم إلى نظام التوحيد والأمر فأبى المنحرفون إلا القدح بإنكاره في أصل التوحيد أو القدح بإثباته في أصل الشرع ولم تتسع عقولهم التي لم يلق الله عليها من نوره للجمع بين ما جمعت الرسل جميعهم بينه وهو القدر والشرع والخلق والأمر وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم والنبي صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على جمع هذين الأمرين للأمة وقد تقدم قوله: quot;أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن العاجز من لم يتسع للأمرينquot; وبالله التوفيق.(1\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11226",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الثامن: في قوله تعالى: إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون قد تقدمت الأحاديث بوقوع أهل السعادة في إحدى القبضتين وكتابتهم بأسمائهم وأسماء آبائهم في ديوان السعداء قبل خلقهم وفي صحيح الحاكم من حديث الحسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: quot;لما نزلت: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم قال المشركون فالملائكة وعيسى وعزيرا يعبدون من دون الله قال فنزلت: إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون quot; وهذا إسناد صحيح وقال علي بن المديني ثنا يحيى بن آدم ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم قال أخبرني أبو رزين عن أبي يحيى عن ابن عباس أنه قال: quot;آية لا يسأل الناس عنها لا أدري أعرفوها فلم يسألوا عنها أو جهلوها فلا يسألون عنها فقيل له وما هي فقال: لما نزلت: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون شق ذلك على قريش أو على أهل مكة وقالوا يشتم آلهتنا فجاء ابن الزبعري فقال: مالكم قالوا: يشتم آلهتنا قال: وما قال قالوا: قال: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون قال: ادعوه لي فلما دعي النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا محمد هذا شيء لآلهتنا خاصة أم لكل من عبد من دون الله فقال: لا بل لكل من عبد من دون الله قال فقال ابن الزبعري: خصمت ورب هذه البنية يعني الكعبة ألست تزعم أن الملائكة عباد صالحون وأن عيسى عبد صالح وأن عزيرا عبد صالح وهذه بنو مليح تعبد الملائكة وهذه النصارى تعبد عيسى وهذه اليهود تعبد عزيرا قال فضج أهل مكة فأنزل(1\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11227",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله عز وجل: إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها قال: ونزلت: ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون قال: هو الضجيج وهذا الإيراد الذي أورده ابن الزبعري لا يرد على الآية فإنه سبحانه قال إنكم وما تعبدون من دون الله ولم يقل ومن تعبدون وما لما لا يعقل فلا يدخل فيها الملائكة والمسيح وعزير وإنما ذلك للأحجار ونحوها التي لا تعقل وأيضا فإن السورة مكية والخطاب فيها لعباد الأصنام فإنه قال إنكم وما تعبدون فلفظة إنكم ولفظة ما تبطل سؤاله وهو رجل فصيح من العرب لا يخفى عليه ذلك ولكن إيراده إنما كان من جهة القياس والعموم المعنوي الذي يعم الحكم فيه بعموم علته أي إن كان كونه معبودا يوجب أن يكون حصب جهنم فهذا المعنى بعينه موجود في الملائكة وعزير والمسيح فأجيب بالفارق وذلك من وجوه أحدها: أن الملائكة والمسيح وعزيرا ممن سبقت لهم من الله الحسنى فهم سعداء لم يفعلوا ما يستوجبون به النار فلا يعذبون بعبادة غيرهم مع بعضهم ومعاداتهم لهم فالتسوية بينهم وبين الأصنام أقبح من التسوية بين البيع والربا والميتة والذكي وهذا شأن أهل الباطل وإنما يسوون بين ما فرق الشرع والعقل والفطرة بينه ويفرقون بين ما سوى الله ورسوله بينه الفرق الثاني: أن الأوثان حجارة غير مكلفة ولا ناطقة فإذا حصبت بها جهنم إهانة لها ولعابديها لم يكن في ذلك من لا يستحق العذاب بخلاف الملائكة والمسيح وعزير فإنهم أحياء ناطقون فلو حصبت بهم النار كان ذلك إيلاما وتعذيبا لهم الثالث: أن من عبد هؤلاء بزعمه فإنه لم يعبدهم في الحقيقة فإنهم لم يدعوا إلى عبادتهم وإنما عبد المشركون الشياطين وتوهموا أن العبادة لهؤلاء فإنهم عبدوا بزعمهم من ادعى أنه معبود مع الله وأنه معه إله وقد برأ الله سبحانه ملائكته والمسيح وعزيرا من ذلك وإنما ادعى ذلك الشياطين وهم بزعمهم يعتقدون أنهم يرضون بأن يكونوا معبودين مع الله ولا يرضى بذلك إلا الشياطين ولهذا قال سبحانه: ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون وقال تعالى: ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان وقال تعالى: وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين فما عبد غير الله إلا الشيطان وهذه الأجوبة منتزعة من قوله: إن الذين سبقت لهم منا الحسنى فتأمل الآية تجدها تلوح في صفحات ألفاظها وبالله التوفيق والمقصود ذكر الحسنى التي سبقت من الله لأهل السعادة قبل وجودهم وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم ثنا أبو سعيد بن يحي بن سعيد ثنا أبو عامر العقدي ثنا عروة بن ثابت الأنصاري ثنا الزهري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: quot;أن عبد الرحمن بن عوف مرض مرضا شديدا أغمي عليه فأفاق فقال: أغمي علي قالوا: نعم قال: إنه أتاني رجلان غليظان فأخذا بيدي فقالا: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين فانطلقا بي فتلقاهما رجل وقال: أين تريدان به قالا: نحاكمه إلى العزيز الأمين فقال: دعاه فإن هذا ممن سبقت له السعادة وهو في بطن أمهquot; وقال عبد الله بن محمد البغوي ثنا داود بن رشيد ثنا ابن علية حدثني محمد بن محمد القرشي عن عامر بن سعد قال: quot;أقبل سعد من أرض له فإذا الناس عكوف على رجل فاطلع فإذا هو يسب طلحة والزبير وعليا فنهاه فكأنما زاده إغراء فقال: ويلك تريد أن تسب أقواما هم خير منك لتنتهين أو لأدعون عليك فقال: كأنما يخوفني(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11228",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نبي من الأنبياء فانطلق فدخل دارا فتوضأ ودخل المسجد ثم قال: اللهم إن كان هذا قد سب أقواما قد سبقت لهم منك حسنى أسخطك سبه إياهم فأرني اليوم آية تكون للمؤمنين آية وقال تخرج بختية من دار بني فلان لا يردها شيء حتى تنتهي إليه ويتفرق الناس وتجعله بين قوائمها وتطأه حتى طفى قال: فأنا رأيت سعدا يتبعه الناس يقولون استجاب الله لك يا أبا إسحاق استجاب الله لك يا أبا إسحاق وقال تعالى: وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا أي الله سماكم من قبل القرآن وفي القرآن فسبقت تسمية الحق سبحانه لهم مسلمين قبل إسلامهم وقبل وجودهم وقال تعالى: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون وقال ابن عباس في رواية الوالي عنه في قوله: وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال سبقت لهم السعادة في الذكر الأول وهذا لا يخالف قول من قال أنه الأعمال الصالحة التي قدموها ولا قول من قال أنه محمد صلى الله عليه وسلم فإنه سبق لهم من الله في الذكر الأول السعادة بأعمالهم على يد محمد صلى الله عليه وسلم فهو خير تقدم لهم من الله ثم قدمه لهم على يد رسوله ثم يقدمهم عليه يوم لقائه وقد قال تعالى: لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم وقد اختلف السلف في هذا الكتاب السابق فقال جمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم لولا قضاء من الله سبق لكم يا أهل بدر في اللوح المحفوظ أن الغنائم حلال لكم لعاقبكم وقال آخرون لولا كتاب من الله سبق أنه لا يعذب أحدا إلا بعد الحجة لعاقبكم وقال آخرون لولا كتاب من الله سبق لأهل بدر أنه مغفور لهم وإن عملوا ما شاؤا لعاقبهم وقال آخرون وهو الصواب لولا كتاب من الله سبق بهذا كله لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم والله أعلم.(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11229",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب التاسع: في قوله تعالى: إنا كل شيء خلقناه بقدر قال سفيان عن زياد بن إسماعيل المخزومي ثنا محمد بن عباد بن جعفر ثنا أبو هريرة قال جاء مشركو قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاصمون في القدر فنزلت هذه الآية: إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر رواه مسلم وقد روى الدارقطني من حديث حبيب بن عمرو الأنصاري عن أبيه قال قال رسول الله تعالى صلى الله عليه وسلم: quot;إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين خصماء الله وهم القدريةquot; ولكن حبيب هذا قال الدارقطني: مجهول والحديث مضطرب الاسناد ولا يثبت والمخاصمون في القدر نوعان أحدهما: من يبطل أمر الله ونهيه بقضائه وقدره كالذين قالوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا والثاني: من ينكر قضاءه وقدره السابق والطائفتان خصماء الله قال عوف: من كذب بالقدر فقد كذب بالإسلام إن الله تبارك وتعالى قدر اقدارا وخلق الخلق بقدر وقسم الآجال بقدر وقسم الأرزاق بقدر وقسم البلاء بقدر وقسم العافية بقدر وأمر ونهى وقال الإمام أحمد القدر قدرة الله واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدا وقال هذا يدل على دقة علم أحمد وتبحره في معرفة أصول الدين وهو كما قال أبو الوفاء: فإن إنكار القدر إنكار لقدرة الرب على خلق أعمال العباد وكتابها وتقديرها وسلف القدرية كانوا ينكرون علمه بها وهم الذين اتفق سلف الأمة على تكفيرهم وسنذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله وفي تفسير علي بن أبي طلحة(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11230",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن ابن عباس في قوله تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء قال: quot;الذين يقولون إن الله على كل شيء قدير وهذا من فقه ابن عباس وعلمه بالتأويل ومعرفته بحقائق الأسماء والصفات فإن أكثر أهل الكلام لا يوفون هذه الجملة حقها ولو كانوا يقرون فمنكرو القدر وخلق أفعال العباد لا يقرون بها على وجهها ومنكرو أفعال الرب القائمة به لا يقرون بها على وجهها بل يصرحون أنه لا يقدر على فعل يقوم به ومن لا يقر بأن الله سبحانه كل يوم هو في شأن يفعل ما يشاء لا يقر بأن الله على كل شيء قدير ومن لا يقر بأن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء وأنه سبحانه مقلب القلوب حقيقة وأنه إن شاء يقيم القلب أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه لا يقر بأن الله على كل شيء قدير ومن لا يقر بأنه استوى على عرشه بعد أن خلق السماوات والأرض وأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا يقول من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له وأنه نزل إلى الشجرة فكلم موسى كلمه منها وأنه ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة حين تخلو من سكانها وأنه يجيء يوم القيامة فيفصل بين عباده وأنه يتجلى لهم يضحك وأنه يريهم نفسه المقدسة وأنه يضع رجله على النار فيضيق بها أهلها وينزوي بعضها إلى بعض إلى غير ذلك من شؤنه وأفعاله التي من لم يقر بها لم يقر بأنه على كل شيء قدير بأنه على كل شيء قديرquot; فيا لها كلمة من حبر الأمة وترجمان القرآن وقد كان ابن عباس شديدا على القدرية وكذلك الصحابة كما سنذكر ذلك إن شاء الله تعالى.(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11231",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "الباب العاشر: في مراتب القضاء والقدر التي من لم يؤمن بها لم يؤمن بالقضاء والقدر",
        "content": "الباب العاشر: في مراتب القضاء والقدر التي من لم يؤمن بها لم يؤمن بالقضاء والقدر وهي أربع مراتب المرتبة الأولى على الرب سبحانه بالأشياء قبل كونها المرتبة الثانية كتابته لها قبل كونها المرتبة الثالثة مشيئته لها الرابعة خلقه لها فأما المرتبة الأولى: وهي العلم السابق فقد اتفق عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم واتفق عليه جميع الصحابة ومن تبعهم من الأمة وخالفهم مجوس الأمة وكتابته السابقة تدل على علمه بها قبل كونها وقد قال تعالى: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون قال مجاهد علم من إبليس المعصية وخلقه لها وقال قتادة كان في علمه أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة وقال ابن مسعود: quot;أعلم ما لا تعلمون من إبليسquot; وقال مجاهد أيضا: quot;علم من إبليس أنه لا يسجد لآدمquot; وقال تعالى: إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير وفي المسند من حديث لقيط بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;يا رسول الله ما عندك من علم الغيب فقال: ضن ربك بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله وأشار بيده فقلت: ما هن قال علم المنية قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه وعلم المنى حين يكون في الرحم قد علمه ولا تعلمونه وعلم ما في غد قد علم ما أنت طاعم ولا تعلمه وعلم يوم الغيث يشرق عليكم مشفقين فيظل يضحك قد علم أن غوثكم إلى قريب قال لقيط لن نعدم من رب يضحك خيرا وعلم يوم الساعةquot; وقد تقدم حديث علي المتفق على صحته: quot;ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا وقد علم مكانها من الجنة أو النارquot; وقال البزار حدثنا محمد بن عمر بن هياج الكوفي ثنا عبيد الله بن موسى ثنا فضيل بن مرزوق عن عطية عن(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11232",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أحسبه قال: quot;يؤتى بالهالك في الفترة والمعتوه والمولود فيقول الهالك في الفترة لم يأتني كتاب ولا رسول ويقول المعتوه أي رب لم تجعل لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا ويقول المولود أي رب لم أدرك العمل قال فيرفع لهم نار فيقال لهم ردوها أو قال أدخلوها فيردها من كان في علم الله سعيدا أن لو أدرك العمل قال ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا أن لو أدرك العمل فيقول تبارك وتعالى إياي عصيتم فكيف رسلي بالغيبquot; وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة جمعا هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت منهم وهو صغير قال الله أعلم بما كانوا عاملينquot; ومعنى الحديث الله أعلم بما كانوا عاملين لو عاشوا وقد قال تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم قال ابن عباس: علم ما يكون قبل أن يخلقه وقال أيضا على علم قد سبق عنده وقال أيضا: يريد الأمر الذي سبق له في أم الكتاب وقال سعيد بن جبير ومقاتل: على علمه فيه وقال أبو إسحاق: أي على ما سبق في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه وهذا الذي ذكره جمهور المفسرين وقال الثعلبي: على علم منه بعاقبة أمره قال وقيل على ما سبق في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه وكذلك ذكر البغوي وأبو الفرج بن الجوزي قال: على علمه السابق فيه أنه لا يهتدي وذكر طائفة منهم المهدوي وغيره: قولين في الآية هذا أحدهما قال المهدوي: فأضله الله على علم علمه منه بأنه لا يستحقه قال: وقيل على علم من عابد الصنم أنه لا ينفع ولا يضر وعلى الأول يكون على علم حال من الفاعل المعنى أضله الله عالما بأنه من أهل الضلال في سابق علمه وعلى الثاني حال من المفعول أي أضله الله في حال علم الكافر بأنه ضال قلت وعلى الوجه الأول فالمعنى أضله الله عالما به وبأقواله وما يناسبه ويليق به ولا يصلح له غيره قبل خلقه وبعده وأنه أهل للضلال وليس أهلا أن يهدي وأنه لو هدى لكان قد وضع الهدى في غير محله وعند من لا يستحقه والرب تعالى حكيم إنما يضع الأشياء في محالها اللائقة بها فانتظمت الآية على هذا القول في إثبات القدر والحكمة التي لأجلها قدر عليه الضلال وذكر العلم إذ هو الكاشف المبين لحقائق الأمور ووضع الشيء في مواضعه وإعطاء الخير من يستحقه ومنعه من لا يستحقه فإن هذا لا يحصل بدون العلم فهو سبحانه أضله على علمه بأحواله التي تناسب ضلاله وتقتضيه وتستدعيه وهو سبحانه كثيرا ما يذكر ذلك مع إخباره بأنه أضل الكافر كما قال: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون وقال تعالى: يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون وقال تعالى: والله لا يهدي القوم الظالمين : والله لا يهدي القوم الفاسقين : إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار : ويضل الله الظالمين : كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب : كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار : كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون وقد أخبر سبحانه أنه يفعل ذلك عقوبة لأرباب هذه الجرائم وهذا إضلال ثان بعد الإضلال الأول كما قال تعالى: وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا وقال تعالى: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون وقال: وإذ قال(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11233",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين وقال تعالى: في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا وقال: يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون أي إن تركتم الاستجابة لله ورسوله عاقبكم بأن يحول بينكم وبين قلوبكم فلا تقدرون على الاستجابة بعد ذلك ويشبه هذا أن لم يكن بعينه قوله: ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا الآية وفي موضع آخر: تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين وفي هذه الآية ثلاثة أقوال أحدها: قال أبو إسحاق: هذا إخبار عن قوم لا يؤمنون كما قال عن نوح: أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن واحتج على هذا بقوله: كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين قال وهذا يدل على أنه قد طبع على قلوبهم وقال ابن عباس فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم فآمنوا كرها وأقروا باللسان وأضمروا التكذيب وقال مجاهد فما كانوا لو أحييناهم بعد هلاكهم ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل هلاكهم قلت وهو نظير قوله: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وقال آخرون لما جاءتهم رسلهم بالآيات التي اقترحوها وطلبوها ما كانوا ليؤمنوا بعد رؤيتها ومعاينتها بما كذبوا به من قبل رؤيتها ومعاينتها فمنعهم تكذيبهم السابق بالحق لما عرفوه من الإيمان به بعد ذلك وهذه عقوبة من رد الحق أو أعرض عنه فلم يقبله فإنه يصرف عنه ويحال بينه وبينه ويقلب قلبه عنه فهذا إضلال العقوبة وهو من عدل الرب في عبده وأما الإضلال السابق الذي ضل به عن قبوله أولا والاهتداء به فهو إضلال ناشئ عن علم الله السابق في عبده أنه لا يصلح للهدى ولا يليق به وأن محله غير قابل له فالله أعلم حيث يضع هداه وتوفيقه كما هو أعلم حيث يجعل رسالته فهو أعلم حيث يجعلها أصلا وميراثا وكما أنه ليس كل محل أهلا لتحمل الرسالة عنه وأدائها إلى الخلق فليس كل محل أهلا لقبولها والتصديق بها كما قال تعالى: وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين أي ابتلينا واختبرنا بعضهم ببعض فابتلى الرؤساء والسادة بالأتباع والموالى والضعفاء فإذا نظر الرئيس والمطاع إلى المولى والضعيف أنفة وأنف أن يسلم وقال هذا يمن الله عليه بالهدى والسعادة دوني قال الله تعالى: أليس الله بأعلم بالشاكرين وهم الذين يعرفون النعمة وقدرها ويشكرون الله عليها بالاعتراف والذل والخضوع والعبودية فلو كانت قلوبكم مثل قلوبهم تعرفون قدر نعمتي وتشكروني عليها وتذكروني بها وتخضعون لي كخضوعهم وتحبوني كحبهم لمننت عليكم كما مننت عليهم ولكن لمنني ونعمي محال لا تليق إلا بها ولا تحسن إلا عندها ولهذا يقرن كثيرا بين التخصيص والعلم كقوله ههنا: أليس الله بأعلم بالشاكرين وقوله: وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته وقوله: وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون أي سبحانه المتفرد بالخلق والاختيار مما خلق وهو الاصطفاء والاجتباء ولهذا كان الوقف التام عند قوله ويختار ثم نفى عنهم الاختيار الذي اقترحوه بإرادتهم وأن ذلك ليس إليهم بل إلى الخلاق العليم الذي هو أعلم بمحال الاختيار ومواضعه لا من قال: لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم فأخبر سبحانه أنه لا يبعث الرسل باختيارهم(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11234",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأن البشر ليس لهم أن يختاروا على الله بل هو الذي يخلق ما يشاء ويختار ثم نفى سبحانه أن تكون لهم الخيرة كما ليس لهم الخلق ومن زعم أن ما مفعول يختار فقد غلط إذ لو كان هذا هو المراد لكانت الخيرة منصوبة على أنها خبر كان ولا يصح المعنى ما كان لهم الخيرة فيه وحذف العائد فإن العائد ههنا مجرور بحرف لم يجر الموصول بمثله فلو حذف مع الحرف لم يكن عليه دليل فلا يجوز حذفه وكذلك لم يفهم معنى الآية من قال أن الاختيار ههنا هو الإرادة كما يقوله المتكلمون أنه سبحانه فاعل بالاختيار فإن هذا الاصطلاح حادث منهم لا يحمل عليه كلام الله بل لفظ الاختيار في القرآن مطابق لمعناه في اللغة وهو اختيار الشيء على غيره وهو يقتضي ترجيح ذلك المختار وتخصيصه وتقديمه على غيره وهذا أمر أخص من مطلق الإرادة والمشيئة قال في الصحاح الخيرة الاسم من قولك خار الله لك في هذا الأمر والخيرة أيضا يقول محمد خيرة الله من خلقه وخيرة الله أيضا بالتسكين والاختيار الاصطفاء وكذلك التخيير والاستخارة طلب الخيرة يقال استخر الله يخر لك وخيرته بين الشيئين فوضت إليه الاختيار انتهى فهذا هو الاختيار في اللغة وهو أخص مما اصطلح عليه أهل الكلام ومن هذا قوله: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم وقوله تعالى: واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا أي اختار منهم وبهذا يحصل جواب السؤال الذي تورده القدرية يقولون في الكفر والمعاصي هل هي واقعة باختيار الله أم بغير اختياره فإن قلتم باختياره فكل مختار مرضى مصطفى محبوب فتكون مرضية محبوبة له وإن قلتم بغير اختياره لم يكن بمشيئته واختياره وجوابه أن يقال ما تعنون بالاختيار العام في اصطلاح المتكلمين وهو المشيئة والإرادة أم تعنون به الاختيار الخاص الواقع في القرآن والسنة وكلام العرب وإن أردتم بالاختيار الأول فهي واقعة باختياره بهذا الاعتبار لكن لا يجوز أن يطلق ذلك عليها لما في لفظ الاختيار من معنى الاصطفاء والمحبة بل يقال واقعة بمشيئته وقدرته وإن أردتم بالاختيار معناه في القرآن ولغة العرب فهي غير واقعة باختياره بهذا المعنى وإن كانت واقعة بمشيئته فإن قيل فهل تقولون أنها واقعة بإرادته أم لا تطلقون ذلك قيل لفظ الإرادة في كتاب الله نوعان إرادة كونية شاملة لجميع المخلوقات كقوله: فعال لما يريد وقوله: وإذا أردنا أن نهلك قرية وقوله: إن كان الله يريد أن يغويكم ونظائر ذلك وإرادة دينية أمرية لا يجب وقوع مرادها كقوله: يريد الله بكم اليسر وقوله: والله يريد أن يتوب عليكم فهي مرادة بالمعنى الأول غير مرادة بالمعنى الثاني وكذلك إن قيل هل هي واقعة بإذنه أم لا والإذن أيضا نوعان كوني كقوله: وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله وديني أمري كقوله: آلله أذن لكم وقوله: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ولفظ الاختيار مشتق من الخير المخالف للشر ولما كان الأصل في الحي أنه يريد ما ينفعه وما هو خير سميت الإرادة اختيارا وهذا يتضمن أن الإرادة اختيارا لا ترجح نوعا على نوع إلا لمرجح رجح ذلك النوع عند الفاعل والمقصود أنه يذكر العلم عند التخصيصات كقوله تعالى: ولقد اخترناهم على علم على العالمين لا خلاف بين الناس أن المعنى على علم منا بأنهم أهل الاختيار فالجملة في موضع نصب على الحال أي اخترناهم عالمين بهم وبأحوالهم وما يقتضي اختيارهم من قبل خلقهم ذكر سبحانه اختيارهم وحكمته في اختياره إياهم وذكر علمه الدال على مواضع حكمته واختياره ومن هذا قوله سبحانه: ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين وأصح الأقوال في الآية أن المعنى من قبل نزول التوراة فإنه سبحانه قال: ولقد آتينا موسى وهارون(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11235",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفرقان وضياء وذكرا للمتقين وقال: وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون ثم قال: ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل ذلك ولهذا قطعت قبل عن الإضافة وبنيت لأن المضاف منوي معلوم وإن كان غير مذكور في اللفظ وذكر سبحانه هؤلاء الثلاثة وهم أئمة الرسل وأكرم الخلق عليه محمد وإبراهيم وموسى وقد قيل من قبل أي في حال صغره قبل البلوغ وليس في اللفظ ما يدل على هذا السياق إنما يقتضي من قبل ما ذكر وقيل المعنى بقوله من قبل أي في سابق علمنا وليس في الآية أيضا ما يدل على ذلك ولا هو أمر مختص بإبراهيم بل كل مؤمن فقد قدر الله هداه في سابق علمه والمقصود قوله: وكنا به عالمين قال البغوي: quot;أنه أهل للهداية والنبوةquot; وقال أبو الفرج: quot;أي عالمين بأنه موضع لإيتاء الرشدquot; وقال صاحب الكشاف: quot;المعنى علمه به أنه علم منه أحوالا بديعة وأسرارا عجيبة وصفات قد رضيها وحمدها حتى أهله لمخالته ومخالصته وهذا كقولك في حر من الناس أنا عالم بفلان فكلامك هذا من الاحتواء على محاسن الأوصافquot; وهذا كقوله: الله أعلم حيث يجعل رسالته وقوله: ولقد اخترناهم على علم ونظيره قوله: إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم وقريب منه قوله: ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين حيث وضعنا هذا التخصيص في المحل الذي يليق به من الأماكن والأناسي. فصل: وهو سبحانه كما هو العليم الحكيم في اختياره من يختاره من خلقه وإضلاله من يضله منهم فهو العليم الحكيم بما في أمره وشرعه من العواقب الحميدة والغايات العظيمة قال تعالى: كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون بين سبحانه أن ما أمرهم به يعلم ما فيه من المصلحة والمنفعة لهم التي اقتضت أن يختاره ويأمرهم به وهم قد يكرهونه إما لعدم العلم وإما لنفور الطبع فهذا علمه بما في عواقب أمره مما لا يعلمونه وذلك علمه بما في اختياره من خلقه بما لا يعلمونه فهذه الآية تضمنت الحض على التزام أمر الله وإن شق على النفوس وعلى الرضا بقضائه وإن كرهته النفوس وفي حديث الاستخارة: quot;اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فأقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلمه شرا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه وأقدر لي الخير حيث كان ثم رضني بهquot; ولما كان العبد يحتاج في فعل ما ينفعه في معاشه ومعاده إلى علم ما فيه من المصلحة وقدرة عليه وتيسره له وليس له من نفسه شيء من ذلك بل علمه ممن علم الإنسان ما لم يعلم وقدرته منه فإن لم يقدره عليه وإلا فهو عاجز وتيسيره منه فإن لم ييسره عليه وإلا فهو متعسر عليه بعد إقداره أرشده النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى محض العبودية وهو جلب الخيرة من العالم بعواقب الأمور وتفاصيلها وخيرها وشرها وطلب القدرة منه فإنه إن لم يقدره وإلا فهو عاجز وطلب فضله منه فإن لم ييسره له ويهيئه له وإلا فهو متعذر عليه ثم إذا اختاره له بعلمه وأعانه عليه بقدرته ويسره له من فضله فهو يحتاج إلى أن يبقيه عليه ويديمه بالبركة التي يضعها فيه والبركة تتضمن ثبوته ونموه وهذا قدر زائد على إقداره عليه وتيسيره له ثم إذا فعل ذلك كله فهو محتاج إلى أن يرضيه به فإنه قد يهيئ له ما يكرهه فيظل ساخطا ويكون قد خار الله له فيه قال عبد الله بن عمران: quot;الرجل ليستخير الله فيختار له فيسخط على ربه فلا يلبث ان ينظر في العاقبة فإذا هو قد خار لهquot; وفي المسند من(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11236",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;من سعادة ابن آدم استخارته الله تعالى ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضاه الله ومن شقوة ابن آدم تركة استخارة الله عز وجل ومن شقوة ابن آدم سخطه بما قضى الله فالمقدور يكتنفه أمران الاستخارة قبله والرضا بعده فمن توفيق الله لعبده وإسعاده إياه أن يختار قبل وقوعه ويرضى بعد وقوعه ومن خذلانه له أن لا يستخيره قبل وقوعه ولا يرضى به بعد وقوعه وقال عمر بن الخطاب: quot;لا أبالي أصبحت على ما أحب أو على ما أكره لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكرهquot; وقال الحسن: quot;لا تكرهوا النقمات الواقعة والبلايا الحادثة فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك ولرب أمر تؤثره فيه عطبكquot;. فصل: ومما يناسب هذا قوله تعالى: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا بين سبحانه حكمة ما كرهوه عام الحديبية من صد المشركين لهم حتى رجعوا ولم يعتمروا وبين لهم أن مطلوبهم يحصل بعد هذا فحصل في العام القابل وقال سبحانه: فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا وهو صلح الحديبية وهو أول الفتح المذكور في قوله: إنا فتحنا لك فتحا مبينا فإن بسببه حصل من مصالح الدين والدنيا والنصر وظهور الإسلام وبطلان الكفر ما لم يكونوا يرجونه قبل ذلك ودخل الناس بعضهم في بعض وتكلم المسلمون بكلمة الإسلام وبراهينه وأدلته جهرة لا يخافون ودخل في ذلك الوقت في الإسلام قريب ممن دخل فيه إلى ذلك الوقت وظهر لكل أحد بغي المشركين وعداوتهم وعنادهم وعلم الخاص والعام أن محمدا وأصحابه أولى الحق والهدى وأن أعداءهم ليس بأيديهم إلا العدوان والعناد فإن البيت الحرام لم يصد عنه حاج ولا معتمر من زمن إبراهيم فتحققت العرب عناد قريش وعداوتهم وكان ذلك داعية لبشر كثير إلى الإسلام وزاد عناد القوم وطغيانهم وذلك من أكبر العون على نفوسهم وزاد صبر المؤمنين واحتمالهم والتزامهم لحكم الله وطاعة رسوله وذلك من أعظم أسباب نصرهم إلى غير ذلك من الأمور التي علمها الله ولم يعلمها الصحابة ولهذا سماه فتحا وسئل النبي صلى الله عليه وسلم أفتح هو قال: quot;نعمquot;. فصل: ويشبه هذا قول يوسف الصديق: يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم فأخبر أنه يلطف لما يريده فيأتي به بطرق خفية لا يعلمها الناس واسمه اللطيف يتضمن علمه بالأشياء الدقيقة وإيصاله الرحمة بالطرق الخفية ومنه التلطف كما قال أهل الكهف: وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا فكان ظاهر ما امتحن به يوسف من مفارقة أبيه وإلقائه في السجن وبيعه رقيقا ثم مراودة التي هو في بيتها عن نفسه وكذبها عليه وسجنه محنا ومصائب وباطنها نعما وفتحا جعلها الله سببا لسعادته في الدنيا والآخرة ومن هذا الباب ما يبتلي به عباده من المصائب ويأمرهم به من المكاره وينهاهم عنه من الشهوات هي طرق يوصلهم بها إلى سعادتهم في العاجل والآجل وقد حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات وقد قال صلى الله عليه وسلم: quot;لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وليس ذلك إلا للمؤمنquot; فالقضاء كله خير لمن أعطي الشكر والصبر جالبا ما جلب(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11237",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك ما فعله بآدم وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم من الأمور التي هي في الظاهر محن وابتلاء وهي في الباطن طرق خفية أدخلهم بها إلى غاية كمالهم وسعادتهم فتأمل قصة موسى وما لطف له من إخراجه في وقت ذبح فرعون للأطفال ووحيه إلى أمه أن تلقيه في اليم وسوقه بلطفه إلى دار عدوه الذي قدر هلاكه على يديه وهو يذبح الأطفال في طلبه فرماه في بيته وحجره على فراشه ثم قدر له سببا أخرجه من مصر وأوصله به إلى موضع لا حكم لفرعون عليه ثم قدر له سببا أوصله به إلى النكاح والغنى بعد العزوبة والعيلة ثم ساقه إلى بلد عدوه فأقام عليه به حجته ثم أخرجه وقومه في صورة الهاربين الفارين منه وكان ذلك عين نصرتهم على أعدائهم وإهلاكهم وهم ينظرون وهذا كله مما يبين أنه سبحانه يفعل ما يفعله لما يريده من العواقب الحميدة والحكم العظيمة التي لا تدركها عقول الخلق مع ما في ضمنها من الرحمة التامة والنعمة السابغة والتعرف إلى عباده بأسمائه وصفاته فكم في أكل آدم من الشجرة التي نهى عنها وإخراجه بسببها من الجنة من حكمة بالغة لا تهتدي العقول إلى تفاصيلها وكذلك ما قدره لسيد ولده من الأمور التي أوصله بها إلى أشرف غاياته وأوصله بالطرق الخفية فيها إلى أحمد العواقب وكذلك فعله بعباده وأوليائه يوصل إليهم نعمة ويسوقهم إلى كمالهم وسعادتهم في الطرق الخفية التي لا يهتدون إلى معرفتها إلا إذا لاحت لهم عواقبها وهذا أمر يضيق الجنان عن معرفة تفاصيله ويحصر اللسان عن التعبير عنه وأعرف خلق الله به أنبياؤه ورسله وأعرفهم به خاتمهم وأفضلهم وأمته في العلم به على مراتبهم ودرجاتهم ومنازلهم من العلم بالله وبأسمائه وصفاته وهو سبحانه قد أحاط علما بذلك كله قبل السماوات والأرض وقدره وكتبه عنده ثم يأمر ملائكته بكتابه ذلك من الكتاب الأول قبل خلق العبد فيطابق حاله وشأنه لما كتب في الكتاب ولما كتبته الملائكة لا يزيد شيئا ولا ينقص مما كتبه سبحانه وأثبته عنده كان في علمه قبل أن يكتبه ثم كتبه كما في علمه ثم وجد كما كتبه قال تعالى: ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير والله سبحانه قد علم قبل أن يوجد عباده أحوالهم وما هم عاملون وما هم إليه صائرون ثم أخرجهم إلى هذه الدار ليظهر معلومه الذي علمه فيهم كما علمه وابتلاهم من الأمر والنهي والخير والشر بما أظهر معلومه فاستحقوا المدح والذم والثواب والعقاب بما قام بهم من الأفعال والصفات المطابقة للعلم السابق ولم يكونوا يستحقون ذلك وهي في علمه قبل أن يعملوها فأرسل رسله وأنزل كتبه وشرع شرائعه إعذارا إليهم وإقامة للحجة عليهم لئلا يقولوا كيف تعاقبنا على علمك فينا وهذا لا يدخل تحت كسبنا وقدرتنا فلما ظهر علمه فيهم بأفعالهم حصل العقاب على معلومه الذي أظهره الابتلاء والاختبار وكما ابتلاهم بأمره ونهيه ابتلاهم بما زين لهم من الدنيا وبما ركب فيهم من الشهوات فذلك ابتلاه بشرعه وأمره وهذا ابتلاء بقضائه وقدره وقال تعالى: إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وقال: وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء فأخبر في هذه الآية أنه خلق السماوات والأرض ليبتلي عباده بأمره ونهيه وهذا من الحق الذي خلق به خلقه وأخبر في الآية التي قبلها أنه خلق الموت والحياة ليبتليهم أيضا فأحياهم ليبتليهم بأمره ونهيه وقدر عليهم الموت الذي ينالوا به عاقبة ذلك الابتلاء من الثواب والعقاب وإن خبر في الآية الأولى أنه زين لهم ما على الأرض ليبتليهم به أيهم يؤثر ما عنده وابتلى بعضهم ببعض(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11238",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وابتلاهم بالنعم والمصائب فأظهر هذا الابتلاء علمه السابق فيهم موجودا عيانا بعد أن كان غيبا في علمه فابتلى أبوي الإنس والجن كل منهما بالآخر فأظهر ابتلاء آدم ما علمه منه وأظهر ابتلاء إبليس ما علمه منه فلهذا قال للملائكة: إني أعلم ما لا تعلمون واستمر هذا الابتلاء في الذرية إلى يوم القيامة فابتلى الأنبياء بأممهم وابتلى أممهم بهم وقال لعبده ورسوله وخليله إني مبتليك ومبتل بك وقال: ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون وقال: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة وفي الحديث الصحيح: quot;أن ثلاثة أراد الله أن يبتليهم أبرص وأقرع وأعمى فأظهر الابتلاء حقائقهم التي كانت في علمه قبل أن يخلقهم فأما الأعمى فاعترف بإنعام الله عليه وأنه كان أعمى فقيرا فأعطاه الله البصر والغنى وبذل للسائل ما طلبه شكرا لله وأما الأقرع والأبرص فكلاهما جحدا ما كان عليه قبل ذلك من سوء الحال والفقر وقال في الغنى إنما أوتيته كابرا عن كابر وهذا حال أكثر الناس لا يعترف بما كان عليه أولا من نقص أو جهل وفقر وذنوب وأن الله سبحانه نقله من ذلك إلى ضد ما كان عليه وأنعم بذلك عليه ولهذا ينبه سبحانه الإنسان على مبدأ خلقه الضعيف من الماء المهين ثم نقله في أطباق خلقه وأطواره من حال إلى حال حتى جعله بشرا سويا يسمع ويبصر ويقول وينطق ويبطش ويعلم فنسي مبدأه وأوله وكيف كان ولم يعترف بنعم ربه عليه كما قال تعالى: أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم كلا إنا خلقناهم مما يعلمون وأنت إذا تأملت ارتباط إحدى الجملتين بالأخرى وجدت تحتها كنزا عظيما من كنوز المعرفة والعلم فأشار سبحانه بمبدأ خلقه مما يعلمون من النطفة وما بعدها إلى موضع الحجة والآية الدالة على وجوده ووحدانيته وكماله وتفرده بالربوبية والإلهية وأنه لا يحسن به مع ذلك أن يتركهم سدى لا يرسل إليهم رسولا ولا ينزل عليهم كتابا وأنه لا يعجز مع ذلك أن يخلقهم بعد ما أماتهم خلقا جديدا ويبعثهم إلى دار يوفيهم فيها أعمالهم من الخير والشر فكيف يطمعون في دخول الجنة وهم يكذبون ويكذبون رسلي ويعدلون بي خلقي وهم يعلمون من أي شيء خلقتهم ويشبه هذا قوله: نحن خلقناكم فلولا تصدقون وهم كانوا مصدقين بأنه خالقهم ولكن احتج عليهم بخلقه لهم على توحيده ومعرفته وصدق رسله فدعاهم منهم ومن خلقه إلى الإقرار بأسمائه وصفاته وتوحيده وصدق رسله والإيمان بالمعاد وهو سبحانه يذكر عباده بنعمه عليهم ويدعوهم بها إلى معرفته ومحبته وتصديق رسله والإيمان بلقائه كما تضمنته سورة النعم وهي سورة النحل من قوله: خلق الإنسان من نطفة إلى قوله: والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون فذكرهم بأصول النعم وفروعها وعددها عليهم نعمة نعمة وأخبر أنه أنعم بذلك عليهم ليسلموا له فتكمل نعمه عليهم بالإسلام الذي هو رأس النعم ثم أخبر عمن كفره ولم يشكر نعمه بقوله: يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها قال مجاهد: quot;المساكن والأنعام وسرابيل الثياب والحديد يعرفه كفار قريش ثم ينكرونه بأن يقولوا هذا كان لآبائنا ورثناه عنهمquot; وقال عون بن عبد الله: quot;يقولون لولا فلان لكان كذا وكذاquot; وقال الفراء وابن قتيبة: quot;يعرفون أن النعم من الله ولكن يقولون هذه بشفاعة آلهتناquot; وقالت طائفة: quot;النعمة ههنا محمد صلى الله عليه وسلم وإنكارها جحدهم نبوتهquot; وهذا يروى عن مجاهد والسدي وهذا أقرب إلى حقيقة الإنكار فإنه إنكار لما هو أجل النعم أن تكون نعمة وأما على القول الأول والثاني والثالث فإنهم لما أضافوا النعمة إلى غير الله فقد أنكروا(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11239",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نعمة الله بنسبتها إلى غيره فإن الذي قال إنما كان هذا لآبائنا ورثناه كابرا عن كابر جاحدا لنعمة الله عليه غير معترف بها وهو كالأبرص والأقرع اللذين ذكرهما الملك بنعم الله عليهما فأنكرا وقالا إنما ورثنا هذا كابرا عن كابر فقال إن كنتما كاذبين فصيركما الله إلى ما كنتما وكونها موروثة عن الآباء أبلغ في إنعام الله عليهم إذ أنعم بها على آباءهم ثم ورثهم إياها فتمتعوا هم وآباؤهم بنعمة وأما قول الآخرين لولا فلان لما كان كذا فيتضمن قطع إضافة النعمة إلى من لولاه لم تكن وإضافتها إلى من لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرا ولا نفعا وغايته أن تكون جزء من أجزاء السبب أجرى الله تعالى نعمته على يده والسبب لا يستقل بالإيجاد وجعله سببا هو من نعم الله عليه وهو المنعم بتلك النعمة وهو المنعم بما جعله من أسبابها فالسبب والمسبب من إنعامه وهو سبحانه قد ينعم بذلك السبب وقد ينعم بدونه فلا يكون له أثر وقد يسلبه تسبيبيته وقد يجعل لها معارضا يقاومها وقد يرتب على السبب ضد مقتضاه فهو وحده المنعم على الحقيقة وأما قول القائل بشفاعة آلهتنا فتضمن الشرك مع إضافة النعمة إلى غير وليها فالآلهة التي تعبد من دون الله أحقر وأذل من أن تشفع عند الله وهي محضرة في الهوان والعذاب مع عابديها وأقرب الخلق إلى الله وأحبهم إليه لا يشفع عنده إلا من بعد إذنه لمن ارتضاه فالشفاعة بإذنه من نعمة فهو المنعم بالشفاعة وهو المنعم بقبولها وهو المنعم بتأهيل المشفوع له إذ ليس كل أحد أهلا أن يشفع له فمن المنعم على الحقيقة سواه قال تعالى: وما بكم من نعمة فمن الله فالعبد لا خروج له عن نعمته وفضله ومنته وإحسانه طرفة عين لا في الدنيا ولا في الآخرة ولهذا ذم الله سبحانه من أتاه شيئا من نعمة فقال إنما أوتيته على علم عندي وفي الآية الأخرى: فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم وقال البغوي: quot;على علم من الله أني له أهلquot; وقال مقاتل: quot;على خير علمه الله عنديquot; وقال آخرون: quot;على علم من الله أني له أهلquot; ومضمون هذا القول أن الله آتانيه على علمه بأني أهله وقال آخرون: quot;بل العلم له نفسه ومعناه أوتيته على علم مني بوجوه المكاسبquot; قاله قتادة وغيره وقيل: المعنى قد علمت أني لما أوتيت هذا في الدنيا فلي عند الله منزلة وشرف وهذا معنى قول مجاهد quot;أوتيته على شرفquot; قال تعالى: بل هي فتنة أي النعم التي أوتيتها فتنة نختبره فيها ومحنة نمتحنه بها لا يدل على اصطفائه واجتبائه وأنه محبوب لنا مقرب عندنا ولهذا قال في قصة قارون: أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا فلو كان إعطاء المال والقوة والجاه يدل على رضاء الله سبحانه عمن آتاه ذلك وشرف قدره وعلو منزلته عنده لما أهلك من آتاه من ذلك أكثر مما آتى قارون فلما أهلكهم مع سعة هذا العطاء وبسطته علم أن عطاءه إنما كان ابتلاء وفتنة لا محبة ورضا واصطفاء لهم على غيرهم ولهذا قال في الآية الأخرى: بل هي فتنة أي النعمة فتنة لا كرامة ولكن أكثرهم لا يعلمون ثم أكد هذا المعنى بقوله: قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فأصابهم سيئات ما كسبوا أي قد قال هذه المقالة الذين من قبلهم لما آتيناهم نعمنا قال قال ابن عباس: quot;كانوا قد بطروا نعمة الله إذ آتاهم الدنيا وفرحوا بها وطغوا وقالوا هذه كرامة من الله لناquot; وقوله: فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون المعنى أنهم ظنوا أن ما آتيناهم لكرامتهم علينا ولم يكن كذلك لأنهم وقعوا في العذاب ولم يغن عنهم ما كسبوا شيئا وتبين أن تلك النعم لم تكن لكرامتهم علينا وهو أن من منعناه إياها وقال أبو إسحاق: quot;معنى الآية أن قولهم إنما آتانا الله ذلك لكرامتنا عليه وإنا أهله أحبط أعمالهم فكنى عن إحباط العمل بقوله: فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ثم أبطل(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11240",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبحانه هذا الظن الكاذب منهم بقوله: أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر quot;والمقصود أن قوله على علم عندي إن أريد به علمه نفسه كان المعنى أوتيته على ما عندي من العلم والخبرة والمعرفة التي توصلت بها إلى ذلك وحصلته بها وإن أريد به علم الله كان المعنى أوتيته على ما علم الله عندي من الخير والاستحقاق وإني أهله وذلك من كرامتي عليه وقد يترجح هذا القول بقوله أوتيته ولم يقل حصلته واكتسبته بعلمي ومعرفتي فدل على اعترافه بأن غيره آتاه إياه ويدل عليه قوله تعالى: بل هي فتنة أي محنة واختبار والمعنى أنه لم يؤت هذا لكرامته علينا بل أوتيه امتحانا منا وابتلاء واختبارا هل يشكر فيه أم يكفر وأيضا فهذا يوافق قوله: فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن فهو قد اعترف بأن ربه هو الذي آتاه ذلك ولكن ظن أنه لكرامته عليه فالآية على التقدير الأول تتضمن ذم من أضاف النعم إلى نفسه وعلمه وقوته ولم يضفها إلى فضل الله وإحسانه وذلك محض الكفر بها فإن رأس الشكر الاعتراف بالنعمة وأنها من المنعم وحده فإذا أضيفت إلى غيره كان جحدا لها فإذا قال أوتيته على ما عندي من العلم والخبرة التي حصلت بها ذلك فقد أضافها إلى نفسه وأعجب بها كما أضافها إلى قدرته الذين قالوا من أشد منا قوة فهؤلاء اغتروا بقوتهم وهذا اغتر بعلمه فما أغنى عن هؤلاء قوتهم ولا عن هذا علمه وعلى التقدير الثاني يتضمن ذم من اعتقد أن إنعام الله عليه لكونه أهلا ومستحقا لها فقد جعل سبب النعمة ما قام به من الصفات التي يستحق بها على الله أن ينعم عليه وأن تلك النعمة جزاء له على إحسانه وخيره فقد جعل سببها ما اتصف به هو لا ما قام بربه من الجود والإحسان والفضل والمنة ولم يعلم أن ذلك ابتلاء واختبار له أيشكر أم يكفر ليس ذلك جزاء على ما هو منه ولو كان ذلك جزاء على عمله أو خير قام به فالله سبحانه هو المنعم عليه بذلك السبب فهو المنعم بالمسبب والجزاء والكل محض منته وفضله وجوده وليس للعبد من نفسه مثقال ذرة من الخير وعلى التقديرين فهو لم يضف النعمة إلى الرب من كل وجه وإن أضافها إليه من وجه دون وجه وهو سبحانه وحده هو المنعم من جميع الوجوه على الحقيقة بالنعم وأسبابها فأسبابها من نعمه على العبد وإن حصلت بكسبه فكسبه من نعمه فكل نعمة فمن الله وحده حتى الشكر فإنه نعمة وهي منه سبحانه فلا يطيق أحد أن يشكره إلا بنعمته وشكره نعمة منه عليه كما قال داود: quot;يا رب كيف أشكرك وشكري لك نعمة من نعمك علي تستوجب شكرا آخر فقال: الآن شكرتني يا داودquot; ذكره الإمام أحمد وذكر أيضا عن الحسن قال: قال داود: quot;إلهي لو أن لكل شعرة من شعري لسانين يذكرانك بالليل والنهار والدهر كله لما أدوا مالك علي من حق نعمة واحدة والمقصود أن حال الشاكر ضد حال القائل إنما أوتيته على علم عندي ونظير ذلك قوله: لا يسأم الأنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤوس قنوط ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي قال ابن عباس: quot;يريد من عنديquot; وقال مقاتل: quot;يعني أنا أحق بهذاquot; وقال مجاهد: quot;هذا بعملي وأنا محقوق بهquot; وقال الزجاج: quot;هذا واجب بعملي استحقيتهquot; فوصف الإنسان بأقبح صفتين إن مسه الشر صار إلى حال القانط ووجم وجوم الآيس فإذا مسه الخير نسي أن الله هو المنعم عليه المفضل بما أعطاه فبطر وظن أنه هو المستحق لذلك ثم أضاف إلى ذلك تكذيبه بالبعث فقال:: وما أظن الساعة قائمة ثم أضاف إلى ذلك ظنه الكاذب أنه إن بعث كان له عند الله الحسنى فلم يدع هذا للجهل والغرور موضعا.(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11241",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: وفي قوله تعالى: وأضله الله على علم قول آخر أنه على علم الضال كما قيل على علم منه أن معبوده لا ينفع ولا يضر فيكون المعنى أضله الله مع علمه الذي تقوم به عليه الحجة لم يضله على جهل وعدم علم هذا يشبه قوله: فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون وقوله: فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين وقوله: وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم وقوله: وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وقول موسى لفرعون: لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وقوله تعالى: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون وقوله: فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون وقوله: وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ونظائره كثيرة وعلى هذا التقدير فهو ضال عن سلوك طريق رشده وهو يراها عيانا كما في الحديث: quot;أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمهquot; فإن الضال عن الطريق قد يكون متبعا لهواه عالما بأن الرشد والهدى في خلاف ما يعمل ولما كان الهدى هو معرفة الحق والعمل به كان له ضدان الجهل وترك العمل به فالأول ضلال في العلم والثاني ضلال في القصد والعمل فقد وقع قوله على علم في قوله تعالى: ولقد اخترناهم على علم وفي قوله: وأضله الله على علم وفي قوله: قال إنما أوتيته على علم فالأول يرجع العلم فيه إلى الله قولا واحدا والثاني والثالث فيهما قولان والراجح في قوله: وأضله الله على علم أن يكون كالأول وهو قول عامة السلف والثالث فيه قولان محتملان وقد ذكر توجههما والله أعلم والمقصود ذكر مراتب القضاء والقدر علما وكتابة ومشيئة وخلقا.(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11242",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "الباب الحادي عشر: في ذكر المرتبة الثانية وهي مرتبة الكتابة",
        "content": "الباب الحادي عشر: في ذكر المرتبة الثانية وهي مرتبة الكتابة وقد تقدم في أول الكتاب ما دل على ذلك من نصوص القرآن والسنة الصحيحة الصريحة فنذكر هنا بعض ما لم نذكره قال تعالى: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين فالزبور هنا جميع الكتب المنزلة من السماء لا تختص بزبور داود والذكر أم الكتاب الذي عند الله والأرض الدنيا وعباده الصالحون أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم هذا أصح الأقوال في هذه الآية وهي علم من أعلام نبوة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فإنه أخبر بذلك بمكة وأهل الأرض كلهم كفار أعداء له ولأصحابه والمشركون قد أخرجوهم من ديارهم ومساكنهم وشتتوهم في أطراف الأرض فأخبرهم ربهم تبارك وتعالى أنه كتب في الذكر الأول إنهم يرثون الأرض من الكفار ثم كتب ذلك في الكتب التي أنزلها على رسله والكتاب قد أطلق عليه الذكر في قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: quot;كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماءquot; وكتب في الذكر كل شيء فهذا هو الذكر الذي كتب فيه أن الدنيا تصير لأمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم والكتب المنزلة قد أطلق عليه الزبر في قوله تعالى: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر أي أرسلناهم بالآيات الواضحات والكتب التي فيها الهدى والنور والذكر ههنا الكتابان اللذان أنزلا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما التوراة والإنجيل والذكر في قوله: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم هو القرآن ففي هذه الآية علمه بما كان قبل كونه وكتابته له بعد علمه وقال تعالى: إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11243",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكل شيء أحصيناه في إمام مبين فجمع بين الكتابين الكتاب السابق لأعمالهم قبل وجودهم والكتاب المقارن لأعمالهم فأخبر أنه يحييهم بعد ما أماتهم للبعث ويجازيهم بأعمالهم ونبه بكتابته لها على ذلك قال نكتب ما قدموا من خير أو شر فعلوه في حياتهم وآثارهم ما سنوا من سنة خير أو شر فاقتدي بهم فيها بعد موتهم وقال ابن عباس في رواية عطاء: quot;آثارهم ما أثروا من خير أو شرquot; كقوله: ينبأ الأنسان يومئذ بما قدم وأخر فإن قلت قد استفيد هذا من قوله قدموا فما أفاد قوله: آثارهم على قوله قلت أفاد فائدة جليلة وهو أنه سبحانه يكتب ما عملوه وما تولد من أعمالهم فيكون المتولد عنها كأنهم عملوه في الخير والشر وهو أثر أعمالهم فآثارهم هي آثار أعمالهم المتولدة عنها وهذا القول أعم من قول مقاتل وكأن مقاتلا أراد التمثيل والبيان على عادة السلف في تفسير اللفظة العامة بنوع أو فرد من أفراد مدلولها تقريبا وتمثيلا لا حصرا وإحاطة وقال أنس وابن عباس في رواية عكرمة: quot;نزلت هذه الآية في بني سلمة أرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد وكانت منازلهم بعيدة فلما نزلت قالوا بل نمكث مكاننا واحتج أرباب هذا القول بما في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري قال: quot;كانت بنو سلمة في ناحية المدينة فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية: إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركمquot; وقد روى مسلم في صحيحه نحوه من حديث جابر وأنس وفي هذا القول نظر فإن سورة يس مكية وقصة بني سلمة بالمدينة إلا أن يقال هذه الآية وحدها مدنية وأحسن من هذا أن تكون ذكرت عند هذه القصة ودلت عليها وذكروا بها عندها إما من النبي صلى الله عليه وسلم وإما من جبريل فأطلق على ذلك النزول ولعل هذا مراد من قال في نظائر ذلك نزلت مرتين والمقصود أن خطاهم إلى المساجد من آثارهم التي يكتبها الله لهم قال عمر بن الخطاب: quot;لو كان الله سبحانه تاركا لابن آدم شيئا لترك ما عفت عليه الرياح من أثرquot; وقال مسروق: quot;ما خطا رجل خطوة إلا كتبت له حسنة أو سيئةquot; والمقصود أن قوله: وكل شيء أحصيناه في إمام مبين وهو اللوح المحفوظ وهو أم الكتاب وهو الذكر الذي كتب فيه كل شيء يتضمن كتابة أعمال العباد قبل أن يعملوها والإحصاء في الكتاب يتضمن علمه بها وحفظها لها والإحاطة بعددها وإثباتها فيه وقال تعالى: وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون وقد اختلف في الكتاب ههنا هل هو القرآن أو اللوح المحفوظ على قولين فقالت طائفة المراد به القرآن وهذا من العام المراد به الخاص أي ما فرطنا فيه من شيء يحتاجون إلى ذكره وبيانه كقوله: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ويجوز أن يكون من العام المراد به عمومه والمراد أن كل شيء ذكر فيه مجملا ومفصلا كما قال ابن مسعود: quot;وقد لعن الواصلة والمستوصلة ما لي لا ألعن من لعنه الله في كتابه فقالت امرأة لقد قرأت القرآن فما وجدته فقال إن كنت قرأتيه فقد وجدته قال تعالى: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواصلة والمستوصلةquot; وقال الشافعي ما نزل بأحد من المسلمين نازلة إلا وفي كتاب الله سبيل الدلالة عليها وقالت طائفة المراد بالكتاب في الآية اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه كل شيء وهذا إحدى الروايتين عن ابن عباس وكان هذا القول أظهر في الآية والسياق يدل عليه فإنه قال: وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم وهذا يتضمن أنها أمم أمثالنا في الخلق والرزق والأكل والتقدير الأول وأنها لم تخلق سدى(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11244",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بل هي معبدة مذللة قد قدر خلقها وأجلها ورزقها وما تصير إليه ثم ذكر عاقبتها ومصيرها بعد فنائها ثم قال إلى ربهم يحشرون فذكر مبدأها ونهايتها وأدخل بين هاتين الحالتين قوله: ما فرطنا في الكتاب من شيء أي كلها قد كتبت وقدرت وأحصيت قبل أن توجد فلا يناسب هذا ذكر كتاب الأمر والنهي وإنما يناسب ذكر الكتاب الأول ولمن نصر القول الأول أن يجيب عن هذا بأن في ذكر القرآن ههنا الإخبار عن تضمنه لذكر ذلك والإخبار به فلم نفرط فيه من شيء بل أخبرناكم بكل ما كان وما هو كائن إجمالا وتفصيلا ويرجحه أمر آخر وهو أن هذا ذكر عقيب قوله: وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون فنبههم على أعظم الآيات وأدلها على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الكتاب الذي يتضمن بيان كل شيء ولم يفرط فيه من شيء ثم نبههم بأنهم أمة من جملة الأمم التي في السماوات والأرض وهذا يتضمن التعريف بوجود الخالق وكمال قدرته وعلمه وسعة ملكه وكثرة جنوده والأمم التي يحصيها غيره وهذا يتضمن أنه لا إله غيره ولا رب سواه وأنه رب العالمين فهذا دليل على وحدانيته وصفات كماله من جهة خلقه وقدره وإنزال الكتاب الذي لم يفرط فيه من شيء دليل من جهة أمره وكلامه فهذا استدلال بأمره وذاك بخلقه: ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين  وشهد لهذا أيضا قوله: وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون ولمن نصر إن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ أن يقول لما سألوا آية أخبرهم سبحانه بأنه لم يترك إنزالها لعدم قدرته على ذلك فإنه قادر على ذلك وإنما لم ينزلها لحكمته ورحمته بهم وإحسانه إليهم أذلوا أنزلها على وفق اقتراحهم لعوجلوا بالعقوبة أن لم يؤمنوا ثم ذكر ما يدل على كمال قدرته بخلق الأمم العظيمة التي لا يحصي عددها إلا هو فمن قدر على خلق هذه الأمم مع اختلاف أجناسها وأنواعها وصفاتها وهيئاتها كيف يعجز عن إنزال آية ثم أخبر عن كمال قدرته وعلمه بأن هؤلاء الأمم قد أحصاهم وكتبهم وقدر أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم في كتاب لم يفرط فيه من شيء ثم يميتهم ثم يحشرهم إليه والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات عن النظر والاعتبار الذي يؤديهم إلى معرفة ربوبيته ووحدانيته وصدق رسله ثم أخبر أن الآيات لا تستقل بالهدى ولو أنزلها على وفق اقتراح البشر بل الأمر كله له من يشأ يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم فهو أظهر القولين والله أعلم وقال: حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم قال ابن عباس: quot;في اللوح المحفوظ المقري عندناquot; قال مقاتل: quot;أن نسخته في أصل الكتاب وهو اللوح المحفوظ وأم الكتاب أصل الكتاب وأم كل شيء أصلهquot; والقرآن كتبه الله في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض كما قال تعالى: بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ وأجمع الصحابة والتابعون وجميع أهل السنة والحديث أن كل كائن إلى يوم القيامة فهو مكتوب في أم الكتاب وقد دل القرآن على أن الرب تعالى كتب في أم الكتاب ما يفعله وما يقوله فكتب في اللوح أفعاله وكلامه فتبت يدا أبي لهب في اللوح المحفوظ قبل وجود أبي لهب وقوله لدينا يجوز فيه أن تكون من صلة أم الكتاب أي أنه في الكتاب الذي عندنا وهذا اختيار ابن عباس ويجوز أن يكون من صلة الخبر أنه علي حكيم عندنا ليس هو كما عند المكذبين به أي وإن كذبتم به وكفرتم فهو عندنا في غاية الارتفاع والشرف(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11245",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والإحكام وقال تعالى: فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب قال سعيد بن جبير ومجاهد وعطية: quot;أي ما سبق لهم في الكتاب من الشقاوة والسعادة ثم قرأ عطية: فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة quot;والمعنى أن هؤلاء أدركهم ما كتب لهم من الشقاوة وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء قال: quot;يريد ما سبق عليهم في علمي في اللوح المحفوظquot; فالكتاب على هذا القول الكتاب الأول ونصيبهم ما كتب لهم من الشقاوة وأسبابها وقال ابن زيد والقرطبي والربيع بن أنس: quot;ينالهم ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال فإذا فني نصيبهم واستكملوه جاءتهم رسلنا يتوفونهم ورجح بعضهم هذا القول لمكان حتى التي هي للغاية يعني أنهم يستوفون أرزاقهم وأعمارهم إلى الموت ولمن نصر القول الأول أن يقول حتى في هذا الموضع هي التي تدخل على الجمل ويتصرف الكلام فيها إلى الابتداء كما في كقوله: فيا عجبا حتى كليب تسبني والصحيح أن نصيبهم من الكتاب يتناول الأمرين فهو نصيبهم من الشقاوة ونصيبهم من الأعمال التي هي أسبابها ونصيبهم من الأعمار التي هي مدة اكتسابها ونصيبهم من الأرزاق التي استعانوا بها على ذلك فعمت الآية هذا النصيب كله وذكر هؤلاء بعضه وهؤلاء بعضه هذا على القول الصحيح وأن المراد ما سبق لهم في أم الكتاب وقالت طائفة المراد بالكتاب القرآن قال الزجاج: quot;معنى نصيبهم من الكتاب ما أخبر الله من جزائهم نحو قوله: فأنذرتكم نارا تلظى وقوله: يسلكه عذابا صعدا quot; قال أرباب هذا القول وهذا هو الظاهر لأنه ذكر عذابهم في القرآن في مواضع ثم أخبر أنه ينالهم نصيبهم منه والصحيح القول الأول وهو نصيبهم الذي كتب لهم أن ينالوه قبل أن يخلقوا ولهذا القول وجه حسن وهو أن نصيب المؤمنين منه الرحمة والسعادة ونصيب هؤلاء منه العذاب والشقاء فنصيب كل فريق منه ما اختاروه لأنفسهم وآثروه على غيره كما أن حظ المؤمنين منه كان الهدى والرحمة فحظ هؤلاء منه الضلال والخيبة فكان حظهم من هذه النعمة أن صارت نقمة وحسرة عليهم وقريب من هذا قوله: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون أي تجعلونه حظكم من هذا الرزق الذي به حياتكم التكذيب به قال الحسن: quot;تجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون قال وخسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب بهquot; وقال تعالى: وكل شيء فعلوه في الزبر قال عطاء ومقاتل: quot;كل شيء فعلوه مكتوب عليهم في اللوح المحفوظquot; وروى حماد بن زيد عن داود بن أبي هند عن الشعبي: وكل شيء فعلوه في الزبر قال: quot;كتب عليهم قبل أن يعملوهquot; وقالت طائفة: quot;المعنى أنه يحصى عليهم في كتب أعمالهمquot; وجمع أبو إسحاق بين القولين فقال: quot;مكتوب عليهم قبل أن يفعلوه ومكتوب عليهم إذا فعلوه للجزاءquot; وهذا أصح وبالله التوفيق وفي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: quot;ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العينين النظر وزنا اللسان النطق والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك ويكذبهquot; وفي الصحيح أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدق الفرج ذلك كله ويكذبهquot; وفي صحيح البخاري وغيره عن عمران بن حصين قال: quot;دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم قالوا: قد بشرتنا فأعطنا(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11246",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مرتين ثم دخل عليه ناس من اليمن فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا: قد قبلنا يا رسول الله قالوا: جئنا لنسألك عن هذا الأمر قال كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض فنادى مناد ذهبت ناقتك يا ابن الحصين فانطلقت فإذا هي ينقطع دونها السراب فوالله لوددت أني كنت تركتها فالرب سبحانه كتب ما يقوله وما يفعله وما يكون بقوله وفعله وكتب مقتضى أسمائه وصفاته وآثارهاquot; كما في الصحيحين من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش أن رحمتي غلبت غضبيquot;.(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11247",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "الباب الثاني عشر: في ذكر المرتبة الثالثة من مراتب القضاء والقدر وهي مرتبة المشيئة",
        "content": "الباب الثاني عشر: في ذكر المرتبة الثالثة من مراتب القضاء والقدر وهي مرتبة المشيئة وهذه المرتبة قد دل عليها إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم وجميع الكتب المنزلة من عند الله والفطرة التي فطر الله عليها خلقه وأدلة العقول والعيان وليس في الوجود موجب ومقتض إلا مشيئة الله وحده فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن هذا عموم التوحيد الذي لا يقوم إلا به والمسلمون من أولهم إلى آخرهم مجمعون على أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وخالفهم في ذلك من ليس منهم في هذا الموضع وأن كان منهم في موضع آخر فجوزوا أن يكون في الوجود ما لا يشاء الله وأن يشاء ما لا يكون وخالف الرسل كلهم وأتباعهم من نفى مشيئة الله بالكلية ولم يثبت له سبحانه مشيئة واختيارا أو جدبها الخلق كما يقوله طوائف من أعداء الرسل من الفلاسفة وأتباعهم والقرآن والسنة مملوآن بتكذيب الطائفتين فقوله تعالى: ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد وقال تعالى: كذلك الله يفعل ما يشاء وقال: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون وقال: ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا وقال: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة وقال: ولو شاء الله لجمعهم على الهدى وقال: ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها وقال: ولو يشاء الله لانتصر منهم وقال: ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك وقال: فإن يشأ الله يختم على قلبك وقال: إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا وقال: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين وقال عن نوح أنه قال لقومه: إنما يأتيكم به الله إن شاء وقال إمام الحنفاء وأبو الأنبياء لقومه: ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما وقال الذبيح له: ستجدني إن شاء الله من الصابرين وقال خطيب الأنبياء شعيب: وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا وقال الصديق الكريم ابن الكريم ابن الكريم: ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين وقال حمو موسى: وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين وقال كليم الرحمن للخضر: ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا وقال قوم موسى له: وإنا إن شاء الله لمهتدون وقال لسيد ولد آدم وأكرمهم عليه: ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله وقال: قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله وقال عن أهل(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11248",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجنة: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك وعن أهل النار كذلك ليبين أن الأمر راجع إلى مشيئته ولو شاء لكان غير ذلك وقال: ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وقال: يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وقال: ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء وقال: إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وقال: يمحوا الله ما يشاء ويثبت وقال: من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم وقال: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم وقال: ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء وقال: ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وقال: قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وقال: قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به وقال: نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا وقال: وما يذكرون إلا أن يشاء الله وفي الآية الأخرى: وما تشاءون إلا أن يشاء الله فأخبر أن مشيئتهم وفعلهم موقوفان على مشيئته لهم هذا وهذا وقال: قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء وقال: والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وقال: ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم وقوله: يختص برحمته من يشاء وقوله: ولكن الله يزكي من يشاء وقوله: والله يضاعف لمن يشاء وقوله: نصيب برحمتنا من نشاء وقوله: نرفع درجات من نشاء وقوله: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وقوله: ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وقوله: فنجي من نشاء وقوله: فيبسطه في السماء كيف يشاء وقوله: إن ربي لطيف لما يشاء وقوله: يؤتي الحكمة من يشاء وقوله: ولو نشاء لطمسنا على أعينهم وقوله: ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم وقوله: إن يشأ يسكن الريح وقوله: لو نشاء لجعلناه حطاما : لو نشاء جعلناه أجاجا وقوله: فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء وقوله: إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء وقوله: ولو شاء الله لأعنتكم وقوله: الله يجتبي إليه من يشاء وقوله عن كليمه موسى: إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء وهذه الآيات ونحوها تتضمن الرد على طائفتي الضلال نفاة المشيئة بالكلية ونفاة مشيئة أفعال العباد وحركاتهم وهداهم وضلالهم وهو سبحانه تارة يخبر أن كل ما في الكون بمشيئته وتارة أن ما لم يشأ لم يكن وتارة أنه لو شاء لكان خلاف الواقع وأنه لو شاء لكان خلاف القدر الذي قدره وكتبه وأنه لو شاء ما عصى وأنه لو شاء لجمع خلقه على الهدى وجعلهم أمة واحدة فتضمن ذلك أن الواقع بمشيئته وأن ما لم يقع فهو لعدم مشيئته وهذا حقيقة الربوبية وهو معنى كونه رب العالمين وكونه القائم بتدبير عباده فلا خلق ولا رزق ولا عطاء ولا منع ولا قبض ولا بسط ولا موت ولا حياة ولا إضلال ولا هدى ولا سعادة ولا شقاوة إلا بعد إذنه وكل ذلك بمشيئته وتكوينه إذ لا مالك غيره ولا مدبر سواه ولا رب غيره قال تعالى: وربك يخلق ما يشاء ويختار وقال: ونقر في الأرحام ما نشاء وقال: في أي صورة ما شاء ركبك وقال: لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما وقال: يهدي الله لنوره من يشاء وتقدم في حديث حذيفة بن أسيد في صحيح مسلم في شأن الجنين quot;فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملكquot; وفي صحيح البخاري من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاءquot; وفي صحيح البخاري من حديث علي بن أبي طالب(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11249",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حين طرقه النبي صلى الله عليه وسلم وفاطمة ليلا فقال: quot;ألا تصليان علي إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثناquot; وفي صحيحه أيضا في قصة نومهم في الوادي عنه صلى الله تعالى عليه وسلم: quot;أن الله قبض أرواحكم حين شاء وردها حين شاءquot; وفي حديث ابن مسعود الذي في المسند وغيره في قصة رجوعهم من الحديبية ونومهم عن صلاة الصبح فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;إن الله لو شاء لم تناموا عنها ولكن أراد أن تكون لمن بعدكم فهكذا لمن نام ونسيquot; وفي لفظ آخر: quot;إن الله سبحانه وتعالى لو شاء أيقظنا ولكنه أراد أن يكون لمن بعدكمquot; وفي مسند الإمام أحمد عن طفيل بن سخيرة أخي عائشة لامها أنه رأى فيما يرى النائم كأنه مر برهط من اليهود فقال: من أنتم قالوا: نحن اليهود قال: إنكم أنتم القوم لولا أنكم تزعمون أن عزيرا ابن الله فقالت اليهود: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد ثم مر برهط من النصارى فقال: من أنتم قالوا: نحن النصارى قال: إنكم أنتم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله قالوا: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد فلما أصبح أخبر بها من أخبر ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: أخبرت أحدا قال: نعم فلما صلوا خطبهم فحمد الله وأثنى عليه فقال إن طفيلا رأى رؤيا فأخبر بها من أخبر منكم وإنكم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكمquot; زاد البيهقي: quot;فلا تقولوها ولكن قولوا ما شاء الله وحده لا شريك لهquot; وروى جعفر عن عون عن الأجلح عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس قال: quot;جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يكلمه في بعض الأمر فقال الرجل لرسول الله: ما شاء الله وشئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;أجعلتني لله عدلا بل ما شاء الله وحدهquot; وروى سعيد عن منصور عن عبد الله بن يسار عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلانquot; قال الشافعي في رواية الربيع عنه: quot;المشيئة إرادة الله قال الله عز وجل: وما تشاءون إلا أن يشاء الله فأعلم الله خلقه أن المشيئة له دون خلقه وأن مشيئتهم لا تكون إلا أن يشاء الله فيقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله ثم شئت ولا يقال ما شاء الله وشئت قال ويقال من يطع الله ورسوله فإن الله تعبد العباد بأن فرض عليهم طاعة رسوله فإذا أطيع رسول الله فقد أطيع الله بطاعة رسولهquot; وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها كيف يشاءquot; ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتكquot; وفي حديث النواس بن سمعان سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: quot;ما من قلب إلا بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه وإن شاء أزاغهquot; وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك والميزان بيد الرحمن يرفع أقواما ويخفض آخرين إلى يوم القيامةquot; وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم على المنبر يقول: quot;إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمسquot; وذكر الحديث وقال في آخره quot;فذلك فضلي أوتيه من أشاءquot; وفي صحيح البخاري مرفوعا: quot;مثل الكافر كمثل الأرزة صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء وقال عبد الرازق عن معمر عن همام هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;قال الله تبارك وتعالى: لا يقل ابن آدم يا خيبة الدهر فاني أنا الدهر أرسل الليل والنهار فإذا شئت قبضتهماquot; قال الشافعي تأويله والله أعلم أن العرب كان شأنها(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11250",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن تذم الدهر وتسبه عند المصائب التي تنزل بهم من موت أو هرم أو تلف أو غير ذلك فيقولون إنما يهلكنا الدهر وهو الليل والنهار ويقولون أصابتهم قوارع الدهر وأبادهم الدهر فيجعلون الليل والنهار يفعلان الأشياء فيذمون الدهر بأنه الذي يفنيهم ويفعل بهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;لا تسبوا الدهر على أنه الذي يفنيكم والذي يفعل بكم هذه الأشياء فإنكم إذا سببتم فاعل هذه الأشياء فإنما تسبون الله تبارك وتعالى فإنه فاعل هذه الأشياءquot; وفي حديث أنس يرفعه: quot;اطلبوا الخير دهركم كله وتعرضوا لنفحات رحمة الله فإن لله عز وجل سحائب من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده وسلوا الله أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكمquot; وفي الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: quot;تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر لهquot; وفيهما أيضا من حديث احتجاج الجنة والنار: quot;قول الله للجنة أنت رحمتي أرحم بك من أشاء وللنار أنت عذابي أعذب بك من أشاءquot; وفيه أيضا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت وارحمني إن شئت وارزقني إن شئت ليعزم مسألته إنه يفعل ما يشاء لا مكره لهquot; وفي صحيح مسلم عنه يرفعه: quot;المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير إحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطانquot; وفي حديث أبي ذر: quot;يا عبادي كلكم ضال إلا من هديتهquot; الحديث وفي آخره quot;ذلك بأني جواد أفعل ما أشاء عطائي كلام فإذا أردت شيئا فإنما أقول له كن فيكونquot; وفي حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;ما أنعم الله على عبد من نعمة من أهل وولد فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله فيرى فيه آية دون الموتquot; وهذا الحديث الصحيح مشتق من قوله تعالى: ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله وفي حديث الشفاعة: quot;فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعنيquot; وفي حديث آخر أهل الجنة دخولا إليها quot;فيسكت ما شاء الله أن يسكت وفيه قوله سبحانه لا أهزأ بك ولكني على ما أشاء قديرquot; والحديثان في الصحيحين وفيهما من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;لكل نبي دعوة فأريد إن شاء الله أن أختبي دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامةquot; وقال: quot;لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها أحدquot; وقال: quot;إني لأطمع أن يكون حوضي إن شاء الله أوسع ما بين أيلة إلى كذاquot; وقال في المدينة: quot;لا يدخلها الطاعون ولا الدجال إن شاء اللهquot; وقال في زيارة المقابر: quot;وإنا إن شاء الله بكم لاحقونquot; وقال لما حاصر الطائف: quot;إنا قافلون غدا إن شاء اللهquot; وقال لما قدم مكة: quot;منزلنا غدا إن شاء الله بخيف بني كنانةquot; وقال يوم بدر: quot;هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله وهذا مصرع فلان إن شاء اللهquot; وقال في بعض أسفاره: quot;إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم ثم إنكم تأتون الماء غدا إن شاء اللهquot; وقال للأعرابي الذي عاده من الحمى: quot;لا بأس طهور إن شاء اللهquot; وأخبر عن سليمان بن داود أنه قال: quot;لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل واحدة تأتي بفارس يقاتل في سبيل الله فقال له الملك قل إن شاء الله فلم يقل فطاف عليهن جميعا فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل وأيم الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعونquot; وقال: quot;من حلف فقال إن شاء الله فإن(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11251",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شاء مضى وإن شاء رجع غير حنثquot; وقال: quot;لأغزون قريشا ثم قال في الثالثة إن شاء اللهquot; وقال: quot;ألا مشمر للجنة فقالت الصحابة نحن المشمرون لها يا رسول الله فقال قولوا إن شاء اللهquot; وقال تعالى: واذكر ربك إذا نسيت قال الحسن: quot;إذا نسيت أن تقول إن شاء اللهquot; وهذا هو الاستثناء الذي كان يجوزه ابن عباس متراخيا ويتأول عليه الآية لا الاستثناء في الإقرار واليمين والطلاق والعتاق وهذا من كمال علم ابن عباس وفقهه في القرآن وقد أجمع المسلمون على أن الحالف إذا استثنى في يمينه متصلا بها فقال لأفعلن كذا أو لا أفعله إن شاء الله إنه لا يحنث إذا خالف ما حلف عليه لأن من أصل أهل الإسلام أنه لا يكون شيء إلا بمشيئة الله فإذا علق الحالف الفعل أو الترك بالمشيئة لم يحنث عند عدم المشيئة ولا تجب عليه الكفارة ولو ذهبنا نذكر كل حديث أو أثر جاء فيه لفظ المشيئة وتعليق فعل الرب بها لطال الكتاب جدا وأما الإرادة فورودها في نصوص القرآن والسنة معلوم أيضا كقوله: فعال لما يريد : فأراد ربك أن يبلغا أشدهما : وإذا أردنا أن نهلك قرية : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر : إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون : ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا وقول نوح: ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون وقوله: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا وقوله: وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وقوله: والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا وأخبر أنه إذا لم يرد تطهير قلوب عباده لم يكن لهم سبيل إلى تطهيرها فقال: أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم وقال: وإن الله يهدي من يريد : وإن الله يحكم ما يريد وقال: ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وقوله: فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا وقوله: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت وقوله: قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة وقول صاحب يس: أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون وقوله: قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته وقوله: يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة وقوله: من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد والنصوص النبوية في إثبات إرادة الله أكثر من أن تحصر كقوله quot;من يرد الله به خيرا يفقه في الدينquot; quot;من يرد الله به خيرا يصب منهquot; quot;إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدقquot; quot;إذا أراد الله رحمة أمة قبض نبيها قبلهاquot; quot;إذا أراد الله هلكة أمة عذبها ونبيها حي فأقر عينه بهلكهاquot; quot;إذا أراد الله بعبد خيرا عجل له العقوبة في الدنياquot; quot;إذا أراد الله بعبد شرا أمسك عنه توبته حتى يوافي يوم القيامة كأنه عيرquot; quot;إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجةquot; quot;إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم باب الرفقquot; quot;إذا أراد الله بقوم عذابا أصاب من كان فيهم ثم بعثوا على نياتهمquot; والآثار النبوية في ذلك أكثر من أن نستوعبها. فصل: وههنا أمر يجب التنبيه عليه والتنبه له وبمعرفته تزول إشكالات كثيرة تعرض لمن لم يحط به علما وهو أن الله سبحانه له الخلق والأمر وأمره سبحانه نوعان: أمر كوني قدري وأمر ديني(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11252",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شرعي فمشيئته سبحانه متعلقة بخلقه وأمره الكوني وكذلك تتعلق بما يحب وبما يكرهه كله داخل تحت مشيئته كما خلق إبليس وهو يبغضه وخلق الشياطين والكفار والأعيان والأفعال المسخوطة له وهو يبغضها فمشيئته سبحانه شاملة لذلك كله وأما محبته ورضاه فمتعلقة بأمره الديني وشرعه الذي شرعه على ألسنة رسله فما وجد منه تعلقت به المحبة والمشيئة جميعا فهو محبوب للرب واقع بمشيئته كطاعات الملائكة والأنبياء والمؤمنين وما لم يوجد منه تعلقت به محبته وأمره الديني ولم تتعلق به مشيئته وما وجد من الكفر والفسوق والمعاصي تعلقت به مشيئته ولم تتعلق به محبته ولا رضاه ولا أمره الديني وما لم يوجد منها لم تتعلق به مشيئته ولا محبته فلفظ المشيئة كوني ولفظ المحبة ديني شرعي ولفظ الإرادة ينقسم إلى إرادة كونية فتكون هي المشيئة وإرادة دينية فتكون هي المحبة إذا عرفت هذا فقوله تعالى: ولا يرضى لعباده الكفر وقوله: لا يحب الفساد وقوله: ولا يريد بكم العسر لا يناقض نصوص القدر والمشيئة العامة الدالة على وقوع ذلك بمشيئته وقضائه وقدره فإن المحبة غير المشيئة والأمر غير الخلق ونظير هذا لفظ الأمر فإنه نوعان أمر تكوين وأمر تشريع والثاني قد يعصي ويخالف بخلاف الأول فقوله تعالى: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها لا يناقض قوله: إن الله لا يأمر بالفحشاء ولا حاجة إلى تكلف تقدير أمرنا مترفيها فيها بالطاعة فعصونا وفسقوا فيها بل الأمر ههنا أمر تكوين وتقدير لا أمر تشريع لوجوه أحدها: أن المستعمل في مثل هذا التركيب أن يكون ما بعد الفاء هو المأمور به كما تقول أمرته فقام وأمرته فأكل كما لو صرح بلفظة أفعل كقوله تعالى: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا وهذا كما تقول دعوته فأقبل وقال تعالى: يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده الثاني: أن الأمر بالطاعة لا يخص المترفين فلا يصح حمل الآية عليه بل تسقط فائدة ذكر المترفين فإن جميع المبعوث إليهم مأمورون بالطاعة فلا يصح أن يكون أمر المترفين علة إهلاك جميعهم الثالث: أن هذا النسق العجيب والتركيب البديع مقتض ترتب ما يعد الفاء على ما قبلها ترتب المسبب على سببه والمعلول على علته ألا ترى أن الفسق علة حق القول عليهم وحق القول عليهم علة لتدميرهم فهكذا الأمر سبب لفسقهم ومقتض له وذلك هو أمر التكوين لا التشريع الرابع: أن إرادته سبحانه لإهلاكهم إنما كانت بعد معصيتهم ومخالفتهم لرسله فمعصيتهم ومخالفتهم قد تقدمت فأراد الله إهلاكهم فعاقبهم بأن قدر عليهم الأعمال التي يتحتم معها هلاكهم فإن قيل فمعصيتهم السابقة سبب لهلاكهم فما الفائدة في قوله: أمرنا مترفيها ففسقوا فيها وقد تقدم الفسق منهم قبل المعصية السابقة وإن كانت سببها للهلاك لكن يجوز تخلف الهلاك عنها ولا يتحتم كما هو عادة الرب تعالى المعلومة في خلقه أنه لا يتحتم هلاكهم بمعاصيهم فإذا أراد إهلاكهم ولا بد أحدث سببا آخر يتحتم معه الهلاك ألا ترى أن ثمود ألم يهلكهم بكفرهم السابق حتى أخرج لهم الناقة فعقروها فأهلكوا حينئذ وقوم فرعون لم يهلكهم بكفرهم السابق بموسى حتى أراهم الآيات المتتابعات واستحكم بغيهم وعنادهم فحينئذ أهلكوا وكذلك قوم لوط لما أراد هلاكهم أرسل الملائكة إلى لوط في صورة الأضياف فقصدوهم بالفاحشة ونالوا من لوط وتواعدوه وكذلك سائر الأمم إذا أراد الله هلاكهم أحدث لها بغيا وعدوانا يأخذها على أثره وهذه عادته مع عباده عموما وخصوصا فيعصيه العبد وهو يحلم عنه ولا يعاجله حتى إذا أراد أخذه قيض له عملا يأخذه به مضافا إلى أعماله الأولى فيظن الظان أنه أخذه بذلك العمل وحده وليس كذلك بل حق عليه القول بذلك وكان قبل ذلك(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11253",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يحق عليهم القول بأعماله الأولى حيث عمل ما يقتضي ثبوت الحق عليه ولكن لم يحكم به أحكم الحاكمين ولم يمض الحكم فإذا عمل بعد ذلك ما يقرر غضب الرب عليه أمضى حكمه عليه وأنفذه قال تعالى: فلما آسفونا انتقمنا منهم وقد كانوا قبل ذلك أغضبوه بمعصية رسوله ولكن لم يكن غضبه سبحانه قد استقر واستحكم عليهم إذ كان بصدد أن يزول بإيمانهم فلما أيس من إيمانهم تقرر الغضب واستحكم فحلت العقوبة فهذا الموضع من أسرار القرآن وأسرار التقدير الإلهي وفكر العبد فيه من أنفع الأمور له فإنه لا يدري أي المعاصي هي الموجبة التي يتحتم عندها عقوبته فلا يقال بعدها والله المستعان وسنعقد لهذا الفصل بابا في الفرق بين القضاء الكوني والديني نشبع الكلام فيه إن شاء الله لشدة الحاجة إليه إذ المقصود في هذا الباب مشيئة الرب وأنها الموجبة لكل موجود كما أن عدم مشيئته موجب لعدم وجود الشيء فهما الموجبتان ما شاء الله وجب وجوده وما لم يشأ وجب عدمه وامتناعه وهذا أمر يعم كل مقدور من الأعيان والأفعال والحركات والسكنات فسبحانه أن يكون في مملكته ما لا يشاء أو أن يشاء شيئا فلا يكون وإن كان فيها ما لا يحبه ولا يرضاه وإن كان يحب الشيء فلا يكون لعدم مشيئته له ولو شاءه لوجد.(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11254",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "الباب الثالث عشر: في ذكر المرتبة الرابعة من مراتب القضاء والقدر وهي مرتبة خلق الله سبحانه الأعمال وتكوينه وإيجاده لها",
        "content": "الباب الثالث عشر: في ذكر المرتبة الرابعة من مراتب القضاء والقدر وهي مرتبة خلق الله سبحانه الأعمال وتكوينه وإيجاده لها وهذا أمر متفق عليه بين الرسل صلى الله تعالى عليهم وسلم وعليه اتفقت الكتب الإلهية والفطر والعقول والاعتبار وخالف في ذلك مجوس الأمة فأخرجت طاعات ملائكته وأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين وهي أشرف ما في العالم عن ربوبيته وتكوينه ومشيئته بل جعلوهم هم الخالقون لها ولا تعلق لها بمشيئته ولا تدخل تحت قدرته وكذلك قالوا في جميع أفعال الحيوانات الاختيارية فعندهم أنه سبحانه لا يقدر أن يهدي ضالا ولا يضل مهتديا ولا يقدر أن يجعل المسلم مسلما والكافر كافرا والمصلي مصليا وإنما ذلك بجعلهم أنفسهم كذلك لا يجعله تعالى وقد نادى القرآن بل الكتب السماوية كلها والسنة وأدلة التوحيد والعقول على بطلان قولهم وصاح بهم أهل العلم والإيمان من أقطار الأرض وصنف حزب الإسلام وعصابة الرسول وعسكره التصانيف في الرد عليهم وهي أكثر من أن يحصيها إلا الله ولم تزل أيدي السلف وأئمة السنة في أقفيتهم ونواصيهم تحت أرجلهم إذ كانوا يردون باطلهم بالحق المحض وبدعتهم بالسنة والسنة لا يقوم لها شيء فكانوا معهم كالذمة مع المسلمين إلى أن نبغت نابغة ردوا بدعتهم ببدعة تقابلها وقابلوا باطلهم بباطل من جنسه وقالوا العبد مجبور على أفعاله مقهور عليها لا تأثير له في وجودها البتة وهي واقعة بإرادته واختياره وغلا غلاتهم فقالوا بل هي عين أفعال الله ولا ينسب إلى العبد الأعلى المجاز والله سبحانه يلوم العبد ويعاقبه ويخلده في النار على ما لم يكن للعبد فيه صنع ولا هو فعله بل هو محض فعل الله وهذا قول الجبرية وهو إن لم يكن شرا من القدرية فليس هو بدونه في البطلان وإجماع الرسل واتفاق الكتب الإلهية وأدلة العقول والفطر والعيان يكذب هذا القول ويرده والطائفتان في عمي عن الحق القويم والصراط المستقيم ولما رأى القاضي وغيره بطلان هذا القول وتناقضه للشرائع والعدل والجبلة قالوا قدرة العبد وإن لم تؤثر في وجود الفعل فهي مؤثرة في صفة من صفاته(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11255",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتلك الصفة تسمى كسبا وهي متعلق الأمر والنهي والثواب والعقاب فإن الحركة التي هي من طاعته والحركة التي هي من معصيته قد اشتركا في نفس الحركة وامتازت إحداهما عن الأخرى بالطاعة والمعصية فذات الحركة ووجودها واقع بقدرة الله وإيجاده وكونها طاعة ومعصية واقع بقدرة العبد وتأثيره وهذا وإن كان أقرب إلى الصواب فالقائل به لم يوفه حقه فإن كونها طاعة ومعصية هو موافقة الأمر ومخالفته فهذه الموافقة والمخالفة إما أن تكون فعلا للعبد يتعلق بقدرته واختياره وإن كان لم يكن للعبد اختيار ولا فعل ولا كسب البتة فلم يثبت هؤلاء من الكسب أمرا معقولا ولهذا يقال محالات الكلام ثلاثة كسب الأشعري وأحوال أبي هاشم وطفرة النظام ولما رأى طائفة فساد هذا قالوا المؤثر في وجود الفعل هو قدرة الرب على سبيل الاستقلال قالوا ولا يمتنع اجتماع المؤثرين على أثر واحد ولم يستوحش هؤلاء من القول بوقوع مفعول بين فاعلين ولا مقدور بين قادرين قالوا كما يمتنع وقوع معلوم بين عالمين ومراد بين مريدين ومحبوب بين محبوبين ومكروه بين مكروهين قالوا ونحن نشاهد قادرين مستقلين كل منهما يمكنه أن يستقل بالفعل يقع بينهما مفعول واحد يشتركان في فعله والتأثير فيه قالوا وليس معكم ما يبطل هذا إلا قولكم أن إضافته إلى أحدهما على سبيل الاستقلال يمنع إضافته إلى الآخر وإضافته إليهما وفي هذه الحجة إجمال لا بد له من تفصيل فيجوز وقوع مفعول بين فاعلين لا يستقل أحدهما به كالمتعاونين على الأمر لا يقدر عليه أحدهما وحده ويجوز وقوع مفعول بين فاعلين يشتركان فيه كل منهما يستقل به على سبيل البدل وهذا ظاهر أيضا ويجوز وقوع مفعول بين فاعلين يشتركان فيه وكل منهما يقدر عليه حال الانفراد كمحمول يحمله اثنان كل منهما يمكنه أن يستقل بحمله وحده وكل هذه الأقسام ممكنة بل واقعة بقي قسم واحد وهو مفعول بين فاعلين كل منهما فعله على سبيل الاستقلال فهذا محال فإن استقلال كل منهما بفعله ينفي فعل الآخر له فاستقلالهما ينافي استقلالهما وأكثر الطوائف يقر بوقوع مقدور بين قادرين وإن اختلفوا في كيفية وقوعه فقالت طائفة الفعل يضاف إلى قدرة الله سبحانه على وجه الاستقلال بالتأثير ويضاف إلى قدرة العبد لكنها غير مستقلة فإذا انضمت قدرة الله إلى قدرة العبد صارت قدرة العبد مؤثرة على سبيل الاستقلال بتوسط إعانة قدرة الله وجعل قدرة العبد مؤثرة والقائل بهذا لم يتخلص من الخطأ حيث زعم أن قدرة العبد مستقلة بإعانة قدرة الله له فعاد الأمر إلى اجتماع مؤثرين على أثر واحد لكن قدرة أحدهما وتأثيره مستند إلى قدرة الآخر وتأثيره وكأنه والله أعلم أراد أن قدرة الرب مستقلة بالتأثير في إيجاد الفعل وهذا قد قاله طائفة من العلماء وقائل هذا لم يتخلص من الخطأ حيث جعل قدرة العبد مستقلة بالتأثير في إيجاد المقدور وهذا باطل إذ غاية قدرة العبد أن تكون سببا بل جزأ من السبب والسبب لا يستقل بحصول المسبب ولا يوجبه وليس في الوجود ما يوجب حصول المقدور إلا مشيئة الله وحده وأصحاب هذا القول زعموا أن الله أعطى العبد قدرة وإرادة وفوض إليه بهما الفعل والترك وخلاه وما يريد فهو يفعل ويترك بقدرته وإرادته اللتين فوض إليه الفعل والترك بهما وقالت طائفة أخرى مقدور العبد هو عين مقدور الرب بشرط أن يفعله العبد إذا تركه الرب ولم يفعله لا على أنه يفعله والرب له فاعل لاستحالة خلق بين خالقين وهذا بعينه مذهب من يقول بوقوع مفعول بين فاعلين على سبيل وهذا مذهب كثير من القدرية منهم الشحام وغيره(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11256",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالت طائفة يجوز وقوع فعل بين فاعلين بنسبتين مختلفتين بأحدهما يكون محدثا وبالأخرى يكون كاسبا وهذا مذهب النجار وضرار بن عمرو ومحمد بن عيسى بن حفص والفرق بين هذا المذهب ومذهب الأشعريين من وجهين أحدهما: أن صاحب هذا المذهب يقول العبد فاعل حقيقة وإن لم يكن محدثا مخترعا للفعل والأشعري يقول العبد ليس بفاعل وإن نسب إليه الفعل وإنما الفاعل في الحقيقة هو الله فلا فاعل سواه الثاني: أنهم يقولون الرب هو المحدث والعبد هو الفاعل وقالت فرقة: بل أفعال العباد فعل لله على الحقيقة وفعل العبد على المجاز وهذا أحد قولي الأشعري وقالت فرقة أخرى منهم القلانسي وأبو إسحاق: في بعض كتبه أنها فعل لله على الحقيقة وفعل الإنسان على الحقيقة لا على معنى أنه أحدثها بل على معنى أنه كسب له وقالت طائفة أخرى وهم جهم وأتباعه: أن القادر على الحقيقة هو الله وحده وهو الفاعل حقا ومن سواه ليس بفاعل على الحقيقة ولا كاسب أصلا بل هو مضطر إلى جميع ما فيه من حركة وسكون وقول القائل قام وقعد وأكل وشرب مجاز بمنزلة مات وكبر ووقع وطلعت الشمس وغربت وهذا قول الجبرية الغلاة وقابله طائفة أخرى فقالوا: العباد موجدون لأفعالهم مخترعون لها بقدرهم وإرادتهم والرب لا يوصف بالقدرة على مقدور العبد ولا تدخل أفعالهم تحت قدرته كما لا يوصف العباد بمقدور الرب ولا تدخل أفعاله تحت قدرهم وهذا قول جمهور القدرية وكلهم متفقون على أن الله سبحانه غير فاعل لأفعال العباد واختلفوا هل يوصف بأنه مخترعها ومحدثها وأنه قادر عليها وخالق لها فجمهورهم نفوا ذلك ومن يقرب منهم إلى السنة أثبت كونها مقدورة لله وأن الله سبحانه قادر على أعيانها وأن العباد أحدثوها بإقدار الله لهم على إحداثها وليس معنى قدرة الله عليها عندهم أنه قادر على فعلها هذا عندهم عين المحال بل قدرته عليها إقدارهم على إحداثها فإنما أحدثوها بقدرته وإقداره وتمكينه وهؤلاء أقرب القدرية إلى السنة وأرباب هذه المذاهب مع كل طائفة منهم خطأ وصواب وبعضهم أقرب إلى الصواب وبعضهم أقرب إلى الخطأ وأدلة كل منهم وحججه إنما تنهض على بطلان خطأ الطائفة الأخرى لا على إبطال ما أصابوا فيه فكل دليل صحيح للجبرية إنما يدل على إثبات قدرة الرب تعالى ومشيئته وأنه لا خالق غيره وأنه على كل شيء قدير لا يستثنى من هذا العموم فرد واحد من أفراد الممكنات وهذا حق ولكن ليس معهم دليل صحيح ينفي أن يكون العبد قادرا مريدا فاعلا بمشيئته وقدرته وأنه هو الفاعل حقيقة وأفعاله قائمة به وأنها فعل له لا لله وأنها قائمة به لا بالله وكل دليل صحيح يقيمه القدرية فإنما يدل على أن أفعال العباد فعل لهم قائم بهم واقع بقدرتهم ومشيئتهم وإرادتهم وأنهم مختارون لها غير مضطرين ولا مجبورين ليس معهم دليل صحيح ينفي أن يكون الله سبحانه قادرا على أفعالهم وهو الذي جعلهم فاعلين فأدلة الجبرية متظافرة صحيحة على من نفى قدرة الرب سبحانه على كل شيء من الأعيان والأفعال ونفى عموم مشيئته وخلقه لكل موجود وأثبت في الوجود شيئا بدون مشيئته وخلقه وأدلة القدرية متظافرة صحيحة على من نفى فعل العبد وقدرته ومشيئته واختياره وقال أنه ليس بفاعل شيئا والله يعاقبه على ما لم يفعله ولا له قدرة عليه بل هو مضطر إليه مجبور عليه وأهل السنة وحزب الرسول وعسكر الإيمان لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء بل هم مع هؤلاء فيما أصابوا فيه وهم مع هؤلاء فيما أصابوا فيه فكل حق مع طائفة من الطوائف فهم يوافقونهم فيه وهم براء من باطلهم فمذهبهم جمع حق الطوائف بعضه إلى بعض والقول(1\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11257",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به ونصره وموالاة أهله من ذلك الوجه ونفي باطل كل طائفة من الطوائف وكسره ومعاداة أهله من هذا الوجه فهم حكام بين الطوائف لا يتحيزون إلى فئة منهم على الإطلاق ولا يردون حق طائفة من الطوائف ولا يقابلون بدعة ببدعة ولا يردون باطلا بباطل ولا يحملهم شنآن قوم يعادونهم ويكفرونهم على أن لا يعدلوا فيهم بل يقولون فيهم الحق ويحكمون في مقالالتهم بالعدل والله سبحانه وتعالى أمر رسوله أن يعدل بين الطوائف فقال:: فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم فأمره سبحانه أن يدعو إلى دينه وكتابه وأن يستقيم في نفسه كما أمره وأن لا يتبع هوى أحد من الفرق وأن يؤمن بالحق جميعه ولا يؤمن ببعضه دون بعض وأن يعدل بين أرباب المقالات والديانات وأنت إذا تأملت هذه الآية وجدت أهل الكلام الباطل وأهل الأهواء والبدع من جميع الطوائف أبخس الناس منها حظا وأقلهم نصيبا ووجدت حزب الله ورسوله وأنصار سنته هم أحق بها وأهلها وهم في هذه المسألة وغيرها من المسائل أسعد بالحق من جميع الطوائف فإنهم يثبتون قدرة الله على جميع الموجودات من الأعيان والأفعال ومشيئته العامة وينزهونه ان يكون في ملكه ما لا يقدر عليه ولا هو واقع تحت مشيئته ويثبتون القدر السابق وأن العباد يعملون على ما قدره الله وقضاه وفرغ منه وأنه لا يشاؤن إلا أن يشاء الله ولا يفعلون إلا من بعد مشيئته وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ولا تخصيص عندهم في هاتين القضيتين بوجه من الوجوه والقدر عندهم قدرة الله تعالى وعلمه ومشيئته وخلقه فلا يتحرك ذرة فما فوقها إلا بمشيئته وعلمه وقدرته فهم المؤمنون بلا حول ولا قوة إلا بالله على الحقيقة إذا قالها غيرهم على المجاز إذ العالم علويه وسفليه وكل حي يفعل فعلا فإن فعله بقوة فيه على الفعل وهو في حول من ترك إلى فعل ومن فعل إلى ترك ومن فعل إلى فعل وذلك كله بالله تعالى لا بالعبد ويؤمنون بأن من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأنه هو الذي يجعل المسلم مسلما والكافر كافرا والمصلي مصليا والمتحرك متحركا وهو الذي يسير عبده في البر والبحر وهو المسير والعبد السائر وهو المحرك والعبد المتحرك وهو المقيم والعبد القائم وهو الهادي والعبد المهتدي وأنه المطعم والعبد الطاعم وهو المحي المميت والعبد الذي يحيى ويموت ويثبتون مع ذلك قدرة العبد وإرادته واختياره وفعله حقيقة لا مجازا وهم متفقون على أن الفعل غير المفعول كما حكاه عنهم البغوي وغيره فحركاتهم واعتقاداتهم أفعال لهم حقيقة وهي مفعولة لله سبحانه مخلوقة له حقيقة والذي قام بالرب عز وجل علمه وقدرته ومشيئته وتكوينه والذي قام بهم هو فعلهم وكسبهم وحركاتهم وسكناتهم فهم المسلمون المصلون القائمون القاعدون حقيقة وهو سبحانه هو المقدر لهم على ذلك القادر عليه الذي شاءه منهم وخلقه لهم ومشيئته وفعله بعد مشيئته فما يشاؤن إلا أن يشاء الله وما يفعلون إلا أن يشاء الله وإذا وازنت بين هذا المذهب وبين ما عداه من المذاهب وجدته هو المذهب الوسط والصراط المستقيم ووجدت سائر المذاهب خطوطا عن يمينه وعن شماله فقريب منه وبعيد وبين ذلك وإذا أعطيت الفاتحة حقها وجدتها من أولها إلى آخرها منادية على ذلك دالة عليه صريحة فيه وإن كان حمده لا يقتضي غير ذلك وكذلك كمال ربوبيته للعالمين لا يقتضي غير ذلك فكيف يكون الحمد كله لمن لا يقدر على مقدور أهل سماواته وأرضه من الملائكة والجن والإنس والطير والوحش بل يفعلون ما لا يقدر عليه ولا يشاءه ويشاء ما لا يفعله(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11258",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كثير منهم فيشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء وهل يقتضي ذلك كمال حمده وهل يقتضيه كمال ربوبيته ثم قوله: إياك نعبد وإياك نستعين مبطل لقول الطائفتين المنحرفتين عن قصد السبيل فإنه يتضمن إثبات فعل العبد وقيام العبادة به حقيقة فهو العابد على الحقيقة وإن ذلك لا يحصل له إلا بإعانة رب العالمين عز وجل له فإن لم يعنه ولم يقدره ولم يشأ له العبادة لم يتمكن منها ولم يوجد منه البتة فالفعل والإقدار والإعانة من الرب عز وجل ثم قوله: اهدنا الصراط المستقيم يتضمن طلب الهداية ممن هو قادر عليها وهي بيده إن شاء أعطاها عبده وإن شاء منعه إياها والهداية معرفة الحق والعمل به فمن لم يجعله الله تعالى عالما بالحق عاملا به لم يكن له سبيل إلى الاهتداء فهو سبحانه المتفرد بالهداية الموجبة للاهتداء التي لا يتخلف عنها وهي جعل العبد مريدا للهدى محبا له مؤثرا له عاملا به فهذه الهداية ليست إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل وهي التي قال سبحانه فيها: إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء مع قوله تعالى: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم فهذه هداية الدعوة والتعليم والإرشاد وهي التي هدي بها ثمود فاستحبوا العمى عليها وهي التي قال تعالى فيها: وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون فهداهم هدى البيان الذي تقوم به حجته عليهم ومنعهم الهداية الموجبة للاهتداء التي لا يضل من هداه بها فذاك عدله فيهم وهذا حكمته فأعطاهم ما تقوم به الحجة عليهم ومنعهم ما ليسوا له بأهل ولا يليق بهم وسنذكر في الباب الذي بعد هذا إن شاء الله تعالى ذكر الهدى والضلال ومراتبهما وأقسامهما فإنه عليه مدار مسائل القدر والمقصود ذكر بعض ما يدل على إثبات هذه المرتبة الرابعة من مراتب القضاء والقدر وهي خلق الله تعالى لأفعال المكلفين ودخولها تحت قدرته ومشيئته كما دخلت تحت علمه وكتابه قال تعالى: الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل وهذا عام محفوظ لا يخرج عنه شيء من العالم أعيانه وأفعاله وحركاته وسكناته وليس مخصوصا بذاته وصفاته فإنه الخالق بذاته وصفاته وما سواه مخلوق له واللفظ قد فرق بين الخالق والمخلوق وصفاته سبحانه داخله في مسمى اسمه فإن الله سبحانه اسم للإله الموصوف بكل صفة كمال المنزه عن كل صفة نقص ومثال والعالم قسمان أعيان وأفعال وهو الخالق لأعيانه وما يصدر عنها من الأفعال كما أنه العالم بتفاصيل ذلك فلا يخرج شيء منه عن علمه ولا عن قدرته ولا عن خلقه ومشيئته قالت القدرية: نحن نقول إن الله خالق أفعال العباد لا على أنه محدثها ومخترعها لكن على معنى أنه مقدرها فإن الخلق التقدير كما قال تعالى: فتبارك الله أحسن الخالقين وقال الشاعر: ولأنت تفري ما خلقت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفرى أي لأنت تمضي ما قدرته وتنفذه بعزمك وقدرتك وبعض القوم يقدر ثم لا قوة له ولا عزيمة على إنفاذ ما قدره وإمضائه فالله تعالى مقدر أفعال العباد وهم الذين أوجدوها وأحدثوها قال أهل السنة: قدماؤكم ينكرون تقدير الله سبحانه لأعمال العباد البتة فلا يمكنهم أن يجيبوا بذلك ومن اعترف منكم بالتقدير فهو تقدير لا يرجع إلى تأثير وإنما هو مجرد العلم بها والخبر عنها ليس التقدير عندكم جعلها على قدر كذا وكذا فإن هذا عندكم غير مقدور للرب ولا مصنوع له وإنما هو صنع العبد وإحداثه فرجع التقدير إلى مجرد العلم والخبر وهذا لا يسمى خلقا في لغة أمة من الأمم ولو كان هذا خلقا لكان من علم شيئا وعلم أسمائه وصفاته وأخبر عنه بذلك خالقا له فالتقدير الذي أثبتموه إن كان متضمنا للتأثير(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11259",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في إيجاد الفعل فهو خلاف مذهبكم وإن لم يتضمن تأثيرا في إيجاده فهو راجع إلى محض العلم والخبر قالت القدرية قوله: الله خالق كل شيء من العام المراد به الخاص ولا سيما فإنكم قلتم إن القرآن لم يدخل في هذا العموم وهو من أعظم الأشياء وأجلها فخصصنا مه أفعال العباد بالأدلة الدالة على كونها فعلهم ومنعهم قالت أهل السنة: القرآن كلام الله سبحانه وكلامه صفة من صفاته وصفات الخالق وذاته لم تدخل في المخلوق فإن الخالق غير المخلوق فليس ههنا تخصيصا البتة بل الله سبحانه بذاته وصفاته الخالق وكل ما عداه مخلوق وذلك عموم لا تخصيص فيه بوجه إذ ليس إلا الخالق والمخلوق والله وحده الخالق وما سواه كله مخلوق وأما الأدلة الدالة على أن أفعال العباد صنع لهم وإنما أفعالهم القائمة بهم وأنهم هم الذين فعلوها فكلها حق نقول بموجبها ولكن لا ينبغي أن تكون أفعالا لهم ومخلوقة مفعولة لله فإن الفعل غير المفعول ولا نقول أنها فعل لله والعبد مضطر مجبور عليها ولا نقول أنها فعل للعبد والله غير قادر عليها ولا جاعل للعبد فاعلا لها ولا نقول أنها مخلوقة بين مخلوقين مستقلين بالإيجاد والتأثير وهذه الأقوال كلها باطلة قالت القدرية يعني قوله تعالى: الله خالق كل شيء مما لا يقدر عليه غيره وأما أفعال العباد التي يقدر عليها العباد فإضافتها إليهم ينفي إضافتها إليه والألزم وقوع مفعولين بين فاعلين وهو محال قالت أهل السنة: إضافتها إليهم فعلا وكسبا لا ينفي إضافتها إليه سبحانه خلقا ومشيئة فهو سبحانه الذي شاءها وخلقها وهم الذين فعلوها وكسبوها حقيقة فلو لم تكن مضافة إلى مشيئته وقدرته وخلقه لاستحال وقوعها منهم إذ العباد أعجز وأضعف من أن يفعلوا ما لم يشأه الله ولم يقدر عليه ولا خلقه. فصل: ومما يدل على قدرته سبحانه على أفعالهم قوله: والله على كل شيء قدير واعتراض القدرية على الاستدلال بذلك والجواب عنه نظير الاعتراض على قوله: الله خالق كل شيء وجوابه ونزيده تقريرا أن أفعالهم أشياء ممكنة والله قادر على كل ممكن فهو الذي جعلهم فاعلين بقدرته ومشيئته ولو شاء لحال بينهم وبين الفعل مع سلامة آلة الفعل منهم كما قال تعالى: ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد وقال: ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا فهو سبحانه يحول بين المرء وقلبه وبين الإنسان ونطقه وبين اليد وبطشها وبين الرجل ومشيها فكيف يظن به ظن السوء ويجعل له مثل السوء إنه لا يقدر على ما يقدر عليه عباده ولا تدخل أفعالهم تحت قدرته تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون لقدرته علوا كبيرا نعم ولا نظن به ظن السوء ونجعل له مثل السوء أنه يعاقب عباده على ما لم يفعلوه ولا قدرة لهم على فعله بل على ما فعله هو دونهم واضطرهم إليه وجبرهم عليه وذلك بمنزلة عقوبة الزمن إذا لم يطر إلى السماء وعقوبة أشل اليد على ترك الكتابة وعقوبة الأخرس على ترك الكلام فتعالى الله عن هذين المذهبين الباطلين المنحرفين عن سواء السبيل. فصل: ومن الدليل على خلق أعمال العباد قوله تعالى: والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم فأخبر أنه هو الذي جعل السرابيل وهي الدروع والثياب المصنوعة ومادتها لا تسمى سرابيل إلا أن بعد تحيلها(1\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11260",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صنعة الآدميين وعملهم فإذا كانت مجعولة لله فهي مخلوقة له بجملتها صورتها ومادتها وهيآتها ونظير هذا قوله: والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم فأخبر سبحانه أن البيوت المصنوعة المستقرة والمتنقلة مجعولة له وهي إنما صارت بيوتا بالصنعة الآدمية ونظيره قوله تعالى: وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون فأخبر سبحانه وتعالى أنه خالق الفلك المصنوع للعباد وأبعد من قال أن المراد بمثله هو الإبل فإنه إخراج المماثل حقيقة واعتبار لما هو بعيد عن المماثلة ونظير ذلك قوله تعالى حكاية عن خليله أنه قال لقومه أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون فإن كانت ما مصدرية كما قدره بعضهم فالاستدلال ظاهر وليس بقوي إذ لا تناسب بين إنكاره عليهم عبادة ما ينحتونه بأيديهم وبين إخبارهم بأن الله خالق أعمالهم من عبادة تلك الآلهة ونحتها وغير ذلك فالأولى أن تكون ما موصولة أي والله خلقكم وخلق آلهتكم التي عملتموها بأيديكم فهي مخلوقة له لا آلهة شركاء معه فأخبر أنه خلق معمولهم وقد حله عملهم وصنعهم ولا يقال المراد مادته فإن مادته غير معمولة لهم وإنما يصير معمولا بعد عملهم. فصل: وقد أخبر سبحانه أنه هو الذي جعل أئمة الخير يدعون إلى الهدى وأئمة الشر يدعون إلى النار فتلك الإمامة والدعوة بجعله فهي مجعولة له وفعل لهم قال تعالى عن آل فرعون: وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار وقال عن أئمة الهدى: وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا فأخبر أن هذا وهذا بجعله مع كونه كسبا وفعلا للأئمة ونظير ذلك قول الخليل: ربنا واجعلنا مسلمين لك فأخبر الخليل أنه سبحانه هو الذي يجعل المسلم مسلما وعند القدرية هو الذي جعل نفسه مسلما لا أن الله جعله مسلما ولا جعله إماما يهدي بأمره ولا جعل الآخر إماما يدعوا إلى النار على الحقيقة بل هم الجاعلون لأنفسهم كذلك حقيقة ونسبة هذا الجعل إلى الله مجاز بمعنى التسمية أي سمنا مسلمين لك وكذلك جعلناهم أئمة أي سميناهم كذلك وهم جعلوا أنفسهم أئمة رشد وضلال فمنهم الحقيقة ومنه المجاز والتعبير. فصل: ومن ذلك إخباره سبحانه بأنه هو الذي يلهم العبد فجوره وتقواه والإلهام الإلقاء في القلب لا مجرد البيان والتعليم كما قاله طائفة من المفسرين إذ لا يقال لمن بين لغيره شيئا وعلمه إياه أنه قد ألهمه ذلك هذا لا يعرف في اللغة البتة بل الصواب ما قاله ابن زيد قال جعل فيها فجورها وتقواها وعليه حديث عمران بن حصين: quot;أن رجلا من مزينة أو جهينة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس فيه ويكدحون أشيء قضى عليهم ومضى عليهم من قدر سابق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم قال: بل شيء قضى عليهم ومضى قال: ففيم العمل قال: من خلقه الله لإحدى المنزلتين استعمله بعمل أهلها وتصديق ذلك في كتاب الله: ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها quot; فقراءته هذه الآية عقيب إخباره بتقديم القضاء والقدر السابق يدل على أن المراد بالإلهام استعمالها فيما سبق لها لا مجرد تعريفها فإن التعريف والبيان لا يستلزم وقوع ما سبق به القضاء والقدر ومن فسر الآية من السلف بالتعليم والتعريف فمراده تعريف مستلزم لحصول ذلك لا تعريف مجرد عن الحصول فإنه لا يسمى إلهاما وبالله التوفيق. فصل: ومن ذلك قوله تعالى: وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير وذات الصدور كلمة لما يشتمل عليه الصدر من الاعتقادات والإرادات(1\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11261",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحب والبغض أي صاحبة الصدور فإنها لما كانت فيها قائمة بها نسبت إليها نسبة الصحبة والملازمة وقد اختلف في إعراب من خلق هو النصب أو الرفع فإن كان مرفوعا فهو استدلال على علمه بذلك لخلقه له والتقدير أنه يعلم ما تضمنته الصدور وكيف لا يعلم الخالق ما خلقه وهذا الاستدلال في غاية الظهور والصحة فإن الخلق يستلزم حياة الخالق وقدرته وعلمه ومشيئته وإن كان منصوبا فالمعنى ألا يعلم مخلوقه وذكر لفظة من تغليبا ليتناول العلم العاقل وصفاته على التقديرين فالآية دالة على خلق ما في الصدور كما هي على علمه سبحانه به وأيضا فإنه سبحانه خلقه لما في الصدور دليلا على علمه بها فقال: ألا يعلم من خلق أي كيف يخفى عليه ما في الصدور وهو الذي خلقه فلو كان ذلك غير مخلوق له لبطل الاستدلال به على العلم فخلقه سبحانه للشيء من أعظم الأدلة على علمه به فإذا انتفى الخلق انتفى دليل العلم فلم يبق ما يدل على علمه بما ينطوي عليه الصدر إذا كان غير خالق لذلك وهذا من أعظم الكفر برب العالمين وجحد لما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى آخرهم وعلم بالضرورة أنهم القوة إلى الأمم كما ألقوا إليهم أنه إله واحد لا شريك له فصل: ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن خليله إبراهيم أنه قال: رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي وقوله: فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وقوله تعالى: وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية وقوله حكاية عن زكريا أنه قال عن ولده: واجعله رب رضيا وقال في الطرف الآخر: فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية وقال: وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وهذه الأكنة والوقر هي شدة البغض والنفرة والإعراض التي لا يستطيعون معها سمعا ولا عقلا والتحقيق أن هذا ناشئ عن الأكنة والوقر فهو موجب ومقتضاه فمن فسر الأكنة والوقر به فقد فسرهما بموجبهما ومقتضاهما وبكل حال فتلك النفرة والإعراض والبغض من أفعالهم وهي مجعولة لله سبحانه كما أن الرأفة والرحمة وميل الأفئدة إلى بيته هو من أفعالهم والله جاعله فهو الجاعل للذوات وصفاتها وأفعالها وإراداتها واعتقاداتها فذلك كله مجعول مخلوق له وإن كان العبد فاعلا له باختياره وإرادته فإن قيل هذا كله معارض بقوله تعالى: ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام والبحيرة والسائبة إنما صارت كذلك بجعل العباد لها فأخبر سبحانه أن ذلك لم يكن بجعله قيل لا تعارض بحمد الله بين نصوص الكتاب بوجه ما والجعل ههنا جعل شرعي أمري لا كوني قدري فإن الجعل في كتاب الله ينقسم إلى هذه النوعين كما ينقسم إليهما الأمر والإذن والقضاء والكتابة والتحريم كما سيأتي بيانه إن شاء الله فنفى سبحانه عن البحيرة والسائبة جعله الديني الشرعي أي لم يشرع ذلك ولا أمر به ولكن الذين كفروا افتروا عليه الكذب وجعلوا ذلك دينا له بلا علم ومن ذلك قوله تعالى: ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم فأخبر سبحانه أن هذه الفتنة الحاصلة بما ألقى الشيطان هي بجعله سبحانه وهذا جعل كوني قدري ومن هذا قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه: quot;اللهم اجعلني لك شكارا لك ذكارا لك رهابا لك مطواعا لك مخبتا لك أواها منيباquot; فسأل ربه أن يجعله كذلك وهذه كلها أفعال اختيارية واقعة بإرادة العبد واختياره وفي هذا الحديث وسدد لساني وتسديد اللسان جعله ناطقا بالسداد من القول ومثله قوله في الحديث الآخر: quot;اللهم اجعلني لك مخلصاquot; ومثله قوله(1\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11262",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;اللهم اجعلني أعظم شكرك وأكثر ذكرك وأتبع نصيحتك وأحفظ وصيتكquot; ومثله قول المؤمنين: ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا فالصبر وثبات الأقدام فعلان اختياريان ولكن التصبير والتثبيت فعل الرب تعالى وهو المسؤول والصبر والثبات فعلهم القائم بهم حقيقة ومثله قوله: رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وقال ابن عباس والمفسرون بعده ألهمني قال أبو إسحاق وتأويله في اللغة كفني عن الأشياء إلا نفس شكر نعمتك ولهذا يقال في تفسير الموزع المولع ومنه الحديث: quot;كان رسول الله صلى الله عليه وسلم موزعا بالسؤال أي مولعا به كأنه كف ومنع إلا منهquot; وقال في الصحاح وزعته أزعه وزعا كففته فاتزع عنه أي كف وأوزعته بالشيء أغريته به فأوزع به فهو موزع به واستوزعت الله شكره فأوزعني أي استلهمته فألهمني فقد دار معنى اللفظة على معنى ألهمني ذلك واجعلني مغرى به وكفني عما سواه وعند القدرية إن هذا غير مقدور للرب بل هو غير مقدور العبد فصل: ومن ذلك قوله تعالى: واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فتحبيبه سبحانه الإيمان إلى عباده المؤمنين هو إلقاء محبته في قلوبهم وهذا لا يقدر عليه سواه وأما تحبيب العبد الشيء إلى غيره فإنما هو بتزيينه وذكر أوصافه وما يدعو إلى محبته فأخبر سبحانه أنه جعل في قلوب عباده المؤمنين الأمرين حبه وحسنه الداعي إلى حبه وألقى في قلوبهم كراهة ضده من الكفر والفسوق والعصيان وإن ذلك محض فضله ومنته عليهم حيث لم يكلهم إلى أنفسهم بل تولى هو سبحانه هذا التحبيب والتزيين وتكريه ضده فجاد عليهم به فضلا منه ونعمة والله عليم بمواقع فضله ومن يصلح له ومن لا يصلح حكيم بجعله في مواضعه ومن ذلك قوله تعالى: هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وتأليف القلوب جعل بعضها يألف ويميل إليه ويحبه وهو من أفعالها الاختيارية وقد أخبر سبحانه أنه هو الذي فعل ذلك لا غيره ومن ذلك قوله: يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم فأخبر سبحانه بفعلهم وهو إلههم وبفعله وهو كفهم عما هموا به ولا يصح أن يقال أنه سبحانه أشل أيديهم وأماتهم وأنزل عليهم عذابا حال بينهم وبين ما هموا به بل كف قدرهم وإرادتهم مع سلامة حواسهم وبنيتهم وصحة آلات الفعل منهم وعند القدرية هذا محال بل هم الذين يكفون أنفسهم والقرآن صريح في إبطال قولهم ومثله قوله: وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم فهذا كف أيدي الفريقين مع سلامتهما وصحتهما وهو بأن حال بينهم وبين الفعل فكف بعضهم عن بعض ومن ذلك قوله تعالى: وما بكم من نعمة فمن الله والإيمان والطاعة من أجل النعم بل هما أجل النعم على الإطلاق فهما منه سبحانه تعليما وإرشادا وإلهاما وتوفيقا ومشيئة وخلقا ولا يصح أن يقال أنها أمرا وبيانا فقط فإن ذلك حاصل بالنسبة إلى الكفار والعصاة فتكون نعمته على أكفر الخلق كنعمته على أهل الإيمان والطاعة والبر منهم إذ نعمة البيان والإرشاد مشتركة وهذا قول القدرية وقد صرح به كثير منهم ولم يجعلوا لله على العبد نعمة في مشيئته(1\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11263",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وخلقه فعله وتوفيقه إياه حين فعله وهذا من قولهم الذي باينوا به جميع الرسل والكتب وطردوا ذلك حين لم يجعلوا لله على العبد منه في إعطائه الجزاء بل قالوا ذلك محض حقه الذي لا منة لله عليه فيه واحتجوا بقوله: لهم أجر غير ممنون قالوا أي غير ممنون به عليهم إذ هو جزاء أعمالهم وأجورها قالوا والمنة تكدر النعمة والعطية ولم يدعوا هؤلاء للجهل بالله موضعا وقاسوا منته على منة المخلوق فإنهم مشبهة في الأفعال معطلة في الصفات وليست المنة في الحقيقة إلا لله فهو المان بفضله وأهل سمواته وأهل أرضه في محض منته عليهم قال تعالى: يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين وقال تعالى لكليمه موسى: ولقد مننا عليك مرة أخرى وقال: ولقد مننا على موسى وهارون وقال: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي وعالة فأغناكم الله بي قالوا الله ورسوله أمن وقال الرسل لقومهم: إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده فمنه سبحانه وتعالى محض إحسانه وفضله ورحمته وما طاب عيش أهل الجنة فيها إلا بمنته عليهم ولهذا قال أهلها وقد أقبل بعضهم على بعض يتساءلون إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم فأجزوا لمعرفتهم بربهم وحقه عليهم أن نجاهم من عذاب السموم بمحض منته عليهم وقد قال أعلم الخلق بالله وأحبهم إليه وأقربهم منه وأطوعهم له: quot;لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل quot; وقال: quot;إن الله لو عذب أهل سمواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرا من أعمالهمquot; والأول في الصحيح والثاني في المسند والسنن وصححه الحاكم وغيره فأخبر سيد العالمين والعاملين أنه لا يدخل الجنة بعمله وقالت القدرية أنهم يدخلونها بأعمالهم لئلا يتكدر نعيمهم عليهم بمشيئة الله بل يكون ذلك النعيم عوضا وما رمى السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم القدرية عن قوس واحد إلا لعظم بدعهم ومنافاتها لما بعث الله به أنبياءه ورسله فلو أتى العباد بكل طاعة وكانت أنفاسهم كلها طاعات لله لكانوا في محض منته وفضله وكانت له المنة عليهم وكلما عظمت طاعة العبد كانت منة الله عليه أعظم فهو المان بفضله فمن أنكر منته فقد أنكر إحسانه وأما قوله تعالى: لهم أجر غير ممنون فلم يختلف أهل العلم بالله ورسوله وكتابه أن معناه غير مقطوع ومنه ريب المنون وهو الموت لأنه يقطع العمر. فصل: ومن ذلك قوله تعالى: فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وقوله: وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وهذا الإغراء والإلقاء محض فعله سبحانه والتعادي والتباغض أثره وهو محض فعلهم وأصل ضلال القدرية والجبرية من عدم اهتدائهم إلى الفرق بين فعله سبحانه وفعل العبد فالجبرية جعلوا التعادي والتباغض فعل الرب دون المتعاديين والمتباغضين والقدرية جعلوا ذلك محض فعلهم الذي لا صنع لله فيه ولا قدرة ولا مشيئة وأهل الصراط السوي جعلوا ذلك فعلهم وهو أثر فعل الله وقدرته ومشيئته كما قال تعالى: هو الذي يسيركم في البر والبحر فالتسيير فعله والسير فعل العباد وهو أثر التسيير وكذلك الهدى والإضلال فعله والإهتداء والضلال أثر فعله وهما أفعالنا القائمة بنا فهو الهادي والعبد المهتدي وهو الذي يضل من يشاء والعبد الضال وهذا حقيقة وهذا(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11264",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حقيقة والطائفتان عن الصراط المستقيم ناكبتان. فصل: ومن ذ لك قوله تعالى عن خليله إبراهيم أنه قال: رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام فها هنا أمران تجنيب عبادتها واجتنابه فسأل الخليل ربه أن يجنبه وبنيه عبادتها ليحصل منهم اجتنابها فالاجتناب فعلهم والتجنيب فعله ولا سبيل إلى فعلهم إلا بعد فعله ونظير ذلك قول يوسف الصديق: قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم وصرف كيدهن هو صرف دواعي قلوبهن ومكرهن بألسنتهن وأعمالهن وتلك أفعال اختيارية وهو سبحانه الصارف لها فالصرف فعله والانصراف أثر فعله وهو فعل النسوة ومن ذلك قوله سبحانه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا فالتثبيت فعله والثبات فعل رسوله فهو سبحانه المثبت وعبده الثابت ومثله قوله: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء فأخبر سبحانه أن تثبيت المؤمنين وإضلال الظالمين فعله فإنه يفعل ما يشاء وأما الثبات والضلال فمحض أفعالهم ومن ذلك قوله تعالى: فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه فأخبر أنه هو الذي قسى قلوبهم حتى صارت قاسية فالقساوة وصفها وفعلها وهي أثر فعله وهو جعلها قاسية وذلك أثر معاصيهم ونقضهم ميثاقهم وتركهم بعض ما ذكروا به فالآية مبطلة لقول القدرية والجبرية. فصل: ومن ذلك قوله تعالى: فأخرجناهم من جنات وعيون وزروع ومقام كريم وهم إنما خرجوا باختيارهم وقد أخبر هو الذي أخرجهم فالإخراج فعله حقيقة والخروج فعلهم حقيقة ولولا إخراجه لما خرجوا وهذا بخلاف قوله: والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا وقوله: هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر وقوله: أخرجكم من بطون أمهاتكم فإن هذا إخراج لا صنع لهم فيه فإنه بغير اختيارهم وإرادتهم وأما قوله: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق فيحتمل أن يكون إخراجا بقدره ومشيئته فيكون من الأول ويحتمل أن يكون إخراجا يوجبه بأمره فلا يكون من هذا فيكون الإخراج في كتاب الله ثلاثة أنواع أحدها إخراج الخارج بإختياره ومشيئته والثاني إخراجه قهرا وكرها والثالث إخراجه أمرا وشرعا. فصل: وقد ظن طائفة من الناس أن من هذا الباب قوله تعالى: فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وجعلوا ذلك من أدلتهم على القدرية ولم يفهموا مراد الآية وليست من هذا الباب فإن هذا خطاب لهم في واقعة بدر حيث أنزل الله سبحانه وملائكته فقتلوا أعداءه فلم يفرد المسلمون بقتلهم بل قتلتهم الملائكة وأما رميه صلى الله عليه وسلم فمقدوره كان هو الحذف والإلقاء وأما إيصال ما رمى به إلى وجوه العدو مع البعد وإيصال ذلك إلى وجوه جميعهم فلم يكن من فعله ولكنه فعل الله وحده فالرمي يراد به الحذف والإيصال فأثبت له الحذف بقوله إذ رميت ونفى عنه الإيصال بقوله وما رميت. فصل: ومن ذلك قوله: وأنه هو أضحك وأبكى والضحك والبكاء فعلان اختياريان فهو سبحانه المضحك المبكي حقيقة والعبد هو الضاحك الباكي حقيقة وتأويل الآية بخلاف ذلك إخراج للكلام(1\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11265",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن ظاهره بغير موجب ولا منافاة بين ما يذكر من تلك التأويلات وبين ظاهره فإن إضحاك الأرض بالنبات وإبكاء السماء بالمطر وإضحاك العبد وإبكاءه بخلق آلات الضحك والبكاء له لا ينافي حقيقة اللفظ وموضوعه ومعناه من أنه جاعل الضحك والبكاء فيه بل الجميع حق. فصل: ومن ذلك قوله تعالى: هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا ورؤية البرق أمر واقع بإحساسهم فالإراءة فعله والرؤية فعلنا ولا يقال إراءة البرق خلقه فإن خلقه لا يسمى إراءة ولا يستلزم رؤيتنا له بل إراءتنا له جعلنا نراه وذلك فعله سبحانه ومن ذلك قول الخضر لموسى: فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما فبلوغ الأشد ليس من فعلهما واستخراج الكنز من أفعالهما الاختيارية وقد أخبر أن كليهما بإرادته سبحانه ومن ذلك قوله تعالى عن السحرة: وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله وليس إذنه ها هنا أمره وشرعه بل قضاؤه وقدره ومشيئته فهو إذا كوني قدري لا ديني أمري. فصل: ومن ذلك قوله تعالى: وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكلمة التقوى هي الكلمة التي يتقى الله بها وأعلى أنواع هذه الكلمة هي قول لا إله إلا الله ثم كل كلمة يتقى الله بها بعدها فهي من كلمة التقوى وقد أخبر سبحانه أنه ألزمها عبادة المؤمنين فجعلها لازمة لهم لا ينفكون عنها فبإلزامه التزموها ولولا إلزامه لهم إياها لما التزموها والتزامها فعل اختياري تابع لإرادتهم واختيارهم فهو الملزم وهم الملتزمون. فصل: ومن ذلك قوله تعالى: إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا وهذا تفسير الهلوع وهو شدة الحرص الذي يترتب عليه الجزع والمنع فأخبر سبحانه أنه خلق الإنسان كذلك وذلك صرح في أن هلعه مخلوق لله كما أن ذاته مخلوقة فالإنسان بجملته ذاته وصفاته وأفعاله وأخلاقه مخلوق لله ليس فيه شيء خلق لله وشيء خلق لغيره بل الله خالق الإنسان بجملته وأحواله كلها فالهلع فعله حقيقة والله خالق ذلك فيه حقيقة فليس الله سبحانه بهلوع ولا العبد هو الخالق لذلك. فصل: ومن ذلك قوله تعالى: وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون وإذنه ها هنا قضاؤه وقدره لا مجرد أمره وشرعه كذلك قال السلف في تفسير هذه الآية قال ابن المبارك عن الثوري: quot;بقضاء اللهquot; وقال محمد بن جرير: quot;يقول جل ذكره لنبيه وما لنفس خلقها من سبيل إلى أن تصدقك إلا أن يأذن لها في ذلك فلا تجهدن نفسك في طلب هداها وبلغها وعيد الله ثم خلها فإن هداها بيد خالقهاquot; وما قبل الآية وما بعدها لا يدل إلا على ذلك فإنه سبحانه قال: ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله أي لا تكفي دعوتك في حصول الإيمان حتى يأذن الله لمن دعوته أن يؤمن ثم قال:: قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون قال ابن جرير: يقول تعالى يا محمد قل لهؤلاء السائلينك الآيات على صحة ما تدعو إليه من توحيد الله وخلع الأنداد والأوثان أنظروا أيها القوم ماذا في السماوات من الآيات الدالة على حقية ما أدعوكم إليه من توحيد الله من شمسها وقمرها واختلاف ليلها ونهارها ونزول الغيث بأرزاق العباد من سحابها وفي الأرض من جبالها وتصدعها بنباتها وأقوات أهلها وسائر صنوف عجائبها فإن في ذلك لكم إن عقلتم وتدبرتم(1\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11266",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عظة ومعتبرا ودلالة على أن ذلك من فعل من لا يجوز أن يكون له في ملكه شريك ولا له على حفظه وتدبيره ظهير يغنيكم عما سواه من الآيات وما يغني عن قوم قد سبق لهم من الله الشقاء وقضى عليهم في أم الكتاب أنهم من أهل النار فهم لا يؤمنون بشيء من ذلك ولا يصدقون به ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم. فصل: ومن ذلك قوله تعالى: وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا قال ابن جرير: quot;وكل إنسان ألزمناه ما قضي له أنه عامله وما هو صائر إليه من شقاء أو سعادة بعمله في عنقه لا يفارقهquot; وهذا ما قاله الناس في الآية وهو ما طار له من الشقاء والسعادة وما طار عنه من العمل ثم ذكر عن ابن عباس قال: quot;طائره عمله وما قدر عليه فهو ملازمه أينما كان وزائل معه أينما زالquot; وكذلك قال ابن جريج وقتادة ومجاهد: quot;هو عملهquot; زاد مجاهد: quot;وما كتب لهquot; وقال قتادة أيضا: quot;سعادته وشقاوته بعملهquot; قال ابن جرير: quot;فإن قال قائل فكيف قال ألزمناه طائره في عنقه إن كان الأمر على ما وصفت ولم يقل في يديه أو رجليه أو غير ذلك من أعضاء الجسد قيل إن العنق هي موضع السمات وموضع القلائد والأطوقة وغير ذلك مما يزين أو يشينquot; فجرى كلام العرب بنسبة الأشياء اللازمة سائر الأبدان إلى الأعناق كما أضافوا جنايات أعضاء الأبدان إلى اليد فقالوا ذلك بما كسبت يداه وإن كان الذي جره عليه لسانه أو فرجه فكذلك قوله: ألزمناه طائره في عنقه وقال الفراء: quot;الطائر معناه عندهم العملquot; قال الأزهري: quot;والأصل في هذا أن الله سبحانه لما خلق آدم علم المطيع من ذريته والعاصي فكتب ما علمه منهم أجمعين وقضى بسعادة من علمه مطيعا وشقاوة من علمه عاصيا فطار لكل ما هو صائر إليه عند خلقه وإنشائهquot; وأما قوله: في عنقه فقال أبو إسحاق: quot;إنما يقال للشيء اللازم هذا في عنق فلان أي لزومه له كلزوم القلادة من بين ما يلبس في العنقquot; قال أبو علي: quot;مثل هذا قولهم طوقتك كذا وقلدتك كذا أي صرفته نحوك وألزمتك إياه ومنه قلده السلطان كذا أي صارت الولاية في لزومها له في موضع القلادة ومكان الطوقquot; وقيل: quot;إنما خص العنق لأن عمله لا يخلو إما أن يكون خيرا أو شرا وذلك مما يزين أو يشين كالحلي والغل فأضيف إلى الأعناقquot; قالت القدرية: quot;إلزامه ذلك وسمه به وتعليمه بعلامة يعرف الملائكة أنه سعيد أو شقي والخبر عنه لا أنه ألزمه العمل فجعله لازما لهquot; قال أهل السنة: هذه طريقة لكم معروفة في تحريف الكلم عن مواضعه سلكتموها في الجسم والطبع والعقل وهذا لا يعرفه أهل اللغة وهو خلاف حقيقة اللفظ وما فسره به أعلم الأمة بالقرآن ولا يعرف ما قلتموه عن أحد من سلف الأمة البتة ولا فسر الآية غيركم به ولا يصح حمل الآية عليه فإن الخبر عنه بذلك والعلامة أعلم بها إنما حصل بعد طائره اللازم له من عمله فلما لزمه ذلك الطائر ولم ينفك عنه أخبر عنه بذلك وصارت عليه علامة وسمة ونحن قد أريناكم أقوال أئمة الهدى وسلف الأمة في الطائر فأرونا قولكم عن واحد منهم قاله قبلكم وكل طائفة من أهل البدع تجر القرآن إلى بدعها وضلالها وتفسره بمذاهبها وآرائها والقرآن بريء من ذلك وبالله التوفيق فصل: ومن ذلك قوله تعالى: وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به وقد وقع هذا المعنى في القرآن في موضعين هذا أحدهما والثاني في سورة الشعراء في قوله: ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين كذلك سلكناه في(1\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "73",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11267",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم قال ابن عباس: quot;سلك الشرك في قلوب المكذبين كما سلك الخرزة في الخيطquot; وقال أبو إسحاق: quot;أي كما فعل بالمجرمين الذين استهزؤا بمن تقدم من الرسل كذلك سلك الضلال في قلوب المجرمينquot; واختلفوا في مفسر الضمير في قوله: نسلكه فقال ابن عباس: quot;سلكنا الشركquot; وهو قول الحسن وقال الزجاج وغيره: quot;هو الضلالquot; وقال الربيع: quot;يعني الاستهزاءquot; وقال الفراء: quot;التكذيبquot; وهذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد والتكذيب والاستهزاء والشرك كل ذلك فعلهم حقيقة وقد أخبر أنه سبحانه هو الذي سلكه في قلوبهم وعندي في هذه الأقوال شيء فإن الظاهر أن الضمير في قوله لا يؤمنون به هو الضمير في قوله سلكناه فلا يصح أن يكون المعنى لا يؤمنون بالشرك والتكذيب والاستهزاء فلا تصح تلك الأقوال إلا باختلاف مفسر الضميرين والظاهر اتحاده فالذين لا يؤمنون به هو الذي سلكه في قلوبهم وهو القرآن فإن قيل فما معنى سلكه إياه في قلوبهم وهم ينكرونه قبل سلكه في قلوبهم بهذه الحال أي سلكناه غير مؤمنين به فدخل في قلوبهم مكذبا به كما دخل في قلوب المؤمنين مصدقا به وهذا مراد من قال إن الذي سلكه في قلوبهم هو التكذيب والضلال ولكن فسر الآية بالمعنى فإنه إذا دخل في قلوبهم مكذبين به فقد دخل التكذيب والضلال في قلوبهم فإن قيل فما معنى إدخاله في قلوبهم وهم لا يؤمنون به قيل لتقوم عليهم بذلك حجة الله فدخل في قلوبهم وعلموا أنه حق وكذبوا به فلم يدخل في قلوبهم دخول مصدق به مؤمن به مرضي به وتكذيبهم به بعد دخوله في قلوبهم أعظم كفرا من تكذيبهم به قبل أن يدخل في قلوبهم فإن المكذب بالحق بعد معرفته له شر من المكذب به ولم يعرفه فتأمله فإنه من فقه التفسير والله الموفق للصواب. فصل: ومن ذلك قوله تعالى: ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا فالإرسال هاهنا إرسال كوني قدري كإرسال الرياح وليس بإرسال ديني شرعي فهو إرسال تسليط بخلاف قوله في المؤمنين: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان فهذا السلطان المنفى عنه على المؤمنين هو الذي أرسل به جنده على الكافرين قال أبو إسحاق: quot;ومعنى الإرسال ههنا التسليط تقول قد أرسلت فلانا على فلان إذا سلطته عليه كما قال: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين quot; فاعلم أن من اتبعه هو مسلط عليه قلت ويشهد له قوله تعالى: إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون وقوله: تؤزهم أزا فالأز في اللغة التحريك والتهييج ومنه يقال لغليان القدر الأزيز لتحرك الماء عند الغليان وفي الحديث: quot;كان لصدر رسول الله صلى الله عليه وسلم أزيزا كأزيز المرجل من البكاءquot; وعبارات السلف تدور على هذا المعنى قال ابن عباس: quot;تغريهم إغراءquot; وفي رواية أخرى عنه quot;تسلهم سلاquot; وفي رواية أخرى quot;تحرضهم تحريضاquot; وفي أخرى quot;تزعجهم للمعاصي إزعاجاquot; وفي أخرى quot;توقدهم إيقاداquot; أي كما يتحرك الماء بالوقد تحته قال أبو عبيدة: quot;الأزيز الإلهابquot; والحركة كالتهاب النار في الحطب يقال إز قدرك أي ألهب تحتها النار وائتزت القدر إذا اشتد غليانها وهذا اختيار الأخفش والتحقيق أن اللفظة تجمع المعنيين جميعا قالت القدرية quot;معنى أرسلنا الشياطين على الكافرين خلينا بينهم وبينها ليس معناه التسليطquot; قال أبو علي quot;الإرسال يستعمل بمعنى التخلية بين المرسل وما يريدquot; فمعنى الآية خلينا بين الشياطين وبين الكافرين ولم يمنعهم منهم ولم يعدهم بخلاف المؤمنين الذين قيل فيهم أن عبادي ليس لك عليهم سلطان قال الواحدي quot;وإلى هذا الوجه يذهب القدرية في معنى الآية قال وليس المعنى على(1\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "74",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11268",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما ذهبوا إليهquot; وقال أبو إسحاق quot;والمختار أنهم أرسلوا عليهم وقيضوا لهم بكفرهم كما قال تعالى: ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وقال: وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وإنما معنى الإرسال التسليطquot; قلت وهذا هو المفهوم من معنى الإرسال كما في الحديث: quot;إذا أرسلت كلبك المعلم أي سلطته ولو خلى بينه وبين الصيد من غير إرسال منه لم يبح صيدهquot; وكذلك قوله: وفي وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم أي سلطناها وسخرناها عليهم وكذلك قوله: وأرسل عليهم طيرا أبابيل وكذلك قوله: إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة والتخلية بين المرسل وبين ما أرسل عليه من لوازم هذا المعنى ولا يتم التسليط إلا به فإذا أرسل الشيء الذي من طبعه وشأنه أن تفعل فعلا ولم تمنعه من فعله فهذا هو التسليط ثم أن القدرية تناقضوا في هذا القول فإنهم إن جوزوا منعهم منهم وعصمتهم وإعادتهم فقد نقضوا أصلهم فإن منع المختار من فعله الاختياري مع سلامة النية وصحة بنيته تدل على أن فعله وتركه مقدور للرب وهذا عين قول أهل السنة وإن قالوا لا يقدر على منعهم وعصمهم منهم وإعادتهم فقد جعلوا قدرتهم ومشيئتهم بفعل ما لا يقدر الرب على المنع منه وهذا أبطل الباطل ثم قالت القدرية تؤزهم أزا تأمرهم بالمعاصي أمرا وحكوا ذلك عن الضحاك وهذا لا يلتفت إليه إذ لا يقال لمن أمر غيره بشيء قد أزه ولا تساعد اللغة على ذلك ولو كان ذلك صحيحا لكان يؤز المؤمنين أيضا فإنه يأمرهم بالمعاصي أكثر من أمر الكافرين فإن الكافر سريع الطاعة والقبول من الشيطان فلا يحتاج من أمره ما يحتاج إليه من أمر المؤمنين بل يأمر الكافر مرة ويأمر المؤمن مرات فلو كان الأز الأمر لم يكن له اختصاص بالكافرين. فصل: ومن ذلك قوله تعالى: قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس وقوله: أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون وقوله: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ومن المعلوم أن الإعاذة من الشيطان الرجيم ليست بإماتته ولا تعطيل آلات كيده وإنما هي بأن يعصم المستعيذ من أذاه له ويحول بينه وبين فعله الاختياري له فدل على أن فعله مقدور له سبحانه إن شاء سلطه على العبد وإن شاء حال بينه وبينه وهذا على أصول القدرية باطل فلا يثبتون حقيقة الإعاذة وإن أثبتوا حقيقة الاستعاذة من العبد وجعلوا الآية ردا على الجبرية والجبرية أثبتوا حقيقة الإعاذة ولم يثبتوا حقيقة الاستعاذة من العبد بل الاستعاذة فعل الرب حقيقة كما أن الإعاذة فعله وقد ضل الطائفتان عن الصراط المستقيم وأصابت كل طائفة منهما فيما أثبتته من الحق. فصل: ومن ذلك قوله تعالى: واصبر وما صبرك إلا بالله وقول هود وما توفيقي إلا بالله ومعلوم أن الصبر والتوفيق فعل اختياري للعبد وقد أخبر أنه به لا بالعبد وهذا لا ينبغي أن يكون فعلا للعبد حقيقة ولهذا أمر به وهو لا يأمر عبده بفعل نفسه سبحانه وإنما يؤمر العبد بفعله هو ومع هذا فليس فعله واقعا به وإنما هو بالخالق لكل شيء الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فالتصبير منه سبحانه وهو فعله والصبر هو القائم بالعبد وهو فعل العبد ولهذا أثنى على من يسأله أن يصبره فقال تعالى: ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فهزموهم بإذن الله ففي الآية أربعة أدلة أحدها: قولهم: أفرغ علينا صبرا والصبر فعلهم الاختياري فسألوه ممن هو(1\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "75",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11269",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بيده ومشيئته وإذنه إن شاء أعطاهموه وإن شاء منعهموه والثاني: قولهم: وثبت أقدامنا وثبات الأقدام فعل اختياري ولكن التثبيت فعله والثبات فعلهم ولا سبيل إلى فعلهم إلا بعد فعله الثالث: قولهم: وانصرنا على القوم الكافرين فسألوه النصر وذلك بأن يقوي عزائمهم ويشجعهم ويصبرهم ويثبتهم ويلقي في قلوب أعداهم الخور والخوف والرعب فيحصل النصر وأيضا فإن كون الإنسان منصورا على غيره إما أن يكون بأفعال الجوارح وهو واقع بقدرة العبد واختياره وأما أن يكون بالحجة والبيان والعلم وذلك أيضا فعل العبد وقد أخبر سبحانه أن النصر بجملته من عنده وأثنى على من طلبه منه وعند القدرية لا يدخل تحت مقدور الرب الرابع: قوله: فهزموهم بإذن الله وإذنه هاهنا هو الإذن الكوني القدري أي بمشيئته وقضائه وقدره وليس هو الإذن الشرعي الذي بمعنى الأمر فإن ذلك لا يستلزم الهزيمة بخلاف إذنه الكوني وأمره الكوني فإن المأمور المكون لا يتخلف عنه البتة. فصل: ومن ذلك قوله تعالى: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وفي الآية رد ظاهر على الطائفتين وإبطال لقولهما فإنه سبحانه أغفل قلب العبد عن ذكره فغفل هو فالإغفال فعل الله والغفلة فعل العبد ثم أخبر عن اتباعه هواه وذلك فعل العبد حقيقة والقدرية تحرف هذا النص وأمثاله بالتسمية والعلم فيقولون معنى أغفلنا قلبه سميناه غافلا أو وجدناه غافلا أي علمناه كذلك وهذا من تحريفهم بل أغفلته مثل أقمته وأقعدته وأغنيته وأفقرته أي جعلته كذلك وأما أفعلته أو أوجدته كذلك كأحمدته وأجنبته وأبخلته وأعجزته فلا يقع في أفعال الله البتة إنما يقع في أفعال العاجز أن يجعل جبانا وبخيلا وعاجزا فيكون معناه صادفته كذلك وهل يخطر بقلب الداعي اللهم أقدرني أو أوزعني وألهمني أي سمني وأعلمني كذلك وهل هذا إلا كذب عليه وعلى المدعو سبحانه والعقلاء يعلمون علما ضروريا أن الداعي إنما سأل الله أن يخلق له ذلك ويشاءه له ويقدره عليه حتى القدري إذا غابت عنه بدعته وما تقلده عن أشياخه وأسلافه وبقي وفطرته لم يخطر بقلبه سوى ذلك وأيضا فلا يمكن أن يكون العبد هو المغفل لنفسه عن الشيء فإن إغفاله لنفسه عنه مشروط بشعوره به وذلك مضاد لغفلته عنه بخلاف إغفال الرب تعالى له فإنه لا يضاد علمه بما يغفل عنه العبد وبخلاف غفلة العبد فإنها لا تكون إلا مع عدم شعوره بالمغفول عنه وهذا ظاهر جدا فثبت إن الإغفال فعل الله بعبده والغفلة فعل العبد. فصل: ومن ذلك قوله تعالى إخبارا عن نبيه شعيب أنه قال لقومه: قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وهذا يبطل تأويل القدرية المشيئة في مثل ذلك بمعنى الأمر فقد علمت أنه من الممتنع على الله أن يأمر بالدخول في ملة الكفر والشرك به ولكن استثنوا بمشيئته التي يضل بها من يشاء ويهدي من يشاء ثم قال شعيب وسع ربنا كل شيء علما فرد الأمر إلى مشيئته وعلمه فإن له سبحانه في خلقه علم محيط ومشيئته نافذة وراء ما يعلمه الخلائق فامتناعنا من العود فيها هو مبلغ علومنا ومشيئتنا ولله علم آخر ومشيئة أخرى وراء علومنا ومشيئتنا فلذلك رد الأمر إليه ومثله قول إبراهيم: ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون فأعادت الرسل بكمال معرفتها بالله أمورها إلى مشيئة الرب وعلمه ولهذا أمر الله رسوله أن لا يقول لشيء أنه فاعله حتى يستثني بمشيئة الله فإنه إن شاء فعله(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "76",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11270",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن شاء لم يفعله وقد تقدم تقرير هذا المعنى وبالجملة فكل دليل في القرآن على التوحيد فهو دليل على القدر وخلق أفعال العباد ولهذا كان إثبات القدر أساس التوحيد قال ابن عباس: quot;الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه التوحيدquot;(1\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "77",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11271",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "الباب الرابع عشر: في الهدى والضلال ومراتبهما والمقدور منهما للخلق وغير المقدور لهم",
        "content": "الباب الرابع عشر: في الهدى والضلال ومراتبهما والمقدور منهما للخلق وغير المقدور لهم هذا المذهب هو قلب أبواب القدر ومسائله فإن أفضل ما يقدر الله لعبده وأجل ما يقسمه له الهدى وأعظم ما يبتليه به ويقدره عليه الضلال وكل نعمة دون نعمة الهدى وكل مصيبة دون مصيبة الضلال وقد اتفقت رسل الله من أولهم إلى آخرهم وكتبه المنزلة عليهم على أنه سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء وأنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأن الهدى والإضلال بيده لا بيد العبد وأن العبد هو الضال أو المهتدي فالهداية والإضلال فعله سبحانه وقدره والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه ولا بد قبل الخوض في تقرير ذلك من ذكر مراتب الهدى والضلال في القرآن فأما مراتب الهدى فأربعة: إحداها: الهدى العام وهو هداية كل نفس إلى مصالح معاشها وما يقيمها وهذا أعم مراتبه المرتبة الثانية: الهدى بمعنى البيان والدلالة والتعليم والدعوة إلى مصالح العبد في معاده وهذا خاص بالمكلفين وهذه المرتبة أخص من المرتبة الأولى وأعم من الثالثة المرتبة الثالثة: الهداية المستلزمة للاهتداء وهي هداية التوفيق ومشيئة الله لعبده الهداية وخلقه دواعي الهدى وإرادته والقدرة عليه للعبد وهذه الهداية التي لا يقدر عليها إلا الله عز وجل المرتبة الرابعة: الهداية يوم المعاد إلى طريق الجنة والنار. فصل: فأما المرتبة الأولى فقد قال سبحانه: سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى فذكر سبحانه أربعة أمور عامة الخلق والتسوية والتقدير والهداية وجعل التسوية من تمام الخلق والهداية من تمام التقدير قال عطاء quot;خلق فسوى أحسن ما خلقه وشاهده قوله تعالى: الذي أحسن كل شيء خلقه فإحسان خلقه يتضمن تسويته وتناسب خلقه وأجزائه بحيث لم يحصل بينها تفاوت يخل بالتناسب والاعتدال فالخلق الإيجاد والتسوية إتقانه وإحسان خلقهquot; وقال الكلبي quot;خلق كل ذي روح فجمع خلقه وسواه باليدين والعينين والرجلينquot; وقال مقاتلquot; خلق لكل دابة ما يصلح لها من الخلقquot; وقال أبو إسحاق quot;خلق الإنسان مستوياquot; وهذا تمثيل وإلا فالخلق والتسوية شامل للإنسان وغيره قال تعالى: ونفس وما سواها وقال: فسواهن سبع سماوات فالتسوية شاملة لجميع مخلوقاته: ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت وما يوجد من التفاوت وعدم التسوية فهو راجع إلى عدم إعطاء التسوية للمخلوق فإن التسوية أمر وجودي تتعلق بالتأثير والإبداع فما عدم منها فلعدم إرادة الخالق للتسوية وذلك أمر عدمي يكفي فيه عدم الإبداع والتأثير فتأمل ذلك فإنه يزيل عنك الإشكال في قوله: ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فالتفاوت حاصل بسبب عدم مشيئة التسوية كما أن الجهل والصمم والعمى والخرس والبكم يكفي فيها عدم مشيئة خلقها وإيجادها وتمام هذا يأتي إن شاء الله في باب دخول الشر في القضاء عند قول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;والشر ليس إليكquot; والمقصود أن كل(1\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "78",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11272",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مخلوق فقد سواه خالقه سبحانه في مرتبة خلقه وإن فاتته التسوية من وجه آخر لم يخلق له فصل: وأما التقدير والهداية فقال مقاتل quot;قدر خلق الذكر والأنثى فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيهاquot; وقال ابن عباس والكلبي وكذلك قال عطاء quot;قدر من النسل ما أراد ثم هدى الذكر للأنثىquot; واختار هذا القول صاحب النظم فقال: quot;معنى هدى هداية الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيهاquot; لأن إتيان ذكران الحيوان لإناثه مختلف لاختلاف الصور والخلق والهيآت فلولا أنه سبحانه جبل كل ذكر على معرفة كيف يأتي أنثى جنسه لما اهتدى لذلك وقال مقاتل أيضا: quot;هداه لمعيشته ومرعاهquot; وقال السدي: quot;قدر مدة الجنين في الرحم ثم هداه للخروجquot; وقال مجاهد: quot;هدى الإنسان لسبيل الخير والشر والسعادة والشقاوةquot; وقال الفراء: quot;التقدير فهدى وأضل فاكتفى من ذكر أحدهما بالآخرquot; قلت: الآية أعم من هذا كله وأضعف الأقوال فيها قول الفراء إذا المراد هاهنا الهداية العامة لمصالح الحيوان في معاشه ليس المراد هداية الإيمان والضلال بمشيئته وهو نظير قوله: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى فإعطاء الخلق إيجاده في الخارج والهداية التعليم والدلالة على سبيل بقائه وما يحفظه ويقيمه وما ذكر مجاهد فهو تمثيل منه لا تفسير مطابق للآية فإن الآية شاملة لهداية الحيوان كله ناطقه وبهيمه طيره ودوابه فصيحه وأعجمه وكذلك قول من قال أنه هداية الذكر لإتيان الأنثى تمثيل أيضا وهو فرد واحد من أفراد الهداية التي لا يحصيها إلا الله وكذلك قول من قال هداه للمرعى فإن ذلك من الهداية فإن الهداية إلى التقام الثدي عند خروجه من بطن أمه والهداية إلى معرفته أمه دون غيرها حتى يتبعها أين ذهبت والهداية إلى قصد ما ينفعه من المرعى دون ما يضره منه وهداية الطير والوحش والدواب إلى الأفعال العجيبة التي يعجز عنها الإنسان كهداية النحل إلى سلوك السبل التي فيها مراعيها على تباينها ثم عودها إلى بيوتها من الشجر والجبال وما يغرس بنو آدم وأمر النحل في هدايتها من أعجب العجب وذلك أن لها أميرا ومدبرا وهو اليعسوب وهو أكبر جسما من جميع النحل وأحسن لونا وشكلا وإناث النحل تلد في إقبال الربيع وأكثر أولادها يكن إناثا وإذا وقع فيها ذكر لم تدعه بينها بل إما أن تطرده وإما أن تقتله إلا طائفة يسيرة منها تكون حول الملك وذلك أن الذكر منها لا تعمل شيئا ولا تكسب ثم تجمع الأمهات وفراخها عند الملك فيخرج بها إلى المرعى من المزوج والرياض والبساتين والمراتع في أقصد الطرق وأقربها فيجتني منها كفايتها فيرجع بها الملك فإذا انتهوا إلى الخلايا وقف على بابها ولم يدع ذكرا ولا نحلة غريبة تدخلها فإذا تكامل دخولها دخل بعدها وتواجدت النحل على مقاعدها وأماكنها فيبتدئ الملك بالعمل كأنه يعلمها إياه فيأخذ النحل في العمل ويتسارع إليه ويترك الملك العمل ويجلس ناحية بحيث يشاهد النحل فيأخذ النحل في إيجاد الشمع من لزوجات الأوراق والأنوار ثم تقتسم النحل فرقا فمنها فرقة تلزم الملك ولا تفارقه ولا تعمل ولا تكسب وهم حاشية الملك من الذكورة ومنها فرقة تهيئ الشمع وتصنعه والشمع هو ثفل العسل وفيه حلاوة كحلاوة التين وللنحل فيه عناية شديدة فوق عنايتها بالعسل فينظفه النحل ويصفيه ويخلصه مما يخالطه من أبوالها وغيرها وفرقة تبني البيوت وفرقة تسقي الماء وتحمله على متونها وفرقة تكنس الخلايا وتنظفها من الأوساخ والجيف والزبل وإذا رأت بينها نحلة مهينة بطالة قطعها وقتلها حتى لا تفسد عليهن بقية العمال وتعديهن ببطالتها ومهانتها وأول ما يبنى في الخلية مقعد الملك وبيته فيبنى له بيتا مربعا يشبه السرير والتخت فيجلس عليه ويستدير حوله(1\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "79",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11273",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طائفة من النحل يشبه الأمراء والخدم والخواص لا يفارقنه ويجعل النحل بين يديه شيئا يشبه الحوض يصب فيه من العسل أصفى ما يقدر عليه ويملأ منه الحوض يكون ذلك طعاما للملك وخواصه ثم يأخذن في ابتناء البيوت على خطوط متساوية كأنها سكك ومحال وتبنى بيوتها مسدسة متساوية الأضلاع كأنها قرأت كتاب أقليدس حتى عرفت أوفق الأشكال لبيوتها لأن المطلوب من بناء الدور هو الوثاقة والسعة والشكل المسدس دون سائر الأشكال إذا انضمت بعض أشكاله إلى بعض صار شكلا مستديرا كاستدارة الرحى ولا يبقى فيه فروج ولا خلل ويشد بعضه بعضا حتى يصير طبقا واحدا محكما لا يدخل بين بيوته رؤوس الإبر فتبارك الذي ألهمها أن تبني بيوتها هذا البناء المحكم الذي يعجز البشر عن صنع مثله فعلمت أنها محتاجة إلى أن تبني بيوتها من أشكال موصوفة بصفتين إحداهما: أن لا يكون زواياها ضيقة حتى لا يبقى الموضع الضيق معطلا الثانية: أن تكون تلك البيوت مشكلة بأشكال إذا انضم بعضها إلى بعض وامتلأت العرصة منها فلا يبقى منها ضائعا ثم إنها علمت أن الشكل الموصوف بهاتين الصفتين هو المسدس فقط فإن المثلثات والمربعات وإن أمكن امتلاء العرصة منها إلا أن زواياها ضيقة وأما سائر الأشكال وإن كانت زواياها واسعة إلا أنها لا تمتلئ العرصة منها بل يبقى فيما بينها فروج خاليه ضائعة وأما المسدس فهو موصوف بهاتين الصفتين فهداها سبحانه على بناء بيوتها على هذا الشكل من غير مسطر ولا آلة ولا مثال يحتذى عليه وأصنع بني آدم لا يقدر على بناء البيت المسدس إلا بالآلات الكبيرة فتبارك الذي هداها أن تسلك سبل مراعيها على قوتها وتأتها ذللا لا تستعصي عليها ولا تضل عنها وأن تجتني أطيب ما في المرعى وألطفه وأن تعود إلى بيوتها الخالية فتصب فيها شرابا مختلفا ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون فإذا فرغت من بناء البيوت خرجت خماصا تسيح سهلا وجبلا فأكلت من الحلاوات المرتفعة على رؤوس الأزهار وورق الأشجار فترجع بطانا وجعل سبحانه في أفواهها حرارة منضجة تنضج ما جنته فتعيده حلاوة ونضجا ثم تمجه في البيوت حتى إذا امتلأت ختمتها وسدت رؤوسها بالشمع المصفى فإذا امتلأت تلك البيوت عمدت إلى مكان آخر إن صادفته فاتخذت فيه بيوتا وفعلت كما فعلت في البيوت الأولى فإذا برد الهوى وأخلف المرعى وحيل بينها وبين الكسب لزمت بيوتها واغتذت بما ادخرته من العسل وهي في أيام الكسب والسعي تخرج بكرة وتسيح في المراتع وتستعمل كل فرقة منها بما يخصها من العمل فإذا أمست رجعت إلى بيوتها وإذا كان وقت رجوعها وقف على باب الخلية بواب منها ومعه أعوان فكل نحلة تريد الدخول يشمها البواب ويتفقدها فإن وجد منها رائحة منكرة أو رأى بها لطخة من قذر منعها من الدخول وعزلها ناحية إلى أن يدخل الجميع فيرجع إلى المعزولات الممنوعات من الدخول فيتفقدهن ويكشف أحوالهن مرة ثانية فمن وجده قد وقع على شيء منتن أو نجس قده نصفين ومن كانت جنايته خفيفة تركه خارج الخلية هذا دأب البواب كل عشية وأما الملك فلا يكثر الخروج من الخلية إلا نادرا إذا اشتهى التنزه فيخرج ومعه أمراء النحل والخدم فيطوف في المروج والرياض والبساتين ساعة من النهار ثم يعود إلى مكانه ومن عجيب أمره أنه ربما لحقه أذى من النحل أو من صاحب الخلية أو من خدمه فيغضب ويخرج من الخلية ويتباعد عنها ويتبعه جميع النحل وتبقى الخلية خالية فإذا رأى صاحبها ذلك وخاف أن يأخذ النحل ويذهب بها إلى مكان آخر احتال لاسترجاعه وطلب رضاه فيتعرف موضعه الذي صار إليه بالنحل فيعرفه(1\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "80",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11274",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "باجتماع النحل إليه فإنها لا تفارقه وتجتمع عليه حتى تصير عليه عنقودا وهو إذا خرج غضبا جلس على مكان مرتفع من الشجرة وطافت به النحل وانضمت إليه حتى يصير كالكرة فيأخذ صاحب النحل رمحا أو قصبة طويلة ويشد على رأسه حزمة من النبات الطيب الرائحة العطر النظيف ويدنيه إلى محل الملك ويكون معه إما مزهر أو يراع أو شيء من آلات الطرب فيحركه وقد أدنى إليه ذلك الحشيش فلا يزال كذلك إلى أن يرضى الملك فإذا رضي وزال غضبه طفر ووقع على الضغث وتبعه خدمه وسائر النحل فيحمله صاحبه إلى الخلية فينزل ويدخلها هو وجنوده ولا يقع النحل على جيفة ولا حيوان ولا طعام ومن عجيب أمرها أنها تقتل الملوك الظلمة المفسدة ولا تدين لطاعتها والنحل الصغار المجتمعة الخلق هي العسالة وهي تحاول مقاتلة الطوال القليلة النفع وإخراجها ونفيها عن الخلايا وإذا فعلت ذلك جاد العسل وتجتهد أن تقتل ما تريد قتلها خارج الخلية صيانة للخلية عن جيفته ومنها صنف قليل النفع كبير الجسم وبينها وبين العسالة حرب فهي تقصدها وتغتالها وتفتح عليها بيوتها وتقصد هلاكها والعسالة شديدة التيقظ والتحفظ منها فإذا هجمت عليها في بيوتها حاولتها وألجأتها إلى أبواب البيوت فتتلطخ بالعسل فلا تقدر على الطيران ولا يفلت منها الآكل طويل العمر فإذا انقضت الحرب وبرد القتال عادت إلى القتلى فحملتها وألقتها خارج الخلية وقد ذكرنا ان الملك لا يخرج إلا في الأحايين وإذا خرج خرج في جموع من الفراخ والشبان وإذا عزم على الخروج ظل قبل ذلك اليوم أو يومين يعلم الفراخ وينزلها منازلها ويرتبها فيخرج ويخرجن معه على ترتيب ونظام قد دبره معهن لا يخرجن عنه وإذا تولدت عنده ذكران عرف أنهن يتطلبن الملك فيجعل كل واحد منهم على طائفة من الفراخ ولا يقتل ملك منها ملكا آخر لما في ذلك من فساد الرعية وهلاكها وتفرقها وإذا رأى صاحب الخلية الملوك قد كثرت في الخلية وخاف من تفرق النحل بسببهم احتال عليهم وأخذ الملوك كلها إلا واحدا ويحبس الباقي عنده في إناء ويدع عندهم من العسل ما يكفيهم حتى إذا حدث بالملك المنصوب حدث مرض أو موت أو كان مفسدا فقتلته النحل أخذ من هؤلاء المحبوسين واحدا وجعله مكانه لئلا يبقى النحل بلا ملك فيتشتت أمرها ومن عجيب أمرها أن الملك إذا خرج متنزها ومعه الأمراء والجنود ربما لحقه إعياء فتحمله الفراخ وفي النحل كرام عمال لها سعي وهمة واجتهاد وفيها لئام كسالى قليلة النفع مؤثرة للبطالة فالكرام دائما تطردها وتنفيها عن الخلية ولا تساكنها خشية أن تعدي كرامها وتفسدها والنحل من ألطف الحيوان وأنقاه ولذلك لا تلقي زبلها إلا حين تطير وتكره النتن والروائح الخبيثة وأبكارها وفراخها أحرس وأشد اجتهادا من الكبار وأقل لسعا وأجود عسلا ولسعها إذا لسعت أقل ضررا من لسع الكبار ولما كانت النحل من أنفع الحيوان وأبركه قد خصت من وحي الرب تعالى وهدايته لما لم يشركها فيه غيرها وكان الخارج من بطونها مادة الشفاء من الأسقام والنور الذي يضيء في الظلام بمنزلة الهداة من الأنام كان أكثر الحيوان أعداء وكان أعداؤها من أقل الحيوان منفعة وبركة وهذه سنة الله في خلقه وهو العزيز الحكيم فصل: وهذه النمل من أهدى الحيوانات وهدايتها من أعجب شيء فإن النملة الصغيرة تخرج من بيتها وتطلب قوتها وإن بعدت عليها لطريق فإذا ظفرت به حملته وساقته في طرق معوجة بعيدة ذات صعود وهبوط في غاية من التوعر حتى تصل إلى بيوتها فتخزن فيها أقواتها في وقت الإمكان(1\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "81",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11275",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا خزنتها عمدت إلى ما ينبت منها ففلقته فلقتين لئلا ينبت فإن كان ينبت مع فلقه باثنتين فلقته بأربعة فإذا أصابه بلل وخافت عليه العفن والفساد انتظرت به يوما ذا شمس فخرجت به فنشرته على أبواب بيوتها ثم أعادته إليها ولا تتغذى منها نملة مما جمعه غيرها ويكفي في هداية النمل ما حكاه الله سبحانه في القرآن عن النملة التي سمع سليمان كلامها وخطابها لأصحابها بقولها: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون فاستفتحت خطابها بالنداء الذي يسمعه من خاطبته ثم أتت بالاسم المبهم ثم أتبعته بما يثبته من اسم الجنس إرادة للعموم ثم أمرتهم بأن يدخلوا مساكنهم فيتحصنون من العسكر ثم أخبرت عن سبب هذا الدخول وهو خشية أن يصيبهم معرة الجيش فيحطمهم سليمان وجنوده ثم اعتذرت عن نبي الله وجنوده بأنهم لا يشعرون بذلك وهذا من أعجب الهداية وتأمل كيف عظم الله سبحانه شأن النمل بقوله: وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون ثم قال: حتى إذا أتوا على واد النمل فأخبر أنهم بأجمعهم مروا على ذلك الوادي ودل على أن ذلك الوادي معروفا بالنمل كوادي السباع ونحوه ثم أخبر بما دل على شدة فطنة هذه النملة ودقة معرفتها حيث أمرتهم أن يدخلوا مساكنهم المختصة بهم فقد عرفت هي والنمل أن لكل طائفة منها مسكنا لا يدخل عليهم فيه سواهم ثم قالت لا يحطمنكم سليمان وجنوده فجمعت بين اسمه وعينه وعرفته بهما وعرفت جنوده وقائدها ثم قالت وهم لا يشعرون فكأنها جمعت بين الاعتذار عن مضرة الجيش بكونهم لا يشعرون وبين لوم أمة النمل حيث لم يأخذوا حذرهم ويدخلوا مساكنهم ولذلك تبسم نبي الله ضاحكا من قولها وأنه لموضع تعجب وتبسم وقد روى الزهري عن عبد الله بن عبد الله بن عيينة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;نهى عن قتل النمل والنحلة والهدهد والصردquot; وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;نزل بني من الأنبياء تحت شجرة فقرصته نملة فأمر بجهازه فأخرج وأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله إليه أمن أجل أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح فهلا نملة واحدةquot; وذكر هشام بن حسان: quot;أن أهل الأحنف بن قيس لقوا من النمل شدة فأمر الأحنف بكرسي فوضع عند تنورين فجلس عليه ثم تشهد ثم قال لتنتهن أو ليحرقن عليكن ونفعل ونفعل قال فذهبنquot; وروى عوف بن أبي جميلة عن قسامة بن زهير قال قال أبو موسى الأشعري: quot;إن لكل شيء سادة حتى للنمل سادة ومن عجيب هدايتها أنها تعرف ربها بأنه فوق سماواته على عرشه كما رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد من حديث أبي هريرة يرفعه قال: quot;خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقون فأذاهم بنملة رافعة قوائمها إلى السماء تدعو مستلقية على ظهرها فقال ارجعوا فقد كفيتم أو سقيتم بغيركمquot; ولهذا الأثر عدة طرق ورواه الطحاوي في التهذيب وغيره وقال الإمام أحمد حدثنا قال: quot;خرج سليمان بن داؤد يستسقي فرأى نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنا عن سقياك ورزقك فأما أن تسقينا وترزقنا وإما أن تهلكنا فقال ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركمquot; ولقد حدثني أن نملة خرجت من بيتها فصادفت شق جرادة فحاولت أن تحمله فلم تطق فذهبت وجاءت معها بأعوان يحملنه معها قال فرفعت ذلك من الأرض فطافت في مكانه فلم تجده فانصرفوا وتركوها قال فوضعته فعادت تحاول حمله فلم تقدر فذهبت وجاءت بهم فرفعته فطافت فلم تجده فانصرفوا قال فعلت ذلك مرارا فلما كان في المرة الأخرى استدار(1\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "82",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11276",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النمل حلقة ووضعوها في وسطها وقطعوها عضوا عضوا قال شيخنا وقد حكيت له هذه الحكاية فقال هذه النمل فطرها الله سبحانه على قبح الكذب وعقوبة الكذاب والنمل من أحرص الحيوان ويضرب بحرصه المثل ويذكر أن سليمان صلوات الله وسلامه عليه لما رأى حرص النملة وشدة ادخارها للغذاء استحضر نملة وسألها كم تأكل النملة من الطعام كل سنة قالت ثلاث حبات من الحنطة فأمر بإلقائها في قارورة وسد فم القارورة وجعل معها ثلاث حبات حنطة وتركها سنة بعد ما قالت ثم أمر بفتح القارورة عند فراغ السنة فوجد حبة ونصف حبة فقال أين زعمك أنت زعمت أن قوتك كل سنة ثلاث حبات فقالت: نعم ولكن لما رأيتك مشغولا بمصالح أبناء جنسك حسبت الذي بقي من عمري فوجدته أكثر من المدة المضروبة فاقتصرت على نصف القوت واستبقيت نصفه استبقاء لنفسي فعجب سليمان من شدة حرصها وهذا من أعجب الهداية والعطية ومن حرصها أنها تكد طوال الصيف وتجمع للشتاء علما منها بإعواز الطلب في الشتاء وتعذر الكسب فيه وهي على ضعفها شديدة القوى فإنها تحمل أضعاف أضعاف وزنها وتجره إلى بيتها ومن عجيب أمرها أنك إذا أخذت عضو كزبرة يابس فأدنيته إلى أنفك لم تشم له رائحة فإذا وضعته على الأرض أقبلت النملة من مكان بعيد إليه فإن عجزت عن حمله ذهبت وأتت معها بصف من النمل يحتملونه فكيف وجدت رائحة ذلك من جوف بيتها حتى أقبلت بسرعة إليه فهي تدرك بالشم من البعد ما يدركه غيرها بالبصر أو بالسمع فتأتي من مكان بعيد إلى موضع أكل فيه الإنسان وبقي فيه فتات من الخبز أو غيره فتحلمه وتذهب به وإن كان أكبر منها فإن عجزت عن حمله ذهبت إلى حجرها وجاءت معها بطائفة من أصحابها فجاؤا كخيط أسود يتبع بعضهم بعضا حتى يتساعدوا على حمله ونقله وهي تأتي إلى السنبلة فتشمها فإن وجدتها حنطة قطعتها ومزقتها وحملتها وإن وجدتها شعيرا فلا ولها صدق الشم وبعد الهمة وشدة الحرص والجرأة على محاولة نقل ما هو أضعاف أضعاف وزنها وليس للنمل قائد ورئيس يدبرها كما يكون للنحل إلا أن لها رائدا يطلب الرزق فإذا وقف عليه أخبر أصحابه فيخرجن مجتمعات وكل نملة تجتهد في صلاح العامة منها غير مختلسة من الحب شيئا لنفسها دون صواحباتها ومن عجيب أمرها أن الرجل إذا أراد أن يحترز من النمل لا يسقط في عسل أو نحوه فإنه يحفر حفيرة ويجعل حولها ماء أو يتخذ إناء كبيرا ويملأه ماء ثم يضع فيه ذلك الشيء فيأتي الذي يطيف به فلا يقدر عليه فيتسلق في الحائط ويمشي على السقف إلى أن يحاذي ذلك الشيء فتلقي نفسها عليه وجربنا نحن ذلك وأحمى صانع مرة طوقا بالنار ورماه على الأرض ليبرد واتفق أن اشتمل الطوق على نمل فتوجه في الجهات ليخرج فلحقه وهج النار فلزم المركز ووسط الطوق وكان ذلك مركزا له وهو أبعد مكان من المحيط. فصل: وهذا الهدهد من أهدى الحيوان وأبصره بمواضع الماء تحت الأرض لا يراه غيره ومن هدايته ما حكاه الله عنه في كتابه أن قال لنبي الله سليمان وقد فقده وتوعده فلما جاءه بدره بالعذر قبل أن ينذره سليمان بالعقوبة وخاطبه خطابا هيجه به على الإصغاء إليه والقبول منه فقال أحطت بما لم تحط به وفي ضمن هذا أني أتيتك بأمر قد عرفته حق المعرفة بحيث أحطت به وهو خبر عظيم له شأن فلذلك قال وجئتك من سبأ بنبأ يقين والنبأ هو الخبر الذي له شأن والنفوس متطلعة إلى معرفته ثم وصفه بأنه نبأ يقين لا شك فيه ولا ريب فهذه مقدمة بين يدي إخباره لنبي الله بذلك النبأ استفرغت(1\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "83",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11277",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلب المخبر لتلقي الخبر وأوجبت له التشوف التام إلى سماعه ومعرفته وهذا نوع من براعة الاستهلال وخطاب التهييج ثم كشف عن حقيقة الخبر كشفا مؤكدا بأدلة التأكيد فقال إني وجدت امرأة تملكهم ثم أخبر عن شأن تلك الملكة وأنها من أجل الملوك بحيث أوتيت من كل شيء يصلح أن تؤتاه الملوك ثم زاد في تعظيم شأنها بذكر عرشها التي تجلس عليه وأنه عرش عظيم ثم أخبره بما يدعوهم إلى قصدهم وغزوهم في عقر دارهم بعد دعوتهم إلى الله فقال: وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وحذف أداة العطف من هذه الجملة وأتى بها مستقلة غير معطوفة على ما قبلها إيذانا بأنها هي المقصودة وما قبلها توطئة لها ثم أخبر عن المغوي لهم الحامل لهم على ذلك وهو تزيين الشيطان لهم أعمالهم حتى صدهم عن السبيل المستقيم وهو السجود لله وحده ثم أخبر أن ذلك الصد حال بينهم وبين الهداية والسجود لله الذي لا ينبغي السجود إلا له ثم ذكر من أفعاله سبحانه إخراج الخبء في السماوات والأرض وهو المخبوء فيهما من المطر والنبات والمعادن وأنواع ما ينزل من السماء وما يخرج من الأرض وفي ذكر الهدهد هذا الشأن من أفعال الرب تعالى بخصوصه إشعار بما خصه الله به من إخراج الماء المخبوء تحت الأرض قال صاحب الكشاف quot;وفي إخراج الخبء إمارة على أنه من كلام الهدهد لهندسته ومعرفته الماء تحت الأرض وذلك بإلهام من يخرج الخبء في السماوات والأرض جلت قدرته ولطف علمه ولا يكاد يخفى على ذي الفراسة الناظر بنور الله مخايل كل شخص بصناعة أو فن من العلم في روائه ومنطقه وشمائله فما عمل آدمي عملا إلا ألقى الله عليه رداء عملهquot;. فصل: وهذا الحمام من أعجب الحيوان هداية حتى قال الشافعي: quot;أعقل الطير الحمامquot; وبرد الحمام هي التي تحمل الرسائل والكتب ربما زادت قيمة الطير منها على قيمة المملوك والعبد فإن الغرض الذي يحصل به لا يحصل بمملوك ولا بحيوان غيره لأنه يذهب ويرجع إلى مكانه من مسيرة ألف فرسخ فما دونها وتنهي الأخبار والأغراض والمقاصد التي تتعلق بها مهمات الممالك والدول والقيمون بأمرها يعتنون بأنسابها اعتناء عظيما فيفرقون بين ذكورها وإناثها وقت السفاد وتنقل الذكور عن إناثها إلى غيرها والإناث عن ذكورها ويخافون عليها من فساد أنسابها وحملها من غيرها ويتعرفون صحة طرقها ومحلها لا يأمنون أن تفسد الأنثى ذكرا من عرض الحمام فتعتريها الهجنة والقيمون بأمرها لا يحفظون أرحام نسائهم ويحتاطون لها كما يحفظون أرحام حمامهم ويحتاطون لها والقيمون لهم في ذلك قواعد وطرق يعتنون بها غاية الاعتناء بحيث إذا رأوا حماما ساقطا لم يخف عليهم حسبها ونسبها وبلدها ويعظمون صاحب التجربة والمعرفة وتسمح أنفسهم بالجعل الوافر له ويختارون لحمل الكتب والرسائل الذكور منها ويقولون هو أحن إلى بيته لمكان أنثاه وهو أشد متنا وأقوى بدنا وأحسن اهتداء وطائفة منهم يختار لذلك الإناث ويقولون الذكر إذا سافر وبعد عهده حن إلى الإناث وتاقت نفسه إليهن فربما رأى أنثى في طريقه ومجيئه فلا يصبر عنها فيترك المسير ومال إلى قضاء وطره منها وهدايته على قدر التعليم والتوطين والحمام موصوف باليمن والألف للناس ويحب الناس ويحبونه ويألف المكان ويثبت على العهد والوفاء لصاحبه وإن أساء إليه ويعود إليه من مسافات بعيدة وربما صد فترك وطنه عشر حجج وهو ثابت على الوفاء حتى إذا وجد فرصة واستطاعة عاد إليه والحمام إذا أراد السفاد يلطف للأنثى غاية اللطف فيبدأ بنشر ذنبه وإرخاء جناحه ثم يدنو من الأنثى فيهدر لها ويقبلها ويزفها وينتفش(1\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "84",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11278",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويرفع صدره ثم يعتريه ضرب من الوله والأنثى في ذلك مرسلة جناحها وكتفها على الأرض فإذا قضى حاجته منها ركبته الأنثى وليس ذلك في شيء من الحيوان سواه وإذا علم الذكر أنه أودع رحم الأنثى ما يكون منه الولد يقدم هو والأنثى بطلب القصب والحشيش وصغار العيدان فيعملان منه أفحوصة وينسجانها نسجا متداخلا في الوضع الذي يكون بقدر حيمان الحمامة ويجعلان حروفها شاخصة مرتفعة لئلا يتدحرج عنها البيض ويكون حصنا للحاضن ثم يتعاودان ذلك المكان ويتعاقبان الأفحوص يسخنانه ويطيبانه وينفيان طباعه الأول ويحدثان فيه طبعا آخر مشتقا ومستخرجا من طباع أبدانهما ورائحتهما لكي تقع البيضة إذا وقعت في مكان هو أشبه المواضع بأرحام الحمام ويكون على مقدار من الحر والبرد والرخاوة والصلابة ثم إذا ضربها المخاض بادرت إلى ذلك المكان ووضعت فيه البيض فإن أفزعها رعد قاصف رمت بالبيضة دون ذلك المكان الذي هيأته كالمرأة التي تسقط من الفزع فإذا وضعت البيض في ذلك المكان لم يزالا يتعاقبان الحضن حتى إذا بلغ الحضن مداه وانتهت أيامه انصدع عن الفرخ فأعاناه على خروجه فيبدآن أولا بنفخ الريح في حلقه حتى تتسع حوصلته علما منهما بأن الحوصلة تضيق عن الغذاء فتتسع الحوصلة بعد التحامها وتنفتق بعد ارتقاقها ثم يعلمان أن الحوصلة وإن كانت قد اتسعت شيئا فإنها في أول الأمر لا تحتمل الغذاء فيزقانه بلعابهما المختلط بالغذاء وفيه قوى الطعم ثم يعلمان أن طبع الحوصلة تضعف عن استمرار الغذاء وأنها تحتاج إلى دفع وتقوية لتكون لها بعض المتانة فيلقطان من الغيطان الحب اللين الرخو ويزقانه الفرخ ثم يزقانه بعد ذلك الحب الذي هو أقوى وأشد ولا يزالان يزقانه بالحب والماء على تدريج بحسب قوة الفرخ وهو يطلب ذلك منهما حتى إذا علما أنه قد أطاق اللقط منعاه بعض المنع ليحتاج إلى اللقط ويعتاده وإذا علما أن رئته في قويت ونمت وأنهما إن فطماه فطما تاما قوي على اللقط وتبلغ لنفسه ضرباه إذا سألهما الزق ومنعاه ثم تنزع تلك الرحمة العجيبة منهما وينسيان ذلك التعطف المتمكن حين يعلمان أنه قد أطاق القيام بنفسه والتكسب ثم يبتدآن العمل ابتداء على ذلك النظام والحمام يشاكل الناس في أكثر طباعه ومذاهبه فإن من إناثه أنثى لا تريد إلا زوجها وفيه أخرى لا ترد يد لامس وأخرى لا تنال إلا بعد الطلب الحثيث وأخرى تركب من أول وهلة وأول طلب وأخرى لها ذكر معروف بها وهي تمكن ذكرا آخر منها إذا غاب زوجها لم تمتنع ممن ركبها وأخرى تمكن من يغنيها عن زوجها وهو يراهما ويشاهدهما ولا تبالي بحضوره وأخرى تعمط الذكر وتدعوه إلى نفسها وأنثى تركب أنثى وتساحقها وذكر يركب ذكرا ويعسفه وكل حالة توجد في الناس ذكورهم وإناثهم توجد في الحمام وفيها من لا تبيض وإن باضت أفسدت البيضة كالمرأة التي لا تريد الولد كيلا يشغلها عن شأنها وفي إناث الحمام من إذا عرض لها ذكر أي ذكر كان أسرعت هاربة ولا تواتي غير زوجها البتة بمنزلة المرأة الحرة ومنها ما يأخذ أنثى يتمتع بها تم ينتقل عنها إلى غيرها وكذلك الأنثى توافق ذكرا آخر عن زوجها وتنتقل عنه وإن كانوا جميعا في برج واحد ومنها ما يتصالح على الأنثى منها ذكران أو أكثر فتعايرهم كلهم حتى إذا غلب واحد منهم لرفيقه وقهره مالت إليه وأعرضت عن المغلوب وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;رأى حمامة تتبع حمامة فقال شيطان يتبع شيطانهquot; ومنها ما يزق فراخه خاصة ومنا ما فيه شفقة ورحمة بالغة يزق فراخه وغيرها ومن عجيب هداها أنها إذا حملت الرسائل سلكت الطرق البعيدة عن القرى ومواضع الناس لئلا يعرض لها من(1\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "85",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11279",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يصدها ولا يرد مياههم بل يرد المياه التي لا يردها الناس ومن هدايتها أيضا أنه إذا رأى الناس في الهواء عرف أي صنف يريده وأي نوع من الأنواع ضده فيخالف فعله ليسلم منه ومن هدايته أنه في أول نهوضه يغفل ويمر بين النسر والعقاب وبين الرخم والبازي وبين الغراب والصقر فيعرف من يقصده ومن لا يقصده وإن رأى الشاهين فكأنه يرى السم الناقع وتأخذه حيرة كما يأخذ الشاة عند رؤية الذئب والحمار عند مشاهدة الأسد ومن هداية الحمام أن الذكر والأنثى يتقاسمان أمر الفراخ فتكون الحضانة والتربية والكفالة على الأنثى وجلب القوت والزق على الذكر فإن الأب هو صاحب العيال والكاسب لهم والأم هي التي تحبل وتلد وترضع ومن عجيب أمرها ما ذكره الجاحظ أن رجلا كان له زوج حمام مقصوص وزوج طيار وللطيار فرخان قال ففتحت لهما في أعلى الغرفة كوة للدخول والخروج وزق فراخهما قال فحبسني السلطان فجأة فاهتممت بشأن المقصوص غاية الاهتمام ولم أشك في موتهما لأنهما لا يقدران على الخروج من الكوة وليس عندهما ما يأكلان ويشربان قال فلما خلى سبيلي لم يكن لي هم غيرهما ففتحت البيت فوجدت الفراخ قد كبرت ووجدت المقصوص على أحسن حال فعجبت فما لبث أن جاء الزوج الطيار فدنا الزوج المقصوص إلى أفواههما يستطعمانهما كما يستطعم الفرخ فزقاهم فانظر إلى هذه الهداية فإن المقصوصبن لما شاهدا تلطف الفراخ للأبوين وكيف يستطعمانهما إذا اشتد بهما الجوع والعطش فعلا كفعل الفرخين فأدركتهما رحمة الطيارين فزقاهما كما يزقان فرخيهما ونظير ذلك ما ذكره الجاحظ وغيره قال الجاحظ: quot;وهو أمر مشهور عندنا بالبصرة أنه لما وقع الطاعون الجارف أتى على أهل دار فلم يشك أهل تلك المحلة أنه لم يبق منهم أحد فعمدوا إلى باب الدار فسدوه وكان قد بقي صبي صغير يرضع ولم يفطنوا له فلما كان بعد ذلك بمدة تحول إليها بعض ورثة القوم ففتح الباب فلما أفضى إلى عرصة الدار إذا هو بصبي يلعب مع جراء كلبة قد كانت لأهل الدار فراعه ذلك فلم يلبث أن أقبلت كلبة قد كانت لأهل الدار فلما رآها الصبي حبا إليها فأمكنته من أطبائها فمصها وذلك أن الصبي لما اشتد جوعه ورأى جراء الكلبة يرتضعون من أطباء الكلبة حبا إليها فعطفت عليه فلما سقته مرة أدامت له ذلك وأدام هو الطلب ولا يستبعد هذاquot; وما هو أعجب منه فإن الذي هدى المولود إلى مص إبهامه ساعة يولد ثم هداه إلى التقام حلمة ثدي لم يتقدم له به عادة كأنه قد قيل له هذه خزانة طعامك وشرابك التي كأنك لم تزل بها عارفا وفي هدايته للحيوان إلى مصالحة ما هو أعجب من ذلك ومن ذلك أن الديك الشاب إذا لقي حبا لم يأكله حتى يفرقه فإذا هرم وشاخ أكله من غير تفريق كما قال المدائني quot;إن إياس بن معاوية مر بديك ينقر حبا ولا يفرقه فقال ينبغي أن يكون هرما فإن الديك الشاب يفرق الحب ليجتمع الدجاج حوله فتصيب منه والهرم قد فنيت رغبته فليس له همة إلا نفسه قال إياس: والديك يأخذ الحبة فهو يريها الدجاجة حتى يلقيها من فيه والهرم يبتلعها ولا يلقيها للدجاجةquot; وذكر ابن الأعرابي قال: quot;أكلت حبة بيض مكاء فجعل المكاء يصوت ويطير على رأسها ويدنو منها حتى إذا فتحت فاها وهمت به ألقى حسكة فأخذت بحلقها حتى ماتتquot; وأنشد أبو عمرو الشيباني في ذلك قول الأسدي: إن كنت أبصرتني عيلا ومصطلما ... فربما قتل المكاء ثعبانا وهداية الحيوانات إلى مصالح معاشها كالبحر حدث عنه ولا حرج ومن عجيب هدايتها أن الثعلب إذا(1\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "86",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11280",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "امتلأ من البراغيث أخذ صوفة بفمه ثم عمد إلى ماء رقيق فنزل فيه قليلا قليلا حتى ترتفع البراغيث إلى الصوفة فيلقيها في الماء ويخرج ومن عجيب أمره أن ذئبا أكل أولاده وكان للذئب أولاد وهناك زبية فعمد الثعلب وألقى نفسه فيها وحفر فيها سردابا يخرج منه ثم عمد إلى أولاد الذئب فقتلهم وجلس ناحية ينتظر الذئب فلما أقبل وعرف أنها فعلته هرب قدامه وهو يتبعه فألقى نفسه في الزبية ثم خرج من السرداب فألقى الذئب نفسه وراءه فلم يجده ولم يطق الخروج فقتله أهل الناحية ومن عجيب أمره أن رجلا كان معه دجاجتان فاختفى له وخطف إحداهما وفر ثم أعمل فكرة في أخذ الأخرى فتراأى لصاحبها من بعيد وفي فمه شيء شبيه بالطائر وأطمعه في استعادتها بأن تركه وفر فظن الرجل أنها الدجاجة فأسرع نحوها وخالفه الثعلب إلى أختها فأخذها وذهب ومن عجيب أمره أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا فلم يطق فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير ففزع منه فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة حتى تواظب الطير على ذلك وألفته فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها وعبر إلى الطير فلم يشك الطير أنه من جنس ما قبله فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به ومن عجيب أمر الذئب أنه عرض لإنسان يريد قتله فرأى معه قوسا وسهما فذهب وجاء بعظم رأس جمل في فيه وأقبل نحو الرجل فجعل الرجل كلما رماه بسهم اتقاه بذلك العظم حتى أعجزه وعاين نفاذ سهمه فصادف من استعان به على طرد الذئب ومن عجيب أمر القرد ما ذكره البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون الأودي قال: quot;رأيت في الجاهلية قردا وقردة زينا فاجتمع عليهما القرود فرجموهما حتى ماتاquot; فهؤلاء القرود أقاموا حد الله حين عطله بنو آدم وهذه البقر يضرب ببلادتها المثل وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: quot;أن رجلا بينا هو يسوق بقرة إذ ركبها فقالت لم أخلق لهذا فقال الناس سبحان الله بقرة تتكلم فقال فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم قال وبينا رجل يرعى غنما له إذ عدا الذئب على شاة منها فاستنقذها منه فقال الذئب هذه استنقذتها مني فمن لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري فقال الناس سبحان الله ذئب يتكلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثمquot; ومن هداية الحمار الذي هو من أبلد الحيوان أن الرجل يسير به ويأتي به منزله من البعد في ليلة مظلمة فيعرف المنزل فإذا خلى جاء إليه ويفرق بين الصوت الذي يستوقف به والصوت الذي يحث به على السير ومن عجيب أمر الفأر أنها إذا شربت من الزيت الذي في أعلا الجرة فنقص وعز عليها الوصول إليه ذهبت وحملت في أفواهها ماء وصبته في الجرة حتى يرتفع الزيت فتشربه والأطباء تزعم أن الحقنة أخذت من طائر طويل المنقار إذا تعسر عليه الذرق جاء إلى البحر المالح وأخذ بمنقاره منه واحتقن به فيخرج الذرق بسرعة وهذا الثعلب إذا اشتد به الجوع انتفخ ورمى بنفسه في الصحراء كأنه جيفة فتتداوله الطير فلا يظهر حركة ولا نفسا فلا تشك أنه ميت حتى إذا نقر بمنقاره وثب عليها فضمها ضمة الموت وهذا ابن عرس والقنفذ إذا أكلا الأفاعي والحيات عمدا إلى الصتر النهري فأكلاه كالترياق لذلك ومن عجيب أمر الثعلب أنه إذا أصاب القنفذ قلبه لظهره لأجل شوكه فيجتمع القنفذ حتى يصير كبة شوك فيبول الثعلب على بطنه ما بين مغرز عجبه إلى فكيه فإذا أصابه البول اعتراه الأسر فانبسط فيسلخه الثعلب من بطنه ويأكل مسلوخه وكثير من العقلاء يتعلم من الحيوانات البهم أمورا تنفعه في معاشه وأخلاقه(1\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "87",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11281",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصناعته وحربه وحزمه وصبره وهداية الحيوان فوق هداية أكثر الناس قال تعالى: أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا قال أبو جعفر الباقر والله ما اقتصر على تشبههم بالأنعام حتى جعلهم أضل سبيلا منها فمن هدى الأنثى من السباع إذا وضعت ولدها أن ترفعه في الهواء أياما تهرب به من الذر والنمل لأنها تضعه كقطعة من لحم فهي تخاف عليه الذر والنمل فلا تزال ترفعه وتضعه وتحوله من مكان إلى مكان حتى يشتد وقال ابن الأعرابي: quot;قيل لشيخ من قريش من علمك هذا كله وإنما يعرف مثله أصحاب التجارب والتكسب قال: علمني الله ما علم الحمامة تقلب بيضها حتى تعطي الوجهين جميعا نصيبهما من حضانتها ولخوف طباع الأرض على البيض إذا استمر على جانب واحدquot; وقيل لآخر: quot;من علمك اللجاج في الحاجة والصبر عليها وإن استعصت حتى تظفر بها قال: من علم الخنفساء إذا صعدت في الحائط تسقط ثم تصعد ثم تسقط مرارا عديدة حتى تستمر صاعدةquot; وقيل لآخر: quot;من علمك البكور في حوائجك أول النهار لا تخل به قال من علم الطير تغدو خماصا كل بكرة في طلب أقواتها على قربها وبعدها لا تسأم ذلك ولا تخاف ما يعرض لها في الجو والأرضquot; وقيل لآخر: quot;من علمك السكون والتحفظ والتماوت حتى تظفر بأربك فإذا ظفرت به وثبت وثوب الأسد على فريسته فقال الذي علم السهر أن ترصد جحر الفأرة فلا تتحرك ولا تتلوى ولا تختلج كأنها ميتة حتى إذا برزت لها الفأرة وثبت عليها كالأسدquot; وقيل لآخر: quot;من علمك الصبر والجلد والاحتمال وعدم السكون قال من علم أبا أيوب صبره على الأثقال والأحمال الثقيلة والمشي والتعب وغلظة الجمال وضربه فالثقل والكل على ظهره ومرارة الجوع والعطش في كبده وجهد التعب والمشقة ملأ جوارحه ولا يعدل به ذلك عن الصبرquot; وقيل لآخر: quot;من علمك حسن الإيثار والسماحة بالبذل قال من علم الديك يصادف الحبة في الأرض وهو يحتاج إليها فلا يأكلها بل يستدعي الدجاج ويطلبهن طلبا حثيثا حتى تجيء الواحدة منهن فتلقطها وهو مسرور بذلك طيب النفس به وإذا وضع له الحب الكثير فرقه هاهنا وهاهنا وإن لم يكن هناك دجاج لأن طبعه قد ألف البذل والجود فهو يرى من اللؤم أن يستبد وحده بالطعامquot; وقيل لآخر: quot;من علمك هذا التحيل في طلب الرزق ووجوه تحصيله قال من علم الثعلب تلك الحيل التي يعجز العقلاء عن علمها وعملها وهي أكثر من أن تذكرquot; ومن علم الأسد إذا مشى وخاف أن يقتفى أثره ويطلب عفى أثر مشيته بذنبه ومن علمه أن يأتي إلى شبله في اليوم الثالث من وضعه فينفخ في منخريه لأن اللبؤة تضعه جروا كالميت فلا تزال تحرسه حتى يأتي أبوه فيفعل به ذلك ومن ألهم كرام الأسود وأشرافها أن لا تأكل إلا من فريستها وإذا مر بفريسة غيره لم يدن منها ولو جهده الجوع ومن علم الأسد أن يخضع للبر ويذل له إذا اجتمعا حتى ينال منه له ومن عجيب أمره أنه إذا استعصى عليه شيء من السباع دعا الأسد فأجابه إجابة المملوك لمالكه ثم أمره فربض بين يديه فيبول في أذنيه فإذا أراد السباع ذلك أذعنت له بالطاعة والخضوع ومن علم الثعلب إذا اشتد به الجوع أن يستلقي على ظهره ويختلس نفسه إلى داخل بدنه حتى ينتفخ فيظن الظان أنه ميتة فيقع عليه فيثب على من انقضى عمره منها ومن علمه إذا أصابه صدع أو جرح أن يأتي إلى صبغ معروف فيأخذ منه ويضعه على جرحه كالمرهم ومن علم الدب إذا أصابه كلم أن يأتي إلى نبت قد عرفه وجهله صاحب الحشائش فيتداوى به فيبرأ ومن علم الأنثى من الفيلة إذا دنا وقت ولادتها أن تأتي إلى الماء فتلد فيه لأنها دون(1\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "88",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11282",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحيوانات لا تلد إلا قائمة لأن أوصالها على خلاف أوصال الحيوان وهي عالية فتخاف أن تسقطه على الأرض فينصدع أو ينشق فتأتي ما وسطها تضعه فيه فيكون كالفراش اللين والوطاء الناعم ومن علم الذباب إذا سقط في مائع أن يتقي بالجناح الذي فيه الداء دون الآخر ومن علم الكلب إذا عاين الظباء أن يعرف المعتل من غيره والذكر من الأنثى فيقصد الذكر مع علمه بأن عدوه أشد وأبعد وثبة ويدع الأنثى على نقصان عدوها لأنه قد علم أن الذكر إذا عدا شوطا أو شوطين حقن ببوله وكل حيوان إذا اشتد فزعه فإنه يدركه الحقن وإذا حقن الذكر لم يستطع البول مع شدة العدو فيقل عدوه فيدركه كالكلب وأما الأنثى فتحذف بولها لسعة القبل وسهولة المخرج فيدوم عدوها ومن علمه أنه إذا كسا الثلج الأرض أن يتأمل الموضع الرقيق الذي قد انخسف فيعلم أن تحته جحر الأرنب فينبشه ويصطادها علما منه بأن حرارة أنفاسها تذيب بعض الثلج فيرق ومن علم الذئب إذا نام أن يجعل النوم نوبا بين عينيه فينام بإحداهما حتى إذا نعست الأخرى نام بها وفتح النائمة حتى قال بعض العرب: ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان نائم ومن علم العصفورة إذا سقط فرخها أن تستغيث فلا يبقى عصفور بجوارها حتى يجيء فيطيرون حول الفرخ ويحركونه بأفعالهم ويحدثون له قوة وهمة وحركة حتى يطير معهم قال بعض الصيادين: ربما رأيت العصفور على الحائط فأومئ بيدي كأني أرميه فلا يطير وربما أهويت إلى الأرض كأني أتناول شيئا فلا يتحرك فإن مسست بيدي أدنى حصاة أو حجر أو نواة طار قبل أن تتمكن منها يدي ومن علم الحمامة إذا حملت أن تأخذ هي والأب في بناء العش وأن يقيما له حروفا تشبه الحائط ثم يسخناه ويحدثا فيه طبيعة أخرى ثم يقلبان البيض في الأيام ومن قسم بينهما الحضانة والكد فأكثر ساعات الحضانة على الأنثى وأكثر ساعات جلب القوت على الأب وإذا خرج الفرخ علما ضيق حوصلته عن الطعام فنفخا فيه نفخا متداركا حتى تتسع حوصلته ثم يزقانه اللعاب أو شيئا قبل الطعام وهو كاللبا للطفل ثم يعلمانه احتياج الحوصلة إلى دباغ فيزقانه من أصل الحيطان من شيء بين الملح والتراب تندبغ به الحوصلة فإذا اندبغت زقاه الحب فإذا علما أنه أطاق اللقط منعاه الزق على التدريج فإذا تكاملت قوته وسألهما الكفالة ضرباه ومن علمهما إذا أراد السفاد أن يبتدئ الذكر بالدعاء فتتطارد له الأنثى قليلا لتذيقه حلاوة المواصلة ثم تطيعه في نفسها ثم تمتنع بعض التمنع ليشتد طلبه وحبه ثم تتهادى وتتكسل وتريه معاطفها وتعرض محاسنها ثم يحدث بينهما من التغزل والعشق والتقبيل والرشف ما هو مشاهد بالعيان ومن علم المرسلة منها إذا سافرت ليلا أن تستدل ببطون الأودية ومجاري المياه والجبال ومهاب الريح ومطلع الشمس ومغربها فتستدل بذلك وبغيره إذا ضلت فإذا عرفت الطريق مرت كالريح ومن علم اللبب وهو صنف من العناكب أن يلطأ بالأرض ويجمع نفسه فيرى الذبابة أنه لاه عنها ثم يثب عليها وثوب الفهد ومن علم العنكبوت أن تنسج تلك الشبكة الرفيعة المحكمة وتجعل في أعلاها خيطا ثم تتعلق به فإذا تعرقلت البعوضة في الشبكة تدلت إليها فاصطادتها ومن علم الظبي أنه لا يدخل كناسة إلا مستدبرا ليستقبل بعينيه ما يخافه على نفسه وخشفه ومن علم السنور إذا رأى فأرة في السقف أن يرفع رأسه كالمشير إليها بالعود ثم يشير إليها بالرجوع وإنما يريد أن يدهشها فتزلق فتسقط ومن علم اليربوع أن يحفر بيته في سفح الوادي حيث يرتفع عن مجرى السيل ليسلم من مدق الحافر ومجرى الماء ويعمقه ثم يتخذ في زواياه(1\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "89",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11283",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبوابا عديدة ويجعل بينها وبين وجه الأرض حاجزا رقيقا فإذا أحس بالشر فتح بعضها بأيسر شيء وخرج منه ولما كان كثير النسيان لم يحفر بيته إلا عند أكمة أو صخرة علامة له على البيت إذا ضل عنه ومن علم الفهد إذا سمن أن يتوارى لثقل الحركة عليه حتى يذهب ذلك السمن ثم يظهر ومن علم الأيل إذا سقط قرنه أن يتوارى لأن سلاحه قد ذهب فيسمن لذلك فإذا كمل نبات قرنه تعرض للشمس والريح وأكثر من الحركة ليشتد لحمه ويزول السمن المانع له من العدو وهذا باب واسع جدا ويكفي فيه قوله سبحانه: وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلهاquot; وهذا يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون إخبارا عن أمر غير ممكن فعله وهو أن الكلاب أمة لا يمكن إفناؤها لكثرتها في الأرض فلو أمكن إعدامها من الأرض لأمرت بقتلها والثاني: أن يكون مثل قوله: quot;أمن أجل أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبحquot; فهي أمة مخلوقة بحكمة ومصلحة فإعدامها وإفناؤها يناقض ما خلقت لأجله والله أعلم بما أراد رسوله قال ابن عباس في رواية عطاء: quot;: إلا أمم أمثالكم يريد يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني ويحمدوننيquot; مثل قوله تعالى: وإن من شيء إلا يسبح بحمده ومثل قوله: ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه ويدل على هذا قوله تعالى: ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وقوله: ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة ويدل عليه قوله تعالى: يا جبال أوبي معه والطير ويدل عليه قوله: وأوحى ربك إلى النحل وقوله: قالت نملة يا أيها النمل وقول سليمان: علمنا منطق الطير وقال مجاهد: quot;أمم أمثالكم أصناف مصنفة تعرف بأسمائهاquot; وقال الزجاج: quot;أمم أمثالكم في أنها تبعثquot; وقال ابن قتيبة: quot;أمم أمثالكم في طلب الغذاء وابتغاء الرزق وتوقي المهالكquot; وقال سفيان بن عيينة: quot;ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من البهائمquot; فمنهم من يهتصر اهتصار الأسد ومنهم من يعدو عدو الذئب ومنهم من ينبح نباح الكلب ومنهم من يتطوس كفعل الطاووس ومنهم من يشبه الخنازير التي لو ألقي إليها الطعام عافته فإذا قام الرجل عن رجيعه ولغت فيه فلذلك تجد من الآدميين من لو سمع خمسين حكمه لم يحفظ واحدة منها وإن أخطأ رجل ترواه وحفظه قال الخطابي: quot;ما أحسن ما تأول سفيان هذه الآية واستنبط منها هذه الحكمةquot; وذلك أن الكلام إذا لم يكن حكمه مطاوعا لظاهره وجب المصير إلى باطنه وقد أخبر الله عن وجود المماثلة بين الإنسان وبين كل طائر ودابة وذلك ممتنع من جهة الخلقة والصورة وعدم من جهة النطق والمعرفة فوجب أن يكون منصرفا إلى المماثلة في الطباع والأخلاق وإذا كان الأمر كذلك فاعلم أنك إنما تعاشر البهائم والسباع فليكن حذرك منهم ومباعدتك إياهم على حسب ذلك انتهى كلامه والله سبحانه قد جعل بعض الدواب كسوبا محتالا وبعضها متوكلا غير محتال وبعض الحشرات يدخر لنفسه قوت سنته وبعضها يتكل على الثقة بأن له في كل يوم قدر كفايته رزقا مضمونا وأمرا مقطوعا وبعضها يدخر وبعضها لا تكسب له وبعض الذكورة يعول ولده وبعضها لا يعرف ولده البتة وبعض الإناث تكفل ولدها لا تعدوه وبعضها تضع ولدها وتكفل ولد غيرها وبعضها لا تعرف ولدها إذا استغنى عنها وبعضها لا تزال تعرفه وتعطف عليه(1\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "90",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11284",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجعل بعض الحيوانات يتمها من قبل أمهاتها وبعضها يتمها من قبل آبائها وبعضها لا يلتمس الولد وبعضها يستفرغ الهم في طلبه وبعضها يعرف الإحسان ويشكره وبعضها ليس ذلك عنده شيئا وبعضها يؤثر على نفسه وبعضها إذا ظفر بما يكفي أمة من جنسه لم يدع أحدا يدنو منه وبعضها يحب السفاد ويكثر منه وبعضها لا يفعله في السنة إلا مرة وبعضها يقتصر على أنثاه وبعضها لا يقف على أنثى ولو كانت أمه أو أخته وبعضها لا تمكن غير زوجها من نفسها وبعضها لا ترد يد لامس وبعضها يألف بني آدم ويأنس بهم وبعضها يستوحش منهم وينفر غاية النفار وبعضها لا يأكل إلا الطيب وبعضها لا يأكل إلا الخبائث وبعضها يجمع بين الأمرين وبعضها لا يؤذي إلا من بالغ في أذاها وبعضها يؤذي من لا يؤذيها وبعضها حقود لا تنسى الإساءة وبعضها لا يذكرها البتة وبعضها لا يغضب وبعضها يشتد غضبه فلا يزال يسترضى حتى يرضى وبعضها عنده علم ومعرفة بأمور دقيقة لا يهتدي إليها أكثر الناس وبعضها لا معرفة له بشيء من ذلك البتة وبعضها يستقبح القبيح وينفر منه وبعضها الحسن والقبيح سواء عنده وبعضها يقبل التعليم بسرعة وبعضها مع الطول وبعضها لا يقبل ذلك بحال وهذا كله من أدل الدلائل على الخالق لها سبحانه وعلى إتقان صنعه وعجيب تدبيره ولطيف حكمته فإن فيما أودعها من غرائب المعارف وغوامض الحيل وحسن التدبير والتأني لما تريده ما يستنطق الأفواه بالتسبيح ويملأ القلوب من معرفته ومعرفة حكمته وقدرته وما يعلم به كل عاقل أنه لم يخلق عبثا ولم يترك سدى وأن له سبحانه في كل مخلوق حكمة باهرة وآية ظاهرة وبرهانا قاطعا يدل على أنه رب كل شيء ومليكه وأنه المنفرد بكل كمال دون خلقه وأنه على كل شيء قدير وبكل شيء عليم. فصل: فلنرجع إلى ما ساقنا إلى هذا الموضع وهو الكلام على الهداية العامة التي هي قرينة الخلق في الدلالة على الرب تبارك وتعالى وأسمائه وصفاته وتوحيده قال تعالى إخبارا عن فرعون أنه قال: فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى قال مجاهد: quot;أعطى كل شيء خلقه لم يعط الإنسان خلق البهائم ولا البهائم خلق الإنسانquot; وأقوال أكثر المفسرين تدور على هذا المعنى قال عطية ومقاتل: quot;أعطى كل شيء صورتهquot; وقال الحسن وقتادة: quot;أعطى كل شيء صلاحهquot; والمعنى أعطاه من الخلق والتصوير ما يصلح به لما خلق له ثم هداه لما خلق له وهداه لما يصلحه في معيشته ومطعمه ومشربه ومنكحه وتقلبه وتصرفه هذا هو القول الصحيح الذي عليه جمهور المفسرين فيكون نظير قوله: قدر فهدى وقال الكلبي والسدي: quot;أعطى الرجل المرأة والبعير الناقة والذكر الأنثى من جنسهquot; ولفظ السدي: quot;أعطى الذكر الأنثى مثل خلقه ثم هدى إلى الجماعquot; وهذا القول اختيار ابن قتيبة والفراء قال الفراء: quot;أعطى الذكر من الناس امرأة مثله والشاة شاة والثور بقرة ثم ألهم الذكر كيف يأتيهاquot; قال أبو إسحاق: quot;وهذا التفسير جائز لأنا نرى الذكر من الحيوان يأتي الأنثى ولم ير ذكرا قد أتى أنثى قبله فألهمه الله ذلك وهداه إليهquot; قال: والقول الأول ينتظم هذا المعنى لأنه إذا هداه لمصلحته فهذا داخل في المصلحة قلت: أرباب هذا القول هضموا الآية معناها فإن معناها أجل وأعظم مما ذكروه وقوله أعطى كل شيء يأبى هذا التفسير فإن حمل كل شيء على ذكور الحيوان وإناثه خاصة ممتنع لا وجه له وكيف يخرج من هذا اللفظ الملائكة والجن ومن لم يتزوج من بني آدم ومن لم يسافد من الحيوان وكيف يسمى الحيوان الذي يأتيه الذكر خلقا له وأين نظير هذا في القرآن(1\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "91",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11285",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو سبحانه لما أراد التعبير عن هذا المعنى الذي ذكروه وذكره بأدل عبارة عليه وأوضحها فقال: وأنه خلق الزوجين الذكر والأثى فحمل قوله: أعطى كل شيء خلقه على هذا المعنى غير صحيح فتأمله وفي الآية قول آخر قاله الضحاك قال: quot;أعطى كل شيء خلقه أعطى اليد البطش والرجل المشي واللسان النطق والعين البصر والأذن السمعquot; ومعنى هذا القول أعطى كل عضو من الأعضاء ما خلق له والخلق على هذا بمعنى المفعول أي أعطى كل عضو مخلوقه الذي خلقه له فإن هذه المعاني كلها مخلوقة لله أودعها الأعضاء وهذا المعنى وإن كان صحيحا في نفسه لكن معنى الآية أعم والقول هو الأول وأنه سبحانه أعطى كل شيء خلقه المختص به ثم هداه لما خلق له ولا خالق سواه سبحانه ولا هادي غيره فهذا الخلق وهذه الهداية من آيات الربوبية ووحدانيته فهذا وجه الاستدلال على عدو الله فرعون ولهذا لما علم فرعون أن هذه حجة قاطعة لا مطعن فيها بوجه من الوجوه عدل إلى سؤال فاسد عن وارد فقال: فما بال القرون الأولى أي فما للقرون الأولى لم تقر بهذا الرب ولم تعبده بل عبدت الأوثان والمعنى لو كان ما تقوله حقا لم يخف على القرون الأولى ولم يهملوه فاحتج عليه بما يشاهده هو وغيره من آثار ربوبية رب العالمين فعارضه عدو الله بكفر الكافرين به وشرك المشركين وهذا شأن كل مبطل ولهذا صار هذا ميزانا في ورثته يعارضون نصوص الأنبياء بأقوال الزنادقة والملاحدة وأفراخ الفلاسفة والصابئة والسحرة ومبتدعة الأمة وأهل الضلال منهم فأجابه موسى عن معارضته بأحسن جواب فقال: علمها عند ربي أي أعمال تلك القرون وكفرهم وشركهم معلوم لربي قد أحصاه وحفظه وأودعه في كتاب فيجازيهم عليه يوم القيامة ولم يودعه في كتاب خشية النسيان والضلال فإنه سبحانه لا يضل ولا ينسى وعلى هذا فالكتاب ها هنا كتاب الأعمال وقال الكلبي: quot;يعني به اللوح المحفوظquot; وعلى هذا فهو كتاب القدر السابق والمعنى على هذا أنه سبحانه قد علم أعمالهم وكتبها عنده قبل أن يعملوها فيكون هذا من تمام قوله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى فتأمله. فصل: وهو سبحانه في القرآن كثيرا ما يجمع بين الخلق والهداية كقوله في أول سورة أنزلها على رسوله: اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم وقوله: الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان وقوله: ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين فلا اقتحم العقبة وقوله: إنا خلقنا الأنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا وقوله: أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة الآيات ثم قال: أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر فالخلق إعطاء الوجود العيني الخارجي والهدى إعطاء الوجود العلمي الذهني فهذا خلقه وهذا هداه وتعليمه. فصل: المرتبة الثانية من مراتب الهداية هداية الإرشاد والبيان للمكلفين وهذه الهداية لا تستلزم حصول التوفيق واتباع الحق وإن كانت شرطا فيه أو جزء سبب وذلك لا يستلزم حصول المشروط والمسبب بل قد يتخلف عنه المقتضى إما لعدم كمال السبب أو لوجود مانع ولهذا قال تعالى: وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى وقال: وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون فهداهم هدى البيان والدلالة فلم يهتدوا فأضلهم عقوبة لهم على ترك الاهتداء أولا(1\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "92",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11286",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعد أن عرفوا الهدى فأعرضوا عنه فأعماهم عنه بعد أن أراهموه وهذا شأنه سبحانه في كل من أنعم عليه بنعمة فكفرها فإنه يسلبه إياها بعد أن كانت نصيبه وحظه كما قال تعالى: ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وقال تعالى عن قوم فرعون: وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا أي جحدوا بآياتنا بعد أن تيقنوا صحتها وقال: كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين وهذه الهداية هي التي أثبتها لرسوله حيث قال: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ونفى عنه ملك الهداية الموجبة وهي هداية التوفيق والإلهام بقوله: إنك لا تهدي من أحببت ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: quot;بعثت داعيا ومبلغا وليس إلي من الهداية شيء وبعث إبليس مزينا ومغويا وليس إليه من الضلالة شيءquot; قال تعالى: والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فجمع سبحانه بين الهداء يتبين العامة والخاصة فعم بالدعوة حجة مشيئة وعدلا وخص بالهداية نعمة مشيئة وفضلا وهذه المرتبة أخص من التي قبلها فأنها هداية تخص المكلفين وهي حجة الله على خلقه التي لا يعذب أحدا إلا بعد إقامتها عليه قال تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقال: رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وقال: أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين وقال: كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير فإن قيل كيف تقوم حجته عليهم وقد منعهم من الهدى وحال بينهم وبينه قيل حجته قائمة عليهم بتخليته بينهم وبين الهدى وبيان الرسل لهم وإراءتهم الصراط المستقيم حتى كأنهم يشاهدونه عيانا وأقام لهم أسباب الهداية ظاهرا وباطنا ولم يحل بينهم وبين تلك الأسباب ومن حال بينه وبينها منهم بزوال عقل أو صغر لا تمييز معه أو كونه بناحية من الأرض لم تبلغه دعوة رسله فإنه لا يعذبه حتى يقيم عليه حجته فلم يمنعهم من هذا الهدى ولم يحل بينهم وبينه نعم قطع عنهم توفيقه ولم يرد من نفسه إعانتهم والإقبال بقلوبهم إليه فلم يحل بينهم وبين ما هو مقدور لهم وإن حال بينهم وبين ما لا يقدرون عليه وهو فعله ومشيئته وتوفيقه فهذا غير مقدور لهم وهو الذي منعوه وحيل بينهم وبينه فتأمل هذا الموضع واعرف قدره والله المستعان. فصل: المرتبة الثالثة من مراتب الهداية هداية التوفيق والإلهام وخلق المشيئة المستلزمة للفعل وهذه المرتبة أخص من التي قبلها وهي التي ضل جهال القدرية بإنكارها وصاح عليهم سلف الأمة وأهل السنة منهم من نواحي الأرض عصرا بعد عصر إلى وقتنا هذا ولكن الجبرية ظلمتهم ولم تنصفهم كما ظلموا أنفسهم بإنكار الأسباب والقوى وإنكار فعل العبد وقدرته وأن يكون له تأثير في الفعل البتة فلم يهتدوا لقول هؤلاء بل زادهم ضلالا على ضلالهم وتمسكا بما هم عليه وهذا شأن المبطل إذا دعى مبطلا آخر إلى ترك مذهبه لقوله ومذهبه الباطل كالنصراني إذا دعى اليهودي إلى التثليث وعبادة الصليب وأن المسيح إله تام غير مخلوق إلى أمثال ذلك من الباطل الذي هو عليه وهذه المرتبة تستلزم أمرين أحدهما: فعل الرب تعالى وهو الهدى والثاني: فعل العبد وهو الاهتداء وهو أثر فعله سبحانه فهو الهادي والعبد المهتدي قال تعالى: من يهد الله فهو المهتد ولا سبيل إلى وجود الأثر(1\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "93",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11287",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلا بمؤثره التام فإن لم يحصل فعله لم يحصل فعل العبد ولهذا قال تعالى: إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وهذا صريح في أن هذا الهدى ليس له صلى الله عليه وسلم ولو حرص عليه ولا إلى أحد غير الله وأن الله سبحانه إذا أضل عبدا لم يكن لأحد سبيل إلى هدايته كما قال تعالى: من يضلل الله فلا هادي له وقال تعالى: من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم وقال تعالى: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات وقال تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون وقال تعالى: ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وقال: ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها وقال: أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا وقال: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء وقال أهل الجنة: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ولم يريدوا أن بعض الهدى منه وبعضه منهم بل الهدى كله منه ولولا هدايته لهم لما اهتدوا وقال تعالى: أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام وقال: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم وقال: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة وقال تعالى: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء وقال تعالى: كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو وقال: يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين وقال: يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم وأمر سبحانه عباده كلهم أن يسألوه هدايتهم الصراط المستقيم كل يوم وليلة في الصلوات الخمس وذلك يتضمن الهداية إلى الصراط والهداية فيه كما أن الضلال نوعان ضلال عن الصراط فلا يهتدي إليه وضلال فيه فالأول ضلال عن معرفته والثاني ضلال عن تفاصيله أو بعضها قال شيخنا: quot;ولما كان العبد في كل حال مفتقرا إلى هذه الهداية في جميع ما يأتيه ويذره من أمور قد أتاها على غير الهداية فهو محتاج إلى التوبة منها وأمور هدي إلى أصلها دون تفصيلها أو هدي إليها من وجه دون وجه فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها ليزداد هدى وأمور هو محتاج إلى أن يحصل له من الهداية فيها في المستقبل مثل ما حصل له في الماضي وأمور هو خال عن اعتقاد فيها فهو محتاج إلى الهداية وأمور لم يفعلها فهو محتاج إلى فعلها على وجه الهداية إلى غير ذلك من أنواع الهدايات فرض الله عليه أن يسأله هذه الهداية في أفضل أحواله وهي الصلاة مرات متعددة في اليوم والليلةquot; انتهى كلامه ولا يتم المقصود إلا بالهداية إلى الطريق والهداية فيها فإن العبد قد يهتدي إلى طريق قصده وتنزيله عن غيرها ولا يهتدي إلى تفاصيل سيره فيها وأوقات السير من غيره وزاد المسير وآفات الطريق ولهذا قال ابن عباس في قوله تعالى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا قال: quot;سبيلا وسنةquot; وهذا التفسير يحتاج إلى تفسير فالسبيل الطريق وهي المنهاج والسنة الشرعة وهي تفاصيل الطريق وحزوناته وكيفية المسير فيه وأوقات المسير وعلى هذا فقوله سبيلا وسنة يكون السبيل المنهاج(1\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "94",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11288",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والسنة الشرعة فالمقدم في الآية للمؤخر في التفسير وفي لفظ آخر سنة وسبيلا فيكون المقدم للمقدم والمؤخر للتالي. فصل: ومن هذا إخباره سبحانه بأنه طبع على قلوب الكافرين وختم عليها وأنه أصمها عن الحق وأعمى أبصارها عنه كما قال تعالى: إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم والوقف التام هنا ثم قال: وعلى أبصارهم غشاوة كقوله: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة وقال تعالى: وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم وقال تعالى: كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين : كذلك نطبع على قلوب المعتدين : ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون وأخبر سبحانه أن على بعض القلوب أقفالا تمنعها من أن تنفتح لدخول الهدى إليها وقال: قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى فهذا الوقر والعمى حال بينهم وبين أن يكون لهم هدى وشفاء وقال تعالى: إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وقال تعالى: وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل قرأها الكوفيون وصد بضم الصاد حملا على زين وقال تعالى: إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب وقال: والله لا يهدي القوم الظالمين ومعلوم أنه لم ينف هدى البيان والدلالة الذي تقوم به الحجة فإنه حجته على عباده والقدرية ترد هذا كله إلى المتشابه وتجعله من متشابه القرآن وتتأوله على غير تأويله بل تتأوله بما يقطع ببطلانه وعدم إرادة المتكلم له كقول بعضهم المراد من ذلك تسمية الله العبد مهتديا وضالا فجعلوا هداه وإضلاله مجرد تسمية العبد بذلك وهذا مما يعلم قطعا أنه لا يصح حمل هذه الآيات عليه وأنت إذا تأملتها وجدتها لا تحتمل ما ذكروه البتة وليس في لغة أمة من الأمم فضلا عن أفصح اللغات وأكملها هداه بمعنى سماه مهتديا وأضله سماه ضالا وهل يصح أن يقال علمه إذا سماه عالما وفهمه إذا سماه فهما وكيف يصح هذا في مثل قوله تعالى: ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء فهل فهم أحد غير القدرية المحرفة للقرآن من هذا ليس عليك تسميتم مهتدين ولكن الله يسمي من يشاء مهتديا وهل فهم أحد قط من قوله تعالى: إنك لا تهدي من أحببت لا تسميه مهتديا ولكن الله يسميه بهذا الاسم وهل فهم أحد من قول الداعي اهدنا الصراط المستقيم وقوله اللهم اهدني من عندك ونحوه اللهم سمني مهتديا وهذا من جناية القدرية على القرآن ومعناه نظير جناية إخوانهم من الجهمية على نصوص الصفات وتحريفها عن مواضعها وفتحوا للزنادقة والملاحدة جنايتهم على نصوص المعاد وتأويلها بتأويلات إن لم تكن أقوى من تأويلاتهم لم تكن دونها وفتحوا للقرامطة والباطنية تأويل نصوص الأمر والنهي بنحو تأويلاتهم فتأويل التحريف الذي سلسلته هذه الطوائف أصل فساد الدنيا والدين وخراب العالم وسنفرد إن شاء الله كتابا نذكر فيه جناية المتأولين على الدنيا والدين وأنت إذا وازيت بين تأويلات القدرية والجهمية والرافضة لم تجد بينها وبين تأويلات الملاحدة والزنادقة من القرامطة الباطنية وأمثالهم كبير فرق والتأويل الباطل يتضمن تعطيل ما جاء به الرسول والكذب على المتكلم أنه أراد ذلك المعنى فتتضمن إبطال الحق وتحقيق الباطل ونسبة المتكلم إلى ما لا يليق به من التلبيس والألغاز مع القول عليه بلا علم أنه أراد هذا المعنى فالمتأول عليه أن يبين صلاحية اللفظ للمعنى الذي ذكره أولا واستعمال المتكلم له في ذلك المعنى في أكثر(1\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "95",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11289",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المواضع حتى إذا استعمله فيما يحتمل غيره حمل على ما عهد منه استعماله فيه وعليه أن يقيم دليلا سالما عن المعارض على الموجب لصرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته إلى مجازه واستعارته وإلا كان ذلك مجرد دعوى منه فلا تقبل وتأويل بعضهم هذه النصوص على أن المراد بها هداية البيان والتعريف لا خلق الهدى في القلب فإن الله سبحانه لا يقدر على ذلك عند هذه الطائفة وهذا التأويل من أبطل الباطل فإن الله سبحانه يخبر أنه قسم هدايته للعبد قسمين قسما لا يقدر عليه غيره وقسما مقدورا للعباد فقط في القسم المقدور للغير: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم وقال في غير المقدور للغير: إنك لا تهدي من أحببت وقال: من يضلل الله فلا هادي له ومعلوم قطعا أن البيان والدلالة قد تحصل له ولا تنفى عنه وكذلك قوله: فإن الله لا يهدي من يضل لا يصح حمله على هداية الدعوة والبيان فإن هذا يهدى وإن أضله الله بالدعوة والبيان وكذا قوله: وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله هل يجوز حمله على معنى فمن يدعوه إلى الهدى ويبين له ما تقوم به حجة الله عليه وكيف يصنع هؤلاء بالنصوص التي فيها أنه سبحانه هو الذي أضلهم أيجوز لهم حملها على أنه دعاهم إلى الضلال فإن قالوا ليس ذلك معناها وإنما معناها الفاهم ووجدهم كذلك أو أعلم ملائكته ورسله بضلالهم أو جعل على قلوبهم علامة يعرف الملائكة بها أنهم ضلال قيل هذا من جنس قولكم إن هداه سبحانه وإضلاله بتسميتهم مهتدين وضالين فهذه أربع تحريفات لكم وهو أنه سماهم بذلك وعلمهم بعلامة يعرفهم بها الملائكة وأخبر عنهم بذلك ووجدهم كذلك فالإخبار من جنس التسمية وقد بينا أن اللغة لا تحتمل ذلك وأن النصوص إذا تأملها المتأمل وجدها أبعد شيء من هذا المعنى وأما العلامة فيا عجبا لفرقة التحريف وما جنت على القرآن والإيمان ففي أي لغة وأي لسان يدل قوله تعالى: إنك لا تهدي من أحببت على معنى أنك لا تعلمه بعلامة ولكن الله هو الذي يعلمه بها وقوله: من يضلل الله فلا هادي له من يعلمه الله بعلامة الضلال لم يعلمه غيره بعلامة الهدى وقوله: ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها لعلمناها بعلامة الهدى الذي خلقته هي لنفسها وأعطته نفسها وفي أي لغة يفهم من قول الداعي اهدنا الصراط المستقيم علمنا بعلامة يعرف الملائكة بها أننا مهتدون وقولهم ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا لا تعلمها بعلامة أهل الزيغ وقوله يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك وأمثال ذلك من النصوص ففي أي لغة وأي لسان يفهم من هذا علمنا بعلامة الثبات والتصريف على طاعتك وفي أي لغة يكون معنى قوله: وجعلنا قلوبهم قاسية علمناها بعلامة القسوة أو وجدناها كذلك نعم لو نزل القرآن بلغة القدرية والجهمية وأهل البدع لأمكن حمله على ذلك أو كان الحق تبعا لأهوائهم وكانت نصوصه تبعا لبدع المبتدعين وآراء المتحيرين وأنت تجد جميع هذه الطوائف تنزل القرآن على مذاهبهم وبدعها وآرائها فالقرآن عند الجهمية جهمي وعند المعتزلة معتزلي وعند القدرية قدري وعند الرافضة رافضي وكذلك هو عند جميع أهل الباطل: وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون وأما تحريفهم هذه النصوص وأمثالها بأن المعنى ألفاهم ووجدهم ففي أي لسان وأي لغة وجدتم هديت الرجل إذا وجدته مهتديا وختم الله على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة وجده كذلك وهل هذا إلا افتراء محض على القرآن واللغة فإن قالوا نحن لم نقل هذا في نحو ذلك وإنما قلناه في نحو أضله الله أي وجده ضالا كما يقال أحمدت الرجل وأبخلته وأجننته إذا(1\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "96",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11290",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجدته كذلك أو نسبته إليه فيقال لفرقة التحريف هذا إنما ورد في ألفاظ معدودة نادرة وإلا فوضع هذا البناء على أنك فعلت ذلك به ولا سيما إذا كانت الهمزة للتعدية من الثلاثي كقام وأقمته وقعد وأقعدته وذهب وأذهبته وسمع وأسمعته ونام وأنمته وكذا ضل وأضله الله وأسعده وأشقاه وأعطاه وأخزاه وأماته وأحياه وأزاغ قلبه وأقامه إلى طاعته وأيقظه من غفلته وأراه آياته وأنزله منزلا مباركا وأسكنه جنته إلى أضعاف ذلك هل تجد فيها لفظا واحدا معناه أنه وجده كذلك تعالى الله عما يقول المحرفون ثم انظر في كتاب فعل وافعل هل تظفر فيه بأفعلته بمعنى وجدته مع سعة الباب إلا في الحرفين أو الثلاثة نقلا عن أهل اللغة ثم انظر هل قال أحد من الأولين والآخرين من أهل اللغة أن العرب وضعت أضله الله وهداه وختم على سمعه وقلبه وأزاغ قلبه وصرفه عن طاعته ونحو ذلك لمعنى وجده كذلك ولما أراد سبحانه الإبانة عن هذا المعنى قال: ووجدك ضالا فهدى ولم يقل وأضلك وقال في حق من خالف الرسول وكفر بما جاء به وأضله على علم ولم يقل ووجده الله ضالا ثم أي توحيد تمدح وتعريف للعباد أن الأمر كله لله وبيده وأنه ليس لأحد من أمره شيء في مجرد التسمية والعلامة ومصادفة الرب تعالى عباده كذلك ووجوده لهم على هذا الصفات من غير أن يكون له فيها صنع أو خلق أو مشيئة وهل يعجز البشر عن التسمية والمصادفة والوجود كذلك فأي مدح وأي ثناء يحسن على الرب تعالى بمجرد ذلك فأنتم وإخوانكم من الجبرية لم تمدحوا الرب بما يستحق أن يمدح به ولم تثنوا عليه بأوصاف كماله ولم تقدروه حق قدره وأتباع الرسول وحزبه وخاصته بريئون منكم ومنهم في باطلكم وباطلهم وهم معكم ومعهم فيما عندكم من الحق لا يتحيزون إلى غير ما بينه الرسول وجاء به ولا ينحرفون عنه نصرة لآراء الرجال المختلفة وأهوائهم المتشتتة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم قال ابن مسعود: quot;علمنا رسول لله صلى الله عليه وسلم التشهد في الصلاة والتشهد في الحاجة إن الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا لله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ويقرأ ثلاث آيات: اتقوا الله حق تقاته الآية: واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا : اتقوا الله وقولوا قولا سديدا الآيةquot; قال الترمذي هذا حديث صحيح وقال أبو داود حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن خالد الحذاء عن عبد الأعلى عن عبد الله بن الحارث قال: quot;خطب عمر بن الخطاب بالجابية فحمد الله وأثنى عليه وعنده جاثليق يترجم له ما يقول فقال: من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له فنفض جبينه كالمنكر لما يقول قال عمر: ما يقول قالوا: يا أمير المؤمنين يزعم أن الله لا يضل أحدا قال عمر: كذبت أي عدو الله بل الله خلقك وقد أضلك ثم يدخلك النار أما والله لولا عهد لك لضربت عنقك إن الله عز وجل خلق أهل الجنة وما هم عاملون وخلق أهل النار وما هم عاملون فقال هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه قال: فتفرق الناس وما يختلفون في القدرquot;. فصل: المرتبة الرابعة من مراتب الهداية الهداية إلى الجنة والنار يوم القيامة قال تعالى: احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقال تعالى: والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم فهذه هداية بعد قتلهم فقيل المعنى سيهديهم إلى طريق الجنة ويصلح حالهم في الآخرة بإرضاء خصومهم وقبول أعمالهم وقال ابن(1\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "97",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11291",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عباس سيهديهم إلى أرشد الأمور ويعصمهم أيام حياتهم في الدنيا واستشكل هذا القول لأنه أخبر عن المقتولين في سبيله بأنهم سيهديهم واختاره الزجاج وقال: quot;يصلح بالهم في المعاش وأحكام الدنياquot; قال: quot;وأراد به يجمع لهم خير الدنيا والآخرةquot; وعلى هذا القول فلا بد من حمل قوله قتلوا في سبيل الله على معنى يصح معه إثبات الهداية وإصلاح البال.(1\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "98",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11292",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "الباب الخامس عشر: في الطبع والختم والقفل والغل والسد والغشاوة والحائل بين الكافر وبين الإيمان وأن ذلك مجعول للرب تعالى",
        "content": "الباب الخامس عشر: في الطبع والختم والقفل والغل والسد والغشاوة والحائل بين الكافر وبين الإيمان وأن ذلك مجعول للرب تعالى قال تعالى: إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة وقال تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون وقال تعالى: وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم وقال: كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين وقال: ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون وقال: أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها وقال: لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون وقد دخل هذه الآيات ونحوها طائفتا القدرية والجبرية فحرفها القدرية بأنواع من التحريف المبطل لمعانيها وما أريد منها وزعمت الجبرية أن الله أكرهها على ذلك وقهرها عليه وأجبرها من غير فعل منها ولا إرادة ولا اختيار ولا كسب البتة بل حال بينها وبين الهدى ابتداء من غير ذنب ولا سبب من العبد يقتضي ذلك بل أمره وحال مع أمره بينه وبين الهدى فلم ييسر إليه سبيلا ولا أعطاه عليه قدره ولا مكنه منه بوجه وأراد بعضهم بل أحب له الضلال والكفر والمعاصي ورضيه منه فهدى أهل السنة والحديث وأتباع الرسول لما اختلف فيه هاتان الطائفتان من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم قالت القدرية: لا يجوز حمل هذه الآيات على أنه منعهم من الإيمان وحال بينهم وبينه إذ يكون لهم الحجة على الله ويقولون كيف يأمرنا بأمر ثم يحول بيننا وبينه ويعاقبنا عليه وقد منعنا من فعله وكيف يكلفنا بأمر لا قدرة لنا عليه وهل هذا إلا بمثابة من أمر عبده بالدخول من باب ثم سد عليه الباب سدا محكما لا يمكنه الدخول معه البتة ثم عاقبه أشد العقوبة على عدم الدخول وبمنزلة من أمره بالمشي إلى مكان ثم قيده بقيد لا يمكنه معه نقل قدمه ثم أخذ يعاقبه على ترك المشي وإذا كان هذا قبيحا في حق المخلوق الفقير المحتاج فكيف ينسب إلى الرب تعالى مع كمال غناه وعلمه وإحسانه ورحمته قالوا وقد كذب الله سبحانه الذين قالوا قلوبنا غلف وفي أكنة وأنها قد طبع عليها وذمهم على هذا القول فكيف ينسب إليه تعالى ولكن القوم لما أعرضوا وتركوا الاهتداء بهداه الذي بعث به رسله حتى صار ذلك الإعراض والنفار كالألف والطبيعة والسجية أشبه حالهم حال من منع عن الشيء وصد عنه وصار هذا وقرا في آذانهم وختما على قلوبهم وغشاوة على أعينهم فلا يخلص إليها الهدى وإنما أضاف الله تعالى ذلك إليه لأن هذه الصفة قد صارت في تمكنها وقوة ثباتها كالخلقة التي خلق عليها العبد قالوا ولهذا قال تعالى: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا(1\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "99",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11293",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكسبون وقال: بل طبع الله عليها بكفرهم وقال: فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم وقال: فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ولعمر الله إن الذي قاله هؤلاء حقه أكثر من باطله وصحيحه أكثر من سقيمه ولكن لم يوفوه حقه وعظموا الله من جهة وأخلوا بتعظيمه من جهة فعظموه بتنزيهه عن الظلم وخلاف الحكمة وأخلوا بتعظيمه من جهة التوحيد وكمال القدرة ونفوذ المشيئة والقرآن يدل على صحة ما قالوه في الران والطبع والختم من وجه وبطلانه من وجه وأما صحته فإنه سبحانه جعل ذلك عقوبة لهم وجزاء على كفرهم وأعراضهم عن الحق بعد أن عرفوه كما قال تعالى: فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين وقال: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون وقال: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون وقال: ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم وقد اعترف بعض القدرية بأن ذلك خلق الله سبحانه ولكنه عقوبة على كفرهم وإعراضهم السابق فإنه سبحانه يعاقب على الضلال المقدور بإضلال بعده ويثيب على الهدى بهدى بعده كما يعاقب على السيئة بسيئة مثلها ويثيب على الحسنة بحسنة مثلها وقال تعالى: والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم وقال: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر ومن الفرقان الهدى الذي يفرق به بين الحق والباطل وقال في ضد ذلك: فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا وقال: في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا وقال: ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم وهذا الذي ذهب إليه هؤلاء حق والقرآن دل عليه وهو موجب العدل والله سبحانه ماض في العبد حكمه عدل في عبده قضاؤه فإنه إذا دعى عبده إلى معرفته ومحبته وذكره وشكره فأبى العبد إلا إعراضا وكفرا قضى عليه بأن أغفل قلبه عن ذكره وصده عن الإيمان به وحال بين قلبه وبين قبول الهدى وذلك عدل منه فيه وتكون عقوبته بالختم والطبع والصد عن الإيمان كعقوبته له بذلك في الآخرة مع دخول النار كما قال: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم فحجابه عنهم إضلال لهم وصد عن رؤيته وكمال معرفته كما عاقب قلوبهم في هذه الدار بصدها عن الإيمان وكذلك عقوبته لهم بصدهم عن السجود له يوم القيامة مع الساجدين هو جزاء امتناعهم من السجود له في الدنيا وكذلك عماهم عن الهدى في الآخرة عقوبة لهم على عماهم في الدنيا ولكن أسباب هذه الجرايم في الدنيا كانت مقدورة لهم واقعة باختيارهم وإرادتهم وفعلهم فإذا وقعت عقوبات لم تكن مقدورة بل قضاء جار عليهم ماض عدل فيهم وقال تعالى: ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ومن ههنا ينفتح للعبد باب واسع عظيم النفع جدا في قضاء الله المعصية والكفر والفسوق على العبد وأن ذلك محض عدل فيه وليس المراد بالعدل ما يقوله الجبرية أنه الممكن فكل ما يمكن فعله بالعبد فهو عندهم عدل والظلم هو الممتنع لذاته فهؤلاء قد سدوا على أنفسهم باب الكلام في الأسباب والحكم ولا المراد به ما تقوله القدرية النفاة أنه إنكار عموم قدرة الله ومشيئته على أفعال عباده وهدايتهم وإضلالهم وعموم مشيئته لذلك وأن الأمر إليهم لا إليه وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;ماض في حكمك عدل في قضاؤكquot; كيف ذكر العبد في القضاء مع الحكم النافذ وفي ذلك رد لقول الطائفتين القدرة والجبرية فإن العدل الذي أثبتته القدرية مناف للتوحيد معطل(1\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "100",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11294",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لكمال قدرة الرب وعموم مشيئته والعدل الذي أثبته الجبرية مناف للحكمة والرحمة ولحقيقة العدل والعدل الذي هو اسمه وصفته ونعته سبحانه خارج عن هذا وهذا ولم يعرفه إلا الرسل وأتباعهم ولهذا قال هود عليه الصلاة والسلام لقومه: إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم فأخبر عن عموم قدرته ونفوذ مشيئته وتصرفه في خلقه كيف شاء ثم أخبر أنه في هذا التصرف والحكم على صراط مستقيم وقال أبو إسحاق: quot;أي هو سبحانه وإن كانت قدرته تنالهم بما شاء فإنه لا يشاء إلا العدلquot; وقال ابن الأنباري: quot;لما قال: هو آخذ بناصيتها كان في معنى لا يخرج من قبضته وأنه قاهر بعظيم سلطانه لكل دابة فأتبع قوله: إن ربي على صراط مستقيم quot; قال: وهذا نحو كلام العرب إذا وصفوا بحسن السيرة والعدل والإنصاف قالوا فلان على طريقة حسنة وليس ثم طريقquot; ثم ذكر وجها آخر فقال: quot;لما ذكر أن سلطانه قد قهر كل دابة أتبع هذا قوله: إن ربي على صراط مستقيم أي لا تخفى عليه مشيئته ولا يعدل عنه هارب فذكر الصراط المستقيم وهو يعني به الطريق الذي لا يكون لأحد مسلك إلا عليه كما قال: إن ربك لبالمرصاد quot; قلت فعلى هذا القول الأول يكون المراد أنه في تصرفه في ملكه يتصرف بالعدل ومجازات المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ولا يظلم مثقال ذرة ولا يعاقب أحدا بما لم يجنه ولا يهضمه ثواب ما عمله ولا يحمل عليه ذنب غيره ولا يأخذ أحدا بجريرة أحد ولا يكلف نفسا ما لا تطيقه فيكون من باب له الملك وله الحمد ومن باب ماض في حكمك عدل في قضاؤك ومن باب الحمد لله رب العالمين أي كما أنه رب العالمين المتصرف فيهم بقدرته ومشيئته فهو المحمود على هذا التصرف وله الحمد على جميعه وعلى القول الثاني المراد به التهديد والوعيد وأن مصير العباد إليه وطريقهم عليه لا يفوته منهم أحد كما قال تعالى: قال هذا صراط علي مستقيم قال الفراء: quot;يقول مرجعهم إلي فأجازيهم كقوله: إن ربك لبالمرصاد quot; قال: quot;وهذا كما تقول في الكلام طريقك علي وأنا على طريقك لمن أوعدتهquot; وكذلك قال الكلبي والكسائي ومثل قوله: وعلى الله قصد السبيل على إحدى القولين في الآية وقال مجاهد: quot;الحق يرجع إلى الله وعليه طريقهquot; ومنها أي ومن السبيل ما هو جائر عن الحق ولو شاء لهداكم أجمعين فأخبر عن عموم مشيئته وأن طريق الحق عليه موصلة إليه فمن سلكها فإليه يصل ومن عدل عنها فإنه يضل عنه والمقصود أن هذه الآيات تتضمن عدل الرب تعالى وتوحيده والله يتصرف في خلقه بمكله وحمده وعدله وإحسانه فهو على صراط مستقيم في قوله وفعله وشرعه وقدره وثوابه وعقابه يقول الحق ويفعل العدل: والله يقول الحق وهو يهدي السبيل فهذا العدل والتوحيد الذين دل عليهما القرآن لا يتناقضان وأما توحيد أهل القدر والجبر وعدلهم فكل منهما يبطل الآخر ويناقضه. فصل: ومن سلك من القدرية هذه الطريق فقد توسط بين الطائفتين لكنه يلزمه الرجوع إلى مثبتي القدر قطعا وإلا تناقض أبين تناقض فإنه إذا زعم أن الضلال والطبع والختم والقفل والوقر وما يحول بين العبد وببين الإيمان مخلوق لله وهو واقع بقدرته ومشيئته فقد أعطى أن أفعال العباد مخلوقة وأنها واقعة بمشيئته فلا فرق بين الفعل الابتدائي والفعل الجزائي إن كان هذا مقدور الله واقعا بمشيئته والآخر كذلك وإن لم يكن ذاك مقدورا ولا يصح دخوله تحت المشيئة فهذا كذلك والتفريق بين النوعين تناقض محض وقد حكى هذا التفريق عن بعض القدرية أبو القاسم الأنصاري في شرحه(1\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "101",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11295",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإرشاد فقال: quot;ولقد اعترف بعض القدرية بأن الختم والطبع توابع غير أنها عقوبات من الله لأصحاب الجرائمquot; قال: quot;وممن صار إلى هذا المذهب عبد الواحد بن زيد البصري وبكر ابن أختهquot; قال: quot;وسبيل المعاقبين بذلك سبيل المعاقبين بالنار وهؤلاء قد بقي عليهم درجة واحدة وقد تحيزوا إلى أهل السنة والحديثquot;. فصل: وقالت طائفة منهم الكافر هو الذي طبع على قلب نفسه في الحقيقة وختم على قلبه والشيطان أيضا فعل ذلك ولكن لما كان الله سبحانه هو الذي أقدر العبد والشيطان على ذلك نسب الفعل إليه لإقراره للفاعل على ذلك لأنه هو الذي فعله قال أهل السنة: والعدل هذا الكلام فيه حق وباطل فلا يقبل مطلقا ولا يرد مطلقا فقولكم أن الله سبحانه أقدر الكافر والشيطان على الطبع والختم كلام باطل فإنه لم يقدره إلا على التزيين والوسوسة والدعوة إلى الكفر ولم يقدره على خلق ذلك في قلب العبد البتة وهو أقل من ذلك وأعجز وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;بعثت داعيا ومبلغا وليس إلي من الهداية شيء وخلق إبليس مزينا وليس إليه من الضلالة شيءquot; فمقدور الشيطان أن يدعو العبد إلى فعل الأسباب التي إذا فعلها ختم الله على قلبه وسمعه وطبع عليه كما يدعوه إلى الأسباب التي إذا فعلها عاقبه الله بالنار فعقابه بالنار كعقابه بالختم والطبع وأسباب العقاب فعله وتزيينها وتحسينها فعل الشيطان والجميع مخلوق لله وأما ما في هذا الكلام من الحق فهو أن الله سبحانه أقدر العبد على الفعل الذي أوجب الطبع والختم على قلبه فلولا إقدار الله له على ذلك لم يفعله وهذا حق لكن القدرية لم توف هذا الموضع حقه وقالت أقدره قدرة تصلح للضدين فكان فعل أحدهما باختياره ومشيئته التي لا تدخل تحت مقدور الرب وإن دخلت قدرته الصالحة لهما تحت مقدروه سبحانه فمشيئته واختياره وفعله غير واقع تحت مقدور الرب وهذا من أبطل الباطل فإن كل ما سواه تعالى مخلوق وله داخل تحت قدرته واقع بمشيئته ولو لم يشأ لم يكن قلت القدرية لما أعرضوا عن التدبر ولم يصغوا إلى التذكر وكان ذلك مقارنا لا يراد الله سبحانه حجته عليهم أضيفت أفعالهم إلى الله لأن حدوثها إنما اتفق عند إيراد الحجة عليهم قال أهل السنة: هذا من أمحل المحال أن يضيف الرب إلى نفسه أمرا لا يضاف إليه البتة لمقارنته ما هو من فعله ومن المعلوم أن الضد يقارن الضد فالشر يقارن الخير والحق يقارن الباطل والصدق يقارن الكذب وهل يقال أن الله يحب الكفر والفسوق والعصيان لمقارنتها ما يحبه من الإيمان والطاعة وأنه يحب إبليس لمقارنة وجوده لوجود الملائكة فإن قيل قد ينسب الشيء إلى الشيء لمقارنته له وإن لم يكن له فيه تأثير كقوله تعالى: وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ومعلوم أن السورة لم تحدث لهم زيادة رجس بل قارن زيادة رجسهم نزولها فنسب إليها قيل لم ينحصر الأمر في هذين الأمرين اللذين ذكرتموهما وهما أحداث السورة الرجس والثاني مقارنته لنزولها بل ههنا أمر ثالث وهو أن السورة لما أنزلت اقتضى نزولها الإيمان بها والتصديق والإذعان لأوامرها ونواهيها والعمل بما فيها فوطن المؤمنون أنفسهم على ذلك فازدادوا إيمانا بسببها فنسبت زيادة الإيمان إليها إذ هي السبب في زيادته وكذب بها الكافرون وجحدوها وكذبوا من جاء بها ووطنوا أنفسهم على مخالفة ما تضمنته وإنكاره فازدادوا بذلك رجسا فنسب إليها إذ كان نزولها ووصولها إليهم هو السبب في تلك(1\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "102",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11296",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الزيادة فأين هذا من نسبة الأفعال القبيحة عندكم التي لا تجوز نسبتها إلى الله عند دعوتهم إلى الإيمان وتدبر آياته على أن أفعالهم القبيحة لا تنسب إلى الله سبحانه وإنما هي منسوبة إليهم والمنسوب إليه سبحانه أفعاله الحسنة الجميلة المتضمنة للغايات المحمودة والحكم المطلوبة والختم والطبع والقفل والإضلال أفعال حسنة من الله وضعها في أليق المواضع بها إذ لا يليق بذلك المحل الخبيث غيرها والشرك والكفر والمعاصي والظلم أفعالهم القبيحة التي لا تنسب إلى الله فعلا وإن نسبت إليه خلقا فخلقها غيرها والخلق غير المخلوق والفعل غير المفعول والقضاء غير المقضي والقدر غير المقدور وستمر بك هذه المسألة مستوفاة إن شاء الله في باب اجتماع الرضاء بالقضاء وسخط الكفر والفسوق والعصيان إن شاء الله قالت القدرية: لما بلغوا في الكفر إلى حيث لم يبق طريق إلى الإيمان لهم إلا بالقسر والإلجاء ولم تقتض حكمته تعالى أن يقسرهم على الإيمان لئلا تزول حكمة التكليف عبر عن ترك الإلجاء والقسر بالختم والطبع إعلاما لهم بأنهم انتهوا في الكفر والإعراض إلى حيث لا ينتهون عنه إلا بالقسر وتلك الغاية في وصف لجاجهم وتماديهم في الكفر قال أهل السنة: هذا كلام باطل فإنه سبحانه قادر على أن يخلق فيهم مشيئة الإيمان وإرادته ومحبته فيؤمنون بغير قسر ولا إلجاء بل إيمان اختيار وطاعة كما قال تعالى: ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا وإيمان القسر والإلجاء لا يسمى إيمانا ولهذا يؤمن الناس كلهم يوم القيامة ولا يسمى ذلك إيمانا لأنه عن إلجاء واضطرار قال تعال: ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها وما يحصل للنفوس من المعرفة والتصديق بطريق الإلجاء والاضطرار والقسر لا يسمى هدى وكذلك قوله: أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا فقولكم لم يبق طريق إلى الإيمان إلا بالقسر باطل فإنه بقي إلى إيمانهم طريق لم يرهم الله إياه وهو مشيئته وتوفيقه وإلهامه وإمالة قلوبهم إلى الهدى وإقامتها على الصراط المستقيم وذلك أمر لا يعجز عنه رب كل شيء ومليكه بل هو القادر عليه كقدرته على خلقه ذواتهم وصفاتهم ودرائهم ولكن منعهم ذلك لحكمته وعدله فيهم وعدم استحقاقهم وأهليتهم لبذل ذلك لهم كما منع السفل خصائص العلو ومنع الحار خصائص البارد ومنع الخبيث خصائص الطيب ولا يقال فلم فعل هذا فإن ذلك من لوازم ملكه وربوبيته ومن مقتضيات أسمائه وصفاته وهل يليق بحكمته أن يسوي بين الطيب والخبيث والحسن والقبيح والجيد والرديء ومن لوازم الربوبية خلق الزوجين وتنويع المخلوقات وأخلاقها فقول القائل لم خلق الرديء والخبيث واللئيم سؤال جاهل بأسمائه وصفاته وملكه وربوبيته وهو سبحانه فرق بين خلقه أعظم تفريق وذلك من كمال قدرته وربوبيته فجعل منه ما يقبل جميع الكمال الممكن ومنه ما لا يقبل شيئا منه وبين ذلك درجات متفاوتة لا يحصيها إلا الخلاق العليم وهدى كل نفس إلى حصول ما هي قابلة له والقابل والمقبول والقبول كله مفعوله ومخلوقه وأثر فعله وخلقه وهذا هو الذي ذهب عن الجبرية والقدرية ولم يهتدوا إليه وبالله التوفيق قالت القدرية: الختم والطبع هو شهادته سبحانه عليهم بأنهم لا يؤمنون وعلى أسماعهم وعلى قلوبهم قال أهل السنة: هذا هو قولكم بأن الختم والطبع هو الإخبار عنهم بذلك وقد تقدم فساد هذا بما فيه كفاية وأنه لا يقال في لغة من لغات الأمم لمن أخبر عن غيره بأنه مطبوع على قلبه وأن عليه ختما أنه قد طبع على قلبه وختم عليه بل هذا كذب على اللغات وعلى القرآن وكذلك قول من قال أن ختمه على قلوبهم اطلاعه على ما فيها من الكفر وكذلك قول من قال أنه إحصاؤه(1\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "103",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11297",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليهم حتى يجازيهم به وقول من قال أنه أعلامها بعلامة تعرفها بها الملائكة وقد بينا بطلان ذلك بما فيه كفاية قالت القدرية: لا يلزم من الطبع والختم والقفل أن تكون مانعة من الإيمان بل يجوز أن يجعل الله فيهم ذلك من غير أن يكون منعهم من الإيمان بل يكون ذلك من جنس الغفلة والبلادة والغشا في البصر فيورث ذلك إعراضا عن الحق وتعاميا عنه ولو أنعم النظر وتفكر وتدبر لما آثر على الإيمان غيره وهذا الذي قالوه يجوز أن يكون في أول الأمر فإذا تمكن واستحكم من القلب ورسخ فيه امتنع معه الإيمان ومع هذا فهو أثر فعله وإعراضه وغفلته وإيثاره وشهوته وكبره على الحق والهدى فلما تمكن فيه واستحكم صار صفة راسخة وطبعا وختما وقفلا ورانا فكان مبداه غير حائل بينهم وبين الإيمان والإيمان ممكن معه لو شاؤا لآمنوا مع مبادئ تلك الموانع فلما استحكمت لم يبق إلى الإيمان سبيل ونظير هذا أن العبد يستحسن ما يهواه فيميل إليه بعض الميل ففي هذه الحال يمكن صرف الداعية له إذ الأسباب لم تستحكم فإذا استمر على ميله واستدعى أسبابه واستمكنت لم يمكنه صرف قلبه عن الهوى والمحبة فيطبع على قلبه ويختم عليه فلا يبقى فيه محل لغير ما يهواه ويحبه وكان الانصراف مقدورا له في أول الأمر فلما تمكنت أسبابه لم يبق مقدورا له كما قال الشاعر: تولع بالعشق حتى عشق ... فلما استقل به لم يطق رأى لجة ظنها موجة ... فلما تمكن منها غرق فلو أنهم بادروا في مبدأ الأمر إلى مخالفة الأسباب الصادة عن الهدى لسهل عليهم ولما استعصى عليهم ولقدروا عليه ونظير ذلك المبادرة إلى إزالة العلة قبل استحكام أسبابها ولزومها للبدن لزوما لا ينفك منها فإذا استحكمت العلة وصارت كالجزء من البدن عز على الطبيب استنقاذ العليل منها ونظير ذلك المتوحل في حمأة فإنه ما لم يدخل تحتها فهو قادر على التخلص فإذا توسط معظمها عز عليه وعلى غيره إنقاذه فمبادئ الأمور مقدورة للعبد فإذا استحكمت أسبابها وتمكنت لم يبق الأمر مقدور له فتأمل هذا الموضع حق التأمل فإنه من أنفع الأشياء في باب القدر والله الموفق للصواب والله سبحانه جاعل ذلك كله وخالقه فيهم بأسباب منهم وتلك الأسباب قد تكون أمورا عدمية يكفي فيها عدم مشيئة أضدادها فلا يشاء سبحانه أن يخلق للعبد أسباب الهدى فيبقى على العدم الأصلي وإن أراد من عبده الهداية فهي لا تحصل حتى يريد من نفسه إعانته وتوفيقه فإذا لم يرد سبحانه من نفسه ذلك لم تحصل الهداية. فصل: ومما ينبغي أن يعلم أنه لا يمتنع مع الطبع والختم والقفل حصول الإيمان بأن يفك الذي ختم على القلب وطبع عليه وضرب عليه القفل ذلك الختم والطابع والقفل ويهديه بعد ضلاله ويعلمه بعد جهله ويرشده بعد غيه ويفتح قفل قلبه بمفاتيح توفيقه التي هي بيده حتى لو كتب على جبينه الشقاوة والكفر لم يمتنع أن يمحوها ويكتب عليه السعادة والإيمان وقرأ قارئ عند عمر بن الخطاب: أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها وعنده شاب فقال اللهم عليها أقفالها ومفاتيحها بيدك لا يفتحها سواك فعرفها له عمر وزادته عنده خيرا وكان عمر يقول في دعائه: quot;اللهم إن كنت كتبتني شقيا فامحني واكتبني سعيدا فإنك تمحو ما تشاء وتثبتquot; فالرب تعالى فعال لما يريد لا حجر عليه وقد ضل ههنا فريقان القدرية حيث زعمت أن ذلك ليس مقدورا للرب ولا يدخل تحت فعله إذ لو كان مقدورا له ومنعه العبد لناقض جوده ولطفه والجبرية حيث زعمت أنه سبحانه إذا قدر قدرا أو علم(1\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "104",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11298",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شيئا فإنه لا يغيره بعد هذا ولا يتصرف فيه بخلاف ما قدره وعلمه والطائفتان حجرت على من لا يدخل تحت حجر أحد أصلا وجميع خلقه تحت حجره شرعا وقدرا وهذه المسألة من أكبر مسائل القدر وسيمر بك إن شاء الله في باب المحو والإثبات ما يشفيك فيها والمقصود انه مع الطبع والختم والقفل لو تعرض العبد أمكنه فك ذلك الختم والطابع وفتح ذلك القفل يفتحه من بيده مفاتيح كل شيء وأسباب الفتح مقدورة للعبد غير ممتنعة عليه وإن كان فك الختم وفتح القفل غير مقدور له كما أن شرب الدواء مقدور له وزوال العلة وحصول العافية غير مقدور فإذا استحكم به المرض وصار صفة لازمة له لم يكن له عذر في تعاطي ما إليه من أسباب الشفاء وإن كان غير مقدور له ولكن لما ألف العلة وساكنها ولم يحب زوالها ولا آثر ضدها عليها مع معرفته بما بينها وبين ضدها من التفاوت فقد سد على نفسه باب الشفاء بالكلية والله سبحانه يهدي عبده إذا كان ضالا وهو يحسب أنه على هدى فإذا تبين له الهدى لم يعدل عنه لمحبته وملاءمته لنفسه فإذا عرف الهدى فلم يحبه ولم يرض به وآثر عليه الضلال مع تكرار تعريفه منفعة هذا وخيره ومضرة هذا وشره فقد سد على نفسه باب الهدى بالكلية فلو أنه في هذه الحال تعرض وافتقر إلى من بيده هداه وعلم أنه ليس إليه هدى نفسه وأنه إن لم يهده الله فهو ضال وسأل الله أن يقبل بقلبه وأن يقيه شر نفسه وفقه وهداه بل لو علم الله منه كراهية لما هو عليه من الضلال وأنه مرض قاتل إن لم يشفه منه أهلكه لكانت كراهته وبغضه إياه مع كونه مبتلى به من أسباب الشفاء والهداية ولكن من أعظم أسباب الشقاء والضلال محبته له ورضاه به وكراهته الهدى والحق فلو أن المطبوع على قلبه المختوم عليه كره ذلك ورغب إلى الله في فك ذلك عنه وفعل مقدوره لكان هداه أقرب شيء إليه ولكن إذا استحكم الطبع والختم حال بينه وبين كراهة ذلك وسؤال الرب فكه وفتح قلبه. فصل: فإن قيل فإذا جوزتم أن يكون الطبع والختم والقفل عقوبة وجزاء على الجرايم والإعراض والكفر السابق على فعل الجرائم قيل هذا موضع يغلط فيه أكثر الناس ويظنون بالله سبحانه خلاف موجب أسمائه وصفاته والقرآن من أوله إلى آخره إنما يدل على أن الطبع والختم والغشاوة لم يفعلها الرب سبحانه بعبده من أول وهلة حين أمره بالإيمان أو بينه له وإنما فعله بعد تكرار الدعوة منه سبحانه والتأكيد في البيان والإرشاد وتكرار الإعراض منهم والمبالغة في الكفر والعناد فحينئذ يطبع على قلوبهم ويختم عليها فلا تقبل الهدى بعد ذلك والإعراض والكفر الأول لم يكن مع ختم وطبع بل كان اختيارا فلما تكرر منهم صار طبيعة وسجية فتأمل هذا المعنى في قوله: إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم ومعلوم أن هذا ليس حكما يعم جميع الكفار بل الذين آمنوا وصدقوا الرسل كان أكثرهم كفارا قبل ذلك ولم يختم على قلوبهم وعلى أسماعهم فهذه الآيات في حق أقوام مخصوصين من الكفار فعل الله بهم ذلك عقوبة منه لهم في الدنيا بهذا النوع من العقوبة العاجلة كما عاقب بعضهم بالمسخ قردة وخنازير وبعضهم بالطمس على أعينهم فهو سبحانه يعاقب بالطمس على القلوب كما يعاقب بالطمس على الأعين وهو سبحانه قد يعاقب بالضلال عن الحق عقوبة دائمة مستمرة وقد يعاقب به إلى وقت ثم يعافي عبده ويهديه كما يعاقب بالعذاب كذلك.(1\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "105",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11299",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: وههنا عدة أمور عاقب بها الكفار بمنعهم عن الإيمان وهي: الختم والطبع والأكنة والغطاء والغلاف والحجاب والوقر والغشاوة والران والغل والسد والقفل والصمم والبكم والعمى والصد والصرف والشد على القلب والضلال والإغفال والمرض وتقليب الأفئدة والحول بين المرء وقلبه وإزاغة القلوب والخذلان والإركاس والتثبيط والتزيين وعدم إرادة هداهم وتطهيرهم وإماتة قلوبهم بعد خلق الحياة فيها فتبقى على الموت الأصلي وإمساك النور عنها فتبقى في الظلمة الأصلية وجعل القلب قاسيا لا ينطبع فيه مثال الهدى وصورته وجعل الصدر ضيفا حرجا لا يقبل الإيمان وهذه الأمور منها ما يرجع إلى القلب كالختم والطبع والقفل والأكنة والإغفال والمرض ونحوها ومنها ما يرجع إلى رسوله الموصل إليه الهدى كالصمم والوقر ومنها ما يرجع إلى طليعته ورائده كالعمى والغشا ومنها ما يرجع إلى ترجمانه ورسوله المبلغ عنه كالبكم النطقي وهو نتيجة البكم القلبي فإذا بكم القلب بكم اللسان ولا تصغ إلى قول من يقول أن هذه مجازات واستعارات فإنه قال بحسب مبلغه من العلم والفهم عن الله ورسوله وكان هذا القائل حقيقة الفعل عنده أن يكون من حديد والختم أن يكون بشمع أو طين والمرض أن يكون حمى بنافض أو قولنج أو غيرهما من أمراض البدن والموت هو مفارقة الروح للبدن ليس إلا والعمى ذهاب ضوء العين الذي تبصر به وهذه الفرقة من أغلظ الناس حجابا فإن هذه الأمور إذا أضيفت إلى محلها كانت بحسب تلك المحال فنسبة قفل القلب إلى القلب كنسبة قفل الباب إليه وكذلك الختم والطابع الذي عليه هو بالنسبة إليه كالختم والطابع الذي على الباب والصندوق ونحوهما وكذلك نسبة الصمم والعمى إلى الأذن والعين وكذلك موته وحياته نظير موت البدن وحياته بل هذه الأمور ألزم للقلب منها للبدن فلو قيل أنها حقيقة في ذلك مجاز في الأجسام المحسوسة لكان مثل قول هؤلاء وأقوى منه وكلاهما باطل فالعمى في الحقيقة والبكم والموت والقفل للقلب ثم قال تعالى فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور والمعنى أنه معظم العمى وأصله وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: quot;إنما الربا في النسيئةquot; وقوله: quot;إنما الماء من الماءquot; وقوله: quot;ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفسquot; وقوله: quot;ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان إنما المسكين الذي لا يجد ما يعنيه ولا يفطن له فيتصدق عليهquot; وقوله: quot;ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضبquot; ولم يرد نفي الاسم عن هذه المسميات إنما أراد أن هؤلاء أولى بهذه الأسماء وأحق ممن يسمونه بها فهكذا قوله لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وقريب من هذا قوله: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر الآية وعلى التقديرين فقد أثبت للقلب عمى حقيقة وهكذا جميع ما نسب إليه ولما كان القلب ملك الأعضاء وهي جنوده وهو الذي يحركها ويستعملها والإرادة والقوى والحركة الاختيارية تنبعث كانت هذه الأمثال أصلا وللأعضاء تبعا فلنذكر هذه الأمور مفصلة ومواقعها في القرآن فقد تقدم الختم قال الأزهري: quot;وأصله التغطية وختم البذر في الأرض إذ غطاهquot; قال أبو إسحاق: quot;معنى ختم وطبع في اللغة واحد وهو التغطية على الشيء والاستيثاق منه فلا يدخله شيء كما قال تعالى: أم على قلوب أقفالها وكذلك قوله: طبع الله على قلوبهم quot; قلت الختم والطبع يشتركان فيما ذكر ويفترقان في معنى آخر وهو أن الطبع ختم يصير سجية وطبيعة فهو تأثير لازم لا(1\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "106",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11300",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يفارق وأما الأكنة ففي قوله تعالى: وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وهي جمع كنان كعنان وأعنة وأصله من الستر والتغطية ويقال كنه وأكنه وكنان بمعنى واحد بل بينهما فرق فأكنة إذا ستره وأخفاه كقوله تعالى: أو أكننتم في أنفسكم وكنه إذا صانه وحفظه كقوله: بيض مكنون ويشتركان في الستر والكنان ماأكن الشيء وستره وهو كالغلاف وقد أقروا على أنفسهم بذلك فقالوا: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فذكروا غطاء القلب وهي الأكنة وغطاء الأذن وهو الوقر وغطاء العين وهو الحجاب والمعنى لا نفقه كلامك ولا نسمعه ولا نراك والمعنى إنا في ترك القبول منك بمنزلة من لا يفقه ما تقول ولا يراك قال ابن عباس: quot;قلوبنا في أكنة مثل الكنانة التي فيها السهامquot; وقال مجاهد: quot;كجعبة النبلquot; وقال مقاتل: quot;عليها غطاء فلا نفقه ما تقول. فصل: وأما الغطاء فقال تعالى: وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا وهذا يتضمن معنيين أحدهما: أن أعينهم في غطاء عما تضمنه الذكر من آيات الله وأدلة توحيده وعجائب قدرته والثاني: أن أعين قلوبهم في غطاء عن فهم القرآن وتدبره والاهتداء به وهذا الغطاء للقلب أولا ثم يسري منه إلى العين. فصل: وأما الغلاف فقال تعالى: وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم وقد اختلف في معنى قولهم قلوبنا غلف فقالت طائفة المعنى قلوبنا أوعية للحكمة والعلم فما بالها لا تفهم عنك ما أتيت به أو لا تحتاج إليك وعلى هذا فيكون غلف جمع غلاف والصحيح قول أكثر المفسرين أن المعنى قلوبنا لا تفقه ولا تفهم ما تقول وعلى هذا فهو جمع أغلف كأحمر وحمر وقال أبو عبيدة: quot;كل شيء في غلاف فهو أغلف كما يقال سيف أغلف وقوس أغلف ورجل أغلف غير مختونquot; قال ابن عباس وقتادة ومجاهد: quot;على قلوبنا غشاوة فهي في أوعية فلا تعي ولا تفقه ما تقولquot; وهذا هو الصواب في معنى الآية لتكرر نظائره في القرآن كقولهم: قلوبنا في أكنة وقوله تعالى: كانت أعينهم في غطاء عن ذكري ونظائر ذلك وأما قول من قال هي أوعية للحكمة فليس في اللفظ ما يدل عليه البتة وليس له في القرآن نظير يحمل عليه ولا يقال مثل هذا اللفظ في مدح الإنسان نفسه بالعلم والحكمة فأين وجدتم في الاستعمال قول القائل قلبي غلاف وقلوب المؤمنين العالمين غلف أي أوعية للعلم والغلاف قد يكون وعاء للجيد والرديء فلا يلزم من كون القلب غلافا أن يكون داخله العلم والحكمة وهذا ظاهر جدا فإن قيل فالإضراب ببل على هذا القول الذي قويتموه ما معناه وأما على القول الآخر فظاهر أي ليست قلوبكم محلا للعلم والحكمة بل مطبوع عليها قيل وجه الإضراب في غاية الظهور وهو أنهم احتجوا بأن الله لم يفتح لهم الطريق إلى فهم ما جاء به الرسول ومعرفته بل جعل قلوبهم داخلة في غلف فلا تفقهه فكيف تقوم به عليهم الحجة وكأنهم ادعوا أن قلوبهم خلقت في غلف فهم معذورون في عدم الإيمان فأكذبهم الله وقال: بل طبع الله عليها بكفرهم وفي الآية الأخرى: بل لعنهم الله بكفرهم فاخبر سبحانه أن الطبع والإبعاد عن توفيقه وفضله إنما كان بكفرهم الذي اختاروه لأنفسهم وآثروه على الإيمان فعاقبهم عليه بالطبع واللعنة والمعنى لم نخلق قلوبهم غلفا لا تعي ولا تفقه ثم نأمرهم بالإيمان وهم لا يفهمونه ولا يفقهونه بل اكتسبوا أعمالا عاقبناهم عليها بالطبع على القلوب والختم عليها. فصل: وأما الحجاب ففي قوله تعالى حكاية عنهم: ومن بيننا وبينك حجاب وقوله: وإذا قرأت(1\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "107",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11301",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا على أصح القولين والمعنى جعلنا بين القرآن إذا قرأته وبينهم حجابا يحول بينهم وبين فهمه وتدبره والإيمان به ويبينه قوله: وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وهذه الثلاثة هي الثلاثة المذكورة في قوله: وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فأخبر سبحانه أن ذلك جعله فالحجاب يمنع رؤية الحق والأكنة تمنع من فهمه والوقر يمنع من سماعه وقال الكلبي: quot;الحجاب ههنا مانع يمنعهم من الوصول إلى رسول الله بالأذى من الرعب ونحوه مما يصدهم عن الإقدام عليهquot; ووصفه بكونه مستورا فقيل بمعنى ساتر وقيل على النسب أي ذو ستر والصحيح أنه على بابه أي مستورا عن الأبصار فلا يرى ومجيء مفعول بمعنى فاعل لا يثبت والنسب في مفعول لم يشتق من فعله كمكان مهول أي ذي هول ورجل مرطوب أي ذي رطوبة فأما مفعول فهو جار على فعله فهو الذي وقع عليه الفعل كمضروب ومجروح ومستور. فصل: وأما الران فقد قال تعالى: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون قال أبو عبيدة: quot;غلب عليهاquot; والخمر ترين على عقل السكران والموت يرون على الميت فيذهب به ومن هذا حديث اسيفع جهينة وقول عمر: quot;فأصبح قدرين به أي غلب عليه وأحاط به الرينquot; وقال أبو معاذ النحوي: quot;الرين أن يسود القلب من الذنوب والطبع أن يطبع على القلب وهو أشد من الرين والإقفال أشد من الطبع وهو أن يقفل على القلبquot; وقال الفراء: quot;كثرت الذنوب والمعاصي منهم فأحاطت بقلوبهم فذلك الرين عليهاquot; وقال أبو إسحاق: quot;ران غطى يقال ران على قلبه الذنب يرين رينا أي غشيهquot; قال: quot;والرين كالغشاء يغشى القلب ومثله الغينquot; قلت: أخطأ أبو إسحاق فالغين ألطف شيء وأرقه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;وإنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرةquot; وأما الرين والران فهو من أغلظ الحجب على القلب وأكثفها وقال مجاهد: quot;هو الذنب على الذنب حتى تحيط الذنوب بالقلب وتغشاه فيموت القلبquot; وقال مقاتل: quot;غمرت القلوب أعمالهم الخبيثةquot; وفي سنن النسائي والترمذي من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot;إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه وإن زاد زيد فيها حتى تعلو قلبه وهو الران الذي ذكر الله: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون quot; قال الترمذي هذا حديث صحيح وقال عبد الله بن مسعود: quot;كلما أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود القلب كله فأخبرquot; سبحانه أن ذنوبهم التي اكتسبوها أوجبت لهم رينا على قلوبهم فكان سبب الران منهم وهو خلق الله فيهم فهو خالق السبب ومسببه لكن السبب باختيار العبد والمسبب خارج عن قدرته واختياره. فصل: وأما الغل فقال تعالى: لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون قال الفراء: quot;حبسناهم عن الإنفاق في سبيل اللهquot; وقال أبو عبيدة: quot;منعناهم عن الإيمان بموانعquot; ولما كان الغل مانعا للمغلول من التصرف والتقلب كان الغل الذي على القلب مانعا من الإيمان فإن قيل فالغل المانع من الإيمان هو الذي في القلب فكيف ذكر الغل الذي في العنق قيل لما كان عادة الغل أن يوضع في العنق ناسب ذكر محله والمراد به القلب كقوله تعالى: وكل إنسان ألزمناه(1\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "108",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11302",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طائره في عنقه ومن هذا قولهم إثمي في عنقك وهذا في عنقك ومن هذا قوله: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك شبه الإمساك عن الإنفاق باليد إذا غلت إلى العنق ومن هذا قال الفراء: quot;إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا حبسناهم عن الإنفاقquot; قال أبو إسحاق: quot;وإنما يقال للشيء اللازم هذا في عنق فلان أي لزومه كلزوم القلادة من بين ما يلبس في العنقquot; قال أبو علي: quot;هذا مثل قولهم طوقتك كذا وقلدتك كذا ومنه قلده السلطان كذا أي صارت الولاية في لزومها له في موضع القلادة ومكان الطوقquot; قلت ومن هذا قولهم قلدت فلانا حكم كذا وكذا كأنك جعلته طوقا في عنقه وقد سمى الله التكاليف الشاقة أغلالا في قوله: ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فشبهها بالأغلال لشدتها وصعوبتها قال الحسن: quot;هي الشدائد التي كانت في العبادة كقطع أثر البول وقتل النفس في التوبة وقطع الأعضاء الخاطئة وتتبع العروق من اللحمquot; وقال ابن قتيبة: quot;هي تحريم الله سبحانه عليهم كثيرا مما أطلقه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وجعلها أغلالا لأن التحريم يمنع كما يقبض الغل اليدquot; وقوله: فهي إلى الأذقان قالت طائفة: quot;الضمير يعود إلى الأيدي وإن لم تذكر لدلالة السياق عليها قالوا لأن الغل يكون في العنق فتجمع إليه اليد ولذلك سمي جامعة وعلى هذا فالمعنى فأيديهم أو فأيمانهم مضمومة إلى أذقانهمquot; هذا قول الفراء والزجاج وقالت طائفة: quot;الضمير يرجع إلى الأغلالquot; وهذا هو الظاهر وقوله: فهي إلى الأذقان أي واصلة وملزوزة إليها فهو غل عريض قد أحاط بالعنق حتى وصل إلى الذقن وقوله فهم مقمحون قال الفراء والزجاج المقمح هو الغاض بصره بعد رفع رأسه ومعنى الإقماح في اللغة رفع الرأس وغض البصر يقال أقمح البعير رأسه وقمح وقال الأصمعي: quot;بعير قامح إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشربquot; قال الأزهري: quot;لما غلت أيديهم إلى أعناقهم رفعت الأغلال أذقانهم ورؤوسهم صعدا كالإبل الرافعة رؤوسهاquot; انتهى فإن قيل فما وجه التشبيه بين هذا وبين حبس القلب عن الهدى والإيمان قيل أحسن وجه وأبينه فإن الغل إذا كان في العنق واليد مجموعة إليها منع اليد عن التصرف والبطش فإذا كان عريضا قد ملأ العنق ووصل إلى الذقن منع الرأس من تصويبه وجعل صاحبه شاخص الرأس منتصبه لا يستطيع له حركة ثم أكد هذا المعنى والحبس بقوله: وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا قال ابن عباس: quot;منعهم من الهدى لما سبق في علمه والسد الذي جعل من بين أيديهم ومن خلفهم هو الذي سد عليهم طريق الهدى فأخبر سبحانه عن الموانع التي منعهم بها من الإيمان عقوبة لهم ومثلها بأحسن تمثيل وأبلغه وذلك حال قوم قد وضعت الأغلال العريضة الواصلة إلى الأذقان في أعناقهم وضمت أيديهم إليها وجعلوا بين السدين لا يستطيعون النفوذ من بينهما وأغشيت أبصارهم فهم لا يرون شيئا وإذا تأملت حال الكافر الذي عرف الحق وتبين له ثم جحده وكفر به وعاداه أعظم معاداة وجدت هذا المثل مطابقا له أتم مطابقة وأنه قد حيل بينه وبين الإيمان كما حيل بين هذا وبين التصرف والله المستعان. فصل: وأما القفل فقال تعالى: أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها قال ابن عباس: quot;يريد على قلوب هؤلاء أقفالquot; وقال مقاتل: quot;يعني الطبع على القلبquot; وكأن القلب بمنزلة الباب المرتج الذي قد ضرب عليه قفل فإنه ما لم يفتح القفل لا يمكن فتح الباب والوصول إلى ما وراءه وكذلك ما لم يرفع الختم والقفل عن القلب لم يدخل الإيمان والقرآن وتأمل تنكير القلب وتعريف الأقفال فإن تنكير القلوب يتضمن(1\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "109",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11303",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إرادة قلوب هؤلاء وقلوب من هم بهذه الصفة ولو قال أم على القلوب أقفالها لم تدخل قلوب غيرهم في الجملة وفي قوله أقفالها بالتعريف نوع تأكيد فإنه لو قال أقفال لذهب الوهم إلى ما يعرف بهذا الاسم فلما أضافها إلى القلوب علم أن المراد بها ما هو للقلب بمنزلة القفل للباب فكأنه أراد أقفالها المختصة بها التي لا تكون لغيرها والله أعلم. فصل: وأما الصمم والوقر ففي قوله: صم بكم عمي وقوله: أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم وقوله: ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون وقوله: والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد قال ابن عباس: quot;في آذانهم صمم عن استماع القرآن وهو عليهم عمى أعمى الله قلوبهم فلا يفقهون أولئك ينادون من مكان بعبد مثل البهيمة التي لا تفهم إلا دعاء ونداءquot; وقال مجاهد: quot;بعيد من قلوبهمquot; وقال الفراء: quot;تقول للرجل الذي لا يفهم كذلك أنت تنادي من مكان بعيد قال: وجاء في التفسير كأنما ينادون من السماء فلا يسمعونquot; انتهى والمعنى أنهم لا يسمعون ولا يفهمون كما أن من دعى من مكان بعيد لم يسمع ولم يفهم. فصل: وأما البكم فقال تعالى: صم بكم عمي والبكم جمع أبكم وهو الذي لا ينطق والبكم نوعان بكم القلب وبكم اللسان كما أن النطق نطقان نطق القلب ونطق اللسان وأشدهما بكم القلب كما أن عماه وصممه أشد من عمى العين وصمم الأذن فوصفهم سبحانه بأنهم لا يفقهون الحق ولا تنطق به ألسنتهم والعلم يدخل إلى العبد من ثلاثة أبواب من سمعه وبصره وقلبه وقد عليهم سدت هذه الأبواب الثلاثة فسد السمع بالصمم والبصر بالعمى أو القلب بالبكم ونظيره قوله تعالى: لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها وقد جمع سبحانه بين الثلاثة في قوله: وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله فإذا أراد سبحانه هداية عبد فتح قلبه وسمعه وبصره وإذا أراد ضلاله أصمه وأعماه وأبكمه وبالله التوفيق. فصل: وأما الغشاوة فهو غطاء العين كما قال تعالى: وجعل على بصره غشاوة وهذا الغطاء سري إليها من غطاء القلب فإن ما في القلب يظهر على العين من الخير والشر فالعين مرآة القلب تظهر ما فيه وأنت إذا أبغضت رجلا بغضا شديدا أو أبغضت كلامه ومجالسته تجد على عينك غشاوة عند رؤيته ومخالطته فتلك أثر البغض والإعراض عنه وغلظت على الكفار عقوبة لهم على إعراضهم ونفورهم عن الرسول وجعل الغشاوة عليها يشعر بالإحاطة على ما تحته كالعمامة ولما عشوا عن ذكره الذي أنزله صار ذلك العشاء غشاوة على أعينهم فلا تبصر مواقع الهدى. فصل: وأما الصد فقال تعالى: وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل قرأ أهل الكوفة على البناء للمفعول حملا على زين وقرأ الباقون وصد بفتح الصاد ويحتمل وجهين أحدهما: أعرض فيكون لازما والثاني: يكون صد غيره فيكون متعديا والقراءتان كالآيتين لا يتناقضان وأما الشد على القلب ففي قوله تعالى: وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن(1\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "110",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11304",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما فهذا الشد على القلب هو الصد والمنع ولهذا قال ابن عباس: quot;يريدا منعهاquot; والمعنى قسها وأطبع عليها حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان وهذا مطابق لما في التوراة أن الله سبحانه قال لموسى اذهب إلى فرعون فإني سأقسي قلبه فلا يؤمن حتى تظهر آياتي وعجائبي بمصر وهذا الشد والتقسية من كمال عدل الرب سبحانه في أعدائه جعله عقوبة لهم على كفرهم وإعراضهم كعقوبته لهم بالمصائب ولهذا كان محمودا عليه فهو حسن منه وأقبح شيء منهم فإنه عدل منه وحكمة وهو ظلم منهم وسفه فالقضاء والقدر فعل عادل حكيم غني عليم يضع الخير والشر في أليق المواضع بهما والمقضي المقدر يكون ظلما وجورا وسفها وهو فعل جاهل ظالم سفيه. فصل: وأما الصرف فقال تعالى: وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون فأخبر سبحانه عن فعلهم وهو الانصراف وعن فعله فيهم وهو صرف قلوبهم عن القرآن وتدبره لأنهم ليسوا أهلا له فالمحل غير صالح ولا قابل فإن صلاحية المحل بشيئين حسن فهم وحسن قصد وهؤلاء قلوبهم لا تفقه وقصودهم سيئة وقد صرح سبحانه بهذا في قوله: ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون فأخبر سبحانه عن عدم قابلية الإيمان فيهم وأنهم لا خير فيهم يدخل بسببه إلى قلوبهم فلم يسمعهم سماع إفهام ينتفعون به وإن سمعوه سماعا تقوم به عليهم حجته فسماع الفهم الذي سمعه به المؤمنون لم يحصل لهم ثم أخبر سبحانه عن مانع آخر قام بقلوبهم يمنعهم من الإيمان لو أسمعهم هذا السماع الخاص وهو الكبر والتولي والإعراض فالأول مانع من الفهم والثاني مانع من الانقياد والإذعان فأفهام سيئة وقصود ردية وهذه نسخة الضلال وعلم الشقاء كما أن نسخة الهدى وعلم السعادة فهم صحيح وقصد صالح والله المستعان وتأمل قوله سبحانه: ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم كيف جعل هذه الجملة الثانية سواء كانت خبرا أو إعادة عقوبة لانصرافهم فعاقبهم عليه بصرف آخر غير الصرف الأول فإن انصرافهم كان لعدم إرادته سبحانه ومشيئته لإقبالهم لأنه لا صلاحية فيهم ولا قبول فلم ينلهم الإقبال والإذعان فانصرفت قلوبهم بما فيها من الجهل والظلم عن القرآن فجازاهم على ذلك صرفا آخر غير الصرف الأول كما جازاهم على زيغ قلوبهم عن الهدى إزاغة غير الزيغ الأول: فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم وهكذا إذا أعرض العبد عن ربه سبحانه جازاه بأن يعرض عنه فلا يمكنه من الإقبال عليه ولتكن قصة إبليس منك على ذكر تنتفع بها أتم انتفاع فإنه لما عصى ربه تعالى ولم ينقد لأمره وأصر على ذلك عاقبه بأن جعله داعيا إلى كل معصية فعاقبه على معصيته الأولى بأن جعله داعيا إلى كل معصية وفروعها صغيرها وكبيرها وصار هذا الإعراض والكفر منه عقوبة لذلك الإعراض والكفر السابق فمن عقاب السيئة السيئة بعدها كما أن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها فإن قيل فكيف يلتئم إنكاره سبحانه عليهم الانصراف والإعراض عنه وقد قال تعالى: أنى يصرفون و: أنى يؤفكون وقال: فما لهم عن التذكرة معرضين فإذا كان هو الذي صرفهم وجعلهم معرضين ومأفوكين فكيف ينفي ذلك عليهم قيل هم دائرون بين عدله وحجته عليهم فمكنهم وفتح لهم الباب ونهج لهم الطريق وهيأ لهم الأسباب فأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه ودعاهم على السنة رسله وجعل لهم عقولا تميز بين الخير والشر والنافع والضار وأسباب(1\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "111",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11305",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الردي وأسباب الفلاح وجعل لهم أسماعا وأبصارا فآثروا الهوى على التقوى واستحبوا العمى على الهدى وقالوا معصيتك آثر عندنا من طاعتك والشرك أحب إلينا من توحيدك وعبادة سواك أنفع لنا في دنيانا من عبادتك فأعرضت قلوبهم عن ربهم وخالقهم ومليكهم وانصرفت عن طاعته ومحبته فهذا عدله فيهم وتلك حجته عليهم فهم سدوا على أنفسهم باب الهدى إرادة منهم واختيارا فسده عليهم اضطرارا فخلاهم وما اختاروا لأنفسهم وولاهم ما تولوه ومكنهم فيما ارتضوه وأدخلهم من الباب الذي استبقوا إليه وأغلق عنهم الباب الذي تولوا عنه وهم معرضون فلا أقبح من فعلهم ولا أحسن من فعله ولو شاء لخلقهم على غير هذه الصفة ولأنشأهم على غير هذه النشأة ولكنه سبحانه خالق العلو والسفل والنور والظلمة والنافع والضار والطيب والخبيث والملائكة والشياطين والشاء والذياب ومعطيها آلاتها وصفاتها وقواها وأفعالها ومستعملها فيما خلقت له فبعضها بطباعها وبعضها بإرادتها ومشيئتها وكل ذلك جار على وفق حكمته وهو موجب حمده ومقتضى كماله المقدس وملكه التام ولا نسبة لما علمه الخلق من ذلك إلى ما خفي عليهم بوجه ما إن هو إلا كنقرة عصفور من البحر. فصل: وأما الإغفال فقال تعالى: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا سئل أبو العباس ثعلب عن قوله: أغفلنا قلبه عن ذكرنا فقال: جعلناه غافلا قال: ويكون في الكلام أغفلته سميته غافلا ووجدته غافلاquot; قلت: الغفل الشيء الفارغ والأرض الغفل التي لا علامة بها والكتاب الغفل الذي لا شكل عليه فأغفلناه تركناه غفلا عن الذكر فارغا منه فهو إبقاء له على العدم الأصلي لأنه سبحانه لم يشأ له الذكر فبقي غافلا فالغفلة وصفه والإغفال فعل الله فيه بمشيئته وعدم مشيئته لتذكره فكل منهما مقتض لغفلته فإذا لم يشأ له التذكر لم يتذكر وإذا شاء غفلته امتنع منه الذكر فإن قيل فهل تضاف الغفلة والكفر والإعراض ونحوها إلى عدم مشيئة الرب أضدادها أم إلى مشيئته لوقوعها قيل القرآن قد نطق بهذا وبهذا قال تعالى: أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم وقال: ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا : ومن يرد أن يضله فإن قيل فكيف يكون عدم السبب المقتضى موجبا للأثر إن كان وجوديا فلا بد له من مؤثر وجودي وأما العدم فيكفي فيه عدم سببه وموجبه فيبقى على العدم الأصلي فإذا أضيف إليه كان من باب إضافة الشيء إلى دليله فعدم السبب دليل على عدم المسبب وإذا سمي موجبا ومقتضيا بهذا الاعتبار فلا مشاحة في ذلك وأما أن يكون العدم أثرا ومؤثرا فلا وهذا الإغفال ترتب عليه اتباع هواه وتفريطه في أمره قال مجاهد: quot;كان أمره فرطا أي ضياعاquot; وقال قتادة: quot;أضاع أكبر الضيعةquot; وقال السدي: quot;هلاكاquot; وقال أبو الهيثم: quot;أمر فرط أي متهاون به مضيع والتفريط تقديم العجزquot; قال أبو إسحاق: quot;من قدم العجز في أمر أضاعه وأهلكهquot; قال الليث: quot;الفرط الأمر الذي يفرط فيه يقول كل أمر فلان فرطquot; قال الفراء: quot;فرطا متروكا يفرط فيما لا ينبغي التفريط فيه واتبع مالا ينبغي اتباعه وغفل عما لا يحسن الغفلة عنهquot;. فصل: وأما المرض فقال تعالى: في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا وقال: فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقال: ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا ومرض القلب خروج عن صحته واعتداله فإن صحته أن يكون عارفا بالحق محبا له مؤثرا له على غيره فمرضه إما بالشك فيه وإما بإيثار غيره عليه فمرض(1\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "112",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11306",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المنافقين مرض شك وريب ومرض العصاة مرض غي وشهوة وقد سمى الله سبحانه كلا منهما مرضا قال ابن الأنباري: quot;أصل المرض في اللغة الفسادquot; مرض فلان فسد جسمه وتغيرت حاله ومرضت بالمرض تغيرت وفسدت قالت ليلى الأخيلية: إذا هبط الحجاج أرضا مريضة ... تبع أقصى دائها فشفاها وقال آخر: ألم تر أن الأرض أضحت مريضة ... فقد الحسين والبلاد اقشعرت والمرض يدور على أربعة أشياء فساد وضعف ونقصان وظلمة ومنه مرض الرجل في الأمر إذا ضعف فيه ولم يبالغ وعين مريضة النظر أي فاترة ضعيفة وريح مريضة إذا هب هبوبها كما قال: راحت لأربعك الرياح مريضة أي لينة ضعيفة حتى لا يعفى أثرها وقال ابن الأعرابي: quot;أصل المرض النقصان ومنه بدن مريض أي ناقص القوة وقلب مريض ناقص الدين ومرض في حاجتي إذا نقصت حركته وقال الأزهري عن المنذري عن بعض أصحابه: quot;المرض أظلام الطبيعة واضطرابها بعد صفائهاquot; قال والمرض الظلمة وأنشد: وليلة مرضت من كل ناحية ... فما يضيء لها شمس ولا قمر هذا أصله في اللغة ثم الشك والجهل والحيرة والضلال وإرادة الغي وشهوة الفجور في القلب تعود إلى هذه الأمور الأربعة فيتعاطى العبد أسباب المرض حتى يمرض فيعاقبه الله بزيادة المرض لإيثاره أسبابه وتعاطيه لها. فصل: وأما تقليب الأفئدة فقال تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون وهذا عطف على أنها إذا جاءت لا يؤمنون أي نحول بينهم وبين الإيمان ولو جاءتهم تلك الآية فلا يؤمنون واختلف في قوله: كما لم يؤمنوا به أول مرة فقال كثير من المفسرين المعنى نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم الآية كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة قال ابن عباس: quot;في رواية عطاء عنه ونقلب أفئدتهم وأبصارهم حتى يرجعوا إلى ما سبق عليهم من علمي قال وهذا كقوله واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبهquot; وقال آخرون: المعنى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم لتركهم الإيمان به أول مرة فعاقبناهم بتقليب أفئدتهم وأبصارهم وهذا معنى حسن فإن كاف التشبيه تتضمن نوعا من التلعيل كقوله: وأحسن كما أحسن الله إليك وقوله: كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكروني أذكركم والذي حسن اجتماع التعليل والتشبيه الإعلام بأن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر والتقليب تحويل الشيء من وجه إلى وجه وكان الواجب من مقتضى إنزال الآية ووصولهم إليها كما سألوا أن يؤمنوا إذا جاءتهم لأنهم رأوها عيانا وعرفوا أدلتها وتحققوا صدقها فإذا لم يؤمنوا كان تقليبا لقلوبهم وأبصارهم عن وجهها الذي ينبغي أن تكون عليه وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتكquot; وروى الترمذي من حديث أنس قال: quot;كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: يا مقلب(1\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "113",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11307",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القلوب ثبت قلبي على دينك فقلت: يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا قال: نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاءquot; قال هذا حديث حسن وروى حماد عن أيوب وهشام ويعلي بن زياد عن الحسن قال: قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: quot;دعوة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يدعو بها يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقلت يا رسول الله دعوة كثيرا ما تدعو بها قال إنه ليس من عبد إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله فإذا شاء أن يقيمه أقامه وإذا شاء أن يزيغه أزاغهquot; وقوله: ونذرهم في طغيانهم يعمهون قال ابن عباس: quot;أخذلهم وأدعهم في ضلالهم يتمادونquot;. فصل: وأما إزاغة القلوب فقال تعالى: فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم وقال عن عباده المؤمنين أنهم سألوه ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وأصل الزيغ الميل ومنه زاغت الشمس إذا مالت فإزاغة القلب إمالته وزيغه ميله عن الهدى إلى الضلال والزيغ يوصف به القلب والبصر كما قال تعالى: وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وقال قتادة ومقاتل: quot;شخصت فرقاquot; وهذا تقريب للمعنى فإن الشخوص غير الزيغ وهو أن يفتح عينيه ينظر إلى الشيء فلا يطرق ومنه شخص بصر الميت ولما مالت الأبصار عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى هؤلاء الذين أقبلوا إليهم من كل جانب اشتغلت عن النظر إلى شيء آخر فمالت عنه وشخصت بالنظر إلى الأحزاب وقال الكلبي: quot;مالت أبصارهم إلا من النظر إليهمquot; وقال الفراء. quot;زاغت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوها متحيرة تنظر إليهquot; قلت: القلب إذا امتلأ رعبا شغله ذلك عن ملاحظة ما سوى المخوف فزاغ البصر عن الوقوع عليه وهو مقابله. فصل: وأما الخذلان فقال تعالى: إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وأصل الخذلان الترك والتخلية ويقال للبقرة والشاة إذا تخلفت مع ولدها في المرعى وتركت صواحباتها خذول قال محمد بن إسحاق في هذه الآية: quot;إن ينصرك الله فلا غالب لك من الناس ولن يضرك خذلان من خذلك وإن يخذلك فلن ينصرك الناس أي لا تترك أمري للناس وارفض الناس لأمريquot; والخذلان أن يخلي الله تعالى بين العبد وبين نفسه ويكله إليها والتوفيق ضده أن لا يدعه ونفسه ولا يكله إليها بل يصنع له ويلطف به ويعينه ويدفع عنه ويكلأه كلاءة الوالد الشفيق للولد العاجز عن نفسه فمن خلى بينه وبين نفسه هلك كل الهلاك ولهذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم quot;يا حي يا قيوم يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقكquot; فالعبد مطروح بين الله وبين عدوه إبليس فإن تولاه الله لم ظفر به عدوه وإن خذله وأعرض عنه افترسه الشيطان كما يفترس الذئب الشاة فإن قيل فما ذنب الشاة إذا خلى الراعي بين الذئب وبينها وهل يمكنها أن تقوى على الذئب وتنجو منه قيل لعمر الله إن الشيطان ذئب الإنسان كما قاله الصادق المصدوق ولكن لم يجعل الله لهذا الذئب اللعين على هذه الشاة سلطانا مع ضعفها فإذا أعطت بيدها وسالمت الذئب ودعاها فلبت دعوته وأجابت أمره ولم تتخلف بل أقبلت نحوه سريعة مطيعة وفارقت حمى الراعي الذي ليس للذئاب عليه سبيل ودخلت في محل الذئاب الذي من دخله كان صيدا لهم فهل الذئب كل الذئب إلا الشاة فكيف والراعي يحذرها ويخوفها وينذرها وقد رآها مصارع الشاة التي انفردت عن الراعي ودخلت وادي(1\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "114",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11308",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذئاب قال أحمد بن مروان المالكي في كتاب المجالسة: quot;سمعت ابن أبي الدنيا يقول: أن لله سبحانه من العلوم ما لا يحصى يعطي كل واحد من ذلك ما لا يعطي غيرهquot; لقد حدثنا أبو عبد الله أحمد بن حمد بن سعيد القطان ثنا عبيد الله بن بكر السهمي عن أبيه: quot;أن قوما كانوا في سفر فكان فيهم رجل يمر بالطائر فيقول أتدرون ما تقول هؤلاء فيقولون لا فيقول تقول كذا وكذا فيحيلنا على شيء لا ندري أصادق فيه هو أم كاذب إلى أن مروا على غنم وفيها شاة قد تخلفت على سخلة لها فجعلت تحنو عنقها إليها وتثغو فقال أتدرون ما تقول هذه الشاة قلنا لا قال تقول للسخلة إلحقي لا يأكلك الذئب كما أكل أخاك عام أول في هذا المكان قال فانتهينا إلى الراعي فقلنا له ولدت هذه الشاة قبل عامك هذا قال نعم ولدت سخلة عام أول فأكلها الذئب بهذا المكان ثم أتينا على قوم فيهم ظعينة على جمل لها وهو يرغو ويحنو عنقه إليها فقال أتدرون ما يقول هذا البعير قلنا لا قال فإنه يلعن راكبته ويزعم أنها رحلته على مخيط وهو في سنامه قال فانتهينا إليهم فقلنا يا هؤلاء إن صاحبنا هذا يزعم أن هذا البعير يلعن راكبته ويزعم أنها رحلته على مخيط وأنه في سنامه قال فأناخوا البعير وحطوا عنه فإذا هو كما قال فهذه شاة قد حذرت سخلتها من الذئب مرة فحذرت وقد حذر الله سبحانه آدم من ذئبه مرة بعد مرة وهو يأبى إلا أن يستجيب له إذا دعاه ويبيت معه ويصبح: وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم . فصل: وأما الإركاس فقال تعالى: فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا قال الفراء: quot;أركسهم ردهم إلى الكفرquot; وقال أبو عبيدة: quot;يقال ركست الشيء وأركسته لغتان إذا رددته والركس قلب الشيء على رأسهquot; أورد أوله على آخره والارتكاس الارتداد قال أمية فاركسوا في حميم النار إنهم ... كانوا عصاة وقالوا الإفك الزورا ومن هذا يقال للروث الركس لأنه رد إلى حال النجاسة ولهذا المعنى سمي رجيعا والركس والنكس والمركوس والمنكوس بمعنى واحد قال الزجاج: quot;أركسهم نكسهم وردهم والمعنى أنه ردهم إلى حكم الكفار من الذل والصغارquot; وأخبر سبحانه عن حكمه وقضائه فيهم وعدله وإن كان إركاسه كان بسبب كسبهم وأعمالهم كما قال: بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون فهذا توحيده وهذا عدله لا ما تقوله القدرية المعطلة من أن التوحيد إنكار الصفات والعدل والتكذيب بالقدر. فصل: وأما التثبيط فقال تعالى: ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين والتثبيط رد الإنسان عن الشيء الذي يفعله قال ابن عباس: quot;يريد خذلهم وكسلهم عن الخروجquot; وقال في رواية أخرى: quot;حبسهمquot; قال مقاتل: quot;وأوحى إلى قلوبهم اقعدوا مع القاعدينquot; وقد بين سبحانه حكمته في هذا التثبيط والخذلان قبل وبعد فقال: إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين فلما تركوا الإيمان به وبلقائه وارتابوا بما لا ريب فيه ولم يريدوا الخروج في طاعة الله ولم يستعدوا له ولا أخذوا أهبة ذلك كره سبحانه انبعاث من هذا شأنه فإن من لم يرفع به وبرسوله أو كتابه رأسا ولم يقبل هديته التي أهداها إليه على يد أحب(1\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "115",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11309",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خلقه إليه وأكرمهم عليه ولم يعرف قدر هذه النعمة ولا شكرها بل بدلها كفرا فإن طاعة هذا وخروجه مع رسوله يكرهه الله سبحانه فثبطه لئلا يقع ما يكره من خروجه وأوحى إلى قلبه قدرا وكونا أن يقعد مع القاعدين ثم أخبر سبحانه عن الحكمة التي تتعلق بالمؤمنين في تثبيط هؤلاء عنهم فقال: لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا والخبال الفساد والاضطراب فلو خرجوا مع المؤمنين لأفسدوا عليهم أمرهم فأوقعوا بينهم الاضطراب والاختلاف قال ابن عباس: quot;ما زادوكم إلا خبالا عجزا وجبناquot; يعني يجبنوهم عن لقاء العدو بتهويل أمرهم وتعظيمهم في صدورهم ثم قال: ولأوضعوا خلالكم أي أسرعوا في الدخول بينكم للتفريق والإفساد قال ابن عباس: quot;يريد ضعفوا شجاعتكم يعني بالتفريق بينهم لتفريق الكلمة فيجبنوا عن العدوquot; وقال الحسن: quot;لا أوضعوا خلالكم بالنميمة لإفساد ذات البينquot; وقال الكلبي: quot;ساروا بينكم يبغونكم العيبquot; قال لبيد: أرانا موضعين لختم عيب ... وسحر بالطعام وبالشراب أي مسرعين ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: تبا لهن بالعرفان لما عرفنني ... وقلن أمرؤ باغ أكل وأوضعا أي أسرع حتى كلت مطيته: يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم قال قتادة: quot;وفيكم من يسمع كلامهم ويطيعهمquot; وقال ابن إسحاق: quot;وفيكم قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما يدعونهم إليه لشرفهم فيهمquot; ومعناه على هذا القول وفيكم أهل سمع وطاعة لهم لو صحبهم هؤلاء المنافقون أفسدوهم عليكم قلت فتضمن سماعين معنى مستجيبين وقال مجاهد وابن زيد والكلبي: quot;المعنى وفيكم عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم أي جواسيس والقول هو الأول كما قال تعالى: سماعون للكذب أي قابلون له ولم يكن في المؤمنين جواسيس للمنافقين فان النافقين كانوا مختلطين بالمؤمنين ينزلون معهم ويرحلون ويصلون معهم ويجالسونهم ولم يكونوا متحيزين عنهم قد أرسلوا فيهم العيون ينقلون إليهم أخبارهم فإن هذا إنما يفعله من انحاز عن طائفة ولم يخالطها وأرصد بينهم عيونا له فالقول قول قتادة وابن إسحاق والله أعلم فإن قيل انبعاثهم إلى طاعته طاعة له فكيف يكرهها وإذا كان سبحانه يكرهها فهو يحب ضدها لا محالة إذ كراهة أحد الضدين تستلزم محبة الضد الآخر فيكون قعودهم محبوبا له فكيف يعاقبهم عليه قيل هذا سؤال له شأن وهو من أكبر الأسئلة في هذا الباب وأجوبة الطوائف على حسب أصولهم فالجبرية تجيب عنه بأن أفعاله لا تعلل بالحكم والمصالح وكل ممكن فهو جائز عليه ويجوز أن يعذبهم على فعل ما يحبه ويرضاه وترك ما يبغضه ويسخطه والجميع بالنسبة إليه سواء وهذه الفرقة قد سدت على نفسها باب الحكمة والتعليل والقدرية تجيب عنه على أصولها بأنه سبحانه لم يثبطهم حقيقة ولم يمنعهم بل هم منعوا أنفسهم وثبطوها عن الخروج وفعلوا ما لا يريد ولما كان في خروجهم المفسدة التي ذكرها الله سبحانه ألقى في نفوسهم كراهة الخروج مع رسوله قالوا وجعل سبحانه إلقاء كراهة الانبعاث في قلوبهم كراهة مشيئة من غير أن يكره هو سبحانه انبعاثهم فإنه أمرهم به قالوا وكيف يأمرهم بما يكرهه ولا يخفى على من نور الله بصيرته فساد هذين الجوابين وبعدهما من دلالة القرآن فالجواب الصحيح أنه سبحانه أمرهم بالخروج طاعة له ولأمره واتباعا لرسوله صلى الله عليه وسلم ونصرة له وللمؤمنين وأحب لك منهم ورضيه لهم دينا وعلم سبحانه أن خروجهم لو خرجوا لم يقع على هذا(1\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "116",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11310",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه بل يكون خروجهم خروج خذلان لرسوله وللمؤمنين فكان خروجا يتضمن خلاف ما يحبه ويرضاه ويستلزم وقوع ما يكرهه ويبغضه فكان مكروها له من هذا الوجه ومحبوبا له من الوجه الذي خرج عليه أولياؤه وهو يعلم أنه لا يقع منهم إلا على الوجه المكروه إليه فكرهه وعاقبهم على ترك الخروج الذي يحبه ويرضاه لا على ترك الخروج الذي يبغضه ويسخطه وعلى هذا فليس الخروج الذي كرهه منهم طاعة حتى لو فعلوه لم يثبهم عليه ولم يرضه منهم وهذا الخروج المكروه له ضدان أحدهما: الخروج المرضي المحبوب وهذا الضد هو الذي يحبه والثاني: التخلف عن رسوله والقعود عن الغزو معه وهذا الضد يبغضه ويكرهه أيضا وكراهته للخروج على الوجه الذي كانوا يخرجون عليه لا ينافي كراهته لهذا الضد فيقول للسائل قعودهم مبغوض له ولكن ههنا أمران مكروهان له سبحانه وأحدهما أكره له من الآخر لأنه أعظم مفسدة فإن قعودهم مكروه له وخروجهم على الوجه الذي ذكره أكره إليه ولم يكن لهم بد من أحد المكروهين إليه سبحانه فدفع المكروه الأعلى بالمكروه الأدنى فإن مفسدة قعودهم عنه أصغر من مفسدة خروجهم معه فإن مفسدة قعودهم تختص بهم ومفسدة خروجهم تعود على المؤمنين فتأمل هذا الموضع فإن قلت فهلا وفقهم للخروج الذي يحبه ويرضاه وهو الذي خرج عليه المؤمنون قلت قد تقدم جواب مثل هذا السؤال مرارا وأن حكمته سبحانه تأبى أن يضع التوفيق في غير محله وعند غير أهله فالله أعلم حيث يجعل هداه وتوفيقه وفضله وليس كل محل يصلح لذلك ووضع الشيء في غير محله لا يليق بحكمته فإن قلت وعلى ذلك فهلا جعل المحال كلها صالحة قلت يأباه كمال ربوبيته وملكه وظهور آثار أسمائه وصفاته في الخلق والأمر وهو سبحانه لو فعل ذلك لكان محبوبا له فإنه يحب أن يذكر ويشكر ويطاع ويوحد ويعبد ولكن كان ذلك يستلزم فوات ما هو أحب إليه من استواء أقدام الخلائق في الطاعة والإيمان وهو محبته لجهاز أعدائه والانتقام منهم وإظهار قدر أوليائه وشرفهم وتخصيصهم بفضله وبذل نفوسهم له في معاداة من عاداه وظهور عزته وقدرته وسطوته وشدة أخذه وأليم عقابه وأضعاف أضعاف هذه الحكم التي لا سبيل للخلق ولو تناهوا في العلم والمعرفة إلى الإحاطة بها ونسبة ما عقلوه منها إلى ما خفي عليهم كنقرة عصفور في بحر. فصل: وأما التزيين فقال تعالى: كذلك زينا لكل أمة عملهم وقال: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء وقال: وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون فأضاف التزيين إليه منه سبحانه خلقا ومشيئة وحذف فاعله تارة ونسبة إلى سببه ومن أجراه على يده تارة وهذا التزيين سبحانه حسن إذ هو ابتلاء واختبار بعيد ليتميز المطيع منهم من العاصي والمؤمن من الكافر كما قال تعالى: إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وهو من الشيطان قبيح وأيضا فتزيينه سبحانه للعبد عمله السيئ عقوبة منه له على إعراضه عن توحيده وعبوديته وإيثار سيء العمل على حسنه فإنه لا بد أن يعرفه سبحانه السيئ من الحسن فإذا آثر القبيح واختاره وأحبه ورضيه لنفسه زينه سبحانه له وأعماه عن رؤية قبحه بعد أن رآه قبيحا وكل ظالم وفاجر وفاسق لا بد أن يريه الله تعالى ظلمه وفجوره وفسقه قبيحا فإذا تمادى عليه ارتفعت رؤية قبحه من قلبه فربما رآه حسنا عقوبة له فإنه إنما يكشف له عن قبحه بالنور الذي في قلبه وهو حجة الله عليه فإذا تمادى في غيه وظلمه ذهب(1\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "117",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11311",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك النور فلم ير قبحه في ظلمات الجهل والفسوق والظلم ومع هذا فحجة الله قائمة عليه بالرسالة وبالتعريف الأول فتزيين الرب تعالى عدل وعقوبته حكمة وتزيين الشيطان إغواء وظلم وهو السبب الخارج عن العبد والسبب الداخل فيه حبه وبغضه وإعراضه والرب سبحانه خالق الجميع والجميع واقع بمشيئته وقدرته ولو شاء لهدى خلقه أجمعين والمعصوم من عصمه الله والمخذول من خذله الله ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين. فصل: وأما عدم مشيئته سبحانه وإرادته فكما قال تعالى: أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم وقال: ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها : ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا وعدم مشيئته للشيء مستلزم لعدم وجوده كما أن مشيئته تستلزم وجوده فما شاء الله وجب وجوده وما لم يشأ امتنع وجوده وقد أخبر سبحانه أن العباد لا يشاؤن إلا بعد مشيئته ولا يفعلون شيئا إلا بعد مشيئته فقال: وما تشاءون إلا أن يشاء الله وقال: وما يذكرون إلا أن يشاء الله فإن قيل فهل يكون الفعل مقدورا للعبد في حال عدم مشيئة الله له أن يفعله قيل إن أريد بكونه مقدورا سلامة آلة العبد التي يتمكن بها من الفعل وصحة أعضائه ووجوده قواه وتمكينه من أسباب الفعل وتهيئة طريق فعله وفتح الطريق له فنعم هو مقدور بهذا الاعتبار وإن أريد بكونه مقدورا القدرة المقارنة للفعل وهي الموجبة له التي إذا وجدت لم يتخلف عنها الفعل فليس بمقدور بهذا الاعتبار وتقرير ذلك أن القدرة نوعان قدرة مصححة وهي قدرة الأسباب والشروط وسلامة الآلة وهي مناط التكليف وهذه متقدمة على الفعل غير موجبة له وقدرة مقارنة للفعل مستلزمة له لا يتخلف الفعل عنها وهذه ليست شرطا في التكليف فلا يتوقف صحته وحسنه عليها فإيمان من لم يشأ الله إيمانه وطاعة من لم يشأ طاعته مقدور بالاعتبار الأول غير مقدور بالاعتبار الثاني وبهذا التحقيق تزول الشبهة في تكليف ما لا يطاق كما يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى فإذا قيل هل خلق لمن علم أنه لا يؤمن قدرة على الإيمان أم لم يخلق له قدرة قيل خلق له قدرة مصححة متقدمة على الفعل هي مناط الأمر والنهي ولم يخلق له قدرة موجبة للفعل مستلزمة له لا يتخلف عنها فهذه فضله يؤتيه من يشاء وتلك عدله التي تقوم بها حجته على عبده فإن قيل فهل يمكنه الفعل ولم يخلق له هذه القدرة قيل هذا هو السؤال السابق بعينه وقد عرفت جوابه وبالله التوفيق. فصل: وأما إماتة قلوبهم ففي قوله: إنك لا تسمع الموتى وقوله: أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها وقوله: لينذر من كان حيا وقوله: وما أنت بمسمع من في القبور فوصف الكافر بأنه ميت وأنه بمنزلة أصحاب القبور وذلك أن القلب الحي هو الذي يعرف الحق ويقبله ويحبه ويؤثره على غيره فإذا مات القلب لم يبق فيه إحساس ولا تمييز بين الحق والباطل ولا إرادة للحق وكراهة للباطل بمنزلة الجسد الميت الذي لا يحس بلذة الطعام والشراب وألم فقدهما وكذلك وصف سبحانه كتابه ووحيه بأنه روح لحصول حياة القلب به فيكون القلب حيا ويزداد حياة بروح الوحي فيحصل له حياة على حياة ونور على نور نور الوحي على نور الفطرة قال: يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده وقال: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا فجعله روحا لما يحصل(1\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "118",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11312",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به من الحياة ونورا لما يحصل به من الهدى والإضاءة وذلك نور وحياة زائدة على نور الفطرة وحياتها فهو نور على نور وحياة على حياة ولهذا يضرب سبحانه لمن عدم ذلك مثلا بمستوقد النار التي ذهب عنه ضوؤها وبصاحب الصيب الذي كان حظه منه الصواعق والظلمات والرعد والبرق فلا استنار بما أوقد من النار ولا حيي بما في الصيب من الماء ولذلك ضرب هذين المثلين في سورة الرعد لمن استجاب له فحصل على الحياة والنور ولمن لم يستجب له وكان حظه الموت والظلمة فأخبر عمن أمسك عنه نوره بأنه في الظلمة ليس له من نفسه نور فقال تعالى: الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ثم ذكر من أمسك عنه هذا النور ولم يجعله له فقال: والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور وفي المسند من حديث عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك أقول جف القلم على علم الله وقال تعالى: والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم وهذه الظلمات ضد الأنوار التي يتقلب فيها المؤمن فإن نور الإيمان في قلبه ومدخله نور ومخرجه نور وعلمه نور ومشيته من الناس نور وكلامه نور ومصيره إلى نور والكافر بالضد ولما كان النور من أسمائه الحسنى وصفاته كان دينه نورا ورسوله نورا وكلامه نورا وداره نورا يتلألأ والنور يتوقد في قلوب عباده المؤمنين ويجري على ألسنتهم ويظهر على وجوههم وكذلك لما كان الإيمان واسمه المؤمن لم يعطه إلا أحب خلقه إليه وكذلك الإحسان صفته وهو المحسن ويحب المحسنين وهو صابر يحب الصابرين شاكر يحب الشاكرين عفو يحب أهل العفو حي يحب أهل الحياء ستير يحب أهل الستر قوى يحب أهل القوة من المؤمنين عليم يحب أهل العلم من عباده جواد يحب أهل الجود جميل يحب المتجملين بر يحب الأبرار رحيم يحب الرحماء عدل يحب أهل العدل رشيد يحب أهل الرشد وهو الذي جعل من يحبه من خلقه كذلك وأعطاه من هذه الصفات ما شاء وأمسكها عمن يبغضه وجعله على أضدادها فهذا عدله وذاك فضله والله ذو الفضل العظيم. فصل: وأما جعله القلب قاسيا فقال تعالى: فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به والقسوة الشدة والصلابة في كل شيء يقال حجر قاس وأرض قاسية لا تنبت شيئا قال ابن عباس: quot;قاسية عن الإيمانquot; وقال الحسن: quot;طبع عليهاquot; والقلوب ثلاثة: قلب قاس وهو اليابس الصلب الذي لا يقبل صورة الحق ولا تنطبع فيه وضده القلب اللين المتماسك وهو السليم من المرض الذي يقبل صورة الحق بلينه ويحفظه بتماسكه بخلاف المريض الذي لا يحفظ ما ينطبع فيه لميعانه ورخاوته كالمائع الذي إذا طبعت فيه الشيء قبل صورته بما فيه من اللين ولكن رخاوته تمنعه من حفظها فخير القلوب القلب الصلب الصافي اللين فهو يرى الحق بصفائه ويقبله بلينه(1\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "119",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11313",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويحفظه بصلابته وفي المسند وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;القلوب آنية الله في أرضه فأحبها إليه أصلبها وأرقها وأصفاهاquot; وقد ذكر سبحانه أنواع القلوب في قوله: ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم فذكر القلب المريض وهو الضعيف المنحل الذي لا تثبت فيه صورة الحق والقلب القاسي اليابس الذي لا يقبلها ولا تنطبع فيه فهذان القلبان شقيان معذبان ثم ذكر القلب المخبت المطمئن إليه وهو الذي ينتفع بالقرآن ويزكو به قال الكلبي: quot;فتخبت له قلوبهم فترق للقرآن قلوبهمquot; وقد بين سبحانه حقيقة الإخبات ووصف المخبتين في قوله: وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون فذكر للمخبتين أربع علامات وجل قلوبهم عند ذكره والوجل خوف مقرون بهيبة ومحبة وصبرهم على أقداره وإتيانهم بالصلاة قائمة الأركان ظاهرا وباطنا وإحسانهم إلى عباده بالإنفاق مما آتاهم وهذا إنما يتأتى للقلب المخبت قال ابن عباس: quot;المخبتين المتواضعينquot; وقال مجاهد: quot;المطمئنين إلى اللهquot; وقال الأخفش: quot;الخاشعينquot; وقال ابن جرير: quot;الخاضعينquot; قال الزجاج: quot;اشتقاقه من الخبت وهو المنخفض من الأرض وكل مخبت متواضع فالإخبات سكون الجوارح على وجه التواضع والخشوع للهquot; فإن قيل كان معناه التواضع والخشوع فكيف عدى بالي في قوله: وأخبتوا إلى ربهم قيل ضمن معنى أنابوا واطمأنوا وتابوا وهذه عبارات السلف في هذا الموضع والمقصود أن القلب المخبت ضد القاسي والمريض وهو سبحانه الذي جعل بعض القلوب مخبتا إليه وبعضها قاسيا وجعل للقسوة آثارا وللإخبات آثارا فمن آثاره القسوة تحريف الكلم عن مواضعه وذلك من سوء الفهم وسوء القصد وكلاهما ناشئ عن قسوة القلب ومنها نسيان ما ذكر به وهو ترك ما أمر به علما وعملا ومن آثار الإخبات وجل القلوب لذكره سبحانه والصبر على أقداره والإخلاص في عبوديته والإحسان إلى خلقه. فصل: وأما تضييق الصدر وجعله حرجا لا يقبل الإيمان فقال تعالى: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء والحرج هو الشديد الضيق في قول أهل اللغة جميعهم يقال رجل حرج وحرج أي ضيق الصدر قال الشاعر: لا حرج الصدر ولا عنيف وقال عبيد بن عمير: قرأ ابن عباس هذه الآية فقال: quot;هل هنا أحد من بني بكر قال رجل نعم قال ما الحرجة فيكم قالوا الوادي الكثير الشجر الذي لا طريق فيه فقال ابن عباس: كذلك قلب الكافرquot; وقرأ عمر بن الخطاب الآية فقال: quot;ايتوني رجلا من كنانة واجعلوه راعيا فأتوه به فقال عمر: يا فتى ما الحرجة فيكم فقال الشجرة تحدق بها الأشجار الكثيرة فلا تصل إليها راعية ولا وحشية فقال عمر كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الخيرquot; قال ابن عباس: quot;يجعل صدره ضيقا حرجا إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه وإن ذكر شيء من عبادة الأصنام ارتاح إلى ذلكquot; ولما كان القلب محلا للمعرفة والعلم والمحبة والإنابة وكانت هذه الأشياء إنما تدخل في القلب إذا اتسع لها فإذا أراد الله هداية عبد وسع صدره وشرحه فدخلت فيه وسكنته وإذا أراد ضلاله ضيق صدره وأحرجه فلم يجد محلا يدخل فيه فيعدل عنه ولا يساكنه وكل إناء فارغ إذا دخل فيه الشيء ضاق به وكلما أفرغت فيه الشيء ضاق إلا القلب اللين فكلما أفرغ فيه الإيمان والعلم اتسع وانفسح(1\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "120",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11314",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا من آيات قدرة الرب تعالى وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;إذا دخل النور قلبه انفسح وانشرح قالوا فما علامة ذلك يا رسول الله قال: الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزولهquot; فشرح الصدر من أعظم أسباب الهدى وتضييقه من أسباب الضلال كما أن شرحه من أجل النعم وتضييقه من أعظم النقم فالمؤمن منشرح الصدر منفسحه في هذه الدار على ما ناله من مكروهها وإذا قوي الإيمان وخالطت بشاشته القلوب كان على مكارهها أشرح صدرا منه على شهوتها ومحابها فإذا فارقها كان انفساح روحه والشرح الحاصل له بفراقها أعظم بكثير كحال من خرج من سجن ضيق إلى فضاء واسع موافق له فإنها سجن المؤمن فإذا بعثه الله يوم القيامة رأى من انشراح صدره وسعته ما لا نسبة لما قبله إليه فشرح الصدر كما أنه سبب الهداية فهو أصل كل نعمة وأساس كل خير وقد سأل كليم الرحمن موسى بن عمران ربه أن يشرح له صدره لما علم أنه لا يتمكن من تبليغ رسالته والقيام بأعبائها إلا إذا شرح له صدره وقد عدد سبحانه من نعمه على خاتم أنبيائه ورسله شرح صدره له وأخبر عن أتباعه أنه شرح صدورهم للإسلام فإن قلت فما الأسباب التي تشرح الصدور والتي تضيقه قلت السبب الذي يشرح الصدر النور الذي يقذفه الله فيه فإذا دخله ذلك النور اتسع بحسب قوة النور وضعفه وإذا فقد ذلك النور أظلم وتضايق فإن قلت فهل يمكن اكتساب هذا النور أم هو وهبي قلت هو وهبي وكسبي واكتسابه أيضا مجرد موهبة من الله تعالى فالأمر كله لله والحمد كله له والخير كله بيديه وليس مع العبد من نفسه شيء البتة بل الله واهب الأسباب ومسبباتها وجاعلها أسبابا ومانحها من يشاء ومانعها من يشاء إذا أراد بعبده خيرا وفقه لاستفراغ وسعه وبذل جهده في الرغبة والرهبة إليه فإنهما مادتا التوفيق فبقدر قيام الرغبة والرهبة في القلب يحصل التوفيق فإن قلت فالرغبة والرهبة بيده لا بيد العبد قلت نعم والله وهما مجرد فضله ومنته وإنما يجعلهما في المحل الذي يليق بهما ويحبسهما عمن لا يصلح لهما فإن قلت فما ذنب من لا يصلح قلت أكثر ذنوبه أنه لا يصلح لأن صلاحيته بما اختاره لنفسه وآثره وأحبه من الضلال والغي على بصيرة من أمره فآثر هواه على حق ربه ومرضاته واستحب العمى على الهدى وكان كفر المنعم عليه بصنوف النعم وجحدا لهيئته والشرك به والسعي في مساخطه أحب إليه من شكره وتوحيده والسعي في مرضاته فهذا من عدم صلاحيته لتوفيق خالقه ومالكه وأي ذنب فوق هذا فإذا أمسك الحكم العدل توفيقه عمن هذا شأنه كان قد عدل فيه وانسدت عليه أبواب الهداية وطرق الرشاد فأظلم قلبه فضاق عن دخول الإسلام والإيمان فيه فلو جاءته كل آية لم تزده إلا ضلالا وكفرا وإذا تأمل من شرح الله صدره للإسلام والإيمان هذه الآية وما تضمنته من أسرار التوحيد والعذر والعدل وعظمة شأن الربوبية صار لقلبه عبودية أخرى ومعرفة خاصة وعلم أنه عبد من كل وجه وبكل اعتبار وأن الرب تعالى رب كل شيء وملكيه من الأعيان والصفات والأفعال والأمر كله بيده والحمد كله له وأزمة الأمور بيده ومرجعها كلها إليه ولهذه الآية شأن فوق عقولنا وأجل من أفهامنا وأعظم مما قال فيها المتكلمون الذين ظلموها معناها وأنفسهم كانوا يظلمون تالله لقد غلظ عنها حجابهم وكثفت عنها أفهامهم ومنعتهم من الوصول إلى المراد بها أصولهم التي أصلوها وقواعدهم التي أسسوها فإنها تضمنت إثبات التوحيد والعدل الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه والعدل الذي يقوله معطلو الصفات ونفاه القدر(1\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "121",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11315",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتضمنت إثبات الحكمة والقدرة والشرع والقدر والسبب والحكم والذنب والعقوبة ففتحت للقلب الصحيح بابا واسعا من معرفة الرب تعالى بأسمائه وصفات كماله ونعوت جلاله وحكمته في شرعه وقدره وعدله في عقابه وفضله في ثوابه وتضمنت كمال توحيده وربوبيته وقيوميته وإلهيته وأن مصادر الأمور كلها عن محض إرادته ومردها إلى كمال حكمته وأن المهدي من خصه الله بهدايته وشرح صدره لدينه وشريعته وأن الضال من جعل صدره ضيقا حرجا عن معرفته ومحبته كأنما يتصاعد في السماء وليس ذلك في قدرته وأن ذلك عدل في عقوبته لمن لم يقدره حق قدره وجحد كمال ربوبيته وكفر بنعمته وآثر عبادة الشيطان على عبوديته فسد عليه باب توفيقه وهدايته وفتح عليه أبواب غيه وضلاله فضاق صدره وقسا قلبه وتعطلت من عبودية ربها جوارحه وامتلأت بالظلمة جوانحه والذنب له حيث أعرض عن الإيمان واستبدل به الكفر والفسوق والعصيان ورضي بموالاة الشيطان وهانت عليه معاداة الرحمن فلا يحدث نفسه بالرجوع إلى مولاه ولا يعزم يوما على إقلاعه عن هواه قد ضاد الله في أمره بحب ما يبغضه وببغض ما يحبه ويوالي من يعاديه ويعادي من يواليه يغضب إذا رضي الرب ويرضى إذا غضب هذا وهو يتقلب في إحسانه ويسكن في داره ويتغذى برزقه ويتقوى على معاصيه بنعمه فمن أعدل منه سبحانه عما يصفه به الجاهلون والظالمون إذا جعل الوحي على أمثال هذا من الذين لا يؤمنون. فصل: وإذا شرح الله صدر عبده بنوره الذي يقذفه في قلبه أراه في ضوء ذلك النور حقائق الأسماء والصفات التي تضل فيها معرفة العبد إذ لا يمكن أن يعرفها العبد على ما هي عليه في نفس الأمر وأراه في ضوء ذلك النور حقائق الإيمان وحقائق العبودية وما يصححها وما يفسدها وتفاوت معرفة الأسماء والصفات والإيمان والإخلاص وأحكام العبودية بحسب تفاوتهم في هذا النور قال تعالى: أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها وقال: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به فيكشف لقلب المؤمن في ضوء ذلك النور عن حقيقة المثل الأعلى مستويا على عرش الإيمان في قلب العبد المؤمن فيشهد بقلبه ربا عظيما قاهرا قادرا أكبر من كل شيء في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله السماوات السبع قبضة إحدى يديه والأرضون السبع قبضة اليد الأخرى يمسك السماوات على أصبع والأرضين على أصبع والجبال على أصبع والشجر على أصبع والثرى على أصبع ثم يهزهن ثم يقول أنا الملك فالسماوات السبع في كفه كخردلة في كف العبد يحيط ولا يحاط به ويحصر خلقه ولا يحصرونه ويدركهم ولا يدركونه لو أن الناس من لدن آدم إلى آخر الخلق قاموا صفا واحدا ما أحاطوا به سبحانه ثم يشهده في علمه فوق كل عليم وفي قدرته فوق كل قدير وفي جوده فوق كل جواد وفي رحمته فوق كل رحيم وفي جماله فوق كل جميل حتى لو كان جمال الخلائق كلهم على شخص واحد منهم ثم أعطي الخلق كلهم مثل ذلك الجمال لكانت نسبته إلى جمال الرب سبحانه دون نسبة سراج ضعيف إلى ضوء الشمس ولو اجتمعت قوى الخلائق على شخص واحد منهم ثم أعطي كل منهم مثل تلك القوة لكانت نسبتها إلى قوته سبحانه دون نسبة قوة البعوضة إلى حملة العرش ولو كان جودهم على رجل واحد وكل الخلائق على ذلك الجود لكانت نسبته إلى جوده دون نسبة قطرة إلى(1\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "122",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11316",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البحر وكذلك علم الخلائق إذا نسب إلى علمه كان كنقرة عصفور من البحر وكذلك سائر صفاته كحياته وسمعه وبصره وإرادته فلو فرض البحر المحيط بالأرض مدادا تحيط به سبعة أبحر وجميع أشجار الأرض شيئا بعد شيء أقلام لفني ذلك المداد والأقلام ولا تفنى كلماته ولا تنفد فهو أكبر في علمه من كل عالم وفي قدرته من كل قادر وفي وجوده من كل جواد وفي غناه من كل غني وفي علوه من كل عال وفي رحمته من كل رحيم استوى على عرشه واستولى على خلقه متفرد بتدبير مملكته فلا قبض ولا بسط ولا منع ولا ضلال ولا سعادة ولا شقاوة ولا موت ولا حياة ولا نفع ولا ضر إلا بيده لا مالك غيره ولا مدبر سواه لا يستقل أحد معه بملك مثقال ذرة في السماوات والأرض ولا له شركة في ملكها ولا يحتاج إلى وزير ولا ظهير ولا معين ولا يغيب فيخلفه غيره ولا يعي فيعينه سواه ولا يتقدم أحد بالشفاعة بين يديه إلا من بعد إذنه لمن شاء وفيمن شاء فهو أول مشاهد المعرفة ثم يترقى منه إلى مشهد فوقه لا يتم إلا به وهو مشهد الإلهية فيشهده سبحانه متجليا في كماله بأمره ونهيه ووعده ووعيده وثوابه وعقابه وفضله في ثوابه فيشهد ربا قيوما متكلما آمرا ناهيا يحب ويبغض ويرضى ويغضب قد أرسل رسله وأنزل كتبه وأقام على عباده الحجة البالغة وأتم عليهم نعمته السابغة يهدى من يشاء منه نعمة وفضلا ويضل من يشاء حكمة منه وعدلا ينزل إليهم أوامره وتعرض عليه أعمالهم لم يخلقهم عبثا ولم يتركهم سدى بل أمره جار عليهم في حركاتهم وسكناتهم وظواهرهم وبواطنهم فلله عليهم حكم وأمر في كل تحريكة وتسكينة ولحظة ولفظة وينكشف له في هذا النور عدله وحكمته ورحمته ولطفه وإحسانه وبره في شرعه وأحكامه وأنها أحكام رب رحيم محسن لطيف حكيم قد بهرت حكمته العقول وأقرت بها الفطر وشهدت لمنزلها بالوحدانية ولمن جاء بها بالرسالة والنبوة وينكشف له في ضوء ذلك النور إثبات صفات الكمال وتنزيهه سبحانه عن النقص والمثال وأن كل كمال في الوجود فمعطيه وخالقه أحق به وأولى وكل نقص وعيب فهو سبحانه منزه متعال عنه وينكشف له في ضوء هذا النور حقائق المعاد واليوم الآخر وما أخبر به الرسول عنه حتى كأنه يشاهده عيانا وكأنه يخبر عن الله وأسمائه وصفاته وأمره ونهيه ووعده ووعيده إخبار من كأنه قد رأى وعاين وشاهد ما أخبر به فمن أراد سبحانه هدايته شرح صدره لهذا فاتسع له وانفسح ومن أراد ضلالته جعل صدره من ذلك في ضيق وحرج لا يجد فيه مسلكا ولا منفذا والله الموفق المعين وهذا الباب يكفي اللبيب في معرفة القدر والحكمة ويطلعه على العدل والتوحيد الذي تضمنهما قوله: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام .(1\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "123",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11317",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "الباب السادس عشر: فيما جاء في السنة من تفرد الرب تعالى بخلق أعمال العباد كما هو منفرد بخلق ذواتهم وصفاتهم",
        "content": "الباب السادس عشر: فيما جاء في السنة من تفرد الرب تعالى بخلق أعمال العباد كما هو منفرد بخلق ذواتهم وصفاتهم قال البخاري في كتاب خلق أفعال العباد حدثنا علي بن عبد الله ثنا مروان بن معاوية ثنا أبو مالك(1\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "124",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11318",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن ربعي بن حراش عن حذيفة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;إن الله يصنع كل صانع وصنعتهquot; قال البخاري: quot;وتلا بعضهم عند ذلك: والله خلقكم وما تعملون quot; حدثنا محمد أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن حذيفة نحوه موقوفا عليه وأما استشهاد بعضهم بقوله تعالى: والله خلقكم وما تعملون بحمل ما على المصدر أي خلقكم وأعمالكم فالظاهر خلاف هذا وأنها موصولة أي خلقكم وخلق الأصنام التي تعملونها فهو يدل على خلق أعمالهم من جهة اللزوم فإن الصنم اسم للآلة التي حل فيها العمل المخصوص فإذا كان مخلوقا لله كان خلقه متناولا لمادته وصورته قال البخاري: وحدثنا عمرو بن محمد حدثنا ابن عيينة عن عمرو عن طاووس عن ابن عمر: quot;كل شيء بقدر حتى وضعك يدك على خدكquot; قال البخاري: وحدثني إسماعيل قال حدثني مالك عن زياد بن سعد عن عمرو بن مسلم عن طاووس قال: quot;أدركت ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون كل شيء بقدر حتى العجز والكيسquot; ورواه مسلم في صحيحه عن طاووس وقال سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;كل شيء بقدر حتى العجز والكيسquot; قال البخاري: وقال ليث عن طاووس عن ابن عباس quot;: إنا كل شيء خلقناه بقدر حتى العجز والكيسquot; قال البخاري: سمعت عبيد الله بن سعيد يقول سمعت يحيى بن سعيد يقول: quot;ما زلت أسمع أصحابنا يقولون أفعال العباد مخلوقةquot; قال البخاري: quot;حركاتهم وأصواتهم وأكسابهم وكتابتهم مخلوقةquot; وقال جابر بن عبد الله: quot;كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فيسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به قال: ويسمى حاجتهquot; قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح فقوله: quot;إذا هم أحدكم بالأمرquot; صريح في أنه الفعل الاختياري المتعلق بإرادة العبد وإذا علم ذلك فقوله quot;أستقدرك بقدرتكquot; أي أسألك أن تقدرني على فعله بقدرتك ومعلوم أنه لم يسأل القدرة المصححة التي هي سلامة الأعضاء وصحة البنية وإنما سأل القدرة التي توجب الفعل فعلم أنها مقدورة لله ومخلوقة له وأكد ذلك بقوله: quot;فإنك تقدر ولا أقدرquot; أي تقدر أن تجعلني قادرا فاعلا ولا أقدر أن أجعل نفسي كذلك وكذلك قوله: quot;تعلم ولا أعلمquot; أي حقيقة العلم بعواقب الأمور ومآلها والنافع منها والضار عندك وليس عندي وقوله يسره لي أو اصرفه عني فإنه طلب من الله تيسيره إن كان له فيه مصلحة وصرفه عنه إن كان فيه مفسدة وهذا التيسير والصرف متضمن إلقاء داعية الفعل في القلب أو إلقاء داعية الترك فيه ومتى حصلت داعية الفعل حصل الفعل وداعية الترك امتنع الفعل وعند القدرية ترجيح فاعلية العبد على الترك منه ليس للرب فيه صنع ولا تأثير فطلب هذ التيسير منه لا معنى له عندهم فإن تيسير الأسباب التي لا قدرة للعبد عليها موجود ولم يسأله العبد وقوله: quot;ثم رضني بهquot; يدل على أن حصول الرضا وهو فعل اختياري من أفعال القلوب أمر وقدور للرب تعالى وهو الذي يجعل نفسه راضيا وقوله: quot;فاصرفه عني واصرفني عنهquot; صريح في أنه سبحانه هو الذي يصرف عبده عن فعله الاختياري إذا شاء صرفه عنه كما قال تعالى في حق يوسف الصديق: كذلك لنصرف عنه(1\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "125",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11319",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السوء والفحشاء وصرف السوء والفحشاء هو صرف دواعي القلب وميله إليهما فينصرفان عنه بصرف دواعيهما وقوله quot;وأقدر لي الخير حيث كانquot; يعم الخير المقدور للعبد من طاعته وغير المقدور له فعلم أن فعل العبد للطاعة والخير أمر مقدور لله إن لم يقدره الله لعبده لم يقع من العبد ففي هذا الحديث الشفاء في مسألة القدر وأمر النبي صلى الله عليه وسلم الداعي به أن يقدم بين يدي هذا الدعاء ركعتين عبودية منه بين يدي نجواه وإن يكونا من غير الفريضة ليتجرد فعلهما لهذا الغرض المطلوب ولما كان الفعل الاختياري متوقفا على العلم والقدرة والإرادة لا يحصل إلا بها توسل الداعي إلى الله بعلمه وقدرته وإرادته التي يؤتيه بها من فضله وأكد هذا المعنى بتجرده وبراءته من ذلك فقال quot;إنك تعلم ولا أعلم وتقدر ولا أقدرquot; وأمر الداعي أن يعلق التيسير بالخير والصرف بالشر وهو علم الله سبحانه تحقيقا للتفويض إليه واعترافا بجهل العبد بعواقب الأمور كما اعترف بعجزه ففي هذا الدعاء إعطاء العبودية حقها وإعطاء الربوبية حقها وبالله المستعان وفي الترمذي وغيره من حديث الحسن بن علي قال: quot;علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك إنه لا يذل من واليت تباركت وتعاليتquot; فقوله: quot;اهدنيquot; سؤال للهداية المطلقة التي لا يتخلف عنها الاهتداء وعند القدرية أن الرب سبحانه وتعالى عن قولهم لا يقدر علة هذه الهداية وإنما يقدر على هداية البيان والدلالة المشتركة بين المؤمنين والكفار وقوله quot;فيمن هديتquot; فيه فوائد أحدها: أنه سؤال له أن يدخله في جملة المهديين وزمرتهم ورفقتهم الثانية: توسل إليه بإحسانه وإنعامه أي يا ربي قد هديت من عبادك بشرا كثيرا فضلا منك وإحسانا فأحسن إلي كما أحسنت إليهم كما يقول الرجل للملك اجعلني من جملة من أغنيته وأعطيته وأحسنت إليه الثالثة: إن ما حصل لأولئك من الهدى لم يكن منهم ولا بأنفسهم وإنما كان منك فأنت الذي هديتهم وقوله quot;وعافني فيمن عافيتquot; إنما يسأل ربه العافية المطلقة وهي العافية من الكفر والفسوق والعصيان والغفلة والإعراض وفعل ما لا يحبه وترك ما يحبه فهذا حقيقة العافية ولهذا ما سئل الرب شيئا أحب إليه من العافية لأنها كلمة جامعة للتخلص من الشر كله وأسبابه وقوله quot;وتولني فيمن توليتquot; سؤال للتولي الكامل ليس المراد به ما فعله بالكافرين من خلق القدرة وسلامة الآلة وبيان للطريق فإن كان هذا هو ولايته للمؤمنين فهو ولي الكفار كما هو ولي المؤمنين وهو سبحانه يتولى أولياءه بأمور لا توجد في حق الكفار من توفيقهم وإلهامهم وجعلهم مهديين مطيعين ويدل عليه قوله quot;إنه لا يذل من واليتquot; فإنه منصور عزيز غالب بسبب توليك له وفي هذا تنبيه على أن من حصل له ذل في الناس فهو بنقصان ما فاته من تولي الله وإلا فمع الولاية الكاملة ينتفي الذل كله ولو سلط عليه بالأذى من في أقطارها فهو العزيز غير الذليل وقوله quot;وقني شر ما قضيتquot; يتضمن أن الشر بقضائه فإنه هو الذي يقي منه وفي المسند وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل: quot;يا معاذ والله إني لأحبك فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتكquot; وهذه أفعال اختيارية وقد سأل الله أن يعينه على فعلها وهذا الطلب لا معنى له عند القدرية فإن الإعانة عندهم الإقدار والتمكين وإزاحة الأعذار وسلامة الآلة وهذا حاصل للسائل وللكفار أيضا والإعانة التي سألها أن يجعله ذاكرا شاكرا محسنا لعبادته كما في حديث ابن(1\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "126",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11320",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عباس عنه صلى الله عليه وسلم في دعائه المشهور: quot;رب أعني ولا تعن علي وانصرني ولا تنصر علي وامكر لي ولا تمكر علي واهدني ويسر الهدى لي وانصرني علي من بغى علي رب اجعلني لك شكارا لك ذكارا لك رهابا لك مطواعا لك مخبتا إليك أواها منيبا رب تقبل توبتي واغسل حوبتي وأجب دعوتي وثبت حجتي واهد قلبي وسدد لساني واسلل سخيمة صدريquot; رواه الإمام أحمد في المسند وفيه أحد وعشرون دليلا فتأملها وفي الصحيحين أنه صلى الله عيه وسلم كان يقول بعد انقضاء صلاته: quot;لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجدquot; وكان يقول ذلك الدعاء عند اعتداله من الركوع ففي هذا نفي الشريك عنه بكل اعتبار وإثبات عموم الملك له بكل اعتبار وإثبات عموم الحمد وإثبات عموم القدرة وأن الله سبحانه إذا أعطى عبدا فلا مانع له وإذا منعه فلا معطي له وعند القدرية أن العبد قد يمنع من أعطى الله ويعطي من منعه فإنه يفعل باختياره عطاء ومنعا لم يشأه الله ولم يجعله معطيا مانعا فيتصور أن يكون لمن أعطى مانع ولمن منع معط وفي الصحيح أن رجلا سأله أن يدله على عمل يدخل به الجنة فقال: quot;إنه ليسير على من يسره الله عليهquot; فدل على أن التيسير الصادر من قبله سبحانه يوجب اليسر في العمل وعدم التيسير يستلزم عدم العمل لأنه ملزومه والملزوم ينتفي لانتفاء لازمه والتيسير بمعنى التمكين وخلق الفعل وإزاحة الأعذار وسلامة الأعضاء حاصل للمؤمن والكافر والتيسير المذكور في الحديث أمر آخر وراء ذلك وبالله التوفيق والتيسير وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي موسى: quot;ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة لا حول ولا قوة إلا باللهquot; وقد أجمع المسلمون على هذه الكلمة وتلقيها بالقبول وهي شافية كافية في إثبات القدر وإبطال قول القدرية وفي بعض الحديث quot;إذا قالها العبد قال الله أسلم عبدي واستسلم وفي بعضه فوض إلي عبديquot; قال بعض المنتسبين للقدر لما كانت القدرة بالنسبة إلى الفعل وإلى الترك بحصول الدواعي على التسوية وما دام الأمر كذلك امتنع صدور الفعل فإذا رجح جانب الفعل على الترك بحصول الدواعي وإزالة الصوارف حصل الفعل وهذه القوة هي المشار إليها بقولنا لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وشأن الكلمة أعظم مما قال فإن العالم العلوي والسفلي له تحول من حال إلى حال وذلك التحول لا يقع إلا بقوة يقع بها التحول فكذلك الحول وتلك القوة قائمة بالله وحده ليست بالتحويل فيدخل في هذا كل حركة في العالم العلوي والسفلي وكل قوة على تلك الحركة سواء كانت الحركة قسرية أو إرادية أو طبيعية وسواء كانت من الوسط أو إلى الوسط أو على الوسط وسواء كانت في الكم أو الكيف أو في الأين كحركة النبات وحركة الطبيعة وحركة الحيوان وحركة الفلك وحركة النفس والقلب والقوة على هذه الحركات التي هي حول فلا حول ولا قوة إلا بالله ولما كان الكنز هو المال النفيس المجتمع الذي يخفى على أكثر الناس وكان هذا شأن هذه الكلمة كانت كنزا من كنوز الجنة فأوتيها النبي صلى الله عليه وسلم من كنز تحت العرش وكان قائلها أسلم واستسلم لمن أزمة الأمور بيديه وفوض أمره إليه وفي المسند والسنن عن أبي الديلمي قال: quot;أتيت أبي كعب فقلت: في نفسي شيء من القدر فحدثني بشيء لعل الله يذهبه عني من قلبي فقال: إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ولو أنفقت مثل أحد ذهبا ما قبله الله(1\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "127",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11321",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مت على غير ذلك كنت من أهل النار قال فأتيت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت فكل منهم حدثني بمثل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلمquot; وهذا الحديث حديث صحيح رواه الحاكم في صحيحه وله شأن عظيم وهو دال على أن من تلكم به أعرف الخلق بالله وأعظمهم له توحيدا وأكثرهم له تعظيما وفيه الشفاء التام في باب العدل والتوحيد فإنه لا يزال يجول في نفوس كثير من الناس كيف يجتمع القضاء والقدر والأمر والنهي وكيف يجتمع العدل والعقاب على المقضي المقدر الذي لا بد للعبد من فعله ثم سلك كل طائفة في هذا المقام واديا وطريقا فسلك الجبرية وادي الجبر وطريق المشيئة المحضة الذي يرجح مثلا على مثل من غير اعتبار علة ولا غاية ولا حكمة قالوا وكل ممكن عدل والظلم هو الممتنع لذاته فلو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لكان متصرفا في ملكه والظلم تصرف القادر في غير ملكه وذلك مستحيل عليه سبحانه قالوا ولما كان الأمر راجعا إلى محض المشيئة لم تكن الأعمال سببا للنجاة فكانت رحمته للعباد هي المستقلة بنجاتهم فكانت رحمته خيرا من أعمالهم وهؤلاء راعوا جانب الملك وعطلوا جانب الحمد والله سبحانه له الملك وله الحمد وسلكت القدرية وادي العدل والحكمة ولم يوفوه حقه وعطلوا جانب التوحيد وحاروا في هذا الحديث ولم يدروا ما وجهه وربما قابله كثير منهم بالتكذيب والرد له وأن الرسول لم يقل ذلك قالوا وأي ظلم يكون أعظم من تعذيب من استنفذ أوقات عمره كلها واستفرغ قواه في طاعته وفعل ما يحبه ولم يعصه طرفة عين وكان يعمل بأمره دائما فكيف يقول الرسول صلى الله عليه وسلم أن تعذيب هذا يكون عدلا لا ظلما ولا يقال أن حقه عليهم وما ينبغي له أعظم من طاعاتهم فلا تقع تلك الطاعات في مقابلة نعمه وحقوقه فلو عذبهم لعذبهم بحقه عليهم لأنهم إذا فعلوا مقدورهم من طاعته لم يكلفوا بغيره فكيف يعذبون على ترك ما لا قدرة لهم عليه وهل ذلك إلا بمنزلة تعذيبهم على كونهم لم يخلقوا السماوات والأرض ونحو ذلك مما لا يدخل تحت مقدورهم قالوا فلا وجه لهذا الحديث إلا رده أو تأويله وحمله على معنى يصح وهو أنه لو أراد تعذيبهم جعلهم أمة واحدة على الكفر فلو عذبهم في هذه الحال لكان غير ظالم لهم وهو لم يقل لو عذبهم مع كونهم مطيعين له عابدين له لعذبهم وهو غير ظالم لهم ثم أخبر أنه لو عمهم بالرحمة لكانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم ثم أخبر أنه لا يقبل من العبد عمل حتى يؤمن بالقدر والقدر هو علم الله بالكائنات وحكمه فيها ووقفت طائفة أخرى في وادي الحيرة بين القدر والأمر والثواب والعقاب فتارة يغلب عليهم شهود القدر فيغيبون به عن الأمر وتارة يغلب عليهم شهود الأمر فيغيبون عن القدر وتارة يبقون في حيرة وعمى وهذا كله إنما سببه الأصول الفاسدة والقواعد الباطلة التي بنوا عليها ولو جمعوا بين الملك والحمد والربوبية والإلهية والحكمة والقدرة وأثبتوا له الكمال المطلق ووصفوه بالقدرة التامة الشاملة والمشيئة العامة النافذة التي لا يوجد كائن إلا بعد وجودها والحكمة البالغة التي ظهرت في كل موجود لعلموا حقيقة الأمر وزالت عنهم الحيرة ودخلوا إلى الله سبحانه من باب أوسع من السماوات السبع وعرفوا أنه لا يليق بكماله المقدس إلا ما أخبر به عن نفسه على ألسنة رسله وأن ما خالفه ظنون كاذبة وأوهام باطلة تولدت بين أفكار باطلة وآراء مظلمة فنقول وبالله التوفيق وهو المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله الرب تبارك اسمه وتعالى جده ولا إله(1\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "128",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11322",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غيره هو المنعم على الحقيقة بصنوف النعم التي لا يحصيها أهل سماواته وأرضه فإيجادهم نعمة منه وجعلهم أحياء ناطقين نعمة منه وإعطائهم الأسماع والأبصار والعقول نعمة منه وإدرار الأرزاق عليهم على اختلاف أنواعها وأصنافها نعمة منه وتعريفهم نفسه بأسمائه وصفاته وأفعاله نعمة منه وإجراء ذكره على ألسنتهم ومحبته ومعرفته على قلوبهم نعمة منه وحفظهم بعد إيجادهم نعمة منه وقيامه بمصالحهم دقيقها وجليلها نعمة منه وهدايتهم إلى أسباب مصالحهم ومعايشهم نعمة منه وذكر نعمه على سبيل التفصيل لا سبيل إليه ولا قدرة للبشر عليه ويكفي أن النفس من أدنى نعمه التي لا يكادون يعدونها وهو أربعة وعشرون ألف نفس في كل يوم وليلة فلله على العبد في النفس خاصة أربعة وعشرون ألف نعمة كل يوم وليلة دع ما عدا ذلك من أصناف نعمه على العبد ولكل نعمة من هذه النعم حق من الشكر يستدعيه ويقتضيه فإذا وزعت طاعات العبد كلها على هذه النعم لم يخرج قسط كل نعمة منها إلا جزء يسير جدا لا نسبة له إلى قدر تلك النعمة بوجه من الوجوه قال أنس بن مالك ينشر للعبد يوم القيامة ثلاثة دواوين ديوان فيه ذنوبه وديوان فيه العمل الصالح فيأمر الله تعالى أصغر نعمة من نعمه فتقوم فتستوعب عمله كله ثم تقول أي رب وعزتك وجلالك ما استوفيت ثمني وقد بقيت الذنوب والنعم فإذا أراد الله بعبد خيرا قال ابن آدم ضعفت حسناتك وتجاوزت عن سيئاتك ووهبت لك نعمي فما بيني وبينك وفي صحيح الحاكم حديث quot;صاحب الرمانة الذي عبد الله خمسمائة سنة يأكل كل يوم رمانة تخرج له من شجرة ثم يقوم إلى صلاته فسأل ربه وقت الأجل أن يقبضه ساجدا وأن لا يجعل للأرض عليه سبيلا حتى يبعث وهو ساجد فإذا كان يوم القيامة وقف بين يدي الرب فيقول تعالى أدخلوا عبدي الجنة برحمتي فيقول رب بل بعملي فيقول الرب جل جلاله قايسوا عبدي بنعمتي عليه وبعمله فتؤخذ نعمة البصر بعبادة خمسمائة سنة وبقيت نعمة الجسد فضلا عليه فيقول أدخلوا عبدي النار فيجر إلى النار فينادي رب برحمتك رب برحمتك أدخلني الجنة فيقول ردوه فيوقف بين يديه فيقول يا عبدي من خلقك ولم تكن شيئا فيقول أنت يا رب فيقول من قواك على عبادة خمسمائة سنة فيقول أنت يا رب فيقول من أنزلك في جبل وسط اللجة وأخرج لك الماء العذب من الماء المالح وأخرج لك كل يوم رمانة وإنما تخرج مرة في السنة وسألتني أن أقبضك ساجدا ففعلت ذلك بك فيقول أنت يا رب فيقول الله فذلك برحمتي وبرحمتي أدخلك الجنةquot; رواه من طريق يحيى بن بكير حدثنا الليث بن سعد عن سليمان بن هرم عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم والإسناد صحيح ومعناه صحيح لا ريب فيه فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;لن ينجو أحد منكم بعمله وفي لفظ لن يدخل احد منكم الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضلquot; فقد أخبر صلى الله عليه وسلم: quot;أنه لا ينجي أحدا عمله من الأولين ولا من الآخرين إلا أن يرحمه ربه سبحانهquot; فتكون رحمته خير له من عمله لأن رحمته تنجيه وعمله لا ينجيه فعلم أنه سبحانه لو عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم ببعض حقه عليهم ومما يوضحه أنه كلما كملت نعمة الله على العبد عظم حقه عليه وكان ما يطالب به من الشكر أكثر مما يطالب من دونه فيكون حق الله عليه أعظم وأعماله لا تفي بحقه عليه وهذا إنما يعرفه حق المعرفة من عرف الله وعرف نفسه هذا كله لو لم يحصل للعبد من الغفلة والإعراض والذنوب ما يكون في قبالة طاعاته فكيف إذا حصل له من ذلك ما يوازي طاعاته أو يزيد عليها فإن من حق الله على عبده أن يعبده لا يشرك به(1\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "129",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11323",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شيئا وأن يذكره ولا ينساه وأن يشكره ولا يكفره وأن يرضى به ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا وليس الرضا بذلك مجرد إطلاق هذا اللفظ وحاله وإرادته وتكذيبه وتخالفه فكيف يرضى به ربا من يسخط ما يقضيه له إذا لم يكن موافقا لإرادته وهواه فيظل ساخطا به متبرما يرضى وربه غضبان ويغضب وربه راض فهذا إنما رضي من ربه حظا لم يرض بالله ربا وكيف يدعي الرضا بالإسلام دينا من ينبذ أصوله خلف ظهره إذا خالفت بدعته وهواه وفروعه وراءه إذا لم يوافق غرضه وشهوته وكيف يصح الرضا بمحمد رسولا من لم يحكمه على ظاهره وباطنه ويتلق أصول دينه وفروعه من مشكاته وحده وكيف يرضى به رسولا من يترك ما جاء به لقول غيره ولا يترك قول غيره لقوله ولا يحكمه ويحتج بقوله إلا إذا وافق تقليده ومذهبه فإذا خالفه لم يلتفت إلى قوله والمقصود أن من حقه سبحانه على كل أحد من عبيده أن يرضى به ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا وأن يكون حبه كله لله وبغضه في الله وقوله لله وتركه لله وأن يذكره ولا ينساه ويطيعه ولا يعصيه ويشكره ولا يكفره وإذا قام بذلك كله كانت نعم الله عليه أكثر من عمله بل ذلك نفسه من نعم الله عليه حيث وفقه له ويسره وأعانه عليه وجعله من أهله واختصه به على غيره فهو يستدعي شكرا آخر عليه ولا سبيل له إلى القيام بما يجب لله من الشكر أبدا فنعم الله تطالبه بالشكر وأعماله لا تقابلها وذنوبه وغفلته وتقصيره قد تستنفد عمله فديوان النعم وديوان الذنوب يستنفدان طاعاته كلها هذا وأعمال العبد مستحقة عليه بمقتضى كونه عبدا مملوكا مستعملا فيما يأمره به سيده فنفسه مملوكة وأعماله مستحقة بموجب العبودية فليس له شيء من أعماله كما أنه ليس له ذرة من نفسه فلا هو مالك لنفسه ولا صفاته ولا أعماله ولا لما بيده من المال في الحقيقة بل كل ذلك مملوك عليه مستحق عليه لمالكه أعظم استحقاقا من سيد اشترى عبدا بخالص ماله ثم قال اعمل وأد إلي فليس لك في نفسك ولا في كسبك شيء فلو عمل هذا العبد من الأعمال ما عمل فإن ذلك كله مستحق عليه لسيده وحق من حقوقه عليه فكيف بالمنعم المالك على الحقيقة الذي لا تعد نعمه وحقوقه على عبده ولا يمكن أن تقابلها طاعاته بوجه فلو عذبه سبحانه لعذبه وهو غير ظالم له وإذا رحمه فرحمته خير له من أعماله ولا تكون أعماله ثمنا لرحمته البتة فلولا فضل الله ورحمته ومغفرته ما هنا أحدا عيش البتة ولا عرف خالقه ولا ذكره ولا آمن به ولا أطاعه فكما أن وجود العبد محض وجوده وفضله ومنته عليه وهو المحمود على إيجاده فتوابع وجوده كلها كذلك ليس للعبد منها شيء كما ليس له في وجوده شيء فالحمد كله لله والفضل كله له والإنعام كله له والحق له على جميع خلقه ومن لم ينظر في حقه عليه وتقصيره وعجزه عن القيام به فهو من أجهل الخلق بربه وبنفسه ولا تنفعه طاعاته ولا يسمع دعاؤه قال الإمام أحمد حدثنا حجاج حدثنا جرير بن حازم عن وهب قال: quot;بلغني أن نبي الله موسى مر برجل يدعو ويتضرع فقال يا رب ارحمه فإني قد رحمته فأوحى الله تعالى إليه لو دعاني حتى ينقطع فؤاده ما استجبت له حتى ينظر في حقي عليهquot; والعبد يسير إلى الله سبحانه بين مشاهدة منته عليه ونعمه وحقوقه وبين رؤية عيب نفسه وعمله وتفريطه وإضاعته فهو يعلم أن ربه لو عذبه أشد العذاب لكان قد عدل فيه وأن أقضيته كلها عدل فيه وأن ما فيه من الخير فمجرد فضله ومنته وصدقته عليه ولهذا كان في حديث سيد الاستغفار quot;أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبيquot; فلا يرى نفسه إلا مقصرا مذنبا ولا يرى ربه إلا محسنا(1\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "130",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11324",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "متفضلا وقد قسم الله خلقه إلى قسمين لا ثالث لهما تائبين وظالمين فقال: ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون وكذلك جعلهم قسمين معذبين وتائبين فمن لم يتب فهو معذب ولا بد قال تعالى: ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وأمر جميع المؤمنين من أولهم إلى أخرهم بالتوبة ولا يستثنى من ذلك أحد وعلق فلاحهم بها قال تعالى: وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون وعدد سبحانه من جملة نعمه على خير خلقه وأكرمهم عليه وأطوعهم له وأخشاهم له أن تاب عليه وعلى خواص أتباعه فقال: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم كرر توبته عليهم فقال: ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم وقدم توبته عليهم على توبة الثلاثة الذين خلفوا وأخبر سبحانه أن الجنة التي وعدها أهلها في التوراة والإنجيل أنها يدخلها التائبون فذكر عموم التائبين أولا ثم خص النبي والمهاجرين والأنصار بها ثم خص الثلاثة الذين خلفوا فعلم بذلك احتياج جميع الخلق إلى توبته عليهم ومغفرته لهم وعفوه عنهم وقد قال تعالى لسيد ولد آدم وأحب خلقه إليه عفا الله عنك فهذا خبر منه وهو أصدق القائلين أو دعاء لرسوله بعفوه عنه وهو طلب من نفسه وكان صلى الله عليه وسلم يقول في سجوده أقرب ما يكون من ربه: quot;أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسكquot; وقال لأطوع نساء الأمة وأفضلهن وخيرهن الصديقة بنت الصديق وقد قالت له يا رسول الله لئن وافقت ليلة القدر فما أدعو به قال: quot;قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنيquot; قال الترمذي حديث حسن صحيح وهو سبحانه لمحبته للعفو والتوبة خلق خلقه على صفات وهيئات وأحوال تقتضي توبتهم إليه واستغفارهم وطلبهم عفوه ومغفرته وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهمquot; والله تعالى يحب التوابين والتوبة من أحب الطاعات إليه ويكفي في محبتها شدة فرحه بها كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في الفلاةquot; وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه فنام فاستيقظ وقد ذهبت فطلبها حتى أدركه العطش ثم قال أرجع إلى المكان الذي كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ وعنده راحلته عليها زاده وطعامه وشرابه فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزادهquot; وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;لله أشد فرحا بتوبة عبده من رجل حمل زاده ومزاده على بعير ثم سار حتى كان بفلاة فأدركته القائلة فنزل فقال تحت شجرة فغلبته عينه وانسل بعيره فاستيقظ فسعى شرفا فلم ير شيئا ثم سعى شرفا ثانيا ثم سعى شرفا ثالثا فلم ير شيئا فأقبل حتى أتى إلى مكانه الذي قال فيه فبينا هو قاعد فيه إذ جاء بعيره يمشي حتى وضع خطامه في يدهquot; فالله أشد فرحا بتوبة العبد من هذا حين وجد بعيره فتأمل محبته سبحانه لهذه الطاعة التي هي أصل الطاعات وأساسها فإن من زعم أن أحدا من الناس يستغني عنها ولا حاجة(1\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "131",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11325",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به إليها فقد جهل حق الربوبية ومرتبة العبودية وينتقص بمن أغناه بزعمه عن التوبة من حيث زعم أنه معظم له إذ عطله عن هذه الطاعة العظيمة التي هي من أجل الطاعات والقربة الشريفة التي هي من أجل القربات وقال لست من أهل هذه الطاعة ولا حاجة بك إليها فلا قدر الله حق قدره ولا قدر العبد حق قدره وقد جعل بعض عباده غنيا عن مغفرة الله وعفوه وتوبته إليه وزعم أنه لا يحتاج إلى ربه في ذلك وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب عن أحدكم من رجل كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع وقد يئس من راحلته فبينا هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرحquot; وأكمل الخلق أكملهم توبة وأكثرهم استغفارا وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرةquot; ولما سمع أبو هريرة هذا من النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ما رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد عنه: quot;إني لأستغفر الله في اليوم والليلة اثني عشر ألف مرة بقدر ديتيquot; ثم ساقه من طريق آخر وقال: quot;بقدر ذنبهquot; وقال عبد الله بن الإمام أحمد حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا محمد بن راشد عن مكحول عن رجل عن أبي هريرة قال: quot;ما جلست إلى أحد أكثر استغفارا من رسول الله صلى الله عليه وسلمquot; قال الرجل: quot;وما جلست إلى أحد أكثر استغفارا من أبي هريرةquot; وفي صحيح مسلم عن الأغر المزني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot;إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرةquot; وفي السنن والمسند من حديث ابن عمر قال: quot;كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيمquot; قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وقال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل ثنا يونس عن حميد بن هلال عن أبي بردة قال جلست إلى الشيخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الكوفة فحدثني قال: سمعت رسول الله أو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;يا أيها الناس توبوا إلى الله عز وجل واستغفروه فإني أتوب إلى الله وأستغفره كل يوم مائة مرةquot; قال الإمام أحمد وثنا يحيى عن شعبة ثنا عمرو بن مرة قال سمعت أبا بردة قال سمعت الأغر يحدث ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;يا أيها الناس توبوا إلى ربكم عز وجل فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرةquot; وقال أحمد ثنا يزيد أنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي عثمان النهدي عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: quot;اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساؤا استغفرواquot; وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم في أول الصلاة عند الاستفتاح بعد التكبير: quot;اللهم أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت لبيك وسعديك والخير في يديك وأنا بك وإليك تباركت وتعاليت استغفرك وأتوب إليكquot; رواه مسلم وفي الصحيحين عنه أنه كان يقول في دعائه: quot;اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي بالماء والثلج والبردquot; وكان يقول هذا سرا لم يعلم به من خلفه حتى سأله عنه أبو هريرة وروى عنه علي بن أبي طالب أنه كان إذا استفتح الصلاة قال لا إله إلا أنت ظلمت نفسي وعملت سوأ فاغفر لي إنه لا يغفر(1\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "132",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11326",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذنوب إلا أنت وفي الصحيحين أنه كان يقول في ركوعه وسجوده: quot;سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر ليquot; وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى: quot;أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد ملأ السماوات وملأ الأرض وملأ ما شئت من شيء بعد اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخquot; وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده: quot;اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله أوله وآخره علانيته وسرهquot; وفي مسند الإمام أحمد أنه كان يقول في صلاته: quot;اللهم اغفر لي ووسع علي في ذاتي وبارك لي فيما رزقتنيquot; وفي صحيح مسلم عن فروة بن نوفل قال: قلت لعائشة حدثيني بشيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو به في صلاته قالت: نعم كان يقول: quot;اللهم إني أعوذ بك من شر ما علمت ومن شر ما لم أعلم وكان يقول بين السجدتين اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقنيquot; وكان يقول في قيامه إلى الصلاة بالليل: quot;اللهم لك الحمدquot; الحديث وفيه quot;فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنتquot; وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهذا الدعاء: quot;اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قديرquot; وحقيقة الأمر أن العبد فقير إلى الله من كل وجه وبكل اعتبار فهو فقير إليه من جهة ربوبيته له وإحسانه إليه وقيامه بمصالحه وتدبيره له وفقير إليه من جهة إلهيته وكونه معبوده وإلهه ومحبوبه الأعظم الذي لا صلاح له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا بأن يكون أحب شيء إليه فيكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله ووالده وولده ومن الخلق كلهم وفقير إليه من جهة معافاته له من أنواع البلاء فإنه إن لم يعافيه منها هلك ببعضها وفقير إليه من جهة عفوه عنه ومغفرته له فإن لم يعف عن العبد ويغفر له فلا سبيل إلى النجاة فما نجى أحد إلا بعفو الله ولا دخل الجنة إلا برحمة الله وكثير من الناس ينظر إلى نفس ما يتاب منه فيراه نقصا ولا ينظر إلى كمال الغاية الحاصلة بالتوبة وأن العبد بعد التوبة النصوح خير منه قبل الذنب ولا ينظر إلى كمال الربوبية وتفرد الرب بالكمال وحده وأن لوازم البشرية لا ينفك منها البشر وأن التوبة غاية كل أحد من ولد آدم وكماله كما كانت هي غايته وكماله فليس للعبد كمال بدون التوبة البتة كما أنه ليس له انفكاك عن سببها فإنه سبحانه هو المتفرد المستأثر بالغنى والحمد من كل وجه وبكل اعتبار والعبد هو الفقير المحتاج إليه المضطر إليه بكل وجه وبكل اعتبار فرحمته للعبد خير له من عمله فإن عمله لا يستقل بنجاته ولا سعادته ولو وكل إلى عمله لم ينج به البتة فهذا بعض ما يتعلق بقوله صلى الله عليه وسلم: quot;إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهمquot; ومما يوضحه أن شكره سبحانه مستحق عليهم بجهة ربوبيته لهم وكونهم عبيده ومماليكه وذلك يوجب عليهم أن يعرفوه ويعظموه ويوحدوه ويتقربوا إليه تقرب العبد المحب الذي يتقلب في نعمه ولا غناء به عنه طرفة عين فهو يدأب في التقرب إليه بجهده ويستفرغ في ذلك وسعه وطاقته ولا يعدل به سواه في شيء من الأشياء ويؤثر رضا سيده على إرادته وهواه بل لا هوى له ولا إرادة إلا فيما يريد سيده ويحبه وهذا يستلزم علوما وأعمالا وإرادات وغرائم لا يعارضها غيرها ولا يبقى له معها التفات إلى(1\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "133",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11327",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غيره بوجه ومعلوم أن ما يطبع عليه البشر لا يفي بذلك وما يستحقه الرب تعالى لذاته وأنه أهل أن يعبد أعظم مما يستحقه لإحسانه فهو المستحق لنهاية العبادة والخضوع والذل لذاته ولإحسانه وإنعامه وفي بعض الآثار quot;لو لم أخلق جنة ولا نارا لكنت أهلا أن أعبدquot; ولهذا يقول أعبد خلقه له يوم القيامة وهم الملائكة سبحانك ما عبدناك حق عبادتك فمن كرمه وجوده ورحمته أن رضي من عباده بدون اليسير مما ينبغي أن يعبد به ويستحقه لذاته وإحسانه فلا نسبة للواقع منهم إلى ما يستحقه بوجه من الوجوه فلا يسعهم إلا عفوه وتجاوزه وهو سبحانه أعلم بعباده منهم بأنفسهم فلو عذبهم لعذبهم بما يعلمه منهم وإن لم يحيطوا به علما ولو عذبهم قبل أن يرسل رسله إليهم على أعمالهم لم يكن ظالما لهم كما أنه سبحانه لم يظلمهم بمقته لهم قبل إرسال رسوله على كفرهم وشركهم وقبائحهم فإنه سبحانه نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ولكن أوجب على نفسه إذ كتب عليها الرحمة أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه برسالته وسر المسألة أنه لما كان شكر المنعم على قدره وعلى قدر نعمه ولا يقوم بذلك أحد كان حقه سبحانه على كل أحد وله المطالبة به وإن لم يغفر له ويرحمه وإلا عذبه فحاجتهم إلى مغفرته ورحمته وعفوه كحاجتهم إلى حفظه وكلاءته ورزقه فإن لم يحفظهم هلكوا وإن لم يرزقهم هلكوا وإن لم يغفر لهم ويرحمهم هلكوا وخسروا ولهذا قال أبوهم آدم وأمهم حواء: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين وهذا شأن ولده من بعده وقد قال موسى كليمه سبحانه: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي وقال: سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين وقال: رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين وقال: أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين وقال خليله إبراهيم: رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب وقال: الذي خلقني فهو يهدين إلى قوله: والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين وقال أول رسله إلى أهل الأرض: رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين وقال لأكرم خلقه عليه وأحبهم إليه: واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات وقال: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق إلى قوله: واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما وقال: إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وقد تقدم حديث ابن عباس في دعائه صلى الله عليه وسلم: quot;رب أعني ولا تعن عليquot; وفيه quot;رب تقبل توبتي واغسل حوبتيquot; الحديث وقد أخبر سبحانه عن أعبد البشر داود أنه استغفر ربه راكعا وأناب وقال تعالى: فغفرنا له ذلك وقال عن نبيه سليمان: ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب وقال عن نبيه يونس أنه ناداه في الظلمات: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين وقال صديق الأمة وخيرها وأبرها وأتقاها لله بعد رسوله: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي فقال: quot;قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كبيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني أنك أنت الغفور الرحيمquot; فاستفتح الخبر عن نفسه بأداة التوكيد التي تقتضي تقرير ما بعدها ثم ثنى بالإخبار عن ظلمه لنفسه ثم وصف ذلك الظلم بكونه ظلما كبيرا ثم طلب من ربه أن يغفر له مغفرة من عنده أي لا يبلغها(1\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "134",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11328",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "علمه ولا سعيه بل هي محض منته وإحسانه وأكبر من عمله فإذا كان هذا شأن من وزن بالأمة فرجح بهم فكيف بمن دونه.(1\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "135",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11329",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "الباب السابع عشر: في الكسب والجبر ومعناهما لغة واصطلاحا وإطلاقهما نفيا وإثباتا",
        "content": "الباب السابع عشر: في الكسب والجبر ومعناهما لغة واصطلاحا وإطلاقهما نفيا وإثباتا وما دل عليه السمع والعقل من ذلك أما الكسب فأصله في اللغة الجمع قاله الجوهري وهو طلب الرزق يقال كسبت شيئا واكتسبته بمعنى وكسبت أهلي خيرا وكسبت الرجل مالا فكسبه وهذا مما جاء على فعلته ففعل والكواسب الجوارح وتكسب تكلف الكسب انتهى والكسب قد وقع في القرآن على ثلاثة أوجه أحدها عقد القلب وعزمه كقوله تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم أي بما عزمتم عليه وقصدتموه وقال الزجاج: quot;أي يؤاخذكم بعزمكمquot; على أن لا تبروا وأن لا تتقوا وأن تعتلوا في ذلك بأنكم حلفتم وكأنه التفت إلى لفظ المؤاخذة وأنها تقتضي تعذيبا فجعل كسب قلوبهم عزمهم على ترك البر والتقوى لمكان اليمين والقول الأول أصح وهو قول جمهور أهل التفسير فإنه قابل به لغو اليمين وهو أن لا يقصد اليمين فكسب القلب المقابل للغو اليمين هو عقده وعزمه كما قال في الآية الأخرى: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فتعقيد الإيمان هو كسب القلب الوجه الثاني من الكسب: كسب المال من التجارة قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض فالأول للتجار والثاني للزراع والوجه الثالث من الكسب: السعي والعمل كقوله تعالى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت وقوله: بما كنتم تكسبون : وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت فهذا كله للعمل واختلف الناس في الكسب والاكتساب هل هما بمعنى واحد أم بينهما فرق فقالت طائفة معناهما واحد قال أبو الحسن علي بن أحمد وهو الصحيح عند أهل اللغة: quot;ولا فرق بينهماquot; قال ذو الرمة: ألفى أباه بذاك الكسب يكتسب وقال الآخرون الاكتساب أخص من الكسب لأن الكسب ينقسم إلى كسبه لنفسه ولغيره ولا يقال يكتسب قال الحطيئة: ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر هداك مليك الناس يا عمر قلت: والاكتساب افتعال وهو يستدعي اهتماما وتعملا واجتهادا وأما الكسب فيصح نسبته بأدنى شيء ففي جانب الفضل جعل لها ما لها فيه أدنى سعى وفي جانب العدل لم يجعل عليها إلا مالها فيه اجتهاد واهتمام وأما الجبر فيرجع في اللغة إلى ثلاثة أصول أحدها: أن يغنى الرجل من فقر أو يجبر عظمه من كسر وهذا من الإصلاح وهذا الأصل يستعمل لازما ومتعديا يقول جبرت العظم وجبر وقد جمع العجاج بينهما في قوله: قد جبر الدين الإله فجبر الأصل الثاني: الإكراه والقهر وأكثر ما يستعمل هذا على أفعل يقال أجبرته على كذا إذا أكرهته عليه ولا يكاد يجيء جبرته عليه إلا قليلا والأصل الثالث: من العز والامتناع ومنه نخلة جبارة قال الجوهري: quot;والجبار من النخل ما طال وفات اليدquot; قال الأعشى: طريق وجبار رواء أصوله ... عليه أبابيل من الطير تنعب(1\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "136",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11330",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الأخفش في قوله تعالى: إن فيها قوما جبارين قال: quot;أراد الطول والقوة والعظمquot; ذهب في هذا إلى الجبار من النخل وهو الطويل الذي فات الأيدي ويقال رجل جبار إذا كان طويلا عظيما قويا تشبيها بالجبار من النخل قال قتادة: quot;كانت لهم أجسام وخلق عجيبة ليست لغيرهمquot; وقيل الجبار ههنا من جبره على الأمر إذا أكرهه عليه قال الأزهري: quot;وهي لغة معروفة كثير من الحجازيين يقولونهاquot; وكان الشافعي رحمه الله يقول: quot;جبره السلطانquot; ويجوز أن يكون الجبار من أجبره على الأمر إذا أكرهه قال الفراء: quot;لم أسمع فعالا من أفعل إلا في حرفين وهما جبار من أجبر ودراك من أدركquot; وهذا اختيار الزجاج قال الجبار من الناس العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد وأما الجبار من أسماء الرب تعالى فقد فسره بأنه الذي يجبر الكسير ويغني الفقير والرب سبحانه كذلك ولكن ليس هذا معنى اسمه الجبار ولهذا قرنه باسمه المتكبر وإنما هو الجبروت وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: quot;سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمةquot; فالجبار اسم من أسماء التعظيم كالمتكبر والملك والعظيم والقهار قال ابن عباس في قوله تعالى: الجبار المتكبر هو العظيم وجبروت الله عظمته والجبار من أسماء الملوك والجبر الملك والجبابرة الملوك قال الشاعر: وأنعم صباحا أيها الجبر أي أيها الملك وقال السدي: quot;هو الذي يجبر الناس ويقهرهم على ما يريد وعلى هذا فالجبار معناه القهار وقال محمد بن كعب: quot;إنما سمي الجبار لأنه جبر الخلق على ما أراد والخلق أدق شأنا من أن يعصوا ربهم طرفة عين إلا بمشيئتهquot; قال الزجاج: quot;الجبار الذي جبر الخلق على ما أرادquot; وقال ابن الأنباري: quot;الجبار في صفة الرب سبحانه الذي لا ينالquot; ومنه قولهم نخلة جبارة إذا فاتت يد المتناول فالجبار في صفة الرب سبحانه ترجع إلى ثلاثة معان الملك والقهر والعلو فإن النخلة إذا طالت وارتفعت وفاتت الأيدي سميت جبارة ولهذا جعل سبحانه اسمه الجبار مقرونا بالعزيز والمتكبر وكل واحد من هذه الأسماء الثلاثة تضمن الاسمين الآخرين وهذه الأسماء الثلاثة نظير الأسماء الثلاثة وهي الخالق البارئ المصور فالجبار المتكبر يجريان مجرى التفصيل لمعنى اسم العزيز كما أن البارئ المصور تفصيل لمعنى اسم الخالق فالجبار من أوصافه يرجع إلى كمال القدرة والعزة والملك ولهذا كان من أسمائه الحسنى وأما المخلوق فاتصافه بالجبار ذم له ونقص كما قال تعالى: كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار وقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: وما أنت عليهم بجبار أي مسلط تقهرهم وتكرههم على الإيمان وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;يحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة أمثال الذر يطأهم الناسquot;. فصل: إذا عرف هذا فلفظ الكسب تطلقه القدرية على معنى والجبرية على معنى وأهل السنة والحديث على معنى فكسب القدرية هو وقوع الفعل عندهم بإيجاد العبد وإحداثه ومشيئته من غير أن يكون الله شاءه أو أوجده وكسب الجبرية لفظ لا معنى له ولا حاصل تحته وقد اختلفت عباراتهم فيه وضربوا له الأمثال وأطالوا فيه المقال فقال القاضي: quot;الكسب ما وجدوا عليه قدرة محدثةquot; وقيل: أنه المتعلق بالقادر على غير جهة الحدوث وقيل: أنه المقدور بالقدرة الحادثة قالوا: ولسنا نريد بقولنا ما وجدوا عليه قدرة محدثة أنها قدرة على وجوده فإن القادر على وجوده هو الله وحده وإنما نعني بذلك أن للكسب تعلقا بالقدرة الحادثة لا من باب الحدوث والوجود وقال الأسفرائيني: quot;حقيقة الخلق من الخالق وقوعه بقدرته من حيث صح انفراده به وحقيقة الفعل وقوعه بقدرته وحقيقة(1\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "137",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11331",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكسب من المكتسب وقوعه بقدرته مع انفرداه به ويختص القديم تعالى بالخلق ويشترك القديم والمحدث في الفعل ويختص المحدث بالكسبquot; قلت: مراده أن إطلاق لفظ الخلق لا يجوز إلا على الله وحده وإطلاق لفظ الكسب يختص بالمحدث وإطلاق لفظ الفعل يصح على الرب سبحانه والعبد وقال أيضا: quot;كل فعل يقع على التعاون كان كسبا من المستعينquot; قلت: يريد أن الخالق يستقل بالخلق والإيجاد والكاسب إنما يقع منه الفعل على وجهه المعاونة والمشاركة منه ومن غيره لا يمكنه أن يستقل بإيجاد شيء البتة وقال آخرون: قدرة المكتسب تتعلق بمقدوره على وجه ما وقدرة الخالق تتعلق به من جميع الوجوه قالوا وليس كون الفعل كسبا من حقائقه التي تخصه بل هو معنى طرأ عليه كما يقول منازعونا من المعتزلة إن هذه الحركة لطف وهذا الفعل لطف وصيغة أفعل تصير أمرا بالإرادة لأنها حدثت بالإرادة واعتقاد الشيء على ما هو به يصير علما بسكون النفس إليه لا أنه يحدث كذلك به والأشياء قد تقترن في الوجود فتتغير أوصافها وأحكامها قالوا فالحركة إذا صادفت المتحرك بها على وجه مخصوص تسمى سباحة مثلا ولطما ومشيا ورقصا وقال الأشعري وابن الباقلاني: quot;الواقع بالقدرة الحادثة هو كون الفعل كسبا دون كونه موجودا أو محدثا فكونه كسبا وصف للوجود بمثابة كونه معلوماquot; ولخص بعض متأخريهم هذه العبارات بأن قال: quot;الكسب عبارة عن الاقتران العادي بين القدرة المحدثة والفعلquot; فإن الله سبحانه أجرى العادة بخلق الفعل عند قدرة العبد وإرادته لا بهما فهذا الاقتران هو الكسب ولهذا قال كثير من العقلاء إن هذا من محالات الكلام وإنه شقيق أحوال أبي هاشم وطفرة النظام والمعنى القائم بالنفس الذي يسميه القائلون به كلاما وشيء من ذلك غير معقول ولا متصور والذي استقر عليه قول الأشعري: quot;أن القدرة الحادثة لا تؤثر في مقدورها ولم يقع المقدور ولا صفة من صفاته بل المقدور بجميع صفاته واقع بالقدرة القديمة ولا تأثير للقدرة الحادثة فيهquot; وتابعه على ذلك عامة أصحابه والقاضي أبو بكر يوافقه مرة ومرة يقول: quot;القدرة الحادثة لا تؤثر في إثبات الذات وأحداثها ولكنها تقتضي صفة للمقدور زائدة على ذاته تكون حالا لهquot; ثم تارة يقول: quot;تلك الصفة التي هي من أثر القدرة الحادثة مقدورة لله تعالى ولم يمتنع من إثبات هذا المقدور بين قادرين على هذا الوجهquot; وقد اضطربت آراء أتباع الأشعري في الكسب اضطرابا عظيما واختلفت عباراتهم فيه اختلافا كثيرا وقد ذكره كله أبو القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري في شرح الإرشاد وذكر اختلاف طرائقهم واضطرابهم فيه ثم قال: quot;وقد قال الأستاذ في المختصر قول أهل الحق في الكسب لا يرجع إلى إثبات قدرة للعبد عليهquot; كما يقال أنه معلوم له إلا أن الإمام ادعى على الأستاذ أنه أثبت للقدرة الحادثة أثرا في الحدوث فإنه لما نفي الأحوال وأثبت للقدرة الحادثة أثرا فلا يعقل الجمع بينهما إلا أن يكون الأثر في الحدوث ثم ذكر لنفسه مذهبا ذكره في الكتاب المترجم بالنظامية وانفرد به عن الأصحاب وهو قريب من مذهب المعتزلة والخلاف بينه وبينهم فيه في الاسم قال: quot;وهذه العقدة التي تورط الأصحاب فيها في الكسب شبيهة بالعقدة التي وقعت بين الأئمة في القراءة والمقروء quot;قالك quot;وما ذكره الإمام في النظامية له وجه غير أنه مما انفرد بإطلاقهquot; ولكل ناظر نظره والله يرحمنا وإياه قلت: الذي قاله الإمام في النظامية أقرب إلى الحق مما قاله الأشعري وابن الباقلاني ومن تابعهما ونحن نذكر كلامه بلفظه قالك quot;قد تقرر عند كل حاظ! بعقله مترق عن مراتب التقليد في قواعد التوحيد أن الرب سبحانه يطالب عباده(1\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "138",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11332",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأعمالهم في حياتهم ودواعيهم إليها ومثيبهم ومعاقبهم عليها في مآلهمquot; وتبين بالنصوص التي لا تتعرض للتأويلات أنه أقدرهم على الوفاء بما طالبهم به ومكنهم من التوصل إلى امتثال الأمر والانكفاف عن مواقع الزجر ولو ذهبت أتلو الآي المتضمنة لهذه المعاني لطال المرام ولا حاجة إلى ذلك مع قطع اللبيب المنصف به ومن نظر في كليات الشرائع وما فيها من الاستحثاث والزواجر عن الفواحش الموبقات وما نيط ببعضها من الحدود والعقوبات ثم تلفت على الوعد والوعيد وما يجب عقده من تصديق المرسلين في الأنباء عما يتوجه على المردة العتاة من الحساب والعقاب وسوء المنقلب والمآب وقول الله لهم لم تعديتم وعصيتم وأبيتم وقد أرخيت لكم الطول وفسحت لكم المهل وأرسلت الرسل وأوضحت المحجة لئلا يكون للناس علي حجة وأحاط بذلك كله ثم استراب في أن أفعال العباد واقعة على حسب إيثارهم واختيارهم واقتدارهم فهو مصاب في عقله أو مستقر على تقليده مصمم على جهله ففي المصير إليه أنه لا أثر لقدرة العبد في فعله قطع طلبات الشرائع والتكذيب بما جاء به المرسلون فإن زعم من لم يوفق لمنهج الرشاد أنه لا أثر لقدرة العبد في مقدوره أصلا وإذا طولب بمتعلق طلب الله بفعل العبد تحريما وفرضا ذهب في الجواب طولا وعرضا وقال لله أن يفعل ما يشاء ولا يتعرض للاعتراض عليه المعترضون لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون قيل له ليس لما جئت به حاصل كلمة حق أريد بها باطل نعم يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد ولكن يتقدس عن الخلف ونقيض الصدق وقد فهمنا بضرورات المعقول من الشرع المنقول أنه عزت قدرته طالب عباده بما أخبر أنهم ممكنون من الوفاء به فلم يكلفهم إلا على مبلغ الطاقة والوسع في موارد الشرع ومن زعم أنه لا أثر للقدرة الحادثة في مقدورها كما لا أثر للعلم في معلومة فوجه مطالبة العبد بأفعاله عنده كوجه مطالبته بأن يثبت في نفسه ألوانا وإدراكات وهذا خروج عن حد الاعتدال إلى التزام الباطل والمحال وفيه إبطال الشرع ورد ما جاء به النبيون فإذا لزم المصير بأن القدرة الحادثة تؤثر في مقدورها واستحال إطلاق القول بأن العبد خالق أعماله فإن فيه الخروج عما درج عليه سلف الأمة واقتحام ورطات الضلال ولا سبيل إلى المصير إلى وقوع فعل العبد بقدرته الحادثة والقدرة القديمة فإن الفعل الواحد يستحيل حدوثه بقادرين إذ الواحد لا ينقسم فإن وقع بقدرة الله استقل بها وأسقط أثر القدرة الحادثة ويستحيل أن يقع بعضه بقدرة الله تعالى فإن الفعل الواحد لا بعض له وهذه مهواة لا يسلم من غوائلها إلا مرشد موفق إذ المرء بين أن يدعى الاستبداد وبين أن يخرج نفسه عن كونه مطالبا بالشرائع وفيه أبطال دعوة المرسلين وبين أن يثبت نفسه شريكا لله في إيجاد الفعل الواحد وهذه الأقسام بجملتها باطلة ولا ينجى من هذه الملتطم ذكر اسم محض ولقب مجرد من غير تحصيل معنى وذلك أن قائلا لو قال العبد يكتسب وأثر قدرته الاكتساب والرب سبحانه خالق لما العبد مكتسب له قيل له فما الكسب وما معناه وأديرت الأقسام المتقدمة على هذا القائل فلا يجد عنه مهربا ثم قال فنقول قدرة العبد مخلوقة لله تعالى باتفاق القائلين بالصانع والفعل المقدور بالقدرة الحادثة واقع بها قطعا ولكنه يضاف إلى الله سبحانه تقديرا وخلقا فإنه وقع بفعل الله وهو القدرة فعلا للعبد وإنما هي صفته وهي ملك لله وخلق له فإذا كان موقع الفعل خلقا لله فالواقع به مضاف خلقا إلى الله تعالى وتقديرا وقد ملك الله تعالى العبد اختيارا يصرف به القدرة فإذا أوقع بالقدرة شيئا آل الواقع إلى حكم الله(1\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "139",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11333",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من حيث أنه وقع بفعل الله ولو اهتدت إلى هذا الفرقة الضالة لم يكن بيننا وبينهم خلاف ولكنهم ادعوا استبدادا بالاختراع وانفراد بالخلق والابتداع فضلوا وأضلوا وتبين تميزنا عنهم بتفريع المذهبين فإنا لما أضفنا فعل العبد إلى تقدير الإله سبحانه قلنا أحدث الله تعالى القدرة في العبد على أقدار أحاط بها علمه وهيأ أسباب الفعل وسلب العبد العلم بالتفاصيل وأراد من العبد أن يفعل فأحدث فيه دواع مستحثة وخيرة وإرادة وعلم أن الأفعال ستقع على قدر معلوم فوقعت بالقدرة التي اخترعها العبد على ما علم وأراد فاختيارهم واتصافهم بالاقتداء والقدرة خلق الله ابتداء ومقدورها مضاف إليه مشيئة وعلما وقضاء وخلقا من حيث أنه نتيجة ما انفرد بخلقه وهو القدرة ولو لم يرد وقوع مقدورها لما أقدره عليه ولما هيأ أسباب وقوعه ومن هدي لهذا استمر له الحق المبين فالعبد فاعل مختار مطالب مأمور منهي وفعله تقدير لله من أدلة خلق مقضي ونحن نضرب في ذلك مثلا شرعيا يستروح إليه الناظر في ذلك فنقول: العبد لا يملك آن يتصرف في مال سيده ولو استبد بالتصرف فيه لم ينفذ تصرفه فإذا أذن له في بيع ماله فباعه نفذ والبيع في التحقيق معزو إلى السيد من حيث أن سببه إذنه ولولا إذنه لم ينفذ التصرف ولكن العبد يؤمر بالتصرف وينهى ويوبخ على المخالفة ويعاقب فهذا والله الحق الذي لا غطاء دونه ولا مراء فيه لمن وعاه حق وعيه وأما الفرقة الضالة فإنهم اعتقدوا انفراد العبد بالخلق ثم صاروا إلى أنه إذا عصى فقد انفرد بخلق فعله والرب كاره له فكان العبد على هذا الرأي الفاسد مزاحما لربه في التدبير موقعا ما أراد إيقاعه شاء الرب أو كره, فإن قيل على ماذا تحملون آيات الطبع والختم والإضلال في القرآن وهي متضمنة اضطرار الرب سبحانه للأشقياء إلى ضلالتهم, قلنا إذا أباح الله حل هذا الإشكال والجواب عن هذا السؤال لم يبق على ذوي البصائر بعده غموض فنقول أولا من أنبأ الله سبحانه عن الطبع على قلوبهم كانوا مخاطبين بالإيمان مطالبين بالإسلام والتزام الأحكام مطالبة تكاليف ودعاء مع وصفهم بالتمكن والاقتدار والإيثار كما سبق تقريره ومن اعتقد أنهم كانوا ممنوعين مأمورين مصدودين قهرا مدعوين فالتكليف عنده إذا بمثابة ما لو شد من الرجل يداه ورجلاه رباطا وألقي في البحر ثم قيل له لا تبتل وهذا أمر لا يحمل شرائع الرسل عليه إلا عائب بنفسه مجترئ على ربه ولا فرق عند هذا القائل بين أمر التسخير والتكوين في قوله: كونوا قردة خاسئين وقوله: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون وبين أمر التكليف فإذا بطل ذلك فالوجه في الكلام على هذه الآي وقد غوى في حقائقها أكثر الفرق أن يقول إذا أراد الله بعبد خيرا أكمل عقله وأتم بصيرته ثم صرف عنه العوائق والدوافع وأزاح عنه الموانع ووفق له قرناء الخير وسهل له سبله وقطع عنه الملهيات وأسباب الغفلات وقيض له ما يقربه إلى القربات فيوافيها ثم يعتادها ويمرن عليها وإذا أراد الله بعبده شرا قدر له مما يبعده عن الخير ويقصيه وهيأ له أسباب تماديه في الغي وحبب إليه التشوف إلى الشهوات وعرضه للآفات وكلما غلبت عليه دواعي النفس خنست دواعي الخير ثم يستمر على الشرور على مر الدهور ويأتي مهاويها ويتعاون عليه الوسواس ونزعات الشيطان ونزفات النفس الإمارة بالسوء فتنسخ الغفلة على قلبه غشاوة بقضاء الله وقدره فذلكم الطبع والختم والأكنة وأنا أضرب في ذلك مثلا فأقول لو فرضنا شابا حديث العهد بحلمه لم تهذبه المذاهب ولم تحنكه التجارب وهو على نهاية في غلمته وشهوته وقد استمكن من بلغة من الحطام(1\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "140",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11334",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وخص بمسحة من الجمال ولم يقم عليه قوام يزعه عن ورطات الردى ويمنعه عن الارتباك في شبكات الهوى ووافاه أخدان الفساد وهو في غلواء شبابه يحدث نفسه بالبقاء أمدا بعيدا فما أقرب من هذا وصفه من خلع العذار والبدار إلى شيم الأشرار وهو مع ذلك كله مؤثر مختار ليس مجبرا على المعاصي والزلات ولا مصدودا عن الطاعات ومعه من العقل ما يستوجب به اللائمة إذا عصى فمن هذا سبيله لا يستحيل في العقل تكليفه فإنه ليس ممنوعا ولكن إن سبق له من الله سوء القضاء فهو صائر إلى حكم الله الجزم وقضائه الفصل محجوج بحجة الله ألا أن يتغمده الله برحمته وهو أرحم الراحمين وهذا الذي ذكرته بين في معاني الآيات لا يتمارى فيه موفق قال الله تعالى: ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أراد أنهم استمروا على المخالفات وأصرا بانتهاك الحرمات فقست قلوبهم وقال تعالى: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فقد جمعت بين تفويض الأمور كلها نفعها وضرها خيرها وشرها إلى الإله جلت قدرته وبين إثبات حقائق التكليف وتقرير قواعد الشرع على الوجه المعقول ألست في هذا أهدى سبيلا وأقوم قيلا ممن يقدر الطبع منعا والختم صدا ودفعا ثم ينفي التكاليف بزعمه وقد افترق الخلق في هذا المقام فرقا فذهب ذاهبون إلى أن المخذولين ممنوعون مدفوعون لا اقتدار لهم على إجابة دعاة الحق وهم مع ذلك ملزمون وهذا خطب جسيم وأمر عظيم وهو طعن في الشرائع وإبطال للدعوات وقد قال تعالى: وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى وقال إبليس:: ما منعك أن تسجد نعوذ بالله من سوء النظر في مواقع الخطر وذهب طوائف من الضلال إلى أن العبد يعصي والرب لما يأتي به كاره فهذا خبط في الأحكام الإلهية ومزاحمة في الربوبية ولو لم يرد الرب من الفجار ما علمه منهم في أزليته لما فطرهم مع علمه بهم كيف وقد أكمل قواهم وأمدهم بالعدد والعدد والعتاد وسهل لهم طريق الحيد عن السداد, فإن قيل: فعل ذلك بهم ليطيعوه, قلنا أنى يستقيم ذلك وقد علم أنهم يعصونه ويهلكون أنفسهم ويهلكون أولياءه وأنبيائه ويشقون شقاوة لا يسعدون بها أبدا ولو علم سيد عن وحي أو أخبار نبي أنه لو أمد عبده بالمال لطغى وأبق وقطع الطريق فأمده بالمال زاعما أنه يريد منه ابتناء القناطر والمساجد وهو مع ذلك يقول أعلم أنه لا يفعل ذلك قطعا فهذا السيد مفسد عبده وليس مصلحا له باتفاق من أرباب الألباب فقد زاغت الفئتان وضلت الفرقتان واعترضت إحداهما على القواعد الشرعية وزاحمت الأخرى أحكام الربوبية واقتصد الموفقون فقالوا مراد الله من عباده ما علم أنهم إليه يصيرون ولكنه لم يسلبهم قدرتهم ولم يمنعهم مراشدهم فقرت الشريعة في نصابها وجرت العقيدة في الأحكام الإلهية على صوابها, فإن قيل كيف يريد الحكيم السفه فقد أوضحنا أن الأفعال متساوية في حق من لا ينتفع ولا يتضرر ولكن إذا أخبر أنه مكلف مطالب عباده مزيح عللهم فقوله الحق وكلامه الصدق وأقرب أمر يعارضون به أن الحكيم منا إذا رأى جواريه وعبيده يمرج بعضهم في بعض وهم على محارمهم بمرأى منه ومسمع فلا يحسن تركهم على ما هم عليه والرب سبحانه يطلع على سوء أفعالهم ويستدرجهم من حيث لا يعلمون ثم قال قد أطلقت أنفاسي ولكن لو وجدت في اقتباس هذا العلم من يسرد لي هذا الفصل لكان وحق القائم على كل نفس بما كسبت أحب إلي من ملك الدنيا بحذافيرها أطول أمدهاquot; انتهى كلامه بلفظه وهذا توسط حسن بين الفريقين وقد أنكره عليه عامة أصحابه منهم الأنصاري شارح الإرشاد وغيره وقالوا هو أقرب من مذهب(1\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "141",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11335",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعتزلة ولا يرجع الخلاف بينه وبينهم إلا إلى الاسم فقط وأن هذا مما انفرد به ولكن بقي عليه فيه أمور منها أنه نفى كراهة الله لما قدره من المعاصي بناء على أصله أن كل مراد له فهو محبوب له وأنه إذا كان قد قدر الكفر والفسوق والعصيان فهو يريده ويحبه ولا يكرهه وإن كانت قدرة العبد واختياره مؤثرة في إيجاد الفعل عنده بأقدار الرب سبحانه وقد أصاب في هذا وأجاد ولكن القول بأن الله سبحانه يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يكرهه إذا كان واقعا قول في غاية البطلان وهو مخالف لصريح العقل والنقل والذي قاده إلى ذلك قوله أن المحبة هي الإرادة والمشيئة وأن كل ما شاءه فقد أراده وأحبه ومن لم يفرق بين المشيئة والمحبة لزمه أحد أمرين باطلين لا بد له من التزامه أما القول بأن الله سبحانه يحب الكفر والفسوق والعصيان أو القول بأنه ما شاء ذلك ولا قدره ولا قضاه وقد قال بكل من المتلازمين طائفة قالت طائفه لا يحبها ولا يرضاها فما شاءها ولا قضاها وقالت طائفة هي واقعة بمشيئته وإرادته فهو يحبها ويرضاها فاشترك الطائفتان في هذا الأصل وتباينا في لازمه وقد أنكر الله سبحانه على من احتج على محبته بمشيئته في ثلاثة مواضع من كتابه في سورة الأنعام والنحل والزخرف فقال تعالى: سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون وكذلك حكى عنهم في النحل ثم قال: كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين وقال في الزخرف: وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون فاحتجوا على محبته لشركهم ورضاه به بكونه أقرهم عليه وأنه لولا محبته له ورضاه به لما شاءه منهم وعارضوا بذلك أمره ونهيه ودعوة الرسل قالوا كيف يأمر بالشيء قد شاء منا خلافه وكيف يكره منا شيئا قد شاء وقوعه ولو كرهه لم يمكنا منه ولحال بيننا وبينه فكذبهم سبحانه في ذلك وأخبر أن هذا تكذيب منهم لرسله وأن رسله متفقون على أنه سبحانه يكره شركهم ويبغضه ويمقته وأنه لولا بغضه وكراهته لما أذاق المشركين بالله عذابه فإنه لا يعذب عبده على ما يحبه ثم طالبهم بالعلم على صحة مذهبهم بأن الله أذن فيه وأنه يحبه ويرضى به ومجرد إقراره لهم قدرا لا يدل على ذلك عند أحد من العقلاء وإلا كان الظلم والفواحش والسعي في الأرض بالفساد والبغي محبوبا له مرضيا ثم أخبر سبحانه أن مستندهم في ذلك إنما هو الظن وهو أكذب الحديث وأنهم لذلك كانوا أهل الخرص والكذب ثم أخبر سبحانه أن له الحجة عليهم من جهتين إحداهما ما ركبه فيهم من العقول التي يفرقون بها بين الحسن والقبيح والباطل والأسماع والأبصار التي هي آلة إدراك الحق والتي يفرق بها بينه وبين الباطل والثانية إرسال رسله وإنزال كتبه وتمكينهم من الإيمان والإسلام ولم يؤاخذهم بأحد الأمرين بل بمجموعها لكمال عدله وقطعا لعذرهم من جميع الوجوه ولذلك سمى حجته عليهم بالغة أي قد بلغت غاية البيان وأقصاه بحيث لم يبق معها مقال لقائل ولا عذر لمعتذر ومن اعتذر إليه سبحانه بعذر صحيح قبله ثم ختم الآية بقوله: فلو شاء لهداكم أجمعين وأنه لا يكون شيء إلا بمشيئته وهذا من تمام حجته البالغة فإنه إذا امتنع الشيء لعدم مشيئته لزم وجوده عند مشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن كان هذا من أعظم أدلة التوحيد ومن أبين أدلة بطلان ما أنتم عليه من الشرك واتخاذ الأنداد من دونه فما احتججتم به من المشيئة على ما أنتم عليه من الشرك هو من(1\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "142",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11336",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أظهر الأدلة على بطلانه وفساده فلو أنهم ذكروا القدر والمشيئة توحيدا له وافتقارا والتجاء إليه وبراءة من الحول والقوة إلا به ورغبة إليه أن يقيلهم مما لو شاء أن لا يقع منهم لما وقع لنفعهم ذلك ولفتح لهم باب الهداية ولكن ذكروه معارضين به أمره ومبطلين به دعوة الرسل فما ازدادوا به إلا ضلالا والمقصود أنه سبحانه قد فرق بين حجته ومشيئته وقد حكى أبو الحسن الأشعري في مقالاته اتفاق أهل السنة والحديث على ذلك والذي حكى عنه ابن فورك في كتاب تجريده لمقالاته أنه كان يفرق بين ذلك قال: quot;وكان لا يفرق بين الود والحب والإرادة والمشيئة والرضا وكان لا يقول أن شيئا منها يخص بعض المردات دون بعض بل كان يقول أن كل واحد منها بمعنى صاحبه على جهة التقييد الذي يزول معه الإبهام وهو أن المؤمن محبوب لله أن يكون مؤمنا من أهل الخير كما علم والكافر أيضا مراد أن يكون كافرا كما علم من أهل الشر ويحب أن يكون ذلك كذلك كما علم وكذلك كان يقول في الرضا والاصطفاء والاختيار ويقيد اللفظ بذلك حتى لا يتوهم فيه الخطأquot; انتهى والذي عليه أهل الحديث والسنة قاطبه والفقهاء كلهم وجمهور المتكلمين والصوفية أنه سبحانه يكره بعض الأعيان والأفعال والصفات وإن كانت واقعة بمشيئته فهو يبغضها ويمقتها كما يبغض ذات إبليس وذوات جنوده ويبغض أعمالهم ولا يحب ذلك وإن وجد بمشيئته قال الله تعالى: والله لا يحب الفساد وقال: والله لا يحب الظالمين وقال:: إن الله لا يحب كل مختال فخور وقال:: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وقال:: ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وقال:: إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر فهذا إخبار عن عدم محبته لهذه الأمور ورضاه بها بعد وقوعها فهذا صريح في إبطال قول من تأول النصوص على أنه لا يحبها ممن لم تقع منه ويحبها إذا وقعت فهو يحبها ممن وقعت منه ولا يحبها ممن لم تقع منه وهذا من أعظم الباطل والكذب على الله بل هو سبحانه يكرهها ويبغضها قبل وقوعها وحال وقوعها وبعد وقوعها فإنها قبائح وخبائث والله منزه عن محبة القبيح والخبيث بل هو أكره شيء إليه قال الله تعالى: كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها وقد أخبر سبحانه أنه يكره طاعات المنافقين ولأجل ذلك يثبطهم عنها فكيف يحب نفاقهم ويرضاه ويكون أهله محبوبين له مصطفين عنده مرضيين ومن هذا الأصل الباطل نشأ قولهم باستواء الأفعال بالنسبة إلى الرب سبحانه وأنها لا تنقسم في نفسها إلى حسن وقبيح فلا فرق بالنسبة إليه سبحانه بين الشكر والكفر ولذلك قالوا لا يجب شكره على نعمه عقلا فعن هذا الأصل قالوا أن مشيئته هي عين محبته وإن كل ما شاءه فهو محبوب له ومرضى له ومصطفى ومختار فلم يمكنهم بعد تأصل هذا الأصل أن يقولوا أنه يبغض الأعيان والأفعال التي خلقها ويحب بعضها بل كل ما فعله وخلقه فهو محبوب له والمكروه المبغوض ما لم يشأه ولم يخلقه وإنما أصلوا هذا الأصل محافظة منهم على القدر فحثوا به على الشرع والقدر والتزموا لأجله لوازم شوشوا بها على القدر والحكمة وكابروا لأجلها صريح العقل وسووا بين أقبح القبائح وأحسن الحسنات في نفس الأمر وقالوا هما سواء لا فرق بينهما إلا بمجرد الأمر والنهي فالكذب عندهم والظلم والبغي والعدوان مساو للصدق والعدل والإحسان في نفس الأمر ليس في هذا ما يقتضي حسنه ولا في هذا ما يقتضي قبحه وجعلوا هذا المذهب شعارا لأهل السنة والقول بخلافه قول أهل البدع من المعتزلة وغيرهم ولعمر الله أنه لمن أبطل الأقوال وأشدها منافاة(1\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "143",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11337",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للعقل والشرع ولفطرة الله التي فطر عليها خلقه وقد بينا بطلانه من أكثر من خمسين وجها في كتاب المفتاح والمقصود أنه لما انضم القول به إلى القول بأنه سبحانه لا يحب شيئا ويبغض شيئا بل كل موجود فهو محبوب له وكل معدوم فهو مكروه له وانضم إلى هذين الآخرين إنكار الحكم والغايات المطلوبة في أفعاله سبحانه وأنه لا يفعل شيئا لمعنى ألبتة وانضم إلى ذلك إنكار الأسباب وأنه لا يفعل شيئا بشيء وإنكار القوى والطبائع والغرائز وأن تكون أسبابا أو يكون لها أثر انسد عليهم باب الصواب في مسائل القدر والتزموا لهذه الأصول الباطلة لوازم هي أظهر بطلانا وفسادا وهي من أول شيء على فساد هذه الأصول وبطلانها فإن فساد اللازم من فساد ملزومه فإن قيل الكراهة والمحبة ترجع إلى المنافرة والملائمة للطبع وذلك محال في حق من لا يصف بطبع ولا منافرة ولا ملائمة قيل قد دلت النصوص التي لا تدفع على وصفه تعالى بالمحبة والكراهة فتبينكم حقائق ما دلت عليه بالتعبير عنها بملائمة الطبع ومنافرته باطل وهو كنفي كل مبطل حقائق أسمائه وصفاته بالتعبير عنها بعبارات اصطلاحية توصل بها إلى نفي ما وصف به نفسه كتسمية الجهمية المعطلة صفاته أعراضا ثم توصلوا بهذه التسمية إلى نفيها وسموا أفعاله القائمة به حوادث ثم توصلوا بهذه التسمية إلى نفيها وقالوا لا تحله الحوادث كما قالت المعطلة لا تقوم به الأعراض وسموا علوه على خلقه واستواءه على عرشه وكونه قاهرا فوق عباده تحيزا وتجسما ثم توصلوا بنفي ذلك إلى نفي علوه عن خلقه واستوائه على عرشه وسموا ما أخبر به عن نفسه من الوجه واليدين والأصبع جوارح وأعضاء ثم نفوا ما أثبته لنفسه بتسميتهم له بغير تلك الأسماء: إن هي إلاأسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلاالظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى فتوصلوا بالتشبيه والتجسيم والتركيب والحوادث والأعراض والتحيز إلى تعطيل صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله وأخلوا تلك الأسماء من معانيها وعطلوها من حقائقها فيقال لمن نفى محبته وكراهته لاستلزامهما ميل الطبع ونفرته ما الفرق بينك وبين من نفى كونه مريدا لاستلزام الإرادة حركة النفس إلى جلب ما ينفعها ودفع ما يضرها ونفى سمعه وبصره لاستلزام ذلك تأثر السمع والبصر بالمسموع والمبصر وانطباع صورة المرئي في الرائي وحمل الهواء الصوت المسموع إلى إذن السامع ومن نفى علمه لاستلزامه انطباع صورة المعلوم في النفس الناطقة ونفي غضبه ورضاه لاستلزام ذلك حركة القلب وانفعاله بما يرد عليه من المؤلم والسار ونفي كلامه لاستلزام الكلام محلا يقوم به ويظهر منه من شفة ولسان ولهوات ولما لم يكن أحدا أقر بوجود رب العالمين طرد ذلك وقع في التناقض ولا بد فإنه أي شيء أثبته لزمه فيه ما التزم كمن أثبت ما نفاه هو من غير فرق البتة ولهذا قال الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة: quot;لا نزيل عن الله صفة من صفاته لأجل شناعة المشنعينquot; والمقصود أنا لا نجحد محبته تعالى لما يحبه وكراهته لما يكرهه لتسمية النفاة ذلك ملائمة ومنافرة وينبغي التفطن لهذا الموضع فإنه من أعظم أصول الضلال فلا نسمي العرش حيزا ولا نسمي الاستواء تحيزا ولا نسمي الصفات إعراضا ولا الأفعال حوادث ولا الوجه واليدين والأصابع جوارح وأعضاء ولا إثبات صفات كماله التي وصف بها نفسه تجسيما وتشبيها فنجني جنايتين عظيمتين جناية على اللفظ وجناية على المعنى فنبدل الاسم ونعطل معناه ونظير هذا تسمية خلقه سبحانه لأفعال عباده وقضائه السابق جبرا ولذلك أنكر أئمة ألسنة كالأوزاعي(1\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "144",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11338",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي والإمام أحمد وغيرهم هذا اللفظ قال الأوزاعي والزبيدي: quot;ليس في الكتاب والسنة لفظ جبر وإنما جاءت السنة بلفظ الجبر كما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;لأشج عبد القيس إن فيك خلقين يحبهما الله الحلم والأناة فقال أخلقين تخلقت بهما أم جبلت عليهما فقال: بل جبلت عليهما فقال الحمد لله الذي جبلني على ما يحبquot; فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله جبله على الحلم والأناة وهما من الأفعال الاختيارية وإن كانا خلقين قائمين بالعبد فإن من الأخلاق ما هو كسبي ومنها ما لا يدخل تحت الكسب والنوعان قد جبل الله العبد عليهما وهو سبحانه يهب ما جبل عبده عليه من محاسن الأخلاق ويكره ما جبله عليه من مساويها فكلاهما بجبله وهذا محبوب له وهذا مكروه كما أن جبريل صلوات الله عليه مخلوق له وإبليس عليه لعائن الله مخلوق له وجبريل محبوب له مصطفى عنده وإبليس أبغض خلقه إليه ومما يوضح ذلك أن لفظ الجبر لفظ مجمل فإنه يقال أجبر الأب ابنته على النكاح وجبر الحاكم الرجل على البيع ومعنى هذا الجبر أكرهه عليه ليس معناه أنه جعله محبا لذلك راضيا به مختارا له والله تعالى إذا خلق فعل العبد جعله محبا له مختارا لإيقاعه راضيا به كارها لعدمه فإطلاق لفظ الجبر على ذلك فاسد لفظا ومعنى فإن الله سبحانه أجل وأعز من أن يجبر عبده بذلك المعنى وإنما يجبر العاجز عن أن يجعل غيره فاعلا بإرادته ومحبته ورضاه وأما من جعل فعل العبد مريدا محبا مؤثرا لما يفعله فكيف يقال أنه جبره عليه فهو سبحانه أجل وأعظم وأقدر من أن يجبر عبده ويكرهه على فعل يشاؤه منه بل إذا شاء من عبده أن يفعل فعلا جعله قادرا عليه مريدا له محبا مختارا لإيقاعه وهو أيضا قادر على أن يجعله فاعلا له باختياره مع كراهته له وبغضه ونفرته عنه فكل ما يقع من العباد بإرادتهم ومشيئاتهم فهو سبحانه الذي جعلهم فاعلين له سواء أحبوه وأبغضوه وكرهوه وهو سبحانه لم يجبرهم في النوعين كما يجبر غيره من لا يقدر على جعله فاعلا بإرادته ومشيئته نعم نحن لا ننكر استعمال لفظ الجبر فيما هو أعم من ذلك بحيث يتناول من قهر غيره وقدر على جعله فاعلا لما يشاء فعله وتاركا لما لا يشاء فعله فإنه سبحانه المحدث لإرادته له وقدرته عليه قال محمد بن كعب القرطبي في اسم الجبار: quot;أنه سبحانه هو الذي جبر العباد على ما أرادquot; وفي الدعاء المعروف عن علي رضي الله عنه: quot;اللهم داحي المدحوات وبارئ المسموكات جبار القلوب على فطرتها شقيها وسعيدهاquot; فالجبر بهذا المعنى معناه القهر والقدرة وأنه سبحانه قادر على أن يفعل بعبده ما شاء وإذا شاء منه شيئا وقع ولا بد وإن لم يشأ لم يكن ليس كالعاجز الذي يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء والفرق بين هذا الجبر وجبر المخلوق لغيره من وجوه أحدها أن المخلوق لا قدرة له على جعل الغير مريدا للفعل محبا له والرب تعالى قادر على جعل عبده كذلك الثاني أن المخلوق قد يجبر غيره إجبارا يكون به ظالما معتديا عليه والرب أعدل من ذلك فإنه لا يظلم أحدا من خلقه بل مشيئته نافذة فيهم بالعدل والإحسان بل عدله فيهم من إحسانه إليهم كما سنبينه إن شاء الله تعالى الثالث أن المخلوق يكون في جبره لغيره سفيها أو عائبا أو جاهلا والرب تعالى إذا جبر عبده على أمر من الأمور كان له في ذلك من الحكمة والعدل والإحسان والرحمة ما هو محمود عليه بجميع وجوه الحمد الرابع أن المخلوق يجبر غيره لحاجته إلى ما جبره عليه ولانتفاعه بذلك وهذا لأنه فقير بالذات وأما الرب تعالى فهو الغني بذاته الذي كل ما سواه محتاج إليه وليس به حاجة إلى أحد الخامس أن المخلوق يجبر غيره(1\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "145",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11339",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لنقصه فيجبره ليحصل له الكمال بما أجبره عليه والرب له الكمال المطلق من جميع الوجوه وكماله من لوازم ذاته لم يستفده من خلقه بل هو الذي أعطاهم من الكمال ما يليق بهم فالمخلوق يجبر غيره ليتكمل والرب تعالى منزه عن كل نقص فكماله المقدس ينفي الجبر السادس أن المخلوق يجبر غيره على فعل يعينه به على غرضه لعجزه عن التوصل إليه إلا بمعاونته له فصار الفعل من هذا والقهر والإكراه من هذا محصلا لغرض المكره كما أن المعين لغيره باختياره شريك له في الفعل والرب تعالى غني عما سواه بكل وجه فيستحيل في حقه الجبر السابع أن المجبور على ما لا يريد فعله يجد من نفسه فرقا ضروريا بينه وبين ما يريد فعله باختياره ومحبته فالتسوية بين الأمرين تسوية بين ما علم بالحس والاضطرار الفرق بينهما وهو كالتسوية بين حركة المرتعش وحركة الكاتب وهذا من أبطل الباطل الثامن أن الله سبحانه قد فطر العباد على أن المجبور المكره على الفعل معذور لا يستحق الذم والعقوبة ويقولون قد أكره على كذا وجبره السلطان عليه وكما أنهم مفطورون على هذا فهم مفطورون أيضا على ذم من فعل القبائح باختياره وشريعته سبحانه موافقة لفطرته في ذلك فمن سوى بين الأمرين فقد خرج عن موجب الشرع والعقل والفطرة التاسع أن من أمر غيره بمصلحة المأمور وما هو محتاج إليه ولا سعادة له ولا فلاح إلا به لا يقال جبره على ذلك وإنما يقال نصحه وأرشده ونفعه وهداه ونحو ذلك وقد لا يختار المأمور المنهي ذلك فيجبره الناصح له على ذلك من له ولاية الإجبار وهذا جبر الحق وهو جائز بل واقع في شرع الرب وقدره وحكمته ورحمته وإحسانه لا نمنع هذا الجبر العاشر أن الرب ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله فجعله العبد فاعلا لقدرته ومشيئته واختياره أمر يختص به تبارك وتعالى والمخلوق لا يقدر أن يجعل غيره فاعلا إلا بإكراهه له على ذلك فإن لم يكرهه لم يقدر على غير الدعاء والأمر بالفعل وذلك لا يصير العبد فاعلا فالمخلوق هو يجبر غيره على الفعل ويكرهه عليه فنسبه ذلك إلى الرب تشبيه له في أفعاله بالمخلوق الذي لا يجعل غيره فاعلا إلا بجبره له وإكراهه فكمال قدرته تعالى وكمال علمه وكمال مشيئته وكمال عدله وإحسانه وكمال غناه وكمال ملكه وكمال حجته على عبده تنفي الجبر. فصل: فالطوائف كلها متفقة على الكسب ومختلفون في حقيقته فقالت القدرية هو إحداث العبد لفعله بقدرته ومشيئته استقلالا وليس للرب صنع فيه ولا هو خالق فعله ولا مكونه ولا مريدا له وقالت الجبرية الكسب اقتران الفعل بالقدرة الحادثه من غير أن يكون لها فيه أمر وكلا الطائفتين فرق بين الخلق والكسب ثم اختلفوا فيما وقع به الفرق فقال الأشعري في عامة كتبه: quot;معنى الكسب أن يكون الفعل بقدرة محدثة فمن وقع منه الفعل بقدرة قديمة فهو فاعل خالق ومن وقع منه بقدرة محدثة فهو مكتسبquot; وقال قائلون من يفعل بغير آلة ولا جارحة فهو خالق ومن يحتاج في فعله إلى الآلات والجوارح فهو مكتسب وهذا قول الإسكافي وطوائف من المعتزلة قال واختلفوا هل يقال أن الإنسان فاعل على الحقيقة فقالت المعتزلة كلها إلا الناشئ: quot;أن الإنسان فاعل محدث ومخترع ومنشئ على الحقيقة دون المجازquot; وقال الناشئ: quot;الإنسان لا يفعل في الحقيقة ولا يحدث في الحقيقةquot; وكان يقول: quot;أن البارئ أحدث كسب الإنسان قال فلزمه محدث لا لمحدث في الحقيقة ومفعول لا لفاعل في الحقيقةquot; قلت وجه إلزامه ذلك أنه قد أعطى أن الإنسان غير فاعل(1\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "146",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11340",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لفعله وفعله مفعول وليس هو فعلا لله ولا فعلا للعبد فلزمه مفعول من غير فاعل ولعمر الله أن هذا الإلزام لازم لأبي الحسن وللجبرية فإن عندهم الإنسان ليس بفاعل حقيقة والفاعل هو الله وأفعال الإنسان قائمة لم تقم بالله فإذا لم يكن الإنسان فاعلها مع قيامها به فكيف يكون الله سبحانه هو فاعلها ولو كان فاعلها لعادت أحكامها عليه واشتقت له منها أسماء وذلك مستحيل على الله فيلزمك أن تكون أفعالا لا فاعل لها فإن العبد ليس بفاعل عندك ولو كان الرب فاعلا لها لاشتقت له منها أسماء وعاد حكمها عليه فإن قيل فما تقولون أنتم في هذا المقام قلنا لا نقول بواحد من القولين بل نقول هي أفعال للعباد حقيقة ومفعولة للرب فالفعل عندنا غير المفعول وهو إجماع من أهل السنة حكاه الحسين بن مسعود البغوي وغيره فالعبد فعلها حقيقة والله خالقه وخالق ما فعل به من القدرة والإرادة وخالق فاعليته وسر المسألة أن العبد فاعل منفعل باعتبارين هل هو منفعل في فاعليته فربه تعالى هو الذي جعله فاعلا بقدرته ومشيئته وأقدره على الفعل وأحدث له المشيئة التي يفعل بها قال الأشعري وكثير من أهل الإثبات يقولون: quot;أن الإنسان فاعل في الحقيقة بمعنى مكتسبquot; ويمنعون أنه محدث قلت هؤلاء وقفوا عند ألفاظ الكتاب والسنة فإنهما مملوآن من نسبة الأفعال إلى العبد باسمها العام وأسمائها الخاصة فالاسم العام كقوله تعالى: تعملون : تفعلون : تكسبون والأسماء الخاصة: يقيمون الصلاة : ويؤتون الزكاة : ويؤمنون : ويخافون : يتوبون : يجاهدون وأما لفظ الإحداث فلم يجيء إلا في الذم كقوله صلى الله عليه وسلم: quot;لعن الله من أحدث حدثا أو آوى محدثاquot; فهذا ليس بمعنى الفعل والكسب وكذلك قول عبد الله بن مغفل لابنه: quot;إياك والحدث في الإسلامquot; ولا يمتنع إطلاقه على فعل الخير مع التقييد قال بعض السلف: quot;إذا أحدث الله لك نعمة فأحدث لها شكرا وإذا أحدثت ذنبا فأحدث له توبةquot; ومنه قوله هل أحدثت توبة وأحدث للذنب استغفارا ولا يلزم من ذلك إطلاق اسم المحدث عليه والإحداث على فعله قال الأشعري وبلغني أن بعضهم أطلق في الإنسان أنه محدث في الحقيقة بمعنى مكتسب قلت ههنا ألفاظ وهي فاعل وعامل ومكتسب وكاسب وصانع ومحدث وجاعل ومؤثر ومنشئ وموجد وخالق وبارئ ومصور وقادر ومريد وهذه الألفاظ ثلاثة أقسام قسم لم يطلق إلا على الرب سبحانه كالبارئ والبديع والمبدع وقسم لا يطلق إلا على العبد كالكاسب والمكتسب وقسم وقع إطلاقه على الرب والعبد كاسم صانع وفاعل وعامل ومنشئ ومريد وقادر وأما الخالق والمصور فإن استعملا مطلقين غير مقيدين لم يطلقا إلا على الرب كقوله الخالق البارئ المصور وإن استعملا مقيدين أطلقا على العبد كما يقال لمن قدر شيئا في نفيه أنه خلقه قال: ولأنت تفري ما خلقت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفر أي لك قدرة تمضي وتنفذ بها ما قدرته في نفسك وغيرك يقدر أشياء وهو عاجز عن إنفاذها وإمضائها وبهذا الاعتبار صح إطلاق خالق على العبد في قوله تعالى: فتبارك الله أحسن الخالقين أي أحسن المصورين والمقدرين والعرب تقول قدرت الأديم وخلقته إذا قسته لتقطع منه مزادة أو قربة ونحوها قال مجاهد: quot;يصنعون ويصنع الله والله خير الصانعينquot; وقال الليث: quot;رجل خالق أي صانع وهن الخالقات للنساءquot; وقال مقاتل: quot;يقول تعالى هو أحسن خلقا من الذين يخلقون التماثيل وغيرها التي لا يتحرك منها شيء وأما البارئ فلا يصح إطلاقه إلا عليه سبحانه فإنه الذي برأ الخليقة وأوجدها بعد عدمها(1\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "147",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11341",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعبد لا تتعلق قدرته بذلك إذ غاية مقدوره التصرف في بعض صفات ما أوجده الرب تعالى وبراه وتغييرها من حال إلى حال على وجه مخصوص لا تتعداه قدرته ليس من هذا بريت القلم لأنه معتل لا مهموز ولا برأت من المرض لأنه فعل لازم غير متعد وكذلك مبدع الشيء وبديعه لا يصح إطلاقه إلا على الرب كقوله: بديع السماوات والأرض والإبداع إيجاد المبدع على غير مثال سبق والعبد يسمى مبتدعا لكونه أحدث قولا لم تمض به سنة ثم يقال لمن اتبعه عليه مبتدع أيضا وأما لفظ الموجد فلم يقع في أسمائه سبحانه وإن كان هو الموجد على الحقيقة ووقع في أسمائه الواجد وهو بمعنى الغنى الذي له الوجد وأما الموجد فهو مفعل من أوجد وله معنيان أحدهما: أن يجعل الشيء موجودا وهو تعدية وجده وأوجده قال الجوهري: quot;وجد الشيء عن عدم فهو موجد مثل حم فهو محمومquot; وأوجده الله ولا يقال وجدوه والمعنى الثاني: أوجده جعل له جدة وغنى وهذا يتعدى إلى مفعولين قال في الصحاح: quot;أوجده الله مطلوبه أي أظفره به وأوجده أي أغناهquot; قلت وهذا يحتمل أمرين أحدهما: أن يكون من باب حذف أحد المفعولين أي أوجده مالا وغنى وأن يكون من باب صيره واجدا مثل أغناه وأفقره إذا صيره غنيا وفقيرا فعلى التقدير الأول يكون تعديه وجد مالا وغنى وأوجده الله إياه وعلى الثاني يكون تعديه وجد وجدا إذا استغنى ومصدر هذا الوجد بالضم والفتح والكسر قال تعالى: أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم فغير ممتنع أن يطلق على من يفعل بالقدرة المحدثة أنه أوجد مقدوره كما يطلق عليه أنه فعله وعمله وصنعه وأحدثه لا على سبيل الاستقلال وكذلك لفظ المؤثر لم يرد إطلاقه في أسماء الرب وقد وقع إطلاق الأثر والتأثير! على فعل العبد قال تعالى: إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم قال ابن عباس: quot;ما أثروا من خير أو شر فسمى ذلك آثارا لحصوله بتأثيرهمquot; ومن العجب أن المتكلمين يمتنعون من إطلاق التأثير والمؤثر على من أطلق عليه في القرآن والسنة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لبني سلمة: quot;دياركم تكتب آثاركمquot; أي الزموا دياركم ويخصونه بمن لم يقع إطلاقه عليه في كتاب ولا سنة وإن استعمل في حقه الإيثار والاستئثار كما قال أخو يوسف: تالله لقد آثرك الله علينا وفي الأثر: quot;إذا استأثر الله بشيء فاله عنهquot; وقال الناظم: استأثر الله بالثناء وبالحمد ... وولى الملامة الرجلا ولما كان التأثير تفعيلا من أثرت في كذا تأثير فأنا مؤثر لم يمتنع إطلاقه على العبد قال في الصحاح التأثير إبقاء الأثر في الشيء وأما لفظ الصانع فلم يرد في أسماء الرب سبحانه ولا يمكن ورودها فإن الصانع من صنع شيئا عدلا كان أو ظلما سفها أو حكمة جائزا أو غير جائز وما انقسم مسماه إلى مدح وذم لم يجئ اسمه المطلق في الأسماء الحسنى كالفاعل والعامل والصانع والمريد والمتكلم لانقسام معاني هذه الأسماء إلى محمود ومذموم بخلاف العالم والقادر والحي والسميع والبصير وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم العبد صانعا قال البخاري حدثنا علي بن عبد الله ثنا مروان بن معاوية ثنا أبو مالك عن ربعي بن خراش عن حذيفة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;إن الله يصنع كل صانع وصنعتهquot; وقد أطلق سبحانه على فعله اسم الصنع فقال: صنع الله الذي أتقن كل شيء وهو منصوب على المصدر لأن قوله تعالى: وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب يدل على الصنعة وقيل هو نصب على المفعولية أي انظروا صنع الله فعلى الأول يكون صنع الله مصدرا بمعنى الفعل وعلى الثاني يكون(1\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "148",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11342",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بمعنى المصنوع المفعول فإنه الذي يمكن وقوع النظر والرؤية عليه وأما الإنشاء فإنما وقع إطلاقه عليه سبحانه فعلا كقوله: وينشئ السحاب الثقال وقوله: فأنشأنا لكم به جنات وقوله: وننشئكم في ما لا تعلمون وهو كثير ولم يرد لفظ المنشئ وأما العبد فيطلق عليه الإنشاء باعتبار آخر وهو شروعه في الفعل وابتداؤه له يقول أنشأ يحدثنا وأنشأ السير فهو منشأ لذلك وهذا إنشاء مقيد وإنشاء الرب إنشاء مطلق وهذه اللفظة تدور على معنى الابتداء أنشأه الله أي ابتدأ خلقه وأنشأ يفعل كذا ابتداء وفلان ينشئ الأحاديث أي يبتدئ وضعها والناشئ أول ما ينشأ من السحاب قال الجوهري: quot;وناشئة الليل أول ساعاتهquot; قلت هذا قد قاله غير واحد من السلف إن ناشئة الليل أوله التي منها ينشأ الليل والصحيح أنها لا تختص بالساعة الأولى بل هي ساعاته ناشئة بعد ناشئة كلما انقضت ساعة نشأت بعدها أخرى وقال أبو عبيدة: quot;ناشئة الليل ساعاته وآناؤه ناشئة بعد ناشئةquot; قال الزجاج: quot;ناشئة الليل كلما نشأ منه أي حدث منه فهو ناشئةquot; قال ابن قتيبة: quot;هي آناء الليل وساعاتهquot; مأخوذة من نشأت تنشأ نشأ أي ابتدأت وأقبلت شيئا بعد شيء وأنشأها الله فنشأت والمعنى أن ساعات الليل الناشئة وقول صاحب الصحاح منقول عن كثير من السلف قال علي بن الحسين: quot;ناشئة الليل ما بين المغرب إلى العشاءquot; وهذا قول أنس وثابت وسعيد بن جبير والضحاك والحكم واختيار الكسائي قالوا: quot;ناشئة الليل أولهquot; وهؤلاء راعوا معنى الأولية في الناشة وفيها قول ثالث أن الليل كله ناشئة وهذا قول عكرمة وأبي مجلز ومجاهد والسدي وابن الزبير وابن عباس في رواية قال ابن أبي مليكة سألت ابن الزبير وابن عباس عن ناشئة الليل فقالا: quot;الليل كله ناشئةquot; فهذه أقوال من جعل ناشئة الليل زمانا وأما من جعلها فعلا ينشأ بالليل فالناشئة عندهم اسم لما يفعل بالليل من القيام وهذا قول ابن مسعود ومعاوية بن قرة وجماعة قالوا: quot;ناشئة الليل قيام الليلquot; وقال آخرون منهم عائشة إنما يكون القيام ناشئة إذا تقدمه نوم قالت عائشة: quot;ناشئة الليل القيام بعد النومquot; وهذا قول ابن الأعرابي قال: quot;إذا نمت من أول الليل نومة ثم قمت فتلك النشأةquot; ومنه ناشئة الليل فعلى قول الأولين ناشئة الليل بمعنى من إضافة نوع إلى جنسه أي ناشئة منه وعلى قول هؤلاء إضافة بمعنى في أي طاعة ناشئة فيه والمقصود أن الإنشاء ابتداء سواء تقدمه مثله كالنشأة الثانية أو لم يتقدمه كالنشأة الأولى وأما الجعل فقد أطلق على الله سبحانه بمعنيين أحدهما: الإيجاد والخلق والثاني: التصيير فالأول يتعدى إلى مفعول كقوله وجعلنا الظلمات والنور والثاني: أكثر ما يتعدى إلى مفعولين كقوله: إنا جعلناه قرآنا عربيا وأطلق على العبد بالمعنى الثاني خاصة كقوله: وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا وغالب ما يستعمل في حق العبد في جعل التسمية والاعتقاد حيث لا يكون له صنع في المجعول كقوله: وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا وقوله: قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا وهذا يتعدى إلى واحد وهو جعل اعتقاد وتسمية وأما الفعل والعمل فإطلاقه على العبد كثير: لبئس ما كانوا يفعلون : لبئس ما كانوا يعملون : بما كنتم تعملون وأطلقه على نفسه فعلا واسما فالأول كقوله: ويفعل الله ما يشاء والثاني كقوله: فعال لما يريد وقوله: وكنا فاعلين في موضعين من كتابه أحدهما قوله: وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين والثاني قوله: يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين فتأمل قوله كنا فاعلين في هذين الموضعين(1\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "149",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11343",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المتضمن للصنع العجيب الخارج عن العادة كيف تجده كالدليل على ما أخبر به وأنه لا يستعصي على الفاعل حقيقة أي شأننا الفعل كما لا يخفى الجهر والإسرار بالقول على من شأنه العلم والخبرة ولا تصعب المغفرة على من شأنه أن يغفر الذنوب ولا الرزق على من شأنه أن يرزق العباد وقد وقع الزجاج على هذا المعنى بعينه فقال: quot;وكنا فاعلين قادرين على فعل ما نشاءquot;.(1\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "150",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11344",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "الباب الثامن عشر: في فعل وافعل في القضاء والقدر والكسب وذكر الفعل والانفعال",
        "content": "الباب الثامن عشر: في فعل وافعل في القضاء والقدر والكسب وذكر الفعل والانفعال ينبغي الاعتناء بكشف هذا الباب وتحقيق معناه فبذلك ينحل عن العبد أنواع من ضلالات القدرية والجبرية حيث لم يعطوا هذا الباب حقه من العرفان اعلم أن الرب سبحانه فاعل غير منفعل والعبد فاعل منفعل وهو في فاعليته منفعل للفاعل الذي لا ينفعل بوجه فالجبرية شهدت كونه منفعلا يجري عليه الحكم بمنزلة الآلة والمحل وجعلوا حركته بمنزلة حركات الأشجار ولم يجعلوه فاعلا إلا على سبيل المجاز فقام وقعد وأكل وشرب وصلى وصام عندهم بمنزلة مرض وألم ومات ونحو ذلك مما هو فيه منفعل محض والقدرية شهدت كونه فاعلا محضا غير منفعل في فعله وكل من الطائفتين نظر بعين عوراء وأهل العلم والاعتدال أعطوا كلا المقامين حقه ولم يبطلوا أحد الأمرين بالآخر فاستقام لهم نظرهم ومناظرتهم واستقر عندهم الشرع والقدر في نصابه ومهدوا وقوع الثواب والعقاب على من هو أولى به فأثبتوا نطق العبد حقيقة وإنطاق الله له حقيقة قال تعالى: وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء فالإنطاق فعل الله الذي لا يجوز تعطيله والنطق فعل العبد الذي لا يمكن إنكاره كما قال تعالى: فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون فعلم أن كونهم ينطقون هو أمر حقيقي حتى شبه به في تحقيق كون ما أخبر به وأن هذا حقيقة لا مجاز ومن جعل إضافة نطق العبد إليه مجازا لم يكن ناطقا عنده حقيقه فلا يكون التشبيه بنطقه محققا لما أخبر به فتأمله ونظير هذا قوله تعالى: وأنه هو أضحك وأبكى فهو المضحك المبكي حقيقة والعبد الضاحك الباكي حقيقة كما قال تعالى: فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا وقال: أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون فلولا المنطق الذي أنطق والمضحك المبكي الذي أضحك وأبكى لم يوجد ناطق ولا ضاحك ولا باك فإذا أحب عبدا أنطقه بما يحب وأثابه عليه وإذا أبغضه أنطقه بما يكرهه فعاقبه عليه وهو الذي أنطق هذا وهذا وأجرى ما يحب على لسان هذا وما يكره على لسان هذا كما أنه أجرى على قلب هذا ما أضحكه وعلى قلب هذا ما أبكاه وكذلك قوله تعالى: هو الذي يسيركم في البر والبحر وقوله: قل سيروا في الأرض فالتسيير فعله حقيقة والسير فعل العبد حقيقة فالتسيير فعل محض والسير فعل وانفعال ومن هذا قوله تعالى: فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها فهو سبحانه المزوج ورسوله المتزوج وكذلك قوله: وزوجناهم بحور عين فهو المزوج وهم المتزوجون وقد جمع سبحانه بين الأمرين في قوله: فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم فالإزاغة فعله والزيغ فعلهم فإن قيل أنتم قررتم أنه لم يقع منهم الفعل إلا بعد فعله وأنه لولا إنطاقه لهم وإضحاكه وإبكاؤه لما نطقوا ولا ضحكوا ولا بكوا وقد دلت هذه الآية على أن فعله بعد فعلهم وأنه أزاغ قلوبهم بعد أن(1\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "151",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11345",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "زاغوا وهذا يدل على أن إزاغة قلوبهم هو حكمه عليها بالزيغ لا جعلها زائغة وكذلك قوله أنطقنا الله المراد جعل لنا آلة النطق وأضحك وأبكى جعل لهم آلة الضحك والبكاء قيل أما الإزاغة المترتبة على زيغهم فهي إزاغة أخرى غير الإزاغة التي زاغوا بها أولا عقوبة لهم على زيغهم والرب تعالى يعاقب على السيئة بمثلها كما يثيب على الحسنة بمثلها فحدث لهم زيغ آخر غير الزيغ الأول فهم زاغوا أولا فجازاهم الله بإزاغة فوق زيغهم فإن قيل فالزيغ الأول من فعلهم وهو مخلوق لله فيهم على غير وجه الجزاء وإلا تسلسل الأمر قيل بل الزيغ الأول وقع جزاء لهم وعقوبة على تركهم الإيمان والتصديق لما جاءهم من الهدى وهذا الترك أمر عدمي لا يستدعي فاعلا فإن تأثير الفاعل إنما هو في الوجود لا في العدم فإن قيل فهذا الترك العدمي له سبب أو لا سبب له قيل سببه عدم سبب ضده فبقي على العدم الأصلي ويشبه هذا قوله: ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم عاقبهم على نسيانهم له بأن أنساهم أنفسهم فنسوا مصالحها أن يفعلوها وعيوبها أن يصلحوها وحظوظها أن يتناولوها ومن أعظم مصالحها وأنفع حظوظها ذكرها لربها وفاطرها وهي لا نعيم لها ولا سرور ولا فلاح ولا صلاح إلا بذكره وحبه وطاعته والإقبال عليه والإعراض عما سواه فأنساهم ذلك لما نسوه وأحدث لهم هذا النسيان نسيانا آخر وهذا ضد حال الذين ذكروه ولم ينسوه فذكرهم مصالح نفوسهم ففعلوها وأوقفهم على عيوبها فأصلحوها وعرفهم حظوظها العالية فبادروا إليها فجازى أولئك على نسيانهم بأن أنساهم الإيمان ومحبته وذكره وشكره فلما خلت قلوبهم من ذلك لم يجدوا عن ضده محيصا وهذا يبين لك كمال عدله سبحانه في تقدير الكفر والذنوب عليها وإذا كان قضاؤه عليها بالكفر والذنوب عدلا منه عليها فقضاؤه عليها بالعقوبة أعدل وأعدل فهو سبحانه ماض في عبده حكمه عدل فيه قضاؤه وله فيها قضاآن قضاء السبب وقضاء المسبب وكلاهما عدل فيه فإنه لما ترك ذكره وترك فعل ما يحبه عاقبه بنسيان نفسه فأحدث له هذا النسيان ارتكاب ما يبغضه ويسخطه بقضائه الذي هو عدل فترتب له على هذا الفعل والترك عقوبات وآلام لم يكن له منها بد بل هي مترتبة عليه ترتب المسببات على أسبابها فهو عدل محض من الرب تعالى فعدل في العبد أولا وآخرا فهو محسن في عدله محبوب عليه محمود فيه يحمده من عدل فيه طوعا وكرها قال الحسن: quot;لقد دخلوا النار وإن حمده لفي قلوبهم ما وجدوا عليه سبيلاquot; وستزيد هذا الموضع بسطا وبيانا في باب دخول الشر في القضاء الإلهي إن شاء الله إذ المقصود ههنا بيان كون العبد فاعلا منفعلا والفرق في هذا الباب بين فعل وافعل وأن الله سبحانه أفعل والعبد فعل فهو الذي أقام العبد وأضله وأماته والعبد هو الذي قام وضل ومات وأما قولكم أن معنى أنطقه وأضحكه وأبكاه جعل له آلة ينطق بها ويضحك ويبكي فإعطاؤه الآلة وحدها لا يكفي في صدق الفعل بأنه أنطقه وأضحكه فلو أن رجلا صمت يوما كاملا فحلف حالف أن الله أنطقه لكان كاذبا حانثا ولو دعوت كافرين إلى الإسلام فنطق أحدهما بكلمة الشهادة وسكت الآخر لم يقل أحد قط إن الله قد أنطق الساكت كما أنطق المتكلم وكلاهما قد أعطى آلة النطق ومتعلق الأمر والنهي والثواب والعقاب الفعل لا الأفعال فإن قيل هل تطردون هذا في جميع أفعال العبد من كفره وزناه وسرقته فتقولون أن الله أفعله وهو الذي فعل أو تخصون ذلك ببعض الأفعال فيظهر تناقضكم قيل ههنا أمران أمر لغوي وأمر معنوي فأما اللغوي فإن ذلك لا يطرد في لغة(1\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "152",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11346",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العرب لا يقولون أزنى الله الرجل وأسرقه وأشربه وأقتله إذا جعله يزني ويسرق ويشرب ويقتل وإن كان في لغتها أقامه وأقعده وأنطقه وأضحكه وأبكاه وأضله وقد يأتي هذا مضاعفا كفهمه وعلمه وسيره وقال تعالى: ففهمناها سليمان فالتفهيم منه سبحانه والفهم من نبيه سليمان وكذلك قوله: وعلمناه من لدنا علما فالتعليم منه سبحانه وكذلك التسيير والسير والتعلم من العبد فهذا المعنى ثابت في جميع الأفعال فهو سبحانه هو الذي جعل العبد فاعلا كما قال: وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا : وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار فهو سبحانه الذي جعل أئمة الهدى يهدون بأمره وجعل أئمة الضلال والبدع يدعون إلى النار فامتناع إطلاق أكلمه فتكلم لا يمنع من إطلاق أنطقه فنطق وكذلك امتناع إطلاق أهداه بأمره وادعاه إلى النار لا يمنع من إطلاق جعله يهدي بأمره ويدعو إلى النار فإن قيل ومع ذلك كله هل تقولون أن الله سبحانه هو الذي جعل الزانيين يزنيان وهو الذي جمع بينهما على الفعل وساق أحدهما إلى صاحبه قيل أصل بلاء أكثر الناس من جهة الألفاظ المجملة التي تشتمل على حق وباطل فيطلقها من يريد حقها فينكرها من يريد باطلها فيرد عليه من يريد حقها وهذا باب إذا تأمله الذكي الفطن رأى منه عجائب وخلصه من ورطات تورط فيها أكثر الطوائف فالجعل المضاف إلى الله سبحانه يراد به الجعل الذي يحبه ويرضاه والجعل الذي قدره وقضاه قال الله: ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام فهذا نفي لجعله الشرعي الديني أي ما شرع ذلك ولا أمر به ولا أحبه ورضيه وقال تعالى: وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار فهذا جعل كوني قدري أي قدرنا ذلك وقضيناه وجعل العبد إماما يدعو إلى النار أبلغ من جعله يزني ويسرق ويقتل وجعله كذلك أيضا لفظ مجمل يراد به أنه جبره وأكرهه عليه واضطره إليه وهذا محال في حق الرب تعالى وكماله المقدس يأبى ذلك وصفات كماله تمنع منه كما تقدم ويراد به أنه مكنه من ذلك وأقدره عليه من غير أن يضطره إليه ولا أكرهه ولا أجبره فهذا حقفإن قيل هذا كله عدول عن المقصود فمن أحدث معصية وأوجدها وأبرزها من العدم إلى الوجود قيل الفاعل لها هو الذي أوجدها وأحدثها وأبرزها من العدم إلى الوجود بأقدار الله له على ذلك وتمكينه منه من غير إلجاء له ولا اضطرار منه إلى فعلها فإن قيل فمن الذي خلقها إذا قيل لكم ومن الذي فعلها فإن قلتم الرب سبحانه هو الفاعل للفسوق والعصيان أكذبكم العقل والفطرة وكتب الله المنزلة وإجماع رسله وإثبات حمده وصفات كماله فإن فعله سبحانه كله خير وتعالى أن يفعل شرا بوجه من الوجوه فالشر ليس إليه والخير هو الذي إليه ولا يفعل إلا خيرا ولا يريد إلا خيرا ولو شاء لفعل غير ذلك ولكنه تعالى تنزه عن فعل مالا ينبغي وإرادته ومشيئته كما هو منزه عن الوصف به والتسمية به وإن قلتم العبد هو الذي فعلها بما خلق فيه من الإرادة والمشيئة قيل فالله سبحانه خالق أفعال العباد كلها بهذا الاعتبار ولو سلك الجبري مع القدري هذا المسلك لاستراح معه وأراحه وكذلك القدري معه ولكن انحرف الفريقان عن سواء السبيل كما قال: سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب فإن قيل فهل يمكنه الامتناع منها وقد خلقت فيه نفسها أو أسبابها الموجبة لها وخلق السبب الموجب خلق لمسببه وموجبه قيل هذا السؤال يورد على وجهين أحدهما أن يراد به أنه يصير مضطرا إليها(1\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "153",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11347",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ملجأ إلى فعلها بخلقها أو خلق أسبابها بحيث لا يبقى له اختيار في نفسه ولا إرادة وتبقى حركته قسرية لا إرادية الثاني أنه هل لاختياره وإرادته وقدرته تأثير فيها أو التأثير لقدرة الرب ومشيئته فقط وذلك هو السبب الموجب للفعل فإن أوردتموه على الوجه الأول فجوابه أنه يمكنه أن يفعل وأن لا يفعل ولا يصير مضطرا ملجأ بخلقها فيه ولا بخلق أسبابها ودواعيها فإنها إنما خلقت فيه على وجه يمكنه فعلها وتركها ولو لم يمكنه الترك لزم اجتماع النقيضين وأن يكون مريدا غير مريد فاعلا غير فاعل ملجأ غير ملجأ وأن أوردتموه على الوجه الثاني فجوابه أن لإرادته واختياره وقدرته أثرا فيها وهي السبب الذي خلقها الله به في العبد فقولكم أنه لا يمكنه الترك مع الاعتراف بكونه متمكنا من الفعل جمع بين النقيضين فإنه إذا تمكن من الفعل كان الفعل اختياريا إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله فكيف يصح أن يقال لا يمكنه ترك الفعل الاختياري الممكن هذا خلف من القول وحقيقة الأمر أنه يمكنه الترك لو أراده لكنه لا يريده فصار لازما بالإرادة الجازمة فإن قيل فهذا يكفي في كونه مجبورا عليه قيل هذا من أدل شيء على بطلان الجبر فإنه إنما لزم بإرادته المنافية للجبر ولو كان وجوب الفعل بالإرادة يقتضي الجبر لكان الرب تعالى وتقدس مجبورا على أفعاله لوجوبها بإرادته ومشيئته وذلك محال فإن قيل الفرق أن إرادة الرب تعالى من نفسه لم يجعله غيره مريدا والعبد إرادته من ربه إذ هي مخلوقة له فإنه هو الذي جعله مريدا قيل هذا موضع اضطرب فيه الناس فسلكت فيه القدرية واديا وسلكت الجبرية واديا فقالت القدرية العبد هو الذي يحدث إرادته وليست مخلوقة لله والله مكنه من إحداث إرادته بأن خلقه كذلك وقالت الجبرية بل الله هو الذي يحدث إرادات العبد شيئا بعد شيء فإحداث الإرادات فيه كإحداث لونه وطوله وقصره وسواده وبياضه مما لا صنع له فيه البتة فلو أراد أن لا يريد لما أمكنه ذلك وكان كما لو أراد أن يكون طوله وقصره ولونه على غير ما هو عليه فهو مضطر إلى الإرادة وكل إرادة من إراداته فهي متوقفة على مشيئة الرب لها بخصوصها فهي مرادة له سبحانه كما هي معلومة مقدورة فلزمهم القول بالجبر من هذه الجهة ومن جهة تفيهم أن يكون لإرادة العبد وقدرته أثر في الفعل فإن قيل فأي واد تسلكونه غير هذين الواديين وأي طريق تمرون فيها سوى هذين الطريقين قيل نعم ههنا طريقة ثالثة لم يسلكها الفريقان ولم يهتد إليها الطائفتان ولو حكمت كل طائفة ما معها من الحق والتزمت لوازمه وطردته لساقها إلى هذه الطريق ولأوقعها على المحجة المستقيمة فنقول وبالله التوفيق وهو المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العبد بجملته مخلوق لله جسمه وروحه وصفاته وأفعاله وأحواله فهو مخلوق من جميع الوجوه وخلق على نشأة وصفة يتمكن بها من إحداث إرادته وأفعاله وتلك النشأة بمشيئة الله وقدرته وتكوينه فهو الذي خلقه وكونه كذلك وهو لم يجعل نفسه كذلك بل خالقه وباريه جعله محدثا لإرادته وأفعاله وبذلك أمره ونهاه وأقام عليه حجته وعرضه للثواب والعقاب فأمره بما هو متمكن من إحداثه ونهاه عما هو متمكن من تركه ورتب ثوابه وعقابه على هذه الأفعال والتروك التي مكنه منها وأقدره عليها وناطها به وفطر خلقه على مدحه وذمه عليها مؤمنهم وكافرهم المقر بالشرائع منهم والجاحد لها فكان مريدا شائيا بمشيئة الله له ولولا مشيئة الله أن يكون شائيا لكان أعجز وأضعف من أن يجعل نفسه شائيا فالرب سبحانه أعطاه مشيئة وقدره وإرادة وعرفه ما ينفعه وما يضره وأمره أن يجري مشيئته وإرادته(1\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "154",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11348",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقدرته في الطريق التي يصل بها إلى غاية صلاحه فإجراؤها في طريق هلاكه بمنزلة من أعطى عبده فرسا يركبها وأوقفه على طريق نجاة وهلكة وقال أجرها في هذه الطريق فعدل بها إلى الطريق الأخرى وأجراها فيها فغلبته بقوة رأسها وشدة سيرها وعز عليه ردها عن جهة جريها وحيل بينه وبين إدارتها إلى ورائها مع اختيارها وإرادتها فلو قلت كان ردها عن طريقها ممكنا له مقدورا أصبت وإن قلت لم يبق في هذه الحال بيده من أمرها شيء ولا هو متمكن أصبت بل قد حال بينه وبين ردها من يحول بين المرء وقلبه ومن يقلب أفئدة المعاندين وأبصارهم وإذا أردت فهم هذا على الحقيقة فتأمل حال من عرضت له سورة بارعة الجمال فدعاه حسنها إلى محبتها فنهاه عقله وذكره ما في ذلك من التلف والعطب وأراه مصارع العشاق عن يمينه وعن شماله ومن بين يديه ومن خلفه فعاد يعاود النظر مرة مرة ويحث نفسه على التعلق وقوة الإرادة ويحرض على أسباب المحبة ويدني الوقود من النار حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها ورمت بشررها وقد أحاطت به طلب الخلاص قال له القلب هيهات لات حين مناص وأنشده: تولع بالعشق حتى عشق ... فلما استقل به لم يطق رأى لجة ظنها موجة ... فلما تمكن منها غرق فكان الترك أولا مقدورا له لما لم يوجد السبب التام والإرادة الحازمة الموجبة للفعل فلما تمكن الداعي واستحكمت الإرادة قال المحب لعاذله: يا عاذلي والأمر في يده ... هلا عذلت وفي يدي الأمر فكان أول الأمر إرادة واختيار ومحبة ووسطه اضطرارا وآخره عقوبة وبلاء ومثل هذا برجل ركب فرسا لا يملكه راكبه ولا يتمكن من رده وأجراه في طريق ينتهي به إلى موضع هلاك فكان الأمر إليه قبل ركوبها فلما توسطت به الميدان خرج الأمر عن يده فلما وصلت به إلى الغاية حصل على الهلاك ويشبه هذا حال السكران الذي قد زال عقله إذا جني عليه في حال سكره لم يكن معذورا لتعاطيه السبب اختيارا فلم يكن معذورا بما ترتب عليه اضطرارا وهذا مأخذ من أوقع طلاقه من الأئمة ولهذا قالوا إذا زال عقله بسبب يعذر فيه لم يقع طلاقه فجعلوا وقوع الطلاق عليه من تمام عقوبته والذين لو يوقعوا الطلاق قولهم أفقه كما أفتى به عثمان بن عفان ولم يعلم له في الصحابة مخالف ورجع عليه الإمام أحمد واستقر عليه قوله فإن الطلاق ما كان عن وطر والسكران لا وطر له في الطلاق وقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بعدم عدم الطلاق في حال الغلق والسكر من الغلق كما أن الإكراه والجنون من الغلق بل قد نص الإمام أحمد وأبو عبيد وأبو داود على أن الغضب إغلاق وفسر به الإمام أحمد الحديث في رواية أبي طالب وهذا يدل على أن مذهبه أن طلاق الغضبان لا يقع وهذا هو الصحيح الذي يفتى به إذا كان الغضب شديدا قد أغلق عليه قصده فإنه يصير بمنزلة السكران والمكره بل قد يكونان أحسن حالا منه فإن العبد في حال شدة غضبه يصدر منه ما لا يصدر من السكران من الأقوال والأفعال وقد أخبر الله سبحانه أنه لا يجيب دعاءه على نفسه وولده في هذا الحال ولو أجابه لقضى إليه أجله وقد عذر سبحانه من اشتد به الفرح بوجود راحلته في الأرض المهلكة بعدما يأس منها فقال اللهم أنت عبدي وأنا ربك ولم يجعله بذلك كافرا لأنه أخطأ بهذا القول من شدة الفرح فكمال(1\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "155",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11349",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رحمته وإحسانه وجوده يقتضي أن لا يؤاخذ من اشتد غضبه بدعائه على نفسه وأهله وولده ولا بطلاقه لزوجته وأما إذا زال عقله بالغضب فلم يعقل ما يقول فإن الأمة متفقة على أنه لا يقع طلاقه ولا عتقه ولا يكفر بما يجري على لسانه من كلمة الكفر(1\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "156",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11350",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "الباب التاسع عشر: في ذكر مناظرة جرت بين جبري وسني جمعهما مجلس مذاكرة",
        "content": "الباب التاسع عشر: في ذكر مناظرة جرت بين جبري وسني جمعهما مجلس مذاكرة قال الجبري: القول بالجبر لازم لصحة التوحيد ولا يستقيم التوحيد إلا به لأنا إن لم نقل بالجبر أثبتنا فاعلا للحوادث مع الله إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل وهذا شرك ظاهر لا يخلص منه إلا القول بالجبر قال السني: بل القول بالجبر مناف للتوحيد ومع منافاته للتوحيد فهو مناف للشرائع ودعوة الرسل والثواب والعقاب فلو صح الجبر لبطلت الشرائع وبطل الأمر والنهي ويلزم من بطلان ذلك بطلان الثواب والعقاب قال الجبري: ليس من العجب دعواك منافاة الجبر للأمر والنهي والثواب والعقاب فإن هذا لم يزل يقال وإنما العجب دعواك منافاته للتوحيد وهو من أقوى أدلة التوحيد فكيف يكون المصور للشيء المقوي له منافيا له قال السني: منافاته للتوحيد من أظهر الأمور ولعلها أطهر من منافاته الأمر والنهي وبيان ذلك أن أصل عقد التوحيد وإثباته هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والجبر ينافي الكلمتين فإن الإله هو المستحق لصفات الكمال المنعوت بنعوت الجلال وهو الذي تألهه القلوب وتصمد إليه بالحب والخوف والرجاء فالتوحيد الذي جاءت به الرسل هو إفراد الرب بالتأله الذي هو كمال الذل والخضوع والانقياد له مع كمال المحبة والإثابة وبذل الجهد في طاعته ومرضاته وإيثار محابه ومراده الديني على محبة العبد ومراده فهذا أصل دعوة الرسل وإليه دعوا الأمم وهو التوحيد الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه لا من الأولين ولا من الآخرين وهو الذي أمر به رسله وأنزل به كتبه ودعا إليه عباده ووضع لهم دار الثواب والعقاب لأجله وشرع الشرائع لتكميله وتحصيله وكان من قولك أيها الجبري أن العبد لا قدرة له على هذا البتة ولا أثر له فيه ولا هو فعله وأمره بهذا أمر له بما لا يطيق بل أمر له بإيجاد فعل الرب وأن الرب سبحانه أمره بذلك وأجبره على ضده وحال بينه وبين ما أمره به ومنعه منه وصده عنه ولم يجعل له إليه سبيلا بوجه من الوجوه مع قولك أنه لا يحب ولا يحب فلا تتألهه القلوب بالمحبة والود والشوق والطلب وإرادة وجهه والتوحيد معنى ينتظم من إثبات الإلهية واثبات العبودية فرفعت معنى الإلهية بإنكار كونه محبوبا مودودا تتنافس القلوب في محبته وإرادة وجهه والشوق إلى لقائه ورفعت حقيقة العبودية بإنكار كون العبد فاعلا وعابدا ومحبا فإن هذا كله مجاز لا حقيقة له عندك فضاع التوحيد بين الجبر وإنكار محبته وإرادة وجهه لا سيما والوصف الذي وصفته به منفر للقلوب عنه حائل بينها وبين محبته فإنك وصفته بأنه يأمر عبده بما لا قدرة له على فعله وينهاه عما لا يقدر على تركه بل يأمره بفعله هو سبحانه وينهاه عن فعله هو سبحانه ثم يعاقبه أشد العقوبة على ما لم يفعله البتة بل يعاقبه على أفعاله هو سبحانه وصرحت بأن عقوبته على ترك ما أمره وفعل ما نهاه بمنزلة عقوبته على ترك طيرانه إلى السماء وترك تحويله للجبال عن أماكنها ونقله مياه البحار عن مواضعها وبمنزلة عقوبته له على ما لا صنع له فيه من لونه وطوله وقصره وصرحت بأنه يجوز عليه أن يعذب أشد العذاب لمن لم يعصه طرفة عين وأن حكمته ورحمته(1\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "157",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11351",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا تمنع ذلك بل هو جائز عليه ولولا خبره عن نفسه بأنه لا يفعل ذلك لم ننزهه عنه وقلت أن تكليفه عباده بما كلفهم بمنزلة تكليف الأعمى للكتابة والزمن للطيران فبغضت الرب إلى من دعوته إلى هذا الاعتقاد ونفرته عنه وزعمت أنك تقرر بذلك توحيده وقد قلعت شجرة التوحيد من أصلها وأما منافاة الجبر للشرائع فأمر ظاهر لا خفاء به فإن مبنى الشرائع على الأمر والنهي وأمر الآمر لغيره بفعل نفسه لا بفعل المأمور ونهيه عن فعله لا فعل المنهي عبث ظاهر فإن متعلق الأمر والنهي فعل العبد وطاعته ومعصيته فمن لا فعل له كيف يتصور أن يوقعه بطاعة أو معصية وإذا ارتفعت حقيقة الطاعة والمعصية ارتفعت حقيقة الثواب والعقاب وكان ما يفعله الله بعباده يوم القيامة من النعيم والعذاب أحكاما جارية بمحض المشيئة والقدرة لا أنها بأسباب طاعاتهم ومعاصيهم بل ههنا أمر آخر وهو أن الجبر مناف للخلق كما هو مناف للأمر فإن الله سبحانه له الخلق والأمر وما قامت السماوات إلا بعدله فالخلق قام بعدله وبعدله ظهر كما أن الأمر بعدله وبعدله وجد فالعدل سبب وجود الخلق والأمر وغايته فهو علية الفاعلية الغائية والجبر لا يجامع العدل ولا يجامع الشرع والتوحيد قال الجبري: لقد نطقت أيها السني بعظيم وفهمت بكبير وناقضت بين متوافقين وخالفت بين متلازمين فإن أدلة العقول والشرع المنقول قائمة على الجبر وما دل عليه العقل والنقل كيف ينافي موجب العقل والشرع فاسمع الآن الدليل الباهر والبرهان القاهر على الجبر ثم نتبعه بأمثال فنقول صدور الفعل عند حصول القدرة والداعي إما أن يكون واجبا أولا يكون واجبا فإن كان واجبا كان فعل العبد اضطراريا وذلك عين الجبر لأن حصول القدرة والداعي ليس بالعبد والإلزام التسلسل وهو ظاهر وإذا كان كذلك فعند حصولهما يكون واجبا وعند عدم حصولهما يكون الفعل ممتنعا فكان الجبر لازما لا محالة وأما إن لم يكن حصول الفعل عند حصول القدرة والداعي واجبا فإما أن يتوقف رجحان الفعل على رجحان الترك على مرجح أولا يتوقف فإن توقف كان حصول ذلك الفعل عند حصول المرجح واجبا وإلا عاد الكلام ولزم التسلسل وإذا كان واجبا كان اضطراريا وهو عين الجبر وإن لم يتوقف على مرجح كان جائز الوقوع وجائز العدم فوقوعه بغير مرجح يستلزم حصول الأثر بلا مؤثر وذلك محال فإن قلت المرجح هو إرادة العبد قلت لك إرادة العبد حادثة والكلام في حدوثها كالكلام في حدوث المراد بها ويلزم التسلسل قال السني: هذا أحد سهم في كنانتك وهو بحمد الله سهم لا ريش له ولا نصل مع عوجه وعدم استقامته وأنا أستفسرك عما في هذه الحجة من الألفاظ المجملة المستعملة على حق وباطل وأبين فسادها فما تعني بقولك إن كان الفعل عند القدرة والداعي واجبا كان فعل العبد اضطراريا وهو عين الجبر أتعني به أن يكون مع القدرة والداعي بمنزلة حركة المرتعش وحركة من نفضته الحمى وحركة من رمي به من مكان عال فهو يتحرك في نزوله اضطرارا منه أم تعني به أن الفعل عند اجتماع القدرة والداعي يكون لازم الوقوع بالقدرة فإن أردت بكونه اضطراريا المعنى الأول كذبتك العقول والفطر والحس والعيان فإن الله فطر عباده على التفريق بين حركة من رمي به من شاهق فهو يتحرك إلى أسفل وبين حركة من يرقى في الجبل إلى علوه وبين حركة المرتعش وبين حركة المصفق وبين حركة الزاني والسارق والمجاهد والمصلي وحركة المكتوف الذي قد أوثق رباطا وجر على الأرض فمن سوى بين الحركتين فقد خلع ربقة العقل والفطرة(1\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "158",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11352",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والشرعة من عنقه وإن أردت المعنى الثاني وهو كون العقل لازم الوجود عند القدرة والداعي كان لازم الوجود وهذا لا فائدة فيه وكونه لازما وواجبا بهذا المعنى لا ينافي كونه مختارا مرادا له مقدورا له غير مكره عليه ولا مجبور فهذا الوجوب واللزوم لا ينافي الاختيار ثم نقول لو صحت هذه الحجة لزم أن يكون الرب سبحانه مضطرا على أفعاله مجبورا عليها بمعنى ما ذكرت من مقدماتها وأنه سبحانه يفعل بقدرته ومشيئته وما ذكرت من وجوب الفعل عند القدرة والداعي وامتناعه عند عدمهما ثابت في حقه سبحانه وقد اعترف أصحابك بهذا الإلزام وأجابوا عنه بما لا يجدي شيئا قال ابن الخطيب عقيب ذكر هذه الشبهة: quot;فإن قلت هذا ينفي كونه فاعلا مختارا قلت الفرق أن إرادة العبد محدثة فافتقرت إلى إرادة يحدثها الله دفعا للتسلسل وإرادة الباري قديمة فلم يفتقر إلى إرادة أخرىquot; ورد هذا الفرق صاحب التحصيل فقال: quot;ولقائل أن يقول هذا لا يدفع التقسيم المذكورquot; قلت فإن التقسيم متردد بين لزوم الفعل عند الداعي وامتناعه عند عدمه وهذا التقسيم ثابت في حق الغائب والشاهد وكون إرادة الرب سبحانه قديمة من لوازم ذاته لا فاعل لها لا يمنع هذا الترديد والتقسيم فإن عند تعلقها بالمراد يلزم وقوعه وعند عدم تعلقها به يمتنع وقوعه وهذا اللزوم والامتناع لا يخرجه سبحانه عن كونه فاعلا مختارا ثم نقول هذا المعنى لا يسمى جبرا ولا اضطرارا فإن حقيقة الجبر ما حصل بإكراه غير الفاعل له على الفعل وحمله على إيقاعه بغير رضاه واختياره والرب سبحانه هو الخالق للإرادة والمحبة والرضا في قلب العبد فلا يسمى ذلك جبرا لا لغة ولا عقلا ولا شرعا ومن العجب احتجاجك بالقدرة والداعي على أن الفعل الواقع بهما اضطراري من العبد والفعل عندكم لم يقع بهما ولا هو فعل العبد بوجه وإنما هو عين فعل الله وذلك لا يتوقف على قدرة من العبد ولا داع منه ولا هناك ترجيح له عند وجودهما ولا عدم ترجيح عند عدمهما بل نسبة الفعل إلى القدرة والداعي كنسبته إلى عدمهما فالفعل عندك غير فعل الله فلا ترجيح هناك من العبد ولا مرجح ولا تأثير ولا أثر قال السني: وقد أجابك إخوانك من القدرية عن هذه الحجة بأجوبة أخرى فقال أبو هاشم وأصحابه لا يتوقف فعل القادر على الداعي بل يكفي في فعله مجرد قدرته قالوا فقولك عند حصول الداعي إما أن يجب الفعل أو لا يجب عندنا لا يجب الفعل بالداعي ولا يتوقف عليه ولا يمكنك أيها الجبري الرد على هؤلاء فإن الداعي عندك لا تأثير له في الفعل البتة ولا هو متوقف عليه ولا على القدرة فإن القدرة الحادثة عندك لا تؤثر في مقدورها فكيف يؤثر الداعي في الفعل فهذه الحجة لا تتوجه على أصولك البتة وغايتها إلزام خصومك بها على أصولهم وقال أبو الحسين البصري وأصحابه: quot;يتوقف الفعل على الداعيquot; ثم قال أبو الحسين: quot;إذا تجرد الداعي وجب وقوع الفعل ولا يخرج بهذا الوجوب عن كونه اختيارياquot; وقال محمود الخوارزمي صاحبه: quot;لا ينتهي بهذا الداعي إلى حد الوجوب بل يكون وجوده أولىquot; قالوا فنجيبك عن هذه الشبهة على الرأيين جميعا أما على رأي أبي هاشم فنقول صدور إحدى الحركتين عنه دون الأخرى لا يحتاج إلى مرجح بل من شأن القادر أن يوقع الفعل من غير مرجح لجانب وجوده على عدمه قالوا ولا استبعاد في العقل في وجود مخلوق متمكن من الفعل بدلا عن الترك وبالضد من غير مرجح كما أن النائم والساهي يتحركان من غير داع وإرادة فإن قلتم بل هناك داع وإرادة لا يذكرها النائم والناسي كان ذلك مكابرة قلت وأصحاب هذا القول يقولون أن(1\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "159",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11353",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القادر هو الذي يفعل مع جواز أن لا يفعل وأصحاب القول الأول يقولون بل يفعل مع وجوب أن يفعل ومحمود الخوارزمي توسط بين المذهبين وقال: quot;بل يفعل مع أولوية أن يفعلquot; ولا ينتهي الترجيح إلى حد الوجوب فالأقوال خمسة أحدها أن الفعل موقوف على الداعي فإذا انضمت القدرة إليه وجب الفعل بمجموع الأمرين وهذا قول جمهور العقلاء ولم يصنع ابن الخطيب شيئا في نسبته له إلى الفلاسفة وأبي الحسين البصري من المعتزلة الثاني أن الفعل يجب بقدرة الله وقدرة العبد وهذا قول من يقول أن قدرة العبد مؤثرة في مقدوره مع قدرة الله على عين مقدور العبد وهذا قول أبي إسحق واختيار الجويني في النظامية الثالث قول من يقول يجب بقدرة الله فقط وهذا قول الأشعري والقاضي أبي بكر ثم إختلفا فقال القاضي: quot;كونه فعلا واقع بقدرة الله وكونه صلاة أو حجا أو زنا أو سرقة واقع بقدرة العبد فتأثير قدرة الله في ذات الفعل وتأثير قدرة العبد في صفة الفعلquot; وقال الأشعري: quot;أصل الفعل ووصفه واقعان بقدرة الله ولا تأثير لقدرة العبد في هذا ولا هذاquot; الرابع قول من يقول لا يجب الفعل من القادر البتة بل القادر هو الذي يفعل مع جواز أن لا يفعل فلا ينتهي فعل القادر المختار إلى الوجوب أصلا وهذا قول أبي هاشم وأصحابه الخامس أن يكون عند الداعي أولى بالوقوع ولا ينتهي إلى حد الوجوب وهذا قول الخوارزمي وقد سلم أبو الحسين أن الفعل يجب مع الداعي وسلم أن الداعي مخلوق لله وقال أن العبد مستقل بإيجاد فعله قال: quot;والعلم بذلك ضروريquot; قال ابن الخطيب: quot;وهذا غلو منه في القدرquot; وقوله أنه يتوقف على الداعي والداعي خلق لله غلو في الجبر فجمع بين القدر والجبر مع غلوه فيهما ولم ينصفه فليس ما ذهب إليه غلو في قدر ولا جبر فإن توقف الفعل على الداعي ووجوبه عنده بقدرة العبد ليس جبرا فضلا أن يكون غلوا فيه وكون العبد محدثا لفعله ضرورة بما خلقه الله فيه من القدرة والاختيار ليس قولا بمذهب القدرية فضلا عن كونه غلوا فيه. فصل: قال الجبري: إذا كان الداعي ليس من أفعالنا وهو علم القادر أن في ذلك الفعل مصلحة له وذلك أمر مركوز في طبيعته التي خلق عليها وذلك مفعول لله فيه والفعل واجب عنده فلا معنى للجبر إلا هذا قال له السني: أخوك القدري يجيبك عن هذا بأن ذلك الداعي قد يكون جهلا وغلطا وهذه أمور يحدثها الإنسان في نفسه فيفعل على حسب ما يتوهم أن فيه مصلحته صادفها أو لم يصادفها فالداعي لا ينحصر في العلم خاصة قال الجبري: لا يساوي هذا الجواب شيئا فإن العطشان مثلا يدعوه الداعي إلى شرب الماء لعلمه بنفعه وشهوته وميله إلى شربه وذلك العلم وتلك الشهوة والميل إلى الشرب من فعل الله فيجب على القدري أن يترك مذهبه صاغرا داخرا ويعترف بأن ذلك الفعل مضاف إلى من خلق فيه الداعي المقتضى قال القدري: ذلك الداعي وإن كان من فعل الله إلا أنه جار مجرى فعل المكلف لأنه قادر على أن يبطل أثره بأن يستحضر صارفا عن الشرب مثل أن يحجم عن الشراب تجربة هل يقدر على مخالفة الداعي أم لا فإحجامه لأجل التجربة أثر داع ثان هو الصارف يعارض الداعي فالحي قادر على تحصيله وقادر على إبقاء الداعي الأول بحاله فإبقاؤه الداعي الأول بحاله وإعراضه عن إحضار المعارض له أمر لولاه ما حصل الشرب فمن هذا الوجه كان الشرب فعلا له لأنه قادر على تحصيل الأسباب المختلفة التي تصدر عنها الآثار ويصير هذا(1\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "160",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11354",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كمن شاهد إنسانا في نار متأججة وهو قادر على إطفائها عنه من غير مشقة ولا مانع فإنه إن لم يطفئها استحق الذم وإن كان الإحراق من أثر النار وقد أجاب ابن أبي الحديد بجواب آخر فقال ويمكن أن يقال إذا تجرد الداعي كما ذكرتم في صورة العطشان فإن التكليف بالفعل والترك يسقط لأنه يصير أسوأ حالا من الملجأ وهذا من أفسد الأجوبة على أصول جميع الفرق فإن مقتضى التكليف قائم فكيف يسقط مع حضور الفعل والقدرة وهذا قسم رابع من الذين رفع عنهم التكليف أثبته هذا القدري زائدا على الثلاثة الذين رفع عنهم القلم وهذا خرق منه لإجماع الأمة المعلوم بالضرورة ولو سقط التكليف عند تجرد الداعي لكان كل من تجرد داعيه إلى فعل ما أمر به قد سقط عنه التكليف وهذا القول أقبح من القول بتكليف ما لا يطاق ولهذا كان القائلون به أكثر من هذا القائل وقولهم يحكى ويناظر عليه قال الجبري: إذا كان الداعي من الله وهو سبب الفعل والفعل واجب عنده كان خالق الفعل هو خالق الداعي أي خالق السبب قال السني: هذا حق فإن الداعي مخلوق لله في العبد وهو سبب الفعل والفعل يضاف إلى الفاعل لأنه صدر منه ووقع بقدرته ومشيئته واختياره وذلك لا يمنع إضافته بطريق العموم إلى من هو خالق كل شيء وهو على كل شيء قدير وأيضا فالداعي ليس هو المؤثر بل هو شرط في تأثير القادر في مقدوره وكون الشرط ليس من العبد لا يخرجه عن كونه فاعلا وغاية قدرة العبد وإرادته الجازمة أن يكون شرطا أو جزء سبب والفعل موقوف على شروط وأسباب لا صنع للعبد فيها البتة وأسهل الأفعال رفع العين لرؤية الشيء فهب أن فتح العين فعل العبد إلا أنه لا يستقل بالإدراك فإن تمام الإدراك موقوف على خلق الدرك وكونه قابلا للرؤية وخلق آلة الإدراك وسلامتها وصرف الموانع عنها فما تتوقف عليه الرؤية من الأسباب والشروط التي لا تدخل تحت مقدور العبد أضعاف أضعاف ما يقدر عليه من تقليب حدقته نحو المرئي فكيف يقول عاقل أن جزء السبب أو الشرط موجب مستقل لوجود الفعل وهذا الموضع مما ضل فيه الفريقان حيث زعمت القدرية أنه موجب للفعل وزعمت الجبرية أنه لا أثر له فيه فخالفت الطائفتان صريح المعقول والمنقول وخرجت عن السمع والعقل والتحقيق أن قدرة العبد وإرادته ودواعيه جزء من أجزاء السبب التام الذي يجب به الفعل فمن زعم أن العبد مستقل بالفعل مع أن أكثر أسبابه ليست إليه فقد خرج عن موجب العقل والشرع فهب أن دواعي حركة الضرب منك مستقلا بها فهل سلامة الآلة منك وهل وجود المحل المنفعل وقبوله منك وهل خلق الفضاء بينك وبين المضروب وخلوه عن المانع منك وهل إمساك قدرته عن مضاربتك وغلبك منك وهل القوة التي في اليد والرباطات والاتصالات التي بين عظامها وشد أسرها منك ومن زعم أنه لا أثر للعبد بوجه ما في الفعل وأن وجود قدرته وإرادته وعدمهما بالنسبة إلى الفعل على السواء فقد كابر العقل والحس قال الجبري: إن انتهت سلسلة الترجيحات إلى مرجح من العبد فذلك المرجح ممكن لا محالة فإن ترجح بلا مرجح انسد عليكم باب إثبات الصانع إذا جوزتم رجحان أحد طرفي الممكن وإن توقف على مرجح آخر لزم التسلسل فلا بد من انتهائه إلى مرجح من الله لا صنع للعبد فيه قال السني: أما إخوانك القدرية فإنهم يقولون القادر المختار يحدث إرادته وداعيته بلا مرجح من غيره قالوا والفطرة شاهدة بذلك فإنا لا نفعل ما لم نرد ولا نريد ما لم نعلم إن في الفعل منفعة لها أو دفع مضرة ولا نجد لهذه الإرادة إرادة(1\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "161",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11355",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدثتها ولا لعلمنا بأن لك نافع علما آخر أحدثه فالمرجح هو ما خلق عليه العبد وفطر عليه من صفاته القائمة به فالله سبحانه أنشأ العبد نشأة يتحرك فيها بالطبع فحركته بالإرادة والمشيئة من لوازم نشئه وكونه حيوانا فإرادته وميله من لوازم كونه حيا فأفعال العبد الخاصة به هي الدواعي والإرادات لا غير وما يقع بها من الأفعال شبيه بالفعل المتولد من حيث كان المتولد سببا وهذه الأفعال صادرة عن الدواعي التي عرفها العبد ابتداء من غير واسطة فاشتراكهما في أن كل واحد منهما مستند إلى فعل خاص بالعبد فهما متماثلان من هذه الجهة قال السني وهذا جواب باطل بأبطل منه ورد فاسد بأفسد منه ومعاذ الله والله أكبر وأجل وأعظم وأعز أن يكون في عبده شيء غير مخلوق له ولا هو داخل تحت قدرته ومشيئته فما قدر الله حق قدره من زعم ذلك ولا عرفه حق معرفته ولا عظمه حق تعظيمه بل العبد جسمه وروحه وصفاته وأفعاله ودواعيه وكل ذرة فيه مخلوق لله خلقا تصرف به في عبده وقد بينا أن قدرته وإرادته ودواعيه جزء من أجزاء سبب الفعل غير مستقل بإيجاده ومع ذلك فهذا الجزء مخلوق لله فيه فهو عبد مخلوق من كل وجه وبكل اعتبار وفقره إلى خالقه وبارئه من لوازم ذاته وقلبه بيد خالقه وبين أصبعين من أصابعه يقلبه كيف يشاء فيجعله مريدا لما شاء وقوعه منه كارها لما لم يشأ وقوعه فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ونعم والله سلسلة المرجحات تنتهي إلى أمر الله الكوني ومشيئته النافذة التي لا سبيل لمخلوق إلى الخروج عنها ولكن الجبر لفظ مجمل يراد به حق وباطل كما تقدم فإن أردتم به أن العبد مضطر في أفعاله وحركته في الصعود في السلم كحركته في وقوعه منه فهذا مكابرة للعقول والفطر وإن أردتم به أنه لا حول له ولا قوة إلا بربه وفاطره فنعم لا حول ولا قوة إلا بالله وهي كلمة عامة لا تخصيص فيها بوجه ما فالقوة والقدرة والحول بالله فلا قدرة له ولا فعل إلا بالله فلا ننكر هذا ولا نجحده لتسمية القدري له جبرا فليس الشأن في الأسماء: إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان فلا نترك لهذه الأسماء مقتضى العقل والإيمان والمحذور كل المحذور أن نقول أن الله يعذب عبده على ما لا صنع له فيه ولا قدرة له عليه ولا تأثير له في فعله بوجه ما بل يعذبه على فعله هو سبحانه وعلى حركته إذا سقط من علو إلى سفل نعم لا يمتنع أن يعذبه على ذلك إذ كان قد تعاطي أسبابه بإرادته ومحبته كما يعاقب السكران على ما جناه في حال سكره لتفريطه وعدوانه بارتكاب السبب وكما يعاقب العاشق الذي غلب على صبره وعقله وخرج الأمر عن يده لتفريطه السابق بتعاطي أسباب العشق وكما يعاقب الذي آل به إعراضه وبغضه للحق إلى أن صار طبعا وقفلا ورينا على قلبه فخرج الأمر عن يده وحيل بينه وبين الهدى فيعاقبه على ما لم يبق له قدرة عليه ولا إرادة بل هو ممنوع منه وعقوبته عليه عدل محض لا ظلم فيه بوجه ما فإن قيل فهل يصير في هذه الحال مكلفا وقد حيل بينه وبين ما أمر به وصد عنه ومنع منه أم يزول التكليف قيل ستقف على الجواب الشافي إن شاء الله عن هذا السؤال في باب القول في تكليف ما لا يطاق قريبا فإنه سؤال جيد إذ المقصود ههنا الكلام في الجبر وما في لفظه من الإجمال وما في معناه من الهدى والضلال. فصل: قال الجبري: إذا صدر من العبد حركة معينة فإما أن تكون مقدورة للرب وحده أو العبد وحده أو للرب والعبد أو لا للرب ولا للعبد وهذا القسم الأخير باطل قطعا والأقسام(1\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "162",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11356",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثلاثة قد قال بكل واحد منها طائفة فان كانت مقدورة للرب وحده فهو الذي يقوله وذلك عين الجبر وان كانت مقدورة للعبد وحده فذلك إخراج لبعض الأشياء عن قدرة الرب تعالى فلا يكون على كل شيء قدير ويكون العبد المخلوق الضعيف قادرا على ما لم يقدر عليه خالقه وفاطره وهذا هو الذي فارقت به القدرية للتوحيد وضاهت به المجوس وإن كانت مقدورة للرب والعبد لزمت الشركة ووقوع مفعول بين فاعلين ومقدور بين قادرين وأثر بين مؤثرين وذلك محال لأن المؤثرين إذا اجتمعا استقلالا على أثر واحد فهو غني عن كل منهما بكل منهما فيكون محتاجا إليهما مستغنيا عنهما قال السني: قد افترق الناس في هذا المقام فرقا شتى ففرقة قالت إنما تقع الحركة بقدرة الله وحده لا بقدرة العبد وتأثير قدرة العبد في كونها طاعة أو معصية فقدرة الرب وحده اقتضت وجودها وقدرة العبد اقتضت صفتها وهذا قول القاضي أبي بكر ومن اتبعه ولعمر الله أنه لغير شاف ولا كاف فإن صفة الحركة إن كان أثرا وجوديا فقد أثرت قدرته في أمر موجود فلا يمتنع تأثيرها في نفس الحركة وإن كان صفتها أمرا عدميا كان متعلق قدرته عدما لا وجودا وذلك ممتنع إذ أثر القدرة لا يكون عدما صرفا وفرقة أخرى قالت بل الفعل وصفته واقع بمحض قدرة الله وحده ولا تأثير لقدرة العبد في هذا ولا هذا وهذا قول الأشعري ومن اتبعه وفرقة قالت بل المؤثر قدرة العبد وحده دون قدرة الرب ثم انقسمت هذه الفرقة إلى فرقتين فرقة قالت أن قدرة العبد هي المؤثرة مع كون الرب قادرا على الحركة وقالت أن مقدورات العباد مقدورة لله تعالى وهذا قول أبي الحسين البصري وأتباعه الحسينية وفرقة قالت أن قدرة العبد هي المؤثرة والله سبحانه غير قادر على مقدور وهذا قول المشايخية أتباع أبي على وأبي هاشم وليس عند ابن الخطيب وجمهور المتكلمين غير هذه الأقوال التي لا تشفي عليلا ولا تروي غليلا وليس عند أربابها إلا مناقضة بعضهم بعضا وقد أجاب بعض أصحاب أبي الحسين عن هذا السؤال انه كان يقول بمقدور بين قادرين فله أن يقول في هذا المقام ان كان الدليل الذي ذكرته دليلا صحيحا على استحالة اجتماعهما على فعل واحد فإنما يدل على استحالته على فعلهما على سبيل الجمع ولا يستحيل على سبيل البدل كما يستحيل حصول جوهرين في مكان واحد ولا يستحيل حصولهما فيه على البدل وهذا جواب باطل قطعا فإن مضمونه أن أحدهما لا يقدر عليه إلا إذا تركه الآخر فحال تلبس العبد بالفعل بقدرته وإرادته إن كان مقدورا لله فهو القول بمقدور بين قادرين وان لم يكن مقدورا له لزم إخراج بعض الممكنات عن قدرته فإن قلت هو قادر عليه بشرط أن لا يقدر عليه العبد قيل لك فهذا تصريح منك بأنه في حال قدرة العبد عليه لا يقدر عليه الرب فلا ينفعك القول بأنه قادر عليه على البدل وأيضا فإن قدر عليه بشرط أن لا يقدر عليه العبد فإذا قدر العبد عليه انتفت قدرة الرب لانتفاء شرطها وهذا مما صاح به عليكم أهل التوحيد من أقطار الأرض ورموكم به عن قوس واحدة وإنما صانعتم به أهل السنة مصانعة وإلا فحقيقة هذا القول أن العبد يقدر عليه على مالا يقدر عليه الرب وحكاية هذا الرأي الباطل كافية في فساده فإن قلت كما لا يمتنع معلوم واحد بين عالمين ومراد واحد بين مريدين قيل هذا من أفسد القياس لأن المعلوم لا يتأثر بالعالم والمراد لا يتأثر بالمريد فيصح الاشتراك في المعلوم والمراد كما يصح الاشتراك في المرئي والمسموع وأما المقدور فيجوز اشتراك القادرين فيه بالقدرة المصححة(1\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "163",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11357",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهي صحة وقوعه من كل واحد منهما وصحة التأثير من أحدهما لا تنافي صحته من الأخر أما اشتراكهما فيه بالقدرة الموجبة المقارنة لمقدورها فهو عين المحال إلا أن يراد الاشتراك على البدل فيكون تأثير أحدهما فيه شرطا في تأثير الآخر ولما تفطن أبو الحسين لهذا قال: quot;لست أقول أن إضافته إلى أحدهما هي إضافته إلى الآخر كما أن الشيء الواحد يكون معلوما لعالمين ويمتنع أن يكون علم أحدهما به هو علم الآخر فهكذا أقول في المقدور بين قادرين ليست قدرة أحدهما عليه هي قدرة الآخر والمفعول بين فاعلين ليس فعل أحدهما فيه هو فعل الآخر وإنما معنى قولي هذا أنه فعل لهذا وتأثير له أنه لقدرته وداعيته وجد وليس معنى كونه وجد لقدرة هذا وداعيته هو معنى كونه وجد لقدرة الآخر وداعيتهquot; قال وليس يمتنع في العقل إضافة شيء واحد إلى شيئين لكنه يمتنع أن يكون إضافته إلى أحدهما هي عين إضافته إلى الآخر وهذا لا يجدي عنه شيئا فإن التقسيم المذكور دائر فيه ونحن نقول قد دل الدليل على شمول قدرة الرب سبحانه لكل ممكن من الذوات والصفات والأفعال وأنه لا يخرج شيء عن مقدوره البتة ودل الدليل أيضا على أن العبد فاعل لفعله بقدرته وإرادته وأنه فعل له حقيقة يمدح ويذم به عقلا وعرفا وشرعا وفطرة فطر الله عليها العباد حتى الحيوان البهيم ودل الدليل على استحالة مفعول واحد بالعين بين فاعلين مستقلين وأثر واحد بين مؤثرين فيه على سبيل الاستقلال ودل الدليل أيضا على استحالة وقوع حادث لا محدث له ورجحان راجح لا مرجح له وهذه أمور كتبها الله سبحانه في العقول وحجج العقل لا تتناقض ولا تتعارض ولا يجوز أن يضرب بعضها ببعض بل يقال بها كلها ويذهب إلى موجبها فإنها يصدق بعضها بعضا وإنما يعارض بينهما من ضعفت بصيرته وإن كثر كلامه وكثرت شكوكه والعلم أمر آخر وراء الشكوك والإشكالات ولهذا تناقض الخصوم وهذا رأس مال المتكلمين والقول الحق لم ينحصر في هذه الأقوال التي حكوها في المسألة والصواب أن يقال تقع الحركة بقدرة العبد وإرادته التي جعلها الله فيه فالله سبحانه إذا أراد فعل العبد خلق له القدرة والداعي إلى فعله فيضاف الفعل إلى قدرة العبد إضافة السبب إلى مسببه ويضاف إلى قدرة الرب إضافة المخلوق إلى الخالق فلا يمتنع وقوع مقدور بين قادرين قدرة أحدهما أثر لقدرة الآخر وهي جزء سبب وقدرة القادر الآخر مستقلة بالتأثير والتعبير عن هذا المعنى بمقدور بين قادرين تعبير فاسد وتلبيس فإنه يوهم أنهما متكافئان في القدرة كما تقول هذا الثوب بين هذين الرجلين وهذه الدار بين هذين الشريكين وإنما المقدور واقع بالقدرة الحادثة وقوع المسبب بسببه والسبب أو المسبب والفاعل والآلة كله أثر القدرة القديمة ولا نعطل قدرة الرب سبحانه عن شمولها وكمالها وتناولها لكل ممكن ولا نعطل قدرة الرب التي هي سبب عما جعلها الله سببا له ومؤثرة فيه وليس في الوجود شيء مستقل بالتأثير سوى مشيئة الرب سبحانه وقدرته وكل ما سواه مخلوق له وهو أثر قدرته ومشيئته ومن أنكر ذلك لزمه إثبات خالق سوى الله أو القول بوجود مخلوق لا خالق له فإن فعل العبد إن لم يكن مخلوقا لله كان مخلوقا للعبد إما استقلالا وإما على سبيل الشركة وإما أن يقع بغير خالق ولا مخلص عن هذه الأقسام لمنكر دخول الأفعال تحت قدرة الرب ومشيئته وخلقه وإذا عرف هذا فنقول الفعل وقع بقدرة الرب خلقا وتكوينا كما وقعت سائر المخلوقات بقدرته وتكوينه وبقدرة العبد سببا ومباشرة والله خلق الفعل(1\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "164",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11358",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعبد فعله وباشره والقدرة الحادثة وأثرها واقعان بقدرة الرب ومشيئته. فصل: قال الجبري: لو كان العبد فاعلا لأفعاله لكان عالما بتفاصيلها لأنه يمكن أن يكون الفعل أزيد مما فعله أو أنقص فوقوعه على ذلك الوجه مشروط بالعلم بتفصيله ومعلوم أن النائم والغافل قد يفعل الفعل ولا يشعر بكيفية ولا قدرة وأيضا فالمتحرك يقطع المسافة ولا شعور له بتفاصيل الحركة ولا أجزاء المسافة ومحرك أصبعه لأجزائها ولا يشعر بعدد أجزائها ولا بعدد أحيازها والمنفس يتنفس باختياره ولا يشعر في الغالب بنفسه فضلا عن أن يشعر بكميته وكيفيته ومبدئه ونهايته والغافل قد يتكلم بالكلمة ويفعل الفعل باختياره ثم بعد فراغه منه يعلم أنه لم يكن قاصدا له فنحن نعلم علما ضروريا من أنفسنا عدم علمنا بوجود أكثر حركاتنا وسكناتنا في حالة المشي والقيام والقعود ولو أردنا فصل كل جزء من أجزاء حركاتنا في حالة إسراعنا بالمشي والحركة والإحاطة به لم يمكنا ذلك بل ونعلم ذلك من حال أكمل العقلاء فما الظن بالحيوانات العجم في مشيها وطيرانها وسباحتها حتى الذر والبعوض وهنا مشاهد في السكران ومن اشتد به الغضب ولهذا قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون فدل على أن السكران يصدر منه أقوال لا يعلم بها فكيف يكون هو المحدث لتلك الأقوال وهو لا يشعر بها والإرادة فرع الشعور ولهذا أفتى الصحابة بأنه لا يقع طلاق السكران نزلوا حركة لسانه منزلة تحريك غيره له بغير إرادته ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;لا طلاق في الإغلاقquot; لأن الإغلاق يمنع العلم والإرادة فكيف يكون التطليق فعله وهو غير عالم به ولا مريد له وأيضا فقد قال جمهور الفقهاء أن الناسي غير مكلف لأن فعله لا يدخل تحت الاختيار ففعله غير مضاف إليه مع أنه وقع باختياره وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى بعينه في قوله: quot;من أكل أو شرب ناسيا فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاهquot; فأضاف فعله إلى الله لا إليه فلم يكن له فعل في الأكل والشرب فلم يفطر به قال السني: هذا موضع تفصيل لا يليق به الإجمال فنقول ما يصدر من العبد من الأفعال ينقسم أقساما متعددة بحسب قدرته وعلمه وداعيته وإرادته فتارة يكون ملجأ إلى الفعل لا إرادة له فيه بوجه ما كمن أمسكت يده وضرب بها غيره أو أمسكت أصبعه وقلع بها عين غيره فهذا فعله بمنزلة حركات الأشجار بالريح ولهذا لا يترتب عليه حكم البتة ولا يمدح عليه ولا يذم ولا يثاب ولا يعاقب وهذا لا يسمى فاعلا عقلا ولا شرعا ولا عرفا وتارة يكون مكرها على أن يفعل فهذا فعله يضاف إليه وليس كالملجأ الذي لا فعل له واختلف الناس هل يقال أنه فعل باختياره وأنه يختار ما فعله أو لا يطلق عليه ذلك على قولين والتحقيق أن النزاع لفظي فإنه فعل بإرادة هو محمول عليها مكره عليها فهو مكره مختار مكره على أن يفعل بإرادته مريد ليفعل ما أكره عليه فإن أريد بالمختار من يفعل بإرادته وإن كان كارها للفعل فالمكره مختار وأيضا فهو مختار ليفعل ما أكره لتخلصه به مما هو أكره إليه من الفعل فلما عرض له مكروهان أحدهما أكره إليه من الآخر اختار أيسرهما دفعا لأشقهما ولهذا يقتل قصاصا إذا قتل عند الجمهور والملجأ لا يقتل باتفاق الناس ومما يوضح هذا أن المكره على التكلم لا يتأتى منه التكلم إلا باختياره وإرادته ولهذا أوقع طلاقه وعتاقه بعض العلماء والجمهور قالوا لا يقع لأن الله جعل كلام المكره على كلمة الكفر لغو لا يترتب عليه أثره لأنه وإن قصد التكلم باللفظ دفعا عن نفسه فلم يقصد معناه وموجبه حتى قال بعض الفقهاء لو قصد الطلاق بقلبه مع الإكراه لم(1\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "165",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11359",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقع طلاقه لأن قوله هدر ولغو عند الشارع فوجوده كعدمه في حكمه فبقي مجرد القصد وهو غير موجب للطلاق وهذا ضعيف فإن الشارع إنما ألغى قول المكره إذا تجرد عن القصد وكان قلبه مطمئنا بضده فأما إذا قارن اللفظ القصد واطمأن القلب بموجبه فإنه لا يعذر فإن قيل فما تقولون فيمن ظن أن الإكراه لا يمنع وقوع الطلاق فقصده جاهلا بأن الإكراه مانع من وقوعه قيل هذا لا يقع طلاقه لأنه لما ظن أن الإكراه على الطلاق يوجب وقوعه إذا تكلم به كان حكم قصده حكم لفظه فإنه إنما قصده دفعا عن نفسه لما علم أنه لا يتخلص إلا به ولم يظن أن الكلمة بدون القصد لغوا ودهش عن ذلك ولا وطر له في الطلاق فهذا لا يقع بخلاف الأول فإنه لما أكره على الطلاق نشأ له قصد طلاقها إذ لا غرض له أن يقيم مع امرأة أكره على طلاقها وإن كان لو لم يكره لم يبتدي طلاقها والمقصود أن المكره مريد لفعله غير ملجأ إليه. فصل: وأما أفعال النائم فلا ريب في وقوع الفعل القليل منه والكلام المفيد واختلف الناس هل تلك الأفعال مقدورة له أو مكتسبة أو ضرورية بعد اتفاقهم على أنها غير داخلة تحت التكليف فقالت المعتزلة وبعض الأشعرية هي مقدورة له والنوم لا يضاد القدرة وإن كان يضاد العلم وغيره من الإدراكات وذهب أبو إسحاق إلى أن ذلك الفعل غير مقدور له وأن النوم يضاد القدرة كما يضاد العلم وذهب القاضي أبو بكر وكثير من الأشعرية إلى أن فعل النائم لا يقطع بكونه مكتسبا ولا بكونه ضروريا وكل من الأمرين ممكن قال أصحاب القدرة كان النائم قادرا في يقظته وقدرته باقية والنوم لا ينافيها فوجب استصحاب حكمها قالوا وأيضا فالنائم إذا انتبه فهو على ما كان عليه في نومه ولا يتجدد أمر وراء زوال النوم وهو قادر بعد الانتباه وزوال النوم غير موجب للاقتدار ولا وجوده نافيا لقدرة قالوا وأيضا قد يوجد من النائم ما لو وجد منه في حال اليقظة لكان واقعا على حسب الداعي والاختيار والنوم وإن نافى القصد فلا ينافي القدرة قال النافون للقدرة قولكم النوم لا ينافي القدرة دعوى كاذبة فإن النائم منفعل محض متأثر صرف ولهذا لا يمتنع ممن يؤثر فيه وقولكم لم يتجدد له أمر غير زوال النوم فالتجدد زوال المانع من القدرة فعاد إلى ما كان عليه كمن أوثق غيره رباطا ومنعه من الحركة فإذا حل رباطه تجدد زوال المانع قالوا نجد تفرقة ضرورية بين حركة النائم وحركة المرتعش والمفلوج وما ذاك إلا أن حركته مقدورة له وحركة المرتعش غير مقدورة له والتحقيق أن حركة النائم ضرورية له غير مكتسبة وكما فرقنا في حق المستيقظ بين حركة ارتعاشه وحركة تصفيقه كذلك نجد تفرقه ضرورية بين حركة النائم وحركة المستيقظ. فصل: وأما زائل العقل بجنون أو سكر فليست أفعاله اضطرارية كأفعال الملجأ ولا اختيارية بمنزلة أفعال العامل العالم بما يفعله بل هي قسم آخر من الاضطرارية وهي جارية مجرى أفعال الحيوان وفعل الصبي الذي لا تمييز له بل لكل واحد من هؤلاء داعية إلى الفعل يتصورها وله إرادة يقصد بها وقدرة ينفذ بها وإن كان داعية نوع آخر غير داعي العاقل العالم بما يفعله فلا بد أن يتصور ما في الفعل من الغرض ثم يريده ويفعله وهذه أفعال طبيعية واقعة بالداعي والإرادة والقدرة والدواعي والإرادات تختلف ولهذا لا يكلف أحد هؤلاء بالفعل فأفعاله لا تدخل تحت التكليف وليست كأفعال الملجأ ولا المكره وهي مضافة إليهم مباشرة وإلى خالق ذواتهم وصفاتهم خلقا فهي مفعولة وأفعال(1\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "166",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11360",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لهم والساهي الذي يفعل الفعل مع غفلته وذهوله فهو إنما يفعله بقدرته إذ لو كان عاجزا لما تأتى منه الفعل وله إرادة لكنه غافل عنها فالإرادة شيء والشعور بها شيء آخر فالعبد قد يكون له إرادة وهو ذاهل عن شعوره بها لاشتغال محل التصور منه بأمر آخر منعه من الشعور بالإرادة فعملت عملها وهي غير مشعور بها وإن كان لا بد من الشعور عند كل جزء من أجزائه وبالله التوفيق وبالجملة فالفعل الاختياري يستلزم الشعور بالفعل في الجملة وأما الشعور به على التفصيل فلا يستلزمه. فصل: قال الجبري: ضلال الكافر وجهله عند القدري مخلوق له موجود بإيجاده اختيارا وهذا ممتنع فإنه لو كان لكان كذلك قاصدا له إذا القصد من لوازم الفعل اختيارا واللازم ممتنع فإن عاقلا لا يريد لنفسه الضلال والجهل فلا يكون فاعلا له اختيارا قال السني: عجبا لك أيها الجبري تنزه العبد أن يكون فاعلا للكفر والجهل والظلم ثم تجعل ذلك كله فعل الله سبحانه ومن العجب قولك أن العاقل لا يقصد لنفسه الكفر والجهل وأنت ترى كثيرا من الناس يقصد لنفسه ذلك عنادا وبغيا وحسدا مع علمه بأن الرشد والحق في خلافه فيطيع دواعي هواه وغيه وجهله ويخالف داعي رشده وهداه ويسلك طرق الضلال ويتنكب عن طريق الهدى وهو يراهما جميعا قال أصدق القائلين: سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين  وقال تعالى: وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى وقال تعالى عن قوم فرعون: فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا وقال تعالى: وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين وقال تعالى: ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق وقال: بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده وقال تعالى: يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون وقال: قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وهذا في القرآن كثير يبين سبحانه فيه اختيارهم الضلال والكفر عمدا على علم! هذا وكم من قاصد أمرا يظن أنه رشد وهو ضلال وغي. فصل: قال الجبري: لو جاز تأثير قدرة العبد في القول بالإيجاد لجاز تأثيرها في إيجاد كل موجود لأن الوجود قضية واحدة مشتركة بين الموجودات الممكنة وإن اختلفت محاله وجهاته ويلزم من صحة تأثير القدرة في بعضه صحة تأثيرها في جميعه لاتحاد المتعلق وإن ما ثبت لأحد المثلين ثبت للآخر وأيضا فالمصحح للتأثير هو الإمكان ويلزم من الاشتراك في المصحح للتأثير الاشتراك في الصحة ومعلوم قطعا أن قدرة العبد لا تتعلق بإيجاد الأجسام وأكثر الأعراض إنما تتعلق ببعض الأعراض القائمة لمحل قدرته قال السني: لقد كشف الله عوار مذهب يكون إثباته مستندا إلى مثل هذه الخرافات التي حاصلها أنه يلزم من صحة قدرة العبد على قلع حصاة من الأرض صحة قدرته على قلع الجبل ومن إمكان حمله لرطل إمكان حمله لمائة ألف رطل ومن إيجاده للفعل القائم به من الأكل والشرب والصلاة وغيرها صحة إيجاده لخلق السماوات والأرض وما بينهما وهل سمع في الهذيان(1\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "167",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11361",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأسمج من هذا وأغث من هذا واشتراك الموجودات في مسمى الوجود الكلي العام لا يلزم منه أن ما جاز على موجود ما جاز على كل موجود وهذا أسمج من الأول وأبين فسادا ولا يلزم من ذلك تماثل البعوضة والفيل وتماثل الأجسام والإعراض ومن يجعل من الجبرية للقدرة الحادثة تعلقا ما بفعل العبد يعترف بالفرق ويقول قدرته تتعلق ببعض الأعراض ولا تتعلق بالأجسام ولا بكل الأعراض فإن احتج على إبطال التأثير بهذه الشبهة الغثة ألزم بها بعينها في عموم تعلق قدرته بكل موجود. فصل: قال الجبري: دليل التوحيد ينفي كون العبد فاعلا وأن يكون لقدرته تأثير في فعله وتقريره بدليل التمانع قال السني: دليل التوحيد إنما ينفي وجود رب ثان ويدل على أنه لا رب إلا هو سبحانه ولا يدل على امتناع وجود مخلوق له قدرة وإرادة مخلوقة يحدث بها وهو وقدرته وإرادته وفعله مخلوق لله فهو بعد طول مقدماته واعتراف فضلائكم بالعجز عن تقريره وذكر ما في مقدماته من منع ومعارضة إنما ينفي وجود قادرين متكافئين قدرة كل واحد منهما من لوازم ذاته ليست مستفادة من الآخر وهو دليل صحيح في نفسه وإن عجزتم عن تقريره ولكن ليس فيه ما ينفي أن تكون قدرة العبد وإراداته سببا لوجود مقدوره وتأثيرها فيه تأثير الأسباب في مسبباتها فلا للتوحيد قررتم بدليل التمانع ولا للجبر وقد كفانا أفضل متأخريكم بيان تنافي هذا الدليل من المنوع والمعارضات قال الجبري: دعنا من هذا كله أليس في القول بتأثير قدرة العبد في مقدوره مع الاعتراف بأن الله سبحانه قادر على مقدور العبد إلزام وقوع المقدور الواحد بين القادرين والدليل ينفيه قال السني: ما تعني بقولك يلزم وقوع مقدور بين قادرين أتعنى به قادرين مستقلين متكافئين أم تعنى به قادرين تكون قدرة أحدهما مستفادة من الآخر فإن عنيت الأول منعت الملازمة وإن عنيت الثاني منع انتفاء اللازم ومثبتو الكسب يجيبون عن هذا بأنه لا يمتنع وقوع مقدور بين قادرين لقدرة أحدهما تأثير في إيجاده ولقدرة الآخر تأثير في صفته كما يقوله القاضي أبو بكر ومن تبعه والأشعري يجيب عنه على أصله بأن الفعل وقع بين قادرين لا تأثير لقدرة أحدهما في المقدور بل تعلق قدرته بمقدورها كتعلق العلم بمعلومه وإنما الممتنع عنده وقوع مقدور بين قادرين مؤثرين وهذا الاعتذار لا يخرج عن الجبر وأن زخرفت له العبارات وأجاب عنه الحسينية بما حكيناه أنه لا يمتنع مقدرو بين قادرين على سبيل البدل ويمتنع على سبيل الجمع وقد تقدم فساده وأجاب عنه المشايخية بأنه مقدور للعبد وليس مقدورا للرب وهذا أبطل الأجوبة وأفسدها والقائلون به يقولون أن الله سبحانه عن إفكهم يريد الشيء فلا يكون ويكون الشيء بغير إرادته ومشيئته فيريد ما لا يكون ويكون ما لا يريد وكفى بهذا بطلانا وفسادا قال الجبري: الفعل عند المرجح التام واجب والمرجح ليس من العبد وإلا لزم التسلسل فهو من الرب فإذا وجب الفعل عنده فهو الجبر بعينه قال السني: قد تقدم هذا الدليل وبيان ما فيه وحيث أعدتموه بهذه العبارة الوجيزة المختصرة فنحن نذكر الأجوبة عنه كذلك قولكم لا بد من مرجح يرجح الفعل على الترك أو بالعكس مسلم قولكم المرجح إن كان من العبد لزم التسلسل وإن كان من الرب لزم الجبر جوابه ما المانع أن يكون من فعل العبد ولا يلزم التسلسل بأن يكون من فعله على وجه لا يكون الترك ممكنا له حينئذ ولا يلزم من سلب الاختيار عنه في فعل المرجح سلبه عنه مطلقا ثم ما المانع أن يكون المرجح من فعل الله ولا يلزم الجبر فإنكم إن(1\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "168",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11362",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنيتم بالجبر أنه غير مختار للفعل ولا مريد له لم يلزم الجبر بهذا الاعتبار لأن الرب سبحانه جعل المرجح اختيار العبد ومشيئته فانتفى الجبر وإن عنيتم بالجبر أنه وجد لا بإيجاد العبد لم يلزم الجبر أيضا بهذا الاعتبار وإن عنيتم أنه يجب عند وجود المرجح وأنه لا بد منه فنحن لا ننفي الجبر بهذا الاعتبار وتسمية ذلك جبرا اصطلاح يختص بكم وهو اصطلاح فاسد فإن فعل الرب سبحانه يجب عند وجود مرجحه التام ولا يكون ذلك جبرا بالنسبة إليه سبحانه ثم هذا لازم على من اثبت الكسب منكم فنقول له في الكسب ما قاله في أصل الفعل سواء ومن لم يثبت الكسب لزم ذلك في فعل الرب كما تقدم فإن قلتم الفرق أن صدور الفعل عن القادر موقوف على الإرادة وإرادة العبد محدثة فافتقرت إلى محدث فإن كان ذلك المحدث هو العبد لزم التسلسل فوجب انتهاء جميع الإرادات إلى إرادة ضرورية يخلقها الله في القلب ابتداء ويلزم منه الجبر بخلاف إرادة الرب سبحانه فإنها قديمة مستغنية عن إرادة أخرى فلا تسلسل قيل لكم لا يجدي هذا عليكم في دفع الإلزام فإن الإرادة القديمة إما أن يصح معها الفعل بدلا عن الترك وبالعكس أو لا فإن كان الأول فلا بد لأحد الطرفين من مرجح والكلام في ذلك المرجح كالكلام في الأول ويلزم التسلسل وإن كان الثاني لزم الجبر قال الجبري: معتمدي في الجبر على حرف لا خلاص لكم منه إلا بإلزام الجبر وهو أن العبد لو كان فاعلا لفعله لكان محدثا له ولو كان محدثا له لكان خالقا له والشرع والعقل ينفيه قال تعالى: يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون  قال السني: قد دل العقل والشرع والحس على أن العبد فاعل له وأنه يستحق عليه الذم واللعن كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى حمارا قد وسم في وجهه فقال: quot;ألم أنه عن هذا لعن الله من فعل هذاquot; وقال تعالى: ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث وقال: هل تجزون إلا ما كنتم تعملون وقال: ووفيت كل نفس ما عملت وهذا في القرآن أكثر من أن يذكر والحس شاهد به فلا تقبل شبهة تقام على خلافه ويكون حكم تلك الشبهة حكم القدح في الضروريات فلا يلتفت إليه ولا يجب على العالم حل كل شبهة تعرض لكل أحد فإن هذا لا آخر له فقولكم لو كان فاعلا لفعله لكان محدثا له إن أردتم بكونه محدثا صدور الفعل منه اتحد اللازم والملزوم وصار حقيقة قولكم لو كان فاعلا لكان فاعلا وإن أردتم بكونه محدثا كونه خالقا سألناكم ما تعنون بكونه خالقا هل تعنون به كونه فاعلا أم تعنون به أمرا آخرا فإن أردتم الأول كان اللازم فيه عين الملزوم وإن أردتم أمرا آخر غير كونه فاعلا فبينوه فإن قلتم نعني به كونه موجودا للفعل من العدم إلى الوجود قيل هذا معنى كونه فاعلا فما الدليل على إحالة هذا المعنى فسموه ما شئتم إحداثا أو إيجادا أو خلقا فليس الشأن في التسميات وليس الممتنع ألا أن يكون مستقلا بالإيجاد وهذا غير لازم لكونه فاعلا فإنا قد بينا أن غاية قدرة العبد وإراداته وداعية وحركته أن تكون جزء سبب وما توقف عليه الفعل من الأسباب التي لا تدخل تحت قدرته أكثر من الجزء الذي إليه بأضعاف مضاعفة والفعل لا يتم إلا بها فإن قيل فهذا الجبر بعينه قيل ذلك السبب الذي أعني به من القدرة والإرادة هو الذي أخرجه من الجبر وأدخله في الاختيار وكون ذلك السبب من خالقه وفاطره ومنشيه هو الذي أخرجه من الشرك والتعطيل وأدخله في باب التوحيد فالأول(1\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "169",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11363",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أدخله في باب العدل والثاني أدخله في باب التوحيد ولم يكن ممن نقض التوحيد بالعدل ولا ممن نقض العدل بالتوحيد فهؤلاء جنوا على التوحيد وهؤلاء جنوا على العدل وهدى الله أهل السنة للتوحيد والعدل: والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .(1\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "170",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11364",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "الباب العشرون: في ذكر مناظرة بين قدري وسني",
        "content": "الباب العشرون: في ذكر مناظرة بين قدري وسني ... الباب العشرون: في ذكر مناظرة بين قدري سني قال القدري: قد أضاف الله الأعمال إلى العباد بأنواع الإضافة العامة والخاصة فأضافها إليهم بالاستطاعة تارة كقوله: ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات وبالمشيئة تارة كقوله: لمن شاء منكم أن يستقيم وبالإرادة تارة كقول الخضر فأردت أن أعيبها وبالفعل والكسب والصنع كقوله: يفعلون : يعملون : بما كنتم تكسبون : لبئس ما كانوا يصنعون وأما بالإضافة الخاصة فكإضافة الصلاة والصيام والحج والطهارة والزنا والسرقة والقتل والكذب والكفر والفسوق وسائر أفعالهم إليهم وهذه الإضافة تمتنع إضافتها إليه كما أن إضافة أفعاله تعالى تمتنع إضافتها إليهم فلا تجوز إضافة أفعالهم إليه سبحانه دونهم ولا إليه معهم فهي إذا مضافة إليهم دونه قال السني: هذا الكلام مشتمل على حق وباطل أما قولك أنه أضاف الأفعال إليهم فحق لا ريب فيه وهذا حجة لك على خصومك من الجبرية وهم يجيبونك بأن هذا الإسناد لا حقيقة له وإنما هو نسبة مجازية صححها قيام الأفعال بهم كما يقال جرى الماء وبرد وسخن ومات زيد ونحن نساعدك على بطلان هذا الجواب ومنافاته للعقول والشرائع والفطر ولكن قولك هذه الإضافة تمنع إضافتها إليه سبحانه كلام فيه إجمال وتلبيس فإن أردت بمنع الإضافة إليه منع قيامها به ووصفه بها وجريان أحكامها عليه واشتقاق الأسماء منه له فنعم هي غير مضافة إليه بشيء من هذه الاعتبارات والوجوه وإن أردت بعدم إضافتها إليه عدم إضافتها إلى علمه بها وقدرته عليها ومشيئته العامة وخلقه فهذا باطل فإنها معلومة له سبحانه مقدورة له مخلوقة وإضافتها إليهم لا تمنع هذه الإضافة كالأموال فإنها مخلوقة له سبحانه وهي ملكه حقيقة قد أضافها إليهم فالأعمال والأموال خلقه وملكه وهو سبحانه يضيفها إلى عبيده وهو الذي جعلهم مالكيها وعامليها فصحت النسبتان وحصول الأموال بكسبهم وإرادتهم كحصول الأعمال وهو الذي خلق الأموال وكاسبيها والأعمال وعامليها فأموالهم وأعمالهم ملكه وبيده كما أن أسماعهم وأبصارهم وأنفسهم ملكه وبيده فهو الذي جعلهم يسمعون ويبصرون ويعملون فأعطاهم حاسة السمع والبصر وقوة السمع والبصر وفعل الإسماع والإبصار وأعطاهم آلة العمل وقوة العمل ونفس العمل فنسبة قوة العمل إلى اليد والكلام إلى اللسان كنسبة قوة السمع إلى الأذن والبصر إلى العين ونسبة الرؤية والاستماع اختيارا إلى محلهما كنسبة الكلام والبطش إلى محلهما وإن كانوا هم الذين خلقوا لأنفسهم الرؤية والسمع فهل خلقوا محلهما وقوى المحل والأسباب الكثيرة التي تصلح معها الرؤية والسمع أم الكل خلق من هو خالق كل شيء وهو الواحد القهار قال القدري: لو كان الله سبحانه هو الفاعل لأفعالهم لاشتقت له منها الأسماء وكان أولى بأسمائها منهم إذ لا يعقل الناس على اختلاف لغاتهم وعاداتهم ودياناتهم قائما إلا من فعل القيام وآكلا إلا من فعل الأكل وسارقا إلا من فعل السرقة وهكذا جميع الأفعال لازمها ومتعديها(1\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "171",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11365",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقلبتم أنتم الأمر وقلبتم الحقائق فقلتم من فعل هذه الأفعال حقيقة لا يشتق له منها اسم وإنما يشتق منها الأسماء لمن لم يفعلها ولم يحدثها وهذا خلاف العقول واللغات وما تتعارفه الأمم قال السني: هذا إنما يلزم إخوانك وخصومك الجبرية القائلين بأن العبد لم يفعل شيئا البتة وأما من قال العبد فاعل لفعله حقيقة والله خالقه وخالق آلات فعله الظاهرة والباطنة فإنه إنما يشتق الأسماء لمن فعل تلك الأفعال فهو القائم والقاعد والمصلي والسارق والزاني حقيقة فإن الفعل إذا قام بالفاعل عاد حكمه إليه ولم يعد إلى غيره واشتق له منه اسم ولم يشتق لمن لم يقم به فههنا أربعة أمور أمران معنويان في النفي والإثبات وأمران لفظيان فيهما فلما قام الأكل والشرب والزنا والسرقة بالعبد عادت أحكام هذه الأفعال إليه واشتقت له منها الأسماء وامتنع عود أحكامها إلى الرب واشتقاق أسمائها له ولكن من أين يمنع هذا أن تكون معلومة للرب سبحانه مقدورة له مكونة له واقعة من العباد بقدرة ربهم وتكوينه قال القدري: لو كان خالقا لها لزمته هذه الأمور قال السني: هذا باطل ودعوى كاذبة فإنه سبحانه لا يشتق له اسم مما خلقه في غيره ولا يعود حكمه عليه وإنما يشتق الاسم لمن قام به ذلك فإنه سبحانه خلق الألوان والطعوم والروائح والحركات في محالها ولم يشتق له منها اسم ولا عادات أحكامها إليه ومعنى عود الحكم إلى المحل الإخبار عنه بأنه يقوم ويقعد ويأكل ويشرب قال السني: ومن ههنا علم ضلال المعتزلة الذين يقولون أن القرآن مخلوقا خلقه الله في محل ثم اشتق له اسم المتكلم باعتبار خلقه له وعاد حكمه إليه فأخبر عنه أنه تكلم به ومعلوم أن الله سبحانه خالق صفات الأجسام وأعراضها وقواها فكيف جاز أن يشتق له اسم مما خلقه من الكلام في غيره ولم يشتق له اسم مما خلقه من الصفات والأعراض في غيره فأنت أيها القدري نقضت أصولك بعضها ببعض وأفسدت قولك في مسألة الكلام بقولك في مسألة القدر وقولك في القدر بقولك في الكلام فجعلته متكلما بكلام قائم بغيره وأبطلت أن يكون فاعل الفعل قائما بغيره فإن كنت أصبت في مسألة الكلام فقد نقضت أصلك في القدر وإن أصبت في هذا الأصل لزم خطأك في مسألة الكلام فأنت مخطئ على التقديرين قال القدري فما تقول أنت في هذا المقام قال السني: لا تناقض في هذا ولا في هذا بل أصفه سبحانه بما قام به وامتنع من وصفه بما لم يقم قال القدري فالآن حمى الوطيس فأنت والمسلمون وسائر الخلق تسمونه تعالى خالقا ورازقا ومميتا والخلق والرزق والموت قائم بالمخلوق والمرزوق والميت إذ لو قام ذلك بالرب سبحانه فالخلق إما قديم وإما حادث فإن كان قديما لزم قدم المخلوق لأنه نسبة بين الخالق والمخلوق ويلزم من كونها قديمة قدم المصحح لها وإن كان حادثا لزم قيام الحوادث به وافتقر ذلك الخلق إلى خلق آخر فلزم التسلسل فثبت أن الخلق غير قائم به سبحانه وقد اشتق له منه اسم قال السني: أي لازم من هذه اللوازم التزمه المرء كان خيرا من أن ينفي صفة الخالقية عن الرب سبحانه فإن حقيقة هذا القول أنه غير خالق فإن إثبات خالق بلا خلق إثبات اسم لا معنى له وهو كإثبات سميع لا سمع له وبصير لا بصر له ومتكلم وقادر لا كلام له ولا قدرة فتعطيل الرب سبحانه عن فعله القائم به كتعطيله عن صفاته القائمة به والتعطيل أنواع تعطيل المصنوع عن الصانع وهو تعطيل الدهرية والزنادقة وتعطيل الصانع عن صفات كماله ونعوت جلاله وهو تعطيل الجهمية نفاة الصفات وتعطيله عن أفعاله وهو أيضا تعطيل الجهمية وهم أبنائه ودب فيمن عداهم من الطوائف فقالوا لا يقوم بذاته فعل لأن الفعل(1\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "172",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11366",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حادث وليس محلا للحوادث كما قال إخوانهم لا تقوم بذاته صفة لأن الصفة عرض وليس محلا للأعراض فلو التزم الملتزم أي قول التزمه كان خيرا من تعطيل صفات الرب وأفعاله فالمشبهة ضلالهم وبدعتهم خير من المعطلة ومعطلة الصفات خير من معطلة الذات وإن كان التعطيلان متلازمين لاستحالة وجود ذات قائمة بنفسها لا توصف بصفة فوجود هذه محال في الذهن وفي الخارج ومعطلة الأفعال خير من معطلة الصفات فإن هؤلاء نفوا صفة الفعل وإخوانهم نفوا صفات الذات وأهل السمع والعقل وحزب الرسول والفرقة الناجية برآء من تعطيل هؤلاء كلهم فإنهم أثبتوا الذات والصفات والأفعال وحقائق الأسماء الحسنى إذ جعلها المعطلة مجازا لا حقيقة له فشر هذه الفرق لخيرها الفداء والمقصود أنه أي قول لزمه الملتزم كان خيرا من نفي الخلق وتعطيل هذه الصفة عن الله وإذا عرض على العقل السليم مفعول لا فاعل له ومفعول لا فاعل لفعله لم يجد بين الأمرين فرقا في الإحالة فمفعول بلا فعل كمفعول بلا فاعل لا فرق بينهما البتة فليعرض العاقل على نفسه القول بتسلسل الحوادث والقول بقيام الأفعال بذات الرب سبحانه والقول بوجود مخلوق حادث عن خلق قديم قائم بذات الرب سبحانه والقول بوجود مفعول بلا فعل ولينظر أي هذه الأقوال أبعد عن العقل والسمع وأيها أقرب إليهما ونحن نذكر أجوبة الطوائف عن هذا السؤال فقالت طائفة يختار من هذا التقسيم والترديد كون الخلق والتكوين قديما قائما بذات الرب سبحانه ولا يلزمنا قدم المخلوق المكون كما نقول نحن وأنتم أن الإرادة قديمة ولا يلزم من قدمها قدم المراد وكل ما أجبتم به في صورة الإلزام فهو جوابنا بعينه في مسألة المكون وهذا جواب سديد وهو جواب جمهور الحنفية والصوفية وأتباع الأئمة فإن قلتم إنما لا يلزم من قدم الإرادة قدم المراد لأنها تتعلق بوجود المراد في وقته فهو يريد كون الشيء في ذلك الوقت وأما تكوينه وخلقه قبل وجوده فمحال قيل لكم لسنا نقول أنه كونه قبل وقت كونه بل التكوين القديم اقتضى كونه في وقته كما اقتضت الإرادة القديمة كونه في وقته فإن قلتم كيف يعقل تكوين ولا مكون قيل كما عقلتم إرادة ولا مراد فإن قلتم المريد قد يريد الشيء قبل كونه ولا يكونه قبل كونه قيل كلامنا في الإرادة المستلزمة لوجوده في الإرادة التي لا تستلزم المراد وإرادة الرب سبحانه ومشيئته تستلزم وجود مراده وكذلك التكوين يوضحه أن التكوين هو اجتماع القدرة والإرادة وكلمة التكوين وذلك كله قديم ولم يلزم منه قدم المكون قالوا وإذا عرضنا هذا على العقول السليمة وعرضنا عليها مفعولا بلا فعل بادرت إلى قبول ذاك وإنكار هذا فهذا جواب هؤلاء وقالت الكرامية بل نختار من هذا الترديد كون التكوين حادثا وقولكم يلزم من ذلك قيام الحوادث بذات الرب سبحانه فالتكوين هو فعله وهو قائم به وكأنكم قلتم يلزم من قيام فعله به قيامه به وسميتم أفعاله حوادث وتوسلتم بهذه التسمية إلى تعطيلها كما سمى إخوانكم صفاته إعراضا وتوسلوا بهذه التسمية إلى نفيها عنه وكما سموا علوه على مخلوقاته واستواءه على عرشه تحيزا وتوسلوا بهذه إلى نفيه وكما سموا وجهه الأعلى ويديه جوارح وتوسلوا بذلك إلى نفيها قالوا ونحن لا ننكر أفعال خالق السماوات والأرض وما بينهما وكلامه وتكليمه ونزوله إلى السماء واستواءه على عرشه ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده وندائه لأنبيائه ورسله وملائكته وفعله ما شاء بتسميتكم لهذا كله حوادث ومن أنكر ذلك فقد أنكر كونه(1\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "173",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11367",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رب العالمين فإنه لا يتقرر في العقول والفطر كونه ربا للعالمين إلا بأن يثبت له الأفعال الاختيارية وذات لا تفعل ليست مستحقة للربوبية ولا للإلهية فالإجلال من هذا الإجلال واجب والتنزيه عن هذا التنزيه متعين فتنزيه الرب سبحانه عن قيام الأفعال به تنزيه له عن الربوبية وملكه قالوا ولنا على صحة هذه المسألة أكثر من ألف دليل من القرآن والسنة والعقول وقد اعترف أفضل متأخريكم بفساد شبهكم كلها على إنكار هذه وذكرها شبهة شبهة وأفسدها والتزم بها جميع الطوائف حتى الفلاسفة الذين هم أبعد الطوائف من إثبات الصفات والأفعال قالوا ولا يمكن إثبات حدوث العالم وكون الرب خالقا ومتكلما وسامعا ومبصرا ومجيبا للدعوات ومدبرا للمخلوقات وقادرا ومريدا إلا القول بأنه فعال وأن أفعاله قائمة به فإذا بطل أن يكون له فعل وأن تقوم بذاته الأمور المتجددة بطل هذا كله. فصل: وقد أجاب عن هذا عبد العزيز بن يحيى الكناني في حيدته فقال في سؤاله للمريسي: بأي شيء حدثت الأشياء فقال له أحدثها الله بقدرته التي لم تزل فقلت له أحدثها بقدرته كما ذكرت أو ليس تقول أنه لم يزل قادرا قال بلى قلت فتقول أنه لم يزل يفعل قال لا أقول هذا قلت فلا بد أن نلزمك أن تقول أنه خلق بالفعل الذي كان بالقدرة لأن القدرة صفة ثم قال عبد العزيز لم أقل لم يزل الخالق يخلق ولم يزل الفاعل يفعل وإنما الفعل صفة والله يقدر عليه ولا يمنعه منه مانع فأثبت عبد العزيز فعلا مقدورا لله هو صفة ليس من المخلوقات وأنه به خلق المخلوقات وهذا صريح في أن مذهبه كمذهب السلف وأهل الحديث لأن الخلق غير المخلوق والفعل غير المفعول كما حكاه البغوي إجماعا لأهل السنة وقد صرح عبد العزيز أن فعله سبحانه القائم به وأنه خلق به المخلوقات كما صرح به البخاري في آخر صحيحه وفي كتاب خلق الأفعال قال في صحيحه باب ما جاء في تخليق السماوات والأرض وغيرها من الخلائق وفعل الرب وأمره فالرب سبحانه بصفاته وفعله وأمره وكلامه هو الخالق المكون غير مخلوق وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون فصرح إمام السنة أن صفة التخليق هي فعل الرب وأمره وأنه خالق بفعله وكلامه وجميع جند الرسول وحزبه مع محمد بن إسماعيل في هذا والقرآن مملوء من الدلالة عليه كما دل عليه العقل والفطرة قال تعالى: أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ثم أجاب نفسه بقوله: بلى وهو الخلاق العليم فأخبر أنه قادر على نفس فعله وهو أن يخلق فنفس أن يخلق فعل له وهو قادر عليه ومن يقول لا فعل له وأن الفعل هو عين المفعول يقول لا يقدر على فعل يقوم به البتة بل لا يقدر إلا على المفعول المباين له الحادث بغير فعل منه سبحانه وهذا أبلغ في الإحالة من حدوثه بغير قدرة بل هو في الإحالة كحدوثه بغير فاعل فإن المفعول يدل على قدرة الفاعل باللزوم العقلي ويدل على فعله الذي وجد به بالتضمن فإذا سلبت دلالته التضمنية كان سلب دلالته اللزومية أسهل ودلالة المفعول على فاعله وفعله دلالة واحدة وهي أظهر بكثير من دلالته قدرته وإرادته في القرآن كثير كقوله: قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم وأن يبعث هو نفس فعله والعذاب هو مفعوله المباين له وكذلك قو4له: أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى فإحياء الموتى نفس فعله وحياتهم مفعوله المباين له وكلاهما مقدور له وقال تعالى: بلى قادرين على أن نسوي بنانه فتسوية البنان فعله واستواؤها(1\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "174",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11368",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مفعوله ومنكرو الأفعال يقولون أن الرب سبحانه يقدر على المفعولات المباينة له ولا يقدر على فعل يقوم بنفسه لا لازم ولا متعد وأهل السنة يقولون الرب سبحانه يقدر على هذا وعلى هذا وهو سبحانه له الخلق والأمر فالجهمية أنكرت خلقه وأمره وقالوا خلقه نفس مخلوقه وأمره مخلوق من مخلوقاته فلا خلق ولا أمر ومن أثبت له الكلام القائم بذاته ونفى أن يكون له فعل فقد أثبت الأمر دون الخلق ولم يقل أحد بقيام أفعاله به ونفى صفة الكلام عنه فيثبت الأمر دون الخلق وأهل السنة يثبتون له تعالى ما أثبته لنفسه من الخلق والأمر فالخلق فعله والأمر قوله وهو سبحانه يقول ويفعل وأجابت طائفة أخرى من أهل السنة والحديث عن هذا بالتزام التسلسل وقالوا ليس في العقل ولا في الشرع ما ينفي دوام فاعلية الرب سبحانه وتعاقب أفعاله شيئا قبل شيء إلى غير غاية كما تتعاقب شيئا بعد شيء إلى غير غاية فلم تزل أفعالا قالوا والفعل صفة كمال ومن يفعل أكمل ممن لا يفعل قالوا ولا يقتضي صريح العقل إلا هذا ومن زعم أن الفعل كان ممتنعا عليه سبحانه في مدد غير مقدرة لا نهاية لها ولا يقدر أن يفعل ثم انقلب الفعل من الاستحالة الذاتية إلى الإمكان الذاتي من غير حدوث سبب ولا تغير في الفاعل فقد نادى على عقله بين الأنام قالوا وإذا كان هذا في العقول جاز أن ينقلب العالم من العدم إلى الوجود من غير فاعل وإن امتنع هذا في بداية العقول فكذلك نجد إمكان الفعل وانقلابه من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي بلا سبب وأما أن يكون هذا ممكنا وذاك ممتنعا فليس في العقول ما يقضي بذلك قالوا والتسلسل لفظ مجمل لم يرد بنفيه ولا إثباته كتاب ناطق ولا سنة متبعة فيجب مراعاة لفظه وهو ينقسم إلى واجب وممتنع وممكن كالتسلسل في المؤثر محال ممتنع لذاته وهو أن يكون مؤثرين كل واحد منهم استفاد تأثيره ممن قبله لا إلى غاية والتسلسل الواجب ما دل عليه العقل والشرع من دوام أفعال الرب تعالى في الأبد وأنه كلما انقضى لأهل الجنة نعيم أحدث لهم نعيما آخر لا نفاد له وكذلك التسلسل في أفعاله سبحانه من طرق الأزل وأن كل فعل مسبوق بفعل آخر فهذا واجب في كلامه فإنه لم يزل متكلما إذا شاء ولم تحدث له صفة الكلام في وقت وهكذا أفعاله التي هي من لوازم حياته فإن كل حي فعال والفرق بين الحي والميت بالفعل ولهذا قال غير واحد من السلف الحي الفعال وقال عثمان بن سعيد: كل حي فعال ولم يكن ربنا سبحانه قط في وقت من الأوقات المحققة أو المقدرة معطلا عن كماله من الكلام والإرادة والفعل وأما التسلسل الممكن فالتسلسل في مفعولاته من هذا الطرف كما يتسلسل في طرف الأبد فإنه إذا لم يزل حيا قادرا مريدا متكلما وذلك من لوازم ذاته فالفعل ممكن هذه الصفات له وأن يفعل أكمل من أن لا يفعل ولا يلزم من هذا أنه لم يزل الخلق معه فإنه سبحانه متقدم على كل فرد من مخلوقاته تقدم لا أول له فلكل مخلوق أول والخالق سبحانه لا أول له فهو وحده الخالق وكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن قالوا وكل قول سوى هذا فصريح العقل يرده ويقضي ببطلانه وكل من اعترف بأن الرب سبحانه لم يزل قادرا على الفعل لزمه أحد الأمرين لا بد له منهما أما أن يقول بأن الفعل لم يزل ممكنا وأما أن يقول لم يزل واقعا إلا تناقض تناقضا بينا حيث زعم أن الرب سبحانه لم يزل قادرا على الفعل والفعل محال ممتنع لذاته لو أراده لم يكن وجوده بل فرض إرادته عنده محال وهو مقدور له وهذا قول ينقض بعضه بعضا وأجابت طائفة أخرى بالجواب المركب على جميع التقادير فقالوا(1\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "175",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11369",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تسلسل الآثار إما أن يكون ممكنا أو ممتنعا فإن كان ممكنا فلا محذور في التزامه وإن كان ممتنعا لم يلزم من بطلانه بطلان الفعل الذي لا يكون المخلوق إلا به فإنا نعلم أن المفعول المنفصل لا يكون إلا بفعل والمخلوق لا يكون إلا بخلق قبل العلم بجواز التسلسل وبطلانه ولهذا كثير من الطوائف يقولون الخلق غير المخلوق والفعل غير المفعول مع قولهم ببطلان التسلسل مثل كثير من أتباع الأئمة الأربعة وكثير من أهل الحديث والصوفية والمتكلمين ثم من هؤلاء من يقول الخلق الذي هو التكوين صفة كالإرادة ومنهم من يقول بل هي حادثة بعد أن لم تكن كالكلام والإرادة وهي قائمة به سبحانه وهم الكرامية ومن وافقهم أثبتوا حدوثها وقيامها بذاته وأبطلوا دوامها فرارا من القول بحوادث لا أول لها وكلا الفريقين يقول أن ذلك التكوين والخلق مخلوق بل يقول أن المخلوق وجد به كما وجد بالقدرة قالوا فإذا كان القول بالتسلسل لازما لكل من قال أن الرب تعالى لم يزل قادرا على الخلق يمكنه أن يفعل بلا ممانع فهو لازم لك كما ألزمته لخصومك فلا ينفردون بجوابه دونك وأما ما ألزموك به من وجود مفعول بلا فعل ومخلوق بلا خلق فهو لازم لك وحدك قالوا ونحن إنما قلنا الفعل صفة قائمة به سبحانه وهو قادر عليه لا يمنعه منه مانع والفعل القائم به ليس هو المخلوق المنفصل عنه فلا يلزم أن يكون معه مخلوقا في الأزل إلا إذا ثبت أن الفعل اللازم يستلزم الفعل المتعدي وأن المتعدي يستلزم دوام نوع المفعولات ودوام نوعها يستلزم أن يكون معه سبحانه في الأزل شيء منها وهذه الأمور لا سبيل لك ولا لغيرك إلى الاستدلال على ثبوتها كلها وحينئذ فنقول أي لازم لزم من إثبات فعله كان القول به خيرا من نفي الفعل وتعطيله فإن ثبت قيام فعله به من غير قيام الحوادث به كما يقوله كثير من الناس بطل قولكم وإن لزم من إثبات فعله قيام الأمور الاختيارية به والقول بأنها مفتتحة ولها أول فهو خير من قولكم كما تقوله الكرامية وإن لزم تسلسلها وعدم أوليتها في الأفعال اللازمة فهو خير من قولكم وإن لزم تسلسل الآثار وكونه سبحانه لم يزل خالقا كما دل عليه النص والعقل فهو خير من قولكم ولو قدر أنه يلزم أن الخلق لم يزل مع الله قديما بقدمه كان خيرا من قولكم مع أن هذا لا يلزم ولم يقل به أحد من أهل الإسلام بل ولا أهل الملل فكلهم متفقون على أن الله وحده الخالق وكل ما سواه مخلوق موجود بعد عدمه وليس معه غيره من المخلوقات يكون وجوده مساويا لوجوده فما لزم بعد هذا من إثبات خلقه وأمره وصفات كماله ونعوت جلاله وكونه رب العالمين وأن كماله المقدس من لوازم ذاته فإنا به قائلون وله ملتزمون كما إنا ملتزمون لكل ما لزم من كونه حيا عليما قديرا سميعا بصيرا متكلما آمرا ناهيا فوق عرشه بائن من خلقه يراه المؤمنون بأبصارهم عيانا في الجنة وفي عرصات القيامة ويكلمهم ويكلمونه فإن هذا حق ولازم الحق مثله وما لم يلزم من إثبات ذلك من الباطل الذي تتخيله خفافيش العقول فنحن له منكرون وعن القول به عادلون وبالله التوفيق قال القدري: كون العبد موجدا لأفعاله وهو الفاعل لها من أجل الضروريات والبديهيات فإن كل عاقل يعلم من نفسه أنه فاعل لما يصدر منه من الأفعال الواقعة على وفق قصده وداعيته بخلاف حركة المرتعش والمجرور على وجهه وهذا لا يتمارى فيه العاقل ولا يقبل التشكيك والقدح في ذلك والاستدلال على خلافه استدلال على بطلان ما علمت صحته بالضرورة فلا يكون مقبولا قال السني: قد أجابك خصومك من الجبرية عن هذا بأن العاقل يعلم من نفسه وقوع الفعل مقارنا لقدرته(1\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "176",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11370",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يعلم من نفسه أنه واقع بقدرته والفرق بين الأمرين ظاهر ولو كان وقوعه بقدرته هو المعلوم بالضرورة لما خالف فيه جمع عظيم من العقلاء يستحيل عليهم الإطباق على جحد الضروريات وهذا الجواب مما لا يشفي عليلا ولا يروي غليلا وهو عبارات لا حاصل تحتها فإن كل عاقل يجد من نفسه وقوع الفعل بقدرته وإراداته وداعيته فإن ذلك هو المؤثر في الفعل ويجد تفرقة ضرورية بين مقارنة القدرة والداعية للفعل ومقارنة طوله ولونه وشمه وغير ذلك من صفاته للفعل ونسبة ذلك كله عند الجبري إلى الفعل نسبة واحدة والله سبحانه أجرى العادة بخلق الفعل عند القدرة والداعي لا بهما وإنما اقترن الداعي والقدرة بالفعل اقترانا مجردا ومعلوم أن هذا قدح في الضروريات ولا ريب أن من نظر إلى تصرفات العقلاء ومعاملاتهم مع بعضهم بعضا وجدهم يطلبون الفعل من غيرهم طلب عالم بالاضطرار أن المطلوب منه الفعل هو المحصل له فالواقع بقدرته وإرادته ولذلك يتلطفون لوقوع الفعل منه بكل لطيفة ويحتالون عليه بكل حيلة فيعطونه تارة ويزجرونه تارة ويخوفونه تارة ويتوصلون إلى إخراج الفعل منه بأنواع الرغبة والرهبة ويقولون قد فعل فلان كذا فما لك لا تفعل كما فعل وهذا أمر مشاهد بالحس والضرورة فالعقلاء ساكنو لأنفس إلى أن الفعل من العبد يقع وبه يحصل ولو حرك أحدهم أصبعه فشتمت المحرك لها لغضب وشتمك وقال كيف تشتمني ولم يقل لي لم تشتم ربي وهذا أوضح من أن يضرب له المثال أو يبسط فيه المقال وما يعرض في ذلك من الشبه جار مجرى السفسطة وقد فطر الله العقلاء على ذم فاعل الإساءة ومدح فاعل الإحسان وهذا يدل على أنهم مفطورون على العلم بأنه فاعل لأن الذم فرع عليه ويستحيل أن يكون الفرع معلوما باضطرار والأصل ليس كذلك والعقلاء قاطبة يعلمون أن الكاتب مثلا يكتب إذا أراد ويمسك إذا أراد وكذلك الباني والصانع وأنه إذا عجزت قدرته أو عدمت إرادته بطل فعله فإن عادت إليه القدرة والإرادة عاد الفعل وقولك لو كان ذلك أمرا ضروريا لاشترك العقلاء فيه جوابك انه لا يجب الاشتراك في الضروريات فكثير من العقلاء يخالفون كثيرا من الضروريات لدخول شبهة عليهم ولا سيما إذا تواطؤا عليها وتناقلوها كمخالفة الفلاسفة في الإلهيات بيسير من الضروريات وهم جمع كثير من العقلاء وهؤلاء النصارى يقولون ما يعلم فساده بضرورة العقل وهم يناظرون عليه وينصرونه وهؤلاء الرافضة يزعمون أن أبا بكر وعمر لم يؤمنا بالله ورسوله طرفة عين ولم يزالا عدوين لرسول الله صلى الله عليه وسلم مترصدين لقتله وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام عليا على رؤوس جميع الصحابة وهم ينظرون إليه جهرة وقال: quot;هذا وصي وولي العهد من بعدي فكلكم له تسمعونquot; وأطبقوا على كتمان هذا النص وعصيانه وهؤلاء الجهمية ومن قال بقولهم يقولون ما يخالف صريح العقل من وجود مفعول بلا فعل ومخلوق بلا خلق وهؤلاء الفلاسفة وهم المدلون بعقولهم يثبتون ذواتا قائمة بأنفسهم خارج الذهن ليست في العالم ولا خارجة عن العالم ولا متصلة به ولا منفصلة عنه ولا مباينة له ولا محايثة وهو ما يعلم بصريح العقل فساده وهؤلاء طائفة الاتحادية تزعم أن الله هو هذا الوجود وأن التعدد والتكثير فيه وهم محض وهؤلاء منكرو الأسباب يزعمون أنه لا حرارة في النار تحرق بها ولا رطوبة في الماء يروى بها وليس في الأجسام أصلا لا قوى ولا طبائع ولا في العالم شيء يكون سببا لشيء آخر البتة وإن لم تكن هذه الأمور جحدا للضروريات فليس في العالم من جحد الضروريات وإن كانت جحدا(1\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "177",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11371",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للضروريات بطل قولكم ان جمعا من العقلاء لايتفقون على ذلك والأقوال التي يجحد بها المتكلمون الضروريات أضعاف أضعاف ماذكرناه فهم أجحد الناس لما يعلم بضرورة العقل وكيف يصح في عقل سليم سميع لا سمع له بصير لا بصر له حي لا حياة له أم كيف يصح عند عقل مرئي يرى بالأبصار عيانا لا فوق الرائي ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن شماله ولا عن يساره ولا خلفه ولا أمامه أم كيف يصح عند ذي عقل إثبات كلام قديم أزلي لو كان البحر يمده من بعده سبعة أبحر وجميع أشجار الأرض على اختلافها وكبرها وصغرها أقلام يكتب به لنفدت البحار وفنيت الأقلام ولم يفن ذلك الكلام ومع هذا فهو معنى واحد لا جزء له ولا ينقسم وهو والنهي فيه عين الأمر والنفي فيه عين الإثبات والخبر فيه عين الاستخبار والتوراة فيه عين الإنجيل وعين القرآن وذلك كله أمر واحد إنما يختلف بمسمياته ونسبه وقد أطبق على هذا جمع عظيم من العقلاء وكفروا من خالفهم فيه واستحلوا منهم ما حرمه الله وهؤلاء الجهمية يقولون أن للعالم صانعا قائما بذاته ليس في العالم ولا هو خارج العالم ولا فوق العالم ولا تحته ولا خلفه ولا أمامه ولا عن يمينه ولا عن يسرته ولا هو مباين له ولا محايث له فوصفوا واجب الوجود بصفة ممتنع الوجود وكفروا من خالفهم في ذلك واستحلوا دمه وقالوا ما يعلم فساده بصريح العقل ولو ذهبنا نذكر ما جحد فيه أكثر الطوائف الضروريات لطال الكتاب جدا وهؤلاء النصارى قد طبقت شرق الأرض وغربها وهم من أعظم الناس جحدا للضروريات وهؤلاء الفلاسفة هم أهل المعقولات وهم من أكثر الناس جحدا للضروريات فاتفاق طائفة من الطوائف على المقالة لا يدل على مخالفتها لصريح العقل وبالله التوفيق. فصل: قال القدري: قال الله سبحانه: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وعند الجبري أن الكل فعل الله وليس من العبد شيء قال الجبري: في الكلام استفهام مقدر تقديره أفمن نفسك فهو إنكار لا إثبات وقرأها بعضهم فمن نفسك بفتح الميم ورفع نفسك أي من أنت حتى تفعلها وقال ولا بد من تأويل الآية وإلا ناقض قوله في الآية التي قبلها: وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فأخبر أن الحسنات والسيئات جميعا من عنده لا من عند العبد قال السني: أخطأتما جميعا في فهم الآية أقبح الخطأ ومنشأ غلطكما إن الحسنات والسيئات في الآية المراد بها الطاعات والمعاصي التي هي فعل العبد الاختياري وهذا وهم محض في الآية وإنما المراد بها النعم والمصائب ولفظ الحسنات والسيئات في كتاب الله يراد به هذا تارة وهذا تارة فقوله تعالى: إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وقوله: إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل وقوله: وبلوناهم بالحسنات والسيئات وقوله: وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور وقوله: فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه وقوله: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك المراد في هذا كله النعم والمصائب وأما قوله: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وقوله: إن الحسنات يذهبن السيئات وقوله: فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات والمراد به في هذا كله الأعمال المأمور بها والمنهي عنها وهو سبحانه إنما قال ما أصابك ولم يقل ما أصبت وما كسبت فما يفعله العبد يقال فيه(1\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "178",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11372",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما أصبت وكسبت وعملت كقوله: ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن وكقوله: من يعمل سوءا يجز به : ومن يكسب خطيئة أو إثما وقول المذنب التائب يا رسول الله أصبت ذنبا فأقم علي كتاب الله ولا يقال في هذا أصابك ذنب وأصابتك سيئة وما يفعل به بغير اختياره يقال فيه أصابك كقوله: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم وقوله: وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل وقوله: أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها فجمع الله في الآية بين ما أصابوا بفعلهم وكسبهم وما أصابهم مما ليس فعلا لهم وقوله: ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده وقوله: ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة وقوله: فأصابتكم مصيبة الموت فقوله: ما أصابك من حسنة هو من هذا القسم الذي يصيبه العبد لا باختياره وهذا إجماع من السلف في تفسير هذه الآية قال أبو العالية: quot;وإن تصبكم حسنة هذا في السراء وإن تصبهم سيئة هذ في الضراءquot; قال السدي: quot;الحسنة الخصب تنتج مواشيهم وأنعامهم ويحسن حالهم فتلد نساؤهم الغلمان قالوا هذا من عند الله وإن تصبهم سيئة قال الضر في أموالهم تشاءموا بمحمد وقالوا هذه من عنده قالوا بتركنا ديننا وإتباعنا محمدا أصابنا ما أصابنا فأنزل الله سبحانه ردا عليهم قل كل من عند الله الحسنة والسيئةquot; وقال الوالبي عن ابن عباس ما أصابك من حسنة فمن الله قال ما فتح الله عليك يوم بدر وقال أيضا هو الغنيمة والفتح والسيئة ما أصابه يوم أحد شج في وجهه وكسرت رباعيته وقال أما الحسنة فأنعم الله بها عليك وأما السيئة فابتلاك بها وقال أيضا ما أصابك من نكبة فبذنبك وأنا قدرت ذلك عليك ذكر ذلك كله ابن أبي حاتم وفي تفسير أبي صالح عن ابن عباس: quot;إن تصبك حسنة الخصب وإن تصبك سيئة الجدب والبلاءquot; وقال ابن قتيبة في هذه الآية: quot;الحسنة النعمة والسيئة البليةquot; فإن قيل فقد حكى أبو الفرج بن الجوزي عن أبي العالية أنه فسر الحسنة والسيئة في هذه الآية بالطاعة والمعصية وهو من أعلم التابعين فالجواب أنه لم يذكر بذلك إسنادا ولا نعلم صحته عن أبي العالية وقد ذكر ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي العالية ما تقدم حكايته أن ذلك في السراء والضراء وهذا هو المعروف عن أبي العالية ولم يذكر ابن أبي حاتم عنه غيره وهو الذي حكاه ابن قتيبة عنه وقد يقال أن المعنيين جميعا مرادان باعتبار أن ما يوفقه الله من الطاعات فهو نعمة في حقه أصابته من الله كما قال: وما بكم من نعمة فمن الله فهذا يدخل فيه نعم الدين والدنيا وما يقع منه من المعصية فهو مصيبة أصابته من الله وإن كان سببها منه والذي يوضح ذلك أن الله سبحانه إذا جعل السيئة هي الجزاء على المعصية من نفس العبد بقوله: وما أصابك من سيئة فمن نفسك فالعمل الذي أوجب الجزاء أولى أن يكون من نفسه فلا منافاة بين أن تكون سيئة العمل من نفسه وسيئة الجزاء من نفسه ولا ينافي ذلك أن يكون الجميع من الله قضاء وقدرا ولكن هو من الله عدل وحكمة ومصلحة وحسن ومن العبد سيئة وقبيح وقد وري عن ابن عباس أنه كان يقرأها: وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا قدرتها عليك وهذه القراءة زيادة بيان وإلا فقد دل قوله قبل ذلك: قل كل من عند الله على السابق القضاء والقدر النافذ والمعاصي قد تكون بعضها عقوبة بعض فيكون لله على المعصية عقوبتان عقوبة بمعصية تتولد منها وتكون الأولى سببا فيها وعقوبة بمؤلم يكون جزاؤها كما في الحديث المتفق على صحته عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة(1\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "179",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11373",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباquot; وقد ذكر الله سبحانه في غير موضع من كتابه أن الحسنة الثانية قد تكون من ثواب الحسنة الأولى وأن المعصية قد تكون عقوبة للمعصية الأولى فالأول كقوله تعالى: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما وقال تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وقال: يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم وأما قوله: والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم فيحتمل أن لا يكون من هذا وتكون الهداية في الآخرة إلى طريق الجنة فإنه رتب هذا الجزاء على قتلهم ويحتمل أن يكون منه ويكون قوله سيهديهم ويصلح بالهم إخبارا منه سبحانه عما يفعله بهؤلاء الذين قتلوا في سبيله قبل أن قتلوا وأتى به بصيغة المستقبل إعلاما منه بأنه يجدد له كل وقت نوعا من أنواع الهداية وإصلاح البال شيئا بعد شيء فإن قلت فكيف يكون ذلك المستقبل خبرا عن الذين قتلوا قلت الخبر قوله: فلن يضل أعمالهم أي أنه لا يبطلها عليهم ولا يترهم إياها هذا بعد أن قتلوا ثم أخبر سبحانه خبرا مستأنفا عنهم أنه سيهديهم ويصلح بالهم لما علم أنهم سيقتلون في سبيله وأنهم بذلوا أنفسهم له فلهم جزاآن جزاء في الدنيا بالهداية على الجهاد وجزاء في الآخرة بدخول الجنة فيرد السامع كل جملة إلى وقتها لظهور المعنى وعدم التباسه وهو في القرآن كثير والله أعلم وقال تعالى: كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء وقال: ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين وقال: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم وقال: وإن تطيعوه تهتدوا وقال: ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن فضمن التمام معنى الإنعام فعداه بعلى أي أنعاما منا على الذي أحسن وهذا جزاء على الطاعات بالطاعات وأما الجزاء بالمعاصي على المعاصي فكقوله: فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم وقوله: ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم وقوله: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون وقوله: إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا وقوله: وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون وقوله: ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين وهو كثير في القرآن وعلى هذا فيكون النوعان من السيئات أعني المصائب والمعايب من نفس الإنسان وكلاهما بقدر الله فشر النفس هو الذي أوجب هذا وهذا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته المعروفة: quot;ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالناquot; فشر النفس نوعان صفة وعمل والعمل ينشأ عن الصفة والصفة تتأكد وتقوى بالعمل فكل منهما يمد الآخر وسيئات الأعمال نوعان قد فسرهما الحديث أحدهما مساويها وقبائحها فتكون الإضافة فيه من النوع إلى جنسه وهي إضافة بمعنى من أي السيئات من أعمالنا والثاني أنها ما يسوء العامل مما يعود عليه من عقوبة عمله فيكون من إضافة المسبب إلى سببه وتكون الإضافة على معنى اللام وقد يرجح الأول بأنه يكون قد استعاذ من الصفة والعمل الناشئ عنها وذلك يتضمن الاستعاذة من الجزاء السيئ(1\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "180",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11374",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المترتب على ذلك فتضمنت الاستعاذة ثلاثة أمور الاستعاذة من العذاب ومن سببه الذي هو العمل ومن سبب العمل الذي هو الصفة وقد يرجح الثاني أن شر النفس يعم النوعين كما تقدم فسيئات الأعمال ما يسوء من جزائها ونبه بقوله: quot;سيئات أعمالناquot; على أن الذي يسوء من الجزاء إنما هو بسبب الأعمال الإرادية لا من الصفات التي ليست من أعمالنا ولما كانت تلك الصفة شرا استعاذ منها وأدخلها في شر النفس وقال الصديق رضي الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: quot;قل اللهم فاطر االسماوات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسي سوأ أو أجره إلى مسلم قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعكquot; ولما كان الشر له مصدر يبتدي منه وغاية ينتهي إليها وكان مصدرها إما من نفس الإنسان وإما من الشيطان وغايته أن يعود على صاحبه أو على أخيه المسلم تضمن الدعاء هذه المراتب الأربعة بأوجز لفظ وأوضحه وأبينه. فصل: قال السني: فليس لك أيها القدري أن تحتج بالآية التي نحن فيها لمذهبك لوجوه أحدها أنك تقول فعل العبد حسنة كان أو سيئة هو منه لا من الله بل الله سبحانه قد أعطى كل واحد من الاستطاعة ما يفعل به الحسنات والسيئات ولكن هذا أحدث من عند نفسه إرادة فعل بها الحسنات وهذا أحدث إرادة فعل بها السيئات وليست واحدة من الإرادتين من إحداث الرب سبحانه البتة ولا أوجبتها مشيئته والآية قد فرقت بين الحسنة والسيئة وأنتم لا تفرقون بينهما فإن الله عندكم لم يشأ هذا ولا هذا قال القدري: إضافة إلى نفس العبد لكونه هو الذي أحدثها وأوجدها وأضاف الحسنة إليه سبحانه لكونه هو الذي أمر بها وشرعها قال السني: الله سبحانه أضاف إلى العبد ما أصابه من سيئة وأضاف إلى نفسه ما أصاب العبد من حسنة ومعلوم أن الذي أصاب العبد هو الذي قام به والأمر لم يقم بالعبد وإنما قام به المأمور وهو الذي أصابه فالذي أصابه لا تصح إضافته إلى الرب عندكم والمضاف إلى الرب لم يقم بالعبد فعلم أن الذي أصابه من هذا وهذا أمر قائم به فلو كان المراد به الأفعال الاختيارية من الطاعات والمعاصي لاستوت الإضافة ولم يصح الفرق وإن افترقا في كون أحدهما مأمورا به والآخر منهيا عنه على أن النهي أيضا من الله كما أن الأمر منه فلو كانت الإضافة لأجل الأمر لاستوى المأمور والمنهي في الإضافة لأن هذا مطلوب إيجاده وهذا مطلوب إعدامه قال القدري: أنا أجوز تعلق الطاعة والمعصية بمشيئة الرب سبحانه وإحداثه على وجه الجزاء لا على سبيل الابتداء وذلك أن الله سبحانه يعاقب عبده بما شاء ويثيبه فكما يعاقبه بخلق الجزاء الذي يسوءه وخلق الثواب الذي يسره ولذلك يحسن أن يعاقبه بخلق المعصية وخلق الطاعة فإن هذا يكون عدلا منه وأما أن يخلق فيه الكفر والمعصية ابتداء بلا سبب فمعاذ الله من ذلك قال السني: هذا توسط حسن جدا لا يأباه العقل ولا الشرع ولكن من ابتدأ الأول وليس هو عندك مقدورا لله ولا واقعا بمشيئته فقد أثبت في ملكه ما لا يقدر عليه وأدخلت فيه ما لا يشاء ونقضت أصلك كله فإنك أصلت أن فعل العبد الاختياري قدرة العبد عليه واختياره له ومشيئته تمنع قدرة الرب عليه ومشيئته له وهذا الأصل لا فرق فيه بين الابتدائي والجزائي قال القدري: فالقرآن قد فرق بين النوعين وجعل الكفر والفسوق الثاني جزاء على الأول فعلم أن الأول من العبد قطعا وإلا لم يستقم(1\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "181",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11375",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جعل أحدهما عقوبة على الآخر وقد صرح بذلك في قوله: فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية فأضاف نقض الميثاق إليهم وتقسية القلوب إليه فالأول سبب منهم والثاني جزاء منه سبحانه قال تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون فأضاف عدم الإيمان أولا إليهم إذ هو السبب وتقليب القلوب وتركهم في طغيانهم هو الجزاء ومثله قوله: فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والآيات التي سمعتموها آنفا إنما تدل على هذا قال السني: نعم هذا حق لكن ليس فيه إخراج السبب عن كونه مقدورا للرب سبحانه واقعا بمشيئته ولو شاء لحال بين العبد وبينه ووفقه لضده فهي البقية التي بقيت عليك من القدر كما أن إنكار إثبات الأسباب واقتضائها لمسبباتها وترتبها عليها هي البقية التي بقيت على الجبري في المسألة أيضا وكلاكما مصيب من وجه مخطئ من وجه ولو تخلص كل منكما من البقية التي بقيت عليه لوجدتما روح الوفاق واصطلحتما على الحق وبالله التوفيق قال القدري: فما تقول أنت أيها السني في العقل الأول إذا لم يكن جزاء فما وجهه وأنت ممن يقول بالحكمة والتعليل وتنزه الرب سبحانه عن الظلم الذي هو ظلم لا ما يقوله الجبري أنه الجمع بين النقيضين قال السني: لا يلزمني في هذ االمقام بيان ذلك فإني لم أنتصب له إنما انتصبت لإبطال احتجاجك بالآية لمذهبك الباطل وقد وفيت به ولله في ذلك حكم وغايات محمودة لا تبلغها عقول العقلاء ومباحث الأذكياء فالله سبحانه إنما يضع فضله وتوفيقه وإمداده في المحل الذي يصلح له وما لا يصلح له من المحال يدعه غفلا فارغا من الهدى والتوفيق فيجري مع طبعه الذي خلق عليه: ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون قال القدري: فإذا كان الله سبحانه قد أحدث فيهم تلك الإرادة والمشيئة المستلزمة لوجود الفعل كان ذلك إيجادا منه سبحانه لذلك فيهم كما أوجد الهدى والإيمان في أهله قال السني هذا معترك النزال وتفرق طرق العالم والله سبحانه أعطى العبد مشيئة وقدرة وإرادة تصلح لهذا ولهذا ثم أمد أهل الفضل بأمور وجودية زائدة على ذلك المشترك أوجب له الهداية والإيمان وأمسك ذلك الإمداد عمن علم أنه لا يصلح له ولا يليق به فانصرفت قوى إرادته ومشيئته إلى ضده اختيارا منه ومحبة لا كرها واضطرارا قال القدري: فهل كان يمكنه إرادة ما لم يعن عليه ولم يوفق له بإمداد زائد على خلق الإرادة قال السني: إن أردت بالإمكان أنه يمكنه فعله لو أراده فنعم هو ممكن بهذا الاعتبار مقدور له وإن أردت به أنه ممكن وقوعه بدون مشيئة الرب وإذنه فليس يمكن فإنه ما شاء الله كان ووجب وجوده وما لم يشأ لم يكن وامتنع وجوده قال القدري: فقد سلمت حينئذ أنه غير ممكن للعبد إذا لم يشأ الله منه أن يفعله فصار غير مقدور للعبد فقد عوقب على ترك ما لا يقدر على فعله قال السني: عدم إرادة الله سبحانه للعبد ومشيئته أن يفعل لا يوجب كون الفعل غير مقدور له فإنه سبحانه لا يريد من نفسه أن يعينه عليه مع كونه أقدره عليه ولا يلزم من إقداره عليه وقوعه حتى توجد منه إعانة أخرى فانتفاء تلك الإعانة لا يخرج الفعل عن كونه مقدورا للعبد فإنه قد يكون قادرا على الفعل لكن يتركه كسلا وتهاونا وإيثارا لفعل ضده فلا يصرف الله عنه ترك الواقع ولا يوجب عدم صرفه كونه عاجزا عن الفعل فإن الله سبحانه يعلم أنه قادر عليه بالقدرة التي أقدره بها ويعلم أنه لا يريده مع كونه قادرا عليه فهو سبحانه مريد له ومنه الفعل ولا يريد من نفسه إعانته وتوفيقه وقطع هذه الإعانة والتوفيق لا يخرج الفعل عن كونه مقدورا له وإن جعلته غير مراد وسر(1\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "182",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11376",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المسألة الفرق بين تعلق الإرادة بفعل العبد وتعلقها بفعله هو سبحانه بعده فمن لم يحط معرفة بهذا الفرق لم يكشف له حجاب المسألة قال الجبري: أما أن تقول أن الله علم أن العبد لا يفعل أو لم يعلم ذلك والثاني محال وإذا كان قد علم أنه لا يفعله صار الفعل ممتنعا قطعا إذ لو فعله لا نقلب العلم القديم جهلا قال السني: هذه حجة باطلة من وجوه أحدهما أن هذا بعينه يقال فيما علم الله أنه لا يفعله وهو مقدور له فإنه لا ينفع البتة مع كونه مقدورا له فما كان جوابك عن ذلك فهو جوابنا لك وثانيها أن الله سبحانه يعلم الأمور على ما هي عليه فهو يعلم أنه لا يفعله لعدم إرادته له لا لعدم قدرته عليه وثالثها أن العلم كاشف لا موجب وإنما الموجب مشيئة الرب والعلم يكشف حقائق المعلومات عدنا إلى الكلام على الآية التي احتج بها القدري وبيان أنه لا حجة فيها من ثلاثة أوجه أحدها أنه قال ما أصابك ولم يقل ما أصبت الثاني أن المراد بالحسنة والسيئة النعمة والمصيبة الثالث أنه قال: قل كل من عند الله فالإنسان هو فاعل السيئات ويستحق علها العقاب والله هو المنعم عليه بالحسنات عملا وجزاء والعادل فيه بالسيئات قضاء وجزاء ولو كان العمل الصالح من نفس العبد كما كان السيئ من نفسه لكان الأمران كلاهما من نفسه والله سبحانه قد فرق بين النوعين وفي الحديث الصحيح الإلهي: quot;يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسهquot;. فصل: قال الجبري: أول الآية محكم وهو قوله كل من عند الله وآخرها متشابه وهو قوله: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك قال القدري: آخرها محكم وأولها متشابه قال السني: أخطأتما جميعا بل كلاهما محكم مبين وإنما أتيتما من قلة الفهم في القرآن وتدبره فليس بين اللفظين تناقض لا في المعنى ولا في العبارة فإنه سبحانه وتعالى ذ كر عن هؤلاء الناكلين عن الجهاد أنهم إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا لرسوله صلى الله عليه وسلم هذه من عندك أي بسبب ما أمرتنا به من دينك وتركنا ما كنا عليه أصابتنا هذه السيئات لأنك أمرتنا بما أوجبها فالسيئات ههنا هي المصائب والأعمال التي ظنوا أنها سبب المصائب هي التي أمروا بها وقولهم في السيئة التي تصيبهم هذه من عندك تتناول مصائب الجهاد التي حصلت لهم من الهزيمة والجراح وقتل من قتل منهم وتتناول مصائب الرزق على وجه التطير والتشاؤم أي أصابنا هذا بسبب دينك كما قال تعالى عن قوم فرعون: فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه أي إذا جاءهم ما يسرون به ويتنعمون به من النعم قالوا نحن أهل ذلك ومستحقوه وإن أصابهم ما يسوءهم قالوا هذا بسبب ما جاء به موسى وقال أهل القرية للمرسلين إنا تطيرنا بكم وقال قوم صالح له عليه السلام اطيرنا بك وبمن معك وكانوا يقولون لما ينالهم من سبب الحرب هذا منك لأنك أمرتنا بالأعمال الموجبة له وللمصائب الحاصلة من غير جهة العدو وهذا أيضا منك أي بسبب مفارقتنا لديننا ودين آبائنا والدخول في طاعتك وهذه حال كل من جعل طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم سببا لشر أصابه من السماء أو من الأرض وهؤلاء كثير في الناس وهم الأقلون عند الله تعالى قدرا الأرذلون عنده ومعلوم أنهم لم يقولوا هذه من عندك بمعنى أحدثتها ومن فهم هذا يتبين له أن قوله تعالى: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك لا يناقض قوله تعالى: قل كل من عند الله بل هذا تحقيق له فإنه سبحانه(1\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "183",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11377",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بين أن النعم والمصائب كلها من عنده فهو الخالق لها المقدر لها المبتلي خلقه بها فهي من عنده ليس بعضها من عنده وبعضها خلقا لغيره فكيف يضاف بعضها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وبعضها إلى الله تعالى ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحدثها فلم يبق إلا ظنهم أنه سبب لحصولها إما في الجملة كحال أهل التطير وإما في الواقعة المعينة كحال اللائمين له في الجهاد فأبطل الله سبحانه وذلك الوهم الكاذب والظن الباطل وبين أن ما جاء به لا يوجب الشر البتة بل الخير كله فيما جاء صلى الله عليه وسلم به والشر بسبب أعمالهم وذنوبهم كما قال الرسل عليهم السلام لأهل القرية طائركم معكم ولا يناقض هذا قول صالح عليه السلام لقومه: طائركم عند الله وقوله تعالى عن قوم فرعون: وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله بل هاتان النسبتان نظير هاتين النسبتين في هذه الآية وهي نسبة السيئة إلى نفس العبد ونسبة الحسنة والسيئة إلى أنهما من عند الله عز وجل فتأمل اتفاق القرآن وتصديق بعضه بعضا فحيث جعل الطائر معهم والسيئة من نفس العبد فهو على وجهة السبب والموجب أي الشر والشؤم الذي أصابكم هو منكم ومهما فإن أسبابه قائمة بكم كما تقول شرك منك وشؤمك فيك يراد به العمل وطائرك معك وحيث جعل ذلك كله من عنده فهو لأنه الخالق له المجازي به عدلا وحكمة فالطائر يراد به العمل وجزاءه فالمضاف إلى العبد العمل والمضاف إلى الرب الجزاء فطائركم معكم طائر العمل وطائركم عند الله الجزاء فما جاءت به الرسل ليس سببا لشيء من المصائب ولا تكون طاعة الله ورسوله سببا لمصيبة قط بل طاعة الله ورسوله لا توجب إلا خيرا في الدنيا والآخرة ولكن قد يصيب المؤمنين بالله ورسوله مصائب بسبب ذنوبهم وتقصيرهم في طاعة الله ورسوله كما لحقهم يوم أحد ويوم حنين وكذلك ما امتحنوا به من الضراء وأذى الكفار لهم ليس هو بسبب نفس إيمانهم ولا هو موجبه وإنما امتحنوا به ليخلص ما فيهم من الشر فامتحنوا بذلك كما يمتحن الذهب بالنار ليخلص من غشه والنفوس فيها ما هو من مقتضى طبعها فالامتحان يمحص المؤمن من ذلك الذي هو من موجبات طبعه كما قال تعالى: وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين وقال: وليبتلي الله ما في صدوركم فطاعة الله ورسوله لا تجلب إلا خيرا ومعصيته لا تجلب إلا شرا ولهذا قال سبحانه: فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا فإنهم لو فقهوا الحديث لعلموا أنه ليس في الحديث الذي أنزله الله على رسوله ما يوجب شرا البتة ولعلموا أنه سبب كل خير ولو فقهوا لعلموا أن العقول والفطر تشهد بأن مصالح المعاش والمعاد متعلقة بما جاء به الرسول فلو فقهوا القرآن علموا أنه أمرهم بكل خير ونهاهم عن كل شر وهذا مما يبين أن ما أمر الله به يعلم حسنه بالعقل وأنه كله مصلحة ورحمة ومنفعة وإحسان بخلاف ما يقوله كثير من أهل الكلام الباطل أنه سبحانه يأمر العباد بما لا مصلحة لهم فيه بل يأمرهم بما فيه مضرة لهم وقول هؤلاء تصديق وتقرير لقول المتطيرين بالرسل. فصل: ومما يوضح الأمر في ذلك أنه سبحانه لما قال: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك عقب ذلك بقوله: وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا وذلك يتضمن أشياء منها تنبيه أمته على أن رسوله الذي شهد له بالرسالة إذا أصابه ما يكره فمن نفسه فما الظن بغيره ومنها أن حجة الله قد قامت عليهم بإرساله فإذا أصابهم سبحانه بما يسوءهم لم يكن ظالما لهم في ذلك لأنه قد أرسل رسوله إليهم يعلمهم بما فيه مصالحهم وما يجلبها لهم وما فيه مضرتهم وما يجلبها لهم(1\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "184",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11378",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ومنها أنه سبحانه قد شهد له بالرسالة بما أظهره على يديه من الآيات الدالة على صدقه وأنه رسوله حقا فلا يضره جحد هؤلاء الجاهلين الظالمين المتطيرين به لرسالته ومن شهد له رب السماوات والأرض ومنها أنهم أرادوا أن يجعلوا سيئاتهم وعقوباتها حجة على إبطال رسالته فشهد له بالرسالة وأخبر أن شهادته كافيه فكان في ضمن ذلك إبطال قولهم أن المصائب من عند الرسول صلى الله عليه وسلم وإثبات أنها من عند أنفسهم بطريق الأولى ومنها إبطال قول الجهمية المجبرة ومن وافقهم في قولهم إن الله قد يعذب العباد بلا ذنب ومنها إبطال قول القدرية الذين يقولون أن أسباب الحسنات والسيئات ليست من الله بل هي من العبد ومنها ذم من لم يتدبر القرآن ولم يفقهه وإن إعراضه عن تدبره وفقهه يوجب له من الضلال والشقاء بحسب إعراضه ومنها إثبات الأسباب وإبطال قول من ينفيها ولا يرى لها ارتباطا بمسبباتها ومنها أن الخير كله من الله والشر كله من النفس فإن الشر هو الذنوب وعقوبتها والذنوب من النفس وعقوباتها مترتبة عليها والله هو الذي قدر ذلك وقضاه وكل من عنده قضاء وقدرا وإن كانت نفس العبد سببه بخلاف الخير والحسنات فإن سببها مجرد فضل الله ومنه وتوفيقه كما تقدم تقريره ومنها أنه سبحانه لما رد قولهم أن الحسنة من الله والسيئة من رسوله وأبطله بقوله: قل كل من عند الله رفع وهم من توهم أن نفسه لا تأثير لها في السيئة ولا هي منها أصلا بقوله: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وخاطبه بهذا تنبيها لغيره كما تقدم ومنها أنه قال في الرد عليهم: قل كل من عند الله ولم يقل من الله لما جمع بين الحسنات والسيئات والحسنة مضافة إلى الله من كل وجه والسيئة إنما تضاف إليه قضاء وقدرا وخلقا وأنه خالقها كما هو خالق الحسنة فلهذا قال: قل كل من عند الله وهو سبحانه إنما خلقها لحكمة فلا تضاف إليه من جهة كونها سيئة بل من جهة ما تضمنته من الحكمة والعدل والحمد وتضاف إلى النفس كونها سيئة ولما ذكر الحسنة مفردة عن السيئة قال: ما أصابك من حسنة فمن الله ولم يقل من عند الله فالخير منه وأنه موجب أسمائه وصفاته والشر الذي هو بالنسبة إلى العبد شر من عنده سبحانه فإنه مخلوق له عدلا منه وحكمة ثم قال: وما أصابك من سيئة فمن نفسك ولم يقل من عندك لأن النفس طبيعتها ومقتضاها ذلك فهو من نفسها والجميع من عند الله فالسيئة من نفس الإنسان بلا ريب والحسنة من الله بلا ريب وكلاهما من عنده سبحانه قضاء وقدرا وخلقا ففرق بين ما من الله وبين ما من عنده والشر لا يضاف إلى الله إرادة ولا محبة ولا فعلا ولا وصفا ولا اسما فإنه لا يريد إلا الخير ولا يحب إلا الخير ولا يفعل شرا ولا يوصف به ولا يسمى باسمه وسنذكر في باب دخول الشر في القضاء الإلهي وجه نسبته إلى قضائه وقدره إن شاء الله. فصل: وقد اختلف في كاف الخطاب في قوله: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك هل هي لرسول الله أو هي لكل واحد من الآدميين فقال ابن عباس في رواية الوالبي عنه: quot;الحسنة ما فتح الله عليه يوم بدر من الغنيمة والفتح والسيئة ما أصابه يوم أحد أن شج في وجهه وكسرت رباعيتهquot; وقالت طائفة بل المراد جنس ابن آدم كقوله: يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم روى سعيد عن قتادة: وما أصابك من سيئة فمن نفسك قال عقوبة يا ابن آدم بذنبك(1\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "185",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11379",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورجحت طائفة القول الأول واحتجوا بقوله: وأرسلناك للناس رسولا قالوا وأيضا فإنه لم يتقدم ذكر الإنسان ولا خطابه وإنما تقدم ذكر الطائفة قالوا ما حكاه الله عنهم فلو كانوا هم المرادين لقال ما أصابهم أو ما أصابكم على طريق الالتفات قالوا وهذا من باب السبب لأنه إذا كان سيد ولد آدم وهكذا حكمه فكيف بغيره ورجحت طائفة القول الآخر واحتجت بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلم معصوم لا يصدر عنه ما يوجب أن تصيبه به سيئة قالوا والخطاب وإن كان له في الصورة فالمراد به الأمة كقوله: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء قالوا ولما كان أول الآية خطابا له أجرى الخطاب جميعه على وجه واحد فأفرده في الثاني والمراد به الجميع والمعنى وما أصابكم من سيئة فمن أنفسكم فالأول له والثاني لأمته ولهذا لما أفرد إصابة السيئة قال: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم وقال: أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم وقال: ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين فأخبر أن الهزيمة بذنوبهم وإعجابهم وأن النصر بما أنزله على رسوله وأيده به إذ لم يكن منه من سبب الهزيمة ما كان منه وجمعت طائفة ثالثة بين القولين وقالوا صورة الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد العموم كقوله: يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين ثم قال: واتبع ما يوحى إليك من ربك ثم قال: وتوكل على الله وكقوله: ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين وقوله: فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك قالوا وهذا الخطاب نوعان نوع يختص لفظه به لكن يتناول غيره بطريق الأولى كقوله: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك ثم قال: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ونوع يكون الخطاب له وللأمة فأفرده بالخطاب لكونه هو المواجه بالوحي وهو الأصل فيه والمبلغ للأمة والسفير بينهم وبين الله وهذا معنى قول كثير من المفسرين الخطاب له والمراد غيره ولم يريدوا بذلك أنه لم يخاطب بذلك أصلا ولم يرد به البتة بل المراد أنه لما كان إمام الخلائق ومقدمهم ومتبوعهم أفرد بالخطاب وتبعته الأمة في حكمه كما يقول السلطان لمقدم العساكر أخرج غدا وأنزل بمكان كذا وأحمل على العدو وقت كذا قالوا فقوله: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك خطاب له وجميع الأمة داخلون في ذلك بطريق الأولى بخلاف قوله: وأرسلناك للناس رسولا فإن هذا له خاصة قالوا وهذه الشرطية لا تستلزم الوقوع بل تربط الجزاء بالشرط وأما وقوع الشرط والجزاء فلا يدل عليه فهو مقدر في حقه محقق في غيره والله أعلم قال القدري: إذا كانت الطاعات والمعاصي مقدرة والنعم والمصائب مقدرة فلم فرق سبحانه بين الحسنات التي هي النعم والسيئات التي هي المصائب فجعل هذه منه سبحانه وهذه من نفس الإنسان والجميع مقدر قال السني: بينهما فروق الفرق الأول أن نعم الله وإحسانه إلى عباده يقع بلا كسب منهم أصلا بل الرب سبحانه ينعم عليهم بالعافية والرزق والنصر وإرسال الرسل وإنزال الكتب وأسباب الهداية فيفعل ذلك من لم يكن منه سبب يقتضيه وينشئ للجنة خلقا يسكنهم إياها بغير سبب منهم ويدخل أطفال المؤمنين ومجانينهم الجنة بلا عمل وأما العقاب فلا يعاقب أحدا إلا بعمله الفرق الثاني أن عمل الحسنات من إحسان الله(1\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "186",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11380",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنه وتفضله عليه بالهداية والإيمان كما قال أهل الجنة: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله فخلق الرب سبحانه لهم الحياة والسمع والبصر والعقول والأفئدة وإرسال الرسل وتبليغهم البلاغ الذي اهتدوا به وإلهامهم الإيمان وتحبيبه إليهم وتزيينه في قلوبهم وتكريه ضده إليهم كل ذلك من نعمه كما قال تعالى: ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم فجميع ما يتقلب فيه العالم من خير الدنيا والآخرة هو نعمة محضة بلا سبب سابق يوجب ذلك لهم ومن غير حول وقوة منهم إلا به وهو خالقهم وخالق أعمالهم الصالحة وخالق جزائها وهذا كله منه سبحانه بخلاف الشر فإنه لا يكون إلا بذنوب العبد وذنبه من نفسه وإذا تدبر العبد هذا علم أن ما هو فيه من الحسنات من فضل الله فشكر ربه على ذلك فزاده من فضله عملا صالحا ونعما يفيضها عليه وإذا علم أن الشر لا يحصل له إلا من نفسه وبذنوبه استغفر ربه وتاب فزال عنه سبب الشر فيكون دائما شاكرا مستغفرا فلا يزال الخير يتضاعف له والشر يندفع عنه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته الحمد لله فيشكر الله ثم يقول نستعينه ونستغفره نستعينه على طاعته ونستغفره من معصيته ونحمده على فعله وإحسانه ثم قال ونعوذ بالله من شرور أنفسنا لما استغفره من الذنوب الماضية استعاذ به من الذنوب التي لم تقع بعد ثم قال ومن سيئات أعمالنا فهذه استعاذة من عقوبتها كما تقدم ثم قال من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له فهذه شهادة للرب بأنه المتصرف في خلقه بمشيئته وقدرته وحكمته وعلمه وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء فإذا هدى عبدا لم يضله أحد وإذا أضله لم يهده أحد وفي ذلك إثبات ربوبيته وقدرته وعلمه وحكمته وقضائه وقدره الذي هو عقد نظام التوحيد وأساسه وكل هذا مقدمة بين يدي قوله وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فإن الشهادتين إنما تتحققان بحمد الله واستعانته واستغفاره واللجأ إليه والإيمان بأقداره والمقصود أنه سبحانه فرق بين الحسنات والسيئات بعد أن جمع بينهما في قوله كل من عند الله فجمع بينهما الجمع الذي لا يتم الإيمان إلا به وهو اجتماعهما في قضائه وقدره ومشيئته وخلقه ثم فرق بينهما الفرق الذي ينتفعون به وهو أن هذا الخير والحسنة نعمة منه فاشكروه عليه يزدكم من فضله ونعمه وهذا الشر والسيئة بذنوبكم فاستغفروه يرفعه عنكم وأصله من شرور أنفسكم فاستعيذوا به يخلصكم منها ولا يتم ذلك إلا بالإيمان بالله وحده وهو الذي يهدي ويضل وهو الإيمان بالقدر فادخلوا عليه من بابه فإن أزمة الأمور بيده فإذا فعلتم ذلك صدق منكم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فهذه الخطبة العظيمة عقد نظام الإسلام والإيمان فلو اقتصر لهم على الجمع دون الفرق أعرض العاصي والمذنب عن ذم نفسه والتوبة من ذنوبه والاستعاذة من شرها وقام في قلبه شاهد الاحتجاج على ربه بالقدر وتلك حجة داحضة تبع الأشقياء فيها إبليس وهي لا تزيد صاحبها إلا شقاء وعذابا كما زادت إبليس طردا وبعدا عن ربه وكما زادت المشركين ضلالا وشقاء حين قالوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا وكما تزيد الذي يقول يوم القيامة لو أن الله هداني لكنت من المتقين حسرة وعذابا ولو اقتصر لهم على الفرق دون الجمع لغابوا به في التوحيد والإيمان بالقدر واللجأ إلى الله في الهداية والتوفيق والاستعاذة به من شر النفس وسيئات العمل والافتقار التام إلى إعانته وفضله وكان في الجمع والفرق(1\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "187",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11381",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بيان حق العبودية وسيأتي تمام هذا الكلام على هذا الموضع العظيم القدر إن شاء الله بإثبات اجتماع القدر والشرع وافتراقهما الفرق الثالث أن الحسنة يضاعفها الله سبحانه وينميها ويكتبها للعبد بأدنى سعي ويثيب على الهم بها والسيئة لا يؤاخذ على الهم بها ولا يضاعفها ويبطلها بالتوبة والحسنة الماحية والمصائب المكفرة فكانت الحسنة أولى بالإضافة إليه تعالى والسيئة أولى بالإضافة إلى النفس الفرق الرابع أن الحسنة التي هي الطاعة والنعمة يحبها ويرضاها فهو سبحانه يحب أن يطاع ويحب أن ينعم ويحسن ويجود وإن قدر المعصية وأراد المنع فالطاعة أحب إليه والبذل والعطاء آثر عنده فكان إضافة نوعي الحسنة له وإضافة نوعي السيئة إلى النفس أولى ولهذا تأدب العارفون من عباده بهذا الأدب فأضافوا إليه النعم والخيرات وأضافوا الشرور إلى محلها كما قال إمام الحنفاء: الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين فأضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى ربه وقال الخضر: أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها ثم قال: وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما  وقال مؤمنو الجن: وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا  الفرق الخامس أن الحسنة مضافة إليه لأنه أحسن بها من كل وجه وبكل اعتبار كما تقدم فما من وجه من وجوهها إلا وهو يقتضي الإضافة إليه وأما السيئة فهو سبحانه إنما قدرها وقضاها لحكمته وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه فإن الرب سبحانه لا يفعل سوأ قط كما لا يوصف به ولا يسمى باسمه بل فعله كله حسن وخير وحكمة كما قال تعالى بيده الخير وقال أعرف الخلق به: quot;والشر ليس إليكquot; فهو لا يخلق شرا محضا من كل وجه بل كل ما خلقه ففي خلقه مصلحة وحكمة وإن كان في بعضه شر جزئي إضافي وأما الشر الكلي المطلق من كل وجه فهو تعالى منزه عنه وليس إليه الفرق السادس أن ما يحصل للإنسان من الحسنات التي يعملها فهي أمور وجودية متعلقة بمشيئة الرب وقدره ورحمته وحكمته وليست أمورا عدمية تضاف إلى غير الله بل هي كلها أمور وجودية وكل موجود حادث والله محدثه وخالقه وذلك أن الحسنات إما فعل مأمور أو ترك محظور والترك أمر وجودي فترك الإنسان لما نهى عنه ومعرفته بأنه ذنب قبيح وبأنه سبب العذاب فبغضه له وكراهته له ومنع نفسه إذا هويته وطلبته منه أمور وجودية كما أن معرفته بالحسنات كالعدل والصدق حسنة وفعله لها أمر وجودي والإنسان إنما يثاب على ترك السيئات إذا تركها على وجه الكراهة لها والامتناع عنها وكف للنفس عنها قال تعالى: ولكن الله حبب إليكم الأيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان وقال تعالى: وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى وقال: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم: quot;ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النارquot; وقد جعل صلى الله عليه وسلم البغض في الله من أوثق عرى الإيمان وهو أصل الترك وجعل المنع لله من كمال الإيمان وهو أصل الترك فقال: quot;من أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في اللهquot; وقال: quot;من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمانquot; وجعل إنكار المنكر بالقلب من مراتب الإيمان(1\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "188",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11382",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو بغضه وكراهته المستلزم لتركه فلم يكن الترك من الإيمان إلا بهذه الكراهة والبغض والامتناع والمنع لله وكذلك براءة الخليل وقومه من المشركين ومعبودهم ليست تركا محضا بل تركا صادرا عن بغض ومعاداة وكراهة هي أمور وجودية هي عبودية للقلب يترتب عليها خلو الجوارح من العمل كما أن التصديق والإرادة والمحبة للطاعة من عبودية القلب يترتب عليها آثارها في الجوارح وهذا الحب والبغض تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وهو إثبات تأله القلب لله ومحبته ونفي تألهه لغيره وكراهته فلا يكفي أن يعبد الله ويحبه ويتوكل عليه وينيب إليه ويخافه ويرجوه حتى يترك عبادة غيره والتوكل عليه والإنابة إليه وخوفه ورجاه ويبغض ذلك وهذه كلها أمور وجودية وهي الحسنات التي يثيب الله عليها وأما مجرد عدم السيئات من غير أن يعرف أنها سيئة ولا يكرهها بقلبه ويكف نفسه عنها بل يكون تركها لعدم خطورها بقلبه ولا يثاب على هذا الترك فهذا تكون السيئات في حقه بمنزلتها في حق الطفل والنائم لكن قد يثاب على اعتقاد تحريمها وإن لم يكن له إليها داعية البتة فالترك ثلاثة أقسام قسم يثاب عليه وقسم يعاقب عليه وقسم لا يثاب ولا يعاقب عليه فالأول ترك العالم بتحريمها الكاف نفسه عنها لله مع قدرته عليها والثاني كترك من يتركها لغير الله لا لله فهذا يعاقب على تركه لغير الله كما يعاقب على فعله لغير الله فإن ذلك الترك والامتناع فعل من أفعال القلب فإذا عبد به غير الله استحق العقوبة والثالث كترك من لم يخطر على قلبه علما ولا محبة ولا كراهة بل بمنزلة ترك النائم والطفل فإن قيل كيف يعاقب على ترك المعصية حياء من الخلق وإبقاء على جاهه بينهم وخوفا منهم أن يتسلطوا عليه والله سبحانه لا يذم على ذلك ولا يمنع منه قيل لا ريب أنه لا يعاقب على ذلك وإنما يعاقب على تقربه إلى الناس بالترك ومرآتهم به وأنه تركها خوفا من الله ومراقبة وهو في الباطن بخلاف ذلك فالفرق بين ترك يتقرب به إليهم ومرآتهم به وترك يكون مصدره الحياء منهم وخوف أذاهم له وسقوطه من أعينهم فهذا لا يعاقب عليه بل قد يثاب عليه إذا كان له فيه غرض يحبه الله من حفظ مقام الدعوة إلى الله وقبولهم منه ونحو ذلك وقد تنازع الناس في الترك هل هو أمر وجودي أم عدمي والأكثرون على أنه وجودي وقال أبو هاشم وأتباعه هو عدمي وأن المأمور يعاقب على مجرد عدم الفعل لا على ترك يقوم بقلبه وهؤلاء رتبوا الذم والعقاب على العدم المحض والأكثرون يقولون إنما يثاب من ترك المحظور على ترك وجودي يقوم بنفسه ويعاقب تارك المأمور على ترك وجودي يقوم بنفسه وهو امتناعه وكفه نفسه عن فعل ما أمر به إذا تبين هذا فالحسنات التي يثاب عليها كلها وجودية فهو سبحانه الذي حبب الإيمان والطاعة إلى العبد وزينه في قلبه وكره إليه أضدادها وأما السيئات فمنشأها من الجهل والظلم فإن العبد لا يفعل القبيح إلا لعدم علمه بكونه قبيحا أو لهواه وشهوته مع علمه بقبحه فالأول جهل والثاني ظلم ولا يترك حسنة إلا لجهله بكونها حسنة أو لرغبته في ضدها لموافقته هواه وغرضه وفي الحقيقة فالسيئات كلها ترجع إلى الجهل وإلا فلو كان علمه تاما برجحان ضررها لم يفعلها فإن هذا خاصة الفعل فإنه إذا علم أن إلقاءه من مكان عال يضره لم يقدم عليه وكذلك لبثه تحت حائط مائل وإلقاءه نفسه في ماء يغرق فيه وأكله طعاما مسموما ولا يفعله لعلمه التام بمضرته الراجحة بل هذه فطرة فطر الله عليها الحيوان بهيمة وناطقة ومن لم يعلم أن ذلك يضره كالطفل والمجنون والسكران الذي انتهى سكره فقد يفعله وأما من أقدم على ما يضره مع علمه(1\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "189",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11383",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بما فيه من الضرر فلا بد أن يقوم بقلبه أن منفعته له راجحة ولا بد من رجحان المنفعة عنده إما في الظن وإما في المظنون ولو جزم راكب البحر بأنه يغرق ويذهب ماله لم يركب أبدا بل لا بد من رجحان الانتفاع في ظنه وإن أخطأ في ذلك وكذلك الذنوب والمعاصي فلو جزم السارق بأنه يؤخذ ويقطع لم يقدم على السرقة بل يظن أنه يسلم ويظفر بالمال وكذلك القاتل والشارب والزاني فلو جزم طالب الذنب بأنه يحصل له الضرر الراجح لم يفعله بل إما أن لا يكون جازما بتحريمه أو لا يجزم بعقوبته بل يرجو العفو والمغفرة وأن يتوب ويأتي بحسنات تمحو أثره وقد يغفل عن هذا كله بقوة وإرادة الشهوة واستيلاء سلطانها على قلبه بحيث تغيبه عن مطالعة مضرة الذنب والغفلة من أضداد العلم كالغفلة والشهوة أصل الشر كله قال تعالى: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا وينبغي أن يعلم أن الهوى وحده لا يستقل بفساد السيئات إلا مع الجهل وإلا فصاحب الهوى لو جزم بأن ارتكاب هواه يضره ولا بد ضررا راجحا لانصرفت نفسه عن طاعته له بالطبع فإن الله سبحانه جعل في النفس حبا لما ينفعها وبغضا لما يضرها فلا تفعل مع حضور عقلها ما تجزم بأنه يضرها ضررا راجحا ولهذا يوصف تارك ذلك بالعقل والحجى واللب فالبلاء مركب من تزيين الشيطان وجهل النفس فإنه يزين لها السيئات ويريها أنها في صور المنافع واللذات والطيبات ويغفلها عن مطالعتها لمضرتها فتولد من بين هذا التزيين وهذا الإغفال والإنساء لها إرادة وشهوة ثم يمدها بأنواع التزيين فلا يزال يقوى حتى يصير عزما جازما يقترن به الفعل كما زين للأبوين الأكل من الشجرة وأغفلهما عن مطالعة مضرة المعصية فالتزيين هو سبب إيثار الخير والشر كما قال تعالى: وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون وقال: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا وقال في تزيين الخير: ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وقال في تزيين النوعين: كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون وتزيين الخير والهدى بواسطة الملائكة والمؤمنين وتزيين الشر والضلال بواسطة الشياطين من الجن والإنس كما قال تعالى: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم وحقيقة الأمر أن التزيين إنما يغتر به الجاهل لأنه يلبس له الباطل والضار المؤذي صورة الحق والنافع الملائم فأصل البلاء كله من الجهل وعدم العلم ولهذا قال الصحابة كل من عصى الله فهو جاهل وقال تعالى: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب وقال: وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم قال أبو العالية: quot;سألت أصحاب محمد عن قوله: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فقالوا: كل من عصى الله فهو جاهل ومن تاب قبل الموت فقد تاب من قريبquot; وقال قتادة: quot;أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل ما عصي الله به فهو جهالة عمدا كان أو لم يكن وكل من عصى الله فهو جاهلquot; وقال مجاهد: quot;من شيخ أو شاب فهو بجهالةquot; وقال: quot;من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن خطيئتهquot; وقال هو وعطاء: quot;الجهالة العمدquot; وقال مجاهد: quot;من عمل سوأ خطأ أو عمدا فهو جاهل حتى ينزع منهquot; ذكر هذه الآثار ابن أبي حاتم ثم قال وروي عن قتادة وعمرو بن مرة والثوري نحو ذلك خطأ أو عمدا وروي عن مجاهد والضحاك: quot;ليس من جهالته أن لا يعلم حلالا ولا(1\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "190",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11384",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حراما ولكن من جهالته حين دخل فيهquot; وقال عكرمة: quot;الدماء كلها جهالة ومما يبين ذلك قوله: إنما يخشى الله من عباده العلماء وكل من خشيه فأطاعه بفعل أوامره وترك نواهيه فهو عالم كما قال تعالى: أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون quot; وقال رجل للشعبي: أيها العالم فقال: quot;لسنا بعلماء إنما العالم من يخشى اللهquot; وقال ابن مسعود: quot;وكفى بخشية الله علما وبالاغترار بالله جهلاquot; وقوله إنما يخشى الله من عباده العلماء يقتضي الحصر من الطرفين أن لا يخشاه إلا العلماء ولا يكون عالما إلا من يخشاه فلا يخشاه إلا عالم وما من عالم إلا وهو يخشاه فإذا انتفى العلم انتفت الخشية وإذا انتفت الخشية دلت على انتفاء العلم لكن وقع الغلط في مسمى العلم اللازم للخشية حيث يظن أنه يحصل بدونها وهذا ممتنع فإنه ليس في الطبيعة أن لا يخشى النار والأسد والعدو من هو عالم بها مواجه لها وأنه لا يخشى الموت من ألقى نفسه من شاهق ونحو ذلك فأمنه في هذه المواطن دليل عدم علمه وأحسن أحواله أن يكون معه ظن لا يصل إلى رتبة العلم اليقيني فإن قيل فهذا ينتقض عليكم بمعصية إبليس فإنها كانت عن علم لا عن جهل وبقوله:: وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى وقال:: وآتينا ثمود الناقة مبصرة وقال عن قوم فرعون: وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا وقال: وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين وقال موسى لفرعون: قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وقال: وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون وقال: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم يعني القرآن أو محمدا صلى الله عليه وسلم وقال: يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون وقال: فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون والجحود إنكار الحق بعد معرفته وهذا كثير في القرآن قيل حجج الله لا تتناقص بل كلها حق يصدق بعضها بعضا وإذا كان سبحانه قد أثبت الجهالة لمن عمل السوء وقد أقر به وبرسالته وبأنه حرم ذلك وتوعد عليه بالعقاب ومع ذلك يحكم عليه بالجهالة التي لأجلها عمل السوء فكيف بمن أشرك به وكفر بآياته وعادى رسله أليس ذلك أجهل الجاهلين وقد سمى تعالى أعداءه جاهلين بعد إقامة الحجة عليهم فقال: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين فأمره بالإعراض عنهم بعد أن أقام عليهم الحجة وعلموا أنه صادق وقال: وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما فالجاهلون هم الكفار الذين علموا أنه رسول الله فها العلم لا ينافي الحكم على صاحبه بالجهل بل يثبت له العلم وينافي عنه في موضع واحد كما قال تعالى عن السحرة من اليهود: ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون فأثبت لهم العلم الذي تقوم به عليهم الحجة ونفى عنهم العلم النافع الموجب لترك الضار وهذا نكتة المسألة وسر الجواب فما دخل النار إلا عالم ولا دخلها إلا جاهل وهذا العلم لا يجتمع مع الجهل في الرجل الواحد يوضحه أن الهوى والغفلة والإعراض تصد عن كماله واستحضاره ومعرفة موجبه على التفصيل وتقيم لصاحبه شبها وتأويلات تعارضه فلا يزال المقتضى يضعف والعارض يعمل عمله حتى كأنه لم يكن ويصير صاحبه بمنزلة الجاهل من كل وجه فلو علم إبليس أن تركه للسجود لآدم يبلغ به ما بلغ وأنه يوجب له أعظم العقوبة وتيقن ذلك لم يتركه ولكن حال الله بينه وبين هذا العلم ليقضي أمره(1\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "191",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11385",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وينفذ قضائه وقدره ولو ظن آدم وحواء أنهما إذا أكلا من الشجرة خرجا من الجنة وجرى عليهما ما جرى ما قرباها ولو علم أعداء الرسل تفاصيل ما يجري عليهم وما يصيبهم يوم القيامة وجزموا بذلك لما عادوهم قال تعالى عن قوم فرعون: ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر وقال: وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب وقال عن المنافقين وقد شاهدوا آيات الرسول وبراهين صدقه عيانا: وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون وقال: ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وقال: في قلوبهم مرض وهو الشك ولو كان هذا لعدم العلم الذي تقوم به الحجة عليهم لما كانوا في الدرك الأسفل من النار بل هذا بعد قيام الحجة عليهم وعلمهم الذي لم ينفعهم فالعلم يضعف قطعا بالغفلة والإعراض واتباع الهوى وإيثار الشهوات وهذه الأمور توجب شبهات وتأويلات تضاده فتأمل هذا الموضع حق تأمل فإنه من أسرار القدر والشرع والعدل فالعلم يراد به العلم التام المستلزم لأثره ويراد به المقتضى وإن لم يتم بوجود شروطه وانتقاء موانعه فالثاني يجامع الجهل دون الأول فتبين أن أصل السيئات الجهل وعدم العلم وإن كان كذلك فعدم العلم ليس أمرا وجوديا بل هو لعدم السمع والبصر والقدرة والإرادة والعدم ليس شيئا حتى يستدعي فاعلا مؤثرا فيه بل يكفي فيه عدم مشيئة ضده وعدم السبب الموجب لضده والعدم المحض لا يضاف إلى الله فإنه شر والشر ليس إليه فإذا انتفى هذا الجازم عن العبد ونفسه بطبعها متحركة مريدة وذلك من لوازم شأنها تحركت بمقتضى الطبع والشهوة وغلب ذلك فيها على داعي العلم والمعرفة فوقعت في أسباب الشر ولا بد. فصل: والله سبحانه قد أنعم على عباده من جملة إحسانه ونعمه بأمرين هما أصل السعادة أحدهما: أن خلقهم في أصل النشأة على الفطرة السليمة فكل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يخرجانه عنها كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وشبه ذلك بخروج البهيمة صحيحة سالمة حتى يجدعها صاحبها وثبت عنه أنه قال: quot;يقول الله تعالى إني خلقت عبادي حنفاء فأتتهم الشياطين فاحتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناquot; فإذا تركت النفس وفطرتها لم تؤثر على محبة باريها وفاطرها وعبادته وحده شيئا ولم تشرك به ولم تجحد كمال ربوبيته وكان أحب شيء إليها وأطوع شيء لها وآثر شيء عندها ولكن يعدها من يقترن بها من شياطين الجن والإنس بتزيينه وإغوائه حتى ينغمس موجبها وحكمها الأمر الثاني أنه سبحانه هدى الناس هداية عامة بما أودعه فيهم من المعرفة ومكنهم من أسبابها وبما أنزل إليهم من الكتب وأرسل إليهم من الرسل وعلمهم ما لم يكونوا يعلمونه ففي كل نفس ما يقتضي معرفتها بالحق ومحبتها له وقد هدى الله كل عبد إلى أنواع من العلم يمكنه التوصل بها إلى سعادة الآخرة وجعل في فطرته محبة لذلك لكن قد يعرض العبد عن طلب علم ما ينفعه فلا يريده ولا يعرفه وكونه لا يريد ذلك ولا يعرفه أمر عدمي فلا يضاف إلى الرب لا هذا ولا هذا فإنه من هذه الحيثية شر والذي يضاف إلى الرب علمه به وقضاؤه له بعدم مشيئته لضده وإبقائه على العدم الأصلي وهو من هذه الجهة خير فإن العلم بالشر خير من الجهل به وعدم رفعه بإثبات ضده إذا كان مقتضى الحكمة كان خيرا وإن كان شرا بالنسبة إلى محله وسيأتي تمام تقرير هذا في باب دخول الشر في القضاء الإلهي إن شاء الله سبحانه. فصل: وههنا حياة أخرى غير الحياة الطبيعية الحيوانية نسبتها إلى القلب كنسبة حياة(1\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "192",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11386",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البدن إليه فإذا أمد عبده بتلك الحياة أثمرت له من محبته وإجلاله وتعظيمه والحياء منه ومراقبته وطاعته مثل ما تثمر حياة البدن له من التصرف والفعل وسعادة النفس ونجاتها وفلاحها بهذه الحياة وهي حياة دائمة سرمدية لا تنقطع ومتى فقدت هذه الحياة واعتاضت عنها بحياتها الطبيعية الحيوانية كانت ضالة معذبة شقية ولم تسترح راحة الأموات ولم تعش عيش الأحياء كما قال تعالى: سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيى فإن الجزاء من جنس العمل فإنه في الدنيا لما لم يحي الحياة النافعة الحقيقية التي خلق لها بل كانت حياته من جنس حياة البهائم ولم يكن ميتا عديم الإحساس كانت حياته في الآخرة كذلك فإن مقصود الحياة حصول ما ينتفع به ويلتذ به والحي لا بد له من لذة أو ألم فإذا لم تحصل له اللذة لم يحصل له مقصود الحياة كمن هو حي في الدنيا وبه أمراض عظيمة تحول بينه وبين التنعم بما يتنعم به الأصحاء فهو يختار الموت ويتمناه ولا يحصل له فلا هو مع الأحياء ولا مع الأموات إذا عرف هذا فالشر من لوازم هذه الحياة وعدمها شر وهو ليس بشيء حتى يكون مخلوقا والله خالق كل شيء فإذا أمسك عن عبد هذه الحياة كان إمساكها خيرا بالنسبة إليه سبحانه وإن كان شرا بالإضافة إلى العبد لفوات ما يلتذ ويتنعم به فالسيئات من طبيعة النفس ولم يمد بهذه الحياة التي تحول بينها وبينها فصار الشر كله من النفس والخير كله من الله والجميع بقضائه وقدره وحكمته وبالله التوفيق. فصل: قال القدري: ونحن نعرف بهذا جميعه ونقر بأن الله خلق الإنسان مريدا ولكن جعله على خلقة يريد بها وهو مريد بالقوة والقبول أي خلقه قابلا لأن يريد هذا وهذا وأما كونه مريدا لهذا المعنى فليس ذلك بخلق الله ولكنه هو الذي أحدثه بنفسه ليس هو من إحداث الله قال الجبري: هذه الإرادة حادثة فلا بد لها من محدث فالمحدث لها إما أن يكون نفس الإنسان أو مخلوق خارج عنها أو ربها وفاطرها وخالقها والقسمان الأولان محال فتعين الثالث أما المقدمة الأولى فظاهرة إذ المحدث إما النفس وإما أمر خارج عنها والخارج عنها إما الخالق أو المخلوق وأما المقدمة الثانية فبيانها أن النفس لا يصح أن تكون هي المحدثة لإرادتها فإنها إما أن تحدثها بإرادة أو بغير إرادة وكلاهما ممتنع فإنها لو توقف إحداثها على إرادة أخرى فالكلام فيها كالكلام في الأولى ويلزم التسلسل إلى غير نهاية فلا توجد إرادة حتى يتقدمها إرادات لا تتناهى وإن لم يتوقف إحداثها على إرادة منها بطل أن تكون هي المؤثرة في إحداثها إذ وقوع الحادث بلا إرادة من الفاعل المختار محال وإذا بطل أن تكون محدثة للإرادة بإدارة وأن يحدثها بغير إرادة تعين أن يكون المحدث لتلك الإرادة أمرا خارجا عنها فحينئذ إما أن يكون مخلوقا أو يكون هو الخالق سبحانه والأول محال لأن ذلك المحدث إن كان غير مريد لم يمكنه جعل الإنسان مريدا وإن كان مريدا فالكلام في إرادته كالكلام في إرادة الإنسان سواء فتعين أن يكون المحدث لتلك الإرادة هو الخالق لكل شيء الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن قال القدري: قد اختلفت طرق أصحابنا في الجواب عن هذا الإلزام فقال الجاحظ: العبد يحدث أفعاله بغير إرادة منه بل مجرد قدرته وعلمه بما في الفعل من الملائمة فإذا علم موافقة الفعل له وهو قادر عليه أحدثه بقدرته وعلمه وأنكر توقفه على إرادة محدثه وأنكر حقيقة الإرادة في الشاهد ولم ينكر الميل والشهوة ولكن لا يتوقف إحداث عليها فإن الإنسان قد يفعل ما لا يشتهيه ولا يميل إليه وخالفه جميع(1\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "193",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11387",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأصحاب وأثبتوا الإرادة الحادثة ثم اختلفوا في سبب حدوثها فقال طائفة منهم كون النفس مريدة أمر ذاتي لها وما بالذات لا يعلل ولا يطلب سبب وجوده وطريقة التعليل تسلك ما لم يمنع منها مانع واختصاص الذات بالصفة الذاتية لا تعلل فهكذا اختصاص النفس بكونها مريدة هو أمر ذاتي لها وبذلك كانت نفسا فقول القائل لم أردت كذا وما الذي أوجب لها إرادته كقوله لم كانت نفسا وكقوله لم كانت النار محرقة أو متحركة ولم كان الماء مائعا سيالا ولم كان الهواء خفيفا فكون النفس مريدة متحركة بالإرادة هو معنى كونها نفسا فهو بمنزلة قول القائل لم كانت نفسا وحركتها بمنزلة حركة الفلك فهي خلقت هكذا وقالت طائفة أخرى بل الله سبحانه أحدث فيها الإرادة والإرادة صالحة للضدين فخلق فيها إرادة تصلح للخير فآثرت أحدهما على ألآخر بشهوتها وميلها فأعطاها قدرة صالحة للضدين وإرادة صالحة لها فكانت القدرة والإرادة من إحداثه سبحانه واختيارها أحد المقدورين المرادين من قبلها فهي التي رجحته قالوا والقادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بغير مرجح كالعطشان إذا قدم له قدحان متساويان من كل وجه والهارب إذا عن له طريقان كذلك فإنه يرجح أحدهما بلا مرجح فالله سبحانه أحدث فيه إرادة الفعل ولكن الإرادة لا توجب المراد فأحدثها فيه امتحانا له وابتلاء وأقدره على خلافها وأمره بمخالفتها ولا ريب أنه قادر على مخالفتها فلا يلزم من كونها مخلوقة لله حاصلة بإحداثه وجوب الفعل عندها وقال أبو الحسين البصري: quot;إن الفعل يتوقف على الداعي والقدرة وهما من الله خلقا فيه وعندهما يجب وجود الفعل باختيار العبد وداعيه فيكون هو المحدث له بما فيه من الدواعي والقدرةquot; فهذه طرق أصحابنا في الجواب عما ذكرتم قال السني: لم تتخلصوا بذلك من الإلزام ولم تبينوا به بطلان حجتهم المذكورة فلا منعتم مقدماتها وبينتم فسادها ولا عارضتموها بما هو أقوى منها كما أنهم لم يتخلصوا من إلزامكم ولم يبينوا بطلان دليلكم وكان غاية ما عندكم وعندهم المعارضة وبيان كل منكم تناقض الآخر وهذا لا يفيد نصرة الحق وإبطال الباطل بل يفيد بيان خطأكم وخطأهم وعدولكم وإياهم عن منهج الصواب فنقول وبالله التوفيق مع كل منكما صواب من وجه وخطأ من وجه فأما صواب الجبري فمن جهة إسناده الحوادث كلها إلى مشيئة الله وخلقه وقضائه وقدره والقدري خالف الضرورة في ذلك فإن كون العبد مريدا فاعلا بعد أن لم يكن أمر حادث فأما أن يكون له محدث وأما أن لا يكون فإن لم يكن له محدث لزم حدوث الحوادث بلا محدث وإن كان له محدث فأما أن يكون هو العبد أو الله سبحانه أو غيرهما فإن كان هو العبد فالقول في إحداثه لتلك الفاعلية كالقول في إحداث سببها ويلزم التسلسل وهو باطل ههنا بالاتفاق لأن العبد كائن بعد أن لم يكن فيمتنع أن تقوم به حوادث لا أول لها وإن كان غير الله فالقول فيه كالقول في العبد فتعين أن يكون الله هو الخالق المكون لإرادة العبد وقدرته وإحداثه وفعله وهذه مقدمات يقينية لا يمكن القدح فيها فمن قال إن إرادة العبد وإحداثه حصل بغير سبب اقتضى حدوث ذلك والعبد أحدث ذلك وحاله عند إحداثه كما كان قبله بل خص أحد الوقتين بالإحداث من غير سبب اقتضى تخصيصه وأنه صار مريدا فاعلا محدثا بعد أن لم يكن كذلك من غير من جعله كذلك فقد قال ما لا يعقل بل يخالف صريح العقل وقال بحدوث حوادث بلا محدث وقولكم أن الإرادة لا تعلل كلام باطل لا حقيقة له فإن الإرادة أمر حادث فلا بد له من محدث ونظير هذا المحال قولكم في فعل الرب سبحانه أنه بواسطة إرادة يحدثها(1\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "194",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11388",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا في محل من غير سبب اقتضى حدوثها يكون مريدا بها للمخلوقات فارتكبتم ثلاث محالات حدوث حادث بلا إرادة من الفاعل وحدوث حادث بلا سبب حادث وقيام الصفة بنفسها لا في محل وادعيتم مع ذلك أنكم أرباب العقول والنظر فأي معقول أفسد من هذا وأي نظر أعمى منه وإن شئت قلت كون العبد مريدا أمر ممكن والممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلا لمرجح تام والمرجح التام إما من العبد وإما من مخلوق آخر وأما من الله سبحانه والقسمان الأولان باطلان فتعين الثالث كما تقدم فهذه الحجة لا يمكن دفعها ولا يمكن دفع العلم الضروري باستناد أفعالنا الاختيارية إلى إرادتنا وقدرتنا وإنا إذا أردنا الحركة يمنة لم تقع يسرة وبالعكس فهذه الحجة لا يمكن دفعها والجمع بين الحجتين هو الحق فإن الله سبحانه خالق إرادة العبد وقدرته وجاعلهما سببا لإحداثه الفعل فالعبد محدث لفعله بإرادته واختياره وقدرته حقيقة وخالق السبب خالق للمسبب ولو لم يشأ سبحانه وجود فعله لما خلق له السبب الموجد له فقال الفريقان للسني كيف يكون الرب تعالى محدثا لها والعبد أيضا قال السني: إحداث الله سبحانه لها بمعنى أنه خلقها منفصلة عنه قائمة بمحلها وهو العبد فجعل العبد فاعلا لها بما أحدث فيه من القدرة والمشيئة وإحداث العبد لها بمعنى أنها قامت به وحدثت بإرادته وقدرته وكل من الإحداثين مستلزم للآخر ولكن جهة الإضافة مختلفة فما أحدثه الرب سبحانه من ذلك فهو مباين له قائم بالمخلوق مفعول له لا فعل وما أحدثه العبد فهو فعل له قائم به يعود إليه حكمه ويشتق له منه اسمه وقد أضاف الله سبحانه كثيرا من الحوادث إليه وأضافها إلى بعض مخلوقاته كقوله: الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها  وقال: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم وقال: توفته رسلنا وقال: إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب وقال: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وقال وأنزل الله عليك الكتاب وقال: قل نزله روح القدس من ربك بالحق وقال: فأخذهم العذاب فأخذتهم الصيحة وقال: فكلا أخذنا بذنبه فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر وهذا كثير فأضاف هذه الأفعال إلى نفسه إذ هي واقعة بخلقه ومشيئته وقضائه وأضافها إلى أسبابها إذ هو الذي جعلها أسبابا لحصولها بين الإضافتين ولا تناقض بين السببين وإذا كان كذلك تبين أن إضافة الفعل الاختياري إلى الحيوان بطريق التسبب وقيامه به ووقوعه بإرادته لا ينافي إضافته إلى الرب سبحانه خلقا ومشيئة وقدرا ونظيره قوله تعالى: إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية وقال لنوح: قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين فالرب سبحانه هو الذي حملهم فيها بإذنه وأمره ومشيئته ونوح حملهم بفعله ومباشرته. فصل: وأما قول الجاحظ أن العبد يحدث أفعاله الاختيارية من غير إرادة منه بل بمجرد القدرة والداعي فإن أراد نفي إرادة العبد وجحد هذه الصفة عنه فمكابرة لا تنكر من طوائف هم أكثر الناس مكابرة وجحدا للمعلوم بالضرورة فلا أرخص من ذلك عندهم وأن أراد أن الإرادة أمر عدمي وهو كونه غير مغلوب ولا ملجأ فيقال هذا العدم من لوازم الإرادة لا أنه نفسها وكون الإرادة أمرا عدميا مكابرة أخرى وهي بمنزلة قول القائل القدرة أمر عدمي لأنها بمعنى عدم العجز والكلام عدمي لأنه عدم الخرس والسمع والبصر عدمي لأنهما عدم الصمم والعمى وأما قوله أن الفعل يقع بمجرد القدرة وعلم الفاعل بما فيه من الملائمة فمكابرة ثالثة فإن العبد يجد من نفسه قدرة(1\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "195",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11389",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على الفعل وعلما بمصلحته ولا يفعله لعدم إرادته له لما في فعله من فوات محبوب له أو حصول مكروه إليه فلا يوجب القدرة والعلم وقوع الفعل ما لم تقارنهما الإرادة. فصل: وأما قول الآخر أن كون النفس مريدة أمر ذاتي لها فلا تعلل إلى آخره كلام في غاية البطلان فهب أنا لا نطلب علة كونها مريدة فكونها كذلك هو مخلوق فيها أم غير مخلوق وهي التي جعلت نفسها كذلك أم فاطرها وخالقها هو الذي جعلها كذلك وإذا كان سبحانه هو الذي أنشأها بجميع صفاتها وطبيعتها وهيآتها فكونها مريدة هو وصف لها وخالقها خالق لأوصافها فهو خالق لصفة المريدية فيها فإذا كانت تلك الصفة سببا للفعل وخالق السبب خالق للمسبب والمسبب واقع بقدرته ومشيئته وتكوينه وهذا مما لا ينكره إلا مكابر معاند. فصل: وأما قول الطائفة الأخرى أن الله سبحانه خلق فيه إرادة صالحة للضدين فاختار أحدهما على الآخر ولا ريب أن الأمر كذلك ولكن وقوع أحد الضدين باختياره وإيثاره له وداعية إليه لا يخرجه عن كونه مخلوقا للرب سبحانه مقدورا له مقدرا على العبد واقعا بقضاء الرب وقدره وأنه لو شاء لصرف داعية العبد وإرادته عنه إلى ضده فهذه هي البقية التي بقيت على هذه الفرقة من إنكار القدر فلو ضموها إلى قولهم لأصابوا كل الإصابة ولكانوا أسعد بالحق في هذه المسألة من سائر الطوائف وتحقيق ذلك أن الله سبحانه بعدله وحكمته أعطى العبد قدرة وإرادة يتمكن بها من جلب ما ينفعه ودفع ما يضره فأعانه بأسباب ظاهرة وباطنة ومن جملة تلك الأسباب القدرة والإرادة وعرفه طريق الخير والشر ونهج له الطريق وأعانه بإرسال رسله وإنزال كتبه وقرن به ملائكته وأزال عنه كل علة يحتج بها عليه ثم فطرهم سبحانه على إرادة ما ينفعهم وكراهة مما يؤذيهم ويضرهم كما فطر على ذلك الحيوان البهيم ثم كان كثير مما ينفعهم لا علم لهم به على التفصيل والذي يعلمونه من المنافع أمر مشترك بينهم وبين الحيوانات وثم أمور عظيمة هي أنفع شيء لهم لا صلاح لهم ولا فلاح ولا سعادة إلا بمعرفتها وطلبها وفعلها ولا سبيل لهم إلى ذلك إلا بوحي منه وتعريف خاص فأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه فعرفهم ما هو الأنفع لهم ما فيه سعادتهم وفلاحهم فصادفتهم الرسل مشتغلين بأضدادها قد ألفوها وساكنوها وجرت عليها عوائدهم حين ألفتها الطباع فأخبرتهم الرسل أنها أضر شيء عليهم وأنها من أعظم أسباب ألمهم وفوات إربهم وسرورهم فنهضت الإرادة طالبة للسعادة والفلاح إذ الدعوة إلى ذلك محركة للقلوب والأسماع والأبصار إلى الاستجابة فقام داعي الطبع والألف والعادة في وجه ذلك الداعي معارضا له يعد النفس ويمنيها ويرغبها ويزين لها ما ألفته واعتادته لكونه ملائما له وهو نقد عاجل وراحة مؤثرة ولذة مطلوبة ولهو ولعب وزينة وتفاخر وتكاثر وداعي الفلاح يدعو إلى أمر آجل في دار غير هذه الدار لا ينال إلا بمفارقة ملاذها وطيباتها ومسراتها وتجرع مرارتها والتعرض لآفاتها وإيثار الغير لمحبوباتها ومشتهياتها يقول خذ ما تراه ودع ما سمعت به فقامت الإرادة بين الداعيين تصغي إلى هذا مرة وإلى هذا مرة فههنا معركة الحرب ومحل المحنة فقتيل وأسير وفائز بالظفر والغنيمة فإذا شاء الله سبحانه وتعالى رحمة عبد جذب قوى إرادته وعزيمته إلى ما ينفعه ويحييه الحياة الطيبة فأوحى إلى ملائكته أن ثبتوا عبدي واصرفوا همته وإرادته إلى مرضاتي وطاعتي كما قال تعالى: إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا(1\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "196",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11390",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;إن للملك بقلب ابن آدم لمة وللشيطان لمة فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالوعد ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق ثم قرأ: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا وإذا أراد خذلان عبد أمسك عنه تأييده وتثبيته وخلى بينه وبين نفسه ولم يكن بذلك ضالا له لأنه قد أعطاه قدرة وإرادة وعرفه الخير والشر وحذر طريق الهلاك وعرفه بها وحضه على سلوك طريق النجاة وعرفه بها ثم تركه وما اختار لنفسه وولاه ما تولى فإذا وجد شرا فلا يلومن إلا نفسه قال القدري: فتلك الإرادة المعينة المستلزمة للفعل المعين إن كانت بإحداث العبد فهو قولنا وإن كانت بإحداث الرب سبحانه فهو قول الجبري وإن كانت بغير محدث لزم المحال قال السني: لا تفتقر كل إرادة من العبد إلى مشيئة خاصة من الله توجب حدوثها بل يكفي في ذلك المشيئة العامة لجعله مريدا فإن الإرادة هي حركة النفس والله سبحانه شاء أن تكون متحركة وأما أن تكون كل حركة تستدعي مشيئة مفردة فلا وهذا كما أنه سبحانه شاء أن يكون الحي متنفسا ولا يفتقر كل نفس من أنفاسه إلى مشيئة خاصة وكذلك شاء أن يكون هذا الماء بجملته جاريا ولا تفتقر كل قطرة منه إلى مشيئة خاصة يجري بها الماء وكذلك مشيئته لحركات الأفلاك وهبوب الرياح ونزول الغيث وكذلك خطرات القلوب ووساوس النفس وكذلك مشيئته أن يكون العبد متكلما لا يستلزم أن يكون كل حرف بمشيئته غير مشيئة الحرف الآخر وإذا تبين ذلك فهو سبحانه شاء أن يكون عبده شائيا مريدا وتلك الإرادة والمشيئة صالحة للضدين فإذا شاء أن يهدي عبدا صرف داعيه ومشيئته وإرادته إلى معاشه ومعاده وإذا شاء أن يضله تركه ونفسه وتخلى عنه والنفس متحركة بطبعها لا بد لها من مراد محبوب هو مألوهها ومعبودها فإن لم يكن الله وحده هو معبودها ومرادها وإلا كان غيره لها معبودا ومرادا ولا بد فإن حركتها ومحبتها من لوازم ذاتها فإن لم تحب ربها وفاطرها وتعبده أحبت غيره وعبدته وإن لم تتعلق إرادتها بما ينفعها في معادها تعلقت بما يضرها فيه ولا بد فلا تعطيل في طبيعتها وهكذا خلقت فإن قلت فأين مشيئة الله لهداها وضلالها قلت إذا شاء إضلالها تركها ودواعيها وخلى بينها وبين ما تختاره وإذا شاء هداها جذب دواعيها وإرادتها إليه وصرف عنها موانع القبول فيمدها على القدر المشترك بينها وبين سائر النفوس بإمداد وجودي ويصرف عنها الموانع التي خلى بينها وبين غيرها فيها وهذا بمشيئته وقدرته فلم يخرج شيء من الموجودات عن مشيئته وقدرته وتكوينه البتة لكن يكون ما يشاء بأسباب وحكم ولو أن الجبرية أثبتت الأسباب والحكم لانحلت عنها عقد هذه المسألة ولو أن القدرية سحبت ذيل المشيئة والقدر والخلق على جميع الكائنات مع إثبات الحكم والغايات المحمودة في أفعال الرب سبحانه لانحلت عنها عقدها وبالله التوفيق.(1\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "197",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11391",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "الباب الحادي والعشرون: في تنزيه القضاء الإلهي عن الشر",
        "content": "الباب الحادي والعشرون: في تنزيه القضاء الإلهي عن الشر قال الله تعالى: قل اللهم قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير فصدر الآية سبحانه بتفرده بالملك كله وأنه هو(1\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "198",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11392",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبحانه هو الذي يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء لا غيره فالأول تفرده بالملك والثاني تفرده بالتصرف فيه وأنه سبحانه هو الذي يعز من يشاء بما يشاء من أنواع العز ويذل من يشاء بسلب ذلك العز عنه وأن الخير كله بيديه ليس لأحد معه منه شيء ثم ختمها بقوله: إنك على كل شيء قدير فتناولت الآية ملكه وحده وتصرفه وعموم قدرته وتضمنت أن هذه التصرفات كلها بيده وأنها كلها خير فسلبه الملك عمن يشاء وإذلاله من يشاء خير وإن كان شرا بالنسبة إلى المسلوب الذليل فإن هذا التصرف دائر بين العدل والفضل والحكمة والمصلحة لا تخرج عن ذلك وهذا كله خير يحمد عليه الرب ويثنى عليه به كما يحمد ويثنى عليه بتنزيهه عن الشر وأنه ليس إليه كما ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يثني على ربه بذلك في دعاء الاستفتاح في قوله: quot;لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك أنابك وإليك تباركت وتعاليتquot; فتبارك وتعالى عن نسبة الشر إليه بل كل ما نسب إليه فهو خير والشر إنما صار شرا لانقطاع نسبته وإضافته إليه فلو أضيف إليه لم يكن شرا كما سيأتي بيانه وهو سبحانه خالق الخير والشر فالشر في بعض مخلوقاته لا في خلقه وفعله وخلقه وفعله وقضاؤه وقدره خير كله ولهذا تنزه سبحانه عن الظلم الذي حقيقته وضع الشيء في غير موضعه كما تقدم فلا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها وذلك خير كله والشر وضع الشيء في غير محله فإذا وضع في محله لم يكن شرا فعلم أن الشر ليس إليه وأسماؤه الحسنى تشهد بذلك فإن منها القدوس السلام العزيز الجبار المتكبر فالقدوس المنزه من كل شر ونقص وعيب كما قال أهل التفسير هو الطاهر من كل عيب المنزه عما لا يليق به وهذا قول أهل اللغة وأصل الكلمة من الطهارة والنزاهة ومنه بيت المقدس لأنه مكان يتطهر فيه من الذنوب ومن أمه لا يريد إلا الصلاة فيه رجع من خطيئته كيوم ولدته أمه ومنه سميت الجنة حظيرة القدس لطهارتها من آفات الدنيا ومنه سمي جبريل روح القدس لأنه طاهر من كل عيب ومنه قول الملائكة ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك فقيل المعنى ونقدس أنفسنا لك فعدى باللام وهذا ليس شيء والصواب أن المعنى نقدسك وننزهك عما لا يليق بك هذا قول جمهور أهل التفسير وقال ابن جرير: quot;ونقدس لك ننسبك إلى ما هو من صفاتك من الطهارة من الأدناس ومما أضاف إليك أهل الكفر بكquot; قال وقال بعضهم: quot;نعظمك ونمجدكquot; قاله أبو صالح وقال مجاهد: quot;نعظمك ونكبركquot; انتهى وقال بعضهم ننزهك عن السوء فلا ننسبه إليك واللام فيه على حدها في قوله: ردف لكم لأن المعنى تنزيه الله لا تنزيه نفوسهم لأجله قلت ولهذا قرن هذا اللفظ بقولهم نسبح بحمدك فإن التسبيح تنزيه الله سبحانه عن كل سوء قال ميمون بن مهران: quot;سبحان الله كلمة يعظم بها الرب ويحاشى بها من السوءquot; وقال ابن عباس: quot;هي تنزيه لله من كل سوءquot; وأصل اللفظة من المباعدة من قولهم سبحت في الأرض إذا تباعدت فيها ومنه كل في فلك يسبحون فمن أثنى على الله ونزهه عن السوء فقد سبحه ويقال سبح الله وسبح له وقدسه وقدس له وكذلك اسمه السلام فإنه الذي سلم من العيوب والنقائص ووصفه بالسلام أبلغ في ذلك من وصفه بالسالم ومن موجبات وصفه بذلك سلامة خلقه من ظلمه لهم فسلم سبحانه من إرادة الظلم والشر ومن التسمية به ومن فعله ومن نسبته إليه فهو السلام من صفات النقص وأفعال النقص وأسماء النقص المسلم لخلقه من الظلم ولهذا وصف سبحانه ليلة القدر بأنها سلام والجنة بأنها دار السلام وتحية أهلها السلام وأثنى على أوليائه بالقول السلام(1\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "199",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11393",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كل ذلك السالم من العيوب وكذلك الكبير من أسمائه والمتكبر قال قتادة: quot;وغيره هو الذي تكبر عن السوءquot; وقال أيضا: quot;الذي تكبر عن السيئاتquot; وقال مقاتل: quot;المتعظم عن كل سوءquot; وقال أبو إسحاق: quot;الذي يكبر عن ظلم عبادهquot; وكذلك اسمه العزيز الذي له العزة التامة ومن تمام عزته براءته عن كل سوء وشر وعيب فإن ذلك ينافي العزة التامة وكذلك اسمه العلي الذي علا عن كل عيب وسوء ونقص ومن كمال علوه أن لا يكون فوقه شيء بل يكون فوق كل شيء وكذلك اسمه الحميد وهو الذي له الحمد كله فكمال حمده يوجب أن لا ينسب إليه شر ولا سوء ولا نقص لا في أسمائه ولا في أفعاله ولا في صفاته فأسماؤه الحسنى تمنع نسبة الشر والسوء والظلم إليه مع أنه سبحانه الخالق لكل شيء فهو الخالق للعباد وأفعالهم وحركاتهم وأقوالهم والعبد إذا فعل القبيح المنهي عنه كان قد فعل الشر والسوء والرب سبحانه هو الذي جعله فاعلا لذلك وهذا الجعل منه عدل وحكمة وصواب فجعله فاعلا خير والمفعول شر قبيح فهو سبحانه بهذا الجعل قد وضع الشيء موضعه لما له في ذلك من الحكمة البالغة التي يحمد عليها فهو خير وحكمة ومصلحة وإن كان وقوعه من العبد عيبا ونقصا وشرا وهذا أمر معقول في الشاهد فإن الصانع الخبير إذا أخذ الخشبة العوجاء والحجر المكسور واللبنة الناقصة فوضع ذلك في موضع يليق به ويناسبه كان ذلك منه عدلا وصوابا يمدح به وإن كان في المحل عوج ونقص وعيب يذم به المحل ومن وضع الخبائث في موضعها ومحلها اللائق بها كان ذلك حكمة وعدلا وصوابا وإنما السفه والظلم أن يضعها في غير موضعها فمن وضع العمامة على الرأس والنعل في الرجل والكحل في العين والزبالة في الكناسة فقد وضع الشيء موضعه ولم يظلم النعل والزبالة إذ هذا محلهما ومن أسمائه سبحانه العدل والحكيم الذي لا يضع الشيء إلا في موضعه فهو المحسن الجواد الحكيم العدل في كل ما خلقه وفي كل ما وضعه في محله وهيأه له وهو سبحانه له الخلق والأمر فكما أنه في أمره لا يأمر إلا بأرجح الأمرين ويأمر بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وإذا تعارض أمران رجح أحسنهما وأصلحهما وليس في الشريعة أمر يفعل إلا ووجوده للمأمور خير من عدمه ولا نهي عن فعل إلا وعدمه خير من وجوده فإن قلت فإذا كان وجوده خيرا من عدمه فكيف لا يشاء وجوده فإذا كان عدمه خيرا من وجوده فكيف يشاء وجوده فالمشيئة العامة تنقض عليك هذه القاعدة الكلية قلت لا تنقضها لأن وجوده وإن كان خيرا من عدمه فقد يستلزم وجوده فوات محبوب له هو أحب إليه من وقوع هذا المأمور من هذا المعنى وعدم المنهي وإن كان خيرا من وجوده فقد يكون وجوده وسيلة وسببا إلى ما هو أحب إليه من عدمه وسيأتي تمام تقرير ذلك في باب اجتماع القدر والشرع وافتراقهما إن شاء الله والرب سبحانه إذا أمر بشيء فقد أحبه ورضيه وأراده وبينه وهو لا يحب شيئا إلا ووجوده خير من عدمه وما نهى عنه فقد أبغضه وكرهه وهو لا يبغض شيئا إلا وعدمه خير من وجوده هذا بالنظر إلى ذات هذا وهذا وأما باعتبار إفضائه إلى ما يحب ويكره فله حكم آخر ولهذا أمر سبحانه عباده أن يأخذوا بأحسن ما أنزل إليهم فالأحسن هو المأمور به وهو خير من المنهي عنه وإذا كانت هذه سنته في أمره وشرعه فهكذا سنته في خلقه وقضائه وقدره فما أراد أن يخلقه أو يفعله كان أن يخلقه ويفعله خيرا من أن لا يخلقه ولا يفعله وبالعكس وما كان عدمه خيرا من وجوده فوجوده شر وهو لا يفعله بل هو منزه عنه والشر ليس(1\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "200",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11394",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليه فإن قلت فلم خلقه وهو شر قلت خلقه له وفعله خير لا شر فإن الخلق والفعل قائم به سبحانه والشر يستحيل قيامه به واتصافه به وما كان في المخلوق من شر فلعدم إضافته ونسبته إليه والفعل والخلق يضاف إليه فكان خيرا والذي شاءه كله خير والذي لم يشأ وجوده بقي على العدم الأصلي وهو الشر فإن الشر كله عدم وأن سببه جهل وهو عدم العلم أو ظلم وهو عدم العدل وما يترتب على ذلك من الآلام فهو من عدم استعداد المحل وقبوله لأسباب الخيرات واللذات فإن قلت كثير من الناس يطلق القول بأن الخير كله من الوجود ولوازمه والشر كله من العدم ولوازمه والوجود خير والشر المحض لا يكون إلا عدما قلت هذا اللفظ فيه إجمال فإن أريد به أن كل ما خلقه الله وأوجده ففيه الخير ووجوده خير من عدمه وما لم يخلقه ولم يشأه فهو المعدوم الباقي على عدمه ولا خير فيه إذ لو كان فيه خير لفعله فإنه بيده الخير فهذا صحيح فالشر العدمي هو عدم الخير وإن أريد أن كل ما يلزم الوجود فهو خير وكل ما يلزم العدم فهو شر فليس بصحيح فإن الوجود قد يلزمه شر مرجوح والعدم قد يلزمه خير راجح مثال الأول النار والمطر والحر والبرد والثلج ووجود الحيوانات فإن هذا موجود ويلزمه شر جزئي مغمور بالنسبة إلى ما في وجود ذلك من الخير وكذلك المأمور به قد يلزمه من الألم والمشقة ما هو شر جزئي مغمور بالنسبة إلى ما فيه من الخير. فصل: وتحقيق الأمر أن الشر نوعان شر محض حقيقي من كل وجه وشر نسبي إضافي من وجه دون وجه فالأول لا يدخل في الوجود إذ لو دخل في الوجود لم يكن شرا محضا والثاني هو الذي يدخل في الوجود فالأمور التي يقال هي شرور إما أن تكون أمورا عدمية أو أمورا وجودية فإن كانت عدمية فإنها إما أن تكون عدما لأمور ضرورية للشيء في وجوده أو ضرورية له في دوام وجوده وبقائه أو ضرورية له في كماله وإما أن تكون غير ضرورية له في وجوده ولا بقائه ولا كماله وإن كان وجودها خيرا من عدمها فهذه أربعة أقسام فالأول كالإحساس والحركة والنفس للحيوان والثاني كقوة الاغتذاء والنمو للحيوان المغتذي النامي والثالث كصحته وسمعه وبصره وقوته والرابع كالعلم بدقائق المعلومات التي العلم بها خير من الجهل وليست ضرورية له وأما الأمور الوجودية فوجود كل ما يضاد الحياة والبقاء والكمال كالأمراض وأسبابها والآلام وأسبابها والموانع الوجودية التي تمنع حصول الخير ووصوله إلى المحل القابل له المستعد لحصوله كالمواد الردية المانعة من وصول الغذاء إلى أعضاء البدن وانتفاعها به وكالعقائد الباطلة والإرادات الفاسدة المانعة لحصول أضدادها للقلب إذا عرف هذا فالشر بالذات هو عدم ما هو ضروري للشيء في وجوده أو بقائه أو كماله ولهذا العدم لوازم من شر أيضا فإن عدم العلم والعدل يلزمهما من الجهل والظلم ما هو شرور وجودية وعدم الصحة والاعتدال يلزمهما من الألم والضرر ما هو شر وجودي وأما عدم الأمور المستغنى عنها كعدم الغنى المفرط والعلوم التي لا يضر الجهل بها فليس بشر في الحقيقة ولا وجودها سببا للشر فإن العلم منه حيث هو علم والغنى منه حيث هو غنى لم يوضع سببا للشر وإنما يترتب الشر من عدم صفة تقتضي الخير كعدم العفة والصبر والعدل في حق الغنى فيحصل الشر له في غناه بعدم هذه الصفات وكذلك عدم الحكمة ووضع الشيء موضعه وعدم إرادة الحكمة في حق صاحب العلم يوجب ترتب الشر له على ذلك فظهر أن الشر لم يترتب إلا على عدم وإلا فالموجود من حيث وجوده لا يكون شرا ولا سببا للشر فالأمور الوجودية ليست شرورا(1\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "201",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11395",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالذات بل بالعرض من حيث أنها تتضمن عدم أمور ضرورية أو نافعة فإنك لا تجد شيئا من الأفعال التي هي شر إلا وهي كمال بالنسبة إلى أمور وجهة الشر فيه بالنسبة إلى أمور أخر مثال ذلك أن الظلم يصدر عن قوة تطلب الغلبة والقهر وهي القوة الغضبية التي كمالها بالغلبة ولهذا خلقت فليس في ترتب أثرها عليها شر من حيث وجوده بل الشر عدم ترتب أثرها عليها البتة فتكون ضعيفة عاجزة مقهورة وإنما الشر الوجودي الحاصل شر إضافي بالنسبة إلى المظلوم بفوات نفسه أو ماله أو تصرفه وبالنسبة إلى الظالم لا من حيث الغلبة والاستيلاء ولكن من حيث وضع الغلبة والقهر والاستيلاء في غير موضعه فعدل به من محله إلى غير محله ولو استعمل قوة الغضب في قهر المؤذي الباغي من الحيوانات الناطقة والبهيمة لكان خيرا ولكن عدل به إلى غير محله فوضع القهر والغلبة موضع العدل والنصفة ووضع الغلظة موضع الرحمة فلم يكن الشر في وجود هذه القوة ولا في ترتب أثرها عليها من حيث هما كذلك بل في إجرائها في غير مجراها ومثال ذلك ماء جار في نهر إلى أرض يسقيها وينفعها فكماله في جريانه حتى يصل إليها فإذا عدل به عن مجراه وطريقه إلى أرض يضرها ويخرب دورها كان الشر في العدول به عما أعدله وعدم وصوله إليه فهكذا الإرادة والغضب أعين بهما العبد ليتوصل بهما إلى حصول ما ينفعه وقهر ما يؤذيه ويهلكه فإذا استعملا في ذلك فهو كمالها وهو خير وإذا صرفا عن ذلك إلى استعمال هذه القوة في غير محلها وهذه في غير محلها صار ذلك شرا إضافيا نسبيا وكذلك النار كمالها في إحراقها فإذا أحرقت ما ينبغي إحراقه فهو خير وإن صادفت ما لا ينبغي إحراقه فأفسدته فهو شر إضافي بالنسبة إلى المحل المعين وكذلك القتل مثلا هو استعمال الآلة القطاعة في تفريق اتصال البدن فقوة الإنسان على استعمال الآلة خير وكون الآلة قابلة للتأثير خير وكون المحل قابلا لذلك خير وإنما الشر نسبي إضافي وهو وضع هذا التأثير في غير موضعه والعدول به عن المحل المؤدي إلى غيره وهذا بالنسبة إلى الفاعل وأما بالنسبة إلى المفعول فهو شر إضافي أيضا وهو ما حصل له من التألم وفاته من الحياة وقد يكون ذلك خيرا له من جهة أخرى وخير لغيرة وكذلك الوطء فإن قوة الفاعل وقبول المحل كمال ولكن الشر في العدول به عن المحل الذي يليق به إلى محل لا يحسن ولا يليق وهكذا حركة اللسان وحركات الجوارح كلها جارية على هذا المجرى فظهر أن دخول الشر في الأمور الوجودية إنما هو بالنسبة والإضافة لا أنها من حيث وجودها وذواتها شر وكذلك السجود ليس هو شرا من حيث ذاته ووجوده فإذا أضيف إلى غير الله كان شرا بهذه النسبة والإضافة وكذلك كل ما وجوده كفر وشرك إنما كان شرا بإضافته إلى ما جعله كذلك كتعظيم الأصنام فالتعظيم من حيث هو تعظيم لا يمدح ولا يذم إلا باعتبار متعلقه فإذا كان تعظيما لله وكتابه ودينه ورسوله كان خيرا محضا وإن كان تعظيما للصنم وللشيطان فإضافته إلى هذا المحل جعلته شرا كما أن إضافة السجود إلى غير الله جعلته كذلك. فصل: ومما ينبغي أن يعلم أن الأشياء المكونة من موادها شيئا فشيئا كالنبات والحيوان أما إن يعرض لها النقص الذي هو شر في ابتدائها أو بعد تكونها فالأول هو بأن يعرض لمادتها من الأسباب ما يجعلها ردية المزاج ناقصة الاستعداد فيقع الشر فيها والنقص في خلقها بذلك السبب وليس ذلك بأن الفاعل حرمه وأذهب عنه أمرا وجوديا به كماله بل لأن المنفعل لم يقبل الكمال والتمام وعدم قبوله(1\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "202",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11396",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أمر عدمي ليس بالفاعل وأما الذي بالفاعل فهو الخير الوجودي الذي يتقبل به كماله وتمامه ونقصه والشر الذي حصل فيه هو من عدم إمداده بسبب الكمال فبقي على العدم الأصلي وبهذا يفهم سر قوله تعالى: ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فإن ما خلقه فهو أمر وجودي به كمال المخلوق وتمامه وأما عيبه ونقصه فمن عدم قبوله وعدم القبول ليس أمرا مخلوقا يتعلق بفعل الفاعل فالخلق الوجودي ليس فيه تفاوت والتفاوت إنما حصل بسبب هذا الخلق فإن الخالق سبحانه لم يخلق له استعدادا فحصل التفاوت فيه من عدم الخلق لا من نفس الخلق فتأمله والذي إلى الرب سبحانه هو الخلق وأما العدم فليس هو بفاعل له فإذا لم يكمل في مادة الجنين في الرحم ما يقتضي كماله وسلامة أعضائه واعتدالها حصل فيه التفاوت وكذلك النبات. فصل: وأما الثاني وهو أن الشر الحاصل بعد تكونه وإيجاده فهو نوعان أيضا أحدهما أن يقطع عنه الإمداد الذي به كماله بعد وجوده كما يقطع عن النبات إمداده بالسقي وعن الحيوان إمداده بالغذاء فهو شر مضاف إلى العدم أيضا وهو عدم ما يكمل به الثاني حصول مضاد مناف وهو نوعان أحدهما قيام مانع في المحل يمنع تأثير الأسباب الصالحة فيه كما تقوم بالبدن أخلاط ردية تمنع تأثير الغذاء فيه وانتفاعه به وكما تقوم بالقلب إرادات واعتقادات فاسدة تمنع انتفاعه بالهدى والعلم فهذا الشر وإن كان وجوديا وأسبابه وجودية فهو أيضا من عدم القوة والإرادة التي يدفع بها ذلك المانع فلو وجدت قوة وإرادة تدفعه لم يتأثر المحل به مثاله أن غلبة الأخلاط واستيلائها من عدم القوة المنضجة لها أو القوة الدافعة لما يحتاج إلى خروج وكذلك استيلاء الإرادات الفاسدة لضعف قوة العفة والصبر واستيلاء الاعتقادات الباطلة لعدم العلم المطابق لمعلومه فكل شر ونقص فإنما حصل لعدم سبب ضده وعدم سبب ضده ليس فاعلا له بل يكفي فيه بقاؤه على العدم الأصلي الثاني مانع من خارج كالبرد الشديد والحرق والغرق ونحو ذلك مما يصيب الحيوان والنبات فيحدث فيه الفساد فهذا لا ريب انه شر وجودي مستند إلى سبب وجودي ولكنه شر نسبي إضافي وهو خير من وجه آخر فإن وجود ذلك الحر والبرد والماء يترتب عليه مصالح وخيرات كلية هذا الشر بالنسبة إليها جزئي فتعطيل تلك الأسباب لتفويت هذا الشر الجزئي يتضمن شرا أكثر منه وهو فوات تلك الخيرات الحاصلة بها فإن ما يحصل بالشمس والريح والمطر والثلج والحر والبرد من مصالح الخلق أضعاف أضعاف ما يحصل بذلك من مفاسد جزئية هي في جنب تلك المصالح كقطرة في بحر هذا لو كان شرها حقيقيا فكيف وهي خير من وجه وشر من وجه وإن لم يعلم جهة الخير فيها كثير من الناس فما قدرها الرب سبحانه سدى ولا خلقها باطلا وعند هذا فيقال الوجود إما أن يكون خيرا من كل وجه أو شرا من كل وجه أو خيرا من وجه شرا من وجه وهذا على ثلاثة أقسام قسم خيره راجح على شره وعكسه وقسم مستو خيره وشره وأما أن لا يكون فيه خير ولا شر فهذه ستة أقسام ولا مزيد عليها فبعضها واقع وبعضها غير واقع فأما القسم الأول وهو الخير المحض من كل وجه الذي لا شر فيه بوجه ما فهو أشرف الموجودات على الإطلاق وأكملها وأجلها وكل كمال وخير فيها فهو مستفاد من خيره وكماله في نفسه وهي تستمد منه وهو لا يستمد منها وهي فقيرة إليه وهو غني عنها كل منها يسأله كماله فالملائكة تسأله ما لا حياة لها إلا به وإعانته على ذكره وشكره وحسن(1\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "203",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11397",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبادته وتنفيذ أوامره والقيام بما جعل إليهم من مصالح العالم العلوي والسفلي وتسأله أن يغفر لبني آدم والرسل تسأله أن يعينهم على أداء رسالاته وتبليغها وأن ينصرهم على أعدائهم وغير ذلك من مصالحهم في معاشهم ومعادهم وبنو آدم كلهم يسألونه مصالحهم على تنوعها واختلافها والحيوان كله يسأله رزقه وغذاءه وقوته وما يقيمه ويسأله الدفع عنه والشجر والنبات يسأله غذاءه وما يكمل به والكون كله يسأله إمداده بقاله وحاله: يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن فأكف جميع العالم ممتدة إليه بالطلب والسؤال ويده مبسوطة لهم بالعطاء والنوال يمينه ملأى لا يغيضها نفقة سجاء الليل والنهار وعطاؤه وخيره مبذول للأبرار والفجار له كل كمال ومنه كل خير له الحمد كله وله الثناء كله وبيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله تبارك اسمه وتباركت أوصافه وتباركت أفعاله وتباركت ذاته فالبركة كلها له ومنه لا يتعاظمه خير سئله ولا تنقص خزائنه على كثرة عطائه وبذله فلو صور كل كمال في العالم صورة واحدة ثم كان العالم كله على تلك الصورة لكان نسبة ذلك إلى كماله وجلاله وجماله دون نسبة سراج ضعيف إلى عين الشمس. فصل: وأما الأقسام الخمسة الباقية فلا يدخل منها في الوجود إلا ما كانت المصلحة والحكمة والخير في إيجاده أكثر من المفسدة والأقسام الأربعة لا تدخل في الوجود أما الشر المحض الذي لا خير فيه فذاك ليس له حقيقة بل هو العدم المحض فإن قيل فإبليس شر محض والكفر والشرك كذلك وقد دخلوا في الوجود فأي خير في إبليس وفي وجود الكفر قيل في خلق إبليس من الحكم والمصالح والخيرات التي ترتبت على وجوده ما لا يعلمه إلا الله كما سننبه على بعضه فالله سبحانه لم يخلقه عبثا ولا قصد بخلقه إضرار عباده وهلاكهم فكم لله في خلقه من حكمة باهرة وحجة قاهرة وآية ظاهرة ونعمة سابغة وهو وإن كان للأديان والإيمان كالسموم للأبدان ففي إيجاد السموم من المصالح والحكم ما هو خير من تفويتها وأما الذي لا خير فيه ولا شر فلا يدخل أيضا في الوجود فإنه عبث فتعالى الله عنه وإذا امتنع وجود هذا القسم في الوجود فدخول ما الشر في إيجاده أغلب من الخير أولى بالامتناع ومن تأمل هذا الوجود علم أن الخير فيه غالب وأن الأمراض وإن كثرت فالصحة أكثر منها واللذات أكثر من الآلام والعافية أعظم من البلاء والغرق والحرق والهدم ونحوها وإن كثرت فالسلامة أكثر ولو لم يوجد هذا القسم الذي خيره غالب لأجل ما يعرض فيه من الشر لفات الخير الغالب وفوات الخير الغالب شر غالب ومثال ذلك النار فإن في وجودها منافع كثيرة وفيها مفاسد لكن إذا قابلنا بين مصالحها ومفاسدها لم تكن لمفاسدها نسبة إلى مصالحها وكذلك المطر والرياح والحر والبرد وبالجملة فعناصر هذا العالم السفلي خيرها ممتزج بشرها ولكن خيرها غالب وأما العالم العلوي فبريء من ذلك فإن قيل فهلا خلق الخلاق الحكيم هذه خالية من الشر بحيث تكون خيرات محضة فإن قلتم اقتضت الحكمة خلق هذا العالم ممتزجا فيه اللذة بالألم والخير بالشر فقد كان يمكن خلقه على حالة لا يكون فيه شر كالعالم العلوي سلمنا أن وجود ما الخير فيه أغلب من الشر أولى من عدمه فأي خير ومصلحة في وجود رأس الشر كله ومنبعه وقدوة أهله فيه إبليس وأي خير في إبقائه إلى آخر الدهر وأي خير يغلب في نشأة يكون فيها تسعة وتسعون إلى النار وواحد في الجنة وأي خير غالب حصل بإخراج الأبوين من الجنة حتى جرى على الأولاد ما جرى ولو داما في الجنة لارتفع(1\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "204",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11398",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشر بالكلية وإذا كان قد خلقهم لعبادته فكيف اقتضت حكمته أن صرف إليهم عنا ووفق لها الأقل من الناس وأي خير يغلب في خلق الكفر والفسوق والعصيان والظلم والبغي وأي خير في إيلام غير المكلفين كالأطفال والمجانين فإن قلتم فائدته التعويض أنقض عليكم بإيلام البهائم ثم وأي خير في خلق الدجال وتمكينه من الظهور والافتتان به وإذ قد اقتضت الحكمة ذلك فأي خير حصل في تمكينه من إظهار تلك الخوارق والعجائب وأي خير في السحر وما يترتب عليه من المفاسد والمضار وأي خير في إلباس الخلق شيعا وإذاقة بعضهم بأس بعض وأي خير في خلق السموم وذات السموم والحيوانات العادية المؤذية بطبعها وأي خير في خراب هذه البنية بعد خلقها في أحسن تقويم وردها إلى أرذل العمر بعد استقامتها وصلاحها وكذلك خراب هذا الدار ومحو أثرها فإن كان وجود ذلك خيرا غالبا فإبطاله إبطال للخير الغالب دع هذا كله فأي خير راجح أو مرجوح في النار وهي دار الشر الأعظم والبلاء الأكبر ولا خلاص لكم عن هذه الأسئلة إلا بسد باب الحكم والتعليل وإسناد الكون إلى محض المشيئة أو القول بالإيجاب الذاتي وأن الرب لا يفعل باختياره ومشيئته وهذه الأسئلة إنما ترد على من يقول بالفاعل المختار فلهذا لجأ القائلون إلى إنكار التعليل جملة فاختاروا أحد المذهبين وتحيزوا إلى إحدى الفئتين وإلا فكيف تجمعون بين القول بالحكمة والتعليل وبين هذه الأمور فالجواب بعد أن نقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر بل في تحقيق هذه الكلمات الجواب الشافي: ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم : الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما : جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم : صنع الله الذي أتقن كل شيء : وأحسن كل الذي أحسن كل شيء خلقه : ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت بل هو في غاية التناسب واقع على أكمل الوجوه وأقربها إلى حصول الغايات المحمودة والحكم المطلوبة فلم يكن تحصل تلك الحكم والغايات التي انفرد الله سبحانه بعلمها على التفصيل وأطلع من شاء من عباده على أيسر اليسير منها إلا بهذه الأسباب والبدايات وقد سأله الملائكة المقربون عن جنس هذه الأسئلة وأصلها فقال: إني أعلم ما لا تعلمون وأقروا له بكمال العلم والحكمة وأنه في جميع أفعاله على صراط مستقيم وقالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ولما ظهر لهم ببعض حكمته فيما سألوا عنه وأنهم لم يكونوا يعلمون قال: قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون . فصل: ونحن نذكر أصولا مهمة نبين بها جواب هذه الأسئلة وقد اعترف كثير من المتكلمين ممن له نظر في الفلسفة والكلام أنه لا يمكن الجواب عنها إلا بالتزام القول بالموجب بالذات أو القول بإبطال الحكمة والتعليل وأنه سبحانه لا يفعل شيئا لشيء ولا يأمر بشيء لحكمة ولا جعل شيئا من الأشياء سببا لغيره وما ثم إلا مشيئة محضة وقدرة ترجح مثلا على مثل بلا سبب ولا على وأنه لا يقال(1\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "205",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11399",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في فعله لم ولا كيف ولا لأي سبب وحكمة ولا هو معلل بالمصالح قال الرازي في مباحثه: quot;فإن قيل فلم لم يخلق الخالق هذه الأشياء عرية عن كل الشرور فنقول لأنه لو جعلها كذلك لكان هذا هو القسم الأول وذلك مما خرج عنهquot; يعني كان ذلك هو القسم الذي هو خير محض لا شر فيه قال: quot;وبقي في الفعل قسم آخر وهو الذي يكون خيره غالبا على شرهquot; وقد بينا أن الأولى بهذا القسم أن يكون موجودا قال وهذا الجواب لا يعجبني لأن لقائل أن يقول أن جميع هذه الخيرات والشرور إنما توجد باختيار الله سبحانه وإرادته فالاحتراق الحاصل عقيب النار ليس موجبا عن النار بل الله اختار خلقه عقيب مماسة النار وإذا كان حصول الاحتراق عقيب مماسة النار باختيار الله وإرادته فكان يمكنه أن يختار خلق الإحراق عندما يكون خيرا ولا يختار خلقه عندما يكون شرا ولا خلاص عن هذه المطالبة إلا ببيان كونه فاعلا بالذات لا بالقصد والاختيار ويرجع حاصل الكلام في هذه المسألة إلى مسألة القدم والحدوث فانظر كيف اعترف بأنه لا خلاص عن هذه الأسئلة إلا بتكذيب جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم وإبطال جميع الكتب المنزلة من عند الله ومخالفة صريح العقل في أن خالق العالم سبحانه مريد مختار ما شاء كان بمشيئته وما لم يشأ لم يكن لعدم مشيئته وأنه ليس في الكون شيء حاصل بدون مشيئته البتة فأقر على نفسه أنه لا خلاص له في تلك الأسئلة إلا بالتزام طريقة أعداء الرسل والملل القائلين بأن الله لم يخلق السماوات والأرض في ستة أيام ولا أوجد العالم بعد عدمه ولا يفنيه بعد إيجاده وصدور ما صدر عنه بغير اختياره ومشيئته فلم يكن مختارا مريدا للعالم وليس عنده إلا هذا القول أو قول الجبرية منكري الأسباب والحكم والتعليل أو قول المعتزلة الذين أثبتوا حكمة لا ترجع إلى الفاعل وأوجبوا رعاية مصالح شبهوا فيها الخالق بالمخلوق وجعلوا له بعقولهم شريعة أوجبوا عليه فيها وحرموا وحجروا عليه فالأقوال الثلاثة تتردد في صدره وتتقاذف به أمواجها تقاذف السفينة إذا لعبت بها الرياح الشديدة والعاقل لا يرضى لنفسه بواحد من هذه الأقوال لمنافاتها العقل والنقل والفطرة والقول الحق في هذه الأقوال كيوم الجمعة في الأيام أضل الله عنه أهل الكتابين قبل هذه الأمة وهداهم إليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الجمعة: quot;أضل الله عنها من كان قبلنا فاليوم لنا وغدا لليهود وبعد غد للنصارىquot; ونحن هكذا نقول بحمد الله ومنه القول الوسط الصواب لنا وإنكار الفاعل بالمشيئة والاختيار لأعداء الرسول وإنكار الحكمة والمصلحة والتعليل والأسباب للجهمية والجبرية وإنكار عموم القدرة والمشيئة العائدة إلى الرب سبحانه من محبته وكراهته وموجب حمده ومقتضى أسمائه وصفاته ومعانيها وآثارها للقدرية المجوسية ونحن نبرأ إلى الله من هذه الأقوال وقائلها إلا من حق تتضمنه مقالة كل فرقة منهم فنحن به قائلون وإليه منقادون وله ذاهبون. فصل: الأصل الأول: إثبات عموم علمه سبحانه وإحاطته بكل معلوم وأنه لا تخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض بل قد أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا والخلاف في هذا الأصل مع فرقتين إحداهما أعداء الرسل كلهم وهم الذين ينفون علمه بالجزئيات وحاصل قولهم أنه لا يعلم موجودا البتة فإن كل موجود جزئي معين فإذا لم يعلم الجزئيات لم يكن عالما بشيء من العالم العلوي والسفلي والفرقة الثانية غلاة القدرية الذين اتفق السلف على كفرهم وحكموا بقتلهم الذين يقولون لا يعلم أعمال العباد حتى يعلموها ولم يعلمها قبل ذلك ولا كتبها ولا قدرها فضلا(1\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "206",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11400",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن أن يكون شاءها وكونها وقول هؤلاء معلوم البطلان بالضرورة من أديان جميع المرسلين وكتب الله المنزلة وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم مملوءة بتكذيبهم وإبطال قولهم وإثبات عموم علمه الذي لا يشاركه فيه خلقه ولا يحيطون بشيء منه إلا بما شاء أن يطلعهم عليه ويعلمهم به وما أخفاه عنهم ولم يطلعهم عليه لا نسبة لما عرفوه إليه إلا دون نسبة قطرة واحدة إلى البحار كلها كما قال الخضر لموسى وهما أعلم أهل الأرض حينئذ ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من البحر ويكفي أن ما يتكلم به من علمه لو قدر أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر مداد وأشجار الأرض كلها من أول الدهر إلى آخره أقلام يكتب به ما يتكلم به مما يعلمه لنفدت البحار وفنيت الأقلام ولم تنفذ كلماته فنسبة علوم الخلائق إلى علمه سبحانه كنسبة قدرتهم إلى قدرته وغناهم إلى غناه وحكمتهم إلى حكمته وإذا كان أعلم الخلق به على الإطلاق يقول: quot; لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسكquot; ويقول في دعاء الاستخارة: quot;فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوبquot; ويقول سبحانه للملائكة: إني أعلم ما لا تعلمون ويقول سبحانه لأعلم الأمم وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم: كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ويقول لأهل الكتاب: وما أوتيتم من العلم إلا قليلا وتقول رسله يوم القيامة حين يسألهم: ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب وهذا هو الأدب المطابق للحق في نفس الأمر فإن علومهم وعلوم الخلائق تضمحل وتتلاشى في علمه سبحانه كما يضمحل ضوء السراج الضعيف في عين الشمس فمن أظلم الظلم وأبين الجهل وأقبح القبيح وأعظم القحة والجراءة أن يعترض من لا نسبة لعلمه إلى علوم الناس التي لا نسبة لها إلى علوم الرسل التي لا نسبة لها إلى علم رب العالمين عليه ويقدح في حكمته ويظن أن الصواب والأولى أن يكون غير ما جرى به قلمه وسبق به علمه وأن يكون الأمر بخلاف ذلك فسبحان الله رب العالمين تنزيها لربوبيته وإلهيته وعظمته وجلاله عما لا يليق به من كل ما نسبه إليه الجاهلون الظالمون فسبحان الله كلمة يحاشى الله بها عن كل ما يخالف كماله من سوء ونقص وعيب فهو المنزه التنزيه التام من كل وجه وبكل اعتبار عن كل نقص متوهم وإثبات عموم حمده وكماله وتمامه ينفي ذلك واتصافه بصفات الإلهية التي لا تكون لغيره وكونه أكبر من كل شيء في ذاته وأوصافه وأفعاله ينفي ذلك لمن رسخت معرفته في معنى سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وسافر قلبه في منازلها وتلقى معانيها من مشكاة النبوة لا من مشكاة الفلسفة والكلام الباطل وآراء المتكلمين فهذا أصل يجب التمسك به في هذا المقام وأن يعلم أن عقول العالمين ومعارفهم وعلومهم وحكمهم تقصر عن الإحاطة بتفاصيل حكمة الرب سبحانه في أصغر مخلوقاته الأصل الثاني: أنه سبحانه حي حقيقة وحياته أكمل الحياة وأتمها وهي حياة تستلزم جميع صفات الكمال ونفي أضدادها من جميع الوجوه ومن لوازم الحياة الفعل الاختياري فإن كل حي فعال وصدور الفعل عن الحي بحسب كمال حياته ونقصها وكل من كانت حياته أكمل من غيره كان فعله أقوى وأكمل وكذلك قدرته ولذلك كان الرب سبحانه على كل شيء قدير وهو فعال لما يريد وقد ذكر البخاري في كتاب خلق الأفعال عن نعيم بن حماد أنه قال: quot;الحي هو الفعالquot; وكل حي فعال فلا فرق بين الحي والميت إلا بالفعل والشعور وإذا كانت الحياة مستلزمة للفعل وهو الأصل الثالث فالفعل(1\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "207",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11401",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي لا يعقل الناس سواه هو الفعل الاختياري الإرادي الحاصل بقدرة الفاعل وإرادته ومشيئته وما يصدر عن الذات من غير سفير قدرة منها ولا إرادة لا يسميه أحد من العقلاء فعلا وإن كان أثرا من آثارها ومتولدا عنها كتأثير النار في الإحراق والماء في الإغراق والشمس في الحرارة فهذه آثار صادرة عن هذه الأجسام وليست أفعالا لها وإن كانت بقوى وطبائع جعلها الله فيها فالفعل والعمل من الحي العالم لا يقع إلا بمشيئته وقدرته وكون الرب سبحانه حيا فاعلا مختارا مريدا مما اتفقت عليه الرسل والكتب ودل عليه العقل والفطرة وشهدت به الموجودات ناطقها وصامتها جمادها وحيوانها علويها وسفليها فمن أنكر فعل الرب الواقع بمشيئته واختياره وفعله فقد جحد ربه وفاطره وأنكر أن يكون للعامل رب الأصل الرابع: أنه سبحانه ربط الأسباب بمسبباتها شرعا وقدرا وجعل الأسباب محل حكمته في أمره الديني والشرعي وأمره الكوني القدري ومحل ملكه وتصرفه فإنكار الأسباب والقوى والطبائع جحد للضروريات وقدح في العقول والفطر ومكابرة للحس وجحد للشرع والجزاء فقد جعل سبحانه مصالح العباد في معاشهم ومعادهم والثواب والعقاب والحدود والكفارات والأوامر والنواهي والحل والحرمة كل ذلك مرتبطا بالأسباب قائما بها بل العبد نفسه وصفاته وأفعاله سبب لما يصدر عنه بل الموجودات كلها أسباب ومسببات والشرع كله أسباب ومسببات والمقادير أسباب ومسببات والقدر جار عليها متصرف فيها فالأسباب محل الشرع والقدر والقرآن مملوء من إثبات الأسباب كقوله: بما كنتم تعملون : بما كنتم تكسبون : ذلك بما قدمت يداك : فبما كسبت أيديكم : كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية : جزاء وفاقا : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل : فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف إلى قوله: وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم وقوله: فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية وقوله: فبما رحمة من الله لنت لهم وقوله: ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله وقوله: ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وقوله: ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم وقوله: فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية وقوله: فكذبوهما فكانوا من المهلكين : فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا : فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها وقوله: فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين وقوله: ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد وقوله: حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات وقوله: يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام وقوله: قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم الآية وقوله: وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا وكل موضع رتب فيه الحكم الشرعي أو الجزائي على الوصف أفاد كونه سببا له كقوله: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله وقوله: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة وقوله: والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين وقوله: الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون وهذا أكثر من أن يستوعب وكل موضع تضمن الشرط والجزاء أفاد سببية(1\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "208",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11402",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشرط والجزاء وهو أكثر من أن يستوعب كقوله: يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا وقوله: لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد وكل موضع رتب فيه الحكم على ما قبله بحرف أفاد التسبب وقد تقدم وكل موضع تقدم ذكرت فيه الباء تعليلا لما قبلها بما بعدها أفاد التسبب وكل موضع صرح فيه بأن كذا جزاء لكذا أفاد التسبيب فإن العلة الغائية عله للعلة الفاعلية ولو تتبعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة لزاد على عشرة آلاف موضع ولم نقل ذلك مبالغة بل حقيقة ويكفي شهادة الحس والعقل والفطر ولهذا قال من قال من أهل العلم تكلم قوم في إنكار الأسباب فأضحكوا ذوي العقول على عقولهم وظنوا أنهم بذلك ينصرون التوحيد فشابهوا المعطلة الذين أنكروا صفات الرب ونعوت كماله وعلوه على خلقه واستواءه على عرشه وتكلمه بكتبه وتكليمه لملائكته وعباده وظنوا أنهم بذلك ينصرون التوحيد فما أفادهم إلا تكذيب الله ورسله وتنزيهه عن كل كمال ووصفه بصفات المعدوم والمستحيل ونظير من نزه الله في أفعاله وأن يقوم به فعل البتة وظن أنه ينصر بذلك حدوث العالم وكونه مخلوقا بعد أن لم يكن وقد أنكر أصل الفعل والخلق جملة ثم من أعظم الجناية على الشرائع والنبوات والتوحيد إيهام الناس أن التوحيد لا يتم إلا بإنكار الأسباب فإذا رأى العقلاء أنه لا يمكن إثبات توحيد الرب سبحانه إلا بإبطال الأسباب ساءت ظنونهم بالتوحيد وبمن جاء به وأنت لا تجد كتابا من الكتب أعظم إثباتا للأسباب من القرآن ويا لله العجب إذا كان الله خالق السبب والمسبب وهو الذي جعل هذا سببا لهذا والأسباب والمسببات طوع مشيئته وقدرته منقادة لحكمه إن شاء أن يبطل سببية الشيء أبطلها كما أبطل إحراق النار على خليله إبراهيم وإغراق الماء على كليمه وقومه وإن شاء أقام لتلك الأسباب موانع تمنع تأثيرها مع بقاء قواها وإن شاء خلى بينها وبين اقتضائه لآثارها فهو سبحانه يفعل هذا وهذا وهذا فأي قدح يوجب ذلك في التوحيد وأي شرك يترتب على ذلك بوجه من الوجوه ولكن ضعفاء العقول إذا سمعوا أن النار لا تحرق والماء لا يغرق والخبر لا يشبع والسيف لا يقطع ولا تأثير لشيء من ذلك البتة ولا هو سبب لهذا الأثر وليس فيه قوة وإنما الخالق المختار يشاء حصول كل أثر من هذه الآثار عند ملاقاة كذا لكذا قالت هذا هو التوحيد وإفراد الرب بالخلق والتأثير ولم يدر هذا القائل أن هذا إساءة ظن بالتوحيد وتسليط لأعداء الرسل على ما جاؤوا به كما تراه عيانا في كتبهم ينفرون به الناس عن الإيمان ولا ريب أن الصديق الجاهل قد يضر مالا يضره العدو العاقل قال تعالى عن ذي القرنين: وآتيناه من كل شيء سببا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: quot;علماquot; قال قتادة وابن زيد وابن جريج والضحاك: quot;علما تسبب به إلى ما يريدquot; وكذلك قال إسحاق: quot;علما يوصله إلى حيث يريدquot; وقال المبرد: quot;وكل ما وصل شيئا بشيء فهو سببquot; وقال كثير من المفسرين: quot;آتيناه من كل ما بالخلق إليه حاجة علما ومعونة له وقد سمى الله سبحانه الطريق سببا في قوله فأتبع سبباquot; قال مجاهد: quot;طريقاquot; وقيل السبب الثاني هو الأول أي أتبع سببا من تلك الأسباب التي أوتيها مما يوصله إلى مقصوده وسمى سبحانه أبواب السماء أسبابا إذ منها يدخل إلى السماء قال تعالى عن فرعون: لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات أي أبوابها التي أدخل منها إليها وقال زهير: ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلم(1\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "209",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11403",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسمى الحبل سببا لإيصاله إلى المقصود قال تعالى: فليمدد بسبب إلى السماء قال بعض أهل اللغة السبب من الحبال القوي الطويل قال ولا يدعى الحبل سببا حتى يصعد به وينزل ثم قيل لكل شيء وصلت به إلى موضع أو حاجة تريدها سبب يقال ما بيني وبين فلان سبب أي أصرة رحم أو عاطفة مودة وقد سمى تعالى وصل الناس بينهم أسبابا وهي التي يتسببون بها إلى قضاء حوائجهم بعضهم من بعض قال تعالى: إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب يعني الواصلات التي كانت بينهم في الدنيا وقال ابن عباس وأصحابه: quot;يعني أسباب المودة الواصلات التي كانت بينهم في الدنياquot; وقال ابن زيد: quot;هي الأعمال التي كانوا يؤملون أن يصلوا بها إلى ثواب اللهquot; وقيل هي الأرحام التي كانوا يتعاطفون بها وبالجملة فسمى الله سبحانه ذلك أسبابا لأنها كانت يتوصل بها إلى مسبباتها وهذا كله عند نفاة الأسباب ومجاز لا حقيقة له وبالله التوفيق. فصل: الأصل الخامس: أنه سبحانه حكيم لا يفعل شيئا عبثا ولا لغير معنى ومصلحة وحكمه هي الغاية المقصودة بالفعل بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل وقد دل كلامه وكلام رسوله على هذا وهذا في مواضع لا تكاد تحصى ولا سبيل إلى استيعاب أفرادها فنذكر بعض أنواعها النوع الأول: التصريح بلفظ الحكمة وما تصرف منه كقوله: حكمة بالغة وقوله: وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وقوله: ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا والحكمة هي العلم النافع والعمل الصالح وسمي حكمة لأن العلم والعمل قد تعلقا بمتعلقهما وأوصلا إلى غايتيهما وكذلك لا يكون الكلام حكمة حتى يكون موصلا إلى الغايات المحمودة والمطالب النافعة فيكون مرشدا إلى العلم النافع والعمل الصالح فتحصل الغاية المطلوبة فإذا كان المتكلم به لم يقصد مصلحة المخاطبين ولا هداهم ولا إيصالهم إلى سعادتهم ودلالتهم على أسبابها وموانعها ولا كان ذلك هو الغاية المقصودة المطلوبة ولا تكلم لأجلها ولا أرسل الرسل وأنزل الكتب لأجلها ولا نصب الثواب والعقاب لأجلها لم يكن حكيما ولا كلامه حكمة فضلا عن أن تكون بالغة النوع الثاني: إخباره أنه فعل كذا لكذا وأنه أمر بكذا لكذا كقوله: ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وقوله: الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما وقال: جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم وقوله: رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وقوله: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله وقوله: لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وقوله: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وقوله: فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم أي ليتمكنوا بهذا الحفظ والرصد من تبليغ رسالاته فيعلم الله ذلك واقعا وقوله: وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام وقوله: ويبطل الباطل وقوله: وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وقوله: قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وقوله: وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب(1\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "210",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11404",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويزداد الذين آمنوا إيمانا وقوله: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وقوله: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم وقوله: هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب وقوله: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب وقوله: وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين وقوله: والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون وهذا في القرآن فإن قيل اللام في هذا كله لام العاقبة كقوله: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا وقوله: وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا وقوله: ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض وقوله: ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وقوله: ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون فإن ما بعد اللام في هذا ليس هو الغاية المطلوبة ولكن لما كان الفعل منتهيا إليه وكان عاقبة الفعل دخلت عليه لام التعليل وهي في الحقيقة لام العاقبة فالجواب من وجهين أحدهما: أن لام العاقبة إنما تكون في حق من هو جاهل أو هو عاجز عن دفعها فالأول: كقوله: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا والثاني: كقول الشاعر: لدوا للموت وابنوا للخراب ... فكلكم يصير إلى ذهاب وأما من هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير فيستحيل في حقه دخول هذه اللام وإنما اللام الواردة في أفعاله وأحكامه لام الحكمة والغاية المطلوبة الجواب الثاني: إفراد كل موضع من تلك المواضع بالجواب أما قوله: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا فهو تعليل لقضاء الله سبحانه بالتقاطه وتقديره له فإن التقاطهم له إنما كان بقضائه وقدره فهو سبحانه قدر ذلك وقضى به ليكون لهم عدوا وحزنا وذكر فعلهم دون قضائه لأنه أبلغ في كونه حزنا لهم وحسرة عليهم فإن من اختار أخذ ما يكون هلاكه على يديه إذا أصيب به كان أعظم لحزنه وغمه وحسرته من أن لا يكون فيه صنع ولا اختيار فإنه سبحانه أراد أن يظهر لفرعون وقومه ولغيرهم من خلقه كمال قدرته وعلمه وحكمته الباهرة وأن هذا الذي يذبح فرعون إلا بناء في طلبه هو الذي يتولى تربيته في حجره وبيته باختياره وإرادته ويكون في قبضته وتحت تصرفه فذكر فعلهم به في هذا أبلغ وأعجب من أن يذكر القضاء والقدر وقد أعلمنا سبحانه أن أفعال عباده كلها واقعة بقضائه وقدره وأما قوله تعالى: وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا فلا ريب أن هذا تعليل لفعله المذكور وهو امتحان بعض خلقه ببعض كما امتحن السادات والأشراف بالعبيد والضعفاء والموالي فإذا نظر الشريف والسيد إلى العبد والضعيف والمسكين قد أسلم أنف وحمى أن يسلم معه أو بعده ويقول هذا يسبقني إلى الخير والفلاح وأتخلف أنا فلو كان ذلك خيرا وسعادة ما سبقنا هؤلاء إليه فهذا القول منهم هو بعض الحكم والغاية المطلوبة بهذا الامتحان فإن هذا القول دال على إباء واستكبار وترك الانقياد للحق بعد المعرفة التامة به وهذا وإن كان علة فهو مطلوب لغيره والعلل الغائية تارة تطلب لنفسها وتارة تطلب لغيرها فتكون وسيلة إلى مطلوب لنفسه وقول هؤلاء ما قالوه وما يترتب عليه هذا القول موجب لآثار مطلوبة للفاعل من إظهار عدله وحكمته وعزه وقهره وسلطانه وعطائه من يستحق(1\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "211",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11405",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عطاءه ويحسن وضعه عنده ومنعه من يستحق المنع ولا يليق به غيره ولهذا قال تعالى: أليس الله بأعلم بالشاكرين الذين يعرفون قدر النعمة ويشكرون المنعم عليهم فيما من عليهم من بين من لا يعرفها ولا يشكر ربه عليها وكانت فتنة بعضهم ببعض لحصول هذا التمييز الذي ترتب عليه شكر هؤلاء وكفر هؤلاء. فصل: وأما قوله: ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية فهي على بابها وهي لام الحكمة والتعليل أخبر الله سبحانه أنه جعل ما ألقاه الشيطان في أمنية الرسول محنة واختبارا لعباده فافتتن به فريقان وهم الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وعلم المؤمنين أن القرآن والرسول حق وأن إلقاء الشيطان باطل فآمنوا بذلك وأخبتت له قلوبهم فهذه غاية مطلوبة مقصودة بهذا القضاء والقدر والله سبحانه جعل القلوب على ثلاثة أقسام مريضة وقاسية ومخبتة وذلك لأنها إما أن تكون يابسة جامدة لا تلين للحق اعترافا وإذعانا أو لا تكون كذلك فالأول حال القلوب القاسية الحجرية التي لا تقبل ما يبث فيها ولا ينطبع فيها الحق ولا ترتسم فيها العلوم النافعة ولا تلين لإعطاء الأعمال الصالحة وأما النوع الثاني فلا يخلوا إما أن يكون الحق ثابتا فيه لا يزول عنه لقوته مع لينه أو يكون ثابتا مع ضعف وانحلال والثاني هو القلب المريض والأول هو الصحيح المخبت وهو جمع الصلابة والصفاء واللين فيبصر الحق بصفائه ويشتد فيه بصلابته ويرحم الخلق بلينه كما في أثر مروي: quot;القلوب آنية الله في أرضه فأحبها إلى الله أصلبها وأرقها وأصفاهاquot; كما قال تعالى في أصحاب هذه القلوب: أشداء على الكفار رحماء بينهم فهذا وصف منه للمؤمنين الذين عرفوا الإيمان بصفاء قلوبهم واشتدوا على الكفار بصلابتها وتراحموا فيما بينهم بلينها وذلك أن القلب عضو من أعضاء البدن وهو أشرف أعضائه وملكها المطاع وكل عضو كاليد مثلا إما أن تكون جامدة ويابسة لا تلتوي ولا تبطش أو تبطش بضعف فذلك مثل القلب القاسي أو تكون مريضة ضعيفة عاجزة ولضعفها ومرضها فذلك مثل الذي فيه مرض أو تكون باطشة بقوة ولين فذلك مثل القلب العليم الرحيم فبالعلم خرج عن المرض الذي ينشأ من الشهوة والشبهة وبالرحمة خرج عن القسوة ولهذا وصف سبحانه من عدا أصحاب القلوب المريضة والقاسية بالعلم والإيمان والإخبات فتأمل ظهور حكمته سبحانه في أصحاب هذه القلوب وهم كل الأمة فأخبر أن الذين أوتوا العلم علموا أنه الحق من ربهم كما أخبر أنهم في المتشابه يقولون آمنا به كل من عند ربنا وكلا الوصفين موضع شبهة فكان حظهم منه الإيمان وحظ أرباب القلوب المنحرفة عن الصحة الافتتان ولهذا جعل سبحانه أحكام آياته في مقابلة ما يلقي الشيطان بإزاء الآيات المحكمات في مقابلة المتشابهات فالأحكام ههنا بمنزلة إنزال المحكمات هناك ونسخ ما يلقي الشيطان ههنا في مقابلة رد المتشابه إلى المحكم هناك والنسخ ههنا رفع ما ألقاه الشيطان لا رفع ما شرعه الرب سبحانه وللنسخ معنى آخر هو النسخ من أفهام المخاطبين ما فهموه مما لم يرده ولا دل اللفظ عليه وإن أوهمه كما أطلق الصحابة النسخ على قوله: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء قالوا نسختها قوله: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا الآية فهذا نسخ من الفهم لا نسخ للحكم الثابت فإن المحاسبة لا تستلزم العقاب في الآخرة ولا في الدنيا أيضا ولهذا عمهم بالمحاسبة ثم أخبر بعدها أنه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ففهم(1\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "212",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11406",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المؤاخذة التي هي المعاقبة من الآية تحميل لها فوق وسعها فرفع هذا المعنى من فهمه بقوله: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا إلى آخرها فهذا رفع لفهم غير المراد من إلقاء الملك وذاك رفع لما ألقاه غير الملك في أسماعهم أو في التمني وللنسخ معنى ثالث عند الصحابة والتابعين وهو ترك الظاهر إما بتخصيص عام أو بتقييد مطلق وهذا كثير في كلامهم جدا وله معنى رابع وهو الذي يعرفه المتأخرون وعليه اصطلحوا وهو رفع الحكم بجملته بعد ثبوته بدليل رافع له فهذه أربعة معان للنسخ والإحكام له ثلاثة معان أحدها: الإحكام الذي في مقابلة المتشابه كقوله: منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات والثاني: الإحكام في مقابلة نسخ ما يلقي الشيطان كقوله: فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته وهذا الإحكام يعم جميع آياته وهو إثباتها وتقريرها وبيانها ومنه قوله: كتاب أحكمت آياته  الثالث: إحكام في مقابلة الآيات المنسوخة كما يقوله السلف كثيرا هذه الآية محكمة غير منسوخة وذلك لأن الإحكام تارة يكون في التنزيل فيكون في مقابلة ما يلقيه الشيطان في أمنيته ما يلقيه المبلغ أو في سمع المبلغ فالحكم هنا هو المنزل من عند الله أحكمه الله أي فصله من اشتباهه بغير المنزل وفصل منه ما ليس منه بإبطاله وتارة يكون في إبقاء المنزل واستمراره فلا ينسخ بعد ثبوته وتارة يكون في معنى المنزل وتأويله وهو تمييز المعنى المقصود من غيره حتى لا يشتبه به والمقصود أن قوله: ليجعل ما يلقى ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض هي لام التعليل على بابها وهذا الاختبار والامتحان مظهر لمختلف القلوب الثلاثة فالقاسية والمريضة ظهر خبؤها من الشك والكفر والمخبتة ظهر خبؤها من الإيمان والهدى وزيادة محبته وزيادة بغض الكفر والشرك والنفرة عنه وهذا من أعظم حكمة هذا الإلقاء. فصل: وأما اللام في قوله: ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة فلام التعليل على بابها فإنها مذكورة في بيان حكمته في جمع أوليائه وأعدائه على غير ميعاد ونصرة أوليائه مع قلتهم ورقتهم وضعف عددهم وعدتهم على أصحاب الشوكة والعدد والحد والحديد الذي لا يتوهم بشر أنهم ينصرون عليهم فكانت تلك آية من أعظم آيات الرب سبحانه صدق بها رسوله وكتابه ليهلك بعدها من اختار لنفسه الكفر والعناد عن بينة فلا يكون له على الله حجة ويحيي من حي بالإيمان بالله ورسوله عن بينة فلا يبقى عنده شك ولا ريب وهذا من أعظم الحكم ونظير هذا قوله: إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين . فصل: وأما اللام في قوله: ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة فهي على بابها للتعليل فإنها إن كانت تعليلا لفعل العدو وهو إيحاء بعضهم إلى بعض فظاهر وعلى هذا فيكون عطفا على قوله: غرورا فإنه مفعول لأجله أي ليغروهم بهذا الوحي ولتصغى إليه أفئدة من يلقى إليه فيرضاه ويعمل بموجبه فيكون سبحانه قد أخبر بمقصودهم من الإيحاء المذكور وهو أربعة أمور غرور من يوحون إليه وإصغاء أفئدتهم إليهم ومحبتهم لذلك وانفعالهم عنده بالاقتراف وإن كان ذلك تعليلا لجعله سبحانه لكل نبي عدوا فيكون هذا الحكم من جملة الغايات والحكم المطلوبة بهذا الجعل وهي غاية وحكمة مقصودة لغيرها لأنها مفضية إلى أمور هي محبوبة مطلوبة للرب سبحانه وفواتها يستلزم فوات ما هو أحب إليه من حصولها وعلى التقديرين فاللام لام التعليل والحكمة.(1\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "213",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11407",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: النوع الثالث الإتيان بكي الصريحة في التعليل كقوله تعالى: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم فعلل سبحانه تسمية الفيء بين هذه الأصناف كي لا يتداوله الأغنياء دون الفقراء والأقوياء دون الضعفاء وقوله سبحانه: ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم فأخبر سبحانه أنه قدر ما يصيبهم من البلاء في أنفسهم قبل أن يبرأ الأنفس أو المصيبة أو الأرض أو المجموع وهو الأحسن ثم أخبر أن مصدر ذلك قدرته عليه وأنه يسير عليه وحكمته البالغة التي منها أن لا يحزن عباده على ما فاتهم إذا علموا أن المصيبة فيه بقدره وكتابته ولا بد قد كتبت قبل خلقهم هان عليهم الفائت فلم يأسوا عليه ولم يفرحوا بالحاصل لعلهم أن المصيبة مقدرة في كل ما على الأرض فكيف يفرح بشيء قد قدرت المصيبة فيه قبل خلقه ولما كانت المصيبة تتضمن فوات محبوب أو خوف فواته أو حصول مكروه أو خوف حصوله نبه بالأسى على الفائت على مفارقة المحبوب بعد حصوله وعلى فوته حيث لم يحصل ونبه بعدم الفرح به إذا وجد على توطين النفس لمفارقته قبل وقوعها وعلى الصبر على مرارتها بعد الوقوع وهذه هي أنواع المصائب فإذا تيقن العبد أنها مكتوبة مقدرة وأن ما أصابه منها لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه هانت عليه وخف حملها وأنزلها منزلة الحر والبرد. فصل: النوع الرابع ذكر المفعول له وهو علة للفعل المعلل به كقوله: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة ونصب ذلك على المفعول له أحسن من غيره كما صرح به في قوله: لتبين للناس ما نزل إليهم وفي قوله: ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون فإتمام النعمة هو الرحمة وقوله: وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ظالمين وقوله: ولقد يسرنا القرآن للذكر أي لأجل الذكر كما قال: فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون وقوله فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا أي للإعذار والإنذار وقوله: ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون فهذا كله مفعول لأجله وقوله: أنا صببنا الماء صبا إلى قوله: متاعا لكم ولأنعامكم والمتاع واقع موقع التمتيع كما يقع السلام موقع التسليم والعطاء موضع الإعطاء وأما قوله: ريكم البرق خوفا وطمعا فيحتمل أن يكون من ذلك أي إخافة لكم وإطماعا وهو أحسن ويحتمل أن يكون معمول فعل محذوف أي فيرونهما خوفا وطمعا فيكونان حالا وقوله: أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها إلى قوله: تبصرة وذكرى لكل عبد منيب أي لأجل التبصرة والذكرى والفرق بينهما أن التبصرة توجب العلم والمعرفة والذكرى توجب الإنابة والانقياد وبهما تتم الهداية. فصل: النوع الخامس الإتيان بأن والفعل المستقبل بعدها تعليلا لما قبله كقوله: أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وقوله أن: تقول نفس يا حسرتى وقوله: أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ونظائره وفي ذلك طريقان أحدهما للكوفيين والمعنى لئلا تقولوا ولئلا تقول نفس والثاني للبصريين أن المفعول له محذوف أي كراهة أن تقولوا أو حذار أن تقولوا فإن قيل كيف يستقيم الطريقان في قوله تعالى: أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى فإنك إن(1\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "214",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11408",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قدرت لئلا تضل إحداهما لم يستقم العطف فتذكر إحداهما عليه وأن قدرت حذار أن تضل إحداهما لم يستقم العطف أيضا وإن قدرت إرادة أن تضل لم تصح أيضا قيل هذا من الكلام الذي ظهور معناه مزيل للإشكال فإن المقصود إذكار إحداهما الأخرى إذا ضلت ونسيت فلما كان الضلال سببا للإذكار جعل موضع العلة كما تقول أعددت هذه الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه بها فإنما أعددتها للدعم لا للميل وأعددت هذا الدواء أن أمرض فأتداوى به ونحوه وهذا قول سيبويه والبصريين قال أهل الكوفة تقديره كي تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت فلما تقدم الجزاء اتصل بما قبله ففتحت أن قال الفراء ومثله قوله ليعجبني أن يسأل السائل فيعطي معناه ليعجبني أن يعطي السائل إن سأل لأنه إنما يعجبه الإعطاء لا السؤال من ذلك قوله تعالى: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ألست بربكم قالوا بل شهدنا أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم فذكر سبحانه من حكم أخذ الميثاق عليهم أن لا يحتجوا يوم القيامة بغفلتهم عن هذا الأمر ولا بتقليد الأسلاف ومنه قوله: وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت فالضمير في به للقرآن وأن تبسل في محل نصب على أنه مفعول له أي حذار أن تسلم نفس إلى الهلكة والعذاب وترتهن بسوء عملها. فصل: النوع السادس ذكر ما هو من صرائح التعليل وهو من أجل كقوله: من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا وقد ظنت طائفة أن قوله من أجل ذلك تعليل لقوله فأصبح من النادمين أي من أجل قتله لأخيه وهذا ليس بشيء لأنه يشوش صحة النظم وتقل الفائدة بذكره ويذهب شأن التعليل بذلك للكتابة المذكورة وتعظيم شأن القتل حين جعل علة لهذا الكتابة فتأمله فإن قلت كيف يكون قتل أحد بني آدم للآخر علة لحكمه على أمة أخرى بذلك الحكم وإذا كان علة فكيف كان قاتل نفس واحدة بمنزلة قاتل الناس كلهم قلت الرب سبحانه يجعل أقضيته وأقداره عللا وأسبابا لشرعة وأمره فجعل حكمه الكوني القدري علة لحكمه الديني الأمري وذلك أن القتل عنده لما كان من أعلى أنواع الظلم والفساد فخم أمره وعظم شأنه وجعل إثمه أعظم من إثم غيره ونزل قاتل النفس الواحدة منزلة قاتل الأنفس كلها ولا يلزم من التشبيه أن يكون المشبه بمنزلة المشبه به من كل الوجوه فإذا كان قاتل الأنفس كلها يصلى النار وقاتل النفس الواحدة يصلاها صح تشبيهه به كما يأثم من شرب قطرة واحدة من الخمر ومن شرب عدة قناطير وإن اختلف مقدار الإثم وكذلك من زنى مرة واحدة وآخر زنى مرارا كثيرة كلاهما آثم وإن اختلف قدر الإثم وهذا معنى قول مجاهد: quot;من قتل نفسا واحدة يصلى النار بقتلها كما يصلاها من قتل الناس جميعا وعلى هذا فالتشبيه في أصل العذاب لا في وصفه وإن شئت قلت التشبيه في أصل العقوبة الدنيوية وقدرها فإنه لا يختلف بقلة القتل وكثرته كما لو شرب قطرة فإن حده حد من شرب راوية ومن زنى بامرأة واحدة حده حد من زنى بألف وهذا تأويل الحسن وابن زيد قالا: quot;يجب عليه من القصاص بقتلها مثل الذي يجب عليه لو قتل الناس جميعاquot; ولك أن تجعل التشبيه في الأذى والغم الواصل إلى المؤمنين بقتل الواحد منهم فقد جعلهم كلهم خصماءه وأوصل إليهم من الأذى والغم ما يشبه القتل وهذا تأويل ابن الأنباري وفي الآية تأويلات أخر.(1\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "215",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11409",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: النوع السابع التعليل بلعل وهي في كلام الله سبحانه وتعالى للتعليل مجردة عن معنى الترجي فإنها إنما يقارنها معنى الترجي إذا كانت من المخلوق وأما في حق من لا يصح عليه الترجي فهي للتعليل المحض كقوله: اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون فقيل هو تعليل لقوله أعبدوا ربكم وقيل تعليل لقوله خلقكم والصواب أنه تعليل للأمرين لشرعه وخلقه ومنه قوله: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون وقوله: إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وقوله: لعلكم تذكرون : لعله يتذكر أو يخشى فلعل في هذا كله قد أخلصت للتعليل والرجاء الذي فيها متعلق بالمخاطبين. فصل: النوع الثامن ذكر الحكم الكوني والشرعي عقيب الوصف المناسب له وتارة يذكر بأن وتارة يقرن بالفاء وتارة يذكر مجردا فالأول كقوله: وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين وقوله: إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين وقوله: كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين وقوله: والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين والثاني كقوله: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة والثالث كقوله: إن المتقين في جنات وعيون : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم وهذا في التنزيل يزيد على عدة آلاف موضع بل القرآن مملوء منه فإن قيل هذا إنما يفيد كون تلك الأفعال أسبابا لما رتب عليها لا يقتضي إثبات التعليل في فعل الرب وأمره فأين هذا من هذا قيل لما جعل الرب سبحانه هذه الأوصاف عللا لهذه الأحكام وأسبابا لها دل ذلك على أنه حكم بها شرعا وقدرا لأجل تلك الأوصاف وأنه لم يحكم بها لغير علة ولا حكمة ولهذا كان كل من نفى التعليل والحكم نفى الأسباب ولم يجعل لحكم الرب الكوني والديني سببا ولا حكمة هي العلة الغائية وهؤلاء ينفون الأسباب والحكم ومن تأمل شرع الرب وقدره وجزاءه جزم جزما ضروريا ببطلان قول النفاة والله سبحانه قد رتب الأحكام على أسبابها وعللها وبين ذلك خبرا وحسا وفطرة وعقلا ولو ذكرنا ذلك على التفصيل لقام منه عدة أسفار. فصل: النوع التاسع تعليله سبحانه عدم الحكم القدري والشرعي بوجود المانع منه كقوله: ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير وقوله: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون أي آيات الاقتراح لا الآيات الدالة على صدق الرسل التي يقيمها هو سبحانه ابتداء وقوله: ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي وقوله: وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون فأخبر سبحانه عن المانع الذي منع من إنزال الملك عيانا بحيث يشاهدونه وأن حكمته وعنايته بخلقه منعت من ذلك فإنه لو أنزل الملك ثم عاينوه ولم يؤمنوا لعوجلوا(1\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "216",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11410",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالعقوبة ولم ينظروا وأيضا فإنه جعل الرسول بشرا ليمكنهم التلقي عنه والرجوع إليه ولو جعله ملكا فإما أن يدعه على هيئة الملائكة أو يجعله على هيئة البشر والأول يمنعهم من التلقي عنه والثاني لا يحصل مقصودهم إذ كانوا يقولون هو بشر لا ملك وقال تعالى: وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا فأخبر سبحانه عن المانع من إنزال الملائكة وهو أنه لم يجعل الأرض مسكنا لهم ولا يستقرون فيها مطمئنين بل يكون نزولهم لينفذوا أوامر الرب سبحانه ثم يعرجون إليه ومن هذا قوله: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون فأخبر سبحانه عن حكمته في الامتناع من إرسال رسله بآيات الاقتراح والتشهي وهي أنها لا توجب الإيمان فقد سألها الأولون فلما أوتوها كذبوا بها فأهلكوا فليس لهم مصلحة في الإرسال بها بل حكمته سبحانه تأبى ذلك كل الإباء ثم نبه على ما أصاب ثمود من ذلك فإنهم اقترحوا الناقة فلما أعطوا ما سألوا ظلموا ولم يؤمنوا فكان في إجابتهم إلى ما سألوا هلاكهم واستئصالهم ثم قال: وما نرسل بالآيات إلا تخويفا أي لأجل التخويف فهو منصوب نصب المفعول لأجله قال قتادة: quot;إن الله يخوف الناس بما شاء من آياته لعلهم يعتبون أو يذكرون أو يرجعونquot; وهذا يعم آياته التي تكون مع الرسل والتي تقع بعدهم في كل زمان فإنه سبحانه لا يزال يحدث لعباده من الآيات ما يخوفهم بها ويذكرهم بها ومن ذلك قوله تعالى: وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون أي لا يعلمون حكمته تعالى ومصلحة عباده في الامتناع من إنزال الآيات التي يقترحها الناس على الأنبياء وليس المراد أن أكثر الناس لا يعلمون أن الله قادر فإنه لم ينازع في قدرة الله أحد من المقرين بوجوده سبحانه ولكن حكمته في ذلك لا يعلمها أكثر الناس. فصل: النوع العاشر إخباره عن الحكم والغايات التي جعلها في خلقه وأمره كقوله: الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وقوله: ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا وخلقناكم أزواجا وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا إلى قوله: وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا وقوله: ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا وقوله: والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم وقوله: فلينظر الإنسان فلينظر الأنسان إلى طعامه إلى قوله: متاعا لكم ولأنعامكم وقوله: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وقوله: الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وقوله: الله الذي سخر البحر لتجري الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون إلى أضعاف أضعاف ذلك في القرآن مما يفيد من له أدنى تأمل القطع بأنه سبحانه فعل ذلك للحكم والمصالح التي ذكرها وغيرها مما لم يذكره وقوله: وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال(1\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "217",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11411",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون وقوله: وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وقوله: والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون فهل يستقيم ذلك ويصح فيمن لا يفعل لحكمة ولا لمصلحة ولا لغاية هي مقصودة بالفعل ومعلوم بالضرورة أن هذا الإثبات وهذا النفي متقابلان أعظم التقابل. فصل: النوع الحادي عشر إنكاره سبحانه على من زعم أنه لم يخلق الخلق لغاية ولا لحكمة كقوله: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وقوله: أيحسب الأنسان أن يترك سدى وقوله: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق والحق هو الحكم والغايات المحمودة التي لأجلها خلق ذلك كله وهو أنواع كثيرة منها أن يعرف الله تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله وآياته ومنها أن يحب ويعبد ويشكر ويذكر ويطاع ومنها أن يأمر وينهى ويشرع الشرائع ومنها أن يدبر الأمر ويبرم القضاء ويتصرف في المملكة بأنواع التصرفات ومنها أن يثيب ويعاقب فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته فيوجد أثر عدله وفضله موجودا مشهودا فيحمد على ذلك ويشكر ومنها أن يعلم خلقه أنه لا إله غيره ولا رب سواه ومنها أن يصدق الصادق فيكرمه ويكذب الكاذب فيهينه ومنها ظهور آثار أسمائه وصفاته على تنوعها وكثرتها في الوجود الذهني والخارجي فيعلم عباده ذلك علما مطابقا لما في الواقع ومنها شهادة مخلوقاته كلها بأنه وحده ربها وفاطرها ومليكها وأنه وحده إلهها ومعبودها ومنها ظهور أثر كماله المقدس فإن الخلق والصنع لازم كماله فإنه حي قدير ومن كان ذلك كذلك لم يكن إلا فاعلا مختارا ومنها أن يظهر أثر حكمته في المخلوقات بوضع كل منها في موضعه الذي يليق به ومحبته على الوجه الذي تشهد العقول والفطر بحسنه فتشهد حكمته الباهرة ومنها أنه سبحانه يحب أن يجود وينعم ويعفو ويغفر ويسامح ولا بد من لوازم ذلك خلقا وشرعا ومنها أنه يحب أن يثنى عليه ويمدح ويمجد ويسبح ويعظم ومنها كثرة شواهد ربوبيته ووحدانيته وإلهيته إلى غير ذلك من الحكم التي تضمنها الخلق فخلق مخلوقاته بسبب الحق ولأجل الحق وخلقها ملتبس بالحق وهو في نفسه حق فمصدره حق وغايته حق وهو يتضمن للحق وقد أثنى على عباده المؤمنين حيث نزهوه عن إيجاد الخلق لا لشيء ولا لغاية فقال تعالى: ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك وأخبر أن هذا ظن أعدائه لا ظن أوليائه فقال: وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا وكيف يتوهم أنه عرفه من يقول أنه لم يخلق لحكمة مطلوبة له ولا أمر لحكمة ولا نهى لحكمة وإنما يصدر الخلق والأمر عن مشيئة وقدرة محضة لا لحكمة ولا لغاية مقصودة وهل هذا إلا إنكار لحقيقة حمده بل الخلق والأمر إنما قام بالحكم والغايات فهما مظهران بحمده وحكمته فإنكار الحكمة إنكار لحقيقة خلقه وأمره فإن الذي أثبته المنكرون من ذلك ينزه عنه الرب ويتعالى عن نسبته إليه فإنهم أثبتوا خلقا وأمرا لا رحمة فيه ولا مصلحة ولا حكمة بل يجوز عندهم أو يقع أن يأمر بما لا مصلحة للمكلف فيه البتة وينهى عما فيه مصلحة والجميع بالنسبة إليه سواء ويجوز(1\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "218",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11412",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عندهم أن يأمر بكل ما نهى عنه وينهى عن جميع ما أمر به ولا فرق بين هذا وهذا إلا لمجرد الأمر والنهي ويجوز عندهم أن يعذب من لم يعصه طرفة عين بل أفنى عمره في طاعته وشكره وذكره وينعم على من لم يطعه طرفة عين بل أفنى عمره في الكفر به والشرك والظلم والفجور فلا سبيل إلى أن يعرف خلاف ذلك منه إلا بخبر الرسول وإلا فهو جائز عليه وهذا من أقبح الظن وأسوئه بالرب سبحانه وتنزيهه عنه كتنزيهه عن الظلم والجور بل هذا هو عين الظلم الذي يتعالى الله عنه والعجب العجاب أن كثيرا من أرباب هذا المذهب ينزهونه عما وصف به نفسه من صفات الكمال ونعوت الجلال ويزعمون أن إثباتها تجسيم وتشبيه ولا ينزهونه عن هذا الظلم والجور ويزعمون أنه عدل وحق وأن التوحيد عندهم لا يتم إلا به كما لا يتم إلا بإنكار استوائه على عرشه وعلوه فوق سماواته وتكلمه وتكليمه وصفات كماله فلا يتم التوحيد عند هذه الطائفة إلا بهذا النفي وذلك الإثبات والله ولي التوفيق. فصل: النوع الثاني عشر إنكاره سبحانه أن يسوى بين المختلفين أو يفرق بين المتماثلين وأن حكمته وعدله يأبى ذلك أما الأول فكقوله: أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون فأخبر أن هذا حكم باطل جائر يستحيل نسبته إليه كما يستحيل نسبة الفقر والحاجة والظلم إليه ومنكرو الحكمة والتعليل يجوزون نسبة ذلك إليه بل يقولون بوقوعه وقال تعالى: أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار وقال: أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون فجعل سبحانه ذلك حكما سيئا يتعالى ويتقدس عن أن يجوز عليه فضلا عن أن ينسب إليه بل أبلغ من هذا أنه أنكر على من حسب أن يدخل الجنة بغير امتحان له وتكليف يبين به صبره وشكره وأن حكمته تأبى ذلك كما قال تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين وقال: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا وقال: أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة فأنكر عليهم هذا الظن والحسبان لمخالفته بحكمته وأما الثاني وهو أن لا يفرق بين المتماثلين فكقوله: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وقوله: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض وقوله: المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض وقوله: فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض وقوله: ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين وقوله: أكفاركم خير من أولئكم وقوله: دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها وقوله: سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا وقوله: سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا وقوله: سنة الله التي قد خلت من قبل فسنته سبحانه عادته المعلومة في أوليائه وأعدائه بإكرام هؤلاء وإعزازهم ونصرتهم وإهانة أولئك وإذلالهم وكبتهم وقال تعالى: إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم والقرآن مملوء من هذا يخبر تعالى أن حكم الشيء في حكمته وعدله حكم نظيره ومماثله وضد حكم مضاده ومخالفه وكل نوع من هذه(1\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "219",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11413",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأنواع لو استوعبناه لجاء كتابا مفردا. فصل: النوع الثالث عشر أمره سبحانه بتدبر كلامه والتفكر فيه وفي أوامره ونواهيه وزواجره ولولا ما تضمنه من الحكم والمصالح والغايات المطلوبة والعواقب الحميدة التي هي محل الفكر لما كان للتفكير فيه معنى وإنما دعاهم إلى التفكر والتدبر ليطلعهم ذلك على حكمته البالغة وما فيه من الغايات والمصالح المحمودة التي توجب لمن عرفها إقراره بأنه تنزيل من حكيم حميد فلو كان الحق ما يقوله النفاة وأن مرجع ذلك وتصوره مجرد القدرة والمشيئة التي يجوز عليها تأييد الكاذب بالمعجزة ونصره وإعلائه وإهانة الحق وإذلاله وكسره لما كان في التدبر والتفكر مما يدلهم على صدق رسله ويقيم عليهم حجته وكان غاية ما دعوا إليه القدر المحض وذلك مشترك بين الصادق والكاذب والبر والفاجر فهؤلاء بإنكارهم الحكمة والتعليل سدوا على نفوسهم باب الإيمان والهدى وفتحوا عليهم باب المكابرة وجحد الضروريات فإن ما في خلق الله وأمره من الحكم والمصالح المقصودة بالخلق والأمر والغايات الحميدة أمر تشهد به الفطرة والعقول ولا ينكره سليم الفطرة وهم لا ينكرون ذلك وإنما يقولون وقع بطريق الاتفاق لا بالقصد كما تسقط خشبة عظيمة فيتفق عبور حيوان مؤذ تحتها فتهلكه ولا ريب أن هذا ينفي حمد الرب سبحانه على حصول هذه المنافع والحكم لأنها لم تحصل بقصده وإرادته بل بطريق الاتفاق الذي لا يحمد عليه صاحبه ولا يثنى عليه بل هو عندهم بمثابة ما لو رمى رجل درهما لا لغرض ولا لفائدة بل لمجرد قدرته ومشيئته على طرحه فاتفق أن وقع في يد محتاج انتفع به فهذا من شأنه الحكم والمصالح عند المنكرين. فصل: النوع الرابع عشر إخباره عن صدور الخلق والأمر عن حكمته وعلمه فيذكر هذين الاسمين عند ذكر مصدر خلقه وشرعه تنبيها على أنهما إنما صدرا عن حكمة مقصودة مقارنة للعلم المحيط التام لقوله: وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم وقوله: تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم فذكره العزة المتضمنة لكمال القدرة والتصرف والحكمة المتضمنة لكمال الحمد والعلم وقوله: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم وسمع بعض الأعراب قارئا يقرأها والله غفور رحيم فقال ليس هذا كلام الله فقال أتكذب بالقرآن فقال لا ولكن لا يحسن هذا فرجع القارئ إلى خطئه فقال عزيز حكيم فقال صدقت وإذا تأملت ختم الآيات بالأسماء والصفات وجدت كلامه مختتما بذكر الصفة التي يقتضيها ذلك المقام حتى كأنها ذكرت دليلا عليه وموجبة له وهذا كقوله: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم أي فإن مغفرتك لهم مصدر عن عزة هي كمال القدرة لا عن عجز وجهل وقوله: ذلك تقدير العزيز العليم في عدة مواضع من القرآن يذكر ذلك عقيب ذكره الإجرام العلوية وما تضمنه من فلق الإصباح وجعل الليل مسكنا وإجراء الشمس والقمر بحساب لا يعدوانه وتزيين السماء الدنيا بالنجوم وحراستها وأخبر أن هذا التقدير المحكم المتقن صادر عن عزته وعلمه ليس أمرا اتفاقيا لا يمدح به فاعله ولا يثنى عليه به كسائر الأمور الاتفاقية ومن هذا ختمه سبحانه قصص الأنبياء وأممهم في سورة الشعراء عقيب كل قصة: وإن الله لهو العزيز الحكيم فإن ما حكم به لرسله وأتباعهم ولأعدائهم صادر عن عزة ورحمة فوضع الرحمة في محلها وانتقم من أعدائه بعزته ونجى رسله وأتباعهم برحمته والحكمة(1\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "220",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11414",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحاصلة من ذلك أمر مطلوب مقصود وهي غاية الفعل لا أنها أمر اتفاقي. فصل: النوع الخامس عشر إخباره بأن حكمه أحسن الأحكام وتقديره أحسن التقادير ولولا مطابقته للحكمة والمصلحة المقصودة المرادة لما كان كذلك إذ لو كان حسنه لكونه مقدورا معلوما كما يقوله النفاة لكان هو وضده سواء فإنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير فكان كل معلوم مقدور أحسن الأحكام وأحسن التقادير وهذا ممتنع قال تعالى: ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون وقال: ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله فجعل هذا أن يختار لهم دينا سواه ويرتضي دينا غيره كما يمتنع عليه العيب والظلم وقال تعالى: من أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال: وقال إنني من المسلمين وقال: فقدرنا فنعم القادرون وقال: فتبارك الله أحسن الخالقين فلا أحسن من تقديره وخلقه لوقوعه على الوجه الذي اقتضته حكمته ورحمته وعلمه وقال تعالى: ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ولولا مجيئه على أكمل الوجوه وأحسنها ومطابقتها للغايات المحمودة والحكم المطلوبة لكان كله متفاوتا أو كان عدم تفاوته أمرا اتفاقيا لا يحمد فاعله لأنه لم يرده ولم يقصده وإنما اتفق أن صار كذلك. فصل: النوع السادس عشر إخباره سبحانه أنه على صراط مستقيم في موضعين من كتابه أحدهما قوله حاكيا عن نبيه هود: إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم والثاني قوله: وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم قال أبو إسحاق: quot;أخبر أنه وإن كانت قدرته تنالهم بما شاء فهو لا يشاء إلا العدلquot; قال ابن الأنباري: quot;لما قال إلا هو آخذ بناصيتها كان في معنى لا تخرج عن قبضتهquot; قاهر بعظيم سلطانه كل دابة فأتبع ذلك قوله: إن ربي على صراط مستقيم أي أنه على الحق قال وهذا نحو كلام العرب إذا وصفوا رجلا حين السيرة والعدل والإنصاف قالوا فلان طريقه حسنة وليس ثم طريق وذكر في معنى الآية أقوال أخر هي من لوازم هذا المعنى وآثاره كقول بعضهم إن ربي يدل على صراط مستقيم فدلالته على الصراط من موجبات كونه في نفسه على صراط مستقيم فإن تلك الدلالة والتعريف من تمام رحمته وإحسانه وعدله وحكمته وقال بعضهم معناه لا يخفى عليه شيء ولا يعدل عنه هارب وقال بعضهم المعنى لا مسلك لأحد ولا طريق له إلا عليه كقوله: إن ربك لبالمرصاد وهذا المعنى حق ولكن كونه هو المراد بالآية ليس بالبين فإن الناس كلهم لا يسلكون الصراط المستقيم حتى يقال أنهم يصلون سلوكه إليه ولما أراد سبحانه هذا المعنى قال: إلينا مرجعهم : إن إلينا إيابهم : إن ربك لبالمرصاد : وأن إلى ربك المنتهى وأما وصفه سبحانه بأنه على صراط مستقيم فهو كونه يقول الحق ويفعل الصواب فكلماته صدق وعدل كله صواب وخير والله يقول الحق وهو يهدي السبيل فلا يقول إلا ما يحمد عليه لكونه حقا وعدلا وصدقا وحكمة في نفسه وهذا معروف في كلام للعرب قال جرير يمدح عمر بن عبد العزيز: أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوج الموارد مستقيم وإذا عرف هذا فمن ضرورة كونه على صراط مستقيم أنه لا يفعل شيئا إلا بحكمة يحمد عليها وغاية هي(1\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "221",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11415",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أولى بالإرادة من غيرها فلا تخرج أفعاله عن الحكمة والمصلحة والإحسان والرحمة والعدل والصواب كما لا تخرج أقواله عن العدل والصدق. فصل: النوع السابع عشر حمده سبحانه لنفسه على جميع ما يفعله وأمره عباده بحمده وهذا لما في أفعاله من الغايات والعواقب الحميدة التي يستحق فاعلها الحمد فهو يحمد على نفس الفعل وعلى قصد الغاية الحميدة به وعلى حصولها فههنا ثلاث أمور ومنكرو الحكم والتعليل ليس عندهم محمود على قصد الغاية ولا على حصولها إذ قصدها عندهم مستحيل عليه وحصولها عندهم أمر اتفاقي غير مقصود كما صرحوا به فلا يحمد على ما لا يجوز قصده ولا على حصوله فلم يبق إلا نفس الفعل ومعلوم أن الفاعل لا يحمد على فعله إن لم يكن له فيه غاية مطلوبة هي أولى به من عدمها وإلا فمجرد الفعل الصادر عن الفاعل إذا لم يكن له غاية يقصده بها لا يحمد عليه بل وقوع هذا الفعل من القادر المختار الحكيم محال ولا يقع الفعل على هذا الوجه إلا من عائب والله منزه من العيب فحمده سبحانه من أعظم الأدلة على كمال حكمته وقصده بما فعل يقع خلفه والإحسان إليهم ورحمتهم وإتمام نعمته عليهم وغير ذلك من الحكم والغايات التي تعطيلها تعطيل لحقيقة حمده. فصل: النوع الثامن عشر إخباره بإنعامه على خلقه وإحسانه إليهم وأنه خلق لهم ما في السماوات وما في الأرض وأعطاهم الأسماع والأبصار والأفئدة ليتم نعمته عليهم ومعلوم أن المنعم المحسن لا يكون كذلك ولا يستحق هذا الاسم حتى يقصد الإنعام على غيره والإحسان إليه فلو لم يفعل سبحانه لغرض الإنعام والإحسان لم يكن منعما في الحقيقة ولا محسنا إذ يستحيل أن يكون كذلك من لم يقصد الإنعام والإحسان وهذا غني عن التقرير يوضحه أنه سبحانه حيث ذكر إنعامه وإحسانه فإنما يذكره مقرونا بالحكم والمصالح والمنافع التي خلق الخلق وشرع الشرائع لأجلها كقوله في آخر سورة النحل: والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون فهذا في الخلق وقال في الشرع في أمره باستقبال الكعبة: ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون وقال في أمره بالوضوء والتيمم: ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون فجعل تمام نعمته في أن خلق ما خلق للإحسان وأمر بما أمر لذلك. فصل: النوع التاسع عشر اتصافه بالرحمة وأنه أرحم الراحمين وأن رحمته وسعت كل شيء وذلك لا يتحقق إلا بأن تقصد رحمة خلقه بما خلقه لهم وبما أمرهم به فلو لم تكن أوامره لأجل الرحمة والحكمة والمصلحة وإرادة الإحسان إليهم لما كان رحمة ولو حصلت بها الرحمة لكانت اتفاقية لا مقصودة وذلك لا يوجب أن يكون الآمر سبحانه أرحم الراحمين فتعطيل حكمته والغاية المقصودة التي لأجلها يفعل إنكار لرحمته في الحقيقة وتعطيل لها وكان شيخ هذا المذهب جهم بن صفوان يقف على الجذامى ويشاهد ما هم فيه من البلايا ويقول أرحم الراحمين يفعل مثل هذا يعني أنه ليس ثم رحمة في الحقيقة وأن الأمر راجع إلى محض المشيئة الخالية عن الحكمة والرحمة ولا حكمة(1\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "222",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11416",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنده ولا رحمة فإن الرحمة لا تعقل إلا من فعل من يفعل الشيء لرحمة غيره ونفعه والإحسان إليه فإذا لم يفعل لغرض ولا غاية ولا حكمة لم يفعل الرحمة والإحسان. فصل: النوع العشرون جوابه سبحانه لمن سأل عن التخصيص والتمييز الواقع في أفعاله بأنه لحكمة يعلمها هو سبحانه وإن كان السائل لا يعلمها كما أجاب الملائكة لما قال لهم: إني جاعل في الأرض خليفة فقالوا: تجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك فأجابهم بقوله: إني أعلم ما لا تعلمون ولو كان فعله مجردا عن الحكم والغايات والمصالح لكان الملائكة أعلم به أن سألوا هذا السؤال ولم يصح جوابهم بتفرده بعلم مالا يعلمونه من الحكم والمصلحة التي في خلق هذه الخليفة ولهذا كان سؤالهم إنما وقع عن وجه الحكمة لم يكن اعتراضا على الرب تعالى ولو قدر أنه على وجه الاعتراض فهو دليل على علمهم أنه لا يفعل شيئا إلا لحكمة فلما رأوا أن خلق هذا الخليفة مناف للحكمة في الظاهر سألوه عن ذلك ومن هذا قوله تعالى: وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته فأجابهم بأن حكمته وعلمه يأبى أن يضع رسالاته في غير محلها وعند غير أهلها ولو كان الأمر راجعا إلى محض المشيئة لم يكن في هذا جوابا بل كان الجواب أن أفعاله لا تعلل وهو يرجح مثلا على مثل بغير مرجح والأمر عائد إلى مجرد القدرة كما يقوله المنكرون وكذلك قوله: وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين فلما سألوا عن التخصيص بمشيئة الله وأنكروا ذلك أجيبوا بأن الله أعلم بمن يصلح لمشيئته وهو أهل لها وهم الشاكرون الذين يعرفون قدر النعمة ويشكرون عليها المنعم فهؤلاء يصلحون بمشيئته ولو كان الأمر عائدا إلى محض المشيئة لم يحسن هذا الجواب ولهذا يذكر سبحانه صفة العلم حيث يذكر التخصيص والتفصيل بينهما على أنه إنما حصل بعلمه سبحانه بما في التخصيص المفصل مما يقتضي تخصيصه وتفصيله وهو الذي جعله أهلا لذلك كما قال تعالى: ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين فذكر علمه عقيب تخصيصه سليمان بتسخير الريح له وتخصيصه الأرض المذكورة بالبركة ومنه قوله: جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم فذكر صفة العلم التي اقتضت تخصيص هذا المكان وهذا الزمان بأمر اختصا به دون سائر الأمكنة والأزمنة ومن ذلك قوله سبحانه: أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما فأخبر أنه وضع هذه الكلمة عند أهلها ومن هم أحق بها وأنه أعلم بمن يستحقها من غيرهم فهل هذا وصف من يخص بمحض المشيئة لا بسبب وغاية. فصل: النوع الحادي والعشرون إخباره سبحانه عن تركه بعض مقدوره لما يستلزمه من المفسدة وأن المصلحة في تركه ولو كان الأمر راجعا إلى محض المشيئة لم يكن ذلك علة للحكم كقوله تعالى: إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون فعلل سبحانه عدم إسماعهم السماع الذي ينتفعون بهو وهو سماع الفهم بأنهم لا خير فيهم يحسن معه أن يسمعهم وبأن فيهم مانعا آخر يمنع من الانتفاع بالمسموع لو سمعوه وهو الكبر(1\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "223",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11417",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والإعراض فالأول من باب تعليل عدم الحكم بعدم ما يقتضيه والثاني من باب تعليله بوجود مانعه وهذا إنما يصح ممن يأمر وينهى ويفعل للحكم والمصالح وأما من يجرد فعله عن ذلك فإنه لا يضاف عدم الحكم إلا إلى مجرد مسببه فقط ومن هذا تنزيه نفسه عن كثير مما يقدر عليه فلا يفعله لمنافاته لحكمته وحمده كقوله تعالى: ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب وقوله: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون وقوله: وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم وقوله: وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون وقوله: ما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون فنزه نفسه عن هذه الأفعال لأنه لا يليق بكماله وينافي حكمته وحمده وعند النفاة أنها ليست مما ينزه الرب عنه لأنها مقدورة له وهو إنما ينزه عما لا يقدر عليه ولكن علمنا أنها لا تقع لعدم مسببه لها لا لقبحها في نفسها. فصل: النوع الثاني والعشرون أن تعطيل الحكمة والغاية المطلوبة بالفعل إما أن يكون لعدم علم الفاعل بها أو تفاصلها وهذا محال في حق من هو بكل شيء عليم وإما لعجزه عن تحصيلها وهذا ممتنع في حق من هو على كل شيء قدير وإما لعدم إرادته ومشيئته الإحسان إلى غيره وإيصال النفع إليه وهذا مستحيل في حق أرحم الراحمين ومن إحسانه من لوازم ذاته فلا يكون إلا محسنا منعما منانا وإما لمانع يمنع من إرادتها وقصدها وهذا مستحيل في حق من لا يمنعه مانع عن فعل ما يريد وإما لاستلزامها نقصا ومنافاتها كمالا وهذا باطل بل هو قلب للحقائق وعكس للفطر ومناقضة لقضايا العقول فإن من يفعل لحكمة وغاية مطلوبة يحمد عليها أكمل ممن يفعل لا لشيء البتة كما أن من يخلق أكمل ممن لا يخلق ومن يعلم أكمل ممن لا يعلم ومن يتكلم أكمل ممن لا يتكلم ومن يقدر ويريد أكمل ممن لا يتصف بذلك وهذا مركوز في الفطر مستقر في العقول فنفي حكمته بمنزلة نفي هذه الأوصاف عنه وذلك يستلزم وصفه بأضدادها وهي أنقص النقائص ولهذا صرح كثير من النفاة كالجويني والرازي بأنه لم يقم على نفي النقائض عن الله دليل عقلي إلا مستند النفي السمع والإجماع وحينئذ فيقال لهؤلاء إن لم يكن في إثبات الحكمة نقص لم يجز نفيها وإن كانت نقصا فأين في السمع أو في الإجماع نفي هذا النقص وجمهور الأمة يثبت حكمته سبحانه والغايات المحمودة في أفعاله فليس مع النفاة سمع ولا عقل ولا إجماع بل السمع والعقل والإجماع والفطرة تشهد ببطلان قولهم والله الموفق للصواب وجماع ذلك أن كمال الرب تعالى وجلاله وحكمته وعدله ورحمته وقدرته وإحسانه وحمده ومجده وحقائق أسمائه الحسنى تمنع كون أفعاله صادرة منه لا لحكمة ولا لغاية مطلوبة وجميع أسمائه الحسنى تنفي ذلك وتشهد ببطلانه وإنما نبهنا على بعض طرق القرآن وإلا فالأدلة التي تضمنها إثبات ذلك أضعاف أضعاف ما ذكرنا وبالله التوفيق. فصل: وكيف يتوهم ذو الفطرة صحيحة خلاف ذلك وهذا الوجود شاهد بحكمته وعنايته بخلقه أتم عناية وما في مخلوقاته من الحكم والمصالح والمنافع والغايات المطلوبة والعواقب الحميدة أعظم من أن يحيط به وصف أو يحصره عقل ويكفي الإنسان فكره وخلقه وأعضائه ومنافعها وقواه وصفاته وهيأته فإنه لو استنفد عمره لم يحط علما بجميع ما تضمنه خلقه من الحكم والمنافع على التفصيل والعالم كله علويه وسفليه بهذه المثابة ولكن لشدة ظهور الحكمة ووضوحها وجد الجاحد(1\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "224",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11418",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السبيل إلى إنكارها وهذا شأن النفوس الجاهلة الظالمة كما أنكرت وجود الصانع تعالى مع فرط ظهور آياته ودلائل ربوبيته بحيث استوعبت كل موجود ومع هذا فسمحت بالمكابرة في إنكاره وهكذا أدلة علوه سبحانه فوق مخلوقاته مع شدة ظهورها وكرتها سمحت نفوس الجهمية بإنكارها وهكذا سواها كصدق أنبيائه ورسله ولا سيما خاتمهم صلوات الله وسلامه عليه فإن أدلة صدقه في الوضوح للعقول كالشمس في دلالتها على النهار ومع هذا فلم يأنف الجاحدون والمكابرون من الإنكار وهكذا أدلة ثبوت صفات الكمال لمعطي الكمال هي من أظهر الأشياء وأوضحها وقد أنكرها من أنكرها ولا يستنكر هذا فإنك تجد الرجل منغمسا في النعم وقد أحاطت به من كل جانب وهو يشكي حاله ويسخط مما هو فيه وربما أنكر النعمة فضلال النفوس وغيها لا حد له تنتهي إليه ولا سيما النفوس الجاهلة الظالمة ومن أعجب العجب أن تسمح نفس بإنكار الحكم والعلل الغائية والمصالح التي تضمنها هذه الشريعة الكاملة التي هي من أدل الدلائل على صدق من جاء بها وأنه رسول الله حقا ولو لم يأت بمعجزة سواها لكانت كافية شافية فإن ما تضمنته من الحكم والمصالح والغايات الحميدة والعواقب السديدة شاهدة بأن الذي شرعها وأنزلها أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وشهود ذلك في نضاعيفها ومضمونها كشهود الحكم والمصالح والمنافع في المخلوقات العلوية والسفلية وما بينهما من الحيوان والنبات والعناصر والآثار التي بها انتظام مصالح المعاش فكيف يرضى أحد لنفسه إنكار ذلك وجحده وإن تجمل واستحى من العقلاء قال ذلك أمر اتفاقي غير مقصود بالأمر والخلق وسبحان الله كيف يستجيز أحد أن يظن برب العالمين وأحكم الحاكمين أنه يعذب كثيرا من خلقه أشد العذاب الأبدي لغير غاية ولا حكمة ولا سبب وإنما هو محض مشيئة مجردة عن الحكمة والسبب فلا سبب هناك ولا حكمة ولا غاية وهل هذا إلا من أسوء الظن بالرب تعالى وكيف يستجيز أن يظن بربه أنه أمر ونهى وأباح وحرم وأحب وكره وشرع الشرائع وأمر بالحدود لا لحكمة ولا لمصلحة يقصدها بل ما ثم إلا مشيئة محضة رجحت مثلا على مثل بغير مرجح وأي رحمة تكون في هذه الشريعة وكيف يكون المبعوث بها رحمة مهداة للعالمين لو كان الأمر كما يقول النفاة وهل يكون الأمر والنهي إلا عقوبة وكلفة وعبثا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ولو ذهبنا نذكر ما يطلع عليه أمثالنا من حكمة الله في خلقه وأمره لزاد ذلك على عشرة آلاف موضع مع قصور أذهاننا ونقص عقولنا ومعارفنا وتلاشيها وتلاشي علوم الخلائق جميعهم في علم الله كتلاشي ضوء السراج في عين الشمس وهذا تقريب وإلا فالأمر فوق ذلك وهل إبطاله الحكم والمناسبات والأوصاف التي شرعت الأحكام لأجلها إلا إبطال للشرع جملة وهل يمكن فقيها على وجه الأرض أن يتكلم في الفقه مع اعتقاده بطلان الحكمة والمناسبة والتعليل وقصد الشارع بالأحكام مصالح العباد وجناية هذا القول على الشرائع من أعظم الجنايات فإن العقلاء لا يمكنهم إنكار الأسباب والحكم والمصالح والعلل الغائية فإذا رأوا أن هذا لا يمكن القول به مع موافقة الشرائع ولا يمكنهم رفعه عن نفوسهم خلوا الشرائع وراء ظهورهم وأساؤا بها الظن وقالوا لا يمكننا الجمع بينها وبين عقولنا ولا سبيل لنا إلى الخروج عن عقولنا ورأوا أن القول بالفاعل المختار لا يمكن إلا مع نفي الأسباب والحكم والقوى والطبائع ولا سبيل إلى نفيها فنفوا الفاعل وأولئك لم يمكنهم القول بنفي الفاعل المختار ورأوا أنه لا يمكنهم إثباته مع إثبات الأسباب والحكم والقوى(1\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "225",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11419",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعلل فنفوها وبين الطائفتين بعد المشرقين ولا تستهن بأمر هذه المسألة فإن شأنها أعظم وخطرها أجل وفروعها كثيرة ومن فروعها أنهم لما تكلموا فيما يحدثه الله تعالى من المطر والنبات والحيوان والحر والبرد والليل والنهار والإهلال والإبدار والكسوف والاستسرار وحوادث الجو وحوادث الأرض انقسموا قسمين وصاروا طائفتين فطائفة جعلت الموجب لذلك مجرد ما رأوه علة وسببا من الحركات الفلكية والقوى الطبيعية والنفوس والعقول فليس عندهم لذلك فاعل مختار مريد وقابلهم طائفة من المتكلمين فلم يسببوا لذلك سببا إلا مجرد المشيئة والقدرة وأن الفاعل المختار يرجح مثلا على مثل بلا مرجح ولا سبب ولا حكمة ولا غاية يفعل لأجلها ونفوا الأسباب والقوى والطبائع والقرائن والحكم والغايات حتى يقول من أثبت الجوهر الفرد منهم أن الفلك والرحا ونحوهما مما يدور متفكك دائما عند الدوران والقادر المختار يعيده كل وقت كما كان وأن الألوان والمقادير والأشكال والصفات تعدم على تعاقب الآنات والقادر المختار يعيدها كل وقت وأن ملوحة ماء البحر كل لحظة تعدم وتذهب ويعيدها القادر المختار كل ذلك بلا سبب ولا حكمة ولا علة غائية ورأوا أنهم لا يمكنهم التخلص من قول الفلاسفة أعداء الرسل إلا بذلك ورأى أعداء الرسل أنهم لا يمكنهم الدخول في الشريعة إلا بالتزام أصول هؤلاء ولم يهتد الطائفتان للحق الذي لا يجوز غيره وهو انه سبحانه يفعل بمشيئته وقدرته وإرادته ويفعل ما يفعله بأسباب وحكم وغايات محمودة وقد أودع العالم من القوى والطبائع والغرائز والأسباب والمسببات ما به قام الخلق والأمر وهذا قول جمهور أهل الإسلام وأكثر طوائف النظار وهو قول الفقهاء قاطبة إلا من خلى الفقه ناحية وتكلم بأصول النفاة فعادى فقهه أصول دينه.(1\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "226",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11420",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "الباب الثاني والعشرون: في استيفاء شبه النافعين للحكمة والتعليل وذكر الأجوبة عنها",
        "content": "الباب الثاني والعشرون: في استيفاء شبه النافعين للحكمة والتعليل وذكر الأجوبة عنها قالت النفاة قد أجلبتم علينا بما استطعتم من خيل الأدلة ورجلها فاسمعوا الآن ما يبطله ثم أجيبوا عنه إن أمكنكم الجواب فنقول ما قاله أفضل متأخريهم محمد بن عمر الرازي: quot;كل من فعل فعلا لأجل تحصيل مصلحة أو لدفع مفسدة فإن كان تحصيل تلك المصلحة أولى من عدم تحصيلها كان ذلك الفاعل قد استفاد بذلك الفعل تحصيل ذلكquot; ومن كان كذلك كان ناقصا بذاته مستكملا بغيره وهو في حق الله محال وإن كان تحصيلها وعدمه بالنسبة إليه سواء فمع ذلك لا يحصل الرجحان فامتنع تحصيلها ثم أورد سؤالا وهو لا يقال حصولها واللاحصولها بالنسبة إليه وإن كان على التساوي إلا أن حصولها للعبد أولى من عدم حصولها له فلأجل هذه الأولوية العائدة إلى العبد يرجح الله سبحانه الوجود على العدم ثم أجاب بأنا نقول تحصيل تلك المصلحة وعدم تحصيلها له إما أن يكونا متساويين بالنسبة إلى الله أو لا يستويان وحينئذ يعود التقسيم المذكور قال المثبتون الجواب عن هذه الشبهة من وجوه أحدها أن قولك أن كل من فعل لغرض يكون ناقصا بذاته مستكملا بغيره ما تعني بقولك أنه يكون ناقصا بذاته أتعني به أنه يكون عادما لشيء من الكمال الذي لا يجب أن يكون له قبل حدوث ذلك المراد أم تعني به أن يكون عادما لما ليس كمالا قبل وجوده أم تعني به معنى ثالثا(1\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "227",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11421",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن عنيت الأول فالدعوى باطلة فإنه لا يلزم من فعله لغرض حصوله أولى من عدمه أن يكون عادما لشيء من الكمال الواجب قبل حدوث المراد فإنه يمتنع أن يكون كمالا قبل حصوله وإن عنيت الثاني لم يكن عدمه نقصا فإن الغرض ليس كمالا قبل وجوده وما ليس بكمال في وقت لا يكون عدمه نقصا فيه فما كان قبل وجوده عدمه أولى من وجوده وبعد وجوده وجوده أولى من عدمه لم يكن عدمه قبل وجوده نقصا ولا وجوده بعد عدمه نقصا بل الكمال عدمه قبل وقت وجوده وجوده وقت ووجوده وإذا كان كذلك فالحكم المطلوبة والغايات من هذا النوع وجودها وقت وجودها هو الكمال وعدمها حينئذ نقص وعدمها وقت عدمها كمال ووجودها حينئذ نقص وعلى هذا فالنافي هو الذي نسب النقص إلى الله لا المثبت وإن عنيت به أمرا ثالثا فلا بد من بيانه حتى ننظر فيه الجواب الثاني إن قولك يلزم أن يكون ناقصا بذاته مستكملا بغيره أتعني به أن الحكمة التي يجب وجودها إنما حصلت له من شيء خارج عنه أم تعني أن تلك الحكمة نفسها غير له وهو مستكمل بها فإن عنيت الأول فهو باطل فإنه لا رب غيره ولا خالق سواه ولم يستفد سبحانه من غيره كمالا بوجه من الوجوه بل العالم كله إنما استفاد الكمال الذي فيه منه سبحانه وهو لم يستفد كماله من غيره كما لم يستفد وجوده من غيره وإن عنيت الثاني فتلك الحكمة صفته سبحانه وصفاته ليست غيرا له فإن حكمته قائمة به وهو الحكيم الذي له الحكمة كما أنه العليم الذي له العلم والسميع الذي له السمع والبصير الذي له البصر فثبوت حكمته لا يستلزم استكماله بغير منفصل عنه كما أن كماله سبحانه بصفاته وهو لم يستفدها من غيره الجواب الثالث أنه سبحانه إذا كان إنما يفعل لأجل أمر هو أحب إليه من عدمه كان اللازم من ذلك حصول مراده الذي يحبه وفعل لأجله وهذا غاية الكمال وعدمه هو النقص فإن من كان قادرا على تحصيل ما يحبه وفعله في الوقت الذي يحب على الوجه الذي يحب فهو الكامل حقا لا من لا محبوب له أو له محبوب لا يقدر على فعله الجواب الرابع أن يقال أنت ذكرت في كتبك أنه لم يقم على نفي النقص عن الله دليل عقلي واتبعت في ذلك الجويني وغيره وقلتم إنما ينفى النقص عنه عز وجل بالسمع وهو الإجماع فلم تنفوه عن الله عز وجل بالعقول ولا بنص منقول عن الرسول بل بما ذكرتموه من الإجماع وحينئذ فإنما ينفى بالإجماع ما انعقد الإجماع على نفيه والفعل بحكمه لم ينعقد الإجماع على نفيه فلم تجمع الأمة على انتفاء التعليل لأفعال الله فإذا سميت أنت ذلك نقصا لم تكن هذه التسمية موجبة لانعقاد الإجماع على نفيها فإن قلت أهل الإجماع أجمعوا على نفي النقص وهذا نقص قيل نعم الأمة مجمعة على ذلك ولكن الشأن في هذا الوصف المعني أهو نقص فيكون قد أجمعت على نفيه فهذا أول المسألة والقائلون بإثباته ليس هو عندهم نقصا بل هو عين الكمال ونفيه عين النقص وحينئذ فنقول في الجواب الخامس أن إثبات الحكمة كمال كما تقدم تقريره ونفيه نقص والأمة مجمعة على انتفاء النقص عن الله بل العلم بانتفائه عن الله تعالى من أعلى العلوم الضرورية المستقرة في فطر الخلق فلو كانت أفعاله معطلة عن الحكم والغايات المحمودة لزم النقص وهو محال ولزوم النقص من انتفاء الحكم أظهر في العقول والفطر والعلوم الضرورية والنظرية من لزوم النقص من إثبات ذلك وحينئذ فتقول في الجواب السادس النقص إما أن يكون جائزا أو ممتنعا فإن كان جائزا بطل دليلك وإن كان ممتنعا بطل دليلك أيضا فبطل الدليل على التقديرين الجواب السابع أن النقص منتف عن الله عز(1\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "228",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11422",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجل عقلا كما هو منتف عنه سمعا والعقل والنقل يوجب اتصافه بصفات الكمال والنقص هو ما يضاد صفات الكمال فالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والحياة صفات كمال وأضدادها نقص فوجب تنزيهه عنها لمنافاتها لكماله وأما حصول ما يحبه الرب تعالى في الوقت الذي يحبه فإنما يكون كمالا إذا حصل على الوجه الذي يحبه فعدمه قبل ذلك ليس نقصا إذ كان لا يحب وجوده قبل ذلك الجواب الثامن أن يقال الكمال الذي يستحقه سبحانه وتعالى هو الكمال الممكن أو الممتنع فالأول مسلم والثاني باطل قطعا فلم قلت أن وجود الحادث في غير وقته الذي وجد فيه ممكن بل وجود الحادث في الأزل ممتنع فعدمه لا يكون نقصا الجواب التاسع أن عدم الممتنع لا يكون كمالا فإن الممتنع ليس بشيء في الخارج وما ليس بشيء لا يكون عدمه نقصا فإنه إن كان في المقدور ما لا يحدث إلا شيئا بعد شيء كان وجوده في الأزل ممتنعا فلا يكون عدمه نقصا وإنما يكون الكمال وجوده حين يمكن وجوده الجواب العاشر أن يقال أنه تعالى أحدث أشياء بعد أن لم يكن محدثا لها كالحوادث المشهودة حتى أن القائلين بكون الفلك قديما عن عله موجبة يقرون بذلك ويقولون أنه يحدث الحوادث بواسطته وحينئذ فنقول هذا الإحداث إما أن يكون صفة كمال وإما أن لا يكون فإن كان صفة كمال فقد كان فاقدا لها قبل ذلك وإن لم يكن صفة كمال فقد اتصف بالنقص فإن قلت نحن نقول بأنه ليس صفة كمال ولا نقص قيل فهلا قلتم ذلك في التعليل وأيضا فهذا محال في حق الرب تعالى فإن كل ما يفعله يستحق عليه الحمد وكل ما يقوم من صفاته فهو صفة كمال وضده نقص وقد ينازع النظار في الفاعلية هل هي صفة كمال أم لا وجمهور المسلمين من جميع الفرق يقولون هي صفة كمال وقالت طائفة ليست صفة كمال ولا نقص وهو قول أكثر الأشعرية فإذا التزم له هذا القول قيل له الجواب من وجهين أحدهما أن من المعلوم تصريح العقل أن من يخلق أكمل ممن لا يخلق كما قال تعالى: أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون وهذا استفهام إنكار يتضمن الإنكار على من سوى بين الأمرين يعلم أن أحدهما أكمل من الآخر قطعا ولا ريب أن تفضيل من يخلق على من لا يخلق في الفطر والعقول كتفضيل من يعلم على من لا يعلم ومن يقدر على من لا يقدر ومن يسمع ويبصر على من لا يسمع ولا يبصر ولما كان هذا مستقرا في فطر بني آدم جعله الله تعالى من آلة توحيده وحججه على عباده قال تعالى: ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم وقال تعالى: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون وقال تعالى: وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات وقال تعالى: مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون فمن سوى بين صفة الخالقية وعدمها فلم يجعل وجودها كمالا ولا عدمها نقصا فقد أبطل حجج الله وأدلة توحيده وسوى بين ما جعل بينهما أعظم التفاوت وحينئذ فنقول في الجواب الحادي عشر إذا كان الأمر كما ذكرتم فلم لا يجوز أن يفعل لحكمة يكون وجودها وعدمها بالنسبة إليه سواء كما أنه عندكم لم يحدث ما يحدثه مع كون الإحداث والخلق وعدمه بالنسبة إليه سواء مع أن هذه إرادة لا تعقل في(1\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "229",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11423",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشاهد فقولوا مثل ذلك في الحكمة وأن ذلك لا يعقل لا سيما والفعل عندكم هو المفعول المنفصل فجوزوا أيضا أن يفعل لحكمة منفصلة وأنتم إنما قلتم ذلك فرارا من قيام الحوادث به ومن التسلسل فكذلك قولوا بنظير ذلك في الحكمة والذي يلزم أولئك فهو نظير ما يلزمكم سواء الجواب الثاني عشر أن يقال العقل الصريح يقضي بأن من لا حكمة لفعله ولا غاية يقصدها به أولى بالنقص ممن يفعل لحكمة كانت معدومة ثم صارت موجودة في الوقت الذي اقتضت حكمته إحداث الفعل فيه فكيف يسوغ لعاقل أن يقول فعله للحكمة يستلزم النقص وفعله لا لحكمة لا نقص فيه الجواب الثالث عشر أن هؤلاء النفاة يقولون أنه سبحانه يفعل ما يشاء من غير اعتبار حكمة فيجوزون عليه كل ممكن حتى الأمر بالشرك والكذب والظلم والفواحش والنهي عن التوحيد والصدق والعدل والعقاب وحينئذ فنقول إذا جازت عليه هذه المرادات وليس في إرادتها نقص وهذا مراد فلا نقص فيه فقولهم من فعل شيئا لشيء كان ناقصا بدونه قضية كلية ممنوعة العموم وعمومها أولى بالمنع من قول القائل من أكرم أهل الجهل والظلم والفساد وأهان أهل العلم والعدل والبر كان سفيها جائرا وهذا عند النفاة جائز على الله ولم يكن به سفيها جائرا وكذلك قول القائل من أرسل إماءه وعبيده يفجر بعضهم ببعض ويقتل بعضهم بعضا وهو قادر على أن يكفيهم كان سفيها والله قد فعل ذلك ولم يدخل في عموم هذه القضية فكذا القضية الكلية التي ادعوا ثبوتها في محل النزاع أولى أن تكون باطلة منتقضة الجواب الرابع عشر أنه لو سلم لهم أنه مستكمل بأمر حادث لكان هذا من الحوادث المرادات وكل ما هو حادث مراد عندهم فليس بقبيح فإن القبيح عندهم ليس إلا مخالفة الأمر والنهي والله ليس فوقه آمر ولا ناه فلا ينزه عندهم عن شيء من الممكنات البتة إلا ما أخبر بأنه لا يكون فإنهم ينزهونه عن كونه لمخالفة حكمته والقبيح عندهم هو الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة وما دخل تحت القدرة لم يكن قبيحا ولا مستلزما نقصا عندهم وجماع ذلك بالجواب الخامس عشر أنه ما من محذور يلزم من تجويز فعله لحكمة إلا والمحاذير التي يلزم من كونه يفعل لا لحكمة أعظم امتناعا فإن كانت تلك المحاذير غير ممتنعة كانت محاذير إثبات الحكمة أولى بعدم الامتناع وإن كانت محاذير إثبات الحكمة ممتنعة فمحاذير نفيها أولى بالامتناع الجواب السادس عشر أن فعل الحي العالم الاختياري لا لغاية ولا لغرض يدعوه إلى فعله لا يعقل بل هو من الممتنعات لهذا لا يصدر إلا من مجنون أو نائم أو زائل العقل فإن الحكمة والعلة الغائية هي التي تجعل المريد مريدا فإنه إذا علم بمصلحة الفعل ونفعه وغايته انبعثت إرادته إليه فإذا لم يعلم في الفعل مصلحة ولا كان له فيه غرض صحيح ولا داع يدعوه إليه فلا يقع منه إلا على سبيل العبث هذا الذي لا يعقل العقلاء سواه وحينئذ فنفي الحكمة والعلة والغاية عن فعل أحكم الحاكمين نفي لفعله الاختياري في الحقيقة وذلك أنقص النقص وقد تقدم تقرير ذلك وبالله التوفيق. فصل: قال نفاة الحكمة هب أن الحجة بطلت فلا يلزم من بطلان دليل بطلان الحكم فنحن نذكر حجة غيرها فنقول لو كان فعله تعالى معللا بعلة فتلك العلة إن كانت قديمة لزم من قدمها قدم الفعل وهو محال وإن كانت محدثة افتقر كونه موجودا لتلك العلة إلى علة أخرى وهو محال وهذا معنى قول القائل علة كل شيء صنعه ولا علة لصنعه قالوا ونحن نقرر هذه الحجة تقريرا(1\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "230",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11424",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبسط من هذا فنقول لو كان فعله تعالى لحكمة فتلك الحكمة إما قديمة أو محدثة فإن كانت قديمة فإما أن يلزم من قدمها الفعل قدم الفعل أو لا يلزم فإن لزم فهو محال وإن لم يلزم القدم والفعل موجود بدونها فالحكمة غير حاصلة من ذلك الفعل لحصوله دونها وما لا يكون الحكمة متوقفة على حصوله لا يكون متوقفا عليها وهو المطلوب وإن كانت الحكمة حادثة بحدوث الفعل فإما أن تفتقر إلى فاعل أو لا تفتقر إلى فاعل فإن لم تفتقر لزم حدوث من غير فاعل وهو محال وإن افتقرت إلى فاعل فذلك الفاعل إما أن يكون هو الله أو غيره لا يجوز أن يكون غيره لأنه لا خالق إلا الله وإن كان هو الله فإما أن يكون له في فعله غرض أو لا غرض له فيه فإن كان الأول فالكلام فيه كالكلام في الأول ويلزم التسلسل وإن كان الثاني فقد خلا فعله عن الغرض وهو المطلوب فإن قلت فعله لذلك الغرض لغرض هو نفسه فما خلا عن غرض ولم يلزم التسلسل قلنا فيلزم مثله في كل مفعول مخلوق وهو أن يكون الغرض منه هو نفسه من غير حاجة إلى غرض آخر وهو المطلوب فهذه حجة باهرة وافية بالغرض قال أهل الحكمة بل هي حجة داحضة باطلة من وجوه والجواب عنها من وجوه الجواب الأول أن نقول لا يخلو إما أن يمكن أن يكون الفعل قديم العين أو قديم النوع أو لا يمكن واحد منهما فإن أمكن أن يكون قديم العين أو النوع أمكن في الحكمة التي يكون الفعل لأجلها أن تكون كذلك وإن لم يمكن أن يكون الفعل قديم العين ولا النوع فيقال إذا كان فعله حادث العين أو النوع كانت الحكمة كذلك فالحكمة يحذى بها حذو الفعل فما جاز عليه جاز عليها وما امتنع عليه امتنع عليها الجواب الثاني أن من قال أنه خالق مكون في الأزل لما لم يكن بعد قال قولي هذا كقول من قال هو مريد في الأزل لما لم يكن بعد فقولي بقدم كونه فاعلا كقول هؤلاء بقدم كونه مريدا وعلى هذا فيمكنني أن أقول بقدم الحكمة التي يخلق ويريد لأجلها ولا يلزم من قدم الحكمة قدم الفعل كما لم يلزم من قدم الإرادة قدم المراد وكما يلزم من قدم صفة التكوين قدم المكون فقولي في قدم الحكمة مع حدوث الفعل التي فعل لأجلها كقولكم في قدم الإرادة والتكوين سواء وما لزمني لزمكم مثله وجوابكم هو جوابي بعينه ولا يمتنع ذلك على أصول طائفة من الطوائف فإن من قال من الفلاسفة أن فعله قديم للمفعول المعني يقول أن الحكمة قديمة ومن قال بحدوث أعيان الفعل ودوام نوعه يقول ذلك في الحكمة سواء ومن قال بحدوث نوع الفعل وقيامه بالرب قال ذلك في الحكمة أيضا كما يقوله كثير من النظار فلا يمتنع على أصل طائفة من الطوائف إثبات الحكمة في فعله سبحانه الجواب الثالث قولك يفتقر كونه محدثا لتلك العلة إلى علة أخرى ممنوع فإن هذا إنما يلزم أن لو قيل كل حادث فلا بد له من علة ونحن لا نقول هذا بل نقول يفعله لحكمة ومعلوم أن المفعول لأجله مراد للفاعل محبوب له والمراد المحبوب تارة يكون مرادا لنفسه وتارة يكون مرادا لغيره والمراد لغيره لا بد أن ينتهي إلى المراد لنفسه قطعا للتسلسل وهذا كما نقوله في خلقه بالأسباب أنه يخلق كذا بسبب كذا وكذا بسبب كذا حتى ينتهي الأمر إلى أسباب لا سبب لها سوى مشيئة الرب فكذلك يخلق لحكمة وتلك الحكمة لحكمة حتى ينتهي الأمر إلى حكمة لا حكمة فوقها الجواب الرابع أن النفاة يقولون كل مخلوق فهو مراد لنفسه لا لغيره وحينئذ فلا يمتنع أن يكون بعض المخلوقات مرادا لغيره وينتهي الأمر إلى مراد لنفسه بل هذا أولى بالجواز من جعل كل مخلوق مرادا لنفسه وكذلك في الأمر يكون مرادا لغيره حتى(1\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "231",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11425",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ينتهي إلى أمر مراد لنفسه الجواب الخامس أن يقال غاية ما ذكرتم أنه يستلزم التسلسل ولكن أي نوعي التسلسل هو اللازم التسلسل الممتنع أو الجائز فإن عنيتم الأول منع اللزوم وإن عنيتم الثاني منع انتفاء اللازم فإن التسلسل في الآثار المستقبلة ممكن بل واجب وفي الآثار الماضية فيه قولان للناس والتسلسل في العلل والفاعلين محال باتفاق العقلاء بأن يكون لهذا الفاعل فاعل قبله وكذلك ما قبله إلى غير نهاية وأما أن يكون الفاعل الواحد القديم الأبدي لم يزل يفعل ولا يزال فهذا غير ممتنع إذا عرف هذا فالحكمة التي لأجلها يفعل الفعل تكون حاصلة بعده فإذا كان بعدها حكمة أخرى فغاية ذلك أن يلزم حوادث لا نهاية لها وهذا جائز بل واجب باتفاق المسلمين ولم ينازع إلا بعض أهل البدع من الجهمية والمعتزلة فإن قيل فيلزم من هذا أن لا تحصل الغاية المطلوبة أبدا قيل بل اللازم أن لا تزال الغاية المطلوبة حاصلة دائما وهذا أمر معقول في الشاهد فإن الواحد من الناس يفعل الشيء لحكمة يحصل بها محبوبه ثم يلزم من حصول محبوبه محبوب آخر يفعل لأجله وهلم جرا حتى لو تصور دوامه أبدا لكانت هذه حاله وكماله فلم تزل محبوباته تحصل شيئا بعد شيء وهذا هو الكمال الذي يريده مع غناه التام الكامل عن كل ما سواه وفقر ما سواه إليه من جميع الوجوه وهل الكمال إلا ذلك وفواته هو النقص وهو سبحانه كتب على نفسه الرحمة والإحسان فرحمته وإحسانه من لوازم ذاته فلا يكون إلا رحيما محسنا وهو سبحانه إنما أمر العباد بما يحبه ويرضاه وأراد لهم من إحسانه ورحمته ما يحبه ويرضاه لكن فرق بين ما يريد هو سبحانه أن يخلقه ويفعله لما يحصل به من الحكمة التي يحبها فهذا يفعله سبحانه ولا بد من وجوده وبين ما يريد من العباد أن يفعلوه ويأمرهم بفعله ويحب أن يقع منهم ولا يشاء خلقه وتكوينه ففرق بين ما يريد خلقه وما يأمر به ولا يريد خلقه فإن الفرق بين ما يريد الفاعل أن يفعله وما يريد من المأمور أن يفعله فرق واضح والله سبحانه له الخلق والأمر فالخلق فعله والأمر قوله ومتعلقه أفعال عباده وهو سبحانه قد يأمر عبده ويريد من نفسه أن يعين عبده على فعل ما أمره لتحصل حكمته ومحبته من ذلك المأمور به وقد يأمره ولا يريد من نفسه إعانته على فعل المأمور لما له من الحكمة الثابتة في هذا الأمر وهذا الترك يأمره لئلا يكون له عليه حجة ولئلا يقول ما جاءني من نذير ولو أمرتني لبادرت إلى طاعتك ولم يرد من نفسه إعانته لأن محله غير قابل لهذه النعمة والحكمة التامة تقتضي أن لا توضع النعم عند غير أهلها وأن تمنع من أهلها قال تعالى: وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وقال: ليس الله بأعلم بالشاكرين وقال: لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولا يقال فهلا سوى بين خلقه في جعلهم كلهم أهلا لذلك فإن هذا ممكن له ولا أن يقال فهلا سوى بين صورهم وأشكالهم وأعمارهم وأرزاقهم ومعاشهم وهذا وإن كان ممكنا فالذي وقع من التفاوت بينهم هو مقتضى حكمته البالغة وملكه التام وربوبيته فاقتضت حكمته أن سوى بينهم في الأمر وفاوت بينهم في الإعانة عليه كما فاوت بينهم في العلوم والقدر والغنى والحسن والفصاحة وغير ذلك والتخصيصات الواقعة في ملكه لا تناقض حكمته بل هي من أدل شيء على كمال حكمته ولولاها لم يظهر فضله ومنه قال تعالى: ولكن الله حبب إليكم الأيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم بمن يصلح لهذه النعمة حكيم في وضعها عند أهلها ومنعها غير أهلها وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا(1\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "232",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11426",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وقال تعالى: هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم وقالت الرسل لقومهم: ن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وقال تعالى: وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات الآية وفي حديث مثل المؤمنين واليهود والنصارى قال تعالى لأهل الكتاب هل ظلمتكم من حقكم من شيء قالوا لا قال فهو فضلي أوتيه من أشاء وقال تعالى: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما أي يعلم أين يضع فضله ومن يصلح له ممن لا يصلح بل يمنعه غير أهله ولا يضعه عند غير أهله وهذا كثير في القرآن يذكر أن تخصيصه هو فضله ورحمته فلو ساوى بين الخلائق لم يعرف قدر فضله ونعمته ورحمته فهذا بعض ما في تخصيصه من الحكمة وفي كتاب الزهد للإمام أحمد: quot;أن موسى قال يا رب هلا سويت بين عبادك قال إني أحببت أن أشكرquot; فمواضع التحصل ومواقع الفصل التي يقدح بها نفاة الحكمة هي من أدل شيء على كمال حكمته سبحانه ووضعه للفضل مواضعه وجعله عند أهله الذين هم أحق به وأولى من غيرهم وهو الذي جعلهم كذلك بحكمته وعلمه وعزته وملكه فتبارك الله رب العالمين وأحكم الحاكمين ولا يجب بل لا يمكن المشاركة في حكمته بل ما حصل للخلائق كلهم من العلم بها كنقرة عصفور في البحر المحيط وأي نقص في دوام حكمته شيئا بعد شيء كما تدوم إرادته وكلامه وأفعاله وإحسانه وجوده وإنعامه وهل الكمال إلا في هذا التسلسل فماذا نفر النفاة منه أنفرهم أن يقال لم يزل ولا يزال حيا عليما قديرا حكيما متكلما محسنا جوادا ملكا موصوفا بكل كمال غنيا عن كل ما سواه لا تنفد كلماته ولا تتناهى حكمته ولا تعجز قدرته ولا يبيد ملكه ولا تنقطع إرادته ومشيئته بل لم يزل ولا يزال له الخلق والأمر والحكمة والحكم وهل النقص إلا سلب ذلك عنه والله الموفق بفضله وإعانته الجواب السادس إن الرب تبارك وتعالى إذا خلق شيئا فلا بد من وجود لوازمه ولا بد من عدم أضداده فوجود الملزوم بدون لازمه محال ووجود الضد مع ضده ممتنع والمحال ليس بشيء ولا يتصور العقل وجوده في الخارج وإذا كان هذا التسلسل الجائز من لوازم خلقه وحكمته لم يكن في القول محذور بل كان المحذور في نفيه توضيحه الجواب السابع أنه لم يقم دليل عقلي ولا سمعي على امتناع دوام أفعال الرب في الماضي والمستقبل أصلا وكل أدلة النفاة من أولها إلى آخرها باطلة وقد كفى مؤنة إبطالها الرازي والآمدي في أكثر كتبهما وغيرها وأما إثبات الحكمة فقد قام على صحته العقل والسمع والفطرة وسائر أنواع الأدلة مما تقدمت الإشارة إلى بعض(1\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "233",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11427",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك فكيف يقدح في هذا المعلوم الصحيح بذلك النفي الذي لم يقم على صحته دليل البتة الجواب الثامن أن التسلسل إما أن يكون ممكنا أو ممتعنا فإن كان ممكنا بطل استدلالكم وإن كان ممتنعا أمكن أن يقال في دفعه تنتهي المرادات إلى مراد لنفسه لا لغيره وينقطع التسلسل الجواب التاسع أن يقال ما المانع أن تكون الفاعلية معللة بعلة قديمة قولكم يلزم من قدمها قدم المعلول ينتقص عليكم بالإرادة فإنها قديمة ولم يلزم من قدمها قدم المراد فإن قلتم الإرادة القديمة تعلقت بالمراد الحادث في وقت حدوثه واقتضت وجوده حينئذ فهلا قلتم أن الحكمة القديمة تعلقت بالمراد وقت حدوثه كما قلتم في الإرادة فإن قلتم شأن الإدارة التخصيص قيل لكم وكذلك الحكمة شأنها تخصيص الشيء بزمانه ومكانه وصفته فالتخصيص مصدره الحكمة والإرادة والعلم والقدرة فإن لزم من قدم الحكمة قدم الفعل لزم من قدم الإرادة قدمه وإن لم يلزم ذلك لم يلزم هذا الجواب العاشر أن يقال لو لم يكن فعله لحكمة وغاية مطلوبة لم يكن مريدا فان المريد لا يعقل كونه مريدا إلا إذا كان يريد لغرض وحكمة فإذا انتفت الحكمة والغرض انتفت الإرادة ويلزم من انتفاء الإرادة أن يكون موجبا بالذات وهو علة تامة في الأزل لمعلوله فيلزم أن يقارنه جميع معلوله ولا يتأخر فيلزم من ذلك قدم الحوادث المشهودة وإنما لزم ذلك من انتفاء الحكمة والغرض المستلزمة لنفي الإرادة المستلزمة للإيمان الذاتي المستلزم لقدم الحوادث وتقرير هذا وبسطه في غير هذا الموضع. فصل: قال نفاة الحكمة جميع الأغراض يرجع حاصلها إلى شيئين تحصيل اللذة والسرور ودفع الألم والحزن والغم والله سبحانه قادر على تحصيل هذين المطلوبين ابتداء من غير شئ من الوسائط ومن كان قادرا على تحصيل المطلوب ابتداء بغير واسطة كان توسله إلى تحصيله بالوسائط عبثا وهو على الله محال قال أصحاب الحكمة عن هذه الشبهة أجوبة الجواب الأول أن يقال لا ريب إن الله على كل شئ قدير لكن لا يلزم إذا كان الشيء مقدورا ممكنا أن تكون الحكمة المطلوبة لوجوده يمكن تحصيلها مع عدمه فإن الموقوف على الشيء يمتنع حصوله بدونه كما يمتنع حصول الابن بكونه ابنا بدون الأب فإن وجود الملزوم بدون لازمه محال والجمع بين الضدين محال ولا يقال فيلزم العجز لأن المحال ليس بشيء فلا تتعلق به القدرة والله على كل شئ قدير فلا يخرج ممكن عن قدرته البتة الجواب الثاني أن دعوى كون توسط أحد الأمرين إذا كان شرطا أو سببا له عبث دعوى كاذبة باطلة فإن العبث هو الذي لا فائدة فيه وأما توسط الشرط أو السبب أو المادة التي يحدث فيها ما يحدثه فليس بعبث توضيحه الجواب الثالث أن حصول الأعراض والصفات التي يحدثها الله سبحانه في موادها شروط لحصول تلك المواد ولا يتصور وجودها بدونها فتوسطها أمر ضروري لا بد منه فينقلب عليكم دليلكم ونقول هل يقدر سبحانه على إيجاد تلك الحوادث بدون توسط موادها الحاملة لها أولا يمكن فإن قلتم يمكن ذلك كان توسطها عبثا وإن قلتم لا يقدر كان تعجيزا فإن قلتم هذا فرض مستحيل والمحال ليس بشيء قيل صدقتم وهذا جوابنا بعينه الجواب الرابع أن يقال إذا كان في خلق تلك الوسائط حكم أخرى تحصل بخلقها للفاعل وفي خلقها مصالح ومنافع لتلك الوسائط لم يكن توسطها عبثا ولم تكن الحكمة حاصلة بعدمها كما أنه سبحانه إذا جعل رزق بعض خلقه في البخارات مثلا فاقتضى ذلك أن تخليق الصانع إلى من يحتاج فينتفع هؤلاء بالصانع وهؤلاء باليمن(1\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "234",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11428",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان في ذلك مصلحة هؤلاء وهؤلاء وإذا تأملت الوجود رأيته قائما بذلك شاهدا على منكري الحكمة فكم لله سبحانه في إحداث تلك الوسائط من حكم ومصالح ومنافع للعباد لو بطلت تلك الوسائط لفاتت تلك الحكم والمصالح الجواب الخامس قولك يلزم العبث وهو على الله محال فيقال إن كان العبث عليه محالا لزم أن لا يفعل ولا يأمر إلا لمصلحة وحكمة فبطل قولك بقولك وإن لم يكن العبث عليه محالا بطلت هذه الحجة فيتحقق بطلانها على التقديرين الجواب السادس أن يقال ما المانع أن يفعل سبحانه أشياء معللة وأشياء غير معللة بل مرادة لذاتها وإذا جاز هذا جاز أن يقال أن هذه الوسائط غير معللة ولا يمكنك نفي هذا القسم إلا بأن تقول أن شيئا من أفعاله غير معلل البتة وأنت إنما نفيت هذا بلزوم العبث في توسط تلك الأمور ولا يلزم من انتفاء التعليل في بعض الأفعال انتفاؤه في الجميع فإنه لا يجب أن يكون كل شيء لعلة فأنت نفيت جواز التعليل وغاية هذه الحجة لو صحت أن تدل على أنه لا يجب في كل شيء أن يكون لعلة فلم يثبت الحكم والدليل وهذا كما يقول الفقهاء مع قولهم بالتعليل أن من الأحكام ما يفيد غير معلل فهلا قلت في الخلق كقولهم في الأمر وهذا إنما هو بطريق الإلزام وإلا فالحق أن جميع أفعاله وشرعه لها حكم وغايات لأجلها شرع وفعل وأن لم يعلمها الخلق على التفصيل فلا يلزم من عدم علمهم بها انتفاؤها في نفسها الجواب السابع أن غاية هذه الشبهة أن يكون سبحانه قادرا على تحصيل تلك الحكم بدون تلك الوسائط كما هو قادر على تحصيلها بها وإذا كان الأمران مقدوران له لم يكن العدول عن أحد المقدورين إلى الآخر عبثا إلا إذا كان المقدور الآخر مساويا لهذا من كل وجه ولا يمكن عاقلا أن يقول أن تعطيل تلك الوسائط وعدمها مساو من كل وجه لوجودها وهذا من أعظم البهت وأبطل الباطل وهو يتضمن القدح في الحس والعقل والشرع كما هو قدح في الحكمة فإن من جعل وجود الرسل وعدمهم سواء ووجود الشمس والقمر والنجوم والمطر والنبات والحيوان وعدمها سواء ووجود هذه الوسائط جميعها وعدمها سواء فلم يدع للمكابرة موضعها الجواب الثامن قولك جميع الأغراض يرجع حاصلها إلى شيئين اللذة الهم والحزن أتريد به الغرض الذي يفعل لأجلها الحيوان أو الحكمة التي يفعل الله سبحانه لأجلها أم تريد به ما هو أعم من ذلك فإن أردت الأول لم تفدك شيئا وإن أردت الثاني أو الثالث كانت دعوى مجردة لا برهان عليها فإن حكمة الرب تعالى فوق تحصيل اللذة ودفع الغم والحزن فإنه يتعالى عن ذلك بل ليس كمثل حكمته شيء كما أنه موصوف بالإرادة وليست كإرادة الحيوان فإن الحيوان يريد ما يريده ليجلب له منفعة أو يدفع به عنه مضرة وكذلك غضبه ليس مشابها لغضب خلقه فإن غضب المخلوق هو غليان دم قلبه طلبا للانتقام والله يتعالى عن ذلك وكذلك سائر صفاته فكما أنه ليس كمثله شيء في إرادته ورضاه وغضبه ورحمته وسائر صفاته فهكذا حكمته سبحانه لا تماثل حكمة المخلوقين بل هي أجل وأعلى من أن يقال أنها تحصيل لذة أو دفع حزن فالمخلوق لنقصه يحتاج أن يفعل ذلك لأن مصالحه لا تتم إلا به والله سبحانه غني بذاته عن كل ما سواه لا يستفيد من خلقه كمالا بل خلقهم يستفيدون كمالهم منه الجواب التاسع أن يقال قد دل الوحي مع العقل على أنه سبحانه يحب ويبغض أما الوحي فالقرآن مملوء من ذلك وأما العقل فما نشاهد في العالم من إكرام أوليائه وأهل طاعته وإهانة أعدائه وأهل معصيته شاهد لمحبته لهؤلاء ورضاه(1\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "235",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11429",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنهم وبغضه لهؤلاء وسخطه عليهم ومعلوم قطعا أن من يحب ويبغض أكمل محبة وبغض وهو قادر على تحصيل محابه فإن حكمته فيما يفعله ويتركه أتم حكمة وأكملها فهو يفعل ما يفعله لأنه يوصل إلى محابه ويترك ما يتركه لأنه لا يحبه وإذا فعل ما يكرهه لم يفعله إلا لإفضائه إلى ما يحب وإن كان مكروها في نفسه فإن أردت باللذة والسرور والهم والحزن الحب والبغض فالرب تعالى يحب ويبغض لم يلزم من كونه يفعل لحكمة أن يتصف بذلك الجواب العاشر أنه سبحانه إذا كان قادرا على تحصيل ذلك بدون الوسائط وهو قادر على تحصيله بها كان فعل النوعين أكمل وأبلغ في القدرة وأعظم في ملكه وربوبيته من كونه لا يفعل إلا بأحد النوعين والرب تعالى تتنوع أفعاله لكمال قدرته وحكمته وربوبيته فهو سبحانه قادر على تحصيل تلك الحكمة بواسطة إحداث مخلوق من فصل وبدون إحداثه بل بما يقوم به من أفعاله اللازمة وكلماته وثنائه على نفسه وحمده لنفسه فمحبوبه يحصل بهذا وهذا وذلك أكمل ممن لا يحصل محبوبه إلا بأحد النوعين الجواب العاشر أن الرب سبحانه كامل في أوصافه وأسمائه وأفعاله فلا بد من ظهور آثارها في العالم فإنه محسن ويستحيل وجود الإحسان بدون من يحسن إليه ورزاق فلا بد من وجود من يرزقه وغفار وحليم وجواد ولطيف بعباده ومنان ووهاب وقابض وباسط وخافض ورافع ومعز ومذل وهذه الأسماء تقتضي متعلقات تتعلق بها وآثارا تتحقق بها فلم يكن بد من وجود متعلقاتها وإلا تعطلت تلك الأوصاف وبطلت تلك الأسماء فتوسط تلك الآثار لا بد منه في تحقق معاني تلك الأسماء والصفات فكيف يقال أنه عبث لا فائدة فيه وبالله التوفيق. فصل: قال نفاة الحكمة لو وجب أن يكون خلقه وأمره معللا بحكمة وغرض لكان خلق الله العالم في وقت معين دون ما قبله ودون ما بعده معللا برعاية غرض ومصلحة ثم تلك المصلحة والغرض إما أن يقال كان حاصلا قبل ذلك الوقت أو لم يكن حاصلا قبله فإن كان ما لأجله أوجد الله العالم في ذلك الوقت حاصلا قبل أن أوجده فيلزم أن يقال أنه كان موجدا له قبل أن لم يكن موجدا له وذلك محال وإن قلنا أن ذلك الغرض والمصلحة لم يكن حاصلا قبل ذلك الوقت وإنما حدث في ذلك الوقت فنقول حصول ذلك الغرض في ذلك الوقت إما أن يكون مفتقرا إلى المحدث أو لا يفتقر فإن لم يفتقر فقد حدث الشيء لا عن موجد ومحدث وهو محال وأن افتقر إلى محدث فإن افتقر تخصص إحداث ذلك الغرض بذلك الوقت إلى غرض آخر عاد التقسيم الأول فيه ولزم التسلسل وإن لم يفتقر إلى رعاية غرض آخر فحينئذ تكون موجدية الله سبحانه وخالقيته غنية عن الأغراض والمصالح وهذا هو المطلوب قالوا وهذه الحجة كما أنها قائمة في اختصاص العالم بذلك الوقت المعين فهي قائمة في اختصاص كل حادث من الحوادث بوقته المعين وملخصها أن إحداث الحادث في وقته إن كان لغرض فإن كان ذلك الغرض حاصلا قبله لزم حدوثه قبل حدوثه وإلا افتقر إلى الإحداث فإحداثه إن كان لغرض تسلسل وإلا ثبت المطلوب قال أهل الحكمة هذه الحجة بعينها مذكورة في ضمن الحجة الثانية التي تقدمت وكأنكم يعجبكم التشييع بكره الباطل وجميع ما أجبناكم به هناك فهو الجواب ههنا بعينه فغاية هذا أنه تسلسل في الآثار لا في المؤثرات وتسلسل في الحوادث المستقبلة وذلك جائز بل واجب باتفاق المسلمين سوى قول حبهم والعلاف وغاية الأمر أن يكون في الحوادث(1\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "236",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11430",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما يراد لنفسه وفيها ما يراد لغيره والحكمة المطلوبة لنفسها لا تفتقر إلى أخرى تراد لأجلها وأن هذا الدليل لو صحت مقدماته وهيهات فإنما يدل على أن أفعاله تعالى لا يجب تعليلها ولا يلزم من ذلك أن لا يجوز تعليلها فنفي الوجوب شيء ونفي الجواز شيء فهب أنا سلمنا الأول فأين دليل الثاني وغايتها أنها تدل على عدم تعليل بعض الحوادث لا على عدم تعليل جميعها وبالجملة فما تقدم هناك مغزاها عن الإطالة في الأجوبة وسر المسألة أن دوام فاعليته في المستقبل متفق عليه والسلف على دوامها في الماضي وإنما خالف في ذلك كثير من أهل الكلام. فصل: قال نفاة الحكمة قد قام الدليل على أنه سبحانه خالق كل شيء فأي حكمة أو مصلحة في خلق الكفر والفسوق والعصيان وأي حكمة في خلق من علم أنه يكفر ويفسق ويظلم ويفسد الدنيا والدين وأي حكمة في خلق كثير من الجمادات التي وجودها وعدمها سواء وكذلك كثير من الأشجار والنبات والمعادن المعطلة والحيوانات المهملة بل العادية المؤذية وأي حكمة في خلق السموم والأشياء المضرة وأي حكمة في خلق إبليس والشياطين وإن كان في خلقهم حكمة فأي حكمة في بقائه إلى آخر الدهر وإماتة الرسل والأنبياء وأي حكمة في إخراج آدم وحواء من الجنة وتعريض الذرية لهذا البلاء العظيم وقد أمكن أن يكونوا في أعظم العافية وأي حكمة في إيلام الحيوانات وإن كان في إيلام المكلفين منها حكمة فما الحكمة في إيلام غير المكلف كالبهائم والأطفال والمجانين وأي حكمة له في خلقه خلقا يعذبهم بأنواع العذاب الدائم الذي لا ينقطع وأي حكمة في تسليط أعدائه على أوليائه يسومونهم سوء العذاب قتلا وأسرا وعقوبة واستبعادا وأي حكمة في تكليف الثقلين وتعريضهما بالتكليف لأنواع المشاق والعذاب قالوا ونحن والعقلاء نعلم علما ضروريا إن خلود أهل النار فيها فعل الله ونعلم ضرورة أنه لا فائدة في ذلك تعود إليه ولا إلى المعذبين ولا إلى غيرهم قالوا ويكفينا في ذلك مناظرة الأشعري لأبي هاشم الجبائي حين سأله عن ثلاثة إخوة مات أحدهم مسلما قبل البلوغ وبلغ الآخران فمات أحدهما مسلما والآخر كافرا فاجتمعوا عند رب العالمين فبلغ المسلم البالغ المرتبة العليا بعمله وإسلامه فقال أخوه يا رب هلا رفعتني إلى منزلة أخي المسلم فقال إنه عمل أعمالا لم تعملها فقال يا رب فهلا أحييتني حتى أعمل مثل عمله قال علمت أن موتك صغيرا خير لك إذ لو بلغت لكفرت فصاح الأخ الثالث من أطباق الجحيم وقال يا رب فهلا أمتني صغيرا قبل البلوغ كما فعلت بأخي فما جوابه قال فانقطع الشيخ ولم يذكر جوابا قال نفاة الحكمة وهذا قاطع في المسألة لا غبار عليه وقال تعالى: يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وقال: لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير  لا يسأل عما يفعل فرد الأمر إلى محض مشيئته وأخبر أن صدور الأشياء كلها عنها وقالوا وأصل ضلال الخلق هو طلب تعليل أفعال الرب كما قال شيخ الإسلام في تائيته: وأصل ضلال الخلق من كل فرقة ... هو الخوض في فعل الإله بعلة فإنهم لما طلبوا علة أفعاله فأعجزهم العلم بها افترقوا بعد ذلك فطائفة ردت الأمر إلى الطبيعة والأفلاك التزمت مكابرة الحس والعقل وقالوا أن أهل خلود النار في النار أنفع لهم وأصلح(1\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "237",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11431",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من كونهم في الجنة وأن إبقاء إبليس يغوي الخلق ويضلهم أنفع لهم من إماتته وإن إماتة الأنبياء أصلح للأمم من إبقائهم بينهم وأن تعذيب الأطفال خير لهم من رحمتهم إلى غير ذلك من المحالات التي قادهم إليها الخوض في تعليل أفعال من لا يسأل عما يفعل فلذلك قلنا أن الصواب القول بعدم التعليل وتخلصنا من الحبائل والإشراك التي وقعتم فيها قال أهل الحكمة ليست هذه الأسئلة والاعتراضات التي قد جئتم بها في حكمة أحكم الحاكمين بأقوى من الأسئلة والاعتراضات التي قدح بها أهل الإلحاد في وجوده سبحانه وقد أقاموا أربعين شبهة تنفي وجوده وكذلك اعتراضات المكذبين لرسله وقد حكيتم أنتم عنهم ثمانين اعتراضا وكذلك الاعتراضات التي قدح بها المعطلة في إثبات صفات كماله قد علمتم شأنها وكبرها وكذلك الاعتراضات التي نفي بها الجهمية علوه على خلقه واستواءه على عرشه وتكلمه بكتبه وتكليمه لعباده وقد علمتم الاعتراضات التي اعترض بها أهل الفلسفة على كونه خالقا للعالم في ستة أيام وعلى كونه يقيم الناس من قبورهم ويبعثهم إلى دار السعادة أو الشقاء ويبدل هذا العالم ويأتي بغيره واعتراضات هؤلاء وأسئلتهم أضعاف اعتراضات نفاة الحكمة وغايات أفعاله المقصودة وكذلك اعتراضات نفاة القدر وأسئلتهم إلى غير ذلك وقد اقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن أقام في هذا العالم لكل حق جاحدا ولكل صواب معاندا كما أقام لكل نعمة حاسدا ولكل شر رائدا وهذا من تمام حكمته الباهرة وقدرته القاهرة ليتم عليهم كلمته وينفذ فيهم مشيئته ويظهر فيهم حكمته ويقضي بينهم بحكمه ويفاضل بينهم بعلمه ويظهر فيهم آثار صفاته العليا وأسمائه الحسنى ويتبين لأوليائه وأعدائه يوم القيامة أنه لم يخل لحكمة ولم يخلق خلقه عبثا ولا يتركهم سدا وأنه لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا وأن له الحمد التام الكامل على جميع ما خلقه وقدره وقضاه وعلى ما أمر به ونهى عنه وعلى ثوابه وعقابه وأنه لم يضع من ذلك شيئا إلا في محله الذي لا يليق به سواه قال تعالى: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين وإذا تبين لأهل الموقف ونفذ فيهم قضاؤه الفصل وحكمه العدل نطق الكون أجمعه بحمده كما قال تعالى: قضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين وجواب هذه الأسئلة من وجوه أحدها أن الحكمة إنما تتعلق بالحدوث والوجود والكفر والشرور وأنواع المعاصي راجعة إلى مخالفة نهي الله ورسوله وترك ما أمر به وليس ذلك من متعلق الإيجاد في شيء ونحن إنما التزمنا أن ما فعله الله وأوجده فله فيه حكمة وغاية مطلوبة وأما ما تركه سبحانه ولم يفعله فإنه وإن كان إنما تركه لحكمة في ذلك فلم يدخل في كلامنا فلا يرد علينا وقد قيل أن الشر ليس إليه بوجه فإنه عدم الخير وأسبابه والعدم ليس بشيء كاسمه فإذا قلنا أن أفعال الرب تعالى واقعة وغاية محمودة لم يرد علينا تركه يوضحه الجواب الثاني وهو أنه سبحانه قد يترك ما لو خلقه لكان في خلقه له حكمة فيتركه لعدم محبته لوجوده أو لكون وجوده يضاد ما هو أحب أو لاستلزام وجوده فوات محبوب له آخر وعلى هذا فتكون حكمته في عدم خلقه أرجح من حكمته في خلقه والجمع بين الضدين مستحيل فرجح سبحانه أعلى الحكمتين بتفويت أدناهما وهذا غاية الحكمة فخلقه وأمره مبني على تحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة بتفويت المرجوحة التي لا يمكن الجمع بينها وبين تلك الراجحة وعلى دفع المفاسد(1\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "238",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11432",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخالصة أو الراجحة وإن وجدت المفاسد المرجوحة التي لا يمكن الجمع بين عدمها وعدم تلك الراجحة وخلاف هذا هو خلاف الحكمة والصواب الجواب الثالث أن يقال غاية ذلك انتفاء الحكمة في هذا النوع من المقدورات فيلزم من ذلك انتفاؤها في جميع خلقه وحكمه فهب أن هذا النوع لا حكمة فيه فمن أين يستلزم ذلك نفي الحكمة والغرض في كل شيء كيف وفيه من الحكم والغايات المحمودة ما هو معلوم لأهل البصائر الراسخين في العلم كما سننبه على ذلك منه إن شاء الله الجواب الرابع أنا لم ندع حكمة يجب أو يمكن اطلاع الخلق على تفاصيلها فإن حكمة الله أعظم وأجل من ذلك فما المانع من اشتمال ما ذكرتم من الصور وغيرها على الحكم حجة ينفرد الله بعلمها كما قال للملائكة وقد سألوه عن ذلك أني أعلم ما لا تعلمون فمن يقول بلزوم الحكمة لأفعاله وأحكامه مطلقا لا يوجب مشاركة خلقه له في العلم بها الجواب الخامس أن الله سبحانه ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله وله في جميع ما ذكرتم وغيره حكمة ليست من جنس الحكمة التي للمخلوقين كما أن فعله ليس مماثلا فعلهم ولا قدرته وإرادته ومشيئته ومحبته ورضاه وغضبه مماثلا لصفات المخلوقين الجواب السادس أن الحكمة تابعة للعلم والقدرة فمن كان أعلم وأقدر كانت أفعاله أحكم وأكمل والرب منفرد بكمال العلم والقدرة فحكمته بحسب علمه وقدرته كما تقدم تقريره فحكمته متعلقة بكل ما تعلق به علمه وقدرته الجواب السابع أن الأدلة القاطعة قد قامت على أنه حكيم في أفعاله وأحكامه فيجب القول بموجبها وعدم العلم بحكمته في الصور المذكورة لا يكون مسوغا لمخالفة تلك الأدلة القاطعة لا سيما وعدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم بعدمه الجواب الثامن أن كماله المقدس يمنع خلو هذه الصور التي تقصيتم عن الحكمة وكماله أيضا يأبى إطلاع خلقه على جميع حكمته فحكمته تمنع إطلاع خلقه على جميع حكمته بل الواحد منا لو أطلع غيره على جميع شأنه وأمره عد سفيها جاهلا وشأن الرب أعظم من أن يطلع كل واحد من خلقه على تفاصيل حكمته الجواب التاسع أنكم إما أن تعترفوا بأن له حكمة في شيء من خلقه وأمره أو تنكروا أن يكون له في شيء من خلقه وأمره حكمة فإن أنكرتم ذلك وما هو من الظالمين ببعيد كذبتم جميع كتب الله ورسوله والعقل والفطرة والحسن وكذبتم عقولكم قبل تكذيب العقلاء فإن جحد حكمة الله الباهرة في خلقه وأمره بمنزلة جحد الشمس والقمر والليل والنهار وغير مستنكر لكثير من الطوائف أهل الكلام المكابرة في جحد الضروريات وإن أقررتم بحكمة في بعض خلقه وأمره قيل لكم فأي الأمرين أولى به وجود تلك الحكمة أم عدمها فإن قلتم عدمها أولى من وجودها كان هذا غاية الكذب والبهت والمحال وإن قلتم وجودها أكمل قيل فهل هو قادر على تحصيلها في جميع خلقه وأحكامه أم غير قادر فإن قلتم غير قادر جئتم بالعظيمة في العقل والدين وانسلختم من عقولكم وأذهانكم وإن قلتم بل هو قادر على ذلك قيل فإذا كان قادرا على شيء وهو كمال في نفسه ووجوده خير من عدمه وهو أولى به فكيف يجوز نفيه عنه فإن قلتم إنما نفياه لأنا لم نطلع على حقيقته قيل صدقتم والله سائلكم في جميع ما تنفونه عن الله إنما مستندكم في نفيه عدم الاطلاع على حقيقته ولم تكتفوا بقبول قول الرسل فصرتم إلى النفي الجواب العاشر أن العقلاء قاطبة متفقون على أن الفاعل إذا فعل أفعالا ظهرت فيها حكمته ووقعت على أتم الوجوه وأوفقها للمصالح المقصودة بها ثم إذا رأوا أفعاله قد تكررت كذلك ثم جاءهم من أفعاله ما لا يعلمون وجه حكمته فيه لم يسعهم غير التسليم(1\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "239",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11433",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لما عرفوا من حكمته واستقر في عقولهم منها وردوا منها ما جهلوه إلى محكم ما علموه هكذا نجد أرباب كل صناعة مع أستاذهم حتى أن النفاة يسلكون هذا المسلك بعينه مع أئمتهم وشيوخهم فإذا جاءهم إشكال على قواعد أئمتهم ومذاهبهم قالوا هم أعلم منا وهم فوقنا في كل علم ومعرفة وحكمة ونحن معهم كالصبي مع معلمه وأستاذه فهلا سلكوا هذا السبيل مع ربهم وخالقهم الذي بهرت حكمته العقول وكان نسبتها إلى حكمته أولى من نسبة عين الخفاش إلى جرم الشمس ولو أن العالم الفاضل المبرز في علوم كثيرة أعرض على من لا يشاركه في صنعته ولا هو من أهلها وقدح في أوضاعها لخرج عن موجب العقل والعلم وعد ذلك نقصا وسفها فكيف بأحكم الحاكمين وأعلم العالمين وأقدر القادرين الجواب الحادي عشر أن الحكمة إنما تتم بخلق المتضادات والمتقابلات كالليل والنهار والعلو والسفل والطيب والخبيث والخفيف والثقيل والحلو والمر والبرد والألم واللذة والحياة والموت والداء والدواء فخلق هذه المتقابلات هو محل ظهور الحكمة الباهرة ومحل ظهور القدرة القاهرة والمشيئة النافذة والملك الكامل التام فتوهم تعطيل خلق هذه المتضادات تعطيل لمقتضيات تلك الصفات وأحكامها وآثارها وذلك عين المحال فإن لكل صفة من الصفات العليا حكما ومقتضيات وأثرا هو مظهر كمالها وإن كانت كاملة في نفسها لكن ظهور آثارها وأحكامها من كمالها فلا يجوز تعطيله فإن صفة القادر تستدعي مقدورا وصفة الخالق تستدعي مخلوقا وصفة الوهاب الرازق المعطي المانع الضار النافع المقدم المؤخر المعز المذل العفو الرءوف تستدعي آثارها وأحكامها فلو عطلت تلك الصفات عن المخلوق المرزوق المغفور له المرحوم المعفو عنه لم يظهر كمالها وكانت معطلة عن مقتضياتها وموجباتها فلو كان الخلق كلهم مطيعون عابدون حامدون لتعطل أثر كثير من الصفات العلى والأسماء الحسنى وكيف كان يظهر أثر صفة العفو والمغفرة والصفح والتجاوز والانتقام والعز والقهر والعدل والحكمة التي تنزل الأشياء منازلها وتضعها مواضعها فلو كان الخلق كلهم أمة واحدة لفاتت الحكم والآيات والعبر والغايات المحمودة في خلقهم على هذا الوجه وفات كمال الملك والتصرف فإن الملك إذا اقتصر تصرفه على مقدور واحد من مقدوراته فإما أن يكون عاجزا عن غيره فيتركه عجزا أو جاهلا بما في تصرفه في غيره من المصلحة فيتركه جهلا وأما أقدر القادرين وأعلم العالمين وأحكم الحاكمين فتصرفه في مملكته لا يقف على مقدور واحد لأن ذلك نقص في ملكه فالكمال كل الكمال في العطاء والمنع والخفض والرفع والثواب والعقاب والإكرام والإهانة والإعزاز والإذلال والتقديم والتأخير والضر والنفع وتخصيص هذا على هذا وإيثار هذا على هذا ولو فعل هذا كله بنوع واحد متماثل الأفراد لكان ذلك منافيا لحكمته وحكمته تأباه كل الإباء فإنه لا يفرق بين متماثلين ولا يسوى بين مختلفين وقد عاب على من يفعل ذلك وأنكر على من نسبه إليه والقرآن مملوء من عيبه على من يفعل ذلك فكيف يجعل له العبيد ما يكرهون ويضربون له مثل السوء وقد فطر الله عباده على إنكار ذلك من بعضهم على بعض وطعنهم على من يفعله وكيف يعيب الرب سبحانه من عباده شيئا ويتصف به وهو سبحانه إنما عابه لأنه نقص فهو أولى أن يتنزه عنه وإذا كان لا بد من ظهور آثار الأسماء والصفات ولا يمكن ظهور آثارها إلا في المتقابلات والمتضادات لم يكن في الحكمة بد من إيجادها إذ لو فقدت لتعطلت الأحكام بتلك الصفات وهو محال يوضحه الوجه الثاني عشر أن من أسمائه الأسماء المزدوجة(1\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "240",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11434",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كالمعز المذل والخافض الرافع والقابض الباسط والمعطي المانع ومن صفاته الصفات المتقابلة كالرضا والسخط والحب والبغض والعفو والانتقام وهذه صفات كمال وإلا لم يتصف بها ولم يتسم بأسمائها وإذا كانت صفات كمال فإما أن يتعطل مقتضاها وموجبها وذلك يستلزم تعطيلها في أنفسها وإما أن تتعلق بغير محلها الذي يليق بأحكامها وذلك نقص وعيب يتعالى عنه فيتعين تعلقها بمحالها التي تليق بها وهذا وحده كاف في الجواب لمن كان له فقه في باب الأسماء والصفات ولا غيره يغيره يوضحه الوجه الثالث عشر أن من أسمائه الملك ومعنى الملك الحقيقي ثابت له سبحانه بكل وجه وهذه الصفة تستلزم سائر صفات الكمال إذ من المحال ثبوت الملك الحقيقي التام لمن ليس له حياة ولا قدرة ولا إرادة ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا فعل اختياري يقوم به وكيف يوصف بالملك من لا يأمر ولا ينهى ولا يثيب ولا يعاقب ولا يعطي ولا يمنع ولا يعز ويذل ويهين ويكرم وينعم وينتقم ويخفض ويرفع ويرسل الرسل إلى أقطار مملكته ويتقدم إلى عبيده بأوامره ونواهيه فأي ملك في الحقيقة لمن عدم ذلك وهذا يبين أن المعطلين لأسمائه وصفاته جعلوا مماليكه أكمل منه ويأنف أحدهم أن يقال في أمره وملكه ما يقوله هو في ربه فصفة ملكية الحق مستلزمة لوجود ما لا يتم التصرف إلا به والكل منه سبحانه فلم يتوقف كمال ملكه على غيره فإن كل ما سواه مسند إليه متوقف في وجوده على مشيئته وخلقه يوضحه الوجه الرابع عشر أن كمال ملكه بأن يكون مقارنا بحمده فله الملك وله الحمد والناس في هذا المقام ثلاث فرق فالرسل وأتباعهم أثبتوا له الملك والحمد وهذا مذهب من أثبت له القدر والحكمة وحقائق الأسماء والصفات ونزهه عن النقائص ومشابهة المخلوقات ويوحشك في هذا المقام جميع الطوائف غير أهل السنة الذين لم يتحيزوا إلى نحلة ولا مقالة ولا متبوع من أهل الكلام الفرقة الثانية الذين أثبتوا له الملك وعطلوا حقيقة الحمد وهم الجبرية نفاة الحكمة والتعليل القائلين بأنه يجوز عليه كل ممكن ولا ينزه عن فعل قبيح بل كل ممكن فإنه لا يقبح منه وإنما القبيح المستحيل لذاته كالجمع بين النقيضين فيجوز عليه تعذيب ملائكته وأنبيائه ورسله وأهل طاعته وإكرام إبليس وجنوده وجعلهم فوق أوليائه في النعيم المقيم أبدا ولا سبيل لنا إلى العلم باستحالة ذلك إلا من نفى الخلف في خبره فقط فيجوز أن يأمر بمشيئته ومشيئة أنبيائه والسجود للأصنام وبالكذب والفجور وسفك ونهب الأموال وينهى عن البر والصدق والإحسان والعفاف ولا فرق في نفس الأمر بين ما أمر به ونهى عنه إلا التحكم بمحض المشيئة وأنه أمر بهذا ونهى عن هذا من غير أن يكون فيما أمر به صفة حسن تقتضي محبته والأمر به ولا فيما نهى عنه صفة قبح تقتضي كراهته والنهي عنه فهؤلاء عطلوا حمده في الحقيقة وأثبتوا له ملكا بلا حمد مع أنهم في الحقيقة لم يثبتوا له ملكا فإنهم جعلوه معطلا في الأزل والأبد لا يقوم به فعل البتة وكثير منهم عطله عن صفات الكمال التي لا يتحقق كونه ملكا وربا وإلها إلا بها فلا ملكا أثبتوا ولا حمدا الفرقة الثالثة أثبتوا له نوعا من الحمد وعطلوا كمال ملكه وهم القدرية الذين أثبتوا نوعا من الحكمة ونفوا لأجلها كمال قدرته فحافظوا على نوع من الحمد عطلوا له كمال الملك وفي الحقيقة لم يثبتوا لا هذا ولا هذا فإن الحكمة التي أثبتوها جعلوها راجعة إلى المخلوق لا يعود إليه سبحانه حكمها والملك الذي أثبتوه فإنهم في الحقيقة إنما قرروا نفيه لنفي قيام الصفات التي لا يكون ملكا حقا إلا بها ونفي قيام الأفعال(1\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "241",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11435",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاختيارية فلم يقم به عندهم وصف ولا فعل ولا له إرادة ولا كلام ولا سمع ولا بصر ولا فعل ولا له حب ولا بغض معطل عن حقيقة الملك والحمد والمقصود أن عموم ملكه يستلزم إثبات القدر وأن لا يكون في ملكه شيء بغير مشيئته فالله أكبر من ذلك وأجل وعموم حمده يستلزم أن لا يكون في خلقه وأمره ما لا حكمة فيه ولا غاية محمودة يفعل لأجلها ويأمر لأجلها فالله أكبر وأجل من ذلك يوضحه الوجه الخامس عشر أن مجرد الفعل من غير قصد ولا حكمة ولا مصلحة يقصده الفاعل لأجلها لا يكون متعلقا للحمد فلا يحمد عليه حتى لو حصلت به مصلحة من غير قصد الفاعل لحصولها لم يستحق الحمد عليها كما تقدم تقريره بل الذي يقصد الفعل لمصلحة وحكمة وغاية محمودة وهو عاجز عن تنفيذ مراده أحق بالحمد من قادر لا يفعل لحكمة ولا لمصلحة ولا لقصد الإحسان هذا المستقر في فطر الخلق والرب سبحانه حمده قد ملأ السماوات والأرض وما بينهما وما بعد ذلك فملأ العالم العلوي والسفلي والدنيا والآخرة ووسع حمده ما وسع علمه فله الحمد التام على جميع خلقه ولا حكم يحكم إلا بحمده ولا قامت السماوات والأرض إلا بحمده ولا يتحول شيء في العالم العلوي والسفلي من حال إلى حال إلا بحمده ولا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار إلا بحمده كما قال الحسن رحمة الله عليه: quot;لقد دخل أهل النار النار وأن حمده لفي قلوبهم ما وجدوا عليه سبيلاquot; وهو سبحانه إنما أنزل الكتاب بحمده وأرسل الرسل بحمده وأمات خلقه بحمده ويحييهم بحمده ولهذا حمد نفسه على ربوبيته الشاملة لذلك كله فالحمد لله رب العالمين وحمد نفسه على إنزال كتبه فالحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب وحمد نفسه على خلق السماوات والأرض: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور وحمد نفسه على كمال ملكه: الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير فحمد ملأ الزمان والمكان والأعيان وعم الأقوال كلها: فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون وكيف لا يحمد على خلقه كله وهو الذي أحسن كل شيء خلقه وعلى صنعه وقد أتقنه: صنع الله الذي أتقن كل شيء وعلى أمره وكله حكمة ورحمة وعدل ومصلحة وعلى نهيه وكل ما نهى عنه شر وفساد وعلى ثوابه وكله رحمة وإحسان وعلى عقابه وكله عدل وحق فلله الحمد كله وله الملك كله وبيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله والمقصود أنه كلما كان الفاعل أعظم حكمة كان أعظم حمدا وإذا عدم الحكمة ولم يقصدها بفعله وأمره عدم الحمد الوجه السادس عشر أنه سبحانه يجب أن يشكر ويحب أن يشكر عقلا وشرعا وفطرة فوجوب شكره أظهر من وجوب شكره أظهر من وجوب كل واجب وكيف لا يجب على العباد حمده وتوحيده ومحبته وذكر آلائه وإحسانه وتعظيمه وتكبيره والخضوع له والتحدث بنعمته والإقرار بها بجميع طرق الوجوب فالشكر أحب شيء إليه وأعظم ثوابا وأنه خلق الخلق وأنزل الكتب وشرع الشرائع وذلك يستلزم خلق الأسباب التي يكون الشكر بها أكمل ومن جملتها أن فاوت بين عباده في صفاتهم الظاهرة والباطنة في خلقهم وأخلاقهم وأديانهم وأرزاقهم ومعايشهم وآجالهم فإذا رأى المعافى المبتلى والغني الفقير والمؤمن الكافر عظم شكره لله وعرف قدر نعمته عليه وما خصه به وفضله به على غيره فازداد شكرا وخضوعا واعترافا بالنعمة وفي أثر ذكره الإمام أحمد في الزهد: quot;أن موسى قال يا رب هلا سويت بين عبادك قال إني أحببت أن أشكرquot; فإن قيل فقد كان(1\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "242",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11436",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من الممكن أن يسوى بينهم في النعم ويسوى بينهم في الشكر كما فعل بالملائكة قيل لو فعل ذلك لكان الحاصل من الشكر نوع آخر غير النوع الحاصل منه على هذا الوجه والشكر الواقع على التفضيل والتخصيص أعلى وأفضل من غيره ولهذا كان شكر الملائكة وخضوعهم وذلهم لعظمته وجلاله بعد أن شاهدوا من إبليس ما جرى له ومن هاروت وماروت ما شاهدوه أعلى وأكمل مما كان قبله وهذه حكمة الرب ولهذا كان شكر الأنبياء وأتباعهم بعد أن عاينوا هلاك أعدائهم وانتقام الرب منهم وما أنزل بهم من بأسه أعلى وأكمل وكذلك شكر أهل الجنة في الجنة وهم يشاهدون أعداءه المكذبين لرسله المشركين به في ذلك العذاب فلا ريب أن شكرهم حينئذ ورضاهم ومحبتهم لربهم أكمل وأعظم مما لو قدر اشتراك جميع الخلق في النعيم فالمحبة الحاصلة من أوليائه له والرضا والشكر وهم يشاهدون بين جنسهم في ضد ذلك من كل وجه أكمل وأتم فالضد يظهر حسنه الضد وبضدها تتبين الأشياء ولولا خلق القبيح لما عرفت فضيلة الجمال والحسن ولولا خلق الظلام لما عرفت فضيلة النور ولولا خلق أنواع البلاء لما عرف قدر العافية ولولا الجحيم لما عرف قدر الجنة ولو جعل الله سبحانه النهار سرمدا لما عرف قدره ولو جعل الليل سرمدا لما عرف قدره وأعرف الناس بقدر النعمة من ذاق البلاء وأعرفهم بقدر الفقر من قاسى مرائر الفقر والحاجة ولو كان الناس كلهم على صورة واحدة من الجمال لما عرف قدر الجمال وكذلك لو كانوا كلهم مؤمنين لما عرف قدر الإيمان والنعمة به فتبارك من له في خلقه وأمره الحكم البوالغ والنعم السوابغ يوضحه الوجه السابع عشر أنه سبحانه يجب أن يعبد بأنواع العبودية ومن أعلاها وأجلها عبودية الموالاة فيه والمعاداة فيه والحب فيه والبغض فيه والجهاد في سبيله وبذل مهج النفوس في مرضاته ومعارضة أعدائه وهذا النوع هو ذروة سنام العبودية وأعلى مراتبها وهو أحب أنواعها إليه وهو موقوف على ما لا يحصل بدونه من خلق الأرواح التي تواليه وتشكره وتؤمن به والأرواح التي تعاديه وتكفر به ويسلط بعضها على بعض لتحصل بذلك محابه على أتم الوجوه وتقرب أوليائه إليه لجهاد أعدائه ومعارضتهم فيه وإذلالهم وكبتهم ومخالفة سبيلهم فتعلو كلمته ودعوته على كلمة الباطل ودعوته ويتبين بذلك شرف علوها وظهورها ولو لم يكن للباطل والكفر والشرك وجود فعلي أي شيء كانت كلمته ودعوته تعلو فإن العلو أمر لشيء يستلزم غالبا ما يعلى عليه وعلو الشيء على نفسه محال والوقوف على الشيء لا يحصل بدونه يوضحه الوجه الثامن عشر أن من عبوديته العتق والصدقة والإيثار والمواساة والعفو والصفح والصبر وكظم الغيظ واحتمال المكاره ونحو ذلك مما لا يتم إلا بوجود متعلقه وأسبابه فلولا لم تحصل عبودية العتق فالرق من أثر الكفر ولولا الظلم والإساءة والعدوان لم تحصل عبودية الصبر والمغفرة وكظم الغيظ ولولا الفقر والحاجة لم تحصل عبودية الصدقة والإيثار والمواساة فلو سوى بين خلقه جميعهم لتعطلت هذه العبوديات التي هي أحب شيء إليه ولأجلها خلق الجن والإنس ولأجلها شرع الشرائع وأنزل الكتب وأرسل الرسل وخلق الدنيا والآخرة وكما أن ذلك من صفات كماله فلو لم يقدر الأسباب التي يحصل بها ذلك لغاب هذا الكمال وتعطلت أحكام تلك الصفات كما مر توضيحه الوجه التاسع عشر أنه سبحانه يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه أعظم فرح يقدر أو يخطر ببال أو يدور في خلد وحصول هذا الفرح موقوف على التوبة الموقوفة على وجود ما يتاب منه(1\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "243",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11437",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما يتوقف عليه الشيء لا يوجد بدونه فإن وجود الملزوم بدون لازمه محال ولا ريب أن وجود الفرح أكمل من عدمه فمن تمام الحكمة تقدير أسبابه ولوازمه وقد نبه أعلم الخلق بالله على هذا المعنى بعينه حيث يقول في الحديث الصحيح: quot;لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهمquot; فلو لم يقدر الذنوب والمعاصي فلمن يغفر وعلى من يتوب وعمن يعفو ويسقط حقه ويظهر فضله وجوده وحلمه وكرمه وهو واسع المغفرة فكيف يعطل هذه الصفة أم كيف يتحقق بدون ما يغفر ومن يغفر له ومن يتوب وما يتاب عنه فلو لم يكن في تقدير الذنوب والمعاصي والمخالفات إلا هذا وحده لكفى به حكمة وغاية محمودة فكيف والحكم والمصالح والغايات المحمودة التي في ضمن هذا التقدير فوق ما يخطر بالبال وكان بعض العباد يدعو في طوافه اللهم اعصمني من المعاصي ويكرر ذلك فقيل له في المنام أنت سألتني العصمة وعبادي يسألوني العصمة فإذا عصمتكم من الذنوب فلمن أغفر وعلى من أتوب وعمن أعفو ولو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه يوضحه الوجه العشرون أنه قد يترتب على خلق من يكفر به ويشرك به ويعاديه من الحكم الباهرة والآيات الظاهرة ما لم يكن يحصل بدون ذلك فلولا كفر قوم نوح لما ظهرت آية الطوفان وبقيت يتحدث بها الناس على ممر الزمان ولولا كفر عاد لما ظهرت آية الريح العقيم التي دمرت ما مرت عليه ولولا كفر قوم صالح لما ظهرت آية إهلاكهم بالصيحة ولا كفر فرعون لما ظهرت تلك الآيات والعجائب يتحدث بها الأمم أمة بعد أمة واهتدى من شاء الله فهلك بها من هلك عن بينه وحي بها من حي عن بينة وظهر بها فضل الله وعدله وحكمته وآيات رسله وصدقهم فمعارضة الرسل وكسر حججهم ودحضها والجواب عنها وإهلاك الله لهم من أعظم أدلة صدقهم وبراهينه ولولا مجيء المشركين بالحد والحديد والعدد والشوكة يوم بدر لما حصلت تلك الآية العظيمة التي يترتب عليها من الإيمان والهدى والخير ما لم يكن حاصلا مع عدمها وقد بينا أن الموقوف على الشيء لا يوجد بدونه ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع فلله كم عمرت قصة بدر من ربع أصبح آهلا بالإيمان وقد فتحت لأولي النهى من باب وصلوا منه إلى الهدى والإيقان وكم حصل بها من محبوب للرحمن وغيظ للشيطان وتلك المفسدة التي حصلت في ضمنها للكفار مغمورة جدا بالنسبة إلى مصالحها وحكمها وهي كمفسدة المطر إذا قطع المسافر وبل الثياب وخرب بعض البيوت بالنسبة إلى مصلحة العامة وتأمل ما حصل بالطوفان وغرق آل فرعون للأمم من الهدى والإيمان الذي غمر مفسدة من هلك به حتى تلاشت في جنب مصلحته وحكمته فكم لله من حكمة في آياته التي ابتلى بها أعداءه وأكرم فيها أولياءه وكم له فيها من آية وحجة وتبصرة وتذكرة ولهذا أمر سبحانه رسوله أن يذكر بها أمته فقال تعالى: ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم فذكرهم بأيامه وإنعامه ونجاتهم من عدوهم وإهلاكهم وهم ينظرون فحصل بذلك من ذكره وشكره ومحبته وتعظيمه وإجلاله ما تلاشت فيه مفسدة إهلاك الأبناء وذبحهم واضمحلت فإنهم صاروا إلى النعيم وخلصوا من مفسدة العبودية لفرعون إذ كبروا وسومهم له سوء العذاب وكان الألم الذي(1\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "244",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11438",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذاقه الأبوان عند الذبح أيسر من الآلام التي كانوا تجرعوها باستعباد فرعون وقومه لهم بكثير فحظي بذلك الآباء والأبناء وأراد سبحانه أن يرى عباده ما هو من أعظم آياته وهو أن يربي هذا المولود الذي ذبح فرعون ما شاء الله من الأولاد في طلبه في حجر فرعون وفي بيته وعلى فراشه فكم في ضمن هذه الآية من حكمة ومصلحة ورحمة وهداية وتبصرة وهي موقوفة على لوازمها وأسبابها ولم تكن لتوجد بدونها فإنه ممتنع فمصلحة تلك الآية وحكمتها غمرت مفسدة ذبح الأبناء وجعلتها كأن لم تكن وكذلك الآيات التي أظهرها سبحانه على يد الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم والعجائب والحكم والمصالح والفوائد التي في تلك القصة التي تزيد على الألف لم تكن لتحصل بدون ذلك السبب الذي كان فيه مفسدة حزونة يعقوب ويوسف ثم انقلبت تلك المفسدة مصالح اضمحلت في جنبها تلك المفسدة بالكلية وصارت سببا لأعظم المصالح في حقه وحق يوسف وحق الإخوة وحق امرأة العزيز وحق أهل مصر وحق المؤمنين إلى يوم القيامة فكم جنى أهل المعرفة بالله وأسمائه وصفاته ورسله من هذه القصة من ثمرة وكم استفادوا بها من علم وحكمة وتبصرة وكذلك المفسدة التي حصلت لأيوب من مس الشيطان به بنصب وعذاب اضمحلت وتلاشت في جنب المصلحة والمنفعة التي حصلت له ولغيره عند مفارقة البلاء وتبدله بالنعماء بل كان ذلك السبب المكروه هو الطريق الموصل إليها والشجرة التي جنيت ثمار تلك النعم منها وكذلك الأسباب التي أوصلت خليل الرحمن إلى أن صارت النار عليه بردا وسلاما من كفر قومه وشركهم وتكسيره أصنامهم وغضبهم لها وإيقاد النيران العظيمة له وإلقائه فيها بالمنجنيق حتى وقع في روضة خضراء في وسط النار وصارت آية وحجة وعبرة ودلالة للأمم قرنا بعد قرن فكم لله سبحانه في ضمن هذه الآية من حكمة بالغة ونعمة سابغة ورحمة وحجة وبينة لو تعطلت تلك الأسباب لتعطلت هذه الحكم والمصالح والآيات وحكمته وكماله المقدس يأبى ذلك وحصول الشيء بدون لازمه ممتنع وكم بين ما وقع من المفاسد الجزئية في هذه القصة وبين جعل صاحبها إماما للحنفاء إلى يوم القيامة وهل تلك المفاسد الجزئية إلا دون مفسدة الحر والبرد والمطر والثلج بالنسبة إلى مصالحها بكثير ولكن الإنسان كما قال الله تعالى: ظلوما جهولا ظلوم لنفسه جهول بربه وعظمته وجلاله وحكمته وإتقان صنعه وكم بين إخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة على تلك الحال ودخوله إليها ذلك الدخول الذي لم يفرح به بشر حبورا لله وقد اكتنفه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله والمهاجرون والأنصار قد أحدقوا به والملائكة من فوقهم والوحي من الله ينزل عليه وقد أدخله حرمه ذلك الدخول فأين مفسدة ذلك الإخراج الذي كان كأن لم يكن ولولا معارضة السحرة لموسى بإلقاء العصي والحبال حتى أخذوا أعين الناس واسترهبوهم لما ظهرت آية عصا موسى حتى ابتلعت عصيهم وحبالهم ولهذا أمرهم موسى أن يلقوا أولا ثم يلقي هو بعدهم ومن تمام ظهور آيات الرب تعالى وكمال اقتداره وحكمته أن يخلق مثل جبريل صلوات الله وسلامه عليه الذي هو أطيب الأرواح العلوية وأزكاها وأطهرها وأشرفها وهو السفير في كل خير وهدى وإيمان وصلاح ويخلق مقابله مثل روح اللعين إبليس الذي هو أخبث الأرواح وأنجسها وشرها وهو الداعي إلى كل شر وأصله ومادته وكذلك من تمام قدرته وحكمته أن خلق الضياء والظلام والأرض والسماء والجنة والنار(1\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "245",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11439",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسدرة المنتهى وشجرة الزقوم وليلة القدر وليلة الوباء والملائكة والشياطين والمؤمنين والكفار والأبرار والفجار والحر والبرد والداء والدواء والآلام واللذات والأحزان والمسرات واستخرج سبحانه من بين ما هو من أحب الأشياء إليه من أنواع العبوديات والتعرف إلى خلقه بأنواع الدلالات ولولا خلق الشياطين والهوى والنفس الأمارة لما حصلت عبودية الصبر ومجاهدة النفس والشيطان ومخالفتهما وترك ما يهواه العبد ويحبه لله فإن لهذه العبودية شأنا ليس لغيرها ولولا وجود الكفار لما حصلت عبودية الجهاد ولما نال أهله درجة الشهادة ولما ظهر من يقدم محبة فاطره وخالقه على نفسه وأهله وولده ومن يقدم أدنى حظ من الحظوظ عليه فأين صبر الرسل وأتباعهم وجهادهم وتحملهم لله أنواع المكاره والمشاق وأنواع العبودية المتعلقة بالدعوة وإظهارها لولا وجود الكفار وتلك العبودية تقتضي علمه وفضله وحكمته ويستخرج منه حمده وشكره ومحبته والرضا عنه يوضحه الوجه الحادي والعشرون أنه قد استقرت حكمته سبحانه أن السعادة والنعيم والراحة لا يوصل إليها إلا على جسر المشقة والتعب ولا يدخل إليها إلا من باب المكاره والصبر وتحمل المشاق ولذلك حف الجنة بالمكاره والنار بالشهوات ولذلك أخرج صفيه آدم من الجنة وقد خلقها له واقتضت حكمته أن لا يدخلها دخول استقرار إلا بعد التعب والنصب فما أخرجه منها إلا ليدخله إليها أتم دخول فلله كم بين الدخول الأول والدخول الثاني من التفاوت وكم بين دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في جواد المطعم بن عدي ودخوله إليها يوم الفتح وكم بين راحة المؤمنين ولذتهم في الجنة بعد مقاساة ما قبلها وبين لذتهم لو خلقوا فيها وكم بين فرحة من عافاه بعد ابتلائه وأغناه بعد فقره وهداه بعد ضلاله وجمع قلبه بعد شتاته وفرحة من لم يذق تلك المرارات وقد سبقت الحكمة الإلهية أن المكاره أسباب اللذات والخيرات كما قال تعالى: تب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون . وربما كان مكروه النفوس إلى ... محبوبها سببا ما مثله سبب يوضحه الوجه الثاني والعشرون أن العقلاء قاطبة متفقون على استحسان أتعاب النفوس في تحصيل كمالاتها من العلم والعمل الصالح والأخلاق الفاضلة وطلب محمدة من ينفعهم حمده وكل من كان أتعب في تحصيل ذلك كان أحسن حالا وأرفع قدرا وكذلك يستحسنون أتعاب النفوس في تحصيل الغنى والعز والشرف ويذمون القاعد عن ذلك وينسبونه إلى دناءة الهمة وخسة النفس وضعة القدر: دع المكارم لا تنهض لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي وهذا التعب والكد يستلزم آلاما وحصول مكاره ومشاق هي الطريق إلى تلك الكمالات ولم يقدحوا بتحمل تلك في حكمة من يحملها ولا يعدونه عائبا بل هو العقل الوافر ومن أمر غيره به فهو حكيم في أمره ومن نهاه عن ذلك فهو سفيه عدو له هذا في مصالح المعاش فكيف بمصالح الحياة الأبدية الدائمة والنعيم المقيم كيف لا يكون الآمر بالتعب القليل في الزمن اليسير الموصل إلى الخير الدائم حكيما رحيما محسنا ناصحا لمن يأمره وينهاه عن ضده من الراحة واللذة التي تقطعه عن كماله ولذته ومسرته الدائمة هذا إلى ما في أمره ونهيه من المصالح العاجلة التي بها سعادته وفلاحه وصلاحه ونهيه عما فيه(1\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "246",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11440",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مضرته وعطبه وشقاوته فأوامر الرب تعالى رحمة وإحسان وشفاء ودواء وغذاء للقلوب وزينة للظاهر والباطن وحياة للقلب والبدن وكم في ضمنه من مسرة وفرحة ولذة وبهجة ونعيم وقرة عين فما يسميه هؤلاء تكاليف إنما هو قرة العيون وبهجة النفوس وحياة القلوب ونور العقول وتكميل للفطر وإحسان تام إلى النوع الإنساني أعظم من إحسانه إليه بالصحة والعافية والطعام والشراب واللباس فنعمته على عباده بإرسال الرسل إليهم وإنزال كتبه عليهم وتعريفهم أمره ونهيه وما يحبه وما يبغضه أعظم النعم وأجلها وأعلاها وأفضلها بل لا نسبة لرحمتهم بالشمس والقمر والغيث والنبات إلى رحمتهم بالعلم والإيمان والشرائع والحلال والحرام فكيف يقال أي حكمة في ذلك وإنما هو مجرد مشقة ونصب بغير فائدة فوالله أن من زعم ذلك وظنه في أحكم الحاكمين لأضل من الأنعام وأسوأ حالا من الحمير ونعوذ بالله من الخذلان والجهل بالرحمن وأسمائه وصفاته وهل قامت مصالح الوجود إلا بالأمر والنهي وإرسال الرسل وإنزال الكتب ولولا ذلك لكان الناس بمنزلة البهائم يتهارجون في الطرقات ويتسافدون تسافد الحيوانات لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا ولا يمتنعون من قبيح ولا يهتدون إلى صواب وأنت ترى الأمكنة والأزمنة التي خفيت فيها آثار النبوة كيف حال أهلها وما دخل عليهم من الجهل والظلم والكفر بالخالق والشرك بالمخلوق واستحسان القبائح وفساد العقائد والأعمال فإن الشرائع بتنزيل الحكيم العليم أنزلها وشرعها الذي يعلم ما في ضمنها من مصالح العباد في المعاش والمعاد وأسباب سعادتهم الدنيوية والأخروية فجعلها غذاء ودواء وشفاء وعصمة وحصنا وملجأ وجنة ووقاية وكانت بالقياس إلى مصالح الأبدان بمنزلة حكيم عالم ركب للناس أمرا يصلح لكل مرض ولكل ألم وجعله مع ذلك غذاء للأصحاء فمن يغذي به من الأصحاء غذاه ومن يداوي به من المرض شفاه وشرائع الرب تعالى فوق ذلك وأجل منه وإنما هو تمثيل وتقريب فلا أحسن من أمره ونهيه وتحليله وتحريمه أمره قوت وغذاء وشفاء ونهيه حمية وصيانة فلم يأمر عباده بما أمرهم به حاجة منه إليهم ولا عبثا بل رحمة وإحسانا ومصلحة ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا منه بخلا عليهم بل حماية وصيانة عما يؤذيهم ويعود عليهم بالضرر إن تناولوه فكيف يتوهم من له مسكة من عقل خلوها من الحكم والغايات المحمودة المطلوبة لأجلها ولهذا استدل كثير من العقلاء على النبوة بنفس الشريعة واستغنوا بها عن طلب المعجزة وهذا من أحسن الاستدلال فإن دعوة الرسل من أكبر شواهد صدقهم وكل من له خبرة بنوع من أنواع العلوم إذا رأى حاذقا قد صنف فيه كتابا جليلا عرف أنه من أهل ذلك العلم بنظره في كتابه وهكذا كل من له عقل وفطرة سليمة وخبرة بأقوال الرسل ودعوتهم إذا نظر في هذه الشريعة قطع قطعا نظير القطع بالمحسوسات أن الذي جاء بهذه الشريعة رسول صادق وأن الذي شرعها أحكم الحاكمين ولقد شهد لها عقلاء الفلاسفة بالكمال والتمام وأنه لم يطرق العالم ناموس أكمل ولا أحكم هذه شهادة الأعداء وشهد لها من زعم أنه من الأولياء بأنها لم تشرع لحكمة ولا لمصلحة وقالوا أي حكمة في الإلزام بهذه التكاليف الشاقة المتعبة وأي مصلحة للمكلف في ذلك وأي غرض للمكلف وما هي إلا محض المشيئة المجردة من قصد غاية أو حكمة ولو استحي هؤلاء من العقلاء لمنعهم الحياء من تسويد القلوب والأوراق بمثل ذلك وهل تركت الشريعة خيرا ومصلحة إلا جاءت به وأمرت به وندبت إليه وهل تركت شرا ومفسدة إلا نهت عنه وهل تركت لمفرح أفراحا(1\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "247",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11441",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو لمتعنت تعنتا أو لسائل مطلبا فمن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون وعند نفاة الحكم أنه يجوز عليه ضد ذلك الحكم من كل وجه وأنه لا فرق بينه وبين ضده في نفس الأمر إلا لمجرد التحكم والمشيئة فلوا اجتمعت حكمة جميع الحكماء من أول الدهر إلى آخره ثم قيست إلى حكمة هذه الشريعة الكاملة الحكيمة الفاضلة لكانت كقطرة من بحر وإنما نعني بذلك الشريعة التي أنزلها الله على رسوله وشرعها للأمة ودعاهم إليها لا الشريعة المبدلة ولا المؤولة ولا ما غلط فيه الغالطون وتأوله المتأولون فإن هذين النوعين قد يشتملان على فساد وشر بل الشر والفساد الواقع بين الأمة من هاتين الشريعتين اللتين نسبتا إلى الشريعة المنزلة من عند الله عمدا أو خطأ وإلا فالشريعة على وجهها خير محض ومصلحة من كل وجه ورحمة وحكمة ولطف بالمكلفين وقيام مصالحهم بها فوق قيام مصالح أبدانهم بالطعام والشراب فهي مكملة للفطر والعقول مرشدة إلى ما يحبه الله ويرضاه ناهية عما يبغضه ويسخطه مستعملة لكل قوة وعضو حركة في كماله الذي لا كمال له سواه آمرة بمكارم الأخلاق ومعاليها ناهية عن دنيئها وسفسافها واختصار ذلك أنه شرع استعمال كل قوة وكل عضو وكل حركة في كمالها ولا سبيل إلى معرفة كمالها على الحقيقة إلا بالوحي فكانت الشرائع ضرورية في مصالح الخلق وضرورتها له فوق كل ضرورة تقدر فهي أسباب موصلة إلى سعادة الدارين ورأس الأسباب الموصلة إلى حفظ صحة البدن وقوته واستفراغ أخلاطه ومن لم يتصور الشريعة على هذه الصورة فهو من أبعد الناس عنها وقد جعل الحكيم العليم لكل قوة من القوى ولكل حاسة من الحواس ولكل عضو من الأعضاء كمالا حسيا وكمالا معنويا وفقد كماله المعنوي شر من فقد كماله الحسي فكماله المعنوي بمنزلة الروح والحسي بمنزلة الجسم فأعطاه كماله الحسي خلقا وقدرا وأعطاه كماله المعنوي شرعا وأمرا فبلغ بذلك غاية السعادة والانتفاع بنفسه فلم يدع للإحسان إليه والاعتناء بمصالحه وإرشاده إليها وإعانته على تحصيلها إفراحا يفرحه ولا شفاء يطلبه بل أعطاه من ذلك ما لم يصل إليه إفراحه ولا تدرك معرفته ويكفي العاقل البصير الحي القلب فكرة في فرع واحد من فروع الأمر والنهي وهو الصلاة وما اشتملت عليه من الحكم الباهرة والمصالح الباطنة والظاهرة والمنافع المتصلة بالقلب والروح والبدن والقوى التي لو اجتمع حكماء العالم قاطبة واستفرغوا قواهم وأذهانهم لما أحاطوا بتفاصيل حكمها وأسرارها وغاياتها المحمودة بل انقطعوا كلهم دون أسرار الفاتحة وما فيها من المعارف الإلهية والحكم الربانية والعلوم النافعة والتوحيد التام والثناء على الله بأصول أسمائه وصفاته وذكر أقسام الخلقة باعتبار غاياتهم ووسائلهم وما في مقدماتها وشروطها من الحكم العجيبة من تطهير الأعضاء والثياب والمكان وأخذ الزينة واستقبال بيته الذي جعله إماما للناس وتفريغ القلب وإخلاص النية وافتتاحها بكلمة جامعة لمعاني العبودية دالة على أصول الثناء وفروعه مخرجة من القلب الالتفات إلى ما سواه والإقبال على غيره فيقدم بقلبه الوقوف بين يدي عظيم جليل أكبر من كل شيء وأجل من كل شيء وأعظم من كل شيء بلا سبب في كبريائه السماوات وما أظلت والأرض وما أقلت والعوالم كلها عنت له الوجوه وخضعت له الرقاب وذلت له الجبابرة قاهر عباده ناظر إليهم عالم بما تكن صدورهم يسمع كلامهم ويرى مكانهم لا يخفى عليه خافية من أمرهم ثم أخذ في تسبيحه وحمده وذكر تبارك اسمه وتعالى جده وتفرده بالإلهية ثم أخذ في الثناء عليه بأفضل ما يثنى عليه به من حمده وذكر ربوبيته للعالم وإحسانه إليهم(1\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "248",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11442",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورحمته بهم وتمجيده بالملك الأعظم في اليوم الذي لا يكون فيه ملك سواه حتى يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد ويدينهم بأعمالهم ثم إفراده بنوعي التوحيد توحيد ربوبيته استعانة به وتوحيد إلهيته عبودية له ثم سؤاله أفضل مسئول وأجل مطلوب على الإطلاق وهو هداية الصراط المستقيم الذي نصبه لأنبيائه ورسله وأتباعهم وجعله صراطا موصلا لمن سلكه إليه وإلى جنته وأنه صراط من اختصهم بنعمته بأن عرفهم الحق وجعلهم متبعين له دون صراط أمة الغضب الذي عرفوا الحق ولم يتبعوه وأهل الضلال الذين ضلوا عن معرفته واتباعه فتضمنت تعريف الرب والطريق الموصل إليه والغاية بعد الوصول وتضمنت الثناء والدعاء وأشرف الغايات وهي العبودية وأقرب الوسائل إليها وهي الاستعانة مقدما فيها على الوسيلة والمعبود المستعان على الفعل إيذانا لاختصاصه وإن ذلك لا يصلح إلا له سبحانه وتضمنت ذكر الإلهية والربوبية والرحمة فيثنى عليه ويعبد بإلهيته ويخلق ويرزق ويميت ويحيى ويدبر الملك ويضل من يستحق الإضلال ويغضب على من يستحق الغضب بربوبيته وحكمته وينعم ويرحم ويجود ويعفو ويغفر ويهدي ويتوب برحمته فلله كم في هذه السورة من أنواع المعارف والعلوم والتوحيد وحقائق الإيمان ثم يأخذ بعد ذلك في تلاوة ربيع القلوب وشفاء الصدور ونور البصائر وحياة الأرواح وهو كلام رب العالمين فيحل به في ما شاء من روضات مونقات وحدائق معجبات زاهية أزهارها مونقة ثمارها قد ذللت قطوفها تذليلا وسهلت لمتناولها تسهيلا فهو يجتني من تلك الثمار خيرا يؤمر به وشرا ينهى عنه وحكمة وموعظة وتبصرة وتذكرة وعبرة وتقريرا لحق ودحضا لباطل وإزالة لشبهة وجوابا عن مسألة وإيضاحا لمشكل وترغيبا في أسباب فلاح وسعادة وتحذيرا من أسباب خسران وشقاوة ودعوة إلى هدى ورد عن ردي فتنزل على القلوب نزول الغيث على الأرض التي لا حياة لها بدونه ويحل منها محل الأرواح من أبدانها فأي نعيم وقرة عين ولذة قلب وابتهاج وسرور لا يحصل له في هذه المناجاة والرب تعالى يسمع لكلامه جاريا على لسان عبده ويقول حمدني عبدي أثنى علي عبدي مجدني عبدي ثم يعود إلى تكبير ربه عز وجل فيجد ربه عهد التذكرة كونه أكبر من كل شيء بحق عبوديته وما ينبغي أن يعامل به ثم يرجع جاثيا له ظهره خضوعا لعظمته وتذللا لعزته واستكانة لجبروته مسبحا له بذكر اسمه العظيم فنزه عظمته عن حال العبد وذله وخضوعه وقابل تلك العظمة بهذا الذل والانحناء والخضوع قد تطامن وطأطأ رأسه وطوى ظهره وربه فوقه يرى خضوعه وذله ويسمع كلامه فهو ركن تعظيم وإجلال كما قال صلى الله عليه وسلم: quot;أما الركوع فعظموا فيه الربquot; ثم عاد إلى حاله من القيام حامدا لربه مثنيا عليه بأكمل محامده وأجمعها وأعمها مثنيا عليه بأنه أهل الثناء والمجد ومعترفا بعبوديته شاهدا بتوحيده وأنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع وأنه لا ينفع أصحاب الجدد والأموال والحظوظ جدودهم عنه ولو عظمت ثم يعود إلى تكبيره ويخر له ساجدا على أشرف ما فيه وهو الوجه فيعفره في التراب ذلا بين يديه ومسكنه وانكسارا وقد أخذ كل عضو من البدن حظه من هذا الخضوع حتى أطراف الأنامل ورؤوس الأصابع وندب له أن يسجد معه ثيابه وشعره فلا يكفيه وأن لا يكون بعضه محمولا على بعض وأن يتأسر التراب بجبهته وينال قبل وجهة المصلى ويكون رأسه أسفل ما فيه تكميلا للخضوع والتذليل لمن له العز كله والعظمة كلها وهذا أيسر اليسير من حقه على عبده فلو(1\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "249",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11443",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دام كذلك من حين خلق إلى أن يموت لما أدى حق ربه عليه ثم أمر أن يسبح ربه الأعلى فيذكر علوه سبحانه في حال سفوله وهو وينزهه عن مثل هذه الحال وأن من هو فوق كل شيء وعال على كل شيء ينزه عن السفول بكل معنى بل هو الأعلى بكل معنى من معاني العلو ولما كان هذا غاية ذل العبد وخضوعه وانكساره كان أقرب ما يكون الرب منه في هذه الحال فأمر أن يجتهد في الدعاء لقربه من القريب المجيب وقد قال تعالى: واسجد واقترب وكان الركوع كالمقدمة بين يدي السجود والتوطئة له فينتقل من خضوع إلى خضوع أكمل وأتم منه وأرفع شأنا وفصل بينهما بركن مقصود في نفسه يجتهد فيه بالحمد والثناء والتمجيد وجعل بين خضوع خضوع قبله وخضوع بعده وجعل خضوع السجود بعد الحمد والثناء والمجد كما جعل خضوع الركوع بعد ذلك فتأمل هذا الترتيب العجيب وهذا التنقل في مراتب العبودية كيف ينتقل من مقام الثناء على الرب بأحسن أوصافه وأسمائه وأكمل محامده إلى من له خضوعه وتذلله أن له هذا الثناء ويستصحب في مقامه خضوعه بما يناسب ذلك المقام ويليق به فتذكر عظمة الرب في حال خضوعه وعلوه في حال سفوله ولما كان أشرف أذكار الصلاة القرآن شرع في أشرف أحوال الإنسان وهي هيئة القيام التي قد انتصب فيها قائما على أحسن هيئة ولما كان أفضل أركانها الفعلية السجود شرع فيها بوصف التكرار وجعل خاتمة الركعة وغايتها التي انتهت إليها مطابق افتتاح الركعة بالقرآن واختتامها بالسجود أول سورة افتتح بها الوحي فإنها بدئت بالقراءة وختمت بالسجود وشرع له بين هذين الخضوعين أن يجلس جلسة العبيد ويسأل ربه أن يغفر له ويرحمه ويرزقه ويهديه ويعافيه وهذه الدعوات تجمع له خير دنياه وآخرته ثم شرع له تكرار هذه الركعة مرة بعد مرة كما شرع تكرار الأذكار والدعوات مرة بعد مرة ليستعد بالأول لتكميل ما بعده ويجبر بما بعده ما قبله وليشبع القلب من هذا الغذاء وليأخذ رواه ونصيبه وافرا من الدواء ليقاومه فإن منزلة الصلاة من القلب منزلة الغذاء والدواء فإذا تناول الجائع الشديد الجوع من اللقمة أو اللقمتين كان غناؤها عنه وسدها من جوعه يسيرا جدا وكذلك المرض الذي يحتاج إلى قدر يغني من الدواء إذا أخذ منه المريض قيراطا من ذلك لم يزل مرضه بالكلية وأزال بحسبه فما حصل الغذاء أو الشفاء للقلب بمثل الصلاة وهي لصحته ودوائه بمنزلة غذاء البدن ودوائه ثم لما أكمل صلاته شرع له أن يقعد قعدة العبد الذليل المسكين لسيده ويثني عليه بأفضل التحيات ويسلم على من جاء بهذا الحظ الجزيل ومن نالته الأمة على يديه ثم يسلم على نفسه وعلى سائر عباد الله المشاركين له في هذه العبودية ثم يتشهد شهادة الحق ثم يعود فيصلي على من علم الأمة هذا الخير ودلهم عليه ثم شرع له أن يسأل حوائجه ويدعو بما أحب ما دام بين يدي ربه مقبلا عليه فإذا قضى ذلك أذن له في الخروج منها بالتسليم على المشاركين له في الصلاة هذا إلى ما تضمنته الأحوال والمعارف من أول المقامات إلى آخرها فلا تجد منزلة من منازل السير إلى الله ولا مقاما من مقامات العارفين إلا وهو في ضمن الصلاة وهذا الذي ذكرناه من شأنها كقطرة من بحر فكيف يقال أنها تكليف محض لم يشرع لحكمة ولا لغاية قصدها الشارع بل هي محض وكلفة ومشقة مستندة إلى محض المشيئة لا لغرض ولا لفائدة البتة بل مجرد قهر وتكليف وليست سببا لشيء من مصالح الدنيا والآخرة ثم تأمل أبواب الشريعة ووسائلها وغاياتها كيف(1\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "250",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11444",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تجدها مشحونة بالحكم المقصودة والغايات الحميدة التي شرعت لأجلها التي لولاها لكان الناس كالبهائم بل أسوأ حالا فكم في الطهارة من حكمة ومنفعة للقلب والبدن وتفريح للقب وتنشيط للجوارح وتخفيف من أحمال ما أوجبته الطبيعة وألقاه عز النفس من درن المخالفات فهي منظفة للقلب والروح والبدن وفي غسل الجنابة من زيادة النعومة والإخلاف على البدن نظير ما تحلل منه بالجنابة ما هو من أنفع الأمور وتأمل كون الوضوء في الأطراف التي هي محل الكسب والعمل فجعل في الوجه الذي فيه السمع والبصر والكلام والشم والذوق وهذه الأبواب هي أبواب المعاصي والذنوب كلها منها يدخل إليها ثم جعل في اليدين وهما طرفاه وجناحاه اللذان بهما يبطش ويأخذ ويعطي ثم في الرجلين اللتين بهما يمشي ويسعى ولما كان غسل الرأس مما فيه أعظم حرج ومشقة جعل مكانه المسح وجعل ذلك مخرجا للخطايا من هذه المواضع حتى يخرج مع قطر الماء من شعره وبشره كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة قال: quot;إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان يبطشها يداه مع الماء أو مع آخر قطر فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوبquot; رواه مسلم وفي صحيح مسلم أيضا عن عثمان بن عفان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه حتى يخرج من تحت أظفارهquot; فهذا من أجل حكم الوضوء وفوائده وقال نفاة الحكمة أنه تكليف ومشقة وعناء محض لا مصلحة فيه ولا حكمة شرع لأجلها ولو لم يكن في مصلحته وحكمته إلا أنه سيماء هذه الأمة وعلامتهم في وجوههم وأطرافهم يوم القيامة بين الأمم ليست لأحد غيرهم ولو لم يكن فيه من المصلحة والحكمة إلا أن المتوضئ يطهر يديه بالماء وقلبه بالتوبة ليستعد للدخول على ربه ومناجاته والوقوف بين يديه طاهر البدن والثوب والقلب فأي حكمة ورحمة ومصلحة فوق هذا ولما كانت الشهوة تجري في جميع البدن حتى أن تحت كل شعرة شهوة سرى غسل الجنابة إلى حيث سرت الشهوة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;إن تحت كل شعرة جنابةquot; فأمر أن يوصل الماء إلى أصل كل شعرة فيبرد حرارة الشهوة فتسكن النفس وتطمئن إلى ذكر الله وتلاوة كلامه والوقوف بين يديه فوالله لو أن أبقراط ودونه أوصوا بمثل هذا لخضع أتباعهم لهم فيه وعظموهم عليه غاية التعظيم وأبدوا له من الحكم والفوائد ما قدروا عليه ثم لما كان العبد خارج الصلاة مهمل جوارحه قد أسامها في مراتع الشهوات والحظوظ أمر العبودية بجميع جوارحه كلها على ربه بحظها من عبوديته فيسلم قلبه وبدنه وجوارحه وحواسه وقواه لربه عز وجل واقفا بين مقبلا بكله عليه معرضا عمن سواه متنصلا من إعراضه عنه وجنايته على حقه ولما كان هذا طبعه وذاته أمران يجدد هذا الركوع إليه والإقبال عليه وقتا بعد وقت لئلا يطول عليه الأمد فينسى ربه وينقطع عنه بالكلية وكانت الصلاة من أعظم نعم الله عليه وأفضل هداياه التي ساقها إليه فأبى نفاة الحكمة إلا جعلها كلفة وعناء وتعبا لا لحكمة ولا لمصلحة البتة إلا مجرد القهر والمشيئة وقد فتح ذلك الباب فساق الشريعة كلها من أولها إلى آخرها هذا المساق واستدل بما ظهر لك على ما خفي عنك ولعل الحكمة فيما لم تعلمه أعظم منها فيما علمته فإن الذي علمته على قدر عقلك وفهمك وما خفي عنك فهو فوق(1\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "251",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11445",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عقلك وفهمك ولو تتبعنا تفصيل ذلك لجاء عدة أسفار فيكتفي منه بأدنى بينة والله المستعان الوجه الثالث والعشرون أن هذه الجمادات والحيوانات المختلفة الأشكال والمقادير والصفات والمنافع والقوى والأغذية والنباتات التي هي كذلك فيها من الحكم والمنافع ما قد أكثرت الأمم في وصفه وتجربته على ممر الدهور ومع ذلك فلم يصلوا منه إلا إلى أيسر شيء وأقله بل لو اتفق جميع الأمم لم يحيطوا علما بجميع ما أودع واحد من ذلك النوع من الحكم والمصالح هذا إلى ما في ضمن ذلك من الاعتبار والدلالة الظاهرة على وجود الخالق ومشيئته واختياره وعلمه وقدرته وحكمته فإن المادة الواحدة لا تحتمل بنفسها هذه الصورة الغريبة والأشكال المتنوعة والمنافع والصفات ولو تركبت مع غيرها فليس حدوث هذه الأنواع والصور بنفس التركيب أيضا ولا هو مفيض له فحصول هذا التنوع والتفاوت والاختلاف في الحيوان والنبات من أعظم آيات الرب تعالى ودلائل ربوبيته وقدرته وحكمته وعلمه وأنه فعال لما يريد اختيارا ومشيئة فتنويع مخلوقاته وحدوثها شيئا بعد شئ من أظهر الدلالات وتأمل كيف أرشد القرآن إلى ذلك في غير موضع كقوله تعالى: وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون وقوله تعالى: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون وقوله: ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين وقوله: هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون وقول تعالى: والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير فتأمل كيف نبه سبحانه باختلاف الحيوانات في المشي مع اشتراكها في المادة على الاختلاف فيما وراء ذلك من أعضائها وأشكالها وقواها وأفعالها وأغذيتها ومساكنها فنبه على الاشتراك والاختلاف فيشير إلى يسير منه فالطير كلها تشترك في الريش والجناح وتتفاوت فيما وراء ذلك أعظم تفاوت واشتراك ذوات الحوافر في الحافر كالفرس والحمار والبغل وتفاوتها في ما وراء ذلك واشتراك ذوات الأظلاف في الظلف وتفاوتها في غير ذلك واشتراك ذوات القرون فيها وتفاوتها في الخلق والمنافع والأشكال واشتراك حيوانات الماء في كونها سابحة تأوي فيها وتتكون فيها وتفاوتها أعظم تفاوت عجز البشر إلى الآن عن حصره واشتراك الوحوش في البعد عن الناس والتفاوت عنهم وعن مساكنهم وتفاوتها في صفاتها وأشكالها وطبائعها وأفعالها أعظم تفاوت يعجز البشر عن حصره واشتراك الماشي منها على بطنه في ذلك وتفاوت نوعه واشتراك الماشي على رجلين في ذلك وتفاوت نوعه أعظم تفاوت وكل من هذه الأنواع له علم وإدراك وتحيل على جلب مصالحه ودفع مضاره يعجز كثير منها نوع الإنسان فمن أعظم الحكم الدلالة الظاهرة على معرفة الخالق الواحد المستولي بقوته وقدرته وحكمته على ذلك كله بحيث جاءت كلها مطيعة منقادة منساقة إلى ما خلقها له على وفق مشيئته وحكمته وذلك أدل شيء على قوته(1\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "252",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11446",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القاهرة وحكمته البالغة وعلمه الشامل فيعلم إحاطة قدرة واحدة وعلم واحد وحكمة واحدة أعني بالنوع من قادر واحد حكيم واحد بجميع هذه الأنواع وأضعافها مما لا تعلمه العقول البشرية كما قال: ويخلق ما لا تعلمون وقال: فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون فيجمع غايات فعله وحكمة خلقه وأمره إلى غاية واحدة هي منتهى الغايات وهي إلهية الحق التي كل إلهية سواها فهي باطل ومحال فهي غاية الغايات ثم ينزل منها إلى غايات أخر هي وسائل بالنسبة إليها وغايات بالنسبة إلى ما دونها وأن إلى ربك المنتهى فليس وراءه معلوم ولا مطلوب ولا مذكور إلا العدم المحض وليس في الوجود إلا الله ومفعولاته وهي آثار أفعاله وأفعاله آثار صفاته وصفاته قائمة به من لوازم ذاته والمقصود إن الغايات المطلوبة العلم بإحاطة علم واحد من عالم واحد وفعل واحد من فاعل واحد وقدرة واحدة من قادر واحد وحكمة واحدة من حكيم واحد بجميع ما فيه على اختلاف ما فيه واجتمعت غايات فعله وأمره إلى غاية واحدة وذلك من أظهر أدلة توحيد الإلهية كما ابتدأت كلها من خالق واحد وقادر واحد ورب واحد ودل على الأمرين أعني توحيد الربوبية والإلهية النظام الواحد والحكمة الجامعة للأنواع المختلفة مع ضدها وتعذرها ودل افتقار بعضها إلى بعض وتشبك بعضها ببعض ومعاونة بعضها ببعض وارتباطه به على أنها صنع فاعل واحد ورب واحد فلو كان معه آلهة وأرباب غيره كما لا ترضى ملوك الدنيا أن يحتاج مملوك احدهم إلى مملوك غيره مثله لما في ذلك من النقص والعيب المنافي لكمال الاقتدار والغناء ودل انتظامها في الوجود ووقوعها في ثباتها واختلافها على أكمل الوجوه وأحسنها على انتهائها إلى غاية واحدة ومطلوب واحد هو إلهها الحق ومعبودها الأعلى الذي لا إله لها غيره ولا معبود لها سواه فتأمل كيف دل اختلاف الموجودات وثباتها واجتماعها فيما اجتمعت فيه وافتراقها فيما افترقت على إله واحد ورب واحد ودلت على صفات كماله ونعوت جلاله فالموجودات بأسرها كعسكر واحد له ملك واحد وسلطان واحد يحفظ بعضه ببعض وينظم مصالح بعضه ببعض ويسد خلل بعضه ببعض فيمد هذا بهذا ويقوي هذا بهذا وينقص من هذا فيزيده في الآخر يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويبيد هذا فينشي مكانه من جنسه ما يقوم مقامه ويسد مسده فيشهد حدوث الثاني أن الذي أحدثه وأوجده هو الذي أحدث الأول لا غيره وأن حكمته لم تتغير وعلمه لم ينقص وقدرته لم تضعف وأنه لا يتغير بتغيير ما يغير منها ولا يضمحل باضمحلاله ولا يتلاشى بتلاشيه بل هو الحي القيوم العزيز الحكيم هذا إلى ما في لوازم مكبرها وانتظام بعضها ببعض وما يصدر عنها من الأفعال والآثار من حكم وأفعال أخرى وغايات أخر حكمها حكم موادها وحواملها كما نشاهده في أشخاصها وأعيانها مثال ذلك في أحدوثة واحدة إنك ترى المعدة تشاق الغذاء وتجتذبه إليها فانظر لوازم ذلك قبل تناوله ولوازمه بعد تناوله وما يترتب على تلك اللوازم من عمارة الدنيا فإذا جذبته إليها أنضجته وطبخته كما تنضج القدر ما فيها فتنضجه الإنضاج الذي تعده لتغذي أجزاء البدن وقواه وأرواحه به وهي إذا أنضجته لأجل نصيبها الذي ينالها منه فهو قليل من كثير بالنسبة إلى انتفاع غيرها به فيدفع ما فضل عن غذائها عنها إلى من هو شديد الحاجة إليه على قدر حاجته من غير أن يقصد ذلك أو يشعر به ولكن قد قصده وأحكمه من هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير يدبره بحكمته ولطفه وساقه في المجاري التي لا ينفذ(1\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "253",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11447",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيها الإبر لدقة مسالكها حتى أوصله إلى المحتاج إليه الذي لا صلاح له إلا بوصوله إليه وكانت طبيعة الكبد ومزاجها في ذلك تلي طبيعة المعدة وفعلها يلي فعلها وكذلك الأمعاء وباقي الأعضاء كالكبد للقلب في أعداد الغذاء والقلب للرئة والرئة للقلب في أعداد الهواء وإصلاحه فالأعضاء الموجودة في الشخص إذا تأملتها وتأملت أفعالها ومنافعها وما تضمنه كل واحد منها من حكمة اختصت به كشكله ووصفه ومزاجه ووضعه من الشخص بذلك الموضع المعين علمت علما يقينا أن ذلك صادر عن خالق واحد ومدبر واحد وحكيم واحد فانتقل من هذا إلى أشخاص العالم شخصا شخصا من النوع الإنساني تجد الحكمة الواحدة الظاهرة في تلك الأفراد الكثيرة قد نفعت بعضهم بعض وأعانت بعضهم ببعض حراثا لزارع وزراعا لحاصد وحائكا لخياط وخياطا لنجار ونجارا لبناء فهذا يعين هذا بيده وهذا برجله وهذا يعينه بعينه وهذا بإذنه وهذا بلسانه وهذا بماله وإذ لا يقدر أحدهم على جميع مصالحه ولا يقوم بحاجاته ولا توجد في كل واحد منهم جميع خواص نوعه فهم بأشخاصهم الكثير كإنسان واحد يقوم بعضه بمصالح بعض قد كمل خواص الإنسانية في صفاته وأفعاله وصنائعه وما يراد منه فإن الواحد منهم لا يفي بأن يجمع جميع الفضائل العلمية والعملية والقوة والبقاء فجعل ذلك في النوع الإنساني بجملته والله سبحانه وقد فرق كمالات النوع في أشخاصه وجعل لكل شخص منها ما هو مستعد قابل له بحيث لو قيل أكثر من ذلك لأعطاه فإنه جواد لذاته قد فاض جوده وخيره على العالم كله وفضل عنه أضعاف ما فاض عليه فهو يفيضه على تعاقب الآنات أبدا وكذلك يفضل في الجنة فضل عن أهلها فينشئ لها خلقا يسكنهم فضلها وإنما يتخصص فضله بحسب استعداد العوامل والمعدات وذلك بمشيئته وحكمته فهو الذي أوجدها وهو الذي أعدها وهو الذي أمدها ولما كان جوده وفضله أوسع من حاجة الخلق لم يكن بد من بقاء كثير منه مبذولا في الوجود مهملا وهذا كضوء الشمس مثلا فإن مصالح الحيوان لا تتم إلا به وهي تشرق على مواضع فضلت عن حوائج بني آدم والحيوان وكذلك المطر والنبات وسائر النعم ومع ذلك فلم يعطل وجودها عن حكم ومصالح وعبر ودلالات وعطاء الرب ونعمه أوسع من حوائج خلقه فلا بد أن يبقى في المياه والأقوات والنبات وغير ذلك أجزاء مهملة ولا يقال ما الحكمة في خلقها فإن هذا سؤال جاهل ظالم فإن الحكمة في خلق الأرض وما عليها ظاهرة لكل بصير والمعمور بعضها لا كلها والرب تعالى واسع الجود دائمه فجوده وخيره عام دائم فلا يكون إلا كذلك فإن ذلك من لوازم علمه وقدرته وحكمته ولعلمه وقدرته وحكمته العموم والشمول والكمال المطلق بكل اعتبار فيعلم من استقراء العالم وأحواله انتهاؤه إلى عالم واحد وقادر واحد وحكيم واحد أتقن نظامه أحسن الإتقان وأوجده على أتم الوجود وهو سبحانه ناظم أفعال الفاعلين مع كثرتها ورابط بعضها ببعض ومعين بعضها ببعض وجاعل بعضها سببا لبعض وغاية لبعض وهذا من أدل الدليل على انه خالق واحد ورب واحد وقادر واحد دل على قدرته كثرة أفعاله وتنوعها في الوقت الواحد وتعاقبها على تتالي الآنات وتعين تصرفاته في مخلوقاته على كثرتها ودل على علمه وحكمته كون كل شيء كبير وصغير ودقيق وجليل داخلا في النظام الحكمي ليس منها شيء حتى مسام الشعر في الجلد ومراشح اللعاب في الفم ومجاري الشعب الدقيقة من العروق في أصغر الحيوانات التي تعجز عنها أبصارنا ولا تنالها قدرتنا وهذا فيما دق لصغره وفيما جل لعظمه كالرياح الحاملة للسحب إلى الأرض(1\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "254",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11448",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجرز التي لا نبات بها فيمطرها عليها فيخرج بها نباتا ويحيي بها حيوانا ويجعل فيها جزأين من الطعام والشراب والأقوات والأدوية دع ما فوق ذلك من تسخير الشمس والقمر والنجوم واختلاف مطالعها ومغاربها لإقامة دولة الليل والنهار وفصول العام التي بها نظام مصالح من عليها فإذا تأملت العالم وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع عباده فالسماء سقفه والأرض بساطه والنجوم زينته والشمس سراجه ومصالح سكانه والليل سكنهم والنهار معاشهم والمطر سقياهم والنبات غذاؤهم ودواهم وفاكهتهم والحيوان خدمهم ومنه قوتهم ولباسهم والجواهر كنوزهم وذخائرهم كل شيء منها لما يصلح له فضروب النبات لجميع حاجاتهم وصنوف الحيوانات معدة لجميع مصالحهم وذلك أدل دليل على وحدانية خالقه وقدرته فلم يكن لون السماء أزرق اتفاقا بل لحكمة باهرة فإن هذا اللون أشد الألوان موافقة للبصر حتى أن في وصف الأطباء لمن أصابه ما أضر ببصره أو كلم بصره إدمان النظر إلى الخضرة وما قرب منها إلى السواد فجعل أحكم الحاكمين أديم السماء بهذا اللون ليمسك الأبصار الراجعة فلا ينكأ فيها فهذا الذي أدركه الناس بعد الفكر والتجربة قد وجد مفروغا منه في الخلقة ولم يكن طلوع الشمس وغروبها على هذا النظام لغير علة ولا حكمة مطلوبة فكم من حكمة ومصلحة في ذلك من إقامة الليل والسكن فيه والنهار والمعاش فيه فلو جعل الله عليهم الليل سرمدا لتعطلت مصالحهم وأكثر معايشهم والحكمة في طلوعها أظهر من أن تنكر ولكن تأمل الحكمة في غروبها إذ لولا ذلك لم يكن للناس هدوء ولا قرار ولا راحة وكان الكد الدائم بتكافؤ أبدانهم وتسرع فسادها وكان ما على الأرض يحرق بدوام شروق الشمس من حيوان ونبات فصار النور والظلمة على تضادهما متعاونين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم وقوامه ونظامه وكذلك الحكمة في ارتفاع الشمس وانحطاطها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة وما في ذلك من الحكمة فإن في الشتاء تفور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد من ذلك مواد الثمار وتكيف الهواء فتنشأ منه السحاب ويحدث المطر الذي به حياة الأرض والحيوان وتشتد أفعال الحيوان وتقوى الأفعال الطبيعية وفي الربيع تتحرك الطبائع وتظهر المواد الكامنة في الشتاء وفي الصيف يسخن الهواء فتنضج الثمار ويتحلل فضول الأبدان ويجف وجه الأرض فيتهيأ للبناء وغيره وفي الخريف يصفو الهواء ويعتدل فيذهب بسورة حر الصيف وسمومه إلى أضعاف أضعاف ذلك من الحكم وكذلك الحكمة في تنقل الشمس فإنها لو كانت واقفة في موضع واحد لفاتت مصالح العالم ولما وصل شعاعها إلى كثير من الجهات لأن الجبال والجدران يحجبانها عنها فاقتضت الحكمة الباهرة أن جعلت تطلع أول النهار من المشرق وتشرق على ما قابلها من وجه الغرب ثم لا تزال تغشى وجها بعد وجه حتى تنتهي إلى الغرب فتشرق على ما استتر عنها أول النهار فتأخذ جميع الجهات منها قسطا من النفع وكذلك الحكمة الباهرة في انتهاء مقدار الليل والنهار إلى هذا الحد فلو زاد مقدار أحدهما زيادة عظيمة لتعطلت المصالح والمنافع وفسد النظام وكذلك الحكمة في ابتداء القمر دقيقا ثم أخذه في الزيادة حتى يكمل ثم يأخذ في النقصان حتى يعود إلى حالته الأولى فكم في ذلك من حكمة ومصلحة ومنفعة للخلق فإن بذلك يعرفون الشهور والسنين والآجال وأشهر الحج والتاريخ ومقادير الأعمار ومدد الإجارات وغيرها وهذا وإن كان يحصل بالشمس إلا أن معرفته بالقمر وزيادته ونقصانه أمر يشترك فيه الناس كلهم وكذلك الحكمة في(1\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "255",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11449",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنارة القمر والكواكب في ظلمة الليل فإنه مع الحاجة إلى الليل وظلمته لهدوء الحيوان وبرد الهواء عليه وعلى النبات لم يجعل ظلاما محضا لا ضياء فيه فلا يمكن فيه سفر ولا عمل وربما احتاج الناس إلى العمل بالليل لضيق الوقت عليهم في النهار ولشدة الحر فيتمكنون في ضوء القمر من أعمال كثيرة وجعل نوره باردا ليقاوم حرارة نور الشمس فبرد سمومه فيعتدل الأمر ويكسر كيفية كل منهما كيفية الآخر ويزيل ضررها وكذلك الحكمة في خلق النجوم فإن فيها من الهداية في البر والبحر والاستدلال على الأوقات وزينة السماء وغير ذلك ما لم يكن حاصلا بمجرد الاتفاق كما يقوله نفاة الحكمة واقتضت هذه الحكمة أن جعلت نوعين نوعا منها يظهر وقتا ويحتجب آخر ونوعا آخر لا يزال ظاهرا غير محتجب بل جعل ظاهرا بمنزلة الإعلام التي يهتدي بها الناس في الطرقات المجهولة وهم ينظرون إليها متى أرادوا ويهتدون بها إلى حيث شاؤا وجعلت الحكمة في النوع الأول الاستدلال بظهوره على أمور تعاديه متى طلع في وقت يعني دل على تلك الأمور فقامت المصلحة والحكمة بالنوعين مع ما في خلقها من حكم أخرى ومصالح لا يهتدي إليها العباد فما خلق الله شيئا سدى وقد نظم الله سبحانه الحوادث الأرضية بالأزواج والأجرام العلوية أكمل نظام يعجز عقول البشر عن الإحاطة ببعضه وقد استفرغت الأمم السابقة قوى أذهانها في إدراك ذلك فلم يصل منه إلا إلى مالا نسبة له إلى ما خفي عليها بوجه ما وقد جعل الخلاق العليم سبحانه النجوم فرقتين فرقة منها لازمة مراكزها من الفلك ولا تسير إلا بسيره وفرقة أخرى مطلقة تنتقل في البروج وتسير بأنفسها غير سير فلكها فلكل منها مسيران مختلفان أحدهما عام مع الفلك نحو المغرب والآخر خاص لنفسه نحو المشرق وقد شبه هذا النوع بنملة تدب على رحا والرحا تدور ذات اليمين والنملة تدور ذات الشمال فللنملة في تلك الحال حركتان مختلفتان أحداهما حركة بنفسها تتوجه أمامها والأخرى بغيرها هي مقهورة عليها تبعا للرحى تجذبها إلى خلفها فلهذا النوع من النجوم حركتان مختلفتان على وزن وتقدير لا يعدوه فزعم نفاة الحكمة أن ذلك أمر اتفاقي لا لحكمة ولا لغرض مقصود فإن قلت فما الغرض المقصود بذلك وأي حكمة فيه قيل استدل بما عرفت من الحكمة على ما خفي عنك منها ولا تجعل ما خفي عليك دليلا على بطلانها مع أن من بعض الحكم في ذلك أنها لو كانت كلها راتبة لبطلت الدلالات التي تكون من تنقل المتنقل منها ومسيرها في كل واحد من البروج كما يستدل على أمور كثيرة وحوادث جمة بتنقل الشمس والقمر والسيارات في منازلها ولو كانت كلها متنقلة لم يكن لمسيرها منازل تعرف ولا رسم يقاس عليه فإنه إنما يقاس مسير المنتقلة منها بتنقلها في البروج الراتبة كما يقاس سير السائر على الأرض بالمنازل التي يقطعها وبالجملة فلو كانت كلها بحال واحدة لبطل النظام الذي اقتضته الحكمة التي جعلها هكذا فذلك تقدير العزيز العليم وصنع الرب الحكيم وكيف يرتاب ذو بصيرة أن ذلك كله تقدير مقدر حكيم أتقن ما صنعه وأحكم ما دبره ويعرف بما فيه من الحكم والمصالح والمنافع إلى خلقه فشدت العقول والفطر بأنه ذو الحكمة الباهرة والقدرة القاهرة والعلم التام المحيط وأنه لم يخلق ذلك باطلا ولا من الحكمة عاطلا وكذلك الحكمة في تعاقب الحر والبرد على التدريج على أبدان الحيوان والنبات فإن قيامهما وكمالهما لما كان بذلك اقتضت الحكمة الإلهية أن لا يدخل أحدهما على الآخر وهلة فلا يتحمله بل بالتدريج قليلا قليلا إلى أن ينتهي منتهاه ويحصل المقصود به من غير ضرر يعم وهذا كله بأسباب هي(1\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "256",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11450",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منشأ الحكم والمصالح فلا يبطل السبب بإثبات الحكمة ولا الحكمة بالسبب ولا السبب والحكمة بالمشيئة فيكون من الذين يبخس حظهم من العقل والسمع وكذلك الحكمة في خلق النار على ما هي عليه كامنة في حاملها فإنها لو كانت ظاهرة كالهواء والماء والتراب لأحرقت العالم وما فيه ولم يكن بد من ظهورها في الأحايين للحاجة إليها فجعلت مخزونة في الأجسام توري عند الحاجة إليها فتمسك بالمادة والحطب ما احتيج إلى بقائها ثم تخبوا إذ استغنى عنها فجعلت على خلقه وتقدير وتدبير حصل به الاستمتاع بها والانتفاع مع السلامة من ضررها ثم في النار خلة أخرى وهي أنها مما خص به الإنسان دون سائر الحيوان فإن الحيوانات لا تستعمل النار ولا تستمتع بها ولما اقتضت الحكمة الباهرة ذلك اغتنت الحيوانات عنها في لباسها وأقواتها فأعطيت من الشعور والأوبار ما يغنيها عنها وجعلت أغذيتها بالمفردات التي لا تحتاج إلى طبخ وخبز ولما كانت الحاجة إليها شديدة جعل من الآلات والأسباب ما يتمكن به من إثارتها إذا شاء ومن إبطالها ومن حكمها هذه المصابيح التي يوقدها الناس فيتمكنون بها من كثير حاجاتهم ولولاها لكان نصف أعمارهم بمنزلة أصحاب القبور وأما منافعها في إنضاج الأغذية والأدوية والدفء فلا يخفى وقد نبه تعالى على ذلك بقوله: أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين أي تذكر بنار الآخرة فيحترز منها ويستمتع بها المقوون وهم النازلون بالفيفاء وهي الأرض الخالية وخص هؤلاء بالذكر لشدة حاجتهم إليها في خبزهم وطبخهم حيث لا يجدون ما يشترونه فيغنيهم عن ما يصنعونه بالنار وكذلك الحكمة في خلق النسيم وما فيه من المصالح والعبر فإنه حياة هذه الأبدان وقوامها من خارج ومن داخل وفيه طرد هذه الأصوات فيؤديها إلى السامع وهو الحامل لهذه الأراييح يؤديها إلى المسام وينقلها من موضع إلى موضع وهو الذي يزجي السحاب ويسوقه من مكان إلى مكان على ظهره كالروايا على ظهور الإبل وهو الذي يسير السحاب أولا فيكون كسفا متفرقة فيؤلف بينه ثانيا فيصير طبقا واحدا ثم يلقحه ثالثا كما يلقح الفحل الأنثى فيحمل الماء كما تحمل الأنثى من لقاح الفحل ثم يسوقه رابعا إلى أحوج الأماكن والحيوان إليه ثم يعصره خامسا حتى لا يخرج ماؤه ثم يذروا ماءه بعد عصره سادسا حتى لا يسقط جملة فيهلك ما يقع عليه ثم يربي النبات سابعا فيكون له بمنزلة الماء والغذاء يجففه بحرارته ثامنا لئلا يعفن ولا يمكن بقاؤه ولهذا اقتضت الحكمة الباهرة أن تكون الرياح مختلفة المهاب والصفات والطبائع فزعم نفاة الحكمة أن هذا كله أمر اتفاقي لا سبب ولا غاية وهذا لو تتبعناه لجاء عدة أسفار بل لو تتبعنا خلقة الإنسان وحده وما فيها من الحكم والغايات لعجزنا نحن وأهل الأرض عن الإحاطة بتفصيل ذلك فلنرجع إلى جواب نفاة الحكمة والتعليل فنقول في الوجه الرابع والعشرين قولهم أي حكمة في خلق إبليس وجنوده ففي ذلك من الحكم مالا يحيط بتفصيله إلا الله فمنها أن يكمل لأنبيائه وأوليائه مراتب العبودية بمجاهدة عدو الله وحزبه ومخالفته ومراغمته في الله وإغاظته وإغاظة أوليائه والاستعاذة به منه والإلجاء إليه أن يعيذهم من شره وكيده فيترتب لهم على ذلك من المصالح الدنيوية والأخروية ما لم يحصل بدونه وقدمنا أن الموقوف على الشيء لا يحصل بدونه ومنها خوف الملائكة والمؤمنين من ذنبهم بعد ما شاهدوا من حال إبليس ما شاهدوه وسقوطه من المرتبة الملكية إلى المنزلة الإبليسية يكون أقوى وأتم ولا ريب أن الملائكة لما شاهدوا ذلك حصلت لهم(1\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "257",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11451",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبودية أخرى للرب تعالى وخضوع آخر وخوف آخر كما هو المشاهد من حال عبيد الملك إذا رأوه قد أهان أحدهم الإهانة التي بلغت منه كل مبلغ وهم يشاهدونه فلا ريب أن خوفهم وحذرهم يكون أشد ومنها أنه سبحانه جعله عبرة لمن خالف أمره وتكبر عن طاعته وأصر على معصيته كما جعل ذنب أبي البشر عبرة لمن ارتكب نهيه أو عصى أمره ثم تاب وندم ورجع إلى ربه فابتلى أبوي الجن والإنس بالذنب وجعل هذا الأب عبرة لمن أصر وأقام على ذنبه وهذا الأب عبرة لمن تاب ورجع إلى ربه فلله كم في ضمن ذلك من الحكم الباهرة والآيات الظاهرة ومنها أنه محك امتحن الله به خلقه ليتبين به خبيثهم من طيبهم فإنه سبحانه خلق النوع الإنساني من الأرض وفيها السهل والحزن والطيب والخبيث فلا بد أن يظهر فيهم ما كان في مادتهم كما في الحديث الذي رواه الترمذي مرفوعا أن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على مثل ذلك منهم الطيب والخبيث والسهل والحزن وغير ذلك فما كان في المادة الأصلية فهو كائن في المخلوق منها فاقتضت الحكمة الإلهية إخراجه وظهوره فلا بد إذا من سبب يظهر ذلك وكان إبليس محكا يميز به الطيب من الخبيث كما جعل أنبيائه ورسله محكا لذلك التمييز قال تعالى: ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب فأرسله إلى المكلفين وفيهم الطيب والخبيث فانضاف الطيب إلى الطيب والخبيث إلى الخبيث واقتضت حكمته البالغة ان خلطهم في دار الامتحان فإذا صاروا إلى دار القرار يميز بينهم وجعل لهؤلاء دارا على حدة ولهؤلاء دارا على حدة حكمة بالغة وقدرة قاهرة ومنها أن يظهر كمال قدرته في خلق مثل جبريل والملائكة وإبليس والشياطين وذلك من أعظم آيات قدرته ومشيئته وسلطانه فإنه خالق الأضداد كالسماء والأرض والضياء والظلام والجنة والنار والماء والنار والحر والبرد والطيب والخبيث ومنها أن خلق أحد الضدين من كمال حسن ضده فإن الضد إنما يظهر حسنه بضده فلولا القبيح لم تعرف فضيلة الجميل ولولا الفقر لم يعرف قدر الغنا كما تقدم بيانه ريبا ومنها أنه سبحانه يحب أن يشكر بحقيقة الشكر وأنواعه ولا ريب أن أولياءه نالوا بوجود عدو الله إبليس وجنوده وامتحانهم به من أنواع شكره ما لم يكن ليحصل لهم بدونه فكم بين شكر آدم وهو في الجنة قبل أن يخرج منها وبين شكره بعد أن ابتلي بعدوه ثم اجتباه ربه وتاب عليه وقبله ومنها أن المحبة والإنابة والتوكل والصبر والرضاء ونحوها أحب العبودية إلى الله سبحانه وهذه العبودية إنما تتحقق بالجهاد وبذل النفس لله وتقديم محبته على كل ما سواه فالجهاد ذروة سنام العبودية وأحبها إلى الرب سبحانه فكان في خلق إبليس وحزبه قيام سوق هذه العبودية وتوابعها التي لا يحصى حكمها وفوائدها وما فيها من المصالح إلا فالله ومنها أن في خلق من يضاد رسله ويكذبهم ويعاديهم من تمام ظهور آياته وعجائب قدرته ولطائف صنعه ما وجوده أحب إليه وأنفع لأوليائه من عدمه كما تقدم من ظهور آية الطوفان والعصا واليد وفلق البحر وإلقاء الخليل في النار وأضعاف أضعاف ذلك من آياته وبراهين قدرته وعلمه وحكمته فلم يكن بد من وجود الأسباب التي يترتب عليها ذلك كما تقدم ومنها أن المادة النارية فيها الإحراق والعلو والفساد وفيها الإشراق والإضاءة والنور فأخرج منها سبحانه هذا وهذا كما أن المادة الترابية الأرضية فيها الطيب والخبيث والسهل والحزن والأحمر والأسود والأبيض فأخرج منها ذلك كله حكمة باهرة وقدرة قاهرة وآية دالة على أنه(1\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "258",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11452",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كمثله شيء وهو السميع البصير ومنها أن من أسمائه الخافض الرافع المعز المذل الحكم العدل المنتقم وهذه الأسماء تستدعي متعلقات يظهر فيها إحكامها كأسماء الإحسان والرزق الرحمة ونحوها ولا بد من ظهور متعلقات هذه وهذه ومنها أنه سبحانه الملك التام الملك ومن تمام ملكه عموم تصرفه وتنوعه بالثواب والعقاب والإكرام والإهانة والعدل والفضل والإعزاز والإذلال فلا بد من وجود من يتعلق به أحد النوعين كما أوجد من يتعلق به النوع الآخر ومنها أن من أسمائه الحكيم والحكمة من صفاته سبحانه وحكمته تستلزم وضع كل شيء موضعه الذي لا يليق به سواه فاقتضت خلق المتضادات وتخصصي كل واحد منها لا يليق به غيره من الإحكام والصفات والخصائص وهل تتم الحكمة إلا بذلك فوجود هذا النوع من تمام الحكمة كما أنه من كمال القدرة ومنها أن حمده سبحانه تام كامل من جميع الوجوه فهو محمود على عدله ومنعه وخفضه وانتقامه وإهانته كما هو محمود على فضله وعطائه ورفعه وإكرامه فلله الحمد التام الكامل على هذا وهذا وهو يحمد نفسه على ذلك كله ويحمده عليه ملائكته ورسله وأوليائه ويحمده عليه أهل الموقف جميعهم وما كان من لوازم كمال حمده وتمامه فله في خلقه وإيجاده الحكمة التامة كما له عليه الحمد التام فلا يجوز تعطيل حمده كما لا يجوز تعطيل حكمته ومنها أنه سبحانه يحب أن يظهر لعباده حلمه وصبره وأناته وسعة رحمته وجوده فاقتضى ذلك خلق من يشرك به ويضاده في حكمه ويجتهد في مخالفته ويسعى في مساخطه بل يشبهه سبحانه وهو مع ذلك يسوق إليه أنواع الطيبات ويرزقه ويعاقبه ويمكن له من أسباب ما يلتذ به من أصناف النعم ويجيب دعاءه ويكشف عنه السوء ويعامله من بره وإحسانه بضد ما يعامله هو به من كفره وشركه وإساءته فلله كم في ذلك من حكمة وحمد ويتحبب إلى أوليائه ويتعرف بأنواع كمالاته كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله يجعلون له الولد وهو يرزقهم ويعاقبهمquot; وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه: quot;شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك أما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد الذي له ألد ولم أولد ولم يكن لي كفؤا أحد وأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون عليه من إعادتهquot; وهو سبحانه مع هذا الشتم له والتكذيب يرزق الشاتم المكذب ويعاقبه ويدفع عنه ويدعوه إلى جنته ويقبل توبته إذا تاب إليه ويبدله بسيئاته حسنات ويلطف به في جميع أحواله ويؤهله لإرسال رسله ويأمرهم بأن يلينوا له القول ويرفقوا به قال الفضيل بن عياض: quot;ما من ليلة يختلط ظلامها إلا نادى الجليل جل جلاله من أعظم مني جودا الخلائق لي عاصون وأنا أكلأهم في مضاجعهم كأنهم لم يعصوني وأتولى حفظهم كأنهم لم يذنبوا أجود بالفضل على العاصي وأتفضل على المسيء من ذا الذي دعاني فلم ألبه ومن ذا الذي سألني فلم أعطه أنا الجواد ومني الجود أنا الكريم ومني الكرم ومن كرمي أني أعطي العبد ما سألني وأعطيه ما لم يسألني ومن كرمي أني أعطي التائب كأنه لم يعصني فأين عني يهرب الخلق وأين عن بابي يتنحى العاصونquot; وفي أثر إلهي: quot;أني والإنس والجن في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر سوايquot; وفي أثر حسن: quot;ابن آدم ما أنصفتني خيري إليك نازل وشرك إلى صاعد كم أتحبب إليك بالنعم وأنا غني عنك وكم تتبغض إلى بالمعاصي وأنت فقير إلي ولا يزال الملك الكريم يعرج إلي منك بعمل قبيحquot; وفي الحديث الصحيح: quot;لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم(1\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "259",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11453",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يذنبون فيستغفرون فيغفر لهمquot; فهو سبحانه لكمال محبته لأسمائه وصفاته اقتضى حمده وحكمته أن يخلق خلقا يظهر فيهم أحكامها وآثارها فالمحبة للعفو خلق من يحسن العفو عنه ولمحبته للمغفرة خلق من يغفر له ويحلم عنه ويصبر عليه ولا يعاجله بل يكون يحب أمانه وإمهاله ولمحبته لعدله وحكمته خلق من يظهر فيهم عدله وحكمته ولمحبته للجود والإحسان والبر خلق من يعامله بالإساءة والعصيان وهو سبحانه يعامله بالمغفرة والإحسان فلولا خلق من يجري على أيديهم أنواع المعاصي والمخالفات لفاتت هذه الحكم والمصالح وأضعافها وأضعاف أضعافها فتبارك الله رب العالمين وأحكم الحاكمين ذو الحكمة البالغة والنعم السابغة الذي وصلت حكمته إلى حيث وصلت قدرته وله في كل شيء حكمة باهرة كما أن له فيه قدرة قاهرة وهدايات إنما ذكرنا منه قطرة من بحر وإلا فعقول البشر أعجز وأضعف وأقصر من أن تحيط بكمال حكمته في شيء من خلقه فكم حصل بسبب هذا المخلوق البغيض للرب المسخوط له من محبوب له تبارك وتعالى يتصل في حبه ما حصل به من مكروهه والحكيم الباهر الحكمة هو الذي يحصل أحب الأمرين إليه باحتمال المكروه الذي يبغضه ويسخطه إذا كان طريقا إلى حصول ذلك المحبوب ووجود الملزوم بدون لازمه محال فإن يكن قد حصل بعدو الله إبليس من السرور والمعاصي ما حصل فكم حصل بسبب وجوده ووجود جنوده من طاعة هي أحب إلى الله وأرضى له من جهاد في سبيله ومخالفة هوى النفس وشهوتها له ويحتمل المشاق والمكاره في محبته ومرضاته وأحب شيء للحبيب أن يرى محبه يتحمل لأجله من الأذى والوصب ما يصدق محبته: من أجلك قد جعلت خدي أرضا ... للشامت والحسود حتى ترضا وفي أثر إلهي: quot;بغيتي ما يتحمل المتحملون من أجليquot; فلله ما أحب إليه احتمال محبيه إذا أعدائه لهم فيه وفي مرضاته وما أنفع ذلك الأذى لهم وما أحمدهم لعاقبته وماذا ينالون به من كرامة حبيبهم وقربه قرة عيونهم به ولكن حرام على منكري محبة الرب تعالى أن يشموا لذلك رائحة أو يدخلوا من هذا الباب أو يذوقوا من هذا الشراب: فقل للعيون العمى للشمس أعين ... سواك يراها في مغيب ومطلع وسامح يؤسا لم يؤهل لحبهم ... فما يحسن التخصيص في كل موضع فإن أغضب هذا المخلوق ربه فقد أرضاه فيه أنبيائه ورسله وأوليائه وذلك الرضاء أعظم من ذلك الغضب وإن أسخطه ما يجري على يديه من المعاصي والمخالفات فإنه سبحانه أشد فرحا بتوبة عبده من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه إذا وجدها في المفاوز المهلكات وإن أغضبه ما جرى على أنبيائه ورسله من هذا العدو فقد سره وأرضاه ما جرى على أيديهم من حربه ومعصيته ومراغمته وكبته وغيظه وهذا الرضاء أعظم عنده وأبر لديه من فوات ذلك المكروه المستلزم لفوات هذا المرضي المحبوب وإن أسخطه أكل آدم من الشجرة فقد أرضاه توبته وإنابته وخضوعه وتذلله بين يديه وانكساره له وإن أغضبه إخراج أعدائه لرسوله من حرمه وبلدته ذلك لخروج فقط أرضاه أعظم الرضاء دخوله إليها ذلك الدخول وإن أسخطه قتلهم أوليائه وأحبائه وتمزيق لحومهم وإراقة دمائهم فقد أرضاه نيلهم الحياة التي لا أطيب منها ولا أنعم ولا ألذ في قربه وجواره وإن أسخطه معاصي عباده فقد أرضاه شهود ملائكته وأنبيائه ورسله وأوليائه سعة(1\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "260",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11454",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مغفرته وعفوه وبره وكرمه وجوده والثناء عليه بذلك وحمده وتمجديه بهذه الأوصاف التي حمده بها وأثنى عليه بها أحب إليه وأرضى له من فوات تلك المعاصي وفوات هذه المحبوبات واعلم أن الحمد هو الأصل الجامع لذلك كله فهو عقد نظام الخلق والأمر والرب تعالى له الحمد كله بجميع وجوهه واعتباراته وتصاريفه فما خلق شيئا ولا حكم بشيء إلا وله فيه الحمد فوصل حمده إلى حيث وصل خلقه وأمره حمدا حقيقا يتضمن محبته والرضا به وعنه والثناء عليه والإقرار بحكمته البالغة في كل ما خلقه وأمر به فتعطيل حكمته غير تعطيل حمده كما تقدم بيانه فكما أنه لا يكون إلا حميدا فلا يكون إلا حكيما فحمده وحكمته كعلمه وقدرته وحياته من لوازم ذاته ولا يجوز تعطيل شيء من صفاته وأسمائه عن مقتضياتها وآثارها فإن ذلك يستلزم النقص الذي يناقض كماله وكبريائه وعظمته يوضحه الوجه الخامس والعشرون إنه كما أن من صفات الكمال وأفعال الحمد والثناء أنه يجود ويعطي ويمنح فمنها أن يعيذ وينصر ويغيث فكما يحب أن يلوذ به اللائذون يحب أن يعوذ به العائذون وكمال الملوك أن يلوذ بهم أولياؤهم ويعوذوا بهم كما قال أحمد بن حسين الكندي في ممدوحه: يأمن ألوذ به فيما أومله ... ومن أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنتن جابره ولو قال ذلك في ربه وفاطره لكان أسعد به من مخلوق مثله والمقصود أن ملك الملوك يحب أن يلوذ به مماليكه وأن يعوذوا به كما أمر رسوله أن يستعيذ به من الشيطان الرجيم في غير موضع من كتابه وبذلك يظهر تمام نعمته على عدوه إذا أعاذه وأجاره من عدوه فلم يكن إعاذته وإجارته منه بأدنى النعمتين والله تعالى يحب أن يكمل نعمته على عباده المؤمنين ويريهم نصره لهم على عدوهم وحمايتهم منه وظفرهم بهم فيا لها من نعمة كمل بها سرورهم ونعيمهم وعدل أظهره في أعدائه وخصمائه: وما منهما الإله فيه حكمة ... يقصر عن إدراكها كل باحث الوجه السادس والعشرون قوله أي حكمة في إبقاء إبليس إلى آخر الدهر وإماتة الرسل فكم لله في ذلك من حكمة تضيق بها الأوهام فمنها أنه سبحانه لما جعله محكا ومحنة يخرج به الطيب من الخبيث ووليه من عدوه اقتضت حكمته إبقاءه ليحصل الغرض المطلوب بخلقه ولو أماته لفات ذلك الغرض كما أن الحكمة اقتضت بقاء أعدائه الكفار في الأرض إلى آخر الدهر ولو أهلكهم البتة لتعطلت الحكم الكثيرة في إبقائهم فكما اقتضت حكمته امتحان أبي البشر اقتضت امتحان أولاده من بعده به فتحصل السعادة لمن خالفه وعاداه وينحاز إليه من وافقه ووالاه ومنها أنه لما سبق حلمه وحكمته أنه لا نصيب له في الآخرة وقد سبق له طاعة وعبادة جزاه بها في الدنيا بأن أعطاه البقاء فيها إلى آخر الدهر فإنه سبحانه لا يظلم أحدا حسنة عملها فأما المؤمن فيجزيه بحسناته في الدنيا وفي الآخرة وأما الكافر فيجزيه بحسنات ما عمل في الدنيا فإذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له شيء كما ثبت هذا المعنى في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ومنها أن إبقاءه لم يكن كرامة في حقه فإنه لو مات كان خيرا له وأخف لعذابه وأقل لشره ولكن لما غلظ ذنبه بالإصرار على المعصية ومخاصمة من ينبغي التسليم لحكمه والقدح في حكمته والخلف على اقتطاع عباده وصدهم عن عبوديته كانت عقوبة الذنب أعظم عقوبة بحسب تغلظه فأبقى في الدنيا(1\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "261",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11455",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأملى له ليزداد هذا إثما على أثم ذلك الذنب فيستوجب العقوبة التي لا تصلح لغيره فيكون رأس أهل الشر في العقوبة كما كان رأسهم في الشر والكفر ولما كان مادة كل شر فعنه ينشأ جوزي في النار مثل فعله فكل عذاب ينزل بأهل النار يبدأ به فيه ثم يسري منه إلى أتباعه عدلا ظاهرا أو حكمة بالغة ومنها أنه قال في مخاصمته لربه أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا وعلم سبحانه أن في الذرية من لا يصلح لمساكنته في داره ولا يصلح إلا لما يصلح له الشوك والروث أبقاه له وقال له بلسان القدر هؤلاء أصحابك وأوليائك فاجلس في انتظارهم وكلما مر بك واحد منهم فشأنك به فلو صلح لي لما ملكتك منه فإني أتولى الصالحين وهم الذي يصلحون لي وأنت ولي المجرمين الذين غنوا عن موالاتي وابتغاء مرضاتي قال تعالى: إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون نما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون فأما إماتة الأنبياء والمرسلين فلم يكن ذلك لهوانهم عليه ولكن ليصلوا إلى محل كرامته ويستريحوا من نكد الدنيا وتعبها ومقاساة أعدائهم وأتباعهم وليحي الرسل بعدهم يرى رسولا بعد رسول فإماتتهم أصلح لهم وللأمة أما هم فلراحتهم من الدنيا ولحوقهم بالرفيق الأعلى في أكمل لذة وسرور ولا سيما وقد خيرهم ربهم بين البقاء في الدنيا واللحاق به وأما الأمم فيعلم أنهم لم يطيعوهم في حياتهم خاصة بل أطاعوهم بعد مماتهم كما أطاعوهم في حياتهم وأن أتباعهم لم يكونوا يعبدونهم بل يعبدون الله بأمرهم ونهيهم والله هو الحي الذي لا يموت فكم في إماتتهم من حكمة ومصلحة لهم وللأمم هذا وهم بشر ولم يخلق الله البشر في الدنيا على خلقة قابلة للدوام بل جعلهم خلائف في الأرض يخلف بعضهم بعضا فلو أبقاهم لفاتت المصلحة والحكمة في جعلهم خلائف ولضاقت بهم الأرض فالموت كمال لكل مؤمن ولولا الموت لما طاب العيش في الدنيا ولا هناء لأهلها بها فالحكمة في الموت كالحكمة في الحياة الوجه السابع والعشرون قوله أي حكمة ومصلحة في إخراج آدم من الجنة إلى دار الابتلاء والامتحان فالجواب أن يقال كم لله سبحانه في ذلك من حكمة وكل فيه من نعمة ومصلحة تعجز العقول عن معرفتها على التفصيل ولو استفرغت قواها كلها في معرفة ذلك وإهباط آدم وإخراجه من الجنة كان يعسر كماله ليعود إليها على أحسن أحواله وهو سبحانه إنما خلقه ليستعمره وذريته في الأرض ويجعلهم خلفاء يخلف بعضهم بعضا فخلفهم سبحانه ليأمرهم وينهاهم ويبتليهم وليست الجنة دار ابتلاء وتكليف فأخرج الأبوين إلى الدار التي خلقوا منها وفيها ليتزودوا منها إلى الدار التي خلقوا لها فإذا وفوا تعب دار التكليف ونصبها عرفوا قدر تلك الدار وشرفها وفضلها ولو نشأوا في تلك الدار لما عرفوا قدر نعمته عليهم بها فأسكنهم دار الامتحان وعرضهم فيها لأمره ونهيه لينالوا بالطاعة أفضل ثوابه وكرامته وكان من الممكن أن يحصل لهم النعيم المقيم هناك لكن الحاصل عقيب الابتلاء والامتحان ومعانات الموت وما بعده وأهوال القيامة والعبور على الصراط نوع آخر من النعيم لا يدرك قدره وهو أكمل من نعيم من خلق في الجنة من الولدان والحور العين بما لا يشبه بينهما بوجه من الوجوه ومن الحكم في ذلك أنه سبحانه أراد أن يتخذ من ذرية آدم رسلا وأنبيائه وشهداء يحبهم ويحبونه وينزل عليهم كتبه ويعهد إليهم عهده ويستعبدهم له في السراء والضراء ويؤثرون محابه ومراضيه على شهواتهم وما يحبونه ويهوونه فاقتضت حكمته أن أنزلهم إلى دار ابتلاهم فيها بما ابتلاهم ليكملوا بذلك الابتلاء مراتب(1\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "262",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11456",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبوديته ويعبدونه بما تكرهه نفوسهم وذلك محض العبودية وإلا فمن يعبد الله إلا بما يحبه ويهواه فهو في الحقيقة إنما يعبد نفسه وهو سبحانه يحب من أوليائه أن يولوا فيه ويعادوا فيه ويبذلوا نفوسهم في مرضاته ومحابه وهذا كله لا يحصل في دار النعيم المطلق ومن الحكمة في إخراجه من الجنة ما تقدم التنبيه عليه من اقتضاء أسماء الله الحسنى لمسمياتها ومتعلقاتها كالغفور الرحيم التواب العفو المنتقم الخافض الرافع المعز المذل المحيي المميت الوارث ولا بد من ظهور أثر هذه الأسماء ووجود ما يتعلق به فاقتضت حكمته أن إنزال الأبوين من الجنة ليظهر مقتضى أسمائه وصفاته فيهما وفي ذريتهما فلو تربت الذرية في الجنة لفاتت أثار هذه الأسماء وتعلقاتها والكمال الإلهي يأبى ذلك فإنه الملك الحق المبين والملك هو الذي يأمر وينهى ويكرم ويهين ويثيب ويعاقب ويعطي ويمنع ويعز ويذل فأنزل الأبوين والذرية إلى دار تجري عليهم هذه الأحكام وأيضا فإنهم أنزلوا إلى دار يكون إيمانهم تاما فإن الإيمان قول وعمل وجهاد وصبر واحتمال وهذا كله إنما يكون في دار الامتحان لا في جنة النعيم وقد ذكر غير واحد من أهل العلم منهم أبو الوفا بن عقيل وغيره أن أعمال الرسل والأنبياء والمؤمنين في الدنيا أفضل من نعيم الجنة قالوا لأن نعيم الجنة حظهم وتمتعهم فأين يقاس إلى الإيمان وأعماله والصلوات وقراءة القرآن والجهاد في سبيل الله وبذل النفوس في مرضاته وإيثاره على هواها وشهواتها فالأيمان متعلق به سبحانه وهو حقه عليهم ونعيم الجنة متعلق بهم وهو حظهم فهم إنما خلقوا للعبادة والجنة دار نعيم لا دار تكليف وعبادة وأيضا فإنه سبحانه سبق حكمه وحكمته بأن يجعل في الأرض خليفة وأعلم بذلك ملائكته فهو سبحانه قد أراد بكون هذا الخليفة وذريته في الأرض قبل خلقه لما له في ذلك من الحكم والغايات الحميدة فلم يكن بد من إخراجه من الجنة إلى دار قد سكناهم فيها قبل أن يخلقه وكان ذلك التقدير بأسباب وحكم فمن أسبابه النهي عن تلك الشجرة وتخليته بينه وبين عدوه حتى وسوس إليه بالأكل وتخليته بينه وبين نفسه حتى وقع في المعصية وكانت تلك الأسباب موصلة إلى غايات محمودة مطلوبة يترتب على خروجه من الجنة ثم يترتب على خروجه أسباب أخر جعلت غايات لحكم أخر ومن تلك الغايات عوده إليها على أكمل الوجوه فذلك التقدير وتلك الأسباب وغاياتها صادرة عن محض الحكمة البالغة التي يحمده عليها أهل السماوات والأرض والدنيا والآخرة فما قدر أحكم الحاكمين ذلك باطلا ولا دبره عبثا ولا أخلاه من حكمته البالغة وحمده التام وأيضا فإنه سبحانه قال للملائكة: ني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ثم أظهر سبحانه من علمه وحكمته الذي خفي على الملائكة من أمر هذا الخليفة ما لم يكونوا يعرفونه بأن جعل من نسله من أوليائه وأحبائه ورسله وأنبيائه من يتقرب إليه بأنواع التقرب ويبذل نفسه في محبته ومرضاته يسبح بحمده أناء الليل وأطراف النهار ويذكره قائما وقاعدا وعلى جنبه ويعبده ويذكره ويشكره في السراء والضراء والعافية والبلاء والشدة والرخاء فلا يثنيه عن ذكره وشكره وعبادته شدة ولا بلاء ولا فقر ولا مرض ويعبده مع معارضة الشهوة وغلبات الهوى وتعاضد الطباع لأحكامها ومعاداة بني جنسه وغيرهم له فلا يصده ذلك عن عبادته وشكره وذكره والتقرب إليه فإن كانت عبادتكم لي بلا معارض ولا ممانع فعبادة هؤلاء لي مع هذه المعارضات والموانع والشواغل وأيضا فإنه سبحانه أراد أن يظهر لهم(1\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "263",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11457",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما خفي عليهم من شأن ما كانوا يعظمونه ويجلونه ولا يعرفون ما في نفسه من الكبر والحسد والشر فذلك الخير وهذا الشر كامن في نفوس لا يعلمونها فلا بد من إخراجه وإبرازه لكي يعلم حكمة أحكم الحاكمين في مقابلة كل منهما بما يليق به وأيضا فإنه سبحانه لما خلق خلقه أطوارا وأصنافا وسبق في حكمه وحكمته تفضيل آدم وبنيه على كثير ممن خلق تفضيلا جعل عبوديتهم أكمل من عبودية غيرهم وكانت العبودية أفضل أحوالهم وأعلى درجاتهم أعني العبودية الاختيارية التي يأتون بها طوعا واختيارا لا كرها واضطرارا ولهذا أرسل الله جبريل إلى سيد هذا النوع الإنساني يخيره بين أن يكون عبدا رسولا أو ملكا نبيا فاختار بتوفيق ربه له أن يكون عبدا رسولا وذكره سبحانه بأتم العبودية في أشرف مقاماته وأفضل أحواله كمقام الدعوة والتحدي والإسراء وإنزال القرآن: وأنه لما قام عبد الله يدعوه : وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا : سبحان الذي أسرى بعبده : تبارك الذي نزل الفرقان على عبده فأثنى عليه ونوه الله لعبوديته التامة له ولهذا يقول أهل الموقف حين يطلبون الشفاعة اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فلما كانت العبودية أشرف أحوال بني آدم وأحبها إلى الله وكان لها لوازم وأسباب مشروطة لا يحصل إلا بها كان من أعظم الحكمة أن أخرجوا إلى دار تجري عليهم فيها أحكام العبودية وأسبابها وشروطها وموجباتها فكان إخراجهم من الجنة تنكيلا لهم وإتماما لنعمته عليهم مع ما في ذلك من محبوبات الرب تعالى فإنه يحب إجابة الدعوات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات ومغفرة الزلات وتكفير السيئات ودفع البليات وإعزاز من يستحق العز وإذلال من يستحق الذل ونصر المظلوم وجبر الكسير ورفع بعض خلقة على بعض وجعلهم درجات ليعرف قدر فضله وتخصيصه فاقتضى ملكه التام وحمده الكامل أن يخرجهم إلى دار يحصل فيها محبوباته سبحانه وإن كان لكثير منها طرق وأسباب يكرهها فالوقوف على الشيء لا بدونه وإيجاد لوازم الحكمة من الحكمة كما أن إيجاد لوازم العدل من العدل كما ستقف عليه في فصل إيلام الأطفال إن شاء الله الوجه الثامن والعشرون أنه سبحانه أبرز خلقه من العدم إلى الوجود ليجري عليه أحكام أسمائه وصفاته فيظهر كماله المقدس وإن كان لم يزل كاملا فمن كماله ظهور آثار كماله في خلقه وأمره وقضائه وقدره ووعده ووعيده ومنعه وإعطائه وإكرامه وإهانته وعدله وفضله وعفوه وإنعامه وسعة حلمه وشدة بطشه وقد اقتضى كماله المقدس سبحانه أنه كل يوم هو في شأن فمن جملة شؤونه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويشفي مريضا ويفك عانيا وينصر مظلوما ويغيث ملهوفا ويحبر كسيرا ويغني فقيرا ويجيب دعوة ويقيل عثرة ويعز ذليلا ويذل متكبرا ويقصم جبارا ويميت ويحيي ويضحك ويبكي ويخفض ويرفع ويعطي ويمنع ويرسل رسله من الملائكة ومن البشر في تنفيذ أوامره وسوق مقاديره التي قدرها إلى مواقيتها التي وقتها لها وهذا كله لم يكن ليحصل في ذات البقاء وإنما اقتضت حكمته البالغة حصوله في دار الامتحان والابتلاء يوضحه الوجه التاسع والعشرون أن كمال ملكه التام اقتضى كمال تصرفه فيه بأنواع التصرف ولهذا جعل الله سبحانه الدور ثلاثة دارا أخلصها للنعيم واللذة والبهجة والسرور ودارا أخلصها للألم والنصب وأنواع البلاء والشرور ودارا خلط خيرها بشرها ومزج نعيمها بشقائها ومزج لذتها بألمها يلتقيان ويطالبان وجعل عمارة تينك الدارين من هذه الدار وأجرى أحكامه على خلقه في الدور الثلاثة بمقتضى ربوبيته(1\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "264",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11458",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإلهيته وعزته وحكمته وعدله ورحمته فلو أسكنهم كلهم دار البقاء من حين أوجدهم لتعطلت أحكام هذه الصفات ولم يترتب عليها آثارها يوضحه الوجه الثلاثون أن يوم المعاد الأكبر يوم مظهر الأسماء والصفات وأحكامها ولهذا يقول سبحانه: لمن الملك اليوم لله الواحد القهار وقال: الملك يومئذ الحق للرحمن وقال: يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله حتى أن الله سبحانه ليتعرف إلى عباده ذلك اليوم بأسماء وصفات لم يعرفوها في هذه الدار فهو يوم ظهور المملكة العظمى والأسماء الحسنى والصفات العلى فتأمل ما أخبر به والله ورسوله من شأن ذلك اليوم وأحكامه وظهور عزته تعالى وعظمته وعدله وفضله ورحمته وآثار صفاته المقدسة التي لو خلقوا دار البقاء لتعطلت وكماله سبحانه ينفي ذلك وهذا دليل مستقل لمن عرف الله تعالى وأسمائه وصفاته على وقوع المعاد وصدق الرسل فيما أخبروا به عن الله عنه فيطابق دليل العقل ودليل السمع على وقوعه الوجه الحادي والثلاثون أن الله سبحانه يحب أن يعبد بأنواع التعبدات كلها ولا يليق ذلك إلا بعظمته وجلاله ولا يحسن ولا ينبغي إلا الإله وحده ومن المعلوم أن أنواع التعبد الحاصلة في دار الابتلاء والامتحان لا يكون في دار المجازاة وإن كان في هذه الدار بعض المجازاة وكمالها وتمامها إنما هو في تلك الدار وليست دار عمل وإنما هي دار جزاء وثواب أوجب كماله المقدس أن يجزي فيها الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى فلم يكن بد من دار تقع فيها الإساءة والإحسان ويجري على أهلها أحكام الأسماء والصفات ثم يعقبها دارا يجازي فيها المحسن والمسيء ويجري على أهلها فيها أحكام الأسماء والصفات فتعطيل أسمائه وصفاته ممتنع ومستحيل وهو تعطيل لربوبيته وإلهيته وملكه وعزه وحكمته فمن فتح له باب من الفقه في أحكام الأسماء والصفات وعلم اختصاصها لآثارها ومتعلقاتها واستحالة تعطيلها علم أن الأمر كما أخبرت به الرسل وأنه لا يجوز عليه سبحانه ولا ينبغي له غيره وأنه ينزه عن خلاف ذلك كما ينزه عن سائر العيوب والنقائص وهذا باب عزيز من أبواب الإيمان فيفتحه الله على من يشاء من عباده ويحرمه من يشاء الوجه الثاني والثلاثون أنه كم لله سبحانه من حكمة وحمد وأمر ونهي وقضاء وقدر في جعل بعض عباده فتنة لبعض كما قال تعالى: وكذلك فتنا بعضهم ببعض وقال تعالى: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون فهو سبحانه جعل أوليائه فتنة لأعدائه وأعداءه فتنته لأوليائه والملوك فتنة للرعية والرعية فتنة لهم والرجال فتنة للنساء وهن فتنة لهم والأغنياء فتنة للفقراء والفقراء فتنة لهم وابتلى كل أحد بضد جعله متقابلا فما استقرت أقدام الأبوين على الأرض إلا وضدهما مقابلهما واستمر الأمر في الذرية كذلك إلى أن يطوي الله الدنيا ومن عليها وكم له سبحانه في مثل هذا الابتلاء والامتحان من حكمة بالغة ونعمة سابغة وحكم نافذ وأمر ونهي وتصريف دال على ربوبيته وإلهيته وملكه وحمده وكذلك ابتلاء عباده بالخير والشر في هذه الدار هو من كمال حكمته ومقتضى حمده التام الوجه الثالث والثلاثون أنه لولا هذا الابتلاء والامتحان لما ظهر فضل الصبر والرضا والتوكل والجهاد والعفة والشجاعة والحلم والعفو والصفح والله سبحانه يحب أن يكرم أوليائه بهذه الكمالات ويحب ظهورها عليهم ليثني بها عليهم هو وملائكته وينالوا باتصافهم بها غاية الكرامة واللذة والسرور وإن كانت مرة المبادئ فلا أحلى من عواقبها ووجود الملزم بدون لازمه ممتنع وقد أجرى الله سبحانه حكمته بأن كمال الغايات تابعة لقوة أسبابها وكمالها ونقصانها لنقصانها فمن كمل(1\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "265",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11459",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أسباب النعيم واللذة كملت له غاياتها ومن حرمها حرمها ومن نقصها نقص له من غاياتها وعلى هذا قام الجزاء بالقسط والثواب والعقاب وكفى بهذا العالم شاهدا لذلك فرب الدنيا والآخرة واحد وحكمته مطردة فيهما وله الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون يوضحه الوجه الرابع والثلاثون وهو أن أفضل العطاء وأجله على الإطلاق الإيمان وجزاؤه وهو لا يتحقق إلا بالامتحان والاختبار قال تعالى: ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين فذكر سبحانه في هذه السورة أنه لا بد أن يمتحن خلقه ويفتنهم ليتبين الصادق من الكاذب والمؤمن من الكافر ومن يشكره ويعبده ممن يكفره ويعرض عنه ويعبد غيره وذكر أحوال الممتحنين في العاجل والآجل وذكر أئمة الممتحنين في الدنيا وهم الرسل وأتباعهم وعاقبة أمرهم وما صاروا إليه وافتتح بالإنكار على من يحسب أنه يتخلص من الامتحان والفتنة في هذه الدار إذا دعى الإيمان وأن حكمته سبحانه وشأنه في خلقه يأبى ذلك وأخبر عن سر هذه الفتنة والمحنة وهو تبيين الصادق من الكاذب والمؤمن من الكافر وهو سبحانه كان يعلم ذلك قبل وقوعه ولكن اقتضى عدله وحمده أنه لا يجزي العباد بمجرد علمه فيهم بل بمعلومه إذا وجد وتحقق والفتنة هي التي أظهرته وأخرجته إلى الوجود فحينئذ حسن وقوع الجزاء عليه ثم أنكر سبحانه على من لم يلتزم الإيمان به ومتابعة رسله خوف الفتنة والمحنة التي يمتحن بها رسله وأتباعهم ظنه وحسبانه أنه بإعراضه عن الإيمان وتصديق رسله يتخلص من الفتنة والمحنة فإن بين يديه من الفتنة والمحنة والعذاب أعظم وأشق مما فر عنه فإن المكلفين بعد إرسال الرسل إليهم بين أمرين إما أن يقول أحدهم آمنت وإما أن لا يقول بل يستمر على السيئات فمن قال آمنا امتحنه الرب تعالى وابتلاه لتتحقق بالإيمان حجة إيمانه وثباته عليه وأنه ليس بإيمان عافية ورخاء فقط بل إيمان ثابت في حالتي النعماء والبلاء ومن لم يؤمن فلا يحسب أنه يعجز ربه تعالى ويفوته بل هو في قبضته وناصيته بيده فله من البلاء أعظم مما ابتلى به من قال آمنت فمن آمن به وبرسله فلا بد أن يبتلي من أعدائه وأعداء رسله بما يؤلمه ويشق عليه ومن لم يؤمن به وبرسله فلا بد أن يعاقبه فيحصل له من الألم والمشقة أضعاف ألم المؤمنين فلا بد من حصول الألم لكل نفس مؤمنة أو كافرة لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا أشد ثم ينقطع ويعقبه أعظم اللذة والكافر يحصل له اللذة والسرور ابتداء ثم ينقطع ويعقبه أعظم الألم والمشقة وهكذا حال الذين يتبعون الشهوات فيلتذون بها ابتداء ثم تعقبها الآلام لم بحسب ما نالوه منها والذين يصبرون عنها ينالون بفقدها ابتداء ثم يعقب ذلك الألم من اللذة والسرور بحسب ما صبروا عنه وتركوه منها فالألم واللذة أمر ضروري لكل إنسان لكن الفرق بين العاجل المنقطع اليسير والآجل الدائم العظيم بون ولهذا كان خاصة العقل النظر في العواقب والغايات فمن ظن أنه يتخلص من الألم بحيث لا يصيبه البتة فظنه أكذب الحديث فإن الإنسان خلق عرضة للذة والألم والسرور والحزن والفرح والغم وذلك من جهتين من جهة تركبه وطبيعته وهيئته فإنه مركب من أخلاط متفاوتة متضادة يمتنع أو يعز اعتدالها من كل وجه بل لا بد أن يبغي بعضها على بعض فيخرج عن حد الاعتدال(1\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "266",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11460",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيحصل الألم ومن جهة بني جنسه فإنه مدني بالطبع لا يمكنه أن يعيش وحده بل لا يعيش إلا معهم وله ولهم لذاذات ومطالب متضادة ومتعارضة لا يمكن الجمع بينها بل إذا حصل منها شيء فات منها أشياء فهو يريد منهم أن يوافقوه على مطالبه وإرادته وهم يريدون منه ذلك فإن وافقهم حصل له من الألم والمشقة بحسب ما فاته من إرادته وإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه وسعوا في تعطيل مراداته كما لم يوافقهم على مراداتهم فيحصل له من الألم والتعذيب بحسب ذلك فهو في ألم ومشقة وعناء وافقهم أو خالفهم ولا سيما إذا كانت موافقتهم على أمور يعلم أنها عقائد باطلة وإرادات فاسدة وأعمال تضره في عواقبها ففي موافقتهم أعظم الألم وفي مخالفتهم حصول الألم فالعقل والدين والمروءة والعلم تأمره باحتمال أخف الألمين تخلصا من أشدهما وبإيثار المنقطع منهما لينجو من الدائم المستمر فمن كان ظهيرا للمجرمين من الظلمة على ظلمهم ومن أهل الأهواء والبدع على أهوائهم وبدعهم ومن أهل الفجور والشهوات على فجورهم وشهواتهم ليتخلص بمظاهرتهم من ألم أذاهم أصابه من ألم الموافقة لهم عاجلا وآجلا أضعاف أضعاف ما فر منه وسنة الله في خلقه أن يعذبهم بإنذار من إيمانهم وظاهرهم وإن صبر على ألم مخالفتهم ومجانبتهم أعقبه ذلك لذة عاجلة وآجلة تزيد على لذة الموافقة بأضعاف مضاعفة وسنة الله في خلقه أن يرفعه عليهم ويذلهم به بحسب صبره وتقواه وتوكله وإخلاصه وإذا كان لا من الألم والعذاب فذلك في الله وفي مرضاته ومتابعة رسله أولى وأنفع منه في الناس ورضائهم وتحصيل مراداتهم ولما كان زمن التألم والعذاب فصبره طويل فأنفاسه ساعات وساعاته أيام وأيامه شهور وأعوام بلا سبحانه الممتحنين فيه بأن ذلك الابتلاء آجلا ثم ينقطع وضرب لأهله أجلا للقائه يسليهم به ويشكر نفوسهم ويهون عليهم أثقاله فقال: من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم فإذا تصور العبد أجل ذلك البلاء وانقطاعه وأجل لقاء المبتلى سبحانه وإثباته هان عليه ما هو فيه وخف عليه حمله ثم لما كان ذلك لا يحصل إلا بمجاهدة للنفس وللشيطان ولبني جنسه وكان العامل إذا علم أن ثمرة علمه وتعبه يعود عليه وحده لا يشكره فيه غيره كأن أتم اجتهادا وأوفر سعيا فقال تعالى: ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين وأيضا فلا يتوهم متوهم أن منفعة هذه المجاهدة والصبر والاحتمال يعود على الله سبحانه فإنه غني عن العالمين لم يأمرهم بما أمرهم به حاجة منه إليهم ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا منه عليهم بل أمرهم بما يعود نفعه ومصلحته عليهم في معاشهم ومعادهم ونهاهم عما يعود مضرته وعتيه عليهم في معاشهم ومعادهم فكانت ثمرة هذا الابتلاء والامتحان مختصة بهم واقتضت حكمته أن نصب ذلك سببا مقضيا إلى يميز الخبيث من الطيب والشقي من الغوي ومن يصلح له ممن لا يصلح قال تعالى: ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب فابتلاهم سبحانه بإرسال الرسل إليهم بأوامره ونواهيه واختياره فامتاز برسله طيبهم من خبيثهم وجيدهم من رديئهم فوقع الثواب والعقاب على معلوم أظهره ذلك الابتلاء والامتحان ثم لما كان الممتحن لا بد أن ينحرف عن طريق الصبر والمجاهدة لدواعي طبيعته وهواه وضعفه عن مقاومة ما ابتلي به وعده سبحانه أن يتجاوز له عن ذلك ويكفره عنه لأنه لما أمر به والتزم طاعته اقتضت رحمته أن كفر عنه سيئاته وجازاه بأحسن أعماله ثم ذكر سبحانه ابتلاء العبد بأبويه وما أمر به من طاعتهما وصبره على مجاهدتهما له على أن لا يشرك به فيصبر على هذه المحنة والفتنة ولا يطيعهما بل يصاحبهما على هذه الحال معروفا ويعرض عنهما إلى متابعة سبيل رسله(1\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "267",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11461",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الإعراض عنهما وعن سبيلهما والإقبال على من خالفهما وعلى سبيله من الامتحان والابتلاء ما فيه ثم ذكر سبحانه حال من دخل في الإيمان على ضعف عزم وقلة صبر وعدم ثبات على المحنة والابتلاء وأنه إذا أوذي في الله كما جرت به سنة الله واقتضت حكمته من ابتلاء أوليائه بأعدائه وتسليطهم عليهم بأنواع المكاره والأذى لم يصبر على ذلك وجزع منه وفر منه ومن أسبابه كما يفر من عذاب الله فجعل فتنة الناس له على الإيمان وطاعة رسله كعذاب الله لمن يعذبه على الشرك ومخالفة رسله وهذا يدل على عدم البصيرة وأن الإيمان لم يدخل قلبه ولا ذاق حلاوته حتى سوى بين عذاب الله له على الإيمان بالله ورسوله وبين عذاب الله لمن لم يؤمن به وبرسله وهذا حال من يعبد الله على حرف واحد لم ترسخ قدمه في الإيمان وعبادة الله فهو من المفتونين المعذبين وإن فر من عذاب الناس له على الإيمان ثم ذكر حال هذا عند نصرة المؤمنين وأنهم إذا نصروا لجأ إليهم وقال كنت معكم والله سبحانه يعلم من قلبه خلاف قوله ثم ذكر سبحانه ابتلاء نوح بقومه ألف سنة إلا خمسين عاما وابتلاء قومه بطاعته فكذبوه فابتلاهم بالغرق ثم بعده بالخرق ثم ذكر ابتلاء إبراهيم بقومه وما ردوا عليه وابتلاهم بطاعته ومتابعته ثم ذكر ابتلاء لوط بقومه وابتلاءهم به وما صار إليه أمره وأمرهم ثم ذكر ابتلاء شعيب بقومه وابتلاءهم به وما انتهت إليه حالهم وحاله ثم ذكر ما ابتلى به عادا وثمودا وقارون وفرعون وهامان وجنودهم من الإيمان به وعبادته وحده ثم ما ابتلاهم به من أنواع العقوبات ثم ذكر ابتلاء رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بأنواع الكفار من المشركين وأهل الكتاب وأمره أن يجادل أهل الكتاب بالتي هي أحسن ثم أمر عباده المبتلين بأعدائه أن يهاجروا من أرضهم إلى أرضه الواسعة فيعبدونه فيها ثم نبههم بالنقلة الكبرى من دار الدنيا إلى دار الآخرة على نقلتهم الصغرى من أرض إلى أرض وأخبرهم أن مرجعهم إليه فلا قرار لهم في هذه الدار دون لقائه ثم بين لهم حال الصابرين على الابتلاء فيه بأنه يبوؤهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها فسلاهم عن أرضهم ودارهم التي تركوها لأجله وكانت مباء لهم بأن بوأهم دارا أحسن منها وأجمع لكل خير ولذة ونعيم مع خلود الأبد وأن ذلك بصبرهم على الابتلاء وتوكلهم على ربهم ثم أخبرهم بأنه ضامن لرزقهم في غير أرضهم كما كان يرزقهم في أرضهم فلا يهتموا بحمل الرزق فكم من دابة سافرت من مكان إلى مكان لا تحمل رزقها ثم أخبرهم أن مدة الابتلاء والامتحان في هذه الدار قصيرة جدا بالنسبة إلى دار الحيوان والبقاء ثم ذكر سبحانه عاقبة أهل الابتلاء ممن لم يؤمن به وأن مقامهم في هذه الدار تمتع وسوف يعلمون عند النقلة منها ما فاتهم من النعيم المقيم وما حصلوا عليه من العذاب الأليم وذكر عاقبة أهل الابتلاء ممن آمن به وأطاع رسله وجاهد نفسه وعدوه في دار الابتلاء ما به هاديه وناصره فأخبر سبحانه أن أجل عطاه وأفضله في الدنيا والآخرة هو لأهل الابتلاء الذين صبروا على ابتلائه وتوكلوا عليه وأخبر أن أعظم عذابه وأشقه هو للذين لم يصبروا على ابتلائه وفروا منه وآثروا النعيم العاجل عليه فمضمون هذه السورة هو سر الخلق والأمر فإنها سورة الابتلاء والامتحان وبيان حال أهل البلوى في الدنيا والآخرة ومن تأمل فاتحتها ووسطها وخاتمها وجد في ضمنها أن أول الأمر ابتلاء وامتحان ووسطه صبر وتوكل وآخره هداية ونصر والله المستعان يوضحه الوجه الخامس والثلاثون وهو أنه سبحانه أخبر أنه خلق السماوات والأرض العالم العلوي والسفلي(1\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "268",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11462",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليبلونا أينا أحسن عملا وأخبر أنه زين الأرض بما عليها من حيوان ونبات ومعادن وغيرها لهذا الابتلاء وأنه خلق الموت والحياة لهذا الابتلاء فكان هذا الابتلاء غاية الخلق والأمر فلم يكن من بد من دار يقع فيها هذا الابتلاء وهي دار التكليف ولما سبق في حكمته أن الجنة دار نعيم لا دار ابتلاء وامتحان جعل قبلها دار الابتلاء جسرا يعبر عليه إليها ومزرعة يبذر فيها وميناء يزود منها وهذا هو الحق الذي خلق الخلق به ولأجله وهو أن يعبد وحده بما أمر به على ألسنة رسله فأمر ونهى على السنة ووعدنا بالثواب والعقاب ولم يخلق خلقه سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يتركهم هملا لا يثيبهم ولا يعاقبهم بل خلقوا للأمر والنهي والثواب والعقاب ولا يليق بحكمته وحمده غير ذلك. فصل: وقد عرف من هذا الجواب عن قولهم أي حكمة في خلق النفس مريدة للخير والشر وهلا خلقت مريدة للخير وحده وكيف اقتضت الحكمة تمكينها من الشر مع القدرة على منعها منه وأي حكمة في إعطائها قوة وأسبابا يعلم المعطي أنها لا يفعل بها إلا الشر وحده وأي حكمة في إقرار هذه النفوس على غيها وظلمها وعدوانها ومعلوم أن يفعل لحكمة لا يفعل ذلك وأن من يفعل لحكمة إذا رأى عبيده يقتل بعضهم بعضا ويفسد بعضهم بعضا ويظلم بعضهم بعضا وهو قادر على منعهم فلا بدعة حكمته وهما لهم بحيث يتركهم كذلك فإما أن يكون عالما يما يأتون أو لا يكون قادرا على منعهم أو لا يكون ممن يفعل لغرض وحكمة والأولان مستحيلان في حق الرب تعالى فتعين الثالث ومبنى هذه الشبهة على أصل فاسد وهو قياس الرب على خلقه وتشبيههم في أفعاله بحيث يحسن منه ما يحصن منهم ويقبح منه ما يقبح منهم ولهذا كانت القدرية مشبهة الأفعال ومتأخروهم جمعوا بين هذا التشبيه وبين تعطيل الصفات فصاروا معطلين للصفات مشبهين في الأفعال وهذا الأصل الفاسد مما رده عليهم سائر العقلاء وقالوا قياس أفعال الرب على أفعال العباد من أفسد القياس وكذلك قياس حكمته على حكمتهم وصفاته على صفاتهم ومن المعلوم أن الرب تعالى علم أن عباده يقع منهم الكفر والظلم والفسوق وكان قادرا على أن لا يوجدهم وأن يوجدهم كلهم أمة واحدة على ما يحب ويرضى وأن يحول بينهم وبين بغي بعضهم ولكن حكمته البالغة أبت ذلك واقتضت إيجادهم على الوجه الذي هم عليه وهو سبحانه خلق النفوس أصنافا فصنف مريدا للخير وحده وهي نفوس الملائكة وصنف مريدا للشر وحده وهي نفوس الشياطين وصنف فيه إرادة النوعين وهي النفوس البشرية فالأولى الخير لهم طباع وهي محمودة عليه والشر للنفوس الثانية طباع وهي مذمومة عليه والصنف الثالث بحسب الغالب عليه من الوصفين فمن غلب عليه وصف الخير التحق بالصنف الأول ومن غلب عليه وصف الشر التحق بالصنف الثالث فإذا اقتضت الحكمة وجود هذا الصنف الثالث فإن يقتضي وجود الثاني أولى وأحرى والرب تعالى اقتضت قدرته وعزته وحكمته إيجاد المتقابلات في الذوات والصفات والأفعال كما تقدم وقد نوع خلقه تنويعا دالا على كمال قدرته وربوبيته فمن أعظم الجهل والضلال أن يقول القائل هلا كان خلقه كلهم نوعا واحدا فيكون العالم علوا كله أو نورا كله أو الحيوان ملكا كله وقد يقع في الأوهام الفاسدة أن هذا كان أولى وأكمل ويعرض الوهم الفاسد ما ليس ممكنا كمالا الوجه السادس والثلاثون قوله وأي حكمة في إيلام الحيوانات غير المكلفة فهذه مسألة تكلم الناس(1\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "269",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11463",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيها قديما وحديثا وتباينت طرقهم في الجواب عنها فالجاحدون للفاعل المختار الذي يفعل بمشيئته وقدرته يحيلون ذلك على الطبيعة المجردة وأن ذلك من لوازمها ومقتضياتها ليس بفعل فاعل ولا قدرة قادر ولا إرادة مريد ومنكرو الحكمة والتعليل يردون ذلك إلى محض المشيئة وصرف الإرادة تخصص مثلا على مثل بلا موجب ولا غاية ولا حكمة مطلوبة ولا سبب أصلا وظنوا أنهم بذلك يتخلصون من السؤال ويسدون على نفوسهم باب المطالبة وإنما سدوا على نفوسهم باب معرفة الرب وكماله وكمال أسمائه وأوصافه وأفعاله فعطلوا حكمته وحقيقة ألهيته وحمده وكانوا كالمستجيرين من الرمضاء بالنار وأما من أثبت حكمة وتعليلا لا يعودا إلى الخالق بل إلى المخلوق سلكوا طريقة التعويض على تلك الآلام في حق من يبعث للثواب والعقاب وقالوا قد يكون في ذلك إثابة لإثابتهم بصبرهم وتألمهم وإثابة لهم وتعويضا في القيامة بما نالهم من تلك الآلام فلما أورد عليهم إيلام الحيوانات التي لا تثاب ولا تعاقب وأما المثبتون لحقائق أسماء الرب وصفاته وحكمته التي هي وصفه ولأجلها تسمى بالحكيم وعنها صدر خلقه وأمره فهم أعلم الفرق بهذا الشأن ومسلكهم فيه أصح المسالك وأسلم من التناقض والاضطراب فإنهم جمعوا بين إثبات القدرة والمشيئة العامة والحكمة الشاملة التي هي غاية الفعل وربطوا ذلك بالأسماء والصفات فتصادق عندهم السمع والعقل والشرع والفطرة وعلموا أن ذلك مقتضى الحكمة البالغة وأنه من لوازمها وأن لازم الحق حق ولازم العدل عدل ولوازم الحكمة من الحكمة فاعلم أن هاهنا أمرين نفسا متحركة بالإرادة والاختيار وطبيعة متحركة بغير الاختيار والإرادة وأن الشر منشأه من هذين المتحركين وعن هاتين الحركتين وخلقت هذه النفس وهذه الطبيعة على هذا الوجه فهذه تتحرك لكمالها وهذه تتحرك لكمالها وينشأ عن الحركتين خير وشر كما ينشأ عن حركة الأفلاك والشمس والقمر وحركة الرياح والماء والنار خير وشر فالخيرات الناشئة عن هذه الحركات مقصودة بالقصد الأول إما لذاتها وإما لكونها وسيلة إلى خيرات أتم منها والشرور الناشئة عنها غير مقصودة بالذات وإن قصدت قصد الوسائل واللوازم التي لا بد مها فما جبلت عليه النفس من الحركة هو من لوازم ذاتها فلا تكون النفس البشرية نفسا إلا بهذا اللازم فإذا قيل لم خلقت متحركة على الدوام فهو بمنزلة أن يقال لم كانت النفس نفسا ولم كانت النار نارا والريح ريحا فلو لم يخلق هذا ما كانت نفسا ولو لم تخلق الطبيعة هكذا ما كانت طبيعة ولو لم يخلق الإنسان على هذه الصفة والخلقة ما كان إنسانا فإن قيل فلم خلقت النفس على هذه الصفة قيل من كمال الوجود خلقها على هذه الصفة كما تقدم وكذلك كمال فاطرها ومبدعها اقتضى خلقها على هذه الصفة لما في ذلك من الحكم التي لا يحصيها إلا مبدعها سبحانه وإن كان في إيجاد هذه النفس شرا فهو شر جزئي بالنسبة إلى الخير الكلي الذي هو سبب إيجادها فوجودها خير من أن لا توجد فلو لم يخلق مثل هذه النفس لكان في الوجود نقص وفوات حكم ومصالح عظيمة موقوفة على خلق مثل هذه النفس ولهذا لما اعترضت الملائكة على خلق الإنسان وقالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء أجابهم سبحانه بأن في خلقه من الحكم والمصالح ما لا تعلمه الملائكة والخالق سبحانه يعلمه وإذا كانت الملائكة لا تعلم ما في خلق هذا الإنسان الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء من الحكم والمصالح فغيرهم أولى أن لا يحيط به علما فخلق هذا الإنسان من تمام الحكمة والرحمة والمصلحة وإن كان وجوده مستلزما لشر فهو شر(1\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "270",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11464",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مغمور بما في إيجاده من الخير كإنزال المطر والثلج وهبوب الرياح وطلوع الشمس وخلق الحيوان والنبات والجبال والبحار وهذا كما أنه في خلقه فهو في شرعه ودينه وأمره فإن ما أمر به من الأعمال الصالحة خيره ومصلحته راجح وإن كان فيه شر فهو مغمور جدا بالنسبة إلى خيره وما نهى عنه من الأعمال والأقوال القبيحة فشره ومفسدته راجح والخير الذي فيه مغمور جدا بالنسبة إلى شره فسنته سبحانه في خلقه وأمره فعل الخير الخالص والراجح والأمر بالخير الخالص والراجح فإذا تناقضت أسباب الخير والشر والجمع بين النقيضين محال قدم أسباب الخير الراجحة على المرجوحة ولم يكن تفويت المرجوحة شرا ودفع أسباب الشر الراجحة بالأسباب المرجوحة ولم يكن حصول المرجوحة شرا بالنسبة إلى ما اندفع بها من الشر الراجح وكذلك سنته في شرعه وأمره فهو يقدم الخير الراجح وإن كان في ضمنه شر مرجوح ويعطل الشر الراجح وإن فات بتعطيله خير مرجوح هذه سنته فيما يحدثه ويبدعه في سماواته وأرضه وما يأمر به وينهى عنه وكذلك سنته في الآخرة وهو سبحانه قد أحسن كل شيء خلقه وقد أتقن كل ما صنع وهذا أمر يعلمه العالمون بالله جملة ويتفاوتون في العلم بتفاصيله وإذا عرف ذلك فالآلام والمشاق إما إحسان ورحمة وإما عدل وحكمة وإما إصلاح وتهيئة لخير يحصل بعدها وإما لدفع ألم هو أصعب منها وإما لتولدها عن لذات ونعم يولدها عنها أمر لازم لتلك اللذات وإما أن يكون من لوازم العدل أو لوازم الفضل والإحسان فيكون من لوازم الخير التي إن عطلت ملزوماتها فات بتعطيلها خير أعظم من مفسدة تلك الآلام والشرع والقدر أعدلا شاهد بذلك فكم في طلوع الشمس من ألم لمسافر وحاضر وكم في نزول الغيث والثلوج من أذى كما سماه الله بقوله: إن كان بكم أذى من مطر وكم في هذا الحر والبرد والرياح من أذى موجب لأنواع من الآلام لصنوف من الحيوانات وأعظم لذات الدنيا لذة الأكل والشرب والنكاح واللباس والرياسة ومعظم آلام أهل الأرض أو كلها ناشئة عنها ومتولدة منها بل الكمالات الإنسانية لا تنال إلا بالآلام والمشاق كالعلم والشجاعة والزهد والعفة والحلم والمروءة والصبر والإحسان كما قال: لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والأقدام قتال وإذا كانت الآلام أسبابا للذات أعظم منها وأدوم منها كان العقل يقضي باحتمالها وكثيرا ما تكون الآلام أسبابا لصحة لولا تلك الآلام لفاتت وهذا شأن أكبر أمراض الأبدان فهذه الحمى فيها من المنافع للأبدان مالا يعلمه إلا الله وفيها من إذابة الفضلات وإنضاج المواد الفجة وإخراجها ما لا يصل إليه دواء غيرها وكثير من الأمراض إذا عرض لصاحبها الحمى استبشر بها الطبيب وأما انتفاع القلب والروح بالآلام والأمراض فأمر لا يحس به إلا من فيه حياة فصحة القلوب والأرواح موقوفة على آلام الأبدان ومشاقها وقد أحصيت فوائد الأمراض فزادت على مائة فائدة وقد حجب الله سبحانه أعظم اللذات بأنواع المكاره وجعلها جسرا موصلا إليها كما حجب أعظم الآلام بالشهوات واللذات وجعلها جسرا موصلا إليها ولهذا قالت العقلاء قاطبة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم وأن الراحة لا تنال بالراحة وأن من آثر اللذات فاتته اللذات فهذه الآلام والأمراض والمشاق من أعظم النعم إذ هي أسباب النعم وما تنال الحيوانات غير المكلفة منها فمغمور جدا بالنسبة إلى مصالحها ومنافعها كما ينالها من حر(1\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "271",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11465",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصيف وبرد الشتاء وحبس المطر والثلج وألم الحمل والولادة والسعي في طلب أقواتها وغير ذلك ولكن لذاتها أضعاف أضعاف آلامها وما ينالها من المنافع والخيرات أضعاف ما ينالها من الشرور والآلام فسنة الله في خلقه وأمره هي التي أوجبها كمال علمه وحكمته وعزته ولو اجتمعت عقول العقلاء كلهم على أن يقترحوا أحسن منها لعجزوا عن ذلك وقيل لكل منهم أرجع بصر العقل فهل ترى من خلل: ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير فتبارك الذي من كمال حكمته وقدرته أن أخرج الأضداد من أضدادها والأشياء من خلافها فأخرج الحي من الميت والميت من الحي والرطب من اليابس واليابس من الرطب فكذلك أنشأ اللذات من الآلام والآلام من اللذات فأعظم اللذات ثمرات الآلام ونتائجها وأعظم الآلام ثمرات اللذات ونتائجها وبعد فاللذة والسرور والخير والنعم والعافية والمصلحة والرحمة في هذه الدار المملوءة بالمحن والبلاء وأكثر من أضدادها بأضعاف مضاعفة فأين آلام الحيوان من لذته وأين سقمه من صحته وأين جوعه وعطشه من شبعه وريه وتعبه من راحته قال تعالى: فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ولن يغلب عسر يسرين وهذا لأن الرحمة غلبت الغضب والعفو سبق العقوبة والنعمة تقدمت المحنة والخير في الصفات والأفعال والشر في المفعولات لا في الأفعال فأوصافه كلها كمال وأفعاله كلها خيرات فإن ألم الحيوان لم يعدم بألمه عافية من ألم هو أشد من ذلك الألم أو تهيئة لقوة وصحة وكمال أو عوضا لا نسبة لذلك الألم إليه بوجه ما فآلام الدنيا جميعها نسبتها إلى لذات الآخرة وخيراتها أقل من نسبة ذرة إلى جبال الدنيا بكثير وكذلك لذات الدنيا جميعها بالنسبة إلى آلام الآخرة والله سبحانه لم يخلق الآلام واللذات سدى ولم يقدرهما عبثا ومن كمال قدرته وحكمته أن جعل كل واحد منهما يثمر الأخرى هذا ولوازم الخلقة يستحيل ارتفاعها كما يستحيل ارتفاع الفقر والحاجة والنقص عن المخلوق فلا يكون المخلوق إلا فقيرا محتاجا ناقص العلم والقدرة فلو كان الإنسان وغيره من الحيوان لا يجوع ولا يعطش ولا يتألم في عالم الكون والفساد لم يكن حيوانا ولكانت هذه الدار دار بقاء ولذة مطلقة كاملة والله لم يجعلها كذلك وإنما جعلها دارا ممتزجا ألمها بلذتها وسرورها بأحزانها وغمومها وصحتها بسقمها حكمة منه بالغة. فصل: ولما كانت الآلام أدوية للأرواح والأبدان كانت كمالا للحيوان خصوصا لنوع الإنسان فإن فاطره وبارئه إنما أمرضه ليشفيه وإنما ابتلاه ليعافيه وإنما أماته ليحييه فهو سبحانه يسوق الحيوان والإنسان في مراتب كماله طورا بعد طور إلى آخر كماله بأسباب لا بد منها وكماله موقوف على تلك الأسباب ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع كوجود المخلوق بدون الحاجة والفقر والنقص ولوازم ذلك ولوازم تلك اللوازم ولكن أكثر النفوس جاهلة بالله وحكمته وعلمه وكماله فيفرض أمورا ممتنعة ويقدرها تقديرا ذهنيا ويحسب أنها أكمل من الممكن الواقع ومع هذا فربها يرحمها لجهلها وعجزها ونقصها فإن اعترفت بذلك واعترفت له بكماله وحمده وقامت بمقتضى هذين الاعترافين كان نصيبها من الرحمة أوفر والله سبحانه افتتح الخلق بالحمد وختم أمر هذا العالم بالحمد فقال: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وقال: وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين وأنزل كتابه بالحمد وشرع دينه بالحمد وأوجب ثوابه وعقابه بالحمد فحمده من لوازم ذاته إذ يستحيل أن يكون إلا محمودا فالحمد سبب الخلق وغايته الحمد أوجبه وللحمد وجد فحمده واسع(1\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "272",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11466",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لما وسعه علمه ورحمته وقد وسع ربنا كل شيء رحمة وعلما فلم يوجد شيئا ولم يقدره ولم يشرعه إلا بحمده ولحمده وكل ما خلقه وشرعه فهو متضمن للغايات الحميدة ولا بد من لوازمها ولوازم لوازمها ولهذا ملأ حمده سماواته وأرضه وما بينهما وما شاء من شيء بعد مما خلقه ويخلقه بعد هذا الخلق فحمده ملأ ذلك كله وحمده تعالى أنواع حمد على ربوبيته وحمد على تفرده بها وحمد على ألوهيته وتفرده وحمد على نعمته وحمد على منته وحمد على حكمته وحمد على عدله في خلقه وحمد على غناه عن إيجاد الولد والشريك والولي من الذل وحمده على كماله الذي لا يليق بغيره فهو محمود على كل حال وفي كل آن ونفس وعلى كل ما فعل وكل ما شرع وعلى كل ما هو متصف به وعلى كل ما هو منزه عنه وعلى كل ما في الوجود من خير وشر ولذة وألم وعافية وبلاء فكما أن الملك كله له والقدرة كلها له والعزة كلها له والعلم كله له والجمال كله له والحمد كله له كما في الدعاء المأثور quot;اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله واليك يرجع الأمر كله وأنت أهل لأن تحمدquot; وما عمرت الدنيا إلا بحمده ولا الجنة إلا بحمده ولا النار إلا بحمده حتى أن أهلها ليحمدونه كما قال الحسن: quot;لقد دخل أهل النار النار وإن قلوبهم لتحمده ما وجدوا عليه من حجة ولا سبيلquot;. فصل: فإن قيل فأي لذة وأي خير ينشأ من العذاب الشديد الدائم الذي لا ينقطع ولا يفتر عن أهله بل أهله فيه أبد الآباد كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودا غيرها لا يقضي عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم طرفة عين قيل لعمر الله هذا سؤال يقلقل الجبال فضلا عن قلوب الرجال وعن هذا السؤال أنكر من أنكر حكمة العزيز الحكيم ورد الأمر إلى مشيئة محضة لا سبب لها ولا غاية وجوز على الله أن يعذب أهل طاعته وأولياءه وينزلهم إلى أسفل الجحيم وينعم أعداءه المشركين به ويرفعهم إلى أعلى جنات النعيم أبد الآباد وأن يدخل النار من شاء بغير سبب ولا عمل أصلا وأن يفاوت بين أهلها مع مساويهم في الأعمال ويسوي بينهم في العذاب مع تفاوتهم في الأعمال وأن يعذب الرجل بذنب غيره وأن يبطل حسناته كلها فلا يثيبه بها أو يثيب بها غيره وكل ذلك جائز عليه لا يعلم أنه لا يفعله إلا بخبر صادق إذ نسبه ذلك وضده إليه على حد سواء وقالوا ولا مخلص عن هذا السؤال إلا بهذا الأصل وربما تمسكوا بظاهر من القول لم يضعوه على مواضعه ولم يجمعوا بينه وبين أدلة العدل والحكمة وتعليق الأمور بأسبابها وترتيبها عليها وآثار الموازنة والمقابلة وأخطأوا في فهم القرآن كما أخطأوا في وصف الرب بما لا يليق به وفي التجويز عليه ما لا يجوز عليه وقابلهم مثبتو الأسباب والحكم من القدرية وزعموا أنهم يتخلصون من قبيح القول بما أثبتوه من الحكمة والتعليل ولكن وقعوا في نظيره أو ما هو شر منه حيث أوجبوا على الله سبحانه تخليد من أفنى عمره في طاعته ثم ارتكب كبيرة واحدة ومات مصرا عليها في النار مع أعدائه الكفار أبد الآباد ولم يرقبوا له طاعة ولم يرعوا له إسلاما وهم في هذا المذهب شر قولا من إخوانهم الجبرية فإن أولئك لم يوجبوا على الله ذلك الحكم وإنما جوزوه عليه وجوزوا أن لا يفعله وهؤلاء أوجبوا عليه تخليد أهل الكبائر مع الكفار ولم يجوزوا عليه إخراجهم منها وأصابهم في غلطهم على القرآن والسنة وما يجوز على الرب وما لا يجوز عليه ما أصاب إخوانهم من الجبرية ولما ظن غيرهم من أهل النظر والبحث أن هذا هو الفساد الذي أخبرت به الرسل وعلموا أن هذا مناف للحكمة والرحمة والعدل والمصلحة قالوا أن ذلك(1\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "273",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11467",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تخويف وتخييل لا حقيقة له يزع النفوس السبعية والبهيمية عن عدوانها وشهواتها فتقوم بذلك مصلحة الوجود وكان من أكبر أسباب إلحاد هؤلاء وكفرهم بالله واليوم الآخر نسبة أولئك مذاهبهم الباطلة وأقوالهم الفاسدة إلى الرسل وإخبارهم أنهم دعوا إلى الإيمان بها كما أصابهم تعميم في باب مسألة حدوث العالم حيث أخبروهم أن الرسل أخبرت عن الله أنه لم يزل معطلا عن الفعل والفعل غير ممكن منه ثم انقلب من الإحالة الذاتية إلى الإمكان الذاتي عند ابتدائه بلا تجدد سبب ولا أمر قام بالفاعل وقالوا من لم يعتقد هذا فليس بمؤمن ولا مصدق للرسل فهذا في المبدأ وذاك في المعاد ثم جاءت طائفة أخرى فطووا بساط الخلق والأمر جملة وقالوا كل هذا محال وتلبيس وما ثم وجودان بل الوجود كله واحد ليس هناك خالق ومخلوق ورب ومربوب وطاعة ومعصية وما الأمر إلا نسق واحد والتفريق من أحكام الوهم والخيال فالسماوات والأرض والدنيا والآخرة والأزل والأبد والحسن والقبيح كله شيء واحد وهو من عين واحدة ثم استدركوا فقالوا لا بل هو العين ونشأ الناس إلا من شاء الله بين هؤلاء الطوائف الأربع لا يعرفون سوى أقوالهم ومذاهبهم فعظمت البلية واشتدت المصيبة وصار أذكياء الناس زنادقة العالم وأدناهم إلى الخلاص أهل البلادة والبله والعقل والسمع عن هذه الفرق بمعزل ومنازلهم منهما أبعد منزل فنقول وبالله التوفيق والله المستعان وعليه التكلان دل القرآن والسنة والفطرة وأدلة العقول أنه سبحانه خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق ولم يخلق شيئا عبثا ولا سدى ولا باطلا وإنما أوجد العالم العلوي والسفلي ومن فيهما بالحق الذي هو وصفه واسمه وقوله وفعله وهو سبحانه الحق المبين فلا يصدر عنه إلا حق لا يقول إلا حقا ولا يفعل إلا حقا ولا يأمر إلا بالحق ولا يجازي إلا بحق فالباطل لا يضاف إليه بل الباطل ما لم يضف إليه كالحكم الباطل والدين الباطل الذي لم يأذن فيه ولم يشرعه على ألسنة رسله والمعبود الباطل الذي لا يستحق العبادة وليس أهلا لها فعبادته باطلة ودعوته باطلة والقول الباطل هو الكذب والزور والمحال من القول الذي لا يتعلق بحق موجود بل متعلقه باطل لا حقيقة له وهو سبحانه إنما خلق الخلق لعبادته ومعرفته وأصل عبادته محبته على آلائه ونعمه وعلى كماله وجلاله وذلك أمر فطري ابتدأ الله عليه خلقه وهي فطرته التي فطر الناس عليها كما فطرهم على الإقرار به كما قالت الرسل لأممهم: أفي الله شك فاطر السماوات والأرض فالخلق مفطورون على معرفته وتوحيده فلو خلوا وهذه الفطرة لنشأوا على معرفته وعبادته وحده وهذه الفطرة أمر خلقي خلقوا عليه ولا تبديل لخلقه فمضى الناس على هذه الفطرة قرونا عديدة ثم عرض لها موجب فسادها وخروجها عن الصحة والاستقامة بمنزلة ما يعرض للبدن الصحيح والطبيعة الصحيحة مما يوجب خروجهما عن الصحة إلى الانحراف فأرسل رسله ترد الناس إلى فطرتهم الأولى التي فطروا عليها فانقسم الناس معهم ثلاثة أقسام منهم من استجاب لهم كل الاستجابة وانقاد إليهم كل الانقياد فرجعت فطرته إلى ما كانت عليه مع ما حصل لها من الكمال والتمام في قوتي العلم النافع والعمل الصالح فازدادت فطرتهم كمالا إلى كمالها فهؤلاء لا يحتاجون في المعاد إلى تهذيب وتأديب ونار تذيب فضلاتهم الخبيثة وتطهرهم من الأردن والأوساخ فإن انقيادهم للرسل أزال عنهم ذلك كله وقسم استجابوا لهم من وجه دون وجه فبقيت عليهم بقية من الأدران والأوساخ التي تنافي الحق الذي خلقوا له فهيأ لهم العليم الحكيم من الأدوية الابتلاء والامتحان بحسب تلك الأدواء(1\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "274",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11468",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التي قامت بهم فإن وفت بالخلاص منها في هذه الدار وإلا ففي البرزخ فإن وفي بالخلاص وإلا ففي موقف القيامة وأهوالها ما يخلصهم من تلك البقية فإن وفي بها وإلا فلا بد من المداواة بالدواء الأعظم وآخر الطب الكي فيدخلون كير التمحيص والتخليص حتى إذا هذبوا ولم يبق للدواء فائدة أخرجوا من مارستان المرضى إلى دار أهل العافية كما دل على ذلك السنة المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم وصرح به في قوله: quot;حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنةquot; وكذلك قوله تعالى: طبتم فادخلوها خالدين فلم يأذن لهم في دخولها إلا بعد طيبهم فإنها دار الطيبين فليس فيها شيء من الخبث أصلا ولهذا يلبث هؤلاء في النار على قدر حاجتهم إلى التطهر وزوال الخبث القسم الثالث قوم لم يستجيبوا للرسل ولا انقادوا لهم بل استمروا على الخروج عن الفطرة ولم يرجعوا إليها واستحكم فسادها فيهم أتم استحكام لا يرجى لهم صلاح فهؤلاء لا يفي مجيء الدنيا ومصائب الموت وما بعده وأهوال القيامة بزوال أوساخهم وأدرانهم ولا يليق بحكمة العليم الحكيم أن يجاور بهم الطيبين في دارهم ولم يخلقوا للفناء فهؤلاء أهل دار الابتلاء والامتحان باقون فيها ببقاء ما معهم من درن الكفر والشرك والنار إنما أوقدت عليهم بأعمالهم الخبيثة فعذابهم بنفس أعمالهم السيئة لهم منها صور من العذاب يناسبها ويشاكلها فالعذاب باق عليهم ما بقيت حقائق تلك الأعمال وما تولد منها فما دامت موجبات العذاب باقية فالعذاب باق يبقى أن يقال فهل ذهب أثر الفطرة الأولى بالكلية بحيث صارت كأن لم تكن وبطلت بالكلية وانتقل الأمر إلى العارض المفسد لها وعلى هذا فلا سبيل إلى خلاصهم من العذاب إذ هو أثر ذلك الفساد الذي أزال الفطرة أو يقال الفطرة لم تذهب بالكلية وإنما استحكم مرضها وفسادها وأصلها باق كما يستحكم مرض البدن وفساده والحياة قائمة به لكنها حياة لا تنفع فإذا قدر دواء كريه صعب التناول لا سبيل إلى الصحة إلا بتكرير تناوله مرارا كثيرة العدد جدا يزيل ذلك المرض العارض فيظهر أثر الفطرة الأولى فلا يحتاج بعده إلى الدواء هذا سر المسألة ومن يذهب إلى هذا التقدير الثاني فإنه يقول العقل لا يدل على امتناع ذلك إذ ليس فيه ما يحيله ونقول بل قد دل العقل والنقل والفطرة على أن الرب تعالى حكيم رحيم والحكمة والرحمة تأبى بقاء هذه النفوس في العذاب سرمدا أبد الآباد بحيث يدوم عذابها بدوام الله فهذا ليس من الحكمة والرحمة قالوا وقد دلت الدلائل الكثيرة من النصوص والاعتبار على أن ما شرعه الله في هذه الدار وقدره من العذاب والعقوبات فإنما هو لتهذيب النفوس وتصفيتها من الشر الذي فيها ولحصول مصلحة الزجر والاتعاظ وفطما للنفوس عن المعاودة وغير ذلك من الحكم التي إذا حصلت خلا التعذيب عن الحكمة والمصلحة فيبطل فإنه تعذيب عليم حكيم رحيم لا يعذب سدى ولا لنفع يعود إليه بالتعذيب بل كلا الأمرين محال وإذا لا يقع التعذيب إلا لمصلحة المعذب أو مصلحة غيره ومعلوم أنه لا مصلحة له ولا لغيره في بقائه في العذاب سرمدا أبد الآباد قالوا فمما دل عليه القرآن والسنة أن جنس الآلام لمصلحة بني آدم قوله تعالى: ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين وقوله: وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين فأخبر أن ألم القتل والجراح في سبيله تمحيص أي تطهير وتصفية للمؤمنين وبشر الصابرين على ألم الجوع والخوف والفقر وفقد الأحباب وغيرهم بصلاته عليهم ورحمته وهدايته وقال تعالى: من يعمل سوءا يجز به(1\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "275",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11469",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أبو بكر الصديق: quot;يا رسول الله جاءت قاصمة الظهر وإننا لم نعمل سوأ فقال: يا أبا بكر ألست تنصب ألست تحزن أليس يصبك الأذى قال: بلى قال: فذلك مما تجزون بهquot; وقال تعالى: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم وفي هذا تبشير وتحذير إذ أعلمنا أن مصائب الدنيا عقوبات لذنوبنا وهو أرحم أن يثني العقوبة على عبده بذنب قد عاقبه به في الدنيا كما قال صلى الله عليه وسلم: quot;من بلي بشيء من هذه القاذورات فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ومن عوقب به في الدنيا فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبدهquot; وفي الحديث: quot;الحدود كفارات لأهلهاquot; وفي الصحيحين من حديث عبادة: quot;ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة لهquot; وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: quot;ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياهquot; وقال: quot;لا يزال البلاء بالمؤمن في أهله وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه من خطيئةquot; وفي حديث آخر: quot;إن المؤمن إذا مرض خرج مثل البردة في صفائها ولونهاquot; وفي الحديث الآخر: quot;إن الحمى تنفي الذنوب كما ينفي الكير الخبيث الحديدquot; وفي حديث آخر: quot;لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدمquot; ومن أسماء الحمى مكفرة الذنوب وفي الحديث الصحيح: quot;يقول الله عز وجل يوم القيامة عبدي مرضت فلم تعدني قال كيف أعودك وأنت رب العالمين قال مرض عبدي فلان فلم تعده أما لو عدته لوجدتني عندهquot; وهذا أبلغ من قوله في الإطعام والإسقاء لوجدت ذلك عندي فهو سبحانه عند المبتلى بالمرض رحمة منه له وخيرا وقربا منه لكسر قلبه بالمرض فإنه عند المنكسرة قلوبهم وهذا أكبر من أن يذكر ورب الدنيا والآخرة واحد وحكمته ورحمته موجودة في الدنيا والآخرة بل ظهور رحمته في الآخرة أعظم فعذاب المؤمنين بالنار في الآخرة هو من هذا الباب كعذابهم في الدنيا بالمصائب والحدود وكذلك حبسهم بين الجنة والنار حتى يهذبوا وينقوا وقد علم بالنصوص الصحيحة الصريحة أن عذابهم في النار متفاوت قدرا ووقتا بحسب ذنوبهم وأنهم لا يخرجون منها جملة واحدة بل شيئا بعد شيء حتى يبقى رجل هو آخرهم خروجا وكذلك عذاب الكفار فيها متفاوت تفاوتا عظيما فالمنافقون في دركها الأسفل وأبو طالب أخف أهلها عذابا في ضحضاح من بئر يغلي منه دماغه وآل فرعون في أشد العذاب قالوا فإذا كان العذاب في الدار التي فيها رحمة واحدة من مائة رحمة هو رحمة بأهله ومصلحة لهم ولطف بهم فكيف في الدار التي يظهر فيها مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض وقد قال تعالى: ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون فأخبر أنه يعذبهم رحمة بهم ليردهم العذاب إليه كما يعذب الأب الشفيق ولده إذا فر منه إلى عدوه ليرجع إلى بره وكرامته وقال الله تعالى: ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما وأنت تجد تحت هذه الكلمات أن تعذيبه لكم لا يزيد في ملكه ولا ينتفع به ولا هو سدى خال من حكمة ومصلحة وأنكم إذا بدلتم الشكر والإيمان بالكفر كان عذابكم منكم وكان كفركم هو الذي عذبتم به وإلا فأي شيء يلحقه من عذابكم وأي نفع يصل إليه منه قالوا وحينئذ فالحكمة تقتضي أن النفوس الشريرة لا بد لها من عذاب يهذبها بحسب وقوعها كما دل على ذلك السمع والعقل وذلك يوجب الانتهاء لا الدوام قالوا والله تعالى لم يخلق الإنسان عبثا وإنما خلقه ليرحمه لا ليعذبه وإنما اكتسب موجب العذاب بعد خلقه له فرحمته له سبقت غضبه وموجب الرحمة فيما سابق على موجب الغضب وغالب له وتعذيبه ليس(1\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "276",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11470",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "الباب الثالث والعشرين: في استيفاء شبه النافلين للحكمة والتعليل وذكر الأجوبة عنها",
        "content": "الباب الثالث والعشرين: في استيفاء شبه النافلين للحكمة والتعليل وذكر الأجوبة عنها ... هو الغاية لخلقه وإنما تعذيبه لحكمة ورحمة والحكمة والرحمة تأبى أن يتصل عذابه سرمدا إلى غير نهاية أما الرحمة فظاهر وأما الحكمة فلأنه إنما عذب على أمر طرأ على الفطرة وغيرها ولم يخلق عليه من أصل الخلقة ولا خلق له فهو لم يخلق للإشراك ولا للعذاب وإنما خلق للعبادة والرحمة ولكن طرأ عليه موجب العذاب فاستحق عليه العذاب وذلك الموجب لا دوام له فإنه باطل بخلاف الحق الذي هو موجب الرحمة فإنه دائم بدوام الحق سبحانه وهو الغاية وليس موجب العذاب غاية كما أن العذاب ليس بغاية بخلاف الرحمة فإنها غاية وموجبها غاية فتأمله حق التأمل فإنه سر المسألة قالوا والرب تعالى تسمى بالغفور الرحيم ولم يتسمى بالمعذب ولا بالمعاقب بل جعل العذاب والعقاب في أفعاله كما قال تعالى: نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم وقال تعالى: ن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم وقال: إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدئ ويعيد وهو الغفور الودود وقال: حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب وهذا كثير في القرآن فإنه سبحانه يتمدح بالعفو والمغفرة والرحمة والكرم والحلم ويتسمى ولم يتمدح بأنه المعاقب ولا الغضبان ولا المعذب ولا المسقم إلا في الحديث الذي فيه تعديد الأسماء الحسنى ولم يثبت وقد كتب على نفسه كتابا أن رحمته سبقت غضبه وكذلك هو في أهل النار فإن رحمته فيهم سبقت غضبه فإنه رحمهم أنواعا من الرحمة قبل أن أغضبوه بشركهم ورحمهم في حال شركهم ورحمهم بإقامة الحجة عليهم ورحمهم بدعوتهم إليه بعد أن أغضبوه وآذوا رسله وكذبوهم وأمهلهم ولم يعاجلهم بل وسعتهم رحمته فرحمته غلبت غضبه ولولا ذلك لخرب العالم وسقطت السماوات على الأرض وخرت الجبال وإذا كانت الرحمة غالبة للغضب سابقة عليه امتنع أن يكون موجب الغضب دائما بدوامه غالبا لرحمته قالوا والتعذيب إما أن يكون عبثا أو لمصلحة وحكمة وكونه عبثا مما ينزه أحكم الحاكمين عنه ونسبته إليه نسبة لما هو من أعظم النقائص إليه وإن كان لمصلحة فالمصلحة هي المنفعة ولوازمها وملزوماتها وهي إما أن تعود على الرب تعالى وهو يتعالى عن ذلك ويتقدس عنه وإما أن تعود إلى المخلوق إما نفس المعذب وإما غيره أوهما والأول ممتنع ولا مصلحة له في دوام العقوبة بلا نهاية وأما مصلحة غيره فإن كانت هي الاتعاظ والانزجار فقد حصلت وإن كانت تكميل لذته وبهجته وسروره بأن يرى عدوه في تلك الحال وهو في غاية النعيم فهذا لو كان أقسى الخلق لرق لعدوه من طول عذابه ودوام ما يقاسيه فلم يبق إلا كسر تلك النفوس الجبارة العتيدة ومداواتها كيما تصل إلى مادة أدوائها وأمراضها فتحسمها وتلك المادة شر طارئ على خير خلقت عليه في ابتداء فطرتها قالوا والأقسام الممكنة في الخلق خمسة لا مزيد عليها خير محض ومقابله وخير راجح ومقابله وخير وشر متساويان والحكمة تقتضي إيجاد قسمين منها وهما الخير الخالص والراجح وأما الشر الخالص أو الراجح فإن الحكمة لا تقتضي وجوده بل تأبى ذلك فإن كل ما خلقه الله سبحانه فإنما خلقه لحكمة وجودها أولى من عدمها وخلق الدواب الشريرة والأفعال التي هي شر لما يترتب على خلقها من الخير المحبوب فلم يخلق لمجرد الشر الذي لا يستلزم خيرا بوجه ما هذا غاية المحال فالخير هو المقصود بالذات بالقصد الأول والشر إنما قصد قصد الوسائل والمبادئ لا قصد الغايات والنهايات وحينئذ فإذا حصلت الغاية المقصودة بخلقه بطل وزال كما تبطل الوسائل عند الانتهاء إلى غاياتها كما هو معلوم بالحس والعقل وعلى هذا فالعذاب شر وله غاية تطلب به(1\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "277",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11471",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو وسيلة إليها فإذا حصلت غايته كان بمنزلة الطريق الموصلة إلى القصد فإذا وصل بها السائر إلى مقصده لم يبق لسلوكها فائدة وسر المسألة أن الرحمة غاية الخلق والأمر لا العذاب فالعذاب من مخلوقاته وذلك مقتضى أنه خلقه لغاية محمودة ولا بد من ظهور أسمائه وأثر صفاته عموما وإطلاقا فإن هذا هو الكمال والرب جل جلاله موصوف بالكمال منزه عن النقص قالوا وقد قال تعالى: فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد وقال: النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله قال أبو سعيد الخدري: quot;هذه تقضي على كل آية في القرآنquot; ذكره البيهقي وحرب وغيرهما وقال عبد الله بن مسعود: quot;ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقاباquot; وعن عمر بن الخطاب وأبي هريرة مثله ذكره جماعة من المصنفين في السنة وهذا يقتضي أن الدار التي لا يبقى فيها أحد هي التي يلبث فيها أهلها أحقابا وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: quot;أخبرنا الله بالذي يشاء لأهل الجنة فقال تعالى: عطاء غير مجذوذ ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النارquot; قالوا ويكفينا ما في سورة الأنعام من قوله: ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الأنس وقال أولياؤهم من الأنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم إلى قوله: امعشر الجن والأنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين وهذا خطاب للكفار من الجن والإنس من وجوه أحدها استكبارهم منهم أي من إغوائهم وإضلالهم وإنما استكبروا من الكفار الثاني قوله: وقال أولياؤهم من الأنس وأولياؤهم هم الكفار كما قال تعالى: إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون فحزب الشيطان هم أولياؤه والثالث قوله: إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ومع هذا فقال: لنار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله ثم ختم الآية بقوله: إن ربك حكيم عليم فتعذيبهم متعلق بعلمه وحكمته وكذلك الاستثناء صادر عن علم وحكمة فهو عليم بما يفعل بهم حكيم في ذلك قالوا وقد ورد في القرآن أنه سبحانه إذا ذكر جزاء أهل رحمته وأهل غضبه معا أبد جزاء أهل الرحمة وأطلق جزاء أهل الغضب كقوله: فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد أما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ وقوله: ن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه وقوله: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون وقد يقرن بينهما في الذكر ويقضي لهم بالخلود كقوله: ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا وقوله: ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ولكن مجرد ذكر الخلود والتأبيد لا يقتضي عدم النهاية بل الخلود هو المكث الطويل كقولهم قيد مخلد وتأبيد كل شيء بحسبه فقد يكون التأبيد لمدة الحياة وقد يكون لمدة الدنيا قال تعالى عن اليهود: ولن يتمنوه(1\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "278",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11472",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ومعلوم أنهم يتمنونه في النار حيث يقولون يا مالك ليقض علينا ربك وإنما استفيد عدم انتهاء نعيم الجنة بقوله: إن هذا لرزقنا ما له من نفاد وقوله: عطاء غير مجذوذ وقوله: لهم أجر غير ممنون أي مقطوع ومن قال لا يمن به عليهم فقد أخطأ أقبح الخطأ ولم يجيء مثل ذلك في عذاب أهل النار وقوله عز وجل: وما هم بخارجين من النار  ما هم منها بمخرجين وقوله: لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها وقوله تعالى: كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها في موضعين من القرآن وقوله: لما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها غير مصروف عن ظاهره وحقيقته على الصحيح وقد زعمت طائفة أن إطلاق هذه الآيات مقيد بآيات التقييد بالاستثناء بالمشيئة فيكون من باب تخصيص العموم وهذا كأنه قول من قال من السلف في آية الاستثناء أنها تقضي على كل وعيد في القرآن والصحيح أن هذه الآيات على عمومها وإطلاقها ولكن ليس فيها ما يدل على أن نفس النار دائمة بدوام الله لا انتهاء لها هذا ليس في القرآن ولا في السنة ما يدل عليه بوجه ما وفرق بين أن يكون عذاب أهلها دائما بدوامها وبين أن يكون هي أبدية لا انقطاع لها فلا تستحيل ولا تضمحل فهذا شيء وهذا شيء لا يقال فلا فرق على هذا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة إذ كان كل منهما يضمحل وينقطع قيل ما أظهر الفروق بينهما والأمر أبين من أن يحتاج إلى فرق وأيضا فعذاب الدنيا ينقطع بموت المعذب وإقلاع العذاب عنه وأما عذاب الآخرة فلا يموت من استحق الخلود فيه ولا يقلع العذاب عنه ولا يدفعه عنه أحد كما قال تعالى: إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع وهو لازم لا يفارق قال تعالى: إن عذابها كان غراما أي لازما ومنه سمى الغريم غريما لملازمة غريمه. فصل: وأما الآثار في هذه المسألة فقال الطبراني حدثنا عبد الرحمن بن سلم حدثنا سهل بن عثمان حدثنا عبد الله بن مسعر بن كدام عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;ليأتين على جهنم يوم كأنها ورق هاج واحمر تخفق أبوابهاquot; وقال حرب في مسائله: quot;سألت إسحاق قلت قول الله عز وجل: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك قال: أتت هذه الآية على كل وعيد في القرآنquot; حدثنا عبد الله بن معاذ حدثنا معتمر بن سليمان قال قال أبي حدثنا أبو نصرة عن جابر أو أبي سعيد أو بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: هذه الآية تأتي على القرآن كله إلا ما شاء ربك إنه فعال لما يريد قال المعتمر: quot;قال أي كل وعيد في القرآنquot; ثم تأول حرب ذلك فقال: quot;معناه عندي والله أعلم أنها تأتي على كل وعيد في القرآن لأهل التوحيد وكذلك قوله إلا ما شاء ربك استثنى من أهل القبلة الذين يخرجون من النارquot; وهذا التأويل لا يصح لأن الاستثناء إنما هو في وعيد الكفار فإنه سبحانه قال: يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد فأما الذين شقوا ففي النار الآية ثم قال: وأما الذين سعدوا ففي الجنة فأهل التوحيد من الذين سعدوا شقوا وآية الأنعام صريحة في حق الكفار كما تقدم بيانه قال حرب وحدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي ثنا شعبة عن أبي حدثنا مليح سمع عمر بن ميمون يحدث عن عبد الله بن عمرو قال: quot;ليأتين على جهنم يوم تصطفق فيه أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقاباquot; حدثنا عبيد الله ثنا أبي ثنا شعبة عن يحيى بن أيوب عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: quot;أما الذي أقول أنه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد وقرأ فأما الذين شقوا ففي النارquot; الآية قال عبيد الله: quot;كان أصحابنا يقولون يعني بها(1\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "279",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11473",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الموحدينquot; وقد تقدم أن هذا التأويل لا يصح وقال عبد بن حميد في تفسيره أخبرنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن الحسن قال قال عمر: quot;لو لبث أهل النار في النار بقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيهquot; وقال أخبرنا حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن عمر بن الخطاب قال: quot;لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيهquot; ورواة هذا الأثر أئمة ثقات كلهم والحسن سمعه من بعض التابعين ورواه غير منكر له فدل هذا الحديث أنه كان متداولا بين هؤلاء الأئمة لا ينكرونه وقد كانوا ينكرونه على من خرج عن السنة أدنى شيء ويروون الأحاديث المبطلة لفعله وكان الإمام أحمد يقول أحاديث حماد بن سلمة هي الشجا في حلوق المبدعة فلو كان هذا القول عندهم من البدع المخالفة للسنة والإجماع لسارعوا إلى رده وإنكاره وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم قال: quot;لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا ناراquot; قال الطبري: quot;وروي عن ابن عباس أنه كان يتأول في هذا الاستثناء أن الله جعل أمر هؤلاء في مبلغ عذابه إياهم إلى مشيئتهquot; وهذا التفسير من ابن عباس يبطل قول من تأول الآية على أن معناها سوى ما شاء الله من أنواع العذاب أو قال المعنى إلا مدة مقامهم قبل الدخول من حين بعثوا إلى أن دخلوا أو أنها في أهل القبلة وما يعني من أو أنها يعني الواو أي وما شاء الله وهذه كلها تأويلات باردة ركيكة لا تليق بالآية ومن تأملها جزم ببطلانها وقال السدي في قوله تعالى: لابثين فيها أحقابا قال سبعمائة حقب كل حقب سبعون سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم كألف سنة مما تعدون وتقييد لبثهم فيها بالأحقاب يدل على مدة مقدرة يحصرها العدد هذا قول الأكثرين ولهذا تأول الزجاج الآية على أن الأحقاب تقييد لقوله لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا وأما مدة مكثهم فيها فلا يتقدر بالأحقاب وهذا تأويل فاسد فإنه يقتضي أن يكونوا بعد الأحقاب ذائقين للبرد والشراب وقالت طائفة أخرى الآية منسوخة بقوله: ما هم منها بمخرجين وقوله: هم فيها خالدون وهذا فاسد أيضا إن أرادوا بالنسخ الرفع فإنه لا يدخل في الخبر إلا إذا كان بمعنى الطلب وإن أرادوا بالنسخ البيان فهو صحيح وهو إنما يدل على أن عذابهم دائم مستمر ما دامت باقية فهم فيها خالدون وما هم بمخرجين وهذا حق معلوم دلالة القرآن والسنة عليه لكن الشأن في أمر آخر وهو أن النار أبدية دائمة بدوام الرب فأين الدليل على هذا من القرآن أو السنة بوجه من الوجوه وقالت طائفة هي في أهل التوحيد وهذا أقبح مما قبله وسياق الآيات يرده ردا صريحا ولما رأى غيرهم بطلان هذه التأويلات قال لا يدل ذكر الأحقاب على النهاية فإنها غير مقدرة بالعدد فإنه لم يقل عشرة ولا مائة ولو قدرت بالعدد لم يدل على النهاية إلا بالمفهوم فكيف إذا لم يقدر قالوا ومعنى الآية أنه كلما مضى حقب تبعه حقب لا إلى نهاية وهذا الذي قالوه لا تدل الآية عليه بوجه وقولهم أن الأحقاب فيها غير مقدرة فيقال لو أريد بالآية بيان عدم انتهاء مدة العذاب لم يقيد بالأحقاب فإن ما لا نهاية له لا يقال هو باق أحقابا ودهورا وأعصارا أو نحو ذلك ولهذا لا يقال ذلك في نعيم أهل الجنة ولا يقال للأبدي الذي لا يزول هو باق أحقابا أو آلافا من السنين فالصحابة أفهم الآية لمعاني القرآن وقد فهم منها عمر بن الخطاب خلاف فهم هؤلاء كما فهم ابن عباس من آية الاستثناء خلاف فهم أولئك وفهم الصحابة في(1\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "280",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11474",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القرآن هو الغاية التي عليها المعول وقد قال ابن مسعود: quot;ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقاباquot; وقال ابن جرير حديث عن المسيب عمن ذكره عن ابن عباس خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك قال: quot;أمر الله النار أن تأكلهمquot; قال وقال ابن مسعود فذكره وقال حدثنا محمد بن حميد ثنا جرير عن بيان عن الشعبي قال: quot;جهنم أسرع الدارين عمرانا وأسرعهما خراباquot; قلت لا يدل قوله أسرعهما خرابا على خراب الدار الأخرى كما في قوله تعالى: أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا وقوله: آلله خير أما يشركون وقوله في الحديث: quot;الله أعلا وأجلquot; وقوله: quot;أسرعهما عمراناquot; يحتمل معنيين أحدهما مسارعة الناس إلى الأعمال التي يدخلون بها جهنم وإبطاؤهم عن أعمال الدار الأخرى والثاني أن أهلها يدخلونها قبل دخول أهل الجنة إليها فإن أهل الجنة إنما يدخلونها بعد عبورهم على الصراط وبعد حبسهم على القنطرة التي وراءه وأهل النار قد تبوءوا منازلهم منها فإنهم لا يجوزون على الصراط ولا يحبسون على تلك القنطرة وأيضا ففي الحديث الصحيح: quot;أنه لما ينادي المنادى لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فتتبع المشركون أوثانهم وآلهتهم فتتساقط بهم في النار وتبقى هذه الأمة في الموقف حتى يأتيها ربها عز وجل ويقول ألا تنطلقون حيت انطلق الناسquot; وقد ذكر الخطيب في تاريخه في ترجمة سهل بن عبيد الله بن داود ابن سليمان أبو نصر البخاري حدثنا محمد بن نوح الجند سابوري حدثنا جعفر بن محمد بن عيسى الناقد حدثنا سهل بن عثمان ثنا عبد الله بن مسعر بن كدام عن جعفر بن الزبير عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;يأتي على جهنم يوما ما فيها من بني آدم أحد تخفق أبوابها كأنها أبواب الموحدينquot; وليس العمدة على هذا وحده فإن إسناده ضعيف وقد روي من وجه آخر عن ابن مسعود وقد تقدم. فصل: والذين قطعوا بأبدية النار وأنها لا تفنى لهم طرق أحدها الآيات والأحاديث الدالة على خلودهم فيها وأنهم لا يموتون وما هم منها بمخرجين وأن الموت يذبح بين الجنة والنار وأن الكفار لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وأمثال هذه النصوص وهذه الطريق لا تدل على ما ذكروه وإنما يدل على أنها ما دامت باقية فهم فيها فأين فيها ما يدل على عدم فنائها الطريق الثاني دعوى الإجماع على ذلك وقد ذكرنا من أقوال الصحابة والتابعين ما يدل على أن الأمر بخلاف ما قالوا حتى لقد ادعى إجماع الصحابة من هذا الجانب استنادا إلى تلك النقول التي لا يعلم عنهم خلافها الطريق الثالث أنه كالمعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الجنة والنار لا تفنيان بل هما باقيتان ولهذا أنكر أهل السنة كلهم على أبي الهذيل وجهم وبشيعتهما ممن قال بفنائها وعدوا أقوالهم من أقوال أهل البدع المخالفة لما جاء به الرسول ولا ريب أن هذا من أقوال أهل البدع التي خرجوا بها عن السنة ولكن من أين تصح دعوى العلم النظري أن النار باقية ببقاء الله دائمة بدوامه فضلا عن العلم الضروري فأين في الأدلة الشرعية أو العقلية دليل واحد يقتضي ذلك الطريق الرابع أن السنة المستفيضة أو المتواترة أخبرت بخروج أهل التوحيد من النار دون الكفار وهذا معلوم من السنة قطعا وهذا الذي قالوه حق لا ريب فيه ولكن أهل التوحيد خرجوا منها وهي باقية لم تفن ولم تعدم والكفار لا يحصل لهم ذلك بل هم باقون فيها ما بقيت الطريق الخامس أن العقل يدل على(1\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "281",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11475",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خلود الكفار فيها وعدم خروجهم منها فإن نفوسهم غير قابلة للخير فإنهم لو خرجوا منها لعادوا كفارا كما كانوا وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وهذا يدل على غاية عتوهم وإصرارهم وعدم قبول الخير فيهم بوجه من الوجوه فلا تصلح نفوسهم الشريرة الخبيثة إلا للعذاب ولو صلحت لصلحت على طول العذاب فحيث لم يؤثر عذابهم تلك الأحقاب الطويلة في نفوسهم ولم يطيبها علم أنه لا قابلية فيهم للخير أصلا وأن أسباب العذاب لم يطف من نفوسهم فلا يطفى العذاب المترتب عليها وهذه الطريق وإن أنكرت ببادئ الرأي فهي طريق قوية وهي ترجع إلى طريق الحكمة وأن الحكمة التي اقتضت دخولهم هي التي اقتضت خلودهم ولكن هذه الطريق محرم سلوكها على نفاة الحكمة وعلى مثبتيها من المعتزلة والقدرية أما النفاة فظاهر وأما المثبتة فالحكمة عندهم أن عذابهم لمصلحتهم وهذا إنما يصح إذا كان لهم حالتان حالة يعذبون فيها لأجل مصلحتهم وحالة يزول عنهم العذاب لتحصل لهم تلك المصلحة وإلا فكيف تكون مصلحتهم في عذاب لا انقطاع له أبدا وأما من يثبت حكمة راجعة إلى الرب تعالى فيمكنهم سلوك هذه الطريق لكن يقال الحكمة لا تقتضي دوام عذابهم بدوام بقائه سبحانه وهو لم يخبر أنه خلقهم لذلك وإنما يعذبون لغاية محمودة إذا حصلت حصل المقصود من عذابهم وهو سبحانه لا يعذب خلقه سدى وهو قادر على أن ينشئهم بعد العذاب الطويل نشأة أخرى مجردة عن تلك الشرور والخبائث التي كانت في نفوسهم وقد أزالها طول العذاب فإنهم خلقوا قابلين للخير على الفطرة وهذا القبول لازم لخلقتهم وبه أقروا بصانعهم وفاطرهم وإنما طرأ عليه ما أبطل مقتضاه فإذا زال ذلك الطارئ بالعذاب الطويل بقي أصل القبول بلا معارض وأما قوله تعالى: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه فهذا قبل مثابرتهم للعذاب قال تعالى: ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون فتلك الخبائث والشرور قائمة بنفوسهم لم تزلها النار فلو ردوا لعادوا لقيام المقتضى للعود ولكن أين أخبر سبحانه أنه لو ردهم بعد العذاب الطويل السرمدي لعادوا لما نهوا عنه وسر المسألة أن الفطرة الأصلية لا بد أن تعمل عملها كما عمل الطارئ عليها عمله وهذه الفطرة عامة لجميع بني آدم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;ما من مولود إلا يولد على الفطرةquot; وفي لفظ quot;على هذه الملةquot; وفي صحيح مسلم من حديث عياض بن حماد المجاشعي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه: quot;قال إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وأنهم أتتهم الشياطين فاحتالتهم عن دينهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناquot; فأخبر أن الأصل فيهم الحنيفية وأنهم خلقوا عليها وأن صدها عارض فيهم باقتطاع الشياطين لهم عنها فمن الممتنع أن يعمل أثر اقتطاع الشياطين ولا يعمل أثر خلق الرحمن جل جلاله عمله والكل خلقه سبحانه فلا خالق سواه ولكن ذاك خلق يحبه ويرضاه ويضاف أثره إليه وهذا خلق يبغضه ويسخطه ولا يضاف أثره إليه فإن الشر ليس إليه والخير كله في يديه فإن قيل فقد قال سبحانه: ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم وهذا يقتضي أنه لا قابلية فيهم ولا خير عندهم البتة ولو كان عندهم لخرجوا به من النار مع الموحدين فإنه سبحانه يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى مثقال ذرة من خير فعلم أن هؤلاء ليس معهم هذا القدر اليسير من الخير قيل الخير في هذا الحديث هو الإيمان(1\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "282",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11476",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالله ورسله كما في اللفظ الآخر أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان وهو تصديق رسله والانقياد لهم بالقلب والجوارح وأما الخير في الآية فالمراد به القبول والزكاة ومعرفة قدر النعمة وشكر المنعم عليها فلو علم الله سبحانه ذلك فيهم لأسمعهم إسماعا ينتفعون به فإنهم قد سمعوا سماعا تقوم به عليهم الحجة فتلك القابلية ذهب أثرها وتعطلت بالكفر والجحود وعادت كالشيء المعدوم الذي لا ينتفع به وإنما ظهر أثرها في قيام الحجة عليهم ولم يظهر أثرها في انتفاعهم بما عملوه وتيقنوه فإن قيل فالغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا وقال نوح عن قومه ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي مرفوعا: quot;إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى فمنهم من يولد مؤمنا ويحيي مؤمنا ويموت مؤمنا ومنهم من يولد كافرا ويحي كافرا ويموت كافراquot; الحديث قيل هذا لا يناقض كونه مولودا على الفطرة فإنه طبع وولد مقدرا كفره إذا عقل وإلا ففي حال ولادته لا يعرف كفرا ولا إيمانا فهي حال مقدرة لا مقارنة للعامل فهو مولود على الفطرة ومولود كافرا باعتبارين صحيحين ثابتين له هذا بالقبول وإيثار الإسلام لو خلى وهذا بالفعل والإرادة إذا عقل فإذا جمعت بين الفطرة السابقة والرحمة السابقة العالية والحكمة البالغة والغنى التام وقرنت بين فطرته ورحمته وحكمته وغناه تبين لك الأمر الطريق السادس قياس دار العدل على دار الفضل وأن هذه كما أنها أبدية فالأخرى كذلك لأن هذه توجب عدله وعدله ورحمته من لوازم ذاته وهذه الطريق غير نافذة فإن العدل حقه سبحانه لا يجب عليه أن يستوفيه ولا يلحقه بتركه نقص ولا ذم بوجه من الوجوه والفضل وعده الذي وعد به عباده وأحقه على نفسه والفرق بين الدارين من وجوه عديدة شرعا وعقلا أحدها أن الله سبحانه أخبر بأن نعيم الجنة ماله من نفاد وأن عطاء أهلها غير مجذوذ وأنه غير ممنون ولم يجيء ذلك في عذاب أهل النار الثاني أنه أخبر بما يدل على انتهاء عذاب أهل النار في عدة آيات كما تقدم ولم يخبر بما يدل على انتهاء نعيم أهل الجنة ولهذا احتاج القائلون بالتأبيد الذي لا انقطاع له إلى تأويل تلك الآيات ولم يجئ في نعيم أهل الجنة ما يحتاجونه إلى تخصيصه بالتأويل الثالث أن الأحاديث التي جاءت في انتهاء عذاب النار لم يجيء شيء منها في انتهاء نعيم الجنة الرابع أن الصحابة والتابعين إنما ذكروا انقطاع العذاب ولم يذكر أحد منهم انقطاع النعيم الخامس أنه قد ثبت أن الله سبحانه يدخل الجنة بلا عمل أصلا بخلاف النار السادس أنه سبحانه ينشئ في الجنة خلقا ينعمهم فيها ولا ينشئ في النار خلقا يعذبهم بها السابع أن الجنة من مقتضى رحمته والنار من مقتضى غضبه وأن الذين يدخلون النار أضعاف أضعاف الذين يدخلون الجنة فلو دام عذاب هؤلاء كدوام نعيم هؤلاء لغلب غضبه رحمته فكان الغضب هو الغالب السابق وهذا ممتنع الثامن أن الجنة دار فضله والنار دار عدله وفضله يغلب عدله التاسع أن النار دار استيفاء حقه الذي له والجنة دار وفاء حقه الذي أحقه هو على نفسه وهو سبحانه يترك حقه ولا يترك الحق الذي أحقه على نفسه العاشر أن الجنة هي الغاية التي خلقوا لها في الآخرة وأعمالها هي الغاية التي خلقوا لها في الدنيا بخلاف النار فإنه سبحانه لم يخلق خلقه للكفر به والإشراك وإنما خلقهم لعبادته وليرحمهم الحادي عشر أن النعيم من موجب أسمائه وصفاته والعذاب إنما هو من أفعاله قال تعالى: نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم وقال: إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم وقال: اعلموا أن الله شديد العقاب(1\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "283",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11477",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأن الله غفور رحيم وما كان من مقتضى أسمائه وصفاته فإنه يدوم بدوامه فإن قيل فإن العذاب صادر عن عزته وحكمته وعدله وهذه أسماء حسنى وصفات كمال فيدوم ما صدر عنها بدوامها قيل لعمر الله أن العذاب صدر عن عزة وحكمة وعدل وانتهاؤه عند حصول المقصود منه يصدر عن عزة وحكمة وعدل فلم يخرج العذاب ولا انقطاعه عن عزته وحكمته وعدله ولكن عند انتهائه يكون عزة مقرونة برحمة وحكمة مقرونة بجود وإحسان وعفو وصفح فالعزة والحكمة لم يزالا ولم ينقص بل صدر جميع ما خلقه ويخلقه وأمر به ويأمر به عن عزته وحكمته الثاني عشر أن العذاب مقصود لغيره لا لنفسه وأما الرحمة والإحسان والنعيم فمقصود لنفسه فالإحسان والنعيم غاية والعذاب والألم وسيلة فكيف يقاس أحدهما بالآخر الثالث عشر أنه سبحانه أخبر أن رحمته وسعت كل شيء وأن رحمته سبقت غضبه وأنه كتب على نفسه الرحمة فلا بد أن تسع رحمته هؤلاء المعذبين فلو بقوا في العذاب لا إلى غاية لم تسعهم رحمته وهذا ظاهر جدا فإن قيل فقد قال سبحانه عقيبها: فسأكتبها للذين يتقون إلى آخر الآية يخرج غيرهم منها لخروجهم من الوصف الذي يستحق به قيل الرحمة المكتوبة لهؤلاء هي غير الرحمة الواسعة لجميع الخلق بل هي رحمة خاصة خصهم بها دون غيرهم وكتبها لهم دون من سواهم وهم أهل الفلاح الذين لا يعذبون بل هم أهل الرحمة والفوز والنعيم وذكر الخاص بعد العام استطرادا وهو كثير في القرآن بل قد يستطرد من الخاص إلى العام كقوله: هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فهذا استطراد من ذكر الأبوين إلى ذكر الذرية ومن استطراد قوله: إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وجعلناها رجوما للشياطين فالتي جعلت رجوما ليست هي التي زينت بها السماء ولكن استطرد من ذكر النوع إلى نوع آخر وأعاد ضمير الثاني على الأول لدخولهما تحت جنس واحد فهكذا قوله: رحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون فالمكتوب للذين يتقون نوع خاص من الرحمة الواسعة والمقصود أن الرحمة لا بد أن تسع أهل النار ولا بد أن تنتهي حيث ينتهي العلم كما قالت الملائكة ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما الرابع عشر أنه قد صح عنه صلى الله عليه وسلم حديث الشفاعة quot;قول أولي العزم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثلهquot; وهذا صريح في أن ذلك الغضب العظيم لا يدوم ومعلوم أن أهل النار إنما دخلوها بذلك الغضب فلو دام ذلك الغضب لدام عذابهم إذ هو موجب ذلك الغضب فإذا رضي الرب تبارك وتعالى وزال ذلك الغضب زال موجبه وهذا كما أن عقوبات الدنيا العامة وبلاؤها آثار غضبه فإذا استمر غضبه استمر ذلك البلاء فإذا رضي وزال غضبه زال البلاء وخلفته الرحمة الخامس عشر أن رضاه أحب إليه من غضبه وعفوه أحب إليه من عقوبته ورحمته أحب إليه من عذابه وعطاؤه أحب إليه من منعه وإنما يقع الغضب والعقوبة والمنع بأسباب تناقص موجب تلك الصفات والأسماء وهو سبحانه كما يحب أسماءه وصفاته ويحب آثارها وموجبها كما في الحديث: quot;أنه وتر يحب الوتر جميل يحب الجمال نظيف يحب النظافة عفو يحب العفوquot; وهو شكور يحب الشاكرين عليم يحب العالمين جواد يحب أهل الجود حي ستير يحب أهل الحياء والستر صبور يحب الصابرين رحيم يحب الرحماء فهو(1\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "284",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11478",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكره ما يضاد ذلك وكذلك كره الكفر والعصيان والفسوق والظلم والجهل لمضادة هذه الأوصاف لأوصاف كماله الموافقة لأسمائه وصفاته ولكن يريده سبحانه لاستلزامه ما يحبه ويرضاه فهو مراد له إرادة اللوازم المقصودة لغيرها إذ هي معصية إلى ما يحب فإذا حصل بها ما يحبه وأدت إلى الغاية المقصودة له سبحانه لم تبق مقصودة لا لنفسها ولا لغيرها فتزول ويخلفها أضدادها التي هي أحب إليه سبحانه منها وهي موجب أسمائه وصفاته فإن فهمت سر هذا الوجه وإلا فجاوزه إلى ما قبله ولا تعجل بإنكاره هذا وسر المسألة أنه سبحانه حكيم رحيم إنما يخلق بحكمة ورحمة فإذا عذب من يعذب لحكمة كان هذا جاريا على مقتضاها كما يوجد في الدنيا من العقوبات الشرعية والقدرية من التهذيب والتأديب والزجر والرحمة واللطف ما يزكي النفوس ويطيبها ويمحصها ويخلصها من شرها وخبثها والنفوس الشريرة الظالمة التي لو ردت إلى الدنيا قبل العذاب لعادت لما نهت عنه لا يصلح أن تسكن دار السلام التي تنافي الكذب والشر والظلم فإذا عذبت هذه النفوس بالنار عذابا يخلصها من ذلك الشر ويخرج خبثها كان هذا معقولا في الحكمة كما يوجد في عذاب الدنيا وخلق من فيه شر يزول بالتعذيب من تمام الحكمة أما خلق نفوس شريرة لا يزول شرها البتة وإنما خلقت للشر المحض وللعذاب السرمد الدائم بدوام خالقها سبحانه فهذا لا يظهر موافقته للحكمة والرحمة وإن دخل تحت القدرة فدخوله تحت الحكمة والرحمة ليست بالبين فهذا ما وصل إليه النظر في هذه المسألة التي تكع فيها عقول العقلاء وكنت سألت عنها شيخ الإسلام قدس الله روحه فقال لي هذه المسألة عظيمة كبيرة ولم يجب فيها بشيء فمضى على ذلك زمن حتى رأيت في تفسير عبد بن حميد الكثي بعض تلك الآثار التي ذكرت فأرسلت إليه الكتاب وهو في مجلسه الأخير وعلمت على ذلك الموضع وقلت للرسول قل له هذا الموضع يشكل عليه ولا يدري ما هو فكتب فيها مصنفه المشهور رحمة الله عليه فمن كان عنده فضل علم فليحدثه فإن فوق كل ذي علم عليم وأنا في هذه المسألة على قول أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه فإنه ذكر دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ووصف ذلك أحسن صفة ثم قال quot;ويفعل الله بعد ذلك في خلقه ما يشاءquot; وعلى مذهب عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حيث يقول: quot;لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا ناراquot; وذكر ذلك في تفسير قوله: قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله وعلى مذهب أبي سعيد الخدري حيث يقول: quot;انتهى القرآن كله إلى هذه الآية: إن ربك فعال لما يريد quot; وعلى مذهب قتادة حيث يقول: quot;في قوله: إلا ما شاء ربك الله أعلم بتبينه على ما وقعتquot; وعلى مذهب ابن زيد حيث يقول: quot;أخبرنا الله بالذي يشاء لأهل الجنةquot; فقال عطاء: quot;غير مجذوذ ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النارquot; والقول بأن النار وعذابها دائم بدوام الله خبر عن الله بما يفعله فإن لم يكن مطابقا لخبره عن نفسه بذلك وإلا كان قولا عليه بغير علم والنصوص لا تفهم ذلك والله أعلم. فصل: وها هنا مذاهب أخرى باطله منها قول من قال أنهم يعذبون في النار مدة لبثهم في الدنيا وقول من قال تنقلب عليهم طبيعة نارية يلتذون بها كما يلتذ صاحب الجرب بالحك وقول من يقول أنها تفنى هي والجنة جميعا ويعودان عدما وقول من يقول تفنى حركاتها وتبقى أهلها في سكون دائم ولم يوفق للصواب في هذا الباب غير الصحابة ومن سلك سبيلهم(1\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "285",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11479",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبالله التوفيق. فصل: فإن قيل فما الحكمة في كون الكفار أكثر من المؤمنين وأهل النار أضعاف أضعاف أهل الجنة كما قال تعالى: وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين وقال: وقليل من عبادي الشكور وقال: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وقال: وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله وبعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وواحد إلى الجنة وكيف نشأ هذا عن الرحمة الغالبة وعن الحكمة البالغة وهلا كان الأمر بالضد من ذلك قيل هذا السؤال من أظهر الأدلة على قول الصحابة والتابعين في هذه المسألة وأن الأمر يعود إلى الرحمة التي وسعت كل شيء وسبقت الغضب وغلبته وعلى هذا فاندفع السؤال بالكلية ثم نقول المادة الأرضية اقتضت حصول التفاوت في النوع الإنساني كما في المسند والترمذي عنه صلى الله عليه وسلم: quot;إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فكان منهم الخبيث والطيب والسهل والحزن وغير ذلكquot; فاقتضت مادة النوع الإنساني تفاوتهم في أخلاقهم وإراداتهم وأعمالهم ثم اقتضت حكمة العزيز الحكيم أن ابتلى المخلوق من هذه المادة بالشهوة والغضب والحب والبغض ولوازمها وابتلاه بعدوه الذي لا يألوه خبالا ولا يغفل عنه ثم ابتلاه مع ذلك بزينة الدنيا وبالهوى الذي أمر بمخالفته هذا على ضعفه وحاجته وزين له حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث وأمره بترك قضاء أوطاره وشهواته في هذه الدار الحاضرة العتيدة المشاهدة إلى دار أخرى غايته إنما تحصل فيها بعد طي الدنيا والذهاب بها وكان مقتضى الطبيعة الإنسانية أن لا يثبت على هذا الابتلاء أحد وأن يذهب كلهم مع ميل الطبع ودواعي الغضب والشهوة فلم يحل بينهم وبين ذلك خالقهم وفاطرهم بل أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه وبين لهم مواقع رضاه وغضبه ووعدهم على مخالفة هواهم وطبائعهم أكمل اللذات في دار النعيم فلم تقو عقول الأكثرين على إيثار الآجل المنتظر بعد زوال الدنيا على هذا العاجل الحاضر المشاهد وقالوا كيف يباع نقد حاضر وهو قبض باليد بنسيئة مؤخرة وعدنا بحصولها بعد طي الدنيا وخراب العالم ولسان حال أكثرهم يقول quot;خذ ما تراه ودع شيئا سمعت بهquot; فساعد التوفيق الإلهي من علم أنه يصلح لمواقع فضله فأمده بقوة إيمان وبصيرة رأى في ضوءها حقيقة الآخرة ودوامها وما أعد الله فيها لأهل طاعته وأهل معصيته ورأى حقيقة الدنيا وسرعة انقضائها وقله وفائها وظلم شركائها وأنها كما وصفها الله سبحانه لعب ولهو وتفاخر بين أهلها وتكاثر في الأموال والأولاد وأنها كغيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما فنشأنا في هذه الدار ونحن منها وبنوها لا نألف غيرها وحكمت العادات وقهر السلطان الهوى وساعده داعي النفوس وتقاضاه موجب الطباع وغلب الحس على العقل وكانت الدولة له والناس على دين الملك ولا ريب أن الذي يخرق هذه الحجب ويقطع هذه العلائق ويخالف العوائد ولا يستجيب لدواعي الطبع ويعصي سلطان الهوى لا يكون إلا الأقل ولهذا كانت المادة النارية أقل اقتضاء لهذا الصنف من المادة الترابية لخفة النار وطيشها وكثرة نقلتها وسرعة حركتها وعدم ثباتها والماء المادة الملكية فتر به من ذلك فلذلك كان المخلوق خيرا كله فالعقلاء المخاطبون مخلوقون من هذه المواد الثلاث واقتضت الحكمة أن يكونوا على هذه الصفة والخلقة(1\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "286",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11480",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولو كانوا على غير ذلك لم يحصل مقصود الامتحان والابتلاء وتنوع العبودية وظهور آثار الأسماء والصفات فلو كان أهل الإيمان والخير هم الأكثرين الغالبين لفاتت مصلحة الجهاد وتوابعه التي هي من أجل أنواع العبودية وفات الكمال المترتب على ذلك فلا أحسن مما اقتضاه حكمة أحكم الحاكمين في المخلوق من هذه المواد ثم أنه سبحانه يخلص ما في المخلوق من تينك المادتين من الخبث والشر ويمحصه ويستخرج طيبه إلى دار الطيبين ويلقي خبثه حيث تلقى الخبائث والأوساخ وهذا غاية الحكمة كما هو الواقع في جواهر المعادن المنتفع بها من الذهب والفضة والحديد والصفر فخلاصة هذه المواد وطيبها أقل من وسخها وخبثها والناس زرع الأرض والخير الصافي من الزرع بعد زوانه وقصله وعصفه وتبنه أقل من بقية الأجزاء وتلك الأجزاء كالصور له والوقاية كالحطب والشوك للثمر والتراب والحجارة للمعادن النفيسة. فصل: الوجه السابع والثلاثون قوله وأي حكمة في تسليط أعدائه على أوليائه يسومونهم سوء العذاب فكم لله في ذلك من حكم باهرة منها حصول محبوبة من عبودية الصبر والجهاد وتحمل الأذى فيه والرضى عنه في السراء والضراء والثبات على عبوديته وطاعته مع قوة المعارض وغلبته وشوكته وتمحيص أوليائه من أحكام البشرية ودواعي الطباع ببذل نفوسهم له وأذى أعدائه لهم وتميز الصادق من الكاذب ومن يريده ويعبده على جميع الحالات ممن يعبده على حرف وليحصل له مرتبة الشهادة التي هي من أعلى المراتب ولا شيء أبر عند الحبيب من بذل محبة نفسه في مرضاته ومجاهدة عدوه فكم لله في هذا التسليط من نعمة ورحمة وحكمة وإذا شئت أن تعلم ذلك فتأمل الآيات من أواخر آل عمران من قوله: قد خلت من قبلكم سنن إلى قوله: نما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين إلى قوله: ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب فكان هذا التمييز من بعض حكم ذلك التسليط ولولا ذلك التسليط لم تظهر فضيلة الصبر والعفو والحكم وكظم الغيظ ولا حلاوة النصر والظفر والقهر فإن الأشياء يظهر حسنها بأضدادها ولولا ذلك التسليط لم تستوجب الأعداء المحق والإهانة والكبت فاستخرج ذلك التسليط من القوة إلى الفعل ما عند أوليائه فاستحقوا كرامتهم عليه وما عند أعدائه فاستحقوا عقوبتهم عليه فكان هذا التسليط مما أظهر حكمته وعزته ورحمته ونعمته في الفريقين وهو العزيز الحكيم الوجه الثامن والثلاثون قوله وأي حكمة في تكليف الثقلين وتعريضهم بذلك العقوبة وأنواع المشاق فاعلم أنه لولا التكليف لكان خلق الإنسان عبثا وسدى والله يتعالى عن ذلك وقد نزه نفسه عنه كما نزه نفسه عن العيوب والنقائص قال تعالى: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون وقال: أيحسب الأنسان أن يترك سدى قال الشافي لا يؤمر ولا ينهى ومعلوم أن ترك الإنسان كالبهائم مهملا معطلا مضاد للحكمة فإنه خلق لغاية كماله وكماله أن يكون عارفا بربه محبا له قائما بعبوديته قال تعالى: وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون وقال: لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما وقال: ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم فهذه المعرفة وهذه العبودية هما غاية الخلق والأمر وهما أعظم كمال الإنسان والله تعالى من عنايته به ورحمته له عرضه لهذا الكمال وهيأ له أسبابه الظاهرة والباطنة ومكنه منها(1\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "287",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11481",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومدار التكليف على الإسلام والإيمان والإحسان وهي ترجع إلى شكر المنعم كلها دقيقها وجليلها منه وتعظيمه وإجلاله ومعاملته بما يليق أن يعامل به فتذكر آلاؤه وتشكر فلا يكفر ويطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى هذا مع تضمن التكليف لإيصاف العبد بكل خلق جميل وإثباته بكل فعل جميل وقول سديد واجتنابه لكل خلق سيئ وترك كل فعل قبيح وقول زور فتكليفه متضمن لمكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال وصدق القول والإحسان إلى الخليقة وتكميل نفسه بأنواع الكمالات وهجر أضداد ذلك والتنزه عنها مع تعريضه بذلك التكليف للثواب الجزيل الدائم ومجاورة ربه في دار البقاء فأي الأمرين أليق بالحكمة هذا أو إرساله هملا كالخيل والبغال والحمير يأكل ويشرب وينكح كالبهائم أيقتضي كماله المقدس ذلك فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم وكيف يليق بذلك الكمال طي بساط الأمر والنهي والثواب والعقاب وترك إرسال الرسل وإنزال الكتب وشرع الشرائع وتقرير الأحكام وهل عرف الله من جوز عليه خلاف ذلك وهل ذلك إلا من سوء الظن به قال تعالى: وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء فحسن التكليف في العقول كحسن الإحسان والإنعام والتفضل والطول بل هو من أبلغ أنواع الإحسان والإنعام ولهذا سمى سبحانه ذلك نعمة ومنة وفضلا ورحمة وأخبر أن الفرح به خير من الفرح بالنعم المشتركة بين الأبرار والفجار قال تعالى: ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا فنعمة الله هاهنا نعمته بمحمد صلى الله عليه وسلم وما بعثه به من الهدى ودين الحق وقال: قد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وقال تعالى: هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وقال: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين وقال: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون وقال: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الأسلام دينا وقال: واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم وقال: واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الأيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم وقال لرسوله: وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما وهل النعمة والفضل في الحقيقة إلا ذلك وتوابعه وثمرته في القلوب والأبدان في الدنيا والآخرة وهل في العقول السليمة والفطرة المستقيمة أحسن من ذلك وأليق بكمال الرب وأسمائه وصفاته الوجه التاسع والثلاثون قوله في مناظرة الأشعري للجبائي في الإخوة الثلاثة الذين مات أحدهم صغيرا وبلغ الآخر كافرا والثالث مسلما أنها مناظرة كافية في إبطال الحكمة والتعليل ورعاية الأصلح فلعمر الله أنها مبطلة لطريقة أهل البدع من المعتزلة والقدرية الذين يوجبون على ربهم مراعاة الأصلح لكل عبد وهو الأصلح عندهم فيشرعون له شريعة بعقولهم ويحجرون عليه ويحرمون عليه أن يخرج عنها ويوجبون عليه القيام بها وكذلك كانوا من أحمق الناس وأعظمهم تشبيها للخالق بالمخلوق في أفعاله وأعظمهم تعطيلا عن صفات كماله فنزهوه عن صفات الكمال وشبهوه بخلقه في الأفعال وأدخلوه تحت الشريعة الموضوعة(1\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "288",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11482",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بآراء الرجال وسموا ذلك عدلا وتوحيدا بالزور والبهتان وتلك التسمية ما أنزل الله بها من سلطان فالعدل قيامه بالقسط في أفعاله والتوحيد وإثبات صفات كماله شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام فهذا العدل والتوحيد الذي جاء به المرسلون وذلك التوحيد والعدل الذي جاء به المعطلون والمقصود أن هذه المناظرة وإن أبطلت قول هؤلاء وزلزلت قواعدهم فإنها لا تبطل حكمة الله التي اختص بها دون خلقه وطوى بساط الإحاطة بها عنهم ولم يطلعهم منها إلا على ما نسبته إلى ما خفي عنهم كقطرة من بحار الدنيا فكم لله سبحانه من حكمة في ذلك الذي أخرمه صغيرا وحكمة في الذي مد له في العمر حتى بلغ وأسلم وحكمة في الذي أبقاه حتى بلغ وكفر ولو كان كل من علم أنه إذا بلغ يكفر يخترمه صغيرا لتعطل الجهاد والعبودية التي يحبها الله ويرضاها ولم يكن هناك معارض وكان الناس أمة واحدة ولم تظهر آياته وعجائبه في الأمم ووقائعه وأيامه في أعدائه وإقامة الحجج وجدال أهل الباطل بما يدحض شبهتهم وينصر الحق ويظهره على الباطل إلى أضعاف أضعاف ذلك من الحكم التي لا يحصيها إلا الله والله سبحانه يحب ظهور أسمائه وصفاته في الخليقة فلو اخترم كل من علم أنه يكفر إذا بلغ لفات ذلك وفواته مناف لكمال تلك الأسماء والصفات واقتضائها لآثارها وقد تقدم بسط ذلك أتم من هذا الوجه الأربعون قوله أنه سبحانه رد الأمر إلى محض مشيئة بقوله: يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وقوله: فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وقوله: فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء وقوله: لا يسأل عما يفعل فهذا كله حق ولكن أين فيه إبطال حكمته وحمده والغايات المحمودة المطلوبة بفعله وأنه لا يفعل شيئا لشيء ولا يأمر بشيء لأجل شيء ولا سبب لفعله ولا غاية أفترى أصحاب الحكمة والتعليل يقولون أنه لا يفعل بمشيئته أو أنه يسئل عما يفعل بل يقولون أنه يفعل بمشيئته مقارنا للحكمة والمصلحة ووضع الأشياء مواضعها وأنه يفعل ما يشاء بأسباب وحكم ولغايات مطلوبة وعواقب حميدة فهم مثبتون لملكه وحده وغيرهم يثبت ملكا بلا حمد أو نوعا من الحمد ومع هضم الملك إذ الرب تعالى له كمال وكمال الحمد فكونه يفعل ما يشاء يمنع من أن يشاء بأسباب وحكم وغايات وأنه لا يشاء إلا ذلك وأما قوله: لا يسأل عما يفعل وهم يسألون فهذا لكمال علمه وحكمته لا لعدم ذلك وأيضا فسياق الآية في معنى آخر وهو إبطال إلهية من سواه وإثبات الألوهية له وحده فإنه سبحانه قال: أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون لا يسأل عما يفعل وهم يسألون فأين في هذا ما يدل على إبطال التعليل بوجه من الوجوه ولكن أهل الباطل يتعلقون بألفاظ نزلوها على باطلهم لا تنزل عليه وبمعان متشابهة يشتبه فيها الحق بالباطل فعمدتهم المتشابه من الألفاظ والمعاني فإذا فصلت وبينت يتبين أنها لا دلالة فيها وأنها مع ذلك قد تدل على نقيض مطلوبهم وبالله التوفيق.(1\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "289",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11483",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "الباب الرابع والعشرون: في قول السلف من أصول الإيمان الإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره",
        "content": "الباب الرابع والعشرون: في قول السلف من أصول الإيمان الإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره. قد تقدم أن القدر لا شر فيه بوجه من الوجوه فإنه علم الله وقدرته وكتابه ومشيئته وذلك خير محض(1\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "290",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11484",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكمال من وجه فالشر ليس إلى الرب تعالى بوجه من الوجوه لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله وإنما يدخل الشر الجزئي الإضافي في المقضي المقدر ويكون شرا بالنسبة إلى محل وخيرا بالنسبة إلى محل آخر وقد يكون خيرا بالنسبة إلى المحل القائم به من وجه كما هو شر له من وجه بل هذا هو الغالب وهذا كالقصاص وإقامة الحدود وقتل الكفار فإنه شر بالنسبة إليهم لا من كل وجه بل من وجه دون وجه وخير بالنسبة إلى غيرهم لما فيه من مصلحة الزجر والنكال ودفع الناس بعضهم ببعض وكذلك الآلام والأمراض وإن كانت شرورا من وجه فهي خيرات من وجوه عديدة وقد تقدم تقرير ذلك فالخير والشر من جنس اللذة والألم والنفع والضرر وذلك في المقضي المقدر لا في نفس صفة الرب وفعله القائم به فإن قطع يد السارق شر مؤلم ضار له وأما قضاء الرب ذلك وتقديره عليه فعدل خير وحكمة ومصلحة كما يأتي في الباب الذي بعد هذا إن شاء الله فإن قيل فما الفرق بين كون القدر خيرا وشرا وكونه حلوا ومرا قيل الحلاوة والمرارة تعود إلى مباشرة الأسباب في العاجل والخير والشر يرجع إلى حسن العاقبة وسوئها فهو حلو ومر في مبدأه وأوله وخير وشر في منتهاه وعاقبته وقد أجرى الله سبحانه سنته وعادته أن حلاوة الأسباب في العاجل تعقب المرارة في الآجل ومرارتها تعقب الحلاوة فحلو الدنيا مر الآخرة ومر الدنيا حلو الآخرة وقد اقتضت حكمته سبحانه أن جعل اللذات تثمر الآلام والآلام تثمر اللذات والقضاء والقدر منتظم لذلك انتظاما لا يخرج عنه شئ البتة والشر مرجعه إلى اللذات وأسبابها والخير المطلوب هو اللذات الدائمة والشر المرهوب هو الآلام الدائمة فأسباب هذه الشرور وإن اشتملت على لذة ما وأسباب تلك خيرات وإن اشتملت على ألم ما فألم يعقب اللذة الدائمة أولى بالإيثار والتحمل من لذة تعقب الألم الدائم فلذة ساعة في جنب ألم طويل كلا لذة وألم ساعة في جنب لذة طويلة كلا ألم.(1\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "291",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11485",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "الباب الخامس والعشرون: في امتناع إطلاق القول نفيا وإثباتا أن الرب تعالى مريد للشر وفاعل له",
        "content": "الباب الخامس والعشرون: في امتناع إطلاق القول نفيا وإثباتا أن الرب تعالى مريد للشر وفاعل له. هذا موضع خلاف اختلف فيه مثبتو القدر ونفاته فقال النفاة لا يجوز أن يقال أن الله سبحانه مريد للشر أو فاعل له قالوا لا يريد الشر وفاعله شرير هذا هو المعروف لغة وعقلا وشرعا كما أن الظالم فاعل الظلم والفاجر فاعل الفجور ومريده والرب يتعالى ويتنزه عن ثبوت معاني أسماء السوء له فإن أسماءه كلها حسنى وأفعاله كلها خير فيستحيل أن يريد الشر فالشر ليس بإرادته ولا بفعله قالوا وقد قام الدليل على أن فعله سبحانه غير مفعوله والشر ليس بفعل له فلا يكون مفعولا له وقابلهم الجبرية فقالوا بل الرب سبحانه يريد الشر ويفعله قالوا لأن الشر موجود فلا بد له من خالق ولا خالق إلا الله وهو سبحانه إنما يخلق بإرادته فكل مخلوق فهو مراد له وهو فعله ووافقوا إخوانهم على أن الفعل عين المفعول والخلق نفس المخلوق ثم قالوا والشر مخلوق له ومفعول فهو فعله وخلقه وواقع بإرادته قالوا وإنما لم يطلق القول أنه يريد الشر ويفعل الشر أدبا لفظيا فقط كما لا يطلق القول بأنه رب الكلاب والخنازير ويطلق القول بأنه رب كل شيء وخالقه قالوا وأما قولكم أن الشرير مريد الشر وفاعله فجوابه من وجهين أحدهما إنما يمنع ذلك بأن الشرير من قام به الشر وفعل الشر لم يقم بذات الرب فإن أفعاله(1\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "292",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11486",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا تقوم به إذ هي نفس مفعولاته وإنما هي قائمة بالخلق وكذلك اشتقت لهم منها الأسماء كالفاجر والفاسق والمصلي والحاج والصائم ونحوها الجواب الثاني أن أسماء الله تعالى توقيفية ولم يسم نفسه إلا بأحسن الأسماء قالوا والرب تعالى أعظم من أن يكون في ملكه مالا يريده ولا يخلقه فإنه الغالب غير المغلوب وتحقيق القول في ذلك أنه يمتنع إطلاق إرادة الشر عليه وفعله نفيا وإثباتا في إطلاق لفظ الإرادة والفعل من إبهام المعنى الباطل ونفي المعنى الصحيح فإن الإرادة تطلق بمعنى المشيئة وبمعنى المحبة والرضا فالأول كقوله: إن كان الله يريد أن يغويكم وقوله: ومن يرد أن يضله وقوله: وإذا أردنا أن نهلك قرية والثاني كقوله: والله يريد أن يتوب عليكم وقوله: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر فالإرادة بالمعنى الأول تستلزم وقوع المراد ولا تستلزم محبته والرضا به وبالمعنى الثاني لا تستلزم وقوع المراد وتستلزم محبته فإنها لا تنقسم بل كل ما أراده من أفعاله فهو محبوب مرضي له ففرق بين إرادة أفعاله وإرادة مفعولاته فإن أفعاله خير كلها وعدل ومصلحة وحكمة لا شر فيها بوجه من الوجوه وأما مفعولاته فهي مورد الانقسام وهذا إنما يتحقق على قول أهل السنة أن الفعل غير المفعول والخلق غير المخلوق كما هو الموافق للعقول والفطر واللغة ودلالة القرآن والحديث وإجماع أهل السنة كما حكاه البغوي في شرح السنة عنهم وعلى هذا فهاهنا إرادتان ومرادان إرادة أن يفعل ومرادها فعله القائم به وإرادة أن يفعل عبده ومرادها مفعوله المنفصل عنه وليسا بمتلازمين فقد يريد من عبده أن يفعل ولا يريد من نفسه إعانته على الفعل وتوفيقه له وصرف موانعه عنه كما أراد من إبليس أن يسجد لآدم ولم يرد من نفسه أن يعينه على السجود ويوفقه له ويثبت قلبه عليه ويصرفه إليه ولو أراد ذلك منه لسجد له لا محالة وقوله: فعال لما يريد إخباره عن إرادته لفعله لا لأفعال عبيده وهذا الفعل والإرادة لا ينقسم إلى خير وشر كما تقدم وعلى هذا فإذا قيل هو مريد للشر أوهم أنه محب له راض به وإذا قيل أنه لم يرده أوهم أنه لم يخلقه ولا كونه وكلاهما باطل ولذلك إذا قيل أن الشر فعله أو أنه يفعل الشر أوهم أن الشر فعله القائم به وهذا محال وإذا قيل لم يفعله أو ليس بفعل له أوهم أنه لم يخلقه ولم يكونه وهذا محال فانظر ما في إطلاق هذه الألفاظ في النفي والإثبات من الحق والباطل الذي يتبين بالاستفصال والتفصيل وأن الصواب في هذا الباب ما دل عليه القرآن والسنة من أن الشر لا يضاف إلى الرب تعالى لا وصفا ولا فعلا ولا يتسمى باسمه بوجه من الوجوه وإنما يدخل في مفعولاته بطريق العموم كقوله تعالى: قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق فما هاهنا موصولة أو مصدرية والمصدر بمعنى المفعول أي من شر الذي خلقه أو من شر مخلوقه وقد يحذف فاعله كقوله حكاية عن مؤمني الجن: وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا وقد يسند إلى محله القائم به كقول إبراهيم الخليل الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين وقول الخضر أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وقال في بلوغ الغلامين فأراد ربك أن يبلغا أشدهما وقد جمع الأنواع الثلاثة في الفاتحة في قوله: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين والله تعالى إنما نسب إلى نفسه الخير دون الشر فقال تعالى: قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على(1\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "293",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11487",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كل شيء قدير وأخطأ من قال المعنى بيدك الخير والشر لثلاثة أوجه أحدها أنه ليس في اللفظ ما يدل على إرادة هذا المحذوف بل ترك ذكره قصدا أو بيانا أنه ليس بمراد الثاني أن الذي بيد الله تعالى نوعان فضل وعدل كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق فإنه لم يغض ما في يمينه وبيده الأخرى القسط يخفض ويرفعquot; فالفضل لإحدى اليدين والعدل للأخرى وكلاهما خير لا شر فيه بوجه الثالث أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك كالتفسير للآية ففرق بين الخير والشر وجعل أحدهما في يدي الرب سبحانه وقطع إضافة الآخر إليه مع إثبات عموم خلقه لكل شيء. فصل: والرب تعالى يشتق له من أوصافه وأفعاله أسماء ولا يشتق له من مخلوقاته وكل اسم من أسمائه فهو مشتق من صفة من صفاته أو فعل قائم به فلو كان يشتق له اسم باعتبار المخلوق المنفصل يسمى متكونا ومتحركا وساكنا وطويلا وأبيض وغير ذلك لأنه خالق هذه الصفات فلما لم يطلق عليه اسم من ذلك مع أنه خالقه علم إنما يشتق أسماءه من أفعاله وأوصافه القائمة به وهو سبحانه لا يتصف بما هو مخلوق منفصل عنه ولا يتسمى باسمه ولهذا كان قول من قال أنه يسمى متكلما بكلام منفصل عنه وخلقه في غيره ومريد بإرادة منفصلة عنه وعادلا بعدل مخلوق منفصل عنه وخالقا بخلق منفصل عنه هو المخلوق قولا باطلا مخالفا للعقل والنقل واللغة مع تناقضه في نفسه فإن اشتق له اسم باعتبار مخلوقاته لزم طرد ذلك في كل صفة أو فعل خلقه وإن خص ذلك ببعض الأفعال والصفات دون بعض كان تحكما لا معنى له وحقيقة قول هؤلاء أنه لم يقم به عدل ولا إحسان ولا كلام ولا إرادة ولا فعل البتة ومن تجهم منهم نفى حقائق الصفات وقال لم تقم به صفة ثبوتية فنفوا صفاته وردوها إلى السلوب والإضافات ونفوا أفعاله وردوها إلى المصنوعات المخلوقات وحقيقة هذا أن أسماءه تعالى ألفاظ فارغة عن المعاني لا حقائق لها وهذا من الإلحاد فيها وإنكار أن يكون حسنا وقد قال تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون وقد دل القرآن والسنة على إثبات مصادر هذه الأسماء له سبحانه وصفا كقوله تعالى: أن القوة لله جميعا وقوله: إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين وقوله: فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وقوله صلى الله عليه وسلم: quot;لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقهquot; وقول عائشة: quot;الحمد لله الذي وسع سمعه الأصواتquot; وقوله صلى الله عليه وسلم: quot;أعوذ برضاك من سخطكquot; وقوله: quot;أسألك الغيب وقدرتك على الخلقquot; وقوله: quot;أعوذ بعزتك أن تضلنيquot; ولولا هذه المصادر لانتفت حقائق الأسماء والصفات والأفعال فإن أفعاله غير صفاته وأسماءه غير أفعاله وصفاته فإذا لم يقم به فعل ولا صفة فلا معنى للاسم المجرد وهو بمنزلة صوت لا يفيد شيئا وهذا غاية الإلحاد(1\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "294",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11488",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "الباب السادس والعشرين: فيما يدل عليه قوله: &quot;اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك&quot; من تحقيق القدر وإثباته ما تضمنه الحديث من الأسرار العظيمة",
        "content": "الباب السادس والعشرين: فيما يدل عليه قوله: quot;اللهم إني أعوذ برضاك من سخطكquot; من تحقيق القدر وإثباته ما تضمنه الحديث من الأسرار العظيمة ... الباب السادس والعشرون: فيما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك من تحقيق القدر وإثباته وما تضمنه الحديث من الأسرار العظيمة. قد دل هذا الحديث العظيم القدر على أمور منها أنه يستعاذ بصفات الرب كما يستغاث بذاته وكذلك يستعاذ بصفاته كما يستغاث بذاته كما في الحديث: quot;يا حي يا قيوم يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقكquot; وكذلك قوله في الحديث الآخر: quot;أعوذ بعزتك أن تضلنيquot; وكذلك استعاذته بكلمات الله التامات وبوجهه الكريم وتعظيمه وفي هذا ما يدل على أن هذه صفات ثابتة وجودية إذ لا يستعاذ بالعدم وأنها قائمة به غير مخلوقة إذ لا يستعاذ بالمخلوق وهو احتجاج صحيح فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستعيذ بمخلوق ولا يستغيث به ولا يدل أمته على ذلك ومنها أن العفو من صفات الفعل القائمة به وفيه رد على من زعم أن فعله عين مفعوله فإن المفعول مخلوق ولا يستعاذ به ومنها أن بعض صفاته وأفعاله سبحانه أفضل من بعض فإن المستعاذ به أفضل من المستعاذ منه وهذا كما أن صفة الرحمة أفضل من صفة الغضب ولذلك كان لها الغلبة والسبق ولذلك كلامه سبحانه هو صفته ومعلوم أن كلامه الذي يثني على نفسه به ويذكر فيه أوصافه وتوحيده أفضل من كلامه الذي يذم به أعداءه ويذكر أوصافهم ولهذا كانت سورة الإخلاص أفضل من سورة تبت وكانت تعدل ثلث القرآن دونها وكانت آية الكرسي أفضل آية في القرآن ولا تصغ إلى قول من غلظ حجابه أن الصفات قديمة والقديم لا يتفاضل فإن الأدلة السمعية والعقلية تبطل قوله وقد جعل سبحانه ما كان من الفضل والعطاء والخير وأهل السعادة بيده اليمنى وما كان من العدل والقبض بيده الأخرى ولهذا جعل أهل السعادة في قبضة اليمنى وأهل الشقاوة في القبضة الأخرى والمقسطون على منابر من نور عن يمينه والسماوات مطويات بيمينه والأرض بالأرض ومنها أن الغضب والرضاء والعفو والعقوبة لما كانت متقابلة استعاذ بأحدهما من الآخر فلما جاء إلى الذات المقدسة التي لا ضد لها ولا مقابل قال وأعوذ بك منك فاستعاذ بصفة الرضى من صفة الغضب وبفعل العفو من فعل العقوبة وبالموصوف بهذه الصفات والأفعال منه وهذا يتضمن كمال الإثبات للقدر والتوحيد بأوجز لفظ وأخصره فإن الذي يستعاذ منه من الشر وأسبابه هو واقع بقضاء الرب تعالى وقدره وهو المنفرد بخلقه وتقديره وتكوينه فما شاء كان وما لم يشاء لم يكن فالمستعاذ منه إما وصفه وإما فعله وإما مفعوله الذي هو أثر فعله والمفعول ليس إليه نفع ولا ضر ولا يضر إلا بإذن خالقه كما قال تعالى في أعظم ما يتضرر به العبد وهو السحر: وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله فالذي يستعاذ منه هو بمشيئته وقضائه وقدرته وإعاذته منه وصرفه عن المستعيذ إنما هو بمشيئته أيضا وقضائه وقدره فهو المعيذ من قدره بقدره ومن ما يصدره عن مشيئة وإرادته بما يصدره عن(1\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "295",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11489",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مشيئته وإرادته والجميع واقع بإرادته الكونية القدرية فهو يعيذ من إرادته بإرادته إذ الجميع خلقه وقدره وقضاء فليس هناك خلق لغيره فيعيذ منه هو بل المستعاذ منه خلق له فهو الذي يعيذ عبده من نفسه بنفسه فيعيذه مما يريده به بما يريده به فليس هناك أسباب مخلوقة لغيره يستعيذ منها المستعيذ به كما يستعيذ من رجل ظلمه وقهره برجل أقوى أو نظيره فالمستعاذ منه هو الذنوب وعقوباتها والآلام وأسبابها والسبب من قضائه والمسبب من قضائه والإعاذة بقضائه فهو الذي يعيذ من قضائه بقضائه فلم يعذ إلا بما قدره وشاءه وذلك الاستعاذة منه وشاءها وقدر الإعاذة وشاءها فالجميع قضاؤه وقدره وموجب مشيئته فنتجت هذه الكلمة التي لو قالها غير الرسول لبادر المتكلم الجاهل إلى إنكارها وردها أنه لا يملك الضر والنفع والخلق والأمر والإعاذة غيرك وأن المستعاذ منه هو بيدك وتحت تصرفك ومخلوق من خلقك فما استعذت إلا بك ولا استعذت إلا منك وهذا نظير قوله في الحديث الآخر: quot;لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليكquot; فهو الذي ينجي من نفسه بنفسه ويعيذ من نفسه بنفسه وكذلك الفرار يفر عبده منه إليه وهذا كله تحقيق للتوحيد والقدر وأنه لا رب غيره ولا خالق سواه ولا يملك المخلوق لنفسه ولا لغيره ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا بل الأمر كله لله ليس لأحد سواه منه شيء كما قال تعالى لأكرم خلقه عليه وأحسنهم إليه: ليس لك من الأمر شيء وقال جوابا لمن قال هل لنا من الأمر شيء: قل إن الأمر كله لله فالملك كله له والأمر كله له والحمد كله له والشفاعة كلها له والخير كله في يديه وهذا تحقيق تفرده بالربوبية والألوهية فلا إله غيره ولا رب سواه: قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون : وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير : ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم فاستعذ به منه وفر منه إليه واجعل لجاك منه إليه فالأمر كله له لا يملك أحد معه منه شيئا فلا يأتي بالحسنات إلا هو ولا يذهب بالسيئات إلا هو ولا تتحرك ذرة فما فوقها إلا بإذنه ولا يضر سم ولا سحر ولا شيطان ولا حيوان ولا غيره إلا بإذنه ومشيئته يصيب بذلك من يشاء ويصرفه عمن يشاء فأعرف الخلق به وأقواهم بتوحيده من قال في دعائه وأعوذ بك منك فليس للخلق معاذ سواه ولا مستعاذ منه إلا وهو ربه وخالقه ومليكه وتحت قهره وسلطانه ثم ختم الدعاء بقوله لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك اعترافا بأن شأنه وعظمته ونعوت كماله وصفاته أعظم وأجل من أن يحصيها أحد من الخلق أو بلغ أحد حقيقة الثناء عليه غيره سبحانه فهو توحيد في الأسماء والصفات والنعوت وذاك توحيد في العبودية والتأله وإفراده تعالى بالخوف والرجاء والاستعاذة وهذا مضاد الشرك وذاك مضاد التعطيل وبالله التوفيق.(1\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "296",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11490",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب السابع والعشرون: في دخول الإيمان بالقضاء والقدر والعدل والتوحيد والحكمة تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم ماض في حكمك عدل في قضاؤك وبيان ما في هذا الحديث من القواعد. ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot; ما أصاب عبدا قط هم ولا غم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحا قالوا: يا رسول الله أفلا نتعلمهن قال: بلى ينبغي لمن يسمعهن أن يتعلمهنquot; فقد دل هذا الحديث الصحيح منها أنه استوعب أقسام المكروه الواردة على القلب فالهم يكون على مكروه يتوقع في المستقبل يهتم به القلب والحزن على مكروه ماض من فوات محبوب أو حصول مكروه إذا تذكره أحدث له حزنا والغم يكون على مكروه حاصل في الحال يوجب لصاحبه الغم فهذه المكروهات هي من أعظم أمراض القلب وأدوائه وقد تنوع الناس في طرق أدويتها والخلاص منها وتباينت طرقهم في ذلك تباينا لا يحصيه إلا الله بل كل أحد يسعى في التخلص منها بما يظن أو يتوهم أنه يخلصه منها وأكثر الطرق والأدوية التي يستعملها الناس في الخلاص منها لا يزيدها إلا شدة لمن يتداوى منها بالمعاصي على اختلافها من أكبر كبائرها إلى أصغرها وكمن يتداوى منها باللهو واللعب والغناء وسماع الأصوات المطربة وغير ذلك فأكثر سعي بني آدم أو كله إنما هو لدفع هذه الأمور والتخلص منها وكلهم قد أخطأ الطريق إلا من سعى في إزالتها بالدواء الذي وصفه الله لإزالتها وهو دواء مركب من مجموع أمور متى نقص منها جزء نقص من الشفاء بقدره وأعظم أجزاء هذا الدواء هو التوحيد والاستغفار قال تعالى: اعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات وفي الحديث: quot;فإن الشيطان يقول أهلك بني آدم بالذنوب وأهلكوني بالاستغفار وبلا إله إلا الله فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يتوبون لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاquot; ولذلك كان الدعاء المفرج للكرب محض التوحيد وهو لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا هو رب العرش العظيم لا إله إلا هو رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot;دعوة أخي ذي النون ما دعاها مكروب إلا فرج الله كربه لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمينquot; فالتوحيد يدخل العبد على الله على والاستغفار والتوبة يرفع المانع ويزيل الحجاب الذي يحجب القلب عن الوصول إليه فإذا وصل القلب إليه زال عنه همه وغمه وحزنه وإذا انقطع عنه حصرته الهموم والغموم والأحزان وأتته من كل طريق ودخلت عليه من كل باب فلذلك صدر هذا الدعاء المذهب للهم والغم والحزن بالاعتراف له بالعبودية حقا منه ومن آياته ثم أتبع ذلك باعترافه بأنه في قبضته وملكه وتحت تصرفه بكون ناصيته في يده يصرفه كيف يشاء كما يقاد من أمسك بناصيته شديد القوى(1\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "297",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11491",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يستطيع إلا الانقياد له ثم أتبع ذلك بإقراره له بنفاذ حكمه فيه وجريانه عليه شاء أم أبى وإذا حكم فيه بحكم لم يستطع غيره برده أبدا وهذا اعتراف لربه بكمال القدرة عليه واعتراف من نفسه بغاية العجز والضعف فكأنه قال أنا عبد ضعيف مسكين يحكم فيه قوى قاهر غالب وإذا حكم فيه بحكم مضى حكمه فيه ولا بد ثم أتبع ذلك باعترافه بأن كل حكم وكل قضية ينفذها فيه هذا الحاكم فهي عدل محض منه لا جور فيها ولا ظلم بوجه من الوجوه فقال ماض في حكمك عدل في قضاؤك وهذا يعم جميع أقضيته سبحانه في عبده قضائه السابق فيه قبل إيجاده وقضائه فيه المقارن لحياته وقضائه فيه بعد مماته وقضائه فيه يوم معاده ويتناول قضاءه فيه بالذنب وقضائه فيه بالجزاء عليه ومن لم يثلج صدره لهذا ويكون له كالعلم الضروري لم يعرف ربه وكماله ونفسه وعينه ولا عدل في حكمه بل هو جهول ظلوم فلا علم ولا إنصاف وفي قوله ماض في حكمك عدل في قضاؤك رد على طائفتي القدرية والجبرية وإن اعترفوا بذلك بألسنتهم فأصولهم تناقضه فإن القدرية تنكر قدرته سبحانه على خلق ما به يهتدي العبد غير ما خلقه فيه وجبله عليه فليس عندهم لله حكم نافذ في عبده غير الحكم الشرعي بالأمر والنهي ومعلوم أنه لا يصح حمل الحديث على هذا الحكم فإن العبد يطيعه تارة ويعصيه تارة بخلاف الحكم الكوني القدري فإنه ماض في العبد ولا بد قائمة بكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر ثم قوله بعد ذلك عدل في قضاؤك دليل على أن الله سبحانه عادل في كل ما يفعله بعبده من قضائه كله خيره وشره حلوه ومره فعله وجزائه فدل الحديث على الإيمان بالقدر والإيمان بأن الله عادل فيما قضاه فالأول التوحيد والثاني العدل وعند القدرية النفاة لو كان حكمه فيه ماضيا لكان ظالما له بإضلاله وعقوبته أما القدرية الجبرية فعندهم الظلم لا حقيقة له بل هو الممتنع لذاته الذي لا يدخل تحت القدرة فلا يقدر الرب تعالى عندهم على ما يسمى ظلما حتى يقال ترك الظلم وفعل العدل فعلى قولهم لا فائدة في قوله عدل في قضاؤك بل هو بمنزلة أن يقال نافذ في قضاؤك ولا بد وهو معنى قوله ماض في حكمك فيكون تكريرا لا فائدة فيه وعلى قولهم فلا يكون ممدوحا بترك الظلم إذ لا يمدح بترك المستحيل لذاته ولا فائدة في قوله أني حرمت الظلم على نفسي أو يظن معناه أني حرمت على نفسي ما لا يدخل تحت قدرتي وهو المستحيلات ولا فائدة في قوله: فلا يخاف ظلما ولا هضما فإن كل أحد لا يخاف من المستحيل لذاته أن يقع ولا فائدة في قوله: وما الله يريد ظلما للعباد ولا في قوله: وما أنا بظلام للعبيد فنفوذ حكمه في عباده بملكه وعدله فيهم بحمده وهو سبحانه له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ونظير هذا قوله سبحانه حكاية عن نبيه هود أنه قال: إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم فقوله: ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها مثل قوله ناصيتي بيدك ماض في حكمك وقوله: إن ربي على صراط مستقيم مثل قوله عدل في قضاؤك أي لا يتصرف في تلك النواصي إلا بالعدل والحكمة والمصلحة والرحمة لا يظلم أصحابها ولا يعاقبهم بما لم يعلموه ولا يهضمهم حسنات ما عملوه فهو سبحانه على صراط مستقيم في قوله وفعله يقول الحق ويفعل الخير والرشد وقد أخبر سبحانه أنه على الصراط المستقيم في سورة هود وفي سورة النحل فأخبر في هود أنه على صراط مستقيم في تصرفه في النواصي التي هي في قبضته وتحت يده وأخبر في النحل أنه يأمر بالعدل ويفعله وقد زعمت الجبرية أن العدل هو المقدور وزعمت القدرية(1\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "298",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11492",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن العدل إخراج أفعال الملائكة والجن والإنس عن قدرته وخلقه وأخطأ الطائفتان جميعا في ذلك والصواب أن العدل وضع الأشياء في مواضعها التي تليق بها وإنزالها منازلها كما أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه وقد تسمى سبحانه بالحكم العدل والقدرية تنكر حقيقة اسم الحكم وترده إلى الحكم الشرعي الديني وتزعم أنها تثبت حقيقة العدل والعدل عندهم إنكار القدر ومع هذا فينسبونه إلى غاية الظلم فإنهم يقولون أنه يخلد في العذاب الأليم من أفنى عمره في طاعته ثم فعل كبيرة ومات عليها فإن قيل فالقضاء بالجزاء عدل إذ هو عقوبة على الذنب فيكون القضاء بالذنب عدلا على أصول أهل السنة وهذا السؤال لا يلزم القدرية ولا الجبرية أما القدرية فعندهم أنه لم يقض المعصية وأما الجبرية فعندهم أن كل مقدور عدل وإنما يلزمكم أنتم هذا السؤال قيل نعم كل قضائه عدل في عبده فإنه وضع له في موضعه الذي لا يحسن في غيره فإنه وضع العقوبة ووضع القضاء بسببها وموجبها في موضعه فإنه سبحانه كما يجازي بالعقوبة فإنه يعاقب بنفس قضاء الذنب فيكون حكمه بالذنب عقوبة على ذنب سابق فإن الذنوب تكسب بعضها بعضا وذلك الذنب السابق عقوبة على غفلته عن ربه وإعراضه عنه وتلك الغفلة والإعراض هي في أصل الجبلة والنشأة فمن أراد أن يكلمه أقبل بقلبه إليه وجذبه إليه وألهمه رشده وألقى فيه أسباب الخير ومن لم يرد أن يكمله تركه وطبعه وخلى بينه وبين نفسه لأنه لا يصلح للتكميل وليس محله أهلا ولا قابلا لما وضع فيه من الخير وها هنا انتهى علم العباد بالقدر وأما كونه تعالى جعل هذا يصلح وأعطاه ما يصلح له وهذا لا يصلح فمنعه مالا يصلح له فذاك موجب ربوبيته وإلهيته وعلمه وحكمته فإنه سبحانه خالق الأشياء وأضدادها وهذا مقتضى كماله وظهور أسمائه وصفاته كما تقدم تقريره والمقصود أنه أعدل العادلين في قضائه بالسبب وقضائه بالمسبب فما قضى في عبده بقضاء إلا وهو واقع في محله الذي لا يليق به غيره إذ هو الحكم العدل الغني الحميد. فصل: وقوله أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك إن كانت الرواية محفوظة هكذا ففيها إشكال فإنه جعل ما أنزله في كتابه أو علمه أحدا من خلقه أم استأثر به في علم الغيب عنده قسيما لما سمى به نفسه ومعلوم أن هذا تقسيم وتفصيل لما سمى به نفسه فوجه الكلام أن يقال سميت به نفسك فأنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك فإن هذه الأقسام الثلاثة تفصيل لما سمى به نفسه وجواب هذا الإشكال أن أو حرف عطف والمعطوف بها أخص مما قبله فيكون من باب عطف الخاص على العام فإن ما سمى به نفسه يتناول جميع الأنواع المذكورة بعده فيكون عطف كل جملة منها من باب عطف الخاص على العام فإن قيل المعهود من عطف الخاص على العام أن يكون بالواو دون سائر حروف العطف قيل المسوغ لذلك في الواو وهو تخصيص المعطوف بالذكر لمرتبته من بين الجنس واختصاصه بخاصة غيره منه حتى كأنه غيره أو إرادتين لذكره مرتين باسمه الخاص وباللفظ العام وهذا لا فرق فيه بين العطف بالواو أو بأو مع أن في العطف بأو على العام فائدة أخرى وهي بناء الكلام على التقسيم والتنويع كما بنى عليه تاما فيقال سميت به نفسك فإما أنزلته في كتابك وإما علمته أحدا من خلقك وقد دل الحديث على أن أسماء الله غير مخلوقة بل(1\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "299",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11493",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو الذي تكلم بها وسمى بها نفسه ولهذا لم يقل بكل اسم خلقته لنفسك ولو كانت مخلوقة لم يسأله بها فإن الله يقسم عليه بشيء من خلقه فالحديث صريح في أن أسماءه ليست من فعل الآدميين وتسمياتهم وأيضا فإن أسماءه مشتقة من صفاته وصفاته قديمة به فأسماؤها غير مخلوقة فإن قيل فالاسم عندكم هو المسمى أو غيره قيل طالما غلط الناس في ذلك وجهلوا الصواب فيه فالاسم يراد به المسمى تارة ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى فإذا قلت قال الله كذا واستوى الله على عرشه وسمع الله ورأى وخلق فهذا المراد به المسمى نفسه وإذا قلت الله اسم عربي والرحمن اسم عربي والرحمان من أسماء الله والرحمان وزنه فعلان والرحمن مشتق من الرحمة ونحو ذلك فالاسم ههنا للمسمى ولا يقال غيره لما في لفظ الغير من الإجمال فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه اسما أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم فهذا من أعظم الضلال والإلحاد فقوله في الحديث: quot;سميت به نفسكquot; ولم يقل خلقته لنفسك ولا قال سماك به خلقك دليل على أنه سبحانه تكلم بذلك الاسم وسمى به نفسه كما سمى نفسه في كتبه التي تكلم بها حقيقة بأسمائه وقوله أو استأثرت به في علم الغيب عندك دليل على أن أسماءه أكثر من تسعة وتسعين وأن له أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره وعلى هذا فقوله أن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة لا ينفي أن يكون له غيرها والكلام جملة واحدة أي له أسماء موصوفة بهذه الصفة كما يقال لفلان مائة عبدا أعدهم للتجارة وله مائة فرس أعدها للجهاد وهذا قول الجمهور وخالفهم ابن حزم فزعم أن أسماءه تنحصر في هذا العدد وقد دل الحديث على أن التوسل إليه سبحانه بأسمائه وصفاته أحب إليه وأنفع للعبد من التوسل إليه بمخلوقاته وكذلك سائر الأحاديث كما في حديث الاسم الأعظم: quot;اللهم أني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيومquot; وفي الحديث الآخر: quot;أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحدquot; وفي الحديث الآخر: quot;اللهم إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلقquot; وكلها أحاديث صحاح رواها ابن حبان والإمام أحمد والحاكم وهذا تحقيق لقوله تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وقوله أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري يجمع أصلين الحياة والنور فإن الربيع هو المطر الذي يحيي الأرض فينبت الربيع فيسأل الله بعبوديته وتوحيده وأسمائه وصفاته أن يجعل كتابه الذي جعله روحا للعالمين ونورا وحياة لقلبه بمنزلة الماء الذي يحيي به الأرض ونورا له بمنزلة الشمس التي تستنير بها الأرض والحياة والنور جماع الخير كله قال تعالى: أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات وقال تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الأيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا فأخبر أنه روح تحصل به الحياة ونور تحصل به الهداية فأتباعه لهم الحياة والهداية ومخالفوه لهم الموت والضلال وقد ضرب سبحانه المثل لأوليائه وأعدائه بهذين الأصلين في أول سورة البقرة وفي وسط سورة النور وفي سورة الرعد وهما المثل المائي والمثل الناري وقوله وجلاء حزني وذهاب همي وغمي إن جلاء هذا يتضمن إزالة المؤذي الضار وذلك يتضمن تحصيل النافع السار فتضمن(1\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "300",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11494",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحديث طلب أصول الخير كله ودفع الشر وبالله التوفيق.(1\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "301",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11495",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "الباب الثامن والعشرون: في أحكام الرضا بالقضاء واختلاف الناس في ذلك وتحقيق القول فيه",
        "content": "الباب الثامن والعشرون: في أحكام الرضا بالقضاء واختلاف الناس في ذلك وتحقيق القول فيه هذا الباب من تمام الإيمان بالقضاء والقدر وقد تنازع الناس فيه هل هو واجب أو مستحب على قولين وهما وجهان لأصحاب أحمد فمنهم من أوجبه واحتج على وجوبه بأنه من لوازم الرضا بالله ربا وذلك واجب واحتج بأثر إسرائيلي من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي فليتخذ له ربا سواي ومنهم من قال هو مستحب غير واجب فإن الإيجاب يستلزم دليلا شرعيا ولا دليل يدل على الوجوب وهذا القول أرجح فإن الرضا من مقامات الإحسان التي هي من أعلى المندوبات وقد غلط في هذا الأصل طائفتان أقبح غلط فقالت القدرية النفاة الرضا بالقضاء طاعة وقربة والرضا بالمعاصي لا يجوز فليست بقضائه وقدره وقالت غلاة الجبرية الذين طووا بساط الأمر والنهي المعاصي بقضاء الله وقدره والرضاء بالقضاء قربة وطاعة فنحن نرضى بها ولا نسخطها واختلفت طرق أهل الإثبات في جواب الطائفتين فأجابهم طائفة بأن لها وجهين وجها يرضى بها منه وهو إضافتها إلى الله سبحانه خلقا ومشيئة ووجه يسخط منه وهو إضافتها إلى العبد فعلا واكتسابا وهذا جواب جيد لو وفوا به فإن الكسب الذي أثبته كثير منهم لا حقيقة له إذ هو عندهم مقارنة الفعل للإرادة والقدرة إيجاد به من غير أن يكون لهما تأثير بوجه ما وقد تقدم الكلام في ذلك بما فيه كفاية وأجابهم طائفة أخرى بأنا نرضى بالقضاء الذي هو فعل الرب ونسخط المقضي الذي هو فعل العبد وهذا جواب جيد لو لم يعودوا عليه بالنقض وبالإبطال فإنهم قالوا الفعل غير المفعول فالقضاء عندهم نفس المقضي فلو قال الأولون بأن للكسب تأثير في إيجاد الفعل وأنه سبب لوجوده وقال الآخرون بأن الفعل غير المفعول لأصابوا في الجواب وأجابتهم طائفة أخرى بأن من القضاء ما يؤمر بالرضا به ومنه ما ينهى عن الرضا به فالقضاء الذي يحبه الله ويرضاه نرضى به والذي يبغضه ويسخطه لا نرضى به وهذا كما أن من المخلوقات ما يبغضه ويسخطه وهو خالقه كالأعيان المسخوطة له فهكذا الكلام في الأفعال والأقوال سواء وهذا جواب جيد غير أنه يحتاج إلى تمام فنقول الحكم والقضاء نوعان ديني وكوني فالديني يجب الرضا به وهو من لوازم الإسلام والكوني منه ما يجب الرضا به كالنعم التي يجب شكرها ومن تمام شكرها الرضا بها ومنه ما لا يجوز الرضا به كالمعايب والذنوب التي يسخطها الله وإن كانت بقضائه وقدره ومنه ما يستحب الرضا به كالمصائب وفي وجوبه قولان هذا كله في الرضا بالقضاء الذي هو المقضي وأما القضاء الذي هو وصفه سبحانه وفعله كعلمه وكتابه وتقديره ومشيئته فالرضا به من تمام الرضا بالله ربا وإلها ومالكا ومدبرا فبهذا التفصيل يتبين الصواب ويزول اللبس في هذه المسألة العظيمة التي هي مفرق طرق بين الناس فإن قيل فكيف يجتمع الرضا بالقضاء بالمصائب مع شدة الكراهة والنفرة منها وكيف يكلف العبد أن يرضى بما هو مؤلم له وهو كاره له وإلا لم يقتض الكراهة والبغض المضاد للرضا(1\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "302",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11496",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واجتماع الضدين محال قيل الشيء قد يكون محبوبا مرضيا من جهة ومكروها من جهة أخرى كشرب الدواء النافع الكريه فإن المريض يرضى به مع شدة كراهته له وكصوم اليوم الشديد الحر فإن الصائم يرضى به مع شدة كراهته له وكالجهاد للأعداء قال تعالى: كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم فالمجاهد المخلص يعلم أن القتال خير له فرضي به وهو يكرهه لما فيه من التعرض لإتلاف النفس وألمها ومفارقة المحبوب ومتى قوي الرضا بالشيء وتمكن انقلبت كراهته محبة وإن لم يخل من الألم فالألم بالشيء لا ينافي الرضا به وكراهته من وجه لا ينافي محبته وإرادته والرضا به من وجه آخر فإن قيل فهذا في حكم رضا العبد بقضاء الرب فهل يرضى سبحانه ما قضى به من الكفر والفسوق والعصيان بوجه من الوجوه قيل هذا الموضع أشكل من الذي قبله قال كثير من الأشعرية بل جمهورهم ومن اتبعهم أن الرضا والمحبة والإرادة في حق الرب تعالى بمعنى واحد وأن كل ما شاءه وأراده فقد أحبه ورضيه ثم أوردوا على أنفسهم هذا السؤال وأجابوا بأنه لا يمتنع أن يقال أنه يرضى بها ولكن لا على وجه التخصيص بل يقال يرضى بكل ما خلقه وقضاه وقدره ولا نفرد من ذلك الأمور المذمومة كما يقال هو رب كل شيء ولا يقال رب كذا وكذا للأشياء الحقيرة الخسيسة وهذا تصريح منهم بأنه راض بها في نفس الأمر وإنما امتنع الإطلاق أدبا واحتراما فقط فلما أورد عليهم قوله: ولا يرضى لعباده الكفر أجابوا عنه بجوابين أحدهما ممن لم يقع منه وأما من وقع منه فهو يرضاه إذ هو بمشيئته وإرادته والثاني لا يرضاه لهم دينا أي لا يشرعه لهم ولا يأمرهم به ويرضاه منهم كونا وعلى قولهم فيكون معنى الآية ولا يرضى لعباده الكفر حيث لم يوجد منهم فلو وجد منهم أحبه ورضيه وهذا في البطلان والفساد كما تراه وقد أخبر سبحانه أنه لا يرضى ما وجد من ذلك وإن وقع بمشيئته كما قال تعالى: وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول فهذا قول واقع بمشيئته وتقديره وقد أخبر سبحانه أنه لا يرضاه وكذلك قوله سبحانه: والله لا يحب الفساد فهو سبحانه لا يحبه كونا ولا دينا وإن وقع بتقديره كما لا يحب إبليس وجنوده وفرعون وحزبه وهو ربهم وخالقهم فمن جعل المحبة والرضا بمعنى الإرادة والمشيئة لزمه أن يكون الله سبحانه محبا لإبليس وجنوده وفرعون وهامان وقارون وجميع الكفار وكفرهم والظلمة وفعلهم وهذا كما أنه خلاف القرآن والسنة والإجماع المعلوم بالضرورة فهو خلاف ما عليه فطر العالمين التي لم تغير بالتواطي والتواصي بالأقوال الباطلة وقد أخبر سبحانه أنه يمقت أفعالا كثيرة ويكرهها ويبغضها ويسخطها فقال: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا وقال: ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وقال: كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون وقال: ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم ومحال حمل هذه الكراهة على غير الكراهة الدينية الأمرية لأنه أمرهم بالجهاد وقال: كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها فأخبر أنه يكره ويبغض ويمقت ويسخط ويعادي ويذم ويلعن ومحال أنه يحب ذلك ويرضى به وهو سبحانه يكره ويتقدس عن محبة ذلك وعن الرضا به بل لا يليق ذلك بعبده فإنه نقص وعيب في المخلوق أن يحب الفساد والشر والظلم والبغي والكفر ويرضاه فكيف يجوز نسبة ذلك إلى الله تبارك وتعالى وهذا الأصل من أعظم ما غلط فيه كثير من مثبتي القدر وغلطهم فيه يوازن غلط النفاة في إنكار القدر أو هو أقبح منه وبه وتسلط عليهم النفاة وتمادوا على قبح قولهم وأعظموا الشناعة(1\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "303",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11497",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليهم به فهؤلاء قالوا يحب الكفر والفسوق والعصيان والظلم والبغي والفساد وأولئك قالوا لا يدخل تحت مشيئته وقدرته وخلقه وأولئك قالوا لا يكون في ملكه إلا ما يحبه ويرضاه وهؤلاء قالوا يكون في ملكه ما لا يشاء ويشاء ما لا يكون فسبحان الله وتعالى عما يقول الفريقان علوا كبيرا والحمد لله الذي هدانا لما أرسل به رسوله وأنزل به كتابه وفطر عليه عباده وبرأنا من بدع هؤلاء وهؤلاء فله الحمد والمنة والفضل والنعمة والثناء الحسن ونسأله التوفيق لما يحبه يرضاه وان يجنبنا مضلات البدع والفتن.(1\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "304",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11498",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "الباب التاسع والعشرون: في انقسام القضاء والحكم والإرادة والكتابة والأمر والإذن والجعل والكلمات والبعث",
        "content": "الباب التاسع والعشرون: في انقسام القضاء والحكم والإرادة والكتابة والأمر والإذن والجعل والكلمات والبعث والإرسال والتحريم والانتباه إلى كوني متعلق بخلقه وإلى ديني متعلق بأمره وما يحقق ذلك من إزالة اللبس والإشكال. هذا الباب متصل بالباب الذي قبله وكل منهما يقرر لصاحبه فما كان من كوني فهو متعلق بربوبيته وخلقه وما كان من الديني فهو متعلق بإلهيته وشرعه وهو كما أخبر عن نفسه سبحانه له الخلق والأمر فالخلق قضاؤه وقدره وفعله والأمر شرعه ودينه فهو الذي خلق وشرع وأمر وأحكامه جارية على خلقه قدرا وشرعا ولا خروج لأحد عن حكمه الكوني القدري وأما حكمه الديني الشرعي فيعصيه الفجار والفساق والأمران غير متلازمين فقد يقضي ويقدر ما لا يأمر به ولا شرعه وقد يشرع ويأمر بما لا يقضيه ولا يقدره ويجتمع الأمران فيما وقع من طاعات عبادة وإيمانهم وينتفي الأمران عما لم يقع من المعاصي والفسق والكفر وينفرد القضاء الديني والحكم الشرعي في ما أمر به وشرعه ولم يفعله المأمور وينفرد الحكم الكوني فيما وقع من المعاصي إذا عرف ذلك فالقضاء في كتاب الله نوعان كوني قدري كقوله: فلما قضينا عليه الموت وقوله: وقضي بينهم بالحق وشرعي ديني كقوله: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه أي أمر وشرع ولو كان قضاء كونيا لما عبد غير الله والحكم أيضا نوعان فالكوني كقوله: قال رب احكم بالحق أي افعل ما تنصر به عبادك وتخذل به أعداءك والديني كقوله: ذلكم حكم الله يحكم بينكم وقوله: إن الله يحكم ما يريد وقد يرد بالمعنيين معا كقوله: ولا يشرك في حكمه أحدا فهذا يتناول حكمه الكوني وحكمه الشرعي والإرادة أيضا نوعان فالكونية كقوله تعالى: فعال لما يريد وقوله: وإذا أردنا أن نهلك قرية وقوله: إن كان الله يريد أن يغويكم وقوله: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض والدينية كقوله: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وقوله: والله يريد أن يتوب عليكم فلو كانت هذه الإرادة كونية لما حصل العسر لأحد منا ولو وقعت التوبة من جميع المكلفين وبهذا التفصيل يزول الاشتباه في مسألة الأمر والإرادة هل هما متلازمان أم لا فقالت القدرية الأمر يستلزم الإرادة واحتجوا بحجج لا تندفع وقالت المثبتة الأمر لا يستلزم الإرادة واحتجوا بحجج لا تندفع والصواب أن الأمر يستلزم الإرادة الدينية ولا يستلزم الإرادة الكونية فإنه لا يأمر إلا بما يريده شرعا ودينا وقد يأمر بما لا يريده كونا وقدرا كإيمان(1\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "305",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11499",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من أمره ولم يوفقه للإيمان مراد له دينا لا كونا وكذلك أمر خليله بذبح ابنه ولم يرده كونا وقدرا وأمر رسوله بخمسين صلاة ولم يرد ذلك كونا وقدرا وبين هذين الأمرين وأمر من لم يؤمن بالإيمان فرق فإنه سبحانه لم يحب من إبراهيم ذبح ولده وإنما أحب منه عزمه على الامتثال وأن يوطن نفسه عليه وكذلك أمره محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بخمسين صلاة وأما أمر من علم أنه لا يؤمن بالإيمان فإنه سبحانه يحب من عباده أن يؤمنوا به وبرسله ولكن اقتضت حكمته أن أعان بعضهم على فعل ما أمره ووفقه له وخذل بعضهم فلم يعنه ولم يوفقه فلم تحصل مصلحة الأمر منهم وحصلت من الأمر بالذبح. فصل: وأما الكتابة فالكونية كقوله: كتب الله لأغلبن أنا ورسلي وقوله: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون وقوله: كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير والشرعية الأمرية كقوله: كتب عليكم الصيام وقوله: حرمت عليكم أمهاتكم إلى قوله: كتاب الله عليكم وقوله: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس فالأولى كتابة بمعنى القدر والثانية كتابة بمعنى الأمر. فصل: والأمر الكوني كقوله: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون وقوله: وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر وقوله: وكان أمر الله مفعولا وقوله: وكان أمرا مقضيا وقوله: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فهذا أمر تقدير كوني لا أمر ديني شرعي فإن الله لا يأمر بالفحشاء والمعنى قضينا ذلك وقدرناه وقالت طائفة بل هو أمر ديني والمعنى أمرناهم بالطاعة فخالفونا وفسقوا والقول الأول أرجح لوجوده أحدها أن الإضمار على خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا إذا لم يكن تصحيح الكلام بدونه الثاني أن ذلك يستلزم إضمارين أحدهما أمرناهم بطاعتنا الثاني فخالفونا أو عصونا ونحو ذلك الثالث أن ما بعد الفاء في مثل هذا التركيب هو المأمور به نفسه كقولك أمرته ففعل وأمرته فقام وأمرته فركب لا يفهم المخاطب غير هذا الرابع أنه سبحانه جعل سبب هلاك القرية أمره المذكور ومن المعلوم أن أمره بالطاعة والتوحيد لا يصلح أن يكون سبب الهلاك بل هو سبب للنجاة والفوز فإن قيل أمره بالطاعة مع الفسق هو سبب الهلاك قيل هذا يبطل بالوجه الخامس وهو أن هذا الأمر لا يختص بالمترفين بل هو سبحانه يأمر بطاعته واتباع رسله المترفين وغيرهم فلا يصح تخصيص الأمر بالطاعة بالمترفين يوضحه الوجه السادس أن الأمر لو كان بالطاعة لكان هو نفس إرسال رسله إليهم ومعلوم أنه لا يحسن أن يقال أرسلنا رسلنا إلى مترفيها ففسقوا فيها فإن الإرسال لو كان إلى المترفين لقال من عداهم نحن لم يرسل إلينا السابع أن إرادة الله سبحانه لإهلاك القرية إنما يكون بعد إرسال الرسل إليهم وتكذيبهم وإلا فقبل ذلك هو لا يريد إهلاكهم لأنهم معذورون بغفلتهم وعدم بلوغ الرسالة إليهم قال تعالى: ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون فإذا أرسل الرسل فكذبوهم أراد إهلاكها فأمر رؤسائها ومترفيها أمرا كونيا قدريا لا شرعيا دينيا بالفسق في القرية فاجتمع أهلها على تكذيبهم وفسق رؤسائهم فحينئذ جاءها أمر الله وحق عليها قوله بالإهلاك والمقصود ذكر الأمر الكوني والديني ومن الديني قوله: إن الله يأمر بالعدل والأحسان وقوله: ن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وهو كثير(1\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "306",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11500",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: وأما الإذن الكوني فكقوله تعالى: وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله أي بمشيئته وقدره وأما الديني فكقوله: ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين أي بأمره ورضاه وقوله: قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون وقوله: أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله . فصل: وأما الجعل الكوني فكقوله: إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا وقوله: ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون وقوله: والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وهو كثير وأما الجعل الديني فكقوله: ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام أي ما شرع ذلك ولا أمر به وإلا فهو مخلوق له واقع بقدره ومشيئته وأما قوله: جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس فهذا يتناول الجعلين فإنها جعلها كذلك بقدره وشرعه وليس هذا استعمالا للمشترك في معنييه بل إطلاق اللفظ وإرادة القدر المشترك بين معنييه فتأمله. فصل: وأما الكلمات الكونية فكقوله: كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون وقوله: وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين وقوله صلى الله عليه وسلم: quot;أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلقquot; فهذه كلماته الكونية التي يخلق بها ويكون ولو كانت الكلمات الدينية هي التي يأمر بها وينهى لكانت مما يجاوزهن الفجار والكفار وأما الديني فكقوله: وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله والمراد به القرآن وقوله صلى الله عليه وسلم في النساء واستحللتم فروجهن بكلمة الله أي بإباحته ودينه وقوله: فانكحوا ما طاب لكم من النساء وقد اجتمع النوعان في قوله: وصدقت بكلمات ربها وكتبه فكتبه كلماته التي يأمر بها وينهى ويحل ويحرم وكلماته التي يخلق بها ويكون فأخبر أنها ليست جهمية تنكر كلمات دينه وكلمات تكوينه وتجعلها خلقا من جملة مخلوقاته. فصل: وأما البعث الكوني فكقوله: فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد وقوله: فبعث الله غرابا يبحث في الأرض وأما البعث الديني فكقوله: هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم وقوله: كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين . فصل: وأما الإرسال الكوني فكقوله: ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا وقوله: وهو الذي أرسل الرياح وأما الديني فكقوله: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق وقوله: إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا . فصل: وأما التحريم الكوني فكقوله: وحرمنا عليه المراضع من قبل وقوله: قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة وقوله: وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون وأما التحريم الديني فكقوله: حرمت عليكم أمهاتكم و حرمت عليكم الميتة : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما : وأحل الله البيع وحرم الربا . فصل: وأما الإيتاء الكوني فكقوله: والله يؤتي ملكه من يشاء وقوله: قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وقوله: وآتيناهم ملكا عظيما وأما الإيتاء الديني فكقوله: وما آتاكم(1\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "307",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11501",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرسول فخذوه وقوله: خذوا ما آتيناكم بقوة وأما قوله: يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا فهذا يتناول النوعين فإنه يؤتيها من يشاء أمرا ودينا وتوفيقا وإلهاما. فصل: وأنبياؤه ورسله وأتباعهم حظهم من هذه الأمور الديني منها وأعداؤه واقفون مع القدر الكوني فحيث ما مال القدر مالوا معه فدينهم دين القدر ودين الرسل وأتباعهم دين الأمر فهم يدينون بأمره ويؤمنون بقدره وخصماء الله يعصون أمره ويحتجون بقدره لا يقولون نحن واقفون مع مراد الله نعم مع مراده الديني أو الكوني ولا ينفعكم وقوفكم مع المراد الكوني ولا يكون ذلكم عذرا لكم عنده إذ لو عذر بذلك لم يذم أحدا من خلقه ولم يعاقبه ولم يكن في خلقه عاص ولا كافر ومن زعم ذلك فقد كفر بالله وكتبه كلها وجميع رسله وبالله التوفيق.(1\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "308",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11502",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "الباب الموفي ثلاثين: في ذكر الفطرة الأولى ومعناها واختلاف الناس في المراد بها وأنها لا تنافي القضاء والقدر بالشقاوة والضلال.",
        "content": "الباب الموفي ثلاثين: في ذكر الفطرة الأولى ومعناها واختلاف الناس في المراد بها وأنها لا تنافي القضاء والقدر بالشقاوة والضلال. قال تعالى: فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما ينتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونهاquot; ثم قرأ أبو هريرة: فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله وفي لفظ آخر: quot;ما من مولود إلا يولد على هذه الملةquot; وقد اختلف في معنى هذه الفطرة والمراد بها فقال القاضي أبو يعلي في معنى الفطرة: quot;ها هنا روايتان عن أحمد أحدهما الإقرار بمعرفة الله تعالى وهو العهد الذي أخذه الله عليهم في أصلاب آبائهم حتى مسح ظهر آدم فأخرج من ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذر وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى فليس أحد إلا وهو يقر بأن له صانعا ومدبرا وإن سماه بغير اسمه قال تعالى: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فكل مولود يولد على ذلك الإقرار الأولquot; قال وليس الفطرة هنا الإسلام لوجهين أحدهما أن معنى الفطرة ابتداء الخلقة ومنه قوله تعالى: فاطر السماوات والأرض أي مبتدئها وإذ كانت الفطرة هي الابتداء وجب أن تكون تلك هي التي وقعت لأول الخليقة وجرت في فطرة المعقول وهو استخراجهم ذرية لأن تلك حالة ابتدائهم ولأنها لو كانت الفطرة هنا الإسلام لوجب إذا ولد بين أبوين كافرين أن لا يرثهما ولا يرثانه ما دام طفلا لأنه مسلم واختلاف الدين يمنع الإرث ولوجب أن لا يصح استرقاقه ولا يحكم بإسلامه بإسلام أبيه لأنه مسلمquot; قال وهذا تأويل ابن قتيبة وذكره ابن بطة في الإبانة قال وليس كل من تثبت له المعرفة حكم بإسلامه كالبالغين من الكفار فإن المعرفة حاصلة وليسوا بمسلمين قال وقد أومأ أحمد إلى هذا التأويل وفي رواية الميموني(1\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "309",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11503",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها فقال له الميموني الفطرة الدين قال نعم قال القاضي وأراد أحمد بالدين المعرفة التي ذكرناهاquot; قال والرواية الثانية: quot;الفطرة هنا ابتداء خلقه في بطن أمه لأن حمله على العهد الذي أخذه عليهم وهو الإقرار بمعرفته حمل للفطرة على الإسلام لأن الإقرار بالمعرفة إقرار بالإيمان والمؤمن مسلم ولو كانت الفطرة الإسلام لوجب إذا ولد بين أبوين كافرين أن لا يرثانه ولا يرثهما قال ولأن ذلك يمنع أن يكون الكفر خلقا لله وأصول أهل السنة بخلافه قال وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية على بن سعيد وقد سأله عن قوله كل مولود يولد على الفطرة فقال على الشقاوة والسعادة ولذلك نقل محمد بن يحيى الكحال أنه سأله فقال هي التي فطر الناس عليها شقي أو سعيد وكذلك نقل جبيل عنه قال الفطرة التي فطر الله عليها العباد من الشقاوة والسعادة قال وهذا كله يدل من كلامه على أن المراد بالفطرة ها هنا ابتداء خلقه في بطن أمهquot; قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية أحمد: quot;لم يذكر العهد الأول وإنما قال الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها وهي الدين وقال في غير موضع أن الكافر إذا مات أبواه أو أحدهما حكم بإسلامه واستدل بهذا الحديث فدل على أنه فسر الحديث بأنه يولد على فطرة الإسلام كما جاء ذلك مصرحا به في الحديث ولو لم تكن الفطرة عنده الإسلام لما صح استدلاله بالحديثquot; وقوله في موضع آخر: quot;يولد على ما فطر عليه من شقاوة وسعادة لا ينافي ذلك فإن الله سبحانه قدر السعادة والشقاوة وكتبهما وقدر أنها تكون بالأسباب التي تحصل بها كفعل الأبوين فتهويد الأبوين وتنصيرهما وتمجيسهما هو مما قدره الله أنه يفعل بالمولود والمولود ولد على الفطرة سليما وولد على أن هذه الفطرة السليمة يغيرها الأبوان كما قدر سبحانه ذلك وكتبه كما مثل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله كما ينتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء فبين أن البهيمة تولد سليمة ثم يجدعها الإنسان وذلك بقضاء الله وقدره فكذلك المولود يولد على الفطرة سليما ثم يفسده أبواه وذلك أيضا بقضاء الله وقدره وإنما قال أحمد وغيره من الأئمة على ما فطر عليه من شقاوة أو سعادة لأن القدرية يحتجون بهذا الحديث على أن الكفر والمعاصي ليس بقضاء الله وقدره بل مما ابتدأ الناس إحداثه ولهذا قالوا لمالك بن أنس أن القدرية يحتجون علينا بأول الحديث فقال احتجوا عليهم بآخره وهو قول الله أعلم بما كانوا عاملين فبين الإمام أحمد وغيره أنه لا حجة فيه للقدرية فإنهم لا يقولون أن نفس الأبوين خلقا تهويده وتنصيره بل هو تهود وتنصر باختياره ولكن كانا سببا في حصول ذلك بالتعليم والتلقين فإذا أضيف إليهما هذا الاعتبار فلأن يضاف إلى الله الذي هو خالق كل شيء بطريق الأولى لأنه سبحانه وإن كان خلقه مولودا على الفطرة سليما فقد قدر عليه ما سيكون بعد ذلك من تغييره وعلم ذلك كما في الحديث الصحيح quot;أن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا ولو بلغ لأرهق أبويه طغيانا وكفراquot; فقوله طبع يوم طبع أي قدر وقضى في الكتاب أنه يكفر لا أن كفره كان موجودا قبل أن يولد ولا في حال ولادته فإنه مولود على الفطرة السليمة وعلى أنه بعد ذلك يتغير ويكفر من ظن أن الطبع على قلبه وهو الطبع المذكور على قلب الكفار فهو غالط فإن ذلك لا يقال فيه طبع يوم طبع إذ كان الطبع على قلبه إنما يوجد بعد كفره وقد ثبت في صحيح مسلم عن عياض بن حماد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: quot;خلقت عبادي حنفاء كلهم فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناquot; وهذا(1\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "310",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11504",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صريح في أنه خلقهم على الحنيفية وأن الشياطين اجتالتهم بعد ذلك وكذلك في حديث الأسود بن سريع الذي رواه احمد وغيره قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فأفضى بهم القتل إلى الذرية فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: quot;ما حملكم على قتل الذرية قالوا يا رسول الله أليسوا أولاد المشركين قال أوليس خياركم أولاد المشركين ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا فقال ألا إن كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانهquot; فخطبته لهم بهذا الحديث عقيب نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين وقوله لهم أو ليس خياركم أولاد المشركين نص أنه أراد بهم ولدوا غير كفار ثم الكفر طرأ بعد ذلك ولو أراد أن المولود حين يولد يكون إما مسلما وإما كافرا على ما سبق له به القدر لم يكن فيما ذكر حجة على ما قصد من نهيه عن قتل أولاد المشركين وقد ظن بعضهم أن معنى قوله أو ليس خياركم أولاد المشركين أنه قد يكون في علم الله أنهم لو بقوا لآمنوا فيكون النهي راجعا إلى هذا المعنى من التجويز وليس هذا معنى الحديث لكن معناه أن خياركم هم السابقون الأولون وهؤلاء من أولاد المشركين فإن آباءهم كانوا كفارا ثم أن البنين أسلموا بعد ذلك فلا يضر الطفل أن يكون من أولاد المشركين إذا كان مؤمنا فإن الله إنما يجزيه بعمله لا بعمل أبويه وهو سبحانه يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن كما يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي. فصل: وهذا الحديث قد روي بألفاظ تفسر بعضها بعضا ففي الصحيحين واللفظ للبخاري عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما ينتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة اقرؤوا: فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم قالوا يا رسول الله أفرأيت من يموت صغيرا قال الله أعلم بما كانوا عاملينquot; وفي الصحيح قال الزهري: quot;نصلي على مولود يتوفى وإن كان من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام إذا استهل صارخا ولا نصلي على من لم يستهل من أجل أنه سقطquot; فإن أبا هريرة كان يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة: فطرت الله التي فطر الناس عليها quot; وفي الصحيحين من رواية الأعمش: quot;ما من مولود إلا وهو على الملةquot; وفي رواية ابن معاوية عنه: quot;إلا على هذه الملةquot; حتى يعرب عنه لسانه فهذا صريح بأنه يولد على ملة الإسلام كما فسره ابن شهاب راوي الحديث واستشهاد أبي هريرة بالآية يدل على ذلك قال ابن عبد البر وقد سئل ابن شهاب عن رجل عليه رقبة مؤمنة أيجزي أن يعتقه وهو رضيع قال نعم لأنه ولد على الفطرة وقال أبو عمر وقد ذكر النزاع في تفسير الحديث وقال آخرون الفطرة ها هنا الإسلام قالوا وهو المعروف عند عامة السلف أهل التأويل قد أجمعوا في تأويل قول الله عز وجل: فطرت الله التي فطر الناس عليها قالوا فطرة الله دين الله الإسلام واحتجوا بقول أبي هريرة في هذا الحديث اقرؤا إن شئتم فطرة الله التي فطر الناس عليها وذكروا عن عكرمة ومجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك وقتادة في قوله عز وجل: فطرت الله التي فطر الناس عليها قالوا: quot;فطرة الله دين الله الإسلام لا تبديل لخلق الله قالوا لدين اللهquot; واحتجوا بحديث محمد بن إسحاق عن ثور بن يزيد عن يحيى بن جابر عن عبد الرحمن بن عابد الأزدي عن عياض بن حماد المجاشعي أن رسول الله(1\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "311",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11505",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلى الله عليه وسلم قال: quot;للناس يوما ألا أحدثكم بما حدثني الله في الكتاب أن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين وأعطاهم المال حلالا لا حرام فيها فجعلوا ما أعطاهم الله حراما وحلالاquot; الحديث قال وكذلك روى بكر بن مهاجر عن ثور بن يزيد بإسناده مثله في هذا الحديث حنفاء مسلمين قال أبو عمر روى هذا الحديث قتادة عن مطرف بن عبد الله عن عياض ولم يسمعه قتادة من مطرف ولكن قال حدثني ثلاثة عقبة بن عبد الغافر ويزيد بن عبد الله بن الشخير والعلاء بن زياد كلهم يقول حدثني مطرف عن عياض عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال فيه: quot;وأنى خلقت عبادي حنفاء كلهمquot; لم يقل مسلمين وكذلك رواه الحسن عن مطرف ورواه ابن إسحاق عمن لا يتهم عن قتادة بإسناده قال فيه: quot;وأنى خلقت عبادي حنفاء كلهمquot; ولم يقل مسلمين قال فدل هذا على حفظ محمد بن إسحاق وإتقانه وضبطه لأنه ذكر مسلمين في روايته عن ثور بن يزيد لهذا الحديث وأسقطه من رواية قتادة وقصر فيه عن قوله مسلمين وزاده ثور بإسناده فالله أعلم قال والحنيف في كلام العرب المستقيم المخلص ولا استقامة أكثر من الإسلام قال وقد روي عن الحسن الحنيفية: quot;حج البيتquot; وهذا يدل أنه أراد الإسلام وكذلك روى عن الضحاك والسدي قال: quot;حنفاء حجاجاquot; وعن مجاهد: quot;حنفاء متبعينquot; قال وهذا كله يدل على أن الحنيفية الإسلام قال وقال أكثر العلماء الحنيف المخلص وقال الله عز وجل: ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وقال تعالى: ملة إبراهيم حنيفا وقال: ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وقال الشاعر وهو الراعي: أخليفة الرحمن إنا معشر ... حنفاء نسجد بكرة وأصيلا عرب نرى لله في أموالنا ... حق الزكاة منزلا تنزيلا قال فهذا وصف الحنيفية بالإسلام وهو أمر واضح لا خفاء به قال ومما احتج به من ذهب في هذا الحديث إلى أن الفطرة في هذا الحديث الإسلام قوله صلى الله عليه وسلم: quot;خمس من الفطرةquot; ويروى quot;عشر من الفطرةquot; قال شيخنا: quot;والدلائل على ذلك كثيرة ولو لم يكن المراد بالفطرة الإسلام لما سألوا عقيب ذلك أرأيت من يموت من أطفال المشركين لأنه لم يكن هناك ما يغير تلك الفطرة لما سألوه والعلم القديم وما يجرى مجراه لا يتغيرquot; وقوله فأبواه يهودانه بين فيه أنهم يغيرون الفطرة التي فطر عليها وأيضا فإنه شبه ذلك بالبهيمة التي تولد مجتمعة الخلق لا نقص فيها ثم تجدع بعد ذلك فعلم أن التغير وأرد على الفطرة السليمة التي ولد العبد عليها وأيضا فان الحديث مطابق للقرآن كقوله: فطرت الله التي فطر الناس عليها وهذا يعم جميع الناس فعلم أن الله سبحانه فطر الناس كلهم على فطرته المذكورة وأيضا فإنه أضاف الفطرة إليه إضافة مدح لا إضافة ذم فعلم أنها فطرة محمودة لا مذمومة كدين الله وبيته وناقته وأيضا فإنه قال فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها وأيضا فإن هذا تفسير السلف قال ابن جرير: quot;يقول فسدد وجهك نحو الوجه الذي وجهك الله يا محمد بطاعته وهي الدين حنيفاquot; يقول مستقيما لدينه وطاعته فطرة الله يقول صنعة الله خلق الناس عليها ونصب فطرة على المصدر معنى قوله فأقم وجهك للدين حنيفا لأن المعنى فطر الله الناس على ذلك فطرة قال وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ثم روى عن ابن زيد قال: quot;فطرة الله التي فطر الناس عليها قال الإسلام منذ خلقهم الله من آدم جميعا يقرون بذلكquot; وعن مجاهد: quot;فطرة الله قال(1\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "312",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11506",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدين الإسلامquot; ثم روى عن يزيد بن أبي مريم قال عمر لمعاذ بن جبل فقال ما قوام هذه الأمة قال معاذ ثلاث وهن المنجيات الإخلاص وهو الفطرة فطرة الله التي فطر الناس عليها والصلاة وهي الملة والطاعة وهي العصمة فقال عمر صدقت وقوله لا تبديل لخلق الله يقول لا تغيير لدين الله أي لا يصلح ذلك ولا ينبغي أن يفعل قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: quot;لا تبديل لخلق الله أي لدين اللهquot; ثم ذكر أن مجاهدا أرسل إلى عكرمة يسأله عن قوله لا تبديل لخلق الله قال: quot;هو الخصاquot; فقال مجاهد: quot;أخطأ لا تبديل لخلق الله إنما هو الدينquot; ثم قال: quot;لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيمquot; وروى عن عكرمة: quot;لا تبديل الخلق الله قال لدين اللهquot; هو قول سعيد بن جبير والضحاك وإبراهيم النخعي وابن زيد وعن ابن عباس وعكرمة ومجاهد: quot;هو الخصاquot; ولا منافاة بين القولين كما قال تعالى: ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله فتغيير ما فطر الله عباده من الدين تغيير لخلقه والخصا وقطع آذان الأنعام تغيير لخلقه أيضا ولهذا شبه النبي صلى الله عليه وسلم أحدهما بالآخر فأولئك يغيرون الشريعة وهؤلاء يغيرون الخلقة فذلك يغير ما خلقت عليه نفسه وروحه وهذا يغير ما خلق عليه بدنه. فصل: ولما صار القدرية يحتجون بهذا الحديث على قولهم صار الناس يتأولونه على تأويلات يخرجونه بها عن مقتضاه فقالت القدرية كل مولود يولد على الإسلام والله سبحانه لا يضل أحدا وإنما أبواه يضلانه قال لهم أهل السنة أنتم لا تقولون بأول الحديث ولا بآخره أما أوله فإنه لم يولد أحد عندكم على الإسلام أصلا ولا جعل الله أحدا مسلما ولا كافرا عندكم وهذا أحدث لنفسه الكفر وهذا أحدث لنفسه الإسلام والله لم يخلق واحدا منهما ولكن دعاهما إلى الإسلام وأزاح عللهما وأعطاهما قدرة مماثلة فهما يصلح للضدين ولم يخص المؤمن بسبب يقتضي حصول الإيمان فإن ذلك عندكم غير مقدور له ولو كان مقدورا لكان منع الكافر منه ظلما هذا قول عامة القدرية وإن كان أبو الحسين يقول أنه خص المؤمن بداعي الإيمان ويقول عند الداعي والقدرة يجب وجود الإيمان وهذا في الحقيقة موافق لقول أهل السنة قالوا فأنتم قلتم إن معرفة الله لا تحصل إلا بالنظر المشروط بالعقل ويستحيل أن تكون المعرفة عندكم ضرورة أو تكون من فعل الله وأما كونكم لا تقولون بآخره فهو أنه ينسب فيه التهويد والتنصير إلى الأبوين وعندكم أن المولود هو الذي أحدث لنفسه التهويد والتنصير دون الأبوين والأبوان لا قدرة لهما على ذلك البتة وأيضا فقوله الله أعلم بما كانوا عاملين دليل على أن الله يعلم ما يصيرون إليه بعد ولادتهم على الفطرة هل يبقون عليها فيكونون مؤمنين أو يغيرون فيصيرون كفارا فهو دليل على تقدم العلم الذي ينكره غلاة القدرية واتفق السلف على تكفيرهم بإنكاره فالذي استدللتم به من الحديث على قولكم الباطل وهو قوله فأبواه يهودانه وينصرانه لا حجة لكم بل هو حجة عليكم فغير الله لا يقدر على جعل الهدى أو الضلال في قلب أحد بل المراد بالحديث دعوة الأبوين إلى ذلك وتربيتهما له وتربيتهما على ذلك مما يفعله المعلم والمربي وخص الأبوين بالذكر على الغالب أنه جعل أبوان وإلا فقد يقع من أحدهما أو من غيرهما. فصل: قال أبو عمر بن عبد البر اختلف العلماء في الفطرة المذكورة في هذا الحديث اختلافا كثيرا وكذلك اختلفوا في الأطفال وحكمهم في الدنيا والآخرة فسئل عنه ابن المبارك فقال: quot;تفسيره آخر(1\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "313",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11507",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحديث وهو قوله الله أعلم بما كانوا عاملينquot; هكذا ذكر أبو عبيد عن ابن المبارك لم يزد شيئا وذكر أنه سأل محمد بن الحسن عن تأويل هذا الحديث فقال: quot;كان هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يؤمر الناس بالجهادquot; هذا ما ذكره أبو عبيده قال أبو عمر أما ما ذكره عن ابن المبارك فقد روي عن مالك نحو ذلك وليس فيه مقنع من التأويل ولا شرح موعب في أمر الأطفال ولكنها تؤدي إلى الوقوف عن القطع فيهم بكفر وإيمان أو جنة ونار ما لم يبلغوا العمل قال وأما ما ذكره عن محمد بن الحسن فأظن محمدا حاد عن الجواب فيه إما لإشكاله وإما لجهله به أو لما شاء الله وأما قوله أن ذلك كان من النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يؤمر الناس بالجهاد فلا أدري ما هذا فإن كان أراد أن ذلك منسوخ فغير جائز عند العلماء دخول النسخ في أخبار الله ورسوله إذ المخبر بشيء كان أو يكون إذا رجع عن ذلك لم يخل رجوعه من تكذيبه لنفسه أو غلطه فيما أخبر به أو نسيانه وقد جل الله عن ذلك وعصم رسوله منه وهذا لا يجهله ولا يخالف فيه أحد وقول محمد بن الحسن أن هذا كان قبل أن يؤمر الناس بالجهاد ليس كما قال أن في حديث الأسود الدؤلي بن سريع ما يتبين أن ذلك كان منه بعد الأمر بالجهاد ثم روى بإسناده عن الحسن عن الأسود بن سريع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;ما بال أقوام بلغوا في القتل حتى قتلوا الولدان فقال رجل أو ليس إنما هم أولاد المشركين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ليس خياركم أولاد المشركين إنه ليس من مولود يولد إلا على الفطرة حتى يعبر عنه لسانه ويهوده أبواه أو ينصرانهquot; قال وروى هذا الحديث عن الحسن جماعة منهم أبو بكر المزني والعلاء بن زياد والمسري بن يحيى وقد روى عن الأحنف عن الأسود بن سريع قال وهو حديث بصري صحيح قال وروى عوف الأعرابي عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot;كل مولود يولد على الفطرة فناداه الناس يا رسول الله وأولاد المشركين قال وأولاد المشركينquot; قال شيخنا: quot;أما ما ذكره أبو عمر عن مالك وابن المبارك فيمكن أن يقال أن المقصود أن آخر الحديث يبين أن الأول قد سبق في علم الله يعملون إذا بلغوا أو أن منهم من يؤمن فيدخل الجنة ومنهم من يكفر فيدخل النارquot; فلا يحتج بقوله كل مولود يولد على الفطرة على نفي القدر كما احتجت القدرية به وعلى أن أطفال الكفار كلهم في الجنة لكونهم ولدوا على الفطرة فيكون مقصود مالك وابن المبارك أن حكم الأطفال على ما في آخر الحديث وأما قول محمد فإنه رأى الشريعة قد استقرت على أن ولد اليهودي والنصراني يتبع أبويه في الدين في أحكام الدنيا فيحكم له بحكم الكفر في أنه لا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يرثه المسلمون ويجوز استرقاقهم فلم يجز لأحد أن يحتج بهذا الحديث على أن حكم الأطفال في الدنيا حكم المؤمنين حتى تعرب عنهم ألسنتهم وهذا حق ولكن ظن أن الحديث اقتضى الحكم لهم في الدنيا بأحكام المؤمنين فقال هذا منسوخ كان قبل الجهاد لأنه بالجهاد أبيح استرقاق النساء والأطفال والمؤمن لا يسترق ولكن كون الطفل يتبع أباه في الدين في الأحكام الدنيوية أمر ما زال مشروعا وما زال الأطفال تبعا لأبويهم في الأمور الدنيوية والحديث لم يقصد بيان هذه الأحكام وإنما قصد بيان ما ولد عليه الأطفال من الفطرة. فصل: ومما ينبغي أن يعلم أنه إذا قيل أنه ولد على الفطرة أو على الإسلام أو على هذه(1\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "314",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11508",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الملة أو خلق حنيفا فليس المراد به أنه حين خرج من بطن أمه يعلم هذا الدين ويريده فإنه الله يقول: والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ولكن فطرته موجبة مقتضية لدين الإسلام لقروبه ومحبته فنفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه ومحبته وإخلاص الدين له وموجبات الفطرة ومقتضياتها تحصل شيئا بعد شيء بحسب كمال الفطرة إذا سلمت من المعارض وليس المراد أيضا مجرد قبول الفطرة لذلك فإن هذا القبول تغير بتهويد الأبوين وتنصيرهما بحيث يخرجان الفطرة عن قبولها وإن سعيا بين بنيهما ودعائهما في امتناع حصول المقبول أيضا ليس هو الإسلام وليس هو هذه الملة وليس هو الحنيفية وأيضا فإنه شبه تغيير الفطرة بجدع البهيمة الجمعاء ومعلوم أنهم لم يغيروا قبوله ولو تغير القبول وزال لم تقم عليه الحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب بل المراد أن كل مولود فإنه يولد على محبته لفاطره وإقراره له بربوبيته وادعائه له بالعبودية فلو خلي وعدم المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره كما أنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من الأغذية والأشربة فيشتهي اللبن الذي يناسبه ويغذيه وهذا من قوله تعالى: قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى وقوله: الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى فهو سبحانه خلق الحيوان مهتديا إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره ثم هذا الحب والبغض يحصل فيه شيئا فشيئا بحسب حاجته ثم قد يعرض لكثير من الأبدان ما يفسد ما ولد عليه من الطبيعة السليمة والعادة الصحيحة فهكذا ما ولد عليه من الفطرة ولهذا شبهت الفطرة باللبن بل كانت إياه في التأويل للرؤيا ولما عرض على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء اللبن والخمر أخذ اللبن فقيل له أخذت الفطرة ولو أخذت الخمر لغوت أمتك فمناسبة اللبن لبدنه وصلاحه عليه دون غيره لمناسبة الفطرة لقلبه وصلاحه بها دون غيرها. فصل: قال ابن عبد البر وقالت طائفة المراد بالفطرة في هذا الحديث الخلقة التي خلق عليها المولود من المعرفة بربه فكأنه قال كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة يريد أنه خلق خلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقها إلى معرفة ربها قالوا والفاطر هو الخالق وأنكرت أن يكون المولود يفطر على إيمان أو كفر قال شيخنا: quot;صاحب هذا القول أن أراد بالفطرة التمكن من المعرفة والقدرة عليها فهذا ضعيف فإن مجرد القدرة على ذلك لا يقتضي أن يكون حنيفا ولا أن يكون على الملة ولا يحتاج أن يذكر تغيير أبويه لفطرتهquot; حين يسأل عمن مات صغيرا ولأن القدرة في الكبير أكمل منها في الصغير وهو لما نهاهم عن قتل الصبيان فقالوا أنهم أولاد المشركين قال أو ليس خياركم أولاد المشركين ما من مولود إلا ويولد على الفطرة ولو أريد القدرة لكان البالغون كذلك مع كونهم مشركين مستوجبين للقتل وإن أراد بالفطرة القدرة على المعرفة مع إرادتها فالقدرة الكاملة مع الإرادة التامة تستلزم وجود المراد المقدور فدل على أنهم فطروا على القدرة على المعرفة وإرادتها وذلك مستلزم للإيمان. فصل: قال أبو عمر وقال آخرون معنى قوله يولد على الفطرة يعني البداءة التي ابتدأهم عليها يريد أنه مولود على ما فطر الله عليه خلقته من أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاء إلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من قبولهم غير إيمانهم واعتقادهم قالوا والفطرة في كلام العرب البداءة وألفاظ المبتدئ وكأنه قال يولد على ما ابتدأه الله عليه من الشقاء والسعادة وغير ذلك مما يصير إليه(1\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "315",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11509",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد فطر عليه واحتجوا بقوله تعالى: كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة وروى بإسناده إلى ابن عباس قال: quot;لم أدر ما فاطر السماوات والأرض حتى أتانا أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما أنا فطرتها أي ابتدأتها وذكر دعاء على اللهم جبار القلوب على فطرتها شقيها وسعيدهاquot; قال شيخنا: quot;حقيقة هذا القول أن كل مولود فإنه يولد على ما سبق في علم الله أنه صائر إليهquot; ومعلوم أن جميع المخلوقات بهذه المثابة فجميع البهائم مولودة على ما سبق في علم الله لها والأشجار مخلوقة على ما سبق في علم الله وحينئذ فيكون كل مخلوق قد خلق على الفطرة وأيضا فلو كان المراد ذلك لم يكن لقوله فأبواه يهودانه معنى فإنهما فعلا به ما هو الفطرة التي ولد عليها وعلى هذا القول فلا فرق بين التهويد والتنصير وبين تلقي الإسلام وتعليمه وبين تعلم سائر الحرف والصنائع فإن ذلك كله واحد فيما سبق به العلم وأيضا فتمثيله ذلك بالبهيمة التي ولدت جمعاء ثم جدعت تبين أن أبويه غيرا ما ولد عليه وأيضا فقوله على هذه الملة وقوله أني خلقت عبادي حنفاء مخالف لهذا وأيضا فلا فرق بين حال الولادة وسائر أحوال الإنسان فإنه من حين كان جنينا إلى ما لا نهاية له من أحواله على ما سبق في علم الله فتخصيص الولادة بكونها على مقتضى القدر تخصيص بلا مخصص وقد ثبت في الصحيح: quot;أنه قيل حين نفخ الروح فيه يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيدquot; فلو قيل كل مولود ينفخ فيه الروح على الفطرة لكان أشبه بهذا المعنى مع أن النفخ هو بعد الكتابة. فصل: قال أبو عمر قال محمد بن نصر المروزي: quot;وهذا المذهب شبيه بما حكاه أبو عبيد عن ابن المبارك أنه سئل عن هذا الحديث فقال يفسره قوله الله أعلم بما كانوا عاملين قال المروزي وقد كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هنا القول ثم تركهquot; قال أبو عمر وما رسمه مالك في موطأه وذكر في أبواب القدر فيه من الآثار ما يدل على أن مذهبه في ذلك نحو هذا قال شيخنا أئمة ألسنة مقصودهم أن الخلق صائرون إلى ما سبق في علم الله فيهم من إيمان وكفر كما في الحديث الآخر أن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا والطبع الكتاب أي كتب كافرا كما في الحديث الصحيح فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد وليس إذا كان الله كتبه كافرا يقتضي أنه حين الولادة كافر بل يقتضي انه لا بد ان يكفر وذلك الكفر هو التغيير كما أن البهيمة التي ولدت جمعاء وقد سبق في علمه أنها تجدع كتب أنها مجدوعة بجدع يحدث لها بعد الولادة ولا يجب أن تكون عند الولادة مجدوعة. فصل: وكلام أحمد في أجوبة له أخرى يدل على أن الفطرة عنده الإسلام كما ذكر محمد بن نصر عنه أنه آخر قوليه فإنه كان يقول: quot;أن صبيان أهل الحرب إذا سبوا بدون الأبوين كانوا مسلمين وإن كانوا معهما فهم على دينهما فإن سبوا مع أحدهما ففيه عنه روايتانquot; وكان يحتج بالحديث قال الخلال في الجامع أنبأنا أبو بكر المروزي أنبأنا عبد الله قال سبي أهل الحرب أنهم مسلمون إذا كانوا صغارا وإن كانوا مع أحد الأبوين وكان يحتج بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;فأبواه يهودانه وينصرانهquot; قال وأما أهل الثغر فيقولون إذا كان مع أبويه أنهم يخيرونه على الإسلام قال ونحن لا نذهب إلى هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;فأبواه يهودانه وينصرانهquot; قال الخلال أنبأنا عبد الملك الميموني قال سألت أبا عبد الله قبل الحبس عن الصغير يخرج من أرض الروم وليس معه أبواه فقال: quot;إن مات صلى عليه المسلمون قلت يكره على الإسلام قال إذا كانوا صغارا يصلون عليهم أكره عليه قلت فإن كان(1\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "316",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11510",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معه أبواه قال إذا كان معه أبواه أو أحدهما لم يكره ودينه على دين أبويهquot; قلت إلى أي شيء يذهب إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: quot;كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواهquot; قال نعم وعمر بن عبد العزيز فأدى به فلم يرده إلى بلاد الروم إلا وحكمه حكمهم قلت في الحديث كان معه أبواه قال لا وليس ينبغي إلا أن يكون معه أبواه قال الخلال ما رواه الميموني قول أول لأبي عبد الله ولذلك نقل إسحاق بن منصور أن أبا عبد الله قال إذا لم يكن معه أبواه فهو مسلم قلت لا يجبرونه على الإسلام إذا كان معه أبواه أو أحدهما قال نعم قال الخلال وقد روى هذه المسألة عن أبي عبد الله خلق كلهم قال: quot;إذا كان مع أحد أبويه فهو مسلمquot; وهؤلاء النفر سمعوا من أبي عبد الله بعد الحبس وبعضهم قبل وبعد والذي أذهب إليه ما رواه الجماعة قال الخلال وحدثنا أبو بكر المروزي قال قلت لأبي عبد الله: quot;أني كنت بواسط فسألوني عن الذي يموت هو وامرأته ويدعا طفلين ولهما عم ما تقول فيهما فإنهم قد كتبوا إلى البصرة فيها فقال أكره أن أقول فيها برأي دع حتى أنظر لعل فيهما عمن تقدم فلما كان بعد شهر عاودته قال نظرت فيها فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قال فأبواه يهودانه وينصرانه وهذا ليس له أبوان قلت يجبر على الإسلام قال نعم هؤلاء مسلمون لقول النبي صلى الله عليه وسلمquot; وكذلك نقل يعقوب بن سحبان قال قال أبو عبد الله: quot;إذا مات الذمي أبواه وهو صغير أجبر على الإسلامquot; وذكر الحديث quot;فأبواه يهودانه وينصرانهquot; ونقل عنه عبد الكريم بن الهيثم العاقولي في المجوسيين: quot;يولد لهما ولد فيقولان هذا مسلم فيمكث خمس سنين ثم يتوفى قال ذاك يدفنه المسلمون قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot;فأبواه يهودانه وينصرانهquot; وقال عبد الله بن أحمد سألت أبي عن قوم يزوجون بناتهم من قوم علي أنه ما كان من ذكر فهو للرجل مسلم وما كان من أنثى فهي مشركة يهودية أو مجوسية أو نصرانية فقال يجبر هؤلاء من أبا منهم على الإسلام لأن أباهم مسلما لحديث النبي صلى الله عليه وسلم فأبواه يهودانه وينصرانه يردون كلهم إلى الإسلام ومثل هذا كثير في أجوبته يحتج بالحديث على إنما يصير كافرا بأبويه فإذا لم يكن مع أبوين كافرين فهو مسلم فلو لم تكن الفطرة الإسلام لم يكن بعدم أبويه يصير مسلما فإن الحديث إنما دل على أنه يولد على الفطرة ونقل عنه الميموني أن الفطرة هي الدين وهي الفطرة الأولى قال الخلال: quot;أخبرني الميموني أنه قال لأبي عبد الله كل مولود يولد على الفطرة يدخل عليه إذا كان أبواه يعني أن يكون حكمه حكم ما كانوا صغارا فقال لي نعم ولكن يدخل عليك في هذا فتناظرنا بما يدخل علي من هذا القول وبما يكونquot; فقوله قلت لأبي عبد الله فما تقول أنت فيها وإلى أي شيء تذهب قال أقول أنا ما أدري أخبرك هي مسلمة كما ترى ثم قال لي والذي يقول كل مولود يولد على الفطرة ينظر أيضا إلى الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها قلت له فما الفطرة الأولى أهي الدين قال نعم فمن الناس من يحتج بالفطرة الأولى مع قول النبي صلى الله عليه وسلم quot;كل مولود يولد على الفطرةquot; قلت لأبي عبد الله فما تقول لأعرف قولك قال أقول أنه على الفطرة الأولى قال شيخنا: quot;فجواب أحمد أنه على الفطرة الأولى وقوله أنها الدين يوافق القول بأنه على دين الإسلامquot;. فصل: وأما جواب أحمد أنه على ما فطر من شقاوة وسعادة الذي ذكر محمد بن نصر أنه كان يقول به ثم تركه فقال الخلال أخبرني محمد بن يحيى الكحال أنه قال لأبي عبد الله كل(1\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "317",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11511",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مولود يولد على الفطرة ما تفسيرها قال: quot;هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها شقي أو سعيدquot; وكذلك نقل عنه الفضل بن زياد وجبيل وأبو الحارث أنهم سمعوا أبا عبد الله في هذه المسألة قال: quot;الفطرة التي فطر الله العباد عليها من الشقاوة والسعادةquot; وكذلك نقل عنه علي بن سعيد أنه سأل أبا عبد الله عن كل مولود يولد على الفطرة قال: quot;الشقاوة والسعادةquot; قال quot;يرجع إلى ما خلقquot; وعن الحسن بن بواب قال سألت أبا عبد الله عن أولاد المشركين قلت أن ابن أبي شيبة أبا بكر قال: quot;هو على الفطرة حتى يهوداه أبواه أو ينصرانهquot; فلم يعجبه شيء من هذا القول وقال كل مولود من أطفال المشركين على الفطرة يولد على الفطرة التي خلق عليها من الشقاء والسعادة التي سبقت في أم الكتاب أرفع ذلك إلى الأصل هذا معنى كل مولود يولد على الفطرة فمن أصحابه من قال هذا قولا قديما له ثم تركه ومنهم من جعل المسألة على روايتين وأطلق ومنهم من حكى عنه في ثلاث روايات الثالثة الوقف. فصل: قال شيخنا: quot;والإجماع والآثار المنقولة عن السلف لا تدل إلا على القول الذي رجحناه وهو أنهم على الفطرة ثم صاروا إلى ما سبق في علم الله فيهم من سعادة وشقاوة لا يدل على أنهم حين الولادة لم يكونوا على فطرة سليمة مقتضية للإيمان ومستلزمة له لولا العارضquot; وروى ابن عبد البر بإسناده عن موسى بن عبيدة سمعت محمد بن كعب القرظي في قوله: كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة قال: quot;من ابتدأ الله خلقه على الهدى صيره إلى الهدى وأن عمل بعمل أهل الضلالة ومن ابتدأ خلقه للضلالة صيره إلى الضلالة وإن عمل بعمل أهل الهدى ابتدأ خلق إبليس على الضلالة وعمل بعمل أهل السعادة مع الملائكة ثم رده الله إلى ما ابتدأ خلقه عليه من الضلالةquot; فقال: quot;وكان من الكافرين وابتدأ خلق السحرة على الهدى وعملوا بعمل أهل الضلالة ثم هداهم الله إلى الهدى والسعادة وتوفاهم عليها مسلمينquot; فهذا المنقول عن محمد بن كعب يبين أن الذي ابتدأهم عليه هو ما كتب أنهم صائرون إليه وأنهم قد يعملون قبل ذلك غيره وأن من ابتدئ على الضلالة أي كتب أن يموت ضالا فقد يكون قبل ذلك عاملا بعمل أهل الهدى وحينئذ فمن ولد على الفطرة السليمة المقتضية للهدى لا يمنع أن يعرض لها ما يغيرها فيصير إلى ما سبق به القدر كما في الحديث الصحيح: quot;أن أحدكم يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار وأن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنةquot; وقال سعيد بن جبير في قوله: quot;كما بدأ كم تعودون قال كما كتب عليكم تكونونquot; وقال مجاهد: quot;كما بدأكم تعودون شقي وسعيدquot; وقال أيضا: quot;يبعث المسلم مسلما والكافر كافراquot; وقال أبو العالية: quot;عادوا إلى علمه فيهم فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالةquot; قلت هذا المعنى صحيح في نفسه دل عليه القرآن والسنة والآثار السلفية وإجماع أهل السنة وأما كونه هو المراد بالآية ففيه ما فيه والذي يظهر من الآية أن معناها معنى نظرائها وأمثالها من الآيات التي يحتج الله سبحانه فيها على النشأة الثانية بالأولى وعلى المعاد بالمبدأ فجاء باحتجاج في غاية الاختصار والبيان فقال كما بدأكم تعودون كقوله: يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب وقوله: وضرب لنا مثلا ونسي خلقه الآية وقوله: أيحسب الأنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى إلى قوله: أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى وقوله(1\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "318",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11512",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ": فلينظر الأنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب إنه على رجعه لقادر أي على رجع الإنسان حيا بعد موته هذا هو الصواب في معنى الآية يبقى أن يقال فكيف يرتبط هذا بقوله فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلال فيقال هذا الذي أوجب لأصحاب ذلك القول ما تأولوا به الآية ومن تأمل الآية علم أن القول أولى بها ووجه الارتباط أن الآية تضمنت قواعد الدين علما وعملا واعتقادا فأمر سبحانه فيها بالقسط هو الذي هو حقيقة شرعه ودينه وهو يتضمن التوحيد فإنه أعدل العدل والعدل في معاملة الخلق والعدل في العبادة وهو الاقتصاد في السنة ويتضمن الأمر بالإقبال على الله وإقامة عبوديته في ثبوته ويتضمن الإخلاص له وهو عبوديته وحده لا شريك له فهذا ما فيها من العمل ثم أخبر بمبدأهم ومعادهم فتضمن ذلك حدوث الخلق وإعادته فذلك الإيمان بالمبدأ والمعاد ثم أخبر عن القدر الذي هو نظام التوحيد فقال فريقا هدى وفريفا حق عليهم الضلالة فتضمنت الآية الإيمان بالقدر والشرع والمبدأ والمعاد والأمر بالعدل والإخلاص ثم ختم الآية بذكر حال من لم يصدق هذا الخبر ولم يطع هنا الأمر بأنه قدوا للشيطان دون ربه وأنه على ضلال وهو يحسب أنه على هدى والله أعلم. فصل: وقال آخرون يعني قوله كل مولود يولد على الفطرة أن الله فطرهم على الإنكار والمعرفة وعلى الكفر والإيمان فأخذ من ذرية آدم الميثاق حين خلقهم فقال ألست بربكم قالوا جميعا بلى فأما أهل السعادة فقالوا بلى على معرفة له طوعا من قلوبهم وأما أهل الشقاء فقالوا بلى كرها غير طوع قالوا ويصدق ذلك قوله تعالى: وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها قالوا وكذلك قوله: كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة قال محمد بن نصر المروزي سمعت إسحاق بن راهويه يذهب إلى هذا المعنى واحتج بقول أبي هريرة: quot;اقرؤوا إن شئتم: فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله quot; قال الحق نقول لا تبديل للخلقة التي جبل عليها ولد آدم كلهم يعني من الكفر والإيمان والمعرفة والإنكار واحتج بقوله تعالى: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم الآية قال إسحاق أجمع أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد واستنطقهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى قال انظروا أن لا تقولوا أنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وذكر حديث أبي بن كعب في قصة الغلام الذي قتله الخضر قال وكان الظاهر ما قال موسى أقتلت نفسا زكية بغير نفس فأعلم الله الخضر ما كان الغلام عليه من الفطرة التي فطره عليها وأنه لا تبديل لخلق الله فأمر بقتله لأنه كان قد طبع كافرا وفي صحيح البخاري أن ابن عباس كان يقرأها وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين قال إسحاق: quot;فلو ترك النبي صلى الله عليه وسلم الناس ولم يبين لهم حكم الأطفال لم يعرفوا المؤمنين منهم من الكافرينquot; لأنهم لا يدرون ما جبل كل واحد عليه حتى أخرج من ظهر آدم فبين النبي صلى الله عليه وسلم حكم الأطفال في الدنيا بأن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه يقول أنتم لا تعلمون ما طبع عليه في الفطرة الأولى لكن حكم الطفل في الدنيا حكم أبويه فاعرفوا ذلك بالأبوين فمن كان صغيرا بين أبوين مسلمين ألحق بحكم الإسلام وأما إيمان ذلك وكفره مما يصير إليه فعلم ذلك إلى الله وبعلم ذلك فضل الله الخضر في علمه هذا على موسى إذ أطلعه الله عليه في ذلك الغلام وخصه بذلك قال ولقد سئل ابن عباس عن ولدان(1\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "319",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11513",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المسلمين والمشركين فقال: quot;حسبك ما اختصم فيه موسى والخضرquot; قال إسحاق: quot;ألا ترى إلى قول عائشة حين مات صبي من الأنصار بين أبوين مسلمين طوبى له عصفور من عصافير الجنة فرد عليها النبي صلى الله عليه وسلم وقال مه يا عائشة وما يدريك أن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وخلق النار وخلق لها أهلاquot; قال إسحاق: quot;فهذا الأصل الذي يعتمد عليه أهل العلمquot; وسئل حماد بن سلمة عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;كل مولود يولد على الفطرةquot; فقال: quot;هذا عندنا حيث أخذ العهد عليهم في أصلاب آبائهم قال ابن قتيبة يريد حين مسح ظهر آدم فاستخرج منه ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذر وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلىquot; قال شيخنا: quot;أصل مقصود الأئمة صحيح وهو منع احتجاج القدرية بهذا الحديث على نفي القدر لكن لا يحتاج مع ذلك أن يفسر القرآن والحديث إلا بما هو مراد الله ورسوله ويجب أن يتبع في ذلك ما دل عليه الدليلquot; وما ذكروه أن الله فطرهم على الكفر والإيمان والمعرفة والنكرة إن أرادوا به أن الله سبق في علمه وقدره بأنهم سيؤمنون ويكفرون ويعرفون وينكرون وإن ذلك كان بمشيئة الله وقدره وخلقه فهذا حق ترده القدرية فغلاتهم ينكرون العلم وجميعهم ينكرون عموم خلقه ومشيئته وقدرته وإن أرادوا أن هذه المعرفة والنكرة كانت موجودة حين أخذ الميثاق كما في ظاهر المنقول عن إسحاق فهذا يتضمن شيئين أحدهما أنهم حينئذ كانت المعرفة والإيمان موجودا فيهم كما قال ذلك طوائف من السلف وهو الذي حكى إسحاق الإجماع عليه وفي تفسير الآية نزاع بين الأئمة وكذلك في خلق الأرواح قبل الأجساد قولان معروفان لكن المقصود هنا أن هذا إن كان حقا فهو توكيد لكونهم ولدوا على تلك المعرفة والإقرار فهذا لا يخالف ما دلت عليه الأحاديث من أنه يولد على الملة وأن الله خلق خلقه حنفاء بل هو مؤيد لذلك وأما قول القائل أنهم في ذلك الإقرار انقسموا إلى مطيع وكافر فهذا لم ينقل عن أحد من السلف فيما أعلم إلا عن السدي في تفسيره قال لما أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يهبطه من السماء مسح صفحة ظهره اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر فقال لهم أدخلوا الجنة برحمتي ومسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر فقال أدخلوا النار ولا أبالي ذلك قوله وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال ثم أخذ منهم الميثاق فقال الست بربكم قالوا بلى فأعطاه طائفة طائعين وطائفة كارهين على وجه التقية فقال هو والملائكة شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين فليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف الله بأنه ربه وذلك قوله عز وجل: وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وكذلك قوله: قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين يعني يوم أخذ الميثاق قال شيخنا: quot;وقيل هذا الأثر لا يوثق بهquot; فإن في تفسير السدي أشياء قد عرف بطلان بعضها وهو ثقة في نفسه وأحسن أحوال هذا وأمثاله أن يكون كالمراسيل إن كان مأخوذا عن النبي صلى الله عليه وسلم فكيف إذا كان مأخوذا عن أهل الكتاب ولو لم يكن في هذا إلا معارضة لسائر الآثار التي تتضمن التسوية بين جميع الناس في الإقرار لكفى وأما قوله تعالى: وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها فإنما هو في الإسلام الموجود منهم بعد خلقهم لم يقل أنهم حين العهد الأول أسلموا طوعا وكرها يدل على ذلك أن ذلك الإقرار الأول جعله الله عليهم حجة على من ينسه ولو كان فيهم كاره لقال لم أقر طوعا بل كرها فلا يقوم به عليه حجة وأما احتجاج أحمد بقول أبي هريرة quot;اقرؤوا إن شئتم: فطرت الله التي(1\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "320",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11514",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله quot; فهذه الآية فيها قولان أحدهما أن معناها النهي كما تقدم عن أبن جرير أنه فسرها فقال أي لا تبدلوا دين الله الذي فطر عليه عباده وهذا قول غير واحد من المفسرين لم يذكروا غيره والثاني ما قاله إسحاق وهو أنها خبر على ظاهرها وأن خلق الله لا يبدله أحد وظاهر اللفظ خبر فلا يجعل نهيا بغير حجة وهذا أصح وحينئذ فيكون المراد أن ما جبلهم عليه من الفطرة لا يبدل فلا يجبلون على غير الفطرة لا يقع هذا أصلا والمعنى أن الخلق لا يتبدل فيخلقون على غير الفطرة ولم يرد بذلك أن الفطرة لا تتغير بعد الخلق بل نفس الحديث يبين أنها تتغير ولهذا شبهها بالبهيمة التي تولد جمعاء ثم تجدع ولا تولد بهيمة مخصية ولا مجدوعة وقد قال تعالى عن الشيطان: لآمرنهم فليغيرن خلق الله أقدر الخلق على أن يغيروا ما خلقهم عليه بقدرته ومشيئته وإنما تبديل الخلق بأن يخلقوا على غير تلك الفطرة فهذا لا يقدر عليه إلا الله والله لا يفعله كما قال لا تبديل لخلق الله ولم يقل لا تغيير فإن تبديل الشيء يكون بذهابه وحصول بدله ولكن إذا غير بعد وجوده لم يكن الخلق الموجود عند الولادة وأما قول القائل لا تبديل للخلقة التي جبل عليها بنو آدم كلهم من كفر وإيمان فإن عني به ما سبق به القدر من الكفر والإيمان لا يقع خلافه فهذا حق ولكن ذلك لا يقتضي أن تبديل الكفر بالإيمان وبالعكس ممتنع ولا أنه غير مقدور بل العبد قادر على ما أمره الله به من الإيمان وعلى ترك ما نهاه عنه من الكفر وعلى أن يبدل حسناته بالسيئات وسيئاته بالحسنات كما قال الله إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء وهذا التبديل كله بقضاء الله وقدره وهذا بخلاف ما فطروا عليه حين الولادة فإن ذلك خلق الله الذي لا يقدر على تبديله غيره وهو سبحانه لا يبدله بخلاف تبديل الكفر بالإيمان وبالعكس فأنه يبدله كثيرا والعبد قادر على تبديله بإقدار الرب له على ذلك ومما يوضح ذلك قوله تعالى: فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله فهذه فطرة محمودة أمر الله بها نبيه فكيف تنقسم إلى كفر وإيمان مع أمر الله تعالى بها وقد تقدم تفسير السلف لا تبديل لخلق الله أي لدين الله أو النهي عن الخصا ونحوه ولم يقل أحد منهم أن المعني لا تبديل لأحوال العباد من كفر إلى إيمان وعكسه فإن تبديل ذلك موجود ومهما وقع كان هو الذي سبق به القدر والرب تعالى عالم بما سيكون لا يقع خلاف معلومه فإذا وقع التبديل كان هو الذي علمه وأما قوله عن الغلام أنه طبع يوم طبع كافرا فالمراد به أنه كتب كذلك وقدر وختم فهو من طبع الكتاب ولفظ الطبع لما صار يستعمله كثير من الناس في الطبيعة التي هي بمعنى الخلقة والجبلة ظن الظان أن هذا مراد الحديث وهذا الغلام الذي قتله الخضر ليس في القرآن ما يبين أنه كان غير بالغ ولا مكلف بل قراءة ابن عباس تدل على أنه كافر كان في الحال وتسميته غلاما لا يمنع أن يكون مكلفا قريب العهد بالصغر ويدل عليه أن موسى لم ينكر قتله لصغره بل لكونه زاكيا ولم يقتل نفسا لكن يقال في الحديث الصحيح ما يدل على أنه كان غير بالغ من وجهين أحدهما أنه قال فمر بصبي يلعب مع الصبيان الثاني أنه قال ولو أدرك لأرهق أبويه طغيانا وكفرا وهذا دليل على كونه لم يدرك بعد فيقال الكلام على الآية على التقديرين فإن كان بالغا وقد كفر فقد قتل على كفره الواقع بعد البلوغ ولا إشكال وإن كان غير بالغ فلعل تلك الشريعة كان فيها التكليف قبل الاحتلام عند قوة عقل الصبي وكمال تميزه وإن لم يكن التكليف قبل البلوغ بالشرائع واقعا فلا يمتنع وقوعه بالتوحيد ومعرفة الله كما قاله طوائف من(1\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "321",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11515",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أهل الكلام والفقه من أصحاب أبي حنيفة وأحمد وغيرهم وعلى هذا فيمكن أن يكون مكلفا بالإيمان قبل البلوغ وإن لم يكن مكلفا بشرائعه وكفر الصبي المميز عند أكثر العلماء مؤاخذ به فإذا ارتد صار مرتدا لكن لا يقتل حتى يبلغ فالغلام الذي قتله الخضر إما أن يكون كافرا بعد البلوغ فلا إشكال وإما أن يكون غير بالغ وهو مكلف في تلك الشريعة فلا أشكال أيضا وإما أن يكون مكلفا بالتوحيد والمعرفة غير مكلف بالشرائع فيجوز قتله في تلك الشريعة وإما أن لا يكون مكلفا فقتل لئلا يفتتن أبويه عن دينهما كما يقتل الصبي الكافر في ديننا إذا لم يندفع ضرره عن المسلمين إلا بالقتل وأما قتل صبي لم يكفر بعد بين أبوين مؤمنين للعلم بأنه إذا بلغ كفر وفتن أبويه فقد يقال ليس في القرآن ولا في السنة ما يدل عليه وأيضا فإن الله لم يأمر أن يعاقب أحد بما يعلم أنه يكون منه قبل أن يكون منه ولا هو سبحانه يعاقب العباد على ما يعلم أنهم سيفعلونه حتى يفعلونه وقائل هذا القول يقول أنه ليس في قصة الخضر شيء من الاطلاع على الغيب الذي لا يعلمه عموم الناس وإنما فيها علمه بأسباب لم يكن علم بها موسى مثل علمه بأن السفينة لمساكين يعلمون ورائهم ملك ظالم وهذا أمر يعلمه غيره وكذلك كون الجدار كان لغلامين يتيمين وأن أباهما كان رجلا صالحا وأن تحته كنزا لهما مما يمكن أن يعلمه كثير من الناس وكذلك كفر الصبي مما يمكن أنه كان يعلمه كثير من الناس حتى أبواه لكن لحبهما له لا ينكران عليه أو لا يقبل منهما فإن كان الأمر على ذلك فليس في الآية حجة على قولهم أصلا وأن ذلك الغلام لم يكفر بعد ولكن سبق في العلم أنه إذا بلغ كفر فمن يقول هذا يقول أن قتله دفعا لشره كما قال نوح: رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا وعلى هذا فلم يكن قبل قيام الكفر به كافرا وقراءة ابن عباس وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين ظاهرة أنه كان حينئذ كافرا فإن قيل فهذا الغلام كان أبواه مؤمنين فلو كان مولودا على فطرة الإسلام وهو بين أبوين مسلمين لكان مسلما تبعا لهما وبحكم الفطرة فكيف يقتل والحالة هذه قيل إن كان بالغا فلا إشكال وإن كان مميزا وقد كفر فيصح كفره وردته عند كثير من العلماء وأن لا يقتل حتى يبلغ عندهم فلعل في تلك الشريعة يجوز قتل المميز الكافر وإن كان صغيرا غير مميز فيكون قتله خاصا به لأن الله أطلع الخضر عل أنه لو بلغ لاختار غير دين الأبوين وعلى هذا يدل قول ابن عباس لنجدة وقد سأله عن قتل صبيان الكفار فقال: quot;لئن علمت فيهم ما علمه الخضر من الغلام فاقتلهمquot; فإن قيل إذا كان مولودا على الفطرة وأبواه مؤمنين فمن أين جاء الكفر قيل إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك على الغالب وإلا فالكفر قد يأتيه من قبل غير أبويه فهذا الغلام إن كان كافرا في الحال فقد جاء الكفر من غير جهة أبويه وإن كان المراد أنه إذا بلغ سيكفر باختياره فلا إشكال. فصل: وأما تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم: quot;فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانهquot; أنه أراد به مجرد الإلحاق في أحكام الدنيا دون أن يكون أراد أنهما يغيران الفطرة فهذا خلاف ما يدل عليه الحديث فإنه شبه تكفير الأطفال بجدع البهائم تشبيها للتغيير بالتغيير وأيضا فإنه ذكر هذا الحديث لما قتل أولاد المشركين فنهاهم عن قتلهم وقال أليس خياركم أولاد المشركين كل مولود يولد على الفطرة فلو أراد أنه تابع لأبويه في الدنيا لكان هذا حجة لهم يقولون هم كفار كآبائهم وكون الصغير يتبع أبواه في أحكام الدنيا هو لضرورة بقائه في الدنيا فإنه لا بد له من مرب يربيه وإنما يربيه أبواه فكان(1\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "322",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11516",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تابعا لهما ضرورة ولهذا من سبي منفردا عنهما صار تابعا لسابيه عند جمهور العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد والأوزاعي وغيرهم لكونه هو الذي يربيه وإذا سبي منفردا عن أحدهما أو معهما ففيه نزاع بين العلماء واحتجاج الفقهاء كأحمد وغيره بهذا الحديث على أنه متى سبي منفردا عن أبويه يصير مسلما إذ يستلزم أن يكون المراد بتكفير الأبوين لهما مجرد لحاقه لهما في الدين ولكن وجه الحجة أنه إذا ولد ولد على الملة فإنما ينقله عنه الأبوان اللذان يغيرانه عن الفطرة فمتى سباه المسلمين منفردا عنهما لم يكن هناك من يغير دينه وهو مولود على الملة الحنيفية فيصير مسلما بالمقتضى السالم عن المعارض ولو كان الأبوان يجعلانه كافرا في نفس الأمر بدون تعليم لكان الصبي المسبي بمنزلة البالغ الكافر ومعلوم أن البالغ الكافر إذا سباه المسلمون لم يصر مسلما لأنه صار كافرا حقيقة فلو كان الصبي التابع لأبويه كافرا حقيقة لم ينتقل عن الكفر بالسباء فعلم أنه كان يجري عليه حكم الكفر في الدنيا تبعا لأبويه لأنه صار كافرا في نفس الأمر تبين ذلك أنه لو سباه كفار ولم يكن معه أبواه لم يصر مسلما فهو هنا كافر في حكم الدنيا وإن لم يكن أبواه هوداه ونصراه فعلم أن المراد بالحديث أن الأبوين يلقناه الكفر ويعلمانه إياه وذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأبوين لأنهما الأصل العام الغالب في تربية الأطفال فإن كل طفل فلا بد له من أبوين وهما اللذان يربيانه مع بقائهما وقدرتهما ومما يبين ذلك قوله في الحديث الآخر quot;كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فإما شاكرا وإما كفوراquot; فجعله على الفطرة إلى أن يعقل ويميز فحينئذ يتبين له أحد الأمرين ولو كان كافرا في الباطن بكفر الأبوين لكان ذلك من حين يولد قبل أن يعرب عنه لسانه وكذلك قوله في الحديث الصحيح: quot;أني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا صريح في أنهم خلقوا على الحنيفية وأن الشياطين اجتالتهم وحرمت عليهم الحلال وأمرتهم بالشركquot; فلو الطفل كان يصير كافرا في نفس الأمر من حين يولد لكونه يتبع أبويه في الدين قبل أن يعلمه أحد الكفر ويلقنه إياه لم تكن الشياطين هم الذين غيروهم عن الحنيفية وأمروهم بالشرك. فصل: ومنشأ الاشتباه في هذه المسألة اشتباه أحكام الكفر في الدنيا بأحكام الكفر في الآخرة فإن أولاد الكفار لما كان تجري عليهم أحكام الكفر في الدنيا مثل ثبوت الولاية عليهم لآبائهم وحضانتهم لهم وتمكنهم من تعليمهم وتأديبهم والموازنة بينهم وبين نبيهم واسترقاقهم وغير ذلك صار يظن من يظن أنهم كفار في نفس الأمر كالذي تكلم بالكفر وعمل به ومن ها هنا قال محمد بن الحسن: quot;أن هذا الحديث وهو قوله كل مولود يولد على الفطرة كان قبل أن تنزل الأحكامquot; فإذا عرف أن كونهم ولدوا على الفطرة لا ينافي أن يكونوا تبعا لآبائهم في أحكام الدنيا وقد زالت الشبهة وقد يكون في بلاد الكفر من هو مؤمن يكتم إيمانه ولا يعلم المسلمون حاله فلا يغسل ولا يصلى عليه ويدفن مع المشركين وهو في الآخرة من أهل الجنة كما أن المنافقين في الدنيا تجري عليهم أحكام المسلمين وهم في الدرك الأسفل من النار فحكم الدار الآخرة غير حكم الدار الدنيا وقوله quot;كل مولود يولد على الفطرةquot; إنما أراد به الإخبار(1\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "323",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11517",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالحقيقة التي خلقوا عليها وعلى الثواب والعقاب في الآخرة إذا عملوا بموجبها وسلمت عن المعارض ولم يرد به الإخبار بأحكام الدنيا فإنه قد علم بالاضطرار من شرع الرسول أن أولاد الكفار تبع لآبائهم في أحكام الدنيا وأن أولادهم لا ينزعون منهم إذا كانوا ذمة فإن كانوا محاربين استرقوا ولم يتنازع المسلمون في ذلك لكن تنازعوا في الطفل إذا مات أبواه أو أحدهما هل يحكم بإسلامه وعن أحمد في ذلك ثلاث روايات إحداهن يحكم بإسلامه بموت الأبوين أو أحدهما لقوله فأبواه يهودانه وينصرانه وهذا ليس معه أبواه وهو على الفطرة وهي الإسلام لما تقدم فيكون مسلما والثانية لا يحكم بإسلامه بذلك وهذا قول الجمهور قال شيخنا: quot;وهذا القول هو الصواب بل هو إجماع قديم من السلف والخلف بل هو ثابت بالسنة التي لا ريب فيها فقد علم أن أهل الذمة كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ووادي القرى وخيبر ونجران واليمن وغير ذلك وكان فيهم من يموت وله ولد صغير ولم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بإسلام أهل الذمة ولا خلفاؤه وأهل الذمة كانوا في زمانهم طبق الأرض بالشام ومصر والعراق وخراسان وفيهم من يتاماهم عدد كثير ولم يحكموا بإسلام واحد منهم فإن عقد الذمة اقتضى أن يتولى بعضهم بعضا فهم يتولون حضانة يتاماهم كما كان الأبوان يتولون تربيتهمquot; وأحمد يقول أن الذمي إذا مات ورثه ابنه الطفل مع قوله في إحدى الروايات أنه يصير مسلما لأن أهل الذمة ما زال أولادهم يرثوهم لأن الإسلام حصل مع استحقاق الإرث لم يحصل قبله ونص على أنه إذا مات الذمي عن حمل منه لم يرثه للحكم بإسلامه قبل وضعه وكذلك لو كان الحمل من غيره كما إذا مات وخلف امرأة ابنه أو أخيه حاملا فأسلمت أمه قبل وضعه لم يرثه لأنا حكمنا بإسلامه من حين أسلمت أمه وكذلك هناك حكمنا بإسلامه من حين مات أبوه وقد وافق الإمام أحمد الجمهور على أن الطفل إذا مات أبواه في دار الحرب لا يحكم بإسلامه ولو كان موت الأبوين يجعله مسلما بحكم الفطرة الأولى لم يفترق الحال بين دار الحرب ودار الإسلام لوجود المقتضى للإسلام وهو الفطرة وعدم المانع وهو الأبوان وقد التزم بعض أصحابه الحكم بإسلامه وهو باطل قطعا إذ من المعلوم بالضرورة أن أهل الحرب فيهم من بلغ يتيما لغيره وأحكام الكفار المحاربين جارية عليهم والرواية الثالثة إن كفله أهل دينه فهو باق على دين أبويه وإن كلفه المسلمون فهو مسلم نص عليه في رواية يعقوب بن بحنان كما ذكره الخلال في جامعه عنه قال سئل أبو عبد الله عن جارية نصرانية لقوم فولدت عندهم ثم ماتت ما يكون الولد قال إذا كفله المسلمون ولم يكن له من يكفله إلا هم فهم مسلمون قيل له فإن مات بعد الأم بقليل قال يدفنه المسلمون وقال في رواية أبي الحارث في جارية نصرانية لرجل مسلم لها زوج نصراني فولدت عنده وماتت عند المسلم وبقي ولدها عنده ما يكون حكم هذا الصبي قال إذا كفله المسلمون فهو مسلم وهذه الرواية إن لم يذكرها عامة الأصحاب وهي من جامع الخلال فهي أصح الأقوال في هذه المسألة دليلا وهي التي نختارها وبها تجتمع الأدلة فإن الطفل يتبع مالكه وسابيه فكذلك يتبع كافله وحاضنه فإنه لا يستقل بنفسه بل لا بد له ممن يتبعه ويكون معه فتبعيته لحاضنه وكافله أولى من جعله كافرا بكون أبويه كافرين وقد انقطعت تبعيته لهما بخلاف(1\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "324",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11518",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما إذا كفله أهل دين الأبوين فإنهم يقومون مقامهما ولا أثر لفقد الأبوين إذا كفله جده أو جدته أو غيرهما من أقاربه فهذا القول أرجح في النظر والله أعلم وليس المقصود ذكر هذه المسائل وما يصير به الطفل مسلما فإنا قد استوفيناها في كتابنا في أحكام أهل الملل بأدلتها واختلاف العلماء من السلف والخلف فيها وذكر مأخذهم وإنما المقصود ذكر الفطرة وأنها هي الحنيفية وأنها لا تنافي القدر السابق بالشقاوة والله أعلم. فصل: قال أبو عمر وقال آخرون في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة لم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر الفطرة ها هنا كفرا ولا إيمانا ولا معرفة ولا إنكارا وإنما أراد أن كل مولود يولد على السلامة خلقة وطبعا وبنية ليس معها كفر ولا إيمان ولا معرفة ولا إنكار ثم يعتقد الكفر أو الإيمان بعد البلوغ إذا ميز واحتجوا بقوله في الحديث كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء يعني سالمة هل تحسون فيها من جدعاء يعني مقطوعة الأذن فمثل قلوب بني آدم بالبهائم لأنها تولد كاملة الخلق لا يتبين فيها نقصان ثم تقطع آذانها بعد وأنوفها فيقال هذه السوائب وهذه البحائر يقول كذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم ليس لهم حينئذ كفر ولا إيمان ولا معرفة ولا إنكار كالبهائم السالمة فلما بلغوا استهوتهم الشياطين فكفر أكثرهم وعصم الله أقلهم قالوا ولو كان الأطفال قد فطروا على شيء من الكفر والإيمان في أولية أمرهم ما انتقلوا عنه أبدا فقد تجدهم يؤمنون ثم يكفرون ثم يؤمنون قالوا ويستحيل في العقول أن يكون الطفل في حال ولادته يفعل كفرا أو إيمانا لأن الله أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا فمن لم يعلم شيئا استحال منه كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار قال أبو عمر هذا القول أصح ما قيل في معنى الفطرة التي تولد الولدان عليها وذلك أن الفطرة السلامة والاستقامة بدليل قوله تعالى في حديث عياض بن حماد أني خلقت عبادي حنفاء يعني على استقامة وسلامة وكأنه والله أعلم أراد الذين خلصوا من الآفات كلها والمعاصي والطاعات فلا طاعة منهم ولا معصية إذا لم يعملوا بواحدة منهما ومن الحجة أيضا في هذا قول الله تعالى: إنما تجزون ما كنتم تعملون كل نفس بما كسبت رهينة ومن لم يبلغ وقت العمل يبرهن بشيء قال تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا قال شيخنا: quot;هذا القائل أن أراد بهذا القول أنهم خلقوا خاليين من المعرفة والإنكار من غير أن تكون الفطرة تقتضي واحدا منهما بل يكون القلب كاللوح الذي يقبل كتابه الإيمان والكفر وليس هو لأحدهما أقبل منه للآخر وهذا هو الذي يشعر به ظاهر الكلام فهذا قول فاسد لأنه حينئذ لا فرق بالنسبة إلى الفطرة بين المعرفة والإنكار والتهويد والتنصير والإسلام وإنما ذلك بحسب الأسباب فكان ينبغي أن يقال فأبواه يسلمانه ويهودانه وينصرانه ويمجسانه فلما ذكر أن أبويه يكفرانه وذكر الملل الفاسدة دون الإسلام علم أن حكمه في حصول ذلك بسبب منفصل عن حكم الكفر وأيضا فإنه على هذا التقدير لا يكون في القلب سلامة ولا عطب ولا استقامة ولا زيغ إذ نسبته إلى كل منهما نسبة واحدة وليس هو بأحدهما بأولى منه بالآخر كما أن اللوح قبل الكتابة لا يثبت له حكم مدح ولا ذم فما كان قابلا للمدح والذم على السواء لم يستحق مدحا ولا ذما والله تعالى(1\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "325",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11519",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقول: فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها فأمره بلزوم فطرته التي فطر الناس عليها فكيف لا تكون ممدوحة وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم شبهها بالبهيمة المجتمعة الخلق وشبه ما طرأ عليها من الكفر بجدع الأنف والأذن ومعلوم أن كمالهما محمود ونقصهما مذموم فكيف تكون قبل النقص لا محمودة ولا مذمومةquot;. فصل: وإن كان المراد بهذا القول ما قاله طائفة من العلماء أن المراد أنهم ولدوا على الفطرة السليمة التي لو تركت مع صحتها لاختارت المعرفة على الإنكار والإيمان على الكفر ولكن بما عرض لها من الفساد خرجت عن هذه الفطرة فهذا القول قد يقال لا يرد عليه ما يرد على القول الذي قبله فإن صاحبه يقول في الفطرة قوة تميل بها إلى المعرفة والإيمان كما في البدن السليم قوة يحب بها الأغذية النافعة وبهذا كانت محمودة وذم من أفسدها لكن يقال فهذه الفطرة التي فيها هذه القوة والقبول والاستعداد والصلاحية هل هي كافية في حصول المعرفة أو تقف المعرفة على أدلة من خارج فإن كانت المعرفة تقف على أدلة من خارج أمكن أن يوجد تارة ويعدم أخرى ثم ذلك السبب يمتنع أن يكون موجبا للمعرفة بنفسه بل غايته أن يكون معرفا ومذكرا فعند ذلك إن وجب حصول المعرفة كانت واجبة الحصول عند وجود ذلك الأسباب وإلا فلا وحينئذ فلا يكون فيها إلا قبول المعرفة والإيمان وحينئذ فلا فرق فيها بين الإيمان والكفر والمعرفة والإنكار إنما فيها قوة قابلة لكل منهما واستعداد له لكن يتوقف على المؤثر الفاعل من خارج وهذا هو القسم الأول الذي أبطلناه وبينا أنه ليس في ذلك مدح للفطرة وأما إن كان فيها قوة تقتضي المعرفة بنفسها وإن لم يوجد من يعلمها أدلة المعرفة فيها بدون ما يسمعه من الأدلة سواء قيل أن المعرفة ضرورية فيها أو قيل أنها تحصل بأسباب تنتظم في النفس وإن لم يسمع كلام مستدل فإن النفس قد يقوم بها من النظر والاستدلال ما يحتاج معه إلى كلام الناس فإن كان كل مولود يولد على هذه الفطرة لزم ان يكون المقتضى للمعرفة حاصلا لكل مولود وهو المطلوب والمقتضى التام مستلزم مقتضاه فتبين أن أحد الأمرين لازم إما كون الفطرة مستلزمة للمعرفة وإما استواء الأمرين بالنسبة إليها وذلك ينفي مدحها وتلخيص ذلك أن يقال المعرفة والإيمان بالنسبة إليها ممكن بلا ريب فإما أن تكون هي موجبة مستلزمة لذلك وإما أن لا تكون مستلزمة له فلا يكون واجبا لها فإن كان الثاني لم يكن فرق بين الكفر والإيمان بالنسبة إليها أو كلاهما ممكن لها فثبت أن المعرفة لازمة لها إلا أن يعارضها معارض فإن قيل ليست موجبة مستلزمة للمعرفة ولكن هيئ إليها الميل مع قبولها للنكرة قيل فحينئذ إذا لم تستلزم المعرفة وجدت تارة وعدمت تارة وهي وحدها لا يحصلها فلا تحصل إلا بشخص آخر كالأبوين فيكون الإسلام والتهويد والتنصير والتمجيس ومعلوم أن هذه أنواع بعضها أبعد عن الفطرة من بعض كالتمجس فإن لم تكن الفطرة مقتضية للإسلام صار نسبتها إلى ذلك كنسبة التهويد والتنصير إلى التمجيس فوجب أن يذكر كما ذكر ذلك ويكون هذا كمكمون الفطرة لا يقضي الرضاع إلا بسبب منفصل وليس كذلك بل الطفل يختار مص اللبن بنفسه فإذا مكن من الثدي وجدت الرضاعة لا محالة فارتضاعه ضروري إذا لم يوجد معارض وهو مولود(1\/300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "326",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11520",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على أن يرضع فكذلك هو مولود على أن يعرف الله والمعرفة ضرورية لا محالة إذا لم يوجد معارض وأيضا فإن حب النفس لله وخضوعها له وإخلاصها له مع الكفر به والشرك والإعراض عنه ونسيان ذكره إما أن يكون نسبتهما إلى الفطرة سواء أو الفطرة مقتضية للأول دون الثاني فإن كانا سواء لزم انتفاء المدح كما تقدم وإن لم يكن فرق بين دعائها إلى الكفر ودعائها إلى الإيمان ويكون تمجيسها كتحنيفها وقد عرف بطلان هذا وإن كان فيها مقتض لهذا فإما أن يكون المقتضى مستلزما لمقتضاه عند عدم المعارض وإما أن يكون متوقفا على شخص خارج عنها فإن كان الأول ثبت ذلك من لوازمها وأنها مفطورة عليه لا يفقد إلا إذا فسدت الفطرة وإن قدر أنه متوقف على شخص فذلك الشخص هو الذي يجعلها حنيفية كما يجعلها مجوسية وحينئذ فلا فرق بين هذا وهذا وإذا قيل هي إلى الحنيفية أميل كان كما يقال هي إلى غيرها أميل فتبين أن فيها قوة موجبة لحب لله والذل له وإخلاص الدين له وأنها موجبة لمقتضاها إذا سلمت من المعارض كما أن فيها قوة تقتضي شرب اللبن الذي فطرت على محبته وطلبه مما يبين هذا أن كل حركة إرادية فإن الموجب لها قوة في المريد فإذا أمكن في الإنسان أن يحب الله ويعبده ويخلص له الدين كان فيه قوة تقتضي ذلك إذ الأفعال الإرادية لا يكون سببها إلا من نفس الحي المريد الفاعل ولا يشترط في إرادته إلا مجرد الشعور بالمراد فما في النفوس من قوة المحبة له إذا شعرت به تقتضي حبه إذا لم يحصل معارض وهذا موجود في محبة الأطعمة والأشربة والنكاح والعلم وغيرها وقد ثبت أن في النفس قوة المحبة لله والإخلاص والذل له والخضوع وأن فيها قوة الشعور به فيلزم قطعا وجود المحبة له والتعظيم والخضوع بالفعل لوجود المقتضي إذا سلم عن المعارض وتبين أن المعرفة والمحبة لا يشترط فيهما وجود شخص منفصل وإن كان وجوده قد يذكر ويحرك كما لو خوطب الجائع أو الظمآن بوصف طعام أو خوطب المغتلم بوصف النساء فإن هذا مما يذكره ويحركه ويثير شهوته الكامنة بالقوة في نفسه لا أنه يحدث له نفس تلك الإرادة والشهوة بعد أن لم تكن فيه فيجعلها موجودة بعد أن كانت عدما فكذلك الأسباب الخارجة عن الفطرة لا يتوقف عليها وجود ما في الفطرة من الشعور بالخالق ومحبته وتعظيمه والخضوع له وإن كان ذلك مذكرا ومحركا ومنبها ومزيلا للعارض المانع ولذلك سمى الله سبحانه ما كمل به موجبات الفطرة بذكر أوذكرى وجعل رسوله مذكرا فقال: فذكر إنما أنت مذكر وقال: فذكر إن نفعت الذكرى وقال: وما يتذكر إلا من ينيب وقال: وما يذكر إلا أولو الألباب وقال: إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب وقال: ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر وقال: فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون وهذا كثير في القرآن يخبر أن كتابه ورسوله مذكر لهم بما هو مركوز في فطرهم من معرفته ومحبته وتعظيمه وإجلاله والخضوع له والإخلاص له ومحبة شرعه الذي هو العدل المحض وإيثاره على ما سواه فالفطر مركوز فيها معرفته ومحبته والإخلاص له والإقرار بشرعه وإيثاره على غيره فهي تعرف ذلك وتشعر به مجملا ومفصلا بعض التفصيل فجاءت الرسل تذكرها بذلك وتنبهها عليه وتفصله لها وتبينه وتعرفها الأسباب المعارضة لموجب الفطرة(1\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "327",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11521",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المانعة من اقتفائها أثرها وهكذا شأن الشرائع التي جاءت بها الرسل فإنها أمر بمعروف ونهي عن منكر وإباحة طيب وتحريم خبيث وأمر بعدل ونهي عن ظلم وهذا كله مركوز في الفطرة وكمال تفصيله وتبيينه موقوف على الرسل وهكذا باب التوحيد وإثبات الصفات فإن في الفطرة الإقرار بالكمال المطلق الذي لا نقص فيه للخالق سبحانه ولكن معرفة هذا الكمال على التفصيل مما يتوقف على الرسل وكذلك تنزيهه عن النقائص والعيوب هو أمر مستقر في فطر الخلائق خلافا لمن قال من المتكلمين أنه لم يقم دليل عقلي على تنزيهه عن النقائص وإنما علم بالإجماع: قبحا لهاتيك العقول فإنها ... عقال على أصحابها ووبال فليس في العقول أبين ولا أجلى من معرفتها بكمال خالق هذا العالم وتنزيهه عن العيوب والنقائص وجاءت الرسل بالتذكرة بهذه المعرفة وتفصيلها وكذلك في الفطر الإقرار بسعادة النفوس البشرية وشقاوتها وجزائها بكسبها في غير هذه الدار وأما تفصيل ذلك الجزاء والسعادة والشقاوة فلا تعلم إلا بالرسل وكذلك فيها معرفة العدل ومحبته وإيثاره وأما تفاصيل العدل الذي هو شرع الرب تعالى فلا يعلم إلا بالرسل فالرسل تذكر بما في الفطر وتفصله وتبينه ولهذا كان العقل الصريح موافقا للنقل الصحيح والشرعة مطابقة للفطرة يتصادقان ولا يتعارضان خلافا لمن قال إذا تعارض العقل والوحي قدمنا العقل على الوحي: فقبحا لعقل ينقض الوحي حكمه ... ويشهد حقا أنه هو كاذب والمقصود أن الله فطر عباده على فطرة فيها الإقرار به ومحبته والإخلاص له والإنابة إليه وإجلاله وتعظيمه وأن الشخص الخارج عنها لا يحدث فيها ذلك ويجعلها فيها بعد أن لم يكن وإنما يذكرها بما فيها وينبهها عليه ويحركها له ويفصله لها ويبينه ويعرفها الأسباب المقوية والأسباب المعارضة له والمانعة من كماله كما أن الشخص الخارج لا يجعل في الفطرة شهوة اللبن عند الرضاع والأكل والشرب والنكاح وإنما تذكر النفس وتحركها لما هو مركوز فيها بالقوة. فصل: ومما يبين ذلك أن الإقرار بالصانع مع خلو القلب عن محبته والخضوع له وإخلاص الدين له لا يكون نافعا بل الإقرار به مع الإعراض عنه وعن محبته وتعظيمه والخضوع له أعظم استحقاقا للعذاب فلا بد أن يكون للفطرة مقتض للعلم ومقتض للمحبة والمحبة مشروطة بالعلم فإن ما لا يشعر به الإنسان لا يحبه والحب للمحبوبات لا يكون بسبب من خارج بل هو جبلي فطري فإذا كانت المحبة جبلية فطرية فشرطها وهو المعرفة أيضا جبلي فطري فلا بد أن يكون في الفطرة محبة الخالق مع الإقرار به وهذا أصل الحنيفية التي خلق الله خلقه عليها وفطرته فطرهم عليها فعلم أن الحنفية من موجبات الفطرة ومقتضياتها والحب لله والخضوع له والإخلاص هو أصل أعمال الحنيفية وذلك مستلزم للإقرار والمعرفة ولازم اللازم لازم وملزوم الملزوم ملزوم فالفطرة ملزومة لهذه الأحوال وهذه الأحوال لازمة لها. فصل: فقد تبين دلالة الكتاب والسنة والآثار واتفاق السلف على أن الخلق مفطورون(1\/302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "328",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11522",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على دين الله الذي هو معرفته والإقرار به ومحبته والخضوع له وإن ذلك موجب فطرتهم ومقتضاها يجب حصوله فيها إن لم يحصل ما يعارضه ويقتضي حصول ضده وإن حصول ذلك فيها لا يقف على وجود شرط بل على انتفاء المانع فإذا لم يوجد فهو لوجود منافيه لا لعدم مقتضيه ولهذا لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم لوجود الفطرة شرطا بل ذكر ما يمنع موجبها حيث قال فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه فحصول هذا التهويد والتنصير موقوف على أسباب خارجة عن الفطرة وحصول الحنيفية والإخلاص ومعرفة الرب والخضوع له لا يتوقف أصله على غير الفطرة وإن توقف كماله وتفصيله على غيرها وبالله التوفيق. فصل: وقوله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: quot;إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهمquot; يتضمن أصلين عظيمين مقصودين لأنفسهما ووسيلة تعين عليهما أحدهما عبادته وحده لا شريك له والثاني إنما يعبد بما شرعه وأحبه وأمر به وهذان الأصلان هما المقصود الذي خلق له الخلق فضدهما الشرك والبدع فالمشرك يعبد مع الله غيره وصاحب البدعة يتقرب إلى الله بما لم يأمر به ولم يشرعه ولا أحبه وجعل سبحانه حل الطيبات مما يستعان به على ذلك ويتوسل به إليه فمدار الدين على هذين الأصلين وهذه الوسيلة فأخبر سبحانه أن الشياطين اقتطعت عباده عن هذا المقصود وعن هذه الوسيلة فأمرتهم أن يشركوا به ما لم ينزل به سلطانا وهذا يتناول الإشراك بالمعبود الحق بأن يعبد معه غيره والإشراك بعبادته الحقة بأن يعبد بغير شرعه وكثيرا ما يجتمع الشركان فيعبد المشرك معه غيره بعبادة لم يشرع سبحانه أن يتعبد له بها وقد ينفرد أحد المشركين فيشرك به غيره في نفس العبادة التي شرعها ويعبده وحده بعبادة شركية لم يشرعها أو يتوسل إلى عبادته بتحريم ما أحله وقد ذم الله سبحانه المشركين على هذين النوعين في كتابه في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما يذكر فيها ذمهم على ما حرموه من المطاعم والملابس وذمهم على ما أشركوا به من عبادة غيره أو على ما ابتدعوه من عبادته بما لم يشرعه وفي المسند: quot;أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحةquot; فهي حنيفية في التوحيد وعدم الشرك سمحة في العمل وعدم الآصار والأغلال بتحريمهم من الطيبات الحلال فيعبد سبحانه بما أحبه ويستعان على عبادته بما أحله قال تعالى: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا وهذا هو الذي فطر الله عليه خلقه وهو محبوب لكل أحد مستقر سنته في كل فطرة فإنه يتضمن التوحيد وإخلاص القصد والحب لله وحده وعبادته وحده بما يحب أن يعبد به والأمر بالمعروف الذي تحبه القلوب والنهي عن المنكر الذي تبغضه وتنفر منه ويحلل الطيبات النافعة وتحريم الخبائث الضارة. فصل: وهذا أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أن كل مولود يولد على الفطرة الحنيفية هو الذي تقوم الأدلة العقلية على صحته وأنه كما أخبر به الصادق المصدوق ومن خالف ذلك فقد غلط وبيان ذلك من وجوه أحدها أن الإنسان قد يحصل له من الاعتقادات والإرادات ما يكون حقا وقد يحصل له منها ما يكون باطلا إذ اعتقاداته قد تكون مطابقة لمعتقدها وهي الحق(1\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "329",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11523",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والخبر عنها يسمى صدقا وقد تكون غير مطابقة وهي الباطل والخبر عنها يسمى كذبا والإرادات تنقسم إلى ما تكون نافعة له متضمنة لمصلحته ومرادها هو الخير والحسن وإلى ما هو ضارة له مخالفة لمصلحته ومرادها هو الشر والقبح وإذا كان الإنسان تارة يكون معتقدا للحق مريدا للخير وتارة يكون معتقدا للباطل مريدا للشر فلا يخلو إما أن تكون نسبة نفسه الباطنة إلى النوعين نسبة واحدة بحيث لا يكون فيها مرجحا لأحدهما على الآخر أو تكون نفسه مرجحة لأحد الأمرين على الآخر فإن كان الأول لزم أن لا يوجد أحد النوعين إلا بمرجح منفصل عنه فإذا قدر رجحان أحدهما ترجح هذا والآخر ترجح هذا فإما أن يتكافأ المرجحان أو يترجح أحدهما فإن تكافأ لزم أن لا يحصل واحد منهما وهو خلاف المعلوم بالضرورة فإنا نعلم أنه إذا عرض على كل أحد أن يعتقد الحق ويصدق وأن يريد ما ينفعه وعرض عليه أن يعتقد الباطل ويكذب ويريد ما يضره مال بفطرته إلى الأولى ونفر عن الثاني فعلم أن فطرة الإنسان قوة تقتضي اعتقاد الحق وإرادة الخير وحينئذ الإقرار بوجود فاطره وخالقه ومعرفته ومحبته والإيمان به وتعظيمه والإخلاص له إما أن يكون من النوع الأول أو الثاني وكونه من الثاني معلوم الفساد بالضرورة فتعين أن يكون من الأول وحينئذ فيجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي محبته ومعرفته والإيمان به والتوسل إليه بمحابه الوجه الثاني أن عبادته وحده بما يحبه إما أن يكون أكمل للناس علما وقصدا أو الإشراك به أكمل والثاني معلوم الفساد بالضرورة فتعين الأول وهو أن يكون في الفطرة مقتضى يقتضي توحيده وتألهه وتعظيمه الوجه الثالث أن الحنيفية التي هي دين الله ولا دين له غيرها إما أن تكون مع غيرها من الأديان متماثلين أو الحنيفية أرجح أو تكون مرجوحة والأول والثالث باطلان قطعا فوجب أن يكون في الفطرة مرجح يرجح الحنيفية وامتنع أن يكون نسبتها ونسبة غيرها من الأديان إلى الفطرة سواء الوجه الرابع أنه إذا ثبت أن في الفطرة قوة تقتضي طلب معرفة الحق وإيثاره على ما سواه وأن ذلك حاصل مركوز فيها من غير تعلم الأبوين ولا غيرهما بل لو فرض أن الإنسان تربى وحده ثم عقل وميز لوجد نفسه مائلة إلى ذلك نافرة عن ضده كما يجد الصبي عند أول تمييزه يعلم أن الحادث لا بد له من محدث فهو يلتفت إذا ضرب من خلفه لعلمه أن تلك الضربة لا بد لها من ضارب فإذا شعر به بكى حتى يقتص له منه فيسكن فقد ركز في فطرته الإقرار بالصانع وهو التوحيد ومحبة القصاص وهو العدل وإذا ثبت ذلك ثبت أن نفس الفطرة مقتضية لمعرفته سبحانه ومحبته وإجلاله وتعظيمه والخضوع له من غير تعليم ولا دعاء إلى ذلك وإن لم يكن فطرة كل أحد مستقلة بتحصيل ذلك بل يحتاج كثير منهم إلى سبب معين للفطرة مقولها وقد بينا أن هذا السبب لا يحدث في الفطرة ما لم يكن فيها بل يعينها ويذكرها ويقويها فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين يدعون العباد إلى موجب هذه الفطرة فإذا لم يحصل مانع يمنع الفطرة عن مقتضاها استجابت لدعوة الرسل ولا بد بما فيها من المقتضى لذلك كمن دعا جائعا أو ظمآن إلى شراب وطعام لذيذ نافع لا تبعة فيه عليه ولا يكلفه ثمنه فإنه ما لم يحصل هناك مانع فإنه يجيبه ولا بد الوجه الخامس إنا نعلم بالضرورة أن الطفل حين ولادته ليس له معرفة بهذا الأمر ولا عنده إرادة له ويعلم أنه كلما حصل فيه قوة العلم والإرادة(1\/304)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "330",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11524",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حصل له من معرفته بربه ومحبته ما يناسب قوة فطرته وضعفها وهذا كما يشاهد في الأطفال من محبة جلب المنافع ودفع المضار بحسب كمال التمييز وضعفه فكلاهما أمر حاصل مع النشأة على التدريج شيئا فشيئا إلى أن يصل إلى حده الذي ليس في الفطرة استعداد لأكثر منه لكن قد يتفق لكثير من الفطر موانع متنوعة تحول بينها وبين مقتضاها وموجبها الوجه السادس أنه من المعلوم أن النفوس إذا حصل لها معلم وداع حصل لها من العلم والإرادة بحسبه ومن المعلوم أن كل نفس قابلة لمعرفة الحق وإرادة الخير ومجرد التعليم لا يوجب تلك القابلية فلولا أن في النفس قوة تقبل ذلك لم يحصل لها القبول فإن لحصوله في المحل شروط مقبولة له وذلك القبول هو كونه مهيأ له مستعدا لحصوله فيه وقد بينا أنه يمتنع أن يكون سببه ذلك وضده إلى النفس سواء الوجه السابع أنه من المعلوم مشاركة الإنسان لنوع الحيوان في الإحساس والحركة الإرادية وحبس الشعور وأن الحيوان البهيم قد يكون أقوى إحساسا وحياة وشعورا من الإنسان وليس بقابل لما الإنسان قابل له من معرفة الحق وإرادته دون غيره فلولا قوة في الفطرة والنفس الناطقة اختص بها الإنسان دون الحيوان يقبل بها أن يعرف الحق ويريد الخير لكان هو والحيوان في هذا العدم سواء وحينئذ يلزم أحد أمرين كلاهما ممتنع أما كون الإنسان فاقدا لهذه المعرفة والإرادة كغيره من الحيوانات أو تكون حاصلة لها كحصولها للإنسان فلولا أن في الفطرة والنفس الناطقة قوة تقتضي ذلك لما حصل لها ولو كان بغير قوة ومقتضى منها لا يمكن حصوله للجمادات والحيوانات لكن فاطرها وبارئها خصها بهذه القوة القابلية وفطرها عليها يوضحه الوجه الثامن أنه لو كان السبب مجرد التعليم من غير قوة قابلة لحصل ذلك في الجمادات والحيوانات لأن السبب واحد ولا قوة هناك يهيئ بها هذا المحل من غيره فعلم أن حصول ذلك في محل دون محل هو لاختلاف القوابل والاستعدادات الوجه التاسع أن حصول هذه المعرفة والإرادة في العدم المحض محال فلا بد من وجود المحل وحصوله في موجود غير قابل محال بل لا بد من قبول المحل وحصوله من غير مدد من الفاعل إلى القابل فلو قطع الفاعل إمداده لذلك المحل القابل لم يوجد ذلك المقبول فلا بد من الإيجاد والإعداد والإمداد فإذا استحال وجود القبول من غير إيجاد المحل استحال وجوده من غير إعداده وإمداده والخلاق العليم سبحانه هو الموجد المعد الممد الوجه العاشر أنه من المعلوم أن النفس لا توجب بنفسها لنفسها حصول العلم والإرادة بل لا بد فيها من قوة يقبل بها ذلك لا تكون هي المعطية لتلك القوة وتلك القوة لا تتوقف على أخرى والإلزام التسلسل الممتنع والدور الممتنع وكلاهما ممتنع فها هنا ثلاثة أمور أحدها وجود قوة قابلة الثاني أن تلك القوة ليست هي المعطية لها الثالث أن تلك القوة لا تتوقف على قوة أخرى فحينئذ لزم أن يكون فاطرها وبارئها قد فطرها على تلك القوة وأعدها بها لقبول ما خلقت له وقد علم بالضرورة أن نسبة ذلك إليها وضده ليسا على السواء الوجه الحادي عشر إنا لو فرضنا توقف هذه المعرفة والمحبة على سبب خارج أليس عند حصول ذلك السبب يوجد في الفطرة ترجيح ذلك ومحبته على ضده فهذا الترجيح والمحبة والأمر مركوز في الفطرة الوجه الثاني عشر إنا لو فرضنا أنه لم يحصل المفسد الخارج ولا المصلح الخارج لكانت الفطرة مقتضية لإرادة المصلح وإيثاره على ما سواه وإذا كان المقتضى موجودا والمانع مفقودا وجب حصول الأثر فإنه لا يتخلف إلا لعدم مقتضيه أو لوجود مانعه(1\/305)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "331",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11525",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا كان المانع زائلا حصل الأثر بالمقتضى السالم عن المعارض المقاوم الوجه الثالث عشر أن السبب الذي في الفطرة لمعرفة الله ومحبته والإخلاص له إما أن يكون مستلزما لذلك وإما أن يكون مقتضيا بدون استلزام أو يستحيل أن لا يكون له أثر البتة وعلى التقديرين يترتب أثره عليه إما وحده على التقدير الأول وإما بانضمام أمر آخر إليه على التقدير الثاني الوجه الرابع عشر أن النفس الناطقة لا تخلو عن الشعور والإرادة بل هذا الخلف ممتنع فيها فإن الشعور والإرادة من لوازم حقيقتها فلا يتصور إلا أن تكون شاعرة مريدة ولا يجوز أن يقال أنها قد تخلو في حق خالقها وفاطرها عن الشعور بوجوده وعن محبته وإرادته فلا يكون إقرارها به ومحبته من لوازم ذاتها هذا باطل قطعا فإن النفس لها مطلوب مراد بضرورة فطرتها وكونها مريدة هو من لوازم ذاتها فإنها حية وكل حي شاعر متحرك بالإرادة وإذا كان كذلك فلا بد لكل مريد من مراد والمراد إما أن يكون مرادا لنفسه أو لغيره والمراد لغيره لا بد أن ينتهي إلى مراد لنفسه قطعا للتسلسل في العلل الغائية فإنه محال كالتسلسل في العلل الفاعلة وإذا كان لا بد للإنسان من مراد لنفسه فهو الله الذي لا لإله إلا هو الذي تألهه النفوس وتحبه القلوب وتعرفه الفطر وتقربه العقول وتشهد بأنه ربها ومليكها وفاطرها فلا بد لكل أحد من إله يألهه وصمد يصمد إليه والعباد مفطورون على محبة الإله الحق ومعلوم بالضرورة أنهم ليسوا مفطورين على تأله غيره فإذا إنما فطروا على تألهه وعبادته وحده فلو خلوا وفطرهم لما عبدوا غيره ولا تألهوا سواه يوضحه الوجه الخامس عشر أنه يستحيل أن تكون الفطرة خالية عن التأله والمحبة ويستحيل أن يكون فيها تأله غير الله لوجوه منها أن ذلك خلاف الواقع ومنها أن ذلك المخلوق ليس أولى أن يكون إلها لكل الخلق من المخلوق الآخر ومنها أن المشركين لم يتفقوا على إله واحد بل كل طائفة تعبد ما تستحسنه ومنها أن ذلك المخلوق إن كان ميتا فالحي أكمل منه فيمتنع أن يكون الناس مفطورين على عبادة الميت وإن كان حيا فهو أيضا مريد فله إله تألهه وحينئذ فلزم الدور الممتنع أو التسلسل الممتنع فلا بد للخلق كلهم من إله يألهوه ولا يأله هو غيره وهذا برهان قطعي ضروري فإن قلت هذا يستلزم أنه لا بد لكل حي مخلوق من إله ولكن لم لا يجوز أن يكون مطلوب النفس هو مطلق التأله والمألوه لا إلها معينا كما تقوله طوائف الاتحادية قلت هذا يتبين بالوجه السادس عشر وهو أن المراد إما أن يراد لنوعه أو لعينه فالأول كإرادة العطشان والجائع والعاري لنوع الشراب والطعام واللباس فإنه إنما يريد النوع وحيث أراد المعين فهو القدر المشترك بين أفراده وذلك القدر المشترك كلي لا وجود له في الخارج فيستحيل أن يراد لذاته إذ المراد لذاته لا يكون إلا معينا ويستحيل أن يوجد في اثنين فإن إرادة كل واحد منهما لذاته تنافي إرادته لذاته إذ المعنى بإرادته لذاته أنه وحده هو المراد لذاته الخاصة وهذا يمنع أن يراد معه ثان لذاته وإذا عرف ذلك فلو كان القدر المشترك بين أفراد النوع أو بين الاثنين هو المراد لذاته لزم أن يكون ما يختص به أحدهما ليس مراد لذاته وكذلك ما يختص به الآخر والموجود في الخارج إنما هو الذات المختصة لا الكلي المشترك (هامش) تعلق الثالثة بالقدر المشترك لم يكن للخلف في الخارج إله ولكان إلههم أمرا ذهنيا وجوده في الأذهان لا في الأعيان وهذا هو الذي يألهه طوائف أهل الوحدة والجهمية الذين أنكروا أن يكون الله تعالى لا خارج العالم ولا داخله فإن هذا إنما هو إله مفروض يفرضه الذهن كما يفرض سائر(1\/306)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "332",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11526",
        "book_id": "qym_3966",
        "book_name": " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الممتنعات الخارجة وتظنه واجب الوجود وليس هو ممكن الوجود فضلا عن وجوبه وبهذا يتبين أن الجهمية وإخوانهم من القائلين بوحدة الوجود ليس لهم إله معين في الخارج يألهونه ويعبدونه بل هؤلاء ألهوا الوجود المطلق الكلي وأولئك ألهوا المعدوم الممتنع وجوده وأتباع الأنبياء إلههم الله الذي لا إله إلا هو الذي خلق الأرض والسماوات العلى الرحمن على العرش استوى له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى هو الذي فطر القلوب على محبته والإقرار به وإجلاله وتعظيمه وإثبات صفات الكمال له وتنزيهه عن صفات النقائص والعيوب وعلى أنه فوق سماواته بائن من خلقه تصعد إليه أعمالهم على تعاقب الأوقات وترفع إليه أيديهم عند الرغبات يخافونه من فوقهم ويرجون رحمته تنزل إليهم من عنده فهممهم صاعدة إلى عرشه تطلب فوقه إلها عليا عظيما قد استوى على عرشه واستولى على خلقه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرض إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم والمقصود أنه إذا لم يكن في الحسيات الخارجة عن الأذهان ما هو مراد لذاته لم يكن فيها ما يستحق أن يأله أحد فضلا أن يكون فيها ما يجب أن يألهه كل أحد فتبين أنه لا بد من إله معين هو المحبوب المراد لذاته ومن الممتنع أن يكون هذا غير فاطر السموات والأرض وتبين أنه لو كان في السموات والأرض إله غيره لفسدتا وأن كل مولود يولد على محبته ومعرفته وإجلاله وتعظيمه وهذا دليل مستقل كاف فيما نحن فيه وبالله التوفيق تم الكتاب والحمد الله.(1\/307)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "333",
        "book_number": "25",
        "slug": " -qym_3966"
    },
    {
        "id": "11527",
        "book_id": "qym_4038",
        "book_name": " صفات المنافقين",
        "title": "صفات المنافقين",
        "content": "[صفات المنافقين] بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون [آل عمران: 102] يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا [النساء: 1] يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا - يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما [الأحزاب: 70 - 71] أما بعد فإن النفاق هو الداء العضال الباطن الذي يكون الرجل ممتلئا منه وهو لا يشعر. فإنه أمر خفي على الناس. وكثيرا ما يخفى على من تلبس به فيزعم أنه مصلح وهو مفسد. وهو نوعان: أكبر وأصغر. فالأكبر: يوجب الخلود في النار في دركها الأسفل. وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وهو في الباطن منسلخ(1\/3)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "26",
        "slug": " -qym_4038"
    },
    {
        "id": "11528",
        "book_id": "qym_4038",
        "book_name": " صفات المنافقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من ذلك كله مكذب به. لا يؤمن بأن الله تكلم بكلام أنزله على بشر جعله رسولا للناس يهديهم بإذنه. وينذرهم بأسه ويخوفهم عقابه. وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين وكشف أسرارهم في القرآن وجلى لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر وذكر طوائف العالم الثلاثة في أول سورة البقرة: المؤمنين والكفار والمنافقين. فذكر في المؤمنين أربع آيات وفي الكفار آيتين وفي المنافقين ثلاث عشرة آية. لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدا لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح وهو غاية الجهل والإفساد. فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه ! وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه ! وكم من علم له قد طمسوه ! وكم من لواء له مرفوع قد وضعوه ! وكم ضربوا بمعاول الشبه في أصول غراسه ليقلعوها ! وكم عموا عيون موارده بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها !(1\/4)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "26",
        "slug": " -qym_4038"
    },
    {
        "id": "11529",
        "book_id": "qym_4038",
        "book_name": " صفات المنافقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنة وبلية ولا يزال يطرقه من شبههم سرية بعد سرية. ويزعمون أنهم بذلك مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون [البقرة: 12] يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون [الصف: 8] اتفقوا على مفارقة الوحي. فهم على ترك الاهتداء به مجتمعون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون [المؤمنون: 53] يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا [الأنعام: 112] ولأجل ذلك اتخذوا هذا القرآن مهجورا [الفرقان: 30] درست معالم الإيمان في قلوبهم فليسوا يعرفونها. ودثرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها وأفلت كواكبه النيرة من قلوبهم فليسوا يحيونها وكسفت شمسه عند اجتماع ظلم آرائهم وأفكارهم فليسوا يبصرونها. لم يقبلوا هدى الله الذي أرسل به رسوله. ولم يرفعوا به رأسا ولم يروا بالإعراض عنه إلى آرائهم وأفكارهم بأسا. خلعوا نصوص الوحي عن سلطنة الحقيقة. وعزلوها عن ولاية اليقين وشنوا عليها غارات التأويلات الباطلة فلا يزال يخرج عليها منهم كمين بعد كمين. نزلت عليهم نزول الضيف على أقوام لئام فقابلوها(1\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "26",
        "slug": " -qym_4038"
    },
    {
        "id": "11530",
        "book_id": "qym_4038",
        "book_name": " صفات المنافقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بغير ما ينبغي لها من القبول والإكرام. وتلقوها من بعيد ولكن بالدفع في الصدور منها والأعجاز. وقالوا: مالك عندنا من عبور- وإن كان لا بد - فعلى سبيل الاجتياز. أعدوا لدفعها أصناف العدد وضروب القوانين وقالوا- لما حلت بساحتهم-: ما لنا ولظواهر لفظية لا تفيدنا شيئا من اليقين. وعوامهم قالوا: حسبنا ما وجدنا عليه خلفنا من المتأخرين فإنهم أعلم بها من السلف الماضين وأقوم بطرائق الحجج والبراهين. وأولئك غلبت عليهم السذاجة وسلامة الصدور. ولم يتفرغوا لتمهيد قواعد النظر ولكن صرفوا هممهم إلى فعل المأمور وترك المحظور فطريقة المتأخرين: أعلم وأحكم وطريقة السلف الماضين: أجهل لكنها أسلم. أنزلوا نصوص السنة والقرآن منزلة الخليفة في هذا الزمان اسمه على السكة وفي الخطبة فوق المنابر مرفوع. والحكم النافذ لغيره فحكمه غير مقبول ولا مسموع. لبسوا ثياب أهل الإيمان على قلوب أهل الزيغ والخسران والغل والكفران فالظواهر ظواهر الأنصار والبواطن قد تحيزت إلى الكفار فألسنتهم ألسنة المسالمين وقلوبهم قلوب المحاربين ويقولون: آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين [البقرة: 8](1\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "26",
        "slug": " -qym_4038"
    },
    {
        "id": "11531",
        "book_id": "qym_4038",
        "book_name": " صفات المنافقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رأس مالهم الخديعة والمكر وبضاعتهم الكذب والختر وعندهم العقل المعيشي: إن الفريقين عنهم راضون وهم بينهم آمنون يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون [البقرة: 9] قد نهكت أمراض الشبهات والشهوات قلوبهم فأهلكتها وغلبت القصود السيئة على إرادتهم ونياتهم فأفسدتها ففسادهم قد ترامى إلى الهلاك فعجز عنه الأطباء العارفون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون [البقرة: 10] من غلقت مخالب شكوكهم بأديم إيمانه مزقته كل تمزيق ومن تعلق شرر فتنتهم بقلبه ألقاه في عذاب الحريق ومن دخلت شبهات تلبيسهم في مسامعه حال بين قلبه وبين التصديق. ففسادهم في الأرض كثير وأكثر الناس عنه غافلون وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون - ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون [البقرة: 11 - 12] المتمسك عندهم بالكتاب والسنة صاحب ظواهر مبخوس حظه. من المعقول والدائر مع النصوص عندهم كحمار يحمل أسفارا فهمه في حمل المنقول. وبضاعة تاجر(1\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "26",
        "slug": " -qym_4038"
    },
    {
        "id": "11532",
        "book_id": "qym_4038",
        "book_name": " صفات المنافقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوحي لديهم كاسدة وما هو عندهم بمقبول. وأهل الاتباع عندهم سفهاء فهم في خلواتهم ومجالسهم بهم يتطيرون وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون [البقرة: 13] لكل منهم وجهان: وجه يلقى به المؤمنين ووجه ينقلب به إلى إخوانه من الملحدين. وله لسانان: أحدهما يقبله بظاهره المسلمون والآخر يترجم به عن سره المكنون وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون [البقرة: 14] قد أعرضوا عن الكتاب والسنة استهزاء بأهلهما واستحقارا. وأبوا أن ينقادوا لحكم الوحيين فرحا بما عندهم من العلم الذي لا ينفع الاستكثار منه إلا أشرا واستكبارا. فتراهم أبدا بالمتمسكين بصريح الوحي يستهزئون الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون [البقرة: 15] خرجوا في طلب التجارة البائرة في بحار الظلمات. فركبوا مراكب الشبه والشكوك تجري بهم في موج الخيالات. فلعبت بسفنهم الريح العاصف. فألقتها بين سفن الهالكين أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين [البقرة: 16](1\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "26",
        "slug": " -qym_4038"
    },
    {
        "id": "11533",
        "book_id": "qym_4038",
        "book_name": " صفات المنافقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أضاءت لهم نار الإيمان فأبصروا في ضوئها مواقع الهدى والضلال. ثم طفئ ذلك النور وبقيت نارا تأجج ذات لهب واشتعال. فهم بتلك النار معذبون وفي تلك الظلمات يعمهون مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون [البقرة: 17] أسماع قلوبهم قد أثقلها الوقر فهي لا تسمع منادي الإيمان وعيون بصائرهم عليها غشاوة العمى. فهي لا تبصر حقائق القرآن وألسنتهم بها خرس عن الحق فهم به لا ينطقون. صم بكم عمي فهم لا يرجعون [البقرة: 18] صاب عليهم صيب الوحي وفيه حياة القلوب والأرواح. فلم يسمعوا منه إلا رعد التهديد والوعيد والتكاليف التي وظفت عليهم في المساء والصباح. فجعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وجدوا في الهرب والطلب في آثارهم والصياح. فنودي عليهم على رؤوس الأشهاد وكشفت حالهم للمستبصرين وضرب لهم مثلان بحسب حال الطائفتين منهم: المناظرين والمقلدين. فقيل أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين [البقرة: 19](1\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "26",
        "slug": " -qym_4038"
    },
    {
        "id": "11534",
        "book_id": "qym_4038",
        "book_name": " صفات المنافقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ضعفت أبصار بصائرهم عن احتمال ما في الصيب من بروق أنواره وضياء معانيه وعجزت أسماعهم عن تلقي رعود وعوده وأوامره ونواهيه. فقاموا عند ذلك حيارى في أودية التيه لا ينتفع بسمعه السامع ولا يهتدي ببصره البصير. كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير [البقرة: 20] لهم علامات يعرفون بها مبينة في السنة والقرآن بادية لمن تدبرها من أهل بصائر الإيمان. قام بهم- والله- الرياء وهو أقبح مقام قامه الإنسان وقعد بهم الكسل عما أمروا به من أوامر الرحمن فأصبح الإخلاص عليهم لذلك ثقيلا وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا. أحدهم كالشاة العائرة بين الغنمين تيعر إلى هذه مرة وإلى هذه مرة ولا تستقر مع إحدى الفئتين فهم واقفون بين الجمعين. ينظرون أيهم أقوى وأعز قبيلا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا.(1\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "26",
        "slug": " -qym_4038"
    },
    {
        "id": "11535",
        "book_id": "qym_4038",
        "book_name": " صفات المنافقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يتربصون الدوائر بأهل السنة والقرآن. فإن كان لهم فتح من الله قالوا: ألم نكن معكم وأقسموا على ذلك بالله جهد أيمانهم. وإن كان لأعداء الكتاب والسنة من النصرة نصيب قالوا: ألم تعلموا أن عقد الإخاء بيننا محكم وأن النسب بيننا قريب فيا من يريد معرفتهم خذ صفاتهم من كلام رب العالمين. فلا تحتاج بعده دليلا الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا [النساء: 141] يعجب السامع قول أحدهم لحلاوته ولينه. ويشهد الله على ما في قلبه من كذبه ومينه فتراه عند الحق نائما. وفي الباطل على الأقدام فخذ وصفهم من قول القدوس السلام: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام [البقرة: 204] أوامرهم التي يأمرون بها أتباعهم متضمنة لفساد البلاد والعباد ونواهيهم عما فيه صلاحهم في المعاش والمعاد. وأحدهم تلقاه بين جماعة أهل الإيمان في الصلاة والذكر(1\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "26",
        "slug": " -qym_4038"
    },
    {
        "id": "11536",
        "book_id": "qym_4038",
        "book_name": " صفات المنافقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والزهد والاجتهاد وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد [البقرة: 205] فهم جنس بعضه يشبه بعضا يأمرون بالمنكر بعد أن يفعلوه. وينهون عن المعروف بعد أن يتركوه ويبخلون بالمال في سبيل الله ومرضاته أن ينفقوه كم ذكرهم الله بنعمه فأعرضوا عن ذكره ونسوه وكم كشف حالهم لعباده المؤمنين ليجتنبوه فاسمعوا أيها المؤمنون: المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون [التوبة: 67] إن حاكمتهم إلى صريح الوحي وجدتهم عنه نافرين وإن دعوتهم إلى حكم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم رأيتهم عنه معرضين فلو شهدت حقائقهم لرأيت بينها وبين الهدى أمدا بعيدا. . ورأيتها معرضة عن الوحي إعراضا شديدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا [النساء: 61] فكيف لهم بالفلاح والهدى! بعدما أصيبوا في عقولهم وأديانهم وأنى لهم التخلص من الضلال والردى وقد اشتروا(1\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "26",
        "slug": " -qym_4038"
    },
    {
        "id": "11537",
        "book_id": "qym_4038",
        "book_name": " صفات المنافقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكفر بإيمانهم فما أخسر تجارتهم البائرة! وقد استبدلوا بالرحيق المختوم حريقا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا [النساء: 62] 4 \/ 62. نشب زقوم الشبه والشكوك في قلوبهم. فلا يجيدون له مسيغا أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا [النساء: 63] تبا لهم ما أبعدهم عن حقيقة الإيمان! وما أكذب دعواهم للتحقيق والعرفان فالقوم في شأن وأتباع الرسول في شأن. لقد أقسم الله جل جلاله في كتابه بنفسه المقدسة قسما عظيما يعرف مضمونه أولو البصائر فقلوبهم منه على حذر إجلالا له وتعظيما فقال تعالى تحذيرا لأوليائه وتنبيها على حال هؤلاء وتفهيما: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [النساء: 65] تسبق يمين أحدهم كلامه من غير أن يعترض عليه. لعلمه أن قلوب أهل الإيمان لا تطمئن إليه فيتبرأ بيمينه من سوء(1\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "26",
        "slug": " -qym_4038"
    },
    {
        "id": "11538",
        "book_id": "qym_4038",
        "book_name": " صفات المنافقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الظن به وكشف ما لديه وكذلك أهل الريبة يكذبون ويحلفون ليحسب السامع إنهم صادقون قد اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون [المنافقون: 2] تبا لهم! برزوا إلى البيداء مع ركب الإيمان فلما رأوا طول الطريق وبعد الشقة نكصوا على أعقابهم ورجعوا. وظنوا أنهم يتمتعون بطيب العيش ولذة المنام في ديارهم. فما متعوا به ولا بتلك الهجعة انتفعوا. فما هو إلا أن صاح بهم الصائح فقاموا عن موائد أطعمتهم والقوم جياع ما شبعوا. فكيف حالهم عند اللقاء وقد عرفوا ثم أنكروا وعموا بعد ما عاينوا الحق وأبصروا ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون [المنافقون: 3] أحسن الناس أجساما وأخلبهم لسانا وألطفهم بيانا وأخبثهم قلوبا وأضعفهم جنانا. فهم كالخشب المسندة التي لا ثمر لها. قد قلعت من مغارسها فتساندت إلى حائط يقيمها لئلا يطأها السالكون. وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون [المنافقون: 4](1\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "26",
        "slug": " -qym_4038"
    },
    {
        "id": "11539",
        "book_id": "qym_4038",
        "book_name": " صفات المنافقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يؤخرون الصلاة عن وقتها الأول إلى شرق الموتى. فالصبح عند طلوع الشمس والعصر عند الغروب وينقرونها نقر الغراب. إذ هي صلاة الأبدان لا صلاة القلوب ويلتفتون فيها التفاتة الثعلب إذ يتيقن أنه مطرود مطلوب. ولا يشهدون الجماعة بل إن صلى أحدهم ففي البيت أو الدكان وإذا خاصم فجر وإذا عاهد غدر وإذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان. هذه معاملتهم للخلق وتلك معاملتهم للخالق فخذ وصفهم من أول (المطففين) وآخر (والسماء والطارق) فلا ينبئك عن أوصافهم مثل خبير يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير [التوبة: 73] فما أكثرهم! وهم الأقلون. وما أجبرهم! وهم الأذلون. وما أجهلهم! وهم المتعالمون. وما أغرهم بالله! إذ هم بعظمته جاهلون! ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون [التوبة: 56] إن أصاب أهل الكتاب والسنة عافية ونصر وظهور ساءهم ذلك وغمهم وإن أصابهم ابتلاء من الله وامتحان يمحص به ذنوبهم ويكفر به عنهم سيئاتهم أفرحهم ذلك(1\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "26",
        "slug": " -qym_4038"
    },
    {
        "id": "11540",
        "book_id": "qym_4038",
        "book_name": " صفات المنافقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسرهم. وهذا يحقق إرثهم وإرث من عداهم ولا يستوي من موروثه الرسول ومن موروثهم المنافقون إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون - قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون [التوبة: 50 - 51] وقال تعالى في شأن السلفين المختلفين والحق لا يندفع بمكابرة أهل الزيغ والتخليط: إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط [آل عمران: 120] كره الله طاعاتهم لخبث قلوبهم وفساد نياتهم. فثبطهم عنها وأقعدهم. وأبغض قربهم منه وجواره لميلهم إلى أعدائه. فطردهم عنه وأبعدهم. وأعرضوا عن وحيه فأعرض عنهم وأشقاهم وما أسعدهم. وحكم عليهم بحكم عدل لا مطمع لهم في الفلاح بعده إلا أن يكونوا من التائبين. فقال تعالى ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين [التوبة: 46] ثم ذكر حكمته في تثبيطهم وإقعادهم وطردهم عن بابه وإبعادهم وإن ذلك من لطفه بأوليائه وإسعادهم. فقال وهو أحكم الحاكمين:(1\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "26",
        "slug": " -qym_4038"
    },
    {
        "id": "11541",
        "book_id": "qym_4038",
        "book_name": " صفات المنافقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين [التوبة: 47] ثقلت عليهم النصوص فكرهوها. وأعياهم حملها فألقوها عن أكتافهم ووضعوها وتفلتت منهم السنن أن يحفظوها فأهملوها وصالت عليهم نصوص الكتاب والسنة فوضعوا لها قوانين ردوها بها ودفعوها. ولقد هتك الله أستارهم. وكشف أسرارهم وضرب لعباده أمثالهم. واعلم أنه كلما انقرض منهم طوائف خلفهم أمثالهم فذكر أوصافهم لأوليائه ليكونوا منها على حذر. وبينها لهم فقال: ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم [محمد: 9] هذا شأن من ثقلت عليه النصوص فرآها حائلة بينه وبين بدعته وهواه. فهي في وجهه كالبنيان المرصوص. فباعها بمحصل من الكلام الباطل. واستبدل منها بالفصوص. فأعقبهم ذلك أن أفسد عليهم إعلانهم وإسرارهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم - فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم - ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم [محمد: 26 - 28](1\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "26",
        "slug": " -qym_4038"
    },
    {
        "id": "11542",
        "book_id": "qym_4038",
        "book_name": " صفات المنافقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أسروا سرائر النفاق. فأظهرها الله على صفحات الوجوه منهم: وفلتات اللسان. ووسمهم لأجلها بسيماء لا يخفون بها على أهل البصائر والإيمان. وظنوا أنهم إذ كتموا كفرهم وأظهروا إيمانهم راجوا على الصيارف والنقاد. كيف والناقد البصير قد كشفها لكم أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم - ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم [محمد: 29 - 30] فكيف إذا جمعوا ليوم التلاق وتجلى الله- جل جلاله- للعباد وقد كشف عن ساق ودعوا إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون [القلم: 43] أم كيف بهم إذا حشروا إلى جسر جهنم وهو أدق من الشعرة وأحد من الحسام. وهو دحض مزلة مظلم لا يقطعه أحد إلا بنور يبصر به مواطئ الأقدام. فقسمت بين الناس الأنوار. وهم على قدر تفاوتها في المرور والذهاب. وأعطوا نورا ظاهرا مع أهل الإسلام. كما كانوا بينهم في هذه الدار يأتون بالصلاة والزكاة والحج والصيام. فلما توسطوا الجسر عصفت على أنوارهم أهوية النفاق. فأطفأت ما بأيديهم من(1\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "26",
        "slug": " -qym_4038"
    },
    {
        "id": "11543",
        "book_id": "qym_4038",
        "book_name": " صفات المنافقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المصابيح. فوقفوا حيارى لا يستطيعون المرور. فضرب بينهم وبين أهل الإيمان بسور له باب. ولكن قد حيل بين القوم وبين المفاتيح. باطنه- الذي يلي المؤمنين- فيه الرحمة وما يليهم من قبلهم العذاب والنقمة. ينادون من تقدمهم من وفد الإيمان ومشاعل الركب تلوح على بعد كالنجوم تبدو لناظر الإنسان: انظرونا نقتبس من نوركم [الحديد: 13] لنتمكن في هذا المضيق من العبور. فقد طفئت أنوارنا. ولا جواز اليوم إلا بمصباح من النور قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا [الحديد: 13] حيث قسمت الأنوار. فهيهات الوقوف لأحد في مثل هذا المضمار! كيف نلتمس الوقوف في هذا المضيق فهل يلوي اليوم أحد على أحد في هذا الطريق وهل يلتفت اليوم رفيق إلى رفيق فذكروهم باجتماعهم معهم وصحبتهم لهم في هذه الدار كما يذكر الغريب صاحب الوطن بصحبته له في الأسفار ألم نكن معكم [الحديد: 14] نصوم كما تصومون ونصلي كما تصلون ونقرأ كما تقرأون ونتصدق كما تصدقون. ونحج كما تحجون فما الذي فرق بيننا اليوم حتى انفردتم دوننا بالمرور قالوا بلى ولكنكم كانت ظواهركم معنا وبواطنكم مع كل ملحد وكل ظلوم كفور ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور - فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير [الحديد: 14 - 15](1\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "26",
        "slug": " -qym_4038"
    },
    {
        "id": "11544",
        "book_id": "qym_4038",
        "book_name": " صفات المنافقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا تستطل أوصاف القوم. فالمتروك- والله- أكثر من المذكور. كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم لكثرتهم على ظهر الأرض وفي أجواف القبور. فلا خلت بقاع الأرض منهم لئلا يستوحش المؤمنون في الطرقات. وتتعطل بهم أسباب المعايش وتخطفهم الوحوش والسباع في الفلوات. سمع حذيفة رضي الله عنه رجلا يقول: اللهم أهلك المنافقين. فقال: quot; يا ابن أخي لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم من قلة السالك quot;. تالله لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين. لعلمهم بدقه وجله وتفاصيله وجمله. ساءت ظنونهم بنفوسهم حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين. قال عمر بن الخطاب لحذيفة رضي الله عنهما: quot; يا حذيفة نشدتك بالله هل سماني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم قال: لا. ولا أزكي بعدك أحدا quot; وقال ابن أبي مليكة: quot; أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل quot; ذكره(1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "26",
        "slug": " -qym_4038"
    },
    {
        "id": "11545",
        "book_id": "qym_4038",
        "book_name": " صفات المنافقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البخاري. وذكر عن الحسن البصري: quot; ما أمنه إلا منافق وما خافه إلا مؤمن quot; ولقد ذكر عن بعض الصحابة: أنه كان يقول في دعائه: quot; اللهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق. قيل: وما خشوع النفاق قال: أن يرى البدن خاشعا والقلب ليس بخاشع quot;. تالله لقد ملئت قلوب القوم إيمانا ويقينا وخوفهم من النفاق شديد وهمهم لذلك ثقيل وسواهم كثير منهم لا يجاوز إيمانهم حناجرهم. وهم يدعون أن إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل. زرع النفاق ينبت على ساقيتين: ساقية الكذب وساقية الرياء. ومخرجهما من عينين: عين ضعف البصيرة وعين ضعف العزيمة. فإذا تمت هذه الأركان الأربع استحكم نبات النفاق وبنيانه. ولكنه بمدارج السيول على شفا جرف هار. فإذا شاهدوا سيل الحقائق يوم تبلى السرائر وكشف المستور وبعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور. تبين حينئذ لمن كانت بضاعته النفاق أن حواصله التي حصلها كانت كالسراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب [النور: 39](1\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "26",
        "slug": " -qym_4038"
    },
    {
        "id": "11546",
        "book_id": "qym_4038",
        "book_name": " صفات المنافقين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلوبهم عن الخيرات لاهية. وأجسادهم إليها ساعية. والفاحشة في فجاجهم فاشية. وإذا سمعوا الحق كانت قلوبهم عن سماعه قاسية. وإذا حفروا الباطل وشهدوا الزور انفتحت أبصار قلوبهم وكانت آذانهم واعية. فهذه- والله- أمارات النفاق. فاحذرها أيها الرجل قبل أن تنزل بك القاضية. إذا عاهدوا لم يفوا. وإن وعدوا أخلفوا. وإن قالوا لم ينصفوا. وإن دعوا إلى الطاعة وقفوا. وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول صدفوا. وإذا دعتهم أهواؤهم إلى أغراضهم أسرعوا إليها وانصرفوا. فذرهم وما اختاروا لأنفسهم من الهوان. والخزي والخسران. فلا تثق بعهودهم. ولا تطمئن إلى وعودهم. فإنهم فيها كاذبون. وهم لما سواها مخالفون ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين - فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون - فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون [التوبة: 75 - 77] تمت وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.(1\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "26",
        "slug": " -qym_4038"
    },
    {
        "id": "11547",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وعليه نتوكل ما تقول السادة العلماء الذين رضي الله عنهم أجمعين في رجلين تباحثا في الحديث المروي في الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافيء مزيده فقال الآخر لقائل هذا الحديث الرب سبحانه وتعالى يقول وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك(1\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11548",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال له راوي الحديث الأول من لم يوافق على هذا الحديث تيس وحمار وجاهل فهل هذا الحديث الأول الذي رواه في الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافيء مزيده الصحيح أم لا ومن المصيب من الرجلين وليبسط القول مثابين افتونا مأجورين رحمكم الله أجاب شيخنا الإمام العالم شمس الدين محمد بن أبي بكر الحنبلي الحمد لله هذا الحديث ليس في الصحيحين ولا في أحدهما ولا يعرف في شيء من كتب الحديث المعتمدة ولا له إسناد معروف(1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11549",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإنما يروى عن أبي نصر التمار عن آدم أبي البشر ولا يدري كم بين أبي نصر وآدم إلا الله تعالى قال أبو نصر قال آدم يا رب شغلتني بكسب يدي شيئا من مجامع الحمد والتسبيح فأوحى الله إليه يا آدم إذا أصبحت فقل ثلاثا وإذا أمسيت فقل ثلاثا الحمد لله رب العالمين حمدا يوافي نعمه ويكافيء مزيده فذلك مجامع الحمد والتسبيح فهذا لو رواه أبو نصر التمار عن سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم لما قبلت روايته لانقطاع الحديث فيما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف بروايته عن آدم وقد ظن طائفة من الناس أن هذا الحمد بهذا اللفظ أكمل حمد حمد الله به وأفضله وأجمعه لأنواع الحمد وبنوا على هذا مسألة فقهية فقالوا مسألة لو حلف إنسان ليحمدن الله بمجامع الحمد وأجل(1\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11550",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المحامد فطريقه في بر يمينه أن يقول الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافيء مزيده قالوا ومعنى يوافي نعمه أي يلاقيها فتحصل النعم معه ويكافيء مهموز أي يساوي مزيده نعمه والمعنى أنه يقوم بشكر ما زاد من النعم والإحسان والمعروف من الحمد الذي حمد الله به نفسه وحمده به رسوله صلى الله عليه وسلم وسادات العارفين بحمده من أمته ليس فيه هذا اللفظ البتة الحمد في القرآن الكريم كقوله تعالى الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين وقوله فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين وقوله وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين وقوله حكاية عن الحمادين من عباده أن قالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله(1\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11551",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله تعالى في حمده لنفسه الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحمده به وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا فهذا حمده الذي أنزله على عبده ارتضاه لنفسه وأمر رسوله أن يحمده به وقال تعالى حامدا لنفسه الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذي يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا وقال قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وقال الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير وقال الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير وقال وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون(1\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11552",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون وقال يسبح لله ما في السموات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وقال عن أهل الجنة وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين وقال الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور فهذا حمده لنفسه الذي أنزله في كتابه وعلمه لعباده وأخبر عن أهل جنته به وهو آكد من كل حمد وأفضل وأكمل كيف يبر الحالف في يمينه بالعدول إلى لفظ لم يحمد به نفسه ولا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن سادات العارفين من أمته والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حمد الله في الأوقات التي يتأكد فيها الحمد لم يكن يذكر هذا الحمد البتة كما في حمد الخطبة والحمد الذي تستفتح به الأمور وكما في تشهد الحاج وكما في الحمد(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11553",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عقب الطعام والشراب واللباس والخروج من الخلاء والحمد عند رؤية ما يسره وما لا يسره فروى البخاري في صحيحه عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع مائدته قال الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه وفي لفظ آخر في هذا الحديث كان إذا فرغ من طعامه قال الحمد الله الذي كفانا وآوانا غير مكفي ولا مكفور(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11554",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلو كان قوله الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافيء مزيده أجل من هذا الحمد وأفضل وأكمل لاختاره وعدل إليه فإنه لم يكن يختار إلا أفضل الأمور وأجلها وأعلاها وسألت شيخنا عن قوله غير مكفي فقال المخلوق إذا أنعم عليك بنعمة أمكنك أن تكافيه بالجزاء أو بالثناء والله عز وجل لا يمكن أحدا من العباد أن يكافيه على إنعامه أبدا فإن ذلك الشكر من نعمه أيضا أو نحو هذا من الكلام فأين هذا من قوله في الحديث المروي عن آدم حمدا يوافي نعمه ويكافيء مزيده وقولهم إن معناه يلاقي نعمه فتحصل مع الحمد كأنهم أخذوه من قولهم وافيت فلانا بمكان كذا وكذا إذا لاقيته فيه ووافاني إذ لقيني(1\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11555",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمعنى على هذا يلتقي حمده بنعمه ويكون معها وهذا ليس فيه كبير أمر ولا فيه أن مسبب الحمد النعم وحالها وإنما فيه اقترانه بها وملاقاته لها اتفاقا ومعلوم أن النعم تلاقيها من الأمور الاتفاقية ما لا يكون سببا في حصولها فليس بين هذا الحديث وبين النعم ارتباط يربط أحدهما بالآخر بل فيه مجرد الموافاة والملاقاة التي هي أعم من الاتفاقية والسببية معنى يكافي مزيده وكذلك قولهم يكافي مزيده أي يكون كفوا لمزيده ويقوم بشكر ما زاده الله من النعم والإحسان وهذا يحتمل معنى صحيحا ومعنى فاسدا فإن أريد أن حمد الله والثناء عليه وذكره أجل وأفضل من النعم التي أنعم بها على العبد من رزقه وعافيته وصحته والتوسعة عليه في دنياه فهذا حق يشهد له قوله صلى الله عليه وسلم ما أنعم الله على عبد بنعمة فقال الحمد لله إلا كان ما أعطى أفضل مما أخذ رواه ابن ماجه فإن حمده لولي الحمد نعمة أخرى هي أفضل وأنفع له وأجدى(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11556",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عائده من النعمة العاجلة فإن أفضل النعم وأجلها على الإطلاق نعمة معرفته تعالى وحمده وطاعته فإن أريد أن فعل العبد يكون كفو النعم ومساويا لها بحيث يكون مكافئا للنعم عليه وما قام به من الحمد ثمنا لنعمه وقياما منه بشكر ما أنعم عليه به وتوفية له فهذا من أمحل المحال فإن العبد لو أقدره الله على عباده الثقلين لم يقم بشكر أدنى نعمة عليه بل الأمر كما روى الإمام أحمد في كتاب الزهد حدثنا عن الرحمن قال ثنا الربيع ابن صبيح عن لحسن قال قال داود النبي لو أن لكل شعرة مني لسانين تسبحانك الليل والنهار والدهر كله ما قضيت حق نعمة واحدة(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11557",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الإمام أحمد وحدثنا عبد الرحمن قال حدثنا جابر بن زيد عن المغيرة بن شعبة قال لما أنزل على داود اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور قال يا رب كيف أطيق شكرا وأنت الذي تنعم علي ثم ترزقني على النعمة الشكر ثم تزيدني نعمة بعد نعمة فالنعمة منك يا رب والشكر منك فكيف أطيق شكرك قال الآن عرفتني يا داود فمن ذا الذي يقوم بشكر ربه الذي يستحقه سبحانه فضلا عن أن يكافيه(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11558",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن هاهنا يعرف قدر الحمد الذي صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا وفضله على الحديث المسئول عنه ونحن نشرح الحديث ثم نعود إلى المقصود فنقول وبالله التوفيق شرح حديث الحمد روى قوله غير مكفي بوجهين بالهمز وعدمه وخطئت رواية الهمز فإنه اسم مفعول من الكفاية فوجهه غير مكفي كمرمي ومقضي أو من المكافاة فالمفعول منه مكفا كمرما من راماه ومساعا من ساعاه أو من كفاه يكفيه فمفعول مكفي كمرمي من رميت والصواب أنه بغير الهمز واختلف هل ذلك وصف للطعام وعائد عليه أو هو حال من اسم الله فيكون وصفا في المعنى على قولين فقال ابن قرقول في مطالعه المراد بهذا كله الطعام وإليه يعود الضمير(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11559",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الحربي المكفي الإناء المقلوب للاستغناء عنه كما قال غير مستغنى عنه وغير مكفو غير محوية نعمة الله فيه بل مشكور غير مستور الاعتراف بها والحمد عليها والقول الثاني إن ذلك عائد إلى الله سبحانه قال وذهب الخطابي إلى أن المراد بهذا كله الباري تعالى وأن الضمير يعود إليه(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11560",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأن معنى قوله غير مكفي أنه يطعم ولا يطعم كأنه هاهنا من الكفاية وإلى هذا ذهب غيره في تفسير هذا الحرف أنه مستغن عن معين وظهير قال ومعنى قوله ولا مودع أي غير متروك الطلب إليه والرغبة وهو معنى المستغني عنه وينتصب ربنا على هذا بالاختصاص والمدح أو تأكيدا كأنه قال يا ربنا اسمع حمدنا ودعاءنا من رفع قطع وجعله خبرا كأنه قال ذلك ربنا أو أنت ربنا ويصح فيه الكسر على البدل من الاسم في قوله الحمد لله انتهى كلامه وفيه قول ثالث أن يكون قوله غير مكفي ولا مودع للحمد كأنه قال حمدا كثيرا غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عن هذا الحمد(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11561",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معنى قوله ولا مودع وقوله ولا مودع أي غير متروك وعلى هذا القول فيكون قوله غير مكفي معناه غير مصروف ومقلوب عن جهته كما يكفأ الإناء بل حمد على وجهه الذي يستحقه ولي الحمد وأهله ويليق به ولا ينبغي لسواه إعراب ولا مستغنى عنه ربنا وأما إعراب ربنا فبالوجوه الثلاثة والأحسن في رفعه أن يكون خبرا مقدما ومبتدأ وقوله ولا مستغنى عنه والأحسن في جره أن يكون بدلا من الضمير المجرور في عنه والأحسن في نصبه أن يكون على المدح صفة لاسم الله تعالى وسمعت شيخنا تقي الدين ابن تيمية قدس الله روحه يقول في معنى هذا الحديث المخلوق إذا أنعم عليك بنعمة أمكنك أن تكافيه ونعمه لا تدوم عليك بل لا بد ويقطعها عنك ويمكنك أن تستغني عنه والله عز وجل لا يمكن أن تكافيه على نعمه وإذا أنعم عليك أدام نعمه فإنه هو أغنى وأقنى ولا يستغني عنه طرفة عين هذا كلامه والمقصود ذكر الحمد الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحمد ربه به في مواطن الحمد 2 - وعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من طعامه قال الحمد لله الذي أطعمنا وأسقانا وجعلنا مسلمين رواه أبو داود وغيره(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11562",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "3 - وعن أبي أيوب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11563",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أكل أو شرب قال الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجا رواه أبو داود والنسائي وإسناده 4 - وفي السنن أيضا عن معاذ بن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أكل طعاما فقال الحمد الله الذي أطعمنا هذا من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11564",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الترمذي حديث حسن 5 - وفي سنن النسائي عن عبد الرحمن بن جبير أنه رجل خدم النبي صلى الله عليه وسلم ثمان سنين أنه كان يسمع النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرب إليه طعاما يقول بسم الله وإذا فرغ من طعامه(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11565",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال اللهم أطعمت وسقيت وأغنيت وأقنيت وهديت وأحييت فلك الحمد على ما أعطيت وإسناده صحيح 6 - وروى أبو داود في السنن من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في الطعام إذا فرغ الحمد لله الذي من علينا وهدانا والذي أشبعنا وأروانا(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11566",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "7 - وكذلك الحديث الذي رواه أهل السنن بالإسناد الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الحاجة الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل الله فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اتقوا الله الذي تسألون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظميا 8 - وشرع النبي صلى الله عليه وسلم لمن رأى مبتلى أن يقول ما رواه الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11567",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من رأى مبتلى فقال الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا إلا لم يصبه ذلك البلاء قال الترمذي حديث حسن(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11568",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروي نحوه عن عمر 9 - وشرع النبي صلى الله عليه وسلم للقائم من المجلس أن يقول ما رواه أبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلم من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك قال الترمذي حديث حسن صحيح(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11569",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل في المأثور عنه صلى الله عليه وسلم  10 - وشرع صلى الله عليه وسلم للعاطس أن يقول ما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله على كل حال وليقل أخوه أو صاحبه يرحمك الله ويقول هو يهديكم الله ويصلح بالكم(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11570",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "11 - وفي جامع الترمذي عن ابن عمر أن رجلا عطس إلى جنبه فقال الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله فقال ابن عمر وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله وليس هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول الحمد لله على كل حال(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11571",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "12 - وكذلك شرع لأمته عند ركوب الدابة ما رواه أهل السنن بالإسناد الصحيح عن علي بن ربيعة قال شهدت علي بن أبي طالب أتي بدابة ليركبها فلما وضع رجله في الركاب قال بسم الله فلما استوى على ظهرها قال الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون ثم قال الحمد لله ثلاث مرات ثم قال الله أكبر ثلاث مرات ثم قال سبحانك ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ثم ضحك فقال فقلت يا أمير المؤمنين من أي شيء ضحكت قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فعل كما فعلت ثم ضحك فقلت يا رسول الله من أي شيء ضحكت قال إن ربك سبحانه يعجب من عبده إذا قال اغفر لي ذنوبي يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11572",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "13 - وروى ابن ماجه في سننه عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يحبه قال الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وإذا رأى ما يكره قال الحمد الله على كل حال قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد في صحيح مسلم عن علي رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه قال سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11573",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "14 - وفيه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد كلنا لك عبد اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد 15 - وروى البخاري في صحيحه عن رفاعة بن رافع الزرقي قال كنا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم فلما رفع رأسه من الركوع قال سمع الله لمن حمده قال رجل وراءه ربنا لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه فلما انصرف قال من المتكلم قال أنا قال(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11574",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قد رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول 16 - وفي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يصلي يقول اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت الحق ووعدك حق ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق الحديث 17 - وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر قال بينما نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رجل الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا فقال النبي صلى الله عليه وسلم من القائل كذا وكذا فقال رجل من القوم أنا قلتها يا رسول الله قال عجبت لها فتحت لها أبواب السماء(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11575",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ابن عمر فما تركتهن منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولهن 18 - وفي السنن عن رفاعة بن رافع قال صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فعطست فقلت الحمد لله حمدا كثير طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف فقال من المتكلم في الصلاة فلم يجبه أحد ثم قالها الثانية من المتكلم في الصلاة فقال رفاعة بن رافع أنا يا رسول الله قال كيف قلت قال قلت الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى فقال والذي نفسي بيده لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكا أيهم يصعدها قال الترمذي حديث حسن 19 - وفي سنن أبي داود عن عامر بن ربيعة قال عطس شاب من الأنصار خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فقال الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه حتى يرضى ربنا وبعد ما يرضى من أمر الدنيا والآخرة فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من القائل الكلمة فسكت الشاب ثم قال من القائل الكلمة فإنه(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11576",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يقل باسا فقال يا رسول الله أنا قلتها لم أرد بها إلا خيرا فقال ما تناهت دون عرش الرحمن جل ذكره 20 - وفي مسند الإمام أحمد عن وائل بن حجر قال صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من القائل قال الرجل أنا يا رسول الله وما أردت إلا الخير فقال لقد فتحت لها أبواب السماء فلم ينهنها شيء دون العرش(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11577",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "21 - وثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه كان يقول في اعتداله بعد الركوع في صلاة الليل لربي الحمد لربي الحمد وكان قياما طويلا وشرع لأمته في هذا الموضع وفي غيره أفضل الحمد وأكمله فلو كان قول القائل الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكا في مزيده أفضل الحمد لكان أولى المواضع به هذا الموضع وما أشبهه فيا سبحان الله لا يأتي عنه هذا الحمد الأكمل الأفضل الجامع في موضع واحد البتة لا قولا ولا تعليما ولا يقوله أحد من الصحابة ولا يعرف عنهم في خطبة ولا تشهد حاجة ولا عقيب الطعام والشراب وإنما الذي جاء عنهم حمد هو دونه في الفضيلة والكمال هذا من المحال(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11578",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "22 - وكذلك حمد الملائكة له سبحانه كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي ليلة أسري به بقدح من خمر وقدح من لبن فقال جبريل فنظر إليهما فأخذ اللبن فقال جبريل عليه السلام الحمد لله الذي هداك للفطرة لو أخذت الخمر غوت أمتك 23 - وكذلك حمد الصحابة له سبحانه كما في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما طعن أرسل ابنه عبد الله إلى عائشة رضي الله عنها يستأذنها أن يدفن مع صاحبيه فلما أقبل عبد الله قال عمر ما لديك قال الذي يحب أمير المؤمنين أذنت قال الحمد لله ما كان شيء أهم إلي من ذلك(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11579",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "24 - وروى ابن ماجه في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الخلا قال الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني(1\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11580",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "25 - وفي معجم الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج قال الحمد لله الذي أذاقني لذته ودفع عني أذاه(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11581",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "26 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا استجد ثوبا سماه باسمه عمامة أو قميصا أو رداء ثم يقول اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه أسألك خيره وخير ما صنع له وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له رواه أبو داود والنسائي وإسناده صحيح قال الترمذي حديث حسن 27 - وفي الترمذي عن عمر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من لبس ثوبا جديدا فقال الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي ثم محمد إلى الثوب الذي(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11582",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أخلق فتصدق به كان في حفظ الله وفي كنف الله وفي سبيل الله حيا وميتا(1\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11583",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "28 - وفي مسند الإمام أحمد من حديث معاذ بن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أكل طعاما فقال الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه ومن لبس ثوبا فقال الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر الله له ما تقدم من ذنبه 29 - وفي جامع الترمذي عن علي رضي الله عنه قال كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة في المواقف اللهم لك الحمد كالذي نقول وخير مما نقول اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي وإليك مالي ولك رب تراثي اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح(1\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11584",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "30 - وفي أثر آخر معروف اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله علانيته وسره وأنت أهل الحمد وهذا من أجمع الحمد وأحسنه وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أمته الحمد المفرد والمضاعف فلم يعلمهم في شيء منه هذا الحمد المسئول عنه 31 - وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال علمني(1\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11585",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كلاما أقوله قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله رب العالمين لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم قال هؤلاء لربي فما لي قال اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني 32 - وفي السنن عن سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة بين يديها نوى أو حصى تسبح به فقال أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل سبحان الله عدد ما خلق في السماء سبحان الله عدد ما خلق في الأرض وسبحان الله عدد ما بين ذلك وسبحان الله عدد ما هو خالق والله أكبر مثل ذلك والحمد لله مثل ذلك ولا إله إلا الله مثل ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك(1\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11586",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلو كان الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافي مزيده أفضل من هذا لعلمه إياها 33 - وفي صحيح مسلم عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب الكلام إلى الله أربع سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا يضر بأيهن بدأت ولو كان الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافي مزيده أفضل من هذا لكان أحب إلى الله منه 34 - وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس 35 - وروى إسرائيل عن أبي سنان عن أبي صالح عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله اصطفى من الكلام سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11587",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا قال العبد سبحان الله كتب له عشرين حسنة أو حط عنه عشرين سيئة فإذا قال الله أكبر فمثل ذلك فإذا قال لا إله إلا الله فمثل ذلك وإذا قال الحمد رب العالمين من قبل نفسه كتبت له ثلاثون حسنة وحط عنه ثلاثون سيئة 36 - وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبائع نفسه فموبقها أو مبتاعها فمعتقها(1\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11588",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "37 - وقد روى ابن ماجة والترمذي من حديث طلحة بن خراش بن عمر عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله(1\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11589",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسئل ابن عينية عن هذا الحديث فقيل له كأن الحمد لله دعاء فقال أما سمعت قول أمية ابن أبي الصلت لعبد الله بن جدعان يرجو نائلة أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حباؤك إن شيمتك الحياء إذا أثني عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء كريم لا يغيره صباح ... عن الخلق الجميل ولا مساء فهذا مخلوق اكتفى من مخلوق بالثناء عليه فكيف بالخالق سبحانه قلت الدعاء يراد به دعاء المسألة ودعاء العبادة والمثني على ربه بحمده والآية داع له بالاعتبارين فإنه طالب منه طالب له فهو الداعي حقيقة قال تعالى هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين 38 - وروى ابن ماجه في سننه من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم أن عبدا من عباد الله قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك فعظمت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها فصعدا إلى السماء فقال يارب إن عبدك قال مقالة لا ندية كيف نكتبها قال الله عز وجل وهو أعلم بما قال عبده(1\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11590",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ماذا قال عبدي قالا يارب إنه قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك فقال الله عز وجل اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها 39 - وفي سنن ابن ماجه أيضا من حديث محمد بن ثابت عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول الحمد الله على كل حال أعوذ بالله من حال أهل النار(1\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11591",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "40 - وفي مسند ابن أبي شيبة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به وهو يغرس فقال يا أبا هريرة ما الذي تغرس قلت غراسا قال ألا أدلك على غراس خير من هذا سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر تغرس بكل واحدة شجرة في الجنة 41 - وفي سنن ابن ماجه عن أبي الدرداء قال قال لي رسول الله(1\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11592",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلى الله عليه وسلم عليك بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فإنها يعني تحط الخطايا كما تحط الشجرة ورقها 42 - وفي الترمذي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال يا محمد أقريء أمتك السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر قال الترمذي حديث حسن(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11593",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والذي حفظ من تحميد النبي صلى الله عليه وسلم في المجامع العظام كخطبة الجمعة والخطبة في الحج عند الجمرة وخطبة الحاجة الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وفيها كلها أشبه بلفظ الإفراد ونستعينه بلفظ الجمع ونحمده ونستغفره بلفظ الجمع فقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه لما كان العبد قد يستغفر له ويستعين له ولغيره حسن لفظ الجمع في ذلك وأما الشهادة لله بالوحدانية ولرسوله بالرسالة فلا يفعلها أحد عن غيره ولا تقبل الشهادة بوجه من الوجوه ولا تتعلق شهادة الإنسان بشهادة غيره المتشهد لا يتشهد إلا عن نفسه هذا معنى كلامه فهذه جمل مواقع الحمد في كلام الله ورسوله وأصحابه والملائكة قد جليت عليك عرائسها وجلبت عليك نفائسها فلو كان الحديث المسئول عنه أفضلها وأكملها وأجمعها كما ظنه الظان لكان واسطة عقدها في النظام(1\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11594",
        "book_id": "qym_4070",
        "book_name": " صيغ الحمد",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الظان لكان واسطة عقدها في النظام وأكثرها استعمالا في حمد ذي الجلال والإكرام فالحمد لله بمحامده التي حمد بها نفسه وحمده بها الذين اصطفى حمدا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وصحبه وسلم إنتهت من تحقيق الرسالة والتعليق عليها وتخريج أحاديثها بحمد الله وأستغفر الله من الخطأ والزلل وذلك في يوم الأحد الموافق للخامس من شهر صفر لعام أربعة عشر وأربع مائة وألف للهجرة وكتب محمد بن إبراهيم بن عبد العزيز السعران(1\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "27",
        "slug": " -qym_4070"
    },
    {
        "id": "11595",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "مقدمة",
        "content": "مقدمة  طريق الهجرتين وباب السعادتين: للإمام العلامة شيخ الإسلام محمد بن أبى بكر بن سعد بن جرير الزرعى ابن قيم الجوزية خطبة الكتاب للمؤلف الحمد لله الذى نصب الكائنات على ربوبيته ووحدانيته حججا وحجب العقول والأبصار أن تجد إلى تكييفه منهجا وأوجب الفوز بالنجاة لمن شهد له بالوحدانية شهادة لم يبغ لها عوجا وجعل لمن لاذ به واتقاه من كل ضائقة مخرجا وأعقب من ضيق الشدائد وضنك الأوابد لمن توكل عليه فرجا وجعل قلوب أوليائه متنقلة من منازل عبوديته من الصبر والتوكل والإنابة والتفويض والمحبة والخوف والرجا فسبحان من أفاض على خلقه النعمة وكتب على نفسه الرحمة وضمن الكتاب الذى كتبه أن رحمته تغلب غضبه. أسبغ على عباده نعمه الفرادى والتوءام وسخر لهم البر والبحر والشمس والقمر والليل والنهار والعيون والأنهار والضياء والظلام وأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه يدعوهم إلى جواره فى دار السلام فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا [الأنعام: 125]  فسبحان من أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا [الكهف: 1]  ورفع لمن ائتم به فأحل حلاله وحرم حرامه وعمل بمحكمه وآمن بمتشابهه فى مراقى السعادة درجا ووضع قهره على من أعرض عنه ولم يرفع به رأسه ونبذه وراء ظهره وابتغى الهدى من غيره فجعله فى دركات الجحيم متولجا فإنه الذكر الحكيم والصراط المستقيم والنبأ العظيم وحبل الله المتين المديد بينه وبين خلقه وعهده الذى من استمسك به فاز ونجا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا سمى له ولا كفو له ولا صاحبة له ولا ولد ولا شبيه له ولا يحصى أحد ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثنى عليه خلقه شهادة من أصبح قلبه بالإيمان بالله وأسمائه وصفاته مبتهجا ولم يدع إلى شبه الجاحدين المعطلين معرجا. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده أرسله رحمة للعالمين وقدوة للعاملين ومحجة للسالكين وحجة على العباد أجمعين. أرسله على حين فترة من الرسل فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل(1\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11596",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وافترض على العباد طاعته ومحبته وتعزيره وتوقيره والقيام بحقوقه وسد إلى جنته جميع الطرق فلم يفتح لأحد إلا من طريقه فشرح له صدره ورفع له ذكره ووضع عنه وزره وجعل الذلة و [الصغار] على من خالف أمره. فهدى به من الضلالة وعلم به من الجهالة. وكثر به بعد القلة وأعز به بعد الذلة وأغنى به بعد العيلة وبصر به من العمى وأرشد به من الغى وفتح برسالته أعينا [عميا] وآذانا صما وقلوبا غلفا فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد فى الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين فلم يدع خيرا إلا دل أمته عليه ولا شرا إلا حذر منه ونهى عن سلوك الطريق الموصلة إليه. ففتح القلوب بالإيمان والقرآن وجاهد أعداء الله باليد والقلب واللسان. فدعا إلى الله على بصيرة وسار فى الأمة- بالعدل والإحسان وخلقه العظيم- أحسن سيرة إلى أن أشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها وتألفت به القلوب بعد شتاتها. وسارت دعوته سير الشمس فى الأقطار وبلغ دينه القيم ما بلغ الليل والنهار. واستجابت لدعوته الحق القلوب طوعا وإذعانا وامتلأت بعد خوفها وكفرها أمنا وإيمانا فجزاه الله عن أمته أفضل الجزاء وصلى عليه صلاة تملأ أقطار الأرض والسماء وسلم تسليما كثيرا. أما بعد.. فإن الله سبحانه غرس شجرة محبته ومعرفته وتوحيده فى قلوب من اختارهم لربوبيته واختصهم بنعمته وفضلهم على سائر خليقته فهى كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السمآء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها [إبراهيم: 24-25]  فكذلك شجرة الإيمان أصلها ثابت فى القلب وفروعها الكلم الطيب والعمل الصالح فى السماء فلا تزال هذه الشجرة تخرج ثمرها كل وقت بإذن ربها من طيب القول وصالح العمل ما تقر به عيون صاحب الأصل وعيون حفظته وعيون أهله وأصحابه ومن قرب منه فإن من قرت عينه بالله سبحانه قرت به كل عين وأنس به كل مستوحش وطاب به كل خبيث وفرح به كل حزين وأمن به كل خائف وشهد به كل غائب وذكرت رؤيته بالله فإذا رؤى ذكر الله فاطمأن قلبه إلى الله وسكنت نفسه إلى الله وخلصت محبته لله وقصر خوفه على الله وجعل رجاءه كله لله فإن سمع سمع بالله وإن أبصر أبصر بالله وإن بطش بطش بالله وإن مشى مشى بالله فبه يسمع وبه يبصر وبه يبطش وبه(1\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11597",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يمشى فإذا أحب فلله وإذا أبغض [أبغض] لله وإذا أعطى فلله وإذا منع فلله قد اتخذ الله وحده معبوده ومرجوه ومخوفه وغاية قصده ومنتهى طلبه واتخذ رسوله وحده دليله وإمامه وقائده وسائقه فوحد الله بعبادته ومحبته وخوفه ورجائه وإفراد رسوله بمتابعته والاقتداء به والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه فله فى كل وقت هجرتان: هجرة إلى الله بالطلب والمحبة والعبودية والتوكل والإنابة والتسليم والتفويض والخوف والرجاء والإقبال عليه وصدق اللجإ والافتقار فى كل نفس إليه وهجرة إلى رسوله فى حركاته وسكناته الظاهرة والباطنة بحيث تكون موافقة لشرعه الذى هو تفصيل محاب الله ومرضاته ولا يقبل الله من أحد دينا سواه وكل عمل سواه فعيش النفس وحظها لا زاد المعاد وقال شيخ الطريقة وإمام الطائفة الجنيد بن محمد قدس الله روحه: الطرق كلها مسدودة إلا طريق من اقتفى آثار النبى صلى الله عليه وسلم فإن الله عز وجل يقول: quot;وعزتى وجلالى لو أتونى من كل طريق واستفتحوا من كل باب لما فتحت لهم حتى يدخلوا خلفكquot;. وقال بعض العارفين: كل عمل بلا متابعة فهو عيش النفس. ولما كانت السعادة دائرة- نفيا وإثباتا- مع ما جاء به كان جديرا بمن نصح نفسه أن يجعل لحظات عمره وقفا على معرفته وإرادته مقصورة على محابه وهذا أعلى همة شمر إليها السابقون وتنافس فيها المتنافسون فلا جرم ضمنا هذا الكتاب قواعد من سلوك الهجرة المحمدية وسميناه طريق الهجرتين وباب السعادتين وابتدأناه بباب الفقر والعبودية إذ هو باب السعادة [الأعظم] وطريقها الأقوم الذى لا سبيل إلى دخولها إلا منه وختمناه بذكر طبقات المكلفين من الجن والإنس فى [الدنيا و] الآخرة ومراتبهم فى دار السعادة والشقاوة. فجاء الكتاب غريبا فى معناه عجيبا فى مغزاه لكل قوم منه نصيب ولكل وارد منه مشرب [وما كان فيه من حق وصواب فمن الله هو المان به فإنما التوفيق بيده] وما كان فيه من [خطأ و] زلل فمنى ومن الشيطان والله ورسوله منه براء. فيا أيها القاريء له والناظر فيه هذه بضاعة صاحبها المزجاة مسوقة إليك وهذا فهمه وعقله معروض عليك لك غنمه وعلى مؤلفه غرمه. ولك ثمرته وعليه عائدته. فإن عدم منك حمدا وشكرا فلا يعدم منك [مغفرة و] عذرا وإن أبيت إلا الملام فبابه(1\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11598",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مفتوح وقد: استأثر الله بالثناء وبالحمـ ـد وولى الملامة الرجلا والله المسئول أن يجعله لوجهه خالصا وينفع به مؤلفه وقارئه وكاتبه فى الدنيا والآخرة إنه سميع الدعاء وأهل الرجاء وهو حسبنا ونعم الوكيل.(1\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11599",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "فصل: فى أن الله هو الغنى المطلق والخلق فقراء محتاجون إليه",
        "content": "فصل: فى أن الله هو الغنى المطلق والخلق فقراء محتاجون إليه قال الله سبحانه: يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله والله هو الغني الحميد [فاطر: 15]  بين سبحانه فى هذه الآية أن فقر العباد إليه أمر ذاتى لهم لا ينفك عنهم كما أن كونه غنيا حميدا [أمر] ذاتى له فغناه وحمده ثابت له لذاته لا لأمر أوجبه وفقر من سواه إليه ثابت لذاته لا لأمر أوجبه فلا يعلل هذا الفقر بحدوث ولا إمكان بل هو ذاتى للفقير: فحاجة العبد إلى ربه لذاته لا لعلة أوجبت تلك الحاجة كما أن غنى الرب سبحانه لذاته لا لأمر أوجب غناه كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والفقر لى وصف ذات لازم أبدا ... كما الغنى أبدا وصف له ذاتي فالخلق فقير محتاج إلى ربه بالذات لا بعلة وكل ما يذكر ويقرر من أسباب الفقر والحاجة فهى أدلة على الفقر والحاجة لا علل لذلك إذ ما بالذات لا يعلل فالفقير بذاته محتاج إلى الغنى بذاته فما يذكر من إمكان وحدوث واحتياج فهى أدلة على الفقر لا أسباب له ولهذا كان الصواب فى مسألة علة احتياج العالم إلى الرب سبحانه غير القولين اللذين يذكرهما الفلاسفة والمتكلمون فإن الفلاسفة قالوا: علة الحاجة الإمكان والمتكلمون قالوا: علة الحاجة الحدوث والصواب أن الإمكان والحدوث متلازمان وكلاهما دليل الحاجة والافتقار وفقر العالم إلى الله [عز وجل] أمر ذاتى لا يعلل فهو فقير بذاته إلى ربه الغنى بذاته ثم يستدل بإمكانه وحدوثه وغير ذلك من الأدلة على هذا الفقر. والمقصود أنه سبحانه أخبر عن حقيقة العباد وذواتهم بأنها فقيرة إليه [عز وجل]  كما أخبر عن ذاته المقدسة وحقيقته أنه غنى حميد فالفقر المطلق من كل وجه ثابت لذواتهم وحقائقهم من حيث هى والغنى المطلق من كل وجه ثابت(1\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11600",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لذاته تعالى وحقيقته من حيث هى فيستحيل أن يكون العبد إلا فقيرا ويستحيل أن يكون الرب سبحانه إلا غنيا كما أنه يستحيل أن يكون العبد إلا عبدا والرب إلا ربا. إذا عرف هذا فالفقر فقران: فقر اضطرارى وهو فقر عام لا خروج لبر ولا فاجر عنه وهذا لا يقتضى مدحا ولا ذما ولا ثوابا ولا عقابا بل هو بمنزلة كون المخلوق مخلوقا ومصنوعا. والفقر الثانى فقر اختيارى هو نتيجة علمين شريفين: أحدهما معرفة العبد بربه والثانى معرفته بنفسه. فمتى حصلت له هاتان المعرفتان أنتجتا [له] فقرا هو عين غناه وعنوان فلاحه وسعادته وتفاوت الناس فى هذا الفقر بحسب تفاوتهم فى هاتين المعرفتين فمن عرف ربه بالغنى المطلق عرف نفسه بالفقر المطلق ومن عرف ربه بالقدرة التامة عرف نفسه بالعجز التام ومن عرف ربه بالعز التام عرف نفسه بالمسكنة التامة ومن عرف ربه بالعلم التام والحكمة عرف نفسه بالجهل فالله سبحانه أخرج العبد من بطن أمه لا يعلم شيئا ولا يقدر على شيء ولا يملك شيئا ولا يقدر على عطاء ولا منع ولا ضر ولا نفع ولا شيء البتة فكان فقره فى تلك الحال إلى ما به كما له أمرا مشهودا محسوسا لكل أحد ومعلوم أن هذا له من لوازم ذاته وما بالذات دائم بدوامها. وهو لم ينتقل من هذه الرتبة إلى رتبة الربوبية والغنى بل لم يزل عبدا فقيرا بذاته إلى بارئه وفاطره. فلما أسبغ عليه نعمته وأفاض عليه رحمته وساق إليه أسباب كمال وجوده ظاهرا وباطنا وخلع عليه ملابس إنعامه وجعل له السمع والبصر والفؤاد وعلمه وأقدره وصرفه وحركه ومكنه من استخدام بنى جنسه وسخر له الخيل والإبل وسلطه على دواب الماء واستنزال الطير من الهواء وقهر الوحش العادية حفر الأنهار وغرس الأشجار وشق الأرض وتعلية البناء والتحيل على مصالحه والتحرز والتحفظ لما يؤذيه ظن المسكين أن له نصيبا من الملك وادعى لنفسه ملكا مع الله سبحانه ورأى نفسه بغير تلك العين الأولى ونسى ما كان فيه من حالة الإعدام والفقر والحاجة حتى كأنه لم يكن هو ذلك الفقير المحتاج بل كأن ذلك شخصا آخرغيره كما روى الإمام أحمد فى مسنده من حديث بسر بن جحاش القرشى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق يوما فى كفه فوضع عليها إصبعه ثم قال: quot;قال الله تعالى: يا ابن آدم أنى تعجزنى وقد خلقتك من مثل هذه(1\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11601",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقى قلت: أتصدق وأنى أوان الصدقةquot; ومن هاهنا خذل من خذل ووفق من وفق فحجب المخذول عن حقيقته ونسى نفسه فنسى فقره وحاجته وضرورته إلى ربه فطغى [وبغا] وعتا فحقت عليه الشقوة قال تعالى: كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى [العلق: 6-7]  وقال: فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى [الليل: 5-10]  فأكمل الخلق أكملهم عبودية وأعظمهم شهودا لفقره وضرورته وحاجته إلى ربه وعدم استغنائه عنه طرفة عين ولهذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: quot;أصلح لى شأنى كله ولا تكلنى إلى نفسى طرفة عين ولا إلى أحد من خلقكquot; وكان يدعو: quot;يا مقلب القلوب ثبت قلبى على دينكquot;. يعلم صلى الله عليه وسلم أن قلبه بيد الرحمن عز وجل لا يملك منه شيئا وأن الله سبحانه يصرفه كما يشاء كيف وهو يتلو قوله تعالى: ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا [الإسراء: 74]  فضرورته صلى الله عليه وسلم إلى ربه وفاقته إليه بحسب معرفته به وحسب قربه منه ومنزلته عنده. وهذا أمر إنما بدا منه لمن بعده ما يرشح من ظاهر الوعاء ولهذا كان أقرب الخلق إلى الله وسيلة وأعظمهم عنده جاها وأرفعهم عنده منزلة لتكميله مقام العبودية والفقر إلى ربه عز وجل وكان يقول لهم: quot;أيها الناس ما أحب أن ترفعونى فوق منزلتى إنما أنا عبدquot; وكان يقول: quot;لا تطرونى كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم وإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسولهquot;. وذكره الله سبحانه بسمة العبودية فى أشرف مقاماته مقام الإسراء ومقام الدعوة ومقام التحدى فقال: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا [الإسراء:1]  وقال: وأنه لما قام عبد الله يدعوه [الجن: 19]  وقال: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا [البقرة: 23]  وفى حديث الشفاعة: quot;إن المسيح يقول لهم [يوم القيامة] : اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخرquot; فنال ذلك المقام(1\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11602",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بكمال عبوديته لله وبكمال مغفرة الله له فتأمل قوله تعالى فى الآية: أنتم الفقرآء إلى الله [فاطر: 15]  [فعلق الفقر إليه باسمه] دون اسم الربوبية ليؤذن بنوعى الفقر فإنه كما تقدم نوعان: فقر إلى ربوبيته وهو فقر المخلوقات بأسرها وفقر إلى ألوهيته وهو فقر أنبيائه ورسله وعباده الصالحين وهذا هو الفقر النافع والذى يشير إليه القوم ويتكلمون عليه ويشيرون إليه هو الفقر الخاص لا العام وقد اختلفت عباراتهم عنه ووصفهم له وكل أخبر عنه بقدر ذوقه وقدرته على التعبير قال شيخ الإسلام الأنصارى: quot;الفقر اسم للبراءة من رؤية الملكة وهو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى فقر الزهاد وهو نفض اليدين من الدنيا ضبطا أو طلبا وإسكات اللسان عنها ذما أو مدحا والسلامة منها طلبا أو تركا وهذا هو الفقر الذى تكلموا فى شرفه. الدرجة الثانية: الرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل وهو يورث الخلاص من رؤية الأعمال ويقطع شهود الأحوال ويمحص من أدناس مطالعة المقامات. والدرجة الثالثة: صحة الاضطرار والوقوع فى يد التقطع الوحدانى والاحتباس فى بيداء قيد التجريد وهذا فقر الصوفيةquot;. فقوله: quot;الفقر اسم للبراءة من رؤية الملكةquot; يعنى أن الفقير هو الذى يجرد رؤية الملك لمالكه الحق فيرى نفسه مملوكة لله لا يرى نفسه مالكا بوجه من الوجوه ويرى أعماله مستحقة عليه بمقتضى كونه مملوكا عبدا مستعملا فيما أمره به سيده فنفسه مملوكة وأعماله مستحقة بموجب العبودية فليس مالكا لنفسه ولا لشيء من ذراته ولا لشيء من أعماله. بل كل ذلك مملوك عليه مستحق عليه كرجل اشترى عبدا بخالص ماله ثم علمه بعض الصنائع فلما تعلمها قال له: اعمل وأد إلى فليس لك فى نفسك ولا فى كسبك شيء فلو حصل بيد هذا العبد من الأموال والأسباب ما حصل لم ير له فيها شيئا بل يراه كالوديعة فى يده وأنها أموال أستاذه وخزائنه ونعمه بيد عبده مستودعا متصرفا فيها لسيده لا لنفسه كما قال عبد الله ورسوله وخيرته من خلقه: quot;والله إنى لا أعطى أحدا ولا أمنع أحدا وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرتquot; فهو متصرف فى تلك الخزائن الأمر المحض تصرف العبد المحض(1\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11603",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذى وظيفته تنفيذ أوامر سيده فالله هو المالك الحق وكل ما بيد خلقه هو من أمواله وأملاكه وخزائنه أفاضها عليهم ليمتحنهم فى البذل والإمساك وهل يكون ذلك منهم على شاهد العبودية لله عز وجل فيبذل أحدهم الشيء رغبة فى ثواب الله ورهبة من عقابه وتقربا إليه وطلبا لمرضاته أم يكون البذل والإمساك منهم صادرا عن مراد النفس وغلبة الهوى وموجب الطبع فيعطى لهواه ويمنع لهواه فيكون متصرفا تصرف المالك لا المملوك فيكون مصدر تصرفه الهوى ومراد النفس وغايته الرغبة فيما عند الخلق من جاه أو رفعة أو منزلة أو مدح أو حظ من الحظوظ أو الرهبة من فوت شيء من هذه الأشياء وإذا كان مصدر تصرفه وغايته هو هذه الرغبة والرهبة رأى نفسه لا محالة مالكا فادعى الملك وخرج عن حد العبودية ونسى فقره ولو عرف نفسه حق المعرفة لعلم أنما هو مملوك ممتحن فى صورة ملك متصرف كما قال تعالى: ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون [يونس: 14]  وحقيق بهذا الممتحن أن يوكل إلى ما ادعته نفسه من الحالات والملكات مع المالك الحق سبحانه فإن من ادعى لنفسه حالة مع الله سبحانه وكل إليها ومن وكل إلى شيء غير الله فقد فتح له باب الهلاك والعطب وأغلق عنه باب الفوز والسعادة فإن كل شيء ما سوى الله باطل ومن وكل إلى الباطل بطل عمله وضل سعيه ولم يحصل إلا على الحرمان فكل من تعلق [بشيء غير] الله انقطع به أحوج ما كان إليه كما قال تعالى: إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب [البقرة: 166]  فالأسباب التى تقطعت بهم هى العلائق التى بغير الله ولغير الله تقطعت بهم أحوج ما كانوا إليها وذلك لأن تلك الغايات لما اضمحلت وبطلت اضمحلت أسبابها وبطلت فإن الأسباب تبطل ببطلان غاياتها وتضمحل باضمحلالها وكل شيء هالك إلا وجهه سبحانه وكل عمل باطل إلا ما أريد به وجهه. وكل سعى لغيره باطل ومضمحل وهذا كما يشاهده الناس فى الدنيا من اضمحلال السعى والعمل والكد والخدمة التى يفعلها العبد لمتول أو أمير أو صاحب منصب أو مال فإذا زال ذلك الذى عمل له عدم ذلك العمل وبطل ذلك السعى ولم يبق فى يده سوى الحرمان ولهذا يقول الله تعالى يوم(1\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11604",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القيامة: quot;أليس عدلا منى أنى أولى كل رجل منكم ما كان يتولى فى الدنياquot; فيتولى عباد الأصنام والأوثان أصنامهم وأوثانهم فتتساقط بهم فى النار ويتولى عابدو الشمس والقمر آلهتهم فإذا كورت الشمس وانتثرت النجوم اضمحلت تلك العبادة وبطلت وصارت حسرة عليهم: كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار [البقرة: 167]  ولهذا كان المشرك من أخسر الناس صفقة وأغبنهم يوم معاده فإنه يحال على مفلس كل الإفلاس بل على عدم والموحد حوالته على المليء الكريم فيا بعد ما بين الحوالتين. وقوله: quot;البراءة من رؤية الملكةquot; ولم يقل من الملكة لأن الإنسان قد يكون فقيرا لا ملكة له فى الظاهر وهو عرى عن التحقق بنعت الفقر الممدوح أهله الذين لا يرون ملكة إلا لمالكها الحق ذى الملك والملكوت وقد يكون العبد قد فوض إليه من ذلك شيء وجعل كالخازن فيه كما كان سليمان بن داود أوتى ملكا لا ينبغى لأحد من بعده وكذلك الخليل وشعيب والأغنياء من الأنبياء [عليهم الصلاة والسلام] وكذلك أغنياء الصحابة فهؤلاء لم يكونوا بريئين من الملكة فى الظاهر وهم بريئون من رؤية الملكة لنفوسهم فلا يرون لها ملكا حقيقيا بل يرون ما فى أيديهم لله عارية ووديعة فى أيديهم ابتلاهم به لينظر هل يتصرفون فيه تصرف العبيد أو تصرف الملاك الذين يعطون لهواهم ويمنعون لهواهم فوجود المال فى يد الفقير ليس يقدح فى فقره إنما يقدح فى فقره رؤيته لملكته فمن عوفى من رؤية الملكة لم يتلوث باطنه بأوساخ المال وتعبه وتدبيره واختياره وكان كالخازن لسيده الذى ينفذ أوامره فى ماله فهذا لو كان بيده من المال [مثال] جبال الدنيا لم يضره ومن لم يعاف من ذلك ادعت نفسه الملكة وتعلقت به النفس تعلقها بالشيء المحبوب المعشوق فهو أكبر همه ومبلغ علمه إن أعطى رضى وإن منع سخط فهو عبد الدينار والدرهم يصبح مهموما ويمسى كذلك [فيبيت] مضاجعا له تفرح نفسه إذا ازداد وتحزن وتأسف إذا فات منه شيء بل يكاد يتلف إذا توهمت نفسه الفقر وقد يؤثر الموت على الفقر والأول مستغن بمولاه المالك الحق الذى بيده خزائن السموات والأرض وإذا أصاب المال الذى فى يده نائبة رأى أن المالك الحق هو الذى أصاب مال نفسه فما للعبد وما للجزع والهلع وإنما تصرف مالك المال فى ملكه الذى هو وديعة فى يد مملوكه فله الحكم(1\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11605",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فى ماله: إن شاء أبقاه وإن شاء ذهب به وأفناه فلا يتهم مولاه فى تصرفه فى ملكه ويرى تدبيره هو موجب الحكمة فليس لقلبه بالمال تعلق ولا له به اكتراث لصعوده عنه وارتفاع همته إلى المالك الحق فهو غنى به وبحبه ومعرفته وقربه منه عن كل ما سواه وهو فقير إليه دون ما سواه فهذا هو البريء عن رؤية الملكة الموجبة للطغيان كما قال تعالى: كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى [العلق: 6-7]  ولم يقل: إن استغنى بل جعل الطغيان ناشئا عن رؤية غنى نفسه ولم يذكر هذه الرؤية فى سورة الليل بل قال: وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى [الليل: 8-10]  وهذا- والله أعلم لأنه ذكر موجب طغيانه وهو رؤية غنى نفسه وذكر فى سورة الليل موجب هلاكه وعدم تيسيره لليسرى وهو استغناؤه عن ربه بترك طاعته وعبوديته فإنه لو افتقر إليه لتقرب إليه بما أمره من طاعته فعل المملوك الذى لا غنى له عن مولاه طرفة عين ولا يجد بدا من امتثال أوامره ولذلك ذكر معه بخله وهو تركه إعطاء ما وجب عليه من الأقوال والأعمال وأداء المال وجمع إلى ذلك تكذيبه بالحسنى وهى التى وعد بها أهل الإحسان بقوله: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة [يونس: 26]  ومن فسرها بشهادة أن لا إله إلا الله فلأنها أصل الإحسان وبها تنال الحسنى. ومن فسرها بالخلف فى الإنفاق فقد هضم المعنى حقه وهو أكبر من ذلك. وإن كان الخلف جزءا من أجزاء الحسنى والمقصود أن الاستغناء عن الله سبب هلاك العبد وتيسيره لكل عسرى ورؤيته غنى نفسه سبب طغيانه وكلاهما مناف للفقر والعبودية. قوله: quot;الدرجة الأولى فقر الزهاد وهو نفض اليدين من الدنيا ضبطا أو طلبا وإسكات اللسان عنها ذما أو مدحا والسلامة منها طلبا أو تركا وهذا هو الفقر الذى تكلموا فى شرفهquot;. فحاصل هذه الدرجة فراغ اليد والقلب من الدنيا والذهول عن الفقر منها والزهد فيها وعلامة فراغ [اليد نفض اليدين من الدنيا ضبطا أو طلبا فهو لا يضبط يده] مع وجودها شحا وضنا بها ولا يطلبها مع فقدها سؤالا وإلحافا وحرصا. فهذا الإعراض والنفض دال على سقوط منزلتها من القلب إذ لو كان لها فى القلب منزلة لكان الأمر بضد ذلك وكان يكون حاله الضبط مع الوجود لغناه بها ولكان(1\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11606",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يطلبها مع فقدها لفقره إليها. وأيضا من أقسام الفراغ إسكات اللسان عنها ذما ومدحا لأن من اهتم بأمر وكان له فى قلبه موقع اشتغل اللسان بما فاض على القلب من أمره مدحا أو ذما فإنه إن حصلت له مدحها وإن فاتته ذمها. ومدحها وذمها علامة موضعها من القلب وخطرها فحيث اشتغل اللسان بذمها كان بذلك لخطرها فى القلب لأن الشيء إنما يذم على قدر الاهتمام به والاعتناء شفاء الغيظ منه بالذم. وكذلك تعظيم الزهد فيها إنما هو على قدر خطرها فى القلب إذ لولا خطرها وقدرها لما صار للزهد فيها خطر وكذلك مدحها دليل على خطرها وموقعها من قلبه فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره وصاحب هذه الدرجة لا يضبطها مع وجودها ولا يطلبها مع عدمها ولا يفيض من قلبه على لسانه مدح لها يدل على محبتها ولا يفيض من القلب على اللسان ذم يدل على موقعها وخطرها فإن الشيء إذا صغر أعرض القلب عنه مدحا أو ذما وكذلك صاحب هذه الدرجة سالم عن النظر إلى تركها وهو الذى تقدم من ذكر خطر الزهد فيها لأن نظر العبد إلى كونه تاركا لها زاهدا فيها تتشرف نفسه بالترك [وتتلذذ به دليل على شغله بها ولو على وجه الترك]  وذلك من خطرها وقدرها. ولو صغرت فى القلب لصغر تركها والزهد فيها لو اهتم القلب بمهم من المهمات المطلوبة التى هى مذاقات أهل القلوب والأرواح لذهل عن النظر إلى نفسه والترك بالزهد. فصاحب هذه الدرجة معافى من هذه الأمراض كلها: من مرض الضبط والطلب والذم والمدح والترك. فهى بأسرها وإن كان بعضها ممدوحا فى العلم مقصودا يستحق المتحقق به الثواب والمدح لكنها آثار وأشكال مشعرة بأن صاحبها لم يذق حال الخلو والتجريد الباطن فضلا عن أن يتحقق من الحقائق المتوقعة المتنافس فيها فصاحب هذه الدرجة متوسط بين درجتى الداخل بكليته فى الدنيا قد ركن إليها واطمأن إليها واتخذها وطنا وجعلها له سكنا وبين من نفضها بالكلية من قلبه ولسانه وتخلص من قيودها ورعونتها وآثارها وارتقى إلى ما يسر القلب ويحييه ويفرحه ويبهجه من جذبات العزة فهو فى البرزخ كالحامل المقرب ينتظر ولادة الروح والقلب صباحا ومساء فإن من لم تولد روحه وقلبه ويخرج من مشيمة نفسه ويتخلص من ظلمات طبعه وهواه وإرادته فهو كالجنين فى بطن أمه الذى لم ير الدنيا وما فيها. فهكذا هذا الذى بعد فى مشيمة النفس والظلمات الثلاث هى: ظلمة النفس وظلمة(1\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11607",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطبع وظلمة الهوى. فلا بد من الولادة مرتين كما قال المسيح للحواريين: إنكم لن تجلوا ملكوت السماء حتى تولدوا مرتين. ولذلك كان النبى صلى الله عليه وسلم أبا للمؤمنين كما فى قراءة أبى: quot;النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهمquot; ولهذا تفرع على هذه الأبوة أن جعلت أزواجه أمهاتهم فإن أرواحهم وقلوبهم ولدت به ولادة أخرى غير ولادة الأمهات فإنه أخرج أرواحهم وقلوبهم من ظلمات الجهل والضلال والغى إلى نور العلم والإيمان وفضاء المعرفة والتوحيد فشاهدت حقائق أخر وأمورا لم يكن لها بها شعور قبله قال تعالى: الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم [إبراهيم: 1]  وقال: هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [الجمعة: 2] وقال: لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [آل عمران: 164]  والمقصود أن القلوب فى هذه الولادة ثلاثة: قلب لم يولد ولم يأن له بل هو جنين فى بطن الشهوات والغى والجهل والضلال وقلب قد ولد وخرج إلى فضاء التوحيد والمعرفة وتخلص من مشيمة الطباع وظلمات النفس والهوى فقرت عينه بالله وقرت عيون به وقلوب وأنست بقربه الأرواح وذكرت رؤيته بالله فاطمأن بالله وسكن إليه وعكف بهمته عليه وسافرت هممه وعزائمه إلى الرفيق الأعلى لا يقر بشيء غير الله ولا يسكن إلى شيء سواه ولا يطمئن بغيره يجد من كل شيء سوى الله عوضا ومحبته وقوته لا يجد من الله عوضا أبدا فذكره حياة قلبه ورضاه غاية مطلبه ومحبته قوته ومعرفته أنيسه عدوه من جدب قلبه ورضاه غاية مطلبه ومحبته قوته ومعرفته أنيسه عدوه من جذب قلبه عن الله: quot;وإن كان القريب المصافياquot;. ووليه من رده إلى الله وجمع قلبه عليه quot;وإن كان البعيد المناوياquot; فهذان قلبان متباينان غاية التباين. وقلب ثالث فى البرزخ ينتظر الولادة صباحا ومساء قد أصبح على فضاء التجريد وآنس من خلال الديار أشعة التوحيد تأبى غلبات الحب والشوق إلا تقربا إلى من السعادة كلها بقربه والحظ كل الحظ فى طاعته وحبه وتأبى غلبات الطباع إلا جذبه وإيقافه وتعويقه(1\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11608",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهو بين الداعين تارة وتارة قد قطع عقبات وآفات وبقى عليه مفاوز وفلوات. والمقصود أن صاحب هذا المقام إذا تحقق به ظاهرا وباطنا وسلم عن نظر نفسه إلى مقامه واشتغاله به ووقوفه عنده فهو فقير حقيقى ليس فيه قادح من القوادح التى تحطه عن درجة الفقر. واعلم أنه يحسن إعمال اللسان فى ذم الدنيا فى موضعين: أحدهما موضع التزهيد فيها للراغب والثانى عندما يرجع به داعى الطبع والنفس إلى طلبها ولا يأمن من إجابة الداعى فيستحضر فى نفسه قلة وفائها وكثرة جفائها وخسة شركائها فإنه إن تم عقله وحضر رشده زهد فيها ولا بد.(1\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11609",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "فصل: في تفسير الفقر ودرجاته",
        "content": "فصل: في تفسير الفقر ودرجاته وقوله: quot;الدرجة الثانية: الرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل وهو يورث الخلاص من رؤية الأعمال ويقطع شهود الأحوال ويمحص من أدناس مطالعة المقاماتquot; فهذه الدرجة أرفع من الأولى وأعلى والأولى كالوسيلة إليها لأن فى الدرجة الأولى يتخلى بفقره عن أن يتأله غير مولاه الحق وأن يضيع أنفاسه فى غير مرضاته وأن يفرق همومه فى غير محابه وأن يؤثر عليه فى حال من الأحوال. فيوجب له هذا الخلق وهذه المعاملة صفاء العبودية وعمارة السر بينه وبين الله وخلوص [الوداد والمحبة]  فيصبح ويمسى ولا هم له غير ربه قد قطع همه بربه عنه جميع الهموم وعطلت إرادته جميع الإرادات ونسخت محبته له من قلبه كل محبة لسواه كما قيل: لقدكان يسبى القلب فى كل ليلة ... ثمانون بل تسعون نفسا وأرجح يهيم بهذا ثم يألف غيره ... ويسلوهم من فوره حين يصبح وقد كان قلبى ضائعا قبل حبكم ... فكان بحب الخلق يلهو ويمرح فلما دعا قلبى هواك أجابه ... فلست أراه عن خبائك يبرح حرمت الأمانى منك إن كنت كاذبا ... وإن كنت فى الدنيا بغيرك أفرح وإن كان شيء فى الوجود سواكم ... يقر به القلب الجريح ويفرح إذا لعبت أيدى الهوى بمحبكم ... فليس له عن بابكم متزحزح فإن أدركته غربة عن دياركم ... فحبكم بين الحشا ليس يبرح(1\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11610",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكم مشتر فى الخلق قد سام قلبه ... فلم يره إلا لحبك يصلح هوى غيركم نار تلظى ومحبس ... وحبكم الفردوس أو هو أفسح فيا ضيم قلب قد تعلق غيركم ... ويا رحمة مما يجول ويكدح والله سبحانه لم يجعل لرجل من قلبين فى جوفه فبقدر ما يدخل القلب من هم وإرادة وحب يخرج منه هم وإرادة وحب يقابله فهو إناء واحد والأشربة متعددة فأى شراب ملأه لم يبق فيه موضع لغيره وإنما يمتليء الإناء بأعلى الأشربة إذا صادفه خاليا فأما إذا صادفه ممتلئا من غيره لم يساكنه حتى يخرج ما فيه ثم يسكن موضعه كما قال بعضهم: أتانى هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا ففقر صاحب هذه الدرجة تفريغه إنائه من كل شراب غير شراب المحبة والمعرفة لأن كل شراب فمسكر ولا بد وquot;ما أسكر كثيره فقليله حرامquot; وأين سكر الهوى والدنيا من سكر الخمر وكيف يوضع شراب التسليم-الذى هو أعلى أشربة المحبين-فى إناء ملآن بخمر الدنيا والهوى ولا يفيق من سكره ولا يستفيق ولو فارق هذا السكر القلب لطار بأجنحة الشوق إلى الله والدار الآخرة ولكن رضى المسكين بالدون وباع حظه من قرب الله ومعرفته وكرامته بأخس الثمن صفقة خاسر مغبون فسيعلم أى حظ أضاع إذا فاز المحبون وخسر المبطلون.(1\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11611",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "فصل: في أن حقيقة الفقر توجه العبد بجميع أحواله إلى الله",
        "content": "فصل: في أن حقيقة الفقر توجه العبد بجميع أحواله إلى الله وإذا كان التلوث بالأعراض قيدا يقيد القلوب عن سفرها إلى بلد حياتها ونعيمها الذى لا سكن لها غيره ولا راحة لها إلا فيه ولا سرور لها إلا فى منازله ولا أمن لها إلا بين أهله فكذلك الذى باشر قلبه روح التألة وذاق طعم المحبة وآنس نار المعرفة له أعراض دقيقة حالية تقيد قلبه عن مكافحة صريح الحق وصحة الاضطرار إليه والفناء التام به والبقاء الدائم بنوره الذى هو المطلوب من السير والسلوك وهو الغاية التى شمر إليها السالكون والعلم الذى أمه العابدون ودندن حوله العارفون فجميع ما يحجب عنه أو يقيد القلب نظره وهمه يكون حجابا يحجب الواصل(1\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11612",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويوقف السالك وينكس الطالب فالزهد فيه على أصحاب الهمم العلية متعين تعين الواجب الذى لا بد منه وهو كزهد السالك إلى الحج فى الظلال والمياه التى يمر بها فى المنازل فالأول مقيد عن الحقائق برؤية الأعراض والثانى مقيد عن النهايات برؤية الأحوال فتقيد كل منهما عن الغاية المطلوبة وترتب على هذا القيد عدم النفوذ وذلك مؤخر مخلف. وإذا عرف العبد هذا وانكشف له [علمه] تعين عليه الزهد فى الأحوال والفقر منها كما تعين عليه الزهد فى المال والشرف وخلو قلبه منهما. ولما كان موجب الدرجة الأولى من الفقر الرجوع إلى الآخرة فأوجب الاستغراق فى هم الآخرة نفض اليدين من الدنيا ضبطا أو طلبا وإسكات اللسان عنها مدحا أو ذما. وكذلك كان موجب هذه الدرجة الثانية الرجوع إلى فضل الله [عز وجل] ومطالعة سبقه الأسباب والوسائط فبفضل الله ورحمته وجدت منه الأقوال الشريفة والمقامات العلية وبفضله ورحمته وصلوا إلى رضاه ورحمته وقربه وكرامته وموالاته وكان سبحانه هو الأول فى ذلك كله كما أنه الأول فى كل شيء وكان هو الآخر فى ذلك كما هو الآخر فى كل شيء فمن عبده باسمه الأول والآخر حصلت له حقيقة هذا الفقر فإن انضاف إلى ذلك عبوديته باسمه الظاهر والباطن فهذا هو العارف الجامع لمتفرقات التعبد ظاهرا وباطنا فعبوديته باسمه الأول تقتضى التجرد من مطالعة الأسباب والوقوف عليها والالتفات إليها وتجريد النظر إلى مجرد سبق فضله ورحمته وأنه هو المبتديء بالإحسان من غير وسيلة من العبد إذ لا وسيلة له فى العدم قبل وجوده وأى وسيلة كانت هناك وإنما هو عدم محض وقد أتى عليه [حين] من الدهر لم يكن شيئا مذكورا فمنه سبحانه الإعداد ومنه الإمداد وفضله سابق على الوسائل والوسائل من مجرد فضله وجوده لم تكن بوسائل أخرى. فمن نزل اسمه الأول على هذا المعنى أوجب له فقرا خاصا وعبودية خاصة وعبوديته باسمه الآخر تقتضى أيضا [عدم ركونه ووثوقه بالأسباب والوقوف معها فإنها تعدم لا محالة وتنقضى] بالآخرية ويبقى الدائم الباقى بعدها فالتعلق بها تعلق بما يعدم وينقضى والتعلق بالآخر عز وجل تعلق بالحى الذى لا يموت ولا يزول فالمتعلق به حقيق أن لا يزول ولا ينقطع بخلاف التعلق بغيره مما له(1\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11613",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "آخر يفنى به كذا نظر العارف إليه بسبق الأولية حيث كان قبل الأسباب كلها فكذلك نظره إليه ببقاء الآخرية حيث يبقى بعد الأسباب كلها فكان الله ولم يكن شيء غيره وكل شيء هالك إلا وجهه. فتأمل عبودية هذين الاسمين وما يوجبانه من صحة الاضطرار إلى الله وحده ودوام الفقر إليه دون كل شيء سواه وأن الأمر ابتدأ منه وإليه يرفع فهو المبتديء بالفضل حيث لا سبب ولا وسيلة وإليه ينتهى الأمر حيث تنتهى الأسباب والوسائل فهو أول كل شيء وآخره وكما أنه رب كل شيء وفاعله وخالقه وبارئه فهو إلهه وغايته التى لا صلاح له ولا فلاح ولا كمال إلا بأن يكون هو غايته كما أنه لا وجود له إلا بكونه وحده هو ربه وخالقه وكذلك لا كمال له ولا صلاح إلا بكونه تعالى وحده هو غايته وحده ونهايته ومقصوده فهو الأول الذى ابتدأت منه المخلوقات والآخر الذى انتهت إليه عبوديتها وإرادتها ومحبتها فليس وراء الله شيء يقصد ويعبد ويتأله كما أنه ليس قبله شيء يخلق ويبرأ فكما كان واحدا فى إيجادك فاجعله واحدا فى تألهك وعبوديتك وكما ابتدأ وجودك وخلقك منه فاجعله نهاية حبك وإرادتك وتألهك إليه لتصح لك عبوديته باسمه الأول والآخر وأكثر الخلق تعبدوا له باسمه الأول وإنما الشأن فى التعبد له باسمه الآخر فهذه عبودية الرسل وأتباعهم فهو رب العالمين وإله المرسلين سبحانه وبحمده. وأما عبوديته باسمه الظاهر فكما فسره النبى صلى الله عليه وسلم بقوله: quot;وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيءquot;. فإذا تحقق العبد علوه المطلق على كل شيء بذاته وأنه ليس فوقه شيء البتة وأنه قاهر فوق عباده يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر: 10]  صار لقلبه [أملا] يقصده وربا يعبده وإلها يتوجه إليه. بخلاف من لا يدرى أين ربه فإنه ضائع مشتت القلب ليس لقلبه قبلة يتوجه نحوها ولا معبود يتوجه إليه قصده. وصاحب هذه الحال إذا سلك وتأله وتعبد طلب قلبه إلها يسكن إليه ويتوجه إليه وقد اعتقد أنه ليس فوق العرش شيء إلا العدم وأنه ليس فوق العالم إله يعبد ويصلى له ويسجد وأنه ليس على العرش من يصعد إليه الكلم الطيب ولا يرفع إليه العمل الصالح جال قلبه فى الوجود جميعه فوقع فى الاتحاد ولا بد وتعلق قلبه بالوجود المطلق السارى فى المعينات فاتخذ إلهه من دون الإله الحق وظن أنه قد وصل إلى عين الحقيقة وإنما تأله وتعبد لمخلوق مثله أو لخيال نحته بفكره(1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11614",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واتخذه إلها من دون الله سبحانه وإله الرسل وراء ذلك كله: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون [يونس: 3- 4] وقال تعالى: الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من مآء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون [السجدة: 4- 9] . فقد تعرف سبحانه إلى عباده بكلامه معرفة لا يجحدها إلا من أنكره سبحانه وإن زعم أنه مقربه. والمقصود أن التعبد باسمه الظاهر يجمع القلب على المعبود ويجعل له ربا يقصده وصمدا يصمد إليه فى حوائجه وملجأ يلجأ إليه فإذا استقر ذلك فى قلبه وعرف ربه باسمه الظاهر استقامت له عبوديته وصار له معقل وموئل يلجأ إليه ويهرب إليه ويفر كل وقت إليه. وأما تعبده باسمه الباطن فأمر يضيق نطاق التعبير عن حقيقته ويكل اللسان عن وصفه وتصطلم الإشارة إليه وتجفو العبارة عنه فإنه يستلزم معرفة بريئة من شوائب التعطيل مخلصة من فرث التشبيه منزهة عن رجس الحلول والاتحاد وعبارة مؤدية للمعنى كاشفة عنه وذوقا صحيحا سليما من أذواق أهل الانحراف. فمن رزق هذا فهم معنى اسمه الباطن وصح له التعبد به. وسبحان الله كم زلت فى هذا المقام أقدام وضلت فيه أفهام ونظم فيه الزنديق بلسان الصديق فاشتبه فيه إخوان النصارى بالحنفاء المخلصين لنبو الأفهام عنه وعزة تخلص الحق من الباطل فيه والتباس ما فى الذهن بما فى الخارج إلا على من رزقه الله بصيرة فى(1\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11615",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحق ونورا يميز به بين الهدى والضلال وفرقانا يفرق به بين الحق والباطل ورزق مع ذلك اطلاعا على أسباب الخطأ وتفرق الطرق ومثار الغلط فكان له بصيرة فى الحق والباطل وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وباب هذه المعرفة والتعبد هو معرفة إحاطة الرب [تبارك وتعالى] بالعالم وعظمته وأن العوالم كلها فى قبضته وأن السموات السبع والأرضين السبع فى يده كخردلة فى يد العبد قال تعالى: وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس [الإسراء: 60]  وقال: والله من ورآئهم محيط [البروج: 20]  ولهذا يقرن سبحانه بين هذين الاسمين الدالين على هذين المعنيين: اسم العلو الدال على أنه الظاهر وأنه لا شيء فوقه واسم العظمة الدال على الإحاطة وأنه لا شيء دونه كما قال تعالى: وهو العلى العظيم [البقرة: 255] [الشورى: 4]  وقال تعالى: وهو العلى الكبير [سبأ: 23]  وقال: ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم [البقرة: 115]  هو تبارك وتعالى كما أنه العالى على خلقه بذاته فليس فوقه شيء فهو الباطن بذاته فليس دونه شيء بل ظهر على كل شيء فكان فوقه وبطن فكان أقرب إلى كل شيء من نفسه وهو محيط به حيث لا يحيط الشيء بنفسه وكل شيء فى قبضته وليس شيء فى قبضة نفسه فهذا أقرب لإحاطة العامة. وأما القرب المذكور فى القرآن والسنة فقرب خاص من عابديه وسائليه وداعيه وهو من ثمرة التعبد باسمه الباطن قال تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان [البقرة: 186]  فهذا قربه من داعيه وقال تعالى: إن رحمة الله قريب من المحسنين [الأعراف: 56]  فوجد الخبر وهو قريب عن لفظ الرحمة وهى مؤنثة [إيذانا] بقربه تعالى من المحسنين فكأنه قال: إن الله برحمته قريب من المحسنين. وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: quot;أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجدquot; وquot;أقرب ما يكون الرب من عبده فى جوف الليلquot; فهذا قرب خاص غير قرب الإحاطة وقرب البطون. وفى الصحيح من حديث أبى موسى أنهم كانوا مع النبى صلى الله عليه وسلم فى سفر فارتفعت أصواتهم بالتكبير فقال: quot;أيها الناس اربعوا(1\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11616",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على أنفسكم [فإنكم] لا تدعون أصم ولا غائبا إن الذى تدعونه سميع قريب أقرب إلى أحدكم من عنق راحلتهquot; فهذا قربه من داعيه وذاكره يعنى فأى حاجة بكم إلى رفع الأصوات وهو لقربه يسمعها وإن خفضت كما يسمعها إذا رفعت فإنه سميع قريب. وهذا القرب هو من لوازم المحبة فكلما كان الحب أعظم كان القرب أكثر وقد استولت محبة المحبوب على قلب محبه بحيث يفنى بها عن غيرها ويغلب محبوبه على قلبه حتى [كأنه يراه ويشاهده] . إن لم يكن عنده معرفه صحيحة بالله وما يجب له ويستحيل عليه وإلا طرق باب الحلول إن لم يلجه وسببه ضعف تمييزه وقوة سلطان المحبة واستيلاء المحبوب على قلبه بحيث يغيب عن ملاحظة سواه وفى مثل هذه الحال يقول: سبحانى أو: ما فى الجبة إلا الله. ونحو هذا من الشطحات التى نهايتها أن يغفر له ويعذر لسكره وعدم تمييزه فى تلك الحال. فالتعبد بهذا الاسم هو التعبد بخالص المحبة وصفو الوداد وأن يكون الإله أقرب إليه من كل شيء وأقرب إليه من نفسه مع كونه ظاهرا ليس فوقه شيء ومن كيف ذهنه وغلظ طبعه عن فهم هذا فليضرب عنه صفحا إلى ما هو أولى به فقد قيل: إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع فمن لم يكن له ذوق من قرب المحبة ومعرفة بقرب المحبوب من محبة غاية القرب وإن كان بينهما غاية المسافة- ولا سيما إذا كانت المحبة من الطرفين وهى محبة بريئة من العلل والشوائب والأعراض القادحة فيها- فإن المحب كثيرا ما يستولى محبوبه على قلبه وذكره ويفنى عن غيره ويرق قلبه وتتجرد نفسه فيشاهد محبوبه كالحاضر معه القريب إليه وبينهما من البعد ما بينهما وفى هذه الحال يكون فى قلبه وجوده العلمى وفى لسانه وجوده اللفظى فيستولى هذا الشهود عليه ويغيب به فيظن أن فى عينه وجوده الخارجى للغلبة حكم القلب والروح كما قيل: خيالك فى عينى وذكرك فى فمى ... ومثواك فى قلبى فأين تغيب هذا ويكون ذلك المحبوب بعينه بينه وبين عدوه من البعد وما بينهما وإن قربت الأبدان وتلاصقت الديار. والمقصود أن المثال العلمى غير الحقيقة الخارجية وإن كان(1\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11617",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مطابقا لها لكن المثال العلمى محله القلب والحقيقة الخارجية محلها الخارج فمعرفة هذه الأسماء الأربعة وهى: الأول والآخر والظاهر والباطن هى أركان العلم والمعرفة فحقيق بالعبد أن يبلغ فى معرفتها إلى حيث ينتهى به قواه وفهمه. واعلم أن لك أنت أولا وآخرا وظاهرا وباطنا بل كل شيء فله أول وآخر وظاهر وباطن حتى الخطرة واللحظة والنفس وأدنى من ذلك وأكثر. فأولية الله عز وجل سابقة على أولية كل ما سواه وآخريته ثابتة بعد آخرية كل ما سواه فأوليته سبقه لكل شيء وآخريته بقاؤه بعد كل شيء وظاهريته سبحانه فوقيته وعلوه على كل شيء ومعنى الظهور يقتضى العلو وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط بباطنه. وبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء [بحيث يكون أقرب إليه من نفسه وهذا قرب غير قرب المحب] من حبيبه هذا لون وهذا لون. فمدار هذه الأسماء الأربعة [على الإحاطة وهى إحاطتان زمانيه ومكانيه فأحاطت] أوليته وآخريته بالقبل والبعد فكل سابق انتهى إلى أوليته وكل آخر انتهى إلى آخريته فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن فما من ظاهر إلا والله فوقه وما من باطن إلا والله [دونه] [وما من أول إلا والله قبله وما من آخر إلا والله بعده] فالأول قدمه والآخر دوامه وبقاؤه والظاهر علوه وعظمته والباطن قربه ودنوه. فسبق كل شيء بأوليته وبقى بعد كل شيء بآخريته وعلا على كل شيء بظهوره ودنا من كل شيء ببطونه [فلا توارى منه سماء سماء ولا أرض أرضا]  ولا يحجب عنه ظاهر باطن بل الباطن له ظاهر والغيب عنده شهادة والبعيد منه قريب والسر عنده علانية فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد فهو الأول فى آخريته والآخر فى أوليته والظاهر فى بطونه والباطن فى ظهوره لم يزل أولا وآخرا وظاهرا وباطنا. والتعبد بهذه الأسماء رتبتان: الرتبة الأولى أن تشهد الأولية منه تعالى فى كل شيء والآخرية بعد كل شيء والعلو والفوقية فوق كل شيء والقرب والدنو دون كل شيء فالمخلوق يحجبه مثله عما هو دونه فيصير الحاجب بينه وبين المحجوب والرب جل جلاله ليس دونه شيء أقرب إلى الخلق منه والمرتبة الثانية من التعبد أن يعامل كل اسم(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11618",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بمقتضاه فيعامل سبقه تعالى بأوليته لكل شيء [وسبقه] بفضله وإحسانه الأسباب كلها بما يقتضيه ذلك من إفراده وعدم الإلتفات إلى غيره والوثوق بسواه والتوكل على غيره فمن ذا الذى شفع لك فى الأزل حيث لم تكن شيئا مذكورا حتى سماك باسم الإسلام ووسمك بسمة الإيمان وجعلك من أهل قبضة اليمين وأقطعك فى ذلك الغيب عمالات المؤمنين فعصمك عن العبادة للعبيد وأعتقك من التزام الرق لمن له شكل ونديد ثم وجه وجهة قلبك إليه [تبارك وتعالى] دون ما سواه فاضرع إلى الذى عصمك من السجود للصنم وقضى لك بقدم الصدق فى القدم أن يتم عليك نعمة هو ابتدأها وكانت أوليتها منه بلا سبب منك واسم بهمتك عن ملاحظة الاختيار ولا تركنن إلى الرسوم والآثار ولا تقنع بالخسيس الدون وعليك بالمطالب العالية والمراتب السامية التى لا تنال إلا [بطاعة الله. فإن الله عز وجل قضى أن لا ينال ما عنده إلا] بطاعته ومن كان لله كما يريد كان الله له فوق ما يريد فمن أقبل إليه تلقاه من بعيد ومن تصرف [بحوله] وقوته ألان له الحديد ومن ترك لأجله أعطاه فوق المزيد ومن أراد مراده الدينى أراد ما يريد. ثم اسم بسرك إلى المطلب واقصر حبك وتقربك على من سبق فضله وإحسانه إليك كل سبب منك بل هو الذى جاد عليك بالأسباب وهيأ لك وصرف عنك موانعها وأوصلك بها إلى غايتك المحمودة. فتوكل عليه وحده وعامله وحده [وآثر رضاه وحده. وأجعل حبه ومرضاته هو كعبة قلبك التى لا تزال طائفا بها. مستلما لأركانها]  واقفا بملتزمها فيا فوزك ويا سعادتك إن اطلع سبحانه على ذلك من قلبك ماذا يفيض عليك من ملابس نعمه وخلع أفضاله: quot;اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد سبحانك وبحمدكquot; ثم تعبد له باسمه الآخر بأن تجعله وحده غايتك التى لا غاية لك سواه ولا مطلوب لك وراءه فكما انتهت إليه الأواخر وكان بعد كل آخر فكذلك اجعل نهايتك إليه فإن إلى ربك المنتهى إليه انتهت الأسباب والغايات فليس وراءه مرمى ينتهى إليه. وقد تقدم التنبيه على ذلك وعلى التعبد باسمه الظاهر. وأما التعبد باسمه الباطن فإذا شهدت إحاطته بالعوالم وقرب العبيد منه وظهور البواطن له وبدو السرائر له وأنه لا شيء بينه وبينها فعامله بمقتضى هذا الشهود وطهر له سريرتك فإنها عنده علانية(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11619",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأصلح له غيبك فإنه عنده شهادة وزك له باطنك فإنه عنده ظاهر. فانظر كيف كانت هذه الأسماء الأربعة جماع المعرفة بالله وجماع العبودية له. فهنا وقفت شهادة العبد مع فضل خالقه ومنته فلا يرى لغيره شيئا إلا به وبحوله وقوته وغاب بفضل مولاه الحق عن جميع ما منه هو مما كان يستند إليه أو يتحلى به أو يتخذه عقدة أو يراه ليوم فاقته أو يعتمد عليه فى [مهم] من مهماته فكل ذلك من قصور نظره وانعكاسه عن الحقائق والأصول إلى الأسباب والفروع كما هو شأن الطبيعة والهوى وموجب الظلم والجهل والإنسان ظلوم جهول فمن جلى الله سبحانه صدأ بصيرته وكمل فطرته وأوقفه على مبادئ الأمور وغاياتها ومناطها ومصادرها ومواردها أصبح كمفلس حقا من علومه وأعماله وأحواله وأذواقه يقول: أستغفر الله من علمى ومن عملى أى من انتسابى إليهما وغيبتى بهما عن فضل من ذكرنى بهما وابتدأنى بإعطائهما من غير تقدم سبب منى يوجب ذلك. فهو لا يشهد غير فضل مولاه وسبق منته ودوامه فيثيبه مولاه على هذه الشهادة العالية بحقيقة الفقر الأوسط بين الفقرين الأدنى والأعلى ثوابين: أحدهما الخلاص من رؤية الأعمال حيث كان يراها ويمتدح بها ويستكثرها فيستغرق بمطالعة الفضل غائبا عنها ذاهبا عنها فانيا عن رؤيتها الثواب الثانى أن يقطعه عن شهود الأحوال- أى عن شهود نفسه فيها متكثرة بها- فإن الحال محله الصدر والصدر بيت القلب والنفس فإذا نزل العطاء فى الصدر للقلب وثبتت النفس لتأخذ نصيبها من العطاء فتتمدح به وتدل به وتزهو وتستطيل وتقرر إنيتها لأنها جاهلة ظالمة وهذا مقتضى الجهل [والظلم] . فإذا وصل إلى القلب نور صفة المنة وشهد معنى اسمه المنان وتجلى سبحانه على قلب عبده بهذا الاسم مع اسمه الأول ذهل القلب والنفس به وصار العبد فقيرا إلى مولاه بمطالعة سبق فضله الأول فصار مقطوعا عن شهود أمر أو حال ينسبه إلى نفسه بحيث يكون بشهادته لحاله مفصوما مقطوعا عن رؤية عزة مولاه وفاطره وملاحظة صفاته. فصاحب شهود الأحوال منقطع عن رؤية منة خالقه وفضله ومشاهدة سبق الأولية للأسباب كلها وغائب بمشاهدة عزة نفسه عن عزة مولاه فينعكس هذا الأمر فى حق هذا العبد الفقير وتشغله رؤية عزة مولاه ومنته ومشاهدة سبقه بالأولية عن حال يعتز بها العبد أو يشرف بها. وكذلك الرجوع(1\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11620",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى السبق بمطالعة الفضل يمحص من أدناس مطالعات المقامات فالمقام ما كان راسخا فيه والحال ما كان عارضا لا يدوم. فمطالعات المقامات [وشرفه] بها وكونه يرى نفسه صاحب مقام قد حققه وكمله فاستحق أن ينسب إليه ويوصف به مثل أن يقال زاهد صابر خائف راج محب راض فكونه يرى نفسه مستحقا بأن تضاف المقامات إليه وبأن يوصف بها- على وجه الاستحقاق لها- خروج عن الفقر إلى الغنى وتعد لطور العبودية وجهل بحق الربوبية فالرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل يستغرق همة العبد ويمحصه ويطهره من مثل هذه الأدناس فيصير مصفى بنور الله [عز وجل] عن رذائل هذه الأرجاس. [الدرجة الثالثة من درجات الفقر] قوله: quot;والدرجة الثالثة صحة الاضطرار والوقوع فى يد التقطع الوحدانى والاحتباس فى بدء قيد التجريد وهذا فقر الصوفيةquot;. وهذه الدرجة فوق الدرجتين السابقتين عند أرباب السلوك وهى الغاية التى شمروا إليها وحاموا حولها فإن الفقر الأول فقر عن الأعراض الدنيوية والفقر الثانى فقر عن رؤية المقامات والأقوال وهذا الفقر الثالث فقر عن ملاحظة الموجود الساتر للعبد عن مشاهدة الوجود فيبقى الوجود الحارث فى قبضة الحق عز وجل الهباء المنثور فى الهواء يتقلب بتقليبه إياه ويسير فى شاهد العبد كما هو فى الخارج فتمحو رؤية التوحيد عن العبد شواهد استبداده واستقلاله بأمر من الأمور ولو فى النفس واللمحة والطرفة والهمة والخاطر والوسوسة إلا بإرادة المريد الحق سبحانه وتدبيره وتقديره ومشيئته فيبقى العبد كالكرة الملقاة بين صولجانات القضاء والقدر تقلبها كيف شاءت بصحة شهادة قيومية من له الخلق والأمر وتفرده بذلك دون ما سواه. وهذا الأمر لا يدرك بمجرد العلم ولا يعرفه إلا من تحقق به أولاح له منه بارق وربما ذهل صاحب هذا المشهد عن الشعور بوجوده لغلبة شهود وجود القيوم عليه فهناك يصح من مثل هذا العبد الاضطرار إلى الحى القيوم وشهد فى كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فقرا تاما إليه من جهة كونه ربا ومن جهة كونه إلها معبودا لا غنى له عنه كما لا وجود له بغيره. فهذا هو الفقر الأعلى الذى دارت عليه رحى القوم بل هو قطب تلك الرحى. وإنما يصح له هذا بمعرفتين لا بد منهما: معرفة حقيقة الربوبية والإلهية ومعرفة حقيقة النفس(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11621",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعبودية فهنالك تتم له معرفة هذا الفقر فإن أعطى هاتين المعرفتين حقهما من العبودية اتصف بهذا الفقر حالا فما أغناه حينئذ من فقير وما أعزه من ذليل وما أقواه من ضعيف وما آنسه من وحيد. فهو الغنى بلا مال القوى بلا سلطان العزيز بلا عشيرة المكفى بلا عتاد. قد قرت عينه بالله [فقرت به كل عين واستغنى بالله] فافتقر إليه الأغنياء والملوك. ولا يتم له ذلك إلا بالبراءة من فرث الجبر ودمه فإنه إن طرق باب الجبر انحل عنه نظام العبودية وخلع ربقة الإسلام من عنقه وشهد أفعاله كلها طاعات للحكم القدرى الكونى وأنشد: أصبحت منفعلا لما يختاره ... منى ففعلى كله طاعات وإذ قيل له: اتق الله ولا تعصه يقول: إن كنت عاصيا لأمره فأنا مطيع لحكمه وإرادته  فهذا منسلخ من الشرائع بريء من دعوة الرسل شقيق لعدو الله إبليس بل وظيفة الفقير فى هذا [الموضع]  وفى هذه الضرورة مشاهدة الأمر والشرع ورؤية قيامه بالأفعال وصدورها منه كسبا واختيارا وتعلق الأمر والنهى بها طلبا وتركا وترتب الذم والمدح عليها شرعا وعقلا وتعلق الثواب والعقاب بها آجلا وعاجلا فمتى اجتمع له هذا الشهود الصحيح إلى [شهود] الاضطرار فى حركاته وسكناته والفاقة التامة إلى مقلب القلوب ومن بيده أزمة الاختيار ومن إذا شاء شيئا وجب وجوده وإذا لم يشأ امتنع وجوده وأنه لا هادى لمن أضله ولا مضل لمن هداه وأنه هو الذى يحرك [القلوب بالإرادات والجوارح بالأعمال وأنها مدبرة تحت] تسخيره مذللة تحت قهره وأنها أعجز وأضعف من أن تتحرك بدون [مشيئته وأن] مشيئته نافذة فيها كما هى نافذة فى حركات الأفلاك والمياه والأشجار وأنه حرك كلا منها بسبب اقتضى تحريكه وهو خالق السبب المقتضى وخالق السبب خالق للمسبب فخالق الإرادة الحازمة التى هى سبب الحركة والفعل الاختيارى خالق لهما وحدوث الإرادة بلا خالق محدث محال وحدوثها بالعبد بلا إرادة منه محال وإن كان [بإرادته] فإرادته للإرادة كذلك ويستحيل بها التسلسل فلا بد من فاعل أوجد تلك الإرادة التى هى سبب الفعل فهنا يتحقق الفقر والفاقة والضرورة التامة إلى مالك الإرادات ورب القلوب ومصرفها كيف شاء فما شاء أن يزيغه منها أزاغه وما شاء أن يقيمه منها أقامه: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11622",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب [آل عمران: 8]  فهذا هو الفقر الصحيح المطابق للعقل والفطرة والشرع ومن خرج عنه وانحرف إلى أحد الطرفين زاغ قلبه عن الهدى وعطل مالك الملك الحق وانفراده بالتصرف والربوبية عن أوامره وشرعه وثوابه وعقابه. وحكم هذا الفقير المضطر إلى خالقه فى كل طرفة عين وكل نفس أنه إن حرك بطاعة أو نعمة شكرها وقال: هذا من فضل الله ومنه وجوده فله الحمد. وإن حرك بمباديء معصيته صرخ ولجأ واستغاث وقال: quot;أعوذ بك منك يا مقلب القلوب ثبت قلبى على دينك يا مصرف القلوب صرف قلبى على طاعتكquot; فإن تم تحريكه بالمعصية التجأ التجاء أسير قد أسره عدوه وهو يعلم أنه لا خلاص له من أسره إلا بأن يفكه سيده من الأسر ففكاكه فى يد سيده ليس فى يده منه شيء البتة ولا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فهو فى أسر العدو ناظر إلى سيده وهو قادر [على تخليصه]  قد اشتدت ضرورته إليه وصار اعتماده كله عليه. قال سهل: إنما يكون الالتجاء على معرفة الابتلاء يعنى وعلى قدر الابتلاء تكون المعرفة بالمبتلى ومن عرف قوله صلى الله عليه وسلم: quot;وأعوذ بك منكquot; وقام بهذه المعرفة شهودا وذوقا وأعطاها حقها من العبودية فهو الفقير حقا ومدار الفقر الصحيح على هذه الكلمة فمن [زرق] فهم سر هذا [فهم سر] الفقر المحمدى فهو سبحانه الذى ينجى من قضائه بقضائه وهو الذى يعيذ بنفسه من نفسه وهو الذى يدفع ما منه بمامنه فالخلق كله له والأمر كله له والحكم كله له وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وما شاء لم يستطع أن يصرفه إلا مشيئته وما لم يشأ لم يمكن أن يجلبه إلا مشيئته فلا يأتى بالحسنات إلا هو ولا يذهب بالسيئات إلا هو ولا يهدى لأحسن الأعمال والأخلاق إلا هو ولا يصرف سيئها إلا هو: وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا رآد لفضله [يونس: 107]  والتحقق بمعرفة هذا يوجب صحة الاضطرار وكمال الفقر والفاقة ويحول بين العبد وبين رؤية أعماله وأحواله والاستغناء بها والخروج عن رفقة العبودية إلى دعوى ما ليس له. وكيف يدعى مع الله حالا أو ملكة أو مقاما من قلبه وإرادته وحركاته الظاهرة والباطنة بيد ربه ومليكة لا يملك هو منها شيئا وإنما هى بيد مقلب القلوب ومصرفها كيف يشاء فالإيمان بهذا(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11623",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتحقق به نظام التوحيد ومتى من القلب انحل نظام التوحيد فسبحان من لا يوصل إليه إلا به. ولا يطاع إلا بمشيئته ولا ينال ما عنده من الكرامة إلا بطاعته ولا سبيل إلى طاعته إلا بتوفيقه ومعونته فعاد الأمر كله إليه كما ابتدأ الأمر كله منه فهو الأول والآخر وأن إلى ربك المنتهى. ومن وصل إلى هذا الحال وقع فى يد التقطع والتجريد وأشرف على مقام التوحيد الخاص فإن التوحيد نوعان: عام وخاص كما أن الصلاة نوعان والذكر نوعان وسائر القرب كذلك خاصية وعامية فالخاصية ما بذل فيها العامل نصحه وقصده بحيث يوقعها على أحسن الوجوه وأكملها والعامية ما لم يكن كذلك. فالمسلمون كلهم مشتركون فى إتيانهم بشهادة أن لا إله إلا الله وتفاوتهم فى معرفتهم بمضمون هذه الشهادة وقيامهم باطنا وظاهرا أمر لا يحصيه إلا الله عز وجل وقد ظن كثير من الصوفية أن التوحيد الخاص أن يشهد العبد المحرك له ويغيب عن المتحرك وعن الحركة فيغيب بشهوده عن حركته ويشهد نفسه شبحا فانيا يجرى على تصاريف المشيئة كمن غرق فى البحر فأمواجه ترفعه طورا وتخفضه طورا فهو غائب بها عن ملاحظة حركته فى نفسه بل قد اندرجت حركته فى ضمن حركة الموج وكأنه لا حركة له بالحقيقة وهذا وإن ظنه كثير من القوم غاية وظنه بعضهم لازما من لوازم التوحيد فالصواب أن من ورائه ما هو أجل منه وغاية هذا الفناء فى توحيد الربوبية وهو أن لا يشهد ربا وخالقا ومدبرا إلا الله وهذا هو الحق ولكن توحيد الربوبية وحده لا يكفى فى النجاة فضلا عن أن يكون شهوده والفناء فيه هو غاية الموحدين ونهاية مطلبهم فالغاية التى لا غاية وراءها ولا نهاية بعدها الفناء فى توحيد الإلهية وهو أن يفنى بمحبة ربه عن محبة كل ما سواه وبتألهه عن تأله ما سواه وبالشوق إليه وإلى لقائه عن الشوق إلى ما سواه وبالذل [والفقر] له والفقر إليه من جهة كونه معبوده وإلهه ومحبوبه عن الذل إلى كل ما سواه وكذلك يفنى بخوفه ورجائه عن خوف ما سواه ورجائه فيرى أنه ليس فى الوجود ما يصلح له ذلك إلا الله ثم يتصف بذلك حاله وينصبغ به قلبه صبغة ثم يفنى بذلك عما سواه فهذا هو التوحيد الخاص الذى شمر إليه العارفون والورد الصافى الذى حام حوله المحبون ومتى وصل إليه العبد(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11624",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صار فى يد التقطع والتجريد واشتمل بلباس الفقر الحقيقى وفرق حب الله من قلبه كل محبة وخوفه كل خوف ورجاؤه كل رجاء فصار حبه وخوفه ورجاؤه وذله وإيثاره وإرادته ومعاملته كل ذلك واحد لواحد فلم ينقسم طلبه ولا مطلوبه فتعدد المطلوب وانقسامه قادح فى التوحيد والإخلاص وانقسام الطلب قادح فى الصدق والإرادة فلا بد من توحيد الطلب والإرادة وتوحيد المطلوب المراد فإذا غاب بمحبوبه عن حب غيره وبمذكوره عن ذكر غيره وبمألوهه عن تأله غيره صار من أهل التوحيد الخاص وصاحبه مجرد عن ملاحظة سوى محبوبه أو إيثاره أو معاملته أو خوفه أو رجائه. وصاحب توحيد [الربوبية] فى قيد التجريد عن ملاحظة فاعل غير الله وهو مجرد عن ملاحظة وجوده وهو كما كان صاحب الدرجة الأولى مجردا عن أمواله وصاحب الثانية مجردا عن أعماله وأحواله فصاحب الفناء فى توحيد الإلهية مجرد عن سوه [مراضى محبوبه وأوامره قد فنى بحبه وابتغاء مرضاته عن] حب غيره وابتغاء مرضاته. وهذا هو التجريد الذى سمت إليه همم السالكين فمن تجرد عن ماله وحاله وكسبه وعمله ثم تجرد عن شهود تجريده فهو المجرد عندهم حقا وهذا تجريد القوم الذى عليه يحومون وإياه يقصدون ونهايته عندهم التجريد بفناء وجوده وبقاؤه بموجوده بحيث يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل ولا غاية عندهم وراء هذا. ولعمر الله إن وراءه [تجريدا] أكمل منه ونسبته إليه كفتلة فى بحر وشعرة فى [ظهر] بعير وهو تجريد الحب والإرادة عن الشوائب والعلل والحظوظ فيتوحد حبه كما توحد محبوبه ويتجرد عن مراده من محبوبه [بمراد محبوبه] منه بل يبقى مراد محبوبه هو من نفس مراده وهنا يعقل الاتحاد الصحيح وهو اتحاد المراد فيكون عين مراد المحبوب هو عين مراد المحب وهذا هو غاية الموافقة وكمال العبودية ولا تتجرد المحبة عن العلل والحظوظ التى تفسدها إلا بهذا. فالفرق بين محبة حظك ومرادك من المحبوب وأنك إنما تحبه لذلك وبين محبة مراد المحبوب منك ومحبتك له لذاته أنه أهل أن يحب. وأما الاتحاد فى الإرادة فمحال كما أن الاتحاد فى المريد محال فالإرادتان متباينتان. وأما مراد المحب والمحبوب إذا خلصت المحبة من العلل والحظوظ فواحد. فالفقر والتجريد والفناء من واد واحد. وقد جعله صاحب quot;منازل السائرينquot; من قسم النهايات وحده(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11625",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأنه الانخلاع [من] شهود الشواهد وجعله على ثلاث درجات: الدرجة الأولى تجريد الكشف عن كسب اليقين والثانية تجريد عين الجمع عن درك العلم والثالثة تجريد الخلاص من شهود التصريح. (يتبع ... ) فقوله فى الأولى: quot;تجريد الكشف عن كسب اليقينquot; يريد كشف الإيمان ومكافحته للقلب وهذا وإن حصل باكتساب اليقين من أدلته وبراهينه فالتجريد أن يشهد سبق الله تعالى بمنته لكل سبب ينال به اليقين أو الإيمان فيجرد كشفه لذلك عن ملاحظة سبب أو وسيلة بل يقطع الأسباب والوسائل وينتهى نظره إلى المسبب وهذه إن أريد تجريدها عن كونها أسبابا فتجريد باطل وصاحبه ضال وإن أريد تجريدها عن الوقوف عندها ورؤية انتسابها إليه وصيرورتها عنوان اليقين إنما كان به وحده فهذا تجريد صحيح ولكن على صاحبه إثبات الأسباب فإن نفاها عن كونها أسبابا فسد تجريده. وقوله فى الدرجة الثانية: quot;تجريد عين الجمع عن درك العلمquot; لما كانت الدرجة الأولى تجريدا عن الكسب وانتهاء إلى عين الجمع الذى هو الغيبة بتفرد الرب بالحكم عن إثبات وسيلة أو سبب اقتضت تجريدا آخر أكمل من الأول وهو تجريد هذا الجمع عن علم العبد به. فالأولى تجريد عن رؤية السبب والفعل والثانية تجريد عن العلم والإدراك وهذا يقتضى أيضا تجريدا ثالثا أكمل من الثانى وهو تجريد التخلص من شهود التجريد وصاحب هذا التجريد الثالث فى عين الجمع قد اجتمعت همته على الحق وشغل به عن ملاحظة جمعه وذكره وعلمه به قد استغرق ذلك قلبه فلا سعة فيه لشهود علمه بتجريده ولا شعوره به فلا التفات له إلى تجريده ولو بقى له التفات إليه لم يكمل تجريده. ووراء هذا كله تجريد نسبة هذا التجريد إليه كشعرة من ظهر بعير إلى جملته وهو تجريد الحب والإرادة عن تعلقه بالسوى وتجريده عن العلل والشوائب والحظوظ التى هى مراد النفس فيتجرد الطلب والحب عن كل تعلق يخالف مراد المحبوب فهذا تجريد الحنيفية. والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به.(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11626",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: فى تقسيم الغنى إلى عال وسافل ولما كان الفقر إلى الله عز وجل هو عين الغنى به- فأفقر الناس إلى الله أغناهم به وأذلهم له أعزهم وأضعفهم بين يديه أقواهم وأجهلهم عند نفسه أعلمهم بالله وأمقتهم لنفسه أقربهم إلى مرضاة الله- كأن ذكر الغنى بالله مع الفقر إليه متلازمين متناسبين فنذكر فصلا نافعا فى الغنى العالى. واعلم أن الغنى على الحقيقة لا يكون إلا لله الغنى بذاته عن كل ما سواه وكل ما سواه فموسوم بسمة الفقر كما هو موسوم بسمة الخلق والصنع وكما أن كونه مخلوقا أمر ذاتى له فكونه فقيرا أمر ذاتى له كما تقدم بيانه وغناه أمر نسبى إضافى عارض له فإنه إنما استغنى بأمر خارج عن ذاته فهو غنى به فقير إليه ولا يوصف بالغنى على الإطلاق إلا من غناه من لوازم ذاته فهو الغنى بذاته عما سواه وهو الأحد الصمد الغنى الحميد. والغنى قسمان: غنى سافل وغنى عال. فالغنى السافل الغنى بالعوارى المستردة من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث وهذا أضعف الغنى فإنه غنى بظل زائل وعارية ترجع عن قريب إلى أربابها فإذا الفقر بأجمعه بعد ذهابها وكأن الغنى بها كان حلما فانقضى ولا همة أضعف من همة من رضى بهذا الغنى الذى هو ظل زائل. وهذا غنى أرباب الدنيا الذى فيه يتنافسون وإياه يطلبون وحوله يحومون ولا أحب إلى الشيطان وأبعد عن الرحمن من قلب ملآن بحب هذا الغنى والخوف من فقده. قال بعض السلف: إذا اجتمع إبليس وجنوده لم يفرحوا بشيء كفرحهم بثلاثة أشياء: مؤمن قتل مؤمنا ورجل يموت على الكفر وقلب فيه خوف الفقر. وهذا الغنى محفوف بفقرين: فقر قبله وفقر بعده وهو كالغفوة بينهما. فحقيق بمن نصح نفسه أن لا يغتر به ولا يجعله نهاية مطلبه بل إذا حصل له جعله سببا لغناه الأكبر وسيلة إليه ويجعله خادما من خدمه لا مخدوما له وتكون نفسه أعز عليه من أن يعبدها لغير مولاه الحق أو يجعلها خادمة لغيره.(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11627",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "فصل: فى الغني العالي",
        "content": "فصل: فى الغني العالي أما الغنى العالى فقال شيخ الإسلام: quot;هو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى:(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11628",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غنى القلب وهو سلامته من السبب ومسالمته للحكم وخلاصه من الخصومة والدرجة الثانية غنى النفس وهو استقامتها على المرغوب وسلامتها من الحظوظ وبراءتها من المراءاة. والدرجة الثالثة: الغنى الحق وهو ثلاث مراتب: الأولى شهود ذكره إياك والثانية: دوام مطالعة أوليته والثالثة: الفوز بوجودهquot;. قلت: ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفسquot; ومتى استغنت النفس استغنى القلب ولكن الشيخ قسم الغنى إلى هذه الدرجات بحسب متعلقة فقال: quot;غنى القلب سلامته من السبب ومسالمته للحكم وخلاصه من الخصومة ومعلوم أن هذا شرط فى الغنى لا أنه نفس الغنى بل وجود المنازعة والمخاصمة وعدم المسالمة مانع من الغنى فهذه السلامة والمسالمة دليل على غنى القلب لا أن غناه بها نفسها وإنما غنى القلب بالدرجة الثالثة فقط كما سيأتى بيانه إن شاء الله فالغنى إنما يصير غنيا بحصول ما يسد فاقته ويدفع حاجته. وفى القلب فاقة عظيمة وضرورة تامة وحاجة شديدة لا يسدها إلا فوزه بحصول الغنى الحميد الذى إن حصل للعبد حصل له كل شيء وإن فاته فاته كل شيء. فكما أنه سبحانه الغنى على الحقيقة ولا غنى سواه فالغنى به هو الغنى فى الحقيقة ولا غنى بغيره ألبتة فمن لم يستغن به عما سواه تقطعت نفسه على السوى حسرات ومن استغنى به زالت عنه كل حسرة وحضره كل سرور وفرح والله المستعان. وإنما قدم شيخ الإسلام الكلام على غنى القلب على الكلام على غنى النفس لأن كمال صلاح النفس غناها بالاستقامة من جميع الوجوه وبلوغها إلى درجة الطمأنينة لا يكون إلا بعد صلاح القلب وصلاح النفس متقدم على صلاح القلب هكذا قيل وفيه ما فيه لأن صلاح كل واحد منهما مقارن لصلاح الآخر. ولكن لما كان القلب هو الملك وكان صلاحه صلاح جميع رعيته كان أولى بالتقديم وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: quot;إن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهى القلبquot; والقلب إذا استغنى بما فاض عليه من مواهب ربه وعطاياه السنية خلع على الأمراء والرعية خلعا تناسبها فخلع على النفس خلع الطمأنينة والسكينة والرضا والإخبات فأدت الحقوق سماحة لا كظما بانشراح ورضا ومبادرة وذلك(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11629",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأنها جانست القلب حينئذ ووافقته فى أكثر أموره واتحد مرادهما غالبا فصارت له وزير صدق بعد أن كانت عدوا مبارزا بالعداوة فلا تسأل عما أحدثت هذه المؤازرة والموافقة من طمأنينة ولذة عيش ونعيم هو دقيقة من نعيم أهل الجنة. هذا ولم تضع الحرب أوزارها فيما بينهما بل عدتها وسلاحها كامن متوار لولا قوة سلطان القلب وقهره لحاربت بكل سلاح فالمرابطة على ثغرى الظاهر والباطن فرض متعين مدة أنفاس الحياة. وتنقضى الحرب محمودا عواقبها ... للصابرين وحظ الهارب الندم وخلع على الجوارح خلع الخشوع والوقار وعلى الوجه خلعة المهابة والنور والبهاء وعلى اللسان خلعة الصدق والقول السديد الثابت والحكمة النافعة وعلى العين خلعة الاعتبار فى النظر والغض عن المحارم وعلى الأذن خلعة استماع النصيحة واستماع القول النافع استماعه للعبد فى معاشه ومعاده وعلى اليدين والرجلين خلعة البطش فى الطاعات أين كانت بقوة وأيد وعلى الفرج خلعة العفة والحفظ. فغدا العبد وراح يرفل فى هذه الخلع ويجر لها فى الناس أذيالا وأردانا. فغنى النفس مشتق من غنى القلب وفرع عليه فإذا استغنى سرى الغنى منه إلى النفس. وغنى القلب ما يناسبه من تحقيقه بالعبودية المحضة التى هى أعظم خلعة تخلع عليه فيستغنى حينئذ بما توجبه هذه العبودية له من المعرفة الخاصة والمحبة الناصحة الخالصة وبما يحصل له من آثار الصفات المقدسة وما تقتضيه من الأحكام والعبوديات المتعلقة بكل صفة على الانفراد ومجموعها قائمة بالذات وهذا أمر تضيق عن شرحه عدة أسفار بل حظ العبد منه علما وإرادة كما يدخل إصبعه فى اليم بل الأمر أعظم من ذلك. والله عز وجل: أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها [الرعد: 17]  فإذا استغنى القلب بهذا الغنى الذى هو غاية فقره استغنت النفس غنى يناسبها وذهبت عنها البرودة التى ثقلها وكسلها وإخلادها إلى الأرض وصارت لها حرارة توجب حركتها وخفتها فى الأوامر وطلبها الرفيق الأعلى وصارت برودتها فى شهواتها وحظوظها ورعوناتها وذهبت أيضا عنها اليبوسة المضادة للينها وسرعة انفعالها وقبولها فإنها إذا كانت يابسة قاسية كانت بطيئة الانفعال بعيدة القبول لا تكاد تنقاد فإذا صارت برودتها حرارة وبوبستها رطوبة(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11630",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسقيت بماء الحياة الذى أنزله الله عز وجل [من السماء] على قلوب أنبيائه وجعلها قرارا ومعينا له ففاض منها على قلوب أتباعهم فأنبتت من كل زوج كريم فحينئذ انقادت بزمام المحبة إلى مولاها الحق مؤدية لحقوقه قائمة بأوامره راضية عنه مرضية له بكمال طمأنينتها: يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية [الفجر: 27- 28]  فلنرجع إلى كلامه. فقوله فى الدرجة الأولى وهى غنى القلب: quot;إنه سلامته من السببquot; أى من الفقر إلى السبب وشهوده والاعتماد عليه والركون إليه والثقة به فمن كان معتمدا على سبب [غناه] واثقا به لم يطلق عليه اسم الغنى لأنه فقير إلى الوسائط بل لا يسمى صاحبه غنيا إلا إذا سلم من علة السبب استغناء بالمسبب بعد الوقوف على رحمته وحكمته وتصرفه وحسن تدبيره فلذلك يصير صاحبه غنيا بتدبير الله عز وجل. فمن كملت له السلامة من علة الأسباب ومن علة المنازعة للحكم بالاستسلام له والمسالمة- أى بالانقياد لحكمه- حصل الغنى [فحمى] للقلب بوقوفه على حسن تدبيره ورحمته وحكمته فإذا وقف العبد على حسن تدبيره واستغنى القلب به لم يتم له الاستغناء بمجرد هذا الوقوف ان لم ينضم إليه المسالمة للحكم وهو الانقياد له فإن المنازعة للحكم إلى حكم آخر دليل على وجود رعونة الاختيار وذلك دال على فقر صاحب الاختيار إلى ذلك الشئ المختار ومن كان فقيرا إلى شيء لم يرده الله [عز وجل] لم يطلق عليه اسم الغنى بتدبير الله عز وجل فلا يتم الغنى بتدبير الرب عز وجل لعبده إلا بالمسالمة لحكمه بعد الوقوف على حسن تدبيره ثم يبقى عليه الخلاص من معنى آخر وهو مخاصمة الخلق بعد الخلاص من مخاصمة الرب سبحانه. فإن منازعة الخلق دليل على فقره إلى الأمر الذى وقعت فيه الخصومة من الحظوظ العاجلة ومن كان فقيرا إلى حظ من الحظوظ- يسخط لفوته ويخاصم الخلق عليه- لا يطلق عليه اسم الغنى حتى يسلم الخلق من خصومته بكمال تفويضه إلى وليه وقيومه ومتولى تدبيره فمتى سلم العبد من علة فقره إلى السبب ومن علة منازعته لأحكام الله [عز وجل] ومن علة مخاصمته للخلق على حظوظ استحق أن يكون غنيا بتدبير مولاه مفوضا إليه لا يفتقر قلبه إلى غيره ولا يسخط شيئا من أحكامه ولا يخاصم عباده إلا فى حقوق ربه فتكون مخاصمته لله وبالله ومحاكمته إلى الله كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول فى استفتاح صلاة الليل: quot;اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11631",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمتquot; فتكون مخاصمة هذا العبد لله لا لهواه وحظه ومحاكمته خصمه إلى أمر الله وشرعه لا إلى شيء سواه فمن خاصم لنفسه فهو ممن اتبع هواه وانتصر لنفسه وقد قالت عائشة: quot;ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه قطquot; وهذا لتكميل عبوديته. ومن حاكم خصمه إلى غير الله ورسوله فقد حاكم إلى الطاغوت وقد أمر أن يكفر به ولا يكفر العبد بالطاغوت حتى يجعل الحكم لله وحده كما هو كذلك فى نفس الأمر. والحكم نوعان: حكم كونى قدرى وحكم أمرى دينى فهذا الذى ذكره الشيخ فى منازل السائرين وشرحه عليه الشارحون إنما مراده به الحكم الكونى القدرى وحينئذ فلا بد من تفصيل ما أجملوه من مسالمة الحكم والاستسلام له وترك المنازعة له فإن هذا الإطلاق غير مأمور به ولا ممكن للعبد فى نفسه والحكم نوعان: حكم كونى قدرى وحكم أمرى دينى فهذا الذى ذكره الشيخ فى منازل السائرين وشرحه عليه الشارحون إنما مراده به الحكم الكونى القدرى وحينئذ فلا بد من تفصيل ما أجملوه من مسالمة الحكم والاستسلام له وترك المنازعة له فإن هذا الإطلاق غير مأمور به ولا ممكن للعبد فى نفسه بل الأحكام ثلاثة: حكم شرعى دينى فهذا حقه أن يتلقى بالمسالمة والتسليم وترك المنازعة بل بالانقياد المحض وهذا تسليم العبودية المحضة فلا يعارض بذوق ولا وجد ولا سياسة ولا قياس ولا تقليد ولا يرى إلى خلافه سبيلا البتة وإنما هو الانقياد المحض والتسليم [والإذغان والقبول فإذا تلقى بهذا التسليم والمسألة إقرارا] وتصديقا بقى هناك انقياد آخر وتسليم آخر له إرادة وتنفيذا وعملا فلا تكون له شهوة تنازع مراد الله من تنفيذ حكمه كما لم تكن له شبهة تعارض وإقراره إيمانه وهذا حقيقة القلب السليم الذى سلم من شبهة تعارض الحق وشهوة تعارض الأمر فلا استمتع بخلاقه كما استمتع به الذين يتبعون الشهوات ولا خاض فى الباطن خوض الذين يتبعون الشبهات بل اندرج خلاقه تحت الأمر واضمحل خوضه فى معرفته بالحق فاطمأن إلى الله معرفة به ومحبة له وعلما بأمره وإرادته لمرضاته فهذا حق الحكم الدينى. بل الأحكام ثلاثة: حكم شرعى دينى فهذا حقه أن يتلقى بالمسالمة والتسليم وترك المنازعة بل بالانقياد المحض وهذا تسليم العبودية المحضة فلا يعارض بذوق ولا وجد ولا سياسة ولا قياس ولا تقليد ولا يرى إلى خلافه سبيلا البتة وإنما هو الانقياد المحض والتسليم [والإذغان والقبول فإذا تلقى بهذا التسليم والمسألة إقرارا] وتصديقا بقى هناك انقياد آخر وتسليم آخر له إرادة وتنفيذا وعملا فلا تكون له شهوة تنازع مراد الله من تنفيذ حكمه كما لم تكن له شبهة تعارض وإقراره إيمانه وهذا حقيقة القلب السليم الذى سلم من شبهة تعارض الحق وشهوة تعارض الأمر فلا استمتع بخلاقه كما استمتع به الذين يتبعون الشهوات ولا خاض فى الباطن خوض الذين يتبعون الشبهات بل اندرج خلاقه تحت الأمر واضمحل خوضه فى معرفته بالحق فاطمأن إلى الله معرفة به ومحبة له وعلما بأمره وإرادته لمرضاته فهذا حق الحكم الدينى. الحكم الثانى: الحكم الكونى القدرى الذى للعبد فيه كسب واختيار وإرادة والذى إذا حكم به يسخطه ويبغضه ويذم عليه فهذا حقه أن ينازع ويدافع بكل ممكن ولا يسالم البتة بل ينازع بالحكم الكونى أيضا فينازع حكم الحق بالحق للحق ويدافع به وله كما قال شيخ العارفين فى وقته عبد القادر الجيلانى: quot;الناس إذا دخلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا وأنا انفتحت لى روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق والعارف من يكون منازعا(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11632",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للقدر لا واقفا مع القدرquot; اهـ فإن ضاق ذرعك عن هذا الكلام وفهمه فتأمل قول عمر ابن الخطاب- وقد عوتب على فراره من الطاعون فقيل له-: quot;أتفر من قدر الله فقال: نفر من قدر الله إلى قدرهquot; ثم كيف ينكر هذا الكلام من لا بقاء له فى هذا العالم إلا به ولا تتم له مصلحة إلا بموجبه فإنه إذا جاءه قدر من الجوع والعطش أو البرد نازعه وترك الانقياد له ومسالمته ودفع بقدر آخر من الأكل والشرب واللباس فقد دفع قدر الله بقدره وهكذا إذا وقع الحريق فى داره فهو بقدر الله فما باله لا يستسلم له ويسالمه ويتلقاه بالإذعان بل ينازعه ويدافعه بالماء والتراب وغيره حتى يطفيء قدر الله بقدر الله وما خرج فى ذلك عن قدر الله وهكذا إذا أصابه مرض بقدر الله دافع هذا القدر ونازعه بقدر آخر يستعمل فيه الأدوية الدافعة للمرض فحق هذا الحكم الكونى أن يحرص العبد على مدافعته ومنازعته بكل ما يمكنه فإن غلبه وقهره حرص على دفع آثاره وموجباته بالأسباب التى نصبها الله لذلك فيكون قد دفع القدر بالقدر ونازع الحكم بالحكم وبهذا أمر بل هذا حقيقة الشرع والقدر ومن لم يستبصر فى هذه المسألة ويعطها حقها لزمه التعطيل للقدر أو الشرع شاء أو أبى فما للعبد ينازع أقدار الرب [تعالى] بأقداره فى حظوظه وأسباب معاشه ومصالحه الدنيوية ولا ينازع أقداره فى حق مولاه وأوامره ودينه وهل هذا إلا خروج عن العبودية ونقص فى العلم بالله وصفاته وأحكامه ولو أن عدوا للإسلام قصده لكان هذا بقدر الله ويجب على كل مسلم دفع هذا القدر بقدر يحبه الله وهو الجهاد باليد أو المال أو القلب دفعا لقدر الله بقدره فما للاستلام والمسالمة هنا مدخل فى العبودية اللهم إلا إذا بذل العبد جهده فى المدافعة والمنازلة وخرج الأمر عن يده. فحينئذ يبقى من أهل الحكم الثالث وهو الحكم القدري الكوني الذي يجري على العبد بغير اختياره ولا طاقة له بدفعه ولا حيلة له في منازعته فهذا حقه أن يتلقى بالاستسلام والمسالمة وترك المخاصمة وأن يكون فيه كالميت بين يدي الغاسل وكمن انكسر به المركب في لجة البحر وعجز عن السباحة وعن سبب يدنيه من النجاة فههنا يحسن الاستسلام والمسالمة مع أن عليه في هذا الحكم عبوديات أخر سوى التسليم والمسالمة وهي أن يشهد عزة الحاكم في حكمه وعدله في قضائه وحمكته في جريانه عليه وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11633",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أخطأه لم يكن ليصيبه وإن الكتاب الأول سيق بذلك قبل بدء الخليفة فقد جف القلم بما يلقاه كل عبد فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط ويشهد أن القدر ما أصابه إلا لحكمة اقتضاها اسم الحكيم جل جلاله وصفته الحكمة وإن القدر قد أصاب مواقعه وحل في المحل الذي ينبغي له أن ينزل به وأن ذلك أوجبه عدل الله وحكمته وعزته وعلمه وملكه العادل فهو موجب أسمائه الحسنى وصفاته العلى فله عليه أكمل حمد وأتمه كما له الحمد على جميع أفعاله وأوامره وإن كان حظ العبد من هذا القدر الذم فحق الرب تعالى منه الحمد والمدح لأنه موجب كماله وأسمائه الحسنى وصفاته العلى وهو موجب نقص العبد وجهله وظلمه وتفريطه فاقتسم الرب والعبد الحظين في هذا القدر وكان للرب سبحانه فيه الحمد والنعمة والفضل والثناء الحسن والعبد حظه الذم واللوم والإساءة واستحقاق العقوبة. استأثر الله بالمحامد والف ... ضل وولى الملامة الرجلا ويتبين هذا المقام في أربع آيات. إحداها قوله تعالى: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك الثانية قوله: أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير الثالثة قوله تعالى: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير الرابعة قوله تعالى: وإنا إذا أذقنا الأنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الأنسان كفور فمن نزل هذه الآيات على هذا الحكم علما ومعرفة وقام بموجبها إرادة وعزما وتوبة واستغفار فقد أدى عبودية الله في هذا الحكم وهذا قدر زائد على مجرد التسليم والمسالمة والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله.(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11634",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "فصل: فى تفسير غنى النفس",
        "content": "فصل: فى تفسير غنى النفس قوله فى غنى النفس أنه: quot;استقامتها على المرغوب وسلامتها من الحظوظ وبراءتها من المراءاةquot; يريد استقامتها على الأمر الدينى الذى يحبه الله ويرضاه وتجنيها لمناهيه(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11635",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التى يسخطها ويبغضها وأن تكون هذه الاستقامة على الفعل والترك تعظيما لله سبحانه وأمره وإيمانا يه واحتسابا لثوابه وخشية من عقابه لا طلبا لتعظيم المخلوقين له ومدحهم وهربا من ذمهم وازدرائهم وطلبا للجاه والمنزلة عندهم فإن هذا دليل على غاية الفقر من الله والبعد عنه وأنه أفقر شئ إلى المخلوق. فسلامة النفس من ذلك واتصافها بضده دليل غناها لأنها إذا أذعنت منقادة لأمر الله طوعا واختيارا ومحبة وإيمانا واحتسابا بحيث تصير لذاتها وراحتها ونعيمها وسرورها فى القيام بعبوديته كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول: quot;يا بلال أرحنا بالصلاةquot; وقال صلى الله عليه وسلم: quot;حبب إلى من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عينى فى الصلاةquot; فقرة العين فوق المحبة فجعل النساء والطيب مما يحب وأخبر أن قرة العين التى يطمئن القلب بالوصول إليها ومحض لذته وفرحه وسروره وبهجته إنما هو فى الصلاة التى هى صلة بالله وحضور بين يديه ومناجاة له واقتراب منه فكيف لا تكون قرة العين وكيف تقر عين المحب بسواها. فإذا حصل للنفس هذا الحظ الجليل فأي فقر يخشى معه وأي غنى فاتها حتى تلتفت إليه ولا يحصل لها هذا حتى ينقلب طبعها ويصير مجانسا لطبيعة القلب فتصير بذلك مطمئنة بعد أن كانت لوامة وإنما تصير مطمئنة بعد تبادل صفاتها وانقلاب طبعها لاستغناء القلب بما وصل إليه من نور الحق جل جلاله فجرى أثر ذلك النور في سمعه وبصره وشعره وبشره وعظمه ولحمه ودمه وسائر مفاصله وأحاط بجهاته من فوقه وتحته ويمينه ويساره وخلفه وأمامه وصارت ذاته نورا وصار عمله نورا وقوله نورا ومدخله نورا ومخرجه نورا وكان في مبعثه ممن انبهر له نوره فقطع به الجسر. وإذا وصلت النفس إلى هذه الحال استغنت بها عن التطاول إلى الشهوات التي توجب اقتحام الحدود المسخوطة والتقاعد عن الأمور المطلوبة المرغوبة فإن فقرها إلى الشهوات هو الموجب لها التقاعد عن المرغوب المطلوب وأيضا فتقاعدها عن المطلوب بينهما موجب لفقرها إلى الشهوات فكل منهما موجب للآخر وترك الأوامر أقوى لها من افتقرها إلى الشهوات فإنه بحسب قيام العبد بالأمر تدفع عنه جيوش الشهوة كما قال تعالى: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر [العنكبوت: 45]  وقال تعالى: إن الله يدافع عن الذين آمنوا [الحج: 38]  وفي القراءة الأخرى (يدفع) (1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11636",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكمال الدفع والمدافعة بحسب قوة الإيمان وضعفه فإذا صارت النفس حرة طيبة مطمئنة غنية بما أغناها به مالكها وفاطرها من النور الذي وقع في القلب ففاض منه إليها استقامت بذلك الغنى على الأمر الموهوب وسلمت به عن الأمر المسخوط وبرئت من المراءاة ومدار ذلك كله على الاستقامة باطنا وظاهرا ولهذا كان الدين كله في قوله تعالى: فاستقم كما أمرت [هود: 112]  وقال سبحانه: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون [الأحقاف: 13] .(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11637",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: فيما يغنى القلب ويسد الفاقة وهذه الاستقامة ترقيها إلى الدرجة الثالثة من الغنى وهو الغنى بالحق تبارك وتعالى عن كل ما سواه وهى أعلى درجات الغنى. فأول هذه الدرجة أن تشهد ذكر الله عز وجل إياك قبل ذكرك له وأنه تعالى ذكرك فيمن ذكره من مخلوقاته ابتداء قبل وجودك وطاعتك وذكرك فقدر خلقك ورزقك وعملك وإحسانه إليك ونعمه عليك حيث لم تكن شيئا البتة وذكرك سبحانه بالإسلام فوفقك له واختارك له دون من خذله قال تعالى: هو سماكم المسلمين من قبل [الحج: 78] فجعلك أهلا لما لم تكن أهلا له قط وإنما هو الذى أهلك بسابق ذكره فلولا ذكره لك بكل جميل أولاكه لم يكن لك إليه سبيل ومن الذى ذكرك سواه باليقظة حتى استيقظت وغيرك فى رقدة الغفلة مع النوام ومن الذى ذكرك سواه بالتوبة حتى وفقك لها وأوقعها فى قلبك وبعث دواعيك عليها وأحيى عزماتك الصادقة عليها حتى تبت إليه وأقبلت عليه فذقت حلاوة التوبة وبردها ولذاتها ومن الذى ذكرك سواه بمحبته حتى هاجت من قلبك لواعجها وتوجهت نحوه سبحانه ركائبها وعمر قلبك بمحبته بعد طول الخراب وآنسك بقربه بعد طول الوحشة والاغتراب ومن تقرب إليك أولا حتى تقربت إليه ثم أثابك على هذا التقرب تقربا آخر فصار التقرب منك محفوفا بتقربين منه تعالى: تقرب بعده وتقرب قبله والحب منك محفوفا بحبين منه: حب قبله وحب بعده والذكر منك محفوفا بذكرين: ذكر قبله وذكر بعده فلولا سابق ذكره إياك لم يكن من ذلك كله شيء ولا وصل إلى قلبك ذرة مما وصل إليه من معرفته وتوحيده ومحبته وخوفه(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11638",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه والتقرب إليه فهذه كلها آثار ذكره لك ثم إنه سبحانه ذكرك بنعمه المترادفة المتواصلة بعدد الأنفاس فله عليك فى كل طرفة عين ونفس نعم عديدة ذكرك بها قبل وجودك وتعرف بها إليك وتحبب بها إليك مع غناه التام عنك وعن كل شيء وإنما ذلك مجرد إحسانه وفضله وجوده إذ هو الجواد المفضل المحسن لذاته لا لمعاوضة ولا لطلب جزاء منك ولا لحاجة دعته إلى ذلك كيف وهو الغنى الحميد فإذا وصل إليك أدنى نعمة منه فاعلم أنه ذكرك بها فلتعظم عندك لذكره لك بها فإنه ما حقرك من ذكرك بإحسانه وابتدأك بمعروفه وتحبب إليك بنعمته هذا كله مع غناه عنك. فإذا شهد العبد ذكر ربه تعالى له ووصل شاهده إلى قلبه شغله ذلك عما سواه وحصل لقلبه به غنى عال لا يشبهه شيء وهذا كما يحصل للمملوك الذى لا يزال أستاذه وسيده يذكره ولا ينساه فهو يحصل له- بشعوره بذكر أستاذه له- غنى زائد على إنعام سيده عليه وعطاياه السنية له فهذا هو غنى ذكر الله للعبد. وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى: quot;من ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى ومن ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منهquot; فهذا ذكر ثان بعد ذكر العبد لربه غير الذكر الأول الذى ذكره به حتى جعله ذاكرا وشعور العبد بكلا الذكرين يوجب له غنى زائدا على إنعام ربه عليه وعطاياه له وقد ذكرنا فى كتاب- الكلم الطيب والعمل الصالح- من فوائد الذكر استجلاب ذكر الله سبحانه لعبده وذكرنا قريبا من مائة فائدة تتعلق بالذكر كل فائدة منها لا نظير لها وهو كتاب عظيم النفع جدا والمقصود أن شعور العبد وشهوده لذكر الله له يغنى قلبه ويسد فاقته وهذا بخلاف من نسوا الله فنسيهم فإن الفقر من كل خير حاصل لهم وما يظنون أنه حاصل لهم من الغنى فهو من أكبر أسباب فقرهم.(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11639",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: فى بيان الدرجة الثانية من درجات الغنى بالله عز وجل الدرجة الثانية من درجات الغنى بالله عز وجل دوام شهود أوليته تعالى وهذا الشهود عند أرباب السلوك أعلى مما قبله والغنى به أتم من الغنى المذكور لأنه من(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11640",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مباديء الغنى بالحقيقة لأن العبد إذا فتح الله لقلبه شهود أوليته سبحانه حيث كان ولا شيء غيره وهو الإله الحق الكامل فى أسمائه وصفاته الغنى عما سواه الحميد المجيد بذاته قبل أن يخلق من يحمده ويعبده ويمجده فهو معبود محمود حى قيوم له الملك وله الحمد فى الأزل والأبد لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الجلال منعوتا بنعوت الكمال وكل شيء سواه فإنما كان به وهو تعالى بنفسه ليس بغيره فهو القيوم الذى قيام كل شيء به ولا حاجة به فى قيوميته إلى غيره بوجه من الوجوه. فإذا شهد العبد سبقه تعالى بالأولية ودوام وجوده الحق وغاب بهذا عما سواه من المحدثات فنى فى وجوده من لم يكن [كأنه لم يكن] وبقى من لم يزل واضمحلت الممكنات فى وجوده الأزلى الدائم بحيث صارت كالظلال التى يبسطها ويمدها ويقبضها فيستغنى العبد بهذا المشهد العظيم ويتغذى [بها] عن فاقاته وحاجاته. وإنما كان هذا عندهم أفضل مما قبله لأن الشهود الذى قبله فيه شائبة مشيرة إلى وجود العبد وهذا الشهود الثانى سائر الموجودات كلها سوى الأول تعالى قد اضمحلت وفنيت فيه وصارت كأوليتها وهو العدم فأفنتها أولية الحق [تبارك وتعالى]  فبقى العبد محوا صرفا وعدما محضا وإن كانت انيته مشخصة مشارا إليها لكنها لما نسبت إلى أولية الحق عز وجل اضمحلت وفنيت وبقى الواحد الحق الذى لم يزل باقيا فاضمحل ما دون الحق تعالى فى شهود العبد كما هو مضمحل فى نفسه وشهد العبد حينئذ أن كل شيء ما سواى [الله] باطل وأن الحق المبين هو الله وحده ولا ريب أن الغنى بهذا الشهود [دائم] من الغنى بالذى قبله وليس هذا مختصا بشهود أوليته تعالى فقط بل جميع ما يبدو للقلوب من صفات الرب [جل جلاله] يستغنى العبد بها بقدر حظه وقسمه من معرفتها وقيامه بعبوديتها. فمن شهد مشهد علو الله على خلقه وفوقيته لعباده واستوائه على عرشه كما أخبر به أعرف الخلق وأعلمهم به الصادق المصدوق وتعبد بمقتضى هذه الصفة بحيث يصير لقلبه صمد يعرج القلب إليه مناجيا له مطرقا واقفا بين يديه وقوف العبد الذليل بين يدى الملك العزيز. فيشعر بأن كلمه وعمله صاعد إليه معروض عليه مع أوفى خاصته وأوليائه فيستحى أن يصعد إليه من كلمه ما يخزيه ويفضحه هناك ويشهد نزول الأمر والمراسيم الإلهية إلى أقطار العوالم كل وقت بأنواع التدبير والمصرف- من الإماتة والإحياء والتولية والعزل والخفض والرفع والعطاء(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11641",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمنع وكشف البلاء وإرساله وتقلب الدول ومداولة الأيام بين الناس- إلى غير ذلك من [التصرف] فى المملكة التى لا يتصرف فيها سواه فمراسمه نافذة كما يشاء يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون [السجدة: 5] فمن أعطى هذا المشهد حقه معرفة وعبودية استغنى به. وكذلك من شهد مشهد العلم المحيط الذى لا يعزب عنه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السموات ولا فى قرار البحار ولا تحت أطباق الجبال بل أحاط بذلك علمه علما تفصيليا ثم تعبد بمقتضى هذا الشهود من حراسة خواطره وإرادته وجميع أحواله وعزماته وجوارحه علم أن حركاته الظاهرة والباطنة وخواطره وإرادته وجميع أحواله ظاهرة مكشوفة لديه علانية له بادية لا يخفى عليه منها شيء. وكذلك إذا أشعر قلبه صفة سمعه تبارك وتعالى لأصوات عباده على اختلافها وجهرها وخفائها [وسواء] عنده من أسر القول ومن جهر به لا يشغله جهر من جهر عن سمعه لصوت من أسر ولا يشغله.. سمع عن سمع ولا تغلطه الأصوات على كثرتها واختلافها واجتماعها بل هى عنده كلها كصوت واحد كما أن خلق الخلق جميعهم وبعثهم عنده بمنزلة نفس واحدة وكذلك.. إذا شهد معنى اسمه البصير جل جلاله الذى يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء فى حندس الظلماء ويرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة ومخها وعروقها ولحمها وحركتها ويرى مد البعوضة جناحها فى ظلمة الليل وأعطى هذا المشهد حقه من العبودية بحرس حركاتها وسكناتها وتيقن أنها بمرأى منه [تبارك وتعالى] ومشاهدة لا يغيب عنه منها شئ وكذلك إذا شهد مشهد القيومية الجامع لصفات الأفعال وأنه قائم على كل شيء وقائم على كل نفس [بما كسبت]  وأنه تعالى هو القائم بنفسه المقيم لغيره القائم عليه بتدبيره وربوبيته وقهره وإيصال جزاء [المحسن إليه وجزاء المسيء إليه وأنه بكمال قيوميته لا ينام ولا ينبغى له أن] ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل لا تأخذه سنة ولا نوم ولا يضل ولا ينسى. وهذا المشهد من أرفع مشاهد العارفين وهو مشهد الربوبية. وأعلى منه مشهد الإلهية الذى هو مشهد الرسل وأتباعهم الحنفاء وهو شهادة أن لا إله إلا هو وأن إلهية ما سواه باطل ومحال كما أن ربوبية ما سواه كذلك فلا أحد سواه يستحق أن يؤله ويعبد ويصلى له ويسجد ويستحق نهاية الحب مع(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11642",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نهاية الذل لكمال أسمائه وصفاته وأفعاله فهو المطاع وحده على [الحقيقة]  والمألوه وحده وله الحكم وحده فكل عبودية لغيره باطلة وعناء وضلال وكل محبة لغيره عذاب لصاحبها وكل غنى لغيره فقر [وفاقة]  وكل عز بغيره ذل وصغار وكل تكثر بغيره قلة وذلة فكما استحال أن يكون للخلق رب غيره فكذلك استحال أن يكون لهم إله غيره فهو الذى انتهت إليه الرغبات وتوجهت نحوه الطلبات ويستحيل أن يكون معه إله آخر فإن الإله على [الحقيقة] هو الغنى الصمد [الكامل فى أسمائه وصفاته الذى حاجة كل أحد إليه] ولا حاجة به إلى أحد وقيام كل شيء به وليس قيامه بغيره ومن المحال أن يحصل فى الوجود اثنان كذلك ولو كان فى الوجود إلهان لفسد نظامه أعظم فساد واختل أعظم اختلال كما [أنه] يستحيل أن يكون له فاعلان متساويان كل منهما مستقل بالفعل فإن استقلالهما ينافى استقلالهما واستقلال أحدهما يمنع ربوبية الآخر فتوحيد الربوبية أعظم دليل على توحيد الإلهية [وذلك] وقع الاحتجاج به فى القرآن أكثر مما وقع بغيره لصحة دلالته وظهورها وقبول العقول والفطر لها ولاعتراف أهل الأرض بتوحيد الربوبية وكذلك كان عباد الأصنام يقرون به وينكرون توحيد الإلهية ويقولون: أجعل الآلهة إلها واحدا [ص: 5]  مع اعترافهم بأن الله وحده هو الخالق لهم وللسموات والأرض وما بينهما وأنه المنفرد بملك ذلك كله فأرسل الله تعالى الرسل يذكر بما فى فطرهم الإقرار به من [توحيده] وحده لا شريك له وأنهم لو رجعوا إلى فطرهم وعقولهم لدلتهم على امتناع إله آخر معه واستحالته وبطلانه فمشهد الألوهية هو مشهد الحنفاء وهو مشهد جامع للأسماء والصفات ولذلك كان الاسم الدال على هذا المعنى هو اسم الله جل جلاله فإن هذا الاسم هو الجامع ولهذا تضاف الأسماء الحسنى كلها إليه فيقال: الرحمن الرحيم العزيز الغفار القهار من أسماء الله ولا يقال: الله من أسماء الرحمن قال الله تعالى: ولله الأسماء الحسنى [الأعراف: 180] فهذا المشهد تجتمع فيه المشاهد كلها وكل مشهد سواه فإنما هو مشهد لصفة من صفاته فمن اتسع قلبه لمشهد الإلهية وقام بحقه من التعبد الذى هو كمال الحب بكمال الذل والتعظيم والقيام بوظائف العبودية فقد تم له غناه بالإله الحق وصار من أغنى العباد ولسان حال مثل(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11643",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا يقول: غنيت بلا مال عن الناس كلهم ... وإن الغنى العالى عن الشيء لا به فياله من غنى ما أعظم خطره وأجل قدره تضاءلت دونه الممالك فما دونها وصارت بالنسبة إليه كالظل من الحامل له والطيف الموافى فى المنام الذى يأتى به حديث النفس ويطرده الانتباه من النوم.(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11644",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "فصل: فى بيان الدرجة الثالثة من درجات الغنى بالرب",
        "content": "فصل: فى بيان الدرجة الثالثة من درجات الغنى بالرب الدرجة الثالثة من درجات الغنى بالرب [جل جلاله] الفوز بوجوده هذا الغنى [بالغ] أعلى درجات الغنى لأن الغنى الأول والثانى كانا من آثار ذكر الله والتوجه [إليه]  ففاض على القلب من صدق التوجه أنوار الصفات المقدسة واستغنى القلب بذلك وحصل أيضا أنوار الشعور بكفالته وكفايته لعبده وحسن وكالته وقيوميته بتدبيره وحسن تدبيره فاستغنت النفس بذلك أيضا. وأما هذا الغنى الثالث- الذى هو الغنى بالحق- فهو من آثار وجود الحقيقة وهو إنما يكون بعد ترقيه من آثار الصفات إلى آثار وجود الذات وإنما يكون هذا الوجود بعد مكاشفة عين اليقين عندما يطلع فجر التوحيد فهذا أوله وكماله عند طلوع شمسه فينقطع ضباب الوجود الفانى وتشرق شمس الوجود الباقى فينقطع لها كل ضباب وهذا عبارة عن نور يقذف فى القلب يكشف له بذلك النور عن عظمة الذات كما كشف له بالنور الذى قبله عن عظمة الصفات فإذا كان أثر من آثار صفات الذات أو صفات الأفعال يغنى القلب والنفس فما ظنك بما تكاشف به الأرواح من أنوار قدس الذات المتصفة بالجلال والإكرام فهذا غنى لا يناله الوصف ولا يدخل تحت الشرح فيستغنى العبد الفقير بوجود سيده العزيز الرحيم فيا لك من فقر ينقضى ومن غنى يدوم ومن عيش ألذ من المنى فلا تستعجز نفسك عن البلوغ إلى هذا المقام فبينك وبينه صدق الطلب وإنما هى عزمة صادقة ونهضة حر ممن لنفسه عنده قدر وقيمة يغار عليها أن يبيعها بالدون وقد جاء فى أثر إلهى يقول الله عز وجل: quot;ابن آدم خلقتك لنفسى [فلا تلعب وتكفلت برزقك فلا تتعب ابن آدم أطلبنى تجدنى] فإن وجدتنى وجدت كل شيء وإن فتك فاتك(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11645",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيءquot; فمن طلب الله بصدق وجده ومن [وجده] أغناه وجوده عن كل شيء فأصبح حرا فى غنى ومهابة على وجهه أنواره وضياؤه وإن فاته مولاه جل جلاله تباعد ما يرجو وطال عناؤه ومن وصل إلى هذا الغنى قرت به كل عين لأنه قد قرت عينه بالله والفوز بوجوده ومن لم يصل إليه تقطعت نفسه على الدنيا حسرات وقد قال صلى الله عليه وسلم: quot;من أصبح والدنيا أكبر همه جعل الله فقره بين عينيه وشتت عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له ومن أصبح والآخرة أكبر همه جعل الله غناه فى قلبه وجمع عليه شمله وأتته الدنيا وهى راغمة وكان الله بكل خير إليه أسرعquot; فهذا هو الفقر الحقيقى والغنى الحقيقى وإذا كان هذا غنى من كانت الآخرة أكبر همه فكيف من كان الله [عز وجل] أكبر همه فهذا من باب التنبيه والأولى.(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11646",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "فصل: فى ذكر كلمات عن أرباب الطريق فى الفقر والغني",
        "content": "فصل: فى ذكر كلمات عن أرباب الطريق فى الفقر والغني قال يحيى بن معاذ: الفقر أن لا تستغنى بشيء غير الله ورسمه عدم الأسباب كلها. قلت: يريد عدمها فى الاعتماد عليها والطمأنينة بها بل تصير عدما بالنسبة إلى سبق مسببها بالأولية وتفرده بالأزلية. وسئل محمد بن عبد الله الفرغانى عن الافتقار إلى الله [تعالى] والاستغناء به فقال: إذا صح الافتقار إلى الله تعالى صح الاستغناء به وإذا صح الاستغناء به صح الافتقار إليه فلا يقال أيهما أكمل لأنه لا يتم أحدهما إلا بالآخر. قلت: الاستغناء بالله هو عين الفقر إليه وهما عبارتان عن معنى واحد لأن كمال الغنى به هو كمال عبوديته وحقيقة العبودية كمال الافتقار إليه من كل وجه وهذا الافتقار هو عين الغنى به فليس هنا شيئان يطلب تفضيل أحدهما على الآخر وإنما يتوهم كونهما شيئين بحسب المستغنى عنه والمفتقر إليه فهى حقيقة واحدة ومقام واحد يسمى quot;غنىquot; بالنسبة إلى فراغه عن الموجودات الفانية وquot;فقراquot; بالنسبة إلى قصر همته وجمعها على الله [عز وجل]  فهى همة سافرت عن شيء واتصلت بغيره فسفرها عن الغير غنى وسفرها إلى الله فقر فإذا وصلت إليه استغنت به بكمال فقرها إليه إذ يصير لها بعد الوصول فقر آخر غير فقرها الأول وإنما يكمل فقرها بهذا الوصول. وسئل رويم عن الفقر فقال: إرسال النفس فى أحكام الله تعالى. قلت: إن(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11647",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أراد الحكم الدينى فصحيح [أو] إن أراد الحكم الكونى القدرى فلا يصح هذا الإطلاق بل لا بد فيه من التفصيل كما تقدم بيانه. وإرسال النفس فى أحكامه التى يسخطها ويبغضها وإرسالها فى أحكامه التى يجب منازعتها ومدافعتها بأحكامه خروج عن العبودية. وقيل: نعت الفقير ثلاثة أشياء: حفظ سره وأداء فرضه وصيانة فقره.. قلت: حفظ السر كتمانه صيانة له من الأغيار وغيرة عليه أن ينكشف لمن لا يعرفه ولا يؤمن عليه. وأداء الفرض قيام بحق العبودية وصيانة الفقر حفظه عن لوث مساكنة الأغيار وحفظه عن كل سبب يفسده وكتمانه ما استطاع. وقال إبراهيم بن أدهم: طلبنا الفقر فاستقبلنا الغنى وطلب الناس الغنى فاستقبلهم الفقر. وسئل يحيى بن معاذ عن الغنى فقال: هو الأمن بالله عز وجل. وسئل أبو حفص: بماذا ينبغى أن يقدم الفقير على ربه فقال: ما ينبغى للفقير أن يقدم على ربه بشيء سوى فقره. وقال بعضهم: إن الفقير الصادق ليخشى من الغنى حذرا أن يدخله فيفسد عليه فقره كما يخشى الغنى الحريص من الفقر أن يدخله فيفسد عليه غناه. وقال بشر بن الحارث: أفضل المقامات اعتقاد الصبر على الفقر إلى القبر. قلت: ومن هاهنا قال القائل: قالوا: غدا العيد ماذا أنت لابسه ... فقلت: خلعة ساق رحبه جرعا فقر وصبر هما ثوبان تحتهما ... قلب يرى ألفة الأعياد والجمعا الدهر لى مأتم إن غبت يا أملى ... والعيد ما دمت لى مرأى ومستمعا وسئل ابن الجلاء: متى يستحق الفقير اسم الفقر فقال: إذا لم يبق عليه بقية منه. فقيل له: كيف ذلك فقال: إذا كان له فليس له وإذا لم يكن له فهو له. قلت: معنى هذا أنه لا يبقى عليه بقية من نفسه فإذا كان لنفسه فليس لها بل قد أضاع حقها وضيع سعادتها وكمالها. وإذا لم يكن لنفسه بل كان كله لربه فقد أحرز كل حظ له وحصل لنفسه سعادتها فإنه إذا كان لله كان الله له وإذا لم يكن لله لم يكن الله له فكيف تكون نفسه له فهذا من الذين خسروا أنفسهم. وقيل: حقيقة الفقر أن لا يستغنى الفقير فى فقره بشيء إلا بمن إليه فقره. وقال أبو حفص: quot;أحسن ما توسل به العبد إلى مولاه دوام الفقر إليه على جميع الأحوال وملازمة السنة فى جميع الأفعال وطلب القوت من وجه حلالquot;. وقال بعضهم: quot;ينبغى للفقير أن لا تسبق همته خطوتهquot;. قلت:(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11648",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يشير إلى تعلق همته بواجب وقته وأنه لا تتخطى همته واجب الوقت قبل إكماله. وأيضا يشير إلى قصر أمله وأن همته غير متعلقة بوقت لا يحدث نفسه ببلوغه وأيضا يشير إلى جمع الهمة على حفظ الوقت وأن لا يضعفها بتقسيمها على الأوقات. وقيل: أقل ما يلزم الفقير فى فقره أربعة أشياء: علم يسوسه وورع يحجزه ويقين يحمله وذكر يؤنسه. وقال أبو سهل الخشاب لمنصور المغربى: إنما هو فقر وذل. فقال منصور: بل فقر وعز. فقال أبو سهل: فقر وثرى فقال منصور: بل فقر وعرش. قلت: أشار أبو سهل إلى البداية ومنصور إلى الغاية. وقال الجنيد: إذا لقيت الفقير فالقه بالرفق ولا تلقه بالعلم فإن الرفق يؤنسه والعلم يوحشه. فقلت: يا أبا القاسم كيف يكون فقير يوحشه العلم فقال: نعم الفقير إذا كان صادقا فى فقره فطرحت عليه العلم ذاب كما يذوب الرصاص فى النار. وقال أبو المظفر القرميسينى: الفقير هو الذى لا يكون له إلى الله حاجة. قال أبو القاسم القشيرى: وهذا اللفظ فيه أدنى غموض على من سمعه على وصف الغفلة عن مرمى القوم وإنما أشار قائله إلى سقوط المطالبات وانتفاء الاختيار والرضى بما يجريه الحق سبحانه بتارك وتعالى. قلت: وبعد فهو كلام مستدرك خطأ فإن حاجات هذا العبد إلى الله بعدد الأنفاس إذ حاجته ليست كحاجات غيره من أصحاب الحظوظ والأقسام بل حاجات هؤلاء فى حاجة هذا العبد كتفلة فى بحر فإن حاجته إلى الله فى كل طرفة عين أن يحفظ عليه حاله ويثبت قلبه ويرقيه فى مقامات العبودية ويصرف عنه ما يفسدها عليه ويعرفه منازل الطريق ومكامنها وأوقاتها ويعرفه مواقع رضاه ليفعلها ويعزم عليها ومواقع سخطه ليعزم على تركها ويجتنبها فأى حاجات أكثر وأعظم من هذه فالصواب أن يقال: الفقير هو الذى حاجاته إلى الله بعدد أنفاسه أو أكثر فالعبد له فى كل نفس ولحظة وطرفة عين عدة حوائج إلى الله لا يشعر بكثير منها فأفقر الناس إلى الله من شعر بهذه الحاجات وطلبها من معدنها بطريقها وإن كان لا بد من إطلاق تلك العبارة على أن منها كل بد فيقال: هو الذى لا حاجة له إلى الله تخالف مرضاته وتحطه عن مقام العبودية إلى منزلة الاستغناء وأما أن يقال لا حاجة له إلى الله فشطح قبيح. وأما حمل أبى القاسم لكلامه على إسقاط المطالبات وانتفاء الاختيار والرضى بمجارى الأقدار فإنما يحسن فى(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11649",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعض الحالات وهو فى القدر الذى يجرى عليه بغير اختياره ولا يكون مأمورا بدفعه ومنازعته بقدر آخر كما تقدم. وأما إذا كان مأمورا بدفعه ومنازعته بقدر هو أحب إلى الله منه- وهو مأمور به أمر إيجاب أو استحباب- فإسقاط المطالبات وانتفاء الاختيار فيه والسعى عين العجز والله تعالى يلوم على العجز. وقال ابن خفيف: الفقر [عدم الأملاك والخروج عن أحكام الصفات قلت: يريد عدم إضافة شيء] إليه إضافة ملك وأن يخرج عن أحكام صفات نفسه ويبدلها بأحكام صفات مالكه وسيده مثاله أن يخرج عن حكم صفة قدرته واختياره التى توجب له دعوى الملك والتصرف والإضافات ويبقى بأحكام صفة القدرة الأزلية التى توجب له العجز والفقر والفاقة كما فى دعاء الاستخارة: quot;اللهم إنى أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوبquot; فهذا اتصاف بأحكام الصفات العلى فى العبد وخروج عن أحكام صفات النفس. وقال أبو حفص: لا يصح لأحد الفقر حتى يكون العطاء أحب إليه من الأخذ وليس السخاء أن يعطى الواجد المعدم وإنما السخاء أن يعطى المعدم الواجد. وقال بعضهم: الفقير الذى لا يرى لنفسه حاجة إلى شيء من الأشياء سوى ربه تبارك وتعالى. وسئل سهل بن عبد الله: متى يستريح الفقير فقال: إذا لم ير لنفسه غير الوقت الذى هو فيه. وقال أبو بكر ابن طاهر: من حكم الفقير أن لا يكون له رغبة وإن كان لا بد فلا تجاوز رغبته كفايته وسئل بعضهم عن الفقير الصادق فقال: الذى لا يملك ولا يملك وقال ذو النون: دوام الفقر إلى الله مع التخليط أحب إلى من دوام الصفاء مع العجب والله أعلم.(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11650",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "فصل: فى تحقيق نعت الفقير",
        "content": "فصل: فى تحقيق نعت الفقير فجملة نعت الفقير حقا أنه المتخلى من الدنيا تطرفا والمتجافى عنها تعففا. لا يستغنى بها تكثرا ولا يستكثر منها تملكا وإن كان مالكا لها بهذا الشرط لم تضره بل هو فقير غناه فى فقره وغنى فقره فى غناه.. ومن نعته أيضا أن يكون فقيرا من حاله وهو خروجه عن الحال تبريا وترك الالتفات إليه تسليا وترك مساكنة الأحوال(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11651",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ".. ... ... والرجوع عن موافقتها فلا يستغنى بها اعتمادا عليها ولا يفتقر إليها مساكنة لها. ومن نعته أنه يعمل على موافقة الله [و] الصبر والرضى والتوكل والإنابة فهو عامل على مراد الله منه لا على موافقة هواه وهو تحصيل مراده من الله فالفقير خالص بكليته لله عز وجل ليس لنفسه ولا لهواه فى أحواله حظ ولا نصيب بل عمله بقيام شاهد الحق وفناء شاهد نفسه قد غيبه شاهد الحق عن شاهد نفسه فهو يريد الله بمراد الله فمعوله على الله وهمته لا تقف دون شيء سواه قد فنى بحبه عن حب ما سواه وبأمره عن هواه وبحسن اختياره له عن اختياره لنفسه فهو فى واد والناس فى واد خاضع متواضع سليم القلب سلس القيادة للحق سريع القلب إلى ذكر الله بريء من الدعاوى لا يدعى بلسانه ولا بقلبه ولا بحاله زاهد فى كل ما سوى الله راغب فى كل ما يقرب إلى الله قريب من الناس أبعد شيء منهم يأنس بما يستوحشون منه ويستوحش مما يأنسون به متفرد فى طريق طلبه لا تقيده الرسوم ولا تملكه العوائد ولا يفرح بموجود لا يأسف على مفقود من جالسه قرت عينه به ومن رآه ذكرته رؤيته بالله سبحانه قد حمل كله ومؤنته عن الناس واحتمل أذاهم وكف أذاه عنهم وبذل لهم نصيحته وسبل لهم عرضه ونفسه لا لمعاوضة ولا لذلة وعجز لا يدخل فيما لا يعنيه ولا يبخل بما لا ينقصه وصفه الصدق والعفة والإيثار والتواضع والحلم والوقار والاحتمال لا يتوقع لما يبذله للناس منهم عوضا ولا مدحة لا يعاتب ولا يخاصم ولا يطالب ولا يرى له على أحد حقا ولا يرى له على أحد فضلا مقبل على شأنه مكرم لإخوانه بخيل بزمانه حافظ للسانه مسافر فى ليله ونهاره ويقظته ومنامه لا يضع عصا السير عن عاتقه حتى يصل إلى مطلبه قد رفع له علم الحب فشمر إليه وناداه داعى الإشتياق فأقبل بكليته عليه أجاب منادى المحبة إذ دعاه حى على الفلاح ووصل السرى فى بيداء الطلب فحمد عند الوصول سراه وإنما يحمد القوم السرى عند الصباح: فحى على جنات عدن فإنها ... منازلك الأولى وفيها المخيم ولكننا سبى العدو فهل تري ... نعود إلى أوطاننا ونسلم وحى على روضاتها وخيامها ... وحى على عيش بها ليس يسأم(1\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11652",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحى على يوم المزيد وموعد ال ... المبين طوبى للذى هو منهم وحى على واد بها هو أفيح ... وتربته من أذفر المسك أعظم ومن حولها كثبان مسك مقاعد ... لمن دونهم هذا الفخار المعظم يرون به الرحمن جل جلاله ... كرؤية بدر التم لا يتوهم أو الشمس صحوا ليس من دون أفقها ... ضباب ولا غيم هناك يغيم وبينا فى عيشهم وسرورهم ... وأرزاقهم تجرى عليهم وتقسم إذا هم بنور ساطح قد بدا لهم ... فقيل ارفعوا أبصاركم فإذا هم بربهم من فوقهم وهو قائل: ... سلام عليكم طبتم وسلمتم فيا عجبا ما عذر من هو مؤمن ... بهذا ولا يسعى له ويقدم فبادر إذا ما دام فى العمر فسحة ... وعدلك مقبول وصرفك قيم فما فرحت بالوصل نفس مهينة ... ولا فاز قلب بالبطالة ينعم فجد وسارع واغتنم ساعة السري ... ففى زمن الإمكان [تسعى وتغنم] وسر مسرعا فالسير خلفك مسرع ... وهيهات ما منه مفر ومهزم فهن المنأيا أى واد نزلته ... عليها [قدوم] أو عليك ستقدم وإن تك قد عاقتك سعدى فقلبك ال ... معنى رهين فى يديها مسلم وقد ساعدت بالوصل غيرك فالهوى ... لها منك [والواشى] بها يتنعم فدعها وسل النفس عنها بجنة ... من الفقر فى روضاتها الدر [يبسم] ومن تحتها الأنهار تخفق دائما ... وطير الأمانى فوقها يترنم وقد ذللت منها القطوف فمن يرد ... جناها ينله كيف شاء وينعم وقد فتحت أبوابها وتزينت ... لخطابها فالحسن فيها [مقسم] [أقام علي] أبوابها داعى الهدي ... هلموا إلى دار السعادة تغنموا وقد طاب منها نزلها ومقيلها ... فطوبى لمن حلوا بها وتنعموا وقد غرس الرحمن فيها غراسه ... من الناس والرحمن بالغرس أعلم فمن كان من غرس الإله فإنه ... سعيد وإلا فالشقا متحتم فيا مسرعين السير بالله ربكم ... قفوا بى على تلك الربوع وسلموا وقولوا: محب قاده الشوق نحوكم ... قضى نحبه فيكم [تعيشوا وتسلموا] قضى الله رب العالمين قضية ... بأن الهوى يعمى القلوب ويبكم وحبكم أصل الهدى ومداره ... عليه وفوز للمحب ومغنم(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11653",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتفنى عظام الصب بعد مماته ... وأشواقه وقف عليه محرم فيا أيها القلب الذى ملك الهوي ... أعنته حتام هذا التلوم وحتام لا تصحو وقد قرب المدي ... ودقت كئوس السير والناس نوم بلى سوف تصحو حين ينكشف الغطا ... ويبدو لك الأمر الذى كنت تكتم ويا موقدا نارا لغيرك ضؤوها ... وحر لظاها بين جنبيك يضرم أهذا جنى العلم الذى قد غرسته ... وهذا الذى قد كنت ترجوه تطعم وهذا هو الحظ الذى قد رضيته ... لنفسك فى الدارين لو كنت تفهم وهذا هو الربح الذى قد كسبته ... لعمرك لا ربح ولا الأصل يسلم بخلت بشيء لا يضرك بذله ... وجدت بشيء مثله لا يقتوم وبعت نعيما لا انقضاء له ولا ... نظبر ببخس عن قليل سيعدم فهلا عكست الأمر إن كنت حازما ... ولكن أضعت الحزم إن كنت تعلم وتهدم ما تبنى بكفك جاهدا ... فأنت مدى الأيام تبنى وتهدم وعند مراد الحق تفنى كميت ... وعند مراد النفس تسدى وتلحم وعند خلاف الأمر تحتج بالقضا ... ظهيرا على الرحمن للجبر تزعم تنزه تلك النفس عن سوء فعلها ... وتغتاب أقدار الإله وتظلم وتزعم مع هذا بأنك عارف ... كذبت يقينا فى الذى أنت تزعم وما أنت إلا جاهل ثم ظالم ... وإنك بين الجاهلين مقدم إذا كان هذا نصح عبد لنفسه ... فمن ذا الذى منه الهدى يتعلم وفى مثل هذا كان قد قال من مضي ... وأحسن فيما قاله المتكلم فإن كنت لا تدرى فتلك مصيبة ... وإن كنت تدرى فالمصيبة أعظم ولو تبصر الدنيا وراء ستورها ... رأيت خيالا فى منام سيصرم كحلم بطيف زار فى النوم وانقضى ال ... منام وراح الطيف والصب معرم وظل أرته الشمس عند طلوعها ... سيقلص فى وقت الزوال ويفصم ومزنة صيف طاب منها مقيلها ... فولت سريعا والحرور تضرم فجزها ممرا لا مقرا وكن بها ... غريبا تعش فيها حميدا وتسلم أو ابن سبيل قال فى ظل دوحة ... وراح وخلى ظلها يتقسم أخا سفر لا يستقر قراره ... إلى أن يرى أوطانه يسلم فيا عجبا كم مصرح عطبوا به ... بنوها ولكن عن مصارعها عموا(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11654",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سقتهم بكأس الحب حتى إذا انثنوا ... سقتهم كئوس السم والقوم قد ظموا وأعجب ما فى العبد رؤية هذه ال ... عظائم منها وهو فيها متيم وأعجب من ذا أن أحبابها الألي ... تهين وللأعداء تراعى وتكرم وذلك برهان على أن قدرها ... جناح بعوض أو أدق وألأم وحسبك ما قال الرسول ممثلا ... لها ولدار الخلد والحق يفهم كما يدخل الإنسان فى اليم إصبعا ... وينزعها منه فما ذاك يغنم ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة ... على حذر منها وأمرى محكم وهل أردن ماء الحياة وأرتوي ... على ظمأ من حوضه وهو مفعم وهل تبدون أعلامهم بعد ما سفت ... عليها السوافى تستبين وتعلم وهل أفرشن خدى ثرى عتباتهم ... خضوعا لهم كيما يرقوا ويرحموا وهل أرين نفسى طريحا ببابهم ... وطير أمانى الحب فوقى تحوم فوا أسفى تفنى الحياة وتنقضي ... وعتبكم باق بقيتم وعشتم فما منكم بد ولا عنكم غني ... وما لى من صبر فأسلو عنكم فمن شاء فليغضب سواكم فلا أذي ... إذا كنتم عن عبدكم قد رضيتم وعقبى اصطبارى فى رضاكم هوى لكم ... حميد ولكنه عقاب ومغرم وما أنا بالشاكى لما ترتضونه ... ولكننى أرضى به وأسلم وحسبى انتسابى من بعيد إليكم ... وذلك حظ مثله يتيمم إذا قيل هذا عبدهم ومحبهم ... تهلل بشرا ضاحكا يتبسم وها هو قد أبدى الضراعة قائلا ... لكم بلسان الحال والحال يعلم أحبتنا عطفا علينا فإننا ... بنا ظمأ والمورد العذب أنتم فيا ساهيا فى غمرة الجهل والهوى ... صريع الأمانى عن قليل ستندم أفق قد دنا الوقت الذى ليس بعده ... سوى جنة أو حر نار تضرم وبالسنة الغراء كن متمسكا ... هى العروة الوثقى التى ليس تفصم تمسك بها مسك البخيل بماله ... وعض عليها بالنواجذ تسلم وإياك مما أحدث الناس بعدها ... فمرتع هاتيك الحوادث أوخم وهيء جوابا عندما تسمع الندا ... من الله يوم العرض: ماذا أجبتم به رسلى لما أتوكم فمن يجب ... سواهم سيخزى عند ذاك ويندم وخذ من تقى الرحمن أسبغ جنة ... ليوم به تبدو عيانا جهنم(1\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11655",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وينصباك الجسر من فوق متنها ... فهاو ومخدوش وناج مسلم ويأتى إله العالمين لوعده ... فيفصل ما بين العباد ويحكم ويأخذ للمظلوم إذ ذاك حقه ... فيا ويح من قد كان للخلق يظلم وينشر ديوان الحساب وتوضع ال ... موازين بالقسط الذى ليس يظلم فلا مجرم يخشى هناك ظلامة ... ولا محسن من أجره الذر يهضم وتشهد أعضاء المسيء بما جني ... لذاك على فيه المهيمن يختم ويا ليت شعرى كيف حالك عندما ... تطاير كتب العالمين وتقسم أتأخذ باليمنى كتابك أم تري ... بيسراك خلف الظهر منك يسلم وتقرأ فيه كل شيء عملته ... فيشرق منك الوجه أو هو يظلم تقول كتابى هاؤم اقرؤوه لي ... تبشر بالجنات حقا وتعلم وإن تكن الأخرى فإنك قائل ... ألا ليتنى لم أوته فهو مغرم فلا والذى شق القلوب وأودع ال ... محبة فيها حيث لا تتصرم وحملها قلب المحب وإنه ... ليضعف عن حمل القميص ويألم وذللها حتى استكانت لصولة ال ... محبة لا تلوى ولا تتلعثم وذلل فيها أنفسا دون ذلها ... حياض المنايا فوقها هى حوم لقد فاز أقوام وحازوا مرابحا ... بتركهم الدنيا والإقبال منهم على ربهم طول الحياة وحبهم ... على نهج ما قد سنه فهم هم قاعدة شريفة عظيم القدر حاجة العبد إليها أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب والنفس بل وإلى الروح التى بين جنبيه. اعلم أن كل حى سوى الله فهو فقير إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره والمنفعة للحى من جنس النعيم واللذة والمضرة من جنس الألم والعذاب. فلابد من أمرين: أحدهما: هو المطلوب المقصود المحبوب الذى ينتفع به ويتلذذ به والثانى: هو المعين الموصل المحصل لذلك المقصود والمانع لحصول المكروه والدافع له بعد وقوعه. فها هنا أربعة أشياء: أمر محبوب مطلوب الوجود والثانى أمر مكروه مطلوب العدم والثالث الوسيلة إلى حصول المحبوب والرابع الوسيلة إلى دفع المكروه. فهذه الأمور الأربعة ضرورية للعبد بل ولكل حى سوى الله لا يقوم صلاحه إلا بها(1\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11656",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا عرف هذا فالله سبحانه وتعالى هو المطلوب المعبود المحبوب وحده لا شريك له وهو وحده المعين للعبد على حصول مطلوبه فلا معبود سواه ولا معين على المطلوب غيره وما سواه هو المكروه المطلوب بعده وهو المعين على دفعه فهو سبحانه الجامع للأمور الأربعة دون ما سواه وهذا معنى قول العبد: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5]  فإن هذه العبادة تتضمن المقصود المطلوب على أكمل الوجوه والمستعان هو الذى يستعان به على حصول المطلوب ودفع المكروه. فالأول من مقتضى ألوهيته والثانى من مقتضى ربوبيته لأن الإله هو الذى يؤله فيعبد محبة وإنابة وإجلالا وإكراما والرب هو الذى يرب عبده فيعطيه خلقه ثم يهديه إلى جميع أحواله ومصالحه التى بها كماله ويهديه إلى اجتناب المفاسد التى بها فساده وهلاكه. وفى القرآن سبعة مواضع تنتظم هذين الأصلين: أحدها قوله تعالى: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5]  الثانى قوله تعالى: عليه توكلت وإليه أنيب [هود: 88] [الشورى: 10]  الثالث قوله تعالى: فاعبده وتوكل عليه [هود: 123]  الرابع قوله تعالى: عليك توكلنا وإليك أنبنا [الممتحنة: 4]  الخامس قوله تعالى: وتوكل على الحى الذى لا يموت وسبح بحمده [الفرقان: 58]  السادس قوله: عليه توكلت وإليه متاب [الرعد: 30]  السابع قوله: واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا [المزمل: 8- 9]  ومما يقرر هذا أن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ومحبته والإخلاص له فبذكره تطمئن قلوبهم وبرؤيته فى الآخرة تقر عيونهم ولا شيء يعطيهم فى الآخرة أحب إليهم من النظر إليه ولا شيء يعطيهم فى الدنيا أحب إليهم من الإيمان به ومحبتهم له ومعرفتهم به وحاجتهم إليه فى عبادتهم له وتألههم له كحاجتهم إليه بل أعظم فى خلقه وربوبيته لهم ورزقه لهم فإن ذلك هو الغاية المقصودة التى بها سعادتهم وفوزهم وبها ولأجلها يصيرون عاملين متحركين ولا صلاح لهم ولا فلاح ولا نعيم ولا لذة ولا سرور بدون ذلك بحال فمن أعرض عن ذكر ربه فإن له معيشة ضنكا ويحشره يوم القيامة أعمى ولهذا لا يغفر الله لمن يشرك به شيئا ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ولهذا كانت: quot;لا إله إلا اللهquot; أفضل الحسنات. وكان توحيد الإلهية الذى كلمته لا إله إلا الله رأس الأمر فأما توحيد الربوبية الذى أقر به كل المخلوقات(1\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11657",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلا يكفى وحده وإن كان لا بد منه وهو حجة على من أنكر توحيد الألوهية. quot;فحق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحقهم عليه إذا فعلوا ذلك أن لا يعذبهمquot; وأن يكرمهم إذا قدموا عليه وهذا كما أنه غاية محبوب العبد ومطلوبه وبه سروره ولذته ونعيمه فهو أيضا محبوب الرب من عبده ومطلوبه الذى يرضى به ويفرح بتوبة عبده إذا رجع إليه وإلى عبوديته وطاعته أعظم من فرح من وجد راحلته التى عليها طعامه وشرابه فى أرض مهلكة بعد أن فقدها وأيس منها وهذا أعظم فرح يكون وكذلك العبد فلا فرح له أعظم من فرحه بوجود ربه وأنسه به وطاعته له وإقباله عليه وطمأنينته بذكره وعمارة قلبه بمعرفته والشوق إلى لقائه فليس فى الكائنات ما يسكن العبد إليه ويطمئن به ويتنعم بالتوجه إليه إلا الله سبحانه ومن عبد غيره وأحبه- وإن حصل له نوع من اللذة والمودة والسكون إليه والفرح والسرور بوجوده- ففساده به ومضرته وعطبه أعظم من فساد أكل الطعام المسموم اللذيذ الشهى الذى هو عذب فى مبدئه عذاب فى نهايته كما قال القائل: مآرب كانت فى الشباب لأهلها ... [عذابا] فصارت فى المشيب عذابا لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون [الأنبياء: 22]  فإن قوام السموات والأرض والخليقة بأن تأله الإله الحق فلو كان فيهما إله آخر غير الله لم يكن إلها حقا إذ الإله الحق لا شريك له ولا سمى له ولا مثل له فلو تألهت غيره لفسدت كل الفساد بانتفاء ما به صلاحها إذ صلاحها بتأله الإله الحق كما أنها لا توجد إلا باستنادها إلى الرب الواحد القهار ويستحيل أن تستند فى وجودها إلى ربين متكافئين فكذلك يستحيل أن تستند فى بقائها وصلاحها إلى إلهين متساويين. إذا عرف هذا فاعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا فى محبته ولا فى خوفه ولا فى رجائه ولا فى التوكل عليه ولا فى العمل له ولا فى الحلف به ولا فى النذر له ولا فى الخضوع له ولا فى التذلل والتعظيم والسجود والتقرب أعظم من حاجة الجسد إلى روحه والعين إلى نورها. بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به فإن حقيقة العبد روحه وقلبه ولا صلاح لها إلا بإلهها الذى لا إله إلا هو فلا تطمئن فى(1\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11658",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدنيا إلا بذكره وهى كادحة إليه كدحا فملاقيته ولا بد لها من لقائه ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له ورضاه وإكرامه لها ولو حصل للعبد من اللذات والسرور بغير الله ما حصل لم يدم له ذلك. بل ينتقل من نوع إلى نوع ومن شخص إلى شخص ويتنعم بهذا فى وقت ثم يتعذب به ولا بد فى وقت آخر وكثيرا ما يكون ذلك الذى يتنعم به ويلتذ به غير منعم له ولا ملذ بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده ويضره ذلك وإنما يحصل له بملابسته من جنس ما يحصل للجرب من لذة الأظفار التى تحكه فهى تدمى الجلد وتخرقه وتزيد فى ضرره وهو يؤثر ذلك لما له فى حكها من اللذة وهكذا ما يتعذب به القلب من محبة غير الله هو عذاب عليه ومضرة وألم فى الحقيقة لا تزيد لذته على لذة حك الجرب والعاقل يوازن بين الأمرين ويؤثر أرجحهما وأنفعهما والله الموفق المعين وله الحجة البالغة كما له النعمة السابغة. والمقصود أن إله العبد الذى لا بد له منه فى كل حالة وكل دقيقة وكل طرفة عين فهو الإله الحق الذى كل ما سواه باطل والذى أينما كان فهو معه وضرورته إليه وحاجته إليه لا تشبهها ضرورة ولا حاجة بل هى فوق كل ضرورة وأعظم من كل حاجة ولهذا قال إمام الحنفاء: لآ أحب الافلين [الأنعام:76] والله أعلم.(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11659",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "فصل: فى بيان أصلين عظيمين مبنى عليهما ما تقدم",
        "content": "فصل: فى بيان أصلين عظيمين مبنى عليهما ما تقدم وهذا مبنى على أصلين: أحدهما: أن نفس الإيمان بالله وعبادته ومحبته وإخلاص العمل له وإفراده بالتوكل عليه هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه كما عليه أهل الإيمان وكما دل عليه القرآن لا كما يقوله من يقول: إن عبادته تكليف ومشقة على خلاف مقصود القلب ولذته بل لمجرد الامتحان والابتلاء كما يقوله منكرو الحكمة والتعليل أو لأجل التعويض بالأجر لما فى إيصاله إليه بدون معاوضة منه تكدره أو لأجل تهذيب النفس ورياضتها واستعدادها لقبول العقليات كما يقوله من يتقرب إلى النبوات من الفلاسفة بل الأمر أعظم من ذلك كله وأجل بل أوامر المحبوب قرة العيون وسرور القلوب ونعيم الأرواح ولذات النفوس وبها كمال النعيم فقرة عين المحب فى الصلاة والحج وفرح قلبه وسرره ونعيمه فى ذلك وفى الصيام والذكر(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11660",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتلاوة وأما الصدقة فعجب من العجب وأما الجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والدعوة إلى الله والصبر على أعداء الله سبحانه فاللذة بذلك أمر آخر لا يناله الوصف ولا يدركه من ليس له نصيب منه وكل من كان به أقوم كان نصيبه من الالتذاذ به أعظم ومن غلظ فهمه وكثف طبعه عن إدراك هذا فليتأمل إقدام القوم على قتل آبائهم وأبنائهم وأحبابهم ومفارقة أوطانهم وبذل نحورهم لأعدائهم ومحبتهم للقتل وإيثارهم على البقاء وإيثار لوم اللائمين وذم المخالفين على مدحهم وتعظيمهم ووقوع هذا من البشر بدون أمر يذوقه من حلاوته ولذته وسروره ونعيمه ممتنع والواقع شاهد بذلك بل ما قام بقلوبهم من اللذة والسرور والنعيم أعظم مما يقوم بقلب العاشق الذى يتحمل ما يتحمله فى موافقة رضى معشوقه فهو يلتذ به ويتنعم به لما يعلم من سرور معشوقة به: فيا منكرا هذا تأخر فإنه ... حرام على الخفاش أن يبصر الشمسا فمن كان مراده وحبه الله وحياته فى معرفته ومحبته فى التوجه إليه وذكره وطمأنينته به وسكونه إليه وحده عرف هذا وأقر به. الأصل الثانى: كمال النعيم فى الدار الآخرة أيضا به سبحانه وتعالى: برؤيته وسماع كلامه وقربه ورضوانه لا كما يزعم من يزعم أنه لا لذة فى الآخرة إلا بالمخلوق من المأكول والمشروب والملبس والمنكوح بل اللذة والنعيم التام فى حظهم من الخالق تعالى أعظم وأعظم ما يخطر بالبال أو يدور فى الخيال وفى دعاء النبى صلى الله عليه وسلم الذى رواه الإمام أحمد فى مسنده وابن حبان والحاكم فى صحيحيهما: quot;أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك فى غير ضراء مضرة وفتنة مضلةquot; ولهذا قال تعالى فى حق الكفار: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم [المطففين: 15- 16]  فعذاب الحجاب من أعظم أنواع العذاب الذى يعذب به أعداءه ولذة النظر إلى وجه الله الكريم أعظم أنواع اللذات التى ينعم بها أولياؤه ولا تقوم حظوظهم من سائر المخلوقات مقام حظهم من رؤيته وسماع كلامه والدنو منه وقربه. وهذان الأصلان ثابتان بالكتاب والسنة وعليهما أهل العلم والإيمان ويتكلم(1\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11661",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيهما مشايخ الطريق العارفون وعليهما أهل السنة والجماعة وهما من فطرة الله التى فطر الناس عليها ويحتجون على من ينكرهما بالنصوص والآثار تارة وبالذوق والوجد وبالفطرة تارة وبالقياس والأمثال تارة. وقد ذكرنا مجموع هذه الطرق فى كتابنا الكبير فى المحبة الذى سميناه quot;المورد الصافى والظل الضافىquot; فى المحبة وأقسامها وأنواعها وأحكامها وبيان تعلقها بالإله الحق دون ما سواه وذكرنا من ذلك ما يزيد على مائة وجه. ومما يوضح ذلك ويزيده تقريرا أن المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا بضر ولا عطاء ولا منع بل ربه سبحانه الذى خلقه ورزقه وبصره وهداه وأسبغ عليه نعمة وتحبب إليه بها مع غناه عنه ومع تبغض العبد إليه بالمعاصى مع فقره إليه فإذا مسه الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإذا أصابه بنعمه فلا راد لها ولا مانع كما قال تعالى: وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا رآد لفضله يصيب به من يشآء من عباده وهو الغفور الرحيم [يونس: 107]  و ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم [فاطر: 2]  فالعبد لا ينفع ولا يضر ولا يعطى ولا يمنع إلا بإذن الله فالأمر كله لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا هو مقلب القلوب ومصرفها كيف يشاء المتفرد بالضر والنفع والعطاء والمنع والخفض والرفع ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين وهذا الوجه أعظم لعموم الناس من الوجه الأول ولهذا خوطبوا به فى القرآن أكثر من الأول لكن من تدبر طريقة القرآن تبين له أن الله سبحانه يدعو عباده بهذا الوجه إلى لأول فهذا الوجه يقتضى التوكل على الله والاستعانة به والدعاء له ومسألته دون ما سواه ويقتضى أيضا محبته وعبادته لإحسانه إلى عبده وإسباغ نعمه عليه فإذا عبده وأحبه وتوكل عليه من هذا الوجه دخل فى الوجه الأول. وهكذا كمن نزل به بلاء عظيم وفاقة شديدة أو خوف مقلق فجعل يدعو الله ويتضرع إليه حتى فتح له من لذيذ مناجاته له باب الإيمان به والإنابة إليه وما هو أحب إليه من تلك الحاجة التى قصدها أولا لكنه لم يكن يعرف ذلك أولا حتى يطلبه ويشتاق إليه فعرفه إياه بما أقامه له من الأسباب التى أوصلته إليه. والقرآن مملوء من ذكر حاجة العباد إلى الله دون ما سواه ومن ذكر(1\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11662",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نعمائه عليهم ومن ذكر ما وعدهم به فى الآخرة من صنوف النعيم واللذات وليس عند المخلوق شيء من هذا. فهذا الوجه يحقق التوكل على الله والشكر له ومحبته على إحسانه. ومما يوضح ذلك ويقويه أن فى تعلق العبد بما سوى الله مضرة عليه إذا أخذ منه القدر الزائد على حاجته المعينة له على عبودية الله ومحبته وتفريغ قلبه له فإنه إن نال من الطعام الشراب فوق حاجاته ضره أو أهلكه وكذلك من النكاح واللباس وإن أحب شيئا بحيث يخالله فلا بد أن يسأمه أو يفارقه فالضرر حاصل له إن وجد أو فقد فإن فقد تعذب بالفراق وتألم وإن وجد فإنه يحصل له من الألم أكثر مما يحصل له من اللذة. وهذا أمر معلوم بالاعتبار والاستقراء أن كل من أحب شيئا دون الله لغير الله فإن مضرته أكثر من منفعته وعذابه أعظم من نعيمه ويزيد ذلك إيضاحا أن اعتماده على المخلوق وتوكله عليه يوجب له الضرر من جهته فإنه يخذل من تلك الجهة. وهذا أيضا معلوم بالاعتبار والاستقراء فأنه ما علق العبد رجاءه وتوكله بغير الله إلا خاب من تلك الجهة ولا استنصر بغيره إلا خذل قال تعالى: واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا [مريم: 81- 82]  وقال تعالى: واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون [يس: 74-75] . وقال تعالى عن إمام الحنفاء أنه قال للمشركين: إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا [العنكبوت: 25]  ولما كان غاية صلاح العبد فى عبادة الله وحده واستعانته وحده كان فى عبادة غيره والاستعانة بغيره غاية مضرته. ومما يوضح الأمر فى ذلك ويبينه أن الله سبحانه غنى حميد كريم رحيم فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه يريد به الخير ويكشف عنه الضر لا لجلب منفعة إليه سبحانه ولا لدفع مضرة بل رحمة وإحسانا وجودا محضا فإنه رحيم لذاته محسن لذاته جواد لذاته كريم لذاته كما أنه غنى لذاته قادر لذاته حى لذاته فإحسانه وجوده وبره ورحمته من لوازم ذاته لا يكون إلا كذلك كما أن قيامه قدرته وغناه من لوازم ذاته فلا يكون إلا كذلك وأما(1\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11663",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العباد فلا يتصور أن يحسنوا إلا لحظوظهم فأكثر ما عندهم للعبد أن يحبوه ويعظموه ليجلبوا له منفعة ويدفعوا عنه مضرة وذلك من تيسير الله وإذنه لهم به فهو فى الحقيقة ولى هذه النعمة ومسديها ومجريها على أيديهم ومع هذا فإنهم يفعلون ذلك إلا لحظوظهم من العبد فإنهم إذا أحبوه طلبوا أن ينالوا غرضهم من محبته سواء أحبوه لجماله الباطن أو الظاهر فإذا أحبوا الأنبياء والأولياء فطلبوا لقاءهم فهم يحبون التمتع برؤيتهم وسماع كلامهم ونحو ذلك وكذلك من أحب إنسانا لشجاعته أو رياسته أو جماله أو كرمه فهو يحب أن ينال حظه من تلك المحبة ولولا التذاذه بها لما أحب ذلك وإن جلبوا له منفعة أو دفعوا عنه مضرة- كمرض وعدو- ولو بالدعاء فهم يطلبون العوض إذا لم يكن العمل لله فأجناد الملوك وعبيد المماليك وأجراء المستأجر وأعوان الرئيس كلهم إنما يسعون فى نيل أغراضهم به لا يعرج أكثرهم على قصد منفعة المخدوم إلا أن يكون قد علم وهذب من جهة أخرى فيدخل ذلك فى الجهة الدينية أو يكون فيه طبع عدل وإحسان من باب المكافأة والرحمة وإلا فالمقصود بالقصد الأول هو منفعة نفسه وهذا من حكمة الله التى أقام بها مصالح خلقه إذ قسم بينهم معيشتهم فى الحياة الدنيا ورفع بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا.(1\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11664",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "فصل: فى بيان منفعة الحق، ومنفعة الخلق، وما بينهما من التباين",
        "content": "فصل: فى بيان منفعة الحق ومنفعة الخلق وما بينهما من التباين إذا تبين هذا ظهر أن أحدا من المخلوقين لا يقصد منفعتك بالمقصد الأول بل إنما يقصد منفعته بك وقد يكون عليك فى ذلك ضرر إذا لم يراع المحب العدل فإذا دعوته فقد دعوت من ضره أقرب من نفعه. وأما الرب تبارك وتعالى فهو يريدك لك ولمنفعتك لا لينتفع بك وذلك منفعة لك محضة لا ضرر فيها فتدبر هذا حق التدبر وراعه حق المراعاة فملاحظة تمنعك أن ترجو المخلوق أو تطلب منه منفعته لك فإنه لا يريد ذلك البتة بالقصد الأول بل إنما يريد انتفاعه بك عاجلا أو آجلا فهو يريد نفسه لا يريدك ويريد نفع نفسه بك لا نفعك بنفسه فتأمل ذلك فإن فيه منفعة عظيمة وراحة ويأسا من المخلوقين سدا لباب عبوديتهم وفتحا لباب عبودية الله وحده فما أعظم حظ من عرف هذه المسألة ورعاها حق رعايتها. ولا يحملنك هذا على جفوة الناس وترك الإحسان إليهم واحتمال أذاهم بل أحسن إليهم لله لا لرجائهم(1\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11665",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكما لا تخافهم فلا ترجوهم ومما يبين ذلك أن غالب الخلق يطلبون إدراك حاجتهم بك وإن كان ذلك ضررا عليك فإن صاحب الحاجة أعمى لا يرى إلا قضاءها فهم لا يبالون بمضرتك إذا أدركوا منك حاجتهم بل لو كان فيها هلاك دنياك وآخرتك لم يبالوا بذلك. وهذا إذا تدبره العاقل علم أنه عداوة فى صورة صداقة وأنه لا أعدى للعاقل اللبيب من هذه العداوة فهم يريدون أن يصيروك كالكير ينفخ بطنك ويعصر أضلاعك فى نفعهم ومصالحهم بل لو أبيح لهم أكلك لجزروك كما يجزرون الشاة وكم يذبحونك كل وقت بغير سكين [لمصالحهم]  وكم اتخذوك جسرا ومعبرا لهم إلى أوطارهم وأنت لا تشعر وكم بعت آخرتك بدنياهم وأنت لا تعلم وربما علمت. وكم بعت حظك من الله بحظوظهم منك ورحت صفر اليدين وكم فوتوا عليك من مصالح الدارين وقطعوك عنها وحالوا بينك وبينها وقطعوا طريق سفرك إلى منازلك الأولى ودارك التى دعيت إليها وقالوا: نحن أحبابك وخدمك وشيعتك وأعوانك والساعون فى مصالحك. وكذبوا والله إنهم لأعداء فى صورة أولياء وحرب فى صورة مسالمين وقطاع طريق فى صورة أعوان. فواغوثاه ثم واغوثاه بالله الذى يغيث ولا يغاث يأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم [التغابن: 14]  يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون [المنافقون: 9] . فالسعيد الرابح من عامل الله فيهم ولم يعاملهم فى الله وخاف الله فيهم ولم يخفهم فى الله وأرضى الله بسخطهم ولم يرضهم بسخط الله وراقب الله فيهم ولم يراقبهم فى الله وآثر الله عليهم ولم يؤثرهم فى الله وأمات خوفهم ورجاءهم وحبهم من قلبه وأحى حب الله وخوفه ورجاءه فيه فهذا هو الذى يكتب عليهم وتكون معاملته لهم كلها ربحا بشرط أن يصبر على أذاهم ويتخذه مغنما لا مغرما وربحا لا خسرانا. ومما يوضح الأمر أن الخلق لا يقدر أحد منهم أن يدفع عنك مضرة البتة إلا بإذن الله ومشيئته وقضائه وقدره فهو فى الحقيقة الذى لا يأتى بالحسنات إلا هو ولا يذهب بالسيئات إلا هو: وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا رآد لفضله [يونس: 107]  قال النبى صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس: quot;واعلم(1\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11666",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن الخليقة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليكquot; وإذا كانت هذه حال الخلقة فتعليق الخوف والرجاء بهم ضار غير نافع. والله أعلم.(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11667",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "فصل: فى بيان أن المنفعة والمضرة لا تكون إلا من الله وحده",
        "content": "فصل: فى بيان أن المنفعة والمضرة لا تكون إلا من الله وحده وجماع هذا أنك إذا كنت غير عالم بمصلحتك ولا قادر عليها ولا مريد لها كما ينبغى فغيرك أولى أن لا يكون عالما بمصلحتك ولا قادرا عليها ولا مريدا لها والله سبحانه هو يعلم ولا تعلم ويقدر ولا تقدر ويعطيك من فضله لا لمعوضة ولا لمنفعة يرجوها منك ولا لتكثر بك ولا لتعزز بك ولا يخاف الفقر ولا تنقص خزائنه على سعة الإنفاق ولا يحبس فضله عنك لحاجة منه إليك واستغناه بحيث إذا أخرجه أثر ذلك فى غناه وهو يحب الجود والبذل والعطاء والإحسان أعظم مما تحب أنت الأخذ والانتفاع بما سألته فإذا حبسه عنك فاعلم أن هناك أمرين لا ثالث لهما: أحدهما أن تكون أنت الواقف فى طريق مصالحك وأنت المعوق لوصول فضله إليك وأنت حجر فى طريق نفسك وهذا هو الأغلب على الخليقة فإن الله سبحانه فيما قضى قضى به أن ما عنده لا ينال إلا بطاعته وأنه ما استجلبت نعم الله بغير طاعته ولا استديمت بغير شكره ولا عوقت وامتنعت بغير معصيته وكذلك إذا أنعم عليك ثم سلبك النعمة فإنه لم يسلبها لبخل منه ولا استئثار بها عليك وإنما أنت المسبب فى سلبها عنك فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم: ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم [الأنفال: 53]  فما أزيلت نعم الله بغير معصيته: إذا كنت فى نعمة فارعها ... فإن المعاصى تزيل النعم فآقتك من نفسك وبلاؤك من نفسك وأنت فى الحقيقة الذى بالغت فى عداوتك وبلغت من معاداة نفسك ما لا يبلغ العدو منك كما قيل: ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "73",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11668",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن العجب أن هذا شأنك مع نفسك وأنت تشكو المحسن البريء عن الشكاية وتتهم أقداره وتعانيها وتلومها فقد ضيعت فرصتك وفرطت فى حظك وعجز رأيك عن معرفة أسباب سعادتك وإرادتها ثم قعدت تعاتب القدر بلسان الحال والقال فأنت المعنى بقول القائل: وعاجز الرأى مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا ولو شعرت برأيك وعلمت من أين دهيت ومن أين أصبت لأمكنك تدارك ذلك ولكن قد فسدت الفطرة وانتكس القلب وأطفأ الهوى مصابيح العلم والإيمان منه فأعرضت عمن هو أصل بلائك ومصيبتك منه وأقبلت تشكو من كل إحسان دقيق أو جليل وصل إليك فمنه فإذا شكوته إلى خلقه كنت كما قال بعض العارفين- وقد رأى رجلا يشكو إلى آخر ما أصابه ونزل به- فقال: يا هذا تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك. وإذا أتتك مصيبة فاصبر لها ... صبر الكريم فإنه بك أرحم وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ... تشكو الرحيم إلى الذى لا يرحم وإذا علم العبد حقيقة الأمر وعرف من أين أتى ومن أى الطرق أغير على سرحه ومن أى ثغرة سرق متاعه وسلب استحى من نفسه- إن لم يستح من الله- أن يشكو أحدا من خلقه أو يتظلمهم أو يرى مصيبته وآفته من غيره قال تعالى ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير [الشورى:30]  وقال: أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم [آل عمران: 165]  وقال: مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك [النساء: 79] . فإن أصررت على اتهام القدر وقلت: فالسبب الذى أصبت منه وأتيت منه ودهيت منه قد سبق به القدر والحكم وكان فى الكتاب مسطورا فلا بد منه على الرغم منى وكيف لى أن أنفك منه وقد أودع الكتاب الأول قبل بدء الخليقة والكتاب الثانى قبل خروجى إلى هذا العلم وأنا فى ظلمات الأحشاء حين أمر الملك بكتب الرزق(1\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "74",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11669",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والأجل والسعادة والشقاوة فلو [جريت] إلى سعادتى ما جريت حتى بقى بينى وبينها شبر لغلب على الكتاب فأدركتنى الشقاوة فما حيلة من قلبه بيد غيره يقلبه كيف يشاء ويصرفه كيف أراد إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه وهو الذى يحول بين عوارى المرء وقلبه وهو الذى يثبت قلب العبد إذا شاء ويزلزله إذا شاء فالقلب مربوب مقهور تحت سلطانه لا يتحرك إلا بإذنه ومشيئته قال أعلم الخلق بربه صلوات وسلامه عليه: quot;ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغهquot; ثم قال: quot;اللهم مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينكquot; وكان أكثر يمينه: quot;لا ومقلب القلوبquot; وقال بعض السلف: quot;مثل القلب مثل الريشة فى أرض فلاة تقلبها الرياح ظهرا لبطنquot; فما حيلة قلب هو بيد مقلبه ومصرفه [وقل] له مشيئة بدون مشيئته كما قال تعالى: وما تشآءون إلا أن يشآء الله رب العالمين [التكوير: 29]  وروى عن عبد العزيز ابن أبى حازم عن أبيه عن سهل بن سعد قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله عز وجل: أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالهآ [محمد: 24]  وغلام جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بلى والله يا رسول الله إن عليها لأقفالها ولا يفتحها إلا الذى أقفلها. فلما ولى عمر بن الخطاب طلبه ليستعمله وقال: quot;لم يقل ذلك إلا من عقلquot; قال طاوس: أدركت ثلاثمائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: كل شيء بقدر. وقال أيوب السختيانى: أدركت الناس وما كلامهم إلا: إن قضى إن قدر. وقال عطاء عن ابن عباس فى قوله تعالى: إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون [الجاثية: 29]  قال: كتب الله أعمال بنى آدم وما هم عاملون إلى يوم القيامة. قال: والملائكة تستنسخ ما يعمل بنو آدم يوما بيوم فذلك قوله: إن كنا نستنسخ ما كنتم تعملون [الجاثية 29] وفى الآية قول آخر: إن استنساخ الملائكة هو كتابتهم لما يعمل بنو آدم بعد أن يعملوه وقد يقال وهو الأظهر: إن الآية تعم الأمرين فيأمر الله ملائكته فتستنسخ من أم الكتاب أعمال بنى آدم ثم يكتبونها عليهم إذا عملوها فلا تزيد على ما نسخوه من أم الكتاب ذرة ولا تنقصها وقال على بن أبى طلحة عن ابن عباس فى قوله تعالى: إنا كل شيء خلقناه بقدر [القمر: 49] (1\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "75",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11670",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خلق الله الخلق كلهم بقدر وخلق الخير والشر فخير الخير السعادة وشر الشر الشقاوة. وفى صحيح مسلم عن أبى الأسود الدؤلى قال: قال لى عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون أشيء قضى عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون ممن أتاهم به نبيهم وثبتت به الحجة قال: قلت: لا بل فيما قضى عليهم ومضى قال: أفيكون ذلك ظلما قال: ففزعت فزعا شديدا وقلت: إنه ليس شيء إلا خلقه وملكه: ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون [الأنبياء: 23]  فقال: سددك الله إنما سألتك لأحرز عقلك. إن رجلا من مزينة- أو جهينة- أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس ويتكادحون فيه أشيء قضى عليهم ومضى أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم قال: فيما قضى عليهم ومضى. فقال الرجل: ففيم العمل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;من كان خلقه الله لإحدى المنزلتين فسيستعمله لهاquot; وتصديق ذلك فى كتاب الله عز وجل: ونفس وما سواها فألهمها فج ورها وتقواها [الشمس: 7- 8]  وقال مجاهد فى قوله تعالى: إننى أعلم ما لا تعلمون [البقرة: 30]  قال: علم إبليس المعصية وخلقه لها. وقال تعالى: فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة [الأعراف: 30]  قال ابن عباس: إن الله سبحانه بدأ خلق ابن آدم مؤمنا وكافرا ثم قال: هو الذى خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن [التغابن: 2]  ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمن وكافر. وقال سعيد بن جبير: عن ابن عباس فى قوله تعالى: واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه [الأنفال: 24]  قال: يحول بين المؤمن والكفر ومعاصى الله ويجول بين الكافر والإيمان وطاعة الله. وقال ابن عباس ومالك وجماعة من السلف فى قوله تعالى: ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم [هود: 118- 119]  قالوا: خلق أهل الرحمة للرحمة وأهل الاختلاف للاختلاف. وقال تعالى: ولو شاء الله ما اقتتلوا [البقرة: 253 ولو شئنا لاتينا كل نفس هداها [السجدة:13]  ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا [يونس: 99]  ولو شاء الله لجمعهم على الهدي [الأنعام: 35]  ولو شاء ربك ما فعلوه [الأنعام: 112]  وقال تعالى:(1\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "76",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11671",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب [الأعراف: 37] أى نصيبهم مما كتب لهم. وقال: كذلك سلكناه فى قلوب المجرمين [الشعراء: 200]  قال الحسن وغيره: الشرك والتكذيب. وقال تعالى: كلا إن كتاب الفجار لفى سجين [المطففين: 7]  قال محمد بن كعب القرظى: رقم الله سبحانه كتاب الفجار فى أسفل الأرض فهم عاملون بما قدر رقم عليهم فى ذلك الكتاب ورقم كتاب الأبرار فجعله فى عليين فهم يؤتى بهم حتى يعملوا ما قدر رقم عليهم فى ذلك الكتاب. وقال ابن عباس: تبت يدا أبى لهب [المسد: 1]  بما جرى من القلم فى اللوح المحفوظ وقال مجاهد فى قوله تعالى: وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا [يس: 9]  قال: عن الحق. وفى قوله: وجعلنا على قلوبهم أكنة [الإسراء: 46]  قال: فالجعبة فيها السهام وقال ابن عباس فى قوله تعالى: وأضله الله على علم [الجاثية: 23]  قال: أضله فى سابق علمه وقال فى قوله تعالى حكاية عن عدوه إبليس: فبما أغويتنى [الأعراف: 16]  قال: أضللتنى وقال فى قوله: مآ أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم [الصافات: 162- 163]  قال: من قضيت له أنه صال الجحيم. وقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يعصى لم يخلق إبليس وقد فصل لكم وبين لكم ما أنتم عليه بفاتنين إلا من قدر أن يصلى الجحيم. وقال وهيب بن خالد: أنبأنا خالد قال: قلت للحسن: ألهذه خلق آدم- يعنى السماء- أم للأرض فقال: لا بل للأرض. قال: قلت أرأيت لو اعتصم من الخطيئة فلم يعملها أكان ترك فى الجنة قال: سبحانه الله أكان له بد من أن يعملها وقال تعالى: وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا [الأنبياء:73]  وقال تعالى: وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار [القصص: 41]  وقال: واجعلنا للمتقين إماما [الفرقان: 74]  أى أئمة يهتدى بنا ولا تجعلنا أئمة ضالين يدعون إلى النار وقال: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه [الأنعام: 28]  وقال: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة [الأنعام: 110]  وقال: ولو أننا نزلنآ إليهم الملآئكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا(1\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "77",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11672",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليؤمنوا إلا أن يشآء الله [الأنعام: 111]  وقال زيد بن أسلم: والله ما قالت القدرية كما قال الله ولا كما قال رسله ولا كمال قال أهل الجنة ولا كما قال أهل النار ولا كما قال أخوهم إبليس قال الله عز وجل: وما تشاءون إلا أن يشاء الله [الإنسان: 30] [التكوير: 29]  وقالت الملائكة: لا علم لنا إلا ما علمتنا [البقرة: 32]  وقال شعيب: وما يكون لنآ أن نعود فيهآ إلا أن يشآء الله [الأعراف: 89]  وقال أهل الجنة: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولآ أن هدانا الله [الأعراف: 43]  وقال أهل النار: غلبت علينا شقوتنا [المؤمنون: 106]  وقال أخوهم إبليس: رب بمآ أغويتني [الحجر: 39]  وقال مجاهد فى قوله: وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه [الإسراء: 13]  قال: مكتوب فى عنقه شقى أو سعيد. وقال ابن عباس فى قوله: ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا [المائدة: 41] يقول: ومن يرد الله ضلالته لم تغن عنه شيئا. وذكر الطبرى وغيره من حديث سويد بن سعد عن سوار بن مصعب عن أبى حمزة عن مقسم عن ابن عباس: صعد النبى صلى الله عليه وسلم المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم بسط يده اليمنى فقال: quot;بسم الله الرحمن الرحيم كتاب من الله الرحمن الرحيم لأهل الجنة بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم فجمل أولهم على آخرهم لا ينقص منهم ولا يزاد فيهم فرغ ربكم وقد يسلك بأهل السعادة طريق الشقاء حتى يقال [لا ينقض منهم ولا يزاد فيهم. فرغ ربكم. وقد يسلك بأهل السعادة طريق الشقاء حتى يقال] كأنهم هم بل هم هم ما أشبههم بهم بل هم هم فيردهم ما سبق لهم من الله من السعادة فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها قبل موته بفواق ناقة وقد يسلك بأهل الشقاء طريق السعادة حتى يقال كأنهم هم بل هم هم ما أشبههم بهم بل هم هم فيردهم ما سبق لهم من الله فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ولو قبل موته بفواق ناقة فصاحب الجنة مختوم له بعمل أهل الجنة وإن عمل عمل أهل النار وصاحب النار مختوم له بعمل أهل النار وإن عمل بعمل أهل الجنة ثم قال رسول الله: quot;الأعمال بخواتيمهاquot; وقال على بن أبى طلحة عن ابن عباس فى قوله تعالى: إن الذين كفروا سوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون [البقرة: 6]  وفى قوله: ولو شآء الله لجمعهم على الهدى [الأنعام:35]  وفى قوله فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله(1\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "78",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11673",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يجعل صدره ضيقا حرجا [الأنعام: 125]  وفى قوله: ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشآء الله [الأنعام: 111]  وفى قوله: ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها [السجدة: 13]  وقوله: ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا [يونس: 99]  وقوله: إنا جعلنا فى أعناقهم أغلالا [يس: 8]  وقوله: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا [الكهف: 28]  ونحو هذا من القرآن إن رسول الله كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة فى الذكر الأول ثم قال لنبيه: لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين [الشعراء: 3]  ويقول: إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين [الشعراء: 4]  ثم قال: ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده [فاطر: 2]  ويقول: ليس لك من الأمر شيء [آل عمران: 128]  وفى صحيح مسلم عن طاووس: أدركت ناسا من أصحاب رسول الله يقولون: كل شيء بقدر. وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;كل شيء بقدر حتى العجز والكيسquot; وفى صحيح مسلم [أيضا] عن عبد الله بن [عمر] قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;كتب الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماءquot; وفى صحيحه أيضا عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير. فاحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أنى فعلت كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء الله فعل. فإن لو تفتح عمل الشيطانquot; وفى صحيحه أيضا عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;إن النذر لا يقدر لابن آدم شيئا لم يكن الله قدره ولكن النذر يوافق القدر فيخرج ذلك من البخيل ما لم يكن يريد أن يخرجهquot; وفي حديث جبرائيل وسؤاله النبى صلى الله عليه وسلم عن الإيمان قال: quot;الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشرهquot; وفى الصحيحين حديث ابن مسعود فى التخليق وفيه: quot;فوالذى لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب(1\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "79",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11674",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلهاquot; وذكر الطبرى الحسن بن على الطوسى أنبأنا محمد بن يزيد الأسفاطى البصرى محدث البصرة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى النوم فقلت: يا رسول الله حديث عبد الله بن مسعود حدثنى الصادق المصدوق- أعنى حديث القدر- فقال: إى والله الذى لا إله إلا هو حدثت به رحم الله عبد الله بن مسعود حيث حدث به ورحم الله حيث حدث به ورحم الله الأعمش حيث حدث به ورحم الله من حدث به قبل الأعمش ورحم الله من يحدث به بعد الأعمش. وفى صحيح مسلم عن ابن مسعود: quot;الشقى من شقى فى بطن أمه والسعيد من وعظ بغيرهquot; وقد روى حديث تقدير السعادة والشقاوة فى بطن الأم من حديث عبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وعبد الله بن عمر وعائشة أم المؤمنين وحذيفة بن أسيد وأبى هريرة. وقال أبو الحسن بن عبيد الحافظ: سمعت أبا عبد الله بن أبى خيثمة يقول: سمعت عمرو بن على الفلاس يقول: انحدرت من سر من رأى إلى بغداد فى حاجة لى فبينما أنا أمشى فى بعض الطريق إذا بجمجة قد نحرت فأخذتها فإذا على الجبهة مكتوب quot;شقىquot; والياء مكسورة إلى خلف. وهؤلاء كلهم أئمة حفاظ ذكره الطبرى فى السنة. وفى الصحيحين حديث [على عن] النبى صلى الله عليه وسلم: quot;ما منكم من أحد إلا كتب مقعده من النار ومقعده من الجنةquot; فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل فقال: quot;اعملوا فكل ميسر لما خلق له: أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوةquot; ثم قرأ: فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسري [الليل: 5- 10] وفى الصحيحين عن عمران بن حصين أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل: أعلم أهل الجنة من أهل النار قال: quot;نعمquot; قيل [له] : ففيم يعمل [العالمون]  قال: quot;نعم كل ميسر لما خلق لهquot;. وفى صحيح مسلم عن عائشة قالت: quot;دعى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] إلى جنازة غلام من الأنصار فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يدرك السوء ولم يعمله قال: quot;أو غير ذلك إن الله تعالى خلق للجنة أهلا خلقهم(1\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "80",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11675",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لها وهم فى أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم فى أصلاب آبائهمquot; وفى الصحيحين عن ابن عباس عن أبى بن كعب عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: quot;الغلام الذى قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفراquot; وفى مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;إن الله خلق الخلق فى [ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره وفى لفظ فجعلهم فى] واحدة فأخذ من نوره فألقاه على تلك الظلمة فمن أصابه النور اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك أقول: جف القلم على علم اللهquot; وذكر راشد بن سعد عن أبى عبد الرحمن السلمى أن أبا قتادة سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول: quot;خلق الله آدم وأخرج الخلق من ظهره فقال: هؤلاء فى الجنة ولا أبالى وهؤلاء فى النار ولا أبالىquot; قال: قيل: على ما نعمل قال: quot;على مواقع القدرquot; وذكر أبو داود فى كتاب القدر عن عبد الله بن مسعود أنه مر على رجل فقالوا: هذا هذا.. ونالوا منه فقال عبد الله: أرأيتم لو قطعتم يده كنتم تستطيعون أن تخلقوا له يدا قالوا: لا [قال فلو قطع رجله أكنتم تستطيعون أن تخلقوا له رجلا قالوا لا] . قال: فلو قطع رأسه كنتم تستطيعون أن تخلقوا له رأسا قالوا: لا قال: فكما لا تستطيعون أن تغيروا خلقه لا تستطيعون أن تغيروا خلقه إن النطفة إذا وقعت فى الرحم بعث الله ملكا فكتب أجله وعمله ورزقه وشقى أو سعيد. وذكر فيه عن ابن مسعود مرفوعا: quot; إنما هما اثنتان: الهدى والكلام فأحسن الكلام كلام الله وأحسن الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وإن كل بدعة ضلالة وإن كل ما هو آت قريب وإن الشقى من شقى فى بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره quot; وقال ابن وهب: أخبرنى يونس عن ابن شهاب أن عبد الرحمن ابن هنيدة حدثه أن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;إذا أراد الله أن يخلق النسمة قال ملك الأرحام تعرفا: يا رب أذكر أم أنثى فيقضى الله أمره [ثم يقول: يا رب أشقى أم سعيد فيقضى الله أمره]  ثم يكتب بين عينيه ما هو لاق حتى النكبة ينكبهاquot; وقال الليث عن عقيل عن ابن شهاب: أخبرنى أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكره سواء. قال الزهرى: وحدثنى عبد الرحمن بن أذينة عن ابن عمر.. مثل ذلك. وذكر أبو داود أيضا عن عائشة يرفعه: quot;إن(1\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "81",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11676",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله حين يريد أن يخلق الخلق يبعث ملكا فيدخل على الرحم فيقول: أى رب ماذا فيقول: غلام أو جارية أو ما شاء الله أن يخلق فى الرحم. فيقول: أى رب أشقى أم سعيد فيقول: شقى أو سعيد. فيقول: أى رب ما أضله فيقول كذا وكذا. فتقول أى رب ما خلقه فيقول: كذا وكذا قال: فيقول: يا رب ما خلائقه فيقول: كذا وكذا قال: فما من شيء إلا وهو يخلق معه فى الرحمquot; وذكر ابن وهب عن ابن لهيعة عن بكر بن سوادة عن أبى تميم الجيشانى عن أبى ذر أن المنى إذا مكث فى الرحم أربعين ليلة أتاه ملك النفوس فعرج به إلى الرب [تعالى] فى راحته فيقول: يا رب عبدك ذكر أم أنثى فيقضى الله ما هو قاض. أشقى أم سعيد فيكتب ما هو لاق بين عينية. قال أبو تميم: وقرأ أبو ذر من فاتحة سورة التغابن خمس آيات. وقال ابن وهب: أخبرنى ابن لهيعة عن كعب بن علقمة عن عيسى بن هلال عن عبد الله ابن عمرو بن العاص أنه قال: إذا مكثت النطفة فى رحم المرأة أربعين يوما جاءها ملك فاختلجها ثم عرج بها إلى الرحمن عز وجل فقال: اخلق يا أحسن الخالقين. فيقضى الله فيها بما يشاء من أمره ثم يدفع إلى الملك فيسأل الملك عن ذلك فيقول: يا رب سقط أم تم فيبين له ثم يقول: يا رب واحد أو توأم فيبين له ثم يقول: يا رب ذكر أم أنثى فيبين له فيقول: يا رب أناقص الأجل أم تام الأجل فيبين له ذلك ثم يقول: يا رب أشقى أم سعيد فيبين له ثم يقول: يا رب اقطع رزقه مع [خلقه]  فيهبط بهما جميعا. فوالذى نفسى بيده ما ينال من الدنيا إلا ما قسم له فإذا أكل رزقه قبضquot;. وفى صحيح مسلم: عن حذيفة بن أسيد يبلغ به النبى صلى الله عليه وسلم قال: quot;يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر فى الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة فيقول: يا رب أشقى أم سعيد فيكتبان فيقول: يا رب أذكر أم أنثى فيكتبان ويكتب عمله وأثره ورزقه ثم تطوى الصحف ولا يزاد فيها ولا ينقصquot;. وفى الصحيحين عن أنس بن مالك- ورفع الحديث- قال: quot;إن الله وكل بالرحم ملكا فيقول: أى رب نطفة أى رب علقة أى رب مضغة فإذا أراد الله أن يقضى خلقا قال الملك: أى رب ذكر أو أنثى شقى أو سعيد فما الرزق فما الأجل فيكتب ذلك فى بطن أمهquot;. وفى الصحيحين من حديث(1\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "82",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11677",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم: quot;إن أحدكم يجمع خلقه فى بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم ينفخ فيه الروح ويبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقى أو سعيدquot;. وفى حديث ابن مسعود أن هذا التقدير وهذه الكتابة فى الطور الرابع من أطوار التخليق عند نفخ الروح فيه وفى الأحاديث التى ذكرت أيضا آنفا أن ذلك فى الأربعين الأولى قبل كونه علقة ومضغة وفى رواية صحيحة: quot;إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدهاquot; وفى رواية: quot;إن ذلك يكون فى بضع وأربعين ليلةquot; والله أعلم. فصل: فى الجمع بين الروايات المتقدمة الجمع بين هذه الروايات أن للملك ملازمة ومراعاة بحال النطفة وأنه يقول: يا رب هذه نطفة هذه علقة هذه مضغة فى أوقاتها. فكل وقت يقول فيه ما صارت إليه بأمر الله [تعالى]  وهو أعلم بها وبكلام الملك فتصرفه فى أوقات: أحدها حين يخلقها الله نطفة ثم ينقلها علقة وهو أول أوقات علم الملك بأنه ولد لأنه ليس كل نطفة تصير ولدا وذلك بعد الأربعين الأولى فى أول الطور الثانى. ولهذا- والله أعلم- وقعت الإشارة إليه فى أول سورة أنزلها على رسوله: إقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الإنسان من علق [العلق: 1- 2] إذ خلقه من علقة هو أول مبدء الإنسانية وحينئذ يكتب رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته ثم للملك فيه تصرف آخر [فى وقت آخر] وهو تصويره وتخليق سمعه وبصره وجلده وعظمه ولحمه وذكوريته وأنوثيته وهذا إنما يكون فى الأربعين الثالثة قبل نفخ الروح فيها فإن نفخ الروح لا يكون إلا بعد تمام تصويره. فها هنا تقديران وكتابان: التقدير الأول عند ابتداء تعليق التخليق فى النطفة وهو إذا مضى عليها أربعون ودخلت فى طور العلقة. ولهذا فى إحدى الروايات: quot;إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلةquot;. والتقدير الثانى الكتابة [الثانية] إذا كمل تصويره وتخليقه وتقدير أعضائه وكونه ذكرا أو أنثى. فالتقدير الأول تقدير لما يكون للنطفة بعد الأربعين والتقدير الثانى تقدير لما يكون للجنين بعد تصويره ثم إذا ولد قدر مع ولادته كل سنة ما يلقاه فى تلك السنة وهو ما يقدر ليلة القدر(1\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "83",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11678",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من العام إلى العام فهذا التقدير أخص من التقدير الثانى والثانى أخص من الأول ونظير هذا أيضا أن الله [سبحانه] قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ثم قدر مقادير هذا الخلق حين خلقهم وأوجدهم ثم يقدر كل سنة فى ليلة القدر ما يكون فى ذلك العام. وهكذا تقدير أمر النطفة وشأنها يقع بعد تعلقها بالرحم وبعد كمال تصوير الجنين وقد تقدم ذكر تقدير شأنها قبل خلق السموات والأرض فهو تقدير بعد تقدير. ونظير هذا أيضا رفع الأعمال وعرضها على الله فإن عمل العام يرفع فى شعبان كما أخبر به الصادق المصدوق أنه شهر ترفع فيه الأعمال قال: quot;فأحب أن يرفع عملى وأنا صائمquot; ويعرض عمل الأسبوع يوم الاثنين والخميس كما ثبت ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم ويعرض عمل اليوم فى آخره والليلة فى آخرها كما فى حديث أبى موسى الذى رواه البخارى عن النبى صلى الله عليه وسلم: quot;أن الله لا ينام ولا ينبغى له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليلquot; فهذا الرفع والعرض اليومى أخص من العرض يوم الاثنين والخميس والعرض فيها أخص من العرض فى شعبان ثم إذا انقضى الأجل رفع العمل كله وعرض على الله وطويت الصحف وهذا عرض آخر. وهذه المسائل العظيمة القدر من أهم فإن قيل: ما تقولون فى قوله: quot;إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى فيقضى ربك ما شاء ويكتب الملك. ثم يقول: يا رب أجله فيقول ربك ما شاء ويكتب الملكquot; وهذه بعض ألفاظ مسلم فى الحديث وهذا يوافق الرواية الأخرى: quot;يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر فى الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة فيقول: يا رب أشقى [أم] سعيد quot; ويوافق مسائل الإيمان بالقدر فصلوات الله وسلامه على كاشف الغمة وهادى الأمة محمد صلى الله عليه وسلم. الرواية الأخرى: quot;إن النطفة تقع فى الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الملك وهذا يدل على أن تصويرها عقيب الأربعين الأولى. قيل: لا ريب أن التصوير المحسوس وخلق الجلد والعظم واللحم إنما يقع فى الأربعين الثالثة لا يقع عقيب الأولى هذا أمر معلوم بالضرورة فأما أن يكون المراد بالأربعين فى هذه الألفاظ الأربعين الثالثة وسمى المضغة فيها نطفة اعتبارا(1\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "84",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11679",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأول أحوالها وما كانت عليه أو يكون المراد بها الأربعين الأولى وسمى كتابة [تصويرها وتخليقها] وتقديره اعتبارا بما يئول فيكون قوله: quot;صورها وخلق سمعها وبصرهاquot; أى قدر ذلك وكتبه وأعلم به ثم يفعله به بعد الأربعين الثالثة أو يكون المراد به- أى الأربعين- الأربعين الأولى وحقيقة التصوير فيها فيتعين حمله على تصوير خفى لا يدركه إحساس البشر فإن النطفة إذا جاوزت الأربعين انتقلت علقة وحينذ يكون أول مبدإ التخليق فيكون مع هذا المبدإ مبدأ التصوير الخفى الذى لا يناله الحس ثم إذا مضت الأربعون الثالثة صورت التصوير المحسوس المشاهد فأحد التقديرات الثلاثة يتعين ولا بد ولا يجوز غير هذا البتة إذ العلقة لا سمع فيها ولا بصر ولا جلد ولا عظم وهذا التقدير الثالث أليق بألفاظ الحديث وأشبه وأدل على القدر والله أعلم بمراد رسوله غير أنا لا نشك أن التخليق المشاهد والتقسيم إلى الجلد والعظم واللحم إنما يكون بعد الأربعين الثالثة والمقصود أن كتابة الشقاوة والسعادة وما هو لاق [كان] عند أول تخليقه. ويحتمل وجها رابعا وهو أن النطفة فى الأربعين الأولى لا يتعرض إليها ولا يعتنى بشأنها فإذا جاوزتها وقعت فى أطوار التخليق طورا بعد طور ووقع حينئذ التقدير والكتابة. فحديث ابن مسعود صريح بأن وقوع ذلك بعد الطور الثالث عند تمام كونها مضغة وحديث حذيفة بن أسيد وغيره من الأحاديث المذكورة إنما فيه وقوع ذلك بعد الأربعين ولم يوقت فيها البعدية بل أطلقها وقد قيدها ووقتها فى حديث ابن مسعود والمطلق فى مثل هذا يحمل على المقيد بلا ريب فأخبر بما تكون النطفة بعد الطور الأول من تفاصيل شأنها وتخليقها وما يقدر لها وعليها وذلك يقع فى أوقات متعددة وكله بعد الأربعين الأولى وبعضه متقدم على بعض كما أن كونها علقة يتقدم على كونها مضغة وكونها مضغة متقدم على تصويرها والتصوير متقدم على نفخ الروح مع ذلك فيصح أن يقال: إن النطفة بعد الأربعين تكون علقة ومضغة ويصور خلقها وتركب فيها العظام والجلد ويشق لها السمع والبصر وينفخ فيها الروح ويكتب شقاوتها وسعادتها. وهذا لا يقتضى وقوع ذلك كله عقيب الأربعين الأولى من غير فصل. وهذا وجه حسن جدا. والمقصود أن تقدير الشقاوة والسعادة والخلق والرزق سبق خروج العبد إلى دار(1\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "85",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11680",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدنيا فأسكنه الجنة أو النار وهو فى بطن أمه. وفى الصحيحين عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالةquot; الحديث. وفى صحيح البخارى عن أبى سعيد عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: quot;ما بعث الله من نبى ولا استخلف من خليفة إلا كان له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه والمعصوم من عصمه اللهquot; وفى سنن ابن ماجه عن عدى بن حاتم أنه قال: أتيت النبى صلى الله عليه وسلم فقال: quot;يا عدى أسلم تسلمquot; قلت: وما الإسلام قال: quot;تشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله وتؤمن بالأقدار كلها خيرها وشرها وحلوها ومرهاquot; وفى صحيح البخارى من حديث الحسن عن عمرو بن تغلب قال: أتى النبى صلى الله عليه وسلم مال فأعطى قوما ومنع آخرين فبلغه أنهم عتبوا فقال: quot;إنى أعطى الرجل وأدع الرجل والذى أدع أحب إلى من الذى أعطى أعطى أقواما لما فى قلوبهم من الجزع والهلع وأكل أقواما إلى ما جعل الله فى قلوبهم من القناعة والخير الحديث. وفى الصحيحين من حديث عمران بن حصين عن النبى صلى الله عليه وسلم: quot;كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وخلق السموات والأرض وكتب فى الذكر كل شيءquot;. وفى الصحيح عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لأشج عبد القيس: quot;إن فيك لخلقين يحبهما الله: الحلم والأناةquot; قال: يا رسول الله خلقين تخلقت بهما أم جبلت عليهما قال: quot;بل جبلت عليهماquot; قال: الحمد لله الذى جبلنى على خلقين يحبهما الله. وقال أبو هريرة: قال النبى صلى الله عليه وسلم: quot;جف القلم بما أنت لاقquot; رواه البخارى تعليقا. وذكر البخارى أيضا عن ابن عباس فى قوله تعالى: أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون [المؤمنون: 61] قال: سبقت لهم السعادة. وفى سنن أبى داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وأبى بن كعب وزيد بن ثابت: quot;أن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته لهم خيرا لهم من أعمالهم ولو أنفقت مثل أحد ذهبا فى سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مت على غير هذا لدخلت النارquot; وقاله زيد بن ثابت عن النبى صلى الله عليه وسلم. وفى سنن أبى داود عن أبى(1\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "86",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11681",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حفص الشامى قال: قال عبادة بن الصامت: يا بنى إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب قال: يا رب وما أكتب قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعةquot; يا بنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;من مات على غير هذا فليس منىquot;. وفىالصحيحين عن على رضى الله عنه قال: كنا فى جنازة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ببقيع الغرقد فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس ومعه مخصرة فجعل ينكت بالمخصرة فى الأرض ثم رفع رأسه فقال: quot;ما منكم من أحد من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها من النار أو الجنة إلا قد كتبت شقية أو سعيدةquot;. قال: فقال رجل من القوم: يا نبى الله أو لا نتكل على كتابنا وندع العمل فمن كان من أهل السعادة ليكونن إلى السعادة ومن كان من أهل الشقاوة ليكونن إلى الشقاوة قال: quot;اعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة فييسرون للسعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون للشقاوةquot; ثم قرأ نبى الله: فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى [الليل:5-10] . وفى السنن الأربعة عن مسلم بن يسار الجهنى أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم [الأعراف: 172]  فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سئل عنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;خلق الله آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملونquot; قال رجل: يا رسول الله ففيم العمل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النارquot; وفى الترمذى عن أبى موسى الأشعرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيبquot;. قال الترمذى: حديث حسن صحيح. وذكر الطبرى من حديث مالك بن عبد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود: quot;لا [تكثر] همك ما يقدر يكن وما ترزق(1\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "87",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11682",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يأتكquot; وذكر عن طارق بن شهاب عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;بعثت داعيا ومبلغا وليس إلى من الهدى شيء. وخلق إبليس مزينا وليس إليه من الضلالة شيءquot; وقال ابن وهب: [أخبرنا] عبد الرحمن بن سليمان عن عقيل عن عكرمة عن ابن عباس قال: خرج النبى صلى الله عليه وسلم فسمع ناسا من أصحابه يذكرون القدر فقال: إنكم قد أخذتم فى شعبتين بعيدتى الغور فيهما هلك أهل الكتاب من قبلكمquot; ولقد أخرج يوما كتابا فقال: quot;هذا كتاب من الله الرحمن الرحيم فيه تسمية أهل الجنة بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم فحمل على آخرهم لا ينقص منهم أحد: فريق فى الجنة وفريق فى السعيرquot;. وفى الترمذى عن ابن عباس قال: ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: quot;يا غلام ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله فى الرخاء يعرفك فى الشدة إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله رفعت الأقلام وجفت الصحف لو جهدت الأمة على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو جهدت الأمة على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسراquot;. وفى بعض روايات الحديث فى غير الترمذى: quot;فلو أن الناس اجتمعوا على أن يعطوك شيئا لم يعطه الله لم يقدروا عليه ولو أن الناس اجتمعوا على أن يمنعوك شيئا قدره الله لك ما استطاعوا فاعبد الله مع الصبر على اليقينquot; وقال على بن الجعد: أنبأنا عبد الواحد بن سليم البصرى عن عطاء بن أبى رباح قال: سألت [الوليد بن] عبادة بن الصامت: كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت قال: جعل يقول: يا بنى اتق الله واعلم أنك لن تتقى الله ولن تبلغ العلم حتى تعبد الله وحده وتؤمن بالقدر خيره وشره. قلت: يا أبت كيف لى أن أؤمن بالقدر خيره وشره قال: تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما [أخطأك] لم يكن ليصيبك فإن مت على غير هذا دخلت النار سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;إن أول ما خلق الله القلم [فقال] له: اكتب فقال: ما أكتب فجرى تلك الساعة بما كان وما هو كائن إلى الأبدquot; وذكر الطبرى من حديث بقية أنبأنا أبو بكر العنسى عن يزيد بن أبى حبيب ومحمد بن يزيد قالا: حدثنا نافع عن ابن عمر قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله لا تزال نفسك فى كل عام وجعة من تلك الشاة المسمومة التى أكلتها قال:(1\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "88",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11683",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;ما أصابنى [من] شيء منها إلا وهو مكتوب على وآدم فى طينتهquot;. وفى صحيح مسلم من حديث ابن عباس فى خطبة النبى صلى الله عليه وسلم: quot; الحمد لله نحمده ونستعينه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسولهquot;. وفى صحيحه أيضا عن زيد بن أرقم: كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول: quot;اللهم آت نفسى تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها quot;. وفى صحيحه أيضا عن على [رضى الله عنه] عن النبى صلى الله عليه وسلم فى دعاء الاستفتاح: quot;اللهم اهدنى لأحسن الأخلاق لا يهدى لأحسنها إلا أنت واصرف عنى سيئ الأخلاق لا يصرف عنى سيئها إلا أنتquot; وفى الترمذى والمسند من حديث عمران بن حصين أن النبى صلى الله عليه وسلم علم أباه هذا الدعاء: quot;اللهم ألهمنى رشدى وقنى شر نفسى quot;. وروى سفيان الثورى عن خالد الحذاء عن عبد الله بن الحارث قال: قام عمر بن الخطاب [بالجابية] خطيبا فقال فى خطبته: quot;من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى لهquot; وعنده الجاثليق يسمع ما يقول قال: فنفض ثوبه كهيئة المنكر فقال عمر: ما تقولون قالوا: يا أمير المؤمنين يزعم أن الله لا يضل أحدا قال: كذبت يا عدو الله خلقك وهو أضلك وهو يدخلك النار إن شاء الله أما والله لولا عهد لك لضربت عنقك إن الله خلق الخلق فخلق أهل الجنة وما هم عاملون وخلق أهل النار وما هم عاملون قال: هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه. وذكر الطبرى عن أبى بكر الصديق قال: خلق الله الخلق فكانوا فى قبضته فقال لمن فى يمينه: ادخلوا الجنة بسلام وقال لمن فى يده الأخرى: ادخلوا النار ولا أبالى فذهبت إلى يوم القيامة وقال ابن عمر: جاء رجل إلى أبى بكر فقال: أرأيت الزنا بقدر الله فقال: نعم. قال: فإن الله قدره على ثم يعذبنى قال: نعم يا ابن اللخناء أما والله لو كان عندى إنسان أمرت أن يجأ أنفك. وذكر عن علي رضى الله عنه أنه ذكر عنده القدر يوما فأدخل إصبعيه السبابة والوسطى فى فيه فرقم بهما باطن يده فقال: [أشهد] أن هاتين الرقمتين كانتا فى أم الكتاب. وذكر عنه أيضا أنه قال: إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستيقن يقينا غير ظن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ويقر بالقدر كله. وذكر البخارى عن ابن مسعود أنه قال فى خطبته:(1\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "89",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11684",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشقى من شقى فى بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره. وقال ابن مسعود: لأن أعض على جمرة أو أن أقبض عليها حتى تبرد فى يدى أحب إلى من أن أقول لشيء قضاه الله: ليته لم يكن. وقال: لا يطعم رجل طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر ويعلم أنه ميت وأنه مبعوث من بعد الموت وقال الأعمش عن [خثمة عن] ابن مسعود: إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى يتيسر له نظر الله إليه من فوق سبع سموات فيقول للملائكة: اصرفوه عنه فإنى إن يسرته له أدخلته النار. قال: فيصرفه الله عنه قال: فيقول: من أين دهيت أو نحو هذا وما هو إلا فضل الله [عز وجل] . وذكر الزهرى عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الرحمن بن عوف مرض مرضا شديدا واغمى عليه وأفاق فقال: أغمى على قالوا نعم قال أنه أتانى رجلان غليظان فأخذا بيدى فقالا: أنطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين فنطلقا بى فتلقهما رجل فقال: أين تريدان به قالا: نحاكمه إلى العزيز الأمين فقال: دعاه فإن هذا ممن سبقت له السعاده وهو فى بطن أمه وقال ابن جريج عن أنبأنا طاوس عن ابيه قال: أشهد [أنى] سمعت ابن عباس يقول: العجز والكيس بقدر وقال مجاهد: قيل لابن عباس: إن ناسا يقولون فى القدر: قال: يكذبون بالكتاب إن أحدث أحدهم شعرا لاتصونه إن الله عزوجل كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا فخلق القلم فكتب ماهو كائن إلى يوم القيامة فإنه يجرى الناس على أمر قد فرغ منه وقال ابن عباس أيضا: القدر نظام التوحيد فمن وحد الله ولم يؤمن بالقدر كان كفره بالقضاء نقضا للتوحيد ومن وحد الله وآمن بالقدر كانت العروة الوثقى لاانفصام لها وقال عطاء بن رباح: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: ياابن عباس أرأيت من صدنى عن الهدى وأوردنى دار الضلالة واردا إلا تراه قد ظلمنى فقال: إن كان الهدى شئ كان لك عنده فمنعكه فقد ظلمك وإن كان الهدى هو له يؤتيه من يشاء فلا يظلمك. قم ولا تجالسنى. قال عكرمة عن ابن عباس: كان الهدهد يدل سليمان على الماء فقلت له: فكيف ذاك الهدهدد ينصب له الفخ عليه التراب فقال أعضك الله بهن أبيك ن إذا جاء القضاء ذهب البصر وقال الإمام أحمد: أنبأنا إسماعيل أنبأنا أبا هارون الغنوى أنبأنا [ابو] سليمان الذدى عن أبى يحيى quot;مولى بنى(1\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "90",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11685",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عفراءquot; قال اتيت ابن عباس ومعى رجلان من الذين يذكرون القدر- أو ينكرونه- فقلت يا ابن عباس ما تقول فى القدر فإن هؤلاء يسألونك عن القدر إن زنى وإن سرق وإن شرب فحسر قميصه حتى أخرج منكبيه وقال: يا يحيى لعلك من الذين ينكرون القدر ويكذبوون به والله لو أعلم أنك منهم وهذين معك لجاهدتكم إن زنى بقدر وإن سرق بقدر وإن شرب الخمر فبقدر وصح عن ابن عمر أن يحيى ابن يعمر قال له: إن ناسا يقولون: لا قدر وأن الأمر أنف فقال: إذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أن ابن عمر برئ منهم وأنهم براء منه وقد تقدم قول أبي ابن كعب وحذيفة وابن مسعود وزيد ابن ثابت: لو أنفقت مثل جبل أحدا ذهبا فى سبيل الله ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وإن مت على غير ذلك دخلت النار وتقدم قول عبادة ابن الصامت: لن تؤمن حتى تؤمن بالقددر خيره وشره وتؤمن أنه ما أصابك لم يكن ليخطأك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وقال قتادة عن أبى السوار عن الحسن بن على قال: قضى القضاء وجف القلم وأمور بقظاء قد خلا وقال عمرو بن العاص: انتهى عجبى إلى ثلاث: المرء يفر من القدر وهو لقيه ويرى فى عين أخيه الفذة ويكون فى عينه مثل الجذع فلا يعيبها ويكون فى دابته الطفر قيقومه جهده ويكون فى نفسه الطفر فلا يقومها قال أبو الدرداء: ذروة الإيمان أربع الصبر للحكم والرضا بالقدر والإخلاص للتوكل والاستسلام للرب وقال الحجاج الأزدى: سألنا سلمان ما الإيمان بالقدر فقال: أن تعلم إن ما أصابك لم يكن ليخطأك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وقال سلمان أيضا: إن الله لم خلق أدم مسح ظهره فأخرج منها زرارى إلى يوم القيامة وكتب الأجال والأعمال والأرزاق والشقاوة والسعادة فمن علم السعادة فعل الخير ومجالس الخير ومن علم الشقاوة فعل الشر ومجالس الشر وقال جابر ابن عبد الله: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه وقال هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه عن عائشة: إن العبد ليعمل(1\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "91",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11686",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الزمان بعمل أهل الجنة وإنه عند الله مكتوب من أهل النار والأثار فى ذلك أكثر من أن تذكر وإنما أشرنا إلى بعضها أشارة فصل فالجواب: أن هاهنا مقامين: مقام إيمان وهدى ونجاة ومقام ضلال وردى وهلاك زلت فيه أقدام فهوت بصاحبها إلى دار الشقاء فأما مقام الإيمان والهدى والنجاة فمقام إثبات القدر والإيمان به وإسناد جميع الكائنات إلى مشيئة ربها وبارئها وفاطرها وأن ماشاء كان وإن لم يشأ الناس وما لم يشأ لم يكن وإن شاء الناس وهذه الأثاركلها تحقق هذا المقام وتبين أن من لم يؤمن بالقدر فقد أنسلخ من التوحيد ولبس جلباب الشرك بل لم يؤمن بالله ولم يعرفه وهذا فى كل كتاب انزله الله على رسله وأما المقام الثانى: وهو مقام الهدى وهو مقام الضلال والردى والهلاك فهو الاحتجاج به على ذنبه على الله وحمل العبد ذنبه على ربه وتنزيه النفس الجاهلة الظالمة الأمارة بالسوء وجعل أرحم الراحمين وأعدل العادلين وأحكم الحاكمين وأغنى الأغنياء أضر على العباد من أبليس كما صرح به بعضهم واحتج عليه بما خصمه فيه من لا تدحض حجته ولا تطاق مغالبته حتى يقول قائل هؤلاء: ما حيلة العبد والأقدار جارية ... عليه فى كل حال أيها الرائي ألقاه فى اليم مكتوفا وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء ويقول قائلهم: دعانى وسد الباب دونى فهل إلى ... دخولى سبيل بينوا لى قصتي ويقول الآخر: وضعوا اللحم للبزاة ... على ذروتى عدن ثم لاموا البزاة إذ ... خلعوا عنهم الرسن لو أرادوا صيانتى ... ستروا وجهك الحسن وقال بعضهم- وقد ذكر له ما يخاف من إفساده- فقال: لى خمس بنات لا أخاف(1\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "92",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11687",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على إفسادهن غيره وصعد رجل يوما على سطح دار له فأشرف على غلام له يفجر بجاريته فنزل وأخذهما ليعاقبهما فقال الغلام: إن القضاء والقدر لم يدعانا حتى فعلنا ذلك. فقال: لعلمك بالقضاء والقدر أحب إلى من كل شيء أنت حر لوجه الله. ورأى آخر رجلا يفجر بامرأته فبادر ليأخذه فهرب فأقبل يضرب المرأة وهى تقول: القضاء والقدر. فقال: يا عدوة الله أتزنين وتعتذرين بمثل هذا فقالت: أو تركت السنة وأخذت بمذهب ابن عباس فتنبه ورمى بالسوط من يده واعتذر إليها وقال: لولاك لضللت ورأى آخر رجلا آخر يفجر بامرأته فقال: ما هذا فقالت: هذا قضاء الله وقدره. فقال: الخيرة فيما قضى الله فلقب بالخيرة فيما قضى الله وكان إذا دعى به غضب وقيل لبعض هؤلاء: أليس [الله عز وجل] يقول: ولا يرضى لعباده الكفر [الزمر: 7] فقال: دعنا من هذا رضيه وأحبه وأراده وما أفسدنا غيره ولقد بالغ بعضهم فى ذلك حتى قال: القدر عذر لجميع العصاة وإنما مثلنا فى ذلك كما قيل: إذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم فنعتذر وبلغ بعض هؤلاء أن عليا مر بقتلى النهروان فقال: بؤسا لكم لقد ضركم من غركم. فقيل: من غرهم فقال: الشيطان والنفس الأمارة بالسوء والأمانى فقال هذا القائل: كان على قدريا وإلا فالله غرهم وفعل بهم ما فعل وأوردهم تلك الموارد. واجتمع جماعة من هؤلاء يوما فتذاكروا القدر فجرى ذكر الهدهد وقوله: وزين لهم الشيطان أعمالهم [النمل: 24] فقال: كان الهدهد قدريا أضاف العمل إليهم والتزيين إلى الشيطان وجميع ذلك فعل الله. وسئل بعض هؤلاء عن قوله تعالى لإبليس: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى [سورة ص: 75] : أيمنعه ثم يسأله ما منعه قال: نعم قضى(1\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "93",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11688",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه فى السر ما منعه فى العلانية ولعنه عليه قال له: فما معنى قوله: وماذا عليهم لو آمنوا بالله [النساء: 39] إذا كان هو الذى منعهم قال: استهزاء بهم. قال: فما معنى قوله: ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم [النساء: 147] قال: قد فعل ذلك بهم من غير ذنب جنوه بل ابتدأهم بالكفر ثم عذبهم عليه وليس للآية معنى وقال بعض هؤلاء- وقد عوتب على ارتكابه معاصى الله فقال: إن كنت عاصيا لأمره فأنا مطيع لإرادته. وجرى عند بعض هؤلاء ذكر إبليس وإبائه وامتناعه من السجود لآدم فأخذ الجماعة يلعنونه ويذمونه فقال: إلى متى هذا اللوم ولو خلى لسجد ولكن منع. وأخذ يقيم عذره فقال بعض الحاضرين: تبا لك سائر اليوم أتذب عن الشيطان وتلوم الرحمن وجاء جماعة إلى منزل رجل من هؤلاء فلم يجدوه فلما رجع قال: كنت أصلح بين قوم فقيل له: وأصلحت بينهم قال: أصلحت إن لم يفسد الله. فقيل له: بؤسا لك أتحسن الثناء على نفسك وتسيء الثناء على ربك ومر بلص مقطوع اليد على بعض هؤلاء فقال: مسكين مظلوم أجبره على السرقة ثم قطع يده عليها وقيل لبعضهم: أترى الله كلف عباده ما لا يطيقون ثم يعذبهم عليه قال: والله قد فعل ذلك ولكن لا نجسر أن نتكلم. وأراد رجل من هؤلاء السفر فودع أهله وبكى. فقيل: استودعهم الله واستحفظهم إياه. فقال: ما أخاف عليهم غيره وقال بعض هؤلاء: ذنبة أذنبها أحب إلى من عبادة الملائكة. قيل: ولم قال: لعلمى بأن الله قضاها على وقدرها ولم يقضها إلا والخيرة لى فيها وقال بعض هؤلاء: العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسر الله فى القدر. ولقد دخل شيخ من هؤلاء بلدا فأول ما بدأ به من الزيارات زيارة المواخير المشتملة على البغايا والخمور فجعل يقول: كيف أنتم فى قدر الله. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: عاتبت بعض شيوخ هؤلاء فقال لى: المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب والكون كله مراده فأى شيء أبغض منه قال: فقلت له إذا كان المحبوب قد أبغض بعض من فى الكون وعاداهم ولعنهم فأحببتهم أنت وواليتهم أكنت وليا للمحبوب أو عدوا له قال: فكأنما ألقم حجرا. وقرأ قاريء بحضرة بعض هؤلاء: قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [ص: 75]  فقال: هو والله منعه ولو قال إبليس ذلك لكان(1\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "94",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11689",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صادقا وقد أخطأ إبليس الحجة ولو كنت حاضرا لقلت له: أنت منعته وسمع بعض هؤلاء قارئا يقرأ: وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى [فصلت: 17] فقال: ليس من هذا شئ بل أضلهم وأعماهم. قالوا: فما معنى الآية قال: مخرقة يمخرق بها. فيقال: الله أكبر على هؤلاء الملاحدة أعداء الله حقا الذين ما قدروا الله حق قدره ولا عرفوه حق معرفته ولا عظموه حق تعظيمه ولا نزهوه عما لا يليق به وبغضوه إلى عباده وبغضوهم إليه سبحانه وأساؤوا الثناء عليه جهدهم وطاقتهم وهؤلاء خصماء الله حقا الذين جاء فيهم الحديث: quot;يقال يوم القيامة: أين خصماء الله فيؤمر بهم إلى النارquot;. قال شيخ الإسلام ابن تيمية فى تائيته: ويدعى خصوم الله يوم معاده ... إلى النار طرا فرقة القدرية سواء نفوه أو سعوا ليخاصموا ... به الله أو ماروا به للشريعة وسمعته يقول: القدرية المذمومون فى السنة وعلى لسان السلف هم هؤلاء الفرق الثلاث: نفاته وهم القدرية المجوسية والمعارضون به للشريعة الذين قالوا: لو شاء الله ما أشركنا [الأنعام: 148]  وهم القدرية الشركية والمخاصمون به للرب سبحانه وهم أعداء الله وخصومه وهم القدرية الإبليسية. وشيخهم إبليس وهو أول من احتج على الله بالقدر فقال: بما أغويتنى [الحجر: 39]  ولم يعترف بالذنب يبوء به كما اعترف به آدم فمن أقر بالذنب وباء به ونزه ربه فقد أشبه أباه آدم ومن أشبه أباه فما ظلم. ومن برأ نفسه واحتج على ربه بالقدر فقد أشبه إبليس. ولا ريب أن هؤلاء القدرية الإبليسية والشركية شر من القدرية النفاة لأن النفاة إنما نفوه تنزيها للرب [تعالي] وتعظيما له أن يقدر الذنب ثم يلوم عليه ويعاقب ونزهوه أن يعاقب العبد على ما لا صنع للعبد فيه البتة بل هو بمنزلة طوله وقصره وسواده وبياضه [وحوله] ونحو ذلك كما يحكى عن بعض الجبرية أنه حضر مجلس بعض الولاة فأتى(1\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "95",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11690",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بطرار أحول فقال له الوالى: ما ترى فيه فقال: اضربه خمسة عشر- يعنى سوطا- فقال له بعض الحاضرين ممن ينفى الجبر: بل ينبغى أن يضرب ثلاثين سوطا [خمسة عشر] لطره [ومثلها] لحوله. فقال الجبرى: كيف يضرب على الحول ولا صنع له فيه فقال: كما يضرب على الطر ولا صنع له فيه عندك فبهت الجبرى. وأما القدرية الإبليسية والشركية فكثير منهم منسلخ عن الشرع عدو لله ورسله لا يقر بأمر ولا نهى وتلك وراثة عن شيوخهم الذين قال الله فيهم: سيقول الذين أشركوا لو شآء الله مآ أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنآ إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون [الأنعام: 148]  وقال تعالى: وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولآ آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين [النحل:35]  وقال تعالى: وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون [الزخرف: 20]  وقال: وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشآء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين [يس: 47]  فهذه أربعة مواضع فى القرآن بين سبحانه فيها أن الاحتجاج بالقدر من فعل المشركين المكذبين للرسل. وقد افترق الناس فى الكلام على هذه [الآيات] أربعة فرق: الفرقة الأولى: جعلت هذه الآيات حجة صحيحة وأن للمحتج بها الحجة على الله. ثم افترق هؤلاء فرقتين: فرقة كذبت بالأمر والوعد والوعيد وزعمت أن الأمر والنهى والوعد والوعيد بعد هذا يكون ظلما والله لا يظلم من خلقه أحدا وفرقة صدقت بالأمر والنهى والوعد والوعيد وقالت: ليس ذلك بظلم والله يتصرف فى ملكه [كما] يشاء ويعذب العبد على ما لا صنع له فيه بل يعذبه على فعله هو سبحانه لا على فعل عبده إذ العبد لا فعل له والملك ملكه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. فإن هؤلاء الكفار إنما قالوا هذه المقالة التى حكاها الله عنهم استهزاء منهم ولو قالوها اعتقادا للقضاء والقدر وإسنادا لجميع الكائنات إلى مشيئته وقدرته لم ينكر [ذلك] عليهم(1\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "96",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11691",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومضمون قول هذه الفرقة أن هذه حجة صحيحة إذا قالوها على وجه الاعتقاد لا على جهة الاستهزاء فيكون للمشركين على الله الحجة وكفى بهذا القول فسادا وبطلانا. الفرقة الثانية: جعلت هذه الآيات حجة لها فى إبطال القضاء والقدر والمشيئة العامة إذ لو صحت المشيئة العامة وكان الله عز وجل قد شاء منهم الشرك والكفر وعبادة الأوثان لكانوا قد قالوا الحق وكان الله [عز وجل] يصدقهم عليه ولم ينكر عليهم فحيث وصفهم بالخرص الذى هو الكذب ونفى عنهم العلم دل على أن هذا الذى قالوه ليس بصحيح وأنهم كاذبون فيه إذ لو كان علما لكانوا صادقين فى الإخبار به ولم يقل لهم: هل عندكم من علم [الأنعام: 148]  وجعلت هذه الفرقة هذه الآيات حجة لها على التكذيب بالقضاء والقدر وزعمت بها أن يكون فى ملكه ما لا يشاء ويشاء ما لا يكون وأنه لا قدرة له على أفعال عباده من الإنس والجن والملائكة ولا على أفعال الحيوانات وأنه لا يقدر أن يضل أحدا ولا يهديه ولا يوفقه أكثر مما فعل به ولا يعصمه من الذنوب والكفر ولا يلهمه رشده ولا يجعل فى قلبه الإيمان ولا هو الذى جعل المصلى مصليا والبر برا والفاجر فاجرا والمؤمن مؤمنا والكافر كافرا بل هم الذين جعلوا أنفسهم كذلك. فهذه الفرقة شاركت الفرقة التى قبلها فى إلقاء الحرب والعداوة بين الشرع والقدر: فالأولى تحيزت إلى القدر وحاربت الشرع والثانية تحيزت إلى الشرع وكذبت القدر. والطائفتان ضالتان وإحداهما أضل من الأخرى. والفرقة الثالثة: آمنت بالقضاء والقدر وأقرت بالأمر والنهى ونزلوا كل واحد منزلته. فالقضاء والقدر يؤمن به ولا يحتج به والأمر والنهى يمتثل ويطاع. فالإيمان بالقضاء والقدر عندهم من تمام التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله والقيام بالأمر والنهى موجب شهادة أن محمدا رسول الله. وقالوا: من لم يقر بالقضاء والقدر ويقوم بالأمر والنهى فقد كذب بالشهادتين وإن نطق بهما بلسانه. ثم افترقوا فى وجه هذه الآيات فرقتين: فرقة قالت: إنما أنكر عليهم استدلالهم بالمشيئة العامة والقضاء والقدر على رضاه ومحبته لذلك فجعلوا مشيئته له وتقديره له دليلا على رضاه به ومحبته له إذ لو كرهه وأبغضه لحال بينهم وبينه فإن الحكيم إذا كان قادرا على دفع ما يكرهه ويبغضه دفعه ومنع من وقوعه وإذا لم يمنع من وقوعه لزم إماعدم(1\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "97",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11692",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قدرته وإما عدم حكمته وكلاهما ممتنع فى حق الله فعلم محبته لما نحن عليه من عبادة غيره ومن الشرك به وقد وافق هؤلاء من قال: إن الله يحب الكفر والفسوق والعصيان ويرضى بها ولكن خالفهم فى أنه نهى عنها وأمر بأضدادها ويعاقب عليها فوافقهم فى نصف قولهم وخالفهم فى الشطر الآخر وهذه الآيات من أكبر الحجج على بطلان قول الطائفتين وأن مشيئة الله تعالى العامة وقضاءه وقدره لا يستلزم محبته ورضاه لكل ما شاءه وقدره. وهؤلاء المشركون لما استدلوا بمشيئته على محبته ورضاه كذبهم وأنكر عليهم وأخبر أنه لا علم لهم بذلك وأنهم خارصون مفترون فإن محبة الله [تعالى] للشيء ورضاه به إنما يعلم بأمره به على لسان رسوله لا بمجرد خلقه له فإنه خلق إبليس وجنوده وهم أعداؤه وهو تعالى يبغضهم ويلعنهم وهم خلقه فهكذا فى الأفعال خلق خيرها وشرها وهو يحب خيرها ويأمر به ويثيب عليه ويبغض شرها وينهى عنه ويعاقب عليه وكلاهما خلقه ولله تعالى الحكمة البالغة التامة فى خلقه ما يبغضه ويكرهه من الذوات والصفات والأفعال كل صادر عن حكمته وعلمه كما هو صادر عن قدرته ومشيئته. وقالت الفرقة الثانية: إنما أنكر عليهم معارضة الشرع بالقدر ودفع الأمر بالمشيئة فلما قامت عليهم حجة الله ولزمهم أمره ونهيه دفعوه بقضائه وقدره فجعلوا القضاء والقدر إبطالا لدعوة الرسل ودفعا لما جاؤوا به وشاركهم فى ذلك إخوانهم وذريتهم الذين يحتجون بالقضاء والقدر على المعاصى والذنوب فى نصف أقوالهم وخالفوهم فى النصف الآخر وهو إقرارهم بالأمر والنهى. فانظر كيف انقسمت هذه المواريث على هذه السهام وورث كل قوم أئمتهم وأسلافهم إما فى جميع تركتهم وإما فى كثير منها. وإما فى جزء منها. وهدى الله بفضله ورثة أنبيائه ورسله لميراث نبيهم وأصحابه فلم يؤمنوا ببعض الكتاب ويكفروا ببعض بل آمنوا بقضاء الله وقدره ومشيئته العامة النافذة وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه مقلب القلوب ومصرفها كيف أراد وأنه هو الذى جعل المؤمن مؤمنا والمصلى مصليا والمتقى متقيا وجعل أئمة الهدى يهدون بأمره وأئمة الضلالة يدعون إلى النار وأنه ألهم كل نفس فجورها وتقواها وأنه يهدى من يشاء بفضله ورحمته ويضل من يشاء بعدله وحكمته وأنه هو الذى وفق أهل الطاعة(1\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "98",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11693",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لطاعته فأطاعوه ولو شاء لخذلهم فعصوه وأنه حال بين الكفار وقلوبهم فإنه يحول بين المرء وقلبه فكفروا به ولو شاء لوفقهم فآمنوا به وأطاعوه وأنه من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأنه لو شاء لآمن من فى الأرض كلهم جميعا إيمانا يثابون عليه ويقبل منهم ويرضى به عنهم وأنه لو شاء ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد: ولو شآء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون [الأنعام: 112] . والقضاء والقدر عندهم أربع مراتب جاء بها نبيهم وأخبر بها عن ربه تعالى: الأولى: علمه السابق بما هم عاملوه قبل إيجادهم. الثانية كتابة ذلك فى الذكر عنده قبل خلق السموات والأرض. الثالثة مشيئته المتناولة لكل موجود فلا خروج لكائن عن مشيئته كما لا خروج له عن علمه. الرابعة خلقه له وإيجاده وتكوينه فإنه لا خالق إلا الله والله خالق كل شيء. فالخالق عندهم واحد وما سواه فمخلوق ولا واسطة عندهم بين الخالق والمخلوق ويؤمنون مع ذلك بحكمته وأنه حكيم فى كل ما فعله وخلقه وأن مصدر ذلك جميعه عن حكمة تامة هى التى اقتضت صدور ذلك وخلقه وإن حكمته حكمة حق عائدة إليه قائمة به كسائر صفاته وليست عبارة عن مطابقة علمه لمعلومه وقدرته لمقدوره كما يقوله نفاة الحكمة الذين يقرون بلفظها دون حقيقتها بل هى أمر وراء ذلك وهى الغاية المحبوبة له المطلوبة التى هى متعلق محبته وحمده ولأجلها خلق فسوى وقدر فهدى وأمات وأحيا وأسعد وأشقى وأضل وهدى ومنع وأعطى وهذه الحكمة هى الغاية والفعل وسيلة إليها فإثبات الفعل مع نفيها إثبات للوسائل ونفى للغايات وهو محال إذ نفي الغاية مستلزم لنفى الوسيلة فنفي الوسيلة(1\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "99",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11694",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهى الفعل لازم لنفى الغاية وهى الحكمة ونفى قيام الفعل والحكمة به نفى لهما فى الحقيقة إذ فعل لا يقوم بفاعله وحكمة لا تقوم بالحكيم شيء لا يعقل وذلك يستلزم إنكار ربوبيته وإلهيته وهذا لازم لمن نفى ذلك ولا محيد له عنه وإن أبى التزامه وأما من أثبت حكمته وأفعاله على الوجه المطابق للعقل والفطرة وما جاءت به الرسل لم يلزم من قوله محذور البتة بل قوله حق ولازم الحق حق كائنا ما كان والمقصود أن ورثة الرسل وخلفاءهم- لكمال ميراثهم لنبيهم- آمنوا بالقضاء والقدر والحكم والغايات المحمودة فى أفعال الرب وأوامره وقاموا مع ذلك بالأمر والنهى وصدقوا بالوعد والوعيد فآمنوا بالخلق الذى من تمام الإيمان به إثبات القدر والحكمة وبالأمر الذى من تمام الإيمان به الإيمان بالوعد والوعيد وحشر الأجساد والثواب والعقاب فصدقوا بالخلق والأمر ولم ينفوهما بنفى لوازمهما كما فعلت القدرية المجوسية والقدرية المعارضة للأمر بالقدر وكانوا أسعد الناس بالخلق وأقربهم عصبة فى هذا الميراث النبوى وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. واعلم أن الإيمان بحقيقة القدر والشرع والحكمة لا يجتمع إلا فى قلوب خواص الخلق ولب العالم وليس الشأن فى الإيمان بألفاظ هذه المسميات وجحد حقائقها كما يفعل كثير من طوائف الضلال فإن القدرية تؤمن بلفظ القدر ومنهم من يرده إلى العلم ومنهم من يرده إلى الأمر الدينى ويجعل قضاءه وقدره هو نفس أمره ونهيه ونفس مشيئة الله لأفعال عباده بأمره لهم بها وهذا حقيقة إنكار القضاء والقدر. وكذلك الحكمة فإن الجبرية تؤمن بلفظها ويجحدون حقيقتها فإنهم يجعلونها مطابقة علمه تعالى لمعلومه تعالى وإرادته لمراده تعالى فهى عندهم وقوع الكائنات على وفق علمه وإرادته. والقدرية النفاة لا يرضون بهذا بل يرتفعون عنه طبقة ويثبتون حكمة زائدة على ذلك لكنهم ينفون قيامها بالفاعل الحكيم ويجعلونها مخلوقا من مخلوقاته كما قالوا فى كلامه وإرادته فهؤلاء كلهم أقروا بلفظ الحكمة وجحدوا معناها وحقيقتها. وكذلك الأمر والشرع فإن من أنكر كلام الله وقال: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم ولا قال ولا يقول ولا يحب شيئا ولا يبغض شيئا وجميع الكائنات محبوبة له وما لم يكن فهو مكروه له ولا يحب ولا يرضى ولا يغضب ولا فرق فى نفس الأمر بين الصدق(1\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "100",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11695",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والكذب [والبر] والفجور والسجود للأصنام والشمس والقمر والسجود له ولم يكلف أحدا ما يقدر عليه بل كل تكليفه [تكليف] ما لا يطاق ولا قدرة للمكلف عليه البتة ويجوز أن يعذب رجالا إذ لم يكونوا نساء ويعذب نساء إذ لم يكونوا رجالا وسودا حيث لم يكونوا بيضا وبيضا حيث لم يكونوا سودا ويجوز أن يظهر المعجزة على أيدى الكذابين ويرسل رسولا يدعو إلى الباطل وعبادة الأوثان ويأمر بقتل النفوس وأنواع الفجور. ولا ريب أن هذا يرفع الشرائع والأمر والنهى بالكلية ولولا تناقض القائلين به لكانوا منسلخين من دين الرسل [صلوات الله وسلامه عليه] ولكن مشى الحال بعض المشى بتناقضهم وهو خير لهم من طرد أصولهم والقول بموجبها. والمقصود أنه لم يؤمن بالقضاء والقدر والحكمة والأمر والنهى والوعد والوعيد حقيقة [الإيمان] إلا أتباع الرسل وورثتهم والقضاء والقدر منشؤه عن علم الرب وقدرته ولهذا قال الإمام أحمد: القدر قدرة الله واستحسن ابن عقيل هذا الكلام من أحمد غاية الاستحسان وقال: إنه شفى بهذه الكلمة وأفصح بها عن حقيقة القدر المنكرون للقدر فرقتين: فرقة كذبت بالعلم السابق ونفته وهم غلاتهم الذين كفرهم السلف والأئمة وتبرأ منهم الصحابة. وفرقة جحدت كمال القدرة وأنكرت أن تكون أفعال العباد مقدورة لله تعالى وصرحت بأن الله لا يقدر عليها فأنكر هؤلاء كمال قدرة الرب وأنكرت الأخرى كمال علمه وقابلتهم الجبرية فجاءت على إثبات [القدرة] والعلم وأنكرت الحكمة والرحمة ولهذا كان مصدر الخلق والأمر والقضاء والشرع عن علم الرب وعزته وحكمته ولهذا يقرن تعالى بين الاسمين [والصفتين] من هذه الثلاثة كثيرا كقوله: وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم [النمل:6]  وقال: تنزيل الكتاب من الله العزيز [الحكيم] [الزمر: 1]  وقال: حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم [غافر: 1-2] وقال: فى حم فصلت بعد ذكر تخليق العالم: ذلك تقدير العزيز العليم [فصلت: 12] وذكر نظير هذا [فى الأنعام] فقال: فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم [الأنعام: 96] . فارتباط الخلق بقدرته التامة يقتضى أن لا يخرج موجود عن قدرته وارتباطه بعلمه(1\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "101",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11696",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التام يقتضى إحاطته به وتقدمه عليه وارتباطه بحكمته يقتضى وقوعه على أكمل الوجوه وأحسنها واشتماله على الغاية المحمودة المطلوبة للرب [تعالى] . وكذلك [ارتباط] أمره بعلمه وحكمته وعزته فهو عليم بخلقه وأمره حكيم فى خلقه عزيز فى خلقه وأمره. ولهذا كان الحكيم من أسمائه الحسنى والحكمة من صفاته العلى والشريعة الصادرة عن أمره مبناها على الحكمة والرسول المبعوث بها مبعوث بالكتاب والحكمة والحكمة هى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وهى تتضمن العلم بالحق [والعمل] به [والخبر] عنه والأمر به فكل هذا يسمى حكمة وفى الأثر quot;الحكمة ضالة المؤمنquot; وفى الحديث: quot;إن من الشعر حكمةquot; فكما لا يخرج مقدور عن علمه وقدرته ومشيئته فهكذا لا يخرج عن حكمته وحمده وهو محمود على جميع ما فى الكون من خير وشر حمدا استحقه لذاته وصدر عنه خلقه وأمره فمصدر ذلك كله عن الحكمة فإنكار الحكمة إنكار لحمده فى الحقيقة والله أعلم.(1\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "102",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11697",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "فصل: فى تفصيل ما أجمل فيما مر وتوضيحه",
        "content": "فصل: فى تفصيل ما أجمل فيما مر وتوضيحه وإنما يتبين هذا ببيان وجود الحكمة فى كل ما خلقه الله وأمر به  وبيان أنه كله خير من جهة إضافته إليه سبحانه وأنه من تلك الإضافة خير وحكمة وأن جهة الشر منه من جهة إضافته إلى العبد كما قال [النبى] صلى الله عليه وسلم فى دعاء الاستفتاح: quot;لبيك وسعديك والخير فى يديك والشر ليس إليكquot; فهذا النفى يقتضى امتناع إضافة الشر إليه تعالى بوجه فلا يضاف إلى ذاته ولا صفاته ولا أسمائه ولا أفعاله فإن ذاته تعالى منزهة عن كل شر وصفاته كذلك إذ كلها صفات كمال ونعوت جلال لا نقص فيها بوجه من الوجوه وأسماؤه كلها حسنى ليس فيها اسم ذم ولا عيب وأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وإحسان وعدل لا تخرج عن ذلك البتة وهو المحمود على ذلك كله فيستحيل إضافة الشر إليه وتحقيق ذلك أن الشر ليس هو إلا الذنوب وعقوباتها كما فى خطبته صلى الله عليه وسلم: quot;الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالناquot; فتضمن ذلك الاستعاذة من شرور النفوس ومن سيئات الأعمال وهى عقوباتها. وعلى هذا فالإضافة على معنى quot;اللامquot; من باب إضافة المتغايرين أو يقال: المراد السيئات من الأعمال فعلى هذا الإضافة بمعنى quot;منquot; وهى من باب إضافة النوع إلى(1\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "103",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11698",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جنسه ويدل على الأول قوله تعالى: وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته [غافر: 9] قال شيخنا: وهذا أشبه [أنه] إذا أريد السيئات من الأعمال فإن أريد ما وقع منها فالاستعاذة إنما تكون من عقوباتها إذ الواقع [لا يمكن دفعه وإن استعاذه منها قبل وقوعها لئلا تقع فهذا هو الاستعاذة] من شر النفس. وأيضا فلا يقال فى هذه التى لم توجد بعد سيئات أعمالنا فإنها لم تكن بعد أعمالا فضلا عن أن تكون سيئات وإضافة الأعمال إلينا تقتضى وجودها إذ لم يوجد بعد ليس هو من أعمالنا إلا أن يقال: من سيئات الأعمال التى إذا [عملناها] كانت سيئات. ولمن رجح التقدير الثانى أن يقول: العقوبات ليست لجميع الأعمال بل للمحرمات منها والأعمال أعم وحملها على المحرمات خاصة خلاف ظاهر اللفظ بخلاف ما إذا كانت الإضافة على معنى quot;منquot; فتكون الأعمال على عمومها والسيئات بعضها فتكون السيئات على عمومها. ويترجح أيضا أن الاستعاذة تكون قد اشتملت على أصول الشر كله وهو شر النفس الكامن فيها الذى لم يخرج إلى العمل وشر العمل الخارج الذى سولته النفس فالأول شر الطبيعة والصفة التى فى النفس والثانى شر العمل المتعلق بالكسب والإرادة ويلزم من المعافاة من هذين الشرين المعافاة من موجبهما وهو العقوبة فتكون الاستعاذة قد شملت جميع أنواع الشر بالمطابقة واللزوم وهذا هو اللائق بمن أوتى جوامع الكلم فإن هذا من جوامع [كلمة] البديعة العظيمة الشأن التى لا يعرف قدرها إلا أهل العلم والإيمان. وإذا عرف هذا وأنه ليس فى الوجود شر إلا الذنوب وموجباتها وكونها ذنوبا تأتى من نفس العبد فإن سبب الذنب الظلم والجهل وهما من نفس العبد كما أن سبب الخير الحمد والعلم والحكمة والغنى وهى أمور ذاتية للرب [تعالى] وذات الرب [تعالى] مستلزمة للحكمة والخير والجود وذات العبد مستلزمة للجهل والظلم وما فيه من العلم والعدل فإنما حصل له بفضل الله عليه وهو أمر خارج عن نفسه فمن أراد الله به خيرا أعطاه هذا الفضل فصدر منه بوحيه من الإحسان والبر والطاعة ومن أراد به شرا أمسكه عنه وخلاه ودواعى نفسه وطبعه وموجبها فصدر منه موجب الجهل والظلم من كل شر وقبيح وليس منعه لذلك ظلما منه [تعالى]  فإنه فضله وليس من منع فضله ظالما لا سيما إذا منعه عن محل لا يستحقه ولا يليق به. وأيضا فإن هذا الفضل هو توفيقه(1\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "104",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11699",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإرادته من نفسه أن يلطف بعبده ويوفقه ويعينه ولا يخلى بينه وبين نفسه وهذا محض فعله وفضله وهو سبحانه أعلم بالمحل الذى يصلح لهذا الفضل ويليق به ويثمر [فيه] ويزكو به. وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى بقوله وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلآء من الله عليهم من بيننآ أليس الله بأعلم بالشاكرين [الأنعام: 53]  فأخبر سبحانه أنه أعلم بمن يعرف قدر هذه النعمة ويشكره عليها. عليها فإن أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع له والذل والمحبة فمن لم يعرف النعمة بل كان جاهلا بها لم يشكرها ومن عرفها ولم يعرف المنعم بها لم يشكرها أيضا ومن عرف النعمة والمنعم لكن جحدها كما يجحد المنكر لنعمة المنعم عليه بها فقد كفرها ومن عرف النعمة والمنعم وأقر بها ولم يجحدها ولكن لم يخضع له ويحبه ويرض به وعنه لم يشكرها أيضا ومن عرفها وعرف المنعم بها وأقربها وخضع للمنعم بها وأحبه ورضى به وعنه واستعملها فى محابه وطاعته فهذا هو الشاكر لها. فلا بد فى الشكر من علم القلب وعمل يتبع العلم- وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع له- كما فى صحيح البخارى عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت خلقتنى وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبى فاغفر لى فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من يومه دخل الجنة ومن قالها إذا أمسى موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة فقوله: quot;أبوء لك بنعمتك علىquot; يتضمن الإقرار والإنابة إلى الله بعبوديته فإن المباءة هى التى يبوء إليها الشخص- أى يرجع إليها رجوع استقرار- والمباءة هى المستقر ومنه قوله [صلى الله عليه وسلم] : quot; من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النارquot; أى ليتخذ مقعده من النار مباءة يلزمه ويستقر فيه لا كالمنزل الذى ينزله ثم يرحل عنه. فالعبد يبوء إلى الله [عز وجل] بنعمته عليه ويبوء بذنبه ويرجع إليه بالاعتراف بهذا وبهذا رجوع مطمئن إلى ربه منيب إليه ليس رجوع من أقبل عليه ثم أعرض عنه بل رجوع من لا يعرض عن ربه بل لا يزال مقبلا عليه إذا كان لا بد له منه فهو معبوده وهو مستغاثه لا صلاح له إلا بعبادته فإن لم يكن معبوده هلك وفسد ولا يمكن أن يعبده إلا بإعانته. وفى الحديث: quot;مثل المؤمن مثل(1\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "105",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11700",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفرس فى آخيته يجول ثم يرجع إلى آخيته كذلك المؤمن يجول ثم يرجع إلى الإيمانquot;. فقوله: quot;أبوءquot; يتضمن أنى وإن جلت كما يجول الفرس- إما بالذنب وإما بالتقصير فى الشكر- فإنى راجع منيب أواب إليك رجوع من لا غنى له عنك. وذكر النعمة والذنب لأن العبد دائما يتقلب بينهما فهو بين نعمة من ربه وذنب منه هو كما فى الأثر الإلهى: quot;ابن آدم خيرى إليك نازل وشرك إلى صاعد كم أتحبب إليك بالنعم وأنا غنى عنك وكم تتبغض إلى بالمعاصى وأنت فقير إلى ولا يزال الملك الكريم يعرج إلى منك بعمل قبيحquot; وكان فى زمن الحسن البصرى شاب لا يرى إلا هـ وحدفسأله الحسن عن ذلك فقال: إنى أجدنى بين نعمة من الله وذنب منى فأريد أن أحدث للنعمة شكرا وللذنب استغفارا فذلك الذى شغلنى عن الناس أو كما قال. فقال له: أنت أفقه [عندى] من الحسن. فالخير كله من الله كما قال تعالى: وما بكم من نعمة فمن الله [النحل: 53]  وقال تعالى واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الأيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة [الحجرات: 7- 8]  وقال: يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين [الحجرات: 17]  وقال تعالى: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم [الفاتحة: 6- 7]  وهؤلاء المنعم عليهم هم المذكورون فى قوله: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين وحسن أولئك رفيقا [النساء:69] فالنعم كلها [من نعم الدين والدنيا وهو أن الأعمال فى الدنيا والآخرة] من نعم الله ومنه وفضله على عبده وهو سبحانه- وإن كان أجود الأجودين وأرحم الراحمين وأكرم الأكرمين- فإنه أحكم الحاكمين وأعدل العادلين لا يضع الأشياء إلا فى مواضعها اللائقة بها ولا يناقض جوده ورحمته وفضله حكمته وعدله. ولو رأى العقلاء واحدا منهم قد وضع المسك فى الحشوس والأخلية ووضع النجاسات والقاذورات فى مواضع الطيب والنظافة لاشتد نكيرهم عليه والقدح فى عقله ونسبوه إلى السفه وخلاف الحكمة(1\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "106",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11701",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك لو وضع العقوبة موضع الإحسان والإحسان موضع العقوبة لسفهوه وقدحوا فى عقله كما قال القائل: ووضع الندى موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف فى موضع الندي وكذلك لو وضع الدواء موضع الغذاء والغذاء موضع الدواء والاستفراغ حيث يكون اللائق به عدمه والإمساك حيث يليق الاستفراغ وكذلك وضع الماء موضع الطعام والطعام موضع الماء وأمثال ذلك مما يخل بالحكمة بل لو أقبل على الحيوان البهيم يريد تعليمه ما لم يخلق له من العلوم والصنائع فمن بهرت حكمته العقول والألباب كيف ينبغى له أن يضع الأشياء فى غير مواضعها اللائقة بها ومن المعلوم أن أجل نعمة على عبده نعمة الإيمان به ومعرفته ومحبته وطاعته والرضا به والإنابة إليه والتوكل عليه والتزام عبوديته. ومن المعلوم أيضا أن الأرواح منها الخبيث الذى لا أخبث منه ومنها الطيب وبين ذلك وكذلك القلوب منها القلب الشريف الزكى والقلب الخسيس الخبيث وهو سبحانه خلق الأضداد كما خلق الليل والنهار والبرد والحر والداء والدواء والعلو والسفل وهو أعلم بالقلوب الزاكية والأرواح الطيبة التى تصلح لاستقرار هذه النعم فيها وإيداعها عندها ويزكو [بذروها] فيها فيكون تخصيصه لها بهذه النعم كتخصيص الأرض الطيبة القابلة [للبذر] بالبذر فليس من الحكمة أن يبذر البذر فى الصخور والرمال والسباخ وفاعل ذلك غير حكيم فما الظن ببذر الإيمان والقرآن والحكمة ونور المعرفة والبصيرة فى المحال التى هى أخبث المحال. فالله [عز وجل] أعلم حيث يجعل رسالاته أصلا وميراثا فهو أعلم بمن يصلح لتحمل رسالته فيؤديها إلى عباده بالأمانة والنصيحة وتعظيم المرسل والقيام بحقه والصبر على أوامره والشكر لنعمه والتقرب إليه ومن لا يصلح لذلك. وكذلك هو سبحانه أعلم بمن يصلح من الأمم لوراثة رسله والقيام بخلافتهم وحمل ما بلغوه عن ربهم قال عبد الله بن مسعود: إن الله نظر فى قلوب العباد فرأى قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير(1\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "107",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11702",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلوب أهل الأرض فاختصه برسالته ثم نظر فى قلوب العباد فرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبته. وفى أثر بنى إسرائيل أن الله تعالى قال لموسى: أتدرى لم اخترتك لكلامى قال: لا يا رب. قال: إنى نظرت فى قلوب العباد فلم أر فيها أخضع من قلبك لى. أو نحو هذا. فالرب سبحانه إذا علم من محل أهلية لفضله ومحبته ومعرفته وتوحيده حبب إليك ذلك ووضعه فيه وكتبه فى قلبه ووفقه له وأعانه عليه ويسر له طرقه وأغلق دونه الأبواب التى تحول بينه وبين ذلك ثم تولاه بلطفه وتدبيره وتيسيره وتربيته أعظم من تربية الوالد الشفيق الرحيم المحسن لولده الذى هو أحب شئ إليه فلا يزال يعامله بلطفه ويختصه بفضله ويؤثره برحمته ويمده بمعونته ويؤيده بتوفيقه ويريه مواقع إحسانه إليه وبره به فيزداد العبد به معرفة وله محبته وإليه إنابة وعليه توكلا ولا يتولى معه غيره ولا يعبد معه سواه وهذا هو الذى عرف قدر النعمة وعرف المنعم وأقر بنعمته وصرفها فى مرضاته. واقتضت حكمة الرب [تعالى] وجوده وكرمه وإحسانه أن بذر فى هذا القلب بذر الإيمان والمعرفة. وسقاه ماء العلم النافع والعمل الصالح وأطلع عليه من نوره شمس الهداية وصرف عنه الآفات المانعة من حصول الثمرة فأنبتت أرضه الزاكية من كل زوج كريم كما فى الصحيح من حديث أبى موسى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: quot;مثل ما بعثنى الله من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها طائفة أجادب أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى إنما هى قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه فى دين الله ونفعه بما بعثنى الله به ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذى أرسلت بهquot; فمثل القلوب بالأرض التى هى محل النبات والثمار ومثل الوحى الذى وصل إليها من بارئها وفاطرها بالماء الذى ينزله على الأرض فمن الأرض أرض طيبة قابلة للماء والنبات فلما أصابها الماء أنبتت ما انتفع به الآدميون والبهائم وأقوات المكلفين وغيرهم وهذه بمنزلة القلب القابل لهدى الله ووحيه المستعد لزكائه فيه وثمرته ونمائه وهذا خير قلوب العالمين. ومن الأرض أرض صلبة منخفضة غير مرتفعة ولا رابية قابلة لحفظ الماء واستقراره فيها ففيها قوة الحفظ وليس فيها قوة النبات فلما حصل فيها الماء أمسكته وحفظته فورده الناس(1\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "108",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11703",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لشربهم وشرب مواشيهم وسقوا منه زروعهم وهذا بمنزلة القلب الذى حفظ الوحى وضبطه وأداه إلى من هو أفهم له منه وأفقه منه وأعرف بمراده وهذا فى الدرجة الثانية. ومن الأرض أرض قيعان- وهى المستوية التى لا تنبت إما لكونها سبخة أو [رمالا]  ولا يستقر فيها الماء- فإذا وقع عليها الماء ذهب ضائعا لم تمسكه لشرب الناس ولم تنبت به كلأ لأنها غير قابلة لحفظ الماء ولا لنبات الكلإ والعشب وهذا حال أكثر الخلق وهم الأشقياء الذين لم يقبلوا هدى الله ولم يرفعوا به رأسا ومن كان بهذه المثابة فليس من المسلمين بل لا بد لكل مسلم أن يزكو الوحى فى قلبه فينبت من العمل الصالح والكلم الطيب ونفع نفسه وغيره بحسب قدرته فمن لم ينبت قلبه شيئا من الخير البتة فهذا من أشقى الأشقياء. فصلوات الله وسلامه على من الهدى والبيان والشفاء والعصمة فى كلامه وفى أمثاله. والمقصود أن الله سبحانه أعلم بمواقع فضله ورحمته وتوفيقه ومن يصلح لها ومن لا يصلح وأن حكمته تأبى أن يضع ذلك عند غير أهله كما تأبى أن يمنعه من يصلح له. وهو سبحانه الذى جعل المحل صالحا وجعله أهلا وقابلا فمنه الإعداد والإمداد ومنه السبب والمسبب. ومن اعترض بقوله: فهلا جعل المحال كلها كذلك وجعل القلوب على قلب واحد فهو من أجهل الناس وأضلهم وأسفههم وهو بمنزلة من يقول: لم خلق الأضداد وهلا جعلها كلها شيئا واحدا فلم خلق الليل والنهار والفوق والتحت والحر والبرد والدواء والداء والشياطين والملائكة والروائح الطيبة والكريهة والحلو والمر والحسن والقبيح وهل يسمح خاطر من له أدنى مسكة من عقل بمثل هذا السؤال الدال على حمق سائله وفساد عقله وهل ذلك إلا موجب ربوبيته وإلاهيته وملكه وقدرته ومشيئته وحكمته ويستحيل أن يتخلف موجب صفات كماله عنها وهل حقيقة الملك إلا بإكرام الأولياء وإهانة الأعداء وهل تمام الحكمة وكمال القدرة إلا بخلق المتضادات والمختلفات وترتيب آثارها عليها وإيصال ما يليق بكل منها إليه وهل ظهور آثار أسمائه وصفاته فى العالم إلا من لوازم ربوبيته وملكه فهل يكون رزاقا وغفارا وعفوا ورحيما وحليما ولم يوجد من يرزقه ولا من يغفر له ويعفو عنه ويحلم عنه ويرحمه وهل انتقامه إلا من لوازم ربوبيته وملكه فممن ينتقم إن لم يكن له أعداء ينتقم منهم ويرى أولياءه كمال(1\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "109",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11704",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نعمته عليهم واختصاصه إياهم دون غيرهم بكرامته وثوابه وهل فى الحكمة الإلهية تعطيل الخير الكثير لأجل شر جزئى يكون من لوازمه فهذا الغيث الذى يحيى به الله البلاد والعباد والشجر والدواب. كم يحبس من مسافر ويمنع من قصاد ويهدم من بناء ويعوق [عن] مصلحة ولكن أين هذا مما يحصل به من المصالح وهل هذه المفاسد فى جنب مصالحه إلا كتفلة فى بحر وهل تعطيله لئلا تحصل به هذه المفاسد إلا موجبا لأعظم المفاسد والهلاك وهذه الشمس التى سخرها الله لمنافع عباده وإنضاج ثمارهم وأقواتهم وتربية أبدانهم وأبدان الحيوانات والطير وفيها من المنافع والمصالح ما فيها كم تؤذى مسافرا وغيره بحرها وكم تجفف رطوبة وكم تعطش حيوانا وكم تحبس عن مصلحة وكم [تشف] من مورد وتحرق من زرع ولكن أين يقع هذا فى جنب ما فيها من المنافع والمصالح الضرورية المكملة فتعطيل الخير الكثير لأجل الشر اليسير شر كثير وهو خلاف موجب الحكمة الذى تنزه الله سبحانه عنه. قلت لشيخ الإسلام: فقد كان من الممكن خلق هذه الأمور مجردة عن المفاسد مشتملة على المصلحة الخالصة فقال: خلق هذه الطبيعة بدون لوازمها ممتنع فإن وجود الملزوم بدون لازمه محال ولو خلقت على غير هذا الوجه لكانت غير هذه ولكان عالما آخر غير هذا. قال: ومن الأشياء ما تكون ذاته مستلزمة لنوع من الأمور لا ينفك عنه- كالحركة مثلا المستلزمة لكونها لا تبقى- فإذا قيل: لما لم تخلق الحركة المعينة باقية قيل: لأن ذات الحركة تتضمن النقلة من مكان إلى مكان والتحول من حال إلى حال فإذا قدر ما ليس كذلك لم يكن حركة. ونفس الإنسان هى فى ذاتها جاهلة عاجزة فقيرة كما قال تعالى: والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا [النحل: 78]  وإنما [يأتيها] العلم والقدرة والغنى من الله بفضله ورحمته فما حصل لها من كمال وخير فمن الله وما حصل لها من عجز وفقر وجهل يوجب الظلم والشر فهو منها ومن حقيقتها. وهذه أمور عدمية وليس لها من نفسها وجود ولا كمال والأمور العدمية من لوازم وجودها ولو جعلت على غير ذلك لم تكن هى هذه النفس الإنسانية بل مخلوقا آخر.(1\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "110",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11705",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فحقيقة نفس الإنسان جاهلة ظالمة فقيرة محتاجة والشر الذى يحصل لها نوعان: عدم ووجود. فالأول كعدم العلم والإيمان والصبر وإرادة الخيرات وعدم العمل بها وهذا العدم ليس له فاعل إذ العدم المحض لا يكون له فاعل لأن تأثير الفاعل إنما هو فى أمر وجودى وكذلك عدم استعدادها للخيرات والكمالات هو عدم محض ليس له فاعل فإن العدم ليس بشئ أصلا وما ليس بشيء لا يقال إنه مفعول لفاعل فلا يقال إنه من الله إنما يحتاج إلى الفاعل الأمور الوجودية ولهذا من قول المسلمين كلهم: quot;ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكنquot; فكل كائن فبمشيئته كان وما لم يكن فلعدم مشيئته. والعدم يعلل بعدم السبب أو الشرط تارة وبوجود المانع أخرى. وقد يقال علة العدم عدم العلة. وبعض الناس يقول: الممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح فلا يوجد إلا بسبب ولا يعدم إلا بسبب قال: والتحقيق فى هذا أن العدم ليس له فاعل ولا علة فاعلة أصلا [بل]  إذا أضيف إلى عدم السبب أو عدم الشرط فمعناه الملازمة أى عدم العلة استلزم عدم المعلول وعدم الشرط استلزم عدم المشروط. فإذا قيل: عدم لعدم [عليه أى عدم عليه] مستلزمة لعدمه والنفس تطلب سبب العدم فتقول: لما لم يوجد كذا فيقال: لعدم كذا فيضاف عدم المعلوم إلى عدم علته لا إضافة تأثير ولكن إضافة استلزام وتعريف وأما التعليل بالمانع فلا يكون إلا مع قيام السبب إذا جعل المانع مقتضيا للعدم وأما إذا أريد قياس الدلالة فوجود المانع يستلزم عدم الحكم سواء كان المقتضى موجودا أو لم يكن. والمقصود أن ما عدمته النفس من كمالها فمنها فإنها لا تقتضى إلا [العدم]  أى عدم استعداد نفسها وقوتها هو السبب فى عدم هذا الكمال فإنه كما يكون أحد الوجودين سببا للآخر فكذلك أحد العدمين يكون سببا لعدم الآخر والموجود الحادث يضاف إلى السبب المقتضى لإيجاده وأما المعدوم فلا يحتاج استمراره على العدم إلى فاعل يحدث العدم بل يكفى فى استمراره عدم مشيئة الفاعل المختار له فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن لانتفاء مشيئته فانتقاء مشيئة كونه سبب عدمه وهذا معنى قولهم: عدم علة الوجود علة العدم وبهذا الاعتبار الممكن القابل للوجود والعدم لا يترجح أحد(1\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "111",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11706",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طرفيه على الآخر إلا بمرجح فمرجح عدمه عدم مرجحه ومعنى الترجيح والسببية [هاهنا] الاستلزام لا التأثير كما تقدم فظهر استحالة إضافة هذا الشر إلى الله عز وجل. وأما الشر الثانى وهو الشر الوجودى- كالعقائد الباطلة والإرادات الفاسدة- فهو من لوازم ذلك العدم فإنه متى عدم ذلك العلم النافع والعمل الصالح من النفس لزم أن يخلفه الشر والجهل وموجبهما ولا بد لأن النفس لا بد لها من أحد الضدين فإذا لم تشتغل بالضد النافع الصالح اشتغلت بالضد الضار الفاسد وهذا الشر الوجودى هو من خلقه تعالى إذ لا خالق سواه وهو خالق كل شيء لكن كل ما خلقه الله فلا بد أن يكون له فى خلقه حكمة لأجلها خلقه لو لم يخلقه فاتت تلك الحكمة وليس فى الحكمة تفويت هذه الحكمة التى هى أحب إليه سبحانه من الخير الحاصل بعدمها فإن فى وجودها من الحكمة والغايات التى يحمد عليها سبحانه أضعاف ما فى عدمها من ذلك ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع وليس فى الحكمة تفويت هذه الحكمة العظيمة لأجل ما يحصل للنفس من الشر مع ما حصل من الخيرات التى لم تكن تحصل بدون هذا الشر ووجود الشيء لا يكون إلا مع وجود لوازمه وانتفاء أضداده فانتفاء لوازمه يكون ممتنعا لغيره وحينئذ فقد يكون هدى هذه النفوس الفاجرة [وسعادتها] مشروطا بلوازم لم تحصل أو بانتفاء أضداد لم تنتف. فإن قيل: فهلا حصلت تلك اللوازم وانتفت تلك الأضداد فهذا هو السؤال الأول وقد بينا أن لوازم هذا الخلق وهذه النشأة وهذا العالم لا بد منها فلو قدر عدمها لم يكن هذا العالم بل عالما آخر ونشأة أخرى وخلقا آخر وبينا أن هذا السؤال بمنزلة أن يقال: هلا تجرد الغيث والأنهار عما يحصل به من تغريق [وتعويق] وتخريب وأذى وهلا تجردت الشمس عما يحصل منها من حر وسموم وأذى وهلا تجردت طبيعة الحيوان عما يحصل له من ألم وموت وغير ذلك وهلا تجردت الولادة عن مشقة الحمل والطلق وألم الوضع هلا تجرد بدن الإنسان عن قبوله للآلام والأوجاع واختلاف الطبائع الموجبة لتغير أحواله وهلا تجردت فصول العام عما [يحدث] فيها من البرد الشديد القاتل والحر الشديد المؤذى فهل يقبل عاقل هذا السؤال أو يورده وهل هذا إلا بمنزلة أن يقال: لم كان المخلوق فقيرا محتاجا والفقر والحاجة صفة نقص فهلا تجرد منها(1\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "112",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11707",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وخلعت عليه خلعة الغنى المطلق والكمال المطلق فهل يكون مخلوقا إذا كان غنيا غنى مطلقا ومعلوم أن لوازم الخلق لا بد منها فيها ولا بد للعلو من سفل والسفل من مركز ولوازم العلو من السعة والإضاءة والبهجة والخيرات وما هناك من الأرواح العلوية النيرة المناسبة لمحلها وما يليق بها ويناسبها من الابتهاج والسرور والفرح والقوة والتجرد من علائق المواد العلية لا بد منها ولوازم السفل والمركز من الضيق والحصر ولوازم ذلك من [الظلمة والغلط] والشر وما هنالك من الأرواح السفلية المظلمة الشريرة وأعمالها وآثارها لا بد منها فهما عالمان علوى وسفلى ومحلان وساكنان تناسبهما مساكنهما وأعمالهما وطبائعهما وقد خلق كلا من المحلين معمورا بأهليه وساكنيه حكمة بالغة وقدرة قاهرة وكل من هذه الأرواح لا يليق بها غير ما خلقت له مما يناسبها ويشاكلها قال تعالى: قل كل يعمل على شاكلته [الإسراء: 84] أى على ما يشاكله ويناسبه ويليق به كما يقول الناس: quot;كل إناء بالذى فيه ينضحquot; فمن أرادت من الأرواح الخبيثة السفلية أن تكون مجاورة للأرواح الطيبة العلوية فى مقام الصدق بين الملأ الأعلى فقد أراد ما تأباه حكمة أحكم الحاكمين ولو أن ملكا من ملوك الدنيا جعل خاصته وحاشيته سفلة الناس وسقطهم وغرتهم الذين تتناسب أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم فى القبح والرداءة والدناءة لقدح الناس فى ملكه وقالوا: لا يصلح للملك فما الظن بمجاورى الملك الأعظم مالك الملوك فى داره وتمتعهم برؤية وجهه وسماع كلامه ومرافقتهم للملأ الأعلى الذين هم أطيب خلقه وأزكاهم وأشرفهم أفيليق بذلك الرفيق الأعلى والمحل الأسنى والدرجات العلى روح سفلية أرضية قد أخلدت إلى الأرض وعكفت على ما تقتضيه طبائعها مما [تشاركها] فيه بل قد تزيد على الحيوان البهيم وقصرت همتها عليه وأقبلت بكليتها عليه لا ترى نعيما ولا لذة ولا سرورا إلا ما وافق طباعها من كل مأكل ومشرب ومنكح من أين كان وكيف اتفق فالفرق بينها وبين الحمير والكلاب والبقر بانتصاب القامة ونطق اللسان والأكل باليد وإلا فالقلب والطبع على [شاكله] قلوب هذه الحيوانات وطباعها وربما كانت طباع الحيوانات خيرا من طباع هؤلاء وأسلم وأقبل للخير ولهذا جعلهم الله سبحانه شر الدواب فقال تعالى: إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا(1\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "113",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11708",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون [الأنفال: 22- 23]  فهل يليق بحكمة العزيز الحكيم أن يجمع بين خير البرية وأزكى الخلق وبين شر البرية وشر الدواب فى دار واحدة يكونون فيها على حال واحدة من النعيم أو العذاب قال الله تعالى: أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون [القلم: 35- 36]  فأنكر عليهم الحكم بهذا وأخرجه مخرج الإنكار لا مخرج الإخبار لينبه العقول على هذا مما تحيله الفطر وتأباه العقول السليمة وقال تعالى: لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفآئزون [الحشر: 20]  وقال تعالى: أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار [ص:28]  وقال تعالى: قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب [الزمر: 9] بل الواحد من الخلق لا تستوى أعاليه وأسافله فلا يستوى عقبه وعينه ولا رأسه ورجلاه ولا يصلح أحدهما لما يصلح له الآخر فالله عز وجل قد خلق الخبيث والطيب والسهل والحزن والضار والنافع وهذه أجزاء الأرض: منها ما يصلح جلاء للعين ومنها ما يصلح للأتون والنار. وبهذا ونحوه يعرف كمال القدرة وكمال الحكمة: فكمال القدرة بخلق الأضداد. وكمال الحكمة تنزيلها منازلها ووضع كل منها فى موضعه والعالم من لا يلقى الحرب بين قدرة الله وحكمته- فإن آمن بالقدرة قدح فى الحكمة وعطلها وإن آمن بالحكمة قدح فى القدرة ونقصها- بل يربط القدرة بالحكمة ويعلم شمولها لجميع ما خلقه الله ويخلقه فكما أنه لا يكون إلا بقدرته ومشيئته فكذلك لا يكون إلا بحكمته. وإذا كان لا سبيل للعقول البشرية إلى الإحاطة بهذا تفصيلا فيكفيها الإيمان بما تعلم وتشاهد منه ثم تستدل على الغائب بالشاهد وتعتبر ما علمت بما لم تعلم. وقد ضرب الله الأمثال لعباده فى كتابه وبين لهم ما فى لوازم ما خلقه لهم وأنزله عليهم من الغيث الذى به حياتهم وأقواتهم وحياة الأرض والدواب وما خلقه لهم من المعادن التى بها صلاح أبدانهم وأقواتهم وصنائعهم من الشر والخير وبين المغمور بالإضافة إلى الخير الحاصل بذلك فقال تعالى: أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله كذلك(1\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "114",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11709",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال [الرعد: 17] فأخبر سبحانه أن الماء [سبب] بمخالطته الأرض إذا سال فلا بد من أن يحمل السيل من الغثاء والوسخ وغيره زبدا عاليا على وجه السيل فالذى لا يعرف ما تحت الزبد يقصر نظره عليه ولا يرى إلا غثاء ووسخا ونحو ذلك ولا يرى ما تحته من مادة الحياة وكذلك ما يستخرج من المعادن من الذهب والفضة والحديد والنحاس وغيرها إذا أوقد عليها فى النار ليتهيأ الانتفاع بها خرج منها خبث ليس من جوهرها ولا ينتفع به وهذا لا بد منه فى هذا وهذا يجاوزه بصره. وقد ذم تعالى من ضعفت بصيرته من المنافقين وعمى عما فى القرآن مما به ينال كل سعادة وعلم وهدى وصلاح وخير فى الدنيا والآخرة لمن لم يجاوز بصره وسمعه وعود وعيده وبروقها وصواعقها وما أعد الله لأعدائه من عذابه ونكاله وخزيه وعقابه [الذى هو - بالإضافة إلى ما فيه من حياة القلوب] والأرواح ومن المعارف الإلهية يبين طريق العبودية التى هى غاية كمال العبد وهو مقصود لتكميل ذلك وتمامه. قال تعالى مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلمآ أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون أو كصيب من السمآء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضآء لهم مشوا فيه وإذآ أظلم عليهم قاموا [البقرة: 17-20]  فهكذا حال كل من قصر نظره فى بعض مخلوقات الرب سبحانه على ما لا بد منه من شر جزئى جدا بالإضافة إلى الخير الكثير ولو لم تكن فى هذه النشأة الإنسانية إلا خاصته وأولياؤه من رسله وأنبيائه وأتباعهم لكفى بها خيرا ومصلحة ومن عاداهم- وإن كانوا أضعاف أضعاف أضعافهم- فهم كالقش والزبالة وغثاء السيل لا يعبأ بكثرتهم ولا يقدح فى الحكمة الإلهية بل وجود الواحد الكامل من هذا النوع يغتفر معه [آلاف] مؤلفة من النوع الآخر فإنه إذا وجد واحد يوازن البرية ويرجح عليها كان الخير الحاصل بوجوده والحكمة والمصلحة أضعاف الشر الحاصل من وجود أضداده وأثبت وأنفع وأحب إلى الله من فواته(1\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "115",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11710",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بتفويت ذلك الشر المقابل له وهذا كالشمس: فإن الخير الحاصل بها أنفع للخلق وأكثر وأثبت وأصلح من تفويته بتفويت الشر المقابل له بها وأين نفع الشمس وصلاح النبات والحيوان بها من نفع الرسل وصلاح [القلوب] الوجود بهم بل أين ذلك من نفع سيد ولد آدم وصلاح الأبدان والدين والدنيا والآخرة به وقد ضرب للنفس الإنسانية وما فيها من الخير والشر مثل بدولاب أو طاحون شديد الدوران أى شيء خطفه ألقاه تحته وأفسده وعنده قيمة الذى يديره وقد أحكم أمره لينتفع به ولا يضر أحدا فربما جاء الغر الذى لا يعرف فيتقرب منه فيخرق ثوبه [أوبدنه] أو يؤذيه فإذا قيل لصاحبه: لم لم تجعله ساكنا لا يؤذى من اقترب منه قال: هذه الصفة اللازمة التى كان بها دولابا وطاحونا ولو [جعل] على غير هذه الصفة لم تحصل به الحكمة المطلوبة منه. وكذلك إذا أوقدنا نار الأتون التى تحرق ما وقع فيها وعندها وقاد حاذق يحشوها فإذا غفل عنها أفسدت وإذا أراد أحد أن يقرب منها نهاه وحذره فإذا استغفله من قرب منها حتى أحرقته لم يقل لصاحب النار: هلا قللت حرها لئلا تفسد من يقرب منها وتحرقه فإنه يقول: هذه صفتها التى لا يحصل المقصود منها إلا بها ولو جعلتها دون ذلك لم تحرق أحجار الكلس ولم تطبخ الآجر ولم تنضج الأطعمة الغليظة ونحو ذلك فما يحصل من الدولاب والطاحون ومن النار من نفعها هو من فضل الله ورحمته وما يحصل بها من شر هو من طبيعتها التى خلقت عليها والتى لا تكون نارا إلا بها فلو خرجت عن تلك الطبيعة لم تكن نارا وكذلك النفس: فما يحصل لها من شر فهو منها ومن طبيعتها ولوازم نقصها وعدمها وما يحصل لها من خير فهو من فضل الله ورحمته والله خالقها وخالق كل شيء قام بها من قدرة وإرادة وعلم وعمل وغير ذلك فأما الأمور العدمية فهى باقية على ما [كانت] عليه من العدم والإنسان جاهل ظالم بالضرورة كما قال تعالى: وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا [الأحزاب: 72]  فإن الله أخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئا [والظلم هو النقص كما قال تعالى: آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا [الكهف: 33] أى ما نقص منه شيئا]  وهى ظالمة نفسها فهى الظالمة والمظلومة إذ كانت منقوصة من كمالها بعدم الكمالات أو أكثرها بها وتلك أخرى فصار عدمها مستلزما لعدم تلك الكمالات [فعظم النقص والتعب كسبه وفقدت من لذاتها وسرورها ونعيمها وبهجتها وروحها بحسب ما فعلت من تلك الكمالات] التى لا سعادة لها بدونها(1\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "116",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11711",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن أحد الموجودين قد يكون مشروطا بالآخر فيستحيل وجوده بدونه لأن عدم الشرط يستلزم عدم المشروط فإذا عدمت النفس هذا الكمال المستلزم لكمال آخر مثله أو أعلى منه وهى- موصوفة بالنقص الذى هو الظلم والجهل ولوازمها من أصل الخلقة- صارت متسلزمة للشر وقوة شرها وضعفه بحسب قوتها وضعفها فى ذاتها. وتأمل أول نقص دخل على أبى البشر وسرى إلى أولاده كيف كان من عدم العلم والعزم. قال تعالى: ولقد عهدنآ إلىءادم من قبل فنسي ولم نجد له عزما [طه: 115] والنسيان سواء كان عدم العلم أو عدم الصبر كما فسر بهما [هاهنا] فهو أمر عدمى ولهذا قال آدم لما رأى ما دخل عليه من ذلك: ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [الأعراف: 23]  فإنه إذا اعترف خص نفسه- بما حصل لها من عدم العلم والصبر- بالنسيان الذى أوجب فوات حظه من الجنة ثم قال: وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [الأعراف: 23]  فإنه سبحانه لم يغفر السيئات الوجودية فيمنع أثرها وعقابها [ونقى] العبد من ذلك وإلا ضرته آثارها ولا بد [كآثار] الطعام المسموم إن لم يتداركه المداوى بشرب الترياق ونحوه وإلا ضره ولا بد وإن لم يرحمه سبحانه بإيجاد ما به يصلح النفس وتصير عالمة [بالحق عاملة به] وإلا خسر.  والمغفرة تمنع الشر والرحمة توجب الخير والرب سبحانه إن لم يغفر للإنسان فيقيه السيئات ويرحمه فيؤتيه الحسنات وإلا هلك ولا بد إذ كان ظالما لنفسه ظلوما بنفسه فإن نفسه ليس عندها خير يحصل لها منها وهى متحركة بالذات فإن لم تتحرك إلى الخير تحركت إلى الشر فضرت صاحبها وكونها متحركة بالذات من لوازم كونها نفسا لأن ما ليس حساسا متحركا بالإرادة فليس نفسا [فى] الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم quot;أصدق الأسماء حارث وهمامquot; فالحارث الكاسب العامل والهمام الكثير الهم والهم مبدأ [الإرادة فالنفس لا تكون إلا مريدة عاملة فإن لم توفق] [للإرادة] الصالحة وإلا وقعت فى الإرادة الفاسدة والعمل الضار وقد قال تعالى: إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين [المعارج: 19- 22]  فأخبر [تعالى] أن الإنسان خلق على هذه الصفة وإن من كان على غيرها فلأجل ما زكاه الله به من فضله وإحسانه.(1\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "117",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11712",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال تعالى: وخلق الإنسان ضعيفا [النساء: 28]  قال طاووس ومقاتل وغيرهما: لا يصبر عن النساء. وقال الحسن: هو خلقه من ماء مهين. وقال الزجاج: ضعف عزمه عن قهر الهوى. والصواب أن ضعفه يعم هذا كله وضعفه أعظم من هذا وأكثر: فإنه ضعيف البنية ضعيف القوة ضعيف الإرادة ضعيف العلم ضعيف الصبر والآفات إليه [مع] هذا الضعف أسرع من السيل فى صيب الحدود. فبالإضطرار لا بد له من حافظ معين يقويه ويعينه وينصره ويساعده فإن تخلى عنه هذا المساعد المعين فالهلاك أقرب إليه من نفسه. وخلقه على هذه الصفة هو من الأمور التى يحمد عليها الرب [جل جلاله] ويثنى عليه بها. وهو موجب حكمته وعزته فكل ما يحدث من هذه الخلقة ويلزم عنها فهو بالنسبة إلى الخالق [عز وجل] خير وعدل وحكمة إذ مصدر هذه الخلقة عن صفات كماله من غناه وعلمه وعزته وحكمته ورحمته وبالنسبة إلى العبد تنقسم إلى خير وشر وحسن وقبيح كما تكون بالنسبة إليه طاعة ومعصية وبرا وفجورا بل أخص من ذلك مثل كونها صلاة وصياما وحجا [وزكاة] وسرقة وأكلا وشربا إذ [ذلك] موجب حاجته وظلمه وجهله وفقره وضعفه وموجب أمر الله له ونهيه ولله سبحانه الحكمة البالغة والنعمة السابغة والحمد المطلق على تجميع ما خلقه وأمر به وعلى ما لم يخلقه مما لو شاءه لخلقه وعلى توفيقه الموجب لطاعته وعلى خذلانه الموقع فى معصيته وهو سبقت رحمته غضبه وكتب على نفسه الرحمة وأحسن كل شيء خلقه وأتقن كل ما صنع وما يحصل للنفوس البشرية من الضرر والأذى فله فى ذلك سبحانه أعظم حكمة مطلوبة وتلك الحكمة إنما تحصل على الوجه الواقع المقدر بما خلق لها من الأسباب التى لا تنال غاياتها إلا بها فوجود هذه الأسباب بالنسبة إلى الخالق الحكيم سبحانه هو من الحكمة ولهذا يقرن سبحانه فى كتابه بين اسمه الحكيم واسمه العليم تارة وبين اسمه العزيز تارة كقوله: والله عليم حكيم [النساء: 26] [الأنفال: 71]  والله عزيز حكيم [البقرة: 240] [المائدة: 38]  وقوله: وكان الله عزيزا حكيما [النساء: 158 165] [الفتح: 7 19]  وكان الله عليما حكيما [النساء: 170] [الفتح: 4]  وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم [النمل: 6] فإن العزة تتضمن القوة ولله القوة جميعا يقال: عز يعز- بفتح العين- إذا اشتد(1\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "118",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11713",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوى ومنه الأرض العزاز: الصلبة الشديدة وعز يعز بكسر العين إذا امتنع ممن يرومه وعز يعز بضم العين إذا غلب وقهر فأعطوا أقوى الحركات وهى الضمة- لأقوى المعانى وهو الغلبة والقهر للغير وأضعفها وهى الفتحة لأضعف هذه المعانى وهو كون الشئ فى نفسه صلبا ولا يلزم من ذلك أن يمتنع عمن يرومه والحركة المتوسطة وهى الكسرة للمعنى المتوسط وهو القوى الممتنع عن غيره ولا يلزم منه أن يقهر غيره ويغلبه فأعطوا الأقوى للأقوى والأضعف للأضعف والمتوسط للمتوسط. ولا ريب أن قهر [المريد] عما يريده من أقوى أوصاف القادر فإن قهره عن إرادته وجعله مريدا كان أقوى أنواع القهر والعز ضد الذل والذل أصله الضعف والعجز فالعز يقتضى كمال القدرة [والعزة]  ولهذا يوصف به المؤمن ولا يكون ذما له بخلاف الكبر. قال رجل للحسن البصرى: إنك متكبر. فقال: لست متكبرا ولكنى [عزز] . وقال تعالى: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين [المنافقون: 8]  وقال ابن مسعود: ما زلنا أعزة الإسلام [منذ أسلم عمر. وقال النبى صلى الله عليه وسلم quot;اللهم أعز] بأحد هذين الرجلين: عمر بن الخطاب أو أبى جهل بن هشامquot; وفى بعض الآثار: إن الناس بطلبون العزة فى أبواب الملوك ولا يجدونها إلا فى طاعة الله عز وجل. وفى الحديث: quot;اللهم أعزنا بطاعتك ولا تذلنا بمعصيتكquot; وقال بعضهم: من أراد عزا بلا سلطان وكثرة بلا عشيرة وغنى بلا مال فلينتقل من ذل المعصية إلى عز الطاعة. فالعزة من جنس القدرة والقوة وقد ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خيرquot;. فالقدرة إن لم يكن معها حكمة بل كان القادر يفعل ما يريده بلا نظر فى العاقبة ولا حكمة محمودة يطلبها بإرادته ويقصدها بفعله كان [فعلة] فسادا كصاحب شهوات الغى والظلم الذى [يفعله] بقوته ما يريده من شهوات الغى فى بطنه وفرجه ومن ظلم الناس فإن هذا وإن كان له قوة وعزة لكن لما لم يقترن بها حكمة كان ذلك معونة على شره وفساده. وكذلك العلم كماله أن [نقترن به الحكمة وإلا فالعالم الذى لا يريد ما] تقتضيه الحكمة وتوجبه بل يريد ما يهواه سيفه غاو [وعلمه عون له على الشر والفساد هذا إذا كان عالما قادرا] مريدا له إرادة من غير حكمة وإن قدر أنه لا إرادة له فهذا أولا ممتنع من الحى فإن(1\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "119",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11714",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجود الشعور بدون حب ولا بغض ولا إرادة ممتنع كوجود إرادة بدون الشعور وأما القدرة والقوة إذا قدر وجودها بدون إرادة فهى كقوة الجماد فإن القوة الطبيعية التى هى مبدأ الفعل والحركة [لا إرادة لها] وقد قال بعض الناس: إن [للجماد] شعورا يليق به واحتج بقوله تعالى: وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه المآء وإن منها لما يهبط من خشية الله [البقرة: 74]  وبقوله تعالى: فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض [الكهف: 77] وهذه المسألة كبيرة تحتاج إلى كلام يليق بهذا الموضع. والمقصود أن العلم والقدرة المجردين عن الحكمة لا يحصل بهما الكمال والصلاح وإنما [يحصل] ذلك بالحكمة معها واسمه سبحانه quot;الحكيمquot; يتضمن حكمته فى خلقه وأمره فى إرادته الدينية الكونية وهو حكيم فى كل ما خلقه وأمر به. والناس فى هذا المقام أربع طوائف: الطائفة الأولى الجاحدة لقدرته وحكمته فلا يثبتون له [تعالى] قدرة ولا حكمة كما يقوله من ينفى كونه تعالى فاعلا مختارا وأن صدور العالم عنه بالإيجاب الذاتى لا بالقدرة والاختيار وهؤلاء يثبتون حكمة يسمونها عناية إلهية وهم من أشد الناس تناقضا إذ لا يعقل حكيم لا قدرة له ولا اختيار وإنما يسمون ما فى العالم من المصالح والمنافع عناية إلهية من غير أن يرجع منها إلى الرب [تعالى] إرادة ولا حكمة وهؤلاء كما أنهم مكذبون لجميع الرسل فإنهم مخالفون لصريح العقل والفطرة قد نسبوا الرب [تعالى] إلى أعظم النقص وجعلوا كل قادر مريد مختار أكمل منه وإن كان من كان بل سلبهم القدرة والاختيار والفعل عن رب العالمين شر من شرك عباد الأصنام به بكثير وشر من قول النصارى أنه- تعالى عن قولهم- ثالث ثلاثة وأن له صاحبة وولدا فإن هؤلاء أثبتوا له قدرة وإرادة واختيارا وحكمة ووصفوه مع ذلك بما لا يليق به. وأما أولئك فنفوا ربوبيته وقدرته بالكلية وأثبتوا له أسماء لا حقائق لها ولا معنى. والطائفة الثانية أقرت بقدرته وعموم مشيئته للكائنات وجحدت حكمته(1\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "120",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11715",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما له فى خلقه من الغايات المحمودة المطلوبة له سبحانه التى يفعل لأجلها ويأمر لأجلها فحافظت على القدر وجحدت الحكمة وهؤلاء هم النفاة للتعليل والأسباب والقوى والطبائع فى المخلوقات فعندهم لا يفعل لشيء ولا لأجل شيء وليس فى القرآن عندهم لام تعليل ولا باء تسبب وكل لام توهم التعليل فهى عندهم لام العاقبة وكل باء تشعر بالتسبب فهى عندهم باء المصاحبة وهؤلاء سلطوا نفاة القدر عليهم [بما نفوه من الحكمه والتعليل والأسباب فاستطالوا عليهم بذلك]  ووجدوا مقالا واسعا بالشناعة فقالوا وشنعوا ولعمر والله إنهم لمحقون فى أكثر ما شنعوا عليهم به إذ نفى الحكمة والتعليل والأسباب له لوازم فى غاية الشناعة والتزامها بمكابرة ظاهرة لعامة [عند عامة] العقلاء. والطائفة الثالثة أقرت بحكمته أثبتت الأسباب والعلل والغايات فى أفعاله وأحكامه وجحدت كمال قدرته فنفت قدرته على شطر العالم وهو أشرف ما فيه من أفعال الملائكة والجن والإنس وطاعاتهم بل عندهم [هذه] كلها لا تدخل تحت مقدوره [تعالى]  ولا يوصف بالقدرة عليها ولا هى داخلة تحت مشيئته ولا ملكه وليس فى مقدوره عندهم أن يجعل المؤمن مؤمنا والمصلى مصليا والموفق موفقا بل هو الذى [جعل] نفسه كذلك. وعندهم أن أفعال العباد من الملائكة والجن والإنس كانت بغير مشيئته واختياره فتعالى الله عن [قولهم]  وهؤلاء سلطوا عليهم نفاة الحكمة والتعليل والأسباب فمزقوهم كل ممزق ووجدوا طريقا وسيعا إلى الشناعة عليهم وأبدوا تناقضهم فقالوا وشنعوا ورموهم بكل داهية. أو نفى قدرة الرب [تعالى] على شطر المملكة له لوازم فى غاية الشناعة والقبح والفساد والتزامها مكابرة ظاهرة عند عامة العقلاء ونفى التزامها تناقض بين فصاروا بذلك بين التناقض- وهو أحسن حالهم- وبين التزام تلك العظائم التى تخرج عن الإيمان كما كان نفاة الحكمة والأسباب والغايات كذلك. فهدى الله الطائفة الرابعة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدى من يشاء إلى(1\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "121",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11716",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صراط مستقيم فآمنوا بالكتاب كله وأقروا بالحق جميعه ووافقوا كل واحدة من الطائفتين على ما معها من الحق وخالفوهم فيما قالوه من الباطل [فآمنوا] بخلق الله وأمره بقدرته وشرعه وأنه سبحانه المحمود على خلقه وأمره وأنه له الحكمة البالغة والنعمة السابغة وأنه على كل شيء قدير: فلا يخرج عن مقدوره شيء من الموجودات أعيانها وأفعالها وصفاتها كما لا يخرج عن علمه فكل ما تعلق به علمه من العالم تعلقت به قدرته ومشيئته. وآمنوا مع ذلك بأن له الحجة على خلقه [وأنه لا حجة لأحد عليه بل لله الحجة البالغة] وأنه لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم بل كان تعذيبهم منه عدلا منه وحكمة لا بمحض المشيئة المجردة عن السبب والحكمة كما يقوله الجبرية ولا يجعلون القدر حجة لأنفسهم ولا لغيرهم بل يؤمنون به ولا يحتجون به ويعلمون أن الله سبحانه أنعم عليهم بالطاعات وأنها من نعمته عليهم وفضله وإحسانه وأن المعاصى من نفوسهم الظالمة الجاهلة وأنهم هم جناتها وهم الذين اجترحوها ولا يحملونها على القضاء والقدر مع علمهم بشمول قضائه وقدره لما فى العالم من خير وشر وطاعة وعصيان وكفر وإيمان وأن مشيئة الله سبحانه محيطة بذلك كإحاطة علمه به وأنه لو شاء ألا يعصى لما عصى وأنه [سبحانه] أعز وأجل من أن يعصى قسرا والعباد أقل من ذلك وأهون وأنه ما شاء الله كان وكل كائن فهو بمشيئته وما لم يشأ لم يكن وما لم يكن فلعدم مشيئته فله الخلق والأمر وله الملك والحمد وله القدرة التامة والحكمة الشاملة البالغة. فهذه الطائفة هم أهل البصر التام والأولى لهم العمى المطلق والثانية والثالثة كل طائفة منهما [لهم] عين عمياء ومع هذا فسرى العمى من العين العمياء إلى العين الصحيحة فأعماها ولا يستكثر تكرار هذا الكلمات من يعلم شدة الحاجة إليها وضرورة النفوس إليها فلو تكررت فالحاجة إليها فى محل الضرورة. والله المستعان.(1\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "122",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11717",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: فى إثبات الحمد كله لله عز وجل ويجمع هذين الأصلين العظيمين أصل ثالث هو عقد نظامهما وجامع شملهما وبتحقيقه وإثباته على وجهه يتم بناء هذين الأصلين وهو إثبات الحمد كله لله رب العالمين(1\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "123",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11718",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنه المحمود على ما خلقه وأمر به ونهى عنه فهو المحمود على طاعات العباد ومعاصيهم وإيمانهم وكفرهم وهو المحمود على خلق الأبرار والفجار والملائكة والشياطين وعلى خلق الرسل وأعدائهم وهو المحمود على عدله فى أعدائه كما هو المحمود على فضله وإنعامه على أوليائه فكل ذرة من ذرات الكون شاهدة بحمده ولهذا سبح بحمده السموات السبع والأرض ومن فيهن: وإن من شيء إلا يسبح بحمده [الإسراء: 44]  وكان فى قول النبى صلى الله عليه وسلم عند الاعتدال من الركوع: quot;ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعدquot; فله سبحانه الحمد حمدا يملأ المخلوقات والفضاء الذى بين السماوات والأرض ويملأ ما يقدر بعد ذلك مما يشاء أن يملأ بحمده. وذاك يحتمل أمرين: أحدهما أن يملأ ما يخلقه الله بعد السموات والأرض والمعنى أن الحمد ملء ما خلقته وملء ما تخلقه بعد ذلك. الثانى أن يكون المعنى ملء ما شئت من شيء [بعد] يملأه حمدك أى يقدر مملوءا بحمدك وإن لم يكن موجودا. ولكن [قد] يقال: المعنى الأول أقوى لأن قوله: quot;ما شئت من شيء بعدquot; يقتضى أنه شيء يشاؤه وما شاء كان والمشيئة متعلقة بعينه لا بمجرد ملء الحمد له. فتأمله لكنه إذا شاء كونه فله الحمد ملأه فالمشيئة راجعة إلى المملوء بالحمد فلا بد أن يكون شيئا موجودا يملأه حمده وأيضا فإن قوله: quot;من شيء بعدquot; يقتضى أنه [شيء يشاؤه سبحانه بعد هذه المخلوقات كما يخلقه] بعد ذلك من مخلوقاته ومن القيامة وما بعدها. ولو أريد تقدير خلقه لقيل: وملء ما شئت من شيء مع ذلك لأن المقدر يكون مع المحقق. وأيضا فإنه لم يقل: ملء ما شئت أن يملأه الحمد بل قال: ما شئت. والعبد قد حمد حمدا أخبر به وإن ثناءه ووصفه بأنه يملأ ما خلقه الرب سبحانه وما يشاء بعد ذلك وأيضا قوله quot;وملء ما شئت من شيء بعدquot; يقتضى إثبات مشيئة تتعلق بشيء بعد ذلك وعلى الوجه الثانى قد تتعلق المشيئة بملء المقدر وقد لا تتعلق وأيضا فإذا قيل: quot;ما شئت من شيء بعد ذلكquot; كان الحمد مالئا لما هو موجود يشاؤه الرب دائما ولا ريب أن له الحمد دائما فى الأولى والآخرة وأما إذا قدر ما يملأه الحمد وهو غير موجود فالمقدرات لا حد لها وما من شيء منها إلا يمكن تقدير شيء بعده وتقدير ما لا نهاية له كتقدير الأعداد ولو أريد هذا المعنى لم(1\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "124",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11719",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يحتج إلى تعليقه بالمشيئة بل قيل: quot;ملء ما لا يتناهىquot; فأما ما يشاؤه الرب [تعالى] فلا يكون إلا موجودا مقدرا وإن كان لا آخر لنوع الحوادث أو بقاء ما يبقى منها فهذا كله مما يشاؤه بعد وأيضا فالحمد هو الإخبار بمحاسن المحمود على وجه الحب له ومحاسن المحمود تعالى إما قائمة بذاته وإما ظاهرة فى مخلوقاته فأما المعدوم المحض الذى لم يخلق ولا خلق قط فذاك ليس فيه محاسن ولا غيرها فلا محامد فيه البتة فالحمد لله [الذى] يملأ المخلوقات ما وجد منها ويوجد هو حمد يتضمن الثناء عليه بكماله القائم بذاته والمحاسن الظاهرة فى مخلوقاته وأما ما لا وجود له فلا محامد منه ولا مذام فجعل الحمد مالئا له لما لا حقيقة له. وقد اختلف الناس فى معنى كون حمده يملأ السموات والأرض وما بينهما فقالت طائفة على جهة التمثيل: أى لو كان أجساما لملأ السموات والأرض وما بينهما قالوا: فإن الحمد من قبيل المعانى والأعراض التى لا تملأ بها الأجسام ولا تملأ الأجسام [إلا بالأجسام] والصواب أنه لا يحتاج إلى [هذا التكلف البارد فإن من كل شيء يكون بحسب] الماليء والمملوء فإذا قيل امتلأ الإناء ماء وامتلأت الجفنة طعاما فهذا الامتلاء نوع وإذا قيل: امتلأت الدار رجالا وامتلأت المدينة خيلا ورجالا فهذا نوع آخر. وإذا قيل: امتلأ الكتاب سطورا فهذا نوع آخر وإذا قيل: امتلأت مسامع الناس حمدا أو ذما لفلان فهذا نوع آخر فى أثر معروف: أهل الجنة من امتلأت مسامعه من ثناء الناس عليه وأهل النار من امتلأت مسامعه من ذم الناس لهquot;. وقال عمر بن الخطاب فى عبد الله بن مسعود كنيف مليء علما ويقال: فلان علمه قد ملأ الدنيا. وكان يقال: ملأ ابن أبى الدنيا الدنيا علما. ويقال: صيت فلان قد ملأ الدنيا وضيق الآفاق وحبه قد ملأ القلوب وبغض فلان قد ملأ القلوب وامتلأ قلبه رعبا وهذا أكثر من أن تستوعب شواهده وهو حقيقة فى بابه وجعل الملء والامتلاء حقيقة للأجسام خاصة تحكم باطل ودعوى لا دليل عليها البتة والأصل الحقيقة الواحدة والاشتراك المعنوى هو الغالب على اللغة والأفهام والاستعمال فالمصير إليه أولى من المجاز والاشتراك [اللفظى] وليس هذا موضع تقرير [هذه المسألة] . والمقصود أن الرب أسماؤه كلها حسنى ليس فيها اسم سوء وأوصافه كلها كمال ليس فيهاصفة نقص وأفعاله كلها حكمة ليس فيها فعل خال عن الحخكمة والمصلحة وله(1\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "125",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11720",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم موصوف بصفة الكمال مذكور بنعوت الجلال منزه عن الشبيه والمثال ومنزه عما يضاد صفات كماله: فمنزه عن الموت المضاد للحياة وعن السنة والنوم والسهو والغفلة المضاد للقيومية وموصوف بالعلم منزه عن أضداده كلها من النسيان والذهول وعزوب شيء عن علمه موةصوف بالقدرة التامة منزه عن ضدها من العجز واللغوب والإعياء موصوف بالعدل منزه عن الظلم موصوف بالحكمة منزه عن العبث موصوف بالسمع والبصر منزه عن أضدادهما من الصمم والبكم موصوف بالعلو والفوقية منزه عن أضداد ذلك موصوف بالغنى التام منزه عما يضاده بوجه من الوجوه ومستحق للحمد لكه فيستحيل أن يكون غير محمود كما يستحيل أن يكون غير قادر ولا خالق ولا حي وله الحمد كله واجب لذاته فلا يكون إلا محموةدا كما لا يكون إلا إلها وربا وقادرا فإذا قيل: quot;الحمد كله للهquot; فهذا له معنيان: أحدهما أنه محمود على كل شيء [وبكل ما يحمد به المحمود التام وإن كان بعض خلقه يحمد أيضا كما] يحمد رسله وأنبياؤه وأتباعهم- فذلك من حمده تبارك وتعالى بل هو المحمود بالقصد الأول [وبالذت وما نالوه من الحمد فإنما نالوه بحمده] فهو المحمود أولا وآخرا وظاهرا وباطنا وهذا كما أنه بكل شيء عليم وقد علم غيره من علمه ما لم يكن يعلمه بدون تعليمه وفى الدعاء المأثور: quot;اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أسألك من الخير كله وأعوذ بك من الشر كلهquot; وهو سبحانه له الملك وقد آتى من الملك بعض خلقه وله الحمد وقد آتى غيره من الحمد ما شاء. وكما أن ملك المخلوق داخل فى ملكه فحمده أيضا داخل فى حمده فما من محمود يحمد على شيء مما دق أو جل إلا والله المحمود عليه بالذات [والأولوية] أيضا وإذا قال [الحامد] : quot;اللهم لك الحمدquot; فالمراد به أنت المستحق لكل حمد ليس المراد به الحمد الخارجى فقط. المعنى الثانى أن يقال: quot;لك الحمد كلهquot; أى الحمد التام الكامل فهذا مختص بالله عز وجل ليس لغيره فيه شركة. والتحقيق أن له الحمد بالمعنيين جميعا فله عموم الحمد وكماله وهذا من خصائصه سبحانه فهو المحمود على كل حال وعلى كل شيء أكمل حمد وأعظمه كما أن له الملك التام العام فلا يملك كل شيء إلا هو وليس الملك التام الكامل إلا له وأتباع الرسل [صلوات الله وسلامه عليهم] يثبتون له كمال الملك وكمال الحمد فإنهم(1\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "126",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11721",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقولون: إنه خالق كل شيء وربه ومليكه لا يخرج عن خلقه وقدرته ومشيئته شيء البتة فله الملك كله. والقدرية المجوسية يخرجون من ملكه أفعال العباد فيخرجون [طاعات الأنبياء والمرسلين والملائكة والمتقين من ملكه كما يخرجون] سائر حركات الملائكة والجن والإنس عن ملكه. وأتباع الرسل يجعلون ذلك كله داخلا [تحت] ملكه وقدرته ويثبتون كمال الحمد أيضا وأنه المحمود على جميع ذلك وعلى كل ما خلقه ويخلقه لما له فيه من الحكم والغايات المحمودة المقصودة بالفعل. وأما نفاة الحكمة والأسباب من مثبتى القدر فهم فى الحقيقة لا يثبتون له حمدا كما لا يثبتون له الحكمة فإن الحمد من لوازم الحكمة والحكمة إنما تكون فى حق من يفعل شيئا لشيء فيريد بما يفعله الحكمة الناشئة من فعله فأما من لا يفعل شيئا لشيء البتة فلا يتصور فى حقه الحكمة. وهؤلاء يقولون: ليس فى أفعاله وأحكامه لام التعليل وما اقترن بالمفعولات من قوى وطبائع ومصالح فإنما اقترنت بها اقترانا عاديا لا أن هذا كان لأجل هذا ولا نشأ السبب لأجل المسبب بل لا سبب عندهم ولا مسبب البتة إن هو إلا محض المشيئة وصرف الإرادة التى ترجح مثلا على مثل بل لا مرجح أصلا وليس عندهم فى الأجسام وطبائع وقوى تكون أسبابا لحركاتها ولا فى العين قوة امتازت بها على الرجل يبصر بها ولا فى القلب قوة يعقل بها امتاز بها [على] الظهر بل خص سبحانه أحد الجسمين بالرؤية والعقل والذوق تخصيصا لمثل على مثل بلا سبب أصلا ولا حكمة فهؤلاء لم يثبتوا له كمال الحمد كما لم يثبت له أولئك كمال الملك وكلا القولين منكر عند السلف وجمهور الأمة. ولهذا كان منكرو الأسباب والقوى والطبائع يقولون: العقل نوع من العلوم الضرورية كما قال القاضيان أبو بكر بن الطيب وأبو يعلى بن الفراء وأتباعهما. وقد نص أحمد على أنه غريزة وكذلك الحارث المحاسبى وغيرهما فأولئك لا يثبتون غريزة ولا قوة ولا طبيعة ولا سببا وأبطلوا مسميات هذه الأسماء جملة وقالوا: إن ما فى الشريعة من المصالح والحكم لم يشرع الرب سبحانه ما شرع من الأحكام لأجلها بل اتفق اقترانها بها أمرا اتفاقيا(1\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "127",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11722",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كما قالوا نظير ذلك فى المخلوقات سواء والعلل عندهم أمارات محضة لمجرد الاقتران الاتفاقى. وهم فريقان: أحدهما لا يعرجون على المناسبات ولا يثبتون العلل بها البتة وإنما يعتمدون على تأثير العلة بنص أو إجماع فإن فقدوا فزعوا إلى الأقيسة الشبهية. والفريق الثانى أصلحوا المذهب بعض الإصلاح وقربوه بعض الشيء وأزالوا تلك النفرة عنه فأثبتوا الأحكام بالعلل والعلل بالمناسبات والمصالح ولم يمكنهم الكلام فى الفقه إلا بذلك ولكم جعلوا اقتران أحكام تلك العلل والمناسبات بها اقترانا عاديا غير مقصود فى نفسه العلل والمناسبات أمارات ذلك الاقتران وهؤلاء يستدلون على إثبت علم الرب تعالى بما فى مخلوقاته من الأحكام والإتقان والمصالح وهذا تناقض بين منهم فإن ذلك إنما يدل إذا كان الفاعل يقصد أن يفعل الفعل على وجه مخصوص لأجل الحكمة المطلوبة منه وأما من لم يفعل لأجل ذلك الإحكام والإتقان وإنما اتفق اقترانه بمفعولاته عادة فإن ذلك الفعل لا يدل على العلم ففى أفعال الحيوانات من الإحكام والإتقان والحكم ما هو معروف لمن تأمله ولكن لما لم تكن تلك الحكم والمصالح مقصودة لها لم تدل على علمها. والمقصود أن هؤلاء إذا قالوا: إنه تعالى لا يفعل لحكمة امتنع عندهم أن يكون الإحكام دليلا على العلم وأيضا فعلى قولهم يمتنع أن يحمد على ما فعله لأمر ما حصل للعباد من نفع فهو سبحانه لم يقصد بما خلقه نفعهم ولا خلقه لنفعهم ومصالحهم بل إنما أراد مجرد وجوده لا لأجل كذا ولا لنفع أحد ولا لضره فكيف يتصور فى حق من يكون فعله ذلك حمد فلا يحمد على فعل عدل ولا على ترك ظلم لأن الظلم- عندهم- والممتنع الذى لا يدخل فى المقدور وذلك لا يمدح أحد على تركه وكل ما أمكن وجوده فهو عندهم عدل فالظلم مستحيل عندهم إذ هو عبارة عن الممتنع المستحيل لذاته الذى لا يدخل تحت المقدور ولا يتصور فيه ترك اختيارى فلا يتعلق به حمد وإخباره تعالى عن نفسه بقيامه بالقسط حقيقة عندهم مجرد كونه فاعلا لا أن هناك شيئا هو قسط فى نفسه يمكن وجود ضده وكذلك قوله: وما ربك بظلام للعبيد [فصلت: 46] نفى عندهم لما هو مستحيل فى نفسه لا حقيقة له كجعل الجسم فى مكانين فى آن واحد وجعله موجودا معدوما فى آن(1\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "128",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11723",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحد فهذا ونحوه عندهم هو الظلم الذى تنزه عنه وكذلك قوله: quot;يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى وجعلته محرما بينكم فلا تظالمواquot; فالذى حرمه على نفسه هو المستحيل الممتنع لذاته كالجمع بين النقيضين وليس هناك ممكن يكون ظلما فى نفسه وقد حرمه على نفسه ومعلوم أنه لا يمدح الممدوح بترك ما لو أراده لم يقدر عليه. وأيضا فإنه قال: quot;وجعلته محرما بينكمquot; فالذى حرمه على نفسه هو الذى جعله محرما بين عباده وهو الظلم المقدور الذى يستحق تاركه الحمد والثناء. والذى أوجب لهم هذا مناقضة القدرية المجوسية ورد أصولهم وهدم قواعدهم ولكن ردوا باطلا بباطل وقابلوا بدعة ببدعة وسلطوا عليهم خصومهم بما التزموه من الباطل فصارت الغلبة بينهم وبين خصومهم سجالا مرة يغلبون ومرة يغلبون لم يستقر لهم نصرة وإنما النصرة الثابتة لأهل السنة المحضة الذين لم يتحيزوا إلى فئة غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلتزموا غير ما جاء به ولم يؤصلوا أصلا ببدعة يسلطون عليهم به خصومهم بل أصلهم ما دل عليه كتاب الله وكلام رسوله وشهدت به الفطر والعقول.(1\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "129",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11724",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "فصل: فى بيان أن حمده تعالى شامل لكل ما يحدثه",
        "content": "فصل: فى بيان أن حمده تعالى شامل لكل ما يحدثه والمقصود بيان شمول حمده تعالى وحكمته لكل ما يحدثه من إحسان ونعمة وامتحان وبلية وما يقضيه من طاعة ومعصية أنه سبحانه محمود على ذلك مشكور حمد المدح وحمد الشكر أما حمد المدح فإنه محمود على كل ما خلق إذ هو رب العالمين والحمد لله رب العالمين وأما حمد الشكر فلأن ذلك كله نعمة فى حق المؤمن إذا اقترن بواجبه من الإحسان والنعمة إذا [اقترنت بالشكر صارت] نعمة والامتحان والبلية إذا اقترنا بالصبر كانا نعمه والطاعة من أجل نعمه وأما المعصية فإذا اقترنت بواجبها من التوبة والاستغفار والإنابة والذل والخضوع فقد ترتب عليها من الآثار المحمودة والغايات المطلوبة ما هو نعمة أيضا وإن كان سببها مسخوطا مبغوضا للرب تعالى ولكنه يحب ما يترتب عليها من التوبة والاستغفار وهو سبحانه أفرح بتوبة عبده من الرجل إذا أضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها طعامه(1\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "130",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11725",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وشرابه فأيس منها ومن الحياة فنام ثم استيقظ فإذا بها قد تعلق خطامها فى أصل شجرة فجاء حتى أخذها فالله أفرح بتوبة العبد حين يتوب إليه من هذا براحلته فهذا الفرح العظيم الذى لا يشبهه شيء أحب إليه سبحانه من عدمه وله أسباب ولوازم لابد منها وما يحصل بتقدير عدمه من الطاعات وإن كان محبوبا له فهذا الفرح أحب إليه بكثير ووجوده بدون لازمه ممتنع فله من الحكمة فى تقدير أسبابه وموجباته حكمة بالغة ونعمة سابغة. هذا بالإضافة إلى الرب جل جلاله وأما بالإضافة إلى العبد فإنه قد يكون كمال عبوديته وخضوعه موقوفا على أسباب لا تحصل بدونها فتقدير الذنب عليه إذا اتصل به التوبة والإنابة والخضوع والذل والانكسار ودوام الافتقار كان من النعم باعتبار غايته وما يعقبه وإن كان من الابتلاء والامتحان باعتبار صورته ونفسه والرب تعالى محمود على الأمرين فإن اتصل بالذنب الآثار المحبوبة للرب سبحانه من والتوبة والذل والإنابة والانكسار فهو عين مصلحة العبد والاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية وإن لم يتصل به ذلك فهذا لا يكون إلا من خبث نفسه وشره وعدم استعداده لمجاورة ربه بين الأرواح الذكية الطاهرة فى الملأ الأعلى ومعلوم وأن هذه النفس فيها من الشر والخبث ما فيها فلا بد من خروج ذلك منها من القوة إلى الفعل ليترتب على ذلك الآثار المناسبة لها ومساكنة من تليق مساكنته ومجاورة الأرواح الخبيثة فى المحل الأسفل فإن هذه النفوس إذا كانت مهيأة لذلك فمن الحكمة أن تستخرج منها الأسباب التى توصلها إلى ما هى مهيأة له ولا يليق به سواه والرب تعالى محمود على إنعامه وإحسانه على أهل الإحسان والأنعام القابلين له فما كل أحد قابلا لنعمته تعالى فحمده وحكمته تقتضى أن لا يودع وإحسانه وكنوزه فى محل غير قابل لها. ولا يبقى إلا أن يقال: فما الحكمة فى خلق هذه الأرواح التى هى غير قابلة لنعمته فقد تقدم من الجواب عن ذلك ما فيه كفاية. وأن خلق الأضداد والمقابلات وترتيب آثارها عليها موجب ربوبيته وحكمته وعلمه وعزته وأن تقدير عدم ذلك هضم من جانب الربوبية. وأيضا فإن هذه الحوادث نعمة فى حق المؤمن فإنها إذا وقعت فهو مأمور أن نكرها بقلبه ويده ولسانه فقط أو بقلبه فقط(1\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "131",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11726",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومأمور أن يجاهد أربابها بحسب الإمكان فيترتب له على الإنكار والجهاد من مصالح قلبه ونفسه وبدنه ومصالح دنياه وآخرته ما لم يكن ينال بدون ذلك والمقصود بالقصد الأول إتمام نعمته تعالى على أوليائه ورسله وخاصته فاستعمال أعدائه فيما تكمل به النعمة على أوليائه غاية الحكمة وكان فى تمكين أهل الكفر والفسق والعصيان من ذلك إيصال إلى الكمال الذى يحصل لهم بمعاداة هؤلاء وجهادهم والإنكار عليهم والموالاة فيه والمعاداة فيه وبذل نفوسهم وأموالهم وقواهم له فإن تمام العبودية لا يحصل إلا بالمحبة الصادقة وإنما تكون المحبة صادقة إذا بذل فيها المحب ما يملكه من مال ورياسة وقوة فى مرضاة محبوبة والتقرب إليه فإن بذل له روحه كان هذا أعلى درجات المحبة ومن المعلوم أن من لوازم ذلك التى لا يحصل إلا بها أو يخلق ذواتا وأسبابا وأعمالا وأخلاقا وطبائع تقتضى [معاداة من يحبه ويؤثر مرضاته لها وعند ذلك تتحق] المحبة الصادقة من غيرها فكل أحد يحب الإحسان والراحة والدعة واللذة ويجب من يوصل إليه ذلك ويحصله له ولكن الشأن فى أمر وراء هذا وهو محبته سبحانه ومحبة ما يحبه مما هو أكره شيء إلى النفوس وأشق شيء عليها مما لا يلائمها فعند حصول أسباب ذلك يتبين من يحب الله لذاته ويحب ما يجب ممن يحبه لأجل مخلوقاته فقط من المأكل والمشرب والمنكح والرياسة فإن أعطى منها رضى وإن منعها سخط وعتب على ربه وربما شكاه وربما ترك عبادته فلولا خلق الأضداد وتسليط أعدائه وامتحان أوليائه بهم لم يستخرج خالص العبودية من عبيده الذين هم عبيده ولم يحصل لهم عبودية الموالاة فيه والمعاداة [فيه والحب فيه والبغض فيه والعطاء له والمنع له ولا عبودية بذل الأرواح] فى جهاد أعدائه ونصرته وعبودية مفارقة الأمر عنده أحوج ما يكون إليهم عبده فى مرضاته ما يتحسر إليهم وهو الذى عاب نفسه وملاذ بها بأيديهم قد جنى بمفارقتهم ومشايعتهم وأما من موالاة الحق عليهم فلولا الأضداد والأسباب التى توجب ذلك لم تحصل هذه الآثار. وأيضا فلولا تسليط الشهوة والغضب ودواعيهما على العبد لم تحصل له فضيلة الصبر وجهاد النفس ومنعها من حظوظها وشهواتها محبة لله وإيثارا لمرضاته وطلبا للزلفى لديه والقرب منه. وأيضا فلولا ذلك لم تكن هذه النشأة الإنسانية إنسانية بل كانت ملكية فإن آلله سبحانه خلق خلقه أطوارا:(1\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "132",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11727",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فخلق الملائكة عقولا لا شهوات لها ولا طبيعة تتقاضى منها خلاف ما يراد من مادة نورية لا تقتضى شيئا من الآثار والطبائع المذمومة وخلق الحيوانات ذوات شهوات لا عقول لها وخلق الثقلين- الجن والإنس وركب فيهم العقول والشهوات والطبائع المختلفة لآثار مختلفة بحسب موادها وصورها وتركيبها. وهؤلاء هم أهل الامتحان والابتلاء وهم المعرضون للثواب والعقاب ولو شاء سبحانه لجعل خلقه على طبيعة واحدة وخلق واحد ولم يفاوت بينهم لكن ما فعله سبحانه هو محض الحكمة وموجب الربوبية ومقتضى الإلهية ولو كان الخلق كله طبيعة واحدة ونمطا واحدا لوجد الملحد مقالا وقال: هذا مقتضى الطبيعة ولو كان فاعلا بالاختيار لتنوعت أفعاله ومفعولاته ولفعل الشيء وضده والشيء وخلافه. وكذلك لولا شهود هذه الحوادث المشهودة لوجد الملحد أيضا مقالا وقال: لو كان لهذا العالم خالقا مختارا لوجدت فيه الحوادث على حسب إرادته واختياره كما روى الحسن أو غيره قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون: جل ربنا القديم لم يتغير هذا الخلق لقال الشاك فى الله إنه لو كان لهذا العالم خالق لحادثه بينا هو ليل إذ جاء نهار وبينا هو نهار إذ جاء ليل بينا هو صحو إذ جاء غيم وبينا هو غيم إذ جاء صحو ونحو هذا من الكلام ولهذا يستدل سبحانه فى كتابه بالحوادث تارة وباختلافها تارة إذ هذا وهذا يستلزم ربوبيته وقدرته واختياره ووقوع الكائنات على وفق مشيئته فتنوع أفعاله ومفعولاته من أعظم الأدلة على ربوبيته وحكمته وعلمه. ولهذا سبحانه خلق النوع الإنسانى أربعة أقسام: أحدها لا من ذكر ولا أنثى وهو خلق أبيهم وأصلهم آدم الثانى خلقه من ذكر بلا أنثى كخلق أمهم حواء من ضلع من أضلاع آدم من غير أن تحمل بها أنثى أو يشتمل عليها بطن الثالث خلقه من أنثى بلا ذكر كخلق المسيح عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم الرابع خلق سائر النوع الإنسانى من ذكر وأنثى وكل هذا ليدل عباده على كمال قدرته ونفوذ مشيئته وكمال حكمته وأن الأمر ليس كما يظنه أعداؤه الجاحدون له الكافرون به من أن ذلك أمر طبيعى لم يزل هكذا ولا يزال وأنه ليس للنوع أب ولا أم وأنه ليس إلا أرحام تدفع وأرض تبلغ وطبيعة تفعل ما يرى ويشاهد ولم يعلم هؤلاء الجهال الضلال أن الطبيعة قوة وصفة فقيرة إلى محلها محتاجة إلى حامل لها وأنها من أدل الدلائل على وجود أمره فى طبعها(1\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "133",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11728",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وخلقها وأودعها الأجسام وجعل فيها هذه الأسرار العجيبة فالطبيعة مخلوق من مخلوقاته ومملوك من مماليكه وعبيدة مسخرة لأمره تعالى منقادة لمشيئته ودلائل الصنعة وإمارات الخلق والحدوث وشواهد الفقر والحاجة شاهدة عليها بأنها مخلوقة مصنوعة لا تخلق ولا تفعل ولا تتصرف فى ذاتها ونفسها فضلا عن إسناد الكائنات إليها. والمقصود أن تنويع المخلوقات واختلافها من لوازم الحكمة والربوبية والملك وهو أيضا من موجبات الحمد فله الحمد على ذلك كله أكمل حمد وأتمه أيضا فإن مخلوقاته هى موجبات أسمائه وصفاته فلكل اسم وصفة أثر لا بد من ظهوره فيه واقتضائه له فيمتنع تعطيل آثار أسمائه وصفاته كما يمتنع تعطيل ذاته عنها وهذه الآثار لها متعلقات ولوازم يمتنع أن لا توجد كما تقدم التنبيه عليه. وأيضا فإن تنويع أسباب الحمد أمر مطلوب للرب تعالى محبوب له فكما تنوعت أسباب الحمد تنوع الحمد بتنوعها وكثر بكثرتها ومعلوم أنه سبحانه محمود على انتقامه من أهل الإجرام والإساءة كما هو محمود على إكرامه لأهل العدل والإحسان فهو محمول على هذا وعلى هذا مع ما يتبع ذلك من حمده على حلمه وعفوه ومغفرته وترك حقوقه ومسامحة خلقه بها والعفو عن كثير من جنايات العبيد فنبههم باليسير من عقابه وانتقامه على الكثير الذى عفا عنه وأنه لو عاجلهم بعقوبته وأخذهم بحقه لقضى إليهم أجلهم ولما ترك على ظهرها من دابة ولكنه سبقت رحمته غضبه وعفوه انتقامه ومغفرته عقابه فله الحمد على عفوه وانتقامه وعلى عدله وإحسانه ولا سبيل إلى تعطيل أسباب حمده ولا بعضها. فليتدبر اللبيب هذا الموضع حق التدبر وليعطه حقه يطلعه على أبواب عظيمة من أسرار القدر ويهبط به على رياض منه معشبة وحدائق مونقة. والله الموفق الهادى للصواب. وأيضا فإن الله سبحانه نوع الأدلة الدالة عليه والتى تعرف عباده به غاية التنوع وصرف الآيات وضرب الأمثال ليقيم عليهم حجته البالغة ويتم عليهم بذلك نعمته السابغة ولا يكون لأحد بعد ذلك حجة عليهم سبحانه بل الحجة كلها له والنعم كلها له والقدرة كلها له فأقام عليهم حجته ولو شاء لسوى بينهم فى الهداية كما قال تعالى: فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين [الأنعام: 149] : فأخبر أن له الحجة البالغة وهى التى(1\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "134",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11729",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بلغت إلى صميم القلب وخالطت العقل واتحدت به فلا يمكن العقل دفعها ولا جحدها ثم أخبر أنه سبحانه قادر على هداية خلقه كلهم ولو شاء ذلك لفعله لكمال قدرته ونفوذ مشيئته ولكن حكمته تأبى ذلك وعدله يأبى تعذيب أحد وأخذه بلا حجة فأقام الحجة وصرف الآيات وضرب الأمثال ونوع الأدلة ولو كان الخلق كلهم على طريقة واحدة من الهداية لما حصلت هذه الأمور ولا تنوعت هذه الأدلة والأمثال ولا ظهرت عزته سبحانه فى انتقامه من أعدائه ونصر أوليائه عليهم ولا حججه التى أقامها على صدق أنبيائه ورسله ولا كان للناس آية فى فئتين التقتا فئة تقاتل فى سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين ولا كان للخلق آية باقية ما بقيت الدنيا فى شأن موسى وقومه وفرعون وقومه وفلق البحر لهم ودخولهم جميعا فيه ثم إنجاء موسى وقومه ولم يغرق أحد منهم وأغرق فرعون وقومه لم ينج منهم أحد فهذا التعرف إلى عباده وهذه الآيات وهذه العزة والحكمة لا سبيل إلى تعطيلها البتة ولا توجد بدون لوازمها. وأيضا فإن حقيقة الملك إنما تتم بالعطاء والمنع والإكرام والإهانة والإثابة والعقوبة والغضب والرضا والتولية والعزل وإعزاز من يليق به العز وإذلال من يليق به الذل قال تعالى: قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل من تشآء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشآء بغير حساب [آل عمران: 26- 27]  وقال تعالى: يسأله من فى السموات والأرض كل يوم هو فى شأن [الرحمن: 29]  يغفر ذنبا ويفرج كربا ويكشف غما وينصر مظلوما ويأخذ ظالما ويفك عانيا ويغنى فقيرا ويجبر كسيرا ويشفى مريضا ويقبل عثرة ويستر عورة ويعز ذليلا ويذل عزيزا ويعطى سائلا ويذهب بدولة ويأتى بأخرى ويداول الأيام بين الناس ويرفع أقواما ويضع آخرين يسوق المقادير التى قدرها قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف عام إلى مواقيتها فلا يتقدم شيء منها عن وقته ولا يتأخر بل كل منها قد أحصاه كما أحصاه كتابه وجرى به قلمه ونفذ(1\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "135",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11730",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيه حكمه وسبق به علمه فهو المتصرف فى الممالك كلها وحده تصرف ملك قادر قاهر عادل رحيم تام الملك لا ينازعه فى ملكه منازع ولا يعارضه فيه معارض فتصرفه فى المملكة دائر بين العدل والإحسان والحكمة والمصلحة والرحمة فلا يخرج تصرفه عن ذلك. وفى تفسير الحافظ أبى بكر أحمد بن موسى بن مردويه من حديث الحمانى: حدثنا إسحق بن سليمان عن معاوية بن يحيى عن يونس ابن ميسرة عن أبى إدريس عن أبى الدرداء أنه سئل عن قوله تعالى: كل يوم هو فى شأن [الرحمن: 29]  فقال: سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: quot;من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين وفيه أيضا من حديث حماد بن سلمة حدثنا الزبير أبو عبد السلام عن أيوب بن عبد الله بن مكرز عن أبيه قال: قال عبد الله بن مسعود: إن ربكم عز وجل ليس عنده ليل ولا نهار نور السموات والأرض من نور وجهه. أيامكم عنده ثنتا عشرة ساعة: تعرض عليه أعمالكم بالأمس ثلاث ساعات من أول النهار فيطلع منها على ما يكره فيغضب فيكون أول من يعلم بغضبه حملة العرش فتسبح حملة العرش وسراداقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة وينفخ جبريل فى القرن فلا يبقى خلق لله فى السموات ولا فى الأرض إلا سمعه إلا الثقلين ويسبحون [ثلاث ساعات] حتى يمتليء الرحمن رحمة فتلك ست ساعات ثم يدعو بالأرحام فينظر فيها ثلاث ساعات: يصوركم في الأرحام كيف يشآء لا إله إلا هو العزيز الحكيم [آل عمران: 6]  يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور [الشورى: 49]  فتلك تسع ساعات. ثم يدعو بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات: يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر [الإسراء: 30] [الروم: 37] [سبأ: 36] [الزمر: 52] [الشورى: 12] فتلك اثنتا عشرة ساعة. ثم قرأ عبد الله: كل يوم هو فى شأن [الرحمن: 29] ثم قال: هذا شأنكم وشأن ربكم عز وجل. وذكره الطبرانى فى المعجم الكبير من وجه آخر. وهذا من تمام تصرفه فى ملكه سبحانه فلو قصر تصرفه على وجه واحد ونمط واحد لم يكن تصرفا تاما.(1\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "136",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11731",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمقصود أن الملك والحمد فى حقه متلازمان فكل ما شمله ملكه وقدرته شمل حمده فهو محمود فى ملكه وله الملك والقدرة مع حمده فكما يستحيل خروج شيء من الموجودات عن ملكه وقدرته يستحيل خروجها عن حمده وحكمته ولهذا يحمد سبحانه نفسه عند خلقه وأمره لينبه عباده على أن مصدر خلقه وأمره عن حمده فهو محمود على كل ما خلقة وأمر به حمد شكر وعبودية وحمد ثناء ومدح ويجمعهما التبارك فتبارك الله يشمل ذلك كله ولهذا ذكر هذه الكلمة عقيب قوله: ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين [الأعراف: 54] فالحمد أوسع الصفات وأعم المدائح والطرق إلى العلم به فى غاية الكثرة والسبيل إلى اعتباره فى ذرات العالم وجزئياته وتفاصيل الأمر والنهى واسعة جدا لأن جميع أسمائه تبارك وتعالى حمد وصفاته حمد وأفعاله حمد وأحكامه حمد وعدله حمد وانتقامه من أعدائه حمد وفضله فى إحسانه إلى أوليائه حمد والخلق والأمر إنما قام بحمده ووجد بحمده وظهر بحمده وكان الغاية هى حمده فحمده سبب ذلك وغايته ومظهره وحامله فحمده روح كل شيء وقيام كل شيء بحمده وسريان حمده فى الموجودات وظهور آثاره فيه أمر مشهود بالأبصار والبصائر: فمن الطرق الدالة على شمول معنى الحمد وانبساطه على جميع المعلومات معرفة أسمائه وصفاته وإقرار العبد بأن للعالم إلها حيا جامعا لكل صفة كمال واسم حسن وثناء جميل وفعل كريم وأنه سبحانه له القدرة التامة والمشيئة النافذة والعلم المحيط والسمع الذى وسع الأصوات والبصر الذى أحاط بجميع المبصرات والرحمة التى وسعت جميع المخلوقات والملك الأعلى الذى لا يخرج عنه ذرة من الذرات والغنى التام المطلق من جميع الجهات والحكمة البالغة المشهود آثارها فى الكائنات والعزة الغالبة بجميع الوجوه والاعتبارات والكلمات التامات النافذات التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر من جميع البريات واحد لا شريك له فى ربوبيته ولا فى إلهيته ولا شبيه له فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله وليس له من يشركه فى ذرة من ذرات ملكه أو يخلفه فى تدبير خلقه أو يحجبه عن داعيه أو مؤمليه أو سائليه أو يتوسط بينهم وبينه بتلبيس أو فرية أو كذب كما يكون بين الرعايا وبين الملوك ولو كان كذلك لفسد نظام الوجود وفسد العالم بأسره: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [الأنبياء: 22](1\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "137",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11732",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلو كان معه آلهة أخرى كما يقول أعداؤه المبطلون لوقع من النقص فى التدبير وفساد الأمر كله ما لا يثبت معه حال ولا يصلح عليه وجود. ومن أعظم نعمه علينا وما استوجب حمد عباده له أن يجعلنا عبيدا له خاصة ولم يجعلنا ربنا منقسمين بين شركاء متشاكسين ولم يجعلنا عبيدا لإله نحتته الأفكار لا يسمع أصواتنا ولا يبصر أفعالنا ولا يعلم أحوالنا ولا يملك لعابديه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ولا تكلم قط ولا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ولا ترفع إليه الأيدى ولا تعرج الملائكة والروح إليه ولا يصعد إليه الكلم الطيب ولا يرفع إليه العمل الصالح وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا خلفه ولا أمامه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولا محاذيا له ولا مباينا ولا هو مستو على عرشه ولا هو فوق عباده وحظ العرش منه حظ الحشوش والأخلية ولا تنزل الملائكة من عنده بل لا ينزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء ولا يقرب منه شيء ولا يحب ولا يحب ولا [يلتذ] المؤمنون بالنظر إلى وجهه الكريم فى دار الثواب بل ليس له وجه يرى ولا له يد يقبض بها السموات وأخرى يقبض بها الأرض ولا [له] فعل يقوم به ولا حكمة تقوم به ولا كلم موسى تكليما ولا تجلى للجبل فجعله دكا هشيما ولا يجيء يوم القيامة لفصل القضاء ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول [لا] أسأل عن عبادى غيرى ولا يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه ويجوز فى حكمته تعذيب أنبيائه ورسله وملائكته وأهل طاعته أجمعين من أهل السموات والأرضين وتنعيم أعدائه من الكفار به والمحاربين والمكذبين له ولرسله والكل بالنسبة إليه سواء ولا فرق البتة إلا أنه أخبر أنه لا يفعل ذلك فامتنع للخبر بأنه لا يفعله لا لأنه فى نفسه مناف لحكمته ومع ذلك فرضاه عين غضبه وغضبه عين رضاه ومحبته كراهته وكراهته محبته إن هى إلا إرادة محضة ومشيئة صرفة يشاء بها لا لحكمة ولا لغاية ولا لأجل مصلحة ومع ذلك يعذب عباده على ما لم يعملوه ولا قدرة لهم عليه بل يعذبهم على نفس فعله الذى فعله هو ونسبه إليهم ويعذبهم إذا لم يفعلوا فعله ويلومهم عليه يجوز فى حكمته أن(1\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "138",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11733",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعذب رجالا إذا لم يكونوا نساء ونساء حيث لم يكونوا رجالا وطوالا حيث لم يكونوا قصارا وبالعكس وسودا إذا لم يكونوا بيضا وبالعكس بل تعذيبه لهم على مخالفته هو من هذا الجنس إذ لا قدرة لهم البتة على فعل ما أمروا به ولا ترك ما نهوا عنه. فله الحمد والمنة والثناء الحسن الجميل إذ لم يجعلنا عبيدا لمن هذا شأنه فنكون مضيعين ليس لنا رب نقصده ولا صمد نتوجه إليه ونعبده ولا إله نعول عليه ولا رب نرجع إليه بل قلوبنا تنادى فى طرق الحيرة: من دلنا وجمع علينا ربا ضائعا لا هو داخل العالم ولا خارجه ولا مباين له ولا محاذ له ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا نزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء ولا كلم أحدا ولا يكلمه أحد ولا ينبغى [لأحد أن يذكر صفاته ولايعرفه بها بل يذكرها بلسانه فلا يتكلم بها وبقلبه فلا يعقلها وينبغى] له أن يعاقب بالقتل أو بالضرب والحبس من ذكرها أو أخبر عنه بها أو أثبتها له. أو نسبها إليه أو عرفه بها بل التوحيد الصرف جحدها وتعطيله عنها ونفى قيامها به واتصافه وما لم تدركه عقولنا من ذلك فالواجب نفيه وجحده [وتكفير] من أثبته واستحلال دمه وماله أو تبديعه وتضليله وتفسيقه وكلما كان النفى أبلغ كان التوحيد أتم فليس كذا وليس كذا أبلغ فى التوحيد من قولنا هو كذا وهو كذا. فلله العظيم أعظم حمد وأتمه وأكمله على ما من به من معرفته وتوحيده والإقرار بصفاته [العلى] وأسمائه الحسنى وإقرار قلوبنا بأنه الله الذى لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة رب العالمين قيوم السموات والأرضين إله الأولين والآخرين ولا يزال موصوفا بصفات الجلال منعوتا بنعوت الكمال منزها عن أضدادها من النقائص والتشبيه والمثال. فهو الحى القيوم الذى لكمال حياته وقيوميته لا تأخذه سنة ولا نوم مالك السموات والأرض الذى لكمال ملكه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه العالم بكل شيء الذى لكمال علمه يعلم ما بين أيدى الخلائق وما خلفهم فلا تسقط ورقة إلا بعلمه ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه يعلم دبيب الخواطر فى القلوب حيث لا يطلع عليها الملك ويعلم ما سيكون منها حيث لا يطلع عليه القلب البصير الذى لكمال بصره يرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة وأعضائها ولحمها ودمها ومخها وعروقها ويرى دبيبها على الصخرة الصماء فى الليلة الظلماء ويرى ما تحت الأرضين [السبع] كما يرى ما فوق السموات السبع. السميع الذى قد استوى فى سمعه سر القول(1\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "139",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11734",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجهره وسع سمعه الأصوات فلا تختلف عليه أصوات الخلق ولا تشتبه عليه ولا يشغله منها سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ولا يبرمه كثرة السائلين قالت عائشة: الحمد لله الذى وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [وأنه] ليخفى على بعض كلامها فأنزل الله عز وجل: قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها وتشتكى إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير [المجادلة: 1]  القدير الذى لكمال قدرته يهدى من يشاء ويضل من يشاء ويجعل المؤمن مؤمنا والكافر كافرا والبر برا والفاجر فاجرا وهو الذى جعل إبراهيم وآله أئمة يدعون إليه ويهدون بأمره وجعل فرعون قومه أئمة يدعون إلى النار. ولكمال قدرته لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء سبحانه أن يعلمه إياه. ولكمال قدرته خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام وما مسه من لغوب ولا يعجزه أحد من خلقه ولا يفوته بل هو فى قبضته أين كان فإن فر منه فإنما يطوى المراحل فى يديه كما قيل: وكيف يفر المرء عنك بذنبه ... إذا كان يطوى فى يديك المراحلا ولكمال غناه استحال إضافة الولد والصاحبة والشريك والشفيع بدون إذنه إليه ولكمال عظمته وعلوه وسع كرسيه السموات والأرض ولم تسعه أرضه ولا سماواته ولم تحط به مخلوقاته بل هو العالى على كل شيء وهو بكل شيء محيط ولا تنفد كلماته ولا تبدل ولو أن البحر يمده من بعده سبعة [أبحر] مدادا وأشجار الأرض أقلاما فكتب بذلك المداد وبتلك الأقلام لنفد المداد وفنيت الأقلام ولم تنفد كلماته إذ هى غير مخلوقة ويستحيل أن يفنى غير المخلوق بالمخلوق. ولو كان كلامه مخلوقا- كما قاله من لم يقدره حق قدره ولا أثنى عليه بما هو أهله- لكان أحق بالفناء من هذا المداد وهذه الأقلام لأنه إذا كان مخلوقا فهو نوع من أنواع مخلوقاته ولا يحتمل المخلوق إفناء هذا المداد وهذه الأقلام وهو باق غير فان. وهو سبحانه يحب رسله وعباده المؤمنين ويحبونه بل لا شيء أحب إليهم منه ولا أشوق إليهم من لقائه ولا أقر لعيونهم من رؤيته ولا أحظى عندهم من قربه وأنه سبحانه له الحكمة البالغة فى خلقه وأمره وله النعمة السابغة على خلقه وكل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل وأنه أرحم بعباده من الوالدة بولدها وأنه أفرح بتوبة عبده من واجد راحلته التى عليها طعامه وشرابه فى الأرض المهلكة بعد فقدها واليأس منها وأنه سبحانه لم يكلف عباده إلا وسعهم وهو(1\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "140",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11735",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دون طاقتهم فقد يطيقون الشيء ويضيق عليهم بخلاف وسعهم فإنه ما يسعونه ويسهل عليهم ويفضل قدرهم عنه كما هو الواقع وأنه سبحانه لا يعاقب أحدا بغير فعله ولا يعاقبه على فعل غيره ولا يعاقبه بترك ما لا يقدر على فعله ولا على فعل ما لا قدرة له على تركه وأنه [سبحانه] حكيم كريم جواد ما جد محسن ودود وصبور شكور يطاع فيشكر ويعصى فيغفر لا أحد أصبر على أذى سمعه منه ولا أحب إليه المدح منه ولا أحب إليه العذر منه ولا أحد أحب إليه الإحسان منه فهو محسن يحب المحسنين شكور يحب الشاكرين جميل يحب الجمال طيب يحب كل طيب نظيف يحب النظافة عليم يحب العلماء من عباده كريم يحب الكرماء قوى والمؤمن القوى أحب إليه من المؤمن الضعيف بر يحب الأبرار عدل يحب أهل العدل حى ستير يحب أهل الحياء والستر عفو غفور يحب [من] يعفو من عباده ويغفر لهم صادق يحب الصادقين رفيق يحب الرفق جواد يحب [الجود] وأهله رحيم يحب الرحماء وتر يحب الوتر ويحب أسماءه وصفات ويحب المتعبدين له بها ويحب من يسأله ويدعوه بها ويحب من يعرفها ويعقلها [ويثنى] عليه بها ويحمده ويمدحه بها كما فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم: quot;لا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك أثنى على نفسه ولا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرينquot; وفى حديث آخر صحيح: quot;لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله يجعلون له ولدا وهو يرزفقهم ويعافيهمquot; ولمحبته لأسمائه وصفاته أمر عباده بموجبها ومقتضاها فأمرهم بالعدل والإحسان والبر والعفو والجود والصبر والمغفرة والرحمة والصدق والعلم والشكر والحلم والأناة والتثبت ولما كان سبحانه يحب أسماءه وصفاته كان أحب الخلق إليه من اتصف بالصفات التى يحبها وأبغضهم إليه من اتصف بالصفات التى يكرهها فإنما أبغض من اتصف بالكبر والعظمة والجبروت لأن اتصافه بها ظلم إذ لا تليق به هذه الصفات ولا تحسن منه لمنافاتها لصفات العبيد وخروج من اتصف بها من ربقة العبودية ومفارقته لمنصبه ومرتبته وتعديه طوره وحده وهذا خلاف ما تقدم من الصفات كالعلم والعدل والرحمة والإحسان والصبر والشكر فإنها لا تنافى العبودية بل اتصاف العبد بها من كمال عبوديته إذ المتصف بها من العبيد(1\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "141",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11736",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يتعد طوره ولم يخرج بها من دائرة العبودية والمقصود أنه سبحانه لكمال أسمائه وصفاته موصوف بكل صفة كمال منزه عن كل نقص له كل ثناء حسن ولا يصدر عنه إلا كل فعل جميل ولا يسمى إلا [بأحسن] الأسماء ولا يثنى [عليه] إلا بأكمل الثناء وهو المحمود [المحبوب] المعظم ذو الجلال والإكرام على كل ما قدره وخلقه وعلى [كل] ما أمر به وشرعه. ومن كان له نصيب من معرفة أسمائه الحسنى واستقر آثارها فى الخلق والأمر رأى الخلق والأمر منتظمين بها أكمل انتظام ورأى سريان آثارها فيهما وعلم- بحسب معرفته بها ما يليق بكماله وجلاله أن يفعله وما لا يليق فاستدل بأسمائه على ما يفعله وما لا يفعله فإنه لا يفعل خلاف موجب [حمده] وحكمته وكذلك يعلم ما يلبق به أن يأمر به ويشرعه مما لا يليق به فيعلم أنه لا يأمر بخلاف موجب حمده وحكمته. فإذا رأى بعض الأحكام جورا وظلما أو سفها وعبثا ومفسدة أو ما لا يوجب حمدا وثناء [فليعلم] أنه ليس من أحكامه ولا دينه وأنه بريء منه ورسوله فإنه إنما أمر بالعدل لا بالظلم وبالمصلحة لا بالمفسدة وبالحكمة لا بالعبث والسفه وإنما بعث رسوله بالحنيفية السمحة لا بالغلظة والشدة وبعثه بالرحمة لا بالقسوة فإنه أرحم الراحمين ورسوله رحمة مهداة إلى العالمين ودينه كله رحمة وهو نبى الرحمة وأمته الأمة المرحومة وذلك كله موجب أسمائه الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الحميدة فلا يخبر عنه إلا بحمده ولا يثنى عليه إلا بأحسن الثناء كما لا يسمى إلا بأحسن الأسماء. وقد نبه سبحانه على شمول حمده لخلقه وأمره بأن حمد نفسه فى أول الخلق وآخره وعند الأمر والشرع وحمد نفسه على ربوبيته للعالمين وحمد نفسه على [تفرده] بالإلهية وعلى حياته وحمد نفسه على امتناع اتصافه بما لا يليق بكماله من اتخاذ الولد والشريك وموالاة أحد من خلقه لحاجته إليه وحمد نفسه على علوه وكبريائه وحمد نفسه فى الأولى والآخرة وأخبر عن سريان حمده فى العالم العلوى والسفلى ونبه على هذا كله فى كتابه وحمد نفسه عليه فتنوع حمده وأسباب حمده وجمعها تارة وفرقها أخرى ليتعرف إلى عباده ويعرفهم كيف يحمدونه وكيف يثنون عليه وليتحبب إليهم بذلك ويحبهم إذا عرفوه وأحبوه وحمدوه. قال تعالى: الحمد لله رب العالمين(1\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "142",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11737",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرحمن الرحيم مالك يوم الدين [الفاتحة: 2- 4]  وقال تعالى: الحمد لله الذى خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون [الأنعام: 1]  وقال تعالى: الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين [الكهف: 1-2]  وقال: الحمد لله الذى له ما فى السموات وما فى الأرض وله الحمد فى الآخرة وهو الحكيم الخبير [سبأ: 1]  وقال تعالى: الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد فى الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير [فاطر: 1]  وقال: وهو الله لا إله إلا هو له الحمد فى الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون [القصص: 70]  وقال: هو الحى لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين [غافر: 65]  وقال: فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد فى السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون [الروم: 17- 18] . أخبر عن حمد خلقه له بعد فصله بينهم والحكم لأهل طاعته بثوابه وكرامته والحكم لأهل معصيته بعقابه وإهانته وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين [الزمر: 75] . وأخبر عن حمد أهل الجنة له [وأنهم] لم يدخلوها إلا بحمده كما أن أهل النار لم يدخلوها إلا بحمده فقال أهل الجنة: الحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله [الأعراف: 43]  و دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين [يونس: 10]  وقال عن أهل النار: ويوم يناديهم فيقول أين شركآئي الذين كنتم تزعمون ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون [القصص: 74- 75]  وقال: فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير [الملك: 11] . وشهدوا على أنفسهم بالكفر والظلم وعلموا أنهم كانوا كاذبين فى الدنيا مكذبين بآيات ربهم مشركين به جاحدين لإلهيته مفترين عليه وهذا اعتراف منهم بعدله فيهم وأخذهم(1\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "143",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11738",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ببعض حقه عليهم وأنه غير ظالم لهم وأنهم إنما دخلوا النار بعدله وحمده وإنما عوقبوا بأفعالهم وبما كانوا قادرين على فعله وتركه لا كما تقول الجبرية. وتفصيل هذه الحكمة مما لا سبيل للعقول البشرية إلى الإحاطة به ولا إلى التعبير عنه ولكن بالجملة فكل صفة عليا واسم حسن وثناء جميل وكل حمد ومدح وتسبيح وتنزيه وتقديس وجلال وإكرام فهو لله عز وجل على أكمل الوجوه وأتمها وأدومها وجميع ما يوصف به ويذكر به ويخبر عنه فهو محامد له وثناء وتسبيح وتقديس فسبحانه وبحمده لا يحصى أحد من خلقه ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثنى عليه خلقه فله الحمد أولا وآخرا حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما ينبغى لكرم وجهه وعز جلاله ورفيع مجده وعلو جده. فهذا تنبيه على أحد نوعى حمده وهو حمد الصفات والأسماء. والنوع الثانى حمد النعم والآلاء وهذا [مشهود] [للخليقة] برها وفاجرها مؤمنها وكافرها من جزيل مواهبه وسعة عطاياه وكريم أياديه وجميل صنائعه وحسن معاملته لعباده وسعة رحمته لهم وبره ولطفه وحنانه وإجابته لدعوات المضطرين وكشف كربات المكروبين وإغاثة الملهوفين ورحمته للعالمين وابتدائه بالنعم قبل السؤال ومن غير استحقاق بل ابتداء منه بمجرد فضله وكرمه وإحسانه ودفع المحن والبلايا بعد انعقاد أسبابها وصرفها بعد وقوعها. ولطفه تعالى فى ذلك بإيصاله إلى من [أراده] بأحسن الألطاف وتبليغه من ذلك إلى ما لا تبلغه الآمال وهدايته خاصته وعباده إلى سبل دار السلام ومدافعته عتهم أحسن الدفاع وحمايتهم عن مراتع الآثام وحبب إليهم [الإيمان] وزينه فى قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان وجعلهم من الراشدين وكتب فى قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه وسماهم المسلمين قبل أن يخلقهم وذكرهم قبل أن يذكروه وأعطاهم قبل أن يسألوه وتحبب إليهم بنعمة مع [غناه] [عنهم] وتبغضهم إليه بالمعاصى وفقرهم إليه ومع هذا كله فاتخذ لهم دارا وأعد لهم فيها من كل ما تشتيهه الأنفس وتلذ الأعين وملأها من جميع الخيرات وأودعها من النعيم والحبرة والسرور [والبهجة] ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم أرسل إليهم الرسل يدعونهم إليها ثم يسر لهم الأسباب التى توصلهم إليها وأعانهم عليها ورضى منهم باليسير فى هذه المدة القصيرة جدا بالإضافة(1\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "144",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11739",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى بقاء دار النعيم وضمن لهم إن أحسنوا أن يثيبهم بالحسنة عشرا وإن أساؤوا واستغفروه أن يغفر لهم ووعدهم أن يمحو ما جنوه من السيئات بما يفعلونه بعدها من الحسنات وذكرهم بآلائه وتعرف إليهم بأسمائه وأمرهم بما أمرهم به رحمة منه بهم وإحسانا لا حاجة منه إليهم ونهاهم عما نهاهم عنه حماية وصيانة لهم لا بخلا منه عليهم وخاطبهم بألطف الخطاب وأحلاه ونصحهم بأحسن النصائح ووصاهم بأكمل الوصايا وأمرهم بأشرف الخصال ونهاهم عن أقبح الأقوال والأعمال. فحقيقة نفس الإنسان جاهلة ظالمة فقيرة محتاجة والشر الذى. وصرف لهم الآيات وضرب لهم الأمثال ووسع لهم طرق العلم به ومعرفته وفتح لهم أبواب الهداية وعرفهم الأسباب التى تدنيهم من رضاه وتبعدهم عن غضبه ويخاطبهم بألطف الخطاب ويسميهم بأحسن أسمائهم كقوله: يا أيها الذين آمنوا  وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون [النور: 31]  يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم [الزمر: 53]  قل لعبادى [ابراهيم: 31]  وإذا سألك عبادى عنى [البقرة: 186]  فيخاطبهم بخطاب الوداد والمحبة والتلطف كقوله: يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بنآء وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون [البقرة: 21- 22]  يأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السمآء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون [فاطر: 3]  يأيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور [فاطر: 5]  يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذى خلقك فسواك فعدلك [الانفطار: 6- 7]  يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعدآء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون [آل عمران: 102- 103]  يأيها(1\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "145",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11740",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضآء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الايات إن كنتم تعقلون [آل عمران: 118] يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أوليآء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جآءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغآء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بمآ أخفيتم ومآ أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سوآء السبيل [الممتحنة:1]  يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خآصة واعلموا أن الله شديد العقاب واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون [الأنفال: 24- 26]  يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز [الحج: 73- 74]  وإذا قلنا للملآئكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا [الكهف: 50] فتحت هذا الخطاب: إنى عاديت إبليس وطردته من [سمائى] وباعدته من قربى إذ لم يسجد لأبيكم آدم ثم أنتم يا بنيه توالونه وذريته من دونى وهم أعداء لكم. فليتأمل اللبيب مواقع هذا الخطاب وشدة لصوقه بالقلوب والتباسه بالأرواح وأكثر القرآن جاء على هذا النمط من خطابه لعباده بالتودد والتحنن واللطف والنصيحة البالغة وأعلم [سبحانه] عباده أنه لا يرضى لهم إلا أكرم الوسائل وأفضل المنازل وأجل العلوم والمعارف. قال تعالى: إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا(1\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "146",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11741",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يرضه لكم [الزمر: 7]  وقال [تعالى] : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا [المائدة: 3]  وقال: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [البقرة: 185]  وقال: يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا [النساء: 26-28] . ويتنصل سبحانه إلى عباده من مواضع الظنة والتهمة التى نسبها إليه من يعرفه حق معرفته ولا قدره حق قدره: من تكليف عباده ما لا يقدرون عليه ولا طاقة لهم بفعله البتة وتعذيبهم إن شكروه وآمنوا به وخلق السموات والأرض وما بينهما لا لحكمة ولا لغاية وأنه لم يخلق خلقه لحاجة منه إليهم ولا ليتكثر بهم من قلة ولا ليتعزز بهم كما قال: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون [الذاريات: 56- 57]  فأخبر أنه لم يخلق الجن والإنس لحاجة منه إليهم ولا ليربح عليهم لكن خلقهم جودا وإحسانا ليعبدوه فيربحوا هم عليه كل الأرباح كقوله: إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم [الإسراء: 7]  ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون [الروم: 44]  ولما أمرهم بالوضوء وبالغسل من الجنابة الذى يحط عنهم أوزارهم ويدخلون به عليه ويرفع به درجاتهم قال تعالى: ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون [المائدة: 6]  وقال فى الأضاحى والهدايا: لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم [الحج: 37]  وقال عقيب أمرهم بالصدقة ونهيهم عن إخراج الرديء من المال: ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد [البقرة: 267] . يقول سبحانه: إنى غنى عما تنفقون أن ينالنى منه شيء [حميد] مستحق المحامد كلها فإنفاكم لا يسد منه حاجة ولا يوجب له حمدا بل هو الغنى بنفسه الحميد بنفسه وأسمائه(1\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "147",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11742",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصفاته [وإنفاقكم] إنما نفعه لكم وعائدته عليكم. ومن [المتعين] على من لم يباشر قلبه حلاوة هذا الخطاب وجلالته ولطف موقعه وجذبه للقلوب والأرواح ومخالطته لها أن يعالج قلبه بالتقوى وأن يستفرغ منه المواد الفاسدة التى حالت بينه وبين حظه من ذلك ويتعرض إلى الأسباب التى يناله بها من صدق الرغبة واللجإ إلى الله أن يحيى قلبه ويزكيه ويجعل فيه الإيمان والحكمة فالقلب الميت لا يذوق طعم الإيمان ولا يجد حلاوته ولا يتمتع بالحياة الطيبة لا فى الدنيا ولا فى الآخرة ومن أراد مطالعة أصول النعم فليسم سرح الذكر فى رياض القرآن وليتأمل ما عدد الله فيه من نعمه وتعرف بها إلى عباده من أول القرآن إلى آخره حين خلق أهل النار وابتلاهم بإبليس وحزبه وتسليط أعدائهم عليهم وامتحانهم بالشهوات والإرادات والهوى لتعظم النعمة عليهم بمخالفتها ومحاربتها [أعداء الله] على أوليائه وعباده أتم نعمة وأكملها فى كل ما خلقه من محبوب ومكروه ونعمة ومحنة وفى كل ما أحدثه فى الأرض من وقائعه بأعدائه وإكرامه لأوليائه وفى كل ما قضاه وقدره وتفصيل ذلك لا تفى به أقلام الدنيا وأوراقها ولا قوى العباد وإنما هو التنبيه والإشارة. ومن استقرئ الأسماء الحسنى وجدها مدائح وثناء تقصر بلاغات الواصفين عن بلوغ كنهها وتعجز الأوهام عن الإحاطة بالواحد منها ومع ذلك فالله سبحانه محامد ومدائح وأنواع من الثناء لم تتحرك بها الخواطر ولا هجست فى الضمائر ولا لاحت لمتوسم ولا سنحت فى فكر. ففى دعاء أعرف الخلق بربه تعالى وأعلمهم بأسمائه وصفاته ومحامده: quot;أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته فى كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به فى علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبى ونور صدرى وجلاء حزنى وذهاب همى وغمىquot;. وفى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم فى حديث الشفاعة لما يسجد بين يدى ربه قال: quot;فيفتح قلبى من محامده بشيء لا أحسنه الآنquot; وكان يقول فى سجوده: [أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك] quot;أعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك quot; فلا يحصى أحد من خلقه ثناء عليه البتة وله أسماء وأوصاف وحمد وثناء لا يعلمه ملك مقرب ولا نبى مرسل ونسبة ما يعلم العباد من ذلك إلى ما لا يعلمونه كنقرة عصفور فى بحر.(1\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "148",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11743",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: فكيف تصنعون بما يشاهد من أنواع الابتلاء والامتحان والآلام للأطفال والحيوانات ومن هو خارج عن التكليف ومن لا ثواب ولا عقاب عليه وما تقولون فى الأسماء الدالة على ذلك من المنتقم والقابض والخافض ونحوها قيل: قد تقدم من الكلام فى ذلك ما يكفى بعضه لذى الفطرة السليمة والعقل المستقيم وأما من فسدت فطرته وانتكس قلبه وضعفت بصيرة عقله فلو ضرب له من الأمثال ما ضرب فإنه لا يزيده إلا عمى وتحيرا ونحن نزيد ما تقدم إيضاحا وبيانا إذ بسط هذا المقام أولى من اختصاره فنقول: قد علمت أن جميع أسماء الرب سبحانه حسنى وصفاته كمال وأفعاله حكمة ومصلحة وله كل ثناء وكل حمد ومدحه وكل خير فمنه وله وبيده والشر ليس إليه بوجه من الوجوه. لا فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله ولا فى أسمائه وإن كان فى مفعولاته فهو خير بإضافته إليه وشر بإضافته إلى من صدر عنه ووقع به. فتمسك بهذا الأصل ولا تفارقه فى كل دقيق وجليل وحكمه على كل ما يرد عليك وحاكم إليه واجعله آخرتك التى ترجع إليها وتعتمد عليها. واعلم أن لله خصائص فى خلقه ورحمة وفضلا يختص به من يشاء وذلك موجب ربوبيته وإلهيته وحمده وحكمته فإياك ثم إياك أن تصغى إلى وسوسة شياطين الإنس والجن والنفس الجاهلة الظالمة إنه هلا سوى بين عباده فى تلك الخصائص وقسمها بينهم على السواء فإن هذا عين الجهل والسفه من المعترض به وقد بينا فيما تقدم أن حكمته تأبى ذلك وتمنع منه. ولكن اعلم أن الأمر قسمة بين فضله وعدله فيختص برحمته من يشاء  ويقصد بعذابه من يشاء وهو المحمود على هذا فالطيبون من خلقه مخصوصون بفضله ورحمته والخبيثون مقصودون بعذابه ولكل واحد قسطه من الحكمة والابتلاء والامتحان وكل مستعمل فيما هو له مهيأ وله مخلوق وكل ذلك خير ونفع ورحمة للمؤمنين فإنه تعالى خلقهم للخيرات فهم لها عاملين واستعملهم فيها فلم يدركوا ذلك إلا به ولا استحقوه إلا بما سبق لهم من مشيئته وقسمته فكذلك لا تضرهم الأدواء ولا السموم بل متى وسوس لهم العدو واغتالهم بشيء من كيده أو مسهم بشيء من طيفة تذكروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم فى الغى ثم لا يقصرون وإذا واقعوا فى معصية صغيرة أو كبيرة عاد ذلك عليهم رحمة وانقلب فى حقهم دواء وبدل(1\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "149",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11744",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حسنة بالتوبة النصوح والحسنات الماحية لأنه سبحانه عرفهم بنفسه وبفضله وبأن قلوبهم بيده وعصمتهم إليه حيث نقض عزماتهم وقد عزموا أن لا يعصوه وأراهم عزته فى قضائه وبره وإحسانه فى عفوه ومغفرته وأشهدهم نفوسهم وما فيها من النقص والظلم والجهل وأشدهم حاجتهم إليه وافتقارهم وذلهم وأنه إن لم يعف عنهم ويغفر لهم فليس لهم سبيل إلى النجاة أبدا فإنهم لما أعطوا من أنفسهم العزم أن لا يعصون وعقدوا عليه قلوبهم ثم عصوه بمشيئته وقدرته عرفوا بذلك عظيم اقتداره وجميل ستره إياهم وكريم حلمه عنهم وسعة مغفرته لهم برد عفوه وحنانه وعطفه ورأفته وأنه حليم ذو أناة لا يعجل ورحيم سبقت رحمته غضبه وأنهم متى رجعوا إليه بالتوبة وجدوه غفورا رحيما حليما كريما يغفر لهم السيئات ويقيلهم العثرات ويودهم بعد التوبة ويحبهم. فتضرعوا إليه حينئذ بالدعاء وتوسلوا إليه بذل العبيد وعزا الربوبية فتعرف سبحانه إليهم بحسن إجابته وجميل عطفه وحسن امتنانه فى أن ألهمهم دعاءه ويسرهم للتوبة والإنابة وأقبلوا بقلوبهم إليه بعد إعراضها عنه ولم تمنعه معاصيهم وجناياتهم من عطفه عليهم وبره لهم وإحسانه إليهم فتاب عليهم قبل أن يتوبوا إليه وأعطاهم قبل أن يسألوه فلما تابوا إليه واستغفروه وأنابوا إليه تعرف إليهم تعرفا آخر: فعرفهم رحمته وحسن عائدته وسعة مغفرته وكريم عفوه وجميل صفحه وبره وامتنانه وكرمه وشرعه ومبادرته قبولهم بعد أن كان منهم ما كان من طول الشرور وشدة النفور والإيضاع فى طرق معاصيه وأشهدهم مع ذلك حمده العظيم وبره العميم وكرمه فى أن خلى بينهم وبين المعصية فنالوها بنعمته وإعانته ثم لم يخل بينهم وبين ما توجبه من الإهلاك والفساد الذى لا يرجى معه صلاح بل تداركهم بالدواء الشافى فاستخرج منهم داء لو استمر معهم لأفضى إلى الهلاك ثم تداركهم بروح الرجاء فقذفه فى قلوبهم وأخبر أنه عند ظنونهم به ولو أشهدهم عظم الجناية وقبح المعصية وغضبه ومقته على من عصاه فقط لأورثهم ذلك المرض القاتل أو الداء العضال من اليأس من روحه والقنوط من رحمته وكان ذلك عين هلاكهم ولكن رحمهم قبل البلاء وفى حشو البلاء وبعد البلاء وجعل تلك الآثار التى توجبها معصيته من المحن والبلاء والشدائد رحمة لهم وسببا إلى علو درجاتهم ونيل الزلفى والكرامة عنده فأشهدهم بالجناية عزة الربوبية وذل العبودية ورقاهم بآثارها إلى(1\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "150",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11745",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منازل قربه ونيل كرامته فهم على كل حال يربحون عليه يتقلبون فى كرمه وإحسانه وكل قضاء يقضيه للمؤمن فهو خير به يسوقه إلى كرامته وثوابه وكذلك عطاياه الدنيوية نعم منه عليهم فإذا استرجعها أيضا منهم وسلبهم إياها انقلبت من عطايا الآخرة ما قيل: إن الله ينعم على عباده بالعطايا الفاخرة فإذا استرجعها كانت عطايا الآخرة والرب سبحانه قد تجلى لقلوب المؤمنين العارفين وظهر لها بقدرته وجلاله وكبريائه ومضى مشيئته وعظيم سلطانه وعلو شأنه وكرمه وبره وإحسانه وسعة مغفرته ورحمته وما ألقاه فى قلوبهم من الإيمان بأسمائه وصفاته إلى حيث احتملته القوى البشرية ووراءه مما لا تحتمله قواهم ولا يخطر ببال ولا يدخل فى خلد مما لا نسبة لما عرفوه إليه. فاعلم أن الذين كان قسمهم أنواع المعاصى والفجور وفنون الكفر والشرك والتقلب فى غضبه وسخطه وقلوبهم وأرواحهم شاهدة عليهم بالمعاصى والكفر مقرة بأن له الحجة عليهم وأن حقه قبلهم ولا يذكر أحد منهم النار إلا وهو شاهد بذلك مقر به معترف اعتراف طائع لا مكره مضطهد فهذه شهادتهم على أنفسهم وشهادة أوليائه عليهم والمؤمنون يشهدون فيهم بشهادة أخرى لا يشهد بها أعداؤه ولو شهدوا بها وباؤا بها لكانت رحمته أقرب إليهم من عقوبته فيشهدون أنهم عبيده وملكه وأنه أوجدهم ليظهر بهم مجده وينفذ فيهم حكمه ويمضى فيهم عدله ويحق عليهم كلمته ويصدق فيهم وعيده ويبين فيهم سابق علمه ويعمر بهم ديارهم ومساكنهم التى هى محل عدله وحكمته وشهد أولياؤه عظيم ملكه وعز سلطانه وصدق رسله وكمال حكمته وتمام نعمته عليهم وقدر ما اختصهم به ومن أى شيء حماهم وصانهم وأى شيء صرف عنهم وأنه لم يكن لهم إليه وسيلة قبل وجوده يتوسلون بها إليه أن لا يجعلهم من أصحاب الشمال وأن يجعلهم من أصحاب اليمينى وشهدوا له سبحانه بأن ما كان منه إليهم وفيهم مما يقتضيه إتمام كلماته الصدق والعدل قوله وتحقق مقتضى أسمائه فهو محض حقه. وكل ذلك منه حسن جميل له عليه أتم حمد وأكمله وأفضله وهو حكم عدل وقضاء فصل وأنه المحمود على ذلك كله فلا يلحقه منه ظلم ولا جور ولا عبث بل ذلك عين الحكمة ومحض الحمد وكمال أظهره فى حقه وعز أبداه وملك أعلنه ومراد له أنفذه كما فعل بالبدن وضروب الأنعام أتم بها مناسك أوليائه وقرابين عباده وإن كان ذلك بالنسبة إلى الأنعام هلاكا وإتلافا(1\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "151",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11746",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ".. فأعداؤه الكفار المشركون به الجاحدون أو لى أن تكون دماؤهم قرابين أوليائه وضحايا المجاهدين فى سبيله كما قال حسان بن ثابت: يتطهرون- يرونه قربانهم ... بدماء من علقوا من الكفار وكذلك لما ضحى خالد بن عبد الله القسرى بشيخ المعطلة الفرعونية جعد بن درهم فإن خطبهم فى يوم أضحى فلما أكمل خطبته قال: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإنى مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليما ولم يتخذ إبراهيم خليلا تعالى عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه فكان ضحيته. وذكر ذلك البخارى فى كتاب خلق الأفعال فهذا شهود أوليائه من شأن أعدائه ولكن أعداؤه فى غفلة عن هذا لا يشهدونه ولا يقرون به ولو شهدوه وأقروا به لأدركهم حنانه ورحمته ولكن لما حجبوا عن معرفته ومحبته وتوحيده وإثبات أسمائه الحسنى وصفاته العليا ووصفه بما يليق به وتنزيهه عما لا يليق به صاروا أسوأ حالا من الأنعام وضربوا بالحجاب وأبعدوا عنه بأقصى البعد وأخرجوا من نوره إلى الظلمات وغيبت قلوبهم فى الجهل به وبكماله وجلاله وعظمته فى غابات ليتم عليهم أمده وينفذ فيهم حكمه والله عليم حكيم والله أعلم.(1\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "152",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11747",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: فى أن الله خلق دارين وخص كل دار بأهل والله سبحانه مع كونه خالق كل شيء فهو موصوف بالرضا والغضب والعطاء والمنع والخفض والرفع والرحمة والانتقام فاقتضت حكمته سبحانه أن خلق دارا لطالبى رضاه العاملين بطاعته المؤثرين لأمره القائمين بمحابة وهى الجنة وجعل فيها كل شيء مرضى وملأها من كل محبوب ومرغوب ومشتهى ولذيذ وجعل الخير بحذافيره فيها وجعلها محل كل طيب من الذوات والصفات والأقوال. وخلق دارا أخرى لطالبى أسباب غضبه وسخطه المؤثرين لأغراضهم وحظوظهم على مرضاته العاملين بأنواع مخالفته القائمين بما يكره من الأعمال والأقوال الواصفين له بما لا يليق به الجاحدين لما أخبرت به رسله من صفات كماله ونعوت جلاله لما أخبرت به رسله من صفات كماله ونعوت جلاله وهى(1\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "153",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11748",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جهنم وأودعها كل شيء مكروه وسجنها مليء من كل شيء مؤذ ومؤلم وجعل الشر بحذافيره فيها وجعلها محل كل خبيث من الذوات والصفات والأقوال والأعمال. فهاتان الداران هما دارا القرار. وخلق دارا ثالثة هى كالميناء لهاتين الدارين ومنها يتزود المسافرون إليهما وهى دار الدنيا ثم أخرج إليها من أثمار الدارين بعض ما اقتضته أعمال أربابهما وما يستدل به عليهما حتى كأنهما رأى عين ليصير للإيمان بالدارين- وإن كان غيبا- وجه شهادة تستأنس به النفوس وتسدل به فأخرج سبحانه إلى هذه الدار من آثار رحمته من الثمار والفواكه والطيبات والملابس الفاخرة والصور الجميلة وسائر ملاذ النفوس ومشتهاها ما هو نفحة من نفحات الدار التى جعل ذلك كله فيها على وجه الكمال فإذا رآه المؤمنون ذكرهم بما هناك من الخير والسرور والعيش الرخى كما قيل: فإذا رآك المسلمون تيقنوا ... حور الجنان لدى النعيم الخالد فشمروا إليها وقالوا: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة وأحدثت لهم رؤيته عزمات وهمما وجدا وتشميرا لأن النعيم يذكر بالنعيم والشيء يذكر بجنسه فإذا رأى أحدهم ما يعجبه ويروقه ولا سبيل له إليه قال: موعدك الجنة وإنما هى عشية أو ضحاها. فوجود تلك المشتهيات والملذوذات فى هذه الدار رحمة من الله يسوق بها عباده المؤمنين إلى تلك الدار التى هى أكمل منها وزاد لهم من هذه الدار إليها فهى زاد وعبرة ودليل وأثر من آثار رحمته التى أودعها تلك الدار فالمؤمن يهتز برؤيتها إلى ما أمامه ويثير ساكن عزماته إلى تلك فنفسه ذواقة تواقة إذا ذاقت شيئا منها تاقت إلى ما هو أكمل منه حتى تتوق إلى النعيم المقيم فى جوار الرب الكريم. وأخرج سبحانه إلى هذه الدار أيضا من آثار غضبه ونقمته من العقوبات والآلام والمحن والمكروهات من الأعيان والصفات ما يستدل بجنسه على ما فى دار الشقاء من ذلك مع أن ذلك من آثار النفسين الشتاء والصيف اللذين أذن الله سبحانه بحكمته لجهنم أن تتنفس بهما فاقتضى ذانك النفسان آثارا ظهرت فى هذه الدار كانت دليلا عليها وعبرة. وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى ونبه عليه بقوله فى نار الدنيا: نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين [الواقعة: 73]  تذكرة تذكر بها الآخرة ومنفعة للنازلين بالقواء وهم المسافرون يقال: أقوى الرجل إذا نزل بالقى والقوى وهى الأرض(1\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "154",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11749",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخالية وخص المقوين بالذكر وإن كانت منفعتها عامة للمسافرين والمقيمين تنبيها لعباده- والله أعلم بمراده من كلامه- على أنهم كلهم مسافرون وأنهم فى هذه الدار على جناح سفر ليسوا هم مقيمين ولا مستوطنين وأنهم عابرو سبيل وأبناء سفر. والمقصود أنه سبحانه أشهد فى هذه [الدار] ما أعد لأوليائه وأعدائه فى دار القرار وأخرج إلى هذه الدار من آثار رحمته وعقوبته ما هو عبرة ودلالة على ما هناك من خير وشر وجعل هذه العقوبات والآلام والمحن والبلايا سياطا يسوق بها عباده المؤمنين فإذا رأوها حذروا كل الحذر واستدلوا بما رأوه منها وشاهدوه على ما فى تلك الدار من المكروهات والعقوبات وكان وجودها فى هذه الدار وإشهادهم إياها وامتحانهم باليسير منها رحمة منه بهم وإحسانا إليهم وتذكرة وتنبيها. ولما كانت هذه الدار ممزوجا خيرها بشرها وأذاها براحتها ونعيمها بعذابها اقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن خلص خيرها من شرها وخصه بدار أخرى هى دار الخيرات المحضة ودار السرر المحضة فكتب على هذه الدار حكم الامتزاج والاختلاط وخلط فيها بين الفريقين وابتلى بعضهم ببعض وجعل بعضهم لبعض فتنة حكمة بالغة بهرت العقول وعزة قاهرة. فقام بهذا الاختلاط سوق العبودية كما يحبه ويرضاه ولم تكن تقوم عبوديته التى يحبها ويرضاها إلا على هذا الوجه بل العبد الواحد جمع فيه بين أسباب الخير والشر وسلط بعضه على بعض ليستخرج منه ما يحبه من العبودية التى لا تحصل إلا بذلك. فلما حصلت الحكمة المطلوبة من هذا الامتزاج والاختلاط أعقبه بالتمييز والتخليص فميز بينهما بدارين ومحلين وجعل لكل دار ما يناسبها وأسكن فيها من يناسبها وخلق المؤمنين المتقين المخلصين لرحمته وأعداءه الكافرين لنقمته والمخلصين للأمرين: فهؤلاء أهل الرحمة وهؤلاء أهل النقمة وهؤلاء أهل النقمة والرحمة. وقسم آخر لا يستحقون ثوابا ولا عقابا. ورتب على كل قسم من هذه الأقسام الخمسة حكمه اللائق به وأظهر فيه حكمته الباهرة ليعلم العباد كمال قدرته وحكمته وأنه يخلق ما يشاء ويختار من خلقه من يصلح للاختيار وأنه يضع ثوابه موضعه ويجمع بينهما فى المحل المقتضى لذلك ولا يظلم أحدا ولا يبخسه شيئا من حقه ولا يعاقبه بغير جنايته هذا مع ما فى ضمن هذا الابتلاء والامتحان من الحكم الراجعة إلى(1\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "155",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11750",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العبيد أنفسهم: من استخراج صبرهم وشكرهم وتوكلهم وجهادهم واستخراج كمالاتهم الكامنة فى نفسهم من القوة إلى الفعل ودفع الأسباب بعضها ببعض وكسر كل شيء بمقابلة ومصادمته بضده لتظهر عليه آثار القهر وسمات الضعف والعجز ويتيقن العبد أن القهار لا يكون إلا واحدا وأنه يستحيل أن يكون له شريك بل القهر والوحدة متلازمان: فالملك والقدرة والقوة والعزة كلها لله الواحد القهار ومن سواه مربوب مقهور له ضد ومناف ومشارك: فخلق الرياح وسلط بعضها على بعض تصادمها وتكسر سورتها وتذهب بها وخلق الماء وسلط عليه الرياح تصرفه وتكسره وخلق النار وسلط عليها الماء يكسرها ويطفئها وخلق الحديد وسلط عليه النار تذيبه وتكسر قوته وخلق الحجارة وسلط عليها الحديد يكسرها ويفتتها وخلق آدم وذريته وسلط عليهم إبليس وذريته وخلق إبليس وذريته وسلط عليهم الملائكة يشردونهم كل مشرد ويطردونهم كل مطرد وخلق الحر والبرد والشتاء والصيف وسلط كلا منها على الآخر يذهبه ويقهره وخلق الليل والنهار وقهر كلا منهما بالآخر وكذلك الحيوان على اختلاف ضروبه من حيوان البر والبحر لكل منه مضاد ومغالب فاستبان للعقول والفطر أن القاهر الغالب لذلك كله واحد وأن من تمام ملكه إيجاد العالم على هذا الوجه وربط بعضه على بعض وإحواج بعضه إلى بعض وقهر بعضه ببعض وابتلاء بعضه ببعض وامتزاج خيره بشره وجعل شره لخيره الفداء ولهذا يدفع إلى كل مؤمن يوم القيامة كافر فيقال له: هذا فداؤك من النار وهكذا المؤمن فى الدنيا يسلط عليه من الابتلاء والامتحان والمصائب ما يكون فداءه من عذاب الله وقد تكون تلك الأسباب فداء له من شرور أكثر منها فى هذا العالم أيضا فليعط اللبيب هذا الموضع حقه من التدبر يتبين له حكمة اللطيف الخبير. فصل وقد تقرر أن الله سبحانه كامل الصفات له الأسماء الحسنى ولا يكون عن الكامل فى ذاته وصفاته إلا الفعل المحكم وهو سبحانه خلق عباده على الفطرة وكل مولود فإنما يولد على الفطرة التى فطر الخلائق عليها ولكن الآباء والكافلين للمولودين يخرجونهم من الفطرة ويعدلون بهم عنها ولو تركوهم لما اختاروا عليها غيرها ولكن أخرجوهم عن سنن الحنيفية وأفسدوا فطرهم وقلوبهم وهكذا بالأضداد والأغيار يخرج بعض المخلوقات عن سنن الإتقان والحكمة ولولا تلك الأضداد والأغيار لكانت فى مرتبتها كالملود فى فطرته ولذلك أمثلة:(1\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "156",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11751",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المثال الأول: أن الماء خلقه الله طاهرا مطهرا فلو ترك على حالته التى خلق الله عليها ولم يخالطه ما يزيل طهارته لم يكن طاهرا ولكن بمخاطة أضداده من الأنجاس والأقذار تغيرت اوصافه وخرج عن لاخلقة التى خلق عليها فكانت تلك لانجاسات والقاذورات بمنزلة أيوى الطفل وكافليه لاذين يهودانه وينصرونه ويمجسونه ويشركونه وكما أن الماء إذا فسد بمخالطته الأنجاس والقاذورات لم يصلح للطهارة فكذلك القلوب إذا فسدت فطرها بالأغيار لم تصلح لحظيرة القدس. المثال الثاني: الشراب المعتصر من العنب فإنه طيب يصلح للدواء ولإصلاح الغذاء والمنافع التي يصلح لها فلو خلي على حاله لم يكن إلا طاهرا طيبا ولكن أفسد بتهيئته للسكر واتخاذه مسكرا فخرج بذلك عن خلقته التي خلق عليها من الطهارة والطيب فصار أخبث شيء وأنجسه. فلو انقلب خلا أو زال بزوالها والله أعلم. المثال الثالث: الأغذية الطيبة النافعة إذا خالطت باطن الحيوان واستقرت هنالك خرجت عن حالتها التي خلقت عليها واكتسبت بهذه المخالطة والمجاورة خبثا وفسادا لم يكن فيها لسلوكها في غير طرقها التي بها كمالها. ولما أنزل الله الماء طاهرا نافعا فمازج الأرض سالت به أوديتها أوجد جل جلاله بينهما بسبب هذه المخالطة والممازجة أنواع الثمار والفواكه والزروع والنخيل والزيتون وسائر الأغذية والأقوات وأوجد مع ذلك المر والشوك والحنظل وغير ذلك واللقاح واحد ولكن الأم مختلفة قال تعالى: وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض في الاكل إن في ذلك لايات لقوم يعقلون [الرعد: 4]  ثم إنه سبحانه يصرف ما أخرجه من هذا الماء وبقلبه ويحيل بعضه إلى بعضه بالمخالطة والمجاورة عن طبيعته إلى طبيعة أخرى وهذا كما خلق كل دابة من ماء ثم خالف بين صورها وقواها ومنافعها وأوصافها وما يصلح لها وأمشى بعضا على بطنه وبعضا على رجلين وبعضا على أربع حكمة بالغة وقدرة باهرة. وكذلك سبحانه يقلب الليل والنهار ويقلب ما يوجد فيهما ويقلب أحوال العالم كما يشاء ويسلك بذلك مسلك الحكمة البالغة التي بها يتم مراده ويظهر ملكه: ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين [الأعراف: 54] .(1\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "157",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11752",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا القرآن المجيد عمدته ومقصوده الإخبار عن صفات الرب سبحانه وأسمائه وأفعاله وأنواع حمده والثناء عليه والإنباء عن عظمته وعزته وحكمته وأنواع صنعه والتقدم إلى عباده بأمره ونهيه على ألسنة رسله وتصديقه يفهم بما أقامه من الشواهد والدلالات على صدقهم وبراهين ذلك ودلائله وتبيين مراده من ذلك كله وكان من تمام ذلك الإخبار عن الكافرين والمكذبين وذكر ما أجابوا به رسلهم وقابلوا به رسالات ربهم ووصف كفرهم وعنادهم وكيف كذبوا على الله وكذبوا رسله وردوا أمره ومصالحه فكان في اجتلاب ذلك من العلوم والمعارف والبيان وضوح شواهد الحق وقيام أدلته وتنوعها وكان موقع هذا من خلقه موقع تسبيحه تعالى وتنزيهه من الثناء عليه وإن أسماءه الحسنى وصفاته العليا هي موضع الحمد ومن تمام حمده تسبيحه وتنزيهه عما وصفه به أعداؤه والجاهلون به مما لا يليق به. وكان في تنوع تنزيهه عن ذلك من العلوم والمعارف وتقرير صفات الكمال وتكميل أنواع الحمد ما في بيان محاسن الشيء وكماله عند معرفة ما يضاده ويخالفه ولهذا كان تسبيحه تعالى من تمام حمده وحمده من تمام تسبيحه ولهذا كان التسبيح والتحميد قربتين وكان ما نسبه إليه أعداؤه والمعطلون لصفات كماله- من علوه على خلقه وإنزاله كلامه الذي تكلم به على رسله وغير ذلك مما نزه عنه نفسه وسبح به نفسه ن وكان في ذلك ظهور حمده في خلقه وتنوع أسبابه وكثرة شواهده وسعة طرق الثناء عليه به وتقرير عظمته ومعرفته في قلوب عباده فلولا معرفة الاسباب التي يسبح وينزه ويتعالى عنها وخلق من يضفيها إليه ويصفه بها لما ينزهونه. فلما رأوا في خلقه من قد نسبه إلى ما لا يليق به وجحد من كماله ما هو أولى به سبحوه وحينئذ تسبيح مجل له معظم له منزه عن أمر قد نسبه إليه أعداؤه والمعطلون لصفاته ونظير هذا اشتمال كلمة الإسلام- وهي شهادة أن لا إله إلا الله- على النفي والإثبات فكان في الإتيان بالنفي في صدر هذه الكلمة من تقرير الإثبات وتحقيق معنى الإلهية وتجريد التوحيد الذي قصد بنفي الإلهية عن كل ما ادعيت فيه سوى الإله الحق تبارك وتعالى فتجريد هذا التوحيد من العقد واللسان يتصور إثبات الإلهية لغير الله كما قاله أعداؤه المشركون ونفيه وإبطاله من القلب واللسان من تمام التوحيد وكماله وتقريره(1\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "158",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11753",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وظهور أعلامه ووضوح شواهده وصدق براهينه ونظير ذلك أيضا أن تكذيب أعداء الرسل وردهم ما جاؤوهم به كان من الأسباب الموجبة ظهور براهين صدق الرسل ودفع ما احتج به أعداؤهم عليهم من الشبه الداحضة ودحض حججهم الباطلة وتقرير طرق الرسالة وإيضاح أدلتها فإن الباطل كلما ظهر فساده وبطلانه أسفر وجه الحق واستنارت معالمه ووضحت سبله وتقررت براهينه فكسر الباطل ودحض حججه وإقامة الدليل على بطلانه من أدلة الحق وبراهينه. فتأمل كيف اقتضى الحق وجود الباطل وكيف تم ظهور الحق بوجود الباطل وكيف كان كفر أعدا الرسل بهم وتكذيبهم لهم ودفعهم ما جاؤوا به وهو من تمام صدق الرسل وثبوت رسالات الله وقيام حججه على العباد ولنضرب لذلك مثالا يتبين به وهو ملك له عبد قد توحد فى العالم بالشجاعة والبسالة والناس بين مصدق ومكذب فمن قائل: هو كذلك ومن قائل: هو بخلاف ما يظن به فإنه لم يقابل الشجعان ولا واجه الأقران ولو بارز الأقران وقابل الشجاعة لظهر أمره وانكشف حاله. فسمع به شجعان العالم وأبطالهم فقصدوه من كل صوب وأتوه من كل قطر فأراد الملك أن يظهر لرعيته ما هو عليه من الشجاعة فمكن أولئك الشجعان من منازلته ومقاومته وقال: دونكم وإياه وشأنكم به. فهل تسليط الملك لأولئك على عبده ومملوكه إلا لإعلاء شأنه وإظهار شجاعته فى العالم وتخويف أعدائه به وقضاء الملك أوطاره به كما يترتب على هذا إظهار شجاعة عبده وقوته وحصول مقصوده بذلك فكذلك يترتب عليه ظهور كذب من ادعى مقاومته وظهور عجزهم وفضيحتهم وخزيهم وأنهم ليسوا ممن يصلح لمهمات الملك وحوائجه فإذا عدل بهم عن مهماته وولايته وعدل بها عنهم كان ذلك مقتضى حكمة الملك وحسن تصرفه فى ملكه وأنه لو استعملهم فى تلك المهمات لتشوش أمر المملكة وحصل الخلل والفساد والله أعلم بالشاكرين. والمقصود أن خلق الأسباب المضادة للحق وإظهارها فى مقابلة الحق من أبين دلالته وشواهده فكان فى خلقها من الحكمة ما لو فاتت [لفاتت] تلك الحكمة وهى أحب إلى الله من تفويتها بتقدير تفويت هذه الأسباب. والله أعلم.(1\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "159",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11754",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "فصل: فى بيان ما للناس فى دخول الشر فى القضاء الإلهي من الطرق والأصول التى تفرعت عنها هذه الطرق.",
        "content": "فصل: فى بيان ما للناس فى دخول الشر فى القضاء الإلهي من الطرق والأصول التى تفرعت عنها هذه الطرق. وللناس طرق فى دخول الشر فى القضاء الإلهى فنذكرها ونذكر أصولهم التى تفرعت عليها هذه الطرق قبل ذلك. فنقول: للناس قولان: أحدهما قول أهل الإسلام وأتباع المرسلين كلهم إن الله سبحانه فعال لما يريد يفعل باختياره وقدرته ومشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو الذى يعبر عنه متأخرو المتكلمين بكونه: quot;فاعلا بالاختيارquot;. وللفريق الثانى قول من نفى ذلك وقال: صدر العلم عنه تعالى صدورا ذاتيا كصدور النور عن الشمس والحرارة عن النار والتبريد عن الماء ويسمى المتكلمون هذا quot;الإيجاب الذاتىquot;. ومصدره موجبات الذات وهذا قول الفلاسفة المشائين وهو الذى يذكره ابن الخطيب وغيره عن الفلاسفة ولا يحكى عنهم غيره وإنما هو قول المشائين وقربه متأخرهم وفاضلهم ابن سينا إلى الإسلام بعض التقريب مع مباينته لما جاءت به الرسل ولما دل عليه صريح العقل والفطرة. والفريقان متفقون على أن مصدر الكائنات بأسرها خير محض من جميع الوجوه وكمال صرف ووجود الشر فى العالم مشهود والخير لا يصدر عنه إلا خير. ولا جرم اختلفت طرقهم فى كيفية دخول الشر فى القضاء الإلهى وتنوعت إلى أربعة طرق: الطريق الأول: طريق نفاة التعليل والحكمة والأسباب فإنهم سدوا على أنفسهم هذا الباب وأثبتوا مشيئة محضة لا غاية لها ولا سبب ولا حكمة تفعل لأجلها ولا يتوقف فعل المختار بها على مصلحة ولا حكمة ولا غاية لها تفعل بل كل مقدور يحسن منه فعله ولا حقيقة عندهم للقبيح لولا المستحيل لذاته الذى لا يوصف بالقدرة عليه. وهؤلاء نفوا مسمى الرحمة والحكمة وإن أقروا بلفظ لا حقيقة له وكان شيخهم الجهم بن صفوان يقف بأصحابه على المجذومين وهم يتقلبون فى بلائهم فقول: أرحم الراحمين يفعل مثل هذا يعنى أنه ليس فى الحقيقة رحمة وإنما هو محض مشيته وصرف إرادة مجردة عن الحكمة والرحمة.(1\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "160",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11755",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهؤلاء قابلوا أصحاب الطريق الثانى: وهم الذين أثبتوا له حكمة وغاية وقالوا: لا يفعل شيئا إلا لحكمة وغاية مطلوبة ولكن حجروا عليه سبحانه فى ذلك وشرعوا له شريعة وضعوها بعقولهم وظنوا أن ما يحسن من خلقه يحسن منه وما يقبح منهم يقبح منه فجعلوا ما أثبتوه له من الحكمة والرحمة من جنس ما هو للخلق ولهذا كانوا quot;مشبهة الأفعالquot; كما أن من شبهة بخلقه فى صفاته فهو quot;مشبه الصفاتquot; فاقتسموا التشبيه نصفين: هؤلاء فى أفعاله وإخوانهم فى صفاته. وقالوا: إنه تعالى لو خص بعض عبيده عن بعض بإعطائه توفيقا وقدرة وإرادة ولم يعطها لآخر لكان ظلما للذى منعه. وقالوا: لو شاء من عباده أفعال المعاصى لكان ينزه عنه كما فى المشاهد ولو شاء منهم الكفر والفسوق والعصيان ثم عذبهم عليه لكان ظلما فى المشاهد أيضا فإن السيد إذا أراد من عبده شيء ففعل ما أراد سيده فإنه إذا عذبه عده الناس ظالما له وجعلوا العدل فى حقه تعالى من جنس العدل فى حق عباده والظلم الذى تنزه عنه كالظلم الذى يتنزهون عنه وجعلوا ما يحسن منه من جنس ما يحسن منهم وما يقبح منه من جنس ما يقبح منهم. وقالوا: لو أراد الشر لكان شريرا كما فى المشاهد فإن مريد الشر شرير. وقالوا: لو ختم على قلوب أعدائه وأسماعهم وحال بينهم وبين قلوبهم وأضلهم عن الإيمان وجعل على أبصارهم غشاوة وجعل من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ثم عذبهم لكان ظالما لهم لأن أحدنا لو فعل ذلك بعبده ثم عذبه لكان ظالما له. فهؤلاء المشبهة حقا فى الأفعال فعدلهم تشبيه وتوحيدهم تعطيل فجمعوا بين التشبيه والتعطيل. وهؤلاء قسموا الشر الواقع فى العالم إلى قسمين: أحدهما: quot;شرور هى أفعال العبادquot; وما تولد منها فهذه لا تدخل عندهم فى القضاء الإلهى تنزيها للرب عن نسبتها إليه ولا تدخل عندهم تحت قدرته ولا مشيئته ولا تكوينه. والثانى: quot;الشرور التى لا تتعلق بأفعال العبادquot; كالسموم والأمراض وأنواع الآلام وكإبليس وجنوده وغير ذلك من شرور المخلوقات كإيلام الأأطفال وذبح الحيوان فهذا النوع هو الذى كدر على القدرية أصولهم وشوش عليهم قواعدهم وقالوا: ذلك كله حسن لما فيه من اللطف والمصلحة(1\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "161",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11756",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العاجلة والآجلة. قالوا: أما الآلام والأمراض فمفعولة لغرض صحيح وهو ما ضمن الرب سبحانه لمن أصابه بها من العوض الوافى قالوا: وذلك يجرى مجرى استئجار أجير فى فعل شاق فإنه بفرض الاستئجار أخرج الاستئجار عن كونه عبثا بالأجرة عن كونه ظلما فكان حسنا. قالوا: فإن قيل إذا كان الله قادرا على التفضل بالعوض وبأضعافه بدون توسط الألم فأى حاجة إلى توسطه وأيضا فإذا حسن الألم لأجل العوض فهل يحسن منا أن يؤلم أحدنا [غيره] بغير إذنه لعوض يصل إليه فالجواب أن الله سبحانه لا يمرض ولا يؤلم إلا من يعلم من حاله أنه لو أطلعه على الأعواض التى تصل إليه لرضى بالألم ولرغب فيه لوفور الأعواض وعظمها وليس كذلك فى شاهد استئجار الأجير من غير اختياره قالوا: وليس كذلك إيلام أحدنا لغيره لأجل التعويض فإن من قطع يد غيره أو رجله لعوضه عنها لم يحسن ذلك منه لأن العوض يصل إليه وهو مقطوع اليد والرجل وليس من العقلاء من يختار ملك الدنيا مع ذلك والله يوصل الأعواض فى الآخرة إلى الأحياء وهم أكمل شيء خلقا وأتمه أعضاء فلذلك افترق الشاهد والغائب فى هذا قالوا: فإن فرضتموه فى ضرب وجلد مع سلامة الأعضاء قبح لأنه عيب فإن فرض فيه مصلحة ورضى المضروب بذلك وعظمت الأعواض عنه فهو حسن فى العقل لا محالة. قالوا: وسر الأمر أن بالعوض يخرج الألم عن كونه ظلما لأنه نفع موقوف على مضرة الألم وباعتبار كونه لطفا فى الدين يخرج عن كونه عبثا. قالوا: وقد رأينا فى المشاهد حسن الألم للنفع فإنه يحسن فى المشاهد إيلام أنفسنا وإتعابها فى طلب العلوم والأرباح التى لا نصل إليها إلا على جنس من التعب والمشقة قالوا: وهذا الوجه هو الذى حسن لأجله إيلام الأطفال والبهائم فإنه إيلام لنفع فإن أبدان الأطفال لا تستقيم إلا على الأسباب الجالبة للآلام وكذلك نفوسهم إنما تكمل بذلك وإيلام الحيوان لنفع الآدمى به غير قبيح قالوا: وأما الألم المستحق للعقوبة فإنه حسن فى المشاهد ولكنه غير متحقق فى الغائب بالنسبة إلى الأطفال والبهائم لعدم تكليفها ولكن لا بد فى إيلامها من مصلحة ترجع إليها وهى ما يحصل لهم من العوض فى الآخرة. قالوا: ويجب إعادتها لاستيفاء ذلك الحق الذى لها وهو العوض على(1\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "162",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11757",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الآلام التى حصلت لها قالوا: وبقاؤها بعد الإعادة موقوف ونعيم الأطفال والمجانين دائم. واختلفوا فى البهائم فقال بعضهم: يدوم عوضهم وقال آخرون بانقطاعه فإنهم يصيرون ترابا. قالوا: فإن لم يكن للبهائم عوض يجب لأجله أن تعاد لم تجب إعادتها عقلا وتحسن إعادتها وما يحسن قد يفعله الله وقد لا يفعله وهل تجوز الآلام للتعويض المجرد فيه قولان لهم مبنيان على أصل اختلفوا فيه وهو أنه هل يحسن منه سبحانه التفضل بمثل العوض ابتدا فصار بعضهم إلى امتناعه كما يمتنع التفضل بمثل الثواب ابتدا عندهم وهم مجمعون على امتناعه لئلا يسوى بين العامل وغيره وصار من ينتمى إلى التحصيل منهم إلى أن التفضل بمقدار الأعواض ممكن غير ممتنع فمن قال بامتناع التفضل بمقدار العوض ممكن غير ممتنع فمن قال بامتناع التفضل بمقدار العوض الصيمرى جوز وقوع الآلام للتعويض المجرد ومن جوز التفضل بأمثال الأعواض لم تحسن عنده الآلام بمجرد التعويض بل قالوا: إنما تحسن لوجهين لا بد من اقترانهما: أحدهما التزام التعويض والثانى: اعتبار غير المؤلم بتلك الآلام وكونها ألطافا فى زجر غاو من غوايته إذا شاهدها فى غيره. وذهب عباد الصيمرى منهم إلى أن الآلام تحسن لمجرد الاعتبار من غير تعويض لمن أصابته ورد عليه جماهير القدرية ذلك قالوا: والآلام التى يفعلها سبحانه إما أن تكون مستحقة كعقوبات الدنيا وعذاب الآخرة وإما للتعويض وإما للمصلحة الراجحة. قالوا: وما يفعله فى الآخرة منها فكله للاستحقاق وما يفعله فى الدنيا فللعوض والمصلحة وقد يفعله عقوبة وأما ما شرعه من أسباب الألم فعقوبات محضة. وأما مشايخ القوم فقالوا: إنما يحسن منه سبحانه الإيلام لأنه المنعم بالصحة والحياة ولأنه فى حكم من أعار تلك المنفعة لمن لا يملكها فله قطعها إذا شاء ولأنه قادر على التعويض عالم بقدره وليس كذلك الواحد من الخلق. قالوا: فإذا استرجع عارية الصحة والحياة خلفها الألم ولا بد. وأطالوا الكلام فى الآلام وأسبابها وما يحسن منها وما يقبح وعلى أى وجه يقع وحصروا أنفسهم غاية الحصر فاستطالت عليهم الجبرية بالأسئلة والمضايقات وألجأوهم إلى مضايق تضايق عنها أن تولجها الإبر وأضحكوا العقلاء منهم بإبداء تنماقضهم وألزموهم إلزامات لا بد من التزامها أو ترك المذهب. وسأل أبو الحسن(1\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "163",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11758",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأشعرى أبا على الجبائى عن ثلاثة إخوة لأب وأم مات أحدهم صغيرا وبلغ الآخر فاختار الإسلام وبلغ الآخر فاختار الكفر فاجتمعوا عند رب العالمين فرفع درجة البالغ المسلم فقال أخوه الصغير: يا رب ارفع درجتى حتى أبلغ منزلة أخى فقال: إنك لا تستحق إن أخاك بلغ فعمل أعمالا استحق بها تلك الدرجة فقال: يا رب فهلا أحييتنى حتى أبلغ فأعمال عملهquot; فقال: كانت تلك لمصلحة تقتضى اخترامك قبل البلوغ لأنى علمت أنك لو بلغت لاخترت الكفر فكانت المصلحة فى قبضك صغرا. قال: فصاح الثالث بين أطباق النار وقال: يا رب لم لم تمتنى صغيرا فما جواب هذا أيها الشيخ فلم يرد إليه جوابا. قالوا: وإذا علم سبحانه من بعض العبيد أنه لا يختار الإسلام وأنه لا يكون إلا كافرا مفسدا فى الأرض فأى مصلحة لهذا العبد فى إيجاده قالوا: وأى مصلحة لإبليس وذريته الكفار فى إيجادهم فإن قلتم: عرضهم للثواب قيل لكم: كيف يعرضهم لأمر قد يعلم أنهم لا يفعلونه ولا يقع منهم البتة ومن هنا أنكر غلاتهم العلم القديم وكفرهم السلف على ذلك ومن أقر به منهم فإقراره به مبطل لمذهبه وأصله فى وجوب مراعاة الصلاح والأصلح. وهذا معنى قول السلف: ناظروا القدرية بالعلم فإن جحدوه كفروا وإن أقروا به خصموا. قالوا: وأما حدث العوض على الآلام فالرب سبحانه قادر على إيصال تلك المنافع بدون توسط الآلام قالوا: وهذا بخلاف المستأجر فإن له منفعة وحاجة فى توسط تعب الأجير واستيفاء منفعته فأما من تعالى عن الانتفاع بخلقه ولا يحتاج إلى أحد منهم البتة فلا يعقل فى حقه ذلك. قالوا: وأما وقوع الآلام على وجه العقوبات فذلك إنما يحسن فى الشاهد لحصول التشفى من الجناة وإطفاء نار الغيظ والغضب بالاتتقام منهم وذلك لحاجة المعاقب إلى العقاب وانتفاعه به وقياس الغائب على الشاهد فى ذلك ممتنع. قالوا: وأما الإيلام للاعتبار بأن يعتبر الغير بالألم الواقع بغيره فيكون ذلك أدعى له إلى الإذعان والانقياد فلا ريب أن الصبى إذا شاهد المعلم يضرب غيره على لعبه وتفريطه كان ذلك مصلحة واعتبارا له ولعله أن ينتفع بضرب ذلك الغير أكثر من انتفاع المضروب أو حيب لا ينتفع المضروب ولكن إنما يحسن ذلك إذا كان المضروب مستحقا للضرب فأين استحقاق الأطفال والبهائم قالوا: وكذلك تمكينه تعالى عباده أن يؤلم بعضهم بعضا ويضر بعضهم بعضا- مع(1\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "164",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11759",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قدرته على منع المؤلم المضر- أى مصلحة لمن مكن من ذلك وأقدر عليه وهل كانت مصلحته إلا تعجيزه وأن يحال بينه وبين القدرة على الأداء وصون العباد قالوا: فهذه الشريعة التى وضعتموها لرب العباد وأوجبتم عليه ما أوجبتم وحرمتم عليه ما حرمتم وجحدتم عليه فى تصرفه فى ملكه بغير ما أصلتم وفرعتم بعقولكم وآرائكم تشبيها له وتمثيلا بخلقه فيما يحسن منهم ويقبح مع أنها شريعة باطلة ما أنزل الله بها من سلطان فإنكم لم تطردوها بل أنتم متناقضون فيها غاية التناقض خارجون فيها عما يوجبه كل عقل صحيح وفطرة سليمة فلا للتشبيه والتمثيل طردتم ولا بالتعويض قلتم ولا على حقيقة الحكمة والحمد وقفتم بل أثبتم له نوع حكمة لا تقوم به ولا ترجع إليه بل هى قائمة بالخلق فقط وقد حتم بها فى تمام ملكه كما أثبت له إخوانكم من الجبرية قدرة مجردة عن حكمة وحمد وغاية يفعل لأجلها بل جعلوا حمده وحكمته اقتران أفعاله بما اقترنت به من المصالح عادة ووقوعها مطابقة لمشيئته وعلمه فقط فقدحوا بذلك فى تمام حمده. وقام حزب الله وحب رسوله وأنصار الحق بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير حق القيام وراعوا هذه الكلمة حق رعايتها علما ومعرفة وبصيرة ولم يلقوا الحرب بين حمده وملكه بل أثبتوا له الملك التام الذى لا يخرج عنه شيء من الموجودات أعيانها وأفعالها والحمد التام الذى وسع كل معلوم وشمل كل مقدور وقالوا: إن له فى كل ما خلقه وشرعه حكمة بالغة ونعمة سابغة لأجلها خلق وأمر ويستحق أن يثنى عليه ويحمد لأجلها كما يثنى عليه ويحمد لأسمائه الحسنى ولصفاته العليا فهو المحمود على ذلك كله أتم حمد وأكمله لما اشتملت عليه صفاته من الكمال وأسماؤه من الحسن وأفعاله من الحكم والغايات والمقتضية لحمده المطابقة لحكمته الموافقة لمحابه فإنه سبحانه كامل الذات كامل الأسماء والصفات لا يصدر عنه إلا كل فعل كريم مطابق للحكمة موجب للحمد يترتب عليه من محابه ما فعل لأجله وهذا أمر ذهب عن طائفتى الجبرية والدهرية وحال بينهم(1\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "165",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11760",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبينه أصول فاسدة أصلوها وقواعد باطلة أسسوها من تعطيل بعض صفات كماله كم عطل الفريقان حقيقة محبته: عند الجبرية مشيئته وإرادته ومحبة العباد له إرادتهم لما يخلقه من النعيم فى دار الثوب فالمحبة عندهم إنما تعلقت بمخلوقاته لا بذاته. وحقيقة محبته وكراهته عند القدرية: أمره ونهيه ومحبة العباد له محبتهم لثوابه المنفصل. وأصل الفريقان أنه لا تقوم بذاته حكمة ولا غاية يفعل لأجلها ثم اختلفوا فقالت الجبرية: لا يفعل لغاية ولا لحكمة أصلا. وتكايست القدرية بعض التكايس فقالت: فعل لغاية وحكمة لا ترجع إليه ولا تقوم به ولا يعود إليه منها وصف. وأصل الفريقان أيضا أنه لا يقوم بذاته فعل البتة بل فعله عين مفعوله فعطلوا أفعاله القائمة به وجعلوها نفس المخلوقات المشاهدة التى لا تقوم به فلم يقم به عندهم فعل البتة. كما عطل غلاة الجهمية صفاته فلم يثبتوا له صفة تقوم به وإن تناقضوا وكما عطلت quot;السينائيةquot; أتباع ابن سينا ذاته فلم يثبتوا له ذاتا زائدة على وجود مجرد لا يقارن ماهية ولا حقيقة وأصلت الجبرية أنه تعالى لا ينزه عن فعل مقدور يكون قبيحا بالنسبة إليه بل كل مقدور ممكن فهو جائز عليه وإن علم عدم فعله فبالسمع وإلا فالعقل يقضى بجوازه عليه فلا ينزه عن ممكن مقدور إلا ما دل عليه بالسمع فيكون تنزيهه عنه لا لقبحه فى نفسه بل لأن وقوعه يتضمن الخلق فى خبره وخبر رسوله ووقع الأمر على خلاف علمه ومشيئته فهذا حقيقة التنزيه عند القوم. وأصلت القدرية أن ما يحسن من عباده يحسن منه وما يقبح منهم يقبح منه مع تناقضهم فى ذلك غاية التناقض. فاقتضت هذه الأصول الفاسدة والقواعد الباطلة فروعا ولوازم كثيرة منها مخالف لصريح العقل ولسليم الفطرة كما هو مخالف لما أخبرت به الرسل عن الله فجعل أرباب هذه القواعد والأصول قواعدهم وأصولهم محكمة وما جاء به الرسول متشابها ثم أصلوا أصلا فى رد هذا المتشابه إلى المحكم وقالوا: الواجب فيما خالف هذه القواطع العقلية بزعمهم من الظواهر الشرعية أحد أمرين: إما يخرجها على ما يعلم العقلاء أن المتكلم لم يرده بكلامه من المجازات البعيدة والألغاز المعقدة ووحشى اللغات والمعانى المهجورة التى لا يعرف أحد من العرب عبر عنها بهذه العبارة ولا تحتملها لغة القوم البتة وإنما هى محامل أنشئوها هم ثم قالوا: نحمل اللفظ عليها فأنشؤوا محامل من تلقاء أنفسهم وحكموا على الله(1\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "166",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11761",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو رسله بإرادتها بكلامه فأنشؤا منكرا وقالوا زورا. فإذا ضاق عليهم المجال وغلبتهم النصوص وبهرتهم شواهد الحقيقة من اطرادها وعدم فهم العقلاء سواها ومجيئها على طريقة واحدة وتنوع الألفاظ الدالة على الحقيقة واحتفافها بقرائن من السياق والتأكيد وغير ذلك مما يقطع كل سامع بأن المراد حقيقتها وما دلت عليه قالوا: الواجب ردها وأن لا يشتغل بها وإن أحسنوا العبارة والظن قالوا: الواجب تفويضها وإن نكل علمها إلى الله من غير أن يحصل لنا بها هدى أو علم أو معرفة بالله وأسمائه وصفاته أو ننتفع بها فى باب واحد من أبواب الإيمان بالله وما يوصف به وما ينزه عنه بل نجرى ألفاظها على ألسنتنا ولا نعتقد حقيقتها لمخالفتها للقواطع العقلية فسموا أصولهم الفاسدة وشبههم الباطلة- التى هى كبيت العنكبوت وكما قال فيها القائل شعرا: شبه تهافت كالزجاج تخالها ... حقا وكل كاسر مكسور قواطع عقلية مع اختلافهم فيها وتناقضهم فيها ومناقضتها لصريح المعقول وصحيح المنقول فسموا كلام الله ورسوله: quot;ظواهر سمعيةquot; إزالة لحرمته من القلوب ومنعا للتعلق به والتمسك بحقيقته فى باب الإيمان والمعرفة بالله وأسمائه وصفاته فعبروا عن كلامهم بأنه quot;قواطع عقليةquot; فيظن الجاهل بحقيقته أنه إذا خالفه فقد خالف صريح المعقول وخرج عن حد العقلاء وخالف القاطع وعبروا عن كلام الله ورسوله بأنه quot;ظواهرquot; فلا جناح على من صرفه عن ظاهره وكذب بحقيقته واعتقد بطلان الحقيقة بل هذا عندهم هو الواجب وقد أشهد الله سبحانه عباده الذين أوتوا العلم والإيمان أن الأمر بعكس ما قالوه وأن كلامه وكلام رسوله هو الشفاء والعصمة والنور الهادى والعلم المطابق لعلومه وأنه هو المشتمل على القواطع العقلية السمعية والبراهين اليقينية وأن كلام هؤلاء المتهوكين الحيارى المتضمن خلاف ما أخبره به عن نفسه وأخبر به عن رسوله هو الشبهات الفاسدة والخيالات الباطلة وأنه كالسراب الذى يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب وهؤلاء هم أهل العلم حقا الذين شهد الله سبحانه لهم به فقال [تعالى] : ويرى الذين أوتوا العلم الذى أنزل إليك من ربك(1\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "167",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11762",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحق ويهدى إلى صراط العزيز الحميد [سبأ: 6]  ومن سواه من الصم والبكم [الذى] قال الله فيهم: وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما [كنا] فى أصحاب السعير [الملك: 10]  وقال تعالى: أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب [الرعد: 19]  وكان ما شهدوه من ذلك بالعقل والفطرة لا بمجرد الخبر بل جاء إخبار الرب [تعالى] وإخبار رسوله مطابقا لما فى فطرهم السليمة وعقولهم المستقيمة فتضافر على إيمانهم به الشريعة المنزلة والفطرة المكملة والعقل الصريح فكانوا هم العقلاء حقا وعقولهم هى المعيار فمن خالفها فقد خالف صريح المعقول والقواطع العقلية ومن أراد معرفة هذا فليقرأ كتاب شيخنا وهو quot;بيان موافقة العقل الصريح للنقل الصحيحquot; فإنه كتاب لم يطرق العالم له نظير فى بابه فإنه هدم فيه قواعد أهل الباطل من أسها فخرت عليهم سقوفه من فوقهم وشيد فيه قواعد أهل السنة والحديث وأحكمها ورفع [أعلامها وقررها بمجامع الطرق التى تقرر بها الحق] من العقل والنقل والفطرة والاعتبار فجاء كتابا لا يستغنى من نصح [نفسه من أهل العلم عنه فجزاه الله عز وجل عن أهل العلم والإيمان] أفضل الجزاء وجزى العلم والإيمان عنه [كذلك] . عدنا إلى إتمام الكلام فى كيفية دخول الشر فى القضاء الإلهى وبيان طرق الناس فى ذلك واختلافهم فى إيلام الأطفال والبهائم. وقالت quot;البكريةquot; وهم أتباع بكر ابن أخت عبد الواحد بن زيد البصرى: إن البهائم والأطفال لا تألم البتة والذى حملهم على هذا موجب التعليل والحكمة ولم يرتضوا ما قالت الجبرية من نفى ذلك ولا ما قالت المعتزلة من حديث الأعواض وما فرعوه عليه ولم يمكنهم القول بمذهب quot;التناسخيةquot; القائلين بأن الأرواح الفاجرة الظالمة تودع فى الحيوانات التى تناسبها فينالها من ألم الضرب والعذاب بحسبها ولا بمذاهب quot;المجوسquot; من إسناد الشر والخير إلى إلهين مستقلين كل منهما يذهب بخلقه ولا بقول من يقول: إن البهائم مكلفة مأمورة منهية مثابة معاقبة وأن فى كل أمة منها رسول ونبى منها وهذه الآلام والعقوبات الدنيوية جزاء على مخالفتها لرسولها ونبيها فلم يجدوا بدا من التزام ما ذهبوا إليه من إنكار وقوع الآلام بها ووصولها إليها. وقد رد عليهم الناس بأنهم كابروا الحس وجحدوا الضرورة وأن العلم بخلاف ما ذهبوا إليه ضرورى. وقال من(1\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "168",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11763",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنصف القوم: لا سبيل إلى نسبة هؤلاء إلى جحد الضرورة مع كثرتهم ولكنهم ربما رأوا أن الطفل والبهيمة لا تدرك الآلام حسبما يدركها العقلاء فإن العاقل إذا أدرك تألم جوارحه وأحس به تألم قلبه وطال حزنه وكثر هم روحه وغمها واشتدت فكرته فى ذلك وفى الأسباب الجالبة له والأسباب الدافعة له وهذه الآلام زائدة على مجرد ألم الطبيعة ولا ريب أن البهائم والأطفال لا تحصل لها تلك الآلام كما يحصل للعاقل المميز فإن أراد القوم هذا فهم مصيبون وإن أرادوا أنه لا شعور لها بالآلام البتة وأنها لا تحس بها فمكابرة ظاهرة فإن الواحد منا يعلم باضطرار أنه كان يتألم فى طفولته بمس النار له وبالضرب وغير ذلك. وقالت طائفة: كل ما يتألم به الطفل والبهيمة ليس من قبل الله ولا فعل الله فيه الألم لما ثبت من حكمته وهذا يشبه قولهم فى أفعال الحيوان أنها ليست من خلق الله ولا كانت بمشيئته لكن هذا أشد فسادا من ذلك فإن هذه الآلام حوادث لا تتعلق باختيار من قامت به ولا بإرادته فلا بد لها من محدث إذ وجود حادث محال والله خالقها بأسبابها المفضية إليها فخالق السبب خالق للمسبب. فإن أراد هؤلاء نفى فعلها عن الله مباشرة من غير توسط بسبب أصلا فهذا قد يكون حقا وإن أرادوا أنها غير منسوبة إلى قدرته ومشيئته البتة فباطل. وذهبت طائفة إلى أن فى كل نوع من أنواع الحيوانات أنبياء ورسلا وأنها مستحقة للثواب والعقاب وأن ما ينزل بها من الآلام فجزاء لها وعقوبات على معاصيها ومخالفتها واحتجوا بقوله تعالى: وما من دابة فى الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم [الأنعام: 38]  وقال تعالى: وإن من أمه إلا خلا فيها نذير [فاطر: 24] . وقالت طائفة من التناسخية: إن الله خلق خلقه كلهم جملة واحدة بصفة واحدة ثم أمرهم ونهاهم فمن عصى منهم نسخ روحه فى جسد بهيمة تبتلى بالذبح والقتل كالدجاج والغنم والإبل والبقر والبراغيث والقمل فما سلط على هذه البهائم من الآلام فهو للأرواح الآدمية التى أودعت هذه الأجساد فمن كان منهم زانيا أو زانية كوفيء بأن جعل فى بدن حيوان ما يمكنه الجماع كالبغال ومن كان منهم عفيفا عن الزنا مع ظلمه وغشمه كوفيء بأن جعل فى بدن تيس أو عصفور أو ديك. ومن كان منهم جبارا عنيدا كوفيء بأن جعل فى بدن قملة أو قرادة ونحوهما(1\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "169",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11764",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": " إلى أن يقتص منهم ثم يردون فمن عصى منهم بعد رده كرر أيضا عليه ذلك التناسخ هكذا أبدا حتى يطيع طاعة لا معصية بعدها أبدا فينتقل إلى الجنة من وقته. وقد ذهب إلى هذا المذهب من المنتسبين إلى الإسلام رجل يقال له أحمد بن حائط طرد أصول القدرية وشريعتهم التى شرعوها لله فأوجبوا بها عليه وحرموا. وذهب المجوس إلى أن هذه الآلام والشرور من الإله الشرير المظلم فلا تضاف إلى الإله الخير العادل ولا تدخل تحت قدرته ولهذا كان أشبه أهل البدع بهم القدرية النفاة. وقالت الزنادقة والدهرية: كل ذلك من تصرف الطبيعة وفعلها وليس لذلك فاعل مختار مدبر بمشيئته وقدرته ولا بد فى النار من إحراق ونفع وفى الماء من إغراق ونفع وليس وراء ذلك شيء فهذه مذاهب أهل الأرض فى هذا المقام. ولما انتهى أبو عيسى الوراق إلى حيث انتهت إليه أرباب المقالات فطاش عقله ولم يتسع لحكمة إيلام الحيوان وذبحه صنف كتابا سماه النوح على البهائم فأقام عليها المآتم وناح وباح بالزندقة الصراح. وممن كان على هذا المذهب أعمى البصر والبصيرة كلب معرة النعمان المكنى بأبى العلاء المعرى فإنه امتنع من أكل الحيوان زعم لظلمه بالإيلام والذبح وأما ابن خطيب الرى فإنه سلك فى ذلك طريقة مركبة من طريقة المتكلمين وطريقة الفلاسفة المشائين وهذبها ونقحها واعترف فى آخرها بأنه لا سبيل إلى الخلاص من [المطالبات] التى أوردها على نفسه إلا بالتزام أنه تعالى موجب بالذات لا فاعل بالقصد والاختيار فأقر على نفسه بالعجز عن أجوبة تلك المطالبات إلا بإنكار قدرة الله ومشيئته وفعله الاختيارى وذلك جحد لربوبيته فزعم أنه لا يمكنه تقرير حكمته إلا بجحد ربوبيته ونحن نذكر كلامه بألفاظه. وقال فى quot;مباحثه المشرقيةquot;:(1\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "170",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11765",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل السادس: فى كيفية دخول الشر فى القضاء الإلهى وقبل الخوض فيه لا بد من تقديم مقدمتين: المقدمة الأولى- الأمور التى يقال لها: إنها شر إما أن تكون أمورا عدمية أو أمورا وجودية. فإن كانت أمورا عدمية فهى على أقسام ثلاثة:(1\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "171",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11766",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأنها إما أن تكون عدما لأمور ضرورية للشيء فى وجوده مثل عدم الحياة وإما أن تكون عدما لأمور نافعة قريبة من الضرورة كالعمى أو أن تكون كذلك كعدم العلم بالفلسفة والهندسة. وأما الأمور الوجودية التى يقال لها شرور فهى كالحرارة المفرقة لاتصال العضو. واعلم أن الشر بالذات هو عدم ضروريات الشيء وعدم منافعه مثل عدم الحياة وعدم البصر فإن الموت والعمى لا حقيقة لهما إلا أنهما عدم الحياة وعدم البصر وهما من حيث هما كذلك شر [فإذا] ليس لهما اعتبار آخر بحسبه يكونان شرين. وأما عدم الفضائل المستغنى عنها- مثل عدم العلم بالفلسفة- فظاهر أن ذلك ليس بشر وأما الأمور الوجودية فإنها ليست شرورا بالذات بل بالعرض من حيث أنها تتضمن عدم أمور ضرورية أو نافعة ويدل عليه أنا لا نجد شيئا من الأفعال التى يقال لها شر إلا وهو كمال بالنسبة إلى الفاعل وأما شريته فبالقياس إلى شيء آخر فالظلم مثلا يصدر عن قوة ظلامة للغلبة وهى القوة الغضبية والغلبة هى كمالها وفائدة خلقتها فهذا الفعل بالقياس إليها خير لأنها إن ضعفت عنه فهو بالقياس إليها شر وإنما كان شرا للمظلوم لفوات المال وغيره عنه والنفس الناطقة كمالها الاستيلاء على هذه القوة فعند قهر الغضبية يفوت النفس ذلك الاستيلاء ولا جرم كان شرا لها. وكذلك النار إذا أحرقت فإن الإحراق [كمالها] ولكنها شر بالنسبة إلى من زالت [سلامته] بسببها. وكذلك القتل وهو استعمال الآلة القطاعة فى قطع رقبة إنسان فإن كون الإنسان قويا على استعمال الآلة ليس شرا له بل خيرا وكذلك كون الآلة قطاعة هو خير لها وكذلك كون الرقبة قابلة للانقطاع كل ذلك خيرات ولكن القتل شر من حيث أنه متضمن لزوال الحياة فثبت بما ذكرنا أن الأمور الوجودية ليست شرور بالذات بل بالعرض. والله أعلم. المقدمة الثانية: أن الأشياء إما أن تكون مادية أو لا تكون فإن لم تكن مادية لم يكن فيها ما بالقوة فلا يكون فيها شر أصلا وإن كانت مادية كانت فى معرض الشر وعروض الشر لها [إما أن يكون فى ابتداء تكونها أو بعد تكونها] أما الأول فهو أن تكون المادة التى [يتكون] إنسانا أو فرسا يعرض لها من الأسباب ما يجعلها رديئة المزاج رديئة الشكل والخلقة فرداءة مزاج ذلك الشخص ورداءة خلقه ليس لأن الفاعل حرم بل لأن المنفعل له لم يقبل وأما الثانى وهو أن يعرض(1\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "172",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11767",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشر للشيء وطروء طاريء عليه بعد تكونه فذلك الطاريء إما شيء يمنع المكمل من الإكمال مثل تراكم السحب وإظلال الجبال الشاهقات إذ صار مانعا من تأثير الشمس فى [النبات]  وإما شيء يفسد مثل البرد الذى يصل إلى النبات بسبب ذلك استعداده للنشوء والنمو. وإذا عرفت ذلك فنقول: قد بينا أن الشر بالحقيقة إما عدم ضروريات الشيء وإما عدم منافعه. [فنقول] : [الموجود] إما أن يكون خيرا من كل الوجوه وشرا من كل الوجوه أو خيرا من وجه وشرا من وجه. وهذا على تقدير أقسام: فإنه إما أن يكون خيره غالبا على شره أو يكون شره غالبا على خيره أو متساويا خيره وشره فهذه أقسام خمسة. أما الذى يكون خيرا من كل الوجوه وهو موجود-[أما] الذى يكون كذلك لذاته- فهو الله تبارك وتعالى وأما الذى يكون [خيره] لغيره فهو العقول والأفلاك لأن هذه الأمور ما فاتها شيء من ضروريات ذاتها ولا من [كمالاتها] أما الذى كله شر أو الغالب فيه أو [المتساوي] فهو غير موجود لأن كلامنا فى الشيء بمعنى عدم الضروريات والمنافع لا بمعنى عدم الكمال الزائد [وإذا عنينا بالشر] ذلك فلا شك أن ذلك مغلوب والخير غالب لأن الأمراض وإن كثرت إلا أن الصحة أكثر منها فالحرق والغرق والخسف وإن كانت قد تكثر إلا أن السلامة أكثر منها. فأما الذى يكون خيره غالبا على شره فالأولى فيه أن يكون موجودا لوجهين: الأول أنه إن لم يوجد فلا بد وأن يفوت الخير الغالب وفوت الخير الغالب شر غالب فإذا فى عدمه يكون الشر أغلب من الخير وفى وجوده يكون الخير أغلب من الشر ويكون وجود هذا القسم أولى مثاله النار: فى وجودها منافع [كثيرة وأيضا مفاسد كثيرة مثل إحراق الحيوانات ولكننا إذا قابلنا منافعها] بمفاسدها كانت مصالحها أكثر بكثير من مفاسدها ولو لم توجد لفاتت تلك المصالح وكانت مفاسد عدمها أكثر من مصالحها فلا جرم وجب إيجادها وخلقها. الثانى- وهو الذى يكون خيره ممزوجا بالشر- ليس إلا الأمور التى تحت كرة القمر فلا شك أنها معلولات العلل العالية فلو لم يوجد هذا القسم لكان يلزم من عدمها عدم عللها الموجبة لها وهى خيرات محضة فيلزم من عدمها عدم الخيرات المحضة وذلك شر محض فإذا لا بد من وجود هذا القسم. فإن قيل: فلم لم يخلق الخالق هذه الأشياء عرية عن كل الشرور فنقول: لأنه لو جعلها كذلك لكان هذا هو القسم الأول(1\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "173",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11768",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذلك مما قد فرغ منه. وبقى فى العقل قسم آخر وهو: الذى يكون خيره غالبا على شره وقد بينا أن الأولى بهذا القسم أن يكون موجودا. قال: وهذا الجواب لا يعجبنى لأن لقائل أن يقول: إن جميع هذه الخيرات والشرور إنما توجد باختيار الله وإرادته مثلا الاحتراق الحاصل عقيب النار ليس موجبا من النار بل الله تعالى اختار خلقه عقيب مماسة النار وإذا كان حصول الاحتراق عقيب مماسة النار باختيار الله وإرادته فكان يمكنه أن يختار خلق الإحراق عندما يكون خيرا ولا يختار خلقه عندما يكون شرا ولا خلاص عن هذه المطالبة إلا ببيان كونه سبحانه فاعلا بالذات لا بالقصد والاختيار ويرجع حاصل الكلام فى هذه المسألة إلى مسألة القدم والحدوث. قلت: لما لم يكن عند الرازى إلا مذهب الفلاسفة المشائين والقائلين [بالموجب بالذات أو مذهب القدرية بالمعتزلة القائلين] بوجوب رعاية الصلاح أو الإصلاح أو مذهب الجبرية نفاة الأسباب والعلل والحكم وكان الحق عنده مترددا بين هذه المذاهب الثلاثة فتارة يرجح مذهب المتكلمين وتارة مذهب المشائين وتارة يلقى الحرب بين الطائفتين ويقف فى النظارة وتارة يتردد بين الطائفتين وانتهى إلى هذا المضيق ورأى أنه لا خلاص له منه إلا بالتزام طريق الجبرية- وهى غير مرضية عنده وإن كان فى كتبه الكلامية يعتمد عليها ويرجع فى مباحثه إليها- أو طريق المعتزلة القائلين برعاية الصلاح وهى متناقضة غير مطردة لم يجد بدا من تحيزه إلى أعداء الملة القائلين بأن الله تعالى لا قدرة له ولا مشيئة ولا اختيار ولا فعل يقوم به. ومعلوم أن هذه المذاهب بأسرها باطلة ومتناقضة وإن كان بعضها أبطل من بعض وإنما ألجأه إلى التزام القول بإنكار الفاعل المختار فى هذا المقام تسليمه لهم الأصول الفاسدة والقواعد الباطلة التى قادت إلى التزام بعض أنواع الباطل ولو أعطى الدليل حقه وضم ما مع كل طائفة من الحق إلى حق الطائفة الأخرى وتحيز إلى ما جاءت به الرسل على علم وبصيرة وهو تقرير لما [جاءوا] به بجميع طرق الحق لتخلص من تلك المطالبات مع إقراره بأن رب العالمين فعال لما يريد يفعل بمشيئته وقدرته وحكمته وأن له المشيئة النافذة [والحكمة البالغة وأن تقدير تجريد النار عما خلقت] عليه من الإحراق والماء عما خلق عليه والرياح والنفوس البشرية عما هيئت له وخلقت عليه مناف للحكمة المطلوبة المحبوبة للرب(1\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "174",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11769",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله سبحانه وأن هذا تقرير لعالم آخر وتعطيل الأسباب التى نصبها الله سبحانه مقتضيات لمسبباتها وأن تلك الأسباب مظهر حكمته وحمده وموضع تصرفه لخلقه وأمره فتقدير تعطيلها تعطيل للخلق والأمر وهو أشد منافاة للحكمة وإبطالا لها واقتضاء هذه الأسباب لمسبابتها كاقتضاء الغايات لأسبابها فتعطيلها [عنها] قدح فى الحكمة وتفويت لمصلحة العالم التى عليها نظامه وبها قوامه. ولكن الرب سبحانه قد يخرق العادة ويعطلها عن مقتضياتها أحيانا إذا كان فيه مصلحة راجحة على مفسدة فوات تلك المسببات كما عطل النار التى ألقى فيها إبراهيم وجعلها عليه بردا وسلاما عن الإحراق لما فى ذلك من المصالح العظيمة وكذلك تعطيل الماء عن إغراق موسى وقومه وعما خلق عليه من الإسالة والتقاء أجزائه بعضها ببعض هو لما فيه من المصالح العظيمة والآيات الباهرة والحكمة التامة التى ظهرت فى الوجود وترتب عليها من مصالح الدنيا والآخرة ما ترتب فهكذا سبحانه سائر أفعاله مع أنه أشهد عباده بذلك أنه مسبب الأسباب وأن الأسباب خلقه وملكه وأنه يملك تعطيلها عن مقتضياتها وآثارها وأن [جعلها] كذلك لم يكن من ذاتها وأنفسها بل هو الذى جعلها كذلك وأودع فيها من القوى والطبائع ما اقتضت به آثارها أنه إن شاء أن يسلبها إياها سلبها لا كما يقول أعداؤه من الفلاسفة والطبائعيين وزنادقة الأطباء أنه ليس فى الإمكان تجريد هذه الأسباب عن آثارها وموجباتها ويقولون: لا تعطيل فى الطبيعة وليست الطبيعة عندهم مربوبة مقهورة تحت قهر قاهر وتسخير مسخر يصرفها كيف يشاء بل هى المتصرفة المدبرة ولا كما يقول من نقص علمه ومعرفته بأسرار مخلوقاته وما أودعها من القوى والطبائع والغرائز وبالأسباب التى ربط بها خلقه وأمره وثوابه وعقابه فجحد ذلك كله ورد الأمر إلى مشيئة محضة مجردة عن الحكمة والغاية وعن ارتباط العالم بعضه ببعض ارتباط الأسباب بمسبباتها والقوى بمحالها. ثم المحذور اللازم من إنكار الفاعل المختار الفعال لما يريد بقدرته ومشيئته فوق كل محذور فإن القائل بذلك يجعل هذه الشرور بأسرها لازمة له لزوم الطفل لحامله والحرارة للنار ولا يمكنه دفعها ولا تخليص الحرارة منها فهم فروا من إضافة الشر إلى خلقه [ومشيئته واختياره ثم ألزموه إياه وأضافوه إليه إضافة لا يمكن إزالتها مع تعطيل قدرته ومشيئته وخلقه] وعلمه بتفاصيل أحوال عباده وفى ذلك تعطيل ربوبيته للعاملين ففروا من محذور بالتزام(1\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "175",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11770",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عدة محاذير واستجاروا من الرمضاء بالنار. وهذا كما نزهه الجهمية عن استوائه على عرشه وعلوه على مخلوقاته فإنه فرار من التحيز والجهة ثم جعلوه سبحانه فى كل مكان مخالطا للقاذورات والأماكن المكروهات وكل مكان يأنف العاقل من مجاورته ففروا من تخصيصه بالعلو فعمموا به كل مكان. ولما علمت الفرعونية بطلان هذا المذهب فروا إلى شر منه فأخلوا داخل العالم وخارجه منه البتة وقالوا: ليس فوق العرش رب يعبد ولا إله يصلى له ويسجد ولا ترفع إليه الأيدى ولا يصعد إليه الكلم الطيب والعمل الصالح ولا عرج بمحمد صلى الله عليه وسلم إليه بل عرج به إلى عدم صرف ولا فرق بالنسبة إليه بين العرش وبين أسفل السافلين ومن المعلوم أنه ليس موجودا فى أسفل سافلين فإذا لم يكن موجودا فوق العرش فهذا إعدام له البتة وتعطيل لوجوده. فلما [رأت] الحلولية وإخوانهم من الاتحادية أشباه النصارى ما فى ذلك من الإحالة قالوا: بل هو هذا الوجود السارى فى الموجودات [الظاهر] فيها على اختلاف صورها وأنواعها بحسنها فهو فى الماء ماء وفى الخمر خمر وفى النار نار وهو حقيقة كل شيء وماهيته فنزهوه عن استوائه على عرشه وجعلوه وجود كل موجود خسيس أو شريف صغير أو كبير طيب أو غيره تعالى الله عما يقول أعداؤه علوا كبيرا وكذلك القائلون بقدم العالم نزهوه عن قيام الإرادات والأفعال المتجددة به ثم جعلوا جميع الحوادث لازمة له لا ينفك عنها ونزهوه عن إرادته [لخلق العالم وأن يكون صدوره عن مشيئته وإرادته] وجعلوه لازما لذاته كالمضطر إلى صدوره عنه. وكذلك المعتزلة الجهمية نزهوه عن صفات كماله لئلا يقعوا فى تشبيه ثم شبهوه بخلقه فى أفعاله وحكموا عليه بحسن ما يحسن منهم وقبح ما يقبح منهم مع تشبيه فى سلب صفات كماله بالجمادات والناقصات وأن من فر من إثبات السمع والبصر والكلام والحياة له- لئلا يشبهه- فقد شبهه بالأحجار التى لا تسمع ولا تبصر ولا تتكلم. ومن عطله عن صفة الكلام لما يلزم من تشبيه بزعمه فقد شبهه بأصحاب الخرس والآفات الممتنع منهم الكلام ومن نزهه عن نزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا ودنوه عشية عرفة من أهل الموقف ومجيئه يوم [القيامة](1\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "176",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11771",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للقضاء بين عباده فرارا من تشبيهه بالأجسام فقد شبهه بالجماد الذى لا يتصرف ولا يفعل ولا يجيء ولا يأتى ولا ينزل ومن نزهه عن أن يفعل لغرض أو حكمة أو لداع إلى الفعل حذرا من تشبيهه بالفاعلين لذلك فقد شبهه بأهل السفه والعبث [الذين] لا يقصدون بأفعالهم غاية محمودة ولا غرضا مطلوبا محبوبا ومن نزهه عن خلق أفعال عباده وتصرفه فيهم بالهداية والإضلال وتخصيص من شاء منهم بفضله أو منعه لمن شاء حذرا من الظلم بزعمه فقد وصفه بأقبح الظلم والجور حيث يخلد فى [أطباق] النيران من استنفد عمره كله فى طاعته إذا فعل قبل الموت كبيرة واحدة فإنها تحبط جميع تلك الطاعات وتجعلها هباء منثورا ويخلد فى جهنم مع الكفار ما لم يتب منها إلى غير ذلك من أصولهم الفاسدة: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم [البقرة: 213] . quot;قاعدةquot;: كمال العبد وصلاحه يتخلف عنه من إحدى جهتين: إما أن تكون طبيعته يابسة قاسية غير لينة منقادة ولا قابلة لما به كمالها وفلاحها وإما أن تكون لينة منقادة سلسة القياد لكنها غير ثابتة على ذلك بل سريعة الانتقال عنه كثيرة التقلب فمتى رزق العبد انقيادا للحق وثباتا عليه فليبشر فقد بشر بكل خير وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. quot;قاعدةquot;: إذا ابتلى الله عبده بشيء من أنواع البلايا والمحن فإن رده ذلك الابتلاء والمحن إلى ربه وجمعه عليه وطرحه ببابه فهو علامة سعادته وإرادة الخير به. والشدة بتراء لا دوام لها وإن طالت فتقلع عنه حين تقلع وقد عوض منها أجل عوض وأفضله وهو رجوعه إلى الله بعد أن كان شاردا عنه وإقباله عليه بعد أن كان نائبا عنه وانطراحه على بابه بعد أن كان معرضا وللوقوف على أبواب غيره متعرضا. وكانت البلية فى حق هذا عين النعمة وإن ساءته وكرهها طبعه ونفرت منها نفسه فربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سببا ما مثله سبب وقوله تعالى فى ذلك هو الشفاء والعصمة: وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون [البقرة: 216]  وإن لم يرده ذلك البلاء(1\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "177",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11772",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليه بل شرد قلبه عنه ورده إلى الخلق وأنساه ذكر ربه والضراعة إليه والتذلل بين يديه والتوبة والرجوع إليه فهو علامة شقاوته وإرادة الشر به فهذا إذا أقلع عنه البلاء رده إلى حكم طبيعته وسلطان شهوته ومرحه وفرحه فجاءت طبيعته القدرة بأنواع الأشر والبطر والإعراض عن شكر المنعم عليه بالسراء كما أعرض عن ذكره والتضرع إليه فى الضراء فبلية هذا وبال عليه وعقوبة ونقص فى حقه وبلية الأول تطهير له ورحمة وتكميل. وبالله التوفيق. quot;قاعدةquot;: فى مشاهد الناس فى المعاصى والذنوب الناس فى البلوى التى تجرى عليهم أحكامها بإرادتهم وشهواتهم متفاوتون- بحسب شهودهم لأسبابها وغايتها- أعظم تفاوت. وجماع ذلك ثمانية مشاهد: أحدها: شهود السبب الموصل إليها والغاية المطلوبة منها فقط. وهو شهود الحيوانات إذ لا تشهد إلا طريق وطرها وبرد النفس بعد تناولها. وهذا الضرب من الناس ليس بينه وبين الحيوان البهيم فى ذلك فرق إلا بدقيق الحيلة فى الوصول إليها وربما زاد غيره من الحيوانات عليه مع تناولها ولذاتها. المشهد الثانى: من يشهد مع ذلك مجرد [الحكم] القدرى وجريانه عليه ولا يجوز شهوده ذلك. وربما رأى أن الحقيقة هو توفية هذا المشهد حقه ولا يتم له ذلك إلا بالفناء عن شهود فعله هو جملة فيشهد الفاعل فيه غيره والمحرك سواه فلا ينسب إلى نفسه فعلا ولا يرى لها إساءة ويزعم أن هذا هو التحقيق والتوحيد وربما زاد على ذلك أنه يشهد نفسه مطيعا من وجه وإن كان عاصيا من وجه آخر فيقول: أنا مطيع للإرادة والمشيئة وإن كنت عاصيا للأمر فإن كان ممن يرى الأمر تلبيسا وضبطا للرعاع عن الخبط والحرمان مع حكم الطبيعة الحيوانية فقد رأى نفسه مطيعا لا عاصيا كما قال قائلهم فى هذا المعنى: أصبحت منفعلا لما يختاره ... منى ففعلى كله طاعات وأصحاب المشهد الأول أقرب إلى السلامة من هؤلاء وخير منهم. وهذا المشهد بعينه هو المشهد الذى يشهده المشركون عباد الأصنام ووقفوا عنده كما قالوا:(1\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "178",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11773",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لو شاء الرحمن ما عبدناهم [الزخرف: 20]  وقالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء [الأنعام: 148]  وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه [يس: 47]  فهذا مشهد من أشرك بالله ورد أمره وهو مشهد إبليس الذى انتهى إليه إذ يقول لربه: رب بما أغويتنى لأزينن لهم فى الأرض ولأغوينهم أجمعين [الحجر: 39]  والله أعلم. المشهد الثالث: مشهد الفعل الكسبى القائم بالعبد فقط ولا يشهد إلا صدوره عنه وقيامه به ولا يشهد مع ذلك مشيئة الرب له ولا جريان حكمه القدرى به ولا عزة الرب فى قضائه ونفوذ أمره بل قد فنى بشهود معصيته بذنبه وقبح ما اجترمه عن شهود المشيئة النافذة والقدر السابق: إما لعدم اتساع قلبه لشهود الأمرين- فقد امتلأ من شهود ذنبه وجرمه وفعله- مع أنه مؤمن بقضاء الرب وقدره وأن العبد أقل قدرا من أن يحدث فى نفسه ما لم يسبق به مشيئة بارئه وخالقه وإما لإنكاره القضاء والقدر جملة وتنزيهه للرب [تعالى] أن يقدر على العبد شيئا ثم يلومه عليه فأما الأول وإن كان مشهده صحيحا موجبا له أن لا يزال لائما لنفسه مزريا عليها ناسبا للذنب والعيب إليها معترفا بأنه يستحق العقوبة والنكال وأن الله سبحانه إن عاقبه فهو العادل فيه وأنه هو الظالم لنفسه وهذا كله حق لا ريب فيه لكن صاحبه ضعيف مغلوب مع نفسه غير معان عليها بل هو معها كالمقهور المخذول فإنه لم يشهد عزة الرب [تعالي] فى قضائه ونفوذ أمره الكونى ومشيئته وأنه لو شاء لعصمه وحفظه وأنه لا معصوم إلا من عصمه ولا محفوظ إلا من حفظه وأنه هو محل لجريان أقضيته وأقداره مسوق إليها فى سلسلة إرادته وشهوته. وأن تلك السلسلة طرفها بيد غيره فهو القادر على سوقه فيها إلى ما فيه صلاحه وفلاحه وإلى ما فيه هلاكه وشقاؤه فهو لغيبته عن هذا المشهد وغلبة شهود المعصية والكسب على قلبه لا يعطى التوحيد حقه ولا الاستعاذة بربه والاستغاثة به والالتجاء إليه والافتقار والتضرع والابتهال حقه بحيث يشهد سر قوله صلى الله عليه وسلم: quot;وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ [بعفوك] من عقوبتك وأعوذ بك منك quot;. فإنه سبحانه رب كل شيء وخالق كل شيء والمستعاذ منه واقع بخلقه ومشيئته ولو شاء لم يكن فالفرار(1\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "179",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11774",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منه إليه والاستعاذة منه به ولا ملجأ منه إلا إليه ولا مهرب منه إلا إليه لا إله إلا هو العزيز الحكيم. منكر القضاء والقدر- فمخذول محجوب عن شهود التوحيد مصدود عن شهود الحكمة الإلهية موكول إلى نفسه [فهو] ممنوع عن شهود عزة الرب فى قضائه وكمال مشيئته ونفوذ حكمه وعن شهود عجزه هو وفقره وأنه لا توفيق له إلا بالله وأنه إن لم يعنه الله فهو مخذول وإن لم يوفقه ويخلق له عزيمة الرشد وفعله فهو عنه ممنوع فحجابه عن الله غليظ فإنه لا حجاب أغلظ من الدعوى ولا طريق إلى الله أقرب من دوام الافتقار إليه. المشهد الرابع: مشهد التوحيد والأمر فيشهد انفراد الرب بالخلق ونفوذ مشيئته وتعلق الموجودات بأسرها به وجريان حكمه على الخليقة وانتهاءها إلى ما سبق لها فى علمه وجرى به قلمه ويشهد ذلك أمره ونهيه وثوابه وعقابه وارتباط الجزاء بالأعمال واقتضاءها له ارتباط المسببات بأسبابها التى جعلت أسبابا مقتضية لها شرعا وقدرا وحكمة فشهوده توحيد الرب [تعالى] وانفراده بالخلق ونفوذ مشيئته وجريان قضائه وقدره يفتح له باب الاستعاذة ودوام الالتجاء إليه والافتقار إليه وذلك يدنيه من عتبة العبودية ويطرحه بالباب فقيرا عاجزا مسكينا لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وشهوده أمره تعالى ونهيه وثوابه وعقابه يوجب له الحمد والتشمير وبذل الوسع والقيام بالأمر والرجوع على نفسه باللوم والاعتراف بالتقصير فيكون سيره بين شهود العزة والحكمة والقدرة الكاملة والعلم السابق والمنة العظيمة وبين شهود التقصير والإساءة منه وتطلب عيوب نفسه وأعمالها. فهذا هو العبد الموفق المعان الملطوف به المصنوع له الذى أقيم مقام العبودية وضمن له التوفيق وهذا هو مشهد الرسل صلوات الله وسلامه عليهم فهو مشهد أبيهم آدم إذ يقول: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [الأعراف: 23]  ومشهد أول الرسل نوح إذ يقول: رب إنى أعوذ بك أن أسألك ما ليس لى به علم وإلا تغفر لى وترحمنى أكن من الخاسرين [هود: 47] ومشهد إمام الحنفاء وشيخ الأنبياء إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إذ يقول: الذى خلقنى فهو يهدين والذى هو(1\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "180",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11775",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يطعمنى ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذى يميتنى ثم يحيين والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين [الشعراء: 78- 82]  وقال فى دعائه: رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام [إبراهيم: 35] . فعلم صلى الله عليه وسلم أن الذى يحول بين العبد وبين الشرك وعبادة الأصنام هو الله لا رب غيره فسأله أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام. وهذا هو مشهد موسى إذ يقول فى خطابه لربه: أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هى إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين [الأعراف: 155]  أى إن ذلك إلا امتحانك واختبارك كما يقال فتنت الذهب إذا امتحنته واختبرته وليس من الفتنة التى هى الفعل المسيء كما فى قوله تعالى: إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات [البروج: 10] وكما فى قوله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة [البقرة: 193] فإن تلك فتنة المخلوق فإن موسى أعلم بالله [تعالى] بأن يضيف إليه هذه الفتنة وإنما هى كالفتنة فى قوله: وفتناك فتونا [طه: 40]  أى ابتليناك واختبرناك وصرفناك فى الأحوال التى قصها الله [سبحانه] علينا من لدن ولادته إلى وقت خطابه له وإنزاله عليه كتابه. والمقصود أن موسى شهد توحيد الرب وانفراده بالخلق والحكم وفعل السفهاء ومباشرتهم الشرك فتضرع إليه بعزته وسلطانه وأضاف الذنب إلى فاعله [وجانيه]  ومن هذا قوله: رب إنى ظلمت نفسى فاغفر لى [القصص:16]  قال تعالى: فغفر له إنه هو الغفور الرحيم وهذا مشهد ذى النون إذ يقول: لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين [الأنبياء: 87]  فوحد ربه ونزهه عن كل عيب وأضاف الظلم إلى نفسه وهذا مشهد صاحب سيد الاستغفار إذ يقول فى دعائه: quot;اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت خلقتنى وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبى فاغفر لى إنه لا يغفر الذنوب إلا أنتquot;. فأقر بتوحيد الربوبية المتضمن لانفراده سبحانه بالخلق وعموم المشيئة ونفوذها وتوحيد الإلهية المتضمن لمحبته وعبادته وحده لا شريك له والاعتراف بالعبودية المتضمن للافتقار من جميع(1\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "181",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11776",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجوه إليه سبحانه ثم قال: quot;وأنا على عهدك ووعدكquot; فتضمن ذلك التزام شرعه وأمره ودينه وهو عهده الذى عهد إلى عباده وتصديق وعده وهو جزاؤه وثوابه فتضمن التزام الأمر والتصديق بالموعود وهو الإيمان والاحتساب ثم لما علم أن العبد لا يوفى هذا المقام حقه الذى يصلح له تعالى علق ذلك باستطاعته وقدرته التى لا يتعداها فقال: quot;ما استطعتquot; أى ألتزم ذلك بحسب استطاعتى وقدرتى. ثم شهد المشهدين المذكورين- وهما مشهد القدرة والقوة ومشهد التقصير من نفسه- فقال:- quot;أعوذ بك من شر ما صنعتquot; فهذه الكلمة تضمنت المشهدين معا ثم أضاف النعم كلها إلى وليها وأهلها والمبتديء بها والذنب إلى نفسه وعمله فقال: quot;أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبىquot; فأنت المحمود والمشكور الذى له الثناء كله والإحسان كله ومنه النعم كلها. فلك الحمد كله ولك الثناء كله ولك الفضل كله وأنا المذنب المسيء المعترف بذنبه المقر بخطئه كما قال بعض العارفين: العارف يسير بين مشاهدة المنة من الله ومطالعة عيب النفس والعمل. فشهود المنة يوجب له المحبة لربه سبحانه وحمده والثناء عليه ومطالعة عيب النفس والعمل يوجب استغفاره ودوام توبته وتضرعه واستكانته لربه سبحانه ثم لما قام هذا بقلب الداعى وتوسل إليه بهذه الوسائل قال: quot;فاغفر لى فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنتquot;. ثم أصحاب هذا المشهد فيه قسمان: أحدهما من يشهد تسليط عدوه عليه وفساده إياه وسلسلة الهوى وكبحه إياه بلجام الشهوة فهو أسير معه بحيث يسوقه إلى ضرب عنقه وهو مع ذلك ملتفت إلى ربه وناصره ووليه عالم بأن نجاته فى يديه وناصيته بين يديه وأنه لو شاء طرده عنه وخلصه من يديه فكلما قاده عدوه وكبحه بلجامه أكثر الالتفات إلى وليه وناصره والتضرع إليه والتذلل بين يديه وكلما أراد اغترابه وبعده عن بابه تذكر عطفه وبره وإحسانه وجوده وكرمه وغناه وقدرته ورأفته ورحمته فانجذبت دواعى قلبه هاربة إليه بتراميه على بابه منطرحة على فنائه كعبد قد شدت يداه إلى عنقه وقدم لتضرب عنقه وقد استسلم للقتل فنظر إلى سيده أمامه وتذكر عطفه ورأفته به ووجد فرجة فوثب إليه منها وثبة طرح نفسه بين يديه ومد له عنقه وقال:(1\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "182",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11777",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنا عبدك ومسكينك وهذه ناصيتى بين يديك ولا خلاص لى من هذا العدو إلا بك وإنى مغلوب فانتصر. فهذا مشهد عظيم المنفعة جليل الفائدة تحته من أسرار العبودية ما لا يناله الوصف وفوقه مشهد أجل منه وأعظم وأخص تجفو عنه العبارة وإن الإشارة إليه بعض الإشارة وتقريبه إلى الفهم بضرب مثل تعبر منه إليه وذلك مثل عبد أخذه سيده بيده وقدمه ليضرب عنقه بيده فهو قد أحكم ربطه وشد عينيه وقد أيقن العبد أنه فى قبضته وأنه هو قاتله لا غيره وقد علم مع ذلك بره به ولطفه ورحمته ورأفته وجوده وكرمه فهو يناشده بأوصافه ويدخل عليه به قد ذهب عن وهمه وشهوده كل نسب فانقطع تعلقه بشيء سواه فهو معرض عن عدوه الذى كان سبب غضب سيده عليه قد محا شهوده من قلبه فهو مقصور النظر إلى سيده وكونه فى قبضته ناظر إلى ما يصنعه منتظر منه ما يقتضيه عطفه وبره وكرمه. ومثل الأول مثل عبد أمسكه عدوه وهو يخنقه للموت وذلك العبد يشهد دنو عدوه له ويستغيث بسيده وسيده يغيثه ويرحمه ولكن ما يحصل للثانى فى مشهده ذلك من الأمور العجيبة فوق ما يحصل للأول وهو بمنزلة من قد أخذه محبوبه فهو يخنقه خنقة وهو لا يشهد إلا خنقه له فهو يقول: اخنق خنقك فأنت تعلم أن قلبى يحبك. وفى هذا المثل إشارة وكفاية ومن غلظ حجابه وكتفت طباعه لا ينفعه التصريح فضلا عن ضرب الأمثال. والله المستعان وعليه التكلان ولا قوة إلا بالله. فهذه ستة مشاهد. المشهد السابع: مشهد الحكمة وهو أن يشهد حكمة الله فى تخليته بينه وبين الذنب وإقداره عليه وتهيئتة أسبابه له وأنه لو شاء لعصمه وحال بينه وبينه ولكنه خلى بينه وبينه لحكم عظيمة لا يعلم مجموعها إلا الله: أحدها: أنه يحب التوابين ويفرح بتوبتهم فلمحبته للتوبة وفرحه بها قضى على عبده بالذنب ثم إذا كان ممن سبقت له العناية قضى له بالتوبة. الثانى: تعريف العبد عزة الله سبحانه فى قضائه ونفوذ مشيئته وجريان حكمه. الثالث: تعريفه حاجته إلى حفظه وصيانته وأنه إن لم يحفظه ويصنه فهو هالك ولا بد والشياطين قد مدت أيديها إليه تمزقه كل ممزق. الرابع: استجلابه من العبد استعانته به واستعاذته به من عدوه وشر نفسه ودعائه والتضرع إليه والابتهال(1\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "183",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11778",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بين يديه. الخامس: إرادته من عبده تكميل مقام الذل والانكسار فإنه متى شهد صلاحه واستقامته شمخ بأنفه وظن أنه وأنه.. فإذا ابتلاه بالذنب تصاغرت عنده نفسه وذل وتيقن وتمنى أنه وأنه. السادس: تعريفه بحقيقة نفسه وأنها الخطائة الجاهلة وأن كل ما فيها من علم أو عمل أو خير فمن الله من به عليه لا من نفسه. السابع: تعريفه عبده سعة حلمه وكرمه فى ستره عليه فإنه لو شاء لعاجله على الذنب ولهتكه بين عباده فلم يصف له معهم عيش. الثامن: تعريفه أنه لا طريق إلى النجاة إلا بعفوه ومغفرته. التاسع: تعريفه كرمه فى قبول توبته ومعرفته له على ظلمه وإساءته. العاشر: إقامة الحجة على عبده فإن له عليه الحجة البالغة فإن عذبته فبعدله وببعض حقه عليه بل اليسير منه. الحادى عشر: أن يعامل عباده فى إساءتهم إليه وزلاتهم معه بما يجب أن يعامله الله به فإن الجزاء من جنس العمل فيعمل فى ذنوب الخلق معه ما يحب أن يصنعه الله بذنوبه. الثانى عشر: أن يقيم معاذير الخلائق وتتسع رحمته لهم مع إقامة أمره الله فيهم فيقيم أمر فيهم رحمة لهم لا قسوة وفظاظة عليهم. الثالث عشر: أن يخلع صولة الطاعة والإحسان من قلبه فتتبدل برقة ورأفة ورحمة. الرابع عشر: أن يعريه من رداء العجب بعمله كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: quot;لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أشد منه العجبquot; أو كما قال. الخامس عشر: أن يعريه من لباس الإدلال الذى يصلح للملوك ويلبسه لباس الذل الذى لا يليق بالعبد سواه. السادس عشر: أن يستخرج من قلبه عبوديته بالخوف والخشية وتوابعهما من البكاء والإشفاق والندم. السابع عشر: أن يعرف مقداره مع معافاته وفضله فى توفيقه وعصمته فإن من تربى فى العافية لا يعرف ما يقاسيه المبتلى ولا يعرف مقدار العافية. الثامن عشر: أن يستخرج منه محبته وشكره لربه إذا تاب إليه ورجع إليه فإن الله يحبه ويوجب له بهذه التوبة مزيد محبة وشكر ورضا لا يحصل بدون التوبة وإن كان يحصل توبة بغيرها من الطاعات أثر آخر لكن هذا الأثر الخاص لا يحصل إلا بالتوبة. التاسع عشر: أنه إذا شهد إساءته وظلمه واستكثر القليل من نعمة الله لعلمه بأن الواصل إليه منها كثير على مسيء مثله فاستقل الكثير من عمله لعلمه بأن الذى يصلح له أن يغسل به نجاسته وذنوبه أضعاف أضعاف ما يفعله فهو دائما مستقل لعلمه كائنا ما كان ولو لم يكن فى فوائد الذنب وحكمه إلا هذا وحده لكان كافيا. العشرون: أنه يوجب له التيقظ(1\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "184",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11779",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحذر من مصايد العدو ومكايده ويعرفه من أين يدخل عليه وبماذا يحذر منه كالطبيب الذى ذاق المرض والدواء. الثانى والعشرون: أنه يرفع عنه حجاب الدعوى ويفتح له طريق الفاقة فإنه لا حجاب أغلظ من الدعوى ولا طريق أقرب من العبودية فإن دوام الفقر إلى الله مع التخليط خير من الصفاء مع العجب. الثالث والعشرون: أن تكون فى القلب أمراض مزمنة لا يشعر بها فيطلب دواءها فيمن عليه اللطيف الخبير ويقضى عليه بذنب ظاهر فيجد ألم مرضه فيحتمى ويشرب الدواء النافع فتزول تلك الأمراض التى لم يكن يشعر بها ومن لم يشعر بهذه اللطيفة فغلظ حجابه كما قيل: لعل عتبك محمود عواقبه وربما صحت الأجسام بالعلل الرابع والعشرون: أن يذيقه ألم الحجاب والبعد بارتكاب الذنب ليكمل له نعمته أو فرحه وسروره إذا أقبل بقلبه إليه وجمعه عليه وأقامه فى طاعته فيكون التذاذه فى ذلك- بعد أن صدر منه ما صدر- بمنزلة التذاذ الظمآن بالماء العذب الزلال والشديد الخوف بالأمن والمحب الطويل الهجر بوصل محبوبه. وإن لطف الرب وبره وإحسانه ليبلغ بعبده أكثر من هذا فيا بؤس من أعرض عن معرفة ربه ومحبته. الخامس والعشرون: امتحان العبد واختباره هل يصلح لعبوديته وولايته أم لا فإنه إذا وقع الذنب سلب حلاوة الطاعة والقرب ووقع فى الوحشة. فإن كان ممن يصلح اشتاقت نفسه إلى لذة تلك المعاملة فحنت وأنت وتضرعت واستعانت بربها ليردها إلى ما عودها من بره ولطفه وإن ركنت عنها واستمر إعراضها ولم تحن إلى تعهدها الأول ومألفها ولم تحس بضرورتها وفاقتها الشديدة إلى مراجعة قربها من ربها علم أنها لا تصلح لله وقد جاء هذا بعينه فى أثر إلهى لا أحفظه. السادس والعشرون: أن الحكمة الإلهية اقتضت تركيب الشهوة والغضب فى الإنسان أو بعضها ولو لم يخلق فيه هذه الدواعى لم يكن إنسانا بل ملكا فالذنب من موجبات البشرية كما أن النسيان من موجباتها كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: quot;كل بنى آدم خطاء وخير الخطائين التوابونquot; ولا يتم الابتلاء والاختبار إلا بذلك. والله أعلم. السابع والعشرون: أن ينسيه رؤية(1\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "185",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11780",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طاعته ويشغله برؤية ذنبه فلا يزال نصب عينيه فإن الله إذا أراد بعبد خيرا سلب رؤية أعماله الحسنة من قلبه والإخبار بها من لسانه وشغله برؤية ذنبه فلا يزال نصب عينيه حتى يدخل الجنة فإن ما تقبل من الأعمال رفع من القلب رؤيته ومن اللسان ذكره. وقال بعض السلف: إن العبد ليعمل الخطيئة فيدخل بها الجنة ويعمل الحسنة فيدخل بها النار قالوا: كيف قال: يعمل الخطيئة فلا تزال نصب عينيه إذا ذكرها ندم واستقال وتضرع إلى الله وبادر إلى محوها وانكسر وذل لربه وزال عنه عجبه وكبره ويعمل الحسنة فلا تزال نصب عينيه يراها ويمن بها ويعتد بها ويتكبر بها حتى يدخل النار. الثامن والعشرون: أن شهود ذنبه وخطيئته يوجب له أن لا يرى له على أحد فضلا ولا له على أحد حقا. فإنه إذا شهد عيب نفسه بفاحشة وخطأها وذنوبها لا يظن أنه خير من مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر وإذا شهد ذلك من نفسه لم ير لها على الناس حقوقا من الإكرام يتقاضاهم إياها ويذمهم على ترك القيام بها فإنها عنده أخس قدرا وأقل قيمة من أن يكون لها على عباد الله حقوق يجب مراعاتها أو لها عليهم فضل يستحق أن يلزموه لأجله فيرى أن من سلم عليه أو لقيه بوجه منبسط قد أحسن إليه وبذل له ما لا يستحقه فاستراح فى نفسه واستراح الناس من عتبه وشكايته فما أطيب عيشه وما أنعم باله وما أقر عينه وأين هذا ممن لا يزال عاتبا على الخلق شاكيا ترك قيامهم بحقه ساخطا عليهم وهم عليه أسخط فسبحان ذى الحكمة الباهرة التى بهرت عقول العالمين. التاسع والعشرون: أنه يوجب له الإمساك عن عيوب الناس والفكر فيها فإنه فى شغل بعيبه ونفسه وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس وويل لمن نسى عيبه وتفرغ لعيوب الناس فالأول علامة السعادة والثانى علامة الشقاوة. الثلاثون: أنه يوجب له الإحسان إلى الناس والاستغفار لإخوانه الخاطئين من المؤمنين فيصير هجيراه: رب اغفر لى ولوالدى وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات فإنه يشهد أن إخوانه الخاطئين يصابون بمثل ما أصيب به ويحتاجون إلى مثل ما هو محتاج إليه فكما يحب أن يستغفر له أخوه المسلم يحب أن يستغفر هو لأخيه المسلم وقد قال بعض السلف: إن الله لما عتب على الملائكة فى قولهم: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء [البقرة: 30]  وامتحن هاروت وماروت جعلت الملائكة بعد ذلك تستغفر لبنى آدم ويدعون الله لهم. الحادى والثلاثون: أنه يوجب(1\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "186",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11781",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له سعة إبطائه وحلمه ومغفرته لمن أساء إليه فإنه إذا شهد نفسه مع وبه سبحانه مسيئا خاطئا مذنبا- مع فرط إحسانه إليه وبره وشدة حاجته إلى ربه وعدم استغنائه عنه طرفة عين وهذا حاله مع ربه- فكيف يطمع أن يستقيم له الخلق ويعاملوه بمحض الإحسان وهو لم يعامل ربه بتلك المعاملة وكيف يطمع أن يطيعه مملوكه وولده وزوجته فى كل ما يريد وهو مع ربه ليس كذلك وهذا يوجب أن يغفر لهم ويسامحهم ويعفو عنهم ويغضى عن الاستقصاء فى طلب حقه قبلهم. قاعدة: كثيرا ما يتكرر فى القرآن ذكر الإنابة والأمر بها كقوله تعالى: وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له [الزمر: 54]  وقوله حكاية عن شعيب أنه قال: وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب [هود: 88]  وقوله: تبصرة وذكرى لكل عبد منيب [سورة ق: 8]  وقوله: إن الله يضل من يشاء ويهدى إليه من أناب [الرعد: 27]  وقوله عن نبيه داود: وخر راكعا وأناب [سورة ص: 24]  والإنابة الرجوع إلى الله وانصراف دواعى القلب وجواذبه إليه وهى تتضمن المحبة والخشية فإن المنيب محب لمن أناب إليه خاضع له خاشع ذليل. والناس فى إنابتهم على درجات متفاوتة فمنهم المنيب إلى الله بالرجوع إليه من المخالفات والمعاصى وهذه الإنابة مصدرها مطالعة الوعيد والحامل عليها العلم والخشية والحذر ومنهم المنيب إليه بالدخول فى أنواع العبادات والقربات فهو ساع فيها بجهده وقد حبب إليه فعل الطاعات وأنواع القربات وهذه الإنابة مصدرها الرجاء ومطالعة الوعد والثواب ومحبة الكرامة من الله وهؤلاء أبسط نفوسا من أهل القسم الأول وأشرح صدورا وجانب الرجاء ومطالعة الرحمة والمنة أغلب عليهم وإلا فكل واحد من الفريقين منيب بالأمرين جميعا ولكن خوف هؤلاء اندرج فى رجائهم فأنابوا بالعبادات ورجاء الأولين اندرج تحت خوفهم فكانت إنابتهم بترك المخالفات ومنهم المنيب إلى الله بالتضرع والدعاء والافتقار إليه والرغبة وسؤال الحاجات كلها منه. ومصدر هذه الإنابة شهود الفضل والمنة والغنى والكرم والقدرة فأنزلوا به حوائجهم وعلقوا به آمالهم فإنابتهم إليه من هذه الجهة مع قيامهم بالأمر والنهى ولكن إنابتهم الخاصة إنما هى من هذه الجهة وأما الأعمال فلم يرزقوا فيها الإنابة الخاصة وأملهم المنيب إليه عند الشدائد والضراء فقط إنابة اضطرار(1\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "187",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11782",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا إنابة اختيار كحال الذين قال الله فى حقهم: وإذا مسكم الضر فى البحر ضل من تدعون إلا إياه [الإسراء: 67]  وقوله تعالى: فإذا ركبوا فى الفلك دعوا الله مخلصين له الدين [العنكبوت: 65]  وهؤلاء كلهم قد تكون نفس أرواحهم ملتفتة عن الله سبحانه معرضة عنه إلى مألوف طبيعى نفسانى قد حال بينها وبين إنابتها بذاتها إلى معبودها وإلهها الحق فهى ملتفتة إلى غيره ولها إليه إنابة ما بحسب إيمانها به ومعرفتها له فأعلى أنواع الإنابة إنابة الروح بجملتها إليه لشدة المحبة الخالصة الغنية لهم عما سوى محبوبهم ومعبودهم وحين أنابت إليه أرواحهم لم يختلف منهم شيء عن الإنابة فإن الأعضاء كلها رعيتها وملكها تبع للروح فلما أنابت الروح بذاتها إليه إنابة محب صادق المحبة ليس فيه عرق ولا مفصل إلا وفيه حب ساكن لمحبوبه أنابت جميع القوى والجوارح: فأناب القلب أيضا بالمحبة والتضرع والذل والانكسار. وأناب العقل بانفعاله لأوامر المحبوب ونواهيه وتسليمه لها وتحكيمه إياها دون غيرها فلم يبق فيه منازعة شبهة معترضة دونها وأنابت النفس بالانقياد والانخلاع عن العوائد النفسانية والأخلاق الذميمة والإرادات الفاسدة وانقادت لللأمر خاضعة له وداعية فيه مؤثرة إياه على غيره فلم يبق فيها منازعة شهوة تعترضها دون الأمر وخرجت عن تدبيرها واختيارها تفويضا إلى مولاها ورضى بقضائه وتسليما لحكمه. وقد قيل: إن تدبير العبد لنفسه هو آخر الصفات المذمومة فى النفس. وأناب الجسد بالأعمال والقيام بها فرضها وسننها على أكمل الوجوه. وأنابت كل جارحة وعضو إنابتها الخاصة فلم يبق من هذا العبد المنيب عرق ولا مفصل إلا وله إنابة ورجوع إلى الحبيب الحق الذى كل محبة سوى محبته عذاب على صاحبها وإن كانت عذبة فى مباديها فإنها عذاب فى عواقبها فإنابة العبد ولو ساعة من عمره هذه الإنابة الخالصة أنفع له وأعظم ثمرة من إنابة سنين كثيرة من غيره فأين إنابة هذا من إنابة من قبله وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء بل هذه روحه منيبة أبدا وإن توارى عنه شهود إنابتها باشتغال فهى كامنة فيها كمون النار فى الزناد. وأما أصحاب الإنابات المتقدمة فإن أناب أحدهم ساعة بالدعاء والذكر والابتهال فلنفسه وروحه وقلبه وعقله التفاتات عمن قد أناب إليه فهو ينيب ببعضه ساعة ثم يترك ذلك مقبلا على دواعى نفسه وطبعه. والله الموفق المعين لا رب(1\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "188",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11783",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غيره ولا إله سواه. قاعدة: فى ذكر طريق يوصل إلى الاستقامة فى الأحوال والأقوال والأعمال وهى شيئان: أحدهما: حراسة الخواطر وحفظها والحذر من إهمالها والاسترسال معها فإن أصل الفساد كله من قبلها يجيء لأنها هى بذر الشيطان والنفس فى أرض القلب فإذا تمكن بذرها تعاهدها الشيطان بسقيه مرة بعد أخرى حتى تصير إرادات ثم يسقيها حتى تكون عزائم ثم لا يزال بها حتى تثمر الأعمال ولا ريب أن دفع الخواطر أيسر من دفع الإرادات والعزائم فيجد العبد نفسه عاجزا أو كالعاجز عن دفعها بعد أن صارت إرادة جازمة وهو المفرط إذا لم يدفعها وهى خاطر ضعيف كمن تهاون بشرارة من نار وقعت فى حطب يابس فلما تمكنت منه عجز عن إطفائها فإن قلت: فما الطريق إلى حفظ الخواطر قلت: أسباب عدة: أحدها: العلم الجازم باطلاع الرب تعالى ونظره إلى قلبك وعلمه بتفصيل خواطرك. الثانى: حياؤك منه. الثالث: إجلالك له أن يرى مثل تلك الخواطر فى بيته الذى خلقه لمعرفته ومحبته. الرابع: خوفك منه أن تسقط من عينه بتلك الخواطر. الخامس: إيثارك له أن تساكن قلبك غير محبته. السادس: خشيتك أن تتولد تلك الخواطر يستعر شرارها فتأكل ما فى القلب من الإيمان ومحبة الله فتذهب به جملة وأنت لا تشعر. السابع: أن تعلم أن تلك الخواطر بمنزلة الحب الذى يلقى للطائر ليصاد به فاعلم أن كل خاطر منها فهو حبة فى فخ منصوب لصيدك وأنت لا تشعر. الثامن: أن تعلم أن تلك الخواطر الرديئة لا تجتمع هى وخواطر الإيمان ودواعى المحبة والإنابة أصلا بل هى ضدها من كل وجه وما اجتمعا فى قلب إلا وغلب أحدهما صاحبه وأخرجه واستوطن مكانه فما الظن بقلب غلبت خواطر النفس والشيطان فيه خواطر الإيمان والمعرفة والمحبة فأخرجتها واستوطنت مكانها لكن لو كان للقلب حياة لشعر بألم ذلك وأحس بمصابه. التاسع: أن يعلم أن تلك الخواطر بحر من بحور الخيال لا ساحل له فإذا دخل القلب فى غمراته غرق فيه وتاه فى ظلماته فيطلب الخلاص منه فلا يجد إليه سبيلا فقلب تملكه الخواطر بعيد من الفلاح معذب مشغول بما لا يفيد. العاشر: أن تلك الخواطر هى وادى الحمقى وأمانى الجاهلين فلا تثمر لصاحبها إلا الندامة(1\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "189",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11784",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والخزى وإذا غلبت على القلب أورثته الوساوس وعزلته عن سلطانها وأفسدت عليه رعيته وألقته فى الأسر الطويل كما أن هذا معلوم فى الخواطر النفسانية فهكذا الخواطر الإيمانية الرحمانية هى أصل الخير كله فإن أرض القلب إذا بذر فيها خواطر الإيمان والخشية والمحبة والإنابة والتصديق بالوعد ورجاء الثواب وسقيت مرة بعد مرة وتعاهدها صاحبها بحفظها ومراعاتها والقيام عليها أثمرت له كل فعل جميل وملأت قلبه من الخيرات واستعملت جوارحه فى الطاعات واستقر بها الملك فى سلطانه واستقامت له رعيته ولهذا لما تحققت طائفة من السالكين ذلك عملت على حفظ الخواطر وكان ذلك هو سيرها وجل عملها وهذا نافع لصاحبه بشرطين: أحدهما: أن لا يترك به واجبا ولا سنة الثانى: أن لا يجعل مجرد حفظها هو المقصود بل لا يتم ذلك إلا بأن يجعل موضعها خواطر الإيمان والمحبة والإنابة والتوكل والخشية فيفرغ قلبه من تلك الخواطر ويعمره بأضدادها وإلا فمتى عمل على تفريغه منها معا كان خاسرا فلا بد من التفطن لهذا. ومن هنا غلط أقوام من أرباب السلوك وعملوا على إلقاء الخواطر وإزالتها جملة فبذر فيها الشيطان أنواع الشبه والخيالات فظنوها تحقيقا وفتحا رحمانيا وهم فيها غالطون وإنما هى خيالات وفتوحات شيطانية والميزان هو الكتاب الناطق والفطرة السليمة والعقل المؤيد بنور النبوة. والله المستعان. الفصل الثاني صدق التأهب للقاء الله من أنفع ما للعبد وأبلغه فى حصول استقامته فإن من استعد للقاء الله انقطع قلبه عن الدنيا وما فيها ومطالبها وحمدت من نفسه نيران الشهوات وأخبت قلبه إلى ربه تعالى وعكفت همته على الله وعلى محبته وإيثار مرضاته واستحدثت همة أخرى وعلوما أخر وولد ولادة أخرى تكون نسبة قلبه فيها إلى الدار الآخرة كنسبة جسمه إلى هذه الدار بعد أن كان فى بطن أمه فيولد قلبه ولادة حقيقية كما ولد جسمه حقيقة وكما كان بطن أمه حجابا لجسمه عن هذه الدار فهكذا نفسه وهواه حجاب لقلبه عن الدار الآخرة فخروج قلبه عن نفسه بارزا إلى الدار الآخرة كخروج جسمه عن بطن أمه بارزا إلى هذه الدار وهذا معنى ما يذكر عن المسيح أنه قال: quot;يا بنى إسرائيل إنكم لن تلجوا ملكوت السماء حتى تولدوا مرتينquot; ولما كان أكثر الناس لم يولدوا هذه الولادة الثانية ولا تصوروها- فضلا عن أن(1\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "190",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11785",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يصدقوا بها- فيقول القائل: كيف يولد الرجل الكبير أم كيف يولد القلب لم يكن لهم إليها همة ولا عزيمة إذ كيف يعزم على الشيء من لا يعرفه ولا يصدقه ولكن إذا كشف حجاب الغفلة عن القلب صدق بذلك وعلم أنه لم يولد قلبه بعد والمقصود أن صدق التأهب للقاء الله هو مفتاح جميع الأعمال الصالحة والأحوال الإيمانية ومقامات السالكين إلى الله ومنازل السائرين إليه من اليقظة والتوبة والإنابة والمحبة والرجاء والخشية والتفويض والتسليم وسائر أعمال القلوب والجوارح فمفتاح ذلك كله صدق التأهب والاستعداد للقاء الله والمفتاح بيد الفتاح العليم لا إله غيره ولا رب سواه. قاعدة شريفة: الناس قسمان: علية وسفلة. فالعلية من عرف الطريق إلى ربه وسلكها قاصدا الوصول إليه وهذا هو الكريم على ربه. والسفلة من لم يعرف الطريق إلى ربه ولم يتعرفها فهذا هو اللئيم الذى قال الله تعالى فيه: ومن يهن الله فما له من مكرم [الحج: 18] . والطريق إلى الله فى الحقيقة واحد لا تعدد فيه وهو صراطه المستقيم الذى نصبه موصلا لمن سلكه إليه قال الله تعالى: وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل [الأنعام: 153]  فوحد سبيله لأنه فى نفسه واحد لا تعدد فيه وجمع السبل المخالفة لأنها كثيرة متعددة كما ثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم خط خطا ثم قال: quot;هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه وعن يساره ثم قال: هذا سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ: وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله [الأنعام:153] quot; ومن هذا قوله تعالى: الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات [البقرة: 257]  فوجد النور الذى هو سبيله وجميع الظلمات التى هى سبيل الشيطان. ومن فهم هذا فهم السر فى إفراد النور وجمع الظلمات فى قوله تعالى: الحمد لله الذى خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور [الأنعام:1] مع أن فيه سرا ألطف من هذا يعرفه من يعرف منبع النور ومن أين فاض وعماذا حصل وأن أصله كله واحد وأما الظلمات فهى متعددة بتعدد الحجب المقتضية لها وهى كثيرة جدا لكل حجاب ظلمة خاصة ولا ترجع الظلمات إلى النور الهادى جل جلاله أصلا(1\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "191",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11786",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا وصفا ولا ذاتا ولا اسما ولا فعلا وإنما ترجع إلى مفعولاته سبحانه فهو جاعل الظلمات ومفعولاتها متعددة متكثرة بخلاف النور فإنه يرجع إلى اسمه وصفته جل جلاله تعالى أن يكون كمثله شيء وهو نور السموات والأرض. قال ابن مسعود: ليس عند ربكم ليل ولا نهار نور السموات والأرض من نور وجهه ذكره الدارمى عنه. وفى صحيح مسلم عن أبى ذر قلت: يا رسول الله هل رأيت ربك قال: نور أنى أراه. والمقصود أن الطريق إلى الله تعالى واحد فإنه الحق المبين والحق واحد مرجعه إلى واحد. وأما الباطل والضلال فلا ينحصر بل كل ما سواه باطل وكل طريق إلى الباطل فهو باطل فالباطل متعدد وطرقه متعددة. وأما ما يقع فى كلام بعض العلماء أن الطريق إلى الله متعددة متنوعة جعلها الله كذلك لتنوع الاستعدادات واختلافها رحمة منه وفضلا فهو صحيح لا ينافى ما ذكرناه من وحدة الطريق. وكشف ذلك وإيضاحه أن الطريق وهى واحدة جامعة لكل ما يرضى الله وما يرضيه متعدد متنوع فجميع ما يرضيه طريق واحد ومراضيه متعددة متنوعة بحسب الأزمان والأماكن والأشخاص والأحوال وكلها طرق مرضاته فهذه التى جعلها الله سبحانه لرحمته وحكمته كثيرة متنوعة جدا لاختلاف استعدادات العباد وقوابلهم ولو جعلها نوعا واحدا مع اختلاف الأذهان والعقول وقوة الاستعدادات وضعفها لم يسلكها إلا واحد بعد واحد ولكن لما اختلفت الاستعدادات تنوعت الطرق ليسلك كل امريء إلى ربه طريقا يقتضيها استعداده وقوته وقبوله. ومن هنا يعلم تنوع الشرائع واختلافها مع رجوعها كلها إلى دين واحد بل تنوع الشريعة الواحدة مع وحدة المعبود ودينه ومنه الحديث المشهور: quot; الأنبياء أولاد علات دينهم واحدquot; فأولاد العلات أن يكون الأب واحدا والأمهات متعددة فشبه دين الأنبياء بالأب الواحد وشرائعهم بالأمهات المتعددة فإنها وإن تعددت فمرجعها كلها إلى أب واحد. وإذا علم هذا فمن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الذى يعد سلوكه إلى الله طريق العلم والتعليم قد وفر عليه زمانه مبتغيا به وجه الله فلا يزال كذلك عاكفا على طريق العلم والتعليم حتى يصل من تلك الطريق إلى الله ويفتح له فيها الفتح الخاص أو يموت فى طريق طلبه فيرجى له الوصول إلى مطلبه بعد مماته. قال تعالى: ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع(1\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "192",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11787",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أجره على الله [النساء: 100] . وقد حكى عن جماعة كثيرة ممن أدركه الأجل وهو حريص طالب للقرآن أنه رؤى بعد موته وأخبره أنه فى تكميل مطلوبه وأنه يتعلم فى البرزخ فإن العبد يموت على ما عاش عليه. ومن الناس من يكون سيد عمله الذكر وقد جعله زاده لمعاده ورأس ماله لمآله فمتى فتر عنه أو قصر رأى أنه قد غبن وخسر ومن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الصلاة فمتى قصر فى ورده منها أو مضى عليه وقت وهو غير مشغول بها أو مستعد لها أظلم عليه وقته وضاق صدره. ومن الناس من يكون طريقه الإحسان والنفع المتعدى كقضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وأنواع الصدقات قد فتح له فى هذا وسلك منه طريقا إلى ربه. ومن الناس من يكون طريقه تلاوة القرآن وهى الغالب على أوقاته وهى أعظم أورداه. ومن الناس من يكون طريقه الصوم فهو متى أفطر تغير عليه قلبه وساءت حاله. ومنهم يكون طريقه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر قد فتح الله له فيه ونفذ منه إلى ربه ومنهم من يكون طريقه الذى نفذ فيه الحج والاعتمار. ومنهم من يكون طريقه قطع العلائق وتجريد الهمة ودوام المراقبة ومراعاة الخواطر وحفظ الأوقات أن تذهب ضائعة. ومنهم من جامع المنفذ السالك إلى الله فى كل واد الواصل إليه من كل طريق فهو جعل وظائف عبوديته قبلة قلبه ونصب عينه يؤمها أين كانت ويسير معها حيث سارت قد ضرب من كل فريق بسهم فأين كانت العبودية وجدته هناك: إن كان علم وجدته مع أهله أو جهاد وجدته فى صف المجاهدين أو صلاة وجدته فى القانتين أو ذكر وجدته فى الذاكرين أو إحسان ونفع وجدته فى زمرة المحسنين أو ومراقبة ومحبه وإنابة إلى الله وجدته فى زمرة المحبين المنيبين يدين بدين العبودية أنى استقلت ركائبها ويتوجه إليها حيث استقرت مضاربها لو قيل له: ما تريد من الأعمال لقال: أريد أن أنفذ أوامر ربى حيث كانت وأين كانت جالبة ما جلبت مقتضية ما اقتضت جمعيتين أو فرقتين أو فرقتنى ليس لى مراد إلا تنفيذها والقيام بأدائها مراقبا له فيها عاكفا عليه بالروح والقلب والبدن والسر قد سلمت إليه المبيع منتظرا منه تسليم الثمن: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة [التوبة: 111]  فهذا هو العبد السالك إلى ربه النافذ إليه حقيقة ومعنى النفوذ إليه أن يتصل به قلبه ويعلق به تعلق المحب التام المحبه بمحبوبه فيسلو به عن جميع(1\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "193",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11788",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المطالب سواه فلا يبقى فى قلبه إلا محبة الله وأمره وطلب التقريب إليه. فإذا سلك العبد على هذا الطريق عطف عليه ربه فقربه واصطفاه وأخذ بقلبه إليه وتولاه فى جميع أموره فى معاشه ودينه وتولى تربيته أحسن وأبلغ مما يربى الوالد الشفيق ولده فإنه سبحانه القيوم المقيم لكل شيء من المخلوقات طائعها وعاصيها فكيف تكون قيوميته بمن أحبه وتولاه وآثره على ما سواه ورضى به من الناس حبيبا وربا ووكيلا وناصرا ومعينا وهاديا فلو كشف الغطاء عن ألطافه وبره وصنعه له من حيث يعلم ومن حيث لا يعلم لذاب قلبه حبا له وشوقا إليه ويقع شكرا له ولكن حجب القلوب عن مشاهدة ذلك إخلادها إلى عالم الشهوات والتعلق بالأسباب فصدت عن كمال نعيمها وذلك تقدير العزيز العليم. وإلا فأى قلب يذوق حلاوة معرفة الله ومحبته ثم يركن إلى غيره ويسكن إلى ما سواه هذا ما لا يكون أبدا ومن ذاق شيئا من ذلك وعرف طريقا موصلة إلى الله ثم تركها وأقبل على إرادته وراحاته وشهواته ولذاته وقع فى آثار المعاطب وأودع قلبه سجون المضايق وعذب فى حياته عذابا لم يعذبه أحد من العالمين فحياته عجز وغم وحزن وموته كدر وحسرة ومعاده أسف وندامة قد فرط عليه أمره وشتت عليه شمله وأحضرت نفسه الغموم والأحزان فلا لذة الجاهلين ولا راحة العارفين يستغيث فلا يغاث ويشتكى فلا يشكى فقد ترحلت أفراحه وسروره مدبرة وأقبلت آلامه وأحزانه وحسراته مقبلة فقد أبدل بأنسه وحشه وبعزه ذلا وبغناه فقرا وبجمعيته تشتيتا وأبعدوه فلم يظفر بقربهم وأبدلوه مكان الأنس إيحاشا ذلك بأنه عرف طريقه إلى الله ثم تركها وناكبا عنها مكبا على وجهه فأبصر ثم عمى وعرف ثم أنكر وأقبل ثم أدبر ودعى فما أجاب وفتح له فولى ظهره الباب قد ترك طريق مولاه وأقبل بكليته على هواه فلو نال بعض حظوظه وتلذذ براحاته وشئونه فهو مقيد القلب عن انطلاقه فى فسيح التوحيد وميادين الأنس ورياض المحبة وموائد القرب قد انحط بسبب إعراضه عن إلهه الحق إلى أسفل السافلين وحصل فى عداد الهالكين فنار الحجاب تطلع كل وقت على فؤاده وإعراض الكون عنه- إذ أعرض عن ربه- حائل بينه وبين مراده فهو قبر يمشى على وجه الأرض فروحه فى وحشة من جسمه وقلبه فى ملال من حياته يتمنى الموت ويشتهيه ولو كان فيه ما فيه حتى إذا جاءه الموت على(1\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "194",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11789",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تلك الحال والعياذ بالله فلا تسأل عما يحل به من العذاب الأليم بسب وقوع الحجاب بينه وبين مولاه الحق وإحداقه بنار البعد عن قربه والإعراض عنه وقد حيل بينه وبين سعادته وأمنيته. فلو توهم العبد المسكين هذه الحال وصورتها له نفسه وأرته إياها على حقيقتها لتقطع والله قلبه ولم يلتذ بطعام ولا شراب ولخرج إلى الصعدات يجأر إلى الله ويستغيث به ويستعتبه فى زمن الاستعتاب هذا مع أنه إذا آثر شهواته ولذاته الفانية التى كخيال طيف أو مزنة صيف نغصت عليه لذاتها أحوج ما كان إليها وحيل بينه وبينها أقدر ما كان عليه وتلك سنة الله فى خلقه كما قال تعالى: حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون [يونس: 24]  وهذا هو غب إعراضه وإيثار شهوته على مرضاة ربه فيعوق القدر عليه أسباب مراده فيخسر الأمرين جميعا فيكون معذبا فى الدنيا بتنغيص شهواته وشدة اهتمامه بطلب ما لم يقسم له وإن قسم له منه شيء فحشوه الخوف والحزن والنكد والألم فهم لا ينقطع وحسرة لا تنقضى وحرص لا ينفد وذل لا ينتهى وطمع لا يقلع هذا فى هذه الدار. وأما فى البرزخ فأضعاف أضعاف ذلك: قد حيل بينه وبين ما يشتهى وفاته ما كان يتمناه من قرب ربه وكرامته ونيل ثوابه وأحضر جميع غمومه وأحزانه. وأما فى دار الجزاء فسجن أمثاله من المبعودين المطرودين. فواغوثاه ثم واغوثاه بغياث المستغيثين بأرحم الراحمين فمن أعرض عن الله بالكلية أعرض الله عنه بالكلية ومن أعرض الله عنه لزمه الشقاء والبؤس والبخس فى أحواله وأعماله وقارنه سوء الحال وفساده فى دينه ومآله فإن الرب تعالى إذا أعرض عن جهة دارت بها النحوس وأظلمت أرجاؤها وانكسفت أنوارها وظهرت عليها وحشة الإعراض وصارت مأوى للشياطين وهدفا للشرور ومصبا للبلاء فالمحروم كل المحروم من عرف طريقا إليه ثم أعرض عنها أو وجد بارقة من حبه ثم سلبها لم ينفذ إلى ربه منه. خصوصا إذا مال بتلك الإرادة إلى شيء من اللذات وانصرف بجملته إلى تحصيل الأغراض والشهوات عاكفا على ذلك فى ليله ونهاره وغدوه ورواحه هابطا من الأوج الأعلى إلى الحضيض الأدنى قد مضت عليه برهة من أوقاته وكان همه الله وبغيته قربه ورضاه(1\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "195",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11790",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإيثاره على كل ما سواه على ذلك يصبح ويمسى ويظل ويضحى وكان الله فى تلك الحال وليه لأنه ولى من تولاه وحبيب من أحبه ووالاه فأصبح فى سجن الهوى ثاويا وفى أسر العدو مقيما وفى بئر المعصية ساقطا وفى أودية الحيرة والتفرقة هائما معرضا عن المطالب العالية إلى الأغراض الخسيسة الفانية كان قلبه يحوم حول العرش فأصبح محبوسا فى أسفل الحش: فأصبح كالبازى المنتف ريشه ... ذيرى حسرات كلما طار طائر وقد كان دهرا فى الرياض منعما ... على كل ما يهوى من الصيد قادر إلى أن أصابته من الدهر نكبة ... إذا هو مقصوص الجناحين حاسر فيا من ذاق شيئا من معرفة ربه ومحبته ثم أعرض عنها واستبدل بغيرها منها يا عجبا له بأى شيء تعرض وكيف قر قراره فما طلب الرجوع إلى أحنيته وما تعرض وكيف اتخذ سوى أحنيته سكنا وجعل قلبه لمن عاداه مولاه من أجله وطنا. أم كيف طاوعه قلبه على الاصطبار ووافقه على مساكنة الأغيار فيا معرضا عن حياته الدائمة ونعيمه المقيم ويا بائعا سعادته العظمى بالعذاب الأليم ويا مسخطا من حياته وراحته وفوزه فى رضاه وطالبا رضى من سعادته فى إرضاء سواه إنما هى لذة فانية وشهوة منقضية تذهب لذاتها وتبقى تبعاتها فرح ساعة لا شهر وغم سنة بل دهر طعام لذيذ مسموم أوله لذة وآخره هلاك فالعامل عليها والساعى فى تحصيلها كدودة القز يسد على نفسه المذاهب بما نسج عليها من المعاطب فيندم حين لا تنفع الندامة ويستقيل حين لا تقبل الاستقالة فطوبى لمن أقبل على الله بكليته وعكف عليه بإرادته ومحبته فإن الله يقبل عليه بتوليه ومحبته وعطفه ورحمته وإن الله سبحانه إذا أقبل على عبد استنارت جهاته وأشرقت ساحاتها وتنورت ظلماتها وظهرت عليه آثار إقباله من بهجة الجلال وآثار الجمال وتوجه إليه أهل الملأ الأعلى بالمحبة والموالاة لأنهم تبع لمولاهم فإذا أحب عبدا أحبوه وإذا والى واليا والوه إذا أحب الله العبد نادى: يا جبرائيل إنى أحب فلانا فأحبه فينادى جبرائيل فى السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يحبه أهل الأرض فيوضع له القبول بينهم ويجعل الله قلوب أوليائه تفد إليه بالود والمحبة والرحمة وناهيك بمن يتوجه إليه مالك الملك ذو الجلال والإكرام بمحبته(1\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "196",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11791",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويقبل عليه بأنواع كرامته ويلحظ الملأ الأعلى وأهل الأرض بالتبجيل والتكريم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. قاعدة: السائر إلى الله تعالى والدار الآخرة بل كل سائر إلى مقصد لا يتم سيره ولا يصل إلى مقصوده إلا بقوتين: قوة علمية وقوة عملية فبالقوة العلمية يبصر منازل الطريق ومواضع السلوك فيقصدها سائرا فيها ويجتنب أسباب الهلاك ومواضع العطب وطرق المهالك المنحرفة عن الطريق الموصل. فقوته العلمية كنور عظيم بيده يمشى به فى ليلة عظيمة مظلمة شديدة الظلمة فهو يبصر بذلك النور ما يقع الماشى فى الظلمة فى مثله من الوهاد والمتالف ويعثر به من الأحجار والشوك وغيره ويبصر بذلك النور أيضا أعلام الطريق وأدلتها المنصوبة عليها فلا يضل عنها فيكشف له النور عن الأمرين: أعلام الطريق ومعطبها. وبالقوة العملية يسير حقيقة بل السير هو حقيقة القوة العملية فإن السير هو عمل المسافر. وكذلك السائر إلى ربه إذا أبصر الطريق وأعلامها وأبصر المعاثر والوهاد والطرق الناكبة عنها فقد حصل له شطر السعادة والفلاح وبقى عليه الشطر الآخر وهو أن يضع عصاه على عاتقه ويشمر مسافرا فى الطريق قاطعا منازلها منزلة بعد منزلة فكلما قطع مرحلة استعد لقطع الأخرى واستشعر القرب من المنزل فهانت عليه مشقة السفر وكلما سكنت نفسه من كلال السير ومواصلة الشد والرحيل وعدها قرب التلاقى وبرد العيش عند الوصول فيحدث لها ذلك نشاطا وفرحا وهمة فهو يقول: يا نفس أبشرى فقد قرب المنزل ودنا التلاقى فلا تنقطعى فى الطريق دون الوصل فيحال بينك وبين منازل الأحبة فإن صبرت وواصلت السير وصلت حميدة مسرورة جذلة وتلقتك الأحبة بأنواع التحف والكرامات وليس بينك وبين ذلك إلا صبر ساعة فإن الدنيا كلها لساعة من ساعات الآخرة وعمرك درجة من درج تلك الساعة فالله الله لا تنقطعى فى المفازة فهو والله الهلاك والعطب لو كنت تعلمين فإن استصعبت عليه فليذكرها ما أمامها من أحبابها وما لديهم من الإكرام والإنعام وما خلفها من أعدائها وما لديهم من الإهانة والعذاب وأنواع البلاء فإن رجعت فإلى أعدائها رجوعها وإن تقدمت فإلى أحبابها مصيرها وإن وقفت فى طريقها أدركها أعداؤها فإنهم وراءها فى(1\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "197",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11792",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطلب. ولا بد لها من قسم من هذه الأقسام الثلاثة فلتختر أيها شاءت. وليجعل حديث الأحبة وشأنهم حاديها وسائقها ونور معرفتهم وإرشادهم هاديها ودليلها وصدق ودادهم وحبهم غذاءها وشرابها ودواءها ولا يوحشه انفراده فى طريق سفره ولا يغتر بكثرة المنقطعين فألم انقطاعه وبعاده واصل إليه دونهم وحظه من القرب والكرامة مختص به دونهم فما معنى الاشتغال بهم والانقطاع معهم وليعلم أن هذه الوحشة لا تدوم بل هى من عوارض الطريق فسوف تبدو له الخيام وسوف يخرج إليه الملتقون يهنئونه بالسلامة والوصول إليهم فيا قرة عينه إذ ذاك ويا فرحته إذ يقول: يا ليت قومى يعلمون بما غفر لى ربى وجعلنى من المكرمين [يس: 26- 27]  ولا يستوحش مما يجده من كثافة الطبع وذوب النفس وبطء سيرها فكلما أدمن على السير وواظب عليه غدوا ورواحا وسحرا قرب من الدار وتلطفت تلك الكثافة وذابت تلك الخبائث والأدران فظهرت عليه همة المسافرين وسيماهم فتبدلت وحشته أنسا وكثافته لطافة ودرنه طهارة.(1\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "198",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11793",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "فصل: فى تقسيم الناس من حيث القوة العلمية والعملية",
        "content": "فصل: فى تقسيم الناس من حيث القوة العلمية والعملية فمن الناس من يكون له القوة العلمية الكاشفة عن الطريق ومنازلها وأعلامها وعوارضها ومعاثرها وتكون هذه القوة أغلب القوتين عليه ويكون ضعيفا فى القوة العملية يبصر الحقائق ولا يعمل بموجبها ويرى المتالف والمخاوف والمعاطب ولا يتوقاها فهو فقيه ما لم يحضر العمل فإذا حضر العمل شارك الجهال فى التخلف وفارقهم فى العلم وهذا هو الغال على أكثر النفوس المشتغلة بالعلم والمعصوم من عصمة الله ولا قوة إلا بالله. ومن الناس من تكون له القوة العملية الإرادية وتكون أغلب القوتين عليه وتقتضى هذه القوة السير والسلوك والزهد فى الدنيا والرغبة فى الآخرة والجد والتشمير فى العمل ويكون أعمى البصر عند ورود الشبهات فى العقائد والانحرافات فى الأعمال والأقوال والمقامات كما كان الأول ضعيف العقل عند ورود الشهوات فداء هذا من جهله وداء الأول من فساد إرادته وضعف عقله وهذا حال أكثر أرباب الفقر والتصوف السالكين على غير طريق العلم بل على طريق الذوق(1\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "199",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11794",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والوجد والعادة يرى أحدهم أعمى عن مطلوبه لا يدرى من يعبد ولا بماذا يعبده فتارة يعبده بذوقه ووجده وتارة يعبده بعادة قومه وأصحابه من لبس معين أو كشف رأس أو حلق لحية ونحوها وتارة يعبده بالأوضاع التى وضعها بعض المتحذلقين وليس له أصل فى الدين وتارة يعبده بما تحبه نفسه وتهواه كائنا ما كان. وهنا طرق ومتاهات لا يحصيها إلا رب العباد فهؤلاء كلهم عمى عن ربهم وعن شريعته ودينه لا يعرفون شريعته ودينه الذى بعث به رسله وأنزل به كتبه ولا يقبل من أحد دينا سواه كما أنهم لا يعرفون صفات ربهم التى تعرف بها إلى عباده على ألسنة رسله ودعاهم إلى معرفته ومحبته من طريقها فلا معرفة له بالرب ولا عبادة له. ومن كانت له هاتان القوتان استقام له سيره إلى الله تعالى ورجى له النفوذ وقوى على رد القواطع والموانع بحول الله وقوته فإن القواطع كثيرة شأنها شديد لا يخلص من حبائلها إلا الواحد بعد الواحد ولولا القواطع والآفات لكانت الطريق معمورة بالسالكين ولو شاء الله لأزالها وذهب بها ولكن الله يفعل ما يريد والوقت كما قيل سيف فإن قطعته وإلا قطعك. فإذا كان السير ضعيفا والهمة ضعيفة والعلم بالطريق ضعيفا والقواطع الخارجة والداخلة كثيرة شديدة فإنه جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء إلا أن يتداركه الله برحمة منه من حيث لا يحتسب فيأخذ بيده ويخلصه من أيدى القواطع. والله ولى التوفيق. قاعدة نافعة: العبد من حين استقرت قدمه فى هذا الدار فهو مسافر فيها إلى ربه ومدة سفره هى عمره الذى كتب له فالعمر هو مدة سفر الإنسان فى هذه الدار إلى ربه تعالى ثم قد جعلت الأيام والليالى مراحل لسفره: فكل يوم وليلة مرحلة من المراحل فلا يزال يطويها مرحلة بعد مرحلة حتى ينتهى السفر. فالكيس الفطن هو الذى يجعل كل مرحلة نصب عينيه فيهتم بقطعها سالما غانما فإذا قطعها جعل الأخرى نصب عينيه ولا يطول عليه الأمد فيقسو قلبه ويمتد أمله ويحضر بالتسويف والوعد والتأخير والمطل بل يعد عمره تلك المرحلة الواحدة فيجتهد فى قطعها بخير ما بحضرته فإنه إذا تيقن قصرها وسرعة انقضائها هان عليه العمل وطوعت له نفسه الانقياد إلى التزود فإذا استقبل المرحلة الأخرى من عمره استقبلها كذلك فلا يزال هذا دأبه حتى يطوى مراحل عمره كلها فيحمد سعيه ويبتهج بما أعده ليوم فاقته وحاجته فإذا طلع صبح(1\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "200",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11795",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الآخرة وانقشع ظلام الدنيا فحينئذ يحمد سراه وينجل عنه كراه فما أحسن ما يستقبل يومه وقد لاح صباحه واستبان فلاحه. ثم الناس فى قطع هذه المراحل قسمان: قسم قطعوها مسافرين فيها إلى دار الشقاء فكلما قطعوا مرحلة منها قربوا من تلك الدار وبعدوا عن ربهم وعن دار كرامته فقطعوا تلك المراحل بمساخط الرب ومعاداة رسله وأوليائه ودينه والسعى فى إطفاء نوره وإبطال دعوته وإقامة دعوة غيرها فهؤلاء جعلت أيامهم يسافرون فيها إلى الدار التى خلقوا لها [واستعملوا] بها فهم [مصحبون] فيها بالشياطين الموكلة بهم يسوقونهم إلى منازلهم سوقا كما قال تعالى: ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا [مريم: 83]  أى تزعجهم إلى المعاصى والكفر إزعاجا وتسوقهم سوقا. القسم الثانى: قطعوا تلك المراحل سائرين فيها إلى الله وإلى دار السلام. وهم ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات بإذن الله. وهؤلاء كلهم مستعدون للسير موقنون بالرجع إلى الله ولكن متفاوتون فى التزود وتعبئة الزاد واختياره وفى نفس السير وسرعته وبطئه. فالظالم لنفسه مقصر فى الزاد غير آخذ منه ما يبلغه المنزل لا فى قدره ولا فى صفته بل مفرط فى زاده الذى ينبغى له أن يتزوده ومع ذلك فهو متزود ما يتأذى به فى طريقه ويجد غب أذاه إذا وصل المنزل بحسب ما تزود من ذلك المؤذى الضار. والمقتصد اقتصر من الزاد على ما يبلغه ولم يشد مع ذلك أحمال التجارة الرابحة ولم يتزود ما يضره فهو سالم غانم لكن فاتته المتاجر الرابحة وأنواع المكاسب الفاخرة. والسابق بالخيرات همه فى تحصيل الأرباح وشد أحمال التجارات لعلمه بمقدار الربح الحاصل فيرى خسرانا أن يدخر شيئا مما بيده ولا يتجر به فيجد ربحه يوم يغتبط التجار بأرباح تجاراتهم فهو كرجل قد علم أن أمامه بلدة يكسب الدرهم فيها عشرة إلى سبعمائة وأكثر وعنده حاصل وله خبرة بطريق ذلك البلد وخبرة بالتجارة فهو لو أمكنه بيع ثيابه وكل ما يملك حتى يهيء به تجارة إلى ذلك البلد لفعل فهكذا حال السابق بالخيرات بإذن ربه يرى خسرانا بينا أن يمر عليه وقت فى غير متجر. فنذكر بعون الله وفضله نبذة من متاجر الأقسام الثلاثة ليعلم العبد من أى التجار هو:(1\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "201",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11796",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأما الظالم لنفسه فإنه إذا استقبل مرحلة يومه وليلته استقبلها وقد سبقت حظوظه وشهواته إلى قلبه فحركت جوارحه طالبة لها ساعية فيها فإذا زاحمها حقوق ربه فتارة وتارة فمرة يأخذ بالرخصة ومرة بالعزيمة ومرة يقدم على الذنب وترك الحق تهاونا ووعدا بالتوبة. فهذا حال الظالم لنفسه مع حفظ التوحيد والإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر والتصديق بالثواب والعقاب فمرحلة هذا مقطوعة بالربح والخسران وهو للأغلب منهما فإذا ورد القيامة ميز ربحه من خسرانه وحصل ربحه وحده وخسرانه وحده وكان الحكم للراجح منهما وحكم الله من وراء ذلك لا يعدم عباده منه فضله وعدله. وأما المقتصدون فأدوا وظيفة تلك المرحلة ولم يزيدوا عليها ولم ينقصوا منها فلا حصلوا على أرباح التجار ولا بخسوا الحق الذى عليهم. فإذا استقبل أحدهم مرحلة يومه استقبلها بالطهور التام والصلاة التامة فى وقتها بأركانها وواجباتها وشرائطها ثم ينصرف منها إلى مباحاته ومعيشته وتصرفاته التى أذن الله له فيها مشتغلا بها قائما بأعيانها مؤديا واجب الرب عالى فيها غير متفرغ لنوافل العبادات وأوراد الأذكار والتوجه فإذا حضرت الفريضة الأخرى بادر إليها كذلك فإذا أكملها انصرف إلى حاله الأول فهو كذلك سائر يومه فإذا جاء الليل فكذلك إلى حين النوم يأخذ مضجعه حتى ينشق الفجر فيقوم إلى غذائه وظيفته فإذا جاء الصوم الواجب ويقوم بحقه وكذلك الزكاة الواجبة والحج الواجب وكذلك المعاملة مع الخلق يقوم فيها بالقسط لا يظلمهم ولا يترك حقه لهم. فصل وأما السابقون بالخيرات فهم نوعان: أبرار ومقربون. وهؤلاء الأصناف الثلاثة هم أهل اليمين وهم المقتصدون والأبرار والمقربون. وأما الظالم لنفسه فليس من أصحاب اليمين عند الإطلاق وإن كان مآله إلى أصحاب اليمين كما أنه لا يسمى مؤمنا عند الإطلاق وإن كان مصيره ومآله مصير المؤمنين بعد أخذ الحق منه. وقد اختلف فى قوله تعالى: جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب [فاطر: 33] الآية. هل ذلك راجع إلى الأصناف الثلاثة: الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات أو يختص بالقسمين الأخيرين وهما المقتصد والسابق دون الظالم على قولين: فذهبت طائفة إلى أن الأصناف الثلاثة كلهم فى الجنة وهذا يروى عن ابن مسعود وابن عباس(1\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "202",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11797",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأبى سعيد الخدرى وعائشة أم المؤمنين قال أبو إسحق السبيعى: أما الذى سمعت منذ ستون سنة فكلهم ناج قال أبو داود الطيالسى: أنبأنا الصلت بن دينار: حدثنا عقبة بن صبهان الهنائى قال: سألت عائشة عن قول الله تعالى: فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات [فاطر: 32]  فقالت لى: يا بنى كل هؤلاء فى الجنة فأما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله يشهد له رسول الله بالخيرة والرزق وأما المقتصد فمن تبع أثره من أصحابه حتى لحق به وأما الظالم لنفسه فمثلى ومثلك. قال: فجعلت نفسها معنا. وقال ابن مسعود: هذه الأمة يوم القيامة أثلاث: ثلث يدخلون الجنة بغير حساب وثلث يوم القيامة يحاسبون حسابا يسيرا ثم يدخلون الجنة وثلث يجيئون بذنوب عظام فيقول الله: ما هؤلاء وهو أعلم بهم فتقول الملائكة: هم مذنبون إلا أنهم لم يشركوا. فيقول الله: أدخلوهم فى سعة رحمتى وقال كعب: تحاذت مناكبهم ورب الكعبة وتفاضلوا بأعمالهم وقال الحسن: السابقون من رجحت حسناتهم والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته والظالم من خفت موازينه واحتجت هذه الفرقة بأنه سبحانه سمى الكل quot;مصطفينquot; وأخبر أنه اصطفاهم من جملة العباد ومحال أن يكون الكافر والمشرك من المصطفين لأن الاصطفاء هو الاختيار وهو الافتعال من صفوة الشيء وهو خياره فعلم أن هؤلاء الأصناف الثلاثة صفوة الخلق وبعضهم خير من بعض: فسابقهم مصطفى عليهم ثم مقتصدهم مصطفى على ظالمهم ثم ظالمهم مصطفى على الكافر والمشرك. واحتجت أيضا بآثار روتها تؤيد ما ذهب إليه: فمنها ما رواه سليمان الشاذكونى حدثنا حصين بن بهز عن أبى ليلى عن أخيه عن أبيه عن أسامة بن زيد عن النبى صلى الله عليه وسلم فى هذه الآية قال: كلهم فى الجنة. ومنها ما رواه الطبرانى: حدثنا أحمد بن حماد بن رعية حدثنا يحيى بن بكير حدثنا ابن لهيعة عن أحمد بن حازم المعافرى عن صالح مولى التوأمة عن أبى الدرداء قال: قرأ النبى هذه الآية: فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله [فاطر: 32]  فقال: أما السابق فيدخل الجنة بغير حساب وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا وأما الظالم فيجلس فى طول المحبس ثم يتجاوز الله عنه ومنها ما رواه زكريا الساجى [عن الحسن بن على الواسطى عن أبى سعيد الخزاعى عن الحسن] بن سالم عن سعد بن ظريف عن أبى هاشم الطائى قال: قدمت(1\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "203",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11798",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المدينة فدخلت مسجدها فجلست إلى سارية فجاء حذيفة فقال: ألا أحدثك بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;يبعث الله تبارك وتعالى هذه الأمة- أو كما قال- ثلاثة أصناف وذلك فى قوله تعالى: فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات [فاطر: 32]  فالسابق بالخيرات يدخل الجنة بلا حساب والمقتصد يحاسب حسابا يسيرا والظالم لنفسه يدخل الجنة برحمة الله. ومنها ما رواه الطبرانى عن محمد بن إسحاق بن راهوية: حدثنا أبى حدثنا جرير عن الأعمش عن رجل سماه عن أبى الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فى قوله تعالى: فمنهم ظالم لنفسه الآية ... قال: quot;السابق بالخيرات والمقتصد يدخلان الجنة بغير حساب والظالم لنفسه يحاسب حسابا يسيرا ثم يدخل الجنةquot;. ومنها ما رواه ابن لهيعة عن أبى جعفر عن يونس بن عبد الرحمن عن أبى الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذه الآية: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا- إلى قوله -سابق بالخيرات [فاطر: 32]  قال: فأما السابقون فيدخلون الجنة بغير حساب وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا وأما الظالمون فيحاسبون فيصيبهم عناء وكرب ثم يدخلون الجنة ثم يقولون: الحمد لله الذى أذهب عنا الحرن إن ربنا لغفور شكور [فاطر: 34] منها ما رواه الحميدى: حدثنا سفيان حدثنا طعمة بن عمرو الجعفرى عن رجل قال: قال أبو الدرداء لرجل: ألا أحدثك بحديث أخصك به لم أحدث به أحدا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله جنات عدن قال: quot;دخلوا الجنة جميعاquot;. واحتجت أيضا بالآيات والأحاديث التى تشهد بنجاة الموحدين من أهل الكبائر ودخولهم الجنة. واحتجت أيضا بأن ظلم النفس إنما يراد به ظلمها بالذنوب والمعاصى فإن الظلم ثلاثة أنواع: ظلم فى حق النفس باتباعها شهواتها وإيثارها لها على طاعة ربها وظلم فى حق الخلق بالعدوان عليهم ومنعهم حقوقهم وظلم فى حق الرب بالشرك به فظلم النفس إنما هو بالمعاصى وقد تواترت النصوص بأن العصاة من الموحدين مآلهم إلى الجنة. وقالت طائفة: بل الوعد بالجنات إنما هو للمقتصد والسابق دون الظالم لنفسه فإن الظالم لنفسه لا يدخل تحت الوعد المطلق والظالم لنفسه هنا هو الكافر والمقتصد المؤمن العاصى والسابق المؤمن التقى. وهذا يروى عن عكرمة والحسن وقتادة وهو(1\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "204",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11799",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اختيار جماعة من المفسرين منهم صاحب الكشاف ومنذر ابن سعيد فى تفسيره والرمانى وغيرهم قالوا: وهذه الآية متناولة لجميع أقسام الخلق شقيهم وسعيدهم وهى نظير آية [قوله تعالي] : وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون [الواقعة: 7- 10]  قالوا: فأصحاب الميمنة هم المقتصدون وأصحاب المشأمة [هم] الظالمون لأنفسهم والسابقون السابقون هم السابقون بالخيرات. قالوا: ولم [يصطفى] الله من خلقه ظالما لنفسه بل المصطفون من عباده هم صفوته وخيارهم والظالمون لأنفسهم ليسوا خيار العباد بل شرارهم فكيف يوقع عليهم [اسم المصطفين وتناولهم فعل الأصطفاء قالوا: فأيضا صفوة الله هم أحباؤه والله لا يحب الظالمين فلا يكونون مصطفين قالوا: ولن الظالم لنفسه وإن كان] ممن أورث الكتاب فهو بتركه العمل بما فيه قد ظلم نفسه والله [تعالي] إنما اصطفى من عباده من أورثة كتابه ليعمل بما فيه فأما من نبذه وراء ظهوره فليس من المصطفين من عباده قالوا: ولأن الاصطفاء افتعال من صفوة الشيء وهو خلاصته ولبه وأصله اصتفى فأبدلت التاء طاء لوقوعها بعد الصاد كالاصطباح والاصطلام ونحوه والظالم لنفسه ليس صفوة العباد ولا خلاصتهم ولا لبهم فلا يكون مصطفى قالوا: ولأن الله سلم على المصطفين من عباده فقال: قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى [النمل: 59]  وهذا يقتضى سلامتهم من كل شر وكل عذاب والظالم لنفسه غير سالم من هذا ولا هذا فكيف يكون من المصطفين قالوا: وأيضا فطريقة القرآن أن الوعد المطلق بالثواب إنما يكون للمتقين لا للظالمين كقوله تعالى: تلك الجنة التى نورث من عبادنا من كان تقيا [مريم: 63] فأين الظالم لنفسه هنا وقوله تعالى: أذلك خير أم جنة الخلد التى وعد المتقون [الفرقان: 15]  وقوله تعالى: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين [آل عمران: 132]  وقوله: إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا وكواعب أترابا وكأسا دهاقا لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا جزاء من ربك عطاء حسابا [النبأ: 31- 36]  [والقرآن] مملوء من هذا ولم يجيء [فيه موضع واحد بإطلاق الوعد بالثواب للظالم لنفسه أصلا(1\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "205",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11800",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: وأيضا فلم يجيء] فى القرآن ذكر الظالم لنفسه إلا فى معرض الوعيد لا الوعد كقوله تعالى: إن المجرمين فى عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين [الزخرف: 74-76]  وقوله: فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق [سبأ: 99]  وقوله: وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون [النحل: 118] [وقوله لا ينال عهدى الظالمين وقوله: أن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون] قالوا: وأيضا فالظالم لنفسه هو الذى خفت موازينه ورجحت سيئاته والقرآن كله يدل على خسارته وأنه غير ناج كقوله تعالى: فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون [الأعراف: 8-9] وقوله: وأما من خفت موازينه فأمه هاوية [القارعة: 8- 9]  فكيف يذكر وعده بجناته وكرامته للظالمين أنفسهم الخفيفة موازينهم قالوا: وأيضا فقوله تعالى: جنات عدن [يدخلونها] مرفوع لأنه بدل من قوله: ذلك هو الفضل الكبير وهو بدل نكرة من معرفة كقوله: لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة [العلق: 15- 16]  وحسن وقوعه [مجيء النكرة موصوفة لتخصيصها بالوصف وقربها من المعرفة ومعلوم أن المبدل منه هو] quot;الفضل الكبيرquot; مختص بالسابقين بالخيرات والمعنى أن سبقهم بالخيرات بإذنه ذلك هو الفضل الكبير وهو جنات عدن يدخلونها وجعل السبق بالخيرات نفس الجنات لأنه سببها وموجبها. قالوا: وأيضا فإنه وصف حليتهم فيها بأنها أساور من ذهب ولؤلؤ وهذه جنات السابقين لا جنات المقتصدين فإن جنات الفردوس أربع كما ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه فى جنة عدنquot;. ومعلوم أن الجنتين الذهبيتين أعلى وأفضل من الفضيتين فإذا كانت الجنتان الذهبيتان للظالمين لأنفسهم فمن يسكن الجنتين الفضتين فعلم أن هذه الجنات المذكورة لا تتناول الظالمين لأنفسهم قالوا: وأيضا فإن أقرب المذكورات إلى ضمير الداخلين(1\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "206",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11801",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هم السابقون بالخيرات فوجب اختصاصهم بالدخول إلى الجنات المذكورات. قالوا: وفى اختصاصهم- بعد ذكر الأقسام- بذكر ثوابهم والسكوت عن الآخرين ما هو معلوم من طريقة القرآن إذ يصرح بذكر ثواب الأبرار والمتقين والمخلصين [والمحسنين ومن رجحت حسناتهم ويذكر عقاب الكفار] والفجار والظالمين لأنفسهم ومن خفت موازينهم ويسكت عن القسم الذى فيه شائبتان وله مادتان هذه طريقة القرآن كقوله تعالى: إن الأبرار لفى نعيم وإن الفجار لفى جحيم [الانفطار: 13- 14]  وقوله: فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هى المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هى المأوى [النازعات 37- 41]  وهذا كثير فى القرآن قالوا: وفى السكوت عن شأن صاحب الشائبتين تحذير عظيم وتخويف له بأن أمره مرجأ إلى الله وليس عله ضمان ولا له عنده وعد وليحذر كل الحذر وليبادر بالتوبة النصوح التى تلحقه فالمضمون لهم النجاة والفلاح. قالوا: وأيضا فمن المحال أن يقع على أحد من المصطفين اسم الظلم مطلقا على الكافر كما قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون [البقرة:254]  وقال [تعالى] : والظالمون ما لهم من ولى ولا نصير [الشورى: 8] مع قوله: الله ولى الذين آمنوا [البقرة: 257] والظالم لا ولى له [ولا] يكون من المؤمنين. قالوا: وأيضا فمن تدبر الآيات وتأمل سياقها وجدها قد استوعبت جميع أقسام الخلق ودلت على مراتبهم فى الجزاء فذكر سبحانه أن الناس نوعان: ظالم ومحسن. ثم [قسم] المحسن إلى قسمين: مقتصد وسابق ثم ذكر جزاء المحسن فلما فرغ منه ذكر جزاء الظالم فقال: والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزى كل كفور [فاطر: 36]  وقال [تعالى] : ومن يقل منهم إنى إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزى الظالمين [الأنبياء: 29]  فذكر أنواع العباد وجزاءهم قالوا: وأيضا فهذه طريقة القرآن فى ذكر أصناف الخلق الثلاثة كما ذكرهم الله تعالى فى سورة(1\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "207",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11802",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الواقعة والمطففين وسورة الإنسان فأما سورة الواقعة فذكرهم فى أولها وفى آخرها فقال فى أولها: وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون فى جنات النعيم [الواقعة: 7- 12]  فأصحاب المشأمة هم الظالمون. وأما أصحاب اليمين فقسمان: أبرار وهم أصحاب الميمنة وسابقون وهم المقربون وفى آخرها: فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم [الواقعة: 88- 94]  فذكر حالهم فى القيامة الكبرى فى أول السورة ثم ذكر حالهم فى القيامة الصغرى فى البرزخ فى آخر السورة ولهذا قدم قبله ذكر الموت ومفارقة الروح فقال: فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين [الواقعة: 83- 87] ثم قال: فأما إن كان من المقربين [الواقعة: 88] إلى آخرها. وأما فى أولها فذكر أقسام الخلق عقب قوله: إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة خافضة رافعة إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا وكنتم أزواجا ثلاثة [الواقعة: 1- 7]  وأما سورة الإنسان فقال [تعالى] : إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا [الإنسان: 4] فهؤلاء الظالمون أصحاب المشأمة قال: إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا [الإنسان: 5]  فهؤلاء المقتصدون أصحاب اليمين ثم قال: عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا [الإنسان:6]  فهؤلاء المقربون السابقون ولهذا خصهم بالإضافة إليه وأخبر أنهم يشربون بتلك العين صرفا محضا وأنها تمزج للأبرار مزجا كما قال فى سورة المطففين فى شراب الأبرار: ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون [المطففين:27-28] وقال: يشرب quot;بهاquot; المقربون ولم يقل: quot;منهاquot; إشعارا بأن شربهم بالعين نفسها خالصة لا بها وبغيرها فضمن(1\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "208",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11803",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;يشربquot; معنى يروى فعدى بالباء وهذا ألطف مأخذا وأحسن معنى من أن يجعل الباء بمعنى من [ولكن] يضمن يشرب الفعل معنى فعل آخر فيتعدى تعديته وهذه طريقة الحذاق من النحاة وهى طريقة سيبويه وأئمة أصحابه وقال فى الأبرار: يشربون من كأس كان مزاجها كافورا [الإنسان: 5]  لأن شرب المقربين لما كان أكمل استعير له الباء الدالة على شرب الرى بالعين خالصة ودلالة القرآن ألطف وأبلغ من أن يحيط بها البشر. وقال تعالى فى سورة المطففين: كلا إن كتاب الفجار لفى سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم إلى قوله: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم ثم يقال هذا الذى كنتم به تكذبون [المطففين: 7- 17]  [فهؤلاء الظالمون أصحاب الشمال] ثم قال: كلا إن كتاب الأبرار لفى عليين ما أدراك ما عليون [المطففين: 18- 19]  فهؤلاء الأبرار المقتصدون وأخبر أن المقربين يشهدون كتابهم- أى يكتب بحضرتهم ومشهدهم- لا يغيبون عنه اعتناء به وإظهارا لكرامة صاحبه ومنزلته عند ربه. ثم ذكر سبحانه نعيم الأبرار ومجالستهم ونظرهم إلى ربهم وظهور نضرة النعيم فى وجوههم ثم ذكر شرابهم فقال: يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفى ذلك فليتنافس المتنافسون [المطففين: 25- 26]  ثم قال: ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون [المطففين: 27- 28]  [التسنيم] أعلى أشربه الجنة فأخبر سبحانه أن مزاج شراب الأبرار من التسنيم وأن المقربين يشربون منه بلا مزاج ولهذا قال: عينا يشرب بها المقربون [المطففين: 28]  كما قال تعالى فى سورة الإنسان سواء قال ابن عباس وغيره: يشرب بها المقربون صرفا ويمزج لأصحاب اليمين مزجا. وهذا لأن الجزاء وفاق العمل فكما خلصت أعمال المقربين كلها لله خلص شرابهم وكما مزج الأبرار الطاعات بالمباحات مزج لهم شرابهم فمن أخلص أخلص شرابه ومن مزج مزج شرابه. يا لاهيا فى غمرة الجهل والهوي ... صريعا على فرش الردى يتقلب تأمل- هداك الله- ما [ثم] وانتبه ... فهذا شراب القوم حقا يركب وتركيبه فى هذه الدار إن تفت ... فليس له بعد المنية مطلب(1\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "209",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11804",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيا عجبا من معرض عن حياته ... وعن حظه العالى ويلهو ويلعب ولو علم المحروم أى بضاعة ... أضاع لأمسى قلبه يتلهب فإن كان لا يدرى فتلك مصيبة ... وإن كان يدرى فالمصيبة أصعب بلي سوف يدرى حين ينكشف الغطا ... ويصبح مسلوبا ينوح ويندب ويعجب ممن باع شيئا بدون ما ... يساوى بلا علم وأمرك أعجب لأنك قد بعت الحياة وطيبها ... بلذة حلم عن قليل [سيذهب] فهلا عكست الأمر إن كنت حازما ... ولكن أضعت الحزم والحكم يغلب تصد وتنأى عن حبيبك دائما ... فأين عن الأحباب ويحك تذهب ستعلم يوم الحشر أى تجارة ... أضعت إذا تلك الموازين تنصب قالوا: فهكذا هذه الآيات التي في سورة الملائكة ذكر فيها الأقسام الثلاثة: الظالم لنفسه وهو من أصحاب الشمال وذكر المقتصد وهو من أصحاب اليمين وذكر السابقين وهم المقربون. قالوا: وليس في الآية ما يدل على اختصاص الكتاب بالقرآن والمصطفين بهذه الأمة بل الكتاب اسم جنس للكتب التي أنزلها على رسله فإنه أورثها المصطفين من عباده من كل أمة والأنبياء هم الذين أورثوه أولا ثم أورثوه المصطفين من عباده من كل أمة والأنبياء هم الذين أورثوه أولا ثم أورثوه المصطفين من أممهم بعدهم قال تعالى: ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب [غافر 54:53]  فأخبر أنه إنما يكون هدى وذكرى لمن له لب عقل به الكتاب وعمل بما فيه والعامل بما فيه هو الذي أورثه الله علمه. وتأمل قوله تعالى: وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب [الشورى: 14]  كيف حذف الفاعل هنا وبنى الفعل للمفعول لما كان في معرض الذم لهم ونفي العلم عنهم ولما كان في سياق ذكر نعمه وآلائه ومنته عليهم قال: وأورثنا بني إسرائيل الكتاب  ونظير هذه الآية: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا [فاطر: 32]  ومن ذلك قوله تعالى: فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه [الاعراف: 196]  وأنه لما كان الكلام في سياق ذمهم على إتباعهم شهواتهم وإيثارهم العرض الفاني على حظهم من الآخرة وتماديهم في ذلك لم(1\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "210",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11805",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ينسب التوريث إليه بل نسبه إلى المحل فقال: أورثوا الكتاب ولم يقل: أورثناهم الكتاب وقد ذكرت نظير هذا قوله: أورثنا الكتاب أنه للمدح وأورثوا الكتاب إما في سياق الذم وإما منقسم في كتاب quot; التحفة المكية quot; الكلية. والمقصود أن الذين أورثهم الكتاب هم المصطفون من عباده أولا وآخرا قالوا: وقوله تعالى: فمنهم ظالم لنفسه لا يرجع إلى المصطفين بل إما أن يكون الكلام قد تم عند قوله: من عبادنا ثم استأنف جملة أخرى وذكر فيها أقسام العباد وأن منهم ظالم ومنهم مقتصد ومنهم سابق. ويكون الكلام جملتين مستقلتين: بين في إحداهما أنه أورث كتابه من اصطفاه من عباده وبين في الأخرى أن من عباده ظالما ومقتصدا وسابقا وإما أن يكون المعنى تقسيم المرسل إليهم بالنسبة إلى قبول الكتاب وأن منهم من لم يقبله وهو الظالم لنفسه ومنهم من قبله مقتصدا فيه ومنهم من قبله سابقا بالخيرات بإذن الله قالوا: والذي يدل على هذا الوجه أنه سبحانه ذكر إرساله في كل أمة نذيرا ممن تقدم هذه الأمة فقال: وإن من أمة إلا خلا فيها نذير [فاطر: 24]  ثم ذكر أن رسلهم جاءتهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المبين الآيات الدالة على صدقهم وصحة رسالاتهم والزبر: الكتاب واحدها زبور بمعنى مزبور أي مكتوب الكتاب المنير: من باب عطف الخاص على العام لتميزه عن المسمى العام بفضله وشرفه امتاز بها واختص بها عن غيره وهو كعطف جبريل وميكائيل على الملائكة وكعطف أولى العزم على النبيين من قوله: وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم [الأحراب: 7] والكتاب المنير هاهنا: التوراة والإنجيل. ثم ذكر إهلاك المكذبين لكتابه ورسله فقال: ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير [فاطر: 26]  ثم ذكر التالين لكتابه وهم المتبعون له العالمون بشرائعه: فقال: إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور [فاطر: 29-30] . ثم ذكر الكتاب الذي خص به خاتم أنبيائه ورسله محمد صلى الله عليه وسلم فقال: والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده (1\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "211",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11806",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لخبير بصير [فاطر: 31] . ثم ذكر سبحانه من أورثهم الكتاب بعد أولئك وأنه اصطفاهم لتوريث كتابه إذ رده المكذبون لو يقبلوا توريثه. قالوا: وأما قولكم: إن الاصطفاء افتعال من الصفوة وهي الخيار وهي إنما تكون في السعداء فهذا بعينه حجة لنا في أن الظالم لنفسه ليس ممن اصطفاه الله من عباده وقد تقدم تقريره. قالوا: وأما الآثار التي رويتموها عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فكلها ضعيفة الأسانيد ومنقطعة لا تثبت كيف وهي معارضة بآثار مثلها أو أقوى منها قال ابن مردويه في quot; تفسيره quot;: حدثنا الحسن بن عبد الله حدثنا صالح بن أحمد حدثنا أحمد بن محمد بن المعلي الآدمي حدثنا حفص بن عمار حدثنا مبارك ابن فضالة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: فمنهم ظالم لنفسه [فاطر: 32]  قال: الكافر قالوا: وأما النصوص الدالة على أن أهل التوحيد يدخلون الجنة فصحيحة لا ننازعكم فيها غير أنها مطلقة ولكن لها شروط وموانع كما أن النصوص الدالة على عذاب أهل الكبائر صحيحة متواترة ولها شروط وموانع يتوقف لحوق الوعيد عليها فكذلك نصوص الوعد يتوقف مقتضاها على شروطها وانتفاء موانعها. قالوا: وأما قولكم إن ظلم النفس إنما يراد به ظلمها بالذنوب والمعاصي دون الكفر فليس بصحيح فقد ذكر في القرآن ما يدل على أن ظلم النفس يكون بالكفر والشرك ولو لم يكن في هذا إلا قول موسى لقومه: يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل [البقرة: 54]  وقوله عز وجل: وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق [سبأ: 19] ونظائره كثيرة. قالت الطائفة الأولى: لو تدبرتم القرآن حق تدبره وأعطيتم الآيات حقها من الفهم وراعيتم وجوه الدلالة وسياق الكلام لعلمتم أن الصواب معنا وأن (هذه الأقسام الثلاثة من الأقسام التي خلقت للجنة وهم درجات عند الله وأن) هذا التقسيم الذي دلت عليه أخص من التقسيم المذكور في سورة الواقعة والإنسان والمطففين فإن ذلك تقسيم للناس إلى شقي وسعيد وتقسيم السعداء إلى أبرار ومقربين وتلك القسمة خالية عن ذكر العاصي الظالم لنفسه وأما هذه الآيات ففيها تقسيم الأمة إلى محسن ومسيئ فالمسيئ هو الظالم لنفسه والمحسن نوعنان مقتصد وسابق بالخيرات فإن الوجود شامل لهذا القسم بل هو أغلب أقسام الأمة فكيف يخلو القرآن عن(1\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "212",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11807",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذكره وبيان حكمه ثم لما استوفى أقسام الأمة ذكر الخارجين عنهم وهم الذين كفروا فعمت الآية أقسام الخلق كلهم وعلى ما ذهبتم إليه تكون الآية قد أهملت ذكر القسم الأغلب الأكثر وكررت ذكر حكم الكافر أولا وآخرا. ولا ريب أن ما ذكرناه أولى لبيان هذا القسم وعموم الفائدة وأيضا فإن قوله تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا [فاطر: 32] صريح في أن الذين أورثهم الكتاب هم المصطفون من عباده وقوله عز وجل: فمنهم ظالم لنفسه [فاطر: 32] إما أن يرجع إلى الذين اصطفاهم وإما أن يرجع إلى العباد ورجوعه إلى الذين اصطفاهم لوجهين: أحدهما أن قوله تعالى: ومنهم مقتصد ومنهم سابق [فاطر: 32]  إنما يرجع إلى المصطفين لا إلى العباد لأن سياق الآية والإتيان بالفاء والتقسيم المذكور كله يدل على أن المراد بيان أقسام الوارثين للكتاب لا بيان أقسام العبد إذ لو أراد ذلك لأتى بلفظ يزيل الوهم ولا يلتبس به المراد بغيره وكأن وجه الكلام الذي يدل عليه ظاهره. الثاني: أنك إذا قلت: أعطيت مالي البالغين من أولادي فمنهم تاجر ومنهم خازن ومنهم مبذر ومسرف هل يفهم من هذا أحد قط أن هذا التقسيم لجملة أولاده بل لا يفهم منه إلا أن أولاده كانوا في أخذهم المال أقساما ثلاثة ولهذا أتي فيها بالفاء الدالة على تفصيل ما أجمله أولا كما إذا قلت: خذ هذا المال فأعط فلانا كذا وأعط (فلانا) كذا ونظائره متعددة ولا وجه للإتيان بالفاء هاهنا إلا تفصيل المذكور أولا لا تفصيل المسكوت عنه والآية قد سكتت عن تفصيل العباد الذين اصطفى منهم من أورثه الكتاب فالتفصيل للمذكور ليس إلا فتأمله فإنه واضح. قالوا: وأما قولكم إن الله لا يصطفي من عباده ظالما لنفسه لأن الاصطفاء هو الاختيار من الشئ صفوته وخياره إلى آخر ما ذكرتم فجوابه أن كون العبد المصطفى لله ووليا لله ومحبوبا لله ونحو ذلك من الأسماء الدالة على شرف منزلة العبد وتقريب الله له لا ينافي ظلم العبد نفسه أحيانا بالذنوب(1\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "213",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11808",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمعاصي بل أبلغ من ذلك أن صديقيته لا تنافي ظلمه لنفسه ولهذا قال صديق الأمة وخيارها للنبي صلى الله عليه وسلم: علمني دعاء أدعو به في صلاتي فقال: quot;قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيمquot;. وقد قال تعالى: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم [آل عمران: 133-135] . فأخبر سبحانه عن صفات المتقين وأنهم يقع منهم ظلم النفس والفاحشة لكن لا يصرون على ذلك وقال تعالى: والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون [الزمر: 33-35] فهؤلاء الصديقون المتقون قد أخبر سبحانه أن لهم أعمالا سيئة يكفرها ولا ريب أنها ظلم للنفس وقال موسى: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم [القصص: 16]  وقال آدم عليه السلام: قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [الأعراف: 23]  وقال يونس عليه السلام: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين [الأنبياء: 87]  وقال تعالى: إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم [النمل: 11] . وإذا كان ظلم النفس لا ينافي الصديقية والولاية ولا يخرج العبد عن كونه من المتقين بل يجتمع فيه الأمران يكون وليا لله صديقا متقيا وهو مسيئ ظالم لنفسه علم أن ظلمه لنفسه لا يخرجه عن كونه من الذين اصطفاهم الله من عباده وأورثهم كتابه إذ هو مصطفى من جهة كونه من ورثة الكتاب علما وعملا ظالم لنفسه من جهة تفريطه في بعض ما أمر به وتعديه بعض ما نهي عنه كما يكون الرجل وليا لله محبوبا له من جهة ومبغوضا(1\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "214",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11809",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له من جهة أخرى وهذا عبد الله حمار كان يكثر شرب الخمر والله يبغضه من هذه الجهة ويحب الله ورسوله ويحبه الله ويواليه من هذه الجهة ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لعنه وقال: إنه يحب الله ورسوله ونكتة المسألة أن الاصطفاء والولاية والصديقية وكون الرجل من الأبرار ومن المتقين ونحو ذلك كلها مراتب تقبل التجزيء والانقسام والكمال والنقصان كما هو ثابت باتفاق المسلمين في أصل الإيمان وعلى هذا فيكون هذا القسم مصطفى من وجه ظالما لنفسه من وجه آخر. وظلم النفس نوعان: نوع لا يبقى معه شيء من الإيمان والولاية والصديقية والاصطفاء وهو ظلمها بالشرك والكفر ونوع يبقى معه حظه من الإيمان والاصطفاء والولاية وهو ظلمها بالمعاصي وهو درجات متفاوتة في القدر والوصف. فهذا التفصيل يكشف قناع المسألة ويزيل أشكالها بحمد الله. قالوا: وأما قولكم: إن قوله تعالى: جنات عدن مرفوع لأنه بدل من قوله: ذلك هو الفضل الكبير [فاطر: 32] [الشورى: 22] وهو مختص بالسابقين وذكر حليتهم فيها من أساور من ذهب يدل على ذلك إلخ. فجوابه من وجهين: أحدهما أن هذا بعينه وارد عليكم فإن المقتصد من أهل الجنات ومعلوم أن جنات السابقين بالخيرات أعلى وأفضل من جناته فما كان جوابكم عن المقتصد فهو الجواب بعينه عن الظالم لنفسه فإن التفاوت حاصل بين جنات الأصناف الثلاثة ويختص كل صنف بما يليق بهم ويقتضيه مقامهم وعملهم. الجواب الثاني: أنه سبحانه ذكر جزاء السابقين بالخيرات هنا مشوقا لعباده إليه منبها لهم على مقداره وشرفه وسكت عن جزاء الظالمين لأنفسهم والمقتصدين ليحذر الظالمون ويجد المقتصدون وذكر في سورة الإنسان جزاء الأبرار منبها على ما هو أعلى وأجل منه وهو جزاء المقربين السابقين ليدل على أن هذا إذا كان جزاء الأبرار المقتصدين فما الظن بجزاء المقربين السابقين فقال تعالى: إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا إلى قوله: ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا قوارير من فضة إلى قوله: عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا [الإنسان: 5-21]  فذكر(1\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "215",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11810",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هنا الأساور من الفضة والأكواب من الفضة في جزاء الأبرار وذكر في سورة الملائكة الأساور من الذهب في جزاء السابقين بالخيرات فعلم جزاء المقتصدين من سورة الإنسان وعلم جزاء السابقين من سورة الملائكة فانتظمت السورتان جزاء المقربين على أتم الوجوه والله أعلم بأسرار كلامه وحكمه. قالوا: وهذا هو الجواب عن قولكم: إن الضمير يختص به أقرب مذكور إليه. قالوا: وأما قولكم إن الظالم لنفسه إنما هو الكافر فقد تقدم جوابه وذكر ما يبطله. قالوا: وأما قولكم: إن هذا الآيات نظير آيات الواقعة وسورة الإنسان وسورة المطففين في تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام: أصحاب الشمال وأصحاب اليمين والمقربون. فلا ريب أن هذه الآية وافية بالأقسام الثلاثة مع مزيد تقسيم آخر وهو تقسيم أصحاب اليمين إلى ظالم لنفسه ومقتصد فهي مشتملة على تلك الأقسام وزيادة. قالوا: وأما قولكم: إن الآثار الدالة على أن الأصناف الثلاثة هم السعداء أهل الجنة ضعيفة لا تقوم بها حجة فجوابه: إنها قد بلغت في الكثرة إلى حد يشد بعضها بعضا ويشهد بعضها لبعض ونحن نسوق م نها آثارا غير ما ذكرناه يعلم به كثرتها وتعدد طرقها فروى ابن مردويه في تفسيره من حديث سفيان عن الأعمش عن رجل عن أبي ثابت أن رجلا دخل المسجد فقال: اللهم ارحم غربتي وآنس وحشتي وسق لي جليسا صالحا. فقال أبو الدرداء: إن كنت صادقا لأنا أسعد بذلك منك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات [فاطر: 32]  مقال: أما السابق بالخيرات فيدخله الجنة بغير حساب وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهم والحزن ثم يدخل الجنة ثم قرأ هذه الآية: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور [فاطر: 34] . وقد ذكرنا فيما تقدم حديث أبي ليلى عن أخيه عيسى عن أبيه عن أسامة بن زيد في قوله تعالى: فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;كلهم من هذه الأمةquot;. وروى ابن مردويه أيضا من حديث الفضل بن عميرة القيسي عن ميمون بن سياه عن أبي عثمان النهدي قال: سمعت عمر بن(1\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "216",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11811",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخطاب يقول على المنبر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot;سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور لهquot; وقرأ عمر: فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات . وروى أيضا من حديث أبي داود عن شعبة عن الوليد بن العيراز قال: سمعت رجلا من ثقيف يحدث عن رجل من كنانة عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا  قال quot;كلهم في الجنةquot; أو قال: quot;كلهم بمنزلة واحدةquot;. قال شعبة: أحدهما ورواه دواد بن إبراهيم عن شعبة به وقالوا: دخلوا الجنة كلهم بمنزلة واحدة. فهذا حديث صحيح إلى شعبة وإذا كان شعبة في حديث لم يطرح بل شد يديك به. ورواه يحيى بن سعيد عن الوليد بن العيزار فذكره بمثله وروى محمد بن سعد عن أبيه عن عمه: حدثنا أبي عن أبيه عن ابن عباس في قوله عز وجل: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا الآية قال: جعل الله أهل الإيمان على ثلاث منازل كقوله: وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين  والسابقون السابقون أولئك المقربون فهم على هذا المثال. قلت: يريد ابن عباس أن الله قسم أصحاب اليمين إلى ثلاث منازل كما قسم الخلق في الواقعة إلى ثلاث منازل فإن أصحاب الشمال المذكورين في الواقعة هم الكفار المنكرون للبعث فكيف تكون هذه منزلة من منازل أهل الإيمان ويجوز أن يريد أن الظالمين لأنفسهم المستحقين للعذاب هم من أهل الشمال ولكن إيمانهم يجعلهم آخرا من أهل اليمين. وروي من حديث معاوية بن صالح عن علي بن أبي (طلحة) عن ابن عباس في هذه الآية فقال: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ورثهم الله (سبحانه) كل كتاب أنزله فظالمهم يغفر له ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب. وروي من حديث عثمان بن أبي شيبة حدثنا الحسن بن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثنا عمران بن محمد بن أبي ليلى حدثنا أبي عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب- أو عن رجل عن البراء بن عازب- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله  قال: quot;كلهم ناج وهي هذه الأمةquot;. ورواه الفريابي حدثنا سفيان عن أبي ليلى عن الحكم عن رجل حدثه عن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(1\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "217",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11812",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في هذه الآية: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا الآية قال quot;كل ناجquot;. وقال آدم بن أي إياس: حدثنا أبو فضالة عن الأزهري عبد الله الخزاز حدثنا من سمع عثمان بن عفان يقول: ألا إن سابقنا أهل جهادنا ألا وإن مقتصدنا أهل حضرنا ألا وإن ظالمنا أهل بدونا وقد تقدم حديث عائشة وأبي الدرداء وحذيفة. قالوا: فهذه الآثار يشد بعضها بعضا وأنها قد تعددت طرقها واختلفت مخارجها وسياق الآية يشهد لها بالصحة فلا يعدل عنها. والمقصود الكلام على مراحل العالمين وكيفية قطعهم إياها فلنرجع إليه فنقول: أما الأشقياء فقطعوا تلك المراحل سائرين إلى دار الشقاء متزودين غضب الرب سبحانه ومعاداة كتبه ورسله ما بعثوا به ومعاداة أوليائه والصد عن سبيله ومحاربة من يدعو إلى دينه ومقاتلة الذين يأمرون بالقسط من الناس وإقامة دعوة غير دعوة الله التي بعث بها رسله لتكون الدعوة له واحدة فقطع هؤلاء الأشقياء مراحل أعمارهم في ضد ما يحبه الله ويرضاه وأما السائرون إليه فظالمهم قطع مراحل عمره في غفلاته وإيثار شهواته ولذاته على مراضي الرب سبحانه وأوامره مع إيمانه بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر لكن نفسه مغلوبة معه مأسورة مع حظه وهواه يعلم سوء حاله ويعترف بتفريطه ويعزم على الرجوع إلى الله فهذا حال المسلم. وأما من زين له سوء عمله فرآه حسنا وهو غير معترف ولا مقر ولا عازم على الرجوع إلى الله الإنابة إليه أصلا فهذا لا يكاد إسلامه أن يكون صحيحا أبدا ولا يكون هذا إلا منسلخ القلب من الإيمان ونعوذ بالله من الخذلان. وأما الأبرار المقتصدون فقطعوا مراحل سفرهم بالاهتمام بإقامة أمر الله وعقد القلب على ترك مخالفته ومعاصيه فهممهم مصروفة إلى القيام بالأعمال الصالحة واجتناب الأعمال القبيحة فأول ما يستيقظ أحدهم من منامه يسبق إلى قلبه القيام إلى الوضوء والصلاة كما أمر الله فإذا أدى فرض وقته اشتغل بالتلاة والأذكار إلى حين تطلع الشمس فيركع الضحى ثم ذهب إلى ما أقامه الله فيه من الأسباب فإذا حضر فرض الظهر بادر إلى التطهر والسعي إلى الصف الأول من المسجد فأدى فريضته كما كما أمر مكملا لها بشرائطها وأركانها وسننها وحقائقها الباطنة من الخشوع والمراقبة والحضور(1\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "218",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11813",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بين يدي الرب فينصرف من الصلاة وقد أثرت في قلبه وبدنه وسائر أحواله آثارا تبدو على صفحاته ولسانه وجوارحه ويجد ثمرتها في قلبه من الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور وقلة التكالب والحرص على الدنيا وعاجلها قد نهته صلاته عن الفحشاء والمنكر وحببت إليه لقاء الله ونفرته من كل قاطع يقطعه عن الله فهو مغموم مهموم كأنه في سجن حتى تحضر الصلاة فإذا حضرت قام إلى نعيمه وسروره وقرة عينه وحياة قلبه فهو لا تطيب له الحياة إلا بالصلاة. هذا وهم في ذلك كله مراعون لحفظ السنن لا يخلون منها بشيء ما أمكنهم فيقصدون من الوضوء أكمله ومن الوقت أوله ومن الصفوف أولها عن يمين الإمام أو خلف ظهره ويأتون بعد الفريضة بالأذكار المشروعة كالاستغفار ثلاثا. وقول: quot;اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرامquot;. وقول: quot;لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجدquot; quot;لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرونquot;. ثم يسبحون ويحمدون ويكبرون تسعها وتسعين ويختمون المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. ومن أراد المزيد قرأ آية الكرسي والمعوذتين عقيب كل صلاة فإن فيها أحاديث رواها النسائي وغيره ثم يركعون السنة على أحسن الوجوه هذا دأبهم في كل فريضة. فإذا كان قبل غروب الشمس توافروا على أذكار المساء الواردة في السنة نظير أذكار الصباح الواردة في أول النهار لا يخلون بها بأبدا فإذا جاء الليل كانوا فيه على منازلهم من مواهب الرب سبحانه التي قسمها بين عباده فإذا أخذوا مضاجعهم أتوا بأذكار النوم والواردة في السنة وهي كثيرة تبلغ نحوا من أربعين فيأتون منها بما علموه وما يقدرون عليه من قراءة سورة الإخلاص والمعوذتين ثلاثا ثم يمسحون بها رؤوسهم ووجوههم وأجسادهم ثلاثا ويقرؤون آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة ويسبحون ثلاثا وثلاثين ويحمدون ثلاثا وثلاثين ويكبرون أربعا وثلاثين ثم يقول أحدهم: quot;اللهم إني أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك(1\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "219",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11814",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت quot; وإن شاء قال: quot;باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه فإن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحينquot; وإن شاء قال: quot;اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم ربي ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوراة والإنجيل والفرقان أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين واغنني من الفقرquot;. وبالجملة فلا يزال يذكر الله على فراشه حتى يغلبه النوم وهو يذكر الله فهذا منامه عبادة وزيادة له في قربة من الله فإذا استيقظ عاد إلى عادته الأولى ومع هذا فهو قائم بحقوق العباد من عيادة المرضى وتشييع الجنائز وإجابة الدعوة والمعاونة لهم بالجاه والبدن والنفس والمال وزيارتهم وتفقدهم وقائم بحقوق أهله وعياله فهو متنقل في منازل العبودية كيف نقله فيها الأمر فإذا وقع منه تفريط في حق من حقوق الله بادر إلى الإعتذار والتوبة والاستغفار ومحوه ومداواته بعمل صالح يزيل أثره فهذا وظيفته دائما. وأما السابقون المقربون: فنستغفر الله الذين لا إله غلا هو أولا من وصف حالهم وعدم التصاف به بل ما شممنا له رائحة. ولكن محبة القوم تحمل على تعرف منزلتهم والعلم بها وإن كانت النفوس متخلفة منقطعة عن اللحاق بهم ففي معرفة حال القوم فوائد عديدة: (فوائد معرفة حال السابقين المقربين) : منها: أن لا يزال المتخلف المسكين مزريا على نفسه ذاما لها. ومنها: أنه لا يزال منكسر القلب بين يدي ربه تعالى ذليلا له حقيرا يشهد منازل السابقين وهو في زمرة المنقطعين ويشهد بضائع التجار وهو في رفقة المحرومين. ومنها: أنه عساه أن تنهض همته يوما إلى التشبث والتعلق بساقة القوم ولو من بعيد. ومنها: أنه لعله أن يصدق في الرغبة واللجأ إلى من بيده الخير كله أن يلحقه بالقوم ويهيئه لأعمالهم فيصادف ساعة إجابة لا يسأل الله عز وجل فيها شيئا إلا أعطاه. ومنها: أن هذا العلم هو من أشرف علوم العبادة وليس بعد علم التوحيد أشرف منه وهو لا يناسب إلا النفوس الشريفة ولا يناسب النفوس الدنيئة المهينة فإذا رأى نفسه تناسب هذا العلم وتشتاق إليه وتحبه وتأنس بأقله فليبشر بالخير فقد أهل له فليقل لنفسه: يا نفس فقد حصل لك شطر(1\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "220",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11815",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ".. ... السعادة فاحرصي على الشطر الآخر فإن السعادة في العلم بهذا الشأن والعمل به فقد قطعت نصف المسافة فهلا تقطعين باقيا فتفوزين فوزا عظيما. ومنها: أن العلم بكل حال خير من الجهل فإذا كان اثنان أحدهما عالم بهذا الشأن غير موصوف به ولا قائم به وآخر جاهل به غير متصف به فهو خلو من الأمرين فلا ريب أن العالم به خير من الجاهل وإن كان العالم المتصف به خيرا منهما فينبغي أن يعطي كل ذي حق حقه وينزل في مرتبته. ومنها: أنه إذا كان العلم بهذا الشأن همه ومطلوبه فلا بد أن ينال منه بحسب استعداده ولو لحظة لو بارقة ولو أنه يحدث نفسه بالنهضة إليه. ومنها: أنه لعله يجري منه على لسانه ما ينتفع به غيره بقصده أو بغير قصده والله لا يضيع مثقال ذرة فعسى أن يرحم بذلك العامل. وبالجملة ففوائد العلم بهذا الشأن لا تنحصر فلا ينبغي أن تصغي إلى من يثبطك عنه وتقول: إنه لا ينفع بل احذره واستعن بالله ولا تعجز ولكن لا تغتر وفرق بين العلم والحال وإياك أن تظن أن بمجرد علم هذا الشأن قد صرت من أهله هيهات ما أظهر الفرق بين العلم بوجوه الغنى وهو فقير وبين الغني بالفعل وبين العالم بأسباب الصحة وحدودها وهو سقيم وبين الصحيح بالفعل. فاسمع الآن وصف القوم وأحضر ذهنك لشأنهم العجيب وخطرهم الجليل فإن وجدت من نفسك حركة وهمة إلى التشبه بهم فاحمد الله وادخل فالطريق واضح والباب مفتوح: إذا أعجبتك خصال امريء ... فكنه تكن مثل ما يعجبك فليس على الجود والمكر ما ... ت إذا جئتها حاجب يحجبك فنبأ القوم عجيب وأمرهم خفي إلا على من له مشاركة مع القوم فإنه يطلع من حالهم على ما يريه إياه القدر المشترك. وجلمة أمرهم: أنهم قوم قد امتلأت قلوبهم من معرفة الله وغمرت بمحبته وخشيته وإجلاله ومراقبته فسرت المحبة في أجزائهم فلم يبق فيها عرق ولا مفصل إلا وقد دخله الحب. قد أنساهم حبه ذكر غيره وأوحشهم أنسهم به ممن سواه. وقد فنوا بحبه عن حب من سواه وبذكره عن ذكر من سواه وبخوفه ورجائه والرغبة إليه والرهبة منه والتوكل عليه والإنابة إليه والسكون إليه والتذلل والانكسار بين يديه عن تعلق ذلك منهم بغيره. فإذا وضع أحدهم جنبه على مضجعه صعدت أنفاسه إلى إلهه ومولاه واجتمع همه عليه متذكرا صفاته العلى(1\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "221",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11816",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأسماءه الحسنى مشاهدا له فى أسمائه وصفاته قد تجلت على قلبه أنوارها فانصبغ قلبه بمعرفته ومحبته فبات جسمه فى فراشه يتجافى عن مضجعه وقلبه قد أوى إلى مولاه وحبيبه فآواه إليه وأسجده بين يديه خاضعا خاشعا ذليلا منكسرا من كل جهة من جهاته. فيا لها سجدة ما أشرفها من سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللقاء. وقيل لبعض العارفين: أيسجد القلب بين يدى ربه قال: أى والله بسجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم القيامة. فشتان بين قلب يبيت عنه ربه قد قطع فى سفره إليه بيداء الأكوان وخرق حجب الطبيعة ولم يقف عند رسم ولا سكن إلى علم حتى دخل على ربه فى داره فشاهد عز سلطانه وعظمة جلاله وعلو شأنه وبهاء كماله وهو مستو على عرشه يدبر أمر عباده وتصعد إليه شؤون العباد وتعرض عليه حوائجهم وأعمالهم فيأمر فيها بما يشاء فينزل الأمر من عنده نافدا [كما أمر]  فيشاهد الملك الحق قيوما بنفسه مقيما لكل ما سواه غنيا عن كل من سواه وكل من سواه فقير إليه: يسأله من فى السموات والأرض كل يوم هو فى شأن [الرحمن:29]  يغفر ذنبا ويفرج كربا ويفك عانيا وينصر ضعيفا ويجبر كسيرا ويغنى فقيرا ويميت ويحيى ويسعد ويشقى ويضل ويهدى وينعم على قوم ويسلب نعمته عن آخرين ويعز أقواما ويذل آخرين ويرفع أقواما ويضع آخرين. ويشهده كما أخبر عنه أعلم الخلق به وأصدقهم فى خبره حيث يقول فى الحديث الصحيح: quot;يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق فإنه لم يغض ما فى يمينه وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفعquot; فيشاهده كذلك يقسم الأرزاق ويجزل العطايا ويمن بفضله على من يشاء من عباده بيمينه وباليد الأخرى الميزان يخفض به من يشاء ويرفع به من يشاء عدلا منه وحكمة لا إله إلا هو العزيز الحكيم فيشهده وحده القيوم بأمر السموات والأرض ومن فيهن ليس له بواب فيستأذن ولا حاجب فيدخل عليه ولا وزير فيؤتى ولا ظهير فيستعان به ولا ولى من دونه فيشفع به إليه ولا نائب عنه فيعرفه حوائج عباده ولا معين له فيعاونه على قضائها [بل قد] أحاط سبحانه بها علما ووسعها قدرة ورحمة فلا تزيده كثرة الحاجات إلا جودا وكرما ولا يشغله منها شأن عن شأن ولا تغلطه كثرة المسائل ولا يتبرم بإلحاح الملحين. لو اجتمع أول خلقه وآخرهم وإنسهم وجنهم وقاموا فى(1\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "222",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11817",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صعيد واحد ثم سألوه فأعطى كلا منهم مسألته ما نقص ذلك مما عنده ذرة واحدة إلا كما ينقص المخيط البحر إذا غمس فيه. ولو أن أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منهم ما زاد ذلك فى ملكه شيئا ذلك بأنه الغنى الجواد الماجد فعطاؤه [من] كلام وعذابه كلام: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [يس:82] . ويشهده كما أخبر عنه أيضا الصادق المصدوق حيث يقول: quot;إن الله لا ينام ولا ينبغى له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقهquot;. وبالجملة فيشهده فى كلامه فقد تجلى سبحانه وتعالى لعباده فى كلامه وتراءى لهم فيه وتعرف إليهم فيه فبعدا وتبا للجاحدين والظالمين: أفى الله شك فاطر السموات والأرض [إبراهيم: 10] إلا إله إلا هو الرحمن الرحيم. فإذا صارت صفات ربه وأسماؤه مشهدا لقلبه أنسته ذكر غيره وشغلته عن حب من سواه وحديث: دواعى قلبه إلى حبه تعالى بكل جزء من أجزاء قلبه وروحه وجسمه فحينئذ يكون الرب سبحانه سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها. فبه يسمع وبه يبصر وبه يبطش وبه يمشى. كما أخبر عن نفسه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم: quot;ومن غلظ حجابه وكثف طبعه وصلب عوده فهو عن فهم هذا بمعزل بل لعله أن يفهم منه ما لا يليق به تعالى من حلول أو اتحاد أو يفهم منه غير المراد منه فيحرف معناه ولفظه: ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور [النور: 40] . وقد ذكرت معنى الحديث والرد على من حرفه وغلط فيه فى كتاب quot;التحفة المكيةquot;. وبالجملة فيبقى قلب العبد- الذى هذا شأنه- عرشا للمثل الأعلى أى عرشا لمعرفة محبوبه ومحبته وعظمته وجلاله وكبريائه وناهيك بقلب هذا شأنه فياله من قلب من ربه ما أدناه ومن قربه ما أحظاه فهو ينزه قلبه أن يساكن سواه أو يطمئن بغيره فهؤلاء قلوبهم قد قطعت الأكوان وسجدت تحت العرش وأبدانهم فى فرشهم كما قال أبو الدرداء: إذا نام العبد المؤمن عرج بروحه حتى تسجد تحت العرش فإن كان طاهرا أذن لها فى السجود وإن كان جنبا لم يؤذن لها بالسجود وهذا والله أعلم هو السر الذى لأجله quot;أمر النبى صلى الله عليه وسلم الجنب إذا أراد النوم أن يتوضأquot; وهو إما واجب على أحد القولين(1\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "223",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11818",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو مؤكد الاستحباب على القول الآخر فإن الوضوء يخفف حدث الجنابة ويجعله طاهرا من بعض الوجوه. ولهذا روى الإمام أحمد وسعيد بن منصور وغيرهما عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنهم إذا كان أحدهم جنبا ثم أراد أن يجلس فى المسجد توضأ ثم جلس فيه وهذا مذهب الإمام أحمد وغيره مع أن المساجد لا تحل لجنب [فدل] على أن وضؤه رفع حكم الجنابة المطلقة الكاملة التى تمنع الجنب من الجلوس فى بيت الله وتمنع الروح من السجود بين يدى الله سبحانه. فتأمل هذه المسألة وفقهها واعرف مقدار فقه الصحابة وعمق علومهم فهل ترى أحدا من المتأخرين وصل إلى مبلغ هذا الفقه الذى خص الله به خيار عباده وهم أصحاب نبيه وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. فإذا استيقظ هذا القلب من منامه صعد إلى الله بهمه وحبه وأشواقه مشتاقا إليه طالبا له محتاجا [له] عاكفا عليه فحاله كحال المحب الذى غاب عن محبوبه الذى لا غنى له عنه ولا بد له منه وضرورته إليه أعظم من ضرورته إلى النفس والطعام والشراب فإذا نام غاب عنه فإذا استيقظ عاد إلى الحنين إليه وإلى الشوق الشديد [والحب] المقلق فحبيبه آخر خطراته عند منامه وأولها عند استيقاظه كما قال بعض المحبين لمحبوبه: وآخر شيء أنت فى كل هجعة ... وأول شيء أنت عند هبوبي فقد أفصح هذا المحب عن حقيقة المحبة وشروطها فإذا كان هذا فى محبة مخلوق لمخلوق فما الظن فى محبة المحبوب الأعلى فأف لقلب لا يصلح لهذا ولا يصدق به لقد صرف عنه خير الدنيا والآخرة. فصل فإذا استيقظ أحدهم [وقد بدر] إلى قلبه هذا الشأن فأول ما يجرى على لسانه ذكر محبوبه والتوجه إليه واستعطافه والتملق بين يديه والاستعانة به أن لا يخلى بينه وبين نفسه وأن لا يكله إليها فيكله إلى ضعة وعجز وذنب وخطيئة بل يكلأه كلاءة الوليد الذى لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فأول ما يبدأ به الحمد لله الذى أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور متدبرا لمعناها من ذكر نعمة الله عليه بأن أحياه بعد نومه الذى هو أخو الموت وأعاده إلى حاله سويا سليما محفوظا مما لا يعلمه ولا يخطر بباله من المؤذيات [المهلكات] والتى هو غرض وهدف لسهامها كلها(1\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "224",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11819",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تقصده بالهلاك أو الأذى والتى من بعضها [أرواح] شياطين الإنس والجن فإنها تلتقى بروحه إذا نام فتقصد إهلاكه وأذاه فلولا أن الله سبحانه يدفع عنه لما سلم. هذا [وكم تتلقى] الروح فى تلك الغيبة من أنواع الأذى والمخاوف والمكاره والتفزيعات ومحاربة الأعداء والتشويش والتخبيط بسبب ملابستها لتلك الأرواح فمن الناس من يشعر [بذلك لرقة روحه ولطافتها ويجد آثار ذلك فيها] إذا استيقظ من الوحشة والخوف والفزع والوجع الروحى الذى ربما غلب حتى سرى إلى البدن ومن الناس من تكون روحه أغلظ وأكثف وأقسى من أن تشعر بذلك فهى مثخنة بالجراح مزمنة بالأمراض ولكن لنومها لا تحس بذلك. هذا وكم من مريد لإهلاك جسمه من الهوام وغيرها وقد حفظه منه فهى فى أحجارها محبوسة عنه لو خليت وطبعها لأهلكته فمن ذا الذى كلأه وحرسه وقد غاب عنه حسه وعلمه وسمعه وبصره فلو جاءه البلاء من أى مكان جاء لم يشعر به ولهذا ذكر سبحانه عباده هذه النعمة وعدها عليهم من جملة نعمه فقال: من يكلأكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون [الأنبياء: 42] . فإذا تصور العبد ذلك فقال: quot;الحمد للهquot; كان حمده أبلغ وأكمل من حمد الغافل عن ذلك ثم تفكر فى أن الذى أعاده بعد هذه الإماتة حيا سليما قادرا على أن يعيده بعد موتته الكبرى حيا كما كان ولهذا يقول بعدها: quot;وإليه النشورquot; ثم يقول: quot;لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير والحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا باللهquot; ثم يدعو ويتضرع ثم يقوم إلى الوضوء بقلب حاضر مستصحب لما فيه ثم يصلى ما كتب الله [له] صلاة محب ناصح لمحبوبه متذلل منكسر بين يديه لا صلاة مدل بها عليه يرى من أعظم نعم محبوبه عليه أن أقامه وأنام غيره واستزاره وطرد غيره وأهله وحرم غيره فهو يزداد بذلك محبة إلى محبته ويرى أن قرة عينه وحياة قلبه وجنة روحه ونعيمه ولذته وسروره فى تلك الصلاة فهو يتمنى طول ليله ويهتم بطلوع الفجر كما يتمنى المحب الفائز بوصول محبوبه ذلك فهو كما قيل: يود أن ظلام الليل دام له ... وزيد فيه سواد القلب والبصر فهو يتملق فيها مولاه تملق المحب لمحبوبه العزيز الرحيم ويناجيه بكلامه معطيا(1\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "225",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11820",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لكل آية حظها من العبودية فتجذب قلبه وروحه إليه آيات المحبة والوداد والآيات التى فيها الأسماء والصفات والآيات التى تعرف بها إلى عباده بآلائه وإنعامه عليهم وإحسانه إليهم وتطيب له السير آيات الرجاء والرحمة وسعة البر والمغفرة فتكون له بمنزلة الحادى الذى يطيب له السير ويهونه [عليه]  وتقلقه آيات الخوف والعدل والانتقام وإحلال غضبه بالمعرضين عنه العادلين به غيره المائلين إلى سواه فيجمعه عليه ويمنعه أن يشرد قلبه عنه. فتأمل هذه الثلاثة وتفقه فيها والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله. وبالجملة فيشاهد المتكلم سبحانه وقد تجلى فى كلامه ويعطى كل آية حظها من عبودية قلبه الخاصة الزائدة على نفس فهمها ومعرفة المراد منها ثم شأن آخر لو فطن له العبد لعلم أنه كان قبل يلعب كما قيل: وكنت أرى أن قد تناهى بى الهوى ... إلى غاية ما بعدها لى مذهب فلما تلاقينا وعاينت حسنها ... تيقنت أنى إنما كنت ألعب فوا أسفاه وواحسرتاه كيف ينقضى الزمان وينفد العمر والقلب محجوب ما شم لهذا رائحة وخرج من الدنيا كما دخل إليها وما ذاق أطيب ما فيها بل عاش فيها عيش البهائم وانتقل منها انتقال المفاليس فكانت حياته عجزا وموته كمدا ومعاده حسرة وأسفا. اللهم [ولك] الحمد وإليك المستشكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك. فصل فإذا صلى ما كتب الله جلس مطرقا بين يدى ربه [تعالى] هيبة له وإجلالا واستغفره استغفار من قد تيقن أنه هالك إن لم يغفر له ويرحمه. فإذا قضى من الاستغفار وطرا وكان عليه بعد ليل اضطجع على شقه الأيمن مجما نفسه مريحا لها مقويا على أداء وظيفة الفرض فيستقبله نشيطا بجده وهمته كأنه لم يزل طول ليلته لم يعمل شيئا فهو يريد أن يستدرك ما فاته فى صلاة الفجر فيصلى السنة ويبتهل إلى الله بينها وبين الفريضة فإن لذلك الوقت شأنا يعرفه من عرفه ويكثر فيه من قول: quot;يا حى يا قيوم لا إله إلا أنتquot; فلهذا الذكر فى هذا الموطن تأثير عجيب ثم ينهض إلى صلاة الصبح قاصدا الصف الأول عن يمين الإمام أو خلف قفاه فإن فاته ذلك قصد القرب منه مهما أمكن فإن للقرب من الإمام تأثيرا فى سر الصلاة ولهذا القرب تأثير(1\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "226",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11821",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فى صلاة الفجر خاصة يعرفه من عرف قوله تعالى: وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا [الإسراء: 78] . قيل: يشهد الله عز وجل وملائكته وقيل: يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار فيتفق نزول هؤلاء البدل عند صعود أولئك فيجتمعون فى صلاة الفجر وذلك لأنها هى أول ديوان النهار وآخر ديوان الليل فيشهده ملائكة الليل والنهار. واحتج لهذا القول بما فى الصحيح من حديث الزهرى عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجةquot; ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار فى صلاة الفجر لقول أبى هريرة: واقرؤوا إن شئتم: وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا [الإسراء: 87] رواه البخارى فى الصحيح. قال أصحاب القول الأول: وهذا لا ينافى قولنا وهو أن يكون الله سبحانه وملائكة الليل والنهار يشهدون قرآن الفجر وليس المراد الشهادة العامة فإن الله على كل شيء شهيد بل المراد شهادة خاصة وهى شهادة حضور ودنو متصل بدنو الرب [تعالى] ونزوله إلى سماء الدنيا فى الشطر الأخير من الليل. وقد روى الليث بن سعد: حدثنى زيادة بن محمد [عن محمد بن] كعب القرظى عن فضالة ابن عبيد الأنصارى عن أبى الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot;إن الله عز وجل ينزل فى ثلاث ساعات يبقين من الليل فيفتح الذكر فى الساعة الأولى الذى لم يره غيره فيمحو الله ما يشأ ويثبت ثم ينزل فى الساعة الثانية إلى جنة عدن وهى داره التى لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر وهى مسكنه لا يسكنها معه من بنى آدم غير ثلاث وهم النبيون والصديقون والشهداء ثم يقول: طوبى لمن دخلك ثم ينزل فى الساعة الثالثة إلى سماء الدنيا بروحه وملائكته فتنفض فيقول: قومى بعزتى ثم يطلع إلى عباده فيقول: هل من مستغفر فأغفر له ألا من سائل يسألنى فأعطيهquot; ألا [من] داع يدعونى فأجيبه حتى تكون صلاة الفجر. ولذلك يقول الله عز وجل: وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا [الإسراء: 78]  يشهده الله عز وجل وملائكته ملائكة الليل والنهارquot;. ففى هذا الحديث أن النزول يدوم إلى صلاة الفجر وعلى هذا فيكون شهود [الله] سبحانه لقرآن الفجر مع شهود ملائكة الليل والنهار له وهذه خاصة بصلاة الصبح ليست لغيرها من [الصلوات]  وهذا لا ينافى دوام النزول فى سائر الأحاديث إلى طلوع الفجر ولا سيما وهو معلق فى بعضها على(1\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "227",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11822",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "انفجار الصبح وهو اتساع ضوئه. وفى لفظ: quot;حتى يضيء الفجرquot; [فى] لفظ: quot;حتى يسطع الفجرquot; وذلك هو وقت قراءة الفجر وهذا دليل على استحباب تقديمها مع مواظبة النبى صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين على تقديمها فى أول وقتها فكان النبى صلى الله عليه وسلم يقرأ فيها بالستين إلى المائة ويطيل ركوعها وسجودها وينصرف منها والنساء لا يعرفن من الغلس وهذا لا يكون إلا مع شدة التقديم فى أول الوقت لتقع القراءة فى وقت النزول فيحصل الشهود المخصوص مع أنه قد جاء فى بعض الأحاديث مصرحا به دوام ذلك إلى الانصراف من صلاة الصبح رواه الدارقطنى فى كتاب quot;نزول الرب [تعالى] كل ليلة إلى سماء الدنياquot; من حديث محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot;ينزل الله عز وجل إلى سماء الدنيا لنصف الليل الآخر أو الثلث الآخر يقول: من ذا الذى يدعونى فأستجيب له من ذا الذى يسألنى فأعطيه من ذا الذى يستغفرنى فأغفر له حتى يطلع الفجر أو ينصرف القاريء من صلاة الصبحquot; رواه عن محمد جماعة: منهم سليمان بن بلال وإسماعيل بن جعفر والدراوردى وحفص بن غياث ويزيد بن هارون وعبد الوهاب بن عطاء ومحمد بن جعفر والنضر بن شميل كلهم قال: quot;أو ينصرف القاريء من صلاة الفجرquot; فإن كانت هذه اللفظة محفوظة عن النبى صلى الله عليه وسلم فهى صريحة فى المعنى كاشفة للمراد وإن لم تكن محفوظة وكانت من شك الراوى هل قال هذا أو هذا فقد قدمنا أنه لا منافاة بين اللفظين. وأن حديث الليث بن سعد عن محمد بن زياد يدل على دوام النزول إلى وقت صلاة الفجر وأن تعليقه بالطلوع لكونه أول الوقت الذى يكون فيه الصعود كما رواه يونس بن أبى إسحق عن أبيه عن الأغر أبى مسلم قال: شهدت على النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;إن الله عز وجل يمهل حتى إذا كان ثلث الليل هبط إلى هذه السماء ثم أمر بأبواب السماء ففتحت ثم قال: هل من سائل فأعطيه هل من داع فأجيبه هل من مستغفر فأغفر له هل من مستغيث أغيثه هل من مضطر أكشف عنه فلا يزال ذلك مكانه حتى يطلع الفجر فى كل ليلة من الدنيا ثم يصعد إلى السماء quot;. قال الدارقطنى: فزاد فيه يونس بن أبى إسحق زيادة حسنة. والمقصود ذكر القرب من الإمام فى صلاة الفجر وتقديمها فى أول وقتها. والله أعلم.(1\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "228",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11823",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل فإذا فرغ من صلاة الصبح أقبل بكليته على ذكر الله والتوجه إليه بالأذكار التى شرعت أول النهار فيجعلها وردا له لا يخل بها أبدا ثم يزيد عليها ما شاء من الأذكار الفاضلة أو قراءة القرآن حتى تطلع الشمس فإذا طلعت فإن شاء ركع ركعتى الضحى وزاد ما شاء وإن شاء قام من غير ركوع ثم يذهب متضرعا إلى ربه سائلا له أن يكون ضامنا عليه متصرفا فى مرضاته بقية يومه فلا ينقلب إلا فى شيء يظهر له فيه مرضاة ربه وإن كان من الأفعال العادية الطبيعية قلبه عبادة بالنية وقصد الاستعانة به على مرضاة الرب. وبالجملة فيقف عند أول الداعى إلى فعله فيفتش [ويستخرج منه منفدأ ومسلكا يسلك به فينقلب] فى حقه عبادة وقربة وشتان كم بين هذا وبين من إذا عرض له أمر من أوامر الرب لا بد له من فعله وفتش فيه على مراد لنفسه وغرض لطبعه ففعلة لأجل ذلك وجعل الأمر طريقا له ومنفذا لمقصده فسبحان من فاوت بين النفوس إلى هذا الحد والغاية فهذا عباداته عادات والأول عاداته عبادات. فإذا جاء فرض الظهر بادر إليه مكملا له ناصحا فيه لمعبوده كنصح المحب الصادق المحبة لمحبوبه الذى قد طلب منه أن يعمل له شيئا ما فهو لا يبقى مجهودا بل يبذل مقدوره كله فى تحسينه وتزيينه وإصلاحه وإكماله ليقع موقعا من محبوبه فينال به رضاه عنه وقربه منه. أفلا يستحى العبد من ربه ومولاه ومعبوده أن لا يكون فى عمله هكذا وهو يرى المحبين فى أشغال محبوبيهم من الخلق كيف يجتهدون [فى إيقاعها] على أحسن وجه وأكمله بل هو يجد من نفسه ذلك مع من يحبه من الخلق فلا أقل من أن يكون مع ربه بهذه المنزلة ومن أنصف نفسه وعرف أعماله استحى من الله أن يواجهه بعمله أو يرضاه لربه وهو يعلم من نفسه أنه لو عمل لمحبوب له من الناس لبذل فيه نصحه ولم يدع من حسنه شيئا إلا فعله. وبالجملة فهذا حال هذا العبد مع ربه فى جميع أعماله فهو يعلم أنه لا يوفى هذا المقام حقه فهو أبدا [يستغفر الله عقيب كل عمل وكان النبى صلى الله عليه وسلم] إذا سلم من الصلاة استغفر الله ثلاثا وقال تعالى: وبالأسحار هم يستغفرون [الذاريات: 18] . قال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر ثم جلسوا يستغفرون ربهم. وقال تعالى: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم [البقرة: 199]  فأمر(1\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "229",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11824",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبحانه بالاستغفار بعد الوقوف بعرفة والمزدلفة وشرع للمتوضيء أن يقول بعد وضوئه: quot;اللهم اجعلنى من التوابين واجعلنى من المتطهرينquot; فهذه توبة بعد الوضوء وتوبة بعد الحج وتوبة بعد الصلاة وتوبة بعد قيام الليل. فصاحب هذا المقام مضطر إلى التوبة والاستغفار كما تبين فهو لا يزال مستغفرا تائبا وكلما كثرت طاعاته كثرت توبته واستغفاره. فصل وجماع الأمر فى ذلك إنما هو بتكميل عبودية الله [عز وجل] فى الظاهر والباطن فتكون حركات نفسه وجسمه كلها فى محبوبات الله وكمال عبودية العبد موافقته لربه فى محبته ما أحبه وبذل الجهد فى فعله وموافقته فى كراهة ما كرهه وبذل الجهد فى تركه وهذا إنما يكون للنفس المطمئنة لا للأمارة ولا للوامة. فهذا كمال من جهة الإرادة والعمل وأما من جهة العلم والمعرفة فأن تكون بصيرته منفتحة فى معرفة الأسماء والصفات والأفعال له شهود خاص فيها مطابق لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لا مخالف له [فإنه] بحسب مخالفته له فى ذلك يقع الانحراف ويكون [مع] ذلك قائما بأحكام العبودية الخاصة التى تقتضيها كل صفة بخصوصها وهذا سلوك الأكياس الذين هم خلاصة العالم والسالكون على هذا الدرب أفراد من العالم طريق سهل قريب موصل طريق آمن أكثر السالكين فى غفلة عنه ولكن يستدعى رسوخا فى العلم ومعرفة تامة به وإقداما على رد الباطل المخالف له ولو قاله من قاله وليس عند أكثر الناس سوى رسوم تلقوها عن قوم معظمين عندهم ثم لإحسان ظنهم بهم قد وقفوا عند أقوالهم ولم يتجاوزوها [إلى غيرها] فصارت حجابا لهم وأى حجاب. فمن فتح الله عليه بصيرة قلبه وإيمانه حتى خرقها وجاوزها إلى مقتضى الوحى والفطرة والعقل فقد أوتىخيرا كثيرا ولا يخاف عليه إلا من ضعف همته فإذا انضاف إلى ذلك الفتح همة عالية فذاك السابق حقا واحد الناس بزمانه لا يلحق شأوه ولا يشق غباره فشتان ما بين من يتلقى أحواله ووارداته عن الأسماء والصفات وبين من يتلقاها عن الأوضاع الاصطلاحية والرسوم أو عن مجرد ذوقه ووجده إذا استحسن شيئا قال هذا هو الحق فالسير إلى الله من طريق الأسماء والصفات شأنه عجب وفتحه عجب صاحبه قد سيقت له السعادة وهو مستلق على فراشه غير تعب ولا مكدود ولا مشتت عن وطنه ولا مشرد عن سكنه:(1\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "230",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11825",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب [النمل:88] . وليس العجب من سائر فى ليله ونهاره وهو فى الثرى لم يبرح من مكانه وإنما العجب من ساكن لا يرى عليه أثر السفر وقد قطع المراحل والمفاوز فسائر قد ركبته نفسه فهو حاملها سائر بها ملبوك يعاقبها وتعاقبه ويجرها وتهرب منه ويخطو بها خطوة إلى أمامه فتجذبه خطوتين إلى ورائه فهو معها فى جهد وهى معه كذلك وسائر قد ركب نفسه وملك عنانها فهو يسوقها كيف شاء وأين شاء لا تلتوى عليه ولا تنجذب ولا تهرب منه بل هى معه كالأسير الضعيف فى يد مالكه وآسره وكالدابة الريضة المنقادة فى يد سائسها وراكبها فهى منقادة معه حيث قادها فإذا رام التقدم جمزت به وأسرعت فإذا أرسلها سارت به وجرت فى الحلبة إلى الغاية ولا يردها شيء فتسير به وهو ساكن على ظهرها ليس كالذى نزل عنها فهو يجرها بلجامها ويشحطها ولا تنشحط فشتان ما بين المسافرين فتأمل هذا المثل فإنه مطابق لحال السائرين المذكورين والله يختص برحمته من يشاء. فصل ومن شأن القوم أن تنسلخ نفوسهم من التدبير والاختيار الذى يخالف تدبير [ربهم] تعالى واختياره بل قد سلموا إليه سبحانه التدبير كله فلا يزاحم تدبيرهم تدبيره ولا اختيارهم اختياره لتيقنهم أنه الملك القاهر القابض على نواصى الخلق المتولى [لتدبير] أمر العالم كله وتيقنهم مع ذلك أنه الحكيم فى أفعاله الذى لا تخرج أفعاله عن الحكمة والمصلحة والرحمة فلم يدخلوا أنفسهم معه فى تدبيره لملكه وتصريفه أمور عباده بلو كان كذا وكذا ولا بعسى ولعل ولا بليت بل ربهم [تعالى] أجل وأعظم فى قلوبهم من أن يعترضوا عليه أو يتسخطوا تدبيره أو يتمنوا سواه وهم أعلم به وأعرف بأسمائه وصفاته من أن يتهموه فى تدبيره أو يظنوا به الإخلال بمقتضى حكمته وعدله بل هو ناظر بعين قلبه إلى باريء الأشياء وفاطرها ناظر إلى إتقان صنعه مشاهد لحكمته فيه وإن لم يخرج ذلك على مكاييل عقول البشر وعوائدهم ومألوفاتهم. قال بعض السلف: لو قرض جسمى بالمقاريض أحب إلى من أن أقول لشيء قضاه الله: ليته لم يقضه. وقال آخر: أذنبت ذنبا أبكى عليه منذ ثلاثين سنة. وكان قد اجتهد فى العبادة قيل له: ما هو قال: قلت مرة لشيء كان: ليته لم يكن. وبعض العارفين يجعل عيب المخلوقات(1\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "231",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11826",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتنقيصها بمنزلة العيب لصانعها وخالقها لأنها صنعه وأثر حكمته وهو سبحانه أحسن كل شيء فى خلقه وأتقن كل شيء وهو أحكم الحاكمين وأحسن الخالقين له فى كل شيء حكمة بالغة وفى كل مصنوع صنع متقن والرجل إذا عاب صنعة [رجل آخر وذمها سرى ذلك إلى صانعها فمن عاب صنعة] الرب سبحانه بلا إذنه سرى ذلك إلى الصانع لأنه كذلك صنعها عن حكمته أظهرها إذ كانت الصنعة مجبولة لم تصنع نفسها ولا صنع لها فى خلقها. [والعارف] لا يعيب إلا ما عابه الله ولا يذم إلا ما ذمه وإذا سبق إلى قلبه ولسانه عيب ما لم يعبه الله وذم ما لم يذمه الله تاب إلى الله منه كما يتوب صاحب الذنب من ذنبه فإنه يستحى من الله أن يكون فى داره وهو يعيب آلات تلك الدار وما فيها فهو يرى نفسه بمنزلة رجل دخل إلى دار ملك من الملوك ورأى ما فيها من الآلات والبناء والترتيب فأقبل يعيب منها بعضها ويذمه ويقول: لو كان كذا بدل كذا لكان خيرا ولو كان هذا فى مكان هذا لكان أولى وشاهد الملك يولى ويعزل ويحرم ويعطى فجعل يقول: لو ولى هذا مكان فلان كان خيرا ولو عزل هذا المتولى لكان أولى ولو عوفى هذا.. ولو أغنى هذا.. فكيف يكون مقت الملك لهذا المعترض وإخراجه له من قربه وكذلك لو أضافه صاحب له فقدم إليه طعاما فجعل يعيب صفته ويذمه أكان ذلك يهون على صاحب الطعام قالت عائشة: quot;ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما قط إن اشتهى شيئا أكله وإلا تركه quot;. والمقصود أن من شأن القوم ترك الاهتمام بالتدبير والاختيار بل همهم كله فى إقامة حقه عليهم وأما التدبير العام والخاص فقد سلموه لولى الأمر كله ومالكه الفعال لما يريد. ولعلك تقول: من ذا الذى ينازع الله فى تدبيره فانظر إلى نفسك- فى عجزها وضعفها وجهلها- كيف هى [عرضة] للمنازعة منازعة جاهل عاجز ضعيف لو قدر لظهرت منه العجائب فسبحان من أذله بعجزه وضعفه وجهله وأراه العبر فى نفسه لو كان ذا بصر: كيف هو عاجز القدرة جبار الإرادة عبد مربوب مدبر مملوك ليس له من الأمر شيء وهو مع ذلك ينازع الله ربوبيته وحكمته وتدبيره لا يرضى بما رضى الله به ولا يسكن عند مجارى أقداره بل هو عبد ضعيف مسكين يتعاطى الربوبية فقير مسكين فى مجموع حالاته ويرى نفسه غنيا جاهل ظالم ويرى نفسه عارفا محسنا فما أجهله بنفسه وبربه(1\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "232",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11827",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما أتركه لحقه [وأشده] إضاعته لحظه ولو أحضر رشده لرأى ناصيته ونواصى الخلائق بيد الله سبحانه وتعالى يحفظها ويرفعها كيف [شاء] وقلوبهم بيده سبحانه وفى قبضته يقلبها كيف يشاء يزيغ منها من يشاء ويقيم من يشاء ولكان هذا غالبا على شهود قلبه فيغيب به عن مشيئاته وإرادته واختياره ولعرف أن التدبير والركون إلى حول العبد وقوته من الجهل بنفسه وبربه فينفى العلم بالله الجهل عن قلبه فتمحى منه الإرادات والمشيئات والتدبيرات ويفوضها إلى مالك القلوب والنواصى فصير بذلك عبدا لربه تقلبه يد القدرة ويصير ابن وقته لا ينتظر وقتا آخر يدبر [نفسه فيه]  لأن ذلك الوقت بيد موقته فيرى نفسه بمنزلة الميت فى قبره ينتظر ما يفعل به مستسلم لله منقطع المشيئة والاختيار. هذا ما يجرى على أحدهم من فعل الله وحكمه وقضائه الكونى فإذا جاء الأمر جاءت الإرادة والاختيار [السعى والجد] واستفراغ الفكر وبذل الجهد فهو قوى حى فعال يشاهد عبودية مولاه فى أمره فهو متحرك فيها بظاهره وباطنه قد أخرج مقدوره من القوة إلى الفعل وهو مع ذلك مستعين بربه قائم بحوله وقوته ملاحظ لضعفه وعجزه قد تحقق بمعنى: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5]  فهو ناظر بقلبه إلى مولاه الذى حركه مستعين به فى أن يوفقه لما يحبه ويرضاه عينه فى كل لحظة شاخصة إلى حقه المتوجه عليه لربه ليؤديه فى وقته على أكمل أحواله فإذا وردت عليهم أقداره التى تصيبهم بغير اختيارهم قابلوها بمقتضاها من العبودية وهم فيها على مراتب ثلاثة: إحداها: الرضا عنه فيها والمزيد من حبه والشوق إليه وهذا نشأ من مشاهدتهم للطفه فيها وبره وإحسانه العاجل والآجل ومن مشاهدتهم حكمته فيها ونصبها سببا لمصالحهم وشوقهم بها إلى حبه ورضوانه ولهم من ذلك مشاهد أخر لا تسعها العبارة وهى فتح من الله على العبد لا يبلغه علمه ولا عمله. المرتبة الثانية: شكره عليها كشكره على النعم وهذا فوق الرضا عنه بها ومنه ينتقل إلى هذه المرتبة فهذه مرتبتان لأهل هذا الشأن. والثالثة: للمقتصدين وهى مرتبة الصبر التى إذا نزل منها نزل إلى نقصان الإيمان وفواته من التسخط والتشكى واستبطاء الفرج واليأس من الروح والجزع الذى لا يفيد إلا فوات الأجر وتضاعف المصيبة. فالصبر أول منازل الإيمان ودرجاته وأوسطها وآخرها فإن صاحب الرضا والشكر لا يعدم الصبر فى مرتبته بل الصبر(1\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "233",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11828",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معه وبه يتحقق الرضا والشكر [و] لا تصور ولا تحقق لهما دونه وهكذا كل مقام مع الذى فوقه كالتوكل مع الرضا وكالخوف والرجاء مع الحب فإن المقام لا ينعدم بالترقى إلى الآخر ولو عدم لخلفه ضده وذلك رجوع إلى نقص الطبيعة وصفات النفس المذمومة وإنما يندرج حكمه فى المقام الذى أعلى منه فيصير الحكم له كما يندرج مقام [المتوكل] فى مقام المحبة والرضا وليس هذا كمنازل سير الأبدان الذى إذا قطع منها منزلا خلفه وراء ظهره واستقبل المنزل الآخر معرضا عن الأول بارتحاله بل هذا كمنزلة التاجر الذى كلما باع شيئا من ماله وربح فيه ثم باع الثانى وربح فقد ربح بهما معا وهكذا أبدا يكون ربحه فى كل صفقة متضاعفا بانضمامه إلى ما قبله فالربح الأول اندرج فى الثانى ولم يعدم. فتأمل هذا الموضع واعطه حقه يزل عنك ما يعرض من الغلط فى علل المقامات وتعلم أن دعوى المدعى أنها من منازل العوام ودعوى أنها معلولة غلط من وجهين أحدهما: أن أعلى المقامات مقرون بأدناها مصاحب له كما تقدم متضمن له تضمن الكل لجزئه أو مستلزم له استلزام الملزوم للازمه لا ينفك عنه أبدا ولكن لاندراجه فيه وانطواء حكمه تحته يصير المشهد والحكم للعالى. الوجه الثانى: أن تلك المقامات والمنازل إنما [تكون فى] منازل العوام وتعرض لها العلل بحسب متعلقاتها وغاياتها فإن كان متعلقها وغاياتها بريئا من شوائب العلل وهو أجل متعلق وأعظمه فلا علة فيها بحال وهى من منازل الخواص [حينئذ وإن كان متعلقا خطأ للعبد أو أمرا موشبا بخطه فهى معلولة] من جهة تعلقها بحظه ولنذكر لذلك أمثلة المثال الأول: الإرادة فإن الله جعلها من منازل صفوة عباده وأمر رسوله أن يصبر نفسه مع أهلها فقال: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه [الكهف: 28] وقال تعالى: وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه الله [الليل 19-20]  وقال حكاية عن أوليائه قولهم: إنما نطعمكم لوجه الله [الإنسان: 9]  وهى لام التعليل الداخلة على الغايات المرادة وهى كثيرة فى القرآن فقالت طائفة: الإرادة حلية العوام وهى تجريد القصد وجزم النية والجد فى الطلب وذلك(1\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "234",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11829",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غيره فى طريق الخواص: [نقص و] تفرق ورجوع إلى النفس. فإن إرادة العبد عين حظه وهو رأس الدعوى وإنما الجمع والوجود فيما يراد بالعبد لا فيما يريد كقوله تعالى: وإن يردك بخير فلا راد لفضله [يونس:107]  فيكون مراده ما يراد به واختياره ما اختير له إذ لا إرادة للعبد مع سيده ولا نظر كما قال: أريد وصاله ويريد هجرى ... فأترك ما أريد لما يريد ومن هذا قول أبى [يزيد] : قيل لى ما تريد قلت أريد أن لا أريد لأنى أنا المراد وأنت المريد. فيقال ليس المراد من quot;العوامquot; فى كلامهم العامة الجهال وإنما مرادهم بهذه اللفظة عموم السالكين دون أهل الخصوص الواصلين منازل [إلى] الفناء وعين الجمع. وإذا عرف هذا فالكلام على ما ذكر فى الإرادة من وجه: أحدها: أن الإرادة هى مركب العبودية وأساس بنائها الذى لا تقوم إلا عليه فلا عبودية لمن لا إرادة له بل أكمل الخلق أكملهم عبودية ومحبة وأصحهم حالا وأقومهم معرفة وأتمهم إرادة فكيف يقال: إنها حلية العوام أو من منازل العوام. الوجه الثانى: أنه يلزم من هذا أن تكون المحبة من منازل العوام وتكون معلولة أيضا لأنها إرادة تامة للمحبوب ووجود المحبة بلا إرادة كوجود الإنسانية من غير حيوانية وكوجود مقام الإحسان بدون الإيمان [والإسلام]  فإذا كانت الإرادة معلولة وهى من منازل العوام لزم أن تكون المحبة كذلك. فإن قيل: المحبة التى لا علة فيها هى تجرد المحب عن الإرادة وفناؤه بإرادة محبوبه عن إرادته قيل: هذا هو حقيقة الإرادة أن يبقى مراده مراد محبوبه فلو لم يكن مريدا لمراد محبوبه لم يكن موافقا له فى الإرادة. والمحبة هى موافقة المحبوب فى إرادته فعاد الأمر إلى ما أشرنا إليه أن المعلول من ذلك ما تعلق بحظ المريد دون محبوبه فإذا صارت إرادته موافقة لإرادة محبوبه لم تكن تلك الإرادة من منازل العوام ولا معلولة بل هذه أشرف منازل الخواص وغاية مطالبهم وليس وراءها إلا التجرد عن كل إرادة والفناء بشهوده عن إرادة ما يريد وهذا هو الذى يشير إليه السالكون إلى منازل الفناء ويجعلونه غاية الغايات وهذا عند أهل الكمال نقص وتغيير فى وجه المحبة وهضم لجانب العبودية وفناء بحظ المحب من مشاهدته(1\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "235",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11830",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جمال محبوبه وفنائه فيه عن حق المحبوب ومراده فهو الوقوف مع نفس الحظ والهروب عن حق المحبوب ومراده وهل مثل هذا إلا كمثل رجلين ادعيا محبة ملك فحضرا بين يديه فقال: ما تريدان فقال أحدهما: أريد أن لا أريد شيئا بل أفنى عن إرادتى وأكون أنا المراد وأنت تريد بى ما تشاء. وقال الآخر: [بل] أريد أن أنفق أنفاسى وذراتى فى محابك ومرضاتك منفذا لأوامرك مشمرا فى طاعتك: أتوجه حيث توجهين وأفعل ما تأمرنى هذا الذى أريده. فقال للآخر: وأنا أريد منك أن تفعل مثل هذا فإنى سأبعثكما فى أشغالى ومهماتى فأما أحدهما فقال: لا حظ لى سوى اتباع مرضاتك والقيام بحقوقك وقال الآخر: لا أريد إلا مشاهدتك والنظر إليك والفناء فيك فهل يكونان فى نظره سواء وهل تستوى منزلتهما عنده ولو أنعموا النظر لعلموا أن صاحب الفناء هو طالب [الحظ] الواقف معه وأن الآخر وإن لم ينسلخ من الحظ ولكن حظه مراد المحبوب منه لا مراده هو من المحبوب وبين الأمرين من الفرق كما بين الأرض والسماء. فالعجب ممن يفضل صاحب الحظ الذى يريده من محبوبه على من صار حظه مراد محبوبه منه بل الفناء الكامل أن يفنى بإرادته عن إرادة [ما] سواه وبحبه عن حب ما سواه وبرجائه عن رجاء ما سواه وبخشيته عن خشية ما سواه وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه ليس أن تفنى بحظك منه عن مراده منك. وهذا موضع يشتبه علما وحالا وذوقا إلا على من فتح الله عليه بفرقان بين هذا وهذا. الوجه الثالث: أن الإرادة إنما تكون ناقصة بحسب نقصان المراد فإذا كان مرادها أشرف [المراد] فإرادته أشرف الإرادات ثم إذا كانت الوسيلة إليه أجل الوسائل وأنفعها وأكملها فإرادتها كذلك فلا تخرج إرادته عن إرادة أشرف الغايات وإرادة أقرب الوسائل إليه وأنفعها فأى علة فى هذه الإرادة وأى شيء فوقها للخواص الوجه الرابع: أن نقصان الشيء يكون من وجهين أحدهما: أن يوجب ضررا والثانى: أن تكون له ثمرة نافعة لكن يشغل عما هو أكمل منه وكلاهما منتف عن الإرادة فكيف تكون ناقصة معلولة فإن قيل: لما كان الوقوف معها رجوعا إلى النفس وتفرقا ووقوفا مع حظ المريد كانت ناقصة قيل: هذا منشأ الغلط. وجوابه بالوجه الخامس: وهو أن يقال: قوله: quot;إن [الإرادة] تفرقquot; فإن أردتم(1\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "236",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11831",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالتفرق شهود المريد لإرادته [لمرادته] ولعبوديته ولمعبوده ولمحبته ولمحبوبه فلم قلتم: إن هذا التفرق نقص وهل هذا إلا عين الكمال وهل تتم العبودية إلا بهذا فإن من شهد عبوديته وغاب بها عن معبوده كان محبوبا ومن شهد المعبود وغاب به عن شهود عبوديته وقيامه بما أمره به كان ناقص العبودية ضعيف الشهود وهل الكمال إلا شهود المعبود مع شهود عبادته فإنها [عين] حقه ومراده ومحبوبه من عبده فهل يكون شهود العبد لحق محبوبه ومراده منه وأنه قائم به ممتثل له نقصا ويكون غيبته عن ذلك وإعرضه عنه وفناؤه عن شهوده كمالا وهل هذا إلا قلب للحقائق فغاية صاحب هذا الحال والمقام أن يكون معذورا بضيق قلبه عن شهود هذا وهذا إما لضعف المحل أو لغلبة الوارد وعجزه عن احتمال شيء آخر معه [فأما] أن يكون هذا هو الكمال المطلوب والآخر نقص فكلا. وأين مقام من يشهد عبوديته ومنة الله عليه فيها وتوفيقه لها وجعله محلا وآلة [لها]- وهو ناظر مع ذلك إلى معبوده بقلبه شاهدا له فانيا عن شهود غيره فى عبوديته- من مقام من لا يتسع لهذا وهذا وتأمل حال أكمل الخلق وأفضلهم وأشدهم حبا لله [صلى الله عليه وسلم] كيف كان فى عبادته جامعا بين الشهودين حتى كان لا يغيب عن أحوال المأمومين فضلا عن شهود عبادته فكان يراعى أحوالهم وهو فى ذلك المقام بين يدى ربه سبحانه فالكلمة من أمته [عن] منهاجه وطريقته [فى ذلك] صلى الله عليه وسلم فالواجب التمييز بين المراتب وإعطاء كل ذى حق حقه فقد جعل الله لكل شيء قدرا. وإن أردتم بالتفرق شتات القلب فى شعاب الحظوظ وأودية الهوى فهذه الإرادة لا تستلزم شيئا من ذلك بل هى جمعية القلب على المحبوب وعلى محابه ومراداته ومثل هذا التفرق هو عين البقاء ومحض العبودية ونفس الكمال وما عداه فمحض حظ العبد لا حق محبوبه. الوجه السادس: أن قوله: quot;إن الإرادة رجوع إلى النفس وإن إرادة العبد عين حظهquot; كلام فيه إجمال وتفصيل فيقال: ما تريدون بقولكم: quot;إن الإرادة رجوع إلى النفسquot; أتريدون أنها رجوع عن إرادة الرب وإرادة محابه إلى إرادة النفس وحظوظها أم تريدون أنها رجوع إلى إرادة النفس لربها ولمرضاته فإن أردتم الأول علم أن هذه الإرادة معلولة ناقصة فاسدة ولكن ليست هذه الإرادة التى نتكلم فيها. وإن أردتم المعنى الثانى فهو عين الكمال وإنما النقصان خلافه.(1\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "237",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11832",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه السابع: أن قولكم: quot;إن هذه الإرادة عين حظ العبدquot; قلنا: نعم وهى أكبر حظ له وأجله وأعظمه وهل للعبد حظ أشرف من أن يكون الله وحده إلهه ومعبوده ومحبوبه ومراده فهذا هو الحظ الأوفر والسعادة العظمى ولكن لم قلتم: quot;إن اشتغال العبد بهذا الحظ نقص [فى] حقهquot; وهل فوق هذا كمال فيطلبه العبد ثم يقال: لو كان فوقه شيء أكمل منه لكان اشتغال العبد به وطلبه إياه اشتغالا بحظه أيضا فيكون ناقصا فأين الكمال فإن قلتم: فى تركه حظوظه كلها قيل لكم: وتركه هذا الحظ أيضا هو من حظوظه فإنه [لا] يبقى معطلا فارغا خاو من الإرادة أصلا بل لا بد له من إرادة ومراد وكل إرادة [عندكم] رجوع إلى الحظ فأى [شيء إشتغل] به وبإرادته كان وقوفا عن حظه فيالله العجب متى يكون عبدا محضا خالصا لربه يوضح هذا الوجه الثامن: أن الحى لا ينفك عن الإرادة ما دام شاعرا بنفسه وإنما ينفك عنها إذا غاب عنه شعوره بعارض من العوارض فالإرادة من لوازم الحياة فدعوى أن الكمال فى التجرد عنها دعوى باطلة مستحيلة طبعا وحسا بل الكمال فى التجرد عن الإرادة التى تزحم مراد المحبوب لا عن الإرادة التى توافق مراده. الوجه التاسع: قوله: quot;الجمع والوجود فيما يراد بالعبد لا فيما يريد ... إلخquot; فيقال: هذا على نوعين أحدهما: ما يراد بالعبد من المقدور الذى يجرى عليه بغير اختياره كالفقر والغنى والصحة والمرض والحياة والموت وغير ذلك فهذا لا ريب أن الكمال فناء العبد فيه عن إرادته ووقوفه مع ما يراد به لا يكون له إرادة تزاحم إرادة الله منه كحال الثلاثة الذين قال أحدهم: أنا أحب الموت للقاء الله وقال الآخر: أحب البقاء لطاعته وعبادته فقال الثالث: غلطتما ولكن أنا أحب من ذلك ما يحب فإن كان يحب إماتتى أحببت الموت وإن كان يحب حياتى أحببت الحياة فأنا أحب ما يحبه من الحياة والموت. فهذا أكمل [منهما] وأصح حالا فيما يراد بالعبد والنوع الثانى ما يراد من العبد من الأوامر والقربات فهذا ليس الكمال إلا فى إرادته وإن فرقته فهو مجموع فى تفرقته متفرق فى جمعيته وهذا حال [الكمل] من الناس: متفرق الإرادة فى الأمر مجتمع على الأمر- فهو مجموع عليه متفرق فيه- ولا يكون فعل المرادات المختلفة بإرادة واحدة بالعين وإنما غايتها أن تكون هنا إرادتان: إحداهما إرادة واحدة للمراد(1\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "238",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11833",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثانية: إرادات متفرقة لحقه ومحابه وما أمر به فهى وإن تعددت وتكثرت فمرجعها إلى مراد واحد بإرادة [واحدة] كلية وكل فعل منها له إرادة جزئية محضة. الوجه العاشر: أن قول أبى يزيد: quot;أريد أن لا أريدquot; تناقض بين فإنه قد أراد عدم الإرادة. فإذا قال: quot;أريد أن لا أريدquot; يقال له: فقد أردت وأحسن من هذا أن يكون الجواب: أريد ما يريد لا ما أريد وإذا كان لا بد من إرادة ففرق بين الإرادتين: إرادة سلب الإرادة وإرادة موافقة المحبوب فى مراده. والله أعلم. الوجه الحادى عشر: أنه فسر الإرادة بتجريد القصد وجزم النية والجد فى الطلب. وهذا هو عين كمال [العبد] وهو متضمن للصدق والإخلاص والقيام بالعبودية فأى نقص فى تجريد القصد وهو تخليصه من كل شائبة نفسانية أو طبيعية وتجريده لمراد المحبوب وحده والجد فى طلبه وطلب مرضاته وجزم النية وهو أن لا يعتريها وقفة ولا تأخير وهذا الأمر هو غاية منازل الصديقين وصديقية العبد بحسب رسوخه فى هذا المقام وكلما ازداد قربه وعلا مقامه قوى عزمه وتجرد صدقه فالصادق لا نهاية لطلبه ولا فتور لقصده بل قصده أتم وطلبه أكمل ونيته. قال تعالى: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [الحجر:99]  واليقين هنا الموت باتفاق [أهل] الإسلام فجاء صلى الله عليه وسلم إذ جاءه وإرادته وقصده ونيته فى الذروة العليا ونهاية كمالها وتمامها فأين العلة فى هذه الإرادة ولكن العلة والنقص فى الإرادة التى يكون مصدرها النفس والهوى وغايتها نيل حظ المريد من محبوبه وإن كان المحبوب يريد ذلك لكن غيره أحب إليه منه وهو أن يكون مراده محض حق محبوبه وحصول مرضاته فانيا عن حظه هو من محبوبه بل قد صار حظه منه نفس حقه ومراده فهذه هى الإرادة والمحبة التى لا علة فيها ولا نقص. نسأل الله تعالى أن يمن علينا ويحيينا ولو بنفس منها كما من بتعليمها ومعرفتها إنه جواد كريم. الوجه الثانى عشر: أنه قال بعد هذا: quot;فصحة الإرادة بذل الوسع واستفراغ الطاقة مع ترك الاختيار والسكون إلى مجارى الأقدار فيكون كالميت بين يدى الغاسل يقلبه كيف يشاء فأين هذا من قوله: quot;وذلك فى طريق الخواص نقص وتفرقquot; وهل(1\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "239",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11834",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكون بذل الوسع واستفراغ الطاقة إلا مع تمام الإرادة وإنما الذى يفرض له النقص من الإرادة نوعان: أحدهما إرادة مصدرها طلب الحظ والثانى اختياره فيما يفعل به بغير اختياره. فعن هاتين الإرادتين ينبغى الفناء وفيهما يكون النقص فالكمال ترك الاختيار فيهما والسكون إلى مراد المحبوب وحقه فى الأولى وإلى مجارى أقداره وحكمه فى الثانية فيكون فى الأولى حيا فعالا منازعا لقواطعه عن مراد محبوبه وفى الثانية كالميت بين يدى الغاسل يقلبه كيف يشاء. وبهذا التفصيل ينكشف سر هذه المسألة ويحصل التمييز بين محض العبودية وحظ النفس. والله الموفق للصواب. فصل المثال الثانى: الزهد. قال أبو العباس [رحمه الله] : quot;هو للعوام أيضا لأنه حبس النفس عن الملذوذات وإمساكها عن فضول الشهوات ومخالفة دواعى الهوى وترك ما لا يغنى من الأشياء وهذا نقص فى طريق الخاصة لأنه تعظيم للدنيا واحتباس عن انتقادها وتعذيب للظاهر بتركها مع تعلق الباطن بها والمبالاة بالدنيا عين الرجوع إلى ذاتك وتضييع الوقت فى منازعة نفسك [وشهود] جنسك وبقائك معك ألا ترى إلى من أعطاه الله الدنيا بحذافيرها كيف قال: هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب [سورة ص: 39]  وذلك حيث عافى باطنه من شهودها وظاهره من التعلق بها. فالزهد صرف الرغبة إليه وتعلق الهمة به والاشتغال به عن كل شيء يشغل عنه ليتولى هو حسم هذه الأسباب عنك. كما قيل: إن بعض المريدين سأل بعض المشايخ فقال: أيها الشيخ بأى شيء تدفع إبليس إذا قصدك بالوسوسة فقال الشيخ: إنى لا أعرف إبليس فأحتاج إلى دفعه نحن قوم صرفنا هممنا إلى الله فكفانا ما دونه. وكما قال: تسترت عن دهرى بظل جناحه ... فعينى ترى دهرى وليس يراني فلو تسأل الأيام ما اسمى ما درت ... وأين مكانى ما عرفن مكاني فيقال: الكلام على هذا من وجوه: إحداها: أن جعل الزهد للعوام لما ذكره إنما يتم إذا كان الزهد ملزوما لمنازعة النفس ومجاذبتها لدواعى الشهوة والهوى وحينئذ فيكون قلبه مشغولا بتلك الدواعى والجواذب ونفسه تطالبه بها وزهده يأمره باجتنابها. ولا ريب أن فوق هذا مقاما أعلى منه وهو طمأنينة نفسه وسكونها إلى محبوبها وانجذاب دواعيها إلى محابه ومرضاته وهذا للخواص من المؤمنين. ولكن هذه المنازعة غير(1\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "240",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11835",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لازمة للزهد وإن كان لا بد منها فى حكم الطبيعة لتحقق الابتلاء والامتحان وليتحقق ترك العبد حظه وهواه لربه إيثارا له على هواه ونفسه. الثانى: أنه لو كانت هذه المنازعة وحبس النفس عن الملذوذات من لوازم الزهد لم يكن فيها نقص ولا علة فإنها من لوازم الطبيعة وأحكام الجبلة وهى كالجوع والعطش والألم والتعب فحبس النفس عن إجابة دواعيها إيثارا لله ومرضاته عليها لا يكون نقصا ولا مستلزما لنقص. وقد اختلف أرباب السلوك [وأهل الطريق] هنا فى هذه المسألة وهى أيهما أفضل: من له داعية وشهوة وهو يحبسهما لله ولا يطيعهما حبا له وحياء [منه] وخوفا أو من لا داعية له تنازعه بل نفسه خالية من تلك الدواعى والشهوة وقد اطمأنت إلى ربها واشتغلت به عن غيره وامتلأت بحبه وإرادته فليس فيها موضع لإرادة غيره ولا حبه فرجحت طائفة الأول وقالت: هذا يدل على قوة تعلقه وشدة محبته فهو يعاصى دواعى الطبع والشهوة ويقهرها بسلطان محبته وإرادته وخوفه من الله وهذا يدل على تمكنه من نفسه وتمكن حاله مع الله وغلبة داعى الحق عنده على داعى الطبع والنفس. قالوا: وأيضا فله مزيد فى حاله وإيمانه بهذا الإيثار والترك مع حضور داعى الفعل عنده ومزيد مجاهدة عدوه الباطن ونفسه وهواه كما يكون له مزيد مجاهدة عدوه الظاهر. قالوا: والذوق والوجد يشهد لمزيده من الحب والأنس والسرور والفرح بربه عند إيثاره على دواعى الهوى والنفس والمطمئن الذى ليس فيه هذا الداعى ليس له مزيد من هذه الجهة وإن كان مزيده من جهة أخرى فهى مشتركة بينهما ويختص هذا بمزيده من الإيثار والمجاهدة. قالوا: وأيضا فهذا مبتلى بهذه الدواعى والإرادات [وذاك] معافى منها. وقد جرت سنة الله فى المؤمنين من عباده أن يبتليهم على حسب إيمانهم فمن ازداد إيمانه زيد فى بلائه كما ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;يبتلى المرء على حسب دينه فإن كان فى دينه صلابة شدد عليه البلاء وإن كان فى دينه رقة خفف عنه البلاءquot;. والمراد بالدين هنا: الإيمان الذى يثبت عند نوازل البلاء فإن المؤمن يبتلى على قدر ما يحمله إيمانه من وارد البلاء. قالوا: فالبلاء بمخالفة دواعى النفس والطبع من أشد البلاء فإنه لا يصبر عليه الصديقون. وأما البلاء الذى يجرى على العبد بغير اختياره كالمرض والجوع والعطش ونحوها فالصبر عليه لا يتوقف على الإيمان بل يصبر عليه البر والفاجر لا سيما إذا علم أنه(1\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "241",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11836",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا معول له إلا الصبر فإنه إن لم يصبر اختيارا صبر اضطرارا. ولهذا كان بين ابتلاء يوسف الصديق [صلى الله عليه وسلم] بما فعل به إخوته من الأذى والإلقاء فى الجب وبيعه بيع العبيد والتفريق بينه وبين أبيه وابتلائه بمراودة المرأة [له] وهو شاب عزب غريب بمنزلة العبد لها وهى الداعية [له] إلى ذلك فرق عظيم لا يعرفه إلا من عرف مراتب البلاء فإن الشباب داع إلى الشهوة والشاب قد يستحى من أهله ومعارفه من قضاء وطره فإذا صار فى دار الغربة زال ذلك الاستحياء والاحتشام وإذا كان عزبا كان أشد لشهوته وإذا كانت المرأة هى الطالبة كان أشد وإذا كانت جميلة كان أعظم فإن كانت ذات منصب كان أقوى فى الشهوة فإن كان ذلك فى دارها وتحت حكمها بحيث لا يخاف الفضيحة ولا الشهرة كان أبلغ فإن استوثقت بتغليق الأبواب والاحتفاظ من الداخل كان أقوى أيضا للطلب فإن كان الرجل مملوكها وهى كالحاكمة عليه الآمرة الناهية [له] كان أبلغ فى الداعى فإذا كانت المرأة شديدة العشق والمحبة للرجل قد امتلأ قلبها من حبه [فهذا] الابتلاء الذى صبر معه مثل الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم صلوات الله عليهم أجمعين. ولا ريب أن هذا الابتلاء أعظم من الابتلاء الأول بل هو من جنس ابتلاء الخليل بذبح ولده إذ كلاهما ابتلاء بمخالفة الطبع ودواعى النفس والشهوة ومفارقة حكم [الطبع]  وهذا بخلاف البلوى التى أصابت ذا النون. والتى أصابت أيوب [صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين] . قالوا: وأيضا فإن هذه هى النكتة التى من أجلها كان صالح البشر أفضل من الملائكة لأن الملائكة عبادتهم بريئة عن شوائب [و] دواعى [النفوس] والشهوات البشرية فهى صادرة عن غير معارضة ولا مانع ولا عائق [و] هى كالنفس للحى وأما عبادات البشر فمع منازعات النفوس وقمع الشهوات ومخالفة دواعى الطبع فكانت أكمل ولهذا كان أكثر الناس على تفضيلهم على الملائكة لهذا المعنى ولغيره فمن لم يخلق له تلك الدواعى والشهوات فهو بمنزلة الملائكة ومن خلقت له وأعانه الله على دفعها وقهرها وعصيانها كان أكمل وأفضل. قالوا: وأيضا فإن حقيقة المحبة إيثار المحبوب ومرضاته على ما سواه. قالوا: وكيف يصح الإيثار ممن لا تنازعه نفسه وطبعه إلى غير المحبوب. قالوا: وليس العجب من قلب خال عن الشهوات والإرادات قد ماتت دواعى طبعه وشهوته إذا عكف على محبوبه ومعبوده واطمأن إليه واجتمعت همته [عليه] وإنما العجب من قلب قد ابتلى [بما ابتلى] به من(1\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "242",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11837",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الهوى والشهوة ودواعى الطبيعة مع قوة سلطانها وغلبتها وضعفه وكثرة الجيوش التى تغير على قلبه كل وقت إذا آثر ربه ومرضاته على هواه وشهوته ودواعى طبعه فهو هارب إلى ربه من بين تلك الجيوش وعاكف عليه فى تلك الزعازع والأهوية التى تغشى على الأسماع والأبصار والأفئدة يتحمل منها لأجل محبوبه ما لا تتحمله الجبال الراسيات. قالوا: وأيضا فنهى النفس عن الهوى عبودية خاصة لها تأثير خاص وإنما يحصل إذا كان ثم ما ينهى عنه النفس. قالوا: وأيضا فالهوى عدو الإنسان فإذا قهر عدوه وصار تحت قبضته وسلطانه كان أقوى وأكمل ممن لا عدو له يقهره. قالوا: ولهذا كان حال النبى صلى الله عليه وسلم فى قهره قرينه حتى انقاد وأسلم له فلم يكن يأمره إلا بخير أكمل من حال عمر حيث كان الشيطان إذا رآه يفر منه وكان إذا سلك فجا سلك غير فجه. وبهذا خرج الجواب عن السؤال المشهور وهو: كيف لا يقف الشيطان لعمر بل يفر منه ومع هذا قد تفلت على النبى صلى الله عليه وسلم وتعرض له وهو فى الصلاة وأراد أن يقطع عليه الصلاة ومعلوم أن حال الرسول أكمل وأقوى. والجواب ما ذكرناه: أن شيطان عمر كان يفر منه فلا يقدر أحدهما على قهر صاحبه وأما الشيطان الذى تعرض للنبى صلى الله عليه وسلم فقد أخذه وأسره وجعله فى قبضته كالأسير وأين من يهرب منه عدوه فلا يظفر به إلى من يظفر بعدوه فيجعله فى أسره وتحت يده وقبضته فهذا ونحوه مما احتج به أرباب هذا القول. واحتج أرباب القول الثانى- وهم الذين رجحوا من لا منازعة فى طباعه ولا هوى له يغالبه- بأن قالوا: كيف تستوى النفس المطمئنة إلى ربها العاكفة على حبه التى لا منازعة فيها أصلا ولا داعية تدعوها إلى الإعراض عنه والنفس المشغولة بمحاربة هواها ودواعيها وجواذبها قالوا: وأيضا ففى الزمن الذى يشتغل هذا بنفسه ومحاربة هواه وطبعه يكون صاحب النفس المطمئنة قد قطع مراحل من سيره وفاز بقرب فات صاحب المحاربة والمنازعة. قالوا: وهذا كما لو كان رجلان مسافرين فى طريق فطلع على أحدهما قاطع اشتغل بدفعه عن نفسه ومحاربته ليتمكن من سيره والآخر سائر لم يعرض له قاطع بل هو على جادة سيره فإن هذا يقطع من المسافة أكثر مما يقطع الأول ويقرب إلى الغاية أكثر من قربه. قالوا: وأيضا فإن للقلب قوة يسير(1\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "243",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11838",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بها فإذا صرف تلك القوة فى دفع العوارض والدواعى القاطعة له عن السير اشتغل قلبه بدفعها عن السير فى زمن المدافعة. قالوا: ولأن المقصود بالقصد الأول إنما هو السير إلى الله والاشتغال بدفع العوارض مقصود لغيره فالاشتغال بالمقصود لنفسه أولى وأفضل من الاشتغال بالوسيلة قالوا: وأيضا فالعوارض المانعة للقلب من سيره هى من باب المرض واجتماع القلب على الله وطمأنينته به وسكونه إليه بلا منازع ولا جاذب ولا معارض هو صحته وحياته ونعيمه فكيف يكون القلب الذى [يعرض له مرض وهو مشغول بدوائه أفضل من القلب الصحيح] لا داء به ولا علة قالوا: وأيضا فهذه الدواعى والميول والإرادات التى فى القلب تقتضى جذبه وتعويقه عن وجه سيره وما فيه من داعى المحبة والإيمان يقتضى جذبه عن طريقها فتتعارض الجواذب فإن لم توقفه عوقته ولا بد فأين السير بلا معوق من السير مع المعوق قالوا: وأيضا فالذى يسير العبد بإذن ربه إنما هو همته والهمة إذا علت وارتفعت لم تلحقها القواطع والآفات كالطائر إذا علا وارتفع فى الجو فات الرماة ولم يلحقه الحصا ولا البنادق ولا السهام وإنما تدرك هذه الأشياء للطائر إذا لم يكن عاليا فكذلك الهمة العالية قد فاتت الجوارح والكواسر وإنما تلحق الآفات والدواعى والإرادات الهمة النازلة فأما إذا علت فلا تلحقها الآفات. قالوا: وأيضا فالحس والوجود شاهد بأن قلب المحب متى خلا من غير المحبوب واجتمعت شئونه كلها على محبوبه ولم يبق فيه التفات إلى غيره كان أكمل محبة من القلب الملتفت إلى الرقباء المهتم بمحاربتهم ومدافعتهم والهرب منهم والتوارى عنهم. قالوا: فكم بين محب يجتاز على الرقباء فيطرقون من هيبته وخشيته ولا يرفع أحد منهم رأسه إليه وبين محب إذا اجتاز بالرقباء هاشوا عليه كالزنابير أو كالكلاب فاشتغل بدفعهم وحرابهم أو جد فى الهرب منهم فكيف يسوى هذا بهذا أم كيف يفضل عليه مع هذا التباين قالوا: وأيضا فالمحبة الخالصة الصادقة حقيقتها أنها نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب وإذا احترق ما سوى مراده عدم وذهب أثره فإذا بقى فى القلب شيء من سوى مراده لم تكن المحبة تامة ولا صادقة بل هى محبة مشوبة بغيرها فالمحب الصادق ليس فى قلبه سوى مراد محبوبه حتى ينازعه ويدافعه والآخر فى قلبه(1\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "244",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11839",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بقية لغير المحبوب فهو جاهد على إخراجها وإعدامها. قالوا: وأيضا فالواردات الإلهية ترد على القلوب على قدر استعدادها وقبولها فإذا صادفت القلب فارغا خاليا من العوارض والمنازعات ودواعى الطبع والهوى ملأته على قدر فراغه وإذا امتلأ منها لم يبق لأضدادها وأعدائها فيه مسلك وإذا صادفت فيه موضعا مشغولا بغيرهم من الأغيار لم يساكن ذلك الموضع فيدخل الضد والعدو من تلك الثلمة كما قال القائل: لا كان من لسواك فيه بقية ... يجد السبيل بها إليه العذل وقال: ومهما بقى للصحو فيه بقية ... يجد نحوك اللاحى سبيلا إلى العذل قالوا: وأيضا فدواعى الطبع وإرادات النفس وشهواتها مصدرها إما جهل وإما ضعف فإنها لا تصدر إلا من جهل العبد بآثارها وموجباتها أو يكون عالما بذلك لكن فيه ضعف وعجز يمنعه عن محوها من قلبه بالكلية وما كان سببه جهلا أو عجزا لا يكون كمالا ولا مستلزما لكمال وأما القلب الخالى منها ومن الاشتغال بدفعها فقلب شريف قوى علوى رفيع. قالوا: وأيضا فهذه الإرادات والدواعى لا تسير العبد بل إما أن تنسكه إن أجابها وإما أن تعوقه وتوقفه إن اشتغل بمدافعتها وأما إرادات القلب السليم منها والنفس المطمئنة بربها فكل إرادة منها تسير به مراحل على مهلة فهو يسير رويدا وقد سبق السعادة كما قيل: من لى بمثل سيرك المذلل ... تمشى رويدا وتجيء فى الأول قالوا: وأيضا فإن هذه الدواعى والإرادات إنما تحمد عاقبتها إذا ردت صاحبها إلى حال السليم منها فيكون كماله فى تشبهه به وسيره معه فكيف يكون أكمل ممن كماله إنما هو فى تشبهه به قالوا: وأيضا فالنفوس ثلاثة: أمارة ولوامة ومطمئنة. والنفس الأمارة هى المطيعة لدواعى طباعها وشهواتها فمبادئ كونها أمارة هى تلك الدواعى والإرادات فتستحكم فتصير عزمات ثم توجب الأفعال. فمبدأ صفة الذم فيها تلك الدواعى. وأما النفس المطمئنة فهى التى عدمت هذه المباديء فعدمت غاياتها فكيف تكون مباديء النفس الأمارة مما يوجب لها مزية على النفس المطمئنة فهذا ونحوه مما احتجت به هذه الطائفة أيضا لقولها. والحق أن كلا الطائفتين على صواب من القول لكن كل فرقة لحظت غير ملحظ(1\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "245",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11840",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفرقة الأخرى فكأنهما لم يتواردا على محل واحد بل الفرقة الأولى نظرت إلى نهاية سير المجاهد لنفسه وإرادته وما ترتب له عليها من الأحوال والمقامات فأوجب لها شهود نهايته رجحانه فحكمت بترجيحه واستحلت بتفضيله والفرقة الثانية نظرت إلى بدايته فى شأنه ذلك ونهاية النفس المطمئنة فأوجب لها شهود الأمرين الحكم بترجيح القلب الخالى من تلك الدواعى ومجاهدتها وكل واحدة من الطائفتين فقد أدلت بحجج لا تمانع وأتت ببينات لا ترد ولا تدافع. وفصل الخطاب فى هذه المسألة يظهر بمسألة يرتضع معها من لبانها ويخرج من مشكاتها. وهى أن العبد إذا كان له حال أو مقام مع الله ثم نزل عنه إلى ذنب ارتكبه ثم تاب من ذنبه هل يعود إلى مثل ما كان أو لا يعود بل إن رجع رجع إلى أنزل من مقامه وأنقص من رتبته أو يعود خيرا مما كان فقالت طائفة: يعود بالتوبة إلى مثل حاله الأولى فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له وإذا محى أثر الذنب بالتوبة صار وجوده كعدمه فكأنه لم يكن فيعود إلى مثل حاله. قالوا: ولأن التوبة هى الرجوع إلى الله بعد الإباق منه فإن المعصية إباق العبد من ربه فإذا تاب إلى الله فقد رجع إليه وإذا كان مسمى التوبة هو الرجوع فلو لم يعد إلى حالته الأولى مع الله لم تكن توبته تامة والكلام إنما هو فى التوبة النصوح. قالوا: ولأن التوبة كما ترفع أثر الذنب فى الحال بالإقلاع عنه وفى المستقبل بالعزم على أن لا يعود فكذلك ترفع أثره فى الماضى جملة ومن أثره فى الماضى انحطاط منزلته عند الله ونقصانه عنده فلابد من ارتفاع هذا الأثر بالتوبة وإذا ارتفع بها عاد إلى مثل حاله. قالوا: ولأنه لو بقى نازلا من مرتبته منحطا عن منزلته بعد التوبة كما كان قبلها لم تكن التوبة قد محت أثر الذنب ولا أفادت فى الماضى شيئا وإن عاد إلى دون منزلته ولم يبلغها فبلوغه تلك الدرجة إنما كان بالتوبة فلو ضعف تأثير التوبة عن إعادته إلى منزلته الأولى لضعف عن تبليغه تلك المنزلة التى وصل إليها وإن لم تكن التوبة ضعيفة التأثير عن تبليغه تلك المنزلة لم تكن ضعيفة التأثير عن إعادته إلى المنزلة الأولى. قالوا: وأيضا ربط [فالله سبحانه ربط] الجزاء بالأعمال ربط الأسباب بمسبباتها فالجزاء من جنس العمل فكما رجع التائب إلى الله بقلبه رجوعا تاما رجع الله عليه بمنزلته وحاله بل ما رجع العبد إلى الله حتى رجع [الله] بقلبه إليه أولا فرجع الله إليه وتاب عليه ثانيا فتوبة(1\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "246",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11841",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العبد محفوفة بتوبتين من الله: توبة منه إذنا وتمكينا فتاب بها العبد وتاب الله عليه قبولا ورضى. فتوبة العبد بين توبتين من الله وهذا يدل على عنايته سبحانه وبره ولطفه بعبده التائب فكيف يقال: إنه لا يعيده مع هذا اللطف والبر إلى حاله قالوا: وأيضا فإن التوبة من أجل الطاعات وأوجبها على المؤمنين: وأعظمها عناء عنهم وهم إليها أحوج من كل شئ وهى من أحب الطاعات إلى الله [سبحانه] فإنه يحب التوابين ويفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه أعظم فرح وأكمله وإذا كانت بهذه المثابة فالآتى بها آت بما هو أفضل القربات وأجل الطاعات فإذا كان قد حصل له بالمعصية انحطاط ونزول مرتبة فبالتوبة يحصل [له] مزيد تقدم وعلو درجة فإن لم تكن درجته بعد التوبة أعلى فإنها لا تكون أنزل. قالوا: وأيضا فإنا إذا قابلنا بين جناية المعصية والتقرب بالتوبة وجدنا الحاصل من التوبة [أرجح من الأثر الحاصل من المعصية والكلام إنما هو فى التوبة] النصوح الكاملة وجانب [العدل ولهذا كان من جانب العدل آحاد بآحاد وجانب] الفضل أرجح من جانب الفضل آحاد بعشرات إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة وهذا يدل على رجحان جانب الفضل وغلبته وكذلك مصدرهما من الغضب والرحمة فإن رحمة الرب تغلب غضبه. قالوا: وأيضا فالذنب بمنزلة المرض والتوبة بمنزلة العافية والعبد إذا مرض ثم عوفى وتكاملت عافيته رجعت صحته إلى ما كانت بل ربما رجعت أقوى وأكمل مما كانت عليه لأنه ربما كان معه فى حال العافية آلام وأسقام كامنة فإذا اعتل ظهرت تلك الأسقام ثم زالت بالعافية جملة فتعود قوته خيرا مما كانت وأكمل وفى مثل هذا قال الشاعر: لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجسام بالعلل وهذا الوجه هو أحد ما احتج به من قال: أنه يعود خيرا بالتوبة مما كان قبل التوبة واحتجوا لقولهم أيضا بأن التوبة تثمر للعبد محبة من الله خاصة لا تحصل بدون التوبة بل التوبة شرط فى حصولها وإن حصل له محبة أخرى بغيرها من الطاعات فالمحبة الحاصلة له بالتوبة لا تنال بغيرها فإن الله يحب التوابين ومن محبته لهم فرحه بتوبة أحدهم أعظم فرح وأكمله فإذا أثمرت له التوبة هذه المحبة ورجع بها إلى طاعاته التى كان عليها أولا انضم أثرها إلى أثر تلك الطاعات فقوى الأثران فحصل له المزيد من القرب والوسيلة وهذا بخلاف ما يظنه من نقصت(1\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "247",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11842",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معرفته بربه من أنه سبحانه إذا غفر لعبده ذنبه فإنه لا يعود الود الذى كان له منه قبل الجناية واحتجوا فى ذلك بأثر إسرائيلى مكذوب أن الله قال لداود عليه السلام: يا داود أما الذنب فقد غفرناه وأما الود فلا يعود. وهذا كذب قطعا فإن الود يعود [بعد] التوبة النصوح أعظم مما كان فإنه سبحانه يحب التوابين ولو لم يعد الود لما حصلت له محبته وأيضا فإنه يفرح بتوبة التائب ومحال أن يفرح بها أعظم [فرح] وأكمله وهو لا يحبه. وتأمل سر اقتران هذين الاسمين فى قوله تعالى: إنه هو يبديء ويعيد وهو الغفور الودود [البروج: 13- 14] تجد فيه من الرد والإنكار على من قال: لا يعود الود والمحبة منه لعبده أبدا ما هو من كنوز القرآن ولطائف فهمه وفى ذلك ما يهيج القلب السليم ويأخذ بمجامعه ويجعله عاكفا على ربه- الذى لا إله إلا هو ولا رب له سواه- عكوف المحب الصادق على محبوبه الذى لا غنى له عنه ولا بد له منه ولا تندفع ضرورته بغيره أبدا. واحتجوا أيضا بأن العبد قد يكون بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة لأن الذنب يحدث له من الخوف والخشية والانكسار والتذلل لله والتضرع بين يديه والبكاء على خطيئته والندم عليها والأسف [والإشفاق] ما هو من أفضل أحوال العبد وأنفعها له فى دنياه وآخرته ولم تكن هذه الأمور لتحصل بدون أسبابها إذ حصول الملزوم بدون لازمة محال والله يحب من عبده كسرته وتضرعه وذله بين يديه واستعطافه وسؤاله أن يعفو عنه ويغفر له ويتجاوز عن جرمه وخطيئته فإذا قضى عليه بالذنب فترتبت عليه هذه الآثار المحبوبة له كان ذلك القضاء خيرا له وليس ذلك إلا للمؤمن. ولهذا قال بعض السلف: لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما أصاب بالذنب أكرم الخلق عليه. وقيل: إن فى بعض الآثار يقول الله تعالى لداود عليه السلام: يا داود كنت تدخل على دخول الملوك على الملوك واليوم تدخل على دخول العبيد على الملوك. قالوا: وقد قال غير واحد من السلف: كان داود بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة قالوا: ولهذا قال سبحانه: فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب [سورة ص: 25]  فزاده على المغفرة أمرين: الزلفى وهى درجة القرب منه وقد قال فيها سلف الأمة وأئمتها ما لا تحتمله عقول الجهمية وفراخهم ومن أراد معرفتها فعليه بتفاسير السلف. والثانى: حسن المآب وهو حسن المنقلب وطيب المأوى عند الله. قالوا: ومن تأمل(1\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "248",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11843",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "زيادة القرب التى أعطيها داود بعد المغفرة علم صحة ما قلنا وأن العبد بعد التوبة يعود خيرا مما كان. قالوا: وأيضا فإن للعبودية لوازم وأحكاما وأسرارا وكمالات لا تحصل إلا بها ومن جملتها تكميل مقام الذل للعزيز الرحيم فإن الله سبحانه يحب من عبده أن يكمل مقام الذل له وهذه هى حقيقة العبودية واشتقاقها يدل على ذلك فإن العرب تقول: طريق معبد أى مذلل بوطء الأقدام. والذل أنواع: أكملها ذل المحب لمحبوبه الثانى: ذل المملوك لمالكه الثالث: ذل الجانى بين يدى المنعم عليه المحسن إليه المالك له الرابع: ذل العاجز عن جميع مصالحه وحاجاته بين يدى القادر عليها التى هى فى يده وبأمره. وتحت هذا قسمان: أحدهما: ذل له فى أن يجلب له ما ينفعه. والثانى: ذل له فى أن يدفع [عنه] ما يضره على الدوام. ويدخل فى هذا ذل المصائب كالفقر والمرض وأنواع البلاء والمحن. فهذه خمسة أنواع من الذل إذا وفاها العبد حقها وشهدها كما ينبغى وعرف ما يراد به منه وقام بين يدى ربه مستصحبا لها شاهدا لذله من كل وجه ولعزة ربه وعظمته وجلاله كان قليل أعماله قائما مقام الكثير من أعمال غيره. قالوا: وهذه أسرار لا تدرك بمجرد الكلام فمن لا نصيب له منها فلا يضره أن يخلى المطى وحاديها ويعطى القوس باريها. فللكثافة أقوام لها خلقوا ... وللمحبة أكباد وأجفان قالوا: وأيضا فقد ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم [ضل] راحلتهquot; قالوا: وهذا أعظم ما يكون من الفرح وأكمله فإن صاحب هذه الراحلة كان عليها مادة حياته من الطعام والشراب وهى مركبه الذى يقطع به مسافة سفره فلو عدمه لانقطع فى طريقه فكيف إذا عدم مع مركبه طعامه وشرابه. ثم إنه عدمها فى أرض دوية لا أنيس بها ولا معين ولا من يأوى له ويرحمه ويحمله ثم إنها مهلكة لا ماء بها ولا طعام فلما أيس من الحياة بفقدها وجلس ينتظر الموت إذا هو براحلته قد أشرفت عليه ودنت منه فأى فرحة تعدل فرحة هذا ولو كان فى الوجود فرح أعظم من هذا لمثل به النبى صلى الله عليه وسلم ومع هذا ففرح الله بتوبة عبده إذ تاب إليه أعظم من فرح هذا براحلته وتحت هذا سر عظيم يختص الله بفهمه من يشاء فإن كنت ممن غلظ حجابه وكثفت نفسه وطباعه فعليك بوادى الخفا وهو وادى المحرفين للكلم عن مواضعه الواضعين له على غير المراد منه فهو(1\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "249",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11844",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واد قد سلكه خلق وتفرقوا فى شعابه وطرقه ومتاهاته ولم تستقر لهم فيه قدم ولا لجؤوا منه إلى ركن وثيق بل هم كحاطب الليل وحاطم السيل. مع قدرته على التعبير عن ذلك المعنى بأحسن عبارة وأوجزها فكيف يليق به أن يعدل عن مقتضى البيان الرافع للإشكال المزيل للإجمال ويوقع الأمة فى أودية التأويلات شعاب الاحتمالات والتجويزات سبحانك هذا بهتان عظيم. وهل قدر الرسول حق قدره أو مرسله حق قدره من نسب كلامه سبحانه أو كلام رسوله إلى مثل ذلك ففصاحة الرسول وبيانه وعلمه ومعرفته ونصحه وشفقته يحيل عليه أن يكون مراده من كلامه ما يحمله عليه المحرفون للكلم عن مواضعه المتأولون له غير تأويله وأن يكون كلامه من جنس الألغاز والأحاجى. والحمد لله رب العالمين. فإن قلت: فهل من مسلك غير هذا الوادى الذى ذممته فنسلك فيه أو من طريق يستقيم عليه السالك قلت: نعم بحمد الله [الطريق واضحة المنار بينة الأعلام مضيئة للسالكين وأولها أن تحذف خصائص المخلوقين عن إضافتها إلى صفات رب العالمين] فإن هذه العقدة هى أصل بلاء الناس فمن حلها فما بعدها أيسر منها ومن هلك بها فما بعدها أشد منها. وهل نفى أحد ما نفى من صفات الرب ونعوت جلاله إلا لسبق نظره الضعيف إليها واحتجاجه بها عن أصل الصفة وتجردها عن خصائص المحدث فإن الصفة يلزمها لوازم باختلاف محلها فيظن القاصر إذا رأى ذلك اللازم فى المحل المحدث أنه لازم لتلك الصفة مطلقا فهو يفر من إثباتها للخالق سبحانه حيث لم يتجرد فى ظنه عن ذلك اللازم وهذا كما فعل من نفى عنه سبحانه الفرح والمحبة والرضى والغضب والكراهة والمقت والبغض وردها كلها إلى الإرادة فإنه فهم فرحا مستلزما لخصائص المخلوق من انبساط دم القلب وحصول ما ينفعه(1\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "250",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11845",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك فهم غضبا هو غليان دم القلب طلبا للانتقام وكذلك فهم محبة ورضى [وكرهة] ورحمة مقرونة بخصائص المخلوقين [فإن] ذلك هو السابق إلى فهمه وهو المشهود فى علمه الذى لم تصل معرفته إلى سواه ولم يحط علمه بغيره. ولما كان [ذلك] هو السابق إلى فهمه لم يجد بدا من نفيه عن الخالق والصفة لم تتجرد فى عقله عن هذا اللازم فلم يجد بدا من نفيها. ثم لأصحاب هذه الطريق مسلكان: أحدهما: مسلك التناقض البين وهو إثبات كثير من الصفات ولا يلتفت فيها إلى هذا الخيال بل يثبتها مجردة عن خصائص المخلوق- كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر وغيرها- فإن كان إثبات تلك الصفات التى نفاها يستلزم [المحذور] الذى فر منه فكيف لم يتسلزم إثبات ما أثبته وإن كان إثبات ما أثبته لا يستلزم محذورا فكيف يستلزمه إثبات ما نفاه وهل فى التناقض أعجب من هذا والمسلك الثانى: [مسلك النفى العام والتعطيل المحض هربا من التناقض والتزاما] لأعظم الباطل وأمحل المحال فإذا الحق المحض فى الإثبات المحض الذى أثبته الله لنفسه فى كلامه وعلى لسان رسوله من غير تشبيه ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تبديل ومنشأ غلط المحرفين إنما هو ظنهم أن ما يلزم الصفة فى المحل المعين يلزمها لذاتها فينفون ذلك اللازم عن الله فيضطرون فى نفيه إلى نفى الصفة ولا ريب أن الأمور ثلاثة: أمر يلزم الصفة لذاتها من حيث هى فهذا لا يجب- بل لا يجوز- نفيه كما يلزم العلم والسمع والبصر من تعلقها بمعلوم ومسموع ومبصر فلا يجوز نفى هذه التعلقات عن هذه الصفات إذ لا تحقق لها بدونها وكذلك الإرادة [مثلا] تستلزم العلم لذاتها فلا يجوز نفى لازمها عنها وكذلك السمع والبصر والعلم يستلزم الحياة فلا يجوز نفى لوازمها وكذلك كون المرئى مرئيا حقيقة له لوازم لا ينفك عنها ولا سبيل إلى نفى تلك اللوازم إلا بنفى الرؤية وكذلك الفعل الاختيارى له لوازم لا بد فيه منها فمن نفى لوازمه نفى الفعل الاختيارى ولا بد. ومن هنا كان أهل الكلام أكثر الناس تناقضا واضطرابا فإنهم ينفون الشيء ويثبتون ملزومه ويثبتون الشيء وينفون لازمه فتتناقض أقوالهم وأدلتهم ويقع السالك خلفهم فى الحيرة والشك. ولهذا يكون نهاية أمر أكثرهم الشك والحيرة حاشى من هو فى خفارة(1\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "251",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11846",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بلادته منهم أو من قد خرق تلك الخيالات وقطع تلك الشبهات وحكم الفطرة والشرعة والعقل المؤيد بنور الوحى عليها فنقدها نقد الصيارف فنفى [زغلها]  وعلم أن الصحيح منها إما أن يكون قد تولت النصوص بيانه وإما أن يكون فيها غنية عنه بما هو خير منه وأقرب طريقا وأسهل تناولا ولا يستفيد المؤمن- البصير بما جاء به الرسول العارف به- من المتكلمين سوى مناقضة بعضهم بعضا ومعارضته وإبداء بعضهم عوار بعض ومحاربة بعضهم بعضا فيتولى بعضهم محاربة بعض ويسلم ما جاء به الرسول. فإذا رأى المؤمن العالم الناصح لله ولرسوله أحدهم قد تعدى إلى ما جاء به الرسول يناقضه ويعارضه [ويضاده] فليعلم أنهم لا طريق لهم إلى ذلك أبدا ولا يقع ردهم إلا على آراء أمثالهم وأشباههم. وأما [ما] جاء به الرسول فمحفوظ محروس مصون من تطرق المعارضة والمناقضة إليه فإن وجدت شيئا من ذلك فى كلامهم فبدار بدار إلى إبداء فضائحهم وكشف تلبيسهم ومحالهم وتناقضهم وتبيين كذبهم على العقل والوحى فإنهم لا يردون شيئا مما جاء به الرسول إلا بزخرف من القول يغتر به ضعيف العقل والإيمان فاكشفه ولا تهن تجده كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ولولا أن كل مسائل القوم وشبههم التى خالفوا فيها النصوص بهذه المثابة لذكرنا من أمثلة ذلك ما تقر به عيون أهل الإيمان السائرين إلى الله على طريق الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإن وفق الله سبحانه جردنا لذلك كتابا مفردا وقد كفانا شيخ الإسلام ابن تيمية [قدس الله روحه ونور ضريحه] هذا المقصد فى عامة كتبه لا سيما كتابه الذى وسمه ببيان موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح فمزق فيه شملهم كل ممزق وكشف [فيه] أسرارهم وهتك أستارهم فجزاه الله عن الإسلام وأهله من أفضل الجزاء. واعلم أنه لا ترد شبهة صحيحة قط على ما جاء به الرسول بل الشبهة التى يوردها أهل البدع والضلال على أهل السنة لا تخلو من قسمين: إما أن يكون القول الذى أوردت عليه ليس من أقوال الرسول بل تكون نسبته إليه غلطا وهذا لا يكون متفقا عليه بين أهل السنة أبدا بل يكون قد قاله بعضهم وغلط فيه فإن العصمة إنما هى لمجموع الأمة لا لطائفة معينة منها. [وإما أن يكون القول الذى أوردت عليه قولا صحيحا لكن لا ترد تلك الشبهة عليه وحينئذ فلابد لها من أحد أمرين] . وإما أن تكون لازمة وإما ألا تكون لازمة. فإن كانت لازمة لما جاء بها الرسول فهى حق لا شبهة إذ لازم الحق حق ولا ينبغى الفرار منها كما يفعل الضعفاء(1\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "252",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11847",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من المنتسبين إلى السنة بل كل ما لزم من الحق فهو حق يتعين القول به كائنا ما كان وهل تسلط أهل البدع والضلال على المنتسبين للسنة إلا بهذه الطريق ألزموهم بلوازم تلزم الحق فلم يلتزموها ودفعوها وأثبتوا ملزوماتها فتسلطوا عليهم بما أنكروه لا بما أثبتوه فلو أثبتوا لوازم الحق ولم يفروا منها لم يجد أعداؤهم إليهم سبيلا وإن لم تكن لازمة لهم فإلزامهم إياها باطل وعلى النقدين فلا طريق لهم إلى رد أقوالهم وحينئذ فلهم جوابان مركب مجمل ومفرد مفصل. أما الأول فيقولون لهم: هذه اللوازم التى تلزمونا بها إما أن تكون لازمة فى نفس الأمر وإما أن لا تكون لازمة فإن كانت لازمة فهى حق إذ قد ثبت أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فهو الحق الصريح ولازم الحق حق وإن لم تكن لازمة فهى مندفعة ولا يجوز إلزامها وأما الجواب المفصل فيفردون كل إلزام بجواب ولا يردونه مطلقا [ولا يقبلونه مطلقا] بل ينظرون إلى ألفاظ ذلك الإلزام ومعانيه فإن كان لفظها موافقا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم يتضمن إثبات ما أثبته [أو] ونفى ما نفاه فلا يكون المعنى إلا حقا فيقبلون ذلك الإلزام. وإن كان مخالفا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم متضمنا لنفى ما أثبته أو إثبات ما نفاه كان باطلا لفظا ومعنى فيقابلونه بالرد. وإن كان لفظا مجملا محتملا لحق وباطل لم يقبلوه مطلقا ولم يردوه مطلقا حتى يستفسروا قائله ماذا أراد به فإن أراد معنى صحيحا مطابقا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم قبلوه ولم يطلقوا اللفظ المحتمل إطلاقا وإن أراد معنى باطلا ردوه ولم يطلقوا نفى اللفظ المحتمل أيضا. فهذه قاعدتهم التى بها يعتصمون وعليها يعولون. وبسط هذه الكلمات يستدعى أسفارا لا سفرا واحدا ومن لا ضياء له لا ينتفع بها ولا بغيرها فلنقتصر عليها ولنعد إلى المقصود فنقول وبالله التوفيق. فرح الرب سبحانه هذا الفرح العظيم بتوبة عبده إذا تاب إليه هو من ملزومات محبته ولوازمها أعنى كونه محبا لعباده المؤمنين محبوبا لهم وإنما خلق خلقه لعبادته المتضمنة لكمال محبته والخضوع له ولهذا خلق الجنة والنار ولهذا أرسل الرسل وأنزل الكتب وهذا هو الحق الذى خلق به السماوات والأرض وأنزل به الكتاب قال تعالى: وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق [الحجر: 85]  وقال تعالى: إن ربكم الله الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام(1\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "253",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11848",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون إلى قوله: هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق [يونس: 3]  وقوله: آلم الله لا إله إلا هو الحى القيوم نزل عليك الكتاب بالحق [آل عمران: 1- 3] . فهذا أمره وتنزيله مصدره الحق والأول خلقه وتكوينه مصدره الحق أيضا فبالحق كان الخلق والأمر وعنه صدر الخلق والأمر وقال: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56]  فأخبر سبحانه أن الغاية المطلوبة من خلقه هى عبادته التى أصلها كمال محبته وهو سبحانه كما أنه يحب أن يعبد [أو] يحب أن يحمد ويثنى عليه ويذكر بأوصافه العلى وأسمائه الحسنى. كما قال النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: quot;لا أحد أحب إليه المدح من الله ومن أجل ذلك أثنى على نفسهquot;. وفى المسند من حديث الأسود بن سريع أنه قال: يا رسول الله إنى حمدت ربى بمحامد فقال: quot;إن ربك يحب الحمدquot; فهو يحب نفسه ومن أجل ذلك يثنى على نفسه ويحمد نفسه ويقدس نفسه ويحب من يحبه ويحمده ويثنى عليه. بل كلما كانت محبة عبده له أقوى كانت محبة الله له أكمل وأتم فلا أحد أحب إليه ممن يحبه ويحمده ويثنى عليه. ومن أجل ذلك كان الشرك أبغض الأشياء إليه لأنه ينقص هذه المحبة ويجعلها بينه وبين من أشرك به ولهذا لا يغفر الله [سبحانه] أن يشرك به لأن الشرك يتضمن نقصان هذه المحبة والتسوية فيها بينه وبين غيره ولا ريب أن هذا من أعظم ذنوب المحب عند محبوبه التى [ينقص] بها من عينه [وتنحط] بها مرتبته عنده إذا كان من المخلوقين فكيف يحتمل رب العالمين أن يشرك بينه وبين غيره فى المحبة. والمخلوق لا يحتمل ذلك ولا يرضى به ولا يغفر هذا الذنب لمحبه أبدا وعساه أن يتجاوز لمحبه عن غيره من الهفوات والزلات فى حقه ومتى علم بأنه يحب غيره كما يحبه لم يغفر له هذا الذنب ولم يقربه إليه. هذا مقتضى الطبيعة والفطرة أفلا يستحى العبد أن يسوى بين إلهه ومعبوده وبين غيره فى هذه العبودية والمحبة قال تعالى: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله [البقرة: 165]  فأخبر سبحانه أن من أحب شيئا [من] دون الله كما يحب الله(1\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "254",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11849",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقد اتخذه ندا وهذا معنى قول المشركين لمعبوديهم: تالله إن كنا لفى ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين [الشعراء: 97- 98]  فهذه تسوية فى المحبة والتألية لا فى الذات والأفعال والصفات والمقصود أنه سبحانه يحب نفسه أعظم محبة ويحب من يحبه وخلق خلقه لذلك وشرع شرائعه وأنزل كتبه لأجل ذلك وأعد الثواب والعقاب لأجل ذلك وهذا هو محض الحق الذى به قامت السموات والأرض وكان الخلق والأمر فإذا قام به العبد فقد قام بالأمر الذى خلق له فرضى عنه صانعه وبارئه وأحبه إذ كان يحب ويرضى فإذا صدف عن ذلك وأعرض عنه وأبق عن مالكه وسيده أبغضه ومقته لأنه خرج عما خلق له وصار إلى ضد الحال التى هو لها فاستوجب منه غضبه بدلا من رضاه وعقوبته بدلا من رحمته فكأنه استدعى من رحمته أن يعامله من نفسه بخلاف ما يحب فإنه سبحانه عفو يحب العفو محسن يحب الإحسان جواد يحب الجود سبقت رحمته غضبه. فإذا أبق منه العبد وخامر عليه ذاهبا إلى عدوه فقد استدعى منه أن يجعل غضبه غالبا على رحمته وعقوبته على إحسانه وهو سبحانه يحب من نفسه الإحسان والبر والإنعام فقد استدعى من ربه فعل ما غيره أحب إليه منه. وهو بمنزلة عبد السوء الذى يحمل أستاذه من المخلوقين المحسن إليه الذى طبيعته الإحسان والكرم على خلاف مقتضى طبيعته وسجيته فأستاذه يحب لطبعه الإحسان وهو بإساءته ولؤمه يكلفه ضد طباعه ويحمله على خلاف سجيته فإذا راجع هذا العبد ما يحب سيده [إليه وأقبل عليه وأعرض عن عدوه فقد صار إلى الحال التى تقتضى محبة سيده له] وإنعامه عليه وإحسانه إليه فيفرح به ولا بد أعظم فرح وهذا الفرح هو دليل [عليه] غاية الكمال والغنى والمجد. فليتدبر اللبيب وجود هذا الفرح ولوازمه وملزوماته يجد فى طيه من المعارف الإلهية ما لا تتسع له إلا القلوب المهيأة لهذا الشأن المخلوقة له وهذا فرح محسن بر لطيف جواد غنى حميد لا فرح محتاج إلى حصول [ما يفرح به] متكمل به مستقيل له من غيره فهو عين الكمال لازم للكمال ملزوم له. وألطف من هذا الوجه أن الله سبحانه خلق عباده المؤمنين وخلق كل شيء لأجلهم كما قال تعالى: ألم تروا أن الله سخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض وأسبغ  عليكم نعمه ظاهرة وباطنة [لقمان:02] . وكرمهم وفضلهم على كثير ممن خلق(1\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "255",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11850",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال: ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا [الإسراء: 70]  [وقال] لصالحيهم وصفوتهم: إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين [آل عمران: 33] . وقال [تعالى] لموسى: واصطنعتك لنفسى [طه: 41]  واتخذ منهم الخليلين والخلة أعلى درجات المحبة. وقد جاء فى بعض الآثار: يقول تعالى: quot;ابن آدم خلقتك لنفسى وخلقت كل شيء لك فبحقى عليك لا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك لهquot;. وفى أثر آخر يقول تعالى: quot;ابن آدم خلقتك لنفسى فلا تلعب وتكفلت برزقك فلا تتعب ابن آدم اطلبنى تجدنى فإن وجدتنى وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيءquot;. فالله سبحانه خلق عباده له ولهذا اشترى منهم أنفسهم وهذا عقد لم يعقده مع خلق غيرهم فيما أخبر به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ليسلموا إليه النفوس التى خلقها له. وهذا الشراء دليل على أنها محبوبة له مصطفاة عنده مرضية لديه. وقدر السلعة يعرف بجلالة قدر مشتريها وبمقدار ثمنها هذا إذا جهل قدرها فى نفسها فإذا عرف قدر السلعة وعرف مشتريها وعرف الثمن المبذول فيها علم شأنها ومرتبتها فى الوجود. فالسلعة أنت والله المشترى والثمن جنته والنظر إلى وجهه وسماع كلامه فى دار الأمن والسلام. والله [سبحانه] لا يصطفى لنفسه إلا أعز الأشياء وأشرفها وأعظمها قيمة. وإذا كان قد اختار العبد لنفسه وارتضاه لمعرفته ومحبته وبنى له دارا فى جواره وقربه وجعل ملائكته خدمه يسعون فى مصالحه فى يقظته ومنامه وحياته وموته ثم إن العبد أبق عن سيده ومالكه معرضا عن رضاه ثم لم يكفه ذلك حتى خامر عليه وصالح عدوه ووالاه من دونه وصار من جنده مؤثرا لمرضاته على مرضاة وليه ومالكه فقد باع نفسه- التى اشتراها منه إلهه ومالكه وجعل ثمنها جنته والنظر إلى وجهه- من عدوه وأبغض خلقه إليه واستبدل غضبه برضاه ولعنته برحمته ومحبته. فأى مقت خلى هذا المخدوع عن نفسه لم يتعرض له من ربه قال تعالى: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا [الكهف: 50] .(1\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "256",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11851",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتأمل ما تحت هذه المعاتبة وما فى طى هذا الخطاب من سوء هذا العبد وما تعرض له من المقت والخزى والهوان ومن استعطاف ربه واستعتابه ودعائه إياه إلى العود إلى وليه ومولاه الحق الذى هو أولى به فإذا عاد إليه وتاب إليه فهو بمثابة من أسر له العدو محبوبا له واستولوا عليه وحالوا بينه وبينه فهرب منهم ذلك المحبوب وجاء إلى محبه اختيارا وطوعا حتى توسد عتبة بابه فخرج المحب من بيته فوجد محبوبه متوسدا عتبة بابه واضعا خده وذقنه عليها فكيف يكون فرحه ربه ولله المثل الأعلى. ويكفى فى هذا المثل الذى ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن فتح الله عين قلبه فأبصر ما فى طيه وما فى ضمنه وعلم أنه ليس كلام مجاز ولا مبالغة ولا تخييل بل كلام معصوم فى منطقة وعلمه وقصده وعمله كل كلمة [منه] فى موضعها ومنزلتها ومقرها لا يتعدى بها عنه ولا يقصر بها. والذى يزيد هذا المعنى تقريرا أن محبة الرب لعبده سبقت محبة العبد له سبحانه فإن لولا محبة الله له لما جعل محبته فى قلبه [فلما أحبه] ألهمه حبه وآثره به فلما أحبه العبد جازاه على تلك المحبة محبة أعظم منها فإنه من تقرب إليه شبرا تقرب إليه ذراعا ومن تقرب إليه ذراعا تقرب إليه باعا ومن أتاه مشيا أتاه هرولة. وهذا دليل على أن محبة الله لعبده الذى يحبه فوق محبة العبد له. [فإذا] تعرض هذا المحبوب لمساخط حبيبه فهو بمنزلة المحبوب الذى فر من محبه وآثر غيره عليه فإذا عاوده وأقبل إليه وتخلى عن غيره فكيف لا يفرح به محبه أعظم فرح وأكمله والشاهد أقوى شاهد تؤيده الفطرة والعقل فلو لم يخبر الصادق المصدوق بما أخبر به من هذا الأمر العظيم لكان فى الفطرة والعقل ما يشهد به فإذا انضافت للشريعة المنزلة إلى [الفطرة المكملة إلى العقل الصحيح] المنور فذلك الذى لا غاية له بعده وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. فصل ومتى أراد العبد شاهد هذا من نفسه فلينظر إلى الفرحة التى يجدها بعد التوبة النصوح والسرور واللذة التى تحصل له والجزاء من جنس العمل. فلما تاب إلى الله ففرح الله بتوبته أعقبه فرحا عظيما. وهاهنا دقيقة قل من يتفطن لها إلا فقيه فى هذا الشأن. وهى أن كل تائب لا بد له فى أول توبته من عصرة وضغطة فى قلبه من هم أو غم أو ضيق أو حزن ولو لم يكن إلا تألمه بفراق محبوبه فينضغط لذلك وينعصر(1\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "257",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11852",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلبه ويضيق صدره فأكثر الخلق رجعوا من التوبة ونكسوا على رؤوسهم لأجل هذه [المحنة] . والعارف الموفق يعلم أن الفرحة والسرور واللذة الحاصلة عقيب التوبة تكون على قدر هذه العصرة فكلما كانت أقوى وأشد كانت الفرحة واللذة أكمل وأتم ولذلك أسباب عديدة: منها أن هذه العصرة والقبض دليل على حياة قلبه وقوة استعداده ولو كان قلبه ميتا واستعداده ضعيفا لم يحصل له ذلك.. وأيضا فإن الشيطان لص الإيمان واللص إنما يقصد المكان المعمور وأما المكان الخراب الذى لا يرجو أن يظفر منه بشيء فلا يقصده فإذا قويت المعارضات الشيطانية والعصرة دل على أن فى قلبه من الخير ما يشتد حرص الشيطان على نزعه منه. وأيضا فإن قوة المعارض والمضاد تدل على قوة معارضة وضده ومثل هذا إما أن يكون رأسا فى الخير أو رأسا فى الشر فإن النفوس الأبية القوية إن كانت خيرة رأست فى الخير وإن كانت شريرة رأست فى الشر. وأيضا فإن بحسب موافقته لهذا العارض وصبره عليه يثمر له ذلك من اليقين والثبات والعزم ما يوجب زيادة انشراحه وطمأنينته. وأيضا فإنه كلما عظم المطلوب كثرت العوارض والموانع دونه هذه سنة الله فى الخلق. فانظر إلى الجنة وعظمها وإلى الموانع والقواطع التى حالت دونها حتى أوجبت أن ذهب من كل ألف رجل واحد إليها وانظر إلى محبة الله والانقطاع إليه والإنابة إليه والتبتل إليه وحده والأنس به واتخاذه وليا ووكيلا [وكافيا] وحسيبا هل يكتسب العبد شيئا أشرف منه وانظر إلى القواطع والموانع الحائلة دونه حتى قد تعلق كل قوم بما تعلقوا به دونه والطالبون له منهم الواقف مع عمله والواقف مع علمه والواقف مع حاله والواقف مع ذوقه وجمعيته وحظه من ربه والمطلوب منهم وراء ذلك كله. والمقصود أن هذا الأمر الحاصل بالتوبة لما كان من أجل الأمور وأعظمها نصبت عليه المعارضات والمحن ليتميز الصادق من الكاذب وتقع الفتنة ويحصل الابتلاء ويتميز من يصلح ممن لا يصلح قال تعالى: آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين [العنكبوت: 1- 3]  وقال: ليبلوكم أيكم أحسن عملا [الملك: 2]  ولكن إذا صبر على هذه العصرة قليلا أفضت به إلى رياض الأنس وجنات الانشراح وإن(1\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "258",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11853",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يصبر لها انقلب على وجهه. والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه. والمقصود أن هذا الفرح من الله بتوبة عبده- مع أنه لم يأت نظيره فى غيرها من الطاعات- دليل على عظم قدر التوبة وفضلها عند الله وأن التعبد له بها من أشرف التعبدات وهذا يدل على أن صاحبها يعود أكمل مما كان قبلها فهذا بعض ما احتج به لهذا القول. وأما الطائفة التى قالت: لا يعود إلى مثل ما كان بل لا بد أن ينقص حاله فاحتجوا بأن الجناية توجب الوحشة وزوال المحبة ونقص العبودية بلا ريب. فليس العبد الموفر أوقاته على طاعة سيده كالعبد المفرط فى حقوقه وهذا مما لا يمكن جحده ومكابرته فإذا تاب إلى ربه ورجع إليه أثرت توبته برك مؤاخذته بالذنب والعفو عنه وأما مقام القرب والمحبة فهيهات أن يعود. قالوا: ولأن هذا فى زمن اشتغاله بالمعصية قد فاته فيه السير إلى الله فلو كان واقفا فى موضعه لفاته التقدم فكيف وهو فى زمن المعصية كان سيره إلى وراء وراء فإذا تاب واستقبل سيره فإنه [يحتاج إلى سير جديد وقطع مسافة حتى يصل إلى الوضع الذى] تأخر منه. قالوا: ونحن لا ننكر أنه قد يأتى بطاعات وأعمال تبلغه إلى منزلته [وإنما انكرنا أن يكون بمجرد التوبة النصوح يعود إلى منزلته وحالته]  وهذا مما لا يكون فإنه بالتوبة قد وجه وجهه إلى الطريق فلا يصل إلى مكانه الذى رجع منه إلا بسير مستأنف يوصله إليه ونحن لا ننكر أن العبد بعد التوبة يعمل أعمالا عظيمة لم يكن ليعملها قبل الذنب توجب له التقدم. قالوا: وأيضا فلو رجع إلى حاله التى كان عليها أو إلى أرفع منها لكان بمنزلة المداوم على الطاعة أو أحسن حالا منه فكيف يكون هذا وأين مسير صاحب الطاعة فى زمن اشتغال هذا بالمعصية وكيف يلتقى رجلان أحدهما سائر نحو المشرق والآخر نحو المغرب فإذا رجع أحدهما إلى طريق الآخر والآخر مجد على سيره فإنه لا يزال سابقه ما لم يعرض له فتور أو توان هذا مما لا يمكن جحده ودفعه. قالوا: وأيضا فمرض القلب بالذنوب على مثل مرض الجسم بالأسقام والتوبة بمنزلة شرب الدواء والمريض إذا شرب الدواء وصح فإنه لا تعود إليه قوته قبل المرض وإن عادت فبعد حين. قالوا: وأيضا فهذا فى زمن معالجة التوبة ملبوك فى نفسه مشغول بمداوتها ومعالجتها وفى زمن الذنب مشغول بشهواتها والسالم من ذلك مشغول بربه قد قرب منه فى سيره فكيف يلحقه هذا فهذا ونحوه مما احتجت به هذه الطائفة لقولها.(1\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "259",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11854",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجرت هذه المسألة بحضرة شيخ الإسلام ابن تيمية فسمعته يحكى هذه الأقوال الثلاثة حكاية مجردة فإما سألته وإما سئل عن الصواب منها فقال: الصواب أن من التائبين من يعود إلى مثل حاله ومنهم من يعود إلى أكمل منها [مما كانت]  ومنهم من يعود إلى أنقص مما كان. فإن كان بعد التوبة خيرا مما كان قبل الخطيئة وأشد حذرا وأعظم تشميرا وأعظم ذلا وخشية وإنابة عاد إلى أرفع مما كان وإن كان قبل الخطيئة أكمل فى هذه الأمور ولم يعد بعد التوبة إليها عاد إلى أنقص مما كان عليه وإن كان بعد التوبة مثل ما كان قبل الخطيئة رجع إلى مثل منزلته. هذا معنى كلامه [رضى الله عنه] . قلت: وهاهنا مسألة هذا الموضع أخص المواضع ببيانها وهى أن التائب إذا تاب إلى الله توبة نصوحا فهل تمحى تلك السيئات ويذهب لا له ولا عليه أو إذا محيت أثبت له مكان كل سيئة حسنة هذا مما اختلف الناس فيه من المفسرين وغيرهم قديما وحديثا فقال الزجاج: ليس يجعل مكان السيئة الحسنة لكن يجعل مكان السيئة التوبة والحسنة مع التوبة. قال ابن عطية: يجعل أعمالهم بدل معاصيهم الأولى طاعة فيكون ذلك سببا لرحمة الله إياهم قاله ابن عباس وابن جبير وابن زيد والحسن ورد على من قال هو فى يوم القيامة قال: وقد ورد حديث فى كتاب مسلم من طريق أبى ذر يقتضى أن الله سبحانه يوم القيامة يجعل لمن يريد المغفرة له من الموحدين بدل سيئاته حسنات وذكره الترمذى والطبرى وهذا تأويل سعيد بن المسيب فى هذه الآية. قال ابن عطية: وهو معنى كرم العفو هذا آخر كلامه. قلت: سيأتى إن شاء الله ذكر الحديث بلفظه والكلام عليه. قال المهدوى: وروى معنى هذا القول عن سلمان الفارسى وسعيد بن جبير وغيرهما. وقال الثعلبى: قال ابن عباس وابن جريج والضحاك وابن زيد: يبدل الله سيئاتهم حسنات [الفرقان: 70] يبدلهم الله بقبيح أعمالهم فى الشرك محاسن الأعمال فى الإسلام فيبدلهم بالشرك إيمانا وبقتل المؤمنين قتل المشركين وبالزنا عفة وإحصانا. وقال آخرون: يعنى يبدل الله سيئاتهم التى عملوها فى حال إسلامهم حسنات يوم القيامة. وأصل القولين أن هذا التبديل هل هو فى الدنيا أو يوم القيامة فمن قال: إنه فى الدنيا قال: هو تبديل الأعمال القبيحة والإرادات الفاسدة بأضدادها وهى حسنات(1\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "260",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11855",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا تبديل حقيقة. والذين نصروا هذا القول احتجوا بأن السيئة لا تنقلب حسنة بل غايتها أن تمحى وتكفر ويذهب أثرها فأما أن تنقلب حسنة فلا فإنها لم تكن طاعة وإنما كانت بغيضة مكروهة للرب فكيف تنقلب محبوبة مرضية. قالوا: وأيضا فالذى دل عليه القرآن إنما هو تكفير السيئات ومغفرة الذنوب كقوله تعالى: ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا [آل عمران: 193]  وقوله تعالى: ويعفو عن السيئات [الشورى: 30] [المائدة: 15] وقوله تعالى: إن الله يغفر الذنوب جميعا [الزمر: 53]  والقرآن مملوء من ذلك. وفى الصحيح من حديث قتادة عن صفوان بن محرز قال: قال رجل لابن عمر: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فى النجوى قال: سمعته يقول: quot;يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول: هل تعرف فيقول: رب أعرف قال: فإنى قد سترتها عليك فى الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فيعطى صحيفة حسناته وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على الله عز وجلquot; فهذا الحديث المتفق عليه الذى تضمن العناية بهذا العبد إنما فيه ستر ذنوبه عليه فى الدنيا ومغفرتها له يوم القيامة ولم يقل له: وأعطيتك بكل سيئة منها حسنة. فدل على أن غاية السيئات مغفرتها وتجاوز الله عنها وقد قال الله فى حق الصادقين: ليكفر الله عنهم أسوأ الذى عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذى كانوا يعملون [الزمر: 35]  فهؤلاء خيار الخلق وقد أخبر أنه يكفر عنهم سيئات أعمالهم ويجزيهم بأحسن ما يعملون وأحسن ما عملوا [إنما هو الحسنات لا السيئات فدل على أن الجزاء بالحسنى] إنما يكون على الحسنات وحدها وأما السيئات [فإن فحسبها أن] تلغى ويبطل أثرها قالوا: وأيضا فلو انقلبت السيئات أنفسها حسنات فى حق التائب لكان أحسن حالا من الذى لم يرتكب منها شيئا وأكثر حسنات منه لأنه إذا أساء شاركه فى حسناته التى فعلها وامتاز عنه بتلك السيئات ثم انقلبت له حسنات ترجح عليه وكيف يكون صاحب السيئات أرجح ممن لا سيئته له قالوا: وأيضا فكما أن العبد إذا فعل حسنات ثم أتى بما يحبطها فإنها لا تنقلب سيئات يعاقب عليها بل يبطل أثرها ويكون لا له ولا عليه وتكون عقوبته عدم ترتب ثوابه عليها فهكذا من فعل سيئات ثم تاب منها فإنها لا تنقلب حسنات. فإن قلتم: وهكذا التائب(1\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "261",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11856",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكون ثوابه عدم ترتب العقوبة على سيئاته [لم ننازعكم] فى هذا وليس هذا معنى الحسنة فإن الحسنة تقتضى ثوابا وجوديا. واحتجت الطائفة الأخرى التى قالت: هو تبديل السيئة بالحسنة حقيقة يوم القيامة بأن قالت: حقيقة التبديل إثبات الحسنة مكان السيئة. وهذا إنما يكون فى السيئة المحققة وهى التى قد فعلت ووقعت فإذا بدلت حسنة كان معناه أنها محيت وأثبت مكانها حسنة قالوا: ولهذا قال تعالى: سيئاتهم حسنات [الفرقان: 70]  فأضاف السيئات إليهم لكونهم باشروها واكتسبوها ونكر الحسنات ولم يضفها إليهم [لأنها] من غير صنعهم وكسبهم بل هى مجرد فضل الله وكرمه. قالوا: وأيضا فالتبديل فى الآية إنما هو فعل الله لا فعلهم فإنه أخبر أنه هو يبدل سيئاتهم حسنات ولو كان المراد ما ذكرتم لأضاف التبديل إليهم فإنهم هم الذين يبدلون سيئاتهم حسنات والأعمال إنما تضاف إلى فاعلها وكاسبها كما قال الله تعالى: فبدل الذين ظلموا قولا غير الذى قيل لهم [البقرة: 59] وأما ما كان من غير الفاعل فإنه يجعله من تبديله هو كما قال الله تعالى: وبدلناهم بجنتيهم جنتين [سبأ: 16]  فلما أخبر سبحانه أنه هو الذى يبدل سيئاتهم حسنات دل على أنه شيء فعله هو سبحانه بسيئاتهم لا أنهم فعلوه من تلقاء أنفسهم وإن كان سببه منهم وهو التوبة والإيمان والعمل الصالح. قالوا: ويدل عليه ما رواه مسلم فى صحيحه من حديث الأعمش عن المعرور ابن سويد عن أبى ذر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;إنى لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة وآخر أهل النار خروجا منها: رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها فتعرض عليه صغار ذنوبه فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا فيقول: نعم لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة فيقول: رب قد عملت أشياء لا أراها [هاهنا] quot; فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبى ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه قال: فتعرض عليه ويخبأ عنه كبارها فيقال: عملت يوم كذا وكذا وكذا وهو مقر لا ينكر وهو مشفق(1\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "262",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11857",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من الكبار فيقال: اعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة قال: فيقول: إن لى ذنوبا ما أراهاquot; فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه. قالوا: وأيضا فروى أبو حفص المستملى عن محمد بن عبد العزيز بن أبى رزمة حدثنا الفضل بن موسى القطيعى عن أبى العنبس عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئاتquot; قيل: من هم قال: quot;الذين بدل سيئاتهم حسناتquot;. قالوا: وهؤلاء هم الأبدال فى الحقيقة فإنهم إنما سموا أبدالا لأنهم بدلوا أعمالهم السيئة بالأعمال الحسنة فبدل الله سيئاتهم التى عملوها حسنات قالوا: وأيضا فالجزاء من جنس العمل فكما بدلوهم أعمالهم السيئة بالحسنة بدلها الله من صحف الحفظة حسنات جزاء وفاقا. قالت الطائفة الأولى: كيف يمكنكم الاحتجاج بحديث أبى ذر على صحة قولكم وهو صريح فى أن هذا الذى قد بدلت سيئاته حسنات قد عذب عليها فى النار حتى كان آخر أهلها خروجا منها فهذا قد عوقب على سيئاته فزال أثرها بالعقوبة فبدل مكان كل سيئة منها حسنة وهذا حكم غير ما نحن فيه فإن الكلام فى التائب من السيئات لا فيمن مات مصرا عليها غير تائب فأين أحدهما من الآخر وأما حديث الإمام أحمد فهو الحديث بعينه إسنادا ومتنا إلا أنه مختصر. وأما حديث أبى هريرة [فلا] يثبت مثله ومن أبو العنبس ومن أبوه حتى يقبل منهما تفردهما بمثل هذا الأمر الجليل وكيف يصح مثل هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع شدة حرصه على التنفير من السيئات وتقبيح أهلها وذمهم وعيبهم والإخبار بأنها تنقص الحسنات وتضادها فكيف يصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه يقول: quot;ليتمنين أقوام أنهم أكثروا منهاquot; ثم كيف يتمنى المرء إكثاره منها مع سوء عاقبتها وسوء مغبتها وإنما يتمنى الإكثار من الطاعات وفى الترمذى مرفوعا: quot;ليتمنين أقوام يوم القيامة أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض لما يرون من ثواب أهل البلاءquot;. فهذا فيه تمنى البلاء يوم القيامة لأجل مزيد ثواب أهله وهو تمنى الحسنات وأما تمنى الحسنات فهذا لا ريب فيه وأما تمنى السيئات فكيف يتمنى العبد أنه أكثر من السيئات هذا مال لا يكون أبدا وإنما يتمنى المسيء أن لو لم يكن أساء وأما تمنيه أنه ازداد من إساءته فكلا. قالوا: وأما ما ذكرتم من أن التبديل هو إثبات(1\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "263",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11858",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحسنة مكان السيئة فحق. وكذلك نقول: إن الحسنة المفعولة صارت فى مكان السيئة التى لولا الحسنة لحلت محلها. قالوا: وأما احتجاجكم بإضافة السيئات إليهم وذلك يقتضى أن تكون هى السيئات الواقعة. وتنكير الحسنات وهو يقتضى أن تكون حسنات من فضل الله فهو حق بلا ريب ولكن من أين يبقى أن يكون فضل الله بها مقارنا لكسبهم إياها بفضله قالوا: وأما قولكم: إن التبديل مضاف إلى الله لا إليهم وذلك يقتضى أنه هو الذى بدلها [سبحانه] من الصحف لا أنهم هم الذين بدلوا الأعمال بأضدادها فهذا لا دليل لكم فيه فإن الله خالق أفعال العباد فهو المبدل للسيئات حسنات خلقا وتكوينا وهم المبدلون لها فعلا وكسبا. قالوا: وأما احتجاجكم بأن الجزاء من جنس العمل فكما بدلوا سيئات أعمالهم بحسناتهم بدلها الله كذلك فى صحف الأعمال فهذا حق وبه نقول وأنه بدلت السيئات التى كانت مهيأة ومعدة أن تحل فى الصحف بحسنات حلت موضعها. فهذا منتهى أقدام الطائفتين ومحط نظر الفريقين. وإليك أيها المنصف الحكم بينهما فقد أدلى كل منهما بحجته فأقام بينته والحق لا يعدوهما ولا يتجاوزهما فأرشد الله من أعان على هدى فنال به درجة الداعين إلى الله القائمين ببيان حججه ودينه أو عذر طالبا منفردا فى طريق مطلبه قد انقطع رجاؤه من رفيق فى الطريق فغاية أمنيته أن يخلى بينه وبين سيره وأن لا يقطع عليه طريقه. فمن رفع له مثل هذا العلم ولم يشمر إليه فقد رضى بالدون وحصل على صفقة المغبون ومن شمر إليه ورام أن لا يعارضه معارض ولا يتصدى له ممانع فقد منى نفسه المحال وإن صبر على لأوائها وشدتها فهو والله الفوز المبين والحظ الجزيل.. وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. فالصواب إن شاء الله فى هذه المسألة أن يقال: لا ريب أن الذنب نفسه لا ينقلب حسنة والحسنة إنما هى أمر وجودى يقتضى ثوابا ولهذا كان تارك المنهيات إنما يثاب على كف نفسه وحبسها عن مواقعة المنهى وذلك الكف والحبس أمر وجودى وهو متعلق الثواب. وأما من لم يخطر بباله الذنب أصلا ولم يحدث به نفسه فهذا كيف يثاب على تركه ولو أثيب مثل هذا على ترك هذا الذنب لكان مثابا على ترك ذنوب العالم التى لا تخطر بباله وذلك أضعاف حسناته بما لا يحصى فإن(1\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "264",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11859",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الترك مستصحب معه والمتروك لا ينحصر ولا ينضبط فهل يثاب على ذلك كله هذا مما لا يتوهم. وإذا كانت الحسنة لا بد أن تكون أمرا وجوديا فالتائب من الذنوب التى عملها قد قارن كل ذنب منها ندما عليه وكف نفسه عنه وعزم على ترك معاودته. وهذه حسنات بلا ريب وقد محت التوبة أثر الذنب وخلفه هذا الندم والعزم وهو حسنة قد بدلت تلك السيئة حسنة. وهذا معنى قول بعض المفسرين: يجعل مكان السيئة التوبة والحسنة مع التوبة. فإذا كانت كل سيئة من سيئاته قد تاب منها فتوبته منها حسنة حلت مكانها فهذا معنى التبديل لا أن السيئة نفسها تنقلب حسنة. وقال بعض المفسرين فى هذه الآية: يعطيهم بالندم على كل سيئة أساؤوها حسنة وعلى هذا فقد زال بحمد الله الإشكال واتضح الصواب وظهر أن كل واحدة من الطائفتين ما خرجت عن موجب العلم والحجة. وأما حديث أبى ذر - وإن كان التبديل فيه فى حق المصر الذى عذب على سيئاته - فهو يدل بطريق الأولى على حصول التبديل للتائب المقلع النادم على سيئاته فإن الذنوب التى عذب عليها المصر لما زال أثرها بالعقوبة بقيت كأن لم تكن فأعطاه الله مكان كل سيئة منها حسنة لأن ما حصل له يوم القيامة من الندم المفرط عليها مع العقوبة [لاقتضى] زوال أثرها وتبديلها حسنات فإن الندم لم يكن فى وقت ينفعه فلما عوقب عليها وزال أثرها بدلها الله له حسنات. فزوال أثرها بالتوبة النصوح أعظم من زوال أثرها بالعقوبة فإذا بدلت بعد زوالها بالعقوبة حسنات فلأن تبدل بعد زوالها بالتوبة حسنات أولى وأحرى. وتأثير التوبة فى هذا المحو والتبديل أقوى من تأثير العقوبة لأن التوبة فعل اختيارى أتى به العبد طوعا ومحبة لله وفرقا منه. وأما العقوبة فالتكفير بها من جنس التكفير بالمصائب التى تصيبه بغير اختياره بل بفعل الله ولا ريب أن تأثير الأفعال الاختيارية التى يحبها الله ويرضاها فى محو الذنوب أعظم من تأثير المصائب التى تناله بغير اختياره. ولنرجع الآن إلى المقصود وهو [الكلام على] ما ذكره أبو العباس بن الصائف فى علل المقامات فقد ذكرنا كلامه فى علة مقام الإرادة [والكلام عليه وذكرنا كلامه فى مقام الزهد وقوله أنه من مقامات العامة] وذكرنا أن الكلام على ذلك من وجوه هذا آخر الوجه الثانى منها.(1\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "265",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11860",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثالث أن يقال: قوله: quot;الزهد تعظيم للدنيا واحتباس عن الانتفاع بهاquot; إلى آخر الفصل إن أراد به أن زهده دليل على تعظيم الدنيا وأن لها فى قلبه من بالقدر والمنزلة ما يكره لأجله نفسه على تركها أو مستلزم لذلك فإن الزهد لا يدل على هذا التعظيم ولا يستلزمه - وإن كان من عوارض غلبات الطبع التى تذم مساكنتها وانحجاب القلب بها - بل زهده فيها دليل على خروج عظمها من قلبه [وقلة] مبالاته بها وترك الاهتبال بشأنها فكيف يكون هذا نقصا بوجه بل النقص فى الزهد يكون من أحد وجوه: أولها: أن يزهد فيما ينفعه منها ويكون قوة له على سيره ومعونة له على سفره فهذا نقص. فإن حقيقة الزهد هى أن تزهد فيما لا ينفعك والورع أن تتجنب ما قد يضرك. فهذا الفرق بين الأمرين. الثانى: أن يكون زهده مشوبا إما بنوع عجز أو ملالة وسآمة وتأذية بها وبأهلها وتعب قلبه بشغله بها ونحو هذا من المزهدات فيها كما قيل لبعضهم: ما الذى أوجب زهدك فى الدنيا قال: قلة وفائها وكثرة جفائها وخسة شركائها. فهذا زهد ناقص فلو صفت للزاهد [من] تلك العوارض لم يزهد فيها بخلاف من كان زهده فيها لامتلاء قلبه من الآخرة ورغبته فى الله وقربه فهذا لا نقص فى زهده ولا علة من جهة كونه زهدا. الثالث: أن يشهد زهده ويلحظه ولا يفنى عنه بما زهد لأجله فهذا نقص أيضا فالزهد كله أن تزهد فى رؤية زهدك وتغيب عنه برؤية الفضل ومطالعة المنة وأن لا تقف عنده فتنقطع بل أعرض عنه جادا فى سيرك غير ملتفت إليه مستصغرا لحاله بالنسبة إلى مطلوبك مع أن هذه العلة مطردة فى جميع المقامات على ما فيها كما سننبه عليه إن شاء الله فإن ربط هذا الشأن بالنصوص النبوية والعقل الصريح والفطرة الكاملة من أهم الأمور فلا يحسن بالناصح لنفسه أن يقنع فيه بمجرد تقليد أهله فما أكثر غلطهم [فيهم] وتحكيمهم مجرد الذوق وجعل حكم ذلك الذوق كليا عاما فهذا ونحوه من مثارات الغلط. الوجه الرابع: أن الزهد على أربعة أقسام: أحدها: فرض على كل مسلم وهو(1\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "266",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11861",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الزهد فى الحرام وهذا متى أخل به انعقد سبب العقاب فلا بد من وجود مسببه ما لم ينعقد سبب آخر يضاده. الثانى: زهد مستحب وهو على درجات فى الاستحباب بحسب المزهود فيه. وهو الزهد فى المكروه وفضول المباحات والتفنن فى الشهوات المباحة. الثالث: زهد الداخلين فى هذا الشأن وهم المشمرون فى السير إلى الله وهو نوعان: أحدهما: الزهد فى الدنيا جملة وليس [المراد] تخليها من اليد ولا إخراجها وقعوده صفرا منها وإنما المراد إخراجها من قلبه بالكلية فلا يلتفت إليها ولا يدعها تساكن قلبه وإن كانت فى يده. فليس الزهد أن تترك الدنيا من يدك وهى فى قلبك وإنما الزهد أن تتركها من قلبك وهى فى يدك. وهذا كحال الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز الذى يضرب بزهده المثل مع أن خزائن الأموال تحت يده بل كحال سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم حين فتح الله عليه من الدنيا ما فتح ولا يزيده ذلك إلا زهدا فيها. ومن هذا الأثر المشهور وقد روى مرفوعا وموقوفا: quot;ليس الزهد فى الدنيا [بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن الزهد فى الدنيا] أن تكون بما فى يد الله أوثق منك بما فى يدك وأن تكون فى ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها لو أنها بقيت لكquot;. والذى يصحح هذا الزهد ثلاثة أشياء: أحدها: علم العبد أنها ظل زائل وخيال زائر وأنها كما قال الله تعالى فيها: اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر فى الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما [الحديد: 20]  وقال الله تعالى: إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلنها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون [يونس: 24]  وقال تعالى: واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا [الكهف: 45]  وسماها سبحانه: quot;متاع الغرورquot; ونهى عن الاغترار بها(1\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "267",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11862",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأخبرنا عن سوء عاقبة المغترين [بها] وحذرنا مثل مصارعهم وذم من رضى بها واطمأن إليها. وقال النبى صلى الله عليه وسلم: quot;مالى وللدنيا إنما أن كراكب قال فى ظل شجرة ثم راح وتركهاquot;. وفى المسند عنه صلى الله عليه وسلم حديث معناه: أن الله جعل طعام ابن آدم وما يخرج منه مثلا للدنيا فإنه وإن فوحه وملحه فلينظر إلى ماذا يصير فما اغتر بها ولا سكن إليها إلا ذو همة دنية وعقل حقير وقدر خسيس. الثانى: علمه أن وراءها دارا أعظم منها قدرا وأجل خطرا وهى دار البقاء وأن نسبتها إليها كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: quot;ما الدنيا فى الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه فى اليم فلينظر بم يرجعquot; فالزاهد فيها بمنزلة رجل فى يده درهم زغل قيل له: اطرحه [ولك] عوضه مائة ألف دينار مثلا فألقاه من يده رجاء ذلك العوض فالزهد فيها لكمال [رغبته] فيما هو أعظم منها زهد فيها. الثالث: معرفته أن زهده فيها لا يمنعه شيئا كتب له منها وأن حرصه عليها لا يجلب له ما لم يقض له منها فمتى تيقن ذلك وصار له به علم يقين هان عليه الزهد فيها فإنه متى تيقن ذلك وثلج له صدره وعلم أن مضمونه منها سيأتيه بقى حرصه وتعبه وكده ضائعا والعاقل لا يرضى لنفسه بذلك. فهذه الأمور الثلاثة تسهل على العبد الزهد فيها وتثبت قدمه فى مقامه. والله الموفق لمن يشاء. النوع الثانى: الزهد فى نفسك وهو أصعب الأقسام وأشقها وأكثر الزاهدين إنما وصلوا إليه ولم يلجوه فإن الزاهد يسهل عليه الزهد فى الحرام لسوء مغبته وقبح ثمرته وحماية لدينه وصيانة لإيمانه وإيثارا للذة والنعيم على العذاب وأنفة من مشاركة الفساق والفجرة وحمية من أن يستأثر لعدوه ويسهل عليه الزهد فى المكروهات وفضول المباحات علمه بما يفوته بإيثارها من اللذة والسرور الدائم والنعيم المقيم. ويسهل عليه زهده فى الدنيا معرفته بما وراءها وما يطلبه من العوض التام والمطلب الأعلى. وأما الزهد فى النفس فهو ذبحها بغير سكين وهو نوعان: أحدهما: وسيلة وبداية وهو أن تميتها فلا يبقى [لها] عندك من القدر شيء فلا تغضب لها ولا ترضى لها ولا تنتصر لها ولا تنتقم لها قد سبلت عرضها ليوم فقرها وفاقتها فهى أهون عليك من أن تنتصر لها أو تنتقم لها أو تجيبها إذا دعتك(1\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "268",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11863",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو تكرمها إذا عصتك أو تغضب لها إذا ذمت بل هى عندك أخس مما قيل فيها أو ترفهها عما فيه حظك وفلاحك وإن كان صعبا عليها وهذا وإن كان ذبحا لها وأماتة عن طباعها وأخلاقها فهو عين حياتها وصحتها ولا حياة لها بدون هذا البتة. وهذه العقبة هى آخر عقبة يشرف منها على منازل المقربين وينحدر منها إلى وادى البقاء ويشرب من عين الحياة ويخلص روحه من سجون المحن والبلاء وأسر الشهوات وتتعلق بربها ومعبودها ومولاها الحق فيا قرة عينها ويا نعيمها وسرورها بقربه ويا بهجتها بالخلاص من عدوها [ومصيرها إلى وليها] مولاها ومالك أمرها ومتولى مصالحها. وهذا الزهد هو أول نقدة من مهر الحب فيا مفلس تأخر. والنوع الثانى: غاية وكمال وهو أن يبذلها للمحبوب جملة بحيث لا يستبقى منها شيئا. بل يزهد فيها زهد المحب فى قدر خسيس من ماله قد تعلقت رغبة محبوبه به فهل يجد من قلبه رغبة فى إمساك ذلك القدر وحبسه عن محبوبه فهكذا زهد المحب الصادق فى نفسه قد خرج عنها وسلمها لربه فهو يبذلها له دائما بتعرض منه لقبولها. وجميع مراتب الزهد المتقدمة مباد ووسائل لهذه المرتبة ولكن لا يصح إلا بتلك المراتب فمن رام الوصول إلى هذه المرتبة بدون ما قبلها [فتمعن] متمن كمن رام الصعود إلى أعلى المنارة بلا سلم. قال بعض السلف: إنما حرموا الوصول بتضييع الأصول فمن ضيع الأصول حرم الوصول وإذا عرف هذا فكيف يدعى أن الزهد من منازل العوام وأنه نقص فى طريق الخاصة وهل الكمال إلا فى الزهد وما النقص إلا فى نقصانه. والله الموفق للصواب. فصل المثال الرابع: التوكل قال أبو العباس: quot;هو للعوام أيضا لأنه وكل أمرك إلى مولاك والتجاؤك إلى علمه ومعرفته لتدبير أمرك وكفاك همك وهذا فى طريق الخواص عمى عن الكفاية به ورجوع إلى الأسباب لأنك رفضت الأسباب ووقفت مع التوكل فصار بدلا عن تلك الأسباب فإنك معلق بما [رفضته] من حيث معتقدك الانفصال. وحقيقة التوكل عند القوم التوكل فى تخليص القلب من علة التوكل وهو أن يعلم أن الله [تعالى] لم يترك أمرا مهملا بل فرغ من الأشياء وقدرها وإن اختلف منها(1\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "269",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11864",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شيء فى العقول أو تشوش فى المحسوس أو اضطراب فى المعهود فهو المدبر له وشأنه سوق المقادير إلى المواقيت والمتوكل من أراح نفسه من كل النظر فى مطالعة السبب سكونا إلى ما سبق من القسمة مع استواء الحالين عنده وهو أن يعلم أن الطلب لا يجمع والتوكل لا يمنع ومتى طالع بتوكله عرضا كان توكله مدخولا وقصده معلولا فإذا خلص من رق هذه الأسباب ولم يلاحظ فى توكله سوى خالص حق الله كفاه الله [تعالى] كل مهمquot;. ثم ذكر حكاية عن موسى صلى الله عليه وسلم أنه فى رعايته نام عن غنمه فاستيقظ فوجد الذئب واضعا عصاه على عاتقه يرعاها فعجب من ذلك فأوحى الله إليه: يا موسى كن لى كما أريد أكن لك كما تريد. فيقال: الكلام على هذا من وجوه: أحدها: إن جعله التوكل من منازل العوام باطل كما تقدم بل الخاصة أحوج إليه من العامة وتوكل الخواص أعظم من توكل العوام. والتوكل مصاحب للصادق من أول قدم يضعه فى الطريق إلى نهايته وكلما ازداد قربه وقوى سيره ازداد توكله. فالتوكل مركب السائر الذى لا يتأتى له السير إلا به ومتى نزل عنه انقطع لوقته وهو من لوازم الإيمان ومقتضياته قال الله تعالى: وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين [المائدة: 23]  فجعل التوكل شرطا فى الإيمان فدل على انتفاء الإيمان عند انتفاء التوكل وفى الآية الأخرى: وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين [يونس: 84] فجعل دليل صحة الإسلام التوكل وقال تعالى: وعلى الله فليتوكل المؤمنون [آل عمران: 122 160] [المائدة: 11] [التوبة: 51] [إبراهيم: 11] [المجادلة: 10] [التغابن: 13]  فذكر اسم الإيمان هاهنا دون سائر أسمائهم دليل على استدعاء الإيمان للتوكل وإن قوة التوكل وضعفه بحسب قوة الإيمان وضعفه وكلما قوى إيمان العبد كان توكله أقوى وإذا ضعف الإيمان ضعف التوكل وإذا كان التوكل ضعيفا فهو دليل على ضعف الإيمان ولا بد والله تعالى يجمع بين التوكل والعبادة وبين التوكل والإيمان وبين التوكل والإسلام وبين التوكل والتقوى وبين التوكل والهداية. فأما التوكل والعبادة فقد جمع [سبحانه] بينهما فى سبعة مواضع من كتابه أحدها: فى(1\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "270",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11865",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سورة أم القرآن فقال [تعالى] : إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة:5]  والثانى: قوله حكاية عن شعيب أنه قال: وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب [هود: 88]  الثالث: قوله حكاية عن أوليائه وعبادة المؤمنين أنهم قالوا: ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير [الممتحنة: 4]  الرابع: قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا [المزمل:8-9]  الخامس: قوله: ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون [هود: 123]  السادس: قوله: فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير [الحج: 78]  السابع: قوله: قل هو ربى لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب [الرعد: 30] . فهذه السبعة مواضع جمعت الأصلين: التوكل وهو الوسيلة والإنابة وهى الغاية فإن العبد لا بد له من غاية مطلوبة ووسيلة موصلة إلى تلك الغاية فأشرف غاياته التى لا غاية له أجل منها عبادة ربه والإنابة إليه. وأعظم وسائله التى لا وسيلة له غيرها البتة التوكل على الله والاستعانة به ولا سبيل له إلى هذه الغاية إلا بهذه الوسيلة فهذه أشرف الغايات وتلك أشرف الوسائل وأما الجمع بين الإيمان والتوكل ففى مثل قوله تعالى: قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا [الملك: 29]  ونظيره قوله: وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين [المائدة: 23]  وقوله تعالى: وعلى الله فليتوكل المؤمنون [آل عمران: 122 160] [المائدة: 11] [التوبة: 51] [إبراهيم: 11] [المجادلة: 10] [التغابن: 13] . وأما الجمع بين التوكل والإسلام ففى قوله تعالى: وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين [يونس: 84] . وأما الجمع بين التقوى والتوكل ففى مثل قوله تعالى: يأيها النبى اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إلى قوله تعالى: وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا [الأحزاب: 1- 3]  وقوله: ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه [الطلاق: 2- 3] . وأما الجمع بين التوكل والهداية ففى مثل قول الرسل [صلوات الله وسلامه عليهم] لقومهم:(1\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "271",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11866",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما لنآ ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا [إبراهيم:12]  وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: فتوكل على الله إنك على الحق المبين [النمل: 79]  فأمر [رسوله] بالتوكل عليه وعقب هذا الأمر بما هو موجب للتوكل مصحح له مستدع لثبوته وتحققه وهو قوله تعالى: quot;إنك على الحق المبين فإن كون العبد على الحق يقتضى تحقيق مقام التوكل على الله والاكتفاء به والإيواء إلى ركنه الشديد فإن الله هو الحق وهو ولى الحق وناصره ومؤيده وكافى من قام بهquot; [مخلصا للحق] أن لا يتوكل عليه وكيف يخاف وهو على الحق كما قالت الرسل لقومهم: وما لنآ ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا [إبراهيم: 12]  فعجبوا من تركهم التوكل على الله [وهو] هداهم [وأقروا] أن ذلك لا يكون أبدا. وهذا دليل على أن الهداية والتوكل متلازمان: فصادف الحق- لعلمه بالحق [وليقينه] بأن الله ولى الحق وناصره- مضطر إلى توكله على الله لا يجد بدا من توكله. فإن التوكل يجمع أصلين: علم القلب وعمله. أما علمه: فيقينه بكفاية وكيله وكمال قيامه بما وكله إليه وأن غيره لا يقوم مقامه فى ذلك. وأما عمله: فسكونه إلى وكيله وطمأنينته إليه وتفويضه وتسليمه أمره إليه وأن غيره لا يقوم مقامه فى ذلك. ورضاه بتصرفه له فوق رضاه بتصرفه هو لنفسه. فبهذين الأصلين يتحقق التوكل وهما جماعه وإن كان التوكل دخل فى عمل القلب من عمله كما قال الإمام أحمد: التوكل عمل القلب ولكن لا بد فيه من العلم وهو إما شرط فيه وإما جزء من ماهيته. والمقصود أن القلب متى كان على الحق كان أعظم لطمأنينته ووثوقه بأن الله وليه وناصره وسكونه إليه فما له أن لا يتوكل على ربه وإذا كان على الباطل علما وعملا أو أحدهما لم يكن مطمئنا واثقا بربه فإنه لا ضمان له عليه ولا عهد له عنده فإن الله [سبحانه] لا يتولى الباطل ولا ينصره ولا ينسب إليه بوجه فهو منقطع النسب إليه بالكلية فإنه سبحانه هو [الحق]  وقوله الحق ودينه الحق ووعده حق ولقاؤه حق وفعله [كله] حق. ليس فى أفعاله شيء باطل بل أفعاله سبحانه بريئة من الباطل كما أقواله [سبحانه] كذلك فلما كان الباطل لا يتعلق به [سبحانه]  بل هو مقطوع [عليه] البتة كان صاحبه كذلك. ومن لم يكن له تعلق بالله العظيم وكان منقطعا عن ربه لم يكن الله وليه ولا ناصره ولا وكيله. فتدبر هذا السر العظيم فى اقتران التوكل والكفاية بالحق والهدى وارتباط أحدهما بالآخر لو لم يكن فى هذه(1\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "272",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11867",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرسالة إلا هذه الفائدة السرية لكانت حقيقة أن تودع فى خزانة القلب لشدة الحاجة إليها. والله المستعان وعليه التكلان فظهر أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان ولجميع أعمال الإسلام وأن منزلته منها منزلة الجسد من الرأس فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل. والله أعلم. الوجه الثانى: أن قوله فى التوكل: quot;إنه فى طريق الخواص عمى عن الكفاية ورجوع إلى الأسباب.. إلى آخر كلامهquot; مضمونه أن التوكل لا يتم إلا برفض الأسباب والإعراض عنها جملة. والتوكل من أقوى الأسباب وأعظمها فى حصول المطلوب فكأنه قد رفض سببا وتعلق بسبب وقد ناقض فى أمره ولهذا قال: quot;فصار بدلا عن تلك الأسبابquot; وكأنك تعلقت بما رفضته فهذه هى النكتة التى لأجلها صار التوكل عنده من منازل العوام وهذه هى غير مسألة الجمع بين التوكل والسبب بل هذه مسألة تعليل نفس التوكل. فيقال: قولك: quot;إنه عمى عن الكفايةquot; ليس كذلك بل هو نظر إلى نفس الكفاية وملاحظة لها. ولا ريب أن الكفاية من الله لا تنال إلا بأسبابها من عبوديته وسببها المقتضى لها هو التوكل كما قال الله تعالى: ومن يتوكل على الله فهو حسبه [الطلاق: 3]  أى كافية فجعل التوكل سببا للكفاية فربط الكفاية بالتوكل كربط سائر الأسباب بمسبباتها فكيف يقال: quot;إن التوكل عمى عن الكفايةquot; وهل التوكل إلا محض العبودية التى جزاؤها الكفاية وهى لا تحصل بدونه بل العلة ههنا شهود حصولها بفعلك وتوكلك غير ناظر إلى مسبب الأسباب الذى أجرى عليك هذا السبب ليوصلك به إلى الكفاية فأول الأمر وآخره منه فهو المنعم بالسبب والمسبب جميعا ولكن لا يوجب نظر العبد إلى المسبب المنعم بالسبب قطع نظره عن السبب والقيام به بل الواجب القيام بالأمرين معا. الوجه الثالث: أن قوله: quot;إنه رجوع إلى الأسبابquot; إن أراد به أنه رجوع إلى سبب ينقص العبودية ويضعف التوكل فليس كذلك وظاهر أن الأمر ليس كذلك(1\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "273",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11868",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن أراد به أنه رجوع إلى سبب نصبه الله مقتضيا للكفاية منه ورتب عليه جزاء لا يحصل بدونه فهذا حق ولكن القيام بهذا السبب محض الكمال ونفس العبودية. وهو كجعل الإسلام والإيمان والإحسان أسبابا مقتضية للفلاح والسعادة بل كجعل سائر أعمال القلوب والجوارح أسبابا مقتضية لما رتب عليها من الجزاء وهل الكمال إلا القيام بهذه الأسباب فالأسباب التى تكون مباشرتها نقصا هى الأسباب التى تضعف التوكل وأما أن يكون التوكل نفسه ناقصا لكون التحقق به تحققا بالسبب فقلب للحقائق الوجه الرابع: أن قوله: quot;لأنك رفضت الأسباب ووقفت مع التوكلquot; إن أراد به رفض الأسباب جملة فهذا كما أنه ممتنع عقلا وحسا فهو محرم شرعا ودينا فإن رفض الأسباب بالكلية انسلاخ من العقل والدين وإن أراد به رفض الوقوف معها والوثوق بها وأنه يقوم [بها] قيام ناظر إلى سببها فهذا حق ولكن النقص لا يكون فى السبب ولا فى القيام به وإنما يكون فى الإعراض عن المسبب تعالى كما تقدم فمنع الأسباب أن تكون أسبابا قدح فى العقل والشرع وإثباتها والوقوف معها وقطع النظر عن مسببها قدح فى التوحيد والتوكل والقيام بها وتنزيلها منازلها والنظر إلى مسببها وتعلق القيام به جمع بين الأمر والتوحيد وبين الشرع والقدر وهو الكمال والله أعلم. الوجه الخامس: قوله: quot;فصار التوكل بدلا عن تلك الأسبابquot; هذا حق فإن التوكل من أعظم الأسباب ولكنه بدل عنها كما تكون الطاعة بدلا عن المعصية والتوحيد بدلا عن الشرك فهو بدل واجب مأمور به مطلوب من العبد والمذموم أن يجعل العبد الأسباب بدلا عن التوكل لا أن يجعل التوكل بدلا عن الأسباب. الوجه السادس: قوله: quot;فكأنك تعلقت بما رفضته من حيث معتقدك الانفصالquot; ليس كذلك فإن المرفوض هو التعلق بغير الله والالتفات إلى سواه فهذا هو الذى رفضه وأما الذى تعلق به فهو التوكل على الله واللجأ إليه والتفويض إليه والاستعانة به. فقد رفض المخلوق وتعلق بالخالق فكيف يقال: إنه تعلق بما رفضه الوجه السابع: أن قوله: quot;من حيث معتقدك الانفصالquot; يشير به إلى أن التوكل(1\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "274",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11869",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نوع تفرقة وانفصال يشهد فيه مع الله غيره وهذا مناف للفناء فى التوحيد وأن لا يشهد مع الله غيره أصلا وهذا قطب رحى السير الذى يشير إليه القوم والعلم الذى يشمرون إليه ولأجله يجعلون كل ما دونه من المقامات معلولا ولا بد من فصل القول فيه بعون الله وتأييده فإنه نهاية إقدامهم وغاية مرماهم. فنقول وبالله التوفيق: الفناء الذى يشار إليه على ألسنة السالكين ثلاثة أقسام: فناء عن وجود السوى وفناء عن شهود السوى وفناء عن عبادة السوى وإرادته وليس هنا قسم رابع. فأما القسم الأول: فهو فناء القائلين بوحدة الوجود فهو فناء باطل فى نفسه مستلزم جحد الصانع [سبحانه]  وإنكار ربوبيته وخلقه وشرعه وهو غاية الإلحاد والزندقة. وهذا هو الذى يشير إليه علماء الاتحادية ويسمونه quot;التحقيقquot; وغاية أحدهم فيه أن لا يشهد ربا وعبدا وخالقا ومخلوقا وآمرا ومأمورا وطاعة ومعصية بل الأمر كله واحد فيكون السالك عندهم فى بدايته يشهد طاعة ومعصية. ثم يرتفع [عن] هذا الفرق بكشف عندهم إلى أن يشهد الأفعال كلها طاعة لله لا معصية فيها وهو شهود الحكم والقدر فيشهده طاعة لموافقتها الحكم والمشيئة. وهذا ناقص عندهم أيضا إذ هو متضمن للفرق ثم يرتفع عندهم عن هذا الشهود إلى أن لا يشهد لا طاعة ولا معصية إذ الطاعة والمعصية إنما تكون من غير لغير وما ثم غير. فإذا تحقق بشهود ذلك وفنى فيه فقد فنى عن وجود السوى فهذا هو غاية التحقيق عندهم ومن لم يصل إليه فهو محجوب. ومن أشعارهم فى هذا قول قائلهم: وما أنت غير الكون بل أنت عينه ... ويفهم هذا السر من هو ذائق وقول آخر: ما الأمر إلا نسق واحد ... ما فيه من مدح ولا ذم وإنما العادة قد خصصت ... والطبع والشارع بالحكم وقول الآخر: وما الموج إلا البحر لا شيء غيره ... وإن فرقته كثرة المتعدد والقسم الثانى من أقسام الفناء هو الذى يشير إليه المتأخرون من أرباب السلوك(1\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "275",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11870",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو الفناء عن شهود السوى مع تفريقهم بين الرب والعبد وبين الطاعة والمعصية وجعلهم وجود الخالق غير وجود المخلوق. ثم هم مختلفون فى هذا الفناء على قولين: أحدهما أنه الغاية المطلوبة من السلوك وما دونه بالنسبة إليه ناقص ومن هنا يجعلون المقامات [والمنازل] معلولة. والقول الثانى: أنه من لوازم الطريق لا بد منه للسالك ولكن البقاء أكمل منه وهؤلاء يجعلونه ناقصا ولكن لا بد منه وهذه طريقة كثير من المتقدمين. وهؤلاء يقولون: إن الكمال شهود العبودية مع شهود المعبود فلا يغيب بعبادته عن معبوده ولا بمعبوده عن عبادته ولكن لقوة الوارد وضعف المحل وغلبة استيلاء الوارد على القلب- حتى يملكه من جميع جهاته- يقع الفناء. والتحقيق أن هذا الفناء ليس بغاية ولا هو من لوازم الطريق بل هو عارض من عوارض الطريق يعرض لبعض السالكين دون جميعهم وسببه أمور ثلاثة: أحدها: قصده وإرادته والعمل عليه فإنه إذا علم أنه الغاية المطلوبة شمر سائرا إليه عاملا عليه فإذا أشرف عليه وقف معه ونزل بواديه وطلب مساكنته. فهؤلاء إنما يحصل لهم الفناء لأن سيرهم كان على طلب حظهم ومرادهم من الله وهو الفناء لم يكن سيرهم على تحصيل مراد الله منهم وهو القيام بعبوديته والتحقق بها. والسائر على طلب تحصيل مراد الله منه لا يكاد الفناء يحل بساحته ولا يعتريه. السبب الثانى: قوة الوارد بحيث يغمره ويستولى عليه فلا يبقى فيه متسع لغيره أصلا. السبب الثالث: ضعف المحل عن احتمال ما يرد عليه. فمن هذه الأسباب الثلاثة يعرض الفناء. ولما رأى الصادق فى طريقه السالك إلى ربه أن أكثر أصحاب الفرق محجوبون عن هذا المقام مشتتون فى أودية الفرق وشهدوا نقصهم ورأوا ما هم فيه من الفناء أكمل ظنوا أنه لا كمال [وراء] ذلك وأنه الغاية المطلوبة فمن هنا جعلوه غاية. ولكن أكمل من ذلك وأعلى [وأجل هو القسم الثالث] وهو الفناء عن عبادة السوى وإرادته ومحبته وخشيته ورجائه والتوكل عليه والسكون إليه [فيفنى بعبادة ربه ومحبته وخشيته ورجائه وخشيته ورجائه ورجائه والتوكل عليه إليه عن عبادة غيره وعن محبته رجائه والتوكل عليه] مع شهود الغير ومعاينته. فهذا أكمل من فنائه عن عبودية الغير ومحبته مع عدم شهوده له وغيبته عنه فإذا شهد الغير فى مرتبته أوجب شهوده له زيادة(1\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "276",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11871",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فى محبة معبوده وتعظيما له وهروبا إليه وظنا به فإن نظر المحب إلى مباديء محبوبه ومضاده يوجب زيادة حبه له وفى هذا المعنى قال القائل: وإذا نظرت إلى أميرى زادنى ... حبا له نظرى إلى الأمراء وكان النبى صلى الله عليه وسلم يقول فى دعائه: quot;اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمتquot;. وفى سجوده: quot;اللهم لك سجدت وبك آمنتquot; وكذلك فى ركوعه: quot;اللهم لك ركعت وبك آمنتquot;. فهذا دعاء من قد جمع بين شهود عبوديته وشهود معبوده ولم يغب بأحدهما عن الآخر وهل هذا إلا كمال العبودية: أن يشهد ما يأتى به من العبودية موجها لها إلى المعبود الحق محضرا لها بين يديه متقربا بها إليه. فأما الغيبة عنها بالكلية بحيث تبقى الحركات كأنها طبيعية غير واقعة بالإرادة فهذا- وإن كان أكمل من حال الغائب بشهود عبوديته عن معبوده- فحال الجامع بين شهود العبودية والمعبود أكمل منهما. وإذا عرفت هذه القاعدة ظهر أن تعليله التوكل بما ذكر تعليل باطل. الوجه الثامن: أن التوكل على الله نوعان: أحدهما: توكل عليه فى تحصيل حظ العبد من الرزق والعافية وغيرهما والثانى: توكل عليه فى تحصيل مرضاته. فأما النوع الأول فغايته المطلوبة وإن لم تكن عبادة لأنها محض حظ العبد فالتوكل على الله فى حصوله عبادة فهو منشأ لمصلحة دينه ودنياه. وأما النوع الثانى فغايته عبادة وهو فى نفسه عبادة. فلا علة فيه بوجه فإنه استعانة بالله على ما يرضيه. فصاحبه متحقق بإياك نعبد وإياك نستعين فتركه ترك لشطر الإيمان. والعلة إنما هى فى ضعف هذا التوكل. فهب أن التوكل فى حصول الحظ معلول فيلزم من هذا أن يكون التوكل فى حصول مراد الرب سبحانه ومرضاته معلولا. الوجه التاسع: قوله: quot;وحقيقة التوكل عند القوم التوكل فى تخليص القلوب من علة التوكلquot; فيقال: إذا كان هذا التوكل عندك ليس بمعلول ولا هو عمى عن الكفاية ولا رجوع إلى الأسباب بعد رفضها بطل تعليل التوكل بما عللته به. وإن(1\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "277",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11872",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كانت هذه العلة بعينها موجودة فى هذا التوكل بطل أن يكون [علة]  فلزم بطلان كونه معلولا على التقديرين وظهر أن العلة فى التوكل لا تخرج عن أحد شيئين: إما أن يكون متعلقة حظا من حظوظك وإما وقوفك معه وركونك إليه فقط فإذا خلص التوكل من هذا وهذا فلا علة تلحقه ولا نقيضة تدركه. الوجه العاشر: أن علة التوكل عنده هى ترك التوكل كما فسره فكيف يتوكل فى ترك التوكل وهل هذا إلا جمع بين متضادين الوجه الحادى عشر: قوله: quot;وهو أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى لم يترك أمرا مهملا بل فرغ من الأشياء وقدرها وإن اختلف منها شيء فى العقول أو تشوش فى المحسوس أو اضطرب فى المعهود فهو المدبر له وشأنه سوق المقادير إلى المواقيت. المتوكل من أراح نفسه من كد النظر فى مطالعة السبب سكونا إلى ما سبق من القسمة مع استواء الحالين عندهquot; إلى آخر كلامه. فيقال: هو سبحانه فرغ من الأشياء وقدرها بأسبابها المفضية إليها فكما أن المسببات من قدره الذى فرغ منه فأسبابها [أيضا من قدره الذى فرع منه. فتقريره المقادير بأسبابها] لا ينافى القيام بتلك الأسباب بل يتوقف حصولها عليها. وقد سئل النبى صلى الله عليه وسلم فقيل له: أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقى بها هل ترد من قدر الله شيئا فقال: quot;هى من قدر اللهquot; وسئل صلى الله عليه وسلم: أعلم أهل الجنة والنار قال: quot;نعمquot; قالوا: ففيم العمل قال: quot;اعملوا فكل ميسر لما خلق لهquot; فأمرهم بالأعمال وأخبرهم أن الله يسر كل عبد لما خلق له فجعل عمله سببا لنيل ما خلق له من الثواب والعقاب فلا بد من إثبات السبب والمسبب جميعا. الوجه الثانى عشر: قوله: quot;المتوكل من أراح نفسه من كد النظر فى مطالعة السبب سكونا إلى ما سبق من القسمة مع استواء الحالين عندهquot; فهذا الكلام إن أخذ على إطلاقه فهو باطل قطعا فإن السكون إلى ما سبق من القسمة وترك السبب فى أعمال البر عين العجز وتعطيل الأمر والشرع ولا يجوز شرعا ولا عقلا التسوية بين الحالين. وأما السكون إلى ما سبق من القسمة فى أسباب المعيشة فهو حق ولكن الكمال أن يكون ساكنا إلى ما سبق مع قيامه وهذه حال الكملة من الصحابة ومن بعدهم. فالكمال مع قيامه هو تنزيل الأسباب منازلها علما وعملا لا الإعراض عنها ومحوها ولا الانتهاء إليها(1\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "278",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11873",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والوقوف عندها. الوجه الثالث عشر: قوله: quot;مع استواء الحالين عنده وهو أن يعلم أن الطلب لا يجمع والتوكل لا يمنعquot; يشير به إلى استواء الحالين فى مباشرة السبب وتركه نظرا إلى ما سبق. وهذا ليس بمأمور ولا معذور فإنه لا تستوى الحالتان شرعا ولا قدرا وكيف يستوى ما لم يسوه الله شرعا ولا قدرا الوجه الرابع عشر: قوله: quot;الطلب لا يجمع التوكل لا يمنع فقد بين أن التوكل لا ينافى الطلب بل حقيقة التوكل وكماله مقارنته للطلب ومصاحبته للسبب وأما توكل مجرد عن الطلب والسبب فعجز وأمانى. فتوكل الحراث إنما هو بعد شق الأرض وبذرها وحينئذ يصح منه التوكل فى طلوع الزرع. وأما توكله من غير حرث ولا بذر فعجز وبطالة. الوجه الخامس عشر: قوله: quot;ومتى طالع بتوكله عرضا كان توكله مدخولا وقصده معلولا. فإذا خلص من رق هذه الأسباب ولم يلاحظ فى توكله سوى خالص حق الله كفاه كل مهمquot; فيقال: التوكل يكون فى أحد شيئين: إما فى حصول حظ العبد ورزقه ونصره وعافيته وإما فى حصول مراد ربه منه وكلاهما عبادة مأمور بها والثانى أكمل من الأول بحسب المتوكل فيه. ولكن توكله فى الأول لا يكون معلولا من حيث هو توكل وإنما تكون علته أن صرف توكله إلى غيره أولى بالتوكل منه. وهذا إنما يكون نقصا إذا أضعف توكله فى الأمر ومراد الله منه. وأما إن لم يضعفه بل أعطى كل مقام حقه من التوكل فهذا محص العبودية. والله أعلم. فصل المثال الخامس: الصبر. قال أبو العباس: quot;وهو من منازل العوام أيضا لأن الصبر حبس النفس على مكروه وعقل اللسان عن الشكوى ومكابدة الغصص فى تحمله وانتظار الفرج عند عاقبته. وهذا فى طريق الخاصة تجلد ومناوأة وجرأة ومنازعة فإن حاصله يرجع إلى كتمان الشكوى فى تحمل الأذى بالبلوى. وتحقيقه الخروج عن الشكوى بالتلذذ بالبلوى والاستبشار باختيار المولى. وقيل: إنه على ثلاث مقامات مرتبة بعضها فوق بعض فالأول: التصبر وهو تحمل مشقة وتجرع غصة(1\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "279",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11874",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثبات على ما يجرى من الحكم. وهذا هو التصبر لله وهو صبر العوام. والثانى: الصبر وهو نوع سهولة تخفف عن المبتلى بعض الثقل وتسهل عليه صعوبة المراد وهو الصبر لله وهو نوع سهولة وهو صبر المريدين. والثالث: الاصطبار وهو التلذذ بالبلوى والاستبشار باختيار المولى وهذا هو الصبر على الله وهو صبر العارفينquot;. والكلام على هذا من وجوه: أحدها: أن يقال الصبر نصف الدين فإن الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر. قال تعالى: إن فى ذلك لآيات لكل صبار شكور [سبأ:19]  وقال النبى صلى الله عليه وسلم: quot;والذى نفسى بيده لا يقضى الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له: إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وليس ذلك إلا للمؤمنquot;. فمنازل الإيمان كلها بين الصبر والشكر والذى يوضح هذا: الوجه الثانى: وهو أن العبد لا يخلو قط من أن يكون فى نعمة أو بلية فإن كان فى نعمة ففرضها الشكر والصبر. أما الشكر فهو قيدها وثباتها والكفيل بمزيدها وأما الصبر فعن مباشرة الأسباب التى تسلبها وعلى القيام بالأسباب التى تحفظها فهو أحوج إلى الصبر فيها من حاجة المبتلى. ومن هنا يعلم سر مسألة الغنى الشاكر والفقير الصابر وأن كلا منهما محتاج إلى الشكر والصبر وأنه قد يكون صبر الغنى أكمل من صبر الفقير. كما قد يكون شر الفقير أكمل فأفضلهما أعظمهما شكرا وصبرا فإن فضل أحدهما فى ذلك فضل صاحبه. فالشكر مستلزم للصبر لا يتم إلا به والصبر مستلزم للشكر لا يتم إلا به. فمتى ذهب الشكر ذهب الصبر ومتى ذهب الصبر ذهب الشكر وإن كان فى بلية ففرضها الصبر والشكر أيضا: أما الصبر فظاهر وأما الشكر فللقيام بحق الله عليه فى تلك البلية فإن لله على العبد [عبودية فى البلاء كما له عليه عبودية فى النعماء وعليه] أن يقوم بعبوديته فى هذا وهذا. فعلم أنه لا انفكاك له عن الصبر ما دام سائرا إلى الله. الوجه الثالث: أن الصبر ثلاثة أقسام: إما صبر عن المعصية فلا يرتكبها وإما صبر على الطاعة حتى يؤديها وإما صبر على البلية فلا يشكو ربه فيها وإن كان العبد(1\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "280",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11875",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ".. ... لا بد له من واحد من هذه الثلاثة فالصبر لازم له أبدا لا خروج له البتة. الوجه الرابع: أن الله سبحانه ذكر الصبر فى كتابه فى نحو تسعين موضعا فمرة أمر به ومرة أثنى على أهله ومرة أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبشر به أهله ومرة جعله شرطا فى حصول النصر والكفاية ومرة أخبر أنه مع أهله وأثنى به على صفوته من العالمين وهم أنبياؤه ورسله فقال عن نبيه أيوب: إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب [سورة ص: 44]  وقال [تعالى] لخاتم أنبيائه ورسله: فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل [الأحقاف: 35]  وقال: واصبر وما صبرك إلا بالله [النمل: 127]  وقال يوسف الصديق وقد قال له إخوته: أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخى قد من الله علينآ إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين [يوسف:90]  وهذا يدل على أن الصبر من أجل مقامات الإيمان وأن أخص الناس بالله وأولاهم به أشدهم قياما وتحققا به وأن الخاصة أحوج إليه من العامة. الوجه الخامس: أن الصبر سبب فى حصول كل كمال فأكمل الخلق أصبرهم ولم يتخلف عن أحد كماله الممكن إلا من ضعف صبره فإن كمال العبد بالعزيمة والثبات فمن لم يكن له عزيمة فهو ناقص ومن كانت له عزيمة ولكن لا ثبات له عليها فهو ناقص. فإذا انضم الثبات إلى العزيمة أثمر كل مقام شريف وحال كامل ولهذا فى دعاء النبى صلى الله عليه وسلم الذى رواه الإمام أحمد وابن حبان فى صحيحه: quot;اللهم إنى أسألك الثبات فى الأمر والعزيمة على الرشدquot; ومعلوم أن شجرة الثبات والعزيمة لا تقوم إلا على ساق الصبر فلو علم العبد الكنز الذى تحت هذه الأحرف الثلاثة أعنى اسم quot;الصبرquot; لما تخلف عنه. قال النبى صلى الله عليه وسلم: quot;ما أعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبرquot; وقال عمر بن الخطاب [رضى الله عنه] حين غشى عليه: أدركناه بالصبر. وفى مثل هذا قال القائل: نزه فؤادك عن سوانا والقنا ... فجنابنا حل لكل منزه والصبر طلسم لكنز وصالنا ... من حل ذا الطلسم فاز بكنزه فالصبر طلسم على كنز السعادة من حله ظفر بالكنز. الوجه السادس: قوله: quot;الصبر حبس النفس على مكروه وعقل اللسان عن(1\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "281",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11876",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشكوى ومكابدة الغصص فى تحمله وانتظار الفرج عند عاقبتهquot; فيقال: هذا أحد أقسام الصبر وهو الصبر على البلاء. وأما الصبر على الطاعة فقد يعرض فيه ذلك أو بعضه وقد لا يعرض فيه بل [يتجلى] بها ويأتى بها محبة ورضى ومع هذا فالصبر واقع عليها فإنه حبس النفس على مداومتها والقيام بها قال الله تعالى: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى [الكهف: 28]  وأما الصبر عن المعصية فقد يعرض فيه ذلك أو بعضه وقد لا يعرض فيه لتمكن الصابر من قهر داعيها وغلبته. وإذا كان ما ذكر من الأمور الأربعة إنما يعرض فى الصبر على البلية فقوله: quot;إنه فى طريق الخاصة تجلد ومناوأة وجرأة ومنازعةquot; ليس كذلك وإنما فيه التجلد فأين المناوأة [والجرأة] والمنازعة وأما لوازم الطبيعة من وجود ألم البلوى فلا تنقلب ولا تعدم فلا يصح أن يقال: إن وجود التألم والتجلد عليه وحبس النفس عن التسخط واللسان عن الشكوى جرأة ومنازعة بل هو محض العبودية والاستكانة وامتثال الأمر وهو من عبودية الله المفروضة على عبده فى البلاء فالقيام بها عين كمال العبد ولوازم الطبيعة لا بد منها ومن رام أن لا يجد البرد والحر والجوع والعطش والألم عند تمام أسبابها وعللها فقد رام الممتنع. وهل يكون الأجر إلا على وجود تلك الآلام والمشاق والصبر عليها وقد ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثلquot; وقيل له فى مرضه: إنك لتوعك وعكا شديدا قال: quot;أجل إن لى أجر رجلين منكمquot; يعنى فى وعكة [صلى الله عليه وسلم] . ولا ريب أن ذلك الوعك مؤلم له صلى الله عليه وسلم وأيضا فى مرض موته قال: quot;وارأساهquot; وهذا إنما هو من وجود ألم الصداع وكان يقول فى غمرات الموت: quot;اللهم أعنى على سكرات الموتquot; [ويدخل يده فى القدح ويمسح وجهه بالماء من كرب الموت]  وهذا كله لتكميل أجره وزيادة رفعة درجاته صلى الله عليه وسلم. وهل كان ذلك إلا محض العبودية وعين الكمال وهل الجرأة والمناوأة والمنازعة إلا فى ترك الصبر وفى التسخط والشكوى الوجه السابع: قوله: quot;فإن حامله يرجع إلى كتمان الشكوى فى تحامل الأذى بالبلوى والاستبشار باختيار المولىquot; فيقال: الذى يمكن الخروج عنه هو الشكوى وأما أن يخرج عن ذوق البلوى فلا يجده أو يتلذذ بها فهذا غير ممكن ولا هو فى الطبيعة وإنما الممكن أن يشاهد العبد فى تضاعيف البلاء لطف صنع الله به وحسن اختياره له(1\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "282",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11877",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبره به فى حمله عنه [فيخفف عنه] مؤنة حمله وتشتغل النفس باستخراج لطائف صنع الله به وبره وحسن اختياره عن شهود حمله فيحصل له لذة بما شهده من ذلك وفوق هذا مرتبة أرفع منه وهى أن يشهد أن هذا مراد محبوبه وإنه بمرأى منه ومسمع وأنه هديته إلى عبده وخلعته التى خلعها عليه ليرفل له فى أذيال التذلل والمسكنة والتضرع لعزته وجلاله فيعلم العبد أن حقيقة المحبة هى موافقة المحبوب فى محابه فيحب ما يحبه محبوبه فيحب العبد تلك الحال من حيث موافقته لمحبوبه وإن كرهها من حيث الطبع البشرى فإن هذه الكراهة لا تنافى محبته لها كما يكره طبعه الدواء الكريه وهو يحبه من وجه آخر وهذا لا ينكر فى المحبة المتعلقة بالمخلوق مع ضعفها وضعف أسبابها كما قال القائل فى ذلك: أهوى هواه وبعدى عنه يعجبه ... فالبعد قد صار لى فى حبه أربا وقال الآخر: أريد وصاله ويريد هجرى ... فأترك ما أريد لما يريد وقال الآخر: وأهنتنى فأهتت نفسى جاهدا ... ما من يهون عليك ممن أكرم وإنه لتبلغ المحبة بالعبد إلى حيث يفنى بمراد محبوبه عن مراده هو منه. فإذا شهد مراد محبوبه أحبه وإن كان كريها إليه. فهذا لا ينكر ولا ينافى التألم بمراد المحبوب المنافى للمحب وصبره عليه بل يجتمع فى حقه الأمران وتقوى هذه المحبة باستبشاره وعلمه بعاقبة تلك البلوى وإفضائها إلى غاية النعيم واللذة فكلما قوى علمه بذلك وقويت محبته لمن ذكره بابتلائه ازداد تلذذه بها مع الكراهية الطبيعية التى هى من لوازم الخلقة ولا سيما إذا علم المحب الذى أحب الأشياء إليه أن يجرى ذكره على بال محبوبه أن محبوبه قد ذكره بنوع من الامتحان فإنه يفرح بذكره له وإن ساءه ما ذكره به كما قال القائل: لئن ساءنى أن نلتنى بمساءة ... لقد سرنى أنى خطرت ببالكا الوجه الثامن: قوله: quot;وهو على ثلاث مقامات مرتبة بعضها فوق بعض فالأول التصبر- إلى قوله- وهو صبر العوامquot; فيقال: لا ريب أن التصبر مؤذن بتكلف(1\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "283",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11878",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتحمل على كره ولكن هذا لا بد منه فى الصبر. وهو سببه الذى ينال به فالتصبر من العبد والصبر ثمرته التى يفرعها الله إذا تعاطاه وتكلفه كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: quot;ومن يتصبر يصبره للهquot; فمنزلة التصبر من الصبر منزلة التعلم والتفهم من العمل والفهم فلا بد منه فى حصول الصبر. الوجه التاسع: قوله: quot;والثانى الصبر وهو نوع سهولة يخفف عن المبتلى بعض الثقل ويسهل عليه صعوبة المراد وهو الصبر للله وهو صبر المريدينquot; فقد تقدم أن الصبر ثمرة التصبر وكلاهما إنما يحمد إذا كان الله. وإنما يكون إذا كان بالله فما لم يكن به لا يكون وما لم يكن له لا ينفع ولا يثمر فكلاهما لا يحصل للمريد السالك مقصوده إلا أن يكون بالله ولله. قال تعالى فى الصبر به: واصبر وما صبرك إلا بالله [النحل: 127]  وقال فى الصبر له: واصبر لحكم ربك [الطور: 48] . واختلف الناس أى [الله] الصبرين أعلى وأفضل: الصبر له أو به فقالت طائفة منهم صاحب [كتاب] quot;منازل السائرينquot;: وأضعف الصبر الصبر لله وهو صبر العامة وفوقه الصبر بالله [وهو صبر المريد وفوقهما الصبر على الله ووجه هذا القول السالك ووجه هذا القول إن الصبر لله] هو صبر العابد الذى تصبر نفسه لأمر الله طالبا لمرضاته وثوابه فهو صابر على العمل صابر عن المحرمات وأما الصبر به فهو تبرؤ من الحول والقوة وإضافة ذلك إلى الله [عز وجل] وهو صبر المريد. وأما الصبر على الله فصبر السالك على ما يجيء به متعلق أقداره وأحكامه. والصواب أن الصبر لله أكمل من الصبر به فإن الصبر له متعلق بإلهيته ومحبته والصبر به متعلق بربوبيته ومشيئته وما هو له أكمل مما هو به فإن ما هو له [هو] الغاية وما به هو الوسيلة فالصبر به وسيلة والصبر له غاية وبينهما من التفاوت ما بين الغايات والوسائل. وأيضا فإن الصبر له متعلق بقوله تعالى: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] وهاتان الكلمتان منقسمتان بين العبد وبين الله كما ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن ربه وquot;إياك نعبدquot; هى التى لله وquot;إياك نستعينquot; هى التى للعبد وما لله أكمل مما للعبد فما تعلق بما هو له أفضل مما تعلق بما هو للعبد وأيضا فالصبر له مصدره المحبة والصبر به مصدره الاستعانة والمحبة أكمل من الاستعانة. وأما الصبر على الله [سبحانه] فهو الصبر على(1\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "284",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11879",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحكامه الدينية والكونية فهو يرجع إلى الصبر على أوامره والصبر على ابتلائه فليس فى الحقيقة قسما ثالثا والله أعلم. فقد تبين أن الصبر بجميع أقسامه أصل مقامات الإيمان وهو أصل لكمال العبد الذى لا كمال له بدونه ولا يذم منه إلا قسم واحد وهو الصبر عن الله [سبحانه] فإنه صبر المعرضين المحجوبين فالصبر عن المحبوب أقبح شيء وأسوؤه وهو الذى يسقط المحب من عين محبوبه فإن المحب كلما كان أكمل محبة كان صبره عن محبوبه متعذرا. الوجه العاشر: قوله: quot;الثالث الاصطبار وهو التلذذ بالبلوى والاستبشار باختيار المولى. وهذا هو الصبر على الله وهو صبر العارفينquot;. فيقال: الاصطبار افتعال من الصبر كالاكتساب والاتخاذ وهو مشعر بزيادة المعنى على الصبر كأنه صار سجية وملكة: فإن هذا البناء مؤذن بالاتخاذ والاكتساب قال تعالى: فارتقبهم واصطبر [القمر: 27]  فالاصطبار أبلغ من الصبر كما أن الاكتساب أبلغ من الكسب ولهذا كان فى العمل الذى يكون على صاحبه والكسب فيما له قال تعالى: لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت [البقرة: 286] تنبيها على أن الثواب يحصل لها بأدنى سعى وكسب وأن العقاب إنما هو باكتسابها وتصرفها وما تعانيه. وإذا علم هذا فالتلذذ بالبلوى والاستبشار باختيار الله سبحانه لا يخص الاصطبار بل يكون مع الصبر ومع [التصبر] . ولكن لما كان الاصطبار أبلغ من الصبر وأقوى كان بهذا التلذذ والاستبشار أولى. والله أعلم قاعدة: الصبر عن المعصية ينشأ من أسباب عديدة: أحدها: علم العبد بقبحها ورذالتها ودناءتها وأن الله إنما حرمها ونهى عنها صيانة وحماية عن الدنايا والرذائل كما يحمى الوالد الشفيق [والده] عما يضره. وهذا السبب يحمل العاقل على تركها ولو لم يعلق عليها وعيد بالعذاب. السبب الثانى: الحياء من الله سبحانه فإن العبد متى علم بنظره إليه ومقامه عليه وأنه بمرأى منه ومسمع- وكان [حيا] حييا- استحى من ربه أن يتعرض لمساخطه. السبب الثالث: مراعاة نعمه عليك وإحسانه إليك فإن الذنوب تزيل النعم ولا بد(1\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "285",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11880",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فما أذنب عبد ذنبا إلا زالت عنه نعمة من الله بحسب ذلك الذنب فإن تاب وراجع رجعت إليه أو مثلها وإن أصر لم ترجع إليه ولا تزال الذنوب تزيل عنه نعمة حتى تسلب النعم كلها قال الله تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم [الرعد: 11]  وأعظم النعم الإيمان وذنب الزنا والسرقة وشرب الخمر وانتهاب النهبة يزيلها ويسلبها. وقال بعض السلف: أذنبت ذنبا فحرمت قيام الليل سنة. وقال آخر: أذنبت ذنبا فحرمت فهم القرآن. وفى مثل هذا قيل: إذا كنت فى نعمة فارعها ... فإن المعاصى تزيل النعم وبالجملة فإن المعاصى نار النعم تأكلها كما تأكل النار الحطب عياذا بالله من زوال نعمته وتحويل عافيته. السبب الرابع: خوف الله وخشية عقابه. وهذا إنما يثبت بتصديقه فى وعده ووعيده والإيمان به وبكتابه وبرسوله. وهذا السبب يقوى بالعلم واليقين ويضعف بضعفهما. قال الله تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء [فاطر:28]  وقال بعض السلف: كفى بخشية الله علما وبالاغترار بالله جهلا. السبب الخامس: محبة الله [سبحانه] وهى أقوى الأسباب فى الصبر عن مخالفته ومعاصيه. فإن المحب لمن يحب مطيع وكلما قوى سلطان المحبة فى القلب كان اقتضاؤه للطاعة وترك المخالفة أقوى وإنما تصدر المعصية والمخالفة من ضعف المحبة وسلطانها وفرق بين من يحمله على ترك معصية سيده خوفه من سوطه وعقوبته وبين من يحمله على ذلك حبه لسيده وفى هذا قال عمر: quot;نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصهquot; يعنى أنه لو لم يخف من الله لكان فى قلبه من محبة الله وإجلاله ما يمنعه من معصيته. فالمحب الصادق عليه رقيب من محبوبه يرعى قلبه وجوارحه وعلامة صدق المحبة شهود هذا الرقيب ودوامه. وههنا لطيفة يجب التنبه لها وهى أن المحبة المجردة لا توجب هذا الأثر ما لم تقترن بإجلال المحبوب وتعظيمه فإذا قارنها بالإجلال والتعظيم أوجبت هذا الحياء والطاعة وإلا فالمحبة الخالية عنهما إنما توجب نوع أنس وانبساط وتذكر واشتياق ولهذا يتخلف عنها أثرها وموجبها ويفتش العبد قلبه فيرى [فيه] نوع محبة لله ولكن(1\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "286",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11881",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا تحمله على ترك معاصيه. وسبب ذلك تجردها عن الإجلال والتعظيم فما عمر القلب شيء كالمحبة المقترنة بإجلال الله وتعظيمه وتلك من أفضل مواهب الله لعبده أو أفضلها وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. السبب السادس: شرف النفس وزكاؤها وفضلها وأنفتها وحميتها أن تختار الأسباب التى تحطها وتضع قدرها وتخفض منزلتها وتحقرها وتسوى بينها وبين السفلة. السبب السابع: قوة العلم بسوء عاقبة المعصية وقبح أثرها والضرر الناشيء منها: من سواد الوجه وظلمة القلب وضيقه وغمه وحزنه وألمه وانحصاره وشدة قلقه واضطرابه وتمزق شمله. وضعفه عن مقاومة عدوه وتعريه من زينته والحيرة فى أمره وتخلى وليه وناصره عنه وتولى عدوه المبين له وتوارى العلم الذى كان مستعدا له عنه ونسيان ما كان حاصلا له أو ضعفه ولا بد ومرضه الذى إذا استحكم به فهو الموت ولا بد فإن الذنوب تميت القلوب ومنها ذله بعد عزة ومنها أن يصير أسيرا فى يد أعدائه بعد أن كان ملكا متصرفا يخافه أعداؤه ومنها أن يضع تأثيره فلا يبقى له نفوذ فى رعيته ولا فى الخارج فلا رعيته تطيعه إذا أمرها ولا ينفذ فى غيرهم ومنها زوال أمنه وتبدله به مخافة فأخوف الناس أشدهم إساءة ومنها زوال الأنس والاستبدال به وحشة وكلما ازداد إساءة ازداد وحشة ومنها زوال الرضى واستبداله بالسخط ومنها زوال الطمأنينة بالله والسكون إليه والإيواء عنده واستبدال الطرد والبعد منه ومنها وقوعه فى بئر الحسرات فلا يزال فى حسرة دائمة كلما نال لذة نازعته نفسه إلى نظيرها إن لم يقض منها وطرا أو إلى [غيرها] إن قضى وطره منها وما يعجز عنه من ذلك أضعاف أضعاف ما يقدر عليه وكلما اشتد نزوعه وعرف عجزه اشتدت حسرته وحزنه. فيالها نارا قد عذب بها القلب فى هذه الدار قبل نار الله الموقدة التى تطلع على الأفئدة ومنها فقره بعد غناه فإنه كان غنيا بما معه من رأس مال الإيمان وهو يتجر به ويربح الأرباح الكثيرة فإذا سلب رأس ماله أصبح فقيرا معدما فإما أن يسعى بتحصيل رأس مال آخر بالتوبة النصوح والجد والتشمير [وإلا] فقد فاته ربح كثير بما أضاعه من رأس(1\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "287",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11882",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ماله ومنها نقصان رزقه فإن العبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه ومنها ضعف بدنه ومنها زوال المهابة والحلاوة التى لبسها بالطاعة فتبدل بها مهانة وحقارة ومنها حصول البغضة والنفرة منه فى قلوب الناس ومنها ضياع أعز الأشياء عليه وأنفسها وأعلاها وهو الوقت الذى لا عوض منه ولا يعود إليه أبدا ومنها طمع عدوه فيه وظفره به فإنه إذا رآه منقادا مستجيبا لما يأمره اشتد طمعه فيه وحدث نفسه بالظفر به وجعله من حزبه حتى يصير هو وليه دن مولاه الحق ومنها الطبع والرين على قلبه فإن العبد إذا أذنب نكت فى قلبه نكتة سوداء فإن تاب منها صقل قلبه وإن أذنب ذنبا آخر نكت فيه نكتة أخرى ولا تزال حتى تعلو قلبه فذلك هو الران قال الله تعالى: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون [المطففين: 14]  ومنها أنه يحرم حلاوة الطاعة فإذا فعلها لم يجد أثرها فى قلبه من الحلاوة والقوة ومزيد الإيمان والعقل والرغبة فى الآخرة فإن الطاعة تثمر هذه الثمرات ولا بد. ومنها أن تمنع قلبه من ترحله من الدنيا ونزوله بساحة القيامة فإن القلب لا يزال مشتتا مضيعا حتى يرحل من الدنيا وينزل فى الآخرة فإذا نزل فيها أقبلت إليه وفود التوفيق والعناية من كل جهة واجتمع على جمع أطرافه وقضاء جهازه وتعبئة زاده ليوم معاده وما لم يترحل إلى الآخرة ويحضرها فالتعب والعناء والتشتت والكسل والبطالة لازمة له لا محالة. ومنها إعراض الله وملائكته وعباده عنه فإن العبد إذا أعرض عن طاعة الله واشتغل بمعاصيه أعرض الله عنه فأعرضت عنه ملائكته وعباده كما أنه إذا أقبل على الله أقبل الله عليه وأقبل بقلوب خلقه إليه ومنها أن الذنب يستدعى ذنبا آخر ثم يقوى أحدهما بالآخر فيستدعيان ثالثا ثم تجتمع الثلاثة فتستدعى رابعا وهلم جرا حتى تغمره ذنوبه وتحيط به خطيئته. قال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها ومنها علمه بفوات ما هو أحب إليه وخير له منها من جنسها وغير جنسها فإنه لا يجمع الله لعبده بين لذة المحرمات فى الدنيا ولذة ما فى الآخرة. كما قال تعالى: ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا واستمتعتم بها [الأحقاف: 20]  فالمؤمن لا يذهب طيباته فى الدنيا بل لا بد أن يترك بعض طيباته للآخرة. وأما الكافر فإنه لا يؤمن بالآخرة فهو حريص على تناول حظوظه كلها وطيباته فى الدنيا ومنها علمه بأن أعماله(1\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "288",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11883",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هى زاده ووسيلته إلى دار إقامته فإن تزود من معصية الله أوصله ذلك الزاد إلى دار العصاة والجناة وإن تزود من طاعته وصل إلى دار أهل طاعته وولايته ومنها علمه بأن عمله هو وليه فى قبره وأنيسه فيه وشفيعه عند ربه والمخاصم والمحاج عنه فإن شاء جعله له وإن شاء جعله عليه ومنها علمه بأن أعمال البر تنهض بالعبد وتقوم به وتصعد إلى الله به فبحسب قوة تعلقه بها يكون صعوده مع صعودها وأعمال الفجور تهوى به وتجذبه إلى الهاوية وتجره إلى أسفل سافلين وبحسب قوة تعلقه بها يكون هبوطه معها ونزوله إلى حيث [تستقر] به قال الله تعالى: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر: 10]  وقال تعالى: إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السمآء [الأعراف: 40]  فلما لم تفتح أبواب السماء لأعمالهم بل أغلقت عنها لم تفتح لأرواحهم عند المفارقة بل أغلقت عنها. وأهل الإيمان والعمل الصالح لما كانت أبواب السماء مفتوحة لأعمالهم حتى وصلت إلى الله سبحانه فتحت لأرواحهم حتى وصلت إليه تعالى وقامت بين يديه فرحمها وأمر بكتابة اسمها فى عليين ومنها خروجه من حصن الله الذى لا ضيعة على من دخله فيخرج بمعصيته منه إلى حيث يصير نهبا للصوص وقطاع الطريق. فما الظن بمن خرج من حصن حصين لا تدركه فيه [آفة] إلى خربة موحشة هى مأوى اللصوص وقطاع الطريق فهل يتركون معه شيئا من متاعه ومنها أنه بالمعصية قد تعرض لمحق بركته [فى كل شيء من أمر دنياه وآخرته فإن الطاعة تجلب للعبد بركات كل شيء والمعصية متحق منه كل بركة] . وبالجملة فآثار المعصية القبيحة أكثر من أن يحيط بها العبد علما وآثار الطاعة الحسنة أكثر من أن يحيط بها علما فخير الدنيا والآخرة بحذافيره فى طاعة الله وشر الدنيا والآخرة بحذافيره فى معصيته وفى بعض الآثار يقول الله سبحانه وتعالى: من ذا الذى أطاعنى فشقى بطاعتى ومن ذاى الذى عصانى فسعد بمعصيتى السبب الثامن: قصر الأمل وعلمه بسرعة انتقاله وأنه كمسافر دخل قرية وهو مزمع على الخروج منها أو كراكب قال فى ظل شجرة ثم سار وتركها. فهو لعلمه بقلة مقامه وسرعة انتقاله حريص على ترك ما يثقله حمله ويضره ولا ينفعه حريص على الانتقال بخير ما بحضرته فليس للعبد أنفع من قصر الأمل ولا أضر من التسويف وطول الأمل.(1\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "289",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11884",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السبب التاسع: مجانبة الفضول فى مطعمه ومشربه وملبسه ومنامه واجتماعه بالناس فإن قوة الداعى إلى المعاصى إنما تنشأ من هذه الفضلات فإنها تطلب لها مصرفا فيضيق عليها المباح فتتعداه إلى الحرام. ومن أعظم الأشياء ضررا على العبد بطالته وفراغه فإن النفس لا تقعد فارغة بل إن لم يشغلها بما ينفعها شغلته بما يضره ولا بد. السبب العاشر: وهو الجامع لهذه الأسباب كلها: ثبات شجرة الإيمان فى القلب فصبر العبد عن المعاصى إنما هو بحسب قوة إيمانه فكلما كان إيمانه أقوى كان صبره أتم وإذا ضعف الإيمان ضعف الصبر فإن من باشر قلبه الإيمان بقيام الله عليه ورؤيته له وتحريمه لما حرم عليه وبغضه له ومقته لفاعله وباشر قلبه الإيمان بالثواب والعقاب والجنة والنار وامتنع من أن لا يعمل بموجب هذا العلم. ومن ظن أنه يقوى على ترك المخالفات والمعاصى بدون الإيمان الراسخ الثابت فقد غلط فإذا قوى سراج الإيمان فى القلب وأضاءت جهاته كلها به وأشرق نوره فى أرجائه سرى ذلك النور إلى الأعضاء وانبعث إليها فأسرعت الإجابة لداعى الإيمان وانقادت له طائعة مذللة غير متثاقلة ولا كارهة بل تفرح بدعوته حين يدعوها كما يفرح الرجل بدعوة حبيبه المحسن إليه إلى محل كرامته. فهو كل وقت يترقب داعيه ويتأهب لموافاته. والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم. فصل والصبر على الطاعة ينشأ من معرفة هذه الأسباب ومن معرفة ما تجلبه الطاعة من العواقب الحميدة والآثار الجميلة ومن أقوى أسبابها: الإيمان والمحبة فكلما قوى داعى الإيمان والمحبة فى القلب كانت استجابته للطاعة بحسبه. وههنا مسألة تكلم فيها الناس وهى أى الصبرين أفضل صبر العبد عن المعصية أم صبره على الطاعة فطائفة رجحت الأول وقالت: الصبر عن المعصية من وظائف الصديقين كما قال بعض السلف: أعمال البر يفعلها البر والفاجر ولا يقوى على ترك المعاصى إلا صديق. قالوا: ولأن داعى المعصية أشد من دواعى ترك الطاعة فإن داعى المعصية إلى [داع أمر] أمر وجودى تشتهيه النفس وتلتذ به والداعى إلى ترك الطاعة الكسل والبطالة والمهانة ولا ريب أن داعى المعصية أقوى. قالوا: ولأن العصيان قد اجتمع عليه داعى النفس والهوى والشيطان وأسباب الدنيا وقرناء الرجل وطلب التشبه(1\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "290",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11885",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمحاكاة وميل الطبع وكل واحد من هذه الدواعى يجذب العبد إلى المعصية ويطلب أثره فكيف إذا اجتمعت وتظاهرت على القلب فأى صبر أقوى من صبر عن إجابتها ولولا أن الله يصبره لما تأتى منه الصبر. وهذا القول كما ترى حجته فى غاية الظهور ورجحت طائفة الصبر على الطاعة بناء منها على أن فعل المأمور أفضل من ترك المنهيات واحتجت على ذلك بنحو من عشرين حجة. ولا ريب أن فعل المأمورات إنما يتم بالصبر عليها فإذا كان فعلها أفضل كان الصبر عليها أفضل وفصل النزاع فى ذلك أن هذا يختلف باختلاف الطاعة والمعصية: فالصبر على الطاعة [العظيمة] الكبيرة أفضل من الصبر عن المعصية الصغيرة الدنية والصبر عن المعصية الكبيرة أفضل من الصبر على الطاعة الصغيرة وصبر العبد على الجهاد مثلا أفضل وأعظم من صبره عن كثير من الصغائر وصبره عن كبائر الإثم والفواحش أعظم من صبره على صلاة [الضحى] وصوم يوم تطوعا ونحوه فهذا فصل النزاع فى المسألة. والله أعلم. فصل والصبر على البلاء ينشأ من أسباب عديدة: أحدها: شهود جزائها وثوابها. الثانى: شهود تكفيرها للسيئات ومحوها لها. الثالث: شهود القدر السابق الجارى بها وأنها مقدرة فى أم الكتاب قبل أن يخلق فلا بد منها فجزعه لا يزيده إلا بلاء. الرابع: شهوده حق الله عليه فى تلك البلوى وواجبه فيها الصبر بلا خلاف بين الأمة أو الصبر والرضا على أحد القولين فهو مأمور بأداء حق الله وعبوديته عليه فى تلك البلوى فلا بد له منه وإلا تضاعفت عليه. الخامس: شهود ترتبها عليه بذنبه كما قال الله تعالى: ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم [الشورى: 30]  فهذا عام فى كل مصيبة دقيقة وجليلة فيشغله شهود هذا السبب بالاستغفار الذى هو أعظم الأسباب فى دفع تلك المصيبة. قال على بن أبى طالب: ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع بلاء إلا بتوبة. السادس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختاره وقسمها وأن العبودية(1\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "291",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11886",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ".. تقتضى رضاه بما رضى له به سيده ومولاه فإن لم يوف قدر المقام حقه فهو لضعفه فلينزل إلى مقام الصبر عليها فإن نزل عنه نزل إلى مقام الظلم وتعدى الحق. السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة هى دواء نافع ساقه إليه الطبيب العليم بمصلحته الرحيم به فليصبر على تجرعه ولا يتقيأه بتسخطه وشكواه فيذهب نفعه باطلا. الثامن: أن يعلم أن فى عقبى هذا الدواء من الشفاء والعافية والصحة وزوال الألم ما لم تحصل بدونه فإذا طالعت نفسه كراهة هذا الدواء ومرارته فلينظر إلى عاقبته وحسن تأثيره. قال [الله] تعالى: وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون [البقرة: 216] . وقال الله تعالى: فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا [النساء: 19] وفى مثل هذا القائل: لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجسام بالعلل التاسع: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليه فيتبين حينئذ هل يصلح لاستخدامه وجعله من أوليائه وحزبه أم لا فإن ثبت اصطفاه واجتباه وخلع عليه خلع الإكرام وألبسه ملابس الفضل وجعل أولياءه وحزبه خدما له وعونا له وإن انقلب على وجه ونكص على عقبيه طرد وصفع قفاه وأقصى وتضاعفت عليه المصيبة وهو لا يشعر فى الحال بتضاعفها وزيادتها ولكن سيعلم بعد ذلك بأن المصيبة فى حقه صارت مصائب كما يعلم الصابر أن المصيبة فى حقه صارت نعما عديدة. وما بين هاتين المنزلتين المتباينتين إلا صبر ساعة وتشجيع القلب فى تلك الساعة. والمصيبة لا بد أن تقلع عن هذا وهذا ولكن تقلع عن هذا بأنواع الكرامات والخيرات وعن الآخر بالحرمان والخذلان لأن ذلك تقدير العزيز العليم وفضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. العاشر: أن يعلم أن الله يربى عبده على السراء والضراء والنعمة والبلاء فيستخرج منه عبوديته فى جميع الأحوال. فإن العبد على الحقيقة من قام بعبودية الله على اختلاف الأحوال وأما عبد السراء والعافية الذى يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به(1\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "292",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11887",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه فليس من عبيده الذين اختارهم لعبوديته. فلا ريب أن الإيمان الذى يثبت على محل الابتلاء والعافية هو الإيمان النافع وقت الحاجة وأما إيمان العافية فلا يكاد يصحب العبد ويبلغه منازل المؤمنين وإنما يصحبه إيمان يثبت على البلاء والعافية. فالابتلاء كير العبد [محل] إيمانه: فإما أن يخرج تبرا أحمر وإما أن يخرج زغلا [غضا]  وإما أن يخرج فيه مادتان ذهبية ونحاسية فلا يزال به البلاء حتى يخرج المادة النحاسية من ذهبه ويبقى ذهبا خالصا فلو علم العبد أن نعمة الله عليه فى البلاء ليست بدون نعمة الله عليه فى العافية لشغل قلبه بشكره ولسانه اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وكيف لا يشكر من قيض له ما يستخرج خبثه ونحاسه وصيره تبرا خالصا يصلح لمجاورته والنظر إليه فى داره فهذه الأسباب ونحوها تثمر الصبر على البلاء فإن قويت أثمرت الرضا والشكر. فنسأل الله أن يسترنا بعافيته ولا يفضحنا بابتلائه بمنه وكرمه. فصل المثال السادس: الحزن قال أبو العباس: quot;وهو من منازل العوام وهو انخلاع عن السرور وملازمة الكآبة لتأسف عن فائت أو توجع لممتنع. وإنما كان من منازل العوام لأن فيه نسيان المنة والبقاء فى رق الطبع وهو فى مسالك الخواص حجاب لأن معرفة الله جلا نورها كل ظلمة وكشف سرورها كل غمة. فبذلك فليفرحوا. وقيل: أوحى الله إلى داود: يا داود بى فافرح وبذكرى فتلذذ وبمعرفتى فافتخر. فعما قليل أفرغ الدار من الفاسقين وأنزل نقمتى على الظالمينquot;. اعلم أن الحزن من عوارض الطريق ليس من مقامات الإيمان ولا من منازل السائرين. ولهذا لم يأمر الله به فى موضع قط ولا أثنى عليه ولا رتب عليه جزاء ولا ثوابا بل نهى عنه فى غير موضع كقوله تعالى: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين [آل عمران: 139]  وقال تعالى: ولا تحزن عليهم ولا تك فى ضيق مما يمكرون [النحل: 127]  وقال تعالى: فلا تأس على القوم الفاسقين [المائدة: 26]  وقال: إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا [التوبة: 40]  فالحزن هو بلية من البلايا التى نسأل الله دفعها وكشفها ولهذا يقول أهل الجنة:(1\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "293",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11888",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن [فاطر: 34]  فحمده على أن أذهب عنهم تلك البلية ونجاهم منها. وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول فى دعائه: quot;اللهم إنى أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجالquot;. فاستعاذ صلى الله عليه وسلم من ثمانية أشياء كل شيئين منها قرينان: فالهم والحزن قرينان وهما الألم الوارد على القلب فإن كان على ما مضى فهو الحزن وإن كان على ما يستقبل فهو الهم. فالألم الوارد إن كان مصدره فوت الماضى أثر الحزن وإن كان مصدره خوف الآتى أثر الهم. والعجز والكسل قرينان فإن تخلف مصلحة العبد وبعدها عنه إن كان من عدم القدرة فهو عجز وإن كان من عدم الإرادة فهو كسل والجبن والبخل قرينان فإن الإحسان يفرح القلب ويشرح الصدر ويجلب النعم ويدفع النقم وتركه يوجب الضيم والضيق ويمنع وصول النعم إليه فالجبن ترك الإحسان بالبدن والبخل ترك الإحسان بالمال [وضلع الدين وغلبة الرجال] قرينان فإن القهر والغلبة الحاصلة للعبد إما منه وإما من غيره وإن شئت قلت: إما بحق وإما بباطل من غيره. والمقصود أن النبى صلى الله عليه وسلم جعل الحزن مما يستعاذ منه. وذلك لأن الحزن يضعف القلب ويوهن العزم ويضر الإرادة ولا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن قال تعالى: إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا [المجادلة: 10]  فالحزن مرض من أمراض القلب يمنعه من نهوضه وسيره وتشميره والثواب عليه ثواب المصائب التى يبتلى العبد بها بغير اختياره كالمرض والألم ونحوهما وأما أن يكون عبادة مأمورا بتحصيلها وطلبها فلا ففرق بين ما يثاب عليه العبد من المأمورات وما يثاب عليه من البليات. ولكن يحمد فى الحزن سببه ومصدره ولازمه لا ذاته فإن المؤمن إما أن يحزن.. على تفريطه وتقصيره خدمة ربه وعبوديته وأما أن يحزن على تورطه فى مخالفته ومعصيه وضياع أيامه وأوقاته. وهذا يدل على صحة الإيمان فى قلبه وعلى حياته حيث شغل قلبه بمثل هذا الألم فحزن عليه ولو كان قلبه ميتا لم يحس بذلك ولم يحزن ولم يتألم فما لجرح بميت إيلام وكلما كان قلبه أشد حياة كان شعوره بهذا الألم أقوى ولكن الحزن لا يجدى عليه(1\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "294",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11889",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنه يضعفه كما تقدم. بل الذى ينفعه أن يستقبل السير ويجد ويشمر ويبذل جهده وهذا نظير من انقطع عن رفقته فى السفر فجلس فى الطريق حزينا كئيبا يشهد انقطاعه ويحدث نفسه باللحاق بالقوم. فكلما فتر وحزن حدث نفسه باللحاق برفقته ووعدها إن صبرت أن تلحق بهم ويزول عنها وحشة الانقطاع. فهكذا السالك إلى منازل الأبرار وديار المقربين وأخص من هذا الحزن حزنه على قطع الوقت بالتفرقة المضعفة للقلب عن تمام سيره وجده فى سلوكه فإن التفرقة من أعظم البلاء على السالك ولا سيما فى ابتداء أمره فالأول حزن على التفريط فى [الأعمال]  وهذا حزن على نقص حاله مع الله وتفرقة قلبه وكيف صار ظرفا لتفرقة حاله واشتغال قلبه بغير معبوده. وأخص من هذا الحزن حزنه على جزء من أجزاء قلبه كيف هو خال من محبة الله وعلى جزء من أجزاء بدنه كيف هو منصرف فى غير محاب الله فهذا حزن الخاصة ويدخل فى هذا حزنهم على كل معارض يشغلهم عما هم بصدده من خاطر أو إرادة أو شاغل من خارج. فهذه المراتب من الحزن لا بد منها فى الطريق ولكن الكيس [من] لا يدعها تملكه وتقعده بل يجعل عوض فكرته فيها فكرته فيما يدفعها به فإن المكروه إذا ورد على النفس فإن كانت صغيرة اشتغلت بفكرها فيه وفى حصوله عن الفكرة فى الأسباب التى يدفعها به فأورثها الحزن وإن كانت نفسا كبيرة شريفة لم تفكر فيه بل تصرف فكرها إلى ما ينفعها فإن علمت منه مخرجا فكرت فى طريق ذلك المخرج وأسبابه وإن علمت أنه لا مخرج منه فكرت فى عبودية الله فيه. وكان ذلك عوضا لها من الحزن فعلى كل حال لا فائدة لها فى الحزن أصلا والله أعلم. وقال بعض العارفين: ليست الخاصة من الحزن فى شيء. وقوله [رحمه الله:] : quot;معرفة الله جلا نورها كل ظلمة وكشف سرورها كل غمةquot; كلام فى غاية الحسن فإن من عرف الله أحبه ولا بد ومن أحبه انقشعت عنه سحائب الظلمات [وانكشفت] عن قلبه الهموم والغموم والأحزان وعمر قلبه بالسرور والأفراح وأقبلت إليه وفود التهانى والبشائر من كل جانب فإنه لا حزن مع الله أبدا ولهذا قال [تعالى] حكاية عن نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قال لصاحبه أبى بكر: لا تحزن إن الله معنا [التوبة: 40]  فدل أنه لا حزن مع الله وأن من كان الله معه فما له وللحزن وإنما الحزن كل الحزن لمن فاته الله فمن حصل الله له فعلى أى شيء يحزن ومن فاته الله فبأى شيء يفرح قال تعالى:(1\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "295",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11890",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا [يونس: 58]  فالفرح بفضله ورحمته تبع للفرح به سبحانه. فالمؤمن يفرح بربه أعظم من فرح كل أحد بما يفرح به: من حبيب أو حياة أو مال أو نعمة أو ملك. يفرح المؤمن بربه أعظم من هذا كله ولا ينال القلب حقيقة الحياة حتى يجد طعم هذه الفرحة والبهجة فيظهر سرورها فى قلبه ومضرتها فى وجهه فيصير له حال من حال أهل الجنة حيث لقاهم الله نضرة وسرورا. فلمثل هذا فليعمل العاملون وفى ذلك فليتنافس المتنافسون فهذا هو العلم الذى شمر إليه أولو الهمم والعزائم واستبق إليه أصحاب الخصائص والمكارم. تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء [فماذا] بعد أبوالا فصل والمثال السابع: الخوف. قال أبو العباس: quot;هو الانخلاع عن طمأنينة الأمن والتيقظ لنداء الوعيد والحذر من سطوة العقاب. وهو من منازل العوام أيضا وليس فى منازل الخواص خوف لأنه لا أمان للغافل إنما يعبد مولاه على وحشة من نظره ونفرة من الأنس به عند ذكره: ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم [الشورى: 22] . وأما الخواص أهل الاختصاص فإنهم جعلوا الوعيد منه وعدا والعذاب فيه عذبا لأنهم شاهدوا المبتلى فى البلاء والمعذب فى العذاب فاستعذبوا ما وجدوا فى جنب ما شاهدوا فى ذلك. قال قائلهم: سقمى فى الحب عاقبتى ... ووجودى فى الهوى عدمي وعذاب ترتضون به ... فى فمى أحلى من النعم ومن كان مستغرقا فى المشاهدة حل فى بساط الأنس فلا يبقى للخوف بساحته ألم. لأن المشاهد توجب الأنس والخوف يوجب القبضquot;. ثم ذكر حكاية المضروب الذى ضرب مائة سوط فلم يتألم لأجل نظر محبوبه إليه ثم ضرب سوطا فصاح لما توارى عنه محبوبه. قال: quot;وقد قيل فى قوله تعالى: والكافرون لهم عذاب شديد [الشورى: 26]  دليل خطابه أن المؤمنين لهم عذاب ولكن ليس بشديد وإنما كان عذاب الكافرين شديدا لأنهم لا يشاهدون المعذب لهم والعذاب على شهود المعذب عذب والثواب على الغفلة من المعطى صعب فالخوف إذا من منازل العوامquot;(1\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "296",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11891",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والكلام على ما ذكره من وجوه: أحدها: أن الخوف أحد أركان الإيمان والإحسان الثلاثة التى عليها مدار مقامات السالكين جميعها وهى: الخوف والرجاء والمحبة وقد ذكره سبحانه فى قوله: قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه [الإسراء: 56- 57]  فجمع بين المقامات الثلاثة فإن ابتغاء الوسيلة إليه هو التقرب إليه بحبه وفعل ما يحبه. ثم يقول: (ويرجون رحمته ويخافون عذابه)  فذكر الحب والخوف والرجاء والمعنى أن الذين تدعونهم من دون الله من الملائكة والأنبياء والصالحين يتقربون إلى ربهم ويخافونه ويرجونه فهم عبيده كما أنكم عبيده فلماذا تعبدونهم من دونه وأنتم وهم عبيد له وقد أمر سبحانه بالخوف منه فى قوله: فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين [آل عمران: 175]  فجعل الخوف منه شرطا فى تحقق الإيمان وإن كان الشرط داخلا فى الصيغة على الإيمان فهو المشروط فى المعنى والخوف شرط فى حصوله وتحققه وذلك لأن الإيمان سبب الخوف الحاصل عليه وحصول المسبب شرط فى تحقق السبب كما أن حصول السبب موجب لحصول مسببه فانتفاء الإيمان عند انتفاء الخوف انتفاء للمشروط عند انتفاء شرطه وانتفاء الخوف عند انتفاء الإيمان انتفاء للمعلول عند انتفاء علته. فتدبره. والمعنى: إن كنتم مؤمنين فخافونى. والجزاء محذوف مدلول عليه بالأول عند سيبويه وأصحابه أو هو المتقدم نفسه وهو جزاء وإن تقدم كما هو مذهب الكوفيين. وعلى التقديرين فأداة الشرط قد دخلت على السبب المقتضى للخوف وهو الإيمان وكل منهما مستلزم للآخر لكن الاستلزام مختلف وكل منهما منتف عند انتفاء الآخر لكن جهة الانتفاء مختلفة كما تقدم. والمقصود: أن الخوف من لوازم الإيمان وموجباته فلا يختلف عنه. وقال تعالى: فلا تخشوا الناس واخشون [المائدة: 44] . وقد أثنى سبحانه على أقرب عباده إليه بالخوف منه فقال عن أنبيائه بعد أن أثنى عليهم ومدحهم: إنهم كانوا يسارعون فى الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا [الأنبياء: 90]  فالرغب:(1\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "297",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11892",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرجاء والرغبة والرهب: الخوف والخشية وقال عن ملائكته الذين قد أمنهم من عذابه: يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون [النحل: 50] . وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;إنى أعلمكم بالله وأشدكم له خشيةquot; وفى لفظ آخر: quot;إنى أخوفكم لله وأعلمكم بما أتقىquot; وكان صلى الله عليه وسلم يصلى ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء وقد قال تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء [فاطر: 28]  فكلما كان العبد بالله أعلم كان له أخوف. قال ابن مسعود: وكفى بخشية الله علما. ونقصان الخوف من الله إنما هو لنقصان معرفة العبد به فأعرف الناس أخشاهم لله ومن عرف الله اشتد حياؤه منه وخوفه له وحبه له وكلما ازداد معرفة ازداد حياء وخوفا وحبا فالخوف من أجل منازل الطريق وخوف الخاصة أعظم من خوف العامة وهم إليه أحوج وهو بهم أليق ولهم ألزم. فإن العبد إما أن يكون مستقيما أو مائلا عن الاستقامة فإن كان مائلا عن الاستقامة فخوفه من العقوبة على ميله ولا يصح الإيمان إلا بهذا الخوف وهو ينشأ من ثلاثة أمور: أحدها: معرفته بالجناية وقبحها. والثانى: تصديق الوعيد وأن الله رتب على المعصية عقوبتها. والثالث: أنه لا يعلم لعله يمنع من التوبة ويحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب. فبهذه الأمور الثلاثة يتم له الخوف وبحسب قوتها وضعفها تكون قوة الخوف وضعفه فإن الحامل على الذنب إما أن يكون عدم علمه بقبحه وإما عدم علمه بسوء عاقبته وإما أن يجتمع له الأمران لكن يحمله عليه اتكاله على التوبة وهو الغالب من ذنوب أهل الإيمان فإذا علم قبح الذنب وعلم سوء مغبته وخاف أن لا يفتح له باب التوبة بل يمنعها ويحال بينه وبينها اشتد خوفه. هذا قبل الذنب فإذا عمله كان خوفه أشد. وبالجملة فمن استقر فى قلبه ذكر الدار الآخرة وجزائها وذكر المعصية والتوعد عليها وعدم الوثوق بإتيانه بالتوبة النصوح هاج فى قلبه من الخوف ما لا يملكه ولا يفارقه حتى ينجو. وأما إن كان مستقيما مع الله فخوفه يكون مع جريان الأنفاس لعلمه بأن الله مقلب القلوب وما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل فإن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه كما ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم وكانت أكثر يمينه: quot;لا ومقلب القلوب لا ومقلب القلوبquot; وقال بعض السلف: القلب أشد تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا. وقال(1\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "298",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11893",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعضهم: مثل القلب فى سرعة تقلبه كريشة ملقاة بأرض فلاة تقلبها الرياح ظهرا لبطن. ويكفى فى هذا قوله تعالى: واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه [الأنفال: 24]  فأى قرار لمن هذه حاله ومن أحق بالخوف منه بل خوفه لازم له فى كل حال وإن توارى عنه بغلبة حالة أخرى عليه. فالخوف حشو قلبه لكن توارى عنه بغلبة غيره فوجود الشيء غير العلم به فالخوف الأول ثمرة العلم بالوعد والوعيد وهذا الخوف ثمرة العلم بقدرة الله وعزته وجلاله وأنه الفعال لما يريد وأنه المحرك للقلب المصرف له المقلب له كيف يشاء لا إله إلا هو. الوجه الثانى: قوله: quot;وليس فى منازل الخواص خوفquot; قد تبين فساده وأن الخاصة أشد خوفا [للله] من العامة. الوجه الثالث: قوله: العاقل يعبد ربه على وحشة من نظره ونفرة من الأنس به عند ذكره: ترى الظالمين مشفقين [الشورى: 22]  فهذا إنما هو وحشة ونفار وهو غير الخوف فإن الوحشة إما تنشأ من عدم الخوف وأما الخوف فإنه يوجب هروبا إلى الله وجمعية عليه وسكونا إليه فهى مخافة مقرونة بحلاوة وطمأنينة وسكينة ومحبة بخلاف خوف المسيء الهارب من الله فإنه خوف مقرون بوحشة ونفرة فخوف الهارب إليه سبحانه محشو بالحلاوة والسكينة والأنس لا وحشة معه وإنما يجد الوحشة من نفسه. فله نظران: نظر إلى نفسه وجنايته فيوجب له وحشة ونظر إلى ربه وقدرته عليه وعزه وجلاله فيوجب له خوفا مقرونا بأنس وحلاوة وطمأنينة. الوجه الرابع: إن استشهاده بقوله: ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم [الشورى: 22]  ليس استشهادا صحيحا فإن هذا وصف لحالهم فى الآخرة عند معاينة العذاب أو عند الموت. فهذا إشفاق مقرون بالاستيحاش لأنه قد علم أنه صائر إليه كمن قدم إلى العقوبة ورأى أسبابها فهو مشفق منها إذا رآها لعلمه بأنه صائر إليها. فليست الآية من الخوف المأمور به فى شيء. الوجه الخامس: أن الخوف يتعلق بالأفعال وأما الحب فإنه يتعلق بالذات والصفات. ولهذا يزول الخوف فى الجنة وأما الحب فيزداد. ولما كان الحب يتعلق(1\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "299",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11894",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالذات كان من أسمائه سبحانه quot;الودودquot; قال البخارى فى صحيحه: quot;الحبيبquot; وأما الخوف فإن متعلقه أفعال الرب [سبحانه] ولا يخرج عن كون سببه جناية العبد وإن كانت جنايته من قدر الله. ولهذا قال على بن أبى طالب [رضى الله عنه] : لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخافن عبد إلا ذنبه. فمتعلق الخوف ذنب العبد وعاقبته وهى مفعولات للرب فليس الخوف عائدا إلى نفس الذات. والفرق بينه وبين الحب أن الحب سببه الكمال وذاته تعالى لها الكمال المطلق وهو متعلق الحب التام. وأما الخوف فسببه توقع المكروه وهذا إنما يكون فى الأفعال والمفعولات. وبهذا يعلم بطلان قول من زعم أنه سبحانه يخاف لا لعلة ولا لسبب بل كما يخاف السيل الذى لا يدرى العبد من أين يأتيه. وهذا بناء من هؤلاء على نفى محبته سبحانه وحكمته. وأنه ليس إلا محض المشيئة والإرادة التى ترجح مثلا على مثل بلا مرجح ولا يراعى فيها حكمة ولا مصلحة. وهولاء عندهم الخوف يتعلق بنفس الذات من غير نظر إلى فعل العبد وأنه سبب المخافة إذ ليس عندهم سبب ولا حكمة بل إرادة محضة يفعل بها ما يشاء من تنعيم وتعذيب. وعند هؤلاء فالخوف لازم للعبد فى كل حال أحسن أم أساء. وليس [لأفعالهم] تأثير فى الخوف. وهذا من قلة نصيبهم من المعرفة بالله وكماله وحكمته. وأين هذا من قول أمير المؤمنين على [رضى الله عنه] لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه فجعل الرجاء متعلقا بالرب سبحانه وتعالى لأن رحمته من لوازم ذاته وهى سبقت غضبه. وأما الخوف فمتعلق بالذنب فهو سبب المخافة حتى لو قدر عدم الذنب بالكلية لم تكن مخافة. فإن قيل: فما وجه خوف الملائكة [وهم] معصومون من الذنوب التى هى أسباب المخافة وشدة خوف النبى صلى الله عليه وسلم مع علمه بأن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأنه أقرب الخلق إلى الله قيل: عن هذا أربعة أجوبة: الجواب الأول: إن هذا الخوف على حسب القرب من الله والمنزلة عنده. وكلما كان العبد أقرب إلى الله كان خوفه منه أشد لأنه يطالب بما لا يطالب به غيره ويجب عليه من رعاية تلك المنزلة وحقوقها ما لا يجب على غيره. ونظير هذا فى المشاهد أن [الماثل] بين يدى أحد الملوك المشاهد له أشد خوفا منه من البعيد عنه بحسب قربه منه ومنزلته عنده ومعرفته به وبحقوقه وأنه يطالب من [حقوقه] الخدمة وأدائها بما(1\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "300",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11895",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يطالب به غيره فهو أحق بالخوف من البعيد. ومن تصور هذا حق تصوره فهم قوله صلى الله عليه وسلم: quot;إنى أعلمكم بالله وأشدكم له خشيةquot; وفهم قوله صلى الله عليه وسلم فى الحديث الذى رواه أبو داود وغيره من حديث زيد بن ثابت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;إن الله تعالى لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم quot;. وليس المراد به لو عذبهم لتصرف فى ملكه- والمتصرف فى ملكه غير ظالم- كما يظنه كثير من الناس فإن هذا يتضمن مدحا والحديث إنما سيق للمدح [وبيان عظم حق الله على عباده وأنه لو عذبهم لعذبهم بحقه عليهم ولم يكن] بغير استحقاق فإن حقه سبحانه عليهم أضعاف أضعاف ما أتوا. ولهذا قال بعده: quot;ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهمquot; يعنى أن رحمته لهم [ليست ثمنا لأعمالهم ولا تبلغ أعمالهم رحمته فرحمته لهم] ليست على قدر أعمالهم إذ أعمالهم لا تستقل باقتضاء الرحمة وحقوق عبوديته وشكره التى يستحقها عليهم لم يقوموا بها فلو عذبهم والحالة هذه لكان تعذيبا لحقه وهو غير ظالم لهم فيه. ولا سيما فإن أعمالهم لا توازى القليل من نعمه عليهم فتبقى نعمه الكثيرة لا مقابل لها من شكرهم فإذا عذبهم على ترك شكرهم وأداء حقه الذى ينبغى له سبحانه عذبهم ولم يكن ظالما لهم. فإن قيل: فهم إذا [فعلوا] مقدورهم من شكره وعبوديته لم يكن ما عداه مما ينبغى له مقدورا لهم. فكيف يحسن العذاب عليه قيل: الجواب من وجهين: أحدهما: أن المقدور للعبد لا يأتى به كله بل لا بد من فتور وإعراض وغفلة وتوان. وأيضا ففى نفس قيامه بالعبودية لا يوفيها حقها الواجب لها من كمال المراقبة والإجلال والتعظيم والنصيحة التامة لله فيها بحيث يبذل مقدوره كله فى تحسينها وتكميلها ظاهرا وباطنا فالتقصير لازم فى حال الترك وفى حال الفعل ولهذا سأل الصديق النبى دعاء يدعو به فى صلاته فقال له: quot;قل: اللهم إنى ظلمت نفسى ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لى مغفرة من عندك وارحمنى إنك أنت الغفور الرحيمquot; فأخبر عن ظلمه لنفسه مؤكدا له بأن المقتضية ثبوت الخبر وتحققه ثم أكده بالمصدر النافى للتجوز والاستعارة ثم وصفه بالكثرة المقتضية لتعدده وتكثره ثم قال: quot;فاغفر لى مغفرة من عندكquot; أى لا ينالها عملى ولا سعيى بل عملى يقصر عنها وإنما هى من فضلك وإحسانك لا بكسبى ولا باستغفارى وتوبتى. ثم قال: quot;وارحمنىquot; أى(1\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "301",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11896",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليس معولى إلا على مجرد رحمتك فإن رحمتى وإلا فالهلاك لازم لى فليتدبر اللبيب هذا الدعاء وما فيه من المعارف والعبودية وفى ضمنه: إنه لو عذبتنى لعدلت فى ولم يتظلمنى وإنى لا أنجو إلا برحمتك ومغفرتك. ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: quot;لن ينجى أحدا منكم عملهquot; قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: quot;ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله برحمة منه وفضلquot; فإذا كان عمل العبد لا يستقل بالنجاة فلو لم ينجه الله فلم يكن قد بخسه شيئا من حقه ولا ظلمه فإنه ليس معه ما يقتضى نجاته وعمله ليس وافيا بشكر القليل من نعمه فهل يكون ظالما له لو عذبه وهل تكون رحمته له جزاء لعمله ويكون العمل ثمنا لها مع تقصيره فيه وعدم توفيته ما ينبغى له من بذل النصيحة فيه وكمال العبودية من الحياء والمراقبة والمحبة والخشوع وحضور القلب بين يدى الله فى العمل له ومن علم هذا علم السر فى كون أعمال الطاعات تختم بالاستغفار ففى صحيح مسلم عن ثوبان قال: quot;كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته استغفر ثلاثا. وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرامquot; قال تعالى: كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون [الذاريات: 17- 18]  فأخبر عن استغفارهم عقيب صلاة الليل. قال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر فلما كان السحر جلسوا يستغفرون الله. وأمر الله تعالى عباده بالاستغفار عقيب الإفاضة فى الحج فقال: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم [البقرة: 199]  وشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتوضيء أن يختم وضوءه بالتوحيد والاستغفار فيقول: quot;أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلنى من التوابين واجعلنى من المتطهرينquot; فهذا ونحوه مما يبين حقيقة الأمر وأن كل أحد محتاج إلى مغفرة الله ورحمته وأنه لا سبيل إلى النجاة بدون مغفرته ورحمته أصلا. الجواب الثانى: أنه لو فرض أن العبد يأتى بمقدوره كله من الطاعة ظاهرا وباطنا فالذى ينبغى لربه [سبحانه] فوق ذلك وأضعاف أضعافه. فإذا عجز العبد عنه لم يستحق ما يترتب عليه من الجزاء. والذى أتى به لا يقابل أقل النعم. فإذا حرم جزاء العمل الذى ينبغى(1\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "302",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11897",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للرب [سبحانه] من عبده كان ذلك تعذيبا له ولم يكن الرب ظالما له فى هذا الحرمان. ولو كان عاجزا عن أسبابه فإنه لم يمنعه حقا يستحقه عليه فيكون ظالما بمنعه. فإذا أعطاه الثواب كان مجرد صدقة منه وفضل تصدق بها عليه لا ينالها عمله بل هى خير من عمله وأفضل وأكثر ليست معوضة عليه. والله أعلم. الجواب الثالث عن السؤال الأول: إن العبد إذا علم أن الله سبحانه وتعالى هو مقلب القلوب وأنه يحول بين المرء وقلبه وأنه تعالى [سبحانه] كل يوم [هو فى] شأن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وأنه يهدى من يشاء ويضل من يشاء ويرفع من يشاء ويخفض من يشاء فما يؤمنه أن يقلب الله قلبه ويحول بينه وبينه ويزيغه بعد إقامته وقد أثنى الله على عباده المؤمنين بقولهم: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا [آل عمران: 8]  فلولا خوف الإزاغة لما سألوه أن لا يزيغ قلوبهم. وكان من دعاء النبى صلى الله عليه وسلم: quot; اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك ومثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينكquot; وفى الترمذى عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو: quot;أعوذ بعزتك أن تضلنى أنت الحى الذى لا تموتquot;. وكان من دعائه: quot;اللهم إنى أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منكquot;. فاستعاذ بصفة الرضا من صفة الغضب وبفعل العافية من فعل العقوبة واستعاذ به منه باعتبارين. وكأن فى استعاذته منه جمعا لما فصله فى الجملتين قبله. فإن الاستعاذة به منه ترجع إلى معنى الكلام قبلها مع تضمنها فائدة شريفة وهى كمال التوحيد وأن الذى يستعيذ به [العائد] ويهرب منه إنما هو فعل الله ومشيئته وقدره فهو وحده المنفرد بالحكم. فإذا أراد بعبده سوءا لم يعذه منه إلا هو. فهو الذى يريد به ما يسوؤه وهو الذى يريد دفعه عنه. فصار سبحانه مستعاذا به منه باعتبار الإرادتين: وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو [الأنعام: 17]  فهو الذى يمس بالضر وهو الذى يكشفه لا إله إلا هو فالمهرب منه إليه والفرار منه إليه واللجأ منه إليه كما أن الاستعاذة منه فإنه لا رب غيره ولا مدبر للعبد سواه. فهو الذى يحركه ويقلبه ويصرفه كيف يشاء. الجواب الرابع: أن الله سبحانه وتعالى هو الذى يخلق أفعال العبد الظاهرة والباطنة فهو الذى يجعل الإيمان والهدى فى القلب ويجعل التوبة والإنابة والإقبال والمحبة(1\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "303",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11898",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتفويض وأضدادها والعبد فى كل لحظة مفتقر إلى هداية يجعلها الله فى قلبه وحركات يحركها بها فى طاعته. وهذا إلى الله سبحانه وتعالى فهو خلقه وقدره وكان من دعاء النبى صلى الله عليه وسلم: quot;اللهم آت نفسى تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاهاquot; وعلم حصين بن المنذر أن يقول: quot;اللهم ألهمنى رشدى وقنى شر نفسىquot; وعامة أدعيته صلى الله عليه وسلم متضمنة لطلب توفيق ربه وتزكيته له واستعماله فى محابه فمن هداه وصلاحه وأسباب نجاته بيد غيره وهو المالك له ولها المتصرف فيه بما يشاء ليس [له] من أمره شيء من أحق بالخوف منه وهب أنه قد خلق له فى الحال الهداية فهل هو على يقين وعلم أن الله سبحانه وتعالى يخلقها له فى المستقبل ويلهمه رشده أبدا فعلم أن خوف المقربين عند ربهم أعظم من خوف غيرهم والله المستعان ومن هاهنا كان خوف السابقين من فوات الإيمان كما قال بعض السلف: أنتم تخافون الذنب وأنا أخاف الكفر. وكان عمر بن الخطاب يقول لحذيفة: نشدتك الله هل سمانى لك رسول الله صلى الله عليه وسلم يعنى فى المنافقين فيقول: لا ولا أزكى بعدك أحداquot; رواه البخارى يعنى لا أفتح على هذا الباب فى سؤال الناس لى وليس مراده أنه لم يخلص من النفاق غيرك. [الوجه الخامس] : قوله: quot;وأما الخواص فإنهم جعلوا الوعيد منه وعدا والعذاب فيه عذبا لأنهم شاهدوا المبتلى والمعذب فاستعذبوا ما وجدوا فى جنب ما شاهدواquot; إلى آخر كلامه. فيقال: هذا الكلام ونحوه من رعونات النفس ومن الشطحات التى يجب إنكارها. فمن ذا الذى جعل وعيد الله وعدا وعقابه ثوابا وعذابه [عذبا]  وهل هذا إلا إنكار لوعيده وعذابه فى الحقيقة وأى عذاب أشد من عذابه نعوذ بالله منه قال تعالى: ولكن عذاب الله شديد [الحج: 2] وقال: فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد [الفجر: 25- 26]  وهذا أظهر فى كل ملة من أن يحتاج إلى الاستدلال عليه. وإنما ينسب هذا المذهب إلى الملاحدة من القائلين بوحدة الوجود كما قال قائلهم:(1\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "304",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11899",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولم يبق إلا صادق الوعد وحده ... فما لوعيد الحق عين تعاين وإن دخلوا دار الشقاء فإنهم ... على لذة فيها نعيم مباين يسمى عذابا من عذوبة طعمه ... وذاك له كالقشر والقشر صائن نعيم جنان الخلد والأمر واحد ... وبينهما عند التجلى تباين فهذا القائل خط على تلك النقطة التى نقطها أبو العباس ولعل الكلامين من مشكاة واحدة وهذا مباين للمعلوم بالاضطرار من دين الرسل وما أخبرت به عن الله وأخبر به على لسان رسله. فإن قيل: ليس مراده ما ذكرتم وفهمتم من كلامه وإنما مراده أنه سبحانه إذا ابتلى عبده فى الدنيا فهو لكمال محبته له يتلذذ بتلك البلوى ويعدها نعمة وليس مراده عذاب الآخرة. قيل قوله عن الخواص: quot;أنهم جعلوا الوعيد منه وعداquot; ينفى ما ذكرتم من التأويل فإن ابتلاء الدنيا غير الوعيد. وأيضا فإنه فى مقام الخوف ونفيه عن الخاصة محتجا عليه بأنهم يرون العذاب عذبا والوعيد وعدا فما لهم وللخوف هذا مقصوده من سياق كلامه واحتجاجه عليه بهذا الهذيان الذى يسخر منه العقلاء. بل نحن لا ننكر أن العبد إذا تمكن حب الله فى قلبه حتى ملك جميع أجزائه فإنه قد يتلذذ بالبلوى أحيانا وليس ذلك دائما ولا أكثريا ولكنه يعرض عند هيجان الحب وغلبة الشوق فيقهر شهود الألم ثم يراجع طبيعته فيذوق الألم. ولكن أين هذا من جعل الوعيد وعدا والعذاب عذبا وإن أحسن الظن بصاحب هذا الكلام ظن به أنه ورد عليه وارد من الحب يخيل فى نفسه أن محبوبه إذا توعده كان ذلك منه وعدا وإن عذبه كان عذابه عنده عذبا لموافقته مراد محبوبه وهذا خيال فاسد وتقدير فى النفس وإلا فالحقيقة الخارجية تكذب هذا الخيال الباطل. بل لو صب عليه أدنى شيء من عذابه لصاح واستغاث وطلب العفو والعافية. وحكمة الله تقتضى تعجيز هذه النفوس الجاهلة الرعناء الحمقاء بأدنى شيء يكون من الألم والوجع حتى يتبين لها دعاويها الكاذبة وشطحها الباطل. وهذا سيد المحبين وسيد ولد آدم استعاذته بالله من عذابه وبلائه وسؤاله عافيته ومعافاته معلومة فى أدعيته وتضرعه إلى ربه وابتهاله إليه فى ذلك وهى أكثر وأشهر من أن تذكر ههنا وإن ما فى سيد المحبين أسوة وقدوة ولكن قد ابتلى كثير من أهل الإرادة بالشطح كما ابتلى كثير من أهل الكلام(1\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "305",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11900",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالشك. والمعافى من عافاه الله من هذا وهذا. فنسأل الله عافيته ومعافاته. [الوجه السادس] قوله: quot;إن عذاب الكافرين إنما كان شديدا لأنهم لا يشاهدون المعذب لهم والمؤمنون يشاهدونه فلم يكن عذابهم شديداquot; وليس كذلك فإن عذاب الكافرين شديد فى نفسه لغلظ جرمهم وهو الكفر وهو دائم لا انقطاع له. وأما المؤمنون الذين يعذبون بذنوبهم فعذابهم أضعف من عذاب الكافرين لأن عذابهم على الذنوب وهى دون الكفر وهو منقطع. والآية لم يرد بها إثبات عذاب المؤمنين دون عذاب الكافرين وإنما سيقت لبيان عذاب الكافرين حسب مفهومها نفى العذاب عن المؤمنين لا إثبات عذاب غير شديد. والله أعلم. [الوجه السابع] قوله: quot;وللخواص الهيبة وهى أقصى درجة يشار إليها فى غاية الخوف والخوف يزول بالأمن وينتهى به خوف الشخص على نفسه من العقاب فإذا أمن العقاب زال الخوف والهيبة لا تزول أبدا لأنها مستحقة للرب بوصف التعظيم والإجلال وذلك الوصف مستحق على الدوام. وهذه المعارضة والهيبة تعارض المكاشف أوقات المناجاة وتصدم المشاهد أحيان المشاهدة وتعصم العائن بصدمة العزة ومنه قال قائلهم: أشتاقه فإذا بدا ... أطرقت من إجلاله لا خيفة بل هيبة ... وصيانة لجماله وأصد عنه تجلدا ... وأروم طيف خياله فيقال من العجائب أن المعنى الذى أمر الله به فى كتابه وأثنى به على خاصة عباده وأقربهم إليه- وهم أنبياؤه ورسله وملائكته- يجعل ناقصا من منازل العوام ويعمد إلى معنى لم يذكره الله ولا رسوله ولا علق به على المدح والثناء فى موضع واحد. فيجعل هو الكمال وهو للخواص من العباد. فأين فى القرآن والسنة ذكر الهيبة [والأمر بها ووصف خاصته بها ونحن لا ننكرر أن الهيبة] من لوازم الإيمان وموجباته ولكن المنكر أن يكون الوصف الذى وصف به أنبياءه وملائكته ناقصا والوصف الذى لم يذكره هو الكامل التام وهذا المعنى المعبر عنه بالهيبة حق ولكن لم تجيء العبارة عنه فى القرآن والسنة بلفظ الهيبة وإنما جاءت بلفظ الإجلال كقول النبى صلى الله عليه وسلم:(1\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "306",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11901",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;إن من إجلال الله إجلال ذى الشيبه المسلم وحامل القرآن غير الغالى فيه والجافى عنه والإمام العادلquot; فالإجلال هو التعظيم وكذلك الهيبة. يوضح هذا. [الوجه الثامن] : وهو أن الهيبة والإجلال يجوز تعلقهما بالمخلوق ما قال النبى صلى الله عليه وسلم: quot;إن من إجلال [الله إجلال] ذى الشيبة المسلم ... quot; الحديث. وقال ابن عباس عن عمر: هبته وكان مهيبا وأما الخشية والمخافة فلا تصلح إلا لله وحده قال تعالى: فلا تخشوا الناس واخشون [المائدة: 44]  وقال: فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين [آل عمران: 175]  وقال: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين [التوبة: 18] . فالخوف عبودية القلب فلا تصلح إلا لله [وحده] كالذل والمحبة والإنابة والتوكل والرجاء وغيرها من عبودية القلب [فكيف] يجعل المهابة المشتركة أفضل منه وأعلى وتأمل قوله تعالى: ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفآئزون [النور: 52]  كيف جعل الطاعة لله ولرسوله والخشية والتقوى له وحده وقال تعالى: لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه [الفتح: 9]  كيف جعل التوقير والتعزيز للرسول وحده والتوقير هو التعظيم الصادر عن الهيبة والإجلال. هذه حقيقته فعلم أن الخوف من أجل مقامات الخواص وأنهم إليه أحوج وبه أقوم من غيرهم. [الوجه التاسع] : قوله: quot;الخوف يزول بالأمن والهيبة لا تزول أبدا ... إلخquot; فيقال: هذا حق فإن الخوف إنما يكون قبل دخول الجنة فإذا دخلوها زال عنهم الخوف الذى كان يصحبهم فى الدنيا وفى عرصات القيامة وبدلوا به أمنا لأنهم قد أمنوا العذاب فزايلهم الخوف منه. ولكن لا يدل هذا على أنه كان مقاما ناقصا فى الدنيا كما أن الجهاد من أشرف المقامات وقد زال عنهم فى الآخرة. وكذلك الإيمان بالغيب أجل المقامات على الإطلاق وقد زال فى الآخرة وصار الأمر شهادة. وكذلك الصلاة والحج والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وبذل النفس لله وهى من أشرف الأعمال وكلها تزول فى الجنة. وهذا لا يدل على نقصانها فإن الجنة ليست دار سعى(1\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "307",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11902",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعمل إنما هى دار نعيم وثواب. الوجه العاشر: أن الخوف إنما زال فى الجنة لأن تعلقه إنما هو بالأفعال لا بالذات كما تقدم وقد أمنهم ما كانوا يخافون منه. فقد أمنوا أن لا يفعلوا ما يخافون منه وأن يفعل بهم ربهم ما يخيفهم. ولكن كان الخوف فى الدنيا أنفع لهم فبه وصلوا إلى الأمن التام فإن الله سبحانه وتعالى لا يجمع على عبده مخافتين [ولا أمنين]  فمن خافه فى الدنيا أمنه يوم القيامة ومن أمنه فى الدنيا ولم يخفه أخافه فى الآخرة. وناهيك شرفا وفضلا بمقام ثمرته الأمن الدائم المطلق. الوجه [الحادى عشر] : أن الإجلال والمهابة والتعظيم إنما لم تزل لأنها متعلقة بنفس الذات وهى موجودة فى دار النعيم. وأما الخوف فإنه إنما زال لأنه وسيلة إلى توفية العبودية والقيام بالأمر. والوسيلة تزول عند حصول الغاية ولكن زوال الوسيلة عند حصول الغاية لا يدل على أنها ناقصة. وإذا كانت تلك الغاية لا كمال للعبد بدونها فالوسيلة إليها كذلك. الوجه [الثانى عشر] : قوله: quot;وهذه المعارضة والهيبة تعارض المكاشف أوقات المناجاة وتصون المشاهد أحيان المشاهدة وتعصم المعانى بصدمة العزة. فيقال: لا ريب أن الحب والأنس المجرد عن التعظيم والإجلال يبسط النفس ويحملها على بعض الدعاوى والرعونات والأمانى الباطلة وإساءة الأدب والجناية على حق المحبة. فإذا قارن المحبة مهابة المحبوب وإجلاله وتعظيمه وشهود عز جلاله وعظيم سلطانه انكسرت نفسه له وذلت لعظمته واستكانت لعزته وتصاغرت لجلاله وصفت من رعونات النفس وحماقاتها ودعاويها الباطلة وأمانيها الكاذبة ولهذا فى الحديث: quot;يقول الله عز وجل: أين المتحابون بجلالى اليوم أظلهم فى ظلى يوم لا ظل إلا ظلىquot; فقال: quot;أين المتحابون بجلالىquot; فهو حب بجلاله [سبحانه] وتعظيمه ومهابته ليس حبا لمجرد جماله فإنه سبحانه الجليل الجميل. والحب الناشيء عن شهود هذين الوصفين هو الحب النافع الموجب لكونهم فى ظل عرشه يوم القيامة. فشهود الجلال وحده يوجب خوفا وخشية وانكسارا وشهود الجمال وحده يوجب حبا بانبساط وإدلال ورعونة. وشهود الوصفين معا يوجب حبا مقرونا بتعظيم وإجلال ومهابة. وهذا هو غاية كمال(1\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "308",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11903",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العبد. والله أعلم وإنشاده هذه الأبيات الثلاثة فى هذا المقام فى غاية القبح فإن هذا المحب ينفى خوفه من محبوبه [أخر أنه يصد عن محبوتبه] ويعرض عنه إظهارا للتجلد أمام رقيبه وذلك قبيح فى حكم المحبة فإن التذلل للمحبوب وتملقه واستعطافه والانكسار له أولى بالمحب من تجلده وتعززه كما قيل: اخضع وذل لمن تحب فليس فى ... شرع الهوى أنف يشال ويعقد ثم أخبر أنه يروم طيف خياله فهو طالب لحظه من محبوبه لا لمراد محبوبه منه. فهذا محب لنفسه وقد جعل طيف محبوبه وسيلة إلى حصول مراده فأحبه حب الوسائل بخلاف من قد أحب محبوبه لذات المحبوب ففنى عن مراده هو منه بمراد محبوبه فصار مراده مراد محبوبه فحصل الاتحاد فى المراد لا فى الإرادة ولا فى المريد هذا إن كان صبده عنه تجلدا عليه وإن كان تجلدا على الرقيب خوفا منه فهو ضعيف المحبة لأن فيه بقية ليست مع محبوبه بل مع رقيبه فهلا ملأ الحب قلبه فلم يبق فيه بقية يلاحظ بها الرقيب والعاذل كما قيل: لا كان من لسواك فيه بقية ... يجد السبيل بها إليه العذل وبالجملة فهذه الأبيات ناقصة المعنى لا يصلح الاستشهاد بها [فى هذا المقام] والله أعلم. فصل والمقصود الكلام على علل المقامات وبيان ما فيها من خطإ وصواب ولما كان أبو العباس بن العريف [رحمه الله] قد تعرض لذلك فى كتابه quot;محاسن المجالسquot; ذكرنا كلامه فيه وما له وما عليه ثم ذكر بعد هذا فصلا فى المحبة وفصلا فى الشوق فنذكر كلامه فى ذلك وما يفتح الله به تتميما للفائدة ورجاء للمنفعة وأن يمن الله العزيز الوهاب بفضله ورحمته ويرقى عبده من العلم إلى الحال ومن الوصف إلى الاتصاف. إنه قريب مجيب. قال أبو العباس [رحمه الله] : quot;وأما المحبة فقد أشار أهل التحقيق فى العبارة عنها وكل نطق(1\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "309",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11904",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بحسب ذوقه وانفسخ بمقدار شوقهquot;. قلت: الشيء إذا كان فى الأمور الوجدانية الذوقية التى إنما تعلم بآثارها وعلاماتها وكان مما يقع [فيه] التفاوت بالشدة والضعف وكان له لوازم وآثار وعلامات متعددة اختلفت العبارات عنه بحسب اختلاف هذه الأشياء. وهذا شأن المحبة فإنها ليست- بحقيقة معانيها- ترى بالأبصار فيشترك الواصفون لها فى الصفة. وهى فى نفسها متفاوتة أعظم تفاوت. كما بين العلاقة التى هى تعلق القلب بالمحبوب والخلة التى هى أعلى مراتب الحب وبينهما درجات متفاوتة تفاوتا لا ينحصر. ولها آثار توجبها وعلامات تدل عليها فكل أدرك بعض [آثارها أو بعض] علاماتها فعبر بحسب ما أدركه وهى وراء ذلك كله: ليس اسمها كمسماها ولا لفظها مبين لمعناها. وكذلك اسم المصيبة والبلية والشدة والألم إنما تدل أسماؤها عليها نوع دلالة لا تكشف حقيقتها ولا تعلم حقيقتها إلا بذوقها ووجودها. وفرق بين الذوق والوجود وبين التصور والعلم. فالحدود والرسوم التى قيلت فى المحبة صحيحة غير وافية بحقيقتها بل هى إشارات وعلامات وتنبيهات. فصل قال: quot;وهى- على الإجمال قبل أن ننتهى إلى التفصيل- وجود تعظيم فى القلب يمنع الانقياد لغير [المحبوب] quot;. فيقال: هذا التعظيم المانع من الانقياد لغير المحبوب هو أثر من آثار المحبة وموجب من موجباتها لا أنه نفس المحبة. فإن المحبة إذا كانت صادقة أوجبت للمحب تعظيما لمحبوبه يمنعه من انقياده إلى غيره. وليس مجرد التعظيم هو المانع له من الانقياد إلى غيره بل التعظيم المقارن للحب هو الذى يمنع من الانقياد إلى غير [المحبوب فإن التعظيم إذا كان مجرد عن الحب لم يمنع انقياد القلب إلى غير] المعظم. وكذلك إذا كان الحب خاليا عن التعظيم [لم يمنع المحب أن ينقاد إلى غير محبوبه فإذا اقترن الحب بالتعظيم] وامتلأ القلب بهما امتنع انقياده إلى غير المحبوب. والمحبة المشتركة ثلاثة أنواع: أحدها: محبة طبيعية مشتركة كمحبة الجائع للطعام والظمآن للماء وغير ذلك وهذه لا تستلزم التعظيم. والنوع الثانى: محبة رحمة وإشفاق كمحبة الوالد لولده الطفل ونحوها وهذه أيضا لا تستلزم التعظيم. والنوع الثالث: محبة أنس وإلف وهى محبة المشتركين- فى صناعة أو علم أو مرافقة أو تجارة أو سفر- بعضهم بعضا وكمحبة الإخوة بعضهم بعضا. فهذه الأنواع الثلاثة هى المحبة التى تصلح(1\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "310",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11905",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للخلق بعضهم من بعض ووجودها فيهم لا يكون شركا فى محبة الله سبحانه. ولهذا quot;كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء [و] العسل وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد وكان أحب اللحم إليه الذراع وكان يحب نساءه وكانت عائشة رضى الله عنها أحبهن إليه وكان يحب أصحابه وأحبهم إليه الصديق [رضى الله عنه] . وأما المحبة الخاصة التى لا تصلح إلا لله وحده ومتى أحب العبد بها غيره كان شركا لا يغفره الله فهى محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم وكمال الطاعة وإيثاره على غيره. فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلا وهى التى سوى المشركون بين آلهتهم وبين الله فيها كما قال تعالى: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله [البقرة: 165]  وأصح القولين أن المعنى يحبونهم كما يحبون الله. وسووا بين الله وبين أندادهم فى الحب. ثم نفى ذلك عن المؤمنين فقال: والذين آمنوا أشد حبا لله [البقرة: 165] فإن الذين آمنوا وأخلصوا حبهم لله لم يشركوا به معه غيره وأما المشركون فلم يخلصوا لله. والمقصود من الخلق والأمر إنما هو هذه المحبة وهى أول دعوة الرسل وآخر كلام العبد المؤمن الذى إذا مات عليه دخل الجنة اعترافه وإقراره بهذه المحبة وإفراد الرب [تعالى] بها فهو أول ما يدخل به فى الإسلام وآخر ما يخرج به من الدنيا إلى الله وجميع الأعمال كالأدوات والآلات لها وجميع المقامات وسائل إليها وأسباب لتحصيلها وتكميلها وتحصينها من الشوائب والعلل فهى قطب رحى السعادة وروح الإيمان وساق شجرة الإسلام ولأجلها أنزل الله الكتاب والحديد. فالكتاب هاد إليها ودال عليها ومفصل لها والحديد لمن خرج عنها وأشرك فيها مع الله غيره ولأجلها خلقت الجنة النار فالجنة دار أهلها الذين أخلصوها لله وحده فأخلصهم لها والنار دار من أشرك فيها مع الله غيره وسوى بينه وبين الله فيها كما أخبر تعالى عن أهلها أنهم يقولون فى النار لآلهتهم: تالله إن كنا لفى ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين [الشعراء:97-98]  وهذه التسوية لم تكن منهم فى الأفعال والصفات بحيث اعتقدوا أنها مساوية لله سبحانه فى أفعاله وصفاته وإنما كانت تسوية منهم بين الله وبينها فى المحبة والعبودية [فقط] مع إقرارهم بالفرق بين الله وبينها فتصحيح هذه [المسألة] هو تصحيح شهادة أن لا إله إلا الله فحقيق لمن نصح نفسه وأحب سعادتها ونجاتها أن يتيقظ لهذه المسألة(1\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "311",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11906",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "علما وعملا وحالا وتكون أهم الأشياء عنده وأجل علومه وأعماله. فإن الشأن كله فيها والمدار عليها والسؤال يوم القيامة عنها قال تعالى: فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون [الحجر: 92- 93]  قال غير واحد من السلف: هو عن قول: quot;لا إله إلا اللهquot; وهذا حق. فإن السؤال كله عنها وعن أحكامها وحقوقها وواجباتها ولوازمها فلا يسأل أحد قط إلا عنها وعن واجباتها ولوازمها وحقوقها قال أبو العالية: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم المرسلين فالسؤال عماذا كانوا يعبدون هو السؤال عنها نفسها والسؤال عماذا أجابوا المرسلين سؤال عن الوسيلة والطريق المؤدية إليها: هل سلكوها وأجابوا الرسل لما دعوهم إليها فعاد الأمر كله إليها. وأمر هذا شأنه حقيق بأن تنعقد عليه الخناصر ويعض عليه بالنواجذ ويقبض فيه على الجمر ولا يؤخذ بأطراف الأنامل ولا يطلب على فضله بل يجعل هو المطلب الأعظم وما سواه إنما يطلب على الفضلة. والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه. فصل قال: quot;وقيل: المحبة إيثار المحبوب على غيرهquot; وهذا الحد أيضا من جنس ما قبله فإن إيثار المحبوب على غيره موجب المحبة ومقتضاها فإذا استقرت المحبة فى القلب استدعت من المحب إيثار محبوبه على غيره وهذا الإيثار علامة ثبوتها وصحتها فإذا آثر غير المحبوب عليه لم يكن محبا له وإن زعم أنه محب فإنما هو محب لنفسه ولحظه ممن يحبه فإذا رأى حظا آخر هو أحب إليه من حظه الذى يريده من محبوبه آثر ذلك الحظ المحبوب إليه. فهذا موضع يغلط فيه الناس كثيرا إذ أكثرهم إنما هو يحب لحظه ومراده فإذا علم أنه عند غيره أحب ذلك الغير حب الوسائل لا حبا له لذاته ويظهر هذا عند حالتين: إحداهما: أنه يرى حظا له آخر عند غيره فيؤثر ذلك الحظ ويترك محبوبه. الثانية: أنه إذا نال ذلك الحظ من محبوبه فترت محبته وسكن قلبه وترحل قاطن المحبة من قلبه كما قيل: من ودك لأمر ولى عند انقضائه. فهذه محبة مشوبة بالعلل. بل المحبة الخالصة أن يحب المحبوب لكماله وأنه أهل أن يحب لذاته وصفاته. وأن الذى يوجب هذه المحبة فناء العبد عن إرادته لمراد محبوبه فيكون عاملا على مراد محبوبه منه لا على مراده هو من محبوبه. فهذه هى المحبة الخالصة من(1\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "312",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11907",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ".. ... درن العلل وشوائب النفس وهى التى [تستلزم إيثار المحبوب على غيره ولا بد وكلما كان سلطان هذه المحبة أقوى كان هذا الإيثار أتم] تتزايد وفى مثل هذا قيل: تعصى الإله وأنت تزعم حبه ... هذا لعمرك فى القياس شنيع لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع وهاهنا دقيقة ينبغى التفطن لها وهى أن إيثار المحبوب نوعان: إيثار معاوضة ومتاجرة وإيثار حب وإرادة. فالأول: يؤثر محبوبه على غيره طلبا لحظه منه فهو يبذل ما يؤثره ليعاوضه بخير منه. والثانى: يؤثره إجابة لداعى محبته فإن المحبة الصادقة تدعوه دائما إلى إيثار محبوبه فإيثاره هو أجل حظوظه فحظه فى نفس الإيثار لا فى العوض المطلوب بالإيثار وهذا لا تفهمه إلا النفس اللطيفة الورعة المشرقة وأما النفس الكثيفة فلا خبر عندها من هذا وما هو بعشها فتلدرج. والدين كله والمعاملة فى الإيثار فإنه تقديم وتخصيص لمن تؤثره بما تؤثره به على نفسك حتى [قيل] أن من شرطه الاحتياج من جهة المؤثر إذ لو لم يكن محتاجا إليه لكان بذله سخاء وكرما. وهذا إنما يصح فى إيثار المخلوق والله سبحانه يؤثر عبده على غيره من غير احتياج منه سبحانه فإنه الغنى الحميد وفى الدعاء المرفوع: quot;اللهم زدنا ولا تنقصنا وأعطنا ولا تحرمنا وأكرمنا ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا وارضنا وارض عناquot;. وقيل: من آثره الله على غيره آثره الله على غيره. والفرق بين الإيثار والأثرة أن الإيثار تخصيص الغير بما تريده لنفسك والأثرة اختصاصك به على الغير وفى الحديث: quot;بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فى عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة عليناquot;. فإذا عرف هذا فالإيثار إما أن يتعلق بالخلق وإما أن يتعلق بالخالق. وإن تعلق بالخلق فكماله أن تؤثرهم على نفسك بما لا يضيع عليك وقتا ولا يفسد عليك حالا ولا يهضم لك دينا ولا يسد عليك طريقا ولا يمنع لك واردا. فإن كان فى إيثارهم شيء من ذلك فإيثار نفسك عليهم أولى فإن الرجل من لا يؤثر بنصيبه من الله أحدا كائنا من كان. وهذا فى غاية الصعوبة على السالك والأول أسهل منه. فإن الإيثار المحمود الذى أثنى الله على فاعله: الإيثار بالدنيا لا بالوقت والدين وما يعود بصلاح القلب. قال الله تعالى: ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة(1\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "313",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11908",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون [الحشر: 9] . فأخبر أن إيثارهم إنما هو بالشيء الذى إذا وقى الرجل الشح به كان من المفلحين وهذا إنما هو فضول الدنيا لا الأوقات المصروفة فى الطاعات. فإن الفلاح كل الفلاح فى الشح بها فمن لم يكن شحيحا بوقته تركه الناس على الأرض [عيانا] مفلسا فالشح بالوقت هو عمارة القلب وحفظ رأس ماله. ومما يدل على هذا أنه سبحانه أمر بالمسابقة فى أعمال البر والتنافس فيها والمبادرة إليها وهذا ضد الإيثار بها. قال الله تعالى: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض [آل عمران: 133]  وقال تعالى: فاستبقوا الخيرات [البقرة: 148] [المائدة: 48]  وقال تعالى: وفى ذلك فليتنافس المتنافسون [المطففين: 26]  وقال النبى صلى الله عليه وسلم: quot;لو يعلم الناس ما فى النداء والصف الأول لكانت قرعةquot;. والقرعة إنما تكون عند التزاحم والتنافس لا عند الإيثار فلم يجعل الشارع الطاعات والقربات محلا للإيثار بل محلا للتنافس والمسابقة ولهذا قال الفقهاء: لا يستحب الإيثار بالقربات والسر فيه- والله أعلم- أن الإيثار إنما يكون بالشيء الذى يضيق عن الاشتراك فيه فلا يسع المؤثر والمؤثر بل لا يسع إلا أحدهما وأما أعمال البر والطاعات فلا ضيق على العباد فيها فلو اشترك الألوف المؤلفة فى الطاعة الواحدة لم يكن عليهم فيها ضيق ولا تزاحم ووسعتهم كلهم وإن قدر التزاحم فى عمل واحد أو مكان لا يمكن أن يفعله الجميع- بحيث إذا فعله واحد فات على غيره فإن فى العزم والنية الجازمة على فعله من الثواب ما لفاعله كما ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم فى غير حديث فإذا قدر فوت مباشرته له فلا يفوت عليه عزمه ونيته لفعله. وأيضا فإنه إذا فات عليه كان فى غيره من الطاعات والقربات عوض منه: إما مساو له وإما أزيد وإما دونه. فمتى أتى بالعوض وعلم الله من نيته وعزيمته الصادقة إرادته لذلك العمل الفائت أعطاه الله ثوابه وثواب ما تعوض [به عنه فجمع له الأمرين. وذلك فضلا الله يؤتيه] من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وأيضا فإن المقصود رغبة العبد فى التقرب إلى الله وابتغاء الوسيلة إليه والمنافسة فى محابه والإيثار بهذا التقرب يدل على رغبته عنه وتركه له وعدم المنافسة فيه وهذا بخلاف ما يحتاج إليه العبد من طعامه وشرابه ولباسه إذا كان أخوه محتاجا إليه فإذا اختص به أحدهما فات الآخر فندب الله [سبحانه] عبده إذا وجد من نفسه قوة وصبرا(1\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "314",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11909",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على الإيثار به ما لم يخرم عليه دينا أو يجلب له مفسدة أو يقطع عليه طريقا عزم على سلوكه إلى ربه أو شوش عليه قلبه بحيث يجعله متعلقا بالخلق فمفسدة إيثار هذا أرجح من مصلحته فإذا ترجحت مصلحة الإيثار بحيث تتضمن إنقاذ نفسه من هلكة أو عطب أو شدة ضرورة- وليس للمؤثر نظيرها- تعين عليه الإيثار فإن كان به نظيرها لم يتعين عليه الإيثار ولكن لو فعله لكان غاية الكرم والسخاء والإحسان فإنه من آثر حياة غيره على حياته وضرورته على ضرورته فقد استولى على أمد الكرم والسخاء وجاوز أقصاه وضرب فيه بأوفر الحظ. وفى هذا الموضع مسائل فقهية ليس هذا موضع ذكرها. فإن قيل: فما الذى يسهل على النفس هذا الإيثار فإن النفس مجبولة على الأثرة لا على الإيثار قيل: يسهله أمور: أحدها: رغبة العبد فى مكارم الأخلاق ومعاليها فإن من أفضل أخلاق الرجل وأشرفها وأعلاها الإيثار وقد جبل الله القلوب على تعظيم صاحبه ومحبته كما جبلها على بغض المستأثر ومقته لا تبديل لخلق الله. والأخلاق ثلاثة: خلق الإيثار وهو خلق الفضل. وخلق القسمة والتسوية وهو خلق العدل. وخلق الاستئثار والاستبداد وهو خلق الظلم. فصاحب الإيثار محبوب مطاع مهيب وصاحب العدل لا سبيل للنفوس إلى أذاه والتسلط عليه ولكنها لا تنقاد إليه انقيادها لمن يؤثرها وصاحب الاستئثار النفوس إلى أذاه والتسلط عليه أسرع من السيل فى حدوره. وهل أزال الممالك وقلعها إلا الاستئثار فإن النفوس لا صبر لها عليه. ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالسمع والطاعة لولاة الأمر وإن استأثروا عليهم لما فى طاعة المستأثر من المشقة [والكره] . الثانى: النفرة من أخلاق اللئام ومقت الشح وكراهته له. الثالث: تعظيم الحقوق التى جعلها الله سبحانه وتعالى للمسلمين بعضهم على بعض فهو يرعاها حق رعايتها ويخاف من تضييعها ويعلم أنه إن لم يبذل فوق العدل لم يمكنه(1\/300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "315",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11910",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوقوف مع حده فإن ذلك عسر جدا بل لا بد من مجاوزته إلى الفضل أو التقصير عنه إلى الظلم فهو [لخوفه] من تضييع الحق والدخول فى الظلم يختار الإيثار بما لا ينقصه ولا يضره ويكتسب به جميل الذكر فى الدنيا وجزيل الأجر فى الآخرة مع ما يجلبه له الإيثار من البركة وفيضان الخير عليه فيعود عليه من إيثاره أفضل مما بذله. ومن جرب هذا عرفه ومن لم يجربه فليستقر أحوال العالم. والموفق من وفقة الله سبحانه وتعالى فصل والإيثار المتعلق بالخالق أجل من هذا وأفضل وهو إيثار [رضاه على] رضى غيره وإيثار حبه على حب غيره وإيثار خوفه ورجائه على خوف غيره ورجائه وإيثار الذل له [و] الخضوع والاستكانة والضراعة والتملق على بذل ذلك لغيره. وكذلك إيثار الطلب منه والسؤال وإنزال الفاقات به على تعلق ذلك بغيره فالأول آثر بعض العبيد على نفسه فيما هو محبوب له وهذا آثر الله على غيره ونفسه من أعظم الأغيار. فآثر الله عليها فترك محبوبها لمحبوب الله. وعلامة هذا الإيثار شيئان أحدهما: فعل ما يحب الله إذا كانت النفس تكرهه وتهرب منه الثانى: ترك ما يكرهه إذا كانت النفس تحبه وتهواه فبهذين الأمرين يصح مقام الإيثار ومؤنة هذا الإيثار شديدة لغلبة الأغيار وقوة داعى العادة والطبع فالمحنة فيه عظيمة والمؤنة فيه شديدة والنفس عنه ضعيفة ولا يتم فلاح العبد وسعادته إلا به وأنه ليسير على من يسره الله عليه فحقيق بالعبد أن يسمو إليه وإن صعب المرتقى وأن يشمر إليه وإن عظمت فيه المنحة ويحمل فيه خطرا يسيرا لملك عظيم وفوز كبير فإن ثمرة هذا فى العاجل والآجل ليست تشبه ثمرة شيء من الأعمال ويسير منه يرقى العبد ويسيره ما لا يرقى غيره إليه فى المدد المتطاولة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ولا تتحقق المحبة إلا بهذا الإيثار. والذى يسهله على العبد أمور: أحدها: أن تكون طبيعته لينة منقادة سلسة ليست بجافية ولا قاسية بل تنقاد معه بسهولة. الثانى: أن يكون إيمانه راسخا ويقينه قويا فإن هذا ثمرة الإيمان ونتيجته. الثالث: قوة صبره وثباته. فبهذه الأمور الثلاثة الأمور ينهض إلى هذا المقام ويسهل عليه دركه. والنقص والتخلف فى النفس عن هذا يكون من أمرين: أن تكون جامدة غير سريعة الإدراك بل بطيئة ولا تكاد ترى حقيقة الشيء إلا بعد عسر وإن رأتها اقترنت به الأوهام والشكوك والشبهات والاحتمالات فلا(1\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "316",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11911",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يتخلص له رؤيتها وعيانها الثانى أن تكون القريحة وقادة دراكة لكن النفس ضعيفة مهينة إذا أبصرت الحق والرشد ضعفت عن إيثاره فصاحبها يسوقها سوق العليل المريض كلما ساقه خطوة وقف خطوة أو كسوق الطفل الصغير الذى تعلقت نفسه بشهواته ومألوفاته فهو يسوقه إلى رشده وهو ملتفت إلى لهوه ولعبه لا ينساق معه إلا كرها. فإذا رزق العبد قريحة وقادة وطبيعة منقادة: إذا زجرها انزجرت وإذا قادها انقادت بسهولة وسرعة ولين [وأيد] مع ذلك بعلم نافع وإيمان راسخ أقبلت إليه وفود السعادة من كل جانب. ولما كانت هذه القرائح والطبائع ثابتة للصحابة رضى الله عنهم وكملها الله لهم بنور الإسلام وقوة اليقين ومباشرة الإيمان لقلوبهم كانوا أفضل العالمين بعد الأنبياء والمرسلين وكان من بعدهم لو أنفق مثل جبل أحد ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه. ومن تصور هذا الموضع حق تصوره علم من أين يلزمه النقص والتأخر ومن أين يتقدم [ويتأخر] ويترقى فى درجات السعادة وبالله التوفيق. والله أعلم. فصل [عود لمعرفة حدود المحبة] قال: quot;وقيل: المحبة موافقة المحبوب فيما ساء وسر ونفع وضر كما قيل: وأهنتنى فأهنت نفسى صاغرا ... ما من يهون عليك ممن أكرم فيقال: وهذا الحد أيضا [من] جنس ما قبله فإن موافقة المحبوب من موجبات المحبة وثمراتها وليست نفس المحبة بل المحبة تستدعى الموافقة وكلما كانت المحبة أقوى كانت الموافقة أتم قال الله تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله [آل عمران: 31]  قال الحسن: قال قوم على عهد النبى صلى الله عليه وسلم: إنا نحب ربنا فأنزل الله تعالى هذه الآية: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله [آل عمران: 31]  وقال الجنيد: ادعى قوم محبة الله فأنزل الله آية المحبة: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله [آل عمران: 31] (1\/302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "317",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11912",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعنى أن متابعة الرسول هى موافقة حبيبكم [فإنه] المبلغ عنه ما يحبه وما يكرهه [وهى قوله] [فمتابعته موافقة لله فى فعل ما يحب وترك ما يكره] . وقال مالك فى هذه الآية: من أحب طاعة الله أحبه الله وحببه إلى خلقه وإنما كانت موافقة المحبوب دليلا على محبته لأن من أحب حبيبا فلا بد أن يحب ما يحبه ويبغض ما يبغضه وإلا لم يكن محبا له محبة صادقة بل تخلف ذلك عنه وإلا لم يكن [محبا] له بل يكون محبا لمراده [أحبه محبوبه أم كرهه ومحبوبه عنده وسيلة إلى ذلك المراد] فلو حصل له حظه من غيره ترحل عوضه. فهذه المحبة المدخولة الفاسدة وإذا كانت المحبة الصحيحة تستدعى حب ما يحبه المحبوب وبغض ما يبغضه فلا بد أن يوافقه فيه. ولكن هاهنا مسألة يغلط فيها كثير من المدعين للمحبة وهى أن موافقة المحبوب فى مراده ليس المعنى بها مراده الخلقى الكونى فإن كل الكون مراده وكل ما يفعله الخلائق فهو موجب مشيئته وإرادته الكونية فلو كانت موافقته فى هذا المراد هى محبته لم يكن له عدو أصلا وكانت الشياطين والكفار والمشركون عباد الأوثان والشمس والقمر أولياءه وأحبابه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وإنما يظن ذلك من يظنه من أعدائه الجاحدين لمحبته ودينه الذين يسوون بين أوليائه وأعدائه. قال الله تعالى: أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الأرض أم نجعل المتقين كالفجار [ص: 28]  وقال الله تعالى: أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون [الجاثية: 21]  وقال الله تعالى: أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون [القلم: 35- 36] [فأنكر سبحانه على من سوى بين المسلمين والمجرمين]  وبين المطيعين والمفسدين مع أن الكل تحت المراد الكونى والمشيئة العامة. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية [قدس الله روحه] يقول: قال لى بعض شيوخ هؤلاء المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب والكون كله مراده فأى شيء أبغض منهquot; قال: فقلت له: فإذا كان المحبوب قد أبغض بعض ما فى الكون فأبغض قوما ومقتهم ولعنهم وعاداهم فأحببتهم أنت وواليتهم تكون مواليا للمحبوب موافقا له أو مخالفا له معاديا له قال: فكأنما ألقم حجرا. ويبلغ الجهل والكفر ببعض هؤلاء إلى حد بحيث إذا فعل محظورا يزعم أنه مطيع لله سبحانه وتعالى ويقول(1\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "318",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11913",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنا مطيع لإرادته وينشد فى ذلك: أصبحت منفعلا لما يختاره ... منى ففعلى كله طاعات ويقول أحدهم: إبليس وإن عصى الأمر لكنه أطاع الإرادة يعنى أن فعله طاعة لله من حيث موافقة إرادته وهذا انسلاخ من ربقة العقل والدين وخروج عن الشرائع كلها فإن طاعة الله إنما هى موافقة الأمر الدينى الذى يحبه الله ويرضاه وأما دخوله تحت القدر الكونى الذى يبغضه ويسخطه ويكفر فاعله ويعاقبه فهى المعصية والكفر ومعاداته ومعاداة دينه. ولا ريب أن المسرفين على أنفسهم المنهمكين فى الذنوب والمعاصى المعترفين بأنهم عصاة مذنبون أقرب إلى الله من هؤلاء العارفين المنسلخين عن دين الأنبياء كلهم والذين لا عقل لهم ولا دين فنسأل الله أن يثبت قلوبنا على دينه: أما البيت الذى استشهد به فهو من أبيات لأبى الشيص من قصيدة يقول فيها: وقف الهوى بى حيث أنت ... فليس لى متأخر عنه ولا متقدم وأهنتنى فأهنت نفسى جاهدا ... ما من يهون عليك ممن يكرم أشبهت أعدائى فصرت أحبهم ... إذ كان حظى منك حظى منهم أجد الملامة فى هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمنى اللوم وقد ناقض فيها فى دعواه مناقضة بينه فإنه أخبر أن هواه قد صار وقفا عليها لا يزول ولا يتحول بتقدم ولا تأخر ثم أخبر أنه قد بلغ به حبها وهواها إلى أن صار مرادها من نفسه غير مراده هو فلما أرادت إهانته بالصد والهجران والبعد سعى هو فى إهانة نفسه بجهده موافقة لها فى إرادتها فصارت إهانته لنفسه مرادة محبوبة له من حيث هى مرادة محبوبة لها وزعم أنه لو أكرم نفسه لكان مخالفا لمحبوبته مكرما لمن أهانته. ثم نقض هذا الغرض من حيث شبهها بأعدائه الذين هم أبغض شيء إليه. ووجه هذا التشبيه أنه لم يحصل منها من حظه ومراده على شيء بل الذى يحصل له منها مثل ما يحصل له من أعدائه [من إهانتهم له وأذاه فصار حظه منها ومن أعدائه] واحدا فصارت شبيهة [بهم]  فأين هذا من الموافقة التامة لها فى مرادها بحيث يهين نفسه لمحبتها فى إهانته ثم أخبر أن له منها حظا مرادا وأن ذلك الحظ الذى يريده لم يحصل له(1\/304)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "319",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11914",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإنما حصل له منه نظير ما يحصل له من أعدائه. وهذه شكاية فى الحقيقة وإخبار عن [محبه معلول] بالحظ وشكاية للحبيب بتفويته عليه [ثم إنه أخبر عن جناية أخرى وهى أنه شرك بينها وبين أعدائه] فى حبه لها فصار حبه منقسما بعضه له وبعضه لأعدائه لشبههم إياها ثم إن فى الشعر جناية أخرى عليها وهو أنه شبهها بمن جبلت القلوب على بغضه وهو العدو واللائق تشبيه الحبيب بما هو أحب الأشياء إلى النفس كالسمع والبصر والحياة والروح والعافية كما هو عادة الشعراء والناس فى نظمهم ونثرهم كما هو معروف بينهم وهو جادة كلاهم. ثم أخبر بمحبته لأعدائه لشبههم بها فتضمن كلامه معاداة من يحبه ومحبة من يعاديه فإنها إذا أشبهت أعداءه لزم أن يحصل لها نصيب من معاداته وإذا أشبهها أعداؤه لزم أن يحصل لهم نصيب من محبته كما صرح به فى جانبهم وترك التصريح فى جانبها وهو مفهوم من كلامه ثم أخبر أنه يلتذ بملامة اللوام فى هواها لما يتضمن من ذكراها وهذا يدل على قوة محبتها وسماع ذكرها وهذا غرض صحيح مع أنه مدخول أيضا فإن محبوبته قد تكره ذلك لما يتضمن من فضيحتها به وجعلها مضغة للماضغين فيكون محبا لنفس ما تكرهه وهذه محبة فاسدة معلولة ناقضة [لدعواه] موافقتها فى محابها. فصل قال: quot;وقيل: المحبة القيام بين يديه وأنت قاعد ومفارقة المضجع وأنت راقد والسكوت وأنت ناطق ومفارقة المألوف والوطن وأنت مستوطنquot;. فيقال: وهذا أيضا أثر من آثار المحبة وموجب من موجباتها وحكم من أحكامها. وهو صحيح فإن المحبة توجب سفر القلب نحو المحبوب دائما والمحبة وطنه وتوجب مثوله وقيامه بين يدى محبوبه وهو قاعد وتجافيه عن مضجعه ومفارقته إياه وهو فيه راقد وفراغه لمحبوبه كله وهو مشغول فى الظاهر بغيره. كما قال بعضهم: وأديم نحو محدثى ليرى ... أن قد عقلت وعندكم عقلي وقال بعض المريدين لشيخه: أيسجد القلب بين يدى الله فقال: نعم سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم القيامة. فهذه سجدة متصلة بقيامه وقعوده وذهابه ومجيئه وحركته وسكونه. وكذلك يكون جسده فى مضجعه وقلبه قد قطع المراحل مسافرا إلى حبيبه فإذا أخذ مضجعه اجتمع عليه حبه وشوقه فيهزه المضجع إلى مسكنه. كما(1\/305)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "320",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11915",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الله تعالى فى حق المحبين: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطعما [السجدة: 16]  فلما تجافت جنوبهم عن المضاجع جافت الجنوب عنها واستخدمتها وأمرتها فأطاعتها. وقال القائل: نهارى نهار الناس حتى إذا ... بدا لى الليل هزتنى إليك المضاجع ويحكى أن بعض الصالحين اجتاز بمسجد فرأى الشيطان واقفا ببابه لا يستطيع دخوله فنظر فإذا فيه رجل نائم وآخر قائم يصلى. فقال له: أيمنعك هذا المصلى من دخوله فقال: كلا إنما يمنعنى ذلك الأسد الرابض ولولا مكانه لدخلت. وبالجملة فقلب المحب دائما فى سفر لا ينقضى نحو محبوبه كلما قطع مرحلة له ومنزلة تبدت له أخرى كما قيل: quot;إذا قطعت علما بدا علمquot; فهو مسافر بين أهله وظاعن وهو فى داره وغريب وهو بين إخوانه وعشيرته ويرى كل أحد عنده ولا يرى نفسه عند أحد. فقوة تعلق المحب [بمحبوبه] توجب له أن لا يستقر قلبه دون الوصول إليه وكلما هدأت حركاته وقلت شواغله اجتمعت عليه شئون قلبه بل قوى سيره إلى محبوبه. ومحك هذا الحال يظهر فى مواطن أربعة: أحدها: عند أخذ مضجعه وتفرغ حواسه وجوارحه الشواغل واجتماع قلبه على ما يحبه. فإنه لا ينام إلا على ذكر من يحبه وشغل قلبه به. الموطن الثانى: عند انتباهه من النوم فأول شيء يسبق إلى قلبه ذكر محبوبه. [فإنه] إذا استيقظ وردت إليه روحه رد معها إليه ذكر محبوبه الذى كان قد غاب عنه فى النوم. ولكن كان قد خالط روحه وقلبه فلما ردت إليه الروح أسرع من الطرف رد إليه ذكر محبوبه متصلا بها مصاحبا لها. فورد عليه قبل كل وارد وهجم عليه قبل كل طارق. فإذا وردت عليه الشواغل والقواطع وردت على محل ممتليء بمحبة ما يحبه فوردت على ساحته من ظاهرها فإذا قضى وطره منها قضاه بمصاحبته لما فى قلبه من الحب. فإنه قد لزمه ملازمة الغريم لغريمه ولذلك يسمى غراما وهو الحب اللازم الذى لا يفارق: فسمع بمحبوه وأبصر به وبطش به ومشى به فصار [محبوبه فى وجوده فى] محل سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها(1\/306)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "321",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11916",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورجله التى يمشى بها. هذا مثل محبوبه فى وجوده وهو غير متحد به بل هو قائم بذاته مباين له. وهذا المعنى مفهوم بين الناس لا ينكره منهم إلا غليظ الحجاب أو قليل العلم ضعيف العقل يجد محبوبه قد استولى على قلبه وذكره فيظن أنه هو نفس ذاته الخارجة قد اتحدت به أو حلت فيه فينشأ من قسوة الأول وكثافته غلظ حجاب ومن قله علم الثانى ومعرفته وضعف تمييزه ضلال الحلول والاتحاد وضلال الإنكار والتعطيل والحرمان ويخرج [للبصير] من بين فرث هذا ودم هذا لبن الفطرة الأولى خالصا سائغا للشاربين. الموطن الثالث: عند دخوله فى الصلاة فإنها محك الأحوال وميزان الإيمان بها يوزن إيمان الرجل [و] يتحقق حاله ومقامه ومقدار قربه من الله ونصيبه منه فإنها محل المناجاة والقربة ولا واسطة فيها بين العبد وبين ربه فلا شيء أقر لعين المحب ولا ألذ لقلبه ولا أنعم لعيشه منها [إن] كان محبا فإنه لا شيء آثر عند المحب ولا أطيب له من خلوته بمحبوبه ومناجاته له ومثوله بين يديه وقد أقبل [بقلبه على محبوبه]  وكان قبل ذلك معذبا بمقاساة الأغيار ومواصلة الخلق والاشتغال بهم فإذا قام إلى الصلاة هرب من سوى الله إليه وآوى عنده واطمأن بذكره وقرت عينه بالمثول بين يديه ومناجاته فلا شيء أهم إليه من الصلاة كأنه فى سجن وضيق وغم حتى تحضر الصلاة فيجد قلبه قد انفسخ وانشرح واستراح كما قال النبى صلى الله عليه وسلم لبلال: quot;يا بلال أرحنا بالصلاةquot; ولم يقل: أرحنا منها كما يقول المبطلون الغافلون. وقال بعض السلف: ليس بمستكمل الإيمان من لم يزل فى هم وغم حتى تحضر الصلاة فيزول همه وغمه أو كما قال. فالصلاة قرة عيون المحبين وسرور أرواحهم ولذة قلوبهم وبهجة نفوسهم يحملون هم الفراغ منها إذا دخلوا فيها كما يحمل الفارغ البطال همها حتى يقضيها بسرعة فلهم فيها شأن وللنفارين شأن يشكون إلى الله سوء صنيعهم بها إذا ائتموا بهم كما يشكوا الغافل [وللنقارين شأن يشكون إلى الله سوء صنيعهم بها إذا ائتموا بهم كما يشكوا] المعرض تطويل إمامه فسبحان من فاضل بين النفوس وفاوت بينها هذا التفاوت العظيم. وبالجملة فمن كان قرة عينه فى الصلاة فلا شيء أحب إليه ولا أنعم عنده منها ويود أن لو قطع عمره بها غير مشتغل بغيرها وإنما يسلى نفسه إذا فارقها بأنه سيعود إليها عن قرب فهو دائما يثوب إليها ولا يقضى منها وطرا(1\/307)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "322",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11917",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ".. فلا يزن العبد إيمانه ومحبته لله بمثل ميزان الصلاة فإنها الميزان العادل الذى وزنه غير عائل. الموطن الرابع: عند الشدائد والأهوال فإن القلب فى هذا الموطن لا يذكر إلا أحب الأشياء إليه ولا يهرب إلا إلى محبوبه الأعظم عنده. ولهذا كانوا يفتخرون بذكرهم من يحبونهم عند الحرب واللقاء وهو كثير فى أشعارهم كما قال: ذكرتك والخطى يخطر بيننا ... وقد نهلت منى المثقفة السمر وقال غيره: ولقد ذكرتك والرماح كأنها ... أشطان بئر فى لبان الأدهم وقد جاء فى بعض الآثار: يقول تبارك وتعالى: quot;إن عبدى كل عبدى الذى يذكرنى وهو ملاق قرنهquot; والسر فى هذا- والله أعلم- أن عند مصائب الشدائد والأهوال يشتد خوف القلب من فوات أحب الأشياء إليه وهى حياته التى لم يكن يؤثرها إلا لقربه من محبوبه فهو إنما يحب حياته لتنعمه بمحبوبه فإذا خاف فوتها بدر إلى قلبه ذكر المحبوب الذى يفوت بفوات حياته. ولهذا- والله أعلم- كثيرا ما يعرض للعبد عند موته لهجه بما يحبه وكثرة ذكره له وربما خرجت روحه وهو يلهج به. وذكر ابن أبى الدنيا فى كتاب quot;المحتضرينquot; عن زفر [رحمه الله] أنه جعل يقول عند موته: لها ثلاثة أخماس الصداق لها ربع الصداق لها كذا ومات لامتلاء قلبه من محبة الفقه والعلم وأيضا فإنه عند الموت تنقطع شواغله وتبطل حواسه فيظهر ما فى القلب ويقوى سلطانه فيبدو ما فيه من غير حاجب ولا مدافع. وكثيرا ما سمع من بعض المحتضرين عند الموت: شاه مات وسمع من آخر بيت شعر لم يزل يغنى به حتى مات وكان مغنيا وأخبرنى رجل عن قرابة له أنه حضره عند الموت- وكان تاجرا يبيع القماش- قال: فجعل يقول: هذه قطعة جيدة هذه على قدرك هذه مشتراها رخيص يساوى كذا وكذا حتى مات. والحكاية فى هذا كثيرة جدا فمن كان مشغولا بالله وبذكره ومحبته فى حال حياته وجد ذلك أحوج ما هو إليه عند خروج روحه إلى الله ومن(1\/308)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "323",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11918",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان مشغولا بغيره فى حال حياته وصحته فيعسر عليه اشتغاله بالله وحضوره معه عند الموت ما لم تدركه عناية من ربه ولأجل هذا كان جديرا بالعاقل أن يلزم قلبه ولسانه ذكر الله حيثما كان لأجل تلك اللحظة التى إن فاتت شقى شقاوة الأبد. فنسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. فصل وقد قيل فى المحبة حدود كثيرة غير ما ذكره أبو العباس فقيل: المحبة ميل القلب إلى محبوبه. وهذا الحد لا يعطى تصور حقيقة المحبة. فإن المحبة أعرف عند القلب من الميل. وأيضا فإن الميل لا يدل على حقيقة المحبة. فإنها أخص من مجرد ميل القلب إذ قد يميل قلب العبد إلى الشيء ولا يكون محبا له لمعرفته بمضرته له فإن سمى هذا الميل محبة فهو اختلاف عبارة. وقيل: المحبة علم المحب بجمال المحبوب ومحاسنه. وهذا حد قاصر فإن العلم بجماله ومحاسنه هو السبب الداعى إلى محبته فعبر عن المحبة بسببها. وقيل: المحبة تعلق القلب بالمحبوب. وقيل: انصباب القلب إلى المحبوب. وقيل: سكون القلب إليه. وقيل: اشتغال القلب بالمحبوب بحيث لا يتفرغ قلبه لغيره. وقيل: المحبة بذل المجهود فى معرفة محبوبك وبذل المجهود فى مرضاته. وقيل: هيجان القلب عند ذكر المحبوب وقيل: شجرة تنبت فى القلب تسقى بماء [الموافقة]  وإيثار رضى المحبوب. وقيل: المحبة حفظ الحدود فليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده. وقيل: المحبة إرادة لا تنقص بالجفاء ولا تزيد بالبر [وقيل: فطام والجوارح عن إستعمالها فى غير مرضاة المحبوب] وقيل: المحبة هى السخاء بالنفس للمحبوب وقيل: المحبة أن لا يزال عليك رقيب من المحبوب لا يمكنك من الانصراف عنه أبدا. وأنشد فى ذلك: أبت غلبات الشوق إلا تقربا ... إليك ويأبى العذل إلا تجنبا وما كان صدى عنك صد ملامة ... ولا ذلك الإعراض إلا تقربا وما كان ذاك العذل إلا نصيحة ... ولا ذلك الإغضاء إلا تهيبا على رقيب منك حل بمهجتى ... إذا رمت تسهيلا على تصعبا وقيل: المحبة سقوط كل محبة من القلب سوى محبة حبيبك وقيل: المحبة صدق المجاهدة فى أوامر الله وتجريد المتابعة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: المحبة أن(1\/309)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "324",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11919",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يفتر من ذكره [ولا يمل من حقه] ولا يأنس بغيره. وقال أبو يزيد: المحبة استقلال الكثير من نفسك واستكثار القليل من حبيبك. وقيل: المحبة أن يميتك حبيبك وتحيا به. وقال أبو عبد الله القرشى: المحبة أن تهب كلك لمن أحببت فلا يبقى لك منك شيء. وقيل: أن تمحو من قلبك ما سوى المحبوب وقيل: المحبة نسيان حظك من محبوبك وفقرك بكلك إليه. وقال النصر أباذى: المحبة مجانبة السلو على كل حال. وقال الحارث بن أسد: المحبة ميلك إلى المحبوب بكليتك ثم إيثارك له على نفسك وروحك ومالك ثم موافقتك له سرا وجهرا ثم علمك بتقصيرك فى حبه. وقيل: المحبة سكر لا يصحو إلا بمشاهدة المحبوب. وقيل: المحبة إقامتك بالباب على الدوام. وقيل: المحبة حرفان: حاء وباء. فالحاء الخروج عن الروح وبذلها للمحبوب والباء الخروج عن البدن وصرفه فى طاعة المحبوب. وقال أبو عمر الزجاجى: سألت الجنيد عن المحبة فقال: تريد الإشارة قلت: لا. قال: تريد الدعوى قلت: لا. قال: فإيش تريد قلت: عين المحبة فقال: أن تحب ما يحب الله فى عباده وتكره ما يكرهه الله فى عباده. وقيل: المحبة معية القلب والروح مع المحبوب معية لا تفارقه فإن المرء مع من أحب وقد قيل فى المحبة حدود أكثر من هذا وكل هذا تعن ولا توصف المحبة ولا تحد بحد أوضح من المحبة ولا أقرب إلى الفهم من لفظها. وأما ذكر الحدود والتعريفات فإنما يكون عند حصول الإشكال والاستعجام على الفهم فإذا زال الإشكال وعدم الاستعجام فلا حاجة إلى ذكر الحدود والتعريفات كما قال بعض العارفين: إن كل لفظ يعبر به عن الشيء فلا بد أن يكون ألطف وأرق منه. والمحبة ألطف وأرق من كل ما يعبر به عنها. فصل قال أبو العباس: quot;وقال قوم: ليس للمحبة صيغة يعبر بها عن حقيقتها. فإن الغيرة من أوصاف المحبة والغيرة تأبى إلا التستر والاختفاء وكل من بسط لسانه بالعبارة عنها والكشف عن سرها فليس له منها ذوق وإنما حركه وجدان الرائحة ولو ذاق منها شيئا لغاب عن الشرح والوصف. فإن المحبة لا تظهر على المحب بلفظه وإنما تظهر عليه بشمائله ونحوله ولا يفهم حقيقتها من المحب سوى المحبوب لموضع اقتداح الأسرار من القلوب كما قيل:(1\/310)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "325",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11920",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تشير فأدرى ما تقول بطرفها ... وأطرق طرفى عند ذاك فتعلم تكلم منا فى الوجوه عيوننا ... فنحن سكوت والهوى يتكلم قلت: كل معنى فله صيغة تعبر به عنه ولا سيما إذا كانت من المعانى المعروفة للخاص والعام. ولكن العبارة قد تكون كاشفة للمعنى مطابقة له كلفظ الدراهم والخبز والماء واللبن ونحوها وهى أكبر الألفاظ. وقد يكون المعنى فوق ما يشير إليه اللفظ ويعبر عنه وهو أجل من أن يدل لفظه على كمال ماهيته وهذا كأسماء الرب سبحانه وأسماء كتابه. وكذلك اسم الحب فإنه لا يكشف اسمه مسماه بل مسماه فوق لفظه وكذلك اسم الشوق والعشق والموت والبلاء ونحوها. وقد يكون المعنى دون اللفظ بكثير واللفظ أجل منه وأعظم. وهذا كلفظ الجوهر الفرد الذى هو عبارة عن أقل شيء وأصغره وأدقه وأحقره فليس معناه على قدر لفظه وإذا عرف هذا فقولهم: quot;ليس للمحبة صيغة يعبر بها عن حقيقتهاquot; المراد به أن لفظها لا يفهم حقيقة معناها ومعناها فوق ما يفهم من لفظها. وقوله: quot;الغيرة من أوصاف المحبة وهى تأبى إلا التستر والاختفاءquot; هذا كلام فى حكم المحبة ومقتضاها لا فى حقيقتها ومعناها والمحبون متباينون فى هذا الحكم فمنهم من يجعل الغيرة من لوازم المحبة وعلامة ثبوتها وتمكنها ويجعل نداء المرء عليها وبسط لسانه بالإخبار بها دليلا على أنه دعى فيها وأن ما معه منها رائحتها لا حقيقتها وحقيقتها تأبى إلا التستر والكتمان. وهذه طريقة الملاميين كما قيل: لا تنكرى جحدى هواك فإنما ... ذاك الجحود عليه ستر مسبل ولهذا قيل: المحبة كتمان الإرادة وإظهار الموافقة. وهذه الطائفة رأت أن كمال المحبة بكتمانها لأسباب عديدة: أحدها: أن الحب كلما كان مكتوما كان أشد وأعظم سريانا وسكونا فى أجزاء القلب كلها كما قيل: الحب أقتله أكتمه فإذا أفشاه المحب وأظهره وباح به ونادى عليه ضعف أثره وصار عرضة للزوال. الثانى: أن الحب كنز من الكنوز بل هو أعظم الكنوز المودعة فى سر العبد(1\/311)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "326",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11921",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقلبه فلا طريق للصوص إليه فإذا باح به ونادى عليه فقد دل قطاع الطريق واللصوص على موضع كنزه وعرضه لسلبه منه فإن النفوس غيارة مغيرة تغار على المحبوب أن يشاركها فى حبه أحد. فإذا غارت عليه أغارت على القلوب التى فيها حبه فانتزعته منه. وهذه الآفة قد ابتلى بها كثير من السالكين الذين هم فى الحقيقة قطاع الطريق على السالكين إلى الله وسولت لهم أنفسهم أن هذه غيرة منهم على محبوبهم أن يجب مثل هذه النفوس المتلوثة بالدنيا وغرتهم أنفسهم ومنتهم أنهم يغارون على الله [ويحولون بين تلك النفوس وبين محبته فغاروا وأغاروا ونهبوا واستلبوا وهذه الطريقة عند المحبين المخلصين أولياء الله الداعين إلى الله] عداوة لله فى الحقيقة ومعاونة للشيطان وقعود على طريق الله المستقيم الذى خلق عباده لأجله وأمرهم به. فالحذر من هؤلاء القطاع اللصوص حمل أهل المحبة على المبالغة فى كتمانها وإظهار التخلى منها بأسباب يلامون عليها ظاهرا وقلوبهم مغمورة بالمحبة مأهولة بها. وهذا الذى ظنوه غيرة هو من تلبيس الشيطان وخدعه لهم ومكره بهم وإنما [هو حسد حملهم على أن يردوه وصالوا به وسموه غيرة]  وإنما غيرة المحبين لله أن يغار أحدهم لمحارم الله إذا انتهكت فيغار لله لا على الله كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: quot;إن الله يغار وإن المؤمن يغار وغيرة الله أن يأتى العبد ما حرم عليهquot; فغيرة المحب هى الموافقة لغيرة محبوبه وهى أن يغار مما يغار منه المحبوب [وأما]  وإذا كان المحبوب ممن يحبه وهذا يغار ممن يحبه الله فهو فى الحقيقة ساع فى خلاف مراد محبوبه وفى إعدام ما يحبه محبوبه فأين هذا من الغيرة المحبوبة لله وإنما هذه غيرة من أخيه المسلم كيف خصه الله بعطائه وألبسه ثوب نعمائه فهى غيرة منه لا غيرة على الله فإن الله لا يغار عليه بل يغار له. وسنفرد إن شاء الله للغيرة فصلا نذكر فيه أقسامها وحقيقتها. الثالث: أن المحبة التامة تستدعى شغل القلب بالمحبوب وعدم تفرغه للشرح والوصف فلو صدقت محبته لاستغرق فيها عن شرح حاله ووصفه فهذه طريقة هولاء ومنهم من يجعل تهتكه وبوحه بها وإعلامه لها من تمامها وقوتها ومن علامات قهرها له وأنها غلبت على سره حتى لم يطق صبره كتمانها كما قال النووى: المحبة هتك(1\/312)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "327",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11922",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأستار وكشف الأسرار. فهذا حال النووى وأضرابه. وعند هؤلاء التكتم ضعف فى المحبة وجور فيها وحقيقتها أن تخليها ومقتضاها من ظهور آثارها على الجوارح والبدن فإن أثرت حركة لم يسكنها وإن [أثرت دمعه لم يرسلها وإن أثرت تنفسا لم يكظمه وإن] أثرت بذلا وإيثارا لم يمسكه. وكمال المحبة عندهم أن تنادى عليه أعضاؤه وألفاظه وألحاظه وحركاته وسكناته بالحب نداء لا يملك إنكاره. وقال على بن عبيد وكتب يحيى بن معاذ إلى أبى يزيد: سكرت من كثرة ما شربت من كأس محبته فكتب إليه أبو يزيد: غيرك شرب بحور السموات والأرض ما روى بعد ولسانه خارج وهو يقول هل من مزيد. فلم ير هذان العارفان التكتم بها وإخفاءها وجحدها وهما هما. وكان الأستاذ أبو على الدقاق ينشد كثيرا: لى سكرتان وللندمان واحدة ... شيء خصصت به من بينهم وحدي وجاء رجل إلى عبد الله بن المنازل فقال: رأيت فى المنام كأنك تموت إلى سنة فقال عبد الله: لقد أجلتنى إلى أجل بعيد أعيش إلى سنة لقد كان لى أنس ببيت سمعته من أبى على [الثقفى] : يا من شكى شوقه من طول فرقته ... اصبر لعلك تلقى من تحب غدا وقال الشبلى: المحب إذا سكت هلك والعارف إن لم يسكت هلك. والتحقيق: أن هذا هو حال المتمكن فى حبه الذى تزول الجبال الراسيات وقلبه على الود لا يلوى ولا يتغير. والأول حال المريد المبتديء الذى قد علقت نار المحبة فى قلبه ولم يتمكن اشتعالها فهو يخاف عليها عواصف الرياح أن تطفئها فهو يخبئها ويكتمها ويسترها من الرياح جهده فإذا اشتغلت وتمكن وقودها فى القلب لم تزدها كثرة الرياح إلا وقودا واشتعالا. فهذا يختلف باختلاف الناس وتفاوتهم فى قوة المحبة وضعفها. والمقصود أن من بسط لسانه بالعبارة عنها والكشف عن سرها وأحكامها لن يؤمن أن يكون من أهل العلم بالمحبة لا من المتصفين بها حالا فكم بين العلم بالشيء والاتصاف به ذوقا وحالا فعلم المحبة شيء ووجودها فى القلب شيء. وكثير من المحبين الذين(1\/313)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "328",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11923",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ".. ... ... امتلأت قلوبهم محبة لو سئل عن حدها وأحكامها وحقيقتها لم يطق أن يعبر عنها ولا يتهيأ له أن يصفها ويصف أحكامها وأكثر المتكلمين فيها إنما تكلموا فيها بلسان العلم لا بلسان الحال. وهذا والله أعلم هو معنى قول بعض المشايخ: أعظم الناس حجابا عن الله أكثرهم إليه إشارة فإنه إنما حظه منه الإشارة إليه لا [عكوف] القلب عليه كالفقير الذى دأبه وصف الأغنياء وأموالهم ووصف الدنيا وممالكها وهو خلو من ذلك. ولا ريب أن وجود الحب فى القلب وترك الكلام [منه] علما [غير من كثرة الكلام فى هذه المسألة وخلو القلب منها]  وخير من الرجلين من امتلأ قلبه منها حالا وذوقا وفاضت على لسانه إرشادا وتعليما ونصيحة للأمة. فهذا حال الكملة من الناس. والله المسئول من فضله وكرمه. قوله: quot;المحبة لا تظهر على المحب بلفظه وإنما تظهر عليه بشمائله ونحولهquot; هذا حق فإن دلالة الحال على المحبة أعظم من دلالة القال عليها بل الدلالة عليها فى الحقيقة هو شاهد الحال لا صريح المقال. ففرق بين من يقول لك بلسانه: إنى أحبك ولا شاهد عليه من حاله وبين من هو ساكت لا يتكلم وأنت ترى شواهد أحواله كلها ناطقة بحبه لك. قال جعفر: قال الجنيد: دفع السرى إليه رقعة وقال: هذه خير لك من سبعمائة قصة وكذا [وكذا] فإذا فيها: ولما ادعيت الحب قالت كذبتنى ... فما لى أرى الأعضاء منك كواسيا فما الحب حتى يلصق القلب بالحشا ... وتذبل حتى لا تجيب المناديا وتبخل حتى [لا] يبقى لك الهوى ... سوى مقلة تبكى بها وتناجيا وبالجملة فشاهد [المحبه] الذى لا يكذب هو شاهد الحال وأما شاهد المقال فصادق وكاذب. قوله: quot;ولا يفهم حقيقتها من المحب سوى المحبوب لموضع اقتداح الأسرار من القلوبquot; يعنى أن حقيقة المحبة وسرها لا يفهمه من المحب إلا محبوبه. وذلك لشدة الاتصال الذى بينه وبين محبوبه فى الباطن فروحه أقرب شيء إليه [وأما] الغير وإن علم أنه محب بظهور أثر المحبة عليه وقيام شاهدها لكن لا يدرك تلك اللطيفة والحقيقة التى يدركها المحبوب من محبه لموضع اتصال سره وقرب ما بين الروحين ولا سيما إذا(1\/314)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "329",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11924",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كانت المحبة من الطرفين فهناك العجب والمناجاة والملاطفة والإشارة والعتاب والشكوى وهما ساكنان لا يدرى جليسهما بشأنهما [فعجيب شأنهما] . فصل فى محبة العوام: قال: quot;وأما محبة العوام فهى محبة تنبت من [مطالعة] المنة وتثبت باتباع السنة وتنمو على الإجابة للغاية وهى محبة تقطع الوسواس وتلذذ الخدمة وتسلى عن المصائب وهى [فى] طريق العوام عمدة الإيمانquot;. فيقال: لا ريب أن المحبة درجات متفاوتة بعضها أكمل من بعض. وكل درجة خاصة بالنسبة إلى ما تحتها عامة بالنسبة إلى ما فوقها فليس انقسامها إلى خاص وعام انقساما حقيقيا متميزا بالنسبة بفصل يميز أحد النوعين عن الآخر وإنما تنقسم باعتبار الباعث عليها وسببها وتنقسم بذلك إلى قسمين: أحدهما: محبة تنشأ من الإحسان ومطالعة الآلاء والنعم فإن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليه ولا أحد أعظم إحسانا من الله سبحانه فإن إحسانه على عبده فى كل نفس ولحظة وهو يتقلب فى إحسانه فى جميع أحواله ولا سبيل له إلى ضبط أجناس هذا الإحسان فضلا عن أنواعه أو عن أفراده ويكفى أن من بعض أنواعه نعمة النفس التى لا تكاد تخطر ببال العبد وله عليه فى كل يوم وليلة فيه أربعة وعشرون ألف نعمة فإنه يتنفس فى اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف نفس وكل نفس نعمة منه سبحانه فإذا كان أدنى نعمة عليه فى كل يوم أربعة وعشرين ألف نعمة فما الظن بما فوق ذلك وأعظم منه: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها [إبراهيم: 34] [النحل: 18]  هذا إلى ما يصرف عنه من المضرات وأنواع الأذى التى تقصده ولعلها توازن النعم فى الكثرة والعبد لا شعور به بأكثرها أصلا والله سبحانه يكلؤه منها بالليل والنهار كما قال تعالى: قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن [الأنبياء:42]  وسواء كان المعنى من يكلؤكم ويحفظكم منه إذا أراد بكم سوءا ويكون يكلؤكم مضمنا معنى يجيركم وينجيكم من بأسه أو كانت quot;منquot; البدلية أى من يكلؤكم بدل الرحمن [سبحانه] أى هو الذى يكلؤكم وحده لا كاليء لكم غيره ونظير quot;منquot; هذه قوله: ولو نشآء لجعلنا(1\/315)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "330",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11925",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منكم ملائكة فى الأرض يخلفون [الزخرف: 60]  على أحد القولين أى عوضكم وبدلكم واستشدوا على ذلك بقول الشاعر: جارية لم تأكل المرققا ... ولم تذق من البقول الفستقا أى لم تأكل الفستق بدل البقول وعلى كلا القولين فهو سبحانه منعم عليهم بكلاءتهم وحفظهم وحراستهم مما يؤذيهم بالليل والنهار وحده لا حافظ لهم غيره. هذا مع غناه التام عنهم وفقرهم التام إليه من كل وجه وفى بعض الآثار يقول تعالى: quot;أنا الجواد ومن أعظم منى جودا وكرما أبيت أكلأ عبادى فى مضاجعهم وهم يبارزوننى بالعظائمquot;. وفى الترمذى أن النبى صلى الله عليه وسلم لما رأى السحاب قال: quot;هذه روايا الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يذكرونه ولا يعبدونهquot;. وفى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله إنهم ليجعلون له الولد وهو يرزقهم ويعافيهمquot;. وفى بعض الآثار: quot;يقول الله: ابن آدم خيرى إليك نازل وشرك إلى صاعد كم أتحبب إليك بالنعم وأنا غنى عنك وكم تتبغض إلى بالمعاصى وأنت فقير إلى وإلا يزال الملك الكريم يعرج إلى منك بعمل قبيحquot; ولو لم يكن من تحببه إلى عباده وإحسانه إليهم وبره بهم إلا أنه [سبحانه] خلق لهم ما فى السموات والأرض وما فى الدنيا والآخرة ثم أهلهم وكرمهم وأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه وشرع لهم شرائعه وأذن لهم فى مناجاته كل وقت أرادوا وكتب لهم بكل حسنة يعملونها عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وكتب لهم بالسيئة واحدة فإن تابوا منها محاها وأثبت مكانها حسنة وإذا بلغت ذنوب أحدهم عنان السماء ثم استغفره غفر له لو لقيه بقراب الأرض خطايا ثم لقيه بالتوحيد لا يشرك به شيئا لأتاه بقرابها مغفرة وشرع لهم التوبة الهادمة للذنوب فوفقهم لفعلها ثم قبلها منهم وشرع لهم الحج الذى يهدم ما قبله فوفقهم لفعله وكفر عنهم سيئاتهم به وكذلك ما شرعه لهم من الطاعات والقربات وهو الذى أمرهم بها وخلقها لهم وأعطاهم إياها ورتب عليها جزاءها فمنه السبب ومنه الجزاء ومنه التوفيق ومنه العطاء أولا وآخرا. وهم محل إحسانه كله منه [ليس منهم شيئا إنما الفضل كله والنعمة كلها والإحسان كله] أولا وآخرا: أعطى عبده [ماله] وقال: تقرب بهذا إلى أقبله منك(1\/316)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "331",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11926",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالعبد له والمال له والثواب منه فهو المعطى أولا وآخرا فكيف لا يحب من هذا شأنه وكيف لا يستحى العبد أن يصرف شيئا من محبته إلى غيره ومن أولى بالحمد والثناء والمحبة منه ومن أولى بالكرم والجود والإحسان منه فسبحانه وبحمده لا إله إلا هو العزيز الحكيم ويفرح سبحانه وتعالى بتوبة أحدهم إذا تاب إليه أعظم فرح وأكمله ويكفر عنه ذنوبه ويوجب له محبته بالتوبة وهو الذى ألهمه إياها ووفقه لها وأعانه عليها وملأ سبحانه وتعالى سماواته من ملائكته واستعملهم فى الاستغفار لأهل الأرض واستعمل حملة العرش منهم فى الدعاء لعباده المؤمنين والاستغفار لذنوبهم ووقايتهم عذاب الجحيم والشفاعة إليه بإذنه أن يدخلهم جناته. فانظر إلى هذه العناية وهذا الإحسان وهذا التحنن والعطف والتحبب إلى العباد واللطف التام بهم ومع هذا كله بعد أن أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه وتعرف إليهم بأسمائه وصفاته وآلائه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا يسأل عنهم ويستعرض حوائجهم بنفسه ويدعوهم إلى سؤاله فيدعو مسيئهم إلى التوبة ومريضهم إلى أن يسأله أن يشفيه وفقيرهم إلى أن يسأله غناه وذا حاجتهم يسأله قضاءها كل ليلة ويدعوهم إلى التوبة وقد حاربوه وعذبوا أولياءه وأحرقوهم بالنار. قال تعالى: إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق [البروج: 10] . وقال بعض السلف: انظروا إلى كرمه كيف عذبوا أولياءه وحرقوهم بالنار ثم هو يدعوهم إلى التوبة. فهذا الباب يدخل منه كل أحد إلى محبته سبحانه وتعالى فإن نعمته على عباده مشهودة لهم يتقلبون فيها على عدد الأنفاس واللحظات. وقد روى فى بعض الأحاديث مرفوعا: quot;أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبونى بحب اللهquot; فهذه محبة تنشأ من مطالعة المنن [والإحسان] ورؤية النعم والآلاء وكلما سافر القلب [بفكره] فيها ازدادت محبته وتأكدت ولا نهاية لها فيقف سفر القلب عندها بل كلما ازداد فيها نظرا ازداد فيها اعتبارا وعجزا عن ضبط القليل منها فيستدل بما عرفه على ما لم يعرفه والله سبحانه وتعالى دعا عباده إليه من هذا الباب حتى إدا دخلوا منه دعوا من الباب الآخر وهو باب الأسماء والصفات الذى إنما يدخل منه إليه خواص عباده وأوليائه وهو باب المحبين حقا الذى لا يدخل منه غيرهم ولا يشبع من معرفته أحد منهم بل كلما بدا له منه علم ازداد شوقا ومحبة(1\/317)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "332",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11927",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ".. ... [وظمأ] .فإذا انضم داعى الإحسان والإنعام إلى داعى الكمال والجمال لم يتخلف عن محبة من هذا شأنه إلا أردأ القلوب وأخبثها وأشدها نقصا وأبعدها من كل خير فإن الله فطر القلوب على محبة المحسن الكامل فى أوصافه وأخلاقه وإذا كانت هذه فطرة الله التى فطر عليها قلوب عباده فمن المعلوم أنه لا أحد أعظم إحسانا منه سبحانه وتعالى ولا شيء أكمل منه ولا أجمل فكل كمال وجمال فى المخلوق من آثار صنعه سبحانه وتعالى وهو الذى لا يجد كماله ولا يوصف جلاله وجماله ولا يحصى أحد من خلقه ثناء عليه بجميل صفاته وعظيم إحسانه وبديع أفعاله بل هو كما أثنى على نفسه. وإذا كان الكمال محبوبا لذاته ونفسه وجب أن يكون الله هو المحبوب لذاته وصفاته إذ لا شيء أكمل منه وكل اسم من أسمائه وصفة من صفاته [تستدعى محبه خاصة فإن اسمائه كلها حسنى وهى مشتقة من صفاته]  وأفعاله دالة عليها [فهو المحبوب المحمود لذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه] . فهو المحبوب المحمود على كل ما فعل وعلى كل أمر إذ ليس فى أفعاله عبث ولا فى أوامره سفه بل أفعاله كلها لا تخرج عن الحكمة والمصلحة والعدل والفضل والرحمة وكل واحد من ذلك يستوجب الحمد والثناء والمحبة عليه وكلامه كله صدق وعدل وجزاؤه كله فضل وعدل: فإنه إن أعطى فبفضله ورحمته ونعمته وإن منع أو عاقب فبعدله وحكمته: ما للعباد عليه حق واجب ... كلا ولا سعى لديه ضائع إن عذبوا فبعدله أو نعموا ... فبفضله وهو الكريم الواسع فصل ولا يتصور نشر هذا المقام حق تصوره فضلا عن أن يوفاه حقه فأعرف خلقه به وأحبهم له صلى الله عليه وسلم يقول: quot;لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسكquot; ولو شهد بقلبه صفة واحدة من أوصاف كماله لاستدعت منه المحبة التامة عليها وهل مع المحبين محبة إلا من آثار صفات كماله فإنهم لم يروه فى هذه الدار وإنما وصل إليهم العلم بآثار صفاته وآثار صنعه فاستدلوا بما علموه على ما غاب فلو شاهدوه ورأوا جلاله وجماله وكماله سبحانه وتعالى لكان لهم فى حبه شأن آخر وإنما تفاوتت منازلهم ومراتبهم فى محبته على حسب تفاوت مراتبهم فى معرفته والعلم به. فأعرفهم بالله أشدهم حبا له ولهذا كانت رسله أعظم الناس حبا له [من غيره] والخليلان من بينهم أعظمهم حبا وأعرف الأمة به أشدهم له حبا ولهذا كان المنكرون لحبه من أجهل الخلق به فإنهم(1\/318)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "333",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11928",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منكرون لحقيقة إلهيته ولخلة الخليلين [صلى الله عليه وسلم] ولفطرة الله التى فطر الله عباده عليها ولو رجعوا إلى قلوبهم لوجدوا حبه فيها ووجدوا معتقدهم [وبحثهم] يكذب فطرهم وإنما بعثت الرسل بتكميل هذه الفطرة وإعادة ما فسد منها إلى الحالة الأولى التى فطرت عليها وإنما دعوا إلى القيام بحقوقها ومراعاتها لئلا تفسد وتنتقل عما خلقت له. وهل الأوامر والنواهى إلا خدم وتوابع ومكملات ومصلحات لهذه الفطرة وهل خلق الله سبحانه وتعالى خلقه إلا لعبادته التى هى غاية محبته والذل له وهل هييء الإنسان إلا لها كما قيل: قد هيئوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل وهل فى الوجود محبة حق غير باطلة إلا محبته سبحانه فإن كل محبة متعلقة بغيره فباطلة زائلة ببطلان متعلقها وأما محبته سبحانه فهو الحق الذى لا يزول ولا يبطل كما لا يزول متعلقها ولا يفنى. وكل ما سوى الله باطل ومحبة الباطل باطل. فسبحان الله كيف ينكر المحبة الحق التى لا محبة أحق منها ويعترف بوجود المحبة الباطلة المتلاشية وهل تعلقت المحبة بوجود محدث إلا الكمال فى وجوده بالنسبة إلى غيره وهل ذلك الكمال إلا من آثار صنع الله الذى أتقن كل شيء وهل الكمال كله إلا لهquot; فكل من أحب شيئا لكمال ما يدعوه إلى محبته فهو دليل وعبرة على محبة الله وأنه أولى بكمال الحب من كل شيء. ولكن إذا كانت النفوس صغارا كانت محبوباتها على قدرها وأما النفوس الكبار الشريفة فإنها تبذل حبها لأجل الأشياء وأشرفها. والمقصود أن العبد إذا اعتبر كل كمال فى الوجود وجده من آثار كماله سبحانه فهو دال على كمال مبدعه كما أن كل علم فى الوجود فمن آثار علمه وكل قدرة فمن آثار قدرته ونسبة الكمالات الموجودة فى العالم العلوى والسفلى إلى كماله كنسبة علوم الخلق وقدرهم وقواهم وحياتهم إلى علمه سبحانه وقدرته وقوته وحياته فإذن لا نسبة أصلا بين كمالات العالم وكمال الله [جل جلاله]  فيجب أن لا يكون بين محبته ومحبة غيره من الموجودات له بل يكون حب العبد له أعظم من حبه لكل شيء بما لا نسبة بينهما ولهذا قال تعالى: والذين آمنوا أشد حبا لله [البقرة: 165]  فالمؤمنون أشد حبا لربهم ومعبودهم [تعالى] من كل محب لكل محبوب. هذا مقتضى عقد الإيمان الذى لا يتم(1\/319)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "334",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11929",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلا به. وليست هذه المسألة من المسائل التى للعبد عنها غنى أو منها بد كدقائق العلم والمسائل التى يختص بها بعض الناس دون بعض بل هذه مسألة تفرض على العبد وهى أصل عقد الإيمان الذى لا يدخل فيه الداخل إلا بها ولا فلاح للعبد ولا نجاة له من عذاب الله إلا بها فليشتغل بها العبد أو ليعرض عنها ومن لم يتحقق بها علما وحالا وعملا لم يتحقق بشهادة أن لا إله إلا الله فإنها سرها وحقيقتها ومعناها وإن أبى ذلك الجاحدون وقصر عن علمه الجاهلون. فإن الإله هو المحبوب المعبود الذى تؤلهه القلوب بحبها وتخضع له وتذل له وتخافه وترجوه وتنيب إليه فى شدائدها وتدعوه فى مهماتها وتتوكل عليه فى مصالحها وتلجأ إليه وتطمئن بذكره وتسكن إلى حبه وليس ذلك إلا الله وحده ولهذا كانت [لا إله إلا الله] أصدق الكلام وكان أهلها أهل الله وحزبه والمنكرون لها أعداؤه وأهل غضبه ونقمته. فهذه المسألة قطب رحى الدين الذى عليه مداره وإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له فى علومه وأعماله وأحواله وأقواله ولا حول ولا قوة إلا بالله. فلنرجع إلى شرح كلامه فقوله: quot;وأما محبة العوام فهى محبة تنبت من مطالعة المنةquot; يعنى أن لهذه المحبة منشأ وثبوتا ونموا. [فمنشأها] الإحسان ورؤية فضل الله ومنته على عبده وثبوتها باتباع أوامره التى شرعها على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ونموها وزيادتها يكون بإجابة العبد لدواعى فقره وفاقته إلى ربه فكلما دعاه فقره وفاقته إلى ربه أجاب هذا الداعى وهو فقير بالذات فلا يزال فقره يدعوه إليه فإن دامت استجابته له بدوام الداعى لم تزل المحبة تنمو وتتزايد فكلما أخطر الرب فى قلبه خواطر الفقر والفاقة بادر قلبه بالإجابة والانكسار بين يديه ذلا وفاقة وحبا وخضوعا وإنما كانت هذه محبة العوام عنده لأن منشأها من الأفعال لا من الصفات والجمال ولو قطع الإحسان عن هذه القلوب لتغيرت وذهبت محبتها أو ضعفت فإن باعثها إنما هو الإحسان ومن ودك لأمر ولى عند انقضائه فهو برؤية الإحسان مشغول وبتوالى النعم عليه محمول. قوله: quot;وهى محبة تقطع الوسواس وتلذذ الخدمة وتسلى على المصائب وهى فى طريق العوام عمدة للإيمانquot;. إنما كانت هذه المحبة قاطعة للوسواس لإحضار المحب(1\/320)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "335",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11930",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلبه بين يدى محبوبه. والوسواس إنما ينشأ من الغيبة والبعد وأما الحاضر المشاهد فماله وللوسواس فالموسوس يجاهد نفسه وقلبه ليحضر بين يدى معبوده والمحب لم يغب قلبه عن محبوبه فيجاهده على إحضاره فالوسواس والمحبة متنافيان ومن وجه آخر أن [المحب قد انقطعت عن قلبه وساوس الأطماع لامتلأ قلبه من] محبة حبيبه فلا تتوارد على قلبه جواذب الأطماع والأمانى لاشتغاله بما هو فيه. وأيضا فإن الوسواس والأمانى إنما تنشأ من حاجته وفاقته إلى ما تعلق طمعه به. وهذا عبد قد جنى من الإحسان وأعطى من النعم ما سد حاجته وأغنى فاقته فلم يبق له طمع ولا وسواس بل بقى حبه للمنعم عليه وشكره له وذكره إياه فى محل وساوسه وخواطره لمطالعة نعم الله عليه وشهوده منها ما لم يشهد غيره. وقوله: quot;وتلذذ الخدمةquot; هو صحيح فإن المحب يتلذذ بخدمة محبوبه وتصرفه فى طاعته وكلما كانت المحبة أقوى كانت لذة الطاعة والخدمة أكمل فليزن العبد إيمانه ومحبته لله بهذا الميزان ولينظر هل هو ملتذ [بخدمته كالمد والمحب بخدمة محبوبه]  أو متكره لها يأتى بها على السآمة والملل [واللوامة]  فهذا [محل] إيمان العبد ومحبته لله. قال بعض السلف: إنى أدخل الصلاة فأحمل هم خروجى منها ويضيق صدرى إذا [عرفت] أنى خارج منها ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم quot;جعلت قرة عينى فى الصلاةquot; ومن كانت قرة عينه فى شيء فإنه يود أن لا يفارقه ولا يخرج منه فإن قرة عين العبد نعيمه وطيب حياته به. وقال بعض السلف: إنى لأفرح بالليل حين يقبل لما يلتذ به عيشى وتقر به عينى من مناجاة من أحب quot;وخلوتى بخدمته والتذلل بين يديه وأغتم للفجر إذا طلع لما اشتغل به بالنهار عن ذلك فلا شيء ألذ للمحب من خدمة محبوبه وطاعته. وقال بعضهم: تعذبت بالصلاة عشرين سنة ثم تنعمت بها عشرين سنة. وهذه اللذة والتنعم بالخدمة إنما تحصل بالمصابرة [على النكرة] والتعب أولا فإذا صبر عليه وصدق فى صبره أفضى به إلى هذه اللذة. قال أبو زيد: سقت نفسى إلى الله وهى تبكى فما زلت أسوقها حتى انساقت إليه وهى تضحك ولا يزال السالك عرضة للآفات والفتور والانتكاس حتى يصل إلى هذه الحالة فحينئذ يصير نعيمه فى سيره ولذته فى اجتهاده وعذابه فى فتوره ووقوفه فترى أشد الأشياء عليه ضياع شيء من وقته ووقوفه عن سيره ولا سبيل إلى هذا إلا بالحب المزعج.(1\/321)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "336",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11931",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله: quot; [تسلى] عن المصائبquot; صحيح فإن المحب يتسلى [بمحبوبه] عن كل مصيبة يصاب بها دونه فإذا سلم له محبوبه لم يبال لما فاته فلا يجزع على ما ناله فإنه يرى فى محبوبه عوضا عن كل شيء ولا يرى فى شيء غيره عوضا منه أصلا فكل مصيبة عنده هينة إذا أبقت عليه محبوبه. ولهذا لما خرجت تلك المرأة الأنصارية يوم أحد تنظر ما فعل برسول الله صلى الله عليه وسلم مرت بأبيها وأخيها مقتولين فلم تقف عندهما وجاوزتهما تقول: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لها: ها هو ذا حى فلما نظرت إليه قالت: ما أبالى إذا سلمت هلك من هلك. ولو لم يكن فى المحبة من الفوائد إلا هذه الفائدة وحدها لكفى بها شرفا فإن المصائب لازمة للعبد لا محيد له عنها ولا يمكن دفعها بمثل المحبة وهكذا مصائب الموت وما بعدها إنما تسهل وتهون بالمحبة وكذلك مصائب القيامة وأعظم المصائب مصيبة النار ولا يدفعها إلا محبة الله وحده ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم. فالمحبة أصل كل خير فى الدنيا والآخرة كما قال سمنون: ذهب المحبون لله بشرف الدنيا والآخرة فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: quot;المرء مع من أحبquot; فهم مع الله تعالى. وقوله: quot;وهى فى طريق العوام عمدة الإيمانquot; كلام قاصر فإنها عمود الإيمان وعمدته وساقه الذى لا يقوم إلا عليه فلا إيمان بدونها البتة. وإنما [أن] مراده هذه المحبة الخاصة التى تنشأ من رؤية النعم هى عمدة إيمان العوام وأما الخواص فعمدة إيمانهم محبة تنشأ من معرفة الكمال ومطالعة الأسماء والصفات. والله أعلم. قال أبو العباس: quot;وأما محبة الخواص فهى محبة خاطفة: تقطع العبارة وتدقق الإشارة ولا تنتهى بالنعوت ولا تعرف إلا بالحيرة والسكوت.quot; وقال بعضهم: يقول وقد ألبست وجدا وحيرة ... وقد ضمنا بعد التفرق محضر ألست الذى كنا نحدث أنه ... ولوع بذكراها فأين التذكر فرد عليها الوجد: أفنيت ذكره فلم ... يبق إلا زفرة وتحسر فيقال: [ها هنا] مرتبتان من المحبة مختلف فى أيتهما أكمل من الأخرى: إحداهما هذه المرتبة التى أشار إليها المصنف وهى الدرجة الثالثة التى ذكرها شيخ الإسلام(1\/322)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "337",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11932",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فى منازله: فقال: quot;والدرجة الثالثة محبة خاطفة تقطع العبارة وتدقق الإشارة ولا تنتهى بالنعوت وهذه المحبة قطب هذا الشأن وما دونها مجال تنادى عليها الألسن وادعتها الخليقة وأوجبتها العقولquot;. والمرتبة الثانية عند صاحب المنازل ومن تبعه دون هذه المرتبة وهى المحبة التى تنشأ من مطالعة الصفات فقال فى منزله: quot;والدرجة الثانية محبة تبعث على إيثار الحق على غيره ويلهج اللسان بذكره ويعلق القلب بشهوده وهى محبة تظهر من مطالعة الصفات والنظر فى الآيات والارتياض بالمقاماتquot; وإنما جعل هؤلاء هذه المحبة أنقص من المحبة الثالثة بناء على أصولهم فإن الفناء هو غاية السالك التى لا غاية له وراءها فهذه المحبة لما أفنت المحب واستغرقت روحه بحيث غيبته عن شهوده وفنى فيها المحب وانمحت رسومه بالكلية ولم يبق هناك إلا محبوبه وحده فكأنه هو المحب لنفسه بنفسه إذ فنى من لم يكن وبقى من لم يزل. ولما ضاق نطاق النطق بهم عن التعبير عنها عدلوا إلى التعبير عنها بكونها quot;قاطعة للعبارة مدققة للإشارةquot; يعنى تدق عنها الإشارة ولأن الإشارة تتناول محبا ومحبوبا وفى هذه المحبة قد فنى المحب فانقطع تعلق الإشارة به إذ الإشارة لا تتعلق بمعدوم. وسر هذا المقام عندهم هو الفناء فى الحب بحيث لا يشاهد له رسما ولا محبة ولا سببا ولهذا كانت الدرجتان اللتان قبله عنه معلولتين لأنهما [مصحوبان] بالبقاء وشهود الأسباب بخلاف الثالثة ولهذا قال: quot;ولا تنتهى بالنعوتquot; يعنى أن النعت لا يصل إليها ولا يدركها. وهذا بناء على قاعدته فى كل باب من أبواب كتابه يجعل الدرجة [الثالثة] التى تتضمن الفناء أكمل مما قبلها والصواب أن الدرجة الثانية أكمل من هذه وأتم وهى درجة الكملة من المحبين ولهذا كان إمامهم وسيدهم وأعظمهم حبا صلى الله عليه وسلم فى الذروة العليا من المحبة وهو مراع لجريان الأمور ولجريان الأمة مثل سماعه بكاء الصبى فى الصلاة فيخففها لأجله ومثل التفاتة فى صلاته إلى الشعب الذى بعث منه العين يتعرف له أمر العدو وهذا هو فى أعلى درجة المحبة. ولهذا رأى ما رأى فى ليلة الإسراء وهو ثابت الجأش حاضر القلب لم يفن عن تلقى خطاب ربه وأوامره ومراجعته فى أمر الصلاة مرارا ولا ريب أن هذا الحال أكمل من حال موسى الكليم [صلوات الله وسلامه عليهما] فإن موسى خر صعقا وهو فى مقامه فى الأرض لما تجلى ربه للجبل والنبى(1\/323)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "338",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11933",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلى الله عليه وسلم قطع تلك المسافات وخرق تلك الحجب ورأى ما رأى وما زاغ بصره وما طغى ولا [اضطرب] فؤاده ولا صعق [صلوات الله وسلامه عليه] . ولا ريب أن الوراثة المحمدية أكمل من الوراثة الموسوية وتأمل شأن النسوة اللاتى رأين يوسف كيف [أدهشهن] حسنه وتعلقت [قلوبهن]  به وأفناهن عن أنفسهن حتى قطعن أيديهن وامرأة العزيز أكمل حبا منهن له وأشد ولم يعرض لها ذلك مع أن حبها أقوى وأتم لأن حبها كان مع البقاء وحبهن كان مع الفناء فالنسوة غيبهن حسنه وحبه عن أنفسهن فبلغن من تقطيع أيديهن ما بلغن امرأة العزيز لم [يغيبها حبها له] عن نفسها بل كانت حاضرة القلب متمكنة فى حبها فحالها حال الأقوياء من المحبين وحال النسوة حال أصحاب الفناء. ومما يدل على أن حال البقاء فى الحب أكمل من حال الفناء أن الفناء إنما يعرض لضعف النفس عن وارد المحبة فتمتليء به وتضعف عن حمله فيفنيها ويغيبها عن تمييزها وشهودها فيورثها الحيرة والسكوت وأما حال البقاء فيدل على ثبات النفس وتمكنها وأنها حملت من الحب ما لم يطق حمله صاحب الفناء فتصرفت فى حبها ولم يتصرف فيها والكمال من إذا ورد عليه الحال تصرف هو فيه ولا يدع حاله يتصرف فيه. وأيضا فإن البقاء متضمن لشهود كمال المحبوب ولشهود ذل عبوديته ومحبته ولشهود مراضيه وأوامره والتمييز بين ما يحبه ويكرهه والتمييز بين المحبوب إليه والأحب والعزم على إيثار الأحب إليه فكيف يكون [الفانى عن شهوة هذا يتعيب الحب له أكمل وأقوى وأى عبودية للمحبوب فى فناء المحب فى محبته] . وهل العبودية كل العبودية إلا فى البقاء والصحو وكمال التمييز وشهود عزة محبوبه وذله وهو فى حبه واستكانته فيه واجتماع إرادته كلها فى تنفيذ مراد محبوبه فهذا وأمثاله مما يدل على أن الدرجة الثانية التى أشار إليها أكمل من الثالثة وأتم وهكذا فى جميع أبواب الكتاب والله أعلم. وكأنى بك تقول لا يقبل فى هذا إلا كلام من قطع هذه المفاوز حالا وذوقا وأما الكلام فيها بلسان [العلم] المجرد فغير مقبول والمحبون أصحاب الحال والذوق فى المحبة لهم شأن وراء الأدلة والحجج. فاعلم أولا أن كل حال وذوق ووجد وشهود لا يشرق عليه نور العلم المؤيد بالدليل فهو من عبث النفس وحظوظها فلو قدر أن المتكلم إنما تكلم بلسان العلم المجرد فلا ريب أن ما كشفه العلم الصحيح المؤيد بالحجة أنفع من حال(1\/324)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "339",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11934",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يخالف العلم والعلم يخالفه. وليس من الإنصاف رد العلم الصحيح بمجرد الذوق والحال وهذا أصل الضلالة ومنه دخل الداخل على كثير من السالكين فى تحكيم أذواقهم ومواجيدهم على العلم فكانت فتنة فى الأرض وفساد كبير. وكم قد ضل وأضل محكم الحال على العلم بل الواجب تحكيم العلم على الحال ورد الحال إليه فما زكاه شاهد العلم فهو المقبول وما جرحه شاهد العلم فهو المردود وهذه وصية أرباب الاستقامة من مشايخ الطريق [رضى الله عنه] يوصون بذلك ويخبرون أن كل ذوق ووجد لا يقوم عليه شاهدان اثنان من العلم فهو باطل ويقال ثانيا: ليس من شرط قبول العلم بالشيء من العالم به أن يكون ذائقا له أفتراك لا تقبل معرفة الآلام والأوجاع وأدويتها إلا ممن قد مرض بها وتداوى بها أفيقول هذا عاقل ويقال ثالثا: أتريد بالذوق أن يكون القائل قد بلغ الغاية القصوى فى هذه المرتبة فلا يقبل إلا ممن هذا شأنه أو تريد أنه لا بد أن يكون له أذواق أهله من حيث [الحملة]  فإن أردت الأول لزمك أن لا يقبل أحد من أحد إذ ما من ذوق إلا وفوقه أكمل منه وإن أردت الثانى فمن أين لك نفيه عن صاحب العلم ولكن لإعراضك عن العلم وأهله صرت تظن أن أهل العلم لهم العلم والكلام والوصف وللمعرضين عنه الذوق والحال والاتصاف والظن يخطيء تارة ويصيب والله أعلم. فصل قال أبو العباس: quot;فعند القوم كل ما هو من العبد فهو علة تليق بعجز العبد وفاقته وإنما عين الحقيقة عندهم أن يكون قائما بإقامته له محبا بمحبته له ناظرا بنظره لا من غر أن يبقى معه بقية تناط باسم أو تقف على رسم أو تتعلق بنظر أو تنعت بنعت أو توصف بوصف أو تنسب إلى وقت صم بكم عمى لدينا محضرونquot;. فيقال: هذا هو مقام الفناء الذى يشير إليه كثير من المتأخرين ويجعلونه غاية الغايات ونهاية النهايات وكل ما دونه فمرقاة إليه وعيلة عليه. ولهذا كانت المحبة عندهم آخر منازل الطريق وأول أودية الفناء والعقبة التى ينحدر منها على منازل المحو وهى آخر منزل يلقى فيه مقدمة العامة ساقة الخاصة وما دونها إعراض الإعراض. فجعلوا المحبة منزلا من المنازل ليست غاية وجعلوها أول الأودية التى يسلك فيها أصحاب الفناء فهى أول أوديتهم والعقبة التى ينحدرون منها إلى منازل الفناء والمحو. فليست هى الغاية عندهم وأصحابها عندهم مقدمة العامة وساقة أصحاب الفناء عندهم مقدمون عليهم(1\/325)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "340",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11935",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سابقون لهم فإنهم ساقة الخاصة وهؤلاء مقدمة العامة فهذا كله بناء على أن الفناء هو الغاية التى لا غاية للعبد وراءها ولا كمال له يطلبه فوقها. وقد تبين ما فى ذلك وما هو الصواب بحمد الله فقوله [رحمه الله] : quot;كل ما هو من العبد فهو علة تليق بعجز العبد وفاقتهquot; يقال له: إذا كان إنما [منه] العبودية التى يحبها الله كسبا ومباشرة فهو قائم بها شاهد لمقيمه فيها مطالع [لمنه]  وفضله فأى علة هنا سوى وقوفه مع شهودها منه وغيبته عن شهود إقامة الله وتحريكه إياه وتوفيقه له فالعلة هى بهذا الشهود وهذه الغيبة المنفاية لكمال الافتقار والفاقة إلى الله وأما شهود فقره وفاقته ومجموع حالاته وحركاته وسكناته إلى وليه [وبارئه] مستعينا به أن يقيمه فى عبودية خالصة له فلا علة هناك. قوله: quot;وإنما عين الحقيقة أن يكون قائما بإقامته لهquot; إلى آخر كلامه يقال: إن أردت أنه يشهد إقامة الله له حتى قام ومحبته له حتى أحبه ونظره إلى عبده حتى أقبل عبده عليه ناظرا إليه بقلبه فهذا حق فإن ما من الله سبق ما من العبد فهو الذى أحب عبده أولا فأحبه العبد وأقام العبد فى طاعته فقام بإقامته ونظر إليه فأقبل العبد عليه وتاب عليه أولا فتاب إليه [عبده] . وإن أردت أنه لا يشهد فعله البتة بل يفنى عنه جملة ويشهد أن الله وحده هو الذاكر لنفسه الموحد لنفسه المحب لنفسه وأن هذه الأسباب والرسوم تصير عدما [حرما] فى شهوده وإن لم تفن وتعدم فى الخارج- وهذا هو مراد القوم- فدعوى [أن هذا هو الكمال الذى لا كمال فوقه ولا غاية وراءه دعوى] مجردة لا يستدل عليها مدعيها بأكثر من الذوق والوجد وقد تقدم أن هذا ليس بغاية وإنما غايته أن يكون من عوارض الطريق وأن شهود الأشياء فى مراتبها ومنازلها التى أنزلها سبحانه إياها أكمل وأتم. ويكفى فى بعض هذا الاحتجاج عليه بصفات الكفار فإن الله ذمهم بأنهم صم بكم عمى فهذه صفات نقص وذم لا صفات كمال ومدحة وهل الكمال إلا فى حضور السمع والبصر والعقل وكمال التمييز وتنزيل الخلق والأمر منازلهما والتفريق بين ما فرق الله بينه فالأمر كله فرقان وتمييز وتبيين فكلما كان تمييز العبد وفوقانه أتم كان حاله أكمل وسيره أصح وطريقه أقوم وأقرب. والحمد لله رب العالمين. فصل قال أبو العباس: وأما الشوق فهو هبوب القلب إلى غائب وإعواز الصبر عن فقده وارتياح السر إلى طلبه. وهو من مقامات العوام وأما الخواص(1\/326)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "341",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11936",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهو عندهم مخلة عظيمة لأن الشوق إنما يكون إلى غائب. ومذهب هذه الطائفة إنما قام على المشاهدة والطريق عندهم أن يكون العبد غائبا والحق ظاهرا. ولهذا المعنى لم ينطق بالشوق كتاب ولا سنة صحيحة. [لأن] الشوق مخبر عن بعد ومشير [إلى] غائب وهو يطلع إلى إدراك: وهو معكم أينما كنتم [الحديد: 4]  وقيل: ولا معنى لشكوى الشوق يوما ... إلى من لا يزول عن العيان اختلف الناس فى الشوق والمحبة أيهما أعلى فقالت طائفة: المحبة أعلى من الشوق هذا قول ابن عطاء وغيره واحتجوا بأن الشوق غايته أن يكون أثرا من آثار المحبة ومتولدا عنها: فهى أصله وهو فرعها. قالوا: والمحبة توجب آثارا كثيرة فمن آثارها الشوق. وقالت طائفة منهم سرى السقطى وغيره: الشوق أعلى. قال الجنيد: سمعت السرى يقول: الشوق أجل مقامات العارف إذا تحقق فى الشوق لها عن كل شيء يشغله عمن يشتاق إليه. وإنما يظهر سر المسألة بذكر فصلين: الأول فى حقيقة الشوق والثانى فى الفرق بينه وبين المحبة. ويتبع ذلك خمس مسائل: إحداها: هل يجوز إطلاقه على الله كما يطلق عليه أنه يحب عباده أم لا الثانية: هل يجوز إطلاقه على العبد فيقال: يشتاق إلى الله كما يقال يحبه الثالثة: أنه هل يقوى بالوصول والقرب أم يضعف بهما فأى الشوقين أعلى: شوق القريب الدانى أم شوق البعيد الطالب الرابعة: ما الفرق بينه وبين الاشتياق فهل هما بمعنى واحد أم بينهما فرق الخامسة: فى بيان مراتبه وأقسامها ومنازل أهله فيه. الفصل الأول - فى حقيقة الشوق: هو سفر القلب فى طلب محبوبه بحيث لا يقر قراره حتى يظفر به ويحصل له. وقيل: هو لهيب ينشأ بين أثناء الحشا سببه الفرقة فإذا وقع اللقاء أطفأ ذلك اللهيب. وقيل: الشوق هبوب القلب إلى محبوب غائب. وقال ابن خفيف [الشوق ارتياح القلوب ومحبه اللقاء بالقرب: وقيل] الشوق [تروح] القلوب نحو المحبوب من غير منازع. ويقال: الشوق انتظار اللقاء بعد البعاد. فهذه الحدود ونحوها مشتركة فى أن الشوق إنما يكون مع الغيبة من المحبوب وأما مع حضوره ولقائه فلا شوق. وهذه حجة من جعل المحبة أعلى منه فإن المحبة لا تزول باللقاء وبهذا يتبين الكلام فى الفصل الثانى وهو الفرق بينه وبين المحبة.(1\/327)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "342",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11937",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفصل الثانى - الفرق بينهما: فرق ما بين الشيء وأثره. فإن الحامل على الشوق هو المحبة ولهذا يقال: لمحبتى له اشتقت إليه وأحببته فاشتقت إلى لقائه ولا يقال: لشوقى إليه أحببته ولا اشتقت إلى لقائه فأحببته. فالمحبة بذر فى القلب والشوق بعض ثمرات ذلك البذر وكذلك من ثمراتها حمد المحبوب والرضى عنه وشكره وخوفه ورجاؤه والتنعيم بذكره والسكون إليه والأنس به والوحشية بغيره وكل هذه من أحكام المحبة ... وثمراتها وهو حياتها فمنزلة الشوق من المحبة منزلة الهرب من البغضاء والكراهة: فإن القلب إذا أبغض الشيء وكرهه جد فى الهرب منه وإذا أحبه جد فى الهرب إليه وطلبه فهو حركة القلب فى الظفر بمحبوبه ولشدة ارتباط الشوق بالمحبة يقع كل واحد منهما موقع صاحبه ويفهم منه ويعبر عنه. فصل وأما المسائل [الخمس] فإحداها: هل يجوز إطلاقه على الله فهذا مما لم يرد به القرآن ولا السنة بصريح لفظه. قال صاحب quot;منازل السائرينquot; وغيره: وسبب ذلك أن الشوق إنما يكون لغائب. ومذهب هذه الطائفة إنما قام على المشاهدة ولهذا السبب عندهم لم يجيء فى حق الله ولا فى حق العبد.. وجوزت طائفة إطلاقه كما يطلق عليه سبحانه ورووا فى أثر أنه يقول: quot;طال شوق الأبرار إلى لقائى وأنا إلى لقائهم أشوقquot;. قالوا: وهذا الذى تقتضيه الحقيقة وإن لم يرد به لفظ صريح فالمعنى حق فإن كل محب فهو مشتاق إلى لقاء محبوبه. قالوا: وأما قولكم إن الشوق إنما يكون إلى الغائب وهو سبحانه لا يغيب عن عبده ولا يغيب العبد عنه فهذا حضور العلم وأما اللقاء والقرب فأمر آخر فالشوق يقع بالاعتبار الثانى وهو قرب الحبيب ولقاؤه والدنو منه وهذا له أجل مضروب لا ينال قبله. قال تعالى: من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت [العنكبوت: 5]  قال أبو عثمان الحيرى: هذا تعزية للمشتاقين معناه: إنى أعلم أن اشتياقكم إلى غالب وأنا أجلت للقائكم أجلا وعن قريب يكون وصولكم إلى من تشتاقون إليه. والصواب أن يقال: إطلاقه [اللفظ] متوقف على السمع ولم يرد به فلا ينبغى إطلاقه. وهذا كلفظ العشق أيضا فإنه لما لم يرد به سمع فإنه يمتنع إطلاقه عليه سبحانه. واللفظ الذى أطلقه سبحانه على نفسه وأخبر به عنها أتم من هذا وأجل شأنا هو لفظ المحبة فإنه سبحانه يوصف من كل صفة كمال بأكملها وأجلها(1\/328)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "343",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11938",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأعلاها فيوصف من الإرادة بأكملها وهو الحكمة وحصول كل ما يريد بإرادته كما قال تعالى: فعال لما يريد [هود: 107] [البروج: 16]  وبإرادة اليسر لا العسر كما قال: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [البقرة: 185]  وبإرادة الإحسان وإتمام النعمة على عباده كقوله: والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما [النساء: 27]  [فإرادة] التوبة [له] وإرادة الميل لمبتغى الشهوات. وقوله تعالى: ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون [المائدة: 6]  وكذلك الكلام يصف نفسه منه بأعلى أنواعه كالصدق والعدل والحق وكذلك الفعل [يصنف] نفسه منه بأكمله وهو العدل والحكمة والمصلحة والنعمة. وهكذا المحبة وصف نفسه منها بأعلاها وأشرفها فقال: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]  يحب التوابين ويحب المتطهرين [البقرة: 222]  يحب المحسنين [البقرة: 195] [آل عمران: 134] [آل عمران: 148] [المائدة: 13] [المائدة: 93]  و يحب الصابرين [آل عمران: 146] . ولم يصف نفسه بغيرها من العلاقة والميل والصبابة والعشق والغرام ونحوها فإن مسمى المحبة أشرف وأكمل من هذه [المسميات]  فجاء فى حقه إطلاقه دونها. وهذه [المسميات] لا تنفك عن لوازم ومعان تنزه تعالى عن الاتصاف بها وهكذا جميع ما أطلقه على نفسه من صفاته العلى أكمل معنى ولفظا مما لم يطلقه. فالعليم الخبير أكمل من الفقيه والعارف والكريم الجواد أكمل من السخى والخالق الباريء المصور أكمل من الصانع الفاعل ولهذا لم تجيء هذه فى أسمائه الحسنى والرحيم والرؤوف أكمل من الشفيق [والمشفق] فعليك بمراعاة ما أطلقه سبحانه على نفسه من الأسماء والصفات والوقوف معها وعدم إطلاق ما لم يطلقه على نفسه ما لم يكن مطابقا لمعنى أسمائه وصفاته وحينئذ فيطلق المعنى لمطابقته له دون اللفظ ولا سيما إذا كان مجملا أو منقسما إلى ما [يمدح] به وغيره فإنه لا يجوز إطلاقه إلا مقيدا وهذا كلفظ الفاعل والصانع فإنه لا يطلق عليه فى أسمائه الحسنى إلا إطلاقا مقيدا أطلقه على نفسه كقوله تعالى: فعال لما يريد [البروج: 16]  ويفعل الله ما يشآء [إبراهيم: 27]  وقوله: صنع الله الذى أتقن كل شيء [النمل: 88]  فإن اسم الفاعل والصانع(1\/329)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "344",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11939",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منقسم المعنى إلى ما يمدح عليه ويذم. ولهذا المعنى- والله أعلم- لم يجئ فى الأسماء الحسنى المريد كما جاء فيها السميع البصير ولا المتكلم ولا الآمر الناهى لانقسام مسمى هذه الأسماء بل وصف نفسه بكمالاتها وأشرف أنواعها. ومن هنا يعلم غلط بعض المتأخرين وزلقة الفاحش فى اشتقاقه له سبحانه من كل فعل أخبر به عن نفسه اسما مطلقا فأدخله فى أسمائه الحسنى فاشتق له اسم الماكر والخادع والفاتن والمضل والكاتب ونحوها من قوله: ويمكر الله [الأنفال: 30]  ومن قوله: وهو خادعهم [النساء: 142]  ومن قوله: لنفتنهم فيه [طه: 131]  ومن قوله: يضل من يشاء [الرعد: 27] [النحل: 93] [فاطر: 8]  وقوله تعالى: كتب الله لأغلبن [المجادلة: 21]  وهذا خطأ من وجوه: أحدها: أنه سبحانه لم يطلق على نفسه هذه السماء فإطلاقها عليه لا يجوز. الثانى: أنه سبحانه أخبر عن نفسه بأفعال مختصة مقيدة فلا يجوز أن ينسب إليه مسمى الاسم عند الإطلاق. الثالث: أن مسمى هذه الأسماء منقسم إلى ما يمدح عليه المسمى به وإلى ما يذم فيحسن فى موضع ويقبح فى موضع فيمتنع إطلاقه عليه سبحانه من غير تفصيل. الرابع: أن هذه ليست من الأسماء الحسنى التي يسمى بها سبحانه [فلا يجوز أن يسمى بها فإن أسماء الرب تعالى كلها حسنى]  كما قال تعالى: ولله الأسماء الحسنى [الأعراف: 180]  وهى التي يحب سحبانه أن يثنى عليه ويحمد بها دون غيرها. الخامس: أن هذا القائل لو سمي بهذه الأسماء وقيل له هذه مدحتك وثناء عليك فأنت الماكر الفاتن المخادع المضل اللاعن الفاعل الصانع ونحوها لما كان يرضى بإطلاق هذه الأسماء عليه ويعدها مدحة ولله المثل الأعلى سبحانه وتعالى عما يقول الجاهلون به علوا كبيرا. السادس: أن هذا القائل يلزمه أن يجعل من أسمائه اللاعن والجائي والآتي والذاهب والتارك والمقاتل والصادق والمنزل والنازل [والمذموم] والمدمر وأضعاف أضعاف ذلك فيشتق له اسما من كل فعل أخبر به عن نفسه وإلا تناقض تناقضا بينا ولا أحد من العقلاء طرد ذلك فعلم بطلان قوله والحمد لله رب العالمين. فصل وأما المسألة الثانية وهى: هل يطلق على العبد أنه يشتاق إلى الله وإلى لقائه فهذا غير ممتنع فقد روى الإمام أحمد فى مسنده والنسائى وغيرهما من حديث(1\/330)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "345",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11940",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن أبيه قال: صلى بنا عمار بن ياسر صلاة فأوجز فيها فقلت: خففت يا أبا اليقظان فقال: وما على من ذلك ولقد دعوت الله بدعوات سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قام تبعه رجل من القوم فسأله عن الدعوات فقال: quot;اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحينى ما علمت الحياة خيرا لى وتوفنى إذا علمت الوفاة خيرا لى اللهم إنى أسألك خشيتك فى الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحق فى الغضب والرضا وأسألك القصد فى الفقر والغنى وأسألك نعيما لا ينفد وقرة عين لا تنقطع وأسألك الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر فى وجهك والشوق إلى لقائك فى غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدينquot;. فهذا فيه إثبات لذة النظر إلى وجهه الكريم وشوق أحبابه إلى لقائه فإن حقيقة الشوق إليه هو الشوق إلى لقائه قال أبو القاسم القشيرى: سمعت الأستاذ أبا على يقول فى [قوله]  صلى الله عليه وسلم: quot; أسألك الشوق إلى لقائكquot; قال: كان الشوق مائة جزء فتسعة وتسعون له وجزء متفرق فى الناس فأراد أن يكون ذلك الجزء له أيضا فغار أن تكون شظية من الشوق فى لغيره. قال: وسمعته يقول فى قول موسى: وعجلت إليك رب لترضى [طه: 84]  قال: معناه شوقا إليك فستره بلفظ [الرضا]  وهذا أكثر مشايخ الطريق يطلقونه ولا يمتنعون منه. وقيل: إن شعيبا بكى حتى عمى بصره فأوحى الله إليه: إن كان هذا لأجل الجنة فقد أبحتها لك وإن كان لأجل النار فقد أجرتك منها. فقال: لا بل شوقا إليك وقال بعض العارفين: من اشتاق إلى الله اشتاق إليه كل شيء. وقال بعضهم: قلوب [المشتاقين] منورة بنور الله [عز وجل] فإذا تحرك اشتياقهم أضاء النور ما بين السماء والأرض فيعرضهم الله على الملائكة فيقول: هؤلاء المشتاقون إلى أشهدكم أنى إليهم أشوق وإذا كان الشوق هو سفر القلب فى طلب محبوبه ونزوعه إليه فهو من أشرف مقامات العبيد وأجلها وأعلاها ومن أنكر شوق العبد إلى ربه فقد أنكر محبته له لأن المحبة [تستلذم] الشوق [فالمحب] دائما مشتاق إلى لقاء [حبيبه] : لا يهدأ قلبه ولا يقر قراره إلا بالوصول إليه. [وأما] قوله:quot;إن الشوق عند الخواص علة عظيمة لأن الشوق إنما يكون إلى غائب ومذهب [هذه] الطائفة إنما قام على المشاهدةquot; فيقال: المشاهدة نوعان: مشاهدة عرفان(1\/331)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "346",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11941",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومشاهدة عيان وبينهما من التفاوت ما بين اليقين والعيان ولا ريب أن مشاهدة العرفان متفاوتة بحسب تفاوت الناس بالمعرفة ورسوخهم فيها وليس للمعرفة نهاية تنتهى إليها بحيث إذا وصل إليها العارف سكن قلبه عن الطلب بل كلما وصل منها إلى معلم ومنزلة اشتد شوقه إلى ما وراءه وكلما ازداد معرفة ازداد شوقا فشوق العارف أعظم الشوق فلا يزال فى مزيد من الشوق ما دام فى مزيد من المعرفة فكيف يكون الشوق عنده علة عظيمة هذا من المحال البين. بل من عرف الله اشتاق إليه وإذا كانت المعرفة لا نهاية لها فشوق العارف لا نهاية له. هذا مع الشوق الناشيء عن طلب اللقاء والرؤية والمعرفة العيانية فإذا كان القلب حاضرا عند ربه وهو غير غائب عنه لم يوجب له هذا أن لا يكون مشتاقا إلى لقائه ورؤيته بل هذا يكون أتم لشوقه وأعظم. فظهر أن قوله: quot;وإن الشوق علة عظيمة فى طريق الخواصquot; كلام باطل على كل تقدير وإن الشوق بالحقيقة إنما هو شوق الخواص العارفين بالله والعبد إذا كان له مع الله حال أو مقام وكشف له عما هو أفضل منه وأجل اشتاق إليه بالضرورة ولم يكن شوقه علة له ونقصا فى حاله بل زيادة وكمالا ويكون ترك الشوق هو العلة. وقد تقدم أن لا غاية للمعرفة تنتهى إليها فيبطل الشوق بنهايتها بل لا يزال العارف فى مزيد من معرفته وشوقه والله المستعان. فصل وأما المسألة [الثالثة] وهى: هل يزول الشوق باللقاء أم يقوى فقالت طائفة: الشوق يزول باللقاء لأنه طلب فإذا حصل المطلوب زال الطلب لأن تحصيل الحاصل محال ولا معنى للشوق إلى شيء حاصل وإنما يكون الشوق إلى شيء مراد الحصول محبوب الإدراك وقالت طائفة أخرى: ليس كذلك بل الشوق يزيد بالوصول واللقاء ويتضاعف بالدنو ولهذا قال القائل: وأعظم ما يكون الشوق يوما ... إذ دنت الديار من الديار ولهذا قال بعضهم: شوق أهل القرب أتم من شوق المحبوبين واحتجت هذه الطائفة بأن الشوق من آثار الحب ولوازمه [وكما] أن الحب لا يزول باللقاء فهكذا الشوق الذى لا يفارقه. قالوا: ولهذا لا يزول الرضى والحمد والإجلال والمهابة التى هى من آثار المحبة باللقاء فهكذا الشوق يتضاعف ولا يزوال والقولان حق. وفصل(1\/332)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "347",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11942",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخطاب فى المسألة أن المحب إذا اشتاق إلى لقاء محبوبه فإذا حصل له اللقاء زال ذلك الشوق الذى كان متعلقا بلقائه وخلفه شوق آخر أعظم منه وأبلغ إلى ما [مزيد] قربه والخظوة عنده وأما إذا قدر أنه لقيه ثم احتجب عنه ازداد شوقه إلى لقاء آخر ولا يزال يحصل له الشوق كلما احتجب عنه فهذا لا ينقطع شوقه أبدا فهو إذا رآه بل شوقه برؤيته. وإذا زال عنه الطرف عاوده الشوق كما قيل: ما يرجع الطرف عنه عند رؤيته ... حتى يعود إليه الطرف مشتاقا وإنما الشأن فى دوام الشوق حال الوصول واللقاء فاعلم أن الشوق نوعان: شوق إلى اللقاء فهذا يزول باللقاء. وشوق فى حال اللقاء وهو تعلق الروح بالمحبوب تعلقا لا ينقطع [أبدلا]  فلا تزال الروح مشتاقة إلى مزيد هذا التعلق وقوته اشتياقا لا يهدأ. وقد أفصح بعد المحبين للمخلوق عن هذا المعنى بقوله: أعانقها والنفس بعد مشوقة ... إليها وهل بعد العناق [تدانى] وألثم فاها كى تزول صبابتى ... فيشتد ما ألقى من الهيمان فالشوق فى حال الوصل والقرب إلى مزيد النعيم واللذة لا ينقطع والشوق فى حال السير إلى اللقاء ينقطع. ونستغفر الله من الكلام فيما لسنا بأهل له: فالخوف أولى بالمسي ... إذا تأله والحزن والحب يحمل بالتقي ... و [ب] النقاء من الدرن لكن إذا ما لم يحب ... كم المسيء إذن فمن وإذا تخون فعلنا ... فعل المحبة مؤتمن أيحب شيء غيركم ... وحياتكم كلا ولن أيحب من تأتى محب ... ته بأنواع المحن والسعد فيها ذابح ... والقلب فيها ممتحن دون الذى فى حبه ... نيل السعادة والمنن ومحل بدر كمالها ... سعد السعود هو الوطن والقلب حين يحل فى ... تلك المنازل والدمن يمسى ويصبح من رضا ... هـ ومن مناه فى وطن أيحبهم قلب ويخ ... شى أن يضام فلا إذن(1\/333)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "348",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11943",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وأما المسألة الرابعة وهى: الفرق بين الشوق والاشتياق فقال أبو عبد الرحمن السلمى: سمعت النصر أباذى يقول: للخلق كلهم مقام الشوق وليس لهم مقام الاشتياق. ومن دخل فى حال الاشتياق هام فيه حتى لا يرى له أثر ولا قرار. وهذا يدل على أن الاشتياق عنده غير الشوق. ولا ريب أن الاشتياق مصدر اشتاق يشتاق اشتياقا كما أن التشوق مصدر تشوق تشوقا والشوق فى الأصل اسم مصدر شاقه يشوقه شوقا مثل شاقه شوقا إذا دعاه إلى الاشتياق فالاشتياق مطاوع شاقة يقال شاقنى فاشتقت إليه ثم صار الشوق اسم مصدر الاشتياق وغلب عليه حتى لا يفهم [منه] عند الإطلاق إلا الاشتياق القائم بالمشوق والمشوق هو الصب المشتاق والشائق هو الذى قام به وادعى الشوق. [فهاهنا] ألفاظ الشوق والاشتياق والتشوق والشائق والمشوق والشيق. فهذه ستة ألفاظ: أحدها: الشوق وهو فى الأصل مصدر الفعل المتعدى شاقه يشوقه ثم صار اسم مصدر الاشتياق. اللفظ الثانى: الاشتياق وهو مصدر اشتاق اشتياقا والفرق بينه وبين الشوق هو الفرق بين المصدر واسم المصدر. اللفظ الثالث: التشوق وهو مصدر تشوق إذا اشتاق مرة بعد مرة كما يقال: تجرع وتعلم وتفهم. وهذا البناء مشعر بالتكلف وتناول الشيء على مهلة. اللفظ الرابع: الشائق وهو الداعى للمشوق إلى الاشتياق. واللفظ الخامس: المشوق وهو المشتاق الذى قد حصل له الشوق. اللفظ السادس: الشيق وهو فعل بمنزلة هين ولين وهو المشتاق. فهذه فروق ما بين هذه الألفاظ وأما كون الاشتياق أبلغ من الشوق فهذا قد يقال فيه: إنه الأصل وهو أكثر حروفا من الشوق وهو يدل على المصدر الفاعل. وأما المشوق ففرع عليه لأنه اسم مصدر وأقل حروفا وهو إنما يدل على المصدر المجرد فهذه ثلاثة فروق [بينهما] . والله أعلم. فصل وأما المسألة الخامسة وهى فى مراتب الشوق ومنازله فقال صاحب quot;منازل السائرينquot;: quot;هو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: شوق العابد إلى(1\/334)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "349",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11944",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجنة ليأمن الخائف ويفرح الحزين ويظفر الآمل. والدرجة الثانية: شوق إلى الله [عز وجل] زرعه الحب الذى ينبت على حافات المنن تعلق قلبه بصفاته المقدسة واشتاق إلى معانيه لطائف كرمه وآيات بره وعلامة فضله. وهذا شوق تغشاه المبار وتخالجه المسار ويقارنه الاصطبار. والدرجة الثالثة: نار أضرمها صفو المحبة فنغصت العيش وسلبت السلو ولم ينهنهها مقر دون اللقاءquot;. قلت: الدرجة الأولى هى شوق إلى فضل الله وثوابه. والثانية: شوق إلى لقائه ورؤيته. والثالثة: شوق إليه لا لعلة ولا لسبب ولا ملاحظة فيه غير ذاته. فالأول: حظ المشتاق من إفضاله وإنعامه والثانى: حظه من لقائه ورؤيته والثالث: قد فنيت فيه الحظوظ واضمحلت فيه الأقسام. وقوله فى الدرجة الأولى: quot;ليأمن الخائف ويفرح الحزين ويظفر الآملquot; هذه ثلاث فوائد ذكرها فى هذا الشوق: أمن الخائف وفرح الحزين والظفر [بالأمل] . فهذه المقاصد لما كانت حاصلة بدخول الجنة كانت مصورة للنفس أشد الشوق لها حصول هذه المطالب وهى الفوز والفرح. وجماع ذلك أمران: أحدهما: النجاة من كل مكروه والثانى: الظفر بكل محبوب. فهذان هما المشوقان إلى الجنة. وقوله فى الثانية: quot;شوق إلى الله سبحانه وتعالى زرعه الحبquot; قد تقدم أن الشوق ثمرة الحب. وقوله: quot;الذى ينبت على حافات المننquot; أى أنشأه الفكر فى منن الله [تعالي] وأياديه وأنعامه المتواترة وفيه إشارة إلى أن هذا الحب الذى هو نابت على الحافات والجوانب بعده حب أكمل منه وهو الحب الناشيء من شهود كمال الأسماء والصفات وذلك ليس من نبات الحافات ولكن من الحب الأول يدخل فى هذا كما تقدم ولهذا قال: quot;تعلق قلبه بصفاته المقدسةquot;. وقوله: quot;اشتاق إلى معاينة لطائف كرمه وآيات بره وعلامة فضلهquot; يشير به إلى ما يكرم الله به عبده من أنواع كراماته التى يستدل بها على أنه مقبول عند ربه ملاحظ بعنايته وأنه قد استخدمه وكتبه فى ديوان أوليائه وخواصه. ولا ريب أن العبد متى شاهد تلك العلامات والآيات قوى قلبه وفرح بفضل ربه وعلم [أنه] أهل فطاب له السير ودام اشتياقه وزالت عنه العلل وما لم ينعم عليه بشيء من ذلك لم يزل كئيبا حزينا خائفا أن يكون ممن لا يصلح لذلك الجناب ولم يصل لتلك المنزلة. وقوله: quot;وهذا شوق تغشاه المبارquot; هى جمع مبرة وهى البر أى أن هذا الشوق(1\/335)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "350",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11945",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مشحون بالبر مغشى به وهو إما بر القلب وهو كثرة خيره فهذا القلب أكثر القلوب خيرا فيفعل البر [تقربا] إلى من هو مشتاق إليه فهو يجيش بأنواع البر وهذه من فوائد المحبة أن قلب صاحبها ينبع منه عيون الخير وتتفجر منه ينابيع البر يريد به بأن مبار الله ونعمه تغشاه على الدوام. وقوله: quot;وتخالجه المسارquot; [أى مخالطة] السرور فى غضو أشواقه فإنها أشواق لا وحشة معها ولا ألم بل هى محشوة بالمسرات. وقوله: quot;ويقارنه الاصطبارquot; أى صاحبه له قوة على اصطباره على مرضاة حبيبه شوقه إليه وإنما يضعف الصبر لضعف المحبة والمحب من أصبر الخلق كما قيل: نفس المحب على الآلام صابرة ... لعل مسقمها يوما يداويها وقوله فى الدرجة الثالثة: quot;إنها نار أضرمها صفو المحبةquot; يعنى أن هذا الشوق يتوقد من خالص المحبة التى لا تشوبها علة فهو أشد أنواع الشوق ولهذا quot; [نغصت] العيشquot; أى كدرته ونغصت المشتاق فيه لأنه لا يصل إلى محبوبه ما دام فيه فهو يترقب مفارقته. وقوله: quot;وسلبت السلوquot; يعنى أن صاحبه لم يبق له مطمع فى سلوه أبدا وهذا أعظم ما يكون من الحب والشوق أن المحب أيس من السلو [وينقطع] طمعه منه كما [ييأس] من الأمور الممتنعة كرجوع أيام الشباب عليه وعوده طفلا ونحو ذلك. وقوله: quot;ولم ينهنهها مقر دون اللقاءquot; أى أن هذه النار لا يبردها ولا يفتر حرها مقصود ولا مطلب ولا مراد دون لقاء محبوبه فليس لا سبيل إلى تبريدها وتسكينها إلا بلقاء محبوبه. فصل قال أبو العباس: quot;فهذه كلها علل أنف الخواص منها وأسباب انفطموا عنها فلم يبق لهم مع الحق إرادة ولا فى عطائه تشوق إلى استزادة. فهو منتهى زادهم وغاية رغبتهم فيعتقدون أن ما دونه قاطع عنه: قل أى شيء أكبر شهادة قل الله شهيد [الأنعام: 19]  وإنما زهدهم جمع الهمة عن تعريفات الكون لأن الحق عافاهم بنور الكشف عن التعلق بالأحوال: إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار [سورة ص: 46- 47] . قلت: يشير بذلك إلى المحو ومقام الفناء الذى هو غاية الغايات عنده وقد تقدم الكلام عليه وأن مقام الصحو والبقاء أفضل منه وأتم عبودية. وينبغى أن يعرف أن مراعاة مقام الفناء الذى جعلوه غاية آل(1\/336)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "351",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11946",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بكثير من طالبيه إلى ترك القيام بالأعمال جملة ورأوا أنها علل قاطعة عنه واشتد نكير الشيوخ والأئمة عليهم حتى قال شيخ الطائفة الجنيد [رحمه الله] إن الذى يزنى ويسرق خير من هؤلاء. وهم نوعان: نوع جردوا الفناء فى شهود الحكم: وهو الحكم القدرى ورأوا أنه نهاية التوحيد فآل بهم استغراقهم فيه إلى اطراح الأسباب حتى قال قائلهم: العارف لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا لاستبصاره بشر الله فى القدر. والنوع الثانى: أصحاب تجريد الفناء والإرادة فجردوا الفناء والإرادة تجريدا آل بهم إلى ترك الأسباب جملة والطائفتان منحرفتان ضالتان خارجتان عن العلم والدين ولهذا قال لهم شيخ القوم الجنيد: عليكم بالفرق الثانى. يعنى أن الفرق فرقان: فرق بالطبع والهوى وهو الفرق الذى شهدوه وفروا منه إلى معنى الجمع. ولكن بعد الجمع فرق ثان وهو الفرق بالأمر والمحبة لا بالشهوة والطبع وهو دين الرسل [صلوات الله عليهم وسلم] فإن دينهم مبناه على الفرق الأمرى الشرعى بين محبوب الرب ومأموره وبين مسخوطه ومنهيه فمن لم يشهد هذا الفرق ولم يكن من أهله لم يكن من أتباع الرسل فإن الكمال شهود الجمع فى هذا الفرق فيشهد انفراد الله وحده بالخلق والأمر ويشهد الفرق بين ما يحبه فيؤثره ويقدمه وبين ما يبغضه فيتركه ويتجنبه فيصير له هذا الفرق فى محل فرقه الطبعى الحسى بين ما يلائمه وينافره. ومن المعلوم أن صاحب الجمع لا بد أن يفرق بطبعه وحسه وإن ادعى عدم التفريق طبعا فإنه كاذب مفتر إذا كان لا بد من الفرق فالفرق الشرعى الإيمانى الذى بعث الله به رسله أدلى به من الفرق الطبعى الحيوانى الذى شاركه فيه سائر البهائم. وأبطل من هذا الجمع الجمع فى الوجود وهو أن يرى الوجود كله واحدا لا فرق فيه أصلا وإنما التفريق بالعادة والوهم فقط ما يقوله زنادقة القائلين بوحدة الوجود الذين لا يفرقون بين الخالق والمخلوق بل يجعلون وجود أحدهما وجود الآخر بل ليس عندهم فرق بين أحدهما والآخر إذ ما ثم غير. فهذا جمع فى الوجود وجمع أولئك جمع فى الشهود: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه [البقرة: 213] [فكانوا أصحاب الجمع فى الفرق ففرقوا بين ما فرق الله بينه بإذنه وجمعوا الأشياء كلها فى خلقه وأمره وجمعوا إراداتهم ومحبتهم وشهودهم فيه]  فكانوا أصحاب جمع فى فرق وفرق فى جمع. فهؤلاء خواص الخلق فنسأل الله العظيم من فضله وكرمه أن يجعلنا منهم. فهؤلاء هم(1\/337)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "352",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11947",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذين لم يبق لهم مع الحق إرادة بل صارت إرادتهم تابعة لإرادته فحصل الاتحاد فى المراد فقط لا فى الإرادة ولا فى المريد فأصحاب الوحدة ظنوا الاتحاد فى المريد وأصحاب الحلول توهموا الاتحاد فى الإرادة: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه [البقرة: 213]  فعلموا أن المراد واحد فالاتحاد وقع فى المراد فقط لا فى الإرادة ولا فى المريد. وقوله quot;فيعتقدون أن ما دونه قاطع عنهquot; إنما يكون ما دونه قاطعا عنه إذا وقف العبد معه وتعلقت إرادته به وانصرف طلبه إليه وأما إذا جعله وسيلة إلى الله وطريقا يصل بها إليه لم يكن قاطعا ولا حجابا بل يكون حاجبا موصلا إليه وقوله تعالى: قل أى شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم [الأنعام: 19]  المراد بالآية شهادته سبحانه لرسوله بتصديقه على رسالته فإن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: من يشهد لك على ما تقول فأنزل الله [تعالى] آيات شهادته له وشهادة ملائكته وشهادة علماء أهل الكتاب [له]  فقال تعالى: قل كفى بالله شهيدا بينى وبينكم ومن عنده علم الكتاب [الرعد: 43]  أى ومن عنده علم الكتاب يشهد لى وشهادته مقبولة لأنها شهادة بعلم قال الله تعالى: لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا [النساء: 166]  وقال تعالى قل أى شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم [الأنعام: 19]  فأخبر سبحانه فى هذه المواضع بشهادته لرسوله وكفى بشهادته إثباتا لصدقه وكفى به شهيدا. فإن قيل: وما شهادته [سبحانه] لرسوله قيل: هى ما أقام على صدقه من الدلالات والآيات المستلزمة لصدقه بعد العلم بها ضرورة فدلالتها على صدقه أعظم من دلالة كل بينة وشاهد على حق فشهادته سبحانه لرسوله أصدق شهادة وأعظمها وأدلها على ثبوت المشهود به فهذا وجه. ووجه آخر: أنه صدقه بقوله وأقام الأدلة القاطعة على صدقه فيما يخبر به عنه فإذا أخبر عنه أنه شهد له قولا لزم ضرورة صدقه فى ذلك الخبر وصحت الشهادة له به قطعا فهذا معنى الآية وكان أجنبيا عما [استشهد] به المصنف. ونظير هذا استشهادهم بقوله تعالى: وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم [الأنعام: 91] حتى رتب على ذلك بعضهم أن الذكر بالاسم المفرد(1\/338)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "353",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11948",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو quot;الله اللهquot; أفضل من الذكر بالجملة المركبة كقوله: quot;سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبرquot; وهذا فاسد مبنى على فاسد. فإن الذكر بالاسم المفرد غير مشروع أصلا ولا مفيد شيئا ولا هو كلام أصلا ولا يدل على مدح ولا تعظيم ولا يتعلق به إيمان ولا ثواب ولا يدخل به الذاكر فى عقد الإسلام جملة. فلو قال الكافر: quot;الله اللهquot; من أول عمره إلى آخره لم يصر بذلك مسلما فضلا عن أن يكون من جملة الذكر [أو يكون أفضل الأذكار وبالغ بعضهم فى ذلك حتى قال الذكر] بالاسم المضمر أفضل من الذكر [بالاسم الظاهر يذكر بقوله [هو هو أفضل من الذكر] بقولهم: quot;الله اللهquot; وكل هذا من أنواع الهوس والخيالات الباطلة المفضية بأهلها إلى أنواع من الضلالات فهذا فساد هذا البناء الهائر وأما فساد المبنى عليه فإنهم ظنوا أن قوله تعالى: قل الله [الأنعام: 19]  أى قل هذا الاسم فقل: الله الله وهذا من عدم فهم القوم لكتاب الله فإن اسم الله هنا جواب لقوله: قل من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا [الأنعام: 91]  إلى أن قال: قل الله  أى قل: الله أنزله: فإن السؤال معاد فى الجواب فيتضمنه فيحذف اختصارا كما يقول: من خلق السموات والأرض فيقال: الله. أى الله خلقهما فيحذف الفعل لدلالة السؤال عليه فهذا معنى الآية الذى لا تحتمل غيره. قوله: quot;وإنما زهدهم جمع [الهمة] عن تعريفات الكون لأن الحق عافاهم بنور الكشف عن التعلق بالأحوالquot; فيقال: الكشف الذى أوجب لهم هذا الجمع وقطع هذا التعلق هو الكشف الإيمانى القرآنى فهو فى الحقيقة الكشف النافع الجاذب لصاحبه إلى سلوك منازل الأبرار والوصول إلى مقامات القرب ولا سيما إذا قارنه الكشف عن عيوب النفس وعلى الأعمال فناهيك به من كشف. والكرامة المرتبة عليه هى لزوم الاستقامة ودوام العبودية فهذا أفضل كشف يعطاه العبد وهذه أفضل كرامة يكرم بها الولى. رزقنا الله من فضله وبره. وأما استشهاده بقوله تعالى: إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار [ص: 64] فهذه الآية يخبر فيها سبحانه عما أخلص له أنبياؤه ورسله من اختصاصهم بالآخرة وفيها قولان: أحدهما أن المعنى نزعنا من قلوبهم(1\/339)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "354",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11949",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حب الدنيا وذكرها وإيثارها والعمل بها. والقول الثانى: إنا أخلصناهم بأفضل ما في الدار الآخرة واختصصناهم به عن العالمين. قوله: وتوكلهم رضاهم بتدبير الحق وتخلصهم من تدبيرهم وفراغ [همهم] من احتيالها في إصلاح شئونها بوقوفهم على فراغ المدبر منها ومرها على علمه بمصالحهم فيها ونفوسهم مطمئنة بذلك: يأيتها النفس المطمئنة [الفجر: 27] الآية. وقد تقدم الكلام على التوكل وبيان أنه من مقامات العارفين وأنه لا انفكاك للمؤمن منه وذكر العلة فيه ما هى. وقوله: quot;وتوكلهم رضاهم بتدبير الحقquot; الرضا بالتدبير ثمرة التوكل وموجبه لا أنه نفس التوكل والمقدور يكشفه أمران: التوكل قبل وقوعه والرضا به بعد وقوعه. ومن هنا قال بعضهم: حقيقة التوكل الرضا لأنه لما كان ثمرته وموجبه استدل له عليه استدلالا بالأثر على المؤثر وبالمعلول على العلة ولهذا قال فى الحديث الذى رواه الإمام أحمد والنسائى: وغيرهما عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال فى دعائه: quot;اللهم إنى أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لى وتوفنى إذا كانت الوفاة خيرا لي اللهم وأسألك خشيتك فى الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحق فى الغضب والرضا وأسألك القصد فى الفقر والغنى وأسألك نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لا تنقطع وأسألك الرضا بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد الموتquot; الحديث. وقد تقدم فقال: quot;وأسألك الرضا بعد القضاءquot;. وأما التوكل فإنما يكون قبله وقوله: quot;وتخلصهم من تدبيرهمquot; هذا مقام كثيرا ما يشير إليه السالكون وهو ترك التدبير وينبغى أن لا يؤخذ على إطلاقه بل لا بد فيه من التفصيل فيقال: العبد دائر بين مأمور يفعله ومحظور يتركه. وقد يجري عليه بلا إرادة منها ولا كسب فوظيفته فى المأمور كمال التدبير والجد والتشمير وأن يدبر الحيلة فى [تنفيذه] بكل ما يمكنه فترك التدبير هنا تعطيل للأمر. بل يدبر فعله ناظرا إلى تدبير الحق له وأن تدبيره إنما يتم بتدبير الله له فلا يكون هنا قدريا مجوسيا ناظرا إلى فعله جاحدا لتدبير الله وتقديره ومعونته ولا قدريا مجبرا ولا واقفا مع القدر جاحدا لفعله وتدبيره ومجلي أمر الله ونهيه. فإن فعله الاختيارى هو محل الأمر والنهى فمن جحد فعل نفسه فقد عطل الأمر والنهي وجحد محلهما ووظيفته فى المحظور الفناء عن إرادته وفعله(1\/340)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "355",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11950",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن عارضته أسباب الفعل فالواجب عليه الجد فى الهرب والتشمير فى الكف والبعد وهذا تدبير للنهى. وأما القدر الذى يصيبه بغير إرادته فهذا الذى يحسن فيه إسقاط التدبير جملة وصبره ورضاه بما قسم له من محبوب ومكروه. فعلى هذا التفصل ينبغى أن يوضع إسقاط التدبير وجماع ذلك أنك تسقط التدبير فى حظك وتكون قائما بالتدبير فى حق ربك وهكذا ينبغى أن تفرغ الهمة من إجالتها فى إصلاح شأنك فإن إصلاح شأنك بحصول حظوظك يحصل فيه فراغ الهمة وترك التدبير وأما إصلاح شأنك بأداء حق الله فالواجب شغل الهمة وإجالتها فى القيام به. وقوله: quot;بوقوفهم على الفراغ المدبر منها ومرها على علمه بمصالحهم فيهاquot; فلا ريب أن الله سبحانه وتعالى قضى القضية وفرغ من تدبير أمور الخلائق ولكن قدرها بأسبابها المفضية إليها فلا يكون وقوف العبد على فراغه سبحانه وتعالى من أقضيته فى خلقه وتدبيره مانعا له من قيامه بالأسباب التى جعلها طرقا لحصول ما قضاه منها. وكذلك يباشر العبد الأسباب التى بها حفظ حياته من الطعام والشراب واللباس والمسكن ولا يكون وقوفه مع فراغ المدبر منها مانعا له من تعاطيها. وكذلك يباشر الأسباب الموجبة لبقاء النوع من النكاح والتسرى ولا يكون وقوفه مع فراغ الله من خلقه مانعا له [من ذلك] وهكذا جميع مصالح الدنيا والآخرة وإن كانت مفروغا منها قضاء وقدرا فهى منوطة بأسبابها التى يتوقف حصولها عليها شرا وخلقا. وأما استدلاله بقوله تعالى: يأيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك [الفجر: 27-28]  فالنفس المطمئنة هى التى اطمأنت إلى ربها وسكنت إلى حبه واطمأنت بذكره وأيقنت بوعده ورضيت بقضائه وهى ضد النفس الأمارة بالسوء فلم تكن طمأنينتها بمجرد إسقاط تدبيرها بل القيام بحقه والطمأنينة بحبه وبذكره. فصل قال: وصبرهم صونهم قلوبهم عن خاطر السوء أن الله قضى قضاء عاريا عن المرافقة خارجا عن الخيرة قال الله تعالى: وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا [الأنفال: 17]  قد تقدم الكلام فى الصبر وأقسامه وبيان مرتبته من الإيمان. وما ذكره فى تفسيره [هاهنا] غير مطابق لمعناه وهو تفسير بعيد جدا فإن الصبر من أعمال القلوب وهو حبس النفس وكفها عن السخط وأما صون القلب عن اعتقاد ما لا يليق بالله فلا يقال له صبر بل هذا من لوازم الإيمان وهو كاعتقاد أنه سبحانه وتعالى حكيم رحيم(1\/341)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "356",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11951",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليم سميع بصير إلى غير ذلك من صفات كماله. فلا يقال: الصبر صون القلب عن اعتقاد أضدادها هذا بعيد جدا وتكلف زائد لتفسير الصبر وهل فهم أحد قط هذا المعنى من قوله تعالى: يأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا [آل عمران: 200]  وقوله تعالى: واصبر لحكم ربك [الطور: 48] وقوله تعالى: واصبر وما صبرك إلا بالله [النمل: 127]  وقوله: فاصبر على ما يقولون [طه: 130 وسورة ق: 39] [وقوله تعالى:] واصبروا إن الله مع الصابرين [الأنفال:46]  وسائر نصوص الصبر. ومن العجب جعل الصبر الذى هو نصف الإيمان من منازل العوام وتفسيره بهذا التفسير نعم يجب على كل مسلم أن ينزه الله سبحانه وتعالى عن أن يقضى قضاء ينافى حكمته وعدله وفضله وبره وإحسانه بل كل أقضيته لا تخرج عن الحكمة والرحمة والعدل والمصلحة وإن كان كثير من المتكلمين ينازع فى هذا الأصل ويقول: الذى ينزه الله عنه من الأقضية هو المستحيل الممتنع وأما الممكن فلا يقبح منه شيء وهؤلاء لا [معنى] صون القلب عن خواطر السوء المتعلقة بما يقضيه الله عندهم إلا صونها عن خواطر الممتنعات والمستحيلات فقط. وبالجملة هذا مقام آخر غير مقام الصبر بل هذا باب من أبواب المعرفة والعلم ولكل مقام مقال. وأما استشهاده بقوله تعالى: وليبلى المومنين منه بلاء حسنا [الأنفال: 17]  فالبلاء الحسن هنا هو النعمة بالظفر والغنيمة والنصر على الأعداء وليس من الابتلاء الذى هو الامتحان بالمكروه بل من أبلاه بلاء حسنا إذا أنعم عليه يقال: أبلاك الله ولا ابتلاك فأبلاه بالخير وابتلاه بالمكاره غالبا كما فى الحديث: quot;إنى مبتليك ومبتل لكquot;. فصل قال: وحزنهم يأسهم عن أنفسهم الأمارة بالسوء: إن الإنسان لربه لكنود [العاديات: 6]  وقد تقدم أيضا الكلام على ما ذكره فى الحزن وأما تفسيره إياه أنه quot;يأسهم عن أنفسهم الأمارة بالسوءquot; فليس بالبين فإن الحزن هو الأسف على فوت محبوب أو حصول مكروه وإن تعلق ذلك بالماضى كان حزنا وإن تعلق بالمستقبل كان خوفا وهما. وأما quot;اليأس عن النفس الأمارة بالسوءquot; فليس بحزن ويمكن أن يكون مراده أن حزنهم ينشأ عن النفس الأمارة بالسوءquot;لا عن المطمئنة فإن [النفس] المطمئنة(1\/342)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "357",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11952",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا تحزن وإنما تحزن الأمارة لفوات محبوبها وليس هذا كما قال فإن النفس المطمئنة تحزن على تقصيرها فى أداء الحق وعلى تضييعها الوقت وإيثارها غير الله عليه فى الأحيان وهذا الحزن لا بد منه إذ التقصير والتضييع لازم وأما استشهاده على ذلك بقوله تعالى: إن الإنسان لربه لكنود [العاديات:6]  فوجهه أن الكنود هو الكفور وهو الذى يذكر المصائب وينسى النعم ولا ريب أن الحزن ينشأ عن هذين ولا ريب أن الحزن الناشيء عن الكنود حزن ناشيء عن النفس الأمارة بالسوء وأما الحزن على تقصيره وتضييع وقته فليس من هذا وقد تقدم ذلك وذكر أقسام الحزن ومتعلقاته والله أعلم. فصل قال: وخوفهم هيبة الجلال لا خوف العذاب فإن خوفهم مناضلة عن النفس وضن بها وهيبة الجلال تعظيم الحق ونسيان النفس: يخافون ربهم من فوقهم [النمل: 50]  وقال فى حق العوام: يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار [النور: 37]  وقد تقدم أيضا الكلام على ما ذكره فى الحديث وعلته. وقوله هو: quot;هيبة الجلال لا خوف العذابquot; تقدم بيان بطلانه وأن الله سبحانه أثنى على خاصة أوليائه من الملائكة والأنبياء وغيرهم ممن عبدهم المشركون بأنهم: يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه [الإسراء: 57]  [فكيف] يقال: إن خوف العذاب نقص ومناضلة عن النفس هذا من الترهات والزعومات ودعاوى الأنفس. وقوله: quot;إن الخوف مناضلة عن النفسquot; فسبحان الله هل يقال لمن خاف الله وخاف عقوبته إنه مناضل ربه ولو كان مناضلة فهو مناضلة العدو والهوى والشهوة وهذه المناضلة من أعظم أنواع العبودية فإن من خاف شيئا ناضل عنه فهو مناضلة عن العذاب وأسبابه وما ثم إلا مناضلة وإلقاء باليد إلى التهلكة ولولا هذه المناضلة لحصل الاستسلام للعقوبة. والمناضلة المحذورة: المناضلة عن محبوبات الرب وأوامره وليس الضن بالنفس عن عذاب الله نقصا بل الكمال والفوز والنعيم فى ضن العبد بنفسه عن أن يسلمها لعذاب الله ومن لم يضن بنفسه فليس فيه خير البتة والضن بالنفس إنما يذم إذا ضن بها عن بذلها فى محبوب الرب وأوامره وأما إذا ضن بها عن(1\/343)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "358",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11953",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عذابه فهل يكون هذا علة وهل العلة كلها إلا فى عدم هذه المناضلة والضن قوله: quot;وهيبة الجلال تعظيم الحق ونسيان النفسquot; قد تقدم الكلام فى الهيبة والتعظيم وأنهما غير الخوف والخشية. ولا تستلزم هذه الهيبة أيضا نسبان النفس ولا يكون شعور العبد بنفسه فى هذا المقام نقصا ولا علة كما تقدم بل هو أكمل لاستلزامه البقاء الذى هو أقوى وأكمل من الفناء وأما قوله تعالى: يخافون ربهم من فوقهم [النمل:50]  فهو حجة عليه كما تقدم ولا يصح تفسير الخوف هنا بالهيبة لوجهين: أحدهما أنه خروج عن حقيقة اللفظ ووضعه الأصلى بلا موجب الثانى أن هذا وصف للملائكة وقد وصفهم سبحانه بخوفه وخشيته فالخوف فى هذه الآية والخشية فى قوله تعالى: يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون [الأنبياء: 28] فوصفهم بالخشية والإشفاق. ووصفهم بخوف العذاب فى قوله تعالى: يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه [الإسراء: 57]  وهم خواص خلقه فإياك ورعونات النفس وحماقاتها وجهالاتها ولا تكن ممن لا يقدر الله حق قدره وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: quot;إن الله لو عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهمquot; فإذا علم المقرب العارف أن الله لو عذبه لم يظلمه فمن أحق بالخوف منه قوله: وقال فى حق العوام: يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار [النور: 37] هذا من الشطحات القبيحة الباطلة فإن هذا صفة خواص عباده وعارفيهم وهم الذين قال فيهم: رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتآء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشآء بغير حساب [النور:37-38] فهولاء هم خواص الخلق وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بغحسان أفلا يشحى من جعل هذا الوصف للعوام لا ريب أن هذا مصدره إما جهل مفرط وإما تقليد لقائل لا يدرى لازم قوله. هذا إن أحسن الظن بقائله وإن كان مصدره غير ذلك فأدهى وأمر. ولولا أن هذه الكلمات ونحوها مهاو ومعاطب في الطريق لكان الإعراض عنها إلى ما هو أهم منها أولى. والله المستعان. فصل كلام آخر فى مقام الرجاء قال: ورجاؤهم ظمؤهم إلى الشراب الذي هم فيه غرقى وبه سكرى(1\/344)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "359",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11954",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ألم تر إلى ربك كيف مد الظل [الفرقان:45] هذا أيضا من ذلك النمط ورجاء الأنبياء والرسل فمن دونهم إنما هو طمعهم فى رحمته ومغفرته وانظر إلى دعوى هؤلاء وإلى قوم إمام الحنفاء خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم: والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين [الشعراء:82]  كيف علق رجاءه وطمعه بمغفرة الله له وقال تعالى عن خاصة خلقه وأعلمهم به انهم: يرجون رحمته ويخافون عذابه [الإسراء:57] ومن العجب استدلاله بقوله تعالى ألم تر إلى ربك كيف مد الظل [الفرقان:45]  فما لهذه الآية وما للرجاء ولا سيما ما ذكره المصنف فى تفسيره رجاء القوم والاستشهاد بهذا من جنس الألغاز ومعنى الآية: التنبيه على هذه الدلالة الباهرة على قدرة الرب سبحانه وعجائب مخلوقاته الدالة عليه والمعنى انظر كيف بسط ربك الظل والظل ما قبل الزوال والفئ بعده فمده سبحانه وبسطه عند طلوع الشمس فإنه يكون مديدا أطول ما يكون وجعل الشمس دليلا عليه فإنها هى التى تظهره وتبينه ثم كلما ارتفعت الشمس شيئا انقبض من الظل جزء فلا يزال ينقص يسيرا [يسيرا]  حتى ينتهى إلى غايته فإذا أخذت الشمس فى الجانب الغربى انبسط بعد انقباضه شيئا فشيئا حتى يصير كهيئته عند طلوعها. ولهذا كان الزوال يعرف بانتهاء الظل فى قصره فإذا أخذ فى الزيادة بعد تناهى قصره فقد تحقق الزوال ولو شاء الله لجعله ساكنا دائما على حالة واحدة فلا يتحرك بالزيادة والنقصان فالظل أحد الأدلة على الخالق سبحانه وأما دلالة هذه الآية على الرجاء فيحتاج إلى إشارة وتكلف غير مقصود بها وآيات الرجاء فى القرآن أكثر وأظهر وأصرح فى المقصود ظاهرة واستنباطا فالظاهرة كقوله تعالى: فمن كان يرجو لقاء ربه [الكهف: 110]  وقوله تعالى: ويرجون رحمته [الإسراء: 57]  وقوله: من كان يرجو لقاء الله [العنكبوت: 5] . والمستنبطة كآيات البشارة كلها كقوله: وبشر المؤمنين [البقرة: 223] وبشر الصابرين [البقرة: 155]  فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه [الزمر: 17- 18]  ذلك الذى يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات [الشورى: 23] . فصل قال: وشكرهم وسرورهم بموجودهم واستبشارهم بلقائه: فاستبشروا(1\/345)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "360",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11955",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ببيعكم الذى بايعتم به [التوبة: 111] وهذا أيضا من النمط المتقدم وشكر القوم هو عملهم بطاعة الله واستعانتهم بنعمه على محابه قال تعالى: اعملوا آل داود شكرا [سبأ: 13] . وقال النبى صلى الله عليه وسلم لما قيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: quot; أفلا أكون عبدا شكوراquot;. فسمى الأعمال شكرا وأخبر أن شكره قيامه بها ومحافظته عليها فحقيقة الشكر هو الثناء على النعم ومحبته والعمل بطاعته كما قال: أفادتكم النعماء عندى ثلاثة ... يدى ولسانى والضمير المحجبا فاليد للطاعة واللسان للثناء والضمير للحب والتعظيم وأما السرور به وإن كان من أجل المقامات فإن العبد إنما يسر بمن هو أحب الأشياء إليه وعلى قدر حبه له يكون سروره وهذا السرور ثمرة الشكر لا أنه نفس الشكر فكذلك الاستبشار والفرح بلقائه إنما هو ثمرة الشكر وموجبه وهو كالرضا من التوكل وكالشوق من المحبة وكالأنس من الذكر وكالخشية من العلم وكالطمأننة من اليقين فإنها ثمرات لها وآثار وموجبات فعلى قدر شكره بالأعمال الظاهرة والباطنة وتصحيح العبودية يكون سروره واستبشاره بلقائه وأما قوله سبحانه وتعالى: فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به [التوبة: 111] فهذا إنما قاله للشاكرين الذين يقاتلون فى سبيله فيقتلون ويقتلون ثم وصفهم بعد ذلك بقيامهم بأعمال الشكر فقال: التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله [التوبة: 112]  فهؤلاء المستبشرون ببيعهم جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. فصل قال: quot;ومحبتهم فناؤهم فى محبة الحق فماذا بعد الحق إلا الضلالquot; وقد تقدم الكلام على هذا بما فيه كفاية وبينا أن البقاء فى المحبة أفضل وأكمل من الفناء فيها من وجوه متعددة وأن الفناء إنما هو لضعف المحب عما حمل وأما الأقوياء فهم- مع شدة محبتهم- فى مقام البقاء والتمييز. وأما استدلاله بقوله تعالى: فماذا بعد الحق إلا الضلال [يونس: 32] فالآية إنما سبقت فى الكلام على من يعبد غير الله ويشرك به قال تعالى: قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من(1\/346)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "361",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11956",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون [يونس: 31- 32]  [فمن] عبد غير الله فما عبد إلا الضلال المحض والباطل البحت وأما من عبد الله بأمره وكان فى مقام التمييز بين محابه ومساخطه مفرقا بينهما يحب هذا ويبغض هذا ناظرا بقلبه إلى ربه عاكفا بهمته عليه منفذا لأوامره فهو مع الحق المحض. والله أعلم. فصل قال: وشوقهم هزمهم من رسمهم وسماتهم استعجالا للوصول إلى غاية المنى: وعجلت إليك رب لترضى [طه: 84]  قد تقدم الكلام فى الشوق مستوفى وليس الهرب من الغير والضد هو الشوق بل هنا مهروب منه ومهروب إليه فالشوق هو سفر القلب نحو المحبوب وهذا لا يتم إلا بالهرب من ضده فليس الشوق هو نفس الهرب من الرسوم والسمات. فصل قال: quot;والإرادة والزهد والتوكل والصبر والحزن والخوف والرجاء والشكر والمحبة والشوق من منازل أهل الشرع السائرين إلى عين الحقيقة فإذا شاهدوا عين الحقيقة اضمحلت فيها أحوال الشاهدين حتى يفنى ما لم يكن ويبقى ما لم يزلquot;. قلت: الحقائق التى أشار إليها على لسان أهل السلوك ثلاث: quot;حقيقة إيمانية نبويةquot; وهى حقيقة العبودية التى هى كمال الحب وكمال الذل وسير أهل الاستقامة إنما هو إلى هذه الحقيقة ومنازل السير التى ينزلون فيها هى منازل الإيمان الموصلة إليها والمنحرفون لا يرضون بهذه الحقيقة ولا يقفون معها ويرونها منزلة من منازل العامة الحقيقة الثانية: quot;حقيقة كونية قدريةquot; يشاهدون فيها انفراد الرب [تعالى] بالتكوين والإيجاد وحده وأن العالم كالميت يقلبه ويصرفه كيف يشاء وهم يعظمون هذا المشهد ويروون الفناء فيه غاية ما بعدها شيء. وهذا من أغلاطهم فى المعرفة والسلوك فإن هذا المشهد لا يدخل صاحبه فى الإيمان فضلا عن أن يكون أفضل مشاهد أولياء الله المقربين فإن عباد الأصنام شهدوا هذا المشهد ولم ينفعهم وحده قال تعالى: قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون(1\/347)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "362",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11957",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون [المؤمنون: 84- 89]  ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله [الزخرف: 87]  وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم [الزخرف:20]  سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا [الأنعام: 148]  وهذا كثير فى القرآن فالفناء فى هذا المشهد لا يدخل العبد فى دائرة الإسلام فكيف يجعله هو الحقيقة التى ينتهى إليها سير السالكين ويجعل حقيقة الإيمان ودعوة الرسل منزل من منازل العامة وهل هذا إلا غاية الانحراف والبعد عن الصراط المستقيم وقلب للحقائق وكم قد هلك فى هذه الحقيقة من أمم لا يحصيهم إلا الله وكم عطل لأجلها الواقفون معها من الشرائع وخربوا من المنازل وما نجا من معاطبها إلا من شملته العناية الربانية ونفذ ببصره من هذه الحقيقة إلى الحقيقة الإيمانية النبوية حقيقة رسل الله وأنبيائه وأتباعهم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والحقيقة الثالثة: quot;حقيقة اتحاديةquot; بل واحدية لا يفرق فيها بين الرب والعبد ولا بين القديم والمحدث ولا بين صانع ومصنوع بل الأمر كله واحد والأمر المخلوق هو عين الأمر الخالق. وهذه الحقيقة التى يشير إلى عينها طائفة الاتحادية ويعدون من لم يكن من أهلها محجوبا وهذه حقيقة كفرية اتحادية وهى مع ذلك خيال فاسد وعقل منكوس وذوق من عين منتنة وكفر أهلها أعظم من كفر كل أمة فإنهم جحدوا الصانع حقا وإن أثبتوه جعلوا وجوده وجود كل موجود والذين أثبتوا الصانع وعدلوا به غيره وسووا بينه وبين غيره فى العبادة مقالتهم خير من مقالة هؤلاء الذين جعلوه وجود كل موجود وعين كل شيء تعالى الله عما يقول الكاذبون المفترون علوا كبيرا. فعليك بالفرق بين السائرين إلى هذه الحقيقة والسائرين إلى عين الحقيقة الكونية الحكمية والسائرين إلى عين الحقيقة المحمدية الإبراهيمية الحنيفية التى هى حقيقة جميع الأنبياء والمرسلين وفيها تفاوتت مراتب السالكين ومنازلهم من القرب من رب العالمين. قال شيخ هذه الحقيقة إبراهيم عليه السلام لما تحقق فناء تلك الرسوم وأفولها: إنى وجهت(1\/348)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "363",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11958",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جهى للذى فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين [الأنعام: 79]  وهذا التوجه يتضمن محبته دون غيره وعبادته وطاعته دون غيره. فهذه هى الحقيقة حقا وما سواها باطل حقيقة قال تعالى لأكرم خلقه عليه: ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين [النحل: 123]  فأمره تعالى أن يقتدى بأبيه إبراهيم فى هذه الحقيقة وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا أصبحوا وإذا أمسوا أن يقولوا: quot;أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركينquot; فنسأل الله العظيم أن يهب لنا هذه الحقيقة ويثبتنا عليها ويعيدنا مما سواها إنه قريب مجيب بمنه وكرمه. والله أعلم.(1\/349)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "364",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11959",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: فى مراتب المكلفين فى الدار الآخرةوطبقاتهم فيها وهم ثمان عشرة طبقة الطبقة الأولى: وهى العليا على الإطلاق مرتبة الرسالة فأكرم الخلق على الله وأخصهم بالزلفى لديه رسله وهم المصطفون من عباده الذين سلم عليهم فى العالمين كما قال تعالى: وسلام على المرسلين [الصافات: 181]  وقال تعالى: سلام على نوح فى العالمين [الصافات: 79]  وقال تعالى: سلام على إبراهيم كذلك نجزى المحسنين [الصافات: 109-110]  سلام على إل ياسين [الصافات: 130]  وقال تعالى: قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى [النمل: 59] . وكلمة quot;السلامquot; هنا تحتمل أن تكون داخلة فى حيز القول فتكون معطوفة على الجملة الخبرية وهى quot;الحمد للهquot; ويكون الأمر بالقول متناولا للجملتين معا وعلى هذا فيكون الوقف على الجملة الأخيرة ويكون محلها النصب محكية بالقول ويحتمل أن تكون جملة مستأنفة مستقلة معطوفة على جملة الطلب وعلى هذا فلا محل لها من الإعراب. وهذا التقدير أرجح وعليه يكون السلام من الله عليهم وهو المطابق لما تقدم من سلامه سبحانه وتعالى على رسله عليهم السلام. وعلى التقدير الأول يكون أمر بالسلام عليهم ولكن يقال على هذا: كيف يعطف الخبر على الطلب مع تنافر ما بينهما فلا يحسن أن يقال: قم وذهب زيد ولا: اخرج وقعد وعمرو أو يجاب على هذا بأن جملة الطلب قد حكيت(1\/349)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "365",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11960",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بجملة خبرية ومع هذا لا يمتنع العطف فيه بالخبر على الجملة الطلبية لعدم تنافر الكلام فيه وتباينه وهذا نظير قوله تعالى: قل انظروا ماذا فى السموات والأرض وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون [يونس: 101]  فقوله تعالى: وما تغنى الآيات ليس معطوفا على القول وهو انظروا بل معطوف على الجملة الكبرى على أن عطف الخبر على الطلب كثير كقوله تعالى: قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون [الأنبياء: 112]  وقوله تعالى: وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين [المؤمنون: 118]  والمقصود أنه على هذا القول يكون الله سبحانه وتعالى قد سلم على المصطفين من عباده والرسل أفضلهم وقد أخبر سبحانه وتعالى أنه أخلصهم: بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار [سورة ص: 46-47]  ويكفى فى فضلهم وشرفهم أن الله سبحانه وتعالى اختصهم بوحيه وجعلهم أمناء على رسالته وواسطة بينه وبين عباده وخصهم بأنواع كراماته: فمنهم من اتخذه خليلا ومنهم من كلمه تكليما ومنهم من رفعه مكانا عليا على سائرهم درجات ولم يجعل لعباده وصولا إليه إلا من طريقهم ولا دخول إلى جنته إلا خلفهم ولم يكرم أحدا منهم بكرامة إلا على أيديهم فهم أقرب الخلق إليه وسيلة وأرفعهم عنده درجة وأحبهم إليه وأكرمهم عليه. وبالجملة فخير الدنيا والآخرة إنما ناله العباد عليquot;أيديهم وبهم عرف الله وبهم عبد وأطيع وبهم حصلت محابه [الله] تعالى فى الأرض وأعلاهم منزلة أولو العزم منهم المذكورون فى قوله تعالى: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى [الشورى: 13]  وهؤلاء هم الطبقة العليا من الخلائق وعليهم تدور الشفاعة حتى يردوها إلى خاتمهم وأفضلهم صلى الله عليه وسلم. الطبقة الثانية: من عداهم من الرسل على مراتبهم من [تفضيل الله] بعضهم على بعض. الطبقة الثالثة: الذين لم يرسلوا إلى أممهم وإنما كانت لهم النبوة دون الرسالة فاختصوا عن الأمة بإيحاء الله إليهم وإرساله ملائكته إليهم واختصت الرسل عنهم بإرسالهم إلى الأمة بدعوتهم إلى الله بشريعته وأمره واشتركوا فى الوحى ونزول الملائكة عليهم.(1\/350)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "366",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11961",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطبقة الرابعة: ورثة الرسل وخلفاؤهم فى أممهم وهم القائمون بما بعثوا به علما وعملا ودعوة للخلق إلى الله على طرقهم ومنهاجهم [ولهذا أفضل مراتب الخلق بعد الرسالة والنبوة وهى مرتبة الصديقيه] قرنهم الله فى كتابه بالأنبياء فقال تعالى: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا [النساء:69]  فجعل درجة الصديقية معطوفة على درجة النبوة وهؤلاء هم الربانيون وهم الراسخون فى العلم وهم الوسائط بين الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته فهم خلفاؤه وأولياؤه وحزبه وخاصته وحملة دينه وهم المضمون لهم أنهم لا يزالون على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتى أمر الله وهم على ذلك وقال الله تعالى: والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم [الحديد: 19]  وقيل: إن الوقف على قوله تعالى: هم الصديقون ثم يبتديء quot;والشهداء عند ربهمquot; فيكون الكلام جملتين أخبر فى إحداهما عن المؤمنين بالله ورسله أنهم هم الصديقون والإيمان التام يستلزم العلم والعمل والدعوة إلى الله بالتعليم والصبر عليه وأخبر فى الثانية أن الشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ومرتبة الصديقين فوق مرتبة الشهداء ولهذا قدمهم عليهم فى الآيتين هنا وفى سورة النساء وهكذا جاء ذكرهم مقدما على الشهداء فى كلام النبى صلى الله عليه وسلم فى قوله: quot;اثبت أحد فإنما عليك نبى وصديق وشهيد ولهذا كان نعت الصديقية وصفا لأفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين [أبو] بكر الصديق [رضى الله عنه] ولو كان بعد النبوة درجة أفضل من الصديقية لكانت نعتا له رضى الله عنه وقيل: إن الكلام كله جملة واحدة وأخبر عن المؤمنين بأنهم هم الصديقون والشهداء عند ربهم وعلى هذا فالشهداء هم الذين يستشدهم الله على الناس يوم القيامة وهو قوله تعالى: لتكونوا شهداء على الناس [البقرة: 143]  وهم المؤمنون فوصفهم بأنهم صديقون فى الدنيا وشهداء على الناس يوم القيامة ويكون الشهداء وصفا لجملة المؤمنين الصديقين وقيل: الشهداء هم الذين قتلوا فى سبيل الله وعلى هذا القول يترجح أن يكون الكلام جملتين ويكون قوله: quot;والشهداءquot; مبتدأ خبره ما بعده لأنه ليس كل مؤمن صديق شهيدا فى سبيل الله.(1\/351)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "367",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11962",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويرجحه أيضا أنه لو كان الشهداء داخلا فى جملة الخبر [عند المؤمنين] لكان قوله تعالى: لهم أجرهم ونورهم [الحديد: 19] داخلا [أيضا] فى جملة الخبر عنهم ويكون قد أخبر عنهم بثلاثة أشياء: أحدها: أنهم هم الصديقون والثانى: أنهم هم الشهداء والثالث: أن لهم أجرهم ونورهم وذلك يتضمن عطف الخبر الثانى على الأول ثم ذكر الخبر الثالث مجردا عن العطف وهذا كما تقول: زيد كريم وعالم له مال والأحسن فى هذا تناسب الأخبار بأن تجردها كلها من العطف أو تعطفها جميعا فتقول: زيد كريم عالم له مال أو كريم وعالم وله مال فتأمله. ويرجحه أيضا أن الكلام يصير جملا مستقلة قد ذكر فيها أصناف خلقه السعداء وهم الصديقون [والشهداء والصالحون وهم المذكورون فى الآية وهم المتصدقون] الذين أقرضوا الله قرضا حسنا فهؤلاد ثلاثة أصناف ثم ذكر الرسل فى قوله تعالى: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات [الحديد: 25]  فيتناول ذلك الأصناف الأربعة المذكورة فى سورة النساء فهؤلاء هم السعداء ثم ذكر الأشقياء وهم نوعان: كفار ومنافقون فقال تعالى: والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم [الحديد: 19]  وذكر المنافقون فى قوله تعالى: يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم [الحديد: 13]  فهؤلاء أصناف العالم كلهم وترك سبحانه وتعالى ذكر المخلط صاحب الشائبتين على طريقة القرآن فى ذكر السعداء والأشقياء دون [المخلصين] غالبا لسر اقتضته حكمته [سبحانه وتعالى] . فليحذر صاحب التخليط فإنه لا ضمان له على الله ولا هو من أهل وعده المطلق ولا ييأس من روح الله فإنه ليس من الكفار الذين قطع لهم بالعذاب ولكنه بين الجنة والنار واقف بين الوعد والوعيد كل منهما يدعوه إلى موجبه لأنه أتى بسببه. وهذا هو الذى لحظه القائلون بالمنزلة بين المنزلتين ولكن غلطوا فى تخليده فى النار ولو نزلوه منزلة بين المنزلتين ووكلوه إلى المشيئة وقالوا بأنه يخرج من النار بتوحيده وإيمانه لأصابوا ولكن منزلة بين منزلتين وصاحبهما مخلد فى النار مما لا يقتضيه عقل ولا سمع بل النصوص الصريحة المعلومة الصحة تشهد ببطلان قولهم(1\/352)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "368",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11963",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والله أعلم وأيضا فصاحب الشائبتين يعلم حكمه من نصوص الوعد والوعيد فإن الله سبحانه وتعالى رتب على كل عمل جزاء فى الخير والشر فإذا أتى العبد بهما كان فيه سبب الجزاءين والله لا يضيع عمل مثقال ذرة فإن كان عمل الشر مما يوجب سقوط أثر الحسنة كالكفر كان التأثير [له] وإن لم يسقطه كالمعصية ترتب فى حقه الأثران ما لم يسقط أحدهما بسبب من الأسباب التى نذكرها إن شاء الله فيما بعد والمقصود أن درجة الصديقية والربانية ووراثة النبوة وخلافة الرسالة هى أفضل درجات الأمة ولو لم يكن من فضلها وشرفها إلا أن كل من علم بتعليمهم وإرشادهم أو علم غيره شيئا من ذلك كان له مثل أجره ما دام ذلك جاريا فى الأمة على آباد الدهور وقد صح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلى بن أبى طالب: quot;والله لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعمquot;. وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;من سن فى الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كان له مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئاquot;. وصح عنه صلى الله عليه وسلم أيضا أنه قال: quot; إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو لهquot;. وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين quot;. وفى السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;إن العالم يستغفر له من فى السموات ومن فى الأرض حتى النملة فى جحرهاquot;. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;إن الله وملائكته يصلون على معلم الناس الخيرquot; وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ عظيم وافرquot;. وعنه صلى الله عليه وسلم: quot;العالم والمتعلم شريكان فى الأجر ولا خير فى سائر الناس بعدquot; وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;نضر الله امرءا سمع مقالتى فوعاها وأداها كما سمعهاquot;. والأحاديث فى هذا كثيرة وقد ذكرنا مائتى دليل على فضل العلم وأهله فى كتاب مفرد فيالها من مرتبة ما أعلاها ومنقبة ما أجلها وأسناها أن يكون المرء فى حياته مشغولا ببعض أشغاله أو فى قبره قد صار أشلاء متمزقا وأوصالا متفرقة وصحف حسناته متزايدة يملى فيها الحسنات كل وقت وأعمال الخير مهداة إليه من حيث لا يحتسب تلك والله المكارم والغنائم وفى ذلك فليتنافس المتنافسون وعليه يحسد الحاسدون وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وحقيق بمرتبة هذا شأنها أن تنفق نفائس الأنفاس عليها ويسبق السابقون(1\/353)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "369",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11964",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليها وتوفر عليها الأوقات وتتوجه نحوها الطلبات فنسأل الله الذى بيده مفاتيح كل خير أن يفتح علينا خزائن رحمته ويجعلنا من أهل هذه الصفة بمنه وكرمه وأصحاب هذه المرتبة يدعون عظماء فى ملكوت السماء كما قال بعض السلف: من علم وعمل وعلم فذلك يدعى عظيما فى ملكوت السماء. وهؤلاء هم العدول حقا بتعديل رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم إذ يقول فيما يروى عنه من وجوه [سند] بعضها بعضا quot;يحمل هذا العلم من كل خلف عدول ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلينquot;. وما أحسن ما قال فيهم الإمام أحمد فى خطبة كتابه فى quot;الرد على الجهميةquot;: quot;الحمد لله الذى جعل فى كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى ويبصرون بنور الله أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد أجبروه ومن ضال جاهل قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تأويل الجاهلين وتحريف الغالين وانتحال المبطلينquot;. وذكر ابن وضاح هذا الكلام عن عمر بن الخطاب. الطبقة الخامسة: أئمة العدل وولاته الذين تؤمن بهم السبل ويستقيم بهم العالم ويستنصر بهم الضعيف ويذل بهم الظالم ويأمن بهم الخائف وتقام بهم الحدود ويدفع بهم الفساد ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقام بهم حكم الكتاب والسنة وتطفأ بهم نيران البدع والضلالة وهؤلاء الذين تنصب لهم المنابر من النور عن يمين الرحمن عز وجل يوم القيامة فيكونون عليها- والولاة الظلمة قد صهرهم حر الشمس وقد بلغ منهم العرق مبلغه وهم يحملون أثقال مظالمهم العظيمة على ظهورهم الضعيفة فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ثم يرى سبيل أحدهم إما إلى الجنة وإما إلى النار. قال النبى صلى الله عليه وسلم: quot; المقسطون [عند الله] على منابر من نور يوم القيامة عن يمين الرحمن تبارك وتعالى وكلتا يديه يمين الذى يعدلون فى حكمهم وأهلم وما ولواquot; وعنه صلى الله عليه وسلم: quot;إن أحب الخلق إلى الله وأقربهم منه منزلة يوم القيامة إمام عادل وإن أبغض الخلق إلى الله وأبعدهم منه منزلة يوم القيامة إمام جائرquot; أو كما قال. وهم أحد السبعة الأصناف الذين يظلهم الله فى ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله وكما كان الناس فى ظل عدلهم فى الدنيا كانوا فى ظل عرش الرحمن يوم القيامة ظلا بظل جزاء وفاقا ولو لم يكن من فضلهم(1\/354)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "370",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11965",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وشرفهم إلا أن أهل السموات والأرض والطير فى الهواء يصلون عليهم ويستغفرون لهم ويدعون لهم وولاة الظلم يلعنهم من بين السموات والأرض حتى الدواب والطير كما أن معلم الناس الخير يصلى عليه الله وملائكته وكاتم العلم والهدى الذى أنزله الله وحامل أهله على كتمانه يلعنه الله وملائكته ويلعنه اللاعنون فيا لها من منقبة ومرتبة ما أجلها وأشرفها أن يكون الوالى والإمام على فراشه و [غيره] يعمل بالخير وتكتب الحسنات فى صحائفه فهى متزايدة ما دام يعمل بعدله ولساعة واحدة منه خير من عبادة أعوام من غيره فأين هذا من [صفه] الغاش لرعيته الظالم لهم [الذى] حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار. ويكفى فى فضله وشرفه أنه يكف عن الله دعوة المظلوم كما فى الآثار: أيها الملك المسلط المغرور إنى لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكن بعثتك لتكف عنى دعوة المظلوم إنى لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض فإنى لا أحجبها ولو كانت من كافر. فأين من هو نائم وأعين العباد ساهرة تدعو الله له وآخر أعينهم ساهرة تدعو عليه الطبقة السادسة: المجاهدون فى سبيل الله وهم جند الله الذين يقيم بهم دينه ويدفع بهم بأس أعدائه ويحفظ بهم بيضة الإسلام ويحمى لهم حوزة الدين وهم الذين يقاتلون أعداء الله ليكون الدين كله لله وتكون كلمة الله هى العليا قد بذلوا أنفسهم فى محبة الله ونصر دينه وإعلاء كلمته ودفع أعدائه وهم شركاء لكل من يحمونه بسيوفهم فى أعمالهم التى يعملونها وإن [باتوا] فى ديارهم ولهم مثل أجور من عبد الله بسبب جهادهم وفتوحهم فإنهم كانوا هم السبب فيه. والشارع قد نزل المتسبب منزلة الفاعل التام فى الأجر والوزر ولهذا كان الداعى إلى الهدى والداعى إلى الضلال لكل منهما بتسببه مثل أجر من تبعه. وقد تظاهرت آيات الكتاب وتواترت نصوص السنة على الترغيب فى الجهاد والحض عليه ومدح أهله والإخبار عما لهم عند ربهم من أنواع الكرامات والعطايا الجزيلات ويكفى فى ذلك قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم [الصف: 10]  فتشوقت النفوس إلى هذه التجارة الرابحة التى الدال عليها رب [العالمين العليم] الحكيم فقال: تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون فى سبيل الله بأموالكم وأنفسكم [الصف: 11]  فكأن(1\/355)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "371",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11966",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النفوس ضنت بحياتها وبقائها فقال: ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يعنى أن الجهاد خير لكم من قعودكم للحياة والسلامة فكأنها قالت: فما لنا فى الجهاد من الحظ فقال: يغفر لكم ذنوبكم  مع المغفرة: يدخلكم جنات تجرى من تحتها الأنهار ومساكن طيبة فى جنات عدن ذلك الفوز العظيم [الصف: 12]  فكأنها قالت: هذا فى الآخرة فما لنا فى الدنيا فقال: وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين [الصف: 13] . [فلله] ما أحلى هذه الألفاظ وما ألصقها بالقلوب وما أعظمها جذبا لها وتسييرا إلى ربها وما ألطف موقعها من قلب كل محب وما أعظم غنى القلب وأطيب عيشه حين تباشره معانيها فنسأل الله من فضله إنه جواد كريم. ومن هذا قوله تعالى: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد فى سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدى القوم الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم [التوبة: 19- 22]  فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يستوى عنده عمار المسجد الحرام وهم عماره بالاعتكاف والطواف والصلاة هذه هى عمارة مساجده المذكورة فى القرآن وأهل سقاية الحاج لا يستوون هم وأهل الجهاد فى سبيل الله وأخبر أن المؤمنين المجاهدين أعظم درجة عنده وأنهم هم الفائزون وأنهم أهل البشارة بالرحمة والرضوان والجنات فنفى التسوية بين المجاهدين وعمار المسجد الحرام مع أنواع العبادة مع ثنائه على عمارة بقوله تعالى: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخشى إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين [التوبة: 18]  فهؤلاء هم عمار المساجد ومع هذا فأهل الجهاد أرفع درجة عند الله منهم. وقال تعالى: لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين(1\/356)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "372",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11967",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما [النساء: 95- 96]  فنفى سبحانه وتعالى التسوية بين المؤمنين القاعدين عن الجهاد وبين المجاهدين ثم أخبر عن تفضيل المجاهدين على القاعدين درجة ثم أخبر عن تفضيلهم عليهم درجات. وقد أشكل فهم هذه الآية على طائفة من الناس من جهة أن القاعدين الذين فضل عليهم المجاهدون بدرجات إن كانوا هم [أهل الضرر والقاعدون الذين فضل عليهم المجاهدون بدرجات هم أولو] الضرر فيكون المجاهدون أفضل من القاعدين مطلقا وعلى هذا فما وجه استثناء أولى الضرر من القاعدين وهم لا يستوون والمجاهدين أصلا فيكون حكم المستثنى والمستثنى منه واحدا فهذا وجه الإشكال ونحن نذكر [ما قاله فى الأية ثم نذكر] ما يزيل الإشكال بحمد الله فاختلف القراء فى إعراب quot;غيرquot; فقريء رفعا ونصبا وهما فى السبعة وقريء بالجر فى غير السبعة وهى قراءة أبى حيوة فأما قراءة النصب فعلى الاستثناء لأن غيرا يعرب فى الاستثناء إعراب الاسم الواقع بعد إلا وهو النصب هذا هو الصحيح. وقالت طائفة: إعرابها نصب على الحال أى لا يستوى القاعدون غير مضرورين أى لا يستوون فى حال صحتهم هم والمجاهدون والاستثناء أصح فإن quot;غيرquot; لا تكاد تقع حالا فى كلامهم إلا مضافة إلى نكرة كقوله تعالى: فمن اضطر غير باغ [البقرة: 173] [الأنعام: 145] [النحل: 115]  وقوله عز وجل فى أول المائدة: أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد [المائدة: 1] وقوله صلى الله عليه وسلم: quot;مرحبا بالوفد غير خزايا ولا ندامىquot;. فإن أضيفت إلى معرفة كانت تابعة لما قبلها كقوله تعالى: صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولو قلت: مرحبا بالوفد غير الخزايا ولا الندامى لجررت غير هذا هو المعروف من كلامهم والكلام فى عدم تعرف غير بالإضافة وحسن وقوعها إذ ذاك حالا له مقام آخر. وأما الرفع فعلى النعت للقاعدين هذا هو الصحيح. وقال أبو إسحاق وغيره: هو خبر مبتدإ محذوف تقديره هم غير أولى الضرر والذى حمله على هذا ظنه أن غيرا لا تقبل التعريف بالإضافة فلا تجرى صفة للمعرفة وليس مع من ادعى(1\/357)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "373",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11968",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك حجة يعتمد عليها سوى [قولهم] أن غيرا توغلت فى الإبهام فلا تتعرف بما يضاف إليه. وجواب هذا أنها إذا دخلت بين [ن] تقابلين لم يكن فيها إبهام لتعيينها ما تضاف إليه وأما قراءة الجر ففيها وجهان أيضا: أحدهما- وهو الصحيح- أنه نعت للمؤمنين والثانى- وهو قول المبرد- أنه بدل منه بناء على أنه نكرة فلا تنعت به المعرفة. وعلى الأقوال كلها فهو مفهوم معنى الاستثناء وإن نفى التسوية غير مسلط على ما أضيف إليه غيره وقوله: فضل الله المجاهدين على القاعدين درجة [النساء: 95]  هو مبين لمعنى نفى المساواة. قالوا: والمعنى فضل الله [المجاهدين] على [القاعدين] من أولى الضرر درجة واحدة لامتيازه عنه بالجهاد بنفسه وماله. ثم أخبر سبحانه وتعالى أن الفريقين كليهما موعود بالحسنى فقال: وكلا وعد الله الحسنى [النساء: 95] أى المجاهد والقاعد المضرور لاشتراكهما فى الإيمان. قالوا: وفى هذا دليل على تفضيل الغنى المنفق على الفقير لأن الله [سبحانه] أخبر أن المجاهد بماله ونفسه أفضل من القاعد وقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس وأما الفقير فنفى عنه الحرج بقوله: ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه [التوبة: 92]  فأين مقام من حكم له بالتفضيل إلى مقام من نفى عنه الحرج. قالوا: فهذا حكم القاعد من أولى الضرر والمجاهد وأما القاعد من غير أولى الضرر فقال [سبحانه] : وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما [النساء: 95- 96]  وقوله: درجات قيل: هو نصب على البدل من قوله أجرا عظيما  وقيل: تأكيد له وإن كان بغير لفظه لأنه هو فى المعنى قال قتادة: كان يقال: الإسلام درجة والهجرة فى الإسلام درجة والجهاد فى الهجرة درجة والقتل فى الجهاد درجة. وقال ابن زيد: الدرجات التى فضل الله [الجهاد] بها المجاهد على القاعد سبع وهى التى ذكرها الله تعالى إذ يقول تعالي: ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة فى سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين [التوبة: 120]  فهذه خمس ثم قال: ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم [التوبة: 121] به عمل صالح فهاتان اثنتان وقيل: الدرجات(1\/358)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "374",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11969",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبعون درجة ما بين الدرجتين حضر الفرس الجواد المضمر سبعين سنة. والصحيح أن الدرجات هى المذكورة فى حديث أبى هريرة الذى رواه البخارى فى صحيحه [عنه] عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان فإن حقا على الله أن يدخله الجنة هاجر فى سبيل الله أو جلس فى أرضه التى ولد فيهاquot; قالوا: يا رسول الله أفلا نخبر الناس بذلك قال: quot;إن فى الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين فى سبيله كل درجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنةquot;. قالوا: وجعل سبحانه وتعالى التفضيل الأول بدرجة فقط وجعله [ها هنا] بدرجات ومغفرة ورحمة وهذا يدل على أنه يفضل على غير أولى الضرر فهذا تقرير هذا القول وإيضاحه. ولكن بقى أن يقال: إذا كان المجاهدون أفضل من القاعدين مطلقا لزم أن لا يستوى مجاهد وقاعد مطلقا فلا يبقى فى تقييد القاعدين بكونهم من غير أولى الضرر فائدة فإنه لا يستوى المجاهدون والقاعدون من أولى الضرر أيضا. وأيضا فإن القاعدين المذكورين فى الآية الذين وقع التفضيل عليهم هم غير أولى الضرر لا القاعدون الذين هم أولوا الضرر فإنهم لم يذكر حكمهم فى الآية بل استثناهم وبين أن التفضيل على غيرهم فاللام فى quot;القاعدينquot; للعهد والمعهود هم غير أولى الضرر لا المضررون وأيضا فالقاعد من المجاهدين لضرورة تمنعه من الجهاد له مثل أجر المجاهد كما ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل صحيحا مقيماquot; وقال صلى الله عليه وسلم: quot;إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا وهم معكمquot; قالوا: وهم بالمدينة قال: quot;وهم بالمدينة حبسهم العذرquot; وعلى هذا فالصواب أن يقال: الآية دلت على أن القاعدين من غير أولى الضرر لا يستوون هم والمجاهدون وسكت [عن القاعدين من أولى الضرر فلم يدل على حكمهم بطريق منطوقها] عن حكمهم بطريق منطوقها ولا يدل مفهومها على مساواتهم للمجاهدين. بل هذا النوع منقسم إلى معذور من أهل الجهاد غلبه عذره وأقعده عنه ونيته جازمة لم يتخلف عنها مقدورها وإنما أقعده العجز فهذا الذى تقتضيه أدلة الشرع أن له مثل أجر المجاهد. وهذا القسم لا يتناوله الحكم بنفى التسوية وهذا لأن(1\/359)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "375",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11970",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قاعدة الشريعة أن العزم التام إذا اقترن به ما يمكن من الفعل أو مقدمات الفعل نزل صاحبه فى الثواب والعقاب منزلة الفاعل التام كما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: quot;إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النارquot; قالوا: هذا القاتل فما بال المقتول قال: quot;إنه كان حريصا على قتل صاحبهquot;. وفى الترمذى ومسند الإمام أحمد من حديث أبى كبشة الأنمارى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقى فى ماله ربه ويصل به رحمه ويعلم لله فيه حقا فهذا بأحسن المنازل [عند الله]  وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو يقول: لو أن لى مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته وهما فى الأجر سواء وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو لا يتقى فى ماله ربه ولا يصل به رحمه ولا يعلم لله فيه حقا فهذا بأسوإ المنازل عند الله وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول: لو أن لى مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته وهما فى الوزر سواءquot; فأخبر صلى الله عليه وسلم أن وزر الفاعل والناوى الذى ليس مقدوره إلا بقوله دون فعله سواء لأنه أتى بالنية ومقدوره التام وكذلك أجر الفاعل والناوى الذى اقترن قوله بنيته. وكذلك المقتول الذى سل السيف وأراد به قتل أخيه المسلم فقتل نزل منزلة القاتل لنيته التامة التى اقترن بها مقدورها من السعى والحركة. ومثل هذا قوله صلى الله عليه وسلم: quot;من دل على خير فله مثل أجر فاعلهquot; فإن بدلالته ونيته نزل منزلة الفاعل. ومثله: quot;من دعا إلى هدى فله مثل أجور من اتبعهquot; ومن دعا إلى ضلالة عليه من الوزر مثل آثام من تبعه لأجل نيته واقتران مقدورها بها من الدعوة ومثله: quot;إذ جاء المصلى إلى المسجد ليصلى جماعة فأدركهم وقد صلوا فصلى وحده كتب له مثل أجر صلاة الجماعة بنيته وسعيهquot; كما قد جاء مصرحا به فى حديث مروي. ومثل هذا من كان له ورد يصليه من الليل فنام ومن نيته أن يقوم إليه فغلب عينه نوم كتب له أجر ورده وكان نومه عليه صدقة ومثله المريض والمسافر إذا كان له عمل يعمله فشغل عنه بالمرض والسفر كتب له مثل عمله وهو صحيح مقيم ومثله: quot;من سأل الله الشهادة بصدق بلغة الله منازل الشهداء ولو مات على فراشهquot; ونظائر ذلك كثيرة. والقسم الثانى معذور ليس من نيته الجهاد ولا هو عازم عليه عزما تاما فهذا لا يستوى هو والمجاهد فى سبيل الله بل قد فضل الله المجاهدين(1\/360)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "376",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11971",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه وإن كان معذورا لأنه لا نية له تلحقه بالفاعل التام كنية أصحاب القسم الأول. وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث عثمان ابن مظعون: quot;إن الله قد أوقع أجره على قدر نيتهquot; فلما كان القسم المعذور فيه هذا التفصيل لم يجز أن يساوى بالمجاهد مطلقا ولا ينفى عنه المساواة مطلقا ودلالة المفهوم لا عموم لها فإن العموم إنما هو من أحكام الصيغ العامة وعوارض الألفاظ. والدليل الموجب للقول بالمفهوم لا يدل على أن له عموما يجب اعتباره. فإن أدلة المفهوم ترجع إلى شيئين: أحدهما التخصيص والآخر التعليل. فأما التخصيص فهو أن تخصيص الحكم بالمذكور يقتضى نفى الحكم عما عداه وإلا بطلت فائدة التخصيص وهذا لا يقتضى العموم وسلب حكم المنطوق عن جميع صور المفهوم لأن فائدة التخصيص قد تحصل بانقسام صور المفهوم إلى ما يسلب الحكم عن بعضها ويثبت لبعضها ثبوت تفصيل فيه فيثبت له حكم المنطوق على وجه دون وجه إما بشرط لا تجب مراعاته فى المنطوق وإما فى وقت دون وقت بخلاف حكم المنطوق فإنه ثابت أبدا ونحو ذلك من فوائد التخصيص. وإذا كانت فائدة التخصيص حاصلة بالتفصيل والانقسام فدعوى لزوم العموم من التخصيص دعوى باطلة فإثباته [بمجرد] التحكم وأما التعليل فإنهم قالوا: ترتيب الحكم على هذا الوصف المناسب له يقتضى نفى الحكم عما عداه وإلا لم يكن الوصف المذكور علة. وهذا أيضا لا يستلزم عموم النفى عن كل ما عداه وإنما غايته اقتضاؤه نفى الحكم المرتب على ذلك الوصف عن الصور المنفى عنها الوصف وأما نفى الحكم جملة فلا تجوز ثبوته بوصف آخر وعلة أخرى فإن الحكم الواحد بالنوع يجوز تعليله بعلل مختلفة وفى الواحد بالعين كلام ليس هذا موضعه. ومثال هذا ما نحن فيه [فإن] قوله تعالى: لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون [النساء: 95] لا يدل على مساواة المضرورين [للمجاهدين] مطلقا من حيث الصورة بل إن ثبتت المساواة فإنها معللة بوصف آخر وهى النية الجازمة والعزم التام والضرر المانع من الجهاد فى ذلك الحال لا يكون [مانعا] من المساواة فى الأجر والله أعلم. والمقصود الكلام على طبقات الناس فى الآخرة. وأما النصوص والأدلة الدالة على فضل الجهاد وأهله فأكثر من أن تذكر هنا ولعلها أن تفرد فى كتاب على هذا(1\/361)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "377",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11972",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النمط إن شاء الله. فهذه الدرجات الثلاث هى درجات السبق أعنى درجة العلم والعدل والجهاد وبها سبق الصحابة [رضى الله عنه] وأدركوا من قبلهم وفاتوا من بعدهم واستولوا على الأمد البعيد وحازوا قصبات العلى وهم كانوا السبب فى [بلوغ] الإسلام إلينا وفى تعليم كل خير وهدى وسبب تنال به السعادة والنجاة وهم أعدل الأمة فيما ولوه وأعظمها جهادا فى سبيل الله. والأمة فى آثار علمهم وعدلهم وجهادهم إلى يوم القيامة فلا ينال أحد منهم مسألة علم نافع إلا على أيديهم ومن طريقهم ينالها ولا يسكن بقعة من الأرض آمنا إلا بسبب جهادهم وفتوحهم ولا يحكم إمام ولا حاكم بعدل وهدى إلا كانوا هم السبب فى [وصوله] إليه فهم الذين فتحوا البلاد بالسيف والقلوب بالإيمان وعمروا البلاد بالعدل والقلوب بالعلم والهدى فلهم من الأجر بقدر أجور الأمة إلى يوم القيامة مضافا إلى أجر أعمالهم التى اختصوا بها فسبحان من يختص بفضله ورحمته من يشاء وإنما نالوا هذا بالعلم والجهاد والحكم بالعدل وهذه مراتب السبق التى يهبها الله لمن يشاء من عباده. الطبقة السابعة: أهل الإيثار والصدقة والإحسان إلى الناس بأموالهم على اختلاف حاجاتهم ومصالحهم من تفريج كرباتهم ودفع ضروراتهم وكفايتهم فى مهماتهم وهم أحد الصنفين اللذين قال النبى صلى الله عليه وسلم فيهم: quot;لا حسد إلا فى اثنين: رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها الناس ورجل آتاه الله مالا وسلطه على هلكته فى الحقquot; يعنى أنه لا ينبغى لأحد أن يغبط أحدا على نعمة ويتمنى مثلها إلا أحد هذين وذلك لما فيهما من منافع النفع العام والإحسان المتعدى إلى الخلق فهذا ينفعهم بعلمه وهذا ينفعهم بماله والخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله. ولا ريب أن هذين الصنفين من أنفع الناس لعيال الله ولا يقوم أمر الناس إلا بهذين الصنفين ولا يعمر العالم إلا بهما قال تعالى: الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم(1\/362)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "378",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11973",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا هم يحزنون [البقرة: 262]  [وقال تعالى: الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا يحزنون وقال تعالى: إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم [الحديد:18] قال تعالى من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون [البقرة: 542]  وقال تعالى: من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم [الحديد: 11]  فصدر سبحانه الآية بألطف أنواع الخطاب وهو الاستفهام المتضمن لمعنى الطلب وهو أبلغ فى الطلب من صيغة الأمر والمعنى: هل أحد يبذل هذا القرض الحسن فيجازى عليه أضعافا مضاعفة وسمى ذلك الإنفاق قرضا حسنا حثا للنفوس وبعثا لها على البذل لأن الباذل متى علم أن عين ماله يعود إليه ولا بد طوعت له نفسه بذله وسهل عليه إخراجه. فإن علم أن المستقرض ملى وفى محسن كان أبلغ فى طيب قلبه وسماحة نفسه فإن علم أن المستقرض يتجر له بما اقترضه وينميه له ويثمرة حتى يصير أضعاف ما بذله كان بالقرض أسمح وأسمح فإن علم أنه مع ذلك كله يزيده من فضله وعطائه أجرا آخر من غير جنس القرض وأن ذلك الأجر حظ عظيم وعطاء كريم فإنه لا يتخلف عن قرضه إلا لآفة فى نفسه من البخل والشح أو عدم الثقة بالضمان وذلك من ضعف إيمانه ولهذا كانت الصدقة برهانا لصاحبها. وهذه الأمور كلها تحت هذه الألفاظ التى تضمنتها الآية فإنه [سبحانه] سماه قرضا وأخبر أنه هو المقترض لا قرض حاجة ولكن قرض إحسان إلى المقرض [استدعاه] لمعاملته وليعرف مقدار الربح فهو الذى أعطاه ماله واستدعى منه معاملته به ثم أخبر [عن ما] يرجع إليه بالقرض وهو الأضعاف المضاعفة ثم أخبر عما يعطيه فوق ذلك من الزيادة وهو الأجر الكريم. وحيث جاء هذا القرض فى القرآن قيده بكونه حسنا وذلك يجمع أمورا ثلاثة: أحدها أن يكون من طيب ماله لا من رديئه وخبيثه. الثانى: أن [يخرجه] طيبة به نفسه ثابتة عند بذله ابتغاء مرضاة الله. الثالث: أن لا يمن به ولا يؤذى. فالأول يتعلق بالمال والثانى يتعلق بالمنفق بينه وبين الله والثالث بينه وبين الآخذ. وقال تعالى:(1\/363)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "379",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11974",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم [البقرة: 261]  وهذه الآية كالتفسير والبيان لمقدار الأضعاف التى يضاعفها للمقرض ومثل سبحانه بهذا المثل إحضارا لصورة التضعيف فى الأذهان بهذه الحبة التى غيبت فى الأرض فأنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة حتى كأن القلب ينظر إلى هذا التضعيف ببصيرته كما تنظر العين إلى هذه السنابل التى من الحبة الواحدة فينضاف الشاهد العيانى الشاهد الإيمانى القرآنى فيقوى إيمان المنفق وتسخو نفسه بالإنفاق. وتأمل كيف جمع السنبلة فى هذه الآية على سنابل وهى من [مجموع] الكثرة إذ المقام مقام تكثير وتضعيف وجمعها على سنبلات فى قوله تعالى: وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات [يوسف: 43]  فجاء بها على جمع القلة لأن السبعة قليلة ولا مقتضى للتكثير. وقوله تعالى: والله يضاعف لمن يشاء [البقرة: 261]  قيل: المعنى والله يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء لا لكل منفق بل يختص برحمته من يشاء وذلك لتفاوت أحوال الإنفاق فى نفسه [وفى صفات] المنفق وأحواله [و] فى شدة الحاجة وعظيم النفع وحسن الموقع. وقيل: والله يضاعف لمن يشاء فوق ذلك فلا يقتصر به على السبعمائة بل يجاوز فى المضاعفة هذا المقدار إلى أضعاف كثيرة. واختلف فى تفسير الآية فقيل: مثل نفقة الذين ينفقون فى سبيل الله كمثل حبة. وقيل: مثل الذين ينفقون فى سبيل الله كمثل باذر حبة ليطابق الممثل للممثل به. [فها هنا] أربعة أمور: منفق ونفقة وباذر وبذر. فذكر سبحانه من كل شق أهم قسميه فذكر من شق الممثل المنفق إذ المقصود ذكر حاله وشأنه وسكت عن ذكر النفقة لدلالة اللفظ عليها. وذكر من شق الممثل به البذر إذ هو المحل الذى حصلت فيه المضاعفة وترك ذكر الباذر لأن القرض لا يتعلق بذكره. فتأمل هذه البلاغة والفصاحة والإيجاز المتضمن لغاية البيان. وهذا كثير فى أمثال القرآن بل عامتها ترد على هذا النمط ثم ختم الآية بإسمين من أسمائه الحسنى مطابقين لسياقها وهما الواسع والعليم فلا [يستبعد] العبد هذه المضاعفة ولا يضيق عنها عطنه فإن المضاعف [سبحانه] واسع العطاء واسع الغنى واسع الفضل ومع ذلك فلا يظن أن سعة عطائه تقتضى حصولها لكل منفق فإنه عليم بمن تصلح له هذه المضاعفة وهو أهل لها ومن لا يستحقها ولا(1\/364)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "380",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11975",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو أهل لها فإن كرمه [سبحانه] وفضله تعالى لا يناقض حكمته بل يضع فضله مواضعه لسعته ورحمته ويمنعه من ليس من [أهل] بحكمته وعلمه. ثم قال تعالى: الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون [البقرة:262]  هذا بيان للقرض الحسن ما هو وهو أن يكون فى سبيله أى فى مرضاته والطريق الموصلة إليه ومن أنفعها سبيل الجهاد. [فسبيل] الله خاص وعام والخاص جزء من السبيل العام وأن لا يتبع صدقته بمن ولا أذى فالمن نوعان: أحدهما: من [بقلبه] من غير أن يصرح به بلسانه وهذا إن لم يبطل الصدقة فهو من [نقصان] شهود منة الله عليه فى إعطائه المال وحرمان غيره وتوفيقه للبذل ومنع غيره منه فلله المنة عليه من كل وجه فكيف يشهد قلبه منه لغيره والنوع الثانى: أن يمن عليه بلسانه [فيتعدى] على من أحسن إليه بإحسانه ويريه أنه اصطنعه وأنه أوجب عليه حقا وطوقه منة فى عنقه فيقول: أما أعطيتك كذا وكذا ويعدد أياديه عنده. قال سفيان: يقول أعطيتك فما شكرت. وقال عبد الرحمن بن [زيد]  كان أبى يقول: إذا أعطيت رجلا شيئا ورأيت أن سلامك يثقل عليه فكف سلامك عنه وكانوا يقولون: إذا [اصنعتم] صنيعة فانسوها وإذا أسديت إليكم صنيعة فلا تنسوها. وفى ذلك قيل: وإن امرءا أهدى إلى ... صنيعة وذكرنيها مرة لبخيل وقيل: صنوان من منح سائله ومن ومن منع نائله وضن وحظر الله على عباده المن بالصنيعة واختص به صفة لنفسه لأن من العباد تكدير [تعبير]  ومن الله سبحانه إفضال وتذكير وأيضا فإنه هو المنعم فى نفس الأمر والعباد وسائط فهو المنعم على عبده فى الحقيقة. وأيضا فالامتنان استعباد وكسر وإذلال لمن يمن عليه ولا تصلح العبودية والذل إلا لله. وأيضا فالمنة أن يشهد المعطى أنه هو رب الفضل والإنعام وأنه ولى النعمة ومسديها وليس ذلك فى الحقيقة إلا الله وأيضا فالمان بعطائه يشهد نفسه مترفعا على الآخذ مستعليا عليه غنيا عنه عزيزا ويشهد ذل الآخذ وحاجته إليه وفاقته ولا ينبغى ذلك للعبد وأيضا فإن المعطى قد تولى الله ثوابه ورد عليه أضعاف ما أعطى فبقى عوض ما أعطى عند الله. فأى حق بقى له قبل الآخذ فإذا امتن عليه فقد(1\/365)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "381",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11976",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ظلمه ظلما بينا وادعى أن حقه فى قلبه. ومن هنا- والله أعلم- بطلت صدقته بالمن فإنه لما كانت معاوضته ومعاملته مع الله وعوض تلك الصدقة عنده فلم يرض به ولاحظ العوض من الآخذ والمعاملة عنده فمن عليه بما أعطاه أبطل معاوضته مع الله ومعاملته له. فتأمل هذه النصائح من الله لعباده ودلالته على ربوبيته وإلهيته وحده وأنه يبطل عمل من نازعه فى شيء من ربوبيته وإلهيته لا إله غيره ولا رب سواه ونبه بقوله: ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى [البقرة: 262]  على أن المن والأذى ولو تراخى عن الصدقة وطال زمنه ضر بصاحبه ولم يحصل له مقصود الإنفاق ولو أتى بالواو وقال: ولا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لأوهمت تقييد ذلك بالحال وإذا كان المن والأذى المتراخى مبطلا لأثر الإنفاق مانعا من الثواب فالمقارن أولى وأحرى. وتأمل كيف جرد الخبر هنا عن الفاء فقال: لهم أجرهم عند ربهم [البقرة: 262]  وقرنه بالفاء فى قوله تعالى: الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم [البقرة: 274]  فإن الفاء الداخلة على خبر المبتدأ الموصول أو الموصوف تفهم معنى الشرط والجزاء [وأن الخبر] مستحق بما تضمنه المبتدأ من الصلة أو الصفة فلما كان هنا يقتضى بيان حصر المستحق للجزاء دون غيره جرد الخبر عن الفاء فإن المعنى أن الذى ينفق ماله لله ولا يمن ولا يؤذى هو الذى يستحق الأجر المذكور لا الذى ينفق لغير الله [ولا من] ويمن ويؤذى بنفقته فليس المقام مقام شرط وجزاء بل مقام بيان للمستحق [من] غيره [وفى الآيه الأخرى للمستحق دون غيره] . وفى الآية الأخرى ذكر الإنفاق بالليل والنهار سرا وعلانية فذكر عموم الأوقات وعموم الأحوال فأتى بالفاء فى الخبر ليدل على أن الإنفاق فى أى وقت وجد من ليل أو نهار وعلى [أية] حالة وجد من سر وعلانية فإنه سبب للجزاء على كل حال فليبادر إليه العبد ولا ينتظر به غير وقته وحاله ولا يؤخر نفقة الليل إذا حضر إلى النهار ولا نفقة النهار إلى الليل ولا ينتظر بنفقة العلانية وقت السر ولا بنفقة السر وقت العلانية فإن نفقته فى أى وقت وعلى أى حال وجدت سبب لأجره وثوابه فتدبر هذه الأسرار فى القرآن فلعلك لا تظفر بها تمر بك فى التفاسير والمنة والفضل لله وحده لا شريك له. ثم قال تعالى: قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى(1\/366)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "382",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11977",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والله غنى حليم [البقرة: 263]  فأخبر [سبحانه] أن القول المعروف وهو الذى تعرفه القلوب ولا تنكره والمغفرة وهى العفو عمن أساء إليك خير من الصدقة [المقرون] بالأذى. فالقول المعروف إحسان وصدقة بالقول والمغفرة إحسان بترك المؤاخذة والمقابلة فهما نوعان من أنواع الإحسان والصدقة المقرونة بالأذى حسنة مقرونة بما يبطلها. ولا ريب أن حسنتين خير من حسنة باطلة. [ويدخل فى هذا القول المعروف الرد الجميل على السائل والعدة الحسنة والدعاء والصالح له نحو ذلك] . ويدخل فى المغفرة مغفرته للسائل إذا وجد منه بعض الجفوة والأذى بسبب رده فيكون عفوه عنه خيرا من أن يتصدق عليه ويؤذيه هذا على المشهور من القولين فى الآية والقول الثانى: أن المغفرة من الله أى مغفرة لكم من الله بسبب القول المعروف والرد الجميل خير من صدقة يتبعها أذى. وفيها قول ثالث: أى مغفرة وعفو من السائل إذا رد وتعذر [المسؤول] خير من أن ينال بنفسه صدقة يتبعها أذى. وأوصح الأقوال هو الأول ويليه الثانى والثالث ضعيف جدا لأن الخطاب إنما هو للمنفق المسؤول لا للسائل الآخذ والمعنى أن قول المعروف له والتجاوز والعفو خير لك من أن تتصدق عليه وتؤذيه. ثم ختم الآية بصفتين [مناسبتين] لما تضمنته فقال: والله غنى حليم [البقرة: 263]  وفيه معنيان: أحدهما أن الله غنى عنكم لن يناله شيء من صدقاتكم وإنما الحظ الأوفر لكم فى الصدقة فنفعها عائد عليكم لا إليه سبحانه وتعالى فكيف يمن بنفقته ويؤذى مع غنى الله التام عنها وعن كل ما سواه ومع هذا فهو حليم إذ يعاجل المان بالعقوبة وضمن هذا الوعيد [له] والتحذير. والمعنى الثانى: أنه سبحانه وتعالى مع غناه التام من وجه فهو الموصوف بالحلم والتجاوز والصفح مع عطائه الواسع وصدقاته العميمة فكيف يؤذى أحدكم بمنه وأذاه مع قلة ما يعطى ونزارته وفقره. ثم قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذى ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدى القوم الكافرين [البقرة: 264]  تضمنت هذه الآية الإخبار بأن المن والأذى يحبط الصدقة وهذا دليل على أن الحسنة قد تحبط بالسيئة مع قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى ولا تجهروا له بالقول(1\/367)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "383",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11978",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون [الحجرات: 2]  وقد تقدم الكلام على هذه المسألة فى أول الرسالة فلا حاجة إلى إعادته. وقد يقال: إن المن والأذى المقارن للصدقة هو الذى يبطلها دون ما يلحقها بعدها إلا أنه ليس فى اللفظ ما يدل على هذا التقييد والسياق يدل على إبطالها به مطلقا. وقد يقال: تمثيله بالمرائى الذى لا يؤمن بالله واليوم الآخر يدل على أن المن والأذى المبطل هو المقارن كالرياء وعدم الإيمان فإن الرياء لو تأخر عن العمل لم يبطله. ويجاب عن هذا بجوابين: أحدهما: أن التشبيه وقع فى الحال التى يحبط بها العمل وهى حال المرائى والمان المؤذى فى أن كل واحد منهما يحبط العمل. الثانى: أن الرياء لا يكون إلا مقارنا للعمل لأنه quot;فعالquot; من الرؤية التى صاحبها يعمل ليرى الناس عمله فلا يكون متراخيا وهذا [خلاف] المن والأذى فإنه يكون مقارنا ومتراخيا وتراخيه أكثر من مقارنته. وقوله: كالذى ينفق إما أن يكون المعنى كإبطال الذى ينفق فيكون شبه الإبطال بالإبطال أو المعنى لا تكونوا كالذى ينفق ماله رئاء الناس فيكون تشبيها للمنفق بالمنفق. وقوله: فمثله أى مثل هذا المنفق الذى قد بطل ثواب نفقته: كمثل صفوان وهو الحجر الأملس وفيه قولان: أحدهما: أنه واحد والثانى: جمع صفوة quot; عليه تراب فأصابه وابل quot;وهو المطر الشديد quot;فتركه صلداquot; وهو الأملس الذى لا شيء عليه من نبات ولا غيره وهذا من أبلغ الأمثال وأحسنها فإنه يتضمن تشبيه قلب هذا المنفق المرائى- الذى لم يصدر إنفاقه عن [إيمانه] واليوم الآخر- بالحجر لشدته وصلابته وعدم الانتفاع به. وتضمن تشبيه ما علق به من أثر الصدقة بالغبار الذى علق بذلك الحجر والوابل الذى أزال ذلك التراب عن الحجر فأذهبه بالمانع الذى أبطل صدقته وأزالها كما يذهب الوابل التراب الذى على الحجر فيتركه صلدا فلا يقدر المنفق على شيء من ثوابه لبطلانه وزواله. وفيه معنى آخر: وهو أن المنفق لغير الله هو فى الظاهر عامل عملا يرتب عليه الأجر [يزكوا] له كما تزكو الحبة التى إذا بذرت فى التراب الطيب أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة ولكن وراء هذا الإنفاق مانع يمنع من نموه وزكائه كما أن تحت التراب حجرا يمنع من نبات ما يبذر من الحب فيه فلا ينبت ولا يخرج شيئا ثم قال: ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا(1\/368)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "384",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11979",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير [البقرة: 265] . هذا مثل الذى مصدر نفقته [على] الإخلاص والصدق فإن ابتغاء مرضاته سبحانه هو الإخلاص والتثبيت من النفس هو الصدق فى البذل فإن المنفق يعترضه عند إنفاقه آفتان إن نجا منهما كان مثله ما ذكره فى هذه الآية إحداهما: طلبه بنفقته محمدة أو ثناء أو غرضا من أغراضه الدنيوية وهذا حال أكثر المنفقين والآفة الثانية: ضعف نفسه [بالبذل وتقاعسها] وترددها هل يفعل أم لا فالآفة الأولى تزول بابتغاء مرضاة الله والآفة الثانية تزول بالتثبيت فإن تثبيت النفس تشجيعها وتقويتها والإقدام بها على البذل. وهذا هو صدقها وطلب مرضاة الله إرادة وجهه وحده وهذا إخلاصها فإذا كان مصدر الإنفاق عن ذلك كان مثله كجنة- وهى البستان الكثير الأشجار- فهو مجتن بها أى مستتر ليس قاعا فارغا. والجنة بربوة- وهو المكان المرتفع-[لأنها] أكمل من الجنة التى بالوهاد والحضيض لأنها إذا ارتفعت كانت بمدرجة [الأهوية] والرياح وكانت ضاحية للشمس وقت طلوعها واستوائها وغروبها فكانت أنضج ثمرا وأطيبه وأحسنه وأكثره فإن الثمار تزداد طيبا وزكاء بالرياح والشمس بخلاف الثمار التى تنشأ فى الظلال وإذا كانت الجنة بمكان مرتفع لم يخش عليها إلا من قلة [الشرب] فقال تعالى: أصابها وابل [البقرة: 265]  وهو المطر الشديد العظيم القدر فأدت ثمرتها وأعطت بركتها فأخرجت [ثمرتها] ضعفى ما يثمر غيرها أو ضعفى ما كانت تثمر بسبب ذلك الوابل فهذا حال السابقين المقربين: فإن لم يصبها وابل فطل [البقرة: 265]  فهو دون الوابل فهو يكفيها لكرم منبتها وطيب مغرسها فتكتفى فى إخراج بركتها بالطل وهذا حال الأبرار المقتصدين فى النفقة وهم درجات عند الله فأصحاب الوابل أعلاهم درجة وهم الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة وأصحاب الطل مقتصدوهم. فمثل حال القسمين وأعمالهم بالجنة على الربوة ونفقتهم الكثيرة [والقليلة] بالوابل والطل وكما أن كل واحد من المطرين يوجب زكاء [أو] ثمر الجنة ونحوه بالأضعاف فكذلك نفقتهم كثيرة أو قليلة بعد أن صدرت عن ابتغاء مرضاة الله والتثبيت من نفوسهم فهى زاكية عند الله نامية مضاعفة.(1\/369)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "385",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11980",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واختلف فى الضعفين فقيل: ضعفا الشيء مثلاه زائدا عليه وضعفه مثله وقيل: ضعفه مثلاه [ضعفاء] ثلاثة أمثاله وثلاثة أضعافه أربعة أمثاله كلما زاد ضعفا زاد مثلا. والذى حمل هذا القائل [على] ذلك فراره من استواء دلالة المفرد والتثنية فإنه رأى ضعف الشيء هو مثله الزائد عليه فإذا [ضم] إلى المثل صار مثلين وهما الضعف. فلو قيل: لها ضعفان لم يكن فرق بين المفرد والمثنى فالضعفان عنده مثلان مضافان إلى الأصل ويلزم من هذا أن يكون ثلاثة أضعافه أمثال مضافة إلى الأصل [هكذا ابدا والصواب أن الضعفين هى المثلان فقط الأصل ومثله] . وعليه يدل قوله تعالى: فآتت أكلها ضعفين [البقرة: 265]  أى مثلين وقوله تعالى: يضاعف لها العذاب ضعفين [الأحزاب: 30]  أى مثلين ولهذا قال فى الحسنات: نؤتها أجرها مرتين [الأحزاب: 31]  وأما ما توهموه من استواء دلالة المفرد والتثنية فوهم منشؤه ظن أن الضعف هو المثل مع الأصل وليس كذلك بل المثل له اعتباران: إن اعتبر وحده فهو ضعف وإن اعتبر مع نظيره فهما ضعفان. والله أعلم. واختلف فى رافع قوله: quot;فطلquot; فقيل: هو مبتدأ خبره محذوف أى وطله يكفيها وقيل: فى quot;أصابهاquot; إما أن يرجع إلى الجنة أو إلى الربوة وهما متلازمان. ثم قال تعالى: أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجرى من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون [البقرة: 266]  قال الحسن: هذا مثل قل والله من يعقله من الناس شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه أفقر ما كان إلى جنته وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا. وفى صحيح البخارى عن عبيد بن عمير قال: سأل عمر يوما أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم: فيم هم يرون هذه الآيات نزلت: أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل [البقرة: 266] الآية قالوا: الله أعلم فغضب عمر فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس: فى نفسى منها شيء يا أمير المؤمنين فقال عمر: قم يا ابن أخى ولا تحقر بنفسك. قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل. قال عمر: أى عمل قال ابن عباس: لعمل. قال عمر: لرجل(1\/370)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "386",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11981",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عمل بطاعة الله ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصى حتى أغرق أعماله. فقوله تعالى: أيود أحدكم أخرجه مخرج الاستفهام الإنكارى وهو أبلغ من النفى والنهى وألطف موقعا كما ترى غيرك يفعل فعلا قبيحا فنقول: لا يفعل هذا عاقل لا يفعل هذا من يخاف الله والدار الآخرة. وقال تعالى: أيود أحدكم بلفظ الواحد لتضمنه معنى الإنكار العام كما تقول يفعل هذا أحد فيه خير وهو أبلغ فى الإنكار من أن يقول أيودون. وقوله: quot;أيودquot; أبلغ فى الإنكار من لو قيل: أيريد لأن محبة هذا الحال المذكورة وتمنيها أقبح وأنكر من مجرد إرادتها. وقوله تعالى: أن تكون له جنة من نخيل وأعناب خص هذين النوعين من الثمار بالذكر لأنهما أشرف أنواع الثمار وأكثرها نفعا فإن منهما القوت والغذاء والدواء والشراب والفاكهة والحلو والحامض ويؤكلان رطبا ويابسا ومنافعهما كثيرة جدا. وقد اختلف فى الأنفع والأفضل منهما فرجحت طائفة النخيل ورجحت طائفة العنب وذكرت كل طائفة حججا لقولها فذكرناها فى غير هذا الموضع وفصل الخطاب أن هذا يختلف باختلاف البلاد فإن الله سبحانه وتعالى أجرى العادة بأن سلطان أحدهما لا يحل حيث يحل سلطان الآخر فالأرض التى يكون فيها سلطان النخيل لا يكون العنب بها طائلا ولا كثيرا لأنه إنما يخرج فى الأرض الرخوة اللينة المعتدلة غير السبخة فينمو فيها فيكثر وأما النخيل فنموه وكثرته فى الأرض الحارة السبخة وهى لا تناسب العنب فالنخل فى أرضه وموضعه أنفع وأفضل من العنب فيها والعنب فى أرضه ومعدنه أفضل من النخل فيها. والله أعلم. والمقصود أن هذين النوعين هما أفضل أنواع الثمار وأكرمها فالجنة المشتملة عليهما من أفضل الجنان ومع هذا فالأنهار تجرى تحت هذه الجنة وذلك أكمل لها وأعظم فى قدرها ومع ذلك فلم تعدم شيئا من أنواع الثمار المشتهاة بل فيها من كل الثمرات ولكن معظمها ومقصودها النخيل والأعناب فلا تنافى بين كونها من نخيل وأعناب و فيها من كل الثمرات [البقرة: 266]  ونظير هذا قوله تعالى: واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا [الكهف: 32] إلى قوله تعالى:(1\/371)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "387",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11982",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان له ثمر [الكهف: 34]  وقد قيل: إن الثمار [هنا] وفى آية [البقرة: 266] المراد بها المنافع والأموال والسياق يدل على أنها الثمار المعروفة لا غيرها لقوله هنا: له فيها من كل الثمرات [البقرة: 266]  ثم قال تعالى: quot;فأصابها quot;أى الجنة quot;إعصار فيه نار فاحترقتquot; وفى [الكهف] : وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهى خاوية على عروشها [الكهف: 42]  وما ذلك إلا ثمار الجنة. ثم قال تعالى: وأصابه الكبر هذا إشارة إلى شدة حاجته إلى جنته وتعلق قلبه بها من وجوه أحدها: أنه قد كبر سنه عن الكسب والتجارة ونحوها الثانى: أن ابن آدم عند كبر سنه يشتد حرصه الثالث: أن له ذرية فهو حريص على بقاء جنته لحاجته وحاجة ذريته الرابع: أنهم ضعفاء فهم كل عليه لا ينفعونه بقوتهم وتصرفهم الخامس: أن نفقتهم عليه لضعفهم وعجزهم [وهذه] نهاية ما يكون من تعلق القلب بهذه الجنة: لخطرها فى نفسها وشدة حاجته وذريته إليها. فإذا تصورت هذه الحال وهذه الحاجة فكيف تكون مصيبة هذا الرجل إذا أصاب جنته إعصار- وهى الريح التى تستدير فى الأرض ثم ترتفع فى طبقات الجو كالعمود- وفيه نار مرت بتلك الجنة فأحرقتها وصيرتها رمادا  فصدق والله الحسن- هذا مثل قل من يعقله من الناس- ولهذا نبه سبحانه وتعالى على عظم هذا المثل وحدا القلوب إلى التفكر فيه لشدة حاجتها إليه فقال تعالى: كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون [البقرة: 266]  فلو فكر العاقل فى هذا المثل وجعله قبلة قلبه لكفاه وشفاه فهكذا العبد إذا عمل بطاعة الله ثم أتبعها بما يبطلها ويفرقها من معاصى الله كانت كالإعصار ذى النار المحرق للجنة التى غرسها بطاعته وعمله الصالح ولولا أن هذه المواضع أهم مما كلامنا بصدده- من ذكر مجرد الطبقات- لم نذكرها ولكنها من أهم المهم والله المستعان الموفق لمرضاته. فلو تصور العامل بمعصية الله بعد طاعته هذا المعنى حق تصوره وتأمله كما ينبغى لما سولت له نفسه والله إحراق أعماله الصالحة وإضاعتها ولكن لا بد أن يغيب عنه علمه [بذلك] عند المعصية ولهذا استحق اسم الجهل فكل من عصى الله فهو جاهل. فإن قيل: الواو فى قوله تعالى: quot;وأصابه الكبر quot;واو الحال أم واو العطف(1\/372)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "388",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11983",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا كانت للعطف فعلام عطفت ما بعدها قلت فيه وجهان: أحدهما: أنه واو الحال اختاره الزمخشرى والمعنى: أيود أحدكم أن تكون له جنة شأنها كذا وكذا فى حال كبره وضعف ذريته. والثانى: أن تكون للعطف على المعنى فإن فعل التمنى وهو قوله: quot;أيود أحدكم quot;لطلب الماضى كثيرا فكان المعنى: أيود لو كانت له جنة من نخيل وأعناب وأصابه الكبر فجرى عليها ما ذكر. وتأمل كيف ضرب سبحانه المثل للمنفق المرائى- الذى لم [يصدد] إنفاقه عن الإيمان- بالصفوان الذى عليه التراب فإنه لم ينبت شيئا أصلا بل ذهب [بذره] ضائعا لعدم إيمانه وإخلاصه. ثم ضرب المثل لمن عمل بطاعة الله مخلصا بنيته لله ثم عرض له ما أبطل ثوابه بالجنة التى هى من أحسن الجنان وأطيبها [وأزهارها]  ثم سلط عليها الإعصار النارى [فأحرقها]  فإن هذا نبت له شيء وأثمر له عمله ثم احترق والأول لم يحصل له شيء يدركه الحريق. فتبارك من جعل كلامه حياة للقلوب وشفاء للصدور وهدى ورحمة ثم قال: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون [البقرة: 267]  أضاف سبحانه الكسب إليهم وإن كان هو الخالق لأفعالهم لأنه فعلهم القائم بهم وأسند الإخراج إليه لأنه ليس فعلا لهم ولا هو مقدور لهم فأضاف مقدورهم إليهم وأضاف مفعوله الذى لا قدرة لهم عليه إليه ففى ضمنه الرد على من سوى بين النوعين وسلب قدرة العبد وفعله وتأثيره عنها بالكلية. وخص سبحانه هذين النوعين- وهما الخارج من الأرض والحاصل بكسب التجارة دون غيرهما من المواشى- إما بحسب الواقع فإنهما كانا أغلب أموال القوم إذ ذاك فإن المهاجرين كانوا أصحاب تجارة وكسب والأنصار كانوا أصحاب حرث وزرع فخص هذين النوعين بالذكر لحاجتهم إلى بيان حكمهما وعموم وجودهما وإما لأنهما أصول الأموال وما عداهما فعنهما يكون ومنهما ينشأ فإن الكسب تدخل فيه التجارات كلها على اختلاف أصنافها وأنواعها من الملابس والمطاعم والرقيق والحيوانات والآلات والأمتعة وسائر ما تتعلق به التجارة والخارج من الأرض يتناول حبها وثمارها وركازها ومعدنها وهذان هما أصول الأموال وأغلبها على أهل الأرض فكان ذكرهما أهم ثم قال: ولا تيمموا الخبيث(1\/373)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "389",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11984",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منه تنفقون [البقرة: 267]  فنهى سبحانه عن قصد إخراج الرديء [كما هو عادة أكثر النفوس تمسك الجيد لها وتخرج الرديء] للفقير ونهيه سبحانه عن قصد ذلك وتيممه فيه ما يشبه العذر لمن فعل ذلك لا عن قصد وتيمم بل [إما] عن اتفاق إذا كان هو الحاضر إذ ذاك أو كان ماله من جنسه فإن هذا لم يتيمم الخبيث بل تيمم إخراج بعض ما من الله عليه وموقع قوله: منه تنفقون موقع الحال أى لا تقصدوه منفقين منه. ثم قال [تعالى] : ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه [البقرة: 267]  أى لو كنتم أنتم المستحقين له وبذل لكم لم تأخذوه فى حقوقكم إلا بأن تتسامحوا فى أخذه وتترخصوا فيه من قولهم: أغمض فلان عن بعض حقه ويقال للبائع: أغمض- أى لا تستقص- كأنك لا تبصر وحقيقته من إغماض الجفن فكأن الرائى لكراهته له لا يملأ عينه منه بل يغمض من بصره ويغمض عنه بعض نظره بغضا ومنه قول الشاعر: لم يفتنا بالوتر قوم وللضي م رجال يرضون بالإغماض وفيه معنيان: أحدهما كيف تبذلون لله وتهدون له ما لا ترضون ببذله لكم ولا يرضى أحدكم من صاحبه أن يهديه له والله أحق من يخير له [خيار] الأشياء وأنفسها والثانى كيف تجعلون له ما تكرهون لأنفسكم وهو سبحانه طيب لا يقبل إلا طيبا ثم ختم الآيتين بصفتين يقتضيهما سياقهما فقال: واعلموا أن الله غنى حميد [البقرة: 267] فغناه وحمده يأبى قبول الرديء فإن قابل الرديء الخبيث إما أن يقبله لحاجته إليه وإما أن نفسه لا تأباه لعدم كمالها وشرفها وأما الغنى عنه الشريف القدر الكامل الأوصاف فإنه لا يقبله. ثم قال تعالى: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم [البقرة: 268] هذه الآية تتضمن الحض على الإنفاق والحث عليه بأبلغ الألفاظ وأحسن المعانى فإنها اشتملت على بيان الداعى إلى البخل والداعى إلى البذل والإنفاق وبيان ما يدعوه إليه داعى البخل وما يدعو إليه داعى الإنفاق وبيان ما يدعو به داعى الأمرين. فأخبر سبحانه أن الذى يدعوهم إلى البخل والشح هو الشيطان وأخبر أن دعوته هى بما يعدهم به ويخوفهم من الفقر إن أنفقوا أموالهم وهذا هو الداعى الغالب على الخلق فإنه يهم بالصدقة والبذل فيجد فى قلبه داعيا يقول له: متى أخرجت هذا دعتك الحاجة إليه وافتقرت إليه بعد(1\/374)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "390",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11985",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إخراجه وإمساكه خير لك حتى لا تبقى مثل الفقير فغناك خير لك من غناه. فإذا صور له هذه الصورة أمره بالفحشاء وهى البخل الذى هو من أقبح الفواحش. وهذا إجماع من المفسرين أن الفحشاء هنا البخل فهذا وعده وهذا أمره وهو الكاذب فى وعده الغار الفاجر فى أمره. [فالمستجيب] لدعوته مغرور مخدوع مغبون فإنه يدلى من يدعوه بغروره ثم يورده شر الموارد. كما قال: دلاهم بغرور ثم أوردهم ... إن الخبيث لمن والاه غرار هذا وإن وعده له الفقر ليس شفقة عليه ولا نصيحة له كما ينصح الرجل أخاه ولا محبة فى بقائه غنيا بل لا شيء أحب إليه من فقره وحاجته وإنما وعده له بالفقر وأمره إياه بالبخل ليسيء ظنه بربه ويترك ما يحبه من الإنفاق لوجهه فيستوجب منه الحرمان. وأما الله سبحانه فإنه يعد عبده مغفرة منه لذنوبه وفضلا بأن يخلف عليه أكثر مما أنفق وأضعافه إما فى الدنيا أو فى الدنيا والآخرة فهذا وعد الله وذاك وعد الشيطان فلينظر البخيل والمنفق أى الوعدين هو أوثق وإلى أيهما يطمئن قلبه وتسكن نفسه والله يوفق من يشاء ويخذل من يشاء وهو الواسع العليم. وتأمل كيف ختم هذه الآية بهذين الاسمين فإنه واسع العطاء عليم بمن يستحق فضله ومن يستحق عدله فيعطى هذا بفضله ويمنع هذا بعدله وهو بكل شيء عليم. فتأمل هذه الآيات ولا تستطل بسط الكلام فيها فإن لها شأنا لا يعقله إلا من عقل عن الله خطابه وفهم مراده: وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون [العنكبوت: 43] . وتأمل ختم هذه السورة التى هى سنام القرآن بأحكام الأموال وأقسام الأغنياء وأحوالهم وكيف قسمهم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: محسن وهم quot;المتصدقونquot; فذكر جزاءهم ومضاعفته وما لهم فى قرض أموالهم للمليء الوفى ثم حذرهم مما يبطل ثواب صدقاتهم ويحرقها بعد استوائها وكمالها من المن والأذى وحذرهم مما يمنع ترتب أثرها عليها ابتداء من الرياء ثم أمرهم أن يتقربوا إليه بأطيبها ولا يتيمموا أردأها وخبيثها ثم حذرهم من الاستجابة لداعى البخل والفحش وأخبر أن استجابتهم لدعوته وثقتهم بوعده أولى بهم وأخبر أن هذا من حكمته التى يؤتيها من يشاء من عباده وأن من أوتيها فقد أوتى خيرا كثيرا: أوتى(1\/375)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "391",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11986",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما هو خير وأفضل من الدنيا كلها لأنه سبحانه وصف الدنيا بالقلة فقال تعالى: قل متاع الدنيا قليل [النساء: 77]  وقال تعالى: ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا [البقرة: 269] . فدل على أن ما يؤتيه عبده من حكمته خير من الدنيا وما عليها ولا يعقل هذا كل أحد بل لا يعقله إلا من له لب وعقل زكى فقال تعالى: وما يذكر إلا أولوا الألباب [البقرة: 269]  ثم أخبر أن كل ما أنفقوه من نفقة أو تقربوا به إليه من نذر فإنه يعلمه فلا يضيع لديه بل يعلم ما كان لوجهه ويكل جزاء من عمل لغيره إلى من عمل له فإنه ظالم لنفسه وما له من نصير ثم أخبر سبحانه عن أحوال المتصدقين لوجهه فى صدقاتهم وأنه يثيبهم عليها إن أبدوها أو كتموها بعد أن تكون خالصة لوجهه فقال: إن تبدوا الصدقات فنعما هى [البقرة: 271] أى فنعم شيء هى وهذا مدح لها موصوفة بكونها ظاهرة بادية فلا يتوهم مبديها بطلان أثره وثوابه فيمنعه ذلك من إخراجها وينتظر بها الإخفاء فتفوت أو تعترضه الموانع ويحال بينه وبين قلبه أو بينه وبين إخراجها فلا يؤخر صدقة العلانية بعد حضور وقتها إلى وقت السر وهذه كانت حال الصحابة. ثم قال: وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم [البقرة: 271]  فأخبر أن إعطاءها للفقير فى خفية خير للمنفق من إظهارها وإعلانها. وتأمل تقييده تعالى الإخفاء بإيتاء الفقراء خاصة ولم يقل: وإن تحفوها فهو خير لكم فإن من الصدقة ما لا يمكن إخفاؤه كتجهيز جيش وبناء قنطرة وإجراء نهر أو غير ذلك وأما إيتاؤها الفقراء ففى إخفائها من الفوائد الستر عليه وعدم تخجيله بين الناس وإقامته مقام الفضيحة وأن يرى الناس أن يده هى اليد السفلى وأنه [فقير] لا شيء له فيزهدون فى معاملته ومعاوضته وهذا قدر زائد من الإحسان إليه بمجرد الصدقة مع تضمنه الإخلاص وعدم المراءاة وطلبهم المحمدة من الناس وكان إخفاؤها للفقير خيرا من إظهارها بين الناس ومن هذا مدح النبى صلى الله عليه وسلم صدقة السر وأثنى على فاعلها وأخبر أنه أحد السبعة الذين هم فى ظل عرش الرحمن يوم القيامة. ولهذا جعله سبحانه خيرا للمنفق وأخبر أنه يكفر عنه بذلك الإنفاق من سيئاته ولا يخفى عليه سبحانه أعمالكم ولا نياتكم فإنه بما تعملون خبير ثم أخبر أن هذا الإنفاق إنما(1\/376)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "392",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11987",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفعه لأنفاسهم يعود عليهم أحوج ما كانوا إليه فكيف يبخل أحدكم عن نفسه بما نفعه مختص بها عائد إليها. وإن نفقة المؤمنين إنما تكون ابتغاء وجهه خالصا لأنها صادرة عن إيمانهم وأن نفقتهم ترجع إليهم وافية كاملة ولا يظلم منها مثال ذرة. وصدر هذا الكلام بأن الله [سبحانه] هو الهادى الموفق لمعاملته وإيثار مرضاته وأنه ليس على رسوله هداهم بل عليه إبلاغهم وهو سبحانه الذى يوفق من يشاء لمرضاته. ثم ذكر [سبحانه] المصرف الذى توضع فيه الصدقة فقال تعالى: للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله لا يستطيعون ضربا فى الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا [البقرة: 273]  فوصفهم بست صفات: إحداها: الفقر الثانية: حبسهم أنفسهم فى سبيله تعالى وجهاد أعدائه ونصر دينه وأصل الحصر المنع فمنعوا أنفسهم من تصرفها فى أشغال الدنيا وقصروها على بذلها لله فى سبيله الثالثة: عجزهم عن الأسفار للتكسب والضرب فى الأرض هو السفر قال تعالى: علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون فى الأرض يبتبغون من فضل الله [المزمل: 20]  وقال تعالى: وإذا ضربتم فى الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة [النساء: 101]  الرابعة: شدة تعففهم وهو حسن صبرهم وإظهارهم الغنى حتى يحسبهم الجاهل أغنياء من تعففهم وعدم تعرضهم وكتمانهم حاجتهم الخامسة: أنهم يعرفون بسيماهم وهى العلامة الدالة على حالتهم التى [وصفهم] الله بها وهذا لا ينافى حسبان الجاهل أنهم أغنياء لأن الجاهل له ظاهر الأمر والعارف هو المتوسم المتفرس الذى يعرف الناس بسيماهم [ولهذا وصف الجاهل أغنياء وقال يعرفهم بسيماهم]  فالمتوسمون خواص المؤمنين كما قال تعالى: إن فى ذلك لآيات للمتوسمين [الحجر: 75]  السادسة: تركهم مسألة الناس فلا يسألونهم [شيئا] والإلحاف هو الإلحاح والنفى متسلط عليهما معا أى لا يسألون ولا يلحفون فليس يقع منهم سؤال يكون بسببه إلحاف. وهذا كقوله: quot;على لا حب لا يهتدى لمنارهquot; أى ليس فيه منار فيهتدى به وفيه كالتنبيه على أن المذموم من السؤال هو سؤال الإلحاف فأما السؤال بقدر الضرورة من غير إلحاف فالأفضل تركه ولا يحرم. فهذه ستة صفات للمستحقين للصدقة فألغاها أكثر(1\/377)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "393",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11988",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الناس ولحظوا منها ظاهر الفقر وزيه من غير حقيقته وأما سائر الصفات المذكورة فعزيز أهلها ومن يعرفهم أعز والله يختص بتوفيقه من يشاء. فهؤلاء هم المحسنون فى أموالهم. القسم الثانى: quot;الظالمونquot; وهم ضد هؤلاء الذين يذبحون المحتاج المضطر فإذا دعته الحاجة إليهم لم ينفسوا كربته إلا بزيادة على ما يبذلونه له وهم أهل الربا. فذكرهم تعالى بعد هذا فقال: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين [البقرة: 278]  فصدر الاية بالأمر بتقواه المضادة للربا وأمر بترك ما بقى من الربا بعد نزول الآية وعفا لهم عما قبضوه به قبل التحريم ولولا ذلك لردوا ما قبضوه به قبل التحريم وعلق هذا الامتثال على وجود الإيمان منهم والمعلق على شرط منتف عند انتفائه. ثم أكد عليهم التحريم بأغلظ شيء وأشده وهى محاربة المرابى لله ورسوله فقال تعالى: فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله [البقرة: 279] ففى ضمن هذا الوعيد أن المرابى محارب لله ورسوله قد آذنه الله بحربه ولم يجيء هذا الوعيد فى كبيرة سوى الربا وقطع الطريق والسعى فى الأرض بالفساد لأن كل واحد منهما مفسد فى الأرض قاطع الطريق على الناس هذا بقهره لهم وتسليطه عليهم وهذا بامتناعه من تفريج كرباتهم إلا بتحميلهم كربات أشد منها. فأخبر عن قطاع الطريق بأنهم يحاربون الله ورسوله وآذن هؤلاء إن لم يتركوا الربا بحربه وحرب رسوله ثم قال: وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم [البقرة: 279] يعنى إن تركتم الربا وتبتم إلى الله منه وقد عاقدتهم عليه [فإنما] لكم رؤوس أموالكم لا تزدادون عليها فتظلمون الآخذ ولا تنقصون منها فيظلمكم من أخذها. فإن كان هذا القابض معسرا فالواجب إنظاره إلى ميسرة وإن تصدقتم عليه وأبرأتموه فهو أفضل لكم وخير لكم فإن أبت نفوسكم وشحت بالعدل والواجب أو الفضل المندوب فذكروها يوما ترجعون فيه إلى الله وتلقون ربكم فيوفيكم جزاء أعمالكم أحوج ما أنتم إليه فذكر سبحانه المحسن وهو المتصدق ثم عقبه [بالظالم] وهو المرابى. ثم ذكر quot;العادلquot; فى آية التداين فقال تعالى: يا أيها الذين(1\/378)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "394",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11989",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "آمنوا إذا تداينتم بدين [البقرة: 282] الآية ولولا أن هذه الآية تستدعى سفرا وحدها لذكرت بعض تفسيرها. والغرض إنما هو التنبيه والإشارة وقد ذكر أيضا العادل وهو آخذ رأس ماله من غريمه لا بزيادة ولا نقصان ثم ختم السورة بهذه الخاتمة العظيمة التى هى من كنز تحت عرشه والشيطان يفر من البيت الذى تقرأ فيه وفيها من العلوم والمعارف وقواعد الإسلام وأصول الإيمان ومقامات الإحسان ما يستدعى بيانه كتابا مفردا. والمقصود ذكر طبقات الخلائق فى الدر الآخرة ولنعد إلى المقصود فإن هذا من سعى القلم ولعله أهم مما نحن بصدده: فهذه الطبقات الأربع من طبقات الأمة هم أهل الإحسان والنفع المتعدى وهم العلماء وأئمة العدل وأهل الجهاد وأهل الصدقة وبذل الأموال فى مرضاة الله فهؤلاء ملوك الآخرة وصحائف حسناتهم متزايدة تملى فيها الحسنات وهم فى بطون الأرض ما دامت آثارهم فى الدنيا فيا لها من نعمة ما أجلها وكرامة ما أعظمها يختص الله بها من يشاء من عباده. الطبقة الثامنة: طبقة من فتح الله له بابا من أبواب الخير القاصر على نفسه كالصلاة والحج والعمرة وقراءة القرآن والصوم والاعتكاف والذكر ونحوها مضافا إلى أداء فرائض الله عليه فهو جاهد فى تكثير حسناته وإملاء صحيفته وإذا عمل خطيئته تاب إلى الله منها. فهذا على خير عظيم وله ثواب أمثاله من أعمال الآخرة. ولكن ليس له إلا علمه فإذا مات طويت صحيفته [بموته] فهذه طبقة أهل الربح والحظوة أيضا عند الله. الطبقة التاسعة: طبقة أهل النجاة وهى طبقة من يؤدى فرائض الله ويترك محارم الله مقتصرا عل ذلك لا يزيد عليه ولا ينقص منه. فلا يتعدى إلى ما حرم الله عليه ولا يزيد على ما فرض عليه. هذا من المفلحين بضمان رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن أخبره بشرائع الإسلام فقال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه فقال صلى الله عليه وسلم: quot;أفلح إن صدق quot; وأصحاب هذه الطبقة مضمون لهم على الله تكفير سيئاتهم إذا أدوا فرائضه واجتنبوا كبائر ما نهاهم عنه. قال تعالى: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما [النساء: 31] . وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:(1\/379)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "395",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11990",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;الصلوات الخمس ورمضان إلى رمضان والجمعة إلى الجمعة مكفرات لما بينهن ما لم تغش كبيرةquot; فإن غشى أهل هذه الطبقة كبيرة وتابوا منها توبة نصوحا لم يخرجوا من طبقتهم [وكانوا] بمنزلة من لا ذنب له. فتكفير الصغائر يقع بشيئين: أحدهما: الحسنات الماحية والثانى: اجتناب الكبائر. وقد نص عليها سبحانه وتعالى فى كتابه فقال تعالى: وأقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات [هود: 114]  وقال تعالى: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم [النساء:31] . الطبقة العاشرة: طبقة قوم أسرفوا على أنفسهم وغشوا كبائر ما نهى الله عنه ولكن رزقهم الله التوبة النصوح قبل الموت فماتوا على توبة صحيحة. فهؤلاء [ناجون من عذاب الله إما قطعا عند قوم وإما ظنا ورجاء عند آخرين وهم] موكولون إلى المشيئة ولكن نصوص القرآن والسنة تدل على نجاتهم وقبول توبتهم وهو وعد وعدهم الله إياه والله لا يخلف الميعاد. فإن قيل: فما الفرق بين أهل هذه الطبقة والتى قبلها فإن الله إذا كفر عنهم سيئاتهم وأثبت لهم بكل سيئة حسنة كانوا كمن قبلهم أو أرجح قيل: قد تقدم الكلام على هذه المسألة بما فيه كفاية فعليك بمعاودته هناك. وكيف يستوى عند الله من أنفق عمره فى طاعته ولم يغش كبيرة ومن لم يدع كبيرة إلا ارتكبها وفرط فى أوامره ثم تاب فهذا غايته أن تمحى سيئاته ويكون لا له ولا عليه. وأما أن يكون هو ومن قبله سواء أو أرجح منه فكلا. الطبقة الحادية عشرة: طبقة أقوام خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا: فعملوا حسنات وكبائر ولقوا الله مصرين عليها غير تائبين منها لكن حسناتهم أغلب من سيئاتهم فإذا وزنت بها رجحت كفة الحسنات فهؤلاء أيضا ناجون فائزون قال تعالى: والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون [الأعراف: 8- 9] . قال حذيفة وعبد الله بن مسعود وغيرهما من الصحابة: يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: فمن رجحت حسناته على سيئاته بواحدة دخل الجنة ومن(1\/380)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "396",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11991",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجحت سيئاته على حسناته بواحدة دخل النار ومن استوت حسناته وسيئاته فهو من أهل الأعراف. وهذه الموازنة تكون بعد [القصاص]  واستيفاء المظلومين حقوقهم من حسناته فإذا بقى شيء منها وزن هو وسيئاته. ولكن هنا مسألة وهى: إذا وزنت السيئات بالحسنات فرجحت الحسنات هل يلغى المرجوح جملة ويصير الأثر للراجح فيثاب على حسناته كلها أو يسقط من الحسنات ما قابلها من السيئات المرجوحة ويبقى التأثير للرجحان فيثاب عليه وحده فيه قولان: هذا عند من يقول بالموازنة والحكمة وأما من ينفى ذلك فلا عبرة عنده بهذا وإنما هو موكول إلى محض المشيئة وعلى القول الأول فيذهب أثر السيئات جملة بالحسنات الراجحة وعلى القول الثانى يكون تأثيرها فى نقصان ثوابه لا فى حصول العقاب له ويترجح هذا القول الثانى بأن السيئات لو لم تحبط ما قبلها من الحسنات وكان العمل والتأثير للحسنات كلها لم يكن فرق بين وجودها وعدمها ولكان لا فرق بين المحسن الذى محض عمله حسنات وبين من خلط عملا صالحا وآخر سيئا. وقد يجاب عن هذا بأنها أثرت فى نقصان ثوابه ولا بد فإنه لو اشتغل فى زمن إيقاعها بالحسنات لكان أرفع لدرجته وأعظم لثوابه وإذا كان كذلك فقد ترجح القول الأول بأن الحسنات لما غلبت السيئات ضعف تأثير المغلوب المرجوح وصار الحكم للغالب دونه لاستهلاكه فى جنبه كما يستهلك يسير النجاسة فى الماء الكثير والماء إذا بلغ [قلتين] لم يحمل الخبثquot; والله أعلم. الطبقة الثانية عشر: قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فتقابل أثراهما [فتقاوما] فمنعتهم حسناتهم المساوية من دخول النار وسيئاتهم المساوية من دخول الجنة. فهؤلاء هم أهل أهل [الأعراف]  لم يفضل لأحدهم حسنة يستحق بها الرحمة من ربه ولم يفضل عليه سيئة يستحق بها العذاب. وقد وصف الله سبحانه وتعالى أهل هذه الطبقة فى سورة الأعراف- بعد أن ذكر دخول أهل النار وتلاعنهم فيها ومخاطبة أتباعهم لرؤسائهم وردهم عليهم ثم مناداة أهل الجنة أهل النار- فقال تعالى: وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون وإذا صرفت أبصارهم(1\/381)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "397",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11992",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين [الأعراف: 46- 47]  فقوله تعالى: وبينهما حجاب [الأعراف: 46] أى بين أهل الجنة والنار حجاب قيل: [هو] السور الذى يضرب بينهم له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب: باطنه الذى يلى المؤمنين فيه الرحمة وظاهره الذى يلى الكفار من [جهته] العذاب. والأعراف جمع عرف وهو المكان المرتفع وهو سور عال بين الجنة والنار [قيل: هو هذا السور الذى يضرب بينهم وقيل جبال بينم الجنة والنار] عليه أهل الأعراف. قال حذيفة وعبد الله بن عباس: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار فوقفوا هناك حتى يقضى الله فيهم ما يشاء ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته. قال عبد الله بن المبارك: أخبرنا أبو بكر الهذلى قال: كان سعيد بن جبير يحدث عن ابن مسعود قال: يحاسب الله الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة ومن كانت سيئاته أكثر [من حسناته بواحده] بواحدة دخل النار ثم قرأ قوله تعالى: فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم [الأعراف: 8- 9]  ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة أو يرجح. قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف. فوقفوا على الصراط ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا: سلام عليكم وإذا صرفوا أبصارهم إلى أصحاب النار قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين [الأعراف: 47]  فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورا يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم ويعطى كل عبد يومئذ نورا فإذا أتوا على الصراط سلب الله تعالى نور كل منافق ومنافقة فلما رأى أهل الجنة ما لقى المنافقون قالوا: ربنا أتمم لنا نورنا [التحريم: 8]  وأما أصحاب الأعراف فإن النور لم ينزع من أيديهم [ومنعتهم سيئاتهم أن يمضوا وبقى فى قلوبهم الطمع إذا لم يزغ النور من أيديهم] فيقول الله: لم يدخلوها وهم يطمعون [الأعراف: 46]  فكان الطمع للنور الذى فى أيديهم ثم أدخلوا الجنة وكانوا آخر أهل الجنة دخولا. يريد آخر أهل الجنة دخولا ممن لم يدخل النار. وقيل: هم قوم خرجوا فى الغزو بغير إذن آبائهم فقتلوا فأعتقوا من النار لقتلهم فى سبيل الله وحبسوا عن الجنة لمعصية آبائهم. وهذا من جنس القول الأول وقيل: هم قوم رضى عنهم أحد الأبوين دون الآخر يحبسون على الأعراف حتى يقضى الله بين الناس ثم(1\/382)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "398",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11993",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يدخلهم الجنة وهى من جنس ما قبله فلا تناقض بينهما. وقيل: هم أصحاب الفترة وأطفال المشركين. وقيل: هم أولو الفضل من المؤمنين علوا على الأعراف فيطلعون على أهل النار وأهل الجنة جميعا. وقيل: هم الملائكة لا من بنى آدم. والثابت عن الصحابة هو القول الأول وقد رويت فيه آثار كثيرة مرفوعة لا تكاد تثبت [أسانيدها] . وآثار الصحابة فى ذلك المعتمدة. وقد اختلف فى تفسير الصحابى هل له حكم المرفوع أو الموقوف على قولين: الأول اختيار أبى عبد الله الحاكم والثانى هو الصواب ولا نقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نعلم أنه قاله. وقوله تعالى: وعلى الأعراف رجال [الأعراف: 46] صريح فى أنهم من بنى آدم ليسوا من الملائكة. وقوله تعالى: يعرفون كلا بسيماهم [الأعراف: 46]  يعنى يعرفون الفريقين بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم [الأعراف: 46]  أى نادى أهل الأعراف أهل الجنة بالسلام. قوله تعالى: لم يدخلوها وهم يطمعون الضميرات فى الجملتين لأصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة بعد وهم يطمعون فى دخولها. قال أبو العالية: ما جعل الله ذلك الطمع فيهم إلا كرامة يريدها بهم وقال الحسن: الذى [جعل] الطمع فى قلوبهم يوصلهم إلى ما يطمعون وفى هذا رد على وقول من قال: إنهم أفاضل المؤمنين علوا على الأعراف يطالعون أحوال الفريقين فعاد الصواب إلى تفسير الصحابة وهم أعلم الأمة بكتاب الله ومراده منه. ثم قال تعالى: وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين هذا دليل على [أنهم] بمكان مرتفع بين الجنة والنار فإذا أشرفوا على أهل الجنة نادوهم بالسلام وطمعوا فى الدخول إليها وإذا أشرفوا على أهل النار سألوا الله أن لا يجعلهم معهم ثم قال تعالى: ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم يعنى من الكفار الذين فى النار فقالوا لهم: ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون [الأعراف:48] يعنى ما نفعكم جمعكم وعشيرتكم وتجرؤكم على [أهل] الحق ولا استكباركم وهذا إما نفى وإما استفهام وتوبيخ وهو أبلغ وأفخم. ثم نظروا إلى الجنة فرأوا من الضعفاء الذين كان الكفار يسترذلونهم فى الدنيا ويزعمون أن الله لا يختصهم دونهم بفضله كما لم يختصهم دونهم فى الدنيا فيقول لهم أهل الأعراف:(1\/383)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "399",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11994",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أهؤلاء الذين أقسمتم أيها المشركون أن الله تعالى لا ينالهم برحمة فها هم فى الجنة يتمتعون ويتنعمون وفى رياضها يحبرون ثم يقال لأهل الأعراف: ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون [الأعراف: 49] . وقيل: إن أصحاب الأعراف إذا عيروا الكفار وأخبروهم أنهم لم يغن عنهم [جموعهم] واستكبارهم عيرهم الكفار بتخلفهم عن الجنة وأقسموا أن الله لا ينالهم برحمة لما رأوا من تخلفهم عن الجنة وأنهم يصيرون إلى النار فتقول لهم الملائكة حينئذ: أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون [الأعراف: 49]  والقولان قويان محتملان والله أعلم. فهؤلاء الطبقات هم أهل الجنة الذين لم تمسهم النار. الطبقة الثالثة عشرة: طبقة أهل المحنة والبلية نعوذ بالله. وإن كانت آخرتهم إلى عفو وخير وهم قوم مسلمون خفت موازينهم ورجحت سيئاتهم على حسناتهم فغلبتها السيئات فهذه الطبقة التى اختلفت فيها أقاويل الناس وكثر فيها خوضهم وتشعبت مذاهبهم وتشتتت آرآوهم فطائفة كفرتهم وأوجبت لهم الخلود فى النار وهذا مذهب أكثر الخوارج بل يكفرون من هو أحسن حالا منهم وهو مرتكب الكبيرة الذى لم يتب منها ولو استغرقتها حسناته. وطائفة أوجبت لهم الخلود فى النار ولم تطلق عليهم اسم الكفر بل سموهم منافقين. وهذا المذهب ينسب إلى البكرية أتباع بكر ابن أخت عبد الواحد. وطائفة نزلتهم منزلة بين منزلة الكفار والمؤمنين فجعلوا أقسام الخلق ثلاثة: مؤمنين وكفارا وقسما لا مؤمنين ولا كفارا بل بينهما وأوجبت لهم الخلود فى النار وهذا هو الرأى الذى عليه أهل الاعتزال وهو أحد أصولهم الخمسة التى هى قواعد مذهبهم وهى: التوحيد الذى مضمونه جحد صفات الخالق ونعوت كماله والتعطيل المحض والعدل الذى مضمونه نفى عموم قدرة الله وأنه لا قدرة له على أفعال الحيوانات بل هى خارجة عن ملكه وخلقه وقدرته وأنه يريد ما لا يكون ويكون ما لا يريد فإنه لا يقدر أن يهدى ضالا ولا أن يضل مهتديا ولا يجعل المصلى مصليا ولا الذاكر ذاكرا ولا الطائف طائقا تعالى الله عن إفكهم(1\/384)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "400",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11995",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وشركهم علوا كبيرا. والمنزلة بين المنزلتين التى مضمونها إيجاب [الخلود فى النار] للمسلم المبالغ فى طاعة ربه الذى أفنى عمره فى عبادته وطاعته ومات مصرا على كبيرة واحدة تعالى الله عما نسبوه إليه من ذلك وجل عن هذا الافتراء. والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الذى مضمونه الخروج على أئمة الجور بالسيف وخلع اليد من طاعتهم ومفارقة جماعة المسلمين. والأصل الخامس: النبوة مع أنهم لم يوفوها حقها بل هضموها غاية الهضم من وجوه كثيرة ليس هذا موضعها. والمقصود أن مذهبهم تخليد هذه الطبقة فى النار وإن لم يسموهم كفارا فوافقوا الخوارج فى الحكم وخالفوهم فى الاسم. ولهذا تسمى هذه المسألة من مسائل الأسماء والأحكام. فهذه ثلاث فرق أوجبت لهذه الطائفة الخلود فى النار وقالت المرجئة على اختلاف آرائهم: لا يدرى ما يفعل الله بهم فيجوز أن يعذبهم كلهم وأن يعفو عنهم كلهم وأن يعذب بعضهم ويعفو عن بعضهم غير أنهم لا يخلد أحد منهم فى النار فجوزوا أن يلحق بعضهم بمن ترجحت حسناته على سيئاته بل جوزوا أن يرفع عليه فى الدرجة. فهم موكلون عندهم إلى محض المشيئة لا يدرى ما يفعل الله بهم بل يرجأ أمرهم إلى الله وحكمه وهذا قول كثير من المتكلمين والفقهاء والصوفية وغيرهم. فهذه الأقوال [هى] التى يعرفها أكثر الناس ولا يحكى أهل الكلام غيرها وقول الصحابة والتابعين وأئمة الحديث لا [يعرفونه] ولا يحكونه [وهو] الذى ذكرناه عن ابن عباس وحذيفة وابن مسعود [رضى الله عنهم] أن من ترجحت سيئاته بواحدة دخل النار. وهؤلاء هم القسم الذين جاءت فيهم الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم يدخلون النار فيكونون فيها على مقدار أعمالهم: فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه النار إلى أنصاف ساقيه ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه ويلبثون فيها على قدر أعمالهم ثم يخرجون منها فينبتون على [أنهار] الجنة: فيفيض عليهم أهل الجنة من الماء حتى تنبت أجسادهم ثم يدخلون الجنة. وهم الطبقة الذين يخرجون من النار بشفاعة الشافعين وهم الذين يأمر الله سيد الشفعاء مرارا أن يخرجهم من النار بما معهم من الإيمان. وإخبار النبى صلى الله عليه وسلم أنهم يكونون فيها على قدر أعمالهم مع قوله تعالى: بما كنتم تعملون [الأعراف: 43] [النحل:32 الزخرف 72 الطور:19 السجدة:14 المرسلات:43] (1\/385)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "401",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11996",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "و هل تجزون إلا ما كنتم تعملون [النمل: 90]  وقوله تعالى: ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون [آل عمران: 171] . وأضعاف ذلك من نصوص القرآن والسنة يدل على ما قاله أفضل الأمة وأعلمها بالله وكتابه وأحكام الدارين أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والعقل والفطرة تشهد له وهو مقتضى حكمة العزيز الحكيم الذى بهرت حكمته العقول. فليس الأمر سببا خارجا عن الضبط والحكمة بل مربوط بالأساليب والحكم مرتب عليها أكمل ترتيب جار على نظام اقتضاه السبب واستدعته الحكمة. وأى الطريق سلكها سالك غير هذه الطريق من الطرق المتقدمة أفضت به إلى ترك بعض النصوص ولا بد فإنها تتناقض فى حقه لما أصله من الأصل الذى لا يلتئم عليه جمع النصوص فلا بد أن يرد بعضها ببعض أو يستشكلها أو يتطلب لها مستنكر التأويلات [ووجوه] التحريفات. كما رد الخوارج والمعتزلة النصوص المتواترة الدالة على خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة [ف] كذبوا بها وقالوا: لا سبيل لمن دخل النار إلى الخروج منها بشفاعة ولا غيرها. ولما بهرتهم نصوص الشفاعة وصاح بهم أهل السنة وأئمة الإسلام من كل قطر وجانب ورموهم بسهام الرد عليهم أحالوا بالشفاعة على زيادة الثواب فقط لا على الخروج من النار فردوا السنة المتواترة قطعا وصاروا مضغة فى أفواه الأمة وعارا فى فرقها فإن أمر الشفاعة أظهر عند الأمة من أن يقبل شكا أو نزاعا وهو عندهم مثل الصراط والحساب ونحوهما مما يعلم إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم به قطعا ولكن إنما أتى القوم لأنهم فى غاية البعد عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أجانب عنه ليسوا من الورثة وأما الخوارج فكذبوا الصحابة صريحا وأما المرجئة فإنهم يجوزون أن لا يدخل النار أحد من أهل التوحيد. وهذا بخلاف المعلوم المتواتر من نصوص السنة بدخول بعض أهل الكبائر النار ثم خروجهم منها بالشفاعة ومع هذا التواتر الذى لا يمكن دفعه لا يجوز أن يقال بجواز أن لا يدخل أحد منهم النار بل لا بد من دخول بعضهم وذلك البعض هو الذى خفت موازينه ورجحت سيئاته كما قال الصحابة [رضى الله عنهم] وحكى أبو محمد بن حزم هذا إجماعا من أهل السنة. ولولا أن المقصود ذكر الطبقات لذكرنا ما لهذه المذاهب وما عليها وبينا تناقض أهلها وما وافقوا فيه الحق وما خالفوه بالعلم والعدل لا بالجهل والظلم فإن كل طائفة منها معها حق وباطل(1\/386)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "402",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11997",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالواجب موافقتهم فيما قالوه من الحق ورد ما قالوه من الباطل. ومن فتح الله له بهذه الطريق فقد فتح له من العلم والدين كل باب ويسر عليه فيهما الأسباب. والله المستعان. الطبقة الرابعة عشرة: قوم لا طاعة لهم ولا معصية ولا كفر ولا إيمان. وهؤلاء أصناف: منهم من لم تبلغه الدعوة بحال ولا سمع لها بخبر ومنهم المجنون الذى لا يعقل شيئا ولا يميز ومنهم الأصم الذى لا يسمع شيئا أبدا ومنهم أطفال المشركين الذين ماتوا قبل أن يميزوا شيئا. فاختلفت الأمة فى حكم هذه الطبقة اختلافا كثيرا والمسألة التى وسعوا فيها الكلام هى مسألة أطفال المشركين. وأما أطفال المسلمين فقال الإمام أحمد: لا يختلف فيهم أحد [يعنى] أنهم فى الجنة. وحكى ابن عبد البر عن جماعة: أنهم توقفوا فيهم وأن جميع الولدان تحت المشيئة قال: وذهب إلى هذا القول جماعة كثيرة من أهل الفقه والحديث منهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك وإسحاق ابن راهويه قالوا: وهو شبه ما رسم مالك فى موطئه فى أبواب القدر وما أورده من الأحاديث فى ذلك. وعلى أكثر أصحابه وليس عن مالك فيه شيء منصوص إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين فى الجنة وأطفال المشركين خاصة فى المشيئة. وأما أطفال المشركين فللناس فيهم ثمانية مذاهب: أحدها: الوقف فيهم وترك الشهادة بأنهم فى الجنة أو فى النار بل يوكل علمهم إلى الله تعالى ويقال الله أعلم ما كانوا عاملين. واحتج هؤلاء بحجج: منها ما أخرجاه فى الصحيحين من حديث أبى هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot;ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه كما تنتج البهيمة من بهيمة جمعاء هل [يحسن] فيها من جدعاءquot; قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير قال: quot;الله أعلم بما كانوا عاملينquot; ومنها ما فى الصحيحين أيضا عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن أولاد المشركين فقال: quot;الله أعلم بما كانوا عاملين quot;. وفى صحيح أبى حاتم بن حبان من حديث جرير بن حازم قال: سمعت أبا رجاء [العطاردى] يقول وهو على المنبر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;لا يزال أمر هذه الأمة قواما- أو مقاربا- ما لم يتكلموا فى الولدان والقدرquot;. قال أبو حاتم: الولدان أراد به أطفال المشركين. وفى استدلال هذه الفرقة على ما [ذهبت] إليه من(1\/387)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "403",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11998",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الموقف بهذه النصوص نظر. فإن النبى صلى الله عليه وسلم لم يجب فيهم بالوقف وإنما وكل علم ما كانوا يعملون لو عاشوا إلى الله سبحانه وتعالى. والمعنى: الله أعلم بما كانوا يعملون لو عاشوا. فهو سبحانه وتعالى يعلم القابل منهم للهدى العامل به لو عاش والقابل منهم للكفر المؤثر له لو عاش [و] لكن لا يدل هذا على أنه يجزيهم [بمجرد] علمه فيهم بلا عمل يعملونه وإنما يدل على أنه [سبحانه وتعالى] يعلم منهم ما هم عاملون بتقدير حياتهم. وهذا الجواب خرج عن النبى صلى الله عليه وسلم على وجهين: أحدهما: جواب لهم إذ سألوه عنهم: ما حكمهم فقال: quot;الله أعلم بما كانوا عاملينquot; وهو فى هذا الوجه يتضمن أن الله سبحانه وتعالى يعلم من يؤمن منهم ومن يكفر بتقدير الحياة وأما المجازاة على العلم فلم يتضمنها جوابه صلى الله عليه وسلم. وفى صحيح أبى عوانة الإسفراينى عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس: كان النبى صلى الله عليه وسلم فى بعض مغازيه فسأله رجل: ما [تقول] فى اللاهين فسكت عنه فلما فرغ من [غزوه وطاف] إذا هو بصبى يبحث فى الأرض فأمر مناديه فنادى: quot;أين السائل عن اللاهينquot; فأقبل الرجل فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الأطفال وقال: الله أعلم بما كانوا عاملينquot;. والوجه الثانى: جواب لهم حين أخبرهم أنهم من آبائهم فقالوا: بلا عمل فقال: quot;الله أعلم بما كانوا عاملينquot; كما روى أبو داود عن عائشة [رضى الله عنه] قالت: قلت: يا رسول الله ذرارى المؤمنين قال: quot;من آبائهمquot; فقلت: يا رسول الله بلا عمل قال: quot;الله أعلم بما كانوا عاملينquot; [قلت: يا رسول الله فذرارى المشركين قال: quot;هم من آبائهمquot; فقلت: يا رسول الله بلا عمل قال: quot;الله أعلم بما كانوا عاملين] quot;. ففى هذا الحديث ما يدل على أن الذين يلحقون بآبائهم منهم هم الذين علم الله أنهم لو عاشوا لاختاروا الكفر وعملوه به. فهؤلاء مع آبائهم ولا يقتضى أن كل واحد من الذرية مع أبيه فى النار. فإن الكلام فى هذا الجنس سؤالا وجوابا والجواب يدل على التفصيل فإن قوله صلى الله عليه وسلم: quot;الله أعلم بما كانوا عاملينquot; يدل على أنهم متباينون فى التبعية بحسب نياتهم [فى] معلوم الله فيهم. بقى أن يقال: فالحديث يدل على أنهم يلحقون بآبائهم من غير عمل ولهذا فهمت ذلك منه عائشة فقالت: بلا عمل فأقرها عليه السلام فقال: quot;الله أعلم بما كانوا عاملينquot; ويجاب عن هذا بأن الحديث إنما دل على أنهم يلحقون بهم بلا عمل عملوه فى الدنيا وهو الذى فهمته عائشة. ولا ينفى هذا أن يلحقوا بهم [بأسباب آخر يمتحنهم بها فى عرصات القيامة كما سيأتى بيانه] إن شاء الله. فحينئذ يلحقون بآبائهم ويكونون منهم بلا عمل عملوه فى الدنيا وعائشة [رضى الله عنه] إنما(1\/388)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "404",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "11999",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "استشكلت لحاقهم بهم بلا عمل عملوه مع الآباء وأجابها النبى صلى الله عليه وسلم بأن الله سبحانه وتعالى يعلم منهم ما هم عاملوه ولم يقل لها: إنه يعذبهم بمجرد علمه فيهم. وهذا ظاهر بحمد الله لا إشكال فيه. وأما حديث أبى رجاء العطاردى عن ابن عباس ففى القلب من رفعه شيء وإن أخرجه ابن حبان فى صحيحه وهو يدل على ذم من تكلم فيهم بغير علم أو ضرب النصوص بعضها ببعض فيهم كما ذم من تكلم فى القدر بمثل ذلك وأما من تكلم فيهم بعلم وحق فلا. المذهب الثانى: أنهم فى النار. وهذا قول جماعة من المتكلمين وأهل التفسير وأحد الوجهين لأصحاب أحمد وحكاه القاضى نصا عن أحمد واحتج هؤلاء بحديث عائشة المتقدم واحتجوا بما رواه أبو عقيل يحيى بن المتوكل عن بهية عن عائشة: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المسلمين أين هم قال: quot;فى الجنةquot; وسألته عن أولاد المشركين أين هم يوم القيامة قال: quot;فى النارquot; فقلت: لم يدركوا الأعمال ولم تجر عليهم الأقلام. قال: quot;ربك أعلم بما كانوا عاملينquot; قلت: يحيى بن المتوكل لا يحتج بحديثه فإنه فى غاية من الضعف. وأما حديث عائشة المتقدم فهو من حديث عمر بن ذر وتفرد به عن يزيد عن أبى أمية أن البراء بن عازب أرسل إلى عائشة يسألها عن الأطفال فذكرت الحديث هكذا قال مسلم بن قتيبة [عنه]  وقال غيره: عن عمر بن ذر عن يزيد عن رجل عن البراء ورواه الإمام أحمد فى مسنده من حديث عتبة بن ضمرة بن حبيب: حدثنى عبد الله بن أبى قيس مولى غطيف أنه سأل عائشة فذكرت الحديث. وعبد الله هذا ينظر فى حاله وليس بالمشهور. واحتجوا بما رواه عبد الله بن أحمد فى مسند أبيه عن عثمان بن أبى شيبة عن محمد بن فضيل بن غزوان عن محمد بن عثمان عن زاذان عن على قال: سألت خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ولدين لها ماتا فى الجاهلية فقال: quot;هما فى النارquot; رأى الكراهية فى وجهها قال: quot;لو رأيت مكانهما لأبغضتهماquot; قالت: يا رسول الله فولدى منك قال: quot;إن المؤمنين وأولادهم فى الجنة وإن المشركين وأولادهم فى النارquot; ثم قرأ: والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم [الطور: 21] . وهذا معلول من وجهين أحدهما: أن محمد بن عثمان مجهول والثانى: أن زاذان لم يدرك عليا. وقال جماعة عن داود بن أبى هند عن الشعبى عن علقمة عن سلمة بن قيس الأشجعى(1\/389)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "405",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12000",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: أتيت أنا وأخى النبى صلى الله عليه وسلم فقلنا: إن أمنا ماتت فى الجاهلية وكانت تقرى الضيف وتفعل وتفعل فهل نافعها ذلك شيئا قال صلى الله عليه وسلم: quot;لاquot; قلنا: فإنها كانت وأدت أختا لنا فى الجاهلية لم تبلغ الحنث [فقال] : quot;الوائدة والموؤدة فى النار إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فتسلمquot; وهذا إسناد لا بأس به وبحديث خديجة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولادها الذين ماتوا فى الشرك فقال: quot;إن شئت أسمعتك تضاغيهم فى النارquot; قال شيخنا: وهذا حديث باطل موضوع. واحتجوا أيضا بما روى البخارى فى صحيحه فى حديث احتجاج الجنة والنار عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;وأما النار فينشيء الله لها خلقا يسكنهم إياهاquot; قالوا: فهؤلاء ينشؤون للنار بغير عمل فلأن يدخلها من ولد فى الدنيا بين كافرين أولى. وهذه حجة باطلة فإن هذه اللفظة وقعت غلطا من بعض الرواة وبينها البخارى فى الحديث الآخر وهو الصواب فقال فى صحيحه: حدثنى عبد الله بن محمد انبأنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن همام عن أبى هريرة قال النبى صلى الله عليه وسلم: quot;تحاجت الجنة والنار فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة: مالى لا يدخلنى إلا ضعفاء الناس وسقطهم قال الله عز وجل للجنة: أنت رحمتى أرحم بك من أشاء من عبادى وقال تعالى للنار: أنت عذابى أعذب بك من أشاء من عبادى ولكل واحدة منكما ملؤها: فأما النار فلا تمتليء حتى يضع الجبار عز وجل رجله فتقول: قط قط فهناك تمتليء ويزوى بعضها إلى بعض ولا يظلم الله من خلقه أحدا. وأما الجنة فإن الله ينشيء لها خلقاquot; فهذا هو الذى قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا ريب وهو الذى ذكره فى التفسير [وقال] وفى باب ما جاء فى قوله تعالى: إن رحمة الله قريب من المحسنين [الأعراف: 56] : حدثنا عبد الله بن سعد حدثنا يعقوب حدثنا أبى عن صالح بن كيسان عن الأعرج عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: quot;اختصمت الجنة والنار إلى ربهما فقالت الجنة: يا رب مالها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم وقالت النار: إنى أوثرت بالمتكبرين فقال الله تعالى للجنة: أنت رحمتى وقال تعالى للنار: أنت عذابى أصيب بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها قال: فأما الجنة فإن الله تعالى لا يظلم من خلقه أحدا وإنه ينشيء للنار من يشاء فيلقون فيها فتقول: هل من مزيد ثلاثا حتى يضع قدمه فيها فتمتليء ويرد بعضها إلى بعض فتقول: قط(1\/390)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "406",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12001",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قط قطquot; فهذا غير محفوظ وهو مما انقلب لفظه على بعض الرواة قطعا كما انقلب على بعضهم قوله صلى الله عليه وسلم: quot;إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتومquot; فقال: quot;إن ابن مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلالquot;. وله نظائر وحديث الأعرج عن أبى هريرة لم يحفظ كما ينبغى وسياقه يدل على أن رواية لم يقم متنه بخلاف حديث همام عن أبى هريرة واحتجوا بما رواه أبو داود عن عامر الشعبى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;الوائدة والمؤودة فى النار quot;. قال يحيى بن زكريا: فحدثنى أبو إسحاق السبيعى: أن عامرا حدثه بذلك عن علقمة عن ابن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم ويأتى الجواب عن هذا الحديث إن شاء الله. والله أعلم. المذهب الثالث: أنهم فى الجنة وهذا قول طائفة من المفسرين والمتكلمين وغيرهم. واحتج هؤلاء بما رواه البخارى فى صحيحه عن سمرة بن جندب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم [يعنى] مما يكثر أن يقول لأصحابه: quot;هل رأى أحد منكم رؤياquot; قال: فنقص عليه ما شاء الله أن نقص وأنه قال لنا ذات غداة: quot;إنى أتانى الليلة آتيان- فذكر الحديث وفيه: فأتينا على روضة [معتمة] فيها من كل لون الربيع وإذا بين ظهرى الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولا فى السماء وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط- وفيه- وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرةquot; فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: quot;وأولاد المشركينquot; فهذا الحديث الصحيح صريح فى أنهم فى الجنة ورؤيا الأنبياء وحى. وفى مستخرج البرقانى على البخارى من حديث عوف الأعرابى عن أبى رجاء العطاردى عن سمرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: quot;كل مولود يولد على الفطرةquot; فقال الناس: يا رسول الله وأولاد المشركين قال: وأولاد المشركينquot;. وقال أبو بكر بن حمدان القطيعى: حدثنا بشر بن موسى حدثنا هوذة بن خليفة حدثنا عوف عن خنساء بنت معاوية قالت: حدثتنى عمتى قالت: يا رسول الله من فى الجنة قال: quot;النبى فى الجنة والشهيد فى الجنة والمؤودة فى الجنةquot; وكذلك رواه بندار عن غندر عن عوف. واحتجوا بقوله تعالى: وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم [الأعراف: 172]  وبقوله تعالى: لا يصلاها إلا الأشقى [الليل: 15]  وبقوله تعالى:(1\/391)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "407",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12002",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أعدت للكافرين [البقرة: 24]  وبقوله تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [الإسراء: 15]  وهؤلاء لم تقم عليهم حجة الله بالرسل فلا يعذبهم [واحتجوا بقوله تعالى رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس حجة بعد الرسل [النساء: 165] واحتجوا بقوله تعالى: وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث فى أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكى القرى إلا وأهلها ظالمون [القصص:95]  فإذا كان سبحانه لا يهلك القرى فى الدنيا ويعذب أهلها إلا بظلمهم فكيف يعذب فى الآخرة العذاب الدائم من لم يصدر منه ظلم ولا يقال: كما أهلكه فى الدنيا تبعا لأبويه وغيرهم [فكذلك] يدخله النار تبعا لهم لأن مصائب الدنيا إذا وردت لا تخص الظالم وحده بل تصيب الظالم وغيره ويبعثون على نياتهم وأعمالهم كما قال تعالى: واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة [الأنفال: 25]  وكالجيش الذى يخسف بهم جميعهم وفيهم المكره والمستبصر وغيره. فأما عذاب الآخرة فلا يكون إلا للظالمين خاصة ولا يتبعهم فيه من لا ذنب له أصلا. وقال تعالى فى النار: كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء [الملك:89]  وقال [تعالى] لإبليس: لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين [النمل: 85]  وإذا امتلأت بإبليس وأتباعه فأين يستقر فيها من لم يتبعه قالوا: وأيضا فالقرآن مملوء من الأخبار بأن دخول النار إنما يكون بالأعمال كقوله تعالى: هل تجزون إلا ما كنتم تعملون [النمل: 90]  وقوله تعالى: ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا [الكهف: 49]  واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون [البقرة: 281]  وقوله تعالى: وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين [الزخرف: 76] إلى غير ذلك من النصوص. قالوا: وقد أخبر النبى صلى الله عليه وسلم أن كل مولود [يولد] على الفطرة وإنما يهوده وينصره أبواه فإذا مات قبل التهويد والتنصير مات على الفطرة فكيف يستحق النار وفى صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: quot;يقول الله: إنى خلقت عبادى حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهمquot; وقال محمد بن إسحاق عن ثور بن يزيد عن يحيى بن جابر عن عبد الرحمن بن عائذ عن عياض عن(1\/392)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "408",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12003",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النبى صلى الله عليه وسلم قال: quot;إن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين وأعطاهم المال حلالا لا حراماquot; فزاد quot;مسلمينquot;. قالوا: وأيضا فإن النار دار عدله [تعالى] والجنة دار فضله فلهذا ينشيء للجنة من لم يعمل عملا قط وأما النار فإنه لا يعذب بها إلا من عمل بعمل أهلها. وقالوا: وأيضا فإن النار دار جزاء فمن لم يعص الله طرفة عين كيف يجازى بالنار خالدا مخلدا أبد الآباد قالوا: وأيضا فلو عذب هؤلاء لكان تعذيبهم إما مع تكليفهم بالإيمان أو بدون التكليف. والقسمان ممتنعان: أما الأول فلاستحالة تكليف من لا تمييز له ولا عقل أصلا وأما الثانى فيمتنع أيضا بالنصوص التى ذكرناها وأمثالها من أن الله لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه. وقالوا: وأيضا فلو كان تعذيب هؤلاء لأجل عدم الإيمان المانع من العذاب لاشتركوا هم وأطفال المسلمين فى ذلك لاشتراكهم فى عدم الإيمان الفعلى علما وعملا. فإن قلتم: أطفال المسلمين منعهم تبعهم لآبائهم [من] العذاب بخلاف أطفال المشركين قلنا: الله [تعالى] لا يعذب أحدا بذنب غيره قال تعالى: ولا تزر وازرة وزر أخرى [الأنعام: 164]  وقال تعالى: فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون [يس: 54]  وهذه حجج كما ترى قوة وكثرة ولا سبيل إلى دفعها وسيأتى إن شاء الله فصل النزاع فى هذه المسألة والقول بموجب هذه الحجج الصحيحة كلها على أن عادتنا فى مسائل الدين كلها دقها وجلها أن نقول بموجبها ولا نضرب بعضها ببعض ولا نتعصب لطائفة على طائفة بل نوافق كل طائفة على ما معها من الحق ونخالفها فيما معها من خلاف الحق. لا نستثنى من ذلك طائفة ولا مقالة ونرجو من الله أن نحيا على ذلك ونموت عليه ونلقى الله به ولا حول ولا قوة إلا بالله. المذهب الرابع: أنهم فى منزلة بين المنزلتين بين الجنة والنار فإنهم ليس لهم إيمان يدخلون به الجنة ولا لآبائهم فوز يلحق بهم أطفالهم تكميلا لثوابهم وزيادة فى نعيمهم وليس لهم من الأعمال ما يستحقون به دخول النار. وهذا قول طائفة من المفسرين قالوا: وهم أهل الأعراف. وقال عبد العزيز ابن يحيى الكنانى: quot;هم الذين ماتوا فى الفترةquot; والقائلون بهذا إن أرادوا أن هذا المنزل مستقرهم أبدا فباطل فإنه لا دار للقرار إلا الجنة أو النار وإن أرادوا أنهم يكونون فيه مدة ثم يصيرون إلى دار القرار(1\/393)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "409",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12004",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا ليس بممتنع. المذهب الخامس: أنهم تحت مشيئة الله تعالى يجوز أن يعمهم بعذابه وأن يعمهم برحمته وأن يرحم بعضا ويعذب بعضا بمحض الإرادة والمشيئة ولا سبيل إلى إثبات شيء من هذه الأقسام إلا بخبر يجب المصير إليه ولا حكم فيهم إلا بمحض المشيئة. وهذا قول الجبرية نفاة الحكمة والتعليل وقول كثير من مثبتى القدر وغيرهم. المذهب السادس: أنهم خدم أهل الجنة ومماليكهم وهم معهم بمنزلة أرقائهم وممالكيهم فى الدنيا. واحتج هؤلاء بما رواه يعقوب بن عبد الرحمن القارى عن أبى حازم المدينى عن يزيد الرقاشى عن أنس قال الدارقطنى: ورواه عبد العزيز الماجشون عن ابن المنكدر عن يزيد الرقاشى عن أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: quot;سألت ربى للاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم فأعطانيهم فهم خدام أهل الجنةquot; يعنى الصبيان. فهذان طريقان وله طريق ثالث عن فضيل بن سليمان عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهرى عن أنس قال ابن قتيبة: اللاهون من لهيت عن الشيء إذ غفلت عنه وليس هو من لهوت وهذه الطرق ضعيفة فإن يزيد الرقاشى واه وفضيل بن سليمان متكلم فيه وعبد الرحمن بن إسحق ضعيف. المذهب السابع: أن حكمهم حكم آبائهم فى الدنيا والآخرة فلا يفردون عنهم بحكم فى الدارين فكما هم منهم فى الدنيا فهم منهم فى الآخرة. والفرق بين هذا المذهب ومن مذهب من يقول هم فى النار أن صاحب هذا المذهب يجعلهم معهم تبعا لهم حتى لو أسلم الأبوان بعد موت أطفالهما لم يحكم لأفراطهما بالنار وصاحب القول الآخر يقول هم فى النار لكونهم ليسوا بمسلمين لم يدخلوها تبعا. وهؤلاء يحتجون بحديث عائشة الذى تقدم ذكره واحتجوا بما فى الصحيحين عن الصعب بن جثامة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال: quot;هم منهمquot; ومثله من حديث الأسود بن سريع. وقد تقدم حديث أبى وائل عن ابن مسعود يرفعه: quot;الوائدة والموءودة فى النارquot; وهذا يدل على أنها كانت فى النار تبعا لها. قالوا: ويدل عليه قوله: والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان(1\/394)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "410",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12005",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امريء بما كسب رهين [الطور: 21]  فهذا يدل على أن إتباع الذرية لآبائهم ونجاتهم إنما كان إكراما لآبائهم وزيادة فى ثوابهم وأن الاتباع [إنما يستحق بإيمان الآباء فإذا انتفى إيمان الآباء انتفى اتباع] النجاة وبقى اتباع العذاب. ويفسره قوله صلى الله عليه وسلم: quot;هم منهمquot;. وأجيب عن حجج هؤلاء: أما حديث عائشة الذى فيه: quot;إنهم فى النارquot; فقد تقدم ضعفه. وأما حديثها الآخر: quot;هم من آبائهمquot; فمثل حديث الصعب والأسود بن سريع وليس فيه تعرض للعذاب بنفى ولا إثبات وإنما فيه أنهم تبع لآبائهم فى الحكم وأنهم إذا أصيبوا فى الجهاد والبيات لم يضمنوا بدية ولا كفارة. وهذا مصرح به فى حديث الصعب والأسود أنه فى الجهاد أما حديث عائشة الآخر فضعفه غير واحد. قالوا: وعبد الله بن أبى قيس مولى غطيف رواية عنها ليس بالمعروف فيقبل حديثه. وعلى تقدير ثبوته فليس فيه تصريح بأن السؤال وقع عن الثواب والعقاب. والنبى صلى الله عليه وسلم قال: quot;هم من آبائهمquot; ولم يقل هم معهم. وفرق بين الحرفين. وكونهم منهم لا يقتضى [أن يكونوا معهم فى أحكام الآخرة بخلاف كونهم منهم فإنه يقتضى] أن تثبت لهم أحكام الآباء فى الدنيا من التوارث والحضانة والنسب وغير ذلك من أحكام الإيلاد والله سبحانه يخرج الطيب من الخبيث والمؤمن من الكافر. وأما حديث ابن مسعود فليس فيه أن هذا حكم كل واحد من أطفال المشركين وإنما يدل على أن بعض أطفالهم فى النار وأن من هذا الجنس- وهن المؤودات- من يدخل النار وكونها موؤودة [لا يمنع من دخولها النار بسبب آخر وليس المراد أن كونها موءودة] هو السبب الموجب لدخول النار حتى يكون اللفظ عاما فى كل موؤدة وهذا ظاهر [ولكن كونها موءودة لا يرد عنها النار إذا استحقتها بسبب]  كما سيأتى بيانه بعد هذا إن شاء الله. وأحسن من هذا أن يقال: هى فى النار ما لم يوجد سبب يمنع من دخولها النار كما سنذكره إن شاء الله. ففرق بين أن تكون جهة كونها موؤدة هى التى استحقت بها دخول النار وبين كونها غير مانعة من دخول النار بسبب آخر وإذا كان تعالى يسأل [الوائدة] عن وأد ولدها بغير استحقاق ويعذبها على وأدها كما قال تعالى: وإذا الموءودة سئلت [التكوير:8]  فكيف يعذب الموءودة بغير ذنب والله سبحانه لا يعذب من وأدها بغير ذنب. وأما قوله(1\/395)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "411",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12006",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى: والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم [الطور: 21] فهذه الآية تدل على أن الله سبحانه يلحق ذرية المؤمنين بهم فى الجنة وإنهم يكونون معهم فى درجتهم. ومع هذه فلا يتوهم نزول [الأباء إلى درجة الذرية فإن الله لم يلتهم- أى لم ينقصهم من أعمالهم من شيئا بل رفع ذرياتهم إلى درجاتهم مع توفير أجور] الآباء عليهم [و] لما كان إلحاق الذرية بالآباء فى الدرجة إنما هو بحكم التبعية لا بالأعمال ربما توهم متوهم أن ذرية الكفار يلحقون بهم فى العذاب تبعا وإن لم يكن لهم أعمال الآباء فقطع تعالى هذا التوهم بقوله تعالى: كل امريء بما كسب رهين  وتأمل قوله تعالى: والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان [الطور: 21]  كيف أتى بالواو العاطفة فى اتباع الذرية وجعل الخبر عن المؤمنين الذين هذا شأنهم فجعل الخبر مستحقا بأمرين: أحدهما إيمان الآباء والثانى إتباع الله ذريتهم إياهم وذلك لا يقتضى أن كل مؤمن يتبعه كل ذرية له ولو أريد هذا المعنى لقيل: [والذين] آمنوا تتبعهم ذرياتهم فعطف الاتباع بالواو يقتضى أن يكون المعطوف بها قيدا وشرطا فى ثبوت الخبر لا حصوله لكل أفراد المبتدأ. وعلى هذا يخرج ما رواه مسلم فى صحيحه عن عائشة قالت أتى النبى صلى الله عليه وسلم بصبى من الأنصار يصلى عليه: فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا لم يعمل شرا ولم يدره به. قال: quot;أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وخلقها لهم وهم فى أصلاب آبائهم وخلق النار وخلق لها أهلا وخلقها لهم وهم فى أصلاب آبائهمquot; فهذا الحديث يدل على أنه لا يشهد لكل طفل من أطفال المؤمنين بالجنة وإن أطلق على أطفال المؤمنين بالجنة وإن أطلق على أطفال المؤمنين فى الجملة أنهم فى الجنة لكن الشهادة للمعين ممتنعة كما يشهد للمؤمنين مطلقا أنهم فى الجنة ولا يشهد لمعين بذلك إلا من شهد له النبى صلى الله عليه وسلم. فهذا وجه الحديث الذى يشكل على كثير من الناس ورده الإمام أحمد وقال: لا يصح. ومن يشك أن أولاد المسلمين فى الجنة وتأوله قوم تأويلات بعيدة. المذهب الثامن: أنهم يمتحنون فى [عرصة] القيامة ويرسل إليهم هناك رسول وإلى كل من لم تبلغه الدعوة فمن أطاع الرسول دخل الجنة ومن عصاه أدخله النار. وعلى هذا فيكون بعضهم فى الجنة وبعضهم فى النار. وبهذا يتألف شمل الأدلة كلها. وتتوافق الأحاديث ويكون معلوم الله [عز وجل] الذى أحال عليه النبى صلى الله عليه وسلم حيث يقول: quot;الله(1\/396)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "412",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12007",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أعلم بما كانوا عاملينquot; يظهر حينئذ ويقع الثواب والعقاب عليه حال كونه معلوما علما خارجيا لا علما مجردا ويكون النبى صلى الله عليه وسلم قد رد جوابهم إلى علم الله فيهم والله [تعالى] يرد ثوابهم وعقابهم إلى معلومه منهم فالخبر عنهم مردود إلى علمه ومصيرهم مردود إلى معلومه وقد جاءت بذلك آثار كثيرة يؤيد بعضها بعضا: فمنها ما رواه الإمام أحمد [فى مسنده] والبزار أيضا بإسناد صحيح فقال الإمام أحمد: حدثنا معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود بن سريع أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: quot;أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع ورجل هرم ورجل أحمق ورجل مات فى الفترة أما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وأنا ما أسمع شيئا وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحدفوننى بالبعر وأما الهرم [رب لقد جاء الإسلام وما أغفل وأما الذى فى الفترة] فيقول: رب ما أتانى رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه. فيرسل إليم رسولا أن ادخلوا النار فوالذى نفسى بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاماquot; قال معاذ [بن هشام] : وحدثنى أبى عن قتادة عن الحسن عن أبى رافع عن أبى هريرة بمثل هذا الحديث وقال فى آخره: quot;فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن لم يدخلها رد إليهاquot;. وهو فى مسند إسحاق عن معاذ بن هشام أيضا ورواه البزار ولفظه عن الأسود ابن سريع عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: quot;يعرض على الله تبارك وتعالى الأصم الذى لا يسمع شيئا والأحمق والهرم ورجل مات فى الفترة فيقول الأصم: رب جاء الإسلام وما أسمع شيئا والأحمق يقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا يقول الذى مات فى الفترة: رب ما أتانى لك رسول وذكر الهرم وما يقول قال: فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم [تبارك وتعالى] : ادخلوا النار فوالذى نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاماquot; قال الحافظ عبد الحق فى حديث الأسود: قد جاء هذا الحديث وهو صحيح فيما أعلم والآخرة ليست دار تكليف ولا عمل ولكن الله يخص من يشاء بما يشاء ويكلف من [يشاء ما شاء] وحيثما شاء لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. قلت: وسيأتى الكلام على وقوع التكليف فى الدار الآخرة وامتناعه عن قريب إن شاء الله ورواه على بن المدينى عن معاذ بنحوه. قال البيهقى: حدثنا على ابن محمد بن بشران أخبرنا أبو جعفر الرازى أخبرنا حنبل بن الحسين أخبرنا(1\/397)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "413",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12008",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "علي بن عبد الله وقال هذا إسناد صحيح , وأما حديث علي بن زيد بن جدعان عن أبى رافع عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم نحوه ورواه معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبى هريرة قوله. وروى محمد بن المبارك الصورى ثقة حدثنا عمرو بن واقد ضعيف حدثنا يونس بن ميسرة ثقة عن أبى إدريس الخولانى عن معاذ يرفعه: quot;يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلا وبالهالك فى الفترة وبالهالك صغيرا. فيقول الممسوخ عقلا: يا رب لو آتيتنى عقلا ما كان من آتيته عقلا بأسعد منى ويقول الهالك فى الفترة: يا رب لو آتانى منك عهد ما كان من آتاه منك عهد بأسعد بعهده منى منى فيقول الرب سبحانه: لئن أمرتكم بأمر فتطيعونى فيقولون: نعم وعزتك فيقول: اذهبوا فادخلوا النار فلو دخلوها ما ضرتهم قال: فيخرج عليهم قوابص يظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء فيأمرهم الثانية فيرجعون كذلك ويقولون: يا ربنا خرجنا وعزتك نريد دخولها فخرجت علينا قوابص من نار ظننا أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء فيأمرهم الثانية فيرجعون كذلك ويقولون مثل قولهم فيقول الله: قبل أن تخلقوا علمت ما أنتم عاملون وعلى علمى خلقتكم وإلى علمى تصيرون فتأخذهم النارquot; فهذا وإن كان عمرو بن واقد لا يحتج به فله أصل وشواهد والأصول تشهد له. وفى الباب أحاديث غير هذا. وقد رويت أحاديث الامتحان فى الآخرة من حديث الأسود بن سريع وصححه عبد الحق والبيهقى من حديث أبى هريرة وأنس ومعاذ وأبى سعيد. فأما حديث الأسود فرواه معاذ [عن] هشام عن أبيه عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود بن سريع أن النبى صلى الله عليه وسلم قال معاذ: وحدثنى أبى عن قتادة عن الحسن عن أبى رافع عن أبى هريرة ورواه أحمد وإسحاق عن معاذ [ورواه] حماد بن سلمة عن على بن زيد بن جدعان عن رافع عن أبى هريرة ورواه معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبى هريرة موقوفا عليه وهذا لا يضر الحديث فإنه إن سلك طريق ترجيح الزائد لزيادته فواضح وإن سلك طريق المعارضة فغايتها تحقق الوقف ومثل هذا لا يقدم عليه بالرأى إذ لا مجال له فيقبل بجزم بأن هذا توقيف لا عن رأى. وأما حديث أنس فرواه جرير بن عبد الحميد عن ليث بن أبى سليم عن عبد الوارث عن أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم: quot;يؤتى يوم القيامة بأربعة:(1\/398)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "414",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12009",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالمولود وبالمعتوه وبمن مات فى الفترة وبالشيخ الفانى كلهم يتكلم بحجته فيقول الرب سبحانه لعنق من جهنم: ابرزى. ويقول لهم: إنى كنت أبعث إلى عبادى رسولا من أنفسهم وإنى رسول نفسى إليكم. قال: ويقول لهم: ادخلوا هذه. ويقول من كتب عليه الشقاء: أنى ندخلها ومنها كنا نفر فيقول الله: فأنتم لرسلى أشد تكذيبا قال: وأما من كتب عليهم السعادة فيمضى فيقتحم فيها فيدخل هؤلاء إلى الجنة وهؤلاء إلى النارquot;. وهذا وإن لم يعتمد عليه بمجرده لمكان ليث بن أبى سليم عن عبد الوارث عن أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم [وأما حديث معاذ فتقدم الكلام عليه. وأما حديث أبى سعيد فرواه محمد بن يحيى الذهلى: أخبرنا سعيد بن سليمان عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبى سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot;الهالك فى الفترة والمعتوه والمولود يقول الهالك فى الفترة: لم يأتنى كتاب ويقول المعتوه: رب لم تجعل لى عقلا أعقل به خيرا ولا شرا. ويقول المولود: رب لم أدرك العقل فيرفع لهم نارا فيقول: ردوها قال: فيردها من كان فى علم الله سعيدا لو أدرك العمل ويمسك عنها من كان فى علم الله شقيا لو أدرك العمل فيقول: إياى عصيتم فكيف لو رسلى أتتكمquot; تابعه الحسن بن موسى عن فضيل. ورواه أبو نعيم عن فضيل بن مرزوق فوقفه. فهذا وإن كان فيه عطية فهو ممن يعتبر بحديثه ويستشهد به وإن لم يكن حجة. وأما الوقف فقد تقدم نظيره من حديث أبى هريرة. فهذه الأحاديث يشد بعضها بعضا وتشهد لها أصول الشرع وقواعده والقول بمضمونها هو مذهب السلف والسنة نقله عنهم الأشعرى رحمه الله فى المقالات وغيرها. فإن قيل: قد أنكر ابن عبد البر هذه الأحاديث وقال: أهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب لأن الآخرة ليست دار عمل ولا ابتلاء وكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك فى وسع المخلوقين والله لا يكلف نفسا إلا وسعها [ف] الجواب من وجوه: أحدها: أن أهل العلم لم يتفقوا على إنكارها بل ولا أكثرهم وإن أنكرها بعضهم فقد صحح غيره بعضها كما تقدم. الثانى: أن أبا الحسن الأشعرى حكى هذا المذهب عن أهل السنة والحديث فدل على أنهم ذهبوا إلى موجب هذه الأحاديث. الثالث: أن إسناد حديث الأسود أجود من كثير من الأحاديث التى يحتج بها فى الأحكام(1\/399)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "415",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12010",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولهذا رواه الأئمة أحمد وإسحق وعلى بن المدينى. الرابع: أنه قد نص جماعة من الأئمة على وقوع الامتحان فى الدار الآخرة وقالوا: لا ينقطع التكليف إلا بدخول دار القرار ذكره البيهقى عن غير واحد من السلف. الخامس: ما ثبت فى الصحيحين من حديث أبى هريرة وأبى سعيد فى الرجل الذى هو آخر أهل الجنة دخولا إليها أن الله سبحانه وتعالى يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأله غير الذى يعطيه وأنه يخالفه ويسأله غيره فيقول الله تعالى: quot;ما أغدر كغدركquot; وهذا الغدر منه هو لمخلفته للعهد الذى عاهد ربه عليه. السادس: قوله: وليس ذلك فى وسع المخلوقين. جوابه من وجهين: أحدهما: أن ذلك ليس تكليفا بما ليس فى الوسع وإنما تكليف بما فيه مشقة شديدة وهو كتكليف بنى إسرائيل قتل أولادهم وأزواجهم وآبائهم حين عبدوا العجل وكتكليف المؤمنين إذا رأوا الدجال ومعه مثال الجنة والنار أن يقعوا فى الذى يرونه نارا. والثانى: أنهم لو أطاعوه ودخلوها لم يضرهم وكانت بردا وسلاما فلم يكلفوا بممتنع ولا بما لم يستطع. السابع: أنه قد ثبت أنه سبحانه وتعالى يأمرهم فى القيامة بالسجود ويحول بين المنافقين وبينه. وهذا تكليف بما ليس فى الوسع قطعا فكيف ينكر التكليف بدخول النار فى رأى العين إذا كانت سببا كما قال أبو سعيد الخدرى هو أدق من الشعرة وأحد من السيفquot; رواه مسلم فركوب هذا الصراط الذى هو فى غاية المشقة كالنار ولهذا كلاهما يفضى منه إلى النجاة والله أعلم. الثامن: أن هذا استبعاد مجرد لا ترد بمثله الأحاديث والناس لهم طريقان: فمن سلك طريق المشيئة المجردة لم يمكنه أن يستبعد هذا التكليف ومن سلك طريق الحكمة والتعليل لم يكن معه حجة تنفى أن يكون هذا التكليف موافقا للحكم بل الأدلة الصحيحة تدل على أن مقتضى الحكمة كما ذكرناه. التاسع: أن فى أصح هذه الأحاديث وهو حديث الأسود أنهم يعطون ربهم المواثيق ليطيعنه فيما يأمرهم به فيأمرهم أن يدخلوا نار الامتحان فيتركون الدخول معصية لأمره لا لعجزهم عنه. فكيف يقال أنه ليس فى الوسع. فإن قيل: فالآخرة دار جزاء وليست دار تكليف فكيف يمتحنون فى غير دار التكليف فالجواب: أن التكليف إنما ينقطع بعد دخول دار القرار وأما فى(1\/400)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "416",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12011",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البرزخ وعرصات القيامة فلا ينقطع وهذا معلوم بالضرورة من الدين من وقوع التكليف بمسألة الملكين فى البرزخ وهى تكليف. وأما فى عرصة القيامة فقال تعالى: يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون [القلم: 42]  [فهذا] صريح فى أن الله يدعو الخلائق إلى السجود يوم القيامة وأن الكفار يحال بينهم وبين السجود إذ ذاك ويكون هذا التكليف بما لا يطاق حينئذ حسا عقوبة لهم لأنهم كلفوا به فى الدنيا وهم يطيقونه فلما امتنعوا منه وهو مقدور لهم كلفوا به وهم لا يقدرون عليه حسرة عليهم وعقوبة لهم ولهذا قال تعالى: وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون [القلم: 43] [يعنى أصحابه لا أحد يمنعهم منه فلما تركوه وهم سالمون] دعوا إليه فى وقت حيل بينهم وبينه كما فى الصحيح من حديث زيد ابن أسلم عن عطاء عن أبى سعيد رضى الله عنه: quot;إن ناسا قالوا: يا رسول الله هل نرى ربناquot;- فذكر الحديث بطوله إلى أن قال- quot;فيقول تتبع كل أمه ما كانت تعبد فيقول المؤمنون: فارقنا الناس فى الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئا- مرتين أو ثلاثا- حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول هل بينكم وبينه آية تعرفونه بهاquot; فيقولون نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره:quot; [طبقة] واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ثم يرفعون رؤوسهمquot; وذكر الحديث. وهذا التكليف نظير تكليف البرزخ بالمسألة فمن أجاب فى الدنيا طوعا واختيارا أجاب فى البرزخ [ومن امتنع من الإجابة فى الدنيا منع منها فى البرزخ] ولم يكن تكليفه فى الحال وهو غير قادر قبيحا بل هو مقتضى الحكمة الإلهية لأنه كلف وقت القدرة فأبى فإذا كلف وقت العجز وقد حيل بينه وبين الفعل كان عقوبة له وحسرة. والمقصود أن التكليف لا ينقطع إلا بعد دخول الجنة أو النار وقد تقدم أن حديث الأسود بن سريع صحيح وفيه التكليف فى عرصة القيامة. فهو مطابق لما ذكرنا من النصوص الصحيحة الصريحة. فعلم أن الذى تدل عليه الأدلة الصحيحة وتأتلف به النصوص ومقتضى الحكمة هذا القول والله أعلم. وقد حكى بعض أهل المقالات عن عامر بن أشرس أنه ذهب إلى أن الأطفال يصيرون فى يوم القيامة ترابا وقد نقل عن ابن عباس ومحمد بن الحنفية والقاسم بن محمد(1\/401)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "417",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12012",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وغيرهم أنهم كرهوا الكلام فى هذه المسألة جملة. الطبقة الخامسة عشرة: طبقة الزنادقة وهم قوم أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل وأبطنوا الكفر ومعاداة الله [ورسوله] . وهؤلاء المنافقون وهم فى الدرك الأسفل من النار قال تعالى: إن المنافقين فى الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا [النساء: 145]  فالكفار المجاهرون بكفرهم أخف وهم فوقهم فى دركات النار. لأن الطائفتين اشتركتا فى الكفر ومعاداة الله ورسله وزاد المنافقون عليهم بالكذب والنفاق وبلية المسلمين بهم أعظم من بليتهم بالكفار المجاهرين ولهذا قال تعالى فى حقهم: هم العدو فاحذرهم [المنافقون: 4]  ومثل هذا اللفظ يقتضى الحصر أى لا عدو إلا هم ولكن لم يرد هاهنا [حصر العداوة فيهم وأنهم لا عدو للمسلمين سواهم بل هذا] من إثبات الأولوية والأحقية لهم فى هذا الوصف وأنه لا يتوهم بانتسابهم إلى المسلمين ظاهرا وموالاتهم [لهم] ومخالطتهم إياهم أنهم ليسوا بأعدائهم بل هم أحق بالعدواة ممن باينهم فى الدار ونصب لهم العداوة وجاهرهم بها. فإن ضرر هؤلاء المخالطين لهم المعاشرين لهم- وهم فى الباطن على خلاف دينهم- أشد عليهم من ضرر من جاهرهم بالعداوة وألزم وأدوم لأن الحرب مع أولئك ساعة أو أياما ثم ينقضى ويعقبه النصر والظفر وهؤلاء معهم فى الديار والمنازل صباحا ومساء يدلون العدو على عوراتهم ويتربصون بهم الدوائر ولا يمكنهم مناجزتهم فهم أحق بالعداوة من المباين المجاهر فلهذا قيل: هم العدو فاحذروهم [المنافقون: 4]  لا على معنى أنه لا عدو لكم سواهم بل على معنى أنهم أحق بأن يكونوا لكم عدوا من الكفار المجاهرين. ونظير ذلك قول النبى صلى الله عليه وسلم: quot;ليس المسكين الطواف الذى ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذى لا يسأل الناس ولا يفطن له فيتصدق عليهquot; فليس هذا نفيا لاسم المسكين عن الطواف بل إخبار بأن هذا القانع الذى لا يسمونه مسكينا أحق بهذا الاسم من الطواف الذى يسمونه مسكينا. ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم: quot;ليس الشديد بالصرعة ولكن الذى يملك نفسه عند الغضبquot;ليس نفيا للاسم عن الصرعة ولكن إخبار بأن من يملك نفسه عند الغضب(1\/402)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "418",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12013",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحق منه بهذا الاسم. ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم: quot;ما تعدون المفلس فيكمquot; قالوا: من لا درهم له ولا متاع. قال: quot;المفلس من يأتى يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال ويأتى قد لطم هذا وضرب هذا وأخذ مال هذا فيقتص هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من سيئاتهم ثم طرح عليه فألقى فى النارquot; ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم: quot;ما تعدون الرقوب فيكمquot; قالوا: من لا يولد له قال: quot;الرقوب من لم يقدم من ولده شيئاquot; ومنه عندى قوله صلى الله عليه وسلم: quot;الربا فى النسيئةquot;. وفى لفظ: quot;إنما الربا فى النسيئةquot; هو إثبات لأن هذا النوع هو أحق باسم الربا من ربا الفضل وليس فيه اسم الربا عن ربا الفضل. فتأمله. والمقصود أن هذه الطبقة أشقى الأشقياء ولهذا يستهزأ بهم فى الآخرة وتعطى نورا يتوسطون به على الصراط ثم يطفيء الله نورهم ويقال لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا [الحديد: 13]  ويضرب بينهم وبين المؤمنين: بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأمانى حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور [الحديد: 13]  وهذا أشد ما يكون من الحسرة والبلاء أن يفتح للعبد طريق النجاة والفلاح حتى إذا ظن أنه ناج ورأى منازل السعداء اقتطع عنهم وضربت عليه الشقوة ونعوذ بالله من غضبه وعقابه. وإنما كانت هذه الطبقة فى الدرك الأسفل لغلظ كفرهم فإنهم خالطوا المسلمين وعاشروهم وباشروا من أعلام الرسالة وشواهد الإيمان ما لم يباشره البعداء ووصل إليهم من معرفته وصحته ما لم يصل إلى المنابذين بالعداوة فإذا كفروا مع هذه المعرفة والعلم كانوا أغلظ كفرا وأخبث قلوبا وأشد عداوة لله ولرسوله وللمؤمنين من البعداء عنهم وإن كان البعداء متصدين لحرب المسلمين. ولهذا قال تعالى [فى المنافقين] : ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون [المنافقين: 3]  وقال تعالى فيهم: صم بكم عمى فهم لا يعقلون [البقرة: 18]  وقال تعالى فى الكفار: صم بكم عمى فهم لا يرجعون [البقرة: 171]  فالكافر لم يعقل والمنافق أبصر ثم(1\/403)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "419",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12014",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عمى وعرف ثم تجاهل وأقر ثم أنكر وآمن ثم كفر ومن كان هكذا كان أشد كفرا وأخبث قلبا وأعتى على الله ورسله فاستحق الدرك الأسفل. وفيه معنى آخر أيضا وهو أن الحامل لهم على النفاق طلب العز والجاه بين الطائفتين فيرضوا المؤمنين ليعزوهم ويرضوا الكفار ليعزوهم أيضا. ومن [هاهنا] دخل عليهم البلاء فإنهم أرادوا العزتين من الطائفتين ولم يكن لهم غرض فى الإيمان والإسلام ولا طاعة الله ورسوله بل كان ميلهم وضعوهم وجهتهم إلى الكفار فقوبلوا على ذلك بأعظم الذل وهو أن جعل مستقرهم فى أسفل السافلين تحت الكفار فما اتصف به المنافقون من مخادعة الله ورسوله والذين آمنوا والاستهزاء بأهل الإيمان والكذب والتلاعب بالدين وإظهار أنهم [من المؤمنين وأبطنوا قلوبهم فتغلظ كفرهم به فاستحقوا الدرك الأسفل] من النار ولهذا لما ذكر تعالى أقسام الخلق فى أول سورة [البقرة: 2-20] فقسمهم إلى مؤمن ظاهرا وباطنا وكافر ظاهرا وباطنا ومؤمن فى الظاهر كافر فى الباطن وهم المنافقون وذكر فى حق المؤمنين ثلاث آيات 3-5 وفى حق الكفار آيتين 6- 7. فلما انتهى إلى ذكر المنافقين ذكر فيهم بضع عشرة آية 8- 20 ذمهم فيها غاية الذم وكشف عوراتهم وقبحهم وفضحهم وأخبر أنهم هم السفهاء المفسدون فى الأرض المخادعون المستهزئون المغبونون فى اشترائهم الضلالة بالهدى وأنهم صم بكم عمى فهم لا يرجعون وأنهم مرضى القلوب وأن الله يزيدهم مرضا إلى مرضهم فلم يدع ذما ولا عيبا إلا ذمهم به وهذا يدل على شدة مقته سبحانه لهم وبغضه إياهم وعداوته لهم وأنهم أبغض أعدائه إليه. فظهرت حكمته الباهرة فى تخصص هذه الطبقة بالدرك الأسفل من النار. نعوذ بالله من مثل حالهم ونسأله معافاته ورحمته. ومن تأمل ما وصف [الله به المنافقين فى القرآن من صفات الذم علم أنهم أحق بالدرك الأسلف فإنه وصفهم بمخادعته ومخادعة عباده ووصف] قلوبهم بالمرض وهو مرض الشبهات والشكوك. ووصفهم بالإفساد فى الأرض وبالاستهزاء بدينه وبعباده وبالطغيان واشتراء الضلالة بالهدى والصمم والبكم والعمى والحيرة والكسل عند عبادته والزنا وقلة ذكره والتردد- والتذبذب- بين المؤمنين والكفار فلا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء والحلف باسمه تعالى(1\/404)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "420",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12015",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كذبا وباطلا وبالكذب وبغاية الجبن وبعدم الفقه فى الدين وبعدم العلم وبالبخل وبعدم الإيمان بالله واليوم الآخر وبالرب وبأنهم مضرة على المؤمنين ولا يحصل كلهم بنصيحتهم إلا الشر من الخبال والإسراع بينهم بالشر وإلقاء الفتنة وكراهتهم لظهور أمر الله ومحو الحق وأنهم يحزنون بما يحصل للمؤمنين من الخير والنصر ويفرحون بما يحصل لهم من المحنة والابتلاء وأنهم يتربصون الدوائر بالمسلمين وبكراهتهم الإنفاق فى مرضاة الله وسبيله وبعيب [المؤمنين ورميهم بما ليس فيهم فيلزمون المتصدقين ويعيبون] مزهدهم ويرمون [مكثرهم] بالرياء إرادة الثناء فى الناس وأنهم عبيد الدنيا إن أعطوا منها رضوا وإن [منعو] سخطوا وبأنهم يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم وينسبونه إلى ما برأه الله منه ويعيبونه بما هو من كماله وفضله وأنهم يقصدون إرضاء المخلوقين ولا يطلبون إرضاء رب العالمين وأنهم يسخرون من المؤمنين وأنهم يفرحون إذا تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكرهون الجهاد فى سبيل الله وأنهم يتحيلون على تعطيل فرائض الله عليهم بأنواع الحيل وأنهم يرضون بالتخلف عن طاعة الله ورسوله [وأنهم] مطبوع على قلوبهم وأنهم يتركون ما أوجب الله عليهم مع قدرتهم عليه وأنهم أحلف الناس بالله قد اتخذوا أيمانهم جنة تقيهم من إنكار المسلمين عليهم وهذا شأن المنافق أحلف الناس بالله كاذبا قد اتخذ يمينه جنة ووقاية يتقى بها إنكار المسلمين عليه ووصفهم بأنهم رجس- والرجس من كل جنس أخبثه وأقذره- فهم أخبث بنى آدم وأقذرهم وأرذلهم وبأنهم فاسقون وبأنهم مضرة على أهل الإيمان يقصدون التفريق بينهم ويؤوون من حاربهم وحارب الله ورسوله وأنهم يتشبهون بهم ويضاهونهم فى أعمالهم ليتوصلوا منها إلى الإضرار بهم وتفريق كلمتهم وهذا شأن المنافقين أبدا وبأنهم فتنوا أنفسهم بكفرهم بالله ورسوله وتربصوا بالمسلمين دوائر السوء وهذه عادتهم فى كل زمان وارتابوا فى الدين فلم يصدقوا به وغرتهم الأمانى الباطلة وغرهم الشيطان وأنهم أحسن الناس أجساما تعجب الرائى أجسامهم والسامع منطقهم فإذا جاوزت أجسامهم وقولهم رأيت خشبا مسنده ولا إيمان ولا فقه ولا علم ولا صدق بل خشب قد كسيت كسوة تروق الناظر وليسوا وراء ذلك شيئا وإذا عرض عليهم التوبة والاستغفار أبوها(1\/405)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "421",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12016",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وزعموا أنهم لا حاجة لهم إليها إما لأن ما عندهم من الزندقة والجهل المركب مغن عنها وعن الطاعات جملة- كحال كثير من الزنادقة-وإما احتقارا وازدراء بمن يدعوهم إلى ذلك ووصفهم سبحانه بالاستهزاء به وبآياته وبرسوله وبأنهم مجرمون وبأنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم عن الإنفاق فى مرضاته ونسيان ذكره وبأنهم يتولون الكفار ويدعون المؤمنين وبأن الشيطان قد استحوذ عليهم وغلب عليهم حتى أنساهم ذكر الله فلا يذكرونه إلا قليلا وأنهم حزب الشيطان وأنهم يوادون من حاد الله ورسوله وبأنهم يتمنون ما يعنت المؤمنين ويشق عليهم وأن البغضاء تبدو لهم من أفواههم وعلى فلتات ألسنتهم بأنهم يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم. ومن صفاتهم التى وصفهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذب فى الحديث والخيانة فى الأمانة والغدر عند العهد والفجور عند الخصام والخلف عند الوعد وتأخير الصلاة إلى آخر وقتها ونقرها عجلة وإسراعا وترك حضورها جماعة وأن أثقل الصلوات عليهم الصبح والعشاء. ومن صفاتهم التى وصفهم الله بها الشح على المؤمنين بالخير والجبن عند الخوف فإذا ذهب الخوف وجاء الأمن سلقوا المؤمنين بألسنة حداد فهم أحد الناس ألسنة عليهم كما قيل: جهلا علينا وجبنا عن عدوكم ... لبئست الخلتان الجهل والجبن وإنهم عند المخاوف تظهر كمائن صدورهم ومخبآتهم وأما عند الأمن فيجب ستره فإذا لحق المسلمين خوف دبت عقارب قلوبهم وظهرت المخبآت وبدت الأسرار. ومن صفاتهم أنهم أعذب الناس ألسنة [وأمرهم] قلوبا وأعظم الناس [مخالفة] بين أعمالهم وأقوالهم ومن صفاتهم أنهم لا يجتمع فيهم حسن صمت وفقه فى دين أبدا ومن صفاتهم أن أعمالهم تكذب أقوالهم وباطنهم يكذب ظاهرهم وسرائرهم تناقض علانيتهم. ومن صفاتهم أن المؤمن لا يثق بهم فى شيء فإنهم قد أعدوا لكل أمر مخرجا منه بحق أو بباطل بصدق أو بكذب ولهذا سمى منافقا أخذا من نافقاء اليربوع- وهو بيت يحفره ويجعل له أسرابا مختلفة- فكلما طلب من سرب خرج من سرب آخر فلا يتمكن طالبه من حصره فى سرب واحد قال الشاعر:(1\/406)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "422",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12017",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويستخرج اليربوع من نافقائه ... ومن جحره بالشيحة اليتقصع فأنت منه [كقبض] على الماء ليس معك منه شيء. ومن صفاتهم كثرة التلون وسرعة التقلب وعدم الثبات على حال واحد: بينا تراه على حال تعجبك من دين أو عبادة أو هدى صالح أو صدق إذ انقلب إلى ضد ذلك كأنه لم يعرف غيره فهو أشد الناس تلونا وتقلبا وتنقلا جيفة بالليل قطرب بالنهار. ومن صفاتهم أنك إذا دعوتهم عند المنازعة للتحاكم إلى القرآن والسنة أبوا ذلك وأعرضوا عنه ودعوك إلى التحاكم إلى طواغيتهم قال تعالى: ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أولئك الذين يعلم الله ما فى قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم فى أنفسهم قولا بليغا [النساء: 60-63] . ومن صفاتهم: معارضة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بعقول الرجال وآرائهم ثم تقديمها على ما جاء. فهم معرضون عنه معارضون له زاعمون أن الهدى فى آراء الرجال وعقولهم دون ما جاء به فلو أعرضوا عنه وتعوضوا بغيره لكانوا منافقين فكيف إذا جمعوا مع ذلك معارضته وزعموا أنه لا يستفاد منه هدى. ومن صفاتهم: كتمان الحق والتلبيس على أهله ورميهم له بأدوائهم: فيرمونهم- إذا أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ودعوا إلى الله ورسوله- بأنهم أهل فتن مفسدون فى الأرض. وقد علم الله ورسوله والمؤمنون بأنهم أهل الفتن المفسدون فى الأرض وإذا دعا ورثة الرسول إلى كتاب الله وسنة رسوله خالصة غير [مثوبة] رموهم بالبدع والضلال وإذا رأوهم زاهدين فى الدنيا راغبين فى الآخرة متمسكين بطاعة الله ورسوله(1\/407)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "423",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12018",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رموهم بالزوكرة والتلبيس والمحال. وإذا رأوا معهم حقا ألبسوه لباس الباطل وأخرجوه لضعفاء العقول فى قالبة شنيع لينفروهم عنه وإذا كان معهم باطل [ألبسوه] لباس الحق وأخرجوه فى قالبه ليقبل منهم. وجملة أمرهم أنهم فى المسلمين كالزغل فى النقود يروج على أكثر الناس لعدم بصيرتهم بالنقد ويعرف حاله الناقد البصير من الناس وقليل ما هم وليس على الأديان أضر من هذا الضرب من الناس وإنما تفسد الأديان من قبلهم ولهذا جلا الله أمرهم فى القرآن وأوضح أوصافهم وبين أحوالهم وكرر ذكرهم لشدة المؤنة على الأمة بهم وعظم البلية عليهم بوجودهم بين أظهرهم وفرط حاجتهم إلى معرفتهم والتحرز من مشابهتهم والإصغاء إليهم فكم قطعوا على السالكين إلى الله طرق الهدى وسلكوا بهم سبيل الردى: وعدوهم ومنوهم ولكن وعدوهم الغرور ومنوهم الويل والثبور. فكم من قتيل ولكن فى سبيل الشيطان وسليب ولكن للباس التقوى والإيمان. وأسير لا يرجى له الخلاص وفار من الله لا إليه وهيهات ولات حين مناص. صحبتهم توجب العار والشنار ومودتهم تحل غضب الجبار وتوجب دخول النار من [علقت] به كلاليب كلبهم ومخاليب رأيهم مزقت منه ثياب الدين والإيمان وقطعت له مقطعات من البلاء والخذلان فهو يسحب من الحرمان والشقاوة أذيالا ويمشى على عقبيه القهقرى إدبارا منه وهو يحسب ذلك إقبالا. فهم والله قطاع الطريق فيا أيها الركب المسافرون إلى منازل السعداء حذار منهم حذار هم الجزارون ألسنتهم شفار البلايا. ففرارا منهم أيها الغنم فرارا. ومن البلية أنهم الأعداء حقا وليس لنا بد من مصاحبتهم وخلطتهم أعظم الداء وليس بد من مخالطتهم قد جعلوا على أبواب جهنم دعاة إليها فبعدا للمستجيبين ونصبوا شباكهم حواليها على ما حفت به من الشهوات فويل للمغترين. نصبوا الشباك ومدوا الأشراك وأذن مؤذنهم: يا شياه الأنعام حى على الهلاك حى على التباب. فاستبقوا يهرعون إليهم فأوردوهم حياض العذاب لا الموارد العذاب. وساموهم من الخسف والبلاء أعظم خطة وقالوا: ادخلوا باب الهوان صاغرين ولا تقولوا حطة فليس بيوم حطة. [فواعجبا] لمن نجا من شراكهم لا من علق وأنى ينجو من غلبت عليه شقاوته ولها خلق(1\/408)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "424",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12019",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فحقيق بأهل هذه الطبقة أن يحلو بالمحل الذى أحلهم الله من دار الهوان وأن ينزلوا فى أردئ منازل أهل العناد والكفران. وبحسب إيمان العبد ومعرفته بكون خوفه أن يكون من أهل هذه الطبقة ولهذا اشتد خوف سادة الأمة وسابقوها على أنفسهم أن يكونوا منهم فكان عمر بن الخطاب يقول: يا حذيفة ناشدتك الله هل سمانى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القوم فيقول: لا ولا أزكى بعدك أحدا. يعنى لا أفتح على هذا الباب فى تزكية الناس وليس معناه أنه لم يبرأ من النفاق غيرك. وقال ابن أبى مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبرائيل وميكائيل. الطبقة السادسة عشرة: رؤساء الكفر وأئمته ودعاته الذين كفروا وصدوا عباد الله عن الإيمان وعن الدخول فى دينه رغبة ورهبة فهؤلاء عذابهم مضاعف ولهم عذابان: عذاب بالكفر وعذاب بصد الناس عن الدخول فى الإيمان. قال الله تعالى: الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب [النحل: 88] فأحد العذابين بكفرهم والعذاب الآخر بصدهم عن سبيل الله. وقد استقرت حكمة الله وعدله أن يجعل على الداعى إلى الضلال مثل آثام من اتبعه واستجاب له ولا ريب أن عذاب هذا يتضاعف ويتزايد بحسب من اتبعه وضل به. وهذا النوع فى الأشقياء مقابل دعاة الهدى فى السعداء فأولئك يتضاعف ثوابهم وتعلو درجاتهم بحسب من اتبعهم واهتدى بهم وهؤلاء عكسهم ولهذا كان فرعون وقومه فى أشد العذاب قال تعالى فى حقهم: النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب [غافر: 46]  وهذا تنبيه على أن فرعون نفسه فى الأشد من ذلك لأنهم إنما دخلوا أشد العذاب تبعا له فإنه هو الذى استخفهم فأطاعوه وغرهم فاتبعوه. ولهذا يكون يوم القيامة إمامهم وفرطهم فى هذا الورد قال تعالى: يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار [هود: 98] . والمقصود: أنهم استحقوا أشد العذاب لغلظ كفرهم وصدهم عن سبيل الله وعقوبتهم من آمن بالله.(1\/409)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "425",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12020",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فليس عذاب الرؤساء فى النار كعذاب أتباعهم ولهذا كان فى كتاب النبى صلى الله عليه وسلم لهرقل: quot;فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين quot;. والصحيح فى اللفظ أنهم الأتباع ولهذا كان عدو الله إبليس أشد أهل النار عذابا وهو أول من يكسى حلة من النار لأنه إمام كل كفر وشرك وشر. فما عصى الله إلا على يديه وبسببه ثم الأمثل فالأمثل من نوابه فى الأرض ودعاته. ولا ريب أن الكفر يتفاوت فكفر أغلظ من كفر كما أن الإيمان يتفاوت فإيمان أفضل من إيمان. فكما أن المؤمنين ليسوا فى درجة واحدة بل هم درجات عند الله فكذلك الكفار ليسوا فى طبقة واحدة ودرك واحد بل النار دركات كما أن الجنة درجات. ولا يظلم الله من خلقه أحدا. وهو الغنى الحميد. فصل وغلظ الكفر الموجب لغلظ العذاب يكون من ثلاثة أوجه: أحدها: من حيث العقيدة الكافرة فى نفسها كمن جحد رب العالمين بالكلية وعطل العالم عن الرب الخالق المدبر له فلم يؤمن بالله وملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا اليوم الآخر. ولهذا لا يقر أرباب هذا الكفر بالجزية عند كثير من العلماء ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم اتفاقا لتغلظ كفرهم وهؤلاء هم المعطلة والدهرية وكثير من الفلاسفة وأهل الوحدة القائلين بأنه لا وجود للرب سبحانه وتعالى غير وجود هذا العالم. [الجهة الثانية] : تغلظه بالعناد والضلال عمدا على بصيرة ككفر من شهد قلبه أن الرسول حق لما رآه من آيات صدقه وكفر عنادا وبغيا كقوم ثمود وقوم فرعون واليهود الذين عرفوا الرسول كما عرفوا أبناءهم وكفر أبى جهل وأمية ابن أبى الصلت وأمثال هؤلاء. الجهة الثالثة: السعى فى إطفاء نور الله وصد عباده عن دينه بما تصل إليه قدرتهم فهؤلاء أشد الكفار عذابا بحسب تغلظ كفرهم ومنهم من يجتمع فى حقه الجهات الثلاث ومنهم من يكون فيه جهتان منها أو واحدة فليس ع ذاب هؤلاء كعذاب من هو دونهم فى الكفر ممن هو ملبوس عليه لجهله والمؤمنون من أذاه فى سلامة لا ينالهم منه أذى ولم يتغلظ كفره كتغلظ هؤلاء بل هو مقر بالله ووحدانيته وملائكته وجنس الكتب والرسل واليوم الآخر. وإن شارك أولئك فى كفرهم بالرسول فقد زادوا عليه أنواعا من الكفر. وهل يستوى فى النار عذاب أبى طالب وأبى لهب وأبى جهل وعقبة بن أبى معيط وأبى ابن خلف وأضرابهم والمقصود أن(1\/410)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "426",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12021",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذه الطبقة وهى طبقة الرؤساء الدعاة الصادين عن دين الله ليست كطبقة من دونهم وقد ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;أهون أهل النار عذابا أبو طالبquot; ومعلوم أن كفر أبى طالب لم يكن مثل كفر أبى جهل وأمثاله. الطبقة السابعة عشرة: طبقة المقلدين وجهال الكفرة وأتباعهم وحميرهم الذين هم معهم تبعا لهم يقولون: إنا وجدنا آباءنا على أمة ولنا أسوة بهم. ومع هذا فهم متاركون لأهل الإسلام غير محاربين لهم كنساء المحاربين وخدمهم وأتباعهم الذين لم ينصبوا أنفسهم لنا نصب له أولئك أنفسهم من السعى فى إطفاء نور الله وهدم دينه وإخماد كلماته بل هم بمنزلة الدواب. وقد اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة كفار وإن كانوا جهالا مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم إلا ما يحكى عن بعض أهل البدع أنه لم يحكم لهؤلاء بالنار وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة وهذا مذهب لم يقل به أحد من أئمة المسلمين لا الصحابة ولا التابعين ولا من بعدهم وإنما يعرف عن بعض أهل الكلام المحدث فى الإسلام. وقد صح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;ما من مولود إلا وهو يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانهquot; فأخبر أن أبويه ينقلانه عن الفطرة إلى اليهودية والنصرانية والمجوسية ولم يعتبر فى ذلك غير المربى والمنشإ على ما عليه الأبوان. وصح عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم: quot;إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمةquot; وهذا المقلد ليس بمسلم وهو عاقل مكلف والعاقل المكلف لا يخرج عن الإسلام أو الكفر. وأما من لم تبلغه الدعوة فليس بمكلف فى تلك الحال وهو بمنزلة الأطفال والمجانين. وقد تقدم الكلام عليهم. والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاء به فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافرا معاندا فهو كافر جاهل. فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارا فإن الكافر من جحد توحيد الله وكذب رسوله إما عنادا وإما جهلا وتقليدا لأهل العناد. فهذا وإن كان غايته أنه غير معاند فهو متبع لأهل العناد وقد أخبر الله فى القرآن فى غير موضع بعذاب المقلدين لأسلافهم من الكفار وأن الأتباع مع متبوعيهم وأنهم يتحاجون فى النار وأن الأتباع يقولون: ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل(1\/411)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "427",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12022",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ضعف ولكن لا تعلمون [الأعراف: 38]  وقال تعالى: وإذ يتحاجون فى النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد [غافر: 47-48]  وقال تعالى: ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا [سبأ: 31- 33] . فهذا إخبار من الله وتحذير بأن المتبوعين والتابعين اشتركوا فى العذاب ولم يغن عنهم تقليدهم شيئا. وأصرح من هذا قوله تعالى: إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤا منا [البقرة: 166-167] . وصح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot;من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل أوزار من اتبعه لا ينقص من أوزارهم شيئاquot; وهذا يدل على أن كفر من اتبعهم إنما هو بمجرد اتباعهم وتقليدهم. نعم لا بد فى هذا المقام من تفصيل به يزول الإشكال وهو الفرق بين مقلد تمكن من العلم ومعرفة الحق فأعرض عنه ومقلد لم يتمكن من ذلك بوجه والقسمان واقعان فى الوجود فالمتمكن المعرض مفرط تارك للواجب عليه لا عذر له عند الله وأما العاجز عن السؤال والعلم الذى لا يتمكن من العلم بوجه فهم قسمان أيضا أحدهما مريد للهدى مؤثر له محب له غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم من يرشده فهذا حكمه حكم أرباب الفترات ومن لم تبلغه الدعوة. الثانى: معرض لا إرادة له ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه. فالأول يقول: يا رب لو أعلم لك دينا خيرا مما أنا عليه لدنت به وتركت ما أنا عليه ولكن لا أعرف سوى ما أنا عليه ولا أقدر على غيره فهو غاية جهدى ونهاية معرفتى. والثانى: راض بما هو عليه لا يؤثر غيره عليه ولا تطلب نفسه(1\/412)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "428",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12023",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سواه ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته وكلاهما عاجز وهذا لا يجب أن يلحق بالأول لما بينهما من الفرق: فالأول كمن طلب الدين فى الفترة ولم يظفر به فعدل عنه بعد استفراغ الوسع فى طلبه عجزا وجهلا والثانى كمن لم يطلبه بل مات فى شركه وإن كان لو طلبه لعجز عنه ففرق بين عجز الطالب وعجز المعرض. فتأمل هذا الموضع والله يقضى بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل فهذا مقطوع به فى جملة الخلق. وأما كون زيد بعينه وعمرو بعينه قامت عليه الحجة أم لا فذلك مما لا يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر وأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول. هذا فى الجملة والتعيين موكول إلى علم الله [عز وجل] وحكمه هذا فى أحكام الثواب والعقاب. وأما فى أحكام الدنيا [فهى جارية مع ظاهر الأمر فأطفال الكفار ومجانينهم كفار فى أحكام الدنيا] لهم حكم أوليائهم. وبهذا التفصيل يزول الإشكال فى المسألة. وهو مبنى على أربعة أصول: أحدها: أن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه كما قال تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [الإسراء: 15]  وقال تعالى: رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [النساء: 165]  وقال تعالى: كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء [الملك: 8- 9]  وقال تعالى: فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير [الملك: 11]  وقال تعالى: يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقآء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين [الأنعام: 130]  وهذا كثير فى القرآن يخبر أنه إنما يعذب من جاءه الرسول وقامت عليه الحجة وهو المذنب الذى يعترف بذنبه وقال تعالى: وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين [الزخرف: 76]  والظالم من عرف ما جاء به الرسول أو تمكن من معرفته وأما من لم [يكن عنده من الرسول خبرا أصلا ولا يمكن من معرفته بوجه] وعجز عن ذلك فكيف يقال إنه ظالم(1\/413)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "429",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12024",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأصل الثانى: أن العذاب يستحق بسببين أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم [إرادة العلم] بها وبموجبها. الثانى: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها. فالأول كفر إعراض والثانى كفر عناد. وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الذى نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل. الأصل الثالث: أن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص فقد تقوم حجة الله على الكفار فى زمان دون زمان وفى بقعة وناحية دون أخرى كما أنها تقوم على شخص دون آخر إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون وإما لعدم فهمه كالذى لا يفهم الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له. فهذا بمنزلة الأصم الذى لا يسمع شيئا ولا يتمكن من الفهم وهو أحد الأربعة الذين يدلون على الله بالحجة يوم القيامة كما تقدم فى حديث الأسود وأبى هريرة وغيرهما. الأصل الرابع: أن أفعال الله سبحانه وتعالى تابعة لحكمته التى لا يخل بها [سبحانه]  وأنها مقصودة لغايتها المحمودة وعواقبها الحميدة. وهذا الأصل هو أساس الكلام فى هذه الطبقات [الذى عليه نبنى مع تلقى أحكامها من نصوص التكاب والسنة لا من أراء الرجال وعقولهم ولا يدرى عدد الكلام فى هذه الطبقات]  إلا من عرف ما فى كتب الناس ووقف على أقوال الطوائف فى هذا الباب والنهى إلى غاية مراتبهم ونهاية إقدامهم والله الموفق للسداد الهادى إلى الرشاد. وأما من لم يثبت حكمة ولا تعليلا ورد الأمر إلى محض المشيئة التى ترجح أحد المثلين على الآخر بلا مرجح فقد أراح نفسه من هذا المقام الضنك واقتحام عقبات هذه المسائل العظيمة وأدخلها كلها تحت قوله: لا يسأل عما يفعل وهم يسألون [الأنبياء: 23]  وهو الفعال لما يريد وصدق الله وهو أصدق القائلين: لا يسأل عما يفعل [الأنبياء: 23] لكمال حكمته وعلمه ووضعه الأشياء مواضعها وأنه ليس فى أفعاله خلل ولا عبث ولا فساد يسأل عنه كما يسأل المخلوق وهو الفعال لما يريد ولكن لا يريد أن يفعل إلا ما [هو] خير ومصلحة ورحمة وحكمة فلا يفعل الشر ولا الفساد ولا الجور ولا خلاف مقتضى حكمته لكمال أسمائه وصفاته وهو الغنى الحميد العليم الحكيم. الطبقة الثامنة عشرة: طبقة الجن وقد اتفق المسلمون على أن منهم المؤمن والكافر والبر والفاجر. قال تعالى إخبارا عنهم: وأنا منا الصالحون(1\/414)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "430",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12025",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا [الجن: 11] قال مجاهد: يعنون مسلمين وكافرين. وقال الحسن والسدى: أمثالكم فمنهم قدرية ومرجئة ورافضة. وقال سعيد ابن جبير: ألوانا شتى. وقال ابن كيسان: شيعا وفرقا. ومعنى الكلام: أصنافا مختلفة ومذاهب متفرقة ثم قيل فى إعراب الآية: ومنا دون ذلك [أى ومنا] قوم دون ذلك فحذف الموصوف وأقام صفته مقامه كقوله: وما منا إلا له مقام معلوم [الصافات: 164]  أى إلا من له مقام معلوم وكقوله: ومن الذين هادوا سماعون للكذب [المائدة: 41]  أى فريق سماعون وكقوله: من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه [النساء: 46] أى فريق يحرفون وكقوله على أظهر القولين: ومن الذين أشركوا يود أحدهم [البقرة: 96] أى فريق يود أحدهم وقال الشاعر: فظلوا ومنهم دمعه سابق لهم وآخر يذرى دمعة العين بالمهل أى ومنهم من دمعه. وقولهم: كنا طرائق قددا [الجن: 11] بيان لقولهم: منا الصالحون ومنا دون ذلك [الجن: 11] أى كنا ذوى طرائق- وهى المذاهب- وأحدها طريقة وهى المذهب والقدد جمع قدة كقطعة وقطع وزنا ومعنى. وهى من القد وهو القطع وقيل: كنا فى اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة فى اختلافها وعلى هذا فالمعنى كنا طرائق قددا وليس بشيء وأضعف منه قول من قال: إن طرائق منصوب على الظرف أى كنا فى طرق مختلفة كقوله: quot;عسل الطريق الثعلبquot; وهذا مما لا يحمل عليه أفصح الكلام. وقيل: المعنى كانت طرائقنا طرائق قددا فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وقال تعالى إخبارا عنهم: وأنا منا المسلمون ومناالقاسطون [الجن:49] فالمسلمون الذين آمنوا بالله ورسوله منهم والقاسطون الجائرون العادلون عن الحق قال ابن عباس: هم الذين جعلوا لله أندادا يقال أقسط الرجل إذا عدل فهو مقسط. ومنها: وأقسطوا إن الله يحب المقسطين [الحجرات:9]  وقسط إذا جار فهو قاسط وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا [الجن: 15]  قد تضمنت هذه الآيات انقسامهم إلى ثلاث طبقات: صالحين ودون الصالحين وكفار. وهذه(1\/415)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "431",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12026",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطبقات بإزاء طبقات بنى دم فإنها ثلاثة: أبرار ومقتصدون وكفار. فالصحالون بإزاء والأبرار]  ومن دونهم بإزاء المقتصدين والقاسطون بإزاء الكفار. وهذا كما قسم سبحانه بنى إسرائيل إلى هذه الأقسام الثلاثة فى قوله: وقطعناهم فى الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك [الأعراف: 168]  فهؤلاء الناجون منهم من ذكر الظالمين وهم خلف السوء الذين خلفوا بعدهم ولما كان الإنس أكمل من الجن وأتم عقولا ازدادوا عليهم بثلاثة أصناف أخر ليس شيء منها للجن وهم: الرسل والأنبياء والمقربون. فليس فى الجن صنف من هؤلاء بل حيلتهم الصلاح: وذهب شذاذ من الناس إلى أن فيهم الرسل والأنبياء محتجين على ذلك بقوله تعالى: يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم [الأنعام: 130]  وبقوله: وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن إلى قوله: منذرين [الأحقاف: 29]  وقد قال الله تعالى: رسلا مبشرين ومنذرين [النساء: 165]  وهذا قول شاذ لا يلتفت إليه ولا يعرف به سلف من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام وقوله تعالى: ألم يأتكم رسل منكم [الأنعام: 130]  لا يدل على أن الرسل من كل واحدة من الطائفتين بل إذا كانت الرسل من الإنس وقد أمرت الجن باتباعهم [صح أن يقال للإنس والجن: ألم يأتكم رسل منكم ونظير هذا] أن يقال للعرب والعجم: ألم يجئكم رسل منكم يا معشر العرب والعجم فهذا لا يقتضى أن يكون من هؤلاء رسل ومن هؤلاء. وقال تعالى: وجعل القمر فيهن نورا [نوح: 16]  وليس فى كل سماء قمر. وقوله تعالى: ولوا إلى قومهم منذرين [الأحقاف: 29]  فالإنذار أعم من الرسالة والأعم لا يستلزم الأخص قال تعالى: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم [التوبة: 122]  فهؤلاء نذر وليسوا برسل. قال غير واحد من السلف: الرسل من الإنس وأما الجن ففيهم النذر. قال تعالى: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم من أهل القري [يوسف:109]  فهذا يدل على أنه لم يرسل جنيا ولا امرأة ولا بدويا وأما تسميته تعالى الجن رجالا فى قوله: وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن [الجن:6] (1\/416)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "432",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12027",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلم [يطبق] عليهم الرجال بل هى تسمية مقيدة بقوله: من الجن فهم رجال من الجن ولا يستلزم ذلك دخولهم فى الرجال عند الإطلاق كما تقول: رجال من حجارة ورجال من خشب ونحوه. فصل وقد اتفق المسلمون على أن كفار الجن فى النار وقد دل على ذلك القرآن فى غير موضع كقوله تعالى: ولكن حق القول منى لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين [السجدة: 13]  وقوله تعالى: لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين [ص:85] الآية فملؤها منه به وبكفار ذريته. وقال تعالى: ادخلوا فى أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس فى النار [الأعراف: 38] . وقال تعالى فى حكاية عن مؤمنهم: وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون إلى قوله: حطبا [الجن: 14-15]  وقال الله تعالى: ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس [الأعراف: 179] وقال تعالى: فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون وجنوده إن لم يختص بالشياطين فهم داخلون فى عمومه. وبالجملة فهذا أمر معلوم بالاضطرار من دين الإسلام وهو يستلزم تكليف الجن بشرائع الأنبياء ووجوب اتباعهم لهم. فأما شريعتنا فأجمع المسلمون على أن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث إلى الجن والإنس وأنه يجب على الجن طاعته كما يجب على الإنس وأما قبل نبينا صلى الله عليه وسلم فقوله تعالى: ادخلوا فى أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس فى النار يدل على الأمم الخالية من كفار الجن فى النار وذلك إنما يكون بعد إقامة الحجة عليهم بالرسالة. وقد دلت سورة الرحمن على تكليفهم بالشرائع كما كلف الإنس ولهذا يقول فى إثر كل آية: فبأى آلاء ربكما تكذبان فدل ذلك على أن السورة خطاب للثقلين معا ولهذا قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن قراءة تبليغ وأخبر أصحابه أنهم كانوا أحسن ردا منهم فإنهم جعلوا يقولون كلما قرأ عليهم: فبأى آلاء ربكما تكذبان : لا نكذب بشيء من آلائك ربنا فلك الحمد. ولما كان أبوهم هو أول من دعا إلى معصية الله وعلى يده حصل كل كفر وفسوق وعصيان فهو الداعى إلى النار وكان أول من يكسى حلة من النار يوم القيامة يسحبها وينادى(1\/417)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "433",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12028",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;واثبوراهquot; فأتباعه من أولاده وغيرهم خلفه ينادون quot;واثبوراهمquot; حتى قيل: إن كل عذاب يقسم على أهل النار يبدأ به فيه ثم يصير إليهم. فصل وأما حكم مؤمنيهم فى الدار الآخرة فجمهور السلف والخلف على أنهم فى الجنة. وترجم على ذلك البخارى فى صحيحه فقال: quot;باب ثواب الجن وعقابهمquot; لقوله تعالى: يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتى [الأنعام: 130] الآية. بخسا نقصا قال مجاهد: وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا . قال كفار قريش: الملائكة بنات الله وأمهاتهم بنات سروات الجن. قال تعالى: ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون [الصافات: 158] ستحضر للحساب. ثم ذكر حديث أبى سعيد: quot;إذا كنت فى غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامةquot; سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا ما ذكره فى الباب. وقد ذهب جمهور الناس إلى أن مؤمنيهم فى الجنة وحكى عن أبى حنيفة وغيره أن ثوابهم نجاتهم من النار. واحتج لهذا بقوله تعالى حكاية عنهم: يا قومنا أجيبوا داعى الله [الأحقاف: 31] الآية فجعل غاية ثوابهم إجارتهم من العذاب الأليم. وأما الجمهور فقالوا: مؤمنهم فى الجنة كما أن كافرهم فى النار ثم اختلفوا فأطلق أكثر الناس دخول الجنة ولم يقيدوه. وقال سهل بن عبد الله: يكونون فى ربض الجنة يراهم المؤمنون من حيث لا يرونهم. فهذه مذاهب الناس فى أحكامهم فى الآخرة وأما أحكامهم فى الدنيا فاختلف الناس: هل هم مكلفون بالأمر والنهى أم هم مضطرون على أفعالهم على قولين حكاهما أبو الحسن الأشعرى فى كتاب quot;المقالاتquot; له فقال: واختلف الناس فى الجن هل هم مكلفون أم مضطرون فقال قائلون من المعتزلة وغيرهم: هم مأمورون منهيون وقد أمروا ونهوا وهم مختارون وزعم زاعمون أنهم مضطرون. قلت: الصواب الذى عليه جمهور أهل الإسلام أنهم مأمورون منهيون مكلفون بالشريعة الإسلامية أدلة القرآن والسنة على ذلك أكثر من أن تحصر. فإضافة هذا(1\/418)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "434",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12029",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القول إلى المعتزلة بمنزلة أن يقال: ذهبت المعتزلة إلى بمعاد الأبدان ونحو ذلك فما هو من أقوال سائر أهل الإسلام. وقال الله تعالى: أولئك الذين حق عليهم القول فى أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم [الأحقاف: 18] فأخبر أن منهم من حق عليه القول أى وجب عليه العذاب وأنه خاسر ولا يكون ذلك إلا فى أهل التكليف المستوجبين العقاب بأعمالهم. ثم قال بعد ذلك: ولكل درجات مما عملوا [الأحقاف: 19] أى فى الخير والشر يوفونها ولا يظلمون شيئا من أعمالهم وهذا ظاهر جدا فى ثوابهم وعقابهم وأن مسيئتهم كما يستحق العذاب بإساءته فمحسنهم يستحق الدرجات بإحسانه ولكل درجات مما عملوا فدل ذلك لا محالة أنهم كانوا مأمورين بالشرائع متعبدين بها فى الدنيا ولذلك استحقوا الدرجات بأعمالهم فى الآخرة فى الخير والشر وقال الله تعالى: وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول فى أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس.. الآية [فصلت:25]  ومعنى الآية: إن الله قيض للمشركين- أى سبب لهم- قرناء من الشياطين يزينون لهم ما بين أيديهم وما خلفهم من التكذيب بالآخرة وما فيها من الثواب والعقاب وقيل عكس هذا وأن ما بين أيديهم هو ترغيبهم فى الدنيا وحرصهم عليها وما خلفهم هو [التكذيب بالآخرة وقال الحسن: ما بين أيديهم هو] حب ما كان عليه آباؤهم من الشرك وتكذيب الرسل وما خلفهم تكذيبهم بالبعث وما بعده. وفى الآية قول رابع وهو أن التزيين كله راجع إلى أعمالهم فزينوا لهم ما بين أيديهم: أعمالهم التى عملوها وما خلفهم: الأعمال التى هم عازمون عليها ولما يعملوها بعد وكأن لفظ التزيين بهذا القول أليق. ومن جعل ما خلفهم هو الآخرة لم يستقم قوله إلا بإضمار أى زينوا لهم التكذيب بالآخرة ومع هذا فهو قول مستقيم ظاهر فإنهم زينوا لهم ترك العمل لها والاستعداد للقائها. ولهذا كان عليه جمهور أهل التفسير حتى لم يذكر البغوى غيره وحكاه عن الزجاج فقال الزجاج: سببنا لهم قرناء نظراء من الشياطين حتى أضلوهم فزينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الدنيا حتى آثروا على الآخرة وما خلفهم من أمر الآخرة فدعوهم إلى التكذيب به وإنكار البعث.(1\/419)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "435",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12030",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمقصود أن قوله تعالى: وحق عليهم القول فى أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين [فصلت: 25]  أى وجب عليهم العذاب مع أمم قد مضت من قبلهم من الجن والإنس ففى هذا أبين دليل على تكليف الثقلين وتعلق الأمر والنهى بهم وكذلك تعلق الثواب والعقاب بهم وقال تعالى: ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذى أجلت لنا إلى قوله تعالى: إلا ما شاء الله [الأنعام: 128]  وهذا صريح فى تكليفهم فإن هذا القول [يقال] للجن فى القيامة فيذكر الإنس استمتاع بعضهم ببعض فى الدنيا وذلك الاستمتاع هو ما بين الجن والإنس من طاعتهم إياهم فى معصية الله وعبادتهم لهم دون الله ليستعينوا بهم على شهواتهم وأغراضهم فإنهم كانوا يستوحونهم ويعوذون بهم ويذبحون لهم وبأسمائهم ويوالونهم من دون الله كما هو شأن أكثر المشركين من أولياء الشيطان. فهذا هو استمتاع بعضهم ببعض ولهذا يقول تعالى للملائكة يوم القيامة- وقد جمع العابدين والمعبودين-: أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون [سبأ: 40 -41] فهؤلاء عباد الجن وأولياء الشياطين. وأكثرهم يعلم ويرضى به لما ينال به من المتعة بمعبوده. وكثير منهم ملبوس عليه فهو يعبد الشيطان ولا يشعر. وقد أشار زيد بن عمرو بن نفيل فى شعره إلى هذا الشرك بالجن فقال: حنانيك إن الجن كانت رجاءهم وأنت إلهى ربنا ورجاؤنا ولهذا يقولون فى القيامة: ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذى أجلت لنا [الأنعام: 128] قال الله تعالى: النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله [الأنعام: 128] فهذا خطاب للصنفين وهو صريح فى اشتراكهم فى التكليف كما هو صريح فى اشتراكهم فى العذاب. وهو كثير فى القرآن. ومما يدل على تكليفهم أيضا قوله تعالى: يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم(1\/420)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "436",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12031",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "آياتى إلى قوله تعالى: كافرين [الأنعام: 130]  فلما اعترفوا بأنهم كانوا كافرين وشهدوا على أنفسهم بالكفر دل ذلك على تكليفهم وتوجه الخطاب إليهم. وقال تعالى: وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا إلى قوله: أولئك فى ضلال مبين [الأحقاف:29-32]  فهذا يدل على تكليفهم من وجوه متعددة: أحدها: أن الله سبحانه وتعالى صرفهم إلى رسوله يستمعون القرآن ليؤمنوا به ويأتمروا بأوامره وينتهوا عن نواهيه. الثانى: أنهم ولوا إلى قومهم منذرين والإنذار هو الإعلام بالخوف بعد انعقاد أسبابه فعلم أنهم منذرون لهم بالنار إن عصوا الرسول. الثالث: أنهم أخبروا أنهم سمعوا القرآن وعقلوه وفهموه وأنه يهدى إلى الحق وهذا القول منهم يدل على أنهم عالمون بموسى وبالكتاب المنزل عليه وأن القرآن مصدق له وأنه هاد إلى صراط مستقيم. وهذا يدل على تمكينهم من العلم الذى تقوم به الحجة وهم قادرون على امتثال ما فيه والتكليف إنما يستلزم [العقل] والقدرة. الرابع: إنهم قالوا لقومهم: يا قومنا أجيبوا داعى الله وآمنوا به [الأحقاف:31] وهذا صريح فى أنهم مكلفون مأمورون بإجابة الرسول وهى تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر. الخامس: أنهم قالوا: يغفر لكم من ذنوبكم والمغفرة لا تكون إلا عن ذنب وهو مخالفة الأمر. السادس: أنهم قالوا: من ذنوبكم والذنب مخالفة الأمر. السابع: أنهم قالوا: ويجركم من عذاب أليم  وهذا يدل على أن من لم يستجب منهم لداعى الله لم يجره من العذاب الأليم. وهذا صريح فى تعلق الشريعة الإسلامية بهم. الثامن: أنهم قالوا: ومن لا يجب داعى الله فليس بمعجز فى الأرض وليس له من دونه أولياء [الأحقاف: 32]  وهذا تهديد لمن تخلف عن إجابة داعى الله منهم. وقد استدل بها على أنهم كانوا متعبدين بشريعة موسى كما هم متعبدون بشريعة محمد وهذا ممكن والآية لا تستلزمه ولكن قوله تعالى: يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم [الأنعام: 130]  الآية تدل على أن الجن كانوا متعبدين بشرائع الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم والآيات المتقدمة تدل على ذلك أيضا. وعلى هذا فيكون اختصاص النبى صلى الله عليه وسلم بالبعثة إلى الثقلين إلى جميعهم لا إلى بعضهم(1\/421)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "437",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12032",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن قبله كان يبعث إلى طائفة مخصوصة وأيضا فقد قال تعالى عن نبيه سليمان: ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير [سبأ: 12]  وهذا محض التكليف. وقد تقدم قوله حكاية عنهم: وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم إلى قوله تعالى: لجهنم حطبا [الجن: 14-15]  وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم القرآن وأنهم سألوه الزاد لهم ولدوابهم فجعل لهم كل عظم ذكر اسم الله عليه وكل بعرة علف لدوابهم ونهانا عن الاستنجاء بهم. ولو لم يكن فى هذا إلا قوله تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [الإسراء: 15]- وقد أخبر أنه يعذب كفرة الجن- لكفى به حجة على أنهم مكلفون باتباع الرسل. ومما يدل على أنهم مأمورن منهيون بشريعة الإسلام ما تضمنته سورة الرحمن فإنه سبحانه وتعالى ذكر خلق النوعين فى قوله تعالى: خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار ثم خاطب النوعين بالخطاب المتضمن لاستدعاء الإيمان منهم وإنكار تكذيبهم بالآية وترغيبهم فى وعده وتخويفهم من وعيده وتهديدهم بقوله تعالى: سنفرغ لكم أيها الثقلان [الرحمن: 31]  وتخويفهم من عواقب ذنوبهم وأنه لعلمه بها لا يحتاج أن يسألهم عنها سؤال استعلام بل يعرف المجرمون منهم بسيماهم فيؤخذ بنواصيهم والأقدام ثم ذكر عقاب الصنفين وثوابهم. وهذا كله تصريح فى أنهم هم المكلفون المأمورون المنهيون المثابون المعاقبون. وفى الترمذى من حديث محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال: quot;لقد قرأتها على الجن ليلة الجن وكانوا أحسن مردودا منكم: كنت كلما أتيت على آية: فبأى آلاء ربكما تكذبان [الرحمن] قالوا: لا شيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمدquot;. وهذا يدل على ذكائهم وفطنتهم ومعرفتهم بمؤنة الخطاب وعلمهم أنهم مقصودون به. وقوله فى هذه السورة: سنفرغ لكم أيها الثقلان [الرحمن: 31] وعيد للصنفين المكلفين بالشرائع قال قتادة: معناه فراغ الدنيا وانقضاؤها ومجيء الآخرة والجزاء فيها والله سبحانه لا يشغله شيء عن شيء. والفراغ فى اللغة على وجهين: فراغ من(1\/422)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "438",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12033",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشغل وفراغ بمعنى القصد. وهو فى هذا الموضع بالمعنى الثانى وهو قصد لمجازاتهم بأعمالهم يوم الجزاء وقوله: يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا [الرحمن: 33] فيها قولان: أحدهما إن استطعتم أن تنفذوا ما فى السموات والأرض علما- أى أن تعلموا ما فيها- فاعلموه ولن تعلموه إلا بسلطان أى إلا ببينة من الله وعلى هذا فالنفوذ [هاهنا] نفوذ علم الثقلين فى السموات والأرض والثانى: إن اسطعتم أن تخرجوا عن قهر الله ومحل سلطانه ومملكته بنفوذكم من أقطار السموات والأرض وخروجكم عن محل حكم الله وسلطانه فافعلوا ومعلوم أن هذا من الممتنع عليكم فإنكم تحت سلطانى وفى محل ملكى وقدرتى أين كنتم. وقال الضحاك: معنى الآية إن استطعتم أن تهربوا عند الموت فاهربوا فإنه مدرككم. هذه الأقوال على أن يكون الخطاب لهم بهذا القول فى الدنيا. وفى الآية تقرير آخر وهو أن يكون هذا الخطاب فى الآخرة إذا أحاطت الملائكة بأقطار الأرض وأحاط سرادق النار بالآفاق فهرب الخلائق فلا يجدون مهربا ولا منفذا كما قال تعالى: ويا قوم إنى أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين [غافر: 32-33]  قال مجاهد: فارين غير معجزين وقال الضحاك: إذا سمعوا زفير النار ندوا هربا فلا يأتون قطرا من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفا فيرجعون إلى المكان الذى كانوا فيه فذلك قوله تعالى: والملك على أرجائها [الحاقة: 17]  وقوله تعالى: يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا [الرحمن: 33]  وهذا القول أظهر والله أعلم. فإذا بده الخلائق ولوا مدبرين يقال لهم: إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا [الرحمن: 33] أى إن قدرتم أن تتجاوزوا أقطار السموات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر على عذابكم فافعلوا وكأن ما قبل هذه الآية وما بعدها يدل على هذا القول فإن قبلها: سنفرغ [الرحمن: 31] الآية وهذا فى الآخرة وبعدها: فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان [الرحمن: 37]  وهذا فى الآخرة. وأيضا فإن هذا خطاب لجميع الإنس والجن فإنه أتى فيه بصيغة العموم وهى قوله تعالى: يا معشر الجن والإنس [الرحمن: 33] فلا بد أن(1\/423)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "439",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12034",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يشترك الكل فى سماع هذا الخطاب ومضمونه. وهذا إنما يكون إذا جمعهم الله فى صعيد واحد يسمعهم الداعى وينفذهم البصر. وقال تعالى: إن استطعتم [الرحمن: 33] ولم يقل إن استطعتما لإرادة الجماعة كما فى آية أخرى: يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم [الأنعام: 130]  وقال تعالى: يرسل عليكما [الرحمن: 35]  ولم يقل يرسل عليكم لإرادة الصنفين أى لا يختص به صنف عن صنف بل يرسل ذلك على الصنفين معا. وهذا وإن كان مرادا بقوله تعالى: إن استطعتم [الرحمن: 33] فخطاب الجماعة فى ذلك بلفظ الجمع أحسن أى من استطاع منكم. وحسن الخطاب بالتثنية فى قوله تعالى: عليكما [الرحمن: 35] أمر آخر. وهو موافقة رؤوس الآى فاتصلت التثنية بالتثنية. وفيه التسوية بين الصنفين فى العذاب بالتنصيص عليهما فلا يحتمل اللفظ إرادة أحدهما والله أعلم. قال ابن عباس: الشواط اللهب الذى لا دخان فيه والنحاس الدخان الذى لا لهب فيه. وقوله تعالى: فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان [الرحمن: 39] فأضاف الذنوب إلى الثقلين وهذا دليل على أنهما سويا فى التكليف. واختلف فى هذا السؤال المنفى فقيل: هو وقت البعث والمصير إلى الموقف لا يسألون حينئذ ويسألون بعد إطالة الوقوف واستشفاعهم إلى الله أن يحاسبهم ويريحهم من [مقابلهم] ذلك. وقيل: المنفى سؤال الاستعلام والاستخبار لا سؤال المحاسبة والمجازاة أى قد علم الله ذنوبهم فلا يسألهم عنها سؤال من يريد علمها وإنما يحاسبهم عليها. فصل فإذا علم تكليفهم بشرائع الأنبياء ومطالبتهم بها وحشرهم يوم القيامة للثواب والعقاب علم أن محسنهم فى الجنة كما أن مسيئهم فى النار وقد دل على ذلك قوله تعالى حكاية عن مؤمنهم: وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه الآية [الجن: 13]  وبهذه الحجة احتج البخارى. ووجه الاحتجاج بها أن البخس المنفى هو نقصان الثواب والرهق الزيادة فى العقوبة على ما عمل فلا ينقص من ثواب حسناته ولا يزداد فى سيئاته. ونظير هذا قوله تعالى: ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما [طه: 112] أى لا يخاف زيادة سيئاته ولا نقصان حسناته. وأيضا فقد قال تعالى فى سورة الرحمن: ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأى(1\/424)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "440",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12035",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "آلاء ربكما تكذبان [الرحمن: 46]  وذكر ما فى الجنتين إلى قوله تعالى: لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان [الرحمن: 56]  وهذا يدل على أن ثواب محسنهم الجنة من وجوه: أحدها: أن quot;منquot; صيغ العموم فتتناول كل خائف. الثانى: أنه رتب الجزاء المذكور على خوف مقامه فدل على استحقاقه به. وقد اختلف فى إضافة المقام إلى الرب هل هى من إضافة المصدر إلى فاعله أو إلى مفعوله على قولين: أحدهما: أن المعنى ولمن خاف مقامه بين يدى ربه فعلى هذا هو من إضافة المصدر إلى المفعول والثانى: أن المعنى ولمن خاف مقام ربه عليه واطلاعه عليه فهو من باب إضافة المصدر إلى فاعله. وكذلك القولان فى قوله تعالى: وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى [النازعات: 40]  ونظيره قوله تعالى: ذلك لمن خاف مقامى وخاف وعيد [إبراهيم: 14]  فهذه ثلاثة مواضع. وقد يقال: الراجح هو الأول وأن المعنى خاف مقامه بين يدى ربه لوجوه أحدها: أن طريقة القرآن فى التخويف أن يخوفهم بالله وباليوم الآخر فإذا خوفهم به علق الخوف به لا بقيامه عليهم كقوله تعالى: فلا تخافوهم وخافون [آل عمران: 175]  وقوله تعالى: ذلك لمن خشى ربه [البينة: 8]  وقوله تعالى: يخافون ربهم من فوقهم [النحل: 50]  وقوله تعالى: إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير [الملك: 12]  ففى هذا كله لم يذكر خشية مقامه عليهم وإنما مدحهم بخوفه وخشيته. وقد يذكر الخوف متعلقا بعذابه كقوله تعالى: يرجون رحمته ويخافون عذابه [الإسراء: 57]  وأما خوف مقامه عليهم فهو وإن كان كذلك فليس طريقة القرآن. الثانى: أن هذا نظير قوله تعالى: وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم [الأنعام: 51]  فخوفهم أن يحشروا إليه هو خوفهم من مقامهم بين يديه والقرآن يفسر بعضه بعضا. الثالث: أن خوف مقام العبد بين يدى ربه فى الآخرة لا يكون إلا ممن يؤمن بلقائه وباليوم الآخر وبالبعث بعد الموت. وهذا هو الذى يستحق الجنتين المذكورتين فإنه لا يؤمن بذلك حق الإيمان إلا من آمن بالرسل وهو من الإيمان بالغيب الذى جاءت به الرسل. وأما مقام الله على عبده فى الدنيا واطلاعه عليه وقدرته عليه فهذا يقر به المؤمن والكافر والبر والفاجر وأكثر(1\/425)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "441",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12036",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكفار يخافون جزاء الله لهم فى الدنيا لما عاينوه من مجازاة الظالم بظلمه والمحسن بإحسانه وأما مقام العبد بين يدى ربه فى الآخرة فلا يؤمن به إلا المؤمن بالرسل. فإن قيل: إذا كان المعنى أنه خاف مقام ربه عليه فى الآخرة بالجزاء فقد استوى التقديران فمن أين رجحتم أحدهما قيل: التخويف بمقام العبد بين يدى ربه أبلغ من التخويف بمقام الرب على العبد ولهذا خوفنا تعالى فى قوله: يوم يقوم الناس لرب العالمين [المطففين: 6]  ولأنه مقام مخصوص مضاف إلى الله وذلك فى يوم القيامة بخلاف مقام الله على العبد فإنه كل وقت. وأيضا فإنه لا يقال لقدرة الله على العبد واطلاعه عليه وعلمه به: مقام الله ولا هذا من المألوف إطلاقه على الرب. وأيضا فإن المقام فى القرآن والسنة إنما يطلق على المكان كقوله: عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا [الإسراء: 79]  وقوله تعالى: كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم [الدخان: 25- 26]  وقوله تعالى: خير مقاما وأحسن نديا [مريم: 73]  والمقصود أن قوله تعالى: ولمن خاف مقام ربه جنتان يتناول الصنفين من وجوه تقدم منها وجهان: الثالث: قوله عقيب هذا الوعد: فبأى آلاء ربكما تكذبان [الرحمن] . الرابع: أنه ذكر فى وصف نسائهم أنهن: لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان [الرحمن: 56] وهذا والله أعلم معناه أنه لم يطمث نساء الإنس إنس قبلهم ولا نساء الجن جن قبلهم. ومما يدل على أن ثوابهم الجنة قوله تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا أولئك لهم جنات عدن تجرى من تحتهم الأنهار [الكهف: 30- 31]  وأمثال هذه من العمومات. وقد ثبت أن منهم المؤمنين فيدخلون فى العموم كما أن كافرهم يدخل فى الكافرين المستحقين للوعيد ودخول مؤمنهم فى آيات الوعد أولى من دخول كافرهم فى آيات الوعيد فإن الوعد فضله والوعيد عدله وفضله من رحمته وهى تغلب غضبه. وأيضا فإن دخول عاصيهم النار إنما كان لمخالفته أمر الله فإذا أطاع الله أدخل الجنة وأيضا فإنه لا دار للمكلفين سوى الجنة والنار وكل من لم يدخل النار من المكلفين فالجنة مثواه. وأيضا فقد ثبت أنهم إذا أجابوا داعى الله غفر لهم وأجارهم من عذابه وكل من غفر له دخل الجنة ولا بد وليس(1\/426)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "442",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12037",
        "book_id": "qym_3968",
        "book_name": " طريق الهجرتين وباب السعادتين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة المغفرة إلا الفوز بالجنة والنجاة من النار وأيضا فإنه قد ثبت [أن الرسول مبعوث إليهم وأنهم مكلفون باتباعه وأن مطيعهم لله] ورسوله مع الذين أنعم الله عليهم لقوله تعالى: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا [النساء: 69]  وقد أخبر سبحانه عن ملائكته حملة العرش ومن حولهم أنهم يستغفرون للذين آمنوا وأنهم يقولون: فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التى وعدتهم [غافر: 7- 8]  فدل على أن كل مؤمن غفر الله له ووقاه عذاب الجحيم فقد وعده الجنة. وقد ثبت فى حق مؤمنهم الإيمان ومغفرة الذنب ووقاية النار كما تقدم فتعين دخولهم الجنة والله أعلم. وإذا ثبت تكليفهم بانقسامهم إلى المسلمين والكفار والصالحين ودون ذلك فهم فى الموازنة على نحو طبقات الإنس المتقدمة إلا أنهم ليس فيهم رسول. وأفضل درجاتهم درجة الصالحين ولو كان لهم درجة أفضل منها لذكروها. فقد دل القرآن على انقسامهم إلى ثلاثة أقسام: صالحين ودونهم وكفار. وزاد عليهم الإنس بدرجة الرسالة والنبوة ودرجة المقربين والله أعلم. فهذا ما وصل إليه الإحصاء من طبقات المكلفين فى الدار الآخرة وهى ثمان عشرة طبقة وكل طبقة منها لها أعلى وأدنى ووسط. وهم درجات عند الله والله تعالى يحشر الشكل مع شكله والنظير مع نظيره ويقرن بينهما فى الدرجة. قال تعالى: احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله [الصافات: 22]  قال الإمام أحمد وقبله عمر بن الخطاب: quot;أزواجهمquot; أشباههم ونظراؤهم. وقال تعالى: وإذا النفوس زوجت [التكوير: 7] روى النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن هذه الآية فقال: بقرن الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة ويقرن الرجل السوء مع الرجل السوء فى النار. وقال الحسن وقتادة: يلحق كل بشيعته اليهودى باليهودى والنصرانى بالنصرانى. وقال الربيع: يحشر الرجل مع صاحب عمله. وفى الآية ثلاثة أقوال أخر أحدها: أن تزويج النفوس اقترانها بأجسادها وردها إليها. الثانى: تزويجها اقترانها بأعمالها. الثالث: أنه تزويج المؤمنين الحور العين وتزويج الكفار بالشياطين. والقول الأول أظهر الأقوال والله أعلم. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.(1\/427)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "443",
        "book_number": "28",
        "slug": " -qym_3968"
    },
    {
        "id": "12038",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "مقدمة",
        "content": "عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين تأليف: ابن قيم الجوزية مقدمة المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله الصبور الشكور العلى الكبير السميع البصير العليم القدير الذي شملت قدرته كل مخلوق وجرت مشيئته في خلقه بتصاريف الأمور وأسمعت دعوته لليوم الموعود أصحاب القبور قدر مقادير الخلائق وآجالهم وكتب آثارهم وأعمالهم وقسم بينهم معايشهم وأموالهم وخلق الموت والحياة ليبلوهم أيهم أحسن عملا وهو العزيز الغفور القاهر القادر فكل عسير عليه يسير وهو المولى النصير فنعم المولى ونعم النصير يسبح له ما في السموات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير خلق السموات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم واليه المصير يعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له أنه جل عن الشبيه والنظير وتعالى عن الشريك والظهير وتقدس عن تعطيل الملحدين كما تنزه عن شبه المخلوقين فليس كمثله شىء وهو السميع البصير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من بريته وصفوته من خليقته وآمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده أعرف الخلق به وأقومهم بخشيته وأنصحهم لأمته وأصبرهم لحكمه وأشكرهم لنعمه وأقربهم إليه وسيلة وأعلاهم عند منزلة وأعظمهم عنده جاها وأوسعهم عنده شفاعه بعثه إلى الجنة داعيا وللإيمان مناديا وفي مرضاته ساعيا وبالمعروف آمرا وعن المنكر ناهيا فبلغ رسالات ربه(1\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12039",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأصلين العظيمين ولا يعدل عن هذين الطريقين القاصدين وأن يجعل سيره إلى الله بين هذين الطريقين ليجعله الله يوم لقائه مع خير الفريقين. فكذلك وضع هذا الكتاب للتعريف بشدة الحاجة والضرورة إليهما وبيان توقف سعادة الدينا والآخرة عليهما فجاء كتابا جامعا حاويا نافعا فيه من الفوائد ما هو حقيق على أن يعض عليه بالنواجذ وتثنى عليه الخناصر ممتعا لقاريه صريحا للناظر فيه مسليا للحزين منهضا للمقصرين محرضا للمشمرين مشتملا على نكات حسان من تفسير القرآن وعلى أحاديث نبوية معزوة إلى مظانها وآثار سلفية منسوبة إلى قائلها ومسائل فقهية حسان مقرة بالدليل ودقائق سلوكية على سواء السبيل لا تخفى معرفة ذلك عى من فكر وأحضر ذهنه فان فيه ذكر أقسام الصبر ووجوه الشكر وأنواعه وفصل النزاع في التفضيل بين الغنى الشاكر والفقير الصابر وذكر حقيقة الدنيا وما مثلها الله ورسوله والسلف الصالح به والكلام على سبر هذه الأمثال ومطابقتها لحقيقة الحال وذكر ما يذم من الدنيا ويحمد وما يقرب منها إلى الله ويبعد وكيف يشقى بها من يشقى ويسعد بها من يسعد وغير ذلك من الفوائد التى لا تكاد تظفر بها في كتاب سواه وذلك محض منة من الله على عبده وعطية من بعض عطاياه فهو كتاب يصلح للملوك والأمراء والأغنياء والفقراء والصوفية والفقهاء ينهض بالقاعد إلى المسير ويؤنس السائر في الطريق وينبه السالك على المقصود ومع هذا فهو جهد المقل وقدرة المفلس حذر فيه من الداء وان كان من أهله ووصف فيه الدواء وان لم يصبر على تناوله لظلمه وجهله وهو يرجوا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين أن يغفر له غيه لنفسه لعبادة المؤمنين فما كان في الكتاب من صواب فمن الله وحده فهو المحمود والمستعان وما كان فيه من خطأ فم مصنفه ومن الشيطان والله بريء منه ورسوله وهذه بضاعة مؤلفة المرجاة تساق إليك وسلعته تعرض عليك فلقاريه غنمة وعلى مؤلفة غرمه وبنات أفكاره تزف إليك فإن وجدت حرا كريما(1\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12040",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان بها أسعد وإلا فهي خود تزف إلى عنين متعد. وقد جعلته ستة وعشرين بابا وخاتمة: الباب الأول في معنى الصبر لغة واشتقاق هذه اللفظة وتصريفها. الباب الثاني في حقيقة الصبر وكلام الناس في. الباب الثالث في بيان أسماء الصبر بالاضافة إلى متعلقة. الباب الرابع في الفرق بي الصبر والتصبر والاصطبار والمصابرة. الباب الخامس في أقسام الصبر باعتبار محله. الباب السادس في أقسامه بحسب اختلاف قوته وضعفه ومقاومته لجيش الهوى وعجزه عنه. الباب السابع في بيان أقسامه باعتبار متعلقه. الباب الثامن في انقسامه باعتبار تعلق الأحكام الخمسة به. الباب التاسع في بيان تفاوت درجات الصبر. الباب العاشر في انقسام الصبر إلى محمود ومذموم. الباب الحادي عشر في الفرق بين صبر الكرام وصبر اللئام. الباب الثاني عشر في الأسباب التي تعين عل الصبر. الباب الثالث عشر: في بيان أن الإنسان لا يستغنى عن الصبر في حال من الأحوال. الباب الرابع عشر: في بيان اشق الصبر على النفوس. الباب الخامس عشر: في ذكر ما ورد في الصبر من نصوص الكتاب العزيز. الباب السادس عشر: في ذكر ما ورد فيه من نصوص السنة. الباب السابع عشر: في ذكر الآثار الواردة عن الصحابة في فضيلة الصبر.(1\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12041",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الثامن عشر: في ذكر أمور تتعلق بالمصيبة من البكاء والندب وشق الثياب ودعوى الجاهلية ونحوها. الباب التاسع عشر في الصبر نصف الإيمان وأن الإيمان نصفان صبر ونصف شكر. الباب العشرون: في بيان تنازع الناس في الأفضل من الصبر والشكر. الباب الحادي والعشرون في الحكم بين الفريقين والفصل بين الطائفتين. الباب الثاني والعشرون: في اختلاف الناس في الغنى الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل وما هو الصواب في ذلك. الباب الثالث والعشرون: في ذكر ما احتجت به الفقراء من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار. الباب الرابع والعشرون: في ذكر ما احتجت به الأغنياء من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار. الباب الخامس والعشرون: في بيان الأمور المضادة للصبر والمنافية له والقادحة فيه. الباب السادس والعشرون: في بيان دخول الصبر في صفات الرب جل جلاله وتسميته بالصبور والشكور سميته (عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين) والله المسؤول أن يجعله خالصا لوجهه مدنيا من رضاه وأن ينفع به مؤلفه وكاتبه وقارئه انه سميع الدعاء وأهل الرجاء وهو حسبنا ونعم الوكيل(1\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12042",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصدع بأمره وتحمل في مرضاته ما لم يتحمله بشر سواه وقام لله بالصبر والشكر حتى القيام حتى بلغ رضاه فثبت في مقام الصبر حتى لم يلحقه أحد من الصابرين وترقى في درجة الشكر حتى علا فوق جميع الشاكرين فحمد الله وملائكته ورسله وجيمع المؤمنين ولذلك خص بلواء الحمد دون جميع العالمين فآدم تحت لوائه ومن دون الأنبياء والمرسلين وجعل الحمد فاتحة كتابه الذى أنزله عليه كذلك فيما بلغنا وفي التوارة والإنجيل وجعله آخر دعوى أهل ثوابه الذين دعوى أهل ثوابه الذين هداهم على يديه أمته الحامدين قبل ان يخرجهم إلى الوجود لحمدهم له على السراء والضراء والشدة والرخاء وجعلهم أسق الأمم إلى دار الثواب والجزاء فأقرب الخلق إلى لوائه أكثرهم حمدا لله وذكرا كما أن أعلاهم منزلة أكثرهم صبرا وشكرا فصلى الله وملائكته وأنبياؤه ورسله وجميع المؤمنين عليه كما وحد الله وعرف به ودعا إليه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد فإن الله سبحانه جعل الصبر جوادا لا يكبو وصارما لا ينبو وجندا لا يهزم وحصنا حصينا لا يهدم ولا يثلم فهو والنصر أخوان شقيقان فالنصر مع الصبر والفرج مع الكرب والعسر مع اليسر وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ولا عدد ومحله من الظفر كمحل الرأس من الجسد ولقد ضمن الوفي الصادق لأهله في محكم الكتاب أنه يوفيهم أجرهم بغير حساب واخبره أنه معهم بهدايته ونصره العزيز وفتحه المبين فقال تعالى واصبروا إن الله مع الصابرين فظفر الصابرون بهذه المعية بخير الدنيا والآخرة وفازوا بها بنعمة الباطنة والظاهرة وجعل سبحانه الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين فقال تعالى وبقوله اهتدى المهتدون وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون . وأخبر أن الصبر خير لأهله مؤكدا باليمن فقال تعالى ولئن صبرتم لهو خير للصابرين وأخبر أن مع الصبر والتقوى(1\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12043",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يضر كيد العدو ولو كان ذا تسليط فقال تعالى وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط وأخبر عن نبيه يوسف الصديق أن صبره وتقواه وصلاه إلى محل العز والتمكين فقال: إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين وعلق الفلاح بالصبر والتقوى فعقل ذلك عنه المؤمنون فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون . وأخبر عن محبته لأهله وفي ذلك أعظم ترغيب للراغبين فقال تعالى والله يحب الصابرين ولقد بشر الصابرين بثلاث كل منها خير مما عليه أهل الدنيا يتحاسدون فقال تعالى وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون . وأوصى عبادة بالاستعانة بالصبر والصلاة على نوائب الدنيا والدين فقال تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين وجعل الفوز بالجنة والنجاة من النار لا يحظى به الا الصابرون فقال تعالى إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون وأخبر أن الرغبة في ثوابه والإعراض عن الدنيا وزينتها لا ينالها ألا أو لو الصبر المؤمنون فقال تعالى وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون وأخبر تعالى أن دفع السيئة بالتي هي أحسن تجعل المسىء كأنه ولي حميم فقال ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وأن هذه الخصلة لا يلقاها الا الذين صبروا وما يلقاها الا ذو حظ عظيم وأخبر سبحانه مؤكدا بالقسم إن الإنسان لفي خسر إلا(1\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12044",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر وقسم خلقه قسمين أصحاب ميمنة وأصحاب مشأمة وخص أهل الميمنة أهل التواصى بالصبر والمرحمة وخص بالانتفاع بآياته أهل الصبر وأهل الشكر تمييز لهم بهذا الحظ الموفور فقال في أربع آيات من كتابه إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور وعلق المغفرة والأجر بالعمل الصالح والصبر وذلك على من يسره عليه يسير فقال إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير . وأخبر أن الصبر والمغفرة من العزائم التي تجارة أربابها لا تبور فقال ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور وأمر رسوله بالصبر لحكمه وأخبر أن صبره انما هو به وبذلك جميع المصائب تهون فقال واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وقال واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون . والصبر آخية المؤمن التى يجول ثم يرجع إليها وساق إيمانه الذى اعتماد له الإ عليها فلا ايمان لمن لا صبر له وان كان فإيمان قليل في غاية الضعف وصاحبه ممن يعبد الله على حرف فان أصابه خير اطمأن به وان أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ولم يحظ منهما الإ بالصفقة الخاسرة فخير عيش أدركه السعداء بصبرهم وترقوا إلى أعلى المازل بشكرهم فساروا بين جناحى الصبر والشكر إلى جنات النعيم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء واله ذو الفضل العظيم فصل: ولما كان الإيمان نصفين نصف صبر ونصف شكر كان حقيقا على من نصح نفسه وأحب نجاتها وآثر سعادتها أن لا يهمل هذين(1\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12045",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "الباب الأول: في معنى الصبر لغة واشتقاق هذه اللفظة وتصريفها",
        "content": "الباب الأول: في معنى الصبر لغة واشتقاق هذه اللفظة وتصريفها أصل هذه الكلمة هو المنع والحبس فالصبر حبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكي والجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب ونحوهما ويقال صبر يصبر صبرا وصبر نفسه قال تعالى واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم وقال عنترة فصبرت عارفة لذلك حرة ... ترسو اذا نفس الجبان تطلع يقول حبست نفسا عارفة وهى نفس حر يأنف لا نفس عبد لا أنفه له وقوله ترسو أي تثبت وتسكن إذا خفت نفس الجبان واضطربت ويقال صبرت فلانا إذا حبسته وصبرته بالتشديد إذا حملته على الصبر وفي حديث الذي أمسك رجلا وقتله آخر يقتل القاتل ويصبر الصابر أي يحبس للموت كما حبس من أمسكه للموت وصبرت الرجل إذا قتلته صبرا أي أمسكته للقتل وصبرته أيضا وأصبرته إذا حبسه للحلف ومنه الحديث الصحيح من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله وهو عنه معرض ومنه الحديث الذي في القسامة ولا تصبر يمينه حيث تصبر الإيمان والمصبورة اليمين المحلوف عليها وفي الحديث نهى عن المصبورة وهى الشاة والدجاجة ونحوهما تصبر للموت فتربط فترمى حيث تموت. وفعل هذا الباب صبرت أصبر بالفتح في الماضي والكسر في(1\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12046",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المستقبل وأما صبرت أصبر بالضم في المستقبل فهو بمعنى الكفالة والصبير الكفيل كأنه حبس نفسه للغرم ومنه قولهم أصبرنى أي جعلني كفيلا وقيل أصل الكلمة من الشدة والقوة ومنه الصبر للدواء المعروف لشدة مرارته وكراهته قال الأصمعى quot;إذا لقي الرجل الشدة بكمالها قيل لقيها بأصبارهاquot; ومنه الصبر بضم الصاد للأرض ذات الحصب لشدتها وصلابتها ومنه سميت الحرة أم صبار ومنه قولهم وقع القوم في أمر صبور بتشديد الباء أي أمر شديد ومنه صبارة الشتاء بتخفيف الباء وتشديد الراء لشدة برده وقيل مأخوذ من الجمع والضم فالصابر يجمع نفسه ويضمها عن الهلع والجزع ومنه صبرة الطعام وصبارة الحجارة. والتحقيق أن في الصبر المعاني الثلاثة المنع والشدة والضم ويقال صبر إذا أتى بالصبر وتصبر إذا تكلفه واستدعاه واصطبر إذا اكتسبه وتعمله وصابر إذا وقف خصمه في مقام الصبر وصبر نفسه وغيره بالتشديد إذا حملها على الصبر واسم الفاعل صابر وصبار وصبور ومصابر ومصطبر فمصابر من صابر ومصطبر من اصطبر وصابر من صبر وأما صبار وصبور فمن أوزان المبالغة من الثلاثى كضراب وضروب والله أعلم(1\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12047",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "الباب الثاني: في حقيقة الصبر وكلام الناس فيه",
        "content": "الباب الثاني: في حقيقة الصبر وكلام الناس فيه قد تقدم بيان معناه لغة وأما حقيقته فهو خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل وهو قوة من قوى النفس التى بها صلاح شأنها وقوام أمرها وسئل عنه الجند بن محمد فقال تجرع المرارة من غير تعبس وقال ذو النون هو التباعد عن المخالفات والسكون عند تجرع غصصى البلية وإظهار الغني مع حلول الفقر بساحات المعيشة وقبل الصبر هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب وقيل:(1\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12048",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;هو الغنى في البلوى بلا ظهور شكوى وقال أبو عثمان الصبار quot;هو الذي عود نفسه الهجوم على المكارهquot; وقيل الصبر المقام على البلاء بحسن الصحبة كالمقام مع العافية ومعنى هذا أن لله على العبد عبودية في عافيته وفي بلائه فعليه أن يحسن صحبة العافية بالشكر وصحبة البلاء بالصبر وقال عمرو بن عثمان المكي: quot;الصبر هو الثبات مع الله وتلقى بلائه بالرحب والدعةquot; ومعنى هذا انه يتلقى البلاء وبصدر واسع لا يتعلق بالضيق والسخط والشكوى وقال الخواص quot;الصبر الثبات على أحكام الكتاب والسنةquot; وقال رويم quot;الصبر ترك الشكوىquot; فسره يلازمه وقال غيره quot;الصبر هو الاستعانة باللهquot; وقال أبو على quot;الصبر كاسمهquot; وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه quot;الصبر مطية لا تكبوquot; وقال أبو محمد الجريري quot;الصبر أن لا يفرق بين النعمة والمحنة مع سكون الخاطر فيهماquot;. قلت وهذا غير مقدور ولا مأمور به فقد ركب الله الطباع على التفريق بين الحالتين وانما المقدور حبس النفس عن الجزع لا استواء الحالتين عند العبد وساحة العافية أوسع للعبد من ساحة الصبر كما قال النبي في الدعاء المشهور quot;إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالى غير أن عافيتك أوسع ليquot; ولا يناقض هذا قوله quot;وما أعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبرquot; فإن هذا بعد نزول البلاء ليس للعبد أوسع من الصبر وأما قبله فالعافية أوسع له وقال أبو على الدقاق quot;حد الصبر أن لا يعترض على التقديرquot; فأما إظهار للبلاء على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر قال الله تعالى في قصة أيوب إنا وجدناه صابرا مع قوله مسنى الضر قلت فسر اللفظ بلازمها. وأما قوله quot;على غير وجه الشكوىquot; فالشكوى نوعان أحدهما الشكوى إلى الله فهذا لا ينافي الصبر كما قال يعقوب إنما أشكو بثي وحزني إلى الله مع قوله فصبر جميل وقال أيوب مسني الضر مع(1\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12049",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصف الله له بالصبر وقال سيد الصابرين صلوات الله وسلامه عليه quot;اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتى ... الخquot;. وقال موسى صلوات الله وسلامه عليه quot;اللهم لك الحمد واليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة الا بكquot;. والنوع الثانى شكوى المبتلى بلسان الحال والمقال فهذه لا تجامع الصبر بل تضاده وتبطله فالفرق بين شكواه والشكوى اليه وسنعود لهذه المسألة في باب اجتماع الشكوى والصبر وافتراقهما ان شاء الله تعالى. وقيل الصبر شجاعة النفس ومن ها هنا أخذ القائل قوله الشجاعة صبر ساعة وقيل الصبر ثبات القلب عند موارد الاضطراب والصبر والجزع ضدان ولهذا يقابل أحدهما بالآخر قال تعالى عن أهل النار: سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص والجزع قرين العجز وشقيقه والصبر قرين الكيس ومادته فلو سئل الجزع من أبوك لقال العجز ولو سئل الكيس من أبوك لقال الصبر والنفس مطية العبد التى يسير عليها إلى الجنة أو النار والصبر لها بمنزلة الخطام والزمام للمطيه فإن لم يكن للمطيه خطام ولا زمام شردت في كل مذهب. وحفظ من خطب الحجاج quot;اقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة إلى كل سوء فرحم الله امرءا جعل لنفسه خطاما وزماما فقادها بخطامها إلى طاعة الله وصرفها بزمامها عن معاصى الله فإن الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابهquot;. قلت والنفس فيها قوتان قوة الإقدام وقوة الإحجام فحقيقة الصبر ان يجعل قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعه وقوة الإحجام إمساكا عما يضره ومن الناس من تكون قوة صبره على فعل ما ينتفع به وثباته عليه أقوى من صبره عما يضره فيصبر على مشقة الطاعة ولا صبر له عن داعي(1\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12050",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هواه إلى ارتكاب ما نهى عنه ومنهم من تكون قوة صبره عن المخالفات أقوى من صبره على مشقة الطاعات ومنهم من لا صبر له على هذا ولا ذاك وأفضل الناس أصبرهم على النوعين فكثير من الناس يصبر على مكابدة قيام الليل في الحر والبرد وعلى مشقة الصيام ولا يصبر عن نظرة محرمة وكثير من الناس يصبر عن النظر وعن الالتفات إلى الصور ولا صبر له على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وجهاد الكفار والمنافقين بل هو أضعف شئ عن هذا وأعجزه وأكثرهم لا صبر له على واحد من الأمرين وأقلهم أصبرهم في الموضعين وقيل quot;الصبر ثبات باعث العقل والدين في مقابلة باعث الهوى والشهوةquot; ومعنى هذا أن الطبع يتقاضى ما يحب وباعث العقل والدين يمنع منه والحرب قائمة بينهما وهو سجال ومحرك هذا الحرب قلب العبد والصبر والشجاعة والثبات(1\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12051",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "الباب الثالث: في بيان أسماء الصبر بالإضافة إلى متعلقه",
        "content": "الباب الثالث: في بيان أسماء الصبر بالإضافة إلى متعلقه لما كان الصبر المحمود هو الصبر النفساني الاختياري عن إجابة داعي الهوى المذموم كانت مراتبه وأسماؤه بحسب متعلقه فإنه ان كان صبرا عن شهوة الفرج المحرمة سمي عفة وضدها الفجور والزنا والعهر وان كان عن شهوة البطن وعدم التسرع إلى الطعام أو تناول مالا يجمل منه سمي شرف نفس وشبع نفس وسمي ضده شرها ودناءة ووضاعة نفس وان كان عن إظهار ما لا يحسن إظهاره من الكلام سمي كتمان سر وضده إذاعة وإفشاء أو تهمة أو فحشاء أو سبا أو كذبا أو قذفا وان كان عن فضول العيش سمي زهدا وضده حرصا وان كان على قدر يكفي من الدنيا سمي قناعة وضدها الحرص أيضا وان كان عن إجابة داعي الغضب سمي حلما وضده تسرعا وان كان عن إجابة داعي العجلة سمي وقارا وثباتا وضده طيشا وخفة وان كان عن إجابة داعي الفرار والهرب سمي شجاعة وضده جبنا وخورا وان كان عن إجابة داعي الانتقام سمي(1\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12052",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عفوا وصفحا وضده انتقاما وعقوبة وان كان عن إجابة داعي الإمساك والبخل سمي جودا وضده بخلا وان كان عن إجابة داعي الطعام والشراب في وقت مخصوص سمي صوما وان كان عن إجابة داعي العجز والكسل سمي كيسا وان كان عن إجابة داعي إلقاء الكيل على الناس وعدم حمل كلهم سمي مروءة فله عند كل فعل وترك اسم يخصه بحسب متعلقه والاسم الجامع لذلك كله الصبر وهذا يدلك على ارتباط مقامات الدين كلها بالصبر من أولها إلى آخرها وهكذا يسمى عدلا إذا تعلق بالتسوية بين المتماثلين وضده الظلم ويسمى سماحة إذا تعلق ببذل الواجب والمستحب بالرضا والاختيار وعلى هذا جميع منازل الدين(1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12053",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "الباب الرابع: في الفرق بين الصبر والتصبر والاصطبار والمصابرة",
        "content": "الباب الرابع: في الفرق بين الصبر والتصبر والاصطبار والمصابرة الفرق بين هذه الأسماء بحسب حال العبد في نفسه وحاله مع غيره فإن حبس نفسه ومنعها عن إجابة داعي ما لا يحسن ان كان خلقا له وملكه سمي صبرا وان كان بتكلف وتمرن وتجرع لمرارته سمي تصبرا كما يدل عليه هذا البناء لغة فإنه موضوع للتكلف كالتحلم والتشجع والتكرم والتحمل ونحوها وإذا تكلفه العبد واستدعاه صار سجية له كما في الحديث عن النبي أنه قال quot;ومن يتصبر يصبره اللهquot; وكذلك العبد يتكلف التعفف حتى يصير التعفف له سجية كذلك سائر الأخلاق وهي مسألة اختلف فيها الناس هل يمكن اكتساب واحد منها أو التخلق لا يصير خلقا أبدا كما قال الشاعر: يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل وقال آخر يا أيها المتحلى غير شيمته ... ان التخلق يأتى دونه الخلق فقبح التطبع شيمة المطبوع ...(1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12054",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا وقد فرغ الله سبحانه من الخلق والخلق والرزق والأجل وقالت طائفة أخرى بل يمكن اكتساب الخلق كما يكتسب العقل والحلم والجود والسخاء والشجاعة والوجود شاهد بذلك قالوا والمزاولات تعطى الملكات ومعنى هذا أن من زاول شيئا واعتاده وتمرن عليه صار ملكه له وسجيه وطبيعه قالوا والعوائد تنقل الطبائع فلا يزال العبد يتكلف التصبر حتى يصير الصبر له سجية كما أنه لا يزال يتكلف الحلم والوقار والسكينة والثبات حتى تصير له أخلاقا بمنزلة الطبائع قالوا وقد جعل الله سبحانه في الإنسان قوة القبول والتعلم فنقل الطبائع عن مقتضياتها غير مستحيل غير أن هذا الانتقال قد يكون ضعيفا فيعود العبد إلى طبعه بأدنى باعث وقد يكون قويا ولكن لم ينقل الطبع فقد يعود إلى طبعه إذا قوى الباعث واشتد وقد يستحكم الانتقال بحيث يستحدث صاحبه طبعا ثانيا فهذا لا يكاد يعود إلى طبعه الذى انتقل عنه. وأما الاصطبار فهو أبلغ من التصبر فإنه افتعال للصبر بمنزلة الاكتساب فالتصبر مبدأ الاصطبار كما أن التكسب مقدمة الاكتساب فلا يزال التصبر يتكرر حتى يصير اصطبارا وأما المصابرة فهي مقاومة الخصم في ميدان الصبر فإنها مفاعلة تستدعى وقوعها بين اثنين كالمشاتمة والمضاربة قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون فأمرهم بالصبر وهو حال الصابر في نفسه والمصابرة وهى حاله في الصبر مع خصمه والمرابطة وهى الثبات واللزوم والاقامة على الصبر والمصابرة فقد يصبر العبد ولا يصابر وقد يصابر ولا يرابط وقد يصبر ويصابر ويرابط من غير تعبد بالتقوى فأخبر سبحانه أن ملاك ذلك كله التقوى وأن الفلاح موقوف عليها فقال واتقوا الله لعلكم تفلحون فالمرابطة كما أنها لزوم الثغر الذي يخاف هجوم العدو منه في الظاهر فهي لزوم ثغر القلب لئلا يدخل منه الهوى والشيطان فيزيله عن مملكته(1\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12055",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الخامس: في انقسامه باعتبار محله الصبر ضربان: ضرب بدني وضرب نفساني وكل منهما نوعان اختياري واضطراري فهذه أربعة أقسام: الأول: البدني الاختياري كتعاطي الأعمال الشاقة على البدن اختيارا وإرادة. الثاني: البدني الاضطراري كالصبر على ألم الضرب والمرض والجراحات والبرد والحر وغير ذلك. الثالث: النفساني الاختياري كصبر النفس عن فعل ما لا يحسن فعله شرعا ولا عقلا. الرابع: النفساني الاضطراري كصبر النفس عن محبوبها قهرا إذا حيل بينها وبينه. فإذا عرفت هذه الأقسام فهي مختصة بنوع الإنسان دون البهائم ومشاركة للبهائم في نوعين منها وهما صبر البدن والنفس الاضطراريين وقد يكون بعضها أقوى صبرا من الإنسان وإنما يتميز الإنسان عنها بالنوعين الاختياريين وكثير من الناس تكون قوة صبره في النوع الذى يشارك فيه البهائم لا في النوع الذى يخص الإنسان فيعد صابرا وليس من الصابرين. فإن قيل هل يشارك الجن والإنس في هذا الصبر قيل نعم هذا من لوازم التكليف وهو مظنة الأمر والنهى والجن مكلفون بالصبر على الأوامر والصبر عن النواهى كما كلفنا نحن بذلك فإن قيل فهل هم مكلفون على الوجه الذى كلفنا نحن به أم على وجه آخر قيل ما كان من لوازم النفوس كالحب والبغض والإيمان والتصديق والموالاة والمعاداة فنحن وهم مستوون فيه وما كان من لوازم الأبدان كغسل الجنابة وغسل(1\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12056",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأعضاء في الوضوء والاستنجاء والختان وغسل الحيض ونحو ذلك فلا تجب مساواتهم لنا في تكلفه وان تعلق ذلك بهم على وجه يناسب خلقتهم وحيائهم. فإن قيل فهل تشاركنا الملائكة في شئ من أقسام الصبر قيل الملائكة لم يبتلوا بهوى يحارب عقولهم ومعارفهم بل العبادة والطاعة لهم كالنفس لنا فلا يتصور في حقهم الصبر الذي حقيقته ثبات باعث الدين والعقل في مقابلة باعث الشهوة والهوى وان كان لهم صبر يليق بهم وهو ثباتهم وإقامتهم على ما خلقوا له من غير منازعة هوى أو شهوة أو طبع. فالإنسان منا إذا غلب صبره باعث الهوى والشهوة التحق بالملائكة وان غلب باعث الهوى والشهوة صبره التحق بالشياطين وان غلب باعث طبعه من الأكل والشرب والجماع صبره التحق بالبهائم قال قتادة خلق الله سبحانه الملائكة عقولا بلا شهوات وخلق البهائم شهوات بلا عقول وخلق الإنسان وجعل له عقلا وشهوة فمن غلب عقله شهوته فهو مع الملائكة ومن غلبت شهوته عقله فهو كالبهائم ولما خلق الإنسان في ابتداء أمره ناقصا لم يخلق فيه الإ شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه فصبره في هذه الحال بمنزلة صبر البهائم وليس له قبل تمييزه قوة صبر الاختيار فإذا ظهرت فيه شهوة اللعب استعد لقوة الصبر الاختياري على ضعفها فيه فإذا تعلقت به شهوة النكاح ظهرت فيه قوة الصبر وإذا تحرك سلطان العقل وقوى استعان بجيش الصبر ولكن هذا السلطان وجنده لا يستقلان بمقاومة سلطان الهوى وجنده فإن إشراق نور الهداية يلوح عليه عند أول سن التمييز وينمو على التدريج إلى سن البلوغ كما يبدو خيط الفجر ثم يتزايد ظهوره وكلها هداية قاصرة غير مستقلة بإدراك مصالح الآخرة ومضارها بل غايتها تعلقها ببعض مصالح الدنيا ومفاسدها فإذا طلعت عليه شمس النبوة والرسالة وأشرق عليه نورها رأى في ضوئها تفاصيل مصالح الدارين ومفاسدهما فتلمح العواقب وليس لأمة الحرب وأخذ أنواع(1\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12057",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأسلحه ووقع في حومة الحرب بين داعي الطبع والهوى وداعي العقل والهدى والمنصور من نصره الله والمخذول من خذله ولا تضع الحرب أوزارها حتى ينزل في إحدى المنزلتين ويصير إلى ما خلق له من الدارين.(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12058",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "الباب السادس: بيان أقسامه بحسب اختلاف قوته وضعفه ومقاومته لجيش الهوى وعجزه عنه",
        "content": "الباب السادس: بيان أقسامه بحسب اختلاف قوته وضعفه ومقاومته لجيش الهوى وعجزه عنه. وباعث الدين بالإضافة إلى باعث الهوى له ثلاثة أحوال: إحداها: أن يكون القهر والغلبة لداعي الدين فيرد جيش الهوى مغلولا وهذا إنما يصل إليه بدوام الصبر والواصلون إلى هذه الرتبة هم المنصورون في الدنيا والآخرة وهم الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا وهم الذين تقول لهم الملائكة عند الموت ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة وهم الذين نالوا معية الله مع الصابرين وهم الذين جاهدوا في الله حق جهاده وخصهم بهدايته دون من عداهم. الحالة الثانية ان تكون القوة والغلبة لداعي الهوى فيسقط منازعه باعث الدين بالكلية فيستسلم البائس للشيطان وجنده فيقودونه حيث شاءوا وله معهم حالتان إحداهما ان يكون من جندهم وأتباعهم وهذه حال العاجز الضعيف الثانية ان يصير الشيطان من جنده وهذه حال الفاجر القوي المتسلط والمبتدع الداعية المتبوع كما قال القائل: وكنت امرءا من جند إبليس فارتقى ... بي الحال حتى صار إبليس من جندي فيصير إبليس وجنده من أعوانه وأتباعه وهؤلاء هم الذين غلبت عليهم شقوتهم واشتروا الحياة الدنيا بالآخرة وإنما صاروا إلى هذه الحال لما أفلسوا من الصبر وهذه الحالة هي حالة جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12059",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القضاء وشماتة الأعداء وجند أصحابها المكر والخداع والأماني الباطلة والغرور والتسويف بالعمل وطول الأمل وإيثار العاجل على الآجل وهي التي قال في صاحبها النبي:quot;العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمانيquot; وأصحاب هذه الحال أنواع شتى فمنهم المحارب لله ورسوله الساعي في أبطال ما جاء به الرسول يصد عن سبيل الله ويبغيها جهده عوجا وتحريفا ليصد الناس عنها ومنهم المعرض عما جاء به الرسول المقبل على دنياه وشهواتها فقط ومنهم المنافق ذو الوجهين الذي يأكل بالكفر والإسلام ومنهم الماجن المتلاعب الذي قطع أنفاسه بالمجون واللهو واللعب ومنهم من إذا وعظ قال واشواقاه إلى التوبة ولكنها قد تعذرت على فلا مطمع لي فيها ومنهم من يقول ليس الله محتاجا إلى صلاتي وصيامي وأنا لا أنجو بعملي والله غفور رحيم ومنهم من يقول ترك المعاصي استهانة بعفو الله ومغفرته. فكثر ما استطعت من الخطايا ... إذا كان القدوم على كريم ومهم من يقول ماذا تقع طاعتي في جنب ما عملت وما قد ينفع الغريق خلاص أصبعه وباقي بدنه غريق ومنهم من يقول سوف أتوب وإذا جاء الموت ونزل بساحتي تبت وقبلت توبتي إلى غير ذلك من أصناف المغترين الذين صارت عقولهم في أيدي شهواتهم فلا يستعمل أحدهم عقله إلا في دقائق الحيل التي بها يتوصل إلى قضاء شهوته فعقله مع الشيطان كالأسير في يد الكافر يستعمله في رعاية الخنازير وعصر الخمر وحمل الصليب وهو بقهره عقله وتسليمه إلى أعدائه عند الله بمنزلة رجل قهر مسلما وباعه للكفار وسلمه إليهم وجعله أسيرا عندهم. فصل: وهاهنا نكتة بديعة يجب التفطن لها وينبغي إخلاء القلب لتأملها وهو أن هذا المغرور لما أذل سلطان الله الذي أعزه به وشرفه ورفع به قدره وسلمه في يد أبغض أعدائه إليه وجعله أسيرا له تحت قهره وتصرفه وسلطانه سلط الله عليه من كان حقه هو أن يتسلط عليه فجعله(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12060",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تحت قهره وتصرفه وسلطانه يسخره حيث شاء ويسخر منه ويسخر منه جنده وحزبه فكما أذل سلطان الله وسلمه إلى عدوه أذله الله وسلط عليه عدوه الذي أمره أن يتسلط هو عليه ويذله ويقهره فصار بمنزلة من سلم نفسه إلى أعدى عدو له يسومه سوء العذاب وقد كان بصدد أن يستأسره ويقهره ويشفي غيظه منه فلما ترك مقاومته ومحاربته واستسلم له سلط عليه عقوبة له قال الله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون . فإن قيل فقد أثبت له على أوليائه هاهنا سلطانا فكيف نفاه بقوله تعالى حاكيا عنه مقررا له وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي وقال تعالى ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك قيل: السلطان الذي أثبته له عليهم غير الذي نفاه من وجهين أحدهما أن السلطان الثابت هو سلطان التمكن منهم وتلاعبه بهم وسوقه اياهم كيف أراد بتمكينهم اياه من ذلك بطاعته وموالاته والسلطان الذى نفاه سلطان الحجة فلم يكن لابليس عليهم من حجة يتسلط بها غير أنه دعاهم فأجابوه بلا حجة ولا برهان الثانى أن الله لم يجعل له عليهم سلطانا ابتداء البتة ولكن هم سلطوه على انفسهم بطاعته ودخولهم في جملة جنده وحزبه فلم يتسلطن عليهم بقوته فإن كيده ضعيف وانما تسلطن عليهم بإرادتهم واختيارهم والمقصود أن من قصد أعظم أوليائه وأحبابه ونصحائه فأخذه وأخذ أولاده وحاشيته وسلمهم إلى عدوه كان من عقوبته أن يسلط عليه ذلك العدو نفسه. فصل: الحالة الثالثة أن يكون الحرب سجالا ودولا بين الجندين(1\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12061",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتارة له وتارة عليه وتكثر نوبات الانتصار وتقل وهذه حال أكثر المؤمنين الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا. وتكون الحال يوم القيامة موازنة لهذه الأحوال الثلاث سواء بسواء فمن الناس من يدخل الجنة ولا يدخل النار ومنهم من يدخل النار ولا يدخل الجنة ومنهم من يدخل النار ثم يدخل الجنة وهذه الأحوال الثلاث هى أحوال الناس في الصحة والمرض فمن الناس من تقاوم قوته داءه فتقهره ويكون السلطان للقوة ومنهم من يقهر داؤه قوته ويكون السلطان للداء ومنهم من الحرب بين دائه وقوته نوبا فهو متردد بين الصحة والمرض. فصل: ومن الناس من يصبر بجهد ومشقة ومنهم من يصبر بأدنى حمل على النفس ومثال الاول كرجل صارع رجلا شديدا فلا يقهره إلا بتعب ومشقة والثانى كمن صارع رجلا ضعيفا فإنه يصرعه بغير مشقة فهكذا تكون المصارعة بين جنود الرحمن وجنود الشيطان ومن صرع جند الشيطان صرع الشيطان. قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه quot;لقى رجلا من الانس رجلا من الجن فصارعه فصرعه الانسى فقال مالى أراك ضئيلا فقال انى من بينهم لضليع فقالوا أهو عمر بن الخطابquot; فقال quot;من ترونه غير عمر! quot;. وقال بعض الصحابة ان المؤمن ينضى شيطانه كما ينضى أحدكم بعيره في السفر وذكر ابن أبى الدنيا عن بعض السلف أن شيطانا لقى شيطانا فقال ما لى أراك شخيبا فقال انى مع رجل ان أكل ذكر اسم الله فلا آكل معه وان شرب ذكر اسم الله فلا أشرب معه وان دخل بيته ذكر اسم الله فأبيت خارج الدار فقال الآخر لكنى مع رجل أن أكل لم يسم الله فأكل أنا وهو جميعا وان شرب لم يسم الله فأشرب معه وان(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12062",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دخل داره لم يسم الله فأدخل معه وان جامع امرأته لم يسم الله فأجامعها فمن اعتاد الصبر هابه عدوه ومن عز عليه الصبر طمع فيه عدوه وأوشك أن ينال منه غرضه(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12063",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "الباب السابع: في ذكر أقسامه باعتبار متعلقه",
        "content": "الباب السابع: في ذكر أقسامه باعتبار متعلقه الصبر باعتبار متعلقه ثلاثة أقسام صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها وصبر على الأقدار والاقضية حتى لا يتسخطها وهذه الأنواع الثلاثة هي التى قال فيها الشيخ عبد القادر في فتوح الغيب: quot;لا بد للعبد من أمر يفعله ونهي يجتنبه وقدر يصبر عليهquot;21. وهذا الكلام بطرفين طرف من جهة الرب تعالى وطرف من جهة العبد. فأما الذي من جهة الرب فهو أن الله تعالى له على عبده حكمان حكم شرعي ديني وحكم كوني قدري فالشرعي متعلق بأمره والكوني متعلق بخلقه وهو سبحانه له الخلق والأمر وحكمه الديني الطلبي نوعان بحسب المطلوب فإن المطلوب ان كان محبوبا له فالمطلوب فعله إما واجبا وإما مستحبا ولا يتم ذلك إلا بالصبر وان كان مبغوضا له فالمطلوب تركه إما تحريما وإما كراهة وذلك أيضا موقوف على الصبر فهذا حكمه الدينى الشرعى واما حكمه الكونى فهو ما يقضيه ويقدره على العبد من المصائب التى لا صنع له فيها ففرضه الصبر عليها وفي وجوب الرضا بها قولان للعلماء وهما وجهان في مذهب أحمد أصحهما أنه مستحب فمرجع الدين كله إلى هذه القواعد الثلاث فعل المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور وأما الذي من جهة العبد فإنه لا ينفك عن هذه الثلاث ما دام مكلفا ولا تسقط عنه هذه الثلاث حتى يسقط عنه التكليف فقيام عبودية(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12064",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأمر والنهى والقدر على ساق الصبر لا تستوي إلا عليه كما لا تستوي السنبلة إلا على ساقها. فالصبر متعلق بالمأمور والمحظور والمقدور بالخلق والأمر والشيخ دائما يحوم حول هذه الأصول الثلاثة كقوله يا بنى افعل المأمور وأجتنب المحظور واصبر على المقدور وهذه الثلاثة هى التى أوصى بها لقمان لابنه في قوله: يا بنى أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك فأمره بالمعروف يتناول فعله بنفسه وأمر غيره به وكذلك نهيه عن المنكر أما من حيث اطلاق اللفظ فتدخل نفسه فيه وغيره وأما من حيث اللزوم الشرعى فإن الآمر الناهى لا يستقيم له أمره ونهيه حتى يكون أول مأمور ومنهى وذكر سبحانه هذه الأصول الثلاثة في قوله انما يتذكر أولو الالباب الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرأون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار . فجمع لهم مقامات الإسلام والإيمان في هذه الأوصاف فوصفهم بالوفاء بعهده الذي عاهدهم عليه وذلك يعم أمره ونهيه الذي عهده إليهم بينهم وبينه وبينهم وبين خلقه ثم أخبر عن استمرارهم بالوفاء به بأنهم لا يقع منهم نقضه ثم وصفهم بأنهم يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويدخل في هذا ظاهر الدين وباطنه وحق الله وحق خلقه فيصلون ما بينهم وبين ربهم بعبوديته وحده لا شريك له والقيام بطاعته والإنابة إليه والتوكل عليه وحبه وخوفه ورجائه والتوبة إليه والاستكانة له والخضوع والذلة له والاعتراف له بنعمته وشكره عليها والإقرار بالخطيئة والاستغفار منها فهذه هي الوصلة بين الرب والعبد وقد أمر الله بهذه الأسباب التي بينه وبين عبده أن توصل وأمر أن نوصل ما بيننا وبين رسوله بالإيمان به(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12065",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتصديقه وتحكيمه في كل شيء والرضا لحكمه والتسليم له وتقديم محبته على محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين صلوات الله وسلامه عليه فدخل في ذلك القيام بحقه وحق رسوله وأمر أن نصل ما بيننا وبين الوالدين والأقربين بالبر والصلة فأنه أمر بيد الوالدين وصلة الأرحام وذلك مما أمر به أن يوصل وأمر ان نصل ما بيننا وبين الزوجات بالقيام بحقوقهن ومعاشرتهن بالمعروف وأمر أن نصل ما بيننا وبين الأرقاء بأن نطعمهم مما نأكل ونكسوهم مما نكتسي ولا نكلفهم فوق طاقتهم وأن نصل ما بيننا وبين الجار القريب والبعيد بمراعاة حقه وحفظه في نفسه وماله وأهله بما نحفظ به نفوسنا وأهلينا وأموالنا وأن نصل ما بيننا وبين الرفيق في السفر والحضر وأن نصل ما بيننا وبين عموم الناس بأن نأتى اليهم بما نحب أن يأتوه الينا وأن نصل ما بيننا وبين الحفظة الكرام الكاتبين بأن نكرمهم ونستحى منهم كما يستحى الرجل من جليسه ومن هو معه ممن يجله ويكرمه. فهذا كله مما أمر الله به أن يوصل ثم وصفهم بالحامل لهم على هذه الصلة وهو خشيته وخوف سوء الحساب يوم المآب ولا يمكن لأحد قط أن يصل ما أمر الله بوصله الا بخشيته ومتى ترحلت الخشية من القلب انقطعت هذه الوصل ثم جمع لهم سبحانه ذلك كله في أصل واحد هو أخية ذلك وقاعدته ومداره الذى يدور عليه وهو الصبر فقال والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم فلم يكتف منهم بمجرد الصبر حتى يكون خالصا لوجهه. ثم ذكر لهم ما يعيينهم على الصبر وهى الصلاة فقال وأقاموا الصلاة وهذان هما العونان على مصالح الدنيا والآخرة وهما الصبر والصلاة فقال تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين وقال يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين .(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12066",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم ذكر سبحانه احسانهم إلى غيرهم بالإنفاق عليهم سرا وعلانية فأحسنوا إلى أنفسهم بالصبر والصلاة وإلى غيرهم بالإنفاق عليهم ثم ذكر حالهم اذا جهل عليهم وأوذوا انهم لا يقابلون ذلك بمثله بل يدرأون بالحسنة السيئة فيحسنون إلى من يسيء اليهم فقال ويدرأون بالحسنة السيئة وقد فسر هذا الدرء بأنهم يدفعون بالذنب الحسنة بعده كما قال تعالى ان الحسنات يذهبن السيئات وقال النبي اتبع السيئة الحسنة تمحها والتحقيق أن الآية تعم النوعين. والمقصود أن هذه الايات تناولت مقامات الاسلام والايمان كلها اشتملت على فعل المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور وقد ذكر تعالى هذه الاصول الثلاثة في قوله: بلى إن تصبروا وتتقوا وقوله إنه من يتق ويصبر وقوله يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون فكل موضع قرن فيه التقوى بالصبر اشتمل على الأمور الثلاثة فإن حقيقة التقوى فعل المأمور وترك المحظور(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12067",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "الباب الثامن: في انقسامه باعتبار تعلق الأحكام الخمسة به",
        "content": "الباب الثامن: في انقسامه باعتبار تعلق الأحكام الخمسة به. وهو ينقسم بهذا الاعتبار إلى واجب ومندوب ومحظور ومكروه ومباح فالصبر الواجب ثلاثة أنواع: أحدها الصبر عن المحرمات والثانى الصبر على أداء الواجبات والثالث الصبر على المصائب التى لا صنع للعبد فيها كالأمراض والفقر وغيرها. وأما الصبر المندوب فهو الصبر عن المكروهات والصبر على المستحبات والصبر على مقابلة الجانى بمثل فعله. وأما المحظور فأنواع أحدها الصبر عن الطعام والشراب حتى يموت(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12068",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك الصبر عن الميتة والدم ولحم الخنزير عند المخمصة حرام إذا خاف بتركه الموت قال طاوس وبعده الامام أحمد من اضطر إلى أكل الميتة والدم فلم يأكل فمات دخل النار. فإن قيل فما تقولون في الصبر عن المسألة في هذه الحال. قيل اختلف في حكمه هل هو حرام أو مباح على قولين هما لأصحاب أحمد وظاهر نصه ان الصبر عن المسألة جائز فإنه قيل له إذا خاف أن لم يسأل أن يموت فقال لا يموت يأتيه الله برزقه أو كما قال فأحمد منع وقوع المسألة ومتى علم الله ضرورته وصدقه في ترك المسألة قيض الله له رزقا وقال كثير من أصحاب أحمد والشافعي يجب عليه المسألة وان لم يسأل كان عاصيا لأن المسألة تتضمن نجاته من التلف. فصل ومن الصبر المحظور صبر الإنسان على ما يقصد هلاكه من سبع أو حيات أو حريق أو ماء أو كافر يريد قتله بخلاف استسلامه وصبره في الفتنة وقتال المسلمين فإنه مباح له بل يستحب كما دلت عليه النصوص الكثيرة وقد سئل النبي عن هذه المسألة بعينها فقال: quot;كن كخير ابني آدم quot; وفي لفظ quot;كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتلquot; وفي لفظ quot;دعه يبوء بإثمه وإثمك quot; وفي لفظ آخر quot; فإن بهرك شعاع السيف فضع يدك على وجهك quot; وقد حكى الله استسلام خير ابنى آدم وأثنى عليه بذلك وهذا بخلاف قتل الكافر فإنه يجب عليه الدفع عن نفسه لأن من مقصود الجهاد أن يدفع عن نفسه وعن المسلمين وأما قتال اللصوص فهل يجب فيه الدفع أو يجوز فيه الاستسلام فان كان عن معصوم غيره وجب وإن كان عن نفسه فظاهر نصوصه أنه لا يجب الدفع وأوجبه بعضهم ولا يجوز الصبر على من قصده أو حرمته بالفاحشة.(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12069",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: وأما الصبر المكروه فله أمثلة أحدها أن يصبر عن الطعام والشراب واللبس وجماع أهله حتى يتضرر بذلك بدنه الثاني صبره عن جماع زوجته إذا احتاجت إلى ذلك ولم يتضرر به الثالث صبره على المكروه الرابع صبره عن فعل المستحب. فصل: وأما الصبر المباح فهو الصبر عن كل فعل مستوى الطرفين خير بين فعله وتركه والصبر عليه. وبالجملة فالصبر على الواجب واجب وعن الواجب حرام والصبر عن الحرام واجب وعليه حرام والصبر على المستحب مستحب وعنه مكروه والصبر عن المكروه مستحب وعليه مكروه والصبر عن المباح مباح والله أعلم(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12070",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "الباب التاسع: في بيان تفاوت درجات الصبر",
        "content": "الباب التاسع: في بيان تفاوت درجات الصبر الصبر كما تقدم نوعان: اختياري واضطراري والاختياري أكمل من الاضطراري فإن الاضطرارى يشترك فيه الناس ويتأتى ممن لا يتأتى منه الصبر الاختيارى ولذلك كان صبر يوسف الصديق عليه السلام عن مطاوعة امرأة العزيز وصبره على ما ناله في ذلك من الحبس والمكروه أعظم من صبره على ما ناله من اخوته لما ألقوه في الجب وفرقوا بينه وبين أبيه وباعوه بيع العبد ومن الصبر الثانى انشاء الله سبحانه له ما أنشأه من العز والرفعة والملك والتمكين في الأرض وكذلك صبر الخليل عليه السلام والكليم وصبر نوح وصبر المسيح وصبر خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم عليهم الصلاة والسلام كان صبرا على الدعوة إلى الله ومجاهدة أعداء الله ولهذا سماهم الله أولى العزم وأمر رسوله أن يصبر صبرهم فقال فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل وأولو العزم هم المذكورون في قوله تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12071",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى وفي قوله وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى كذلك قال ابن عباس وغيره من السلف ونهاه سبحانه أن يتشبه بصاحب الحوت حيث لم يصبر صبر أولى العزم فقال فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم . وها هنا سؤال نافع وهو أن يقال ما العامل في الظرف وهو قوله إذ نادى ولا يمكن أن يكون الفعل المنهى عنه اذ يصير المعنى لا تكن مثله في ندائه وقد أثنى الله سبحانه عليه في هذا النداء فأخبر أنه نجاه به فقال وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين وفي الترمذى وغيره عن النبي أنه قال: quot;دعوة أخى ذى النون اذ دعا بها في بطن الحوت ما دعا بها مكروب الا فرج الله عنه لا اله الا أنت سبحانك انى كنت من الظالمينquot; فلا يمكن أن ينهى عن التشبه به في هذه الدعوة وهى النداء الذى نادى به ربه وانما نهى عن التشبه به في هذه الدعوة وهى النداء الذى نادى به ربه وانما ينهى عن التشبه به في السبب الذى أفضى به إلى هذه المناداة وهى مغاضبته التى أفضت به إلى حبسه في بطن الحوت وشدة ذلك عليه حتى نادى ربه وهو مكظوم والكظيم والكاظم الذى قد امتلأ غيظا وغضبا وهما وحزنا وكظم عليه فلم يخرجه. فإن قيل وعلى ذلك فما العامل في الظرف قيل ما في صاحب الحوت من معنى الفعل فإن قيل فالسؤال بعد قائم فإنه إذا قيد المنهى بقيد أو زمن كان داخلا في حيز النهى فإن كان المعنى لا تكن مثل صاحب الحوت في هذه الحال أو هذا الوقت كان نهيا عن تلك الحالة. قيل لما كان نداؤه مسببا عن كونه صاحب الحوت فنهى أن يتشبه(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12072",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به في الحال التى أفضت به إلى صحبته الحوت والنداء وهى ضعف العزيمة والصبر لحكمه تعالى ولم يقل تعالى ولا تكن كصاحب الحوت إذ ذهب مغاضبا فالتقمه الحوت فنادى بل طوى القصة واختصرها وأحال بها على ذكرها في الموضع الآخر واكتفي بغايتها وما انتهت اليه. فان قيل فما منعك بتعويض الظرف بنفس الفعل المنهى عنه أى لا تكن مثله في ندائه وهو ممتلئ غيظا وهما وغما بل يكون نداؤك نداء راض بما قضى عليه قد تلقاه بالرضا والتسليم وسعة الصدر لا نداء كظيم قيل هذا المعنى وان كان صحيحا الا أن النهى لم يقع عن التشبه به في مجرده وانما نهى عن التشبه به في الحال التى حملته على ذهابه مغاضبا حتى سجن في بطن الحوت ويدل عليه قوله تعالى: فاصبر لحكم ربك ثم قال: ولا تكن كصاحب الحوت أى في ضعف صبره لحكم ربه فان الحالة التى نهى عنها هى ضد الحالة التى أمر بها. فإن قيل فما منعك أن تصبر حيث أمر بالصبر لحكمه الكونى القدرى الذى يقدره عليه ولا تكن كصاحب الحوت حيث لم يصبر عليه بل نادى وهو كظيم لكشفه فلم يصبر على احتماله والسكون تحته. قيل منع من ذلك أن الله سبحانه أثنى على يونس وغيره من أنبيائه بسؤالهم اياه كشف ما بهم من الضر وقد أثنى عليه سبحانه بذلك في قوله وذا النون اذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا اله الا أنت سبحانك انى كنت من الظالمين فاستجبنا له فنجيناه من الغم وكذلك ننجى المؤمنين فكيف ينهى عن التشبه به فيما يثنى عليه ويمدحه به وكذلك أثنى على أيوب بقوله مسني الضر وأنت أرحم الراحمين وعلى يعقوب بقوله إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وعلى موسى بقوله رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير وقد شكا إليه خاتم أنبيائه ورسله بقوله: quot; اللهم أشكو اليك ضعف قوتى وقلة حيلتىquot; الحديث فالشكوى إليه(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12073",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبحانه لا تنافي الصبر الجزيل بل اعراض عبده عن الشكوى إلى غيره جملة وجعل الشكوى إليه وحده هو الصبر والله تعالى يبتلى عبده ليسمع شكواه وتضرعه ودعاءه وقد ذم سبحانه من لم يتضرع اليه ولم يستكن له وقت البلاء كما قال تعالى: ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون والعبد أضعف من أن يتجلد على ربه والرب تعالى لم يرد من عبده أن يتجلد عليه بل أراد منه أن يستكين له ويتضرع اليه وهو تعالى يمقت من يشكوه إلى خلقه ويحب من يشكو ما به اليه وقيل لبعضهم كيف تشتكى اليه ما ليس يخفي عليه فقال ربى يرضى ذل العبد اليه. والمقصود أنه سبحانه أمر رسوله أن يصبر صبر أولى العزم الذين صبروا لحكمه اختيارا وهذا أكمل الصبر ولهذا دارت قصة الشفاعة يوم القيامة على هؤلاء حتى ردوها إلى أفضلهم وخيرهم وأصبرهم لحكم الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فإن قيل: أى انواع الصبر الثلاثة أكمل الصبر على المأمور أم الصبر عن المحظور أم الصبر على المقدور قيل: الصبر المتعلق بالتكليف وهو الأمر والنهى أفضل من الصبر على مجرد القدر فان هذا الصبر يأتى به البر الفاجر والمؤمن والكافر فلا بد لكل أحد من الصبر على القدر اختيارا أو اضطرارا. وأما الصبر على الاوامر والنواهى فصبر أتباع الرسل وأعظمهم اتباعا أصبرهم في ذلك وكل صبر في محله وموضعه أفضل فالصبر عن الحرام في محله أفضل وعلى الطاعة في محلها أفضل. فإن قيل أى الصبرين أحب إلى الله صبر من يصبر على أوامره أم صبر من يصبر عن محارمه قيل هذا موضع تنازع فيه الناس فقالت طائفة الصبر عن(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12074",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المخالفات أفضل لأنه أشق وأصعب فإن أعمال البر يفعلها البر والفاجر ولا يصبر عن المخالفات إلا الصديقون قالوا ولأن الصبر عن المحرمات صبر على مخالفة هوى النفس وهو أشق شىء وأفضله قالوا ولأن ترك المحبوب الذى تحبه النفوس دليل على أن من ترك لأجله أحب اليه من نفسه وهواه بخلاف فعل ما يحبه المحبوب فإنه لا يستلزم ذلك قالوا وأيضا فالمروءة والفتوة كلها في هذا الصبر. قال الإمام أحمد: quot;الفتوة ترك ما تهوى لما تخشىquot; فمروءة العبد وفتوته بحسب هذا الصبر قالوا وليس العجب ممن يصبر على الأوامر فإن أكثرها محبوبات للنفوس السليمة لما فيها من العدل والإحسان والإخلاص والبر وهذه محاب للنفوس الفاضلة الزكية بل العجب ممن يصبر عن المناهي التي أكثرها محاب للنفوس فيترك المحبوب العاجل في هذه الدار للمحبوب الآجل في دار أخرى والنفس موكلة بحب العاجل فصبرها عنه مخالف لطبعها. قالوا: ولأن المناهى لها أربعة دواع تدعو اليها نفس الإنسان وشيطانه وهواه ودنياه فلا يتركها حتى يجاهد هذه الأربعة وذلك أشق شيء على النفوس وأمره قالوا فالمناهى من باب حمية النفوس عن مشتهياتها ولذاتها والحمية مع قيام داعى التناول وقوته من أصعب شيء وأشقه قالو أو لذلك كان باب قربان النهى مسدودا كله وباب الامر انما يفعل منه المستطاع كما قال النبي: quot;اذا أمرتكم بأمر فاءتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه quot; فدل على ان باب المنهيات أضيق من باب المأمورات وانه لم يرخص في ارتكاب شيء منه كما رخص في ترك بعض المأمورات للعجز والعذر قالوا ولهذا كانت عامة العقوبات من الحدود وغيرها على ارتكاب المنهيات بخلاف ترك المأمور فإن الله سبحانه لم يرتب عليه حدا معينا فأعظم المأمورات الصلاة وقد اختلف العلماء هل على تاركها حد أم لا(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12075",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: فهذا بعض ما احتجت به الطائفة وقالت طائفة أخرى بل الصبر على فعل المأمور أفضل وأجل من الصبر على ترك المحظور لأن فعل المأمور أحب إلى الله من ترك المحظور والصبر على أحب الأمرين أفضل وأعلى وبيان ذلك من وجوه أحدها: أن فعل المأمور مقصود لذاته فهو مشروع شرع المقاصد فإن معرفة الله وتوحيده وعبوديته وحده والإنابة إليه والتوكل عليه وإخلاص العمل له ومحبته والرضا به والقيام في خدمته هو الغاية التى خلق لها الخلق وثبت بها الأمر وذلك أمر مقصود لنفسه والمنهيات انما نهى عنها لأنها صادة عن ذلك أو شاغلة عنه أو مفوتة لكماله ولذلك كانت درجاتها في النهى بحسب صدها عن المأمور وتعويقها عنه وتفويتها لكماله فهي مقصودة لغيرها والمأمور مقصود لنفسه فلو لم يصد الخمر والميسر عن ذكر الله وعن الصلاة وعن التواد والتحاب الذى وضعه الله بين عباده لما حرمه وكذلك لو لم يحل بين العبد وبين عقله الذى به يعرف الله ويعبده ويحمده ويمجده ويصلى له ويسجد لما حرمه وكذلك سائر ما حرمه انما حرمه لأنه يصد عما يحبه ويرضاه ويحول بين العبد وبين إكماله. الثاني ان المأمورات متعلقة بمعرفة الله وتوحيده وعبادته وذكره وشكره ومحبته والتوكل عليه والإنابة اليه فمتعلقها ذات الرب تعالى وأسماؤه وصفاته ومتعلق المنهيات ذوات الاشياء المنهى عنها والفرق من اعظم ما يكون. الثالث: ان ضرورة العبد وحاجته إلى فعل المأمور أعظم من ضرورته إلى ترك المحظور فإنه ليس إلى شىء أحوج واشد فاقة منه إلى معرفة ربه وتوحيده واخلاص العمل له وافراده بالعبودية والمحبة والطاعة وضرورته إلى ذلك أعظم من ضرورته إلى نفسه ونفسه وحياته أعظم من ضرورته إلى غذائه الذى به قوام بدنه بل هذا لقلبه وروحه كالحياه والغذاء لبدنه وهو انما هو انسان بروحه وقلبه لا ببدنه وقالبه كما قيل:(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12076",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته ... فأنت بالقلب لابالجسم انسان وترك المنهى انما شرع له تحصيلا لهذا الأمر الذى هو ضرورى له وما أحوجه وافقره اليه. الرابع: ان ترك المنهى من باب الحمية وفعل المأمور من باب حفظ القوة والغذاء الذى لاتقوم البنية بدونه ولا تحصل الحياة الا به فقد يعيش الإنسان مع تركه الحميه وان كان بدنه عليلا أشد ما يكون علة ولا يعيش بدون القوة والغذاء الذى يحفظها فهذا مثل المأمورات والمنهيات. الخامس: ان الذنوب كلها ترجع إلى هذين الأصلين ترك المأمور وفعل المحظور ولو فعل العبد المحظور كله من أوله إلى آخره حتى أتى من مأمور الايمان بأدنى أدنى مثقال ذرة منه نجا بذلك من الخلود في النار ولو ترك كل محظور ولم يأت بمأمور الإيمان لكان مخلدا في السعير فأين شيء مثاقيل الذر منه تخرج من النار إلى شيء وزن الجبال منه أضعافا مضاعفة لا تقتضي الخلود في النار مع وجود ذلك المأمور أو أدنى شىء منه. السادس: ان جميع المحظورات من أولها إلى آخرها تسقط بمأمور التوبة ولا تسقط المأمورات كلها معصية المخالفة الا بالشرك أو الوفاة عليه ولا خلاف بين الأمة ان كل محظور يسقط بالتوبة منه واختلفوا هل تسقط الطاعة بالمعصية وفي المسألة نزاع وتفاصيل ليس هذا موضعه. السابع: ان ذنب الاب كان يفعل المحظور فكان عاقبته أن اجتباه ربه فتاب عليه وهدى وذنب ابليس كان بترك المأمور فكان عاقبته ما ذكر الله سبحانه وجعل هذا عبرة للذرية إلى يوم القيامة. الثامن ان المأمور محبوب إلى الرب والمنهى مكروه له وهو سبحانه انما قدره وقضاه لأنه ذريعة إلى حصول محبوبه من عبده ومن نفسه تعالى(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12077",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أما من عبده فالتوبة والاستغفار والخضوع والذل والانكسار وغير ذلك وأما من نفسه فبالمغفرة والتوبة على العبد والعفو عنه والصفح والحلم والتجاوز عن حقه وغير ذلك مما هو أحب اليه تعالى من فواته بعدم تقدير ما يكرهه واذا كان انما قدر ما يكرهه لأنه يكون وسيلة إلى ما يحبه علم أن محبوبه هو الغاية ففوات محبوبه أبغض اليه وأكره له من حصول مبغوضه بل اذا ترتب على حصول مبغوضه ما يحبه من وجه آخر كان المبغوض مرادا له ارادة الوسائل كما كان النهى عنه وكراهته لذلك وأما المحبوب فمراده ارادة المقاصد كما تقدم فهو سبحانه انما خلق الخلق لاجل محبوبه ومأموره وهو عبادته وحده كما قال تعالى: وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون وقدر مكروهه ومبغوضه تكميلا لهذه الغاية التى خلق خلقه لأجلها فانه ترتب عليه من المأمورات ما لم يكن يحصل بدون تقديره كالجهاد الذى هو أحب العمل اليه والموالاة فيه والمعاداة فيه ولولا محبته لهذه المأمورات لما قدر من المكروه له ما ما يكون سببا لحصولها. التاسع: ان ترك المحظور لا يكون قربة ما لم يقارنه فعل المأمور فلو ترك العبد كل محظور لم يثبه الله عليه حتى يقارنه مأمور الايمان وكذلك المؤمن لا يكون تركه المحظور قربة حتى يقارنه مأمور النية بحيث يكون تركه لله فافتقر ترك المنهيات بكونه قربة يثاب عليها إلى فعل المأمور ولا يفتقر فعل المأمور في كونه قربة وطاعة إلى ترك المحظور ولو افتقر اليه لم يقبل الله طاعة من عصاه أبدا وهذا من أبطل الباطل. العاشر: ان المنهى عنه مطلوب اعدامه والمأمور مطلوب ايجاده والمراد ايجاد هذا واعدام ذاك فإذا قدر عدم الأمرين أو وجودهما كان وجودهما خير من عدمهما فإنه اذا عدم المأمور لم ينفع عدم المحظور واذا وجد المأمور فقد يستعان به على دفع المحظور أو دفع أثره فوجود القوة والمرض خير من عدم الحياة والمرض. الحادى عشر: ان باب المأمور الحسنة فيه بعشر أمثالها إلى سبعمائة(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12078",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ضعف إلى أضعاف كثيرة وباب المحظور السيئة فيه بمثلها وهى بصدد الزوال بالتوبة والاستغفار والحسنة الماحية والمصيبة المكفرة واستغفار الملائكة للمؤمنين واستغفار بعضهم لبعض وغير ذلك وهذا يدل على أنه أحب إلى الله من عدم المنهى. الثانى عشر: ان باب المنهيات يمحوه الله سبحانه ويبطل أثره بأمور عديدة من فعل العبد وغيره فإنه يبطله بالتوبة النصوح وبالاستغفار وبالحسنات الماحية وبالمصائب المكفرة وباستغفار الملائكة وبدعاء المؤمنين فهذه ستة في حال حياته وبتشديد الموت وكربه وسياقه عليه فهذا عند مفارقته الدنيا وبهول المطلع وروعة الملكين في القبر وضغطته وعصرته له وشدة الموقف وعنائه وصعوبته وبشفاعة الشافعين فيه وبرحمة أرحم الراحمين له فإن عجزت عنه هذه الأمور فلا بد له من دخول النار ويكون لبثه فيها على قدر بقاء خبثه ودرنه فإن الله حرم الجنة الا على كل طيب فما دام درنه ووسخه وخبثه فيه فهو في كير التطهير حتى يتصفى من ذلك الوسخ والخبث وأما باب المأمورات فلا يبطله إلا الشرك. الثالث عشر: أن جزاء المأمورات الثواب وهو من باب الاحسان والفضل والرحمة وجزاء المنهيات العقوبة وهى من باب الغضب والعدل ورحمته سبحانه تغلب غضبه فما تعلق بالرحمة والفضل أحب اليه مما تعلق بالغضب والعدل وتعطيل ما تعلق بالرحمة أكره اليه من فعل ما تعلق بالغضب. الرابع عشر: ان باب المنهيات تسقط الآلاف المؤلفة منه الواحدة من المأمورات وباب المأمورات لا يسقط الواحدة منه الآلاف المؤلفة من المنهيات. الخامس عشر: ان متعلق المأمورات الفعل وهو صفة كمال بل كمال المخلوق من فعاله فإنه فعل فكمل ومتعلق النهى الترك والترك عدم ومن حيث هو كذلك لا يكون كمالا فإن العدم المحض ليس بكمال وانما يكون كمالا لما يتضمنه أو يستلزمه من الفعل الوجودى الذى(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12079",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو سبب الكمال وأما أن يكون مجرد الترك الذى هو عدم محض كمالا أو سببا للكمال فلا مثال ذلك لو ترك السجود للضم لم يكن كماله في مجرد هذا الترك ما لم يكن يسجد لله والا فلو ترك السجود لله وللصنم لم يكن ذلك كمالا وكذلك لو ترك تكذيب الرسول ومعاداته لم يكن بذلك مؤمنا ما لم يفعل ضد ذلك من التصديق والحب وموالاته وطاعته فعلم أن الكمال كله في المأمور وان المنهى ما لم يتصل به فعل المأمور لم يفد شيئا ولم يكن كمالا فإن الرجل لو قال للرسول لا أكذبك ولا أصدقك ولا أواليك ولا أعاديك ولا أحاربك ولا أحارب من يحاربك لكان كافرا ولم يكن مؤمنا بترك معاداته وتكذيبه ومحاربته ما لم يأت بالفعل الوجودى الذى أمر به. السادس عشر: ان العبد اذا أتى بالمأمور به على وجهه ترك المنهى عنه ولا بد فالمقصود انما هو فعل المأمور ومع فعله على وجهه يتعذر فعل المنهى فالمنهى عنه في الحقيقة هو تعريض المأمور للإضاعة فإن العبد اذا فعل ما أمر به من العدل والعفة وامتنع من صدور الظلم والفواحش منه فنفس العدل يتضمن ترك الظلم ونفس العفة تتضمن ترك الفواحش فدخل ترك المنهى عنه في المأمور به ضمنا وتبعا وليس كذلك في عكسه فان ترك المحظور لا يتضمن فعل المأمور فإنه قد يتركهما معا كما تقدم فعلم أن المقصود هو إقامة الأمر على وجهه ومع ذلك لا يمكن ارتكاب النهى البتة وأما ترك المنهى عنه فإنه يستلزم اقامة الأمر السابع عشر: ان الرب تعالى اذا أمر عبده بأمر ونهاه عن أمر ففعلهما جميعا كان قد حصل محبوب الرب وبغيضه فقد تقدم له من محبوبه ما يدفع عنه شر بغيضه ومقاومته ولا سيما اذا كان فعل ذلك المحبوب أحب اليه من ترك ذلك البغيض فيهب له من جنايته ما فعل من هذا بطاعته ويتجاوز له عما فعل من الآخر ونظير هذا في الشاهد أن يقتل الرجل عدوا للملك هو حريص على(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12080",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قتله وشرب مسكرا نهاه عن شربه فإنه يتجاوز له عن هذه الزلة بل عن أمثالها في جنب ما أتى به من محبوبه وأما اذا ترك محبوبه وبغيضه فإنه لا يقوم ترك بغيضه بمصلحة فعل محبوبه أبدا كما اذا أمر الملك عبده بقتل عدوه ونهاه عن شرب مسكر فعصاه في قتل عدوه مع قدرته عليه وترك شرب المسكر فإن الملك لا يهب له جرمه بترك أمره في جنب ترك ما نهاه عنه وقد فطر الله عباده على هذا فهكذا السادات مع عبيدهم والآباء مع أولادهم والملوك مع جندهم والزوجات مع أزواجهم ليس التارك منهم محبوب الامر ومكروهه بمنزلة الفاعل منهم محبوب أمره ومكروهه. يوضحه الوجه الثامن عشر: ان فاعل محبوب الرب يستحيل أن يفعل جميع مكروهه بل يترك من مكروهه بقدر ما أتى به من محبوبه فيستحيل الاتيان بجميع مكروهه وهو يفعل ما أحبه وأبغضه فغايته أنه اجتمع الأمران فيحبه الرب تعالى من وجه ويبغضه من وجه أما اذا ترك المأمور به جملة فإنه لم يقم به ما يحبه الرب عليه فإن مجرد ترك المنهى لا يكون طاعة الا باقترانه بالمأمور كما تقدم فلا يحبه على مجرد الترك وهو سبحانه يكرهه ويبغضه على مخالفة الأمر فصار مبغوضا للرب تعالى من كل وجه إذ ليس فيه ما يحبه الرب عليه فتأمله. يوضحه الوجه التاسع عشر: وهو أن الله سبحانه لم يعلق محبته إلا بأمر وجودى أمر به ايجابا أو استحبابا ولم يعلقها بالترك من حيث هو ترك ولا في موضع واحد فإنه يحب التوابين ويحب المحسنين ويحب الشاكرين ويحب الصابرين ويحب المتطهرين ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ويحب المتقين ويحب الذاكرين ويحب المتصدقين فهو سبحانه انما علق محبته بأوامره اذ هى المقصود من الخلق والأمر كما قال تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون فما خلق الخلق الا لقيام أوامره وما نهاهم الا عما يصدهم عن قيام أوامره ويعوقهم عنها.(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12081",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يوضحه الوجه العشرون: أن المنهيات لو لم تصد عن المأمورات وتمنع وقوعها على الوجه الذى أمر الله بها لم يكن للنهى عنها معنى وانما نهى عنها لمضادتها لأ2وامره وتعويقها لها وصدها عنها فالنهى عنها من باب التكميل والتتمة للمأمور فهو بمنزلة تنظيف طرق الماء ليجرى في مجاريه غير معوق فالأمر بمنزلة الماء الذى أرسل في نهر لحياة البلاد والعباد والنهى بمنزلة تنظيف طرقه ومجراه وتنقيتها مما يعوق الماء والأمر بمنزلة القوة والحياة والنهى بمنزلة الحمية الحافظة للقوة والداء والخادم لها قالوا واذا تبين أن فعل المأمور أفضل فالصبر عليه أفضل أنواع الصبر وبه يسهل عليه الصبر عن المحظور والصبر على المقدور فإن الصبر الا على يتضمن الصبر الأدنى دون العكس وقد ظهر لك من هذا أن الأنواع الثلاثة متلازمة وكل نوع منها يعين على النوعين الآخرين وان كان من الناس من قوة صبره على المقدور فإذا جاء الأمر والنهى فقوة صبره هناك ضعيفة ومنهم من هو بالعكس من ذلك ومنهم من قوة صبره في جانب الامر أقوى ومنهم من هو بالعكس والله أعلم(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12082",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "الباب العاشر: في انقسام الصبر إلى محمود ومذموم",
        "content": "الباب العاشر: في انقسام الصبر إلى محمود ومذموم الصبر ينقسم إلى قسمين: قسم مذموم وقسم ممدوح: فالمذموم: الصبر عن الله وارادته ومحبته وسير القلب اليه فإن هذا الصبر يتضمن تعطيل كمال العبد بالكلية وتفويت ما خلق له وهذا كما أنه أقبح الصبر فهو أعظمه وأبلغه فإنه لا صبر أبلغ من صبر من يصبر عن محبوبه الذى لا حياة له بدونه البتة كما أنه لا زهد أبلغ من زهد الزاهد فيما أعد الله لأوليائه من كرامته مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فالزهد في هذا أعظم أنواع الزهد كما قال رجل لبعض الزاهدين وقد تعجب لزهده quot;ما رأيت أزهد منك! quot; فقال: quot;أنت أزهد(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12083",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منى أنا زهدت في الدنيا وهى لا بقاء لها ولا وفاء وأنت زهدت في الآخرة فمن أزهد مناquot; قال يحيى بن معاذ الرازى quot;صبر المحبين أعجب من صبر الزاهدين واعجبا كيف يصبرون! quot; وفي هذا قيل الصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه لا يحمد ووقف رجل على الشبلى فقال: أى صبر أشد على الصابرين فقال الصبر في الله قال لا فقال الصبر لله فقال لا قال فالصبر مع الله قال لا قال فإيش هو قال الصبر عن الله فصرخ الشبلى صرخة كادت روحه تزهق. وقيل: الصبر مع الله وفاء والصبر عن الله جفاء وقد أجمع الناس على أن الصبر عن المحبوب غير محمود فكيف إذا كان كمال العبد وفلاحه في محبته ولم تزل الأحباب تعيب المحبين بالصبر عنهم كما قيل: والصبر عنك فمذموم عواقبه ... والصبر في سائر الأشياء محمود وقال آخر في الصبر عن محبوبه إذا لعب الرجال بكل شيء ... رأيت الحب يلعب بالرجال وكيف الصبر عمن حل منى ... بمنزلة اليمين مع الشمال وشكا آخر إلى محبوبه ما يقاسي من حبه فقال: لو كنت صادقا لما صبرت عنى. ولما شكوت الحب قالت كذبتنى ... ترى الصب عن محبوبه كيف يصبر فصل: وأما الصبر المحمود فنوعان: صبر لله وصبر بالله قال الله تعالى واصبر وما صبرك إلا بالله وقال واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وقد تنازع الناس أي الصبرين أكمل فقالت طائفة الصبر له أكمل فإن ما كان لله أكمل مما كان بالله فإن ما كان له فهو غاية وما كان به فهو وسيلة والغايات أشرف من الوسائل ولذلك وجب الوفاء بالنذر إذا كان تبرر أو تقربا إلى الله لأنه نذر(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12084",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له ولم يجب الوفاء به إذا خرج مخرج اليمين لأنه حلف به فما كان له سبحانه فهو متعلق بألوهيته وما كان به فهو متعلق بربوبيته وما تعلق بألوهيته أشرف مما تعلق بربوبيته ولذلك كان توحيد الألوهية هو المنجى من الشرك دون توحيد الربوبية بمجرده فإن عباد الأصنام كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء وربه ومليكه ولكن لما لم يأتوا بتوحيد الألوهية وهو عبادته وحده لا شريك له لم ينفعهم توحيد ربوبيته. وقالت طائفة: الصبر بالله أكمل بل لا يمكن الصبر له إلا بالصبر به كما قال تعالى واصبر فأمره بالصبر والمأمور به هو الذى يفعل لأجله ثم قال وما صبرك إلا بالله فهذه جملة خبرية غير الجملة الطلبية التى تقدمتها أخبر فيها انه لا يمكنه الصبر الا به وذلك يتضمن أمرين الاستعانة به والمعية الخاصة التى تدل عليها باء المصاحبة كقوله فبي يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى يمشى وليس المراد بهذه الباء الاستعانة فإن هذا أمر مشترك بين المطيع والعاصى فإن مالا يكون بالله لا يكون بل هى باء المصاحبة والمعية التى صرح بمضمونها في قوله إن الله مع الصابرين وهى المعية الحاصلة لعبده الذى تقرب اليه بالنوافل حتى صار محبوبا له فبه يسمع وبه يبصر وكذلك به يصبر فلا يتحرك ولا يسكن ولا يدرك إلا والله معه ومن كان كذلك أمكنه الصبر له وتحمل الأثقال لأجله كما في الأثر الإلهى يعنى quot;وما يتحمل المتحملون من أجلىquot; فدل قوله وما صبرك إلا بالله على انه من لم يكن الله معه لم يمكنه الصبر وكيف يصبر على الحكم الأمرى امتثالا وتنفيذا وتبليغا وعلى الحكم القدرى احتمالا له واضطلاعا به من لم يكن الله معه فلا يطمع في درجة الصبر المحمود عواقبه من لم يكن صبره بالله كما لا يطمع في درجة التقرب المحبوب من لم يكن سمعه وبصره وبطشه ومشيه بالله وهذا هو المراد من قوله: quot;كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بهاquot; ليس المراد انى كنت(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12085",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفس هذه الاعضاء والقوى كما يظنه أعداء الله أهل الوحدة وان ذات العبد هى ذات الرب تعالى الله عن قول اخوان النصارى علوا كبيرا ولو كان كما يظنون لم يكن فرق بين هذا العبد وغيره ولا بين حالتى تقربه إلى ربه بالنوافل وتمقته اليه بالمعاصى بل لم يكن هناك متقرب ومتقرب اليه ولا عبد ولا معبود ولا محب ولا محبوب فالحديث كله مكذب لدعواهم الباطلة من نحو ثلاثين وجها تعرف بالتأمل الظاهر وقد فسر المراد من قوله: quot; كنت سمعه وبصره ويده ورجلهquot; بقوله: quot;فبي يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى يمشى quot; فعبر عن هذه المصاحبة التى حصلت بالتقرب اليه بمحابه بألطف عبارة وأحسنها تدل على تأكد المصاحبة ولزومها حتى صار له بمنزلة سمعه وبصره ويده ورجله ونظير هذا قوله:quot;الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينهquot;. ومثل هذا سائغ في الاستعمال أن ينزل إلى منزلة ما يصاحبه ويقارنه حتى يقول المحب للمحبوب أنت روحى وسمعى وبصرى وفي ذلك معنيان أحدهما أنه صار منه بمنزلة روحه وقلبه وسمعه وبصره والثانى أن محبته وذكره لما استولي على قلبه وروحه صار معه وجليسه كما في الحديث quot;يقول الله تعالى: أنا جليس من ذكرنىquot; وفي الحديث الآخر quot;أنا مع عبدى ما ذكرنى وتحركت بى شفتاهquot; وفي الحديث quot;فإذا أحببت عبدى كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيداquot; ولا يعبر عن هذا المعنى بأتم من هذه العبارة ولا أحسن ولا ألطف منها وإيضاح هذه العبارة مما يزيدها جفاء وخفاء. والمقصود انما هو ذكر الصبر بالله وأن العبد بحسب نصيبه من معية الله له يكون صبره واذا كان الله معه أمكن أن يأتى من الصبر بما لا يأتى به غيره قال أبو على فاز الصابرون بعز الدارين لأنهم نالوا من الله معيته قال تعالى إن الله مع الصابرين .(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12086",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وها هنا سر بديع وهو أن من تعلق بصفة من صفات الرب تعالى أدخلته تلك الصفة عليه وأوصلته اليه والرب تعالى هو الصبور بل لا أحد أصبر على أذى سمعه منه وقد قيل ان الله سبحانه أوحى إلى داود quot;تخلق بأخلاق فإن من أخلاقى انى أنا الصبورquot; والرب تعالى يحب أسماءه وصفاته ويحب مقتضى صفاته وظهور آثارها في العبد فإنه جميل يحب الجمال عفو يحب أهل العفو كريم يحب أهل الكرم عليم يحب أهل العلم وتر يحب أهل الوتر قوى والمؤمن القوى أحب إليه من المؤمن الضعيف صبور يحب الصابرين شكور يحب الشاكرين واذا كان سبحانه يحب المتصفين بآثار صفاته فهو معهم بحسب نصيبهم من هذا الاتصاف فهذه المعية الخاصة عبر عنها بقوله quot;كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيداquot;. فصل: وزاد بعضهم قسما ثالثا من أقسام الصبر وهو الصبر مع الله وجعلوه أعلى أنواع الصبر وقالوا هو الوفاء ولو سئل هذا عن حقيقة الصبر مع الله لما أمكنه أن يفسره بغير الأنواع الثلاثة التى ذكرت وهى الصبر على أقضيته والصبر على أوامره والصبر عن نواهيه فإن زعم أن الصبر مع الله هو الثبات معه على أحكامه يدور معها حيث دارت فيكون دائما مع الله لا مع نفسه فهو مع الله بالمحبة والموافقة فهذا المعنى حق ولكن مداره على الصبر على الأنواع المتقدمة وإن زعم أن الصبر مع الله هو الجامع لأنواع الصبر فهذا حق ولكن جعله قسما رابعا من أقسام الصبر غير مستقيم. واعلم أن حقيقة الصبر مع الله هو ثبات القلب بالاستقامة معه وهو أن لا يروغ عنه روغان الثعالب ها هنا وها هنا فحقيقة هذا هو الاستقامة اليه وعكوف القلب عليه وزاد بعضهم قسما آخر من اقسامه وسماه الصبر فيه وهذا أيضا غير خارج عن أقسام الصبر المذكورة ولا يعقل من الصبر فيه معنى غير الصبر له وهذا كما يقال فعلت هذا في الله وله كما قال خبيب:(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12087",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذلك في ذات الاله وان يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع وقد قال تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وقال وجاهدوا في الله وفي حديث جابر: quot;ان الله تعالى لما أحيا أباه وقال له تمن قال يا رب أن ترجعنى إلى الدنيا حتى أقتل فيك مرة ثانيةquot; وقال quot; ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحدquot; وهذا يفهم منه معنيان أحدهما أن ذلك في مرضاته وطاعته وسبيله وهذا فيما يفعله الإنسان باختياره كما في الحديث quot;تعلمت فيك العلمquot; والثاني انه بسببه وبجهته حصل ذلك وهذا فيما يصيبه بغير اختياره وغالب ما يأتى قولهم quot;ذلك في اللهquot; في هذا المعنى فتأمل قوله quot;ولقد أوذيت في اللهquot; وقول خبيب وذلك quot;في ذات الإلهquot; وقول عبد الله بن حزام quot;حتى أقتل فيكquot; وكذلك قوله والذين جاهدوا فينا فإنه يترتب عليه الأذى فيه سبحانه. وليست في ها هنا للظرفية ولا لمجرد السببية وان كانت السببية هي أصلها فانظر إلى قوله quot;في نفس المؤمن مائة من الإبلquot; وقوله quot;دخلت امرأة النار في هرةquot; كيف تجد فيه معنى زائدا على السببية وليست في للوعاء في جميع معانيها فقولك quot;فعلت هذا في مرضاتكquot; فيه معنى زيد على قولك quot;فعلته لمرضاتكquot; وأنت اذا قلت quot;أوذيت في اللهquot; لا يقوم مقام هذا اللفظ كقولك quot;أوذيت للهquot; ولا quot;بسبب اللهquot; وإذا فهم المعنى طوى حكم العبارة والمقصود ان الصبر في الله ان أريد به هذا المعنى فهو حق وان أريد به معنى خارج عن الصبر على أقضيته وعلى أوامره وعن نواهيه وله وبه لم يحصل فالصابر في الله كالمجاهد في الله والجهاد فيه لا يخرج عن معنى الجهاد به وله والله الموفق. وأما قول بعضهمquot;الصبر لله غناء والصبر بالله بقاء والصبر في(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12088",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله بلاء والصبر مع الله وفاء والصبر عن الله جفاءquot; فكلام لا يجب التسليم لقائله لأنه ذكر ما سنح له وتصوره وانما يجب التسليم للنقل المصدق عن القائل المعصوم ونحن نشرح هذه الكلمات. أما قولهquot;الصبر لله غناءquot; فإن الصبر لله بترك حظوظ النفس ومرادها لمراد الله وهذا أشق شيء على النفس وأصعبه فإن قطع المفازة التي بين النفس وبين الله بحيث يسير منها إلى الله شديد جدا على النفس بخلاف السفر إلى الآخرة فإنه سهل كما قال الجنيدquot;السير من الدنيا إلى الآخرة سهل يعنى على المؤمن وهجران الخلق في جنب الحق شديد والسير من النفس إلى الله صعب شديد والصبر مع الله أشدquot; وأما قوله:quot;والصبر بالله بقاءquot; فلأن العبد اذا كان بالله هان عليه كل شيء ويتحمل الأثقال ولم يجد لها ثقلا فإنه اذا كان بالله لا بالخلق ولا بنفسه كان لقلبه وروحه وجود آخر وشأن آخر غير شأنه اذا كان بنفسه وبالخلق وبهذا الحال لا يجد عناء الصبر ولا مرارته وتنقلب مشاق التكليف له نعيما وقرة عين كما قال بعض الزهاد عالجت قيام الليل سنة وتنعمت به عشرين سنة ومن كانت قرة عينه في الصلاة لم يجد لها مشقة وكلفة. وأما قوله:quot;والصبر في الله بلاءquot; فالبلاء فوق العناء والصبر فيه فوق الصبر له وأخص منه كما تقدم فإن الصبر فيه بمنزلة الجهاد فيه وهو أشق من الجهاد له فكل مجاهد في الله وصابر في الله مجاهد له وصابر له من غير عكس فإن الرجل قد يجاهد ويصبر لله مرة ليقع عليه اسم من فعل ذلك لله ولا يقع عليه اسم من فعل ذلك في الله وإنما يقع على من انغمس في الجهاد والصبر ودخل الجنة. وأما قوله:quot;والصبر مع الله وفاءquot; فلأن الصبر معه هو الثبات معه على أحكامه ولا يزيغ القلب عن الإنابة ولا الجوارح عن الطاعة فتعطى(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12089",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعية حقها من التوفية كما قال تعالى وإبراهيم الذي وفى أى وفي ما أمر به بصبره مع الله على أوامره. وأما قوله:quot;والصبر عن الله جفاءquot; فلا جفاء أعظم ممن صبر عن معبوده وإلهه ومولاه الذى لا مولى له سواه ولا حياة له ولا صلاح ولا نعيم إلا بمحبته والقرب منه وايثار مرضاته على كل شيء فأي جفاء أعظم من الصبر عنه وهذا معنى قول من قال الصبر على ضد بين صبر العابدين وصبر المحبين فصبر العابدين أحسنه أن يكون محفوظا وصبر المحبين أحسنه أن يكون مرفوضا كما قيل: يبين يوم البين ان اعتزامه ... على الصبر من احدى الظنون الكواذب وقال الآخر: ولما دعوت الصبر بعدك والبكا ... أجاب البكا طوعا ولم يجب الصبر قالوا: ويدل عليه أن يعقوب صلوات الله وسلامه عليه قال فصبر جميل ورسول الله اذا وعد وفى ثم حمله الوجد على يوسف والشوق اليه أن قال يا أسفا على يوسف فلم يكن عدم صبره عنه منافيا لقوله فصبر جميل فإن الصبر الجميل هو الذي لا شكوى معه ولا تنافيه الشكوى إلى الله سبحانه وتعالى فإنه قد قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله والله تعالى أمر رسوله بالصبر الجميل وقد امتثل ما أمر به وقال quot;اللهم اليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتيquot; الحديث وأما قول بعضهم إن الصبر الجميل ان يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدرى من هو فهذا من الصبر الجميل لأن من فقده فقد الصبر الجميل فإن ظهور اثر المصيبة على العبد مما لا يمكن دفعه البتة وبالله التوفيق وزاد بعضهم في الصبر قسما آخر وسماه الصبر على الصبر وقال هو ان يستغرق في الصبر حتى يعجزالصبر عن الصبر كما قيل: صابر الصبر فاستغاث به الصبر ... فصاح المحب بالصبر صبرا(1\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12090",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وليس هذا خارجا عن أقسام الصبر وإنما هو المرابطة على الصبر والثبات عليه والله أعلم(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12091",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "الباب الحادي عشر: في الفرق بين صبر الكرام وصبر اللئام",
        "content": "الباب الحادي عشر: في الفرق بين صبر الكرام وصبر اللئام كل أحد لا بد أن يصبر على بعض ما يكره إما اختيارا وإما اضطرارا فالكريم يصبر اختيارا لعلمه بحسن عاقبة الصبر وأنه يحمد عليه ويذم على الجزع وأنه ان لم يصبر لم يرد الجزع عليه فائتا ولم ينتزع عنه مكروها وان المقدور لا حيلة في دفعه وما لم يقدر لا حيلة في تحصيله فالجزع ضره أقرب من نفعه قال بعض العقلاء: quot;العاقل عند نزول المصيبة يفعل ما يفعله الأحمق بعد شهرquot; كما قيل وأن الأمر يفضى إلى آخر ... فيصير آخره أولا فإذا كان آخر الأمر الصبر والعبد غير محمود فما أحسن به أن يستقبل الأمر في أوله بما يستدبره الأحمق في آخره وقال بعض العقلاء من لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم فالكريم ينظر إلى المصيبة فإن رأى الجزع يردها ويدفعها فهذا قد ينفعه الجزع وان كان الجزع لا ينفعه فإنه يجعل المصيبة مصيبتين. فصل: وأما اللئيم فإنه يصبر اضطرارا فإنه يحوم حول ساحة الجزع فلا يراها تجدى عليه شيئا فيصبر صبر الموثق للضرب وأيضا فالكريم يصبر في طاعة الرحمن واللئيم يصبر في طاعة الشيطان فاللئام أصبر الناس في طاعة أهوائهم وشهواتهم وأقل الناس صبرا في طاعة ربهم فيصبر على البذل في طاعة الشيطان أتم صبر ولا يصبر على البذل في طاعة الله في أيسر شيء ويصبر في تحمل المشاق لهوى نفسه في مرضاة عدوه ولا يصبر على أدنى المشاق في مرضاة ربه ويصبر على ما يقال في عرضه(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12092",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في المعصية ولا يصبر على ما يقال في عرضه اذا أوذى في الله بل يفر من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر خشية أن يتكلم في عرضه في ذات الله ويبذل عرضه في هوى نفسه ومرضاته صابرا على ما يقال فيه وكذلك يصبر على التبذل بنفسه وجاهه في هوى نفسه ومراده ولا يصبر على التبذل لله في مرضاته وطاعته فهو أصبر شيء على التبذل في طاعة الشيطان ومراد النفس وأعجز شيء عن الصبر على ذلك في الله وهذا أعظم اللؤم ولا يكون صاحبه كريما عند الله ولا يقوم مع أهل الكرم اذا نودى بهم يوم القيامة على رءوس الاشهاد ليعلم أهل الجمع من أولى بالكرم اليوم أين المتقون(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12093",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "الباب الثاني عشر: في الأسباب التى تعين على الصبر",
        "content": "الباب الثاني عشر: في الأسباب التى تعين على الصبر لما كان الصبر مأمورا به جعل الله سبحانه له أسبابا تعين عليه وتوصل اليه وكذلك ماأمر الله سبحانه بالأمر إلا أعان عليه ونصب له أسبابا تمده وتعين عليه كما أنه ما قدر داءا الا وقدر له دواء او ضمن الشفاء باستعماله فالصبر وان كان شاقا كريها على النفوس فتحصيله ممكن وهو يتركب من مفردين العلم والعمل فمنهما تركب جميع الادوية التى تداوى بها القلوب والأبدان فلا بد من جزء علمي وجزء عملى فمنها يركب هذا الدواء الذى هو أنفع الادوية فأما الجزء العلمي فهو إدراك ما في المأمور من الخير والنفع واللذة والكمال وإدراك ما في المحظور من الشر والضر والنقص فإذا أدرك هذين العلمين كما ينبغى أضاف اليهما العزيمة الصادقة والهمة العالية والنخوة والمروءة الإنسانية وضم هذا الجزء إلى هذا الجزء فمتى فعل ذلك حصل له الصبر وهانت عليه مشاقه وحلت له مرارته وانقلب ألمه لذة وقد تقدم أن الصبر مصارعة باعث العقل والدين لباعث الهوى والنفس وكل متضارعين أراد أن يتغلب أحدهما على الآخر فالطريق فيه تقوية من أراد أن تكون الغلبة له ويضعف الآخر كالحال مع(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12094",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القوة والمرض سواء فإذا قوى باعث شهوة الوقاع المحرم وغلب بحيث لا يملك معها فرجه أو يملكه ولكن لا يملك طرفه أو يملكه ولكن لا يملك قلبه بل لا يزال يحدثه بما هناك ويعده ويمنيه ويصرفه عن حقائق الذكر والتفكر فيما ينفعه في دنياه وآخرته فإذا عزم على التداوى ومقاومة هذا الداء فليضعفه أولا بأمور: أحدهما أن ينظر إلى مادة قوة الشهوة فيحدها من الاغذية المحركة للشهوة إما بنوعها أو بكميتها وكثرتها ليحسم هذه المادة بتقليلها فإن لم تنحسم فليبادر إلى الصوم فإنه يضعف مجارى الشهوة ويكسر حدتها ولا سيما إذا كان أكله وقت الفطر معتدلا الثانى: أن يجتذب محرك الطلب وهو النظر فليقصر لجام طرفه ما أمكنه فإن داعى الإرادة والشهوة انما يهيج بالنظر والنظر يحرك القلب بالشهوة وفي المسند عنه: quot;النظر سهم مسموم من سهام إبليسquot; وهذا السهم يشرده إبليس نحو القلب ولا يصادف جنة دونه وليست الجنة الا غض الطرف أو التحيز والانحراف عن جهة الرمى فإنه انما يرمى هذا السهم عن قوس الصور فاذا لم تقف على طريقها أخطأ السهم وان نصبت قلبك غرضا فيوشك أن يقتله سهم من تلك السهام المسمومة. الثالث: تسلية النفس بالمباح المعوض عن الحرام فإن كل ما يشتهيه الطبع ففيهما أباحه الله سبحانه غنية عنه وهذا هو الدواء النافع في حق أكثر الناس كما أرشد اليه النبي فالدواء الأول يشبه قطع العلف عن الدابة الجموح وعن الكلب الضارى لإضعاف قوتهما والدواء الثانى يشبه تغييب اللحم عن الكلب والشعير عن البهيمة لئلا تتحرك قوتهما له عند المشاهدة والدواء الثالث يشبه إعطائهما من الغذاء ما يميل اليه طبعهما(1\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12095",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بحسب الحاجة لتبقى معه القوة فتطيع صاحبهما ولا تغلب باعطائها الزيادة على ذلك الرابع: التفكر في المفاسد الدنيوية المتوقعة من قضاء هذا الوطر فانه لو لم يكن جنة ولا نار لكان في المفاسد الدنيوية ما ينهى عن إجابة هذا الداعى ولو تكلفنا عدها لفاقت الحصر ولكن عين الهوى عمياء. الخامس الفكرة في مقابح الصورة التى تدعوه نفسه اليها إن كانت معروفة بالإجابة له ولغيره فيعز نفسه أن يشرب من حوض ترده الكلاب والذئاب كما قيل: سأترك وصلكم شرفا وعزا ... لخسة سائر الشركاء فيه وقال آخر إذ كثر الذباب على طعام ... رفعت يدى ونفسى تشتهيه وتجتنب الأسود ورود ماء ... إذا كان الكلاب يلغن فيه وليذكر مخالطة ريقه لريق كل خبيث ريقه الداء الدوى فان ريق الفاسق داء كما قيل: تسل يا قلب عن سمح بمهجته ... مبذل كل من يلقاه يقرفه كالماء أى صيد يأتيه ينهله ... والغصن أى نسيم من يعطفه وان حلا ريق فاذكر مرارته ... في فم أبخر يحفيه ويرشفه ومن له أدنى مروءة ونخوة يأنف لنفسه من مواصلة من هذا شأنه فإن لم تجبه نفسه إلى الإعراض ورضى بالمشاركة فلينظر إلى ما وراء هذا اللون والجمال الظاهر من القبائح الباطنة فإن من مكن نفسه من فعل القبائح فنفسه أقبح من نفوس البهائم فإنه لا يرضى لنفسه بذلك حيوان من الحيوانات أصلا الا ما يحكى عن الخنزير وأنه ليس في البهائم لوطى سواه فقد رضى هذا الممكن من نفسه انه يكون بمنزلة الخنزير وهذا(1\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12096",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القبح يغطى كل جمال وملاحة في الوجه والبدن غير أن حبك الشيء عمى ويصم وان كانت الصورة أنثى فقد خانت الله ورسوله وأهلها وبعلها ونفسها وأورثت ذلك لمن بعدها من ذريتها فلها نصيب من وزرهم وعارهم ولا نسبة لجمال صورتها إلى هذا القبح البتة وإذا أردت معرفة ذلك فانظر إلى القبح الذى يعلو وجه أحدهما في كبره وكيف يقلب الله سبحانه تلك المحاسن مقابح حتى تعلو الوحشة والقبح وجهه كما قيل شعرا: لو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذى يسبيه لم يسبه وتفصيل هذه الوجوه يطول جدا فيكفي ذكر أصولها. فصل: أما تقوية باعث الدين فإنه يكون بأمور: أحدهما: إجلال الله تبارك وتعالى أن يعصى وهو يرى ويسمع ومن قام بقلبه مشهد إجلاله لم يطاوعه قلبه لذلك البتة. الثاني: مشهد محبته سبحانه فيترك معصيته محبة له فإن المحب لمن يحب مطيع وأفضل الترك ترك المحبين كما أن أفضل الطاعة طاعة المحبين فبين ترك المحب وطاعته وترك من يخاف العذاب وطاعته بون بعيد. الثالث: مشهد النعمة والإحسان فإن الكريم لا يقابل بالإساءة من أحسن إليه وإنما يفعل هذا لئام الناس فليمنعه مشهد إحسان الله تعالى ونعمته عن معصيته حياء منه أن يكون خير الله وإنعامه نازلا اليه ومخالفاته ومعاصيه وقبائحه صاعدة إلى ربه فملك ينزل بهذا وملك يعرج بذاك فأقبح بها من مقابلة. الرابع: مشهد الغضب والانتقام فإن الرب تعالى إذا تمادى العبد في معصيته غضب وإذا غضب لم يقم لغضبه شيء فضلا عن هذا العبد الضعيف.(1\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12097",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخامس: مشهد الفوات وهو ما يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة وما يحدث له بها من كل اسم مذموم عقلا وشرعا وعرفا ويزول عنه من الأسماء الممدوحة شرعا وعقلا وعرفا ويكفي في هذا المشهد مشهد فوات الإيمان الذي أدنى مثقال ذرة منه خير من الدنيا وما فيها أضعافا مضاعفة فكيف أن يبيعه بشهوة تذهب لذاتها وتبقى تبعتها تذهب الشهوة وتبقى الشقوة وقد صح عن النبي أنه قال: quot;لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمنquot; قال بعض الصحابة ينزع منه الإيمان حتى يبقى على رأسه مثل الظلة فإن تاب رجع اليه وقال بعض التابعين ينزع عنه الإيمان كما ينزع القميص فإن تاب لبسه ولهذا روى عن النبي في الحديث الذى رواه البخارى: quot; الزناة في التنور عراة quot; لأنهم تعروا من لباس الإيمان وعاد تنور الشهوة الذى كان في قلوبهم تنورا ظاهرا يحمى عليه في النار. السادس: مشهد القهر والظفر فان قهر الشهوة والظفر بالشيطان له حلاوة ومسرة وفرحة عند من ذاق ذلك أعظم من الظفر بعدوه من الآدميين وأحلى موقعا وأتم فرحة وأما عاقبته فأحمد عاقبة وهو كعاقبة شرب الدواء النافع الذى أزال داء الجسد وأعاده إلى صحته واعتداله. السابع: مشهد العوض وهو ما وعد الله سبحانه من تعويض من ترك المحارم لأجله ونهى نفسه عن هواها وليوازنه بين العوض المعوض فأيهما كان أولى بالإيثار اختاره وارتضاه لنفسه. الثامن: مشهد المعية وهو نوعان معية عامة ومعية خاصة فالعامة اطلاع الرب عليه وكونه بعينه لا تخفي عليه حاله وقد تقدم هذا والمقصود هنا المعية الخاصة كقوله إن الله مع الصابرين وقوله إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وقوله وإن الله لمع المحسنين فهذه المعية الخاصة خير وأنفع في دنياه وآخرته ممن فضى وطره ونيل شهوته على التمام من أول عمره إلى آخره فكيف يؤثر عليها لذة(1\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12098",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منغصة منكدة في مدة يسيرة من العمر انما هى كأحلام نائم أو كظل زائل. التاسع: مشهد المغافصة والمعاجلة وهو أن يخاف أن يغافصه الأجل فيأخذه الله على غرة فيحال بينه وبين ما يشتهى من لذات الآخرة فيا لها من حسرة ما أمرها وما أصعبها لكن ما يعرفها الا من جربها وفي بعض الكتب القديمة يامن لا يأمن على نفسه طرفة عين ولا يتم له سرور يوم الحذر الحذر. العاشر: مشهد البلاء والعافية فان البلاء في الحقيقة ليس الا الذنوب وعواقبها والعافية المطلقة هي الطاعات وعواقبها فأهل البلاء هم أهل المعصية وان عوفيت أبدانهم وأهل العافية هم أهل الطاعة وان مرضت أبدانهم وقال بعض أهل العلم في الأثر المروى إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية فإن أهل البلاء المبتلون بمعاصى الله والأعراض والغفلة عنه وهذا وإن كان أعظم البلاء فاللفظ يتناول انواع المبتلين في أبدانهم وأديانهم والله أعلم. الحادي عشر: أن يعود باعث الدين ودواعيه مصارعة داعى الهوى ومقاومته على التدريج قليلا قليلا حتى يدرك لذة الظفر فتقوى حينئذ همته فإن من ذاق لذة شئ قويت همته في تحصيله والاعتياد لممارسة الأعمال الشاقة تزيد القوى التى تصدر عنها تلك الأعمال ولذلك تجد قوى الحمالين وأرباب الصنائع الشاقة تتزايد بخلاف البزاز والخياط ونحوهما ومن ترك المجاهدة بالكلية ضعف فيه باعث الدين وقوى فيه باعث الشهوة ومتى عود نفسه مخالفة الهوى غلبه متى أراد. الثانى عشر: كف الباطل عن حديث النفس واذا مرت به الخواطر نفاها ولا يؤويها ويساكنها فإنها تصير أمانى وهى رءوس أموال المفاليس(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12099",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومتى ساكن الخواطر صارت أمانى ثم تقوى فتصير هموما ثم تقوى فتصير ارادات ثم تقوى فتصير عزما يقترن به المراد فدفع الخاطر الأول أسهل وأيسر من دفع أثر المقدور بعد وقوعه وترك معاودته. الثالث عشر: قطع العلائق والأسباب التى تدعوه إلى موافقة الهوى وليس المراد أن لا يكون له هوى بل المراد أن يصرف هواه إلى ما ينفعه ويستعمله في تنفيذ مراد الرب تعالى فإن ذلك يدفع عنه شر استعماله في معاصيه فإن كل شيء من الانسان يستعمله لله فإن الله يقيه شر استعماله لنفسه وللشيطان وما لا يستعمله لله استعمله لنفسه وهواه ولا بد فالعلم ان لم يكن لله كان للنفس والهوى والعمل ان لم يكن لله كان للرياء والنفاق والمال ان لم ينفق في طاعة الله أنفق في طاعة الشيطان والهوى والجاه ان لم يستعمله لله استعمله صاحبه في هواه وحظوظه والقوة ان لم يستعملها في أمر الله استعملته في معصيته فمن عود نفسه العمل لله لم يكن عليه أشق من العمل لغيره ومن عود نفسه العمل لهواه وحظه لم يكن عليه أشق من الاخلاص والعمل لله وهذا في جميع أبواب الأعمال فليس شيء أشق على المنفق لله من الإنفاق لغيره وكذا بالعكس. الرابع عشر: صرف الفكر إلى عجائب آيات الله التى ندب عباده إلى التفكر فيها وهى آياته المتلوة وآياته المجلوة فإذا استولى ذلك على قلبه دفع عنه محاظرة الشيطان ومحادثته ووسواسه وما أعظم غبن من أمكنه أن لا يزال محاظرا للرحمن وكتابه ورسوله والصحابة فرغب عن ذلك إلى محاظرة الشيطان من الانس والجن فلا غبن بعد هذا الغبن والله المستعان. الخامس عشر: التفكر في الدنيا وسرعة زوالها وقرب انقضائها فلا يرضى لنفسه ان يتزود منها إلى دار بقائه وخلوده أخس ما فيها وأقله نفعا إلا ساقط الهمة دنيء المروءة ميت القلب فإن حسرته تشتد إذا عاين حقيقة ما تزوده وتبين له عدم نفعه له فكيف اذا كان ترك تزود ما ينفعه إلى زاد(1\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12100",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعذب به ويناله بسببه غاية الألم بل اذا تزود ما ينفعه وترك ما هو أنفع منه له كان ذلك حسرة عليه وغبنا. السادس عشر: تعرضه إلى من القلوب بين أصبعيه وأزمة الأمور بيديه وانتهاء كل شيء اليه على الدوام فلعله أن يصادف أوقات النفحات كما في الأثر المعروف: quot;ان لله في أيام دهره نفحات فتعرضوا لنفحاته واسألوا الله أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكمquot; ولعله في كثرة تعرضه أن يصادف ساعة من الساعات التى لا يسأل الله فيها شيئا الا أعطاه فمن أعطى منشور الدعاء أعطى الاجابة فإنه لو لم يرد اجابته لما ألهمه الدعاء كما قيل: لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه ... من جود كفك ما عودتنى الطلبا ولا يستوحش من ظاهر الحال فإن الله سبحانه يعامل عبده معاملة من ليس كمثله شيء في أفعاله كما ليس كمثله شيء في صفاته فإنه ما حرمه الا ليعطيه ولا أمرضه الا ليشفيه ولا أفقره الا ليغنيه ولا أماته الا ليحييه وما أخرج أبويه من الجنة الا ليعيدهما اليها على أكمل حال كما قيل:quot;يا آدم لا تجزع من قولى لك واخرج منها فلك خلقتها وسأعيدك اليهاquot;. فالرب تعالى ينعم على عبده بابتلائه ويعطيه بحرمانه ويصحبه بسقمه فلا يستوحش عبده من حالة تسوؤه أصلا الا اذا كانت تغضبه عليه وتبعده منه. السابع عشر: أن يعلم العبد بأن فيه جاذبين متضادين ومحنته بين الجاذبين جاذب يجذبه إلى الرفيق الأعلى من أهل عليين وجاذب يجذبه إلى أسفل سافلين فكلما انقاد مع الجاذب الأعلى صعد درجة حتى ينتهى إلى حيث يليق به من المحل الأعلى وكلما انقاد إلى الجاذب الاسفل نزل درجة حتى ينتهى إلى موضعه من سجين ومتى أراد أن يعلم هل هو مع الرفيق(1\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12101",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأعلى أو الأسفل فلينظر أين روحه في هذا العالم فإنها اذا فارقت البدن تكون في الرفيق الأعلى الذى كانت تجذبه اليه في الدنيا فهو أولى بها فالمرء مع من أحب طبعا وعقلا وجزءا وكل مهتم بشئ فهو منجذب اليه وإلى أهله بالطبع وكل امرئ يصبو إلى ما يناسبه وقد قال تعالى قل كل يعمل على شاكلته فالنفوس العلوية تنجذب بذاتها وهمها وأعمالها إلى أعلى والنفوس السافلة إلى أسفل. الثامن عشر: أن يعلم العبد أن تفريغ المحل شرط لنزول غيث الرحمة وتنقيته من الدغل شرط لكمال الزرع فمتى لم يفرغ المحل لم يصادف غيث الرحمة محلا قابلا ينزل فيه وان فرغه حتى أصابه غيث الرحمة ولكنه لم ينقه من الدغل لم يكن الزرع زرعا كاملا بل ربما غلب الدغل على الزرع فكان الحكم له وهذا كالذى يصلح أرضه ويهيئها لقبول الزرع ويودع فيها البذور وينتظر نزول الغيث فإذا طهر العبد قلبه وفرغه من ارادة السوء وخواطره وبذر فيه بذر الذكر والفكر والمحبة والإخلاص وعرضه لمهاب رياح الرحمة وانتظر نزول غيث الرحمة في أوانه كان جديرا بحصول المغل وكما يقوى الرجاء لنزول الغيث في وقته كذلك يقوى الرجاء لإصابة نفحات الرحمن جل جلاله في الأوقات الفاضلة والأحوال الشريفة ولا سيما اذا اجتمعت الهمم وتساعدت القلوب وعظم الجمع كجمع عرفة وجمع الاستسقاء وجمع أهل الجمعة فإن اجتماع الهمم والأنفاس أسباب نصبها الله تعالى مقتضية لحصول الخير ونزول الرحمة كما نصب سائر الأسباب مقتضية إلى مسبباتها بل هذه الأسباب في حصول الرحمة أقوى من الأسباب الحسية في حصول مسبباتها ولكن العبد بجهله يغلب عليه الشاهد على الغائب الحسن وبظلمه يؤثر ما يحكم به هذا ويقتضيه على ما يحكم به الآخر ويقتضيه ولو فرغ العبد المحل وهيأه وأصلحه لرأى العجائب فإن فضل الله لا يرده الا المانع الذى في العبد فلو زال ذلك المانع لسارع اليه الفضل من كل صوب فتأمل حال نهر(1\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12102",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عظيم يسقى كل أرض يمر عليها فحصل بينه وبين بعض الأرض المعطشة المجدية سكر وسد كثيف فصاحبها يشكو الجدب والنهر إلى جانب أرضه. التاسع عشر: أن يعلم العبد أن الله سبحانه خلقه لبقاء لافناء له ولعز لا ذل معه وأمن لا خوف فيه وغناء لا فقر معه ولذة لا ألم معها وكمال لا نقص فيه وأمتحنه في هذه الدار بالبقاء الذى يسرع اليه الفناء والعز الذى يقارنه الذل ويعقبه الذل والأمن الذى معه الخوف وبعده الخوف وكذلك الغناء واللذة والفرح والسرور والنعيم الذى هنا مشوب بضده لأنه يتعقبه ضده وهو سريع الزوال فغلط أكثر الخلق في هذا المقام إذ طلبوا النعيم والبقاء والعز والملك والجاه في غير محله ففاتهم في محله وأكثرهم لم يظفر بماطليه! من ذلك والذى ظفر به انما هو متاع قليل والزوال قريب فإنه سريع الزوال عنه والرسل صلوات الله وسلامه عليهم انما جاءوا بالدعوة إلى النعيم المقيم والملك الكبير فمن أجابهم حصل له ألذ ما في الدنيا وأطيبه فكان عيشه فيها أطيب من عيش الملوك فمن دونهم فإن الزهد في الدنيا ملك حاضر والشيطان يحسد المؤمن عليه أعظم حسد فيحرص كل الحرص على أن لا يصل اليه فإن العبد اذا ملك شهوته وغضبه فانقادا معه لداعى الدين فهو الملك حقا لأن صاحب هذا الملك حر والملك المنقاد لشهوته وغضبه عبد شهوته وغضبه فهو مسخر مملوك في زى مالك يقوده زمام الشهوة والغضب كما يقاد البعير فالمغرور المخدوع يقطع نظره على الملك الظاهر الذى صورته ملك وباطنه رق وعلى الشهوة التى أولها لذة وآخرها حسرة والبصير الموفق يعير نظره من الاوائل إلى الأواخر ومن المبادئ إلى العواقب وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. العشرون: أن لا يغتر العبد باعتقاده أن مجرد العلم بما ذكرنا كاف في حصول المقصود بل لا بد أن يضيف اليه بذل الجهد في استعماله واستفراغ الوسع والطاقة فيه وملاك ذلك الخروج عن العوائد فإنها أعداء(1\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12103",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكمال والفلاح فلا أفلح من استمر مع عوائده أبدا ويستعين على الخروج عن العوايد بالهرب عن مظان الفتنة والبعد عنها ما أمكنه وقد قال النبي: quot;من سمع بالدجال فلينا عنه quot; فما استعين على التخلص من الشر بمثل البعد عن أسبابه ومظانه. وههنا لطيفة للشيطان لا يتخلص منها إلا حاذق وهى أن يظهر له في مظان الشر بعض شيء من الخير ويدعوه إلى تحصيله فإذا قرب منه ألقاه في الشبكة والله أعلم.(1\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12104",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "الباب الثالث عشر: في بيان أن الإنسان لا يستغنى عن الصبر في حال من الأحوال",
        "content": "الباب الثالث عشر: في بيان أن الإنسان لا يستغنى عن الصبر في حال من الأحوال فإنه بين أمر يجب عليه امتثاله وتنفيذه ونهى يجب عليه اجتنابه وتركه وقدر يجرى عليه اتفاقا ونعمة يجب عليه شكر المنعم عليها واذا كانت هذه الأحوال لا تفارقه فالصبر لازم له إلى الممات وكل ما يلقى العبد في هذه الدار لا يخلو من نوعين أحدهما يوافق هواه ومراده والآخر يخالفه وهو محتاج إلى الصبر في كل منهما أما النوع الموافق لغرضه فكالصحة والسلامة والجاه والمال وأنواع الملاذ المباحة وهو أحوج شئ إلى الصبر فيها من وجوه: أحدها: أن لا يركن اليها ولا يغتر بها ولا تحمله على البطر والأشر والفرح المذموم الذى لا يحب الله أهله. الثاني: أن لا ينهمك في نيلها ويبالغ في استقصائها فانها تنقلب إلى اضدادها فمن بالغ في الأكل والشرب والجماع انقلب ذلك إلى ضده وحرم الأكل والشرب والجماع. الثالث: أن يصبر على أداء حق الله فيها ولا يضيعه فيسلبها. الرابع: أن يصبر عن صرفها في الحرام فلا يمكن نفسه من كل ما(1\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12105",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تريده منها فإنها توقعه في الحرام فإن احترز كل الاحتراز أوقعته في المكروه ولا يصبر على السراء الا الصديقون. قال بعض السلف: البلاء يصبر عليه المؤمن والكافر ولا يصبر على العافية إلا الصديقون وقال عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه: quot;ابتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبرquot; ولذلك حذر الله عباده من فتنة المال والأزواج والأولاد فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وليس المراد من هذه العداوة ما يفهمه كثير من الناس أنها عداوة البغضاء والمحادة بل إنما هى عداوة المحبة الصادة للآباء عن الهجرة والجهاد وتعلم العلم والصدقة وغير ذلك من أمور الدين وأعمال البر كما في جامع الترمذى من حديث اسرائيل حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس وسأله رجل عن هذه الآية يا أيها الذين آمنوا ان من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم قال هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة فأرادوا أن يأتو النبي فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا رسول الله فلما أتوا رسول الله ورأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم فأنزل الله يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم الآية قال الترمذى هذا حديث حسن صحيح وما أكثر ما فات العبد من الكمال والفلاح بسبب زوجته وولده وفي الحديث: quot; الولد مبخلة مجبنةquot; وقال الإمام أحمد حدثنا زيد بن الحباب قال حدثني زيد بن واقد قال حدثنى عبد الله بن بريدة قال سمعت أبى يقول: quot;كان رسول الله يخطبنا فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول الله عن المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ثم قال صدق الله انما أموالكم وأولادكم فتنة نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثى ورفعتهماquot; وهذا من كمال رحمته ولطفه بالصغار وشفقتة(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12106",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليهم وهو تعليم منه للأمة الرحمة والشفقة واللطف بالصغار فصل وانما كان الصبر على السراء شديدا لأنه مقرون بالقدرة والجائع عند غيبة الطعام أقدر منه على الصبر عند حضوره وكذلك الشبق عند غيبة المرأة أصبر منه عند حضورها. فصل وأما النوع الثانى المخالف للهوى فلا يخلو اما أن يرتبط باختيار العبد كالطاعات والمعاصى أو لا ترتبط أوله باختياره كالمصائب أو يرتبط أوله باختياره ولكن لا اختيار له في ازالته بعد الدخول فيه فهاهنا ثلاثة أقسام: أحدها ما يرتبط باختياره وهو جميع أفعاله التى توصف بكونها طاعة أو معصية فأما الطاعة فالعبد محتاج إلى الصبر عليها لأن النفس بطبعها تنفر عن كثير من العبودية أما في الصلاة فلما في طبعها من الكسل وايثار الراحة ولا سيما إذا اتفق مع ذلك قسوة القلب ورين الذنب والميل إلى الشهوات ومخالطة أهل الغفلة فلا يكاد العبد مع هذه الأمور وغيرها أن يفعلها وان فعلها مع ذلك كان متكلفا غائب القلب ذاهلا عنها طالبا لفراقها كالجالس إلى الجيفة وأما الزكاة فلما في طبعها اى النفس من الشح والبخل وكذلك الحج والجهاد للأمرين جميعا ويحتاج العبد ها هنا إلى الصبر في ثلاثة أحوال أحدها قبل الشروع فيها بتصحيح النية والاخلاص وتجنب دواعى الرياء والسمعة وعقد العزم على توفية المأمورية حقها الحالة الثانية الصبر حال العمل فيلازم العبد الصبر عن دواعى التقصير فيه والتفريط ويلازم الصبر على استصحاب ذكر النية وعلى حضور القلب بين يدى المعبود وأن لا ينساه في أمره فليس الشأن في فعل المأمور بل الشأن كل الشأن أن لا ينسى الا مرحال الإتيان بأمره بل يكون مستصحبا لذكره في أمره فهذه عبادة العبيد المخلصين لله فهو يحتاج إلى الصبر على توفية العبادة حقها بالقيام بأدائها وأركانها وواجباتها وسننها وإلى(1\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12107",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصبر على استصحاب ذكر المعبود فيها ولا يشتغل عنه بعبادته فلا يعطله حضوره مع الله بقلبه عن قيام جوارحه بعبوديته ولا يعطله قيام الجوارح بالعبودية عن حضور قلبه بين يديه سبحانه الحالة الثالثة الصبر بعد الفراغ من العمل وذلك من وجوه أحدها أن يصبر نفسه عن الإتيان بما يبطل عمله قال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فليس الشأن الإتيان بالطاعة انما الشأن في حفظها مما يبطلها الثانى أن يصبر عن رؤيتها والعجب بها والتكبر والتعظم بها فإن هذا أضر عليه من كثير من المعاصى الظاهرة الثالث أن يصبر عن نقلها من ديوان السر إلى ديوان العلانية فإن العبد يعمل العمل سرا بينه وبين الله سبحانه فيكتب في ديوان السر فإن تحدث به نقل إلى ديوان العلانيه فلا يظن أن بساط الصبر انطوى بالفراغ من العمل فصل وأما الصبر عن المعاصى فأمره ظاهر وأعظم ما يعين عليه قطع المألوفات ومفارقة الأعوان عليها في المجالسة والمحادثة وقطع العوائد فإن العادة طبيعة خاصة فاذا انضافت الشهوة إلى العادة تظاهر جندان من جند الشيطان فلا يقوى باعث الدين على قهرهما. فصل القسم الثانى ما لا يدخل تحت الإختيار وليس للعبد حيلة في دفعه كالمصائب التى لا صنع للعبد فيها كموت من يعز عليه وسرقة ماله ومرضه ونحو ذلك وهذا نوعان أحدهما ما لا صنع للعبد الآدمى فيه والثانى ما أصابه من جهة آدمى مثله كالسب والضرب وغيرهما فالنوع الأول للعبد فيه أربع مقامات أحدها مقام العجز وهو مقام الجزع والشكوى والسخط وهذا ما لا يفعله إلا أقل الناس عقلا ودينا ومروءة وهو أعظم المصيبتين(1\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12108",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المقام الثانى: مقام الصبر إما لله وإما للمروءة الإنسانية المقام الثالث: مقام الرضا وهو أعلى من مقام الصبر وفي وجوبه نزاع والسير متفق على وجوبه المقام الرابع مقام الشكر وهو أعلى من مقام الرضا فإنه يشهد البلية نعمة فيشكر المبتلى عليها وأما النوع الثانى وهو ما أصابه من قبل الناس فله فيه هذه المقامات ويضاف اليها أربعة أخر أحدها مقام العفو والصفح والثانى مقام سلامة القلب من ارادة التشفي والانتقام وفراغه من ألم مطالعة الجناية كل وقت وضيقه بها الثالث مقام شهود القدر وانه وان كان ظالما بإيصال هذا الأذى اليك فالذى قدره عليك وأجراه على يد هذا الظالم ليس بظالم وأذى الناس مثل الحر والبرد لا حيلة في دفعه فالمنسخط من أذى الحر والبرد غير حازم والكل جار بالقدر وان اختلفت طرقه وأسبابه المقام الرابع مقام الإسحان إلى المسيء ومقابلة اساءته بإحسانك وفي هذا المقام من الفوائد والمصالح ما لا يعلمه الا الله فإن فات العبد هذا المقام العالى فلا يرضى لنفسه بأخس المقامات وأسفلها فصل القسم الثالث ما يكون وروده باختياره فإذا تمكن لم يكن له اختيار ولا حيلة في دفعه وهذا كالعشق أوله اختيار وآخره اضطرار وكالتعرض لأسباب الأمراض والآلام التى لا حيلة في دفعها بعد مباشرة أسبابها كما لا حيلة في دفع السكر بعد تناول المسكر فهذا كان فرضه الصبر عنه في أوله فلما فاته بقى فرضه الصبر عليه في آخره وأن لا يطيع داعى هواه ونفسه وللشيطان ها هنا دسيسة عجيبة وهى أن يخيل اليه أن ينل بعض ما منع قد يتعين عليه أو يباح له على سبيل التداوى وغايته أن يكون كالتداوى بالخمر والنجاسة وقد أجازه كثير من الفقهاء وهذا من أعظم الجهل فإن هذا التداوى لا يزيل الداء بل يزيده ويقويه وكم ممن(1\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12109",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تداوى بذلك فكان هلاك دينه ودنياه في هذا الدواء بل الدواء النافع لهذا الداء الصبر والتقوى كما قال تعالى وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور وقال إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين فالصبر والتقوى دواء كل داء من أدواء الدين ولا يستغنى أحدهما عن صاحبه فإن قيل فهل يثاب على الصبر في هذا القسم اذا كان عاصيا مفرطا يتعاطى أسبابه وهل يكون معاقبا على ما تولد منه وهو غير اختيارى له قيل نعم اذا صبر لله تعالى وندم على ما تعاطاه من السبب المحظور أثيب على صبره لأنه جهاد منه لنفسه وهو عمل صالح والله لا يضيع أجر من أحسن عملا وأما عقوبته على ما تولد منه فإنه يستحق العقوبة على السبب وما تولد منه كما يعاقب السكران على ما جناه في حال سكره فإذا كان السبب محظورا لم يكن السكران معذورا فإن الله سبحانه يعاقب على الأسباب المحرمة وعلى ما تولد منها كما يثيب على الأسباب المأمور بها وعلى ما يتولد منها ولذا كان من دعا إلى بدعة وضلالة فعليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه لأن اتباعهم له تولد عن فعله ولذلك كان على ابن آدم القاتل لأخيه كفل من ذنب كل قاتل إلى يوم القيامة وقد قال تعالى: ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم وقال تعالى وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم فإن قيل فكيف التوبة من هذا المتولد وليس من فعله والإنسان انما يتوب عما يتعلق با ختياره قبل التوبة منه بالندم عليه وعدم اجابة دواعيه وموجباته وحبس النفس عن ذلك فإن كان المتولد متعلقا بالغير فتوبته مع ذلك برفعه عن الغير بحسب الإمكان ولهذا كان من توبة الداعى إلى(1\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12110",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البدعة ان يبين أن ما كان يدعو اليه بدعة وضلالة وان الهدى في ضده كما شرط تعالى في توبة أهل الكتاب الذين كان ذنبهم كتمان ماأنزل الله من البينات والهدى ليضلوا الناس بذلك أن يصلحوا العمل في نفوسهم ويبينوا للناس ما كانوا يكتمونهم اياه فقال ان الذين يكتمون ما انزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون الا الذين تابوا واصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم وهذا كما شرط في توبة المنافقين الذين كان ذنبهم افساد قلوب ضعفاء المؤمنين وتحيزهم واعتصامهم باليهود والمشركين أعداء الرسول وإظهارهم الإسلام رياء وسمعة أن يصلحوا بدل افسادهم وأن يعتصموا بالله بدل اعتصامهم بالكفار من أهل الكتاب والمشركين وأن يخلصوا دينهم لله بدل إضهارهم رياء وسمعة فهكذا تفهم شرائط التوبة وحقيقتها والله المستعان(1\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "73",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12111",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "الباب الرابع عشر: في بيان أشق الصبر على النفوس",
        "content": "الباب الرابع عشر: في بيان أشق الصبر على النفوس مشقة الصبر بحسب قوة الداعى إلى الفعل وسهولته على العبد فإذا اجتمع في الفعل هذان الأمرن كان الصبر عنه أشق شىء على الصابر وان فقدا معا سهل الصبر عنه وان وجد احدهما وفقد الآخر سهل الصبر من وجه صعب من وجه فمن لاداعى له إلى القتل والسرقة وشرب المسكر وأنواع الفواحش ولا هو سهل عليه فصبره عنه من أيسر شيء عليه وأسهله ومن اشتد داعيه إلى ذلك وسهل عليه فعله فصبره عنه أشق شيء عليه ولهذا كان صبر السلطان عن الظلم وصبر الشباب عن الفاحشة وحبد الغنى عن تناول اللذات والشهوات عند الله بمكان وفي المسند وغيره عن النبي: quot;عجب ربك من شاب ليست له(1\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "74",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12112",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صبوةquot; ولذلك استحق السبعة المذكورين في الحديث الذين يظلهم الله في ظل عرشه لكمال صبرهم ومشقته فإن صبر الإمام المتسلط على العدل في قسمه وحكمه ورضاه وغضبه وصبر الشاب على عبادة الله ومخالفة هواه وصبر الرجل على ملازمة المسجد وصبر المتصدق على إخفاء الصدقة حتى عن بعضه وصبر المدعو إلى الفاحشة مع كمال جمال الداعى ومنصبه وصبر المتحابين في الله على ذلك في حال اجتماعهما وافتراقهما وصبر الباكى من خشية الله على كتمان ذلك وعدم اظهاره للناس من أشق الصبر ولهذا كانت عقوبة الشيخ الزانى والملك الكذاب والفقير المختال أشد العقوبة لسهولة الصبر عن هذه الأشياء المحرمات عليهم لضعف دواعيها في حقهم فكان تركهم الصبر عنها مع سهولته عليهم دليلا على تمردهم على الله وعتوهم عليه ولهذا كان الصبر عن معاصى اللسان والفرج من اصعب أنواع الصبر لشدة الداعى اليهما وسهولتهما فإن معاصى اللسان فاكهة الإنسان كالنميمة والغيبة والكذب والمراء والثناء على النفس تعريضا وتصريحا وحكاية كلام الناس والطعن على من يبغضه ومدح من يحبه ونحو ذلك فتتفق قوة الداعى وتيسر حركة اللسان فيضعف الصبر ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ: quot;امسك عليك لسانكquot; فقال quot;وانا لمؤاخذون بما نتكلم بهquot; فقال صلى الله عليه وسلم quot;وهل يكب الناس في النار على مناخرهم الا حصائد ألسنتهمquot; ولا سيما اذا صارت المعاصى اللسانية معتادة للعبد فإنه يعز عليه الصبر عنها ولهذا تجد الرجل يقوم الليل ويصوم النهار ويتورع من استناده إلى وسادة حرير لحظة واحدة ويطلق لسانه في الغيبة والنميمة والمفكه! في أعراض الخلق وربما رخص أهل الصلاح والعلم بالله والدين والقول على الله ما لا يعلم وكثير ممن تجده يتورع عن الدقائق من الحرام والقطرة من الخمر ومثل رأس الإبرة من النجاسة ولا يبالى بارتكاب الفرج الحرام كما يحكى أن رجلا خلا بامرأة أجنبية فلما اراد مواقعتها قال يا هذه غطى وجهك فإن(1\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "75",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12113",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النظر إلى وجه الأجنبية حرام وقد سأل رجل عبد الله بن عمر عن دم البعوض فقال انظروا إلى هؤلاء يسألونى عن دم البعوض وقد قتلوا ابن بنت رسول الله واتفق لى قريب من هذه الحكاية كنت في حال الإحرام فأتانى قوم من الأعراب المعروفين بقتل النفوس والإغارة على الأموال يسألوني عن قتل المحرم القمل فقلت يا عجبا لقوم لا يتورعون عن قتل النفس التى حرم الله قتلها ويسألون عن قتل القملة في الاحرام والمقصود أن اختلاف شدة الصبر في أنواع المعاصى وآحادها يكون باختلاف داعيه إلى تلك المعصية في قوتها وضعفها ويذكر عن على رضى الله عنه أنه قال الصبر ثلاثة فصبر على المصيبة وصبر على الطاعة وصبر عن المعصية فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمائة درجة ومن صبر على الطاعة حتى يؤديها كما أمر الله كتب الله له ستمائة درجة ومن صبر عن المعصية خوفا من الله ورجاء ما عنده كتب الله له تسعمائة درجة وقال ميمون بن مهران: quot;الصبر صبران فالصبر على المصيبة حسن وأفضل منه الصبر عن المعصيةquot;. وقال الفضيل في قوله تعالى: سلام عليكم بما صبرتم ثم قال صبروا على ما أمروا به وصبروا عما نهوا عنه وكأنه جعل الصبر على المصيبة داخلا في قسم المأمور به والله أعلم(1\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "76",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12114",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الخامس عشر في ذكر ما ورد في الصبر من نصوص الكتاب العزيز قال الإمام أحمد رحمه الله: quot;ذكر الله سبحانه الصبر في القرآن في تسعين موضعاquot; ونحن نذكر الأنواع التى سيق فيها الصبر وهى عدة أنواع:(1\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "77",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12115",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها الأمر به كقوله واصبر وما صبرك الا بالله واصبر لحكم ربك الثانى النهى عما يضاده كقوله ولا تستعجل لهم وقوله ولا تهنوا ولا تحزنوا وقوله ولا تكن كصاحب الحوت وبالجملة فكل ما نهى عنه فانه يضاد الصبر المأمور به الثالث تعليق الفلاح به كقوله يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون فعلق الفلاح بمجموع هذه الأمور الرابع الإخبار عن مضاعفة أجر الصابرين على غيره كقوله أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا وقوله انما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب قال سليمان بن القاسم كل عمل يعرف ثوابه إلا الصبر قال الله تعالى انما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب قال كالماء المنهمر الخامس تعليق الإمامة في الدين به وباليقين قال الله تعالى وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين السادس ظفرهم بمعية الله سبحانه لهم قال تعالى ل إن الله مع الصابرين قال أبو على الدقاق فاز الصابرون بعز الدارين لأنهم نالوا من الله معيته السابع انه جمع للصابرين ثلاثة أمور لم يجمعها لغيرهم وهى الصلاة منه عليهم ورحمته لهم وهدايته إياهم قال تعالى وبشر الصابرين الذين اذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا اليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون وقال(1\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "78",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12116",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعض السلف وقد عزى على مصيبة نالته فقال مالى لا أصبر وقد وعدنى الله على الصبر ثلاث خصال كل خصلة منها خير من الدنيا وما عليها الثامن أنه سبحانه جعل الصبر عونا وعدة وأمر بالاستعانة به فقال واستعينوا بالصبر والصلاة فمن لا صبر له لا عون له التاسع أنه سبحانه علق النصر بالصبر والتقوى فقال تعالى بلى ان تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ولهذا قال النبي: quot;واعلم أن النصر مع الصبر quot;. العاشر أنه سبحانه جعل الصبر والتقوى جنة عظيمة من كيد العدو ومكره فمن استجن العبد من ذلك جنة أعظم منهما قال تعالى وان تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا الحادي عشر انه سبحانه أخبر أن ملائكته تسلم عليهم في الجنة بصبرهم كما قال والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار الثانى عشر انه سبحانه أباح لهم أن يعاقبوا على ما عوقبتم به ثم أقسم قسما مؤكدا غاية التأكيد أن صبرهم خير لهم فقال وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتهم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين فتأمل هذا التأكيد بالقسم المدلول عليه بالواو ثم باللام بعده ثم باللام التى في الجواب الثالث عشر انه سبحانه رتب المغفرة والأجر الكبير على الصبر والعمل الصالح فقال الا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير وهؤلاء ثنية الله من نوع الإنسان(1\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "79",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12117",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المذموم الموصوف باليأس والكفر عند المصيبة والفرح والفخر عند النعمة ولا خلاص من هذا الذم الا بالصبر والعمل الصالح كما لا تنال المغفرة والأجر الكبير الا بهما الرابع عشر انه سبحانه جعل الصبر على المصائب من عزم الأمور أى مما يعزم من الأمور التى انما يعزم على أجلها وأشرفها فقال ولمن صبر وغفر ان ذلك لمن عزم الأمور وقال لقمان لابنه واءمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك ان ذلك من عزم الأمو الخامس عشر انه سبحانه وعد المؤمنين بالنصر والظفر وهى كلمته التى سبقت لهم وهى الكلمة الحسنى وأخبر أنه انما انالهم ذلك بالصبر فقال تعالى وتمت كلمة ربك الحسنى على بنى اسرائيل بما صبروا السادس عشر أنه سبحانه علق محبته بالصبر وجعلها لأهله فقال وكأين من نبى قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين السابع عشر انه سبحانه أخبر عن خصال الخير انه لا يلقاها الا الصابرون في موضعين من كتابه في سورة القصص في قصة قارون وان الذين أوتوا العلم قالو للذين تمنوا مثل ما أوتى ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها الا الصابرون وفي سورة حميم السجدة حيث أمر العبد أن يدفع بالتى هى أحسن فإذا فعل ذلك صار الذى بينه وبينه عداوة كأنه حبيب قريب ثم قال وما يلقاها الا الذين صبروا وما يلقاها الا ذو حظ عظيم الثامن عشر أنه سبحانه أخبر أنه إنما ينتفع بآياته ويتعظ بها الصبار الشكور فقال تعالى ولقد ارسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من(1\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "80",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12118",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور وقال تعالى في لقمان ألم تر أن الفلك تجرى في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور وقال في قصة سبأ وجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور وقال تعالى ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام ان يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور فهذه أربع مواضع في القرآن تدل على أن آيات الرب انما ينتفع بها أهل الصبر والشكر التاسع عشر أنه أثنى على عبده أيوب بأحسن الثناء على صبره فقال أنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب فأطلق عليه نعم العبد بكونه وجده صابرا وهذا يدل على أن من لم يصبر اذا ابتلى فإنه بئس العبد العشرون انه سبحانه حكم بالخسران حكما عاما على كل من لم يؤمن ولم يكن من أهل الحق والصبر وهذا يدل على أنه لا رابح سواهم فقال تعالى والعصر ان الإنسان لفي خسر الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ولهذا قال الشافعى لو فكر الناس كلهم في هذه الاية لوسعتهم وذلك أن العبد كماله في تكميل قوتيه قوة العلم وقوة العمل وهما الإيمان والعمل الصالح وكما هو محتاج إلى تكميل نفسه فهو محتاج إلى تكميل غيره وهو التواصى بالحق والتواصى بالصبر وأخية ذلك وقاعدته وساقه الذى يقوم عليه انما هو الصبر الحادى والعشرون أنه سبحانه خص أهل الميمنة بأنهم أهل الصبر والمرحمة الذين قامت بهم هاتان الخصلتان ووصوا بهما غيرهم فقال تعالى ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة أولئك(1\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "81",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12119",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصحاب الميمنة وهذا حصر لأصحاب الميمنة فيمن قام به هذان الوصفان والناس بالنسبة اليهما أربعة أقسام هؤلاء خير الاقسام وشرهم من لا صبر له ولا رحمة فيه ويليه من له صبر ولا رحمة عنده ويليه القسم الرابع وهو من له رحمة ورقة ولكن لا صبر له الثانى والعشرون أنه سبحانه قرن الصبر بأركان الإسلام ومقامات الإيمان كلها فقرنه بالصلاة كقوله واستعينوا بالصبر والصلاة وقرنه بالأعمال الصالحة عموما كقوله الا الذين صبروا وعملوا الصالحات وجعله قرين التقوى كقوله إنه من يتق ويصبر وجعله قرين الشكر كقوله ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور وجعله قرين الحق كقوله وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر وجعله قرين الرحمة كقوله وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة وجعله قرين اليقين كقوله لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون وجعله قرين الصدق كقوله والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات وجعله سبب محبته ومعيته ونصره وعونه وحسن جزائه ويكفي بعض ذلك شرفا وفضلا والله أعلم(1\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "82",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12120",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "الباب السادس عشر: في ذكر ما ورد فيه من نصوص السنة",
        "content": "الباب السادس عشر: في ذكر ما ورد فيه من نصوص السنة في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضى الله عنهquot; أن رسول الله أتى على امرأة تبكى على صبى لها فقال لها اتقى الله واصبرى فقالت وما تبالى بمصيبتى فلما ذهب قيل لها انه رسول الله فأخذها مثل الموت فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين فقالت يا رسول لم أعرفك فقال انما الصبر عند أول صدمةquot; وفي لفظ quot; عند الصدمة(1\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "83",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12121",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاولى quot; وقوله الصبر عند الصدمة الاولى مثل قوله quot;ليس الشديد بالصرعة انما الشديد الذى يملك نفسه وقت الغضبquot; فإن مفاجئات المصيبة بغتة لها روعة تزعزع القلب وتزعجه بصدمها فإن صبر الصدمة الأولى انكسر حدها وضعفت قوتها فهان عليه استدامة الصبر وأيضا فإن المصيبة ترد على القلب وهو غير موطن لها فتزعجه وهى الصدمة الأولى وأما اذا وردت عليه بعد ذلك توطن لها وعلم انه لا بد له منها فيصير صبره شبيه الاضطرار وهذه المرأة لما علمت ان جزعها لا يجدى عليها شيئا جاءت تعتذر إلى النبي كأنها تقول له قد صبرت فأخبرها أن الصبر انما هو عند الصدمة الأولى ويدل على هذا المعنى ما رواه سعيد بن زربى عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: quot;مر النبي على امرأة جاثمة على قبر تبكى فقال لها يا أمة الله اتق الله واصبرى قالت يا عبد الله ثكلى قال يا أمة الله اتق الله واصبرى قالت يا عبد الله لو كنت مصابا عذرتنى قال يا أمة الله اتق الله واصبرى قالت يا عبد الله قد أسمعت فانصرف عنى فمضى رسول الله واتبعه رجل من أصحابه فوقف على المرأة فقال لها ما قال لك الرجل الذاهب قالت قال لى كذا وكذا وأجبته بكذا وكذا قال هل تعرفينه قالت لا قال ذلك رسول الله قال فوثبت سرعة نحوه حتى انتهت اليه وهى تقول أنا أصبر أنا أصبر يا رسول الله فقال الصبر عند الصدمة الأولى الصبر عند الصدمة الأولىquot;. قال ابن أبى الدنيا حدثنا بشر بن الوليد وصالح الكندى بن مالك قالا حدثنا سعيد بن زربى فذكره فهذا السياق يبين معنى الحديث قال أبو عبيد معناه ان كل ذى رزبة فإن قصاراه الصبر ولكنه انما يحمد على صبره عند حدة المصيبة وحرارتها قلت وفي الحديث أنواع من العلم أحدها وجوب الصبر على(1\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "84",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12122",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المصائب وأنه من التقوى التى أمر العبد بها الثانى الامر بالمعروف والنهى عن المنكر وان سكر المصيبة وشدتها لا يسقطه عن الآمر الناهى الثالث تكرار الامر والنهى مرة بعد مرة حتى يعذر المرء إلى ربه الرابع احتج به على جواز زيارة النساء للقبور فانه لم ينكر عليها الزيارة وانما أمرها بالصبر ولو كانت الزيارة حراما لبين لها حكمها وهذا كان في آخر الامر فإن أبا هريرة انما اسلم بعد السنة السابعة وأجيب عن هذا بأنه قد أمرها بتقوى الله والصبر وهذا انكار منه لحالها من الزيارة والبكاء ويدل عليه أنها لما علمت أن الآمر لها من تجب طاعته انصرفت مسرعة وأيضا فأبو هريرة لم يخبر أنه شهد هذه القصة فلا يدل الحديث على أنها بعد السلامه ولو شهدها فلعنته لزائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج كان بعد هذا في مرض موته وفي عدم تعريفه لها بنفسه في تلك الحال التى لا تملك فيها نفسها شفقة منه ورحمة بها اذا عرفها بنفسه في تلك الحال فربما لم تسمع منه فتهلك وكان معصيتها له وهى لا تعلم أنه رسول الله أخف من معصيتها له لو علمت فهذا من كمال رأفته صلوات الله وسلامه عليه وفي صحيح مسلم عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله يقول: quot; ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله إنا لله وإنا اليه راجعون اللهم اجرنى في مصيبتى واخلف لى خيرا منها إلا أخلف الله له خيرا منها quot; قالت فلما مات أبو سلمة قلت أى المسلمين خير من أبى سلمة أول بيت هاجر إلى رسول الله ثم إنى قلتها فأخلف الله لى رسوله فأرسل إلى رسول الله حاطب بن ابى بلتعة يخطبنى له فقلت ان لى بنتا وأنا غيور فقال أما بنتها فادعو الله أن يغنيها عنها وادعو الله أن يذهب بالغيرة فتزوجت رسول الله وعند أبى داود في هذا الحديث عنها قالت قال رسول الله: quot;اذا(1\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "85",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12123",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصابت أحدكم مصيبة قليقل إنا لله وإنا اليه راجعون اللهم عندك أحتسب مصيبتى فاءجرنى فيها وابدلنى خيرا منهاquot; فلما احتضر أبو سلمة قال: quot;اللهم اخلفنى في أهلى خيرا منىquot; فلما قبض قالت أم سلمة: quot;إنا لله وانا اليه راجعون عند الله أحتسب مصيبتىquot; فانظر عاقبة الصبر والاستراجاع ومتابعة الرسول والرضاء عن الله إلى ما آلت إليه وأنالت أم سلمة نكاح أكرم الخلق على الله وفي جامع الترمذي ومسند الامام أحمد وصحيح ابن حبان عن ابي موسى الأشعري قال قال رسول الله: quot;اذا مات ولد العبد قال الله لملائكته قبضتم ولد عبدي فيقولون نعم فيقول قبضتم ثمرة فؤاده فيقولون نعم فيقول ماذا قال عبدي فيقولون حمدك واسترجعك فيقول ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد quot;. وفي صحيح البخاري من حديث أنس أن رسول الله قال: quot;اذا ابتليت عبدي بحبيتيه ثم صبر عوضته عنهما الجنه quot; يريد عينيه وعند الترمذي في الحديث: quot;اذا أخذت كريمتي عبدي في الدنيا لم يكن له جزاء عندي الا الجنةquot; وفي الترمذي أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله: quot;يقول الله عز وجل من أذهبت حبيتيه فصبر واحتسب لم أرض له ثوابا دون الجنةquot;. وفي سنن أبي داود من حديث عبد الله بن عمر قال قال رسول الله: quot; لا يرضى الله لعبده المؤمن إذا ذهب بصفيه من أهل الارض واحتسبه بثواب دون الجنة quot; وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله: quot;يقول الله عز وجل ما لعبدي المؤمن جزاء اذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه الا الجنةquot; وفي صحيحه أيضا عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة قلت بلى قال هذه المرأة السوداء أتت النبي فقالت يا رسول الله اني أصرع واني أتكشف فادع الله لي قال: quot;ان شئت صبرت ولك(1\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "86",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12124",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجنة وان شئت دعوت الله تعالى ان يعافيك فقالت أصبر فقالت أني أتكشف فادع الله ان لا أتكشف فدعا لهاquot; وفي الموطأ من حديث عطاء بن يسار أن رسول الله قال: quot;اذا مرض العبد بعث اليه ملكين فقال انظرا ماذا يقول لعواده فإن هو اذ جاؤوه حمد الله وأثنى عليه رفعا ذلك إلى الله وهو أعلم فيقول ان لعبدي علي ان توفيته ان أدخله الجنة وان أنا شفيته أن أبدله لحما خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه وأن أكفر عنه سيئاتهquot; وفي صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله: quot;اذا جمع الله الخلائق نادى مناد أين أهل الصبر فيقوم ناس وهم قليلون فينطلقون سراعا إلى الجنة فتلقاهم الملائكة فيقولون انا نراكم سراعا إلى الجنة فمن أنتم فيقولون نحن أهل الفضل فيقولون ما كان فضلكم فيقولون كنا اذا ظلمنا صبرنا واذا أسيء الينا غفرنا واذا جهل علينا حلمنا فيقال لهم ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملينquot;. وفي الصحيحين أن رسول الله قسم مالا فقال بعض الناس هذه قسمة ما أريد بها وجه الله فأخبر بذلك رسول الله فقال quot;رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبرquot; وفي الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله: quot;ما من مصيبة تصيب المسلم الا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها quot; وفيهما أيضا من حديث أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي: quot;قال ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها الا كفر الله بها من خطاياهquot;. وفي صحيح مسلم من حديث عائشة عن النبي أنه قال: quot;لا يصيب المؤمن من شوكة فما فوقها الا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة quot; وفي المسند من حديث أبي هريرة عن النبي قال: quot;لا يزال(1\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "87",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12125",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البلاء بالمؤمن أو المؤمنة في جسده وفي ماله وفي ولده حتى يلقى الله وما عليه خطيئة quot; وفي الصحيح من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: quot;قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء قال الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فان كان في دينه صلابة زيد في بلائه وان كان في دينه رقة خفف عنه وما يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الارض وليس عليه خطيئةquot;. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: quot; دخلت على النبي وهو يوعك وعكا شديدا قال فقلت يا رسول الله انك لتوعك وعكا شديدا قال أجل انى لأوعك كما يوعك رجلان منكم قلت ان لك لأجرين قال نعم والذى نفسى بيده ما على الارض مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه الا حط الله عنه به خطاياه كما تحط الشجرة ورقهاquot; وفي الصحيحين أيضا من حديث عائشة رضى الله عنها قالت: quot;ما رأيت الوجع اشد منه على رسول الله quot;. وفي بعض المسانيد مرفوعا quot;ان الرجل لتكون له الدرجة عند الله لا يبلغها بعمل حتى يبتلى ببلاء في جسمه فيبلغها بذلكquot; ويروى عن عائشة رضى الله عنها عنه quot;اذا اشتكى المؤمن أخلصه ذلك من الذنوب كما يخلص الكير الخبث من الحديد quot; وفي صحيح البخارى من حديث خباب بن الارت قال: quot;شكونا إلى رسول الله وهو متوسد ببردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا فقال قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الارض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الامر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف الا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلونquot;. وفي لفظ للبخارى quot;أتيت رسول الله وهو متوسد بردة في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلنا ألا تدعو الله فقعد وهو محمر(1\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "88",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12126",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجهه فقال لقد كان الرجل ليمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينهquot;. وقد حمل أهل العلم قول خباب quot;شكونا إلى رسول الله حر الرمضاء فلم يشكناquot; على هذا المحمل وقال شكوا اليه حر الرمضاء الذى كان يصيب جباههم وأكفهم من تعذيب الكفار فلم يشكهم وانما دلهم على الصبر وهذا الوجه أنسب من تفسير من فسر ذلك بالسجود على الرمضاء واحتج به على وجوب مباشرة المصلى بالجبهة لثلاثة أوجه أحدها انه لا دليل في اللفظ على ذلك الثانى انهم قد أخبروا أنهم كانوا مع النبي فكان أحدهم اذا لم يستطع أن يسجد على الأرض يبسط ثوبه فسجد عليه والظاهر أن هذا يبلغه ويعلم به وقد أقرهم عليه الثالث ان شدة الحر في الحجاز تمنع من مباشرة الجبهة والكف للأرض بل يكاد يشوى الوجه والكف فلا يتمكن من الطمأنينة في السجود ويذهب خشوع الصلاة ويتضرر البدن ويتعرض للمرض والشريعة لا تأتى بهذا فتأمل رواية خباب لهذا والذى قبله واجمع بين اللفظين والمعنيين والله أعلم ولا تستوحش من قوله quot;فلم يشكناquot; فانه هو معنى إعراضه عن شكايتهم واخباره لهم بصبر من قبلهم والله أعلم وفي الصحيح من حديث أسامة بن زيد قال: quot;أرسلت ابنة النبي اليه ان ابنا لى احتضر فاءتنا فأرسل يقريها السلام ويقول ان لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شئ عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب فأرسلت اليه تقسم عليه ليأتينها فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبى بن كعب وزيد بن ثابت ورجال فرفع الصبى إلى رسول الله فأقعده في حجره(1\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "89",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12127",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونفسه تقعقع كأنها شن ففاضت عيناه فقال سعد يا رسول الله ما هذا قال هذه رحمة جعلها الله في قلوب من يشاء من عباده وانما يرحم الله من عباده الرحماءquot;. وفي سنن النسائى عن ابن عباس قال: quot;احتضرت ابنة لرسول الله صغيرة فأخذها رسول الله وضمها إلى صدره ثم وضع يده عليها وهى بين يدى رسول الله فبكت أم أيمن فقلت لها أتبكين ورسول الله عندك فقالت مالى لا أبكى ورسول الله يبكى فقال رسول الله انى لست أبكى ولكنها رحمة ثم قال رسول الله المؤمن بخير على كل حال تنزع نفسه من بين جنبيه وهو يحمد الله عزوجلquot;. وفي صحيح البخارى من حديث أنس رضى الله عنه قال: quot;اشتكى ابن لأبى طلحة فمات وأبو طلحة خارج فلما رأت امرأته انه قد مات هيأت شيئا وسجته في جانب البيت فلما جاء أبو طلحة قال كيف الغلام قالت قد هدأت نفسه وأرجو أن يكون قد استراح فظن أبو طلحة انها صادقة قال فبات معها فلما أصبح اغتسل فلما أراد أن يخرج أعلمته انه قد مات فصلى مع رسول الله ثم أخبره بما كان منهما فقال رسول الله لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما قال ابن عيينة فقال رجل من الانصار فرأيت له تسعة أولاد كلهم قد قرأو القرآنquot; وفي موطأ مالك عن القاسم بن محمد قال هلكت امرأة لى فأتانى محمد بن كعب القرظى يعزينى فيها فقال انه قد كان في بنى اسرائيل رجل فقيه عابد عالم مجتهد وكانت له امرأة وكان بها معجبا فماتت فوجد عليها وجدا شديدا حتى خلى في بيت وأغلق على نفسه واحتجب عن الناس فلم يكن(1\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "90",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12128",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يدخل عليه أحد ثم ان امرأة من بنى اسرائيل سمعت به فجاءته فقالت ان لى اليه حاجة أستفتيه فيها ليس يجزينى إلا أن أشافهه بها فذهب الناس ولزمت الباب فأخبر فأذن لها فقالت أستفتيك في أمر قال وما هو قالت انى استعرت من جارة حليا فكنت ألبسه وأعيره زمانا ثم انها أرسلت إلى فيه أفأرده اليها قال نعم قالت والله انه مكث عندي زمانا فقال ذلك أحق لردك إياه فقالت له يرحمك الله أفتأسف على ما أعارك الله ثم أخذه منك وهو أحق به منك فأبصر ما كان فيه ونفعه الله بقولها وفي جامع الترمذى عن شيخ من بنى مرة قال قدمت الكوفة فأخبرت عن بلال ابن أبى بردة فقلت ان فيه لمعتبرا فأتيته وهو محبوس في داره التى كان بنى واذا كل شئ منه قد تغير من العذاب والضرب واذا هو في قشاش فقلت له الحمد لله يا بلال لقد رأيتك تمر بنا وأنت تمسك أنفك من غير غبار وأنت في حالتك هذه فكيف صبرك اليوم فقال ممن أنت قلت من بنى مرة بن عباد قال ألا أحدثك حديثا عسى أن ينفعك الله به قال هات قال حدثنى أبو بردة عن أبى موسى أن رسول الله قال: quot;لا يصيب عبدا نكبة فما فوقها أو دونها الا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر قال وقرأ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير . وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: quot; كأنى أنظر إلى رسول الله يحكى أن نبيا من الانبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمونquot; فتضمنت هذه الدعوة العفو عنهم والدعاء لهم والاعتذار عنهم والاستعطاف بقوله لقومى وفي الموطأ من حديث عبد الرحمن بن القاسم قال: قال رسول الله: quot;ليعز المسلمين في مصائبهم المصيبة بى quot; وفي الترمذي من حديث يحيى بن وثاب عن شيخ من أصحاب رسول الله قال قال(1\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "91",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12129",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله: quot; الذى يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم quot; قال الترمذى كان شعبة يرى أن الشيخ ابن عمر. وفي الصحيحين من حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه عن النبي أنه قال: quot; ما أعطى أحد عطاء خير وأوسع من الصبرquot; وفي بعض المسانيد عنه أنه قال: quot;قال الله عزوجل: اذا وجهت إلى عبد من عبيدى مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده ثم استقبل ذلك بصبر جميل استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزانا أو أنشر له ديوانا quot;. وفي جامع الترمذى عنه: quot; اذا أحب الله قوما ابتلاهم فمن رضى فله الرضا ومن سخط فله السخط quot; وفي بعض المسانيد عنه مرفوعا quot;اذا أراد الله بعبد خيرا صب عليه البلاء صبا quot; وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه أن رسول الله دخل على امرأة فقال: quot;مالك ترفرفين قالت الحمى لا بارك الله فيها قال لا تسبى الحمى فإنها تذهب خطايا بنى آدم كما يذهب الكير خبث الحديد quot;. ويذكر عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي أنه قال: quot;من وعك ليلة فصبر ورضى عن الله تعالى خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمهquot; وقال الحسن: quot;إنه ليكفر عن العبد خطاياه كلها بحمى ليلةquot; وفي المسند وغيره عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال دخلت على النبي وهو محموم فوضعت يدى من فوق القطيفة فوجدت حرارة الحمى فقلت ما أشد حماك يا رسول الله قال quot;انا كذلك معاشر الانبياء يضاعف علينا الوجع ليضاعف لنا الاجر quot; قال قلت يا رسول الله فأى الناس أشد بلاء قال الانبياء قلت ثم من قال الصالحون ان كان الرجل ليبتلى بالفقر حتى ما يجد الا العباء فيجوبها فيلبسها وان كان الرجل ليبتلى(1\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "92",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12130",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالقمل حتى يقتله القمل وكان ذلك أحب اليهم من العطاء اليكمquot; وقال عقبة بن عامر الجهنى قال رسول الله: quot;ليس من عمل الا وهو يختم عليه فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة يا ربنا عبدك فلان قد حبسته عن العمل فيقول الرب تعالى اختموا له على مثل عمله حتى يبرأ أو يموتquot; وقال أبو هريرة: quot;إذا مرض العبد المسلم نودى صاحب اليمين أن أجر على عبدى صالح ما كان يعمل وهو صحيح ويقال لصاحب الشمال أقصر عن عبدى ما دام في وثاقىquot; فقال رجل عند أبى هريرة يا ليتنى لا أزال ضاجعا فقال أبو هريرة كره العبد الخطايا ذكره ابن أبى الدنيا وذكر ايضا عن هلال بن بساق قال كنا قعودا عند عمار بن ياسر فذكروا الاوجاع فقال أعرابى ما اشتكيت قط فقال عمار ما أنت منا أو لست منا ان المسلم يبتلى بلاء فتحط عنه ذنوبه كما يحط الورق من الشجر وان الكافر أو قال الفاجر يبتلى ببلية فمثله مثل البعير ان أطلق لم يدر لم أطلق وان عقل لم يدر لم عقل وذكر عن أبى معمر الازدى قال كنا اذا سمعنا من ابن مسعود شيئا نكرهه سكتنا حتى يفسره لنا فقال لنا ذات يوم ألا ان السقم لا يكتب له أجر فساءنا ذلك وكبر علينا فقال ولكن يكفر به الخطيئة فسرنا ذلك وأعجبنا وهذا من كمال علمه وفقهه رضى الله عنه فإن الاجر انما يكون على الاعمال الاختيارية ومما تولد منها كما ذكر الله سبحانه النوعين في آخر سورة التوبة في قوله في المباشر من الانفاق وقطع الوادى الا كتب لهم وفي المتولد من اصابة الظمأ والنصب والمخمصة في سبيله وغيظ الكفار الا كتب لهم به عمل صالح فالثواب مرتبط بهذين النوعين وأما الاسقام والمصائب فإن ثوابها تكفير الخطايا ولهذا قال تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم والنبي انما قال في المصائب quot;كفر الله بها من خطاياه quot; كما تقدم ذكر الفاظه(1\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "93",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12131",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذا قوله: quot; المرض حطة quot; فالطاعات ترفع الدرجات والمصائب تحط السيئات ولهذا قال: quot; من يرد الله به خيرا يصب منه quot; وقال: quot;من يرد الله به خيرا يفقهه في الدينquot; فهذا يرفعه وهذا يحط خطاياه وقال يزيد بن ميسرة: ان العبد ليمرض المرض وما له عند الله من عمل خير فيذكره الله سبحانه بعض ما سلف من خطاياه فيخرج من عينه مثل رأس الذباب من الدمع من خشية الله فيبعثه الله ان يبعثه مطهرا أو يقبضه ان قبضه مطهرا ولا يرد على هذا حديث أبى موسى الاشعرى رضى الله عنه في ثواب من قبض الله ولده وثمرة فؤاده بأن يبنى له بيتا في الجنة ويسميه بيت الحمد وقال زياد بن زياد مولى ابن عباس رضى الله عنه وعن أصحاب النبي قال: quot;دخلنا على النبي وهو ممعوك اى محموم فقلنا اح اح بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله ما أشد وعكك قال انا معاشر الانبياء يضاعف علينا البلاء تضعيفا قال قلنا سبحان الله قال أفعجبتم ان كان النبي من الانبياء ليقتله القمل قلنا سبحان الله قال أفعجبتم ان أشد الناس بلاء الانبياء ثم الصالحون ثم الامثل فالامثل قلنا سبحان الله قال أفعجبتم ان كانوا ليفرحون بالبلاء كما تفرحون بالرخاء quot;. أح: بالحاء المهملة هو المعروف من كلامهم ومن قال بالخاء المعجمة فقد غلط وذكر النسائى عن عبيدة بن حذيفة عن عمته فاطمة قالت: quot;أتيت النبي في نسوة نعوده فاذا سقاء معلقة يقطر ماؤها من شدة ما كان يجد من الحمى فقلنا لو دعوت الله يا رسول الله أن يذهبها عنك فقال: quot;ان أشد الناس بلاء الانبياء ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم quot;. وقال مسروق عن عائشة رضى الله عنها: quot;ما رأيت أحدا أشد وجعا من رسول الله كان يشدد عليه اذا مرض حتى انه لربما مكث خمس(1\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "94",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12132",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عشرة لا ينام وكان يأخذه عرق الكلية وهو الخاصرة فقلنا يا رسول الله لو دعوت الله فيكشف عنك قال إنا معاشر الانبياء يشدد علينا الوجع ليكفر عناquot;. وفي المسند والنسائى من حديث أبى سعيد قال: quot;قال رجل يا رسول الله ارأيت هذه الامراض التى تصيبنا مالنا بها قال كفارات فقال أبى بن كعب يا رسول الله وان قلت قال شوكة فما فوقهاquot; قال فدعا ابى على نفسه عند ذلك أن لا يفارقه الوعك حتى يموت ولا يشغله عن حج ولا عمرة ولا جهاد في سبيل الله وصلاة مكتوبة في جماعة قال فما مس رجل جلده بعدها الا وجد حرها حتى ماتquot; وقال عبد الله بن عمر قال رسول الله: quot;ان العبد اذا كان على طريقة حسنة من العبادة ثم مرض قيل للملك الموكل به أكتب له مثل عمله اذا كان طلقا أو أكفته إلى ناقة طلقquot; بضم الطاء واللام اذا حل عقالها ويقال كفته اليه اذا ضمه اليه ذكره ابن أبى الدنيا وذكر أيضا عن ابى أمامة الباهلى قال قال رسول الله: quot;ان الله ليجرب أحدكم بالبلاء وهو أعلم به كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار فمنهم من يخرج كالذهب الابريز فذلك الذى نجاه الله من السيئات ومنهم من يخرج كالذهب دون ذلك فذلك الذى يشك بعض الشك ومنهم من يخرج كالذهب الأسود فذلك الذى قد أفتتنquot; وذكر أيضا من مراسيل الحسن البصرى عن النبي: quot;ان الله ليكفر عن المؤمن خطاياه كلها بحمى ليلةquot;. قال ابن أبى الدنيا قال ابن المبارك هذا من الحديث الجيد قال وكانوا يرجون في حمى ليله كفارة ما مضى من الذنوب وذكر عن أنس أن رسول الله دخل على رجل وهو يشتكى فقال: quot;قل: اللهم انى أسألك تعجيل عافيتك وصبرا على بليتك وخروجا من الدنيا إلى رحمتكquot; وقالت عائشة رضى الله عنها قال رسول(1\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "95",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12133",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله: quot;ان الحمى تحط الخطايا كما تحط الشجرة ورقها quot; وقال أبو هريرة وقد عاد مريضا فقال له ان رسول الله قال: quot;ان الله عز وجل يقول هى نارى أسلطها على عبدى المؤمن في الدنيا لتكون حظه من النار في الآخرة quot;. وقال مجاهد الحمى حظ كل مؤمن من النار ثم قرأ وان منكم الا واردها كان على ربك حتما مقضيا وهذا لم يرد به مجاهد تفسير الورود الذى في القرآن فإن السياق يأبى حمله على الحمى قطعا وانما مراده أن الله سبحانه وعد عباده كلهم بورود النار فالحمى للمؤمن تكفر خطاياه فيسهل عليه الورود يوم القيامة فينجو منها سريعا والله أعلم ويدل عليه حديث أبى ريحانة عن النبي: quot;الحمى كير من كير جهنم وهى نصيب المؤمن من النارquot; وقال أنس رضى الله عنه قال رسول الله: quot; مثل المؤمن اذا برأ وصح من مرضه كمثل البردة تقع من السماء في صفائها ولونها quot; ذكره ابن أبى الدنيا. وذكر أيضا عن أبى أمامة يرفعه: quot;ما من مسلم يصرع صرعة من مرض الا بعث منها طاهرا quot; وذكر عنه: quot;مثل المؤمن حيث يصيبه الوعك مثل الحديدة تدخل النار فيذهب خبثها ويبقى طيبها quot; وذكر أيضا عنه مرفوعا: quot;ان العبد اذا مرض أوحى الله إلى ملائكته يا ملائكتى أنا قيدت عبدى بقيد من قيودي فإن أقبضه أغفر له وان أعافه فجسد مغفور لا ذنب لهquot;. وذكر عن سهل بن أنس الجهنى عن أبيه عن جده قال: quot;دخلت على أبى الدرداء في مرضه فقلت يا أبا الدرداء انا نحب أن نصح ولا نمرضquot; فقال أبو الدرداء سمعت رسول الله يقول: quot; ان الصداع والمليلة لا يزالان بالمؤمن وان كان ذنبه مثل أحد حتى لا يدعان عليه من ذنبه مثقال حبة من خردلquot; المليلة فعيلة من التململ وأصلها من الملة التى يخبز فيها(1\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "96",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12134",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالت أم سلمة عن النبي: quot; ما ابتلى الله عبدا بلاء وهو على طريق يكرهها الا جعل الله ذلك البلاء له كفارة وطهورا ما لم ينزل ما أصابه من البلاء بغير الله أو يدعو غير الله يكشفهquot; وقال عطيه بن قيس: quot;مرض كعب فعاده رهط من أهل دمشق فقالوا كيف تجدك يا أبا اسحاق قال بخير جسد أخذ بذنبه ان شاء ربه عذبه وان شاء رحمه وان بعثه بعثه خلقا جديدا لا ذنب لهquot; وقال سعيد ابن وهب: quot;دخلنا مع سلمان الفارسى على رجل من كنده نعوده فقال سلمان: إن المسلم يبتلى فيكون كفارة لما مضى ومستعتبا فيما بقى وان الكافر يبتلى فمثله كمثل البعير أطلق فلم يدر لم أطلق وعقل فلم يدر لم عقلquot;. وذكر أيضا عن أبى أيوب الانصارى قال عاد رسول الله رجلا من الأنصار وأكب عليه فسأله فقال يا نبى الله ما غمضت منذ سبع فقال رسول الله: quot;أى أخى أصبر أى أخى أصبر تخرج من ذنوبك كما دخلت فيهاquot; ثم قال رسول الله: quot;ساعات الأمراض يذهبن ساعات الخطايا quot;. وفي النسائى من حديث أبى هريرة أن رسول الله قال لأعرابى: quot;هل أخذتك أم ملدم قال يا رسول الله وما أم ملدم قال حر يكون بين الجلد والدم قال ما وجدت هذا قال يا أعرابى هل أخذك الصداع قال يا رسول وما الصداع قال عرق يضرب على الإنسان في رأسه قال ما وجدت هذا فلما ولى قال رسول الله من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذاquot;. وقالت أم سليم: quot; مرضت فعادنى رسول الله فقال يا أم سليم أتعرفين النار والحديد وخبث الحديد قلت نعم يا رسول الله قال أبشرى يا أم سليم فإنك إن تخلصى من وجعك هذا تخلصى منه كما يخلص الحديد من النار من خبثهquot; وخرج بعض الصحابة زائر لرجل من إخوانه فبلغه أنه شاك قبل أن يدخل عليه فقال أتيتك زائرا وأتيتك عائدا ومبشرا قال كيف جمعت هذا قال خرجت وأنا أريد زيارتك(1\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "97",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12135",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فبلغى شكاتك فصارت عيادة وأبشرك بشيء سمعته من رسول الله قال: quot;اذا سبقت للعبد من الله منزلة لم يبلغها أو قال لم ينلها بعمله ابتلاه الله في جسده أو في ولده أو في ماله ثم صبره حتى يبلغه المنزلة التى سبقت له من الله عز وجلquot;. وقال الحسن وذكر الوجع أما والله ما هو بشر أيام المسلم أيام نورت له فيها مراحله وذكر فيها ما نسى من معاده وكفر بها عنه من خطاياه وقال بعض السلف لولا مصائب الدنيا لو لوردنا الآخرة مفاليس وقال أنس بن مالك رضى الله عنه: quot;انتهى رسول الله إلى شجرة فهزها حتى سقط من ورقها ما شاء الله ثم قال المصائب والاوجاع في إحباط ذنوب أمتى أسرع منى في هذه الشجرةquot; وذكر ابن أبى الدنيا عن أبى هريرة رضى الله عنه يرفعه: quot;ما من مسلم إلا وكل الله به ملكين من ملائكته لا يفارقانه حتى يقضى الله بأمره بإحدى الحسنيين اما بموت واما بحياة فإذا قال له العواد كيف نجدك قال أحمد الله أجدنى والله المحمود بخير قال له الملكان أبشر بدم هو خير من دمك وصحة هى خير من صحتك وان قال أجدنى مجهودا في بلاء شديد قال له الملكان ابشر بدم هو شر من دمك وبلاء أطول من بلائكquot;. ولا يناقض هذا قول النبي في وجعه: quot; واراساه quot; وقول سعد يا رسول الله قد اشتد بى الوجع وأنا ذو مال وقول عائشة وارأساه فإن هذا انما قيل على وجه الاخبار لا على وجه شكوى الرب تعالى إلى العواد فإذا حمد المريض الله ثم أخبر بعلته لم يكن شكوى منه وان أخبر بها تبرما وتسخطا كان شكوى منه فالكلمة الواحدة قد يثاب عليها وقد يعاقب بالنية والقصد وقال ثابت البنانى: انطلقنا مع الحسن إلى صفوان بن محرز نعوده فخرج الينا ابنه وقال هو مبطون لا تستطيعون أن تدخلوا عليه فقال(1\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "98",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12136",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحسن ان أباك ان يؤخذ اليوم من لحمه ودمه فيوجد فيه خير من أن يأكله التراب وقال ثابت أيضا: دخلنا على ربيعة بن الحارث نعوده وهو ثقيل فقال انه من كان في مثل حالتى هذه ملأت الآخرة قلبه كانت الدنيا أصغر في عينيه من ذباب ويذكر عن أنس عن النبي قال: quot;اذا مرض العبد ثلاث أيام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمهquot; ويذكر عنه: quot; لا ترد دعوة المريض حتى يبرأ quot;. وذكر ابن أبى الدنيا عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: quot; كنت مع رسول الله جالسا فتبسم فقلنا يا رسول الله مم تبسمت قال تعجبا للمؤمن من جزعه من السقم ولو كان يعلم ماله في السقم أحب أن يكون سقيما حتى يلقى الله ثم تبسم ثانية ورفع رأسه إلى السماء قلنا يا رسول الله مم تبسمت ورفعت رأسك إلى السماء قال عجبت من ملكين نزلا من السماء يلتمسان عبدا مؤمنا كان في مصلاه يصلى فلا يجداه فعرجا إلى الله فقالا يا رب عبدك فلان المؤمن كنا نكتب له من العمل في يوم وليلة كذا وكذا فوجدنا قد حبسته في حبالك فلم نكتب له شيئا من عمله فقال اكتبوا لعبدى عمله الذى كان يعمله في يومه وليلته ولا تنقصوا منه شيئا فعلى أجر ما حبسته وله أجر ما كان يعمل quot;. ويذكر عنه: quot;من وعك ليلة فصبر ورضى بها عن الله عز وجل خرج من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أمهquot; ومن مراسيل يحيى بن كثير قال فقد رسول الله سلمان فسأل عنه فأخبر أنه عليل فأتاه يعوده فقال شفى الله سقمك وعظم أجرك وغفر ذنبك ورزقك العافية في دينك وجسمك إلى منتهى أجلك إن لك من وجعك خلالا ثلاثا أما الأولى فتذكرة من ربك يذكرك بها وأما الثانية فتمحيص لما سلف من ذنوبك وأما الثالثة فادع بما شئت فإن المبتلى مجاب الدعوة وقال زياد بن الربيع قلت لابى بن كعب آية من كتاب الله قد(1\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "99",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12137",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحزنتنى قال ما هى قلت من يعمل سوءا يجز به قال ما كنت أراك إلا افقه مما أرى إن المؤمن لا يصيبه عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر وسئلت عائشة عن هذه الآية فقالت ما سألنى عنها أحد منذ سألت رسول الله فقال النبي: quot;يا عائشة هذه معاقبة الله تعالى لعبده بما يصيبه من الحمى والمليله والشوكة وانقطاع شسعه حتى البضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيفزع لها فيجدها في ضبنه حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج الذهب الأحمر من الكيرquot; ضبن الانسان ما تحت يده يقال اضطبن كذا اذا حمله تحت يده وقال وهب بن منبه لا يكون الرجل فقيها كامل الفقه حتى يعد البلاء نعمة ويعد الرخاء مصيبة وذلك أن صاحب البلاء ينتظر الرخاء وصاحب الرخاء ينتظر البلاء وفي بعض كتب الله سبحانه: quot;ان الله ليصيب العبد بالأمر يكرهه وانه ليحبه لينظر كيف تضرعه إليهquot;. وقال كعب أجد في التوراة لولا أن يحزن عبدى المؤمن لعصبت الكافر بعصابة من حديد لا يصدع أبدا وقال معروف الكرخى ان الله ليبتلى عبده المؤمن بالأقسام والاوجام فيشكو إلى أصحابه فيقول الله تبارك وتعالى وعزتى وجلالى ما ابتليتك بهذه الاوجاع والاسقام الا لأغسلك من الذنوب فلا تشكنى وذكر ابن أبى الدنيا أن رجلا قال: quot;يا رسول الله ما الاسقام قال أو ما سقمت قط قال لا فقال قم عنا فلست مؤمناquot;. وكان عبد الله بن مسعود قد اشتدت به العلة فدخل عليه بعض اصحابه يعوده وأهله تقول نفسى فداك ما نطمعك ما نسقيك فأجابها بصوت ضعيف: quot;بليت الحرافيف وطالت الضجعة والله ما يسرنى ان الله نقصنى منه قلامه ظفرquot;.(1\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "100",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12138",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وطلق خالد بن الوليد امرأة له ثم أحسن عليها الثناء فقيل له يا أبا سليمان لأى شيء طلقتها قال ما طلقتها لأمر رابنى منها ولا ساءنى ولكن لم يصبها عندى بلاء ويذكر عنه: quot;ما ضرب على مؤمن عرق الا كتب الله له به حسنة وحط به عنه سيئة ورفع له به درجةquot;. ولا ينافي هذا ما قدمناه من أن المصائب مكفرات لا غير لأن حصول الحسنة انما هو بصبره الاختيارى عليها وهو عمل منه وعاد رجل من المهاجرين مريضا فقال ان للمريض اربعا يرفع عنه القلم ويكتب له من الاجر مثل ما كان يعمل في صحته ويتبع المرض كل خطيئة من مفصل من مفاصله فيستخرجها فإن عاش عاش مغفورا له وان مات مات مغفور له فقال المريض اللهم لا أزال مضطجعا وفي المسند عنه: quot; والذى نفسى بيده لا يقضى الله للمؤمن قضاء الا كان خيرا له ان أصابته سرا شكر فكان خيرا له وان أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وليس ذلك الا للمؤمن quot; وفي لفظ: quot;ان أمر المؤمن كله عجيب ان أصابته سراء شكر فكان خيرا له وان أصابته ضراء صبر فكان خيرا لهquot;.(1\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "101",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12139",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "الباب السابع عشر: في الآثار الواردة عن الصحابة ومن بعدهم في فضيلة الصبر",
        "content": "الباب السابع عشر: في الآثار الواردة عن الصحابة ومن بعدهم في فضيلة الصبر قال الامام أحمد حدثنا وكيع عن مالك بن مغول عن السفر قال مرض أبو بكر رضى الله عنه فعادوه فقالوا ألا ندعو لك الطبيب فقال قد رآنى الطبيب قالوا فأى شئ قال لك قال انى فعال لما أريد وقال الامام احمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن مجاهد قال قال عمر ابن الخطاب رضى الله عنه: quot;وجدنا خير عيشنا بالصبرquot;(1\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "102",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12140",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أيضا أفضل عيش أدركناه بالصبر ولو أن الصبر كان من الرجال كان كريما وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه ألا ان الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا قطع الرأس بار الجسم ثم رفع صوته فقال ألا انه لا ايمان لمن لا صبر له وقال الصبر مطية لا تكبو وقال الحسن الصبر كنز من كنوز الخير لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده وقال عمر بن عبد العزيز ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه فعاضه مكانها الصبر الا كان ما عوضه خيرا مما انتزعه وقال ميمون بن مهران ما بال أحد شيئا من ختم الخير فما دونه الا الصبر وقال سليمان بن القاسم كل عمل يعرف ثوابه الا الصبر قال الله تعالى إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب قال كالماء المنهمر وكان بعض العارفين في جيبه رقعة يخرجها كل وقت ينظر فيها وفيها واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه لو كان الصبر والشكر بعيرين لم أبال أيهما ركبت وكان محمد بن شبرمة إذا نزل به بلاء قال سحابة صيف ثم تنقشع وقال سفيان بن عيينة في قوله تعالى وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا لما أخذوا برأس الأمر جعلناهم رءوسا وقيل للأحنف بن قيس ما الحلم قال أن تصبر على ما تكره قليلا وقال وهب: quot;مكتوب في الحكمة قصر السفه النصب وقصر الحلم الراحة وقصر الصبر الظفر وقصر الشيء وقصاراه غايته وثمرتهquot;. وقدم عروة بن الزبير على الوليد بن عبد الملك ومعه ابنه محمد وكان من أحسن الناس وجها فدخل يوما على الوليد في ثياب وشيء وله غديرتان وهو يضرب بيده فقال الوليد هكذا تكون فتيان قريش(1\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "103",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12141",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعانه فخرج من عنده متوسنا فوقع في اصطبل الدواب فلم تزل الدواب تطأه بأرجلها حتى مات ثم ان الآكلة وقعت في رجل عروة فبعث اليه الوليد الأطباء فقالوا إن لم تقطعها سرت إلى باقى الجسد فتهلك فعزم على قطعها فنشروها بالمنشار فلما صار المنشار إلى القصبة وضع راسه على الوسادة ساعة فغشى عليه ثم أفاق والعرق يتحدر على وجهه وهو يهلل ويكبر فأخذها وجعل يقبلها في يده ثم قال أما والذى حملنى عليك انه ليعلم انى ما مشيت بك إلى حرام ولا إلى معصية ولا إلى ما لا يرضى الله ثم أمر بها فغسلت وطيبت وكفنت في قطيفة ثم بعث بها إلى مقابر المسلمين فلما قدم من عند الوليد المدينة تلقاه أهل بيته وأصدقاؤه يعزونه فجعل يقول لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ولم يزد عليه ثم قال لا أدخل المدينة انما أنا بها بين شامت بنكية أو حاسد لنعمة فمضى إلى قصر بالعقيق فأقام هنالك فلما دخل قصره قال له عيسى بن طلحة لا أبا لشانئيك أرني هذه المصيبة التي نعزيك فيها فكشف له عن ركبته فقال له عيسى أما والله ما كنا نعدك للصراع قد أبقى الله أكثرك عقلك ولسانك وبصرك ويداك وإحدى رجليك فقال له يا عيسى ما عزاني أحد بمثل ما عزيتني به ولما أرادوا قطع رجله قالوا له لو سقيناك شيئا كيلا تشعر بالوجع فقال إنما ابتلاني ليرى صبري أفأعارض أمره وسئل ابنه هشام كيف كان أبوك يصنع برجله التي قطعت إذا توضأ قال كان يمسح عليها وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا سلام قال سمعت قتادة يقول قال لقمان وسأله رجل اى شئ خيرا قال صبر لا يتبعه أذى قال فأى الناس خيرا قال الذى يرضى بما أوتى قال فأى الناس أعلم قال الذى يأخذ من علم الناس إلى علمه قيل فما خير الكنز من المال أو من العلم قال سبحان الله بل المؤمن العالم الذى ان(1\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "104",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12142",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابتغى عنده خيرا وجد وان لم يكن عنده كف نفسه وبحسب المؤمن أن يكف نفسه وقال حسان بن أبى جبلة من بث فلم يصبر ورواه ابن أبى الدنيا مرفوعا إلى النبي وان صح فمعناه إلى المخلوق لا من بث إلى الله وقال حسان ابن أبى جبلة أيضا في قوله تعالى فصبر جميل قال لا شكوى فيه ورفعه ابن أبى الدنيا أيضا وقال مجاهد فصبر جميل في غير جزع وقال عمرو بن قيس فصبر جميل قال الرضا بالمصيبة والتسليم وقال بعض السلف فصبر جميل لا شكوى فيه وقال همام عن قتادة في قوله تعالى وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم قال كظم على حزن فلم يقل إلا خيرا وقال يحيى بن المختار عن الحسن الكظيم الصبور وقال همام عن قتادة في قوله تعالى وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم أى كميد أى كمد الحزن وقال الحسن ما جرعتين أحب إلى الله من جرعة مصيبة موجعة محزنة ردها صاحبها بحسن عزاء وصبر وجرعة غيظ ردها بحلم وقال عبد الله بن المبارك أخبرنا عبد الله بن لهيعة عن عطاء بن دينار أن سعيد ابن جبير قال: quot;الصبر اعتراف العبد لله بما اصابه منه واحتسابه عند الله ورجاء ثوابه وقد يجزع الرجل وهو يتجلد لا يرى منه الا الصبرquot; فقوله اعتراف العبد لله بما اصاب منه كأنه تفسير لقوله انا لله فيعترف أنه ملك لله يتصرف فيه مالكه بما يريد وقوله راجيا به ما عند الله كأنه تفسير لقوله وإنا إليه راجعون أى ترد اليه فيجزينا على صبرنا ولا يضيع أجر المصيبة وقوله وقد يجزع الرجل وهو يتجلد أى ليس الصبر بالتجلد وانما هو حبس القلب عن التسخط على المقدور ورد اللسان عن الشكوى فمن تجلد وقلبه ساخط على القدر فليس بصابر وقال يونس بن يزيد سألت ربيعة بن أبى عبد الرحمن ما منتهى الصبر قال أن يكون يوم تصيبه المصيبة مثله قبل أن تصيبه وقال قيس(1\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "105",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12143",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بن الحجاج في قول الله فاصبر صبرا جميلا قال أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يعرف من هو وكان شمر اذا عزى مصابا قال اصبر لما حكم ربك وقال أبو عقيل رأيت سالم بن عبد الله بن عمر بيده سوط وعليه ازار في موت واقد بن عبد الله بن عمر لا يسمع صارخة الا ضربها بالسوط. قال ابن أبى الدنيا حدثنى محمد بن جعفر بن مهران قال قالت امرأة من قريش: أما والذى لا خلد الا لوجهه ... ومن ليس في العز المنيع له كفو لئن كان بدء الصبر مرا مذاقه ... لقد يجنى من غبه الثمر الحلو قال وأنشدنى عمرو بن بكير: صبرت فكان الصبر خير مغبة ... وهل جزع يجدى على فأجزع ملكت دموع العين حتى رددتها ... إلى ناظرى فالعين في القلب تدمع قال وأنشدنى أحمد بن موسى الثقفي نبئت خولة أمس قد جزعت ... من أن تنوب نوائب الدهر لا تجزعى يا خول واصبرى ... ان الكرام بنوا على الصبر قال وحدثنى عبد الله بن محمد بن اسماعيل التيمى أن رجلا عزى رجلا في ابنه فقال انما يستوجب على الله وعده من صبر له بحقه فلا تجمع إلى ما أصبت به من المصيبة الفجيعة بالأجر فإنها أعظم المصيبتين عليك وأنكى الرزيتين لك والسلام وعزى ابن أبى السماك رجلا فقال عليك بالصبر فيه يعمل من احتسب واليه يصير من جزع وقال عمر بن عبد العزيز أما الرضاء فمنزلة عزيزة أو منيعة ولكن جعل الله في الصبر معولا حسنا ولما مات عبد الملك ابنه صلى عليه ثم قال رحمك الله لقد كنت لى وزيرا وكنت لى معينا قال والناس يبكون وما يقطر من(1\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "106",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12144",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عينيه قطرة وأصيب مطرف بن عبد الله في ابن له فأتاه قوم يعزونه فخرج اليهم أحسن ما كان بشرا ثم قال انى لأستحى من الله أن أتضعضع لمصيبة وقال عمرو بن دينار قال عبيد بن عمير ليس الجزع أن تدمع العين ويحزن القلب ولكن الجزع القول السيء والظن السيء وقال ابن أبى الدنيا حدثنى الحسين بن عبد العزيز الحروزى قد مات ابن لى نفيس فقلت لأمه اتق الله واحتسبيه واصبرى فقالت مصيبتى أعظم من أن افسدها بالجزع قال ابن أبى الدنيا وأخبرنى عمر بن بكير عن شيخ من قريش قال مات الحسن بن الحصين أبو عبيد الله بن الحسن وعبيد الله يومئذ قاض على البصرة وأميرا فكثر من يعزيه فتذاكروا ما يتبين به جزع الرجل من صبره فأجمعوا أنه اذا ترك شيئا مما كان يصنعه فقد جزع وقال خالد بن أبى عثمان القرشى كان سعيد بن جبير يعزينى في ابنى فرآنى أطوف بالبيت متقنعا فكشف القناع عن رأسى وقال الاستكانة من الجزع فصل وأما قول كثير من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم لا بأس أن يجعل المصاب على رأسه ثوبا يعرف به قالوا لأن التعزية سنة وفي ذلك تيسير لمعرفته حتى يعزيه ففيه نظر وانكره شيخنا ولا ريب أن السلف لم يكونوا يفعلوا شيئا من ذلك ولا نقل هذا عن أحد من الصحابة والتابعين والآثار المتقدمة كلها صريحة في رد هذا القول وقد أنكر اسحق بن راهوايه أن يترك لبس ما عادته لبسه وقال هو من الجزع وبالجملة فعادتهم أنهم لم يكونوا يغيرون شيئا من زيهم قبل المصيبة ولا يتركون ما كانوا يعملونه فهذا كله مناف للصبر والله سبحانه أعلم(1\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "107",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12145",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "الباب الثامن عشر: في ذكر أمور تتعلق بالمصيبة من البكاء والندب وشق الثياب ودعوى الجاهلية ونحوها",
        "content": "الباب الثامن عشر: في ذكر أمور تتعلق بالمصيبة من البكاء والندب وشق الثياب ودعوى الجاهلية ونحوها فمنها البكاء على الميت ومذهب أحمد وأبى حنيفة أجازاه قبل الموت وبعده واختاره أبو اسحاق الشيرازى وكرهه الشافعى وكثير من أصحابه بعد الموت ورخصوا فيه قبل خروج الروح واحتجوا بحديث جابر بن عتيك: quot; أن رسول الله جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب فصاح به فلم يجب فاسترجع وقال غلبنا عليك يا أبا الربيع فصاح النسوة وبكين فجعل ابن عتيك يسكتهن فقال رسول الله دعهن فاذا وجب فلا تبكين باكية قالوا وما الوجوب يا رسول الله قال الموتquot; رواه أبو داود والنسائى قالوا وفي الصحيحين من حديث ابن عمر أن رسول الله قال: quot;ان الميت ليعذب ببكاء أهله عليه quot; وهذا انما هو بعد الموت وأما قبله فلا يسمى ميتا وعن ابن عمر: quot; أن رسول الله لما قدم من أحد سمع نساء بنى عبد الاشهل يبكين على هلكاهن فقال لكن حمزة لا بواكى له فجئن نساء الانصار فبكين على حمزة عنده فاستيقظ فقال ويحهن أتين هاهنا يبكين حتى الآن مروهن فليرجعن ولا يبكين على هالك بعد اليومquot; رواه الامام أحمد وهذا صريح في نسخ الاباحة المتقدمة والفرق بين ما قبل الموت وبعده أنه قبل الموت يرجى فيكون البكاء عليه حذرا فاذا مات انقطع الرجاء وأبرم القضاء فلا ينفع البكاء. قال المجوزون قال جابر بن عبد الله: quot;أصيب أبى يوم أحد فجعلت أبكى فجعلوا ينهوننى ورسول الله لا ينهانى فجعلت عمتى فاطمة تبكى فقال النبي تبكين أو لا تبكين ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعوهquot; متفق عليه(1\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "108",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12146",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الصحيحين أيضا عن ابن عمر قال: quot; اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتاه النبي يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن ابى وقاص وعبد الله بن مسعود فلما دخل عليه وجده في غشية فقال قد قضى قالوا لا يا رسول الله فبكى رسول الله فلما رأى القوم بكاءه بكوا فقال ألا تسمعون ان الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحمquot; وفي الصحيحين أيضا من حديث أسامه بن زيد: quot;أن رسول الله انطلق إلى إحدى بناته ولها صبى في الموت فرفع اليه الصبى ونفسه تقعقع كأنها في شنة ففاضت عيناه فقال سعد ما هذا يا رسول الله قال هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وانما يرحم الله من عباده الرحماء quot;. وفي مسند الامام أحمد من حديث بن عباس قال ماتت رقية ابنة رسول الله فبكت النساء فجعل عمر يضربهن بسوطه فقال النبي: quot;دعهن يا عمر يبكين وإياكن ونعيق الشيطان ثم قال انه مهما كان من العين ومن القلب فمن الله ومن الرحمة وما كان من اليد ومن اللسان فمن الشيطان quot; وفي المسند أيضا عن عائشة أن سعد بن معاذ لما مات حضره رسول الله وأبو بكر وعمر قالت فوالذى نفسى بيده انى لأعرف بكاء أبى بكر من بكاء عمر وأنا في حجرتى وفي المسند أيضا عن أبى هريرة قال مر على النبي بجنازة يبكى عليها وأنا معه ومعه عمر بن الخطاب فانتهر عمر اللاتى يبكين عليها فقال النبي: quot;دعهن يا ابن الخطاب فان النفس مصابة وان العين دامعة والعهد قريبquot;. وفي جامع الترمذى عن جابر بن عبد الله قال أخذ النبي بيد عبد الرحمن ابن عوف فانطلق إلى ابنه ابراهيم فوجده يجود بنفسه فأخذه(1\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "109",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12147",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النبي فوضعه في حجره فبكى فقال له أتبكى أو لم تكن نهيت عن البكاء قال لا ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند مصيبة خمش الوجه وشق الجيوب ورثة الشيطان قال الترمذى هذا حديث حسن وقد صح عنه أنه زارقير أمه فبكى وأبكى من حوله وقد صح عنه أنه قبل عثمان بن مظعون حتى سالت دموعه على وجهه وصح عنه أنه نعى جعفر وأصحابه وعيناه تذرفان وصح عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه أنه قبل النبي وهو ميت وبكى فهذه إثنا عشرة حجة تدل على عدم كراهة البكاء فتعين حمل أحاديث النهى على البكاء الذى معه ندب ونياحة ولهذا جاء في بعض ألفاظ حديث عمر: quot;الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليهquot; وفي بعضها quot; يعذب بما ينح عليه quot; وقال البخارى في صحيحه قال عمر دعهن يبكين على أبى سليمان يعنى خالد بن الوليد ما لم يكن نقع أو لقلقة والنقع حث التراب واللقلقة الصوت وأما دعوى النسخ في حديث حمزة فلا يصح اذ معناه لا يبكين على هالك بعد اليوم من قتلى أحد ويدل على ذلك أن نصوص الاباحة أكثرها متأخرة عن غزوة أحد منها حديث أبى هريرة إذ اسلامه وصحبته كانا في السنة السابعة ومنها البكاء على جعفر وأصحابه وكان استشهادهم في السنة الثامنة ومنها البكاء على زينب وكان موتها في السنة الثامنة أيضا ومنها البكاء على سعد بن معاذ وكان موته في الخامسة ومنها البكاء عند قبر أمه وكان عام الفتح في الثامنة وقولهم انما جاز قبل الموت حذرا بخلاف ما بعد الموت جوابه أن الباكى قبل الموت يبكى حزنا وحزنه بعد الموت أشد فهو أولى برخصة البكاء من الحالة التى يرجى فيها وقد أشار النبي إلى ذلك بقوله: quot;تدمع(1\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "110",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12148",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب وانا بك يا ابراهيم لمحزونونquot;. فصل: وأما الندب والنياحة فنص أحمد على تحريمها قال في رواية حنبل النياحة معصية وقال أصحاب الشافعى وغيرهم النوح حرام وقال ابن عبد البر أجمع العلماء على أن النياحة لا تجوز للرجال ولا للنساء وقال بعض المتأخرين من أصحاب أحمد يكره تنزيها وهذا لفظ أبى الخطاب في الهداية قال ويكره الندب والنياحة وخمش الوجوه وشق الجيوب والتحفي والصواب القول بالتحريم لما في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي قال: quot;ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعى بدعوى الجاهلية quot; وفي الصحيحين أيضا عن أبى بردة قال وجع أبو موسى وجعا فغشى عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فصاحت امرأة من أهله فلم يستطع أن يرد عليها شيئا فلما أفاق قال أنا بريء مما يريء منه رسول الله فان رسول الله برئ من الصالقة والحالقة والشاقة وفي الصحيحين أيضا عن المغيرة بن شعبة قال سمعت رسول الله يقول: quot; إن من ينح عليه يعذب بما نيح عليه quot; وفي الصحيحين أيضا أم عطية قالت أخذ علينا رسول الله في البيعة ألا ننوح فما وفت منا امرأة الا خمس نسوة وفي صحيح البخارى عن ابن عمر أن النبي قال: quot;الميت يعذب في قبره بما ينح عليه quot; وفي صحيح مسلم عن أبى مالك الأشعرى أن النبي قال أربع في أمتى من أمر الجاهلية لا يتركونهن quot;الفخر بالاحساب والطعن في الانساب والاستسقاء بالنجوم والنياحةquot; وقال quot;النائحة اذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جربquot;(1\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "111",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12149",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي سنن ابى داود عن أسيد بن أبي أسيد عن امرأة من المبايعات قالت كان فيما أخذ علينا رسول الله في المعروف الذى أخذ علينا أن لا نعصيه فيه أن لا نخمش وجها ولا ندعو ويلا ولا نشق جيبا ولا ننفش شعرا وفي المسند عن انس قال: quot;أخذ النبي على النساء حين بايعهن أن لا ينحن فقلن يا رسول الله ان نساء أسعدتنا في الجاهلية أفنسعدهن في الاسلام فقال لا إسعاد في الاسلامquot; وقد تقدم قوله: quot;ما كان من اليد واللسان فمن الشيطان quot; وقوله quot;نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطانquot; وفي مسند الامام أحمد من حديث أبى موسى أن رسول الله قال: quot;الميت يعذب ببكاء الحى اذا قالت النائحة واعضداه واناصراه واكاسياه جبذ الميت وقيل له أنت عضدها أنت ناصرها أنت كاسيها quot; وفي صحيح البخارى عن النعمان ابن بشير قال أغمى على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكى وتقول واجبلاه واكذا واكذا تعدد عليه فقال حين أفاق ما قلت لى شيئا إلا قيل لى أنت كذا فلما مات لم تبك عليه وكيف لا تكون هذه الخصال محرمة وهى مشتملة على التسخط على الرب وفعل ما يناقض الصبر والاضرار بالنفس من لطم الوجه وحلق الشعر ونتفه والدعاء عليها بالويل والثبور والتظلم من الله سبحانه وإتلاف المال بشق الثياب وتمزيقها وذكر الميت بما ليس فيه ولا ريب أن التحريم الشديد يثبت ببعض هذا وقال المبيحون لمجرد الندب والنياحة مع كراهتهم له قد روى حرب عن وائلة بن الأسقع وأبى وائل أنهما كانا يسمعان النوح ويسكتان قالوا وفي الصحيحين عن أم عطية قالت لما نزلت هذه الآية يا أيها النبي اذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا إلى قوله ولا يعصينك في معروف كان منه النياحة فقلت(1\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "112",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12150",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يا رسول الله quot;الا آل فلانquot; فإنهم كانوا أسعدونى في الجاهلية فلا بد لى من أن أسعدهم فقال الا آل فلان وفي رواية لهما أنها قالت بايعنا رسول الله فقرأ علينا أن لا يشركن بالله شيئا ونهانا عن النياحة فقبضت منا امرأة يدها فقالت فلانة أسعدتنى فأنا أريد أن أجزيها قالت فما قال لها شيئا فذهبت فانطلقت ثم رجعت فبايعها قالوا وهذا الاذن لبعضهن في فعله يدل على أن النهى عنه تنزيه لا تحريم ويتعين حمله على المجرد من تلك المفاسد جمعا بين الأدلة قال المحرمون لا تعارض سنة رسول الله بأحد من الناس كائنا من كان ولا نضرب سننه بعضها ببعض وما ذكرنا من النصوص صحيحة صريحة لا تحتمل تأويلا وقد انعقد عليها الإجماع وأما المرأة التى قال لها الا آل فلان والمرأة التى سكت عنها فذلك خاص بهما لوجهين أحدهما أنه قال لغيرهما لما سألته ذلك لا إسعاد في الإسلام والثانى أنه أطلق لهما ذلك وهما حديثا عهد بالاسلام وهما لم يميزا بين الجائز من ذلك وبين المحرم وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فعلم أن الحكم لا يعدوهما إلى غيرهما وأما الكلمة اليسيرة اذا كانت صدقا لا على وجه النوح والتسخط فلا تحرم ولا تنافي الصبر الواجب نص عليه أحمد في مسنده من حديث أنس أن أبا بكر رضى الله عنه دخل على النبي بعد وفاته فوضع فمه بين عينيه ووضع يده على صدغيه وقال وانبياه واخليلاه واصفياه وفي صحيح البخارى عن أنس أيضا قال: لما ثقل على النبي جعل يتغشاه الكرب فقالت فاطمة واكرب أبتاه فقال ليس على أبيك كرب بعد اليوم فلما مات قالت يا أبتاه أجاب ربا دعاه يا أبتاه جنة الفردوس مأواه يا أبتاه إلى جبريل أنعاه فلما دفن قالت فاطمة يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله التراب وقال النبي: quot;وانا(1\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "113",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12151",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بك يا ابراهيم لمحزنون quot; وهذا ونحوه من القول الذى ليس فيه تظلم للمقدور ولا تسخط على الرب ولا اسخاط له فهو كمجرد البكاء فصل: وأما قول النبي: quot;ان الميت ليعذب بالنياحة عليه quot; فقد ثبت عنه من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبد الله والمغيرة بن شعبة وروى نحوه عن عمران بن حصين وأبى موسى رضى الله عنهم فاختلفت طرق الناس في ذلك فقالت فرقة يتصرف الله في خلقه بما يشاء وأفعال الله لا تعلل ولا فرق بين التعذيب بالنوح عليه والتعذيب بما هو منسوب اليه لأن الله خالق الجميع والله تعالى يؤلم الاطفال والبهائم والمجانين بغير عمل وقالت فرقة هذه الاحاديث لا تصح عن رسول الله وقد أنكرتها عائشة أم المؤمنين واحتجت بقوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى ولما بلغها رواية عمر وابنه قالت انكم لتحدثون عن غير كاذبين ولا متهمين ولكن السمع يخطئ وقالت انما مر النبي على قبر يهودى فقال: quot;ان صاحب هذا القبر يعذب وأهله يبكون عليه quot; وفي رواية متفق عليها عنها انما قال رسول الله: quot;ان الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه quot; وقالت حسبكم القرآن ولا تزر وازرة وزر أخرى وقالت فرقة أخرى منهم المزنى وغيره ان ذلك محمول على من أوصى به اذا كانت عادتهم ذلك وهو كثير في أشعارهم كقول طرفة اذا مت فانعينى بما أنا أهله ... وشقى على الجيب يا إبنة معبد وقول لبيد فقوما فقولا بالذى قد علمتما ... ولا تخمشا وجها ولا تحلقا شعر وقولا هو المرء الذى لا صديقه ... أضاع ولا خان الامين ولا غدر إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر(1\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "114",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12152",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالت طائفة هو محمول على من سنته وسنة قومه ذلك اذا لم ينههم عنه لأن ترك نهيه دليل على رضاه به وهذا قول ابن المبارك وغيره قال أبو البركات ابن تيمية وهو أصح الاقوال كلها لأنه متى غلب على ظنه فعلهم ولم يوصهم بتركه فقد رضى به وصار كمن ترك النهى عن المنكر مع القدرة عليه فأما اذا أوصاهم بتركه فخالفوه فالله أكرم من أن يعذبه بذلك وقد حصل بذلك العمل بالآية مع اجراء الخير على عمومه في كثير من الموارد وانكار عائشة لذلك بعد رواية الثقات لا يعول عليه فإنهم قد يحضرون ما لا نحضره ويشهدون ما نغيب عنه واحتمال السهو والغلط بعيد خصوصا في حق خمسة من أكابر الصحابة وقوله في اليهود لا يمنع أن يكون قد قال ما رواه عنه هؤلاء الخمسة في أوقات أخر ثم هى محجوجة بروايتها عنه أنه قال: quot; ان الله يزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه quot; فإذا لم يمنع زيادة الكافر عذابا بفعل غيره مع كونه مخالفا لظاهر الآية لم يمنع ذلك في حق المسلم ان الله سبحانه كما لا يظلم عبده المسلم لا يظلم الكافر والله أعلم فصل ولا تحتاج هذه الاحاديث إلى شئ من هذه التكلفات وليس فيها بحمد الله اشكال ولا مخالفة لظاهر القرآن ولا لقاعدة من قواعد الشرع ولا تتضمن عقوبة الانسان بذنب غيره فإن النبي لم يقل ان الميت يعاقب ببكاء أهله عليه ونوحهم وانما قال يعذب بذلك ولا ريب أن ذلك يؤلمه ويعذبه والعذاب هو الالم الذى يحصل له وهو أعم من العقاب والاعم لا يستلزم الاخص وقد قال النبي: quot;السفر قطعة من العذابquot; وهذا العذاب يحصل للمؤمن والكافر حتى ان الميت ليتألم بمن يعاقب في قبره في جواره ويتأذى بذلك كما يتأذى الانسان في الدنيا بما يشاهده من عقوبة جاره فإذا بكى أهل الميت عليه البكاء المحرم وهو البكاء الذى كان أهل الجاهلية يفعلونه والبكاء على الميت عندهم اسم لذلك وهو معروف في نظمهم ونثرهم تألم الميت بذلك في قبره(1\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "115",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12153",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا التألم هو عذابه بالبكاء عليه وهذه طريقة شيخنا في هذه الاحاديث وبالله التوفيق(1\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "116",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12154",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب التاسع عشر: في أن الصبر نصف الايمان والايمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر قال غير واحد من السلف الصبر نصف الايمان وقال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: quot;الايمان نصفان نصف صبر ونصف شكرquot; ولهذا جمع الله سبحانه بين الصبر والشكر في قوله ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور في سورة ابراهيم وفي سورة حمعسق وفي سورة سبأ وفي سورة لقمان وقد ذكر لهذا التنصيف اعتبارات أحدها أن الايمان اسم لمجموع القول والعمل والنية وهى ترجع إلى شطرين فعل وترك فالفعل هو العمل بطاعة الله وهو حقيقة الشكر والترك هو الصبر عن المعصية والدين كله في هذين الشيئين فعل المأمور وترك المحظور الاعتبار الثانى أن الايمان مبنى على ركنين يقين وصبر وهما الركنان المذكوران في قوله تعالى وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون فباليقين يعلم حقيقة الامر والنهى والثواب والعقاب وبالصبر ينفذ ما أمر به ويكف نفسه عما نهى عنه ولا يحصل له التصديق بالامر والنهى انه من عند الله وبالثواب والعقاب الا باليقين ولا يمكنه الدوام على فعل المأمور وكف النفس عن المحظور الا بالصبر فصار الصبر نصف الايمان والنصف الثانى الشكر بفعل ما أمر به وبترك ما نهى عنه(1\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "117",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12155",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاعتبار الثالث أن الايمان قول وعمل والقول قول القلب واللسان والعمل عمل القلب والجوارح وبيان ذلك أن من عرف الله بقلبه ولم يقر بلسانه لم يكن مؤمنا كما قال عن قوم فرعون وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم وكما قال عن قوم عاد وقوم صالح وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين وقال موسى لفرعون لقد علمت ما أنزل هؤلاء الا رب السموات والارض بصائر فهؤلاء حصل قول القلب وهو المعرفة والعلم ولم يكونوا بذلك مؤمنين وكذلك من قال بلسانه ما ليس في قلبه لم يكن بذلك مؤمنا بل كان من المنافقين وكذلك من عرف بقلبه وأقر بلسانه لم يكن بمجرد ذلك مؤمنا حتى يأتى بعمل القلب من الحب والبغض والموالاة والمعاداة فيحب الله ورسوله ويوالى أولياء الله ويعادى أعداءه ويستسلم بقلبه لله وحده وينقاد لمتابعة رسوله وطاعته والتزام شريعته ظاهرا وباطنا واذا فعل ذلك لم يكف في كمال ايمانه حتى يفعل ما امر به فهذه الاركان الاربعة هى أركان الايمان التى قام عليها بناؤه وهى ترجع إلى علم وعمل ويدخل في العمل كف النفس الذى هو متعلق النهى وكلاهما لا يحصل الا بالصبر فصار الايمان نصفين أحدهما الصبر والثانى متولد عنه من العلم والعمل الاعتبار الرابع أن النفس لها قوتان قوة الاقدام وقوة الاحجام وهى دائما تتردد بين أحكام هاتين القوتين فتقدم على ما تحبه وتحجم عما تكرهه والدين كله اقدام واحجام اقدام على طاعة واحجام عن معاصى الله وكل منهما لا يمكن حصوله الا بالصبر الاعتبار الخامس أن الدين كله رغبة ورهبة فالمؤمن هو الراغب الراهب قال تعالى انهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وفي الدعاء عند النوم الذى رواه البخارى في(1\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "118",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12156",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صحيحه quot;اللهم انى أسلمت نفسى اليك ووجهت وجهى اليك وفوضت امرى اليك وألجأت ظهرى اليك رغبة ورهبة اليك quot; فلا تجد المؤمن أبدا الا راغبا وراهبا والرغبة والرهبة لا تقوم الا على ساق الصبر فرهبته تحمله على الصبر ورغبته تقوده إلى الشكر الاعتبار السادس ان جميع ما يباشره العبد في هذه الدار لا يخرج عما ينفعه في الدنيا والآخرة أو يضره في الدنيا والاخرة أو ينفعه في أحد الدارين ويضره في الاخرى وأشرف الاقسام أن يفعل ما ينفعه في الاخرة ويترك ما يضره فيها وهو حقيقة الايمان ففعل ما ينفعه هو الشكر وترك ما يضره هو الصبر الاعتبار السابع ان العبد لا ينفك عن أمر يفعله ونهى يتركه وقدر يجرى عليه وفرضه في الثلاثة الصبر والشكر ففعل المأمور هو الشكر وترك المحظور والصبر على المقدور هو الصبر الاعتبار الثامن إن العبد فيه داعيان داع يدعوه إلى الدنيا وشهواتها ولذاتها وداع يدعوه إلى الله والدار الآخرة وما أعد فيها لأوليائه من النعيم المقيم فعصيان داعى الشهوة والهوى هو الصبر وإجابة داعى الله والدار الآخرة هو الشكر الاعتبار التاسع ان الدين مداره على أصلين العزم والثبات وهما الأصلان المذكوران في الحديث الذى رواه أحمد والنسائى عن النبي: quot;اللهم إنى أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشدquot; وأصل الشكر صحة العزيمة وأصل الصبر قوة الثبات فمتى أيد العبد بعزيمة وثبات فقد أيد بالمعونة والتوفيق الاعتبار العاشر ان الدين مبنى على أصلين الحق والصبر وهما المذكوران في قوله تعالى وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ولما كان المطلوب من العبد هو العمل بالحق في نفسه وتنفيذه في الناس وكان هذا(1\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "119",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12157",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو حقيقة الشكر لم يمكنه ذلك إلا بالصبر عليه فكان الصبر نصف الايمان والله سبحانه وتعالى أعلم(1\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "120",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12158",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "الباب العشرون: في بيان تنازع الناس في الأفضل من الصبر والشكر",
        "content": "الباب العشرون: في بيان تنازع الناس في الأفضل من الصبر والشكر حكى أبو الفرج ابن الجوزى في ذلك ثلاثة أقوال أحدها ان الصبر أفضل والثانى ان الشكر أفضل والثالث أنهما سواء كما قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما ركبت ونحن نذكر ما احتجت به كل فرقة وما لها وعليها في احتجاجها بعون الله وتوفيقه. فصل: قال الصابرون قد أثنى الله سبحانه على الصبر وأهله ومدحه وأمر به وعلق عليه خير الدنيا والاخرة وقد ذكره الله في كتابه في نحو تسعين موضعا وقد تقدم من النصوص والأحاديث فيه وفي فضله ما يدل على أنه أفضل من الشكر ويكفي في فضله قوله quot;الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابرquot; فذكر ذلك في معرض تفضيل الصبر ورفع درجته على الشكر فإنه ألحق الشاكر بالصابر وشبهه به ورتبة المشبه به أعلى من رتبة المشبه وهذا كقوله: quot;مدمن الخمر كعابد وثن quot; ونظائر ذلك قالوا وإذا وازنا بين النصوص الواردة في الصبر والواردة في الشكر وجدنا نصوص الصبر اضعافها ولهذا لما كانت الصلاة والجهاد أفضل الاعمال كانت الاحاديث فيهما في سائر الابواب فلا تجد الاحاديث النبوية في باب أكثر منها في باب الصلاة والجهاد قالوا وايضا فالصبر يدخل في كل باب بل في كل مسئلة من مسائل الدين ولهذا كان من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد(1\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "121",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12159",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا وأيضا فالله سبحانه وتعالى علق على الشكر الزيادة فقال وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم وعلق على الصبر الجزاء بغير حساب وايضا فإنه سبحانه أطلق جزاء الشاكرين فقال وسيجزى الله الشاكرين وقيد جزاء الصابرين بالاحسان فقال ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون قالوا وقد صح عن النبي أنه قال: يقول الله تعالى: quot; كل عمل ابن آدم له الا الصوم فإنه لى وأنا أجزى به quot;. وفي لفظ: quot; كل عمل ابن آدم يضاعف له الحسنة بعشر أمثالها قال الله تعالى الا الصوم فإنه لى وأنا أجزى بهquot; وما ذاك الا لأنه صبر النفس ومنعها من شهواتها كما في الحديث نفسه يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلى ولهذا قال النبي لمن سأله عن أفضل الاعمال: quot; عليك بالصوم فإنه لا عدل لهquot; ولما كان الصبر حبس النفس عن اجابة داعى الهوى وكان هذا حقيقة الصوم فإنه حبس النفس عن اجابة داعى شهوة الطعام والشراب والجماع فسر الصبر في قوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة أنه الصوم وسمى رمضان شهر الصبر وقال بعض السلف الصوم نصف الصبر وذلك أن الصبر حبس النفس عن اجابة داعى الشهوة والغضب فإن النفس تشتهى الشئ لحصول اللذة بإدراكه وتغضب لنفرتها من المؤلم لها والصوم صبر عن مقتضى الشهوة فقط وهى شهوة البطن والفرج دون مقتضى الغضب ولكن من تمام الصوم وكماله صبر النفس عن اجابة داعى الامرين وقد أشار إلى ذلك النبي في الحديث الصحيح وهو قوله: quot;إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يجهل ولا يصخب فإن أحد سابه أو شاتمه فليقل انى صائم quot; فأرشد إلى تعديل قوى الشهوة والغضب وأن الصائم ينبغى له أن يحتمى من افسادهما لصومه فهذه تفسد صومه وهذه تحبط أجره كما قال في الحديث الاخر: quot;من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه quot;.(1\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "122",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12160",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا ويكفي في فضل الصبر على الشكر قوله تعالى أنى جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون فجعل فوزهم جزاء صبرهم وقال تعالى والله مع الصابرين لا شئ يعدل معيته لعبده كما قال بعض العارفين ذهب الصابرون بخير الدنيا والاخرة لأنهم نالوا معية الله وقال تعالى واصبر لحكم ربك فانك بأعيننا وهذا يتضمن الحراسة والكلاءة والحفظ للصبر لحكمه وقد وعد الصابرين بثلاثة أشياء كل واحد خير من الدنيا وماعليها وهى صلواته تعالى عليهم ورحمته لهم وتخصيصهم بالهداية في قوله تعالى أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون وهذا مفهم لحصر الهدى فيهم وأخبر أن الصبر من عزم الأمور في آيتين من كتابه وأمر رسوله أن يتشبه بصبر أولى العزم من الرسل وقد تقدم ذكر ذلك قالوا وقد دل الدليل على أن الزهد في الدنيا والتقلل منها مهما أمكن من الاستكثار منها والزهد فيها حال الصابر والاستكثار منها حال الشاكر قالوا وقد سئل المسيح صلوات الله وسلامه عليه عن رجلين مرا بكنز فتخطاه أحدهما ولم يلتفت اليه وأخذه الاخر وأنفقه في طاعة الله تعالى أيهما أفضل فقال الذى لم يلتفت اليه وأعرض عنه أفضل عند الله قالوا ويدل على صحة هذا أن النبي عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فلم يأخذها وقال بل أجوع يوما وأشبع يوما ولو أخذها لأنفقها في مرضاة الله وطاعته فآثر مقام الصبر عنها والزهد فيها قالوا وقد علم أن الكمال الانسانى في ثلاثة أمور علوم يعرفها(1\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "123",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12161",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأعمال يعمل بها وأحوال ترتب له على علومه وأعماله وأفضل العلم والعمل والحال العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله والعمل بمرضاته وانجذاب القلب إليه بالحب والخوف والرجاء فهذا أشرف ما في الدنيا وجزاؤه أشرف ما في الاخرة وأجل المقاصد معرفة الله ومحبته والأنس بقربه والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره وهذا أجل سعادة الدنيا والآخرة وهذا هو الغاية التى تطلب لذاتها وانما يشعر العبد تمام الشعور بأن ذلك عين السعادة اذا انكشف له الغطاء وفارق الدنيا ودخل الاخرة والا فهو في الدنيا وان شعر بذلك بعض الشعور فليس شعوره به كاملا للمعارضات التى عليه والمحن التى امتحن بها والا فليست السعادة في الحقيقة سوى ذلك وكل العلوم والمعارف تبع لهذه المعرفة مرادة لأجلها وتفاوت العلوم في فضلها بحسب افضائها إلى هذه المعرفة وبعدها فكل علم كان أقرب افضاء إلى العلم بالله وأسمائه وصفاته فهو أعلى مما دونه وكذلك حال القلب فكل حال كان أقرب إلى المقصود الذى خلق له فهو أشرف مما دونه وكذلك الاعمال فكل عمل كان أقرب إلى تحصيل هذا المقصود كان أفضل من غيره ولهذا كانت الصلاة والجهاد من أفضل الأعمال وأفضلها لقرب افضائها إلى المقصود وهكذا يجب أن يكون فإن كل ما كان الشيء أقرب إلى الغاية كان أفضل من البعيد عنها فالعمل المعد للقلب المهيئ له لمعرفة الله وأسمائه وصفاته ومحبته وخوفه ورجائه أفضل مما ليس كذلك واذا أشتركت عدة أعمال في هذا الافضاء فأفضلها أقربها إلى هذا المفضى ولهذا اشتركت الطاعات في هذا الإفضاء فكانت مطلوبة لله واشتركت المعاصى في حجب القلب وقطعه عن هذه الغاية فكانت منهيا عنها وتأثير الطاعات والمعاصى بحسب درجاتها وها هنا أمر ينبغى التفطن له وهو أنه قد يكون العمل المعين أفضل منه في حق غيره فالغنى الذى بلغ له مال كثير ونفسه لا تسمح ببذل شئ منه فصدقته وايثاره أفضل له من قيام الليل وصيام النهار نافلة والشجاع الشديد الذى يهاب العدو سطوته وقوفه في الصف ساعة وجهاده أعداء الله(1\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "124",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12162",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أفضل من الحج والصوم والصدقة والتطوع والعالم الذى قد عرف السنة والحلال والحرام وطرق الخير والشر مخالطته للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح وولى الامر الذى قد نصبه الله للحكم بين عباده جلوسه ساعة للنظر في المظالم وانصاف المظلوم من الظالم واقامة الحدود ونصر المحق وقمع المبطل أفضل من عبادة سنين من غيره ومن غلبت عليه شهوة النساء فصومه له أنفع وأفضل من ذكر غيره وصدقته وتأمل تولية النبي لعمرو بن العاص وخالد بن الوليد وغيرهما من أمرائه وعماله وترك تولية ابى ذر بل قال له: quot;إنى أراك ضعيفا وانى أحب لك ما أحب لنفسى لا تؤمرن على اثنين ولا تولين مال يتيمquot; وأمره وغيره بالصيام وقال: quot;عليك بالصوم فانه لا عدل لهquot; وأمر آخر بأن لا يغضب وأمر ثالثا بأن لا يزال لسانه رطبا من ذكر الله ومتى أراد الله بالعبد كمالا وفقه لاستفراغ وسعه فيما هو مستعد له قابل له قد هيئ له فاذا استفرغ وسعه على غيره وفاق الناس فيه كما قيل ما زال يسبق حتى قال حاسده ... هذا طريق إلى العلياء مختصر وهذا كالمريض الذى يشكو وجع البطن مثلا اذا استعمل دواء ذلك الداء انتفع به واذا استعمل دواء وجع الرأس لم يصادف داءه فالشح المطاع مثلا من المهلكات ولا يزيله صيام مائة عام ولا قيام ليلها وكذلك داء اتباع الهوى والاعجاب بالنفس لا يلائمه كثرة قراءة القرآن واستفراغ الوسع في العلم والذكر والزهد وانما يزيله اخراجه من القلب بضده ولو قيل ايما افضل الخبز أو الماء لكان الجواب أن هذا في موضعه أفضل وهذا في موضعه أفضل واذا عرفت هذه القاعدة فالشكر ببذل المال عمل صالح يحصل به للقلب حال فهو دواء للداء الذى في القلب يمنعه من المقصود وأما(1\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "125",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12163",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفقير الزاهد فقد استراح من هذا الداء والدواء وتوفرت قوته على استفراغ الوسع في حصول المقصود ثم أوردوا على أنفسهم سؤالا فقالوا فإن قيل فقد حث الشرع على الاعمال وانفصلوا عنه بأن قالوا الطبيب اذا أثنى على الدواء لم يدل على أن الدواء يراد لعينه ولا أنه أفضل من الشفاء الحاصل به ولكن الاعمال علاج لمرض القلوب ومرض القلوب مما لا يشعر به غالبا فوقع الحث على العمل المقصود وهو شفاء القلب فالفقير الآخذ لصدقتك يستخرج منك داء البخل كالحجام يستخرج منك الدم المهلك قالوا واذا عرف هذا عرف أن حال الصابر حال المحافظ على الصحة والقوة وحال الشاكر حال المتداوى بأنواع الأدوية لإزالة مواد السقم فصل قال الشاكرون لقد تعديتم طوركم وفضلتم مقاما غيره أفضل منه وقدمتم الوسيلة على الغاية والمطلوب لغيره على المطلوب لنفسه والعمل الكامل على الأكمل والفاضل على الأفضل ولم تعرفوا للشكر حقه ولا وفيتموه مرتبته وقد قرن تعالى ذكره الذى هو المراد من الخلق بذكره وكلاهما هو المراد بالخلق والأمر والصبر خادم لهما ووسيلة اليهما وعونا عليهما قال تعالى اذكرونى أذكركم واشكروا لى ولا تكفرون وقرن سبحانه الشكر بالإيمان وأخبر أنه لا غرض له في عذاب خلقه إن شكروا وآمنوا به فقال ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم أى ان وفيتم ما خلقتم له وهو الشكر والايمان فما أصنع بعذابكم هذا وأخبر سبحانه أن أهل الشكر هم المخصوصون بمنته عليهم من بين عباده فقال وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله(1\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "126",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12164",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين وقسم الناس إلى شكور وكفور فأبغض الأشياء اليه الكفر وأهله وأحب الأشياء اليه الشكر وأهله قال تعالى في الانسان إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا وقال نبيه سليمان هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم وقال تعالى وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد وقال تعالى إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم وهذا كثير في القرآن يقابل سبحانه بين الشكر والكفر فهو ضده قال تعالى وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين والشاكرون هم الذين ثبتوا على نعمة الايمان فلم ينقلبوا على أعقابهم وعلق سبحانه المزيد بالشكر والمزيد منه لا نهاية له كما لا نهاية لشكره وقد وقف سبحانه كثيرا من الجزاء على المشيئة كقوله فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء وقوله في الاجابة فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وقوله في الرزق يرزق من يشاء وفي المغفرة يغفر لمن يشاء والتوبة ويتوب الله على من يشاء وأطلق جزاء الشكر اطلاقا حيث ذكر كقوله وسنجزى الشاكرين وسيجزى الله الشاكرين ولما عرف عدو الله ابليس قدر مقام الشكر وأنه من أجل المقامات وأعلاها جعل غايته أن يسعى في قطع الناس عنه فقال ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ووصف الله سبحانه الشاكرين بأنهم قليل من عباده فقال تعالى وقليل من عبادي الشكور .(1\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "127",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12165",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر الامام أحمد عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه سمع رجلا يقول اللهم اجعلنى من الاقلين فقال ما هذا فقال يا أمير المؤمنين ان الله قال وما آمن معه الا قليل وقال تعالى وقليل من عبادي الشكور وقال إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم فقال عمر صدقت وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على أول رسول بعثه إلى أهل الارض بالشكر فقال ذرية من حملنا مع نوح انه كان عبدا شكورا وفي تخصيص نوح ها هنا بالذكر وخطاب العباد بأنهم ذريته اشارة إلى الاقتداء به فانه أبوهم الثانى فان الله تعالى لم يجعل للخلق بعد الغرق نسلا الا من ذريته كما قال تعالى وجعلنا ذريته هم الباقين فأمر الذرية أن يتشبهوا بأبيهم في الشكر فانه كان عبدا شكورا وقد أخبر سبحانه انما يعبده من شكره فمن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته فقال واشكروا الله ان كنتم اياه تعبدون وأمر عبده موسى ان يتلقى ما آتاه من النبوة والرسالة والتكليم بالشكر فقال تعالى يا موسى انى اصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامى فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين وأول وصية وصى الله بها الانسان بعد ماعقل عنه بالشكر له وللوالدين فقال ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لى ولوالديك إلى المصير وأخبر أن رضاه في شكره فقال تعالى وان تشكروا يرضه لكم وأثنى سبحانه على خليله ابراهيم بشكر نعمه فقال ان ابراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم فأخبر عنه سبحانه بأنه أمة أى قدوة يؤتم به في الخير وانه قانتا لله والقانت هو المطيع المقيم على طاعته والحنيف هو المقبل على الله المعرض عما سواه ثم ختم له بهذه(1\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "128",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12166",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصفات بأنه شاكر لأنعمه فجعل الشكر غاية خليله وأخبر سبحانه أن الشكر هو الغاية من خلقه وأمره بل هو الغاية التى خلق عبيده لأجلها والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والابصار والافئدة لعلكم تشكرون فهذه غاية الخلق وغاية الأمر فقال ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون ويجوز أن يكون قوله لعلكم تشكرون تعليلا لقضائه لهم بالنصر ولأمره لهم بالتقوى ولهما معا وهو الظاهر فالشكر غاية الخلق والامر وقد صرح سبحانه بأنه غاية أمره وارساله الرسول في قوله تعالى كما ارسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكرونى أذكركم واشكروا لى ولا تكفرون قالوا فالشكر مراد لنفسه والصبر مراد لغيره والصبر انما حمد لافضائه وايصاله إلى الشكر فهو خادم الشكر وقد ثبت في الصحيحين عن النبي أنه قام حتى تفطرت قدماه فقيل له أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: quot;أفلا أكون عبدا شكوراquot; وثبت في المسند والترمذى أن النبي قال لمعاذ: quot;والله انى لأحبك فلا تنسى أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتكquot;. وقال ابن أبى الدنيا حدثنا اسحاق بن اسماعيل حدثنا أبو معاويه وجعفر بن عون عن هشام بن عروة قال كان من دعاء النبي: quot;اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتكquot;. قال وحدثنا محمود بن غيلان حدثنا المؤمل بن اسماعيل حدثنا حماد بن سلمه حدثنا حميد الطويل عن طلق بن حبيب عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله قال: quot;أربع من أعطيهن فقد أعطى خير الدنيا والآخرة: قلبا شاكرا ولسانا(1\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "129",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12167",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذاكرا وبدنا على البلاء صابرا وزوجة لا تبغيه خونا في نفسها ولا في مالهquot; وذكر ايضا من حديث القاسم بن محمد عن عائشة عن النبي قال: quot;ما أنعم الله على عبد نعمة فعلم أنها من عند الله الا كتب الله له شكرها وما علم الله من عبد ندامة على ذنب إلا غفر الله له قبل أن يستغفره وإن الرجل يشترى الثوب بالدينار فيلبسه فيحمد الله فما يبلغ ركبتيه حتى يغفر لهquot;. وقد ثبت في صحيح مسلم عنه أنه قال: quot;إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكله فيحمده عليها ويشرب الشربه فيحمده عليهاquot; فكان هذا الجزاء العظيم الذى هو أكبر أنواع الجزاء كما قال تعالى ورضوان من الله أكبر في مقابلة شكره بالحمد وذكر ابن أبى الدنيا من حديث عبد الله بن صالح حدثنا أبو زهير يحيى بن عطارد القرشى عن أبيه قال قال رسول الله: quot;لا يرزق الله عبدا الشكر فيحرمه الزيادةquot; لأن الله تعالى يقول لئن شكرتم لأزيدنكم وقال الحسن البصرى: quot;إن الله ليمتع بالنعمة ما شاء فإذا لم يشكر عليها قلبها عذاباquot; ولهذا كانوا يسمون الشكر الحافظ لأنه يحفظ النعم الموجودة والجالب لأنه يجلب النعم المفقودة وذكر ابن أبى الدنيا عن على بن أبى طالب رضى الله عنه أنه قال لرجل من همذان: quot;إن النعمة موصولة بالشكر والشكر يتعلق بالمزيد وهما مقرونان في قرن فلن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبدquot; وقال عمر بن عبد العزيز قيدوا نعم الله بشكر الله وكان يقال الشكر قيد النعم وقال مطرف بن عبد الله quot;لأن أعافى فأشكر أحب إلى من أن ابتلى فأصبرquot; وقال الحسن quot;أكثروا من ذكر هذه النعم فإن ذكرها شكرquot; وقد أمر الله تعالى نبيه أن يحدث بنعمة ربه فقال وأما بنعمة ربك فحدث والله تعالى يحب من عبده أن يرى عليه أثر نعمته فإن ذلك شكرها بلسان الحال وقال على بن الجعدى سمعت(1\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "130",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12168",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سفيان الثورى يقول إن داود عليه الصلاة والسلام قال الحمد لله حمدا كما ينبغى لكرم وجهه وعز جلاله فأوحى الله اليه يا داود أتعبت الملائكة وقال شعبة حدثنا المفضل بن فضالة عن أبى رجاء العطاردى قال خرج علينا عمران بن الحصين وعليه مطرف خز لم نره عليه قبل ولا بعد فقال ان رسول الله قال: quot;إذا أنعم الله على عبد نعمة يحب أن يرى أثر نعمته على عبدهquot; وفي صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي قال: quot;كلوا واشربوا وتصدقوا في غير مخيلة ولا سرف فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبدهquot;. وذكر شعبة عن أبى اسحاق عن أبى الأحوص عن أبيه قال: quot;أتيت رسول الله وأنا قشف الهيئة فقال هل لك من مال قال قلت نعم قال من أى المال قلت من كل المال قد آتانى الله من الابل والخيل والرقيق والغنم قال فإذا آتاك الله مالا فليرى عليكquot;. وفي بعض المراسيل quot;ان الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده في مأكله ومشربهquot; وروى عبد الله بن يزيد المقرى عن أبى معمر عن بكير بن عبد الله رفعه: quot;من أعطى خيرا فرؤى عليه سمى حبيب الله محدثا بنعمة الله ومن أعطى خيرا ولم ير عليه سمى بغيض الله معاديا لنعمة اللهquot; وقال فضيل بن عياض كان يقال من عرف نعمة الله بقلبه وحمده بلسانه لم يستتم ذلك حتى يرى الزيادة لقول الله تعالى ولئن شكرتم لأزيدنكم وقال من شكر النعمة أن يحدث بها وقد قال تعالى: quot;يا ابن آدم إذا كنت تتقلب في نعمتى وأنت تتقلب في معصيتى فاحذرنى لأصرعك بين معاصى يا ابن آدم اتقنى ونم حيث شئتquot;.(1\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "131",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12169",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الشعبى الكشر نصف الايمان واليقين الايمان كله وقال أبو قلابة لا تضركم دنيا شكرتموها وقال الحسن إذا أنعم الله على قوم سألهم الشكر فإذا شكروه كان قادرا على أن يزيدهم وإذا كفروه كان قادرا على أن يبعث نعمته عليهم عذابا وقد ذم الله سبحانه الكنود وهو الذى لا يشكر نعمه قال الحسن إن الإنسان لربه لكنود يعد المصائب وينسى النعم وقد أخبر النبي إن النساء أكثر أهل النار بهذا السبب قال: quot;لو أحسنت إلى إحداههن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قطquot; فإذا كان هذا بترك شكر نعمة الزوج وهى في الحقيقة من الله فكيف بمن ترك شكر نعمة الله يا أيها الظالم في فعله ... والظلم مردود على من ظلم إلى متى أنت وحتى متى ... تشكو المصيبات وتنسى النعم ذكر ابن أبى الدنيا من حديث أبى عبد الرحمن السلمي عن الشعبى عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله: quot;التحدث بالنعمة شكر وتركها كفر ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله والجماعة بركة والفرقة عذابquot; وقال مطرف بن عبد الله نظرت في العافية والشكر فوجدت فيهما خير الدنيا والآخرة ولأن أعافى أعافي فأشكر أحب إلى من أن أبتلى فأصبر ورأى بكر بن عبد الله المزنى حمالا عليه حمله وهو يقول الحمد الله أستغفر الله قال فأنتظرته حتى وضع ما على ظهره وقلت له أما تحسن غير هذا قال بلى أحسن خيرا كثيرا أقرأ كتاب الله غير أن العبد بين نعمة وذنب فأحمد الله على نعمه السابغة وأستغفره لذنوبى فقلت الحمال أفقه من بكر. وذكر الترمذى من حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: quot;خرج رسول الله على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن ردا منكم كنت كلما أتيت على قوله فبأي آلاء ربكما تكذبان قالوا لا بشئ من(1\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "132",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12170",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نعمك ربنا نكذب فلك الحمدquot; وقال مشعر لما قيل لآل داود اعملوا آل داود شكرا لم يأت على القوم ساعة الا وفيهم مصل وقال عون بن عبد الله قال بعض الفقهاء انى رأيت في أمرى لم أر خيرا الا شر معه الا المعافاة والشكر فرب شاكر في بلائه ورب معافى غير شاكر فإذا سألتم الله فاسألوهما جميعا وقال أبو معاويه لبس عمر بن الخطاب قميصا فلما بلغ ترقوته قال الحمد لله الذى كسانى ما أوارى به عورتى وأتجمل به في حياتى ثم مد يديه فنظر شيئا يزيد على يديه فقطعه ثم أنشأ يحدث قال سمعت رسول الله يقول: quot;من لبس ثوبا أحسبه جديدا فقال حين يبلغ ترقوته أو قال قبل أن يبلغ ركبتيه مثل ذلك ثم عمد إلى ثوبه الخلق فكسا به مسكينا لم يزل في جوار الله وفي ذمة الله وفي كنف الله حيا وميتا ما بقى من ذلك الثوب سلكquot;. وقال عون بن عبد الله لبس رجل قميصا جديدا فحمد الله فغفر له فقال رجل ارجع حتى أشترى قميصا فألبسه وأحمد الله وقال شريح ما أصيب عبد بمصيبة الا كان لله عليه فيها ثلاث نعم ألا تكون كانت في دينه وألا تكون أعظم مما كانت وأنها لا بد كائنه فقد كانت وقال عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ما قلب عمر بن عبد العزيز بصره إلى نعمة أنعم الله بها عليه الا قال اللهم انى أعوذ بك أن أبدل نعمتك كفرا وأن أكفرها بعد أن عرفتها وأن أنساها ولا أثنى بها وقال روح بن القاسم تنسك رجل فقال لا آكل الخبيص لا أقوم بشكره فقال الحسن هذا أحمق وهل يقوم بشكر الماء البارد وفي بعض الآثار الالهية يقول الله عزوجل: quot;ابن آدم خيرى اليك نازل وشرك إلى صاعد أتحبب اليك بالنعم وتتبغض إلى بالمعاصى ولا يزال ملك كريم قد عرج إلى منك بعمل قبيحquot;. قال ابن أبى الدنيا حدثنى أبو على قال كنت أسمع جارا لي يقول في(1\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "133",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12171",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الليل: quot;يا الهى خيرك على نازل وشرى اليك صاعد كم من ملك كريم قد صعد اليك منى بعمل قبيح وأنت مع غناك عنى تتحبب إلى بالنعم وأنا مع فقرى اليك وفاقتى أتمقت اليك بالمعاصى وأنت في ذلك تجبرنى وتسترنى وترزقنى وكان أبو المغيرة اذا قيل له كيف أصبحت يا أبا محمد أصبحنا مغرقين في النعم عاجزين عن الشكر يتحبب الينا ربنا وهو غنى عنا ونتمقت اليه ونحن اليه محتاجون وقال عبد الله بن ثعلبة الهى من كرمك أنك تطاع ولا تعصى ومن حلمك أنك تعصى وكأنك لا ترى وأى زمن لم يعصك فيه سكان أرضك وأنت بالخير عواد وكان معاوية بن قرة اذا لبس ثوبا جديدا قال بسم الله والحمد لله وقال أنس بن مالك ما من عبد توكل بعبادة الله الا عزم الله السموات والارض تعبر رزقه فجعله في أيدى بنى آدم يعملونه حتى يدفع عنه اليه فإن العبد قبله أوجب عليه الشكر وان أباه وجد الغنى الحميد عبادا فقراء يأخذون رزقه ويشكرون لهquot;. وقال يونس بن عبيد: quot;قال رجل لأبى تميمة كيف أصبحت قال أصبحت بين نعمتين لا أدرى أيتهما أفضل ذنوب سترها الله فلا يستطيع أن يعيرنى بها أحد ومودة قذفها الله في قلوب العباد لا يبلغها عملىquot;. وروى ابن أبى الدنيا عن سعيد المقبرى عن أبيه عن عبد الله بن سلام أن موسى عليه السلام قال: quot;يارب ما الشكر الذى ينبغى لك قال لا يزال لسانك رطبا من ذكرىquot; وروى سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة رضى الله عنه قال دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي فانطلقنا معه فلما طعم وغسل يديه قال الحمد لله الذى يطعم ولا يطعم من علينا فهدانا وأطعمنا وسقانا وكل بلاء حسن أبلانا الحمد لله غير مودع ربى ولا مكافأ ولا مكفور ولا مستغنى عنه الحمد لله الذى أطعم من الطعام وسقى من الشراب وكسى من العرى وهدى من الضلالة وبصر من العمى وفضل على كثير من خلقه تفضيلا الحمد لله رب العالمين.(1\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "134",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12172",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي مسند الحسن بن الصلاح من حديث أنس بن مالك رضى الله عنه قال قال رسول الله: quot;ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل ولا مال أو ولد فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله فيرى فيه آفة دون الموت ويذكر عن عائشة رضى الله عنها أن النبي دخل عليها فرآى كسرة ملقاة فمسحها وقال يا عائشة أحسنى جوار نعم الله فإنها فلما نفرت عن أهل بيت فكادت أن ترجع اليهمquot; ذكره ابن أبى الدنيا. وقال الإمام أحمد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا صالح عن أبى عمران الجونى عن أبى الخلد قال قرأت في مسألة داود أنه قال: quot;يا رب كيف لى أن أشكر وأنا لا أصل إلى شكرك الا بنعمكquot; قال فأتاه الوحى: quot;يا داود أليس تعلم أن الذى بك من النعم منى قال بلى يا رب قال فإنى نرضى بذلك منك شكراquot;. وقال عبد الله بن أحمد حدثنا أبو موسى الانصارى حدثنا أبو الوليد عن سعيد ابن عبد العزيز قال كان من دعاء داود سبحان مستخرج الشكر بالعطاء ومستخرج الدعاء بالبلاء وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنى الأعمش عن المنهال عن عبد الله بن الحارث قال أوحى الله إلى داود أحبنى وأحب عبادتى وحببنى إلى عبادى قال يا رب هذا حبك وحب عبادتك فكيف أحببك إلى عبادك قال تذكرنى عندهم فإنهم لا يذكرون منى إلا الحسن فجل جلال ربنا وتبارك اسمه وتعالى جده وتقدست أسماؤه وجل ثناؤه ولا اله غيره وقال أحمد حدثنا عبد الرزاق بن عمران قال سمعت وهبا يقول وجدت في كتاب آل داود بعزتى ان من اعتصم بى فإن كادته السموات بمن فيهن والأرضون بمن فيهن فإنى أجعل له من بين ذلك مخرجا ومن لم يعتصم بى فإنى أقطع يديه من أسباب السماء وأخسف به من تحت قدميه الأرض فأجعله في الهواء ثم أكله إلى نفسه كفي بى لعبدى مالا اذا كان(1\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "135",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12173",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبدى في طاعتى أعطيته قبل أن يسألنى وأجبته قبل أن يدعونى وإنى أعلم بحاجته التى ترفق به من نفسه. وقال أحمد حدثنا يسار حدثنا حفص حدثنا ثابت قال كان داود عليه السلام قد جزأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم يكن ساعة من ليل أو نهار الا وانسان من آل داود قائم يصلى فيها قال فعمهم تبارك وتعالى في هذه الآية اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور قال أحمد وحدثنا جابر بن زيد عن المغيرة بن عيينة قال داود يا رب هل بات أحد من خلقك الليلة أطول ذكرا لك منى فأوحى الله اليه نعم الضفدع وأنزل الله عليه اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور قال يا رب كيف أطيق شكرك وأنت الذى تنعم على ثم ترزقنى على النعمة الشكر ثم تزيدنى نعمة بعد نعمة فالنعم منك والشكر منك فكيف أطيق شكرك قال الآن عرفتنى يا داود قال أحمد وحدثنا عبد الرحمن حدثنا الربيع بن صبيح عن الحسن قال نبى الله داود: quot; الهى لو أن لكل شعرة منى لسانين يسبحانك الليل والنهار والدهر ما وفيت حق نعمة واحدةquot;. وذكر ابن أبى الدنيا عن أبى عمران الجونى عن أبى الخلد قال قال موسى يا رب كيف لى أن أشكرك وأصغر نعمة وضعتها عندى من نعمك لا يجازى بها عملى كله قال فأتاه الوحى يا موسى الآن شكرتنى قال بكر بن عبد الله ما قال عبد قط الحمد لله الا وجبت عليه نعمة بقوله الحمد لله فجزاء تلك النعمة أن يقول الحمد لله فجاءت نعمة أخرى فلا تنفد نعم الله وقال الحسن سمع نبى الله رجلا يقول الحمد لله بالاسلام فقال انك لتحمد الله على نعمة عظيمة وقال خالد بن معدان سمعت عبد الملك بن مروان يقول: quot;ما قال عبد كلمة أحب إلى الله وأبلغ في الشكر عنده من أن يقول الحمد لله الذى أنعم علينا وهدانا للإسلامquot;.(1\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "136",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12174",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال سليمان التيمى ان الله سبحانه أنعم على عبده على قدره وكلفهم الشكر على قدرتهم وكان الحسن اذا ابتدأ حديثه يقول الحمد لله اللهم ربنا لك الحمد بما خلقتنا ورزقتنا وهديتنا وعلمتنا وأنقذتنا وفرجت عنا لك الحمد بالاسلام والقرآن ولك الحمد بالأهل والمال والمعافاة كبت عدونا وبسطت رزقنا وأظهرت أمننا وجمعت فرقتنا وأحسنت معافاتنا ومن كل ما سألناك ربنا أعطيتنا فلك الحمد على ذلك حمدا كثيرا لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث أو سر أو علانية أو خاصة أو عامة أو حى أو ميت أو شاهد أو غائب لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد اذا رضيت وقال الحسن قال موسى يا رب كيف يستطيع آدم أن يؤدى شكر ما صنعت اليه خلقته بيدك ونفخت فيه من روحك وأسكنته جنتك وأمرت الملائكة فسجدوا له فقال يا موسى علم أن ذلك منى فحمدنى عليه فكان ذلك شكر ما صنعت اليه وقال سعد بن مسعود الثقفي انما سمى نوح عبدا شكورا لأنه لم يلبس جديدا ولم يأكل طعاما الا حمد الله وكان على بن أبى طالب اذا خرج من الخلاء مسح بطنه بيده وقال يا لها من نعمة لو يعلم العباد شكرها وقال مخلد بن الحسين كان يقال الشكر ترك المعاصى وقال أبو حازم كان نعمة لا تقرب من الله فهى بلية وقال سليمان ذكر النعم يورث الحب لله وقال حماد بن زيد حدثنا ليث عن أبى بردة قال قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام فقال لى ألا تدخل بيتا دخله النبي ونطعمك سويقا وتمرا ثم قال ان الله اذا جمع الناس غدا ذكرهم بما أنعم عليهم فيقول العبد ما آية ذلك فيقول آية ذلك انك كنت في كربة كذا وكذا قد دعوتنى فكشفتها وآية ذلك أنك كنت في سفر كذا وكذا فاستصحبتنى فصحبتك قال يذكره حتى يذكر فيقول آية ذلك أنك خطبت فلانة بنت فلان وخطبها معك خطاب فزوجتك ورددتهم يقف(1\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "137",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12175",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبده بين يديه فيعدد عليه نعمه فبكى ثم بكى ثم قال انى لأرجو الله أن لا يقعد الله عبدا بين يديه فيعذبه وروى ليث بن أبى سليم عن عثمان عن ابن سيرين عن أنس بن مالك قال قال رسول الله: quot;يؤتى بالنعم يوم القيامة والحسنات والسيئات فيقول الله عزوجل لنعمة من نعمه خذى حقك من حسناته فما تترك له من حسنة الا ذهبت بهاquot;. وقال بكر بن عبد الله المزنى ينزل بالعبد الامر فيدعو الله فيصرف عنه فيأتيه الشيطان فيضعف شكره يقول ان الامر كان أيسر مما تذهب اليه قال أو لا يقول العبد كان الامر أشد مما أذهب اليه ولكن الله صرفه عنى وذكر ابن أبى الدنيا عن صدقة بن يسار قال بينا داود عليه السلام في محرابه اذ مرت به ذره فنظر اليها وفكر في خلقها وعجب منها وقال ما يعبؤ الله بهذه فأنطقها الله فقالت يا داود أتعجبك نفسك فو الذى نفسى بيده لأنا على ما آتانى الله من فضله أشكر منك على ما آتاك الله من فضله وقال أيوب ان من أعظم نعمة الله على عبده أن يكون مأمونا على ماجاء به النبي وقال سفيان الثورى كان يقال ليس بفقيه من لم يعد البلاء نعمة والرخاء معصيبة وقال زازان مما يجب لله على ذى النعمة بحق نعمته أن لا يتوصل بها إلى معصية قال ابن أبي الدنيا أنشدنى محمود الوراق: اذا كان شكرى نعمة الله نعمة ... فكيف وقوع الشكر الا بفضله على له في مثلها يجب الشكر ... اذا مس بالسراء عم سرورها وان طالت الايام واتصل العمر ... وما منهما الا له فيه منة وان مس بالضراء أعقبها الاجر ... تضيق بها الاوهام والبر والبحر وقد روى الدراوردى عن عمرو بن أبى عمرو عن سعيد المقبرى عن أبى(1\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "138",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12176",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله يعنى قال الله عز وجل: quot;ان المؤمن عندى بمنزلة كل خير يحمدنى وأنا أنزع نفسه من بين جنبيهquot; ومر محمد بن المنكدر بشاب يغامز امرأة فقال يا فتى ما هذا جزاء نعم الله عليك وقال حماد بن سلمة عن ثابت قال قال أبو العاليه انى لأرجو أن لا يهلك عبد بين اثنتين نعمة يحمد الله عليها وذنب يستغفر منه وكتب ابن السماك إلى محمد بن الحسن حين ولى القضاء بالرقة أما بعد فلتكن التقوى من بالك على كل حال وخف الله من كل نعمة أنعم بها عليك من قلة الشكر عليها مع المعصية بها فان في النعم حجة وفيها تبعة فأما الحجة بها فالمعصية بها وأما التبعة فيها فقلة للشكر عليها فعفى الله عنك كلما ضيعت من شكر أو ركبت من ذنب أو قصرت من حق ومر الربيع بن أبى راشد برجل به زمانة فجلس يحمد الله ويبكى قيل له ما يبكيك قال ذكرت أهل الجنة وأهل النار فشبهت أهل الجنة بأهل العافية وأهل النار بأهل البلاء فذلك الذى أبكانى وقد روى أبو هريرة رضى الله عنه عن النبي: quot;إذا أحب أحدكم أن يرى قدر نعمة الله عليه فلينظر إلى من تحته ولا ينظر إلى من فوقهquot; قال عبد الله بن المبارك أخبرنى يحيى بن عبد الله قال سمعت أبى هريرة فذكره وقال ابن المبارك حدثنا يزيد بن ابراهيم عن الحسن قال قال أبو الدرداء من لم يعرف نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قل عمله وحضر عذابه قال ابن المبارك أخبرنا مالك بن أنس عن اسحق بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس رضى الله قال سمعت عمر بن الخطاب رضى الله عنه سلم على رجل فرد عليه السلام فقال عمر للرجل كيف أنت قال الرجل أحمد اليك الله قال هذا أردت منك قال ابن المبارك وأخبرنا مسعود عن علقمة بن مرقد عن ابن عمر رضى الله عنهما قال لعلنا نلتقى في اليوم مرارا يسأل بعضنا عن بعض ولم يرد بذلك إلا(1\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "139",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12177",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليحمد الله عزوجل وقال مجاهد في قوله تعالى وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة قال لا إله الا الله وقال ابن عيينة ما أنعم الله على العباد نعمة أفضل من أن عرفهم لا إله إلا الله قال وان لا اله الا الله لهم في الآخرة كالماء في الدنيا وقال بعض السلف في خطبته يوم عيد أصبحتم زهرا وأصبح الناس غبرا أصبح الناس ينسجون وأنتم تلبسون واصبح الناس يعطون وأنتم تأخذون وأصبح الناس ينتجون وأنتم تركبون واصبح الناس يزرعون وأنتم تأكلون فبكى وأبكاهم وقال عبد الله بن قرط الأزدى وكان من الصحابة على المنبر وكان يوم أضحى ورأى على الناس ألوان الثياب يا لها من نعمة ما أشبعها ومن كرامة ما أظهرها ما زال عن قوم شيئا أشد من نعمة لا يستطيعون ردها وانما تثبت النعمة بشكر المنعم عليه للمنعم وقال سلمان الفارسى رضى الله عنه ان رجلا بسط له من الدنيا فانتزع ما في يديه فجعل يحمد الله ويثنى عليه حتى لم يكن له فراش الا بارية قال فجعل يحمد الله ويثنى عليه حتى لم يكن له فراش إلا بارية قال فجعل يحمد الله ويثني عليه وبسط لآخر من الدنيا فقال لصاحب البارية أرأيتك أنت على ما تحمد الله قال أحمده على ما لو أعطيت به ما أعطى الخلق لم أعطهم اياه قال وما ذاك قال أرأيتك بصرك أرأيتك لسانك أرأيتك يديك أرايتك رجليك وجاء رجل إلى يونس بن عبيد يشكو ضيق حاله فقال له يونس أيسرك ببصرك هذه مائة ألف درهم قال الرجل لا قال فبيديك مائه ألف قال لا فبرجليك مائة الف قال لا قال فذكره نعم الله عليه فقال يونس أرى عندك مئين الالوف وأنت تشكو الحاجه وكان ابو الدرداء يقول الصحة الملك وقال جعفر بن محمد رضى الله عنه فقد ابى بغلة له فقال ان ردها الله على لأحمدنه بمحامد يرضاها فما لبث أن أتى بسرجها ولجامها فركبها فلما(1\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "140",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12178",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "استوى عليها وضم اليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء فقال الحمد لله لم يزد عليها فقيل له في ذلك فقال هل تركت وأبقيت شيئا جعلت الحمد كله لله وروى ابن أبى الدنيا من حديث سعد بن اسحاق بن كعب بن عجرة عن أبيه عن جده قال: quot;بعث رسول الله بعثا من الانصار وقال ان سلمهم الله وغنمهم فإن لله على في ذلك شكرا قال فلم يلبثوا أن غنموا وسلموا فقال بعض أصحابه سمعناك تقول ان سلمهم الله وغنمهم فإن لله على في ذلك شكرا قال قد فعلت اللهم لك الحمد شكرا ولك المن فضلاquot;. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال محمد بن المنكدر لأبى حازم يا أبا حازم ما أكثر من يلقانى فيدعو لى بالخير ما أعرفهم وما صنعت اليهم خيرا قط فقال أبو حازم لا تظن أن ذلك من قبلك ولكن انظر إلى الذى ذلك من قبله فاشكره وقرأ أبو عبد الرحمن إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا وقال على بن الجعد حدثنا عبد العزيز بن أبى سلمة الماجشون حدثنى من أصدقه أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه كان يقول في دعائه أسألك تمام النعمة في الاشياء كلها والشكر لك عليها حتى ترضى وبعد الرضا والخيرة في جميع ما تكون فيه الخيرة بجميع ميسر الامور كلها لا معسورها يا كريم وقال الحسن ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله الا كان ما أعطى أكثر مما أخذ قال ابن أبى الدنيا وبلغنى عن سفيان بن عيينة أنه قال هذا خطأ لا يكون فعل العبد أفضل من فعل الله ثم قال وقال بعض أهل العلم انما تفسير هذا أن الرجل اذا أنعم الله عليه نعمة وهو ممن يجب عليه أن يحمده عرفه ما صنع به فيشكر الله كما ينبغى له أن يشكره فكان الحمد له أفضل قلت لا يلزم الحسن ما ذكر عن ابن عيينة فإن قوله الحمد(1\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "141",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12179",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لله نعمة من نعم الله والنعمة التى حمد الله عليها ايضا نعمة من نعم الله وبعض النعم أجل من بعض فنعمة الشكر أجل من نعمة المال والجاه والولد والزوجة ونحوها والله أعلم وهذا لا يستلزم أن يكون فعل العبد أفضل من فعل الله وان دل على أن فعل العبد للشكر قد يكون أفضل من بعض مفعول الله وفعل العبد هو مفعول الله ولا ريب أن بعض مفعولاته أفضل من بعض وقال بعض أهل العلم لنعم الله علينا فيما زوى عنا من الدنيا أفضل من نعمه علينا فيما بسط لنا منها وذلك أن الله لم يرض لنبيه الدنيا فإن أكون فيما رضى الله لنبيه وأحب له أحب إلى من أن أكون فيما كره له وسخطه وقال ابن أبى الدنيا بلغنى عن بعض العلماء أنه قال ينبغى للعالم أن يحمد الله على ما زوى عنه من شهوات الدنيا كما يحمده على ما أعطاه وأين يقع ما أعطاه الله والحساب يأتى عليه إلى ما عافاه الله ولم يبتله به فيشغل قلبه ويتعب جوارحه فيشكر الله على سكون قلبه وجمع همه وحدث عن ابن أبى الحوارى قال جلس فضيل بن عياض وسفيان بن عيينة ليلة إلى الصباح يتذاكران النعم فجعل سفيان يقول أنعم الله علينا في كذا وكذا أنعم الله علينا في كذا فعل بنا كذا وحدثنا عبد الله بن داود عن سفيان في قوله سنستدرجهم من حيث لا يعلمون قال يسبغ عليهم النعم ويمنعهم الشكر وقال غير سفيان كلما أحدثوا ذنبا أحدث لهم نعمة وسئل ثابت البنانى عن الاستدراج فقال ذلك مكر الله بالعباد المضيعين وقال يونس في تفسيرها ان العبد اذا كانت له عند الله منزلة فحفظها وبقى عليها ثم شكر الله بما أعطاه أعطاه أشرف منها واذا هو ضيع الشكر استدرجه الله وكان تضييعه الشكر استدراجا وقال أبو حازم نعمة الله فيما زوى عنى من الدنيا أعظم من نعمته فيما أعطانى منها انى رأيته أعطاها أقواما فهلكوا(1\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "142",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12180",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكل نعمة لا تقرب من الله فهى بلية واذا رأيت الله يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره وذكر كاتب الليث عن هقل عن الاوزاعى أنه وعظهم فقال في موعظته أيها الناس تقووا بهذه النعم التى أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة التى تتطلع على الأفئدة فإنكم في دار الثوى فيها قليل وأنتم فيها مرجون خلائف من بعد القرون الذين استقبلوا من الدنيا أنفعها وزهرتها فهم كانوا أطول منكم أعمارا وأمد أجساما وأعظم آثارا فقطعوا الجبال وجابوا الصخور ونقبوا في البلاد مؤيدين ببطش شديد وأجسام كالعماد فما لبثت الايام والليالى أن طوت مددهم وعفت آثارهم وأخوت منازلهم وأنست ذكرهم فما تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزا كانوا يلهون آمنين لبيات قوم غافلين أو لصباح قوم نادمين ثم أنكم قد علمتم الذى نزل بساحتهم بياتا من عقوبة الله فأصبح كثير منهم في دارهم جاثمين واصبح الباقون ينظرون في آثارهم نقمة وزوال نعمة ومساكن خاويه فيها آية للذين يخافون العذاب الاليم وعبرة لمن يخشى وأصبحتم من بعدهم في أجل منقوص ودنيا مقبوضه وزمان قد ولى عفوه وذهب رخاؤه فلم يبق منه الا حماة شر وصبابة كدر وأهاويل عبر وعقوبات غير وارسال فتن وتتابع زلازل ورذلة خلف بهم ظهر الفساد في البر والبحر ولا تكونوا أشباها لمن خدعه الامل وغره طول الاجل وتبلغ بطول الامانى نسأل الله أن يجعلنا واياكم ممن وعى انذاره وعقل بشره فمهد لنفسه وكان يقال الشكر ترك المعصيه وقال ابن المبارك قال سفيان ليس بفقيه فمن لم يعد البلاء نعمه والرخاء مصيبه وكان مروان بن الحكم اذا ذكر الاسلام قال بنعمة ربى وصلت اليه لا بما قدمت يدى ولا بإرادتى انى كنت خاطئا وكم من مدخل لو مت فيه ... لكنت فيه نكالا في العشيرة وقيت السوء والمكروه فيه ... وظفرت بنعمة منه كبيرة(1\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "143",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12181",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكم من نعمة لله تمسى ... وتصبح في العيان وفي السريرة ودعى عثمان بن عفان رضى الله عنه إلى قوم على ريبة فانطلق ليأخذهم فتفرقوا قبل أن يبلغهم فأعتق رقبة شكرا لله أن لا يكون جرى على يديه خزى مسلم قال يزيد بن هرون أخبرنا أصبغ بن يزيد أن نوحا عليه السلام كان اذا خرج من الخلاء قال الحمد لله الذى أذاقنى لذته وأبقى منفته في جسدى وأذهب عنى أذاه فسمى عبدا شكورا وقال ابن أبى الدنيا حدثنى العباس بن جعفر عن الحارث بن شبل قال حدثتنا أم النعمان أن عائشة حدثتها عن النبي أنه لم يقم عن خلاء قط الا قاله وقال رجل لأبى حازم ما شكر العينين يا أبا حازم قال ان رأيت بهما خيرا أعلنته وان رأيت بهما شرا سترته قال فما شكر الاذنين قال ان سمعت بهما خيرا وعيته وان سمعت بهما شرا دفعته قال فما شكر اليدين قال لا تأخذ بهما ما ليس لهما ولا تمنع حقا لله هو فيهما قال فما شكر البطن قال أن يكون أسفله طعاما وأعلاه علما قال فما شكر الفرج قال قال الله والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون قال فما شكر الرجلين قال ان علمت ميتا تغبطه استعملت بهما عمله وان مقته رغبت عن عمله وأنت شاكر لله وأما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه ولم يلبسه فما ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر وذكر عبد الله بن المبارك أن النجاشى أرسل ذات يوم إلى جعفر وأصحابه فدخلوا عليه وهو في بيت عليه خلقان جالس على التراب قال جعفر فأشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحال فلما رأى ما في وجوهنا قال انى أبشركم بما يسركم انه جاءنى من نحو أرضكم عين لى فأخبرنى أن الله قد نصر نبيه وأهلك عدوه وأسر فلان وفلان وقتل فلان وفلان التقوا بواد يقال له بدر كثير الاراك كأنى أنظر اليه كنت أرعى به لسيدى رجل من(1\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "144",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12182",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بنى ضمرة فقال له جعفر ما بالك جالسا على التراب ليس تحتك بساط وعليك هذه الاخلاق قال انا نجد فيما أنزل الله على عيسى عليه السلام ان حقا على عباد الله أن يحدثوا لله تواضعا عندما أحدث الله لهم من نعمه فلما أحدث الله لى نصر نبيه أحدثت لله هذا التواضع وقال حبيب بن عبيد ما ابتلى الله عبدا ببلاء إلا كان له عليه فيه نعمة ألا يكون أشد منه وقال عبد الملك بن اسحاق ما من الناس إلا مبتلى بعافية لينظر كيف شكره أو بلية لينظر كيف صبره وقال سفيان الثورى لقد أنعم الله على عبد في حاجة أكثر من تضرعه اليه فيها وكان رسول الله اذا جاءه أمر يسره خر لله ساجدا شكرا له عزوجل ذكره أحمد وقال عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه: quot;خرج علينا النبي فتوجه نحو صدقته فدخل فاستقبل القبلة فخر ساجدا فأطال السجود فقلت يا رسول الله سجدت سجدة حسبت أن يكون الله قد قبض نفسك فيها فقال ان جبريل أتانى فبشرنى أن الله عز وجل يقول لك من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه فسجدت لله شكراquot; ذكره أحمد وعن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه قال خرجنا مع النبي من مكة نريد المدينة فلما كنا قريبا من عزور نزل ثم رفع يديه ودعا الله ساعة ثم خر ساجدا فمكث طويلا ثم قام فرفع يديه ساعة ثم خر ساجدا فعله ثلاثا وقال انى سألت ربى وشفعت لأمتى فأعطانى ثلث أمتى فخررت ساجدا شكرا لربى ثم رفعت رأسى فسألت ربى لأمتى فأعطانى ثلث أمتى فخررت ساجدا لربى ثم رفعت رأسى فسألت ربى ربى فأعطانى الثلث الآخر فخررت ساجدا لربى رواه أبو داود وذكر محمد بن اسحاق في كتاب الفتوح قال لما جاء المبشر يوم بدر بقتل أبى جهل استحلفه رسول الله ثلاثة أيمان بالله الذى لا اله الا هو لقد رأيته قتيلا فحلف له فخر رسول الله ساجدا.(1\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "145",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12183",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر سعيد بن منصور أن ابى بكر الصديق رضى الله عنه سجد حين جاءه قتل مسيلمة وذكر أحمد أن عليا رضى الله عنه سجد حين وجد ذا الثدية في الخوارج وسجد كعب بن مالك في عهد النبي لما بشر بتوبة الله عليه والقصة في الصحيحين فإن قيل فنعم الله دائما مستمرة على العبد فما الذى اقتضى تخصيص النعمة الحادثة بالشكر دون الدائمة وقد تكون المستدامة أعظم قيل الجواب من وجوه أحدها أن النعمة المتجددة تذكر بالمستدامة والانسان موكل بالأدنى الثاني أن هذه النعمة المتجددة تستدعي عبودية مجددة وكان أسهلها على الانسان وأحبها إلى الله السجود شكرا له الثالث أن المتجددة لها وقع في النفوس والقلوب بها أعلق ولهذا يهنى بها ويعزى بفقدها الرابع أن حدوث النعم توجب فرح النفس وانبساطها وكثيرا ما يجر ذلك إلى الأشر والبطر والسجود ذل لله وعبودية وخضوع فإذا تلقى به نعمته لسروره وفرح النفس وانبساطها فكان جديرا بدوام تلك النعمة وإذا تلقاها بالفرح الذى لا يحبه الله والاشر والبطر كما يفعله الجهال عندما يحدث الله لهم من النعم كانت سريعة الزوال وشيكة الانتقال وانقلبت نقمة وعادت استدراجا وقد تقدم أمر النجاشى فان الله اذا احدث لعبده نعمة أحب أن يحدث لها تواضعا وقال العلاء بن المغيرة بشرت الحسن بموت الحجاج وهو مختف فخر لله ساجدا فصل ومن دقيق نعم الله على العبد التى لا يكاد يفطن لها انه يغلق عليه بابه فيرسل الله اليه من يطرق عليه الباب يسأله شيئا من القوت ليعرفه نعمته عليه وقال سلام بن أبى مطيع دخلت على مريض أعوده فاذا هو يئن(1\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "146",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12184",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقلت له أذكر المطروحين على الطريق أذكر الذين لا مأوى لهم ولا لهم من يخدمهم قال ثم دخلت عليه بعد ذلك فسمعته يقول لنفسه أذكرى المطروحين في الطريق اذكرى من لا مأوى له ولا له من يخدمه وقال عبد الله بن أبى نوح قال لى رجل على بعض السواحل كم عاملته تبارك اسمه بما يكره فعاملك بما تحب قلت ما أحصى ذلك كثرة قال فهل قصدت اليه في أمر كربك فخذلك قلت لا والله ولكنه أحسن إلى وأعاننى قال فهل سألته شيئا فلم يعطكه قلت وهل منعنى شيئا سألته ما سألته شيئا قط الا أعطانى ولا استعنت به الا أعاننى قال أرأيت لو أن بعض بنى آدم فعل بك بعض هذه الخلال ما كان جزاؤه عندك قلت ما كنت أقدر له مكافأة ولا جزاء قال فربك أحق وأحرى أن تدأب نفسك له في أداء شكره وهو المحسن قديما وحديثا اليك والله لشكره أيسر من مكافأة عباده انه تبارك وتعالى رضى من العباد بالحمد شكرا وقال سفيان الثورى ما كان الله لينعم على عبد في الدنيا فيفضحه في الآخرة ويحق على المنعم أن يتم النعمة على من أنعم عليه وقال ابن أبى الحوارى قلت لأبى معاوية ما أعظم النعمة علينا في التوحيد نسأل الله أن لا يسلبنا اياه قال يحق على المنعم أن يتم النعمة على من أنعم عليه والله أكرم من أن ينعم بنعمة الا أتمها ويستعمل بعمل الا قبله وقال ابن ابى الحوارى قالت لى امرأة أنا في بيتى قد شغل قلبى قلت وما هو قالت أريد أن أعرف نعم الله على في طرفة عين أو أعرف تقصيرى عن شكر النعمة على في طرفة عين قلت تريدين مالا تهتدى اليه عقولنا وقال ابن زيد انه ليكون في المجلس الرجل الواحد يحمد الله عز وجل فيقضى لذلك المجلس حوائجهم كلهم قال وفي بعض الكتب التى أنزلها الله تعالى أنه قال: quot;سروا عبدى المؤمن فكان لا يأتيه شئ الا قال الحمد لله ما شاء الله قال روعوا عبدى المؤمن فكان لا يطلع عليه طليعة(1\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "147",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12185",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من طلائع المكروه الا قال الحمد لله الحمد لله فقال الله تبارك وتعالى ان عبدى يحمدنى حين روعته كما يحمدنى حين سررته أدخلوا عبدى دار عزى كما يحمدنى على كل حالاتهquot;. وقال وهب عبد الله عابد خمسين عاما فأوحى الله اليه انى قد غفرت لك قال أى رب وما تغفر لى ولم أذنب فأذن الله لعرق في عنقه يضرب عليه فلم ينم ولم يصل ثم سكن فنام ثم أتاه ملك فشكا اليه فقال ما لقيت من ضربان العرق فقال الملك ان ربك يقول ان عبادتك خمسين سنة تعدل سكون العرق وذكر ابن أبى الدنيا ان داود قال يارب أخبرنى ما أدنى نعمك على فأوحى الله اليه يا داود تنفس فتنفس قال هذا أدنى نعمى عليك فصل: وبهذا يتبين معنى الحديث الذى رواه أبو داود من حديث زيد ابن ثابت وابن عباس quot;ان الله لو عذب اهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو عير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهمquot; والحديث الذى في الصحيح quot;لن ينجى أحدا منكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا الا أن يتغمدنى الله برحمة منه وفضل فإن اعمال العبد لا توافي نعمة من نعم الله عليهquot;. أما قول بعض الفقهاء ان من حلف أن يحمد الله بأفضل أنواع الحمد كان بر يمينه أن يقول الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده فهذا ليس بحديث عن رسول الله ولا عن أحد من الصحابة وانما هو اسرائيلى عن آدم وأصح منه الحمد لله غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا ولا يمكن حمد العبد وشكره أن يوافي نعمة من نعم الله فضلا عن موافاته جميع نعمه ولا يكون فعل العبد وحمده مكافئا للمزيد ولكن يحمل على وجه يصح وهو أن الذى يستحقه الله سبحانه من الحمد حمدا يكون موافيا لنعمه ومكافئا لمزيده وان لم يقدر العبد أن يأتى به كما اذا قال الحمد لله ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شئ(1\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "148",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12186",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعد وعدد الرمال والتراب والحصى والقطر وعدد أنفاس الخلائق وعدد ما خلق الله وما هو خالق فهذا اخبار عما يستحقه من الحمد لا عما يقع من العبد من الحمد فصل وقال أبو المليح قال موسى يا رب ما أفضل الشكر قال أن تشكرنى على كل حال وقال بكر بن عبد الله قلت لأخ لى أوصنى فقال ما أدرى ما أقول غير أنه ينبغى لهذا العبد أن لا يفتر من الحمد والاستغفار فان ابن آدم بين نعمة وذنب ولا تصلح النعمة الا بالحمد والشكر ولا يصلح الذنب الا بالتوبة والاستغفار فأوسعنى علما ما شئت وقال عبد العزيز بن ابى داود رأيت في يد محمد بن واسع قرحة فكأنه رأى ما شق على منها فقال لى أتدرى ماذا لله على في هذه القرحة من نعمة حين لم يجعلها في حدقتى ولا طرف لسانى ولا على طرف ذكرتى فهانت على قرحته وروى الجريرى عن أبى الورد عن الحلاج عن معاذ بن جبل رضى الله عنه أن رسول الله أتى على رجل وهو يقول: quot; اللهم انى أسألك تمام النعمة فقال ابن آدم هل تدرى ما تمام النعمة قال يارسول الله دعوت دعوة أرجو بها الخير فقال ان تمام النعمة فوز من النار ودخول في الجنةquot;. وقال سهم بن سلمة حدثت أن الرجل اذا ذكر اسم الله على أول طعامه وحمده على آخره لم يسأل عن نعيم ذلك الطعام فصل: ويدل على فضل الشكر على الصبر أن الله سبحانه يحب أن يسأل العافية وما يسأل شيئا أحب اليه من العافية كما في المسند عن ابى صالح عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قام أبو بكر رضى الله عنه على المنبر ثم قال: quot;سلوا الله العافية فإنه لم يعط عبدا بعد اليقين خيرا من العافيةquot;. وفي حديث آخر إن الناس لم يعطوا في هذه الدنيا شيئا أفضل من(1\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "149",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12187",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العفو والعافية فسلوهما الله عز وجل وقال لعمه العباس يا عم أكثر من الدعاء بالعافية وفي الترمذى قلت يا رسول الله علمنى شيئا أسأله الله قال سل الله العافية فمكثت أياما ثم جئت فقلت علمنى شيئا أسأله الله فقال لى يا عباس يا عم رسول الله سل الله العافية في الدنيا والآخرة وقال في دعائه يوم الطائف ان لم يكن بك على غضب فلا أبالى غير أن عافيتك أوسع لى فلاذ بعافيته كما استعاذ بها في قوله أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك وفي حديث آخر quot;سلوا الله العفو والعافية والمعافاةquot; وهذا السؤال يتضمن العفو عما مضى والعافية في الحال والمعافاة في المستقبل بدوام العافية واستمرارها وكان عبد الأعلى التيمى يقول أكثروا من سؤال الله العافية فإن المبتلى وان اشتد بلاؤه ليس بأحق بالدعاء من المعافي الذى لا يأمن البلاء وما المبتلون اليوم إلا من أهل العافية بالأمس وما المبتلون بعد اليوم إلا من أهل العافية اليوم ولو كان البلاء يجر إلى خير ما كنا من رجال البلاء انه رب بلاء قد أجهد في الدنيا وأخزى في الاخرة فما يؤمن من أطال المقام على معصية الله أن يكون قد بقى له في بقية عمره من البلاء ما يجهده في الدنيا ويفضحه في الاخرة ثم يقول بعد ذلك الحمد لله الذى إن نعد نعمه لا نحصيها وإن ندأب له عملا لا نجزيها وإن نعمر فيها لا نيليها ومر رسول الله برجل يسأل الله الصبر فقال لقد سألت البلاء فاسأل العافية وفي صحيح مسلم أنه عاد رجلا قد هفت أى هزل فصار مثل الفرخ فقال هل كنت تدعو الله بشئ أو تسأله اياه قال نعم كنت أقول اللهم ما كنت معاقبنى به في الاخرة فعجله لى في الدنيا فقال رسول الله سبحانه لا تطيقه ولا تستطيعه أفلا قلت اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار فدعا الله له فشفاه وفي الترمذى من حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال دعاء حفظته من رسول الله لا أدعه: quot;اللهم اجعلنى أعظم شكرك وأكثر ذكرك وأتبع نصيحتك وأحفظ وصيتكquot;.(1\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "150",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12188",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال شيبان كان الحسن اذا جلس مجلسا يقول لك الحمد بالاسلام ولك الحمد بالقرآن ولك الحمد بالأهل والمال بسطت رزقنا وأظهرت أمننا وأحسنت معافاتنا ومن كل ما سألناك أعطيتنا فلك الحمد كثيرا كما تنعم كثيرا أعطيت خيرا كثيرا وصرفت شرا كثيرا فلوجهك الجليل الباقى الدايم الحمد وكان بعض السلف يقول اللهم ما أصبح بنا من نعمة أو عافية أو كرامة في دين أو دنيا جرت علينا فيما مضى وهى جارية علينا فيما بقى فانها منك وحدك لا شريك لك فلك الحمد بذلك علينا ولك المن ولك الفضل ولك الحمد عدد ما أنعمت به علينا وعلى جميع خلقك لا اله الا أنت وقال مجاهد اذا كان ابن عمر في سفر فطلع الفجر رفع صوته ونادى سمع سامع بحمد الله ونعمه وحسن بلائه علينا ثلاثا اللهم صاحبنا فأفضل علينا عائذ بالله من النار ولا حول ولا قوة الا بالله ثلاثا وذكر الامام أحمد أن الله سبحانه أوحى إلى موسى بن عمران عليه السلام يا موسى كن يقظان مرتادا لنفسك أخدانا وكل خدن لا يواتيك على مسرتى فلا تصحبه فإنه عدو لك وهو يقسى قلبك وأكثر من ذكرى حتى تستوجب الشكر وتستكمل المزيد وقال الحسن خلق الله آدم حين خلقه فأخرج أهل الجنة من صفحته اليمنى وأخرج أهل النار من صفحته اليسرى فدبوا على وجه الارض منهم الاعمى والاصم والمبتلى فقال آدم يا رب ألا سويت بين ولدى قال يا آدم انى أريد أن أشكر وفي السنن عنه من قال حين يصبح: quot;اللهم ما أصبح بى من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر الا أدى شكر ذلك اليوم ومن قال ذلك حين يمسى فقد أدى شكر ليلتهquot; ويذكر عن النبي من ابتلى فصبر وأعطى فشكر وظلم فغفر وظلم فاستغفر أولئك لهم الامن وهم مهتدون ويذكر عنه أنه أوصى رجلا بثلاث فقال أكثر من ذكر الموت يشغلك عما سواه وعليك بالدعاء(1\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "151",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12189",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنك لا تدرى متى يستجاب لك وعليك بالشكر فإن الشكر زيادة ويذكر عنه أنه كان إذا أكل قال: quot;الحمد لله الذى أطعمنى وسقانى وهدانى وكل بلاء حسن أبلانى الحمد لله الرازق ذى القوة المتين اللهم لا تنزع منا صالحا أعطيتنا ولا صالحا رزقتنا واجعلنا لك من الشاكرينquot; ويذكر عنه أنه إذا أكل قال: quot;الحمد لله الذى أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجاquot; وكان عروة بن الزبير إذا أتى بطعام لم يزل مخمرا حتى يقول هذه الكلمات: quot;الحمد لله الذى هدانا وأطعمنا وسقانا ونعمنا الله أكبر اللهم ألفتنا نعمتك ونحن بكل شر فأصبحنا وأمسينا بخير نسألك تمامها وشكرها لا خير إلا خيرك ولا إله غيرك اله الصالحين ورب العالمين الحمد لله لا اله الا الله ما شاء الله لا قوة الا بالله اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النارquot;. وقال وهب بن منبه رءوس النعم ثلاثة فأولها نعمة الاسلام التى لا تتم نعمه الا بها والثانية نعمة العافية التى لا تطيب الحياة الا بها والثالثة نعمة الغنى التى لا يتم العيش الا به وقدم سعيد الجريرى من الحج فجعل يقول: quot;أنعم الله علينا في سفرنا بكذا وكذا ثم قال تعداد النعم من الشكرquot; ومر وهب بمبتلى أعمى مجذوم مقعد عريان به وضح وهو يقول quot;الحمد لله على نعمه فقال رجل كان مع وهب أى شئ بقى عليك من النعمة تحمد الله عليها فقال له المبتلى ارم ببصرك إلى أهل المدينة فانظر إلى كثرة أهلها أفلا أحمد الله أنه ليس فيها أحد يعرفه غيرىquot;. ويذكر عن النبي أنه قال: quot;اذا أنعم الله على عبد نعمة فحمده عندها فقد أدى شكرهاquot; وذكر على بن أبى طالب رضى الله عنه أن بختنصر أتى بدانيال فأمر به فحبس في جب وأضرى أسدين ثم خلى بينهما(1\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "152",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12190",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبينه ثم فتح عليه بعد خمسة أيام فوجده قائما يصلى والأسدان في ناحية الجب لم يعرضا له فقال له ما قلت حين دفع عليك قال قلت الحمد لله الذى لا ينسى من ذكره والحمد الله الذى لا يخيب من رجاه والحمد لله الذى لا يكل من توكل عليه إلى غيره والحمد لله الذى هو ثقتنا حين تنقطع عنا الحيل والحمد لله الذى هو رجاؤنا حين يسوء ظننا بأعمالنا والحمد لله الذى يكشف عنا ضرنا بعد كربتنا والحمد لله الذى يجزى بالاحسان احسانا والحمد لله الذى يجزى بالصبر نجاة ويذكر عنه انه كان اذا نظر في المرآة قال: quot;الحمد لله الذى أحسن خلقى وخلقى وزان منى ما شان من غيرىquot; وقال ابن سيرين: quot;كان ابن عمر يكثر النظر في المرآة وتكون معه في الاسفار فقلت له ولم قال أنظر فما كان في وجهى زين فهو في وجه غيرى شين أحمد الله عليهquot; وسئل أبو بكر بن أبى مريم ما تمام النعمة قال أن تضع رجلا على الصراط ورجلا في الجنة وقال بكر بن عبد الله يا ابن آدم ان أردت أن تعرف قدر ما أنعم الله عليك فغمض عينيك وقال مقاتل في قوله واسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة قال أما الظاهرة فالاسلام وأما الباطنة فستره عليكم بالمعاصى وقال ابن شوذب قال عبد الله يعنى ابن مسعود رضى الله عنه ان لله على أهل النار منة لو شاء أن يعذبهم بأشد من النار لعذبهم وقال أبو سليمان الدارانى جلساء الرحمن يوم القيامة من جعل فيه خصالا الكرم والسخاء والحلم والرأفة والرحمة والشكر والبر والصبر وقال أبو هريرة رضى الله عنه من رأى صاحب بلاء فقال الحمد لله الذى عافانى مما ابتلاك به وفضلنى عليك وعلى جميع خلقه تفضيلا فقد أدى شكر تلك النعمة وقال عبد الله بن وهب سمعت عبد الرحمن بن زيد يقول الشكر يأخذ بجذم الحمد وأصله وفرعه قال ينظر في نعم الله في بدنه(1\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "153",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12191",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسمعه وبصره ويديه ورجليه وغير ذلك ليس من هذا شئ الا فيه نعمه من الله حق على العبد أن يعمل في النعمة التى هى في بدنه لله في طاعته ونعمة أخرى في الرزق وحق عليه أن يعمل لله فيما أنعم عليه به من الرزق بطاعته فمن عمل بهذا كان قد أخذ يجذم الشكر وأصله وفرعه وقال كعب: quot;ما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فشكرها لله وتواضع بها لله الا أعطاه الله نفعها في الدنيا ورفع له بها درجة في الاخرى وما أنعم الله على عبد نعمة في الدنيا فلم يشكرها لله ولم يتواضع بها الا منعه الله نفعها في الدنيا وفتح له طبقات من النار يعذبه ان شاء أو يتجاوز عنهquot;. وقال الحسن من لا يرى لله عليه نعمة الا في مطعم أو مشرب أو لباس فقد قصر علمه وحضر عذابه وقال الحسن يوما لبكر المزنى هات يا أبا عبد الله دعوات لإخوانك فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ثم قال والله ما أدرى أى النعمتين أفضل على وعليكم أنعمة المسلك أم نعمة المخرج اذا أخرجه منا قال الحسن انها لمن نعمة الطعام وقالت عائشة رضى الله عنها ما من عبد يشرب الماء القراح فيدخل بغير أذى ويخرج الاذى الا وجب عليه الشكر قال الحسن يالها من نعمة تدخل كل لذة وتخرج مسرخا لقد كان ملك من ملوك هذه القرية يرى الغلام من غلمانه يأتى الحب فيكتال منه ثم يجرجر قائما فيقول يا ليتنى مثلك ما يشرب حتى يقطع عنه العطش فإذا شرب كان له في تلك الشربة موتات يا لها من نعمة وكتب بعض العلماء إلى أخ له أما بعد فقد أصبح بنا من نعم الله مالا نحصيه مع كثرة ما نعصيه فما يدرى أيهما نشكر أجميل ما يسر أم قبيح ما ستر وقيل للحسن ها هنا رجل لا يجالس الناس فجاء اليه فسأله عن ذلك فقال انى أمسى وأصبح بين ذنب ونعمة فرأيت أن أشغل نفسى عن الناس بالاستغفار من الذنب والشكر لله على النعمة فقال له الحسن أنت(1\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "154",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12192",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عندى يا عبد الله أفقه من الحسن فالزم ما أنت عليه وقال ابن المبارك سمعت عليا بن صالح يقول في قوله تعالى لئن شكرتم لأزيدنكم قال أى من طاعتى والتحقيق أن الزيادة من النعم وطاعته من أجل نعمه وذكر أبن أبى الدنيا أن محارب بن دثار كان يقوم بالليل ويرفع صوته أحيانا أنا الصغير الذى ربيته فلك الحمد وأنا الضعيف الذى قويته فلك الحمد وأنا الفقير الذى أغنيته فلك الحمد وأنا الصعلوك الذى مولته فلك الحمد وأنا العزب الذى زوجته فلك الحمد وأنا الساغب الذى أشبعته فلك الحمد وأنا العارى الذى كسوته فلك الحمد وأنا المسافر الذى صاحبته فلك الحمد وأنا الغائب الذى رددته فلك الحمد وأنا الراجل الذى حملته فلك الحمد وأنا المريض الذى شفيته فلك الحمد وأنا السائل الذى أعطيته فلك الحمد وأنا الداعى الذى أجبته فلك الحمد ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا وكان بعض الخطباء يقول في خطبته اختط لك الأنف فأقامه وأتمه فأحسن تمامه ثم أدار منك الحدقة فجعلها بجفون مطبقه وبأشفار معلقه ونقلك من طبقة إلى طبقه وحنن عليك قلب الوالدين برقة ومقة فنعمه عليك مورقة وأياديه بك محدقة وكان بعض العلماء يقول في قوله تعالى وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها سبحان من لم يجعل لحد معرفة نعمه الا العلم بالتقصير عن معرفتها كما لم يجعل لحد ادراكه أكثر من العلم أنه لا يدرك فجعل معرفة نعمه بالتقصير عن معرفتها شكرا كما شكر علم العالمين انهم لا يدركونه فجعله ايمانا علما منه أن العباد لا يتجاوزون ذلك وقال عبد الله بن المبارك أخبرنا مثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله يقول خصلتان من كانتا فيه كتبه الله صابرا شاكرا ومن لم يكونا فيه لم يكتبه الله صابرا شاكرا من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به ومن نظر في دنياه إلى من هو دونه(1\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "155",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12193",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فحمد الله على ما فضله به عليه كتبه الله صابرا شاكرا ومن نظر في دينه إلى من هو دونه ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته منه لم يكتبه الله صابرا شاكرا وبهذا الإسناد عن عبد الله ابن عمرو موقوفا عليه أربع خصال من كن فيه بنى الله له بيتا في الجنة من كان عصمة أمره لا اله الا الله واذا أصابته مصيبه قال انا لله وانا اليه راجعون واذا أعطى شيئا قال الحمد لله واذا أذنب قال استغفر الله وقال ابن المبارك عن شبل عن أبى نجيح عن مجاهد في قوله تعالى إنه كان عبدا شكورا قال لم يأكل شيئا إلا حمد الله عليه ولم يشرب شرابا قط الا حمد الله عليه ولم يبطش بشيء قط الا حمد الله عليه فأثنى الله عليه انه كان عبدا شكورا وقال محمد بن كعب كان نوح إذا أكل قال الحمد لله وإذا شرب قال الحمد لله وإذا لبس قال الحمد لله وإذا ركب قال الحمد لله فسماه الله عبدا شكورا وقال ابن أبى الدنيا بلغنى عن بعض الحكماء قال لو لم يعذب الله على معصيته لكان ينبغى أن لا يعصى لشكر نعمته فصل: quot;ولله تبارك وتعالى على عبده نوعان من الحقوق لا ينفك عنهما أحدهما أمره ونهيه اللذين هما محض حقه عليه والثانى شكر نعمه التى أنعم بها عليه فهو سبحانه يطالبه بشكر نعمه وبالقيام بأمره فمشهد الواجب عليه لا يزال يشهده تقصيره وتفريطه وأنه محتاج الى عفو الله ومغفرته فإن لم يداركه بذلك هلك وكلما كان أفقه في دين الله كان شهوده للواجب عليه أتم وشهوده لتقصيره أعظم وليس الدين بمجرد ترك المحرمات الظاهرة بل بالقيام مع ذلك بالأوامر المحبوبة لله واكثر الديانين لا يعبأون منها الا بما شاركهم فيه عموم الناس وأما الجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والنصيحه لله ورسوله وعباده ونصرة الله ورسوله ودينه وكتابه فهذه الواجبات لا تخطر ببالهم فضلا عن أن يريدوا فعلها وفضلا عن أن يفعلوها وأقل الناس دينا(1\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "156",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12194",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأمقتهم الى الله من ترك هذه الواجبات وان زهد فى الدنيا جميعها وقل أن ترى منهم من يحمر وجهه ويمعره لله ويغضب لحرماته ويبذل عرضه فى نصرة دينه وأصحاب الكبائر أحسن حالا عند الله من هؤلاء وقد ذكر أبو عمر وغيره أن الله تعالى أمر ملكا من الملائكة أن يخسف بقريه فقال يا رب ان فيهم فلانا العابد الزاهد قال به فابدأ وأسمعنى صوته انه لم يتمعر وجهه فى يوم قط فصل: وأما شهود النعمه فإنه لا يدع له رؤية حسنة من حسناته أصلا ولو عمل أعمال الثقلين فإن نعم الله سبحانه أكثر من أعماله وأدنى نعمه من نعمه تستنفذ عمله فينبغى للعبد ألا يزال ينظر فى حق الله عليه قال الامام أحمد حدثنا حجاج حدثنا جرير بن حازم عن وهب قال بلغنى أن نبى الله موسى عليه السلام مر برجل يدعو ويتضرع فقال يا رب ارحمه فإنى قد رحمته فأوحى الله اليه لو دعانى حتى تنقطع قواه ما استجبت له حتى ينظر فى حقى عليه فمشاهدة العبد النعمه والواجب لا تدع له حسنة يراها ولا يزال مزريا على نفسه ذاما لها وما اقربه من الرحمه اذا أعطى هذين المشهدين حقهما والله المستعان(1\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "157",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12195",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الحادى والعشرون: فى الحكم بين الفريقين والفصل بين الطائفتين فنقول كل أمرين طلبت الموازنة بينهما ومعرفة الراجح منهما على المرجوح فإن ذلك لا يمكن إلا بعد معرفة كل منهما وقد ذكرنا حقيقة الصبر وأقسامه وأنواعه ونذكر حقيقة الشكر وماهيته قال فى الصحاح الشكر الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف(1\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "158",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12196",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقال شكرته وشكرت له واللام أفصح وقوله تعالى لا نريد منكم جزاء ولا شكورا يحتمل أن يكون مصدرا كالقعود وأن يكون جميعا كالبرود والكفور والشكران خلاف الكفران وتشكرت له مثل شكرت له والشكور من الدواب ما يكفيه العلف القليل واشتكرت السماء اشتد وقع مطرها واشتكر الضرع امتلأ لبنا تقول منه شكرت الناقة بالكسر تشكر شكرا فهى شكرة وشكرت الشجرة تشكر شكرا إذا خرج منها الشكير وهو ما ينبت حول الشجرة من أصلها فتأمل هذا الاشتقاق وطابق بينه وبين الشكر المأمور به وبين الشكر الذى هو جزاء الرب الشكور كيف نجد فى الجميع معنى الزيادة والنماء ويقال أيضا دابة شكور اذا أظهرت من السمن فوق ما تعطى من العلف وشكر العبد يدور على ثلاثة أركان لا يكون شكورا الا بمجموعها أحدها اعترافه بنعمة الله عليه والثانى الثناء عليه بها والثالث الاستعانة بها على مرضاته وأما قول الناس فى الشكر فقالت طائفة هو الاعتراف بنعمه المنعم على وجه الخضوع وقيل الشكر هو الثناء على المحسن بذكر احسانه اليه فشكر العبد ثناؤه عليه بذكر احسانه اليه وقيل شكر النعمة مشاهدة المنة وحفظ الحرمة والقيام بالحدمة وقيل شكر النعمة أن ترى نفسك فيها طفيليا وقيل الشكر معرفه العجز عن الشكر ويقال الشكر على الشكر أتم من الشكر وذلك أن ترى شكرك بتوفيقه وذلك التوفيق من أجل النعم عليك تشكر على الشكر ثم تشكره على الشكر الا ترى نفسك للنعمه أهلا وقيل الشكر استفراغ الطاقه فى الطاعه وقيل الشاكر الذى يشكر على الموجود والشكور الذى يشكر على المفقود وقيل الشاكر الذى يشكر على الرفد والشكور الذى يشكر على الرد وقيل الشاكر الذى(1\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "159",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12197",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يشكر على النفع والشكور الذى يشكر على المنع وقيل الشاكر الذى يشكر على العطاء والشكور الذى يشكر على البلاء وقال الجنيد كنت بين يدى السرى ألعب وأنا ابن سبع سنين وبيننا جماعة يتكلمون فى الشكر فقال لى ياغلام ما الشكر فقلت ألا تعصى الله بنعمه فقال يوشك أن يكون حظك من الله لسانك فلا أزال أبكى على هذه الكلمة التى قالها السرى وقال الشبلى الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعم وهذا ليس بجيد بل من تمام الشكر أن تشهد النعمة من المنعم وقيل الشكر قيد الموجود وصيد المفقود وقال أبو عثمان شكر العامة على المطعم والملبس وشكر الخواص على ما يرد على قلوبهم من المعانى وحبس السلطان رجلا فأرسل اليه صاحبه أشكر الله فضرب فارسل اليه أشكر الله فجيء بمحبوس مجوسى مبطون فقيد وجعل حلقة من قيده فى رجله وحلقة فى الرجل المذكور فكان المجوسى يقوم بالليل مرات فيحتاج الرجل أن يقف على راسه حتى يفرغ فكتب اليه صاحبه أشكر الله فقال له الى متى تقول أشكر الله وأى بلاء فوق هذا فقال ولو وضع الزنار الذى فى وسطه فى وسطك كما وضع القيد الذى فى رجله فى رجلك ماذا كنت تصنع فاشكر الله ودخل رجل على سهل ابن عبد الله فقال اللص دخل داري وأخذ متاعى فقال أشكر الله فلو دخل اللص قلبك وهو الشيطان وافسد عليك التوحيد ماذا كنت تصنع. وقيل الشكر التلذذ بثنائه على ما لم يستوجبه من عطائه وقيل اذا قصرت يدك عن المكافأة فليطل لسانك بالشكر وقيل اربعة لا ثمرة لهم مشاورة الاصم ووضع النعمة عند من لا يشكرها والبذر فى السباح والسراج فى الشمس والشكر يتعلق بالقلب واللسان والجوارح فالقلب للمعرفة والمحبة(1\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "160",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12198",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واللسان للثناء والحمد والجوارح لاستعمالها فى طاعة المشكور وكفها عن معاصيه وقال الشاعر أفادتكم النعماء منى ثلاثة ... يدى ولسانى والضمير المحجبا والشكر أخص بالافعال والحمد أخص بالاقوال وسبب الحمد أعم من سبب الشكر ومتعلق الشكر وما به الشكر أعم مما به الحمد فما يحمد الرب تعالى عليه أعم مما يشكر عليه فانه يحمد على أسمائه وصفاته وأفعاله ونعمه ويشكر على نعمه وما يحمد به أخص مما يشكر به فانه يشكر بالقلب واللسان والجوارح ويحمد بالقلب واللسان فصل: اذا عرف هذا فكل من الصبر والشكر داخل فى حقيقة الآخر لا يمكن وجوده الا به وانما يعبر عن أحدهما باسمه الخاص به باعتبار الاغلب عليه والاظهر منه والا فحقيقة الشكر انما يلتئم من الصبر والارادة والفعل فان الشكر هو العمل بطاعة الله وترك معصيته والصبر أصل ذلك فالصبر على الطاعة وعن المعصية هو عين الشكر واذا كان الصبر مأمورا به فأداؤه هو الشكر فان قيل فهذا يفهم منه اتحاد الصبر والشكر وانهما اسمان لمسمى واحد وهذا محال عقلا ولغة وعرفا وقد فرق الله سبحانه بينهما قيل بل هما معنيان متغايران وانما بينا تلازمهما وافتقار كل واحد منهما فى وجود ماهيته الى الآخر ومتى تجرد الشكر عن الصبر بطل كونه شكرا واذا تجرد الشكر عن الصبر بطل كونه صبرا أما الاول فظاهر وأما الثانى اذا تجرد عن الشكر كان كافورا ومنافاة الكفور للصبر أعظم من منافاة السخوط فان قيل بل ها هنا قسم آخر وهو أن لا يكون كفورا ولا شكورا بل صابرا على مضض وكراهة شديدة فلم يأت بحقيقة الشكر ولم يخرج عن ماهية الصبر(1\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "161",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12199",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل: كلامنا فى الصبر المأمور به الذى هو طاعة لا فى الصبر الذى هو تجلد كصبر البهائم وصبر الطاعة لا يأتي به إلا شاكر ولكن اندرج شكره في صبره فكان الحكم للصبر كما اندرج صبر الشكور فى شكره فكان الحكم للشكر فمقامات الايمان لا تعدم بالتنقل فيها بل تندرج وينطوى الادنى فى الاعلى كما يندرج الايمان فى الاحسان وكما يندرج الصبر فى مقامات الرضا لا أن الصبر يزول ويندرج الرضا فى التفويض ويندرج الخوف والرجاء فى الحب لا أنهما يزولان فالمقدور الواحد يتعلق به الشكر والصبر سواء كان محبوبا أو مكروها فالفقر مثلا يتعلق به الصبر وهو أخص به لما فيه من الكراهة ويتعلق به الشكر لما فيه من النعمة فمن غلب شهود نعمته وتلذذ به واستراح واطمأن اليه عده نعمة يشكر عليها ومن غلب شهود ما فيه من الابتلاء والضيق والحاجة عده بلية يصبر عليها وعكسه الغنى على أن الله سبحانه ابتلى العباد بالنعم كما ابتلاهم بالمصائب وعد ذلك كله ابتلاء فقال ونبلوكم بالشر والخير فتنة وقال فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن وقال إنا جعلنا ما على الارض زينا لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وقال الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وقال وهو الذى خلق السموات والارض فى ستة ايام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا فاخبر سبحانه أنه خلق العالم العلوى والسفلى وقدر أجل الخلق وخلق ما على الارض للابتلاء والاختبار وهذا الابتلاء انما هو ابتلاء صبر العباد وشكرهم فى الخير والشر والسراء والضراء فالابتلاء من النعم من الغنى والعافية والجاه والقدرة وتأتى الاسباب أعظم الابتلائين والصبر على طاعة الله أشق الصبرين كما قال الصحابة رضى الله عنهم ابتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر والنعمة بالفقر والمرض وقبض الدنيا وأسبابها وأذى الخلق قد يكون(1\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "162",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12200",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أعظم النعمتين وفرض الشكر عليها أوجب من الشكر على أضدادها فالرب تعالى يبتلى بنعمه وينعم بابتلائه غير أن الصبر والشكر حالتان لازمتان للعبد فى أمر الرب ونهيه وقضائه وقدره لا يستغنى عنهما طرفة عين والسؤال عن أيهما أفضل كالسؤال عن الحس والحركة أيهما أفضل وعن الطعام والشراب أيهما أفضل وعن خوف العبد ورجائه أيهما أفضل فالمأمور لا يؤدى الا بصبر وشكر والمحظور لا يترك الا بصبر وشكر وأما المقدور الذى يقدر على العبد من المصائب فمتى صبر عليه اندرج شكره فى صبره كما يندرج صبر الشاكر فى شكره ومما يوضح هذا أن الله سبحانه امتحن العبد بنفسه وهواه وأوجب عليه جهادهما فى الله فهو فى كل وقت فى مجاهدة نفسه حتى تأتى بالشكر المأمور به ويصبر عن الهوى المنهى عن طاعته فلا ينفك العبد عنهما غنيا كان أو فقيرا معافى أو مبتلى وهذه هى مسألة الغنى الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل وللناس فيها ثلاثة أقوال وهى التى حكاها أبو الفرج ابن الجوزى وغيره فى عموم الصبر والشكر أيهما أفضل وقد احتجت كل فرقة بحجج وأدلة على قولها والتحقيق أن يقال أفضلهما أتقاهما لله تعالى فان فرض استوائهما فى التقوى استويا فى الفضل فان الله سبحانه لم يفضل بالفقر والغنى كما لم يفضل بالعافيه والبلاء وانما فضل بالتقوى كما قال تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم وقد قال لا فضل لعربى على عجمى ولا فضل لعجمى على عربى الا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب والتقوى مبنيه على أصلين الصبر والشكر وكل من الغنى والفقير لا بد له منهما فمن كان صبره وشكره أتم كان أفضل فان قيل فاذا كان صبر الفقير أتم وشكر الغنى أتم فأيهما أفضل. قيل أتقاهما لله فى وظيفته ومقتضى حاله ولا يصح التفضيل بغير(1\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "163",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12201",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا البته فان الغنى قد يكون أتقى لله فى شكره من الفقير فى صبره وقد يكون الفقير أتقى لله فى صبره من الغنى فى شكره فلا يصح أن يقال هذا بغناه أفضل ولا هذا بفقره أفضل ولا يصح أن يقال هذا بالشكر أفضل من هذا بالصبر ولا بالعكس لأنهما مطيتان للايمان لا بد منهما بل الواجب أن يقال أقومهما بالواجب والمندوب هو الافضل فان التفضيل تابع لهذين الأمرين كما قال تعالى فى الاثر الالهى: quot;ما تقرب الى عبدى بمثل مداومة ما افترضت عليه ولا يزال عبدى يتقرب الى بالنوافل حتى أحبهquot; فأى الرجلين كان أقوم بالواجبات وأكثر نوافل كان أفضل فان قيل: فقد ثبت عن النبى أنه قال quot; يدخل فقراء أمتى الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وذلك خمسمائة عامquot; قيل هذا لا يدل على فضلهم على الاغنياء فى الدرجة وعلو المنزلة وان سبقوهم بالدخول فقد يتأخر الغنى والسلطان العادل فى الدخول لحسابه فاذا دخل كانت درجته أعلى ومنزلته أرفع كسبق الفقير القفل فى المضائق وغيرها ويتأخر صاحب الاحمال بعده فان قيل فقد قال النبى للفقراء لما شكوا اليه زيادة عمل الاغنياء عليهم بالعتق والصدقه: quot;ألا أدلكم على شئ اذا فعلتموه أدركتم به من سبقكمquot; فدلهم على التسبيح والتحميد والتكبير عقب كل صلاة فلما سمع الاغنياء ذلك عملوا به فذكروا ذلك للنبى فقال: quot;ذلك فضل الله يؤتيه من يشاءquot; وهذا يدل على ترجيح حال الغنى الشاكر قيل هذا حجة للقول الذى نصرناه وهو أن أفضلهما أكثرهما نوافل فإن استويا استويا وها هنا قد ساوى الأغنياء الفقراء فى أعمالهم المفروضه والنافلة وزادوا عليهم بنوافل العتق والصدقه وفضلوهم بذلك فساووهم فى صبرهم على الجهاد والأذى فى الله والصبر على المقدور وزادوا عليهم بالشكر بنوافل المال فلو كان للفقراء بصبرهم نوافل تزيد على نوافل الأغنياء لفضلوهم بها فإن قيل: إن النبى عرضت عليه مفاتيح كنوز الدنيا فردها(1\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "164",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12202",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: quot;بل اشبع يوما وأجوع يوماquot; وقال هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى الله عنهما قالت: quot;خرج رسول الله من الدنيا ولم يشبع من خبز البر ومات ودرعه مرهونه عند يهودى على طعام أخذه لأهلهquot;. وقال الامام أحمد حدثنا وكيع حدثنا الاعمش عن عبادة بن القعقاع عن ابى زرعه عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله: quot;اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا quot; وقال الامام أحمد حدثنا اسماعيل بن محمد حدثنا عباد بن عباد حدثنا مجالد بن سعيد عن الشعبى عن مسروق عن عائشة رضى الله عنها قالت دخلت على امرأة من الانصار فرأت فراش النبى عباءة مثنيه فرجعت الى منزلها فبعثت الى بفراش حشوه الصوف فدخل على رسول الله فقال: quot;ما هذا فقلت فلانه الانصاريه دخلت على فرأت فراشك فبعثت إلى بهذا فقال رديه فلم أرده وأعجبنى أن يكون فى بيتى حتى قال لى ذلك ثلاث مرات فقال ياعائشة رديه فوالله لو شئت لأجرى الله معى جبال الذهب والفضه فرددتهquot; ولم يكن الله سبحانه ليختار لرسوله الا الافضل هذا مع أنه لو أخذ الدنيا لأنفقها كلها فى مرضاة الله ولكان شكره بها فوق شكر جميع العالمين قيل احتج بحال رسول الله كل واحدة من الطائفتين والتحقيق أن الله سبحانه وتعالى جمع له بين المقامين كليهما على أتم الوجوه وكان سيد الاغنياء الشاكرين وسيد الفقراء الصابرين فحصل له من الصبر على الفقراء ما لم يحصل لأحد سواه ومن الشكر على الغنى ما لم يحصل لغنى سواه ومن تأمل سيرته وجد الأمر كذلك فكان أصبر الخلق فى مواطن الصبر وأشكر الخلق فى مواطن الشكر وربه تعالى كمل له مراتب الكمال فجعله فى أعلى رتب الأغنياء الشاكرين وفى أعلى مراتب الفقراء الصابرين قال(1\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "165",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12203",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى ووجدك عائلا فأغنى وأجمع المفسرون أن العائل هو الفقير يقال عال الرجل يعيل إذا افتقر وأعال يعيل إذا صار ذا عيال مثل لبن وأثمر وأثرى إذا صار ذا لبن وثمر وثروة وعال يعول إذا جار ومنه قوله تعالى ذلك أدنى أن لا تعولوا وقيل المعنى ألا تكثر عيالكم والقول هو الأول لوجوه أحدها: أنه لا يعرف فى اللغة عال يعول إذا كثر عياله وانما المعروف فى ذلك عال يعيل وأما عال يعول فهو بمعنى الجور ليس إلا هذا الذى ذكره أهل اللغة قاطبة الثانى: أنه سبحانه قابل ذلك بالعدل الذى نقلهم عند خوفهم من فقده الى الواحدة والتسرى بما شاءوا من ملك أيمانهم ولا يحسن هنا التعليل بعدم العيال يوضحه الوجه الثالث أنه سبحانه نقلهم عند الخوف من عدم القسط فى نكاح اليتامى إلى من سواهن من النساء لئلا يقعوا فى ظلم أزواجهم اليتامى وجوز لهم نكاح الواحدة وما فوقها إلى الأربع ثم نقلهم عند خوف الجور وعدم العدل فى القسمة إلى الواحدة أو النوع الذى لا قسمة عليهم فى الاستمتاع بهنوهن الإماء فانتظمت الآية ببيان الجائز من نكاح اليتامى والبوالغ والأولى من ذينك القسمين عند خوف العدل فما لكثرة العيال مدخل ها هنا البتة يوضحه الوجه الرابع: انه لو كان المحذور كثرة العيال لما نقلهم الى ما شاءوا من كثرة الاماء بلا عدد فإن العيال كما يكونون من الزوجات يكونون من الإماء ولا فرق فإنه لم ينقلهم الى اماء الاستخدام بل الى إماء الاستفراش يوضحه الوجه الخامس: أن كثرة العيال ليس أمرا محذورا مكروها للرب تعالى كيف وخير هذه الأمة أكثرها نساء وقد قال النبى:(1\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "166",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12204",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;تزوجوا الودود الولود فإنى مكاثر بكم الاممquot; فأمر بنكاح الولود ليحصل منها ما يكاثر به الامم يوم القيامة والمقصود أنه سبحانه جعل نبيه غنيا شاكرا بعد أن كان فقيرا صابرا فلا تحتج به طائفة لحالها إلا كان للطائفة الأخرى أن تحتج به ايضا لحالها فإن قيل فقد كان عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه من الشاكرين وقد قال الامام أحمد فى مسنده حدثنا عبد الصمد حدثنا عمارة عن ثابت عن أنس رضى الله عنه قال بينما عائشة فى بيتها سمعت صوتا فى المدينة فقالت ما هذا فقالوا عير لعبد الرحمن قدمت من الشام تحمل من كل شئ قال وقد كانت سبعمائة بعير فارتجت المدينة من الصوت فقالت عائشة سمعت رسول الله يقول: quot;رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبواquot; فبلغ ذلك عبد الرحمن فقال إن استطعت لأدخلنها قائما فجعلها بأحمالها وأقتابها كلها فى سبيل الله قيل قد قال الامام أحمد هذا الحديث كذب منكر قالوا او عمارة يروى أحاديث مناكير وقال أبو حاتم الرازى عمارة بن زاذان لا يحتج به قال أبو الفرج وقد روى الجراح بن منهال باسناده عن عبد الرحمن بن عوف أن النبى قال له: quot;يا ابن عوف إنك من الأغنياء وإنك لا تدخل الجنة إلا زحفا فأقرض ربك يطلق قدميكquot; قال أبو عبد الرحمن النسائى هذا حديث موضوع والجراح متروك الحديث وقال يحيى ليس حديث الجراح بشئ وقال ابن المدينى لا يكتب حديثه وقال ابن حبان كان يكذب وقال الدارقطنى متروك فإن قيل فما تصنعون بالحديث الذى رواه البيهقى من حديث أحمد بن على بن اسماعيل بن محمد حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أخبرنى خالد بن يزيد بن أبى مالك عن أبيه عن عطاء بن أبى رباح عن(1\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "167",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12205",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن رسول الله أنه قال: quot;يا ابن عوف إنك من الاغنياء ولن تدخل الجنة إلا زحفا فأقرض الله يطلق قدميكquot; قال وما الذى أقرض يا رسول الله قال تتبرأ مما أمسيت فيه قال أمن كله أجمع يا رسول الله قال نعم فخرج وهو يهتم بذلك فأتاه جبريل فقال مر ابن عوف فليضف الضيف وليطعم المساكين وليبدأ بمن يعول وليعط السائل فاذا فعل ذلك كان تزكية ما هو فيهquot;. قيل هذا حديث باطل لا يصح عن رسول الله فان أحد رواته خالد بن يزيد بن أبى مالك قال الامام أحمد ليس بشيء وقال ابن معين واه وقال النسائى غير ثقة وقال الدارقطنى ضعيف وقال يحيى بن معين لم يرض أن يكذب على أبيه حتى كذب على الصحابة فان قيل فما تصنعون بالحديث الذى قاله الامام أحمد حدثنا الهذيل بن ميمون عن مطرح بن يزيد عن عبيد الله بن زحر عن على بن يزيد عن القاسم عن أبى أمامة قال قال رسول الله: quot;دخلت الجنة فسمعت خشفة بين يدى قلت ما هذا قال بلال فمضيت فاذا أكثر أهل الجنة فقراء المهاجرين وذرارى المسلمين ولم ار فيها أحدا أقل من الاغنياء والنساء قيل لى أما الاغنياء فهم فى الباب يحاسبون ويمحصون وأما النساء فألهاهن الاحمران الذهب والحرير ثم خرجنا من أحد أبواب الجنة الثمانية فلما كنت عند الباب أتيت بكفة فوضعت فيها ووضعت أمتى فى كفة فرجحت بها ثم أتى بأبى بكر فوضع فى كفة وجئ بجميع أمتى فوضعوا فى كفة فرجح أبو بكر ثم اتى بعمر فوضع فى كفة ووضع أمتى فى كفة فرجح عمر وعرضت على أمتى رجلا رجلا فجعلوا يمرون واستبطأت عبد الرحمن ابن عوف ثم جاء بعد الاياس فقلت عبد الرحمن فقال بأبى وأمى يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما خلصت إليك حتى ظننت إنى لا أصل إليك الا بعد المشيبات قلت وما ذاك قال من كثرة مالى أحاسب فأمحصquot;.(1\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "168",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12206",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل هذا حديث لا يحتج باسناده وقد أدخله أبو الفرج هو والذى قبله فى كتاب الموضوعات وقال أما عبيد بن زحر فقال يحيى ليس بشئ وعلى بن يزيد متروك وقال ابن حبان عبيد الله يروى الموضوعات عن الاثبات واذا روى عن على بن يزيد أتى بالطامات واذا اجتمع فى اسناد خبر عبيد الله بن زحر وعلى بن يزيد والقاسم ابن عبد الرحمن لم يكن متن ذلك الخبر الا مما عملته أيديهم قال أبو الفرج وبمثل هذا الحديث الباطل يتعلق جملة المتزهدين ويرون ان المال مانع من السبق الى الخير ويقولون اذا كان ابن عوف يدخل الجنة زحفا لأجل ماله كفى ذلك فى ذم المال والحديث لا يصح وحاشا عبد الرحمن المشهود له بالجنة أن يمنعه ماله من السبق لان جمع المال مباح وانما المذموم كسبه من غير وجهه ومنع الحق الواجب فيه وعبد الرحمن منزه عن الحالين وقد خلف طلحة ثلاثمائة حمل من الذهب وخلف الزبير وغيره ولو علموا أن ذلك مذموم لأخرجوا الكل وكم قاص يتسوف بمثل هذا الحديث يحث على الفقر ويذم الغنى فلله در العلماء الذين يعرفون الصحيح ويفهمون الأصول اهـ قلت وقد بالغ فى رد هذا الحديث وتجاوز الحد فى إدخاله فى الأحاديث الموضوعة المختلقة على رسول الله وكأنه استعظم احتباس عبد الرحمن بن عوف وهو أحد السابقين الأولين المشهود لهم عن السبق اليها ودخول الجنة حبوا ورأى ذلك مناقضا لسبقه ومنزلته التى أعدها الله له فى الجنة وهذا وهم منه رحمه الله وهب أنه وجد السبيل الى الطعن فى هذين الخبرين أفيجد سبيلا الى القدح فى حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله قال: quot;يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمسمائة عام quot; قال الترمذى حديث حسن صحيح وفى حديث ابن عمر الذى رواه مسلم فى(1\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "169",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12207",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صحيحه عن النبى: quot;إن فقراء المهاجرين يسبقون الاغنياء يوم القيامة بأربعين خريفاquot; وفى مسند الامام أحمد عنه عن النبى: quot;هل تدرون أول من يدخل الجنة قالوا الله ورسوله أعلم قال فقراء المهاجرين الذين يتقى بهم المكاره يموت أحدهم وحاجته فى صدره لا يستطيع لها قضاءquot;. وفى جامع الترمذى من حديث جابر رضى الله عنه عن النبى أنه قال: quot;يدخل فقراء أمتى الجنة قبل الاغنياء بأربعين خريفاquot; فهذا الحديث وأمثاله صحيح صريح فى سبق فقراء الصحابة الى الجنة لأغنيائهم وهم فى السبق متفاوتون فمنهم من يسبق خمسمائة عام ومنهم من يسبق بأربعين عاما ولا يقدح ذلك فى منزلة المتأخرين فى الدخول فإنهم قد يكونون أرفع منزلة ممن سبقهم الى الدخول وان تأخروا بعدهم للحساب فان الامام العادل يوقف للحساب ويسبقه من لم يل شيئا من أمور المسلمين الى الجنة فاذا دخل الامام العادل بعده كانت منزلته أعلى من منزلة الفقير بل يكون أقرب الناس من الله منزلة كما فى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضى الله عنه عن النبى قال: quot;المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون فى حكمهم وأهليهم وما ولواquot; وفى الترمذى من حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه عن النبى: quot;أن أحب الناس الى الله يوم القيامة واقربهم منه مجلسا امام عادل وأبغض الناس الى الله يوم القيامة وأشدهم عذابا امام جائرquot; فالامام العادل والغنى قد يتأخر دخول كل منهم للحساب ويكون بعد الدخول ارفع منزلة من الفقير السابق ولا يلزم من احتباس عبد الرحمن بن عوف لكثرة ماله حتى يحاسبه عليه ثم يلحق برسول الله وأصحابه غضاضة عليه ولا نقص من مرتبته ولا يضاد ذلك سبقه وكونه مشهودا له بالجنة وأما حديث دخوله الجنة زحفا فالامر كما قال فيه الامام أحمد رحمه الله انه كذب منكر وكما قال النسائى انه موضوع ومقامات عبد(1\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "170",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12208",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرحمن وجهاده ونفقاته العظيمة وصدقاته تقتضى دخوله مع المارين كالبرق أو كالطرف أو كأجاويد الخيل ولا يدعه يدخلها زحفا فصل: والله سبحانه كما هو خالق الخلق فهو خالق ما به غناهم وفقرهم فخلق الغنى والفقر ليبتلى بهما عباده أيهم أحسن عملا وجعلهما سببا للطاعة والمعصية والثواب والعقاب قال تعالى ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون قال ابن عباس رضى الله عنهما بالشدة والرخاء والصحة والسقم والغنى والفقر والحلال والحرام وكلها بلاء وقال ابن يزيد نبلوكم بما تحبون وما تكرهون لننظر كيف صبركم وشكركم فبما تحبون وما تكرهون وقال الكلبى بالشر بالفقر والبلاء والخير بالمال والولد فأخبر سبحانه أن الغنى والفقر مطيتا الابتلاء والامتحان وقال تعالى فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا فأخبر سبحانه أنه يبتلى عبده بإكرامه له وبتنعيمه له وبسط الرزق عليه كما يبتليه بتضييق الرزق وتقديره عليه وان كليهما ابتلاء منه وامتحان ثم أنكر سبحانه على من زعم أن بسط الرزق وتوسعته اكرام من الله لعبده وان تضييقه عليه اهانة منه له فقال كلا أى ليس الامر كما يقول الانسان بل قد أبتلى بنعمتى وأنعم ببلائى واذا تأملت ألفاظ الآية وجدت هذا المعنى يلوح على صفحاتها ظاهرا للمتأمل وقال تعالى وهو الذى جعلكم خلائف الارض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم وقال تعالى إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا فأخبر سبحانه أنه زين الارض بما عليها من المال وغيره للابتلاء والامتحان كما أخبر أنه خلق الموت والحياة لذلك وخلق السموات والارض لهذا الابتلاء أيضا(1\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "171",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12209",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذه ثلاثة مواضع فى القرآن يخبر فيها سبحانه أنه خلق العالم العلوى والسفلى وما بينهما وأجل العالم وأجل أهله وأسباب معائشهم التى جعلها زينة للأرض من الذهب والفضة والمساكن والملابس والمراكب والزروع والثمار والحيوان والنساء والبنين وغير ذلك كل ذلك خلقه للابتلاء والامتحان ليختبر خلقه أيهم أطوع له وارضى فهو الاحسن عملا وهذا هو الحق الذى خلق به وله السموات والارض وما بينهما وغايته الثواب والعقاب وفواته وتعطيله هو العبث الذى نزه نفسه عنه وأخبر أنه يتعالى عنه وأن ملكه الحق وتفرده بالالهية وحده وبربوبية كل شئ ينفى هذا الظن الباطل والحساب الكاذب كما قال تعالى أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم فنزه سبحانه نفسه عن ذلك كما نزهها عن الشريك والولد والصاحبة وسائر العيوب والنقائص من السنة والنوم واللغوب والحاجة واكتراثه بحفظ السموات والارض وتقدم الشفعاء بين يديه بدون اذنه كما يظنه أعداؤه المشركون يخرجون عن علمه جزئيات العالم أو شيئا منها فكما أن كماله المقدس وكمال أسمائه وصفاته يأبى ذلك ويمنع منه فكذلك يبطل خلقه لعباده عبثا وتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يردهم اليه فيثيب محسنهم بإحسانه ومسيئهم باساءته ويعرف المبطلون منهم انهم كانوا كاذبين ويشهدهم أن رسله وأتباعهم كانوا اولى بالصدق والحق منهم فمن أنكر ذلك فقد انكر إلهيته وربوبيته وملكه الحق وذلك عين الجحود والكفر به سبحانه كما قال المؤمن لصاحبه الذى حاوره فى المعاد وأنكره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا فأخبر أن انكاره للمعاد كفر بذات الرب سبحانه وقال تعالى وان تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا إنا لفى خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وذلك أن انكار المعادى يتضمن انكار قدرة الرب وعلمه وحكمته وملكه الحق وربوبيته والهيته كما أن تكذيب رسله وجحد رسالتهم يتضمن ذلك ايضا فمن كذب رسله وجحد(1\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "172",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12210",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعاد فقد أنكر ربوبيته سبحانه ونفى أن يكون رب العالمين والمقصود أنه سبحانه وتعالى خلق الغنى والفقر مطيتين للابتلاء والامتحان ولم ينزل المال لمجرد الاستمتاع به كما فى المسند عنه قال: يقول الله تعالى: quot;انا نزلنا المال لاقام الصلاة وايتاء الزكاة ولو كان لابن آدم واد من مال لابتغى اليه ثانيا ولو كان له ثان لابتغى له ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم الا التراب quot; فأخبر سبحانه انه أنزل المال ليستعان به على إقامة حقه بالصلاة واقامة حق عباده بالزكاة لا للاستمتاع والتلذذ كما تأكل الانعام فاذا زاد المال عن ذلك أو خرج عن هذين المقصودين فان الغرض والحكمة التى أنزل لها كان التراب أولى به فرجع هو والجوف الذى امتلأ به بما خلق له من الايمان والعلم والحكمة فانه خلق لان يكون وعاء لمعرفة ربه وخالقه والايمال به ومحبته وذكره وانزل عليه من المال ما يستعين به على ذلك فعطل الجاهل بالله وبأمر الله وبتوحيد الله وبأسمائه وصفاته جوفه عما خلق له وملأه بمحبة المال الفانى الذاهب الذى هو ذاهب عن صاحبه أو بالعكس وجمعه والاستكثار منه ومع ذلك فلم يمتلىء بل ازداد فقرا وحرصا الى أن امتلأ جوفه بالتراب الذى خلق منه فرجع الى مادته الترابية التى خلق منها هو وماله ولم تتكمل مادته بامتلاء جوفه من العلم والايمان الذى بهما كماله وفلاحه وسعادته فى معاشه ومعاده فالمال ان لم ينفع صاحبه ضره ولا بد وكذلك العلم والملك والقدرة كل ذلك ان لم ينفعه ضره فان هذه الامور وسائل لمقاصد يتوسل بها اليها فى الخير والشر فان عطلت عن التوسل بها الى المقاصد والغايات المحمودة توسل بها الى أضدادها فأربح الناس من جعلها وسائل الى الله والدار الآخرة وذلك الذى ينفعه فى معاشه ومعاده وأخسر الناس من توسل بها الى هواه ونيل شهواته وأغراضه العاجلة فخسر الدنيا والآخرة فهذا لم يجعل الوسائل مقاصد ولو جعلها كذلك لكان خاسرا لكنه جعلها وسائل الى ضد ما جعلت له فهو(1\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "173",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12211",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بمثابة من توسل بأسباب اللذة الى أعظم الآلام أدوائها فالأقسام أربعة لا خامس لها أحدها معطل الاسباب معرض عنها الثانى مكب عليها واقف مع جمعها وتحصيلها الثالث متوصل بها الى ما يضره ولا ينفعه فى معاشه ومعاده فهؤلاء الثلاثة فى الخسران الرابع متوصل بها الى ما ينفعه فى معاشه ومعاده وهو الرابح قال تعالى من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون وقد أشكل فهم هذه الآية على كثير من الناس حيث فهموا منها أن من كان له ارادة فى الدنيا وزينتها فله هذا الوعيد ثم اختلفوا فى معناها فقالت طائفة منهم ابن عباس من كان يريد تعجيل الدنيا فلا يؤمن بالبعث ولا بالثواب ولا بالعقاب قالوا والآية فى الكفار خاصة على قول ابن عباس وقال قتادة من كانت الدنيا همه وسدمه ونيته وطلبه جازاه الله فى الدنيا بحسناته ثم يفضى الى الآخرة وليس له حسنة يجازى بها وأما المؤمن فيجزى فى الدنيا بحسناته ويثاب عليها فى الآخرة قال هؤلاء فالآية فى الكفار بدليل قوله أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون قالوا المؤمن من يريد الدنيا والآخرة فأما من كانت ارادته مقصورة على الدنيا فليس بمؤمن وقال ابن عباس رضى الله عنهما فى رواية أبى صالح عنه نزلت فى أهل القبلة قال مجاهد هم اهل الرياء وقال الضحاك من عمل صالحا من أهل الايمان من غير تقوى عجل له ثواب عمله فى الدنيا واختار الفراء هذا القول وقال من أراد بعمله من أهل القبلة ثواب الدنيا عجل له ثوابه ولم يبخس وهذا القول ارجح ومعنى الآية على هذا من كان يريد بعمله(1\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "174",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12212",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحياة الدنيا وزينتها وهذا لا يكون مؤمنا البتة فإن العاصى والفاسق ولو بالغا فى المعصية والفسق فإيما يحملهما على أن يعملا أعمال البر لله فيريدان بأعمال البر وجه الله وان عملا بمعصيته فأما من لم يرد بعمله وجه الله وانما اراد به الدنيا وزينتها فهذا لا يدخل فى دائرة أهل الايمان وهذا هو الذى فهمه معاوية من الآية واستشهد بها على حديث أبى هريرة الذى رواه مسلم فى صحيحه فى الثلاثة الذين هم اول من تسعر بهم النار يوم القيامة القارئ الذى قرأ القرآن ليقال فلان قارئ والمتصدق الذى أنفق أمواله ليقال فلان جواد والغازى الذى قتل فى الجهاد ليقال هو جرئ وكما أن خيار خلق الله هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون فشرار الخلق من تشبه بهم وليس منهم فمن تشبه بأهل الصدق والاخلاص وهو مراء كمن تشبه بالانبياء وهو كاذب وقال ابن أبى الدنيا حدثنى محمد بن ادريس قال أخبرنى عبد الحميد بن صالح حدثنا قطن بن الحباب عن عبد الوارث عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال قال رسول الله: quot;اذا كان يوم القيامة صارت أمتى ثلاث فرق فرقة يعبدون الله عز وجل للدنيا وفرقة يعبدون رياء وسمعة وفرقة يعبدونه لوجهه ولداره فيقول للذين كانوا يعبدونه للدنيا بعزتى وجلالى ومكانى ما أردتم بعبادتى فيقولون بعزتك وجلالك ومكانك الدنيا فيقول انى لم أقبل من ذلك شيئا اذهبوا بهم الى النار ويقول للذين كانوا يعبدون رياء وسمعة بعزتى وجلالى ومكانى ما أردتم بعبادتى فيقولون بعزتك وجلالك ومكانك رياء وسمعة فيقول انى لم أقبل من ذلك شيئا اذهبوا بهم الى النار ويقول للذين كانوا يعبدونه لوجهه وداره بعزتى وجلالى ومكانى ما أردتم بعبادتى فيقولون بعزتك وجلالك وجهك ودارك فيقول صدقتم اذهبوا بهم الى الجنةquot; هذا حديث غنى عن الاسناد والقرآن والسنة شاهدان بصدقه ويدل على(1\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "175",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12213",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صحة هذا القول فى الآية قوله تعالى نوف إليهم أعمالهم فيها وذلك على أنها فى قوم لهم أعمال لم يريدوا بها وجه الله وانما أرادوا بها الدنيا ولها عملوا فوفاهم الله ثواب أعمالهم فيها من غير بخس وأفضوا الى الآخرة بغير عمل يستحقون عليه الثواب وهذا لا يقع ممن يؤمن بالآخرة الا كما يقع منه كبائر الاعمال وقوعا عارضا يتوب منه ويراجع التوحيد وقال ابن الانبارى فعلى هذا القول المعنى فى قوم من أهل الاسلام يعملون العمل الحسن لتستقيم به دنياهم غير متفكرين فى الآخرة وما ينقلبون اليه فهؤلاء يجعل لهم جزاء حسناتهم فى الدنيا فإذا جاءت الاخرة كان جزاؤهم عليها النار اذا لم يريدوا بها وجه الله ولم يقصدوا التماس ثوابه وأجره ثم أورد صاحب هذا القول على أنفسهم سؤالا قالوا فإن قيل الاية الثانية على هذا القول توجب تخليد المؤمن المريد بعمله الدنيا فى النار وأجابوا عنه بأن ظاهر الاية يدل على أن من راءى بعمله ولم يلتمس به ثواب الاخرة بل كانت نيته الدنيا فان الله يبطل ايمانه عند الموافاة فلا يوافى ربه بالايمان قالوا ويدل عليه قوله وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون وهذا يتناول أصل الايمان وفروعه وأجابت فرقة أخرى بأن الاية لا تقتضى الخلود الابدى فى النار وانما تقتضى أن الذى يستحقونه فى الاخرة النار وأنهم ليس لهم عمل صالح يرجون به النجاة فإذا كان مع أحدهم عمود التوحيد فإنه يخرج به من النار مع من يخرج من أصحاب الكبائر الموحدين وهذا هو جواب ابن الانبارى وغيره والآية بحمد الله لا اشكال فيها والله سبحانه ذكر جزاء من يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها وهو النار وأخبر بحبوط عمله وبطلانه فاذا أحبط ما ينجو به وبطل لم يبق معه ما ينجيه فان كان معه ايمان لم يرد به الدنيا وزينتها بل أراد الله به والدار الاخرة لم يدخل هذا الايمان فى العمل الذى حبط وبطل وأنجاه ايمانه من الخلود فى النار وان دخلها بحبوط(1\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "176",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12214",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عمله الذى به النجاة المطلقة والايمان ايمانان ايمان يمنع من دخول النار وهو الايمان الباعث على أن تكون الاعمال لله يبتغى بها وجهه وثوابه وايمان يمنع الخلود فى النار وان كان مع المرائى شئ منه والا كان من أهل الخلود فالاية لها حكم نظائرها من آيات الوعيد والله الموفق وذلك قوله من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ومنه قوله من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا فهذه ثلاث مواضع من القرآن يشبه بعضها بعضا ويصدق بعضها بعضا وتجتمع على معنى واحد وهو أن من كانت الدنيا مراده ولها يعمل فى غاية سعيه لم يكن له فى الاخرة نصيب ومن كانت الاخرة مراده ولها عمل وهى غاية سعيه فهى له بقى أن يقال: فما حكم من يريد الدنيا والاخرة فانه داخل تحت حكم الارادتين فبأيهما يلحق قيل من ها هنا نشأ الاشكال وظن من ظن من المفسرين أن الاية فى حق الكافر فانه هو الذى يريد الدنيا دون الاخرة وهذا غير لازم طردا ولا عكسا فان بعض الكفار قد يريد الاخرة وبعض المسلمين قد لا يكون مراده الا الدنيا والله تعالى قد علق السعادة بإرادة الاخرة والشقاوة بإرادة الدنيا فاذا تجردت الارادتان تجرد موجبهما ومقتضاهما وان اجتمعتا فحكم اجتماعهما حكم اجتماع البر والفجور والطاعة والمعصية والايمان والشرك فى العبد وقد قال تعالى لخير الخلق بعد الرسل منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة وهذا خطاب للذين شهدوا معه الوقعة ولم يكن فيهم منافق ولهذا قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه ما شعرت أن أحد أصحاب رسول الله يريد الدنيا حتى كان يوم أحد ونزلت هذه الاية(1\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "177",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12215",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والذين أريدوا فى هذه الاية هم الذين أخلوا مركزهم الذى أمرهم رسول الله بحفظه وهم من خيار المسلمين ولكن هذه ارادة عارضة حملتهم على ترك المركز والاقبال على كسب الغنائم بخلاف من كان مراده بعمله الدنيا وعاجلها فهذه الارادة لون وارادة هؤلاء لون وها هنا أمر يجب التنبيه له وهو أنه لا يمكن ارادة الدنيا وعاجلها بأعمال البر دون الاخرة مع الايمان بالله ورسوله ولقائه أبدا فان الايمان بالله والدار الاخرة يستلزم ارادة العبد لرحمة الله والدار الاخرة بأعماله فحيث كان مراده بها الدنيا فهذا لا يجامع الايمان أبدا وان جامع الاقرار والعلم فالايمان وراء ذلك والاقرار والمعرفة حاصلان لمن شهد الله سبحانه له بالكفر مع هذه المعرفة كفرعون وثمود واليهود الذين شاهدوا رسول الله وعرفوه كما عرفوا أبناءهم وهم من أكفر الخلق بإرادة الدنيا وعاجلها بالاعمال قد تجامع هذه المعرفة والعلم ولكن الايمان الذى هو وراء ذلك لا بد أن يريد صاحبه بأعماله الله والدار الآخرة والله المستعان فصل: والمقصود أنه سبحانه جعل الغنى والفقر ابتلاءا وامتحانا للشكر والصبر والصدق والكذب والاخلاص والشرك قال تعالى ليبلوكم في ما آتاكم وقال تعالى الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين وقال تعالى إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم فجعل الدنيا عرضا عاجلا ومتاع غرور وجعل الآخرة دار جزاء وثواب وحف الدنيا بالشهوات وزينها بها كما قال تعالى زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب فأخبر سبحانه أن هذا الذى زين به الدنيا(1\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "178",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12216",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من ملاذها وشهواتها وما هو غاية أمانى طلابها ومؤثريها على الآخرة وهو سبعة أشياء النساء اللاتى هن أعظم زينتها وشهواتها وأعظمها فتنة والبنين الذين بهم كمال الرجل وفخره وكرمه وعزه والذهب والفضة اللذين هما مادة الشهوات على اختلاف أجناسها وأنواعها والخيل المسومة التى هى عز أصحابها وفخرهم وحصونهم وآلة قهرهم لأعدائهم فى طلبهم وهربهم والأنعام التى منها ركوبهم وطعامهم ولباسهم وأثاثهم وأمتعتهم وغير ذلك من مصالحهم والحرث الذى هو مادة قوتهم وقوت أنعامهم ودوابهم وفاكهتهم وأدويتهم وغير ذلك ثم أخبر سبحانه أن ذلك كله متاع الحياة الدنيا ثم شوق عباده الى متاع الآخرة وأعلمهم أنه خير من هذا المتاع وأبقى فقال قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد ثم ذكر سبحانه من يستحق هذا المتاع ومن هم أهله الذين هم أولى به فقال الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار فأخبر سبحانه أن ما أعد لأوليائه المتقين من متاع الآخرة خير من متاع الدنيا وهو نوعان ثواب يتمتعون به وأكبر منه وهو رضوانه عليهم قال تعالى اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما فأخبر سبحانه عن حقيقة الدنيا بما جعله مشاهدا لأولى البصائر وانها لعب ولهب تلهو بها النفوس وتلعب بها الابدان واللعب واللهو لا حقيقة لهما وأنهما مشغلة للنفس مضيعة للوقت يقطع بها الجاهلون فيذهب ضائعا فى غير شئ ثم أخبر أنها زينة زينت للعيون وللنفوس فأخذت بالعيون(1\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "179",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12217",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنفوس استحسانا ومحبة ولو باشرت القلوب معرفة حقيقتها ومآلها ومصيرها لأبغضتها ولآثرت عليها الاخرة ولما آثرتها على الآجل الدائم الذى هو خير وأبقى قال الامام حدثنا وكيع حدثنا المسعودى عن عمرو بن مرة عن ابراهيم عن علقمة عن عبد الله رضى الله عنه عن النبى قال: quot;مالى وللدنيا انما مثلى ومثل الدنيا كمثل راكب قال فى ظل شجرة فى يوم صائف ثم راح وتركهاquot;. وفى جامع الترمذى من حديث سهل بن سعد قال قال رسول الله لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء قال الترمذى  حديث صحيح  وفى صحيح مسلم من حديث المستورد بن شداد قال رسول الله: quot;ما الدنيا فى الآخرة الا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه فى اليم فلينظر بم يرجع وأشار بالسبابةquot;. وفى الترمذى من حديثه قال: quot;كنت مع الركب الذين وقفوا مع رسول الله على السخلة الميتة فقال رسول الله أترون هذه هانت على أهلها حتى ألقوها قالوا ومن هوانها ألقوها يا رسول الله قال فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلهاquot; وفى الترمذى أيضا من حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله: quot;الدنيا ملعونة ملعون ما فيها الا ذكر الله وما والاه وعالما أو متعلماquot; والحديثان حسنان قال الامام أحمد حدثنا هيثم بن خارجة أنبأنا اسماعيل بن عياش بن عبد الله بن دينار النهرانى قال قال عيسى عليه السلام للحواريين بحق أقول لكم إن حلاوة الدنيا مرارة الاخرة وإن مرارة الدنيا حلاوة الآخرة وأن عباد الله ليسوا بالمتنعمين بحق أقول لكم إن شركم عملا عالم يحب الدنيا ويؤثرها على الآخرة انه لو يستطيع جعل الناس كلهم فى عمله مثله.(1\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "180",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12218",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أحمد حدثنا يحيى بن إسحق قال أخبرنى سعيد بن عبد العزيز عن مكحول قال قال عيسى بن مريم عليه السلام يا معشر الحواريين أيكم يستطيع أن يبنى على موج البحر دارا قالوا يا روح الله ومن يقدر على ذلك قال إياكم والدنيا فلا تتخذوها قرارا وفى كتاب الزهد لأحمد أن عيسى بن مريم عليه السلام كان يقول بحق أقول لكم ان أكل الخبز وشرب الماء العذب ونوما على المزابل مع الكلاب كثير لمن يريد أن يرث الفردوس وفى المسند عنه: quot;إن الله ضرب طعام ابن آدم مثلا للدنيا وان قزحه وملحه فلينظر الى ماذا يصيرquot;. فصل: ثم أخبر سبحانه وتعالى عنها انها يفاخر بعضنا بعضا بها فيطلبها ليفخر بها على صاحبه وهذا حال كل من طلب شيئا للمفاخرة من مال أو جاه أو قوة أو علم أو زهد والمفاخرة نوعان مذمومة ومحمودة فالمذمومة مفاخرة أهل الدنيا بها والمحمودة أن يطلب المفاخرة فى الاخرة فهذه من جنس المنافسة المأمور بها وهى أن الرجل ينفس على غيره بالشيء ويغار أن يناله دونه ويأنف من ذلك ويحمى أنفه له يقال نفست عليه الشيء أنفسه نفاسة اذا ضننت به ولم تحب أن يصير اليه دونك والتنافس تفاعل من ذلك كأن كل واحد من المتنافسين يريد أن يسبق صاحبه اليه وحقيقة المنافسة الرغبة التامة والمبادرة والمسابقة الى الشئ النفيس فصل: ثم أخبر تعالى عنها أنها تكاثر فى الاموال والاولاد فيحب كل واحد أن يكاثر بنى جنسه فى ذلك ويفرح بأن يرى نفسه أكثر من غيره(1\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "181",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12219",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مالا وولدا وأن يقال فيه ذلك وهذا من أعظم ما يلهى النفوس عن الله والدار الاخرة كما قال تعالى ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون والتكاثر فى كل شئ فكل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من الامور عن الله والدار الاخرة فهو داخل فى حكم هذه الاية فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه أو بالعلم فيجمعه تكاثرا وتفاخرا وهذا أسوأ حالا عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه فإنه جعل أسباب الاخرة للدنيا وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابها فصل: ثم أخبر سبحانه عن مصير الدنيا وحقيقتها وأنها بمنزلة غيث أعجب الكفار نباته والصحيح ان شاء الله أن الكفار هم الكفار بالله وذلك عرف القرآن حيث ذكروا بهذا النعت فى كل موضع ولو أراد الزراع لذكرهم باسمهم الذى يعرفون به كما ذكرهم به فى قوله يعجب الزراع وانما خص الكفار به لأنهم أشد اعجابا بالدنيا فإنها دارهم التى لها يعملون ويكدحون فهم أشد اعجابا بزينتها وما فيها من المؤمنين ثم ذكر سبحانه عاقبة هذا النبات وهو اصفراره ويبسه وهذا آخر الدنيا ومصيرها ولو ملكها العبد من أولها الى آخرها فنهايتها ذلك فإذا كانت الاخرة انقلبت الدنيا واستحالت الى عذاب شديد أو مغفرة من الله وحسن ثوابه وجزائه كما قال على بن أبى طالب الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار عافية لمن فهم عفها ومطلب نجح لمن سالم فيها مساجد انبياء الله ومهبط وحيه ومصلى ملائكته ومتجر أوليائه فيها اكتسبوا الرحمة وربحوا فيها العافية فمن ذا يذمها وقد آذنت بنيها ونعت نفسها وأهلها فتمثلت ببلائها وشوقت بسرورها الى السرور تخويفا وتحذيرا وترغيبا فذمها قوم غداة الندامة وحمدها آخرون ذكرتهم فذكروا ووعظتهم فاتعظوا فيا أيها الذام للدنيا المغتر بتغريرها متى استذمت اليك بل متى غرتك أبمنازل آبائك فى الثرى أم بمضاجع أمهاتك فى البلاء كم رأيت(1\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "182",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12220",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "موروثا كم عللت بكفيك عليلا كم مرضت مريضا بيديك تبتغى له الشفاء وتستوصف له الأطباء ثم لم تنفعه شفاعتك ولم تسعفه طلبتك مثلت لك الدنيا غداة مصرعه مصرعك ومضجعه مضجعك ثم التفت الى المقابر فقال يا أهل الغربة ويا أهل التربة أما الدور فسكنت وأما الاموال فقسمت وأما الأزواج فنكحت فهذا خبر ما عندنا فهاتوا خبر ما عندكم ثم التفت الينا فقال أما لو أذن لهم لأخبروكم ان خير الزاد التقوى فالدنيا فى الحقيقة لا تذم وانما يتوجه الذم الى فعل العبد فيها وهى قنطرة أو معبر إلى الجنة أو الى النار ولكن لما غلبت عليها الشهوات والحظوظ والغفلة والإعراض عن الله والدار الآخرة فصار هذا هو الغالب على أهلها وما فيها وهو الغالب على اسمها صار لها اسم الذم عند الاطلاق والا فهى مبنى الاخرة ومزرعتها ومنها زاد الجنة وفيها اكتسبت النفوس الايمان ومعرفة الله ومحبته وذكره ابتغاء مرضاته وخير عيش ناله أهل الجنة فى الجنة انما كان بما زرعوه فيها وكفى بها مدحا وفضلا لأولياء الله فيها من قرة العيون وسرور القلوب وبهجة النفوس ولذة الارواح والنعيم الذى لا يشبهه نعيم بذكره ومعرفته ومحبته وعبادته والتوكل عليه والانابة اليه والانس به والفرح بقربه والتذلل له ولذة مناجاته والاقبال عليه والاشتغال به عمن سواه وفيها كلامه ووحيه وهداه وروحه الذى ألقاه من أمره فأخبر به من شاء من عباده ولهذا فضل ابن عقيل وغيره هذا على نعيم الجنة وقالوا هذا حق الله عليهم وذاك حظهم ونعيمهم وحقه أفضل من حقهم قالوا والايمان والطاعة أفضل من جزائه والتحقيق أنه لا يصح التفضيل بين أمرين فى دارين مختلفين ولو أمكن اجتماعهما فى دار واحدة لأمكن طلب التفضيل والايمان والطاعة فى هذه الدار أفضل ما فيها ودخول الجنة والنظر إلى وجه الله جل جلاله وسماع كلامه والفوز برضاه أفضل ما فى الاخرة فهذا أفضل ما فى هذه الدار وهذا أفضل ما فى الدار الاخرى ولا يصح أن يقال فأى الامرين أفضل فهذا أفضل الاسباب وهذا أفضل الغايات وبالله التوفيق(1\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "183",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12221",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: ولما وصف سبحانه حقيقة الدنيا وبين غايتها ونهايتها وانقلابها فى الاخرة الى عذاب شديد ومغفرة من الله وثواب أمر عباده بالمسابقة والمبادرة إلى ما هو خير وأبقى وأن يؤثروه على الفانى المنقطع المشوب بالانكاد والتنغيص ثم أخبر أن ذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وقال تعالى واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا ثم ذكر سبحانه أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا وأن الباقيات الصالحات وهى الاعمال والاقوال الصالحة التى يبقى ثوابها ويدوم جزاؤها خير ما يؤمله العبد ويرجو ثوابه وقال تعالى إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ولما أخبر عباده عن آفات هذه الدار دعا عباده الى دار السلام التى سلمت من التغير والاستحالة والزوال والفناء وعم عباده بالدعوة اليها عدلا وخص من شاء بالهداية الى طريقها فضلا وأخبر سبحانه أن الاموال والاولاد لا تقرب الخلق اليه وانما يقربهم اليه تقوى الله ومعاملته فيهم وحذر سبحانه عباده أن تلهيهم أموالهم وأولادهم عن ذكره وأخبر أن من ذلك فعل فهو الخاسر حقيقة لا من قل ماله وولده فى الدنيا ونهى نبيه أن يمد عينيه الى ما متع به أهل الدنيا فيها فتنة لهم واختبارا وأخبر أن رزقه الذى أعده له فى الاخرة خير وأبقى من هذا الذى متعوا به وأخبر سبحانه انه آتاه السبع المثانى والقرآن العظيم وذلك خير وأفضل مما متع به أهل الدنيا فى دنياهم وجعل ما آتاه مانعا له من مد(1\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "184",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12222",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عينيه الى ذلك فهذا العطاء فى الدنيا وما ادخر له من رزق الآخرة خير مما متع به أهل الدنيا فلا تمدن عينيك فصل: وإذا عرف أن الغنى والفقر والبلاء والعافية فتنة وابتلاء من الله لعبده تمتحن بها صبره وشكره علم أن الصبر والشكر مطيتان للايمان لا يحمل إلا عليهما ولا بد لكل مؤمن منهما وكل منهما فى موضعه أفضل فالصبر فى مواطن الصبر أفضل والشكر فى مواضع الشكر أفضل هذا إن صح مفارقة كل واحد منهما للآخر وأما إذا كان الصبر جزء مسمى الشكر والشكر جزء مسمى الصبر وكل منهما حقيقة مركبة من الأمرين معا كما تقدم بيانه فالتفضيل بينهما لا يصح الا اذا جرد أحدهما عن الاخر وذلك فرض ذهنى يقدره الذهن ولا يوجد فى الخارج ولكن يصح على وجه وهو أن العبد قد يغلب صبره على شكره الذى هو قدر زائد على مجرد الصبر من الاقوال والاعمال الظاهرة والباطنة فلا يبقى فيه اتساع لغير صبر النفس على ما هو فيه لقوة الوارد وضيق المحل فتنصرف قواه كلها الى كف النفس وحبسها لله وقد يغلب شكره بالاقوال والاعمال الظاهرة والباطنة على قوة كفه لنفسه وحبسها لله فتكون قوة إرادته وعمله أقوى من قوة امتناعه وحبس نفسه واعتبر هذا بشخصين أحدهما حاكم على نفسه متمكن من حبسها عن الشهوات قليل التشكى للمصيبات وذلك جل عمله وآخر كثير الاعطاء لفعل الخير القاصر والمتعدى سمح النفس ببذل المعروف وآخر ضعيف النفس عن قوة الصبر فللنفس قوتان قوة الصبر والكف وامساك النفس وقوة البذل وفعل الخير والاقدام على فعل ما تكمل به وكمالها باجتماع هاتين القوتين فيها والناس فى ذلك أربع طبقات فأعلاهم من اجتمعت له القوتان وسفلتهم من عدم القوتين ومنهم من قوة صبره أكمل من قوة فعله وبذله ومنهم من هو بالعكس فى ذلك فإذا فضل الشكر على الصبر فإما أن يكون باعتبار ترجيح مقام على مقام واما أن(1\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "185",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12223",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكون باعتبار تجريد كل من الامرين عن الاخر وقطع النظر عن اعتباره وتمام ايضاح هذا بمسالة الغنى الشاكر والفقير الصابر فلنذكر لها بابا يخصها ويكشف عن الصواب فيها.(1\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "186",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12224",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الثانى والعشرون: فى اختلاف الناس فى الغنى الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل وما هو الصواب فى ذلك هذه مسألة كثر فيها النزاع بين الاغنياء والفقراء واحتجت كل طائفة على الاخرى بما لم يمكنها دفعه من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار ولذلك يظهر للمتأمل تكافؤ الطائفتين فإن كلا منهما أدلت بحجج لا تدفع والحق لا يعارض بعضه بعضا بل يجب اتباع موجب الدليل أين كان وقد أكثر الناس فى المسألة من الجانبين وصنفوا فيها من الطرفين وتكلم الفقهاء والفقراء والاغنياء والصوفية وأهل الحديث والتفسير لشمول معناها وحقيقتها للناس كلهم وحكوا عن الامام أحمد فيها روايتان ذكرهما أبو الحسين فى كتاب التمام فقال مسألة الفقير الصابر أفضل من الغنى الشاكر فى أصح الروايتين وفيه رواية ثانية الغنى الشاكر أفضل وبها قال جماعة منهم ابن قتيبة ووجه الاولى واختارها أبو اسحاق بن شاقلا والوالد السعيد قوله تعالى أولئك يجزون الغرفة بما صبروا قال محمد بن على بن الحسين الغرفة الجنة بما صبروا قال على الفقر فى الدنيا وروى أنس عن النبى: quot;قال اللهم أحينى مسكينا وأمتنى مسكينا واحشرنى فى زمرة المساكين يوم القيامة quot;فقالت عائشة ولم يا رسول الله قال انهم يدخلون الجنة قبل الاغنياء بأربعين خريفا يا عائشة لا تردى المسكين ولو بشق تمرة يا عائشة أحبى المساكين وقربيهم فان الله يقربك يوم القيامةquot; قلت لا حجة له فى واحدة من الحجتين أما الاية فالصبر فيها(1\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "187",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12225",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يتناول صبر الشاكر على طاعته وصبره عن مصيبته وصبر المبتلى بالفقر وغيره على بلائه ولو كان المراد بها الصبر على الفقر وحده لم يدل رجحانه على الشكر فإن القرآن كما دل على جزاء الصابرين دل على جزاء الشاكرين أيضا كما قال تعالى وسنجزى الشاكرين وسيجزى الله الشاكرين بل قد أخبر أن رضاه فى الشكر ورضاه أكبر من جزائه بالجنات وما فيها واذا جزى الله الصابرين الغرفة بما صبروا لم يدل ذلك على أنه لا يجزى الشاكرين الغرفة بما شكروا وأما الحديث فلا حجة فيه لوجهين أحدهما أنه لا يحتج بإسناده فانه من رواية محمد بن ثابت الكوفى عن الحارث بن النعمان والحارث هذا لم يحتج به أصحاب الصحيح بل قال فيه البخارى منكر الحديث ولذلك لم يصحح الترمذى حديثه هذا ولا حسنه ولا سكت عنه بل حكم بغرابته الجواب الثانى: إن الحديث لو صح لم يدل على مطلوبهم فان المسكنة التى يحبها الله من عبده ليست فقر المال بل مسكنة القلب وهى انكساره وذله وخشوعه وتواضعه لله وهذه المسكنة لا تنافى الغنى ولا يشترط لها الفقر فان انكسار القلب لله ومسكنته لعظمته وجلاله وكبريائه وأسمائه وصفاته أفضل وأعلى من مسكنة عدم المال كما أن صبر الواجد عن معاصى الله طوعا واختيارا وخشية من الله ومحبة له أعلى من صبر الفقير العاجز وقد آتى الله جماعة من أنبيائه ورسله الغنى والملك ولم يخرجهم ذلك عن المسكنة لله قال الامام أحمد حدثنا يزيد بن هرون أنبأنا الجريرى عن أبى السليل قال كان داود النبى عليه السلام يدخل فينظر أغمص حلقة من بنى إسرائيل فيجلس اليهم ثم يقول مسكين بين ظهرانى مساكين هذا مع ما آتاه الله من الملك والغنى والبسطة زيادة على النبوة قال أبو الحسين وروى أبو برزة الاسلمى قال قال رسول الله:(1\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "188",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12226",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot;إن فقراء المسلمين ليدخلون الجنة قبل أغنيائهم بمقدار أربعين خريفا حتى يتمنى أغنياء المسلمين يوم القيامة أنهم كانوا فقراء فى الدنياquot; قلت هذا الحديث ثابت عن النبى من رواية جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وروى عن أبى سعيد وأنس بن مالك ولا يدل ذلك على علو درجتهم اذا دخلوا الجنة قبل الاغنياء بل انما يدل على السبق لعدم ما يحاسبون عليه ولا ريب أن ولي الأمر العادل يتأخر دخوله للحساب وكذلك الغنى الشاكر ولا يلزهم من تأخر دخولهما نزول درجتهما عن درجة الفقير كما تقدم وانما تمنى الأغنياء أنهم كانوا فى الدنيا فقراء فان صحت هذه اللفظة لم تدل على انحطاط درجتهم كما يتمنى القاضى العادل فى بعض المواطن يوم القيامة أن لم يقض بين اثنين فى تمرة لما يرى من شدة الامر فمنزلة الفقر والخمول ومنزلة السلامة ومنزلة الغنى والولاية ومنزلة الغنيمة أو العطب قال أبو الحسن وروى ابن عمر أن النبى قام فى أصحابه فقال: quot;أى الناس خير فقال بعضهم غنى يعطى حق نفسه وماله فقال: نعم الرجل هذا وليس به ولكن خير الناس مؤمن فقير يعطى على جهدquot;. قلت لم يذكر لهذا الحديث إسناد فينظر فيه وحديث لا يعلم حاله لا يحتج به ولو صح لم يكن فيه دليل لأنه تضمن تفضيل فقير يتصدق من جهد فمعه فقر الصابرين وغنى الشاكرين فقد جمع بين موجب التفضيل وسببه ولا ريب أن هذا أفضل الاقسام الثلاثة ودرهمه الواحد يسبق مائة الف درهم من غيره كما قال النبى: quot;سبق درهم مائة ألف درهمquot; قالوا يا رسول الله كيف سبق درهم مائة ألف درهم قال رجل كان له درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به وآخر له مال كثير فأخذ من عرضه مائة الف فتصدق بهاquot; رواه النسائى من حديث صفوان بن عيسى حدثنا بن عجلان عن زيد بن أسلم عن ابى صالح عن أبى هريرة رضى الله عنه وذكر البيهقى من حديث الثورى عن أبى اسحاق عن الحارث عن(1\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "189",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12227",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على رضى الله عنه قال جاء ثلاثة نفر الى النبى فقال أحدهم كانت لى مائة أوقية فتصدقت منها بعشر أواق وقال الآخر كانت لى مائة دينار فتصدقت منها بعشر دنانير وقال الاخر كان لى عشرة دنانير فتصدقت منها بدينار فقال كلكم فى الاجر سواء كلكم قد تصدق بعشر ماله وقال أبو سعيد بن الاعرابى حدثنا ابن أبى العوام حدثنا يزيد بن هرون حدثنا أبو الاشهب عن الحسن قال قال رجل لعثمان بن عفان رضى الله عنه ذهبتم يا أصحاب الاموال بالخير تتصدقون وتعتقون وتحجون وتنفقون فقال عثمان وإنكم لتغبطوننا وانا لنغبطكم قال فوالله لدرهم ينفقه أحد من جهد خير من عشرة آلاف درهم غيض من فيض وفى سنن أبى داود من حديث الليث عن ابى الزبير عن يحيى بن جعدة عن ابى هريرة أنه قال يا رسول الله أى الصدقة أفضل قال جهد المقل وابدأ بمن تعول وفى المسند وصحيح ابن حبان من حديث أبى ذر رضى الله عنه قال قلت يا رسول الله أى الصدقة أفضل قال جهد من مقل وفى سنن النسائى من حديث الاوزاعى عن عبيد بن عمير عن عبد الله بن حبشى أن النبى سئل أى الاعمال أفضل قال ايمان لا شك فيه وجهاد لا غلول فيه وحجة مبرورة قيل فأى الصلاة افضل قال طول القيام قيل فأى الصدقة افضل قال جهد من مقل قيل فأى الهجرة أفضل قال من هجر ما حرم الله عليه قيل فأى الجهاد أفضل قال من أهريق دمه وعقر جواده وهذه الاحاديث كلها تدل على أن صدقة جهد المقل أفضل من صدقة كثير المال ببعض ماله الذى لا يتبين أثر نقصانه عليه وان كان كثيرا لأن الاعمال تتفاضل عند الله بتفاضل ما فى القلوب لا بكثرتها وصورها بل بقوة الداعى وصدق الفاعل واخلاصه وإيثاره الله على نفسه فأين(1\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "190",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12228",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صدقة من آثر الله على نفسه برغيف هو قوته الى صدقة من أخرج مائة ألف درهم من بعض ماله غيضا من فيض فرغيف هذا درهمه فى الميزان اثقل من مائة ألف هذا والله المستعان فصل: واحتجوا بما رواه ابن عدى من حديث سليمان بن عبد الرحمن حدثنا خالد بن يزيد عن أبيه عن عطاء سمع أبا سعيد الخدرى يقول سمعت رسول الله يقول: quot;اللهم توفنى فقيرا ولا توفنى غنياquot; وهذا الحديث لا يصح فان خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن مالك الدمشقى أجمعوا على ضعفه وعدم الاحتجاج بحديثه قال أحمد ليس بشئ وقال أبن معين واه ونسبه يحيى الى الكذب وقد تقدم فيه وقد سئل شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله عن هذه المسألة فقال قد تنازع كثير من المتأخرين فى الغنى الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل فرجح هذا طائفة من العلماء والعباد ورجح هذا طائفة أخرى من العلماء والعباد وحكى فى ذلك عن الامام أحمد روايتان وأما الصحابة والتابعون رضى الله عنهم فلم ينقل عن أحد منهم تفضيل أحد الصنفين على الآخر وقد قالت طائفة ثالثة ليس لأحدهما على الاخرى فضيلة الا بالتقوى فإيهما أعظم ايمانا وتقوى كان افضل فإن استويا فى ذلك استويا فى الفضيله قال وهذا أصح الاقوال لأن نصوص الكتاب والسنة انما تفضل بالايمان والتقوى وقد قال تعالى إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما وقد كان فى الانبياء والسابقين الاولين من الاغنياء من هو أفضل من أكثر الفقراء وكان فيهم من الفقراء من هو أفضل من أكثر الاغنياء والكاملون يقومون بالمقامين فيقومون بالشكر والصبر على التمام كحال نبينا وحال أبى بكر وعمر رضى الله عنهما ولكن قد يكون الفقر لبعض الناس أنفع والغنى لآخرين أنفع كما تكون الصحة لبعضهم أنفع والمرض لبعضهم أنفع كما فى الحديث الذى رواه البغوى وغيره عن النبى فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى: quot;ان(1\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "191",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12229",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من عبادى من لا يصلحه الا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك وان من عبادى من لا يصلحه الا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك وان من عبادى من لا يصلحه الا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك وان من عبادى من لا يصلحه الا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك انى أدبر عبادى انى بهم خبير بصيرquot;. وقد صح عن النبى أنه قال: quot;ان فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الاغنياءquot; وفى الحديث الآخر لما علم الفقراء الذكر عقب الصلاة سمع بذلك الاغنياء فقالوا مثل ما قالوا فذكر ذلك الفقراء للنبى فقال ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فالفقراء يتقدمون فى دخول الجنة لخفة الحساب عليهم والاغنياء يؤخرون لأجل الحساب عليهم ثم اذا حوسب أحدهم فإن كانت حسناته أعظم من حسنات الفقير كانت درجته فى الجنة فوقه وان تأخر فى الدخول كما أن السبعين الفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ومنهم عكاشه بن محصن قد يدخل الجنة بحساب من يكون أفضل من أحدهم فى الدرجات لكن أولئك استراحوا من تعب الحساب فهذا فى الفقر المذكور فى الكتاب والسنة وهو ضد الغنى الذى يبيح أخذ الزكاة أو الذى لا يوجب الزكاة ثم قد صار فى اصطلاح كثير من الناس الفقر عبارة عن الزهد والعبادة والاخلاق ويسمون من اتصف بذلك فقيرا وان كان ذا مال ومن لم يتصف بذلك قالوا ليس بفقير وان لم يكن له مال وقد يسمى هذا المعنى تصوفا ومن الناس من يفرق بين مسمى الفقير والصوفى ثم من هؤلاء من يجعل مسمى الفقير أفضل ومنهم من يجعل مسمى الصوفى أفضل والتحقيق فى هذا الباب أنه لا ينظر الى الالفاظ المحدثة بل ينظر الى ما جاء به الكتاب والسنة من الاسماء والمعانى والله قد جعل وصف أوليائه الايمان والتقوى فمن كان نصيبه من ذلك أعظم كان أفضل والاغنياء بما سوى ذلك والله أعلم(1\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "192",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12230",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الثالث والعشرون: فى ذكر ما احتجت به الفقراء من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار قالت الفقراء لم يذكر الله سبحانه الغنى والمال فى القرآن الا على أحد وجوه الأول على وجه الذم كقوله تعالى كلا إن الأنسان ليطغى أن رآه استغنى وقوله ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض وقوله ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين وقال تعالى فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون وقال تعالى المال والبنون زينة الحياة الدنيا وقال زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة الاية ونظائر ذلك كثير الوجه الثانى: أن يذكره على وجه الابتلاء والامتحان كما قال تعالى أنما أموالكم وأولادكم فتنة وقال تعالى أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون وقال تعالى مخبرا عن ابتلائه بالغنى كما ابتلى بالفقر فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن الاية وقال تعالى ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون الوجه الثالث: اخباره سبحانه وتعالى أن الاموال والاولاد لا تقرب اليه شيئا وانما يقرب اليه الايمان والعمل الصالح كما قال وما أموالكم(1\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "193",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12231",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون الوجه الرابع: إخباره أن الدنيا والغنى والمال انما جعلها متعة لمن لا نصيب له فى الاخرة وأن الآخرة جعلها للمتقين فقال تعالى ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى وقال تعالى ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها وإلى هذا المعنى أشار النبى بقوله quot;لعمر أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرةquot; وسيأتى الحديث الوجه الخامس: أنه سبحانه لم يذكر المترفين وأصحاب الثروة إلا بالذم كقوله إنهم كانوا قبل ذلك مترفين وقوله وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها وقوله تعالى لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون الوجه السادس أنه سبحانه ذم محب المال فقال وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما فذمهم بحب المال وعيرهم به الوجه السابع: أنه سبحانه ذم متمنى الدنيا والغنى والسعة فيها ومدح من أنكر عليهم وخالفهم فقال تعالى عن أغنى أهل زمانه فخرج على قومه فى زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا ياليت لنا مثل ما أوتى قارون انه لذو حظ عظيم وقال الذين أوتو العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها الا الصابرون فأخبروا أن ما عند الله خير من الدنيا لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقى هذه الوصية وهى الكلمة التى تكلم بها الذين أوتوا العلم أو المثوبة والجنة التى دل عليها قوله ثواب الله خير والسيرة والطريقة التى دل عليها قوله لمن آمن وعمل(1\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "194",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12232",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صالحا وعلى كل حال لا يلقى ذلك إلا الصابرون على الفقر وعن الدنيا وشهواتها وما أترف فيه الاغنياء وقد شهد الله سبحانه لهم أنهم من أهل العلم دون الذين تمنوا الدنيا وزينتها الوجه الثامن: انه سبحانه أنكر على من ظن أن التفضيل يكون بالمال الذى يحتاج اليه لاقامة الملك فكيف بما هو زيادة وفضلة فقال تعالى وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم فرد الله سبحانه قولهم وأخبر سبحانه أن الفضل ليس بالمال كما توهموه وأن الفضل بالعلم لا بالمال وقال سبحانه قال بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ففضله ورحمته العلم والايمان والقرآن والذى يجمعونه هو المال وأسبابه ومثله قوله تعالى أهم يقسمون رحمة ربك الى قوله ورحمة ربك خير مما يجمعون الوجه التاسع: انه سبحانه أخبر أن التكاثر فى جمع المال وغيره ألهى الناس وشغلهم عن الآخرة والاستعداد لها وتوعدهم على ذلك فقال تعالى ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون فأخبر سبحانه أن التكاثر شغل أهل الدنيا وألهاهم عن الله والدار الآخرة حتى حضرهم الموت فزاروا المقابر ولم يفيقوا من رقدة من ألهاهم التكاثر وجعل الغاية زيارة المقابر دون الموت ايذانا بأنهم غير مستوطنين ولا مستقرين فى القبور وأنهم فيها بمنزلة الزائرين يحضرونها مدة ثم يظعنون عنها كما كانوا فى الدنيا زائرين لها غير مستقرين فيها ودار القرار هى الجنة أو النار ولم يعين سبحانه المتكاثر به بل ترك ذكره اما لأن المذموم هو نفس التكاثر بالشئ لا المتكاثر به كما يقال شغلك اللعب واللهو ولم يذكر ما يلعب ويلهو به واما ارادة الاطلاق وهو كل ما تكاثر به العبد غيره من أسباب الدنيا من مال أو جاه أو عبيد أو اماء أو(1\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "195",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12233",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بناء أو غراس أو علم لا ينبغى به وجه الله أو عمل لا يقربه الى الله فكل هذا من التكاثر الملهى عن الله والدار الآخرة وفى صحيح مسلم من حديث عبد الله بن الشخير أنه قال: quot;انتهيت الى النبى وهو يقرأ ألهاكم التكاثر قال يقول ابن آدم مالى مالى وهل لك من مالك الا ما تصدقت فأمضيت أو أكلت فأفنيت أو لبست فأبليتquot; ثم أوعد سبحانه من ألهاه التكاثر وعيدا مؤكدا اذا عاين تكاثره هباء منثورا وعلم دنياه التى كاثر بها انما كانت خدعا وغرورا فوجد عاقبة تكاثره عليه لا له وخسر هنالك تكاثره كما خسر أمثاله وبدا له من الله ما لم يكن فى حسابه وصار تكاثره الذى شغله عن الله والدار الآخرة من أعظم أسباب عذابه فعذب بتكاثره فى دنياه ثم عذب به فى البرزخ ثم يعذب به يوم القيامة فكان أشقى بتكاثره اذ أفاد منه العطب دون الغنيمة والسلامة فلم يفز من تكاثره الا بأن صار من الأقلين ولم يحفظ به من علوه به فى الدنيا بأن حصل مع الاسفلين فيا له تكاثرا ما أقله ورزءا ما أجله ومن غنى جالبا لكل فقر وخيرا توصل به الى كل شر يقول صاحبه اذا انكشف عنه غطاؤه يا ليتنى قدمت لحياتى وعملت فيه بطاعة الله قبل وفاتى رب ارجعونى لعلى أعمل صالحا فيما تركت كلا انها كلمة هو قائلها تلك كلمة يقولها فلا يعول عليها ورجعة يسألها فلا يجاب إليها وتأمل قوله أولا رب استغاث بربه ثم التفت الى الملائكة الذين أمروا بإحضاره بين يدى ربه تبارك وتعالى فقال أرجعونى ثم ذكر سبب سؤال الرجعة وهو أن يستقبل العمل الصالح فيما ترك خلفه من ماله وجاهه وسلطانه وقوته وأسبابه فيقال له كلا لا سبيل لك الى الرجعى وقد عمرت ما يتذكر فيه من تذكر ولما كان شأن الكريم الرحيم أن يجيب من استغاث وأن يفسح له فى المهلة لتيذكر مافاته أخبر سبحانه أن سؤال هذا المفرط الرجعة كلمة هو(1\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "196",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12234",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قائلها لا حقيقة تحتها وأن سجيته وطبيعته تأبى أن تعمل صالحا لو أجيب وانما ذلك شئ يقوله بلسانه وأنه لو رد لعاد لما نهى عنه وأنه من الكاذبين فحكمه أحكم الحاكمين وعزته وعلمه وحمده يأبى اجابته الى ما سأل فإنه لا فائدة فى ذلك ولو رد لكانت حالته الثانية مثل حالته الاولى كما قال تعالى ولو ترى اذ وقفوا على النار قالوا ياليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وانهم لكاذبون وقد حام أكثر المفسرين حول معنى هذه الآية وما أوردوا فراجع أقوالهم تجدها لا تشفى عليلا ولا تروى غليلا ومعناها أجل وأعظم مما فسروها به ولم يتفطنوا لوجه الاضراب ببل ولا للأمر الذى بدا لهم وكانوا يخفونه وطنوا أن الذى بدا لهم العذاب فلما لم يروا ذلك ملتئما مع قوله ما كانوا يخفون من قبل قد روا مضافا محذوفا وهو خبر ما كانوا يخفون من قبل فدخل عليهم أمر آخر لا جواب لهم عنه وهو أن القوم لم يكونوا يخفون شركهم وكفرهم بل كانوا يظهرونه ويدعون إليه ويحاربون عليه ولما علموا أن هذا وارد عليهم قالوا ان القوم فى بعض موارد القيامة ومواطنها أخفوا شركهم وجحدوه وقالوا والله ربنا ما كنا مشركين فلما وقفوا على النار بدا لهم جزاء ذلك الذى أخفوه قال الواحدى وعلى هذا أهل التفسير ولم يصنع أرباب هذا القول شيئا فإن السياق والاضراب ببل والاخبار عنهم بأنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وقولهم والله ربنا ما كنا مشركين لا يلتئم بهذا الذى ذكروه فتأمله وقالت طائفة منهم الزجاج بل بدا للاتباع ما أخفاه عنهم الرؤساء من أمر البعث وهذا التفسير يحتاج إلى تفسير وفيه من التكلف ما ليس بخاف واجود من هذا ما فهمه المبرد من الآية قال كأن كفرهم لم يكن باديا لهم اذ خفيت عليهم مضرته ومعنى كلامه أنهم لما خفيت عليهم مضرة عاقبته ووباله فكأنه كان خفيا عنهم لم تظهر لهم حقيقته فلما عاينوا(1\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "197",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12235",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العذاب ظهرت لهم حقيقته وشره قال وهذا كما تقول لمن كنت حدثته فى أمر قبل وقد ظهر لك الآن ما كنت قلت لك وقد كان ظاهرا له قبل هذا ولا يسهل أن يعبر عن كفرهم وشركهم الذى كانوا ينادون به على رءوس الاشهاد ويدعون اليه كل حاضر وباد بأنهم كانوا يخفونه لخفاء عاقبته عنهم ولا يقال لمن أظهر الظلم والفساد وقتل النفوس والسعى فى الأرض بالفساد أنه أخفى ذلك لجهله بسوء عاقبته وخفائها عليه فمعنى الآية والله أعلم بما أراد من كلامه أن هؤلاء المشركين لما وقفوا على النار وعاينوها وعلموا أنهم داخلوها تمنوا أنهم يردون الى الدنيا فيؤمنون بالله وآياته ولا يكذبون رسله فأخبر سبحانه أن الأمر ليس كذلك وأنهم ليس فى طبائعهم وسجاياهم الايمان بل سجيتهم الكفر والشرك والتكذيب وأنهم لو ردوا لكانوا بعد الرد كما كانوا قبله وأخبر أنهم كاذبون فى زعمهم أنهم لو ردوا لآمنوا وصدقوا فإذا تقرر مقصود الآية ومرادها تبين معنى الاضراب ببل وتبين معنى الذى بدا لهم والذى كانوا يخفونه والحامل لهم على قولهم يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا فالقوم كانوا يعلمون أنهم كانوا فى الدنيا على باطل وأن الرسل صدقوهم فيما بلغوهم عن الله وتيقنوا ذلك وتحققوه ولكنهم أخفوه ولم يظهروه بينهم بل تواصوا بكتمانه فلم يكن الحامل لهم على تمنى الرجوع والايمان معرفة ما لم يكونوا يعرفونه من صدق الرسل فإنهم كانوا يعلمون ذلك ويخفونه وظهر لهم يوم القيامة ما كانوا ينطوون عليه من علمهم أنهم على باطل وأن الرسل على الحق فعاينوا ذلك عيانا بعد أن كانوا يكتمونه ويخفونه فلو ردوا لما سمحت نفوسهم بالايمان ولعادوا الى الكفر والتكذيب فإنهم لم يتمنوا الايمان لعلمهم يومئذ أنه هو الحق وأن الشرك باطل وانما تمنوا لما عاينوا العذاب الذى لا طاقة لهم باحتماله وهذا كمن كان يخفى محبة شخص ومعاشرته وهو يعلم أن حبه باطل وأن الرشد فى عدوله عنه فقيل له ان اطلع عليه وليه عاقبك وهو يعلم(1\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "198",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12236",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك ويكابر ويقول بل محبته ومعاشرته هى الصواب فلما أخذه وليه ليعاقبه على ذلك وتيقن العقوبة تمنى أن يعفى من العقوبة وأنه لا يجتمع به بعد ذلك وفى قلبه من محبته والحرص على معاشرته ما يحمله على المعاوده بعد معاينة العقوبة بل بعد أن مسته وأنهكته فظهر له عند العقوبة ما كان يخفى من معرفته بخطئه وصواب ما نهاه عنه ولو رد لعاد لما نهى عنه وتأمل مطابقة الاضراب لهذا المعنى وهو نفى قولهم انا لو رددنا لآمنا وصدقنا لأنه ظهر لنا الآن أن ما قاله الرسل هو الحق أى ليس كذلك بل كنتم تعلمون ذلك وتعرفونه وكنتم تخفونه فلم يظهر لكم شئ لتكونوا عالمين به لتعذروا بل ظهر لكم ما كان معلوما وكنتم تتواصون بإخفائه وكتمانه والله أعلم ولا تستطل هذا الفضل المعترض فى أثناء هذه المسألة فلعله أهم منها وأنفع وبالله التوفيق فلنرجع الى تمام الكلام فيها وقوله كلا لو تعلمون علم اليقين جوابه محذوف دل عليه ما تقدم أى لما ألهاكم التكاثر وانما وجد هذا التكاثر وإلهاؤه عما هو أولى بكم لما فقد منكم علم اليقين وهو العلم الذى يصل به صاحبه الى حد الضروريات التى لا يشك ولا يمارى فى صحتها وثبوتها ولو وصلت حقيقة هذا العلم الى القلب وباشرته لما ألهاه عن موجبه ويرتب أثره عليه فإن مجرد العلم بقبح الشئ وسوء عواقبه قد لا يكفى فى تركه فإذا صار له علم اليقين كان اقتضاء هذا العلم لتركه أشد فاذا صار عين يقين كجملة المشاهدات كان تخلف موجبه عنه من أندر شئ وفى هذا المعنى قال حسان بن ثابت رضى الله عنه فى أهل بدر: سرنا وساروا إلى بدر لحتفهم ... لو يعلمون يقين العلم ما ساروا وقوله كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون قيل تأكيد لحصول العلم كقوله كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون وقيل ليس(1\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "199",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12237",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تأكيدا بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت والعلم الثانى فى القبر هذا قول الحسن ومقاتل ورواه عطاء عن ابن عباس ويدل على صحة هذا القول عدة أوجه أحدها أن الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل وقد أمكن اعتباره مع فخامة المعنى وجلالته وعدم الاخلال بالفصاحة الثانى توسط ثم بين العلمين وهى مؤذنة بتراخى ما بين المرتبتين زمانا وخطرا الثالث ان هذا القول مطابق للواقع فإن المحتصر يعلم عند المعاينة حقيقة ما كان عليه ثم يعلم فى القبر وما بعده ذلك علما هو فوق الأول الرابع أن عليا بن أبى طالب رضى الله عنه وغيره من السلف فهموا من الآية عذاب القبر قال الترمذى حدثنا أبو كريب حدثنا حكام بن سليم الرازى عن عمرو بن أبى قيس عن الحجاج بن المنهال بن عمر عن زر عن على رضى الله عنه قال ما زلنا نشك فى عذاب القبر حتى نزلت الهاكم التكاثر قال الواحدى: يعنى أن معنى قوله كلا سوف تعلمون فى القبر الخامس: ان هذا مطابق لما بعده من قوله لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين فهذه الرؤية الثانية غير الأولى من وجهين إطلاق الأولى وتقييد الثانية بعين اليقين وتقدم الأولى وتراخى الثانية عنها ثم ختم السورة بالاخبار المؤكد بواو القسم ولام التأكيد والنون الثقيلة عن سؤال النعيم فكل أحد يسأل عن نعيمه الذى كان فيه فى الدنيا هل ناله من حلاله ووجهه أم لا فاذا تخلص من هذا السؤال سئل سؤالا آخر هل شكر الله تعالى عليه فاستعان به على طاعته أم لا فالأول سؤال عن سبب استخراجه والثانى عن محل صرفه كما فى جامع الترمذى من حديث عطاء بن أبى رباح عن ابن عمر عن النبى قال: quot; لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسئل عن خمس عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن ماذا عمل فيما علمquot;.(1\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "200",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12238",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيه أيضا عن أبى برزة قال قال رسول الله: quot;لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسئل عن عمره فيما أفناه وعن علمه فيما عمل فيه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أبلاهquot; قال هذا حديث صحيح وفيه أيضا من حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ان أول ما يسئل عنه العبد يوم القيامة يعنى من النعيم أن يقال له ألم نصح جسمك ونرويك من الماء البارد وفيه أيضا من حديث الزبير بن العوام رضى الله عنه لما نزلت لتسئلن يومئذ عن النعيم قال الزبير يا رسول الله فأى النعيم نسئل عنه وانما هو الأسودان التمر والماء قال أما انه سيكون قال هذا حديث حسن وعن أبى هريرة نحوه وقال انما هو الاسودان العدو حاضر سيوفنا على عواتقنا قال ان ذلك سيكون وقوله ان ذلك سيكون إما أن يكون المراد به أن النعيم سيكون ويحدث لكم وإما أن يرجع الى السؤال أي ان السؤال يقع عن ذلك وان كان تمرا وماء فانه من النعيم ويدل عليه قوله فى  الحديث الصحيح  وقد أكلوا معه رطبا ولحما وشربوا من الماء البارد quot;هذا من النعيم الذى تسئلون عنه يوم القيامةquot; فهذا سؤال عن شكره والقيام بحقه وفى الترمذى من حديث أنس رضى الله عنه عن النبى قال: quot;يجاء بالعبد يوم القيامة كأنه بذج فيوقف بين يدى الله تعالى فيقول الله أعطيتك وخولتك وأنعمت عليك فماذا صنعت فيقول يا رب جمعته وثمرته فتركته أوفر ما كان فارجعنى آتيك به فاذا أعيد لم يقدم خيرا فيمضى به الى النارquot; وفيه من حديث أبى سعيد وأبى هريرة رضى الله عنهما قالا قال رسول الله: quot;يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول الله ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا وولدا وسخرت لك الأنعام والحرث وتركتك ترأس(1\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "201",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12239",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وترتع أفكنت تظن أنك ملاق يومك هذا فيقول لا فيقول له اليوم أنساك كما نسيتنىquot; قال هذا حديث صحيح وقد زعم طائفة من المفسرين أن هذا الخطاب خاص بالكفار وهم المسؤلون عن النعيم وذكر ذلك عن الحسن ومقاتل واختار الواحدى ذلك واحتج بحديث ابى بكر لما نزلت هذه الآية قال رسول الله أرأيت أكلة أكلتها معك ببيت أبى الهيثم بن النبهان من خبز شعير ولحم وبسر قد ذنب وماء عذب أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذى نسأل عنه فقال رسول الله انما ذلك للكفار ثم قرأ وهل نجازى إلا الكفور قال الواحدى والظاهر يشهد بهذا القول لأن السورة كلها خطاب للمشركين وتهديد لهم والمعنى أيضا يشهد بهذا القول وهو أن الكفار لم يؤدوا حق النعيم عليهم حيث اشركوا به وعبدوا غيره فاستحقوا أن يسئلوا عما أنعم به عليهم توبيخا لهم هل قاموا بالواجب فيه أم ضيعوا حق النعمة ثم يعذبون على ترك الشكر بتوحيد المنعم قال وهذا معنى قول مقاتل وهو قول الحسن قال لا يسئل عن النعيم الا أهل النار قلت ليس فى اللفظ ولا فى السنة الصحيحة ولا فى أدلة العقل ما يقتضى اختصاص الخطاب بالكفار بل ظاهر اللفظ وصريح السنة والاعتبار يدل على عموم الخطاب لكل من اتصف بإلهاء التكاثر له فلا وجه لتخصيص الخطاب ببعض المتصفين بذلك ويدل على ذلك قول النبى عند قراءة هذه السورة يقول ابن آدم مالى مالى وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فابليت الحديث وهو فى صحيح مسلم وقائل ذلك قد يكون مسلما وقد يكون كافرا ويدل عليه أيضا الأحاديث التى تقدمت وسؤال الصحابة النبى وفهمهم العموم حتى قالوا له وأى نعيم نسئل عنه وانما هو الاسودان فلو كان الخطاب مختصا(1\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "202",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12240",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالكفار لبين لهم ذلك وقال ما لكم ولها انما هى للكفار فالصحابة فهموا التعميم والأحاديث صريحة فى التعميم والذى أنزل عليه القرآن أقرهم على فهم العموم وأما حديث ابى بكر الذى أحتج به أرباب هذا القول فحديث لا يصح والحديث الصحيح فى تلك القصة يشهد ببطلانه ونحن نسوقه بلفظه ففى صحيح مسلم عن ابى هريرة قال: quot;خرج رسول الله ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبى بكر وعمر فقال ما أخرجكما من بيوتكما فى هذه الساعة قالا الجوع يا رسول الله قال وأنا والذى نفسى بيده لأخرجنى الذى أخرجكما قوما فقاما معه فأتى رجلا من الأنصار فإذا هو ليس فى بيته فلما رأته امرأته قالت مرحبا وأهلا فقال لها رسول الله وأين فلان قالت ذهب يستعذب لنا من الماء إذ جاء الأنصارى فنظر الى رسول الله وصاحبيه فقال الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا منى قال فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب فقال كلوا من هذا فأخذ المدية فقال له رسول الله إياك والحلوبة فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله لابى بكر وعمر والذى نفسى بيده لتسئلن عن هذا النعيم يوم القيامة أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيمquot; فهذا الحديث الصحيح صريح فى تعميم الخطاب وأنه غير مختص بالكفار وايضا فالواقع يشهد بعدم اختصاصه وأن الالهاء بالتكاثر واقع من المسلمين كثيرا بل أكثرهم قد الهاه التكاثر وخطاب القرآن عام لمن بلغه وان كان أول من دخل فيه المعاصرين لرسول الله فهو متناول لمن بعدهم وهذا معلوم بضرورة الدين وان نازع فيه من لا يعتد بقوله من المتأخرين فنحن اليوم ومن قبلنا ومن بعدنا داخلون تحت قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ونظائره كما دخل(1\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "203",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12241",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تحته الصحابة بالضرورة المعلومة من الدين فقوله ألهاكم التكاثر خطاب لكل من اتصف بهذا الوصف وهم فى الالهاء والتكاثر درجات لا يحصيها الا الله فإن قيل فالمؤمنون لم يلههم التكاثر ولهذا لم يدخلوا فى الوعيد المذكور لمن الهاه قيل هذا هو الذى أوجب لأرباب هذا القول تخصيصه بالكفار لأنه لم يمكنهم حمله على العموم ورأوا أن الكفار أحق بالوعيد فخصوهم به وجواب هذا أن الخطاب للانسان من حيث هو إنسان على طريقة القرآن فى تناول الذم له من حيث هو إنسان كقوله وكان الإنسان عجولا وكان الإنسان قتورا إن الإنسان لربه لكنود وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا إن الإنسان لكفور ونظائره كثيرة فالانسان من حيث هو عار عن كل خير من العلم النافع والعمل الصالح وانما الله سبحانه هو الذى يكمله بذلك ويعطيه إياه وليس له ذلك من نفسه بل ليس له من نفسه إلا الجهل المضاد للعلم والظلم المضاد للعدل وكل علم وعدل وخير فيه فمن ربه لا من نفسه فإلهاء التكاثر طبيعته وسجيته التى هى له من نفسه ولا خروج له عن ذلك الا بتزكية الله له وجعله مريدا للآخرة مؤثرا لها على التكاثر بالدنيا فان أعطاه ذلك وإلا فهو ملته بالتكاثر فى الدنيا ولا بد وأما احتجاجه بالوعيد على اختصاص الخطاب بالكفار فيقال الوعيد المذكو مشترك وهو العلم عند معاينة الآخرة فهذا أمر يحصل لكل أحد لم يكن حاصلا له فى الدنيا وليس فى قوله سوف تعلمون ما يقتضى دخول النار فضلا عن التخليد فيها وكذلك رؤية الجحيم لا يستلزم دخولها لكل من رآها فان أهل الموقف يرونها ويشاهدونها عيانا وقد اقسم الرب تبارك وتعالى أنه لا بد أن يراها الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم وبرهم وفاجرهم فليس فى جملة هذه السورة ما ينفى عموم خطابها وأما(1\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "204",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12242",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما ذكره عن الحسن أنه لا يسأل عن النعيم الا أهل النار فباطل قطعا اما عليه واما منه والاحاديث الصحيحة الصريحة ترده وبالله التوفيق ولا يخفى أن مثل هذه السورة مع عظم شأنها وشدة تخويفها وما تضمنته من تحذير الملهى وانطباق معناها على أكثر الخلق يأبى اختصاصها من أولها الى آخرها بالكفار ولا يليق ذلك بها ويكفى فى ذلك تأمل الاحاديث المرفوعة فيها والله أعلم وتأمل ما فى هذا العتاب الموجع لمن استمر على الهاء التكاثر له مدة حياته كلها الى أن زار القبور ولم يستيقظ من نوم الالهاء بل أرقد التكاثر قلبه فلم يستفق منه الا وهو فى عسكر الأموات وطابق بين هذا وبين حال أكثر الخلق يتبين لك أن العموم مقصود وتأمل تعليقه سبحانه الذم والوعيد على مطلق التكاثر من غير تقييد بمتكاثر به ليدخل فيه التكاثر بجميع أسباب الدنيا على اختلاف أجناسها وأنواعها وأيضا فان التكاثر تفاعل وهو طلب كل من المتكاثرين أن يكثر صاحبه فيكون أكثر منه فيما يكاثره به والحامل له على ذلك توهمه أن العزة للكاثر كما قيل: ولست بالأكثر منهم حصى ... وانما العزة للكاثر فلو حصلت له الكثرة من غير تكاثر لم تضره كما كانت الكثرة حاصلة لجماعة من الصحابة ولم تضرهم اذ لم يتكاثروا بها وكل من كاثر انسانا فى دنياه أو جاهه أو غير ذلك شغلته مكاثرته عن مكاثرة أهل الآخرة فالنفوس الشريفة العلوية ذات الهمم العالية انما تكاثر بما يدوم عليها نفعه وتكمل به وتزكو وتصير مفلحة فلا تحب أن يكثرها غيرها فى ذلك وينافسها فى هذه المكاثرة ويسابقها اليها فهذا هو التكاثر الذى هو غاية سعادة العبد وضده تكاثر أهل الدنيا بأسباب دنياهم فهذا تكاثر مله عن الله والدار الاخرة هو صائر الى غاية القلة فعاقبة هذا التكاثر قل وفقر وحرمان والتكاثر بأسباب السعادة الاخروية تكاثر لا يزال بذكر بالله ولقائه وعاقبته الكثرة الدائمة التى لا تزول ولا تفنى وصاحب هذا(1\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "205",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12243",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التكاثر لا يهون عليه أن يرى غيره أفضل منه قولا وأحسن منه عملا وأغزر علما واذا رأى غيره أكثر منه فى خصلة من خصال الخير يعجز عن لحاقه فيها كاثره بخصلة أخرى هو قادر على المكاثرة بها وليس هذا التكاثر مذموما ولا قادحا فى اخلاص العبد بل هو حقيقة المنافسة واستباق الخيرات وقد كانت هذه حال الاوس مع الخزرج رضى الله عنهم فى تصاولهم بين يدى رسول الله ومكاثرة بعضهم لبعض فى اسباب مرضاته ونصره وكذلك كانت حال عمر مع أبى بكر رضى الله عنهما فلما تبين له مدى سبقه له قال والله لا أسابقك الى شئ أبدا فصل: ومن تأمل حسن موقع كلا فى هذا الموضع فانها تضمنت ردعا لهم وزجرا عن التكاثر ونفيا وابطالا لما يؤملونه من نفع التكاثر لهم وعزتهم وكمالهم به فتضمنت اللفظة نهيا ونفيا وأخبرهم سبحانه أنهم لا بد أن يعلموا عاقبة تكاثرهم علما بعد علم وأنهم لا بد أن يروا دار المكاثرين بالدنيا التى ألهتهم عن الاخرة رؤية بعد رؤية وأنه سبحانه لا بد أن يسألهم عن اسباب تكاثرهم من أين استخرجوها وفيما صرفوها فلله ما أعظمها من سورة وأجلها وأعظمها فائدة وأبلغها موعظة وتحذيرا واشدها ترغيبا فى الآخرة وتزهيدا فى الدنيا على غاية اختصارها وجزالة ألفاظها وحسن نظمها فتبارك من تكلم بها حقا وبلغها رسوله عنه وحيا فصل: وتأمل كيف جعلهم عند وصولهم الى غاية كل حى زائرين غير مستوطنين بل هم مستودعون فى المقابر مدة وبين أيديهم دار القرار فإذا كانوا عند وصولهم الى الغاية زائرين فكيف بهم وهم فى الطريق فى هذه الدار فهم فيها عابرو سبيل الى محل الزيارة ثم منتقلون من محل الزيارة إلى المستقر فهنا هنا ثلاثة أمور عبور السبيل فى هذه الدنيا وغايته زيارة القبور وبعدها النقلة إلى دار القرار.(1\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "206",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12244",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: فلنرجع الى تمام المناظرة قالوا فالله تعالى حمى أولياءه عن الدنيا وصانهم عنها ورغب بهم عنها تكريما لهم وتطهيرا عن أدناسها ورفعة عن دناءتها وذمهالهم وأخبرهم بهوانها عليه وسقوط قدرها عنده وأعلمهم أن بسطها فتنة وأنه سب الطغيان والفساد فى الارض وإلهاء التكاثر بها عن طلب الاخرة وأنها متاع الغرور وذم محبيها ومؤثريها وأخبر أن من أرادها أو أراد زينتها وحرثها فليس له فى الاخرة من نصيب واخبر أن بسطها فتنة وابتلاء لا كرامة ومحبة وإن إمداد أهلها بها ليس مسارعة لهم فى الخيرات وأنها لا تقرب اليه ولا تزلف لديه وأنه لولا تتابع الناس فى الكفر لأعطى الكفار منها فوق مناهم ووسعها عليهم أعظم التوسعة بحيث يجعل سقوف بيوتهم وأبوابهم ومعارجهم وسررهم كلها من فضة وأخبر أنه زينها لأعدائه ولضعفاء العقول الذين لا نصيب لهم فى الاخرة ونهى رسوله عن مد عينيه اليها والى مامتع به أهلها وذم من أذهب طيباته فيها واستمتع بها وقال لنبيه ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون وفى هذا تعزية لما منعه أولياءه من التمتع بالدنيا وكثرة الأكل فيها وتأديب لمن بسط له فيها ألا يطغى فيها ولا يعطى نفسه شهواتها ولا يتمتع بها ولام سبحانه محبيها المفتخرين بها المكاثرين بها الظانين أن الفضل والكرامة فى سعتها وبسطها فأكذبهم الله سبحانه واخبر أنه ليس كما قالوه ولا توهموه ومثلها لعباده بالأمثلة التى تدعو كل لبيب عاقل الى الزهد فيها وعدم الوثوق بها والركون اليها فأحضر صورتها وحقيقتها فى قلوبهم بما ضربه لها مثلا كماء أنزله من السماء فخالط نبات الأرض فلما أخذت به الارض زخرفها وتزينت بأنواع النبات أتاها أمره فجعل تلك الزينة يبسا هشيما تذروه الرياح كأن لم يكن قط منه شيء وأخبر سبحانه عن فنائها وسرعة انقضائها وأنه اذا عاين العبد الأخرة فكأنه لبث فيها ساعة من نهار أو يوما أو بعض يوم ونهى سبحانه عباده(1\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "207",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12245",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن يغتروا بها واخبرهم أنها لهو ولعب وزينة وتفاخر وتكاثر ومتاع غرور وطريق ومعبر الى الاخرة وأنها عرض عاجل لابقاء له ولم يذكر مريدها بخير قط بل حيث ذكره ذمه وأخبر أن مريدها مخالف لربه تعالى فى ارادته فالله يريد شيئا ومريد الدنيا يريد خلافه فهو مخالف لربه بنفس ارادته كفى بهذا بعدا عنه سبحانه واخبر سبحانه عن أهل النار انهم انما دخلوها بسبب غرور الدنيا وأمانيها لهم قالوا وهذا كله تزهيد لهم منه سبحانه فيها وترغيب فى التقلل منها ما أمكن قالوا وقد عرضها سبحانه وعرض مفاتيح كنوزها على أحب الخلق اليه وأكرمهم عليه عبده ورسوله محمد فلم يردها ولم يخترها ولو أثرها وارادها لكان أشكر الخلق بما اخذه منها وأنفقه كله فى مرضاة الله وسبيله قطعا بل اختار التقلل منها وصبر على شدة العيش فيها قال الامام أحمد حدثنا اسماعيل بن محمد حدثنا عباد يعنى ابن عباد حدثنا مجالد بن سعيد عن الشعبى عن مسروق عن عائشة رضى الله عنها قالت: quot;دخلت على امرأة من الأنصار فرأت فراش رسول الله عباءة مثنية فرجعت الى منزلها فبعثت إلى بفراش حشوه الصوف فدخل على رسول الله فقال ما هذا فقلت فلانة الانصارية دخلت على فرأت فراشك فبعثت الى بهذا فقال رديه فلم أرده وأعجبنى أن يكون فى بيتى حتى قال ذلك ثلاث مرات فقال يا عائشة رديه والله لو شئت لأجرى الله معى جبال الذهب والفضةquot; وعرض عليه مفاتيح كنوز الدنيا فلم يأخذها وقال بل أجوع يوما وأشبع يوما فاذا جعت تضرعت اليك وذكرتك وإذا شبعت حمدتك وشكرتك وسأل ربه أن يجعل رزق أهله قوتا كما فى الصحيحين من حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله: quot; اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاquot; وفيهما عنه قال: quot;والذى نفس أبى هريرة بيده ما شبع نبى الله وأهله ثلاثة أيام تباعا من خبز حنطة حتى فارق الدنياquot;.(1\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "208",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12246",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفى صحيح البخارى عن أنس رضى الله عنه ما أعلم أن رسول الله رأى رغيفا مرققا ولا شاة سميطا قط حتى لحق بربه وفى صحيحه أيضا عنه قال خرج رسول الله ولم يشبع من خبز الشعير وفى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها: quot;ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعا حتى قبضquot; وفى صحيح مسلم عن عمر رضى الله عنه: quot;لقد رأيت رسول الله يظل اليوم ما يجد دقلا يملأ بطنهquot; وفى المسند والترمذى عن ابن عباس رضى الله عنهما كان رسول الله يبيت الليالى المتتابعات طاويا وأهله لا يجدون عشاء وكان أكثر خبزهم خبز الشعير قال الترمذى هذا حديث حسن صحيح وفى الترمذى من حديث أبى أمامة ما كان يفضل أهل بيت رسول الله خبز الشعير وفى المسند عن عائشة رضى الله عنها والذى بعث محمدا بالحق ما رأى منخلا ولا أكل خبزا منخولا منذ بعثه الله عز وجل الى أن قبض قال عروة فقلت فكيف كنتم تأكلون الشعير قالت كنا نقول أف أى ننفخه فيطير ما طار ونعجن الباقى وفى صحيح البخارى عن أنس قال: quot; لقد رهن رسول الله درعه بشعير ولقد سمعته يقول ما أصبح لآل محمد صاع ولا أمسى وانهم لتسعة ابياتquot; وفى مسند الحارث عن أبى أسامة عن أنس: quot; أن فاطمة رضى الله عنها جاءت بكسرة خبز الى النبى فقال ما هذه الكسرة يا فاطمة قالت قرص خبزته فلم تطب نفسى حتى أتيتك بهذه الكسرة فقال أما إنه أول طعام دخل فى فم أبيك منذ ثلاثة أيامquot;. وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا عبد الواحد بن أيمن عن ابيه عن جابر رضى الله عنه قال لما حفر رسول الله الخندق أصابهم جهد شديد حتى ربط النبى على بطنه حجرا من الجوع وقد أسرف أبو حاتم بن حبان فى تقاسيمه فى رد هذا الحديث وبالغ(1\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "209",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12247",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فى إنكاره وقال المصطفى أكرم على ربه من ذلك وهذا من وهمه وليس فى هذا ما ينقص مرتبته عند ربه بل ذلك رفعة له وزيادة فى كرامته وعبرة لمن بعده من الخلفاء والملوك وغيرهم وكأن أبا حاتم لم يتأمل سائر الاحاديث فى معيشة النبى وهل ذلك إلا من أعظم شواهد صدقه فإنه لو كان كما يقول أعداؤه وأعداء ربه أنه ملك طالب ملك ودنيا لكان عيشه عيش الملوك وسيرته سيرتهم ولقد توفاه الله وان درعه مرهونة عند يهودى على طعام أخذه لأهله وقد فتح الله عليه بلاد العرب وجبيت اليه الاموال ومات ولم يترك درهما واحدا ولا دينارا ولا شاة ولا بعيرا ولا عبدا ولا أمة قال الامام أحمد حدثنا حسين بن محمد بن مطرف عن أبى حازم عن عروة أنه سمع عائشة تقول كان يمر بنا هلال وهلال ما يوقد فى بيت من بيوت رسول الله نار قلت يا خالة فعلى أى شئ كنتم تعيشون قالت على الأسودين التمر والماء وقد تقدم حديث أبى هريرة فى قصة أبى الهيثم ابن النبهان وانه خرج رسول الله من بيته فرأى أبا بكر وعمر رضى الله عنهما فقال ما أخرجكما قالا الجوع قال وأنا والذى نفسى بيده لأخرجنى الذى أخرجكما وذكر أحمد من حديث مسروق قال: quot;دخلت على عائشة فدعت لى بطعام وقالت ما أشبع من طعام فأشاء أن أبكى الا بكيت قال قلت لم قالت أذكر الحال التى فارق عليها رسول الله الدنيا والله ما شبع فى يوم مرتين من خبز البر حتى قبضquot; وفيه عنها: quot;ما شبع رسول الله من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبضquot; والحديثان صحيحان وفيه ايضا عنها ما شبع آل محمد من خبز مأدوم ثلاثة أيام حتى لحق بالله عزوجل وفى الصحيحين عن أبى هريرة: quot;ما شبع رسول الله وأهله ثلاثا أتباعا من خبز البر حتى فارق الدنياquot; وفى الترمذى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال كان النبى يبيت الليالى طاويا وأهله لا يجدون عشاء وكان أكثر خبزهم خبز الشعير(1\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "210",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12248",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيه أيضا عن أنس عنه: quot;لقد اخفت فى الله وما يخاف أحد ولقد أوذيت فى الله وما يؤذى أحد ولقد أتت على ثلاثون من بين يوم وليلة ومالى ولبلال طعام يأكله ولبد إلا شئ يواريه إبط بلالquot; والحديثان صحيحان وفيه ايضا عن أنس بن مالك رضى الله عنه عن أبى طلحة رضى الله عنه قال: quot;شكونا الى رسول الله الجوع ورفعنا عن بطوننا حجرا حجرا فرفع رسول الله عن بطنه حجرينquot; وفيه أيضا عن علقمة عن عبد الله رضى الله عنه قال: quot;نام رسول الله على حصير فقام وقد اثر فى جنبه فقلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء فقال مالى وللدنيا ما أنا فى الدنيا الا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركهاquot; حديث صحيح وفيه عن على رضى الله عنه قال: quot;خرجت فى يوم شات من بيت رسول الله وقد أخذت اهابا معطونا فجوبت وسطه وأدخلته فى عنقى فشددت به وسطى فحزمته بخوص من النخل وانى لشديد الجوع ولو كان فى بيت رسول الله طعام لطعمت منه فخرجت التمس شيئا فمررت بيهودى فى مال له وهو يسقى ببكرة له فاطلعت عليه من ثلمة من الحائط فقال مالك يا أعرابى وهل لك فى كل دلو بتمرة قلت نعم فافتتح الباب حتى أدخل ففتح فدخلت فأعطانى دلوه فكلما نزعت دلوا أعطانى تمرة حتى امتلأت كفى أرسلت دلوه وقلت حسبى فأكلتها ثم جرعت من الماء فشربت ثم جئت الماء فوجدت رسول الله فيه وقال سعد بن ابى وقاص رضى الله عنه لقد رأيتنا نغزو مع رسول الله ما لنا طعام الا الحبلة وهذا السمر والحبلة ثمر العضاة ذات الشوكquot; وهو حديث صحيح وكان يصلى من الليل أحيانا وعليه كساء صوف بعضه عليه وبعضه على عائشة قال الحسن أثمان ستة دراهم أو سبعة وقال أحمد حدثنا أبو سعيد حدثنا أبو زائدة حدثنا عطاء عن أبيه عن على قال جهز رسول الله فاطمة فى خميل وقربة ووسادة من أدم حشوها ليف والخميل الكساء الذى خمل قال وحدثنا بهز بن اسد حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد قال قال أبو بردة دخلت على عائشة فأخرجت إلينا إزارا غليظا مما(1\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "211",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12249",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يصنع باليمن وكساء من هذه التى تدعونها الملبدة فقالت قبض رسول الله فى هذين الثوبين قالوا ولو كان الغنى مع الشكر افضل من الفقر مع الصبر لاختاره رسول الله إذ عرضت عليه الدنيا ولأمره ربه أن يسأله إياه كما أمره أن يسأله زيادة العلم ولم يكن رسول الله ليختار الا ما اختاره الله له ولم يكن الله ليختار له الا الافضل اذ كان افضل خلقه وأكملهم قالوا وقد أخبر النبى أن خير الرزق ما كان بقدر كفاية العبد فلا يعوزه ما يضره ولا يفضل عنه ما يطغيه ويلهيه قال الامام أحمد حدثنا ابن مهدى حدثنا همام عن قتادة عن خليد العصرى عن أبى الدرداء قال قال رسول الله: quot;ما طلعت شمس قط الا بعث بجنبيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض الا الثقلين يا أيها الناس هلموا الى ربكم فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى ولا آبت شمس قط الا بعث بجنبيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض الا الثقلين اللهم أعط منفقا خلفا واعط ممسكا تلفاquot; وقال الامام أحمد حدثنا وكيع حدثنا أسامة بن زيد عن محمد بن عبد الرحمن ابن ابى لبيبة عن سعد بن مالك رضى الله عنه قال قال رسول الله: quot;خير الرزق ما يكفى وخير الذكر الخفىquot;. وتأمل جمعه فى هذا الحديث بين رزق القلب والبدن رزق الدنيا والآخرة واخباره أن خير الرزقين ما لم يتجاوز الحد فيكفى من الذكر اخفاؤه فإن زاد على الاخفاء خيف على صاحبه الرياء والتكبر به على الغافلين وكذلك رزق البدن اذا زاد على الكفاية خيف على صاحبه الطغيان والتكاثر قالوا وقد غبط رسول الله المتقلل من الدنيا ما لم يغبط به الغنى قال الامام أحمد حدثنا وكيع حدثنا على بن صالح عن أبى(1\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "212",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12250",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المهلب عن عبيد الله ابن زحر عن على بن يزيد عن القاسم عن أبى أمامة رضى الله عنه قال قال رسول الله: quot;ان أغبط أوليائى عندى مؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من صلاة أحسن عبادة ربه وكان غامضا فى الناس لا يشار اليه بالاصابع فعجلت منيته وقل تراثه وقلت بواكيهquot; قال عبد الله بن أحمد سألت أبى ما تراثه قال ميراثه قالوا وحمية الله لعبده المؤمن عن الدنيا انما هو من محبته له وكرامته قال الامام أحمد حدثنا أبو سعيد حدثنا سليمان بن بلال عن عمرو بن أبى عمرو عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد رضى الله عنه أن رسول الله قال: quot;ان الله تبارك وتعالى يحمى عبده المؤمن من الدنيا وهو يحبه كما تحمون مرضاكم الطعام والشراب تخافون عليهم quot; قالوا وقل أن يقع اعطاء الدنيا وتوسعتها الا استدراجا من الله لا اكراما ومحبة لمن أعطاه قال الامام أحمد حدثنا يحيى بن غيلان حدثنا رشد بن سعد عن حرملة بن عمران النجبى عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر رضى الله عنه عن النبى قال: quot;اذا رأيت الله يعطى العبد من الدنيا على معاصيه وما يحب فإنما هو استدراجquot; ثم تلا قوله تعالى فلما نسو ما ذكروا به فتحنا عليهم ابواب كل شيء الآية قالوا ولهوان الدنيا على الله منعها أكثر أوليائه وأحبائه قال الامام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الاعمش عن سالم بن ابى الجعد قال قال رسول الله: quot;ان من أمتى لو أتى باب احدكم فسأله دينارا لم يعطه اياه ولو سأله فلسا لم يعطه اياه ولو سأل الله تعالى الجنة لأعطاها اياه ولو سأله الدنيا لم يعطها اياه وما يمنعها اياه لهوانه عليه ذو طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبرهquot; وهذا يدل على انه انما يمنعه اياها لهوانها عليه لا لهوانه هو عليه ولهذا يعطيه أفضل منها وأجل فإن الله تعالى يعطى الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطى الآخرة الا من يحب.(1\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "213",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12251",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا وقد اخبرهم النبى أن أقربهم منه مجلسا ذووا التقلل من الدنيا الذين لم يستكثروا منها قال الامام أحمد حدثنا يزيد بن هرون أخبرنا محمد بن عمرو قال سمعت عراك بن مالك يقول قال ابو ذر: quot;إنى لأقربكم مجلسا من رسول الله يوم القيامة وذلك إنى سمعته يقول ان أقربكم منى مجلسا يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئة ما تركته فيها وانه والله ما منكم من أحد الا وقد تشبث منها بشيء غيرىquot; قالوا وقد غبط النبى من كان عيشه كفافا وأخبر بفلاحه قال الامام أحمد حدثنا عبد الله بن يزيد حدثنا حيوة قال أخبرنى أبو هانى أن أبا على الحبشى أخبره أنه سمع فضاله بن عبيد يقول أنه سمع رسول الله يقول: quot;طوبى لمن هدى الى الاسلام وكان عيشه كفافا وقنعquot;. وذكر أيضا من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله قال: quot;قد أفلح من اسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه quot; قالوا ولو لم يكن فى التقلل الا خفة الحساب لكفى به فضلا على الغنى قال عبد الله بن الامام أحمد حدثنا بيان بن الحكم حدثنا محمد بن حاتم قال حدثنى بشر بن الحارث حدثنا عيسى بن يونس عن هشام عن الحسن قال قال رسول الله: quot;ثلاثة لا يحاسب بهن العبد ظل خص يستظل به وكسرة يشد بها صلبه وثوب يوارى عورتهquot; وقال الامام أحمد حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا ليث عن أبى عثمان قال لما افتتح المسلمون جوجى دخلوا يمشون فيها وأكداس الطعام فيها أمثال الجبال وكان رجل يمشى الى جنب سلمان فقال يا أبا عبد الله ألا ترى الى ما فتح الله علينا ألا ترى الى ما أعطانا الله فقال سلمان وما يعجبك مما ترى الى جنب كل حبة مما ترى حساب قالوا وقد شهد النبى لأصحابه أنهم يوم فقرهم وفاقتهم خير منهم يوم غناهم وبسط الدنيا عليهم قال الامام أحمد حدثنا عبد الصمد أبو الاشهب عن الحسن قال قال نبى الله: quot;يا أهل الصفة كيف أنتمquot;(1\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "214",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12252",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا نحن بخير قال أنتم اليوم خير أم يوم تغدو على أحدكم جفنة وتروح أخرى ويغدو فى حلة ويروح فى أخرى وتسترون فى بيوتكم مثل أستار الكعبة قالوا يا نبى الله نحن يومئذ خير يعطينا ربنا تبارك وتعالى فنشكر قال: quot;بل أنتم اليوم خيرquot; فهذا صريح فى أنهم فى وقت صبرهم على فقرهم خير منهم فى وقت غناهم مع الشكر وقال عبد الله بن أحمد حدثنا أبن ذر حدثنا حفص بن غياث عن داود بن أبى هند عن أبى حرب بن أبى الاسود عن طلحة البصرى قال قدمت المدينة ولم يكن لى بها معرفة فكان يجرى علينا مد من تمر بين اثنين فصلى بنا رسول الله صلاة فهتف به هاتف من خلفه فقال يا رسول الله قد حرق بطوننا التمر وعرفت عنا الكنف فخطب فحمد الله وأثنى عليه وقال: quot;والله لو أجد لكم اللحم والخبز لأطعمتكموه وليأتين عليكم زمان تغدو على أحدكم الجفان وتراح ولتلبسن بيوتكم مثل أستار الكعبة قالوا يا رسول الله نحن اليوم خير منا أو يومئذ قال بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ أنتم اليوم خير منكم يومئذ يضرب بعضكم رقاب بعضquot; قال الامام أحمد وحدثنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أن نبى الله دخل على أهل الصفة فذكر نحوه قالوا ولو لم يكن فى الغنى والمال الا أنه فتنة وقل من سلم من اصابتها له وتأثيرها فى دينه كما قال تعالى إنما أموالكم وأولادكم فتنة وفى الترمذى من حديث كعب ابن عياض قال سمعت رسول الله يقول ان لكل أمة فتنة وفتنة أمتى المال قال هذا حديث  حسن صحيح  قالوا والمال يدعو الى النار والفقر يدعو الى الجنة قال الامام أحمد حدثنا يزيد حدثنا أبو الاشهب حدثنا سعيد بن أيمن مولى كعب بن سور قال بينا رسول الله يحدث أصحابه اذ جاء رجل من الفقراء فجلس الى جنب رجل من الاغنياء فكأنه قبض من ثيابه عنه فقال(1\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "215",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12253",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله: quot;أخشيت يا فلان أن يغدو وغناك عليه أو يغدو فقره عليك قال يا رسول الله وشر الغنى قال نعم ان غناك يدعوك الى النار وان فقره يدعوه الى الجنة قال فما ينجينى منه قال تواسيه قال اذن افعل فقال الآخر لا أرب لى فيه قال فاستغفر وادع لأخيكquot; قالوا وحق الغنى أعظم من أن يقوم العبد بشكره وقد روى الترمذى فى جامعه من حديث عثمان بن عفان رضى الله عنه أن النبى قال ليس لابن آدم حق فى سوى هذه الخصال بيت يسكنه وثوب يوارى به عورته وجلف الخبز والماء قال هذا حديث حسن صحيح وفى صحيح مسلم عن أبى أمامة رضى الله عنه قال قال رسول الله: quot;يا ابن آدم انك ان تبذل الفضل خير لك وأن تمسكه شر لك ولا تلام على كفاف وابدأ بمن تعول واليد العليا خير من اليد السفلى quot;. وفى صحيحه أيضا من حديث أبى نضرة عن أبى سعيد رضى الله عنه قال بينما نحن فى سفر مع رسول الله اذ جاء رجل على راحلة له فجعل يضرب يمينا وشمالا فقال رسول الله: quot;من كان معه فضل من ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان عنده فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له قال فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى ظننا أنه لا حق لأحد منا فى فضلquot;. قالوا فهذا موضع النظر فى تفضيل الغنى الشاكر ببذل الفضل كله وأما غنى يمتع بأنواع الفضل ويشكر بالواجب وبعض المستحب فكيف يفضل على فقير صابرا راض عن الله فى فقره قالوا وقد أقسم رسول الله لأصحابه وهم أئمة الشاكرين أنه لا يخاف عليهم الفقر وانما يخاف عليهم الغنى ففى الصحيحين من حديث عمرو بن عوف وكان شهد بدرا أن رسول الله بعث أبا عبيدة بن الجراح الى البحرين يأتى بجزيتها وكان رسول الله صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمى فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين فسمعت الانصار بقدوم أبى عبيدة فوافوا صلاة(1\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "216",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12254",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفجر مع رسول الله فلما صلى رسول الله انصرف فتعرضوا له فتبسم رسول الله حين رآهم ثم قال: quot;أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشئ من البحرين فقالوا أجل يا رسول الله قال أبشروا وأملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكنى أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتتنافسوا فيها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهمquot;. قال الامام أحمد حدثنا روح حدثنا هشام عن الحسن قال قيل لأبى ثعلبة الخشنى أين دنياكم والتى كنتم تعدون يا أصحاب محمد قال ليبشر الآخر بدنيا قد ظلت تأكل والله الذى لا اله الا هو الايمان كما تأكل النار الحطب الجزل وقال أحمد حدثنا يزيد حدثنا هشام بن حسان قال سمعت الحسن يقول: quot;والله ما أحد من الناس بسط الله له دنياه فلم يخف أن يكون قد مكر به فيها الا كان قد نقص علمه وعجز رأيه وما أمسكها الله عن عبد فلم يظن أنه قد خير له فيها إلا كان قد نقص علمه وعجز رأيهquot;. قالوا وقد مر على النبى فقير وغنى فقال عن الفقير: quot;هذا خير من ملء الأرض مثل هذاquot; وروى البخارى فى صحيحه عن سهل بن سعد رضى الله عنه قال مر رجل على رسول الله فقال: quot;ما تقولون فى هذا فقالوا جرى ان خطب أن ينكح وان شفع أن يشفع وان قال أن يسمع قال ثم سكت فمر رجل من فقراء المسلمين فقال ما تقولون فى هذا قالوا حرى ان خطب أن لا ينكح وان يشفع الأيشفع وان قال ان لا يسمع لقوله فقال رسول الله هذا خير من ملء الارض مثل هذاquot;. وقد بشر رسول الله الفقراء الصابرين بما لم يبشر به الأغنياء ففى الترمذى من حديث فضالة بن عبيد أن رسول الله: quot;كان إذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم فىالصلاة من الخصاصة وهم أصحاب الصفة حتى يقول الاعراب هؤلاء مجانين فإذا صلى رسول الله انصرف اليهم وقال لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة quot; قال فضالة وأنا يومئذ مع رسول الله وبشرهم بسبقهم الاغنياء الى الجنة.(1\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "217",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12255",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد اختلفت الروايات فى مدة هذا السبق ففى صحيح مسلم عن عبد الله ابن عمر أنه جاء ثلاثة نفر فقالوا يا أبا محمد والله ما نقدر على شئ لا نفقة ولا دابة ولا متاع فقال لهم ما شئتم ان شئتم رفعتم الينا فأعطيناكم ما يسر الله لكم وان شئتم ذكرنا أمركم للسلطان وان شئتم صبرتم فإنى سمعت رسول الله يقول: quot; ان فقراء المهاجرين يسبقون الاغنياء يوم القيامة بأربعين خريفا قالوا نصبر ولا نسأل شيئاquot;. وقال الامام أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن بن سلمة عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله قال: quot;يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمسمائة عامquot; قال الترمذى حديث حسن صحيح وفى الترمذى أيضا من حديث أبى سعيد قال قال رسول الله: quot; فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة سنة quot; وهو حديث حسن وفيه وأيضا من حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه عن النبى قال: quot;يدخل فقراء أمتى الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفاquot; وهو حديث حسن وهو موافق لحديث عبد الله بن عمر ولحديث أنس الذى فى الترمذى: quot;ان المساكين يدخلون قبل الاغنياء باربعين خريفاquot;. فهؤلاء ثلاثة جابر وأنس وعبد الله بن عمر وقد اتفقوا على الاربعين وهذا أبو هريرة وأبو سعيد قد اتفقا على التقدير بخمسمائة سنة ولا تعارض بين هذه الاحاديث إذ التأخر والسبق درجات بحسب الفقر والغنى فمنهم من يسبق باربعين ومنهم من يسبق بخمسمائة ولا يتقيد السبق بهذا المقدار بل يزيد عليه وينقص. وقد روى أبو داود فى سننه من حديث أبى هريرة عن النبى: quot;أن أول الامة دخولا الى الجنة أبو بكر الصديق رضى الله عنهquot; ومعلوم أن المدة التى بينه وبين اخوانه من فقراء المهاجرين لا تطول وانها أطول مدة بين دخوله وبين دخول آخر من يدخل الجنة وقد روى الامام أحمد فى مسنده من حديث عبد الله بن عمر رضى(1\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "218",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12256",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله عنه عن النبى أنه قال: quot; هل تدرون أول من يدخل الجنة قالوا الله ورسوله أعلم قال فقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره يموت أحدهم وحاجته فى صدره لا يستطيع لها قضاء تقول الملائكة يا ربنا ملائكتك وخزنتك وسكان سماواتك لا تدخلهم الجنة قبلنا فيقول عبادى لا يشركون بى شيئا يتقى بهم المكاره يموت أحدهم وحاجته فى صدره لا يستطيع لها قضاء فعند ذلك تدخل عليهم الملائكة من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدارquot;. وقال الامام أحمد حدثنا حسين بن محمد ثنا دويد عن مسلم بن بشير عن عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما قال قال رسول الله: quot;التقى مؤمنان على باب الجنة مؤمن غنى ومؤمن فقير كانا فى الدنيا فأدخل الفقير الجنة وحبس الغنى ما شاء الله أن يحبس ثم أدخل الجنة فلقيه الفقير فيقول أى أخى ماذا حبسك والله لقد احتبست حتى خفت عليك فيقول أى أخى انى حبست بعدك محبسا فظيعا كريها ما وصلت اليك حتى سال منى من العرق ما لو ورده ألف بعير كلها أكلت حمصا لصدرت عنه رواء quot; وقال الطبرانى فى معجمه حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمى وعلى بن سعيد الرازى قالا حدثنا على بن بهرام العطار حدثنا عبد الملك ابن أبى كريمة عن الثورى عن محمد بن زيد عن أبى حازم عن أبى هريرة رضى الله عنه قال سمعت رسول الله يقول: quot;إن فقراء المؤمنين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وذلك خمسمائة سنة فقال رجل أمنهم أنا يا رسول الله قال إن تغديت رجعت على عشاء وإذا تعشيت يبيت معك غداء قال نعم قال لست منهم فقام رجل فقال أمنهم أنا يارسول الله قال هل سمعت ما قلنا لهذا قال نعم ولست كذلك قال هل تجد ثوبا ستيرا سوى ما عليك قال نعم قال فلست منهم فقام آخر فقال أمنهم أنا يا رسول الله فقال هل سمعت ما قلت لهذين قبلك قال نعم قال هل تجد قرضا كلما شئت أن تستقرض قال نعم قال فلست منهم فقام(1\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "219",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12257",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "آخر فقال أمنهم أنا يارسول الله فقال هل سمعت ما قلت لهؤلاء قال نعم قال تقدر ان تكتسب قال نعم قال فلست منهم قال فقام خامس فقال أنا منهم يا رسول الله فقال هل سمعت ما قلت لهؤلاء قال نعم قال هل تمسى عن ربك راضيا وتصبح كذلك قال نعم قال فأنت منهم قال النبى ان سادات المؤمين فى الجنة من اذا تغدى لم يجد عشاء واذا تعشى لم يبت عنده غداء وان استقرض لم يجد قرضا وليس له فضل كسوة إلا ما يوارى به مالا يجد منه بدا ولا يقدر على أن يكتسب ما يعشيه ويمسى عن الله راضيا ويصبح راضيا أولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا quot; قال الطبرانى هذا حديث غريب من حديث سفيان الثورى عن محمد بن زيد يقال هو العبدى تفرد به عبد الملك قلت محمد هذا هو العبدى وثقه قوم وضعفه آخرون قال الداقطنى ليس بالقوى وقال أبو حاتم صالح الحديث وذكره ابن حبان فى الثقات وروى له الترمذى وابن ماجه وفى هذه الطبقة محمد بن زيد الشامى يروى عن أبى سلمة بن عبد الرحمن وهو متروك ونخاف أن يكون هذا هو الثورى لم ينسبه وانما يقال هو العبدى والله أعلم وقال الامام أحمد حدثنا اسماعيل بن ابراهيم حدثنا هشام الدستوائى عن يحيى ابن أبى كثير عن عامر العقيلى عن أبيه عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله: quot;عرض على أول ثلاثة يدخلون الجنة وأول ثلاثة يدخلون النار فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة فالشهيد وعبد مملوك لم يشغله رق الدنيا عن طاعة ربه وفقير متعفف ذو عيال وأما أول ثلاثة يدخلون النار فأمير مستلط وذو ثروة من مال لا يؤدى حق الله فى ماله وفقير فخورquot; وروى الترمذى منه ذكر الثلاثة الذين يدخلون الجنة فقط قالوا ويكفى فى فضل الفقير أن عامة أهل الجنة الفقراء وعامة أهل النار الاغنياء قال الامام أحمد حدثنا عبد الله بن محمد بن أبى شيبة حدثنا(1\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "220",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12258",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شريك عن ابى اسحاق عن السائب بن مالك عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال قال رسول الله: quot; أطلعت فى الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء واطلعت فى النار فرأيت أكثر اهلها الأغنياء والنساءquot;. وفى صحيح البخارى عن أبى رجاء قال جاء عمران بن حصين الى امرأته من عند رسول الله فقالت حدثنا ما سمعت من النبى فقال انه ليس من حديث فلم تدعه أو قال فأغضبته فقال سمعت رسول الله يقول: quot;نظرت فى الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء ونظرت فى النار فرأيت أكثر أهلها النساءquot;. وفى الصحيحين من حديث أسامة بن زيد أن رسول الله قال: quot;قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساءquot; وفى صحيح مسلم عن ابن عباس: quot;أن النبى اطلع فى النار فرأى أكثر أهلها النساء واطلع فى الجنة فرأى أكثر أهلها الفقراءquot;. قالوا ويكفى فى فضل الفقر أن كل أحد يتمناه يوم القيامة من الاغنياء قال الامام احمد حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا اسماعيل يعنى ابن خالد عن نفيع عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال قال رسول الله ما من أحد يوم القيامة غنى ولا فقير الا ود أن ما كان أوتى فى الدنيا قوتا قال البخارى يتكلمون فى نفيع وهذا أليق ما قيل فيه قالوا وقد صرح رسول الله فى تفضيل الفقراء فى غير حديث فمنها ما تقدم من حديث سهل بن سعد وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاويه حدثنا الاعمش عن زيد بن وهب عن أبى ذر رضى الله عنه قال قال رسول الله: quot;يا أبا ذر ارفع بصرك فانظر أرفع رجل تراه فى المسجد قال فنظرت فإذا رجل جالس عليه حلة له قال فقلت هذا قال فقال يا أبا ذر ارفع بصرك فانظر أوضع رجل تراه في المسجد قال(1\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "221",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12259",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فنظرت فاذا رجل ضعيف عليه أخلاق قال فقلت هذا قال فقال رسول الله والذى نفسى بيده لهذا أفضل عند الله يوم القيامة من قراب الارض من هذاquot;. قال حدثنا وكيع ووافقه زائد حدثنا الاعمش عن سليمان بن يسار عن خرشة ابن الحر عن أبى ذر فذكره وقال لهذا خير عند الله يوم القيامة من ملء الارض مثل هذا قال الامام أحمد وحدثنا أبو معاوية ووافقه يعلى قال حدثنا الاعمش عن زيد بن وهب عن أبى ذر فذكره قالوا والذى يفصل بيننا فى هذه المسألة ويشفى العليل أن الفقر يوفر أجر صاحبه ومنزلته عند الله والغنى ولو شكر فإن ما ناله فى الدنيا بغناه يحسب عليه من ثوابه يوم القيامة وان تناوله بأحل وجه فقليل الفضل فى الدنيا ناقص من كثير الآخرة وفى صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله قال: quot;ما من غازية تغزو فى سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثى أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث وان لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهمquot;. وفى الصحيحين عن خباب بن الارت رضى الله عنه قال: quot;هاجرنا مع رسول الله نلتمس وجه الله فوقع أجرنا على الله فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئا منهم مصعب بن عمير رضى الله عنه قتل يوم أحد وترك بردة فكنا اذا غطينا بها رأسه بدت رجلاه وإذا غطينا رجلاه بدا رأسه فأمرنا رسول الله أن نغطى رأسه ونجعل على رجليه شيئا من الاذخر ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهديهاquot; وفى الصحيحين عن قيس بن أبى حازم قال دخلنا على خباب نعوده وقد اكتوى سبع كيات فقال ان أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا وذكر الحديث وقال سعيد بن منصور حدثنا معاوية عن الاعمش عن مجاهد عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: quot;ما أوتى عبد من الدنيا شيئا إلا نقص من درجاته عند الله وان كان عليه كريماquot;.(1\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "222",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12260",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفى صحيح البخارى عن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: quot;أوتى عبد الرحمن رضى الله عنه بطعام وكان صائما فقال قتل مصعب بن عمير وهو خير منى وكفن فى بردة ان غطى رأسه بدت رجلاه وان غطى رجلاه بدا رأسه وقتل حمزة رضى الله عنه وهو خير منى فلم يوجد له كفن إلا بردة ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط أو قال أعطينا من الدنيا ما أعطينا وقد خشيت أن تكون عجلت لنا طيباتنا فى حياتنا الدنيا ثم جعل يبكى حتى ترك الطعامquot;. قال أبو سعيد بن الاعرابى وليس عبد الرحمن بن عوف وخباب قالا ذلك دون غيرهما لقد قاله الأكابر من أصحاب رسول الله وكرهوا ما فتح الله عليهم من الدنيا وأشفقوا منه وعلموا أن ما اختاره الله لنبيه كان أفضل وأن ما أخروا له كان أنقص منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وأبو عبيدة وعمار بن ياسر وسلمان وعبد الله بن مسعود وعائشة أم المؤمنين وأبو هاشم بن عتبة وجماعة لم نذكرهم للاختصار رضى الله عنهم فأما أبو بكر رضى الله عنه فحدثنا ابن ابى الدنيا حدثنا عبد الرحمن بن ابان الطائى حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا عبد الواحد بن زيد حدثنى سلمان عن مرة عن زيد بن أرقم رضى الله عنه قال كنا مع أبى بكر الصديق رضى الله عنه فدعا بشراب فأتى بماء وعسل فلما أدناه من فيه بكى وبكى حتى أبكى أصحابه فسكتوا وما سكت ثم عاد وبكى حتى ظنوا أنهم لم يقدروا على مسألته قال ثم مسح عينيه فقالوا يا خليفة رسول الله ما أبكاك فقال كنت مع رسول الله فرأيته يدفع عن نفسه شيئا ولم أر معه أحدا فقلت يا رسول الله ما الذى تدفع عن نفسك قال هذه الدنيا مثلت لى فقلت لها اليك عنى ثم رجعت فقالت انك ان أفلت منى فلن يفلت منى من بعدك وذكر ليث عن ابن سعد عن صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه أن أبا بكر رضى الله عنه قال فى مرضه الذى(1\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "223",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12261",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مات فيه إنى وليت أمركم وانى لست بخيركم وكلكم ورم أنفه من ذلك أن يكون هذا الامر له وذلك لما رأيت الدنيا قد أقبلت وأقبلت ولم تقبل حتى يتخذوا نضائد الحرير وستور الديباج وحتى يألم أحدكم من الاضطجاع على الصوف كما يألم من الاضطجاع على الحسك والسعدان ثم أنتم أول ضال بالناس تصفقون يمينا وشمالا ما هذا الطريق أخطأت انما هو البحر أو الفجر والله لئن يقدم أحدكم فتضرب عنقه فى غير حد خير له من أن يخوض غمرات الدنيا وذكر محمد بن عطاء بن خباب قال كنت جالسا مع أبى بكر فرأى طائرا فقال طوبى لك يا طائر تأكل من هذا الشجر ثم تبعر ثم لا تكون شيئا وليس عليك حساب وددت أنى مكانك فقلت له أتقول هذا وأنت صديق رسول الله وأما عمر رضى الله عنه فإنه لما اتى بكنوز كسرى بكى فقال له عبد الرحمن ابن عوف ما الذى يبكيك يا أمير المؤمنين فوالله ان هذا ليوم شكر ويوم سرور ويوم فرح فقال عمر ان هذا لم يعطه قوم الا ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء ودخل عليه أبو سنان الدؤلى وعنده نفر من المهاجرين فأرسل عمر الى سفط أتى به من قلعة بالعراق وكان فيه خاتم فأخذه بعض ولده فأدخله فى فيه فانتزعه عمر منه ثم بكى فقال له من عنده لم تبكى وقد فتح الله لك وأظهرك وأقر عينك فقال سمعت رسول الله يقول: quot; لا تفتح الدنيا على أحد الا ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء الى يوم القيامة وأنا مشفق من ذلكquot;. قال أبو سعيد وجدت فى كتاب بخط يدى عن أبى داود قال حدثنا محمد بن عبيد حدثنا حماد حدثنا يونس عن الحسن أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أتى بقلنسوة بغزوة كسرى بين يديه وفى القوم سراقة بن مالك فألقى اليه سوارى كسرى فجعلهما فى يديه فبلغا منكبيه فلما رآهما فى يد سراقة قال الحمد لله سوارا كسرى بن هرمز فى يد سراقة بن مالك بن جعشم(1\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "224",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12262",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أعرابى من بنى مدلج ثم قال اللهم قد علمت أن رسولك قد كان يحب أن يصيب مالا فينفقه فى سبيلك وعلى عبادك فزويت ذلك عنه نظرا منك له واختيارا اللهم انى أعوذ بك أن يكون هذا مكر منك بعمر ثم قال أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون والمقصود أن سعة الدنيا وبسطها تعجيل من أجل الآخرة وتضييق من سعتها قال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهرى عن ابن أبى صغيرة عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما: quot;قال لما كان يوم أحد أشرف النبى على الشهداء الذين قتلوا يومئذ فقال انى شهيد على هؤلاء فزملوهم بدمائهمquot; قال معمر وأخبره فيمن سمع الحسن يقول قال النبى: quot;هؤلاء قد مضوا وقد شهدت عليهم لم يأكلوا من أجورهم شيئا وانكم قد أكلتم من أجوركم وانى لا أدرى ما تحدثون بعدىquot;. وقال ابن المبارك أخبرنا جرير بن حازم قال سمعت الحسن يقول: quot;خرج رسول الله بأصحابه الى بقيع الغرقد فقال السلام عليكم يا أهل القبور لو تعلمون ما نجاكم الله منه مما هو كائن بعدكم ثم أقبل على أصحابه فقال هؤلاء خير منكم فقالوا يا رسول الله اخواننا أسلمنا كما أسلموا وهاجرنا كما هاجروا وجاهدنا كما جاهدوا وأتوا على آجالهم فمضوا فيها وبقينا فى آجالنا فما يجعلهم خيرا منا فقال ان هؤلاء خرجوا من الدنيا ولم يأكلوا من أجورهم شيئا وخرجوا وأنا شهيد عليهم وأنتم قد أكلتم من أجوركم ولا أدرى ما تحدثون بعدى قال فلما سمعها القوم والله عقلوها وانتفعوا بها فقالوا وانا لمحاسبون بما أصبنا من الدنيا بعدهم وانه لمنتقص به من أجورنا فأكلوا طيبا وأنفقوا قصدا وقدموا فضلاquot;. وقال عبد الله بن أحمد قرأت على ابى هذا الحديث حدثنا اسود بن(1\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "225",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12263",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عامر حدثنا اسرائيل عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر قال: quot;ما أعطى رجل من الدنيا الا نقص من درجتهquot;. قالوا وقد صرح سادات الاغنياء بأنهم ابتلو بالضراء فصبروا وابتلوا بالسراء فلم يبصروا قال ذلك عبد الرحمن وغيره وكان هذا مصداقا لما رواه مصعب بن سعد عن ابيه قال قال رسول الله: quot;لأنا من فتنة السراء أخوف عليكم من فتنة الضراء أنكم ابتليتم بالضراء فصبرتم وان الدنيا حلوة خضرةquot;. قالوا وها هنا قضيتان صادقتان بهما يتبين الفضل احداهما أن الاكثرين هم الاقلون وقد تقدم الدليل عليها بما فيه الكفاية وأما الثانية ففى الصحيحين من حديث أبى ذر رضى الله عنه قال: quot;خرجت ليلة من الليالى فإذا رسول الله يمشى وحده ليس معه انسان قال فظننت أنه يكره أن يمشى معه أحد فجعلت أمشى فى ظل القمر فالتفت فرآنى فقال من هذا قلت أبو ذر جعلنى الله فداك قال يا أبا ذر تعال فمشيت معه ساعة فقال ان المكثرين هم المقلون يوم القيامة الا من أعطاه الله خيرا فنفخ فيه يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيراquot; وذكر الحديث قالوا ولو كان الغنى افضل من الفقر لما حض الله رسوله على الزهد فى الدنيا والاعراض عنها وذم الحرص عليها والرغبة فيها بل كان ينبغى أن يحض عليها وعلى اكتسابها والاكثار منها كما حض على اكتساب الفضائل التى بها كمال العبد من العلم والعمل فلما حض على الزهد فيها والتقلل دل على أن الزاهدين فيها المتقللين منها أفضل الطائفتين وقد أخبر أنها لو ساوت عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء وأنها أهون على الله من السخلة الميتة على أهلها وان مثلها فى الآخرة كمثل ما يعلق بأصبع من أدخل أصبعه فى البحر وأنها ملعونة ملعون ما فيها الا(1\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "226",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12264",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذكر الله وما والاه وعالم ومتعلم وأنها سجن المؤمنين وجنة الكافرين وأمر العبد أن يكون فيها كأنه غريب أو عابر سبيل ويعد نفسه من أهل القبور واذا أصبح فلا ينتظر المساء واذا أمسى فلا ينتظر الصباح ونهى عن اتخاذ ما يرغب فيها ولعن عبد الدينار وعبد الدرهم ودعا عليه بالتعس والانتكاس وعدم اقالة العثرة بالانتقاش وأخبر أنها خضرة حلوة أى تأخذ العيون بخضرتها والقلوب بحلاوتها وأمر باتقائها والحذر منها كما يتقى النساء ويحذر منهن وأخبر أن الحرص عليها وعلى الرياسة والشرف يفسد الدين كإفساد الذئبين الضاربين اذا ارسلا فى زريبة غنم أو أشد افسادا وأخبر أنه فى الدنيا كراكب استظل تحت شجرة فى يوم صائف ثم راح وتركها وهذه في الحقيقة حال سكان الدنيا كلهم ولكن هو شهد هذه الحال وعمى عنها بنو الدنيا ومر بهم وهم يعالجون خصا لهم قد وهى فقال: quot;ما أرى الأمر ألا أعجل من ذلكquot; وأمر بستر على بابه فنزع وقال انه يذكرنى الدنيا وأعلم الناس أنه ليس لأحد منهم حق فى سوى بيت يسكنه وثوب يوارى عورته وقوت يقيم صلبه وأخبر أن الميت يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله وأخبر أن للمتخوض فيما شاءت نفسه من مال الله بغير حق النار يوم القيامة وأقسم أنه لا يخاف الفقر على أصحابه وانما يخاف عليهم الدنيا وتنافسهم فيها وإلهائها لهم وأخبر أنه ليس لابن آدم من ماله إلا ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى أو تصدق فأمضى وأخبر أن حسب ابن آدم من الدنيا لقيمات يقمن صلبه فإن لم يقتصر عليها فثلث بطنه لطعامه وثلثه لشرابه وثلثه لنفسه وفى هذا الحديث الارشاد إلى صحة القلب والبدن والدين والدنيا وأخبر أن غنى العبد فيها غنى نفسه لا كثرة عرضه وسأل الله أن يجعل رزقه فيها قوتا وغبط من كان رزقه فيها كفافا بعد أن هدى للاسلام وأخبر أن من كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وشتت(1\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "227",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12265",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه شمله ولم يأته منها إلا ما كتب له وعرض عليه ربه أن يجعل له بطحاء مكة ذهبا فقال لا يارب ولكن أشبع يوما وأجوع يوما فإذا جعت تضرعت اليك وذكرتك واذا شبعت حمدتك وشكرتك وأعلمهم أن من أصبح منهم آمنا فى سربه معافى فى جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا وأخبر أن بذل العبد ما فضل عن حاجته خير له وإمساكه شر له وأنه لا يلام على الكفاف ونهى أمته أن ينظر أحدهم الى من هو فوقه فى الدنيا وأمره أن ينظر الى من هو دونه فى الدنيا وأخبر أنه لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتنة وضر مثلها مثل ما يخرج من ابن آدم عند خلائه وان كان أوله طيبا لذيذا فهذا آخره وأخبر أن عباد الله ليسوا بالمتنعمين فيها فإن أمامهم دار النعيم فهم لا يرضون بنعيمهم فى الدنيا عوضا من ذلك النعيم وأخبر أن نجاة أول هذه الأمة بالزهد واليقين وهلكة آخرها بالبخل وطول الأمل وكان يقول لبيك لا عيش الا عيش الآخرة وأخبر أنه تعالى اذا أحب عبدا حماه الدنيا كما يحمى الانسان مريضه من الطعام والشراب ودخل على عثمان ابن مظعون وهو فى الموت فاكب عليه يقبله ويقول رحمك الله يا عثمان ما أصبت من الدنيا ولا أصابت منك فغبطه بذلك وكان يقول الزهد فى الدنيا يريح القلب والبدن والرغبة فى الدنيا تطيل الهموم والحزن وكان يقول من جعل الهموم كلها هما واحدا كفاه الله سائر همومه ومن تشعبت به الهموم فى أحوال الدنيا لم يبال الله فى أى أوديتها هلك وأخبر أنه يؤتى يوم القيامة بأنعم الناس كان فى الدنيا فيقول الله عز وجل اصبغوه فى النار صبغة ثم يؤتى به فيقول يا ابن آدم هل أصبت نعيما قط هل رأيت قرة عين قط هل أصبت سرورا قط فيقول لا وعزتك ثم يقول ردوه الى النار ثم يؤتى بأشد الناس كان بلاء فى الدنيا(1\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "228",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12266",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأجهده جهدا فيقول تبارك وتعالى اصبغوه فى الجنة صبغة فيصبغ فيها ثم يؤتى به فيقول يا ابن آدم هل رأيت ما تكره قط فيقول لا وعزتك ما رأيت شيئا قط اكرهه وفى حديث مناجاة موسى الذى رواه الامام أحمد فى كتاب الزهد حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم بن معقل حدثنا عبد الصمد بن معقل قال سمعت وهب ابن منبه فذكره وفيه ولا تعجبكما زينته ولا ما متع به ولا تمدان الى ذلك أعينكما فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين وانى لو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة يعلم فرعون حين ينظر اليها أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما فعلت ولكنى أرغب بكما عن نعيمها ذلك وازويه عنكما وكذلك أفعل بأوليائى وقديما ما خرت لهم فى ذلك فإنى لاذودهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعى الشفيق غنمه عن مراعى الهلكة وانى لأجنبهم سلوتها وعيشها كما يجنب الراعى الشفيق ابله عن مبارك الغرة وما ذلك لهوانهم على ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتى سالما موفرا لم تكلمه الدنيا ولم يطغه الهوى واعلم انه لم يتزين لى العباد بزينة هى أبلغ من الزهد فى الدنيا فإنها زينة المتقين عليهم منها لباس يعرفون به من السكينة والخشوع سماهم فى وجههم من أثر السجود أولئك أوليائى حقا فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك وذلل لهم قلبك ولسانك وذكر الحديث وقال أحمد حدثنا عون بن جابر قال سمعت محمد بن داود عن أبيه عن وهب قال قال الحواريون يا عيسى من أولياء الله الذين لاخوف عليهم ولا هم يحزنون قال الذين نظروا الى باطن الدنيا حين نظر الناس الى عاجلها فأماتوا منها ما يخشون أن يميتهم وتركوا ما علموا أن سيتركهم فصار استكثارهم منها استقلالا وذكرهم إياها فواتا وفرحهم(1\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "229",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12267",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بما اصابوا منها حزنا فما عارضهم من نائلها رفضوه وما عارضهم من رفعتها بغير الحق وضعوه خلقت الدنيا عندهم فليسوا يجددونها وخربت بينهم فليسوا يعمرونها وماتت فى صدورهم فليسوا يحيونها يهدمونها فيبنون بها آخرتهم ويبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم رفضوها فكانوا بها هم الفرحين ونظروا الى أهلها صرعى قد حلت بهم المثلات فأحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة يحبون الله ويحبون ذكره ويستضيئون بنوره ويضيئون به لهم خبر عجيب وعندهم الخبر العجيب بهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا وبهم علم الكتاب وبه عملوا ليسوا يرون نائلا مع ما نالوا ولا أمانا دون ما يرجون ولا خوفا دون ما يحذرون وحدثنا روح حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت قال قيل لعيسى بن مريم يا رسول الله لو اتخذت حمارا تركبه لحاجتك قال أنا أكرم على الله من أن يجعل لى شيئا يشغلنى به وقال اجعلوا كنوزكم فى السماء فإن قلب المرء عند كنزه وقال اتقوا فضول الدنيا فإن فضول الدنيا عند الله رجز وقال يا بنى اسرائيل اجعلوا بيوتكم كمنازل الأضياف فما لكم فى العالم من منزل ان أنتم إلا عابرى سبيل وقال يا معشر الحواريين ايكم يستطيع أن يبنى على موج البحر دارا قالوا ياروح الله من يقدر على ذلك قال اياكم والدنيا فلا تتخذوها قرارا وقال أكل الخبز البر وشرب ماء عذب ونوم على المزابل مع الكلاب كثير لمن يريد أن يرث الفردوس قال أحمد وحدثنا بهز عن الاعمش عن خيثمة قال قال المسيح بشدة ما يدخل الغنى الجنة وقال المسيح حلاوة الدنيا مرارة الاخرة ومرارة الدنيا حلاوة الاخرة وقال يا بنى اسرائيل تهاونوا بالدنيا تهن عليكم وأهينوا الدنيا تكرم عليكم الاخرة ولا تكرموا الدنيا تهن عليكم(1\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "230",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12268",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاخرة فإن الدنيا ليست بأهل الكرامة وكل يوم تدعو الى الفتنة والخسارة وقال اسحق بن هانئ فى مسائلة قال أبو عبد الله وأنا أخرج من داره قال الحسن أهينوا الدنيا فوالله لأهنأ ما تكون حين تهان وقال الحسن والله ما أبالى شرقت أم غربت قال وقال لى أبو عبد الله يا اسحق ما أهون الدنيا على الله عز وجل وقال الدنيا قليلها يجزى وكثيرها لا يجزى قالوا وقد تواتر عن السلف أن حب الدنيا رأس الخطايا وأصلها وقد روى فيه حديث مرفوع لا يثبت ولكنه يروى عن المسيح قال عبد الله بن احمد حدثنا عبيد الله بن عمر القواريرى حدثنا معاذ بن هشام حدثنى ابى عن بديل بن ميسرة قال حدثنى جعفر بن خرفاش أن عيسى بن مريم عليه السلام قال رأس الخطيئة حب الدنيا والنساء حبالة الشيطان والخمر جماع كل شر وقال الامام أحمد حدثنا عمر بن سعد أبو داود الحفرى عن سفيان قال كان عيسى بن مريم يقول حب الدنيا أصل كل خطيئة والمال فيه داء كثير قالوا وما داؤه قال لا يسلم من الفخر والخيلاء قالوا فان سلم قال يشغله اصلاحه عن ذكر الله عزوجل قالوا وذلك معلوم بالتجربة والمشاهدة فان حبها يدعو الى خطيئة ظاهرة وباطنة ولا سيما خطيئة يتوقف تحصيلها عليها فيسكر عاشقها حبها عن علمه بتلك الخطيئة وقبحها وعن كراهتها واجتنابها وحبها يوقع فى الشبهات ثم فى المكروهات ثم فى المحرمات وطالما أوقع فى الكفر بل جميع الأمم المكذبة لأنبيائهم انما حملهم على كفرهم وهلاكهم حب الدنيا فان الرسل لما نهوهم عن الشرك والمعاصى التى كانوا يكسبون بها الدنيا حملهم حبها على مخالفتهم وتكذيبهم فكل خطيئة فى العالم أصلها حب الدنيا ولا تنس خطيئة الأبوين قديما فإنما كان سببها حب الخلود فى الدنيا ولا تنس ذنب ابليس وسببه حب الرياسة التي محبتها شر من محبة الدنيا وبسببها كفر(1\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "231",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12269",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فرعون وهامان وجنودهما وأبو جهل وقومه واليهود فحب الدنيا والرياسة هو الذى عمر النار بأهلها والزهد فى الدنيا والرياسة هو الذى عمر الجنة بأهلها والسكر بحب الدنيا أعظم من السكر بشرب الخمر بكثير وصاحب هذا السكر لا يفيق منه الا فى ظلمة اللحد ولو انكشف عنه غطاؤه فى الدنيا لعلم ما كان فيه من السكر وانه اشد من سكر الخمر والدنيا تسحر العقول أعظم سحر قال الإمام أحمد حدثنا سيار حدثنا جعفر قال سمعت مالك بن دينار يقول اتقوا السحارة اتقوا السحارة فإنها تسحر قلوب العلماء وقال يحيى بن معاذ الرازى الدنيا خمر الشيطان من سكر منها فلا يفيق إلا فى عسكر الموتى نادما بين الخاسرين وأقل ما فى حبها أنه يلهى عن حب الله وذكره ومن الهاه ماله عن ذكر الله فهو من الخاسرين وإذا لها القلب عن ذكر الله سكنه الشيطان وصرفه حيث اراد ومن فقهه فى الشر أنه يرضيه ببعض أعمال الخير ليريه أنه يفعل فيها الخير وقد تعبد لها قلبه فأين يقع ما يفعله من البر مع تعبده لها وقد لعنه رسول الله ودعا عليه فقال لعن عبد الدينار والدرهم وقال تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم ان أعطى رضى وإن منع سخط وهذا تفسير منه وبيان لعبوديتها وقد عرضت الدنيا على النبى بحذافيرها وتعرضت له فدفع فى صدرها باليدين وردها على عقبيها ثم عرضت بعده على أصحابه وتعرضت لهم فمنهم من سلك سبيله ودفعها عنه وهم القليل ومنهم من استعرضها وقال ما فيك قالت فى الحلال والشبهة والمكروه والحرام فقالوا هاتى حلالك ولا حاجة لنا فيما عداه فأخذوا حلالها ثم تعرضت لمن بعدهم فطلبوا حلالها فلم يجدوه فطلبوا مكروهها وشبهها فقالت قد أخذه من قبلكم فقالوا هاتى حرامك فأخذوه فطلبه من بعدهم فقالت هو فى أيدى الظلمة قد استأثروا به عليكم فتحيلوا على تحصيله منهم بالرغبة والرهبة فلا يمد فاجر يده الى شئ من الحرام إلا وجد أفجر منه وأقوى(1\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "232",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12270",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قد سبقه اليه هذا وكلهم ضيوف وما بأيديهم عارية كما قال ابن مسعود رضى الله عنه ما أصبح أحد فى الدنيا إلا ضيف وماله عارية فالضيف مرتحل والعارية مؤادة قالوا وانما كان حب الدنيا رأس الخطايا ومفسدا للدين من وجوه أحدها أن حبها يقتضى تعظيمها وهى حقيرة عند الله ومن أكبر الذنوب تعظيم ما حقر الله وثانيها أن الله لعنها ومقتها وأبغضها إلا ما كان له فيها ومن أحب ما لعنه الله ومقته وأبغضه فقد تعرض للفتنة ومقته وغضبه وثالثها انه اذا أحبها صيرها غايته وتوسل اليها بالأعمال التى جعلها الله وسائل اليه والى الدار الآخرة فعكس الأمر وقلب الحكمة فانعكس قلبه وانعكس سيره الى وراء فها هنا أمران أحدهما جعل الوسيلة غاية والثانى التوسل بأعمال الآخرة إلى الدنيا وهذا شر معكوس من كل وجه وقلب منكوس غاية الانتكاس وهذا هو الذى انطبق عليه حذو القذة بالقذة قوله تعالى من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون وقوله تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا وقوله تعالى من كان يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله فى الآخرة من نصيب فهذه ثلاث آيات يشبه بعضها بعضا وتدل على معنى واحد وهو أن من أراد بعمله الدنيا وزينتها دون الله والدار الآخرة فحظه ما اراد وهو نصيبه ليس له نصيب غيره والاحاديث عن رسول الله مطابقة لذلك مفسرة له كحديث أبى هريرة رضى الله عنه فى الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار: quot;الغازى والمتصدق والقارئ الذين أرادوا بذلك الدنيا والنصيبquot; وهو فى صحيح مسلم.(1\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "233",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12271",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفى سنن النسائى عن أبى أمامة رضى الله عنه قال: quot;جاء رجل الى النبى فقال يا رسول الله رجل غزا يلتمس الأجر والذكر ما له فقال رسول الله لا شئ له فأعادها ثلاث مرات يقول له رسول الله لا شئ له ثم قال إن الله تعالى لا يقبل إلا ما كان خالصاquot; وابتغى به وجهه فهذا قد بطل أجره وحبط عمله مع أنه قصد حصول الأجر لما ضم اليه قصد الذكر بين الناس فلم يخلص عمله لله فبطل كله وفى مسند الامام أحمد عن أبى هريرة أن رجلا قال: quot;يارسول الله الرجل يريد الجهاد فى سبيل الله وهو يبتغى عرض الدنيا فقال له رسول الله لا أجر له فأعظم الناس ذلك وقالوا للرجل عد لرسول الله لعله لم يفهم فعاد فقال يا رسول الله الرجل يريد الجهاد فى سبيل الله وهو يبتغى عرض الدنيا فقال رسول الله لا أجر له ثم أعاد الثالثة فقال رسول الله لا أجر لهquot;. وفى المسند ايضا وسنن النسائى عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال ان رسول الله قال: quot;من غزا فى سبيل الله عزوجل وهو لا ينوى فى غزاته إلا عقالا فله ما نوىquot;. وفى المسند والسنن عن يعلى بن منبه قال: quot;كان رسول الله يبعثنى فى سرايا فبعثنى ذات يوم فى سرية وكان رجلا يركب بغلا فقلت له ارحل فإن النبى قد بعثنى فى سرية فقال ما أنا بخارج معك حتى تجعل لى ثلاثة دنانير ففعلت فلما رجعت من غزاتى ذكرت ذلك لرسول الله فقال النبى ليس له من غزاته هذه ومن دنياه وآخرته الا ثلاثة دنانيرquot;. وفى سنن أبى داود أن عبد الله بن عمر رضى الله عنه قال: quot;يا رسول الله أخبرنى عن الجهاد والغزو فقال يا عبد الله بن عمر ان قاتلت صابرا محتسبا بعثك الله صابرا محتسبا وان قاتلت مرائيا مكاثرا بعثك الله مرائيا مكاثرا يا عبد الله بن عمر على أى حال قاتلت أو قتلت بعثك الله على تلك الحالquot;.(1\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "234",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12272",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفى المسند والسنن عن ابى ايوب رضى الله عنه قال سمعت رسول الله يقول: quot;انها ستفتح عليكم الامصار وتضربون فيها بعوثا فيكره الرجل منكم البعث فيخلص من قومه ويعرض نفسه على القبائل يقول من أكفيه بعث كذا وكذا إلا وذلك الأجير الى آخر قطرة من دمهquot; فانظر محبة الدنيا ماذا حرمت هذا المجاهد من المجاهدين من الأجر وأفسدت عليه عمله وجعلته أول الداخلين إلى النار فصل: ورابعها أن محبتها تعترض بين العبد وبين فعل ما يعود عليه نفعه فى الآخرة لاشتغاله عنه بمحبوبه والناس ها هنا مراتب فمنهم من يشغله محبوبه عن الايمان وشرائعه ومنهم من يشغله عن الواجبات التى تجب عليه لله ولخلقه فلا يقوم بها ظاهرا ولا باطنا ومنهم من يشغله حبها عن كثير من الواجبات ومنهم من يشغله عن واجب يعارض تحصيلها وان قام بغيره ومنهم من يشغله عن القيام بالواجب فى الوقت الذى ينبغى على الوجه الذى ينبغى فيفرط فى وقته وفى حقوقه ومنهم من يشغله عن عبودية قلبه فى الواجب وتفريغه لله عند أدائه فيؤديه ظاهر الا باطنا وأين هذا من عشاق الدنيا ومحبيها هذا من أندرهم وأقل درجات حبها ان يشغل عن سعادة العبد وهو تفريغ القلب لحب الله ولسانه لذكره وجمع قلبه على لسانه وجمع لسانه وقلبه على ربه فعشقها ومحبتها تضر بالآخرة ولا بد كما أن محبة الآخرة تضر بالدنيا وفى هذا الحديث قد روى مرفوعا من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته اضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى فصل: وخامسها أن محبتها تجعلها أكثر هم العبد وقد روى الترمذى من حديث أنس بن مالك رضى الله عنه قال قال رسول الله: quot; من كانت الآخرة أكبر همه جعل الله غناه فى قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهى راغمة ومن كانت الدنيا أكبر همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر لهquot;.(1\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "235",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12273",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: وسادسها أن محبها أشد الناس عذابا بها وهو معذب فى دوره الثلاث يعذب فى الدنيا بتحصيلها والسعى فيها ومنازعة أهلها وفى دار البرزخ بفواتها والحسرة عليها وكونه قد حيل بينه وبين محبوبه على وجه لا يرجوا اجتماعه به ابدا ولم يحصل له هناك محبوب يعوضه عنه فهذا اشد الناس عذابا فى قبره يعمل الهم والغم والحزن والحسرة فى روحه ما تعمل الديدان وهوام الأرض فى جسمه كما قال الامام أحمد حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم حدثنا عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه أن حزقبل كان فيمن سبى بختنصر فذكر عنه حديثا طويلا وفى آخره قال فبينا أنا نائم على شط الفرات إذ أتانى ملك فاخذ براسى فاحتملنى حتى وضعنى بقاع من الأرض قد كانت معركة قال واذا فيه عشرة آلاف قتيل قد بددت الطير والسباع لحومهم وفرقت أوصالهم قال لى إن قوما يزعمون أن من مات منهم أو قتل فقد انفلت منى وذهبت عنه قدرتى فادعهم قال حزقبل فدعوتهم فإذا كل عظم قد أقبل الى مفصله الذى انقطع منه ما الرجل بصاحبه بأعرف من العظم بمفصله الذى فارق حتى أم بعضها بعظائم نبت عليها اللحم ثم نبتت عليها العروق ثم انبسطت الجلود وأنا أنظر الى ذلك ثم قال ادع أرواحهم قال فدعوتها فاذا كل روح قد أقبل الى جسده الذى فارق فلما جلسوا سألتهم فيم كنتم قالوا إنا لما متنا وفارقنا الحياة لقينا ملك فقال هلموا أعمالكم وخذوا أجوركم كذلك سنتنا فيكم وفيمن كان قبلكم وفيمن هو كائن بعدكم قال فنظر فى أعمالنا فوجدنا نعبد الأوثان فسلط الدود على أجسادنا وجعلت الأرواح تألمه وسلط الغم على أرواحنا وجعلت أجسادنا تألمه فلم نزل كذلك نعذب حتى دعوتنا ولا يستريح عاشق الدنيا فقولهم كنا نعبد الأوثان فسيان عبادة الاثمان وعبادة الأوثان تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم والمقصود أن محب الدنيا يعذب فى قبره ويعذب يوم لقاء ربه قال تعالى فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في(1\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "236",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12274",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون قال بعض السلف يعذبهم بجمعها وتزهق أنفسهم بحبها وهم كافرون بمنع حق الله فيها فصل: وسابعها أن عاشقها ومحبها الذى يؤثرها على الآخرة من أسفه الخلق وأقلهم عقلا اذ آثر الخيال على الحقيقة والمنام على اليقظة والظل الزائل على النعيم الدائم والدار الفانية على الدار الباقية وباع حياة الأبد فى ارغد عيش بحياة انما هى أحلام نوم أو كظل زائل ان اللبيب بمثلها لا يخدع كما نزل أعرابى بقوم فقدموا له طعاما فأكل ثم قام الى ظل خيمة فنام فاقتلعوا الخيمة فاصابته فانتبه وهو يقول: وان امرؤ دنياه أكبر همه ... لمستمسك منها بحبل غرور وكان بعض السلف يتمثل بهذا البيت: يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها ... ان اغترارا بظل زائل حمق قال يونس بن عبد الأعلى ما شبهت الدنيا الا كرجل نام فرأى فى منامه ما يكره وما يحب فبينما هو كذلك انتبه وقال ابن أبى الدنيا حدثنى أبو على الطائى حدثنا عبد الرحمن البخارى عن ليث قال رأى عيسى بن مريم الدنيا فى صورة عجوز عليها من كل زينة فقال كم تزوجتى قالت لا أحصيهم قال فكلهم مات عنك أو كلهم طلقك قالت بل كلهم قتلته فقال عيسى بؤسا لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين تهلكينهم واحدا واحدا ولا يكونوا منك على حذر أرى اشقياء الناس لا يسأمونها ... على أنهم فيها عراة وجوع اراها وان كانت تحب فإنها ... سحابة صيف عن قليل تقشع أشبه الأشياء بالدنيا الظل تحسب له حقيقة ثابتة وهو فى تقلص وانقباض فتتبعه لتدركه فلا تلحقه وأشبه الأشياء بها السراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجد شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب وأشبه الأشياء بها المنام يرى فيه العبد ما يحب وما يكره فإذا(1\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "237",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12275",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "استيقظ علم أن ذلك لا حقيقة له وأشبه الأشياء بها عجوز شوهاء قبيحة المنظر والمخبر غدارة بالأزواج تزينت للخطاب بكل زينة وسترت كل قبيح فاغتر بها من لم يجاوز بصره ظاهرها فطلب النكاح فقالت لا مهر إلا نقد الآخرة فإننا ضرتان واجتماعنا غير مأذون فيه ولا مستباح فآثر الخطاب العاجلة وقالوا ما على من واصل حبيبته من جناح فلما كشف قناعها وحل إزارها إذا كل آفة وبلية فمنهم من طلق واستراح ومنهم من اختار المقام فما استتمت ليلة عرسه إلا بالعويل والصياح تالله لقد اذن مؤذنها على رءوس الخلائق يحي على غير الفلاح فقام المجتهدون والمسلمون لها فواصلوا فى طلبها الغدو بالرواح وسروا ليلهم فلم يحمد القوم السرى عند الصباح طاروا فى صيدها فما رجع أحد منهم إلا وهو مكسور الجناح فوقعوا فى شبكتها فأسلمتهم للذباح قال ابن أبى الدنيا حدثنا محمد بن على بن شقيق حدثنا ابراهيم بن الأشعث قال سمعت الفضيل بن عياض قال قال ابن عباس رضى الله عنهما يؤتى بالدنيا يوم القيامة فى صورة عجوز شمطاء زرقاء أنيابها بادية مشوه خلقها فتشرف على الخلائق فيقال أتعرفون هذه فيقولون نعوذ بالله من معرفة هذه فيقال هذه الدنيا التى تشاجرتم عليها بها تقاطعتم الأرحام وبها تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم ثم يقذف بها فى جهنم فتنادى يا رب أين أتباعى وأشياعى فيقول الله عزوجل ألحقوا بها أتباعها وأشياعها قال ابن أبى الدنيا وحدثنا اسحق بن اسماعيل حدثنا روح بن عبادة حدثنا عوف عن أبى العلاء قال رأيت فى النوم عجوزا كبيرة عليها من كل زينة الدنيا والناس عكوف عليها متعجبون ينظرون اليها فجئت فنظرت فتعجبت من نظرهم اليها وإقبالهم عليها فقلت لها ويلك من أنت قالت أما تعرفنى قلت لا قالت أنا الدنيا قال قلت أعوذ بالله من شرك قالت فان أحببت أن تعاذ من شرى فابغض الدرهم.(1\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "238",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12276",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ابن أبي الدنيا وحدثنى ابراهيم بن سعيد الجوهرى حدثنا سفيان بن عيينة قال قال لى أبو بكر بن عياش رأيت الدنيا فى النوم عجوزا مشوها شمطاء تصفق بيديها وخلفها خلق يتبعونها ويصفقون ويرقصون فلما كانت بحذائى أقبلت على فقالت لو ظفرت بك صنعت بك ما صنعت بهؤلاء ثم بكى أبو بكر قال وحدثنا محمد بن على حدثنا ابراهيم بن الاشعث قال سمعت الفضيل قال بلغنى أن رجلا عرج بروحه قال فاذا امرأة على قارعة الطريق عليها من كل زينة الحلى والثياب واذا هى لا يمر بها أحد إلا جرحته وإذا هى أدبرت كانت أحسن شيء رآه الناس واذا أقبلت أقبح شئ عجوز شمطاء زرقاء عمشاء فقلت أعوذ بالله قالت لا والله لا يعيذك الله حتى تبغض الدرهم قال قلت من أنت قالت أنا الدنيا ووصف على رضى الله عنه الدنيا فقال دار من صح فيها هرم ومن سقم فيها ندم ومن افتقر فيها حزن ومن استغنى فيها فتن فى حلالها الحساب وفى حرامها النار وقال ابن مسعود رضى الله عنه الدنيا دارت من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له وذكر ابن أبى الدنيا أن الحسن كتب الى عمر بن عبد العزيز أما بعد فان الدنيا دار ظعن ليست بدار اقامة وانما أنزل آدم اليها عقوبة فاحذرها يا أمير المؤمنين فان الزاد منها تركها والغناء فيها فقرها لها فى كل حال قتيل تذل من أعزها وتفقر من جمعها هى كالسم يأكله من لا يعرفه وفيه حتفه فكن فيها كمداو جرحاته يحتمى قليلا مخافة ما يكره طويلا ويصبر على شدة الدواء مخافة طول البلاء فاحذر هذه الدار الغرارة الخيالة الخداعة التى قد تزينت بخدعها وفتنت بغرورها وخيلت بآمالها وشوقت لخطابها فأصبحت كالعروس المجلوة فالعيون اليها ناظرة والقلوب عليها والهه والنفوس لها عاشقة وهى لأزواجها كلهم قاتله فلا الباقى بالماضى معتبر ولا الآخر بالاول مزدجر والعارف بالله حين أخبره عنها مذكر(1\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "239",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12277",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغتر وطغى ونسى المعاد فشغل فيها لبه حتى زلت عنها قدمه فعظمت ندامته وكبرت حسرته واجتمع عليه سكرات الموت وألمه وحسرات الفوت ونغصه فذهب منها فى كمد ولم يدرك منها ما طلب ولم يرح نفسه من التعب فخرج بغير زاد وقدم على غير مهاد فاحذرها يا أمير المؤمنين وأسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه السار فيها غذاء ضار وقد وصل الرخاء منها بالبلاء وجعل البقاء فيها الى فناء فسرورها مشوب بالحزن ما يرجع منها ما ولى فأدبر ولا يدرى ما هو آت فينتظر أمانيها كاذبة وآمالها باطلة وصفوها كدر وعيشها نكد فلو كان الخالق لها لم يخبر عنها خبرا ولم يضرب لها مثلا لكانت قد أيقظت النائم ونبهت الغافل فكيف وقد جاء من الله عز وجل عنها زاجر وفيها واعظ فما لها عند الله عزوجل قدر ولا وزن وما نظر اليها منذ خلقها ولقد عرضت على نبينا بمفاتيحها وخزائنها لا تنقصه عند الله جناح بعوضة فأبى أن يقبلها وكره أن يحب ما ابغض الله خالقه أو يرفع ماوضع مليكه فزواها عن الصالحين اختيارا وبسطها لأعدائه اغترارا فيظن المغرور بها القادر عليها أنه أكرم بها ونسى ما صنع الله بمحمد حين شد الحجر على بطنه وقال الحسن أيضا ابن آدم لا تعلق قلبك فى الدنيا فتعلقه بشر معلق اقطع حبالها وغلق أبوابها حسبك يا أبن آدم منها ما يبلغك المحل وكان يقول إن قوما أكرموا الدنيا فصلبتهم على الخشب فأهينوها فأهنا ما تكون إذا أهنتموها هيهات هيهات ذهبت الدنيا وبقيت الأعمال قلائد فى الاعناق وقال المسيح عليه السلام لا تتخذوا الدنيا ربا فتخذكم عبيدا واعبروها ولا تعمروها واعلموا أن أصل كل خطيئة حب الدنيا ورب شهوة أورثت أهلها حزنا طويلا ما سكنت الدنيا فى قلب عبد إلا التاط(1\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "240",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12278",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلبه منها بثلاثة شغل لا ينفك عناؤه وفقر لا يدرك غناؤه وأمل لا يدرك منتهاه الدنيا طالبه مطلوبه فطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى يستكمل فيها رزقه وطالب الدنيا تطلبه الاخرة حتى يجئ الموت فيأخذ بعنقه يا معشر الحواريين ارضوا بدنئ الدنيا مع سلامة الدين كما رضى أهل الدنيا بدنئ الدين مع سلامة الدنيا وقال ابن ابى الدنيا حدثنا هرون بن عبد الله حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا مالك ابن دينار قال قال ابو هريرة رضى الله عنه الدنيا موقوفه بين السماء والارض منذ خلقها الله تعالى الى يوم يفنيها تنادى ربها يا رب لم تبغضنى فيقول اسكتى يا لا شئ اسكتى يا لا شئ وقال الفضيل تجئ الدنيا يوم القيامة فتتبختر فى زينتها ونضرتها فتقول يا رب اجعلنى لأحسن عبادك دارا فيقول لا أرضاك له أنت لا شئ فكونى هباء منثورا فصل: فى ذكر أمثلة تبين حقيقة الدنيا المثال الاول: للعبد ثلاثة أحوال حالة لم يكن فيها شيئا وهى ما قبل أن يوجد وحالة أخرى وهى من ساعة موته الى مالا نهايه له فى البقاء السرمدى فلنفسه وجود بعد خروجها من البدن إما فى الجنة واما فى النار ثم تعاد الى بدنه فيجازى بعمله ويسكن احدى الدارين فى خلود دائم ثم بين هاتين الحالتين وهى ما بعد وجوده وما قبل موته حالة متوسطه وهى أيام حياته فلينظر الى مقدار زمانها وأنسبه الى الحالتين يعلم أنه أقل من طرفة عين فى مقدار عمر الدنيا ومن رأى الدنيا بهذه العين لم يركن اليها ولم يبال كيف تقضت أيامه فيها فى ضر وضيق أو فى سعه ورفاهية ولهذا لم يضع رسول الله لبنه على لبنه ولا قصبه على قصبه وقال: quot;مالى وللدنيا انما مثلى ومثل الدنيا الا كراكب قال فى ظل شجرة ثم راح وتركهاquot; وقال: quot;ما الدنيا فى الآخرة الا كما يجعل أحدكم اصبعه فى اليم فلينظر بم يرجعquot; والى هذا أشار المسيح عليه السلام بقوله: quot;الدنيا(1\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "241",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12279",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قنطرة فاعبروها ولا تعمروهاquot; وهذا مثل صحيح فإن الحياة معبر الى الاخرة والمهد هو الركن الاول على أول القنطرة واللحد هو الركن الثانى على آخرها ومن الناس من قطع نصف القنطرة ومنهم من قطع ثلثيها ومنهم من لم يبق له الا خطوة واحدة وهو غافل عنها وكيفما كان فلا بد من العبور فمن وقف يبنى على القنطرة ويزينها بأصناف الزينة وهو يستحث العبور فهو فى غاية الجهل والحمق فصل: المثال الثانى شهوات الدنيا فى القلب كشهوات الاطعمه فى المعدة وسوف يجد العبد عند الموت لشهوات الدنيا فى قلبه من الكراهه والنتن والقبح ما يجده للأطعمه اللذيذة إذا انتهت فى المعدة غايتها وكما أن الأطعمة كلما كانت ألذ طعما وأكثر دسما وأكثر حلاوة كان رجيعها أقذر فكذلك كل شهوة كانت فى النفس ألذ واقوى فالتأذى بها عند الموت أشد كما أن تفجع الإنسان بمحبوبه إذا فقده يقوى بقدر محبة المحبوب وفى المسند أن النبى قال للضحاك بن سفيان: quot;ألست تؤتى بطعامك وقد ملح وقزح ثم تشرب عليه الماء واللبن قال بلى قال فإلى م يصير قال إلى ما قد علمت قال فإن الله عزوجل ضرب مثل الدنيا لما يصير اليه طعام ابن آدمquot; كان بعض السلف يقول لأصحابه انطلقوا حتى أريكم الدنيا فيذهب بهم الى مزبلة فيقول انظروا الى ثمارهم ودجاجهم وعسلهم وسمنهم المثال الثالث: لها ولأهلها فى اشتغالهم بنعيمها عن الآخرة وما يعقبهم من الحسرات مثل أهلها فى غفلتهم مثل قوم ركبوا سفينة فانتهت بهم الى جزيرة فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحاجة وحذرهم الابطاء وخوفهم مرور السفينة فتفرقوا فى نواحى الجزيرة فقضى بعضهم حاجته وبادر الى السفينة فصادف المكان خاليا فأخذ أوسع الأماكن وألينها وأوفقها لمراده ووقف بعضهم فى الجزيرة ينظر الى أزهارها وأنوارها العجيبة ويسمع نغمات طيورها ويعجبه حسن أحجارها ثم حدثته نفسه بفوت(1\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "242",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12280",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السفينة وسرعة مرورها وخطر ذهابها فلم يصادف إلا مكانا ضيقا فجلس فيه وأكب بعضهم على تلك الحجارة المستحسنة والأزهار الفائقة فحمل منها حمله فلما جاء لم يجد فى السفينة الا مكانا ضعيفا وزاده حمله ضيقا فصار محموله ثقلا عليه ووبالا ولم يقدر على نبذه بل لم يجد من حمله بدا ولم يجد له فى السفينة موضعا فحمله على عتقه وندم على أخذه فلم تنفعه الندامة ثم ذبلت الأزهار وتغيرت اراييجها وآذاه نتنها وتولج بعضهم فى تلك الغياض ونسى السفينة وأبعد فى نزهته حتى أن الملاح نادى بالناس عند دفع السفينة فلم يبلغه صوته لاشتغاله بملاهيه فهو تارة يتناول من الثمر وتارة يشم تلك الانوار وتارة يعجب من حسن الأشجار وهو على ذلك خائف من سبع يخرج عليه غير منفك من شوك يتشبث فى ثيابه ويدخل فى قدميه أو غصن يجرح بدنه أو عوسج يخرق ثيابه ويهتك عورته أو صوت هائل يفزعه ثم من هؤلاء من لحق السفينة ولم يبق فيها موضع فمات على الساحل ومنهم من شغله لهوه فافترسته السباع ونهشته الحيات ومنهم من تاه فهام على وجهه حتى هلك فهذا مثال أهل الدنيا فى اشتغالهم بحظوظهم العاجلة ونسيانهم موردهم وعاقبة أمرهم وما أقبح بالعاقل أن تغره أحجار ونبات يصير هشيما قد شغل باله وعوقه عن نجاته ولم يصحبه المثال الرابع: لاغترار الناس بالدينا وضعف ايمانهم بالآخرة قال ابن أبى الدنيا حدثنا اسحق بن اسماعيل حدثنا روح بن عباده حدثنا هشام بن حسان عن الحسن قال بلغنى أن رسول الله قال لاصحابه انما مثلى ومثلكم ومثل الدنيا كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء حتى اذا لم يدروا ما سلكوا منها أكثر أم ما بقى أنفدوا الزاد وحسروا الظهر وبقوا بين ظهرانى المفازة لا زاد ولا حمولة فأيقنوا بالهلكة فبينما هم كذلك اذ خرج عليهم رجل فى حلة يقطن رأسه فقالوا ان هذا قريب عهد بريف وما جاءكم هذا الامن قريب فلما انتهى اليهم قال يا هؤلاء علام أنتم قالوا على(1\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "243",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12281",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما ترى قال أرأيتم ان هديتكم على ماء رواه ورياض خضر ما تجعلون لى قالوا لا نعصيك شيئا قال عهودكم ومواثيقكم بالله قال فأعطوه عهودهم ومواثيقهم بالله لا يحصونه شيئا قال فأوردهم ماء ورياضا خضراء قال فمكث فيهم ما شاء الله ثم قال يا هؤلاء الرحيل قالوا الى أين قال الى ماء ليس كمائكم ورياض ليست كرياضكم قال فقال جل القوم وهم أكثرهم والله ما وجدنا هذا حتى ظننا أن لن نجده وما نصنع بعيش هو خير من هذا قال وقالت طائفة وهم أقلهم ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم بالله لا تعصونه شيئا وقد صدقكم فى أول حديثه فو الله ليصدقنكم فى آخره فراح بمن اتبعه وتخلف بقيتهم فبادرهم عدوهم فأصبحوا بين أسير وقتيل المثال الخامس: للدنيا وأهلها ما مثلها به النبى كظل شجرة والمرء مسافر فيها الى الله فاستظل فى ظل تلك الشجرة فى يوم صائف ثم راح وتركها فتأمل حسن هذا المثال ومطابقته للواقع سواء فانها فى خضرتها كشجرة وفى سرعة انقضائها وقبضها شيئا فشيئا كالظل والعبد مسافرا الى ربه والمسافر اذا رأى شجرة فى يوم صائف لا يحسن به أن يبنى تحتها دارا ولا يتخذها قرارا بل يستظل بها بقدر الحاجة ومتى زاد على ذلك انقطع عن الرفاق المثال السادس: تمثيله لها بمدخل أصبعه فى اليم فالذى يرجع به أصبعه من البحر هو مثل الدنيا بالنسبة الى الآخرة وهذا أيضا من أحسن الامثال فإن الدنيا منقطعة فانية ولو كانت مدتها أكثر مما هى والاخرة أبدية لا انقطاع لها ولا نسبة للمحصور الى غير المحصور بل لو فرض أن السموات والارض مملوءتان خردلا وبعد كل ألف سنة طائر ينقل خردلة لفنى الخردل والاخرة لا تفنى فنسبة الدنيا الى الآخرة فى التمثيل كنسبة خردلة واحدة الى ذلك الخردل ولهذا لو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر وأشجار الارض كلها أقلام يكتب بها كلام الله لنفذت الابحر(1\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "244",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12282",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والاقلام ولم تنفد كلمات الله لأنها لا بداية لها ولا نهايه لها والابحر والاقلام متناهيه قال الإمام أحمد وغيره لم يزل الله متكلما إذا شاء وكماله المقدس مقتض لكلامه وكماله من لوازم ذاته فلا يكون الا كاملا والمتكلم أكمل ممن لا يتكلم وهو سبحانه لم يلحقه كلل ولا تعب ولا سآمه من الكلام وهو يخلق ويدبر خلقه بكلماته فكلماته هى التى أوجد بها خلقه وأمره وذلك حقيقة ملكه وربوبيته وإلهيته وهو لا يكون الا ربا ملكا إلها لا إله الا هو والمقصود أن الدنيا نفس من أنفاس الآخرة وساعة من ساعاتها المثال السابع: ما مثلها به فى الحديث المتفق على صحته من حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: quot;قام رسول الله فخطب الناس فقال لا والله ما أخشى عليكم الا ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا فقال رجل يا رسول الله أو يأتى الخير بالشر فصمت رسول الله ثم قال كيف قلت قال يا رسول الله أو يأتى الخير بالشر فقال رسول الله ان الخير لا يأتى الا بالخير وان مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم الا آكله الخضر أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت الشمس فتطلت وبالت ثم اجترت فعادت فأكلت قمن أخذ مالا بحقه بورك له فيه ومن أخذ مالا بغير حقه فمثله كمثل الذى يأكل ولا يشبعquot; فأخبر أنه انما يخاف عليهم الدنيا وسماها زهرة فشبهها بالزهر فى طيب رائحته وحسن منظره وقله بقائه وأن وراءه ثمرا خيرا وابقى منه وقوله ان مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم هذا من أحسن التمثيل المتضمن للتحذير من الدنيا والانهماك عليها والمسرة فيها وذلك أن الماشيه يروقها نبت الربيع فتأكل منها بأعينها فربما هلكت حبطا والحبط(1\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "245",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12283",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "انتفاخ بطن الدابه من الامتلاء أو من المرض يقال حبط الرجل والدابه تحبط حبطا اذا أصابه ذلك ولما أصاب الحارث بن مازن بن عمرو بن تميم ذلك فى سفره فمات حبطا فنسب الحبطى كما يقال السلمى فكذلك الشرهه فى المال يقتله شرهه وحرصه فإن لم يقتله قارب أن يقتله وهو قوله أو يلم وكثير من ارباب الأموال انما قتلتهم أموالهم فانهم شرهوا فى جمعها واحتاج اليها غيرهم فلم يصلوا اليها إلا بقتلهم أو ما يقاربه من اذلالهم وقهرهم وقوله: الا آكلة الخضر هذا تمثيل لمن أخذ من الدنيا حاجته مثله بالشاة الآكلة من الخضر بقدر حاجتها أكلت حتى اذا امتلأت خاصرتاها وفى لفظ آخر امتدت خاصرتاها وانما تمتد من امتلائها من الطعام وثنى الخاصرتين لأنهما جانبا البطن وفى قوله استقبلت عين الشمس فتلطت وبالت ثلاث فوائد احداها انها لما أخذت حاجتها من المرعى تركته وبركت مستقبله الشمس لتستمرئ بذلك ما أكلته الثانية انها أعرضت عما يضرها من الشره فى المرعى وأقبلت على ما ينفعها من استقبال الشمس التى يحصل لها بحرارتها انضاج ما أكلته واخراجه الثالثة انها استفرغت بالبول والثلط ما جمعته من المرعى فى بطنها فاستراحت بإخراجه ولو بقى فيها لقتلها فكذلك جامع المال مصلحته أن يفعل به كما فعلت هذه الشاة وأول الحديث: مثل الشره فى جمع الدنيا الحريص على تحصيلها فمثاله مثال الدابة التى حملها شره الأكل على أن يقتلها حبطا أو يلم إذا لم يقتلها فإن الشره الحريص إما هالك وإما قريب من الهلاك فإن الربيع ينبت أنواع البقول والعشب فتستكثر منه الدابة حتى ينتفخ بطنها لما جاوزت حد الاحتمال فتنشق أمعاؤها وتهلك كذلك الذى يجمع الدنيا من غير حلها ويحبسها أو يصرفها فى غير حقها وآخر الحديث مثل للمقتصد بآكلة الخضر الذى تنتفع الدابة بأكله ولم يحملها شرهها وحرصها على تناولها منه(1\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "246",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12284",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فوق ما تحتمله بل أكلت بقدر حاجتها وهكذا هذا أخذ ما يحتاج اليه ثم أقبل على ما ينفعه وضرب بول الدابة وثلطها مثلا لإخراجه المال فى حقه حيث يكون حبسه وإمساكه مضرا به فنجا من وبال جمعه بأخذ قدر حاجته منه ونجا من وبال إمساكه بإخراجه كما نجت الدابة من الهلاك بالبول الثلط وفى هذا الحديث اشارة الى الاعتدال والتوسط بين الشره فى المرعى القاتل بكثرته وبين الاعراض عنه وتركه بالكلية فتهلك جوعا وتضمن الخبر أيضا إرشاد المكثر من المال الى ما يحفظ عليه قوته وصحته فى بدنه وقلبه وهو الاخراج منه وانفاقه ولا يحبسه فيضره حبسه وبالله التوفيق المثال الثامن: ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن سليمان بن يسار عن ميمونة قالت قال رسول الله لعمرو بن العاص: quot;الدنيا خضرة حلوة فمن اتقى الله فيها وأصلح والا فهو كالآكل ولا يشبع وبين الناس فى ذلك كبعد الكوكبين أحدهما يطلع فى المشرق والآخر يغيب فى المغربquot; فنبه بخضرتها على استحسان العيون لها وبحلاوتها على استجلاء الصدور لها وبتلك الخضرة والحلاوة زينت لأهلها وحببت اليهم لا سيما وهم مخلوقون منها وفيها كما قيل: ونحن بنو الدنيا ومنها نباتنا ... وما أنت منه فهو شئ محبب وجعل الناس فيها قسمين أحدهما مصلح متقى فهذا تقواه وإصلاحه لا يدعانه ينهمك عليها ويشره فيها ويأخذها من غير حلها ويضعها فى غير حقها فان لم يتق ويصلح صرف نهمته وقواه وحرصه الى تحصيلها فكان كالذى يأكل ولا يشبع وهذا من أحسن الأمثلة فان المقصود من الأكل حفظ الصحة والقوة وذلك تابع لقدر الحاجة وليس المقصود منه ذاته ونفسه فمن جعل نهمته فوق مقصوده لم يشبع ولهذا قال الامام أحمد الدنيا قليلها يجزى وكثيرها لا يجزى وأخبر عن تفاوت الناس فى المنزلتين أعنى منزلة التقوى والاصلاح ومنزلة الاكل(1\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "247",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12285",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والشره وأن بين الرجلين فى ذلك كما بين الكوكبين الغارب فى الأفق والطالع منه وبين ذلك منازل متفاوتة المثال التاسع: ما تقدم من حديث المستورد بن شداد قال كنت مع الركب الذين وقفوا مع رسول الله على السخلة الميتة فقال رسول الله: quot;أترون هذه هانت على أهلها حتى ألقوها قالوا ومن هوانها ألقوها يا رسول الله قال فو الذى نفس محمد بيده للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها quot; قال الترمذى حديث حسن صحيح فلم يقتصر على تمثيلها بالسخلة الميتة بل جعلها أهون على الله منها وفى مسند الامام أحمد فى هذا الحديث فو الذى نفسى بيده للدنيا عند الله أهون عليه من تلك السخلة على أهلها فأكد ذلك بالقسم الصادق فإذا كان مثلها عند الله أهون وأحقر من سخله ميته على أهلها فمحبها وعاشقها أهون على الله من تلك السخلة وكونها سخله أهون عليهم من كونها شاة كبيرة لأن تلك ربما انتفعوا بصوفها أو دبغوا جلدها وأما ولد شاة صغيرة ميت ففى غاية الهوان والله المستعان المثال العاشر: مثلها مثل البحر الذى لا بدل للخلق كلهم من ركوبه ليقطعوه الى الساحل الذى فيه دورهم وأوطانهم ومستقرهم ولا يمكن قطعه الا فى سفينة النجاة فارسل الله رسله لتعرف الأمم اتخاذ سفن النجاة وتأمرهم بعملها وركوبها وهى طاعته وطاعة رسله وعبادته وحده واخلاص العمل له والتشمير للآخرة وارادتها والسعى لها سعيها فنهض الموفقون وركبوا السفينه ورغبوا عن خوض البحر لما علموا أنه لا يقطع خوضا ولا سباحه وأما الحمقاء فاستصعبوا عمل السفينه وآلاتها والركوب فيها وقالوا نخوض البحر فاذا عجزنا تطباه سباحة وهم أكثر أهل الدنيا فخاضوه فلما عجزوا عن الخوض أخذوا فى السباحه حتى أدركهم الغرق ونجا أصحاب السفينة كما نجوا مع نوح عليه السلام وغرق أهل الارض فتأمل هذا المثل وحال أهل الدنيا فيها يتبين لك مطابقته للواقع(1\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "248",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12286",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد ضرب هذا المثل للدنيا والآخرة والقدر والأمر فإن القدر بحر والأمر فيه سفينة لا ينجو إلا من ركبها المثال الحادي عشر: مثالها مثال اناء مملوء عسلا رآه الذباب فاقبل نحوه فبعضه قعد على حافة الاناء وجعل يتناول من العسل حتى أخذ حاجته ثم طار وبعضه حمله الشره على أن رمى بنفسه فى لجة الاناء ووسطه فلم يدعه انغماسه فيه أن يتهنأ به الا قليلا حتى هلك فى وسطه المثال الثانى عشر: مثال حب قد نثر على وجه الارض وجعلت كل حبة فى فخ وجعل حول ذلك الحب حب ليس فى فخاخ فجاءت الطير فمنها من قنع بالجوانب ولم يرم نفسه فى وسط الحب فأخذ حاجته ومضى ومنها من حمله الشره على اقتحام معظم الحب فما استتم اللقاط الا وهو يصيح من أخذة الفخ له المثال الثالث عشر: كمثل رجل أوقد نارا عظيمة فجعلت الفراش والجنادب يرون ضوءها فيقصدونها ويتهافتون فيها ومن له علم بحالها جعل يستضىء ويستدفئ بها من بعيد وقد أشار النبى الى هذا المثل بعينه فى الحديث الذى رواه مالك بن اسماعيل عن حفص بن حميد عن عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما عن عمر رضى الله عنه عن النبى قال: quot;انى ممسك بحجزكم عن النار وتتقاحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب ويوشك أن أرسل بحجزكمquot; وفى لفظ آخر: quot;مثلى ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جعلت الفراش والجنادب يتقاحمن فيها فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تغلبونى وتتقاحمون فيهاquot; وهذا المثال مطبق على أهل الدنيا المنهمكين فيها فالرسل تدعوهم الى الاخرة وهم يتقاحمون فى الدنيا تقاحم الفراش المثال الرابع عشر: مثل قوم خرجوا فى سفر بأموالهم وأهليهم فمروا بواد مشعب كثير المياه والفواكه فنزلوا به وضربوا خيمهم وبنوا هنالك الدور والقصور فمر بهم رجل يعرفون نصحه وصدقه وأمانته فقال انى(1\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "249",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12287",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رأيت بعينى هاتين الجيش خلف هذا الوادى وهو قاصدكم فاتبعونى أسلك بكم على غير طريق العدو فتنجوا منه فأطاعته طائفة قليلة فصاح فيهم يا قوم النجاة النجاة أتيتم أتيتم وصاح السامعون له بأهليهم وأولادهم وعشائرهم فقالوا كيف نرحل من هذا الوادى وفيه مواشينا وأموالنا ودورنا وقد استوطناه فقال لهم الناصح لينج كل واحد منكم بنفسه مما خف عليه من متاعه والا فهو مأخوذ وماله مجتاح فثقل على أصحاب الجد والأموال ورؤساء القوم النقلة ومفارقة ما هم فيه من النعيم والرفاهية والدعة وقال كل أحمق لى أسوة بالقاعدين فهم أكثر منى مالا وأهلا فما أصابهم أصابنى معهم ونهض الأقلون مع الناصح ففازوا بالنجاة وصبح الجيش أهل الوادى فقتلهم واجتاح أموالهم وقد أشار النبى الى هذا المثل بعينه فى الحديث المتفق على صحته من حديث أبى بردة عن أبى موسى عن النبى قال: quot;انما مثلى ومثل ما بعثنى الله به كمثل رجل أتى قومه فقال يا قوم انى رأيت الجيش بعينى وأنا النذير العريان فالنجاة النجاة فأطاعه طائفة من قومه فأذلجوا وانطلقوا على مهلهم فنجوا وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم فذلك مثل من أطاعنى واتبع ما جئت به ومثل من عصانى وكذب بما جئت به من الحقquot;. المثال الخامس عشر: رجل هيأ دارا وزينها ووضع فيها من جميع الالات ودعى الناس اليها فكلما دخل داخل أجلسه على فراش وثير وقدم اليه طبقا من ذهب عليه لحم ووضع بين يديه أوان مفتخرة فيها من كل ما يحتاج اليه وأخدمه عبيده ومماليكه فعرف العاقل أن ذلك كله متاع صاحب الدار وملكه وعبيده فاستمتع بتلك الالات والضيافة مدة مقامه فى الدار ولم يعلق قلبه بها ولا حدث نفسه بتملكها بل اعتمد مع صاحب الدار ما يعتمده الضيف يجلس حيث أجلسه ويأكل ما قدمه له ولا يسأل عما وراء ذلك اكتفاء منه بعلم صاحب الدار وكرمه وما يفعله مع ضيوفه(1\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "250",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12288",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فدخل الدار كريما وتمتع فيها كريما وفارقها كريما ورب الدار غير ذام له وأما الاحمق فحدث نفسه بسكنى الدار وحوز تلك الالات الى ملكه وتصرفه فيها بحسب شهوته وارادته فتخير المجلس لنفسه وجعل ينقل تلك الآلات الى مكان فى الدار يخبؤها فيه وكلما قدم اليه ربها شيئا أو آلة حدث نفسه بملكه واختصاصه به عن سائر الاضياف ورب الدار يشاهد ما يصنع وكرمه يمنعه من اخراجه من داره حتى اذا ظن انه استبد بتلك الآلات وملك الدار وتصرف فيها وفى آلاتها تصرف المالك الحقيقى واستوطنها واتخذها دارا له أرسل إليه مالكها عبيده فأخرجوه منها إخراجا عنيفا وسلبوه كل ما هو فيه ولم يصحبه من تلك الآلات شئ وحصل على مقت رب الدار وافتضاحه عنده وبين مماليكه وحشمه وخدمه فليتأمل اللبيب هذا المثال حق التأمل فإنه مطابق للحقيقة والله المستعان قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه كل أحد فى هذه الدنيا ضيف وما له عارية فالضيف مرتحل والعارية مؤداة وفى الصحيحين عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: quot;مات ابن لأبى طلحة من أم سليم فقالت لأهلها لا تحدثوا أبا طلحة حتى أكون أنا أحدثه فجاء فقربت اليه عشاء فأكل وشرب وقال ثم تصنعت له احسن ما كانت تصنع قبل ذلك فوقع بها فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها قالت يا ابا طلحة أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم قال لا قالت فاحتسب ابنك قال فغضب قال تركتينى تلطخت ثم أخبرتينى بابنى فانطلق حتى أتى رسول الله فأخبره بما كان منها فقال رسول الله بارك الله لكما فى ليلتكماquot; وذكر الحديث المثال السادس عشر: قوم سلكوا مفازة فاجأهم العطش فانتهوا الى البحر وماؤه أمر شيء وأملحه فلشدة عطشهم لم يجدوا مرارته وملوحته(1\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "251",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12289",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فشربوا منه فلم يرووا وجعلوا كلما ازدادوا شربا ازدادوا ظمأ حتى تقطعت أمعاؤهم وماتوا عطشا وعلم عقلاؤهم أنه مر مالح وأنه كلما ازداد الشارب منه ازداد ظمأه فتباعدوا عنه مسافة حتى وجدوا أرضا حلوة فحفروا فيها قليا فنبع لهم ماء عذب فرات فشربوا وعجنوا وطبخوا ونادوا إخوانهم الذين على حافة البحر هلموا إلى الماء الفرات وكان منهم المستهزئ ومنهم المعرض الراضى بما هو فيه وكان المجيب واحدا بعد واحد وهذا المثل بعينه قد ضربه المسيح عليه السلام فقال مثل طالب الدنيا كمثل شارب ماء البحر كلما ازداد شربا ازداد عطشا حتى يقتله المثال السابع عشر: مثل الانسان ومثل ماله وعمله وعشيرته مثل رجل له ثلاثة اخوة فقضى له سفر بعيد طويل لا بد له منه فدعا إخوته الثلاثة وقال قد حضر ما ترون من هذا السفر الطويل وأحوج ما كنت اليكم الآن فقال أحدهم أنا كنت أخاك الى هذه الحال ومن الآن فلست بأخ ولا صاحب وما عندى غير هذا فقال له لم تغن عنى شيئا فقال للآخر ما عندك فقال كنت أخاك وصاحبك إلى الآن وأنا معك حتى أجهزك الى سفرك وتركب راحلتك ومن هنالك لست لك بصاحب فقال له أنا محتاج الى مرافقتك فى مسيرى فقال لا سبيل لك الى ذلك فقال لم تغن عنى شيئا فقال للثالث ما عندك أنت فقال كنت صاحبك فى صحتك ومرضك وأنا صاحبك الآن وصاحبك اذا ركبت راحلتك وصاحبك فى مسيرك فإن سرت سرت معك وان نزلت نزلت معك واذا وصلت الى بلدك كنت صاحبك فيها لا أفارقك ابدا فقال ان كنت لأهون الاصحاب على وكنت أوثر عليك صاحبيك فليتنى عرفت حقك وآثرتك عليهما فالأول ماله والثانى أقاربه وعشيرته وأصحابه والثالث عمله وقد روى فى هذا المثل بعينه حديث مرفوع لكنه لا يثبت رواه أبو جعفر العقيلى فى كتاب الضعفاء من حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة(1\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "252",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12290",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعن ابن المسيب عن عائشة مرفوعا وهو مثل صحيح فى نفسه مطابق للواقع المثال الثامن عشر: وهو من أحسن الأمثلة ملك بنى دارا لم ير الراءون ولم يسمع السامعون أحسن ولا أوسع ولا أجمع لكل ملاذ النفوس منها ونصب لها طريقا وبعث داعيا يدعو الناس اليها وأقعد على الطريق امرأة جميلة قد زينت بأنواع الزينة وألبست أنواع الحلى والحلل وممر الناس كلهم عليها وجعل لها أعوانا وخدما وجعل تحت يدها ويد أعوانها زادا للمارين السائرين الى الملك فى تلك الطريق وقال لها ولأعوانها من غض طرفه عنك ولم يشتغل بك عنى وابتغى منك زادا يوصله الى فاخدميه وزوديه ولا تعوقيه عن سفره الى بل أعينيه بكل ما يبلغه فى سفره ومن مد اليك عينيه ورضى بك وآثرك على وطلب وصالك فسوميه سوء العذاب وأوليه غاية الهوان واستخدميه واجعليه يركض خلفك ركض الوحش ومن يأكل منك فاخدعيه به قليلا ثم استرديه منه واسلبيه اياه كله وسلطى عليه أتباعك وعبيدك وكلما بالغ فى محبتك وتعظيمك وإكرامك فقابليه بأمثاله قلى وإهانة وهجرا حتى تتقطع نفسه عليك حسرات فتأمل هذا المثال وحال خطاب الدنيا وخطاب الآخرة والله المستعان وهذا المثل مأخوذ من الاثر المروى عن الله عز وجل يا دنيا اخدمى من خدمنى واستخدمى من خدمك المثال التاسع عشر: ملك خط مدينة فى أصح المواضع وأحسها هواء وأكثرها مياها وشق أنهارها وغرس أشجارها وقال لرعيته تسابقوا إلى أحسن الأماكن فيها فمن سبق إلى مكان فهو له ومن تخلف سبقه الناس الى المدينة فأخذوا منازلهم وتبوؤا مساكنهم فيها وبقى من أصحاب الحسرات ونصب لهم ميدان السباق وجعل على الميدان شجرة كبيرة لها ظل مديد وتحتها مياه جارية وفى الشجرة من كل أنواع الفواكه وعليها طيور عجيبة الأصوات وقال لهم لا تغتروا بهذه الشجرة وظلها فعن قليل تجتث من أصلها(1\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "253",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12291",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويذهب ظلمها وينقطع ثمرها وتموت أطيارها وأما مدينة الملك فاكلها دائم وظلها مديد ونعيمها سرمدى وفيها مالا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فسمع الناس بها فخرجوا فى طلبها على وجوههم فمروا بتلك الشجرة على أثر تعب ونصب وحر وظمأ فنزلوا كلهم تحتها واستظلوا بظلها وذاقوا حلاوة ثمرها وسمعوا نغمات أطيارها فقيل لهم إنما نزلتم تحتها لتحموا أنفسكم وتضمروا مراكبكم للسباق فتهيئوا للركوب وكونوا على أهبة فإذا صاح النفير استدركتم حلبة السباق فقال الأكثرون كيف ندع هذا الظل الظليل والماء السلسبيل والفاكهة النضجة والدعة والراحة ونقتحم هذه الحلبة فى الحر والغبار والتعب والنصب والسفر البعيد والمفاوز المعطشة التى تنقطع فيها الأمعاء وكيف نبيع النقد الحاضر بالنسيئة الغائبة الى الأجل البعيد ونترك ما نراه الى مالا نراه وذرة منقودة فى اليد أولى من ذرة موعودة بعد غد خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ونحن بنو اليوم وهذا عيش حاضر كيف نتركه لعيش غائب فى بلد بعيد لا ندرى متى نصل اليه ونهض من كل ألف واحد وقالوا والله ما مقامنا هذا فى ظل زائل تحت شجرة قد دنى قلعها وانقطاع ثمرها وموت أطيارها ونترك المسابقة الى الظل الظليل الذى لا يزول والعيش الهنئ الذى لا ينقطع الا من أعجز العجز وهل يليق بالمسافر اذا استراح تحت ظل أن يضرب خباءه عليه ويتخذ وطنه خشية التأذى بالحر وبالبرد وهل هذا الا أسفه السفه فالسباق السباق والبدار البدار حكم المنية فى البرية جارى ... ما هذه الدنيا بدار قرار اقضوا مآربكم سراعا انما ... أعماركم سفر من الأسفار وتراكضوا خيل السباق وبادروا ... أن تسترد فإنهن عوارى ودعوا الإقامة تحت ظل زائل ... أنتم على سفر بهذى الدار من يرجو طيب العيش فيها انما ... يبنى الرجاء على شفير هار والعيش كل العيش بعد فراقها ... فى دار أهل السبق أكرم دار(1\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "254",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12292",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاقتحموا حلقة السباق ولم يستوحشوا من قلة الرفاق وساروا فى ظهور العزائم ولم تأخذهم فى سيرهم لومة لائم والمتخلف فى ظل الشجرة نائم فوالله ما كان الا قليل حتى ذوت أغصان تلك الشجرة وتساقطت أوراقها وانقطع ثمرها ويبست فروعها وانقطع مشربها فقلعها قيمها من أصلها فأصبح أهلها فى حر السموم يتقلبون وعلى ما فاتهم من العيش فى ظلها يتحسرون أحرقها قيمها فصارت هى وما حولها نارا تلظى وأحاطت النار بمن تحتها فلم يستطع أحد منهم الخروج منها فقالوا أين الركب الذين استظلوا معنا تحت ظلها ثم راحوا وتركوه فقيل لهم ارفعوا أبصاركم تروا منازلهم فرأوهم من البعد فى قصور مدينة الملك وغرفها يتمتعون بأنواع اللذات فتضاعفت عليهم الحسرات ألا يكونوا معهم وزاد تضاعفها بأن حيل بينهم وبين ما يشتهون وقيل هذا جزاء المتخلفين وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون المثال العشرون: ما مثلها به النبى من الثوب الذى شق وبقى معلقا بخيط فى آخره فما بقاء ذلك الخيط قال ابن أبى الدنيا حدثنى الفضل بن جعفر حدثنا وهب بن حماد حدثنا يحيى بن سعيد القطان حدثنا أبو سعيد خلف بن حبيب عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال قال رسول الله: quot;مثل هذه الدنيا مثل ثوب شق من أوله الى أخره فبقى معلقا بخيط فى آخره فيوشك ذلك الخيط أن ينقطعquot;. وان أردت لهذا المثل زيادة ايضاح فانظر الى ما رواه أحمد فى مسنده من حديث أبى نظرة عن أبى سعيد قال صلى بنا رسول الله العصر نهارا ثم قام فخطبنا فلم يترك شيئا قبل قيام الساعة الا اخبر به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه وجعل الناس يلتفتون الى الشمس هل بقى منها شئ فقال ألا انه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها الا كما بقى من يومكم هذا فيما مضى منه روى حفص بن غياث عن ليث عن المغيرة بن حكيم عن ابن عمر(1\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "255",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12293",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال خرج علينا رسول الله والشمس على أطراف السعف فقال ما بقى من الدنيا الا مثل ما بقى من يومنا هذا فيما مضى منه وروى ابن أبى الدنيا عن ابراهيم بن سعد حدثنا موسى بن خلف عن قتادة عن أنس أن رسول الله خطب عند مغرب الشمس فقال: quot;ما بقى من الدنيا فيما مضى منها الا كما بقى من يومكم هذا فيما مضى منه quot;. فالدنيا كلها كيوم واحد بعث رسول الله فى آخره قبل غروب شمسه بيسير وقال جابر وأبو هريرة رضى الله عنهما عنه: quot;بعثت أنا والساعة كهاتين وقرن بين أصابعه السبابة والوسطىquot; وكان بعض السلف يقول تصبروا فإنما هى أيام قلائل وانما أنتم ركب وقوف يوشك أن يدعى أحدكم فيجيب ولا يلتفت وانه قد نعيت اليك أنفسكم والموت حبس لا بد منه والله بالمرصاد وانما تخرج هذه النفوس على آخر سورة الواقعة المثال الحادى والعشرون: مثال الدنيا كحوض كبير ملئ ماء وجعل موردا للأنام والانعام فجعل الحوض ينقص على كثرة الوارد حتى لم يبق منه الا كدر فى أسفله قد بالت فيه الدواب وخاصته الناس والأنعام كما روى مسلم فى صحيحه عن عتبة بن غزوان أنه خطبهم فقال فى خطبته إن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الاناء يتصابها صاحبها وإنكم منتقلون عنها إلى دار لا زوال لها فانتقلوا بخير ما بحضرتكم وقال عبد الله بن مسعود إن الله تعالى جعل الدنيا كلها قليلا فما بقى منها إلا قليل من قليل ومثل ما بقى منها كالثغب شرب صفوه وبقى كدره الثغب الغدير المثال الثانى والعشرون: قوم سكنوا مدينة مدة من الزمان فكثرت(1\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "256",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12294",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيها الأحداث والآفات وطرقها المحن وأغارت عليها عساكر الجور والفساد فبنى ملكهم مدينة فى محل لا يطرقه آفة ولاعاهة وعزم على تخريب المدينة الأولى فأرسل الى سكانها فنودى فيهم بالرحيل بعد ثلاث ولا يتخلف منهم أحد وأمرهم أن ينقلوا إلى مدينة الملك الثانية خير ما فى تلك المدينة وأنفعه وأجله من الجواهر واللآلى والذهب والفضة وما خف حمله من المتاع وعظم قدره وصلح للملوك وأرسل اليهم الأدلاء وآلات النقل ونهج لهم الطريق ونصب لهم الاعلام وتابع الرسل يستحثونهم بعضهم فى اثر بعض فانقسموا فرقا فالاقلون علموا قصر مدة مقامهم فى تلك المدينة وتيقنوا أنهم ان لم يبادروا بتحصيل خير ما فيها وحمله الى مدينة الملك والا فانهم ذلك فلم يقدروا عليه فرأوا غبنا أن يقطعوا تلك المدة فى جمع المفضول والاشتغال به عن الفاضل فسألوا عن خير مافى المدينة وأنفسه وأحبه الى الملك وأنفعه فى مدينته فلما عرفوه لم يلتفوا الى مادونه ورأوا أن أحدهم اذا وافى بجوهرة عظيمة كانت أحب الى الملك من أن يوافيه بأحمال كثيرة من الفلوس والحديد ونحوها فكان همهم فى تحصيل ما هو أحب الى الملك وأنفس عنده ولو قل فى رأى العين وأقبلت فرقة أخرى على تعبئة الاحمال المحملة وتنافسوا فى كثرتها وهم على مراتب فمنهم من أحماله أثمان ومنهم من أحماله دون ذلك على قدر هممهم وما يليق بهم لكن هممهم مصروفة الى تعبئة الاحمال والانتقال من المدينة وأقبلت فرقة أخرى على عمارة القصور فى تلك المدينة والاشتغال بطيباتها ولذاتها ونزهها وحاربوا العازمين على النقلة وقالوا لا ندعكم تأخذون من متاعنا شيئا فإن شاركتمونا فى عمارة المدينة واستيطانها وعيشنا فيها والا لم نمكنكم من النقلة ولا من شيء من المتاع فوقعت الحرب بينهم فقاتلوا السائرين فعمدوا الى أكل أموالهم وأهليهم وما نقموا منهم الا بسيرهم الى دار الملك واجابة داعيه والرغبة عن تلك الدار متى أمرهم بتركها وأقبلت فرقة أخرى على التنزه والبطالة والراحة والدعة وقالوا لا نتعب أنفسنا فى عمارتها ولا ننقل منها ولا نعارض من أراد النقلة ولا(1\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "257",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12295",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نحاربهم ولا نعاونهم وكان للملك فيها قصر فيه حريم له وقد أحاط عليه سورا وأقام عليه حرسا ومنع أهل المدينة من قربانه وطاف به القاعدون فلم يجدوا فيه بابا يدخلون منه فغدوا على جدرانه فنقبوها ووصلوا الى حريمه فأفسدوهم ونالوا منهم ما أسخط الملك وأغضبه وشق عليه ولم يقتصروا على ذلك حتى دعوا غيرهم الى افساد حريمه والنيل منهم فبينما هم على تلك الحال واذا بالنفير قد صاح فيهم كله فلم يمكن أحد منهم من التخلف فحملوا على تلك الحال وأحضروا بين يدى الملك فاستعرضهم واحدا واحدا وعرضت بضائعهم وما قدموا به من تلك المدينة عليه فقبل منها ما يصلح له وأعاض أربابه أضعاف أضعاف قيمته وأنزلهم منازلهم من قربه ورد منها مالا يصلح له وضرب به وجوه أصحابه وقابل من نقب حماه وأفسد حريمه بما يقابل به المفسدون فسألوا الرجعة الى المدينة ليعمروا قصره ويحفظوا حريمه ويقدموا عليه من البضائع بمثل ما قدم به التجار فقال هيهات قد خربت المدينة خرابا لا تعمر بعده أبدا وليس بعدها الا المدينة التى لا تخرب أبدا فصل: وقد مثلت الدنيا بمنام والعيش فيها بالحلم والموت باليقظة ومثلت بمزرعة والعمل فيها بالبذر والحصاد يوم المعاد ومثلت بدار لها بابان باب يدخل منه الناس وباب يخرجون منه ومثلت بحية ناعمة الملمس حسنة اللون وضربتها الموت ومثلث بطعام مسموم لذيذ الطعم طيب الرائحة من تناول منه بقدر حاجته كان فيه شفاؤه ومن زاد على حاجته كان فيه حتفه ومثلت بالطعام فى المعدة اذا أخذت الاعضاء منه حاجتها فحبسه قاتل أو مؤذ ولا راحة لصاحبه الا فى خروجه كما أشار اليه النبى فى آكلة الخضر وقد تقدم ومثلت بامرأة من أقبح النساء قد انتقبت على عينين فتنت بهما الناس وهى تدعو الناس إلى منزلها فإذا أجابوها كشفت لهم عن منظرها وذبحتهم بسكاكينها وألقتهم فى الحفر وقد سلطت على عشاقها تفعل بهم ذلك قديما وحديثا.(1\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "258",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12296",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعجب أن عشاقها يرون إخوانهم صرعى قد حلت بهم الآفات وهم ينافسون فى مصارعهم وسكنتم فى مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال ويكفى فى تمثيلها ما مئلها الله سبحانه فى كتابه فهو المثل المنطبق عليها قالوا وإذا كان هذا شأنها فالتقلل منها والزهد فيها خير من الاستكثار منها والرغبة فيها قالوا ومن الملعوم أنه لا تجتمع الرغبة فيها مع الرغبة فى الله والدار الآخرة أبدا ولا تسكن هاتان الرغبتان فى مكان واحد إلا وطردت إحداهما الأخرى واستبدت بالمسكن ولا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد أبدا قالوا ويكفى أن رسول الله عرضت عليه مفاتيح كنوزها ولو أخذها لكان أشكر خلق الله بها ولم تنقصه مما له عند الله شيئا فاختار جوع يوم وشبع يوم ومات ودرعه مرهونة على طعام لأهله كما تقدم ذكره قالوا وقد انقسم الناس بعد رسول الله اربعة أقسام قسم لم يريدو الدنيا ولم تردهم كالصديق ومن سلك سبيله وقسم أرادتهم الدنيا ولم يريدوها كعمر بن الخطاب ومن سلك سبيله وقسم ارادوا الدنيا وأرادتهم كخلفاء بنى أمية ومن سلك سبيلهم حاشا عمر بن عبد العزيز فإنها ارادته ولم يردها وقسم أرادوها ولم تردهم كمن أفقر الله منها يده وأسكنها فى قلبه وامتحنه بجمعها ولا يخفى أن خير الاقسام القسم الاول والثانى انما فضل لأنه لم يردها فالتحق بالاول قالوا وقد سأل رجل رسول الله أن يدله على عمل اذا فعله أحبه الله وأحبه الناس فقال له: quot;ازهد فى الدنيا بحبك الله وازهد فيما فى أيدى الناس يحبك الناسquot; فلو كان الغنى أفضل لدله عليه قالوا وقد شرع الله سبحانه قتال الكفار وشرع الكف عن الرهبان لاعتزالهم عن الدنيا وزهدهم فيها فمضت السنة بأن لا يقاتلوا ولا يضرب عليهم جزية هذا وهم أعداؤه وأعداء رسله ودينه فعلم أن الزهد فيها عند الله(1\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "259",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12297",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بمكان قالوا وكذلك استقرت حكمته في شرعه على أن عقوبة الواجد أعظم من عقوبة الفاقد فهذا الزانى المحصن عقوبته الرجم وعقوبة من لم يحصن الجلد والتغريب وهكذا يكون ثواب الفاقد أعظم من ثواب الواجد قالوا وكيف يستوى عند الله سبحانه ذلة الفقر وكسرته وخضوعه وتجرع مرارته وتحمل أعبائه ومشاقه وعزة الغنى ولذته وصولته والتمتع بلذاته ومباشرة حلاوته فبعين الله ما يتحمل الفقراء من مرارة فقرهم وصبرهم ورضاهم به عن الله ربهم تبارك وتعالى وأين أجر مشقة المجاهدين إلى أجر عبادة القاعدين فى الامن والدعة والراحة قالوا وكيف يستوى أمران أحدهما حفت به الجنة والثانى حفت به النار فإن أصل الشهوات من قبل المال وأصل المكاره من قبل الفقر قالوا والفقير لا ينفك في خصاصة من مضض الفقر والجوع والعرى والحاجه وآلام الفقر وكل واحد منها يكفر ما يقاومه من السيئات وذلك زيادة على أجره بأعمال البر فقد شارك الاغنياء بأعمال البر وامتاز عنهم بما يكفر سيئاته وما امتازوا به عليه من الانفاق والصدقة والنفع المتعدي فله سبيل الى لحاقهم فيه وله مثل أجورهم وهو أن يعلم الله من نيته أنه لو أوتى مثل ما أوتوه لفعل كما يفعلون فيقول لو أن لى مالا لعملت بأعمالهم فهو بنيته وأجرهما سواء كما أخبر به الصادق المصدوق فى  الحديث الصحيح  الذى رواه الامام أحمد والترمذى من حديث أبى كبشه الانمارى قالوا: والفقير فى الدنيا بمنزلة المسجون اذ هو ممنوع عن الوصول الى شهواته وملاذها والغنى منخلص من هذا السجن وقد قال النبى: quot;الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافرquot; فالغنى ان لم يسجن نفسه عن دواعى الغنى وطغيانه وأرسلها فى ميادين شهواتها كانت الدنيا جنة له فانما نال الفضل بتشبهه بالفقير الذى هو فى سجن فقره قالوا وقد ذم الله ورسوله من عجلت له طيباته فى الحياة الدنيا(1\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "260",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12298",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وانه لحرى أن يكون عوضا عن طيبات الآخرة أو منقصة لها ولا بد كما تقدم بيانه بخلاف من استكمل طيباته فى الآخرة لما منع منها فى الدنيا وأتى رسول الله بسويق لوز فأبى أن يشربه وقال: quot;هذا شراب المترفينquot;. قالوا: وقد سئل الحسن البصرى فقيل له رجلان أحدهما تارك للدنيا والآخر يكتسبها ويتصدق بها فقال التارك لها أحب الى قالوا وقد سئل المسيح قبله عن هذه المسألة عن رجلين مر أحدهما بلبنة ذهب فتخطاها ولم يلتفت اليها ومر بها الآخر فأخذها وتصدق بها فقال الذى لم يلتفت اليها أفضل ويدل على هذا أن رسول الله مر بها ولم يلتفت اليها ولو أخذها لأنفقها فى سبيل الله قالوا: والفقير الفقيه فى فقره يمكنه لحاق الغنى فى جميع ما ناله بغناه بنيته وقوله فيساويه فى أجره ويتميز عنه بعدم الحساب بعدم المال فساواه بثوابه ويخلص من حسابه كما تميز عنه بسبقه إلى الجنة بخمسمائة عام وتميز عنه بثواب صبره على ألم الفقر وخصاصته قال الإمام أحمد: حدثنا عبادة بن مسلم حدثنى يونس بن خباب عن أبى البحترى الطائى عن أبى كبشة قال سمعت رسول الله يقول: quot;ثلاث أقسم عليهن واحدثكم حديثا فاحفظوه فأما الثلاث التى أقسم عليهن فإنه ما نقص مال عبد من صدقة ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزوجل بها عزا ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله له باب فقرquot; وأما الذى أحدثكم حديثا فاحفظوه فإنه قال إنما الدنيا لأربعة نفر عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقى فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم فيه لله حقا فهذا بأفضل المنازل عند الله وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو يقول لو كان لى مال عملت فيه بعمل فلان قال فأجرهما سواء وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يتخبط فى ماله بغير علم لا يتقى فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم الله فيه حقا فهذا بأخبث(1\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "261",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12299",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المنازل عند الله وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول لو كان لى مال لفعلت بفعل فلان قال فهو بنيته ووزرهما سواء فلما فضل الغنى بفعله ألحق الفقير الصادق بنيته والغنى هناك انما نقص بتخلفه عن العمل والفقير انما نقص بسوء نيته فلم ينفع الغنى غناه مع التخلف ولا ضر الفقير فقره مع حسن النية ولا نفعه فقره مع سوء نيته قالوا ففى هذا بيان كان شاف فى المسألة حاكم بين الفريقين وبالله التوفيق.(1\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "262",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12300",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباب الرابع والعشرون: فى ذكر ما احتجت به الأغنياء من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار قالت الأغنياء لقد أجلبتم علينا أيها الفقراء بخيل الأدلة ورجلها ونحن نعلم أن عندكم مثلها وأكثر من مثلها ولكن توسطتم بين التطويل والاختصار وظننتم أنها حكمت لكم بالفضل دون ذوى اليسار ونحن نحاكمكم الى ما حاكمتمونا اليه ونعرض بضاعتنا على من عرضتم بضاعتكم عليه ونضع أدلتنا وأدلتكم فى ميزان الشرع والعقل الذى لا يعزل فحيئذ يتبين لنا ولكم الفاضل من المفضول ولكن اخرجوا من بيننا من تشبه بالفقراء الصادقين الصابرين ولبس لباسهم على قلب أحرص الناس على الدنيا وأشحهم عليها وأبعدهم من الفقر والصبر من كل مظهر للفقر مبطن للحرص غافل عن ربه متبع لهواه مفرط فى أمر معاده قد جعل زى الفقر صناعة وتحلى بما هو أبعد الناس منه بضاعة أو فقير حاجة فقره اضطرارا لا اختيارا فزهده زهد افلاس لا زهد رغبة فى الله والدار الآخرة أو فقير يشكو ربه بلسان قاله وحاله غير راض عن ربه فى فقره بل ان أعطى رضى وان منع سخط شديد اللهف على الدنيا والحسرة عليها وهو أفقر الناس فيها فهو أرغب شئ فيها وهى أزهد شيء فيه وأخرجوا من بيننا ذى الثروة الجموع المنوع المتكاثر بماله(1\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "263",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12301",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المستأثر به الذى عض عليه بناجذه وثنى عليه خناصره يفرح بزيادته ويأسى على نقصانه فقلبه به مشغوف وهو على تحصيله ملهوف ان عرض سوق الانفاق والبذل أعطى قليلا وأكدى وان دعى الى الايثار أمعن فى الهرب جدا وأخلصونا واخواننا من سباق الطائفتين وسادات الفريقين الذين تسابقوا الى الله والدار الآخرة بإيمانهم وأحوالهم ونافسوا فى القرب منه بأعمالهم وأموالهم فقلوبهم عاكفة عليه وهمتهم الى المسابقة اليه ينظر غنيهم الى فقيرهم فإذا رآه قد سبقه الى عمل صالح شمر الى اللحاق به وينظر فقيرهم الى غنيهم فإذا رآه قد فاته بإنفاق فى طاعة الله أنفق هو من أعماله وأقواله وصبره وزهده نظير ذلك أو أكثر منه فهؤلاء اخواننا الذين تكلم الناس فى التفضيل بينهم وأيهم أعلى درجة وأما أولئك فإنما ينظر أيهم تحت الآخر فى العذاب وأسفل منه والله المستعان اذا عرف هذا فقد مدح الله سبحانه فى كتابه أعمالا وأثنى على أصحابها ولا تحصل الا بالغنى كالزكاة والانفاق فى وجوه البر والجهاد فى سبيل الله بالمال وتجهيز الغزاة واعانة المحاويج وفك الرقاب والاطعام فى زمن المسغبة وأين يقع صبر الفقير من فرحة الملهوف المضطر المشرف على الهلاك اذا أعانه الغنى ونصره على فقره ومخمصته وأين يقع صبره من نفع الغنى بماله فى نصرة دين الله واعلاء كلمته وكسر أعدائه وأين يقع صبر أبى ذر على فقره إلى شكر الصديق به وشرائه المعذبين فى الله وإعتاقهم وإنفاقه على نصرة الاسلام حين قال النبى: quot;ما نفعنى مال احد ما نفعنى مال أبى بكرquot; وأين يقع صبر أهل الصفة من إنفاق عثمان بن عفان تلك النفقات العظيمة التى قال له رسول الله فى بعضها: quot;ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم ثم قال غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت وما أخفيت وما أبديتquot; أو كما قال.(1\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "264",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12302",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واذا تأملتم القرآن وجدتم الثناء فيه على المنفقين أضعاف الثناء على الفقراء الصابرين وقد شهد رسول الله بأن اليد العليا خير من اليد السفلى وفسر اليد العليا بالمعطية والسفلى بالمسائلة وقد عدد الله سبحانه على رسوله من نعمه أن أغناه بعد فقره وكان غناه هو الحالة التى نقله اليها وفقره الحالة التى نقله منها وهو سبحانه كان ينقله من الشئ الى ما هو خير منه وقد قيل فى قوله تعالى وللآخرة خير لك من الأولى ان المراد به الحالتان أى كل حالة خير لك مما قبلها ولهذا أعقبه بقوله ولسوف يعطيك ربك فترضى فهذا يدخل فيه عطاؤه فى الدنيا والأخرة قالوا: والغنى مع الشكر زيادة فضل ورحمة والله يخص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم قالوا والاغنياء الشاكرون سبب لطاعة الفقراء الصابرين لتقويتهم اياهم بالصدقة عليهم والاحسان عليهم واعانتهم على طاعتهم فلهم نصيب وافر من أجور الفقراء زيادة الى نصيبهم من أجر الانفاق وطاعاتهم التى تخصهم كما فى صحيح ابن خزيمة من رواية سلمان الفارسى رضى الله عنه عن النبى وذكر شهر رمضان فقال: quot;من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شئquot; فقد جاز الغنى الشاكر أجر صيامه ومثل أجر الفقير الذى فطره قالوا ولو لم يكن للغنى الشاكر الا فضل الصدقة التى لما تفاخرت الاعمال كان الفخر لها عليهن كما ذكر النظر بن شميل عن قرة عن سعيد بن المسيب أنه حدث عن عمر بن الخطاب قال ذكر أن الاعمال الصالحة تتباهى فتقول الصدقة أنا أفضلكم قالوا والصدقة وقاية بين العبد وبين النار والمخلص المسر بها مستظل بها يوم القيامة فى ظل العرش وقد روى عمرو بن الحارث ويزيد بن أبى حبيب عن أبى الخير عن عقبة بن عامر رضى الله عنه عن رسول الله قال: quot;ان الصدقه لتطفئ(1\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "265",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12303",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على أهلها حر القبور وانما يستظل المؤمن يوم القيامه فى ظل صدقتهquot;. وقال يزيد بن أبى حبيب عن أبى الخير عن عقبة يرفعه: quot;كل امرئ فى ظل صدقته حتى يقضى بين الناسquot; قال يزيد وكان أبو الخير لا يأتى عليه يوم الا تصدق فيه ولو بكعكة أو بصلة وفى حديث معاذ عن النبى: quot;والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النارquot;. وروى البيهقى من حديث ابى يوسف القاضى عن المختار بن فلفل عن أنس يرفعه: quot;باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطى الصدقهquot; وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة عن النبى قال: quot;اذا تصدق العبد من كسب طيب ولا يقبل الله الا طيبا أخذها الله بيمينه فيربيها لأحدهم كما يربى أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل العظيمquot; وفى لفظ البيهقى فى هذا الحديث quot;حتى ان التمرة أو اللقمة لتكون أعظم من أحدquot; وقال محمد بن المنكدر: quot;من موجبات المغفرة اطعام المسلم السغبانquot; وقد روى مرفوعا من غير وجه واذا كان الله سبحانه قد غفر لمن سقى كلبا على شدة ظمأه فكيف بمن سقى العطاش وأشبع الجياع وكسى العراة من المسلمين وقد قال رسول الله: quot;اتقوا النار ولو بشق تمرة قال فان لم تجدوا فبكلمة طيبةquot; فجعل الكلم الطيب عوضا عن الصدقة لمن لا يقدر عليها قالوا واين لذة الصدقة والاحسان وتفريحهما القلب وتقويتهما إياه وما يلقى الله سبحانه للمتصدقين من المحبة والتعظيم فى قلوب عباده والدعاء لهم والثناء عليهم وادخال المسرات عليهم من أجر الصبر على الفقر نعم ان له لأجرا عظيما لكن الاجر درجات عند الله قالوا وأيضا فالصدقه والاحسان والاعطاء وصف الرب تعالى وأحب عباده اليه من اتصف بذلك كما قال النبى: quot;الخلق عيال الله(1\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "266",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12304",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأحب الخلق اليه انفعهم لعيالهquot; قالوا وقد ذكر الله سبحانه اصناف السعداء فبدأ بالمتصدقين أولهم فقال تعالى إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم فهؤلاء أصناف السعداء ومقدموهم المصدقين والمصدقات قالوا وفى الصدقة فوائد ومنافع لا يحصيها الا الله فمنها انها تقى مصارع السوء وتدفع البلاء حتى انها لتدفع عن الظالم قال ابراهيم النخعى وكانوا يرون أن الصدقة تدفع عن الرجل المظلوم وتطفئ الخطيئة وتحفظ المال وتجلب الرزق وتفرح القلب وتوجب الثقة بالله وحسن الظن به كما أن البخل سوء الظن بالله وترغم الشيطان يعنى الصدقة وتزكى النفس وتنميها وتحبب العبد الى الله والى خلقه وتستر عليه كل عيب كما أن البخل يغطى عليه كل حسنة وتزيد فى العمر وتستجلب أدعية الناس ومحبتهم وتدفع عن صاحبها عذاب القبر وتكون عليه ظلا يوم القيامة وتشفع له عند الله وتهون عليه شدائد الدنيا والآخرة وتدعوه الى سائر أعمال البر فلا تستعصى عليه وفوائدها ومنافعها أضعاف ذلك قالوا ولو لم يكن فى النفع والاحسان الا أنه صفة الله وهو سبحانه يحب من اتصف بموجب صفاته وآثارها فيحب العليم والجواد والحيي والستير والمؤمن القوى أحب اليه من المؤمن الضعيف ويحب العدل والعفو والرحيم والشكور والبر والكريم فصفته الغنى والجود ويحب الغنى الجواد قالوا: ويكفى فى فضل النفع المتعدى بالمال أن الجزاء عليه من جنس العمل فمن كسى مؤمنا كساه الله من حلل الجنة ومن أشبع جائعا أشبعه الله من ثمار الجنة ومن سقى ظمآنا سقاه الله من شراب الجنة ومن أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار حتى فرجه بفرجه ومن يسر على معسر يسر الله عليه فى الدنيا والآخرة ومن نفس عن مؤمن(1\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "267",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12305",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة والله فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه قالوا ونحن لا ننكر فضيلة الصبر على الفقر ولكن أين تقع من هذه الفضائل وقد جعل الله لكل شئ قدرا قالوا: وقد جعل رسول الله الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر ومعلوم أنه اذا تعدى شكره الى الإحسان الى الغير ازداد أخرى فان الشكر يتضاعف الى ما لا نهاية له بخلاف الصبر فان له حدا يقف عليه وهذا دليل مستقل فى المسألة يوضحه أن الشاكر أفضل من الراضى الذى هو أعلى من الصابر فاذا كان الشاكر أفضل من الراضى الذى هو أفضل من الصابر كان أفضل من الصابر فى درجتين قالوا وفى الصحيحين من حديث الزهرى عن سالم عن ابيه قال قال رسول الله: quot;لا حسد الا فى اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل والنهار quot; فجعل الغنى مع الانفاق بمنزلة القرآن مع القيام به قالوا وقد صرح فى حديث أبى كبشه الأنمارى أن صاحب المال إذا عمل فى ماله بعلمه واتقى فيه ربه ووصل به رحمه وأخرج منه حق الله فهو فى أعلى المنازل عند الله وهذا تصريح فى تفضيله وجعل الفقير الصادق اذا نوى أن يعمل بعمله وقال ذلك بلسانه ثانيا وانه بنيته وقوله وأجرهما سواء فإن كلا منهما نوى خيرا وعمل ما يقدر عليه فالغنى نواه ونفذه بعلمه والفقير العالم نواه ونفذه بلسانه فاستويا فى الاجر من هذه الجهة ولا يلزم من استوائهما فى أصل الاجر استواؤهما فى كيفيته وتفاصيله فإن الأجر على العمل والنيه له مزية على الاجر على مجرد النيه التى قارنها القول ومن نوى الحج ولم يكن له مال يحج به وان أثيب على ذلك فإن ثواب من باشر أعمال الحج مع النيه له مزية عليه واذا اردت فهم هذا فتأمل قول النبى: quot;من سأل الله الشهادة(1\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "268",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12306",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يدع فيها فضلا لغير الانجذاب الى جانب الحق جل جلاله فتتمحض الارادة له ومتى تمحضت كان الزهد لصاحبها ضرورة فإنه يفرغه لعمارة وقته وجمع قلبه على ماهو بصدده وقطع مواد طمعه اللاتى هى من أفسد شئ للقلب بل اصل المعاصى والفساد والفجور كله من الطمع فالزهد يقطع مواده ويفرغ البال ويملأ القلب ويستحث الجوارح ويذهب الوحشة التى بين العبد وبين ربه ويجلب الانس به ويقوى الرغبة فى ثوابه إن ضعف عن الرغبة فى قربه والدنو منه وذوق حلاوة معرفته ومحبته فالزاهد أروح الناس بدنا وقلبا فإن كان زهده وفراغه من الدنيا قوة له فى إرادة الله والدار الآخرة بحيث فرغ قلبه لله وجعل حرصه على التقرب إليه وشحه على وقته أن يضيع منه شئ فى غير ما هو أرضى الله وأحب اليه كان من أنعم الناس عيشا واقرهم عينا وأطيبهم نفسا وأفرحهم قلبا فإن الرغبة فى الدنيا تشتت القلب وتبدد الشمل وتطيل الهم والغم والحزن فهى عذاب حاضر يؤدى الى عذاب منتظر أشد منه وتفوت على العبد من النعم اضعاف ما يروم تحصيله بالرغبه فى الدنيا قال الامام أحمد حدثنا الهيثم بن جميل حدثنا يعنى بن مسلم عن ابراهيم يعنى بن ميسرة عن طاووس قال قال رسول الله: quot;ان الزهد فى الدنيا يريح القلب والبدن وأن الرغبة فى الدنيا تطيل الهم والحزنquot; وانما تحصل الهموم والغموم والأحزان من جهتين احداهما الرغبة فى الدنيا والحرص عليها والثانى التقصير فى أعمال البر والطاعة قال عبد الله بن أحمد حدثنى بيان بن الحكم حدثنا محمد بن حاتم عن بشر بن الحارث قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن ليث عن الحكم قال قال رسول الله: quot;اذا قصر العبد بالعمل ابتلاه الله عز وجل بالهمquot;. وكما أن الرغبة فى الدنيا أصل المعاصى الظاهرة فهى اصل معاصى القلب من التسخط والحسد والكبر والفخر والخيلاء والتكاثر وهذا كله من(1\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "269",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12307",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معناه انهم وان كانوا قد ساووكم فى الايمان والاسلام والصلاة والصيام ثم فضلوكم فى الانفاق ففى التكبير والتسبيح والتهليل ما يلحقكم بدرجتهم وقد ساويتموهم أيضا بحسن النية إذ لو أمكنكم لأنفقتم مثلهم وفى بعض ألفاظ هذا الحديث ان أخذتم به سبقتم من قبلكم ولم يلحقكم من بعدكم وهذا يدل على أن الاغنياء لا يلحقونهم وان قالوا مثل قولهم وقوله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء معناه ان فضل الله ليس مقصورا عليكم دونهم فكما آتاكم الله من فضله بالذكر كذلك يؤتيهم اياه اذا عملوا مثلكم أيضا فأنتم فهمتم من الفضل التخصيص فوضعتموه فى غير موضعه وانما معناه العموم والشمول وان فضله عام شامل للأغنياء والفقراء فلا تذهبون به دونهم فأين فى هذا الحديث التفضيل لكم علينا قالوا: ويحتمل قوله ذلك فضل الله ثلاثة أمور أحدها سبقهم لكم بالانفاق والثانى مساواتكم لهم فى فضيلة الذكر فلم تختصوا به دونهم والثالث سبقكم لهم الى الجنة بنصف يوم وهذا وان كان لا ذكر له فى هذه الروايه فهو مذكور فى بعض طرقه قال البزار فى مسنده حدثنا الوليد بن عمر حدثنا محمد ابن الزبرقان حدثنا موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال اشتكى فقراء المهاجرين الى رسول الله ما فضل به أغنياؤهم فقالوا يا رسول الله اخواننا صدقوا تصديقنا وآمنوا ايماننا وصاموا صيامنا ولهم أموال يتصدقون منها ويصلون منها الرحم وينفقونها فى سبيل الله ونحن مساكين لا نقدر على ذلك فقال ألا اخبركم بشئ اذا أنتم فعلتموه أدركتم مثل فضلهم قولوا الله اكبر فى كل صلاة احدى عشرة مرة والحمد لله مثل ذلك ولا اله الا الله مثل ذلك وسبحان الله مثل ذلك تدركون مثل فضلهم ففعلوا فذكروا ذلك للأغنياء ففعلوا مثل ما ذلك فرجع الفقراء الى رسول الله فذكروا ذلك له فقالوا هؤلاء اخواننا فعلموا مثل نقول فقال ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء يا معشر الفقراء ألا أبشركم ان فقراء المسلمين يدخلون الجنة(1\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "270",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12308",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمسمائة عام وتلا موسى ابن عبيدة وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون قالوا فهذا خبر واحد وكلام متصل ذكره بشارة لهم عندما ذكروا مساواة الاغنياء لهم فى القول المذكور فأشبه أن يرجع الفضل الى سبق الفقراء للأغنياء وأنهم بهذه البشارة مخصصون فكان السبق لهم دون غيرهم وان ساووهم فى القول وساووهم فى الانفاق بالنيه كما فى حديث أبى كبشة المتقدم وحصلت لهم مزية الفقر قالت الاغنياء: لقد بالغتم فى صرف الحديث عن مقصوده الى جهتكم وهو صريح فى تفضيل هذا الحديث لمن انصف فإن قوله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء خرج جوابا للفقراء عن قولهم إن أهل الدثور قد ساووهم فى الذكر كما ساووهم فى الصلاة والصوم والايمان وبقيت مزية الانفاق ولم يحصل لهم ما يلحقهم فيها وما علمتنا من الذكر قد لحقونا فيه فقال لهم حينئذ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وهذا صريح جدا فى مقصوده فلما انكسر القوم بتحقق السبق بالانفاق الذى عجزوا عنه أخبرهم بالبشارة بالسبق إلى دخول الجنة بنصف يوم وأن هذا السبق فى مقابلة ما فاتكم من فضيلة الغنى والانفاق ولكن لا يلزم من ذلك رفعتهم عليهم فى المنزلة والدرجة فهؤلاء السبعون ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب من الموقوفين للحساب من هو أفضل من أكثرهم وأعلى منه درجة قالوا وقد سمى سبحانه المال خيرا فى غير موضع من كتابه كقوله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية وقوله انه لحب الخير لشديد وأخبر رسول الله أن الخير لا يأتى الا بالخير كما تقدم وانما يأتى بالشر معصية الله فى الخير لا نفسه وأعلم الله سبحانه أنه جعل المال قواما للأنفس وأمر بحفظها ونهى(1\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "271",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12309",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن يأتى السفهاء من النساء والأولاد وغيرهم ومدحه النبى بقوله: quot;نعم المال الصالح مع المرء الصالحquot; وقال سعيد بن المسيب لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حله يكف به وجهه عن الناس ويصل به رحمه ويعطى حقه وقال أبو اسحاق السبيعى كانوا يرون السعة عونا على الدين وقال محمد ابن المنكدر نعم العون على التقى الغنى وقال سفيان الثورى المال فى زماننا هذا سلاح المؤمن وقال يوسف بن سباط ما كان المال فى زمان منذ خلقت الدنيا أنفع منه فى هذا الزمان والخير كالخيل لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر قالوا وقد جعل الله سبحانه المال سببا لحفظ البدن وحفظه سبب لحفظ النفس التى هى محل معرفة الله والايمان به وتصديق رسله ومحبته والانابة اليه فهو سبب عمارة الدنيا والآخرة وانما يذم منه ما استخرج من غير وجهه وصرف فى غير حقه واستعبد صاحبه وملك قلبه وشغله عن الله والدار الآخرة فيذم منه ما يتوسل به صاحبه الى المقاصد الفاسدة أو شغله عن المقاصد المحمودة فالذم للجاعل لا للمجعول قال النبى: quot;تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم quot; فذم عبدهما دونهما قال الامام أحمد: حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان عن يزيد بن ميسرة قال كان رجل ممن مضى جمع مالا فأوعى ثم أقبل على نفسه وهو فى أهله فقال أنعم سنين فأتاه ملك الموت فقرع الباب فى صورة مسكين فخرجوا اليه فقال ادعو لى صاحب الدار فقالوا يخرج سيدنا الى مثلك ثم مكث قليلا ثم عاد فقرع الدار وصنع مثل ذلك وقال أخبروه أنى ملك الموت فلما سمع سيدهم قعد فزعا وقال لينوا له الكلام قالوا ما تريد غير سيدنا بارك الله فيك قال لا فدخل عليه فقال قم فأوص ما كنت(1\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "272",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12310",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "موصيا فإنى قابض نفسك قبل أن أخرج قال فصرخ أهله وبكوا ثم قال افتحو الصناديق وافتحوا أوعية المال ففتحوها جميعا فأقبل على المال يلعنه ويسبه يقول لعنت من مال أنت الذى أنسيتنى ربى وشغلتنى عن العمل لآخرتى حتى بلغنى أجلى فتكلم المال فقال لا تسبنى ألم تكن وضيعا فى أعين الناس فرفعتك ألم ير عليك من أثرى وكنت تحضر سدد الملوك والسادة فتدخل ويحضر عباد الله الصالحون فلا يدخلون ألم تكن تخطب بنات الملوك والسادة فتنكح ويخطب عباد الله الصالحون فلا ينكحون ألم تكن تنفقنى فى سبيل الخبث فلا أتعاصى ولو أنفقتنى فى سبيل الله لم أتعاص عليك وأنت ألوم منى إنما خلقت أنا وأنتم يا بنى آدم من تراب فمنطلق ببر ومنطلق بإثم فهكذا يقول المال فاحذروا وفى أثر يقول الله تبارك وتعالى أموالنا رجعت الينا سعد بها من سعد وشقى بها من شقى قالوا: ومن فوائد المال أنه قوام العبادات والطاعات وبه قام سوق بر الحج والجهاد وبه حصل الانفاق الواجب والمستحب وبه حصلت قربات العتق والوقف وبناء المساجد والقناطر وغيرها وبه يتوصل الى النكاح الذى هو أفضل من التخلى لنوافل العبادة وعليه قام سوق المروءة وبه ظهرت صفة الجود والسخاء وبه وقيت الاعراض وبه اكتسبت الاخوان والاصدقاء وبه توصل الابرار الى الدرجات العلى ومرافقة الذين أنعم الله عليهم فهو مرقاة يصعد بها الى أعلى غرف الجنة ويهبط منها إلى أسفل سافلين وهو مقيم مجد الماجد كان بعض السلف يقول لا مجد إلا بفعال ولا فعال إلا بمال وكان بعضهم يقول اللهم إنى من عبادك الذين لا يصلحهم إلا الغنى وهو من أسباب رضا الله عن العبد كما كان من أسباب سخطه عليه وهؤلاء الثلاثة الذين ابتلاهم الله به الابرص والاقرع والاعمى قال به الاعمى رضا ربه ونالا به سخطه والجهاد ذروة سنام العمل وتارة(1\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "273",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12311",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكون بالنفس وتارة يكون بالمال وربما كان الجهاد بالمال أنكى وأنفع وبأى شئ فضل عثمان على على وعلى أكثر جهادا بنفسه واسبق إسلاما من عثمان وهذا الزبير وعبد الرحمن بن عوف أفضل من جمهور الصحابة مع الغنى الوافر وتأثيرهما فى الدين أعظم من تأثير أهل الصفة وقد نهى رسول الله عن إضاعته وأخبر أن ترك الرجل ورثته أغنياء خير له من تركهم فقراء وأخبر أن صاحب المال لن ينفق نفقة يبتغى بها وجه الله إلا ازداد بها درجة ورفعة وقد استعاذ رسول الله من الفقر وقرنه بالكفر فقال اللهم إنى أعوذ بك من الكفر والفقر فإن الخير نوعان خير الآخرة والكفر مضاده وخير الدنيا والفقر مضاده فالفقر سبب عذاب الدنيا والكفر سبب عذاب الآخرة والله سبحانه وتعالى جعل إعطاء الزكاة وظيفة الأغنياء وأخذها وظيفة الفقراء وفرق بين اليدين شرعا وقدرا وجعل يد المعطى أعلى من الآخذ وجعل الزكاة أوساخ المال ولذلك حرمها على أطيب خلقه وعلى آله صيانة لهم وتشريفا ورفعا لأقدارهم ونحن لا ننكر أن رسول الله كان فقيرا ثم أغناه الله والله فتح عليه وخوله ووسع عليه وكان يدخر لأهله قوت سنة ويعطى العطايا التى لم يعطها أحد غيره وكان يعطى عطاء من لا يخاف الفقر ومات عن فدك والنضير وأموال خصه الله بها وقال تعالى ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول فنزهه ربه سبحانه عن الفقر الذى يسوغ الصدقة وعوضه عما نزهه عنه بأشرف المال وأحله وأفضله وهو ما أخذه بظل رمحه وقائم سيفه من أعداء الله الذين كان مال الله بأيديهم ظلما وعدوانا فإنه خلق المال ليستعان به على طاعته وهو بأيدى الكفار والفجار ظلما وعدوانا فإذا رجع الى أوليائه وأهل طاعته فاءاليهم ما خلق لهم ولكن لم يكن غنى رسول الله وملكه من جنس غنى بنى الدنيا وأملاكهم فإن غناهم بالشيء وغناه عن الشئ وهو الغنى العالى وملكهم ملك يتصرفون فيه بحسب إرادتهم وهو انما يتصرف فى ملكه(1\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "274",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12312",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تصرف العبد الذى لا يتصرف الا بأمر سيده وقد اختلف الفقهاء فى الفئ هل كان ملكا للنبى على قولين هما روايتان عن أحمد والتحقيق أن ملكه له كان نوعا آخر من الملك وهو ملك يتصرف فيه بالأمر كما قال: quot;والله لا أعطى أحدا ولا أمنع أحدا انما أنا قاسم اضع حيث امرتquot; ذلك من كمال مرتبة عبوديته ولأجل ذلك لم يورث فإنه عبد محض من كل وجه لربه عز وجل والعبد لا مال له فيورث عنه فجمع الله له سبحانه بين أعلى أنواع الغنى وأشرف أنواع الفقر فكمل له مراتب الكمال فليست احدى الطائفتين بأحق به من الأخرى فكان فى فقره أصبر خلق الله وأشكرهم وكذلك فى غناه والله تعالى جعله قدوة للأغنياء والفقراء وأى غنى أعظم من غنى من عرضت عليه مفاتيح كنوز الارض وعرض عليه أن يجعل له الصفا ذهبا وخير بين أن يكون ملكا نبيا وبين أن يكون عبدا نبيا فاختار أن يكون عبدا نبيا ومع هذا فجيبت اليه أموال جزيرة العرب واليمن فأنفقها كلها ولم يستأثر منها بشئ بل تحمل عيال المسلمين ودينهم فقال من ترك مالا فلورثته ومن ترك كلا فإلى وعلى فرفع الله سبحانه قدره أن يكون من جملة الفقراء الذين تحل لهم الصدقه كما نزهه أن يكون من جملة الاغنياء الذين أغناهم بالاموال الموروثة بل أغناه به عن سواه وأغنى قلبه كل الغنى ووسع عليه غاية السعة فأنفق غاية الانفاق وأعطى أجل العطايا ولا استأثر بالمال ولا اتخذ منه عقارا ولا ارضا ولا ترك شاة ولا بعيرا ولا عبدا ولا أمة ولا دينارا ولا درهما فإذا احتج الغنى الشاكر بحاله لم يمكنه ذلك الا بعد أن يفعل فعله كما أن الفقير الصابر اذا احتج بحاله لم يمكنه ذلك الا بعد أن يصبر صبره ويترك الدنيا اختيارا لا اضطرارا فرسول الله وفى كل مرتبة من مرتبتى الفقر والغنى حقها وعبوديتها وأيضا فإن الله سبحانه أغنى به الفقراء فما نالت أمته الغنى إلا به وأغنى الناس من صار غيره به غنيا.(1\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "275",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12313",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال على بن أبى رباح اللخمى: كنت عند مسلمة بن مخلد الأنصارى وهو يومئذ على مصر وعبد الله بن عمرو بن العاص جالس معه فتمثل مسلمة ببيت من شعر أبى طالب فقال لو أن ابا طالب رأى ما نحن فيه اليوم من نعمة الله وكرامته لعلم أن ابن أخيه سيد قد جاء بخير فقال عبد الله بن عمرو ويومئذ كان سيدا كريما قد جاء بخير فقال مسلمة ألم يقل الله تعالى ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى فقال عبد الله بن عمرو أما اليتيم فقد كان يتيما من أبويه وأما لعيلة فكل ما كان بأيدى العرب الى القله يقول إن العرب كانت كلها مقلة حتى فتح الله عليه وعلى العرب الذين اسلموا ودخلوا فى دين الله أفواجا ثم توفاه الله قبل أن يتلبس منها بشئ ومضى وتركها وحذر منها ومن فتنتها قال وذلك معنى قوله ولسوف يعطيك ربك فترضى فلم تكن الدنيا لترضيه وهو لا يرضاها كلها لأمته وهو يحذر منها وتعرض عليه فيأباها وانما هو ما يعطيه من الثواب وما يفتح عليه وعلى أمته من ملك كسرى وقيصر ودخول الناس فى الاسلام وظهور الدين إذا كان ذلك محبته ورضاه صلوات الله وسلامه عليه وروى سفيان الثورى عن الاوزاعى عن اسماعيل بن عبد الله بن عباس عن النبى قال: quot;رأيت ما هو مفتوح بعدى كفرا كفرا فسرنى ذلك فنزلت والضحى والليل الى قوله ولسوف يعطيك ربك فترضىquot; قال اعطى ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك فى كل قصر ما ينبغى له قالوا وما ذكرتم من الزهد فىالدنيا والتقلل منها فالزهد لا ينافى الغنى بل زهد الغنى أكمل من زهد الفقير فإن الغنى زهد عن قدرة والفقير عن عجز وبينهما بعد بعيد وقد كان رسول الله فى حال غناه أزهد الخلق وكذلك ابراهيم الخليل كان كثير المال وهو أزهد الناس فى الدنيا.(1\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "276",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12314",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد روى الترمذى فى جامعه من حديث ابى ذر عن النبى قال: quot;الزهادة فى الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعته ولكن الزهادة فى الدنيا أن لا تكون بما فى يديك أوثق بما فى يد الله وأن تكون فى ثواب المصيبة إذا أنت اصبت بها أرغب فى ثوابها لو أنها بقيت لكquot;. وسئل الإمام أحمد عن الرجل يكون معه ألف دينار وهل يكون زاهدا قال نعم بشرط أن لا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت وقال بعض السلف الزاهد من لا يغلب الحلال شكره ولا الحرام صبره وهذا من أحسن الحدود حقيقة مركبة من الصبر والشكر فلا يستحق اسم الزاهد من لا يتصف بهما فمن غلب شكره لما وسع عليه من الحلال وصبره لما عرض له من الحرام فهو الزاهد على الحقيقة بخلاف من غلب عليه الحلال شكره والحرام صبره فكان شكره وصبره مغلوبين فإن هذا ليس بزاهد وسمعت شيخ الاسلام يقول الزهد تركك مالا ينفعك والورع تركك ما يضرك فالزهد فراغ القلب من الدنيا لافراغ اليدين منها ويقابله الشح والحرص وهو ثلاثة أقسام زهد فى الحرام وزهد فى الشبهات والمكروهات وزهد فى الفضلات فالاول فرض والثانى فضل والثالث متوسط بينهما بحسب درجة الشبهة وان قويت التحق بالاول والا فبالثالث وقد يكون الثالث واجبا بمعنى انه لا بد منه وذلك لمن شمر الى الله والدار الآخرة فزهد الفضلة يكون ضرورة فإن إرادة الدنيا قادحة فى إرادة الآخرة ولا يصح للعبد مقام الارادة حتى يفرد طلبه وارادته ومطلوبه فلا ينقسم المطلوب ولا الطلب أما توحيد المطلوب أن لا يتعلق طلبه وارادته بغير الله وما يقرب اليه ويدنى منه وأما توحيده فى الطلب أن يستأصل الطلب والارادة نوازع الشهوات وجواذب الهوى وتسكن الارادة فى أقطار النفس فتملأها فلا(1\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "277",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12315",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يدع فيها فضلا لغير الانجذاب الى جانب الحق جل جلاله فتتمحض الارادة له ومتى تمحضت كان الزهد لصاحبها ضرورة فإنه يفرغه لعمارة وقته وجمع قلبه على ماهو بصدده وقطع مواد طمعه اللاتى هى من أفسد شئ للقلب بل اصل المعاصى والفساد والفجور كله من الطمع فالزهد يقطع مواده ويفرغ البال ويملأ القلب ويستحث الجوارح ويذهب الوحشة التى بين العبد وبين ربه ويجلب الانس به ويقوى الرغبة فى ثوابه إن ضعف عن الرغبة فى قربه والدنو منه وذوق حلاوة معرفته ومحبته فالزاهد أروح الناس بدنا وقلبا فإن كان زهده وفراغه من الدنيا قوة له فى إرادة الله والدار الآخرة بحيث فرغ قلبه لله وجعل حرصه على التقرب إليه وشحه على وقته أن يضيع منه شئ فى غير ما هو أرضى الله وأحب اليه كان من أنعم الناس عيشا واقرهم عينا وأطيبهم نفسا وأفرحهم قلبا فإن الرغبة فى الدنيا تشتت القلب وتبدد الشمل وتطيل الهم والغم والحزن فهى عذاب حاضر يؤدى الى عذاب منتظر أشد منه وتفوت على العبد من النعم اضعاف ما يروم تحصيله بالرغبه فى الدنيا قال الامام أحمد حدثنا الهيثم بن جميل حدثنا يعنى بن مسلم عن ابراهيم يعنى بن ميسرة عن طاووس قال قال رسول الله: quot;ان الزهد فى الدنيا يريح القلب والبدن وأن الرغبة فى الدنيا تطيل الهم والحزن quot; وانما تحصل الهموم والغموم والأحزان من جهتين احداهما الرغبة فى الدنيا والحرص عليها والثانى التقصير فى أعمال البر والطاعة قال عبد الله بن أحمد حدثنى بيان بن الحكم حدثنا محمد بن حاتم عن بشر بن الحارث قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن ليث عن الحكم قال قال رسول الله: quot;اذا قصر العبد بالعمل ابتلاه الله عز وجل بالهمquot;. وكما أن الرغبة فى الدنيا أصل المعاصى الظاهرة فهى اصل معاصى القلب من التسخط والحسد والكبر والفخر والخيلاء والتكاثر وهذا كله من(1\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "278",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12316",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "امتلاء القلب بها لا من كونها فى اليد وامتلاء القلب بها ينافى الشكر ورأس الشكر تفريغ القلب منها وامتداد المال كامتداد العمر والجاه فخيركم فى الدنيا من طال عمره وحسن عمله فهكذا من امتد ماله وكثر به خيره فنعم المرء وماله وجاهه اما أن يرفعه درجات واما أن يضعه درجات وسر المسألة أن طريق الفقر والتقلل طريق سلامة مع الصبر وطريق الغنى والسعة فى الغالب طريق عطب فإن اتقى الله فى ماله ووصل به رحمه وأخرج منه حق الله وليس مقصورا على الزكاة بل من حقه اشباع الجائع وكسوة العارى واغاثة الملهوف واعانة المحتاج والمضطر فطريقه طريق غنيمة وهى فوق السلامة فمثل صاحب الفقر كمثل مريض قد حبس بمرضه عن أغراضه فهو يثاب على حسن صبره على حبسه وأما الغنى فخطره عظيم فى جمعه وكسبه وصرفه فإذا سلم كسبه وحسن أخذه من وجهه وصرفه فى حقه كان أنفع له فالفقير كالمتعبد المنقطع عن الناس والغنى المنفق فى وجوه الخير كالمعين والمعلم والمجاهد ولهذا جعله النبى قرين الذى أتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها فهو أحد المحسودين الذين لا ثالث لهما والجهلة يغبطون المنقطع المتخلى المقصور النفع على نفسه ويجعلونه أولى بالحسد من المنفق والعالم المعلم فإن قيل: فأيهما افضل: من يختار الغنى المتصدق والانفاق فى وجوه البر أم من يختار الفقر والتقلل ليبعد عن الفتنة ويسلم من الآفة ويرفه قلبه على الاستعداد للآخرة فلا يشغله بالدنيا أم من لا يختار لا هذا ولا ذاك بل يختار ما اختاره الله له فلا يعين باختباره واحدا من الامرين. قيل هذا موضع اختلف فيه حال السلف الصالح فمنهم من اختار المال للجهاد به والانفاق وصرفه فى وجوه البر كعبد الرحمن بن عوف وغيره من مياسير الصحابه وكان قيس بن سعد يقول اللهم انى من عبادك الذين لا يصلحهم الا الغنى ومنهم من اختار الفقر والتقلل كأبى ذر(1\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "279",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12317",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجماعة من الصحابه معه وهؤلاء نظروا الى آفات الدنيا وخشوا الفتنة بها وأولئك نظروا الى مصالح الانفاق وثمراته العاجلة والآجلة والفرقة الثالثة لم تختر شيئا بل كان اختيارها ما اختاره الله لها وكذلك اختيار طول البقاء فى الدنيا لاقامة دين الله وعبادته فطائفة اختارته وتمنته وطائفة أحبت الموت ولقاء الله والراحة من الدنيا وطائفة ثالثة لم تختر هذا ولا ذاك بل اختارت ما يختاره الله لها وكان اختيارهم معلقا بما يريده الله دون مراد معين منهم وهى حال الصديق رضى الله عنه فإنهم قالوا له فى مرض موته ألا ندعو لك الطبيب فقال قد رآنى فقالوا فما قال لك قال قال لى انى فعال لما أريد والأولى حال موسى عليه السلام فإنه لما جاءه ملك الموت لطمه ففقأ عينه ولم يكن ذلك حبا منه للدنيا والعيش فيها ولكن لينفذ أوامر ربه ويقيم دينه ويجاهد أعداءه فكأنه قال لملك الموت أنت عبد مأمور وأنا عبد مأمور وأنا فى تنفيذ أوامر ربى وإقامة دينه فلما عرضت عليه الحياة الطويلة وعلم أن الموت بعدها اختار ما اختاره الله له وأما نبينا صلوات الله وسلامه عليه فإن ربه أرسل إليه يخبره وكان أعلم الخلق بالله فعلم أن ربه تبارك وتعالى يحب لقاءه ويختاره له فاختار لقاء الله ولو علم أن ربه يحب له البقاء فى الدنيا لتنفيذ أوامره وإقامة دينه لما اختار غير ذلك فكان اختياره تابعا لاختيار ربه عز وجل فكما أنه لما خيره ربه عزوجل بين أن يكون ملكا نبيا وبين أن يكون عبدا نبيا وعلم أن ربه يختار له أن يكون عبدا نبيا اختار ما اختاره الله له فكان اختياره فى جميع أموره تابعا لاختيار الله له ولهذا يوم الحديبية احتمل ما احتمل من تلك الحال فى ذاك الوقت ووفى هذا المقام حقه ولم يثبت عليه من كل وجه إلا الصديق فلم يكن له اختيار فى سوى ما اختاره الله له ولأصحابه من تلك الحال التى تقرر الأمر عليها فكان راضيا بها مختارا لها مشاهدا اختيار ربه لها وهذا غاية العبودية فشكر الله له ذلك وجعل شكرانه ما(1\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "280",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12318",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بشره به فى أول سورة الفتح حتى هنأه الصحابة به وقالوا هنيئا لك يا رسول الله وحق له أن يهنأ بأعظم ما هنأ به بشر صلوات الله وسلامه عليه فصل: ومما ينبغى أن يعلم أن كل حصلة من حصال الفضل قد أحل الله رسوله فى أعلاها وخصه بذروة سنامها فإذا احتجت بحاله فرقة من فرق الأمة التى تعرفت تلك الخصال وتقاسمتها على فضلها على عيرها أمكن الفرقة الأخرى أن تحتج به على فضلها أيضا فإذا احتج به الغزاة والمجاهدون على أنهم افضل الطوائف احتج به العلماء والفقهاء على مثل ما احتج به أولئك واذا احتج به الزهاد والمتخلفون عن الدنيا على فضلهم احتج به الداخلون فى الدنيا والولايه وسياسة الرعيه لاقامة دين الله وتنفيذ أمره واذا احتج به الفقير الصابر احتج به الغنى الشاكر واذا احتج به أهل العبادة على فضل نوافل العبادة وترجيحها احتج به العارفون على فضل المعرفة واذا احتج به أرباب التواضع والحلم احتج به أرباب العز والقهر المبطلين والغلظه عليهم والبطش بهم واذا احتج به ارباب الوقار والهيبه والرزانة احتج به أرباب الخلق الحسن والمزاح المباح الذى لا يخرج عن الحق وحسن العشرة للأهل والأصحاب وإذا احتج به أصحاب الصدع بالحق والقول به فى المشهد والمغيب احتج به أصحاب المدارة والحياء والكرم أن يبادروا الرجل بما يكرهه فى وجهه وإذا احتج به المتورعون على الورع المحمود احتج به الميسرون(1\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "281",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12319",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المسهلون الذين لا يخرجون عن سعة شريعته ويسرها وسهولتها وإذا احتج به من صرف عنايته إلى إصلاح دينه وقلبه احتج به من راعى إصلاح بدنه ومعيشته ودنياه فانه بعث لصلاح الدنيا والدين وإذا احتج به من لم يعلق قلبه بالاسباب ولا ركن إليها احتج به من قام بالاسباب ووضعها مواضعها وأعطاها حقها وإذا احتج به من جاع وصبر على الجوع احتج به من شبع وشكر ربه على الشبع واذا احتج به من اخذ بالعفو والصفح والاحتمال احتج به من انتقم فى مواضع الانتقام واذا احتج به من أعطى لله ووالى لله احتج به من منع لله وعادى لله واذا احتج به من لم يدخر شيئا لغد احتج به من يدخر لأهله قوت سنه واذا احتج به من يأكل الخشن من القوت والادم كخبز الشعير والخل احتج به من يأكل اللذيذ الطيب كالشوى والحلوى والفاكهة والبطيخ ونحوه وإذا احتج به من سرد الصوم احتج به من سرد الفطر فكان يصوم حتى يقال لا يفطر ويفطر حتى يقال لا يصوم واذا احتج به من رغب عن الطيبات والمشتهيات احتج به من أحب أطيب ما فى الدنيا وهو النساء والطيب وإذا احتج به من الان جانبه وخفض جناحه لنسائه احتج به من أدبهن وآلمهن وطلق وهجر وخيرهن واذا احتج به من ترك مباشرة أسباب المعيشة بنفسه احتج به من باشرها بنفسه فأجرو استأجر وباع واشترى واستسلف وادان ورهن.(1\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "282",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12320",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واذا احتج به من يجتنب النساء بالكلية فى الحيض والصيام احتج به من يباشر امرأته وهى حائض بغير الوطء ومن يقبل امرأته وهو صائم واذا احتج به من رحم أهل المعاصى بالقدر احتج به من أقام عليهم حدود الله فقطع السارق ورجم الزانى وجلد الشارب واذا احتج به من أرباب الحكم بالظاهر احتج به ارباب السياسة العادلة المبنية على القرائن الظاهرة فإنه حبس فى تهمة وعاقب فى تهمة وأخبر عن نبى الله سليمان أنه عليه السلام حكم بالولد للمرأة بالقرينة الظاهرة مع اعترافها لصاحبتها به فلم يحكم بالاعتراف الذى ظهر له بطلائه بالقرينة وترجم أبو عبد الرحمن على الحديث ترجمتين احداهما قال التوسعه للحاكم أن يقول للشئ الذى لا يفعله افعله ليستبين به الحق ثم قال الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم عليه اذا تبين للحاكم أن الحق غير ما اعترف به وكذلك الصحابة عملوا بالقرائن فى حياته وبعده فقال على رضى الله عنه للمرأة التى حملت كتاب حاطب لتخرجن الكتاب أولا لاجردنك وحد عمر رضى الله عنه فى الزنا بالحبل وفى الخمر بالرائحه وحكى الله سبحانه عن شاهد يوسف حكاية مقرر غير منكر أنه حكم بقرينة شق القميص من دبر على براءته وقال لابن أبى الحقيق وقد زعم ان النفقة أذهبت كنز حيي بن أخطب: quot;العهد قريب والمال أكثر من ذلكquot; فاعتبر قرينتين دالتين على بقاء المال وعاقبه حتى اقر به وجوز لأولياء القتيل أن يحلفوا على رجل انه قتله ويقتلونه به بناء على القرائن المرجحة صدقهم وشرع الله سبحانه رجم المرأة اذا شهد عليها زوجها فى اللعان وأبت أن تلاعن للقرينه الظاهرة على صدقه وشريعته طافحة بذلك لمن تأملها فالحكم بالقرائن الظاهرة من نفس شريعته وما جاء به فهو حجة لقضاة الحق وولاة العدل كما أنه حجة على قضاة السوء وولاة الجور والله المستعان.(1\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "283",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12321",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمقصود بهذا الفصل أنه ليس الفقراء الصابرون بأحق به من الاغنياء الشاكرين وأحق الناس به أعلمهم بسنته وأتبعهم لها وبالله التوفيق.(1\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "284",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12322",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "الباب الخامس والعشرون: في بيان الأمور المضادة للصبر المنافية له والقادحة فيه",
        "content": "الباب الخامس والعشرون: في بيان الأمور المضادة للصبر المنافية له والقادحة فيه ... الباب الخامس والعشرون: فى بيان الأمور المضادة للصبر والمنافية له والقادحة فيه لما كان الصبر حبس اللسان عن الشكوى الى غير الله والقلب عن التسخط والجوارح عن اللطم وشق الثياب ونحوها كان ما يضاده واقعا على هذه الجملة فمنه الشكوى الى المخلوق فإذا شكى العبد ربه الى مخلوق مثله فقد شكى من يرحمه الى من لا يرحمه ولا تضاده الشكوى الى الله كما تقدم فى شكاية يعقوب الى الله مع قوله فصبر جميل وأما إخبار المخلوق بالحال فإن كان للاستعانة بإرشاده أو معاونته والتوصل الى زوال صرورة لم يقدح ذلك فى الصبر كإخبار المريض للطبيب بشكايته وإخبار المظلوم لمن ينتصر به بحاله وإخبار المبتلى ببلائه لمن كان يرجو أن يكون فرجه على يديه وقد كان النبى إذا دخل على المريض يساله عن حاله ويقول كيف نجدك وهذا استخبار منه واستعلام بحاله وأما الأنين فهل يقدح في الصبر فيه روايتان عن الامام أحمد قال أبو الحسين أصحهما الكراهة لما روى عن طاوس أنه كان يكره الأنين في المرض وقال مجاهد كل شيء يكتب على ابن آدم مما يتكلم حتى أنينه في مرضه قال هؤلاء وإن الأنين شكوى بلسان الحال ينافي الصبر وقال عبد الله بن الامام أحمد قال لي أبي في مرضه الذي توفي فيه اخرج إلي كتاب عبد الله بن ادريس فأخرجت الكتاب فقال أخرج أحاديث ليث بن أبي سليم فأخرجت أحاديث ليث فقال اقرا على أحاديث ليث قال قلت لطلحة إن طاووس كان يكره الأنين في المرض فلما سمع له أنين حتى مات فما سمعت أبي أن في مرضه ذلك إلى ان توفي.(1\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "285",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12323",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والرواية الثانية أنه لا يكره ولا يقدح في الصبر قال بكر بن محمد عن أبيه سئل احمد عن المريض يشكو ما يجد من الوجع فقال تعرف فيه شيئا عن رسول الله قال نعم حديث عائشة وارأساه وجعل يستحسنه وقال المروذي: دخلت على أبي عبد الله وهو مريض فسألته فتغرغرت عينيه وجعل يخبرني ما مر به في ليلته من العلة والتحقيق أن الأنين على قسمين انين شكوى فيكره وأنين استراحة وتفريج فلا يكره والله أعلم وقد روى في أثر: ان المريض إذا بدأ بحمد الله ثم أخبر بحاله لم يكن شكوى وقال شقيق البلخي من شكى من مصيبة نزلت به إلى غير الله لم يجد في قلبه حلاوة لطاعة الله أبدا فصل: والشكوى نوعان: شكوى بلسان القال وشكوى بلسان الحال ولعلها أعظمها ولهذا امر النبي من أنعم عليه أن يظهر نعمة الله عليه واعظم من ذلك من يشتكي ربه وهو بخير فهذا امقت الخلق عند ربه قال الامام أحمد حدثنا عبد الله بن زيد حدثنا كهمس عن عبد الله بن شقيق قال قال كعب الاحبار أن من حسن العمل سبحة الحديث ومن شر العمل التحذيف قيل لعبد الله: ما سبحة الحديث قال سبحان الله وبحمده في خلال الحديث قبل فما التحذيف قال يصبح الناس بخير فيسألون فيزعمون أنه بشر فصل: ومما ينافي الصبر في شق الثياب عند المصيبة ولطم الوجه والضرب بإحدى اليدين على الأخرى وحلق الشعر والدعاء بالويل ولهذا بريء النبي ممن صلق وحلق وخرق صلق رفع صوته عند المصيبة(1\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "286",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12324",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحلق رأسه وشق ثيابه ولا ينافيه البكاء والحزن قال الله تعالى عن يعقوب وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم قال قتادة كظيم على الحزن فلم يقل إلا خيرا وقال حماد بن سلمة عن على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس عن النبي قال: quot;ما كان من العين والقلب فمن الله والرحمة وما كان من اليد واللسان فمن الشيطانquot;. وقال هشيم عن عبد الرحمن بن يحيي عن حسان بن أبي جبلة قال قال رسول الله: quot;من بث فلم يصبرquot;. وقال خالد بن أبي عثمان: مات ابن لي فرآني سعد بن جبير متقنعا فقال إياك والتقنيع فإنه من الاستكانة وقاتل بكر بن عبد الله المزني كان يقال من الاستكانة الجلوس في البيت بعد المصيبة وقال عبيد بن عمير: ليس الجزع أن تدمع العين ويحزن القلب ولكن الجزع القول السيء والظن السيء وسئل القاسم بن محمد عن الجزع فقال: القول السيء والظن السيء ومات ابن لبعض قضاة البصرة فاجتمع إليه العلماء والفقهاء فتذاكروا ما يتبين به جزع الرجل من صبره فاجمعوا انه إذا ترك شيئا مما كان يصنعه فقد جزع وقال الحسين ابن عبد العزيز الحوري مات ابن لي نفيس فقلت لأمه اتقي الله واحتسبيه واصبري فقال مصيبتي به أعظم من أن أفسدها بالجزع وقال عبد الله بن المبارك أتى رجل يزيد بن يزيد وهو يصلي وإبنه في الموت فقال ابنك يقضي وانت تصلي فقال الرجل إذا كان له عمل يعمله فتركه يوما واحدا كان ذلك خللا في عمله.(1\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "287",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12325",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ثابت: أصيب عبد الله بن مطرف بمصيبة فرايته أحسن شئ شارة وأطيبه ريحا فذكرت له ما رأيت فقال تأمرنى يا أبا محمد أن أستكين للشيطان وأريه أنه قد أصابنى سوء والله يا أبا محمد لو كانت لى الدنيا كلها ثم أحذها منى ثم سقانى شربة يوم القيامة ما رايتها ثمنا لتلك الشربة ومما يقدح فى الصبر اظهار المصيبة والتحدث بها وكتمانها رأس الصبر وقال الحسن بن الصباح فى مسنده حدثنا خلف بن تميم حدثنا زافر بن سليمان عن عبد العزيز بن أبى رواد عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله: quot;من البر كتمان المصائب والامراض والصدقةquot; وذكر أنه من بث الصبر فلم يصبر وروى من وجه آخر عن الحسن يرفعه: من البر كتمان المصائب وما صبر من بث ولما نزل فى احدى عينى عطاء الماء مكث عشرين سنة لا يعلم به أهله حتى جاء ابنه يوما من قبل عينيه فعلم أن الشيخ قد أصيب ودخل رجل على داود الطائى فى فراشه فرآه يرجف فقال انا لله وانا اليه راجعون فقال مه لا تعلم بهذا أحدا وقد أقعد قبل ذلك اربعة أشهر لا يعلم بذلك أحد وقال مغيرة شكى الاحنف الى عمه وجع ضرسه فكرر ذلك عليه فقال ما تكرر على لقد ذهبت عينى منذ أربعين سنة فما شكوتها الى أحد فصل: ويضاد الصبر الهلع وهو الجزع عند ورود المصيبة والمنع عند ورود النعمة قال تعالى إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا وهذا تفسير الهلوع قال الجوهرى: الهلع أفحش الجزع وقد هلع بالكسر فهو هلع وهلوع وفى الحديث: quot;شر ما فى العبد شح هالع وجبن خالعquot;.(1\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "288",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12326",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت هنا أمران: أمر لفظى وأمر معنوى فأما اللفظى فإنه وصف الشح بكونه هالعا والهالع صاحبه وأكثر ما يسمى هلوعا ولا يقال هالع له فإنه لا يتعدى ففيه وجهان: أحدهما: أنه على النسب كقولهم ليل نائم وسر كاتم ونهار صائم ويوم عاصف كله عند سيبويه على النسب أى ذو كذا كما قالوا تامر ولابن والثانى: أن اللفظه غيرت عن بابها للازدواج مع خالع وله نظير وأما المعنوى: فإن الشح والجبن أردى صفتين فى العبد ولا سيما اذا كان شحه هالما أى ملق له فى الهلع وجبنه خالعا اى قد خلع قلبه من مكانه فلا سماحة ولا شجاعة ولا نفع بماله ولا ببدنه كما يقال لا طعنة ولا جفنة ولا يطرد ولا يشرد بل قد قمعه وصغره وحقره ودساه الشح والخوف والطمع والفزع واذا أردت معرفة الهلوع فهو الذى اذا اصابه الجوع مثلا أظهر الاستجاعه واسرع بها واذا أصابه الالم اسرع الشكايه وأظهرها واذا أصابه القهر أظهر الاستطامه والاستكانه وباء بها سريعا واذا اصابه الجوع أسرع الانطراح على جنبه وأظهر الشكايه واذا بدا له مأخذ طمع طار اليه سريعا واذا ظفر به أحله من نفسه محل الروح فلا احتمال ولا أفضال وهذا كله من صغر النفس ودناءتها وتدسيسها فى البدن واخفائها وتحقيرها والله المستعان.(1\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "289",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12327",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "الباب السادس والعشرون: في بيان دخول الصبر والشكر في صفات الرب جل جلاله وتسميته بالصبور والشكور ولو لم يكن الصبر والشكر من الفضيلة إلا ذلك لكفى به",
        "content": "الباب السادس والعشرون: في بيان دخول الصبر والشكر في صفات الرب جل جلاله وتسميته بالصبور والشكور ولو لم يكن الصبر والشكر من الفضيلة إلا ذلك لكفى به ... الباب السادس والعشرون فى بيان دخول الصبر والشكر فى صفات الرب جل جلاله وتسميته بالصبور والشكور ولو لم يكن للصبر والشكر من الفضيلة الا ذلك لكفى به أما الصبر فقد أطلقه عليه أعرف الخلق به وأعظمهم تنزيها له بصيغة المبالغة ففى الصحيحين من حديث الاعمش عن سعيد بن جبير عن أبى عبد الرحمن السلمى عن ابى موسى عن النبى قال: quot;ما أحد أصبر على(1\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "290",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12328",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اذى سمعه من الله عز وجل يدعون له ولدا وهو يعافيهم ويرزقهمquot;. وفى أسمائه الحسنى الصبور وهو من أمثلة المبالغة أبلغ من الصابر والصبار وصبره تعالى يفارق صبر المخلوق ولا يماثله من وجوه متعددة منها أنه عن قدرة تامة ومنها أنه لا يخاف الغوث والعبد انما يستعجل الخوف الغوث ومنها أنه لا يلحقه بصبره ألم ولا حزن ولا نقص بوجه ما وظهور اثر الاسم فى العالم مشهود بالعيان كظهور اسمه الحليم والفرق بين الصبر والحلم أن الصبر ثمرة الحلم وموجبه فعلى قدر حلم العبد يكون صبره فالحلم فى صفات الرب تعالى أوسع من الصبر ولهذا جاء اسمه الحليم فى القرآن فى غير موضع ولسعته يقرنه سبحانه باسم العليم كقوله وكان الله عليما حليما والله عليم حليم وفى أثر: أن حملة العرش أربعة: إثنان يقولان سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك وإثنان يقولان سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك فإن المخلوق يحلم عن جهل ويعفو عن عجز والرب تعالى يحلم مع كمال علمه ويعفو مع تمام قدرته وما أضيف شئ الى شئ أزين من حلم الى علم ومن عفو الى اقتدار ولهذا كان فى دعاء الكرب وصف سبحانه بالحلم مع العظمة وكونه حليما من لوازم ذاته سبحانه. وأما صبره سبحانه فمتعلق بكفر العباد وشركهم ومسبتهم له سبحانه وأنواع معاصيهم وفجورهم فلا يزعجه ذلك كله الى تعجيل العقوبة بل يصبر على عبده ويمهله ويستصلحه ويرفق به ويحلم عنه حتى اذا لم يبق فيه موضع للصنيعه ولا يصلح على الامهال والرفق والحلم ولا ينيب الى ربه ويدخل عليه لا من باب الاحسان والنعم ولا من باب البلاء والنقم أخذه أخذ عزيز مقتدر بعد غاية الأعذار اليه وبذل النصيحة له ودعائه اليه من كل باب وهذا كله من موجبات صفة حلمه وهى صفة ذاتية له لا تزول.(1\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "291",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12329",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الصبر فإذا زال متعلقه كان كسائر الأفعال التى توجد لوجود الحكمة وتزول بزوالها فتأمله فإنه فرق لطيف ما عثرت الحذاق بعشره وقل من تنبه له ونبه عليه وأشكل على كثير منهم هذا الاسم وقالوا لم يأت فى القرآن فأعرضوا عن الاشتغال به صفحا ثم اشتغلوا بالكلام فى صبر العبد وأقسامه ولو أنهم أعطوا هذا الاسم حقه لعلموا أن الرب تعالى أحق به من جميع الخلق كما هو أحق باسم العليم والرحيم والقدير والسميع والبصير والحى وسائر أسمائه الحسنى من المخلوقين وأن التفاوت الذى بين صبره سبحانه وصبرهم كالتفاوت الذى بين حياته وحياتهم وعلمه وعلمهم وسمعه وأسماعهم وكذا سائر صفاته. ولما علم ذلك أعرف خلقه به قال لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله فعلم أرباب البصائر بصبره سبحانه كعلمهم برحمته وعفوه وستره مع أنه صبر مع كمال علم وقدرة وعظمة وعزة وهو صبر من أعظم مصبور عليه فإن مقابلة أعظم العظماء وملك الملوك وأكرم الأكرمين ومن احسانه فوق كل احسان بغاية القبح وأعظم الفجور وأفحش الفواحش ونسبته الى كل ما لا يليق به والقدح فى كماله وأسمائه وصفاته والإلحاد فى آياته وتكذيب رسله عليهم السلام ومقابلتهم بالسب والشتم والأذى وتحريق أوليائه وقتلهم واهانتهم أمر لا يصبر عليه الا الصبور الذى لا أحد اصبر منه ولا نسبة لصبر جميع الخلق من أولهم الى آخرهم الى صبره سبحانه. واذا اردت معرفة صبر الرب تعالى وحلمه والفرق بينهما فتأمل قوله تعالى ان الله يمسك السموات والارض أن تزولا ولئن زالتا ان أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا وقوله وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ادا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وقوله وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال على قراءة من فتح اللام.(1\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "292",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12330",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأخبر سبحانه أن حلمه ومغفرته يمنعان زوال السموات والارض فالحلم وامساكهما أن تزولا هو الصبر فبحلمه صبر عن معالجة أعدائه. وفى الآية اشعار بأن السموات والارض تهم وتستأذن بالزوال لعظم ما يأتى به العباد فيمسكها بحلمه ومغفرته وذلك حبس عقوبته عنهم وهو حقيقة صبره تعالى فالذى عنه الامساك هو صفة الحلم والامساك هو الصبر وهو حبس العقوبة ففرق بين حبس العقوبة وبين ما صدر عنه حبسها فتأمله وفى مسند الامام أحمد مرفوعا: quot;ما من يوم الا والبحر يستأذن ربه أن يغرق بنى آدمquot; وهذا مقتضى الطبيعة لأن كرة الماء تعلو كرة التراب بالطبع ولكن الله يمسكه بقدرته وحلمه وصبره وكذلك خرور الجبال وتفطير السموات الرب تعالى يحبسها عن ذلك بصبره وحلمه فإن ما يأتى به الكفار والمشركون والفجار فى مقابلة العظمة والجلال والإكرام يقتضى ذلك فجعل سبحانه فى مقابلة هذه الاسباب أسبابا يحبها ويرضاها ويفرح بها أكمل فرح وأتمه تقابل تلك الأسباب التى هي سبب زوال العالم وخرابه فدفعت تلك الأسباب وقاومتها. وكان هذا من آثار مدافعة رحمته لغضبه وغلبتها له وسبقها اياه فغلب اثر الرحمة أثر الغضب كما غلبت الرحمة الغضب ولهذا استعاذ النبى بصفة الرضا من صفة السخط وبفعل المعافاة من فعل العقوبة ثم جمع الامرين فى الذات اذ هما قائمان بها فقال أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منك فإن ما يستعاذ به هو صادر عن مشيئته وخلقه بإذنه وقضائه فهو الذى أذن فى وقوع الاسباب التى يستعاذ منها خلقا وكونا فمنه السبب والمسبب وهو الذى حرك الانفس والابدان وأعطاها قوى التاثير وهو الذى أوجدها وأعدها ومدها وسلطها على ما شاء وهو الذى يمسكها إذا شاء ويحول بينها وبين قواها وتأثيرها.(1\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "293",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12331",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتأمل ما تحت قوله: quot;أعوذ بك منكquot; من محض التوحيد وقطع الالتفات الى غيره وتكميل التوكل عليه تعالى والاستعانة به وحده وافراده بالخوف والرجاء ودفع الضر وجلب الخير وهو الذى يمس بالضر بمشيئته وهو الذى يدفعه بمشيئته وهو المستعاذ بمشيئته من مشيئته وهو المعيذ من فعله بفعله وهو الذى سبحانه خلق ما يصبر عليه وما يرضى به فاذا أغضبه معاصى الخلق وكفرهم وشركهم وظلمهم ارضاه تسبيح ملائكته وعبادة المؤمنين له وحمدهم اياه وطاعتهم له فيعيذ رضاه من غضبه قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: ليس عند ربكم ليل ولا نهار نور السموات والارض من نور وجهه وان مقدار يوم من أيامكم عنده اثنتا عشرة ساعة فتعرض عليه أعمالكم بالامس أول النهار اليوم فينظر فيها ثلاث ساعات فيطلع منها على ما يكره فيغضبه ذلك فأول ما يعلم بغضبه حملة العرش يجدونه يثقل عليهم فتسبحه حملة العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة حتى ينفخ جبريل فى القرن فلا يبقى شئ الا يسمع فيسبحون الرحمن ثلاث ساعات حتى يمتلئ الرحمن رحمة فتلك ست ساعات قال ثم يؤتى بالارحام فينظر فيها ثلاث ساعات فذلك قوله تعالى هو الذى يصوركم فى الارحام كيف يشاء ويهب لمن يشاء اناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا واناثا ويجعل من يشاء عقيما فتلك تسع ساعات ثم يؤتى بالارزاق فينظر فيها ثلاث ساعات فذلك قوله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وقوله كل يوم هو في شأن قال هذا شأنكم وشأن ربكم  رواه أبو القاسم الطبرانى فى السنة  وعثمان بن سعيد الدارمى وشيخ الاسلام الانصارى وابن مندة وابن خزيمة وغيرهم ولما ذكر سبحانه فى سورة الانعام أعداءه وكفرهم وشركهم وتكذيب(1\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "294",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12332",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسله ذكر فى أثر ذلك شأن خليله ابراهيم وما اراه من ملكوت السموات والارض وما حاج به قومه فى اظهار دين الله وتوحيده ثم ذكر الانبياء من ذريته وأنه هداهم وآتاهم الكتاب والحكم والنبوة ثم قال فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين . فأخبر أنه سبحانه كما جعل فى الارض من يكفر به ويجحد توحيده ويكذب رسله كذلك جعل فيها من عباده من يؤمن بما كفر به أولئك ويصدق بما كذبوا به ويحفظ من حرماته ما أضاعوه وبهذا تماسك العالم العلوى والسفلى والا فلو تبع الحق أهواء أعدائه لفسدت السموات والارض ومن فيهن ولخرب العالم ولهذا جعل سبحانه من أسباب خراب العالم رفع الاسباب الممسكه له من الارض وهى كلامه وبيته ودينه والقائمون به فلا يبقى لتلك الاسباب المقتضية لخراب العالم أسباب تقاومها وتمانعها ولما كان اسم الحليم أدخل فى الاوصاف واسم الصبور فى الافعال كان الحلم أصل الصبر فوقع الاستغناء بذكره فى القرآن عن اسم الصبور والله أعلم. فصل: وأما تسميته سبحانه بالشكور فهو فى حديث أبى هريرة وفى القرآن تسميته شاكرا قال الله تعالى وكان الله شاكرا عليما وتسميته أيضا شكور. قال الله تعالى والله شكور حليم وقال تعالى إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا فجمع لهم سبحانه بين الأمرين أن شكر سعيهم وأثابهم عليه والله تعالى يشكر عبده إذا أحسن طاعته ويغفر له اذا تاب اليه فيجمع للعبد بين شكره لإحسانه ومغفرته لاساءته انه غفور شكور وقد تقدم فى الباب العشرين ذكر حقيقة شكر العبد وأسبابه ووجوهه وأما شكر الرب تعالى فله شأن آخر كشأن صبره فهو أولى بصفة الشكر من كل شكور بل هو الشكور على الحقيقة فإنه يعطى(1\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "295",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12333",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العبد ويوفقه لما يشكره عليه ويشكر القليل من العمل والعطاء فلا يستقله أن يشكره ويشكر الحسنة بعشر أمثالها الى أضعاف مضاعفة ويشكر عبده بقوله بأن يثنى عليه بين ملائكته وفى ملئه الأعلى ويلقى له الشكر بين عباده ويشكره بفعله فإذا ترك له شيئا أعطاه أفضل منه وإذا بذل له شيئا رده عليه أضعافا مضاعفة وهو الذى وفقه للترك والبذل وشكره على هذا وذاك. ولما عقر نبيه سليمان الخيل غضبا له اذ شغلته عن ذكره فاراد ألا تشغله مرة أخرى أعاضه عنها متن الريح ولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا منها فى مرضاته أعاضهم عنها أن ملكهم الدنيا وفتحها عليهم. ولما احتمل يوسف الصديق ضيق السجن شكر له ذلك بأن مكن له فى الارض يتبوأ منها حيث يشاء ولما بذل الشهداء أبدانهم له حتى مزقها أعداؤه شكر لهم ذلك بأن أعاضهم منها طيرا خضرا أقر أرواحهم فيها ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها الى يوم البعث فيردها عليهم أكمل ما تكون وأجمله وأبهاه ولما بذل رسله أعراضهم فيه لأعدائهم فنالوا منهم وسبوهم أعاضهم من ذلك بأن صلى عليهم هو وملائكته وجعل لهم أطيب الثناء فى سمواته وبين خلقه فأخلصهم بخالصة ذكرى الدار. ومن شكره سبحانه أنه يجازى عدوه بما يفعله من الخير والمعروف فى الدنيا ويخفف به عنه يوم القيامة فلا يضيع عليه ما يعمله من الاحسان وهو من أبغض خلقه اليه ومن شكره أنه غفر للمرأة البغى بسقيها كلبا كان قد جهده العطش حتى أكل الثرى وغفر لآخر بتنحيته غصن شوك عن طريق المسلمين. فهو سبحانه يشكر العبد على احسانه لنفسه والمخلوق انما يشكر من أحسن اليه وأبلغ من ذلك أنه سبحانه هو الذى أعطى العبد ما يحسن به الى نفسه وشكره على قليله بالاضعاف المضاعفة التى لا نسبة لإحسان(1\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "296",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12334",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العبد اليها فهو المحسن بإعطاء الاحسان وإعطاء الشكر فمن أحق باسم الشكور منه سبحانه!. وتأمل قوله سبحانه ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما كيف تجد فى ضمن هذا الخطاب أن شكره تعالى يأبى تعذيب عباده سدى بغير جرم كما يأبى اضاعة سعيهم باطلا فالشكور لا يضبع أجر محسن ولا يعذب غير مسيء. وفى هذا رد لقول من زعم أنه سبحانه يكلفه مالا يطيقه ثم يعذبه على مالا يدخل تحت قدرته تعالى الله عن هذا الظن الكاذب والحسبان الباطل علوا كبيرا فشكره سبحانه اقتضى أن لا يعذب المؤمن الشكور ولا يضيع عمله وذلك من لوازم هذه الصفة فهو منزه عن خلاف ذلك كما ينزه عن سائر العيوب والنقائص التى تنافى كماله وغناه وحمده ومن شكر سبحانه أنه يخرج العبد من النار بأدنى مثقال ذرة من خير ولا يضيع عليه هذا القدر ومن شكره سبحانه أن العبد من عباده يقوم له مقاما يرضيه بين الناس فيشكره له وينوه بذكره ويخبر به ملائكته وعباده المؤمنين كما شكر لمؤمن آل فرعون ذلك المقام وأثنى به عليه ونوه بذكره بين عباده وكذلك شكره لصاحب يس مقامه ودعوته اليه فلا يهلك عليه بين شكره ومغفرته الا هالك فإنه سبحانه غفور شكور يغفر الكثير من الزلل ويشكر القليل من العمل. ولما كان سبحانه هو الشكور على الحقيقة كان أحب خلقه اليه من اتصف بصفة الشكر كما أن أبغض خلقه اليه من عطلها واتصف بضدها وهذا شأن اسمائه الحسنى أحب خلقه اليه من اتصف بموجبها وأبغضهم اليه من اتصف باضدادها ولهذا يبغض الكفور الظالم والجاهل والقاسي القلب والبخيل والجبان والمهين واللئيم وهو سبحانه جميل يحب الجمال عليم يحب العلماء رحيم يحب الراحمين محسن يحب المحسنين شكور يحب(1\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "297",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12335",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشاكرين صبور يحب الصابرين جواد يحب أهل الجود ستار يحب أهل الستر قادر يلوم على العجز والمؤمن القوى أحب اليه من المؤمن الضعيف عفو يحب العفو وتر يحب الوتر وكل ما يحبه فهو من آثار اسمائه وصفاته وموجبها وكل ما يبغضه فهو مما يضادها وينافيها.(1\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "298",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12336",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خاتمة يا من عزم على السفر إلى الله والدار الآخرة قد رفع لك علم فشمر إليه فقد أمكن التشمير واجعل سيرك بين مطالعة منته ومشاهدة عيب النفس والعمل والتقصير فما ابقى مشهد النعمة والذنب للعارف من حسنة يقول هذه منجيتى من عذاب السعير ما المعول إلا على عفوه ومفغرته فكل أحد إليهما فقير أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبى فاغفر لى أنا المذنب المسكين وأنت الرحيم الغفور ما تساوى أعمالك لو سلمت مما يبطلها أدنى نعمة من نعمه عليك وأنت مرتهن بشكرها من حين أرسل بها إليك فهل رعيتها بالله حق رعايتها وهى فى تصريفك وطوع يديك فتعلق بحبل الرجاء وادخل من باب التوبة والعمل الصالح انه غفور شكور. نهج للعبد طريق النجاة وفتح له أبوابها وعرفه طرق تحصيل السعادة وأعطاه أسبابها وحذره من وبال معصيته وأشهده على نفسه وعلى غيره شؤمها وعقابها وقال إن أطعت فبفضلى وأنا أشكر وإن عصيت فبقضائى وأنا أغفر إن ربنا لغفور شكور. أزاح عن العبد العلل وأمره أن يستعيذ به من العجز والكسل ووعده أن يشكر له القليل من العمل ويغفر له الكثير من الزلل إن ربنا لغفور شكور أعطاه ما يشكر عليه ثم يشكره على إحسانه إلى نفسه لا على إحسانه اليه ووعده على إحسانه لنفسه أن يحسن جزاءه ويقربه لديه وأن يغفر له خطاياه إذا تاب منها ولا يفضحه بين يديه ان ربنا لغفور شكور. وثقت بعفوه هفوات المذنبين فوسعتها وعكفت بكرمه آمال المحسنين فما(1\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "299",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12337",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قطع طمعها وخرقت السبع الطباق دعوات التائبين والسائلين فسمعها ووسع الخلائق عفوه ومغفرته ورزقه فما من دابة فى الارض الا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها ان ربنا لغفور شكور. يجود على عبيده بالنوافل قبل السؤال ويعطى سائله ومؤمله فوق ما تعلقت به منهم الآمال ويغفر لمن تاب اليه ولو بلغت ذنوبه عدد الآمواج والحصى والتراب والرمال ان ربنا لغفور شكور ارحم بعباده من الوالدة بولدها وأفرح بتوبة التائب من الفاقد لراحلته التى عليها طعامه وشرابه فى الأرض المهلكة اذا وجدها وأشكر للقليل من جميع خلقه فمن تقرب اليه بمثقال ذرة من الخير شكرها وحمدها ان ربنا لغفور شكور تعرف الى عباده بأسمائه وأوصافه وتحبب اليهم بحلمه وآلائه ولم تمنعه معاصيهم بأن جاد عليهم بآلائه ووعد من تاب اليه وأحسن طاعته بمغفرة ذنوبه يوم لقائه ان ربنا لغفور شكور. السعادة كلها فى طاعته والأرباح كلها فى معاملته والمحن والبلايا كلها فى معصيته ومخالفته فليس للعبد أنفع من شكره وتوبته ان ربنا لغفور شكور أفاض على خلقه النعمة وكتب على نفسه الرحمة وضمن الكتاب الذى كتبه ان رحمته تغلب غضبه ان ربنا لغفور شكور. يطاع فيشكر وطاعته من توفيقه وفضله ويعصى فيحلم ومعصية العبد من ظلمه وجهله ويتوب اليه فاعل القبيح فيغفر له حتى كأنه لم يكن قط من أهله ان ربنا لغفور شكور. الحسنة عنده بعشر أمثالها أو يضاعفها بلا عدد ولا حسبان والسيئة عنده بواحدة ومصيرها الى العفو والغفران وباب التوبة مفتوح لديه منذ خلق السموات والارض الى آخر الزمان ان ربنا لغفور شكور. بابه الكريم مناخ الآمال ومحط الأوزار وسماء عطاه لا تقلع عن الغيث بل هى مدرار ويمينه ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ان ربنا لغفور شكور. لا يلقى وصاياه الا الصابرون ولا يفوز بعطاياه الا الشاكرون ولا يهلك(1\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "300",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12338",
        "book_id": "qym_3946",
        "book_name": " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه الا الهالكون ولا يشقى بعذابه الا المتمردون ان ربنا لغفور شكور فإياك أيها المتمرد أن ياخذك على غرة فإنه غيور واذا أقمت على معصيته وهو يمدك بنعمته فاحذره فإنه لم يهملك لكنه صبور وبشراك ايها التائب بمغفرته ورحمته أنه غفور شكور. من علم أن الرب شكور تفوع فى معاملته ومن عرف أنه واسع المغفرة تعلق بأذيال مغفرته ومن علم أن رحمته سبقت غضبه لم ييأس من رحمته ان ربنا لغفور شكور. من تعلق بصفة من صفاته أخذته بيده حتى تدخله عليه ومن سار اليه بأسمائه الحسنى وصل اليه ومن أحبه أحب أسمائه وصفاته وكانت آثر شئ لديه حياة القلوب فى معرفته ومحبته وكمال الجوارح فى التقرب إليه بطاعته والقيام بخدمته والألسنة بذكره والثناء عليه بأوصاف مدحته فأهل شكره أهل زيادته وأهل ذكره أهل مجالسته وأهل طاعته أهل كرامته وأهل معصيته لا يقنطهم من رحمته إن تابوا فهو حبيبهم وإن لم يتوبوا فهو طبيبهم يبتليهم بأنواع المصائب ليكفر عنهم الخطايا ويطهرهم من المعائب انه غفور شكور. والحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله حمدا يملا السموات والارض ومابينهما وما شاء ربنا من شيء بعد بمجامع حمده كلها ما علمنا منها وما لم نعلم على نعمه كلها ما علمنا منها وما لم نعلم عدد ما حمد الحامدون وغفل عن ذكره الغافلون وعدد ما جرى به قلمه واحصاه كتابه واحاط به علمه. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد واله وصحبه اجمعين وعلى سائر الانبياء والمرسلين ورضى الله عن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.(1\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "301",
        "book_number": "29",
        "slug": " -qym_3946"
    },
    {
        "id": "12339",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "مقدمة",
        "content": "فائدة جليلة: في قواعد الأسماء الحسنى تأليف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية تحقيق: عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة الحمد لله المحمود على كال حال الموصوف بصفات الجلال والكمال له الأسماء الحسنى وهو الكبير المتعال. أما بعد: فإن من أجل العلوم وأعظمها نفعا وأكثرها فائدة معرفة القواعد والأصول والضوابط الكلية الجامعة ذلك أن الأصول والقواعد للعلوم بمنزلة الأساس للبنيان والأصول للأشجار لا ثبات لها إلا بها والأصول تبنى عليها الفروع والفروع تثبت وتتقوى بالأصول وبالقواعد والأصول يثبت العلم ويقوى وينمى نماء مطردا وبها تعرف مآخذ الأصول وبها يحصل الفرقان بين المسائل التي تشتبه كثيرا كما أنها تجمع النظائر والأشباه التي من جمال العلم جمعهاquot;1 إلى  1 طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول للشيخ عبد الرحمن بن سعدي (ص 4) .(1\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12340",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غير ذلك من الفوائد العظيمة والمنافع الجليلة التي لا تحصى. بل إن quot;من محاسن الشريعة وكمالها وجمالها وجلالها: أن أحكامها الأصولية والفروعية والعبادات والمعاملات وأمورها كلها لها أصول وقواعد تضبط أحكامها وتجمع متفرقها وتنشر فروعها وتردها إلى أصولهاquot;1. والقاعدة: هي أمر كلي ينطبق على جزئيات كثيرة تفهم أحكامها منها2. فإذا ضبطت القاعدة وفهم الأصل أمكن الإلمام بكثير من المسائل التي هي بمثابة الفرع لهذه القاعدة وأمن الخلط بين المسائل التي قد تشتبه وكان فيها تسهيل لفهم العلم وحفظه وضبطه وبها يكون الكلام مبنيا على علم متين وعدل وإنصاف. ولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: quot;لابد أن يكون مع الإنسان أصول كلية ترد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم  1 الرياض الناضرة للشيخ عبد الرحمن بن سعدي (ص 243) . 2 انظر شرح الكوكب المنير للفتوحي (ص 6) .(1\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12341",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعدل ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات وجهل وظلم في الكليات فيتولد فساد عظيم) 1. لأجل هذا عني أهل العلم كثيرا. بوضع القواعد وجمعها في الفنون المختلفة فلا تكاد تجد فنا من الفنون إلا وله قواعد كثيرة وضوابط عديدة تجمع متفرقه وتزيل مشتبهه وتنير معالمه وتيسر فهمه وحفظه وضبطه. وهذا الجزء الذي بين يديك مشتمل على أصول عظيمة وقواعد وضوابط مهمة في فقه أسماء الله الحسنى مستمدة من الشرع معلومة بالاستقراء والتتبع لنصوص الكتاب والسنة تعين مطالعها وقارئها على فهم الأسماء الحسنى فهما صحيحا سليما بعيدا عن شطط أهل الأهواء وانحرافاتهم الكثيرة في قواعدهم التي قعدوها وأصولهم التي أصلوها بعقولهم الفاسدة وأهوائهم المنحرفة فناقضوا بها أصول الشريعة وعارضوا بها النصوص المحكمة وأضلوا بها كثيرا وضلوا عن سواء السبيل  1 الفتاوى (19\/ 203) .(1\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12342",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأصله quot;فائدة جليلةquot;أودعها الإمام المحقق والعلامة المدقق ابن قيم الجوزية كتابه العظيم quot;بدائع الفوائدquot;1 نبه فيها رحمه الله على ضوابط مهمة وقواعد عظيمة وأصول كلية متينة متعلقة بفهم أسماء الله الحسنى وفقهها. قال في تمامها رحمه الله quot;فهذه عشرون فائدة مضافة إلى القاعدة التي بدأنا بها في أقسام ما يوصف به الرب تبارك وتعالى فعليك بمعرفتها ومراعاتها ثم اشرح الأسماء الحسنى إن وجدت قلبا عاقلا ولسانا قائلا ومحلا قابلا وإلا فالسكوت أولى بك فجناب الربوبية أجل وأعز مما يخطر بالبال أو يعبر عنه المقال ... quot;. وقد رأيت أن من المفيد جدا إفراد هذه الفائدة الجليلة بالنشر لتكثر فائدتها ولتكون سهلة التناول قريبة المأخذ وقد تحصل لي بحمد الله ثلاث نسخ خطية لهذا الموضع من بدائع الفوائد: الأولى: من مكتبة المخطوطات بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تحت رقم (2976\/ ف) ورمزت لها بالحرف (خ) .  (1\/159- 170) .(1\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12343",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثانية: أيضا من مكتبة المخطوطات بجامعة الإمام محمد ابن سعود الإسلامية تحت رقم (105\/ ف) ورمزت لها بالحرف (ص) . والثالثة: من مكتبة الأخ الفاضل الشيخ الوليد بن عبد الرحمن الفريان وقد صورها من إحدى المكتبات الخاصة. ورمزت لها بالحرف (ب) . فقابلت بين هذه النسخ الثلاث والنسخة المطبوعة ولوامع الأنوار البهية1 للسفاريني فقد نقل جملة كبيرة من هذه القواعد نصا عن بدائع الفوائد ونظرا لكثرة الأخطاء الواقعة في النسخ الخطية الثلاث وفي النسخة المطبوعة لم اعتمد شيئا منها أصلا أبني عليه وإنما قابلت بين النسخ وأثبت في المتن ما رأيته صحيحا صوابا وللسبب ذاته لم أر أيضا إثقال الهوامش بإثبات جميع الفروقات الواقعة بين النسخ وإنما رأيت الاقتصار على ما في إثباته فائدة ثم إني مع هذا قد عزوت الآيات القرآنية إلى أماكنها وخرجت  (1\/123-128) و (1\/ 132) .(1\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12344",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأحاديث باختصار وعلقت على بعض المواطن اليسيرة فأرجو الله أن يكون هذا العمل متقبلا عنده وسائر أعمالي إنه قريب مجيب. وكتب عبد الزراق بن عبد المحسن البدر في 15\/6\/1415هـ(1\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12345",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "اقسام ما يجري صفة أو خبرا على الرب",
        "content": "اقسام ما يجري صفة أو خبرا على الرب ... النص المحقق بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام العلامة المحقق شمس الدين أبو عبد الله محمد ابن أبي بكر الزرعي الشهير بابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في كتابه القيم quot;بدائع الفوائدquot;ما نصه:(1\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12346",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فائدة جليلة: ما يجري صفة أو خبرا على الرب تبارك وتعالى أقسام: أحدها: ما يرجع إلى نفس الذات كقولك: ذات وموجود وشيء. الثاني: ما يرجع إلى صفات معنوية كالعليم والقدير والسميع. الثالث: ما يرجع إلى أفعاله نحو: الخالق والرزاق. الرابع: ما يرجع إلى التنزيه المحض. ولابد من تضمنه ثبوا إذ لا كمال في العدم المحض كالقدوس السلام. الخامس: ولم يذكره أكثر الناس وهو الاسم الدال على جملة أوصاف عديدة لا تختص بصفة معينة بل هو دال على معان1 لا على معنى مفرد نحو: المجيد العظيم الصمد فإن المجيد من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال ولفظه يدل على هذا فإنه موضوع للسعة والكثرة والزيادة  1 في (المطبوعة) quot;معناهquot;وفي (ص) quot;معانيquot;.(1\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12347",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنه قولهم: quot;في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفارquot;1 وأمجد الناقة علفا ومنه ذو العرش المجيد 2 صفة للعرش لسعته وعظمه وشرفه. وتأمل كيف جاء هذا الاسم مقترنا بطلب الصلاة من الله على رسوله كما علمناه صلى الله عليه وسلم3 لأنه في مقام طلب المزبد  1 في جميع النسخ الخطية والمطبوعة quot;فمنه استمجد المرخ والعفارquot;والمثبت من لوامع الأنوار (1\/ 123) . وقد وقع في المطبوعة quot;الغفارquot;بإعجام العين وفي (ب) quot;العقارquot;وكلاهما خطأ. قال الأزهري في تهذيب اللغة (10\/ 683) : quot;ومن أمثال العرب: في كل الشجر نار واستمجد المرخ والعفار أي: استكثرا من النار فصلحا للاقتداح بهماquot;اهـ. والمرخ: شجر سريع الوري والعفار: شحر يتخذ منه الزناد. 2 سورة البروج الآية: 15. وقد جاء في المطبوعة وجميع النسخ الخطية (رب العرش المجيد) وهو خطأ. 3 يشير رحمه الله إلى ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: quot;لقني كعب بن عجرة فقال: ألا اهدي لك هدية إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج علينا فقلنا يا رسول الله فد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك قال: quot;قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد البخاري (رقم: 57 63) ومسلم: (رقم406) . والحديث مروي عن غبر واحد من الصحابة منهم: عقبة بن عمرو وأبو مسعود الأنصاري وأبو حميد الساعدي وغيرهم رضي الله عنهم. وانظر quot;فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: لإسماعيل بن إسحاق القاضي بتحقيق العلامة الألباني رحمه الله انظر رسالة الوالد الشيخ عبد المحسن العباد quot;الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فضلها وكيفيتهاquot;. وهي مطبوعة متداولة.(1\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12348",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتعرض لسعة العطاء وكثرته ودوامه فأتى في هذا المطلوب باسم يقتضيه1 كما تقول: اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم ولا يحسن إنك أنت السميع البصير فهو راجع إلى المتوسل إليه2 بأسمائه وصفاته وهو من أقرب الوسائل وأحبها إليه. ومنه الحديث الذي في المسند والترمذي: quot;ألظوا بياذا الجلال والإكرام quot; 3 ومنه: quot;اللهم إني أسألك بأن لك الحمد  1 في (المطبوعة) quot;تقتضيهquot;. 2 في (ص) quot;التوسل إليهquot; 3 رواه أحمد (4\/ 177) والحاكم (1\/ 498) وابن منده في التوحيد (2\/ 202) من طريق عبد الله بن المبارك عن يحيى بن حسان عن ربيعة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فذكره. وقال الحاكم quot;صحيح الإسناد ولم يخرجاهquot; ووافقه الذهبي وصححه الألباني. انظر السلسلة الصحيحة (4\/ 49) . ورواه الترمذي (رقم 3524) من حديت أنس بن مالك وقال: quot;حديت غريبquot;.(1\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12349",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام quot; 1. فهذا سؤال له وتسول إليه بحمده2 وأنه الذي لا إله إلا هو المنان فهو توسل إليه بأسمائه وصفاته وما أحق ذلك بالإجابة وأعظمه موقعا عند المسؤول وهذا باب عظيم من أبواب التوحيد أشرنا إليه إشارة وقد فتح لمن بصره الله. ولنرجع إلى المقصود وهو وصفه تعالى بالاسم المتضمن لصفات عديدة فالعظيم من اتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال وكذلك الصمد قال ابن عباس: quot;هو السيد الذي كمل ني سؤددهquot;3. وقال أبو وائل4: quot;هو السيد الذي  1 رواه أحمد (3\/ 120) وأبو داود (رقم: 1495) وابن ماجه (رقم: 3858) والنسائي (3\/52) والحاكم (1\/504) وصحح الألباني إسناده. انظر quot;التوسل أنواعه وأحكامهquot; (ص 30) . 2 في (المطبوعة) و (ب) و (خ) quot;وبحمدهquot; 3 رواه ابر جرير في تفسيره (15\/346) . 4 في (المطبوعة) و (خ) و (ب) quot;ابن وائلquot; وهو خطأ وأبو وائل هو: شقيق بن سلمة الأسدي ثقة مخضرم مات في خلافة عمر بن عبد العزيز وله مائة سنة quot;التقريبquot;.(1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12350",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "انتهى سؤددهquot;1. وقال عكرمة: quot;الذي ليس فوقه أحدquot;2. وكذلك قال الزجاج: quot;الذى ينتهي إليه السؤدد ففد صمد له كل شيءquot;3. وقال ابن الأنبارى: quot;لا خلاف بين أهل اللغة أن الصمد السيد الذي ليس فوقه أحد الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم وأمورهمquot;4 واشتقاقه يدل على هذا فإنه من الجمع والقصد فهو5 الذي اجتمع القصد نحوه واجتمعت فيه صفات السؤدد وهذا أصله في اللغة كما قال6:  1 رواه ابن جرير (15\/ 346) . 2 ذكره ابن تيمية في تفسير سورة الإخلاص. الفتاوى (17\/ 216) . 3 انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج (5\/ 377 378) . 4 نقله ابن تيمية في تفسير سورة الإخلاص. الفتاوى (17\/ 216) . 5 quot;فهوquot;ساقطة من (المطبوعة) و (ب) و (خ) . 6 القائل هو: سبرة بن عمرو الأسدي وقيل هو لهند بنت معبد بن نضلة تبكي عميها اللذين قتلهما النعمان انظر quot;مجاز اللغةquot;لأبي عبيدة (2\/ 316) وهامشه.(1\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12351",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ألا بكر الناعي بخيري بني أسد ... بعمرو بن يربوع1 وبالسيد الصمد والعرب تسمي أشرافها بالصمد لاجتماع قصد القاصدين إليه واجتماع صفات السيادة فيه. السادس: صفة تحصل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بالآخر وذلك قدر زائد على مفرديهما نحو: الغني الحميد العفو القدير الحميد المجيد وهكذا عامة الصفات المقترنة والأسماء المزدوجة في القرآن. فإن الغني صفة كمال والحمد كذلك واجتماع الغني مع الحمد كمال آخر فله ثناء من غناه وثناء من حمده وثناء من اجتماعهما. وكذلك العفو القدير والحميد المجيد2 والعزيز الحكيم فتأمله فإنه من أشرف المعارف. وأما صفات السلب المحض فلا تدخل في أوصافه تعالى إلا  1 ورد البيت في quot;مجار اللغةquot;وquot;تفسير الطبريquot;وغيرهما بلفظ: quot;بعمرو بن مسعودquot;. 2 من قوله: quot;وهكذا عامة ... quot;إلى قوله: quot; ... والحميد المجيد ساقط من (ب)(1\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12352",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن تكون متضمنة لثبوت كالأحد المتضمن لانفراده بالربوبية والإلهية والسلام المتضمن لبراءته من كل نقص يضاد كماله وكذلك الإخبار عنه بالسلوب إنما1 هو لتضمنها ثبوتا كقوله تعالى: لا تأخذه سنة ولا نوم 2 فإنه متضمن لكمال حياته وقيوميته وكذلك قوله تعالى: وما مسنا من لغوب 3 متضمن لكمال قدرته وكذلك قوله: وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة 4 متضمن لكمال علمه وكذلك قوله: لم يلد ولم يولد 5 متضمن لكمال صمديته وغناه وكذلك قوله: ولم يكن له كفوا أحد 6 متضمن لتفرده بكماله وأنه لا نظير له وكذلك قوله تعالى: لا تدركه الأبصار 7 متضمن لعظمته وأنه جل عن أن يدرك بحيث يحاط به وهذا مطرد في كل ما وصف به نفسه من السلوب.  1 quot;إنماquot;زيادة من لوامع الأنوار. 2 سورة البقرة الآية: 255. 3 سورة ق الآية: 38. 4 سورة يونس الآية: 61. وقع في (خ) و (المطبوعة) : quot;لا يعزب quot;. 5 سورة الإخلاص الآية: 3. 6 سورة الإخلاص الآية: 4. 7 سورة الأنعام الآية: 103.(1\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12353",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "باب الإخبار أوسع من باب الأسماء والصفات",
        "content": "باب الإخبار أوسع من باب الأسماء والصفات ... ويجب أن يعلم هنا أمور1: أحدها: أن ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته كالشيء والموجود والقائم بنفسه فإنه2 يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا3.  1 في (ب) : quot;ويجب أن تعلم هنا أموراquot;. 2 في (ص) : quot;فإن هذا ... quot;. 3 انظر درء التعارض لابن تيمية (4\/ 140) .(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12354",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني: أن الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه بل يطلق عليه منها كمالها وهذا كالمريد والفاعل والصانع فإن هذه الألفاظ لا تدخل في أسمائه ولهذا غلط من سماه بالصانع عند الإطلاق بل هو الفعال لما يريد فإن الإرادة والفعل والصنع منقسمة ولهذا إنما أطلق على نفسه من ذلك أكمله فعلا وخبرا.(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12355",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "لا يلزم الإخبار عنه بالفعل مقيدا أن يشتق له من أسم مطلق",
        "content": "لا يلزم الإخبار عنه بالفعل مقيدا أن يشتق له من أسم مطلق ... الثالث: أنه لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدا أن يشتق له منه اسم مطلق كما غلط فيه بعض المتأخرين فجعل من أسمائه الحسنى المضل الفاتن الماكر تعالى الله عن قوله فإن(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12356",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذه الأسماء لم يطلق عليه شحانه منها إلا أفعال مخصوصة معينة فلا يجوز أن يسمى بأسمائها المطلقة والله أعلم.(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12357",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "أسماء الله الحسنى أعلام وأوصاف والوصف لا ينافي العلمية",
        "content": "أسماء الله الحسنى أعلام وأوصاف والوصف لا ينافي العلمية ... الرابع: أن أسماءه الحسنى هي أعلام وأوصاف والوصف بها لا ينافي العلمية بخلاف أوصاف العباد فإنها تنافي علميتهم لأن أوصافهم مشتركة فنافتها العلمية المختصة بخلاف أوصافه تعالى1.  1 انظر بدائع الفوائد (1\/ 24) .(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12358",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "دلالة الأسماء على الذات تكون بالمطابقة والتضمن الإلتزام",
        "content": "دلالة الأسماء على الذات تكون بالمطابقة والتضمن الإلتزام ... الخامس: أن الاسم من أسمائه. له دلالات: - دلالة على الذات والصفة بالمطابقة. - ودلالة على أحدهما بالتضمن. - ودلالة على الصفة الأخرى باللزوم2.  2 كاسم quot;الحي quot;مثلا فإنه دال على الذات وعلى صفة الحياة بالمطابقة. ودال على الذات وحدها وعلى صفة الحياة وحدها بالتضمن ودال على القدرة والسمع والبصر والعلم وغيرها من الصفات باللزوم. ودلالة المطابقة هي دلالة اللفظ على كامل معناه ودلالة التضمن هي دلالة اللفظ على بعض معناه ودلالة اللزوم هي دلالة اللفظ على أمر خارج عن معناه.(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12359",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "الأسماء الحسنى لها إعتبار من حيث الذات وإعتبار من حيث الصفات",
        "content": "الأسماء الحسنى لها إعتبار من حيث الذات وإعتبار من حيث الصفات ... السادس: أن أسماءه الحسنى لها اعتباران:(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12360",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "- اعتبار من حيث الذات. - واعتبار من حيث الصفات. فهي بالاعتبار الأول مترادفة وبالاعتبار الثاني متباينة.(1\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12361",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنه به نحو: الحي بل يطلق عليه الاسم والمصدر1 دون الفعل فلا يقال: حيي2.  1 فيقال: من أسمائه سبحانه quot;الحي quot;ومن صفاته quot;الحياةquot;. 2 انظر كتاب quot;القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنىquot;للشيخ محمد العثيمين رحمه الله القاعدة الثالثة من قواعد الأسماء (ص 10 11) .(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12362",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السابع: أن ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي وما يطلق عليه في باب الإخبار1 لا يجب أن يكون توقيفيا كالقديم والشيء والموجود والقائم بنفسه. فهذا فصل الخطاب في مسألة أسمائه: هل هي توقيفية أو يجوز أن يطلق عليه منها بعض ما لم يرد به السمع.  1 في (المطبوعة) و (خ) و (ب) quot;من الأخبارquot;وفي (ص) quot;في الأخبارquot;والمثبت من لوامع الأنوار.(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12363",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "الإسم إذ اطلق على الله جاز أن يشتق من المصدر والفعل",
        "content": "الإسم إذ اطلق على الله جاز أن يشتق من المصدر والفعل ... الثامن: أن الاسم إذا أطلق عليه جاز أن يشتق منه المصدر والفعل فيخبر به عنه فعلا ومصدرا نحو: السميع البصير القدير يطلق عليه منه السمع والبصر والقدرة ويخبر عنه بالأفعال من ذلك نحو: قد سمع الله 2 فقدرنا فنعم القادرون 3 هذا إن كان الفعل متعديا فإن كان لازمالم يخبر  2 سورة المجادلة الآية:1. 3 سورة المرسلات الآية: 23.(1\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12364",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "أفعال الرب صادرة عن أسمائه وصفاته",
        "content": "أفعال الرب صادرة عن أسمائه وصفاته ... التاسع: أن أفعال الرب تبارك وتعالى صادرة عن أسمائه وصفاته وأسماء المخلوقين صادرة عن أفعالهم فالرب تبارك وتعالى فعاله عن كماله والمخلوق كماله عن فعاله فاشتقت له الأسماء بعد أن كمل بالفعل فالرب لم يزل كاملا فحصلت أفعاله عن كماله لأنه كامل بذاته وصفاته فأفعاله صادرة عن كماله كمل ففعل والمخلوق فعل فكمل الكمال الائق به.(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12365",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العاشر: إحصاء الأسماء الحسنى والعلم بها أصل للعلم بكل معلوم فإن المعلومات سواه إما أن تكون خلقا له تعالى أو أمرا إما علم بما كونه أو علم بما شرعه. ومصدر الخلق والأمر عن أسمائه الحسنى وهما مرتبطان بها ارتباط المقتضى3 بمقتضيه فالأمر كله مصدره عن أسمائه  3 في (ص) quot;ارتباطا للمقتضى quot;(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12366",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحسنى وهذا كله حسن1 لا يخرج عن مصالح العباد والرأفة والرحمة بهم والإحسان إليهم بتكميلهم بما أمرهم به ونهاهم عنه فأمره كله مصلحة وحكمة ورحمة ولطف وإحسان إذ مصدره أسماؤه الحسنى وفعله كله لا يخرج عن العدل والحكمة والمصلحة والرحمة إذ مصدره أسماؤه الحسنى فلا تفاوت في خلقه ولا عبث ولم يخلق خلقه باطلا ولا سدى ولا عبثا وكما أن كل موجود سواه فبإيجاده فوجود من سواه تابع لوجوده تبع المفعول المخلوق لخالقه فكذلك العلم به2 أصل للعلم بكل ما سواه. فالعلم بأسمائه وإحصاؤها أصل لسائر العلوم فمن أحصى أسماءه كما ينبغي للمخلوق أحصى جميع العلوم إذ إحصاء أسمائه أصل لإحصاء كل معلوم لأن المعلومات هي من مقتضاها3 ومرتبطة بها. وتأمل صدور الخلق والأمر عن علمه وحكمته تعالى ولهذا لا تجد فيها خللا ولا تفاوتا  1 في (ب) quot;مصدر حسنquot;. 2 في (ص) quot;بهاquot;. 3 في (ص) quot;مقتضياتهاquot;.(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12367",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأن الخلل الواقع فيما يأمر في العبد أو يفعله إما أن يكون لجهله به أو لعدم حكمته. وأما الرب تعالى فهو العليم الحكيم فلا يلحق فعله ولا أمره خلل ولا تفاوت ولا تناقض.(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12368",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "أسماء الله كلها حسنى وليس فيها اسم غير ذلك",
        "content": "أسماء الله كلها حسنى وليس فيها اسم غير ذلك ... الحادي عشر: أن أسماءه كلها حسنى ليس فيها اسم غير ذلك أصلا وقد تقدم أن من أسمائه ما يطلق عليه باعتبار الفعل نحو الخالق والرازق والمحيي والمميت وهذا يدل على أن أفعاله كلها خيرات محضة1 لا شر فيها لأنه لو فعل الشر لاشتق له منه اسم ولم تكن أسماؤه كلها حسنى وهذا باطل فالشر ليس إليه فكما لا يدخل في صفاته ولا يلحق ذاته فلا يدخل في أفعاله فالشر ليس إليه لا يضاف إليه فعلا ولا وصفا وإنما يدخل في مفعولاته. وفرق بين الفعل والمفعول فالشر قائم بمفعوله المباين له لا بفعله الذي هو فعله فتأمل هذا فإنه خفي على كثير من المتكلمين وزلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام وهدى الله أهل.  1 في (المطبوعة) quot;محضquot;.(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12369",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحق لما اختلفوا فيه بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم1.  1 ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الشر لم يضف إلى الله في الكتاب والسنة إلا على أحد وجوه ثلاثة: 1- إما بطريق العموم كقوله: الله خالق كل شيء . 2- وإما بطريقة إضافته إلى السبب كقوله: من شر ما خلق . 3- وإما بحذف فاعله كقوله عن الجن: وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ثم قال: quot;ولهذا ليس من أسماء الله الحسنى اسم يتضمن الشر وإنما يذكر الشر في مفعولاته كقوله: نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم وقوله: إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم  انظر الفتاوى (8\/ 94- 96) .(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12370",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بيان مراتب إحصاء أسماء الله الحسنى",
        "content": "بيان مراتب إحصاء أسماء الله الحسنى ... الثاني عشر: في بيان مراتب إحصاء أسمائه التي من أحصاها دخل الجنة وهذا هو قطب السعادة ومدار النجاة والفلاح. المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها. المرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولها. المرتبة الثالثة: دعاؤه بها كما قال الله تعالى: ولله(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12371",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأسمآء الحسنى فادعوه بها 1. وهو مرتبتان: إحداهما: دعاء ثناء وعبادة. والثاني: دعاء طلب ومسألة. 2 فلا يثنى عليه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وكذلك لا يسأل إلا بها فلا يقال: يا موجود أو يا شيء أو يا ذات اغفر لي وارحمني بل يسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضيا لذلك المطلوب فيكون السائل متوسلا إليه بذلك الاسم. ومن تأمل أدعية الرسل ولاسيما خاتمهم وإمامهم quot;- صلوات الله وسلامه عليهم- وجدها مطابقة لهذا. وهذه العبارة أولى من عبارة من قال: يتخلق بأسماء الله فإنها ليست بعبارة سديدة3 وهي منتزعة من قول الفلاسفة:  1 سورة الأعراف الآية: 180. 2 انظر بدائع الفوائد لابن القيم (3\/ 2-12) . 3 وأما حديث quot;تخلقوا بأخلاق اللهquot;فلا يعرف له أصل في شيء من كتب السنة انظر تخريج العقيدة الطحاوية للألباني (ص 63) .(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12372",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفلسفة التشبه بالإله على قدر الطاقة1 وأحسن منها عبارة أبي الحكم بن برجان2 وهي التعبد وأحسن منها العبارة المطابقة للقرآن وهي الدعاء المتضمن للتعبد والسؤال. فمراتبها أربعة: أشدها إنكارا عبارة الفلاسفة وهي التشبه وأحسن منها عبارة من قال: التخلق وأحسن منها عبارة من قال التعبد وأحسن من الجميع الدعاء وهي لفظ القرآن3.  1 في (المطبوعة) quot;من قول الفلاسفة بالتشبه بالإله على قدر الطاقةquot;وفي (ب) و (خ) quot;من قول الفلاسفة بالإله على قدر الطاقةquot;وانظر التعريفات للجرجاني (ص 169) . 2 في (المطبوعة) و (ب) و (خ) quot;بن برهانquot;وفي (ص) quot;لأن الحكم برزخانquot;وكلاهما خطأ. والصواب المثبت كما في لوامع الأنوار. وهو أبو الحكم عبد السلام بن عبد الرحمن اللخمي الإشبيلي يقال له: ابن برجان توفي سنة 536هـ. سير أعلام النبلاء (20\/72) . 3 في لوامع الأنوار quot;وهي المطابقة للأمر القرآنيquot;.(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12373",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "اختلاف النظار في الأسماء التي تطلق على الله وعلى العبد",
        "content": "اختلاف النظار في الأسماء التي تطلق على الله وعلى العبد ... الثالث عشر: اختلف النظار في الأسماء التي تطلق على الله وعلى العباد كالحي والسميع والبصير والعليم والقدير والملك ونحوها فقالت طائفة من المتكلمين: هي حقيقة في العبد مجاز في الرب وهذا قول غلاة الجهمية وهو أخبث(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12374",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأقوال وأشدها فسادا. الثاني: مقابله وهو أنها حقيقة في الرب مجاز في العبد وهذا قول أبي العباس الناشي1. الثالث: أنها حقيقة فيهما وهذا قول أهل السنة وهو الصواب2. واختلاف الحقيقتين فيهما لا يخرجها عن كونها3 حقيقة فيهما وللرب تعالى منها ما يليق بجلاله وللعبد منها ما يليق به4.  1 في (ص) quot;ابن عباسquot;وهو خطأ. وهو عبد الله بن محمد الأنباري الملقب بالناشي المتكلم الشاعر توفي سنة 263هـ. قال الذهبي quot;وكان من كبار المعتزلة الأرعواءquot;تاريخ الإسلام (حوادث ووفيات 291-300 صلى الله عليه وسلم 181) . 2 في (ص) quot;وهذا قول الأكثرين وهو الصوابquot;وفي (ب) و (خ) quot;وهذا قول وهو الصوابquot;. 3 في (ب) quot;لا يخرجهما عن كونهماquot;. 4 قال شيخ الإسلام بعد أن عرض هذه الأقوال: quot;ولو كانت أسماء الله وصفاته مجازا يصح نفيها عند الإطلاق لكان يجوز أن الله ليس بحي ولا عليم ولا قدير ولا سميع ولا بصير ولا يحبهم ولا يحبونه ولا استوى على العرض ونحو ذلك ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز إطلاق النفي على ما أثبته الله تعالى من الأسماء الحسنى والصفات بل هذا جحد للخالق وتمثيل له بالمعدومات quot;ثم نقل حكاية ابن عبد البر إجماع أهل السنة والجماعة على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة وحملها على الحقيقة لا على المجاز خلافا لأهل البدع كالجهمية وغيرهم. انظر الفتاوى (5\/ 197) .(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12375",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وليس هذا موضع التعرض لمأخذ هذه الأقوال وإبطال باطلها وتصحيح صحيحها فإن الغرض الإشارة إلى أمور ينبغي معرفتها في هذا الباب ولو كان المقصود بسطها لاستدعت سفرين أو أكثر.(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12376",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "الأسم والصفة لها ثلاث إعتبارات",
        "content": "الأسم والصفة لها ثلاث إعتبارات ... الرابع عشر: أن الاسم والصفة من هذا النوع له ثلاث اعتبارات: - اعتبار من حيث هو مع قطع النظر عن تقييده بالرب تبارك وتعالى أو العبد. - الاعتبار الثاني: اعتباره مضافا إلى الرب مختصا به. - الثالث: اعتباره مضافا إلى العبد مقيدا به. 1- فما لزم الاسم لذاته وحقيقته1 كان ثابتا للرب والعبد  1 في (ب) و (خ) quot;لذاته حقيقةquot;.(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12377",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وللرب منه ما يليق بكماله وللعبد منه ما يليق به. وهذا كاسم السميع الذي يلزمه إدراك المسموعات والبصير الذي يلزمه رؤية المبصرات والعليم والقدير وسائر الأسماء فإن شرط صحة إطلاقها حصول معانيها وحقائقها للموصوف بها. فما لزم هذه الأسماء لذاتها فإثباته للرب تعالى لا محذور فيه بوجه بل يثبت له1 على وجه لا يماثل2 فيه خلقه ولا يشابههم فمن نفاه عنه لإطلاقه على المخلوق ألحد في أسمائه وجحد صفات كماله ومن أثبته له على وجه يماثل فيه خلقه فقد شبهه بخلقه ومن شبه الله بخلقه فقد كفر ومن أثبته له على وجه لا يماثل فيه خلقه بل كما يليق بجلاله وعظمته فقد برئ من فرث التشبيه ودم التعطيل وهذا طريق أهل السنة. 2- وما لزم الصفة لإضافتها إلى العبد وجب نفيه عن الله كما يلزم حياة العبد من النوم والسنة والحاجة إلى الغذاء ونحو ذلك وكذلك ما يلزم إرادته من حركة نفسه في جلب ما  1 في المطبوعة quot;بل ثبتت له quot;وفي (ب) quot;بل ثبت له quot;. 2 في (المطبوعة) و (ب) و (خ) quot;لا يماثلهquot;والمثبت من (ص) .(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12378",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ينتفع به ودفع ما يتضرر به وكذلك ما يلزم علوه من احتياجه إلى ما هو عال عليه وكونه محمولا به مفتقرا إليه محاطا به. كل هذا يجب نفيه عن القدوس السلام تبارك وتعالى. 3- وما لزم صفة من جهة اختصاصه تعالى بها فإنه لا يثبت للمخلوق بوجه كعلمه الذي يلزمه القدم والوجوب والإحاطة بكل معلوم وقدرته وإرادته وسائر صفاته. فإن ما يختص به منها لا يمكن إثباته للمخلوق. فإذا أحطت بهذه القاعدة خبرا وعقلتها كما ينبغي خلصت من الآفتين اللتين هما أصل بلاء المتكلمين: آفة التعطيل وآفة التشبيه فإنك إذا وفيت هذا المقام حقه من التصور أثبت لله الأسماء الحسنى والصفات العلى حقيقة فخصلت من التعطيل ونفيت عنها خصائص المخلوقين ومشابهتهم فخلصت من التشبيه فتدبر هذا الموضع واجعله آخيتك1 التي ترجع إليها في هذا الباب والله الموفق للصواب.  1 في (المطبوعة) quot;جنتكquot;والآخية: بالمد والتشديد واحدة الأواخي وهي أن يدفن طرفا قطعة من الحبل في الأرض وفيه عصية أو حجير فيظهر منه مثل عروة تشد إليه الدابة. الصحاح للجوهري (6\/ 2265) .(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12379",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "الصفة إذا قامت بموصوف لزمها أمور أربعة",
        "content": "الصفة إذا قامت بموصوف لزمها أمور أربعة ... الخامس عشر: أن الصفة متى قامت بموصوف لزمها أمور أربعة: أمران لفظيان وأمران معنويان. فاللفظيان: ثبوتي وسلبي فالثبوتي: أن يشتق للموصوف منها اسم. والسلبي: أن يمتنع الاشتقاق لغيره. والمعنويان: ثبوتي وسلبي فالثبوتي: أن يعود حكمها إلى الموصوف ويخبر بها عنه. والسلبي أن لا يعود حكمها إلى غيره ولا يكون خبرا عنه. وهي1 قاعدة عظيمة في معرفة الأسماء والصفات فلنذكر من ذلك مثالا واحدا وهو2 صفة الكلام. فإنها إذا قامت بمحل كان هو المتكلم3 دون من لم تقم به4 وأخبر عنه بها وعاد حكمها إليه دون غيره فيقال: قال وأمر ونهى ونادى وناجى وأخبر وخاطب وتكلم وكلم ونحو  1 في (ص) quot;وهذهquot;. 2 في (ص) quot;وهي quot;. 3 في (المطبوعة) quot;فإنه إذا قامت بمحل كانت هو التكلمquot;وفي (ب) و (خ) quot;فإنه إذا قامت بمحل كانت هو المتكلم والمثبت من (ص) . 4 في (ب) quot;دون من لم يقم بهquot;.(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12380",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك وامتنعت هذه الأحكام لغيره فيستدل بهذه الأحكام والأسماء على قيام الصفة به وسلبها عن غيره على عدم قيامها به وهذا هو أصل السنة الذي ردوا به على المعتزلة والجهمية وهو من أصح الأصول طردا وعكسا1.  1 راجع في هذه القاعدة شرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية (ص 62) . والطرد: هو التلازم في الثبوت والعكس: هو التلازم في الانتفاء الذي هو السلب.(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12381",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السادس عشر: أن الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر ولا تحد بعدد2 فإن لله تعالى أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل كما في الحديث الصحيح: quot;أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته ني كتابك أو استأثرت به في علم الغيب عندكquot; 3.  2 في (ص) quot;ولا تحد ولا تعددquot;. 3 جزء من حديث أخرجه أحمد (1\/ 391) والحاكم (1\/ 509) وصححه والطبراني في quot;الكبيرquot; (10\/ 309) وغيرهم وصححه ابن القيم في شفاء العليل (ص 274) والألباني في السلسلة الصحيحة (1\/336) .(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12382",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فجعل أسماءه ثلاثة أقسام: - قسم سمى به نفسه فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم ولم بنزل به كتابه. - وقسم أنزل به كتابه فتعرف به إلى عباده. - وقسم استأثر به في علم غيبه فلم يطلع عليه أخدا1 من خلقه ولهذا قال: quot;استأثرت بهquot; أي: انفردت بعلمه وليس المراد إنفراده بالتسمي به2 لأن هذا الانفراد ثابت في الأسماء التي أنزل بها كتابه. ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة: quot;فيفتح علي من محامده بما لا أحسنه الآنquot; 3 وتلك المحامد هي بأسمائه4 وصفاته. ومنه. قوله صلى الله عليه وسلم quot;لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على  1 في (المطبوعة) و (خ) quot;أحدquot;. 2 في (ب) quot;بالسمى به quot;. 3 رواه البخاري (8\/ 395 الفتح) ومسلم (1\/184) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. 4 في (المطبوعة) quot;وتلك المحامد هي تفي بأسمائه ... quot;.(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12383",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفسكquot; 1. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: quot;إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنةquot; 2 فالكلام جملة واحدة وقوله: quot;من أحصاها دخل الجنةquot; صفة لا خبر مستقل3. والمعنى له أسماء متعددة4 من شأنها أن من أحصاها دخل الجنة وهذا لا ينفي أن يكون له أسماء غيرها وهذا كما تقول: لفلان مائة مملوك قد أعدهم للجهاد فلا ينفي هذا أن يكون له مماليك سواهم معدين5 لغير الجهاد وهذا لا خلاف بين العلماء فيه6.  1 رواه مسلم (1\/ 352) عن عائشة رضي الله عنها. 2 رواه البخاري (13\/ 377 الفتح) ومسلم (2\/2062) عن أبي هريرة رضي الله عنه. 3 في (المطبوعة) و (ب) و (خ) quot;مستقبلquot;. 4 في (ص) quot;معدودةquot;. 5 في (المطبوعة) quot;معدونquot;. 6 وراجع درء التعارض لابن تيمية (3\/332) والفتاوى له (22\/ 486) وشفاء العليل لابن القيم (ص 277) .(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12384",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "الأسماء الأحسنى منها مايطلق عليه مفردا ومقترنا بغيره",
        "content": "الأسماء الأحسنى منها مايطلق عليه مفردا ومقترنا بغيره ... السابع عشر: إن أسماءه تعالى منها ما يطلق عليه مفردا(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12385",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومقترنا بغيره وهو غالب الأسماء كالقدير والسميع والبصير والعزيز والحكيم وهذا يسوغ أن يدعا به مفردا ومقترنا بغيره فتقول: يا عزيز يا حليم يا غفور يا رحيم وأن يفرد كل اسم. وكذلك في الثناء عليه والخبر عنه به يسوغ لك1 الإفراد والجمع ومنها مالا يطلق عليه بمفرده بل مقرونا بمقابله كالمانع والضار والمنتقم فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله فإنه مقرون بالمعطي والنافع والعفو. فهو المعطي المانع الضار النافع المنتقم العفو المعز المذل لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله لأنه يراد به أنه المنفرد بالربوبية وتدبير الخلق والتصرف فيهم عطاء ومنعا ونفعا وضرا وعفوا وانتقاما. وأما أن يثنى عليه بمجرد المنع والانتقام والإضرار فلا يسوغ. فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض فهي وإن تعددت جارية مجرى الاسم الواحد ولذلك لم تجئ مفردة ولم تطلق عليه إلا مقترنة فاعمله. فلو قلت: يا مذل يا ضار  1 في (المطبوعة) quot;بما يسوغ لكquot;.(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12386",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يا مانع وأخبرت1 بذلك لم تكن مثنيا عليه ولا حامدا له حتى تذكر مقابلها2.(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12387",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "الرب تعالى متصف بصفات الكمال المحض وله من الكمال أكمله",
        "content": "الرب تعالى متصف بصفات الكمال المحض وله من الكمال أكمله ... الثامن عشر: أن الصفات ثلاثة أنواع: صفات كمال وصفات نقص وصفات لا تقتضي كمالا ولا نقصا وإن كانت القسمة التقديرية تقتضي قسما رابعا وهو ما يكون كمالا ونقصا باعتبارين. والرب تعالى منزه عن الأقسام الثلاثة وموصوف بالقسم الأول وصفاته كلها صفات كمال محض فهو موصوف من الصفات بأكملها وله من الكمال أكمله. وهكذا أسماؤه الدالة على صفاته هي أحسن الأسماء وأكملها فليس في الأسماء أحسن منها ولا يقوم غيرها مقامها ولا يؤدي معناها وتفسير الاسم منها بغيره ليس تفسيرا بمرادف محض بل هو على سبيل التقريب والتفهيم. وإذا عرفت هذا فله سبحانه من كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمه معنى وأبعده وأنزهه عن شائبة عيب أو نقص  1 في (ص) quot;أو أخبرتquot;وفي (ب) quot;فأخبرتquot;. 2 في (ص) quot;مقابلهquot;.(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12388",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فله من صفة الإدراكات: العليم الخبير دون العاقل الفقيه والسميع البصير دون السامع والباصر والناظر ومن صفات الإحسان: البر الرحيم الودود دون الرفيق1 والشفوق2 ونحوهما وكذلك العلي العظيم دون الرفيع3 الشريف وكذلك الكريم دون السخي والخالق الباريء المصور دون الفاعل الصانع المشكل والغفور العفو دون الصفوح الساتر. وكذلك سائر أسمائه تعالى يجري على نفسه منها أكملها وأحسنها وما لا يقوم غيره مقامه. فتأمل ذلك فأسماؤه أحسن الأسماء كما أن صفاته أكمل  1 كذا في جميع النسخ الخطية التي بين يدي والصواب quot;الرقيقquot;- بالقاف- فإن اسم quot;الرفيقquot;- بالفاء- نابت في قوله صلى الله عليه وسلم: quot;إن الله رفيق يحب الرفقquot;. وقد عده ابن القيم في كتاب مدارج السالكين (2\/294) من أسماء الله عز وجل ثم تبين لي بعد ذلك وجوده في بعض النسخ الخطية الأخرى بلفظ quot;الرقيقquot;. 2 في (ب) و (خ) quot;والمشوقquot;وفي (ص) quot;والمعشوقquot;. 3 ورد هذا الاسم مضافا كما في قوله تعالى: رفيع الدرجات ذو العرش [غافر: 15]  قال ابن سعدي في تفسيره (6\/ 515) : (أي: العلي الأعلى الذي استوى على العرش واختص به وارتفعت درجاته ارتفاعا باين به مخلوقاته وارتفع به قدره وجلت أوصافه ... quot;.(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12389",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصفات فلا تعدل عما سمى به نفسه إلى غيره كما لا تتجاوز ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله إلى ما وصفه به المبطلون والمعطلون1.  1 كما قال تعالى: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين قال شيخ الإسلام ابن تيمية في أول quot;العقيدة الواسطيةquot;في معنى الآية: quot;فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيبquot;.(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12390",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "من الأسماء الحسنى ما يكون دالا على عدة صفات",
        "content": "من الأسماء الحسنى ما يكون دالا على عدة صفات ... التاسع عشر: إن من أسمائه الحسنى ما يكون دالا على عدة صفات ويكون ذلك الاسم متناولا لجميعها تناول الاسم الدال على الصفة الواحدة لها كما تقدم بيانه كاسمه العظيم والمجيد والصمد كما قال ابن عباس رضي الله عنه فيما رواه عنه ابن أبي حاتم في تفسيره: (الصمد: السيد الذي قد كمل ني سؤدده والشريف الذي قد كمل في شرفه والعظيم الذي قد كمل في عظمته والحليم الذي قد كمل في حلمه والعليم الذي قد كمل في علمه والحكيم الذي قد كمل في حكمته وهو الذي قد كمل في أنواع شرفه وسؤدده وهو الله سبحانه. هذه صفته لا تنبغي إلا له ليس له كفوا أحد(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12391",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وليس كمثله شيء سبحان الله الواحد القهارquot;1 هذا لفظه. وهذا مما خفي على كثير ممن تعاطى الكلام في تفسير الأسماء الحسنى ففسر الاسم بدون معناه ونقصه من حيث لا يعلم فمن لم يحط بهذا علما بخس الاسم الأعظم حقه وهضمه معناه فتدبره.  1 رواه ابن جرير في تفسيره (15\/ 346) .(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12392",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بيان أنواع الإلحاد في أسمائه وصفاته",
        "content": "بيان أنواع الإلحاد في أسمائه وصفاته ... العشرون: وهي الجامعة لما تقدم من الوجوه وهو معرفة الإلحاد في أسمائه حتى لا يقع فيه قال تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون 2. والإلحاد في أسمائه هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها. وهو مأخوذ من الميل كما يدل عليه مادته3 quot;ل ح دquot;فمنه: اللحد وهو الشق في جانب القبر الذي قد مال عن الوسط ومنه: الملحد في الدين المائل عن الحق إلى الباطل. قال ابن السكيت: quot;الملحد المائل عن الحق  2 سورة الأعراف الآية: 180. 3 في (ص) quot;مادةquot;.(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12393",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المدخل فيه ما ليس منهquot;1 ومنه: الملتحد وهو مفتعل من ذلك. وقوله تعالى: ولن تجد من دونه ملتحدا 2 أي: من تعدل إليه وتهرب إليه وتلتجئ إليه وتبتهل إليه فتميل إليه عن غيره. تقول العرب التحد فلان إلى فلان إذا عدل إليه. إذا عرفت هذا فالإلحاد في أسمائه أنواع: أحدها: أن يسمى الأصنام بها كتسميتهم اللات من الإلهية والعزى من العزيز وتسميتهم الصنم إلها. وهذا إلحاد حقيقة فإنهم عدلوا بأسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة3. الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله كتسمية النصارى له أبا  1 انظر تهذيب اللغة للأزهري (4\/421) . 2 سورة الكهف الآية: 27. 3 قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: وذروا الذين يلحدون في أسمائه quot;يعني به المشركين وكان إلحادهم في أسماء الله أنهم عدلوا بها عما هي عليه فسموا بها آلهتهم وأوثانهم وزادوا فيها ونقصوا منها فسموا بعضها اللات اشتقاقا منهم لها من اسم الله الذي هو الله وسموا بعضها العزى اشتقاقا لها من اسم الله الذي هو العزيزquot;ثم روى عن مجاهد في معنى الآية: أنه قال: quot;اشتقوا العزى من العزيز واشتقوا اللات من اللهquot;تفسير ابن جرير الطبري (9\/ 133) .(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12394",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتسمية الفلاسفة له موجبا بذاته1 أو علة فاعلة بالطبع2 ونحو ذلك. وثالثها: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص كقول أخبث اليهود: إنه فقير وقولهم: إنه استراح بعد أن خلق خلقه وقولهم: يد الله مغلولة وأمثال ذلك مما هو إلحاد في أسمائه وصفاته. ورابعها: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها كقول من يقول من الجهمية وأتباعهم: إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني فيطلقون عليه اسم السميع والبصير والحي والرحيم والمتكلم والمريد ويقولون: لا حياة له ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا إرادة تقوم به وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلا وشرعا ولغة وفطرة وهو يقابل إلحاد المشركين فإن أولئك أعطوا أسمائه وصفاته لآلتهم  1 الموجب بالذات هو الذي يجب أن يصدر عنه الفعل إن كان علة تامة له من غير قصد وإرادة كوجوب صدور الإشراق من الشمس والإحراق عن النار. التعريفات للجرجاني (ص 237) . 2 العلة الفاعلة بالطبع: هو ما يوجد الشيء بسببه بلا إرادة. التعريفات للجرجاني (ص 140 و155) .(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12395",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهؤلاء سلبوه صفات كماله وجحدوها وعطلوها فكلاهما ملحد في أسمائه. ثم الجهمية وفروخهم متفاوتون في هذا الإلحاد فمنهم الغالي والمتوسط والمنكوب1. وكل من جحد شيئا2 مما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله فقد ألحد في ذلك فليستقل أو ليستكثر. وخامسها: تشبيه صفاته بصفات خلقه تعالى الله عما يقول المشبهون علوا كبيرا فهذا الإلحاد في مقابله إلحاد المعطلة فإن أولئك نفوا صفة كماله وجحدوها وهؤلاء شبهوها بصفات خلقه فجمعهم الإلحاد وتفرقت بهم طرقه. وبرأ الله أتباع رسوله وورثته القائمين3 بسنته عن ذلك كله فلم يصفوه إلا بما وصف به نفسه [ووصفه به نبيه صلى الله عليه وسلم] 4 ولم يجحدوا صفاته ولم يشبهوها بصفات خلقه ولم يعدلوا بها عما  1 كذا في (المطبوعة) و (ص) . وأما في نسخة (ب) و (خ) quot;والمثلوثquot;. وفي توضيح المقاصد لابن عيسى (2\/ 225) نقله بلفظ quot;والمتلونquot;. 2 في (المطبوعة) quot;عماquot;. 3 في (ص) quot;والقائمينquot;. 4 ما يين المعكوفتين زيادة من لوامع الأنوار.(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12396",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنزلت عليه لفظا ولا معنى بل أثبتوا له الأسماء والصفات ونفوا عنه مشابهة المخلوقات فكان إثباتهم بريا من التشبيه وتنزيهم خليا من التعطيل لا كمن شبه حتى كأنه يعبد صنما أو عطل حتى كأنه لا يعبد إلا عدما1. وأهل السنة وسط في النحل كما أن أهل الإسلام وسط في الملل توقد مصابيح معارفهم من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء 2 3. فنسأل الله تعالى أن يهدينا لنوره ويسهل لنا السبيل إلى الوصول إلى مرضاته ومتابعة رسوله إنه قريب مجيب.  1 روى اللالكائي في شرح الاعتقاد (3\/532) عن نعيم بن حماد أنه قال: quot;من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهquot;. وقال ابن القيم رحمه الله في نونيته: من شبه الله العظيم بخلقه ... فهو النسيب لمشرك نصراني أو عطل الرحمن من أوصافه ... فهو الكفور وليس ذا إيمان وانظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (5\/ 169) . 2 سورة النور الآية: 35. 3 من قوله كاد زيتها يضيء ...  إلى تمام الآية ساقط من (ص) .(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12397",
        "book_id": "qym_3952",
        "book_name": " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى",
        "title": "خاتمة مشتملة على التنبيه على أهمية هذه القاعدة",
        "content": "خاتمة مشتملة على التنبيه على أهمية هذه القاعدة ... فهده عشرون فائدة مضافة إلى القاعدة التي بدأنا بها في أقسام ما يوصف به الرب تبارك وتعالى فعليك بمعرفتها ومراعاتها ثم اشرح الأسماء الحسنى إن وجدت قلبا عاقلا ولسانا قائلا ومحلا قابلا وإلا فالسكوت أولى بك فجناب الربوبية أجل وأعز مما يخطر بالبال أو بعبر عنه المقال: وفوق كل ذي علم عليم 1 حتى ينتهي العلم إلى من أحاط بكل شيء علما. وعسى الله أن يعين بفضله على تعليق شرح الأسماء الحسنى2 مراعيا فيه أحكام هذه القواعد بريئا من الإلحاد في أسمائه وتعطيل صفاته فهو المان بفضله والله ذو الفضل العظيم3. تم والحمد لله أولا وأخرا  1 سورة يوسف الآية: 76. 2 وقد تحقق هذا لابن القيم رحمه الله فقد ذكر ابن رجب وغيره ضمن مؤلفات ابن القيم كتاب quot;شرح الأسماء الحسنىquot;وكان مع هذا له عناية فائقة في كثير من مصنفاته شرح أسماء الله الحسنى وبيان معانيها ومدلولاتها وقد جمع الشيخ الفاضل بكر أبو زيد حفظه الله أبحاث ابن القيم في الأسماء الحسنى من كتبه المطبوعة ورتبها مع ذكر مصادرها في كتابه quot;التقريب لعلوم ابن القيمquot;. 3 من قوله quot;فهذه عشرون فائدة ... quot;إلى قوله: quot; ... والله ذو الفضل العظيمquot;ساقط من (ص) .(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "30",
        "slug": " -qym_3952"
    },
    {
        "id": "12398",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "مقدمة المؤلف",
        "content": "[مقدمة المؤلف] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وبه نستعين ولا حول ولا قوة إلا بالله الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله بعثه الله تعالى بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا فتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا وأقام به الملة العوجاء بأن قالوا: لا إله إلا الله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد فهذا استعجال الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة انتخبته من كلام شيخ الإسلام وقدوة الأنام ناصر السنة (شمس الدين أبي عبد الله محمد بن قيم الجوزية) رحمه الله تعالى. اعلم أن الله بعث رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وأهل الأرض أحوج إلى رسالته من غيث السماء ومن نور الشمس الذي يذهب عنهم حنادس الظلماء فضرورتهم إليها أعظم الضرورات وحاجتهم إليها مقدمة على جميع الحاجات فإنه لا حياة للقلوب ولا سرور ولا لذة ولا نعيم ولا أمان إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأفعاله ويكون ذلك أحب إليها مما سواه ويكون سعيها فيما يقربها إليه ومن المحال أن تستقل العقول البشرية بإدراك ذلك على التفصيل فاقتضت حكمة العزيز العليم بأن بعث الرسل به معرفين وإليه داعين ولمن أجابهم مبشرين ولمن خالفهم منذرين وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله وعلى هذه المعرفة تنبني مطال الرسالة جميعها فإن الخوف والرجاء والمحبة والطاعة والعبودية تابعة لمعرفة المرجو المخوف المحبوب المطاع المعبود. ولما كان مفتاح الدعوة الإلهية معرفة الرب تعالى قال أفضل الداعين إليه لمعاذ بن جبل وقد أرسله إلى اليمن: quot; إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في(1\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12399",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اليوم والليلة. . . quot; الحديث وهو في الصحيحين واللفظ لمسلم وقد نزه سبحانه نفسه عن غير ما يصفه به المرسلون فقال: سبحان ربك رب العزة عما يصفون - وسلام على المرسلين - والحمد لله رب العالمين [الصافات: 180 - 182] فنزه نفسه عما يصفه به الخلق ثم سلم على المرسلين لسلامة ما وصفوه به من النقائص والعيوب ثم حمد نفسه على تفرده بالأوصاف التي يستحق عليها كمال الحمد. ومن هنا أخذ إمام السنة محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله خطبة كتابه حيث قال: quot; الحمد لله الذي هو كما وصف نفسه وفوق ما يصفه خلقه quot; فأثبت بهذه الكلمة أن صفاته إنما تتلقى بالسمع لا بآراء الخلق وأن أوصافه فوق ما يصفه به الخلق وقد شهد الله سبحانه بالعلم لمن يرى أن ما جاء به الرسول من عند الله هو الحق لا آراء الرجال فقال تعالى: ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد [سبأ: 6] وقال تعالى: أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى [الرعد: 19] فمن تعارض عنده ما جاء به الرسول وآراء الرجال فقدمها عليه أو توقف فيه أو قدحت في كمال معرفته فهو أعمى عن الحق. وقد أخبر الله تعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم أنه قال: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني [يوسف: 108] وأخبر تعالى عنه أنه سراج منير وأنه هاد إلى صراط مستقيم وبأن من اتبع النور الذي أنزل معه هو المفلح لا غيره وأن من لم يحكمه في كل ما تنازع فيه المتنازعون وينقد لحكمه ولا يكون عنده حرج منه فليس بمؤمن فكيف يجوز على من أخبر الله تعالى عنه بما ذكر أن يكون قد أخبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله بما الهدى في خلاف ظاهره والحق في إخراجه عن حقائقه وحمله على وحشي اللغات ومستكرهات التأويلات وأن حقائقه ضلال وتشبيه وإلحاد وأن الهدى والعلم في مجازه وإخراجه عن حقائقه وأحال الأمة فيه على آراء الرجال المتحيرين وعقول المتهوكين (المتحيرين) فيقول: إذا أخبرتكم عن الله وصفاته العلى(1\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12400",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بشيء فلا تعتقدوا حقيقته وخذوا معرفة مرادي به من آراء الرجال ومعقولها فإن الهدى والعلم فيه. معاذ الله فإنه لو خرج عن ظاهره بتأويل المتأولين انتقضت عرى الإيمان كلها وكان لا تشاء طائفة من طوائف أهل الضلال أن تتأول النصوص على مذهبها إلا وجدت السبيل إليه. والمقصود: أن الله تعالى كمل للرسول ولأمته به دينهم وأتم عليهم به نعمته ومحال مع هذا أن يدع ما خلق له الخلق وأرسلت به الرسل وأنزلت به الكتب ونصبت عليه القبلة وأسست عليه الملة وهو باب الإيمان به ومعرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله ملتبسا مشتبها حقه بباطله لم يتكلم فيه بما هو الحق بل تكلم بما هو الباطل والحق في إخراجه عن ظاهره فكيف يكون أفضل الرسل وأجل الكتب غير واف بتعريف ذلك على أتم الوجوه مبين له بأكمل البيان موضح له غاية الإيضاح مع شدة حاجة النفوس إلى معرفته وهو أفضل ما اكتسبته النفوس وأجل ما حصلته القلوب. ومن المحال أن يكون صلى الله عليه وسلم قد علمهم آداب الغائط قبله وبعده ومعه وآداب الوطء والطعام والشراب ويترك أن يعلمهم ما يقولونه بألسنتهم ويعتقدونه بقلوبهم في ربهم ومعبودهم الذي معرفته غاية المعارف والوصول إليه أتم المطالب وعبادته وحده لا شريك له أقرب الوسائل ويخبرهم بما ظاهره ضلال وإلحاد ويحيلهم في فهم ما أخبره به عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله على مستكرهات التأويل وما تحكم به عقولهم هذا هو القائل: quot; تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك quot; وهو القائل: quot; ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم quot; وقال أبو ذر: quot; لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر(1\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12401",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما quot; وقال عمر بن الخطاب: (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه ) ذكره البخاري. فكيف يتوهم من لله ورسوله في قلبه وقار أن يعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمسك عن بيان هذا الأمر العظيم ولم يتكلم فيه بالصواب معاذ الله بل لا يتم الإيمان إلا بأن يعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بين ذلك أتم البيان وأوضحه غاية الإيضاح ولم يدع بعده لقائل مقالا ولا لمتأول تأويلا. ثم من المحال أن يكون خير الأمة وأفضلها وأسبقها إلى كل خير قصروا في هذا الباب فجفوا عنه أو تجاوزوا فغلوا فيه وإنما ابتلي من خرج عن منهاجهم بهذين الداءين. وقال شيخنا قدس الله روحه: والحال في هؤلاء المبتدعة الذين فضلوا طريقة الخلف على طريقة السلف حيث ظنوا أن طريق السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه ولا فهم لمراد الله ورسوله منها واعتقدوا أنهم بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني [البقرة: 78] وأن طريقة المتأخرين هي استخراج معاني النصوص وصرفها عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات ومستكرهات التأويلات فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وراء ظهورهم فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف والكذب عليهم وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص فلما اعتقدوا التعطيل وانتفاء الصفات في نفس الأمر ورأوا أنه لا بد للنصوص من معنى بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى وهذا الذي هو طريقة السلف(1\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12402",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عندهم وبين صرف اللفظ عن حقيقته وما وضع له إلى ما لم يوضع له ولا دل عليه بأنواع من المجازات وبالتكلفات التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالبيان والهدى فصار هذا الباطل مركبا من فساد العقل والجهل بالسمع فلا عقل ولا سمع فإن النفي والتعطيل إنما اعتمدوا فيه على شبهات فاسدة ظنوها معقولات وحرفوا لها النصوص السمعية عن مواضعها. فلما ابتني أمرهم على هاتين المقدمتين الكاذبتين كانت النتيجة استجهال السابقين الذين هم أعلم الأمة بالله وصفاته واعتقاد أنهم كانوا أميين بمنزلة الصالحين البله الذين لم يتبحروا في حقائق العلم بالله وأن الخلف هم العلماء الذين أحرزوا قصبات السبق واستولوا على الغاية وظفروا من الغنيمة بما فات السابقين الأولين فكيف يتوهم من له أدنى مسكة من عقل وإيمان أن هؤلاء المتحيرين الذين كثر في باب العلم بالله اضطرابهم وغلظ عن معرفة الله حجابهم وأخبر الواقف على نهايات إقدامهم بما انتهى إليه من مرامهم وأنه الشك والحيرة حيث يقول: لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسايرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم ويقول الآخر: نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وغاية دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول دهرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا وقال الآخر: quot; لقد خضت البحر الخضم وتركت أهل الإسلام وعلومهم وخضت في الذي نهوني عنه والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لي وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي quot; وقال الآخر: quot; أكثر الناس شكا عند الموت أرباب الكلام quot; وقال آخر:(1\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12403",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منهم: quot; اشهدوا علي أني أموت وما عرفت شيئا إلا أن الممكن مفتقر إلى واجب quot; ثم قال: quot; الافتقار أمر عدمي فلم أعرف شيئا quot; وقال آخر وقد نزلت به نازلة من سلطانه فاستغاث برب الفلاسفة فلم يغث قال: فاستغثت برب الجهمية فلم يغثني ثم استغثت برب القدرية فلم يغثني ثم استغثت برب المعتزلة فلم يغثني قال: فاستغثت برب العامة فأغاثني.  [فصل في بيان حقيقة التأويل لغة واصطلاحا] فصل في بيان حقيقة التأويل لغة واصطلاحا هو تفعيل من آل يئول إلى كذا إذا صار إليه فالتأويل التصيير وأولته تأويلا إذا صيرته إليه قال: وتأول وهو مطاوع أولته وقال الجوهري: التأويل تفسير ما يئول إليه الشيء وقد أولته وتأولته بمعنى قال الأعشى: على أنها كانت تأول حبها ... تأول ربعي السقاب فأصحبا قال أبو عبيدة: تأول حبها أي: تفسيره ومرجعه أي إن حبها كان صغيرا في قلبه فلم يزل يشب حتى أصحب فصار قديما كهذا السقب الصغير لم يزل يشب حتى صار كبيرا مثل أمه وصار له ابن يصحبه والسقب (بفتح السين) ولد الناقة أو ساعة يولد أو خاص بالذكر. ثم تسمى العاقبة تأويلا لأن الأمر يصير إليها قال الله تعالى: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا [النساء: 59]  وتسمى حقيقة الشيء المخبر به تأويلا لأن الأمر ينتهي إليه ومنه قوله تعالى: هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق [الأعراف: 53] فمجيء تأويله مجيء نفس ما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر(1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12404",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمعاد وتفاصيله والجنة والنار ويسمى تعبير الرؤيا تأويلها بالاعتبارين فإنه تفسير لها وهو عاقبتها وما تئول إليه وقال يوسف لأبيه: ياأبت هذا تأويل رؤياي من قبل [يوسف: 100] . أي حقيقتها ومصيرها إلى هاهنا. انتهى. وتسمى العلة الغائية والحكمة المطلوبة بالفعل تأويلا لأنها بيان لمقصود الفاعل وغرضه من الفعل الذي لم يعرف الرائي له غرضه به ومنه قول الخضر لموسى بعد أن ذكر له الحكمة المقصودة بما فعله من تخريق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار بلا عوض: سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا [الكهف: 78] فلما أخبره بالعلة الغائية التي انتهى إليها فعله قال: ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا [الكهف: 82]  فالتأويل في كتاب الله تعالى المراد منه حقيقة المعنى الذي يئول اللفظ إليه وهي الحقيقة الموجودة في الخارج فإن الكلام نوعان: خبر وطلب فتأويل الخبر هو الحقيقة وتأويل الوعد والوعيد هو نفس الموعود والمتوعد به وتأويل ما أخبر الله به من صفاته العلى وأفعاله نفس ما هو عليه سبحانه وما هو موصوف به من الصفات العلى وتأويل الأمر هو نفس الأفعال المأمور بها قالت عائشة رضي الله عنها: quot; كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك quot; يتأول القرآن. فهذا التأويل هو فعل نفس المأمور به. فهذا هو التأويل في كلام الله ورسوله. وأما التأويل في اصطلاح أهل التفسير والسلف من أهل الفقه والحديث فمرادهم به معنى التفسير والبيان ومنه قول ابن جرير وغيره: القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا ومنه قول الإمام أحمد في الرد على الجهمية quot; فيما تأولته من القرآن على غير تأويله quot; فأبطل تلك التأويلات التي ذكرها وهو تفسيرها المراد بها وهو تأويلها عنده فهذا التأويل يرجع إلى فهم المؤمن ويحصل في الذهن والأول يعود إلى وقوع حقيقته في الخارج. وأما المعتزلة والجهمية وغيرهم من المتكلمين فمرادهم بالتأويل صرف اللفظ عن ظاهره وهذا هو الشائع في عرف المتأخرين من أهل الأصول والفقه.(1\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12405",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولهذا يقولون: التأويل على خلاف الأصل. والتأويل يحتاج إلى دليل وهذا التأويل هو الذي صنف في تسويغه وإبطاله من الجانبين فمن صنف في إبطال التأويل على رأي المتكلمين القاضي أبو يعلى والشيخ موفق الدين ابن قدامة وقد حكى غير واحد إجماع السلف على عدم القول به. ومن التأويل الباطل تأويل أهل الشام قوله صلى الله عليه وسلم لعمار: quot; تقتلك الفئة الباغية quot; فقالوا: نحن لم نقتله إنما قتله من جاء به حتى أوقعه بين رماحنا وهذا التأويل مخالف لحقيقة اللفظ وظاهره فإن الذي قتله هو الذي باشر قتله لا من استنصر به ولهذا رد عليهم من هو أولى بالحق والحقيقة منهم فقالوا: أفيكون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه هم الذين قتلوا حمزة والشهداء معه لأنهم أتوا بهم حتى أوقعوهم تحت سيوف المشركين ومن هذا قول عروة بن الزبير لما روى حديث عائشة: quot; فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر quot; فقيل له: فما بال عائشة أتمت في السفر قال: تأولت كما تأول عثمان  وليس مراده أن عائشة وعثمان تأولا آية القصر على خلاف ظاهرها وإنما مراده أنهما تأولا دليلا قام عندهما اقتضى جواز الإتمام فعملا به فكان عملهما به هو تأويله فإن العمل بدليل الأمر هو تأويله كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأول قوله تعالى: فسبح بحمد ربك واستغفره [النصر: 3] بامتثاله بقوله quot; سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي quot; فكأن عائشة وعثمان تأولا(1\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12406",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله تعالى: فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة [النساء: 103] فإن إتمامها من إقامتها وقيل: تأولت عائشة أنها أم المؤمنين وأن أمهم حيث كانت فكأنها مقيمة بينهم وأن عثمان كان إمام المسلمين فحيث كان فهو منزله أو أنه كان قد عزم على الاستيطان بمنى أو أنه كان قد تأهل بها ومن تأهل ببلد لم يثبت له حكم المسافر أو أن الأعراب كانوا قد كثروا في ذلك الموسم فأحب أن يعلمهم فرض الصلاة وأنها أربع أو غير ذلك من التأويلات التي ظناها أدلة مقيدة لمطلق القصر أو مخصصة لعمومه وإن كانت كلها ضعيفة والصواب هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان إمام المسلمين وعائشة أم المؤمنين في حياته ومماته وقد قصرت معه ولم يكن عثمان ليقيم بمكة وقد بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما رخص في الإقامة به للمهاجرين بعد قضاء نسكهم ثلاثا والمسافر إذا تزوج في طريقه لم يثبت به حكم الإقامة بمجرد التزوج ما لم يزمع الإقامة. وبالجملة فالتأويل الذي يوافق ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة هو التأويل الصحيح وغيره هو الفاسد.  والتأويل الباطل أنواع: أحدها: ما لم يحتمله اللفظ بوضعه الأول مثل تأويل قوله صلى الله عليه وسلم: quot; حتى يضع رب العزة فيها رجله quot; بأن الرجل جماعة من الناس فإن هذا الشيء لا يعرف في شيء من لغة العرب البتة.  الثاني: ما لم يحتمله اللفظ ببنيته الخاصة من تثنية أو جمع وإن احتمله مفردا كتأويل قوله: لما خلقت بيدي [ص: 75] بالقدرة.  الثالث: ما لم يحتمله سياقه وتركيبه وإن احتمله في غير ذلك السياق كتأويل قوله: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك [الأنعام: 158] بأن إتيان الرب إتيان بعض آياته التي هي أمره وهذا يأباه السياق كل الإباء فإنه يمتنع حمله(1\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12407",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على ذلك مع التقسيم والتنويع والترديد وكتأويل قوله: quot; إنكم ترون ربكم عيانا كما ترون القمر ليلة البدر صحوا ليس دونه سحاب وكما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب quot; فتأويل الرؤية في هذا السياق بما يخالف حقيقتها وظاهرها في غاية الامتناع وهو رد وتكذيب يستتر صاحبه بالتأويل.  الرابع: ما لم يؤلف استعماله في ذلك المعنى في لغة المخاطب وإن ألف في الاصطلاح الحادث وهذا موضع زلت فيه أقدام كثير من الناس حيث تأولوا كثيرا من ألفاظ النصوص بما لم يؤلف استعمال اللفظ له في لغة العرب البتة وإن كان معهودا في اصطلاح المتأخرين وهذا مما ينبغي التنبه له فإنه حصل بسببه من الكذب على الله ورسوله ما حصل كما تأولت طائفة قوله تعالى: فلما أفل [الأنعام: 76] بالحركة وقالوا: استدل بحركته على بطلان ربوبيته ولا يعرف في لغة العرب التي نزل بها القرآن أن الأفول هو الحركة في موضع واحد البتة وكذلك تأويل الأحد بأنه الذي لا يتميز منه عن شيء البتة ثم قالوا: لو كان فوق العرش لم يكن أحدا ; فإن تأويل الأحد بهذا المعنى لا يعرفه أحد من العرب ولا أهل اللغة إنما هو اصطلاح الجهمية والفلاسفة والمعتزلة ومن رافقهم وكتأويل قوله: ثم استوى على العرش [الأعراف: 54] بأن المعنى أقبل على خلق العرش فإن هذا لا يعرف في لغة العرب ولا غيرها من الأمم لا يقال لمن أقبل على الرحل: استوى عليه ولا لمن أقبل على عمل من الأعمال من قراءة أو دراسة أو كتابة أو صناعة قد استوى عليها وهذا التأويل باطل من وجوه كثيرة سنذكرها بعد إن شاء الله تعالى لو لم يكن منه إلا تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحب هذا التأويل لكفاه فإنه ثبت في الصحيح quot; إن الله قدر مقادير الخلائق قبل السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء quot; فكان العرش موجودا قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة فكيف يقال: إنه خلق السماوات والأرض في(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12408",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ستة أيام ثم أقبل على خلق العرش والتأويل إذا تضمن تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم فحسبه ذلك بطلانا.  الخامس: ما ألف استعماله في غير ذلك المعنى لكن في غير التركيب الذي ورد النص فيحمله المتأول في هذا التركيب الذي لا يحتمله على مجيئه في تركيب آخر يحتمله كتأويل اليدين في قوله تعالى: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [ص: 75] بالنعمة ولا ريب أن العرب تقول: لفلان عندي يد وقال عروة بن مسعود للصديق رضي الله عنه: لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. ولكن وقوع اليد في هذا التركيب الذي أضاف سبحانه فيه الفعل إلى نفسه ثم تعدى الفعل إلى اليد بالباء التي هي نظير كتبت بالقلم وجعل ذلك خاصة خص بها صفيه آدم دون البشر كما خص المسيح بأنه نفخ فيه من روحه وخص موسى بأن كلمه بلا واسطة. فهذا مما يحيل تأويل اليد في النص بالنعمة وإن كانت في تركيب آخر تصلح لذلك فلا يلزم من صلاحية اللفظ لمعنى ما في تركيب صلاحيته له في كل تركيب. وكذلك قوله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة - إلى ربها ناظرة [القيامة: 22 - 23] يستحيل فيها تأويل النظر بانتظار الثواب فإنه أضاف النظر إلى الوجوه بالنظرة التي لا تحصل إلا مع حضور ما يتنعم به لا مع التنغيص بانتظاره ويستحيل مع هذا التركيب تأويل النظر بغير الرؤيا وأن كل النظر بمعنى الانتظار في قوله تعالى: انظرونا نقتبس من نوركم [الحديد: 13]  وقوله: فناظرة بم يرجع المرسلون [النمل: 35] . ومثل هذا قول الجهمي الملبس: إذا قال لك المشبه: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] فقل له: العرش له عدة معان والاستواء له خمس معان فأي ذلك المراد فإن المشبه يتحير ولا يدري ما يقول. فيقال لهذا الجاهل: ويلك ما ذنب الموحد الذي سميته أنت وأصحابك مشبها وقد قال لك نفس ما قال الله تعالى فوالله لو كان مشبها كما تزعم لكان أولى بالله ورسوله منك لأنه لم يتعد النص.(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12409",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما قولك: العرش له سبعة معان ونحوه والاستواء له خمسة معان فتلبيس منك على الجهال وكذب ظاهر فإنه ليس لعرش الرحمن الذي استوى عليه إلا معنى واحد وإن كان للعرش من حيث الجملة عدة معان فاللام للعهد قد صار بها في العرش معينا وهو عرش الرب تعالى الذي هو سرير ملكه الذي اتفقت عليه الرسل وأقرت به الأمم إلا من نابذ الرسل. وقولك: الاستواء له عدة معان تلبيس آخر منك فإن الاستواء المعدى بأداة quot; على quot; ليس له إلا معنى واحد وأما الاستواء المطلق فله عدة معان فإن العرب تقول: استوى كذا: انتهى وكمل ومنه قوله تعالى: ولما بلغ أشده واستوى [القصص: 14] وتقول: استوى وكذا إذا ساواه نحو قولهم: استوى الماء والخشبة واستوى الليل والنهار وتقول: استوى إلى كذا إذا قصد إليه علوا وارتفاعا نحو استوى إلى السطح والجبل واستوى على كذا أي ارتفع عليه وعلا عليه ولا تعرف العرب غير هذا فالاستواء في هذا التركيب نص لا يحتمل غير معناه كما هو نص في قوله تعالى: ولما بلغ أشده واستوى [القصص: 14] لا يحتمل غير معناه ونص في قولهم: استوى الليل والنهار في معناه ولا تحتمل غيره.  السادس: اللفظ الذي اطرد استعماله في معنى هو ظاهر فيه ولم يعهد استعماله في المعنى المؤول أو عهد استعماله فيه نادرا فحمله على خلاف المعهود من استعماله باطل فإنه يكون تلبيسا يناقض البيان والهداية بل إذا أرادوا استعمال مثل هذا في غير معناه المعهود حفوا به من القرائن ما يبين للسامع مرادهم به لئلا يسبق فهمه إلى معناه المألوف ومن تأمل كمال هذه اللغة وحكمة واضعها تبين له صحة ذلك.  السابع: كل تأويل يعود على أصل النص بالإبطال فهو باطل كتأويل قوله صلى الله عليه وسلم: quot; أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل quot; فيحمله على الأمة فإن هذا التأويل مع شدة مخالفته لظاهر النص يرجع على أصل النص بالإبطال وهو قوله: quot; فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها quot; ومهر الأمة إنما هو للسيد فقالوا:(1\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12410",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نحمله على المكاتبة وهذا يرجع على النص بالإبطال من وجه آخر فإنه أتى فيه بأي الشرطية التي هي من أدوات العموم وأتى بالنكرة في سياق الشرط وهي تقتضي العموم وعلق بطلان النكاح بالوصف المناسب له المقتضي لوجود الحكم بوجوده وهو إنكاحها نفسها فرتبه على العلة المقتضية للبطلان وهو افتئاتها على وليها وأكد الحكم بالبطلان مرة بعد مرة ثلاث مرات فحمله على صورة لا تقع في العالم إلا نادرا يرجع إلى مقصود النص بالإبطال وأنت إذا تأملت عامة تأويلات الجهمية رأيتها من هذا الجنس بل أشنع.  الثامن: تأويل اللفظ الذي له ظاهر لا يفهم منه عند إطلاقه سواه إلا بالمعنى الخفي الذي لا يطلع عليه إلا فرادى من أهل النظر والكلام كتأويل لفظ الأحد الذي يفهمه الخاصة والعامة بالذات المجردة عن الصفات التي لا يكون فيها معنيان بوجه فإن هذا لو أمكن ثبوته في الخارج لم يعرف إلا بعد مقدمات طويلة صعبة جدا فكيف وهو محال في الخارج وإنما يفرضه الذهن فرضا ثم استدل على وجود الخارجي فيستحيل وضع اللفظ المشهود عند كل أحد لهذا المعنى الذي هو في غاية الخفاء.  التاسع: التأويل الذي يوجب تعطيل المعنى الذي هو غاية العلو والشرف ويحمله إلى معنى دونه بمراتب مثاله تأويل الجهمية: وهو القاهر فوق عباده [الأنعام: 18] ونظائره بأنها فوقية الشرف كقولهم: الدراهم فوق المفلس فعطلوا حقيقة الفوقية المطلقة التي هي من خصائص الربوبية المستلزمة لعظمة الرب تعالى وحطوها إلى كون قدره فوق قدر بني آدم وكذلك تأويلهم استواءه على عرشه بقدرته عليه وأنه غالب عليه. فيالله العجب هل شك عاقل في كونه غالبا لعرشه قادرا عليه حتى يخبر به سبحانه في سبعة مواضع من كتابه مطردة بلفظ واحد ليس فيها موضع واحد يراد به المعنى الذي أبداه المتأولون وهذا التمدح والتعظيم كله لأجل أن يعرفنا أنه غلب على عرشه وقدر عليه بعد خلق السماوات والأرض أفترى لم يكن غالبا للعرش قادرا عليه في مدة تزيد عن خمسين ألف سنة ثم تجدد له ذلك بعد خلق هذا العالم  العاشر: تأويل اللفظ بمعنى لم يدل عليه دليل من السياق ولا قرينة تقتضيه فإن هذا لا يقصده المبين الهادي بكلامه إذ لو قصده لحف بالكلام قرائن تدل على المعنى المخالف لظاهره حتى لا يوقع السامع في اللبس فإن الله تعالى أنزل كلامه بيانا(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12411",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهدى فإذا أراد به خلاف ظاهره ولم يحف به قرائن تدل على المعنى الذي يتبادر غيره إلى كل أحد لم يكن بيانا ولا هدى.  [فصل تنازع الناس في كثير من الأحكام ولم يتنازعوا في آيات الصفات] فصل تنازع الناس في كثير من الأحكام ولم يتنازعوا في آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد بل اتفق الصحابة والتابعون على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها وهذا يدل على أنها أعظم النوعين بيانا وأن العناية ببيانها أهم لأنها من تمام تحقيق الشهادتين وإثباتها من لوازم التوحيد فبينها الله سبحانه وتعالى ورسوله بيانا شافيا لا يقع فيه لبس يوقع الراسخين في العلم. وآيات الأحكام لا يكاد يفهم معانيها إلا الخاصة من الناس وأما آيات الصفات فيشترك في فهم معناها الخاص والعام أعني فهم أصل المعنى لا فهم الكنه والكيفية ولهذا أشكل على بعض الصحابة قوله تعالى: حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود [البقرة: 187] حتى يبين لهم بقوله: من الفجر [البقرة: 187] ولم يشكل عليه ولا على غيره قوله: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب [البقرة: 186] وغيرها من آيات الصفات وأيضا فإن آيات الأحكام مجملة عرف بيانها بالسنة كقوله تعالى: ففدية من صيام أو صدقة أو نسك [البقرة: 196] فهذا مجمل في قدر الصيام والإطعام فبينته السنة بأنه صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة ونظائره كثيرة كآية السرقة وآية الصلاة والزكاة والحج وليس في آيات الصفات وأحاديثها مجمل يحتاج إلى بيان من خارج بل بيانها فيها وإن جاءت السنة بزيادة في البيان والتفصيل.(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12412",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل تعجيز المتأولين عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويله من آيات الصفات وما لا يسوغ] فصل في تعجيز المتأولين عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويله من آيات الصفات وأحاديثها وما لا يسوغ لا ريب أن الله وصف نفسه بصفات وسمى نفسه بأسماء وأخبر عن نفسه بأفعال وأخبر أنه يحب ويكره ويمقت ويرضى ويغضب ويسخط ويجيء ويأتي إلى سماء الدنيا وأنه المستوي على عرشه وأن له علما وحياة وقدرة وإرادة وسمعا وبصرا ووجها وأن له يدين وأنه فوق عباده وأن الملائكة تعرج إليه وتتنزل بالأمر من عنده وأنه قريب وأنه مع المحسنين ومع الصابرين ومع المتقين وأن السماوات مطويات بيمينه ووصفه رسوله بأنه يفرح ويضحك وأن قلوب العباد بين أصابعه وغير ذلك. فيقال للمتأول: تتأول هذا كله على خلاف ظاهره أم تفسر الجميع على ظاهره وحقيقته أم تفرق بين بعض ذلك وبعضه فإن تأولت الجميع وحملته على خلاف حقيقته كان ذلك عنادا ظاهرا وكفرا صراحا وجحدا لربوبيته وهذا مذهب الدهرية الذين لا يثبتون للعالم صانعا فإن قلت: أثبت للعالم صانعا ولكن لا أصفه بصفة تقع على خلقه وحيث وصف بما يقع على المخلوق تأولته قيل له: فهذه الأسماء الحسنى والصفات التي وصف بها نفسه هل تدل على معان ثابتة هي حق في نفسها أو لا تدل فإن نفيت دلالتها على معنى ثابت كان ذلك غاية التعطيل وإن أثبت دلالتها على معنى هي حق في نفسها ثابت قيل لك: فما الذي سوغ لك تأويل بعضها دون بعض وما الفرق بين ما أثبتها ونفيتها من جهة السمع أو العقل ودلالة النصوص أن له سمعا وبصرا وعلما وقدرة وإرادة وحياة وكلاما كدلالتها على أن له محبة ورحمة وغضبا ورضا وفرحا وضحكا ووجها ويدين فدلالة النصوص على ذلك سواء فلم نفيت حقيقة رحمته ومحبته ورضاه وغضبه وفرحه وضحكه وأولتها نفس الإرادة فإن قلت: إن إثبات الإرادة والمشيئة لا يستلزم تشبيها وتجسيما وإثبات حقائق هذه الصفات يستلزم التشبيه والتجسيم فإنها لا تعقل إلا في الأجسام فإن الرحمة رقة تعتري طبيعة الحيوان والمحبة ميل النفس لجلب ما ينفعها والغضب غل بالقلب لورود ما يرد عليه.(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12413",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل لك: وكذلك الإرادة هي ميل النفس إلى جلب ما ينفعها ودفع ما يضرها وكذلك جميع ما أثبته من الصفات إنما هي أغراض قائمة بالأجسام في الشاهد فإن العلم انطباع صورة المعلوم في نفس العالم أو صفة عرضية قائمة به وكذلك السمع والبصر والحياة أعراض قائمة بالموصوف فكيف لزم التشبيه والتجسيم من إثبات تلك الصفات ولم يلزم من إثبات هذه فإن قلت: أنا أثبتها على وجه لا يماثل صفاتنا ولا يشبهها. قيل لك: فهلا أثبت الجميع على وجه لا يماثل صفات المخلوقين فإن قلت: هذا لا يعقل قيل لك: فكيف عقلت سمعا وبصرا وحياة وإرادة ومشيئة ليست من جنس صفات المخلوقين فإن قلت: أنا أفرق بين ما يتأول وما لا يتأول بأن ما دل العقل على ثبوته يمتنع تأويله كالعلم والحياة والقدرة والسمع والبصر وما لا يدل عليه العقل يجب أو يسوغ تأويله كاليد والوجه والضحك والفرح والغضب والرضى فإن الفعل المحكم دل على الإرادة فيمتنع مخالفة ما دل عليه صريح العقل. قيل لك: وكذلك الإنعام والإحسان وكشف الضر وتفريج الكربات دل على الرحمة كدلالة التخصيص على الإرادة سواء والتخصيص بالكرامة والاصطفاء والاختيار دال على المحبة كدلالة ما ذكرت على الإرادة والإهانة والطرد والإبعاد والحرمان دال على المقت والبغض كدلالة ضده على الرضى والحب والعقوبة والبطش والانتقام دال على الغضب كدلالة ضده على الرضى. ونقول ثانيا: هب أن العقل لا يدل على إثبات هذه الصفات التي نفيتها فإنه لا ينفيها والسمع دليل مستقل بنفسه بل الطمأنينة إليه في هذا الباب أعظم من الطمأنينة إلى مجرد العقل فما الذي يسوغ لك نفي مدلوله ويقال ثالثا: إن كان ظاهر النصوص يقتضي تشبيها وتجسيما فهو يقتضيه في الجميع فأول الجميع وإن كان لا يقتضي ذلك لم يجز تأويل شيء منه وإن زعمت أن بعضها يقتضيه وبعضها لا يقتضيه طولبت بالفرق بين الأمرين. ولما تفطن بعضهم لتعذر الفراق قال: ما دل عليه الإجماع كصفات السمع لا يتأول وما لم يدل عليه الإجماع فإنه يتأول وهذا كما تراه من أفسد الفروق فإن مضمونه أن الإجماع أثبت ما يدل رأي التجسيم والتشبيه وهذا قدح في الإجماع فإنه لا ينعقد على باطل.(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12414",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم يقال: إن كان الإجماع دل على هذه الصفات وظاهرها يقتضي التشبيه والتجسيم بطل نفيكم لذلك وإن لم ينعقد عليها بطل التفريق به. ثم يقال: خصومكم من المعتزلة لم تجمع على ثبوت هذه الصفات. فإن قلتم: انعقد الإجماع قبلهم قيل: صدقتم والله والذين أجمعوا قبلهم على إثبات هذه الصفات أجمعوا على إثبات سائر الصفات ولم يخصوها بسبع بل تخصيصها بالسبع خلاف قول السلف وقول الجهمية والمعتزلة فالناس كانوا طائفتين: سلفية وجهمية فحدثت الطائفة السبعية واشتقت قولا بين قولين فلا للسلف اتبعوا ولا مع الجهمية بقوا. وقالت طائفة أخرى: ما لم يكن ظاهره جوارح وأبعاضا كالعلم والحياة والقدرة والإرادة والكلام لا يتأول وما كان ظاهره جوارح وأبعاضا كالوجه واليدين والقدم فإنه يتعين تأويله لاستلزام إثباته التركيب والتجسيم. قال المثبتون: جوابنا لكم هو عين الذي تجيبون به خصومكم من الجهمية والمعتزلة نفاة الصفات فهم قالوا لكم: لو قام به سبحانه صفة وجودية كالسمع والبصر والعلم والقدرة والحياة لكان محلا للأعراض ولزم التركيب والتجسيم والانقسام كما قلتم: لو كان له وجه ويد وإصبع لزم التركيب والانقسام وحينئذ فما هو جوابكم لهؤلاء نجيبكم به فإن قلتم: نحن نثبت هذه الصفات على وجه لا تكون أعراضا ولا نسميها أعراضا فلا يستلزم تركيبا ولا تجسيما. قيل لكم: ونحن نثبت الصفات التي أثبتها الله لنفسه ونفيتموها أنتم عنه على وجه لا يستلزم الأبعاض والجوارح ولا يسمى المتصف بها مركبا ولا جسما ولا منقسما. فإن قلتم: هذا لا يعقل منها إلا الأجزاء والأبعاض قلنا لكم: وتلك لا يعقل منها إلا الأعراض. فإن قلتم: العرض لا يبقى زمانين وصفات الرب تعالى باقية دائما أبدية فليست أعراضا قلنا: وكذلك الأبعاض هي ما جاز مفارقتها وانفصالها وذلك في حق الرب تعالى محال فليست أبعاضا ولا جوارح فمفارقة الصفات الإلهية للموصوف بها مستحيل مطلقا في نوعين والمخلوق يجوز أن تفارقه أبعاضه وأعراضه.(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12415",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قلتم: إن كان الوجه عين اليد وعين الساق والإصبع فهو محال وإن كان غيره يلزم التميز ويلزم التركيب قلنا لكم: وإن كان السمع هو عين البصر وهما نفس العلم وهي نفس الحياة والقدرة فهو محال وإن تميز لزم التركيب فما هو جوابكم فالجواب مشترك. فإن قلتم: نحن نعقل صفات ليست أعراضا تقوم بغير جسم وإن لم يكن له في الشاهد نظير ونحن لا ننكر الفرق بين النوعين في الجملة ولكن فرق غير نافع لكم في التفريق بين النوعين وإن أحدهما يستلزم التجسيم والتركيب والآخر لا يستلزمه. ولما أخذ هذا الإلزام بخناق الجهمية قالوا: الباب كله عندنا واحد ونحن ننفي الجميع. فتبين أنه لا بد لكم من واحد من أمرين: إما هذا النفي والتعطيل وإما أن تصفوا الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله وتتبعوا في ذلك سبيل السلف الذين هم أعلم الأمة بهذا الشأن نفيا وإثباتا وأشد تعظيما لله وتنزيها له عما لا يليق بجلاله فإن المعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات فيكون ردها من باب تحريف الكلم عن مواضعه ولا يترك تدبرها ومعرفتها فيكون ذلك مشابهة للذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني بل هي آيات بينات دالة على أشرف المعاني وأجلها قائمة حقائقها في صدور الذين أوتوا العلم والإيمان إثباتا بلا تشبيه وتنزيها بلا تعطيل كما قالت حقائق سائر صفات الكمال في قلوبهم كذلك فكان الباب عندهم بابا واحدا وعلموا أن الصفات حكمها حكم الذات فكما ذاته لا تشبه الذوات فكذا صفاته لا تشبه الصفات. قال الإمام أحمد: (التشبيه أن تقول: يد كيد أو وجه كوجه فأما إثبات يد ليست كالأيدي ووجه ليس كالوجوه فهو إثبات ذات ليست كالذوات وحياة ليست كغيرها من الحياة وسمع وبصر ليس كالأسماع والأبصار وليس إلا هذا المسلك ومسلك التعطيل المحض والتناقض الذي لا يثبت لصاحبه قدم في النفي ولا في الإثبات وبالله التوفيق) وحقيقة الأمر أن كل طائفة تتأول كل ما يخالف نحلتها وأصلها فالعيار عندهم فيما يتأول وما لا يتأول هو المذهب الذي ذهبت إليه ما وافقها أقروه ولم يتأولوه وما خالفها تأولوه.(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12416",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل إلزامهم في المعنى الذي جعلوه تأولا نظير ما فروا منه] فصل في إلزامهم في المعنى الذي جعلوه تأولا نظير ما فروا منه وهو فصل بديع يعلم منه أن المتأولين لم يستفيدوا بتأويلهم إلا تعطيل حقائق النصوص وأنهم لم يتخلصوا مما ظنوه محذورا بل هو لازم لهم فيما فروا إليه كلزومه فيما فروا منه بل قد ينفون ما هو أعظم محذورا كحال الذين تأولوا نصوص العلو والفوقية والاستواء فرارا من التحيز والحصر ثم قالوا: هو في كل مكان بذاته فنزهوه عن استوائه على عرشه ومباينته لخلقه وجعلوه في أجواف البيوت والآبار والأواني والأماكن التي يرغب عن ذكرها. ولما علم متأخرو الجهمية فساد ذلك قالوا: ليس وراء العالم ولا فوق العرش إلا العدم المحض وليس هناك رب يعبد ولا إله يصلى له ويسجد ولا هو أيضا في العالم فجعلوا نسبته إلى العرش كنسبته إلى أخس مكان. فإذا تأول المتأول المحبة والرحمة والرضى والغضب بالإرادة قيل له: يلزمك في الإرادة ما لزمك في هذه الصفات كما تقدم تقريره وإذا تأول الوجه بالذات لزمه في الذات ما يلزمه في الوجه فإن لفظ الذات يقع على القديم والمحدث وإذا تأول لفظ اليد بالقدرة يوصف بها الخالق والمخلوق وإذا تأول السمع والبصر بالعلم لزمه ما فر منه في العلم وإذا تأول الفوقية بفوقية القهر لزمه فيها ما فر منه من فوقية الذات فإن القاهر من اتصف بالقوة والغلبة ولا يعقل هذا إلا جسما فإن أثبته العقل غير جسم لم يعجز عن إثبات فوقية الذات لغير جسم وكذلك من تأول الإصبع بالقدرة فإن القدرة أيضا صفة قائمة بالموصوف وعرض من أعراضه ففر من صفة إلى صفة وكذلك من تأول الضحك بالرضى بالإرادة إنما فر من صفة إلى صفة فهلا أقر النصوص على ما هي عليه ولم ينتهك حرمتها فإن المتأول إما أن يذكر معنى ثبوتيا أو يتأول اللفظ بما هو عدم محض فإن تأوله بمعنى ثبوتي كائن لزمه فيه نظير ما فر منه.  [فصل شبهات الجهمي في الوجه والعين والجنب والساق والجواب عليها] فصل قال الجهمي: ورد في القرآن ذكر الوجه والأعين والعين الواحدة فلو أخذنا بالظاهر لزمنا إثبات شخص له وجه وعلى ذلك الوجه أعين كثيرة وله جنب واحد(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12417",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعليه أيد كثيرة وله ساق واحد ولا نرى في الدنيا شخصا أقبح صورة من هذه الصورة المتخيلة. قال السني المعظم حرمات الله تعالى: قد ادعيت أيها الجهمي أن ظاهر القرآن الذي هو حجة الله على عباده والذي هو خير الكلام وأصدقه وأحسنه وأفصحه وهو الذي هدى الله به عباده وجعله شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ولم ينزل كتابا من السماء أهدى منه ولا أحسن ولا أكمل فانتهكت حرمته وعظمته ونسبته إلى أقبح النقص والعيب وادعيت أن ظاهره ومدلوله إثبات شخص له وجه وله أعين كثيرة وله ساق واحد وادعيت أن ظاهر ما وصف الله به نفسه في كتابه يدل على هذه الصفة الشنيعة فيكون سبحانه قد وصف نفسه بأقبح الصفات في ظاهر كلامه فأي طعن في القرآن أعظم من طعن من يجعل هذا ظاهره ولم يدع أحد من أعداء الرسول الذين ظاهروه بالمحاربة أن ظاهر كلامه أبطل الباطل فلو كان ذلك ظاهر القرآن لكان ذلك من أقرب الطرق لهم إلى الطعن فيه وقالوا: كيف تدعونا إلى عبادة رب صورته هذه الصورة الشنيعة وهم يوردون عليه ما هو أقل من هذا بكثير كما أوردوا عليه المسيح لما قال: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم [الأنبياء: 98] فتعلقوا بظاهر ما لم يدل عليه ما أورده وهو دخول المسيح فيما عبد من دون الله إما بعموم لفظ (ما) وإما بعموم المعنى وأورد أهل الكتاب على قوله: ياأخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء [مريم: 28] أن بين هارون وعيسى ما بينهما وليس ظاهر القرآن أنه هارون بن عمران بوجه وكانوا يتعنتون فيما يوردونه على القرآن بهذا ودونه فكيف يجدون ظاهره إثبات رب شأنه هذا ولا ينكرونه  والجواب أن قوله تعالى: تجري بأعيننا [القمر: 14] ودعوى الجهمي أن ظاهر هذا إثبات أعين كثيرة كذب ظاهر فإنه إن دل ظاهره على أعين كثيرة وأيد كثيرة دل على خلقين كثيرين فإن لفظ الأيدي مضاف إلى ضمير الجمع فادع أيها الجهمي: ظاهره إثبات أيد كثيرة لآلهة متعددة وإلا فدعواك أن ظاهره أيد كثيرة لذات واحدة بخلاف الظاهر وكذلك قوله تعالى: تجري بأعيننا [القمر: 14] وإنما ظاهره بزعمك أعين على ذوات متعددة لا على ذات واحدة.(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12418",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني: أن دعواك أن ظاهر القرآن إثبات أيد كثيرة في جنب واحد كذب آخر فأين في ظاهر القرآن أن الأيدي في الجنب وكذلك إنما أخذت هذا من القياس على بني آدم فشبهت أولا وعطلت ثانيا وكذلك جعلك الأعين الكثيرة في الوجه الواحد ليس في ظاهر القرآن ما يدل على هذا وإنما أخذته من التشبيه بالآدمي ولهذا قال بعض أهل العلم: إن كل معطل مشبه ولا يستقيم لك التعطيل إلا بعد التشبيه.  الثالث: أين في القرآن إثبات ساق واحد لله تعالى وجنب واحد فإنه سبحانه وتعالى قال: يوم يكشف عن ساق [القلم: 42] وقال: أن تقول نفس ياحسرتا على ما فرطت في جنب الله [الزمر: 56] فعلى تقدير أن يكون الساق والجنب من الصفات فليس في ظاهر القرآن ما يوجب ألا يكون له إلا جنب واحد وساق واحد ولو دل على ما ذكرت لم يدل على نفي ما أراد على ذلك لا بمنطوقه ولا بمفهومه حتى القائلين بمفهوم اللقب لا يدل ذلك عندهم على نفي ما عدا المذكور لأنه متى كان للتخصيص بالذكر سبب غير الاختصاص بالحكم لم يكن المفهوم مرادا بالاتفاق وليس المراد بالآيتين إثبات الصفة حتى يكون تخصيص أحد الأمرين بالذكر مرادا بل المقصود حكم آخر وهو إثبات تفريط العبد في حق الله تعالى وبيان سجود الخلائق إذا كشف عن ساق وهذا حكم قد يختص بالمذكور دون غيره فلا يكون له مفهوم.  الرابع: هب أنه سبحانه أخبر أنه يكشف عن ساق واحدة هي صفة فمن أين في ظاهر القرآن أنه ليس له سبحانه إلا تلك الصفة الواحدة وأنت لو سمعت قائلا يقول: كشفت عن عيني وأبديت عن ركبتي وعن ساقي هل يفهم منه أنه ليس له إلا ذلك الواحد فقط فلو قال لك أحد: لم يكن هذا ظاهر كلامه فكيف يكون ظاهر أفصح الكلام وأبينه ذلك.  الخامس: أن المفرد المضاف يراد به أكثر من واحد كقوله تعالى: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها [إبراهيم: 34] وقوله: وصدقت بكلمات ربها وكتبه [التحريم: 12] وقوله أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم [البقرة: 187] فلو كان الجنب والساق صفة لكان بمنزلة قوله: بيده الملك [الملك: 1] بيدك الخير [آل عمران: 26] ولتصنع على عيني [طه: 39] .(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12419",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السادس: أن يقال: من أين في ظاهر القرآن إثبات جنب واحد هو صفة لله ومن المعلوم أن هذا لا يثبته أحد من بني آدم وأعظم الناس إثباتا للصفات هم أهل السنة والحديث لا يثبتون أن لله تعالى جنبا واحدا ولا ساقا واحدا. قال عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على المريسي: وادعاء المعارض زورا على قوم أنهم يقولون في تفسير قوله تعالى: ياحسرتا على ما فرطت في جنب الله [الزمر: 56] أنهم يعنون بذلك الجنب الذي هو العضو وليس ذلك على ما يتوهمونه قال الدارمي: فيقال لهذا المعارض: ما أرخص الكذب عندك وأخفه على لسانك: فإن كنت صادقا في دعواك فأشر بها إلى أحد من بني آدم قال: وإلا فلم تشنع بالكذب على قوم هم أعلم بهذا التفسير منك إنما تفسيرها عندهم: تحسر الكفار على ما فرطوا في الإيمان والفضائل التي تدعو إلى ذات الله واختاروا عليها الكفر والسخرية فمن أنبأك أنهم قالوا: جنب من الجنوب فإنه لا يجهل هذا المعنى كثير من عوام المسلمين فضلا عن علمائهم وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: quot; الكذب مجانب للإيمان quot; وقال ابن مسعود رضي الله عنه: quot; لا يجوز الكذب جدا ولا هزلا quot; وقال الشعبي: quot; من كان كاذبا فهو منافق quot;. والتفريط فعل أو ترك فعل وهذا لا يكون قائما بذات الله لا بجنب ولا غيره بل لا يكون منفصلا عن الله تعالى وهو معلوم بالحس والمشاهدة.  السابع: هب أن القرآن دل على إثبات جنب هو صفة فمن أين لك ظاهره أو باطنه على أنه جنب واحد وشق واحد ومعلوم أن إطلاق مثال هذا لا يدل على أنه شق واحد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: quot; صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب quot; وهذا لا يدل على أنه ليس للمرء إلا جنب واحد.(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12420",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: المراد على جنب من جنبك قلنا: فقد علم أن ذكر الجنب مفردا لا يدل على نفي أن يكون له جنب آخر ونظير هذا القدم إذا ذكر مفردا لا يدل على نفي قدم آخر كما في الحديث الصحيح: quot; حتى يضع رب العزة عليها قدمه quot;.  الثامن: من أين في ظاهر القرآن أن لله ساقا وليس معك إلا قوله تعالى: يوم يكشف عن ساق [القلم: 42] والصحابة متنازعون في تفسير الآية على المراد بها: أن الرب تعالى يكشف عن ساقه ولا يحفظ عن الصحابة والتابعين نزاع فيما يذكر أنه من الصفات أم لا في غير هذا الموضع وليس في ظاهر القرآن ما يدل على أن ذلك صفة لله تعالى لأنه سبحانه لم يضف الساق إليه وإنما ذكره مجردا عن الإضافة منكرا والذين أثبتوا ذلك صفة كاليدين لم يأخذوا ذلك من ظاهر القرآن إنما أثبتوه بحديث أبى سعيد الخدري المتفق على صحته وهو حديث الشفاعة الطويل وفيه: quot; فيكشف الرب عن ساقه . . . quot; الحديث. ومن حمل الآية على ذلك قال: قوله تعالى: يوم يكشف عن ساق [القلم: 42] مطابقا لقوله صلى الله عليه وسلم: quot; يكشف عن ساقه quot; وتنكيره للتعظيم والتفخيم كأنه قال: يكشف عن ساق عظيمة قالوا: وحمل الآية على الشدة لا يصح بوجه فإن لغة القوم أن يقال: كشف الشدة عن القوم لا كشف عنها كقوله تعالى: فلما كشفنا عنهم العذاب [الزخرف: 50] فالعذاب هو المكشوف لا المكشوف عنه وأيضا فهناك تحدث شدة لا تزول إلا بدخول الجنة وهنا لا يدعون إلى السجود دائما يدعون إليه أشد ما كانت الشدة.  التاسع: أن يقال: ذكر العين المفردة مضافة إلى الضمير المفرد والأعين مجموعة مضاف إلى ضمير الجمع وذكر العين مفردة لا يدل على أنها عين واحدة ليس إلا كقولك: أفعل هذا على عيني وأحبك على عيني ولا يريد أن له عينا واحدة وإنما إذا أضيفت العين إلى اسم الجمع ظاهرا ومضمرا فالأحسن جمعه مشاكلة للفظ كقوله: تجري بأعيننا [القمر: 14] وقوله: واصنع الفلك بأعيننا [هود: 37] وهذا نظير(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12421",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المشاكلة في لفظ اليد المضافة إلى المفرد: بيده الملك [الملك: 1] بيدك الخير [آل عمران: 26] وإن أضيفت إلى ضمير جمع جمعت: كقوله: أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما [يس: 71] وكذلك إضافة اليد والعين إلى اسم الجمع الظاهر كقوله: بما كسبت أيدي الناس [الروم: 41] وقوله: فأتوا به على أعين الناس [الأنبياء: 61] . وقد نطق الكتاب والسنة بذكر اليد مضافة إليه بلفظ مفردة مجموعة ومثناة وبلفظ العين مضافة إليه مفردة ومجموعة ونطقت السنة بإضافتها إليه مثناة كما قال عطاء عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot; إن العبد إذا قام في الصلاة قام بين عيني الرحمن فإذا التفت قال له ربه: إلى من تلفت إلى خير لك مني quot; وقول النبي صلى الله عليه وسلم: quot; إن ربكم ليس بأعور quot; صريح بأنه ليس المراد إثبات عين واحدة فإن ذلك عور ظاهر تعالى الله عنه وهل يفهم من قول الداعي: quot; اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام quot; أنها عين واحدة ليس إلا إلا ذهن أقلف وقلب أغلف. قال ابن تميم: حدثنا عبد الجبار بن كثير قال: قيل لإبراهيم بن أدهم: هذا السبع فنادى يا قسورة إن كنت أمرت فينا بشيء وإلا بعيني فاذهب فضرب بذنبه وولى مدبرا فنظر إبراهيم إلى أصحابه وقال: قولوا: اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام واكنفنا بكنفك الذي لا يرام وارحمنا بقدرتك علينا لا نهلك وأنت الرجاء. وقال عثمان الدارمي: الأعور ضد البصير بالعينين.(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12422",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد استدل السلف على إثبات العينين له تعالى بقوله: تجري بأعيننا [القمر: 14]  وممن صرح بذلك إثباتا واستدلالا أبو الحسن الأشعري في كتبه كلها فقال في كتاب المقالات والإبانة والموجز وهذا لفظه فيها: وأن له عينين بلا كيف كما قال: تجري بأعيننا [القمر: 14] فهذا الأشعري وغيره لم يفهموا من الأعين أعينا كثيرة ولا من الأيدي أياد كثيرة على شق واحد. ولما رد أهل السنة تأويل الجاهلين لم يقدر الجهمية على أخذ الثأر منهم إلا بأن سموهم مشبهة ممثلة مجسمة حشوية ولو كان لهؤلاء عقول لعلموا أن التلقيب بهذه الألقاب ليس لهم وإنما هو لمن جاء بهذه النصوص وتكلم بها ودعا الأمة إلى الإيمان بها ونهاهم عن تحريفها وتبديلها ولو كان خصومكم كما زعمتم وحاشاهم مشبهة ممثلة مجسمة لكانوا أقل تنقصا لرب العالمين منكم وكتابه وأسمائه وصفاته بكثير لو كان قولهم يقتضي التنقيص فكيف وهو لا يقتضيه لو صرحوا به فإنهم يقولون: نحن أثبتنا له غاية الكمال ونعوت الجلال ووصفناه بكل صفة كمال فإن لزم من هذا تجسيم وتشبيه لم يكن هذا نقضا ولا عيبا بوجه من الوجوه فإن لازم الحق حق وما لزم من إثبات كمال الرب ليس بنقص. وأما أنتم فنفيتم عنه صفات الكمال ولا ريب أن لازم هذا النفي وصفه بأضدادها من العيوب والنقائص فما سوى الله ولا رسوله ولا عقلاء عباده بين من نفى كماله المقدس حذرا من التجسيم وبين من أثبت كماله الأعظم وصفاته العلى بلوازم ذلك كائنة ما كانت. فلو فرضنا في هذه الأمة من يقول: له سمع كسمع المخلوق وبصر كبصره ويد كيده لكان أدنى إلى الحق ممن يقول: لا سمع ولا بصر ولا يد ولو فرضنا قائلا يقول: إنه متحيز على عرشه تحيط به الحدود والجهات لكان أقرب إلى الصواب من قول من يقول: ليس فوق العرش إله يعبد ولا ترفع إليه الأيدي ولا يصعد إليه شيء ولا هو فوق خلقه ولا محايثهم ولا مباينهم فإن هذا معطل مكذب لله راد على الله ورسوله وذلك المشبه غالط مخطئ في فهمه فالمشبه على زعمكم الكاذب لم يشبهه تنقصا له وجحدا لكماله بل ظنا أن إثبات الكمال لا يمكن إلا بذلك فقابلتموه بتعطيل كماله وذلك غاية التنقيص.(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12423",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العاشر: أن لغة العرب متنوعة في إفراد المضاف وتثنيته وجمعه بحسب أحوال المضاف إليه فإن أضافوا الواحد المتصل إلى مفرد أفردوه وإن أضافوا إلى اسم جمع كقوله: فقد صغت قلوبكما [التحريم: 4] وإنما هما قلبان وكقوله: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما [المائدة: 38] وتقول العرب: اضرب أعناقهما وهذا أفصح استعمالهم وتارة يفردون المضاف فيقولون: لسانهما وقلبهما وتارة يثنون كقوله: quot; ظهراهما مثل ظهور الترسين quot; القرآن إنما نزل بلغة العرب لا بلغة العجم والطماطم والأنباط الذين أفسدوا الدين وتلاعبوا بالنصوص فجعلوها عرضة لتأويل الجاهلين. وإذا كان من لغتهم وضع الجمع موضع التثنية لئلا يجمعوا في لفظ واحد بين تثنيتين فلأن يوضع الجمع موضع التثنية فيما إذا كان المضاف إليه تثنية أولى بالجواز يدل على أنك لا تجد في كلامهم عينان ويدان ونحو ذلك ولا يلتبس على السمع قول المتكلم: نراك بأعيننا ونأخذ بأيدينا ولا يفهم منه بشر على وجه الأرض عيونا كثيرة على وجه واحد.  الحادي عشر: أن لفظ اليد جاء في القرآن على ثلاثة أنواع: مفردا ومثنى ومجموعا فالمفرد كقوله: بيده الملك [الملك: 1] والمثنى كقوله: خلقت بيدي [ص: 75] والمجموع عملت أيدينا [يس: 71] فحيث ذكر اليد مثناة أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد وعدى الفعل بالباء إليها فقال خلقت بيدي [ص: 75] وحيث ذكرها مجموعة أضاف العمل إليها ولم يعد الفعل بالباء فهذه ثلاثة فروق فلا يحتمل خلقت بيدي [ص: 75] من المجاز ما يحتمله عملت أيدينا [يس: 71] فإن كل أحد يفهم من قوله: عملت أيدينا [يس: 71] ما(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12424",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يفهمه من قوله: عملنا وخلقنا كما يفهم ذلك من قوله: فبما كسبت أيديكم [الشورى: 30]  وأما قوله: خلقت بيدي [ص: 75] فلو كان المراد منه مجرد الفعل لم يكن لذكر اليد بعد نسبة الفعل إلى الفاعل معنى فكيف وقد دخلت عليها الباء فكيف إذا ثنيت وسر الفرق أن الفعل قد يضاف إلى يد ذي اليد المراد الإضافة إليه كقوله: بما قدمت يداك [الحج: 10] فبما كسبت أيديكم [الشورى: 30] وأما إذا أضيف إليه الفعل ثم عدي بالباء إلى يده مفردة أو مثناة فهو مما باشرته به ولهذا قال عبد الله بن عمرو: (إن الله لم يخلق بيده إلا ثلاثا: خلق آدم بيده وغرس جنة الفردوس بيده وكتب التوراة بيده) . فلو كانت اليد هي القدرة لم يكن لها اختصاص بذلك ولا كانت لآدم فضيلة بذلك على كل شيء مما خلق بالقدرة) . وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الموقف يأتونه يوم القيامة فيقولون: quot; يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده quot; وكذلك قال آدم لموسى في محاجته له: quot; اصطفاك الله بكلامه وخط لك الألواح بيده quot; وفي لفظ آخر: quot; كتب لك التوراة بيده quot; وهو من أصح الأحاديث وكذلك الحديث المشهور quot; أن الملائكة قالوا: يا رب خلقت بني آدم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة فقال الله تعالى: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12425",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكان quot; وهذا التخصيص إنما فهم من قوله: خلقت بيدي [ص: 75] فلو كان مثل قوله: مما عملت أيدينا [يس: 71] لكان هو والأنعام في ذلك سواء. فلما فهم المسلمون أن قوله: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [ص: 75] يوجب له تخصيصا وتفضيلا بكونه مخلوقا باليدين على من أمر أن يسجد له وفهم ذلك أهل الموقف حين جعلوه من خصائصه كانت التسوية بينه وبين قوله: أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما [يس: 71] خطأ محضا كذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: quot; يقبض الله سماواته بيده والأرض باليد الأخرى quot; وقوله صلى الله عليه وسلم: quot; يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق فإنه لم يغض ما في يمينه وبيده الأخرى القسط يخفض ويرفع quot; وقال تعالى: وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان [المائدة: 64] وفي الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه في أعلى أهل الجنة منزلة: quot; أولئك الذين غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها quot;. وقال أنس بن مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده فقال لها: تكلمي فقالت: قد أفلح المؤمنون quot; وقال عبد الله بن الحارث:(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12426",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; إن الله خلق ثلاثة أشياء بيده: خلق آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس الفردوس بيده ثم قال: وعزتي لا يدخلها مدمن خمر ولا ديوث quot; وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: quot; تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفأها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة quot;. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في استفتاح الصلاة: quot; لبيك وسعديك والخير كله بيدك quot; وفي الصحيح أيضا عنه صلى الله عليه وسلم: quot; إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل quot; وقال عبد الله بن مسعود: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; الأيدي ثلاثة: فيد الله العليا ويد المعطي التي تليها ويد السائل السفلى quot; وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال: quot; المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين quot;. وفي المسند وغيره من حديث أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot; لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال: الحمد لله فحمد الله بإذن الله فقال له ربه: يرحمك ربك يا آدم وقال له: اذهب إلى أولئك الملائكة إلى نفر جلوس فقل: السلام عليكم فذهب فقالوا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ثم رجع إلى ربه فقال: هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم فقال الله تعالى ويداه مقبوضتان: اختر أيهما شئت فقال: اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة ثم بسطها فإذا فيها آدم(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12427",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذريته. . . الحديث quot; وقال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot; خلق الله آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون quot;. وقال هشام بن حكيم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; إن الله أخذ ذرية بني آدم من ظهورهم وأشهدهم على أنفسهم ثم فاض بهم في كفيه ثم قال: هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار quot; وقال عبد الله بن عمرو: quot; لما خلق الله آدم نفضه نفض المزود فقبض قبضتين فقال لما في اليمين: في الجنة وقال لما في الأخرى: في النار quot; وقال أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot; إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فمنهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والطيب والخبيث quot;.(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12428",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال سلمان الفارسي quot; إن الله خمر طينة آدم أربعين ليلة وأربعين يوما ثم ضرب بيديه فيها فخرج كل طيب بيمينه وخرج كل خبيث بيده الأخرى quot; وقال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; ما تصدق أحد بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت ثمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل quot; متفق عليه. وقال أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف quot; فقال أبو بكر: زدنا يا رسول الله قال quot; وهكذا quot; وجمع يديه قال: زدنا يا رسول الله قال: quot; وهكذا quot; قال: زدنا يا رسول الله فقال عمر: حسبك فقال أبو بكر: دعني يا عمر وما عليك أن يدخلنا الله الجنة كلنا فقال عمر: إن شاء الله أدخل خلقه الجنة بكف واحدة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; صدق عمر quot; وقال نافع عن ابن عمر: سألت ابن أبي مليكة عن يد الله واحدة أو اثنتان فقال: لا بل اثنتان. وقال ابن عباس رضي الله عنه: quot; ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهما في كف الرحمن إلا كخردلة في كف أحدكم quot; وقال ابن عمر وابن عباس: quot; أول شيء خلقه الله القلم فيأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين فكتب الدنيا وما فيها من عامل ومعمول في بر وبحر ورطب ويابس فأحصاه عنده quot;. وقال ابن عباس في قوله تعالى: والسماوات مطويات بيمينه [الزمر: 67] quot; يقبض الله عليهما فما يرى طرفها في يده quot; وقال ابن عمر رضي الله عنه: quot; رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر فقال: إن الله تعالى إذا كان يوم القيامة جمع السماوات والأرض في قبضته ثم قال هكذا: ومد يده وبسطها ثم يقول: أنا الله أنا الرحمن. . . quot; الحديث وقال(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12429",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن وهب عن أسامة عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر: والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه [الزمر: 67] قال: quot; مطوية بيمينه يرمي بها كما يرمي الغلام بالكرة quot; وقال عبيد الله بن مقسم: نظرت إلى عبد الله بن عمر كيف صنع يحكي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot; يأخذ الله سماواته وأرضيه بيده فيقول: أنا الله quot; ويقبض أصابعه ويبسطها quot; ويقول: أنا الرحمن أنا الملك quot; حتى إني أنظر إلى المنبر يتحرك من أسفل منه حتى إني أقول: أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال زيد بن أسلم: لما كتب الله التوراة بيده قال: quot; باسم الله هذا كتاب الله بيده لعبده موسى يسبحني ويقدسني ولا يحلف باسمي آثما فإني لا أزكي من حلف باسمي آثما quot;. وإنما ذكرنا هذه النصوص التي هي غيض من فيض ليعلم الواقف عليها أنها لا يفهم أحد من عقلاء بني آدم منها شخصا له شق واحد وعليه أيد كثيرة وله ساق واحدة وله أعين كثيرة.  [فصل في الوظائف الواجبة على المتأول] فصل في الوظائف الواجبة على المتأول لما كان الأصل في اللفظ هو الحقيقة والظاهر كان العدول به عن حقيقته مخرجا له عن الأصل فاحتاج مدعي ذلك إلى دليل يسوغ له إخراجه عن أصله فعليه أربعة أمور لا تتم دعواه إلا بها: الأمر الأول: بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي تأوله في ذلك التركيب الذي وقع فيه وإلا كان كاذبا على اللغة فإن اللفظ قد لا يحتمل ذلك المعنى لغة وإن احتمله فقد لا يحتمله في ذلك التركيب الخاص وكثير من المتأولين لا يبالي إذا تهيأ له حمل اللفظ على ذلك المعنى بأي طريق أمكنه إلى مقصوده دفع الصائل فبأي طريق تهيأ له دفعه دفعه فإن النصوص قد صالت على قواعده الباطلة وليس لأحد أن يحمل كلام الله ورسوله على كل ما ساغ في اللغة والاصطلاح لبعض الشعراء أو الخطباء والكتاب والعامة إلا إذا كان ذلك غير مخالف لما علم من وصف الرب سبحانه وأسمائه وما تضافرت به صفاته لنفسه وصفات رسوله وكانت إرادة ذلك المعنى بذلك اللفظ مما(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12430",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يجوز ويصلح لنسبتها إلى الله تعالى لا سيما والمتأول يخبر عن مراد الله ورسوله فإن تأويل كلام المتكلم بما يوافق ظاهره أو يخالفه إنما هو بيان لمراده. فإذا علم المتكلم لم يرد هذا المعنى وأنه يمتنع أن يريده وأن في صفات كماله ونعوت جلاله ما يمنع من إرادته استحال الحكم عليه إرادته. فهذا أصل عظيم يجب معرفته ومن أحاط به فعرفه تبين له أن كثيرا مما يدعيه المخرفون للتأويلات مما يعلم قطعا أن المتكلم لم يرده. وإنما كان ذلك مما يسوغ لبعض الشعراء أو الكتاب القاصدين التعمية لغرض من الأغراض فلا بد أن يكون المعنى الذي تأوله المتأول مما يسوغ استعمال اللفظ فيه في تلك اللغة التي وقع بها التخاطب وأن يكون ذلك مما يجوز نسبته إلى الله تعالى وألا يعود على شيء من صفات كماله بالإبطال والتعطيل وأن يكون معه قرائن تحتف به تبين أنه مراد باللفظ وإلا كانت دعوى إرادته كذبا على المتكلم ونحن نذكر لك أمثلة: المثال الأول: تأول قوله تعالى: خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش [الفرقان: 59] بأنه أقبل على خلقه فهذا إنشاء منهم لوضع لفظ (استوى) على (أقبل) وهذا لم يقله أحد من أهل اللغة فإنهم ذكروا معاني استوى ولم يذكر أحد منهم في معانيه الإقبال على الخلق فهذه كتب اللغة طبقت الأرض لا تجد أحدا منهم يحكي ذلك عن اللغة وأيضا فإن استواء الشيء والاستواء إلى والاستواء عليه يستلزم وجوده ووجود ما نسب إليه الاستواء بإلى أو بعلى فلا يقال: استوى إلى أمر معدوم ولا استوى عليه فهذا التأويل إنشاء محض لا إخبار صادق عن استعمال أهل اللغة. وكذلك تأويلهم الاستواء بالاستيلاء فإن هذا لا تعرفه العرب من لغتها ولم يقله أحد من أئمة اللغة وقد صرح أئمة اللغة كابن الأعرابي وغيره بأنه لا يعرف في اللغة ولو احتمل ذلك لم يحتمله هذا التركيب فإن استيلاءه سبحانه وغلبته للعرش لم يتأخر عن خلق السماوات والأرض فالعرش مخلوق قبل خلقهما بأكثر من خمسين ألف سنة كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه وبطلان هذا التأويل من أربعين وجها سنذكرها إن شاء الله في موضعها من هذا الكتاب.(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12431",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعلى المتأول أن يبين احتمال اللفظ للمعنى الذي ذكره أولا ويبين تعيين المعنى ثانيا فإنه إذا خرج عن حقيقته قد يكون له عدة معان فتعيين ذلك يحتاج إلى دليل. الثاني: إقامة الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره فإن دليل المدعي للحقيقة والظاهر قائم فلا يجوز العدول عنه إلا بدليل صارف يكون أقوى منه. الثالث: الجواب عن المعارض فإن مدعي الحقيقة قد قام الدليل العقلي عنده على إرادة الحقيقة: أما السمعي فلا يمكنك المكابرة أنه معه وأما العقلي فمن وجهين: عام وخاص فالعام: الدليل الدال على كمال علم المتكلم وكمال بيانه وكمال نصحه والدليل العقلي على ذلك أقوى من الشبه الخيالية التي يستدل بها النفاة بكثير فإن جاز مخالفة هذا الدليل القاطع فمخالفة تلك الشبه الخيالية أولى بالجواز وإن لم يجز مخالفة تلك الشبه فامتناع مخالفة الدليل القاطع أولى وأما الخاص فكل صفة وصف الله تعالى بها نفسه ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم فهي صفة كمال قطعا فلا يجوز تعطيل صفات كماله وتأويلها بما يبطل حقائقها. فالدليل العقلي الذي دل على ثبوت الحياة والقدرة والعلم والإرادة والسمع والبصر دل نظيره على ثبوت الحكمة والرضى والرحمة والغضب والفرح والضحك والذي دل على أنه فاعل بمشيئته واختياره دل على قيام أفعاله به وذلك عين الكمال وكل صفة دل عليها الكتاب والسنة فهي صفة كمال والعقل جازم بإثبات صفات الكمال لله تعالى ويمتنع أن يصف نفسه أو يصفه رسوله بصفة توهم نقصا وهذا دليل أيضا أقوى من كل شبهة للنفاة. يوضحه أن أدلة مباينة الرب لخلقه وعلوه على جميع مخلوقاته أدلة عقلية فطرية توجب العلم الضروري بمدلولها. وأما السمعية فتقارب ألف دليل فعلى المتأول أن يجيب عن ذلك كله وهيهات له بجواب صحيح عن بعض ذلك فنحن نطالبه بجواب صحيح عن دليل واحد وهو: أن الرب تعالى إما أن يكون له وجود خارج عن الذهن ثابت في الأعيان أو لا فإن لم يكن له وجود خارجي كان خيالا قائما بالذهن لا حقيقة له وهذا حقيقة قول المعطلة وإن تستروا بزخرف من القول وإن كان وجوده خارج الذهن فهو مباين له أو هو منفصل عنه إذ لو كان قائما به لكان عرضا من أعراضه وحينئذ فإما أن يكون(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12432",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو هذا العالم أو غيره فإن كان هذا العالم فهذا تصريح بقول أصحاب وحدة الوجود وأنه ليس لهذا العالم إله مباين له منفصل عنه وهذا أكفر أقوال أهل الأرض فإن كان غيره فإما أن يكون قائما بنفسه أو قائما بالعالم فإن كان قائما بالعالم فهو جزء من أجزائه أو صفة من صفاته وليس هذا بقيوم السماوات والأرض وإن كان قائما بنفسه وقد علم أن العالم قائم بنفسه فذاتان قائمتان بأنفسهما ليست إحداهما داخلة في الأخرى ولا خارجة عنها ولا متصلة بها ولا منفصلة عنها ولا محايثة ولا مباينة ولا فوقها ولا تحتها ولا خلفها ولا أمامها ولا عن يمينها ولا عن شمالها كلام له خبء لا يخفى على عاقل منصف والبديهة الضرورية حاكمة باستحالة هذا بل باستحالة تصوره فضلا عن التصديق به. قالوا: فنحن نطالبكم بجواب صحيح عن هذا الدليل الواحد من جملة ألف دليل ونعلم قبل المطالبة أن كل الجهميين على وجه الأرض لو اجتمعوا لما أجابوا عنه بغير المكابرة والتشنيع على أهل الإثبات بالتجسيم والسب هذه وظيفة كل مبطل قامت عليه حجة الله تعالى.  [فصل بيان أن التأويل شر من التعطيل] فصل في بيان أن التأويل شر من التعطيل فإنه يتضمن التشبيه والتعطيل والتلاعب بالنصوص وإساءة الظن بها فإن المعطل والمؤول قد اشتركا في نفي حقائق الأسماء والصفات وامتاز المئول بتلاعبه بالنصوص وإساءة الظن بها ونسبة قائلها إلى التكلم بما ظاهره الضلال والإضلال فجمعوا بين أربعة محاذير: اعتقادهم أن ظاهر كلام الله ورسوله محال باطل ففهموا التشبيه أولا ثم انتقلوا منه إلى المحذور الثاني وهو التعطيل فعطلوا حقائقها بناء منهم على ذلك الفهم الذي لا يليق بهم ولا يليق بالرب سبحانه. المحذور الثالث: نسبة المتكلم الكامل العلم الكامل البيان التام النصح إلى ضد البيان والهدى والإرشاد وأن المتحيرين المتهوكين أجادوا العبارة في هذا الباب وعبروا بعبارة لا توهم من الباطل ما أوهمته عبارة المتكلم بتلك النصوص ولا ريب عند كل عاقل أن ذلك يتضمن أنهم كانوا أعلم منه أو أفصح للناس. المحذور الرابع: تلاعبهم بالنصوص وانتهاك حرماتها. . فلو رأيتها وهم يلوكونها بأفواههم وقد حلت بها المثلات وتلاعب بها أمواج التأويلات ونادى عليها أهل التأويل في سوق: من يزيد(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12433",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فبذل كل واحد في ثمنها من التأويل ما يريد فلو رأيتها وقد عزلت عن سلطنة اليقين وجعلت تحت تحكم تأويل الجاهلين هذا وقد قعد النفاة على صراطها المستقيم بالدفع في صدورها والأعجاز وقالوا: لا طريق لك علينا وإن كان ولا بد فعلى سبيل المجاز فنحن أهل المعقولات وأصحاب البراهين وأنت أدلة لفظية وظواهر سمعية لا تفيد العلم ولا اليقين فسندك آحاد وهو عرضة للطعن في الناقلين وإن صح وتواتر ففهم مراد المتكلم منها موقوف على انتفاء عشرة أشياء لا سبيل إلى العلم بانتفائها عند الناظرين والباحثين. فلا إله إلا الله والله أكبر! ! كم هدمت هذه المعاول من معاقل الإيمان وتثلمت بها حصون حقائق السنة والقرآن فكشف عورات هؤلاء وبيان فضائحهم من أفضل الجهاد في سبيل الله وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: quot; إن روح القدس معك ما دمت تنافح عن رسوله quot;. واعلم أنه لا يستقر للعبد قدم في الإسلام حتى يعقد قلبه على أن الدين كله لله وأن الهدى هدى وأن الحق دائر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وجودا وعدما وأنه لا مطاع سواه ولا متبوع غيره وأن كلام غيره يعرض على كلامه فإن وافقه قبلناه لا لأنه قاله بل لأنه أخبر به عن الله تعالى ورسوله وإن خالفه رددناه ولا يعرض كلامه صلى الله عليه وسلم على آراء القياسيين ولا على عقول الفلاسفة والمتكلمين ولا أذواق المتزهدين بل تعرض هذه كلها على ما جاء به عرض الدراهم المجهولة على أخبر الناقدين فما حكم بصحته فهو منه المقبول وما حكم برده فهو المردود.  [فصل قصد المتكلم من المخاطب حمل كلامه على خلاف ظاهره وحقيقته ينافي قصد البيان] فصل في أن قصد المتكلم من المخاطب حمل كلامه على خلاف ظاهره وحقيقته ينافي قصد البيان والإرشاد وأن القصدين يتنافيان وأن تركه بدون ذلك الخطاب خير له وأقرب إلى الهدى. لما كان المقصود بالخطاب دلالة السامع وإفهامه مراد المتكلم من كلامه وأن يبين(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12434",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له ما في نفسه من المعاني وأن يدله على ذلك بأقرب الطرق كان ذلك موقوفا على أمرين: بيان المتكلم وتمكن السامع من الفهم فإذا لم يحصل البيان من المتكلم أو حصل ولم يتمكن السامع من الفهم لم يحصل مراد المتكلم فإذا بين المتكلم مراده بالألفاظ الدالة على مراده ولم يعلم السامع معاني تلك الألفاظ لم يحصل له البيان فلا بد من تمكن السامع من الفهم وحصول الإفهام من المتكلم وحينئذ فلو أراد الله ورسوله من كلامه خلاف حقيقته وظاهره الذي يفهمه المخاطب لكان قد كلفه أن يفهم مراده بما لا يدل عليه بل بما يدل على نقيض مراده وأراد منه فهم النفي لما يدل على غاية الإثبات وفهم الشيء بما يدل على ضده وأراد منه أن يفهم أنه ليس فوق العرش إله يعبد وأنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا خلفه ولا أمامه بقوله: قل هو الله أحد [الإخلاص: 1] وقوله: ليس كمثله شيء [الشورى: 11] وأراد النبي صلى الله عليه وسلم إفهام أمته هذا المعنى بقوله: quot; لا تفضلوني على يونس بن متى quot; وأراد إفهام كونه خلق آدم بقدرته ومشيئته بقوله: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [ص: 75] وأراد إفهام تخريب السماوات والأرض وإعادتهما إلى العدم بقوله: quot; يقبض الله السماوات بيده اليمنى والأرض باليد الأخرى ثم يهزهن ثم يقول: أنا الملك quot; وأراد إفهام معنى: من ربك ومن تعبد بقوله: quot; أين الله quot; وأشار بإصبعه إلى السماء مستشهدا بربه وليس هناك رب وإله وإنما أراد إفهام السامعين أن الله قد سمع قوله وقولهم فأراد بالإشارة بأصبعه بيان كونه قد سمع قولهم وأمثال ذلك من التأويلات الباطلة التي يعلم السامع قطعا أنها لم ترد بالخطاب ولا تجامع قصد البيان. قال شيخ الإسلام: إن كان الحق فيما يقوله هؤلاء النفاة الذين لا يجدون ما(1\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12435",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقولونه في الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة بل يجدونها على خلاف الحق عندهم إما نصا وإما ظاهرا بل دلت عندهم على الكفر والضلال لزم من ذلك لوازم باطلة: منها أن يكون الله سبحانه قد أنزل في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من هذه الألفاظ ما يضلهم ظاهره ويوقعهم في التشبيه والتمثيل ومنها أن يكون قد ترك بيان الحق والصواب ولم يفصح به بل رمز إليه رمزا وألغزه إلغازا لا يفهم منه إلا بعد الجهد الجهيد ومنها أن يكون قد كلف عباده ألا يفهموا من تلك الألفاظ حقائقها وظواهرها وكلفهم أن يفهموا منها ما لا تدل عليه ولم يجعل معها قرينة تفهم ذلك ومنها أن يكون دائما متكلما في هذا الباب بما ظاهره خلاف الحق بأنواع متنوعة من الخطاب تارة بأنه استوى على عرشه وتارة بأنه فوق عباده وتارة بأنه العلي الأعلى وتارة بأن الملائكة تعرج إليه وتارة بأن الأعمال الصالحة ترفع إليه وتارة بأن الملائكة في نزولها من العلو إلى أسفل تنزل من عنده وتارة بأنه رفيع الدرجات وتارة بأنه في السماء وتارة بأنه الظاهر الذي ليس فوقه شيء وتارة بأنه فوق سماواته على عرشه وتارة بأن الكتاب نزل من عنده وتارة بأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا وتارة بأنه يرى بالأبصار عيانا يراه المؤمنون فوق رءوسهم إلى غير ذلك من تنوع الدلالات على ذلك ولا يتكلم فيه بكلمة واحدة يوافق ما يقوله النفاة ولا يقول في مقام واحد ما هو الصواب فيه لا نصا ولا ظاهرا ولا بينة. ومنها أن يكون أفضل الأمة وخير القرون قد أمسكوا من أولهم إلى آخرهم عن قول الحق في هذا النبأ العظيم الذي هو من أهم أصول الإيمان وذلك إما جهل ينافي العلم وإما كتمان ولقد أساء الظن بخيار الأمة من نسبهم إلى ذلك ومعلوم أنه إذا ازدوج التكلم بالباطل والسكوت عن بيان الحق تولد بينهما جهل الحق وإضلال الخلق ولهذا لما اعتقد النفاة التعطيل صاروا يأتون من العبارات بما يدل على التعطيل والنفي نصا وظاهرا ولا يتكلمون بما يدل على حقيقة الإثبات لا نصا ولا ظاهرا وإذا ورد عليهم من النصوص ما هو صريح أو ظاهر في الإثبات حرفوه أنواع التحريفات وطلبوا له مستكره التأويلات ومنهم أنهم التزموا لذلك تجهيل السلف وأنهم كانوا أميين مقبلين على الزهد والعبادة والورع والتسبيح وقيام الليل ولم تكن الحقائق من شأنهم ومنها أن ترك الناس من إنزال هذه النصوص كان أنفع لهم وأقرب إلى الصواب فإنهم ما استفادوا بنزولها غير التعرض للضلال ولم يستفيدوا منها يقينا ولا(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12436",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "علما لما يجب لله ويمتنع عليه إذ ذاك إنما يستفاد من عقول الرجال فإن قيل: استفدنا منها الثواب على تلاوتها وانعقاد الصلاة بها قيل: هذا تابع للمقصود بها بالقصد الأول وهو الهدى والإرشاد والدلالة على إثبات حقائقها ومعانيها والإيمان بها فإن القرآن لم ينزل لمجرد التلاوة وانعقاد الصلاة بل أنزل ليتدبر ويعقل ويهتدى به علما وعملا ويبصر من العمى ويرشد من الغي ويعلم من الجهل ويشفي من العي ويهدي إلى صراط مستقيم وهذا القصد ينافي قصد تحريفه وتأويله بالتأويلات الباطلة المستكرهة التي هي من جنس الألغاز والأحاجي فلا يجتمع قصد الهدى والبيان وقصد ما يضاده أبدا. ومما يبين ذلك أن الله تعالى وصف كتابه بأوضح البيان وأحسن التفسير فقال تعالى: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين [النحل: 89] فأين بيان المختلف فيه الهدى والرحمة في ألفاظ ظاهرها باطل والمراد منها تطلب أنواع التأويلات المستكرهة المستنكرة لها التي لا يفهم منها بل يفهم منها ضدها وقال تعالى: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل: 44] فأين بين الرسول صلى الله عليه وسلم ما يقوله النفاة والمتأولون وقال تعالى: والله يقول الحق وهو يهدي السبيل [الأحزاب: 4] وعند النفاة إنما حصلت الهداية بأبكار أفكارهم ونتائج آرائهم وقال تعالى: فبأي حديث بعده يؤمنون [الأعراف: 185] وعند النفاة المخرجين لنصوص الوحي عن إفادة اليقين إنما حصل اليقين بالحديث الذي أسسه الفلاسفة والجهمية والمعتزلة ونحوهم فبه اهتدوا وبه آمنوا وبه عرفوا الحق من الباطل وبه صحت عقولهم ومعارفهم وقال تعالى: أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [النساء: 82] وأنت لا تجد الخلاف في شيء أكثر منه في آراء المتأولين التي يسمونها قواطع عقلية وهي عند التحقيق خيالات وهمية نبذوا بها القرآن والسنة وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12437",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون - ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون - أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين - وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم - وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون - إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين [الأنعام: 112 - 117] .  [فصل في بيانه أنه مع كمال علم المتكلم يمتنع عليه أن يريد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته] فصل في بيانه أنه مع كمال علم المتكلم وفصاحته وبيانه ونصحه يمتنع عليه أن يريد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته ويكتفى من هذا الفصل بذكر مناظرة جرت بين جهمي وسني حدثني بمضمونها شيخنا عبد الله بن تيمية أنه جمعه وبعض الجهمية مجلس فقال الشيخ: قد تطابقت نصوص الكتاب والسنة والآثار على إثبات الصفات لله وتنوعت دلالتها أنواعا توجب العلم الضروري بثبوتها وإرادة المتكلم اعتقاد ما دلت عليه والقرآن مملوء من ذكر الصفات والسنة ناطقة بما نطق به القرآن ومقررة له مصدقة له مشتملة على زيادة في الإثبات فتارة يذكر الاسم الدال على الصفة كالسميع البصير العليم القدير العزيز الحكيم وتارة يذكر المصدر وهو الوصف الذي اشتقت منه تلك الصفة كقوله: أنزله بعلمه [النساء: 166] وقوله: إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين [الذاريات: 58] وقوله: إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي [الأعراف: 144] وقوله: فبعزتك لأغوينهم أجمعين [ص: 82] وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح quot; حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه quot; وقوله في دعاء الاستخارة: quot; اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك quot; وقوله: quot; أسألك(1\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12438",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق quot; وقول عائشة رضي الله عنها: quot; سبحان الذي وسع سمعه الأصوات quot; ونحوه وتارة يذكر حكم تلك الصفة كقوله: قد سمع الله [المجادلة: 1] إنني معكما أسمع وأرى [طه: 46] وقوله: فقدرنا فنعم القادرون [المرسلات: 23] وقوله: علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم [البقرة: 187] ونظائر ذلك كثيرة. ويصرح في الفوقية بلفظها الخاص وبلفظ العلو والاستواء وأنه (في السماء) وأنه (ذو المعارج) وأنه (رفيع الدرجات) وأنه (تعرج إليه الملائكة) وتنزل من عنده وأنه ينزل إلى السماء الدنيا وأن المؤمنين يرونه بأبصارهم عيانا من فوقهم إلى أضعاف ذلك مما لو جمعت النصوص والآثار فيه لم تنقص عن نصوص الأحكام وآثارها ومن أبين المحال وأوضح الضلال حمل ذلك كله على خلاف حقيقته وظاهره ودعوى المجاز فيه والاستعارة وأن الحق في أقوال النفاة المعطلين وأن تأويلاتهم هي المرادة من هذه النصوص إذ يلزم من ذلك محاذير ثلاثة لا بد منها وهي: القدح في علم المتكلم بها أو في بيانه أو في نصحه. وتقرير ذلك أن يقال: إما أن يكون المتكلم بهذه النصوص عالما أن الحق في تأويلات النفاة المعطلين أو لا يعلم ذلك فإن لم يعلم ذلك كان ذلك قدحا في علمه وإن كان عالما أن الحق فيها فلا يخلو إما أن يكون قادرا على التعبير بعبارتهم التي هي تنزيه لله بزعمهم عن التشبيه والتمثيل والتجسيم وأنه لا يعرف الله من لم ينزه الله بها أو لا يكون قادرا على تلك العبارة فإن لم يكن قادرا على التعبير بذلك لزم القدح في فصاحته وكان ورثة الصابئة وأفراخ الفلاسفة وأوقاح المعتزلة والجهمية وتلامذة الملاحدة أفصح منه وأحسن بيانا وتعبيرا عن الحق وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة أولياؤه وأعداؤه وموافقوه ومخالفوه فإن مخالفيه لم يشكوا أنه أفصح الخلق وأقدرهم على حسن التعبير بما يطابق المعنى ويخلصه من اللبس والإشكال(1\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12439",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن كان قادرا على ذلك ولم يتكلم به وتكلم دائنا بخلافه كان ذلك قدحا في نصحه وقد وصف الله رسله بأنهم أنصح الخلق لأممهم فمع النصح والبيان والمعرفة التامة كيف يكون مذهب النفاة المعطلة أصحاب التحريف هو الصواب وقول أهل الإثبات أتباع القرآن والسنة باطلا قال المصنف: وقريب من هذه المناظرة ما جرى لي مع بعض علماء أهل الكتاب وأفضى بنا الكلام إلى مسبة النصارى لرب العالمين مسبة ما سبه إياها أحد من البشر فقلت له: وأنتم بإنكاركم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قد سببتم الرب تعالى أعظم مسبة قال: وكيف ذلك قلت: لأنكم تزعمون أن محمدا ملك ظالم ليس برسول صادق وأنه خرج يستعرض الناس بسيفه فيستبيح أموالهم ونساءهم وذراريهم ولا يقتصر على ذلك حتى يكذب على الله ويقول: الله أمرني بهذا وأباحه لي ولم يأمره الله ولا أباح له ذلك ويقول: أوحي إلي ولم يوح إليه شيء وينسخ شرائع الأنبياء من عنده ويبطل منها ما شاء ويبقي منها ما شاء وينسب ذلك كله إلى الله ويقتل أولياءه وأتباع رسله ويسترق نساءهم وذريتهم فإما أن يكون الله تعالى رائيا لذلك كله عالما به أو لا فإن قلتم: إن ذلك بغير علمه واطلاعه نسبتموه إلى الجهل والغباوة وذلك من أقبح السب وإن كان عالما به فإما أن يقدر على الأخذ على يديه ومنعه من ذلك أو لا فإن قلتم: إنه غير قادر على منعه نسبتموه إلى العجز وإن قلتم: بل هو قادر على منعه ولم يفعل نسبتموه إلى السفه والظلم هذا هو أمره من حين ظهر إلى أن توفاه ربه يجيب دعاءه ويقضي حوائجه ولا يقوم له عدو إلا أظفره به وأمره من حين ظهر إلى أن توفاه الله تعالى يزداد على الليالي والأيام ظهورة وعلوا ورفعة وأمر مخالفيه لا يزداد إلا سفولا واضمحلالا ومحبته في قلوب الخلق تزيد على ممر الأوقات وربه تعالى يؤيده بأنواع التأييدات هذا هو عندكم من أعظم أعدائه وأشدهم ضررا على الناس فأي قدح في رب العالمين وأي مسبة أعظم من ذلك فأخذ الكلام منه ما أخذ وقال: حاشا لله أن نقول فيه هذه المقالة بل هو نبي صادق كل من اتبعه فهو سعيد وكل منصف منا يقر بذلك ويقول: أتباعه سعداء في الدارين قلت: فما يمنعك من الظفر بهذه السعادة فقال: وأتباع كل نبي من الأنبياء فأتباع موسى أيضا سعداء قلت: فإذا أقررت أنه نبي صادق وقد كفر من لم يتبعه فإن صدقته في هذا وجب عليك اتباعه وإن كذبته فيه لم يكن نبيا فكيف يكون أتباعه سعداء فلم يحر جوابا وقال: حدثنا في غير هذا.(1\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12440",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل بيان أن تيسر القرآن للذكر ينافي حمله على التأويل المخالفات لحقيقته وظاهره] فصل في بيان أن تيسر القرآن للذكر ينافي حمله على التأويل المخالفات لحقيقته وظاهره أنزل الله الكتاب شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ولذلك كانت معانيه أشرف المعاني وألفاظه أفصح الألفاظ وأبينها وأعظمها مطابقة لمعانيها المرادة منها كما وصفه الله تعالى بقوله: ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا [الفرقان: 33] فالحق هو المعنى والمدلول الذي تضمنه الكتاب والتفسير الأحسن هو الألفاظ الدالة على ذلك الحق فهو تفسيره وبيانه والتفسير أصله من البيان والظهور ويلاقيه في الاشتقاق الأكبر الإسفار ومنه: أسفر الفجر إذا أضاء ووضح ومنه السفر لبروز المسافر من البيوت ومنه السفر الذي يتضمن إظهار ما فيها من العلم فلا بد أن يكون التفسير مطابقا للمفسر مفهما له. ولا تجد كلاما أحسن تفسيرا ولا أتم بيانا من كلام الله سبحانه ولهذا سماه الله بيانا وأخبر أنه يسره للذكر ويسر ألفاظه للحفظ ومعانيه للفهم وأوامره ونواهيه للامتثال ومعلوم أنه لو كان بالألفاظ لا يفهمها المخاطب لم يكن ميسرا له بل كان معسرا عليه وإذا أريد من المخاطب أن يفهم من ألفاظه ما لا يدل عليه من المعاني أو يدل على خلافه فهذا من أشد التعسير فإنه لا شيء أعسر على الأمة من أن يراد منهم أن يفهموا كونه سبحانه لا داخلا في العالم ولا خارجه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولا مباينا له ولا محايثا له ولا يرى بالأبصار عيانا ولا له يد ولا وجه من قوله: قل هو الله أحد [الإخلاص: 1] ومن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; لا تفضلوني على يونس بن متى quot; ومن قوله: الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به [غافر: 7] وأن يجهدوا أنفسهم ويكابدوا أعظم المشقة في تطلب أنواع الاستعارات وضروب المجازات ووحشي اللغات ليحملوا عليها آيات الصفات وأخبارها ويقول: يا عبادي اعلموا أنى أردت منكم أن تعلموا أني لست فوق العالم(1\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12441",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا تحته ولا فوق العرش ولا ترفع الأيدي إلي ولا يعرج إلي شيء ولا ينزل من عندي شيء من قولي: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] ومن قولي: يخافون ربهم من فوقهم [النحل: 50] ومن قولي: تعرج الملائكة والروح إليه [المعارج: 4] ومن قولي: بل رفعه الله إليه [النساء: 158] ومن قولي: رفيع الدرجات ذو العرش [غافر: 15] ومن قولي: وهو العلي العظيم [البقرة: 255] وأن تفهموا أنه ليس لي يدان من قولي: لما خلقت بيدي [ص: 75] ولا عين من قولي: ولتصنع على عيني [طه: 39] فإنكم متى فهمتم من هذه الألفاظ حقائقها وظواهرها فهمتم خلاف مرادي منكم أن تفهموا منها ما يدل على خلاف حقائقها وظواهرها. فأي تيسير يكون هناك وأي تعقيد وتعسير لم يحصل بذلك ومعلوم أن خطاب الرجل بما لا يفهمه إلا بترجمة أيسر عليه من خطابه بما كلف أن يفهم منه خلاف موضوعه فتيسير القرآن مناف لطريقة النفاة المحرفين أعظم منافاة ولهذا لما عسر عليهم أن يفهموا منه النفي عولوا على الشبه الخيالية.  [فصل اشتمال الكتب الإلهية على الأسماء والصفات أكثر من اشتمالها على ما عداه] فصل اشتمال الكتب الإلهية على الأسماء والصفات أكثر من اشتمالها على ما عداه وذلك لشرف متعلقها وعظمته وشدة الحاجة إلى معرفته فكانت الطرق إلى تحصيل معرفته أكثر وأسهل وأبين من غيره وهذا من كمال حكمة الرب تبارك وتعالى وتمام نعمته وإحسانه أنه كلما كانت حاجة العباد إلى الشيء أقوى كان بذله لهم أكثر وأسهل وهذا في الخلق والأمر فإن حاجتهم لما كانت إلى الهواء أكثر من الماء في القوت كان موجودا معهم في كل مكان وزمان وهو أكثر من غيره وكذلك لما كانت حاجتهم إلى الماء شديدة إذ هو مادة أقواتهم وفواكههم وشرابهم كان مبذولا لهم أكثر من غيره وهكذا الأمر في مراتب الحاجات ومعلوم أن حاجتهم إلى معرفة ربهم وفاطرهم فوق مراتب هذه الحاجات كلها فإنه لا سعادة لهم ولا فلاح ولا صلاح ولا(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12442",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نعيم إلا بأن يعرفوه ويعتقدوه ويكون هو وحده غاية مطلوبهم والتقرب إليه قرة عيونهم فمتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالا من الأنعام وكانت الأنعام أطيب عيشا منهم في العاجل وأسلم عاقبة في الآجل. وإذا علم أن ضرورة العبد إلى معرفة ربه فوق كل ضرورة كانت العناية ببيانها أيسر الطرق وأهداها وأبينها وإذا سلط التأويل على النصوص المشتملة عليها فتسليطه على النصوص التي ذكرت فيها الملائكة أقرب بكثير فإن الله تعالى لم يذكر لعباده من صفة الملائكة وشأنهم وأفعالهم عشر معشار ما ذكر لهم من نعوت جلاله وصفات كماله فإذا كانت هذه قابلة للتأويل فالآيات التي ذكر فيها الملائكة أولى بذلك ولذلك تأولها الملاحدة كما تأولوا نصوص المعاد واليوم الآخر وأبدوا لها تأويلات ليست بدون تأويلات الجهمية لنصوص الصفات وأولت هذه الطائفة عامة نصوص الأخبار الماضية والآتية وقالوا للجهمية: بيننا وبينكم حاكم العقل فإن القرآن بل الكتب المنزلة مملوءة بذكر الفوقية وعلو الله على عرشه وأنه تكلم ويتكلم وأنه موصوف بالصفات وأن له أفعالا تقوم به وهو بها فاعل وأنه يرى بالأبصار إلى غير ذلك من نصوص آيات الصفات وأخبارها التي إذا قيس إليها نصوص حشر هذه الأجساد وخراب هذا العالم وإعدامه لإنشاء عالم آخر وجدت نصوص الصفات أضعاف أضعافها حتى قيل: إن الآيات والأخبار الدالة على علو الرب على خلقه واستوائه على عرشه تقارب الألوف وقد أجمعت عليها الرسل من أولهم إلى آخرهم فما الذي سوغ لكم تأويلها وحرم علينا تأويل نصوص حشر الأجساد وخراب العالم فإن قلتم: الرسل أجمعوا على المجيء به فلا يمكن تأويله قيل: وقد أجمعوا أنه استوى فوق عرشه وأنه تكلم ومتكلم وأنه فاعل حقيقة موصوف بالصفات فإن منع إجماعهم هناك من التأويل وجب أن يمنع هنا. فإن قلتم: أوجب تأويل نصوص آيات الصفات ولم يوجب تأويل نصوص المعاد قلنا: هاتوا أدلة العقول التي بها الصفات ونحضر أدلة العقول التي بها المعاد وحشر الأجساد ونوازن بينها ليتبين أيها أقوى. فإن قلتم: إنكار المعاد تكذيب لما علم من الإسلام بالضرورة قلنا: أيضا إنكار صفات الرب وأنه يتكلم وأنه فوق سماواته وأن الأمر ينزل من عنده تكذيب لما علم أنهم جاءوا به ضرورة.(1\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12443",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قلتم: تأويلنا للنصوص التي جاءوا بها لا يستلزم تكذيبهم قلنا: فمن أين صار تأويلنا للنصوص التي جاءوا بها في الميعاد يستلزم تكذيبهم دون تأويلكم: ألمجرد التشهي فصاحت القرامطة والملاحدة والباطنية وقالوا: ما الذي سوغ لكم تأويل الأخبار وحرم علينا تأويل الأمر والنهي والتحريم والإيجاب ومورد الجميع عن مشكاة واحدة قالوا: وأين تقع نصوص الأمر والنهي من نصوص الخبر قالوا: وكثير منكم قد فتحوا لنا باب التأويل في الأمر فأولوا أوامر ونواهي كثيرة صريحة الدلالة أو ظاهرة الدلالة في معناها بما يخرجها عن حقائقها فهلم نضعها في كفة ونضع تأويلاتنا في كفة ونوازن بينها ونحن لا ننكر أنا أكثر تأويلا منهم ولكنا وجدنا بابا مفتوحا فدخلناه. فهذه من شؤم جناية التأويل على الإيمان والإسلام وقد قيل: إن طرد إبليس ولعنه إنما كان بسبب التأويل فإنه عارض النص بالقياس وقدمه عليه وتأول لنفسه أن هذا القياس العقلي مقدم على نص الأمر بالسجود فإنه قال: أنا خير منه [الأعراف: 12] وهذا دليل قد حذفت إحدى مقدمتيه وهي: أن الفاضل لا يخضع للمفضول وطوى ذكر هذه المقدمة كأنها صورة معلومة وقرر المقدمة الأولى بقوله: خلقتني من نار وخلقته من طين [الأعراف: 12] فكان نتيجة المقدمتين امتناعه من السجود وظن أن هذه الشبهة العقلية تنفعه بتأويله فجرى عليه ما جرى وصار إماما لكل من عارض نصوص الوحي بتأويله إلى يوم القيامة. فلا إله إلا الله والله أكبر كم لهذا الإمام اللعين من أتباع من العالمين وأنت إذا تأملت عامة شبه المتأولين رأيتها من جنس شبهته والقائل: إذا تعارض العقل والنقل(1\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12444",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قدمنا العقل من هنا اشتق هذه القاعدة وجعلها أصلا لرد نصوص الوحي التي يزعم أن العقل يخالفها وعرضت هذه الشبهة لعدو الله من جهة كبره الذي منعه من الانقياد المحض لنصوص الوحي وهكذا إلحاده في نصوص الوحي إنما يحمله على ذلك كبر في صدره ما هو ببالغه قال الله تعالى: إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير [غافر: 56] وكذلك خروج آدم من الجنة إنما كان بالتأويل وإلا فهو صلى الله عليه وسلم لم يقصد بالأكل معصية الرب ثم اختلف الناس في وجه تأويله فقالت طائفة: تأول بحمله النهي المطلق على الشجرة المعينة وغره عدو الله بأن جنس تلك الشجرة هي شجرة الخلد وأطمعه في أنه إن أكل منها لم يخرج من الجنة وفي هذا نظر ظاهر فإن الله تعالى أخبر أن إبليس قال له: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين [الأعراف: 20] فذكر لهما عدو الله الشجرة التي نهيا عنها إما بعينها أو بجنسها وصرح لهما بأنها هي المنهي عنها ولو كان عند آدم أن المنهي عنه تلك الشجرة المعينة دون سائر النوع لم يكن عاصيا بأكله من غيره ولا أخرجه الله من الجنة ونزع عنه لباسه. وقالت فرقة أخرى: تأول آدم أن النهي نهي تنزيه لا نهي تحريم فأقدم وأيضا فحيث نهى الله تعالى عن فعل الشيء بقربانه لم يكن أصلا لتحريم كقوله: ولا تقربوهن حتى يطهرن [البقرة: 222] ولا تقربوا الزنا [الإسراء: 32] ولا تقربوا مال اليتيم [الأنعام: 152] وأيضا لو كان للتنزيه لما أخرجه الله من الجنة وأخبر أنه عصى ربه. وقالت طائفة: بل كان تأويله أن النهي إنما كان عن قربانهما وأكلهما معا لا عن أكل كل منهما على انفراده لأن قوله: ولا تقربا [البقرة: 35] نهي لهما عن الجمع ولا يلزم من حصول النهي حال الاجتماع حصوله حال الانفراد وهذا التأويل ذكره ابن الخطيب في تفسيره وهو كما ترى في البطلان والفساد ونحن نقطع أن هذا(1\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12445",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التأويل لم يخطر بقلب آدم وحواء ألبتة وهما كانا أعلم بالله من ذلك وأصح أفهاما أفترى فهم أحد من قول الله تعالى: ولا تقربوا الزنا [الإسراء: 32] ولا تقربوا مال اليتيم [الأنعام: 152] ونظائره أي إنما نهيتكم عن اجتماعكم على ذلك دون انفراد كل واحد منكم به فيا للعجب من أوراق وقلوب تسود على هذه الهذيانات. والصواب أن يقول: إن آدم لما قاسمه عدو الله أنه ناصح له وأخرج الكلام على أنواع متعددة من التأكد: أحدها: القسم الثاني: الإتيان بجملة اسمية لا فعلية والثالث: تصديرها بأداة التأكد الرابع: الإتيان بلام التشديد في الخبر الخامس: الإتيان به اسم فاعل لا فعلا دالا على الحديث والسادس: تقديم المعمول فيه ولم يكن آدم يظن أن أحدا يقسم بالله كاذبا غموسا يتجرأ فيها هذه الجرأة فغره عدو الله بهذا التأكد فظن آدم صدقه وأنه إن أكل منها لم يخرج من الجنة ورأى أن الأكل وإن كان فيه مفسدة فمصلحة الخلود أرجح ولعله يتهيأ له استدراك مفسدة النهي في أثناء ذلك إما باعتذار وإما بتوبة كما تجد هذا التأويل قائما في نفس كل مؤمن أقدم على المعصية.  [فصل في بيان ما يقبل التأول من الكلام وما لا يقبله] فصل في بيان ما يقبل التأول من الكلام وما لا يقبله لما كان وضع الكلام للدلالة على مراد المتكلم وكان مراده لا يعلم إلا بكلامه انقسم كلامه ثلاثة أقسام: أحدها: ما هو نص في مراده لا يقبل محتملا غيره والثاني: ما هو ظاهر في مراده وإن احتمل أن يريد غيره الثالث: ما ليس بنص ولا ظاهر في المراد بل هو محتمل محتاج إلى البيان فالأول يستحيل دخول التأويل فيه إذ تأويله كذب ظاهر على المتكلم وهذا شأن عامة نصوص القرآن الصريحة في معناها خصوصا آيات الصفات والتوحيد وإن الله مكلم متكلم آمر ناه قائل مخبر موجد حاكم واعد وموعد مبين هاد داع إلى دار السلام وأنه تعالى فوق عباده عال على كل شيء مستو على عرشه ينزل الأمر من عنده ويعرج إليه وأنه(1\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12446",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعال حقيقة وأنه كل يوم في شأن فعال لما يريد وأنه ليس للخلق من دونه ولي ولا شفيع يطاع ولا ظهير وأنه المتفرد بالربوبية والتدبير والقيومية فإنه يعلم السر وأخفى [طه: 7] وما تسقط من ورقة إلا يعلمها [الأنعام: 59] وأنه يسمع الكلام الخفي كما يسمع الجهر ويرى ما في السماوات والأرض ولا تخفى عليه منها ذرة واحدة وأنه على كل شيء قدير ولا يخرج مقدور واحد عن قدرته البتة كما لا يخرج عن علمه وتكوينه وأن له ملائكة مدبرة بأمره للعالم تصعد وتنزل وتتحرك وتتنقل من مكان إلى مكان وأنه يذهب بالدنيا ويخرب هذا العالم ويأتي بالآخرة ويبعث من في القبور إلى أمثال ذلك من النصوص التي هي في الدلالة على مرادها كدلالة لفظ العشرة والثلاثة على مدلولها وكدلالة لفظ الشمس والقمر والليل والنهار والبر والبحر والبغال والإبل والبقر والذكر والأنثى على مدلولها لا فرق بين ذلك البتة. فهذا القسم إن سلط التأويل عليه عاد الشرع كله مؤولا لأنه أظهر أقسام القرآن ثبوتا وأكثرها ورودا ودلالة ودلالة القرآن عليه متنوعة غاية التنوع فقبول ما سواه للتأويل أقرب من قبوله بكثير. القسم الثاني: ما هو ظاهر في مراد المتكلم ولكنه يقبل التأويل فهذا ينظر في وروده فإن اطرد استعماله على وجه استحال تأويله بما يخالف ظاهره لأن التأويل إنما يكون لموضع جاء خارجا عن نظائره متفردا عنها فيؤول حتى يرد إلى نظائره وتأويل هذا غير ممتنع إذا عرف من عادة المتكلم اطراد كلامه في توارد استعماله معنى ألفه المخاطب فإذا جاء موضع يخالفه رده السامع إلى ما عهد من عرف المخاطب إلى عادته المطردة. وهذا هو المعقول في الأذهان والفطر وعند كافة العقلاء. وقد صرح أئمة العربية بأن الشيء إنما يجوز حذفه إذا كان الموضع الذي ادعى فيه حذفه قد استعمل فيه ثبوته أكثر من حذفه فلا بد أن يكون موضع ادعاء الحذف قد استعمل فيه ثبوته أكثر من حذفه حتى إذا جاء ذلك محذوفا في موضع علم بكثرة ذكره في نظائره أنه قد أزيل في هذا الموضع فحمل عليه فهذا شأن من يقصد البيان وأما من يقصد التلبيس والتعمية فله شأن آخر.(1\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12447",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مثال ذلك قوله: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] ثم استوى على العرش [الأعراف: 54] في جميع موارده من أولها إلى آخرها على هذا اللفظ فتأويله باستولى باطل وإنما كان يصح أن لو كان كثر مجيئه بلفظ استولى ثم يخرج موضع عن نظائره ويرد بلفظ استولى فهذا كان يصح تأويله باستولى فتفطن لهذا الموضع واجعله قاعدة فيما يمتنع تأويله من كلام المتكلم ويجوز تأويله. ونظير هذا اطراد النصوص بالنظر إلى الله تعالى هكذا quot; ترون ربكم quot; quot; تنظرون إلى ربكم quot; إلى ربها ناظرة [القيامة: 23] ولم يجئ في موضع واحد: ترون ثواب ربكم فيحمل عليه ما خرج عن نظائره. ونظير ذلك اطراد قوله: وناديناه [مريم: 52] يناديهم [القصص: 62] وناداهما ربهما [الأعراف: 22] وما كنت بجانب الطور إذ نادينا [القصص: 46] إذ ناداه ربه [النازعات: 16] ونظائرها ولم يجئ في موضع واحد: أمرنا من يناديهم ولا: ناداه ملك فتأويله بذلك عين المحال. ونظير ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: quot; ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول. . . quot; في نحو ثلاثين حديثا كلها مصرحة بإضافة النزول إلى الرب تعالى: ولم يجئ موضع واحد بقوله: ينزل ملك ربنا حتى يحمل ما خرج عن نظائره عليه. وإذا تأملت نصوص الصفات التي لا تسمح الجهمية بتسميتها نصوصا وإذا احترموها قالوا: ظواهر سمعية وقد عارضها القواطع العقلية وجدتها كلها من هذا الباب. ومما يقتضي منه العجب أن كلام شيوخهم وتصنيفهم عندهم نص في مرادهم لا يحتمل التأويل وكلام الموافقين عندهم نص لا يجوز تأويله حتى إذا جاءوا إلى كلام الله ورسوله وقفوه على التأويل.(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12448",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القسم الثالث: الخطاب بالمجمل الذي أحيل بيانه على خطاب آخر فهذا أيضا لا يجوز تأويله إلا بالخطاب الذي يبينه وقد يكون بيانه معه وقد يكون بيانه منفصلا عنه. والمقصود أن الكلام الذي هو عرضة التأويل أن يكون له عدة معان وليس معه ما يبين مراد المتكلم فهذا التأويل فيه مجال واسع وليس في كلام الله ورسوله منه شيء من الجمل المركبة وإن وقع في الحروف المفتتح بها السور بل إذا تأمل من بصره الله تعالى طريقة القرآن والسنة وجدها متضمنة لدفع ما يوهمه الكلام من خلاف ظاهره وهذا موضع لطيف جدا في فهم القرآن نشير إلى بعضه. فمن ذلك قوله تعالى: وكلم الله موسى تكليما [النساء: 164] رفع سبحانه توهم المجاز في تكليمه لكليمه بالمصدر المؤكد الذي لا يشك عربي القلب واللسان أن المراد به إثبات تلك الحقيقة كما تقول العرب: مات موتا ونزل نزولا ونظائره. ونظيره التأكيد بالنفس والعين و quot; كل quot; وأجمع والتأكيد بقوله: حقا ونظائره ومن ذلك قوله تعالى: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير [المجادلة: 1] فلا يشك صحيح الفهم ألبتة في هذا الخطاب أنه نص صريح لا يحتمل التأويل بوجه في إثبات صفة السمع للرب تعالى حقيقة وأنه بنفسه يسمع. ومن ذلك قوله تعالى: والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون [الأعراف: 42] فرفع توهم السامع أن المكلف به عمل جميع الصالحات المقدورة والتجوز عنها يجوزه أصحاب تكليف ما لا يطاق رفع هذا التوهم بجملة اعترض بها بين المبتدأ وخبره تزيل الإشكال. ونظيره: وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها [الأنعام: 152] ومن ذلك قوله تعالى: فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين [النساء: 84] فلما أمره بالقتال وأخبره أنه لا يكلف بغيره بل وإنما يكلف بنفسه أتبعه بقوله: وحرض المؤمنين [النساء: 84] لئلا يتوهم سامع أنه وإن لم يكلف بهم فإنه يهملهم ويتركهم.(1\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12449",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن ذلك قوله تعالى: والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين [الطور: 21] فتأمل كم في هذا الكلام من رفع إيهام منها قوله: واتبعتهم ذريتهم بإيمان [الطور: 21] لئلا يتوهم أن الاتباع في نسب أو تربية أو حرية أو رق أو غير ذلك ومنها قوله: وما ألتناهم من عملهم من شيء [الطور: 21] لرفع توهم أن الآباء تحط إلى درجة الأبناء ليحصل الإلحاق والتبعية فأزال هذا الوهم بقوله: وما ألتناهم من عملهم [الطور: 21] أي: ما نقصنا الآباء بهذا الاتباع شيئا من عملهم بل رفعنا الذرية إليهم قرة لعيونهم وإن لم يكن لهم أعمال يستحقون بها تلك الدرجة. ومنها قوله: كل امرئ بما كسب رهين [الطور: 21] فلا يتوهم متوهم أن هذا الاتباع حاصل في أهل الجنة وأهل النار بل هو للمؤمنين دون الكفار فإن الله سبحانه لا يعذب أحدا إلا بكسبه وقد يثيبه من غير كسبه. ومنها قوله: يانساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا [الأحزاب: 32] فلما أمرهن بالتقوى التي شأنها التواضع ولين الكلام نهاهن عن الخضوع بالقول لئلا يطمع فيهن ذو المرض ثم أمرهن بعد ذلك بالقول المعروف دفعا لتوهم الإذن في الكلام المنكر لما نهين عن الخضوع بالقول. ومنه قوله تعالى: وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر [البقرة: 187] فرفع توهم فهم الخيطين من الخيوط بقوله: من الفجر [البقرة: 187] . ومن ذلك قوله تعالى: لمن شاء منكم أن يستقيم [التكوير: 28] فلما أثبت لهم مشيئة فلعل متوهما يتوهم استقلالهم بها فأزال سبحانه ذلك بقوله: وما تشاءون إلا أن يشاء الله [الإنسان: 30] ونظير ذلك قوله تعالى: كلا إنه تذكرة - فمن شاء ذكره - وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة [المدثر: 54 - 56] . ومن ذلك قوله تعالى: وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن [التوبة: 111] فلعل(1\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12450",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "متوهما أن يتوهم أن الله يجوز عليه ترك الوفاء بما وعد به فأزال ذلك بقوله: ومن أوفى بعهده من الله [التوبة: 111] . ومن ذلك قوله تعالى: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك [الأنعام: 158] فلما ذكر إتيانه سبحانه ربما توهم أن المراد إتيان بعض آياته أزال هذا الوهم ورفعه بقوله: أو يأتي بعض آيات ربك [الأنعام: 158] فصار الكلام مع هذا التقسيم والتنويع نصا صريحا في معناه لا يحتمل غيره. وإذا تأملت أحاديث الصفات رأيت هذا لائحا على صفحاتها بادئا على ألفاظها كقوله صلى الله عليه وسلم: quot; إنكم ترون ربكم عيانا كما ترى الشمس في الظهيرة صحوا ليس دونها سحاب وكما نرى القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب quot; وقوله صلى الله عليه وسلم: quot; ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان يترجم له ولا حاجب يحجبه quot; فلما كان كلام الملوك قد يقع بواسطة الترجمان ومن وراء الحجاب أزال هذا الوهم من الأفهام. وكذلك لما قرأ صلى الله عليه وسلم: وكان الله سميعا بصيرا [النساء: 134] وضع إبهامه على أذنه وعينه رفعا لتوهم متوهم أن السمع والبصر غير العينين المعلومتين وأمثال ذلك كثير في الكتاب والسنة كما في الحديث الصحيح أنه قال: quot; يقبض الله سماواته بيده والأرض بيده الأخرى ثم جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض يده ويبسطها quot; تحقيقا لإثبات اليد وإثبات صفة القبض. ومن هذا إشارته إلى السماء حين استشهد ربه تبارك وتعالى على الصحابة أنه(1\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12451",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بلغهم تحقيقا لإثبات صفة العلو وأن الرب الذي استشهده فوق العالم مستو على عرشه.  [فصل لا يأتي المعطل للتوحيد العلمي بتأويل إلا أمكن المعطل للتوحيد العملي أن يأتي بتأويل من جنسه] فصل في بيان أنه لا يأتي المعطل للتوحيد العلمي الخبري بتأويل إلا أمكن المشرك المعطل للتوحيد العملي أن يأتي بتأويل من جنسه وقد اعترف حذاق الفلاسفة وفضلاؤهم فقال أبو الوليد بن رشد في كتاب (الكشف عن مناهج الأدلة) القول في الجهة: وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة يثبتونها لله سبحانه وتعالى حتى نفتها المعتزلة ثم اتبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله وظواهر الشرع كله تقتضي إثبات الجهة مثل قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] ومثل قوله: وسع كرسيه السماوات والأرض [البقرة: 255] ومثل قوله تعالى: ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية [الحاقة: 17] ومثل قوله: تعرج الملائكة والروح إليه [المعارج: 4] ومثل قوله: أأمنتم من في السماء [الملك: 16] إلى غير ذلك من الآيات التي إن سلط التأويل عاد الشرع كله متأولا وإن قيل فيها: إنها من المتشابهات عاد الشرع كله متشابها ; لأن الشرائع كلها مبينة أن الله في السماء ومنه تنزل الملائكة إلى النبيين بالوحي وأن من السماء نزلت الكتب وإليها كان الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى قرب من سدرة المنتهى وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الملائكة في السماء كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك. والشبهة التي قادت نفاة الجهمية إلى نفيها هي أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان وإثبات المكان يوجب إثبات الجهة ونحن نقول: إن إثبات هذا كله غير لازم فالجهة غير المكان وذلك أن الجهة إما سطوح الجسم نفسه المحيط به وهي ستة وبهذا نقول: إن للحيوان فوق وأسفل ويمينا وشمالا وأماما وخلفا وإما(1\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12452",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سطوح جسم آخر يحيط بالجسم ذي الجهات الست فأما الجهات التي هي سطوح الجسم نفسه فليست بمكان للجسم نفسه أصلا وأما سطوح الأجسام المحيطة فهي له مكان مثل سطوح الهواء المحيط بالإنسان وسطوح الفلك المحيط بسطوح الهواء هي أيضا مكان هواء وهكذا الأفلاك بعضها محيطة ببعض ومكان له وأما سطح الفلك الخارج فقد تبرهن أنه ليس خارجه جسم لأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون خارج ذلك الجسم جسم آخر ويمر إلى غير نهاية فإذن سطح آخر أجسام العالم ليس مكانا أصلا إذ ليس يمكن أن يوجد فيه جسم فإذن إن قام البرهان على وجود موجود في هذه الجهة فواجب أن يكون غير جسم والذي يمنع وجوده هناك هو عكس ما ظنه القوم وهو موجود هو جسم لا موجود ليس بجسم. وليس لهم أن يقولوا: إن خارج العالم خلاء وذلك أن الخلاء قد تبين في العلوم النظرية امتناعه ; لأن ما يدل عليه اسم الخلاء ليس هو شيئا كثر من أبعاد ليس فيها جسم أعني طولا وعرضا وعمقا لأنه إن رفعت الأبصار عنه عاد عدما وإن فرضت الخلاء موجودا لزم أن يكون أعراضا موجودة في غير جسم وذلك أن الأبعاد هي أعراض في باب الكمية ولا بد ولكنه قيل في الآراء السالفة القديمة والشرائع الغابرة: إن ذلك الموضع ليس بمكان ولا يحويه زمان وكذلك إن كان كل ما يحويه المكان والزمان فاسدا فقد يلزم أن يكون ما هنالك غير فاسد ولا كائن وقد بين هذا المعنى ما أقوله وذلك أنه لما لم يكن هاهنا شيء إلا هذا الموجود المحسوس أو العدم وكان من المعروف بنفسه أن الموجود شيء إنما ينسب إلى الوجود أعني أنه يقال: موجودا أي في الوجود إذ لا يمكن أن يقال: إنه موجود في العدم فإن كان موجود هو أشرف الموجودات فواجب أن ينتسب من الموجود المحسوس إلى الحيز الأشرف وهي السماوات ولشرف هذا الحيز قال تعالى: لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون [غافر: 57] وهذا كله يظهر على التمام للعلماء الراسخين في العلم. فقد ظهر لك من هذا أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل وأنه الذي جاء به الشرع وابتني عليه فإن إبطال هذه القاعدة إبطال للشرائع وإن وجه العسر في تفهم هذا المعنى مع نفي الجسمية هو أنه ليس في المشاهد مثال له فهو بعينه السبب في(1\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12453",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنه لم يصرح الشرع بنفي الجسم عن الخالق سبحانه وتعالى ; لأن الجمهور إنما يقع لهم التصديق بحكم الغائب متى كان ذلك معلوم الوجود في الشاهد مثل العلم بالصانع فإنه لما كان في الشاهد شرطا في وجوده كان شرطا في وجود الصانع الغائب وأما متى كان الحكم الذي في الغائب غير معلوم الوجود في الشاهد عند الأكثر ولا يعلمه إلا العلماء الراسخون كان الشرع يزجر عن طلب معرفته إن لم يكن بالجمهور حاجة إلى معرفته مثل العلم بالنفس لم يضرب له مثال في الشاهد إذ لم يكن بالجمهور حاجة إلى معرفته في سعادتهم. والشبهة الواقعة في نفي الجهة عند الذين نفوها ليس يتفطن الجمهور إليها لا سيما إذا لم يصرح لهم بأنه ليس بجسم فيجب أن يتمثل في هذا كله فعل الشرع وأن لا يتأول ما لم يصرح الشرع بتأويله. والناس في هذه الأشياء في الشرع على ثلاث مراتب: صنف لا يشعرون بالشكوك العارضة في هذا المعنى خاصة متى تركت هذه الأشياء على ظاهرها في الشرع وهؤلاء هم الأكثرون وهم الجمهور وصنف عرفوا حقيقة الأشياء وهم العلماء الراسخون في العلم وهؤلاء هم الأقل من الناس وصنف عرضت لهم في هذه الأشياء شكوك ولم يقدروا على حلها وهؤلاء فوق العامة دون العلماء وهذا الصنف هم الذين يوجد في حقهم التشابه في الشرع وهم الذين ذمهم الله وأما عند العلماء والجمهور فليس في الشرع تشابه فعلى هذا المعنى ينبغي أن يفهم التشابه. ومثال ما عرض لهذا الصنف مع الشرع ما يعرض في خبز البر مثلا الذي هو الغذاء النافع لأكثر الأبدان أن يكون لأقل الأبدان ضارا وهو نافع للأكثر وكذلك التعليم الشرعي هو نافع للأكثر وربما ضر للأقل وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: وما يضل به إلا الفاسقين [البقرة: 26] لكن هذا إنما يعرض في آيات الكتاب العزيز في الأقل منه وللأقل من الناس وأكثر ذلك هي الآيات التي تتضمن الإعلام في أنه الغائب ليس لها مثال في الشاهد فيعبر عنه بالشاهد الذي هو أقرب الموجودات إليها وأكثرها شبها بها فيعرض لبعض الناس أن يأخذ الممثل به هو المثال نفسه فيلزمه الحيرة والشك وهو الذي سمي متشابها في الشرع وهذا ليس يعرض للعلماء ولا للجمهور وهم صنفا الناس في الحقيقة لأن هؤلاء هم الأصحاء وأما أولئك فمرضى والمرضى(1\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12454",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هم الأقل ولذلك قال الله تعالى: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه [آل عمران: 7] وهؤلاء أهل الكلام. وأشد ما عرض على الشريعة من هذا الصنف أنهم تأولوا كثيرا مما ظنوه ليس على ظاهره فقالوا: إن هذا التأويل هو المقصود به إنما أتى الله به في صورة المتشابه ابتلاء لعباده واختبارا لهم فنعوذ بالله من هذا الظن بالله بل نقول: إن كتاب الله العزيز إنما جاء معجزا من جهة الوضوح والبيان فإذا ما أبعده عن مقصد الشرع من قال فيما ليس بمتشابه: إنه متشابه ثم أول ذلك المتشابه بزعمه وقال لجميع الناس: إن فرضكم اعتقاد هذا التأويل مثل ما قالوه في آيات الاستواء على العرش وغير ذلك مما قالوا إن ظاهره متشابه. وبالجملة فأكثر التأويلات التي زعم القائلون بها أنها المقصود من الشرع إذا تؤملت وجدت ليس يقوم عليها برهان ولا يعقل فعل الظاهر في قبول الجمهور لها وعملهم بها فإن المقصود الأول بالعلم في حق الجمهور إنما هو العمل فما كان أنفع في العمل كان أجدر وأما المقصود بالعلم في حق العلماء فهو الأمران جميعا أعني العلم والعمل. مثال من أول شيئا من الشرع وزعم أن الذي أوله هو الذي قصده الشرع وصرح بذلك التأويل للجمهور مثال من أتى إلى دواء قد ركبه طبيب ماهر ليحفظ صحة جميع الناس أو الأكثر فجاء رجل فلم يلائمه ذلك الدواء المركب الأعظم لرداءة مزاج كان به ليس يعرض إلا للأقل من الناس فزعم أن بعض الأدوية الذي صرح باسمه الطبيب الأول في ذلك الدواء العام المنفعة المركب لم يرد به ذلك الدواء الذي جرت العادة في اللسان أن يدل ذلك الاسم عليه وإنما أراد به دواء آخر مما يمكن أن يدل عليه ذلك باستعارة بعيدة فأزال الدواء الأول من ذلك المركب الأعظم وجعل فيه بدله الدواء الذي ظن أنه قصده الطبيب وقال للناس: هذا هو الذي قصده الطبيب الأول فاستعمل الناس ذلك الدواء المركب على الوجه الذي تأوله عليه ذلك المتأول ففسدت به أمزجة كثيرة من الناس فجاء آخرون فشعروا بإفساد أمزجة الناس من ذلك الدواء المركب فراموا إصلاحه بأن أبدلوا بعض أدويته بدواء آخر غير الدواء الأول فعرض للناس نوع من المرض غير النوع الأول فجاء ثالث فتأول في أدوية ذلك(1\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12455",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المركب غير التأويل الأول والثاني فعرض للناس نوع ثالث من المرض غير النوعين المتقدمين فجاء متأول رابع فتأول دواء آخر غير الأدوية المتقدمة فعرض للناس نوع رابع من الأمراض غير الأمراض المتقدمة فلما طال الزمان بهذا الدواء المركب الأعظم وسلط الناس التأويل على أدويته وغيرها وبدلوها عرض للناس أمراض شتى حتى فسدت المنفعة المقصودة بذلك الدواء المركب في حق أكثر الناس. وهذه هي حال الفرقة الحادثة في الشريعة مع الشريعة وذلك أن كل فرقة منهم تأولت في الشريعة تأويلا غير التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى وزعمت أنه الذي قصده صاحب الشرع حتى تمزق الشرع كل ممزق وبعد هذا عن موضوعه الأول. ولما علم صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم أن هذا سيعرض في شريعته قال: quot; ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة quot; يعني بالواحدة التي سلكت ظاهر الشرع ولم تؤوله وأنت إذا تأملت ما عرض في هذه الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض فيها قبل تبينت أن هذا المثال صحيح. وأول من غير هذا الدواء الأعظم الخوارج ثم المعتزلة بعدهم ثم الأشعرية ثم الصوفية ثم جاء أبو حامد فطم الوادي على القرى وذكر كلاما بعد متعلقا يكتب ليس لنا غرض في حكايته. اهـ.  [فصل في انقسام الناس في نصوص الوحي] فصل في انقسام الناس في نصوص الوحي إلى أصحاب تأويل وأصحاب تخييل وأصحاب تمثيل وأصحاب تجهيل وأصحاب سواء السبيل الصنف الأول: أصحاب التأويل وهم أشد الناس اضطرابا إذ لم يثبت لهم قدم في الفرق بين ما يتأول وما لا يتأول ولا ضابط مطرد منعكس يجب مراعاته وتمتنع مخالفته بخلاف سائر الفرق فإنهم جروا على ضابط واحد وإن كان فيهم من هو أشد من أصحاب التأويل. الصنف الثاني: أصحاب التخيل وهم الذين اعتقدوا أن الرسل لم يفصحوا للخلق بالحقائق إذ ليس في قواهم إدراكها وإنما أبرزوا لهم المقصود في صورة(1\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12456",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المحسوس قالوا: ولو دعت الرسل أممهم إلى الإقرار برب لا داخل العالم ولا خارجه ولا محايثه ولا مباينا له ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولا فوقه ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن يساره لنفرت عقولهم من ذلك ولم تصدق بإمكان هذا الموجود فضلا عن وجوب وجوده وكذلك لو أخبرهم بحقيقة كلامه وأنه فيض فاض من المبدأ الأول على العقل الفعال ثم فاض من ذلك العقل على النفس الناطقة الزكية المستعدة لم يفهموا ذلك ولو أخبروهم عن المعاد الروحاني بما هو عليه لم يفهموه فقربوا له الحقائق بإبرازها في الصور المحسوسة وضربوا لهم الأمثال بقيام الأجساد من القبور في يوم العرض والنشور ومصيرها إلى جنة فيها أكل وشرب ولحم وخمر وجوار حسان أو نار فيها أنواع العذاب تفهيما للذات الروحانية بهذه الصورة وللألم الروحاني بهذه الصورة. وهكذا فعلوا في وجود الرب تعالى وصفاته وأفعاله ضربوا لهم الأمثال بموجود عظيم جدا أكبر من كل موجود وله سرير عظيم وهو مستو على سريره يسمع ويبصر ويتكلم ويأمر وينهى ويرضى ويغضب ويأتي ويجيء وينزل وله يدان ووجه ويفعل بمشيئة وإذا تكلم العباد سمع كلامهم وإذا تحركوا رأى حركاتهم وإذا هجس في قلب أحد منهم هاجس علمه وأنه ينزل كل ليلة إليهم إلى سمائهم هذه فيقول: quot; من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له quot; إلى غير ذلك مما نطقت به الكتب الإلهية قالوا: ولا يحل لأحد أن يتأول ذلك على خلاف ظاهره للجمهور لأنه يفسد ما وضعت له الشرائع والكتب الإلهية وأما الخاصة فإنهم يعلمون أن هذه أمثال مضروبة لأمور عقلية تعجز عن إدراكها عقول الجمهور فتأويلها جناية على الشريعة والحكمة. وحقيقة الأمر عند هذه الطائفة أن الذي أخبرت به الرسل عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله وعن اليوم الآخر لا حقيقة له تطابق ما أخبروا به ولكنه أمثال وتخييل وتفهيم بضرب الأمثال وقد ساعدهم أرباب التأويل على هذا المقصد في باب معرفة الله وأسمائه وصفاته وصرحوا في ذلك بمعنى ما صرح به هؤلاء في باب المعاد وحشر الأجساد بل نقلوا كلماتهم بعينها إلى نصوص الاستواء والفوقية ونصوص الصفات الخبرية لكن هؤلاء أوجبوا أو سوغوا تأويلها بما يخرجها عن حقائقها وظواهرها(1\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12457",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وظنوا أن الرسل قصدت ذلك من المخاطبين تعريضا لهم إلى الثواب الجزيل ببذل الجهد في تأويلها واستخراج معان تليق بها وأولئك حرموا التأويل ورأوه عائدا على الشريعة بالإبطال والطائفتان متفقتان على إبطال حقائقها المفهومة منها في نفس الأمر. والصنف الثالث: أصحاب التجهيل الذين قالوا: نصوص الصفات ألفاظ لا تعقل معانيها ولا يدرى ما أراد الله ورسوله منها ولكن نقرؤها ألفاظا لا معاني لها ونعلم أن لها تأويلا لا يعلمه إلا الله وهي عندنا بمنزلة: (كهيعص) و (حم عسق) و (المص) فلو ورد علينا منها ما ورد لم نعتقد فيه تمثيلا ولا تشبيها ولم نعرف معناه وننكر على من تأوله ونكل علمه إلى الله تعالى وظن هؤلاء أن هذه طريقة السلف وأنهم لم يكونوا يعرفون حقائق الأسماء والصفات ولا يفهمون معنى قوله: لما خلقت بيدي [ص: 75] وقوله: والأرض جميعا قبضته يوم القيامة [الزمر: 67] وقوله: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] وأمثال ذلك من نصوص الصفات. وبنوا هذا المذهب على أصلين: أحدهما: أن هذه النصوص من المتشابه والثاني: أن للمتشابه تأويلا لا يعلمه إلا الله فنتج من هذين الأصلين استجهال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وسائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأنهم كانوا يقرءون هذه الآيات المتعلقة بالصفات ولا يعرفون معنى ذلك ولا ما أريد به ولازم قولهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتكلم بذلك ولا يعلم معناه ثم تناقضوا أقبح تناقض فقالوا: تجرى على ظواهرها وتأويلها بما يخالف الظواهر باطل ومع ذلك فلها تأويل لا يعلمه إلا الله فكيف يثبتون لها تأويلا ويقولون: تجرى على ظواهرها ويقولون: الظاهر منها مراد والرب منفرد بعلم تأويلها وهل في التناقض أقبح من هذا وهؤلاء غلطوا في المتشابه وفي جعل هذه النصوص من المتشابه وفي كون المتشابه لا يعلم معناه إلا الله فأخطئوا في المقدمات الثلاث واضطرهم إلى هذا: التخلص من تأويلات المبطلين وتحريفات المعطلين وسدوا على نفوسهم الباب وقالوا: لا نرضى بالخطأ ولا وصول لنا إلى الصواب فتركوا التدبير المأمور به والتعقل لمعاني النصوص وتعبدوا بالألفاظ المجردة التي أنزلت في ذلك وظنوا أنها(1\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12458",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنزلت للتلاوة والتعبد بها دون تعقل معانيها وتدبرها والتفكر فيها وأولئك جعلوها عرضة للتأول والتحريف كما جعلها أصحاب التخييل أمثالا لا حقيقة لها. وقابلهم الصنف الرابع وهم صنف التشبيه والتمثيل ففهموا منها مثل ما للمخلوقين وظنوا أن لا حقيقة لها إلا ذلك وقالوا: محال أن يخاطبنا الله بما لا نعقله ثم يقول: لعلكم تعقلون [البقرة: 73] لعلكم تتفكرون [البقرة: 219] ليدبروا آياته [ص: 29] فهذه الفرق لا يزال يبدع بعضهم بعضا ويضلله ويجهله وقد تصادمت كما ترى فهم كزمرة من العميان تلاقوا فتصادموا كما قال أعمى البصيرة منهم: ونظيري في العلم مثلي أعمى ... فكلانا في حندس نتصادم وهدى الله أصحاب سواء السبيل للطريقة المثلى فأثبتوا حقائق الأسماء والصفات ونفوا عنها مماثلة المخلوقات فكان مذهبهم مذهبا بين مذهبين وهدى بين ضلالتين يثبتون له الأسماء الحسنى والصفات العليا بحقائقها ولا يكيفون شيئا منها فكان الله تعالى أثبتها لنفسه وإن كان لا سبيل لنا إلى معرفة كنهها وكيفيتها فإن الله تعالى لم يكلف كل عباده بذلك ولا أراده منهم ولا جعل لهم إليه سبيلا بل كثير من مخلوقاته أو أكثرها لم يجعل لهم سبيلا إلى معرفة كنهه وكيفيته وهذه أرواحهم التي هي أدنى إليهم من كل دان قد حجبت عنهم معرفة كنهها وكيفيتها. وقد أخبرنا سبحانه عن تفاصيل يوم القيامة وما في الجنة والنار فقامت حقائق ذلك في قلوب أهل الإيمان وشاهدته عقولهم ولم يعرفوا كنهه فلا يشك المسلمون أن في الجنة أنهارا من خمر وأنهارا من عسل وأنهارا من لبن ولكن لا يعرفون كنه ذلك ومادته وكيفيته إذ كانوا لا يعرفون في الدنيا الخمر إلا ما اعتصر من الأعناب والعسل إلا ما قذفت به النحل في بيوتها واللبن إلا ما خرج من الضروع والحرير إلا ما خرج من دود القز وقد فهموا معاني ذلك في الجنة من غير أن يكون مماثلا لما في الدنيا كما قال ابن عباس: quot; ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء والصفات quot; ولم يمنعهم عدم النظير في الدنيا من فهم ما أخبروا به من ذلك. فهكذا الأسماء والصفات لم يمنعهم انتفاء نظيرها ومثالها من فهم حقائقها(1\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12459",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومعانيها بل قام بقلوبهم معرفة حقائقها وانتفاء التمثيل والتشبيه عنها وهذا هو المثل الأعلى الذي أثبته الله تعالى لنفسه في ثلاثة مواضع من القرآن: أحدها: قوله تعالى: للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم [النحل: 60]  الثاني: قوله تعالى: وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم [الروم: 27]  الثالث: قوله تعالى: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [الشورى: 11] فنفى سبحانه وتعالى المثل عن هذا المثل الأعلى وهو ما في قلوب أهل سماواته وأرضه من معرفته والإقرار بربوبيته وأسمائه وصفاته وذاته. فهذا المثل الأعلى هو الذي آمن به المؤمنون وأنس به العارفون ; وقامت شواهده في قلوبهم بالتعريفات الفطرية المكملة بالكتب الإلهية المضبوطة بالبراهين العقلية فاتفق على الشهادة بثبوته العقل والسمع والفطرة فإذا قال المثبت: يا لله قام بقلبه رب قيوم قائم بنفسه مستو على عرشه مكلم متكلم سامع قدير مريد فعال لما يريد يسمع دعاء الداعين ويقضي حاجات السائلين ويفرج عن المكروبين ترضيه الطاعات وتغضبه المعاصي تعرج الملائكة بالأمر إليه وتنزل بالأمر من عنده. وإذا شئت زيادة تعريف بهذا المثل الأعلى فعد قوى جميع المخلوقات اجتمعت لواحد منهم ثم كان جميعهم على قوة ذلك الواحد فإذا نسبت قوتهم إلى قوة الرب تعالى لم تجد نسبة إليها البتة كما لا تجد نسبة بين قوة البعوضة وقوة الأسد وإذا قدرت علوم الخلائق اجتمعت لواحد ثم قدرت جميعهم بهذه المثابة كانت علومهم بالنسبة إلى علمه تعالى كنقرة عصفور في بحر وكذا في حكمته وكماله وقد نبهنا سبحانه وتعالى على هذا المعنى بقوله: ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم [لقمان: 27] فقدر البحر المحيط بالعالم مدادا ووراءه سبعة أبحر تحيط به كلها مدادا يكتب به كلمات الله نفدت البحار ونفدت الأقلام التي لو قدرت جميع أشجار الأرض من حين خلقت إلى آخر الدنيا لم تنفد كلمات الله.(1\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12460",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم quot; أن السماوات السبع في الكرسي كحلقة ملقاة بأرض فلاة والكرسي في العرش كحلقة ملقاة في أرض فلاة والعرش لا يقدر قدره إلا الله quot; وهو سبحانه فوق عرشه يعلم ويرى ما عباده عليه. فهذا هو الذي قام بقلوب المؤمنين المصدقين العارفين به سبحانه المثل الأعلى فعرفوه به وعبدوه به وسألوه به فأحبوه وخافوه ورجوه وتوكلوا عليه وأنابوا إليه واطمأنوا بذكره وأنسوا بحبه بواسطة هذا التعريف فلم يصعب عليهم بعد ذلك معنى استوائه على عرشه وسائر ما وصف به نفسه من صفات كماله إذ قد أحاط علمهم بأنه لا نظير لذلك ولا مثيل له ولم يخطر بقلوبهم مماثلة شيء من المخلوقين وقد أعلمهم الله سبحانه على لسان رسوله quot; أنه يقبض سماواته بيده والأرض باليد الأخرى ثم يهزهن quot; و quot; أن السماوات السبع والأرضين السبع في كفه كخردلة في كف أحدكم quot; و quot; أنه يضع السماوات على إصبع والأرضين على إصبع والجبال على إصبع والشجر على إصبع وسائر المخلوقات على إصبع quot; فأي يد للخلق وأي إصبع تشبه هذه اليد وهذه الإصبع حتى يكون إثباتها تشبيها وتمثيلا فقاتل الله أصحاب التحريف والتبديل ماذا حرموه من الحقائق الإيمانية والمعارف الإلهية وماذا تعرضوا به من زبالة الأذهان ونخالة الأفكار وما أشبههم بمن كان(1\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12461",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غذاؤهم المن والسلوى بلا تعب فآثروا عليه الفوم والعدس والبصل وقد جرت عادة الله سبحانه أن يذل من آثر على الأعلى ويجعله عبرة للعقلاء. فأول هذا الصنف إبليس لعنه الله ترك السجود لآدم كبرا فابتلاه الله تعالى بالقيادة لفساق ذريته وعباد الأصنام الذين لم يقروا بنبي من البشر ورضوا بآلهة من الحجر والجهمية نزهوا الله عن عرشه لئلا يحويه مكان ثم قالوا: هو في الآبار والأنجاس وفي كل مكان وهكذا طوائف الباطل لم يرضوا بنصوص الوحي فابتلوه بزبالة أذهان المتحيرين وورثة الصابئين وأفراخ الفلاسفة الملحدين.  [فصل أسباب قبول التأويل] فصل قبول التأويل له أسباب: منها: أن يأتي به صاحبه مموها بزخرف من القول مكسوا حلة الفصاحة والعبارة الرشيقة فتسرع العقول الضعيفة إلى قبوله واستحسانه قال الله تعالى: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون [الأنعام: 112] فذكر سبحانه أنهم يستعينون على مخالفة أمر الأنبياء بما يزخرفه بعضهم لبعض من القول ويفتريه الأغمار وضعفاء العقول فذكر السبب الفاعل وهو ما يغر السامع من زخرف القول فلما أصغت إليه ورضيته اقترفت ما تدعو إليه من الباطل قولا وعملا. فتأمل هذه الآيات وما تحتها من هذا المعنى العظيم القدر الذي فيه بيان أصول الباطل والتنبيه على مواقع الحذر منها وإذا تأملت مقالات أهل الباطل رأيتهم قد كسوها من العبارات المستحسنة ما يسرع إلى قبوله كل من ليس له بصيرة نافذة فيسمون أم الخبائث أم الأفراح ويسمون اللقمة الملعونة التي هي الحشيشة: لقيمة الذكر والفكر التي تثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن ويسمون مجالس الفجور: المجالس الطبية حتى إن بعضهم لما عدل عن شيء من ذلك قالوا: ترك المعاصي والتخوف منها إساءة ظن برحمة الله وجراءة على سعة عفوه ومغفرته فانظر ما تفعل هذه الكلمة في قلب ممتلئ بالشهوات ضعيف العلم والبصيرة. السبب الثاني: أن يخرج المعنى الذي يريد إبطاله في صورة مستهجنة تنفر عنها القلوب وتنبو عنها الأسماع فيسمى عدم الانبساط إلى الفساق: سوء خلق والأمر(1\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12462",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالمعروف والنهي عن المنكر فتنة وشرا وفضولا ويسمون إثبات الصفات لكمال الله تعالى تجسيما وتشبيها وتمثيلا ويسمون العرش حيزا وجهة ويسمون الصفات أعراضا والأفعال حوادث والوجه واليدين أبعاضا والحكم والغايات التي يفعل لأجلها أعراضا فلما وضعوا لهذه المعاني الصحيحة تلك الألفاظ المستكرهة تم لهم تعطيلها ونفيها على ما أرادوا. فقالوا لضعفاء العقول: اعلموا أن ربكم منزه عن الأعراض والأبعاض والجهات والتركيب والتجسيم والتشبيه ولم يشك أحد لله في قلبه وقار وعظمة في تنزيه الرب تعالى عن ذلك وقد اصطلحوا على تسمية سمعه وبصره وعلمه وقدرته وإرادته وحياته أعراضا وعلى تسمية وجهه الكريم ويديه المبسوطتين أبعاضا وعلى تسمية استوائه على عرشه وعلوه على خلقه تحيزا وعلى تسمية نزوله إلى سماء الدنيا وتكليمه بقدرته ومشيئته إذا شاء وغضبه بعد رضاه ورضاه بعد غضبه: حوادث وعلى تسمية الغاية التي يتكلم ويفعل لأجلها: غرضا واستقر ذلك في قلوب المبلغين عنهم فلما صرحوا لهم بنفي ذلك بقي السامع متحيرا أعظم حيرة بين نفي هذه الحقائق التي أثبتها الله لنفسه وأثبتها له جميع رسله وسلف الأمة بعدهم وبين إثباتها وقد قام معه شاهد نفيها بما تلقاه عنهم. فأهل السنة هم الذين كشفوا زيف هذه الألفاظ وبينوا زخرفها وزغلها وأنها ألفاظ مموهة بمنزلة طعام طيب الرائحة في إناء حسن اللون والشكل ولكن الطعام مسموم فقالوا ما قاله إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله: quot; لا نزيل عن الله صفة من صفاته لأجل شناعة المشنعين quot;. ولما أراد المتأولون المعطلون تمام هذا الغرض اخترعوا لأهل السنة ألقابا قبيحة وسموهم حشوية ومحيزة ومجسمة ومشبهة ونحو ذلك فتولد من تسميتهم لصفات الرب ; وأفعاله ووجهه ويديه بتلك الأسماء وتلقيب من أثبتها له بهذه الألقاب ولعن أهل الإثبات من أهل السنة وتبديعهم وتضليلهم وتكفيرهم وعقولهم ولقوا منهم ما لقي الأنبياء وأتباعهم وهذا الأمر لا يزال حتى يرث الله الأرض ومن عليها. السبب الثالث: أن يعزو المتأول تأويله إلى جليل القدر نبيل الذكر من العقلاء أو من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم أو من حصل له من الأمة ثناء جميل ولسان صدق ; ليحليه(1\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12463",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بذلك في قلوب الجهال فإنه من شأن الناس تعظيم كلام من يعظم قدره في نفوسهم حتى إنهم ليقدمون كلامه على كلام الله ورسوله ويقولون: هو أعلم بالله منا وبهذا الطريق توصل الرافضة والباطنية والإسماعيلية والنصيرية إلى ترويج باطلهم وتأويلاتهم حتى أضافوها إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لما علموا أن المسلمين متفقون على محبتهم وتعظيمهم فانتموا إليهم وأظهروا من محبتهم وإجلالهم وذكر مناقبهم ما خيل إلى السامع أنهم أولياؤهم ثم نفقوا باطلهم بنسبته إليهم فلا إله إلا الله كم من زندقة وإلحاد وبدعة قد نفقت في الوجود بسبب ذلك وهم برآء منها. وإذا تأملت هذا السبب رأيته هو الغالب على أكثر النفوس فليس معهم سوى إحسان الظن بالقائل بلا برهان من الله قادهم إلى ذلك وهذا ميراث بالتعصيب من الذين عارضوا دين الرسل بما كان عليه الآباء والأسلاف وهذا شأن كل مقلد لمن يعظمه فيما خالف فيه الحق إلى يوم القيامة.  [فصل أهل التأويل لا يمكنهم إقامة الدليل السمعي على مبطل أبدا وهذا من أعظم الآفات] فصل في بيان أن أهل التأويل لا يمكنهم إقامة الدليل السمعي على مبطل أبدا وهذا من أعظم آفات التأويل من المعلوم أن كل مبطل أنكر على خصمه شيئا من الباطل قد شاركه في بعضه أو نظيره فإنه لا يتمكن من دحض حجته لأن خصمه تسلط عليه بمثل ما تسلط هو به عليه. مثاله: أن يحتج من يتأول الصفات الخبرية وآيات الفوقية والعلو على من ينكر ثبوت صفة السمع والبصر والعلم بالآيات والأحاديث الدالة على ثبوتها فيقول له خصمه: هذه عندي مؤولة كما أولت نصوص الاستواء والفوقية والوجه واليدين والنزول والضحك والفرح والغضب والرضى ونحوها فما الذي جعلك أولى بالصواب في تأويلك مني فلا يذكر سببا على التأويل إلا أتاه خصمه بسبب من جنسه أو أقوى منه أو دونه وإذا استدل المتأول على منكري المعاد وحشر الأجسام بنصوص الوحي أبدوا لها تأويلات تخالف ظاهرها وحقائقها وقالوا لمن استدل بها عليهم: تأويلنا لهذه الظواهر كتأويلك لنصوص الصفات ولا سيما فإنها أكثر وأصرح فإذا تطرق التأويل إليها فهو إلى ما دونها أقرب تطرقا وإذا استدل بالنصوص الدالة على(1\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12464",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فضل الشيخين وسائر الصحابة تأولوها بما هو من جنس تأويلات الجهمي وإذا احتج الجهمي على الخارجي بالنصوص الدالة على إيمان مرتكب الكبائر وأنه لا يكفر ولا يخلد في النار واحتج بها على الوعيديين القائلين بنفوذ الوعيد والتخليد قالوا: هذه متأولة وتأويلها أقرب من تأويل نصوص الصفات وإذا احتج على المرجئة بالنصوص الدالة على أن الإيمان قول وعمل ونية يزيد وينقص قالوا هذه النصوص قابلة للتأويل كما قبلته نصوص الاستواء والفوقية والصفات الخبرية فنعمل فيها ما عملتم أنتم في تلك النصوص. فقد بان لا يمكن أهل التأويل أن يقيموا على مبطل حجة من كتاب ولا سنة ولم يبق لهم إلا نتائج الأفكار وتصادم الآراء لا سيما وقد أعطى الجهمي من نفسه أن أكثر اللغة مجاز وأن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين وأن العقل إذا عارض السمع وجب تقديم العقل بل نقول: إنه لا يمكن أرباب التأويل أن يقيموا على مبطل حجة عقلية أبدا. وهذا أعجب من الأول وبيانه: أن الحجج السمعية مطابقة للمعقول والسمع الصحيح لا ينفك عن العقل الصريح بل هما أخوان وصل الله تعالى بينهما فقال تعالى: ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون [الأحقاف: 26] فذكر ما يتناول به العلوم وهي السمع والبصر والفؤاد الذي هو محل العقل وقال تعالى: وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير [الملك: 10] فأخبروا أنهم خرجوا عن موجب السمع والعقل وقال تعالى: إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون [يونس: 67] إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون [الرعد: 4] وقال تعالى: أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها [محمد: 24] فدعاهم إلى استماعه بأسماعهم وتدبره بعقولهم ومثله قوله: أفلم يدبروا القول [المؤمنون: 68] وقال تعالى: إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد [ق: 37] فجمع بين السمع والعقل وأقام بهما حجته على(1\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12465",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عباده فلا ينفك أحدهما عن صاحبه أصلا فالكتاب المنزل والعقل المدرك حجة الله خلقه وكتابه هو الحجة العظمى فهو الذي عرفناه لم يكن لعقولنا سبيل إلى استقلالها بإدراكه أبدا وليس لأحد عنه مذهب ولا إلى غيره مفزع في مجهول يعلمه ومشكل يستبينه فمن ذهب عنه فإليه يرجع ومن دفع حكمة فيه يحاج خصمه إذ كان بالحقيقة هو المرشد إلى الطرق العقلية والمعارف اليقينية فمن رد من مدعي البحث والنظر حكومته ودفع قضيته فقد كابر وعاند ولم يكن لأحد سبيل إلى إفهامه. وليس لأحد أن يقول: إني غير راض حكمه بل بحكم العقل فإنه متى رد حكمه فقد رد حكم العقل الصريح وعاند الكتاب والعقل والذين زعموا من قاصري العقل والسمع أن العقل يجب تقديمه على السمع عند تعارضهما إنما أتوا من جهلهم بحكم العقل ومقتضى السمع فظنوا ما ليس بمعقول معقولا فهو في الحقيقة شبهات توهم أنه عقل صريح وليست كذلك أو من جهلهم بالسمع إما بنسبهم إلى الرسول ما لم يقله أو نسبتهم إليه ما لم يرده بقوله وإما لعدم تفريقهم بين ما لا يدرك بالعقول فهذه أربعة أمور أوجبت لهم ظن التعارض بين السمع والعقل والله سبحانه حاج عباده على ألسنة رسله فيما أراد تقريرهم به وإلزامهم إياه بأقرب الطرق إلى العقل وأسهلها تناولا وأقلها تكلفا وأعظمها غنى ونفعا.  [حججه سبحانه العقلية والسمعية على توحيده وأسمائه وصفاته] فحججه سبحانه العقلية التي في كتابه جمعت بين كونها عقلية سمعية ظاهرة واضحة قليلة المقدمات مثل قوله تعالى فيما حاج به عباده من إقامة التوحيد وبطلان الشرك وقطع أسبابه وحسن مواده كلها قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير - ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له [سبأ: 22 - 23] فتأمل كيف أخذت هذه الآية على المشركين مجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك وسد بها عليهم أبلغ سد وأحكمه فإن العابد إنما يتعلق بالمعبود لما يرجو من نفعه وإلا فلو كان لا يرجو منفعة لم يتعلق قلبه به وحينئذ فلا بد أن يكون المعبود مالكا للأسباب التي ينفع بها عابده أو شريكا لمالكها أو ظهيرا أو وزيرا أو معاونا له أو وجيها ذا حرمة وقدر يشفع عنده فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه انتفت أسباب الشرك وانقطعت مواده فنفى سبحانه عن آلهتهم أن تملك مثقال ذرة في السماوات والأرض فقد يقول المشرك: هي(1\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12466",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شريكة المالك الحق فنفى شركها له فيقول المشرك: قد يكون ظهيرا أو وزيرا أو معاونا فقال: وما له منهم من ظهير [سبأ: 22] ولم يبق إلا الشفاعة فنفاها عن آلهتهم وأخبر أنه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه فإن لم يأذن للشافع لم يتقدم بالشفاعة بين يديه كما يكون في حق المخلوقين فإن المشفوع عنده يحتاج إلى الشافع ومعاونته له فيقبل شفاعته وإن لم يأذن له فيها وأما من كل ما سواه فقير إليه بذاته فهو الغني بذاته عن كل ما سواه فكيف يشفع عنده أحد بغير إذنه وكذلك قوله سبحانه مقررا برهان التوحيد أحسن التقرير وأبلغه وأوجزه قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا [الإسراء: 42] فإن الآلهة التي كانوا يثبتونها معه كانوا يعترفون بأنها عبيده ومماليكه ومحتاجة إليه فلو كانوا آلهة كما يقولون لعبدوه وتقربوا إليه وحده دون غيره ; فكيف يعبدونهم دونه وقد أفصح سبحانه بهذا بعينه في قوله تعالى: أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه [الإسراء: 57] أي هؤلاء الذين تعبدونهم من دوني هم عبيدي كما أنتم عبيدي يرجون رحمتي ويخافون عذابي ; فلماذا تعبدونهم من دوني وقال تعالى: ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون [المؤمنون: 91] . فتأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز البين فإن الإله الحق لا بد أن يكون خالقا فاعلا يوصل إلى عابده النفع ويدفع عنه الضر فلو كان معه سبحانه إله لكان له خلق وفعل وحينئذ فلا يرضى شركة الإله الآخر معه بل إن قدر على قهره وتفرده بالإلهية دونه فعل وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه وذهب به كما ينفرد ملوك الدنيا بعضهم عن بعض بمماليكهم إذا لم يقدر المنفرد على قهر الآخر والعلو عليه فلا بد من أحد أمور ثلاثة: إما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه وإما أن يعلو بعضهم على بعض وأما أن يكونوا كلهم تحت قهر إله واحد يتصرف فيهم ولا يتصرفون فيه ويمتنع من حكمهم ولا يمتنعون من حكمه فيكون وحده هو الإله وهم العبيد المربوبون المقهورون وانتظام أمر العالم العلوي والسفلي وارتباط بعضه ببعض وجريانه على نظام محكم لا يختلف ولا يفسد من أدل دليل على أن مدبره واحد لا إله(1\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12467",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غيره كما دل دليل التمانع على أن خالقه واحد لا رب غيره فذاك تمانع في الفعل والإيجاد وهذا تمانع في الغاية والألوهية فكما يستحيل أن يكون للعالم ربان خالقان متكافئان يستحيل أن يكون له إلهان معبودان. ومن ذلك قوله تعالى: هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه [لقمان: 11] فلله ما أحلى هذا اللفظ وأوجزه وأدله على بطلان الشرك فإنهم إن زعموا أن آلهتهم خلقت من شيء مع الله طولبوا بأن يروه إياه وإن اعترفت أنها أعجز وأضعف وأقل من ذلك كانت آلهتها باطلا ومحالا. ومن ذلك قوله تعالى: قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين [الأحقاف: 4] فطالبهم بالدليل السمعي والعقلي. وقال تعالى: قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار [الرعد: 16] فاحتج على تفرده بالإلهية بتفرده بالخلق وعلى بطلان إلهية ما سواه بعجزهم عن الخلق وعلى أنه واحد بأنه قهار والقهر التام يستلزم الوحدة فإن الشركة تنافي تمام القهر. وقال تعالى: ياأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب - ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز [الحج: 73 - 74] فتأمل هذا المثل الذي أمر الناس كلهم باستماعه فمن لم يسمعه فقد عصى أمره كيف تضمن إبطال الشرك وأسبابه بأوضح برهان في أوجز عبارة وأحسنها وأحلاها وسجل على جميع آلهة المشركين أنهم لو اجتمعوا كلهم في صعيد واحد وعاون بعضهم بعضا بأبلغ المعاونة لعجزوا عن خلق ذباب واحد ثم بين عجزهم وضعفهم على استنقاذ ما يسلبهم الذباب(1\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12468",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إياه حين يسقط عليهم فأي شيء أضعف من هذا الإله المطلوب ومن عابده الطالب نفعه وحده فهل قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك معه آلهة هذا شأنها. فأقام سبحانه حجة التوحيد وبين ذلك بأعذب ألفاظ وأحسنها لم يشبها غموض ولم يشنها تطويل ولم يعبها تقصير ولم يزر بها زيادة ولا نقص بل بلغت في الحسن والفصاحة والبيان والإيجاز ما لا يتوهمه متوهم ولا يظن ظان أن يكون أبلغ في معناها منها وتحتها من المعنى الجليل القدر العظيم الشأن البالغ في النفع ما هو أجل من الألفاظ. ومن ذلك احتجاجه سبحانه على نبوة رسوله صلى الله عليه وسلم وصحة ما جاء به من الكتاب وأنه من عنده وكلامه الذي تكلم به وأنه ليس من صنع البشر بقوله: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا [البقرة: 23] فأمر من ارتاب في هذا القرآن الذي أنزله على عبده وأنه كلام الله أن يأتي بسورة واحدة مثله وهذا يتناول أقصر سورة ثم فسخ له إن عجز عن ذلك أن يستعين بمن أمكنه الاستعانة به من المخلوقين. وقال تعالى: أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين [يونس: 38] وقال تعالى: أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين [هود: 13] وقال تعالى: أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون - فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين [الطور: 33 - 34] ثم سجل عليهم تسجيلا عاما في كل مكان وزمان بعجزهم ولو تظاهر عليه الثقلان فقال تعالى: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا [الإسراء: 88] . فانظر إلى أي موقع يقع من الأسماع والقلوب هذا الحجاج الجليل القاطع الواضح الذي لا يجد طالب الحق ومؤثره ومريده عنه محيدا ولا فوقه مزيدا ولا وراءه غاية ولا أظهر منه آية ولا أوضح منه برهانا ولا أبلغ منه بيانا. وقال في إثبات نبوة رسوله باعتبار المتأمل لأحواله ودعوته وما جاء به: أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين - أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون - أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون [المؤمنون: 68 - 70] .(1\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12469",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فدعا سبحانه إلى تدبر القول وتأمل حال القائل فإن القول كذبا وزورا يعرف من نفس القول تارة وتارة من تناقضه واضطرابه ظهور شواهد الكذب عليه ويعرف من حال القائل تارة فإن المعروف بالكذب والفجور والمنكر والخداع والمكر لا تكون أقواله إلا مناسبة لأفعاله ولا يأتي منه من القول والفعل ما يتأتى من البار الصادق من كل فاحشة وغدر وفجر وكذب بل قلب هذا وقصده وعمله وقوله يشبه بعضه بعضا وقلب ذلك وعمله وقصده يشبه بعضه بعضا فدعاهم سبحانه إلى تدبر القول وتأمل سيرة القائل وأحواله وحينئذ يتحقق لهم ويتبين حقيقة الأمر وأن ما جاء به أعلى مراتب الصدق. قال تعالى: قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون [يونس: 16] فتأمل هاتين الحجتين القاطعتين بهذا اللفظ الوجيز: إحداهما: أن هذا من الله لا من قبلي ولا هو مقدور لي ولا من جنس مقدور البشر وأن الله لو شاء لأمسك عنه قلبي ولساني وأسماعكم وأفهامكم فلم أتمكن من تلاوته عليكم ولم تتمكنوا من درايته وفهمه. الحجة الثانية: أنى قد لبثت فيكم عمري إلى حين أتيتكم به وأنتم تشاهدوني وتعرفوني وتصحبوني حضرا وسفرا وتعرفون دقيق أمري وجليله وتحققون سيرتي هل كانت سيرة من جاهر ربه بالكذب والفرية عليه وطلب إفساد العالم وظلم النفوس والبغي في الأرض بغير الحق. هذا وأنتم تعلمون أني لم أكن أحفظ كتابا ولا أخطه بيميني ولا صاحبت من أتعلم منه بل صاحبتم أنتم في أسفاركم من تتعلمون منه وتسألونه عن أخبار الأمم والملوك وغيرها ما لم أشارككم فيه بوجه ثم جئتكم بهذا النبأ العظيم الذي فيه علم الأولين والآخرين وعلم ما كان وما سيكون على التفصيل فأي برهان أوضح من هذا وأي عبارة أفصح وأوجز من هذه العبارة المتضمنة له. وقال تعالى: قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد [سبأ: 46] ولما كان للإنسان الذي يطلب معرفة الحق حالتان: إحداهما: أن يكون مناظرا مع نفسه والثانية: أن(1\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12470",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكون مناظرا مع غيره فأمرهم بخصلة واحدة وهي: أن يقوموا لله اثنين اثنين فيتناظران ويتساءلان بينهما واحدا واحدا يقوم كل واحد مع نفسه فيتفكر في أمر هذا الداعي وما يدعو إليه ويستدعي أدلة الصدق والكذب ويعرض ما جاء به عليها ليتبين له حقيقة الحال فهذا هو الحجاج الجليل والإنصاف البين والنصح التام. وقال سبحانه في تثبيت أمر البعث: وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم - قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم [يس: 78 - 79] إلى آخر السورة فلو رام أفصح البشر وأعلمهم وأقدرهم على البيان أن يأتي بأحسن من هذه الحجة أو مثلها في ألفاظ تشابه هذه الألفاظ في الإيجاز والاختصار ووصف حينئذ الدلالة وصحة البرهان لألفى نفسه العجز عن ذلك فإنه سبحانه افتتح هذه الحجة بسؤال أورده الملحد اقتضى جوابا وكان في قوله سبحانه: ونسي خلقه [يس: 78] ما وفى بالجواب وأقام الحجة وأزال الشبهة لولا ما أراد الله تعالى من تأكيد حجته وزيادة تقريرها وذلك أنه تعالى أخبر أن هذا السائل الملحد لو تبين خلق نفسه وبدء كونه لكانت فكرته فيه كافية ثم أوضح سبحانه ما تضمنه قوله: ونسي خلقه [يس: 78] وصرح جوابا له عن مسألة بقوله: قل يحييها الذي أنشأها أول مرة [يس: 79] فاحتج بالإبداء على الإعادة وبالنشأة الأخرى إذ كل عاقل يعلم علما ضروريا أن من قدر على هذه قدر على هذه وأنه لو كان عاجزا عن الثانية عجز عن الأولى بل كان أعجز وأعجز. ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على مخلوقه وعلمه بتفاصيل خلقه أتبع ذلك بقوله: وهو بكل خلق عليم [يس: 79] فهو عليم بالخلق الأول وتفاصيله وموارده وصورته وكذلك هو عليم بالخلق الثاني فإذا كان تام العلم كامل القدرة كيف يتعذر عليه أن يحيي العظام وهي رميم أكد الأمر بحجة تتضمن جوابا عن سؤال ملحد آخر يقول: العظام إذا صارت رميما عادت طبيعتها باردة يابسة والحياة في الأبدان تكون مادتها طبيعة حارة فقال: الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون [يس: 80] فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة فالذي يخرج الشيء من ضده هو الذي يفعل ما أنكره الملحد من إحياء العظام وهي رميم.(1\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "73",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12471",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم أكد الدلالة بالتنبيه على أن من قدر على الشيء الأعظم الأكبر فهو على ما دونه أقدر فقال تعالى: أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم [يس: 81] فأخبر سبحانه أن الذي أبدع السماوات والأرض على جلالتهما وعظم شأنهما وكبر أجسامهما وسعتهما وعجيب خلقهما أقدر على أن يخلق عظاما صارت رميما فيردها إلى حالتها الأولى كما قال تعالى في موضع آخر: لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون [غافر: 57] وقال تعالى: أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير [الأحقاف: 33] . ثم بين ذلك بيانا آخر يتضمن مع إقامة الحجة دفع شبه كل ملحد وجاحد وهو أنه سبحانه ليس في فعله بمنزلة غيره يفعل بالآلات والكلفة والتعب والمشقة ولا يمكنه الاستقلال بالفعل بل لا بد معه من آلة ومشارك ومعين بل يكفي في خلق ما يريد خلقه كن فيكون [البقرة: 117] فأخبر أن نفوذ إرادته ومشيئته وسرعة تكوينه وانقياد الكون له ثم ختم هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده فيتصرف فيه بفعله وقوله: وإليه ترجعون [البقرة: 245] . سبحان المتكلم بهذا الكلام الذي جمع مع وجازته وفصاحته وصحة برهانه كل ما تدعو إليه الحاجة من تقرير الدليل وجواب الشبهة بألفاظ لا أعذب منها للسمع ولا أحلى من معانيها للقلب ولا أنفع من ثمراتها للعبد. ومن هذا قوله تعالى: أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا - قل كونوا حجارة أو حديدا - أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رءوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا - يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا [الإسراء: 49 - 52] فتأمل ما أجيبوا به عن كل سؤال على التفصيل: فإنهم قالوا: أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا [الإسراء: 49] فقيل له في جواب هذا السؤال: إن كنتم تزعمون أن لا خالق لكم ولا رب فهلا كنتم خلقا لا يصيبه التعب كالحجارة والحديد وما هو أكبر في صدوركم من ذلك فإن قلتم: لنا رب خالق خلقنا على هذه الصفة وأنشأنا هذه النشأة التي لا تقبل البقاء ولم يجعلنا(1\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "74",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12472",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حجارة ولا حديدا فقد قامت عليكم الحجة بقراركم فما الذي يحول بين خالقكم ومنشئكم وإعادتكم خلقا جديدا . وللحجة تقرير آخر وهو: أنكم لو كنتم من حجارة أو من حديد أو خلق مميز منهما لكان قادرا على أن يفنيكم ويحيل ذواتكم وينقلها من حال إلى حال ومن قدر على التصرف في هذه الأجسام مع صلابتها وشدتها بالإفناء والإحالة فما يعجزه عن التصرف فيما هو دونها بإفنائه وإحالته ونقله من حال إلى حال فأخبر سبحانه أنهم يسألون سؤالا آخر بقولهم: من يعيدنا إذا استحالت أجسامنا وفنيت فأجابهم بقوله: قل الذي فطركم أول مرة [الإسراء: 51] وهذا الجواب نظير جواب قول السائل: من يحيي العظام وهي رميم [يس: 78] فلما أخذتهم الحجة ولزمهم حكمها انتقلوا إلى سؤال آخر يتعللون به كما يتعلق المقطوع بالحجاج بذلك وهو قولهم: متى هو [الإسراء: 51] فأجيبوا بقوله: عسى أن يكون قريبا - يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا [الإسراء: 51 - 52] . ومن هذا قوله تعالى: أيحسب الإنسان أن يترك سدى - ألم يك نطفة من مني يمنى - ثم كان علقة فخلق فسوى - فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى - أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى [القيامة: 36 - 40]  . فاحتج سبحانه على أنه لا يترك الإنسان مهملا معطلا عن الأمر والنهي والثواب والعقاب وإن حكمته وقدرته تأبى ذلك فإن من نقله من نطفة مني ومن المني إلى العلقة ثم إلى المضغة ثم خلقه وشق سمعه وبصره وركب فيه الحواس والقوى والعظام والمنافع والأعصاب والرباطات التي هي أشد وأتقن خلقه وأحكمه غاية الإحكام وأخرجه على هذا الشكل والصورة التي هي أشم الصور وأحسن الأشكال كيف يعجز عن إعادته وإنشائه مرة ثانية أم كيف تقتضي حكمته وعنايته أن يتركه سدى فلا يليق ذلك بحكمته ولا تعجز عنه قدرته. فانظر إلى هذا الحجاج العجيب بالقول الوجيز والبيان الجليل الذي لا يتوهم أوضح منه ومأخذه القريب الذي لا تقطع الظنون على أقرب منه. وكذلك ما احتج به سبحانه على النصارى مبطلا لدعوى إلهية المسيح كقوله: لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين [الأنبياء: 17] فأخبر تعالى أن هذا الذي(1\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "75",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12473",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أضافه من نسب الولد إلى الله من مشركي العرب والنصارى غير سائغ في العقول إذا تأمله المتأمل ولو أراد الله أن يفعل هذا لكان يصطفي لنفسه ويجعل هذا الولد المتخذ من الجوهر الأعلى السماوي الموصوف بالخلوص والنقاء من عوارض البشر والمجبول على الثبات والبقاء لا من جواهر هذا العالم الفاني الكثير الأدناس والأوساخ والأقذار. ولما كان هذا الحجاج كما ترى في هذه القوة والجلالة أتبعه بقوله: بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق [الأنبياء: 18] . ونظير هذا قوله تعالى: لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار [الزمر: 4] وقال تعالى: ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون [المائدة: 75]  وقد تضمنت هذه الحجة دليلين ببطلان إلهية المسيح وأمه: أحدهما: حاجتهما إلى الطعام والشراب وضعف بنيتهما عن القيام بنفسها بل هي محتاجة فيما يعينهما إلى الغذاء والشراب والمحتاج إلى غيره لا يكون إلها إذ من لوازم الإله أن يكون غنيا. الثاني: أن الذي يأكل الطعام يكون منه ما يكون من الإنسان من الفضلات القذرة التي يستحى من التصريح بذكرها ولهذا والله أعلم عبر الله سبحانه عنها بلازمها من أكل الطعام الذي ينتقل الذهن منه إلى ما يلزمه من هذه الفضلة فكيف يليق بالرب سبحانه أن يتخذ صاحبة وولدا من هذا الجنس ولو كان يليق به ذلك أو يمكن لكان الأولى به أن يكون من جنس لا يأكل ولا يشرب ولا يكون منه الفضلات المستقذرة. ومن ذلك قوله تعالى: وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم - أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين [الزخرف: 17 - 18] سبحانه على هؤلاء الذين جعلوا له البنات بأن أحدهم لا يرضى بالبنات وإذا بشر أحدهم بالأنثى حصل له من الحزن والكآبة ما ظهر منه السواد على وجهه فإذا كان أحدكم لا يرضى بالإناث بناتا فكيف تجعلونها لي كما قال تعالى: ويجعلون لله ما يكرهون [النحل: 62] .(1\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "76",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12474",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم ذكر سبحانه ضعف هذا الجنس الذي جعلوه لله وأنه أنقص الجنسين ولهذا يحتاج في كماله إلى الحلية وهو أضعف الجنسين بيانا فقال تعالى: أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين [الزخرف: 18] فأشار بنشأتهن في الحلية إلى أنهن ناقصات فيحتجن إلى الحلية يكملن بها وأنهن عييات فلا يبن حجتهن وقت الخصومة مع أنه في قوله: أومن ينشأ في الحلية [الزخرف: 18] تعريضا بما وضعت له الحلية من التزين لمن يفترشهن ويطأهن وتعريضا بأنهن لا يثبتن في الحرب فذكر الحلية التي هي علامة الضعف والعجز. ومن هذا ما حكاه سبحانه من محاجة إبراهيم عليه السلام قومه بقوله: وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون - وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون - الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون [الأنعام: 80 - 82] فهذا الكلام لم يخرج في ظاهره مخرج كلام البشر الذي يتكلفه أهل النظر والجدال والمقايسة والمعارضة بل خرج في صورة كلام خبري يشتمل على مبادئ الحجاج ويشير إلى مقدمات الدليل ونتائجه بأوضح عبارة وأفصحها والغرض منه أن إبراهيم قال لقومه متعجبا مما دعوه إليه من الشرك أتحاجوني في الله [الأنعام: 80] وتطمعون أن تستزلوني عن توحيده بعد أن هداني وتأكدت بصيرتي واستحكمت معرفتي بتوحيده بالهداية التي رزقنيها وقد علمتم أن من كانت هذه حاله في اعتقاده أمرا من الأمور عن بصيرة لا يعارضه فيها ريب فلا سبيل إلى استزلاله عنها. وأيضا فإن المحاجة بعد وضوح الشيء وظهوره نوع من العبث بمنزلة المحاجة في طلوع الشمس وقد رآها من يحاجه بعينه فكيف يؤثر حجاجكم له أنها لم تطلع ثم قال ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا [الأنعام: 80] فكأنه صلى الله عليه وسلم يذكر أنهم خوفوه آلهتهم أن يناله منها مضرة كما قاله قوم هود: إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء [هود: 54] فقال إبراهيم: إن أصابني مكروه فليس ذلك من قبل هذه الأصنام التي(1\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "77",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12475",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبدتموها من دون الله وهي أقل من ذلك فإنها ليست ممن يرجى أو يخاف بل يكون ذلك الذي أصابني من قبل الحي الفعال الذي يفعل ما يشاء بيده الضر والنفع يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ثم ذكر سعة علمه سبحانه في هذا المقام منها على موقع احتراز لطيف وهو أن لله تعالى علما في وفيكم وفي هذه الآلهة لا يصل إليه علمي فإذا شاء أمرا من الأمور فهو أعلم بما يشاؤه فإنه وسع كل شيء علما فإن أراد أن يصيبني بمكروه لا علم لي من أي جهة أتاني فعلمه محيط بما لا أعلمه وهذا غاية التفويض والتبري من الحول والقوة وأسباب النجاة وأنها بيد الله لا بيدي. وهكذا قول شعيب صلى الله عليه وسلم لقومه: قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين [الأعراف: 89] فردت الرسل بما يفعله الله وأنه إذا شاء فهو أعلم بما يشاؤه ولا علم لنا بامتناعه. ثم رجع الخليل إليهم مقررا للحجة فقال: وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله [الأنعام: 81] يعني في إلهيته ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون - الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون [الأنعام: 81 - 82] يقول لقومه: كيف يسوغ في عقل أن أخاف ما جعلتموه لله شريكا في الإلهية وهي ليست موضع نفع ولا ضر وأنتم لا تخافون أنكم أشركتم بالله في الإلهية أشياء لم ينزل بها حجة عليكم والذي أشرك بخالقه وفاطره فاطر السماوات والأرض ورب كل شيء ومليكه آلهة لا تخلق شيئا وهي مخلوقة ولا تملك لأنفسها ولا لعابديها ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وجعلها ندا له ومثلا في الإلهية أحق بالخوف ممن لم يجعل مع الله إلها آخر وحده وأفرده بالإلهية والربوبية والقهر والسلطان والحب والخوف والرجاء فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون [الأنعام: 81] فحكم الله تعالى بينهما بأحسن حكم خضعت له القلوب وأقرت به الفطر فقال تعالى: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون [الأنعام: 82] .(1\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "78",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12476",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتأمل هذا الكلام وعجيب موقعه في قطع الخصوم وإحاطته بكل ما وجب في العقل أن يرد به ما دعوه إليه بحيث لم يبق لطاعن مطعن ولا سؤال ولما كانت بهذه المثابة عظمها بإضافتها إلى نفسه الكريمة فقال تعالى: وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء [الأنعام: 83] وكفى بحجة أن يكون الله تعالى ملقيها لخليله أن تكون قاطعة لموارد العناد وقامعة لأهل الشك والإلحاد. وشبيه بهذه القصة قوله تعالى: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين [البقرة: 258] لما أجاب إبراهيم صلى الله عليه وسلم المحاج له في الله بأن الذي يحيي ويميت هو الله أخذ عدو الله في المغالطة والمعارضة بأنه يحيي ويميت بأنه يقتل من يريد ويستبقي من يريد فقد أحيا هذا وأمات هذا فألزمه إبراهيم على طرد هذه المعارضة أن يتصرف في حركة الشمس من غير الجهة التي يأتي الله منها بزعمه فإذا ادعى أنه يساوي الله في الإحياء والإماتة فإن كان صادقا فليتصرف في الشمس تصرفا تصح به دعواه وليس هذا انتقالا من حجة إلى حجة أوضح منها كما زعم بعض النظار وإنما هو إلزام للمدعي في طرد حجته إن كانت صحيحة. ومن ذلك احتجاجه سبحانه على إثبات علمه بالجهات كلها بأحسن دليل وأوضحه وأصحه حيث يقول: وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور [الملك: 13] ثم قرر علمه بذلك بقوله: ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير [الملك: 14] وهذا من أبلغ التقرير فإن الخالق لا بد أن يعلم مخلوقه وإذا كنتم مقرين بأنه خالقكم وخالق صدوركم وما تضمنته فكيف تختفي عليه وهي خلقه وهذا التقرير مما يصعب على القدرية فهمه فإنه لم يخلق عندهم ما في الصدور فلم يكن في الآية على أصولهم دليل على علمه بها ولهذا طرد غلاة القوم ذلك ونفوا علمه فكفرهم السلف قاطبة وهذا التقرير من الآية صحيح على التقديرين أعني تقدير أن يكون (من) في محل رفع على الفاعلية أو في محل نصب على المفعولية(1\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "79",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12477",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على التقدير الأول: ألا يعلم الرب مخلوقه ومصنوعه ثم ختم الحجة باسمين مقتضيين لثبوتها وهما: اللطيف الذي لطف صنعه وحكمته ودق حتى عجزت عنه الأفهام والخبير الذي انتهى علمه إلى الإحاطة ببواطن الأشياء وخفاياها كما أحاط بظواهرها فكيف يخفى على اللطيف الخبير ما تخفيه الضمائر وتجنه الصدور. ومن هذا احتجاجه سبحانه على المشركين بقوله تعالى: أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون - أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون [الطور: 35 - 36] فتأمل هذا الترديد والحصر المتضمن لإقامة الحجة بأقرب طريق وأوضح عبارة. يقول تعالى: هؤلاء مخلوقون بعد أن لم يكونوا فهل خلقوا من غير خالق خلقهم فهذا من المحال الممتنع عند كل عاقل ثم قال تعالى: أم هم الخالقون [الطور: 35] وهذا أيضا من المستحيل أن يكون العبد خالقا لنفسه فإن من لا يقدر أن يزيد في حياته بعد وجوده وتعاطيه أسباب الحياة ساعة واحدة كيف يكون خالقا لنفسه وإذا بطل القسمان تبين أن لهم خالقا خلقهم فهو الإله الحق الذي يستحق عليهم العبادة والشكر فكيف يشركون إلها غيره وهو وحده الخالق لهم فإن قيل: فما موقع قوله تعالى: أم خلقوا السماوات والأرض [الطور: 36] من هذه الحجة قيل: أحسن موقع فإنه بين بالقسمين الأولين أن لهم خالقا فاطرا وبين بالقسم الثالث أنهم بعد أن وجدوا وخلقوا فهم عاجزون غير خالقين فإنهم لم يخلقوا نفوسهم ولم يخلقوا السماوات والأرض وإن الواحد القهار الذي لا إله غيره ولا رب سواه هو الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض فهو المتفرد بخلق المسكن والساكن. ومن هذا ما حكاه الله سبحانه من محاجة صاحب يس لقومه بقوله: قال ياقوم اتبعوا المرسلين - اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون [يس: 20 - 21] فنبه على وجوب الاتباع وهو كون المتبوع رسولا لمن ينبغي أن لا يخالف ولا يعصى وأنه على هداية ونبه على انتفاء المانع وهو عدم سؤال الأجر فلا يريد منكم دنيا ولا رئاسة فموجب الاتباع كونه مهتديا والمانع منه منتف وهو طلب العلو والفساد وطلب الأجر ثم قال: وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون [يس: 22] أخرج الحجة عليهم في معرض المخاطبة لنفسه تأليفا لهم ونبه على أن عبادة العبد لمن فطره أمر واجب في العقول(1\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "80",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12478",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "موافقة صريح العقل لصحيح النقل",
        "content": "فإن خلقه لعبده أصل إنعامه عليه وأنعامه كلها تابعة لإيجاده وخلقه وقد جبل الله العقول والفطر والشرائع على شكر المنعم ومحبة المحسن. ولا يلتفت إلى ما يقوله نفاة التحسين والتقبيح في ذلك فإنه من أفسد الأحوال وأبطلها في العقول والفطر والشرائع ثم أقبل عليهم مخوفا تخويف الناصح فقال: وإليه ترجعون [البقرة: 245] ثم أخبر عن الآلهة التي تعبد من دون الله أنها باطلة فقال: أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون [يس: 23] فإن العبد يريد من معبوده أن ينفعه وقت حاجته إليه وأنه إذا أرادني الرحمن الذي فطرني بضر لم يكن لهذه الآلهة من القدرة ما ينقذوني بها من ذلك الضر ولا من الجاه والمكانة عنده ما يشفع لي إليه ولا يخلص من ذلك الضر فبأي وجهة تستحق العبادة إني إذا لفي ضلال مبين [يس: 24] إن عبدت من دون الله من هذا شأنه. وهذا الذي ذكرناه من حجاج القرآن يسير من كثير. والمقصود أنه يتضمن الأدلة العقلية والبراهين القطعية التي لا مطمع في التشكيك فيها أو الأسئلة عليها إلا لمعاند مكابر والمتأول لا يمكنه أن يقيم على مبطل حجة نقلية ولا عقلية أما النقل فإنه عنده قابل للتأويل وهو لا يفيد اليقين وأما العقل فلأنه قد خرج عن صريحه وموجبه بالقواعد التي قادته إلى تأويل النصوص وإخراجها عن ظواهرها وحقائقها فصارت تلك القواعد الباطلة حجابا بينه وبين العقل والسمع فإذا احتج على خصمه بحجة عقلية نازعه خصمه في مقدمتها بما سلم له من القواعد التي تخالفها.  [موافقة صريح العقل لصحيح النقل] فالمقصود الصريح هو ما دلت عليه النصوص فإذا أبطله بالتأويل فلم يبق معه صحيح يحتج به على خصمه كما لم يبق معه منقول صريح فإنه قد عرض المنقول للتأويل والمعقول الصريح خرج عنه بالذي ظن أنه معقول. ومثال هذا أن العقل الصحيح الذي لا يكذب ولا يغلط قد حكم حكما لا يقبل الغلط أن كل ذاتين قائمتين بأنفسهما إما أن تكون كل منهما مباينة للأخرى أو محايثة لها وأنه يمتنع أن تكون هذه الذات قائمة بنفسها وإحداهما ليست فوق الأخرى ولا تحتها ولا عن يمينها ولا عن يسارها ولا محايثة ولا داخلة فيها ولا خارجة عنها فإذا خولف مقتضى هذا المعقول الصريح ودفع موجبه فأي دليل عقلي احتج به المخالف بعد هذا على مبطل أمكنه دفعه هو به حكم هذا العقل.(1\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "81",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12479",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الأربعون: أن الأدلة القاطعة قد قامت على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به ودلالتها على صدقه أبين وأظهر من دلالة الشبه العقلية على نقيض ما أخبر به عند كافة العقلاء ولا يستريب في ذلك إلا مصاب في عقله وفطرته فأين الشبه النافية لعلو الله على خلقه وتكلمه بمشيئته وتكليمه لخلقه ولصفات كماله ولرؤيته بالأبصار في الآخرة ولقيام أفعاله به إلى براهين نبوته التي زادت على الألف وتنوعت كل التنوع فكيف يقدح في البراهين العقلية الضرورية بالشبه الخالية المتناقضة وهل ذلك إلا من جنس الشبه التي أوردوها في التشكيك في الحسيات والبدهيات فإنها وإن عجز كثير من الناس عن حلها فهم يعلمون أنها قدح فيما علموه بالحس والاضطرار فمن قدر على حلها وإلا لم يتوقف حزمه بما علمه بحسه واضطراره على حلها. وكذلك الحال في الشبه التي عارضت ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم سواء فإن المصدق به وبما جاء به يعلم أنها لا تقدح في صدقه ولا في الإيمان به فإن عجز عن حلها فإن تصديقه بما جاء به الرسول ضروري وهذه الشبهة عنده لا تزيل ما علمه بالضرورة فكيف إذا تبين بطلانها على التفصيل يوضحه: الوجه الحادي والأربعون: وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم بين مراده وقد تبين أكثر مما تبين لنا كثير من دقائق المعقولات الصحيحة ومعرفتنا بمراد الرسول صلى الله عليه وسلم من كلامه فوق معرفتنا بتلك الدقائق إذا كانت صحيحة المقدمات في نفسها صادقة النتيجة غير كاذبة فكيف إذا كان الأمر فيها بخلاف ذلك ; فتلك التي تسمى معقولات قد تكون خطأ ولكن لم يتفطن لخطئها وأما كلام المعصوم صلى الله عليه وسلم فقد قام البرهان القاطع على صدقه ولكن قد يحصل الغلط في فهمه فيفهم منه ما يخالف صريح العقل فيقع التعارض بين ما فهم من النقل وبين ما اقتضاه صريح العقل فهذا لا يدفع ولكن إذا تأمله من وهبه الله حسن القصد وصحة التصور تبين له أن المعارضة واقعة بين ما فهمه النفاة من النصوص وبين العقل الصريح وأنها غير واقعة بين ما دل عليه النقل وبين العقل. ومن أراد معرفة هذا فليوازن بين مدلول النصوص وبين العقل الصريح ليتبين له مطابقة أحدهما للآخر ثم يوازن بين أقوال النفاة وبين العقل الصريح فإنه يتبين له حينئذ أن النفاة أخطأوا خطأين: خطأ على السمع فإنهم فهموا منه خلاف مراد المتكلم وخطأ على العقل بخروجهم عن حكمه.(1\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "82",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12480",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني والأربعون: أن المعارضين بين العقل والنقل الذي أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم قد اعترفوا بأن العلم بانتفاء المعارض مطلقا لا سبيل إليه إذ ما من معارض نفسه إلا ويحتمل أن يكون له معارض آخر وهذا مما اعتمد صاحب نهاية العقول وجعل السمعيات لا يحتج بها على العلم بحال وحاصل هذا أنا لا نعلم ثبوت ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم حتى نعلم انتفاء ما يعارضه ولا سبيل إلى العلم بانتفاء المعارض مطلقا لما تقدم وأيضا فلا يلزم من انتفاء العلم بالمعارض ولا ريب أن هذا القول أفسد أقوال العالم وهو من أعظم أصول أهل الإلحاد والزندقة وليس في عزل الوحي عن رتبته أبلغ من هذا. الثالث والأربعون: أن الله سبحانه قد أخبر في كتابه أن ما على الرسول إلا البلاغ المبين فقال تعالى: وما على الرسول إلا البلاغ المبين [النور: 54] وقال تعالى: ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك [المائدة: 67] وقال تعالى: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل: 44] وقد شهد الله له وكفى بالله شهيدا بالبلاغ الذي أمر به فقال: فتول عنهم فما أنت بملوم [الذاريات: 54] وشهد له أعقل الخلق وأعلمهم وأفضلهم بأنه قد بلغ فأشهد الله عليهم بذلك في أعظم مجمع وأفضله فقال في خطبته في عرفات في حجة الوداع: quot; إنكم مسئولون عني فما أنتم قائلون قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فرفع إصبعه إلى السماء مستشهدا بربه الذي فوق سماواته وقال: quot; اللهم اشهد quot; فلو لم يكن عرف المسلمون وتيقنوا ما أرسل به وحصل لهم منه العلم واليقين لم يكن قد حصل منه البلاغ المبين ولما رفع عنه اللوم وغاية ما عند النفاة أنه يفهمهم ألفاظا لا تفيدهم علما ولا يقينا وأحالهم في طلب العلم واليقين على عقولهم وفطرهم وآرائهم لا على ما أوحي إليه هذا معلوم البطلان بالضرورة. الرابع والأربعون: أن عقل رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل عقول أهل الأرض على(1\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "83",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12481",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإطلاق فلو وزن عقله بعقولهم لرجحها وقد أخبر الله أنه قبل الوحي لم يكن يدري ما الإيمان كما لم يكن يدري ما الكتاب فقال الله تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم [الشورى: 52] وقال تعالى: ألم يجدك يتيما فآوى - ووجدك ضالا فهدى - ووجدك عائلا فأغنى [الضحى: 6 - 8] وتفسير هذه الآية بالآية التي في آخر سورة الشورى فإذا كان أعقل الخلق على الإطلاق إنما حصل له الهدى بالوحي كما قال تعالى: قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب [سبأ: 50] فكيف يحصل لسفهاء العقول وأخفاء الأحلام الاهتداء إلى حقائق الإيمان بمجرد عقولهم دون نصوص الوحي حتى اهتدوا بتلك الهداية إلى المعارضة بين العقل ونصوص الأنبياء لقد جئتم شيئا إدا - تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا [مريم: 89 - 90] . الخامس والأربعون: أن الله سبحانه إنما أقام الحجة على خلقه بكتابه ورسله فقال تعالى: تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا [الفرقان: 1] وقال تعالى: وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ [الأنعام: 19] فكل من بلغه هذا القرآن فقد أنذر به وقامت عليه حجة الله وقال تعالى: وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ [الأنعام: 19] وقال تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [الإسراء: 15] وقال تعالى: كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير - قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير - وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير [الملك: 8 - 10] فلو كان كلام الله ورسوله لا يفيد اليقين والعلم والعقل معارض له فأي حجة تكون قد قامت على المكلفين بالكتاب والرسل وهل هذا القول إلا مناقض لإقامة حجة الله بكتابه من كل وجه الوجه السادس والأربعون: أنه سبحانه بين لعباده بأنه يبين لهم غاية البيان وأمر رسوله بالبيان وأخبر أنه أنزل عليه كتابه ليبين للناس ولهذا قال الزهري: (من الله(1\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "84",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12482",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البيان وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم) فهذا البيان الذي تكفل به سبحانه وأمر به رسوله إما أن يكون المراد به بيان اللفظ وحده أو المعنى وحده أو اللفظ والمعنى جميعا ولا يجوز أن يكون المراد بيان اللفظ دون المعنى فإن هذا لا فائدة فيه ولا يحصل به مقصود الرسالة وبيان المعنى وحده بدون دليله وهو اللفظ الدال عليه ممتنع فعلم أن المراد بيان اللفظ والمعنى فكما نقطع أن الرسول صلى الله عليه وسلم بين اللفظ فكذلك نتيقن أنه بين المعنى بل كانت عنايته ببيان المعنى أشد من عنايته ببيان اللفظ وهذا هو الذي ينبغي فإن المعنى هو المقصود وأما اللفظ فوسيلة إليه فكيف تكون عنايته بالوسيلة أهم من عنايته بالمقصود وكيف يتيقن بيانه للوسيلة ولا يتيقن بيانه للمقصود وهل هذا إلا من أبين المحال فإن جاز عليه أن لا يبين المراد من ألفاظ القرآن جاز عليه أن لا يبين بعض ألفاظه فلو كان المراد منها خلاف حقائقها وظواهرها دون مدلولاتها وقد كتمه عن الأمة ولم يبينه لها كان ذلك قدحا في رسالته وعصمته وفتحا للزنادقة من الرافضة وغيرهم باب كتمان بعض ما أنزل الله وهذا مناف للإيمان به وبرسالته يوضحه: الوجه السابع والأربعون: أن القائل بأن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين إما أن يقول: إنها تفيد ظنا أو لا تفيد علما ولا ظنا فإن قال: لا تفيد علما ولا ظنا فهو مع مكابرته للعقل والسمع والفطرة الإنسانية من أعظم الناس كفرا وإلحادا وإن قال: بل تفيد ظنا غالبا وإن لم تفد يقينا قيل له: فالله تعالى قد ذم الظن المجرد وأهله فقال تعالى: إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا [النجم: 28] فأخبر أن الظن لا يوافق الحق ولا يطابقه وقال تعالى: إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى [النجم: 23] وقال أهل النار: إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين [الجاثية: 32] فلو كان ما أخبر الله به عن أسمائه وصفاته واليوم الآخر وأحوال الأمم وعقوباتهم لا تفيد إلا ظنا لكان المؤمنون إن يظنون إلا ظنا وما هم بمستيقنين ولكان قوله تعالى: وبالآخرة هم يوقنون [البقرة: 4] خبرا غير مطابق فإن علمهم بالآخرة إنما استفادوه من الأدلة اللفظية لا سيما وجمهور المتكلمين يصرحون بأن المعاد إنما علم بالنقل فإذا(1\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "85",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12483",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان النقل لا يفيد يقينا لم يكن في الأمة من يوقن بالآخرة إذ الأدلة العقلية لا مدخل لها فيها وكفى بهذا بطلانا وفسادا. والله تعالى لم يكتف من عباده بالظن بل أمرهم بالعلم كقوله: فاعلم أنه لا إله إلا الله [محمد: 19] وقوله: اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم [المائدة: 98] وقوله: واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه [البقرة: 223] ونظائر ذلك وإنما يجوز اتباع الظن في بعض المواضع للحاجة كحادثة يخفى على المجتهد حكمها أو في الأمور الجزئية كتقويم السلع ونحوه وأما ما بينه الله في كتابه على لسان رسوله فمن لم يتيقنه بل ظنه ظنا فهو من أهل الوعيد ليس من أهل الإيمان فلو كانت الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين لكان ما بينه الله ورسوله بالكتاب والسنة لم يتيقنه أحد من الأمة. الثامن والأربعون: قوله: إن العلم بمدلول الأدلة اللفظية موقوف على نقل اللغة كلام ظاهر البطلان فإن دلالة القرآن والسنة على معانيها من جنس دلالة لغة كل قوم على ما يعرفونه ويعتادونه من تلك اللغة وهذا لا يختص بالعرب بل هو أمر ضروري لجميع بني آدم إنما يتوقف العلم بمدلول ألفاظهم على كونهم من أهل تلك اللغة التي وقع بينهم بها التخاطب ولهذا لم يرسل الله رسولا إلا بلسان قومه ليبين لهم فتقوم عليهم الحجة بما فهموه من خطابه لهم فدلالة اللفظ هي العلم بقصد المتكلم به. ويراد بالدلالة أمران: فعل الدال وكون اللفظ بحيث يفهم معنى ولهذا يقول دله بكلامه دلالة ودل الكلام على هذا دلالة فالمتكلم دال بكلامه وكلامه دال بنظامه وذلك يعرف من عادة المتكلم في ألفاظه فإذا كانت عادته أنه يعني بهذا اللفظ هذا المعنى علمنا متى خاطبنا به أنه أراده من وجهين: أحدهما: أن دلالة اللفظ مبناها على عادة المتكلم التي يقصدها بألفاظه وكذا على مراده بلغته التي عادته أن يتكلم بها فإذا عرف السامع ذلك المعنى وعرف أن عادة المتكلم إذا تكلم بذلك اللفظ أن يقصده علم أنه مراده قطعا وإلا لم يعلم مراد متكلم أبدا وهو محال. الثاني: أن المتكلم إذا كان قصده إفهام المخاطبين كلامه وعلم المخاطب السامع اليقين بمراده ولم يشك فيه ولو تخلف عنه العلم لكان ذلك قادحا في أحد(1\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "86",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12484",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العلمين إما قادحا في علمه في موضوع ذلك اللفظ وإما في علمه بعبارة المتكلم به وصفاته وقصده فمتى عرف موضوعه عادة المتكلم به أفاده ذلك القطع يوضحه: التاسع والأربعون: أن السامع متى سمع المتكلم يقول: لبست ثوبا وركبت فرسا وأكلت لحما وهو عالم بمدلول هذه الألفاظ من عرف المتكلم وعالم أن المتكلم لا يقصد بقوله: لبست ثوبا معنى ذبحت شاة ولا من قوله: ركبت فرسا معنى لبست ثوبا علم مراده قطعا فإنه يعلم أن قصد خلاف ذلك عد ملبسا مدلسا لا مبينا مفهما وهذا مستحيل على الله ورسوله أعظم استحالة وإن جاز على أهل التخاطب فيما بينهم. فإذا إفادة كلام الله ورسوله اليقين فوق استفادة ذلك من كلام كل متكلم وهذا أدل على كلام الله ورسوله من دلالة كلام غيره على مراده وكلما كان السامع أعرف بالمتكلم وقصده وبيانه وعادته كانت استفادته للعلم بمراده أكمل وأتم. الخمسون: أن قوله: quot; إن فهم الدلالة اللفظية موقوف على نقل النحو والتصريف quot; جوابه أن القرآن قد نقل إعرابه كما نقلت ألفاظه ومعانيه لا فرق في ذلك كله فألفاظه متوافرة وإعرابه متواتر ونقل معانيه أظهر من نقل ألفاظه وإعرابه كما تقدم بيانه ونقل جميع ذلك بالتواتر أصح من نقل كل لغة نقلها ناقل على وجه الأرض وقواعد الإعراب والتصريف الصحيحة مستفادة منه مأخوذة عن إعرابه وتصريفه وهو الشاهد على صحة غيرها مما يحتج له بها فهو الحجة لها والشاهد وشواهد الإعراب والمعاني منه أقوى وأصح من الشواهد من غيره حتى إن فيه من قواعد الإعراب وقواعد المعاني والبيان ما لم يشتمل عليه ضوابط النحاة وأهل علم المعاني فبطل قول هؤلاء: إن الأدلة اللفظية تتوقف دلالتها على عصمة رواة مفردات تلك الألفاظ يوضحه: الحادي والخمسون: هب أنه يحتاج إلى نقل ذلك لكن عامة ألفاظ القرآن منقول معناها وإعرابها بالتواتر لا يحتاج الناس فيه إلى نقل عن أهل العربية كالخليل وسيبويه والأصمعي وأبى عبيدة والكسائي والفراء حتى الألفاظ الغريبة في القرآن مثل quot; ابتلوا quot; و quot; قسمة ضيزى [النجم: 22] quot; و quot; عسعس [التكوير: 17] quot; ونحوها معانيها(1\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "87",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12485",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منقولة في اللغة بالتواتر لا يختص بنقلها الواحد والاثنان فلم تتوقف دلالتها على عصمة رواة معانيها فكيف في الألفاظ الشهيرة كالشمس والقمر والليل والنهار والبر والبحر والجبال فهذه الدعوى باطلة في الألفاظ الغريبة والشهيرة يوضحه: الوجه الثاني والخمسون: أن أصحاب هذا القانون قالوا: أظهر الألفاظ لفظ (الله) وقد اختلف الناس فيه أعظم اختلاف هل هو مشتق أم لا وهل هو مشتق من التأليه أو من الوله أو من لاه إذا احتجب وكذلك اسم الصلاة وفيه من الاختلاف ما فيه هل مشتق من الدعاء أو من الاتباع أو من تحريك الصلوين فإذا كان هذا في أظهر الأسماء فما الظن بغيره. فتأمل هذا الوهم والإيهام واللبس والتلبيس فإن جميع أهل الأرض علمائهم وجهلائهم ومن يعرف الاشتقاق ومن لا يعرفه وعربهم وعجمهم يعلمون أن (الله) اسم لرب العالمين خالق السماوات والأرض الذي يحيي ويميت وهو رب كل شيء ومليكه فهم لا يختلفون في أن هذا الاسم يراد به هذا المسمى وهو أظهر عندهم وأعرف وأشهر من كل اسم وضع لكل مسمى وإن كان الناس متنازعين في اشتقاقه فليس ذلك بنزاع منهم في معناه. وكذلك الصلاة لم يتنازعوا في معناها الذي أراده الله ورسوله وإن اختلفوا في اشتقاقها وليس هذا نزاعا في وجه الدلالة عليه وكذلك قوله تعالى: يبين الله لكم أن تضلوا [النساء: 176] يقدره البصريون كراهة أن تضلوا والكوفيون لئلا تضلوا وكذلك اختلافهم في التنازع وأمثال ذلك إنما هو نزاع في وجه دلالة اللفظ على ذات المعنى مع اتفاقهم على أن المعنى واحد وهذا اللفظ لا يخرج اللفظ عن إفادته السامع اليقين بمسماه. الثالث والخمسون: أن يقول: هذه الوجوه العشرة مدارها على حرف واحد وهو: أن الدليل اللفظي يحتمل أزيد من معنى واحد فلا يقطع بإرادة المعنى الواحد. فنقول: من المعلوم أن أهل اللغة لم يشرعوا للمتكلم أن يتكلم بما يريد به خلاف(1\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "88",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12486",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ظاهره إلا مع قرينة تبين المراد والمجاز إنما يدل مع القرينة بخلاف الحقيقة فإنها تدل مع التجرد وكذلك الحذف والإضمار لا يجوز إلا إذا كان في الكلام ما يدل عليه وكذلك التخصيص ليس لأحد أن يدعيه إلا مع قرينة تدل عليه فلا يسوغ العقلاء لأحد أن يقول: جاءني زيد وهو يريد ابن زيد إلا مع قرينة كما في قوله تعالى: واسأل القرية [يوسف: 82]  والعير [يوسف: 82] عند من يقول: إنه من هذا الباب فإنه يقول: القرية والعير لا يسألان فعلم أنه أراد أهلها ومن جعل القرية للسكان والمسكن والعير اسما للركبان والمركوب لم يحتج إلى هذا التقدير. وإذا كانت هذه الأنواع لا تجوز مع تجريد الكلام عن القرائن المبينة للمراد فحيث تجرد علمنا قطعنا أنه لم يرد بها ذلك وليس لقائل أن يقول: قد تكون القرائن موجودة ولا علم لنا بها ; لأن من القرائن ما يجب أن يكون لفظيا كمخصصات الأعداد وغيرها ومنها ما يكون معنويا كالقرائن الحالية والعقلية والنوعان لا بد أن يكونا ظاهرين للمخاطب ليفهم مع تلك القرائن مراد المتكلم فإذا تجرد الكلام عن القرائن فإن معناه المراد عند التجرد وإذا اقترنا بتلك القرائن فهم معناه المراد عند الاقتران فلم يقع لبس في الكلام المجرد ولا في الكلام المقيد إذ كل من النوعين مفهم لمعناه المختص به وقد اتفقت اللغة والشرع أن اللفظ المجرد إنما يراد به ما ظهر منه وإنما يقدر مع احتمال مجاز أو اشتراك أو حذف أو إضمار ونحوه وإنما يقع مع القرينة أما مع عدمها فلا والمراد على التقديرين يوضحه: الرابع والخمسون: أن غاية ما يقال: إن في القرآن ألفاظا استعملت في معان لم تكن العرب تعرفها وهي الأسماء الشرعية كالصلاة والزكاة والاعتكاف ونحوها والأسماء الدينية كالإيمان والإسلام والكفر والنفاق ونحوها وأسماء مجملة لم يرد ظاهرها كالسارق والسارقة والزاني والزانية ونحوها وأسماء مشتركة كالقرء وعسعس ونحوها فهذه الأسماء لا تفيد اليقين بالمراد منها. فيقال: هذه الأسماء جارية في القرآن على ثلاثة أنواع: نوع بيانه معه فهو مع(1\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "89",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12487",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بيانه يفيد اليقين بالمراد منه ونوع بيانه في آيات أخرى فيستفاد اليقين من مجموع الآيتين ونوع بيانه موكل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيستفاد اليقين من المراد منه ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم ولم نقل نحن ولا أحد من العقلاء: إن كل لفظ هو مفيد اليقين بالمراد منه بمجرده من غير احتياج إلى لفظ آخر متصلا به أو منفصلا عنه بل نقول: إن مراد المتكلم يعلم من لفظه المجرد منه والمقرون تارة ومنه من لفظ آخر يفيدان اليقين بمراده تارة ومنه ومن بيان آخر بالفعل أو القول يحيل المتكلم عليه تارة وليس في القرآن خطاب أريد منه العلم بمدلوله إلا وهو داخل في هذه الأقسام فالبيان المقترن كقوله: حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر [البقرة: 187] وكقوله: لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم [النساء: 95] وقوله: فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما [العنكبوت: 14] ونظائر ذلك والبيان المنفصل كقوله: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين [البقرة: 233] وقوله: وفصاله في عامين [لقمان: 14] مع قوله: وحمله وفصاله ثلاثون شهرا [الأحقاف: 15] فأفاد مجموع اللفظين البيان بأن مدة أقل الحمل ستة أشهر. وكذلك قوله: وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس [النساء: 12] ومع قوله: يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة [النساء: 176] وأنه من لا ولد له وإن سفل ولا والد له وإن علا وكذلك قوله: أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم [الطلاق: 6] مع قوله: فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف [الطلاق: 2] أفاد مجموع الخطابين في الرجعيات دون البوائن ومنه قوله تعالى: والليل إذا عسعس - والصبح إذا تنفس [التكوير: 17 - 18] مع قوله: كلا والقمر - والليل إذ أدبر - والصبح إذا أسفر [المدثر: 32 - 34] فإن مجموع الخطابين يفيد أن العلم بأن الرب سبحانه أقسم بإدبار هذا وإقبال هذا أو إقبال كل منهما على قول من فسر: أدبر النهار(1\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "90",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12488",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أي جاء في دبره وعسعس بأقبل فعلى هذا القول يكون القسم بإقبال الليل وإقبال النهار وقد يقال: وقع الإقسام في الآيتين بالنوعين. وأما البيان الذي يحيل المتكلم عليه فكلما أحال الله سبحانه على رسوله في بيان ما أمرهم به من الصلاة والزكاة والحج وفرائض الإسلام التي إنما علمت مقاديرها وصفاتها وهيئاتها من بيان الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يخرج خطاب القرآن عن هذه الوجوه الأربعة فصار الخطاب مع بيانه مفيدا لليقين بالمراد منه كأن لم يكن بيانه متصلا به. الخامس والخمسون: أن هذا القول الذي قاله أصحاب هذا القانون لم يعرف عن طائفة من طوائف بني آدم ولا طوائف المسلمين ولا طوائف اليهود والنصارى ولا عن أحد من أهل الملل قبل هؤلاء وذلك لظهور العلم بفساده فإنه يقدح فيما هو أظهر العلوم الضرورية لجميع الخلق فإن بني آدم يتكلمون ويخاطب بعضهم بعضا مخاطبة ومكاتبة وقد أنطق الله تعالى بعض الجمادات وبعض الحيوانات بمثل ما أنطق بني آدم فلم يسترب سامع النطق في حصول العلم واليقين به بل كان ذلك عنده من أعظم العلوم الضرورية فقالت النملة لأمة النمل: ياأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون [النمل: 18] فلم يشك النمل ولا سليمان في مرادها وفهموه يقينا ولما علم سليمان مرادها يقينا تبسم ضاحكا من قولها وخطابه الهدهد فحصل للهدهد العلم واليقين بمراد سليمان من كلامه. وأرسل سليمان الهدية والكتاب وفعل ما حكى الله لما حصل له اليقين بمراد الهدهد من كلامه وأنطق سبحانه الجبال مع داود بالتسبيح وعلم سليمان منطق الطير وأسمع الصحابة تسبيح الطعام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسمع رسوله تسليم الحجر عليه أفيقول مؤمن أو عاقل: إن اليقين لم يحصل للسامع بشيء من مدلول هذا الكلام.(1\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "91",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12489",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السادس والخمسون: أن أرباب هذا القانون الذين منعوا استفادة اليقين من كلام الله ورسوله مضطربين في العقل الذي يعارض النقل أشد الاضطراب فالفلاسفة مع شدة اعتنائهم بالمعقولات أشد الناس اضطرابا في هذا الباب من طوائف أهل الملل ومن أراد معرفة ذلك فليقف على مقالاتهم في كتب أهل المقالات كالمقالات الكبرى للأشعري والآراء والديانات للنوبختي وغير ذلك وأما المتكلمون فاضطرابهم في هذا الباب من أشد اضطراب. فتأمل اضطراب فرق الشيعة والخوارج والمعتزلة وطوائف أهل الكلام وكل منهم يدعي أن صريح العقل معه وأن مخالفه قد خرج عن صريح العقل ونحن نصدق جميعهم ونبطل عقل كل فرقهم بعقل الأخرى ثم نقول للجميع: بعقل من منكم يوزن كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فما وافقه قبل وأقر عليه وما خالفه أول أو فوض إلى عقولكم: أعقل أرسطو وشيعته أم عقل أفلاطون أم فيثاغورس أم بقراط أم الفارابي أم ابن سينا أم محمد بن زكريا أم ثابت بن قرة أم جهم بن صفوان أم النظام أو العلاف أم الجبائي أم بشر المريسي أم الإسكافي . أم توصون بعقول المتأخرين الذين هذبوا العقليات ومخضوا زبدتها واختاروا لأنفسهم ولم توصوا بعقول سائر من تقدم فهذا أفضلهم عندكم محمد بن عمر الرازي فبأي معقولاته تزنون نصوص الوحي وأنتم ترون اضطرابه فيها في كتبه أشد اضطراب ولا يثبت على قول أم ترضون عقول القرامطة والباطنية والإسماعيلية أم عقول الاتحادية فكل هؤلاء وأضعاف أضعافهم يدعي أن العقل الصريح معه وأن مخالفيه خرجوا عن صحيح(1\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "92",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12490",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعقول وهذه عقولهم تنادي عليهم ولولا الإطالة لعرضناها على السامع عقلا وقد عرضها المعتنون بذكر المقالات وهذه العقول إنما تفيد الريب والشك والحيرة والجهل المركب. فإذا تعارض النقل وهذه العقول أخذ بالنقل الصحيح ورمي بهذه العقول تحت الأقدام وحطت حيث حطها الله وأصحابها. السابع والخمسون: أن أدلة القرآن والسنة نوعان: أحدهما: يدل بمجرد الخبر. والثاني: يدل بطريق التنبيه على الدليل العقلي. والقرآن مملوء من ذكر الأدلة العقلية التي هي آيات الله الدالة على ربوبيته ووحدانيته وعلمه وقدرته وحكمته ورحمته فآياته العيانية المشهودة في خلقه تدل على صدق النوع الأول وهو مجرد الخبر ولم تتجرد أخباره سبحانه عن آية تدل على صدقها بل قد بين لعباده في كتابه من البراهين الدالة على صدقه وصدق رسوله ما فيه هدى وشفاء. فقول القائل: إن تلك الأدلة لا يفيد اليقين إن أراد به النوع المتضمن لذكر الأدلة العقلية فهذا من أعظم البهت والوقاحة فإن آيات الله التي جعلها أدلة وحججا على وجوده ووحدانيته وصفات كماله إن لم تفد يقينا بمدلول أبدا وإن أراد به النوع الأول بمجرد الخبر فقد أقام الله سبحانه الأدلة القطعية على ثبوته فلم يحل عباده فيه على خبر مجرد لا يستفيدون ثبوته إلا من الخبر المجرد نفسه دون الدليل الدال على صدق الخبر وهذا غير الدليل العام الدال على صدقه فيما أخبر به بل هو الأدلة على التوحيد وإثبات الصفات والنبوات والمعاد وأصول الإيمان فلا تجد كتابا قد تضمن من البراهين والأدلة العقلية على هذه المطالب ما تضمنه القرآن فأدلته القطعية عقلية وإن لم تفد اليقين فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون [الجاثية: 6] . ففي هذا كسر الطاغوت الأول وهو قولهم: إن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين.(1\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "93",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12491",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[كسر الطاغوت الثاني وهو قولهم إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم العقل] كسر الطاغوت الثاني وهو قولهم: إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم العقل لأنه لا يمكن الجمع بينهما ولا إبطالهما ولا يقدم النقل لأن العقل أصل النقل فلو قدمنا عليه النقل لبطل العقل وهو أصل النقل فلزم بطلان النقل فيلزم من تقديم النقل بطلان العقل والنقل فتعين القسم الرابع وهو تقديم العقل. فهذا الطاغوت أخو ذلك القانون فهو مبني على ثلاث مقدمات: الأولى: ثبوت التعارض بين العقل والنقل والثانية: انحصار التقسيم في الأقسام الأربعة التي ذكرت فيه الثالثة: بطلان الأقسام الثلاثة ليتعين ثبوت الرابع. وقد أشفى شيخ الإسلام في هذا الباب بما لا مزيد عليه وبين بطلان هذه الشبهة وكسر هذا الطاغوت في كتابه الكبير فنحن نشير إلى كلمات يسيرة هي قطرة من بحره تتضمن كسره وذلك يظهر من وجوه: الوجه الأول: أن هذا التقسيم باطل من أصله والتقسيم الصحيح أن يقال: إذا تعارض دليلان سمعيان أو عقليان أو سمعي وعقلي فإما أن يكونا قطعيين وإما أن يكونا ظنيين وإما أن يكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا فأما القطعيان فلا يمكن تعارضهما في الأقسام الثلاثة لأن الدليل القطعي هو الذي يستلزم مدلوله قطعيا ولو تعارضا لزم الجمع بين النقيضين وهذا لا يشك فيه أحد من العقلاء وإن كان أحدهما قطعيا والآخر ظنيا تعين تقديم القطعي سواء كان عقليا أو سمعيا وإن كانا ظنيين صرنا إلى الترجيح ووجب تقديم الراجح منهما وهذا تقسيم راجح متفق على مضمونه بين العقلاء فأما إثبات التعارض بين الدليل العقلي والسمعي والجزم بتقديم العقلي مطلقا فخطأ واضح معلوم الفساد. الوجه الثاني: أن قوله: إذا تعارض العقل والنقل فإما أن يريد به القطعيين فلا نسلم إمكان التعارض وإما أن يريد به الظنيين فالتقديم الراجح مطلقا وإذا قدر أن العقلي هو القطعي كان تقديمه لأنه قطعي لا لأنه عقلي فعلم أن تقديم العقلي مطلقا خطأ وأن جعل جهة الترجيح كونه عقليا خطأ وأن جعل سبب التأخير والاطراد كونه نقليا خطأ.  الوجه الثالث: قوله: إن قدمنا النقل لزم الطعن في أصله ممنوع فإن قوله:(1\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "94",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12492",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العقل أصل النقل إما أن يريد به أنه أصل في ثبوته في نفس الأمر وأصل في علمنا بصحته فالأول لا يقوله عاقل فإنما هو ثابت في نفس الأمر ليس موقوفا على علمنا به فعدم علمنا بالحقائق لا ينافي ثبوتها في نفس الأمر فما أخبر به الصادق المصدوق هو ثابت في نفسه سواء علمناه بعقولنا أم لم نعلمه وسواء صدقه الناس أو لم يصدقوه كما أنه رسول الله حقا وإن كذبه من كذبه كما أن وجود الرب تعالى وثبوت أسمائه وصفاته حق سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه فلا يتوقف ذلك على وجودنا فضلا عن علومنا وعقولنا فالشرع المنزل من عند الله مستغن في علمنا وعقلنا ولكن نحن محتاجون إليه أن نعلمه فإذا علم العقل ذلك حصل له كمال لم يكن له قبل ذلك وإذا فقده كان ناقصا جاهلا. وأما إن أراد أن العقل أصل في معرفتنا بالسمع ودليل على صحته وهذا هو مراده فيقال له: أتعني بالعقل القوة الغريزية التي فينا أم العلوم المستفادة بتلك الغريزة فالأول لم يرده ويمتنع إرادته ; لأن تلك الغريزة ليست علما يمكن معارضته للنقل وإن كانت شرطا في كل علم عقلي أو سمعي وما كان شرطا في الشيء امتنع أن يكون منافيا له وإن أردت العلم والمعرفة الحاصلة بالعقل قيل لك: ليس كل ما يعرف بالعقل يكون أصلا للسمع ودليلا على صحته فإن المعارف العقلية أكثر من أن تحصر والعلم بصحة السمع غايته يتوقف على ما به يعلم صدق الرسول من العقليات وليس كل العلوم العقلية يعلم بها صدق الرسول بل ذلك بالآيات والبراهين الدالة على صدقه فعلم أن جميع المعقولات ليست أصلا للنقل لا بمعنى توقف العلم بالسمع عليها ; لا سيما وأكثر متكلمي أهل الإثبات كالأشعري في أحد قوليه وأكثر أصحابه يقولون: إن العلم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم عند ظهور المعجزات الحادثة ضروري فما يتوقف عليه العلم بصدق الرسول من العلم العقلي سهل يسير مع أن العلم بصدقه له طرق كثيرة متنوعة وحينئذ فإذا كان المعارض للسمع من المعقولات ما لا يتوقف العلم بصحة السمع عليه لم يكن القدح فيه قدحا في أصل السمع وهذا بحمد الله بين واضح وليس القدح في بعض العقليات قدحا في جميعها كما أنه ليس القدح في بعض السمعيات قدحا في جميعها فلا يلزم من صحة المنقولات التي تبنى عليها معرفتنا بالسمع صحة غيرها من المعقولات ولا من فساد هذه فساد تلك فلا يلزم من تقديم السمع على ما يقال: إنه معقول في الجملة القدح في أصله.(1\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "95",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12493",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرابع: أن يقال: إما أن يكون عالما بصدق الرسول وثبوت ما أخبر به في نفس الأمر وإما أن لا يكون عالما بذلك فإن لم يكن عالما امتنع التعارض عنده ; لأن المعقول إن كان معلوما لم يتعارض معلوم ومجهول وإن لم يكن معلوما لم يتعارض مجهولان وإن كان عالما بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم امتنع ألا يعلم بثبوت ما أخبر به في نفس الأمر إذا علم أنه أخبر به وهو عالم بصدقه لزم ضرورة أن يكون عالما بثبوت مخبره وإذا كان كذلك استحال أن يقع عنده دليل يعارض ما أخبر به ويكون ذلك المعارض واجب التقديم إذ مضمون ذلك أن يقال: لا تعتقد ثبوت ما علمت أنه أخبر به ; لأن هذا الاعتقاد ينافي ما علمت من أن المخبر صادق وحقيقة ذلك لا تصدقه في هذا الخبر ; لأن تصديقه يستلزم عدم تصديقه فيقول: وعدم تصديقي له فيه هو عين اللازم المحذور فإذا قيل لي: لا تصدقه لئلا يلزم عدم تصديقه كان كما لو قيل: كذبه لئلا يلزم تكذيبه فهكذا حال من أمر الناس أن لا يصدقوا الرسول فيما علمه لأنه أخبر به بعد علمهم أنه رسول لئلا يفضي تصديقهم إلى عدم تصديقه يوضحه: الوجه الخامس: وهو أن المنهي عنه من قبول هذا الخبر وتصديقه فيه هو عين المحذور فيكون واقعا في المنهي عنه سواء أطاع أو عصى ويكون تاركا للمأمورية سواء أطاع أو عصى ويكون وقوعه في المخوف المحذور على تقدير الطاعة أعجل وأسبق منه على تقدير المعصية والمنهي عنه على هذا التقدير هو التصديق والمأمور به هو التكذيب وحينئذ فلا يجوز النهي عنه سواء كان محذورا أو لم يكن فإن لم يكن محذورا لم يجز أن ينهى عنه وإذا كان محذورا فلا بد منه على التقديرين.  الوجه السادس: أنه إذا قيل له: لا تصدقه في هذا كان آمرا له بما يناقض ما علم به صدقه فكان آمرا بما يوجب أن لا يثق بشيء من غيره فإنه متى جوز كذبه أو غلطه في خبر جوز ذلك في غيره ولهذا أفضى الأمر بمن سلك هذا الطريق إلى أنهم لا يستفيدون من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم شيئا من الأمور الخبرية المتعلقة بصفات الرب سبحانه وتعالى وأفعاله بل ولا باليوم الآخر عند بعضهم لاعتقادهم أن هذه الأخبار على ثلاثة أنواع: نوع يجب رده وتكذيبه ونوع يجب تأويله وإخراجه عن حقيقته ونوع يقر وليس لهم في ذلك أصل يرجعون إليه بل يقول: ما أثبته عقلك فأثبته وما نفاه عقلك فانفه وهذا يقول: ما أثبته كشفك فأثبته وما لا فلا ووجود الرسول عندهم كعدمه في المطالب الإلهية ومعرفة الربوبية بل على قولهم وأصولهم وجوده(1\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "96",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12494",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أضر من عدمه لأنهم لا يستفيدون من جهته علما بهذا الشأن واحتاجوا إلى دفع ما جاء به إما بتكذيب وإما بتأويل وإما بإعراض وتفويض. فإذا قيل: لا يمكن أنه يعلم أنه أخبر بما ينافي العقل فإنه منزه عن ذلك وممتنع عليه ذلك قيل: فهذا إقرار باستحالة معارضة العقل للسمع واستحالة المسألة وعلم أن جميع أخباره لا تناقض العقل. قعد النقل سالما من مناف ... واسترحنا من الصداع جميعا فإن قيل: بل المعارضة ثابتة بين العقل وبين ما يفهمه ظاهر اللفظ وليست ثابتة بين العقل وبين نفس ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم فالمعارضة ثابتة بين العقل وبين ما يظن أنه دليل وليس بدليل أو يكون دليلا ظنيا لتطرق الظن إلى بعض مقدمات إسناده أو امتناعا قيل: وهذا رفع صورة المسألة ويحيلها بالكلية ويصير صورتها هكذا: إذا تعارض الدليل القولي وما ليس بدليل صحيح وجب تقديم العقل وهو كلام لا فائدة فيه ولا حاصل له وكل عاقل يعلم أن الدليل لا يترك لما ليس بدليل. ثم يقال: إذا فسرتم الدليل السمعي بما ليس بدليل في نفس الأمر بل اعتقاد دلالته جهل أو بما يظن أنه دليل وليس دليلا فإن كان السمع في نفس الأمر كذلك لكونه خبرا مكذوبا أو صحيحا ولكن ليس فيه ما يدل على معارضته العقل بوجه وأبيتم التعارض والتقديم بين هذين النوعين فساعدناكم عليه وكلنا أسعد بذلك منكم فأنا أشد منكم نفيا للأحاديث المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشد إبطالا لما تحمله من المعاني الباطلة وإن كان الدليل السمعي صحيحا في نفسه ظاهر الدلالة بنفسه على المراد لم يكن ما عارضه من العقليات إلا خياليات فاسدة.  السابع: أن يقال: لو قد عارض العقل للشرع لوجب تقديم الشرع ; لأن العقل قد صدق الشرع ومن ضرورة تصديقه له قبول خبره والشرع لم يصدق العقل في كل ما أخبر به ولا العلم بصدق الشرع موقوف على كل ما يخبر به العقل ومعلوم أن هذا المسلك إذا سلك أصح من مسلكهم كما قال بعض أهل الإيمان: يكفيك من العقل أن يعرفك صدق الرسول ومعاني كلامه ثم يخلي بينك وبينه وقال آخر: العقل سلطان ولى الرسول ثم عزل نفسه ; ولأن العقل دل على أن الرسول يجب تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر ; ولأن العقل يدل على صدق الرسول دلالة عامة مطلقة ولا يدل على(1\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "97",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12495",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صدق قضايا نفسه دلالة عامة ; ولأن العقل يغلط كما يغلط الحس وأكثر من غلطه بكثير فإذا كان حكم الحس من أقوى الأحكام ويعرض فيه من الغلط ما يعرض فما الظن بالعقل. الثامن: أن الدليل الدال على صحة الشيء أو ثبوته أو عدالته أو قبول قوله لا يجب أن يكون أصلا له بحيث إذا قدم قول المشهود له والمدلول عليه على قوله يلزم إبطاله وهذا لا يقوله من يدري ما يقول غايته أن العلم بالدليل أصل العلم بالمدلول فإذا حصل العلم بالمدلول لم يلزم من ذلك تقديم الدليل عليه في كل شيء فإذا شهد الناس لرجل بأنه خبير بالطب أو التقويم أو القيافة دونهم ثم نازع الشهود المشهود له في ذلك وجب تقديم قول المشهود له فلو قالوا: نحن شهدنا لك وزكيناك وبشهادتنا ثبتت أهليتك فتقديم قولك علينا والرجوع إليك دوننا يقدح في أصل الذي ثبت به قولك قال لهم: أنتم شهدتم بما علمتم أني أهل لذلك دونكم وأن قولي فيه مقبول دونكم فلو قدمت أقوالكم على قولي فيما اختلفنا فيه لكان ذلك قدحا في شهادتكم وعلمكم بأني أعلم منكم.  [تقديم العقل على الشرع يتضمن القدح في العقل والشرع] وحينئذ فهذا وجه تاسع مستقل بكسر هذا الطاغوت وهو أن تقديم العقل على الشرع يتضمن القدح في العقل والشرع ; لأن العقل قد شهد الشرع والوحي بأنه أعلم منه وأنه لا نسبة له إليه وأن نسبة علومه ومعارفه إلى الوحي أقل من خردلة بالإضافة إلى جبل فلو قدم حكم العقل عليه لكان ذلك قدحا في شهادته وإذا بطلت شهادته بطل قبول قوله فتقديم العقل على الوحي يتضمن القدح فيه وفي الشرع وهذا ظاهر لا خفاء به يوضحه: الوجه العاشر: وهو أن الشرع مأخوذ عن الله بواسطة الرسولين والبشر بينه وبين عباده مؤيدا بشهادة الآيات وظهور البراهين على ما يوجبه العقل ويقتضيه تارة ويستحسنه تارة ويجوزه تارة ويضعف عن دركه تارة فلا سبيل له إلى الإحاطة به ولا بد له من التسليم له والانقياد لحكمه والإذعان والقبول وهناك يسقط (لم) ويبطل (كيف) وتزول (هلا) وتذهب (لو وليت) في الريح لأن اعتراض المعترض عليه مردود واقتراح المقترح ما ظن أنه أولى منه سفه وجملة الشريعة مشتملة على أنواع الحكمة علما وعملا حتى لو جمعت حكم جميع الأمم ونسبت إليها لم تكن لها إليها نسبة وهي متضمنة لأعلى المطالب بأقرب الطرق وأتم البيان فهي متكفلة بتعريف(1\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "98",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12496",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخليقة ربها وفاطرهم المحسن إليها بأنواع الإحسان بأسمائه وصفاته وأفعاله وتعريف الطريق الموصل إلى رضاه. ويقابل ذلك تعريف حال الداعي إلى الباطل والطرق الموصلة إليه وحال السالكين تلك الطريق وإلى أين تنتهي بهم ولهذا تقبلها العقول الكاملة أحسن تقبل بالتسليم والإذعان وتستدير حولها بحماية حوزتها والذب عن سلطانها فمن ناصر باللغة الشايعة وحام بالعقل الصريح وذاب عنه بالبرهان ومجاهد بالسيف والرمح والسنان ومتفقه في الحلال والحرام ومعتن بتفسير القرآن وحافظ المتون والسنة وأسانيدها ومفتش عن أحوال رواتها وناقد لصحيحها من سقيمها ومعلولها من سليمها. فهذه الشريعة ابتداؤها من الله وانتهاؤها إليه ليس فيها حديث المنجم في تأثيرات الكواكب وحركات الأفلاك وهيئاتها ومقادير الأجرام ولا حديث التربيع والتثليث والتسديس والمقارنة ولا حديث صاحب الطبيعة الناظر في آثارها واشتباك الاستفاضات وامتزاجها وقوامها وما يتعلق بالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة وما الفاعل منها وما المنفعل ولا فيها حديث لمهندس ولا لباحث عن مقادير الأشياء ونقطها وخطوطها وسطوحها وأجسامها وأضلاعها وزواياها ومعاطفها وما الكرة وما الدائرة والخط المستقيم والمنحنى ولا فيها هذيان المنطقيين ونحوهم في النوع والجنس والفصل والخاصة والعرض العام والمقولات العشر والمختلطات والموجهات الصادر عن رجل مشرك من يونان كان يعبد الأوثان ولا يعرف الرحمن ولا يصدق بمعاد الأبدان ولا أن الله يرسل رسولا بكلامه إلى نوع الإنسان. فجعل هؤلاء المعارضون بين العقل والنقل عقل هذا الرجل معيارا على كتب الله المنزلة وما أرسل به رسله فما زكاه منطقه وآلته وقانونه الذي وضعه بعقله قبلوه وما لم يزكه تركوه. ولو كانت هذه الأدلة التي أفسدت عقول هؤلاء صحيحة لكان صاحب الشريعة يقوم شريعته بها ويكملها باستعوالها وكان الله تعالى ينبه عليها ويحض على التمسك بها. فيا للعقول أين الدين من الفلسفة وأين كلام رب العالمين من آراء اليونان والمجوس وعباد الأصنام والصابئين والوحي حاكم والعقل محكوم عليه.(1\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "99",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12497",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "إتمام الله لدينه لا يحوجنا إلى العقل",
        "content": "فإن قالوا: إنما نقدم العقل الصريح الذي لم يختلف فيه اثنان على نصوص الأنبياء فقد رموا الأنبياء بما هم أبعد الخلق منه وهو أنهم جاءوا بما يخالف العقل الصريح هذا وقد شهد الله وكفى بالله شهيدا بشهادته والملائكة وأولو العلم أن طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم هي الطريقة البرهانية للحكمة كما قال تعالى: ياأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم [النساء: 174]  وقال تعالى: وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم [النساء: 113] فالطريقة البرهانية هي الواردة بالوحي الناظمة للرشد الداعية إلى الخير الواعدة لحسن المآب المبينة لحقائق الأنباء المعرفة بصفات رب الأرض والسماء وأن الطريقة التقليدية التخمينية هي المأخوذة من المقدمتين والنتيجة والدعوى التي ليس مع أصحابها إلا الرجوع إلى رجل من يونان وضع بعقله قانونا يصحح بزعمه علوم الخلائق وعقولهم فلم يستفد به عاقل تصحيح مسألة واحدة في شيء من علوم بني آدم بل ما وزن به علم إلا أفسده وما برع فيه أحد إلا انسلخ من حقائق الإيمان كانسلاخ القميص عن الإنسان.  [إتمام الله لدينه لا يحوجنا إلى العقل] الحادي عشر: أن الله تعالى قد تمم الدين بنبيه صلى الله عليه وسلم وكمله به ولم يحوجه هو ولا أمته إلى عقل ولا نقل سواه ولا رأي ولا منام ولا كشف. قال الله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا [المائدة: 3] وأنكر على من لم يكتف بالوحي فقال: أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون [العنكبوت: 51] ذكر هذا جوابا لطلبهم آية تدل على صدقه فأخبر أنه يكفيهم من كل آية فلو كان ما تضمنه من الإخبار عنه وعن صفاته وأفعاله واليوم الآخر يناقض العقل لم يكن دليلا على صدقه فضلا عن أن يكون كافيا وسيأتي في الوجه الذي بعد هذا بيان أن تقديم العقل على النقل يبطل كون القرآن آية وبرهانا على صحة النبوة. والمقصود أن الله سبحانه تمم الدين وأكمله بنبيه صلى الله عليه وسلم وما بعثه به فلم يحوج أمته إلى سواه فلو عارضه العقل وكان أولى بالتقديم منه لم يكن كافيا للأمة ولا تاما في نفسه وفي مراسيل أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى بيد عمر ورقة فيها شيء من(1\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "100",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12498",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "اتفاق العقل والنقل",
        "content": "التوراة فقال: quot; كفى بقوم ضلالة أن تبعوا كتابا غير كتابهم أنزل على نبي غير نبيهم quot; فأنزل الله تعالى: أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون [العنكبوت: 51] وقال تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [النساء: 65] . فأقسم سبحانه أنا لا نؤمن حتى نحكم رسوله في جميع ما شجر بيننا وتتسع صدورنا لحكمه فلا يبقى فيها حرج ونسلم لحكمه تسليما فلا نعارضه بعقل ولا رأي فقد أقسم الله سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن هؤلاء الذين يقدمون العقل على ما جاء به الرسول وقد شهدوا هم على أنفسهم بأنهم غير مؤمنين بمعناه وإن آمنوا بلفظه. وقال تعالى: وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله [الشورى: 10] وهذا نص صريح في أن حكم جميع ما تنازعنا فيه مردود إلى الله وحده فهو الحاكم فيه على لسان رسوله فلو قدم حكم العقل على حكمه لم يكن هو الحاكم بكتابه وقال تعالى: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون [الأعراف: 3] فأمر باتباع الوحي المنزل وحده ونهى عما خالفه وأخبر أن كتابه بينة وهدى وشفاء ورحمة ونور مفصلا وبرهانا وحجة وبيانا فلو كان في العقل ما يعارضه ويجب تقديمه على القرآن لم يكن فيه شيء من ذلك بل كانت هذه الصفات للعقل دونه.  [اتفاق العقل والنقل] الثاني عشر: أن ما علم بصريح العقل الذي لا يختلف فيه العقلاء لا يتصور أن يعارضه الشرع البتة ومن تأمل ذلك فيما تنازع العقلاء فيه من المسائل الكبار وجد ما خلف النصوص الصريحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل بطلانها بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها فتأمل ذلك في مسائل التوحيد والصفات ومسائل القدر والنبوات والمعاد تجد ما يدل عليه صريح العقل لم يخالفه لما دل عليه العقل ونحن نعلم قطعا أن الرسل لا يخبرون بمحالات العقول وإن أخبروا بمجازات العقول فلا يخبرون بما يحيله العقل.(1\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "101",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12499",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالث عشر: أن الشبهات القادحة في نبوات الأنبياء ووجود الرب ومعاد الأبدان التي يسميها أربابها حججا عقلية في كل معارضة للنقل وهي أقوى من الشبه التي يدعي النفاة للصفات أنها معقولات خالفت النقل ومن جنسها أو قريب منها كما قيل: دع الخمر يشربها الغواة فإنني ... رأيت أخاه مغنيا عن مكانها فإن لم يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها قد أورد على القدح في النبوات ثمانين شبهة أو أكثر وهي كلها عقلية وأورد على إثبات وجود الصانع سبحانه نحو أربعين شبهة وأورد على المعاد مثل ذلك والله يعلم أن هذه الشبه من جنس شبه نفاة الصفات وعلو الله على خلقه وتكليمه وتكلمه ورؤيته بالأبصار عيانا في الآخرة لكن نفقت هذه الشبهة بجاه نسبة أربابها إلى الإسلام وأن القوم يذبون على دين الله وينزهون الرب عما لا يليق به وإلا فعند التحقيق القاع عرفج ولا فرق بين الشبه المعارضة لأصل نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم وبين الشبه المعارضة لما أخبر به ومن تأمل هذا وهذا تبين له حقيقة الحال وربما وجد الشبه القادحة في أصل النبوة أكثر من الشبه المعارضة لما أخبرت به الرسل. فنقول لمن قدم المعقول على ما أخبر به الرسول: هل تقدم المعقول المعارض لأصل الرسالة والنبوة وأنت قد أوردته وأجبت عنه بما تعلم أن صدرك لم ينثلج له فإن تلك الأجوبة مبنية على قواعد قد اضطرب فيها قولك فمرة تثبتها ومرة تنفيها ومرة تقف فيها أن تطرح تلك المقولات وتشهد بفسادها فهلا سلكت في المعقولات المعارضة لخبر الرسول ما سلكت في تلك فكانت السبيل واحدة يوضحه:  الوجه الرابع عشر: وهو أن أرباب تلك الشبه إنما استطالوا على النفاة الجهمية بما ساعدوا عليه من تلك الشبه وقالوا: كيف يكون رسولا صادقا من يخبر بما يخالف صريح العقل ولا يتكلم ولا يرى ; ولا يشار إليه ولا ينتقل من مكان إلى مكان ولا تحله الحوادث ولا له وجه ولا يد ولا أصبع ولا سمع ولا بصر ولا علم ولا حياة ولا قدرة زايدة على مجرد ذاته ومن أصولنا وأصولكم أنه لم يقم بذاته فعل ولا وصف ولا حركة ولا استواء ولا نزول ولا غضب ولا رضى فضلا عن الفرح والضحك ونحن وأنتم متفقون في نفس الأمر أنه لم يتكلم بهذا القرآن ولا بالتوراة ولا(1\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "102",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12500",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالإنجيل وإنما ذلك كلام شيء عنه بإذنه عندكم وبواسطة العقل الفعال عندنا ونحن وأنتم متفقون على أنه لم يره أحد ولا رآه ولا يسمع كلامه أحد وأن هذا محال فهو عندنا وعندكم بمنزلة كونه يأكل ويشرب وينام فعند التحقيق نحن وأنتم متفقون على الأصول والقواعد التي نفت هذه الأمور وهي بعينها تنفي صحة نبوة من أخبر بها فكيف يمكن أن يصدق من جاء بها وقد اعترفتم معنا بأن العقل يدفع خبره ويرده فما للحرب بيننا وبينكم وجه فكما تساعدنا نحن وإياكم على إبطال هذه الأخبار التي عارضت صريح العقل فساعدونا على إبطال الأصل بنفس ما اتفقنا جميعا على إبطال الأدلة النقلية به. فانظر هذا الإخاء ما ألصقه والنسب ما أقربه وإذا أردت أن تعرف حقيقة الحال فانظر حالهم مع هؤلاء الزنادقة في ردهم عليهم وبحوثهم معهم وخضوعهم لهم فيها.  الخامس عشر: أن الرجل إما أن يكون مقرا بالرسل أو لا فإن كان منكرا فالكلام معه في إثبات النبوة فلا وجه للكلام معه في تعارض العقل والنقل فإن تعارضهما فرع الإقرار بصحة كل واحد منهما لو تجرد عن المعارض وإن كان مقرا بالرسالة فالكلام معه في مقامات: أحدها: صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به فإن أنكر ذلك أنكر الرسالة والنبوة وإن زعم أنه مقر بها وأن الرسل خاطبوا الجمهور بخلاف الحق تقريبا لأفهامهم ومضمون هذا أنهم كذبوا للمصلحة وهذه حقيقة قول هؤلاء وهو عندهم كذب حسن وإن أقر بأنه صادق فيما أخبر به فالكلام معه في المقام الثاني: وهو أنه هل يقر بأنه أخبر به أو لا يقر به فإن لم يقر به جهلا عرف ذلك بما يعرف به أنه دعا إلى الله وحارب أعداءه فإن أصر على إنكار ذلك فقد أنكر الأمور الضرورية كوجود بغداد ومكة. وإن أقر أنه أخبر بذلك فالكلام معه في المقام الثالث: وهو أنه هل أراد ما دل عليه كلامه ولفظه أو أراد خلافه فإن ادعى أنه أراده فالكلام معه في المقام الرابع: وهو أن هذا المراد هل هو حقيقة في نفسه أو باطل ; فإن كان حقا لا يتصور أن يعارضه دليل عقلي ألبتة وإن كان باطلا انتقلنا معه إلى مقام خامس وهو أنه هل يعلم الحق في نفس الأمر أو لا يعلمه فإن قال: لم يكن عالما به فقد نسبه إلى جهل وإن قال: كان عالما به انتقلنا معه إلى مقام سادس وهو أنه هل يمكنه التعبير والإفصاح عن الحق كما فعلتم أنتم بزعمكم أم لم يكن ذلك ممكنا له فإن لم يكن ذلك ممكنا له كان(1\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "103",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12501",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعجيزا له عن أمر قدر عليه أفراخ الفلاسفة وتلامذة اليهود وأوقاح المعتزلة والجهمية وإن كان ممكنا له ولم يفعل ذلك غشا لأمته وتوريطا لهم في الجهل بالله وأسمائه وصفاته واعتقاد ما لا يليق بعظمته فيه ; وأن الجهمية وأفراخ الصابئة واليونان نزهوا الله عما لا يليق به وتكلموا بالحق الذي كتمه الرسول وهذا أمر لا محيد لكم عنه فاختاروا أي قسم شئتم من هذه الأقسام والظاهر أنكم متنازعون في الاختيار وأن عقلاءكم يختارون أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعرف الحق في خلاف ما أخبر به وأنه كان قادرا على التعبير عنه ولكن ترك ذلك خشية التنفير فخاطب الناس خطابا جمهوريا بما يناسب عقولهم بما الأمر بخلافه وهذا أحسن أقوالكم إذا آمنتم بالرسول وأقررتم بما جاء به.  السادس عشر: أن طرق العلم ثلاثة: الحس والعقل والمركب منهما فالمعلومات ثلاثة أقسام: أحدها: ما يعلم بالعقل والثاني: ما يعلم بالسمع والثالث: ما يعلم بالعقل والسمع وكل منها ينقسم إلى ضروري ونظري وإلى معلوم ومظنون وموهوم فليس كل ما يحكم به العقل يكون علما بل قد يكون ظنا أو وهما كاذبا كما أن ما يدركه السمع والبصر كذلك فلا بد من حاكم يفصل بين هذه الأنواع فإذا اتفق العقل والسمع أو العقل والحس على قضية كانت معلومة يقينية وإذا انفرد بها الحس عن العقل كانت وهمية كما ذكر من أغلاط الحس في رؤية المتحرك أشد الحركة وأسرعها ساكنا والساكن متحركا والواحد اثنين والاثنين واحدا والعظيم الجرم صغيرا والصغير كبيرا والنقطة دائرة وأمثال ذلك وهذه الأمور يجزم بغلطها لتفرد الحس بها عن العقل. وكذلك حكم السمع قد يكون كاذبا وقد يكون صادقا ضرورة ونظرا وقد يكون ظنيا فإذا قارنه العقل كان حكمه علما ضروريا ونظريا كالعلم بمخبر الأخبار المتواترة فإنه حصل بواسطة السمع والعقل فإن السمع أدى إلى العقل ما سمعه من ذلك والعقل حكم بأن المخبرين لا يمكن تواطؤهم على الكذب فأفاده علما ضروريا أو نظريا على الاختلاف في ذلك بوجود المخبر به والنزاع في كونه ضروريا أو نظريا لا فائدة فيه وكذلك الوهم يدرك أمورا لا يدرى صحيحة هي أم باطلة فيردها إلى العقل الصريح فما صححه منها قبله وما حكم ببطلانه رده فهذا أصل يجب الاعتبار به وبه يعرف الصحيح من الفاسد.(1\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "104",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12502",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا عرف هذا فمعلوم أن السمع الذي دل العقل على صحته من السمع الذي لم يشهد له عقل ولهذا كان الخبر المتواتر أعرف عند العقل من الآحاد وما ذاك إلا لأن دلالة العقل قد قامت على أن المخبرين لا يتواطئون على الكذب وإن كان الذي أخبروا به مخالفا لما اعتاده المخبر وألفه وعرفه فلا نجد محيدا عن تصديقهم والدلالة العقلية البرهانية على صدق الرسل أضعاف الأدلة الدالة على صدق المخبرين خبر التواتر فإن أولئك لم يقم على صدق كل واحد منهم دليل ولكن اجتماعهم على الخبر دليل على صدقهم والرسل عليهم الصلاة والسلام قد قامت البراهين اليقينية على صدق كل فرد منهم فقد اتفقت كلمتهم وتواطأت أخبارهم على إثبات العلو والفوقية لله تعالى وأنه تعالى فوق عرشه فوق سماواته بائن من خلقه وأنه مكلم متكلم آمر ناه يرضى ويغضب ويثيب ويعاقب ويحب ويبغض فأفاد خبرهم العلم بالمخبر عنه أعظم من الأخبار المتواترة لمخبرها ويجب فإن الأخبار المتواترة مستندة إلى حس قد يغلط وأخبار الأنبياء مستندة إلى وحي لا يغلط فالقدح فيها بالعقل من جنس شبه السوفسطائية القادحة في الحس والعقل ولو التفتنا إلى كل شبهة يعارض بها الدليل القطعي لم يبق لنا وثوق بشيء نعلمه بحس أو عقل بهما يوضحه:  الوجه السابع عشر: أن المعلومات المعانية التي لا تدرك إلا بالخبر أضعاف المعلومات التي تدرك بالحس والعقل بل لا نسبة بينهما بوجه من الوجوه ولهذا كان إدراك السمع أعم وأشمل من إدراك البصر فإنه يدرك الأمور المعدومة والموجودة والحاضرة والغائبة والمعلومات التي تدرك بالحس وهذا حجة من فضل السمع على البصر ورجح آخرون البصر لقوة إدراكه وجزم بأنه يدركه وبعده من الغلط وفصل النزاع بينهما أن ما يدرك بالسمع أعم وأشمل وما يدرك بالبصر أتم وأكمل. والمقصود أن الأمور الغائبة عن الحس نسبة المحسوس إليها كقطرة بحر ولا سبيل إلى العلم بها إلا الخبر الصادق وقد اصطفى الله من خلقه أنبياء أنبأهم من أنباء الغيب بما يشاء وأطلعهم منها على ما لم يطلع عليه غيرهم كما قال تعالى: ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء [آل عمران: 179](1\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "105",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12503",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال تعالى: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا - إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا [الجن: 26 - 27] وقال تعالى: الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير [الحج: 75] فهو سبحانه يصطفي من يطلعه من أنباء الغيب على ما لم يطلع عليه غيره وكذلك سمي (نبيا) من الإنباء وهو الإخبار لأنه مخبر من جهة الله ومخبر عنه فهو منبأ ومنبئ وليس كل ما أخبر به الأنبياء يمكن معرفته بدون خبرهم بل ولا أكثره ولهذا كان أكمل الأمم علما أتباع الرسل وإن كان غيرهم أحذق منهم في علم النجوم والهندسة وعلم الكم المتصل والمنفصل وعلم النبض والقارورة والأبوال ومعرفة قوامها ونحوها من العلوم التي لما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم بها وآثروها على علوم الرسل وهي كما قال الواقف على نهايتها: quot; ظنون كاذبة وإن بعض الظن إثم quot; وهي علوم غير نافعة فنعوذ بالله من علم لا ينفع وإن نفعت فنفعها بالنسبة إلى علوم الأنبياء كنفع العيش العاجل بالنسبة إلى الآخرة ودوامها. فليس العلم في الحقيقة إلا ما أخبرت به الرسل عن الله عز وجل طلبا وخبرا فهو العلم المزكي للنفوس المكمل للفطر المصحح للعقول الذي خصه الله باسم العلم وسمى ما عارضه ظنا لا يغني من الحق شيئا وخرصا وكذبا فقال تعالى: فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم [آل عمران: 61] وشهد لأهله أنهم أولو العلم فقال سبحانه وتعالى: وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث [الروم: 56] وقال تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم [آل عمران: 18] والمراد بهم أولو العلم بما أنزله على رسله ليس المراد بهم أولي العلم بالمنطق والفلسفة وفروعها وقال تعالى: ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما [طه: 114] فالعلم الذي أمره باستزادته هو علم الوحي لا علم الكلام والفلسفة وقال تعالى: لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه [النساء: 166] أي أنزله وفيه علمه الذي لا يعلمه البشر فالباء للمصاحبة مثل قوله:(1\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "106",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12504",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله [هود: 14] أي أنزل وفيه علم الله وذلك من أعظم البراهين على صدق نبوة من جاء به. ولم يصنع شيئا من قال: إن المعنى: أنزله وهو يعلمه وهذا وإن كان حقا فإن الله يعلم كل شيء فليس في ذلك دليل وبرهان على صحة الدعوة فإن الله يعلم الحق والباطل بخلاف ما إذا كان المعنى أنزله متضمنا لعلمه الذي لا يعلمه غيره إلا من أطلعه الله وأعلمه به فإن هذا من أعظم أعلام النبوة والرسالة وقال فيما عارضه من الشبه الفاسدة التي يسميها أربابها: قواطع عقلية: إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا [النجم: 28] وقال تعالى: إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون [الأنعام: 116] وقال لمن أنكر المعاد بعقله: وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون [الجاثية: 24] والظن الذي أثبته سبحانه للمعارضين نصوص الوحي بعقولهم ليس هو الاعتقاد الراجح بل هو كذب الحديث وقال: قتل الخراصون - الذين هم في غمرة ساهون [الذاريات: 10 - 11] . وأنت إذا تأملت ما عند هؤلاء المعارضين لنصوص الأنبياء بعقولهم رأيت كله خرصا وعلمت أنهم هم الخراصون وأن العلم في الحقيقة ما نزل به الوحي على الأنبياء والمرسلين وهو الذي أقام الله به حجته وهدى به أنبياءه ورسله وأتباعهم وأثنى عليهم فقال: كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون [البقرة: 151] وقال تعالى: وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما [النساء: 113] وقال تعالى: لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة [آل عمران: 164] فهذه النعمة والتزكية إنما هي لمن عرف زعم أن ذلك مخالف لصريح العقل وأن العقول مقدمة عليه والله المستعان. الثامن عشر: أن العقل تحت حجر الشرع فيما يطلبه ويأمر به وفيما يحكم به(1\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "107",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12505",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويخبر عنه فهو محجور عليه في الطلب والخبر وكما أن من عارض أمر الرسل بعقله لم يؤمن لهم وبما جاءوا به فكذلك من عارض خبرهم بعقله ولا فرق بين الأمرين أصلا يوضحه: أن الله سبحانه حكى عن الكفار معارضة أمره بعقولهم كما حكى عنهم معارضة خبره بعقولهم أما الأول ففي قوله: الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا [البقرة: 275] فعارضوا تحريمه للربا بعقولهم التي سوت بين الربا والبيع فهذا معارضة النص بالرأي ونظير ما عارضوا به تحريم الميتة من قياسها على المذكاة وقالوا: تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله وفي ذلك أنزل الله: وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون [الأنعام: 121] وعارضوا أمره بتحويل القبلة وقالوا: إن كانت القبلة الأولى حقا فقد تركت الحق وإن كانت باطلا فقد كنت على باطل وإمام هؤلاء شيخ الطريقة إبليس عدو الله فإنه أول من عارض أمر الله بعقله وزعم أن العقل يقتضي خلافه. وأما الثاني وهو معارضة خبره بالعقل فكما حكى الله سبحانه عن منكري المعاد: وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم [يس: 78] وأخبر سبحانه أنهم عارضوا ما أخبر به من التوحيد بعقولهم وعارضوا أخباره عن النبوات بعقولهم وعارضوا بعض الأمثال التي ضربها بعقولهم وعارضوا أدلة نبوة رسوله صلى الله عليه وسلم بعقولهم فقالوا: وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم [الزخرف: 31] وأنت إذا صغت هذه المعارضة صوغا مزخرفا وجدتها من جنس معارضة المعقول للمنقول. وكذلك قولهم: وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا - أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها [الفرقان: 7 - 8] أي لو كان رسولا لخالق السماوات والأرض لما أحوجه أن يمشي بيننا في الأسواق في المعيشة ولأغناه عن أكل الطعام ولأرسل معه ملكا من الملائكة أو ألقى إليه كنزا يغنيه عن طلب الكسب.(1\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "108",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12506",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "معارضة العقل للشرع من عادة الكفار",
        "content": "وعارضوا شرعه ودينه الذي شرعه لهم على لسان رسوله وتوحيده بمعارضة عقلية واستندوا فيها إلى القدر فقال تعالى: سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون - قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين [الأنعام: 148 - 149] وحكى مثل هذه المعارضة في سورة النحل وفي سورة الزخرف وإذا تأملتها حق التأمل رأيتها أقوى بكثير من معارضة آيات الصفات بعقولهم فإن إخوانهم عارضوا بمشيئة الله للكائنات والمشيئة ثابتة في نفس الأمر والنفاة عارضوا بأصول فاسدة هم وضعوها من تلقاء أنفسهم أو تلقوه عن أعداء الرسل من الصابئة والمجوس والفلاسفة وهي خيالات فاسدة.  [معارضة العقل للشرع من عادة الكفار] وبالجملة فمعارضة أمر الرسل أو خبرهم بالمعقولات إنما هي طريقة الكفار فهم سلف الخلق بعدهم فبئس السلف والخلف ومن تأمل معارضة المشركين للرسل بالعقول وجدها أقوى من معارضة الجهمية والنفاة لخبرهم عن الله وصفاته وعلوه على خلقه وتكليمه لملائكته ورسله بعقولهم فإن كانت تلك المعارضة باطلة فهذه أبطل وأبطل وإن صحت هذه المعارضة فتلك أولى بالصحة منها وهذا لا محيد لهم عنه يوضحه: التاسع عشر: أن القرآن مملوء من ذكر الصفات والعلو على الخلق والاستواء على العرش وتكلم الله وتكليمه للرسل واثبات الوجه واليدين والسمع والبصر والحياة والمحبة والغضب والرضا للرب سبحانه وهذا عند النفاة مثل وصفه بالأكل والشرب والجوع والعطش والنوم كل ذلك مستحيل عليه تعالى من أعظم المنفرات عنه ومعارضته فيه أسهل من معارضته فيما عداه ولم يعارضه أعداؤه في حرف واحد من هذا الباب مع حرصهم على معارضته بكل ما يقدرون عليه فهلا عارضوه بما عارضته به الجهمية والنفاة وقالوا: قد أخبرتنا بما يخالف العقل الصريح فكيف يمكننا تصديقك بل كان القوم على شركهم وضلالهم أعرف بالله وبصفاته من النفاة والجهمية وأقرب إلى إثبات الأسماء والصفات والقدر والمشيئة والفعل من شيوخ هؤلاء الفلاسفة وأتباعهم من السيناوية والفارابية والطوسية.(1\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "109",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12507",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العشرون: أن دلالة السمع على مدلوله متفق عليها بين العقلاء وإن اختلفوا في جهتها هل هي ظنية أو قطعية وأرادت الرسل إفهام مدلولها واعتقاد ثبوته أم أرادت الرسل إفهام غيره وتأويل تلك الأدلة وصرفها عن ظاهرها فلا نزاع بين العقلاء في دلالتها على مدلولها ثم قال أتباع الرسل: مدلولها ثابت في الأمر وفي الإرادة وقالت النفاة أصحاب التأويل: مدلولها منتف في الأمر وفي بعض الإرادة وقال أصحاب التخييل: مدلولها ثابت في الإرادة منتف في الأمر وأما دلالة ما عارضها من العقليات على مدلوله فلم يتفق أربابها على دليل واحد منها بل كل طائفة منهم تقول في أدلة خصومها: إن العقل يدل على فسادها لا على صحتها وأهل السمع مع كل طائفة في دلالة العقل على فساد قول تلك الطائفة الأخرى المخالفة للسمع فكل طائفة تدعي فساد قول خصومها بالعقل يصدقهم أهل السمع على ذلك ولكن يكذبونهم في دعواهم صحة قولهم بالعقل. وقد تضمنت دعوى الطوائف فساد ما يفهم العقل بشهادة بعضهم على بعض وشهادة أهل الوحي والسمع معهم ولا يقال: هذا ينقلب عليكم باتفاق شهادة الفرق كلها على بطلان ما دل عليه السمع وإن اختلفوا في أنفسهم ; لأن المطلوب أنهم كلهم متفقون على أن السمع دل على الإثبات ولم يتفقوا على أن العقل دل على نقيضه فيمتنع تقديم الدلالة التي لم يتفق عليها على الدلالة المتفق عليها وهو المطلوب. الحادي والعشرون: أن الأمور السمعية التي يقال: إن العقل عارضها كإثبات علو الله على خلقه واستوائه على عرشه وتكلمه ورؤية العباد له في الآخرة وإثبات الصفات له هي مما علم بالاضطرار أن الرسول جاء بها وعلم بالاضطرار صحة نبوته ورسالته وما علم بالاضطرار امتنع أن يقوم على بطلانه دليل وامتنع أن يكون له معارض صحيح لأنه لو قام على بطلانه دليل لم يبق لنا وثوق بمعلوم أصلا لا حس ولا عقل وهذا يبطل حقيقة الإنسانية بل حقيقة الحيوانية المشتركة بين الحيوانات فإن لها تمييزا وإدراكا لحقائق بحسبها وهذا الوجه في غاية الظهور غني بنفسه عن التأمل وهو مبني على مقدمتين قطعيتين: إحداهما: أن الرسول أخبر عن الله بذلك والثانية: أنه صادق ففي أي المقدمتين يقدح المعارض بين العقل والنقل الثاني والعشرون: أن دليل العقل هو إخباره عن الذي خلقه وفطره أنه وضع فيه ذلك وعلمه إياه وأرشده إليه وذلك السمع هو الخبر عن الله أنه قال ذلك وتكلم به(1\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "110",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12508",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الاحتجاج بشهادة العقل وحده باطلة",
        "content": "وأوحاه وعرف به الرسول فأمره أن يعرف الأمر ويخبرهم به ولا يكون أحدهما صحيحا حتى يكون الآخر مطابقا لمخبره وأن الأمر ما أخبر به وحينئذ فقد شهد العقل لخبر الرسول بأنه صدق وحق فعلمنا مطابقته لمخبره بمجموع الأمرين بخبر الرسول به وشهادة العقل الصريح بأنه لا يكذب في خبره وأما خبر العقل عن الله بما يضاد ذلك بأن الله وضع فيه ذلك وعلمه إياه فلم يشهد له الرسول بصحة هذا الخبر بل شهد ببطلانه فليس معه إلا شهادته لنفسه بأنه صادق فيما أخبره به فكيف تقبل شهادته لنفسه مع عدم شهادة الرسول فكيف مع تكذيبه لله فكيف مع تكذيب العقل الصريح المؤيد بنور الوحي فكيف مع اختلاف سائر أصحابه وتكاذبهم وتناقضهم يزيده إيضاحا:  [الاحتجاج بشهادة العقل وحده باطلة] الثالث والعشرون: وهو أن الأدلة السمعية نوعان: نوع دل بطريق التنبيه والإرشاد على الدليل العقلي فهو عقلي سمعي فمن هذا غالب أدلة النبوة والمعاد والصفات والتوحيد وما لا يقوم التنبيه على الدليل العقلي منه فهو يسير جدا وإذا تدبرت القرآن رأيت هذا أغلب النوعين عليه وهذا النوع يمتنع أن يقوم دليل صحيح على معارضته لاستلزامه مدلوله وانتقال الذهن فيه من الدليل إلى المدلول ضرورة وهو أصل النوع الثاني الدال بمجرد الخبر والقدح في النوعين بالعقل ممتنع بالضرورة: أما الأول فلما تقدم وأما الثاني فلاستلزام القدح فيه: القدح في العقل الذي أثبته وإذا بطل العقل الذي أثبت السمع بطل ما عارضه من العقليات كما تقدم تقريره يوضحه: الوجه الرابع والعشرون: أنه ليس في القرآن صفة إلا وقد دل العقل الصريح على إثباتها لله تعالى فقد تواطأ عليها دليل العقل والسمع فلا يمكن أن يعارض ثبوتها دليل صحيح البتة لا عقلي ولا سمعي بل إن كان المعارض سمعيا كان كذبا مفترى أو مما أخطأ المعارض به في فهمه وإن كان عقليا فهي شبهة خيالية. واعلم أن هذه دعوى عظيمة ينكرها كل جهمي وناف وفيلسوف ويعرفها من نور الله قلبه بالإيمان وباشر قلبه معرفة الذي دعت إليه الرسل وأقرت به الفطر وشهدت به العقول الصحيحة المستقيمة لا المنكوسة المركوسة وقد نبه سبحانه في كتابه على ذلك في غير موضع وبين أن ما وصف به نفسه هو الكمال الذي لا يستحقه سواه فجاحده جاحد لكمال الرب تعالى فإنه تمدح بكل صفة وصف بها نفسه وأثنى بها على نفسه ومجد بها نفسه وحمد بها نفسه فذكرها سبحانه على وجه المدحة له(1\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "111",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12509",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتعظيم والتمجيد وتعرف بها إلى عباده ليعرفوا كماله ومجده وعظمته وجماله وكثيرا ما يذكرها عند ذكر آلهتهم التي عبدوها من دونه. فذكر سبحانه من صفات كماله وعلوه على عرشه وتكلمه وتكليمه وإحاطة علمه ونفوذ مشيئته ما هو منتف عن آلهتهم فيكون ذلك من أدل دليل على بطلان إلهيتها وفساد عبادتها ويذكر ذلك عند دعوته عباده إلى ذكره وشكره وعبادته فيذكر لهم من أوصاف كماله ونعوت جلاله ما يجدون قلوبهم إلى المبادرة إلى دعوته والمسارعة إلى طاعته ويذكر صفاته لهم عند ترغيبهم وترهيبهم لتعرف القلوب من تخافه وترجوه ويذكر صفاته أيضا عند أحكامه وأوامره ونواهيه فقل أن تجد آية حكم من أحكام المكلفين إلا وهي مختتمة بصفة من صفاته أو صفتين وقد يذكر الصفة في أول الآية ووسطها وآخرها كقوله: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير [المجادلة: 1] ويذكر صفاته عند سؤال عباده لرسوله صلى الله عليه وسلم عنه ويذكرها عند سؤالهم له عن أحكامه حتى إن الصلاة لا تنعقد إلا بذكر أسمائه وصفاته فذكر أسمائه روحها وسرها يصحبها من أولها إلى آخرها وإنما أمر بإقامتها ليذكر بأسمائه وصفاته وأمر عباده أن يسألوه بأسمائه وصفاته ففتح لهم باب الدعاء رغبا ورهبا ليذكره الداعي بأسمائه وصفاته فيتوسل إليه بها ولهذا كان أفضل الدعاء ما توصل فيه الداعي إليه بأسمائه وصفاته. قال الله تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها [الأعراف: 180] وكان اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: آية الكرسي وفاتحة آل عمران لاشتمالهما على صفة الحياة المصححة لجميع الصفات وصفة القيومية المتضمنة لجميع الأفعال ولهذا كانت سيدة آي القرآن وأفضلها ولهذا كانت سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن لأنها أخلصت الإخبار عن الرب تعالى وصفاته دون خلقه وأحكامه وثوابه وعقابه وسمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو: quot; اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت(1\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "112",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12510",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم quot; وسمع آخر يقول: quot; اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد quot; فقال لأحدهما: quot; لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى quot;. وقال للآخر: quot; سل تعطه quot; وذلك لما تضمنه هذا الدعاء من أسماء الرب وصفاته. وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot; ما أصاب عبد قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه وأبدله مكانه فرحا quot; قالوا: أفلا نتعلمهن يا رسول الله قال: quot; بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن quot;. وقد نبه سبحانه على إثبات صفاته وأفعاله بطريق المعقول فاستيقظت للتنبيه العقول الحية واستمرت على رقادها العقول الميتة ; فقال في صفة العلم: ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير [الملك: 14] فتأمل صحة هذا الدليل مع غاية إيجاز لفظه باختصار وقال: أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون [النحل: 17] فما أصح هذا الدليل وما أوجزه وقال تعالى في صفة الكلام:(1\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "113",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12511",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا [الأعراف: 148] نبه بهذا الدليل على أن من لا يكلم ولا يهدي لا يصلح أن يكون إلها وكذلك قوله في الآية الأخرى عن العجل: أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا [طه: 89] فجعل امتناع صفة الكلام والتكليم وعدم ملك الضر والنفع دليلا على عدم الإلهية وهذا دليل عقلي سمعي على أن الإله لا بد أن يكلم ويتكلم ويملك لعباده الضر والنفع وإلا لم يكن إلها. وقال تعالى: ألم نجعل له عينين - ولسانا وشفتين - وهديناه النجدين [البلد: 8 - 10] نبه بهذا الدليل العقلي القاطع أن الذي جعلك تتصرف وتتكلم وتعلم أولى أن يكون بصيرا متكلما عالما وأي دليل عقلي قطعي أقوى من هذا وأبين وأقرب إلى العقول وقال تعالى في آلهة المشركين المعطلين: ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها [الأعراف: 195] فجعل سبحانه عدم البطش والسمع والمشي والبصر لهم دليلا على عدم إلهية من عدمت منه هذه الصفات وقد وصف الله سبحانه نفسه بضد صفة أوثانهم وبضد ما وصفه به المعطلة والجهمية فوصف نفسه بالسمع والبصر والفعل باليدين والمجيء والإتيان وذكر ضد صفات الأصنام التي جعل امتناع هذه الصفات فيها دليلا على عدم إلهيتها. فتأمل آيات التوحيد والصفات في القرآن على كثرتها وتفننها واتساعها وتنوعها تجدها كلها قد أثبتت الكمال للموصوف بها وأنه المنفرد بذلك الكمال فليس له فيه شبيه ولا مثيل وأي دليل في العقل أوضح من إثبات الكمال المطلق لخالق هذا العالم ومدبره وملك السماوات والأرض وقيومهما فإذا لم يكن في العقل إثبات جميع الكمال له فأي قضية تصح في العقل بعد هذا ومن شك في أن صفة السمع والبصر والكلام والحياة والإرادة والقدر والغضب والرضى والفرح والرحمة كمال فهو ممن سلب خاصة الإنسانية وانسلخ من العقل بل من شك أن إثبات الوجه واليدين وما أثبته لنفسه معهما كمال فهو مصاب في عقله. ومن شك أن كونه يفعل باختياره ما شاء ويتكلم إذا شاء وينزل إلى حيث شاء ويجيء إلى حيث شاء غير كمال فهو جاهل بالكمال والجماد عنده أكمل من الحي(1\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "114",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12512",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "غاية ما ينتهي إليه من عارض الشرع بالعقل",
        "content": "الذي تقوم به الأفعال الاختيارية كما أن عند الجهمي أن الفاقد لصفات الكمال أكمل من الموصوف بهما كما أن عند أستاذهما وشيخهما الفيلسوف أن من لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا له حياة ولا قدرة ولا إرادة ولا فعل ولا كلام ولا يرسل رسولا ولا ينزل كتابا ولا يتصرف في هذا العالم بتحويل وتغيير وإزالة ونقل وإماتة وإحياء أكمل ممن يتصرف بذلك فهؤلاء كلهم قد خالفوا صريح المعقول وسلبوا الكمال عمن هو أحق بالكمال من كل ما سواه ولم يكفهم ذلك حتى جعلوا الكمال نقصا. فتأمل نسبتهم الباطلة التي عارضوا بها الوحي هل تصادم هذا الدليل الدال على إثبات الصفات والأفعال للرب سبحانه ثم اختر لنفسك بعد ما شئت وهذا قطرة من بحر نبهنا عليه تنبيها يعلم به اللبيب ما وراءه وإلا فلو أعطينا هذا الموضع حقه وهيهات أن نصل إلى ذلك لكتبنا عدة أسفار وكذا كل وجه من هذه الوجوه فإنه لو بسط وفصل لاحتمل سفرا وأكثر والله المستعان وبه التوفيق.  [غاية ما ينتهي إليه من عارض الشرع بالعقل] الخامس والعشرون: أن غاية ما ينتهي إليه من ادعى معارضة العقل للوحي أحد أمور أربعة لا بد له منها: إما تكذيبها وجحدها وإما اعتقاد أن الرسل خاطبوا الخلق خطابا جمهوريا لا حقيقة له وإنما أرادوا منهم التخيل وضرب الأمثال وإما اعتقاد أن المراد تأولها وصرفها عن حقائقها بالمجازات والاستعارات وإما الإعراض عنها وعن فهمها وتدبرها واعتقاد أنه لا يعلم ما أريد بها إلا الله فهذه أربع مقامات وقد ذهب إلى كل مقام منها طوائف من بني آدم. والمقام الأول: مقام التكذيب وهؤلاء استراحوا من كلفة النصوص والوقوع في التشبيه والتجسيم وخلعوا ربقة الإسلام من أعناقهم. المقام الثاني: مقام أهل التخييل قالوا: إن الرسل لم يمكنهم مخاطبة الخلق بالحق في نفس الأمر فخاطبوهم بما يخيل إليهم وضربوا لهم الأمثال وعبروا عن المعاني المعقولة بالأمور القريبة من الحس وسلكوا ذلك في باب الإخبار عن الله وأسمائه وصفاته واليوم الآخر وأقروا باب الطلب على حقيقته ومنهم من سلك هذه المسلك في الطلب أيضا وجعل الأمر والنهي إشارات وأمثالا فهم ثلاث فرق هذه إحداها والثانية سلكت ذلك في الخبر دون الأمر والثالثة سلكت ذلك في الخبر عن الله وعن صفاته دون المعاد والجنة وذلك كله إلحاد في أسماء الرب وصفاته ودينه واليوم الآخر والملحد لا يتمكن من الرد على الملحد وقد وافقه في الأصل وإن(1\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "115",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12513",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خالفه في فروعه ولهذا استطال على هؤلاء الملاحدة ابن سينا وأتباعه غاية الاستطالة وقالوا: القول في نصوص المعاد كالقول في نصوص الصفات قالوا: بل الأمر فيها أسهل من نصوص الصفات لكثرتها وتنوعها وتعدد طرقها وإثباتها على وجه يتعذر معه التأويل فإذا كان الخطاب بها خطابا جمهوريا فنصوص المعاد أولى. قال: فإن قلتم: نصوص الصفات قد عارضها ما يدل على انتفائها من العقل قلنا: ونصوص المعاد قد عارضها من العقل ما يدل على انتفائها ثم ذكر العقليات المعارضة للمعاد ما يعلم به العاقل أن العقليات المعارضة للصفات من جنسها أو أضعف منها. المقام الثالث: مقام أهل التأويل قالوا: لم يرد منا اعتقاد حقائقها وإنما أريد منا تأويلها بما يخرجها عن ظاهرها وحقائقها فتكلفوا لها وجوه التأويلات المستكرهة والمجازات المستنكرة التي يعلم العقلاء أنها أبعد شيء عن احتمال ألفاظ النصوص لها وأنها بالتحريف أشبه منها بالتفسير. والطائفتان اتفقتا على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبين الحق للأمة في خطابه لهم ولا أوضحه بل خاطبهم بما ظاهره باطل ومحال ثم اختلفوا فقال أصحاب التخييل: أراد منهم اعتقاد خلاف الحق والصواب وإن كان في ذلك مفسدة فالمصلحة المترتبة عليه أعظم من المفسدة التي فيه فقال أصحاب التأويل: بل أراد منا أن نعتقد خلاف ظاهره وحقيقته ولم يبين لنا المراد تعويضا إلى حصول الثواب بالاجتهاد والبحث والنظر وإعمال الفكرة في معرفة الحق بعقولنا وصرف تلك الألفاظ عن حقائقها وظواهرها لننال ثواب الاجتهاد والسعي في ذلك فالطائفتان متفقتان أن ظاهر خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ضلال وباطل وأنه لم يبين الحق ولا هدى إليه الخلق. المقام الرابع: مقام اللاإرادية الذين يقولون: لا ندري معاني هذه الألفاظ وينسبون طريقهم إلى السلف وهي التي يقول المتأولون: إنها أسلم ويحتجون بقوله تعالى: وما يعلم تأويله إلا الله [آل عمران: 7] ويقولون: هذا هو الوقف التام عند جمهور السلف وهو قول أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعائشة وعروة بن الزبير وغيرهم من السلف والخلف ثم وعلى قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص ولا أصحابهم ولا التابعون لهم بإحسان بل يقرءون كلاما لا يعقلون معناه.(1\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "116",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12514",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "كذب من زعم أن السلف لا يدرون معاني ألفاظ الصفات",
        "content": "ثم هم متناقضون أفحش تناقض فإنهم يقولون: تجرى على ظاهرها وتأويلها باطل ثم يقولون: لها تأويل لا يعلمه إلا الله وقول هؤلاء باطل فإن الله سبحانه أمر بتدبر كتابه وتفهمه وتعقله وأخبر أنه بيان وهدى وشفاء لما في الصدور وحاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ومن أعظم الاختلاف اختلافهم في باب الصفات والقدر والأفعال واللفظ الذي لا يعلم ما أراد به المتكلم لا يحصل به حكم ولا هدى ولا شفاء ولا بيان. وهؤلاء طرقوا لأهل الإلحاد والزندقة والبدع أن يستنبطوا الحق من عقولهم فإن النفوس طالبة لمعرفة هذا الأمر أعظم طلب والمقتضى التام لذلك فيها موجود فإذا قيل لها: إن ألفاظ القرآن والسنة في ذلك لها تأويل لا يعلمه إلا الله ولا يعلم أحد معناها فرت إليه عقولهم وفطرهم وآراؤهم فسد هؤلاء باب الهدى والرشاد وفتح أولئك باب الزندقة والبدعة والإلحاد وقالوا: قد أقررتم بأن ما جاءت به الرسل في هذا الباب لا يحصل منه علم بالحق ولا يهدي إليه فهو في طريقتنا لا في طريقة الأنبياء فإنا نحن نعلم ما نقول ونثبته بالأدلة العقلية والأنبياء لم يعلموا تأويل ما قالوه ولا بينوا مراد المتكلم به وأصاب هؤلاء من الغلط على السمع ما أصاب أولئك من الخطأ في العقل.  [كذب من زعم أن السلف لا يدرون معاني ألفاظ الصفات] وهؤلاء لم يفهموا مراد السلف بقولهم: لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله فالتأويل في مثل قوله تعالى: هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق [الأعراف: 53]  وقوله تعالى: ذلك خير وأحسن تأويلا [النساء: 59]  وقول يوسف: ياأبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا [يوسف: 100]  وقول يعقوب: ويعلمك من تأويل الأحاديث [يوسف: 6]  وقال تعالى: وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون [يوسف: 45]  وقال يوسف: لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما [يوسف: 37]  فتأويل الكلام الطلبي هو نفس فعل المأمور به وترك المنهي عنه كما قال ابن عيينة: السنة تأويل الأمر والنهي وقالت عائشة رضي الله عنه: كان(1\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "117",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12515",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده: quot; سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي quot; يتأول القرآن quot;. وأما تأويل ما أخبر به الله تعالى عن نفسه وعن اليوم الآخر فهو نفس الحقيقة التي أخبر الله عنها ذلك في حق الله هو كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره ولهذا قال مالك وربيعة: الاستواء معلوم والكيف مجهول وكذلك قال ابن الماجشون والإمام أحمد وغيرهم من السلف: إنا لا نعلم كيفية ما أخبر الله به عن نفسه وإن كنا نعلم تفسيره ومعناه. وقد فسر الإمام أحمد الآيات التي احتج بها الجهمية من المتشابه وقال: إنهم تأولوها على غير تأويلها وبين معناها وكذلك الصحابة والتابعون فسروا القرآن وعلموا المراد بآيات الصفات كما علموا المراد من آيات الأمر والنهي وإن لم يعلموا الكيفية كما علموا معاني ما أخبر الله به في الجنة والنار وإن لم يعلموا حقيقة كنهه وكيفيته. فمن قال من السلف: إن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله بهذا المعنى فهو حق وأما من قال: إن التأويل الذي هو تفسيره وبيان المراد منه لا يعلمه إلا الله فهو غلط والصحابة والتابعون وجمهور الأمة على خلافه قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله عنها وقال عبد الله بن مسعود: ما في كتاب الله آية إلا وأنا أعلم فيم أنزلت وقال الحسن البصري: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم ما أراد بها وقال مسروق: ما نسأل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عن شيء إلا وعلمه في القرآن ولكن علمنا قصر عنه وقال الشعبي: ما ابتدع قوم بدعة إلا وفي كتاب الله بيانها. والمقصود أن معارضة العقل للسمع لا بد لصاحبها أن يسلك أحد هذه المسالك الأربعة الباطلة أسلمها هذا المسلك الرابع وقد علمت بطلانه وإنما كان أقلها بطلانا لأنه يتضمن الخبر الكاذب على الله ورسوله فإن صاحبه يقول: لا أفهم من هذه النصوص شيئا ولا أعرف المراد بها وأصحاب تلك المسالك تتضمن أقوالهم تكذيب الله ورسوله والإخبار عن النصوص بالكذب. السادس والعشرون: أن هؤلاء المعارضين للكتاب والسنة بعقلياتهم التي هي في(1\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "118",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12516",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحقيقة جهليات إنما يبنون أمرهم في ذلك على أقوال متشابهة مجملة تحتمل معاني متعددة ويكون ما فيها من الاشتباه في المعنى والإجمالي في اللفظ يوجب تأويلها بحق وباطل فيما فيها من الحق يقبل من لم يحط بها علما بما فيها من الباطل لأجل الالتباس والاشتباه ثم يعارضون بما فيها من الباطل نصوص الأنبياء. وهذا منشأ ضلال من ضل من الأمم قبلنا وهو منشأ البدع كلها فإن البدع لو كانت باطلا محضا لما قبلت ولبادر كل أحد إلى ردها وإنكارها ولو كانت حقا محضا لم تكن بدعة وكانت موافقة للسنة ولكنها تشتمل على الحق والباطل ويلتبس فيها الحق والباطل كما قال الله تعالى: لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون [آل عمران: 71] فنهى عن لبس الحق بالباطل ولبسه به: خلطه به حتى يلتبس أحدهما بالآخر ومنه التدليس وهو التدليس والغش الذي باطنه خلاف ظاهره فكذلك الحق إذا لبس بالباطل يكون فاعله قد أظهر الباطل في صورة الحق وتكلم بلفظ له معنيان معنى صحيح ومعنى باطل فيتوهم السامع أنه أراد المعنى الصحيح ومراده الباطل فهذا من الإجمال في اللفظ. وأما الاشتباه في المعنى فيكون له وجهان وهو حق من أحدهما وباطل من الآخر فيوهم إرادة الوجه الصحيح ويكون غرضه الباطل فأضل ضلال بني آدم من الألفاظ المجملة والمعاني المشيبة ولا سيما إذا صادفت أذهانا سقيمة فكيف إذا انضاف إلى ذلك هوى وتعصب فنسأل الله مثبت القلوب أن يثبت قلوبنا على دينه. قال الإمام أحمد في خطبة كتابه في الرد على الجهمية: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بكتاب الله أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من تائه ضال قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتن المضلين.(1\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "119",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12517",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "أنواع التوحيد الصحيحة والباطلة",
        "content": "وهذه الخطبة تلقاها الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد ذكرها محمد بن وضاح في أول كتابه في الحوادث والبدع فقال: حدثنا أسد حدثنا رجل يقال له: يوسف ثقة عن أبي عبد الله الواسطي رفعه إلى عمر بن الخطاب أنه قال: الحمد لله الذي امتن على العباد بأن جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بكتاب الله أهل العمى وكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وتائه ضال قد هدوه بذلوا دماءهم وأموالهم دون هلكة العباد فما أحسن أثرهم على الناس عليهم وما نسيهم ربك ولا كان ربك نسيا جعل قصصهم هدى وأخبر عن حسن مقالاتهم فلا تقتصر عنهم فإنهم في منزلة رفيعة وإن أصابتهم الوضيعة. فالمتشابه ما كان له وجهان يخدعون به جهال الناس فيا لله كم قد ضل بذلك طوائف من بني آدم واعتبر ذلك بأظهر الألفاظ والمعاني في القرآن والسنة وهو التوحيد الذي حقيقته إثبات صفات الكمال لله وتنزيهه عن أضدادها فاصطلح أهل الباطل على وضعه ثم دعوا الناس إلى التوحيد فخدعوا به من لم يعرف معناه في اصطلاحهم وظن أن ذلك التوحيد هو الذي دعت إليه الرسل.  [أنواع التوحيد الصحيحة والباطلة] والتوحيد اسم لستة معان: توحيد الفلاسفة وتوحيد الجهمية وتوحيد القدرية الجبرية وتوحيد الاتحادية فهذه الأربعة أنواع من التوحيد جاءت الرسل بإبطالها ودل على بطلانها العقل والنقل فأما توحيد الفلاسفة فهو إنكار ماهية الرب الزائدة على وجوده وإنكار صفات كماله وأنه لا سمع له ولا بصر ولا قدرة ولا حياة ولا إرادة ولا كلام ولا وجه ولا يدين وليس فيه معينان يتميز أحدهما عن الآخر البتة قالوا: لأنه لو كان كذلك لكان مركبا وكان جسيما مؤلفا ولم يكن واحدا من كل وجه فجعلوه من جنس الجوهر الفرد الذي لا يحس ولا يرى ولا يتميز منه جانب عن جانب بل الجوهر الفرد يمكن وجوده وهذا الواحد الذي جعلوه حقيقة رب العالمين يستحيل وجوده. فلما اصطلحوا على هذا المعنى في التوحيد وسمعوا قوله: وإلهكم إله واحد [البقرة: 163]  وقوله: وما من إله إلا الله [آل عمران: 62] نزلوا لفظ القرآن على هذا المعنى الاصطلاحي وقالوا: لو كان له صفة أو كلام أو مشيئة أو علم أو حياة(1\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "120",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12518",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقدرة أو سمع أو بصر لم يكن واحدا وكان مركبا مؤلفا فسموا أعظم التعطيل بأحسن الأسماء وهو التوحيد وسموا أصح الأشياء وأحقها بالثبوت وهو صفات الرب بأقبح الأسماء وهو التركيب والتأليف فتولد من بين هذه التسمية الصحيحة للمعنى الباطل جحد حقائق أسماء الرب وصفاته بل وجحد ماهيته وذاته وتكذيب رسله ونشأ من نشأ على اصطلاحه مع إعراضه عن استفادة الهدى والحق من الوحي فلم يعرف سوى الباطل الذي اصطلحوا عليه فجعلوه أصلا لدينه فلما رأى أن ما جاءت به الرسل يعارضه قال: إذا تعارض العقل والنقل قدم العقل. التوحيد الثاني توحيد الجهمية: وهو مشتق من توحيد الفلاسفة وهو نفي صفات الرب كعلمه وكلامه وسمعه وبصره وحياته وعلوه على عرشه ونفي وجهه ويديه وقطب رحى هذا التوحيد جحد حقائق أسمائه وصفاته. التوحيد الثالث: توحيد القدرية والجبرية وهو إخراج أفعال العباد أن تكون فعلا لهم وأن تكون واقعة بإرادتهم وكسبهم بل هي نفس فعل الله تعالى فهو الفاعل لها دونهم ونسبتها إليهم فعلها ينافي التوحيد عندهم. الرابع: توحيد القائلين بوحدة الوجود وأن الوجود عندهم واحد ليس عندهم وجودان: قديم وحادث وخالق ومخلوق وواجب وممكن بل الوجود عندهم واحد بالعين والذي يقال له: الخلق المنزه والكل من عين واحدة بل هو العين الواحدة. فهذه الأنواع الأربعة سماها أهل الباطل توحيدا واعتصموا بالاسم من إنكار المسلمين عليهم وقالوا: نحن الموحدون وسموا التوحيد الذي بعث الله به رسله: تركيبا وتجسيما وتشبيها وجعلوا هذه الألقاب لهم سهاما وسلاحا يقاتلون بها أهله فتترسوا بما عند أهل الحق من الأسماء الصحيحة وقابلوهم بالأسماء الباطلة وقد قال جابر في الحديث الصحيح في حجة الوداع: فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد: quot; لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك  فهذا توحيد الرسول صلى الله عليه وسلم المتضمن لإثبات صفات الكمال التي يستحق عليها الحمد ولإثبات الأفعال التي يستحق بها أن يكون منعما ولإثبات القدرة والمشيئة والإرادة والتصرف والغضب والرضى والغنى والجود الذي هو حقيقة ملكه وعند الجهمية والمعطلة والفلاسفة لا حمد له في الحقيقة ولا نعمة ولا ملك والله(1\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "121",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12519",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "تسمية أهل الزيغ توحيد الرسل شركا وتجسيما",
        "content": "يعلم أنه لا نجازف في نسبة ذلك إليهم بل هو حقيقة قولهم فأي حمد لمن لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا يتكلم ولا يفعل ولا هو في العالم ولا خارج عنه ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا فوقه ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن يساره وأي نعمة لمن لا يقوم به فعل البتة وأي مالك لمن لا وصف له ولا فعل فانظر إلى توحيد الرسل وتوحيد من خالفهم.  [تسمية أهل الزيغ توحيد الرسل شركا وتجسيما] ومن العجب أنهم سموا توحيد الرسل شركا وتجسيما وتشبيها مع أنه غاية الكمال وسموا تعطيلهم وإلحادهم وبغيهم توحيدا وهو غاية النقص ; ونسبوا أتباع الرسل إلى تنقيص الرب وقد سلبوه كل كمال وزعموا أنهم أثبتوا له الكمال قد نزهوه عنه فهذا توحيد الجهمية والمعطلة. وأما توحيد الرسل فهو إثبات صفات الكمال له وإثبات كونه فاعلا بمشيئته وقدرته واختياره وأن له فعلا حقيقة وأنه وحده الذي يستحق أن يعبد ويخاف ويرجى ويتوكل عليه فهو المستحق لغاية الحب بغاية الحب بغاية الذل وليس لخلقه من دونه وكيل ولا ولي ولا شفيع ولا واسطة بينه وبينهم في رفع حوائجهم إليه وفي تفريج كرباتهم وإجابة دعواتهم. بينه وبينهم واسطة في تبليغ أمره ونهيه وإخباره فلا يعرفون ما يحبه ويرضاه ويبغضه ويسخطه ولا حقائق أسمائه وتفصيل ما يجب له ويمتنع عليه ويوصف به إلا من جهة هذه الواسطة فجاء هؤلاء الملاحدة فعكسوا الأمر وقلبوا الحقائق ; فنفوا كون الرسل وسائط في ذلك وقالوا: يكفي توسط العقل ونفوا حقائق أسمائه وصفاته وقالوا: هذا التوحيد ويقولون: نحن ننزه الله عن الأعراض والأبعاض والحدود والجهات وحلول الحوادث فيسمع الغر المخدوع هذه الألفاظ فيتوهم منها أنهم ينزهون الله عما يفهم من معانيهما عند الإطلاق والنقائص والحاجة فلا يشك أنهم يمجدونه ويعظمونه ويكشف النافذ البصير ما تحت هذه الألفاظ فيرى تحتها الإلحاد وتكذيب الرسل وتعطيل الرب تعالى عما يستحقه من كماله فتنزيههم عن الأعراض هو من أحد صفاته كسمعه وبصره وحياته وعلمه وكماله وإرادته فإن هذه أعراض لا تقوم إلا بجسم فلو كان متصفا بها لكان جسم وكانت أعراضا له وهو منزه عن الأعراض وأما الأعراض فهي الغاية والحكمة التي لأجلها يخلق ويفعل ويأمر وينهى ويثيب ويعاقب وهي الغايات المحمودة المطلوبة له من أمره ونهيه وفعله فيسمونها أعراضا وعللا ينزهونه عنها.(1\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "122",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12520",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الأبعاض فمرادهم بتنزيهه عنها أنه ليس له وجه ولا يدان ولا يمسك السماوات على إصبع والأرض على إصبع والشجر على إصبع والماء على إصبع فإن ذلك كله أبعاض والله منزه عن الأبعاض. وأما الحدود والجهات فمرادهم بتنزيهه عنها أنه ليس فوق السماوات رب ولا على العرش إله ولا يشار إليه بالأصابع إلى فوق كما أشار إليه أعلم الخلق به ولا ينزل منه شيء ولا يصعد إليه شيء ولا تعرج الملائكة والروح إليه ولا رفع المسيح إليه ولا عرج برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم إليه إذ لو كان كذلك لزم إثبات الحدود والجهات له وهو منزه عن ذلك. وأما حلول الحوادث فيريدون به أنه لا يتكلم بقدرته ومشيئته ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا يأتي يوم القيامة ولا يجيء ولا يغضب بعد أن كان راضيا ولا يرضى بعد أن كان غضبان ولا يقوم به فعل البتة ولا أمر مجدد بعد أن لم يكن ولا يريد شيئا بعد أن لم يكن مريدا له فلا له كن حقيقة ولا استوى على عرشه بعد أن لم يكن مستويا ولا يغضب يوم القيامة غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولا ينادي عباده يوم القيامة بعد أن لم يكن مناديا ولا يقول للمصلي إذا قال: الحمد لله رب العالمين [الفاتحة: 2] حمدني عبدي فإذا قال: الرحمن الرحيم [الفاتحة: 1] قال: أثنى علي عبدي فإذا قال: مالك يوم الدين [الفاتحة: 4] قال: مجدني عبدي فإن هذه كلها حوادث وهو منزه عن حلول الحوادث. وقالت الجهمية: نحن نثبت قديما واحدا ومثبتو الصفات يثبتون عدة قدماء قال: والنصارى أثبتوا ثلاثة قدماء مع الله تعالى فكفرهم فكيف من أثبت سبعة قدماء أو أكثر فانظر إلى هذا التدليس والتلبيس الذي يوهم السامع أنهم أثبتوا قدماء مع الله تعالى إنما أثبتوا قديما واحدا بصفاته وصفاته داخلة في اسمه كما أنهم إنما أثبتوا إلها واحدا ولم يجعلوا كل صفة من صفاته إلها بل هو الإله الواحد بجميع أسمائه وصفاته وهذا بعينه متلقى من عباد الأصنام من المشركين بالله تعالى المكذبين لرسوله حيث قالوا: يدعو محمد إلى إله واحد ثم يقول: يا الله يا سميع يا بصير فيدعو آلهة(1\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "123",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12521",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "لفظ الجسم لم ينطق به الوحي إثباتا لا نفيا",
        "content": "متعددة فأنزل الله: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى [الإسراء: 110] فأي اسم دعوتموه به فإنما دعوتم المسمى بذلك الاسم فأخبر سبحانه أنه إله واحد وإن تعددت أسماؤه الحسنى المشتقة من صفاته ولهذا كانت حسنى وإلا فلو كانت كما يقول الجاحدون لكماله: أسماء محضة فارغة من المعاني ليس لها حقائق لم تكن حسنى ولو كانت أسماء الموصوفين بالصفات والأفعال أحسن منها فدلت الآية على توحيد الذات وكثرة النعوت والصفات. ومن ذلك قول هؤلاء: أخص صفات الإله: القديم فإذا أثبتم له صفات قديمة لزم أن تكون آلهة قديمة ولا يكون الإله واحدا. فيقال لهؤلاء المدلسين الملبسين على أمثالهم من أشباه الأنعام: المحذور الذي نفاه العقل والشرع والفطرة وأجمعت الأنبياء على بطلانه: أن يكون مع الله آلهة أخرى إلا أن يكون إله العالمين الواحد القهار حيا قيوما سميعا بصيرا متكلما آمرا ناهيا فوق عرشه له الأسماء الحسنى والصفات العلى فلم ينف العقل والشرع والفطرة أن يكون للإله الواحد صفات كمال يختص بها لذاته.  [لفظ الجسم لم ينطق به الوحي إثباتا لا نفيا] واعلم أن لفظ الجسم لم ينطق به الوحي إثباتا فيكون له الإثبات ولا نفيا فيكون له النفي فمن أطلقه نفيا أو إثباتا سئل عما أراد به فإن قال: أردت بالجسم معناه في لغة العرب وهو البدن الكثيف الذي لا يسمى في اللغة جسم سواه فلا يقال للهوى جسم لغة ولا للنار ولا للماء فهذه اللغة وكتبها بين أظهرنا فهذا المعنى منفي عن الله عقلا وسمعا وإن أردتم به المركب من المادة والصورة والمركب من الجواهر المفردة فهذا منفي عن الله قطعا والصواب نفيه عن الممكنات أيضا فليس المخلوق مركبا من هذا ولا من هذا وإن أردتم بالجسم ما يوصف بالصفات ويرى بالأبصار ويتكلم ويكلم ويسمع ويبصر ويرضى ويغضب فهذه المعاني ثابتة لله تعالى وهو موصوف بها فلا ننفيها عنه بتسميتكم للموصوف بها جسما كما أنا لا نسب الصحابة لأجل تسمية الروافض لمن يحبهم ويواليهم نواصب ولا ننفي قدر الرب ونكذب به لأجل تسمية القدرية لمن أثبته جبريا ولا برد ما أخبر به الصادق عن الله وأسمائه وصفاته لتسمية أعداء الحديث لنا حشوية ولا نجحد صفات خالقنا وعلوه على خلقه واستواءه على عرشه لتسمية الفرعونية المعطلة لمن أثبت ذلك مجسما مشبها:(1\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "124",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12522",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن كان تجسيما ثبوت استوائه ... على عرشه إني إذا لمجسم وإن كان تشبيها ثبوت صفاته ... فمن ذلك التشبيه لا أتكتم وإن كان تنزيها جحود استوائه ... وأوصافه أو كونه يتكلم فعن ذلك التنزيه نزهت ربنا ... بتوفيقه والله أعلى وأعظم ورحمة الله على الشافعي حيث فتح للناس هذا الباب في قوله: يا راكبا قف بالمحصب من منى ... واهتف بقاعد خيفها والناهض إن كان رفضا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي وهذا كله كأنه مأخوذ من قول الشاعر الأول: وعيرني الواشون أني أحبها ... وذلك ذنب لست منه أتوب وإن أردتم بالجسم ما يشار إليه إشارة حسية فقد أشار أعرف الخلق به بأصبعه رافعا بها إلى السماء بمشهد الجمع الأعظم مستشهدا له لا للقبلة وإن أردتم بالجسم ما يقال: أين هو فقد سأل أعلم الخلق به بأين منبها على علوه على عرشه وسمع السؤال بأين وأجاب عنه ولم يقل: هذا السؤال إنما يكون عن الجسم وإن أردتم بالجسم ما يلحقه من وإلى فقد نزل جبريل من عنده وعرج برسوله إليه وإليه يصعد الكلم الطيب وعبده المسيح رفع إليه. وإن أردتم بالجسم ما يتميز منه أمر غير أمر فهو سبحانه موصوف بصفات الكمال جميعا من السمع والبصر والعلم والقدرة والحياة وهذه صفات متميزة متغايرة ومن قال: إنها صفة واحدة فهو بالمجانين أشبه منه بالعقلاء وقد قال أعلم الخلق به: quot; أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منك quot; والمستعاذ به غير المستعاذ منه وأما استعاذته صلى الله عليه وسلم به منه فباعتبارين مختلفين فإن الصفة المستعاذ بها والصفة المستعاذ منها صفتان لموصوف واحد ورب واحد فالمستعيذ بإحدى الصفتين من الأخرى مستعيذا بالموصوف بهما منه. وإن أردتم بالجسم ما يكون فوق غيره ومستويا على غيره فهو سبحانه فوق عباده مستو على عرشه كذلك إن أردتم من التشبيه والتركيب هذه المعاني التي دل عليها الوحي والعقل فنفيكم لها بهذه الألقاب المنكرة خطأ في اللفظ والمعنى وجناية على(1\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "125",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12523",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ألفاظ الوحي أما الخطأ اللفظي فتسميتكم الموصوف بذلك جسما مركبا مؤلفا مشبها بغيره وتسميتكم هذه الصفات تركيبا وتجسيما وتشبيها فكذبتم على القرآن وعلى الرسول وعلى اللغة ووضعتم لصفاته ألفاظا منكم بدئت وإليكم تعود وأما خطؤكم في المعنى فنفيكم وتعطيلكم لصفات كماله بواسطة هذه التسمية والألقاب فنفيتم المعنى الحق وسميتموه بالاسم المنكر وكنتم في ذلك بمنزلة من سمع أن العسل شفاء ولم يره فسأل عنه فقيل له: مائع رقيق أصفر يشبه العذرة تتقيؤه الزنابير ومن لم يعرف العسل ينفر عنه بهذا التعريف ومن عرفه وذاقه لم يزده هذا التعريف عنده إلا محبة له ورغبة فيه ولله در القائل: تقول هذا جناء النحل تمدحه وإن تشأ قلت ذا قيء الزنابير مدحا وذما وما جاوزت وصفهما والحق قد يعتريه سوء تعبير وأشد ما جادل أعداء الرسول في التنفير عنه سوء التعبير عما جاء به وضرب الأمثال القبيحة له والتعبير عن تلك المعاني التي أحسن منها بألفاظ منكرة ألقوها في مسامع المغترين المخدوعين فوصلت إلى قلوبهم فنفرت عنه وأكثر العقول كما عهدت يقبل القول بعبارة ويرده بعبارة أخرى. وكذلك إذا قال الفرعوني: لو كان فوق السماوات رب أو على العرش إله لكان مركبا قيل له: لفظ المركب في اللغة هو الذي ركبه غيره في محله كقوله تعالى: في أي صورة ما شاء ركبك [الانفطار: 8] وقولهم: ركب الخشبة والباب وما يركب من أخلاط وأجزاء بحيث كانت أجزاؤه مفرقة فاجتمعت وركب حتى صار شيئا واحدا كقولهم ركبت الدواء من كذا وكذا. وإن أردتم بقولكم: لو كان فوق العرش كان مركبا هذا التركيب المعهود أو أنه كان متفرقا فاجتمع فهو كذب وفرية وبهت على الله وعلى الشرع وعلى العقل. وإن أردتم أنه لو كان فوق العرش لكان عاليا على خلقه بائنا منهم مستويا على عرشه ليس فوقه شيء فهذا المعنى حق فكأنك قلت: لو كان فوق العرش لكان فوق العرش فنفيت الشيء بتغيير العبارة بقولك وقلبها إلى عبارة أخرى وهذا شأنكم في أكثر مطالبكم. وإن أردت بقولك: كان مركبا أنه يتميز منه شيء عن شيء فقد وصفته أنت بصفات يتميز بعضها من بعض فهل كان عندك هذا تركيبا(1\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "126",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12524",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الجهة والفوقية والعلو نفيها عنه سبحانه تعطيل",
        "content": "فإن قلت: هذا يقال لي وإنما يقال لمن أثبت شيئا من الصفات فأما أنا فلا أثبت له صفة واحدة فرارا من التركيب قيل لك: العقل لم يدل على نفي المعنى الذي سميته أنت مركبا وقد دل الوحي والعقل والفطرة على ثبوته أفتنفيه لمجرد تسميتك الباطلة فإن التركيب يطلق ويراد به خمسة معان: تركيب الذات من الوجود والماهية عند من يجعل وجودها زائدا على ماهيتها فإذا نفيت هذا التركيب جعلته وجودا مطلقا إنما هو في الأذهان لا وجود له في الأعيان الثاني: تركيب الماهية من الذات والصفات فإذا نفيت هذا التركيب جعلته ذاتا مجردة عن كل وصف لا يبصر ولا يسمع ولا يعلم ولا يقدر ولا يريد ولا حياة له ولا مشيئة ولا وصفة أصلا فكل ذات في المخلوقات خير من هذه الذات فاستفدت بهذا التركيب كفرك بالله وجحدك لذاته ولصفاته وأفعاله الثالث: تركيب الماهية الجسمية من الهيولى والصورة كما يقوله الفلاسفة الرابع: التركيب من الجواهر الفردة كما يقوله كثير من أهل الكلام الخامس: تركيب الماهية من أجزاء كانت متفرقة فاجتمعت وتركبت. فإن أردت بقولك: لو كان فوق العرش لكان مركبا كما يدعيه الفلاسفة والمتكلمون قيل لك: جمهور العقلاء عندهم أن الأجساد المحدثة المخلوقة ليست مركبة لا من هذا ولا من هذا فلو كان فوق العرش جسم مخلوق أو حدث لم يلزم أن يكون مركبا بهذا الاعتبار فكيف يلزم ذلك في حق خالق الفرد والمركب الذي يجمع المتفرق ويفرق المجتمع ويؤلف بين الأشياء فيركبها كما يشاء ; والعقل لما دل على إثبات إله واحد ورب واحد لا شريك له ولا شبيه له لم يلد ولم يولد ولم يدل على أن ذلك الرب الواحد لا اسم له ولا صفة ولا وجه ولا يدين ولا هو فوق خلقه ولا يصعد إليه شيء ولا ينزل منه شيء فدعوى ذلك على العقل كذب صريح على الوحي.  [الجهة والفوقية والعلو نفيها عنه سبحانه تعطيل] وكذلك قولهم: ننزهه عن الجهة وإن أردتم أنه منزه عن جهة وجودية تحيط به وتحويه وتحصره إحاطة الظروف بالمظروف فنعم هو أعظم من ذلك وأكثر وأعلى ولكن لا يلزم من كونه فوق عرشه هذا المعنى وإن أردتم بالجهة أمرا يوجب مباينة الخالق للمخلوق وعلوه على خلقه واستواءه على عرشه فنفيكم لهذا المعنى باطل وتسميته جهة اصطلاح منكم توسلتم به إلى نفي ما دل عليه العقل والنقل والفطرة وسميتم ما فوق العالم جهة وقلتم: منزه عن الجهات وسميتم العرش حيزا وقلتم: ليس بمتحيز.(1\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "127",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12525",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل إنكار القدرية خلق أفعال العباد وتسميتهم بذلك بالعدل",
        "content": "وسميتم الصفات أعراضا وقلتم: الرب منزه عن قيام الأعراض به وسميتم حكمته غرضا وقلتم: منزه عن الأغراض وسميتم كلامه بمشيئته ونزوله إلى سماء الدنيا ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء ومشيئته وإرادته المقارنة لمرادها وإدراكه المقارنة لوجود المدرك وغضبه إذا عصي ورضاه إذا أطيع وفرحه إذا تاب إليه العباد ونداه لموسى حين أتى الشجرة ونداه للأبوين حين أكلا من الشجرة ونداه لعباده يوم القيامة ومحبته لمن كان يبغضه حال كفره ثم صار يحبه بعد إيمانه وربوبيته التي هو بها كل يوم في شأن حوادث وقلتم: هو منزه عن حلول الحوادث وحقيقة هذا التنزيه أنه منزه عن الوجود وعن الربوبية وعن الملك وعن كونه فعالا لما يريد بل عن الحياة والقيومية. فانظر ماذا تحت تنزيه المعطلة النفاة بقولهم: ليس بجسم ولا جوهر ولا مركب ولا تقوم به الأعراض ولا يوصف بالأبعاض ولا يفعل بالأغراض ولا تحله الحوادث ولا تحيط به الجهات ولا يقال في حقه: أين وليس بمتحيز كيف كسوا حقائق أسمائه وصفاته وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه وتكليمه لخلقه ورؤيتهم له بالأبصار في دار كرامته هذه الألفاظ ثم توسلوا إلى نفيها بواسطتها وكفروا وضللوا من أثبتها واستحلوا منه ما لم يستحلوه من أعداء الله من اليهود والنصارى فإلى الله الموعد وإليه الملتجأ وإليه التحاكم وبين يديه التخاصم. نحن وإياهم نموت ... ولا أفلح يوم الحساب من ندما  [فصل إنكار القدرية خلق أفعال العباد وتسميتهم بذلك بالعدل] فصل ومن ذلك لفظ العدل جعلته القدرية اسما لإنكار قدرة الرب على أفعال العباد وخلقه لها ومشيئته فجعلوا إخراجها عن قدرته ومشيئته هو العدل وجعل سلفهم إخراجها عن تقدم علمه وكتابته من العدل وسموا أنفسهم بالعدلية وعمدوا إلى إثبات عموم قدرته على كل شيء من الأعيان والأفعال وخلقه لكل شيء وشمول مشيئته فسموه جبرا ثم نفوا هذا المعنى الصحيح وعبروا عنه بهذا الاسم ثم سموا أنفسهم أهل العدل وسموا من أثبت صفات الرب وأثبت قدره وقضاءه أهل التشبيه والحيز. وكذلك قول الرافضة سموا موالاة الصحابة نصبا ومعاداتهم موالاة لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك المرجئة سموا من قال في الإيمان بقول الصحابة والتابعين واستثنى فيه فقال: أنا مؤمن إن شاء الله شاكا.(1\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "128",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12526",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا شأن كل مبطل ومبتدع يلقب الحق وأهله بالألقاب الشنيعة المنفردة فإذا أطلقوا لفظ الجسم صوروا في ذهن السامع خشبة من الخشب الكثيف أو بدنا له حامل يحمله وإذا قالوا: مركب صوروا في ذهنه أجزاء متفرقة فركبها وهذا حقيقة المركب لغة وعرفا وإذا قالوا: يلزم أن تحله الحوادث صوروا في ذهنه ذاتا تنزل به الأعراض النازلة بالمخلوقين كما مثل النبي صلى الله عليه وسلم لابن آدم أمله وأجله والأعراض جانبه إن أخطأه هذا أصابه هذا وإذا قالوا يقولون بالحيز والجهة صوروا في الذهن موجودا بالأحياز وإذا قالوا لزم الحيز صوروا في الذهن قادرا ظالما يجبر الخلق على ما لا يريدون ويعاقبهم على ما لا يفعلون وإذا قالوا: حشوية صوروا في ذهن السامع أنهم حشوا في الدين ما ليس منه فتنفر القلوب من هذه الألقاب. ولو ذكروا حقيقة قولهم لما قبلت القلوب السليمة والفطر المستقيمة سواه فكيف يترك الحق لأسماء سموها هم وأسلافهم ما أنزل الله بها من سلطان وألقاب وضعوها من تلقاء أنفسهم لم يأت بها سنة ولا قرآن وشبهات قذفت بها القلوب ما استنارت بنور الوحي ولا خالطها بشاشة الإيمان وخيالات هي بتخيلات الممردين وأصحاب الهوس أشبه منها بقضايا العقل والبرهان ووهميات نسبتها إلى العقل الصحيح كنسبة السراب في الأبصار في القيعان وألفاظ مجملة ومعان مشتبهة قد لبس فيها الحق بالباطل فصار ذا خفاء وكتمان. فدعونا من هذه الدعاوى الباطلة التي لا تفيد إلا إتعاب الإنسان وكثرة الهذيان وحاكمنا إلى الوحي والقرآن لا إلى منطق يونان ولا إلى قول فلان ورأي فلان كتاب الله ليس فوق بيانه مرتبة في البيان وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مطابقة له أعظم من مطابقة البيان للسان وهذه أقوال أعقل الأمم بعده والتابعين لهم بإحسان لا يختلف منهم في هذا الباب اثنان ولا يوجد عنهم فيه قولان متنافيان بل قد تتابعوا كلهم على إثبات الصفات وعلو الله على خلقه واستوائه على عرشه وإثبات تكلمه(1\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "129",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12527",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتكليمه وسائر ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم كتتابع الأسنان وقالوا للأمة: هذا عهد نبينا إلينا وعهدنا إليكم وإلى من بعدكم إلى آخر الزمان وهذا هو الذي نادى به المنادي وأذن على رءوس الملأ في السر والإعلان فحي على الصلاة وراء هذا الإمام يا أهل الإيمان وحي على الفلاح بمتابعته يا أهل القرآن والصلاة خير من النوم في ظلمة ليل الشكوك والإفك والكفران فلا تصح القدوة بمن أقر على نفسه وصدقه المؤمنون بأنه تائه في بيداء الآراء والمذاهب حيران وأنه لم يصل إلى اليقين بشيء منها لا هو ولا من قبله على تطاول الزمان وإن غاية ما وصلوا إليه الشك والتشكيك ولقلقة اللسان. فالحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وخصهم بكمال العقول وصحة الفطرة ونور البرهان وجعلهم هداة مهتدين مستبصرين مبصرين أئمة للمتقين يهدون بأمره ويبصرون بنوره ويدعون إلى داره ويجادلون كل مفتتن فتان فحي على خير العمل بمتابعة المبعوث بالفرقان وتحكيمه وتلقي حكمه بالتسليم والقبول والإذعان ومقابلة ما خالف حكمه بالإنكار والرد والهوان ومطاعنة المعارضين له بقولهم بالسيف والسنان وإلا بالعلم واللسان فالعقول السليمة والفطر المستقيمة لنصوص الوحي يسجدان ويصدقان بما شهدت به ولا يكذبان ويقران أن لها عليهما أعظم سلطان وأنهما إن خرجا عنها غلبا ولا ينتصران والله المستعان وعليه التكلان. السابع والعشرون: أن المعارضة بين العقل ونصوص الوحي لا تتأتى على قواعد المسلمين المؤمنين بالنبوة حقا ولا على أصول أحد من أهل الملل المصدقين بحقيقة النبوة ليست هذه المعارضة من الإيمان بالنبوة في شيء وإنما تتأتى هذه المعارضة ممن يقر بالنبوة على قواعد الفلسفة ويجريها على أوضاعهم وأن الإيمان بالنبوة عندهم والاعتراف بموجود حليم له طالع مخصوص يقتضي طالعه أن يكون متبوعا فإذا أخبرهم بما لا تدركه عقولهم عارضوا خبره بعقولهم وقدموها على خبره. فهؤلاء الذين عارضوا بين العقل ونصوص الأنبياء فعارضوا الأنبياء في باب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر في هذه الأصول الخمسة بعقولهم فلم يصدقوا بشيء منها على طريقة الرسل ثم سرت معارضتهم في المنتسبين إلى الرسل فتقاسموها تقاسم الوارث لتركة مورثهم فكل طائفة كانت نصوص الوحي(1\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "130",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12528",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "العقل يصدق ما جاء الوحي أشد مما يصدق كثير من المحسوسات",
        "content": "على خلاف مذهبهم لجئوا إلى هذه المعارضة ومعلوم أن هذا يناقض الإيمان بالنبوة وإن تناقض القائل به فغلبته أن يثبت كون النبي رسولا في العمليات ولا في العلميات أو في بعض العلميات التي أخبر بها دون البعض وهذا أسوأ حالا ممن جعله رسولا إلى بعض الناس دون بعض فإن القائل بهذا يجعله رسولا في العلميات والعمليات ولا يعارض بين خبره وبين العقل وإن تناقض جحده عموم رسالته بالنسبة إلى كل مكلف فهذا جحد عموم رسالته إلى المدعوين وذاك جحد عموم رسالته في المدعو إليه المخبر به ولم يؤمن في الحقيقة برسالته لا هذا ولا هذا فإنه يقال لهذا: إن كان رسول الله إلى هؤلاء حقا فهو رسوله إلى الآخرين قطعا لأنه أخبر بذلك ومن ضرورة تصديقه الإيمان بعموم رسالته ويقال للآخر: إن كان رسول الله في العمليات وأنها حق من عند الله فهو رسوله في العلميات فإنه أخبر عنه بهذا وهذا.  [العقل يصدق ما جاء الوحي أشد مما يصدق كثير من المحسوسات] الثامن والعشرون: وهو أنك إذا جعلت العقل ميزانا ووضعت في إحدى كفتيه كثيرا من الأمور المشاهدة المحسوسة التي ينالها العيان ووضعت في الكفة الأخرى الأمور التي أخبرت بها الرسل عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجدت ترجيحه لهذه الكفة فوق ترجيحه للتي قبلها وتصديقه بها أقوى ولولا الحس والمشاهدة يمنعه من إنكار ذلك لأنكره هذه دعوى نعلم أنك تتعجب ممن يدعيها وتنسبه إلى المجازفة وقلة التحصيل ولعمر الله إن مدعيها ليعجب من إنكارك لها وتوقفك فيها بعد البيان. فنقول وبالله التوفيق: أنسب إلى العقل حيوان يرى ويحس ويتكلم ويعمل فغشيه أمر ألفاه كأنه خشبة لا روح فيها وزال إحساسه وإدراكه وتوارى عنه سمعه وبصره وعقله بحيث لا يعلم شيئا فأدرك في هذه الحالة من العلوم العجيبة والأمور الغائبة ما لم يدركه حال حضور ذهنه واجتماع حواسه ووفور عقله وعلم من أمور الغيب المستقبلة ما لم يكن له دليل ولا طريق إلى العلم به. وأنسب إليه أيضا حيوان خرج من إحليله مجة ماء مستحيلة عن حصول الطعام والشراب كالمخطة فامتزجت بمثلها في مكان ضيق فأقامت برهة من الدهر فانقلبت دما قد تغير لونها وشكلها وصفاتها فأقامت كذلك مدة ثم انقلبت بعد ذلك قطعة لحم فأقامت كذلك مدة ثم انقلبت عظاما وأعصابا وعروقا وأظفارا مختلفة الأشكال والأوضاع وهي جماد لا إحساس بها ثم عادت حيوانا يتحرك ويتغذى ويتقلب ثم(1\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "131",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12529",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أقام ذلك الحيوان في مكان لا يجد فيه منفسا وهو داخل أوعية بعضها فوق بعض ثم انفتح له باب يضيق عنه مسلك الذكر لا يسلكه إلا بضغطه فوسع له ذلك الباب حتى خرج منه. وأنسب إليه أيضا: بقدر الحبة ترسله في مدينة عظيمة من أعظم المدن فيأكل المدينة وكل من فيها ثم يقبل على نفسه فيأكلها وهو النار. وأنسب إليه شيئا بقدر بذر الخشخاش يحمله الإنسان بين ثيابه مدة فينقلب حيوانا يتغذى بورق الشجر برهة ثم إنه يبني على نفسه قبابا مختلفة الألوان من أبيض وأصفر وأحمر بناء محكما متفقا فيقيم في ذلك البناء مدة من الزمان لا يتغذى بشيء البتة فينقلب في القبة طائرا له أجنحة يطير بها بعد أن كان دودا يمشي على بطنه فيفتح عن نفسه باب القبة وذلك دود القز. إلى أضعاف أضعاف ما ذكرناه مما يشاهد بالعيان مما لو حكي لمن لم يره لعجب من عقل من حكاه له وقال: وهل يصدق بهذا عاقل وضرورة العقل تدفع هذا وأقام الأدلة العقلية على استحالته فقال في النائم مثلا: القوى الحساسة سبب الإدراك للأمور الوجودية وآلة لها فمن لم يدرك الأشياء مع وجودها واستجماعها ووفورها فلأن يتعذر عليه عدم إدراكها مع عدمها وبطلان أفعالها أولى وأحرى وهذا قياس أنت تجده أقوى من الأقيسة التي يعارض بها خبر الأنبياء والحس والعيان يدفعه ومن له خبرة بمواد الأدلة وترتيب مقدماتها وله أدنى بيان يمكنه أن ينظم أدلة عقلية على استحالة كثير من الأمور المشاهدة المحسوسة وتكون مقدمات تلك الأدلة من جنس مقدمات الأدلة التي تعارض بها النصوص أو أصح منها. وأنسب إلى العقل: وجود ما أخبرت به الرسل عن الله وصفاته وأفعاله وملائكته واليوم الآخر وثبوت هذه الأمور التي ذكرنا اليسير منها وما لم نذكره ولم يخطر لنا ببال أعجب من ذلك بكثير تجد تصديق العقل بما أخبرت به الرسل أقرب إليه من تصديقه بهذه الأمور ولولا المشاهدة لكذب بها فيا لله العجب كيف يستجيز العقل تكذيب ما أخبرت به الرسل بعد أن سمع ورأى وعاين ما لولا الحس لأنكره غاية الإنكار ومن هاهنا قال من صح عقله وإيمانه: إن نسبة العقل إلى الوحي أقل وأدق بكثير من نسبة مبادئ التمييز إلى العقل. التاسع والعشرون: أن هؤلاء المعارضين بين العقل والوحي لا يمكنهم إثبات(1\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "132",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12530",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصانع بل يلزم من قولهم نفيه بالكلية لزوما بينا ولأن العالم مخلوق له ولا يمكنهم إقامة دليل على استحالة الهين ولا إقامة دليل واحد على استحالة كون الصانع جسما ولا إثبات كونه عالما ولا قادرا ولا ربا ونقتصر من هذه الجملة على بيان عجزهم عن إثبات وجوده سبحانه وتعالى فضلا عن تنزيهه عن صفات كماله فنقول: المعارض بين العقل والنقل في الأصل هم الزنادقة المنكرون للنبوة وحدوث العالم والمعاد ووافقهم في هذا الأصل الجهمية المعطلة لصفات الرب تعالى وأفعاله والطائفتان لم تثبت للعالم صانعا البتة فإن الصانع الذي أثبتوا وجوده مستحيل فضلا عن كونه واجب الوجود قديما أما الزنادقة الفلاسفة فإنهم أثبتوا للعالم صانعا لفظا لا معنى ثم لبسوا على الناس وقالوا: إن العالم صنعه وفعله وخلقه ثم هو في الحقيقة عندهم غير مصنوع ولا مخلوق ولا مفعول ولا يمكن على أصلهم أن يكون العالم مخلوقا ولا مفعولا. قال أبو حامد: وذلك لثلاثة أوجه: وجه في الفاعل ووجه في الفعل ووجه في نسبة مشتركة بين الفعل والفاعل وأما الذي في الفاعل فهو أنه لا بد أن يكون مريدا مختارا عالما بما يريده حين يكون فاعلا لما يريده والله تعالى عندهم ليس مريدا بل لا صنعة له أصلا وما يصدر عنه فيلزم لزوما ضروريا والثاني: أن العالم قديم عندهم والفعل هو الحادث والثالث: أن الله تعالى واحد من كل وجه والواحد عندهم لا يصدر عنه إلا واحد والعالم مركب من خلفات فكيف يصدر عنه قال: ولنحقق وجه كل واحد من هذه الوجوه الثلاثة مع حالهم في دفعه فنقول: الفاعل عبارة عما صدر عنه الفعل مع الإرادة للفعل على سبيل الاختيار مع العلم بالمراد وعندهم أن العالم مع الله كالمعلوم مع العلة يلزم لزوما ضروريا لا يتصور مع الله تعالى دفعه لزوم الظل للشخص والنور للشمس وليس هذا من الفعل في شيء بل من قال: إن السراج يفعل الضوء والشخص يفعل الظل فقد جاوز وتوسع في التجاوز توسعا خارجا عن الحد واستعار اللفظ واكتفى بوقوع المشاركة بين المستعار منه في وصف واحد وهو أن الفاعل سبب على الجملة والسراج سبب للضوء والشمس سبب للنور والفاعل لم يسم فاعلا صانعا بمجرد كونه سببا بل لكونه سببا على وجه الإرادة والاختيار حتى لو قال قائل: الجدار ليس بفاعل والحجر ليس بفاعل والجماد ليس بفاعل وإنما الفعل للحيوان لم ينكر ذلك عليه(1\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "133",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12531",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولم يكن قوله كذبا وللحجر فعل عندهم وهو الهوي إلى أسفل والميل إلى المركز كما أن للنار فعلا وهو التسخين وللحائط فعلا وهو الميل إلى المركز ووقوع الظل لأن ذلك صادر عنه وهذا محال. قال: فإن قيل: كل موجود ليس بواجب الوجود لذاته بل هو موجود بغيره فإنا نسمي ذلك الشيء مفعولا ونسمي سببه فعلا ولا نبالي كان المسبب فاعلا بالطبع أو بالإرادة كما أنكم لا تبالون إن كان فاعلا بآلة أو غير آلة بل الفعل جنس ينقسم إلى ما يقع بآلة وإلى ما يقع بغير آلة كذلك هو جنس ينقسم إلى ما يقع بالطبع وإلى ما يقع بالاختيار بدليل أنا لو قلنا: فعل بالطبع لم يكن قولنا فعل بالطبع ضدا لقولنا فعلا ولا رفعا له ولا نقصا له بل بيانا لنوع الفعل كما إذا قلنا: فعل مباشر بغير آلة لم يكن نقضا بل تنويعا وبيانا وإذا قلنا: فعل بالاختيار لم يكن تكرارا بل كان بيانا لنوع الفعل كقولنا: فعل بآلة ولو كان قولنا فعل يتضمن الإرادة وكانت الإرادة ثابتة للفعل من حيث إنه فعل لكان قولنا فعل وما فعل. قلنا: هذه التسمية فاسدة فلا يجوز أن يسمى كل سبب بأي فعل كان فاعلا ولا كل سبب مفعولا ولو كان ذلك ما صح أن يقال: الجماد لا فعل له وإنما الفعل للحيوان وهذه من الكلمات المشهورة الصادقة فإن سمي الجماد فاعلا فبالاستعارة كما يسمى طالبا مريدا على سبيل المجاز ويقال: الحجر يهوي لأنه يريد المركز ويطلبه والطلب والإرادة هنا حقيقة لأنه لا يتصور إلا مع العلم المراد المطلوب فلا يتصور إلا من الحيوان وأما قولكم: إن قولنا: فعل عام وينقسم إلى ما هو بالطبع وإلى ما هو بالإرادة غير مسلم وهو كقول القائل: قولنا: أراد عام وينقسم إلى من يريد مع العلم بالمراد وإلى من يريد ولا يعلم ما يريد وهو فاسد إذ الإرادة تتضمن العلم بالضرورة وكذلك الفعل يتضمن الإرادة بالضرورة. وأما قولكم: إن قولنا: فعل بالطبع ليس بنقص للأول فليس كذلك فإنه نقض له من حيث الحقيقة ولكنه لا يسبق إلى الفهم التناقض ولا يشتد نفور الطبع عنه فإنه لما أن كان سببا موجبا والفاعل أيضا سببا سمي فعلا مجازا وإذا قال: فعل بالاختيار فهو تكوين على التحقيق كقوله: أراد وهو عالم بما أراد إلا أنه لما تصور أن يقال: فعل وهو مجاز ويقال: فعل وهو حقيقة لن تنفر النفس عن قوله: فعل بالاختيار وكان معناه فعل حقيقيا لا مجازيا كقول القائل: تكلم بلسانه ونظر بعينه فإنه لما(1\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "134",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12532",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جاز أن يستعمل النظر في القلب مجازا والكلام في تحريك الرأس واليد مجازا لم يستقبح أن يقال: قال بلسانه ونظر بعينه ويكون معناه نفي احتمال المجاز فهذه مزلة القدم. فإن قيل: فتسمية الفاعل فاعلا إنما يعرف من اللغة وإلا فقد ظهر في العقل أن ما يكون سببا للشيء ينقسم إلى ما يكون مريدا وإلى ما لا يكون فوقع النزاع في أن اسم الفاعل يقع على كل من القسمين حقيقة أم لا إذ العرب تقول: النار تحرق والثلج يبرد والسيف يقطع والخبز يشبع والماء يروي وقولنا: يقطع معناه يفعل القطع وقولنا: يحرق معناه يفعل الإحراق فإن قلتم: إن ذلك مجاز فأنتم متحكمون قال: والجواب: أن ذلك طريق وإنما الفعل الحقيقي ما يكون بالإرادة والدليل عليه أنا لو فرضنا حادثا توقف حصوله على أمرين: أحدهما إرادي والآخر غير إرادي أضاف العقل الفعل إلى الإرادي فكذا اللغة فإن من ألقى إنسانا في نار فمات يقال: هو القاتل دون النار حتى إذا قيل: ما قتله إلا فلان كان صدقا وإذا كان اسم الفاعل المريد وغير المريد على وجه واحد لا بطريق كون أحدهما أصلا والآخر مستعارا فلم يضف القتل إلى المريد لغة وعرفا وعقلا مع أن النار هي العلة القريبة في العقل وكان الملقي لم يتعاط إلا الجمع بينه وبين النار ولكن لما كان الجمع بالإرادة وتأثير النار بغير إرادة سمي قاتلا ولم تسم النار قاتلة إلا بمعنى الاستعارة فعلم أن الفاعل من يصدر الفعل عن إرادته وإذا لم يكن الله مريدا عندهم ولا مختارا للفعل لم يكن صانعا ولا فاعلا إلا مجازا. فإن قيل: نحن نعني بكون الله فاعلا أنه سبب لوجود كل موجد سواه وأن العالم قوامه به ولولا وجود الباري لما تصور وجود العالم ولو قدر عدم الباري لانعدم العالم كما لو قدر عدم الشمس لانعدم الضوء فهذا ما نعنيه بكونه فاعلا فإن كان الخصم يأبى أن يسمي هذا المعنى فعلا فلا مشاحة في الأسامي بعد ظهور المعنى. قلنا: غرضنا أن نبين أن هذا المعنى لا يسمى فعلا وصنعا وإنما المعنى بالفعل والصنع ما يصدر عن الإرادة حقيقة وقد نفيتم حقيقة معنى الفعل ونطقتم بلفظه تجملا بالإسلام ولا يتم الدين بإطلاق الألفاظ دون المعاني فصرحوا بأن الله لا فعل له حتى يتضح أن معتقدكم مخالف لمذهب المسلمين ولا تلبسوا بقولكم: إن الله صانع العالم فإن هذه لفظة أطلقتموها ونفيتم حقيقتها ومقصود هذه المسألة الكشف عن هذا التلبيس فقط ثم ساق الكلام إلى أن قال:(1\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "135",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12533",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "أصول المعارضين للشرع بالعقل تنفي وجود الصانع لا صفاته فحسب",
        "content": "[أصول المعارضين للشرع بالعقل تنفي وجود الصانع لا صفاته فحسب] إن أصولهم التي عارضوا بها الوحي تنفي وجود الصانع فضلا عن كونه صانعا للعالم بل تجعله ممتنع الوجود فضلا عن كونه واجبا لأن الصفات التي وصفوه بها صفات معدوم ممتنعة في العقل والخارج فالعقل لا يتصوره إلا على سبيل الفرض الممتنع كما تفرض المستحيلات ولا يمكن في الخارج وجوده فإن ذاتا هي وجود مطلق لا ماهية لها سوى الوجود المطلق المجرد عن كل ماهية ولا صفة لها البتة ولا فيها معنيان متغايران في المفهوم ولا هي هذا العالم ولا صفة من صفاته ولا داخلة فيه ولا خارجة عنه ولا متصلة به ولا منفصلة عنه ولا محايثة له ولا فوقه ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا ترى ولا يمكن أن ترى ولا تدرك شيئا ولا تدرك هي بشيء من الحواس ولا متحركة ولا ساكنة ولا توصف بغير السلوب والإضافات العدمية ولا تنعت بشيء من الأمور الثبوتية هي بامتناع الوجود أحق منها بإمكان الوجود فضلا عن وجوبه وتكلف العقل الاعتراف بوجود هذه الذات ووجوبها كتكليفه الجمع بين النقيضين. ومعلوم أن مثل هذه الذات لا تصلح لفعل ولا ربوبية ولا إلهية فأي ذات فرضت في الوجود فهي أكمل منها فالذي جعلوه واجب الوجود هو أعظم استحالة من كل ما يقدر مستحيلا فلا يكثر بعد هذا عليهم إنكارهم لصفاته كعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره ولا إنكارهم لكلامه وتكليمه فضلا عن استوائه على عرشه ونزوله إلى السماء الدنيا ومجيئه وإتيانه وفرحه وحبه وغضبه ورضاه فمن هدم قواعد البيت من أصلها كان عليهم هدم السقف والجدران أهون. ولهذا كان حقيقة قول هؤلاء القول بالدهر وإنكار الخالق بالكلية وقولهم: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر [الجاثية: 24] وإنما صانعوا المسلمين ألفاظا لا حقيقة لها واشتق إخوانهم الجهمية النفي والتعطيل من أصولهم فسدوا على أنفسهم طريق العلم بإثبات الخالق وتوحيده بمشاركتهم لهم في الأصل المذكور وإن باينوهم في بعض لوازمهم كإثباتهم كون الرب تعالى قادرا مريدا فاعلا بالاختيار وإثباتهم معاد الأبدان والنبوة ولكن لم يثبتوا ذلك على الوجه الذي جاءت به الرسل ولا نفوه نفي إخوانهم الملاحدة بل اشتقوا مذهبا بين المذهبين وسلكوا طريقا بين الطريقين لا للملاحدة فيه وافقوا ولا للرسل اتبعوا.(1\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "136",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12534",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولهذا عظمت بهم البلية على الإسلام وأهله بانتسابهم إليه وظهورهم في مظهر ينصرون به الإسلام فلا للإسلام نصروا ولا لأعدائه كسروا فمرة يقولون: هي دلالة لفظية معزولة عن إفادة العلم واليقين ومرة يقولون: هي مجازات واستعارات لا حقيقة لها عند العارفين ومرة يقولون: لا سبيل إلى تحكيمها ولا التفات إليها وقد عارضها العقل وقواطع البراهين ومرة يقولون: أخبار آحاد فلا يحتج بها في المسائل القطعية التي يطلب منها اليقين فأرضيتم بذلك إخوانكم من الملاحدة أعداء الدين فهذه ثمرة عقولكم وحاصل معقولكم. فعلى عقولكم العفاء فإنكم ... عاديتم المعقول والمنقولا وطلبتم أمرا محالا وهو إد ... راك الهدى لا تتبعون رسولا وزعمتم أن العقول كفيلة ... بالحق أين العقل كان كفيلا وهو الذي يقضي فينقض حكمه ... عقل ترون كليهما معلولا وتراه يجزم بالقضاء وبعد ذا ... يلقى لديه باطلا معقولا لا يستقل العقل دون هداية ... بالوحي تأصيلا ولا تفصيلا كالطرف دون النور ليس بمدرك ... حتى تراه بكرة وأصيلا فإذا الظلام تلاطمت أمواجه ... وطمعت بالإبصار كنت محيلا وإذا النبوة لم ينلك ضياؤها ... فالعقل لا يهديك قط سبيلا نور النبوة مثل نور الشمس لل ... عين البصيرة فاتخذه دليلا طرق الهدى مسدودة إلا على ... من أم هذا الوحي والتنزيلا فإذا عدلت عن الطريق تعمدا ... فاعلم بأنك ما أردت وصولا يا طالبا درك الهدى بالعقل دو ... ن النقل لن تلقى لذاك دليلا كم رام قبلك ذاك من متلدد ... حيران عاش مدى الزمان جهولا مازالت الشبهات تغزو قلبه ... حتى تشحط بينهن قتيلا فتراه بالكلي والجزئي والذ ... ذاتي طول زمانه مشغولا فإذا أتاه الوحي لم يأبه له ... ويقوم بين يدي عداه مثيلا ويقول تلك أدلة لفظية ... معزولة عن أن تكون دليلا وإذا تمر عليه قال لها اذهبي ... نحو المجسم أو خذي التأويلا(1\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "137",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12535",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا أبت إلا النزول عليه كا ن لها القرى التحريف والتبديلا ... فيحل بالأعداء ما تلقاه من كيد يكون لحقها تعطيلا ... واضرب لهم مثلا بعميان خلوا في ظلمة لا يهتدون سبيلا ... فتصادموا بأكفهم وعصيهم ضربا يدير رحى القتال طويلا ... حتى إذا ملوا القتال رأيتهم مشجوج أو مبعوج أو مقتولا ... وتسامع العميان حتى أقبلوا للصلح فازداد الصياح عويلا يوضحه: الوجه الثلاثون وهو أن الطرق التي سلكها هؤلاء المعارضون بين الوحي والعقل في إثبات الصانع هي بعينها تنفي وجوده لزوما فإن المعارضين صنفان: الفلاسفة والجهمية أما الفلاسفة فأثبتوا الصانع بطريق التركيب وهو أن الأجسام مركبة والمركب يفتقر إلى أجزائه وكل مفتقر ممكن والممكن لا بد له من وجود واجب ويستحيل الكثرة في ذات الواجب بوجه من الوجوه إذ يلزم تركيبه وافتقاره وذلك ينافي وجوبه وهذا هو غاية توحيدهم وبه أثبتوا الخالق على زعمهم. ومعلوم أن هذا من أعظم الأدلة على نفي الخالق فإنه ينفي قدرته ومشيئته وعلمه وحياته إذ لو ثبت له هذه الصفات بزعمهم لكان مركبا والمركب مفتقر إلى غيره فلا يكون واجبا بنفسه وفي هذه الشبهة من التلبيس والتدليس والألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة ما يطول وصفه وقد انتدب لإفسادها جنود الإسلام على اختلاف مذاهبهم فإن المركب لفظ مجمل يراد به ما ركبه غيره وما كان متفرقا فاجتمعت أجزاؤه وما يمكن تفريق بعضه عن بعض والله تعالى منزه عن هذه التراكيب ويراد به في اصطلاح هؤلاء ما له ماهية خاصة يتميز بها عن سائر الماهيات وما له ذات وصفات بحيث يتميز بعض صفاته عن بعض وهذا ثابت للرب تعالى وإنما سماه هؤلاء تركيبا على ما تقدم وكذلك لفظ الافتقار لفظ مجمل يراد به فقر الماهية إلى موجود غيرها يتحقق وجودها به وإنه سبحانه غني عن هذا الافتقار ويراد به أن الماهية مفتقرة في ذاتها ولا قوام لذاتها إلا بذاتها وأن الصفة لا تقوم وإنما تقوم(1\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "138",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12536",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل مذهب أهل الكلام في الصفات",
        "content": "بالموصوف وهذا المعنى حق وإن سماه هؤلاء الملبسون فقرا وكذلك لفظ الغير فيه إجمال ويراد بالغيرين ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر وهذا المعنى حق في ذاته سبحانه وصفاته وإن سماه هؤلاء أغيارا فإن المخلوق يعلم من الخالق صفة دون صفة وقد قال أعلم الخلق به: quot; لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك quot; وهذا لكثرة أسمائه وصفات كماله ونعوت جلاله وقال: quot; أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك quot; والمستعاذ به غير المستعاذ منه والمقصود أن تسمية هذا تركيبا وافتقارا وغيرا وضع وضعه هؤلاء وليس الشأن في الألفاظ إنما الشأن في المعاني. وقولهم: إنه مفتقر إلى جزئه تلبيس فإن القديم الموصوف بالصفات اللازمة له يمتنع أن تفارقه صفاته وليست له حقيقة غير الذات الموصوفة حتى يقال: إن تلك الحقيقة مفتقرة إلى غيرها وإن سميت تلك الصفة غيرا فالذات والصفات متلازمان لا يوجد أحدهما إلا مع الآخر وهذا الالتزام يقتضي حاجة الذات والصفات إلى موجود أوجدها وفاعل فعلها والواجب بنفسه يمتنع أن يكون مفتقرا إلى ما هو خارج عن نفسه فأما أن لا يكون له صفة ولا ذات ولا يتميز فيه أمر عن أمر فلا يلزم من وجوبه وكونه غنيا بنفسه عن كل ما سواه فقول الملبس: إنه مفتقر إلى ذلك كقوله: لو كان له ماهية لكان مفتقرا إلى ماهيته والله تعالى اسم للذات المتصفة بكمال العلم والقدرة والحياة والمشيئة وسائر صفات الكمال ليس اسما لذات مجردة عن الأوصاف والنعوت فكل ذات أكمل من هذا الذات تعالى الله عن قول الملحدين في أسمائه وصفاته علوا كبيرا. والمقصود أن الطريق التي سلكها هؤلاء في إثبات الصانع هي أعظم الطرق في نفيه وإنكار وجوده ولذلك كان سالكوها لا يؤمنون بالله ولا ملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا باليوم الآخر وإن صانع من صانع منهم أهل الملل بألفاظ لا حاصل لها.  [فصل مذهب أهل الكلام في الصفات] فصل وأما المتكلمون فلما رأوا بطلان هذه الطريق عدلوا عنها إلى طريق الحركة والسكون والاجتماع والافتراق وتماثل الأجسام وتركبها من الجواهر الفردة وأنها قابلة(1\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "139",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12537",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للحوادث وما يقبل الحوادث فهو حادث فالأجسام كلها حادثة فإذن يجب أن يكون لها محدث ليس بجسم فبنوا العلم بإثبات الصانع على حدوث الأجسام واستدلوا على حدوثها بأنها مستلزمة للحركة والسكون والاجتماع والافتراق ثم قالوا: إن تلك أعراض والأعراض حادثة وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث واحتاجوا في هذه الطريق إلى إثبات الأعراض أولا ثم إثبات لزومها للجسم ثانيا ثم إبطال حوادث لا أول لها ثالثا ثم إلزام بطلان حوادث لا نهاية لها رابعا عند فريق منهم وإلزام الفرق عند فريق آخر ثم إثبات الجوهر الفرد خامسا ثم إلزام كون العرض لا يبقى زمانين سادسا فيلزم حدوثه والجسم لا يخلو منه وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث ثم إثبات الخالق سبحانه مبني على هذه الأمور السبعة فلزمهم من سلوك هذه الطريق إنكار كون الرب فاعلا في الحقيقة وإن سموه فاعلا بألسنتهم فإنه لا يقوم به عندهم فعل وفاعل بلا فعل كقائم بلا قيام وضارب بلا ضرب وعالم بلا علم. وضم الجهمية إلى ذلك أنه لو قام به صفة لكان جسما ولو كان جسما لكان حادثا فيلزم من إثبات صفاته إنكار ذاته فعطلوا صفاته وأفعاله بالطريق التي أثبتوا بها وجوده فكانت أبلغ الطرق في تعطيل صفاته وأفعاله وعن هذا الطريق أنكروا علوه على عرشه وتكلمه بالقرآن وتكليمه لموسى ورؤيته بالأبصار في الآخرة ونزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة ومجيئه لفصل القضاء بين الخلائق وغضبه ذلك اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب مثله بعده وجميع ما وصف به نفسه من وصف ذاتي أو معنوي أو فعلي فأنكروا وجهه الأعلى وأنكروا أن له يدين وأن له سمعا وبصرا وحياة وأنه يفعل ما يشاء حقيقة وإن سمي فاعلا فلم يستحق ذلك لفعل قام به بل فعله هو عين مفعوله. وكذلك الطريق التي سلكوها في إثبات النبوة لم يثبتوا أنها نبوة في الحقيقة فإنهم بنوها على مجرد طريق العادة وهو مشترك بين النبي وغيره وحاروا في الفرق فلم يأتوا فيه بما تثلج له الصدور مع أن النبوة التي أثبتوها لا ترجع إلى وصف وجودي بل هي تعلق الخطاب الأزلي بالنبي والتعلق عندهم أمر عدمي فعادت النبوة عندهم إلى أمر عدمي وقد صرحوا بأنها لا ترجع إلى صفة ثبوتية قائمة بالنبي صلى الله عليه وسلم. وأيضا فحقيقة النبوة والرسالة إنباء الله لرسوله وأمره تبليغ كلامه إلى عباده وعندهم أن الله يتكلم ولا يقوم به كلام.(1\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "140",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12538",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "معارضة الوحي بالعقل",
        "content": "وأما اليوم الآخر فإن جمهورهم بنوه على إثبات الجوهر الفرد قالوا: لا ينافي التصديق بالمعاد إلا بإثباته وهو في الحقيقة باطل لا أصل له والمثبتون له يعترفون أن القول به في غاية الإشكال وأدلته متعارضة وكثير منهم له قولان في إثباته ونفيه وسلكوا في تقرير المعاد ما خالفوا فيه جمهور العقلاء ولم يوافقوا ما جاءت به الأنبياء فقالوا: لو أن الله تعالى يعدم أجزاء العالم كلها حتى تصير عدما محضا ثم يعيد المعدوم ويقلبه موجودا حتى إنه يعيد زمنه بعينه وينشئه لا من مادة كما قالوا في المبدأ فجنوا على العقل والشرع وأغروا أعداء الشرع به وحالوا بينهم وبين تصديق الرسل. وأما المبدأ فإنهم قالوا: إن الله تعالى كان معطلا في الأول والفعل غير ممكن مع قولهم: كان قادرا عليه ثم صار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا من غير تجدد أمر أصلا وانقلب الفعل من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي وذات الفاعل قبل الفعل ومع الفعل وبعد الفعل واحدة. فهذا غاية عقولهم التي عارضوا بها الوحي وهذه طرقهم العقلية التي لم يثبتوا بها ربا ولا رسالة ولا مبدأ ولا معادا.  [معارضة الوحي بالعقل] الوجه الحادي والثلاثون: أن معارضة الوحي بالعقل ميراث عن الشيخ أبي مرة فهو أمل من عارض السمع بالعقل وقدمه عليه فإنه سبحانه لما أمره بالسجود لآدم عارض أمره بقياس عقلي مركب من مقدمتين جملتين: إحداهما: قوله: أنا خير منه [الأعراف: 12] فهذه هي الصغرى والكبرى محذوفة تقديرها: والفاضل لا يسجد للمفضول وذلك سند المقدمة الأولى وهو أيضا قياس حملي حذف إحدى مقدمتيه فقال: خلقتني من نار وخلقته من طين [الأعراف: 12] المقدمة الثانية كلها معلومة أي: ومن خلق من نار خير ممن خلق من طين فهما قياسان متداخلان وهذه يسميها المنطقيون الأقيسة المتداخلة فالقياس الأول هكذا: أنا خير منه وخير المخلوقين لا يسجد لمن هو دونه وهذا من الشكل الأول والقياس الثاني هكذا: خلقتني من نار وخلقته من طين والمخلوق من النار خير من المخلوق من الطين فنتيجة هذا القياس العقلي: أنا خير منه ونتيجة الأول: فلا ينبغي أن أسجد له وأنت إذا تأملت مادة هذا القياس وصورته رأيته أقوى من كثير من قياساتهم التي عارضوا بها الوحي والكل باطل.(1\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "141",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12539",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد اعتذر أتباع الشيخ أبي مرة بأعذار: منها: أنه لما تعارض عنده العقل والنقل قدم العقل ومنها: أن الخطاب بصيغة الضمير في قوله: اسجدوا [البقرة: 34] لا عموم له فإن الضمائر ليست من صيغ العموم ومنها: أنه وإن كان اللفظ عاما فإنه خصه بالقياس المذكور ومنها: أنه لم يعتقد أن الأمر للوجوب بل حمله على الاستحباب لأنه المتيقن أو على الرجحان دفعا للاشتراك والمجاز ومنها: أنه حمله على التراخي ولم يحمله على الفور ومنها: أنه صان جناب الرب أن يسجد لغيره ورأى أنه لا يليق به السجود لسواه. وبالله تأمل هذه التأويلات وقابل بينها وبين كثير من التأويلات التي يذكرها كثير من الناس وفي بني آدم من يصوب رأي إبليس وقياسه ولهم في ذلك تصانيف وكان بشار ابن الشاعر الأعمى على هذا المذهب ولهذا يقول في قصيدته: الأرض مظلمة سوداء معتمة ... والنار معبودة مذ كانت النار ولما علم الشيخ أنه قد أصيب من معارضة الوحي بالعقل وعلم أنه لا شيء أبلغ في مناقضة الوحي والشرع وإبطاله من معارضاته بالمعقول أوحى إلى تلاميذه وإخوانه من الشبهات الخيالية ما يعارضون بها الوحي وأوهم أصحابه أنها قواطع عقلية وقال: إن قدمتم النقل عليها فسدت عقولكم: وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون [الأنعام: 121]  وقال تعالى: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون - ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون - أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين - وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم - وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون - إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين [الأنعام: 112 - 117](1\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "142",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12540",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثاني والثلاثون: في بيان فساد معقول الشيخ الذي عارض به بالوحي وذلك من وجوه: أحدها: أنه قياس في مقابلة النص والقياس إذا صادم النص وقابله كان قياسا باطلا ويسمى قياسا إبليسيا فإنه يتضمن معارضة الحق بالباطل ولهذا كانت عقوبته أن أفسد عليه عقله ودنياه وآخرته وقد بينا فيما تقدم أنه ما عارض أحد الوحي بعقله إلا أفسد الله عليه عقله حتى يقول: ما يضحك العقلاء. الثاني: أن قوله: أنا خير منه [الأعراف: 12] كذب ومستنده في ذلك باطل فإنه لا يلزم من تفضيل مادة على مادة تفضيل المخلوق منها على المخلوق من الأخرى فإن الله سبحانه يخلق من المادة المفضولة ما هو أفضل من المخلوق من غيرها وهذا من كمال قدرته فإن محمدا صلى الله عليه وسلم وإبراهيم وموسى وعيسى ونوحا والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أفضل من الملائكة ومذهب أهل السنة أن صالحي البشر أفضل من الملائكة وإن كانت مادتهم نورا ومادة البشر ترابا فالتفضيل ليس بالمواد والأصول ولهذا كان العبيد والموالي الذين آمنوا بالله ورسوله خيرا وأفضل عند الله ممن ليس مثلهم من قريش وبني هاشم. وهذه المعارضة الإبليسية صارت ميراثا في أتباعه في التقديم بالأصول والأنساب على الإيمان والتقوى وهي التي أبطلها الله تعالى بقوله: ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير [الحجرات: 13] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; إن الله وضع عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء الناس مؤمن تقي وفاجر شقي . وقال صلى الله عليه وسلم: quot; لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأبيض(1\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "143",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12541",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على أسود ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب فانظر إلى سريان هذه النكتة الإبليسية في نفوس أكثر الناس من تفضيلهم بمجرد الأنساب والأصول. الثالث: أن ظنه أن النار خير من التراب باطل مستنده ما فيها من الإضاءة والخفة وما في التراب من الثقل والظلمة ونسي الشيخ ما في النار من الطيش والخفة وطلب العلو والإفساد بالطبع حتى لو وقع منها شواظ بقدر الحبة في مدينة عظيمة لأفسدها كلها ومن فيها بل التراب خير من النار وأفضل من وجوه متعددة: منها: أن طبعه السكون والرزانة والنار بخلافه ومنها: أنه مادة الحيوان والنبات والأقوات والنار بخلافه ومنها: أنه لا يمكن لأحد أن يعيش بدونه ودون ما خلق منه البتة ويمكنه أن يعيش برهة بلا نار قالت عائشة: quot; كان يمر بنا الشهر والشهران ما يوقد في بيوتنا نار ولا نرى نارا quot; قال لها عروة: فما عيشكم قالت: quot; الأسودان: التمر والماء quot; ومنها: أن الأرض تؤدي إليك بما فيها من البركة أضعاف أضعاف ما تودعه من الحب والنوى وتربيه لك وتغذيه وتنميه والنار تفسده عليك وتمحق بركته ومنها: أن الأرض مهبط وحي الله ومسكن رسله وأنبيائه وأوليائه وكفاتهم أحياء وأمواتا والنار مسكن أعدائه ومأواهم ومنها: أن في الأرض بيته الذي جعله إماما للناس وقياما لهم وجعل حجه محطا لأوزارهم ومكفرا لسيئاتهم وجالبا لهم مصالح معاشهم ومعادهم ومنها: أن النار طبعها العلو والفساد والله لا يحب المستكبرين ولا يحب المفسدين والأرض طبعها الخشوع والإخبات والله يحب المخبتين الخاشعين. وقد ظهر بخلق إبراهيم ومحمد وموسى وعيسى والرسل من المادة الأرضية وخلق إبليس وجنوده من المادة النارية نعم وخلق من المادة الأرضية الكفار والمشركين ومن المادة النارية صالحو الجن ولكن ليس في هؤلاء مثل إبليس وليس في أولئك مثل الرسل فعلم الخير من المادة الأرضية وعلم الشر من المادة النارية.(1\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "144",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12542",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: أن النار لا تقوم بنفسها بل لا بد لها من محل تقوم به لا تستغني عنه وهي محتاجة إلى المادة الترابية في قوامها وتأثيرها والأرض قائمة بنفسها لا تحتاج إلى محل تقوم به ولا تفتقر في قوامها ونفعها إلى النار ومنها: أن التراب يفسد صورة النار ويبطلها ويقهرها وإن علت عليه ومنها: أن الرحمة تنزل على الأرض فتقبلها وتحيا بها وتخرج زينتها وأقواتها وتشكر ربها وتنزل على النار فتأباها وتطفئها وتمحوها وتذهب بها فبينها وبين الرحمة معاداة وبين الأرض وبين الرحمة موالاة ومنها: أن النار تطفأ عند التكبير وتضمحل عند ذكر كبرياء الرب ولهذا يهرب المخلوق منها عند الأذان حتى لا يسمعه والأرض تبتهج بذلك وتفرح به وتشهد به لصاحبه يوم القيامة ويكفي في فضل المخلوق من الأرض أن الله تعالى خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء فهل حصل للمخلوق من النار واحدة من هذه . فقد تبين لك حال هذه المعارضة العقلية للسمع وفسادها من هذه الوجوه وأكثر منها وهي من شيخ القوم ورئيسهم ومعلمهم الأول فما الظن بمعارضة التلامذة ونحن نقول قولا نقدم بين يديه مشيئة الله وحوله والاعتراف بمنته علينا وفضله لدينا وإنه محض منته وجوده وفضله فهو المحمود أولا وآخرا على توفيقنا له وتعليمنا إياه: إن كل شبهة من شبه أرباب المعقولات عارضوا بها الوحي فعندنا ما يبطلها بأكثر من الوجوه التي أبطلنا بها معارضة شيخ القوم وإن مد الله في الأجل أفردنا في ذلك كتابا كبيرا ولو نعلم أن في الأرض من يقول ذلك ويقوم به تبلغ إليه كباد الإبل اقتدينا في السير إليه بموسى عليه السلام في سفره إلى الخضر وبجابر بن عبد الله في سفره إلى عبد الله بن أنيس لسماع حديث واحد ولكن زهد الناس في عالم قومه ; وقد قام قبلنا بهذا الأمر من برز على أهل الأرض في عصره وفي أعصار قبله فأدرك من قبله وحيدا ; وسبق من بعده سبقا بعيدا. الوجه الثالث والثلاثون: أنه سبحانه وصف نفسه بأنه ليس كمثله شيء وأنه لا سمي له ولا كفء له وهذا يستلزم وصفه بصفات الكمال التي فات بها شبه(1\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "145",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12543",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المخلوقين واستحق بقيامها أن يكون ليس كمثله شيء [الشورى: 11] وهكذا كونه ليس له سمي أي: مثيل يساميه في صفاته وأفعاله ولا من يكافيه فيها ولو كان مسلوب الصفات والأفعال والكلام والاستواء والوجه واليدين ومنفيا عنه مباينة العالم ومحايثته واتصاله به وانفصاله عنه وعلوه عليه وكونه يمنته أو يسرته أو أمامه أو وراءه لكان كل عدم مثلا له في ذلك فيكون قد نفى عن نفسه مماثلة الموجودات وأثبت لها مماثلة المعدومات فهذا النفي واقع على أكمل الموجودات وعلى العدم المحض فإن المحض لا مثل له ولا كفء ولا سمي فلو كان المراد نفي صفاته وأفعاله واستوائه على عرشه وتكلمه بالوحي وتكليمه لمن يشاء من خلقه لكان ذلك وصفا له بغاية العدم فهذا النفي واقع على العدم المحض وعلى من كثرت أوصاف كماله حتى تفرد بذلك الكمال فلم يكن له شبيه في كماله ولا سمي ولا كفء. فإذا أبطلتم هذا المعنى الصحيح تعين ذلك المعنى الباطل قطعا وصار المعنى أنه لا يوصف بصفة أصلا فلا يفعل فعلا ولا وجه له ولا يد ولا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا يقدر تحقيقا لمعنى: ليس كمثله شيء [الشورى: 11] وقال إخوانكم من الملاحدة: ليس له ذات أصلا تحقيقا لهذا النفي وقال غلاتهم: لا وجود له تحقيقا لهذا النفي وأما الرسل وأتباعهم فإنهم قالوا: إن الله حي وله حياة وليس كمثله شيء في حياته وهو قوي وله القوة وليس كمثله شيء في قوته وهو السميع البصير [الشورى: 11] يسمع ويبصر وليس كمثله شيء في سمعه وبصره ومتكلم وله يدان ومستو على عرشه وليس له في هذه الصفات مثل فهذا النفي لا يتحقق إلا بإثبات صفات الكمال فإنه مدح له وثناء أثنى به على نفسه والعدم المحض لا يمدح به أحد ولا يكون كمالا له بل هو أنقص النقص وإنما يكون كمالا إذا تضمن الإثبات كقوله تعالى: لا تأخذه سنة ولا نوم [البقرة: 255] لكمال حياته وقيوميته وقوله: من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه [البقرة: 255] لكمال غناه وملكه وربوبيته وقوله: وما ربك بظلام للعبيد [فصلت: 46]  ولا يظلم ربك أحدا [الكهف: 49] لكمال غناه وعدله ورحمته وقوله: وما مسنا من لغوب [ق: 38] لكمال قدرته وقوله: وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء [يونس: 61](1\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "146",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12544",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الفطرة والمعقول يثبتان صفات الله",
        "content": "لكمال علمه وقوله: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103] لعظمته وإحاطته بما سواه وأنه أكبر من كل شيء وأنه واسع ; فيرى ولكن لا يحاط ربه إدراكا ; كما يعلم ولا يحاط به علما فيرى ولا يحاط به رؤية وهكذا ليس كمثله شيء [الشورى: 11] هو متضمن لإثبات جميع صفات الكمال على وجه الإجمال.  [الفطرة والمعقول يثبتان صفات الله] وهذا هو المعقول في فطر الناس فإذا قالوا: فلان عديم المثل أو قد أصبح ولا مثل له في الناس أو ما له شبيه ولا من يكافيه فإنما يريدون بذلك أنه تفرد من الصفات والأفعال والمجد بما لا يلحقه فيه غيره فصار واحدا في الجنس لا مثيل له ولو أطلقوا ذلك عليه باعتبار نفي صفاته وأفعاله ومجده لكان ذلك عندهم غاية الذم والنقص له فإذا أطلقوا ذلك في سياق المدح والثناء لم يشك عاقل في أنه إنما أراد كثرة أوصافه وأفعاله وأسمائه التي لها حقائق تحمل عليها فهل يقول عاقل لمن لا قدرة له ولا علم ولا بصر ولا يتصرف بنفسه ولا يفعل شيئا ولا يتكلم ولا له وجه ولا يد ولا قوة ولا فضيلة من الفضائل: إنه لا شبه له ولا مثل له ; وأنه وحيد دهره وفريد عصره ونسيج وحده وهل فطر الله الأمم وأطلق ألسنتهم ولغاتهم إلا على ضد ذلك وهل كان رب العالمين أهل الثناء والمجد إلا بأوصاف كماله ونعوت جلاله وأفعاله وأسمائه الحسنى وإلا فماذا يثني عليه المثنون ولأي شيء يقول أعرف الخلق به: quot; لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك quot; ومعلوم أن هذا الثناء الذي أخبر أنه لا يحصيه لو كان بالنفي لكان هؤلاء أعلم به منه وأشد إحصاء له فإنهم نفوا عنه حقائق الأسماء والصفات نفيا مفصلا وذلك يحصيه المحصي بلا كلفة ولا تعب وقد فصله النفاة وأحصوه وحصروه يوضحه: الوجه الرابع والثلاثون: أن الله سبحانه لما نفى عن نفسه ما يناقض الإثبات ويضاد ثبوت الصفات والأفعال فلم يبق الأمر عدميا أو ما يستلزم العدم كنفي السنة والنوم المستلزم لعدم كمال الحياة والقيومية ونفي العزوب والخفاء المستلزم لنفي كمال القدرة ونفي الظلم المستلزم لعدم كمال الغنى والعدل ونفي الشريك والظهير والشفيع المتقدم بالشفاعة المستلزم لعدم كمال الغنى والقهر والملك ونفي الشبيه والمثيل والكفء المستلزم لعدم الكمال المطلق ونفي إدراك الأبصار له وإحاطة العلم به المستلزمين لعدم كمال عظمته وكبريائه وسعته وإحاطته وكذلك نفي الحاجة والأكل(1\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "147",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12545",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والشرب عنه سبحانه ; لاستلزام ذلك عدم كمال غناه وإذا كان نفى عن نفسه العدم أو ما يستلزم العدم علم أنه أحق بكل وجود وثبوت لا يستلزم عدما ولا نقصا. وهذا هو الذي دل عليه صريح العقل فإنه سبحانه له الوجود الدائم القديم الواجب بنفسه الذي لم يستفده من غيره ووجود كل موجود مفتقر إليه ومتوقف في تحقيقه عليه والوجود كمال كله والعدم نقص كله فإن العدم كاسمه لا شيء فعاد النفي الصحيح إلى نفي المماثلة في الكمال وعاد الأمران إلى نفي النقص وحقيقة ذلك نفي العدم وما يستلزم نفي العدم فتأمل هل نفى القرآن والسنة عنه سبحانه سوى ذلك وتأمل هل ينفي العقل الصحيح غير ذلك وهو سبحانه قد وصف نفسه بأنه لم يكن له كفوا أحد بعد وصفه نفسه بأنه الصمد والصمد: السيد الذي كمل في سؤدده ولهذا كانت العرب تسمي أشرافها بهذا الاسم لكثرة الأوصاف المحمودة للمسمى به قال شاعرهم: ألا بكر الناعي بخير بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد فإن الصمد من تصمد نحوه القلوب بالرغبة والرهبة وذلك لكثرة خصال الخير فيه لهذا قال جمهور السلف منهم: ابن عباس: الصمد: الذي كمل سؤدده وهو العالم الذي كمل علمه القادر الذي كملت قدرته الحليم الذي كمل حلمه الرحيم الذي كملت رحمته الجواد الذي كمل جوده ومن قال: إنه الذي لا جوف له فقوله لا يناقض هذا التفسير فإن ما لم يكن أحد كفوا له لما كان صمدا كاملا في صمدانيته فلو لم يكن له صفات كمال ونعوت جلال ولم يكن له علم ولا قدرة ولا سمع ولا بصر ولا يقوم به فعل ولا يفعل شيئا البتة ولا حياة له ولا إرادة ولا كلام ولا وجه ولا يد ولا هو فوق عرشه ولا يرضى ولا يغضب ولا يحب ولا يبغض ولا هو فاعل لما يريد ولا يرى ولا يمكن أن يرى ولا يشار إليه ولا يمكن أن يشار إليه لكان العدم المحض كفوا له فإن هذه الصفة منطبقة على المعدوم فلو كان ما يقوله المعطلون هو الحق لم يكن صمدا وكان العدم كفوا له. وكذلك قوله: رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا [مريم: 65] فأخبر أنه لا سمي له عقب قول العارفين به: وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا - رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا [مريم: 64 - 65] .(1\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "148",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12546",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "أحسن ما قيل في المثل الأعلى",
        "content": "فهذا الرب الذي له هذا الجند العظيم ولا يتنزلون إلا بأمره وهو المالك ما بين أيديهم وما خلفهم وما بين ذلك وهو الذي كملت قدرته وسلطانه وملكه وكمل علمه فلا ينسى شيئا أبدا وهو القائم بتدبير السماوات والأرض وما بينهما كما هو الخالق لذلك كله وهو ربه ومليكه فهذا الرب هو الذي لا سمي له لتفرده بكمال هذه الصفات والأفعال فأما من لا صفة له ولا فعل ولا حقائق لأسمائه إن هي إلا ألفاظ فارغة من المعاني فالعدم سمي له. وكذلك قوله سبحانه: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [الشورى: 11] فإنه سبحانه ذكر ذلك عقب ذكر كمال أوصافه فقال: حم - عسق - كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم - له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم - تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم - والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل [الشورى: 1 - 6] إلى قوله: فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [الشورى: 11] . فهذا الموصوف بهذه الصفات والأفعال والعلو والعظمة والحفظ والعزة والحكمة والملك والحمد والمغفرة والرحمة والكلام والمشيئة والولاية وإحياء الموتى والقدرة التامة الشاملة والحكم بين عباده وكونه فاطر السماوات والأرض وهو السميع البصير فهذا هو الذي ليس كمثله شيء لكثرة نعوته وأوصافه وأسمائه وأفعاله وثبوتها على وجه الكمال لا يماثله فيه شيء فالمثبت لصفات كماله هو الذي يصفه أنه ليس كمثله شيء وأما المعطل النافي لصفاته وحقائق أسمائه فإن وصفه بأنه كمثله شيء مجاز لا حقيقة له كما يقول في سائر أوصافه وأسمائه.  [أحسن ما قيل في المثل الأعلى] والوجه الخامس والثلاثون: أنه سبحانه وصف نفسه بأن له المثل الأعلى فقال تعالى: للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم [النحل: 60] وقال تعالى: وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم [الروم: 27] فجعل مثل السوء المتضمن للنقائص وسلب الكمال(1\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "149",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12547",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للمشركين وأخبر أن المثل الأعلى المتضمن لإثبات الكمالات كلها له وحده وبهذا كان المثل الأعلى وهو أفعل تفضيل أي أعلى من غيره فكيف يكون أعلى عدم محض منفي صرف وأي مثل أدنى من هذا تعالى الله عن قول المعطلين علوا كبيرا السوء العادم صفات الكمال ولهذا جعله مثل الجاحدين لتوحيده وكلامه وحكمته لأنهم فقدوا الصفات التي من اتصف بها كان كاملا وهي: الإيمان والعلم والمعرفة واليقين والإخلاص والعبادة لله والإقبال عليه والإنابة إليه والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والصبر والرضى والشكر وغير ذلك من الصفات التي من اتصف بها كان ممن آمن بالآخرة فلما سلبت تلك الصفات عنهم وهي صفات كمال كان لهم مثل السوء فمن سلب صفات الكمال عن الله تعالى وعلوه على خلقه وكلامه وعلمه وقدرته وسائر ما وصف به نفسه فقد جعل لله تعالى مثل السوء ونزهه عن المثل الأعلى وأن مثل السوء هو أول ما يستلزمه وضده المثل الأعلى وهو الكمال المطلق المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية التي كلما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان أعلى من غيره. ولما كان الرب هو الأعلى ووجهه الأعلى وكلامه الأعلى وسمعه الأعلى وسائر صفاته عليا كان له المثل الأعلى وهو أحق به من كل ما سواه بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى اثنان لأنهما إن تكافآ لم يكن أحدهما أعلى من الآخر وإن لم يتكافآ فالموصوف بالمثل الأعلى أحدهما وحده فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أي: نظير وهذا برهان قاطع من إثبات صفات الكمال على استحالة التمثيل والتشبيه فتأمله فإنه في غاية الظهور والقوة. ونظير هذا القهر المطلق مع الوحدة فإنهما متلازمان فلا يكون القهار إلا واحدا إذ لو كان معه كفء فإن لم يقهره لم يكن قهارا على الإطلاق وإن قهره لم يكن كفؤا وكان القهار واحدا فتأمل كيف كان قوله: ليس كمثله شيء [الشورى: 11]  وقوله: وله المثل الأعلى [الروم: 27] من أعظم الأدلة على ثبوت صفات كماله سبحانه وتعالى. فإن قلت: فما حقيقة المثل الأعلى قلت: قد أشكل هذا على جماعة من المفسرين واستشكلوا أقوال السلف فيه فإن ابن عباس وغيره قالوا: مثل السوء العذاب والنار ولله المثل الأعلى: شهادة (أن لا إله إلا الله)  قال قتادة: هو الإخلاص والتوحيد وقال الواحدي: هذا قول المفسرين في هذه الآية ولا أدري لم قيل(1\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "150",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12548",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للعذاب مثل السوء والإخلاص المثل الأعلى قال: وقال قوم: المثل السوء: الصفة السوء من احتياجهم للولد وكراهتهم للإناث خوف العيلة والعار ولله المثل الأعلى: الصفة العليا وتنزهه وبراءته من الولد قال: وهذا قول صحيح والمثل كثيرا يرد بمعنى الصفة وقاله جماعة من المتقدمين. وقال ابن كيسان: مثل السوء ما ضرب الله للأصنام وعبدتها من الأمثال والمثل الأعلى نحو قوله: الله نور السماوات والأرض [النور: 35] )  وقال ابن جرير: وله المثل الأعلى [الروم: 27] هو الأطيب والأفضل والأحسن والأجمل وذلك التوحيد والإذعان له بأنه لا إله إلا هو. قلت: المثل الأعلى يتضمن الصفة العليا وعلم العالمين بها ووجودها العلمي والخبر عنها وذكرها وعبادة الرب سبحانه بواسطة العلم والمعرفة القائمة بقلوب عابديه وذاكريه فها هنا أربعة أمور: ثبوت الصفات العليا لله سبحانه في نفس الأمر علمها العباد أو جهلوها وهذا قول من فسره بالصفة الثاني: وجودها في العلم والتصور وهذا معنى قول من قال من السلف والخلف: إنه ما في قلوب عابديه وذاكريه من معرفته وذكره ومحبته وإجلاله وتعظيمه وهذا الذي في قلوبهم من المثل الأعلى لا يشترك فيه غيره معه بل يختص به في قلوبهم كما اختص به في ذاته وهذا معنى قول من قال من المفسرين: أهل السماء يحبونه ويعظمونه وأهل الأرض يجلونه ويعظمونه وإن أشرك به من أشرك وعصاه من عصاه وجحد صفاته من جحدها فكل أهل الأرض معظمون له مجلون له خاضعون لعظمته قال تعالى: وله من في السماوات والأرض كل له قانتون [الروم: 26] فلست تجد أحدا من أوليائه وأعدائه إلا والله أكبر في صدره وأعظم من كل ما سواه الثالث: ذكر صفاته والخبر عنها وتنزيهها عن النقائص والعيوب والمثيل الرابع: محبة الموصوف بها وتوحيده والإخلاص له والتوكل عليه وكلما كان الإيمان بالصفات أكمل كان هذا الحب والإخلاص أقوى. فعبارة السلف تدور حول هذه المعاني الأربعة لا تتجاوزها وقد ضرب الله مثل السوء للأصنام بأنها لا تخلق شيئا وهي مخلوقة ولا تملك لنفسها ولا لعابديها ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. وقال الله تعالى: ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون - وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم [النحل: 75 - 76](1\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "151",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12549",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذان مثلان ضربهما الله لنفسه وللأصنام: للأصنام مثل بالسوء وله المثل الأعلى. وقال تعالى: ياأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب - ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز [الحج: 73 - 74] فهذا المثل الأعلى الذي له سبحانه والأول مثل السوء للصنم وعابديه. وقد ضرب الله سبحانه للمعارضين بين الوحي وعقولهم بمثل السوء بالكلب تارة وبالحمر تارة بالأنعام تارة وبأهل القبور تارة وبالعمي الصم وغير ذلك من أمثال السوء التي ضربها لهم ولأوثانهم وأخبر عن مثله الأعلى بما ذكره من أسمائه وصفاته وأفعاله وضرب لأوليائه وعابديه أحسن الأمثال ومن تدبر القرآن فهم المراد بالمثل الأعلى ومثل السوء. السادس والثلاثون: قوله تعالى: أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا [الأنعام: 114] فهذا يبين أن الحكم بين الناس هو الله وحده بما أنزل من الكتاب المفصل كما قال في الآية الأخرى: وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله [الشورى: 10]  وقال تعالى: كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه [البقرة: 213]  وقال تعالى إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله [النساء: 105]  وقال تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [النساء: 65] . فقوله: أفغير الله أبتغي حكما [الأنعام: 114] استفهام إنكار يقول: كيف أبتغي حكما غير الله(1\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "152",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12550",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد أنزل كتابا مفصلا فإن قوله: وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا [الأنعام: 114] جملة في موضع الحال وقوله: (مفصلا) يبين أن الكتاب الحاكم مفصل مبين ضد ما يصفه به من يزعم أن عقول الرجال تعارض بعض نصوصه أو أن نصوصه خليت أو أفهمت خلاف الحق لمصلحة المخاطب أو أن لها معاني لا تفهم ولا يعلم المراد منها أو أن لها تأويلات باطلة خلاف ما دلت عليه ظواهرها فهؤلاء كلهم ليس الكتاب عندهم مفصلا بل مجمل مؤول ولا يعلم المراد منه والمراد منه خلاف ظاهره أو إفهام خلاف الحق ثم قال: والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين [الأنعام: 114] وذلك أن الكتاب الأول مصدق للقرآن فمن نظر فيه علم علما يقينا أن هذا وهذا من مشكاة واحدة لا سيما في باب التوحيد والأسماء فإن التوراة من ذلك ليس هو المبدل المحرف الذي أنكره الله عليهم بل هو من الحق الذي شهد له القرآن وصدقه ولهذا لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ما في التوراة من الصفات ; ولا عابهم به ; ولا جعله تشبيها وتجسيما وتمثيلا كما فعل كثير من النفاة وقال: اليهود أئمة التشبيه والتجسيم ولا ذنب لهم في ذلك ; فإنهم قرءوا ما في التوراة فالذي عابهم الله به من تأويل التحريف والتبديل لم يعبهم به المعطلة بل شاركوهم فيه والذي استشهد الله على نبوة رسوله صلى الله عليه وسلم به من موافقة ما عندهم من التوحيد والصفات عابوهم ونسبوهم إلى التشبيه والتجسيم وهذا ضد ما عليه الرسول وأصحابه فإنهم كانوا إذا ذكروا له شيئا من هذا الذي تسميه المعطلة تجسيما وتشبيها صدقهم عليه وأقرهم ولم ينكره كما صدقهم في خبر الخبر الذي ثبت من حديث ابن مسعود وضحك تعجبا وتصديقا له ; وفي غير ذلك. ثم قال وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته [الأنعام: 115] فما أخبر به فهو صدق وما أمر به فهو عدل. وهذا يبين أن ما في النصوص من الخبر فهو صدق علينا أن نصدق به لا نعارضه ولا نعرض عنه ومن عارضه بعقله لم يصدق به ولو صدقه تصديقا مجملا ولم يصدقه تصديقا مفصلا في أعيان ما أخبر به لم يكن مؤمنا ولو أقر بلفظه مع جحد(1\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "153",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12551",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الصحابة كانوا يستشكلون بعض النصوص ببعضها لا بمعقولات",
        "content": "معناه أو صرفه إلى معان أخر غير ما أريد به لم يكن مصدقا بل هو إلى التكذيب أقرب.  [الصحابة كانوا يستشكلون بعض النصوص ببعضها لا بمعقولات] السابع والثلاثون: أن الصحابة كانوا يستشكلون بعض النصوص ويوردون استشكالاتهم على النبي صلى الله عليه وسلم فيجيبهم عنها وكانوا يسألونه عن الجمع بين النصوص ويوردون التي يوهم ظاهرها التعارض ولم يكن أحد منهم يورد عليه معقولا يعارض النص البتة ولا عرف فيهم أحد وهم أكمل الأمة عقولا عارض نصا بعقل وإنما حكى الله تعالى ذلك عن الكفار كما تقدم. وثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot; من نوقش الحساب عذب quot; فقالت عائشة: يا رسول الله أليس الله يقول: فأما من أوتي كتابه بيمينه - فسوف يحاسب حسابا يسيرا [الانشقاق: 7 - 8] فقال: quot; بلى ولكن ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذب quot; فأشكل عليها الجمع بين النصين حتى بين لها النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا تعارض بينهما وأن الحساب اليسير هو العرض الذي لا بد أن يبين الله فيه لكل عامل عمله كما قال تعالى: يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية [الحاقة: 18] حتى إذا ظن أنه لا ينجو نجاه الله بعفوه ومغفرته ورحمته فإذا ناقشه الحساب عذبه ولا بد ولما قال: quot; لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة quot; قالت له حفصة: أليس الله تعالى يقول وإن منكم إلا واردها [مريم: 71] قال: أولم تسمعي قوله: ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا [مريم: 72]  فأشكل عليها الجمع بين النصين وظنت الورود هو دخولها كما يقال: ورد المدينة إذا دخلها فأجابها النبي صلى الله عليه وسلم بأن ورود المتقين غير ورود الظالمين فإن المتقين يردونها ورودا ينجون به من عذابها ; والظالمين يردونها ورودا يصيرون جثيا فيها به. وقال له عمر: ألم تكن تحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف به قال: quot; هل قلت: إنك(1\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "154",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12552",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تدخله العام quot; قال: لا قال: quot; فإنك آتيه ومطوف به quot; فأشكل على عمر رجوعهم عام الحديبية ولم يدخلوا المسجد الحرام ولا طافوا بالبيت فبين لهم أن اللفظ مطلق لا دليل فيه على ذلك العام بعينه فتنزيله على ذلك العام غلط فرجع عمر وعلم أنه غلط في فهمه. ولما نزل قوله تعالى: ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به [النساء: 123] قال أبو بكر: يا رسول الله جاءت قاصمة الظهر فأينا لم يعمل سوءا فقال: quot; يا أبا بكر ألست تنصب ألست يصيبك الأذى quot; قال: بلى قال: quot; فذلك مما تجزون به quot; فأشكل على الصديق أمر النجاة مع هذه الآية وظن أن الجزاء في الآخرة ولا بد فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن جزاءه وجزاء المؤمنين بما يعملونه من السوء في الدنيا ما يصيبهم من النصب والحزن والمشقة فيكون ذلك كفارة لسيئاتهم فلا يعاقبون عليها في الآخرة هذا مثل قوله: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم [الشورى: 30] . ولما نزل قوله تعالى: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون [الأنعام: 82] قال الصحابة رضي الله عنهم: يا رسول الله وأينا لم يلبس إيمانه بظلم قال: quot; ذاك الشرك ألم تسمعوا قول العبد الصالح: إن الشرك لظلم عظيم [لقمان: 13]  )  quot; فلما أشكل عليهم المراد بالظلم وظنوا أن ظلم النفس داخل فيه وأن من ظلم نفسه أي ظلم كان لم يكن آمنا ولا مهتديا أجابهم صلى الله عليه وسلم: quot; إن الظلم الرافع للأمن والهداية على الإطلاق هو الشرك quot;. وهذا والله هو الجواب الذي يشفي العليل ويروي الغليل فإن الظلم المطلق التام(1\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "155",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12553",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "إنكار الصحابة على من عارض النصوص بآراء الرجال",
        "content": "هو الشرك الذي هو وضع العبادة في غير موضعها والأمن والهدى المطلق هو الأمن في الدنيا والآخرة والهدى إلى الصراط المستقيم. ولما نزل قوله تعالى: لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله [البقرة: 284] أشكل ذلك على بعض الصحابة وظنوا أن ذلك من تكليفهم بما لا يطيقونه فأمرهم صلى الله عليه وسلم أن يقابلوا النص بالقبول فبين الله سبحانه بعد ذلك أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها وأنه لا يؤاخذهم بما نسوا أو أخطئوا فيه وأنه لا يحمل عليهم إصرا كما حمله على الذين من قبلهم ; وأنه لا يحملهم ما لا طاقة لهم به وأنهم إن قصروا في بعض ما أمروا به أو نهوا عنه ثم استغفروا عفا الله عنهم وغفر لهم ورحمهم فانظر ماذا أعطاهم الله تعالى لما قابلوا خبره بالرضى والتسليم والقبول والانقياد دون المعارضة والرد. ومن ذلك أن عائشة لما سمعت قوله صلى الله عليه وسلم: quot; إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه عارضته بقوله تعالى: ولا تزر وازرة وزر أخرى [الأنعام: 164] ولم تعارضه بالعقل ; بل غلطت الرواة والصواب عدم المعارضة وتصويب الرواة فإنهم ممن لا يتهم وهم عمر وابنه والمغيرة بن شعبة وغيرهم والعذاب الحاصل للميت بسبب بكاء أهله تألمه وتأذيه ببكائهم عليه ; والوزر المنفي حمل غير صاحبه له هو عقوبة البريء وأخذه بجريرة غيره وهذا لا ينافي تأذي البريء السليم بمصيبة غيره فالقوم لم يكونوا يعارضون النصوص بعقولهم وآرائهم وإن كانوا يطلبون الجمع بين النصين يوهم ظاهرهما التعارض.  [إنكار الصحابة على من عارض النصوص بآراء الرجال] ولهذا لما عارض بلال بن عبد الله قوله صلى الله عليه وسلم: quot; لا تمنعوا إماء الله مساجد الله quot; برأيه وعقله وقال: والله لنمنعهن أقبل عليه أبوه عبد الله فسبه سبا ما سبه مثله وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: والله لنمنعهن .(1\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "156",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12554",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولما حدث عمران بن حصين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: quot; إن الحياء خير كله quot; فعارضه معارض بقوله: إن منه وقارا ومنه ضعفا فاشتد غضب عمران بن حصين وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: إن منه كذا ومنه كذا  وظن أن المعارض زنديق فقيل له: يا أبا نجيد إنه لا بأس به. ولما حدث عبادة بن الصامت بقول النبي صلى الله عليه وسلم: quot; الفضة بالفضة ربا إلا هاء وهاء. . quot; الحديث قال معاوية: ما أرى بهذا بأسا يعني بيع آنية الفضة بالفضة متفاضلا غضب عبادة وقال: أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: ما أرى بهذا بأسا قال: لا أساكنك بأرض أنت بها أبدا  ومعاوية لم يعارض النص بالرأي وكان أتقى لله من ذلك وإنما خص عمومه وقيد مطلقه بهذه الصورة وما يشابهها ورأى أن التفاضل في مقابلة أثر الصنعة فلم يدخل في الحديث وهذا مما يسوغ فيه الاجتهاد وإنما أنكر عليه عبادة مقابلته لما رواه بهذا الرأي ولو قال له: نعم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرأس والعين ولا يجوز مخالفته ولكن هذه الصورة لا تدخل في لفظه فإنه إنما قال: quot; الفضة بالفضة مثلا بمثل وزنا بوزن quot; وهذه الزيادة ليست في مقابلة الفضة وإنما هي في مقابلة الصنعة ولا تذهب الصنعة هدرا لما أنكر عليه عبادة فإن هذا من تمام فهم النصوص وبيان ما أريد بها كما أنه هو ومعاذ بن جبل وغيرهما من الصحابة لما ورثوا المسلم من الكافر ولم يورثوا الكافر من المسلم لم يعارضوا قوله صلى الله عليه وسلم: quot; لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم quot; بعقولهم وآرائهم بل قيدوا مطلق هذا اللفظ وخصصوا عمومه وظنوا أن المراد به الحربي كما فعل ذلك بعض الفقهاء في قوله صلى الله عليه وسلم: quot; لا يقتل مسلم بكافر quot; حيث حملوه على الحربي(1\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "157",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12555",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دون الذمي والمعاهد والصحابة في هذا التقييد والتخصيص أعذر من هؤلاء من وجوه كثيرة ليس هذا موضعها. وقد كان السلف يشتد عليهم معارضة النصوص بآراء الرجال ولا يقرون على ذلك وكان ابن عباس يحتج في متعة الحج بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره لأصحابه بها فيقولون له: إن أبا بكر وعمر أفردا الحج ولم يتمتعا فلما أكثروا عليه قال: quot; يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء quot; أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون: قال أبو بكر وعمر فرحم الله ابن عباس  كيف لو رأى قوما يعارضون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول أرسطو وأفلاطون وابن سينا والفارابي وجهم بن صفوان وبشر المريسي وأبي الهذيل العلاف وأضرابهم . ولقد سئل عبد الله بن عمر عن متعة الحج فأمر بها فقيل له: إن أباك ينهى عنها فقال: إن أبي لم يرد ما تقولون فلما أكثروا عليه قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبعوا أم أمر عمر  . ولما حدث حميد بن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى: فلما تجلى ربه للجبل [الأعراف: 143] قال: quot; وضع أصبعه على طرف خنصره فساخ الجبل quot; أنكر عليه بعض الحاضرين وقال: أتحدث بها فضرب حميد في صدره وقال: أحدثك عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: أتحدث بهذا  فكانت نصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل في صدورهم وأعظم في قلوبهم من أن يعارضوها بقول أحد من الناس ولا تثبت قدم أحد على الإيمان إلا على ذلك. الثامن والثلاثون: أن المعقولات ليس لها ضابط ولا هي محصورة في نوع معين فإنه ما من أمة من الأمم إلا ولهم عقليات يختصمون إليها ويختصون بها فللفرس عقليات وللهند عقليات وللمجوس عقليات وللصائبة عقليات وكل طائفة من هذه الطوائف ليسوا متفقين على العقليات بل فيها من الاختلاف ما هو معروف عند المعتنين به ونحن نعفيكم من هذه المعقولات واضطرابها ونحاكمكم إلى(1\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "158",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12556",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعقولات التي في هذه الأمة فإنه ما من مدة من المدد إلا وقد ابتدعت فيها بدع يزعم أربابها أن العقل دل عليها ونحن نسوق إليك الأمر من أوله إلى أن يصل إليك بعون الله فنقول: لما أظلمت الأرض وبعد عهدها بنور الوحي فكانوا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: quot; إني خلقت عبادي حنفاء وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب quot; فكان أهل العقل كلهم في مقته إلا بقايا متمسكين بالوحي فلم يستفيدوا بعقولهم حين فقدوا نور الوحي إلا عبادة الأوثان والصلبان والنيران والكواكب والشمس والقمر والحيرة والشك أو السحر أو تعطيل الصانع والكفر به فأطلع الله شمس الرسالة في تلك الظلمة سراجا منيرا وأنعم بها على أهل الأرض في عقولهم وقلوبهم ومعاشهم ومعادهم نعمة لا يستطيعون لها شكورا فأبصروا بنور الوحي ما لم يكونوا بعقولهم يبصرونه ورأوا في ضوء الرسالة ما لم يكونوا يرونه فكانوا كما قال الله تعالى: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [البقرة: 257]  وقال تعالى: الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد [إبراهيم: 1]  وقال تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا [الشورى: 52] وقال: أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها [الأنعام: 122] فمضى الرعيل الأول وضوء ذلك النور لم تطفئه عواصف الأهواء ; وليس يلتبس بظلم الآراء وأوصوا من بعدهم ألا يفارقوا ذلك النور الذي اقتبسوه منهم فلما كان في أواخر عصرهم حدثت الشيعة والخوارج والقدرية والمرجئة فبعدوا عن النور(1\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "159",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12557",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الجهمية أول من عارض الوحي بالرأي",
        "content": "الذي كان عليه أوائل الأمة ومع هذا فلم يفارقوه بالكلية بل كانوا للنصوص معظمين وبها مستدلين ولها على الآراء والعقول مقدمين ولم يدع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض الوحي والنصوص وإنما أتوا من سوء الفهم فيها فصاح بهم من أدركهم من الصحابة وكبار التابعين من كل قطر ورموهم بالعظائم وتبرءوا منهم وحذروا من سبيلهم أشد التحذير وكانوا لا يرون السلام عليهم ومجالستهم.  [الجهمية أول من عارض الوحي بالرأي] ولما كثرت الجهمية في آخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي ومع هذا فكانوا قليلين أذلاء مذمومين وأولهم شيخهم الجعد بن درهم وإنما نفق عند الناس لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه ولهذا يسمى مروان الجعد وعلى رأسه سلب الله بني أمية الملك والخلافة وشتتهم في البلاد ومزقهم كل ممزق ببركة شيخ المعطلة النفاة. ولما اشتهر أمره في المسلمين طلبه خالد بن عبد الله القسري وكان أميرا على العراق حتى ظفر به فخطب الناس في يوم الأضحى وكان آخر ما قال في خطبته: أيها الناس ضحوا فإني مضح بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليما ولم يتخذ إبراهيم خليلا تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه في أصل المنبر وكان ضحيته ثم طفئت تلك البدعة والناس إذ ذاك عنق واحد أن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه موصوف بصفات الكمال ونعوت الجلالة وأنه كلم عبده ورسوله موسى تكليما وتجلى للجبل فجعله دكا هشيما إلى أن جاء أول المائة الثالثة وولي على الناس عبد الله المأمور وكان يحب أنواع العلوم وكان مجلسه عامرا بأنواع بالمتكلمين في العلوم فغلب عليه حب المعقولات فأمر بتعريب كتب يونان وأقدم لها المترجمين من البلاد فترجمت له وعبرت(1\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "160",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12558",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاشتغل بها الناس والملك سوق ما ينفق فيه جلب إليه فغلب على مجلسه من الجهمية ممن كان أخوه الأمين قد أقصاهم وتتبعهم بالحبس والقتل فحشوا بدعة التجهم في أذنه وقلبه فقبلها واستحسنها ودعا الناس إليها وعاقبهم عليها فلم تطل مدته فصار الأمر بعده إلى المعتصم وهو الذي ضرب أحمد بن حنبل فقام بالدعوة بعده والجهمية تصوب فعله وتدعو إليه وتخبره أن ذلك هو تنزيه الرب عن التشبيه والتجسيم وهم الذين غلبوا على مجلسه وقربه والقضاة والولاة منهم فإنهم تبع لملوكهم ومع هذا فلم يكونوا يتجاسرون على إلغاء النصوص وتقديم العقول والآراء عليها فإن الإسلام كان في ظهور وقوة وسوق الحديث نافقة وأعلام السنة على ظهر الأرض ولكن كانوا على ذلك يحومون حوله يدندنون وأخذوا الناس بالرغبة والرهبة ; فمن بين أعمى مستجيب ; ومن بين مكره مفتد بنفسه منهم بإعطاء ما سألوه وقلبه مطمئن بالإيمان وثبت الله أقواما جعل قلوبهم في نصر دينه أقوى من الصخر وأشد من الحديد فأقامهم بنصرة دينه وجعلهم أئمة يقتدي بهم المؤمنون لما صبروا وكانوا بآياته يوقنون فإنه بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين قال تعالى وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون [السجدة: 24] فصبروا من الجهمية على الأذى الشديد ولم يتركوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رغبوهم به من الوعد ولا لما أرعبوهم به من الوعيد ثم أطفأ الله برحمته تلك الفتنة وأخمد تلك الكلمة ونصر السنة نصرا عزيزا وفتح لأهلها فتحا مبينا. حتى صرخ بها على رءوس المنابر ودعي إليها في كل باد وحاضر وصنف في ذلك الزمان في السنة ما لا يحصيه إلا الله. ثم انقرض ذلك العصر وأهله وقام بعدهم ذريتهم يدعون إلى كتاب الله وسنة رسوله على بصيرة إلى أن جاء ما لا قبل لأحد به وهم جنود إبليس حقا المعارضون لما جاءت به الرسل بعقولهم وآرائهم وهم القرامطة والباطنية والملاحدة ودعوهم إلى العقل المجرد وأن أمور الرسل تعارض العقول فهم القائمون بهذه الطريقة حتى القيام بالقول والفعل فجرى على الإسلام وأهله منهم ما جرى وكسروا عسكر الخليفة مرارا عديدة وقتلوا الحاج قتلا ذريعا وانتهوا إلى مكة فقتلوا بها من وصل من الحاج إليها وقلعوا الحجر الأسود من مكانه وقويت شوكتهم واستفحل أمرهم وعظمت بهم الرزية واشتدت بهم البلية.(1\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "161",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12559",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأصل طريقهم أن الذي أخبرت به الرسل قد عارضه العقل وإذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل وفي زمانهم استولى الكفار على كثير من بلاد الإسلام بالمشرق والمغرب وكاد الإسلام أن ينهدم ركنه لولا دفاع الذي ضمن حفظه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ثم خمدت دعوة هؤلاء في المشرق وظهرت في المغرب قليلا حتى استفحلت وتمكنت واستولى أهلها على كثير من بلاد المغرب ثم أخذوا يطئون البلاد حتى وصلوا إلى بلاد مصر فملكوها وبنوا بها القاهرة وأقاموا على هذه الدعوة مصرحين بها هم وولاتهم وقضاتهم وفي زمانهم صنفت رسائل إخوان الصفا والإرشادات والشفا وكتب ابن سينا فإنه قال: كان أبي من أهل الدعوة الحاكمية وعطلت في زمانهم السنة وكتبها والآثار جملة إلا في الخفية وشعار هذه الدعوة تقديم العقل على الوحي واستولوا على بلاد المغرب ومصر والشام والحجاز واستولوا على العراق سنة وأهل السنة فيهم كأهل الذمة بين المسلمين بل كان لأهل الذمة من الأمان والجاه والعز عندهم ما ليس لأهل السنة فكم أغمد من سيوفهم في أعناق العلماء وكم مات في سجونهم من ورثة الأنبياء حتى استنقذ الله الإسلام والمسلمين من أيديهم في أيام نور الدين وابن أخيه صلاح الدين فأبل الإسلام من علته بعدما وطن نفسه على العزاء وانتعش بعد طول الخمول حتى استبشر أهل الأرض والسماء وأبدر هلاله بعد أن دخل في المحاق وثابت إليه روحه بعد أن بلغت التراقي وقيل: من راق واستنقذ الله بعبده وجنوده بيت المقدس من أيدي عبدة الصليب وأخذ كل من أنصار الله ورسوله من نصرة دينه بنصيب وعلت كلمة السنة وأذن بها على رءوس الأشهاد ونادى المنادي: يا أنصار الله لا تنكلوا عن الجهاد فإنه أبلغ الزاد ليوم المعاد. فعاش الناس في ذلك النور مدة حتى استولت الظلمة على بلاد الشرق فقدموا الآراء والعقول والسياسة والأذواق على الوحي وظهرت فيهم الفلسفة والمنطق وتوابعهما فبعث الله عليهم عبادا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وعاثوا في القرى والأمصار وكاد الإسلام أن يذهب اسمه وينمحي رسمه وكان مثار هذه الفئة وعالمها الذي يرجع إليه وزعيمها المعول فيها عليه شيخ شيوخ المعارضين بين الوحي والعقل وإمامهم في وقته نصير الشرك والكفر (الطوسي) فلم يعلم في(1\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "162",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12560",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "قيام ابن تيمية بالحجة واليد على غزو أهل الضلال",
        "content": "عصره أحد عارض بين العقل والنقل معارضة رام بها إبطال النقل بالكلية مثله فإنه أقام الدعوة الفلسفية واتخذ الإشارات عوضا عن السور والآيات وقال: هذه عقليات قطعية برهانية قد قابلت تلك النقليات الخطابية ; واستعرض أهل الإسلام وعلماء أهل الإيمان والقرآن والسنة على السيف فلم يبق منهم إلا من قد أعجزه قصدا لإبطال الدعوة الإسلامية وجعل مدارس المسلمين وأوقافهم للنجسية السحرة والمنجمين والفلاسفة والملاحدة والمنطقيين ورأى إبطال الأذان وتحويل الصلاة إلى القطب الشمالي فحال بينه وبين ذلك من تكفل بحفظ الإسلام ونصره وهذا كله من ثمرة المعارضين بين الوحي والعقل. ولتكن قصة شيخ هؤلاء القديم منك على ذكر كل وقت فإنه أول من عارض بين العقل والنقل وقدم العقل فكان من أمره ما قص الله وورث الشيخ تلامذته هذه المعارضة فلم يزل يجري على الأنبياء وأتباعهم منها كل محنة وبلية وأصل كل بلية في العالم كما قال محمد الشهرستاني: من معارضة النص بالرأي وتقديم الهوى على الشرع والناس إلى اليوم في شرور هذه المعارضة ثم ظهر مع هذا الشيخ المتأخر المعارض أشياء لم تكن تعرف قبله: حسيات العميدي وحقائق ابن عربي وتشكيكات الرازي وقام سوق الفلسفة والمنطق وعلوم أعداء الرسل.  [قيام ابن تيمية بالحجة واليد على غزو أهل الضلال] ثم نظر الله إلى عباده وانتصر لكتابه ودينه وأقام جندا يغزو ملوك هؤلاء بالسيف والسنان وجندا يغزو علماءهم بالحجة والبرهان ثم نبغت نابغة منهم في رأس القرن السابع فأقام الله لدينه شيخ الإسلام أبا العباس أحمد بن تيمية قدس الله روحه فأقام على غزوهم مدة حياته باليد والقلب واللسان ; وكشف للناس باطلهم وبين تلبيسهم وتدليسهم وقابلهم بصريح المعقول وصحيح المنقول وشفى واشتفى وبين تناقضهم ومفارقتهم لحكم العقل الذي به يدلون وإليه يدعون وأنهم أترك الناس لأحكامه وقضاياه فلا وحي ولا عقل فأرداهم في حفرهم ورشقهم بسهامهم وبين أن صحيح معقولاتهم خدم لنصوص الأنبياء فجزاه الله عن الإسلام وأهله خيرا. الوجه التاسع والثلاثون: أنه قد ثبت بالعقل الصريح والنقل الصحيح ثبوت صفات الكمال للرب سبحانه وأنه أحق بالكمال من كل ما سواه وأنه يجب أن تكون القوة كلها لله وكذا العزة والقدرة والكلام وسائر صفات الكمال التام اثنان وأن الكمال(1\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "163",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12561",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "إثبات الصفات لا يلزم منه التشبيه",
        "content": "التام لا يكون إلا لواحد وهاتان مقدمتان يقينيتان معلومتان بصريح العقل وجاءت نصوص الأنبياء مفصلة بما في صريح العقل إدراكه قطعا فاتفق على ذلك العقل والنقل قال الله تعالى: ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا [البقرة: 165]  وقد اختلف في تعلق قوله: أن القوة لله جميعا [البقرة: 165] بماذا فقالت طائفة: هو مفعول يرى أي فلو يرون أن القوة لله جميعا لما عصوه ولما كذبوا رسله وقدموا عقولهم على وحيه وقالت طائفة: بل المعنى: لأن القوة لله جميعا وجواب لو محذوف على التقدير أي ولو يرى هؤلاء حالهم وما أعد الله لهم إذ يرون العذاب لرأوا أمرا عظيما ثم قال: أن القوة لله جميعا [البقرة: 165]  وقال: إن الأمر كله لله [آل عمران: 154]  وقال النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستفتاح: quot; لبيك وسعديك والخير في يديك quot; وفي الأثر الآخر: quot; اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله .  [إثبات الصفات لا يلزم منه التشبيه] فلله سبحانه كل صفة كمال وهو موصوف بتلك الصفات كلها ونذكر من ذلك صفة واحدة يعتبر بها في سائر الصفات: وهو أنك لو فرضت جمال الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم لشخص واحد منهم ثم كان الخلق كلهم على جمال ذلك الشخص لكان نسبته إلى جمال الرب تبارك وتعالى دون نسبة سراج ضعيف إلى جرم الشمس وكذلك قوته سبحانه وعلمه وسمعه وبصره وكلامه وقدرته ورحمته وحكمته ووجوده وسائر صفاته وهذا مما دلت عليه آياته الكونىة السمعية وأخبرت به رسله عنه كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: quot; إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه quot;. فإذا كانت سبحات وجهه الأعلى لا يقوم لها شيء من خلقه ولو كشف حجاب النور عن تلك السبحات لأحرق العالم العلوي والسفلي فما الظن بجلال ذلك الوجه(1\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "164",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12562",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "إفحام من ينكر الصفات",
        "content": "الكريم وعظمته وكبريائه وكماله وجلاله وجماله وإذا كانت السماوات مع سعتها وعظمتها يجعلها على إصبع من أصابعه والأرض على إصبع والبحار على إصبع والجبال على إصبع فما الظن باليد الكريمة التي هي صفة من صفات ذاته وإذا كان يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات بأقطار الأرض والسماوات فلا تشتبه عليه ولا تختلط عليه ولا يغلطه سمع عن سمع ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء تحت أطباق الأرض في الليلة الظلماء ويعلم ما تسره القلوب وأخفى منه وهو ما لم يخطر لها أنه سيخطر لها ولو كان البحر المحيط بالعالم مدادا ويحيط به من بعده سبعة أبحر كلها مداد وجميع أشجار الأرض وهو كل نبت قام على ساقه مما يحصد ومما لا يحصد أقلام يكتب بها لنفدت الأقلام والبحار ولم ينفد كلامه. وهذا وغيره بعض ما تعرف به إلى عباده من كماله وإلا فلا يمكن لأحد قط أن يحصي ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه فكل الثناء وكل الحمد وكل المجد وكل الكمال له سبحانه هو الذي وصلت إليه عقول أهل الإثبات وتلقوه عن الرسل ولا يحتاجون في ثبوت علمهم وجزمهم بذلك إلى الجواب عن الشبه القادحة في ذلك وإذا وردت عليهم لم تقدح فيما علموه وعرفوه ضرورة من كون ربهم تبارك وتعالى كذلك وفوق ذلك.  [إفحام من ينكر الصفات] فلو قال قائل: هذا الذي علمتموه لا يثبت لا بالجواب عما عارضه من العقليات قالوا لقائل هذه المقالة: هذا كذب وبهت فإن الأمور الحسية والعقلية واليقينية قد وقع فيها شبهات كثيرة تعارض ما علم بالحس والعقل فلو توقف علمنا بذلك على الجواب عنها وحلها لم يثبت لنا ولا لأحد علم بشيء من الأشياء ولا نهاية لما تقذف به النفوس من الشبه الخيالية وهي من جنس الوساوس والخطرات والخيالات التي لا تزال تحدث في النفوس شيئا فشيئا بل إذا جزمنا بثبوت الشيء جزمنا ببطلان ما يناقض ثبوته ولم يكن ما يقدر من الشبه الخيالية على نقيضه مانعا من جزمنا به ولو كانت الشبهة ما كانت فما من موجود يدركه الحس إلا ويمكن كثير من الناس أن يقيم على عدمه شبها كثيرة يعجز السامع عن حلها ولو شئنا لذكرنا لك طرفا منها تعلم أنه أقوى من شبه الجهمية النفاة لعلو الرب على خلقه وكلامه وصفاته. وقد رأيت أو سمعت ما أقامه كثير من المتكلمين من الشبه على أن الإنسان تتبدل(1\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "165",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12563",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفسه الناطقة في الساعة الواحدة أكثر من ألف مرة وكل لحظة تذهب روحه وتفارقه وتحدث له روح أخرى غيرها أبدا وما أقاموا من الشبه على أن السماوات والأرض والجبال والبحار تتبدل كل لحظة ويخلفها غيرها وما أقاموا من الشبه على أن روح الإنسان ليست فيه ولا خارجة عنه وزعموا أن هذا أصح المذاهب في الروح وما أقاموا من الشبه أن الإنسان إذا انتقل من مكان إلى مكان لم يمر على تلك الأمكنة الأخرى التي من مبدأ حركتها ونهايتها ولا قطعها ولا حاذاها وهي مسألة طفرة النظام وأضعاف أضعاف ذلك. وهؤلاء طائفة الملاحدة من الاتحادية كلهم يقولون: إن ذات الخالق هي عين ذات المخلوق ولا فرق بينهما البتة دهان الاثنين واحد وإنما الحس والوهم يغلط في التعدد ويقيمون على ذلك شبها كثيرة قد نظمها ابن الفارض في قصيدته وذكرها صاحب الفتوحات في فصوصه وغيرها وهذه الشبه كلها من واد واحد وهي خزنة الوساوس ولو لم نجزم بما علمناه إلا بعد العلم برد تلك الشبهات لم يثبت لنا علم أبدا فالعاقل إذا علم أن هذا الخبر صادق علم أن كل ما عارضه فهو كذب ولم يحتج لأن يعرف أعيان الأخبار المعارضة له ولا وجوهها والله المستعان. الوجه الأربعون: أن الطريق التي سلكها نفاة الصفات والعلو والتكلم من معارضة النصوص الإلهية بآرائهم هي بعينها الطريق التي سلكها إخوانهم من الملاحدة في معارضة نصوص المعاد بآرائهم وعقولهم ومقدماتها ثم نقلوها بعينها إلى ما أمروا به من الأعمال كالصلوات الخمس والزكاة والحج والصيام فجعلوها للعامة دون الخاصة فآل الأمر بهم إلى أن ألحدوا في الأصول الثلاثة التي اتفق عليها جميع الملل وجاءت بها جميع الرسل وهي: الإيمان بالله واليوم الآخر والأعمال الصالحة قال تعالى: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون [البقرة: 62] . فهؤلاء الملاحدة يحتجون على نفاة الصفات بما وافقهم عليه من الإعراض عن نصوص الوحي ونفي الصفات كما ذكر ابن سينا في رسالته الأضحوية فإنه قال فيها لما ذكر حجة من أثبت معاد البدن وأن الداعي لهم إلى ذلك ما ورد به الشرع من بعث الأموات فقال: وأما أمر الشرع فينبغي أن يعلم فيه قانون واحد وهو أن(1\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "166",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12564",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الملة الآتية على لسان نبي من الأنبياء يرام بها خطاب الجمهور كافة ثم من المعلوم الواضح أن التحقيق الذي ينبغي أن يرجع إليه في صحة التوحيد من الإقرار بالصانع موحدا مقدسا عن الكم والكيف والأين ومتى والوضع والتغيير حتى يصير الاعتقاد به أنه ذات واحدة لا يمكن أن يكون لها شريك في النوع أو يكون جزء وجودي كمي أو معنوي ولا يمكن أن تكون خارجة عن العالم ولا داخلة فيه ولا حيث تصح الإشارة إليها بأنها هنا أو هناك وهذا ممتنع إلقاؤه إلى الجمهور ولو ألقى هذا على هذه الصورة إلى العرب العاربة والعبرانيين الأجلاف لسارعوا إلى العناد واتفقوا على أن الإيمان المدعو إليه إيمان بمعدوم لا وجود له أصلا ولهذا ورد ما في التوراة تشبيها كله ثم إنه لم يرد في الفرقان من الإشارات إلى هذا الأمر الأهم شيء ولا إلى تصريح ما يحتاج إليه في التوحيد بيان مفصل بل أتى بعضه على سبيل التشبيه في الظاهر وبعضه جاء تنزيها مطلقا عاما جدا لا تخصيص ولا تفسير له وأما الآحاد التشبيهية فأكثر من أن تحصى ولكن أبى القوم إلا أن يقبلوها. فإذا كان الأمر في التوحيد هذا فكيف بما بعده من الأمور الاعتقادية . ولبعض الناس أن يقول: إن للعرب توسعا في الكلام ومجازا وإن الألفاظ التشبيهية مثل الوجه واليد والإتيان في ظل الغمام والمجيء والذهاب والضحك والحياء صحيحة ولكن مستعملة استعارة ومجازا قال: ويدل على استعمالها غير مجازية ولا مستعارة أن المواضع التي يوردونها حجة في أن العرب تستعمل هذه المعاني بالاستعارات والمجاز على غير معانيها الظاهرة مواضع مثلها يصلح أن تستعمل على غير هذا الوجه ولا يقع فيه تلبيس. وأما قوله في: في ظلل من الغمام [البقرة: 210]  وقوله: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك [الأنعام: 158] على القسمة المذكورة وما جرى مجراه فليس تذهب الأوهام فيه البتة إلى أن العبارة مستعارة أو مجازية فإن كان أريد فيها ذلك إضمارا فقد رضي بوقوع الغلط والتشبيه والاعتقاد المعوج بالإيمان بظاهره تصريحا. وقوله: يد الله فوق أيديهم [الفتح: 10]  وقوله: ما فرطت في جنب الله [الزمر: 56](1\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "167",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12565",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهو موضع الاستعارة والمجاز والتوسع في الكلام ولا يشك في ذلك اثنان من فصحاء العرب ولا تلبيس على ذي معرفة في لغتهم كما تلتبس في تلك الأمثلة فإن هذه الأمثلة لا يقع شبهة أنها مستعارة مجازية كذلك في تلك لا يقع شبهة في أنها ليست استعارية ولا مجازية ولا يراد فيها شيء غير الظاهر. ثم هب أن هذه كلها موجودة على الاستعارة فأين التوكيد والعبارة المشيرة بالتصريح إلى التوحيد المحض الذي يدعو إليه حقيقة هذا الدين المعترف بجلالته على لسان حكماء العالم قاطبة . ثم قال في ضمن كلامه: إن الشريعة الجائية على لسان نبينا جاءت أفضل ما يمكن أن تجيء بمثله الشرائع وأكمله ولهذا صلحت أن تكون خاتمة الشرائع وآخر الملل قال: وأين الإشارة إلى الدقيق من المعاني الميسرة إلى علم التوحيد مثل إنه عالم بالذات أو عالم بعلم قادر بالذات أو قادر بقدرة واحد بالذات على كثرة الأوصاف أو قابل للكثرة تعالى عنها بوجه من الوجوه متحيز الذات أو منزه عن الجهات فإنه لا يخلو إما أن تكون هذه المعاني واجبا تحققها وإتقان المذهب بالحق فيها أو يسع الصدوف عنها وإغفال البحث والروية فيها فإن كان البحث فيها معفوا عنه وغلط الاعتقاد الواقع فيها غير مأخوذ به فجل مذهب هؤلاء القوم المخاطبين بهذه الجملة تكلف وعنه غنية وإن كان فرضا محكما فواجب أن يكون بما صرح به في الشريعة وليس التصريح المعمى أو الملبس أو المقتصر بالإشارة والإيماء بل التصريح المستقصى فيه والمنبه عليه والموفى حق البيان والإيضاح والتعريف على معانيه فإن المبرزين المنفقين أيامهم ولياليهم وساعات عمرهم على تمرين أذهانهم وتذكية أفهامهم وترشيح نفوسهم لسرعة الوقوف على المعاني الغامضة يحتاجون في تفهم هذه المعاني إلى فضل وشرح عبادة فكيف وغتم العبرانيين وأهل الوبر من العرب لعمري لو كلف الله رسولا من الرسل أن يلقي حقائق هذه الأمور إلى الجمهور من العامة الغليظة طباعهم المنغلقة بالمحسوسات الصرفة أوهامهم ثم سامه أن يستنجز منهم الإيمان والإجابة غير متمهل فيه وسامه أن يتولى رياضة نفوس الناس قاطبة حتى تستعد للوقوف عليها لكلفه شططا وأن يفعل ما ليس في قوة البشر اللهم إلا أن تدركهم حالة إلهية وقوة علوية وإلهام سماوي فتكون حينئذ وساطة الرسول مستغنى عنها وتبليغه غير محتاج إليه.(1\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "168",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12566",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهب أن الكتاب العزيز جاء على لغة العرب وعادة لسانهم في الاستعارة والمجاز فما قولهم في الكتاب العبراني كله من أوله إلى آخره تشبيه صرف وليس لقائل أن يقول ذلك الكتاب محرف وأنى يحرف كلية كتاب منتشر في الأمم لا يطاق تعدادهم وبلادهم متباينة وأوهامهم متباينة منهم يهودي ونصراني وهم أمتان متعاديتان فظاهر من هذا كله أن الشرائع واردة بخطاب الجمهور بما يفهمون مقربة ما لا يفهمون بالتمثيل والتشبيه ولو كان غير ذلك لما أغنت الشرائع البتة قال: فكيف يكون ظاهر الشرائع حجة في هذا الباب يعني أمر المعاد ولو فرضنا الأمور الأخروية روحانية غير مجسمة كان بعيدا عن إدراك بدائه الأذهان تحقيقها ولم يكن سبيل للشرائع إلى الدعوة إليها والتحذير عنها إلا بالتعبير عنه بوجوه من التمثيلات المقربة إلى الأفهام فكيف يكون وجود شيء آخر لو لم يكن الشيء الآخر على الحالة المفروضة لكان الشيء الأول على حالته فهذا هو الكلام على تعريف من طلب أن يكون خاصا من الناس لا عاما أن ظاهر الشرائع غير محتج به في مثل هذه الأبواب. فتأمل هذا الملحد بل رأي ملاحدة الملة ودخوله في الإلحاد من باب نفي الصفات وتسلطه في إلحاده على المعطلة النفاة بما وافقوا عليه من النفي وإلزامه لهم أن يكون الخطاب بالمعاد جمهوريا أو مجازا أو استعارة كما قالوا في نصوص الصفات التي اشترك هو وهم في تسميتها تشبيها وتجسيما مع أنها أكثر تنوعا وأظهر معنى وأبين دلالة من نصوص المعاد فإذا ساغ لكم أن تصرفوها عن ظاهرها بما لا تحتمله اللغة فصرف هذه عن ظواهرها أسهل. ثم زاد هذا الملحد عليهم باعترافه بأن نصوص الصفات لا يمكن حملها كلها على الاستعارة والمجاز وأن يقال: إن ظاهرها غير مراد وأن لذلك الاستعمال مواضع تليق به حيث يكون دعوى ذلك في غيرها غلطا محضا كما في مثل قوله: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك [الأنعام: 158] فمع هذا التقسيم والتنويع يمتنع المجاز فإنما أريد ما دل اللفظ عليه ظاهرا ومع هذا فقد ساعدتم على امتناعه لقيام الدليل العقلي عليه فهكذا نفعل نحن في نصوص المعاد سواء فهذا حاصل كلامه وإلزامه ودخوله إلى الإلحاد من باب نفي الصفات والتجهم. وطريق الرد المستقيم في إبطال قوله وقول المعطلة جميعا أن يقال: لا يخلو إما(1\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "169",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12567",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكون الرسول يعرف بما دل عليه العقل بزعمكم من إنكار علو الله على خلقه واستوائه على عرشه وتكليمه لرسله وملائكته أو لم يعرف ذلك فإن قلتم: لم يكن يعرفه كانت الجهمية المعطلة والملاحدة والمعتزلة والقرامطة والباطنية والنصيرية والإسماعيلية وأمثالهم أعلم بالله وأسمائه وصفاته وما يجب له ويمتنع عليه من رسله وأتباعهم وإن كان يعرفه امتنع أن لا يتكلم به يوما من الدهر مع أحد من خاصته وأهل سره. ومن المعلوم قطعا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتكلم مع أحد بما يناقض ما أظهر للناس ولا كان خواص أصحابه يعتقدون فيه نقيض ما أظهر للناس بل كل من كان به أخص وبحاله أعرف كان أعظم موافقة له وتصديقا له على ما أظهره وبينه وأخبر به فلو كان الحق في الباطن خلاف ما أظهره لزم أحد الأمرين: إما أن يكون جاهلا به أو كاتما له عن الخاصة والعامة ومظهرا خلافه للخاصة والعامة وهذا من أعظم الأمور امتناعا ومدعيه في غاية الوقاحة والبهت ولهذا لما علم هؤلاء أنه يستحيل كتمان ذلك عن خواصه وضعوا أحاديث بينوا فيها أنه كان له خطاب مع خاصته غير الخطاب العامي مثل الحديث المختلق المفترى عن عمر أنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث مع أبي بكر وكنت كالزنجي بينهما ومثل ما يدعيه الرافضة أنه كان عند علي علم خاص يخالف هذا الظاهر. ولما علم الله تعالى أن ذلك يدعى في علي وفق من سأله: هل عندكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء خصكم به دون الناس فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسر النبي صلى الله عليه وسلم إلينا شيئا كتمه عن غيرنا إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه وما في هذه الصحيفة وكان فيها العقول والديات وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر وهذا الحديث في الصحيحين . وما ذكره ابن سينا من أنه لم يرد في القرآن من الإشارة إلى توحيده شيء فكلام غير صحيح وهذا دليل على أنه باطل لا حقيقة له وأن من وافقهم عليه فهو جاهل ضال وكذلك ما ذكره من أن من المواضع التي ذكرت فيها الصفات ما لا يحتمل اللفظ فيه إلا معنى واحدا كما ذكره في قوله: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك [الأنعام: 158](1\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "170",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12568",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "توحيد الجهمية والفلاسفة مناقض لتوحيد الرسل",
        "content": "فهو حجة على من نفى حقيقة ذلك ومدلوله من المعطلة نفاة الصفات وهو حجة عليه وعليهم جميعا وموافقتهم له على التعطيل لا تنفعه فإن ذلك حجة جدلية لا علمية إذ تسليمهم له ذلك لا يوجب على غيرهم أن يسلم ذلك له فإذا تبين بالعقل الصريح ما يوافق النقل الصحيح دل ذلك على فساد قوله وقولهم جميعا. وكذلك قوله: هب أن هذه كلها موجودة على الاستعارة فأين التوحيد والدلالة والتصريح على التوحيد المحض الذي تدعو إليه حقيقة هذا الدين القيم المعترف بجلالته على لسان حكماء العالم قاطبة كلام صحيح لو كان ما قاله النفاة حقا فإنه على قولهم لا يكون هذا الدين القيم قد بين التوحيد الحق أصلا وحينئذ فنقول: إن التوحيد الذي دعا إليه هؤلاء الملاحدة هو من أعظم الإلحاد في أسماء الرب وصفاته وأفعاله وهو حقيقة الكفر وتعطيل العالم عن صانعه وتعطيل الصانع الذي أثبتوه عن صفات كماله فشرك عباد الأصنام والأوثان والشمس والقمر والكواكب خير من توحيد هؤلاء بكثير فإنه شرك في الإلهية مع إثبات صانع العالم وصفاته وأفعاله وقدرته ومشيئته وعلمه بالكليات والجزئيات وتوحيد هؤلاء تعطيل لربوبيته وإلهيته وسائر صفاته وهذا التوحيد ملازم لأعظم أنواع الشرك ولهذا كلما كان الرجل أعظم تعطيلا كان أعظم شركا.  [توحيد الجهمية والفلاسفة مناقض لتوحيد الرسل] وتوحيد الجهمية والفلاسفة مناقض لتوحيد الرسل من كل وجه فإن مضمونه إنكار حياة الرب وعلمه وقدرته وسمعه وبصره وكلامه واستوائه على عرشه ورؤية المؤمنين له بأبصارهم عيانا من فوقهم يوم القيامة وإنكار وجهه الأعلى ويديه ومجيئه وإتيانه ومحبته ورضاه وغضبه وضحكه وسائر ما أخبر به الرسول عنه ومعلوم أن هذا التوحيد هو نفس تكذيب الرسول بما أخبر به عن الله فاستعار له أصحابه اسم التوحيد. ثم يقال: لو كان الحق فيما يقوله هؤلاء النفاة المعطلون لكان قبول الفطر له أعظم من قبولها للإثبات الذي هو ضلال وباطل عندهم فإن الله تعالى نصب على الحق الأدلة والأعلام الفارقة بين الحق والباطل وجعل فطر عباده مستعدة لإدراك الحقائق ولولا ما في القلوب من الاستعداد لمعرفة الحقائق لم يمكن النظر والاستدلال والخطاب والكلام والفهم والإفهام كما أنه سبحانه جعل الأبدان مستعدة للاغتذاء بالطعام والشراب ولولا ذلك لما أمكن تغذيتها وتربيتها فكما أن في الأبدان قوة تفرق(1\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "171",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12569",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بين الغذاء الملائم والمنافي ففي القلوب قوة تفرق بين الحق والباطل وأعظم من ذلك وخاصة العقل التفريق بين الحق والباطل كما أن خاصة السمع التفريق بين الأصوات حسنها وقبيحها وخاصة البصر التمييز بين المرئيات وأشكالها وألوانها ومقاديرها فإذا ادعيتم على العقول أنها لا تقبل الحق وأنها لو صرح لها به لأنكرت ولم تذعن إلى الإيمان فقد سلبتم العقول خاصتها وقلبتم الحقيقة التي خلقها الله وفطرها عليها وكان نفس ما ذكرتم أن الرسل لو خاطبت به الناس لنفروا عن الإيمان من أعظم الحجج عليكم وأنه مخالف للعقل والفطرة كما هو مخالف للسمع والوحي. فتأمل هذا الوجه فإنه كاف في إبطال قولهم ولهذا إذا أراد أهله أن يدعوا الناس إليه ويقبلوه منهم وطئوا إليه توطيئات وقدموا له مقدمات يثبتونها في القلب درجة بعد درجة ولا يصرحون به أولا ; حتى إذا أحكموا ذلك البناء استعاروا له ألفاظا مزخرفة واستعاروا المخالفة ألفاظا شنيعة فتجتمع تلك المقدمات التي قدموها وتلك الألفاظ التي زخرفوها ; وتلك الشناعات التي على من خالفهم شنعوها فهنالك إن لم يمسك الإيمان من يمسك السماوات والأرض أن تزولا وإلا ترحل عن القلب ترحل الغيث استدبرته الريح. الوجه الحادي والأربعون: إن لوازم هذا القول معلومة البطلان بالضرورة من دين الإسلام وهي من أعظم الكفر وبطلان الإلزام يستلزم بطلان ملزومه ; فإن من لوازمه أنه لا يستفاد من خبر الرسول عن الله في هذا الباب علم ولا هدى ولا بيان الحق في نفسه ومن لوازمه أن يكون كلامه متضمنا لضد ذلك في ظاهره وحقيقته ومن لوازمه القدح في معرفته وعلمه أو في فصاحته وبيانه أو في فصحه وإرادته كما تقدم تقريره مرارا ومن لوازمه أن يكون المعطلة النفاة أعلم بالله منه أو أنصح ومن لوازمه أن يكون أشرف الكتب وأشرف الرسل قد قصر في هذا الباب غاية التقصير ; وأفرط في التجسيم والتشبيه غاية الإفراط وتنوع في غاية التنوع فمرة يقول: quot; أين الله quot; ومرة يقر عليها من سأله ولا ينكرها ومرة يشير بأصبعه ومرة يضع يده على عينه وأذنه حين يخبر عن سمع الرب وبصره ومرة يصفه بالمجيء والنزول والإتيان والانطلاق والمشي والهرولة ومرة يثبت له الوجه والعين واليد والأصبع والقدم والرجل والضحك والفرح والرضا والغضب والكلام والتكليم والنداء بالصوت والمناجاة ورؤيته مواجهة عيانا بالأبصار من فوقهم ومحاضرته لهم محاضرة ورفع الحجاب بينه وبينهم وتجليه لهم(1\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "172",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12570",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واستدعاءهم لزيارته وسلامه عليهم سلاما حقيقيا قولا من رب رحيم [يس: 58] واستماعه وأذنه لحسن الصوت إذا تلا كلامه وخلقه ما يشاء بيده وكتابته كلامه بيده ويصفه بالإرادة والمشيئة والقدرة والقوة والحياء وقبض السماوات وطيها بيده والأرض بيده الأخرى ووضعه السماوات على أصبع والأرض على أصبع والجبال على أصبع والشجر على أصبع إلى أضعاف ذلك مما إذا سمعه المعطلة سبحوا الله ونزهوه جحودا وإنكارا لا إيمانا وتصديقا كما ضحك منه رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا وتصديقا لقائله وما شهد لقائله بالإيمان شهد له هؤلاء بالكفر والضلال وما أوصى بتبليغه إلى الأمة وإظهاره يوصي هؤلاء بكتمانه وإخفائه وما أطلقه على ربه لئلا يطلق عليه ضده ونقيضه يطلق عليه هؤلاء ضده ونقيضه وما نزه ربه عنه من العيوب والنقائص يمسكون عن تنزيهه عنه وإن اعتقدوا أنه منزه عنه ويبالغون في تنزيهه عما وصف به نفسه فتراهم يبالغون أعظم المبالغة في تنزيهه عن استوائه على عرشه وبعلوه على خلقه وتكلمه بالقرآن حقيقة وإثبات الوجه واليد والعين له ما لا يبالغون مثله ولا قريبا منه في تنزيهه عن الظلم والعبث ; والفعل لا لحكمة والتكلم بما ظاهره ضلال ومحال وتراهم إذا أثبتوا مجملا لا تعرفه القلوب ولا تميز بينه وبين العدم ; وإذا نفوا نفوا نفيا مفصلا يتضمن تعطيل ما أثبته الرسول حقيقة. فهذا وأضعاف أضعافه من لوازم قول المعطلة ومن لوازمه أن القلوب لا تحبه ولا تريده ولا تبتهج له ولا تشتاق إليه ولا تلتذ بالنظر إلى وجهه الكريم في دار النعيم صرحوا بذلك كله وقالوا: هذا كله إنما يصح تعلقه بالمحدث لا بالقديم قالوا: وإرادته ومحبته محال لأن الإرادة إنما تتعلق بالمعدوم لا بالموجود والمحبة إنما تكون لمناسبة بين المحب والمحبوب ولا مناسبة بين القديم والمحدث. ومن لوازمه أعظم العقوق لأبيهم آدم فإن من خصائصه أن الله لم يخلقه بيده فقالوا: إنما خلقه بقدرته فلم يجعلوا له مزية على إبليس في خلقه ومن لوازمه بل صرحوا به جحدهم خلة إبراهيم الخليل وقالوا: هي حاجته وفقره وفاقته إلى الله فلم يثبتوا له بذلك مزية على أحد من الخلق إذ كل أحد فقير إلى الله بالذات وإن غاب شعوره بفقره عن قلبه أحيانا فهو يعلم أنه فقير إليه في كل نفس وطرفة عين ومن لوازمه بل صرحوا به أن الله تعالى لم يكلم موسى تكليما وإنما خلق كلاما(1\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "173",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12571",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في الهواء أسمعه إياه فكلمه في الريح لا أنه أسمعه كلامه الذي هو صفة من صفاته قائم بذاته لا يصدق الجهمي بهذا أبدا. ومن لوازمه بل صرحوا به أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعرج به إلى الله حقيقة ولم يدن من ربه حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى ولم يرفع من عند موسى إلى عند ربه مرارا يسأله التخفيف لأمته فإن: من وإلى عندهم في حق الله تعالى محال فإنها تستلزم المكان ابتداء وانتهاء. ومن لوازمه أن الله تعالى لن يفعل شيئا ولا يفعل شيئا فإن الفعل عندهم عين المفعول وهو غير قائم بالرب فلم يقم به عندهم فعل أصلا وسموه فاعلا من غير فعل يقوم به كما سموه مريدا من غير إرادة تقوم به وسموه متكلما من غير كلام يقوم به وسماه زعيمهم المتأخر عند الله وعند عباده عالما من غير علم يقوم به حيث قال: العلم هو المعلوم كما قالوا: الفعل هو المفعول. ومن لوازمه أنه لا يسمع ولا يبصر ولا يرضى ولا يغضب ولا يحب ولا يبغض فإذا ذلك من مقولة: أن ينفك وهذه المقولة لا تتعلق به وهي في حقه محال كما نفوا علوه على خلقه واستواءه على عرشه بكون ذلك من مقولة الأين وهي ممتنعة عليه كما نفوا استواءه على عرشه لأن ذلك من مقولة الوضع المستحيل ثبوتها له ولوازم قولهم أضعاف أضعاف ما ذكرناه. الوجه الثاني والأربعون: أن هؤلاء المعارضين للوحي بآرائهم جعلوا كلام الله ورسوله من الطرق الضعيفة المزيفة التي لا يتمسك بها في العلم واليقين. قال الرازي في نهايته: الفصل السابع في تزييف الطرق الضعيفة وهي أربع: نذكر نفي الشيء انتفاء دليله وذكر القياس وذكر الإلزامات ثم قال: الرابع: هو التمسك بالسمعيات وهذا تصريح بأن التمسك بكلام الله ورسوله من الطرق الضعيفة المزيفة وأخذ في تقرير ذلك فقال: المطالب على أقسام ثلاثة: منها ما يستحيل العلم بها بواسطة السمع ومنها ما يستحيل العلم بها إلا السمع ومنها ما يصح حصول العلم بها من السمع تارة ومن العقل أخرى. قال: أما القسم الأول فكل ما يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بصحته استحال تصحيحه بالسمع من قبل العلم بوجود الصانع وكونه مختارا وعاليا بكل المعلومات وصدق الرسول قال: وأما القسم الثاني فهو ترجيح أحد طرفي الممكن(1\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "174",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12572",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على الآخر إذا لم يجده الإنسان من نفسه ولا يدركه شيء من حواسه فإن حصول غراب على قمة جبل قاف إذا كان جائز الوجود والعدل مطلقا وليس هناك ما يقتفى وجوب أحد طرفيه أصلا وهو غائب عن الحس والنفس استحال العلم بوجوده إلا من قول الصادق. وأما القسم الثالث فهو معرفة وجوب الواجبات وإمكان الممكنات واستحالة المستحيلات الذي يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بوجوبها وإمكانها واستحالتها مثل مسألة الرؤية والصفات الوحدانية وغيرها ثم عدد أمثلة. ثم قال: إذا عرفت ذلك فنقول أما إن الأدلة السمعية لا يجوز استعمالها في الأصول في القسم الأول فهو ظاهر وإلا وقع الدور وإما أنه يجب استعمالها في القسم الثاني فهو ظاهر كما سلف وأما الثالث فنفي جواز استعمال الأدلة السمعية فيه إشكال وذلك لأنا لو قدرنا قيام الدليل القاطع العقلي على خلاف ما أشعر به ظاهر الدليل السمعي فلا خلاف بين أهل التحقيق بأنه يجب تأويل الدليل السمعي لأنه إذا لم يمكن الجمع بين ظاهر النقل وبين مقتضى الدليل العقلي ; فإما أن يؤول النقل فإن كذبنا العقل مع أن النقل لا يمكن إثباته إلا بالعقل فإن الطريق إلى إثبات الصانع ومعرفة النبوة ليس إلا العقل فحينئذ تكون صحة النقل متفرقة على ما يجوز فساده وبطلانه فإذا لا يكون العقل مقطوع الصحة فإذا تصحيح النقل يرد العقل ويتضمن القدح في النقل وما أدى ثبوته إلى انتفائه كان باطلا وتعين تأويل النقل فإذا الدليل السمعي لا يفيد اليقين بوجود مدلوله إلا بشرط أم لا يوجد دليل عقلي على خلاف ظاهره فحينئذ لا يكون الدليل النقلي مفيدا للمطلوب إلا إذا تبين أنه ليس في العقل ما يقتضي خلاف ظاهره ولا سبيل لنا إلى إثبات ذلك إلا من وجهين: إما أن نقيم دلالة عقلية على صحة ما أشعر به ظاهر الدليل النقلي وحينئذ يصير الاستدلال بالنقل فضلة غير محتاج إليه وإما بأن نتزيف أدلة المنكرين لما دل عليه ظاهر النقل وذلك ضعيف لما بينا من أنه لا يلزم من فساد ما ذكروه إلا أن يكون هنالك معارض أصلا إلا أن نقول: إنه لا دليل على هذه المعارضات فوجب نفيه لكنا زيفنا هذه الطريقة يعني انتقاء الشيء لانتفاء دليله أو نقيم دلالة قاطعة على أن المقدمة الفلانية غير معارضة لهذا النص ولا المقدمة الأخرى وحينئذ يحتاج إلى إقامة الدلالة على أن له كل واحدة من هذه المقدمات التي لا نهاية لها غير معارضة لهذا الظاهر.(1\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "175",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12573",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فثبت أنه لا يمكن حصول اليقين بعدم ما يقتضي خلاف الدليل النقلي وثبت أن الدليل النقلي تتوقف إفادته لليقين على مقدمة غير يقينية وهي عدم دليل عقلي وكل ما تنبئ صحته على ما لا يكون يقينا لا يكون هو أيضا يقينا فثبت أن الدليل النقلي من هذا القسم لا يكون مفيدا لليقين. قال: وهذا بخلاف الأدلة العقلية فإنها مركبة من مقدمات لا يكتفى منها بأن لا يعلم فسادها بل لا بد وأن يعلم بالبديهة صحتها إذ يعلم بالبديهة لزومها مما علم صحته بالبديهة ومتى كان ذلك استحال أن يوجد ما يعارضه لاستحالة التعارض في العلوم البديهية. ثم قال: فإن قيل: إن الله سبحانه لما أسمع المكلف الكلام الذي يشعر ظاهره بشيء فلو كان في العقل ما يدل على بطلان ذلك شيء وجب عليه سبحانه أن يخطر ببال المكلف ذلك الدليل وإلا كان ذلك تلبيسا من الله تعالى وأنه غير جائز قلنا: هذا بناء على قاعدة الحسن والقبح وأنه يجب على الله سبحانه شيء ونحن لا نقول بذلك سلمنا ذلك فلم قلتم إنه يجب على الله أن يخطر ببال المكلف ذلك الدليل العقلي ; وبيانه أن الله تعالى إنما يكون ملبسا على المكلف لو أسمعه كلاما يمتنع عقلا أن يريد به إلا ما أشعر به ظاهره وليس الأمر كذلك لأن المكلف إذا سمع ذلك الظاهر فتقدير أن يكون الأمر كذلك لم يكن مراد الله من ذلك الكلام ما أشعر به الظاهر فعلى هذا إذا أسمع الله المكلف ذلك الكلام فلو قطع المكلف بحمله على ظاهره مع قيام الاحتمال الذي ذكرناه كان ذلك التقصير واقعا من المكلف لا من قبل الله تعالى حيث قطع لا في موضع القطع فثبت أنه لا يلزم من عدم إخطار الله تعالى ببال المكلف ذلك الدليل العقلي المعارض للدليل السمعي أن يكون مكلفا ملبسا قال: فخرج بما ذكرنا أن الدلالة النقلية لا يجوز التمسك بها في باب المسائل العقلية نعم يجوز التمسك بها في المسائل النقلية تارة لإفادة اليقين كما في مسألة الإجماع وخبر الواحد وتارة لإفادة الظن كما في الأحكام الشرعية. اهـ كلامه. فليتدبر المؤمن هذا الكلام أوله على آخره وآخره على أوله ليتبين له ما ذكرناه عنهم من العزل التام للقرآن والسنة من أن يستفاد منهما علم أو يقين في باب معرفة الله وما يجب له وما يمتنع عليه وأنه لا يجوز أن يحتج بكلام الله ورسوله في شيء من هذه المسائل وإن الله تعالى يجوز عليه التدليس على الخلق وتوريطهم في طرق(1\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "176",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12574",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الضلال وتعريضهم لاعتقاد الباطل والمحال وإن العباد مقصرون غاية التقصير إذا حملوا كلام الله ورسوله على حقيقته ونطقوا بمضمون ما أخبر به حيث لم يشكوا في ذلك أو قد يكون في العقل ما يعارضه ويناقضه وإن غاية ما يمكن بكلام الله ورسوله عليه من الجزئيات ما كان مثل الإخبار بأن على قلة جبل قاف غرابا صفته كيت وكيت أو على مسألة الإجماع وخبر الواحد وإن مقدمات أدلة القرآن والسنة غير معلومة ولا متيقنة الصحة ومقدمات أدلة أرسطو صاحب المنطق والفارابي وابن سينا وإخوانهم قطعية معلومة الصحة وإنه لا طريق لنا إلى العلم بصحة الأدلة في باب الإيمان بالله وأسمائه وصفاته البتة لتوقفها على انتفاء ما لا طريق لنا إلى العلم بانتفائه وأن الاستدلال بكلام الله ورسوله في ذلك فضلة لا يحتاج إليها بل هي مستغنى عنها إذا كان موافقا للعقل. فتأمل على البناء الذي بنوه هل في قواعد الإلحاد أعظم هدما منه لقواعد الدين وأشد مناقضة منه لوحي رب العالمين وبطلان هذا الأصل معلوم بالاضطرار من دين جميع الرسل ; وعند جميع أهل الملل. وهذه الوجوه المتقدمة التي ذكرناها هي قليل من كثير مما يدل على بطلانه ومقصودنا من ذكره اعترافهم به بألسنتهم لا بإلزامنا لهم به وتمام إبطاله أن نبين فساد كل مقدمة من مقدمات الدليل الذي عارضوا به النقل أنها مخالفة للعقل كما هي مناقضة للوحي. الوجه الثالث والأربعون: أن السمع حجة الله على خلقه ; وكذلك العقل فهو سبحانه أقام عليهم حجته بما ركبه فيهم من العقل وأن ما أنزل إليهم من السمع ما لا يدفعه العقل فإن العقل الصريح لا يتناقض في نفيه كما أن السمع الصحيح لا يتناقض في نفسه وكذلك العقل مع السمع فحجج الله وبينته لا تتناقض ولا تتعارض ولكن تتوافق وتتعاضد وأنت لا تجد سمعا صحيحا عارضه معقول مقبول عند كافة العقلاء أو أكثرهم بل العقل الصريح يدفع المعقول المعارض للسمع الصحيح وهذا يظهر بالامتحان في كل مسألة عورض فيها السمع بالمعقول ونحن نذكر من ذلك مثالا واحدا يعلم به ما عداه فنقول: قالت الفرقة الجامعة بين التجهم ونفي القدر معطلة الصفات: صدق الرسول موقوف على قيام المعجزة الدالة على صدقه وقيام المعجزة الدالة على صدقه(1\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "177",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12575",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "موقوف على العلم بأن الله لا يؤيد الكذاب بالمعجزة الدالة على صدقه والعلم بذلك موقوف على العلم بقبحه وعلى أن الله تعالى لا يفعل القبيح ; وتنزيهه عن فعل القبيح موقوف على العلم بأنه غني عنه عالم بقبحه والغني عن القبيح العالم بقبحه لا يفعله ; وغناه عنه موقوف على أنه ليس بجسم ; وكونه ليس بجسم موقوف على عدم قيام الأعراض والحوادث به ; وهي الصفات والأفعال ونفي ذلك موقوف على ما دل عليه حدوث الأجسام ; والذي دلنا على حدوث الأجسام أنها لا تخلو عن الحوادث وما لا تخلو عن الحوادث لا يسبقها وما لا يسبق الحوادث فهو حادث وأيضا فإنها لا تخلو عن الأعراض والأعراض لا تبقى زمانين فهي حادثة فإذا لم تخل الأجسام عنها لزم حدوثها وأيضا فإن الأجسام مركبة من الجواهر الفردة ; والمركب مفتقر إلى جزئه وجزؤه غيره وما افتقر إلى غيره لم يكن إلا حادثا مخلوقا فالأجسام متماثلة كل ما صح على بعضها صح على جميعها وقد صح على بعضه التحليل والتركيب والاجتماع والافتراق فيجب أن يصح على جميعها. قالوا: وبهذا الطريق أثبتنا حدوث العالم ونفي كون الصانع جسما وإمكان المعاد فلو بطل الدليل الدال على حدوث الجسم بطل الدليل الدال على ثبوت الصانع وصدق الرسول فصار العلم بثبوت الصانع وصدق الرسول وحدوث العالم وإمكان المعاد موقوفا على نفي الصفات فإذا جاء السمع ما يدل على إثبات الصفات والأفعال لم يكن القول بموجبه ; ويعلم أن الرسول لم يرد إثبات ذلك لأن إرادته للإثبات تنافي تصديقه ثم إما إن كان يكذب الناقل وإما أن يتأول المنقول وإما أن يعرض عن ذلك جملة ويقول لا يعلم المراد. فهذا أصل ما بنى عليه القوم دينهم وإيمانهم ولم يقيض لهم من يبين لهم فساد هذا الأصل ومخالفته لصريح العقل بل قيض لهم من المنتسبين إلى السفه من وافقهم عليه ثم أخذ يشنع عليهم القول بنفي الصفات والأفعال وتكليم الرب لخلقه ورؤيتهم له في الدار الآخرة وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه ونزوله إلى سماء الدنيا فأضحكهم عليه وأغراهم به ونسبوه إلى ضعف العقل والحشو والبله والمصيبة مركبة من عدوان هؤلاء ونفيهم وتقصير أولئك وموافقتهم لهم في الأصل ثم تكفيرهم وتبديعهم. وهذا الطريق من الناس من يظنها من لوازم الإيمان وأن الإيمان لا يتم إلا بها(1\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "178",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12576",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن لم يعرف ربه بهذه الطريق لم يكن مؤمنا به ولا بما جاء به رسوله وهذا يقوله الجهمية والمعتزلة ومتأخرو الأشعرية بل أكثرهم وكثير من المنتسبين إلى الأئمة الأربعة وكثير من أهل الحديث والصوفية ومن الناس من يقول: ليس الإيمان موقوفا عليها ولا هي من لوازمه وليست طريق الرسل ويحرم سلوكها لما فيها من الخطر والتطويل وإن لم يعتقد بطلانها وهذا قول أبي الحسن الأشعري نفسه فإنه صرح بذلك في رسالته إلى أهل الثغر وبين أنها طريق خطرة مذمومة محرمة وإن كانت غير باطلة ووافقه على هذا جماعة من أصحابه من أتباع الأئمة. وقالت طائفة أخرى: بل هي طريق في نفسها متناقضة مستلزمة لتكذيب الرسول لا يتم سلوكها إلا بنفي ما أثبته وهي مستلزمة لنفي الصانع بالكلية كما هي مستلزمة لنفي صفاته ونفي أفعاله وهي مستلزمة لنفي المبدأ والمعاد فإن هذه الطريق لا تتم لا بنفي سمع الرب وبصره وقدرته وحياته وإرادته وكلامه فضلا عن نفي علوه على خلقه ونفي الصفات الخبرية من أولها إلى آخرها ولا تتم إلا بنفي أفعاله جملة وأنه لا يفعل شيئا البتة إذ لم يقم به فعل فاعل وفاعل بلا فعل محال في بدائه العقول فلو صحت هذه الطريق نفت الصانع وأفعاله وصفاته وكلامه وخلقه للعالم وتدبيره له وما يثبته أصحاب هذه الطريق من ذلك لا حقيقة له بل هو لفظ لا معنى له فأنتم تثبتون ذلك وتصرخون بنفي لوازمه البينة التي لا عيب فيها وفي لزومها وتثبتون ما لا حقيقة له بل يخالف العقول كما تنفون ما يدل العقل الصريح على إثباته ولوازمه الباطلة أكثر من مائة لازم بل لا يحصى بكلفة. فأول لوازم هذه الطريقة نفي الصفات والأفعال ونفي العلو والكلام ونفي الرؤية ومن لوازمها القول بخلق القرآن وبهذه الطريق استجازوا ضرب الإمام أحمد لما قال بما يخالفها من إثبات الصفات وتكلم الله بالقرآن ورؤيته في الدار الآخرة وكان أرباب هذه الطريق هم المستولين على الخليفة فقالوا له: اضرب عنقه فإنه كافر مشبه مجسم فقيل له: إنك إن قتلته ثارت عليك العامة فأمسك عن قتله بعد الضرب الشديد. ومن لوازمه أن الرب كان معطلا عن الفعل من الأزل والفعل ممتنع عليه ثم انقلب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي بدون موجب في ذلك الوقت دون ما قبله وهذا مما أغرى الفلاسفة بالقول بقدم العالم ورأوا أنه خير من القول بذلك بل حقيقة هذا(1\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "179",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12577",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القول أن الفعل لم يزل ممتنعا منه أزلا وأبدا إذ يستحيل قيامه به وعن هذه الطريق قال جهم ومن وافقه بفناء الجنة وفناء أهلها وعدمهم عدما محضا وعنها قال أبو الهذيل العلاف بفناء حركاتهم دون ذاتهم فإذا رفع اللقمة إلى فيه وفنيت الحركات بقيت يده ممدودة لا تتحرك ويبقى كذلك أبد الآبدين وعن هذه الطريق قالت الجهمية: إن الله في كل مكان بذاته وقال إخوانهم: إنه ليس في العالم ولا خارج العالم ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولا مباينا له ولا محايثا له ولا فوقه ولا خلفه ولا أمامه ولا وراءه وعنها قال من قال: إن ما نشاهده عن الأعراض الثابتة كالألوان والمقادير والأشكال تتبدل في كل نفس ولحظة ويخلفها غيرها حتى قال من قال: إن الروح عرض وإن الإنسان يستحدث في كل ساعة عدة أرواح تذهب له روح ويجيء غيرها وعنها قال من قال: إن جسم أنتن الرجيع وأخبثه مماثل لجسم أطيب في الحد والحقيقة لا فرق بينهما إلا بأمر عرضي وأن جسم النار مساو لجسم الماء في الحد والحقيقة وعنها قالوا: إن الروائح والأصوات والمعارف والعلوم تؤكل وتشرب وترى وتسمع وتلمس وأن الحواس الخمس تتعلق بكل موجود وعنها نفوا عنه تعالى الرضى والغضب والمحبة والرحمة والرأفة والضحك والفرح بل ذلك كله إرادة محضة أو ثواب منفصل مخلوق وعنها قالوا: إن الكلام معنى واحد بالعين لا ينقسم ولا يتبعض ولا له جزء ولا كل وهو الأمر بكل شيء مأمور والنهي عن كل مخبر عنه وكذلك قالوا في العلم: إنه أمر واحد فالعالم بوجود الشيء هو عين العالم بعدمه لا فرق بينهما البتة بالتعلق وكذلك قالوا: إن إرادة إيجاد الشيء هي نفس إرادة إعدامه ليس هنا إرادة كذلك رؤية زيد هي نفس رؤية عمرو ومعلوم أن هذا لا يعقل بل هو مخالف لصريح العقل. ومن العجب أنهم لم يثبتوا بها في الحقيقة صانعا ولا صفة من صفاته ولا فعلا من أفعاله ولا نبوة ولا مبدأ ولا معادا ولا حكمة بل هي مستلزمة لنفي ذلك كله صريحا ولزوما بينا. وجاء آخرون فراموا إثبات الصفات والأفعال وموافقتهم في هذه الطريق فتجشموا أمرا ممتنعا واشتقوا طريقة لم يمكنهم الوفاء بها فجاءوا بطريق بين النفي والإثبات لم يوافقهم فيها المعطلة النفاة ولم يسلكوا فيها مسلك أهل الإثبات وظنوا أنهم بذلك يجمعون بين المعقول والمنقول ويصلون في هذه الطريق إلى تصديق الرسول وصار(1\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "180",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12578",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "أقوى الطرق وأدلها على الصانع",
        "content": "كثير من الناس يحب النظر والبحث والمعقول وهو مع ذلك يريد أن لا يخرج عما جاء به الرسول ثم أصلوا تأصيلا مستلزما لبطلان التفصيل ثم فصلوا تفصيلا على بطلان الأصل فصاروا حارثين بين التأصيل والتفصيل وصار من فرد منهم هذا الأصل خارجا عن العقل والسمع بالكلية ومن لم يطرده متناقضا مضطرب الأقوال وقد سلك الناس في إثبات الصانع وحدوث العالم طرقا متعددة سهلة قريبة إلى المقصود لم يتعرضوا فيها لطريق هؤلاء بوجه. قال الخطابي: وإنما سلك المتكلمون هذه الطريقة في الاستدلال بالأعراض مذهب الفلاسفة وأخذوه عنهم وفي الأعراض اختلاف كثير منهم من ينكرها ولا يثبتها رأسا ومنهم من لا يفرق بينها وبين الجواهر في أنها قائمة بنفسها كالجواهر. قلت: ومنهم من يقول بكمونها وظهورها ومنهم من يقول بعدم بقائها ثم سلك طرقا في إثبات الصانع منها الاستدلال بأحوال الإنسان من مبدئه إلى غايته والاستدلال بأحوال الحيوان والنبات والأجرام العلوية وغير ذلك ثم قال: والاستدلال بطريق الأعراض لا يصح إلا بعد استبراء هذه الشبهة وطريقنا الذي سلكناه بريء من هذه الآفات سليم من هذه الريب. قال: وقد سلك بعض مشايخنا في هذه الطرق الاستدلال بمقدماتها النبوة ومعجزات الرسالة التي دلائلها مأخوذة من طريق الحس لمن شاهدها ومن طريق استفاضة الخير لمن غاب عنها فلما ثبتت النبوة صارت أصلا في وجوب قبول ما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم قال: وهذا النوع مقنع في الاستدلال لمن لم يتسع فهمه لإدراك وجوه الأدلة ولم يتبين معاني تعلق الأدلة بمدلولاتها ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.  [أقوى الطرق وأدلها على الصانع] قلت: وهذه الطريق من أقوى الطرق وأصحها وأدلها على الصانع وصفاته وأفعاله وارتباط أدلة هذه الطريق بمدلولاتها أقوى من ارتباط الأدلة العقلىة الصريحة بمدلولاتها فإنها جمعت بين دلالة الحس والعقل ودلالتها ضرورية بنفسها ولهذا يسميها الله تعالى آيات بينات وليس في طرق الأدلة أوثق ولا أقوى منها فإن انقلاب عصا تقلها اليد ثعبانا عظيما يبتلع ما يمر به ثم يعود عصا كما كانت من أدل دليل على وجود الصانع وحياته وقدرته ومشيئته وإرادته وعلمه بالكليات والجزئيات ; وعلى رسالة الرسول وعلى المبدأ والمعاد فكل قواعد الدين في هذه العصا وكذلك(1\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "181",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12579",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اليد ; وفلق البحر طرقا والماء قائم بينهما كالحيطان ونتق الجبل من موضعه ورفعه على قدر العسكر العظيم فوق رءوسهم وضرب حجر مربع بعصا فتسيل منه اثنتا عشرة عينا تكفي أمة عظيمة. وكذلك سائر آيات الأنبياء كإخراج ناقة عظيمة من صخرة تمخضت بها ثم انصدعت عنها والناس حولها ينظرون وكذلك تصوير طائر من طين ثم ينفخ فيه النبي فينقلب طائرا ذا لحم ودم وريش وأجنحة يطير بمشهد من الناس وكذلك إيماء الرسول إلى القمر فينشق نصفين بحيث يراه الحاضر والغائب ويخبر به كما رآه الحاضرون وأمثال ذلك مما هو أعظم الأدلة على الصانع وصفاته وأفعاله وصدق رسله واليوم الآخر وهذه من طرق القرآن التي أرشد إليها عباده ودلهم بها كما دلهم بما يشاهدونه من أحوال الحيوان والنبات والمطر والسحاب والحوادث التي في الجو وأحوال العلويات من السماء والشمس والقمر والنجوم وأحوال النطفة وتقلبها طبقا بعد طبق حتى صارت إنسانا سميعا حيا متكلما عالما قادرا يفعل الأفعال العجيبة ويعلم العلوم العظيمة وكل طريق من هذه الطرق أصح وأقرب وأوصل من طرق المتكلمين التي لو صحت لكان فيها من التطويل والتعقيد والتعسير ما يمنع الحكمة الإلهية والرحمة الربانية أن يدل بها عباده عليه وعلى صدق رسله وعلى اليوم الآخر فأين هذه الطريق العسرة الباطلة المستلزمة لتعطيل الرب عن صفاته وأفعاله وكلامه وعلوه على خلقه وسائر ما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله صلى الله عليه وسلم إلى طرق القرآن التي هي ضد هذه الطريق من كل وجه وكل طريق منها كافية شافية هادية. هذا ; وإن القرآن وحده لمن جعل الله نورا أعظم آية ودليل على هذه المطالب وليس في الأدلة أقوى ولا أظهر ولا أصح دلالة منه من وجوه متعددة فأدلته مثل ضوء الشمس للبصر لا يلحقها إشكال ولا يغير في وجه دلالتها إجمال ولا يعارضها تجويز واحتمال تلج الأسماع بلا استئذان وتحل من المعقول محل الماء الزلال ومن الصادي الظمآن لا يمكن أحد أن يقدح فيها قدحا يوقع في اللبس إلا إن أمكنه أن يقدح بالظهيرة صحوا في طلوع الشمس ومن عجيب شأنها أنها تستلزم المدلول استلزاما بينا وتنبه على جواب المعترض تنبيها لطيفا وهذا الأمر إنما هو لمن نور الله بصيرته وفتح على قلبه لأدلة القرآن فلا تعجب من منكر أو معترض أو معارض. وقل للعيون العمي للشمس أعين ... سواك تراها في مغيب ومطلع وسامح نفوسا أطفأ الله نورها ... بأهوائها لا تستفيق ولا تعي(1\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "182",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12580",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأي دليل على الله أصح من الأدلة التي تضمنها كتابه كقوله تعالى: أفي الله شك فاطر السماوات والأرض [إبراهيم: 10]  وقوله: كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون [البقرة: 28]  وقوله تعالى: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون [البقرة: 164]  وما لا يحصى من الآيات الكريمات. الوجه الرابع والأربعون: أنك إذا أخذت لوازم المشترك المطلق والمقيد والمميز وميزت هذا من هذا صح نظرك ومناظرتك وذلك أن الصفة تلزمها لوازم من حيث هي فهذه اللوازم يجب إثباتها ولا يصح نفيها إذ نفيها ملزوم لنفي الصفة مثاله: الفعل والإدراك للحياة فإن كل حي فاعل مدرك وإدراك المسموعات بصفة السمع وإدراك المبصرات بصفة البصر وكشف المعلومات بصفة العلم والتمييز لهذه الصفات فهذه اللوازم يمتنع رفعها عن الصفة فإنها ذاتية لها ولا ترتفع إلا برفع الصفة ويلزمها لوازم من حيث كونها صفة القديم مثل كونها واجبة قديمة عامة التعلق فإن صفة العلم واجبة لله قديمة غير حادثة متعلقة بكل معلوم على التفصيل وهذه اللوازم منتفية عن العلم الذي هو صفة للمخلوقين ويلزمها لوازم من حيث كونها ممكنة حادثة بعد أن لم تكن مخلوقة غير صالحة للعموم مفارقة له فهذه اللوازم يستحيل إضافتها إلى القديم واجعل هذا التفضيل ميزانا لك في جميع الصفات والأفعال واعتصم به في نفي التشبيه والتمثيل وفي بطلان النفي والتعطيل واعتبره في العلو والاستواء تجد هذه الصفة يلزمها كون العالي فوق السافل في القديم والحديث فهذا الإلزام حق لا يجوز نفيه ويلزمها كون السافل حاويا للأعلى محيطا به حاملا له والأعلى مفتقرا إليه وهذا في بعض المخلوقات لا في كلها بل بعضها لا يفتقر فيه الأعلى إلى أسفل ولا يحويه الأسفل ولا يحيط به ولا يحمله كالسماء مع الأرض فالرب تعالى أجل شأنا وأعظم أن يلزم من علوه من خصائصه وهي حمله السافل وفقر السافل إليه وغناه سبحانه عنه وإحاطته عز وجل به ; فهو فوق العرش وعدم إحاطة العرش به ; وحصره للعرش وعدم حصر العرش له وهذه(1\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "183",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12581",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الأصل الذي قاد إلى القول بالتعطيل",
        "content": "اللوازم منتفية عن المخلوقين ولو ميز أهل التعطيل هذا التمييز لهدوا إلى سواء السبيل ولما فارقوا الدليل.  [الأصل الذي قاد إلى القول بالتعطيل] الوجه الخامس والأربعون: أن الأصل الذي قادهم إلى التعطيل واعتقاد المعارضة بين الوحي والعقل أصل واحد وهو منشأ ضلال بني آدم وهو الفرار من تعدد صفات الواحد وتكثر أسمائه الدالة على صفاته وقيام الأمور المتجددة به وهذا لا محذور فيه بل هو الحق لا يثبت كونه سبحانه ربا وإلها وخالقا إلا به ونفيه جحد للصانع بالكلىة وهذا القدر اللازم لجميع طوائف أهل الأرض على اختلاف مللهم وعلومهم حتى لمن أنكر الصانع بالكلية وأنكره رأسا فإنه يضطر إلى الإقرار بذلك وإن قام عنده ألف شبهة أو أكثر على خلافه وأما من أقر بالصانع فهو مضطر إلى أن يقر بكونه حيا عالما قادرا مريدا حكيما فعالا ومع إقراره بذلك فقد اضطر إلى القول بتعدد صفات الواحد وتكثر أسمائه وأفعاله فلو تكثرت لم يلزم من تكثرها وتعددها محذور بوجه من الوجوه. وإن قال: أنا أنفيها بالجملة ولا أثبت تعددها بوجه قيل له: فهو هذه الموجودات أو غيرها فإن قال: غيرها قيل: هو خالقها أم لا فإن قال: هو خالقها قيل له: قبل هو قادر عليها عالم بها مريد لها أم لا فإن قال: نعم هو كذلك اضطر إلى تعدد صفاته وتكثرها وإن نفى ذلك كان جاحدا للصانع بالكلية ويستدل عليه بما يستدل على الزنادقة الدهرية ويقال لهم ما قالت الرسل لأممهم: أفي الله شك [إبراهيم: 10] وهل يستدل عليه بدليل هو أظهر للعقول من إقرارها به وبربوبيته. وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل فإن قال: أنا أثبته موجودا واجب الوجود لا صفة له قيل له: فكل موجود على قولك أكمل منه وضلال اليهود والنصارى وعباد الأصنام أعرف به منك وأقرب إلى الحق والصواب منك وأما فرارك من قيام الأمور المتجدة به ففررت من أمر لا يثبت كونه إلها وربا وخالقا إلا به ولا يتقرر كونه صانعا لهذا العالم مع نفيه أبدا ; وهو لازم لجميع طوائف أهل الأرض حتى الفلاسفة الذين هم أبعد الخلق من إثبات الصفات ولهذا قال بعض عقلاء الفلاسفة: إنه لا يتقرر كونه رب العالمين إلا بإثبات ذلك قال: والإجلال من هذا الإجلال واجب والتنزيه من هذا التنزيه متعين قال بعض العلماء: وهذه المسألة يقوم عليها قريب من ألف دليل عقلي وسمعي والكتب(1\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "184",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12582",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإلهية والنصوص النبوية ناطقة بذلك وإنكار لما علم بالضرورة من دين الرسل أنهم جاءوا به. ونحن نقول: إن كل سورة من القرآن تتضمن إثبات هذه المسألة وفيها أنواع من الأدلة عليها فأدلتها تزيد على عشرة آلاف دليل فأول سورة في القرآن تدل عليها من وجوه كثيرة وهي سورة أم الكتاب فإن قوله: الحمد لله [الفاتحة: 2] يدل عليها فإنه سبحانه يحمد على أفعاله كما حمد نفسه في كتابه وحمده عليها رسله وملائكته والمؤمنون من عباده فمن لا فعل له البتة كيف يحمد على ذلك فالأفعال هي المقتضية للحمد ولهذا تجده مقرونا بها كقوله: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض [الأنعام: 1]  الحمد لله الذي هدانا لهذا [الأعراف: 43]  الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب [الكهف: 1] . الثاني: قوله: رب العالمين [الفاتحة: 2] وربوبيته للعالم تتضمن تصرفه فيه وتدبيره له وإنفاذ أمر كل وقت فيه وكونه معه كل ساعة في شأن: يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويخفض ويرفع ويعطي ويمنع ويعز ويذل ويصرف الأمور بمشيئته وإرادته وإنكار ذلك إنكار لربوبيته وإلهيته وملكه. الثالث: الرحمن الرحيم [الفاتحة: 3] هو الذي يرحم بقدرته ومشيئته من لم يكن له راحما قبل ذلك. الرابع: قوله: مالك يوم الدين [الفاتحة: 4] والملك هو المتصرف فيما هو ملك عليه ومالك له ومن لا تصرف له ولا يقوم به فعل البتة لا يعقل له ثبوت ملك. الخامس: قوله: اهدنا الصراط المستقيم [الفاتحة: 6] فهذا سؤال الفعل يفعله لهم لم يكن موجودا قبل ذلك وهي الهداية التي هي فعله. السادس: قوله: صراط الذين أنعمت عليهم [الفاتحة: 7] وفعله القائم به وهو الإنعام فلو لم يقم به فعل الإنعام لم يكن للنعمة وجود البتة. السابع: قوله: غير المغضوب عليهم [الفاتحة: 7] وهم الذين غضب الله عليهم بعدما أوجدهم وقام بهم سبب الغضب إذ الغضب على المعدوم محال وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot; أن العبد إذا قال: الحمد لله رب العالمين [الفاتحة: 2] يقول الله تعالى: حمدني(1\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "185",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12583",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم [الفاتحة: 3] قال الله تعالى: أثنى علي عبدي فإذا قال: مالك يوم الدين [الفاتحة: 4] قال الله تعالى: مجدني عبدي وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل quot; فهذه أدلة من الفاتحة وحدها. فتأمل أدلة الكتاب العزيز على هذا الأصل تجدها فوق عد العادين حتى إنك تجد في الآية الواحدة على اختصار لفظها عدة أدلة كقوله تعالى: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [يس: 82]  ففي هذه الآية عدة أدلة: أحدها: قوله: إنما أمره [يس: 82] وهذا أمر التكوين الذي لا يتأخر عنه أمر المكون بل يعقبه الثاني: إذا أراد شيئا [يس: 82] (وإذا) تخلص الفعل للاستقبال الثالث: أن يقول له كن فيكون [يس: 82]  (وأن) تخلص المضارع للاستقبال الرابع: أن يقول [يس: 82] فعل مضارع إما للحال عاما للاستقبال الخامس: قوله: (كن) وهما حرفان يسبق أحدهما الآخر يعقبه الثاني السادس: قوله: (فيكون)  والفاء للتعقيب يدل على أنه يكون عقب قوله: (كن) سواء لا يتأخر عنه. وقوله تعالى: ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه [الأعراف: 143] فهو سبحانه إنما كلمه ذلك الوقت وقوله تعالى: وناديناه [مريم: 52]  ويوم يناديهم فيقول [القصص: 62]  وقوله: وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة [الأعراف: 22]  فالنداء إنما حصل ذلك الوقت وقوله: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله [البقرة: 210]  وجاء ربك [الفجر: 22]  ثم استوى على العرش [الأعراف: 54]  وإذا أردنا أن نهلك قرية [الإسراء: 16]  فعال لما يريد [هود: 107]  يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [البقرة: 185]  يريد الله أن يخفف عنكم [النساء: 28]  والله يريد أن يتوب عليكم [النساء: 27]  ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين - ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون [القصص: 5 - 6](1\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "186",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12584",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": " والله يقول الحق وهو يهدي السبيل [الأحزاب: 4]  قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما [المجادلة: 1]  كل يوم هو في شأن [الرحمن: 29] وهذا عند النفاة لا حقيقة له بل الشئون للمفعولات وأما هو فله شأن واحد قديم فهذه الأدلة السمعية وأضعاف أضعافها مما يشهد به صريح العقل فإنكار ذلك وإنكار تكثر الصفات وتعدد الأسماء هو أفسد للعقل والنقل وأفتح باب للمعارضة. الوجه السادس والأربعون: أن يقال لهؤلاء المعارضين للوحي بعقولهم: إن من أئمتكم من يقول: إنه ليس في العقل ما يوجب تنزيه الرب سبحانه عن النقائص ولم يقم على ذلك دليل عقلي أصلا صرح به الرازي ; وتلقاه عن الجوني وأمثاله قالوا وإنما نسيا عنه النقائص بالإجماع ; وقد قدح الرازي وغيره من النفاة في دلالة الإجماع وبينوا أنها ظنية لا قطعية فالقوم ليسوا قاطعين بتنزيه الله عن النقائص بل غاية ما عندهم في ذلك الظن. فيا أولي الألباب كيف تقوم الأدلة القطعية على نفي صفات الله ونعوت جلاله وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه وتكلمه بالقرآن حقيقة وتكلمه لموسى حتى يدعى أن الأدلة السمعية على ذلك قد عارضها صريح العقل وأما تنزيهه عن العيوب والنقائص فلم يقم عليه دليل عقلي ولكن علمناه بالإجماع وقلتم: إن دلالته ظنية ويكفيك في فساد عقل معارض الوحي أنه لم يقم عنده دليل عقلي على تنزيه ربه عن العيوب والنقائص. الوجه السابع والأربعون: إن الله تعالى جعل بعض مخلوقاته عاليا على بعض ولم يلزم من ذلك مماثلة العالي ومشابهته له فهذا الماء فوق الأرض والهواء فوق الماء والنار فوق الهواء والأفلاك فوق ذلك وليس عاليها مماثلا لسافلها والتفاوت الذي بين الخالق والمخلوق أعظم من التفاوت الذي بين المخلوقات فكيف يلزم من علوه تشبيهه بخلقه. فإن قلتم: وإن لم يلزم التشبيه لكن يلزم التجسيم قيل: انفصلوا أولا عن قول المعطلة للصفات: لو كان له سمع أو بصر أو حياة أو علم أو قدرة أو كلام لزم التجسيم فإذا انفصلتم منهم فإن أبيتم إلا الجواب قيل لكم ما تعنون بالتجسيم(1\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "187",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12585",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل اتفاق الحكماء مع السلف على علو الله",
        "content": "أتعنون به العلو على العالم والاستواء على العرش وهذا حاصل قولكم وحينئذ فما زدتم على إبطال ذلك بمجرد الدعوى التي اتحد فيها اللازم والملزوم بتقرير العبارة وكأنكم قلتم: لو كان فوق العالم مستويا على عرشه لكان فوق العالم ولكنكم لبستم وأوهمتم. وإن عنيتم بالجسم المركب من الجواهر الفردة فجمهور العقلاء ينازعونكم في إثبات الجواهر الفردة فضلا عن تركيب الأجسام من ذلك فأنتم أبطلتم هذا التركيب الذي تدعيه الفلاسفة وهم أبطلوا التركيب الذي تدعونه من الجواهر الفردة وجمهور العقلاء أبطلوا هذا وهذا فإن كان هذا غير لازم في الأجسام المحسوسة المشاهدة بل هو باطل فكيف يدعى لزومه فيمن ليس كمثله شيء وإن عنيتم بالتجسيم تميز شيء منه عن شيء قيل لكم: انفصلوا أولا عن قول نفاة الصفات: لو كان له سمع وبصر وحياة وقدرة لزم أن يتمىز منه شيء عن شيء وذلك عين التجسيم فإذا انفصلتم عنه أجبناكم بما تجيبونهم به فإن أبيتم إلا الجواب منا قلنا لكم: إنما قام الدليل على إثبات إله قديم عني بنفيه عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه وكل أحد محتاج إليه وليس محتاجا إلى أحد ووجود كل أحد يستفاد منه ووجوده ليس مستفادا من غيره ولم يقم الدليل على استحالة تكثر أوصاف كماله وتعدد أسمائه الدالة على صفاته وأفعاله بل هو إله واحد ورب واحد وإن تكثرت أوصافه وتعددت أسماؤه.  [فصل اتفاق الحكماء مع السلف على علو الله] فصل أخبر الناس بمقالات الفلاسفة قد حكى اتفاق الحكماء على أن الله والملائكة في السماء كما اتفقت على ذلك الشرائع وورد ذلك بطريق عقلي من جنس تقرير ابن كلاب والحارث المحاسبي وأبي العباس القلانسي وأبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر الباقلاني وأبي الحسن بن الزاغوني وغيرهم ممن يقول بأن الله فوق العرش وليس مجسم قال هؤلاء: وإثبات صفة العلو والفوقية له سبحانه لا يوجب الجسمية بل ولا إثبات المكان وبنى الفلاسفة ذلك على ما ذكره ابن رشد أن المكان هو السطح الباطن من الجسم الحاوي الملاقي للسطح الظاهر من جسم المحوي فكان الإنسان عندهم هو باطن الهواء المحيط به وكل سطح باطن فهو مكان للسطح الظاهر مما يلاقيه ومعلوم أنه ليس وراء الأجسام سطح جسم باطن يحوي شيئا ; فلا مكان(1\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "188",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12586",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل مناقشة من يمنعون الإشارة الحسية إليه تعالى",
        "content": "هناك إذ لو كان هناك مكان حاو لسطح الجسم لكان الحاوي جسما ولهذا قال: فإذا قام البرهان على وجود موجود في هذه الجهة فواجب أن يكون غير جسم فالذي يمتنع وجوده هناك هو وجود جسم لا وجود ما ليس بجسم وقرر إمكان ذلك كما قرر إثباته بما ذكر من أنه لا بد من نسبة بينه وبين العالم المحسوس فيجب أن يكون في جهة العلو والذي يمكن منازعوه من الفلاسفة والجهمية والمعتزلة أن يقولوا: لا يمكن أن يوجد هناك شيء لا جسم ولا غير جسم أما غير الجسم فلما ذكر وأما الجسم فلأن كونه مشارا إليه بأنه هناك يستلزم أن يكون جسما وحينئذ فيقول هؤلاء المثبتون لمن ينازعهم في ذلك: وجود موجود قائم بنفسه ليس وراء أجسام العالم ولا داخلا في العالم إما أن يكون ممكنا أو لا يكون فإن لم يكن ممكنا بطل قولكم وإن كان ممكنا فوجود موجود وراء أجسام للعالم وليس بجسم أولى بالجواز ثم إذا عرضنا على العقل وجود موجود قائم بنفسه لا في العالم ولا خارجا عنه ولا يشار إليه وعرضنا عليه وجود موجود يشار إليه فوق العالم ليس بجسم كان إنكار العقل للأول القبول وجب قبول الثاني وإن كان الثاني مردودا وجب رد الأول ولا يمكن العقل الصريح أن يقبل الأول ويرد الثاني أبدا.  [فصل مناقشة من يمنعون الإشارة الحسية إليه تعالى] فصل: ثم إنه سبحانه لو لم تقبل الإشارة الحسية إليه كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم حسا بأصبعه بمشهد الجمع الأعظم وقبل ممن شهد لها بالإيمان الإشارة الحسية إليه فإما أن يقال: إنه يقبل الإشارة المعنوية فقط أو لا يقبلها أيضا كما لا يقبل الحسية فإن لم يقبل لا هذه ولا هذه فهو عدم محض بل العدم المقيد المضاف يقبل الإشارة المعنوية دون الحسية وإن قبل الإشارة الحسية لزم أن يكون معنى من المعاني لا ذاتا خارجية وهذا مما لا حيلة في دفعه فمن أنكر جواز الإشارة الحسية إليه فلا بد له من أحد أمرين: إما أن يجعله معدوما أو معنى من المعاني لا ذاتا قائمة بنفسها.  [مناقشة نفاة الصفات وإفحامهم] الوجه الثامن والأربعون: إن من أعجب العجب أن هؤلاء الذين فروا من القول بعلو الله واستوائه على عرشه خشية التشبيه والتجسيم قد اعترفوا بأنه لا يمكنهم إثبات(1\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "189",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12587",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصانع إلا بنوع من التشبيه والتمثيل كما قال الآمدي في مسألة حدوث الأجسام لما ذكر شبه القائلين بالقدم قال: الوجه العاشر: لو كان حدثا فمحدثه إما أن يكون مساويا له من كل وجه أو مخالفا له من كل وجه أو مماثلا له من وجه مخالفا له من وجه فإن كان الأول فهو حادث والكلام فيه كالكلام في الأول ويلزم التسلسل الممتنع وإن كان الثاني فالمحدث له ليس بموجود وإلا لما كان مخالفا له من كل وجه وهو خلاف الفرض وإذا لم يكن موجودا امتنع أن يكون مفيدا للوجود وإن كان الثالث فمن جهة ما هو مماثل للحادث يجب أن يكون حادثا والكلام فيه كالأول وهو التسلسل المحال وهذه المجالات إنما نشأت من القول بكونه محدثا للعالم. قال: والجواب عن هذه الشبهة أن المختار من أقسامها إنما هو القسم الثالث ولا يلزم من كون القديم مماثلا للحادث من وجه أن يكون مماثلا للحادث من جهة كونه حادثا بل لا مانع من الاختلاف بينهما في صفة القدم والحدوث وإنما تماثلا بأمر آخر وهذا كالسواد والبياض يختلفان من وجه دون وجه لاستحالة اختلافهما من كل وجه وإلا لما اشتركا في العرضية والكونية والحدوث ولاستحالة تماثلهما من كل وجه ; وإلا كان السواد بياضا ; ومع ذلك فما لزم من مماثلة السواد للبياض من وجه أن يكون مماثلا له في صفة البياضية. فيقال: يا لله العجب: هلا قبلتم هذا الجواب في إثبات علو الله على خلقه واستوائه على عرشه وإثبات صفات كماله كلها وأجبتم بهذا الجواب من قال لكم من المعطلة والنفاة: لو كان له صفات لزم مماثلته للمخلوقات ولم لا تقنعون من أهل السنة المثبتين لصفات كماله بمثل هذا الجواب الذي أجبتم به من أنكر حدوث العالم بل إذا أجابوكم به قلبتم لهم ظهر المجن وصرحتم بتكفيرهم وتبديعهم وإذا أجبتم أنتم به بعينه كنتم موحدين. يقال: هل للرب ماهية متميزة عن سائر الماهيات يختص بها لذاته أم تقولون لا ماهية له فإن قلتم بالثاني كان هذا إنكارا له وجحودا ; أو جعله وجودا مطلقا لا ملكية له وإن قلتم: بل له ذات مخصوصة وماهية متميزة عن سائر الذوات والماهيات قيل(1\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "190",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12588",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لكم: فماهيته وذاته غير متناهية بل ذاهبة في الأبعاد إلى غير نهاية أم متناهية فإن قلتم بالأول لزم منه محالات غير واحدة وإن قلتم بالثاني بطل المباينة والجهة وهذا لا محيد عنه وإن قلتم: لا نقول له ماهية ولا ليست له ماهية قيل: لا يليق بالعقول المخالفة لما جاءت به الرسل إلا هذا المحال والباطل وإن قلتم: بل له ذات مخصوصة وماهية متميزة عن سائر الماهيات ولا غير متناهية لأنها لا تقبل واحدا من الأمرين وقيل: يتقابلان تقابل السلب والإيجاب فلا واسطة بينهما كما لا واسطة بين الوجود والعدم والقدم والحدوث والسبق والمقارنة والقيام بالنفس والقيام بالغير وتقدير قسم آخر لا يقبل واحدا من الأمرين تقدير ذهني يفرضه الذهن كما يفرض سائر المحالات ولا يدل ذلك على وجوده في الخارج ولا إمكانه قال: التقسيم يقتضي أن المعلوم إما قديم وإما حادث وإما لا قديم ولا حادث كان التقسيم ذهنيا لا خارجيا وإن سلب النقيض في ذلك كله في الإحالة كإثبات النقيضين فصل: يقال: ذاته سبحانه ; إما أن تكون قابلة العلو على العالم أو لا تكون قابلة فإن كانت قابلة وجب وجود القبول لأنه صفة كمال لأن قبولها لذلك هو من لوازمها كقبول الذات للعلم والحياة والقدرة والسمع فوجدوا هذا إلزاما للذات ضرورة ولأنها إذ قبلته فلو لم تتصف به لاتصفت بضده وهو نقص يتعالى الله ويتقدس عنه وإن لم تكن قابلة للعلو لزم أن يكون قابل العلو أكمل منها لأن ما يقبل أن يكون عاليا وإن لم يكن عاليا أكمل ممن لا يقبل العلو وما قبله وكان عاليا أكمل ممن قبله ولم يكن عاليا فالمراتب ثلاثة: أدناها ما لا يقبل العلو وأعلاها ما قبله واتصف به والذي يوضح ذلك: أن ما لا يقبل أن يكون فوق غيره ولا عاليا عليه إما أن يكون عرضا من الأعراض لا يقوم بنفسه ولا يقبل أن يكون عاليا على غيره وإما أن يكون أمرا عدميا لا يقبل ذلك وأما إثبات ذات قائمة بنفسها متصفة بالسمع والبصر والقدرة والحياة والإرادة والعلم والفعل ومع ذلك لا تقبل أن تكون عالية على غيرها فهذا بإمكان تصوره قبل التصديق بوجوده وليس مع من ادعى إمكانه إلا الكليات وكلاهما وجوده ذهني لا وجود له في الخارج وإلا فما له وجود(1\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "191",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12589",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خارجي وهو قائم بنفسه له ذات يختص بها عن سائر الذوات موصوف بصفات الحي الفعال لا يمكن إلحاقه بالكليات والمجردات التي هي خيالات ذهنية لا أمور خارجية وقد اعترف المتكلمون بأن وجود الكليات والمجردات إنما هو في الأذهان لا في الأعيان.  [فصل الجهمية المعطلة معترفون بوصفه تعالى بعلو القهر وعلو القدر]  وأن ذلك كمال لا نقص وأنه من لوازم ذاته فيقال: ما أثبتم به هذين النوعين من العلو والفوقية هو بعينه حجة خصومكم عليكم في إثبات علو الذات له سبحانه وما نفيتم به علو الذات يلزمكم أن تنفوا به ذينك الوجهين من العلوم فأحد الأمرين لازم لكم ولا بد إما أن تثبتوا له سبحانه العلو المطلق من كل وجه ذاتا وقهرا وقدرا وإما أن تنفوا ذلك كله فإنكم إنما نفيتم علو ذاته سبحانه بناء على لزوم التجسيم وهو لازم فيما أثبتموه من وجهي العلو فإن الذات القاهرة لغيرها التي هي أعلى قدرا من غيرها إن لم يعقل كونه غير جسم لزمكم التجسيم وإن عقل كونها غير جسم فكيف لا يعقل أن تكون الذات العالية على سائر الذوات غير جسم وكيف لزم التجسيم من هذا العلو ولم يلزم من ذلك العلو فإن قلتم: لأن هذا العلو يستلزم تميز شيء عن شيء منه قيل لكم: في الذهن أو في الخارج ; فإن قلتم: في الخارج كذبتم وافتريتم وأضحكتم عليكم العقلاء وإن قلتم في الذهن فهو للإلزام لكل من أثبت للعالم ربا خالقا ولا خلاص من ذلك إلا بإنكار وجوده رأسا. يوضحه أن الفلاسفة لما أوردوا عليكم هذه الحجة بعينها في نفس الصفات أجبتم عنها بأن قلتم: واللفظ للرازي في نهايته فقال: قوله: يلزم من إثبات الصفات وقوع الكثرة في الحقيقة الإلهية فتكون تلك الحقيقة ممكنة قلنا: إن عنيتم به احتياج تلك الحقيقة إلى سبب خارجي فلا يلزم احتياج تلك الصفات إلى الذات الواجبة لذاتها وإن عنيتم به توقف الصفات في ثبوتها على تلك الذات المخصوصة بذلك مما يلزمه فأين المحال قال: وأيضا فعندكم الإضافات صفات وجودية في الخارج فيلزمكم ما ألزمتمونا في الصفات في الصور المرتسمة في ذاته من المعقولات قال: ومما يحقق فساد قول الفلاسفة أنهم قالوا: إن الله عالم بالكليات وقالوا: إن العلم بالشيء عبارة عن حصول صورة مساوية للمعلوم في العالم وقالوا: إن صورة المعلومات موجودة(1\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "192",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12590",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في ذات الله ; حتى ابن سينا قال: إن تلك الصفة إذا كانت غير داخلة في الذات كانت من لوازم الذات ومن كان هذا مذهبا له كيف يمكنه أن ينكر الصفات قال: وفي الجملة فلا فرق بين الصفاتية وبين الفلاسفة لأن الصفاتية يقولون: إن الصفات قائمة بالذات والفلاسفة يقولون: هذه الصفات صور عقلية عوارض متقومة بالذات والذي يسميه الصفاتي صفة يسميه الفلسفي عارضا والذي يسميه الصفاتي قياما يسميه الفيلسوف قواما ومقوما ولا فرق إلا في العبارات وإلا فلا فرق في المعنى هذا لفظه. فيقول له مثبتو العلو: هلا قنعت منا بهذا الجواب بعينه حتى قلت: يلزم من علوه أن يتميز منه شيء عن شيء ويلزم وقوع الكثرة في الحقيقة الإلهية وتكون قد وافقت السمع ونصوص الأنبياء وكتب الله كلها وأدلة العقول والفطر الصحيحة وإجماع أهل السنة قاطبة فصل: هذه الحجة العقلية القطعية وهي الاحتجاج بكون الرب قائما بنفسه كونه مباينا للعالم وذلك ملزوم لكونه فوقه عاليا عليه بالذات لما كانت حجة صحيحة لا يمكن مدافعتها وكانت مما ناظر بها الكرامية أبا إسحاق الإسفرائيني أبو إسحاق إلى كون الرب قائما بنفسه بالمعنى المعقول وقال: لا نسلم أنه قائم بنفسه إلا بمعنى أنه غني من المحل فجعل قيامه بنفسه وصفا عدميا لا ثبوتيا وهذا لازم لسائر المعطلة النفاة لعلوه ومن المعلوم أن كون الشيء قائما بنفسه أبلغ من كونه قائما بغيره وإذا كان قيام العرض بغيره يمتنع أن يكون أمرا عدميا بل وجوديا فقيام الشيء بنفسه أحق ألا يكون أمرا عدميا بل وجوديا وإذا كان قيام المخلوق بنفسه صفة كمال وهو مفتقر بالذات إلى غيره فقيام الغني بذاته بنفسه أحق وأولى.(1\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "193",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12591",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: القيام بالنفس صفة كمال فالقائم بنفسه أكمل ممن لا يقوم بنفسه ومن كان غناه من لوازم ذاته فقيامه بنفسه من لوازم ذاته وهذه حقيقة قيوميته سبحانه وهو الحي القيوم والقيوم القيوم بنفسه المقيم لغيره فمن أنكر قيامه بنفسه بالمعنى المعقول فقد أنكر قيوميته وأثبت له قياما بالنفس يشاركه فيه العدم المحض بل جعل قيوميته أمرا عدميا لا وصفا ثبوتيا وهي عدم الحاجة إلى المحل ومعلوم أن المحل لا يحتاج إلى محل. وأيضا فإنه يقال له: ما تعني بعدم الحاجة إلى المحل أتعني به الأمر المعقول من قيام الشيء بنفسه الذي يفارق به العرض القائم بغيره أم تعني به أمرا آخر فإن عنيت به الأول فهو المعنى المعقول والدليل قائم والإلزام صحيح ; وإن عنيت به أمرا آخر فإما أن يكون وجوديا ; وإما أن يكون عدميا فإن كان عدميا والعدم لا شيء كاسمه فتعود قيوميته سبحانه إلى لا شيء وإن عنيت به أمرا وجوديا غير المعقول الذي تعقله الخاصة والعامة فلا بد من بيانه لينظر فيه هل يستلزم المباينة أم لا فصل: كل من أقر بوجوب رب للعالم مدبر له لزمه الإقرار بمباينته لخلقه وعلوه عليهم وكل من أنكر مباينته وعلوه لزمه إنكاره وتعطله فهاتان دعويان في جانب النفي والإثبات ; أما الدعوى الأولى فإنه أولا أقر بالرب فإما أن يقر بأن له ذاتا وماهية مخصوصة أو لا فإن لم يقر بذلك لم يقر بالرب فإن ربا لا ذات له ولا ماهية له هو والعدم سواء وإن أقر بأن له ذاتا مخصوصة وماهية فإما أن يقر بتعيينها أو يقول إنها غير معينة فإن قال: إنها غير معينة كانت خيالا في الذهن لا في الخارج فإنه لا يوجد في الخارج إلا معين لا سيما وتلك الذات أولى من تعيين كل معين فإنه يستحيل وقوع الشركة فيها وأن يوجد لها نظير فتعيين ذاته سبحانه واجب وإذا أقر بأنها معينة لا كلية والعالم المشهود معين لا كلي لزم قطعا مباينة أحد المتعينين للآخر فإنه إذا لم يباينه لم يعقل تميزه عنه وتعينه. فإن قيل: هو يتعين بكونه لا داخلا فيه ولا خارجا عنه قيل: هذا والله حقيقة قولكم ; وهو عين المحال وهو تصريح منكم بأنه لا ذات له ولا ماهية تخصه فإنه لو كان له ماهية يختص بها لكان تعينها لماهيته وذاته المخصوصة وأنتم إنما جعلتم تعينه بأمر عدمي محض ونفي صرف وهو كونه لا داخل العالم ولا خارجا عنه وهذا التعيين لا يقتضي وجوده مما به يصح على العدم المحض وأيضا فالعدم المحض لا يعين المتعين فإنه لا شيء وإنما يعينه ذاته المخصوصة وصفاته فلزم قطعا من إثبات(1\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "194",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12592",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل رؤية الرب إمكانها بالعقل وإثباتها بالشرع",
        "content": "ذاته تعين تلك الذات ; ومن تعينها مباينتها للمخلوقات ومن المباينة العلو عليها لما تقدم من تقريره وصح مقتضى العقل وبالنقل والفطرة ولزم من صحة هذه الدعوى صحة الدعوى الثانية وهي أن من أمكن مباينته للعالم وعلوه عليه لزمه إمكان ربوبيته وكونه إلها للعالم.  [فصل رؤية الرب إمكانها بالعقل وإثباتها بالشرع] فصل: ثبت بالفعل إمكان رؤيته تعالى وبالشرع وقوعها في الآخرة فاتفق الشرع والعقل على إمكان الرؤية ووقوعها فإن الرؤية أمر وجودي لا يتعلق إلا بموجود وما كان أكمل وجودا كان أحق أن يرى فالباري سبحانه أحق أن يرى من كل ما سواه لأن وجوده أكمل من كل موجود سواه. يوضحه: أن تعذر الرؤية إما لخفاء المرئي وإما لآفة وضعف في الرائي ; والرب سبحانه أشهر من كل موجود وإنما تعذرت رؤيته في الدنيا لضعف القوة الباصرة عن النظر إليه فإذا كان الرائي في دار البقاء كانت قوة البصر في غاية القوة لأنها دائمة فقويت على رؤيته تعالى وإذا جاز أن يرى فالرؤية المعقولة له عند جميع بني آدم عربهم وعجمهم وتركهم وسائر طوائفهم أن يكون المرئي مقابلا للرائي مواجها له بائنا عنه لا تعقل الأمم رؤية غير ذلك وإذا كانت الرؤية مستلزمة لمواجهة الرائي ومباينة المرئي لزم ضرورة أن يكون مرئيا له من فوقه أو من تحته أو عن يمينه أو عن شماله أو خلفه أو أمامه وقد دل النقل الصريح على أنهم إنما يرونه سبحانه من فوقهم لا من تحتهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رءوسهم فإذا الجبار جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم وقال: يا أهل الجنة. سلام عليكم ثم قرأ: سلام قولا من رب رحيم [يس: 58] ثم يتوارى عنهم وتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم quot; فلا يجتمع للإقرار بالرؤية وإنكار الفوقية والمباينة ولهذا فإن الجهمية المغول تنكر علوه على خلقه ورؤية المؤمنين له في الآخرة ; ومخانيثهم يقرون بالرؤية وينكرون العلو وقد ضحك جمهور العقلاء من القائلين بأن الرؤية تحصل من غير مواجهة المرئي ومباينته وهذا رد لما هو مركوز في الفطر والعقول.(1\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "195",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12593",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال المنكرون: الإنسان يرى صورته في المرآة وليست صورته في جهة منها. قال العقلاء: هذا هو التلبيس فإنه إنما يرى خيال صورته وهو عرض منطبع في الجسم الصقيل هو في جهة منه ولا يرى حقيقة صورته القائمة به والذين قالوا: يرى من غير مقابلة ولا يرى حقيقة صورته القائمة به والذين قالوا: يرى من غير مقابلة ولا مباينة قالوا: الصحيح الرؤية في الوجود وكل موجود يصح أن يرى فالتزموا رؤية الأصوات والروائح والعلوم والإرادات والمعاني كلها وجواز أكلها وشربها وشمها ولمسها فهذا منتهى عقولهم. الوجه التاسع والأربعون: إن من ادعى معارضة الوحي بعقله لم يقدر الله حق قدره وقد ذم الله سبحانه وتعالى من لم يقدر الله حق قدره في ثلاثة مواضع من كتابه: أحدها قوله: وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء [الأنعام: 91]  الثاني قوله تعالى: ياأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب - ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز [الحج: 73 - 74]  الثالث قوله تعالى: وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة [الزمر: 67] فأخبر أنه لم يقدره حق قدره من أنكر إرساله للرسل وإنزاله الكتب عليهم ; فهذا حقيقة قول من قال: إنه لا يتكلم ولا ينزل منه إلى الأرض كلام ومعلوم أن هذا إنكار لكمال ربوبيته وحقيقة إلهيته وحكمته ولم يقدره حق قدره من عبد إلها غيره ولم يقدره من جحد صفات كماله. وقد وصف نفسه سبحانه بأنه العلي العظيم فحقيقة قول النفاة المعطلة أنه ليس علي ولا عظيم ; فإنهم يردون علوه وعظمته إلى مجرد أمر معنوي كما يقال: الذهب أعلى وأعظم من الفضة وقد صرحوا بذلك وقالوا: معناه علي القدر عظيم القدر. قال شيخنا: فيقال لهم: أتريدون أنه في نفسه علي الذات عظيم القدر وأن له في نفسه قدرا عظيما أم تريدون أن عظمته وقدره في النفوس فقط فإن أردتم الأول فهو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة والعقل وإذا كان في نفسه عظيم القدر فهو في(1\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "196",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12594",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلوب الخلق كذلك فلا يحصي أحد ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه ولا يقدر أحد قدره ولا يعلم عظم قدره إلا هو وتلك صفة يمتاز بها ويختص بها عن خلقه كما قال الإمام أحمد لما قالت الجهمية: إنه في المخلوقات نحن نعلم مخلوقات كثيرة ليس فيها من عظم الرب شيء وإن أضفتم ذلك إلى مجرد تعظيم القلوب له من غير أن يكون هناك صفات ثبوتية وقدر عظيم يختص به فذاك اعتقاد لا حقيقة له وصاحبه قد عظمه بأن اعتقد فيه عظمة لا حقيقة لها وذلك اعتقاد يضاهي اعتقاد المشركين في آلهتهم وإن قالوا: بل نريد معنى ثالثا لا هذا ولا هذا وهو أن له في نفسه قدرا يستحقه لكنه قدر معنوي قيل لهم: أتريدون أن له حقيقة عظيمة يختص بها عن غيره وصفات عظيمة يتميز بها وذاتا عظيمة يمتاز بها عن الذوات وماهية أعظم من كل ماهية ونحو ذلك من المعاني المعقولة فذلك أمر وجودي محقق وإذا أضيف ذلك إلى الرب كان بحسب ما يليق به ولا يشركه فيه المخلوق فهو في حق الخالق قدر يليق بعظمته وجلاله وفي حق المخلوق قدر يناسبه كما قال تعالى: قد جعل الله لكل شيء قدرا [الطلاق: 3] فما من مخلوق إلا وقد جعل الله له قدرا يخصه والقدر يكون علميا ويكون عينيا فالأول هو التقدير العلمي وهو تقدير الشيء في العلم واللفظ والكتاب كما يقدر العبد في نفسه ما يريد أن يقوله ويكتبه ويفعله فيجعل له قدرا ومن هذا تقدير الله سبحانه وتعالى لمقادير الخلق في علمه وكتابه قبل تكوينها ثم كونها على ذلك القدر الذي علمه وكتبه والقدر الإلهي نوعان: أحدهما في العلم والكتابة والثاني خلقها وبرؤها وتصويرها بقدرته التي يخلق بها الأشياء والخلق يتضمن الإبداع والتقدير جميعا والعباد لا يقدرون الخالق قدره والكفار منهم لا يقدرونه حق قدره ولهذا لم يذكر ذلك سبحانه إلا في حقهم كما قال تعالى: وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء [الأنعام: 91]  وهذا إنما وصف به الذين لا يؤمنون بجميع كتبه المنزلة من المشركين واليهود وغيرهم وقال تعالى: وما قدروا الله حق قدره [الأنعام: 91] ولم يقل قدروا الله قدره فإن حق قدره هو الحق الذي لقدره فهو حق عليهم لقدره سبحانه وتعالى فجحدوا ذلك الحق وأنكروه وما قاموا بذلك الحق معرفة ولا إقرارا ولا عبودية وذلك إنكار لبعض قدره من صفات كماله وأفعاله(1\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "197",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12595",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "نفي الشبيه ليس في نفسه مدح",
        "content": "كجحودهم أنه يتكلم أو يعلم الجزيئات أو يقدر على إحداث فعل فشبهات منكري الرسالة ترجع إلى ذلك فمن أقر بما أرسل به رسله وأنه عالم متكلم بكتبه التي أنزلها عليهم قادر على الإرسال فقد قدره حق قدره من هذا الوجه وإن لم يقدره حق قدره مطلقا. ولما كان أهل العلم والإيمان قد قاموا في ذلك بحسب قدرتهم وطاقتهم التي أعانهم بها ووفقهم بها لمعرفته وعبادته وتعظيمه ولم يتناولهم هذا الوصف فإن التعظيم له سبحانه بالمعرفة والعبادة ووصفه بما وصف به نفسه قد أمر به عباده وأعانهم عليه ورضي منهم بما قدروه من ذلك وإن كانوا لا يقدرونه حق قدره ولا يقدر أحد من العباد قدره فإنه إذا كانت السماوات السبع في يده كالخردلة في يد أحدنا والأرضون السبع في يده الأخرى كذلك فكيف يقدره حق قدره من عبد معه غيره وجعل له ندا وأنكر صفاته وأفعاله بل كيف يقدره حق قدره من أنكر أن يكون له يدان فضلا عن أن يقبض بهما شيئا فلا يد عند المعطلة ولا قبض في الحقيقة وإنما ذلك مجاز. وقد شرح تعالى لعباده ذكر هذين الاسمين: العلي العظيم في الركوع والسجود كما ثبت في الصحيح لما نزلت: فسبح باسم ربك العظيم [الواقعة: 74] قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; اجعلوها في ركوعكم quot; فلما نزلت: سبح اسم ربك الأعلى [الأعلى: 1] قال: quot; اجعلوها في سجودكم quot; فهو سبحانه كثيرا ما يقرن في وصفه بين هذين الاسمين كقوله: وهو العلي العظيم [البقرة: 255]  وقوله: وهو العلي الكبير [سبأ: 23]  وقوله: عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال [الرعد: 9] ثبت بذلك علوه على المخلوقات وعظمته والعلو رفعته والعظمة قدره ذاتا ووصفا.  [نفي الشبيه ليس في نفسه مدح] الخمسون: أن هؤلاء المعارضين بين الوحي والعقل إنما يدللون بنفي التشبيه والتمثيل ويجعلونه جنة لتعطيلهم فأنكروا علوه وكلامه وتكليمه وغير ذلك مما أخبر الله به عن نفسه وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم حتى آل ذلك ببعضهم إلى نفي ذاته وماهيته(1\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "198",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12596",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خشية التشبيه وقالوا: هو وجود محض لا ماهية له ونفى آخرون وجوده بالكلية خشية التشبيه وقالوا: يلزم في الوجود ما يلزم مثبتي الصفات والكلام والعلو فنحن نسد الباب بالكلية. فينبغي أن يعلم في هذا قاعدة عظيمة نافعة جدا هي: أن نفي الشبيه والمثل والنظير ليس في نفسه صفة مدح ولا كمال ولا يمدح به المنفي عنه ذلك بمجرده فإن العدم المحض الذي هو أخس المعلومات وأنقصها ينفى عن الشبه والمثل والنظير ولا يكون ذلك كمالا ولا مدحا إلا إذا تضمن كون من نفى عنه ذلك قد اختص من صفات الكمال بصفات باين بها غيره وخرج بها عن أن يكون له فيها نظير أو مثل فهو لتفرده بها عن غيره صح أن ينفي عنه الشبه والمثيل ولا يقال لمن لا سمع له ولا بصر ولا حياة ولا علم ولا كلام ولا فعل: ليس له مثل ولا شبه ولا نظير إلا في باب الذم والعيب هذا الذي عليه فطر الناس وعقولهم واستعمالهم في المدح والذم كما قيل: ليس كمثل الفتى زهير ... خلق يساويه في الفضائل وقال الفرزدق () : فما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أخوه يقاربه أي فما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكا هو أخوه فعكس المعطلة المعنى فجعلوا ليس كمثله شيء [الشورى: 11] جنة يتترسون بها لنفي علو الله سبحانه على عرشه وتكليمه لرسله وإثبات صفات كماله. ومما ينبغي أن يعلم أن كل سلب ونفي لا يتضمن إثباتا فإن الله لا يوصف به لأنه عدم محض ونفي صرف لا يقتضي مدحا ولا كمالا ولهذا كان تسبيحه وتقديسه مستلزمين لعظمته ومتضمنين لصفات كماله وإلا فالمدح بالعدم المحض كلا مدح ولهذا كان عدم السنة والنوم مدحا وكمالا في حقه لتضمنه أو استلزامه كمال حياته وقيوميته ونفي اللغوب عنه كمال لاستلزامه كمال قدرته وقوته ونفي النسيان عنه كمال لتضمنه كمال علمه وكذلك نفي عزوب شيء عنه ونفي الصاحبة والولد كمال(1\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "199",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12597",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لتضمنه كمال غناه وتفرده بالربوبية وأن من في السماوات والأرض عبيد له وكذلك نفي الكفء والسمي والمثل عنه كمال لأنه مستلزم ثبوت جميع أوصاف الكمال له على أكمل الوجوه واستحالة مشارك له فيها. فالذين يصفونه بالسلوب من الجهمية والفلاسفة لم يعرفوه من الوجه الذي عرفته به الرسل وعرفوه به إلى الخلق وهو الوجه الذي يحمد به ويعرف به عظمته وجلاله وإنما عرفوه من الوجه الذي يقودهم إلى تعطيل العلم والمعرفة والإيمان به لعدم اعتقادهم الحق وحقيقة أمرهم أنهم لم يثبتوا لله عظمة إلا ما تخيلوه في نفوسهم من السلوب والنفي الذي لا عظمة فيه ولا مدح فضلا عن أن يكون كمالا بل ما أثبتوه مستلزم لنفي ذاته رأسا. وأما الصفاتية الذين يؤمنون ببعض ويجحدون بعضا فإذا أثبتوا علما وقدرة وإرادة وغيرها تضمن ذلك إثبات ذات تقوم بهذه الصفات وتتميز بحقيقتها وماهيتها: سواء سموه قدرا أو لم يسموه فإن لم يثبتوا ذاتا متميزة بحقيقتها وماهيتها كانوا قد أثبتوا صفات بلا ذات كما أثبت إخوانهم ذاتا بغير صفات وأثبتوا أسماء بلا معان وذلك كله مخالف لصريح العقول فلا بد من إثبات ذات محققة لها الأسماء الحسنى وإلا فأسماء فارغة لا معنى لها لا توصف بحسن فضلا عن كونها أحسن من غيرها يوضحه: الوجه الحادي والخمسون: أن الله سبحانه قرن بين هذين الاسمين الدالين على علوه وعظمته في آخر آية الكرسي وفي سورة الشورى وفي سورة الرعد وفي سورة سبأ في قوله: ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير [سبأ: 23] ففي آية الكرسي ذكر الحياة التي هي أصل جميع الصفات وذكر معها قيوميته المقتضية لدوامه وبقائه وانتفاء الآفات جميعها عنه من النوم والسنة والعجز وغيرها ثم ذكر كمال ملكه ثم عقبه بذكر وحدانيته في ملكه وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ثم ذكر سعة علمه وإحاطته ثم عقبه بأنه لا سبيل للخلق إلى علم شيء من الأشياء إلا بعد مشيئته لهم أن يعلموه ثم ذكر سعة كرسيه منبها به على سعته سبحانه وعظمته وعلوه وذلك توطئة بين يدي علوه وعظمته ثم أخبر عن كمال اقتداره وحفظه للعالم العلوي(1\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "200",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12598",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والسفلي من غير اكتراث ولا مشقة وتعب ثم ختم الآية بهذين الاسمين الجليلين الدالين على علو ذاته وعظمته في نفسه. وقال في سورة طه: يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما [طه: 110] وقد اختلف في مفسر الضمير في (به) فقيل هو الله سبحانه أي: ولا يحيطون بالله علما وقيل هو: ما بين أيديهم وما خلفهم [طه: 110] فعلى الثاني يرجع إلى المعلوم وهذا القول يستلزم الأول من غير عكس لأنهم إذا لم يحيطوا ببعض معلوماته المتعلقة بهم فإن لا يحيطون علما به سبحانه من باب أولى. كذلك الضمير في قوله: ولا يحيطون بشيء من علمه [البقرة: 255] يجوز أن يرجع إلى الله ويجوز أن يرجع إلى ما بين أيديهم وما خلفهم [طه: 110] ولا يحيطون بشيء من علم ذلك إلا ما شاء فعلى الأول يكون المصدر مضافا إلى الفاعل وعلى الثاني يكون مضافا إلى المفعول. والمقصود أنه لو كان العلي العظيم إنما يريد به اتصافه بالعلم والقدرة والملك ومواضع ذلك كان تكريرا فإن ذكر ذلك مفصلا أبلغ من الدلالة عليه بما لا يفهم إلا بكلفة وكذلك إذا قيل: إن علوه مجرد كونه أعظم من مخلوقات وأفضل منها فهذا هضم عظيم لهاتين الصفتين العظيمتين وهذا لا يليق ولا يحسن أن يذكر ويخبر به عنه إلا في معرض الرد لمن ساوى بينه وبين غيره في العبادة والتأله كقوله تعالى: قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون [النمل: 59] وقول يوسف الصديق: أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار [يوسف: 39] فهذا السياق يقال في مثله: إن الله خير مما سواه وأما بعد أن يذكر مالك الكائنات ويقال مع ذلك إنه أفضل من مخلوقاته وأعظم من مصنوعاته فهذا ينزه عنه كلامه وإنما يليق بهؤلاء الذين يجعلون لله مثل السوء في كلامه ويجعلون ظاهره كفرا تارة وضلالة أخرى وتارة تجسيما وتشبيها ويقولون فيه ما لا يرضى أحدنا أن يقوله في كلامه.(1\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "201",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12599",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل حجة الجهمي أنه سبحانه لا يرضى ولا يغضب ولا يحب ولا يسخط والجواب عنها] فصل في ذكر حجة الجهمي على أنه سبحانه لا يرضى ولا يغضب ولا يحب ولا يسخط ولا يفرح والجواب عنها احتج الجهمي على امتناع ذلك عليه بأن هذا انفعال وتأثير عن العبد والمخلوق لا يؤثر في الخالق فلو أغضبه أو فعل ما يفرح به لكان المحدث قد أثر في القديم تلك الكيفيات وهذا محال هذه الشبهة من جنس شبههم التي تدهش السامع أول ما تطرق سمعه وتأخذ منه تروعه كالسحر الذي يدهش الناظر أول ما يراه. والجواب من وجوه: أحدها: أن الله تعالى خالق كل شيء وربه ومليكه وكل ما في الكون من أعيان وأفعال وحوادث فهي بمشيئته وتكوينه فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فصفتان لا تخصيص فيهما بوجه من الوجوه وكل ما يشاؤه إنما يشاؤه لحكمة اقتضاها حمده ومجده فحكمته البالغة أوجبت كل ما في الكون من الأسباب والمسببات فهو سبحانه خالق الأسباب التي ترضيه وتغضبه وتسخطه وتفرحه والأشياء التي يحبها ويكرهها الله سبحانه خالق ذلك كله فالمخلوق أضعف وأعجز أن يؤثر فيه بل هو الذي خلق ذلك كله على علمه فإنه يحب هذا ويرضى هذا ويبغض هذا ويسخط هذا ويفرح بهذا فما أثر فيه غيره بوجه من الوجوه. الثاني: أن التأثير لفظ فيه اشتباه وإجمال أتريد به أن غيره لا يعطيه كمالا لم يكن له ويوجد فيه صفة كان فاقدها فهذا معلوم بالضرورة أم تريد أن غيره لا يسخطه ولا يغضبه ولا يفعل ما يفرح به أو يحبه أو يكرهه ونحو ذلك فهذا غير ممتنع وهو أول المسألة وليس معك في نفيه إلا مجرد الدعوى بتسمية ذلك تأثيرا في الخالق وليس الشأن في الأسماء إنما الشأن في المعاني والحقائق وقد قال تعالى: ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه [محمد: 28] وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر في أهل الصفة: quot; لإن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك quot;. الثالث: أن هذا يبطل محبته لطاعة المؤمنين وبغضه لمعاصي المخالفين فهذا(1\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "202",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12600",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا معلوم البطلان بالضرورة والعقل والفطر الإنسانية واتفاق أهل الأديان كلهم بل هذا حقيقة دعوة الرسل بعد التوحيد. الرابع: أن هذا ينتقض بإجابة دعواتهم وسماع أصواتهم ورؤية أفعالهم وحركاتهم فإن هذه كلها أمور متعلقة بأفعالهم فما كان جوابك عنها في محل الإلزام. الخامس: أنه سبحانه إذا كان يحب أمورا وتلك الأمور محبوبة لها لوازم يمتنع وجودها بدونها كان وجود تلك الأمور مستلزما للوازمها التي لا توجد بدونها مثاله محبته للعفو والمغفرة والتوبة فهذه المحبوبات تستلزم وجود ما يعفو عنه ويغفره ويتوب إليه العبد منه ووجود الملزوم بدون لازمه محال فلا يمكن حصول محبوباته سبحانه من التوبة والعفو والمغفرة بدون الذي يتاب منه ويغفره ويعفو عنه ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم quot; وهذا هو الذي وردت الأحاديث الصحيحة بالفرح به وهذا المفروح به يمتنع وجوده قبل الذنب فضلا من أن يكون فهذا المفروح به يحب تأخره قطعا ومثل هذا ما روي أن آدم لما رأى بنيه ورأى تفاوتهم قال: يا رب هلا سويت بين عبادك قال: إني أحب أن أشكر  ومعلوم أن محبته للشكر على ما فضل به بعضهم على بعض ولا يحصل ذلك بالتسوية بينهم فإن الجمع بين التسوية والتفضيل جمع بين النقيضين وذلك محال. الوجه الثاني والخمسون: أن هذه المعارضة بين العقل والنقل هي أصل كل فساد في العالم وهي ضد دعوة الرسل من كل وجه فإنهم دعوا إلى تقديم الوحي على الآراء والعقول وصار خصومهم إلى ذلك فأتباع الرسل قدموا الوحي على الرأي والمعقول وأتباع إبليس أو نائب من نوابه قدموا العقل على النقل. وقال محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في كتابه الملل والنحل: اعلم أن أول شبهة وقعت في الخلق شبهة إبليس ومصدرها استبداده بالرأي في مقابلة النص واختياره الهوى في معارضة الرأي واستكباره بالمادة التي خلق منها وهي النار على مادة آدم وهي الطين وتشعبت عن هذه الشبهة سبع شبهات صارت هي مذاهب بدعة(1\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "203",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12601",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وضلالة وتلك الشبهات مسطورة في شرح الأناجيل الأربعة ومذكورة في التوراة متفرقة على شكل مناظرة بينه وبين الملائكة بعد الأمر بالسجود والامتناع منه قال: كما نقل عنه: إني سلمت أن الباري إلهي وإله الخلق عالم قادر ولا يسأل عن قدرته ومشيئته وإذا أراد شيئا قال له كن فيكون [البقرة: 117] وهو حكيم إلا أنه يتوجه على مساق حكمته أسئلة سبعة: أولها: قد علم قبل خلقي أي شيء يصدر عني ويحصل فلم خلقني أولا وما الحكمة في خلقه إياي . الثاني: إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئته فلم كلفني بمعرفته وطاعته وما الحكمة في التكليف بعد ألا ينتفع بطاعته ولا يتضرر بمعصيته الثالث: إذ خلقني وكلفني فالتزمت تكليفه بالمعرفة والطاعة فعرفت وأطعت فلم كلفني بطاعة آدم والسجود له وما الحكمة في هذا التكليف على الخصوص بعد أن لا يزيد ذلك في طاعتي ومعرفتي الرابع: إذ خلقني وكلفني على الإطلاق وكلفني هذا التكليف على الخصوص فإذا لم أسجد لعنني وأخرجني من الجنة ما الحكمة في ذلك بعد إذ لم أرتكب قبيحا إلا قولي: لا أسجد إلا لك الخامس: إذ خلقني وكلفني مطلقا وخصوصا ولم أطع فلعنني وطردني فلم طرقني إلى آدم حتى دخلت الجنة ثانيا وغررته بوسوستي فأكل من الشجرة المنهي عنها وأخرجه من الجنة معي وما الحكمة في ذلك بعد أن لو منعني من دخول الجنة لاستراح مني وبقي خالدا في الجنة السادس: إذ خلقني كلفني عموما وخصوصا ولعنني ثم طرقني إلى الجنة وكانت الخصومة بيني وبين آدم فلم سلطني على أولاده حتى أراهم من حيث لا يروني وتؤثر فيهم وسوستي ولا يؤثر في حولهم وقوتهم وقدرتهم واستطاعتهم وما الحكمة في ذلك بعد أن لو خلقهم على الفطرة دون من يجتالهم عنها فيعيشوا طاهرين سامعين مطيعين كان أحرى وأليق بالحكمة السابع: سلمت هذا كله خلقني وكلفني مطلقا ومقيدا وحيث لم أطع لعنني وطردني ومكنني من دخول الجنة وطرقني وإذ عملت عملا أخرجني ثم سلطني على(1\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "204",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12602",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بني آدم فلم إذ استمهلته أمهلني فقلت فأنظرني إلى يوم يبعثون [الحجر: 36] فقال فإنك من المنظرين - إلى يوم الوقت المعلوم [الحجر: 37 - 38] وما الحكمة في ذلك بعد أن لو أهلكني في الحال استراح الخلق مني وما بقي شر في العالم أليس بقاء العالم على نظام الخير خير من امتزاجه بالشر قال: فهذه حجتي على ما ادعيته في كل مسألة. قال شارح الإنجيل: فأوحى الله تعالى إلى الملائكة قالوا له: إنك في مسألتك الأولى: إني إلهك وإله الخلق غير صادق ولا مخلص إذ لو صدقت أني رب العالمين ما احتكمت علي بلم فأنا الله الذي لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل والخلق مسئولون قال: هذا مذكور في التوراة والزبور مسطور في الإنجيل على الوجه الذي ذكرته وكنت برهة من الزمان أتفكر وأقول: من المعلوم الذي لا مرية فيه أن كل شبهة وقعت لبني آدم فإنما وقعت من إضلال الشيطان ووساوسه ونشأت من شبهاته وإذا كانت الشبهات محصورة في سبع عادت كبار البدع والضلال إلى سبع ولا يجوز أن تعدوها شبهة أهل الزيغ والكفر وإن اختلفت العبارات وتباينت الطرق فإنها بالنسبة إلى أنواع الضلالات كالبذر ترجع جملتها إلى إنكار الأمر بعد الاعتراف بالخلق وإلى الجنوح إلى الهوى والرأي في مقابلة النص والذين جادلوا هودا ونوحا وصالحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا وموسى وعيسى ومحمدا صلوات الله وسلامه عليهم كلهم نسجوا على منوال اللعين الأول في إظهار شبهاتهم وحاصلها يرجع إلى رفع التكليف عن أنفسهم وجحد أصحاب التكاليف والشرائع عن هذه الشبهة نشأ فإنه لا فرق بين قولهم: أبشر يهدوننا [التغابن: 6] وبين قوله: أأسجد لمن خلقت طينا [الإسراء: 61]  ومن هذا قوله تعالى: وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا [الإسراء: 94]  فبين أن المانع من الإيمان هو هذا المعنى كما قال المتقدم: أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين [الزخرف: 52]  وكذلك لو تعقبنا أقوال المتأخرين منهم وجدناها مطابقة لأقوال المتقدمين: كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم [البقرة: 118] فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل [الأعراف: 101]  فاللعين الأول لما حكم العقل(1\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "205",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12603",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على من لا يحتكم عليه العقل أجرى حكم الخالق في الخلق وحكم الخلق في الخالق والأول غلو والثاني تقصير فثار من الشبهة الأولى مذاهب الحلولية والتناسخية والمشبهة والغلاة من الرافضة من حيث غلوا في حق شخص من الأشخاص حتى وصفوه بأوصاف الجلال وثار من الشبهة الثانية مذاهب القدرية والجبرية والمجسمة حيث قصروا في وصفه تعالى بصفات المخلوقين والمعتزلة مشبهة الأفعال ومشبهة الصفات وكل منهما أعور فإن من قال: يحسن منه ما يحسن منا ويقبح منه ما يقبح منا فقد شبه الخالق بالخلق ومن قال: يوصف الباري بما يوصف به الخلق أو يوصف الخلق بما يوصف به الباري فقد اعتزل عن الحق وشيخ القدرية طلب العلة في كل شيء وذلك الشيخ اللعين الأول إذ طلب العلة في الخلق أولا والحكمة في التكليف ثانيا والمعاندة في تكليف السجود لآدم ثالثا. ثم ذكر الخوارج والمعتزلة والروافض وقال: رأيت شبهاتهم كلها نشأت من شبهات اللعين الأول وإليه أشار التنزيل بقوله: ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين [البقرة: 168] وقال صلى الله عليه وسلم: quot; لتسلكن سبل الأمم قبلكم حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه quot;. فهذه القصة في المناظرة هي نقل أهل الكتاب ونحن لا نصدقها ولا نكذبها وكأنها والله أعلم مناظرة وضعت على لسان إبليس وعلى كل حال فلا بد من الجواب عنها سواء صدرت عنه أو قيلت على لسانه فلا ريب أنها من كيده وقد أخبر تعالى إن كيد الشيطان كان ضعيفا. [النساء: 76] فهذه الأسئلة والشبهات من أضعف الأسئلة عند أهل العلم والإيمان وإن صعب موقعها عند من أصل أصولا فاسدة كانت سدا بينه وبين ردها وقد اختلفت طرق(1\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "206",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12604",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الناس في الأجوبة عنها فقال المنجمون وزنادقة الطبائعيين والفلاسفة: لا حقيقة لآدم ولا لإبليس ولا لشيء من ذلك بل لم يزل الوجود هكذا ولا يزال نسلا بعد نسل وأمة بعد أمة وإنما أمثال مضروبة لانفعال القوى النفسانية الصالحة لهذا البشر وهذه القوى هي المسماة في الشرائع بالملائكة واستعصت القوى الغضبية والشهوانية وهي المسماة بالشياطين فعبروا عن خضوع القوى الخيرية الفاضلة بالسجود وعبر عن إباء القوى الشريرة بالإباء والاستكبار وترك السجود قالوا: والحكمة الإلهية اقتضت تركيب الإنسان على هذا الوجه وإسكان هذه القوى فيه وانقياد بعضها له وإباء بعضها فهذا شأن الإنسان ولو كان على غير هذا التركيب لم يكن إنسانا قالوا: وبهذا تندفع الأسئلة كلها وإنها بمنزلة أن يقال: لم أحوج الإنسان إلى الأكل والشرب واللباس ولما أحوجه إليها فلم جعله يبول ويتغوط ويمخط ولم جعله يهرم ويمرض ويموت فإن هذه الأمور من لوازم النشأة الإنسانية فهذه الطائفة رفعت القواعد من أصلها وأبطلت آدم وإبليس والملائكة وردت الأمر إلى مجرد قوى نفسانية وأمور معنوية. وقالت الجبرية ومنكرو العلل والحكم: هذه الأسئلة إنما ترد على من يفعل لعلة أو غرض أو لغاية فأما من لا علة لفعله ولا غاية ولا غرض بل يفعل بلا سبب فإنما مصدر مفعولاته محض مشيئته وغايتها مطابقتها بعلمه وإرادته فيجيء فعله على وفق إرادته وعلمه وعلى هذا فهذه الأسئلة فاسدة كلها إذ مبناها على أصل واحد وهو تعليل أفعال من لا تعلل أفعاله ولا يوصف بحسن ولا قبح عقليين بل الحسن ما فعله أو ما يفعله فكله حسن لا يسأل عما يفعل وهم يسألون [الأنبياء: 23]  قالوا: والقبح والظلم هو تصرف الإنسان في غير ملكه فأما تصرف الملك الحق في ملكه من غير أن يكون تحت حجر حاجر أو أمر آمر أو نهي ناه فإنه لا يكون ظلما ولا قبيحا فرفع هؤلاء الأسئلة من أصلها والتزموا لوازم هذا الأول بأنه لا يجب على الله شيء ولا يحرم عليه شيء ولا يقبح منه ممكن. وقالت القدرية: هذا لا يرد على أصولنا وإنما يرد على أصول الجبرية القائلين بأن الله تعالى خالق أفعال العباد وطاعتهم ومعاصيهم وإيمانهم وكفرهم وأنه قدر ذلك عليهم قبل أن يخلقهم وعلمه منهم وخلقهم له فخلق أهل الكفر للكفر وأهل الفسوق للفسوق قدر ذلك عليهم وشاءه منهم وخلقه فيهم فهذه الأسئلة واردة(1\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "207",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12605",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليهم وأما نحن فعندنا أن الله تعالى عرضهم للطاعة والإيمان وأقدرهم عليه ومكنهم منه ورضيه لهم وأحبه ولكنهم اختاروا لأنفسهم الكفر والعصيان والله تعالى لم يكرههم على ذلك ولم يجبلهم عليه ولا شاءه منهم ولا كتبه عليهم ولا قدره ولا خلقهم له ولا خلقه فيهم ولكنها أعمال هم لها عاملون وشرور هم لها فاعلون فإنما خلق إبليس لطاعته وعبادته ولم يخلق لمعصيته والكفر به وصرح قدماء هذه الفرقة بأن الله سبحانه لم يكن يعلم من إبليس حين خلقه أنه يصدر منه ما صدر ولو علم ذلك منه لم يخلقه وأبى متأخرون ذلك وقالوا: بل كان سبحانه عالما به وخلقه امتحانا لعباده ليظهر المطيع له من العاصي والمؤمن من الكافر وليثيب عباده على معاداته ومحاربته ومعصيته أفضل الثواب قالوا: وهذه الحكمة اقتضت بقاءه حتى تنقضي الدنيا وأهلها قالوا: وأمره بالسجود ليطيعه فيثيبه فاختار لنفسه المعصية والكفر من غير إكراه من الرب ولا إلجاء له إلى ذلك ولا حال بينه وبين السجود ولا سلط على آدم وذريته قهرا وقد اعترف عدو الله بذلك حيث يقول: وما كان لي عليكم من سلطان [إبراهيم: 22]  وقال تعالى: وما كان له عليهم من سلطان [سبأ: 21] قالوا: فاندفعت تلك الأسئلة وظهر أنها ترد على أصول الجبرية لا على أصولنا. وقالت الفرقة الناجية حزب الله ورسوله: كيف يطمع في الرد على عدو الله من قد شاركه في أصله وفي بعض شبهه فإن عدو الله أصل معارضة النص بالرأي فيترتب على تأصيله هذه الأسئلة وأمثالها فمن عارض النقل بالعقل فهو شريكه من هذا الوجه فلا يمكن من الرد التام عليه ولهذا لما شاركه زنادقة الفلاسفة والمنجمين والطبائعيين في هذا الأصل أنكروا وجوده ووجود آدم والملائكة فضلا عن قصة أمره بالسجود وإبائه وما ترتب عليه ولما أنكرت الجبرية الحكم والتعليل والأسباب عجزوا عن جواب أسئلة وسدوا على نفوسهم باب استماعها والجواب عنها وفتحوا باب مكابرة العقول الصحيحة في إنكار تحسين العقل وتقبيحه وإنكار الأسباب والقوى والطبائع والحكم والغايات المحمودة التي لأجلها يفعل الرب ما يفعله وجوزوا عليه أن يفعل كل شيء وأن يأمر بجميع ما نهى عنه وينهى عن كل ما أمر به ولا فرق عندهم البتة بين المأمور والمحظور والكل سواء في نفس الأمر ولكن هذا صار حسنا بأمره لأنه في نفسه وذاته حسن وهذا صار قبيحا بنهيه لأنه في نفسه وذاته قبيح.(1\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "208",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12606",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولما وصلت القدرية إنكار عموم قدرة الرب سبحانه ومشيئته لجميع الكائنات وأخرجت أفعال عبده خيرها وشرها عن قدرته ومشيئته لخلقه وأثبتت لله تعالى شريعة بعقولهم حكمت عليه بها واستحسنت منه ما استحسنت من أنفسها واستقبحت منه ما استقبحته من أنفسها وعارضت بين الأدلة السمعية الدالة على خلاف ما أصلوه وبين العقل ثم راموا الرد على عدو الله فعجزوا عن الرد التام عليه وإنما يتمكن من الرد عليه كل الرد من تلقى أصوله عن مشكاة الوحي ونور النبوة ولم يؤصل أصلا برأيه. فأول ذلك أنه علم أن هذه الأسئلة ليست من كلام الله الذي أنزله على موسى وعيسى مخبرا بها عن عدوه كما أخبر عنه في القرآن بكثير من قوله وأفعاله وإدخال بعض أهل الكتاب لها في تفسير التوراة والإنجيل كما نجد بالمسلمين من يدخل في تفسير القرآن كثيرا من الأحاديث والأخبار والقصص التي لا أصل لها وإذا كان هذا في هذه الأمة التي هي أكمل الأمم علوما وعقولا فما الظن بأهل الكتاب الوجه الثاني: أن يقال لعدو الله: قد ناقضت في أسئلتك ما اعترفت به غاية المناقضة وجعلت ما أسلفت من التسليم والاعتراف مبطلا لجميع أسئلتك متضمنا للجواب عنها قبل ذكرها وذلك أنك قلت: رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين - إلا عبادك منهم المخلصين [الحجر: 39 - 40] فاعترفت بأنه ربك وخالقك ومالكك وأنك مخلوق له مربوب تحت أوامره ونواهيه وإنما شأنك أن تتصرف في نفسك تصرف العبد المأمور المنهي المستعذب لأوامر سيده ونواهيه وهذه الغاية التي خلقت لها وهي غاية الخلق وكمال سعادتهم وهذا الاعتراف منك بربوبيته وقدرته وعزته يتضمن إقرارك بكمال علمه وحكمته وغناه وأنه في كل ما أقر عليم حكيم لم يأمر عبده لحاجة منه إلى ما أمر به عبده ولا نهاه بخلا عليه بما نهاه بل أمره رحمة منه به وإحسانا إليه بما فيه صلاحه في معاشه ومعاده وما لا صلاح له إلا به ونهاه عما في ارتكابه فساده في معاشه ومعاده فكانت نعمته عليه بأمره ونهيه أعظم من نعمته عليه بمأكله ومشربه ولباسه وصحة بدنه بما لا نسبة بينهما كما قال سبحانه في آخر فصل مع الأبوين: يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون [الأعراف: 26] فأخبر سبحانه أن لباس التقوى وزينتها خير من المال والريش والجمال الظاهر.(1\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "209",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12607",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالله تعالى خلق عبده وجمل ظواهرهم بأحسن تقويم وجمل بواطنهم بهدايتهم إلى الصراط المستقيم ولهذا كانت صورتك قبل معصية ربك من أحسن الصور وأنت مع ملائكته الأكبرين فلما وقع ما وقع جعل صورتك وشناعة منظرك مثلا يضرب لكل قبيح كما قال تعالى: طلعها كأنه رءوس الشياطين [الصافات: 65] فهذه أول نقدة تعجلتها من معصيته ولا ريب أنك تعلم أنه أحكم الحاكمين وأعلم العالمين وأغنى الأغنياء وأرحم الراحمين وأنه لم يأمر العباد إلا بما فعله خير لهم وأصلح وأنفع لهم من تركه فأمرهم بما أمرهم لمصلحة عائدة عليهم كما رزقهم الطعام والشراب وغيرهما من النعم فالسعداء استعملوا أمره وشرعه لحفظ صحة قلوبهم وكماله وصلاحها بمنزلة استعمالهم رزقه لحفظ صحة أجسامهم وصلاحها وتيقنوا أنه كما لا بقاء للبدن ولا صحة ولا صلاح إلا بتناول غذائه الذي جعل له فكذلك لا صلاح للقلب والروح ولا فلاح ولا نعيم إلا بتناول غذائه الذي جعل له. هذا وإن ألقيت إلى طائفة من الناس أنه لا مصلحة للمكلفين فيما أمروا به ونهوا عنه ولا منفعة لهم فيه ولا خير ولا فرق في نفس الأمر بين فعل هذا وترك هذا ولكن أمروا ونهوا لمجرد الامتحان والاختيار ولا فرق فلم يؤمروا بحسن ولم ينهوا عن قبيح بل ليس في نفس الأمر لا حسن ولا قبيح ومن عجيب أمرك وأمرهم أنك أوحيت إليهم هذا فردوا به عليك فجعلوه جواب أسئلتك فدفعوها كلها وقالوا: إنما تتوجه هذه الأسئلة في حق من يفعل لعلة أو غرض وأما من فعله بريء من العلل والأغراض فلا يتوجه عليه سؤال واحد من هذه الأسئلة فإن كانت هذه القاعدة حقا فقد اندفعت أسئلتك كلها وإن كانت باطلا والحق في خلافها فقد بطلت أسئلتك أيضا كما تقدم يوضحه: الوجه الثالث: أن تقول لعدو الله: إما أن تسلم حكم الله في خلقه وأمره وإما أن تجحده وتنكره فإن سلمتها وأنه سبحانه حكيم في خلقك حكيم في أمرك بالسجود بطلت الأسئلة وكنت معترفا بأنك أوردتها على من تبهر حكمته العقول فبتسليمك هذه الحكمة التي لا سبيل للمخلوقين إلى المشاركة فيها يعود على أسئلتك الفاسدة بالنقض وإن رجعت عن الإقرار له بالحكمة وقلت: لا يفعل لحكمة البتة بل لا يسأل عما يفعل وهم يسألون [الأنبياء: 23] فما وجه إيراد هذه الأسئلة على من لم(1\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "210",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12608",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "إدراك حكمة الله في خلقه",
        "content": "يفعل لحكمة فقد أوردت الأسئلة على من لا يسأل عما يفعل وطعنت في حكمة من كل أفعاله حكمة ومصلحة وعدل وخير بمعقولك الفاسد. الوجه الرابع: أن الله فطر عباده حتى الحيوان على استحسان وضع الشيء في موضعه والإتيان به في وقته وحصوله على الوجه المطلوب منه وعلى استقباح ضد ذلك وخلافه وأن الأول دال على كمال فاعله وعلمه وقدرته وضده دال على نقصه وهذه فطرة لا يمكنهم الخروج عن موجبها فهو سبحانه يضع الأشياء في مواضعها التي لا يليق بها سواها ويخصها من الصفات والأشكال والهيئات والمقادير بما هو أنسب لها من غيره وأبرزها في أوقاتها المناسبة لها ومن له نظر صحيح وأعطى التأمل حقه شهد ذلك فيما رآه وعلمه واستدل بما شاهده على ما خفي عنه وقد ندب سبحانه عباده إلى ذلك فقال وفي أنفسكم أفلا تبصرون [الذاريات: 21] .  [إدراك حكمة الله في خلقه] ومن نظر في هذا العالم وتأمله حق تأمل وجده كالبيت المبني المعد فيه جميع عتاده فالسماء مرفوعة كالسقف والأرض ممدودة كالبساط والنجوم منضودة كالمصابيح والمنافع مخزونة كالذخائر كل شيء منها لأمر يصلح له والإنسان المخول فيه وضروب النبات مهيئات لمآربه وصنوف الحيوان مصرفة في مصالحه فمنها ما هو للدر والنسل والغذاء فقط ومنها ما هو لمركوب والحملة فقط ومنها ما هو للجمال والزينة ومنها ما يجمع ذلك كله بالإبل وجعل أجوافها خزائن لما هو شراب وغذاء ودواء وشفاء ففيها عبرة للناظرين وآيات للمتوسمين وفي الطير واختلاف أنواعها وأشكالها وألوانها ومقاديرها ومنافعها وأصواتها صافات وقابضات وغاديات ورائحات ومقيمات وظاعنات أعظم عبرة وأعظم دلالة على حكمة الخلاق العليم وكل ما أخذه الناس وأدركوه بالأفكار الطويلة والتجارب المتعددة من أصناف الآلات والمصانع وغيرها إذا فكر فيها المتفكر وجدها مشتقة من الخلقة ومستنبطة من الصنع الإلهي. مثال ذلك أن القبان مستنبط من خلقه البعير فإنهم لما رأوه ينهض بحمله وينوء به ويمد عنقه ويوازن حمله برأسه استنبطوا القبان من ذلك وجعلوا طول حديدته في مقابلة طول العنق ورمان القبان في مقابلة رأس البعير فتم لهم ما استنبطوه كذلك استنبطوا بناء الأقبية من ظهره فإنهم وجدوه يحمل ما لا يحمل غيره فتأملوا ظهره فإذا(1\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "211",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12609",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو كالقبو فعلموا أن القبو يحمل ما لا يحمل السطح وكذلك ما استنبطه الحذاق لكل من كل بصره أن يديم النظر إلى إجانة خضراء مملوءة ماء استنباطا من حكمة الخلاق العليم في لون السماء فإن لونها أشد الألوان موافقة للبصر فجعل أديمها بهذا اللون ليمسك الأبصار ولا ينكأ فيها بطول مباشرته لها وإذا فكرت في طلوع الشمس وغروبها لإقامة دولتي الليل والنهار ولولا طلوعها لبطل أمر هذا العالم فكم في طلوعها من الحكم والمصالح وكيف يكون حال الحيوان لو أمسكت عنه وجعل الليل عليه سرمدا والدنيا مظلمة عليه فبأي نور كانوا يتصرفون وكيف كانت تنضج ثمارهم وتكمل أقواتهم وتعتدل صورهم فالحكم في طلوعها أعظم من أن تختفي أو تحصى ولكن تأمل الحكمة في غروبها فلولا غروبها لم يكن للحيوان هدوء ولا قرار مع شدة حاجتهم إلى الهدوء والراحة وأيضا لو دامت على الأرض لاشتد حرها بدوام طلوعها عليها فاحترق كل ما عليها من حيوان ونبات فاقتضت حكمة الخلاق العليم والعزيز الحكيم أن جعلها تطلع عليهم في وقت دون وقت بمنزلة سراج يرفع لأهل الدار مليا ليقضوا مأربهم ثم يغيب عنهم مثل ذلك ليقروا ويهدءوا وصار ضياء النهار وحرارته وظلام الليل وبرده على تضادهما وما فيهما متظاهرين متعاونين على ما فيه صلاح العالم وقوامه. ثم اقتضت حكمته أن جعل للشمس ارتفاعا وانحطاطا لإقامة هذه الفصول الأربعة من السنة وما فيها من قيام الحيوان والنبات ففي زمن الشتاء تفور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد فيها مواد النار ويغلظ الهواء بسبب الرد فيصير مادة للسحاب فيرسل العزيز الحكيم الريح المثيرة فتنشره قزعا ثم يرسل عليه المؤلفة فتؤلف بينه حتى يصير طبقا واحدا ثم يرسل عليه الريح اللاقحة التي فيها مادة الماء فتلقحه كما يلقح الذكر الأنثى فيحمل الماء من وقته فإذا كان بروز الحمل وانفصاله أرسل عليه الريح الذارية فتذروه وتفرقه في الهواء لئلا يقع صبة واحدة فيهلك ما على الأرض وما أصابه ويقل الانتفاع به فإذا أسقى ما أمر بسقيه وفرغت حاجتهم منه أرسل عليه الرياح السائقة فتسوقه وتزجيه إلى قوم آخرين وأرض أخرى محتاجة إليه فإذا جاء الربيع(1\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "212",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12610",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تحركت الطبائع وظهرت المواد الكامنة في الشتاء فخرج النبات وأخذت الأرض زخرفها وازينت وأنبتت من كل زوج كريم فإذا جاء الصيف سخن الهواء وتحللت فضلات الأبدان فإذا جاء الخريف كسر ذلك السموم والحرور وبرد الهواء واعتدل وأخذت الأرض والشجر في الراحة والجموم والاستعداد للحمل الآخر. واقتضت حكمته سبحانه أن أنزل الشمس والقمر في البروج وقدر لهما المنازل ليعلم العباد عدد السنين والحساب من الشهور والأعوام فتتم بذلك مصالحهم وتعلم بذلك آجال معاملاتهم ومواقيت حجهم وعباداتهم ومدد أعمارهم وغير ذلك من مصالح حسابهم فالزمن مقدار الحركة ألا ترى أن السنة الشمسية مسير الشمس من الحمل إلى الحمل واليوم مقدار مسيرها من المشرق إلى المغرب وتحرك الشمس والقمر لكمال الزمان من يوم خلقا إلى أن يجمع الله بينهما ويعزلهما عن سلطانهما ويرى عابديهما أنهم عبدوا الباطل من دونه قال تعالى: هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون [يونس: 5]  وقال تعالى: وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا [الإسراء: 12] . واقتضت حكمته سبحانه في تدبيره أن فاوت بين مقادير الليل والنهار ولم يجعلهما دائما على حد سواء ولا أطول مما هما عليه وأقصر بل جاء استواؤهما وأخذ أحدهما من الآخر على وفق الحكمة حتى إن المكان الذي يقصر أحدهما فيه جدا لا يتكون فيه حيوان ونبات كالمكان الذي لا تطلع عليه الشمس أو لا تغرب عنه فلو كان النهار مقدار مائة ساعة أو أكثر أو كان الليل كذلك لتعطلت المصالح التي نظمها الله بهذا المقدار في الليل والنهار. ثم تأمل الحكمة في إنارة القمر والكواكب في ظلمة الليل فإنه مع الحاجة إلى الظلمة لهدوء الحيوان وبرد الهواء لم تقتض المصلحة أن يكون الليل ظلمة داجية لا ضياء فيها فلا يمكن فيها شيء من العمل وربما احتاج الناس إلى العمل بالليل لضيق الوقت عليهم في النهار ولإفراط الحر فيه فاحتاجوا إلى العمل في الليل في نور(1\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "213",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12611",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القمر من حرث الأرض وقطع الزرع وغير ذلك فجعل ضوء القمر في الليل معونة للناس على هذه الأعمال وجعل في الكواكب جزءا يسيرا من النور ليسد مسد القمر إذا لم يكن وجعلت زينة السماء معالم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر ودلالات واضحات على الخلاق العليم وغير ذلك من الحكم التي بها انتظام هذا العالم وجعلت الشمس على حالة واحدة لا تقبل الزيادة والنقصان لئلا تتعطل الحكم المقصودة منها وجعل القمر يقبل الزيادة والنقصان لئلا تتعطل الحكم المقصودة من جعله كذلك وإن كان نوره من التبريد والتصلب ما يقابل ما في ضوء الشمس من التسخين والتحليل فتنضم المصلحة وتتم الحكمة من هذا التسخين والتبريد. ثم تأمل اللطف والحكمة الإلهية في جعل الكواكب السيارات ومنازلها تظهر في بعض السنة وتحتجب في بعضها لأنها لو ظهرت دائما أو اختفت دائما لفاتت الحكمة المطلوبة منها كما اقتضت الحكمة أن يظهر بعضها ويحتجب بعضها فلا تظهر كلها دفعة واحدة ولا تحتجب دفعة واحدة بل ينوب ظاهرها عن خفيها في الدلالة وجعل بعضها ظاهرا لا يحتجب أصلا بمنزلة الأعلام المنصوبة التي يهتدي بها الناس في الطرق المجهولة في البر والبحر فهم ينظرون إليها متى أرادوا ويهتدون بها حيث شاءوا. ثم تأمل حال النجوم واختلاف مسيرها ففرقة منها لا تريم مراكزها من الفلك ولا تسير إلا مجتمعة كالجيش الواحد وفرقة منها مطلقة تنتقل في البروج وتتفرق في مسيرها وكل واحد منها يسير سيرين مختلفين أحدهما عام مع الفلك نحو المغرب والآخر خاص لنفسه نحو المشرق وذلك من أعظم الدلالات على الفاعل المختار العليم الحكيم وعلى كمال علمه وحكمته. وتأمل كيف صار هذا الفلك بشمسه وقمره ونجومه وبروجه يدور على هذا العالم هذا الدوران العظيم السريع المستمر بتقدير محكم لا يزيد ولا ينقص ولا يختل نظامه بل هو تقدير العزيز العليم كما أشار تعالى إلى أن ذلك التقدير صادر عن كمال عزته وعلمه قال تعالى: فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم [الأنعام: 96] . وتأمل الحكمة في تعاقب الحر والبرد على هذا العالم وتعاورهما عليهما في(1\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "214",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12612",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الزيادة والنقصان والاعتدال وما فيهما من المصالح والحكم للأبدان والشجر والحيوان والنبات ولولا تعاقبهما لفسدت الأبدان والأشجار وانتكست. ثم تأمل دخول أحدهما على الآخر بهذا التدريج والترسل فإنك ترى أحدهما ينقص شيئا بعد شيء والآخر يزيد مثل ذلك حتى ينتهي كل واحد منتهاه في الزيادة والنقصان ولو دخل أحدهما على الآخر فجأة لأضر ذلك بالأبدان وأسقمها كما لو خرج الرجل من مكان شديد الحر إلى مكان مفرط في البرد وهلة فإن ذلك يضر به جدا ولولا الحر لما نضجت هذه الثمار المرة العفنة القاسية ولا كانت تلين وتطيب وتحسن وتصلح لأن يتفكه بها الناس رطبة ويابسة. وتأمل الحكمة في خلق النار على ما هي عليه فإنها لو كانت ظاهرة كالماء والهواء لكانت محرقة للعالم وما فيه ولو كانت كامنة لا سبيل إلى ظهورها لفاتت المصلحة المطلوبة منها فاقتضت الحكمة أن جعلت كامنة قابلة للظهور عند الحاجة إليها ولبطلانها عند الاستغناء عنها فجعلت مخزونة في محلها تخرج عند الحاجة وتمسك بالمادة من الحطب وغيره ما احتيج إلى بقائها تخبأ إذا استغني عنها وخلقت على وضع وتقدير اجتمع فيه الانتفاع بها والسلامة من ضررها قال الله تعالى: أفرأيتم النار التي تورون - أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون - نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين [الواقعة: 71 - 73] . الوجه الرابع: أن الرب سبحانه له الكمال المطلق الذي يستحق عليه الحمد سبحانه لا يصدر منه إلا ما يحمد عليه وحمد الله على نوعين حمدا يستحقه لذاته وصفاته وأسمائه الحسنى وحمدا يستحقه على أفعاله كلها لم يكن فيها مناف للحكمة إذ لو كان فيها ما هو كذلك لم يكن محمودا عليه وهو سبحانه له الملك وله الحمد فحمده شامل لما شمله ملكه ولا يخرج شيء عن حمده كما لا يخرج شيء عن ملكه يوضحه: الوجه الخامس: أن أدلة حكمته وحمده وأدلة ملكه وقدرته متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر وكل ما دل على عموم قدرته ومشيئته وملكه وتصرفه المطلق فهو دال على عموم حمده وحكمته إذ إثبات قدرة وملك بلا حكمة ولا حمد ليس كمالا وكل ما دل على عموم حكمته وحمده فهو دال على ملكه وقدرته فإن الحمد والحكمة إن لم يستلزما كمال القدرة لم يكن فيهما كمال مطلق وهذا برهان قطعي.(1\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "215",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12613",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "معنى قضاء الله في عباده وتنزيهه عن الظلم",
        "content": "ثم يقال: إن جاز القدح في حكمته وحمده جاز القدح في ملكه وربوبيته بل هو عين القدح في الملك والربوبية كما أن القدح في ملكه وربوبيته قدح في حمده وحكمته وهذا ظاهر جدا وهذا شأن كل مثلين حين لا ينفك أحدهما عن الآخر.  [معنى قضاء الله في عباده وتنزيهه عن الظلم] الوجه السادس: أن هذه الأسئلة لا يتوجه إيرادها على العلم ولا على القدرة وغاية ما تورد على العدل والحكمة وأنها كيف تجامع عدله وحكمته فنقول: قد اتفق أهل الأرض والسماوات على أن الله تعالى عدل لا يظلم أحدا حتى أعداءه المشركين الجاحدين لصفات كماله فإنهم مقرون له بالعدل ومنزهون له عن الظلم حتى إنهم ليدخلون النار وهم معترفون بعدله كما قال تعالى: فاعترفوا بذنبهم [الملك: 11]  وقال تعالى: يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين [الأنعام: 130] فهو سبحانه قد حرم الظلم على نفسه وأخبر أنه لا يهلك القرى بظلم وأهلها غافلون فلا يصح إيراد هذه الأسئلة مع اعترافهم بعدله يوضحه: الوجه السابع: أن طرق الناس اختلفت في حقيقة الظلم الذي ينزه عنه الرب سبحانه وتعالى فقالت الجبرية: هو المحال الممتنع لذاته كالجمع بين الضدين وكون الشيء موجودا معدوما قالوا: لأن الظلم إما التصرف في ملك الغير بغير إذنه وإما مخالفة الأمر وكلاهما في حق الله تعالى محال فإن الله مالك كل شيء وليس فوقه أمر تجب طاعته قالوا: وأما تصور وجوده وقدر وجوده فهو عدل كائنا ما كان وهذا قول جهم ومن اتبعه وهو قول كثير من الفقهاء أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم من المتكلمين. وقال القدرية: الظلم إضرار غير مستحق أو عقوبة العبد على ما ليس من فعله أو عقوبته على ما هو مفعول منه ونحو ذلك قالوا: فلو كان سبحانه خالقا لأفعال العبيد مريدا لها قد شاءها وقدرها عليهم ثم عاقبهم عليها كان ظالما ولا يمكن إثبات كونه سبحانه عدلا لا يظلم إلا بالقول فإنه لم يرد وجود الكفر والفسوق والعصيان ولا شاءها بل العباد فعلوا ذلك بغير مشيئته وإرادته كما فعلوه بغير إذنه(1\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "216",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12614",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأمره وهو سبحانه لم يخلق شيئا من أفعال العباد لا خيرها ولا شرها بل هم أحدثوا أعمالهم بأنفسهم ولذلك استحقوا العقوبة عليها فإذا عاقبهم لم يكن ظالما لهم وعندهم أنه يكون ما لا يشاء ويشاء ما لا يكون فإن المشيئة عندهم بمعنى الأمر وهاتان الطائفتان متقابلتان غاية التقابل كل منهما تذم الأخرى وقد تكفرها وتسميها قدرية. وقال أهل السنة والحديث ومن وافقهم: الظلم وضع الشيء في غير موضعه وهو سبحانه حكم عدل لا يضع الشيء إلا في موضعه الذي يناسبه ويقتضيه العدل والحكمة والمصلحة وهو سبحانه لا يفرق بين متماثلين ولا يساوي بين مختلفين ولا يعاقب إلا من يستحق العقوبة ويضعها موضعها لما في ذلك من الحكمة ولا يعاقب أهل البر والتقوى وهذا قول أهل اللغة قاطبة وتفسير الظلم بذينك التفسيرين اصطلاح حادث ووضع جديد. قال ابن الأنباري: الظلم وضع الشيء في غير موضعه يقال: ظلم الرجل سقاءه إذا سقى منه قبل أن يخرج منه زبده وقال الشاعر: وصاحب صدق لم ينلني شكاية ... ظلمت وفي ظلمتي له عامدا أجر أراد بالصاحب: وطب اللبن وظلمه إياه أن يستقيه قبل أن يخرج زبده قال: والعرب تقول: هو أظلم من حية لأنها تأتي الحفر الذي لم تحفره فتسكنه ويقال: قد ظلم الماء الوادي إذا وصل منه إلى مكان لم يكن يصل إليه فيما مضى وقال الحسن بن مسعود والفراء: أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه قال: ومنه قولهم من أشبه أباه فما ظلم وقوله: من استرعى الذئب فقد ظلم يعنون من أشبه أباه فما وضع لشبه في غير موضعه وهذا القول هو الصواب المعروف في لغة العرب والقرآن والسنة وإنما تحمل ألفاظهما على لغة القوم لا على الاصطلاحات الحادثة فإن هذا أصل كل فساد وتحريف وبدعة وهذا شأن أهل البدع دائما يصطلحون على معان يضعون لها ألفاظا من ألفاظ العرب ثم يحملون ألفاظ القرآن والسنة على تلك الاصطلاحات الحادثة. فأما الجبرية فعندهم لا حقيقة للظلم الذي نزه الرب نفسه عنه البتة بل هو المحال لذاته الذي لا يتصور وجوده وكل ممكن عندهم فليس بظلم حتى إنه لو عذب رسله وأنبياءه وأولياءه أبد الآبدين وأبطل جميع حسناتهم وحملهم أوزار غيرهم(1\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "217",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12615",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعاقبهم عليها وأثاب أولئك على طاعات غيرهم وحرم ثوابها فاعلها لكان ذلك عدلا محضا فإن الظلم من الأمور الممتنعة لذاتها في حقه وهو غير مقدور له بل هو كقلب المحدث قديما محدثا واحتج هؤلاء بأن الظلم التصرف في غير الملك أو مخالفة الأمر قالوا: ويدل على هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; ما أصاب العبد قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانا فرحا quot; قالوا: يا رسول الله أفلا نتعلمهن قال: quot; بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن quot; فأخبر أن جميع أقضيته في عبده عدل منه وهذا يعم قضاء المصائب وقضاء المعائب وقضاء العقوبات على الجرائم ولهذا قال العارفون بالله: كل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل. وقال عمران بن حصين لأبي الأسود الدؤلي: أرأيت ما يكدح الناس اليوم ويعملون فيه أشيء قضي عليهم ومضى من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون فيما أتاهم به نبيهم فأخذت عليهم به الحجة قال: فهلا يكون ذلك ظلما قال: ففزعت من ذلك فزعا شديدا وقلت: إنه ليس شيء إلا وهو خلق لله وملك يده ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون فقال: سددك الله إني والله ما سألتك إلا لأحرز عقلك قالوا: ويكفي في هذا قوله تعالى: لا يسأل عما يفعل وهم يسألون [الأنبياء: 23] وقالوا: ونحن نرى في الشاهد أن السيد إذا أمكن عبيده من الفساد وهو قادر على منعهم وكفهم عن ذلك فلم يفعل بل خلى بينهم وبين ذلك ومكنهم منه وأعانهم عليه وأعطاهم أسبابه ثم عاقبهم على ذلك كان ظالما لهم والله تعالى قد فعل ذلك(1\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "218",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12616",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعبيده وهو أعدل العادلين وليس بظلام للعبيد فعلمنا أن الظلم المنزه عنه هو المحال بذاته وأنه غير مقدور. وأصحاب هذا القول إنما نزهوا الله عن المستحيل لذاته الذي لا يتصور وجوده ومعلوم أن هذا التنزيه يشترك فيه كل أحد ولا يمدح به أحد أصلا فإنه لا مدح في كون الممدوح منزها عن الجمع بين النقيضين والله تعالى قد تمدح الظلم وأنه لا يريده ومحال أن يتمدح بكونه لا يريد الجمع بين النقيضين وأنه لا يريد قلب الحادث قديما ولا قلب القدم حادثا ولا جعل الشيء موجودا معدوما في آن واحد. وأيضا فإنه سبحانه قال: ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما [طه: 112] قال المفسرون من السلف والخلف قاطبة: الظلم أن يحمل عليه سيئات غيره والهضم أن ينقص من حسنات ما عمل وعند الجبرية أن هذا لو وقع لم يكن ظلما ومن المعلوم أن الآية لم ترفع عنه خوف المحال لذاته وأنه لا يخاف الجمع بين النقيضين فإنه لا يخاف ذلك ولو أتى بكل كفر وإساءة فلا يجوز تحريف كلام الله بحمله على هذا فإن الخوف من الشيء يستلزم تصور وجوده وإمكانه وما لا يمكن وجوده يستحيل خوفه وأيضا فإنه لا يحسن أن ينفى الجمع بين الضدين في السياق الذي نفى الله فيه الظلم كقوله تعالى: من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد [فصلت: 46] فلا يحسن بوجه أن يقال عقيب هذه الجملة: وما ربك بجامع للعبيد بين الوجود والعدم في آن واحد وإنما الظلم المنفي هو خلاف ما اقتضاه قوله: من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها [فصلت: 46]  وكذلك قوله: ولا تظلمون فتيلا [النساء: 77]  ولا يظلمون نقيرا [النساء: 124]  ولا يظلمون شيئا [مريم: 60] أي لا يترك من أعمالهم ما هو بقدر الفتيل والنقير فيكون ظلما وعند الجبرية تجوز أن يترك ثواب جميع أعمالهم من أولها إلى آخرها بغير سبب يقتضي تركها إلا مجرد المشيئة والقدرة ولا يكون ذلك ظلما وكذلك قوله: وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين [الزخرف: 76]  وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم [هود: 101] بين أنه لم يعاقبهم بغير جرم فيكون ظالما لهم بل عاقبهم بظلمهم أنفسهم.(1\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "219",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12617",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمعنى عند الجبرية أنا تصرفنا بقدرتنا ومشيئتنا وملكنا فلم نظلمهم وإن كانوا مؤمنين محسنين وليست الأعمال والسيئات والكفر عندهم أسبابا للهلاك ولا مقتضية له وإنما هو محض المشيئة والقرآن يكذب هذا القول ويرده كقوله: فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم [النساء: 160]  وقوله: فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا [النساء: 155]  وقوله: فأخذهم الله بذنوبهم [آل عمران: 11]  مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا [نوح: 25]  ووقع القول عليهم بما ظلموا [النمل: 85]  وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير [الشورى: 30] والقرآن مملوء من هذا. فالظلم الذي أثبت الله لهم وجعله نفس فعلهم وسبب هلاكهم نفوه وقالوا: ليس من فعلهم ولا سبب إهلاكهم والظلم الذي نفاه عن نفسه وهو عقوبتهم بلا سبب أثبتوه له وقالوا: ليس بظلم فإنه مقدور ممكن فنزهوه عما عابهم به ووصفوه بما نزه نفسه عنه واعتقدوا بذلك أنهم به عارفون ولأهل السنة ناصرون ولا يليق به سبحانه أن ينفى عنه الجمع بين النقيضين فإن ما لا يمكن تعلق القدرة به لا يمدح الممدوح بعدم إرادته وإنما يكون المدح بترك ما يقدر الممدوح على فعله وتركه تنزيها عما فعله وإلا فكيف يمدح الموتى بترك الأفعال القبيحة وكيف يمدح الزمن بترك طيرانه إلى السماء وأيضا فإنه سبحانه يمدح نفسه بتحريمه الظلم على نفسه كما في الحديث الإلهي: quot; يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي quot; أن أخلق مثلي أو أجمع بين النقيضين أو أقلب القديم حادثا والحادث قديما ونحو ذلك من الممتنع لذاته وهذا لا يجوز أن ينسب التكلم به إلى آحاد العقلاء فضلا عن رب العالمين. وغاية ما يقال في تأويل ذلك على هذا القول بعد تحسين العبارة وزخرفتها إني أخبرت عن نفسي أن ما لا يكون مقدورا أو يكون مستحيلا لا يقع مني وهذا مما يقطع من له فهم عن الله ورسوله أنه غير مراد وأنه يجب تنزيه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عن إرادة هذا المعنى الذي لا يليق التمدح والتعرف إلى عباده بمثله.(1\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "220",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12618",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: حاصل هذا أنه لا يعقل التمدح بترك ما يستحيل وقوعه وهذا فاسد فقد حمد سبحانه نفسه وتمدح بعدم اتخاذ الولد وعدم الشريك والولي من الذل وهذه الأشياء مستحيلة في حقه فهكذا حمد نفسه على تنزهه من الظلم وإن كان مستحيلا غير مقدور. قيل: الفرق بين ما هو محال لذاته في نفسه الأمر وبين ما هو ممكن أو واقع لكن يستحيل وصف الرب به ونسبته إليه فالأول لا يتمدح به بل العبد لا يرضى أن يمدح به نفسه فلا يتمدح عاقل بأنه لا يجمع بين النقيضين ولا يجعل الشيء متحركا ساكنا وأما الثاني فإنه ممكن واقع لكن يستحيل اتصاف من له الكمال المطلق به كالولد والصاحبة والشريك فإن نفي هذا من خصائص الربوبية فنفى سبحانه عن نفسه ما هو ثابت لخلقه وهم متصفون به لمنافاته لكماله كما نزه نفسه عن السنة والنوم واللغوب والنسيان والعجز والأكل والموت وغير ذلك مما هو مستحيل عليه ممتنع في حقه ولكنه واقع من العباد فكان في تنزيهه عنه ما يبين انفراده بالكمال وعدم مشابهته لخلقه بخلاف ما لا يتصور وقوعه في نفس الأمر وهو مستحيل في نفسه كجعل المخلوق خالقا وجعل الخالق مخلوقا فإن هذا لا يتمدح سبحانه بنفيه ولهذا لا يتمدح به مخلوق عن الخالق. قيل: إن ما تمدح به سبحانه فهو من خصائصه التي لا يشركه فيها أحد وسلب فعله المستحيل الذي لا يدخل تحت القدرة ولا يتصور وقوعه ليس من خصائصه ولا هو كمال في نفسه ولا يستلزم كمالا فإذا مدح نفسه بكونه لا يجمع بين النقيضين كان كل أحد مشاركا له في هذا المدح بخلاف ما إذا مدح نفسه بكونه لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يموت ولا ينسى ولا تخفى عليه شيء ولا يظلم أحدا وهو سبحانه يثني على نفسه بفعل ما لو ترك كان تركه نقصا وبترك ما لو فعله كان فعله نقصا وهذا لا حقيقة له عند الجبرية والاعتبار عندهم بكون المفعول والمتروك ممكنا فقابلتهم القدرية فجعلوا الظلم الذي تنزه سبحانه عنه مثل الظلم الذي يكون من العباد وشبهوا فعله بفعل عبيده فتسلط عليهم الجبرية بأنواع المناقضات والمعارضات وكان غاية ما عند كل واحد من الفريقين مناقضة الآخر وإفساد قوله فكفوا أهل السنة مئونتهم.(1\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "221",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12619",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل استدلال الجبرية بقوله تعالى لا يسأل عما يفعل] فصل أما ما احتج به الجبرية من قوله تعالى: لا يسأل عما يفعل [الأنبياء: 23] فدليل حق استدل به على باطل فإن الآية إنما سيقت لبيان توحيده سبحانه وبطلان إلهية ما سواه وأن كل من عداه مربوب مأمور منهي مسئول عن فعله وهو سبحانه ليس فوقه من يسأله عما يفعله قال تعالى: أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون - لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون - لا يسأل عما يفعل وهم يسألون [الأنبياء: 21 - 23] فلم تكن الآية مسوقة لبيان أنه لا يفعل بحكمة ولا لغاية محمودة مطلوبة بالفعل وأنه يفعل ما يفعله بلا حكمة ولا سبب ولا غاية بل الآية دلت على نقيض ذلك وأنه لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وحمده وأن أفعاله صادرة عن تمام الحكمة والرحمة والمصلحة فكمال علمه وحكمته وربوبيته ينافي اعتراض المعترضين عليه وسؤال السائلين له وهم حملوا الآية على أنه يسأل عما يفعله لقهره وسلطانه ومعلوم أن هذا ليس بمدح من كل وجه وإن تضمن مدحا من جهة القدرة والسلطان وإنما المدح التام أن يتضمن ذلك حكمته حمده ووقوع أفعاله على أتم المصالح ومطابقته للحكمة والغايات المحمودة فلا يسأل عما يفعله لكمال ملكه وكمال حمده فله الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير فاستدلال نفاة الحكمة بهذه الآية كاستدلال نفاة الصفات بقوله تعالى: ليس كمثله شيء [الشورى: 11] والآيتان دالتان على ضد قول الطائفتين فليس كمثله شيء لكمال صفاته التي بكمالها وقيامها به لم يكن كمثله شيء ولا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وحمده.  فصل وأما قوله في حديث ابن مسعود: quot; ماض في حكمك عدل في قضاؤك quot; فعند أهل السنة الجميع قضاؤه والجميع عدل منه في عبده لا بمعنى كونه متصرفا فيه بمجرد القدرة والمشيئة بل بوضع القضاء في موضعه وإصابة محله فكل ما قضاه على عبده فقد وضعه موضعه اللائق به وأصاب به محله الذي هو أولى به من غيره فلم يظلمه به أما العقوبات والمصائب فالأمر فيها ظاهر إذ هي عدل محض كما قال تعالى: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم [الشورى: 30] .(1\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "222",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12620",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الآلام التي تصيب العبد بغير ذنب كالآلام التي تنال غير المكلفين كالأطفال والمجانين والبهائم فقد خاض الناس في أسبابها وحكمها قديما وحديثا وتباينت طرقهم فيها بعد اتفاقهم على أنها عدل وإن اختلفوا في وجه كونها عدلا فالجبرية تثبت على أصولها في أن كل واقع أو ممكن عدل والقدرية جعلت وجه كونه عدلا وقوعها بسبب جرم سابق أو عوض لاحق ثم منهم من يعتبر مع ذلك أن يشتمل على غيره قالوا فوقوعها على وجه العقوبة بالجرم والتعويض بخروجها عن كونها ظلما وبقصد العبرة تخرج كونها سفها وأما الفلاسفة فإنهم جعلوا ذلك من لازم الخلقة فيه ومقتضيات النشأة الحيوانية وقالوا: ليس في الإمكان إلا ذلك ولو فرض غير ذلك لكان غير هذا العالم فإن تركيب الحيوان الذي يكون ويفسد يقتضي أن تعرض له الآلام كما يعرض له الجوع والعطش والضجر ونحوها وقالوا: رفع هذا بالكلية إنما يكون برفع أسبابه والخبر الذي في أسبابه أضعاف أضعاف الشر الحاصل بها فاحتمال الشر القليل الجزئي في جنب المصلحة العامة الكلية أولى من تعطيل الخير الكثير لما يستلزمه من المفسدة اليسيرة الجزئية قالوا: ومن تأمل أسباب الآلام وجد ما في ضمنها من الملذات والخيرات والمصالح أضعاف أضعاف ما في ضمنها من الشرور كالحر والبرد والمطر والثلج والريح وتناول الأغذية والفواكه وأنواع الأطعمة وصنوف المناكح وأنواع الأعمال والحركات فإن الآلام إنما تتولد غالبها عن هذه الأمور مصالحها ولذتها وخيراتها أكثر من مفاسدها وشرورها وآلامها. وهذه الطرق الثلاثة سلكها طوائف من المسلمين وفي كل طريق منها حق وباطل فإذا أخذت من طريق حقها ورميت باطلها كنت أسعد الناس بالحق وأصحاب المشيئة المحضة أصابوا في إثبات عموم المشيئة والقدرة وأنه لا يقع في الكون شيء إلا بمشيئته فخذ من قولهم هذا القدر وألق منه إبطال الأسباب والحكم والتعليل ومراعاة مصالح الخلق والقدرية أصابوا في إثبات ذلك وأخطئوا في مواضع: أحدها: إخراج أفعال عباده عن ملكه وقدرته ومشيئته الثاني: تعطيلهم عود الحكمة والغاية المطلوبة إلى الفاعل وإنما أثبتوا أنواع حكمة تعود إلى المفعول لا إلى الفاعل الثالث: أنهم شبهوا الله بخلقه فيما يحسن منهم وما يقبح فقاسوه في أفعاله على خلقه واعتبروا حكمته بالحكمة التي لعباده فخذ من قولهم إنه حكيم لا يفعل إلا لمصلحة وحكمة وأنه لا يفعل الظلم مع قدرته عليه بل تنزه عنه لغناه وكماله وأنه لا يعاقب(1\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "223",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12621",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدا بغير ذنب ولا يعاقبه بما لا يفعله فضلا عن أن يعاقبه بفعل هو فعله فيه أو فعل غيره فيه وأنه جعل الأسباب مقتضيات لغاياتها وألق من قولهم إنكارهم خلقه لأفعال عباده وإنكار عود الحكمة إليه وقياس أفعاله على أفعال عباده. والفلاسفة فيما أصلوه من أن تعطيل أسباب الخيرات والمصالح العظيمة لما في ضمنها من الشرور والآلام الجزئية مناف للحكمة فهذا أصل في غاية الصحة لكن أخطئوا في ذلك أعظم خطأ وهو جعلهم ذلك من لوازم الطبيعة المجردة من غير أن تكون متعلقة بفاعل مختار قدر ذلك بمشيئته وقدرته واختياره ولو شاء لكان الأمر على خلاف ذلك كما يكون في الجنة فإنها مشتملة على الخيرات المحضة البريئة من هذه العوارض من كل وجه فاقتضت حكمته أن تكون هذه الدار على ما هي عليه ممزوجا خيرها بشرها ولذاتها بآلامها وأن تكون دار القرار خالصة من شوائب الآلام والشرور خلاصا تاما وأن تكون دار الشقاء خالصة للآلام والشرور وإذا جمعت حق هذه الطائفة وأثبت تعالي صفات الكمال وأنه يحب ويحب ويفرح بتوبة عباده وطاعتهم ويرضى بها ويضحك ويثني عليهم بها ويحب أن يثنى عليه ويحمد ويشكر ويفعل ما له في فعله غاية وحكمة يحبها ويرضاها فيفعل لأجلها كنت أسعد بالحق من هؤلاء.  [فصل ذوو الأرواح الذين يلحقهم اللذة والآلام أربعة أصناف] فصل ذوو الأرواح الذين يلحقهم اللذة والآلام أربعة أصناف: الإنس والجن والبهائم والملائكة عند من يقول: إن فيهم من يعصي ويعاقب فأما الإنس والجن فالمكلفون منهم يحصل لهم بالطاعات والمعاصي لذات وآلام تناسبها وأما الأطفال والمجانين فنوعان: نوع يدخلون الجنة إما بطريق التبعية أو بعد التكليف يوم القيامة كما جاءت به الآثار فهؤلاء إذا حصل لهم آلام يسيرة منقطعة كانت مصلحة لهم ورحمة ونعمة في جنب ما ينالهم من السعادة العظيمة والنعيم المقيم فما ينالهم من الآلام يجري مجرى إيلام الأب الشفيق لولده الطفل بكى أو بط أو قطع سلعة يعقبه كمال عافية وانتفاعه بنفسه وحياته فهذا الإيلام محض الإحسان إليه وما يقدر من حصول النعيم واللذة في الجنة بدون هذه الآلام فهو نوع آخر غير النوع الحاصل بعد الآلام ولهذه كانت اللذة الحاصلة بالأكل والشرب بعد(1\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "224",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12622",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شدة الجوع والظمأ أضعاف اللذة الحاصلة بدون ذلك وكذلك لذة الوصل بعد الهجران والبعاد المؤلم والشوق الشديد أعظم من اللذة الحاصلة بدونه ووجود الملزوم بدون لازمه محال ولا ريب أن لذة آدم بعده إلى الجنة بعد أن خرج منها إلى دار التعب أعظم من اللذة التي كانت حاصلة له أولا. وأما غير المكلفين من الحيوانات فقد يقال: إنه ما من حيوان إلا ويحصل له من اللذة والخير والنعيم ما هو أعظم مما يحصل له من الألم بأضعاف مضاعفة فإنه يلتذ بأكله وشربه ونومه وحركته وراحته وجماعه الأنثى وغير ذلك فنعيمه ولذته أضعاف ألمه وحينئذ فالأقسام الأربعة: إما أن يعطل الجميع بترك خلق الحيوان لئلا يحصل له الألم أو يخلق على نشأة لا يلحقه بها ألم أو على صفة لا ينال بها لذة أو على هذه الصفة والنشأة التي هو عليها. فالقسم الأول ممتنع لمنافاته للحكمة فإنه يستلزم تعطيل الكثير والنفع العظيم لما يستلزمه من مفسدة قليلة كتعطيل الأمطار والثلوج والرياح والحر والبرد لما يتضمنه من الآلام ولا ريب أن الحكمة والرحمة والمصلحة تأبى ذلك فترك الخير الكثير لأجل ما فيه من الشر القليل شر كثير. وأما القسم الثاني فكما أنه ممتنع في نفسه إذ من لوازم إنشائه في هذا العالم أن يكون عرضة للحر والبرد والجوع والعطش والكلال والتعب وغيرها فإنه منشأ من هذا العالم الذي مزج خيره بشره والمنشأ خير منه كذلك فالحكمة تأبى إنشاءه لذلك في هذا العالم الذي مزج رخاؤه بشدته وبلاؤه بعافيته وألمه بلذته وسروره بغمه وهمه فلو اقتضت الحكمة تخليص نوع الحيوان من ألمه لكان الإنسان الذي هو خلاصته وأفضله أولى بذلك ولو فعل ذلك سبحانه لفاته مصلحة العبرة والدلالة على الآلام العظيمة الدائمة في الدار الآخرة فإن الله تعالى أشهد عباده بما أعد لهم من أنواع اللذات والآلام في الدار الآخرة بما أذاقهم إياه في هذه الدار فاستدلوا بالشاهد على الغائب واشتاقوا بما باشروه من اللذات إلى ما وصف لهم هناك منها واحتموا بما ذاقوا من الآلام هاهنا عما وصف لهم منها هناك ولا ريب أن هذه المصلحة العظيمة أرجح من تفويتها بما فيها من المفسدة اليسيرة. وأما القسم الثالث فلا ريب أنه مفسدة خالصة أو راجحة فلا تقتضيه حكمة الرب سبحانه ولا يكون إيجاده مصلحة فلم يبق إلا القسم الرابع وهو خلقه على هذه النشأة.(1\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "225",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12623",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: فقد ظهرت الحكمة في إيلام غير المكلفين فتعذيب المكلفين على ذنوبهم كيف تستقيم الحكمة فيه على قولكم بأن الله تعالى خلقها فيهم فأين العدل في تعذيبهم على ما هو فاعله وخالقه فيهم وإنما يستقيم ذلك على قول القدرية وأصولهم فإن العدل في ذلك ظاهر فإنه إنما يعذبهم على ما أحدثوه وكان بمشيئتهم وقدرتهم. قيل: هذا السؤال لم يزل مطرقا بين العالم واختلف الناس فيه فطائفة أخرجت أفعالهم عن ملك الرب وقدرته وطائفة أنكرت الحكمة والتعليل وسدت باب السؤال وطائفة أثبتت كسبا لا يعقل جعلت الثواب والعقاب عليه وطائفة التزمت لأجله وقوع مقدور بين قادرين ومفعول بين فاعلين وطائفة التزمت الجبر وأن الله يعذبهم على ما لا يقدرون عليه. والجواب الصحيح عنه أن يقال: إن ما يبتلى به العبد من الذنوب الوجودية وإن كانت خلقا لله تعالى فهي عقوبة له على ذنوب قبلها فالذنب يكسب الذنب ومن عقاب السيئة السيئة بعدها فالذنوب والأمراض التي يورث بعضها بعضا يبقى أن يقال في الكلام: فالذنب الأول الجالب لما بعده من الذنوب فيقال: هو عقوبة أيضا على عدم ما خلق له وفطر عليه فإن الله سبحانه خلقه لعبادته وحده لا شريك له وفطره على محبته وتألهه والإنابة إليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; ما من مولود يولد إلا على الفطرة quot; وقال: يقول الله تعالى: quot; إني خلقت عبادي حنفاء فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا quot; وقد قال الله تعالى: فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها [الروم: 30]  فلما لم يفعل ما خلق له وفطر عليه من محبة الله وعبوديته والإنابة إليه عوقب على ذلك بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي فلأنه(1\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "226",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12624",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صادف قلبا فارغا خاليا قابلا للخير والشر ولو كان فيه الخير الذي يمنع ضده لم يتمكن من الشر كما قال تعالى: كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين [يوسف: 24]  وقال إبليس لعنه الله: قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين - إلا عبادك منهم المخلصين [ص: 82 - 83]  وقال تعالى: هذا صراط علي مستقيم - إن عبادي ليس لك عليهم سلطان [الحجر: 41 - 42] والإخلاص خلوص القلب من تأله من سوى الله وإرادته ومحبته فخلص لله فلم يتمكن الشيطان من إغوائه وأما إذا صادفه فارغا من ذلك تمكن منه بحسب فراغه وخلوه فيكون جعله مذنبا مسيئا في هذه الحال عقوبة على عدم الإخلاص وهذا محض العدل. فإن قلت: فذلك العدم من خلقه فيه قلت: هذا سؤال فاسد فإن العدم كاسمه لا يفتقر إلى تعلق التكوين والإحداث به فإن عدم الفعل ليس أمرا وجوديا حتى يضاف إلى الفاعل بل هو شر محض والشر ليس إلى الرب تبارك وتعالى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الاستفتاح: quot; لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك quot; وكذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة يوم القيامة: quot; يقول الله تعالى: يا محمد فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك quot;. وقد أخبر تعالى أن تسلط الشيطان إنما هو على الذين يتولونه والذين هم به مشركون فلما تولوه دون الله وأشركوه معه عوقبوا على ذلك بتسليطه عليهم وكانت هذه الأولوية والإشراك عقوبة خلو القلب وفراغه من الإخلاص والإنابة العاصمة من ضدها فقد بين أن إخلاص الدين يمنع من سلطان الشيطان لأن فعل السيئات التي توجب العذاب فإخلاص القلب لله مانع له من فعل ما يضاده وإلهامه البر والتقوى ثمرة هذا الإخلاص ونتيجته وإلهام الفجور عقوبة خلوه من الإخلاص. فإن قلت: هذا الترك إن كان أمرا وجوديا عاد السؤال: وإن كان أمرا عدميا فكيف يعاقب على العدم قلت: ليس هنا ترك هو كف النفس ومنعها عما تريده وتحبه فهذا(1\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "227",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12625",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قد يقال: إنه أمر وجودي وإنما هنا عدم وخلو عن أسباب الخير وهذا العدم ليس بكف للنفس ومنع لها عما تريده وتحبه بل هو محض خلوها مما هو أنفع شيء لها والعقوبة على الأمر العدمي هي بفعل السيئات لا بالعقوبات التي تناله بعد إقامة الحجة عليه بالرسل فلله سبحانه عقوبتان: إحداهما جعله خاطئا مذنبا لا يحس بألمها ومضرتها لموافقتها شهوته وإدارته وهي في الحقيقة من أعظم العقوبات والثانية: العقوبات المؤلمة بعد فعله السيئات وقد قرن الله تعالى بين هاتين العقوبتين في قوله: فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء [الأنعام: 44] فهذه العقوبة الأولى ثم قال: حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة [الأنعام: 44] فهذه العقوبة الثانية. وأعط هذا الموضع حقه من التأمل وانظر كيف ترتبت هاتان العقوبتان إحداهما على الأخرى لكن العقوبة الأولى عقوبة موافقة لهواه وإرادته والثانية مخالفة لما يحبه ويتلذذ به وتأمل عدل الرب تعالى في هذه وهذه وأنه سبحانه إنما وضع العقوبة في محلها الأولى بها الذي لا يليق بها غيره وهذا أمر لو لم تشهده القلوب وتعرفه لما جاز أن ينسب إلى الله تعالى سواه ولا يظن به غيره فإنه من ظن السوء بمن يتعالى ويتقدس عن كل سوء وعيب. فإن قلت: هل كان يمكنهم أن يأتوا بالإخلاص والإنابة والمحبة له وحده من غير أن يخلق ذلك في قلوبهم ويجعلهم مخلصين له أو ذلك محض جعله في قلوبهم قلت: لا بل هو محض منته وفعله وهو من أعظم الخير الذي هو في يده فالخير كله في يديه ولا يقدر أحدنا أن يأخذ من الخير إلا ما أعطاه ولا يتقي من الشر إلا ما وقاه. فإن قلت: فإذا لم يخلق ذلك في قلوبهم ولم يوفقوا له ولا سبيل لهم إليه بأنفسهم عاد السؤال وكان منعهم منه ظلما ولزمك القول بأن العدل هو تصرف الملك في ملكه قيل: لا يكون بمنعه سبحانه لهم من ذلك ظالما وإنما يكون المانع ظالما إذا منع غيره حقا لذلك الغير عليه وهذا هو الذي حرمه الرب على نفسه وأما منع غيره ما ليس حقا محض فضله ومنته عليه لم يكن ظالما بمنعه. فإن قلت: فإذا كان العطاء والبذل والتوفيق إحسانا ورحمة وفضلا فهلا كانت(1\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "228",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12626",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل العدل الإلهي في الثواب والعقاب",
        "content": "الغلبة له كما أن quot; رحمته تغلب غضبه quot; قيل: المقصود من هذا المقام بيان أن هذه العقوبة المترتبة على هذا المنع والمنع المستلزم للعقوبة ليس بظلم وهذا سؤال عن الحكمة التي أوجبت تقديم العدل على الفضل في بعض المحال وهلا ساوى بين العباد في الفضل وهذا السؤال حاصله: لم تفضل على هذا ولم يتفضل على هذا وقد تولى سبحانه الجواب عنه بقوله: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم [الحديد: 21]  وقوله: لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم [الحديد: 29]  وليس في الحكمة إطلاع فرد من أفراد الناس على كمال حكمته في عطائه ومنعه بل إذا كشف الله عن بصيرة العبد حتى أبصر طرفا يسيرا من حكمته في خلقه وأمره وثوابه وعقابه وتأمل أحوال محال ذلك واستدل بما علمه على ما لم يعلمه وتيقن أن مصدر ما علم وما لم يعلمه لحكمة بالغة لا توزن بعقول المخلوقين فقد وفق للصواب. ولما استشكل المشركون هذا التخصيص قالوا: أهؤلاء من الله عليهم من بيننا [الأنعام: 53] فقال لهم الله مجيبا لهم: أليس الله بأعلم بالشاكرين [الأنعام: 53]  وهذا جواب شاف كاف وفي ضمنه أنه سبحانه أعلم بالمحل الذي يصلح لغرس شجرة النعمة فتثمر بالشكر من المحل الذي لا يصلح لغرسها فلو كرست فيه لم تثمر فكان غرسها هناك ضائعا لا يليق بالحكمة كما قال تعالى: الله أعلم حيث يجعل رسالته [الأنعام: 124]  [فصل العدل الإلهي في الثواب والعقاب] فصل فلنرجع إلى تمام المقصود فنقول: اختلف الناس في العقوبة على الأمور العدمية فمنكرو الحكم والتعليل لا ضابط للعقوبة عندهم إلا محض المشيئة وأما مثبتو الحكم والتعليل فالأكثرون منهم يقولون لا يعاقب على عدم المأمور لأنه عدم محض وإنما يعاقب على تركه والترك أمر وجودي وطائفة منهم أبو هاشم وغيره يقولون: يعاقب(1\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "229",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12627",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على الأمور الوجودية فيكون عقابه بالآلام وهذا القول الذي ذكرناه قول وسط بين القولين وهو أن العقوبة نوعان فيعاقب على هذا العدم بفعل السيئات لا بالعقوبة المؤلمة ثم يعاقب على فعل السيئات بالآلام ولا يعاقب عليها حتى تقوم الحجة عليه بالرسالة فإذا عصى الرسول استحق العقوبة التامة وهو أولا إنما عوقب بما يمكن أن ينجو من شره بعد قيام الحجة عليه أو التوبة بعد قيام الحجة عليه فإذا لم تقم عليه الحجة كان الصبي الذي يشتغل بما لا ينفعه بل بما هو من أسباب ضرره ولا يكتب عليه قلم الإثم حتى يبلغ فإذا بلغ عوقب ثم يكون ما اعتاده من فعل القبائح قبل البلوغ وإن لم يعاقب عليها سبب لمعصيته بعد البلوغ فتكون تلك المعاصي الحادثة منه قبل البلوغ فلم يعاقب العقوبة المؤلمة إلا على معصية وأما العقوبة الأولى فلا يلزم أن تكون على ذنب بل هي جارية مجرى تولد الآلام عما يأكله ويشربه ويمتنع به فتولدت تلك الذنوب بعد البلوغ عن تلك الأسباب المتقدمة قبله وهذا القول الوسط في العقوبة على العدم وهو الذي دل عليه القرآن قال الله تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون [الأنعام: 110]  فأخبر سبحانه عن عقوبتهم على عدم الإيمان بتقليب أفئدتهم وأبصارهم. فإن قلت: هذه عقوبة على أمر وجودي وهو تركهم الإيمان بعد إرسال الرسول ودعائه لهم قلت: الموجب لهذه العقوبة الخاصة هو عدم الإيمان ولكن إرسال الرسول وترك طاعته شرط في وقوع العذاب فالمقتضى قائم وهو عدم الإيمان لكنه مشروط وقوعه بشرط وهو إرسال الرسول ففرق بين انتفاء الشيء لانتفاء موجبه ومقتضيه وانتفائه لانتفاء شرطه بعد قيام المقتضى.  فصل وكذلك قوله في الحديث الذي رواه أبو داود والحاكم في مستدركه من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot; إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم quot; وهو ما يحتج به(1\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "230",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12628",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجبرية وأسعد الناس به أهل السنة الذين قابلوه بالتصديق وتلقوه بالقبول وعلموا من عظمة الله وجلاله وقدر نعمه على خلقه عدم قيام الخلق بحقوق نعمه عليهم إما عجزا وإما جهلا وإما تفريطا وإما إضاعة وإما تقصيرا في المقدور من الشكر ولو من بعض الوجوه فإن حقه على أهل السماوات والأرض أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر وتكون قوة القلب كلها وقوة الإنابة والتوكل والخشية والمراقبة والخوف والرجاء جميعها متوجهة إليه ومتعلقة به بحيث يكون القلب عاكفا على محبته وتألهه بل على إفراده بذلك اللسان محبوسا على ذكره والجوارح وقفا على طاعته قد استسلمت له القلوب أتم استسلام وذلت له أكمل ذل وخضعت له أعظم خضوع وقد فنيت بمراده ومحابه عن مرادها ومحابها فلم يكن لها مراد محبوب غير مراده ومحبوبه البتة. ولا ريب أن هذا مقدور في الجملة ولكن النفوس تشح به وهي في الشح على مراتب لا يحصيها إلا الله تعالى وأكثر المطيعين يشح به من وجه كان أتى به من وجه ولعل ما لا تسمح به نفسه أكثر مما تسمح به مع فضل زهده وعبادته وعلمه وورعه فأين الذي لا يقع منه إرادة تزاحم إرادة الله وما يحبه منه فلا يعثر به غفلة واسترسال مع حكم الطبيعة والميل إلى داعيها وتقصير في حق الله تعالى معرفة ومراعاة وقياما به ومن الذي ينظر في كل نعمة من النعم دقيقها وجليلها إلى أنها منة ربه وفضله وإحسانه فيذكره بها ويحبه عليها ويشكره عليها ويستعين بها على طاعته ويعترف مع ذلك بقصوره وتقصيره وأن حق الله تعالى عليه أعظم مما أتى به ومن الذي يوفي حقا واحدا من الحقوق وعبودية واحدة حقها من الإجلال والتعظيم والنصح لله تعالى فيها وبذل الجهد في وقوعها على ما ينبغي لوجهه الكريم مما يدخله على قدره العبد ظاهرا وباطنا ومع هذا فيراها محض منة الله عليه وفضله عليه وأن ربه هو المستحق عليها الحمد وأنه لا وسيلة توسل بها إلى ربه حتى نالها وأنه يقابلها بما تستحق أن تقابل به من كمال الذل والخضوع والمحبة والبراءة من حوله وقوته ويمحو نفسه من البين وأن يكون فيها بالله لا بنفسه ولله لا لنفسه ومن الذي لم يصدر منه خلاف ما خلق له ولو في وقت من الأوقات من حركة نفسه وجوارحه أو يترك بعض ما خلق له أو يؤثر بعض حظوظه ومراده على مراد الله ومرضاته ويزاحمه به(1\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "231",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12629",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن المعلوم عقلا وشرعا وفطرة أن الله تعالى يستحق على عبده غاية التعظيم والإجلال والعبودية التي تصل إليها قدرته وكل ما ينافي التعظيم والإجلال يستحق عليه من العقوبة ما يناسبه والشرك والمعصية والغفلة واتباع الهوى وترك بذل الجهد والنصيحة في القيام بحق الله باطنا وظاهرا وتعلق القلب بغيره والتفاته إلى ما سواه ومنازعة ما هو من خصائص ربوبيته ورؤية النفس والمشاركة في الحول والقوة ورؤية الملة في شيء من الأشياء فلا ينسلخ منها بالكلية كل ذلك ينافي التعظيم والإجلال فلو وضع سبحانه العدل على العباد لعذبهم بعدله فيهم ولم يكن ظالما وغاية ما يقدر توبة العبد من ذلك واعترافه به وقبول التوبة محض فضله وإحسانه وإلا فلو عذب عبده على جنايته لم يكن ظالما ولو قدر أنه تاب منها لكن أوجب على نفسه بمقتضى فضله ورحمته ألا يعذب من تاب من ذنبه واعترف به رحمة وإحسانا وقد كتب سبحانه على نفسه الرحمة فلا يسع الخالق إلا رحمته وعفوه ولا يبلغ عمل أحد منهم أن ينجو به من النار أو يدخل به الجنة كما قال أطوع الخلق لربه وأفضلهم عملا وأشدهم تعظيما له: quot; لن ينجي أحدا منكم عمله quot; قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: quot; ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل quot;. وكان صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق استغفارا وكانوا يعدون عليه في المجلس الواحد مائة مرة: quot; رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم quot; وكان يقول: quot; يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فوالله إني لأتوب إليه وفي لفظ إني لأستغفر الله في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة  وكان إذا سلم في صلاته استغفر ثلاثا  وكان يقول بين السجدتين: quot; رب اغفر لي quot; وكان يقول في سجوده: quot; اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني اللهم اغفر لي جدي وهزلي(1\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "232",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12630",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت quot;. وكان يستغفر في استفتاح الصلاة وفي خاتمة الصلاة وعلم أفضل الأمة أن يستغفر في صلاته ويعترف على نفسه بظلم كثير وقد قال تعالى: واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات [محمد: 19]  وقال: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر [الفتح: 2] فأهل السماوات والأرض محتاجون إلى مغفرته كما هم محتاجون إلى رحمته ومن ظن أنه يستغني عن مغفرة الله فهو كمن ظن أنه مستغن عن رحمته فلا يستغني أحد عن مغفرته ورحمته كما لا يستغني عن نعمته ومنته فلو أمسك عنهم فضله ومنته ورحمته لهلكوا وعذبوا ولم يكن ظالما وحينئذ فتصيبهم النقمات بإمساك فضله وكل نقمة منه عدل. ومما يوضح هذا أن الظلم يقدس عنه أن يعاقبهم بما لم يعلموا ويمنعهم ثواب ما يستحقون ثوابه وهو سبحانه لا يعذب إلا بسبب كما إذا أراد تعذيب الأطفال والمجانين ومن لم تقم عليه حجته في الدنيا امتحنهم في الآخرة فعذب من عصاه منهم بأسباب أظهرها بالامتحان كما أظهر امتحان إبليس سبب عقوبته فلو أراد تعذيب أهل سماواته وأرضه كلهم لامتحنهم امتحانا يظهر أسباب تعذيبهم فيكون عدلا منه فإنه يعلم من العبد ما لا يعلمه العبد من نفسه. قال الحسن البصري: لقد دخلوا النار وإن حمده لفي قلوبهم ما وجدوا عليه سبيلا ومما يوضح ذلك أن مذهب أهل السنة أن الأنبياء والمرسلين أفضل من الملائكة وقد طلبوا كلهم منه المغفرة والرحمة فقال أول الأنبياء وأبو البشر: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [الأعراف: 23] فهو صلى الله عليه وسلم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وأسكنه جنته وعلمه أسماء كل شيء وإنما انتفع في المحنة باعترافه وإقراره على نفسه بالظلم وسؤاله المغفرة والرحمة وهذا نوح(1\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "233",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12631",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض يسأله المغفرة ويقول: وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين [هود: 47]  وهذا يونس يقول: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين [الأنبياء: 87]  وإبراهيم الخليل يقول: والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين [الشعراء: 82] ويقول: ربنا واجعلنا مسلمين لك [البقرة: 128] الآية وكليم الرحمن موسى يقول: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي [القصص: 16] ويقول: أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين [الأعراف: 155]  ومحمد صلى الله عليه وسلم أفضلهم وأكملهم وقد تقدم بعض ما كان يستغفر ربه وسأله الصديق أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته فقال: quot; قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم quot; وإذا كان هذا حال الصديق الذي هو أفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين وأفضل من الملائكة عند أهل السنة وهو يخبر بما هو صادق فيه من ظلم نفسه ظلما كثيرا فما الظن بسواه بل إنما صار صديقا بتوفيته هذا المقام حقه الذي يتضمن معرفة ربه وحقه وعظمته وجلاله وما ينبغي له وما يستحقه على عبده ومعرفة تقصيره في ذلك وأنه لم يقم به كما ينبغي فأقر على نفسه إقرارا هو صادق فيه أنه ظلم نفسه ظلما كثيرا وسأل ربه أن يغفر له ويرحمه. سحقا وبعدا لمن زعم أن المخلوق يستغني عن مغفرة ربه ولا يكون به حاجة إليها وليس وراء هذا الجهل بالله وعظمته وحقه غاية.  فصل فإن كثف علمك عن هذا ولم يتسع له عقلك فاذكر النعم وما عليها من الحقوق ووازن بين شكرها وكفرها فحينئذ تعلم أنه لو عذب أهل السماوات والأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم قال أنس بن مالك: ينشر للعبد يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه ذنوبه وديوان فيه النعم وديوان فيه العمل الصالح فيأمر الله تعالى أصغر نعمة من نعمه فتقوم تستوعب عمله فيه ثم تقول: أي ربي وعزتك وجلالك ما استوعبت(1\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "234",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12632",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثمني وقد بقيت الذنوب والنعم فإذا أراد الله بعبده خيرا قال: ابن آدم ضعفت حسناتك وتجاوزت عن سيئاتك ووهبت لك نعمتي فيما بيني وبينك. ومما يوضح الأمر أن من حق الله على عبده أن يرضى به ربه وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا وهذا الرضى يقتضي رضاه بربوبيته له في كل ما يقضيه ويقدره عليه في عطائه له ومنعه وفي قبضه وبسطه ورضاه بالإسلام دينا يوجب عليه رضاه به وعنه في كل ما يأمره به وينهاه عنه ويحبه منه ويكرهه له فلا يكون في صدره من ذلك حرج بوجه ما ورضاه بمحمد رسولا يوجب أن يرضى بحكمه له وعليه وأن يسلم لذلك وينقاد له ولا يقدم عليه غيره وهذا يوجب أن يكون حبه كله لله وبغضه كله لله وعطاؤه لله ومنعه لله وفعله لله وتركه لله وإذا قام بذلك كانت نعم الله عليه أكثر من عمله بل فعله ذلك من أعظم نعم الله عليه حيث وفقه له ويسره له وأعانه عليه وجعله من أهله وحضه به فهو يستوجب شكرا آخرا عليه فلا سبيل له إلى القيام فيما يجب لله تعالى عليه من الشكر أبدا فنعم الله تطالبه بالشكر وأعماله لا يقبلها وذنوبه وغفلته وتقصيره قد يستنفد عمله فديوان النعم وديوان الذنوب يستنفدان طاعاته كلها هذا وأعمال العبد مستحقة عليه بمقتض كونه عبدا مملوكا مستعملا فيما يأمر به سيده فنفسه مملوكة وأعماله مستحقه عليه بموجب العبودية فلا يستحق ثوابا ولا جزاء فلو أمسك الثواب والجزاء الذي يتنعم به لم يكن ظالما فإنه يكون قد فعل ما وجب عليه بحق كونه عبدا ومن لم يحكم هذا الموضع فإنه عند الذنوب وعقوباتها يصدر منه من الأقوال ما يكون فيها أو في بعضها خصما لله متظلما منه شاكيا له وقد وقع في هذا من شاء الله من الناس ولو حركت النفوس لرأيت العجب. ومما يوضح ذلك أنه سبحانه عادل لو عم أهل السماوات والأرض بالعذاب لكان عادلا فهو إنما ينزل العذاب بسبب من يستحقه منهم ثم يعم العذاب من لا يستحقه(1\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "235",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12633",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل حكمة الله تعالى في خلق الضدين",
        "content": "كما أهلك سبحانه الأمم المكذبين بعذاب الاستئصال وأصاب العذاب الأطفال والبهائم ومن لم يذنب وكذلك إذا عصاه أهل الأرض أمسك عنهم قطر السماء فيصيب ذلك العذاب البهائم والوحوش في الفلوات فتموت الحبارى في وكورها هزلا بخطايا بني آدم ويموت الضب في جحره جوعا وقد أغرق الله أهل الأرض كلهم بخطايا قوم نوح وفيهم الأطفال والبهائم ولم يكن ذلك ظلما منه سبحانه فالعقوبة الإلهية التي اشترك الناس في أسبابها تأتي عامة وقد كسر الصحابة رضي الله عنهم يوم أحد بذنوب أولئك الذين عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخلوا مركزهم وانهزموا يوم حنين لما حصل لبعضهم من الإعجاب بكثرتهم فعمت عقوبة ذلك الإعجاب وهذا عين العدل والحكمة لما في ذلك من المصالح التي لا يعلمها إلا الله تعالى. وغاية ما يقال: فهلا خصت العقوبة صاحب الجريمة فيقال: العقوبة العامة التي تبقى آية وعبرة وموعظة لو وقعت خاصة لارتفعت الحكمة المقصودة منها وفاتت العبرة ولم يظهر للناس أنها بذلك السبيل بل لعل قائلا يقول: قدرا اتفق وإذا أصاب العذاب من لا يستحقه فمن يثاب في الآخرة معجل له الراحة في الدنيا بالموت الذي لا بد منه ويتداخل الثواب في الآخرة ومن لا يثاب كالبهائم التي لا بد من موتها فإنها لا تتعجل الراحة وما يصيبها من ألم الجوع والعطش فهو من لوازم العدل والحكمة مثل الذي يصيبها من ألم الحر والبرد والحبس في بيوتها التي مصلحتها أرجح من مفسدة ما ينالها وهكذا مصلحة هذه العقوبة العامة وجعلها عبرة للأمم أرجح من مفسدة تألم تلك الحيوانات.  [فصل حكمة الله تعالى في خلق الضدين] فصل اعلم أن من أعظم حكمة الرب وكمال قدرته ومشيئته خلق الضدين إذ بذلك تعرف ربوبيته وقدرته وملكه كالليل والنهار والحر والبرد والعلو والسفل والسماء والأرض والطيب والخبيث والداء والدواء والألم واللذة والحسن والقبيح فمن كمال قدرته وحكمته خلقال جبريل وخلقك فخلق أطيب الأرواح وأزكاها وأطهرها وأفضلها وأجرى على يديه كل خير وخلق أنجس الأرواح وأخبثها وأرداها وأجرى على يديه كل شر وكفر وفسوق ومعصية وجعل الطيب منحازا إلى تلك الروح والخبيث منحازا إلى هذه الروح فتلك مغناطيس كل طيب وهذه مغناطيس كل خبيث وأي حكمة أبلغ من هذا(1\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "236",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12634",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يوضحه: أن المادة الأرضية مشتملة على الطيب والخبيث وقد اقتضت الحكمة أن خلق منها آدم وذريته فلا بد أن يأتي بنو آدم كذلك مشاكلتهم لمادتهم والمادة النارية فيها الخير والشر فلا بد أن يأتي المخلوق منها كذلك والله تعالى يريد تخليص الطيب من المادة الأرضية من الخبيث ليجعل الطيب مجاورا له في دار كرامته مختصا برؤيته والقرب منه ويجعل الخبيث في دار الخبث حظه البعد منه والهوان والطرد والإبعاد إذ لا يليق بحمده وحكمته وكماله أن يكون مجاورا له في داره مع الطيبين فأخرج من المادة النارية من جعله محركا للنفوس داعيا لها إلى محل الخبث لتنجذب إليه النفوس الخبيثة بالطبع وتميل إليه بالمناسبة فتتحيز إلى ما يناسبها وما هو أولى بها حكمة ومصلحة وعدلا لا يظلمها في ذلك بارئها وخالقها بل أقام داعيا يظهر بدعوته إياها واستجابتها له ما كان معلوما لبارئها وخالقها من أحوالها وكان خفيا على العباد فلما استجابت لأمره ولبت دعوته وآثرت طاعته على طاعة ربها ووليها الحق الذي تتقلب في نعمه وإحسانه ظهر لملائكته ورسله وأوليائه حكمته وعدله في تعذيب هذه النفوس وطردها عنه وإبعادها عن رحمته وأقام للنفوس الطيبة داعيا يدعوها إليه إلى مرضاته وكرامته فظهر لهم حمده التام وحكمته البالغة في الأمرين وعلموا أن خلق عدو الله إبليس وجنوده وحزبه وخلق وليه وعبده جبريل وجنوده وحزبه هو عين الحكمة والمصلحة وأن تعطيل ذلك مناف لمقتضى حكمته وحمده. يوضحه: أن من لوازم ربوبيته تعالى وإلهيته إخراج الخبأ في السماوات والأرض من النبات والأقوات والحيوان والمعادن وغيرها وخبأ في السماوات ما أودعها من أمره الذي يخرجه كل وقت بفعله وأمره وهذا من تدبيره لملائكته وتصرفه في العالم العلوي والسفلي فبإخراج هذا الخبأ تظهر قدرته ومشيئته وعلمه وحكمته وكذلك النفوس فيها خبأ كامن يعلمه سبحانه منها فلا بد أن يقيم أسبابا يظهر بها خبأ النفوس الذي كان كامنا فيها فإذا صار ظاهرا عيانا ترتب عليه أثره إذ لم يكن يترتب على نفس العلم به دون أن يكون معلوما واقعا في الوجود قال تعالى: ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب [آل عمران: 179]  وقال تعالى: وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا [هود: 7] فأخبر أنه خلق العالم العلوي والسفلي ليبلو عباده فيظهر من يطيعه ويحبه ويجله(1\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "237",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12635",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل العبودية إنما تظهر عند الامتحان بالشهوات",
        "content": "ويعظمه ممن يعصيه ويخالفه وهذا الابتلاء والامتحان يستلزم أسبابا يحصل بها فلا بد من خلق أسبابه ولهذا لما كان من أسبابه خلق الشهوات وما يدعو إليها وتزيينها فعل ذلك وقال تعالى: إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا [الكهف: 7] . فهذه ثلاث مواضع في القرآن تبين حكمته في خلق أسباب الابتلاء والاختبار فظهر أن من بعض الحكم في خلق عدو الله إخراج خبأ النفوس الخبيثة التي شرها وخبيثها كامن فيها فأخرج خبأها بزناد دعوته كما يخرج خبأ النار بقدح الزناد وكما يخرج خبأ الأرض بإنزال الماء عليها وكما يخرج خبأ الأنثى بلقاح الذكر لها وكما يخرج خبأ القلوب الذاكية بإنزال وحيه وكلامه عليها. فكم له سبحانه من حكمة بالغة وآية ظاهرة في خلق عدوه إبليس فإن من كمال الحكمة والقدرة إظهار شرف الأشياء الفاضلة بأضدادها فلولا الليل لم يظهر فضل النهار ونوره وقدره ولولا الألم لم يعرف فضل اللذة وشرفها وقدرها ولولا المرض لم يعرف فضل العافية ولولا وجود قبح الصورة لم يظهر فضل الحسن وجمالها ولهذا كان خلق النار وعذاب أهلها فيها أعظم لنعيم أهل الجنة وأبلغ في معرفة قدرها وخطرها فكان خلق هذا القبيح الشنيع المنظر الذي صورته أشنع من باطنه وباطنه أقبح من صورته مكملا لحسن تلك الروح الزكية الفاضلة التي كمل الله تعالى بصورتها جمال الظاهر والباطن فلو كان الخلق كلهم على حسن يوسف مثلا فأي فضيلة وتمييز يكون له ولو كانت الكواكب كلها شموسا وأقمارا فأي مزية كانت تكون للنيرين  [فصل العبودية إنما تظهر عند الامتحان بالشهوات] فصل إن كمال العبودية والمحبة والطاعة إنما يظهر عند المعارضة والدواعي إلى الشهوات والإرادات المخالفة للعبودية وكذلك الإيمان تتبين حقيقته عند المعارضة والامتحان وحينئذ يتبين الصادق من الكاذب قال الله تعالى: الم - أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون - ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين [العنكبوت: 1 - 3]  وقال تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين [آل عمران: 142]  وقال تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا [البقرة: 214](1\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "238",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12636",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "حكمة الله تعالى في خلق إبليس",
        "content": " فالجنة لا ينالها المكلفون إلا بالجهاد والصبر فخلق الشياطين وأوليائهم وجندهم من أعظم النعم في حق المؤمنين فإنهم بسبب وجودهم صاروا مجاهدين في سبيل الله يحبون لله ويبغضون لله يوالون فيه ويعادون فيه ولا تكمل نفس العبد ولا يصلح لها الزكاة والفلاح إلا بذلك وفي التوراة: إن الله تعالى قال لموسى: اذهب إلى فرعون فإني سأقسي قلبه لتظهر آياتي وعجائبي ويتحدث بها جيلا بعد جيل بتكذيب المشركين لمحمد صلى الله عليه وسلم وسعيهم في إبطال دعوته ومحاربته كانت من أعظم النعم عليه وعلى أمته وإن كان من أعظم النقم على الكافرين فكم حصل في ضمن هذه المعاداة والمحاربة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه ولأمته من نعمة وكم رفعت بها درجة وكم قامت بها لدعوته عن حجة وكم أعقب ذلك من نعيم مقيم وسرور دائم ولله كم من فرحة وقرة عين في مغايظة العدو وكتبه فما طاب العيش إلا بذلك فمعظم اللذة في غيظ عدوك فمن أعظم نعم الله على عباده المؤمنين أن خلق لهم مثل هذا العدو وأن القلوب المشرقة بنور الإيمان والمعرفة لتعلم أن النعمة بخلق هذا العدو ليست بدون النعمة بخلق أسباب اللذة والنعمة فليست بأدنى النعمتين عليهم وإن كانت مقصورة لغيرها فإن الذي يترتب من الخير المقصود لذاته أنفع وأفضل وأجل من فواته.  [حكمة الله تعالى في خلق إبليس] فإن قيل: إذا كان خلق إبليس وجنوده من أعظم النعم على المؤمنين فأي حكمة ومصلحة حصلت لهؤلاء بخلقهم فكيف اقتضت الحكمة أن خلقهم لضررهم المحض لأجل منفعة أولئك وإذا أثبتم اقتضاء الحكمة لذلك طولبتم بأمر هو أشكل عليكم من هذا وهو ما جعل من المضار وسيلة إلى حصول غيره إن لم تكن الغاية حاصلة منه وإلا كان في تفويته أولى لما في تفويته من عدم الشر والفساد وهذه الوسيلة قد ترتب عليها دخول واحد من الألف إلى الجنة وتسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار فأين الحكمة والمصلحة التي حصلت للمكلفين في خلق الشياطين فهذان سؤلان في هذا المقام لا يتم مقصودكم إلا بالجواب عنهما. قيل: حاصل السؤالين أنه أي مصلحة في خلق الشياطين والكفرة لأنفسهم وأن مفسدة من خلقوا لمصلحته بهم أضعاف ما حصل لهم من المصلحة والجواب عنها من عدة مسالك:(1\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "239",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12637",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المسلك الأول: إنا وإن عللنا أفعال الرب بالحكم فإنا لا نوجب عليه رعاية المصالح بل نقول: إن له في كل خلقه حكمة تعجز العقول عن الإحاطة بها وحكمته أعلى وأعظم أن توزن بعقولنا وقد بينا بعض الحكم في خلقهم وما يترتب عليها مما هو أحب إليه من فواته وهذا المحبوب له إن استلزم وجوده مفسدة في حق ذلك المخلوق فالحكمة الحاصلة بخلقه أعظم من تلك المفسدة وهذا كما أن المصلحة والمفسدة الحاصلة من ذبح القرابين والهدي والأنساك والضحايا وغيرها أعظم من المفسدة الحاصلة للحيوان بالذبح والكفار قرابين أهل الإيمان. المسلك الثاني: أنا نعلل أفعاله سبحانه بالمصالح لكن لا على الوجه الذي سلكه أهل القدر والاعتزال من رعاية المصالح التي اقترحتها عقولهم وحكمت بأنه هو أصلح وهذا مسلك باطل يقابل في البطلان مسلك خصومهم من الجبرية الذين ينكرون أن يفعل لغاية أو أن يكون بفعله علة البتة فنقول: نعم في خلقهم أعظم المصالح التي هي فعل من ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله بل هو منزه عن مشابهة خلقه في شيء من ذلك ثم لنا في هذا المسلك طريقان: أحدهما: أن نقول: خلقوا لمصلحتهم من معرفته سبحانه وعبادته وطاعته وفطروا على ذلك وهيئوا له ومكنوا منه وجعل فيهم الاستعداد والقبول وبهذا قامت حجة الله عليهم وظهر عدله فيهم فلما أبوا واستكبروا أن ينقادوا لطاعته وتوحيده ومحبته كانوا هم الظالمين المعتدين المستحقين للعذاب فجعل تعذيبهم من تمام نعيم أوليائه ومصلحة محضة في حقهم فإنهم لما فوتوا المصالح التي خلقوا لأجلها واستحقوا عليها العقوبة صارت تلك العقوبة مصالح لأوليائه وهذا بمنزلة ملك له عبيد هيأ كل واحد منهم لخدمته والقرب منه والحظوة بكرامته فأبى بعضهم ذلك ولم يرض به فسلط الملك عبيده المطيعين له عليهم وقال: أبحتكم دماءهم وأموالهم ونساءهم ومساكنهم شكرا لكم على طاعتي وعقوبة لهم على استكبارهم عنها وأريتكم عظيم نعمتي عليكم بما أنزلت بهم من نقمتي فإنكم لو عملتم مثل عملهم جعلتكم بمنزلتهم فكلما شاهدوا عقوبتهم ازدادوا محبة ورغبة وذكرا وشكرا للملك واجتهادا في طاعته وبلوغ مرضاته وتلك العقوبة التي نالتهم إنما هي بسبب أعماله لم يظلمهم الملك شيئا ولله المثل الأعلى والنعمة السابغة والحجة البالغة قال الله تعالى: ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما [النساء: 147] .(1\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "240",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12638",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتأمل ما تحت هذا الخطاب من العدل واللطف والرحمة وأنه سبحانه ليس له غرض في تعذيبكم ولا يعذبكم تشفيا ولا لحاجة به إلى ذلك ولا هو ممن يعذب سدى باطلا بلا موجب ولا سبب ولكن لما تركتم الشكر والإيمان واستبدلتم به الكفر والشرك وجحود حقه عليكم وإنكار كماله وأبدلتم نعمته كفرا أحللتم بأنفسكم جزاء ذلك وعقوبته وسعيتم بجهدكم إلى دار العقوبة ساعين في أسبابها بل دعاته ورسله تمسك بأيديكم وحجزكم عن الطريق الموصلة إلى محل عذابه وأنتم تجاذبونهم أشد المجاذبة وتتهافتون فيها ولم يكفكم ذلك حتى بغيتم طريق رضاه ورحمته عوجا وصددتم عنها ونفرتم عباده عنها بجهدكم وآثرتم موالاة عدوه على موالاته وطاعته فتحيزتم إلى أعدائه متظاهرين عليه ساعين في إبطال دعوته الحق فما يفعل سبحانه بعذابكم لولا أنكم أوقعتم أنفسكم فيه بما ارتكبتم. وهذا المسلك ظاهر المصلحة والحكمة والعدل في حقهم وإن كانوا هم الذين فوتوا على أنفسهم المصلحة قال الله تعالى: وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون [النحل: 118]  وهذا الأمر لا بد أن يشهدوه إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور ويقروا به ولا يبقى عندهم ريب ولا شك وتأمل قوله الحق: نسوا الله فنسيهم [التوبة: 67]  وقوله: ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم [الحشر: 19] كيف عدل فيهم كل العدل بأن نسيهم كما نسوه وأنساهم حظوظ أنفسهم ونعيمها وكمالها وأسباب لذاتها وفرحها عقوبة لهم على نسيان المحسن إليهم بصنوف النعم المتحبب إليهم بآلائه فقابلوا ذلك بنسيان ذكره والإعراض عن شكره فعدل فيهم بأن أنساهم مصالح أنفسهم فعطلوها وليس بعد تعطيل مصلحة النفس إلا الوقوع فيما تفسد به وتتألم بفوته غاية الألم. ونحن في هذا المسلك في غنية عن أن نقول: إن تعذيبهم غير مصلحتهم كما قاله غير واحد من أرباب المقالات كما حكاه عنهم الأشعري وغيره فإن هؤلاء لم يثبتوا وجه المصلحة لهم في تعذيبهم بل أرسلوا القول بذلك إرسالا وكأنهم حاموا حول أمر لم يمكنهم وروده وهو أن هؤلاء وإن كانوا به مشركين ولحقه جاحدين فإنهم إنما خلقوا على الفطرة السليمة التي هي دين الله ولكن عرض لهم ما نقلهم عنها(1\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "241",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12639",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حتى فسدت وبطل حكمها وصار الناقل لهم عنها هو الحاكم العامل فيهم وهذا أمر خارج عن مقتضى الخلقة وأصل الفطرة كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار المجاشعي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: ( إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ) . وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot; ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه quot; فأخبر أن أصل ولادتهم ونشأتهم على الفطرة وأن التهويد والتنصير والتمجيس طارئ طرأ على الفطرة وعارض عرض لها واقتضى هذا العارض الذي عرض للفطرة أمورا استلزمت ترتيب آثارها عليها بحسب قوتها وضعفها فالآلام المترتبة على ذلك من جنس الآلام والعقوبات المترتبة على خروج البدن عن صحته وهو إنما خلق على الصحة والاعتدال فإذا استمر على ذلك لم يعرض له ألم وكذلك القلب فطر على الفطرة الصحيحة فلما عرض له الفساد ترتب على ذلك العارض أثره من الآلام والعقوبات ولا ريب أن ذلك العارض ليس في أصل الفطرة بحيث يستحيل زواله بل هو ممكن الزوال والناس في زواله فحين عاد إلى موجب الفطرة أجاب الداعي من غير توقف ومنهم من توقف لقوة العارض فاحتاج مع الدعوة إلى موعظة تتضمن ترهيبه وترغيبه ومنهم من غلبت عليه المادة الفاسدة فاحتاج مع ذلك إلى المجادلة ومنهم من كان العارض أشد من ذلك فعدل معه إلى الجلاد والمحاربة ونوع من العقوبة فأزال ذلك تلك المادة وأعاد الفطر إلى صحتها ومنهم من كان فساد فطرته قد استحكم وتمكن فصار له بمنزلة الصفة الثابتة ولم يكن بد من أن يحتمي عنه ليزول ذلك الخبث ويتخلص منه ويعود على ما خلق عليه أولا. ولهذا لما خرج خبث الموحدين من أهل الكبائر بسرعة تعجل خروجهم من النار وعاد إلى ما خلقوا عليه أولا من كمال النشأة وزوال موجب هذا العذاب فلم يبق لهم مصلحة في التعذيب بعد ذلك وأما المشركون: فلما كان العارض استحكم فيهم وصار كالهيئة والصفة استمروا في النار تحمى عليهم أشد الحمو لقوة ذلك الخبث(1\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "242",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12640",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولزومه لهم ومعلوم أنه لو فارقهم في الدنيا وانسلخوا منه لم يعذبوا فإذا فارقهم في النار وانسلخوا منه زال موجب العذاب فعمل مقتضى الفطرة علمه وأبدلوا ذلك بوجوه هذا أحدها. الوجه الثاني: أن الله تعالى لم يخلق شيئا يكون شرا محضا من كل وجه لا خير فيه بوجه من الوجوه فإن هذا ليس في الحكمة بل ذلك لا يكون إلا عدما محضا والعدم ليس بشيء والوجود إما محض إما أن يكون فيه خير من وجه وشر من وجه فأما أن يكون شرا من كل وجه فهذا ممتنع ولكن قد يظهر ما فيه من الشر ويخفى ما في خلقه من الخير ولهذا قال تعالى للملائكة وقد سألوا عن خلق هذا القسم فقالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون [البقرة: 30] فإذا كانت الملائكة مع قربهم من الله وعلمهم بأسمائه وصفاته وما يجب له ويمتنع عليه لم يعلم حكمته سبحانه في خلق من يفسد كما يعلمها الله بل هو سبحانه متفرد بالعلم الذي لا يعلمونه فالبشر أولى بأن لا يعلموا ذلك فالخير كله في يدي الرب والشر ليس إليه فلا يدخل في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله وإن دخل في مفعولاته بالعرض لا بالذات وبالقصد الثاني لا الأول دخولا إضافيا وأما الخير فهو داخل في أسمائه وصفاته وأفعاله ومفعولاته بالذات والقصد الأول فالشر إنما يضاف له مفعول لا فعله وفعله خير محض وهذا من معاني أسمائه المقدسة كالقدوس والسلام والمتكبر فالقدوس الذي تقدس عن كل عيب وكذلك السلام وكذلك المتكبر قال ميمون بن مهران: تكبر عن السوء والسيئات فلا يصدر منه إلا الخيرات والخيرات كلها منه فهو الذي يأتي بالحسنات ويذهب بالسيئات ويصلح الفاسد ولا يفسد الصالح بل ما أفسد إلا فاسدا وإن كان الظاهر الذي يبدو للناس صالحا فهو يعلم منه ما لا يعلم عباده. والمقصود أنها الإعدام ولوازمها: فالشر ليس إلا الذنوب وموجباتها وسيئات الأعمال وسيئات الجزاء وهي مترتبة على عدم الإيمان والطاعة وموجباتها فإذا أراد الله بعبده الخير أراد من نفسه سبحانه أن يوفقه له ويعينه عليه فيوجد منه فيترتب عليه من الأمور الوجودية ما فيه صلاحه وسعادته فإذا لم يرد به خيرا لم يرد من نفسه أن يعينه ويوفقه فيبقى مستمرا على عدم الخير الذي هو الأصل فيترتب على هذا العدم(1\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "243",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12641",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقد الخير وأسبابه وذلك هو الشر والألم فإذا بقيت النفس على عدم كمالها الأصلي وهي متحركة بالذات لم تخلق ساكنة تحركت في أسباب مضارتها وألمها فتعاقب بخلق أمور وجودية يريد الله سبحانه تكوينها عدلا منه في هذه النفس وعقوبة لها وذلك خير من جهة كونه عدلا وحكمة وعبرة وإن كان شرا بالإضافة إلى المعذب والمعاقب فلم يخلق الله سبحانه شرا مطلقا بل الذي خلقه من ذلك خير في نفسه وحكمة وعدل وهو شر نسبي إضافي في حق من أصابه كما إذا أنزل المطر والثلج والرياح وأطلع الشمس كانت هذه خيرات في نفسها وحكم ومصالح وإن كانت شرا نسبيا إضافيا في حق من تضرر بها. وبالجملة فالكلمة الجامعة لهذا هي الكلمة التي أثنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ربه حيث يقول: quot; والشر ليس إليك quot; فالشر لا يضاف إلى من الخير بيديه وإنما ينسب إلى المخلوق كقوله تعالى: قل أعوذ برب الفلق - من شر ما خلق [الفلق: 1 - 2] فأمره أن يستعيذ به من الشر الذي في المخلوق فهو الذي يعيذ منه وينجي منه وإذا أخلى العبد قلبه من محبته والإنابة إليه وطلب مرضاته وأخلى لسانه من ذكره والثناء عليه وجوارحه من شكره وطاعته فلم يرد من نفسه ذلك ونسي ربه لم يرد الله سبحانه أن يعيذه من ذلك ونسيه كما نسيه وقطع الإمداد الواصل إليه منه كما قطع العبد العبودية والشكر والتقوى التي تناله من عباده قال تعالى: لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم [الحج: 37] فإذا أمسك العبد عما ينال ربه منه أمسك الرب عما ينال العبد من توفيقه وقد صرح سبحانه بهذا المعنى بعينه في قوله تعالى: ونذرهم في طغيانهم يعمهون [الأنعام: 110] أي نخلي بينهم وبين نفوسهم التي ليس لهم منها إلا الظلم والجهل وقال تعالى: ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم [الحشر: 19] وقال تعالى: أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم [المائدة: 41] فعدم إرادته تطهيرهم وتخليته بينهم وبين نفوسهم أوجب لهم من الشر ما أوجبه. فالذي إلى الرب وبيديه ومنه هو الخير والشر كان منهم مصدره وإليهم كان منتهاه فمنهم ابتدأت أسبابه بخذلان الله تعالى لهم تارة وبعقوبته لهم به تارة وإليهم انتهت غايته ووقوعه فتأمل هذا الموضع كما(1\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "244",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12642",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "رحمة الله سبقت غضبة",
        "content": "ينبغي فإنه يحل عنك إشكالات حار فيها أكثر الناس ولم يهتدوا إلى الجمع بين الملك والحمد والعدل والحكمة.  [رحمة الله سبقت غضبة] المسلك الثالث: مسلك الرحمة فإنها هي المسئولية الشاملة العامة للموجودات كلها وبها قامت الموجودات فهي التي وسعت كل شيء والرب وسع كل شيء رحمة وعلما فوصلت رحمته إلى حيث وصل علمه فليس موجود سوى الله تعالى إلا وقد وسعته رحمته وشملته وناله منها حظ ونصيب ولكن المؤمنون اكتسبوا أسبابا استوجبوا بها تكميل الرحمة ودوامها والكفار اكتسبوا أسبابا استوجبوا بها صرف الرحمة إلى غيرهم. فأسباب الرحمة متصلة دائمة لا انقطاع لها لأنها من صفة الرحمة والأسباب التي عارضتها مضمحلة زائلة لأنها عارضة على أسباب الرحمة طارئة عليها وإذا كان كل مخلوق قد انتهت إليه الرحمة ووسعته فلا بد أن يظهر أثرها فيه آخرا كما ظهر أثرها فيه أولا فإن أثر الرحمة ظهر فيه أول النشأة ثم اكتسب ما يقتضي آثار الغضب فإذا ترتب على الغضب أثره عادت الرحمة فاقتضت أثرها آخرها كما اقتضته أولا لزوال المانع وحصول المقتضى في الموضعين. ومما يوضح هذا المعنى أن الجنة مقتضى رحمته ومغفرته والنار من عذابه وهو مخلوق منفصل عنه ولهذا قال تعالى: نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم - وأن عذابي هو العذاب الأليم [الحجر: 49 - 50] وقال: اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم [المائدة: 98] وقال تعالى: إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم [الأعراف: 167] فالنعم موجب أسمائه وصفاته وأما العذاب فإنه من مخلوقاته المقصودة لغيرها بالقصد الثاني فهو سبحانه إذا ذكر الرحمة والإحسان والعفو نسبه إلى ذاته وأخبر أنه من صفاته وإذا ذكر العقاب نسبه إلى أفعاله ولم يتصف به فرحمته من لوازم ذاته وليس غضبه وعقابه من لوازم ذاته فهو سبحانه لا يكون إلا رحيما كما أنه لا يكون إلا حيا عليما قديرا سميعا وأما كونه لا يكون إلا غضبانا معذبا فليس ذلك من كماله المقدس ولا هو مما أثنى به على نفسه وتمدح به. يوضح هذا المعنى أنه كتب على نفسه الرحمة ولم يكتب عليها الغضب وسبقت رحمته غضبه وغلبته ولم يسبقها الغضب ولا غلبها ووسعت رحمته كل شيء ولم يسع غضبه وعقابه كل شيء وخلق الخلق ليرحمهم لا ليعاقبهم والعفو(1\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "245",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12643",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحب إليه من الانتقام والفضل أحب إليه من العدل والرحمة آثر عنده من العقوبة لهذا لا يخلد في النار من في قلبه مثقال ذرة من خير وجعل جانب الفضل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وجانب العدل السيئة فيه بمثلها وهي معرضة للزوال بأيسر شيء وكل هذا ينفي أن يخلق خلقا لمجرد عذابه السرمدي الذي لا انتهاء له ولا انقضاء لا لحكمة مطلوبة إلا لمجرد التعذيب والألم الزائد على الحد فما قدر الله حق قدره من نسب إليه ذلك بخلاف ما إذا خلقهم ليرحمهم ويحسن إليهم وينعم عليهم فاكتسبوا ما أغضبه وأسخطه فأصابهم من عذابه وعقوبته بحسب ذلك العارض الذي اكتسبوا ثم اضمحل سبب العقوبة وزال وعاد مقتضى الرحمة فهذا هو الذي يليق برحمة أرحم الراحمين وحكمة أحكم الحاكمين. ومما يبين هذا أن الجنة لا يدخلها من لم يعمل خيرا قط ويدخلها من ينشئه الله تعالى فيها ويدخلها من دخل النار أولا ويدخلها الأبناء بعمل الآباء وأما النار فذلك كله منتف فيها ولا يدخلها من لم يعمل شرا قط ولا ينشئ الله تعالى فيها خلقا يعذبهم من غير جرم ولا يدخلها من يدخل الجنة أولا ولا يدخلها الذرية بكفر الآباء وعملهم وهذا يدل على أنها خلقت لمصلحة من دخلها الذيب. . . فضلاته وأوساخه وأدرانه وتطهره من خبثه ونجاسته كالكير الذي يخرج خبث الجواهر المنتفع بها ولمصلحة من يدخلها ليردعه ذكرها والخبر عنها عن ظلمه وغيه فليست الداران عند الله سواء في الأسباب والغايات والحكم والمصالح. يوضح ذلك أن الله تعالى لا يعذب أحدا إلا لحكمة ولا يضع عذابه إلا في المحل الذي يليق به كما اقتضى شرعه العقوبات الدنيوية بالحدود التي أمر بإقامتها لما فيها من المصالح والحكم في حق صاحبها وغيره وكذلك ما يقدره من المصائب والآلام فيها من الحكم ما لا يحصيه إلا الله من تزكية النفوس وتطهيرها والردع والزجر وتعريف قدر العاقبة وامتحان الخلق ليظهر من يعبده على السراء والضراء ممن يعبده على حرف إلى أضعاف ذلك من الحكم. وكيف يخلو أعظم العقوبات عن حكمة ومصلحة ورحمة إن مصدرها عن تقدير أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين والجنة طيبة لا يدخلها إلا طيب ولهذا يدخل النار من أهل التوحيد من فيه خبث وشر حتى يتطهر فيها ويطيب ومن كان فيه دون ذلك حبس على قنطرة بين الجنة والنار(1\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "246",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12644",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حتى إذا هذب ونقي أذن له بالدخول ومعلوم أن النفوس الشريرة الظالمة المظلمة الأثيمة لا تصلح لتلك الدار التي هي دار الطيبين ولو ردت إلى الدنيا قبل العذاب لعادت لما نهيت عنه فلا تصلح لدار السلام التي سلمت من كل عيب وآفة فاقتضت الحكمة تعذيب هذه النفوس عذابا يطهر نفوسهم من ذلك الشر والخبث ويكون مصلحة لهم ورحمة بهم ذلك العذاب وهذا معقول في الحكمة أما خلق النفوس لمجرد العذاب السرمدي لا لحكمة ولا لمصلحة فتأباه حكمة أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين. يوضحه: أن الله تعالى قيد دار العذاب ووقتها بما لم يقيد به دار النعيم وبوقتها فقال تعالى في دار العذاب: لابثين فيها أحقابا [النبأ: 23] وقال: النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم [الأنعام: 128] فقيدها بالمشيئة وأخبر أن ذلك صادر عن حكمته وعلمه وقال تعالى: فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق - خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد [هود: 106 - 107] وأما الجنة فإنه أخبر ببقاء نعيمها ودوامه وأنه لا نفاد له ولا انقطاع فقال: أكلها دائم وظلها [الرعد: 35] وقال إن هذا لرزقنا ما له من نفاد [ص: 54] وأما النار فغاية ما أخبر به عنها أن أهلها لا يخرجون منها وأنهم خالدين فيها وما هم منها بمخرجين وهذا مجمع عليه بين أئمة الإسلام وهو معلوم بالضرورة أن الرسول جاء به ولكن الكلام في مقام آخر أن النار أبدية لا تفنى أصلا كما أن الجنة كذلك فهذا الذي تكلم فيه الصحابة والتابعون ومن بعدهم. قال حرب في مسألة: سألت إسحاق عن قول الله تعالى: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك [هود: 107] قال: أتت هذه الآية على كل وعيد في القرآن قال إسحاق: حدثنا عبد الله بن معاذ حدثنا معتمر بن سليمان قال: قال أبي: حدثني أبو نضرة عن جابر وأبي سعيد أو بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: هذه الآية تأتي على القرآن كله إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد [هود: 107] قال المعتمر قال(1\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "247",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12645",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل من عدله سبحانه أنه لا يزيد أحدا في العذاب على القدر الذي يستحقه",
        "content": "أبي: كل وعيد في القرآن وقال ابن جرير في تفسيره: حدثنا الحسن بن يحيى حدثنا عبد الرزاق حدثنا ابن التميمي عن أبيه عن أبي نضرة عن جابر وأبي سعيد وعن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد [هود: 107] قال: quot; هذه الآية تأتي على القرآن كله حيث يقول في القرآن: خالدين فيها [البقرة: 162] تأتي عليه quot;. قال ابن جرير: حدثت عن ابن المسيب عمن ذكره عن ابن عباس قال: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد [هود: 107] قال (أمر النار تأكلهم) قال: وقال ابن مسعود: ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا. وقال أحمد: حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن ساق عن الشعبي قال: جهنم أسرع الدارين عمرانا وأسرعها خرابا. وقال حرب عن إسحاق بن راهويه: حدثنا عبد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن أبي بلج سمع عمرو بن ميمون يحدث عن عبد الله بن عمرو قال: quot; ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا quot;. وقال إسحاق: حدثنا عبيد بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن يحيى بن أيوب عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال quot; ما أنا بالذي أقول إنه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد وقرأ: فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق - خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد [هود: 106 - 107]  [فصل من عدله سبحانه أنه لا يزيد أحدا في العذاب على القدر الذي يستحقه] فصل ومن عدله سبحانه أنه لا يزيد أحدا في العذاب على القدر الذي يستحقه وهذا يشهده أهل النار في النار ومدة الكفر والشرك منقطعة فكيف يكون العذاب على(1\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "248",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12646",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المنقطع سرمدا أبد الآبدين لا انقطاع له البتة بخلاف النعمة فإنه محض فضله فدوامه لا ينافي الحكمة. فإن قيل: لما كان من نيته أن يستمر على الشرك والكفر ولو عاش أبدا كان عقابه موافقا لهذه النية والإصرار فالجواب: أن العقوبة الدائمة إما أن تكون مصالحة للمعاقب أو للمعاقب أو لهما أو غيرهما أو لا مصلحة فيها البتة والأقسام كلها باطلة. أما المعاقب فإنه إنما تكون العقوبة مصلحة في حقه إذا كان محتاجا إليها لشفاء غيظه وإطفاء نار غضبه التي يتأذى ببقائها والله تعالى منزه عن ذلك كله فلم يبلغ العباد ضره فيضروه ولا نفعه فينفعوه ولو أن أول خلقه وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أفجر قلب رجل منهم ما ضره ذلك شيئا ولا نقصه من ملكه شيئا وأما أنه لا مصلحة للمعاقب ولا لغيره في ذلك فظاهر فتعين القسم الأخير وهو أنه مصلحة فيها ودون كذلك فهو عبث يتعالى الله عنه سبحانه أن يخلق باطلا أو سدى أو عبثا أو خاليا عن مصلحة وحكمة وهذا بخلاف ما إذا قيل: وضعت العقوبة لمصلحة وتقدرت بقدرها فإذا حصلت الحكمة والغاية المطلوبة منها وترتب المصلحة التي قصدت بها عاد الأمر إلى الرحمة والجود. ثم إن هذه النفوس الظالمة الكافرة لها بداية وتوسط ونهاية فهي في بدايتها قابلة للحق والعدل ولهذا لم يعذبها الله في هذه الحال وإن علم منها أنها تختار الكفر وأما في حال توسطها من حيث عقلت وقامت عليها الحجة فإنها استحقت العذاب حينئذ لأن العقوبة مع الجناية فاقتضت الحكمة تأخيرها إلى دار الجزاء لعلها أن تراجع الحق فضرب لها مدة الحياة أجلا وأمدا تتمكن فيه من الرجوع إلى الحق واستدراك الفارض فلما لم تفعل ذلك ختم عليها العقوبة ومعلوم أنها إنما استمرت في مدة الحياة على غيها وكفرها لقيام الأسباب التي زينت لها ذلك ولولا تلك الأسباب لآثرت رشدها فإنه مقتضى فطرتها ولا ريب أن تلك الأسباب تبطل وتضمحل في الآخرة ولا سيما في دار العذاب بل إنما وضعت تلك الدار لإزالة تلك الشرور وكيف تدوم تلك الأسباب وقد ذاقوا عقوبتها وألمها الشديد وتيقنوا أنها كانت أضر شيء عليهم وندموا عليها أعظم الندم وليس في الطبيعة الإنسانية الإصرار على تلك الأسباب وإيثارها بعد طول التألم الشديد بها نعم العذاب باق ما بقيت فإذا قدر زوالها وتبدلها وإقرار أصحابها على أنفسهم أنهم كانوا ظالمين وأن الله تعالى إنما(1\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "249",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12647",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عذبهم بعدله وشهدوا على أنفسهم أنهم لا يصلح لهم غير ما هم فيه من العقوبة وأن حمده سبحانه أنزلهم تلك الدار فقام بقلوبهم حمده وشكره والثناء عليه بموجب أسمائه وصفاته التي كانت في فطرهم أولا وحمدوه حمد محب معترف بالجناية وآثروا رضاه على كل شيء فلو قام هذا بقلوبهم حقيقة وعلمه الله منهم لصارت النار بردا وسلاما عليهم. كما في الأثر المرفوع الذي ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب quot; حسن الظن بالله quot; أن رجلين ممن دخلا النار اشتد صياحهما فقال تعالى: أخرجوهما فأخرجا فقال: لأي شيء اشتد صياحكما قالا: فعلنا ذلك لترحمنا قال: رحمتي بكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار قال: فينطلقان فيلقي أحدهما نفسه فيها فيجعلها الله بردا وسلاما عليه ويقوم الآخر فلا يلقي نفسه فيقول له الرب: ما منعك أن تلقي نفسك كما ألقى صاحبك فيقول: رب إني أرجو ألا تعيدني فيها بعدما أخرجتني فيقول الرب: لك رجاؤك فيدخلان جميعا الجنة . وذكر ابن أبي الدنيا أيضا حديثا آخر مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يؤمر بإخراج رجلين من النار فإذا أخرجا وقفا قال الله لهما: كيف وجدتما مقيلكما وسوء مصيركما فيقولان: شر مقيل وأسوأ مصير سار إليه العباد فيقول لهما: بما قدمت أيديكما وما أنا بظلام للعبيد قال: فيأمر بصرفهما إلى النار قال: فأما أحدهما فيعدو في أغلاله وسلاسله حتى يقتحمها وأما الآخر فتلكأ فيؤمر بردهما فيقول للذي عدا في أغلاله وسلاسله حتى اقتحمها: ما حملك على ما صنعت وقد خبرتها فيقول: إني قد خبرت من وبال المعصية ما لم أكن لأتعرض لسخطك ثانية فيقول الله للثاني: ما حملك على ما صنعت قال: حسن ظني بك حين أخرجتني أن لا تردني إليها فرحمهما الله تعالى وأمر بهما إلى الجنة quot;. وفي رواية: quot; إنه يقول للأول: لو حذرتني مثل حذرك في الآخرة لم أدخلك النار  ويقول للآخر: لو أحسنت ظنك بي في الدنيا مثل حسن ظنك بي اليوم ما أدخلتك النار quot;.(1\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "250",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12648",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي المسند وغيره من حديث الذين يدلون على الله بالحجة يوم القيامة: المعتوه والأصم والمتوفى في الفترة وأن الله تعالى يؤجج لهم نارا ويقول: اقتحموها فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن امتنع جر إليها . فهؤلاء لما آثروا مرضاته بالعذاب على مرضاة أنفسهم وقام بقلوبهم أن رضاه في تعذيبهم أحب إليه من رضاهم في خلافه استحالت النار في حقهم وانقلبت بردا وسلاما وهذا أمر مشاهد في الواقع بين الناس وهو في اقتضاء التوبة بدفعها فإن المذنب لو بلغت ذنوبه عنان السماء إذ ألقى نفسه بفناء من أساء إليه وتوسد عتبة بابه فوضع خده عليها مستسلما مسلما نفسه إليه ليقضي فيها ما أراد راضيا بما يقضيه فيه حامدا له عليه عالما أن الحق له وقد سلم إليه محل الحق يستوفيه منه فإنه متى فعل ذلك أذهب ما في قلب من أساء إليه من الحنق والغيظ وعاد مكان الغضب عليه رقة ورحمة هذا مع حاجته وبلوغ أذاه ووصوله إليه وقلة صبره وضعف احتماله فكيف بالغني الحميد الذي لن يبلغ العباد ضره ولا نفعه فلا تزيد عقوبتهم في ملكه شيئا وهو أرحم الراحمين. فهذا القدر من وجده في قلبه في الدنيا لم يدخل دار الشقاء إلا تحلة القسم ومن لم يظهر له هذا في الدنيا سيعلمه في الآخرة كما قال تعالى: فاعترفوا بذنبهم [الملك: 11] وقال: فعلموا أن الحق لله [القصص: 75] وقال تعالى: قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل [غافر: 11] . فلا شيء أنفع لهم في عذابه من حمده والثناء عليه ومحبته على كمال عدله فيهم وقولهم: إن كان هذا رضاك فلا نطلب غيره ويشتد غضبهم على نفوسهم ومقتهم لها موافقة لغضب ربهم ومولاهم ولكن هذا القدر لا تسمح به النفوس اللئيمة الجاهلة الظالمة اختيارا فإذا عوقبت بما تستحق وبلغ منها العذاب مبلغه وكسرها وأذلها فإن أراد بها خيرا أشهدها ذلك وجعله حاضرا(1\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "251",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12649",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عندها فالرحمة حينئذ أدنى إليها من العقوبة والعفو أقرب إليها من الانتقام فإذا أراد بها بارئها وفاطرها أن يرحمها ألهمها فانتقلت به من حال إلى حال فإن شاء أنشأها بعد ذلك نشأة أخرى وطبعها على غير طبيعتها الأولى فهو على كل شيء قدير وهو الحكيم العليم فلا يظن به من ساء فهمه أن هذا يناقض ما أخبر الله ورسوله به واتفق عليه سلف الأمة أنهم مخلدون في النار وما هم منها بمخرجين وكلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها فمن رد كذلك وكذبه فهو كافر جاحد لما علم بالاضطرار أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر به فليس في هذا نظر ولا شك وإنما الشأن في كون النار أبدية كالجنة لا تفنى أبدا وإلا فمتى دامت نارا فهم فيها خالدون.  فصل ولنرجع إلى المقصود وهو أن الذين قالوا: عذاب الكفار مصلحة لهم ورحمة لهم حاموا حول هذا المعنى ولم يقتحموا لجته وإلا فأي مصلحة لهم في عذاب لا ينقطع وهو دائم بدون الرب تعالى فتأمل هذا الوجه حق التأمل وأعطه حقه من النظر واجمع بين ذلك وبين معاني أسمائه وصفاته وما دل عليه كلام الله وكلام رسوله وما قاله الصحابة ومن بعدهم ولا تبادر إلى القول بلا علم ولا إلى الإنكار فإن أسفر لك صبح الصواب وإلا فرد الحكم إلى ما رده الله إليه بقوله: إن ربك فعال لما يريد [هود: 107] وتمسك بقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد ذكر دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ووصف حالهم ثم قال: quot; ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء quot;. الوجه الرابع: أن الذي يخلقه الله سبحانه ويقدره من الأمور نوعان: غايات ووسائل وقد اقتضت حكمته أن الوسائل تضمحل وتبطل إذا حصلت غايتها كما يبطل السفر عند بلوغ المنزل ويزول الأكل والشرب عند حصول الشبع والري والخيرات والمنافع هي الغايات المقصودة لنفسها. والشرور والآلام إنما تقصد قصد الوسائل لإفضائها إلى الخيرات والمنافع وما كان مقصودا لنفسه فإن بقاءه ودوامه هو مقتضى الحكمة وأما إذا كان مقصودا لغيره فإذا حصل ذلك المقصود به لم يكن في دوامه وبقائه حكمة ولا مصلحة والله تعالى خلق النار سوطا يسوق بها عباده إلى رحمته وجنته ويخوفهم بها من معصيته ويطهر بها من اكتسب من عباده خبثا ونجاسة ولا(1\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "252",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12650",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يصلح إلا بها لمساكنته في جنته وعقوبته يعاقب بها أعداءه على مقادير جرائمهم وهذه كلها أمور مقصودة لغيرها مفضية إلى مصالح مقصودة لنفسها. يوضحه الوجه الخامس: أن الله سبحانه جعل الشدائد والآلام والشرور في هذه الدار بتراء لا دوام لها وجعل الشدة بين فرجين فرج قبلها وفرج بعدها والعسر بين يسرين والبلاء بين عافيتين فليس عنده شدة دائمة ولا بلاء دائم ولا كرب دائم في هذه الدار التي هي دار ظلم وبلاء وخيراتها ممزوجة بشرورها وذلك أن الآلام والشدائد شرور والشر ليس إلى الله بخلاف الخيرات والنعم فإنها من مقتضى صفاته فهي دائمة بدوامه ومعلوم أن الدار التي هي حق من كل وجه أولى أن يكون الدوام لخيراتها ولذاتها ومسراتها وأن تكون شرورها إلى اضمحلال وزوال. يوضحه الوجه السادس: أن القضاء الإلهي خير كله فإن مصدره علم الله وحكمته وكماله المقدس فهو خير كله ومصلحة وحكمة وعدل ورحمة ودخول الشر فيه بالعرض لا بالذات كالشر العارض في الحر والبرد والمطر والأكل والشرب والأعمال النافعة وما العرض لا يقصد لذاته فلا يجب دوامه كدوام ما يقصد لذاته من الخيرات والمنافع. الوجه السابع: أنك إذا اعتبرت هذه الآلام والشدائد والنعمة والرحمة حشوها فظاهرها نقمة وباطنها نعمة فكم نقمة جلبت نعمة وكم من بلاء جلب عافية وكم من ذل جلب عزا وكسر جلب جبرا إذا اعتبرت أكثر الخيرات والمسرات واللذات وجدتها إنما ترتبت على الآلام والمشاق وأعظم اللذة وأجلها ما كان سببه أعظمه ألما ومشقة وهذه مشاهد في هذه الدار بالعيان ولما كانت أعلى الدرجات أهل الجهاد كان أشق شيء على النفوس وأكرهه إليها قال الله تعالى: كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون [البقرة: 216] ولهذا قيل: وربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سببا ما مثله سبب فلا يوصل إلى الراحة واللذة إلا على جسر التعب والألم وهذا يريك أن المصائب والآلام حشوها نعم ولذات ومسرات وهذا لأن الرحمة لها السبق والغلبة فما في طي النقم والعقوبات من الرحمة أسبق من العقوبة وهي الغاية للغضب فلا بد أن يغلب أثرها أثر الغضب كما غلبت الصفة للصفة.(1\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "253",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12651",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يوضحه الوجه الثامن: أن الرحمة سبقت إلى هذا المعاقب وظهر أثرها فيه فوجد بها وعاش وسمع وأبصر بها وبطش بها ومشى وتحرك بها وإلا لولا أنها سبقت إليه لم يكن له قيام ولا حياة بل إنما استظهر على معاصي الرب ومخالفته بالرحمة التي سبقت إليه ووسعته فغلبت أسباب هلاكه وتلفه فلما تمكنت أسباب التلف والهلاك واقتضت الرحمة أن جعل لها أسباب في مقابلتها من موجبها ومقتضاها تنزيلها ومحو أثرها ليخلص موجب الرحمة فيظهر أثره ودوام العذاب بدوام تلك الأسباب فلو زالت لزال العذاب. يوضحه الوجه التاسع: أن هذه النفوس فيها ما يقتضي الرحمة من إقرارها بفاطرها وربوبيته وعلمه وقدرته وسمعه وبصره ومحبته وتعظيمه وإجلاله وسؤاله وفيها ما يقتضي الغضب والعقوبة كالشرك به وإيثار هواها على طاعته ومرضاته ولما كان مقتضى العقوبة فيها أقوى كان الحكم له ومعلوم أن العقوبة إن لم تذهب الأسباب المقتضية لها ولم تزلها بالكلية فإنها تخففها وتضعفها فإما أن تقاوم أسبابا وإما أن تترجح عليها وعلى التقديرين يبطل أثرها قال الله تعالى: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله [لقمان: 25] وقال تعالى: قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون - سيقولون لله [المؤمنون: 84 - 85] إلى آخر الآيات. فهم يعلمون أن الأرض ومن فيها له وأنه رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم وأن بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه وإذا مسهم الضر في البر والبحر تضرعوا إليه وفزعوا إليه وقالوا: إنما نعبد من دونه هذه الآلهة لتقربنا إليه وتشفع لنا عنده وهو يملكها ونواصيها بيده ويحبونه ويقصدون التقرب إليه وهذا مما وضعه فيهم برحمته ونعمته فعلم فيهم ما يقتضي رحمته ونعمته ولكن لما غلبت أسباب النقمة كان الحكم للغالب ذلك لا يمنع اقتضاء المغلوب أثره وترتبه عليه. وقد ثبت في الصحيح أن الله يقول للملائكة: أخرجوا من النار من في قلبه من الخير ما يزن ذرة أو برة وأنها تخرج منها من في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان(1\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "254",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12652",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فانظر هذا الجزء اللطيف جدا كيف غلب تلك الأسباب الكثيرة القوية وأبطلها وعاد الحكم له وثبت في الصحيحين quot; أنه يخرج منها من لم يعمل خيرا قط quot;. ولكن هذا إخراج منها وهي باقية على حقيقتها وناريتها فأخرج منها بهذا الجزء اليسير ومعلوم أن أعداءه المشركين لن تخلو قلوبهم من الإيمان به قال الله تعالى: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون [يوسف: 106] فأثبت لهم إيمانا مع الشرك وهذا الإيمان وإن لم يؤثر في إخراجهم من النار كما أثر إيمان أهل التوحيد بل كانوا معه خالدين فيها بشركهم وكفرهم فإن النار إنما سعرها عليهم الشرك والظلم فلا يمتنع في الرحمة والعدل أن يطفئها ويذهبها بعد أخذ الحق منهم فيجتمع ضعف أسباب تسعيرها وقوة أسباب زوالها فهذا غير ممتنع في الحكمة الإلهية ولم يخبر الرسول بامتناعه وأنه لا يكون في موضع واحد. ولا دل على ذلك نقل ولا عقل بل الذي دل عليه النقل والإجماع أنهم خالدون فيها أبدا وأنهم ليسوا بخارجين منها ولا يموتون فيها ولا يحيون وهذا متفق عليه بين المسلمين وإنما الشأن في أمر آخر. الوجه العاشر: أن أسباب العذاب من النفس وغاياتها اتباع أهوائها وأما أسباب الخير فمن ربها وفاطرها وهو الغاية والمقصود بها فهي به وله قال الله تعالى: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك [النساء: 79] فالحسنات مصدرها من الله وغايتها منتهية إليه والسيئات من النفس وهي غايتها قال الله تعالى: وما بكم من نعمة فمن الله [النحل: 53] فليس للحسنات سبب إلا مجرد فضل الله ومنته والأعمال الصالحة وإن كانت أسباب النعم والخيرات فمن وفقه لها وأعانه عليها وشاءها له سواه فالنعم وأسبابها من الله وأما السيئات التي أسلفها العبد فمن نفسه وسببها جهله وظلمه فإذا ترتبت عليها سيئات الجزاء كان السبب والمسبب من نفسه(1\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "255",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12653",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فليس للجزاء السيئ في الدنيا والآخرة سبب إلا ذنوب العبد التي من نفسه فالشر كله والخير كله من ربه فإن أكثره ليس للعبد فيه مدخل فإن الله هو الذي أنعم عليه به ولهذا قال بعض السلف: quot; لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه quot; ولهذا قال تعالى: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك [النساء: 79] فخص بالخطاب تنبيها على الأدنى ولم يخرجه في صورة العموم لئلا يتوهم أنه عام مخصوص فكان ذكر الخاص أبلغ في العموم وقصده من ذكر العام فتأوله فإنه عجيب في القرآن. والمقصود أن سبب الحسنات كلها هو الحي القيوم الذي لم يزل ولا يزال وهو الغاية المقصودة من فعلها بدوام سببها وأما السيئات فسببها وغايتها منقطع هالك فلا يجب دوامها فتأمل هذا الوجه فإنه من ألطف الوجوه فإن الأسباب تضمحل باضمحلال غاياتها وتبطل ببطلانها ولهذا كان كل عمل باطلا إلا ما أريد به وجه الله فإن جزاءه وثوابه يدوم بدوامه ما لم يرد به وجه الله وأريد به ما يضمحل ويفنى فإنه يفنى بفنائه قال الله تعالى: وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا [الفرقان: 23]  وهذه هي الأعمال التي كانت لغيره فكما أن ما لا يكون به لا يكون فما كان لغيره لا يدوم ولهذا كان لبعض حكم الله تعالى في تخريب هذا العالم أن يشهد من عبد شيئا غيره أنه لا يصلح للعبادة والألوهية ويشهد العابد حال معبوده والمقصود أن النعم تدوم بدوام سببها وغايتها وأن الشرور والآلام تبطل وتضمحل باضمحلال سببها. فهذه الوجوه وغيرها تبين أن الحكمة والمصلحة في خلق النار تقتضي بقاءها ببقاء السبب والحكمة التي خلقت له فإذا زال السبب وحصلت الحكمة عاد الأمر إلى السابقة الغالبة الواسعة. يزيد وضوحا الوجه الحادي عشر: أن الرب يستحيل أن يكون إلا رحيما فرحمته من لوازم ذاته ولهذا كتب على نفسه الرحمة ولم يكتب على نفسه الغضب فهو لم يزل ولا يزال رحيما ولا يجوز أن يقال: إنه لم يزل ولا يزال غضبان ولا أن غضبه من لوازم ذاته ولا أنه كتب على نفسه العقوبة والغضب ولا أن غضبه يغلب رحمته ويسبقها(1\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "256",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12654",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة: quot; إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله quot; فإذا كان ذات الغضب الشديد لا يدوم ولا يستمر بل يزول وهو الذي سعر النار فإنها إنما سعرت بغضب الجبار تبارك وتعالى فإذا زال السبب الذي سعرها فكيف لا تطفأ وقد طفئ غضب الرب وزال. وهذا بخلاف رضاه فإنه من لوازم ذاته دائم بدوامها ولهذا دام نعيم أهل الجنة والرضا كما يقول لهم في الجنة: quot; إني أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا quot; فكيف يساوى بين موجب رضاه وموجب سخطه في الدوام ولم يستو الموجبان.  الوجه الثاني عشر: أنه كما قيد الغضب الشديد بذلك اليوم قيد العذاب المرتب عليه به كما في قوله: فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم [الزخرف: 65] وقوله: ويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم [مريم: 37] فجعل العذاب والمشهد واقعين في ذلك اليوم العظيم بل جعل العذاب يوم العذاب أبدا. ولا يقال في الشيء الأبدي الذي لا يفنى ولا يبيد: إنه عمل يوم وطعام يوم وعذاب يوم ولم ينتقص هذا بقوله سبحانه: ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر [القمر: 38] ولا بقوله: إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر [القمر: 19] فإن استقراره واستمراره لا يقتضي أبديته لغة ولا عرفا ولا عقلا وقد أخبر سبحانه عن بطن الأم أنه مستقر الجنين بقوله: ونقر في الأرحام ما نشاء [الحج: 5] وقال تعالى: وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع [الأنعام: 98] سواء كان المستقر صلب الأب والمستودع بطن الأم أو عكس ذلك أو دار الدنيا ودار البرزخ كما هي أقوال المفسرين في الآية فالمستقر لا يدل على أنه أبدي وكذلك المستمر لا يدل على الأبدية. فاستقرار كل شيء واستمراره ودوامه وخلوده وثباته بحسب ما يليق به من البقاء والإقامة وقال تعالى: لابثين فيها أحقابا [النبأ: 23] وهذا لا يقال في لبث لا انتهاء له وتأويل الآية عند من(1\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "257",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12655",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تأولها أنهم يلبثون فيها أحقابا لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا أي لا يذوقون في تلك الأحقاب بردا ولا شرابا: لا يفيدهم شيئا فإنه يلزم على تأويله أنهم يذوقون البرد والشراب بعد مضي تلك الأحقاب ومتى ذاقوا البرد والشراب انقطع عنهم العذاب. الوجه الثالث عشر: أنه سبحانه وتعالى يذكر نعيم أهل الجنة فيصفه بأنه غير منقطع وأنه ما من نفاد يذكر عقاب أهل النار ثم يخبر معه أنه فعال لما يريد أو يطلقه فالأول كقوله: فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق - خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد - وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ [هود: 106 - 108] وأما الثاني فقوله: هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب - جنات عدن مفتحة لهم الأبواب - متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب - وعندهم قاصرات الطرف أتراب - هذا ما توعدون ليوم الحساب - إن هذا لرزقنا ما له من نفاد - هذا وإن للطاغين لشر مآب - جهنم يصلونها فبئس المهاد [ص: 49 - 56] إلى قوله تعالى إن ذلك لحق تخاصم أهل النار [ص: 64] ولم يقل فيه ما قاله في النعيم. وقريب من هذا أنه سبحانه وتعالى يذكر خلود أهل النعيم فيه فيقيده بالتأبيد ويذكر معه خلود أهل العذاب فلا يقيده بالتأبيد بل يطلقه وهذا كقوله تعالى: إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية - إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية - جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه [البينة: 6 - 8] . ولا ينتقض هذا بقوله: ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا [الجن: 23] فإن تأبيد الخلود فيها لا يستلزم أبديتها ودوام بقائها بل يدل على أنهم خالدون فيها أبدا ما دامت كذلك فالأبد استمرارهم فيها ما دامت موجودة وهو سبحانه لم يقل: إنها باقية أبدا وفرق بين الأمرين فتأمله. على أن التأبيد قد جاء في القرآن فيما هو منقطع كقوله عن اليهود: ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم [البقرة: 95](1\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "258",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12656",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا إنما هو أبد مدة حياتهم في الدنيا وإلا فهم في النار يتمنون الموت حين يقولون يامالك ليقض علينا ربك [الزخرف: 77] وقول العرب: لا أفعل هذا أبدا ولا أتزوج أبدا أشهر من أن تذكر شواهده وإنما يريدون مدة منقطعة وهي أبد الحياة ومدة عمرهم فهكذا الأبد في العذاب هو أبد مدة بقاء النار ودوامها. الوجه الرابع عشر: أنه لو كانت دار الشقاء دائمة دوام دار النعيم وعذاب أهلها فيها مساويا لنعيم أهل الجنة بدوامه لم تكن الرحمة غالبة للغضب بل يكون الغضب قد غلب الرحمة وانتفاء اللازم يدل على انتفاء ملزومه والشأن في بيان الملازمة وأما انتفاء اللازم فظاهر وقد دل عليه الحديث المتفق على صحته من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot; لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب quot; وبيان الملازمة أن المعذبين في دار الشقاء أضعاف أهل النعيم كما ثبت في الصحيح quot; إن الله تعالى يقول: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك فيقول: إن الله يأمرك أن تبعث من ذريتك بعث النار فيقول: ربي وما بعث النار فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد في الجنة quot; فقال الصحابة: يا رسول الله وأينا ذلك الواحد فقال: quot; إن معكم خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج . فعلى هذا أهل الجنة عشر عشر أهل النار وإنما دخلوها بالغضب فلو دام هذا العذاب دوام النعيم وساواه في وجوده لكانت الغلبة للغضب وهذا بخلاف ما إذا كانت الرحمة هي الغالبة فإن غلبتها تقتضي نقصان عدد المعذبين أو مدتهم. يوضحه الوجه الخامس عشر: أن الله تعالى جعل الدنيا مثالا وأنموذجا وعبرة لما أخبر به في الآخرة فجعل آلامها ولذاتها وما فيها من النعيم والعذاب وما فيها من الثمار والحرير والذهب والفضة والنار تذكرة ومثالا وعبرة ليستدل العباد بما شاهدوه على ما أخبروا به وقد أنزل في هذه الدار رحمته وغضبه وأجرى عليهم آثار الرحمة والغضب ويسر لأهل الرحمة أسباب الرحمة ولأهل الغضب أسباب الغضب ثم(1\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "259",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12657",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جعل سبحانه الغلبة والعافية لما كان عن رحمته وجعل الاضمحلال والزوال لما كان عن غضبه فلا بد من حين قامت الدنيا إلى أن يرثها الله ومن عليها أن تغلب آثار غضبه ولو في العاقبة فلا بد أن يغلب الرخاء الشدة والعافية البلاء والخير وأهله الشر وأهله وإن أديلوا أحيانا فإن الغلبة المستقرة الثابتة للحق وأهله وآخر أمر المبطلين الظالمين إلى زوال وهلاك فما قام للشر والباطل جيش إلا أقام الله سبحانه للحق جيشا يظفر به ويكون له العلو والغلبة قال تعالى: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين - إنهم لهم المنصورون - وإن جندنا لهم الغالبون [الصافات: 171 - 173] فكما غلبت الرحمة غلبت جنودنا وإذا كان هذا مقتضى حمده وحكمته في هذه الدار فهكذا في دار الحق المحض تكون الغلبة لما خلق بالرحمة والبقاء لها. وسر هذا الوجه وما يتصل به أن الخير هو الغالب للشر وهو المهيمن عليه الذي لو دخل جحر ضب لدخل خلفه حتى يخرجه ويغيره وإذا كانت للشر دولة وصولة لحكمة مقصودة لغيرها قصد الوسائل فالخير مقصود مطلوب لنفسه قصد الغايات. الوجه السادس عشر: أنه قد ثبت في الصحيح أن الجنة يبقى فيها فضل فينشئ الله لها خلقا يسكنهم إياها بغير عمل كان منهم محبة منه للجود والإحسان والرحمة فإذا كان وجوده ورحمته قد اقتضيا أن يدخل هؤلاء الجنة بغير تقدم عمل منهم ولا معرفة ولا إقرار فما المانع أن تدرك رحمته من قد أقر به في دار الدنيا واعترف بالله ربه ومالكه واكتسب ما أوجب غضبه عليه فعاقبه بما اكتسبه وعرفه حقيقة ما اجترحه وأشهده أنه كان كاذبا مبطلا وأن رسله هم الصادقون المحقون فشهد ذلك وأقر على نفسه وتقطعت نفسه حسرة وندما وأخرجت النار منه خبثه كما يخرج الكير خبث الحديد. ولا يقال: الخبث لا يفارقهم والإصرار لا يزول عنهم كما قال تعالى: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه [الأنعام: 28] فإن هذا ليس في حكم الطبيعة الحيوانية ولهذا في الدنيا لما يمسهم العذاب تجد عقدة الإصرار قد انحلت عنهم وانكسرت نخوة الباطل ولكن لم تظهر قلوبهم بذلك وحده.(1\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "260",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12658",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما قوله تعالى: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه [الأنعام: 28] فذلك قبل دخول النار فقالوا: ياليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين - بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون [الأنعام: 27 - 28]  وهذا إخبار عن حالهم قبل أن يدخلوا النار وقبل أن تذيب لحومهم ونفوسهم التي نشأت على الكفر فالخبث بعد كامن فيها فلو ردوا والحالة هذه لعادوا لما نهوا عنه والحكمة والرحمة تقتضي أن النار تأكل تلك اللحوم التي نشأت من أكل الحرام وتنضج تلك الجلود التي باشرت محارم الله تعالى وتطلع على الأفئدة التي أشركت به وعبدت معه غيره فتسليط النار على هذه القلوب والأبدان من غاية الحكمة حتى إذا أخذت المسألة حقها وأخذت العقوبة منهم مأخذها وعادوا إلى ما فطروا عليه وزال ذلك الخبث والشر الطارئ على الفطرة والعزيز الحكيم حينئذ حكم هو أعلم به وهو الفعال لما يريد.  الوجه السابع عشر: أن أبدية النار كأبدية الجنة إما أن يتلقى القول بذلك من القرآن أو من السنة أو من إجماع الأمة أو أدلة العقول أو من القياس على الجنة والجميع منتف أما القرآن فإنما يدل على أنهم غير خارجين منها فمن أين يدل على دوامها وبقاء أبديتها فهذا كتاب الله وسنة رسوله أرونا ذلك منهما وهذا بخلاف الجنة فإن القرآن والسنة قد دلا على أنها لا تبيد ولا تفنى وأما الإجماع فلا إجماع في المسألة وإن كان قد حكاه غير واحد وجعلوا القول بفنائها من أقوال أهل البدع فقد رأيت بعض ما في هذا الباب عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم وأما من حكى الإجماع فإما أن يكون قد حكاه بموجب علمه كما يحكى الإجماع كثيرا على ما الخلاف فيه مشهور غير خفي وأبلغ من هذه حكاية الإجماع كثيرا على ما الإجماع القديم على خلافه وهذا كثير جدا وإنما يعلمه أهل العلم ولو تتبعناه لزاد على مائتي موضع وأما أن يكون من حكى الإجماع أراد أن الأمة اجتمعت على بطلان قول الجهمية بفناء الجنة والنار وأنهما يشتركان في ذلك فنعم اجتمعت الأمة على خلاف هذا القول فلما قال السلف: إن الأمة مجتمعة على خلاف ذلك ظن من تلقى منهم ذلك أن الإجماع على خلافه في الموضعين وأيضا فإن الأمة مجتمعة على خلاف قولهم في الدارين فإنهم يقولون: إن الله تعالى لا يقدر على إبقائهما أبدا إذ يلزم من ذلك وجود حوادث لا نهاية لها قالوا: وهذا ممتنع كما أن وجود حوادث لا بداية لها(1\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "261",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12659",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ممتنع فيفنيان بأنفسهما من غير أن يفنيهما الله تعالى وهذا قول لم يقل به أحد من أهل الإسلام سوى هذه الفرقة الضالة أو يكون حكايتهم الإجماع على أن أهل النار لا يخرجون منها أبدا فهو مما أجمع عليه سلف الأمة فهذه ثلاث محال للإجماع ولكن أين الإجماع على أن النار باقية ببقاء الجنة وأن كليهما في البقاء سواء وأما أدلة العقول فلا مدخل لها في ذلك وإن كان لا بد من دخولها فهي في هذا الجانب كما ذكرناه وأما قياس النار على الجنة فقد تقدم الفرق بينهما من وجوه عديدة وكيف يقاس الغضب على الرحمة والعدل على الفضل والمقصود لغيره على المقصود لنفسه. الوجه الثامن عشر: أنه لو لم يكن من الأدلة على عدم أبدية النار إلا استثناؤه سبحانه بمشيئته في موضعين من كتابه أحدهما قوله: قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم [الأنعام: 128] فـ quot; ما quot; هاهنا مصدرية وقتية وهو استثناء ما دل عليه الأول وهو كونها مثواهم بوصف الخلود فلا بد أن يكون المستثنى مخرجا لما دخل فيه المستثنى منه وهو خلودهم فيها فلا بد أن يكون المستثنى مخالفا لذلك إذ يمتنع تماثلهما وتساويهما وغاية ما يقال: إن المستثنى واقع على ما قبل الدخول لا على ما بعده وهو مدة لبثهم في البرزخ وفي البررخ وفي مواقف القيامة وهذا لا يتأتى هاهنا فإن هذا قد علم انتفاء الدخول في وقته قطعا فليس في الإخبار به فائدة وهو بمنزلة أن يقال: أنتم خالدون فيها أبدا إلا المدة التي كنتم فيها في الدنيا وهذا ينزه عنه كلام الفصحاء البلغاء فضلا عن كلام رب العالمين. وهو بمنزلة أن يقال للميت: أنت مقيم في البرزخ إلا مدة بقائك في الدنيا وليس هذا مثل قوله: لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى [الدخان: 56] فإن هذا استثناء منقطع قصد به تقرير المستثنى منه وأنه عام محفوظ لا تخصيص فيه إذ من الممتنع أن يكون تخصيصا باستثناء فيعدل عن ذكره إلى غير جنسه. ونظيره قولهم: ما زاد إلا نقصا فإنه يفيد القطع بعدم زيادته وأنه كان ثم تغير فبالنقصان وليس هذا مخرج قوله: خالدين فيها إلا ما شاء الله [الأنعام: 128] ولو أريد هذا لقيل: لا يخرجون منها أبدا مقامهم في الدنيا فهذا يكون وزان قوله: لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى [الدخان: 56](1\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "262",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12660",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان يفيد ذلك تقرير عدم خروجهم منها وأما إذا قيل: خالدين فيها إلا ما شاء الله لا يخلدون فإن ذلك يفيد أن لهم حالين فإن قيل: هذا ينتقض عليكم بالاستثناء في أهل الجنة فإن هذا وارد فيهم بعينه قيل: قد اقترن بالاستثناء في أهل الجنة ما ينافي ذلك وهو قوله: عطاء غير مجذوذ [هود: 108] ولهذا والله أعلم عقب الاستثناء بهذا رفعا لهذا التوهم وعقب الاستثناء في أهل النار بالإخبار بأنه يفعل ما يريد ولا حجر عليه سبحانه فيما يريد بهم من عذاب أو إخراج منه فإن الأمر راجع إلى مشيئته وإرادته التي لا تخرج عن علمه وحكمته كما عقب الاستثناء في سورة الأنعام بقوله: إن ربك حكيم عليم [الأنعام: 83] فدل ذلك على أنه أدخلهم النار بحكمته وعلمه بأنه لا يصلح لهم سواها وله حكمة وعلم فيهم لا يبلغه العباد فإن اقتضت حكمته وعلمه فيهم غير ذلك لم تقصر عنه مشيئته النافذة وقدرته التامة. ومما يوضح الأمر في ذلك أنه في آية الأنعام خاطبهم بذلك إما في النار وإما في موقف القيامة ولم يقيد مدة الخلود بدوام السماوات والأرض فقال: ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم [الأنعام: 128] فأمكن أن يكون هذا الاستثناء هو مدة مقامهم في البرزخ وفي مدة القيامة وأما أن يقول لهم وهم في النار: النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله [الأنعام: 128] وهو يريد مدة لبثهم في البرزخ وفي الموقف فهذا أمر قد علموه وشاهدوه فأي فائدة حصلت في الإخبار به(1\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "263",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12661",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه التاسع عشر: قوله: وإذ خلقني فلم كلفني السجود لآدم وقد علم أني أعصيه فيقال له: كفى بك جهلا ولؤما أن سميت أمره وطاعته التي هي قرة العيون وحياة النفوس تكليفا والتكليف إلزام الغير بما يشق عليه ويكرهه ولا يحبه: كما يقول القائل: لا أفعل هذا إلا تكلفا ولا ريب أن هذا لما كان كامنا في قلبك ظهر أثره في امتناعك من الطاعة. ولو علمت أن أمره سبحانه هو غاية مصلحة العبد وسعادته وفلاحه وكماله لم تقل: إنه كلفك بالسجود ولعلمت أنه أراد به مصلحتك ورحمتك وسعادتك الأبدية وقد سمى الله تعالى أوامره عهودا ووصايا ورحمة وشفاء ونورا وهدى وحياة قال تعالى: ياأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم [الأنفال: 24] فتأمل الفرق بين هذا الخطاب وبين قول القائل إنه دعاهم بأمره إلى تكليف ما لا يطيقونه ولا يقدرون عليه لا لحكمة ولا لمصلحة ولا لصفة حسنة في الأمر تقتضي دعاءهم إليه ولم يأمرك حاجة منه إليك ولا عبثا ولا سدى وكأنك لم تعرف أن أوامره رحمة ونعمة ومصلحة ونواهيه حماية وصيانة وحفظ وهل وفق للصواب من أمره سيده بأمر ينفذه فقال له: لم أمرتني بذلك وهلا تركتني ولم تأمرني فمن أضل من هذا العبد سبيلا . الوجه العشرون: أنه سبحانه لما كان يعلم منك من الخبث والشر الكامن في نفسك ما لا يعلمه غيره وكان موجبا لمقته لك ولم يكن يجري عليك ما تستحقه بمجرد علمه السابق قبل من غير أن تظهر الملائكة ما يحمد به ويثنى عليه ويعذر به إذا طردك عن قربه وأخرجك من جنته فأمرك بأمره فخرج منك الداء الدفين(1\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "264",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12662",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بمقابلته بالمعصية ومنازعته سبحانه رداء الكبرياء فاستخرج أمره منك الكفر الخفي والداء الدوي وقام عذره في نفوس أوليائه وملائكته بما أصابك من لعنته وجرى عليك من نكاله وعقوبته وصرت في ذلك إماما لمن كان حاله حالك فهذا من بعض حكمه: في أمره لمن علم أنه لا يطيعه فإنه لو عذبه وطرده بما يعلمه منه من غير أن يظهر غيره لوجد هو وغيره للقول سبيلا لو أمرتني لأطعتك ولكن عذبتني قبل أن تجربني ولو جربتني لوجدتني سامعا مطيعا بل من تمام حكمته ورحمته أنه لا يعذبه بمعصيته حتى يدعوه إلى الرجوع إليه مرة بعد مرة حتى إذا استحكم إباؤه ومعصيته ولم يبق للقول فيه مطمع ولا للموعظة فيه تأثير وأيس منه حق عليه القول وظهر عذر من عذبه للخليقة وحمده وكماله المقدس. قال مختصره محمد بن الموصلي عفا الله عنه وهذا الوجه أحسن من الوجه الأول وأصوب والله تعالى أعلم. الوجه الحادي والعشرون: قوله: وإذ أبيت السجود له فلم طردتني وذنبي أني لم أر السجود لغيره. فيقال لعدو الله: هذا تلبيس إنما يروج على أشباه الأنعام من أتباعك حيث أوهمتهم أنك تركت السجود لآدم تعظيما لله وتوحيدا له وصيانة لعزته أن تسجد لغيره فجازاك على هذا الإجلال والتعظيم بغاية الإهانة والطرد وهذا أمر لم يخطر ببالك ولم تعتذر به إلى ربك إنما كان الحامل لك على ترك السجود الكبر والكفر والنخوة الإبليسية ولو كان في نفسك التعظيم والإجلال لله وحفظ جانب التوحيد لحملك على المبادرة إلى طاعته. وهل التعظيم والإجلال إلا في امتثال أمره وقد قام لك من إخوانك أصحاب يحامون عنك ويخاصمون ربهم فيك وينوحون عليك اعتذارا عنك وتظليما من ربك كما فعل صاحب تفليس إبليس في كتابه فإنه يقول فيه ما ترعد منه قلوب أهل الإيمان فرقا وتعظيما لله من الاعتذار عنك وأن ما فعلته هو وجه الصواب إذ غرت على التوحيد أن يحملك على السجود لغيره وإنك لم تزل رأس المحبين قائد المطيعين ولكن: إذ كان المحب قليل حظ فما حسناته إلا ذنوب ويا لله لقد قال هذا الخليفة منك والولي لك ما لم تستحسن أن تقوله لربك ولا تظنه فيه. الوجه الثاني والعشرون: قوله: وإذ قد أبعدني وطردني فلم سلطني على آدم حتى(1\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "265",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12663",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دخلت إليه وأغويته فيها فيقال له: هذا تلبيس منك على من لا علم له بكيفية قصتك خلق الله تعالى آدم وقد علم سبحانه أنه خلقه ليجعله خليفة في الأرض ويستخلف أولاده إلى أن يرثها ومن عليها ولم يكن سبحانه لينزله إلى الأرض بغير سبب فإنه الحكيم في كل ما يأمر به ويقدره ويقضيه فأباح لآدم جميع ما في الجنة وحمى عنه شجرة واحدة وقد وكل الله تعالى بكل واحد من البشر قرينا من الشياطين لتمام حكمته التي لأجلها خلق الجن والإنس وكنت أنت قرين الأب لتمام الابتلاء فاقتضت حكمته وحمده سبحانه أن يبتلي بك الأبوين لسعادتهما وتمام شقوتك فخلى بينك وبين الوسوسة لهما لنفذ قضائه وقدره السابق فيك وفيهما وفي الذرية وإذا كان أجرى ذريتك من ذريته مجرى الدم امتحانا لهم فهكذا امتحن بك الأبوين فلم تكن لتفارقهما إلا بالموت كحال ذريتك مع ذريتهما.(1\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "266",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12664",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل في كسر الطاغوت الثالث الذي وضعته الجهمية لتعطيل حقائق الأسماء والصفات",
        "content": "[فصل في كسر الطاغوت الثالث الذي وضعته الجهمية لتعطيل حقائق الأسماء والصفات] الجزء الثاني(1\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "267",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12665",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل في كسر الطاغوت الثالث الذي وضعته الجهمية لتعطيل حقائق الأسماء والصفات وهو طاغوت المجاز هذا الطاغوت لهج به المتأخرون والتجأ إليه المعطلون وجعلوه جنة يترسون بها من سهام الراشقين ويصدرون عن حقائق الوحي المبين فمنهم من يقول: الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا. ومنهم من يقول: الحقيقة هي المعنى الذي وضع له اللفظ أولا والمجاز استعمال اللفظ فيما وضع له ثانيا. فهاهنا ثلاثة أمور: لفظ ومعنى واستعمال فمنهم من جعل مورد التقسيم هو الأول ومنهم من جعله الثاني ومنهم من جعله الثالث والقائلون حقيقة اللفظ كذا ومجازه كذا يجعلون الحقيقة والمجاز من عوارض المعاني. فإنهم إذا قالوا مثلا: حقيقة الأسد هو الحيوان المفترس ومجازه الرجل الشجاع جعلوا الحقيقة والمجاز للمعنى لا للألفاظ وإذا قالوا: هذا الاستعمال حقيقة وهذا الاستعمال مجاز جعلوا ذلك من توابع الاستعمال وإذا قالوا هذا اللفظ حقيقة في كذا مجاز في كذا جعلوا ذلك من عوارض الألفاظ وكثير منهم في كلامه هذا وهذا وهذا. والمقصود أنهم سواء قسموا اللفظ ومدلوله أو استعماله في مدلوله طولبوا بثلاثة أمور: أحدها: تعيين ورود التقسيم الثاني: صحته بذكر ما تشترك فيه الأقسام وما ينفصل وما يتميز به فلا بد من ذلك المشترك والمميز ضرورة صحة التقسيم الثالث: التزام الطرد والعكس فإن التقسيم من جنس التحديد إذ هو مشتمل على القدر المشترك والقدر المميز الفارق فإن لم يطرد التقسيم وينعكس كان تقسيما فاسدا. فنقول: تقسيمكم الألفاظ ومعانيها واستعمالها فيها إلى حقيقة ومجاز إما أن يكون عقليا أو شرعيا أو لغويا أو اصطلاحيا والأقسام الثلاثة الأول باطلة فإن العقل لا مدخل له في دلالة اللفظ وتخصيصه بالمعنى المدلول عليه حقيقة كان أو مجازا فإن دلالة اللفظ على معناه وليست كدلالة الانكسار على الكسر والانفعال على الفعل لو كانت عقلية لما اختلفت باختلاف الأمم ولما جهل أحد معنى لفظ والشرع لم يرد(1\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "268",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12666",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بهذا التقسيم ولا دل عليه ولا أشار إليه وأهل اللغة لم يصرح أحد منهم بأن العرب قسمت لغاتها إلى حقيقة ومجاز ولا قال أحد من العرب قط: هذا اللفظ حقيقة وهذا مجاز ولا وجد فى كلام من نقل لغتهم عنهم مشافهة ولا بواسطة ذلك ولهذا لا يوجد في كلام الخليل وسيبويه والفراء وأبي عمرو بن العلاء والأصمعي وأمثالهم كما لم يوجد ذلك في كلام رجل واحد من الصحابة ولا من التابعين ولا تابع التابعين ولا فى كلام أحد من الأئمة الأربعة. وهذا الشافعي وكثرة مصنفاته ومباحثه مع محمد بن الحسن وغيره لا يوجد فيها ذكر المجاز البتة وهذه رسالته التي هي كأصول الفقه لم ينطق فيها بالمجاز في موضع واحد وكلام الأئمة مدون بحروفه لم يحفظ عن أحد منهم تقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز بل أول من عرف عنه في الإسلام أنه نطق بلفظ المجاز أبو عبيدة معمر بن المثنى فإنه صنف في تفسير القرآن كتابا مختصرا سماه مجاز القرآن وليس مراده به تقسيم الحقيقة فإنه تفسير لألفاظه بما هي موضوعة له وإنما عنى بالمجاز ما يعبر به من اللفظ ويفسر به كما سمى غيره كتابه معاني القرآن أي: ما يعنى بألفاظه ويراد بها كما يسمي ابن جرير الطبري وغيره ذلك تأويلا وقد وقع في كلام أحمد شيء من ذلك فإنه قال في (الرد على الجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وأما قوله: إني معكم [المائدة: 12] فهذا من مجاز اللغة يقول الرجل للرجل: سيجري عليك رزقك أنا مشتغل به وفي نسخة وأما قوله: إنني معكما أسمع وأرى [طه: 46] فهو جائز في اللغة يقول الرجل للرجل: سأجري عليك رزقك وسأفعل بك خيرا. قلت: مراد أحمد أن هذا الاستعمال مما يجوز في اللغة أي هو من جائز اللغة لا من ممتنعاتها ولم يرد بالمجاز أنه ليس بحقيقة وأنه يصح نفيه وهذا كما قال أبو عبيدة في تفسيره إنه مجاز القرآن ومراد أحمد أنه يجوز في اللغة أن يقول الواحد(1\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "269",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12667",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل القول بالمجاز قول مبتدع",
        "content": "المعظم نفسه نحن فعلنا كذا فهو مما يجوز في اللغة ولم يرد أن في القرآن ألفاظا استعملت في غير ما وضعت له وأنها يفهم منها خلاف حقائقها وقد تمسك بكلام أحمد هذا من ينسب إلى مذهبه أن في القرآن مجازا كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وابن الخطاب وغيرهم ومنع آخرون من أصحابه ذلك كأبي عبد الله بن حامد وأبي الحسن الجزري وأبي الفضل التميمي. وكذلك أصحاب مالك مختلفون فكثير من متأخريهم يثبت في القرآن مجازا وأما المتقدمون كابن وهب وأشهب وابن القاسم فلا يعرف عنهم في ذلك لفظة واحدة. وقد صرح بنفي المجاز في القرآن محمد بن خواز منداد البصري المالكي وغيره من المالكية وصرح بنفيه داود بن علي الأصبهاني وابنه أبو بكر ومنذر بن سعيد البلوطي وصنف في نفيه مصنفا وبعض الناس يحكي في ذلك عن أحمد روايتين. وقد أنكرت طائفة أن يكون في اللغة مجاز بالكلية كأبي إسحاق الإسفرائيني وغيره وقوله: له غور لم يفهمه كثير من المتأخرين وظنوا أن النزاع لفظي وسنذكر أن مذهبه أسد وأصح عقلا ولغة من مذهب أصحاب المجاز وطائفة أخرى غلت في ذلك الجانب وادعت أن أكثر اللغة مجاز بل كلها وهؤلاء أقبح قولا وأبعد عن الصواب من قول من نفى المجاز بالكلية بل من نفاه أسعد بالصواب.  [فصل القول بالمجاز قول مبتدع] فصل إذا علم أن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز ليس تقسيما شرعيا ولا عقليا ولا لغويا فهو اصطلاح محض وهو اصطلاح حدث بعد القرون الثلاثة المفضلة بالنص وكان منشؤه من جهة المعتزلة والجهمية ومن سلك طريقهم من المتكلمين. وأشهر ضوابطهم قولهم: إن الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له أولا ثم زاد بعضهم: في العرف الذي وقع به التخاطب لتدخل الحقائق الثلاث وهي اللغوية والشرعية والعرفية. والكلام على ذلك من وجوه: أحدها: ما تعنون باللفظ سواء كانت اللغات توقيفية كما هو قول جمهور الناس أو اصطلاحية كما هو قول أبي هاشم الجبائي ومن تبعه أتعنون به جعل اللفظ دليلا على المعنى أم تعنون به غلبة استعمال اللفظ في المعنى حتى يصير فيه أشهر من غيره أم تعنون به مطلق الاستعمال ولو مرة واحدة في صورة واحدة كما قلتم من(1\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "270",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12668",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شرط المجاز الوضع فإن الوضع في كلامكم ما يدور على هذه المعاني الثلاثة وهذا كله إنما يصح إذا علم أن الألفاظ العربية وضعت أولا لمعان ثم استعملت فيها ثم وضع لمعان أخر بعد الوضع الأول والاستعمال بعده والوضع الثاني والاستعمال بعده ولا تتم لكم دعوى المجاز إلا بهذه المقامات الأربع وليس معكم ولا مع غيركم سوى استعمال اللفظ في المعنى. وأما إنهم وضعوه لمعنى ثم استعملوه فيه وضعوه بعد ذلك لمعنى آخر غير معناه الأول ثم استعملوه فيه فدعوى ذلك قول بلا علم وهو حرام في حق المخلوق فكيف في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فمن يمكنه من بني آدم أن يثبت ذلك وهذا لو أمكن العلم به لم يكن له طريق إلا الوحي وخبر الصادق المعلوم بالضرورة صدقه. الوجه الثاني: أن هذا إنما يمكن دعواه إذا ثبت أن قوما من العقلاء اجتمعوا واصطلحوا على أن يسموا هذا بكذا وهذا بكذا ثم استعملوا تلك الألفاظ من تلك المعاني ثم بعد ذلك اجتمعوا وتواطئوا على أن يستعملوا تلك الألفاظ بعينها في معان أخر غير المعاني الأول لعلاقة بينها وبينها وقالوا: هذه الألفاظ حقيقة تلك المعاني مجاز في هذه وهذه ولا نعرف أحدا من العقلاء قاله قبل أبي هاشم الجبائي فإنه زعم أن اللغات اصطلاحية وأن أهل اللغة اصطلحوا على ذلك وهذا مجاهرة بالكذب وقول بلا علم والذي يعرفه الناس استعمال هذه الألفاظ في معانيها المفهومة منها. الوجه الثالث: أن قولكم: الحقيقة هي اللفظ المستعمل في موضوعه فلزم منه انتفاء كونه حقيقة قبل الاستعمال وليس بمجاز فتكون الألفاظ قبل استعمالها لا حقيقة ولا مجازا هذا وإن استلزموه فإنه يستلزم أصلا فاسدا ومستلزم لأمر فاسد أما الأصل الفاسد فهو أن هاهنا وضعا سابقا على الاستعمال ثم اطرد عليه الاستعمال فصار باعتباره حقيقة ومجازا وهذا مما لا سبيل إلى العلم به كما تقدم ولا يعرف تجرد هذه الألفاظ عن الاستعمال بل تجردها عن الاستعمال محال وهو كتجرد الحركة عن المتحرك نعم إنما تتجرد في الذهن وهي حينئذ ليست ألفاظا وإنما هي تقدر ألفاظا لا حكم لها وثبوتها في الرسم مسبوق بالنطق بها فإن الخط يستلزم اللفظ من غير عكس. وأما استلزامه الأمر الفاسد فإنه إذا تجرد الوضع عن استعمال جاز أن يوضع(1\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "271",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12669",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للمعنى الثاني من غير أن يستعمل في معناه الأول وحينئذ فيكون مجازا لا حقيقة له فإذا الحقيقة هي اللفظ المستعمل في موضوعه وقد نقل عنه إلى مجازه وهل هذا إلا نوع من الكهانة الباطلة اللهم إلا أن يأتي وحي بذلك فيجب المصير إليه. الوجه الرابع: أن هذا يستلزم تعطيل الألفاظ عن دلالتها على المعاني وذلك ممتنع لأن الدليل يستلزم مدلوله من غير عكس. فإن قيل: لا يلزم من عدم الاستعمال عدم الدلالة فإنهما غير متلازمين قيل: بل يلزم لزوما بينا فإن دلالته عليه إنما تتحقق باستعماله فإن الدلالة هي فهم المعنى من اللفظ عند إطلاقه فلا تحقق لها بدون الاستعمال البتة والاستعمال إما أن يكون هو معنى الحقيقة والمجاز وهذا إنما يقوله من يقول: إن الحقيقة استعمال اللفظ في موضعه أو جزء مسمى الحقيقة كما يقول من يقول: إنها اللفظ المستعمل في موضعه وعلى التقديرين فيلزم تجرد اللفظ عن حقيقته ومجازه قبل الاستعمال مع وجود دلالته على أحدهما وهذا جمع بين النقيضين فتأمله. الوجه الخامس: أن القائلين بالمجاز مختلفون هل يستلزم المجاز الحقيقة أم لا على قولين ولم يختلفوا أن الحقيقة لا تستلزم المجاز فإنه لا يجب أن يكون لكل حقيقة مجاز والذين قالوا باللزوم احتجوا بأنه لو لم يكن المجاز مستلزما للحقيقة لعري وضع اللفظ للمعنى عن الفائدة وكان وضعه عبثا والحقيقة عندهم إما استعمال اللفظ وإما وضع اللفظ المستعمل في موضوعه فلا يتصور عندهم مجاز حتى يسبقه استعمال في الحقيقة وهذا السبق مما لا سبيل لهم العلم به بوجه من الوجوه فيستحيل على أصلهم التمييز بين الحقيقة والمجاز. فإن قالوا: نحن نختار القول الأول وأن المجاز لا يستلزم الحقيقة فإن العرب تقول: شابت لمة الليل وقامت الحرب على ساق وهذه مجازات لم يسبق لها استعمال في حقائقها ولم تستعمل في غير مدلولاتها المجازية. قيل لهم: الجواب من وجهين: أحدهما: أن المجاز وإن لم يستلزم استعمال اللفظ في حقيقته فلا بد أن يستلزم وضع اللفظ لمعناه الحقيقي فلو لم يتقدم وضع هذه الألفاظ لحقائقها لكانت قد وضعت لهذه المعاني وضعا أوليا فتكون حقيقة لا مجازا فإذا لم يكن لهذه الألفاظ موضوع سوى معناها لم تكن مجازا وإن كان لها موضوع سواه بطل الدليل.(1\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "272",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12670",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز تقسيم فاسد",
        "content": "الثاني: أنكم إنما تعنون بقولكم: لو استلزم المجاز الحقيقة لكان كنحو قامت الحرب على ساق وشابت لمة الليل حقيقة أنه لا بد لمفرداتها من حقيقة أو لا بد للتركيب من حقيقة فإن أردتم الأول فمسلم. وهذه المفردات لها حقائق فبطل الدليل وإن أردتم الثاني فهو بناء على أن دلالة المركب تنقسم إلى حقيقية ومجازية وهذا ينازع فيه جمهور القائلين بالمجاز ويقولون: إن المجاز في المفردات لا في التركيب إذ لا يعقل وقوعه في التركيب لأنه لا يتصور أن يكون للإسناد جهتان: إحداهما جهة حقيقة والأخرى جهة مجاز بخلاف المفردات والفرق بينهما أن الإسناد لم يوضع أولا لمعنى ثم نقل عنه إلى غيره ولا يتصور فيه ذلك وإن تصور في المفرد.  [تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز تقسيم فاسد] الوجه السادس: أن تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز لا يدل على وجود المجاز بل ولا على مكانه فإن التقسيم لا يدل على ثبوت كل واحد من الأقسام في الخارج ولا على إمكانها فإن التقسيم يتضمن حصر المقسوم في تلك الأقسام هي أعم من أن تكون موجودة أو معدومة ممكنة أو ممتنعة فهاهنا أمران: أحدهما: انحصار المقسوم في أقسامه وهذا يعرف بطرق: منها أن يكون التقسيم دائرا بين النفي والإثبات ومنها أن يجزم العقل بنفي قسم آخر غيرها ومنها أن يحصل الاستقراء التام المفيد للعلم أو الاستقراء المفيد للظن. والثاني: ثبوت تلك الأقسام أو بعضها في الخارج وهذا لا يستفاد من التقسيم بل يحتاج إلى الدليل منفصل يدل عليه وكثير من أهل النظر يغلط في هذا الموضع ويستدل بصحة التقسيم على الوجود الخارجية وإمكانه وهذا غلط محض كما يغلط كثير منهم في حصر ما ليس بمحصور فإن الذهن يقسم المعلوم إلى موجود ومعدوم. وما ليس بموجود ولا معدوم والموجود إما قائم بنفسه وإما قائم بغيره وإما لا قائم بنفسه ولا قائم بغيره وإما قائم بنفسه وغيره وإما داخل العالم أو خارجه أو داخله أو داخله وخارجه أو لا داخله ولا خارجه وأمثال ذلك من التقسيمات الذهنية التي يستحيل ثبوت بعض أقسامها في الخارج. إذا عرف ذلك فالذين قسموا الكلام إلى حقيقة ومجاز إن أرادوا بذلك التقسيم الذهني لم يفدهم ذلك شيئا وإن أرادوا التقسيم الخارجي لم يكن معهم دليل يدل على وجود الجميع في الخارج سوى مجرد التقسيم وهو لا يفيد الثبوت الخارجي(1\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "273",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12671",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فحينئذ لا يتم لهم مطلوبهم حتى يثبتوا أن هاهنا ألفاظا وضعت لمعان حتى تقلب عنها به بوضع ثان على معان أخر غيرها وهذا مما لا سبيل لأحد إلى العلم به. الوجه السابع: أن تقسيم الألفاظ إلى ألفاظ مستعملة فيما وضعت له وألفاظ مستعملة في غير ما وضعت له تقسيم فاسد يتضمن إثبات الشيء ونفيه فإن وضع اللفظ للمعنى هو تخصيصه به بحيث إذا استعمل فهم منه ذلك المعنى ولا يعرف للوضع معنى غير ذلك ففهم المعنى الذي سميتموه أو سميتم اللفظ الدال عليه أو استعماله على حسب اصطلاحكم مجازا مع نفي الوضع جمع بين النقيضين وهو يتضمن أن يكون اللفظ موضوعا غير موضع. فإن قلتم: لا تناقض في ذلك فإنا نفينا الوضع الأول وأثبتنا الوضع الثاني. قيل لكم: هذا دور ممتنع فإن معرفة كونه مجازا متوقف على معرفة الوضع الثاني ومستفاد منه فلو استفيد معرفة الوضع من كونه مجازا لزم الدور الممتنع فمن أين علمتم أن هذا وضع ثان للفظ وليس معكم إلا أن ادعيتم أنه مجاز ثم قلتم: فيلزم أن يكون موضوعا وضعا ثانيا فإنكم إنما استفدتم كونه مجازا من كونه مستعملا في غير موضوعه فكيف يستفاد كونه مستعملا في غير موضوعه من كونه مجازا. يوضحه الوجه الثامن: أنه ليس معكم إلا استعمال وقد استعمل في هذا وهذا فمن أين لكم أن وضعه لأحدهما سابق على وضعه للآخر ولو ادعى آخر أن الأمر بالعكس كانت دعواه من جنس دعواكم وسيأتي الكلام على الإطلاق والتقييد الذي هو حقيقة ما تعرفونه به وأنه لا يفيدكم شيئا البتة. الوجه التاسع: أن هذا يتضمن التفريق بين المتماثلين فإن اللفظ إذا أفهم هذا المعنى تارة وهذا تارة فدعوى المدعي أنه موضوع لأحدهما دون الآخر وأنه عند فهم أحدهما يكون مستعملا في غير ما وضع له تحكم محض وتفريق بين المتماثلين. الوجه العاشر: أن هذا تقسيم فاسد لا ينضبط بضابط صحيح ولهذا عامة ما يسميه بعضكم مجازا يسميه غيره حقيقة وهذا يدعي أنه استعمل فيما لم يوضع له وذلك يدعي أن هذا موضوعه وذلك أنه ليس في نفس الأمر فرق يتميز به أحد النوعين عن الآخر فإن الفرق إما في نفس اللفظ وإما في المعنى وكلاهما منتف قطعا أما انتفاء الفرق في اللفظ فظاهر فإن اللفظ بما سميتموه حقيقة وما سميتموه مجازا واحد وأما الفرق المعنوي فمنتف أيضا إذ ليس بين المعنيين من الفرق ما(1\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "274",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12672",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يدل على أنه وضع لهذا ولم يوضع لهذا بوجه من وجوه الدلالة ولهذا لما تفطن بعض الفضلاء لذلك قال: إنما يعرف الفرق بين الحقيقة والمجاز بنص أهل اللغة على أن هذا حقيقة وهذا مجاز فإن أراد بأهل اللغة العرب العاربة الذين نقلت عنهم الألفاظ ومعانيها فلم ينص أحد منهم البتة على ذلك وإن أراد من نقل عنهم الألفاظ ومعانيها مشافهة من أئمة اللغة كالأصمعي والخليل والفراء وأمثالهم فكذلك وإن أراد المتأخرين منهم الذين قسموا اللفظ إلى حقيقة ومجاز كابن جني والزمخشري وأبي علي وأمثالهم فهذا اصطلاح منهم لا إخبار عن العرب ولا عن نقلة اللغة أنهم نقلوه عن العرب وحينئذ فتعود المطالبة لهم بالفرق المطرد المنعكس بين ما سموه حقيقة وما سموه مجازا وسنذكر إن شاء تعالى فرقهم ونبطلها يوضحه: الوجه الحادي عشر: أن تمييز الألفاظ والتفريق بينها تابع لتمييز المعاني والتفريق بين بعضها وبعض فإذا لم يكن المعنى الذي سموه حقيقيا منفصلا متميزا من المعنى الذي سموه مجازيا بفصل يعلم به أن استعماله في هذا حقيقة واستعماله في الآخر مجاز لم يصح التفريق في اللفظ وكان تسميته لبعض الدلالة حقيقة ولبعضها مجازا تحكما محضا. الوجه الثاني عشر: أنهم اختلفوا هل تفتقر صحة الاستعمال المجازي إلى النقل في كل صورة كما تفتقر إلى ذلك الحقيقة أم لا على قولين والصحيح عندهم أنه لا يشترط قالوا: وليس مورد النزاع في الأشخاص كزيد وأسد وبحر وغيث إذ لا تتوقف صحة هذا الإطلاق على كل شخص على النقل. فنقول: لا يتحقق ذلك في الأشخاص ولا في الأنواع أما الأشخاص فظاهر فإنه لا يشترط في استعمال اللفظ في كل واحد منها النقل عن أهل اللغة إذا كانت العلاقة موجودة في الأفراد وأما الأنواع فلا يكفي في استعمال اللفظ في كل صورة ظهور نوع من العلاقة المعتبرة فإن من العلاقات عندهم علاقة اللزوم بحيث يتجوز عن الملزوم إلى لازمه وعكسه وعلاقة التضاد بأن يتجوز من أحد الضدين إلى الآخر وعلاقة المشابهة وعلاقة الجوار والقرب وعلاقة تقدم ثبوت الصفة للحمل وعلاقة كونه آيلا إليها فبعضهم جعل أنواع العلاقات أربعة وبعضهم أوصلها إلى اثني عشر علاقة وبعضهم أوصلها إلى خمسة وعشرين ولو أوصلها آخر إلى خمسة وسبعين لقبلوا منه.(1\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "275",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12673",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن المعلوم أنه ما من شيئين إلا وبينهما علاقة من هذه العلاقات فإذا لم يشترط النقل في آحاد الصور واكتفي بنوع العلاقة لزم من ذلك صحة التجوز بإطلاق كل لازم على لازمه وكل لازم على ملزومه وكل ضد على ضده وكل مجاور على مجاوره وكل شيء كان على صفة ثم فاقها على ما اتصف بها وكل مشبه على مشبهه وفي ذلك من الخبط وفساد اللغات وبطلان التفاهم ووقوع اللبس والتلبيس ما يمنع منه العقل والنقل ومصالح الآدميين فيجوز تسمية الليل نهارا والنهار ليلا والمؤمن كافرا والكافر مؤمنا والصادق كاذبا والكاذب صادقا والمسك نتنا والنتن مسكا والبول طعاما والطعام بولا وتسمية كل شيء باسم ضده ومجاوره ومشابهه ولازمه فهل يقول هذا أحد من عقلاء بني آدم وهل في العالم قول أفسد من قول هذا لازمه . ولما ورد عليهم وعرفوا أنه وارد لا محالة قالوا: المانع يمنع من ذلك ولولا المانع لقلنا به فيقال: يا لله العجب ما أسهل الدعوى التي لا حقيقة لها عليكم أليس من المعلوم أن إضافة الحكم إلى المانع يستلزم أمرين: أحدهما قيام المقتضي والآخر إثبات المانع فقد سلمتم حينئذ أن المقتضي للتجوز المذكور موجود وادعيتم على العرب وأهل اللغة أن هذه العلاقات عندهم مقتضية لإطلاق اسم الضد على ضده واللازم على ملزومه والمجاور على مجاوره ثم ادعيتم أنهم منعوكم من هذا التجوز فيما لا يحصيه إلا الله تعالى فمن أين لكم الشهادة عليهم بهذا المقتضى وهذا المانع وأين قالوا لكم: أبحنا لكم إطلاق هذه الأضداد الخاصة على أضدادها وهذه اللوازم على ملزوماتها وحرمنا عليكم ما عداها وهل معكم غير الاستعمال الثابت عنهم وذلك الاستعمال لا يفيد أن ذلك بوضعهم وعرفهم من خطابهم فما لم يستعملوه وما لم يتفاهموه من مخاطباتهم علمنا أنه ليس من لغتهم وما فهموه واستعملوه هو من لغتهم وإذا دار الأمر بين إضافة الحكم إلى عدم مقتضيه وإضافته إلى وجود مانعه تعينت حوالته على عدم مقتضيه تخلصا من دعوى التعارض والتناقض فإن الصورة الممنوع منها إذا كانت مثل الصورة المستعملة كان التفريق بينهما تفريقا بين المتماثلين والعقل يأباه ويمنع منه. وهذه المحاولات إنما لزمت من تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم يوضحه: الوجه الثالث عشر: أن الذين اشترطوا النقل قالوا: لو جاز الإطلاق من غير فعل(1\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "276",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12674",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لكان ذلك إما قياسا إن كان مستندا إلى وصف ثبوتي مشترك بين صورة الاستعمال وصورة الإلحاق وإما اختراعا إن لم يستند إلى ذلك فأجابهم من لم يشترط النقل بأن قالوا: العلاقة مصححة للتجوز كرفع الفاعل ونصب المفعول فإنا لما استقرأنا لغتهم وجدناهم يرفعون ما نطقوا به من أسماء المفعولين علمنا أن سبب الرفع هو الفاعلية وسبب النصب هو المفعولية فهكذا استقراء علاقات المجاز وليس كذلك إطلاقهم كل ضد على ضده وكل لازم على لازمه. وهذا الجواب من أفسد الأجوبة فإنا نعلم بالضرورة من لغتهم رفع كل فاعل ونصب كل مفعول وجر كل مضاف ولا يختلف في ذلك صورة من الصور فإنا لم نجد ذلك بنقل تواتر ولا آحاد ولا استقراء يفيد علما ولا ظنا ولا اطراد استعمال فقياس التجوز بكل ضد على ضده وبكل ملزوم على ملزومه على رفع الفاعل ونصب المفعول من أفسد القياس. الوجه الرابع عشر: أنهم قالوا: يعرف المجاز بصحة نفيه أي إذا صح نفيه عما أطلق عليه كان مجازا كما يقال لمن قال: فلان بحر وأسد وشمس وحمار وكلب وميت ليس كذلك وهذا بخلاف الحقيقة فإنه لا يصح أن ينفى عما أطلق عليه لفظا فلا يقال للحمار والأسد والبحر والشمس ليس كذلك فإنه يكون كذبا وقد اعترفوا هم ببطلانه فقالوا: هذا فرق يلزم منه الدور وذلك أن صحة النفي وامتناعه يتوقف على معرفة الحقيقة والمجاز فلو عرفناهما بصحة النفي وامتناعه لزم الدور.  الوجه الخامس عشر: أن كثيرا من الحقائق يصح إطلاق النفي عليها باعتبار عدم فائدتهما وليست مجازا كقوله صلى الله عليه وسلم عن الكهان quot; ليسوا بشيء quot; ومن هذا سلب الحياة والسمع والبصر والعقل عن الكفار ومن هذا سلب الإيمان عمن لا أمانة له وسلبه عن الزاني والسارق والشارب الخمر والمنتهب وسلب الصلاة عن الفذ خلف الصف وسلب الصلاة عمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ولم يطمئن في صلاته عند كثير من هؤلاء فإن هذه الحقائق ثابتة عندهم وقد أطلق عليها السلب وليس من هذا قوله صلى الله عليه وسلم: quot; ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان quot; و quot; ليس(1\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "277",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12675",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشديد بالصرعة quot; ونحو ذلك فإن هذا لم ينف فيه صحة إطلاق الاسم وإنما نفي اختصاص الاسم بهذا الاسم وحده وإن غيره أولى بهذا الاسم منه فتأمله فإن بعض الناس نقض به عليهم قولهم: إن المجاز ما صح نفيه وهو نقض باطل وأما النقض الصحيح فما صح لنقضه وعدم حصول المطلوب منه مع إطلاق الاسم عليه حقيقة والله تعالى أعلم. الوجه السادس عشر: أن يقال: ما تعنون بصحة النفي نفي المسمى عند الإطلاق أم المسمى عند التقييد أم القدر المشترك أم أمرا رابعا فإن أردتم الأول كان حاصله أن اللفظ له دلالتان: دلالة عند الإطلاق ودلالة عند التقييد بل المقيد مستعمل في موضوعه وكل منهما منفي عن الآخر وإن أردتم الثاني لم يصح نفيه فإن المفهوم منه هو المعنى المقيد فكيف يصح نفيه وإن أردتم القدر المشترك بين ما سميتموه حقيقة ومجازا لم يصح نفيه أيضا فإن أردتم أمرا رابعا فبينوه لنحكم عليه بصحة النفي أو عدمها وهذا ظاهر جدا لا جواب عنه كما ترى. الوجه السابع عشر: أن هذا النفي الذي جعلتم صحته عيارا على المجاز وفرقا بينه وبين الحقيقة هو الصحة عند أهل اللسان أو عند أهل الإصلاح على التقسيم إلى الحقيقة والمجاز أو عند أهل العرف فمن هم الذين يستدل بصحة نفيهم ويجعل عيارا على كلام الله ورسوله بل كلام كل متكلم فإن كان المعتبر نفي أهل اللسان طولبتم بصحة النقل عنهم بأن هذا يصح نفيه وهذا لا يصح نفيه ولن تجدوا إلى ذلك سبيلا. وإن كان المعتبر نفي أهل الاصطلاح لم يفد ذلك شيئا لأنهم اصطلحوا على أن هذا مجاز فيصح لهم نفيه وهذا حقيقة فلا يصح لهم نفيه فكان ماذا وهل استفدنا بذلك شيئا وإن كان الاعتبار بصحة نفي أهل العرف فنفيهم تابع لعرفهم وفهمهم فلا يكون عيارا على أصل اللغة. الوجه الثامن عشر: أن صحة النفي مدلول عليه بالمجاز فلا يكون دليلا عليه إذ يلزم منه أن يكون الشيء دليلا على نفسه ومدلولا لنفسه وهذا عين لزوم الدور. الوجه التاسع عشر: أنكم فرقتم أيضا بينهما أن المجاز ما يتبادر غيره إلى الذهن(1\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "278",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12676",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالمدلول إن تبادر إلى الذهن عند الإطلاق كان حقيقة وكان غير المتبادر مجازا فإن الأسد إذا أطلق تبادر منه الحيوان المفترس دون الرجل الشجاع فهذا الفرق مبني على دعوى باطلة وهو تجريد اللفظ عن القرائن بالكلية والنطق به وحده وحينئذ فيتبادر منه الحقيقة عند التجرد وهذا الفرض هو الذي أوقعكم في الوهم فإن اللفظ بدون القيد والتركيب بمنزلة الأصوات التي ينعق بها لا تفيد فائدة وإنما يفيد تركيبه مع غيره تركيبا إسناديا يصح السكوت عليه وحينئذ فإنه يتبادر منه عند كل تركيب بحسب ما قيد به فيتبادر منه في هذا التركيب ما لا يتبادر منه في هذا التركيب الأخير. فإذا قلت: هذا الثوب خطته لك بيدي تبادر من هذا أن اليد آلة الخياطة لا غير وإذا قلت: لك عندي يد الله يجزيك بها تبادر من هذا النعمة والإحسان ولما كان أصله الإعطاء وهو باليد عبر عنه بها لأنها آلة وهي حقيقة في هذا التركيب وهذا التركيب فما الذي صيرها حقيقة في هذا مجازا في الآخر . فإن قلت: لأنا إذا أطلقنا لفظة يد تبادر منها العضو المخصوص قيل: لفظة يد بمنزلة صوت ينعق به لا يفيد شيئا البتة حتى تقيده بما يدل على المراد منه ومع التقييد بما يدل على المراد لا يتبادر سواه فتكون الحقيقة حيث استعملت في معنى يتبادر إلى الفهم كذلك أسد لا تفيد شيئا ولا يعلم مراد المتكلم به حتى إذا قال زيد أسد أو رأيت أسدا يصلى أو فلان افترسه الأسد فأكله أو الأسد ملك الوحوش ونحو ذلك علم المراد به من كلام المتكلم وتبادر في كل موضع إلى ذهن السامع بحسب ذلك التقييد والتركيب فلا يتبادر من قولك: رأيت أسدا يصلي إلا رجلا شجاعا فلزم أن يكون حقيقة. فإن قلتم: نعم ذلك هو المتبادر ولكن لا يتبادر إلا بقرينة بخلاف الحقيقة فإنها يتبادر معناها بغير قرينة بل لمجرد الإطلاق قيل لكم: عاد البحث جذعا وهو أن اللفظ بغير قرينة ولا تركيب لا يفيد شيئا ولا يستعمل في كلامنا في الألفاظ المقيدة المستعملة في التخاطب. فإن قلتم: ومع ذلك فإنها عند التركيب تحتمل معنيين أحدهما أسبق إلى الذهن من الآخر وهذا الذي نعني بالحقيقة مثاله أن القائل إذا قال: رأيت اليوم أسدا تبادر إلى ذهن السامع الحيوان المخصوص دون الرجل الشجاع هذا غاية ما تقدرون عليه من الفرق وهو أقوى ما عندكم ونحن لا ننكره ولكن نقول: اللفظ الواحد تختلف(1\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "279",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12677",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دلالته عند الإطلاق والتقييد ويكون حقيقة في المطلق والمقيد مثاله لفظ العمل إنه عند الإطلاق إنما يفهم منه عمل الجوارح فإذا قيد بعمل القلب كانت دلالته عليه أيضا حقيقة اختلفت دلالته بالإطلاق والتقييد ولم يخرج بذلك عن كونه حقيقة وكذلك لفظ الإيمان عند الإطلاق يدخل فيه الأعمال كقوله صلى الله عليه وسلم: quot; الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول: لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان quot; فإذا قرن بالأعمال كانت دلالته على التصديق بالقلب وكقوله: آمنوا وعملوا الصالحات [البقرة: 25] فاختلفت دلالته بالإطلاق والتقيد وهو حقيقة في الموضعين. وكذلك لفظ الفقير والمسكين يدخل فيه الآخر عند الإطلاق فإذا جمع بينهما لم يدخل مسمى أحدهما في مسمى الآخر وكذلك لفظ التقوى والقول السديد إذا أطلق لفظ التقوى تناول تقوى القلب والجوارح واللسان فإذا جمع بينهما تقيدت دلالته كقوله تعالى: اتقوا الله وقولوا قولا سديدا [الأحزاب: 70] وكذلك لفظ التقوى عند الإطلاق يدخل فيه الصبر فإذا قرن بالصبر لم يدخل فيه كقوله تعالى: بلى إن تصبروا وتتقوا [آل عمران: 125] وقوله: وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور [آل عمران: 186] ونظائر ذلك أكثر من أن تذكر. وأخص من هذا أن يكون اللفظ لا يستعمل إلا مقيدا كالرأس والجوارح واليد وغير ذلك فإن العرب لم تستعمل هذه الألفاظ مطلقة بل لا تنطق بها إلا مقيدة كرأس الإنسان ورأس الطائر ورأس الدابة ورأس الماء ورأس الأمر ورأس المال ورأس القوم فهاهنا المضاف والمضاف إليه جميعا حقيقة وهما موضوعان ومن توهم أن الأصل في الرأس للإنسان وأنه نقل منه إلى هذه الأمور فقد غلط أقبح غلط وقال ما لا علم له به بوجه من الوجوه ولو عارضه آخر بضد ما قاله كان قوله من جنس قوله لا فرق بينهما فالمفيد موضع النزاع والمطلق غير مستعمل ولا يفيد فتأمله. وكذلك الجناح(1\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "280",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12678",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لجناح الطائر حقيقة وجناح السفر حقيقة فيه وجناح الذل حقيقة فيه فإن قيل: ليس للذل جناح قلنا: ليس له جناح ريش وله جناح معنوي يناسبه كما أن الأمر والمال والماء ليس له رأس الحيوان ولها رأس بحسبها وهذا حكم عام في جميع الألفاظ المضافة كاليد والعين وغيرهما. فيد البعوضة حقيقة ويد الفيل حقيقة وليست مجازا في أحد الموضعين حقيقة في الآخر وليست اليد مشتركة بينهما اشتراكا لفظيا وكذلك إرادة البعوض وحياتها وقوتها حقيقة وإرادة الملك وقوته وحياته حقيقة ومعلوم أن القدر المشترك بين الأسد والرجل الشجاع وبين البليد والحمار أعظم من القدر المشترك الذي بين البعوضة والفيل وبين البعوضة والملك فإذا جعلتم اللفظ حقيقة هناك لاعتبار القدر المشترك فهلا جعلتموه حقيقة باعتبار القدر المشترك فيما هو أظهر وأبين وهذا يدل على تناقضكم وتفريقكم بين المتماثلين وسلبكم الحقيقة عما هو أولى بها. يوضحه الوجه العشرون: وهو أنكم فرقتم بقولكم: إن المجاز يتوقف على القرينة والحقيقة لا تتوقف على القرينة ومرادكم أن إفادة الحقيقة لمعناها الإفرادي غير مشروط بالقرينة وإفادة المجاز لمعناه الإفرادي مشروط بالقرينة. فيقال لكم: اللفظ عند تجرده عن جميع القرائن التي تدل على مراد المتكلم بمنزلة الأصوات التي ينعق بها فقولك: تراب ماء حجر رجل بمنزلة قولك: طق غاق ونحوها من الأصوات فلا يفيد اللفظ ويصير كلاما إلا إذا اقترن به ما يبين المراد ولا فرق بين ما يسمى حقيقة في ذلك وما يسمى مجازا وهذا لا نزاع فيه بين منكري المجاز ومثبتيه فإن أردتم بالمجاز احتياج اللفظ المفرد في إقامة المعنى إلى قرينة لزم أن تكون اللغات كلها مجازا وإن فرقتم بين بعض القرائن وبعض كان ذلك تحكما محضا لا معنى له. وإن قلتم القرائن نوعان: لفظية وعقلية فما توقف فهم المراد منه على القرائن العقلية فهو المجاز وما توقف على اللفظية فهو الحقيقة. قيل: هذا لا يصح فإن العقل المجرد لا مدخل له في إفادة اللفظ لمعناه سواء كان حقيقة أو مجازا وإنما يفهم معناه بالنقل والاستعمال وحينئذ فيفهم العقل المراد بواسطة أمرين: أحدهما: أن هذا اللفظ اطرد استعماله في عرف الخطاب في هذا المعنى الثاني: علمه بأن المخاطب له أراد إفهامه ذلك المعنى فإن تخلف واحد من الأمرين لم يحصل الفهم المراد المتكلم وأما القرينة المجردة بدون اللفظ فإنها لا تدل على حقيقة ولا مجاز وإن دلت على مراد الحي فتلك دلالة عقلية بمنزلة الإشارة(1\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "281",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12679",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحركة والأمارات الظاهرة. وإن أردتم أن المعنى الإفرادي تقيده الحقيقة بمجرد لفظها ولا يقيده المجاز إلا بقرينة تقترن بلفظه قيل لكم: المعنى الإفرادي نوعان مطلق ومقيد فالمطلق يفيده اللفظ المطلق والمقيد يفيده اللفظ المقيد وكلاهما حقيقة فيما دل عليه فمعنى الأسد المطلق يفيده لفظه المطلق والأسد المشبه وهو المقيد يفيده لفظه المقيد وليس المراد هنا بالمطلق الكلي الذهني بل المراد به المجرد عن القرينة وإن كان شخصا وهذا الأمر معقول مضبوط يطرد وينعكس. فإن قيل: فلم تشاححونا فإنا اصطلحنا على تسمية المطلق بالاعتبار الذي ذكرتموه حقيقة وعلى تسمية المقيد مجازا. قيل: لم نشاححكم في مجرد الاصطلاح والتعبير بل بينا أن هذا الاصطلاح غير منضبط ولا مطرد ولا منعكس بل هو متضمن للتفريق بين المتماثلين من كل وجه فإنكم لا تقولون إن كل ما تختلف دلالته بالإطلاق والتقييد فهو مجاز إذ عامة الألفاظ كذلك ولهذا لما تفطن بعضكم لذلك التزمه وقال: أكثر اللغة مجاز وكذلك الذين صنفوا في مجاز القرآن هم بين خطتين إحداهما التناقض البين إذ يحكمون على اللفظ بأنه مجاز وعلى نظيره بأنه حقيقة أو يجعلون الجميع مجازا فيكون القرآن كله إلا القليل منه مجازا لا حقيقة له وهذا من أبطل الباطل. والمقصود أنه إن كان كل ما دل بالقرينة دلالته غير دلالته عند التجرد منها مجازا لزم أن تكون اللغة كلها مجازا فإن كل لفظ يدل عند الاقتران دلالة خاصة غير دلالته عند الإطلاق وإن فرقتم بين بعض القرائن اللفظية وبعض لم يمكنكم أن تذكروا أنواعا منها إلا عرف به بطلان قولكم إذ ليس في القرائن التي تعينوها ما يدل على أن هذا اللفظ مستعمل في موضعه ولا فيها ما يدل على أنه غير مستعمل في غير موضوعه فإن طردتم ذلك وقلتم: نقول: إن الجميع مجاز كان هذا معلوما كذبه وبطلانه بالضرورة واتفاق العقلاء إذ من المعلوم بالاضطراب أن أكثر الألفاظ المستعملة فيما وضعت له لم تخرج عن أصل وضعها وجمهور القائلين بالمجاز معترفون بأن كل مجاز لا بد له من حقيقة فالحقيقة عندهم أسبق وأعم وأكثر استعمالا وقد اعترفوا بأنها الأصل والمجاز على خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا عند تعذر الحمل على الحقيقة ولو كانت اللغة أو أكثرها مجازا كان المجاز هو الأصل وكان الحمل عليه(1\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "282",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12680",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "تفريقهم بين الحقيقة والمجاز لاضطراد وفساده",
        "content": "متعينا ولا يحمل اللفظ على حقيقة ما وجد إلى المجاز سبيلا وفي هذا من إفساد اللغات والتفاهم ما لا يخفى.  [تفريقهم بين الحقيقة والمجاز لاضطراد وفساده] الوجه الحادي والعشرون: أنكم فرقتم بين الحقيقة والمجاز بالاطراد وعدمه فقلتم: يعرف المجاز بعدم اطراده دون العكس أي لا يكون الاطراد دليل الحقيقة أو لا يلزم من وجود المجاز عدم الاطراد وعلى التقديرين فالعلامة يجب طردها ولا يجب عكسها وهذا الفرق غير مطرد ولا منعكس ونطالبكم قبل البيان بفساد الفرق بمعنى الاطراد الثابت للحقيقة والمنفي عن المجاز ما تعنون به أولا فالاطراد نوعان: اطراد سماعي واطراد قياسي فإن عنيتم الأول كان معناه ما اطرد السماع باستعماله في معناه فهو حقيقة وما لم يطرد السماع باستعماله فهو مجاز وهذا لا يفيد فرقا البتة فإن كل مسموع فهو مطرد في موارد استعماله وما لم يسمع فهو مطرد الترك فليس في السماع مطرد الاستمال وغير مطرده وإن عنيتم الاضطراد القياسي فاللغات لا تثبت قياسا إذ يكون ذلك إنشاء واختراعا ولو جاز المتكلم أن يقيس على المسموع ألفاظا يستعملها في خطابه نظما ونثرا لم يجز له أن يحمل كلام الله ورسوله وكلام العرب على ما قاسه على لغتهم فإن هذا كذب ظاهر على المتكلم بتلك الألفاظ أولا فإنه ينشئ من عنده قياسا يضع به ألفاظا لمعان بينها وبين تلك المعاني وهذا كثيرا ما تجده في كلام من يدعي التحقيق والنظر وهذا من أبطل الباطل القول به حرام وهو قول على الله ورسوله بلا علم. وإن أردتم بالاطراد وعدمه اطراد الاشتقاق فيصدق اللفظ حيث وجد المعنى المشتق منه قيل لكم: الاشتقاق نوعان: وصفي لفظي وحكمي معنوي (فالأول) كاشتقاق اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة وأمثاله المبالغة من مصادرها (والثاني) كاشتقاق الخابية من الخبء والقارورة من الاستقرار والنكاح من الضم ونظائر ذلك فإن أردتم بالاطراد النوع الأول فوجوده لا يدل على الحقيقة وعدمه لا يدل على المجاز. أما الأول فلأنه يجري مجرى الألفاظ المجازية عندكم ولا سيما من قال: إن ضربت زيدا أو رأيته وأكلت وشربت مجاز فإنها مستعملة في غير ما وضعت له فإنها وضعت للمصادر المطلقة العامة فإذا استعملت في فرد من أفرادها فقد استعملت في غير موضعها كما قال ابن جني وغيره ومعلوم أن هذه(1\/300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "283",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12681",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الألفاظ مطردة في مجاري استقاماتها فقد طرد المجاز فأين عدم الاطراد الذي هو فرق بين الحقيقة والمجاز. وكذلك حقائق كثيرة من الأفعال لا تطرد ولا يشتق منها اسم فعل ولا مفعول ولا تدل على مصدر كالأفعال التي لا تتصرف مثل نعم وبئس وليس وحبذا وفعل التعجب. وإن أردتم بالاطراد الاشتقاق الحكمي المعنوي فلا يدل عدم اطراده على المجاز إذ يلزم منه أن تكون الألفاظ المستعملة في موضوعاتها الأول مجازا كالخابئة والقارورة والبركة والنجم والمعدن وغيرها فإنها لم يطرد استعمالها فيما شاركها في أصل معناها. فإن قلتم: منع المانع من الاطراد كما منع من اطراد الفاضل والسخي والعارف في حق الله تعالى قيل لكم: هذا دور ممتنع لأن عدم الاطراد حينئذ إنما يكون علامة المجاز إذا علم أنه المانع ولا يعلم أنه لمانع إلا بعد العلم بالمجاز وتقرير الدور أن يقال: عدم الطرد له موجب وليس موجبه الشرع ولا اللغة إذ التقدير بخلافه ولا العقل قطعا فتعين أن يكون موجب عدم الطرد كون اللفظ مجازا فيلزم الدور ضرورة. الوجه الثاني والعشرون: تفريقكم بين الحقيقة والمجاز بجمع مفرديهما فإذا جمع الحقيقة على صفة ثم جمع ذلك اللفظ على صفة أخرى كان مجازا مثله لفظ الأمر فإنه يجمع إذا استعمل في القول المخصوص على أوامر ويجمع إذا استعمل في الفعل على أمور وهذا التفريق من أفسد شيء وأبطله فإن اللفظ يكون له عدة جموع باعتبار مفهوم واحد كشيخ مثلا فإنه يجمع على عدة جموع أنشدناها شيخنا أبو عبد الله محمد ابن أبي الفتح البعلي قال: أنشدنا شيخنا أبو عبد الله محمد بن مالك لنفسه: شيخ شيوخ ومشيوخاء مشيخة ... شيخة شيخة شيخان أشياخ وكذلك عبد فإنه يجمع على عبيد وعباد وعبدان وعبد وهذا أكثر من أن يذكر فإذا اختلفت صيغة الجمع باعتبار المدلول الواحد لم يدل اختلافها على خروج الفرد عن حقيقته فكيف يدل اختلافه مع تعدد المدلول على المجاز. وأيضا فإن المشترك قد يختلف جمعه باختلاف مفهوماته ولا يدل ذلك على المجاز وأيضا فإنه ليس ادعاء كون أحدهما مجازا لمخالفة جمعه الآخر أولى من العكس.(1\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "284",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12682",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قلتم: بل إن علمنا أن أحدهما حقيقة علمنا أن الآخر الذي خالفه في صفة جمعه مجاز فحينئذ يكون اعتبار مخالفة الجمع لا فائدة فيه فإنا متى علمنا كون أحدهما حقيقة وأنه ليس مشتركا بينه وبين الآخر كان استعماله فيه مجازا فالحاصل أنه إن توقف ذلك على اختلاف الجمع لم يكن معرفا وإن لم يتوقف عليه لم يكن معرفا فلا يحصل به التفريق على التقديرين. وأيضا فإن رأس مالكم في هذا التعريف هو لفظ أوامر وأمور فادعيتم أن أوامر جمع أمر القول وأمور جمع أمر الفعل وغركم في ذلك قول الجوهري في الصحاح: تقول: أمرته أمرا وجمعه أوامر وهذا من إحدى غلطاته فإن هذا لا يعرف عند أهل العربية واللغة وفعل له جموع عديدة ليس منها فواعل البتة. وقد اختلف طرق المتكلمين لتصحيح ذلك فقالت طائفة منهم: جمعوا أمرا على أأمر كأفلس ثم جمعوا هذا الجمع على أفاعل لا فواعل فكان أصلها أأمر فقلبوا الهمزة الثانية واوا كراهية النطق بالهمزتين فصار في هذا أوامر وفي هذا من التكلف ودعوى ما لم تنطق به العرب عليهم ما فيه فإن العرب لم يسمع منهم أأمر على أفعل البتة ولا أوامر أيضا فلم ينطقوا بهذا ولا هذا. ولما علم هؤلاء أن هذا لا يتم في النواهي تكلفوا لها تكلفا آخر فقالوا: حملوها على نقيضها كما قالوا: الغدايا والعشايا وقالوا: قدم وحدث فضموا الدال من حدث حملا على قدم. وقالت طائفة أخرى: بل أوامر ونواه جمع آمر وناه فسمي القول آمرا وناهيا توسعا ثم جمعوها على فواعل كما قالوا: فارس وفوارس وهالك وهوالك وهذا أيضا متكلف فإن فاعلا نوعان: صفة واسم فإن كان صفة لا يجمع على فواعل فلا يقال: قائم وقوائم وآكل وأواكل وضارب وضوارب وعابد وعوابد وإن كان اسما فإنه يجمع على فواعل نحو خاتم وخواتم وقد شذ فارس وفوارس وهالك وهوالك فجمعا على فواعل مع كونهما صفتين أما فارس فلعدم اللبس لأنه لا يتصف به المؤنث وأما هالك فقصدوا النفس وهي مؤنثة فهو في الحقيقة جمع هالكة فإنه فاعلة يجمع على فواعل بالأسماء والصفات كفاطمة وفواطم وعابدة وعوابد فسمعت هذا طائفة أخرى قالت: أوامر ونواه جمع آمرة وناهية أي كلمة أو وصية آمرة وناهية. والتحقيق أن العرب سكتت عن جمع الأمر والنهي فلم ينطقوا لهما بجمع لأنها في(1\/302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "285",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12683",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأصل مصدر فالمصادر لا حظ لها في التثنية والجمع (إلا إذا تعددت أنواعها) والأمر والنهي وإن تعددت متعلقاتهما ومحالهما فحقيقتهما غير متعددة فتعدد المحال لا يوجب تعدد الصفة وقد منع سيبويه جمع العلم ولم يعتبر تعدد المعلومات فتبين بطلان هذا الفرق الذي اعتمدتم عليه من جميع الوجوه. الوجه الثالث والعشرون: تفريقكم بين الحقيقة والمجاز بالتزام التقييد في أحد اللفظين كجناح الذل ونار الحرب ونحوهما فإن العرب لم تستعملهما إلا مقيدة وهذا الفرق من أفسد الفروق فإن كثيرا من الألفاظ التي لم تستعمل إلا في موضوعها قد التزموا تقييدها كالرأس والجناح واليد والساق والقدم فإنهم لم يستعملوا هذه الألفاظ وأمثالها إلا مقيدة بمحالها وما تضاف إليه كرأس الحيوان ورأس الماء ورأس المال ورأس الأمر. وكذلك الجناح لم يستعملوه إلا مقيدا بما يضاف إليه كجناح الطائر وجناح الذل فإن أخذتم الجناح مطلقا مجردا عن الإضافة لم يكن مقيدا لمعناه الإفرادي أصلا فضلا عن أن يكون حقيقة أو مجازا وإن اعتبرتموه مضافا مقيدا فهو حقيقة فيما أضيف إليه فكيف يجعل حقيقة في مضاف مجازا في مضاف آخر ونسبته إلى هذا المضاف كنسبة الآخر إلى المضاف الآخر فجناح الملك حقيقة فيه قال الله تعالى: جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع [فاطر: 1] فمن قال: ليس للملك جناح حقيقة فهو كاذب مفتر ناف لما أثبته الله تعالى وإن قال: ليس له جناح من ريش قيل له: من جهلك اعتقادك أن الجناح الحقيقي هو ذو الريش وما عداه مجاز لأنك لم تألف إلا الجناح الريش. وطرد هذا الجهل العظيم أن يكون كل لفظ أطلق على الملك وعلى البشر أن يكون مجازا في حق الملك كحياته وسمعه وبصره وكلامه فكيف بما أطلق على الرب سبحانه من الوجه واليدين والسمع والبصر والكلام والغضب والرضى والإرادة فإنها لا تماثل المعهود في المخلوق ولهذا قالت الجهمية المعطلة إنها مجازات في حق الرب لا حقائق لها وهذا هو الذي حدانا على تحقيق القول في المجاز فإن أربابه ليس لهم فيه ضابط مطرد ولا منعكس وهم متناقضون غاية التناقض خارجون عن اللغة والشرع وحكم العقل إلى اصطلاح فاسد يفرقون به بين المتماثلين ويجمعون بين المختلفين فهذه فروقهم قد رأيت حالها وتبينت محالها يوضحه:(1\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "286",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12684",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "أن العرب لم تضع جناح الذل لمعنى ثم نقلته من موضعه إلى غيره",
        "content": "[أن العرب لم تضع جناح الذل لمعنى ثم نقلته من موضعه إلى غيره] الوجه الرابع والعشرون: أن العرب لم تضع جناح الذل لمعنى ثم نقلته من موضعه إلى غيره ومن زعم ذلك فهو غالط فليس لجناح الذل مفهومان وهو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر كما يمكن ذلك في لفظ أسد وبحر وشمس ونحوها وإنما ينشأ الغلط في ظن الظان أنهم وضعوا لفظ جناح مطلقا هكذا غير مقيد ثم خصصوه في أول وضعه بذوات الريش ثم نقلوه إلى الملك والذل فهذه ثلاث مقدمات لا يمكن لبشر على وجه الأرض إثباتها ولا سبيل إلى العلم بها إلا بوحي من الله تعالى. الوجه الخامس والعشرون: قولكم: نفرق بين الحقيقة والمجاز يتوقف المجاز على المسمى الآخر بخلاف الحقيقة ومعنى ذلك أن اللفظ إذا كان إطلاقه على أحد مدلوليه متوقفا على استعماله في المدلول الآخر كان بالنسبة إلى مدلوله الذي يتوقف على المدلول الآخر مجازا. وهذا مثل قوله تعالى: ومكروا ومكر الله [آل عمران: 54] فإن إطلاق المكر على المعنى المتصور من الرب سبحانه يتوقف على استعماله في المعنى المتصور من الخلق فهو حينئذ مجازي بالنسبة إليه حقيقة بالنسبة إليهم وهذا أيضا من النمط الأول في الفساد أما (أولا) فإن دعواكم أن إطلاقه على أحد مدلوليه متوقف على استعماله في الآخر دعوى باطلة مخالفة لصريح الاستعمال ومنشأ الغلط فيها أنكم نظرتم إلى قوله تعالى: ومكروا ومكر الله [آل عمران: 54] وقوله ومكروا مكرا ومكرنا مكرا [النمل: 50] وذهلتم عن قوله تعالى: أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون [الأعراف: 99] فأين المسمى الآخر وكذلك قوله تعالى: وهو شديد المحال [الرعد: 13] فسر بالكيد والمكر وكذلك قوله: سنستدرجهم من حيث لا يعلمون - وأملي لهم إن كيدي متين [القلم: 44 - 45] . فإن قلتم: يتعين تقدير المسمى الآخر ليكون إطلاق المكر عليه سبحانه من باب المقابلة كقوله تعالى: إنهم يكيدون كيدا - وأكيد كيدا [الطارق: 15 - 16] وقوله: إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم [النساء: 142] وقوله: نسوا الله فنسيهم [التوبة: 67] فهذا كله إنما يحسن على وجه المقابلة ولا يحسن أن يضاف إلى الله تعالى ابتداء فيقال: إنه(1\/304)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "287",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12685",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يمكر ويكيد ويخادع وينسى ولو كان حقيقة لصلح إطلاقه مفردا عن مقابلة كما يصح أن يقال: يسمع يرى ويعلم ويقدر. فالجواب: أن هذا الذي ذكرتموه مبني على أمرين: أحدهما معنوي والآخر لفظي فأما المعنوي فهو أن مسمى هذه الألفاظ ومعانيها مذمومة فلا يجوز اتصاف الرب تعالى بها وأما اللفظي فإنه لا تطلق عليه إلا على سبيل المقابلة فتكون مجازا ونحن نتكلم معكم في الأمرين جميعا فأما الأمر المعنوي فيقال: لا ريب أن هذه المعاني يذم بها كثيرا فيقال: فلان صاحب مكر وخداع وكيد واستهزاء ولا تكاد تطلق على سبيل المدح بخلاف أضدادها وهذا هو الذي غر من جعلها مجازا في حق من يتعالى ويتقدس عن كل عيب وذم. والصواب أن معانيها تنقسم إلى محمود ومذموم فالمذموم منها يرجع إلى الظلم والكذب فما يذم منها إنما يذم لكونه متضمنا للكذب أو الظلم أو لهما جميعا وهذا هو الذي ذمه الله تعالى لأهله كما في قوله تعالى: يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم [البقرة: 9] فإذا ذكر هذا عقيب قوله: ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين [البقرة: 8] فكان هذا القول منهم كذبا وظلما في حق التوحيد والإيمان بالرسول واتباعه وكذلك قوله: أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض [النحل: 45] الآية. وقوله: ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله [فاطر: 43] وقوله: ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون - فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم [النمل: 50 - 51] فلما كان غالب استعمال هذه الألفاظ في المعاني المذمومة ظن المعطلون أن ذلك هو حقيقتها فإذا أطلقت لغير الذم كان مجازا والحق خلاف هذا الظن وأنها منقسمة إلى محمود ومذموم فما كان منها متضمنا للكذب والظلم فهو مذموم وما كان منها بحق وعدل ومجازاة على القبيح فهو حسن محمود فإن المخادع إذا خادع بباطل وظلم حسن من المجازي له أن يخدعه بحق وعدل وذلك إذا مكر واستهزأ ظالما متعديا كان المكر به والاستهزاء عدلا حسنا كما فعله الصحابة بكعب بن الأشرف وابن أبي الحقيق وأبي رافع وغيرهم ممن كان يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم فخادعوه حتى كفوا شره وأذاه بالقتل وكان هذا الخداع والمكر نصرة لله ورسوله.(1\/305)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "288",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12686",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك ما خدع به نعيم بن مسعود المشركين عام الخندق حتى انصرفوا وكذلك خداع الحجاج بن علاط لامرأته وأهل مكة حتى أخذ ماله وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم quot; الحرب خدعة quot; وجزاء المسيء بمثل إساءته في جميع الملل مستحسن في جميع العقول ولهذا كاد سبحانه ليوسف حين أظهر لإخوته ما أبطن خلافه جزاء لهم على كيدهم له مع أبيه حيث أظهروا له أمرا وأبطنوا خلافه فكان هذا من أعدل الكيد فإن إخوته فعلوا به ذلك حتى فرقوا بينه وبين أبيه وادعوا أن الذئب أكله ففرق بينهم وبين أخيهم بإظهار أنه سرق الصواع ولم يكن ظالما لهم بذلك الكيد حيث كان مقابلة ومجازاة ولم يكن أيضا ظالما لأخيه الذي لم يكده بل كان إحسانا إليه وإكراما له في الباطن وإن كانت طريق ذلك مستهجنة لكن لما ظهر بالآخرة براءته ونزاهته مما قذفه به وكان ذلك سببا في اتصاله بيوسف واختصاصه به لم يكن في ذلك ضرر عليه. يبقى أن يقال: وقد تضمن هذا الكيد إيذاء أبيه وتعريضه لألم الحزن على حزنه السابق فأي مصلحة كانت ليعقوب في ذلك فيقال: هذا من امتحان الله تعالى له ويوسف إنما فعل ذلك بالوحي والله تعالى لما أراد كرامته كمل له مرتبة المحنة والبلوى ليصبر فينال الدرجة التي لا يصل إليها إلا على حسب الابتلاء ولو لم يكن في ذلك إلا تكميل فرحه وسروره باجتماع شمله بحبيبه بعد الفراق وهذا من كمال إحسان الرب تعالى أن يذيق عبده مرارة الكسر قبل حلاوة الجبر ويعرفه قدر نعمته عليه بأن يبتليه بضدها كما أن سبحانه وتعالى لما أراد أن يكمل لآدم نعيم الجنة أذاقه مرارة خروجه منها ومقاساة هذه الدار الممزوج رخاؤها بشدتها فما كسر عبده المؤمن إلا ليجبره ولا منعه إلا ليعطيه ولا ابتلاه إلا ليعافيه ولا أماته إلا ليحييه ولا نغص عليه الدنيا إلا ليرغبه في الآخرة ولا ابتلاه بجفاء الناس إلا ليرده إليه. فعلم أنه لا يجوز ذم هذه الأفعال على الإطلاق كما لا تمدح على الإطلاق والمكر والكيد والخداع لا يذم من جهة العلم ولا من جهة القدرة فإن العلم والقدرة من صفات الكمال وإنما يذم ذلك من جهة سوء القصد وفساد الإرادة وهو أن الماكر المخادع يجور ويظلم بفعل ما ليس له فعله أو ترك ما يجب عليه فعله. إذ عرف ذلك فنقول: إن الله تعالى لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع والاستهزاء مطلقا ولا ذلك داخل في أسمائه الحسنى ومن ظن من الجهال المصنفين(1\/306)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "289",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12687",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في شرح الأسماء الحسنى أن من أسمائه الماكر المخادع المستهزئ الكائد فقد فاه بأمر عظيم تقشعر منه الجلود وتكاد الأسماع تصم عند سماعه وغر هذا الجاهل أنه سبحانه وتعالى أطلق على نفسه هذه الأفعال فاشتق له منها أسماء وأسماؤه كلها حسنى فأدخلها في الأسماء الحسنى وأدخلها وقرنها بالرحيم الودود الحكيم الكريم وهذا جهل عظيم فإن هذه الأفعال ليست ممدوحة مطلقا بل تمدح في موضع وتذم في موضع فلا يجوز إطلاق أفعالها على الله مطلقا فلا يقال: إنه تعالى يمكر ويخادع ويستهزئ ويكيد. فكذلك بطريق الأولى لا يشتق له منها أسماء يسمى بها بل إذا كان لم يأت في أسمائه الحسنى المريد ولا المتكلم ولا الفاعل ولا الصانع لأن مسمياتها تنقسم إلى ممدوح ومذموم وإنما يوصف بالأنواع المحمودة منها كالحليم والحكيم والعزيز والفعال لما يريد فكيف يكون منها الماكر المخادع المستهزئ ثم يلزم هذا الغالط أن يجعل من أسمائه الحسنى الداعي والآتي والجائي والذاهب والقادم والرائد والناسي والقاسم والساخط والغضبان واللاعن إلى أضعاف ذلك من الأسماء التي أطلق على نفسه أفعالها في القرآن وهذا لا يقوله مسلم ولا عاقل والمقصود أن الله سبحانه لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق وقد علم أن المجازاة على ذلك حسنة من المخلوق فكيف من الخالق سبحانه وهذا إذا نزلنا ذلك على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين وأنه سبحانه منزه عما يقدر عليه مما لا يليق بكماله ولكنه لا يفعله لقبحه وغناه عنه وإن نزلنا ذلك على نفي التحسين والتقبيح عقلا وأنه يجوز عليه كل ممكن ولا يكون قبيحا فلا يكون الاستهزاء والمكر والخداع منه قبيحا البتة فلا يمتنع وصفه به ابتداء لا على سبيل المقابلة على هذا التقرير وعلى التقديرين فإطلاق ذلك عليه سبحانه على حقيقته دون مجازه إذ الموجب للمجاز منتف على التقديرين فتأمله فإنه قاطع فهذا ما يتعلق بالأمر المعنوي. أما الأمر اللفظي فإطلاق هذه الألفاظ عليه سبحانه لا يتوقف على إطلاقها على المخلوق ليعلم أنها مجاز لتوقفها على المسمى الآخر كما قدمنا من قوله: وهو شديد المحال [الرعد: 13] وقوله: أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون [الأعراف: 99] فظهر أن هذا الفرق الذي اعتبروه فاسد لفظا ومعنى يوضحه:(1\/307)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "290",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12688",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "الألفاظ التي تستعمل في حق الخالق والمخلوق لها ثلاث اعتبارت",
        "content": "الوجه السادس والعشرون: أن هاهنا ألفاظا تطلق على الخالق والمخلوق أفعالها ومصادرها وأسماء الفاعلين والصفات المشتقة منها فإن كانت حقائقها ما يفهم من صفات المخلوقين وخصائصهم وذلك منتف في حق الله تعالى قطعا لزم أن تكون مجازا في حقه لا حقيقة فلا يوصف بشيء من صفات الكمال حقيقة وتكون أسماؤه الحسنى كلها مجازات فتكون حقيقة للمخلوق مجازا للخالق وهذا من أبطل الأقوال وأعظمها تعطيلا وقد التزمه معطلو الجهمية وعمومهم فلا يكون رب العالمين موجودا حقيقة ولا حيا حقيقة ولا مريدا حقيقة ولا قادرا حقيقة ولا ملكا حقيقة ولا ربا حقيقة وكفى أصحاب هذه المقالة بها كفرا فهذا القول لازم لكل من ادعى المجاز في شيء من أسماء الرب وأفعاله لزوما لا يحصى له عنه فإنه إنما فر إلى المجاز لظنه أن حقائق ذلك مما يختص بالمخلوقين ولا فرق بين صفة وصفة وفعل وفعل فإما أن يقول الجميع مجاز أو الجميع حقيقة. وأما التفريق بين البعض وجعله حقيقة وبين البعض وجعله مجازا فتحكم محض باطل فإن زعم هذا المتحكم أن ما جعله مجازا ما يفهم من خصائص المخلوقين وما جعله حقيقة ليس مفهومه مما يختص بالمخلوقين طولب بالتفريق بين النفي والإثبات وقيل له: بأي طريق اهتديت إلى هذا التفريق بالشرع أم العقل أم باللغة فأي شرع أو عقل أو لغة أو فطرة على أن الاستواء والوجه واليدين والفرح والضحك والغضب والنزول حقيقة فيما يفهم من خصائص المخلوقين والعلم والقدرة والسمع والبصر والإرادة حقيقة فيما لا يختص به المخلوق. فإن قال: أنا لا أفهم من الوجه واليدين والقدم إلا خصائص المخلوق وأفهم من السمع والبصر والعلم والقدرة ما لا يختص به المخلوق قيل له: فبم تنفصل عن شريكك في التعطيل إذا ادعى في السمع والبصر والعلم مثل ما ادعيته أنت في الاستواء والوجه واليدين ثم يقال لك: هل تفهم مما جعلته حقيقة خصائص المخلوق تارة وخصائص الخالق تارة أو القدر المشترك أو لا تفهم منها إلا خصائص الخالق. فإن قال بالأول كان مكابرا جاهلا وإن قال بالثاني قيل له: فهلا جعلت الباب كله بابا واحدا وفهمت ما جعلته مجازا خصائص المخلوق تارة والقدر المشترك تارة فظهر للعقل أنكم متناقضون يوضحه:  [الألفاظ التي تستعمل في حق الخالق والمخلوق لها ثلاث اعتبارت] الوجه السابع والعشرون: أن هذه الألفاظ التي تستعمل في حق الخالق والمخلوق(1\/308)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "291",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12689",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لها ثلاث اعتبارات أحدها: أن تكون مقيدة بالخالق كسمع الله وبصره ووجهه ويديه واستوائه ونزوله وعلمه وقدرته وحياته الثاني: أن تكون مقيدة بالمخلوق كيد الإنسان ووجهه ويديه واستوائه الثالث: أن تجرد عن كلا الإضافتين وتوجد مطلقة فإثباتكم لها حقيقة إما أن يكون بالاعتبار الأول أو الثاني أو الثالث إذ لا رابع هناك فإن جعلتم جهة كونها حقيقة تقيدها بالخالق لزم أن تكون في المخلوق مجازا وهذا مذهب قد صار إليه أبو العباس الناشي ووافقه عليه جماعة وإن جعلتم جهة كونها حقيقة تقيدها بالمخلوق لزم أن تكون في الخالق مجازا وهذا مذهب قد صار إليه إمام المعطلة جهم بن صفوان ودرج أصحابه على أثره وإن جعلتم جهة كونها حقيقة القدر المشترك ولم يدخل القدر المميز في موضعها لزم أن يكون حقيقة في الخالق وهذا قول عامة العقلاء وهو الصواب وإن فرقتم بين بعض الألفاظ وبعض وقعتم في التناقض والتحكم المحض يوضحه: الوجه الثامن والعشرون: أن خصائص الإضافات لا تخرج اللفظ عن حقيقته وتوجب جعله مجازا عند إضافته إلى محل الحقيقة وهذا من مثار أغلاط القوم مثاله لفظ الرأس فإنه يستعمل مضافا إلى الإنسان والطائر والسمك والماء والطريق والإسلام والمال وغير ذلك فإن قيد بمضاف إليه تعين ولم يتناول غير الأمور المضاف إليها بل هذا القيد غير هذا القيد ومجموع اللفظ الدال في هذا التقييد غير مجموع اللفظ الدال في هذا التقييد الآخر وإن اشتركا في جزء اللفظ كما اشتركت الأسماء المعرفة باللام فيها فلم تضع العرب لفظ الرأس لرأس الإنسان مثلا وحده ثم إنهم وضعوه لرأس الطائر والماء والمال وغيرها فهذا لا يمكن أحد أن يدعيه إلا أن يكون مباهتا وكذلك لفظ البطن والظهر والخطم والفم فإنه يقال: ظهر الإنسان وبطنه وظهر الأرض وبطنها وظهر الطريق وظهر الجبل وخطم الجبل وفم الوادي وبطن الوادي وذلك حقيقة في الكل فالظاهر لما ظهر فتبين والباطن لما بطن فخفي فالحسي للحسي والمعنوي للمعنوي ونسبة كل منهما إلى ما يضاف إليه كنسبة الآخر إلى ما يضاف إليه والعرب لم تضع فم الوادي وخطم الجبل وظهر الطريق لغير(1\/309)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "292",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12690",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مفهومه حتى يكون استعماله في ذلك استعمالا له في غير موضوعه ولم تتكلم بلفظ فم وظهر ورأس مفردا مجردا عن جميع الإضافات فتكون إضافته مجازا في جميع موادها ولم تضعه لمضاف إليه معين يكون حقيقة فيه ثم وضعته لغيره وضعا ثانيا فأين محل الحقيقة والمجاز من هذه الألفاظ المقيدة . الوجه التاسع والعشرون: أن من الأسماء ما تكلمت به العرب مفردا مجردا عن الإضافة وتكلمت به مقيدا بالإضافة كالإنسان مثلا والإبرة فإنهم يقولون: إنسان العين وإبرة الذراع وقد ادعى أرباب المجاز أن هذا مجاز وهنا لم يستعمل اللفظ المجرد في غير ما وضع له بل ركب مع لفظ آخر فهو وضع أولا بالإضافة ولو أنه استعمل مضافا في معنى ثم استعمل بتلك الإضافة بعينها في موضع آخر أمكن أن يكون مجازا بل إذا كان بعلبك وحضرموت ونحوهما من المركب تركيب مزج بعد أن كان أصله الإفراد وعدم الإضافة لا يقال فيه: إنه مجاز فما لم تنطق به إلا مضافا أولى أن لا يكون مجازا فتأمله. الوجه الثلاثون: أن مثبت المجاز والاستعارة قد ادعى أن المتكلم وضع هذه اللفظة في غير موضوعها ولا سيما الاستعارة فإن المستعير هو آخذ ما ليس له في الحقيقة فإذا قال: هذه اللفظة مجاز أو استعارة فقد ادعى أنها وضعت في غير موضوعها فيقال له: فهما أمران: مستعار ومستعار منه فلا تخلو الكلمة التي جعلت الأخرى مستعارة منها وهي أصلية غير مستعارة أن تكون قد جعلت كذلك لخاصة فيها اقتضت أن تكون هي الأصل المستعار منه أو تكون كذلك لأن لغة العرب جاءت بها وثبت استعمالهم لها. فإن قلتم: إنما كانت مستعارا منها وهي أصل لعلة أوجبت لها ذلك في نفس لفظها قيل لكم: ما هي تلك العلة وما حقيقتها ولن تجدوا إلى تصحيح ذلك سبيلا: فإن قلتم: إنما كانت مستعارا منها لأن العرب تكلمت بها واستعملتها في خطابها قيل لكم: فهذه العلة بعينها موجودة في الكلمة التي ادعيتم أنها مستعارة وأنها مجاز والعرب تكلمت بهذا وهذا فإما أن تكونا مستعارتين أو تكونا أصليتين وإما أن تجعل إحداهما أصلا للأخرى ومعيرة لها الاستعمال فهذه تحكم بارد. فإن قلتم: إنما جعلنا هذه أصلا لكثرتها في كلامهم وهذه مستعارة لقلتها في كلامهم قيل: هذا باطل من وجوه: أحدها: أن كثيرا من الحقائق نادرة الاستعمال في(1\/310)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "293",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12691",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كلامهم وهي الألفاظ الغريبة جدا التي لا يعرف معناها إلا الأفراد من أهل اللغة مع كونها حقائق. وثانيها: أن كثيرا من المجازات عندكم قد غلب على الحقيقة بحيث صارت مهجورة أو مغمورة ولم يدل على أن الغالب هو الحقيقة والمغلوب هو المجاز وثالثها: أن هذا لا يمكن ضبطه فإن الكثرة والغلبة أمر نسبي يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص ويكثر عند هؤلاء ما يقل بل يعدم عند غيرهم فما الذي تضبط به الكثرة الدالة على الحقيقة والقلة الدالة على المجاز ولن تجدوا لذلك ضابطا أصلا. الوجه الحادي والثلاثون: إن حكمكم على بعض الألفاظ أنه مستعمل في موضوعه وعلى بعضها أنه مستعمل في غير موضوعه تحكم بارد فإنا إنما نعلم أن هذا المفهوم موضوع اللفظ باستعماله فيه فإذا رأيناهم في نظمهم ونثرهم وقديم كلامهم وحديثه قد استعملوا هذا اللفظ في هذا المعنى وفي هذا المعنى كان دعوى أنه مستعمل في موضوعه في هذا دون الآخر دعوى باطلة متضمنة للتحكم والخرص والكذب. فإن قلتم: لما رأيناه إذا أطلق فهم منه معنى وإذا قيد يفهم منه معنى آخر علمنا أن موضوعه هو الذي يدل عليه إطلاقه. قيل لكم: هذا خطأ فإن اللفظ المفرد لا يفيد بإطلاقه وتجرده شيئا البتة فلا يكون كلاما ولا جزء كلام فضلا عن أن يكون حقيقة أو مجازا ومعلوم أن تركيبه التركيب الإسنادي تقييد له وإذا ركب فهم المراد منه بتركيبه فالذي يسمونه مجازا عند تركيبه لا يفهم منه غير معناه وذلك موضوعه في لغتهم فدعوى انتقاله عن موضوعه إلى موضوع آخر وهم إنما استعملوه هكذا دعوى باطلة ولنذكر لك مثالا. ففي الصحيح عن أنس رضي الله عنه قال: كان فزع بالمدينة فاستعار النبي صلى الله عليه وسلم فرسا لأبي طلحة يقال له: مندوب فركبه فقال: ما رأينا من فزع وإن وجدناه لبحرا  فادعى المدعي أن هذا مجاز وكان ظن أن العرب وضعت البحر لهذا الماء المستبحر ثم نقلته إلى الفرس لسعة جريه فشبهته به فأعطته اسمه وهذا إن كان محتملا فلا(1\/311)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "294",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12692",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يتعين ولا يصار إلى القبول به لمجرد الاحتمال فإنه من الممكن أن يكون البحر اسما لكل واسع فلما كان خطو الفرس واسعا سمي بحرا وقد تقيد الكلام بما عين مراد قائله بحيث لا يحتمل غيره فهذا التركيب والتقييد معين لمقصوده وأنه بحر في جريه لا أنه بحر ماء نقل إلى الفرس. يوضحه: أنهم قصدوا تسمية الخيل بذلك فقالوا للفرس: جواد وسابح وطرف ولو عري الكلام من سياق يوضح الحال لم يكن من كلامهم وكان فيه من الإلباس ما تأباه لغتهم. ألا ترى أنك لو قلت رأيت بحرا وأنت تريد الفرس أو رأيت أسدا وأنت تريد الرجل الشجاع لم يكن ذلك جاريا على طريق البيان فكان بالألغاز والتلبيس أشبه منه بالمائدة وهؤلاء المتكلفون والمتكلمون بلا علم يقدرون كلاما يحكمون عليه بحكم ثم ينقلون ذلك الحكم إلى الكلام المستعمل وهذا غلط فإن الكلام المستعمل لا بد أن يقترن به من البيان والسياق ما يدل على مراد المتكلم وذلك الكلام المقدر مجرد عن ذلك ولا ريب أن الكلام يلزم في تجرده لوازم لا تكون له عند اقترانه وكذلك بالعكس ونظير هذا اللغط أيضا أنهم يجردون اللفظ المفرد عن كل قيد ثم يحكمون عليه بحكم ثم ينقلون ذلك الحكم إليه عند تركيبه مع غيره فيقولون: الأسد من حيث يقطع النظر عن كل قرينة هو الحيوان المخصوص والبحر بقطع النظر عن كل تركيب هو الماء الكثير وهذا غلط فإن الأسد والبحر وغيرهما بالاعتبار المذكور ليس بكلام ولا جزء كلام ولا يفيد فائدة أصلا وهو صوت ينعق به ; يوضحه: الوجه الثاني والثلاثون: أنكم إما أن تعتبروا تحقيق الوضع الأول الذي يكون اللفظ بالخروج عنه مجازا أو تعتبروا تقديره فإن اشترطتم تحقيقه بطل التقسيم إلى الحقيقة والمجاز لأن الحكم المشروط بشرط لا يتحقق إلا عند تحقق شرطه ولا سبيل لبشر إلى العلم بتحقيق هذين الأمرين وهما الوضع الأول والنقل عنه وإن اعتبرتم تقديره وإمكانه فهو ممتنع أيضا إذ مجرد التقدير والاحتمال لا يوجب تقسيم الكلام إلى مستعمل في موضوعه الأول ومستعمل في موضوعه الثاني فهب أن هذا الحكم ممكن أفيجوز هذا الحكم والتقسيم بمجرد الاحتمال والإمكان يوضحه: الوجه الثالث والثلاثون: أن هذا التقسيم إما أن تخصوه بلغة العرب خاصة أو تدعوا عمومه لجميع لغات بني آدم فإن ادعيتم خصوصه بلغة بالعرب كان ذلك تحكما فاسدا فإن التشبيه والمبالغة والاستعارة التي هي جهات التجوز عندكم مستعملة(1\/312)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "295",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12693",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في سائر اللغات وإن كانت لغة العرب في ذلك أوسع وتصورهم المعاني أتم فإذا قلت: زيد أسد أمكن التعبير عن هذا المعنى بكل لغة وإن ادعيتم عموم ذلك لجميع اللغات فقد حكمتم على لغات الأمم على أن كلها أو أكثرها مجازات لا حقيقة لها وأنها قد نقلت عن موضوعاتها الأصلية إلى موضوعات غيرها وهذا أمر ينكره أهل كل لغة ولا يعرفونه بل يجزمون بأن لغاتهم باقية على موضوعاتهما لم تخرج عنها وأنهم نقلوا لغتهم عمن قبلهم ومن قبلهم كذلك على هذا الوضع لم ينقل إليهم أحد أن لغتهم كلها أو أكثرها خرجت عن موضوعاتها إلى غيرها. الوجه الرابع والثلاثون: أنه قد علم بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى متكلم حقيقة وأنه تكلم بالكتب التي أنزلها على رسله كالتوراة والإنجيل والقرآن وغيرها وكلامه لا ابتداء له ولا انتهاء فهذه الألفاظ التي تكلم الله بها وفهم عباده مراده منه لم يضعها سبحانه لمعان ثم نقلها عنها إلى غيرها ولا كان تكلمه سبحانه بتلك الألفاظ تابعا لأوضاع المخلوقين فكيف يتصور دعوى المجاز في كلامه سبحانه إلا على أصول الجهمية المعطلة الذين يقولون: كلامه مخلوق من جملة المخلوقات ولم يقم به سبحانه كلام وهؤلاء اتفق السلف والأئمة على تضليلهم وتكفيرهم. وأما من أقر أن الله تعالى تكلم بالقرآن والتوراة والإنجيل وغيرها حقيقة وأن موسى سمع كلامه منه إليه بلا واسطة وأنه يكلم عباده يوم القيامة ويكلم ملائكته فإنه لا يتصور على أصله دخول المجاز في كلامه ولو كان ثابتا ولا سيما على أصول من يجعل كلام الله معنى واحدا لا تعدد فيه وهذه العبارات دالة على ذلك المعنى فليس بعضها أسبق من بعض تلك المفهومات له بالوضع الأول وبعضها بالوضع الثاني وكذلك من يجعل الألفاظ الدالة على المعاني قديمة لا يسبق بعضها بعضا ; فكيف يعقل عند هؤلاء وضع أول يكون حقيقة ووضع ثان يكون مجازا ; وسنذكر إن شاء الله تعالى فساد دعواهم في الألفاظ والقرآن أنها مجاز لو كان مجاز حقا. فإن قيل: الرب سبحانه خاطبهم بما ألفوه من لغاتهم واعتادوا من التفاهم منها فلما كان من خطابهم فيما بينهم الحقيقة والمجاز جاء الله لهم بذلك ليحصل لهم الفهم والبيان قيل: خطاب الله تعالى سابق على مخاطبة بعضهم بعضا فهل كان في(1\/313)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "296",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12694",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "أن الله تعالى هو الذي علمهم البيان بألفاظهم عما في أنفسهم",
        "content": "كلامه سبحانه ألفاظ وضعت لمعان ثم نقلها سبحانه عنها إلى معان أخر فهل يتصور هذا القدر في كلامه وإن كان ذلك في مخاطبة بعضهم بعضا يوضحه:  [أن الله تعالى هو الذي علمهم البيان بألفاظهم عما في أنفسهم] الوجه الخامس والثلاثون: وهو أن الله هو الذي علمهم البيان بألفاظهم عما في أنفسهم فعلمهم المعاني وصورها في نفوسهم وعلمهم التعبير عنها بتلك الألفاظ. كما قال تعالى: الرحمن - علم القرآن - خلق الإنسان - علمه البيان [الرحمن: 1 - 4] فهو سبحانه علم الإنسان أن يبين عما في نفسه وأقدره على ذلك وجعل بيانه تابعا لتصوره واحتياجه إلى التعبير عما في نفسه وذلك من لوازم نشأته وتمام مصلحته والمعاني التي يدعى أن اللفظ حقيقة فيها أو يكون معها وحاجتهم إلى التعبير عن الجميع سواء فكيف يدعى أن اللفظ وضع لبعضها دون بعض مع شدة الحاجة إلى التعبير عن الجميع ; هذا ما يأباه العقل والعادة ولا سيما على قول الغلاة الذين يدعون أن أكثر اللغة مجاز وأن الأفعال كلها مجاز فهل كانت الطبيعة والاستعمال والألسن معطلة عن استعمال تلك المجازات حتى أحدث لها وضع ثان ولا ريب أن الذين قسموا الكلام إلى حقيقة ومجاز لم يتصوروا لوازم قولهم ولو تصوروه حق التصور لما تكلموا به. الوجه السادس والثلاثون: مما يبين بطلان هذا التقسيم أن أصحابه متنازعون في أشهر الكلام وأظهره استعمالا نزاعا كثيرا لا يمكن معه الحكم لطائفة على طائفة فلو كان الفرق الذي ادعيتموه ثابتا في نفس الأمر أمكن الحكم بينكم. مثال ذلك أن العام المخصوص إما أن يقال: كله حقيقة وإما أن يقال: كله مجاز وإما أن يقال: بعضه حقيقة وبعضه مجاز سواء قيل إن التخصيص المفصل حقيقة والمنفصل مجاز والباقي حقيقة أو قيل: الاستثناء وحده حقيقة دون سائر المنفصلات فأي قول من هذه الأقوال قبل على تقدير التقسيم إلى الحقيقة والمجاز فهو باطل إلا قول من جعل الجميع حقيقة فيلزم بطلان التقسيم على التقديرين. بيان ذلك أن الذين قالوا: العام المخصوص كله حقيقة وهم أكثر العلماء من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم بل أكثرهم أصحاب مالك والشافعي وأحمد ولم يذكروا في ذلك نزاعا واحتجوا بحجج تستلزم نفي المجاز. قال الشيخ أبو إسحاق الإسفرائيني: (مسألة) في العموم إذا خص هل يكون حقيقة في الباقي أو مجازا فاختلف الناس في ذلك فذهبت طائفة إلى أنه يكون حقيقة فيما(1\/314)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "297",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12695",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بقي سواء خص بدليل متصل كالاستثناء أو بدليل منفصل كدليل العقل والقياس وغير ذلك قال: وهذا مذهب الشافعي وأصحابه وهو قول مالك وجماعة من أصحاب أبي حنيفة قال: وذهبت طائفة إلى أنه يكون مجازا في الثاني سواء خص بدليل متصل أو منفصل وهذا مذهب المعتزلة بأسرها وهو قول عيسى بن أبان وأكثر أصحاب أبي حنيفة وحكى بعض الأشعرية أنه مذهب الأشعري أيضا وذهبت طائفة إلى أنه إن خص بدليل متصل كان حقيقة في الباقي وإن خص بدليل منفصل كان مجازا ذهب إلى هذا الكرخي وبعض أصحاب أبي حنيفة. قال: وفائدة الخلاف في هذه المسألة أن يقول: إن ذلك حقيقة في الثاني يحتج بلفظ العموم فيما يخص منه بمجرده من غير دليل عليه ومن يقول: إنه يكون مجازا لا يمكنه الاحتجاج بالعموم المخصوص فيما بقي إلا بدليل يدل على أنه محمول على ذلك قال: وهذا الذي حكي عن الأشعري لا يجيء على قوله من وجهين: أحدهما: أن اللفظ المشترك عنده بين العموم والخصوص إذا دل الدليل على العموم كان حقيقة فيه وإذا دل الدليل على الخصوص وكان حقيقة فكيف يصح على قوله أن يقال: إنه لا حقيقة فيما بقي بعد التخصيص. والثاني: أنه يقول: إن اللفظ المستعمل فيما بقي يحتج فيه بمجرده من غير دلالة وهذا معنى قولنا: إنه حقيقة في الثاني فإذا سلم هذا لم يكن تحت قولنا إنه مجاز فيما بقي معنى فإن من قال: إن ذلك يكون مجازا فيما بقي استدل بنكتة واحدة وهي أن لفظ العموم موضوع للاستغراق بتجريده فإذا دل الدليل على تخصيصه فإنه يحمل على الخصوص ويعدل بعده عن موضوعه بالقرينة التي دلت على خصوصية اللفظ وإذا عدل به عن موضوعه إلى غيره كان استعماله فيه مجازا لا حقيقة. ألا ترى أن اسم الأسد موضوع في الحقيقة للبهيمة وإذا استعمل بقرينة في الرجل الشجاع كان مجازا وكذلك الحمار اسم في الحقيقة للبهيمة وإذا استعمل بقرينة في الرجل البليد كان مجازا وكذلك لفظ العموم إذا استعمل في الخصوص بقرينة كان مجازا قال: ودليلنا أن لفظ العموم إذا ورد مطلقا فإنه يقتضي استغراق الجنس فإذا ورد دليل التخصيص فإن ذلك الدليل يبين ما ليس بمراد باللفظ ويخرجه عنه ليكون هذا الدليل قد أثر فيما يخرجه عنه ويبين أنه ليس بمراد به يؤثر فيما بقي بل يكون ما بقي الحكم ثابتا فيه باللفظ حسب والذي يدل على هذا أن الدليل التخصيص مناف لحكم ما بقي من اللفظ مضاد له فلا يجوز أن يؤثر فيه يثبت(1\/315)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "298",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12696",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحكم مع مضادته له ومنافاته فإنما يؤثر في إسقاط الحكم عما أخرجه وخصه إذا كان كذلك كان الحكم ثابتا فيما لم يدخله التخصيص بنفس اللفظ من غير قرينة وكان حقيقة فيه لا مجازا فيصير لأهل الحرب عندنا اسمان كل واحد منهما حقيقة فيهم أحدهما حقيقة فيهم بمجرده وهو قوله: اقتلوا أهل الحرب والآخر حقيقة فيهم عند وجود قرينة وهو أن يقولوا: اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة وليس يمتنع مثل هذا. ألا ترى إذا قال: أعطوا فلانا ثوبا أصفر كان ذلك حقيقة في الثوب الأصفر بهذا اللفظ فإذا قال: أعطه ثوبا ولا تعطه غير الأصفر كان ذلك حقيقة فيه عند وجود القرينة فكذلك هذا مثله ويخالف هذا إذا استعمل اسم الحمار في الرجل البليد واسم الأسد في الرجل الشجاع لأن ذلك اللفظ يحمل عليه بالقرينة الدالة عليه لا بمجرد اللفظ فإن القرينة تدل على المراد باللفظ وهي مماثلة له في الحكم فهي دالة على ما أريد به فكان اللفظ مستعملا بالقرينة فكان مجازا وليس كذلك استعمال لفظ العموم في الخصوص فإن ما بينت المراد باللفظ وإنما بينت ما ليس بمراد فكان استعمال اللفظ في المراد بنفسه لا بالقرينة فإنه لا يجوز أن يكون مستعملا بالقرينة مضادة له فكان ذلك حقيقة فيما استعمل فيه لا مجازا. قال: ودلالة على من ساوى بين القرينة المتصلة والمنفصلة يعني فجعل الجميع مجازا وهو أنا نقول: لا فرق عند أهل اللغة بين قول القائل: لفلان خمسة دراهم وبين قوله عشرة إلا خمسة في أن كل واحد من اللفظين يعبر به عن الخمسة ويدل عليها فلما كان لفظ الخمسة فيها كذلك قالوا عشرة إلا خمسة يجب أن يكون حقيقة فيها وهكذا يجب حكم كل دليل على تخصيص اللفظ بما يتصل به فأما من فرق بين الدليل المتصل والمنفصل فإنه فصل بين الموضوعين بأن قال: الكلام إذا اتصل بعضه ببعض بني بعضه على بعض فكان ذلك حقيقة فيما بقي وإذا انفصل بعضه عن بعض لم يبين فكان مجازا فيه قال: وهذا غلط لأنه فرق بين القرينة المتصلة والمنفصلة في أن اللفظ مبني عليها ودلالة على ما ليس بمراد منه وما بقي يكون ثابتا فيها باللفظ لا بقرينة فيجب أن لا يفترق حالهما بوجه وقد وافق أبا حامد على ذلك أئمة أصحاب الشافعي كالقاضي أبي الطيب الطبري وأبي إسحاق الشيرازي وأبي نصر بن الصباغ قال أبو الطيب: فصل: وإذا خص من العموم شيء لم تبطل دلالته في الثاني وقال عيسى بن(1\/316)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "299",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12697",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبان: يصير مجازا وتبطل دلالته واحتج من نصر قوله بأن اللفظ صار مستعملا في غير ما وضع له فاحتاج إلى دليل يدل على المراد به فإن لفظه لا يدل عليه وصار بمنزلة المجمل الذي لا يدل على المراد بلفظه ويحتاج إلى قرينة تفسره وتدل على المراد به قال: وهذا عندنا غير صحيح لأن فاطمة احتجت بقوله تعالى: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين [النساء: 11] فلم ينكر أحد احتجاجها بهذه الآية وإن كان قد خص منها الولد القاتل والرقيق والكافر وإنما خصوا ميراث رسول صلى الله عليه وسلم بسنة خاصة فدل هذا على أن تخصيص العموم لا يمنع من الاحتجاج به فيما لم يختص منه. قال: وأيضا فإن دلالة اللفظ سقطت فيما عارضه الخاص لأنه أقوى منه وفيما عداه باقية لأنه لا معارض له فجاز الاحتجاج به فيما لم يخص منه. فإن قال: هذا منتقض على أصلك بالعلة إذا خصت فإنه لا يجوز الاحتجاج بها فيما لم يخص منها فالجواب: أن العلة إذا خصت كانت منتقضة فلم تكن علة لذلك الحكم وليس كذلك العموم فإنه إذا خص منه شيئا كانت دلالته باقية فيما لم يخص منه لأنه إنما كان دليلا في جميع ما تناوله من الجنس لكونه قولا لصاحب الشريعة لا معارض له وهذا المعنى يوجد فيما لم يخص منه لأن التخصيص يحصل بافتراض الشرط أو الصفة أو الغاية ولا يمنع الاحتجاج به فكذلك التخصيص باللفظ المنفصل. قال: وأما الجواب عن قول المخالف: إنه مستعمل في غير ما وضع له وأنه غير دال على المراد به ويحتاج إلى قرينة فلا نسلم أنه غير مستعمل في غير ما وضع له لأن هذا اللفظ موضوع للعموم بمجرده وللخصوص بقرينة وهذا غير ممتنع في اللغة لأنا أجمعنا على أنه موضوع بمجرده للعموم والخصوص بقرينة متصلة به مثل الاستثناء فإن قوله: اقتلوا المشركين إلا أهل الكتاب ليس مجازا وهو مستعمل فيما وضع له والقرينة المنفصلة في معنى القرينة المتصلة والخاص مع العام بمنزلة الاستثناء مع المستثنى منه وكذلك قول القائل: خرج زيد يكون إخبارا عن خروجه وتضم إليه لفظة ما فيكون إخبارا عن ضده وتضيف إليه الهمزة فيكون استفهاما وكل ذلك حقيقة فكذلك في مسألتنا قال: هذا يؤدي إلى ألا يكون في اللغة مجاز إذ(1\/317)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "300",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12698",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قولنا: بحر موضوع للماء الكثير بمجرده وللعالم أو الجواد بقرينة والأسد موضوع للبهيمة بمجرده والرجل الشديد بقرينة والحمار للبهيمة وللرجل البليد بقرينة وإذا كان كذلك بطل هذا الجواب. قيل: لو لزمني هذا في التخصيص لزمه في الاستثناء فإن المخالف يقول في الاستثناء مثل ما نقول نحن في التخصيص ولا فرق بينهما. وجواب آخر: وهو أن هذه المواضع إثباتها مجازا إما بالتوقف من جهة أهل اللغة وليس في تخصيص العموم أنه مجاز توقيف فلم يجعله مجازا إلا ظاهر استعمال الحقيقة وجواب آخر: وهو أن هذا كلام في العبارة لا يجدي شيئا وإنما المقصود هل يبطل التخصيص دلالة اللفظ ويمنع الاحتجاج به أم لا وعند المخالف تبطل دلالة اللفظ ويمنع الاحتجاج به وهذا ظاهر الفساد. وقوله: إن اللفظ لا ينبئ عن المراد وهو بمنزلة المجمل خطأ لأن المجمل غير دال بلفظه على شيء والعموم دال على ما تناوله وإنما أخرج بعضه بدليل أقوى منه وبقي الباقي على موجب اللفظ وبيانه وقال الشيخ أبو إسحاق في اللمع: فصل: وإذا خص من العموم شيء لم يصر اللفظ مجازا فيما بقي وقالت المعتزلة: يصير مجازا وكذلك الشيخ أبو نصر بن الصباغ صرح بذلك في كتاب العمدة في أصول الفقه ولا نزاع بين المتقدمين من أصحاب الشافعي وأحمد أن العام المخصوص حقيقة وكذلك أصحاب مالك وإن كان بين المتأخرين منهم نزاع في ذلك كما لا نزاع بين الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة أنه حجة ومن نقل عن أحد منهم أنه لا يحتج بالعام المخصوص فهو غلط أقبح غلط وأفحشه وإذا لم يحتج بالعام المخصوص ذهبت أكثر الشريعة وبطلت أعظم أصول الفقه. وهاهنا مسألتان: إحداهما: أنه هل يصير مجازا بعد التخصيص أم هو حقيقة والثانية: هل يحتج به بعد التخصيص أم لا وبعض المصنفين الغالطين يجعلها واحدة ويبني إحداهما على الأخرى فنقول: إذا بقي مجازا صار مجملا فلا يحتج به وهذا غلط يتركب منه أن العام المخصوص بالاستثناء والشرط والغاية والصفة وبدل البعض من الكل لا يحتج به عند من يجعل ذلك مجازا ومن نسب إلى الأئمة هذا وهذا فقد كذب عليهم ويلزم هؤلاء أن يكون أفضل الكلام وأعلاه الذي لا يدخل في الإسلام إلا به وهو كلمة لا إله إلا الله مجازا وأن يكون: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا [آل عمران: 97](1\/318)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "301",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12699",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مجازا وأن يكون قوله: ياأيها الناس اعبدوا ربكم [البقرة: 21] مجازا وأن يكون قوله: ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله [الجمعة: 9] مجازا وفساد هذا معلوم بالضرورة لغة وشرعا وعقلا وقبح الله قولا يتضمن أن يكون: لا إله إلا الله مجازا فلا كان المجاز ولا يكون ولا هو كائن. وسيأتي بيان أن أرباب المجاز يلزمهم أن يكون قولنا: محمد رسول الله مجازا بل ذلك صريح قولهم فإنهم صرحوا أن الإضافة تقييد وأصابوا في ذلك وصرحوا بأن اللفظ وضع مطلقا لا مقيدا فاستعماله في المقيد استعمال في غير ما وضع له كاستعمال العام في الخاص وذلك المجاز بعد التخصيص كهذا المجاز بعد التقييد فإن الإضافة تفيد المطلق كما أن الاستثناء والشرط والغاية والبدل والصفة تخص العموم وقد صرح ابن جني أن أكثر اللغة مجاز قال: وكذلك عامة الأفعال كقام وقعد وانطلق وجاء قال: لأن الفعل يستفاد منه الجنس ومعلوم أن الفاعل لم يكن منه جميع القيام وسيأتي تمام كلامه والبيان الواضح في فساده. والمقصود أن على هذا القول الفاسد يكون قوله تعالى: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق [التوبة: 33] وقوله: وأرسلناك للناس رسولا [النساء: 79] وقوله: فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين [البقرة: 213] كل ذلك مجاز لا حقيقة له بل كل فعل أضافه الرب إلى نفسه وإلى خلقه مجاز لا حقيقة له على قول هذا المبتدع الضال فإن الفعل جنس والجنس يطلق على جميع الماضي وجميع الحاضر وجميع الأمور والكائنات عن كل من وجد منه القيام ومعلوم أنه لا يجتمع لإنسان واحد في وقت واحد ولا في مائة ألف سنة مضاعفة القيام كله بالداخل تحت الوهم هذا محال وإذا كان كذلك علمت أن قام زيد مجاز لا حقيقة. فانظر كيف أقر واستدل وقرر أن أفعال الله كلها مجاز فخلق السماوات والأرض عنده مجاز وقد صرح بأن المجاز يصح نفيه وأرسل رسوله بالهدى ودين الحق مجاز عنده فقبح الله هذا القول ولا بارك الله في أصل يتضمن هذا الكفر والجنون وقد صرح مغل الجهمية بأن خلق واستوى مجاز فلا خلق في الحقيقة ولا استوى على(1\/319)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "302",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12700",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عرشه فإن الخلق فعل فلا يصح قيامه به عندهم لأنه حادث فلم يقم به خلق البتة وإنما يقال: خلق على سبيل المجاز للتعلق العدمي بين المخلوق وبينه سبحانه. وابن جني وذووه لو اعترفوا بأن له سبحانه أفعالا حقيقة لكانت كلها مجازا عندهم لما قرره من دلالة الفعل على جميع الأفراد والجنس وأما أن يستحيوا من العقلاء ويقولوا: إن ذلك حقيقة فيلزمهم التناقض وهو أيسر الإلزامين فالأفعال دالة على المصادر المطلقة لا العامة فإذا التزم هؤلاء أنها مجازات لتقييدها بفاعليها كان ذلك كالتزام أولئك أن الألفاظ العامة إذا خصت صارت مجازات فكما لزم أولئك أن تكون لا إله إلا الله مجازا لزم هؤلاء أن يكون محمد رسول الله مجازا إذ تقييد هذا المطلق قد أخرجه عندهم عن موضوعه كما أن تخصيص ذلك العام قد أخرجه عند أولئك عن موضوعه والطائفتان مخطئتان أقبح خطأ فاللفظ لم يخرج عن موضوعه بالتخصيص ولا التقييد ويزيده إيضاحا: الوجه السابع والثلاثون: أن اللفظ لو كان يخرج بالتخصيص والتقييد عن موضوعه لكان عدة موضوعات بحسب تعدد قيوده فإما أن يدعى أنه مجاز في ذلك كله أو حقيقة في الجميع أو يفرق بين بعض المحال وبعض فالأول والثالث باطلان فيتعين الثاني. مثال ذلك في الأفعال أنهم يقولون: قام فيفيد إثبات القيام ويقولون: ما قام فيفيد انتفاء القيام ويقولون: أقام فيفيد معنى آخر وهو الاستفهام عن وجود القيام ويقولون: متى قام فيفيد السؤال عن زمن قيامه ويقولون: أين قام فيفيد السؤال عن مكان قيامه ويقولون: يقوم فيفيد عن معنى قام ويقولون: قم فيفيد عن المعنيين. وقد اختلفت دلالة اللفظ باختلاف هذه القيود وهي حقيقة في الجميع وكذلك إذا قلت: المسلمون كلهم في الجنة كان حقيقة وإذا قلت: الناس كلهم في النار إلا المسلمين كان حقيقة وإذا قلت: أعتق رقبة كان حقيقة وإذا قلت: مؤمنة كان حقيقة وكذلك إن زدت في تقييدها: بالغة عاقلة عربية ناطقة ونحو ذلك نقضت دلالة اللفظ المطلق ولم يخرج عن حقيقته ومن زعم أنه قد خرج عن حقيقته وموضوعه فقد أخطأ فهكذا إذا قلت: ركبنا البحر فهاج بنا كان حقيقة فإذا قلت: أتينا البحر فاقتبسنا منه علما كان حقيقة وكذلك إذا قلت: خرجنا في السفر فعرض لنا الأسد فقطع علينا الطريق كان كلاما بينا بنفسه في المراد منه فإذا قلت: نزلنا على(1\/320)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "303",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12701",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "اللغة كلها حقيقة أو كلها مجاز",
        "content": "الأسد فحمانا وأقرأنا كان بينا بنفسه وكان حقيقة وهو موضوع لكلا المعنيين مستعمل في موضوعه كالمطلق والمقيد وسواء فأي فرق بين ذلك حتى يدعى المجاز في بعض الاستعمالات والحقيقة في بعضها. ولهذا لما تفطن لهذا من تفطن له من الأذكياء صاروا فريقين: فرقة أنكرت المجاز بالكلية وفرقة ادعت أن اللغة كلها إلا النادر منها مجاز فإنهم رأوا فساد تلك الفروق وتناقضها فلم يرضوا لأنفسهم بالتناقض والتحكم البارد يوضحه:  [اللغة كلها حقيقة أو كلها مجاز] الوجه الثامن والثلاثون: أنه إن كان في اللغة مجاز على الوجه الذي يذكرونه لزم أن يكون كلها مجازا وإن كانت مشتملة على الحقيقة فكلها حقيقة. بيان ذلك أن المفردات ثلاثة أنواع: أسماء وأفعال وحروف وهي روابط بين الأسماء والأفعال وهذه الروابط دلالتها على معناها الإفرادي مشروط بذكر متعلقها وهو القرينة المبينة لمعناها فدلالتها الموقوفة على القرينة لا تدل بمطلقها وذلك أمارة المجاز عندهم بل هذا أبلغ في ثبوت المجاز حيث كانت القرينة شرطا في إفادته فهم بين أمرين: إما أن يدعوا أن الحروف كلها مجاز فهذا غلط لو كان المجاز ثابتا فإنها لم يسبق لها موضوع غير موضوعها الذي هي مستعملة فيه بل استعمالها في موضوعاتها. وإما أن يقول: إن توقف فهم معناها على القرينة لا يوجب لها أن تكون مجازا فيقال لهم: وهكذا الأسماء والأفعال التي لها دلالة عند الاقتران ودلالة عند التجرد لا يؤدي توقف فهم معناها عند الاقتران على القرينة أن تكون مجازا وهل الفرق إلا محض . فإن قلتم: الأسماء والأفعال لها دلالتان: دلالة عند التجرد ودلالة عند الاقتران فأمكن أن يكون لها جهتان وأما الحروف فلا تدل إلا مع الاقتران فليس لها جهة حقيقة ومجاز قيل لكم: دلالة الأسماء والأفعال عند التجرد عن كل قيد كدلالة الحروف سواء لا فرق بينهما لغة ولا عقلا فإن قولك: رجل وماء وتراب كقولك: في وعلى وثم وقام وقعد وضرب فالجميع أصوات ينعق بها لا تفيد شيئا وشرط إفادتها تركيبها فكما أن شرط إفادة الحرف تركيبه مع غيره فشرط إفادة الاسم والفعل تركيبهما. فإن قلت: أنا أفهم من رجل وماء وتراب مسمى هذه الألفاظ بمجرد ذكرها قيل: فإنه يفهم من قولك: في وعلى وثم مسمى تلك الحروف بمجرد ذكرها وهي الظرفية والاستعلاء والترتيب والتراخي.(1\/321)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "304",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12702",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قلت: لا يعقل معنى الظرفية إلا بالمظروف والظرف ولا معنى الاستعلاء إلا بالمستعلي والمستعلى عليه ولا معنى الترتيب إلا بالمرتب والمرتب عليه وهذه هي متعلقات الحروف قيل: لا فرق بينهما فإنه يفهم من (في) ظرفية مطلقة ومن (على) استعلاء مطلق ومن (ثم) ترتيب مطلق كما يفهم من رجل وماء وتراب معان مطلقة وهي صور ذهنية مجردة لا يقارنها علم بوجودها في الخارج ولا عدمها ولا وجود شيء لها ولا سلب شيء عنها بل هي تخيلات ساذجة وفهم معانيها المخصوصة المفيدة متوقف على ترتيبها. فإذا قلت: جاءني رجل فأكرمته كانت دلالته على المعنى المقيد كدلالة الحرف على معناه المقيد عند تركيبه كقولك: علمت على السطح وتقول (على) للاستعلاء و (في) للوعاء فتفيد الحكم على معناها المطلق كما تقول: الذكر أشرف من الأنثى والرجل أنفع من المرأة فيفيد الحكم على المعنى المطلق. فهاهنا ثلاثة أمور وهي معتبرة في الحروف وتسميتها فإنك تقول (على) مجردة وتقول (على) للاستعلاء وتقول: زيد على السطح كما تقول: رجل والرجل خير من المرأة فدعوى المجاز في بعض ذلك دون بعض تحكم لا وجه له. ودلالة الاسم والفعل على المعنى المطبق من غير تقييد إن كانت هي حقيقة اللفظ كان كل مقيد مجازا وإن كانت دلالتها عند التقييد لم توجب لهما مفارقة الحقيقة فكل مقيد حقيقة ألا ترى أنك تقول: عندي رجل فيكون له دلالة فإذا قلت: الرجل عندي تغيرت دلالته وانتقلت من التنكير إلى التعريف فإذا قلت: عندي رجل عالم تقيد بقيد منع دلالته على غيره فإذا قلت: عندي رجلان كان له دلالة أخرى فإذا قلت: رجال تغيرت الدلالة ولم يخرج بذلك عن حقيقته وموضوعه بل اختلفت دلالته بحسب القرائن التي تكون في أوله تارة وفي أوسطه تارة وفي آخره تارة وهي متصلة به وتكون منفصلة عنه تارة إما لفظية وإما عرفية وإما عقلية فهذا أمر معلوم عند الناس في مخاطبات بعضهم مع بعض وهو من ضرورة الفهم والتفهيم لا يختص بلغة دون لغة. . فالفرق بين المعاني المطلقة والمقيدة أمر ضروري والحاجة في التمييز بينهما في العبارة من لوازم النطق فمن ادعى أن بعضها هو الأصل وأن اللفظ وضع له أولا ثم نقل عنه بعد ذلك إلى المعاني الأخر فهو مكابر إذ تصور تلك المعاني والتعبير(1\/322)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "305",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12703",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنها أمر لازم للناطق ونطقه بل نقول: إن لزوم المقيد له وحاجته إلى التعبير عنه وإفهامه فوق حاجته إلى المطلق فإن القصد من الخطاب قيام مصالح النوع الإنساني بالفهم والتفهيم والمطلق صورة ذهنية لا وجود لها في الخارج وكذلك اللفظ المطلق المجرد لا يفيد فائدة وإنما محل الإفادة والاستفادة هو طلب المعاني المقيدة والألفاظ المقيدة فهي التي تشتد الحاجة إلى طلبها والخبر عنها فهؤلاء عكسوا الأمر فجعلوا ما لا غنى للناطق عنه مجازا وما لا يحتاج إليه ولا تشتد حاجته إلى فهمه وتفهيمه حقيقة. والمقصود أنه إن كان المجاز حقا ثابتا فاللغة كلها مجاز فإن الألفاظ لا تستعمل إلا مقيدة تخالف دلالتها عند الإطلاق وإن كانت الحقيقة موجودة فإن اللغة كلها حقيقة ما دلت على المراد بتركيبها وهذا شأن جميع الألفاظ: يوضحه: الوجه التاسع والثلاثون: أن هؤلاء أوتوا من تقدير في الذهن لا حقيقة له فإنهم أصابهم في تجريد الألفاظ عن قيودها وتركيبها ثم الحكم عليها مجردة بحكم وعليها عند تقييدها بحكم غيره ما أصاب المنطقيين ومن سلك سبيلهم من الملاحدة في تجريد المعاني وأخذها مطلقة عن كل قيد ثم حكموا عليها في تلك الحال بأحكام ورأوا وجودها الخارجي مع قيودها يستلزم ضد تلك الأحكام فبقوا حائرين بين إنكار الوجود الخارجي وبين إبطال تلك الحقائق التي اعتبروها مجردة مطلقة فصاروا تارة يثبتون تلك المجردات في الخارج مجردة مطلقة ويسمونها المثل أي المثالات التي تشبه الحقائق الخارجية وتارة يثبتونها مقارنة للمشخصات لا تفارقها وتارة يجعلونها جزءا من المعينات وتارة يرجعون إلى حكم العقل ويقولون: إن وجودها ذهني لا وجود لها في الخارج ولا يوجد في الخارج إلا مشخص معين مختص بأحكام ولوازم لا تكون المطلوب. وهؤلاء الذين جردوا الحقائق عن قيودها وأخذوها مطلقة أخرجوا عن مسمياتها وماهياتها جميع القيود الحرجة فلم يجعلوها داخلة في حقيقتها فأثبتوا إنسانا لا طويلا ولا قصيرا ولا أسود ولا أبيض ولا في زمان ولا مكان ولا ساكنا ولا متحركا ولا هو في العالم ولا خارجه ولا له لحم ولا عظم ولا عصب ولا ظفر ولا له شخص ولا ظل ولا يوصف بصفة ولا يتقيد بقيد ثم رأوا الإنسان الخارجي بخلاف ذلك كله فقالوا: هذه عوارض خارجة عن حقيقته وجعلوا حقيقة تلك الصورة الخيالية التي جردوها فهي المعنى والحقيقة عند هؤلاء الذين اعتبروها(1\/323)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "306",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12704",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "أنواع القرائن",
        "content": "مجردة عن سائر القيود وجعلهم تلك الأمور التي لا تكون إنسانا في الخارج لأنها خارجة عن حقيقته كجعل هؤلاء القيود التي لا يكون اللفظ مفيدا إلا بها مقتضية لمجازه. فتأمل هذا التشابه والتناسب بين الفريقين هؤلاء في تجريد المعاني وهؤلاء في تجريد الألفاظ وتأمل ما دخل على هؤلاء من الفساد في اللفظ والمعنى وبسبب هذا الغلط دخل من الفساد في العلوم ما لا يعلمه إلا الله تعالى.  [أنواع القرائن] الوجه الأربعون: أن اللفظ لا بد أن يقترن به ما يدل على المراد به والقرائن ضربان: لفظية ومعنوية واللفظية نوعان: متصلة ومنفصلة والمتصلة ضربان: مستقلة وغير مستقلة والمعنوية إما عقلية وإما عرفية والعرفية إما عامة وإما خاصة وتارة يكون عرف المتكلم وعادته وتارة عرف المخاطب وعادته فما الذي تعتبرون في المجاز من تلك القرائن هل هو الجميع فكل ما اقترن به شيء من ذلك كان مجازا فجميع لغات بني آدم مجاز أو اللفظية دون المعنوية أو العكس أو بعض اللفظ دون بعض فلا يذكرون نوعا من ذلك إلا طولبوا بالفرق بينه وبين بقية الأنواع لغة أو عقلا أو شرعا وكانوا في ذلك متحكمين مفرقين بين ما لا يسوغ التفريق بينه. الوجه الحادي والأربعون: أن جمهور الأمة على أن العام المخصوص حقيقة سواء خص بمتصل أو منفصل بعقلي أو لفظي كما تقدم وأنه حجة بإجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم وإنما حدث الخلاف في ذلك بعد انقراض العصور المفضلة التي شهد لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها خير القرون وقالوا: إنه يصير بعد التخصيص مجازا وقال بعضهم يبقى مجملا لا يحتج به فقال لهم الجمهور: هو بعد التخصيص مستعمل فيما وضع له قالوا: فإنه موضوع للعموم بمجرده وللخصوص بقرينة متصلة به مثل الاستثناء فإن قوله: اقتلوا المشركين إلا أهل الكتاب ليس مجازا وهو مستعمل فيما وضع له والقرينة المنفصلة في معنى القرينة المتصلة والخاص مع العام بمنزلة المستثنى مع المستثنى منه ولذلك يقول القائل: خرج زيد فيكون إخبارا عن خروجه ويضم إليه quot; ما quot; فيكون إخبارا عن ضده وتضيف إليه الهمزة فيكون استفهاما وكل ذلك حقيقة فكذلك في مسألتنا. هذه ألفاظ القاضي أبي الطيب فتأمل كيف هي صريحة في نفي المجاز وأن اللفظ موضوع لمطلق المعنى وبالقرينة لغيره وأن ذلك كله حقيقة وهذا هو التحقيق(1\/324)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "307",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12705",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دون التحكم والتناقض ولهذا لما فهم القائلون بأنه يصير مجازا بعد التحقيق عن ذلك ألزموا الجمهور بنفي المجاز فقالوا: هذا يودي إلى أن يكون في اللغة مجاز قالوا: لأن قولنا (بحر) موضوع للماء الكثير بمجرده والعالم والجواد بقرينة والأسد موضوع للحيوان المفترس بمجرده وللرجل الشجاع بقرينة وإذا كان كذلك ارتفع المجاز في اللغة وهذا سؤال صحيح ولهذا لم يجبهم عنه منازعون إلا بأنه مشترك الإلزام فقالوا في جوابهم: إن هذا لزمنا في التخصيص لزمكم في الاستثناء فإنكم تقولون في الاستثناء ما نقوله نحن في التخصيص. هذا لفظ جوابهم فقد اعترف الفريقان بأن القول بكون العام المخصوص حقيقة ينفي المجاز بالكلية ولم يكن عند القائلين جواب سوى أن هذا يلزمنا ويلزمكم جميعا فثبت باعتراف الفريقين لزوم نفي المجاز لكون العام المخصوص حقيقة وجمهور أهل الأرض على أنه حقيقة بل لا يعرف في ذلك خلاف متقدم البتة فإذا كان الحق أنه حقيقة ولزمه نفي المجاز ولازم الحق حق فنفي المجاز هو الحق فهذا تقرير نفي المجاز من نفس قولهم تقريرا لا حيلة لهم في دفعه. الوجه الثاني والأربعون: أن القائلين بالمجاز قالوا واللفظ لأبي الحسين يعرف المجاز بالاستدلال وذلك بأن يسبق إلى أذهان أهل اللغة عند سماع اللفظ من غير قرينة معنى من المعاني دون آخر فعلموا بذلك أنه حقيقة فيما سبق إلى الفهم لأنه لولا أنه قد اضطر السامع من قصد الواضعين إلى أنهم وضعوا اللفظ لذلك المعنى ما سبق إلى فهمه ذلك المعنى دون غيره. فهذا الكلام يتضمن أمرين: أحدهما: أن يكون السابق يسبق إلى أفهام أهل اللغة دون غيرهم فمن لم يكن من أهل اللغة العربية التي بها نزل القرآن لم يكن من أهل هذه اللغة كالنبط الذين أكثر عاداتهم استعمال كثير من الألفاظ في غير ما كانت العرب تستعمله فيها وحينئذ فلا عبرة بالسبق إلى أفهام النبط الذين ليسوا من هؤلاء العرب العرباء فأكثر القائلين بالمجاز أو كلهم ليسوا من أولئك العرب بل من النبط الذين لا يحتج بفهمهم باتفاق العقلاء وأما العرب الذين نزل القرآن بلسانهم ففهمهم هو الحجة. فقولكم أمارة الحقيقة السبق إلى الفهم أفهم هؤلاء تريدون أم فهم النبط . وإذا كانت العبرة بفهم العرب فالله يعلم وملائكته وكتبه ورسله والعقلاء أن أحدا(1\/325)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "308",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12706",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منهم لم يقل قط: إن هذا اللفظ مستعمل فيما وضع له وهذا غير مستعمل فيما وضع له ولا قال عربي واحد منهم: إن هذا حقيقة وهذا مجاز ولا قال أحد منهم: إن هذا المعنى هو السابق إلى الفهم من هذا اللفظ دون هذا المعنى بل هم متفقون من أولهم إلى آخرهم على أن كل لفظ معه قرينة يسبق إلى الفهم ما يدل عليه مع تلك القرينة وذلك بالاضطراب لهم لم يوقفهم عليه موقف بلى هو معهم من أصل النشأة وهم أكمل عقولا وأصح أذهانا أن يجردوا الألفاظ عن جميع القرائن وينعقوا بها كالأصوات الغفل التي لا تفيد شيئا. الأمر الثاني: قولكم أن يسبق إلى أفهام أهل اللغة عند سماع اللفظة من غير قرينة معنى فهذا نكرة في سياق النفي يعم كل قرينة وليس شيء من الكلام المؤلف المقيد يفيد بغير قرينة بل إما أن يكون مؤلفا من اسمين أو من اسم وفعل أو من اسم وحرف على رأي ولا بد أن تعرف عادة المتكلم في خطابه ولا بد من سياق يدل على المراد ولا بد من قيد يعين المراد فإن أردتم السبق إلى الفهم بدون كل قرينة فهذا غير موجود في الكلام المؤلف المنظوم يوضحه: الوجه الثالث والأربعون: أن القائلين بالمجاز قالوا: الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا والمجاز اللفظ المستعمل في غير ما وضع له أولا بقرينة ومنهم من قال: القرينة استعمال الحقيقة في موضوعه والمجاز استعماله في غير موضوعه. وعلى التقديرين فالاستعمال عندكم داخل في حد الحقيقة والمجاز إما بالتضمن على الرأي الأول وإما بالمطابقة على الرأي الثاني وإذا كان كذلك فاللفظ المجرد عن جميع القرائن لا يستعمله العقلاء لا من العرب ولا من غيرهم ولا يستعمل إلا مقيدا والاستعمال يقيده قطعا ولا يجتمع قولكم: إن الحقيقة اللفظ المستعمل فيما وضع له وقولكم: هي ما يسبق إلى الفهم من اللفظ عند تجرده عن كل قرينة فتأمله يوضحه: الوجه الرابع والأربعون: وهو مما يرفع المجاز بالكلية أنهم قالوا: إن من علامة الحقيقة السبق إلى الفهم وشرطوا في كونها حقيقة الاستعمال كما تقدم وعند الاستعمال لا يسبق إلى الفهم غير المعنى الذي استعمل اللفظ فيه فيجب أن يكون حقيقة فلا يسبق إلى فهم أحد من قول النبي صلى الله عليه وسلم في الفرس الذي ركبه: quot; إن وجدناه لبحرا quot; بالماء الكثير المستبحر فإن في quot; وجدناه quot; ضميرا يعود على الفرس(1\/326)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "309",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12707",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يمنع أن يراد به الماء الكثير ولا يسبق إلى فهم أحد من قوله صلى الله عليه وسلم quot; إن خالدا سيف سله الله على المشركين quot; أن خالدا حديدة طويلة لها شفرتان بل السابق إلى الأفهام من هذا التركيب نظير السابق من قولهم: quot; يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء quot; ونظير السابق إلى الفهم من قوله: إنه قال: لا إله إلا الله بعدما علوته بالسيف فكيف كان هذا حقيقة وذاك مجازا والسبق إلى الفهم في الموضعين واحد . وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حمزة quot; إنه أسد الله وأسد رسوله quot; وقول أبي بكر رضي الله عنه في أبي قتادة: لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه لم يسبق فهمه أنه الحيوان الذي يمشي على أربع بل يسبق من قوله أن ثلاثة حفروا زبية أسد فوقعوا فيها فقتلهم الأسد معناه. ولا يفهم أحد من قوله تعالى: فأذاقها الله لباس الجوع والخوف [النحل: 112] أن الجوع والخوف طعام يؤكل بالفهم بل هذا التركيب لهذا المفعول! مع هذا الفعل حقيقة في معناه كالتركيب في قوله: أطعمهم من جوع [قريش: 4] ونسبة هذا إلى معناه المراد به كنسبة الآخر إلى معناه وفهم أحد المعنيين من هذا العقد والتركيب كفهم المعنى الآخر والسبق كالسبق والتجريد عن كل قرينة ممتنع(1\/327)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "310",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12708",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك من سمع قوله: quot; الحجر الأسود يمين الله في الأرض quot; فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه لم يسبق إلى فهمه من هذا اللفظ غير معناه الذي سبق له وقصد به وأن تقبيل الحجر الأسود ومصافحته منزل منزلة تقبيل يمين الله ومصافحته فهذا حقيقة هذا اللفظ فإن المتبادر السابق إلى الفهم منه لا يفهم الناس منه غير ذلك ولا يفهم أحد منه أن الحجر الأسود هو صفة الله القديمة القائمة به فهذا لا يخطر ببال أحد عند سماع هذا اللفظ أصلا فدعوى أن هذا حقيقة وأنه خرج إلى مجازه بهذا التركيب خطأ ونكتة هذا الوجه أن المجرد لا يستعمل ولا يكون حقيقة ولا مجازا والمستعمل معه من القرائن ما يدل على المراد منه ويكون هو السابق إلى الفهم والمقدمتان لا ينكرهما المنازع ولا أحد من العقلاء وذلك مما رفع المجاز بالكلية. الوجه الخامس والأربعون: أن القائلين بالمجاز قد أبطل بعضهم ضوابط بعض قال أبو الحسين: وقد قيل: إن الشيء إذا سمي باسم ما هو جزاء عنه كان حقيقة كقوله تعالى: وجزاء سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40]  أو باسم ما يؤدي إليه كالنكاح أو باسم ما يشبهه كتسمية البليد حمارا قال أبو الحسين: ولقائل أن يقول: لا يمتنع أن يستعمل في الشيء فيما يشبهه وفيما هو جزاء عنه وفيما يؤدي إليه في أصل الوضع. قال شيخنا: قول هؤلاء باطل بل هو بالضد أحق فإن الشيء يسمى باسم ما هو جزاء عنه فيكون كقوله تعالى: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن: 60] وقوله صلى الله عليه وسلم quot; من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة quot;. قال تعالى: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها [النساء: 86] وقال تعالى: فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم [التوبة: 7] وقال تعالى: إن تنصروا الله ينصركم [محمد: 7](1\/328)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "311",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12709",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "تقسيم معاني الكلام إلى خبر وطلب واستفهام",
        "content": "ولينصرن الله من ينصره [الحج: 40] وكذلك سمي الشيء باسم ما يشبهه ويكون حقيقة بل عامة أسماء الحقائق وأسماء الأجناس معلقة على الشيء وعلى ما يشبهه فكون الشيء يشبه المعنى يقتضي كون اللفظ حقيقة فيهما متواطئا أو مشككا ولا يقتضي أن يكون مجازا في أحد المتشابهين كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى. وكذلك لفظ النكاح فلم يقع في القرآن إلا والمراد به العقد والوطء فيتناولها جميعا وأما اختصاصه بالوطء وحده فليس في القرآن ولا في موضع واحد لكن اللفظ العام لشيئين في النهي يتناول النهي عن كل منهما بخلاف الأمر فإنه يتناولهما جميعا فلا يكون ممتثلا للنهي حتى يتركهما جميعا ولا للأمر حتى يفعلهما جميعا فقوله تعالى: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء [النساء: 22] يقتضي المنع من نكاح من عقد عليها الآباء ولم يدخلوا بهن وتحريم من وطئهن الآباء ولم يعقدوا عليهن وقوله: فانكحوا ما طاب لكم من النساء [النساء: 3]  وأنكحوا الأيامى منكم [النور: 32]  فانكحوهن بإذن أهلهن [النساء: 25] ليس المراد به عقدا مجردا عن وطء ولا وطئا مجردا عن عقد بل هما جميعا وقد تقدم ذكر فروقهم وإبطالها وإنما أعدنا هذا الفرق لبيان أن القائلين بالمجاز قد أبطلوه وأنه باقتضاء ضد قولهم أولى.  [تقسيم معاني الكلام إلى خبر وطلب واستفهام] الوجه السادس والأربعون: أن معاني الكلام إما خبر وإما طلب وإما استفهام والطلب أمر ونهي وإنشاء وهذه حقائق ثابتة في أنفسها معقولة متميزة يميز العقل بينها ويحكم بصحة أقسامها وكذلك كان تقسيم الكلام إليها صحيحا لأنه لما صح تقسيم معناه صح تقسيم لفظه. فإذا قيل: الطلب ينقسم إلى أمر ونهي كان كل من المنقسمين متميزا بحقيقته عن الآخر لفظا ومعنى وهذا بخلاف تقسيم المعنى المدلول عليه إلى حقيقة ومجاز فإنه أمر لا يعقل ولا ينفصل فيه أحد القسمين عن الآخر فإن المعاني المتصورة إما أن تكون مفردة كتصور الماهيات تصورا ساذجا من غير أن يحكم عليها بنفي أو إثبات فهذه لا يتصور فيها التقسيم إلى حقيقة ومجاز فإنها مجرد صورة ذهنية تنتقش في النفس الناطقة وإما أن ينسب الذهن بعضها إلى بعض نسبة خبرية أو طلبية وهذه حقيقة الكلام المركب وهذه النسبة إما من باب العلوم إن كان خبرية وإما من باب(1\/329)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "312",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12710",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإرادات إن كانت طلبية والنسبة الخبرية إما صادقة إن طابقت متعلقها وإما كاذبة إن لم تطابقه والنسبة الطلبية إما إن يكون المطلوب بها معدوما فيطلب إيجاده وهو الأمر أو موجودا فيطلب إعدامه أو معدوما فيطلب إبقاؤه على العدم وكف النفس عنه وهو النهي وهذه المعاني لا يتصور انقسامها في أنفسها إلى حقيقة ومجاز انقساما معقولا فلا يصح انقسام اللفظ الدال عليها وهذا عكس انقسام اللفظ إلى خبر وطلب والطلب إلى أمر ونهي وإنشاء فإن صحة هذا التقسيم اللفظي تابع لصحة انقسام المدلول المعنوي وحينئذ فنقول في: الوجه السابع والأربعين: أنه لو صح تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز لكان ذلك إما باعتبار لفظه فقط أو باعتبار معناه فقط أو باعتبارهما معا فالتقسيم إما في الدليل وفي المدلول! وإما في الدلالة والكل باطل فالتقسيم باطل أما بطلانه باعتبار لفظه فقط فظاهر فإنه لم يقل عاقل: إن اللفظ بقطع النظر عن معناه ومدلوله ينقسم إلى حقيقة ومجاز وأما بطلانه باعتبار المعنى فقط فلما قررناه من المعاني لا يتصور فيها الحقيقة فإنها ثابتة وإما منتفية فإذا بطل التقسيم باعتبار كل من اللفظ والمعنى بطل باعتبارهما معا. فإن قيل: بل التقسيم باعتبار الدلالة فإنها إما حقيقة وإما مجازية. قيل: هذا أيضا لا يصح فإن الدلالة يراد بها أمران: أحدهما: فعل الدال وهو دلالته بلفظه يقال له دلالة والثاني: فهم السامع ذلك المعنى من اللفظ كما يقال: حصلت له الدلالة والأشهر أن الأول بكسر الدال والثاني بفتحها وعلى التقديرين فالمعنى المقصود من اللفظ هو حقيقة وإن اختلفت وجوه دلالته بحسب غموض المعنى وخفائه واقتدار المتكلم على البيان وعجزه ومعرفة السامع بلغته وعادة خطابه وتقصيره في ذلك. فإذا فهم السامع مقصود المتكلم فقد فهم حقيقة كلامه لهذا يقال علمت حقيقة مقصودي وفهمت حقيقة كلامي فإذا قال اقطع عني لسان فلان الشاعر وإذا دخلت بلد كذا فإن فيه بحرا فاقتبس منه العلم ونحو ذلك ففعل ما أمر به صح أن يقال فيه: فهمت حقيقة قولي فالدلالة هي الفهم والإفهام ينقسم إليهما فتقسيم الدلالة إلى حقيقة ومجاز لا يعقل البتة. الوجه الثامن والأربعون: وهو أيضا يجتث المجاز من أصله ويبين أنه لا حقيقة له(1\/330)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "313",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12711",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو أن تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز فرع لثبوت الوضع المغاير للاستعمال فكأن أصحابه أوهموا أن جماعة من العقلاء اجتمعوا ووضعوا ألفاظا لمعان ثم نقلوا هم أو غيرهم تلك الألفاظ أو أكثرها عند من يقول أكثر اللغة مجاز أو بعضها إلى معان أخر فوضعوها لتلك المعاني أولا ولهذه المعاني ثانيا. وهذا غير معلوم وجوده بل الإلهام كاف في النطق باللغات من غير مواضعة متقدمة وإن سمي توقيعا فمن ادعى وضعا متقدما على استعمال جميع الأجناس فقد قال ما لا علم له به وإنما المعلوم الاستعمال والقول بالمجاز إنما يصح على قول من يجعل اللغات اصطلاحية وأن العقلاء أجمعوا واصطلحوا على أن يسموا هذا بكذا وهذا بكذا وهذا مما لا يمكن بشرا على وجه الأرض لو عمر عمر نوح أن يثبت أن جماعة من العرب اجتمعوا ووضعوا جميع هذه الأسماء المستعملة في اللغة ثم استعملوها بعد الوضع ثم نقلوها بعد الاستعمال وإنما المعروف المنقول بالتواتر استعمال هذه الألفاظ فيما عنوه بها من المعاني. فإن قيل: نحن نثبت الوضع بالدليل العقلي فإن الاستعمال يستلزم سابقة الوضع ووجود الملزوم بدون لازمه محال قيل: الجواب من وجهين: أحدهما: أن دعوى اللزوم دعوى لا دليل عليها ولا تكون مقبولة فمن أين لكم أن الاستعمال مستلزم سابقة الوضع والاصطلاح: أبالعقل علم هذا اللزوم أو بالشرع وبالضرورة عرف أم بالنظر. الثاني: أنا نعلم بالمشاهدة ما يدل على خلاف ذلك فإن الله سبحانه يلهم الحيوانات والطير ما يعرف به بعضها مراد بعض والإنسان أشد قبولا للإلهام من الحيوانات وقد سمى الله ذلك منطقا في قوله عن نبيه سليمان عليه الصلاة والسلام: علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين [النمل: 16] وحكى عن النملة قولها: ياأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون [النمل: 18] وأوحى إلى الجبال والطير أن تسبح مع نبيه داود وكذلك الآدمي فإن المولود إذا ظهر منه التمييز سمع أبويه أو من يربيه ينطق باللفظ ويشير إلى المعنى فيفهم أن اللفظ متى أطلق أريد به ذلك المعنى ثم لا يزال يسمع لفظا بعد لفظ ويعقل معنى دون معنى على التدريج حتى يعرف لغة القوم الذين نشأ بينهم من غير أن يكونوا قد اصطلحوا معه على وضع متقدم ولا وقفوه على معاني(1\/331)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "314",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12712",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأسماء وإن كان أحيانا قد يسأل عن مسمى بعض الأسماء فيوقف عليها كما يترجم للرجل اللغة التي لا يعرفها فيوقف على معانيها لا أنه يصطلح معه على وضع ألفاظها لمعانيها. ولا ننكر أن يحدث في كل زمان أوضاع لما يحدث من المعاني التي لم تكن قبل ولا سيما أرباب كل صناعة فإنهم يضعون لآلات صناعتهم من الأسماء ما يحتاجون إليه في تفهيم بعضهم مراد بعض عند التخاطب ولا تتم مصلحتهم إلا بذلك وهذا أمر عام لأهل كل صناعة مقترحة أو غير مقترحة بل أهل كل علم من العلوم قد اصطلحوا على ألفاظ يستعملونها في علومهم تدعو حاجتهم إليها للفهم والتفهيم فهذه الاصطلاحات الحادثة والتي يعرف فيها الوضع السابق على الاستعمال وليس الكلام فيها. والظاهر والله أعلم أن أرباب المجاز قاسوا أصول اللغة عليها وظنوا أن التخاطب العام بأصل اللغة جار هذا المجرى وإدخال المجاز في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وكلام العرب بهذا الطريق باطل قطعا. وكأني ببعض أصحاب القلوب الغلف يقول: وهل لأحد أن يحمل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; اقطعوا عني لسانه quot; لمن امتدحه وقوله quot; إن خالدا سيف من سيوف الله quot; وقوله في الفرس: quot; إن وجدناه لبحرا quot; وقوله عن حمزة: quot; إنه أسد الله وأسد رسوله quot; وقوله عن الحجر الأسود: quot; إنه يمين الله في الأرض quot; وقوله: quot; الآن حمي الوطيس quot; وقوله: quot; اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد quot; ونحو ذلك على حقيقته. فيقال له: وما حقيقة ذلك عندك فإنك أخطأت كل خطأ إذ ظننت أن حقيقته غير المعنى المراد به والمفهوم منه هو إسكات المادح عنه بالعطاء فيقطع لسان مقاله وكون خالدا يقتل المشركين كما يقتل السيف المسلول الذي لا يحتاج إلى أن ينتضى بل هو مسلول مستعد للقتل وكون حمزة مفترسا لأعداء الله إذا رأى المشرك لم يلبث أن يفترسه كما أن الأسد إذا رأى الغير لم يدعه حتى يفترسه وكون مقبل الحجر(1\/332)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "315",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12713",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأسود بمنزلة مقبل يمين الرحمن لا أنه نفس صفته القديمة وعين يده التي خلق بها آدم ويطوي بها السماوات والأرض وكون الحرب منزلة التنور الذي يسجر قليلا قليلا حتى يشتد حموه فيحرق ما يلقى فيه وكون الخطايا بمنزلة الوسخ والدرن يوسخ البدن ويوهنه يضعف قواه والثلج والبرد والماء البارد يزيل درنه ويعيد قوته ويزيده صلابة وشدة فهل لهذه الألفاظ حقيقة إلا ذلك وما استعملت إلا في حقائقها. فهذا التقييد والتركيب عين المراد منها بحيث لا تحتمل غيره كما أن التقييد والتركيب في قولك: جاء الثلج حتى عم الأرض وأصاب البرد الزرع والماء البارد يروي الظمآن والأسد ملك الوحوش والسيف ملك السلاح وفي قطع اللسان الدية وإذا حمي الوطيس فضع فيه العجين لا يحتمل غير المراد منه في هذا التركيب فهذا مقيد وهذا مقيد وهذا موضوع وهذا موضوع وهذا مستعمل وهذا مستعمل وهذا لا يحتمل غير معناه وهذا لا يحتمل غير معناه فأي كتاب أو سنة أو عقل أو نظير أو قياس صحيح أو مناسبة معتبرة أو قول من يحتج بقوله جعل هذا حقيقة وهذا مجاز وهذا يتبين ويظهر جدا. الوجه التاسع والأربعون: وهو أن الخائضين في المجاز تارة يخوضون فيه إخبارا وحملا لكلام المتكلم عليه وتارة يخوضون فيه استعمالا في الخطب والرسائل والنظم والنثر فينقلون ألفاظا لها معان في اللغة إلى معان أخر تشابهها ويقولون: استعرنا هذه الألفاظ لهذه المعاني لا يخرج كلامهم في المجاز عن هذين الأصلين البتة فيجب التمييز بين الحمل والاستعمال فإذا قالوا: نحمل هذا اللفظ في كلام المتكلم على مجازه إما أن يريدوا به الإخبار عنه بأنه صرفه عن معناه المفهوم منه في أصل التخاطب إلى غيره فهذا خبر وهو إما صدق إن طابق الواقع وإما كذب إن لم يطابق فمن أين لكم أنه لم يرد به معناه المفهوم منه عند الخطاب. وإن عنيتم بالحمل أنا ننشئ له من عندنا وضعا لمعنى أن يستعمل فيه ثم نعتقد أن المتكلم أراد ذلك المعنى كان هذا خطأ من وجهين: أحدهما: إنشاء وضع جديد لذلك اللفظ والثاني: اعتقاد إرادة المتكلم لذلك المعنى وتنزيل كلامه على ذلك الوضع فإذا قال قائل: اليد مجاز في القدرة والاستواء مجاز في الاستيلاء والرحمة مجاز في الإنعام والغضب مجاز في الانتقام والتكلم مجاز في الإنعام في الإكرام قيل: تعنون بكونها مجازا في ذلك أن لكم أن تستعملوها في هذه المعاني وتعبرون عنها(1\/333)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "316",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12714",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بهذه العبارات أم تعنون أنها إذا وردت في كلام الله ورسوله كان المفهوم منها هذه المعاني وهي مجازات فيها. فإن أردتم الأول فأنتم وذاك فاستعملوها فيما أردتم وسموا ذلك الاستعمال ما شئتم وإن أردتم الثاني كنتم مخطئين من وجهين: أحدهما: حكمكم على الله ورسوله أنه أراد بهذه الألفاظ خلاف معانيها المفهومة منها عند التخاطب فإن هذا ضد البيان والتفهيم وهو بالتلبيس أشبه منه بالتبيين فتعالى عنه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وقد صرح الناس قديما وحديثا بأن الله لا يجوز أن يتكلم بشيء ويعني به خلاف ظاهره. قال الشافعي: وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم على ظاهره وقال صاحب المحصل في الباب التاسع من أحكام اللغات (المسألة الثانية) لا يجوز أن يعني الله سبحانه بكلامه خلاف ظاهره والخلاف فيه مع المرجئة قال: لنا أن اللفظ بالنسبة إلى غير ظاهره مهمل والتكلم به غير جائز على الله تعالى. ثم أجاب عن شبه المنازعين بأن قال: لو صح ما ذكرتموه لم يبق لنا اعتماد على شيء من أخبار الله تعالى لأنه ما من خبر إلا ويحتمل أن يكون المراد به غير ظاهره وذلك ينفي الوثوق. اهـ. وعلى هذا فنقول: إذا كان ظاهر كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والأصل فيه الحقيقة لم يجز أن يحمل على مجازه وخلاف ظاهره البتة لما ذكره من الدليل فإن المجاز لو صح كان خلاف الأصل والظاهر ولا يجوز الشهادة على الله سبحانه ولا على رسوله صلى الله عليه وسلم أنه أراد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته ولا في موضع واحد البتة بل كل موضع ظهر فيه المراد بذلك التركيب والاقتران فهو ظاهره وحقيقته لا ظاهر له غيره ولا حقيقة له سواه فقوله تعالى: فأذاقها الله لباس الجوع والخوف [النحل: 112] حقيقته وظاهره أنه أجاعها بعد شبعها وأخافها بعد أمنها وألبس بواطنها ذل الجوع وذل الخوف فصار ذلك لباسا لبواطنهم تذوقه وتباشره ولباس كل شيء بحسبه ولباس الظاهر ظاهر ولباس الباطن باطن فذوق كل شيء بحسبه فذوق الطعام والشراب بالفم وذوق الجوع والخوف بالقلب وذوق الإيمان بالقلب أيضا كقوله صلى الله عليه وسلم quot; ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا  فهذا الذوق(1\/334)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "317",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12715",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "نقل كلام ابن جني في المجاز والرد عليه",
        "content": "الباطن بالحاسة الباطنة وذوق الظاهر بالحاسة الظاهرة وهذا حقيقة في مورده وهذا حقيقة في مورده. وكذلك الحلاوة والطعم هي بحسب المضاف إليه فحلاوة الإيمان وطعمه معنويان وحلاوة العسل وطعمه حسيان كل منهما حقيقة فيما أضيف إليه. والمقصود بهذا الوجه أنه إن ظهر مراد المتكلم لم يجز أن يحمل على خلاف ظاهره ويدعى أنه مجاز بالنسبة إلى ذلك المحمل إذ حقيقته هو المفهوم منه فدعوى المجاز باطلة وإن ادعي صرفه عن ظاهره إلى خلافه وأن ذلك مجاز فهو باطل أيضا فبطلت دعوى المجاز على التقديرين فإن ظاهر اللفظ ومفهومه وحقيقته لا يكون مجازا البتة وهؤلاء تارة يجعلونه مجازا فيما لا ظاهر له غير معناه فيكون خطؤهم في اللفظ والتسمية وتارة يجعلونه مجازا في خلاف ظاهره والمفهوم منه ويعدون أنه المراد فيكونون مخطئين من وجهين: من جهة اللفظ والمعنى. الوجه الخمسون: أن القائلين بالمجاز منهم من أسرف فيه وغلا حتى ادعى أن أكثر ألفاظ القرآن بل أكثر اللغة مجاز واختار هذا جماعة ممن ينتسب إلى التحقيق والتدقيق ولا تحقيق ولا تدقيق وإنما هو خروج عن سواء الطريق ومفارقة للتوفيق وهؤلاء إذا ادعوا أن المجاز هو الغالب صار هو الأصل ولا يصح قولهم: الأصل الحقيقة وإذا تعارض المجاز والحقيقة تعينت الحقيقة إذ الإلحاق بالغالب الكثير أولى منه بالنادر الأقل. فإن الأصل يطلق على معان أربعة أحدها: ما منه الشيء وهذا أولى معانيه باللغة كالخشب أصل السرير والحديد أصل السيف الثاني: دليل الشيء كأصول الفقه أي أدلته الثالث: الصور المقيس عليها والمقيسة هي الفرع الرابع: الأكثر أصل الأقل والغالب أصل المغلوب ومنه أصل الحقيقة فإذا كان المجاز هو الأكثر الغالب بقي هو الأصل وحينئذ فطرد قول هؤلاء إنه إذا ورد اللفظ يحتمل الحقيقة والمجاز يحمل على مجازه لأنه الأكثر والغالب وفي هذا من فساد العلوم والأديان وفساد البيان الذي علمه الرحمن الإنسان وعده عليه من جملة الإحسان والامتنان ما لا يخفى إذ قد انتهى الأمر إلى هذا فلا بد من ذكر قول هذا القائل وبيان فساده فنقول في:  [نقل كلام ابن جني في المجاز والرد عليه] الوجه الحادي والخمسين: قال ابن جني: باب في المجاز إذا كثر ألحق بالحقيقة: اعلم أن أكثر اللغة مع تأمله مجاز لا حقيقة وذلك عامة الأفعال نحو: قام زيد وقعد(1\/335)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "318",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12716",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عمر وانطلق بشر وجاء الصيف وانهزم الشتاء ألا ترى أن الفعل يفاد منه معنى الجنسية فقولك: قام زيد أي: الجنس من الفعل ومعلوم أنه لم يكن منه جميع القيام وكيف يكون ذلك وهو جنس والجنس يطبق جميع الماضي وجميع الحاضر وجميع الآتي الكائنات من كل من وجد منه القيام فمعلوم أنه لا يجتمع لإنسان واحد في وقت واحد ولا في مائة ألف سنة مضاعفة القيام كله الداخل تحت الوهم هذا محال عند كل ذي لب. فإذا كان كذلك علمت أن قام زيد مجاز لا حقيقة وإنما هو على وضع الكل موضع البعض للاتباع والمبالغة ونسبة القليل بالكثير ويدل على انتظام ذلك بجميع جنسه أنك تعلمه في جميع أجزاء ذلك الفعل فتقول: قومة وقومتين وقياما حسنا وقياما قبيحا فإعمالك إياه في جميع أجزائه ; يدل على أنه موضوع عندهم على صلاحه لتناول جميعها وإنما يعمل الفعل من المصادر فيما فيه عليه دليل ألا تراك لا تقول قمت جلوسا ولا ذهبت مجيئا ولا يجوز ذلك لما لم يكن فيه دليل عليه ألا ترى إلى قوله: لعمري لقد أحببتك الحب كله فانتظامه لجميعه يدل على وضعه على اعترافه واستيعابه وكذلك قول الآخر: وقد يجمع الله الشتيتين بعدما ... يظنان كل الظن أن لا تلاقيا فقوله كل الظن يدل على صحة ما ذهبنا إليه قال أبو علي: قولنا زيد بمنزلة قولنا: خرجت فإذا الأسد تعريفه هنا تعريف الجنس كقولك: الأسد أشد من الذئب وأنت لا تريد خرجت وجميع الأسد التي يتناولها الوهم على الباب هذا محال واعتقاده اختلال وإنما أردت خرجت فإذا واحد من الجنس بالباب فوضعت لفظ الجماعة على الواحد مجازا لما فيه من الاتساع والتوكيد. أما الاتساع فبأن وضعت اللفظ المعتاد للجماعة على الواحد وأما التوكيد فلأنك عظمت قدر ذلك الواحد بالجماعة لأن كل واحد منها مثله في كونه أسدا وإذا كان كذلك فمثله قعد جعفر وانطلق محمد وجاء الليل وانصرم النهار. وكذلك أفعال القديم سبحانه نحو: خلق السماوات والأرض وما كان مثله ألا ترى أنه عز اسمه لم يكن بذلك خلق أفعالنا ولو كان خالقا حقيقية لا محالة لكان خالق الكفر والعدوان وغيرهما من أفعالنا وكذلك علم الله قيام زيد مجاز أيضا لأنه ليست الحال التي علم الله عليها قيام زيد هي التي علم الله عليها قيام عمر ولسنا(1\/336)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "319",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12717",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نثبت له سبحانه علما لأنه عالم لنفسه إلا أنا مع ذلك نعلم أنه ليس حال علمه بقعود زيد هي حال علمه بجلوس عمرو ونحو ذلك. وكذلك قولك ضربت عمرا مجاز أيضا من غير جهة التجوز في الفعل وأنك إنما فعلت بعض الضرب لا جميعه ولكن من جهة أخرى وهي أنك إنما فعلت بعضه لا جميعه. ألا تراك تقول ضربت زيدا ولعلك إنما ضربت يده أو إصبعه أو ناحية من نواحي جسده ولهذا إذا احتاط الإنسان أو استظهر جاء ببدل البعض فقال ضربت زيدا رأسه أو وجهه نعم ثم إنه مع ذلك متجوز ألا تراه يقول ضربت زيدا رأسه فيبدل للاحتياط وهو إنما ضرب ناحية من نواحي رأسه لا رأسه كله ولهذا يحتاط بعضهم في نحو هذا فيقول ضربت زيدا جانب وجهه الأيمن أو ضربه على رأسه. وإذا عرفت التوكيد ولم وقع في الكلام نحو نفسه وعينه وأجمع وكله وكلهم وكليهما وما أشبه ذلك عرفت منه حال سعة المجاز في هذا الكلام ألا تراك تقول قطع الأمير اللص ويكون القطع بأمره لا بيده فإذا قلت قطع الأمير لصا رفعت المجاز من جهة الفعل وصرت إلى الحقيقة لكن بقي عليك التجويز في مكان آخر وهو قطع اللص وإنما فعله قطع يده أو رجله فإذا احتطت قلت: قطع الأمير يد اللص أو رجله. قلت: وبقي عليه أن يقول: وذلك مجاز أيضا من جهة أخرى وهو أن اليد رسم للعضو إلى المناكب وهو لم يقطعها كلها إنما قطع بعضها فإذا احتاط ينبغي له أن يقول: قطع الأمير نفسه من يد اللص ما بين الكوع والأصابع وذلك مجاز أيضا من وجه آخر وهو أنه سماه لصا وذلك يقتضي أنه وجد جميع أفراد اللصوصية كما قرره في أول كلامه وذلك محال فقد أوقع البعض موقع الكل وذلك مجاز فإذا احتاط قال قطع الأمير نفسه من يد ومن وجد منه بعض اللصوصية ما بين الكوع والأصابع ويبقى عليه مجاز آخر عنده من جهة أخرى وهو أن القطع عنده دال على جميع أفراد الجنس ولم يوجد ذلك فأوقع القطع على فرد من أفراد القطع لمن وجد منه بعض أفراد اللصوصية أوقعه في جزء من أجزاء يده. فيا ضحكة العقلاء ويا شماتة الأعداء بهذه العقول السخيفة التي كادها عدوها ويأبى الله أن يوفق عقل من أنكر علمه وقدرته ويكذب عليه حيث يزعم أن غالب كلامه مجاز لا حقيقة له لشهود هذا الذي هو بأقبح الهذيان أشبه منه بالفصاحة والبيان.(1\/337)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "320",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12718",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال وكذلك قولك جاء الجيش أجمع ولولا أنه قد كان يمكن أن يكون إنما جاء بعضهم إن أطلقت المجيء على جميعهم لما كان لقولك أجمع معنى فوقوع التوكيد في هذه اللغة أقوى دليل على شياع المجاز فيها واشتماله عليها حتى إن أهل العربية أفردوا لذلك بابا لعنايتهم به وكونه مما لا يضاع ولا يهمل مثله كما أفردوا لكل معنى أهمهم بابا كالصفة والعطف والإضافة والنداء والندبة والقسم وغير ذلك. قال ابن جني: وكذلك أيضا حذف المضاف مجاز لا حقيقة وقد كثر حتى إن في القرآن وهو أفصح الكلام منه أكثر من مائة موضع بل ثلاثمائة موضع وفي الشعر منه ما لا أحصيه قال: وهذا يدفع دفع أبي الحسن القياس عن حذف المضاف وإن لم يكن حقيقة أو لا يعلم أبو الحسن كثرة المجاز عليه وسعة استعماله وانتشار مواقعه كقام أخوك وجاء الجيش وضربت زيدا ونحو ذلك كل ذلك مجاز وهو على غاية الانقياد والاطراد فكذلك حذف المضاف. فإن قيل: يجيء من هذا أن تقول ضربت زيدا وإنما ضربت غلامه وولده قيل: هذا الذي شنعت به بعينه جائز ألا تراك تقول: إنما ضربت زيدا لضربك لغلامه وأهنته بإهانتك ولده وهذا باب إنما يصلحه ويفسده المعرفة به فإن فهم عنك في قولك ضربت زيدا أنك إنما أردت بذلك ضربت غلامه أو أخاه أو نحو ذلك جاز وإن لم يفهم عنك لم يجز كما أنك إن فهم بقولك أكلت الطعام أكلت بعضه لم يحتج إلى البدل. وإن لم يفهم عنك وأردت إفهام المخاطب إياه لم تجد بدا من البيان وأن تقول بعضه أو نصفه أو نحو ذلك ألا ترى أن الشاعر لما فهم عنه ما أراد بقوله: صبحن من كاظمة الحصن الخرب ... يحملن عباس بن عبد المطلب وإنما أراد عبد الله بن عباس ولو لم يكن من الثقة يفهم ذلك لم يجد بدا من البيان وعلى ذلك قول الآخر: عليم بما أعيا النطاسي حذيما إنما أراد ابن حذيم.(1\/338)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "321",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12719",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: ويدل على إلحاق المجاز بالحقيقة عندهم وسلوكه طريقتهم في نفوسهم أن العرب قد وكدته كما وكدت الحقيقة وذلك قول الفرزدق: عشية سال المربدان كلاهما ... سحابة موت بالسيوف الصوارم وإنما هو مريد واحد فثناه مجازا لما يتصل به من مجاوره ثم إنه رفع ذلك ووكده وإن كان مجازا وقد يجوز أن يكون سمي كل واحد من جانبيه مربدا. وقال الآخر: إذا البيضة الصماء عضت صفيحة ... بحرباتها صاحت صياحا وصلت فأكد صاحت وهو مجاز بقوله (صياحا) وأما قول الله عز وجل وكلم الله موسى تكليما [النساء: 164] فليس هو من باب المجاز بل هو حقيقة قال أبو الحسن: خلق الله كلاما في الشجرة فكلم به موسى وإذا أحدثه كان متكلما به وأما أن يحدثه في فم أو شجرة أو غيرهما فهو شيء آخر ولكن الكلام واقع ألا ترى أن المتكلم منا إنما يستحق هذه الصفة لكونه متكلما لا غير لا لأنه أحدثه من آلة نطقه وإن كان لا يكون متكلما حتى يحرك به آلة نطقه. فإن قلت: أرأيت لو أن أحدنا عمل له مصوتة وحركها واجتزأ بأصواتها عن أصوات الحروف المتقطعة المسموعة في كلامنا أكنت تسميه متكلما وتسمي تلك الأصوات كلاما وذلك المصوت به متكلما وذلك أنه ليس في قوة البشر أن يوردوا الكلام بالآلات التي يصنعوها على سمت الحروف المنطوق بها وصورتها لعجزهم عن ذلك وإنما يأتون بأصوات فيها الشبه اليسير من حروفها فلا يستحق لذلك أن تكون كلاما ولا يكون الناطق بها متكلما كما أن الذي يصور الحيوان تجسيما وتزويقا لا يقال خالق للحيوان وإنما يقال مصور وحا ومشبه وأما القديم سبحانه فإنه قادر على إحداث الكلام على صورته الحقيقية وأصواته الحيوانية في الشجرة والهواء وما شاء وهذا فرق. فإن قلت: فقد أحال سيبوبه قولنا اشرب ماء البحر وهذا منه حظر للمجاز الذي أنت مدع شياعه وانتشاره. قيل: إنما أحال ذلك على أن المتكلم يريد به الحقيقة وهذا مستقيم إذ الإنسان(1\/339)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "322",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12720",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الواحد لا يشرب ماء البحر كله فأما إن أراد بعضه ثم أطلق اللفظ ولا يريد به جمعه فلا محالة في جوازه ألا ترى إلى قوله: نزلوا بالعزة يسيل عليهم ... ماء الفرات يجيء في أطواد إنه لم يرد جميعه لأنه قد يمكن أن يكون بعض مائه مختلجا قبل وصوله إلى أرضه بشرب أو سقي زرع ونحوه فسيبويه إنما وضع اللفظ في هذا الموضع على أصل وضعه في اللغة من العموم واجتنب المستعمل فيه من الخصوص ومثل توكيده المجاز فيما مضى قولنا قام زيد قياما وجلس جلوسا فقد قدمنا الدليل على أن قام وقعد مجاز وهو مع ذلك يؤكد بالمصدر وكذلك يكون قوله: وكلم الله موسى تكليما [النساء: 164] من هذا الوجه مجازا على ما مضى. ومن التوكيد في المجاز قوله تعالى: وأوتيت من كل شيء [النمل: 23] ولم تؤت لحية رجل ولا ذكره قال: ووجه هذا عندي أن يكون مما حذفت صفته حتى كأنه قال: وأوتيت من كل شيء [النمل: 23] تؤتاه المرأة الملكة ألا ترى أنها لو أوتيت لحية وذكرا لم تكن امرأة أصلا ولما قيل فيها (وأوتيت) وقيل فيها (وأوتي) ومنه قوله تعالى: الله خالق كل شيء [الرعد: 16] وهو سبحانه شيء وهو ما يستثنيه العقل ببديهته ولا يحوج إلى التشاغل باستثنائه فإن الشيء كائنا ما كان لا يخلق نفسه. فأما قوله تعالى: وفوق كل ذي علم عليم [يوسف: 76] فحقيقة لا مجاز وذلك أنه سبحانه ليس عالما بعلم فهو إذا العليم الذي فوق ذوي العلوم أجمعين ولذلك لم يقل وفوق كل عالم عليم لأنه سبحانه عالم ولا عالم فوقه. فإن قلت: ليس قوله وأوتيت من كل شيء [النمل: 23]  وفوق كل ذي علم عليم [يوسف: 76] اللفظ المعتاد للتوكيد قيل: هو إن لم يأت نابعا على سمة التوكيد فإنه بمعنى التوكيد ألا ترى أنك إذا قلت: عممت بالضرب جميع القوم ففائدته فائدة قولك ضربت القوم كلهم فإذا كان المعنيان واحدا كان ما وراء ذلك لغوا غير معتد به quot; هذا آخر كلامه quot;.  والكلام عليه من وجوه: أحدها: أن تعلم أن هذا الرجل وشيخه أبا علي من كبار أهل البدع والاعتزال المنكرين لكلام الله تعالى وتكليمه فلا يكلم أحدا البتة ولا يحاسب عباده يوم القيامة بنفسه وكلامه وأن القرآن والكتب السماوية مخلوق من(1\/340)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "323",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12721",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعض مخلوقاته وليس له صفة تقوم له فلا علم له عندهم ولا قدرة ولا حياة ولا إرادة ولا سمع ولا بصر وأنه لا يقدر على خلق أفعال العباد وأنها واقعة منهم بغير اختياره ومشيئته وأنه شاء منهم خلافها وشاءوا هم خلاف ما شاء فغلبت مشيئتهم وكان ما شاءوه هم دون ما شاء هو فيكون ما لا يشاء ويشاء ما لا يكون وهو خالق عند هذا الضال المضل وعالم مجازا لا حقيقة والمجاز يصح نفيه فهو إذا عنده لا خالق ولا عالم إلا على وجه المجاز. فمن هذا خطؤه وضلاله في أصل دينه ومعتقده في ربه وإلهه فما الظن بخطئه وضلاله في ألفاظ القرآن ولغة العرب فحقيق بمن هذا مبلغ علمه ونهاية فهمه أن يدعي أن أكثر اللغة مجاز ويأتي بذلك الهذيان ولكن سنة الله جارية أن يفضح من استهزأ بحزبه وجنده وكان الرجل وشيخه في زمن قوة شوكة المعتزلة وكانت الدولة دولة رفض واعتزال وكان السلطان عضد الدولة ابن بويه وله صنف أبو علي (الإيضاح)  وكان الوزير إسماعيل بن عباد معتزليا وقاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد معتزليا (وأول) من عرف منه تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز هم المعتزلة والجهمية. وهذا الوجه مقدمة بين يدي رد ما في كلامه من باطل فإنه يشتمل على حق وباطل. الوجه الثاني: أن ما ادعى فيه أنه مجاز دل على المراد منه مطلقا من غير توقفه على قرينة وهذا حد الحقيقة عندهم فإن المعنى يسبق إلى الفهم من هذا اللفظ بمجرده ولا يصح نفيه ولا يتوقف على قرينة فكيف يكون مجازا فإن قال: بل تركيبه مع المسند إليه واتصاله بالمفعول والحال والتمييز والتوابع والاستثناء ونحوها من القرائن التي تدل على المعنى قيل له: فلا يخلو كلام مفيد من هذا التركيب البتة أفنقول إن الجميع مجاز أو النصف مجاز والنصف حقيقة فإن قلت في الجميع مجاز كنت مبطلا رافعا للحقيقة بالكلية ومدع على خطاب الله ورسوله وخطاب الأمم أنه كله مجاز لا حقيقة ويكفيك هذا جهلا وكذبا وإن قلت: بل البعض حقيقة والبعض مجاز قيل لك: فما ضابط ذلك ولا يمكنك أن تأتي بضابط أبدا وقد أغلقت على نفسك باب الحقيقة بالكلية فإن كل لفظ تقر بأنه حقيقة يلزمك فيه نظير ما ادعيت أنه مجاز ولا شيء أبلغ من خلق الله تعالى وعلم الله والله خالق كل شيء وقد ادعيت أنه مجاز لا حقيقة ولا شيء أظهر من طلوع الشمس على الخلائق عيانا جهرة فإذا(1\/341)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "324",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12722",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رآها الناس وقالوا: طلعت الشمس وكان هذا عندك مجازا على أن الشمس لم يحصل منها جميع أفراد طلوع الماضي والحاضر والآتي في آن واحد وذلك عندك هو الحقيقة فإذا كان هذا كله مجازا عندك فما الظن بغير ذلك من الألفاظ. الوجه الثالث: أن الفعل لا عموم له ولا دلالة له على وحدة ولا كثرة ولا عموم ولا خصوص بل هو دال على القدر المشترك من ذلك كله وهو مطلق الحقيقة فإذا أرادوا تقييده بشيء من ذلك أتوا بما يدل على مرادهم. فيأتون في المرأة بتاء التأنيث نحو ضربت وفي المرأتين بلفظ التثنية وفي الجمع بما يدل على ذلك والجمع حقيقة فدعواك إن ضربت موضوع لجميع أفراد الضرب الموهومة التي لا تدخل تحت الحصر كذب على اللغة فإن العرب لم تضع الفعل كذلك البتة ولا أفادته به ولا دلت عليه وإنما وضعت الفعل بالإخبار عن فعل صدر عن الفاعل ويصدر منه أو يطلبه يوضحه: الوجه الرابع: أن دلالة الماضي والمضارع والأمر على المصدر واحدة فلو كان (ضربت) موضوعا لجميع أفراد الضرب كلها من أولها إلى آخرها لكان الضرب كذلك فيكون موضوعة لفظة اضرب أوقع كل فرد من أفراد الضرب كلها من أولها إلى آخرها الموهومة في جميع الماضي والحاضر والمستقبل إلى ما لا نهاية له وأي قرينة على اللغة وأوضاعها أعظم من ذلك وهذا أمر يقطع العاقل بأن هذا لم يخطر على بال المتكلم ولا السامع ولا قصده الواضع أصلا ومن نسب الأمر به إلى ذلك فقد نسبه إلى أعظم الجهل والى العجز عن التكلم بالحقيقة فإنه لا سبيل له عند هذا القائل إلى التخلص من المجاز والتكلم بالحقيقة البتة فإن غاية ما يقدر أن يقال: أوقع فردا من أفراد الضرب على جزء من المضروب ومع هذا فلم يخلص عنده لأن أوقع فعل وهو دال عنده على جميع أنواع الإيقاع في الماضي والحاضر والأمر يوضحه: الوجه الخامس: أن هذا يستلزم تعجيز الخالق عن التكلم بالحقيقة أمرا أو خبرا فإن أوامره سبحانه كلها بالأفعال وإخباره عن نفسه وخلقه عامة بالأفعال وقد صرح هذا بأنها مجاز وقد عجز الله بأن يأمر بلفظ الحقيقة أو يخبر عن نفسه أو عن أحد من خلقه بلفظ حقيقة فإن قوله: وأقيموا الصلاة [البقرة: 43]  و اتقوا الله [البقرة: 278] و آمنوا [البقرة: 9] و واسمعوا [البقرة: 93] و وجاهدوا [البقرة: 218] و اصبروا [آل عمران: 200] و واذكروا الله [البقرة: 203] و فارهبون [البقرة: 40](1\/342)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "325",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12723",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "و واخشون [المائدة: 3] و ادعوني [غافر: 60] وأمثال ذلك عندهم مجاز فلو أراد أن يأمر بلفظ الحقيقة أو يخبر عن نفسه أو عن فعله أو عن فعل خلقه بها ماذا يقول سبحانه حتى يكون متكلما بالحقيقة وكذلك قوله لرسوله صلى الله عليه وسلم قل هو الله أحد [الإخلاص: 1] و قل ياأيها الكافرون [الكافرون: 1] و قل أعوذ برب الفلق [الفلق: 1] وأضعاف ذلك كله مجاز وكذلك في جانب الخبر نحوه وإذ قال ربك للملائكة [البقرة: 30] و قالت الملائكة [آل عمران: 42] و وعلم آدم الأسماء كلها [البقرة: 31] وقوله إلا إبليس أبى واستكبر [البقرة: 34] وأكثر من مائة ألف فعل ومائة ألف خبر فإذا كانت هذه مجازا عندك فكيف يصنع من أراد من يتكلم بالحقيقة. الوجه السادس: قوله: ويدل على انتظامه لجميع جنس المصدر أنك تعلمه في جميع أجزاء ذلك الفعل نحو قمت قومة وقومتين ومائة قومة وقياما حسنا وقبيحا. وهذا من أعظم ما يبطل قوله فإن العرب وضعته مطلقا غير عام بل صالحا للعمل في الواحد والاثنين والكثير والقليل وهو في كل ذلك حقيقة لم يخرج عن موضوعه ويستعمل في غيره والعجب أنك صرحت في آخر كلامك بأنه موضوع لصلاحيته لذلك كله فدل على أنه ليس بموضوع للعموم فبطل قولك: إنه موضوع لجميع الجنس بقولك: إنه موضوع لأن يكون صالحا للواحد والاثنين والقليل والكثير وهذا هو الحق وهو ينفي المجاز ويبين أنه حقيقة في الجميع وهذا الذي يعقله بنو آدم. وأما استدلالك على ذلك بأعمال الفعل فيه فمن أعجب العجب فإنه يعمل في المرة الواحدة والمرتين والمرات والمطلق والعام فإن كان إعماله في العام نحو: يظنان كل الظن وبابه دليل على أنه موضوع له فهل كان إعماله في الخاص دليلا على أنه موضوع له فما خرج عن موضوعه حيث أعمل وهذا ظاهر بحمد الله. الوجه السابع: قول أبي علي: إن قام زيد بمنزلة: خرجت فإذا الأسد تعريفه هنا تعريف جنس كقولك الأسد أشد من الذئب وأنك لا تريد خرجت وجميع الأسد التي يتناولها الوهم على الباب وإنما تريد فإذا واحد من هذا الجنس بالباب فوضعت لفظ الجماعة على الواحد مجازا خطأ منه ووهم ظاهر ينقض آخر كلامه فيه أوله فإنه صرح أولا بأن التعريف المذكور هنا تعريف الجنس وهذا حق. فإن التعريف ثلاثة أنواع تعريف الشخص وتعريف الجنس وتعريف العموم وليس المراد تعريف الشخص ولا تعريف العام قطعا وكل واحد من هذه الأنواع حقيقة فيما استعمل فيه وليس(1\/343)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "326",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12724",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لفظ الأسد في قولك خرجت فإذا الأسد لفظ جماعة وضع على الواحد حتى يكون مجازا فإن اسم الجنس المعرف باللام لم يوضع للجماعة حتى يكون استعماله في الواحد المطلق مجازا ولو كان استعماله في التعريف المطلق مجازا لكان استعماله في التعريف الشخصي أولى بالمجاز لأنه أبعد عن العموم من تعريف الجنس فيكون كل اسم معرف باللام التي للعهد وللجنس مجازا وهذا لا يقوله من يدري ما يقول يوضحه: الوجه الثامن: أن هذا قلب للحقائق فإن الأصل في اللام أن تفيد تعريف الماهية فالعهد بها أولى من الجنس لكمال التعريف به والجنس أولى بها من العموم لأنها تفيد الماهية الذهنية. فهي في الحقيقة للعهد الذهني فإنه نوعان: شخصي وجنسي فالقائل: اشتر اللحم واستق الماء يريد باللام تعريف الجنس المعهود بينه وبين المخاطب كما أن القائل إذا قال: قال الرجل ودخلت البيت يريد تعريف الشخص المعهود بينه وبين المخاطب فمن ادعى أنهم نقلوا هذا اللفظ من الجمع إلى الواحد فهو مخطئ يوضحه: الوجه التاسع: وهو أن أكثر الناس لا يرون المفرد المعرف باللام من ألفاظ العموم بحال وإنما يثبتون العموم للجمع المعرف باللام سواء كان جمع قلة نحو المسلمين والمسلمات أو جمع كثرة نحو الرجال والعباد فالأسد بمنزلة الرجل وإذا كان ليس من ألفاظ العموم فلم يوضع في غير موضعه ولا استعمل إلا في موضوعه ومن يجعله للعموم من أهل الأصول والفقهاء يقولون: إنما يكون للعموم حيث يصلح أن تخلف اللام فيه كل نحو قوله تعالى: إن الإنسان لفي خسر [العصر: 2] ونحو قوله: إن الإنسان خلق هلوعا [المعارج: 19] ولهذا صح الاستثناء منه وذلك حيث لا يكون عهد القرينة والسياق دالا على إرادة جميع أفراد الجنس. وهذا منتف في قوله (خرجت فإذا الأسد) فهو إنما يدل على العموم بقرينة كما يدل على العهد بقرينة فدعوى المجاز في بعض موارده دون بعض تحكم بارد لا معنى له ودعوى المجاز في جميعها باطل فلم يبق إلا أنه حقيقة حيث استعمل وهو الصواب. الوجه العاشر: قوله: (خرجت فإذا الأسد) اتساع وتوكيد وتشبيه أما الاتساع فإنه وضع اللفظة المعتادة للجماعة على الواحد وأما التوكيد فلأنه عظم قدر ذلك الواحد بأن جاء باللفظة على اللفظ المعتاد للجماعة وأما التشبيه فلأنه شبه الواحد بالجماعة.(1\/344)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "327",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12725",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم قال: وإذا كان كذلك فمثله قعد جعفر وانطلق محمد وجاء الليل وانصرم النهار خطأ من وجهين: أحدهما: أنه مبني على أن الأسد دل على الجمع وأنه تجوز فاستعمله في الواحد وقد عرفت ما فيه الثاني: أنه لو صح له ذلك لم يكن قعد جعفر وانطلق محمد وجاء الليل مثله فإن هذه الأفعال لا تدل على قعود وانطلاق ومجيء عام لكل فرد البتة بحيث يكون استعمالها فيمن وجد منه بعض ذلك الجنس مجازا فليس ثم دلالتان عامة وخاصة بخلاف الأسد فإنه يمكن تقدير دلالته عامة وخاصة له فإذا استعمل في أحدهما يكون استعماله له في غير مدلوله الآخر فكيف يمكن مثل ذلك في الأفعال فهل يعقل ذو تحصيل لقام وقعد وانطلق دلالتين قط عامة وخاصة وليس العجب من تسويد الورق بهذا الهذيان وإنما العجب من أذهان تقبله وتستحسنه. الوجه الحادي عشر: قوله: وكذلك أفعال القديم نحو: خلق الله السماوات والأرض وما كان مثله. فيقال: الله أكبر كبيرا وسبحان الله عما يقوله الجاحدون لخلقه وربوبيته وتعالى علوا كبيرا وقبح الله قولا يتضمن أن يكون خالقا مجازا لا حقيقة وأن يكون خلق الله السماوات والأرض مجازا لا حقيقة ومن هنا قال السلف الذين بلغتهم مقالة هؤلاء إنهم شر قولا من اليهود والنصارى وقالوا: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام هؤلاء وقالوا: إنهم مليشون معطلون نافون للمعبود عز وجل quot; مليشون quot; أي: يصفونه بصفة لا شيء. الوجه الثاني عشر: أن المجاز لا بد أن يكون له استعمال في الحقيقة أو وضع سابق وإن لم يستعمل عند القائلين به فيكون للفظ جهتان: جهة حقيقة وجهة مجاز كالأسد والحمار ونحو ذلك يتجوز به من حقيقته التي وضع لها أولا إلى مجازه الذي استعمل فيه ثانيا لعلاقة بينهما فأين سبق لقولنا خلق الله السماوات والأرض وعلم الله ما تكسب كل نفس استعماله في غير هذا المفهوم ليكون إطلاقه عليه بطريق المجاز فلم يستعمل خلق إلا في موضوعه الأصلي ولا اسم الله إلا في موضوعه ولا السماوات والأرض إلا في موضوعهما فإما أن يكون هذا القائل يرى المجاز في النسبة كما يختاره جماعة من الناس أو ليس ممن يرى المجاز في النسبة فإن لم ير في النسبة مجازا فالمفردات مستعملة في موضوعاتها ولا مجاز في النسبة فكيف(1\/345)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "328",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12726",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكون خلق الله مجازا أو إن كان ممن يرى المجاز في النسبة كأنبت الماء البقل فأضاف الإنبات إلى الماء وليس له في الحقيقة فهذه النسبة في قولنا خلق الله أصدق النسب الحقيقية التي إن كانت مجازا لم يتصور أن يكون في الكلام نسبة حقيقة البتة لا في القديم ولا في الحديث وهذا من أعظم الضلال.  الوجه الثالث عشر: أنه ليس في المعلومات أظهر من كون الله خالقا ولهذا أقرت به جميع الأمم مؤمنهم وكافرهم ولظهور ذلك وكون العلم به بديهيا فطريا احتج الله به على من أشرك به في عبادته فقال: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله [العنكبوت: 61] في غير موضع من كتابه فعلم أن كونه سبحانه خالقا من أظهر شيء عند العقول فكيف يكون الخبر عنه بذلك مجازا وهو أصل كل حقيقة فجميع الحقائق تنتهي إلى خلقه وإيجاده فهو الذي خلق وهو الذي علم كما قال تعالى: اقرأ باسم ربك الذي خلق - خلق الإنسان من علق - اقرأ وربك الأكرم - الذي علم بالقلم - علم الإنسان ما لم يعلم [العلق: 1 - 5] فجميع الموجودات انتهت إلى خلقه وتعليمه فكيف يكون كونه خالقا عالما مجازا وإذا كان كونه خالقا عالما مجازا لم يبق له فعل حقيقة ولا اسم حقيقة فصارت أفعاله كلها مجازات وأسماؤه الحسنى كلها مجازات. الوجه الخامس عشر: ألا ترى أنه لم يكن منه بذلك خلق أفعالنا ولو كان خالقا حقيقة لا محالة لكان خالقا للكفر والعدوان وغيرهما من أفعالنا. كلام باطل على أصل أصحابه القدرية وعلى أصل أهل السنة بل على أصول جميع الطوائف فإن جميع أهل الإسلام متفقون على أن الله الخالق حقيقة لا مجازا بل وعباد الأصنام وجميع الملل. وأما إخوانه القدرية فإنهم قالوا إنه غير خالق لأفعال الحيوان الاختيارية فإنه لا يقول أحد منهم إنه خالق السماوات والأرض وما بينهما مجازا لكونه غير خالق لأفعال الحيوان فإنها لم تدخل تحت قوله: خلق الله السماوات والأرض [العنكبوت: 44] بل لم تدخل عندهم تحت قوله: الله خالق كل شيء [الرعد: 16] وإن دخلت تحت هذا اللفظ فهو عندهم عام مخصوص بالعقل نحو قوله: وأوتيت من كل شيء [النمل: 23]  تدمر كل شيء [الأحقاف: 25] فإن ادعوا المجاز فهم يدعونه في مثل هذا(1\/346)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "329",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12727",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لكونه عالما مخصوصا وأما نحو قوله: خلق الله السماوات والأرض [العنكبوت: 44] فلم يقل أحد قط إنه مجاز قبل ابن جني بناء على ما أصله من الأصل الفاسد: أن الفعل موضوع لجميع أفراد المصدر فإذا استعمل في بعضها كان مجازا. الوجه السادس عشر: أنه أثبت المجاز بإنكار عموم قدرة الله تعالى ومشيئته للكائنات وإثبات عدة خالقين معه فكان دليله أخبث من الحكم المستدل عليه وقد اتفقت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وجميع كتب الله المنزلة على إثبات القدرة وأن الله تعالى على كل شيء قدير وأنه خالق كل شيء وأنه بكل شيء عليم وأنه كتب في الذكر كل شيء وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا يكون في ملكه ما لا يشاء وأنه لو شاء لما عصاه أحد ولو شاء لآمن من في الأرض كلهم وأنه أعان أهل طاعته بما لم يعن به أهل معصيته ووفق أهل الإيمان لما لم يوفق له أهل الكفر وأنه هو الذي جعل المسلم مسلما وأنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء. وبالجملة فلا يخرج حادث من الأعيان والأفعال عن قدرته وخلقه كما لا يخرج عن علمه ومشيئته هذا دين جميع المرسلين فاستدل هذا القائل على أن خلق الله السماوات والأرض مجاز بإنكار ذلك ودفعه وإخراج أشرف ما في ملكه عن قدرته وهو طاعات أنبيائه ورسله وأوليائه وملائكته فلم يجعله قادرا عليها ولا خالقا لها وكان سلفه الأولون يقولون لا يعلمها قبل كونها فانظر إلى إثبات المجاز ماذا جنى على أهله والى أين ساقهم وماذا قدم من معاقل الإيمان وأعجب من هذا الحكم ودليله. الوجه السابع عشر: قوله: وكذلك علم الله قيام زيد مجاز أيضا لأنه ليست الحال التي علم الله عليها قيام زيد هي الحالة التي علم عليها قعود عمر. يريد أنه ليس لله علم في الحقيقة كما صرح به بقوله: ولسنا نثبت لله سبحانه علما لأنه عالم بنفسه وهذه مسألة إنكار صفات الرب سبحانه وأنه لا علم له ولا قدرة ولا سمع ولا بصر ولا حياة ولا إرادة فلا يقولون: عالم بعلم ولا قادر بقدرة ولا سميع بسمع ويقولون: يعلم ويسمع ويقدر بلا علم ولا قدرة ولا سمع وإذا كان كذلك فكان قولنا علم الله قيام زيد مجازا عندهم إذ لا علم له وعلمه فعل يدل على المصدر والصفة وليس في نفس الأمر عندهم لله علم ولا قدرة فجاء المجاز وانتفت الحقيقة. فيقال لهم: قولكم إن الحال التي علم الله عليها قيام زيد ليست هي الحال التي(1\/347)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "330",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12728",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "علم عليها قيام عمر هذه الحال أمر وجودي أم عدمي فإن كانت عدمية فهي لا شيء كاسمها وإن كانت وجودية فإما أن تقوم بالعلم أو بالمعلوم أو بنفسها وقيامها بنفسها محال لأنها معنى وقيامها أيضا بالمعلوم محال لأنها لو قامت منه لكان هو العالم المدرك فتعين قيامها بالعالم وهذه هي صفة العلم التي أنكرتموها وهذا مما لا سبيل لكم إلى دفعه. ولهذا لما أقر به ابن سينا ألزمه ابن الخطيب بثبوت الصفات إلزاما لا محيد له عنه فجاء ثور طوس وعلم أن ذلك يلزمه ففر إلى ما أضحك منه العقلاء وقال: أقول: إن العلم هو نفس المعلوم أعجب من ضلال هؤلاء القوم وفساد عقولهم أيكون الضارب هو نفس المضروب والشاتم نفس المشتوم والذابح هو نفس المذبح والناكح هو نفس المنكوح هذا أشد مناقضة للعقول من قول من قال الخلق نفس المخلوق فهؤلاء جعلوا الفعل هو عين المفعول ولم يثبتوا للفاعل فعلا يقوم به وهذا جعل العلم نفس المعلوم لم يجعل للعالم علما يقوم به. الوجه الثامن عشر: قولك: وكذلك أيضا ضربت عمر مجاز من غير جهة التجوز في الفعل وأنك إنما فعلت بعض الضرب لا جميعه ولكن من جهة أخرى وهي أنك إنما ضربت بعضه لا جميعه. فيقال: الأمر إن كان كذلك فإن العرب لم تضع لفظة ضربت زيدا لغير هذا المعنى ثم نقلته إلى غيره حتى يكون مجازا فيه بل لم تضعه ولم تستعمله قط إلا فيما يفهم منه كل أحد فدعوى أن ذلك مجاز كذب ظاهر على اللغة فلو أنهم وضعوا ضربت زيدا لوقوع الضرب على جميع أجزائه الظاهرة والباطنة ثم نقلوه إلى استعماله في إيقاعه على جزء من أجزاء بدنه أمكن أن يكون مجازا فيه بل استعماله في هذا المفهوم لا يختص باللغة العربية بل جميع الأمم على اختلاف لغاتها لا يريدون غير هذا المفهوم فدعوى أن الحقيقة التي وضع لها اللفظ تخالف ذلك دعوى كاذبة بل حقيقة هذا اللفظ التي وضع واستعمل في كل لسان هي إمساس بعض المضروب بآلة الضرب لا يعرف له حقيقة غير ذلك البتة. الوجه التاسع عشر: أن الأفعال تختلف محالها ومتعلقاتها فمنها ما يكون الفعل فيه شاملا لجميع أجزاء المفعول ظاهره وباطنه كقولك خلق الله زيدا وأوجده وكونه وأحدثه ومنها ما يقع الفعل فيه على ظاهر المحل دون باطنه كقولك اغتسل زيد ومنها ما يقع على باطنه دون ظاهره نحو فرح زيد ورضي وغضب وأحب وأبغض(1\/348)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "331",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12729",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها ما يقع على بعض جوارحه نحو قام وتكلم وأحدث وأبصر وجامع وقبل وخالط وكتب فينسب الفعل في ذلك كله إلى جملته وهو حاصل ببعض أعضائه ومن قال: إن كل ذلك مجاز جاهر بالبهت والكذب فإن العرب لم تضع هذه الألفاظ قط لغير معانيها المفهومة منها ولم تنقلها عن موضعها إلى غيره. ونظير هذا أن الصفات تجري على موصوفاتها حقيقة فمنها ما يكون لباطنه دون ظاهره كعالم وعاقل ومحب ومبغض وحسود ونحو ذلك ومنها ما يكون صفة للظاهر دون الباطن كأسود وأبيض وأحمر وطويل وقصير ومنها ما يعم الظاهر كله لهذه الصفات ومنها ما يخص بعضه كأعرج وأحدب وأشهل وأقرع وأخرس وأعمى وأصم وكذلك أسماء الفاعلين منها ما يعم جميع الذات كالمسافر ومنتقل ومنها ما يخص بعض الذات ككاتب وصانع والفعل صادق في ذلك كله واسم الفعل حقيقة لا مجاز باتفاق العقلاء ولم يشترط أحد من النسبة حقيقة أن يصدر الفعل عن اليد والرجل وجميع الأجزاء الظاهرة والباطنة وهذا كما أنه لا يشترط في الفاعل فلا يشترط في المفعول أن يعم الفعل أجزاءه جميعا بل من الأفعال ما يعم جميع المفعول نحو أكلت الرغيف ومنها ما يختص بجزء من أجزائه نحو قطعت الخشب والعمامة إذا أوقعت القطع في وسطها أو جزء منها ولو حاول إنسان في ذلك لكونه مجازا وقال: ما قطع الخشبة ولا العمامة لعد كاذبا. ولما قال الله تعالى لموسى: اضرب بعصاك البحر [الشعراء: 63] لم يفهم موسى أن حقيقة ذلك ضرب جميع أجزاء البحر بعصاه بل الذي امتثله هو حقيقة الضرب المأمور به وعندهم أن هذا مجاز من جهة الضرب ومن جهة العصا ومن جهة المضروب وطريق التخلص إلى الحقيقة عندهم في مثل هذا أن يأتي بكلام في غاية الغي والاستكراه تعالى الله عنه علوا كبيرا فيقول: أوقع فردا من أفراد الضرب بجزء من أجزاء عصاك على جزء من أجزاء البحر فهذه السماجة والغثاثة عندهم هي الحقيقة وتلك الفصاحة والبلاغة عندهم هي المجاز. وقد زعم بعض المتحذلقين أن قولك: جاء زيد وكلمت زيدا ونحوه مجاز من وجه آخر وهو أن زيدا اسم لهذا الموجود وهو من وقت الولادة إلى الآن قد ذهبت أجزاؤه واستخلف غيرها فإنه لا يزال في تحلل واستخلاف فليس زيد الآن هو الموجود وقت التسمية فقد أطلق الاسم على غير ما وضع له اللفظ أولا وأثبت هذا(1\/349)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "332",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12730",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المتحذلق المجاز في الإعلام بهذه الطريق وعلى هذا التقدير فيكون محمد رسول الله مجازا أيضا من هذا الوجه ويكون اسم لمسمى من بني آدم مجازا ولا يتصور أن يكون حقيقة البتة وكفى بهذا القول سخفا وحمقا. وتكايس بعضهم وأجاب عنه بأن قال: زيد اسم للنفس الناطقة وهي لا تتحلل ولا تتغير بل هي ثابتة من حين الولادة إلى حين الموت فلزمه ما هو أطعم من ذلك وهو أن يكون رأيت زيدا وضربت زيدا أو مرض زيد وأكل وشرب وركب وقام وقعد كله مجاز فإن الرؤية إنما وقعت على البدن لا على النفس وكذلك الضرب وبقية الأفعال. والمقصود أن جعل ذلك كله مجازا خبط محض فإنه لا حقيقة للفظ سوى ذلك ولا يعرف له حقيقة خرج عنها إلى هذا الاستعمال حتى تصح دعوى المجاز فيه بل هكذا وضع وهكذا استعملته العرب وجميع الأمم على اختلاف لغاتها وليس لها عندهم مفهوم حقيقي ومفهوم مجازي وأما كون البدن في التحلل والاستخلاف فذاك أمر طبيعي لا تعلق له بالحقيقة والمجاز وإنما فسدت العلوم لما دخل فيها مثل هذه الهذيانات. الوجه العشرون: قوله: إذا عرفت التوكيد ولم وقع في الكلام نحو نفسه وعينه وأجمع وكله وكليهما عرفت منه حال سعة المجاز في الكلام. فيقال له: ليس ذلك من أجل المجاز كما أن التوليد الذي يلحق الكلام من أوله بأن وبالقسم بلام والابتداء ليس لرفع المجاز نحو: إن الله غفور رحيم [البقرة: 173] ولأنت تفري ما خلقت: تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك [النحل: 63] وإنما هو الاعتناء به وتقويته في قلب السامع وتثبيت مضمونه وكذلك ما يلحقه في آخره من التأكيد بالنفس والعين وكل وأجمع كقوله تعالى: فسجد الملائكة كلهم أجمعون [الحجر: 30] فإن اللفظ بمجموعه دال على نسبة الفعل إلى كل فرد من أفراد الملائكة هذا حقيقته وتكون دلالته على المجموع كدلالة المقيد ببعض على ما قيد به نحو قوله: قم الليل إلا قليلا - نصفه [المزمل: 2 - 3] فهذا حقيقة في الجميع وهذا حقيقة في النصف فإن أطلق(1\/350)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "333",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12731",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حمل على ما يدل عليه اللفظ من عموم أو إطلاق أو عهد فالأول كقوله: يوم يقوم الناس لرب العالمين [المطففين: 6] وقوله: قل أعوذ برب الناس [الناس: 1] والثاني كقوله: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم [آل عمران: 173] وقوله: تنزل الملائكة والروح فيها [القدر: 4] وقوله: يوم يرون الملائكة [الفرقان: 22]  وقالوا لولا أنزل عليه ملك [الأنعام: 8] والثالث كقوله: إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا [الأنفال: 12] فهؤلاء ملائكة معينون وهم الذين أنزلهم الله تعالى يوم بدر للقتال مع المؤمنين واللفظ حقيقة في كل موضع من هذه المواضع مؤكدها ومجردها وعامها ومطلقها فيأتي المتكلم باللفظ المطابق للمعنى الذي يريده ولو أتى بغيره لم يكن قاصدا لكمال البيان فقد ظهر لك أن وقوع التوكيد في هذه اللغة أقوى دليل على الحقيقة وقصدها عند الإتيان به وعند حذفه بحسب غرض المتكلم.  الوجه الحادي والعشرون: قوله: وكذلك أيضا حذف المضاف مجاز وقد كثر حتى إن في القرآن الذي هو أفصح الكلام منه أكثر من ثلاثمائة موضع جوابه من وجهين أحدهما: أن أكثر المواضع التي ادعي فيها الحذف في القرآن لا يلزم فيها الحذف ولا دليل على صحة دعواه كقوله: وكم من قرية أهلكناها [الأعراف: 4]  وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله [الطلاق: 8] إلى أمثال ذلك فادعى أهل المجاز أن ذلك كله من مجاز الحذف وأن التقدير في ذلك كله أهل القرية وهذا غير لازم فإن القرية اسم للقوم المجتمعين في مكان واحد فإذا نسب إلى القرية فعل أو حكم عليها بحكم أو أخبر عنها بخبر كان في الكلام ما يدل على إرادة المتكلم من نسبة ذلك إلى الساكن أو المسكن أو هو حقيقة في هذا وهذا وليس ذلك من باب الاشتراك اللفظي بل القرية موضوعة للجماعة الساكنين بمكان واحد فإذا أطلقت تناولت الساكن والمسكن وإذا قيدت بتركيب خاص واستعمال خاص كانت فيما قيدت به فقوله تعالى: وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة [النحل: 112] حقيقة في الساكن.(1\/351)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "334",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12732",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك لفظة القرية في عامة القرآن إنما يراد بها الساكن فتأمله وقد يراد بها المسكن خاصة فيكون في السياق ما يعينه كقوله تعالى: أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها [البقرة: 259] أي ساقطة على سقوفها وهذا التركيب يعطي المراد فدعوى أن هذا حقيقة القرية وأن قوله: وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله [الطلاق: 8] ونحوه مجاز تحكم بارد لا معنى له وهو بالضد أولى إذ قد اطرد استعمال القرية إلى الساكن وحقيقة الأمر أن اللفظة موضوعة للساكن باعتبار المسكن ثم قد يقصد هذا دون هذا وقد يرادان معا فلا مجاز هاهنا ولا حذف وتخلصت بهذا من ادعاء الحذف فيما شاء الله من المواضع التي زعم أنها تزيد على ثلاثمائة. الوجه الثاني: أن هذا الحذف الذي يزعمه هؤلاء ليس بحذف في الحقيقة فإن قوة الكلام تعطيه ولو صرح المتكلم بذكره كان عيا وتطويلا مخلا بالفصاحة كقوله: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى [الحشر: 7] قالوا: هذا مجاز تقديره: ما أفاء الله من أموال القرى وهذا غلط وليس بمجاز ولا يحتاج إلى هذا التقدير والمعنى مفهوم بدون هذا التقدير فالقائل اتصل إلي من فلان ألف يصح كلامه لفظا ومعنى بدون تقدير فإن (من) للابتداء في الغاية فابتداء الحصول من المجرور بمن وكذلك في الآية. يوضحه أن التقدير إنما يتعين حيث لا يصح الكلام بدونه فأما إذا استقام الكلام بدون التقدير من غير استكراه ولا إخلال بالفصاحة كان التقدير غير مفيد ولا يحتاج إليه وهو على خلاف الأصل فالحذف المتعين تقديره كقوله: ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم [النور: 10] وقوله: ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى [الرعد: 31] ونحو ذلك. وأما نحو قوله: فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق [الشعراء: 63] فليس هناك تقدير أصلا إذ الكلام مستغن بنفسه غير محتاج إلى تقدير فإن الذي يدعي تقديره قد دل اللفظ عليه باللزوم فكأنه مذكور لأن اللفظ يدل بلازمه كما يدل بحروفه ولا(1\/352)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "335",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12733",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقال لما دل عليه دلالة التزام إنه محذوف فتأمله فإنه منشأ غلط هؤلاء في كثير مما يدعون فيه الحذف. نعم هاهنا قسم آخر مما يدعى فيه حذف المضاف وتقديره كقوله: وجاء ربك [الفجر: 22] أي أمره هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام [البقرة: 210] أي أمره وقوله: فأتى الله بنيانهم [النحل: 26] أي أمره وقوله عليه صلى الله عليه وسلم: quot; ينزل ربنا كل ليلة quot; وأمثال ذلك فهذا قد ادعى تقدير المضاف فيه ولكن دعوة مجردة مستندة إلى قاعدة من قواعد التعطيل وهي إنكار أفعال الرب تعالى وأنه لا يقوم به فعل البتة بل هو فاعل بلا فعل. وأما من أثبت أن الرب فاعل حقيقة وأنه يستحيل أن يكون فاعلا بلا فعل ويستحيل أن يكون الفعل عين المفعول بل هي حقائق معتبرة فاعل وفعل ومفعول هذا هو المفعول في فطر بني آدم فإنه لا يحتاج إلى هذا التقدير ولا يجوزه فإن حذفه يكون من باب التلبيس ويرفع الوثوق بكلام المتكلم ويوقع التحريف فإنه لا يشاء أحد أن يقدر مضافا يخرج به الكلام عن مقتضاه إلا فعل وارتفع الوثوق والفهم والتفهيم. فيقدر الملحد في قوله تعالى: وأن الله يبعث من في القبور [الحج: 7] مضافا تقديره أرواح من في القبور وفي قوله تعالى: يحيي الموتى [الحج: 6] أي أرواح الموتى وقوله: ولله على الناس حج البيت [آل عمران: 97] وأمثال ذلك مما يقدر فيه مضاف يخرج الكلام عن ظاهره. فهذا مما ينبغي التنبه له وأنه ليس كل موضع يقبل تقدير المضاف ولا كل ما قبله جاز تقديره حتى يكون في الكلام ما يدل على التقدير دلالة ظاهرة ولا توقع اللبس بحيث لا يجد السامع بدا من التقدير كما يقول القائل: سافرنا في الثريا أي في نوئها وجلسنا في الشمس أي في حرها وهذا مما يعلم بالسياق فكأنه مذكور لم يفت إلا التلفظ به ومثل هذا لا يقال إنه مجاز فإن اللفظ بمجموعه دال على المراد والمتكلم قد يختصر ليحفظ كلامه وقد يبسط ويطيل ليزيد في الإيضاح والبيان والإيجار والاختصار والإسهاب والإطناب طريقان للمتكلم يسلك هذه مرة وهذه(1\/353)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "336",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12734",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مرة وهذا في كل لغة فإذا اختصر ودل على المراد لا يقال تكلم بالمجاز يوضحه: الوجه الثاني والعشرون: أن أكثر ما يدعى فيه الحذف لا يحتاج فيه إليه ولا على صحة دعواه دليل سوى الدعوى المجردة فمن أشهر ما يدعى فيه الحذف التحريم والتحليل والمضاف إلى الأعيان نحو: حرمت عليكم الميتة [المائدة: 3]  حرمت عليكم أمهاتكم [النساء: 23]  أحلت لكم بهيمة الأنعام [المائدة: 1] ونظائره قالوا: لأن التحريم والإباحة والكراهة والإيجاب طلب لا يتصور تعلقه بالأعيان لاستحالة إيجاد المكلف لهما وإنما يتعلق بالأفعال الواقعة فيها فهي التي توصف بالحل والحرمة والكراهة. وأما الأعيان فلا توصف بذلك إلا مجازا فإذا قال: حرمت الميتة كان التقدير أكلها كما صرح به النبي صلى الله عليه وسلم quot; إنما حرم عليكم من الميتة أكلها quot; وحرمت الخمر أي شربها والحرير أي لبسه وأمهاتكم أي نكاحهن ولما كان في الكلام محذوف قالت طائفة: لا يمكن إضمار كل فعل إذ العموم من عوارض الألفاظ ودلالة الحذف والإضمار لا عموم لها فيكون مجملا. وقالت طائفة: بل المقدر كالملفوظ فتارة يكون عاما وتارة يكون خاصا وهذا بحسب الفعل المطلوب من تلك العين فتحريم ما يشرب تحريم شربه وما يؤكل تحريم أكله وما يلبس تحريم لبسه وما يركب تحريم ركوبه من غير أن توصف الأعيان بالحل والحرمة. وقالت طائفة: هذا ثابت من جهة اللزوم وإلا فالتحريم والإباحة واقع على نفس الأعيان ويصح وصف الأعيان بذلك حقيقة باعتبار الألفاظ المطلوب منها قالوا: وهذا كما توصف بأنها محبوبة أو مكروهة في نفسها وإنما الحب والكراهة والبغض متعلق بأفعالنا فيها. قيل: هذا مكابرة ظاهرة فإنا نجد من أنفسنا وجدانا ضروريا محبة بعض الأعيان وبغض بعضها ويعلم كل عاقل صحة قول القائل: هذا الشيء محبوب وهذا مكروه وذلك حقيقة لا مجاز فأي عقل وشرع ولغة يمنع من اتصاف الأعيان أنفسها بكونها مباحة أو محرمة كما توصف بكونها محبوبة أو مكروهة.(1\/354)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "337",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12735",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقول القائل: إن الأعيان لا تدخل تحت الطلب يقال له: هذا من وهمك حيث ظننت أن تحريمها وتحليلها طلب لإيجادها وعدمها فإن هذا لا يفهمه أحد ولا يخطر ببال السامع أصلا وإنما يفهم كونها حلالا أو حراما الإذن في تناوله والمنع منه هذا حقيقة اللفظ وموضوعه وعرف استعماله والتركيب مرشد إلى فهم المعنى ولم يوضع لفظ التحريم والتحليل لإحداث الأعيان ولا إعدامها ولا استعمل في ذلك ولا فهمه أحد أصلا وإنما حقيقته ما يفهم المخاطب منه فله وضع وفيه استعمل ومنه فهم فإذا سمع المخاطب: هذه المرأة حرام عليك لم يشك في المعنى ولم يتوقف فهمه له على تقدير محذوف وإضمار مضاف ولم يخطر بباله أن هذا الكلام مجاز لا حقيقة. ولما سمع المؤمنون قوله تعالى: حرمت عليكم أمهاتكم [النساء: 23] إلى آخرها لم يقع في قلوبهم أن هذا مجاز ولا خطر ببالهم غير حقيقته ومفهومه وهذا كله إنما نشأ من قبل المتولجين المتكلفين ألا ترى أن الذين نزل القرآن بلغتهم لم يختلفوا في ذلك ولم يتكلفوا هذه التقادير بل كانوا أفقه من ذلك وأصح أفهاما وأعلى طلبا وإنما لهج المتأخرون بذلك لما نزلت مرتبتهم وتقاصرت أفهامهم وعلومهم من علوم أولئك. وهل سمع عربي قط ولو من أجلاف العرب قوله تعالى: حرمت عليكم أمهاتكم [النساء: 23]  وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما [المائدة: 96]  وأحل لكم ما وراء ذلكم [النساء: 24]  ونظائره فأصابهم ما أصاب هؤلاء من البحث عن كون ذلك حقيقة أو مجازا أو مجملا لا يدري المراد منه وهل توقف في فهم المراد على إضمار وحذف ثم فكر وقدر في تعيينه ولما قال سبحانه: وحرمنا عليه المراضع من قبل [القصص: 12] فهم السامع المراد من غير أن يخطر بباله حذف ولا إضمار وكذلك قوله تعالى: فإنها محرمة عليهم أربعين سنة [المائدة: 26] فإذا ظهر مراد المتكلم وفهم السامع فأي حاجة إلى دعوى محذوف يحكم على المتكلم أنه أراده وأنه لا يصح الكلام بدونه ويوضحه: الوجه الثالث والعشرون: أن الأعيان توصف بكونها طيبة وخبيثة ونافعة وضارة فكذلك توصف بكونها حلالا وحراما إذ الحل والحرمة تبع طيبها وخبيثها وكونها(1\/355)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "338",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12736",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ضارة ونافعة كما قال تعالى: ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث [الأعراف: 157] ولا بد أن يكون الحلال طيبا في نفسه والحرام خبيثا في نفسه فوصفه بكونه حلالا أو حراما جار مجرى وصفه بكونه طيبا أو خبيثا ودلالة تحريم العين وتحليلها على الفعل المتعلق بها من باب دلالة الالتزام. وقد علمت أن ما يدل بالالتزام لا يقال فيه: إنه محذوف مقدر فالقائل لغيره: اصعد السطح قد دله بالالتزام على الصعود في السلم ولا يقال في الكلام مضمرا محذوفا وهو بدون ذكره مجازا ولو كان كذلك لكان كل كلام له لازم يذكر معه لازمه مجازا وهذا لا يقوله إلا من لا يدري ما يقول فإن الرجل إذا قال (تعال) فله لازم وهو قطع المسافات وإذا قال (كل) فله لازم وهو تناول المأكول وكذلك كل خطاب في الدنيا له لازم يدل عليه باللزوم فافتحوا باب الحذف والإضمار في ذلك كله وقولوا: إن الكلام بدون ذكره مجاز وإلا فما الفرق بين ما ادعيتم إضماره وبين ما ذكرناه فأي فرق بين اصعد السطح وبين اطبخ اللحم واخبز العجين وابن الحائط فهذا له لوازم وهذا له لوازم والمتكلم لا يجب عليه ذكر اللزوم بل ذكرها عي وتطويل. الوجه الرابع والعشرون: قوله: وأما قول الله عز وجل: وكلم الله موسى تكليما [النساء: 164] فليس هو من باب المجاز بل هو حقيقة. فيقال له: ما أسرع ما هدمت جميع ما بنيته ونقضت كل ما أصلته فإنك قدمت في أول الباب أن الفعل يقتضي جميع أفراد المصدر وهذا محال فالأفعال عامتها مجاز وقدمت أن خلق السماوات والأرض مجاز وعلم الله مجاز فما بال وكلم الله موسى تكليما [النساء: 164] وحده حقيقة من بين سائر الأفعال ومن العجب أن يكون خلق الله السماوات والأرض وعلم الله عندك مجازا وهو أظهر للأمم من كل ظاهر و وكلم الله موسى تكليما [النساء: 164] حقيقة وفيه من أظهر الخلاف والخفاء ما لا يخفى ونحن لا نشك أن الجميع حقيقة ومن قال إن ذلك أو بعضه مجاز فهو ضال ولكن القائلون بأن quot; كلم الله موسى quot; مجاز يقولون: إن خلق الله وعلم الله حقيقة وهم الجهمية والكلابية وأما القائلون بخلق القرآن فلهم قولان: أكثرهم يقول: إنه مجاز وبعضهم(1\/356)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "339",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12737",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل ذكر ما ادعوا فيه المجاز من القرآن",
        "content": "يقول: إنه حقيقة وكلم الله ويكلم حقيقة في خلق حروف وأصوات يكون متكلما مكلما والمتكلم عندهم حقيقة من فعل الكلام وحقيقة الكلام عندهم هي الحروف والأصوات وأصابوا في ذلك لكن أخطئوا في اعتقادهم أن المتكلم من فعل الكلام في غيره ولم يقم به فالكلام عندهم مخلوق والرب لم يقم به عندهم كلام ولا أمر ولا نهي وهؤلاء الذين اتفق السلف وأئمة الإسلام على تكفيرهم. الوجه الخامس والعشرون: أنهم إذا قالوا: المتكلم من فعل الكلام في غيره فصار بذلك متكلما دون المحل الذي قام به الكلام فقد قلبوا أوضاع اللغات وخرجوا عن المعقول وعن لغات الأمم قاطبة فإن الله تعالى لو اتصف بما يحدثه في غيره من الأعراض والصفات لكان اسود بالسواد الذي يخلقه في المحل وكذلك إذا خلق في محل بياضا أو حمرة أو طولا أو قصرا أو حركة كان المحل الذي قامت به هذه الصفات والأعراض هو الموصوف بها حقيقة لا الخالق لها فالصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها إلى ذلك لا إلى غيره واشتق له منها اسم لم يشتق لغيره وأخطأ القائلون بخلق القرآن في هذه المسائل الأربع وأخلوا المحل عن حكم الصفة وأعادوه إلى غيره من قامت به واشتقوا الاسم لمن لم تقم به دون من قامت به فقلبوا الحقائق.  [فصل ذكر ما ادعوا فيه المجاز من القرآن] [المثال الأول قوله وجاء ربك والملك صفا صفا] فصل فهذا الكلام في المجاز على وجه كلي ونحن نذكر ما ادعوا فيه المجاز من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه التفصيل وذلك إنما يتبين بذكر أمثلة ادعوا فيها المجاز: المثال الأول: قوله: وجاء ربك [الفجر: 22]  هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام [البقرة: 210] ونظائره قيل: هو من مجاز الحذف تقديره وجاء أمر ربك وهذا باطل من وجوه: أحدها: أنه إضمار ما لا يدل عليه بمطابقة ولا تضمن ولا لزوم وادعاء حذف ما لا دليل عليه يرجع لوثوقه من الخطاب ويطرق كل مبطل على ادعاء إضمار ما يصح باطله. الثاني: أن صحة التركيب واستقامة اللفظ لا تتوقف على هذا المحذوف بل الكلام مستقيم تام قائم المعنى بدون إضمار فإضماره مجرد خلاف الأصل فلا يجوز.(1\/357)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "340",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12738",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالث: أنه إذا لم يكن في اللفظ دليل على تعيين المحذوف كان تعيينه قولا على المتكلم بلا علم وإخبارا عنه بإرادة ما لم يقم به دليل على إرادته وكذلك كذب عليه. الرابع: أن في السياق ما يبطل هذا التقدير وهو قوله: وجاء ربك والملك [الفجر: 22] فعطف مجيء الملك على مجيئه سبحانه يدل على تغاير المجيئين وأن مجيئه سبحانه حقيقة كما أن مجيء الملك حقيقة بل مجيء الرب سبحانه أولى أن يكون حقيقة من مجيء الملك وكذلك قوله: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك [الأنعام: 158] ففرق بين إتيان الملائكة وإتيان الرب وإتيان بعض آيات ربك فقسم ونوع ومع هذا التقسيم يمتنع أن يكون القسمان واحدا فتأمله. ولهذا منع عقلاء الفلاسفة حمل مثل هذا اللفظ على مجازه وقالوا: هذا يأباه التقسيم والترديد والاطراد. الخامس: أنه لو صرح بهذا المحذوف المقدر لم يحسن وكان كلاما ركيكا فادعاء صديق ما يكون النطق به مشتركا باطل فإنه لو قال: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ملك ربك أو أمر ربك أو يأتي بعض آيات ربك كان مستهجنا. السادس: أن اطراد نسبة المجيء والإتيان إليه سبحانه دليل الحقيقة وقد صرحتم بأن من علامات الحقيقة الاطراد فكيف كان هذا المطرد مجازا. السابع: أنه لو كان المجيء والإتيان مستحيلا عليه لكان كالأكل والشرب والنوم والغفلة وهكذا هو عندكم سواء فمتى عهدتم إطلاق الأكل والشرب والنوم والغفلة عليه ونسبتها إليه نسبة مجازية وهي متعلقة بغيره وهل في ذلك شيء من الكمال البتة فإن قوله: وجاء ربك [الفجر: 22] وأتى ويأتي عندكم في الاستحالة مثل نام وأكل وشرب والله سبحانه لا يطلق على نفسه هذه الأفعال ولا رسوله صلى الله عليه وسلم لا بقرينة ولا مطلقة فضلا عن تطرد نسبتها إليه وقد اطرد نسبة المجيء والإتيان والنزول والاستواء إليه مطلقا من غير قرينة تدل على أن الذي نسب إليه ذلك غيره من مخلوقاته فكيف تسوغ دعوى المجاز فيه. الثامن: أن المجاز لو كان ثابتا فإنما يصار إليه عند تعذر الحمل على الحقيقة إذ هي الأصل فما الذي أحال حمل ذلك على حقيقته من عقل أو نقل أو اتفاق من(1\/358)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "341",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12739",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "المثال الثاني اسم الرحمن ورحمة الله",
        "content": "اتفاقهم حجة فأما النقل والاتفاق فهو من جانب الحقيقة بلا ريب وأما العقل فإنكم تزعمون أنكم أولى به منهم وهم قد أبطلوا جميع عقلياتكم التي لأجلها ادعيتم أن نسبة المجيء والإتيان والنزول والاستواء إلى الله مجاز من أكثر من ثلاثمائة وجه وقد ذكرناها فيما تقدم فسلم لهم النقل واتفاق السلف فكيف والعقل الصريح من جانبهم كما تقدم تقريره فإن من لا يفعل شيئا ولا يتمكن من فعل يقوم به بمنزلة الجماد. التاسع: أن هذا الذي ادعوا حذفه وإضماره يلزمهم فيه كما لزمهم فيما أنكروه فإنهم إذا قدروا وجاء أمر ربك ويأتي أمره ويجيء أمره وينزل أمره فأمره هو كلامه وهو حقيقة فكيف تجيء الصفة وتأتي وتنزل دون موصوفها وكيف ينزل الأمر ممن ليس هو فوق سماواته على عرشه. ولما تفطن بعضهم لذلك قال: أمره بمعنى مأموره فالخلق والرزق بمعنى المخلوق والمرزوق فركب مجازا على مجاز بزعمه ولم يصنع شيئا فإن مأموره هو الذي يكون ويخلق بأمره وليس له عندهم أمر يقوم به فلا كلام يقوم به وإنما ذلك مجاز الكناية عن سرعة الانفعال بمشيئته تشبيها بمن يقول: كن فيكون الشيء عقيب تكوينه فركبوا مجازا على مجاز ولم يصنعوا شيئا فإن هذا المأمور الذي يأتي إن كان ملكا فهو داخل في قوله: إلا أن تأتيهم الملائكة [الأنعام: 158] وإن كان شيئا غير الملك فهو آية من آياته فيكون داخلا في قوله: أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك [الأنعام: 158] . العاشر: أن ما ادعوا من الحذف والإضمار إما أن يكون في اللفظ ما يقتضيه ويدل عليه أولا فإن كان الثاني لم يجز ادعاؤه وإن كان الأول كان كالملفوظ به وعلى التقديرين فلا يكون مجازا فإن المدلول عليه يمتنع تقديره.  [المثال الثاني اسم الرحمن ورحمة الله] المثال الثاني: مما ادعوا أنه مجاز اسمه سبحانه (الرحمن) وقالوا وصفه بالرحمة مجاز قالوا: لأن الرأفة والرحمة هي رقة تعتري القلب وهي من الكيفيات النفسية والله منزه عنها وهذا باطل من وجوه: أحدها: أنهم جحدوا حقيقة الرحمة فقالوا إن نسبتها إلى الله تعالى محال وأنه ليس برحيم بعباده على الحقيقة وقد سبقهم إلى هذا النفي مشركو العرب الذين قال الله فيهم وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن [الفرقان: 60] فأنكروا حقيقة اسم الرحمن أن يسمى بذلك ولم يكونوا ينكرون ذاته(1\/359)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "342",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12740",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وربوبيته ولا ما يجعله المعطلة معنى اسم الرحمن من الإحسان فإن أحدا لم ينكروا إحسان الله إلى خلقه. فإن قيل: فلو كان هذا كما ذكرتم لأنكروا اسم الرحيم لأن المعنى واحد. قيل: إنما لم ينكروا الرحيم لأن ورود الرحمن في أسمائه أكثر من ورود الرحيم. ولهذا قال: الرحمن على العرش استوى [طه: 5]  ثم استوى على العرش الرحمن [الفرقان: 59]  إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن [مريم: 45]  رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن [النبأ: 37] الرحمن - علم القرآن [الرحمن: 1 - 2] وإنما جاء الرحيم مقيدا كقوله: وكان بالمؤمنين رحيما [الأحزاب: 43] وقوله: إنه بهم رءوف رحيم [التوبة: 117]  ومقرونا باسم الرحمن كما في الفاتحة أو باسم آخر نحو: العزيز الرحيم [الشعراء: 9] وأيضا فالرحمن جاء على بناء فعلان الدال على الصفة الثابتة اللازمة الكاملة كما يشعر به هذا البناء نحو غضبان وندمان وحيران فالرحمن من صفته الرحمة والرحيم من يرحم بالفعل. وأيضا فلا يخلو إنكارهم لهذا الاسم إما أن تكون دلالته على حقيقة الرحمة أو لا فإن كان الأول فمن أنكر أن يكون حقيقة فقد وافقهم وإن لم يكن كذلك فمن المعلوم أن موضوع الاسم وحقيقته صفة الرحمة القائمة بموصوفها فلو كانت حقيقة الاسم منتفية في نفس الأمر لكان طعنهم أقوى وكان ذلك بمنزلة وصفه بالأكل والشرب والنوم والجور ونحوها مما يليق به وبالجملة فالذي أنكر أن يكون الله رحمانا على الحقيقة هو (جهم بن صفوان) وشيعته قال الله تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه [الأعراف: 180] . ومن أعظم الإلحاد في أسمائه إنكار حقائقها ومعانيها والتصريح بأنها مجازات وهو أنواع هذا أحدها الثاني: جحدها وإنكارها بالكلية الثالث: تشبيهه فيها بصفات المخلوقين ومعاني أسمائه وأن الثابت له منها مماثل للثابت لخلقه وهذا يذكره المتكلمون في كتبهم ويجعلونها مقالة لبعض الناس وهذه كتب المقالات بين أظهرنا لا نعلم ذلك مقالة لطائفة من الطوائف البتة وإنما المعطلة الجهمية يسمون كل من(1\/360)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "343",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12741",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أثبت صفات الكمال لله تعالى مشبها وممثلا ويجعلون التشبيه لازم قولهم ويجعلون لازم المذهب مذهبا ويسرعون في الرد عليهم وتكفيرهم. والمقصود أن هؤلاء المعطلة الملحدين في أسماء الرب تعالى هم المشبهون في الحقيقة لا من أثبت ألفاظها وحقائقها من غير تمثيل ولا تشبيه ولهذا لا يأتي الرد في القرآن على هذه الفرقة التي انتصب لها هؤلاء فإنها فرقة مقدرة في الأذهان ولا موجود لها في الأعيان وإنما القرآن مملوء من الرد على من شبه المخلوق بالخالق في صفات الإلهية حتى عبده من دونه لأنه هو الواقع من بني آدم يشبهون أوثانهم ومعبودهم بالخالق في الإلهية قال تعالى: هل تعلم له سميا [مريم: 65] أي من يساميه ويماثله وقال تعالى: ولم يكن له كفوا أحد [الإخلاص: 4] وقال: ليس كمثله شيء [الشورى: 11] فنفى عن المخلوق مماثلته ومكافأته ومشابهته ومساماته الذي هو أصل شرك بني آدم فضرب المتكلمون عن ذلك صفحا وأخذوا في المبالغة في الرد على من شبه الله بخلقه ولا نعلم فرقة من فرق بني آدم استقلت بهذه النحلة وجعلتها مذهبا تذهب إليه حتى ولا المجسمة المحضة الذين حكى أرباب المقالات مذاهبهم كالهاشمية والكرامية الذين قالوا: إن الله جسم لم يقولوا: إنه مماثل للأجسام بل صرحوا بأن معنى كونه جسما أنه قائم بنفسه موصوف بالصفات ومثبتو الصفات لا ينازعونهم في المعنى وإن نازعوهم في بعض المواضع. الوجه الثاني: أن الإلحاد إما أن يكون بإنكار لفظ الاسم أو بإنكار معناه فإن كان إنكار لفظه إلحادا فمن ادعى أن الرحمن مجاز لا حقيقة فإنه يجوز إطلاق القول بنفيها فلا يستنكف أن يقول: ليس بالرحمن ولا الرحيم كما يصح أن يقال للرجل الشجاع ليس بأسد على الحقيقة. وإن قالوا: نتأدب في إطلاق هذا النفي فالأدب لا يمنع صحة الإطلاق وإن كان الإلحاد هو إنكار معاني أسمائه وحقائقها فقد أنكرتم معانيها التي تدل عليها بإطلاقها وما صرفتموه إليه من المجاز فنقيض معناها أو لازم من لوازم معناها وليس هو الحقيقة ولهذا يصرح غلاتهم بإنكار معانيها بالكلية ويقولون: هي ألفاظ لا معاني لها. الوجه الثالث: أن هذا الحامل لكم على دعوى المجاز في اسم (الرحمن) هو بعينه(1\/361)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "344",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12742",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "موجود في اسم العليم والقدير والسميع والبصير وسائر الأسماء فإن المعقول من العلم صفة عرضية تقوم بالقلب إما ضرورية وأما نظرية والمعقول من الإرادة حركة النفس الناطقة لجلب ما ينفعها ودفع ما يضرها أو ينفع غيرها أو يضره والمعقول من القدرة القوة القائمة بجسم تتأتى به الأفعال الاختيارية فهل تجعلون إطلاق هذه الأسماء والصفات على الله حقيقة أم مجازا فإن قلتم: حقيقة تناقضتم أقبح التناقض إذ عمدتم إلى صفاته سبحانه فجعلتم بعضها حقيقة وبعضها مجازا مع وجود المحذور فيما جعلتموه حقيقة وإن قلتم: لا يستلزم ذلك محذورا فمن أين استلزم اسم الرحمن المحذور وإن قلتم الكل مجاز لم تتمكنوا بعد ذلك من إثبات حقيقة الله البتة لا في أسمائه ولا في الإخبار عنه بأفعاله وصفاته وهذا انسلاخ من العقل والإنسانية. الوجه الرابع: أن نفاة الصفات يلزمهم نفي الأسماء من جهة أخرى فإن العليم والقدير والسميع والبصير أسماء تتضمن ثبوت الصفات في اللغة فيمن وصف بها فاستعمالها لغير ممن وصف بها استعمال للاسم في غير ما وضع له فكما انتفت عنه حقائقها فإنه تنتفي عنه أسماؤها فإن الاسم المشتق تابع للمشتق منه في النفي والإثبات فإذا انتفت حقيقة الرحمة والعلم والقدرة والسمع والبصر انتفت الأسماء المشتقة منها عقلا ولغة فيلزم من نفي الحقيقة أن تنفي الصفات والاسم جميعا فالمعتزلة لا تقر بأن الأسماء الحقيقية تستلزم الصفات ثم ينفون الصفات ويثبتون الأسماء بطريق الحقيقة كما قالوا في المتكلم والمريد. وبعض الجهمية يساعد على أن الاسم يستلزم الصفة ثم ينفي الصفة وينفي حقيقة الاسم ويقول: هذا مجاز فهو شر من المعتزلة من هذا الوجه وهم خير منهم من وجه آخر وهو أنه يتناقض فيثبت بعض الصفات وحقائق الأسماء وينفي نظيرها وما يدل عليها من حقيقة الاسم. وأهل السنة يثبتون الصفات وحقائق الأسماء فالأسماء عندهم حقائق وهي متضمنة للصفات. الوجه الخامس: أنه كيف يكون أظهر الأسماء التي افتتح الله بها كتابه في أم القرآن وهي من أظهر شعار التوحيد والكلمة الجارية على ألسنة أهل الإسلام وهي (بسم الله الرحمن الرحيم) التي هي مفتاح الطهور والصلاة وجميع الأفعال كيف يكون مجازا هذا من أشنع الأقوال فهذان الاسمان اللذان افتتح الله بهما أم القرآن(1\/362)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "345",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12743",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجعلهما عنوان ما أنزله من الهدى والبيان وضمنهما الكلمة التي لا يثبت لها شيطان وافتتح بها كتابه نبي الله سليمان وكان جبرائيل ينزل بها على النبي صلى الله عليه وسلم عند افتتاح كل سورة من القرآن. الوجه السادس: قولهم: (الرحمة رقة القلب) تريدون رحمة المخلوق أم رحمة الخالق أم كل ما سمي رحمة شاهدا أو غائبا فإن قلتم بالأول صدقتم ولم ينفعكم ذلك شيئا وإن قلتم بالثاني والثالث كنتم قائلين غير الحق فإن الرحمة صفة الرحيم وهي في كل موصوف بحسبه فإن كان الموصوف حيوانا له قلب فرحمته من جنسه رقة قائمة بقلبه وإن كان ملكا فرحمته تناسب ذاته فإذا اتصف أرحم الراحمين بالرحمة حقيقة لم يلزم أن تكون رحمته من جنس المخلوق لمخلوق وهذا يطرد في سائر الصفات كالعلم والقدرة والسمع والبصر والحياة والإرادة إلزاما وجوابا فكيف يكون رحمة أرحم الراحمين مجازا دون السميع العليم . الوجه السابع: أن اسم الرحمة استعمل في صفة الخالق وصفة المخلوق فإما أن يكون حقيقة في الموصوفين أو حقيقة في الخالق مجازا في المخلوق أو عكسه فإذا كانت حقيقة فيهما فإما حقيقة واحدة وهو التواطؤ أو حقيقتان وهو الاشتراك ومحال أن تكون مشتركة لأن معناها يفهم عند الإطلاق ويجمعهما معنى واحد ويصح تقسيمها وخواص المشترك منفية عنها ولأنها لم يشتق لها وضع في حق المخلوق ثم استعيرت من المخلوق للخالق تعالى الله عما يقول أهل الزيغ والضلال فبقي قسمان: أحدهما: أن تكون حقيقة في الخالق مجازا في المخلوق الثاني: أن تكون حقيقة متواطئة أو مشتركة وعلى التقديرين فبطل أن يكون إطلاقها على الله سبحانه مجازا. الوجه الثامن: أنه من أعظم المحال أن تكون رحمة أرحم الراحمين التي وسعت كل شيء مجازا ورحمة العبد الضعيفة القاصرة المخلوقة المستعارة من ربه التي هي من آثار رحمته حقيقة وهل في قلب الحقائق أكثر من هذا فالعباد إنما حصلت لهم هذه الصفات التي هي كمال في حقهم من آثار صفات الرب تعالى فكيف تكون لهم حقيقة وله مجاز يوضحه: الوجه التاسع: وهو ما رواه أهل السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يقول الله تعالى: quot; أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن(1\/363)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "346",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12744",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قطعها قطعته quot; فهذا صريح في أن اسم الرحمة مشتق من اسمه الرحمن تعالى فدل على أن رحمته لما كانت هي الأصل في المعنى كانت هي الأصل في اللفظ ومثل هذا قول حسان رضي الله عنه في النبي صلى الله عليه وسلم: فشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد فإذا كانت أسماء الخلق المحمودة مشتقة من أسماء الله الحسنى كانت أسماؤه يقينا سابقة فيجب أن تكون حقيقة لأنها لو كانت مجازا لكانت الحقيقة سابقة لها فإن المجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له فيكون اللفظ قد سمي به المخلوق ثم نقل إلى الخالق وهذا باطل قطعا. الوجه العاشر: ما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لما قضى الله الخلق كتب كتابا فهو موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي quot; وفي لفظ (غلبت) وقال تعالى: كتب ربكم على نفسه الرحمة [الأنعام: 54] فوصف نفسه سبحانه بالرحمة وتسمى بالرحمن قبل أن يكون بنو آدم فادعاء المدعي أن وصفه بالرحمن مجاز من أبطل الباطل. الوجه الحادي عشر: أن أسماء الرب قديمة لم يستحدثها من جهة خلقه بل لم يزل موصوفا بها مسمى بها والمجاز مسبوق بالحقيقة وضعا واستعمالا ومرتبة وذلك كله ممتنع بالنسبة إلى أسماء الله تعالى. فإن قيل: بعضها مستعار من بعض وفيها الحقيقة وفيها المجاز ومجازها مستعار من حقائقها كالرحمن مستعار من اسم المحسن وذلك لا محذور فيه. قيل: هذا لا يصح لأن الحقيقة والمجاز من عوارض الوضع والاستعمال وهما معا وأيا ما كان لم تصح دعوى المجاز فيه بوجه من الوجوه. الوجه الثاني عشر: أنه من المعلوم أن المعنى المستعار يكون في المستعار منه أكمل منه في المستعار له وأن المعنى الذي دل عليه اللفظ بالحقيقة أكمل من المعنى(1\/364)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "347",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12745",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي دل عليه بالمجاز وإنما يستعار لتكميل المعنى المجازي تشبيهه بالحقيقي كما يستعار الشمس والقمر والبحر للرجل الشجاع والجميل والجواد فإذا جعل الرحمن والرحيم والودود وغيرها من أسمائه سبحانه حقيقة في العبد مجازا في الرب لزم أن تكون هذه الصفات في العبد أكمل منها في الرب تعالى. الوجه الثالث عشر: أن وصفه تعالى بكونه رحمانا رحيما حقيقة أولى من وصفه بالإرادة وذلك أن من أسمائه الحسنى الرحمن الرحيم وليس في أسمائه الحسنى المريد والمتكلمون يقولون مريد لبيان إثبات الصفة وإلا فليس ذلك من أسمائه الحسنى لأن الإرادة تناول ما يحسن إرادته وما لا يحسن فلم يوصف بالاسم المطلق منها كما ليس في أسمائه الحسنى الفاعل ولا المتكلم وإنما كان فعالا مريدا متكلما بالصدق والعدل فليس الوصف بمطلق الكلام ومطلق الإرادة ومطلق الفعل يقتضي مدحا وحمدا حتى يكون ذلك متعلقا بما يحسن تعلقه به بخلاف العليم القدير والعدل والمحسن والرحمن الرحيم فإن هذه كمالات في أنفسها لا تكون نقصا ولا مستلزمة لنقص البتة. فإذا قيل: إنه مريد حقيقة وله إرادة حقيقية وليس من أسمائه الحسنى المريد فلأن يكون رحمانا رحيما حقيقة وهو موصوف بالرحمة حقيقة ومن أسمائه الرحمن الرحيم أولى وأحرى.  الوجه الرابع عشر: أن الرحمة مقرونة في حق العبد بلوازم المخلوق من الحدوث والنقص والضعف وغيره وهذه اللوازم ممتنعة على الله تعالى فإما أن تكون الرحمة اسما للقدر الممدوح فقط أو الممدوح وما يلزمه من النقص فإن كانت اسما للقدر الكامل الذي لا يستلزم نقصا وذلك ثابت للرب تعالى كانت حقيقة في حقه قطعا وإن كانت اسما للمجموع فالثابت للرب تعالى هو القدر الذي لا نقص فيه وغاية ذلك أن يكون قد استعمل لفظها في بعض مدلوله كالعام إذا استعمل في الخصوص والأمر إذا استعمل في الندب وذلك لا يخرج اللفظ عن حقيقته عند جمهور الناس. قيل: هذا حقيقة عندهم فإن اللفظ يستعمل في المجموع عند إطلاقه وفي البعض عند تقييده والمطلق موضوع والمقيد موضوع كما تقدم لا سيما أكثر الناس يقولون: إن بعض الشيء وصفته ليس غيرا له كما أجاب مثبتو الصفات لنفاتها وحينئذ فلا يكون اللفظ مستعملا في غير موضوعه فلا يكون مجازا. الوجه الخامس عشر: أن هذا النقض اللازم للصفة ليس هو من موضوعها ولا(1\/365)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "348",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12746",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مسمى لفظها وإنما هو من خصوص الإضافة فالقدر الممدوح الذي هو موضوع الصفة والنقص اللازم غير داخل في موضوعها وكذلك لا دلالة في لفظها على العدم والوجود غاية الكمال الذي لا كمال فوقه وإنما ذلك من لوازم إضافتها ونسبتها إلى الرب سبحانه فإذا موضوع لفظها مطلق المعنى الممدوح وخصوص الإضافة غير داخل في اللفظ وعلى هذا فإذا استعملت في حق الرب تعالى كانت حقيقة وإذا استعملت للعبد كانت حقيقة. فتدبر هذا فإنه فصل الخطاب فيما يطلق على الرب والعبد واعتبر هذا فيما يطلق على المخلوق نفسه فإنه حقيقة مع دلالته على غاية المدح في المحل وغاية الذم في محل آخر. مثاله: قولك: هذا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه وسمته وهذا كلام الصديق وهذا كلام المفتري فهذا حقيقة وهذا حقيقة وهما في غاية التضاد والاختلاف وهذا التعريف بالإضافة نظير التعريف باللام ينصرف إلى كل محل بحسبه فعصى فرعون الرسول [المزمل: 16] هو موسى و لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم [النور: 63] هو محمد صلى الله عليه وسلم فرسول دال على القدر المشترك واللام تدل على تعريفه وتعيينه وكل من الموضعين حقيقة هذا مع أن اللفظ يستعمل مجردا عن التعريف كثيرا. وأما لفظ الرحمة والسمع والبصر واليد والوجه والكلام فلا تكاد تستعمل إلا مضافة إلى محلها فلزوم الإضافة فيها نحو لزومها في الأسماء والأعلام ولا سيما المضافة إلى الرب كقوله: ورحمتي وسعت كل شيء [الأعراف: 156]  إن رحمة الله قريب من المحسنين [الأعراف: 56]  ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام [الرحمن: 27]  إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى [الليل: 20]  بل يداه مبسوطتان [المائدة: 64]  خلقت بيدي [ص: 75] فهذه الإضافة تمنع أن يدخل في اسم الصفة شيء من خصائص المخلوقين بوجه من الوجوه فالمحذوف الذي أوجب لهم دعوى المجاز فيها منتف بالإضافة قطعا فلا وجه لدعوى المجاز فيها البتة وهذا ظاهر جدا فإنها بإضافتها الخاصة دلت على ما لا تسعه العبارة من الكمال الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه.(1\/366)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "349",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12747",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه السادس عشر: أن يقال لمن أثبت شيئا من الصفات بالعقل فلا بد أن يأتي في الدلالة على ذلك بقياس شمولي أو قياس تخييلي فتقول في الشمولي: كل فعل منقل محكم فإنه يدل على علم فاعله وقدرته وإرادته وهذه المخلوقات كذلك فهي. دالة على علم الرب تعالى وقدرته ومشيئته وتقول في التمثيل: الفعل المتقن يدل على علم فاعله وقدرته في الشاهد فكان دليلا في الغائب والدلالة العقلية لا تختلف شاهدا وغائبا فلا يمكنك أن تثبت له سبحانه بالعقل صفة أو فعلا إلا بالقياس المتضمن قضية كلية إما لفظا كما في قياس الشمول وإما معنى كما في قياس التمثيل. فإذا كنت لا يمكنك ثبات الصانع ولا صفاته إلا بالقياس الذي لا بد فيه من إثبات قدر مشترك بين المقيس والمقيس عليه وبين أفراد القضية الكلية ولم يكن هذا عندك تشبيها ممتنعا فكيف تنكر معاني ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم وحقائقه بزعمك أنه يتضمن تشبيها وهذا من أنفع الأشياء لمن له فهم فإن الله أخبر في كتابه بما هو عليه من أسمائه وصفاته ولا بد في الأسماء المشتقة المتواطئة من معنى مشترك بين أفرادها فجحد المعطلة حقائقها لما زعموا فيها من التشبيه وهم لا يمكنهم إثبات شيء يعتقدونه إلا بنوع من القياس المتضمن التشبيه الذي فروا منه لا في جانب النفي ولا في جانب الإثبات فهم منكرون ما جاءت به الرسل بما هو من نوعه أو دونه وهذا غاية الضلال فليتأمل ذلك. الوجه السابع عشر: أن من ادعى أن رحمة الله مجاز أو اسمه الرحمن الرحيم إما أن يثبت لهذا اللفظ معنى أو لا والثاني يقر المنازع ببطلانه وإذا كان لا بد من إثبات معنى لهذا اللفظ فإما أن يتضمن محذورا أو لا فإن تضمن محذورا لم يجز إثباته وإن لم يتضمن محذورا لم يمكن إثباته لإخراج اللفظ عن حقيقته أولى من بقاء اللفظ على حقيقته وإثبات معناه الأصلي إذ انتفاء المحذور عن الحقيقة والمجاز واحد وتسلم الحقيقة وهي الأصل فأما إخراج اللفظ عن حقيقته لأمر لا يتخلص به في المجاز ولا محذور منه في الحقيقة ولا في المجاز معنى له بل هو خطأ محض. الوجه الثامن عشر: أن الله سبحانه وتعالى فرق بين رحمته والرضوان وثوابه المنفصل فقال تعالى: يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم [التوبة: 21] فالرحمة والرضوان صفته والجنة ثوابه وهذا يبطل قول من جعل الرحمة(1\/367)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "350",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12748",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والرضوان ثوابا منفصلا مخلوقا وقول من قال: هي إرادته الإحسان فإن إرادته الإحسان هي من لوازم الرحمة فإنه يلزم من الرحمة أن يريد الإحسان إلى المرحوم فإذا انتفت حقيقة الرحمة انتفى لازمها وهو إرادة الإحسان وكذلك لفظ اللعنة والغضب والمقت هي أمور مستلزمة للعقوبة فإذا انتفت حقائق تلك الصفات انتفى لازمها فإن ثبوت لازم الحقيقة مع انتفائها ممتنع فالحقيقة لا توجد منفكة عن لوازمها. الوجه التاسع عشر: أن ظهور آثار هذه الصفة في الوجود كظهور أثر صفة الربوبية والملك والقدرة فإن ما لله على خلقه من الإحسان والإنعام شاهد برحمة تامة وسعت كل شيء كما أن الموجودات كلها شاهدة له بالربوبية التامة الكاملة وما في العالم من آثار التدبير والتصريف الإلهي شاهد بملكه سبحانه فجعل صفة الرحمة واسم الرحمة مجازا كجعل صفة الملك والربوبية مجازا ولا فرق بينهما في شرع ولا عقل ولا لغة. وإذا أردت أن تعرف بطلان هذا القول فانظر إلى ما في الوجود من آثار رحمته الخاصة والعامة فبرحمته أرسل إلينا رسوله صلى الله عليه وسلم وأنزل علينا كتابه وعصمنا من الجهالة وهدانا من الضلالة وبصرنا من العمى وأرشدنا من الغي وبرحمته عرفنا من أسمائه وصفته وأفعاله ما عرفنا به أنه ربنا ومولانا وبرحمته علمنا ما لم نكن نعلم وأرشدنا لمصالح ديننا ودنيانا وبرحمته أطلع الشمس والقمر وجعل الليل والنهار وبسط الأرض وجعلها مهادا وفراشا وقرارا وكفاتا للأحياء والأموات وبرحمته أنشأ السحاب وأمطر المطر وأطلع الفواكه والأقوات والمرعى ومن رحمته سخر لنا الخيل والإبل والأنعام وذللها منقادة للركوب والحمل والأكل والدر وبرحمته وضع الرحمة بين عباده ليتراحموا بها وكذلك بين سائر أنواع الحيوان. فهذا التراحم الذي بينهم بعض آثار الرحمة التي هي صفته ونعمته واشتق لنفسه منها اسم الرحمن الرحيم وأوصل إلى خلقه معاني خطابه برحمته وبصرهم ومكن لهم أسباب مصالحهم برحمته وأوسع المخلوقات عرشه وأوسع الصفات رحمته فاستوى على عرشه الذي وسع المخلوقات بصفة رحمته التي وسعت كل شيء ولما استوى على عرشه بهذا الاسم الذي اشتقه من صفته وتسمى به دون خلقه كتب بمقتضاه على نفسه يوم استوائه على عرشه حين قضى الخلق كتابا فهو عنده وضعه(1\/368)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "351",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12749",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على عرشه أن رحمته سبقت غضبه وكان هذا الكتاب العظيم الشأن كالعهد منه سبحانه للخليقة كلها بالرحمة لهم والعفو عنهم والمغفرة والتجاوز والستر والإمهال والحلم والأناة فكان قيام العالم العلوي والسفلي بمضمون هذا الكتاب الذي لولاه لكان للخلق شأن آخر وكان عن صفة الرحمة الجنة وسكانها وأعمالها فبرحمته خلقت وبرحمته عمرت بأهلها وبرحمته وصلوا إليها وبرحمته طاب عيشهم فيها وبرحمته احتجب عن خلقه بالنور ولو كشف ذلك الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه. ومن رحمته أنه يعيذ من سخطه برضاه ومن عقوبته بعفوه ومن نفسه بنفسه ومن رحمته أن خلق للذكر من الحيوان أنثى من جنسه وألقى بينهما المحبة والرحمة ليقع بينهما التواصل الذي به دوام التناسل وانتفاع الزوجين ويمتع كل واحد منهما بصاحبه ومن رحمته أحوج الخلق بعضهم إلى بعض لتتم مصالحهم ولو أغنى بعضهم عن بعض لتعطلت مصالحهم وانحل نظامها وكان من تمام رحمته بهم أن جعل فيهم الغني والفقير والعزيز والذليل والعاجز والقادر والراعي والمرعي ثم أفقر الجميع إليه ثم عم الجميع برحمته. ومن رحمته أنه خلق مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض فأنزل منها إلى الأرض رحمة واحدة نشرها بين الخليقة ليتراحموا بها فبها تعطف الوالدة على ولدها والطير والوحش والبهائم وبهذه الرحمة قوام العالم ونظامه. وتأمل قوله تعالى الرحمن - علم القرآن - خلق الإنسان - علمه البيان [الرحمن: 1 - 4] كيف جعل الخلق والتعليم ناشئا عن صفة الرحمة متعلقا باسم الرحمن وجعل معاني السورة مرتبطة بهذا الاسم وختمها بقوله: تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام [الرحمن: 78] فالاسم الذي تبارك هو الاسم الذي افتتح به السورة إذ مجيء البركة كلها منه وبه وضعت البركة في كل مبارك فكل ما ذكر عليه بورك فيه وكل ما خلي منه نزعت منه البركة فإن كان مذكى وخلي منه اسمه كان ميتة وإن كان طعاما شارك صاحبه فيه الشيطان وإن كان مدخلا دخل معه فيه وإن كان حدثا لم يرفع عند كثير من العلماء وإن كان صلاة لم تصح عند كثير منهم.(1\/369)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "352",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12750",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولما خلق سبحانه الرحم واشتق لها اسما من اسمه فأراد إنزالها إلى الأرض تعلقت به سبحانه فقال: مه فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة فقال: ألا ترضين أن أقطع من قطعك وأصل من وصلك وهي متعلقة بالعرش لها حنحنة كحنحنة المغزل وكان تعلقها بالعرش رحمة منه بها وإنزالها إلى الأرض رحمة منه بخلقه ولما علم سبحانه ما تلقاه من نزولها إلى الأرض ومفارقتها لما اشتقت منه رحمها بتعلقها بالعرش واتصالها به وقوله: quot; ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك quot;. ولذلك كان من وصل رحمه لقربه من الرحمن ورعاية حرمة الرحم قد عمر دنياه واتسعت له معيشته وبورك له في عمره ونسئ له في أثره فإن وصل ما بينه وبين الرحمن جل جلاله مع ذلك وما بينه وبين الخلق بالرحمة والإحسان تم له أمر دنياه وأخراه وإن قطع ما بينه وبين الرحم وما بينه وبين الرحمن أفسد عليه أمر دنياه وآخرته ومحق بركة رحمته ورزقه وأثره كما قال صلى الله عليه وسلم: quot; ما من ذنب أجدر أن يعجل لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له من العقوبة يوم القيامة من البغي وقطيعة الرحم quot; فالبغي معاملة الخلق بضد الرحمة وكذلك قطيعة الرحم وإن القوم ليتواصلون وهم فجرة فتكثر أموالهم ويكثر عددهم وإن القوم ليتقاطعون فتقل أموالهم ويقل عددهم وذلك لكثرة نصيب هؤلاء من الرحمة وقلة نصيب هؤلاء منها. وفي الحديث: quot; إن صلة الرحم تزيد في العمر quot; وإذا أراد الله بأهل الأرض خيرا نشر عليهم أثرا من آثار اسمه الرحمن فعمر به البلاد وأحيا به العباد فإذا أراد بهم ضرا أمسك عنهم ذلك الأثر فحل بهم من البلاء بحسب ما أمسك عنهم من آثار اسمه الرحمن ولهذا إذا أراد الله سبحانه أن يخرب هذه الدار ويقيم القيامة أمسك عن أهلها(1\/370)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "353",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12751",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "المثال الثالث استواء الله على عرشه",
        "content": "أثر هذا الاسم وقبضه شيئا فشيئا حتى إذا جاء وعده قبض الرحمة التي أنزلها إلى الأرض فتضع لذلك الحوامل ما في بطونها وتذهل المراضع عن أولادها فيضيف سبحانه تلك الرحمة التي رفعها وقبضها من الأرض إلى ما عنده من الرحمة فيكمل بها مائة رحمة فيرحم بها أهل طاعته وتوحيده وتصديق رسله وتابعهم. وأنت لو تأملت العالم بعين البصيرة لرأيته ممتلئا بهذه الرحمة الواحدة كامتلاء البحر بمائه والجو بهوائه وما في خلاله من ضد ذلك فهو مقتضى قوله: quot; سبقت رحمتي غضبي quot; فالمسبوق لا بد لاحق وإن أبطأ وفيه حكمة لا تناقضها الرحمة فهو أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين فسبحان من أعمى بصيرة من زعم أن رحمة الله مجاز. الوجه العشرون: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أقسم صادقا بارا quot; إن الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها quot; وفي هذا إثبات كمال الرحمة وأنها حقيقة لا مجازية ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة أصيبت في السبي وكانت كلما مرت بطفل أرضعته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; أترون هذه طارحة ولدها في النار quot; قالوا لا يا رسول الله وهي قادرة على أن لا تطرحه فقال: quot; الله أرحم بعباده من هذه بولدها quot; فإن كانت رحمة الوالدة حقيقة فرحمة الله أولى بأن تكون حقيقة منها وإن كانت رحمة الله مجازا فرحمة الوالدة لا حقيقة لها.  [المثال الثالث استواء الله على عرشه] المثال الثالث: في قوله: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] في سبع آيات من القرآن حقيقة عند جميع فرق الأمة إلا الجهمية ومن وافقهم فإنهم قالوا: هو مجاز ثم اختلفوا في مجازه والمشهور عنهم ما حكاه الأشعري عنهم وبدعهم وضللهم فيه بمعنى استولى أي ملك وقهر وقالت فرقة منهم: بل معنى قصد وأقبل على خلق العرش وقالت فرقة أخرى: بل هو مجمل في مجازاته يحتمل خمسة عشر وجها كلها لا يعلم أيها المراد إلا أنا نعلم انتفاء الحقيقة عنه بالعقل هذا الذي قالوه باطل من اثنين وأربعين وجها:(1\/371)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "354",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12752",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها: أن لفظ الاستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله تعالى بلغتهم وأنزل بها كلامه نوعان: مطلق ومقيد فالمطلق ما لم يوصل معناه بحرف مثل قوله: ولما بلغ أشده واستوى [القصص: 14] وهذا معناه كمل وتم يقال: استوى النبات واستوى الطعام وأما المقيد فثلاثة أضراب: أحدها: مقيد بإلى كقوله: ثم استوى إلى السماء [البقرة: 29] واستوى فلان إلى السطح وإلى الغرفة وقد ذكر سبحانه هذا المعدى بإلى في موضعين من كتابه: في البقرة في قوله تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء [البقرة: 29] والثاني في سورة فصلت: ثم استوى إلى السماء وهي دخان [فصلت: 11] وهذا بمعنى العلو والارتفاع بإجماع السلف كما سنذكره ونذكر ألفاظهم بعد إن شاء الله. والثاني: مقيد بعلى كقوله: واستوت على الجودي [هود: 44] وقوله: فاستوى على سوقه [الفتح: 29] وهذا أيضا معناه العلو والارتفاع والاعتدال بإجماع أهل اللغة الثالث: المقرون بواو (مع) التي تعدي الفعل إلى المفعول معه نحو: استوى الماء والخشبة بمعنى ساواها وهذه معاني الاستواء المعقولة في كلامهم ليس فيها معنى استولى البتة ولا نقله أحد من أئمة اللغة الذين يعتمد قولهم وإنما قاله متأخرو النحاة ممن سلك طريق المعتزلة والجهمية يوضحه: الوجه الثاني: أن الذين قالوا ذلك لم يقولوه نقلا فإنه مجاهرة بالكذب وإنما قالوه استنباطا وحملا منهم للفظة استوى على استولى واستدلوا بقول الشاعر: قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف أو دم مهراق وهذا البيت ليس من شعر العرب كما سيأتي بيانه. الوجه الثالث: أن أهل اللغة لما سمعوا ذلك أنكروه غاية الإنكار ولم يجعلوه من لغة العرب قال ابن الأعرابي وقد سئل: هل يصح أن يكون استوى بمعنى استولى فقال: لا تعرف العرب ذلك وهذا هو من أكابر أئمة اللغة.(1\/372)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "355",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12753",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الرابع: ما قاله الخطابي في كتابه (شعار الدين) قال: القول في أن الله مستو على عرشه ثم ذكر الأدلة في القرآن ثم قال: فدل ما تلوته من هذه الآي أن الله تعالى في السماء مستو على العرش وقد جرت عادة المسلمين خاصهم وعامهم بأن يدعوا ربهم عند الابتهال والرغبة إليه ويرفعوا أيديهم إلى السماء وذلكم لاستفاضة العلم عندهم بأن المدعو في السماء سبحانه. إلى أن قال: وزعم بعضهم أن الاستواء هاهنا بمعنى الاستيلاء ونزع فيه إلى بيت مجهول لم يقله شاعر معروف يصح الاحتجاج بقوله ولو كان الاستواء هاهنا بمعنى الاستيلاء لكان الكلام عديم الفائدة لأن الله تعالى قد أحاط علمه وقدرته بكل شيء وكل قطر وبقعة من السماوات والأرضين وتحت العرش فما معنى تخصيصه العرش بالذكر ثم إن الاستيلاء إنما يتحقق معناه عند المنع من الشيء فإذا وقع الظفر به قيل استولى عليه فأي منع كان هناك حتى يوصف بالاستيلاء بعده هذا لفظه وهو من أئمة اللغة. الوجه الخامس: أن هذا تفسير لكلام الله بالرأي المجرد الذي لم يذهب إليه صاحب ولا تابع ولا قاله إمام من أئمة المسلمين ولا أحد من أهل التفسير الذين يحكون أقوال السلف وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم quot; من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار quot;. الوجه السادس: أن إحداث القول في تفسير كتاب الله الذي كان السلف والأئمة على خلافه يستلزم أحد أمرين: إما أن يكون خطأ في نفسه أو تكون أقوال السلف المخالفة له خطأ ولا يشك عاقل أنه أولى بالغلط والخطأ من قول السلف. الوجه السابع: أن هذا اللفظ قد اطرد في القرآن والسنة حيث ورد بلفظ الاستواء دون الاستيلاء ولو كان معناه استولى لكان استعماله في أكثر مورده كذلك فإذا جاء موضع أو موضعان بلفظ استوى حمل على معنى استولى لأنه المألوف المعهود وأما أن يأتي إلى لفظ قد اطرد استعماله في جميع موارده على معنى واحد فيدعي صرفه في الجميع إلى معنى لم يعهد استعماله فيه ففي غاية الفساد ولم يقصده ويفعله من قصد البيان هذا لو لم يكن في السياق ما يأتي حمله على غير معناه الذي اطرد استعماله فيه فكيف وفي السياق ما يأبى ذلك.(1\/373)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "356",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12754",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثامن: أنه أتى بلفظة (ثم) التي حقيقتها الترتيب والمهلة ولو كان معناه معنى القدرة على العرش والاستيلاء عليه لم يتأخر ذلك إلى ما بعد خلق السماوات والأرض فإن العرش كان موجودا قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام كما ثبت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot; إن الله تعالى قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء quot; وقال تعالى: وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء [هود: 7] فكيف يجوز أن يكون غير قادر ولا مستول على العرش إلى أن خلق السماوات والأرض. فإن قيل: نحمل quot; ثم quot; على معنى الواو ونجردها على معنى الترتيب. قيل: هذا بخلاف الأصل والحقيقة فأخرجتم ثم عن حقيقتها والاستواء عن حقيقته ولفظ الرحمن عن حقيقته وركبتم مجازات بعضها فوق بعض. فإن قيل: فقد يأتي quot; ثم quot; لترتيب الخبر لا لترتيب المخبر فيجوز أن يكون ما بعدها سابقا على ما قبلها في الوجود وإن تأخر عنه في الإخبار. قيل: هذا لا يثبت أولا ولا يصح به نقل ولم يأت في كلام فصيح ولو قدر وروده فهو نادر لا يكون قياسا مطردا تترك الحقيقة لأجله. فإن قيل: فقد ورد في القرآن وهو أفصح الكلام قال الله تعالى: ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم [الأعراف: 11] والأمر بالسجود لآدم كان قبل خلقنا وتصويرنا قال تعالى: وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون [يونس: 46] وشهادته تعالى على أفعالهم سابقة على رجوعهم. قيل: لا يدل ذلك على ما تقدم ما بعد (ثم) على ما قبلها أما قوله: ولقد خلقناكم ثم صورناكم [الأعراف: 11] فهو خلق أصل البشر وأبيهم وجعله سبحانه خلقا لهم وتصويرا إذ هو أصلهم وهم فرعه وبهذا فسرها السلف قالوا خلقنا أباكم وخلق أبي البشر خلق لهم.(1\/374)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "357",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12755",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما قوله: فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون [يونس: 46] فليس ترتيبا لإطلاعه على أفعالهم وإنما ترتيب لمجازاتهم عليها وذكر الشهادة التي هي علمه ولإطلاعه تقريرا للجزاء على طريقة القرآن في وضع القدرة والعلم موضع الجزاء لأنه يكون بهما كما قال تعالى: إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور [لقمان: 23] وكقوله تعالى: أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير [آل عمران: 165] وقوله: فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا [فاطر: 45] وهو كثير في القرآن وهو كما يقول السيد لعبده: اعمل ما شئت فإني أعلم ما تفعله وأنا قادر عليك وهذا أبلغ من ذكر العقاب وأعم فائدة. فإن قيل: كيف تصنعون بقول الشاعر قل لمن ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده قلنا: أي شاعر هذا حتى يحتج بقوله وأين صحة الإسناد إليه لو كان ممن يحتج بشعره وأنتم لا تقبلون الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف تقبلون شعرا لا تعلمون قائله ولا تسندون إليه البتة. الوجه التاسع: أن فاضلكم المتأخر لما تفطن لهذا ادعى الإجماع أن العرش مخلوق بعد خلق السماوات والأرض فيكون المعنى أنه خلق السماوات والأرض ثم استوى على العرش وهذا لم يقله أحد من أهل العلم أصلا وهو مناقض لما دل عليه القرآن والسنة وإجماع المسلمين أظهر مناقضة فإنه تعالى أخبر أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام وعرشه حينئذ على الماء وهذه واو الحال أي خلقها في هذه الحال فدل على سبق العرش والماء للسماوات والأرض. وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم quot; قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء quot; وأصح القولين أن العرش مخلوق قبل القلم لما في السنن من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أول ما خلق الله القلم قال اكتب قال: ما أكتب قال اكتب القدر فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة وقد أخبر أنه قدر المقادير وعرشه على الماء  وأخبر في هذا(1\/375)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "358",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12756",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحديث أنه قدرها في أول أوقات خلق القلم فعلم أن العرش سابق على القلم والقلم سابق على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة فادعى هذا الجهمي أن العرش مخلوق بعد خلق السماوات والأرض ولم يكفه هذا الكذب حتى ادعى الإجماع عليه ليتأتى له إخراج الاستواء عن حقيقته.  الوجه العاشر: أن الاستيلاء والاستواء لفظان متغايران ومعنيان مختلفان فحمل أحدهما على الآخر إن ادعي أنه بطريق الوضع فكذب ظاهر فإن العرب لم تضع لفظ الاستواء للاستيلاء البتة وإن كان بطريق الاستعمال في لغتهم فكذب أيضا فهذا نظمهم ونثرهم شاهد بخلاف ما قالوه فتتبع لفظ استوى ومواردها في القرآن والسنة وكلام العرب هل تجدها في موضع واحد بمعنى الاستيلاء اللهم إلا أن يكون ذلك البيت المصنوع المختلق وإن كان بطريق المجاز القياسي فهو إنشاء من المتكلم بهذا الاستعمال فلا يجوز أن يحمل عليه كلام غيره من الناس فضلا عن كلام الله وكلام رسول صلى الله عليه وسلم يوضحه: الوجه الحادي عشر: أن القائل بأن معنى استوى بمعنى استولى شاهد على الله أنه أراد بكلامه هذا المعنى وهذه شهادة لا علم لقائلها بمضمونها بل هي قول على الله بلا علم فلو كان اللفظ محتملا لها في اللغة وهيهات لم يجز أن يشهد على الله أنه أراد هذا المعنى بخلاف من أخبر عن الله تعالى أنه أراد الحقيقة والظاهر فإنه شاهد بما أجرى الله سبحانه عادته من خطاب خلقه بحقائق لغاتهم وظواهرها كما قال: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه [إبراهيم: 4] فإذا كان الاستواء في لغة العرب معلوما كان هو المراد لكون الخطاب بلسانهم وهو المقتضي لقيام الحجة عليهم فإذا خاطبهم بغير ما يعرفونه كان بمنزلة خطاب العربي بالعجمية. الوجه الثاني عشر: أن الإجماع منعقد على أن الله سبحانه استوى على عرشه حقيقة لا مجازا قال الإمام أبو عمر الطلمنكي أحد أئمة المالكية وهو شيخ أبي عمر ابن عبد البر في كتابه الكبير الذي سماه (الوصول إلى معرفة الأصول) فذكر فيه من أقوال الصحابة والتابعين وتابعهم وأقوال مالك وأئمة أصحابه ما إذا وقف عليه الواقف علم حقيقة مذهب السلف وقال في هذا الكتاب: أجمع أهل السنة على أن الله تعالى على عرشه على الحقيقة لا على المجاز.(1\/376)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "359",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12757",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثالث عشر: قال الإمام أبو عمر بن عبد البر في كتاب (التمهيد) في شرح حديث النزول: وفيه دليل على أن الله تعالى في السماء على العرش من فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة وقرر ذلك إلى أن قال: وأهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يجدون فيه صفة مخصوصة وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها مشبه وهم عند من أقر بها نافون للمعبود. قال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره المشهور في قوله: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] هذه المسألة للفقهاء فيها كلام ثم ذكر قول المتكلمين ثم قال: وقد كان السلف الأول لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق في كتابه وأخبرت به رسله ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة وإنما جهلوا كيفية الاستواء كما قال مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول. الوجه الرابع عشر: أن الجهمية لما قالوا إن الاستواء مجاز صرح أهل السنة بأنه مستو بذاته على عرشه وأكثر من صرح بذلك أئمة المالكية فصرح به الإمام أبو محمد بن أبي زيد في ثلاثة مواضع من كتبه أشهرها الرسالة وفي كتاب جامع النوادر وفي كتاب الآداب فمن أراد الوقوف على ذلك فهذه كتبه. وصرح بذلك القاضي عبد الوهاب وقال: إنه استوى بالذات على العرش وصرح به القاضي أبو بكر الباقلاني وكان مالكيا حكاه عنه القاضي عبد الوهاب أيضا وصرح به عبد الله القرطبي في كتاب شرح أسماء الله الحسنى فقال: ذكر أبو بكر الحضرمي من قول الطبري يعني محمد بن جرير وأبي محمد بن أبي زيد وجماعة من شيوخ الفقه والحديث وهو ظاهر كتاب القاضي عبد الوهاب عن القاضي أبي بكر وأبي الحسن الأشعري وحكاه القاضي عبد الوهاب عن القاضي أبي بكر نصا وهو أنه سبحانه مستو على عرشه بذاته وأطلقوا في بعض الأماكن فوق خلقه قال: وهذا قول القاضي أبي بكر في تمهيد الأوائل له وهو قول أبي عمر بن عبد البر والطلمنكي وغيرهما من الأندلسيين وقول الخطابي في شعار الدين.(1\/377)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "360",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12758",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو بكر محمد بن موهب المالكي في شرح رسالة ابن أبي زيد قوله: إنه فوق عرشه المجيد بذاته معنى فوق وعلى عند جميع العرب واحد. وفي كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تصديق ذلك ثم ذكر النصوص من الكتاب والسنة واحتج بحديث الجارية وقول النبي صلى الله عليه وسلم: quot; أين الله quot; وقولها في السماء وحكمه بإيمانها وذكر حديث الإسراء ثم قال: وهذا قول مالك فيما فهمه عن جماعة ممن أدرك من التابعين فيما فهموا من الصحابة فيما فهموا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله في السماء بمعنى فوقها وعليها قال الشيخ أبو محمد: إنه بذاته فوق عرشه المجيد. فتبين أن علوه على عرشه وفوقه إنما هو بذاته إلا أنه باين من جميع خلقه بلا كيف وهو في كل مكان من الأمكنة المخلوقة بعلمه لا بذاته إذ لا تحويه الأماكن لأنه أعظم منها. . . إلى أن قال: قوله على العرش استوى [طه: 5] إنما معناه عند أهل السنة على غير الاستيلاء والقهر والغلبة والملك الذي ظنت المعتزلة ومن قال بقولهم أنه معنى الاستواء وبعضهم يقول: إنه على المجاز لا على الحقيقة. قال: ويبين سوء تأويلهم في استوائه على عرشه على غير ما تأولوه من الاستيلاء وغيره ما قد علمه أهل المعقول أنه لم يزل مستوليا على جميع مخلوقاته بعد اختراعه لها وكان العرش وغيره في ذلك سواه فلا معنى تأويلهم بأفراد العرش بالاستواء الذي هو في تأويلهم الفاسد استيلاء وملك وقهر وغلبة قال: وذلك أيضا يبين أنه على الحقيقة بقوله: ومن أصدق من الله قيلا [النساء: 122] فلما رأى المصنفون إفراد ذكره بالاستواء على العرش بعد خلق السماوات وأرضه وتخصيصه بصفة الاستواء علموا أن الاستواء غير الاستيلاء فأقروا بوصفه بالاستواء على عرشه وأنه على الحقيقة لا على المجاز لأنه الصادق في قيله ووقفوا عن تكييف ذلك وتمثيله إذ ليس كمثله شيء [الشورى: 11] هذا لفظه في شرحه. الوجه الخامس عشر: أن الأشعري حكى إجماع أهل السنة على بطلان تفسير الاستواء بالاستيلاء ونحن نذكر لفظه بعينه الذي حكاه عنه أبو القاسم بن عساكر في كتاب (تبيين كذب المفتري) وحكاه يقبله أبو بكر بن فورك وهو موجود في كتبه. قال في كتاب الإبانة وهي آخر كتبه قال:(1\/378)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "361",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12759",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(باب ذكر الاستواء) إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء قيل: نقول له: إن الله تعالى مستو على عرشه كما قال تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] وساق الأدلة على ذلك ثم قال: وقال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية إن معنى قوله: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] أنه استولى وملك وقهر وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق وذهبوا في الاستواء إلى القدرة ولو كان هذا كما قالوا كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة السفلى لأن الله تعالى قادر على كل شيء والأرض والسماوات وكل شيء في العالم فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء والقدرة لكان مستويا على الأرض والحشوش والأنتان والأقذار لأنه قادر على الأشياء كلها ولم نجد أحدا من المسلمين يقول: إن الله مستو على الحشوش والأخلية فلا يجوز أن يكون معنى الاستواء على العرش على معنى هو عام في الأشياء كلها ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص بالعرش دون سائر الأشياء وهكذا قال في كتابه الموجز وغيره من كتبه. الوجه السادس عشر: أن هذا البيت محرف وإنما هو هكذا: بشر قد استولى على العراق هكذا لو كان معروفا من قائل معروف فكيف وهو غير معروف في شيء من دواوين العرب وأشعارهم التي يرجع إليها. الوجه السابع عشر: أنه لو صح هذا البيت وصح أنه غير محرف لم يكن فيه حجة بل هو حجة عليهم وهو على حقيقة الاستواء فإن بشرا هذا كان أخا عبد الملك بن مروان وكان أميرا على العراق فاستوى على سريرها كما هي عادة الملوك ونوابها أن يجلسوا فوق سرير الملك مستوين عليه وهذا هو المطابق لمعنى هذه اللفظة في اللغة كقوله تعالى: لتستووا على ظهوره [الزخرف: 13] وقوله: واستوت على الجودي [هود: 44] وقوله: فاستوى على سوقه [الفتح: 29] وفي الصحيح quot; أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبر ملبيا quot; وقال علي: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بدابة(1\/379)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "362",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12760",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليركبها فلما وضع رجله في الغرز قال باسم الله فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله  فهل نجد في هذه المواضع موضعا واحدا أنه بمعنى الاستيلاء والقهر. الوجه الثامن عشر: أن استواء الشيء على غيره يتضمن استقراره وثباته وتمكنه عليه كما قال تعالى في السفينة: واستوت على الجودي [هود: 44] أي رست عليه واستقرت على ظهره وقال تعالى: لتستووا على ظهوره [الزخرف: 13] وقال في الزرع: فاستوى على سوقه [الفتح: 29]  فإنه قبل ذلك يكون فيه ميل واعوجاج لأجل ضعف سوقه وإذا استغلظ الساق واشتدت السنبلة استقرت ومنه: قد استوى بشر على العراق فإنه يتضمن استقراره وثباته عليها ودخوله دخول مستقر ثابت غير مزلزل وهذا يستلزم الاستيلاء أو يتضمنه فالاستيلاء لازم معنى الاستواء لا في كل موضع بل في الموضع الذي يقتضيه ولا يصلح الاستيلاء في كل موضع يصلح فيه الاستواء بل هذا له موضع وهذا له موضع ولهذا لا يصلح أن يقال: استولت السنبلة على ساقها ولا استولت السفينة على الجبل ولا استولى الرجل على السطح إذا ارتفع فوقه. الوجه التاسع عشر: أنه لو كان المراد بالبيت استيلاء القهر والملك لكان المستوي على العراق عبد الملك بن مروان لا أخوه بشر فإن بشرا لم يكن ينازع أخاه الملك ولم يكن ملكا مثله وإنما كان نائبا له عليها وواليا من جهته فالمستولي عليها هو عبد الملك لا بشر بخلاف الاستواء الحقيقي وهو الاستقرار فيها والجلوس على سريرها فإن نواب الملوك تفعل هذا بإذن الملوك. الوجه العشرون: أنه لا يقال لمن استولى على بلدة ولم يدخلها ولم يستقر فيها بل بينه وبينها بعد كثير: أنه قد استوى عليها فلا يقال: استوى أبو بكر على الشام ولا استوى عمر على مصر والعراق ولا قال أحد قط: استوى رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليمن مع أنه استولى عليها خلفاؤه على هذه البلاد ولم يزل الشعراء يمدحون الملوك والخلفاء بالفتوحات ويتوسعون في نظمهم واستعاراتهم فلم يسمع عن قديم منهم(1\/380)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "363",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12761",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جاهلي ولا إسلامي ولا محدث أنه مدح أحدا قط أنه استوى على البلد الفلاني الذي فتحه واستولى عليه فهذه دواوينهم وأشعارهم موجودة. الوجه الحادي والعشرون: أنه إذا دار الأمر بين تحريف لغة العرب وحمل لفظها على معنى لم يعهد استعماله فيه البتة وبين حمل المضاف المألوف حذفه كثيرا إيجارا واختصارا فالحمل على حذف المضاف أولى وهذا البيت كذلك فإنا إن حملنا لفظ استوى فيه على استولى حملناه على معنى لم يعهد استعماله فيه البتة وإن حملناها على حذف المضاف وتقديره قد استوى على سرير العراق حملناه على معهود مألوف فيقولون: قعد فلان على سرير الملك فيذكرون المضاف إيضاحا وبيانا ويحذفون تارة إيجازا واختصارا إذ قد علم المخاطب أن القعود والاستواء والجلوس الذي يضاف ويقصد به الملك يستلزم سرير الملك فحذف المضاف أقرب إلى لغة القوم من تحريف كلامهم وحمل لفظ على معنى لفظ آخر لم يعهد استعماله فيه. الوجه الثاني والعشرون: أنه كيف يجوز أن ينزل الله بآيات متعددات في كتابه الذي أنزله بلسان العرب ويكون معنى ذلك الخطاب مشهورا على لغتهم معروفا في عادة نظامهم فلا يريد ذلك المعنى ويأتي بلفظ يدل على خلافه ويطرد استعماله في موارده كلها بذلك اللفظ الذي لم يرد معناه ولا يذكر في موضع واحد باللفظ الذي يريد معناه فمن تصور هذا جزم ببطلانه وإحالة نسبته إلى من قصده البيان والهدى. الوجه الثالث والعشرون: أنه لو أريد ذلك المعنى المجازي لذكر في اللفظ قرينة تدل عليه فإن المجاز إن لم يقترن به قرينة وإلا كانت دعواه باطلة لأنه خلاف الأصل ولا قرينة معه ومعلوم أنه ليس في موارد الاستواء في القرآن والسنة موضع واحد قد اقترنت به قرينة تدل على المجاز فكيف إذا كان السياق يقتضي بطلان ما ذكر من المجاز وأن المراد هو الحقيقة.  الوجه الرابع والعشرون: أن تجريد الاستواء من اللام واقترانه بحرف على وعطف فعله بثم على خلق السماوات والأرض وكونه بعد أيام التحليق وكونه سابقا في الخلق على السماوات والأرض وذكر تدبير أمر الخليقة معه الدال على كمال الملك فإن العرش سرير المملكة فأخبر أن له سريرا كما قال أمية: مجدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبنا الأعلى الذي سبق الخل ... ق وسوى فوق السماء سريرا(1\/381)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "364",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12762",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم واستنشده الأسود بن سريع فقد استوى على سرير ملكه يدبر أمر الممالك وهذا حقيقة الملك فمن أنكر عرشه وأنكر استواءه عليه أو أنكر تدبيره فقد قدح في ملكه فهذه القرائن تفيد القطع بأن الاستواء على حقيقته كما قال أئمة الهدى. الوجه الخامس والعشرون: أنه لو كان الاستواء بمعنى الملك والقهر لجاز أن يقال: استوى على ابن آدم وعلى الجبل وعلى الشمس وعلى القمر وعلى البحر والشجر والدواب وهذا لا يطلقه مسلم. فإن قيل: هذا جائز وإنما خصص العرش بالذكر لأنه أجل المخلوقات وأرفعها وأوسعها فتخصيصه بالذكر تنبيه على ما دونه قيل: لو كان هذا صحيحا لم يكن ذكر الخاص منافيا لذكر العام ألا ترى أن ربوبيته لما كانت عامة للأشياء لم يكن تخصيص العرش بذكره منها كقوله: رب العرش العظيم [التوبة: 129] مانعا من تعميم إضافتها كقوله: رب كل شيء [الأنعام: 164] فلو كان الاستواء بمعنى الملك والقهر لكان لم يمنع إضافته إلى العرش إضافته إلى كل ما سواه وهذا في غاية الظهور. الوجه السادس والعشرون: أنه إذ فسر الاستواء بالغلبة والقهر عاد معنى هذه الآيات كلها إلى أن الله تعالى أعلم عباده بأنه خلق السماوات والأرض ثم غلب العرش بعد ذلك وقهره وحكم عليه أفلا يستحي من الله من في قلبه أدنى وقار لله بكلامه أن ينسب ذلك إليه وأنه أراده بقوله: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] أي: اعلموا يا عبادي أني بعد فراغي من خلق السماوات والأرض غلبت عرشي وقهرته واستوليت عليه. الوجه السابع والعشرون: أن أعلم الخلق به قد أطلق عليه أنه فوق عرشه كما في حديث ابن عباس quot; والله فوق العرش quot; وفي حديث عبد الله بن رواحة الذي صححه ابن عبد البر وغيره: وإن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمين(1\/382)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "365",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12763",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذه الفوقية هي تفسير الاستواء المذكور في القرآن والسنة والجهمية يجعلون كونه فوق العرش بمعنى أنه خير من العرش وأفضل منه كما يقال: الأمير فوق الوزير والدينار فوق الدرهم والمعنى عندهم: أنه أعلم الأمة بأن الله خير وأفضل من العرش. فياللعقول: أين في لغة العرب حقيقة أو مجازا أو كناية واستعارة بعيدة أن يقال: استوى على كذا إذا كان أعظم منه قدرا وأفضل هذا من لغة الطماطم لا من لغة القوم الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتاب الله لا يحتمل هذا التأويل الباطل الذي تنفر عنه العقول يوضحه: الوجه الثامن والعشرون: أن تفضيل الرب تعالى على شيء من خلقه لا يذكر في شيء من القرآن إلا ردا على من اتخذ ذلك الشيء ندا لله تعالى فبين سبحانه أنه خير من ذلك الند كقوله تعالى: قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أم ما يشركون [النمل: 59] وقوله تعالى حاكيا عن السحرة: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا - إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى [طه: 72 - 73] وقوله تعالى: أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون [النحل: 17] فأما أن يفضل نفسه على شيء معين من خلقه ابتداء فهذا لم يقع في كلام الله ولا هو مما يقصد بالإخبار لأن قول القائل ابتداء الله خير من ابن آدم وخير من السماء وخير من العرش من جنس قول: السماء فوق الأرض والثلج بارد والنار حارة وليس في ذلك تمجيد ولا تعظيم ولا مدح ولهذا لم يجئ هذا اللفظ في القرآن ولا في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ولا مما جرت عادة الناس بمدح الرب تعالى به مع تفنن مدحهم ومحامدهم بل هو أرك كلام وأسمجه وأهجنه فكيف يليق بهذا الكلام الذي يأخذ بمجامع القلوب عظمة وجلالة ومعانيه أشرف المعاني وأعظمها فائدة أن يكون معناه أن الله أفضل من العرش والسماء ومن المثل السائر نظما: ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا وهذا بخلاف ما إذا كان المقام يقتضي ذلك احتجاجا على مبطل وإبطالا لقول(1\/383)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "366",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12764",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مشرك كما إذا رأيت رجلا يعبد حجرا فقلت له: الله خير أم الحجر فيحسن هذا الكلام في هذا المقام ما لا يحسن في قول الخطيب ابتداء: الحمد لله الذي هو خير من الحجارة ولهذا قال يوسف الصديق عليه السلام في احتجاجه على الكفار: ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار [يوسف: 39] وقال تعالى: آلله خير أم ما يشركون [النمل: 59] يوضحه: الوجه التاسع والعشرون: أن الرجل إذا تكلم بمثل هذا الكلام في حق المخلوق لكان مستهجنا جدها فلو قال: الشمس أضوأ من السراج والسماء أكبر من الرغيف وأعلى من سقف الدار ونحو ذلك لكان مستهجنا مستقبحا مع قرب النسبة بين المخلوق والمخلوق فكيف إذا قيل ذلك بين الخالق تعالى والمخلوق مع تفاوت الذي بين الله وخلقه. الوجه الثلاثون: أن الاستيلاء الذي فسروا به الاستواء إما أن يراد به الخلق أو القهر أو الغلبة أو الملك أو القدرة عليه ولا يصح أن يكون شيء منها مرادا أما الخلق فلأنه يتضمن أن يكون خلقه بعد خلق السماوات والأرض وهذا بخلاف إجماع الأمة وخلاف ما دل عليه القرآن والسنة وإن ادعى بعض الجهمية المتأخرين أنه خلق بعد خلق السماوات والأرض وادعى الإجماع على ذلك وليس العجب من جهله بل من إقدامه على حكاية الإجماع على ما لم يقله مسلم ولا يصح أن يراد بقية المعاني للوجوه التي ذكرناها وغيرها فلا يجور تفسير الآية به. ولهذا لم يقله عالم من علماء السلف بل صرحوا بخلافه كما قال أبو العالية: علا وارتفع وقال مجاهد: استقر وقال مالك: الاستواء معلوم وقال يزيد بن هارون: من زعم أن الرحمن فوق العرش استوى على خلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي وقد تقدم حكاية قول من قال: استوى بذاته واستوى حقيقة فأوجدوا عمن يقتدى بقوله في تفسير أو عن رجل واحد من الصحابة أو التابعين أو تابعيهم أو عن إمام له في الأمة لسان صدق أنه فسر اللفظ باستولى ولن تجدوا ذلك سبيلا. الوجه الحادي والثلاثون: إما أن يحيل العقل حمل الاستواء على حقيقته أو لا يحيله فإن أحاله العقل ولم يتكلم أحد من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام في تفسيره بخلاف ما يحيله العقل بل تفاسيرهم كلها مما يحيلها العقل لزم القدح في(1\/384)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "367",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12765",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "علم الأمة ونسبتها إلى أعظم الجهل لسكوتهم عن بيان الحق وتكلمهم بالباطل وهذا شر من قول الرافضة وإن لم يحله العقل وجب حمله على حقيقته لأنها الأصل والعقل لا يمنع منها. الوجه الثاني والثلاثون: أن أئمة السنة متفقون على أن تفسير الاستواء بالاستيلاء إنما هو متلقى عن الجهمية والمعتزلة والخوارج وممن حكى ذلك أبو الحسن الأشعري في كتبه وحكاه ابن عبد البر والطلمنكي عنهم خاصة وهؤلاء ليسوا ممن يحكى أقوالهم في التفسير ولا يعتمد عليها كما قال الأشعري في تفسير الجبائي: كان القرآن قد نزل بلغة أهل جباء وقد علم أن هؤلاء يحرفون الكلم ويفسرون القرآن بآرائهم فلا يجوز العدول عن تفسير الصحابة والتابعين إلى تفسيرهم. الوجه الثالث والثلاثون: أن الاستيلاء يكون مع مزايلة المستوي للمستولى عليه ومفارقته كما يقال: استولى عثمان بن عفان على خراسان واستولى عبد الملك بن مروان على بلاد المغرب واستولى الجواد على الأمد قال الشاعر: ألا لمثلك أو من أنت سابقه ... سبق الجواد إذا استولى على الأمد فجعله مستوليا عليه بعد مفارقته له وقطع مسافته والاستواء لا يكون إلا مع مجاورة الشيء الذي يستوي عليه كما استوت على الجودي لتستووا على ظهوره [الزخرف: 13] فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك [المؤمنون: 28] وهكذا في جميع موارده في اللغة التي خوطبنا بها ولا يصح أن يقال: استوى على الدابة والسطح إذ نزل عنها وفارقها كما يقال: استولى عليها هذا عكس اللغة وقلب الحقائق وهذا قطعي بحمد الله. الوجه الرابع والثلاثون: أن نقل معنى الاستواء وحقيقته كنقل لفظه بل أبلغ فإن الأمة كلها تعلم بالضرورة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر عن ربه بأنه استوى على عرشه من يحفظ القران منهم ومن لا يحفظه وهذا المعنى عندهم كما قال مالك وأئمة السنة: الاستواء معلوم غير مجهول كما أن معنى السمع والبصر والقدرة والحياة والإرادة وسائر ما أخبر به عن نفسه معلوم وإن كانت كيفيته غير معلومة للبشر فإنهم لم يخاطبوا بالكيفية ولم يرد منهم العلم بها فإخراج الاستواء عن حقيقته المعلومة كإنكار ورود لفظه بل أبلغ وهذا مما يعلم أنه مناقض لما أخبر الله به ورسوله يوضحه:(1\/385)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "368",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12766",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الخامس والثلاثون: أن اللفظ إنما يراد لمعناه ومفهومه فهو المقصود بالذات واللفظ مقصود قصد الوسائل والتعريف بالمراد فإذا انتفى المعنى وكانت إرادته محالا لم يبق في ذكر اللفظ فائدة بل كان تركه أنفع من الإتيان به فإن الإتيان به إنما حصل منه إيهام المحال والتشبيه وأوقع الأمة في اعتقاد الباطل ولا ريب أن هذا إذا نسب إلى آحاد الناس كان ذمه أقرب من مدحه فكيف يليق نسبته إلى من كلامه هدى وشفاء وبيان ورحمة هذا من أمحل المحال.  الوجه السادس والثلاثون: أن ظاهر الاستواء وحقيقته هو العلو والارتفاع كما نص عليه جميع أهل اللغة وأهل التفسير المقبول وقد صرح المنكرون للاستواء بأن الله لا يجوز أن يتكلم بشيء ويعني به خلاف ظاهره كما قال صاحب المحصول وغيره وهذا لفظه quot; لا يجوز أن يتكلم الله بشيء ويعني به خلاف ظاهره quot; والخلاف مع المرجئة ثم احتج على ذلك بأنه عبث وهو على الله محال والذي احتج به على المرجئة يحتج به عليه أهل السنة بعينه وهذا الذي قاله هو الحق وهو ما اتفق عليه العقلاء فلا يجوز أن يتكلم الله بشيء ويريد به خلاف ظاهره إلا وفي السياق ما يدل على ذلك بخلاف المجمل فإنه يجوز عندهم أن يتكلم به لأنه لم يرد به خلاف ظاهره والفرق بينهما إيقاع الأول في اللبس واعتقاد الخطأ بخلاف المجمل فكيف إذا كان مع ظاهره من القرآن ما ينفي إرادة غيره فدعوى إرادة غير الظاهر حينئذ ممتنع من الوجهين. الوجه السابع والثلاثون: أن حقيقة هذا المجاز أنه ليس فوق السماوات رب ولا على العرش إلا العدم المحض وليس هناك من ترفع إليه الأيدي ويصعد إليه الكلم الطيب وتعرج الملائكة والروح إليه وينزل الوحي من عنده ويقف العباد بين يديه ولا عرج برسوله إليه حقيقة ولا رفع المسيح إليه حقيقة ولا يجوز أن يشير إليه أحدنا بإصبعه إلى فوق كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجوز أن يقال: أين هو كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجوز أن يسمع من يقول: أين ويقره عليه كما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم من السائل وأقره عليه ولا يراه المؤمنون بأبصارهم عيانا فوقهم ولا له حجاب حقيقة يحتجب به عن خلقه ولا يقرب منه شيء ولا يبعد منه شيء ونسبته من فوق السماوات كلها إلى القرب منه كنسبة من في أسفل سافلين كلها في القرب من ذاته سواء فهذا حقيقة هذا المجاز وحاصله ومعلوم أن هذا أشد مناقضة لما جاءت به الرسل منه للمعقول الصريح فيكون من أبطل الباطل.(1\/386)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "369",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12767",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثامن والثلاثون: أن الله سبحانه ذم المحرفين للكلم والتحريف نوعان: تحريف اللفظ وتحريف المعنى فتحريف اللفظ: العدول به عن جهته إلى غيرها إما بزيادة وإما بنقصان وإما بتغيير حركة إعرابية وإما غير إعرابية فهذه أربعة أنواع وقد سلك فيها الجهمية والرافضة فإنهم حرفوا نصوص الحديث ولم يتمكنوا من ذلك في ألفاظ القرآن وإن كان الرافضة حرفوا كثيرا من لفظه وادعوا أن أهل السنة غيروه عن وجهه. وأما تحريف المعنى فهذا الذي جالوا وصالوا وتوسعوا وسموه تأويلا وهو اصطلاح فاسد حادث لم يعهد به استعمال في اللغة وهو العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته وإعطاء اللفظ معنى لفظ آخر بقدر ما مشترك بينهما وأصحاب تحريف الألفاظ شر من هؤلاء من وجه وهؤلاء شر من وجه فإن أولئك عدلوا باللفظ والمعنى جميعا عما هما عليه أفسدوا اللفظ والمعنى وهؤلاء أفسدوا المعنى وتركوا اللفظ على حاله فكانوا خيرا من أولئك من هذا الوجه ولكن أولئك لما أرادوا المعنى الباطل حرفوا له لفظا يصلح له لئلا يتنافر اللفظ والمعنى بحيث إذا أطلق ذلك اللفظ المحرف فهم منه المعنى المحرف فإنهم رأوا أن العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته مع بقاء اللفظ على حاله مما لا سبيل إليه فبدءوا بتحريف اللفظ ليستقيم لهم حكمهم على المعنى الذي قصدوا. الوجه التاسع والثلاثون: أن استواء الرب المعدى بأداة quot; على quot; المعلق بعرشه المعرف باللام المعطوف بثم على خلق السماوات والأرض المطرد في موارده على أسلوب واحد ونمط واحد لا يحتمل إلا معنى واحدا لا يحتمل معنيين البتة فضلا عن ثلاثة أو خمسة عشر كما قال صاحب (القواصم والعواصم) إذا قال لك المجسم: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] فقل: استوى على العرش يستعمل على خمسة عشر وجها فأيها تريد فيقال له: كلا والذي استوى على العرش لا يحتمل هذا اللفظ معنيين البتة والمدعي الاحتمال عليه بيان الدليل إذ الأصل عدم الاشتراك والمجاز ولم يذكر على دعواه دليلا ولا بين الوجوه المحتملة حتى يصلح قوله quot; فأيها تريدون وأيها تعنون quot; وكان ينبغي له أن يبين كل احتمال ويذكر الدليل على ثبوته ثم يطالب حزب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بتعيين أحد الاحتمالات وإلا فهم يقولون: لا نسلم احتماله لغير معنى(1\/387)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "370",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12768",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحد فإن الأصل في الكلام الإفراد والحقيقة دون الاشتراك والمجاز فهم في منعهم أولى بالصواب منك في تعدد الاحتمال فدعواك أن هذا اللفظ يحتمل خمسة عشر معنى دعوى مجردة ليست معلومة بضرورة ولا نص ولا إجماع يوضحه: الوجه الأربعون: وهو أن يقال: الاحتمالات التي ادعيتها تتطرق إلى لفظ الاستواء وحده المجرد عن اتصاله بأداة أم إلى المقترن بواو المصاحبة أم إلى المقترن بإلى أم إلى المقترن بعلى أم إلى كل واحد من ذلك وكذلك العرش الذي ادعيت أنه يحتمل عدة معان هو العرش المنكر غير المعرف بأداة تعريف ولا إضافة أم المضاف إلى العبد كقول عمر: كاد عرشي أن يهد ...  أم إلى عرش الدار وهو سقفها في قوله: خاوية على عروشها [البقرة: 259] أم إلى عرش الرب تبارك وتعالى الذي هو فوق سماواته أم إلى كل واحد من ذلك فأين مواد الاحتمال حتى يعلم هل صحيحة أم باطلة فلا يمكنك أن تدعي ذلك في موضع معين من هذه المواضع ودعواه بهت صريح وغاية ما تقدر عليه أنك تدعي مجموع الاحتمالات في مجموع المواضع بحيث يكون كل موضع له معنى فأي شيء ينفعك هذا في الموضع المعين فسبحان الله! أين هذا من القول السديد الذي أوصانا الله به في كتابه حيث يقول: ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا [الأحزاب: 70] والسديد هو الذي يسد موضعه ويطابقه فلا يزيد عليه ولا ينقص منه وسداد السهم هو مطابقته وإصابته الغرض من غير علو ولا انحطاط ولا تيامن ولا تياسر. والمقصود: أن استواء الرب على عرشه المختص به الموصول بأداة على نص في معناه لا يحتمل سواه. الوجه الحادي والأربعون: أنا نمنع الاحتمال في نفس الاستواء مع قطع النظر عن صلاته المقرون بها وأنه ليس له إلا معنى واحد وإن تنوع بتنوع صلاته كنظائره من الأفعال التي تنوع معانيها بتنوع صلاتها كملت عنه وملت إليه ورغبت عنه ورغبت فيه وعدلت عنه وعدلت إليه وفررت منه وفررت إليه فهذا لا يقال له مشترك ولا مجاز بل حقيقة واحدة تنوعت دلالتها بتنوع صلاتها وهكذا لفظ الاستواء هو بمعنى الاعتدال حيث استعمل مجردا أو مقرونا تقول: سويته فاستوى كما يقال: عدلته(1\/388)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "371",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12769",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاعتدل فهو مطاوع الفعل المتعدي وهذا المعنى عام في جميع موارد استعماله في اللغة ومنه استوى إلى السطح أي ارتفع في اعتدال ومنه استوى على ظهر الدابة أي اعتدل عليها قال تعالى: لتستووا على ظهوره [الزخرف: 13] وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم لما استوى على راحلته فهو يتضمن اعتدالا واستقرارا عند تجرده ويتضمن المقرون مع ذلك معنى العلو والارتفاع وهذا حقيقة واحدة تتنوع بتنوع قيودها كما تتنوع دلالة الفعل بحسب مفعولاته وصلاته وما يصاحبه من أداة نفي أو استفهام أو نهي أو إغراء فيكون له عند كل أمر من هذه الأمور دلالة خاصة والحقيقة واحدة. فهذا هو التحقيق لا الترويج والتزويق وادعاء خمسة عشر معنى لما ليس له إلا معنى واحد وهذا شأن جميع الألفاظ المطلقة إذا قيدت فإنها تتنوع دلالتها بحسب قيودها ولا يخرجها ذلك من حقائقها (فضرب) مع المثل له معنى وفي الأرض له معنى والبحر له معنى والدابة لها معنى إذ هو إمساس بإيلام فإن صاحبته أداة النفي صار له معنى آخر وإن كانت أداة استفهام أو نهي أو تمن أو تخصيص اختلفت دلالته وحقيقته واحدة في كل وضع يقترن به ما يبين المراد. فإذا قال قائل في قوله تعالى: واهجروهن في المضاجع واضربوهن [النساء: 34] أن الضرب له عدة معان فأيها المراد كان كالنظائر قول هذا القائل: إن الرحمن على العرش استوى له خمسة عشر وجها والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن في الوجه الأول يتبين أن مجموع اللفظ وصلته يدلان على غير ما دل عليه اللفظ مع الصلة الأخرى وفي هذا الوجه يتبين أن مطلق اللفظ يدل على المعنى المشترك وأن اختصاصه في محاله هو من اقترانه بتلك الصلة ولا منافاة بينهما فالتركيب يحدث للمركب حالة أخرى سواء كان المركب من المعاني أو من الألفاظ أو الأعيان أو الصفات مخلوقها ومصنوعها. فعلى هذا إذا اقترن استوى بحرف الاستعلاء دل على الاعتدال بلفظ الفعل وعلى العلو بالحرف الذي وصل به فإن اقترن بالواو دل على الاعتدال بنفسه وعلى معادلته بعد الواو بواسطتها وإذا اقترن بحرف الغاية دل على الاعتدال بلفظه وعلى الارتفاع قاصدا لما بعد حرف الغاية بواسطتها وزال بحمد الله الاشتراك والمجاز ووضح المعنى وأسفر صبحه وليس الفاضل من يأتي إلى الواضح فيعقده ويعميه بل من(1\/389)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "372",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12770",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يأتي إلى المشكل فيوضحه ويبينه ومن الله سبحانه وتعالى البيان وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم البلاغ وعلينا التسليم. ونحن نشهد أن الله قد بين غاية البيان الذي لا بيان فوقه وبلغ رسوله صلى الله عليه وسلم البلاغ المبين فبلغ المعاني كما بلغ الألفاظ والصحابة بلغوا عنه الأمرين جميعا وكان تبليغه للمعاني أهم من تبليغه للألفاظ ولهذا اشترك الصحابة في فهمها وأما حفظ القرآن فكان في بعضهم قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان وعبد الله بن مسعود أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل جميعا . وهذه الآثار المحفوظة عن الصحابة والتابعين كلها متفقة على أن الله نفسه فوق عرشه وقال أئمة السنة: بذاته فوق عرشه وأن ذلك حقيقة لا مجاز وأكثر من صرح أئمة المالكية كما تقدم حكاية ألفاظهم. الوجه الثاني والأربعون: أنا لو فرضنا احتمال اللفظ في اللغة لمعنى الاستيلاء والخمسة عشر معنى فالله ورسوله صلى الله عليه وسلم قد عين بكلامه منها معنى واحدا ونوع الدلالة عليه أعظم تنويع حتى يقال بذلك ألف دليل فالصحابة كلهم متفقون لا يختلفون في ذلك المعنى ولا التابعون وأئمة الإسلام ولم يقل أحد منهم إنه بمعنى استولى وأنه مجاز فلا يضر الاحتمال بعد ذلك في اللغة لو كان حقا ولما سئل مالك وسفيان بن عيينة وقبلهما ربيعة بن عبد الرحمن عن الاستواء فقالوا: الاستواء معلوم تلقى ذلك عنهم جميع أئمة الإسلام ولم يقل أحد منهم إنه يحتاج إلى صرفه عن حقيقته إلى مجازه ولا أنه مجمل له مع العرش خمسة عشر معنى وقد حرف بعضهم كلام هؤلاء الأئمة على عادته فقال معناه الاستواء معلوم لله فنسبوا السائل إلى أنه كان يشك هل يعلم الله استواء نفسه أو لا يعلمه ولما رأى بعضهم فساد هذا التأويل قال: إنما أراد به أن ورود لفظه في القرآن معلوم فنسبوا السائل والمجيب إلى اللغة فكأن السائل لم يكن يعلم أن هذا اللفظ في القرآن وقد قال يا أبا عبد الله الرحمن على العرش استوى [طه: 5] كيف استوى فلم يقل هل هذا اللفظ في القرآن أو لا ونسبوا المجيب إلى أنه أجابه بما يعلمه الصبيان في المكاتب ولا يجهله أحد ولا هو مما يحتاج إلى السؤال عنه ولا استشكله السائل ولا خطر بقلب المجيب أنه يسأل عنه والله تعالى أعلم.(1\/390)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "373",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12771",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "المثال الرابع إثبات اليدين حقيقة لله تعالى",
        "content": "[المثال الرابع إثبات اليدين حقيقة لله تعالى] المثال الرابع: قوله تعالى: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [ص: 75] بل يداه مبسوطتان [المائدة: 64] قالت الجهمية: مجاز في النعمة أو القدرة وهذا باطل من وجوه: أحدها: أن الأصل الحقيقة فدعوى المجاز مخالفة للأصل الثاني: أن ذلك خلاف الظاهر فقد اتفق الأصل والظاهر على بطلان هذه الدعوى الثاني: أن مدعي المجاز المعين يلزمه أمور: أحدها: إقامة الدليل الصارف عن الحقيقة إذ مدعيها معه الأصل والظاهر ومخالفها مخالف لهما جميعا ثانيها: بيان احتمال اللفظ لما ذكره من المجاز لغة وإلا كان منشئا من عنده وضعا جديدا ثالثها: احتمال ذلك المعنى في هذا السياق المعين فليس كل ما احتمله اللفظ من حيث الجملة يحتمله هذا السياق الخاص وهذا موضع غلط فيه من شاء الله ولم يبين أو يميز بين ما يحتمله اللفظ بأصل اللغة وإن لم يحتمله في هذا التركيب الخاص وبين ما يحتمله فيه رابعها: بيان القرائن الدالة على المجاز الذي عينه بأنه المراد إذ يستحيل أن يكون هذا هو المراد من غير قرينة في اللفظ تدل عليه ألبتة وإذا طولبوا بهذه الأمور الأربعة تبين عجزهم. الوجه الرابع: أن اطراد لفظها في موارد الاستعمال وتنوع ذلك وتصريف استعماله يمنع المجاز ألا ترى إلى قوله: خلقت بيدي [ص: 75] وقوله: بل يداه مبسوطتان [المائدة: 64] وقوله: وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون [الزمر: 67] فلو كان مجازا في القدرة والنعمة لم يستعمل منه لفظ يمين وقوله في الحديث الصحيح: quot; المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين quot; فلا يقال هذا يد النعمة والقدرة وقوله: quot; يقبض الله سماواته بيده والأرض باليد الأخرى ثم يهزهن ثم يقول: أنا الملك quot; فهنا هز وقبض وذكر يدين ولما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يقبض يديه ويبسطها تحقيقا للصفة لا تشبيها لها كما قرأ: وكان الله سميعا بصيرا [النساء: 134] ووضع يديه(1\/391)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "374",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12772",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على عينيه وأذنيه تحقيقا لصفة السمع والبصر وأنهما حقيقة لا مجازا وقوله: quot; ولما خلق الله آدم قبض بيديه قبضتين وقال: اختر فقال: اخترت يمين ربي وكلتا يديه يمين ففتحها فإذا فيها أهل اليمين من ذريته quot;. وأضعاف أضعاف ذلك من النصوص الصحيحة الصريحة في ثبوت الصفة كقوله في الحديث الصحيح: إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها quot; وقوله في الحديث المتفق على صحته: quot; من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب تقبلها بيمينه quot; وقوله: quot; وما السماوات السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في كف أحدكم quot; وقوله في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي رزين: quot; فيأخذ ربك غرفة من الماء فينضح بها قبلكم فلا يخطئ وجه أحدكم quot; يعني في الموقف فهل يمكن أن يكون هذا من أوله إلى آخره وأضعاف أضعافه مجازا لا حقيقة وليس معه قرينة واحدة تبطل الحقيقة وتبين المجاز. الوجه الخامس: أن اقتران لفظ الطي والقبض والإمساك باليد يصير المجموع حقيقة هذا في الفعل وهذا في الصفة بخلاف اليد المجازية فإنها إذا أريدت لم يقترن بها ما يدل على اليد حقيقة بل ما يدل على المجاز كقوله: له عندي يد وأنا قمت يدهم ونحو ذلك وأما إذا قيل: قبض بيده وأمسك بيده أو قبض بإحدى يديه كذا وبالأخرى كذا وجلس عن يمينه أو كتب كذا وعمله بيمينه أو بيديه فهذا لا يكون إلا حقيقة وإنما أتي هؤلاء من جهة أنهم رأوا اليد تطلق على النعمة والقدرة في بعض المواضع فظنوا أن كل تركيب وسياق صالح لذلك فوهموا وأوهموا فهب أن(1\/392)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "375",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12773",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا يصلح في قوله: لولا يد لك لم أجزك بها  أفيصلح في قوله: وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك [العنكبوت: 48] وفي قول عبد الله بن عمر: وإن الله لم يباشر بيده أو لم يخلق بيده إلا ثلاثا: خلق آدم بيده وغرس جنة عدن بيده وكتب التوراة بيده أفيصح في عقل أو نقل أو فطرة أن يقال: لم يخلق بقدرته أو بنعمته إلا ثلاثا. الوجه السادس: أن مثل هذا المجاز لا يستعمل بلفظ التثنية ولا يستعمل إلا مفردا أو مجموعا كقولك: له عندي يد يجزيه الله بها وله عندي أياد وأما إذا جاء بلفظ التثنية لم يعرف استعماله قط إلا في اليد الحقيقية وهذه موارد الاستعمال أكبر شاهد فعليك بتتبعها. الوجه السابع: أنه ليس من المعهود أن يطلق الله على نفسه معنى القدرة والنعمة بلفظ التثنية بل بلفظ الإفراد الشامل لجميع الحقيقة كقوله أن القوة لله جميعا [البقرة: 165] : وكقوله: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها [إبراهيم: 34] وقد يجمع النعم كقوله: وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة [لقمان: 20] وأما أن يقول: خلقتك بقدرتين أو بنعمتين فهذا لم يقع في كلامه ولا كلام رسوله صلى الله عليه وسلم. الوجه الثامن: أنه لو ثبت استعمال ذلك بلفظ التثنية لم يجز أن يكون المراد به هاهنا القدرة فإنه يبطل فائدة تخصيص آدم فإنه وجميع المخلوقات حتى إبليس مخلوق بقدرته سبحانه فأي مزية لآدم على إبليس في قوله: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [ص: 75] يوضحه: الوجه التاسع: أن الله جعل ذلك خاصة خص بها آدم دون غيره ولهذا قال له موسى وقت المحاجة: أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك(1\/393)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "376",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12774",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ملائكته وعلمك أسماء كل شيء وكذلك يقول له أهل الموقف إذا سألوه الشفاعة فهذه أربع خصائص له فلو كان المراد باليد القدرة لكان بمنزلة أن يقال له: خلقك الله بقدرته فأي فائدة في ذلك يوضحه: الوجه العاشر: أنك لو وضعت الحقيقة التي يدعي هؤلاء أن اليد مجاز فيها موضع اليد لم يكن في الكلام فائدة ولم يصح وضعها هناك فإنه سبحانه لو قال: ما منعك أن تسجد لما خلقت بقدرتي وقال له موسى: أنت أو البشر الذي خلقك الله بقدرته وقالت له أهل الموقف ذلك لم يحسن ذلك الكلام ولم يكن فيه من الفائدة شيء وتعالى الله أن ينسب إليه مثل ذلك فإن مثل هذا التخصيص إنما خرج مخرج الفضل له على غيره وإن ذلك أمر اختص به لم يشاركه فيه غيره فلا يجوز حمل الكلام على ما يبطل ذلك. الوجه الحادي عشر: أن نفس هذا التركيب المذكور في قوله: خلقت بيدي [ص: 75] يأبى حمل الكلام على القدرة لأنه نسب الخلق إلى نفسه سبحانه ثم عدى الفعل إلى اليد ثم ثناها ثم أدخل عليها الباء التي تدخل على قوله: كتبت بالقلم ومثل هذا النص صريح لا يحتمل المجاز بوجه بخلاف ما لو قال: عملت كما قال تعالى: فبما كسبت أيديكم [الشورى: 30] بما قدمت يداك [الحج: 10] فإن نسب الفعل إلى اليد ابتداء وخصها بالذكر لأنها آلة الفعل في الغالب ولهذا لما لم يكن خلق الأنعام مساويا لخلق أبي الأنام قال تعالى: أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما [يس: 71] فأضاف الفعل إلى الأيدي وجمعها ولم يدخل عليها الباء فهذه ثلاثة فروق تبطل إلحاق أحد الموضعين بالآخر ويتضمن التسوية بينهما عدم مزية أبينا آدم على الأنعام وهذا من أبطل الباطل وأعظم العقوق للأب إذ ساوى المعطل بينه وبين إبليس والأنعام في الخلق باليدين. الوجه الثاني عشر: أن يد النعمة والقدرة لا يتجاوز بها لفظ اليد فلا يتصرف فيها بما يتصرف في اليد الحقيقية فلا يقال: كف لا للنعمة ولا للقدرة ولا إصبع وإصبعان ولا يمين ولا شمال وهذا كله ينفي أن يكون اليد نعمة أو يد قدرة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: يد الله ملأى لا يغيضها نفقة وقال:(1\/394)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "377",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12775",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot; المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن quot; وفي حديث الشفاعة: quot; فأقوم عن يمين الرحمن مقاما لا يقومه غيري quot; وإذا ضممت قوله تعالى: والأرض جميعا قبضته يوم القيامة [الزمر: 67] إلى قوله صلى الله عليه وسلم quot; يأخذ الجبار سماواته وأرضه بيده ثم يهزهن quot; وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض يده ويبسطها . وفي صحيح مسلم يحكى عن ربه بهذا اللفظ وقال: quot; ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه quot; ولفظة quot; بين quot; لا تقتضي المخالطة ولا المماسة والملاصقة لغة ولا عقلا ولا عرفا قال تعالى: والسحاب المسخر بين السماء والأرض [البقرة: 164] وهو لا يلاصق السماء ولا الأرض وقال في حديث الشفاعة: quot; وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف فقال أبو بكر: زدنا يا رسول الله قال وثلاث حثيات من حثيات ربي فقال عمر حسبك يا أبا بكر فقال أبو بكر دعني يا عمر وما عليك أن يدخلنا الجنة كلنا فقال عمر: إن شاء الله أدخل خلقه الجنة بكف واحدة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق عمر quot; فصدقه في إثبات الكف لله وسعتها وعظمتها. فهذا القبض والبسط والطي واليمين والأخذ والوقوف عن يمين الرحمن والكف وتقليب القلوب بأصابعه ووضع السماوات على إصبع والجبال على إصبع فذكر إحدى اليدين ثم قوله وبيده الأخرى ممتنع فيه اليد المجازية سواء كانت بمعنى القدرة أو بمعنى النعمة فإنها لا يتصرف فيها هذا التصرف هذه لغة العرب نظمهم ونثرهم هل تجدون فيها ذلك أصلا.(1\/395)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "378",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12776",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثالث عشر: أن الله تعالى أنكر على اليهود نسبة يده إلى النقص والعيب ولم ينكر عليهم إثبات اليد له تعالى فقال: وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان [المائدة: 64] فلعنهم على وصف يده بالعيب دون إثبات يده وقدر إثباتها به زيادة على ما قالوه بأنهما يدان مبسوطتان وبهذا يعلم تلبيس الجهمية المعطلة على أشباه الأنعام حيث قالوا إن الله لعن اليهود على إثبات اليد له سبحانه وأنهم مشبهة وهم أئمة المشبهة فتأمل هذا الكذب من هذا القائل والتلبيس وأن الآية صريحة بخلاف قوله. الوجه الرابع عشر: أن يد القدرة لا يعرف في الاستعمال أن يقال فيها: يد فلان كذا هكذا فضلا عن أن يقال: فعل هذا بيمينه فضلا عن أن يقال: فعله بيديه فضلا عن أن يقال: فعله بيمينه وإنما المستعمل في يد القدرة والنعمة أن تكون مجردة عن الإضافة وعن التثنية وعن نسبة الفعل إليها فيقال: لفلان عندي يد ولولا يد له عندي ولا يكادون يقولون يده أو يداه عندي وله عندي يده ويداه يوضحه: الوجه الخامس عشر: أن اليد حيث أريد بها النعمة أو القدرة فلا بد أن يقترن باللفظ ما يدل على ذلك ليحصل المراد فأما أن تطلق ويراد بها ذلك فهذا لا يجوز كما إذا أطلق البحر والأسد وادعى بذلك أنه أريد به الرجل الجواد والشجاع فهذا لا يجيزه عاقل ولا يتكلم به إلا من قصده التلبيس والتعمية وحيث أراد تلك المعاني فإنه يأتي من القرائن بما يدل على مراده فأين معكم في قوله: لما خلقت بيدي [ص: 75] و بل يداه مبسوطتان [المائدة: 64] وقوله: quot; يقبض الله سماواته بيده والأرض باليد الأخرى quot; quot; فأقوم عن يمين ربي quot; وقوله: quot; فيوقف بين يدي الرحمن quot; ما يدل على إرادة المجاز. الوجه السادس عشر: أن يد القدرة والنعمة لا يعرف استعمالها البتة إلا في حق من له يد حقيقة فهذه موارد استعمالها من أولها إلى آخرها مطردة في ذلك فلا يعرف العربي خلاف ذلك فاليد المضافة إلى الحي إما أن تكون يدا حقيقة أو مستلزمة للحقيقة وإما أن تضاف إلى من ليس له يد حقيقة وهو حي متصف بصفات الأحياء فهذا لا يعرف البتة. وسر هذا أن الأعمال والأخذ والعطاء والتصرف لما كان باليد وهي التي تباشره عبروا بها عن الغاية الحاصلة بها وهذا يستلزم ثبوت أصل اليد حتى يصح استعمالها(1\/396)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "379",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12777",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في مجرد القوة والنعمة والإعطاء فإذا انتفت حقيقة اليد امتنع استعمالها فيها فيما يكون باليد فثبوت هذا الاستعمال المجازي من أدل الأشياء على ثبوت الحقيقة فقوله تعالى في حق اليهود غلت أيديهم [المائدة: 64] هو دعاء عليهم بغل اليد المتضمن للجبن والبخل وذلك لا ينفي ثبوت أيديهم حقيقة وكذلك قوله في المنافقين ويقبضون أيديهم [التوبة: 67] كناية عن البخل ولا ينفي أن يكون لهم أيد حقيقة وكذلك قوله: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط [الإسراء: 29] المراد به النهي عن البخل والتقتير والإسراف وذلك مستلزم لحقيقة اليد وكذلك قوله تعالى: أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح [البقرة: 237] أي يتولى عقدها وهو إنما يعقدها بلسانه ولكن لا يقال ذلك إلا لمن له يد حقيقة وكذلك قوله: ولما سقط في أيديهم [الأعراف: 149] هو كناية عن الندم وتيقن التفريط والإضاعة بمنزلة من سقط منه الشيء فيحيل بينه وبينه وأتى في هذا بلفظ (في) دون (من) لأن الندم سقط في أيديهم وثبت فيها واستقر ولو قيل: سقط من أيديهم لم يدل على هذا المعنى وعين لفظ اليد لهذا المعنى لوجهين: أحدهما: أنه يقال لمن حصل له شيء وإن لم يقع في نفس يده حصل في يده كذا وكذا من الخير والشر كما يقال: كسبت يده وفعلت يده وإن كان لغيرها من الجوارح. الوجه الثاني: أن الندم حدث يحصل في القلب وأثره يظهر في اليد لأن النادم يعض يديه تارة ويضرب إحداهما بالأخرى تارة قال تعالى: فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها [الكهف: 42] وقال تعالى: ويوم يعض الظالم على يديه [الفرقان: 27] فلما كان أكثر الندم يظهر على اليد أضيف سقوط الندم إليها ; لأن الذي يظهر للعيان من فعل الندم هو تقليب الكف وعض الأنامل وأتى بهذا الفعل على بناء ما لم يسم فاعله إيهاما لشأن الفعل كقولهم: دهي فلان وأصيب بأمر عظيم. والمقصود أن مثل ذلك لا يقال إلا لمن له يد حقيقة فإذا قيل: وسقط في يده عرف السائل أن هذا الكلام مستلزم لحقيقة اليد ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم:(1\/397)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "380",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12778",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot; أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا quot; فكن يخرجن أيديهن ليعلمن أيتهن أطول يدا فلما سبقتهن زينب إلى اللحاق به ولم تك يدها الذاتية أطول من أيديهن علمن أنه أراد طولها بالصدقة وكانت تسمى أم المساكين لكثرة صدقتها ومثل هذا اللفظ يحتمل المعنيين ولهذا فهم نساؤه منه وهن أفصح نساء العرب اليد الحقيقية حتى تبين لهن أخيرا أنه طولها بالصدقة وهذا من التعريض المباح بأن يذكر لفظا محتملا لمعنيين ومراده أحدهما كقوله: quot; نحن من ماء quot; وقوله: quot; ذاك الذي في عينيه بياض quot; وقوله: quot; الجنة لا يدخلها العجزة quot; وقول الصديق: هذا هاد يهديني السبيل ولكن لا يستعمل طول اليد بالصدقة إلا في حق من له يد ذاتية فسواء كان المراد بقوله: quot; أطولكن يدا quot; اليد الذاتية أو اليد المعنوية فهو مستلزم لثبوت يد الذات وإن أطلق على ما تباشره ويكون بها من الصدقة والإحسان فإن كان في اللفظ ما يعين ذلك فهو حقيقة في المراد وإن لم يكن في اللفظ ما يعينه فهو للكناية المستعملة في المصلحة فليس في ذلك ما ينفي حقيقة اليد لله بوجه من الوجوه. فإن قيل: كيف تصنعون بيد الحائط في قولة لبيد: إذ أصبحت بيد الشمال زمامها وقول المتنبي: وكم لظلام الليل عندي من يد ... تخبر أن المانوية تكذب وقد استعملت اليد في ذلك كله في مواضع حقيقة. قيل: لا يلزمنا هذا السؤال لأنا قلنا: متى أضيفت يد القدرة والنعمة إلى الحي استلزمت اليد الحقيقية وهذا استعمال مطرد غير منتقض وهذا يتعين: بالوجه السابع عشر: وهو أن الإضافة في يد الشمال ويد الحائط ويد الليل بينت أن المضاف من(1\/398)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "381",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12779",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جنس المضاف إليه والإضافة في البعير والفرس وغيرهما من الحيوان كذلك والإضافة في يد الملك والجن تبين أيضا أن يديهما من جنسيهما وكذلك الإضافة في يد الإنسان وكل ذلك حقيقة كذلك إضافة اليدين إلى الرحمة في قوله: بين يدي رحمته [الأعراف: 57] وإلى النجوى في قوله: بين يدي نجواكم صدقة [المجادلة: 12] فإن بين يدي الشيء أمامه وقدامه وهذا مما يتنوع فيه المضاف إليه وإن اختلفت ماهية الحقيقة وصفتها وتنوعت بتنوع المضاف إليه. فإذا قيل: يد الله ووجهه وسمعه وبصره وحياته وعلمه وقدرته ومشيئته وإتيانه واستواؤه كان ذلك حقيقة والمضاف فيه بحسب المضاف إليه فإذا لم يكن المضاف إليه مماثلا لغيره لزم أن يكون المضاف كذلك ضرورة فدعوى لزوم التشبيه والتمثيل في إثبات المضاف حقيقة زعم كاذب فإن لزم من إثبات اليد حقيقة لله التمثيل والتشبيه لزم ذلك في إثبات سائر الصفات له حقيقة ويلزم ذلك في إثبات صفاته فإن الصفة القديمة متى أشبهت صفات المخلوقين لزم وقوع التشبيه بين الذاتين. الوجه الثامن عشر: أن يقال: ما الذي يضركم من إثبات اليد حقيقة وليس معكم ما ينفي ذلك من أنواع الأدلة لا نقليها ولا عقليها ولا ضروريها ولا نظريها فإن فررتم من الحقيقة خشية التشبيه والتمثيل ففروا من إثبات السمع والبصر والحياة والعلم والإرادة والكلام خشية هذا المحذور. ثم يقال لكم: توهمكم لزوم التشبيه والتمثيل من إثبات هذه الصفة وغيرها وهم باطل وليس في المخلوقات يد تمسك السماوات والأرض وتطويها ويد تقبض الأرضين السبع ولا إصبع توضع عليها الأرض وإصبع توضع عليها الجبال فلو كان في المخلوقات يد وإصبع يد هذا شأنها لكان لكم عذر ما في توهم التشبيه والتمثيل من إثبات اليد والإصبع لله حقيقة وإنما هذا تلبيس منكم على ضعفاء العقول. وإن فررتم خشية التجسيم والتركيب ففروا من سائر الصفات من أولها إلى آخرها لأجل هذا المحذور فإن ادعيتم أن التجسيم والتركيب يلزم مما فررتم منه دون ما لم تفروا منه ظهر بطلان دعواكم للعقلاء قاطبة فإن الصفات أعراض لا تقوم بنفسها وقيامها بمحلها مستلزم لما تدعون أنه تجسيم وتركيب.(1\/399)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "382",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12780",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم يقال لكم: ما تريدون بالتجسيم والتركيب اللازم أتريدون به ما تقوم به الصفات فكأنكم قلتم: لا تقوم به لأنها لو قامت به لزم قيامها به هذا حقيقة قولكم عند العقلاء فسويتم بين اللازم والملزوم ونفيتم الشيء بنفسه أم تريدون به التركيب من الجواهر الفردة أو من المادة والصورة فالملازمة ممنوعة وأكثر العقلاء على أن الأجسام المحدوثة غير مركبة لا من هذا ولا من هذا فكيف يلزم هذا من ثبوت الصفات للرب تعالى وإن أردتم مماثلته لسائر الأجسام فهذا بناء منكم على أصلكم الفاسد عند كافة العقلاء أن الأجسام متماثلة فادعيتم دعويين كاذبتين: لزوم التجسيم من إثبات صفاته ولزوم تماثل الأجسام. والمقصود أن ما فررتم منه إن كان محذورا فهو غير لازم لإثبات الوجه واليد والسمع والبصر والعلو وسائر الصفات وإن لم يكن محذورا فلا وجه للفرار بل هو لازم إثبات الصفات الذي هو حق ولازم الحق حق فأنتم بين دعويين كاذبتين إحداهما دعوى ملازمة كاذبة أو دعوى انتفاء لازم الحق في ثبوته فإما أن تحيطوا به في المقدمة اللزومية أو في الاستثنائية أو فيهما وهذا مطرد في كل ما ادعيتم نفيه. الوجه التاسع عشر: أن هذه الألفاظ كلفظ اليدين والوجه إما أن يكون لها معنى أو تكون ألفاظا مهملة لا معنى لها والثاني ظاهر الاستحالة وإذا لم يكن بد من إثبات معنى لها فلا ريب أن ذلك المعنى قدر زائد على الذات وله مفهوم غير مفهوم الصفة الأخرى فأي محذور لزم في إثبات حقيقة اليد لزم مثله في مجازها ولا خلاص لكم من ذلك إلا بإنكار أن يكون لها معنى أصلا وتكون ألفاظا مجردة فإن المعنى المجازي إما القدرة وإما الإحسان وهما صفتان قائمتان بالموصوف فإن كانتا حقيقيتين غير مستلزمين لمحذور فهلا حملتم اليد على حقيقتها وجعلتم الباب بابا واحدا وإن كانت مجازا وهو حقيقة قولكم فلا يد ولا قدرة ولا إحسان في الحقيقة وإنما ذلك مجاز محض والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن ذلك إلزام المجاز في الصفات التي وافقوا على أنها حقيقة وهذا إلزام نفي ما ادعوا أنه مجاز اليد فيلزمهم نفي ذلك كله إن استلزم تشبيها أو تجسيما أو إثبات الجميع إن لم يستلزم ذلك وأما كون بعض الصفات يستلزم التشبيه والتجسيم وبعضها لا يستلزمه فهذا غير معقول ولا معلوم بصورة ولا نظر ولا نص ولا قياس.  الوجه العشرون: أن إبطال حقيقة اليد ونفيها وجعلها مجازا هو في الأصل قول(1\/400)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "383",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12781",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجهمية المعطلة وتبعهم عليه المعتزلة وبعض المستأخرين ممن ينسب إلى الأشعري والأشعري وقدماء أصحابه يردون على هؤلاء ويبدعونهم ويثبتون اليد حقيقة قال عبد العزيز بن يحيى المالكي الكناني جليس الشافعي والخصيص به مات قبل الإمام أحمد في كتابه الرد على الجهمية والزنادقة قال: يقال للجهمي: أتقول إن لله وجها وله نفس وله يد فيقول: نعم ولكن معنى وجه الله هو الله ومعنى نفسه عينه ومعنى يده نعمته قال: والجواب أن يقال له (فذكر كلاما يتعلق بالوجه والنفس)  ثم قال: أما قوله في اليد: إنها يد نعمة كما تقول العرب: لك عندي يد فقد قال الله تعالى: بيدك الخير [آل عمران: 26] وقال: فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء [يس: 83] وقال: تبارك الذي بيده الملك [الملك: 1] وقال: يد الله فوق أيديهم [الفتح: 10] وقال: بل يداه مبسوطتان [المائدة: 64] قال: فزعم الجهمي أن يد الله نعمته فبدل قولا غير الذي قيل له فأراد الجهمي أن يبدل كلام الله إذ أخبر أن له يدا بها ملكوت كل شيء فبدل مكان اليد نعمة وقال: العرب تسمي اليد نعمة قلنا له: العرب تسمي النعمة يدا وتسمي يد الإنسان يدا فإذا أرادت يد الذات جعلت على قولها علما ودليلا يعقل به السامع أنها أرادت الذات وإذا أرادت يد النعمة جعلت على قولها دليلا يعقل السامع كلامها أنها تريد باليد النعمة ولا تجعل كلامها مشتبها على سامعه ومن ذلك قول الشاعر: ناولت زيدا بيدي عطية فدل بهذا القول على يد الذات بالمناولة والياء حين قال: بيدي فجعل الياء استقصاء للعدد حين لم يكن له غير يدين وقال الآخر حين أراد يد النعمة: اشكر يدين لنا عليك وأنعما ... شكرا يكون مكافئا للمنعم فدل على يد النعمة بقوله: لنا عليك ثم قال: وأنعما ثم قال: يدين فجعل النون مكان الياء لم يستقص بهما العدد فهذا قول العرب ومذهبها في لغاتها والله تعالى لم يسم في كتابه يدا بنعمة ولم يسم نعمة يدا سمى الله سبحانه اليد يدا والنعمة نعمة في جميع القرآن.(1\/401)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "384",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12782",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأما ما ذكره سبحانه من يديه ويده فقد ذكرت ذلك في صدر هذا الكلام وأما النعمة التي هي غير اليد فمن ذلك قوله: واذكروا نعمة الله عليكم [البقرة: 231] وقوله: وما بكم من نعمة فمن الله [النحل: 53] وقوله: وأتممت عليكم نعمتي [المائدة: 3] وقوله: وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه [الأحزاب: 37] فسمى الله تعالى النعم باسم النعمة ولم يسمها بغير أسمائها ومثل هذا في القرآن كثير وذكر تعالى أيدي المخلوقين فسماها بالأيدي فقال تعالى: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك [الإسراء: 29] وقال تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما [المائدة: 38] وقال: والملائكة باسطو أيديهم [الأنعام: 93] فهذه أيد لا نعمة وذكر نعمته على زيد ونعمة النبي صلى الله عليه وسلم عليه فسماها نعمة ولم يسمها يدا ثم أخبر سبحانه عن يديه أنهما يدان لا ثلاثة وجعل الياء استقصاء للعدد حين قال: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [ص: 75] فدل على أنهما يدا الذات لا يتعارف العرب في لغاتها ولا أشعارها إلا أن هاتين اليدين يدا الذات لاستقصاء العدد بالياء وأما نعم الله فهي أكثر وأعظم من أن تحصر أو تعد قال الله تعالى: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها [إبراهيم: 34] . واعلم رحمك الله أن قائل هذه المقالة جاهل بلغة القرآن وبلغة العرب ومعانيها وكلامها وذلك أن الله إذا افتتح الخبر عن نفسه بلفظ الجمع ختم الكلام بلفظ الجمع وإذا افتتح الكلام بلفظ الواحد ختم الكلام بلفظ الواحد وإنما يعني الخبر عن نفسه وإن كان اللفظ جمعا فأما ما كان من لفظ الواحد فهو قوله تعالى: وقضى ربك [الإسراء: 23] فافتتح الخبر عن نفسه بلفظ الواحد وبمثله ختم الكلام فقال: ألا تعبدوا إلا إياه [الإسراء: 23] وقال: وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا [الإسراء: 24] وقال: ربكم أعلم بكم [الإسراء: 54] أما ما افتتحه بلفظ الجمع فهو قوله: وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب [الإسراء: 4] فافتتحه بلفظ الجمع ثم ختمه بمثل ما افتتحه به فقال:(1\/402)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "385",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12783",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا [الإسراء: 5] وإنما عنى بذلك نفسه لأنها كلمة ملوكية تقولها العرب. وروي أن ابن عباس لقي أعرابيا ومعه ناقة فقال: لمن هذه فقال الأعرابي: لنا فقال له ابن عباس: كم أنتم فقال: أنا واحد فقال ابن عباس: هكذا قول الله تعالى: نحن وخلقنا وقضينا إنما يعني نفسه والمبهم يرد إلى المحكم فكل كلمة في القرآن من لفظ جمع قبلها محكم من التوحيد ترد إليه فمن ذلك قوله: وقضينا إلى بني إسرائيل [الإسراء: 4] يرد إلى قوله: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه [الإسراء: 23] وقوله: وخلقناكم أزواجا [النبأ: 8] يرد إلى قوله: إنما أمره [يس: 82] وقوله: لما جاء أمر ربك [هود: 101] كذلك قوله: أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما [يس: 71] يرد إلى قوله: لما خلقت بيدي [ص: 75] فلما افتتح الكلام بلفظ الجمع فقال: أولم يروا أنا خلقنا لهم [يس: 71] قال: أيدينا [يس: 71] ولما افتتح بقوله: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [ص: 75] ختم الكلام على ما افتتحه به فهذا بيان لقوم يفقهون. وقد كان أكثر قسم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقسم أن يقول: لا والذي نفس محمد بيده وهذا لا يليق به النعمة وهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم يصدق كتاب الله . انتهى كلامه. ولو ذكرنا كلام السلف في ذلك لطال جدا والأشعري في كتبه يصرح بإثبات الصفات الخبرية في كتبه كلها ومعلوم أن أحدا لا ينكر لفظها وإنما أنكروا حقائقها ومعانيها الظاهرة وكلام الأشعري موجود في الإبانة والموجز والمقالات وموجود في تصانيف أئمة أصحابه وأجلهم على الإطلاق القاضي أبو بكر بن أبي الطيب وقد ذكر ذلك في كتاب الإبانة والتمهيد وغيرهما وذكره ابن فورك فيما جمعه من كلام ابن كلاب وكلام الأشعري وذكره البيهقي في الأسماء والصفات والاعتقاد وذكره القشيري في كتاب الشكاية له وذكره ابن عساكر في كتابه تبيين كذب المفتري حتى ابن الخطيب والسيف الآمدي حكوا ذلك عن الأشعري وأنه أثبت اليدين صفة لله ولكن غلطوا حيث ظنوا أن له قولين في ذلك وهذه كتبه كلها ليس فيها إلا الإثبات فهو الذي يحكيه عن أهل السنة وينصره ويحكي خلافه عن الجهمية والمعتزلة. نعم كان قبل ذلك يقول بقول المعتزلة ثم رجع عنه وصرح بخلافهم واستمر على ذلك حتى مات.(1\/403)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "386",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12784",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الأشعري في كتابه الذي ذكر ابن عساكر أنه آخر كتبه وعليه اعتمد في ذكره مناقبه واعتقاده قال: فإن سألنا سائل فقال: ما تقولون إن لله يدين قيل: نعم نقول ذلك لقوله تعالى: يد الله فوق أيديهم [الفتح: 10] ولقوله صلى الله عليه وسلم: quot; خلق الله آدم بيده وغرس جنة طوبى بيده quot; وقال تعالى: بل يداه مبسوطتان [المائدة: 64] وفي الحديث: quot; كلتا يديه يمين quot; وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقولوا لقائل: عملت كذا وكذا بيدي هو بمعنى النعمة إذا كان الله خاطب العرب بلغاتها وما تجده مفهوما في كلامها ومعقولا في خطابها وإذ لا يجوز في خطابها أن يقول القائل: فعلت بيدي ويعني النعمة بطل أن يكون معنى بيدي النعمة وساق الكلام في إنكار هذا التأويل وأطاله جدا وقرر أن لفظ اليدين على حقيقته وظاهره وبين أن اللغة التي أنزل بها القرآن لا تحتمل ما تأولت الجهمية. وقال لسان أصحابه وأجلهم ابن الطيب في كتاب التمهيد وهو أشهر كتبه: فإن قال القائل: فما الحجة في أن لله وجها ويدين قيل له: قوله تعالى: ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام [الرحمن: 27] وقوله: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [ص: 75] فأثبت لنفسه وجها ويدين فإن قالوا: بم أنكرتم أن يكون المعنى خلقت بيدي أنه خلقه بقدرته أو بنعمته لأن اليدين في اللغة تكون بمعنى النعمة وبمعنى القدرة كما يقال: لفلان عندي يد بيضاء وهذا شيء في يد فلان وتحت يده ويقال رجل أيد إذا كان قادرا كما قال تعالى: خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما [يس: 71] يريد عملنا بقدرتنا وقال الشاعر: إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين وكذلك قوله: خلقت بيدي [ص: 75] يعني بقدرته ونعمته قال: فيقال له: هذا باطل إذ قوله بيدي يقتضي إثبات يدين هما صفة له فلو كان المراد بهما القدرة لوجب أن يكون له قدرتان وأنتم تزعمون أن لله تعالى قدرة واحدة فكيف يجور أن تثبتوا قدرتين وقد أجمع المسلمون المثبتون للصفات والنافون لها على أنه لا يجور أن يكون لله تعالى قدرتان فبطل ما قلتم. وكذلك لا يجوز أن يكون خلق الله آدم بنعمتين ; لأن نعم الله تعالى على آدم وغيره لا تحصى ; ولأن القائل لا يجور أن يقول: رفعت الشيء أو وضعته بيدي أو توليته بيدي وهو يريد نعمته وكذلك لا يجور أن يقال لي: عند فلان يدان يعني(1\/404)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "387",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12785",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نعمتين وإنما يقال: لي عنده يداه بيضاوان ; ولأن فعلته بيدي لا يستعمل إلا في اليد التي هي صفة الذات. ويدل على فساد تأويلهم أيضا أنه لو كان الأمر على ما قالوه لم يغفل عن ذلك إبليس وأن يقول: وأي فضل لآدم علي يقتضي له وأنا أيضا بيدك خلقتني وفي العلم بأن الله تعالى فضل آدم عليه بخلقه بيديه دليل على فساد ما قالوه. فإن قال القائل: فما أنكرتم أن تكون يده ووجهه جارحة إذ كنتم لا تعقلون يدا ووجها هما صفة غير الجارحة قلنا: لا يجب ذلك كما لا يجب إذا لم نعقل حيا عالما قادرا إلا جسما أن نقضي نحن وأنتم ذلك على الله وكما لا يجب إذا كان قائما بذاته أن يكون جوهرا لأنا وإياكم لم نجد قائما بنفسه في شاهدنا إلا كذلك الجواب لهم أن قالوا: فيجب أن يكون علمه وكلامه وحياته وسائر صفات ذاته أعراضا وأجساما وأجناسا أو حوادث أو أغيارا له تعالى ومحتاجة إلى قلب ولو تتبعنا القول عن أهل السنة لزادت على المائتين.  خاتمة لهذا الفصل ورد لفظ اليد في القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مائة موضع ورودا متنوعا متصرفا فيه مقرونا بما يدل على أنها يد حقيقة من الإمساك والطي والقبض والبسط والمصافحة والحثيات والنضح باليد والخلق باليدين والمباشرة بهما وكتب التوراة بيده وغرس جنة عدن بيده وتخمير طينة آدم بيده ووقوف العبد بين يديه وكون المقسطين عن يمينه وقيام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة عن يمينه وتخيير آدم بين ما في يديه فقال: اخترت يمين ربي  وأخذ الصدقة بيمينه يربيها لصاحبها وكتابه بيده على نفسه أن رحمته تغلب غضبه وأنه مسح ظهر آدم بيده ثم قال له ويداه مفتوحتان: اختر فقال اخترت يمين ربي وكلتا يديه يمين مباركة وأن يمينه ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار وبيده الأخرى القسط يرفع ويخفض وأنه خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض وأنه يطوي السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يطوي الأرض باليد الأخرى وأنه خط الألواح التي كتبها لموسى بيده. وذكر عثمان بن سعيد الدارمي بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن الملائكة قالت: يا رب قد أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون(1\/405)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "388",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12786",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاجعل لنا الآخرة كما جعلت لهم الدنيا فقال: لا أفعل فأعادوا ذلك فقال: لا أفعل فأعادوا ذلك عليه فقال: quot; وعزتي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان quot; ورواه عبد الله بن أحمد في كتاب السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا. وقوله: الأيدي ثلاثة فيد الله العليا ويد المعطي التي تليها ويد السائل السفلى فهل يصح في عقل أو لغة أو عرف أن يقال: قدرة الله أو نعمته العليا ويد المعطي التي تليها فهل يحتمل هذا التركيب غير يد الذات بوجه ما وهل يصح أن يراد به غير ذلك وكذلك قوله: اليد العليا خير من اليد السفلى واليد العليا هي المنفقة واليد السفلى هي السائلة فضم هذا إلى قوله: الأيدي ثلاثة فيد الله العليا ويد المعطي هي التي تليها وإلى قوله: بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء [المائدة: 64] تقطع بالضرورة أن المراد يد الذات لا يد القدرة والنعمة فإن التركيب والقصد والسياق لا يحتمله البتة. وتأمل قوله: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم [الفتح: 10] فلما كانوا يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيديهم ويضرب بيده على أيديهم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو السفير بينه وبينهم كانت مبايعتهم له مبايعة لله تعالى ولما كان سبحانه فوق سماواته وعلى عرشه فوق الخلائق كلهم كانت يده فوق أيديهم كما أنه سبحانه فوقهم فهل يصح هذا لمن ليس له يد حقيقة فكيف يستقيم أن يكون المعنى قدرة الله ونعمته فوق قدرهم ونعمهم أم تقتضي المقابلة أن يكون المعنى هو الذي يسبق إلى الأفهام من هذا الكلام وكذلك قوله quot; ما تصدق أحد صدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل quot; فهل يحتمل هذا الكلام غير الحقيقة(1\/406)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "389",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12787",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "المثال الخامس إثبات الوجه لله تعالى حقيقة",
        "content": "وهب أن اليد تستعمل في النعمة أفسمعتم أن اليمين والكف يستعملان في النعمة في غير الوضع الجديد الذي اخترعتموه وحملتم عليه كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم. وكذلك quot; وبيده الأخرى القسط quot; هل يصح أن يكون المعنى وبقدرته الأخرى وهل يصح في قوله: quot; إن المقسطين عن يمين الرحمن quot; أنه عن قدرته في لغة من اللغات وهل سمعتم باستعمال اليمين في النعمة والكف في النعمة وكيف يحتمل قوله: quot; إن الله أخذ ذرية آدم من ظهره ثم أفاض بهم في كفه quot; كف النعمة والقدرة وهذا لم تعهدوا أنتم ولا أسلافكم به استعمالا البتة سوى الوضع الجديد الذي اخترعتموه. وكذلك قوله: خمر الله طينة آدم ثم ضرب بيده فيها فخرج كل طيب بيمينه وكل خبيث بيده الأخرى ثم خلط بينهما quot; فهل يصح في هذا السياق غير الحقيقة فضع لفظ النعمة والقدرة هاهنا ثم انظر هل يستقيم ذلك وهل يصح في قوله: quot; والخير كله في يديك quot; أن يكون في نعمتيك أو في قدرتيك. وقال عبد الله بن الحارث عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله خلق آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس جنة عدن بيده  أفيصح أن يخص الثلاث بقدرته ولا سيما لفظ الحديث quot; إن الله لم يخلق بيده إلا ثلاثة أشياء quot; أفيصح أن توضع النعمة والقدرة موضع اليد هاهنا  [المثال الخامس إثبات الوجه لله تعالى حقيقة] المثال الخامس: وجه الرب جل جلاله حيث ورد في الكتاب والسنة فليس بمجاز بل على حقيقته واختلف المعطلون في جهة التجوز في هذا فقالت طائفة: لفظ الوجه زائد والتقدير ويبقى ربك إلا ابتغاء ربه الأعلى ويريدون ربهم. وقالت فرقة أخرى منهم: الوجه بمعنى الذات وهذا قول أولئك وإن اختلفوا في التعبير عنه وقالت فرقة: ثوابه وجزاؤه فجعله هؤلاء مخلوقا منفصلا قالوا: لأن الذي يراد هو الثواب وهذه أقوال نعوذ بوجه الله العظيم من أن يجعلنا من أهلها قال عثمان بن سعيد الدارمي وقد حكى قول بشر المريسي أنه قال في قول النبي صلى الله عليه وسلم: quot; إذا قام العبد يصلي أقبل الله عليه بوجهه quot; يحتمل أن يقبل الله عليه بنعمته وإحسانه وأفعاله وما أوجب للمصلي من الثواب فقوله ويبقى وجه ربك [الرحمن: 27] أي ما(1\/407)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "390",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12788",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "توجه به إلى ربك من الأعمال الصالحة وقوله: فأينما تولوا فثم وجه الله [البقرة: 115] أي قبلة الله. قال الدارمي: لما فرغ المريسي من إنكار اليدين ونفيهما عن الله أقبل على وجه الله ذي الجلال والإكرام لينفيه عنه كما نفى عنه اليدين فلم يدع غاية في إنكار وجه الله ذي الجلال والإكرام والجحود به حتى ادعى أن وجه الله الذي وصفه بأنه ذو الجلال والإكرام مخلوق ; لأنه ادعى أنه أعمال مخلوقة يتوجه بها إليه وثواب وإنعام مخلوق يثبت به العامل وزعم أنه قبلة الله وقبلة الله لا شك مخلوقة. ثم ساق الكلام في الرد عليه. والقول بأن لفظ الوجه مجاز باطل من وجوه: أحدها: أن المجاز لا يمتنع نفيه فعلى هذا ألا يمتنع أن يقال: ليس لله وجه ولا حقيقة لوجهه وهذا تكذيب صريح لما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. الثاني: أنه خروج عن الأصل والظاهر بلا موجب. الثالث: أن ذلك يستلزم كون حياته وسمعه وبصره وقدرته وكلامه وإرادته وسائر صفاته مجازا لا حقيقة كما تقدم تقريره. الرابع: أن دعوى المعطل أن الوجه صلة كذب على الله وعلى رسوله وعلى اللغة فإن هذه الكلمة ليست مما عهد زيادتها. الخامس: أنه لو ساغ ذلك لساغ لمعطل آخر أن يدعي الزيادة في قوله: أعوذ بعزة الله وقدرته ويكون التقدير أعوذ بالله ويدعي معطل آخر الزيادة في سمعه وبصره وغير ذلك. السادس: أن هذا يتضمن إلغاء وجهه لفظا ومعنى وأن لفظه زائد ومعناه منتف. السابع: ما ذكره الخطابي والبيهقي وغيرهما قالوا: لما أضاف الوجه إلى الذات وأضاف النعت إلى الوجه فقال ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام [الرحمن: 27] دل على أن ذكر الوجه ليس بصلة وأن قوله: ذو الجلال والإكرام [الرحمن: 27] صفة للوجه وأن الوجه صفة للذات.(1\/408)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "391",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12789",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت: فتأمل رفع قوله ذو الجلال والإكرام [الرحمن: 27] عند ذكره الوجه وجره في قوله تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام [الرحمن: 78] فذو الوجه المضاف بالجلال والإكرام لما كان القصد الإخبار عنه وذي المضاف إليه بالجلال والإكرام في آخر السورة لما كان المقصود عين المسمى دون الاسم فتأمله. الثامن: أنه لا يعرف في لغة من لغات الأمم وجه الشيء بمعنى ذاته ونفسه وغاية ما شبه به المعطل وجه الرب أن قال: هو كقوله: وجه الحائط ووجه الثوب ووجه النهار ووجه الأمر (فيقال) لهذا المعطل المشبه: ليس الوجه في ذلك بمعنى الذات بل هذا مبطل لقولك فإن وجه الحائط أحد جانبيه فهو مقابل لدبره وكمثل هذا وجه الكعبة ودبرها فهو وجه حقيقة ولكنه بحسب المضاف إليه فلما كان المضاف إليه بناء كان وجهه من جنسه وكذلك وجه الثوب أحد جانبيه وهو من جنسه وكذلك وجه النهار أوله ولا يقال لجميع النهار وقال ابن عباس: وجه النهار أوله ومنه قولهم: صدر النهار قال ابن الأعرابي: أتيته بوجه نهار وصدر نهار وأنشد للربيع بن زياد: من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار والوجه في اللغة مستقبل كل شيء لأنه أول ما يواجه منه ووجه الرأي والأمر ما يظهر أنه صوابه وهو في كل محل بحسب ما يضاف إليه فإن أضيف إلى زمن كان الوجه زمنا وإن أضيف إلى حيوان كان بحسبه وإن أضيف إلى ثوب أو حائط كان بحسبه وإن أضيف إلى من ليس كمثله شيء [الشورى: 11] كان وجهه تعالى كذلك. التاسع: أن حمله على الثواب المنفصل من أبطل الباطل فإن اللغة لا تحتمل ذلك ولا يعرف أن الجزاء يسمى وجها للمجازي. العاشر: أن الثواب مخلوق فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استعاذ بوجه الله فقال quot; أعوذ بوجهك الكريم أن تضلني لا إله إلا أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون quot; رواه أبو داود وغيره. ومن دعائه يوم الطائف: quot; أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له الظلمات وصلح(1\/409)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "392",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12790",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه أمر الدنيا والآخرة quot; ولا يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ بمخلوق وفي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أنزل عليه: قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم [الأنعام: 65] قال: أعوذ بوجهك أو من تحت أرجلكم [الأنعام: 65] . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إذا أخذت مضجعك فقل: quot; أعوذ بوجهك الكريم وكلماتك التامات من شر ما أنت آخذ بناصيته اللهم أنت تكشف المأثم والمغرم اللهم لا يهزم جندك ولا يخلف وعدك ولا ينفع ذا الجد منك الجد سبحانك وبحمدك quot; وإسناده كلهم ثقات. في الموطأ: أنه كان ليلة الجن أقبل عفريت من الجن وفي يده شعلة من نار فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن فلا يزداد إلا قربا فقال له جبرائيل عليه السلام: (ألا أعلمك كلمات تقولهن ينكب منها لفيه وتطفأ شعلته قل: quot; أعوذ بوجه الله الكريم وكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر طوارق الليل ومن شر كل طارق يطرق بخير يا رحمن quot; فقالها فانكب لفيه وطفئت شعلته  أرسله مالك ووصله غيره. الحادي عشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في دعائه: quot; أسألك لذة النظر إلى وجهك(1\/410)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "393",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12791",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والشوق إلى لقائك quot; ولم يكن ليسأل لذة النظر إلى الثواب ولا يعرف تسمية ذلك وجها لغة ولا شرعا ولا عرفا. الثاني عشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot; من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سألكم بوجه الله فأعطوه quot; وفي السنن من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot; لا ينبغي لأحد أن يسأل بوجه الله إلا الجنة quot; فكان طاوس يكره أن يسأل الإنسان بوجه الله وجاء رجل إلى عمر بن عبد العزيز فرفع إليه حاجته ثم قال: أسألك بوجه الله فقال عمر: لقد سألت بوجه الله فلم يسأل شيئا إلا أعطاه إياه ثم قال عمر: ويحك ألا سألت بوجه الله الجنة ولو كان المراد بوجهه مخلوقا من مخلوقاته لما جاز أن يقسم عليه ويسأل به ولا كان ذلك أعظم من السؤال به سبحانه. وهذه الآثار صريحة في أن السؤال بوجهه أبلغ وأعظم من السؤال به فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot; لا يسأل بوجه الله إلا الجنة quot; فدل على بطلان قول من قال هو ذاته. الثالث عشر: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه quot; فإضافة السبحات التي هي الجلال والنور إلى الوجه وإضافة البصر إليه تبطل كل مجاز وتبين أن المراد وجهه. الرابع عشر: ما قاله عبد الله بن مسعود: ليس عند ربكم ليل ولا نهار نور السماوات والأرض من نور وجهه فهل يصح أن يحمل الوجه في هذا على(1\/411)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "394",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12792",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مخلوق أو يكون صلة لا معنى له أو يكون بمعنى القبلة والجهة وهذا مطابق لقوله صلى الله عليه وسلم: quot; وأعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات quot; فأضاف النور إلى الوجه والوجه إلى الذات واستعاذ بنور الوجه الكريم فعلم أن نوره صفة له كما أن الوجه صفة ذاتية وهو الذي قاله ابن مسعود هو تفسير قوله: الله نور السماوات والأرض [النور: 35] فلا تشغل بأقوال المتأخرين الذين غشت بصائرهم عن معرفة ذلك فخذ العلم عن أهله فهذا تفسير الصحابة رضي الله عنهم. الخامس عشر: أن من تدبر سياق الآيات والأحاديث والآثار التي فيها ذكر وجه الله الأعلى ذي الجلال والإكرام قطع ببطلان قول من حملها على المجاز وأنه الثواب والجزاء لو كان اللفظ صالحا في ذلك لغة فكيف واللفظ لا يصلح لذلك لغة فمنها قوله: ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام [الرحمن: 27] وقوله: وما لأحد عنده من نعمة تجزى - إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى [الليل: 19 - 20] . الوجه السادس عشر: أن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وجميع أهل السنة والحديث والأئمة الأربعة وأهل الاستقامة من أتباعهم متفقون على أن المؤمنين يرون وجه ربهم في الجنة وهي الزيادة التي فسر بها النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة للذين أحسنوا الحسنى وزيادة [يونس: 26] فروى مسلم في صحيحه بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله للذين أحسنوا الحسنى وزيادة [يونس: 26] قال: النظر إلى وجه الله تعالى فمن أنكر حقيقة الوجه لم يكن للنظر عنده حقيقة ولا سيما إذا أنكر الوجه والعلو فيعود النظر عنده إلى خيال مجرد كان أحسن العبارة قال: هو معنى يقوم بالقلب نسبته إليه كنسبة النظر إلى العين وليس في الحقيقة عنده نظر ولا وجه ولا لذة تحصل للناظر. الوجه السابع عشر: أن الوجه حيث ورد فإنما ورد مضافا إلى الذات في جميع موارده والمضاف إلى الرب تعالى نوعان: أعيان قائمة بنفسها كبيت الله وناقة الله وروح الله وعبد الله ورسول الله فهذا إضافة تشريف وتخصيص وهي إضافة مملوك إلى مالكه (الثاني) صفات لا تقوم بنفسها كعلم الله وحياته وقدرته وعزته وسمعه وبصره ونوره وكلامه فهذا إذا وردت مضافة إليه فهي إضافة صفة إلى الموصوف بها.(1\/412)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "395",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12793",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا عرف ذلك بوجهه الكريم وسمعه وبصره إذا أضيف إليه وجب أن تكون إضافته إضافة وصف لا إضافة خلق وهذه الإضافة تنفي أن يكون الوجه مخلوقا وأن يكون حشوا في الكلام وفي سنن أبي داود عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد قال quot; أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم quot; فتأمل كيف قرن في الاستعاذة بين استعاذته بالذات وبين استعاذته بالوجه الكريم وهذا صريح في إبطال قول من قال: إنه الذات نفسها وقول من قال: إنه مخلوق. الوجه الثامن عشر: أن تفسير وجه الله بقبلة الله وإن قاله بعض السلف كمجاهد وتبعه الشافعي فإنما قالوه في موضع واحد لا غير وهو قوله تعالى: ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله [البقرة: 115] فهب أن هذا كذلك في هذا الموضع فهل يصح أن يقال ذلك في غيره في المواضع التي ذكر الله تعالى فيها الوجه فما يفيدكم هذا في قوله: ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام [الرحمن: 27] وقوله إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى [الليل: 20] وقوله إنما نطعمكم لوجه الله [الإنسان: 9] على أن الصحيح في قوله: فثم وجه الله [البقرة: 115] أنه كقوله في سائر الآيات التي ذكر فيها الوجه فإنه قد اطرد مجيئه في القرآن والسنة مضافا إلى الرب تعالى على طريقة واحدة ومعنى واحد فليس فيه معنيان مختلفان في جميع المواضع غير الموضع الذي ذكر في سورة البقرة وهو قوله: فثم وجه الله [البقرة: 115] وهذا لا يتعين حمله على القبلة والجهة ولا يمتنع أن يراد به وجه الرب حقيقة فحمله على غير القبلة كنظائره كلها أولى يوضحه: الوجه التاسع عشر: أنه لا يعرف إطلاق وجه الله على القبلة لغة ولا شرعا ولا عرفا بل القبلة لها اسم يخصها والوجه له اسم يخصه فلا يدخل أحدهما على الآخر ولا يستعار اسمه له نعم القبلة تسمى وجهة كما قال تعالى: ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا [البقرة: 148] وقد تسمى جهة وأصلها وجهة لكن أعلت بحذف فائها كزنة وعدة وإنما سميت قبلة ووجهة لأن الرجل يقابلها ويواجهها(1\/413)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "396",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12794",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بوجهه وأما تسميتها وجها فلا عهد به فكيف إذا أضيف إلى الله تعالى مع أنه لا يعرف تسمية القبلة (وجهة الله) في شيء من الكلام مع أنها تسمى وجهه فكيف يطلق عليها وجه الله ولا يعرف تسميتها وجها ! وأيضا فمن المعلوم أن قبلة الله التي نصبها لعباده هي قبلة واحدة وهي القبلة التي أمر الله عباده أن يتوجهوا إليها حيث كانوا لا كل جهة يولي الرجل وجهه إليها فإنه يولي وجهه إلى المشرق والمغرب والشمال وما بين ذلك وليست تلك الجهات قبلة الله فكيف يقال: أي وجهة وجهتموها واستقبلتموها فهي قبلة الله فإن قيل: هذا عند اشتباه القبلة على المصلي وعند صلاته النافلة في السفر قيل: اللفظ لا إشعار له بذلك البتة بل هو عام مطلق في الحضر والسفر وحال العلم والاشتباه والقدرة والعجز يوضحه: أن إخراج الاستقبال المفروض والاستقبال في الحضر وعند العلم والقدرة وهو أكثر أحوال المستقبل وحمل الآية على استقبال المسافر في التنفل على الراحلة على حال الغيم ونحوه بعيد جدا عن ظاهر الآية وإطلاقها وعمومها وما قصد بها فإن quot; أين quot; من أدوات العموم وقد أكد عمومها بـ quot; ما quot; إرادة لتحقيق العموم كقوله: وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره [البقرة: 144] والآية صريحة في أنه أينما ولى العبد فثم وجه الله من حضر أو سفر في صلاة أو غير صلاة وذلك أن الآية لا تعرض فيها للقبلة ولا لحكم الاستقبال بل سياقها لمعنى آخر وهو بيان عظمة الرب تعالى وسعته وأنه أكبر من كل شيء وأعظم منه وأنه محيط بالعالم العلوي والسفلي فذكر في أول الآية إحاطة ملكه في قوله: ولله المشرق والمغرب [البقرة: 115] فنبهنا بذلك على ملكه لما بينهما ثم ذكر عظمته سبحانه وأنه أكبر وأعظم من كل شيء فأين ما ولى العبد وجهه فثم وجه الله ثم ختم باسمين دالين على السعة والإحاطة فقال: إن الله واسع عليم [البقرة: 115] فذكر اسم الواسع عقيب قوله: فأينما تولوا فثم وجه الله [البقرة: 115] كالتفسير والبيان والتقرير له فتأمله فهذا السياق لم يقصد به الاستقبال في الصلاة بخصوصه وإن دخل في عموم الخطاب حضرا أو سفرا بالنسبة إلى الفرض والنفل والقدرة والعجز. وعلى هذا فالآية باقية على عمومها وأحكامها ليست منسوخة ولا مخصوصة بل(1\/414)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "397",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12795",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يصح دخول النسخ فيها لأنها خبر عن ملكه للمشرق والمغرب وأنه أين ما ولى الرجل وجهه فثم وجه الله وعن سعته وعلمه فكيف يمكن دخول النسخ والتخصيص في ذلك. وأيضا هذه الآية ذكرت مع ما بعدها لبيان عظمة الرب والرد على من جعل لله عدلا من خلقه أشركه معه في العبادة ولهذا ذكر بعدها الرد على من جعل له ولدا فقال تعالى: وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات [البقرة: 116] إلى قوله: كن فيكون [البقرة: 117] فهذا السياق لا تعرض فيه للقبلة ولا سيق الكلام لأجلها وإنما سيق لذكر عظمة الرب وبيان سعة علمه وملكه وحلمه والواسع من أسمائه فكيف تجعلون له شريكا بسننه وتمنعون بيوته ومساجده أن يذكر فيها اسمه وتسعون في خرابها فهذا للمشركين ثم ذكر ما نسبه إليه النصارى من اتخاذ الولد ووسط بين كفر هؤلاء وقوله تعالى: ولله المشرق والمغرب [البقرة: 115] فالمقام مقام تقرير لأصول التوحيد والإيمان والرد على المشركين لا بيان فرع معين جزئي. يوضحه: أن الله تعالى لما ذكر قبلته التي شرعها عينها دون سائر الجهات بأنها شطر المسجد الحرام وأكد ذكرها مرة بعد مرة تعيينها لها دون غيرها من الجهات بأنها القبلة التي رضيها وشرعها وأحبها لعباده ولم يذكر أنها كل جهة بل أخبر أنها قبلة يرضاها رسوله صلى الله عليه وسلم وجعل استقبالها من أعلام نبوة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم [البقرة: 144] أي ذلك الاستقبال وأكد أمر هذه القبلة تأكيدا أزال به استقبال غيرها وأن تكون قبلة شرعها.  الوجه العشرون: أنه سبحانه أخبر عن الجهات التي تستقبلها الأمم منكرة مطلقة غير مضافة إليه وأن المستقبل لها هو موليها وجهه لا أن الله شرعها له وأمره بها ثم أمر أهل قبلته المبادرة والمسابقة إلى الخير الذي ادخره لهم وخصهم به ومن جملته هذه القبلة التي خصهم دون سائر الأمم فقال تعالى: ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات [البقرة: 148] إلى قوله: قدير [البقرة: 148] . فتأمل هذا السياق في ذكر الجهات المختلفة التي توليها الأمم وجوههم ونزل عليه قوله: ولله المشرق والمغرب [البقرة: 115] إلى قوله: واسع عليم [البقرة: 115] وانظر هل يلائم(1\/415)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "398",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12796",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السياق السياق والمعنى المعنى ويطابقه أم هما سياقان دل كل منهما على معنى غير المعنى الآخر فالألفاظ غير الألفاظ والمعنى غير المعنى. الوجه الحادي والعشرون: أنه لو كان المراد بوجه الله قبلة الله لكان قد أضاف إلى نفسه القبل كلها ومعلوم أن هذه إضافة تخصيص وتشريف إلى إلهيته ومحبته لا إضافة عامة إلى ربوبيته ومشيئته وما هذا شأنها لا يكون المضاف الخاص إلا كبيت الله وناقة الله وروح الله فإن البيوت والنوق والأرواح كلها لله ولكن المضاف إليه بعضها فقبلة الله منها هي قبلة بيته لا كل قبلة كما أن بيته هو البيت المخصوص لا كل بيت. الوجه الثاني والعشرون: أن يقال: حمل الوجه في الآية على الجهة والقبلة إما أن يكون هو ظاهر الآية أو يكون خلاف ظاهرها ويكون المراد بالوجه وجه الله حقيقة ; لأن الوجه إنما يراد به الجهة والقبلة إذا جاء مطلقا غير مضاف إلى الله تعالى كما في حديث الاستسقاء فلم يقدم أحد من وجه من الوجوه إلا أخبر بالجود أم يكون ظاهر الآية الأمرين كليهما ولا تنافي بينهما فأينما ولى العبد وجهه في صلاة تولية مأمور بها فهو قبلة الله وثم وجه الله فهو مستقبل قبلته ووجهه أو تكون الآية مجملة محتملة للأمرين فإن كان الأول هو ظاهرها لم يكن حملها عليه مجازا وكان ذلك حقيقتها ومن يقول هذا يقول وجه الله في هذه الآية قبلته وجهته التي أمر باستقبالها بخلاف وجهه في قوله: ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام [الرحمن: 27] وتلك النصوص التي ذكرناها وغاية ذلك أن يكون الوجه لفظا مشتركا قد استعمل في هذا تارة وفي هذا تارة فمن أين يلزم من ذلك أن يكون وجه الرب ذو الجلال والإكرام مجازا وأن لا يكون له وجه حقيقة لولا التلبيس والترويج بالباطل. وإن كان الثاني فالأمر ظاهر وإن كان الثالث فلا تنافي بين الأمرين فأينما ولى المصلي فهي قبلة الله وهو مستقبل وجه ربه ; لأنه واسع والعبد إذا قام إلى الصلاة فإنه يستقبل ربه تعالى والله مقبل على كل مصل إلى وجهه من الجهات المأمور بها بوجهه كما تواترت بذلك الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل قوله: ( إذا قام(1\/416)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "399",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12797",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدكم إلى الصلاة فلا يبصقن قبل وجهه فإن الله قبل وجهه ) وفي لفظ: quot; فإن ربه بينه وبين القبلة quot;. وقد أخبر أنه حيثما توجه العبد فإنه مستقبل وجه الله فإنه قد دل العقل والفطرة وجميع كتب الله السماوية على أن الله تعالى عال على خلقه فوق جميع المخلوقات وهو مستو على عرشه وعرشه فوق السماوات كلها فهو سبحانه محيط بالعوالم كلها فأينما ولى العبد فإن الله مستقبله بل هذا شأن مخلوقه المحيط بما دونه فإن كل خط يخرج من المركز إلى المحيط فإنه يستقبل وجه المحيط ويواجهه والمركز يستقبل وجه المحيط وإذا كان عالي المخلوقات المحيط يستقبل سافلها المحاط به بوجهه من جميع الجهات والجوانب فكيف بشأن من هو بشكل شيء محيط وهو محيط ولا يحاط به كيف يمتنع أن يستقبل العبد وجهه تعالى حيث كان وأين كان وقوله: فثم وجه الله [البقرة: 115] إشارة إلى مكان موجود والله تعالى فوق الأمكنة كلها ليس في جوفها وإن كانت الآية مجملة محتملة لأمرين لم يصح دعوى المجاز فيها ولا في وجه الله حيث ورد فبطلت دعواهم أن وجه الله على المجاز لا على الحقيقة يوضحه: الوجه الثالث والعشرون: أنه لو أريد بالوجه في الآية الجهة والقبلة لكان وجه الكلام أن يقال: quot; فأينما تولوا فهو وجه الله quot; ; لأنه إذا كان المراد بالوجه الجهة فهي التي تولى نفسها وإنما يقال: ثم كذا إذا كان هناك أمران كقوله تعالى: وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا [الإنسان: 20] فالنعيم والملك ثم لا أنه نفس الظرف لنفسه فإن الشيء لا يكون ظرفا لنفسه فتأمله. ألا ترى أنك إذا أشرت إلى جهة الشرق والغرب لا يصح أن تقول: ثم جهة الشرق وثم جهة الغرب بل تقول: هذه جهة الشرق وهذه جهة الغرب ولو قلت: هناك جهة الشرق والغرب لكان ذكر اللفظ لغوا وذلك لأن ثم إشارة إلى المكان البعيد فلا يشار بها إلى القريب والجهة والوجهة مما يحاذيك إلى آخرها فجهة الشرق والغرب وجهة القبلة مما يتصل لك إلى حيث ينتهي فكيف يقال فيها ثم إشارة إلى البعيد بخلاف(1\/417)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "400",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12798",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإشارة إلى وجه الرب تبارك وتعالى فإنه يشار إلى حيث يشار إلى ذاته لهذا قال غير واحد من السلف: فثم وجه الله تحقيقا ; لأن المراد وجهه الذي هو من صفات ذاته والإشارة إليه بأنه ثم كالإشارة إليه بأنه فوق سماواته وعلى العرش وفوق العالم. الوجه الرابع العشرون: أن تفسير القرآن بعضه ببعض أولى التفاسير ما وجد إليه السبيل ولهذا كان يعتمده الصحابة والتابعون والأئمة بعدهم والله تعالى ذكر في القرآن القبلة باسم القبلة والوجهة وذكر وجهه الكريم باسم الوجه المضاف إليه فتفسيره في هذه الآية بنظائره هو المتعين. الوجه الخامس والعشرون: أن الآية لو احتملت كل واحد من الأمرين لكان الأولى بها إرادة وجهه الكريم ذي الجلال والإكرام ; لأن المصلي مقصوده التوجه إلى ربه فكان من المناسب أن يذكر أنه إلى أي الجهات صليت فأنت متوجه إلى ربك ليس في اختلاف الجهات ما يمنع التوجه إلى ربك فجاءت الآية وافية بالمقصود فقال: ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله [البقرة: 115] فأخبر أن الجميع ملكه وقد خلقه وقد علم بالفطرة والشرع أن الله تعالى فوق العالم محيط بالمخلوقات عال عليها بكل اعتبار فمن استقبل وجهة من الشرق إلى الغرب أو الشمال أو الجنوب أو بين ذلك فإنه متوجه إلى ربه حقيقة والله تعالى قبل وجهه إلى أي جهة صلى وهو مع ذلك فوق سماواته عال على عرشه ولا يتوهم تنافي هذين الأمرين بل اجتماعهما هو الواقع ولهذا عامة أهل الإثبات جعل الآية من آيات الصفات وذكرها مع الوجه مع قولهم: إن الله تعالى فوق سماواته على عرشه. الوجه السادس والعشرون: أنك إذا تأملت الأحاديث الصحيحة وجدتها مفسرة للآية مشتقة منه كقوله صلى الله عليه وسلم: quot; إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإنما يستقبل ربه quot; وقوله: quot; فالله يقبل عليه بوجهه ما لم يصرف وجهه عنه quot; وقوله: quot; إن الله يأمركم بالصلاة فإذا صليتم قبل وجهه quot; وقوله: quot; إن الله يأمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت quot; رواه ابن حبان(1\/418)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "401",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12799",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "المثال السادس اسم الله النور وقوله تعالى الله نور السماوات والأرض",
        "content": "في صحيحه والترمذي وقال: quot; إن العبد إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم قام إلى الصلاة أقبل الله عليه بوجهه فلا ينصرف عنه حتى ينصرف أو يحدث حدث سوء quot;. وقال جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot; إذا قام العبد يصلي أقبل الله عليه بوجهه فإذا التفت أعرض الله عنه وقال: يا ابن آدم أنا خير ممن تلتفت إليه فإذا أقبل على صلاته أقبل الله عليه فإذا التفت أعرض الله عنه quot; وقال ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot; إذا صلى أحدكم فلا يتنخمن تجاه وجه الرحمن quot; وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot; إن العبد إذا قام إلى الصلاة فإنه بين عيني الرحمن فإذا التفت قال له: ابن آدم إلى من تلتفت إلى خير لك مني تلتفت  quot;.  [المثال السادس اسم الله النور وقوله تعالى الله نور السماوات والأرض] المثال السادس: قوله تعالى: الله نور السماوات والأرض [النور: 35] ومن أسمائه النور وقالت المعطلة: ذلك مجاز معناه منور السماوات والأرض بالنور المخلوق قالوا: ويتعين المجاز لأن كل عاقل يعلم بالضرورة أن الله تعالى ليس هو هذا النور المنبسط على الجدران ولا هو النور الفائض من جرم الشمس والقمر والنار فإما أن يكون مجازه منور السماوات أو هادي أهلها. وبطلان هذا يتبين بوجوه: الأول: أن النور جاء في أسمائه تعالى وهذا الاسم مما تلقته الأمة بالقبول وأثبتوه في أسمائه الحسنى وهو في حديث أبي هريرة والذي رواه الوليد بن مسلم ومن طريقه رواه الترمذي والنسائي ولم ينكره أحد من السلف ولا أحد من أئمة أهل السنة ومحال أن يسمي نفسه نورا وليس له نور ولا صفة النور ثابتة له كما أن من المستحيل أن يكون عليما قديرا سميعا بصيرا ولا علم له ولا قدرة بل صحة هذه الأسماء عليه مستلزمة لثبوت معانيها له وانتفاء حقائقها عنه مستلزم لنفيها عنه والثاني باطل قطعا فتعين الأول. الوجه الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله أبو ذر: هل رأيت ربك قال quot; نور أنى(1\/419)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "402",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12800",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أراه quot; رواه مسلم في صحيحه وفي الحديث قولان: أحدهما: أن معناه ثم نور أي فهناك نور منعني رؤيته ويدل على هذا المعنى شيئان (أحدهما) قوله في اللفظ الآخر في الحديث: quot; رأيت نورا quot; فهذا النور الذي رآه هو الذي حال بينه وبين رؤية الذات الثاني: قوله في حديث أبي موسى ( إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه quot; رواه مسلم في صحيحه وقال عثمان بن سعيد الدارمي: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن عبيد المكتب عن مجاهد عن ابن عمر قال: quot; احتجب الله عنه خلقه بأربع: بنار وظلمة ونور وظلمة quot; وقال: حدثنا موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن أبي عمران الجوني عن زرارة بن أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل: quot; هل رأيت ربك quot; فانتفض جبريل وقال: يا محمد إن بيني وبينه سبعين حجابا من نور لو دنوت من أدناها لاحترقت quot;. المعنى الثاني في الحديث أنه سبحانه نور فلا يمكن رؤيته ; لأن نوره الذي لو كشف الحجاب عنه لاحترقت السماوات والأرض وما بينهما مانع من رؤيته فإن كان المراد هو المعنى الثاني فظاهر وإن كان الأول فلا ريب أنه إذا كان نور الحجاب مانعا من رؤية ذاته فنور ذاته سبحانه أعظم من نور الحجاب بل الحجاب إنما استنار بنوره فإن نور السماوات إذا كان من نور وجهه كما قال عبد الله بن مسعود فنور الحجاب الذي فوق السماوات أولى أن يكون من نوره وهل يعقل أن يكون النور حجاب من ليس له نور هذا أبين المحال وعلى هذا فلا تناقض بين قوله صلى الله عليه وسلم: quot; رأيت نورا quot; وبين قوله: quot; نور أنى أراه quot; فإن المنفي مكافحة الرؤية للذات المقدسة والمثبت رؤية ما ظهر من نور الذات يوضحه: الوجه الثالث: وهو أن ابن عباس جمع بين الأمرين فقال: رأى محمد ربه عز(1\/420)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "403",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12801",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجل فقيل له: أليس الله تعالى يقول: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103] فقال: ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره لم يقم له شيء فأخبر أن الأبصار لا تدرك نفس ذاته إذا تجلى بنوره الذي هو نوره فهذا موافق لقول النبي صلى الله عليه وسلم quot; نور أنى أراه quot; ولقوله: رأيت نورا . الوجه الرابع: أن الرب سبحانه أخبر أنه لما تجلى للجبل وظهر له أمر ما من نور ذاته المقدسة صار الجبل دكا فروى حميد عن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: فلما تجلى ربه للجبل [الأعراف: 143] أشار أنس بطرف إصبعه على طرف خنصره وكذلك أشار ثابت فقال له حميد الطويل: ما تريد يا أبا محمد فرفع ثابت يده فضرب صدره ضربة شديدة وقال: من أنت يا حميد يحدثني أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وتقول أنت: ما تريد بهذا ومعلوم أن الذي أصار الجبل إلى هذا الحال ظهور هذا القدر من نور الذات له بلا واسطة بل تجلى ربه له سبحانه . الوجه الخامس: ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قام من الليل: quot; اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض quot; الحديث وهو يقتضي أن كونه نور السماوات والأرض مغاير لكونه رب السماوات والأرض ومعلوم أن إصلاحه السماوات والأرض بالأنوار وهدايته لمن فيهما هي ربوبيته فدل على أن معنى كونه نور السماوات والأرض أمر وراء ربوبيتها يوضحه: الوجه السادس: وهو أن الحديث تضمن ثلاثة أمور شاملة عامة للسماوات والأرض وهو: ربوبيتها وقيوميتها ونورهما فكونه سبحانه ربا لهما وقيوما لهما ونورا لهما أوصاف له فآثار ربوبيته وقيوميته ونوره قائمة بهما وصفة الربوبية ومقتضاها هو المخلوق المنفصل وهذا كما أن صفة الرحمة والقدرة والإرادة والرضى والغضب قائمة به سبحانه والرحمة الموجودة في العالم والإحسان والخير والنعمة والعقوبة آثار تلك الصفات وهي منفصلة عنه وهكذا علمه القائم به هو صفته وأما علوم عباده فمن آثار علمه وقدرتهم من آثار قدرته فالتبس هذا الموضع على منكري نوره سبحانه ولبسوا من جرم الشمس والقمر والنار فلا بد من حمل قوله: نور السماوات والأرض [النور: 35](1\/421)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "404",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12802",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على معنى أنه منور السماوات والأرض وهاد لأهل السماوات والأرض وحينئذ فنقول في: الوجه السابع: أسأتم الظن بكلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم حيث فهمتم أن حقيقة مدلوله أنه سبحانه هو هذا النور الواقع على الحيطان والجدران وهذا الفهم الفاسد هو الذي أوجب لكم إنكار حقيقة نوره وجحده وجمعتم بين الفهم الفاسد وإنكار المعنى الحق وليس ما ذكرتم من النور هو نور الرب القائم به الذي هو صفته وإنما هو مخلوق له منفصل عنه فإن هذه الأنوار المخلوقة إنما تكون في محل دون محل فالنور الفائض عن النار أو الشمس أو القمر إنما هو نور لبعض الأرض دون بعض فإنا نعلم أن نور الشمس الذي هو أعظم من نور القمر والكواكب والنار ليس هو نور جميع السماوات والأرض ومن فيهن فمن ادعى أن ظاهر القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم أن نور الرب سبحانه هو هذا النور الفائض فقد كذب على الله ورسوله فلو كان لفظ النص: الله هو النور الذي تعاينونه وترونه في السماوات والأرض لكان لفهم هؤلاء وتحريفهم مستندا ما أما ولفظ النص: الله نور السماوات والأرض [النور: 35] فمن أين يدل هذا بوجه ما أنه النور الفائض عن جرم الشمس والقمر والنار فإخراج نور الرب تعالى عن حقيقته وحمل لفظه على مجازه إنما استند إلى هذا الفهم الباطل الذي لم يدل عليه اللفظ بوجه. الوجه الثامن: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر هذه الآية بقوله: quot; أنت نور السماوات والأرض quot; ولم يفهم منه أنه هو النور المنبسط على الحيطان والجدران ولا فهمه الصحابة عنه بل علموا أن لنور الرب تعالى شأنا آخر هو أعظم من أن يكون له مثال قال عبد الله بن مسعود: ليس عند ربكم ليل ولا نهار نور السماوات والأرض من نور وجهه فهل أراد ابن مسعود أن هذا النور الذي على الحيطان ووجه الأرض هو عين نور الوجه الكريم أو فهم هذا عنهم ذو فهم مستقيم ! فالقرآن والسنة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم متطابقة يوافق بعضها بعضا وتصرح بالفرق الذي بين النور الذي هو صفته والنور الذي هو خلق من خلقه كما تفرق بين الرحمة التي هي صفته والرحمة التي هي مخلوقة ولكن لما وجدت في رحمته سميت برحمته وكما أنه لا يماثل في صفة من صفات خلقه فكذلك نوره سبحانه فأي نور من الأنوار المخلوقة إذا ظهر للعالم وواجهه أحرقه وأي نور إذا ظهر منه للجبال الشامخة قدرا ما جعلها دكا وإذا كانت أنوار الحجب لو دنا جبرائيل من أدناها لاحترق فما الظن بنور الذات.(1\/422)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "405",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12803",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه التاسع: أنه تعالى قال: وأشرقت الأرض بنور ربها [الزمر: 69] فأخبر أن الأرض يوم القيامة تشرق بنوره وهو نوره الذي هو نوره فإنه سبحانه يأتي لفصل القضاء بين عباده وينصب كرسيه بالأرض فإذا جاء الله تعالى أشرقت الأرض وحق لها أن تشرق بنوره وعند المعطلة لا يأتي ولا يجيء ولا له نور تشرق به الأرض. الوجه العاشر: ما رواه محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot; بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رءوسهم فإذا الجبار جل جلاله وقد أشرق عليهم من فوقهم وقال: يا أهل الجنة السلام عليكم فذلك قوله تعالى: سلام قولا من رب رحيم [يس: 58] قال: ثم يتوارى عنهم وتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم  رواه الحاكم في صحيحه وابن ماجه في سننه فهذا نور مشاهد قد سطع لهم حتى حركهم واستفزهم إلى رفع رءوسهم إلى فوق. الوجه الحادي عشر: أن النص قد ورد بتسمية الرب نورا وبأن له نورا مضافا إليه وبأنه نور السماوات والأرض وبأن حجابه نور هذه أربعة أنواع فالأول يقال عليه سبحانه بالإطلاق فإنه النور الهادي والثاني يضاف إليه كما يضاف إليه حياته وسمعه وبصره وعزته وقدرته وعلمه وتارة يضاف إلى وجهه وتارة يضاف إلى ذاته فالأول إضافته كقوله: quot; أعوذ بنور وجهك quot; وقوله: quot; نور السماوات والأرض من نور وجهه quot; والثاني إضافته إلى ذاته كقوله وأشرقت الأرض بنور ربها [الزمر: 69] وقول ابن عباس: quot; ذلك نوره الذي إذا تجلى به quot; وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمرو quot; إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره quot; الحديث. الثالث وهو إضافة نوره إلى السماوات والأرض كقوله: الله نور السماوات والأرض [النور: 35] والرابع كقوله: quot; حجابه النور quot; فهذا النور المضاف إليه يجيء على أحد الوجوه الأربعة والنور الذي احتجب به سمي نورا ونارا كما وقع التردد في لفظه في الحديث الصحيح حديث(1\/423)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "406",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12804",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبي موسى الأشعري وهو قوله: quot; حجابه النور أو النار quot; فإن هذه النار هي نور وهي التي كلم الله كليمه موسى فيها وهي نار صافية لها إشراق بلا إحراق. فالأقسام ثلاثة: إشراق بلا إحراق كنور القمر وإحراق بلا إشراق وهي نار جهنم فإنها سوداء محرقة لا تضيء وإشراق بإحراق وهي هذه النار المضيئة وكذلك نور الشمس له الإشراق والإحراق فهذا في الأنوار المشهودة المخلوقة وحجاب الرب تبارك وتعالى نور وهو نار وهذه الأنواع كلها حقيقة بحسب مراتبها فنور وجهه حقيقة لا مجاز وإذا كان نور مخلوقاته كالشمس والقمر والنار حقيقة فكيف يكون نوره الذي نسبة الأنوار المخلوقة إليه أقل من نسبة سراج ضعيف إلى قرص الشمس فكيف لا يكون هذا النور حقيقة.  الوجه الثاني عشر: أن إضافة النور إليه سبحانه لو كان إضافة ملك وخلق لكانت الأنوار كلها نوره فكان نور الشمس والقمر والمصباح نوره فإن كانت حقيقة هذه الإضافة إضافة مخلوق إلى خالقه كان نوره حقيقة فيا عجبا لكم: أنكرتم أن يكون الله سبحانه نور السماوات والأرض حقيقة وأن يكون لوجهه نور حقيقة ثم جعلتم نور الشمس والقمر والمصابيح نوره حقيقة وقد علم الناس بالضرورة فساد هذا وأن نوره المضاف إليه يختص به لا يقوم بغيره فإن نور المصباح قام بالفتيلة منبسطا على السقوف والجدران وليس ذلك هو نور الرب تعالى الذي هو نور ذاته ووجهه الأعلى بل ذلك هو المضاف إليه حقيقة كما أن نور الشمس والقمر والمصابيح مضاف إليها حقيقة قال تعالى: هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا [يونس: 5] وقال تعالى: وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا [الفرقان: 61] وقال تعالى: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور [الأنعام: 1] فهذا نور مخلوق قائم بجرم مخلوق لا يسمى به الرب تعالى ولا يوصف به ولا يضاف إليه إلا على جهة أنه مخلوق له مجهول لا على أنه وصف له قائم به فالتسوية بين هذا وبين نور وجهه الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة واستعاذ به العائذون من أبطل الباطل. الوجه الثالث عشر: أن مثبتي الصفات كأبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب وأبي الحسن الأشعري وأئمة أتباعهما لم يذكروا الخلاف في ذلك إلا عن المعتزلة(1\/424)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "407",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12805",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنكار كونه نورا هو قول المبتدعة قال ابن فورك في كتابه الذي سماه مقالات أبي محمد بن كلاب وأبي الحسن الأشعري وذكر اتفاقهما إلا فيما ندر من الأمور اللفظية إلى أن قال: إن المشهور من مذهبه بأن الله سبحانه نور لا كأنوار حقيقة لا بمعنى أنه هاد وعلى ذلك نص في كتاب التوحيد في باب مفرد لذلك تكلم فيه على المعتزلة إذ تأولوا ذلك على معنى أنه هاد فقال: إن سأل سائل عن الله عز وجل أنور هو قيل له: كلامك يحتمل وجهين: إن كنت تريد أنه نور يتجزأ تجوز عليه الزيادة والنقصان فلا وهذه صفة النور المخلوق وإن كنت تريد معنى ما قاله الله سبحانه الله نور السماوات والأرض [النور: 35] فالله سبحانه نور السماوات والأرض على ما قال. فإن قال: فما معنى قولك نور قيل له: قد أخبرناك ما معنى النور المخلوق وما معنى النور الخالق وهو الله سبحانه الذي ليس كمثله شيء ومن تعدى أن يقول الله نور فقد تعدى إلى غير سبيل المؤمنين ; لأن الله لم يكن يسمي نفسه لعباده بما ليس هو به فإن قال: لا أعرف النور إلا هذا النور المضيء المتجزئ قيل له: فإن كان لا يكون نور إلا كذلك فكذلك لا يكون شيئا إلا وحكمه حكم ذلك الشيء. ثم قال ابن فورك: فإذا قال الله عز وجل: إني نور قلت أنا: هو نور على ما قال سبحانه وتعالى وقلت أنت: ليس هو نور فمن المثبت له على الحقيقة أنا أو أنت وكيف يتبين الحق فيه إلا من جهة ما أخبر الله سبحانه والدافع لما قال الله كافر بالله وإن لزمنا أن لا نقول: إن الله نور لأن ذلك موجود في الخلق لزمنا أن لا نقول إن الله حي سميع بصير موجود لأن ذلك موجود في الخلق ومعنانا في هذا الباب خلاف معناكم ; لأن معناكم في ذلك التعطيل ومعنانا في قولنا: الله نور نثبت الله تعالى على ما ورد به في كتابه بما يسمى به عندنا فنحن متبعون ما أخبرنا به في كتابه فإن جاز لكم أن تقولوا شيئا لا كالأشياء جاز لنا أن نقول نور لا كالأنوار وأنتم ظلمة فيما سألتم جحدة لما أخبر به عن نفسه في كتابه ونحن وأنتم متفقون إن أقررتم بالكتاب أن لله نور السماوات والأرض ومختلفون في أن نقول: نور فقلنا نحن: نور وقلتم أنتم: لا نقول نور فإن زعمتم أن معنى نور معنى هاد قلنا لكم: فيجوز أن يكون غير نور بمعنى أنه هاد فإن قلتم: لا كذبتم القياس واللغة وإن قلتم: نعم قلنا لكم: سويتم بين النور والهادي الذي هو غير الله وبينه إن كان هو النور الهادي ومعنى هذا نور معنى كون هذا فقد استويا في معنيهما وأسمائهما فدخلتم فيما عبتم على مخالفيكم.(1\/425)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "408",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12806",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قلتم: فالنور لا يكون إلا جسدا مجسدا أو ضياء ساطعا قلنا: ولا يكون عالم بصير إلا لحما ودما متجزئا متبعضا فإن جاز قياسكم على مخالفيكم جاز قياسه عليكم فإن قلتم: يجوز أن يكون عالم لا لحم ولا دم قيل لكم: كذلك يجوز أن يكون نور لا جسد ولا ضوء ساطع وليس لكم إلا التعطيل والنفي لله سبحانه. قال ابن فورك: وإنما استوفيت هذا الفصل من كتابه رحمه الله بألفاظه لتحقيقه هذا الوصف لله تمسكا بحكم الكتاب وإنه لا يرى أن يعدل عن الكتاب ما وجد السبيل إلى التمسك به لرأي وهوى لا يوجبه أصل صحيح قال: فقد كشف عن ذلك بغاية البيان وأزال اللبس فيه وأن السمع هو الحجة في تسمية الله سبحانه ولا يجب أن يحمل على المجاز لأنه يوجب أن يحمل ما ورد به السمع من أسمائه تعالى على المجاز. وقال أبو بكر بن العربي: قد اختلف الناس بعد معرفتهم بالنور على ستة أقوال: الأولى: معناه هاد قاله ابن عباس والثاني: معناه منور قاله ابن مسعود وروي أن في مصحفه منور السماوات والأرض والثالث: مزين وهو يرجع إلى معنى منور قاله أبي بن كعب الرابع: أنه ظاهر الخامس: ذو النور السادس أنه نور لا كالأنوار قاله أبو الحسن الأشعري. قال: وقالت المعتزلة: لا يقال له: نور إلا بإضافة قال: والصحيح عندنا أنه نور لا كالأنوار لأنه حقيقة والعدول عن الحقيقة إلى أنه هاد ومنور وما أشبه ذلك هو مجاز من غير دليل لا يصح. قلت: أما حكايته عن ابن عباس أنه بمعنى هاد فعمدته على التفسير الذي رواه الناس عن عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس وفي ثبوت ألفاظه عن ابن عباس نظر ; لأن الوالبي لم يسمعها من ابن عباس فهو منقطع وأحسن أحواله أن يكون منقولا عن ابن عباس بالمعنى ولو صح ذلك عن ابن عباس فليس مقصوده به نفي حقيقة النور عن الله وأنه ليس بنور ولا نور له كيف وابن عباس هو الذي سمع من النبي صلى الله عليه وسلم قوله في صلاة الليل: quot; اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن quot; وهو الذي قال لعكرمة لما سأله عن قوله: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103] قال: ويحك ذاك نور إذا تجلى بنوره لم(1\/426)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "409",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12807",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يدركه شيء كيف ولفظ الآية والحديث ينبو عن تفسير النور بالهادي ; لأن الهداية تختص بالحيوان وأما الأرض نفسها والسماء فلا توصف بهدى والقرآن والحديث وأقوال الصحابة صريح بأنه سبحانه وتعالى نور السماوات والأرض ولكن عادة السلف أن يذكر أحدهم في تفسير اللفظة بعض معانيها ولازما من لوازمها أو الغاية المقصودة منها أو مثالا ينبه السامع على نظيره وهذا كثير في كلامهم لمن تأمله فكونه سبحانه هاديا لا ينافي كونه نورا. وأما ما ذكره عن ابن مسعود أنه بمعنى منور وأنها في مصحفه كذلك فهذا لا ينافي كونه في نفسه نورا وأن يكون النور من أسمائه وصفاته بل يؤكد ذلك فإن الموجودات النورانية نوعان (منها) ما هو في نفسه مستنير ولا ينير غيره كالجمرة مثلا فهذا لا يقال له نور ومنها ما هو مستنير في نفسه وهو منير لغيره كالشمس والقمر والنار وليس في الموجودات ما هو منور لغيره وهو في نفسه ليس بنور بل إنارته لغيره فرع كونه نورا في نفسه فقراءة ابن مسعود منور تحقيق لمعنى كونه نورا وهذا مثل كونه متكلما معلما مرشدا مقدرا لغيره فإن ذلك فرع كونه في نفسه متكلما عالما رشيدا قادرا قد صرح ابن مسعود بأن نور السماوات والأرض من نور وجهه تبارك وتعالى. وأما ما حكاه عن أبي بن كعب أنه بمعنى مزين فلا أصل له عن أبي وهو بالكذب عليه أشبه فإن تفسير أبي لهذه الآية معروف رواه عنه أهل الحديث من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي ذكره ابن جريج ومعمر ووكيع وهشيم وابن المبارك وعبد الرزاق والإمام أحمد وإسحاق وخلائق غيرهم. وذكر ابن جرير وسعيد وعبد بن حميد وابن المنذر في تفاسيرهم من طريق عبد الله بن موسى عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قول الله تعالى: الله نور السماوات والأرض [النور: 35] قال: فبدأ بنور نمسه فذكره ثم ذكر نور المؤمن فقال مثل نوره [النور: 35] يقول مثل نور المؤمن قال: وكان أبي بن كعب يقرؤها كذلك (مثل نور المؤمن) قال فهو عبد جعل الإيمان والقرآن في صدره كمشكاة [النور: 35] قال المشكاة صدره فيها مصباح [النور: 35] قال: المصباح القرآن والإيمان الذي جعل في صدره المصباح في زجاجة [النور: 35] قال الزجاجة [النور: 35] قلبه كأنها كوكب دري [النور: 35](1\/427)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "410",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12808",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال قلبه لما استنار فيه الإيمان والقرآن كأنه كوكب دري يقول: مضيء يوقد من شجرة مباركة [النور: 35] قال فالشجرة المباركة الإخلاص لله وحده لا شريك له لا شرقية ولا غربية [النور: 35] قال فمثله كمثل شجرة التف بها الشجر فهي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس على أي حال كانت لا إذا طلعت ولا إذا غربت قال فذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يضله شيء من الفتن وقد ابتلي بها فثبته الله فها هو بين أربع خلال: إن أعطي شكر وإن ابتلي صبر وإن قال صدق وإن حكم عدل فهو في الناس كرجل يمشي في قبور الأموات نور على نور [النور: 35] فهو يتقلب في خمسة من النور فكلامه نور وعلمه نور ومدخله نور ومخرجه نور ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة. قال: ثم ضرب مثلا آخر للكافر: والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة [النور: 39] الآية قال: فكذلك الكافر في يوم القيامة وهو يحسب أن له عند الله خيرا فلا يجده فيدخله النار. قال: وضرب مثلا آخر للكافر فقال: أو كظلمات في بحر لجي [النور: 40] الآية فهو ينقلب في خمسة من الظلم: فكلامه ظلمة ومدخله ظلمة ومخرجه ظلمة ومصيره إلى الظلمات إلى النار. فهذا التفسير المعروف عن أبي لا ما ذكره. وأما قوله يصح أن يكون النور صفة فعل على معنى أنه ظاهر فما أبعده عن الصواب وكونه ظاهرا ليس بصفة فعل فإنه الأول والآخر والظاهر والباطن وتلك صفات ذاته المقدسة لا أنها أفعال. قال الأشعري في الإبانة: قال الله تعالى: الله نور السماوات والأرض مثل نوره [النور: 35] فسمى نفسه نورا والنور عند الأمة لا يخلو من أحد معنيين: إما أن يكون نورا يسمع أو نورا يرى فمن زعم أن الله يسمع ولا يرى كان مخطئا في نفيه رؤية ربه وتكذيبه بكتابه عز وجل وقول نبيه صلى الله عليه وسلم هذا لفظه. وقال القاضي أبو يعلى: فأما قوله في حديث جابر: ( بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور من فوق رءوسهم فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم قال: السلام عليكم يا أهل الجنة قال: فذلك قوله تعالى: سلام قولا من رب رحيم [يس: 58] قال: فينظر(1\/428)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "411",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12809",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه  قال: فلا يمتنع حمله على ظاهره وأنه نور ذاته لأنه إذا جاز أن تظهر لهم ذاته فيرونها جاز أن يظهر لهم نورها فيرونه لأن النور من صفات ذاته وهو قوله: وأشرقت الأرض بنور ربها [الزمر: 69] وذكر في موضع آخر قولين في ذلك ورجح هذا القول قال: وهو أشبه بكلام أحمد. الوجه الرابع عشر: أن النور صفة الكمال وضده صفة نقص ولهذا سمى الله نفسه نورا وسمى كتابه نورا وجعل لأوليائه النور ولأعدائه الظلمة فقال: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات [البقرة: 257] ويجيء الأنبياء يوم القيامة وأممهم لكل نبي نوران ولكل واحد من أتباعهم نور وتجيء هذه الأمة لكل منهم نوران ولنبيهم صلى الله عليه وسلم في كل شعرة نور ولما كانت مادة الملائكة التي خلقوا منها نورا كانوا بالمحل الذي أحلهم الله به وكانوا خيرا محضا وللنور ظاهر وباطن فمتى حل ظاهره بجسم كساه من الجمال والجلال والمهابة والضياء والحسن والبهجة والسناء بحسب ما كسي من النور وزالت عنه الوحشة والثقل وكان مفرحا لرائيه سارا لناظريه وإذا حل باطنه بالباطن اكتسى من الخير والعلم والرحمة والهداية والعفو والجود والصبر والحلم والتواضع والنصيحة بحسب ذلك النور فالنور في الحقيقة هو كمال العبد في الظاهر والباطن. ولما كان ليوسف الصديق من هذا النور النصيب الوافر ظهر في جماله الظاهر والباطن فكان على الصفة التي ذكرها الله في كتابه وكذلك رسول الله لما كان نصيبه من هذا النور أكمل نصيب كان أجمل الخلق ظاهرا وباطنا فكان وجهه يتلألأ تلألأ القمر ليلة البدر وكان كلامه كله نورا ومدخله ومخرجه نورا فإذا تكلم رؤي النور يخرج من بين ثناياه فكان أكمل الخلق في نور الظاهر والباطن وكان نوره من أكبر آيات نبوته. قال عبد الله بن سلام: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة انجفل الناس إليه فجئت(1\/429)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "412",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12810",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حتى رأيته فلما وقع بصري عليه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب فكان أول ما سمعته يقول: quot; يا أيها الناس أفشوا السلام وصلوا الأرحام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام quot; فاستدل على نبوته بنور وجهه ونور كلامه بنوره المرئي ونوره المسموع كما قال حسان بن ثابت: لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بداهته تأتيك بالخبر أي ما يبدهك من وجهه ومنظره ونوره وبهائه وأخذه الصرصري فقال: لو لم يقل إني رسول أما ... شاهده في وجهه ينطق فإذا كان هذا نور عبده فكيف بنوره سبحانه والرب تعالى هو الخالق للنور والظلمة كما استفتح سبحانه سورة الأنعام بقوله: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون [الأنعام: 1] فاستفتح السورة بإبطال قول أهل الشرك أجمعين من الثنوية المجوس القائلين بأن للعالم نورين: نور وظلمة فأخبر أنه وحده رب النور والظلمة وخالقهما كما أنه وحده خالق السماوات والأرض والله تعالى جعل الموجودات عاليا وسافلا ومتوسطا بينهما وجعل لسافلها الظلمة وهي مسكن أهل الظلمات من خلقه وجعل لعاليها النور وهو مسكن أهل النور منهم وجعل هذه الأرض وما فوقها إلى العلو متوسطا بينهما فكلما كان أقرب إلى العرش والكرسي كان أعظم نورا ولذا كان فضل نور العرش والكرسي على ما تحته كفضل نور الشمس والقمر على أخفى الكواكب وكلما كان أقرب إلى السفلي المطلق كان أشد ظلمة ولهذا لما كان محبس أهل الظلمات سجين كانت سوداء مظلمة لا نور فيها بوجه فكلما كان أقرب إلى الرب تعالى كان أعظم نورا ظاهرا وباطنا وكلما بعد عنه كان أشد ظلمة بحسب بعده عنه. وذكر الإمام أحمد في كتاب الزهد أن موسى أقام أياما لا يحدث بني إسرائيل إلا متبرقعا من النور الذي غشي وجهه حين كلمه ربه فلم يكن أحد ينظر إليه فنسبة الأنوار كلها إلى نور الرب كنسبة العلوم إلى علمه والقوى إلى قوته والغنى إلى(1\/430)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "413",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12811",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "المثال السابع إثبات فوقية الله تعالى على الحقيقة",
        "content": "غناه والعزة إلى عزته وكذلك باقي الصفات والعبد إذا سما بصره صعودا إلى نور الشمس غشي دون إدراكه وتعذر عليه غاية التعذر وأي نسبة لنور الشمس إلى نور خالقها ومبدعها وإذا كان نور البرق يكاد يلتمع البصر ويخطفه ولا يقدر العبد على إدراكه فكيف بنور الحجاب فكيف بما فوقه والأمر أعظم من أن يصفه واصف أو يتصوره عاقل فتبارك الله رب العالمين الذي أشرقت الظلمات بنور وجهه وعجزت الأفكار عن إدراك كنهه ودلت الآيات وشهدت الفطر باستحالة شبهه فلولا وصف نفسه لعباده لما أقدموا على وصفه فهو كما وصف نفسه وأثنى على نفسه وفوق ما يصفه الواصفون.  [المثال السابع إثبات فوقية الله تعالى على الحقيقة] المثال السابع: مما ادعى المعطلة مجازه (الفوقية) وقد ورد به القرآن مطلقا بدون حرف ومقترنا بحرف (فالأول) كقوله تعالى: وهو القاهر فوق عباده [الأنعام: 18] في موضعين (والثاني) كقوله: يخافون ربهم من فوقهم [النحل: 50] وفي حديث الأول لما ذكر السماوات السبع وذكر البحر الذي فوقها والعرش فوق ذلك كله والله فوق ذلك لا يخفى عليه أعمالكم وحقيقة الفوقية علو ذات الشيء على غيره فادعى الجهمي أنها مجاز في فوقية الرتبة والقهر كما يقال الذهب فوق الفضة والأمير فوق نائبه وهذا وإن كان ثابتا للرب تعالى لكن إنكار حقيقة فوقيته سبحانه وحملها على المجاز باطل من وجوه عديدة: أحدها: أن الأصل الحقيقة والمجاز على خلاف الأصل. الثاني: أن الظاهر خلاف ذلك. الثالث: أن هذا الاستعمال المجازي لا بد فيه من قرينة تخرجه عن حقيقته فأين القرينة في فوقية الرب تعالى الرابع: أن القائل إذا قال: الذهب فوق الفضة قد أحال المخاطب على ما يفهم من هذا السياق والمعتد بأمرين عهد تساويهما في المكان وتفاوتها في المكانة فانصرف الخطاب إلى ما يعرفه السامع ولا يلتبس عليه فهل لأحد من أهل الإسلام وغيرهم عهد بمثل ذلك في فوقية الرب تعالى حتى ينصرف فهم السامع إليها. الخامس: أن العهد والفطر والعقول والشرائع وجميع كتب الله المنزلة على خلاف ذلك وأنه سبحانه فوق العالم بذاته فالخطاب بفوقيته ينصرف إلى ما استقر في الفطر والعقول والكتب السماوية.(1\/431)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "414",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12812",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السادس: أن هذا المجاز لو صرح به في حق الله كان قبيحا فإن ذلك إنما يقال في المتقاربين في المنزلة وأحدهما أفضل من الآخر وأما إذا لم يتقاربا بوجه فإنه لا يصح فيهما ذلك وإذا كان يقبح كل القبح أن تقول: الجوهر فوق قشر البصل وإذا قلت ذلك ضحكت منك العقلاء للتفاوت العظيم الذي بينهما فالتفاوت الذي بين الخالق والمخلوق أعظم وأعظم وفي مثل هذا قيل شعرا: ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا السابع: أن الرب سبحانه لم يمتدح في كتابه ولا على لسان رسوله بأنه أفضل من العرش وأن رتبته فوق رتبة العرش وأنه خير من السماوات والعرش والكرسي وحيث ورد ذلك في الكتاب فإنما هو في سياق الرد على من عبد معه غيره وأشرك في إلهيته فبين سبحانه أنه خير من تلك الآلهة كقوله: آلله خير أم ما يشركون [النمل: 59] وقوله: أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار [يوسف: 39] وقول السحرة: وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى [طه: 73] ولكن أين في القرآن مدحه نفسه وثناؤه على نفسه بأنه أفضل من السماوات والعرش والكرسي ابتداء ولا يصح إلحاق هذا بذلك إذ يحسن في الاحتجاج على المنكر وإلزامه من الخطاب الداحض لحجته ما لا يحسن في سياق غيره ولا ينكر هذا إلا غبي. الثامن: أن هذا المجاز وإن احتمل في قوله: وإنا فوقهم قاهرون [الأعراف: 127] فذلك لأنه قد علم أنهم جميعا مستقرون على الأرض فهي فوقية قهر وغلبة لم يلزم مثله في قوله: وهو القاهر فوق عباده [الأنعام: 18] إذ قد علم بالضرورة أنه وعباده ليسوا مستوين في مكان واحد حتى تكون فوقية قهر وغلبة. التاسع: هب أن هذا يحتمل في مثل قوله: وفوق كل ذي علم عليم [يوسف: 76] لدلالة السياق والقرائن المقترنة باللفظ على فوقية الرتبة ولكن هذا إنما يأتي مجردا عن (من) ولا يستعمل مقرونا بمن فلا يعرف في اللغة البتة أن يقال: الذهب من فوق الفضة ولا العالم من فوق الجاهل وقد جاءت فوقية الرب مقرونة بمن كقوله تعالى: يخافون ربهم من فوقهم [النحل: 50] فهذا صريح في فوقية الذات ولا يصح حمله على فوقية الرتبة لعدم استعمال أهل اللغة له.(1\/432)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "415",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12813",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العاشر: أن لفظ الحديث صريح في فوقية الذات وهذا لفظه. قال العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنا بالبطحاء فمرت سحابة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; هل تدرون بعد ما بين السماء والأرض قالوا: لا قال: إما واحد وإما اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة ثم عد سبع سماوات ثم قال: وبين السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين سماء إلى سماء ثم فوق ذلك ثمانية أوعال ما بين أظلافهم وركبهم كما بين سماء إلى سماء على ظهورهم العرش ثم الله فوق ذلك وهو يعلم ما أنتم عليه quot; رواه أبو داود بإسناد جيد. فتأمل الفوقية في ألفاظ هذا الحديث هل أريد بها فوقية الرتبة في لفظ واحد من ألفاظها الحادي عشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أنشده عبد الله بن رواحة قوله: شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا وتحمله ملائكة كرام ... ملائكة الإله مسومينا لم ينكر عليه ذلك بل ضحك حتى بدت نواجذه ومعلوم قطعا أن ابن رواحة لم يرد بقوله: quot; وفوق العرش رب العالمينا quot; أنه أفضل من العرش وخير منه وهو كان أعلم بالله وصفاته وكماله من أن يقول ذلك إنما أراد فوقية الذات التي هي حقيقة اللفظ وليس فيه ما يعين المجاز بوجه من الوجوه فكيف يجوز إطلاق الحقيقة الباطلة عند الجهمية ويقره الرسول عليها ولا ينكر ذلك عليه ! الثاني عشر: ما رويناه بالإسناد الصحيح عن ثابت عن حبيب بن أبي ثابت أن حسان بن ثابت أنشد النبي صلى الله عليه وسلم: شهدت بإذن الله أن محمدا ... رسول الذي فوق السماوات من عل وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما ... له عمل من ربه متقبل وأن أخا الأحقاف إذ قام فيهم ... يقوم بذات الله فيهم ويعدل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; وأنا أشهد quot; وقوله: بإذن الله أي بأمره ومرضاته فهل(1\/433)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "416",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12814",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شهد حسان وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على شهادته إلا على فوقية ذاته وهل أراد أنه رسول الذي خير من السماوات وأفضل منها !  الثالث عشر: ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال quot; لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش أن رحمتي سبقت غضبي quot; وفي لفظ: quot; فهو عنده موضوع على العرش quot; فتأمل قوله: quot; فهو عنده فوق العرش quot; هل يصح حمل الفوقية على المجاز وفوقية الرتبة والفضيلة بوجه من الوجوه وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله: هو الأول والآخر والظاهر والباطن [الحديد: 3] بقوله: quot; أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء quot; فجعل كمال الظهور موجبا لكمال الفوقية ولا ريب أنه ظاهر بذاته فوق كل شيء والظهور هنا العلو ومنه قوله: فما اسطاعوا أن يظهروه [الكهف: 97] أي: يعلوه وقرر هذا المعنى بقوله: quot; فليس فوقك شيء quot; أي أنت فوق الأشياء كلها ليس لهذا اللفظ معنى غير ذلك ولا يصح أن يحمل الظهور على الغلبة لأنه قابله بقوله: وأنت الباطن. فهذه الأسماء الأربعة متقابلة: اسمان لأزل الرب تعالى وأبده واسمان لعلوه وقربه وروى أبو داود بإسناد حسن عنده عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال: quot; أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: يا رسول الله جهدت الأنفس وضاعت العيال ونهكت الأموال وهلكت المواشي فاستق لنا ربك فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه قال: ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك ويحك أتدري ما الله إن الله فوق عرشه وعرشه فوق سماواته وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب quot;.(1\/434)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "417",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12815",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتأمل هذا السياق هل يحتمل غير الحقيقة بوجه من الوجوه وقول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ رضي الله عنه: quot; لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبع سماوات quot; وقول زينب رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم: quot; زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات quot; لا يصح فيه فوقية المجاز أصلا إذ يصير المعنى: زوجني الله حال كونه أفضل من سبع سماوات. وثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه مر بعجوز فاستوقفته فوقف يحدثها فقال له رجل: يا أمير المؤمنين حبست الناس على هذه العجوز فقال: ويحك أتدري من هذه هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات  هذه خولة التي أنزل الله فيها قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله [المجادلة: 1] أخرجه الدارمي وغيره. فسل المعطل هل يصح أن يكون المعنى سمع الله قولها حال كونه خيرا وأفضل من سبع سماوات وروى أبو القاسم اللالكائي والبيهقي وغيرهما بالإسناد الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: quot; ما بين السماء القصوى والدنيا خمسمائة عام وبين الكرسي والماء كذلك والعرش فوق الماء والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم quot; رواه الطبراني وابن المنذر وعبد الله بن أحمد وابن عبد البر وأبو عمر الطلمنكي وأبو أحمد العسال وهذا تفسير قوله وهو القاهر فوق عباده [الأنعام: 18] وروى(1\/435)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "418",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12816",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبو القاسم الطبراني عن ابن مسعود أيضا قال: quot; إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى إذا تيسر له نظر الله إليه من فوق سبع سماوات فيقول للملائكة: اصرفوا عنه فإني إن يسرته له أدخلته النار quot; وإسناده صحيح. ولم يزل السلف الصالح يطلقون مثل هذه العبارة إطلاقا لا يحتمل غير الحقيقة فثبت عن مسروق أنه كان إذا حدث عن عائشة رضي الله عنها يقول: حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرأة من فوق سبع سماوات وروى يونس بن يزيد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن كعب قال: قال الله تعالى في التوراة: quot; أنا الله فوق عبادي وعرشي فوق جميع خلقي وأنا على عرشي أدبر أمر عبادي ولا يخفى علي شيء في السماء ولا في الأرض quot; ورواه ابن بطة وأبو الشيخ وغيرهما بإسناد صحيح. وهب أن المعطل يكذب كعبا ويرميه بالتجسيم فكيف حدث به عنه هؤلاء الأعلام مثبتين له غير منكرين وذكر أبو نعيم بإسناد صحيح عن مالك بن دينار أنه كان يقول خذوا ويقرأ ويقول: اسمعوا إلى قول الصادق من فوق عرشه إيمانا بكلامه وعلوه على عرشه وصح عن الضحاك بن مزاحم في قوله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم [المجادلة: 7] الآية قال: هو فوق العرش وعلمه معهم أينما كانوا وصح عن جرير أنه لما قصد عبد الملك ليمدحه قال له: ما جاء بك جرير قال: أتى بي لك الله الذي فوق عرشه ... ونور وإسلام عليك دليل وفي كتاب العرش لابن أبي شيبة أن داود عليه السلام كان يقول في دعائه: quot; اللهم أنت ربي تعاليت فوق عرشك وجعلت خشيتك على من في السماوات والأرض quot; وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني محمد بن علي الجوهري حدثنا إبراهيم ابن الهيثم حدثنا محمد بن كثير المصيصي قال: سمعت الأوزاعي يقول: كنا والتابعين متوافرون نقول: إن الله فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته ورواته كلهم أئمة ثقات.(1\/436)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "419",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12817",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر البيهقي عن مقاتل في قوله تعالى: هو الأول والآخر والظاهر والباطن [الحديد: 3] هو الأول قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء والظاهر فوق كل شيء والباطن أقرب من كل شيء وإنما يعني بالقرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه وهو بكل شيء عليم [الحديد: 3] وصح عن عبد الله بن المبارك أنه قيل له: بم نعرف ربنا قال بأنه فوق سماواته على عرشه ولا نقول كما قالت الجهمية: إنا هاهنا يعني في الأرض. وصح عن إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة أنه قال: من لم يؤمن بأن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه وجب أن يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وطرح على مزبلة. رواه الحاكم عنه في علوم الحديث والتاريخ. وقال الإمام محمد بن يسار: بعث الله ملكا من الملائكة إلى نمرود فقال: هل تعلم يا عدو الله كم بين السماء والأرض قال لا قال إن بين الأرض إلى السماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام وغلظها مثل ذلك إلى أن ذكر حملة العرش (إلى أن قال) وفوقهم يبدو العرش عليه ملك الملوك تبارك وتعالى أي عدو الله فأنت تطلع إلى ذلك ! ثم بعث عليه البعوضة فقتلته رواه أبو الشيخ في كتاب العظمة. وقصة أبي يوسف مشهورة في استتابته لبشر المريسي لما أنكر أن يكون الله فوق العرش (رواها عبد الرحمن بن أبي حاتم وغيره) وبشر لم ينكر أن الله أفضل من العرش وإنما أنكر ما أنكرته المعطلة أن ذاته تعالى فوق العرش وروى الدارقطني في الصفات وعبد الله بن أحمد في السنة بإسناد صحيح عن أبي الحسن بن العطار قال: سمعت محمد بن مصعب العابد يقول: من زعم أنك لا تتكلم ولا ترى في الآخرة فهو كافر بوجهك أشهد أنك فوق العرش فوق سبع سماوات ليس كما يقول أعداؤك الزنادقة. وفي وصية الشافعي: أنه أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فذكر الوصية (إلى أن قال فيها) والقرآن كلام الله غير مخلوق وأنه يرى في الآخرة عيانا ينظر إليه المؤمنون وشك ويسمعون كلامه وأنه تعالى فوق عرشه ذكره الحاكم والبيهقي في مناقب الشافعي. وقال الشافعي: السنة التي أنا عليها ورأيت أهل الحديث عليها مثل سفيان ومالك وغيرهما الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلى أن قال: وإن الله(1\/437)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "420",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12818",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فوق عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء وينزل على سماء الدنيا كيف شاء ذكره الحافظ عبد الغني في كتاب اعتقاد الشافعي. وقال حنبل: قلت لأبي عبد الله: ما معنى قوله تعالى: وهو معكم [الحديد: 4] ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم [المجادلة: 7] قال: بعلمه محيط بالكل وربنا على العرش بلا حد ولا صفة أراد أحمد بنفي الصفة نفي الكيفية والتشبيه وبنفي الحد نفي حد يدركه العباد ويحدونه وقال أبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي: سألت أبا حنفية عمن يقول لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض قال قد كفر لأن الله تعالى يقول على العرش استوى [طه: 5] ولكن لا يدرى العرش في السماء أم في الأرض فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر وقال مالك: الله في السماء وعلمه في كل مكان ذكره الطلمنكي وابن عبد البر وعبد الله بن أحمد وغيرهم. الرابع عشر: أن هذا اتفاق من أهل الإسلام حكاه غير واحد منهم الإمام عثمان ابن سعيد الدارمي في نقضه على المريسي (قال في هذا الكتاب) قال أهل السنة: إن الله بكماله فوق عرشه يعلم ويسمع من فوق العرش لا يخفى عليه خافية من خلقه وقال سعيد بن عامر الضبعي إمام أهل البصرة على رأس المائتين وذكر عنده الجهمية فقال: هم شر قولا من اليهود والنصارى قد اجتمع أهل الأديان من المسلمين وغيرهم على أن الله فوق السماوات على العرش وقالوا هم: ليس على العرش شيء. وقال الإمام الحافظ الزاهد أبو عبد الله بن بطة في كتاب الإبانة له: باب الإيمان: بأن الله على عرشه بائن من خلقه وعلمه محيط بخلقه: أجمع المسلمون من الصحابة والتابعين أن الله على عرشه فوق سماواته بائن من خلقه وقال أبو نصر السجزي الحافظ في كتاب الإبانة: وأئمتنا كالثوري ومالك وابن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وابن المبارك وفضيل بن عياض وأحمد وإسحاق متفقون على أن الله فوق العرش بذاته وأن علمه بكل مكان. وقال أبو نعيم الحافظ صاحب الحلية في الاعتقاد الذي ذكر أنه اعتقاد السلف وإجماع الأمة قال فيه: وإن الأحاديث التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم في العرش واستواء الله تعالى عليه يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل وأن الله بائن من خلقه وخلقه بائنون منه لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم وهو مستو على عرشه في سمائه من دون أرضه.(1\/438)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "421",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12819",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الإمام أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة: الذي يذهب إليه أهل العلم أن الله عز وجل على عرشه فوق سماواته وعلمه محيط بكل شيء وقد أحاط بجميع ما خلق في السماوات العلى وبجميع ما في سبع أرضين. وكذلك أبو الحسن الأشعري نقل الإجماع على أن الله استوى على عرشه. الخامس عشر: أنه سبحانه لو لم يتصف بفوقية الذات مع أنه قائم بنفسه غير مخالط للعالم لكان متصفا بضدها لأن القابل للشيء لا يخلو منه أو من ضده وضد الفوقية السفول وهو مذموم على الإطلاق وهو إبليس وجنوده. فإن قيل: لا نسلم أنه قابل الفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها قيل لو لم يكن قابلا للفوقية والعلو لم يكن له حقيقة قائمة بنفسها فمتى أقررتم بأنه ذات قائم بنفسه غير مخالط للعالم وأنه موجود في الخارج ليس وجوده ذهنيا فقط بل وجوده خارج الأذهان فقد علم العقلاء بالضرورة أن ما كان وجوده خارج الأذهان فهو إما في هذا العالم وإما خارج عنه وإنكار ذلك إنكار لما هو من أجلى البديهيات فلا يستدل على ذلك بدليل إلا كان العلم بالمباينة أوضح منه وإذا كان العلو والفوقية صفة كمال لا نقص فيه ولا يستلزم نقصا ولا يوجب محذورا ولا يخالف كتابا ولا سنة ولا إجماعا فنفي حقيقتها عين الباطل فكيف إذا كان لا يمكن الإقرار بوجود الصانع وتصديق رسله والإيمان بكتابه وبما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم إلا بذلك فكيف إذا شهدت بذلك العقول السليمة والفطر المستقيمة وحكمت به القضايا البديهيات والمقدمات اليقينيات فلو لم يقبل العلو والفوقية لكان كل عال على غيره أكمل منه فإن ما يقبل العلو أكمل مما لا يقبله. الوجه السادس عشر: إنه لو كانت فوقيته سبحانه مجازا لا حقيقة لها لم يتصرف في أنواعها وأقسامها ولوازمها ولم يتوسع فيها غاية التوسع فإن فوقية الرتبة والفضيلة لا يتصرف في تنويعها إلا بما شاكل معناها نحو قولنا: هذا خير من هذا وأفضل وأجل وأعلى قيمة ونحو ذلك وأما فوقية الذات فإنها تتنوع بحسب معناها فيقال فيها استوى وعلا وارتفع وصعد ويعرج إليه كذا ويصعد إليه وينزل من عنده وهو عال على كذا ورفيع الدرجات وترفع إليه الأيدي ويجلس على كرسيه وأنه يطلع على عباده من فوق سبع سماواته وأن عباده يخافونه من فوقهم وأنه ينزل إلى السماء الدنيا وأنه يبرم القضاء من فوق عرشه وأنه دنا من رسوله وعبده لما عرج به إلى فوق(1\/439)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "422",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12820",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السماوات حتى صار قاب قوسين أو أدنى وأن عباده المؤمنين إذا نظروا إليه في الجنة رفعوا رءوسهم فهذه لوازم الأنواع كلها أنواع فوقية الذات ولوازمها لا أنواع فوقية الفضيلة والمرتبة فتأمل هذا الوجه حق التأمل تعلم أن القوم أفسدوا اللغة والفطرة والعقل والشرع. الوجه السابع عشر: إنه لو كانت فوقية الرب تبارك وتعالى مجازا لا حقيقة لها لكان صدق نفيها أصح من صدق إطلاقها ألا ترى أن صحة نفي اسم الأسد عن الرجل الشجاع واسم البحر عن الجواد واسم الجبل عن الرجل الثابت ونحو ذلك أظهر وأصدق من إطلاق تلك الأسماء فلو كانت فوقيته واستواؤه وكلامه وسمعه وبصره ووجهه ومحبته ورضاه وغضبه مجازا لكان إطلاق القول بأنه ليس فوق العرش ولا استوى عليه ولا هو العلي ولا الرفيع ولا هو في السماء ولا ينزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء ولا تكلم ولا أمر ولا نهى ولا يسمع ولا يبصر ولا له وجه ولا رحمة ولا يرضى ولا يغضب أصح من إطلاق ذلك وأدنى الأحوال أن يصح النفي كما يصح الإطلاق المجازي ومعلوم قطعا أن إطلاق هذا النفي تكذيب صريح لله ولرسوله ولو كانت هذه الإطلاقات إنما هي على سبيل المجاز لم يكن في نفيها محذور لا سيما ونفيها عن التنزيه والتعظيم وسوغ إطلاق المجاز للوهم الباطل بل الكفر والتشبيه والتجسيم فهل في الظن السعي بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة والأئمة فوق هذا. فإن قيل: نحن لا نطلق هذا أدبا مع الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. قيل: الأدب لا يمنع صحة الإطلاق وإن ترك أدبا كما إذا قيل: إنا لا نطلق على هذا القاضي المعروف أنه معزول أدبا معه ولا من السلطان إذا مرض أنه مريض أدبا معه ولا على الأمير إنه قد عمي أدبا معه فهذا الأدب إنما هو عن إمساك التكلم بهذا اللفظ لا عن صحة إطلاقه فنسألكم هل يصح إطلاق هذا النفي عندكم لغة أو عقلا أم لا فإن قلتم إطلاقه يوهم نفي المعنى المجازي فيكون ممتنعا قيل فلا يمتنع حينئذ أن تقولوا ليس بمستو على عرشه حقيقة ولا هو فوق العالم حقيقة ولا القرآن كلامه حقيقة ولا هو آمر ولا ناه حقيقة ولا هو عالم حي حقيقة كما يصح أن يقال: ليس هذا الرجل بأسد حقيقة ولا ريب أنكم لا تتحاشون من هذا النفي عن الله لكن تمسكون عنه خوف الشناعة وهيهات الخلاص لكم منها وقد أنكرتم حقائق أسمائه وصفاته.(1\/440)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "423",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12821",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "المثال الثامن إثبات نزوله حقيقة",
        "content": "[المثال الثامن إثبات نزوله حقيقة] المثال الثامن: مما ادعي فيه أنه مجاز وهو حقيقة لفظ (النزول) والتنزيل والإنزال حقيقة مجيء الشيء أو الإتيان به من علو إلى أسفل هذا هو المفهوم منه لغة وشرعا كقوله: ونزلنا من السماء ماء مباركا [ق: 9] وقوله: تنزل الملائكة والروح فيها [القدر: 4] وقوله: نزل به الروح الأمين [الشعراء: 193] وقد أخبر الله تعالى أن جبريل نزل بالقرآن من الله وأنه تنزيل من حكيم حميد [فصلت: 42] وتواترت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا فادعى المعطل أن كل ذلك مجاز وأن المراد بالتنزيل مجرد إيصال الكتاب وبالنزول الإحسان والرحمة وأسند دعواه بقوله تعالى: وأنزلنا الحديد [الحديد: 25] وبقوله: وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج [الزمر: 6] قال معلوم أن الحديد والأنعام لم تنزل من السماء إلى الأرض. والجواب من وجوه: أحدها: أن ما ذكره من مجاز النزول وأنه مطلق الوصول لا يعرف في كتاب ولا سنة ولا لغة ولا شرع ولا عرف ولا استعمال فلا يقال لمن صعد إليك في سلم إنه نزل إليك ولا لمن جاءك من مكان مستو نزول ولا يقال نزل الليل والنهار إذا جاء وذلك وضع جديد ولغة غير معروفة. الوجه الثاني: إنه لو عرف استعمال ذلك بقرينة لم يكن موجبا لإخراج اللفظ عن حقيقته حيث لا قرينة. الثالث: إن هذا يرفع الأمان والثقة باللغات ويبطل فائدة التخاطب إذ لا يشاء السامع أن يخرج اللفظ عن حقيقته إلا وجد إلى ذلك سبيلا. الرابع: إن قوله معلوم أن الحديد لم ينزل جرمه من السماء إلى الأرض وكذلك الأنعام يقال له: هذا معلوم لك بالضرورة أم بالاستدلال ولا ضرورة يعلم بها ذلك وأين الدليل. الخامس: إنه قد عهد نزول أصل الإنسان وهو آدم من علو إلى أسفل كما قال تعالى: قال اهبطا منها جميعا [طه: 123] فما المانع أن ينزل أصل الأنعام من أصل(1\/441)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "424",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12822",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأنام وقد روي في نزول الكبش الذي فدى الله به إسماعيل ما هو معروف وقد روي في نزول الحديد ما ذكره كثير من أرباب النقل كنزول السندان والمطرقة ونحن وإن لم نجزم بذلك فالمدعى أن الحديد لم ينزل من السماء ليس معه ما يبطل ذلك. السادس: إن الله سبحانه لم يقل أنزلنا الحديد من السماء ولا قال وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج من السماء فقوله معلوم أن الحديد والأنعام لم ينزل من السماء إلى الأرض لا يخرج لفظة النزول عن حقيقتها إذ عدم النزول من مكان معين لا يستلزم عدمه مطلقا. السابع: إن الحديد إنما يكون في المعادن التي في الجبال وهي عالية على الأرض وقد قيل إن كل ما كان معدنه أعلى كان حديده أجود وأما قوله: وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج [الزمر: 6]  فإن الأنعام تخلق بالتوالد المستلزم إنزال الذكور الماء من أصلابها إلى أرحام الإناث ولهذا يقال أنزل ولم ينزل ثم إن الأجنة تنزل من بطون الأمهات إلى وجه الأرض ومن المعلوم أن الأنعام تعلو فحولها إناثها بالوطء وينزل ماء الفحل من علو إلى رحم الأنثى وتلقي ولدها عند الولادة من علو إلى أسفل وعلى هذا فيحتمل قوله: وأنزل لكم من الأنعام [الزمر: 6] وجهين: أحدهما: أن يكون المراد الجنس كما هو الظاهر ويكون كقوله: وأنزلنا الحديد [الحديد: 25] فتكون (من) لبيان الجنس. الثاني: أن يكون من لابتداء الغاية كقوله: وخلق منها زوجها [النساء: 1] فيكون قد ذكر المحل الذي أنزلت منه وهو أصلاب الفحول وهذان الوجهان يحتملان في قوله: جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا [الشورى: 11] هل المراد جعل لكم من جنسكم أزواجا أو المراد جعل أزواجكم من أنفسكم وذواتكم كما جعلت حواء من نفس آدم وكذلك تكون أزواج الأنعام مخلوقة من ذوات الذكور والأول أظهر لأنه لم يوجد الزوج من نفس الذكر إلا من آدم وحده وأما سائر النوع فالزوج مأخوذ من الذكر والأنثى. الوجه الثامن: إن الله سبحانه ذكر الإنزال على ثلاث درجات: أحدها: إنزال مطلق كقوله: وأنزلنا الحديد [الحديد: 25] فأطلق الإنزال ولم يذكر مبدأه كقوله: وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج [الزمر: 6] .(1\/442)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "425",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12823",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثانية: الإنزال من السماء كقوله: وأنزلنا من السماء ماء طهورا [الفرقان: 48] . الثالثة: إنزال منه كقوله: تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم [الزمر: 1] وقوله: تنزيل من حكيم حميد [فصلت: 42] وقوله: تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم [الزمر: 1] وقوله: قل نزله روح القدس من ربك بالحق [النحل: 102] وقال: والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق [الأنعام: 114] فأخبر أن القرآن منزل منه والمطر منزل من السماء والحديد والأنعام منزلان نزولا مطلقا وبهذا يظهر تلبيس المعطلة والجهمية والمعتزلة حيث قالوا إن كون القرآن منزلا لا يمنع أن يكون مخلوقا كالماء والحديد والأنعام حتى علا بعضهم فاحتج على كونه مخلوقا بكونه منزلا والإنزال بمعنى الخلق. الله سبحانه فرق بين النزول منه والنزول من السماء فجعل القرآن منزلا منه والمطر منزلا من السماء وحكم المجرور بمن في هذا الباب حكم المضاف والمضاف إليه سبحانه نوعان: أحدهما: أعيان قائمة بنفسها كبيت الله وناقة الله وروح الله وعبده فهذا إضافة مخلوق إلى خالقه وهي إضافة اختصاص وتشريف. الثاني: إضافة صفة إلى موصوفها كسمعه وبصره وعلمه وحياته وقدرته وكلامه ووجهه ويديه ومشيئته ورضاه وغضبه فهذا يمتنع أن يكون المضاف فيه مخلوقا منفصلا بل هو صفة قائمة به سبحانه. إذا عرف هذا فهكذا حكم المجرور بمن فقوله: وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه [الجاثية: 13] لا يقتضي أن تكون أوصافا له قائمة به وقوله: ولكن حق القول مني [السجدة: 13] وقوله: تنزيل من حكيم حميد [فصلت: 42] يقتضي أن يكون هو المتكلم به وأنه منه بدأ وإليه يعود ولبست المعتزلة ولم يهتدوا إلى هذا الفرقان وجعلوا الجميع بابا واحدا وقابلهم طائفة الاتحادية وجعلوا الجميع منه بعض التبعيض والجزئية ولم يهتد الطائفتان للفرق.(1\/443)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "426",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12824",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه التاسع: إن الله سبحانه قال: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط [الحديد: 25] فالكتاب كلامه والميزان عدله فأخبر أنه أنزلهما مع رسله ثم قال: وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد [الحديد: 25] ولم يقل وأنزلنا معهم الحديد فلما ذكر كلامه وعدله أخبر أنه أنزلهما مع رسله ولما ذكر مخلوقه الناصر لكتابه وعدله أطلق إنزاله ولم يقيد به إنزال كلامه فالمسوي بين الإنزالين مخطئ في اللفظ والمعنى. الوجه العاشر: إن نزول الرب تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا قد تواترت الأخبار به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه عنه نحو ثمانية وعشرين نفسا من الصحابة وهذا يدل على أنه كان يبلغه في كل موطن ومجمع فكيف تكون حقيقته محالا وباطلا وهو صلى الله عليه وسلم يتكلم بها دائما ويعيدها ويبديها مرة بعد مرة ولا يقرن باللفظ ما يدل على مجازه بوجه ما بل يأتي بما يدل على إرادة الحقيقة كقوله: quot; ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: وعزتي وجلالي لا أسأل عن عبادي غيري quot; وقوله: quot; من ذا الذي يسألني فأعطيه من ذا الذي يستغفرني فأغفر له من ذا الذي يدعوني فأستجيب له quot; وقوله: quot; فيكون كذلك حتى يطلع الفجر ثم يعلو على كرسيه quot; فهذا كله بيان الإرادة الحقيقة ومانع من حمله على المجاز وقد صرح نعيم بن حماد وجماعة من أهل الحديث آخرهم أبو الفرج ابن الجوزي أنه سبحانه ينزل إلى السماء الدنيا بذاته ونظم أبو الفرج ذلك في قوله: أدعوك للوصل تأبى ... أبعث رسولي في الطلب أنزل إليك بنفسي ... ألقاك في النوام وقال الحافظ أبو موسى المديني في مناقب الإمام أبي القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الذي جعله الله مجددا للدين في رأس المائة الخامسة قال: وكان من اعتقاد الإمام إسماعيل بن محمد أن نزول الله بالذات وهو مشهور في مذهبه وقد كتبه في فتاو عديدة وأملى فيه إملاء إلا أنه كان يقول: إسناد حديث نعيم(1\/444)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "427",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12825",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن حماد إسناد مدخول وفيه مقال مراده بحديث نعيم بن حماد عن جرير بن عبد الحميد عن بشر عن أنس يرفعه قال quot; إذا أراد الله أن ينزل عن عرشه نزل بذاته quot;. قلت: وهذا اللفظ لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يحتاج إثبات هذا المعنى إليه فالأحاديث الصحيحة صريحة وإن لم يذكر فيها لفظ الذات. الحادي عشر: إن الخبر وقع عن نفس ذات الله تعالى لا عن غيره فإنه قال: quot; إن الله ينزل إلى سماء الدنيا quot; فهذا خبر عن معنى لا عن لفظ والمخبر عنه هو مسمى هذا الاسم العظيم فإن الخبر يكون عن اللفظ تارة وهو قليل ويكون مسماه ومعناه وهو الأكثر فإذا قلت زيد عندكم وعمرو قائم فإنما أخبرت عن الذات لا عن الاسم فقوله: الله خالق كل شيء [الرعد: 16] هو خبر عن ذات الرب تعالى فلا يحتاج المخبر أن يقول خالق كل شيء بذاته وقوله: الله ربكم [الأنعام: 102] قد علم أن الخبر عن نفس ذاته وقوله: الله أعلم حيث يجعل رسالته [الأنعام: 124] وكذلك جميع ما أخبر الله به عن نفسه إنما هو خبر عن ذاته لا يجوز أن يخص من ذلك إخبار واحد البتة. فالسامع قد أحاط علما بأن الخبر إنما هو عن ذات المخبر عنه ويعلم المتكلم بذلك لم يحتج أن يقول أنه بذاته فعل وخلق واستوى فإن الخبر عن مسمى اسمه وذاته هذا حقيقة الكلام ولا ينصرف إلى غير ذلك إلا بقرينة ظاهرة تزيل اللبس وتعين المراد فلا حاجة بنا أن نقول: استوى على عرشه بذاته وينزل إلى السماء بذاته كما لا يحتاج أن نقول خلق بذاته وقدر بذاته وسمع وتكلم بذاته وإنما قال أئمة السنة ذلك إبطالا لقول المعطلة. الثاني عشر: إن قوله quot; من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له quot; إذا ضممت هذا إلى قوله quot; ينزل ربنا إلى السماء الدنيا quot; وإلى قوله quot; فيقول quot; وإلى قوله: quot; لا أسأل عن عبادي غيري quot; علمت أن هذا مقتضى الحقيقة لا المجاز وأن هذا السياق نص في معناه لا يحتمل غيره بوجه خصوصا إذا أضيف إلى قوله quot; ثم يعلو على كرسيه quot; وقوله في حديث المزيد في الجنة الذي قال فيه: إن ربك اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض فإذا كان يوم الجمعة نزل عن كرسيه  ثم ذكر الحديث وفي آخره ثم يرتفع معه النبيون والصديقون.(1\/445)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "428",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12826",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثالث عشر: إن أعلم الخلق بالله وأنصحهم للأمة وأقدرهم على العبارة التي لا توقع لبسا قد صرح بالنزول مضافا إلى الرب في جميع الأحاديث ولم يذكر في موضع واحد ما ينفي الحقيقة بل يؤكدها فلو كانت إرادة الحقيقة باطلة وهي منفية لزم القدح في علمه أو نصحه أو بيانه كما تقدم تقريره. الرابع عشر: أنه لم يقتصر على لفظ النزول العاري عن قرينة المجاز المذكور معه ما يؤكد إرادة الحقيقة حتى نوع هذا المعنى وعبر عنه بعبارات متنوعة كالهبوط والدنو والمجيء والإتيان والطواف في الأرض قبل يوم القيامة قال تعالى: وجاء ربك والملك صفا صفا [الفجر: 22] وقال: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك [الأنعام: 158] ففرق بين إتيان أمره وبين إتيان نفسه. وقال محمد بن جرير الطبري في تفسير قوله: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة [البقرة: 210] وقد ورد في هذا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أحق ما اعتمد عليه في ذلك ثم ساق الحديث ولفظه quot; إذا كان يوم القيامة تقفون موقفا واحدا مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم فتبكون حتى تنقطع الدموع ثم تدمعون دما وتعرقون حتى يبلغ منكم العرق الأذقان ويلجمكم فتضجون وتقولون: من يشفع لنا عند ربنا فيقضي بيننا فتقولون من أحق بهذا من أبيكم آدم جبل الله تربته وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه الله قبلا فيؤتى آدم فيطلب ذلك إليه فيأبى ثم يستقرئون الأنبياء كلما جاءوا نبيا يأبى حتى يأتوني فيسألوني فآتي الفحص قدام العرش فأخر ساجدا فلا أزال ساجدا حتى يبعث الله عز وجل إلي ملكا فيأخذ بعضدي فيرفعني ثم يقول الله: محمد فأقول نعم وهو أعلم فأقول يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك فاقض بينهم فيقول قد شفعتك أنا آتيهم فأقضي بينهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنصرف فأقف مع الناس فبينا نحن وقوف سمعنا حسا من السماء شديدا فهالنا فينزل أهل السماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم فأخذوا مصافهم فقال أهل الأرض: أفيكم ربنا قالوا: لا وهو آت ثم ينزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة ومثلي من في الأرض من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت لنورهم(1\/446)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "429",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12827",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأخذوا مصافهم قال الناس: أفيكم ربنا قالوا: لا هو آت ثم ينزل أهل السماء الثالثة بمثلي من نزل من الملائكة ومثلي من في الأرض من الجن والإنس ثم نزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف فيأمر الله بعرشه فيوضع حيث شاء ويحمل عرشه يومئذ ثمانية وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والسماوات إلى حجزهم والعرش على كواهلهم والملائكة حول العرش لهم زجل بالتسبيح ثم ينادى نداء يسمع الخلائق فيقول: يا معشر الجن والإنس إني أنصت لكم منذ يوم خلقتكم فأنصتوا إلي اليوم فإنما هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلم إلا نفسه فيقضي الله بين خلقه من الجن والإنس والبهائم فإنه ليقيد يومئذ للجماء من ذات القرن وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور quot;. وقال رزين بن معاوية صاحب تجريد الصحاح وهو من أعلم أهل زمانه بالسنن والآثار وهو من المالكية اختصر تفسير ابن جرير الطبري وعلى كتابه quot; التجريد quot; اعتمد صاحب كتاب جامع الأصول وهذبه قال في قوله: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك [الأنعام: 158] قال مجاهد إلا أن تأتيهم الملائكة [الأنعام: 158] عند الموت حين توفاهم أو يأتي ربك [الأنعام: 158] يوم القيامة لفصل القضاء أو يأتي بعض آيات ربك [الأنعام: 158] طلوع الشمس من مغربها أو ما شاء الله وعن قتادة مثله. وقال محمد بن جرير الطبري: حيث ذكر في القرآن إتيان الملائكة فهو محتمل لإتيانهم لقبض الأرواح ويحتمل أن يكون نزولهم بعذاب الكفار وإهلاكهم. وأما إتيان الرب عز وجل فهو يوم القيامة لفصل القضاء لقوله: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة [البقرة: 210] وقوله: وجاء ربك والملك [الفجر: 22] قال رزين: قال بعض المتبعين لأهوائهم المقدمين بين يدي كتاب الله لآرائهم من المعتزلة(1\/447)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "430",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12828",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والجهمية ومن نحا نحوهم من أشياعهم فيمتنعون من وصف الله تعالى بما وصف به نفسه من قوله: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة [البقرة: 210] وقوله: أأمنتم من في السماء [الملك: 16] وقوله: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] إلى أن قال: وأهل العلم بالكتاب والآثار من السلف والخلف يثبتون جميع ذلك ويؤمنون به بلا كيف ولا توهم ويرون الأحاديث الصحيحة كما جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى. والإتيان والمجيء من الله تعالى نوعان: مطلق ومقيد فإذا كان مجيء رحمته أو عذابه كان مقيدا كما في الحديث حتى جاء الله بالرحمة والخير ومنه قوله تعالى: ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم [الأعراف: 52] وقوله: بل أتيناهم بذكرهم [المؤمنون: 71] وفي الأثر: لا يأتي بالحسنات إلا الله. النوع الثاني: المجيء والإتيان المطلق كقوله: وجاء ربك والملك [الفجر: 22] وقوله: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة [البقرة: 210] وهذا لا يكون إلا مجيئه سبحانه هذا إذا كان مطلقا فكيف إذا قيد بما يجعله صريحا في مجيئه نفسه كقوله: إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك [الأنعام: 158] فعطف مجيئه على مجيء الملائكة ثم عطف مجيء آياته على مجيئه ومن المجيء المقيد قوله: فأتى الله بنيانهم من القواعد [النحل: 26] فلما قيده بالمفعول وهو البنيان وبالمجرور وهو القواعد دل ذلك على مجيء ما بينه إذ من المعلوم أن الله سبحانه إذا جاء بنفسه لا يجيء من أساس الحيطان وأسفلها وهذا يشبه قوله تعالى: هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا [الحشر: 2] فهذا مجيء مقيد لقوم مخصوصين قد أوقع بهم بأسه وعلم السامعون أن جنوده من الملائكة والمسلمين أتوهم فكان في هذا السياق ما يدل على المراد على أنه لا يمتنع في الآيتين أن يكون الإتيان على حقيقة ويكون ذلك دنوا ممن يريد إهلاكهم بغضبه وانتقامه كما يدنو عشية عرفة من الحجاج برحمته(1\/448)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "431",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12829",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومغفرته ولا يلزم من هذا الدنو والإتيان الملاصقة والمخالطة بل يأتي هؤلاء برحمته وفضله وهؤلاء بانتقامه وعقوبته وهو فوق عرشه إذ لا يكون الرب إلا فوق كل شيء ففوقيته وعلوه من لوازم ذاته ولا تناقض بين نزوله ودنوه وهبوطه ومجيئه وإتيانه وعلوه لإحاطته وسعته وعظمته وأن السماوات والأرض في قبضته وأنه مع كونه الظاهر الذي ليس فوقه شيء فهو الباطن الذي ليس دونه شيء فظهوره بالمعنى الذي فسره به أعلم الخلق لا يناقض بطونه بالمعنى الذي فسره به أيضا فهو سبحانه يدنو ويقرب ممن يريد الدنو والقرب منه مع كونه فوق عرشه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم quot; أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد quot; فهذا قرب الساجد من ربه وهو فوق عرشه. وكذلك قوله في الحديث الصحيح quot; إن الذي تدعونه سميع قريب أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته quot; فهذا قربه من داعيه والأول قربه من عابديه ولم يناقض ذلك كونه فوق سماواته على عرشه. وإن عسر على فهمك اجتماع الأمرين فإنه يوضح ذلك معرفة إحاطة الرب وسعته وأنه أكبر من كل شيء وأن السماوات السبع والأرضين في يده كخردلة في كف العبد وأنه يقبض سماواته السبع بيده والأرضين باليد الأخرى ثم يهزهن فمن هذا شأنه كيف يعسر عليه الدنو ممن يريد الدنو منه وهو على عرشه وهو يوجب لك فهم اسمه الظاهر والباطن وتعلم أن التفسير الذي فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم به هذين الاسمين هو تفسير الحق المطابق لكونه بكل شيء محيط وكونه فوق كل شيء. ومما يوضح لك ذلك أن النزول والمجيء والإتيان والاستواء والصعود والارتفاع كلها أنواع أفعال وهو الفعال لما يريد وأفعاله كصفاته قائمة به ولولا ذلك لم يكن فعالا ولا موصوفا بصفات كماله فنزوله ومجيئه واستواؤه وارتفاعه وصعوده ونحو ذلك كلها أفعال من أفعاله التي إن كانت مجازا فأفعاله كلها مجاز ولا فعل له في الحقيقة بل هو بمنزلة الجمادات وهذا حقيقة من عطل أفعاله وإن كان فاعلا حقيقة فأفعاله نوعان: لازمة ومتعدية كما دلت النصوص التي هي أكثر من أن تحصر على النوعين.(1\/449)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "432",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12830",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبإثبات أفعاله وقيامها به تزول عنك جميع الإشكالات وتصدق النصوص بعضها بعضا وتعلم مطابقتها للعقل الصريح وإن أنكرت حقيقة الأفعال وقيامها به سبحانه اضطرب عليك هذا الباب أعظم اضطراب وبقيت حائرا في التوفيق بين النصوص وبين أصول النفاة وهيهات لك بالتوفيق بين النقيضين والجمع بين الضدين يوضحه: إن الأوهام الباطلة والعقول الفاسدة لما فهمت من نزول الرب ومجيئه وإتيانه وهبوطه ودنوه ما يفهم من مجيء المخلوق وإتيانه وهبوطه ودنوه وهو أن يفرغ مكانا ويشغل مكانا نفت حقيقة ذلك فوقعت في محذورين: محذور التشبيه ومحذور التعطيل ولو علمت هذه العقول الضعيفة أن نزوله سبحانه ومجيئه وإتيانه لا يشبه نزول المخلوق وإتيانه ومجيئه كما أن سمعه وبصره وعلمه وحياته كذلك بل يده الكريمة ووجهه الكريم كذلك وإذا كان نزولا ليس كمثله نزول فكيف تنفى حقيقته فإن لم تنف المعطلة حقيقة ذاته وصفاته وأفعاله بالكلية وإلا تناقضوا فإنهم أي معنى أثبتوه لزمهم في نفيه ما ألزموا به أهل السنة المثبتين لله ما أثبت لنفسه ولا يجدون إلى الفرق سبيلا. فلو كان الرب سبحانه مماثلا لخلقه لزم من نزوله خصائص نزولهم ضرورة ثبوت أحد المثلين للآخر وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم quot; إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأنصاب والأصنام إلا تساقطوا في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وأتاهم رب العالمين قال فماذا تنتظرون تتبع كل أمة ما كانت تعبد قالوا يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم وإنا سمعنا مناديا ينادي: ليلحق كل أمة بما كانوا يعبدون وإنما ننتظر ربنا فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه قال فيأتيهم في صورته التي رأوه فيها أول مرة فيقول: quot; أنا ربكم فيقولون أنت ربنا quot; وفي لفظ فيقول: quot; هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها فيقولون الساق فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ويبقى من كان يسجد رياء وسمعة ويذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقا quot;.(1\/450)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "433",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12831",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحديث النزول رواه أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وأبو هريرة وجبير بن مطعم وجابر بن عبد الله وعبد الله بن مسعود وأبو سعيد الخدري وعمرو بن عبسة ورفاعة بن عرابة الجهني وعثمان بن أبي العاص الثقفي وعبد الحميد بن سلمة عن أبيه عن جده وأبو الدرداء ومعاذ بن جبل وأبو ثعلبة الخشني وعائشة أم المؤمنين وأبو موسى الأشعري وأم سلمة وأنس بن مالك وحذيفة بن اليمان ولقيط بن عامر العقيلي وعبد الله بن عباس وعبادة بن الصامت وأسماء بنت يزيد وأبو الخطاب وعوف بن مالك وأبو أمامة الباهلي وثوبان: وأبو حارثة وخولة بنت حكيم رضي الله عنهم. فأما حديث أبي بكر الصديق فقال ابن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث أن عبد الملك بن عبد الملك حدثه عن مصعب بن أبي ذؤيب عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال quot; ينزل الله ليلة النصف من شعبان فيغفر لكل نفس إلا إنسانا في قلبه شحناء أو مشرك quot; رواه جماعة عن ابن وهب. وأما حديث علي بن أبي طالب فقال محمد بن إسحاق عن عمه موسى بن يسار عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء الأخيرة إلى ثلث الليل فإنه إذا مضى ثلث الليل هبط الله تعالى إلى سماء الدنيا فلم يزل بها حتى يطلع الفجر فيقول: ألا سائل يعطى ألا داع فيجاب ألا مذنب يستغفر له ألا سقيم يستشفى quot; رواه الطبراني في السنة. وأما حديث أبي هريرة في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot; ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل فيقول: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفر فأغفر له quot; وعن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما أنهما(1\/451)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "434",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12832",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال quot; إن الله يمهل حتى إذا كان ثلث الليل هبط إلى السماء الدنيا فنادى: هل من مذنب يتوب هل من مستغفر هل من سائل quot;. وفي مسند الإمام أحمد من حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم quot; ينزل الله كل ليلة إذا مضى ثلث الليل الأول فيقول: أنا الملك من ذا الذي يستغفرني فأغفر له quot;. فهذه خمسة ألفاظ تنفي المجاز بنسبة النزول إليه سبحانه ونسبة القول إليه وقوله: quot; أنا الملك quot; وقوله: quot; يستغفرني quot; وقوله quot; فأغفر له quot; وفي رواية عن أبي هريرة يرفعه quot; إذا مضى ثلث الليل هبط الله إلى السماء الدنيا . . . quot; فذكره وهذه الألفاظ لا تعارض بينها بحمد الله فإنها قد اتفقت على دوام النزول الإلهي إلى طلوع الفجر واتفقت على حصوله في الشطر الثاني من الليل واختلفت في أوله على ثلاثة أوجه أحدها: أنه أول الثلث الثاني والثاني: أنه أول الشطر الثاني والثالث: أنه أول الثلث الأخير وإذا تأملت هاتين الروايتين لم تجد بينهما تعارضا. بقيت رواية: إذا مضى ثلث الليل الأول  وهي تحتمل ثلاثة أوجه أحدها: أن لا تكون محفوظة وتكون من قبل حفظ الراوي فإن أكثر الأحاديث على الثلث الأخير الثاني: أن يكون الثلث الأول والشطر والثلث الأخير على حسب اختلاف بلاد الإسلام في ذلك ويكون النزول في وقت واحد وهو ثلث الليل الأخير عند قوم ووسطه عند الآخرين وثلثه الأول عند غيرهم فيصح نسبته إلى أوقات الثلاثة وهو حاصل في وقت واحد وعلى هذا فالشبهة العقلية التي عارض بها النفاة حديث النزول تكون هذه الألفاظ قد تضمنت الجواب عنها فإن هذا النزول لا ينافي كونه في الثلث الأخير كونه في الثلث الأول أو في الشطر الثاني بالنسبة إلى المطالع. ولما كانت رقعة الإسلام ما بين طرفي المشرق والمغرب من المعمور في الأرض كان التفاوت قريبا من هذا القدر وسيأتي مزيد تقرير لهذا. الثالث: إن للنزول الإلهي شأنا عظيما ليس شأنه كشأن غيره فإنه قدوم ملك(1\/452)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "435",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12833",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السماوات والأرض إلى هذه السماء التي تلينا ولا ريب أن للسماوات وأملاكها عند هبوط الرب تعالى ونزوله إلى سماء الدنيا شأنا وحالا. وفي بعض الآثار: إن السماوات تأخذها رجفة ويسجد أهلها جميعا. قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن أخي ابن شهاب عن عمه أخبرني عبيد بن السباق أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot; ينزل ربنا من آخر الليل فينادي مناد في السماء العليا ألا نزل الخالق العليم فيسجد أهل السماء وينادي فيهم مناد ذلك فلا يمر بأهل سماء إلا وهم سجود  ومن عوائد الملوك ولله المثل الأعلى أنهم إذا أرادوا القدوم إلى بلد أو مكان غير مكانهم المعروف بهم أن يقدموا بين يدي موافاتهم إليه ما ينبغي تقديمه وهذا من تمام مصالح ملكهم وهكذا شأن الرب تبارك وتعالى أن يقدم بين يدي ما يريد فعله من الأمور العظام كتابة ذلك أو إعلام ملائكته أو إعلام رسله كما قال: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة [البقرة: 30] وقوله لنوح: ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون [هود: 37] وقال لإبراهيم: ياإبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود [هود: 76] . وإذا كان الله تعالى يتقدم إلى ملائكته ورسله بإعلامهم بما يريد فعله من الأمور العظام فلا ينكر أن يتقدم إلى أهل سماواته بنزوله ويحدث للسماوات وللملائكة من عظمة ذلك الأمر قبل وقوعه ما يناسب ذلك الأمر وهكذا يفعل سبحانه إذا جاء يوم القيامة فتتأثر السماوات والملائكة قبل النزول quot; فسمى ذلك نزولا لأنه من مقدماته ومتصلا به كما أطلق سبحانه على وقت الزلزلة والرجفة المتصلة بالساعة أنها يوم القيامة والساعة وذلك موجود في القرآن فمقدمات الشيء ومباديه كثيرا ما يدخل في مسمى اسمه وهذا الوجه أقوى الوجوه.(1\/453)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "436",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12834",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر عبد الرازق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot; إن الله ينزل إلى سماء الدنيا له في كل سماء كرسي فإذا نزل إلى السماء الدنيا جلس على كرسيه ثم مد ساعديه فيقول: من ذا الذي يقرض غير عادم ولا ظلوم من ذا الذي يستغفر فأغفر له من ذا الذي يتوب فأتوب عليه فإذا كان عند الصبح ارتفع فجلس على كرسيه quot; رواه أبو عبد الله بن منده قال ابن منده: وله أصل مرسل وأما حديث جبير بن مطعم فرواه أبو الوليد الطيالسي حدثنا حماد عن عمرو بن دينار عن نافع بن جبير عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot; ينزل الله إلى سماء الدنيا كل ليلة فيقول جل جلاله: هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر له quot; هذا حديث صحيح رواه النسائي عن خشيش بن أصرم عن يحيى بن حسان عن حماد بن سلمة به. وأما حديث جابر بن عبد الله فرواه الدارقطني من رواية عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا لثلث الليل فيقول: ألا عبد من عبيدي يدعوني فأستجيب له أو ظالم لنفسه يدعوني فأغفر له ألا مقتر عليه رزقه ألا مظلوم يستنصرني فأنصره ألا عان يدعوني فأفك عنه فيكون ذاك مكانه حتى يضيء الفجر ثم يعلو ربنا عز وجل إلى السماء العليا على كرسيه quot;. وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي الزبير عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم quot; إذا كان يوم عرفة فإن الله ينزل إلى سماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا أشهدكم أني قد غفرت لهم quot; ورواه الخلال في السنة من حديث أبي النضر عن أيوب عن أبي الزبير عنه يرفعه quot; أفضل أيام الدنيا أيام العشر quot; قالوا يا رسول الله ولا مثلهن في سبيل الله قال: إلا من عفر وجهه في التراب إن عشية عرفة ينزل الله إلى(1\/454)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "437",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12835",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سماء الدنيا فيقول للملائكة: انظروا إلى عبادي هؤلاء شعثا غبرا جاءوا من كل فج عميق ضاحين يسألوني رحمتي فلا يرى يوم أكثر عتيقا ولا عتيقة . فأما حديث عبد الله بن مسعود ففي المسند من حديث يزيد بن هارون عن شريك عن أبي إسحاق الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot; إن الله إذا كان ثلث الليل الآخر نزل إلى سماء الدنيا ثم بسط يده فقال: من يسألني فأعطيه حتى يطلع الفجر quot; وهذا حديث حسن رجاله أئمة ورواه أبو معاوية عن زائدة عن إبراهيم به وقال إن الله يفتح أبواب السماء ثم يهبط إلى السماء الدنيا ثم يبسط يده فيقول ألا عبد يسألني فأعطيه حتى يطلع الفجر . وأما حديث أبي سعيد الخدري فقد تقدم اشتراكه مع أبي هريرة في الحديث وروى سليم بن أخضر عن التيمي عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال quot; ينادي مناد بين يدي الصيحة: يا أيها الناس أتتكم الساعة ومد بها صوته فيسمعه الأحياء والأموات ثم ينادي مناد: لمن الملك اليوم لله الواحد القهار quot; وسليم هذا صدوق خرج له مسلم. وأما حديث عمرو بن عبسة فروى أبو اليمان ويحيى بن أبي بكر وعبد الصمد بن النعمان ويزيد بن هارون وهذا سياق حديثه: أخبرنا جرير بن عثمان حدثنا سليمان ابن عامر عن عمرو بن عبسة قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله جعلني الله فداك شيء تعلمه وأجهله ينفعني ولا يضرك ما ساعة أقرب من ساعة وما ساعة تبقى فيها يعني الصلاة فقال: quot; يا عمرو بن عبسة لقد سألت عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك إن الرب تعالى يتدلى من جوف الليل فيغفر إلا ما كان من الشرك والبغي والصلاة مشهودة حتى تطلع الشمس فإنها تطلع على قرن الشيطان وهي صلاة الكفار فأقصر عن الصلاة حتى ترتفع الشمس فإذا استعلت الشمس فالصلاة مشهودة حتى يعتدل النهار فأخر الصلاة فإنها حينئذ تسجر جهنم فإذا فاء الفيء(1\/455)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "438",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12836",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالصلاة مشهودة حتى تدلى للغروب فإنها تغيب بين قرني شيطان فأقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس quot;. وأما حديث رفاعة بن عرابة الجهني فرواه ابن المبارك فقال حدثنا هشام عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن رفاعة الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot; إذا مضى نصف الليل أو ثلث الليل نزل الله عز وجل إلى سماء الدنيا فقال: لا أسأل عن عبادي غيري من ذا الذي يستغفرني فأكفر له من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يسألني فأعطيه حتى ينفجر الفجر quot; هذا حديث صحيح رواه الإمام أحمد في مسنده وفيه رد على من زعم أن الذي ينزل ملك من الملائكة فإن الملك لا يقول: لا أسأل عن عبادي غيري ولا يقول: من يسألني أعطه. وأما حديث عثمان بن العاص الثقفي فرواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم: quot; ينزل الله إلى سماء الدنيا كل ليلة فيقول: هل من داع فأستجيب له هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر له quot; وأن داود خرج ذات ليلة فقال: لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه إلا أن يكون ساحرا أو عشارا quot; رواه الإمام أحمد بنحوه. وأما حديث أبي الدرداء فرواه الليث بن سعد حدثني محمد بن زيادة الأنصاري عن محمد بن كعب القرظي عن فضالة بن عبيد عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; ينزل الله في آخر ثلاث ساعات بقين من الليل ينظر في الساعة الأولى منهن في الكتاب الذي لا ينظر فيه غيره فيمحو ما يشاء ويثبت ثم ينظر في الساعة الثانية في جنة عدن وهي مسكنه الذي يسكنه لا يكون معه فيها إلا الأنبياء والشهداء(1\/456)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "439",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12837",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "حديث الجمعة وهو شجي في حلوق المعطلة",
        "content": "والصديقون وفيها ما لم ير أحد ولم يخطر على قلب بشر ثم يهبط في آخر ساعة من الليل يقول: ألا مستغفر فأغفر له ألا سائل فأعطيه ألا داع فأستجيب له رواه عثمان بن سعيد الدارمي.  [حديث الجمعة وهو شجي في حلوق المعطلة] وأما حديث أنس بن مالك فهو الحديث العظيم الشأن الذي هو قرة لعيون أهل الإيمان وشجى في حلوق أهل التعطيل والبهتان رواه الشافعي في مسنده مجملا به كتابه راجيا بروايته وتبليغه عن الرسول من الله ثوابه ورواه أئمة السنة له مقرين وعلى من أنكره منكرين. قال عثمان بن سعيد: حدثنا هشام بن خالد الدمشقي وكان ثقة حدثنا محمد بن شعيب بن شابور أخبرنا عمر بن عبد الله مولى عفرة قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; جاءني جبرائيل وفي كفه مرآة فيها نكتة سوداء فقلت ما هذه يا جبرائيل قال هذه الجمعة أرسل بها إليك ربك فتكون هدى لك ولأمتك من بعدك فقلت وما لنا فيها قال لكم فيها خير كثير أنتم الأولون والآخرون السابقون يوم القيامة وفيها ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله خيرا هو له قسم إلا آتاه الله إياه ولا خيرا له لم يقسم إلا ادخر له أفضل منه ولا يستعذ بالله من شر ما هو مكتوب عليه إلا رفع عنه أكبر منه قلت ما هذه النكتة السوداء قال هذه الساعة يوم تقوم فيها القيامة وهو سيد الأيام ونحن نسميه عندنا يوم المزيد قلت: ولم تسمونه يوم المزيد يا جبرائيل قال: إن ربك اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض فإذا كان يوم الجمعة من أيام الآخرة هبط الجبار جل جلاله عن عرشه إلى كرسيه إلى ذلك الوادي وقد حف الكرسي بمنابر من نور يجلس عليها الصديقون والشهداء ثم يجيء أهل الغرف حتى يحفوا بالكثيب ثم يتبدى لهم ذو الجلال والإكرام فيقول: أنا الذي صدقتكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي وأحللتكم دار كرامتي فسلوني فيقولون بأجمعهم: نسألك الرضى عنا فيشهد لهم على الرضى ثم يقول لهم سلوني فيسألونه حتى تنتهي تهمة كل عبد منهم ثم يقول سلوني فيقولون حسبنا ربنا رضينا(1\/457)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "440",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12838",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيرجع الجبار تعالى إلى عرشه فيفتح لهم بعد انصرافهم من يوم الجمعة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فيرجع أهل الغرف إلى غرفهم وهي غرفة من لؤلؤة بيضاء وياقوتة حمراء وزمردة خضراء ليس فيها فصم ولا قصم مطردة فيها أنهارها متدلية فيها أثمارها فيها أزواجها وخدمها ومساكنها فليسوا إلى يوم أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا تفضلا من ربهم ورضوانا . ورواه عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن ليث عن عثمان بن عمير عن أنس ورواه ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبو اليمان عن شريك عن عثمان به ورواه مكي بن إبراهيم عن موسى بن عبيدة عن أبي الأزهر عن عثمان فذكره ورواه أبو زرعة شيبان بن فروخ حدثنا الصعق بن حزن حدثنا علي بن الحكيم عن أنس ورواه الحكم بن أسلم عن الصعق عن علي بن الحكم عن عبد الملك بن عمير ورواه الحسن بن سفيان في مسنده حدثنا شيبان بن أبي شيبة حدثنا الصعق بن حزن حدثنا علي بن الحكم ورواه أسعد بن موسى حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا صالح بن حيان عن عبد الله بن بريدة عن أنس رواه الشافعي في مسنده عن إبراهيم بن محمد حدثنا موسى بن عبيدة حدثني أبو الأزهر عن عبيد بن عمير أنه سمع أنس بن مالك فذكر نحوه وقال في أخرى: وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش وفيه خلق آدم وفيه تقوم الساعة وقد جمع أبو داود طرق هذا الحديث. وقد روى من حديث حذيفة بن اليمان قال ابن منده أخبرنا أبو عمر بن حكيم حدثنا يزيد بن جهور حدثنا الحسن بن يحيى بن كثير حدثنا أبي عن القاسم بن مطيب عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث بطوله ورواه أبو نعيم وأبو النضر وجماعة قالوا حدثنا المسعودي عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: سارعوا إلى الجمعة فإن الله ينزل لأهل الجنة في كل جمعة في كثيب من كافور أبيض فيكونون منه في القرب على قدر تسارعهم إلى الجمعة .(1\/458)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "441",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12839",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "حديث لقيط بن عامر الجهني وفيه فوائد",
        "content": "[حديث لقيط بن عامر الجهني وفيه فوائد] وأما حديث لقيط بن عامر فقال عبد الله بن أحمد في كتاب السنة: كتب إلى الإبراهيم بن حمزة بن مصعب بن الزبير: كتبت إليه بهذا الحديث فحدث به عني قال حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزمي عن عبد الرحمن بن عياش عن دلهم بن الأسود عن عبد الله بن حاطب بن عاصم بن المنتفق عن جده عن عمه لقيط بن عامر العقيلي ح قال دلهم وحدثنيه أبي عن عاصم بن لقيط أن لقيطا وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه صاحب له يقال له نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق قال لقيط فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من صلاة الغداة فقام في الناس خطيبا فقال: أيها الناس ألا إني قد خبوت لكم صوتي منذ أربعة أيام لأسمعكم ألا فهل من امرئ بعثه قومه فقالوا له: اعلم لنا ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ثم لعله أن يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه أو يلهيه الضلال ألا إني مسئول هل بلغت ألا اسمعوا تعيشوا ألا اجلسوا ألا اجلسوا قال فجلس الناس وقمت أنا وصاحبي حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره قلنا يا رسول الله ما عندك علم الغيب فضحك لعمر الله وهز رأسه وعلم أني أبتغي سقطة فقال: ضن ربك بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله تعالى وأشار بيده قلت: وما هن قال: علم المنية قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه وعلم ما في الغد ما أنت طاعم غدا ولا تعلمه وعلم يوم الغيث يشرف عليكم آزلين مشفقين فيظل يضحك قد علم أن غوثكم إلى قريب قال لقيط: لن نعدم من رب يضحك خيرا وعلم يوم الساعة قال قلت: يا رسول الله علمنا مما تعلم الناس ومما تعلم فأنا في قبيل لا يصدق تصديقنا أحد من مذحج التي تربو علينا وخثعم التي توالينا وعشيرتنا التي نحن منها: قال تلبثون ما لبثتم ثم يتوفى نبيكم صلى الله عليه وسلم ثم تلبثون ما لبثتم ثم تبعث الصائحة لعمر إلهك ما تدع على ظهرها شيئا إلا مات والملائكة الذين مع ربك عز وجل فأصبح ربك عز وجل يطوف في الأرض وخلت عليه البلاد فأرسل ربك السماء بهضب من عند العرش ولعمر إلهك لا تدع على ظهرها مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه حتى تخلقه من عند رأسه فيستوي جالسا فيقول ربك مهيم لما كان فيه يقول: يا رب أمس اليوم ولعهده بالحياة يحسبه حديثا بأهله فقلت يا رسول الله كيف يجمعنا بعدما تمزقنا الرياح والبلى والسباع قال أنبئك بمثل ذلك في آلاء الأرض أشرفت عليها وهي مدرة بالية فقلت لا تحيا أبدا ثم أرسل ربك عليها السماء فلم تلبث عنك إلا أياما حتى أشرفت عليها(1\/459)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "442",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12840",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهي مشربة واحدة ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الأرض فتخرجون من الأصواء ومن مصارعكم فتنظرون إليه وينظر إليكم quot; قلت يا رسول الله: ونحن ملؤ الأرض وهو شخص واحد ينظر إلينا وننظر إليه قال: quot; أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ويريانكم في ساعة واحدة لا تضارون في رؤيتهما ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه منهما على أن ترونهما ويريانكم لا تضارون في رؤيتهما quot; قلت يا رسول الله فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه قال: quot; تعرضون عليه بادية له صفحاتكم لا تخفى عليه منكم خافية فيأخذ عز وجل بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلكم فلعمر إلهك ما يخطئ وجه أحدكم منها قطرة فأما المسلم فتدع وجهه مثل الربطة البيضاء وأما الكافر فتخطمه بمثل الحميم الأسود ألا ثم ينصرف نبيكم صلى الله عليه وسلم ويفرق على أثره الصالحون فيسلكون جسرا من النار فيطأ أحدكم الجمر ويقول حس فيقول الله عز وجل: أوانه فتطلعون على حوض الرسول صلى الله عليه وسلم على ظمأ والله ناهله قط رأيتها ولعمر إلهك ما يبسط واحد منكم يده إلا وقع عليها قدح يطهره من الطرف والبول والأذى وتحبس الشمس والقمر فلا ترون واحدا منهما quot; قال قلت: يا رسول الله فبم نبصر قال: quot; بمثل بصرك ساعتك هذه وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقت الأرض ثم واجهته الجبال quot; قال قلت يا رسول الله: فيم نجزى من سيئاتنا قال: quot; الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها إلا أن يغفر quot; قال قلت يا رسول الله إما الجنة وإما النار قال: quot; لعمر إلهك وإن للنار سبعة أبواب ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما مسيرة سبعين عاما quot; قلت يا رسول الله فعلى ما نطلع في الجنة قال: quot; على أنهار من عسل مصفى وأنهار من كأس ما بها من صداع ولا ندامة وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وماء غير آسن وفاكهة كثيرة لعمر إلهك مما تعلمون وخير من مثله معه وأزواج مطهرة quot; قلت يا رسول الله ولنا فيها أزواج مصلحات قال: quot; الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذونكم غير أن لا توالد quot; قال لقيط: قلت أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه قلت يا رسول الله علام نبايعك قال فبسط النبي صلى الله عليه وسلم يده وقال: quot; على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وزيال الشرك وأن لا تشرك بالله إلى غيره قال قلت وإن لنا ما بين المشرق والمغرب فقبض النبي صلى الله عليه وسلم يده وبسط أصابعه وظن أني مشترط شيئا لا يعطينيه قال قلت: نحل منها حيث شئنا ولا يجني على امرئ إلا نفسه فبسط يده وقال: quot; ذلك لك تحل(1\/460)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "443",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12841",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حيث شئت ولا يجني عليك إلا نفسك quot; فانصرفنا وقال: quot; ها إن ذين ها إن ذين لعمر إلهك إن حدثت ألا إنهم إن اتقى الله في الأولى والآخرة quot; فقال له كعب بن الحدادية أحد بني بكر بن كلاب: من هم يا رسول الله قال: quot; بني المنتفق أهل ذلك قال: فانصرفنا وأقبلت عليه فقلت: يا رسول الله هل لأحد مما مضى من خير في جاهليتهم قال فقال رجل من عرض قريش: والله إن أباك المنتفق لفي النار فلكأنه وقع حر بين جلدي ووجهي مما قال لأبي على رءوس الناس فهممت أن أقول: وأبوك يا رسول الله فإذا الأخرى أجمل فقلت وأهلك يا رسول الله قال: quot; وأهلي لعمر الله ما أتيت عليه من قبر عامري أو قرشي من مشرك فقل أرسلني إليك محمد يبشرك بما يسوءك تجر على وجهك وبطنك في النار quot; قال قلت يا رسول الله: ما فعل بهم ذلك وقد كانوا على عمل لا يحسنون إلا إياه وكانوا يحسبونهم مصلحين قال: quot; ذلك بأن الله عز وجل بعث في آخر سبع أمم نبيا فمن عصى نبيه كان من الضالين ومن أطاع نبيه كان من المهتدين quot;. هذا حديث كبير مشهور جلالة النبوة بادية على صفحاته تنادي عليه بالصدق صححه بعض الحفاظ حكاه شيخ الإسلام الأنصاري ولا يعرف إلا من حديث أبي القاسم عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني ثم من رواية إبراهيم بن حمزة الزبيري المدني عنه وهما من كبار علماء المدينة ثقتان محتج بهما في الصحيح احتج بهما البخاري في مواضع من صحيحه وروى هذا الحديث أئمة الحديث في كتبهم منهم عبد الله بن الإمام أحمد وأبو بكر بن عمرو بن أبي عاصم وأبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني وأبو محمد عبد الله بن أحمد بن جعفر أبو الشيخ الأصبهاني الحافظ وأبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده وأبو بكر أحمد بن موسى ابن مردويه وأبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني وخلق سواهم رووه في السنة وقابلوه بالقبول وتلقوه بالتصديق والتسليم.(1\/461)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "444",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12842",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الحافظ أبو عبد الله بن منده: روى هذا الحديث محمد بن إسحاق الصنعاني وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهما وقرؤه بالعراق بجمع العلماء وأهل الدين ولم ينكره أحد منهم ولم يتكلم في إسناده وكذلك رواه أبو زرعة وأبو حاتم على سبيل القبول. وقال أبو الخير عبد الرحيم محمد بن الحسن بن محمد بن حمدان بعد أن أخرجه في فوائد أبي الفرج الثقفي: هذا حديث كبير ثابت حسن مشهور وقد روى منه الإمام أحمد في مسنده فصل: الضحك وروى منه فصل: الرؤية وروى منه فصل: فأين من مضى من أهلك وروى منه: قلت يا رسول الله كيف يحمل الموتى لكن بغير هذا الإسناد وابنه ساقه بكماله في مسند أبيه وفي السنة. وأما حديث ابن عمر فرواه خلاد بن يحيى حدثنا عبد الوهاب عن مجاهد عن عمر قال: كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجلان أحدهما أنصاري والآخر ثقفي فذكر الحديث وفيه: quot; إن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيقول للملائكة هؤلاء عبادي جاءوني شعثا غبرا من كل فج عميق اشهدوا أني قد غفرت لهم ذنوبهم quot; ورواه طلحة بن مصرف عن مجاهد به. وأما حديث عبد الله بن عباس: فروى عبيد الله بن عمر عن زيد بن أبي أنيسة عن طارق عن سعيد بن جبير قال: سمعت ابن عباس يقول: إن الله تعالى ينزل في شهر رمضان إذا ذهب الثلث الأول من الليل هبط إلى السماء الدنيا ثم قال: هل من سائل يعطى هل من مستغفر يغفر له هل من تائب يتاب عليه  رواه علي بن معبد عن عبيد الله وروى عبيد الله بن موسى قال ابن أبي ليلى عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا [إبراهيم: 27] قال: ينزل الله إلى السماء الدنيا في شهر رمضان يدبر أمر السنة فيمحو ما يشاء غير الشقاوة والسعادة والموت والحياة  وإسناده حسن وقال أبو الزبير عن طاوس: سئل ابن عباس عن ليلة الحصبة فقال: إن الله يهبط ليلة الحصبة على حراء  وذكر عبيد الله ابن موسى حدثنا إسرائيل عن السدي عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن جبير عن ابن(1\/462)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "445",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12843",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عباس قال: quot; كان النداء من السماء وكان الرب تعالى في السماء الدنيا حين كلم موسى quot; ذكره الخلال في السنة. وفي كتاب السنة للخلال عن الوليد بن عبد الله بن أبي رباح عن زياد البهزي: بينما هو يحدث إن الله ينزل ليلة النصف من شعبان فقال عطاء من هذا المحدث قلت هو زياد البهزي قال سبحان الله لقد طول هذا على الناس ليلة واحدة في السنة أحسبه قال حدثنا ابن عباس قال: ينزل الله كل ليلة إلى سماء الدنيا ثلث الليل الأوسط فيقول من يدعوني فأستجيب له ومن يسألني فأعطيه ويترك أهل الحقد لحقدهم . وأما حديث عبادة بن الصامت فرواه موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وينزل الله كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: quot; ألا عبد يدعوني فأستجيب له ألا ظالم لنفسه يدعوني فأقبله فيكون كذلك إلى مطلع الصبح ويعلو على كرسيه quot; وإسحاق هذا هو إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة. وأما حديث أسماء بنت يزيد فرواه أبو أحمد العسال في كتاب السنة من حديث أبان بن أبي عياش عن شهر بن حوشب عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot; يهبط الرب تعالى من السماء السابعة إلى المقام الذي هو قائمة ثم يخرج عنق من النار فيظل الخلائق كلهم فيقول أمرت كل جبار عنيد ومن زعم أنه عزيز كريم ومن دعا مع الله إلها آخر quot;. وأما حديث أبي الخطاب فقال محمد بن سعد في الطبقات: حدثنا أبو نعيم حدثنا(1\/463)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "446",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12844",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إسرائيل حدثني ثوير قال: سمعت رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له أبو الخطاب وسئل عن الوتر فقال: أحب الوتر نصف الليل فإن الله يهبط من السماء السابعة إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مذنب هل من مستغفر هل من داع حتى إذا طلع الفجر ارتفع . وأما حديث عمر بن عامر السلمي فرواه محمد بن منده من حديث عثمان التيمي عن عبد الحميد بن سلمة عن أبيه عن عمر بن عامر السلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot; إذا ذهب ثلث الليل أو قال نصف الليل ينزل الله إلى سماء الدنيا فيقول: هل من عان فأفكه هل من سائل فأعطيه هل من داع فأستجيب له هل من مستغفر فأغفر له حتى يصلى الصبح quot;. وأما حديث عوف بن مالك فرواه حميد بن زنجويه من حديث عبادة بن نسي عن كثير بن مرة عن عوف بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot; إن الله يطلع إلى خلقه ليلة النصف فيغفر للمؤمنين . . . quot; الحديث وضمن يطلع معنى يدنو وينزل فعداه بإلى. وأما حديث أبي أمامة: جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; إذا كان ليلة النصف من شعبان هبط الله إلى سماء الدنيا فيغفر لأهل الأرض إلا لكافر ومشاحن quot; رواه محمد بن الفضل البخاري عن مكي بن إبراهيم عن جعفر وقال الفريابي حدثنا ابن عمار ثنا صدقة بن خالد ثنا عثمان بن أبي عاتكة حدثنا سليمان بن حبيب المجازي قال: دخلنا على أبي أمامة بحمص فقال: إن هذا المجلس من بلاغ الله إياكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بلغ ما أرسل به وأنتم فبلغوا عنا إياكم والظلم فإن الله يجلس يوم القيامة على القنطرة الوسطى بين الجنة والنار ثم يعزل فيقول: وعزتي وجلالي لا يجاورني اليوم ظلم ظالم .(1\/464)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "447",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12845",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث ثوبان فقال الطبراني في معجمه: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة حدثنا إسحاق بن إبراهيم أبو النصر حدثنا يزيد بن ربيعة حدثنا أبو الأشعث عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot; يقبل الجبار تبارك وتعالى يوم القيامة فيثني رجله على الجسر فيقول: وعزتي وجلالي لا يجاورني اليوم ظلم ظالم فينصف الخلق بعضهم من بعض حتى إنه لينصف الشاة الجماء من القرناء تنطحها نطحة quot; وقد جاء المعنى تفسيرا لقوله تعالى: إن ربك لبالمرصاد [الفجر: 14] فروى البيهقي من حديث الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن مسعود إن ربك لبالمرصاد [الفجر: 14] وقال: من وراء الصراط ثلاثة جسور: جسر عليه الأمانة وجسر عليه الرحم وجسر عليه الرب تبارك وتعالى. وذكر ابن جرير في تفسيره عن جويبر عن الضحاك في هذه الآية قال: إذا كان يوم القيامة يأمر الله بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ثم يقول: وعزتي لا يجاورني اليوم ذو مظلمة  وذكر عمر بن قيس قال: بلغني أن على جهنم ثلاث قناطر: قنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول: يا رب هذا واصل يا رب هذا قاطع وقنطرة عليها الرب تعالى: إن ربك لبالمرصاد [الفجر: 14] وذكر عن سفيان في هذه الآية: على جهنم ثلاث قناطر: قنطرة فيها الأمانة وقنطرة فيها الرب تعالى. وأما حديث أبي موسى الأشعري فرواه ابن لهيعة عن الزبير بن سليم عن الضحاك ابن عبد الرحمن يعني ابن عزب عن أبيه قال: سمعت أبا موسى يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot; ينزل ربنا إلى سماء الدنيا في النصف من شعبان فيغفر لأهل الأرض إلا مشركا أو مشاحنا quot;.(1\/465)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "448",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12846",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "النزول إلى الأرض يوم القيامة تواترت به الأحاديث وجاء به القرآن",
        "content": "[النزول إلى الأرض يوم القيامة تواترت به الأحاديث وجاء به القرآن] فصل وهذا النزول إلى الأرض يوم القيامة قد تواترت به الأحاديث والآثار ودل عليه القرآن صريحا في قوله: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك [الأنعام: 158] وقال عبد الله بن المبارك حدثنا حيوة بن شريح حدثني الوليد بن أبي الوليد أبو عثمان المدني أن عقبة بن مسلم حدثه عن شفي بن ماتع الأصبحي قال: قدمت المدينة فدخلت المسجد فإذا الناس قد اجتمعوا على أبي هريرة فلما تفرقوا دنوت فقلت: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot; إذا كان يوم القيامة نزل الله إلى العباد ليقضى بينهم وكل أمة جاثية فأول من يدعى رجل جمع القرآن . . . quot; وذكر الحديث بطوله وأصله في صحيح مسلم وفي صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك وفيها quot; ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى quot; وقد تقدم ذكر نزوله إلى الجنة يوم المزيد: ونزوله إلى الأرض قبل يوم القيامة حين يخلو أهلها ونزوله يوم عرفة إلى سماء الدنيا. وقال سعيد بن منصور حدثنا إبراهيم بن ميسرة عن ابن أبي سويد عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله قال: زعمت المرأة الصالحة خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وهو محتضن أحد ابني بنته وهو يقول: quot; والله إنكم لتجبنون وتجهلون وتبخلون وإنكم لمن رياحين الله وإن آخر وطأة وطئها رب العالمين بوج quot; وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عمرو بن أوس(1\/466)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "449",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12847",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال إن آخر وطأة الله لبوج قال سفيان وكان سعد بن جبير يقول: قال أبو هريرة: تسألوني وفيكم عمرو بن أوس. وفي الباب عن الحسن بن علي وعبد الله بن الزبير ويعلى بن مرة. فهذه عشرة أنواع من النزول والمجيء والإتيان ونظائرها تضمنها كلام أعلم الخلق بالله وأقدرهم على اللفظ المطابق لما قصده من وصف الرب تعالى وأنصحهم للأمة والمجاز وإن أمكن في فرد من أفراد هذه الأنواع أو أكثر فإنه من المحال عادة أن يطرد في جميعها اطرادا واحدا بحيث يكون الجميع من أوله إلى آخره مجازا. وقال أبو العباس بن شريح وقد صح عند جميع أهل الديانة والسنة إلى زماننا أن جميع الآثار والأخبار الصادقة عن رسول الله نص في الصفات يجب على المسلم الإيمان بها وأن السؤال عن معانيها بدعة والجواب كفر وذندقة مثل قوله: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] وجاء ربك والملك صفا صفا [الفجر: 22] ونظائرها مما نطق به القرآن كالفوقية والنفس واليدين والسمع والبصر وصعود الكلام الطيب إليه والضحك والتعجب والنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا. إلى أن قال: واعتقادنا في الآي المتشابهة في القرآن نقلها ولا نردها ولا نتأولها بتأويل المخالفين ولا نحملها على تشبيه المشبهين ولا نترحم عن صفاته بلغة غير العربية ونسلم الخبر لظاهر تنزيلها. قال إمام عصره محمد بن جرير في كتاب التبيين في معالم الدين: القول فيما أدرك علمه من الصفات خبرا وذلك مثل إخباره سبحانه أنه سميع بصير وأن له يدين وأن له وجها وأن له قدما وأنه يضحك وأنه يهبط إلى سماء الدنيا وذكر أولها. وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد بن حنبل وإسحاق: ينزل ربنا كل ليلة . . . الحديث أليس يقول لهذا الحديث قال أحمد وإسحاق: صحيح وزاد إسحاق: لا يدعه إلا مبتدع وقال الخلال: أخبرني أحمد بن الحسين بن حسان قال: قيل لأبي عبد الله: إن الله ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة قال: نعم قيل له في شعبان كما جاء في الأثر قال: نعم. وقال حنبل: قيل لأبي عبد الله: ينزل الله إلى سماء الدنيا قال: نعم قلت: نزوله بعلمه أم بماذا فقال اسكت عن هذا وغضب غضبا شديدا.(1\/467)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "450",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12848",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال مالك: ولهذا أمض الحديث كما ورد بلا كيف ولا تحديد إلا بما جاءت به الآثار وبما جاء به الكتاب قال الله تعالى: فلا تضربوا لله الأمثال [النحل: 74] ينزل كيف شاء بقدرته وعلمه وعظمته أحاط بكل شيء. وقال بشر بن السري لحماد بن زيد: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا يتحول من مكان إلى مكان فسكت حماد ثم قال: هو مكانه يقرب من خلقه كيف شاء وقال أبو عمر بن عبد البر أجمع العلماء من الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل يعني تفسير القرآن قالوا في تأويل قوله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم [المجادلة: 7] هو على عرشه وعلمه بكل مكان وما خالفهم في ذلك من يحتج بقوله. وقال: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز لأنهم لا يكيفون شيئا من ذلك. وقال أبو عبد الله الحاكم: سمعت أبا زكريا العنبري يقول: سمعت إبراهيم بن أبي طالب يقول سمعت أحمد بن سعيد الرابطي يقول: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم وحضر إسحاق يعني ابن راهويه فسئل عن حديث النزول أصحيح هو قال نعم فقال له بعض قواد الأمير عبد الله يا أبا يعقوب أتزعم أن الله ينزل كل ليلة قال نعم قال كيف ينزل قال له إسحاق: أثبته فوق حتى أصف لك النزول فقال له الرجل: أثبته فوق فقال له إسحاق: قال الله جل شأنه وجاء ربك والملك صفا [الفجر: 22] فقال الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة قال إسحاق أعز الله الأمير ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم . وقال البخاري في كتاب خلق أفعال العباد: قال الفضيل بن عياض: إذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه فقل أنت: أؤمن برب يفعل ما يشاء وقد ذكر الأثرم هذه الحكاية أطول من هذا. وقال الخلال: أخبرني علي بن عيسى أن حنبلا حدثهم قال: سألت أبا عبد الله(1\/468)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "451",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12849",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل اختلاف أهل السنة في نزول الرب تبارك وتعالى على ثلاثة أقوال",
        "content": "عن الأحاديث التي تروى quot; أن الله عز وجل ينزل إلى سماء الدنيا وأن الله يرى وأن الله يضع قدمه quot; وما أشبه ذلك فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنى ولا نرد منها شيئا ونعلم أن ما جاء به الرسول حق إذا كانت بأسانيد صحاح ولا نرد على الله قوله ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية ليس كمثله شيء وهذا الكلام وكلام الشافعي من مشكاة واحدة.  [فصل اختلاف أهل السنة في نزول الرب تبارك وتعالى على ثلاثة أقوال] فصل واختلف أهل السنة في نزول الرب تبارك وتعالى على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ينزل بذاته وهو قول الإمام أبي القاسم التيمي وهو من أجل الشافعية له التصانيف المشهورة كالحجة في بيان المحجة وكتاب الترغيب والترهيب وغيرهما وهو متفق على إمامته وجلالته قال شيخنا: وهذا قول طوائف من أهل الحديث والسنة والصوفية والمتكلمين وروي في ذلك حديث مرفوع لا يثبت رفعه. قال أبو موسى المديني: إسناده مدخول وفيه يقال: وعلى بعضهم مطعن لا تقوم بمثله الحجة ولا يجوز نسبة قوله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وإن كنا نعتقد صحته إلا أن يرد بإسناد صحيح. وقالت طائفة منهم: لا ينزل بذاته وقالت فرقة أخرى: نقول ينزل ولا نقول بذاته ولا بغير ذاته بل نطلق اللفظ كما أطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسكت عما سكت عنه. واختلفوا أيضا هل يخلو العرش منه فقالت طائفة ينزل ويخلو منه العرش وقالت طائفة لا يخلو منه العرش قال القاضي أبو يعلى في كتاب الوجهين والروايتين: لا تختلف أصحابنا أن الله ينزل إلى سماء الدنيا في كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر كما أخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم ثم ساق حديث أبي هريرة وابن مسعود وعبادة بن الصامت ثم قال: واختلفوا في صفته فذهب شيخنا أبو عبد الله إلى أنه نزول انتقال قال: لأن هذا حقيقة النزول عند العرب وهو نظير قوله في الاستواء بمعنى قعد قال: وهذا على ظاهر حديث عبادة بن الصامت. (قلت) يريد قوله ثم يعلو تبارك وتعالى على كرسيه قال لأن أكثر ما في هذا أنه من صفات الحدث في حقنا وهذا لا يوجب كونه في حقه محدثا كالاستواء على العرش هو موصوف به مع اختلافنا في صفته وإن كان هذا الاستواء لم يكن موصوفا(1\/469)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "452",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12850",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به في القدم وكذلك نقول تكلم بحرف وصوت وإن كان هذا يوجب الحدث في حقنا ولم يوجبه في حقه وكذلك النزول. قال: وحكى شيخنا عن طائفة من أصحابنا أنهم قالوا: ينزل معناه قدرته ولعل هذا القائل ذاهب إلى ظاهر كلام أحمد في رواية حنبل أنه قال يوم احتجوا على: يومئذ تجيء البقرة يوم القيامة ويجيء تبارك وتعالى قلت لهم: هذا الثواب قال الله تعالى: وجاء ربك والملك صفا صفا [الفجر: 22] إنما يأتي قدرته وإنما القرآن أمثال ومواعظ وزجر. وذكر أحمد أيضا فيما خرجه في الحبس: كلام الله لا يجيء ولا يتغير من حال إلى حال ووجه هذا أن النزول هو الزوال والانتقال: ولهذا قلنا في الاستواء إنه لا بمعنى المماسة والمباينة لأن ذلك من صفات الحدث والانتقال وهذا من صفات الحدث. قال: وحكى شيخنا عن طائفة أخرى من أصحابنا أنهم قالوا نثبت نزولا ولا نعقل معناه: هل هو بزوال أو بغير زوال كما جاء الخبر ومثل هذا ليس بممتنع في صفاته كما نثبت ذاتا لا تعقل قال وهذه الطريقة هي المذهب وقد نص عليها أحمد في مواضع فقال حنبل: قلت لأبي عبد الله: ينزل الله إلى سماء الدنيا قال: نعم قلت: نزوله بعلمه أم ماذا فقال لي: اسكت عن هذا وغضب غضبا شديدا وقال أمض الحديث على ما روي. قلت: أما قول ابن حامد إنه نزول انتقال فهو موافق قول من يقول يخلو منه العرش والذي حمله على هذا إثبات حقيقة وأن حقيقته لا تثبت إلا بالانتقال ورأى أنه ليس في العقل ولا في النقل ما يحيل الانتقال عليه فإنه كالمجيء والإتيان والذهاب والهبوط هذه أنواع الفعل اللازم القائم به كما أن الخلق والرزق والإماتة والإحياء والقبض والبسط أنواع للفعل المتعدي وهو سبحانه موصوف بالنوعين وقد يجمعهما كقوله: خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش [الأعراف: 54] والانتقال جنس لأنواع المجيء والإتيان والنزول والهبوط والصعود. والدنو والتدلي ونحوها وإثبات النوع مع نفي جنسه جمع بين النقيضين. قالوا: وليس في القول بلازم النزول والمجيء والإتيان والاستواء والصعود محذور(1\/470)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "453",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12851",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البتة ولا يستلزم ذلك نقصا ولا سلب كمال بل هو الكمال نفسه وهذه الأفعال كمال ومدح فهي حق دل عليه النقل ولازم الحق حق كما أن العقل والنقل قد اتفقا على أنه سبحانه حي متكلم قدير عليم مريد وما لزم من ذلك تعين القول به فإنه لازم الحق وكذلك رؤيته تعالى بالأبصار عيانا في الآخرة هو حق فلازمه حق كائنا ما كان والعجب أن هؤلاء يدعون أنهم أرباب المعقولات وهم يجمعون بين إثبات الشيء ونفي لازمه ويصرحون بإثباته ويثبتون لوازمه بإثباته ويصرحون بنفيه ولهذا عقلاؤهم لا يسمحون بإثبات شيء من ذلك فلا يثبتون لله نزولا ولا مجيئا ولا إتيانا ولا دنوا ولا استواء ولا صعودا البتة وإثبات هذه الحقائق عندهم في الامتناع كإثبات الأكل والشرب والنوم ونحوها والفرق بين هذا وهذا ثابت عقلا ونقلا وفطرة وقياسا واعتبارا فالتسوية بينهما في غاية البطلان. قالوا وقولنا إنه نزول لاعتبار لا محذور فيه فإنه ليس كانتقال الأجسام من مكان إلى مكان كما قلتم إن سمعه وبصره وحياته وقدرته وإرادته ليست كصفات الأجسام فليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. قالوا ونحن لم نتقدم بين يدي الله ورسوله بل أثبتنا لله ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم فألزمتم أنتم من أثبت ذلك القول بالانتقال ومعلوم أن هذا الإلزام إنما هو إلزام لله ورسوله فإنا لم نتعد ما وصف به نفسه فكأنكم قلتم من أثبت له نزولا ومجيئا وإتيانا ودنوا لزمه وصفه بالانتقال والله ورسوله هو الذي أثبت ذلك لنفسه فهو حق بلا ريب فكان جوابنا إن الانتقال إن لزم من إثبات ما أثبته الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وتصديقه في ذلك والإيمان به فلا بد من إثباته ضرورة وإن لم يلزم بطل إلزامكم ونظير هذا مناظرة جرت بين جهمي وسني. قال الجهمي: أنت تزعم أن الله يرى في الآخرة عيانا بالأبصر قال السني: نعم فقال له الجهمي: هذا يلزم منه إثبات الجهة والحد وكون المرئي مقابلا للرائي مواجها له وهذا تشبيه وتجسيم قال له السني: قد دل القرآن والسنة المتواترة واتفاق الصحابة وجميع أهل السنة وأئمة الإسلام على أن الله يرى في الآخرة وقد شهد بذلك الرسول وبلغه الأمة وأعاده وأبداه فذلك حق لا ريب فيه فإن لزم ما ذكرت فلازم الحق حق وإن لم يلزم بطل سؤالك. وقال بعض الجهمية لبعض أصحابنا: أتقول إن الله ينزل إلى سماء الدنيا فقال(1\/471)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "454",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12852",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل ثبوت الانتقال والحركة لله تعالى",
        "content": "ومن أنا حتى أقول ذلك فقد قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغه الأمة فقال له الجهمي: هذا يلزم منه الحركة والانتقال فقال له السني: أنا لم أقل من عندي شيئا وهذا الإلزام لمن قال ذلك وهو الرسول صلى الله عليه وسلم وتصديقه واجب علينا فإن كان تصديقه على ذلك بطل الإلزام به فبهت الجهمي. قالوا وقد دل العقل والشرع على أن الله سبحانه حي فعال ولا فرق بين الحي والميت إلا بالفعل فالفعل الاختياري من لوازم الحياة فالإرادة والمشيئة من لوازم الفعل وللفعل لوازم لا يجوز نفيها إذ نفيها يستلزم نفي الفعل الاختياري ولهذا لما نفاها الدهرية والفلاسفة نفوا الفعل الاختياري من أصله. قالوا: ومن لوازم الفعل والترك الحب والبغض وانتقال الفاعل من شأن إلى شأن والرب تبارك وتعالى كل يوم هو في شأن ومن كان على حال واحد قبل الفعل وحال الفعل وبعد الفعل لم يعقل كونه فاعلا باختياره بل ولا فاعلا البتة فليس مع نفاة لوازم الأفعال إلا إثبات ألفاظ لا حقائق لها. والمقصود أن هؤلاء قالوا: نحن لم نصرح بالانتقال من عند أنفسنا ولكن الله ورسوله قالاه.  [فصل ثبوت الانتقال والحركة لله تعالى] فصل أما الذين نفوا الحركة والانتقال فإن نفوا ما هو من خصائص المخلوق فقد أصابوا ولكن أخطئوا في ظنهم أن ذلك لازم ما أثبته لنفسه فأصابوا في نفي خصائص المخلوقين وأخطئوا في ظنهم أنه لازم ما أثبته لنفسه وفي نفيهم للازم الذي يستحيل اتصاف المخلوق بنظيره وقد بينا فيما تقدم أن الصفة يلزمها لوازم لنفسها وذاتها فلا يجوز نفي هذه اللوازم عنها لا في حق الرب ولا في حق العبد ويلزمها لوازم من جهة اختصاصها بالعبد فلا يجوز إثبات تلك اللوازم للرب ويلزمها لوازم من حيث اختصاصها بالرب فلا يجوز سلبها عنه ولا إثباتها للعبد فعليك بمراعاة هذا الأصل والاعتصام به في كل ما يطلق على الرب تعالى وعلى العبد. وأما الذين أمسكوا عن الأمرين وقالوا: لا نقول يتحرك وينتقل ولا ننفي ذلك عنه فهم أسعد بالصواب والاتباع فإنهم نطقوا بما نطق به النص وسكتوا عما سكت عنه وتظهر صحة هذه الطريقة ظهورا تاما فيما إذا كانت الألفاظ التي سكت النص عنها مجملة محتملة لمعنيين: صحيح وفاسد كلفظ الحركة والانتقال والجسم والحيز(1\/472)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "455",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12853",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والجهة والأعراض والحوادث والعلة والتغير والتركيب ونحو ذلك من الألفاظ التي تحتها حق وباطل فهذه لا تقبل مطلقا ولا ترد مطلقا فإن الله سبحانه لم يثبت لنفسه هذه المسميات ولم ينفها عنه فمن أثبتها مطلقا فقد أخطأ ومن نفاها مطلقا فقد أخطأ فإن معانيها منقسمة إلى ما يمتنع إثباته لله وما يجب إثباته له فإن الانتقال يراد به انتقال الجسم والعرض من مكان هو محتاج إليه إلى مكان آخر يحتاج إليه وهو يمتنع إثباته للرب تعالى وكذلك الحركة إذا أريد بها هذا المعنى امتنع إثباتها لله تعالى ويراد بالحركة والانتقال حركة الفاعل من كونه فاعلا وانتقاله أيضا من كونه غير فاعل إلى كونه فاعلا. فهذا المعنى حق في نفسه لا يعقل كون الفاعل إلا به فنفيه عن الفاعل نفي لحقيقة الفعل وتعطيل له وقد يراد بالحركة والانتقال ما هو أعم من ذلك وهو فعل يقوم بذات الفاعل يتعلق بالمكان الذي قصد له وأراد إيقاع الفعل بنفسه فيه وقد دل القرآن والسنة والإجماع على أنه سبحانه يجيء يوم القيامة وينزل لفصل القضاء بين عباده ويأتي في ظلل من الغمام والملائكة وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا وينزل عشية عرفة وينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة وينزل إلى أهل الجنة وهذه أفعال يفعلها بنفسه في هذه الأمكنة فلا يجوز نفيها عنه بنفي الحركة والنقلة المختصة بالمخلوقين فإنها ليست من لوازم أفعاله المختصة به فما كان من لوازم أفعاله لم يجز نفيه عنه وما كان من خصائص الخلق لم يجز إثباته له وحركة الحي من لوازم ذاته ولا فرق بين الحي والميت إلا بالحركة والشعور فكل حي متحرك بالإرادة وله شعور فنفي الحركة عنه كنفي الشعور وذلك يستلزم نفي الحياة. ونظير ذلك قول الجهمية: لو قامت به الصفات لقامت به الأعراض قيام الأعراض به يستلزم كونه جسما فقالت الصفاتية: قد دل الدليل على قيام الصفات به فلا يجوز نفيها عنه بتسميتها أعراضا فإن أردتم بالأعراض الصفات فإثبات الصفات حق وإن أردتم به ما هو من خصائص المخلوق فلا يلزم ذلك من إثباتها للرب تعالى.(1\/473)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "456",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12854",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك قولهم: لو كان فوق سماواته على عرشه يصعد إليه الكلم الطيب لكان جسما وجوابهم بأنه قد ثبت بالعقل والنقل والفطرة أنه سبحانه فوق سماواته عال على خلقه فلا يجوز نفيه بتسميته تجسيما فإن كان التجسيم اللازم من ذلك كونه فوق سماواته على عرشه بائنا من خلقه فهذا اللازم حق فسموها ما شئتم وإن كان المدعى لزوم تركيبه من الجواهر الفردة والمادة والصورة أو كونه مماثلا للأجسام المخلوقة فدعوى هذه الملازمة كذب فلا يجوز أن ينفى عن الله ما دل عليه العقل والنقل والفطرة بألفاظ مجملة تنقسم معانيها إلى حق وباطل. وأما قول من قال يأتي أمره وينزل رحمته فإن أراد أنه سبحانه إذا نزل وأتى حلت رحمته وأمره فهذا حق وإن أراد أن النزول والمجيء والإتيان للرحمة والأمر ليس إلا فهو باطل من وجوه عديدة قد تقدمت ونزيدها وجوها أخر منها أن يقال: أتريدون رحمته وأمره صفته القائمة بذاته أم مخلوقا منفصلا سميتموه رحمة وأمرا فإن أردتم الأول فنزوله يستلزم نزول الذات ومجيئها قطعا وإن أردتم الثاني كان الذي ينزل ويأتي لفصل القضاء مخلوقا محدثا لا رب العالمين وهذا معلوم البطلان قطعا وهو تكذيب صريح للخبر فإنه يصح معه أن يقال: لا ينزل إلى سماء الدنيا ولا يأتي لفصل القضاء وإنما الذي ينزل ويأتي غيره. ومنها: كيف يصح أن يقول ذلك المخلوق: لا أسأل عن عبادي غيري ويقول: من يستغفرني فأغفر له ونزول رحمته وأمره مستلزم لنزوله سبحانه ومجيئه وإثبات ذلك للمخلوق مستلزم للباطل الذي لا يجوز نسبته إليه سبحانه مع رد خبره صريحا. ومنها: أن نزول رحمته وأمره لا يختص بالثلث الأخير ولا بوقت دون وقت ينزل أمره ورحمته فلا تنقطع رحمته ولا أمره عن العالم العلوي والسفلي طرفة عين. وأما الرواية المنقولة عن الإمام أحمد فاختلف فيها أصحابه على ثلاث طرق: أحدها: إنها غلط عليه فإن حنبلا تفرد به عنه وهو كثير المفاريد المخالفة للمشهور من مذهبه وإذا تفرد بما خالف المشهور عنه فالخلال وصاحبه عبد العزيز لا يثبتون ذلك رواية وأبو عبد الله بن حامد وغيره يثبتون ذلك رواية والتحقيق أنها رواية شاذة مخالفة لجادة مذهبه هذا إذا كان ذلك من مسائل الفروع فكيف في هذه المسألة . وقالت طائفة أخرى: بل ضبط حنبل ما نقل وحفظه ثم اختلفوا في تخريج هذا(1\/474)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "457",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12855",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النص فقالت طائفة منهم: إنما قاله أحمد على سبيل المعارضة لهم فإن القوم كانوا يتأولون في القرآن من الإتيان والمجيء بمجيء أمره سبحانه ولم يكن في ذلك ما يدل على أن من نسب إليه المجيء والإتيان مخلوق فكذلك وصف الله سبحانه كلامه بالإتيان والمجيء هو مثل وصفه بذلك فلا يدل على أن كلامه مخلوق يحمل مجيء القرآن على مجيء ثوابه كما حملهم مجيئه سبحانه وإتيانه على مجيء أمره وبأسه. فأحمد ذكر على وجه المعارضة والإلزام لخصومه بما يعتقدونه في نظير ما احتجوا به عليه لا أنه يعتقد ذلك والمعارضة لا تستلزم اعتقاد المعارض صحة ما عارض به. وقالت طائفة أخرى: بل ثبت عن أحمد بمثل هذا رواية في تأويل المجيء والإتيان ونظائر ذلك من أنواع الحركة ثم اختلفوا في ذلك فمنهم من قصد التأويل. على هذا النوع خاصة وجعل فيه روايتين ومنهم من حكى روايتين في باب الصفات الخبرية بالنقل والتخريج والرواية المشهورة من مذهبه ترك التأويل في الجميع حتى أن حنبلا نفسه ممن نقل عنه ترك التأويل صريحا فإنه لما سأله عن تفسير النزول هل هو أمره أم ماذا نهاه عنه. وطريقة القاضي وابن الزاغوني تخصيص الروايتين بتأويل النزول ونوعه وطريقة ابن عقيل تعميم الروايتين لكل ما يمنع عندهم إرادة ظاهرة وطريقة الخلال وقدماء الأصحاب امتناع التأويل في الكل وهذه رواية إما شاذة أو أنه رجع عنها كما هو صريح عنه في أكثر الروايات وإما أنها إلزام منه ومعارضة لا مذهب وهذا الاختلاف وقع نظيره في مذهب مالك فإن المشهور عنه وعن أئمة السلف إقرار نصوص الصفات والمنع من تأويلها وقد روي عنه أنه تأول قوله: quot; ينزل ربنا quot; بمعنى نزول أمره وهذه الرواية لها إسنادان (أحدهما) من طريق حبيب كاتبه وحبيب هذا غير حبيب بل هو كذاب وضاع باتفاق أهل الجرح والتعديل ولم يعتمد أحد من العلماء على نقله والإسناد (الثاني) فيه مجهول لا يعرف حاله فمن أصحابه من أثبت هذه الرواية ومنهم من لم يثبتها ; لأن المشاهير من أصحابه لم ينقلوا عنه شيئا من ذلك.  فصل وهاهنا قاعدة يجب التنبيه عليها وهي أنه إذا ثبت عن مالك وأحمد وغيرهما تأويل شيء في موارد النزاع لم يكن فيه أكثر من أنه وقع بينهم نزاع في معنى الآية أو الحديث وهو نظير اختلافهم في تفسير آيات وأحاديث مثل تنازع ابن عباس وعائشة(1\/475)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "458",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12856",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "المثال التاسع معية الله تعالى وقربه من عباده",
        "content": "في قوله تعالى: ولقد رآه نزلة أخرى [النجم: 13] ) فقال ابن عباس رأى ربه وقالت عائشة بل رأى جبرائيل وكتنازع ابن مسعود وابن عباس في قوله تعالى: فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين [الدخان: 10] فقال ابن مسعود: هو ما أصاب قريشا من الجوع حتى كان أحدهم يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان وقال ابن عباس: هو دخان قبل يوم القيامة وهذا هو الصحيح ونظائر ذلك فالحجة هي التي تفصل بين الناس.  [المثال التاسع معية الله تعالى وقربه من عباده] المثال التاسع: مما ادعي فيه المجاز قوله تعالى: وهو معكم أين ما كنتم [الحديد: 4] وقوله تعالى: إن الله مع الذين اتقوا [النحل: 128] وقوله تعالى: إنني معكما أسمع وأرى [طه: 46] وقوله: إنا معكم مستمعون [الشعراء: 15] وقوله: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ق: 16] وقوله: فإني قريب [البقرة: 186] وقوله: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم [المجادلة: 7] الآية ونحو ذلك قالت المجازية: هذا كله مجاز يمتنع حمله على الحقيقة إذ حقيقته المخالطة والمجاورة وهي منتفية قطعا فإذا معناها معية العلم والقدرة والإحاطة ومعية النصر والتأييد والمعونة وكذلك القرب. قال أصحاب الحقيقة: والجواب عن ذلك من وجوه: أحدها: لا تخلو هذه الألفاظ إما أن يكون ظاهرها أن ذاته تعالى في كل مكان أو لا يكون ذلك ظاهرها فإن كان ذلك ظاهرها فهو قول طوائف من إخوان هؤلاء وهم الجهمية الأولى الذين كانوا يقولون: إن الله بذاته في كل مكان ويحتجون بهذه الآيات وما أشبهها. وهؤلاء الجهمية المستأخرون الذين يقولون: ليس فوق السماوات رب ولا على العرش إله عاجزون عن الرد على سلفهم الأول وسلفهم خير منهم فإنهم أثبتوا له وجودا بكل مكان وهؤلاء نفوا أن يكون داخل العالم أو خارجه والرسل وأتباعهم أثبتوا أنه خارج العالم فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه فنفاة النقيضين لا يمكنهم الرد على من أثبت النقيضين فإنهم إن قالوا إثبات النقيضين محال قالوا لهم ونفيهما محال وإن قالوا كونه داخل العالم ينافي كونه خارجا عنه قالوا لهم: وكونه(1\/476)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "459",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12857",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غير داخل العالم ينافي كونه غير خارج عنه فإن قالوا وصفه بدخوله في العالم وخروجه منه يستلزم التجسيم قالوا: وصفه بكونه ليس في العالم ولا خارجا عنه يستلزم التعطيل والحكم بعدمه والتجسيم خير من التعطيل ونفي حقيقة الرب لو كان لازما كيف ولزومه من جانبكم أقوى فإنكم تصفونه بالصفات التي هي أعراض لا تقوم إلا بالأجسام وقد ألزمكم النفاة التجسيم بإثباتها فما كان جوابكم لهم فهو بعينه جوابنا لكم. وإن قالوا إثبات دخوله في العالم يقتضي مجاورته ومخالطته لما ينزه عنه قالوا لهم: ونفي دخوله في العالم وخروجه عنه يقتضي امتناع وجوده وهو أنقص من مجاورته للعالم فإن كان نقصا فالحكم عليه بما يمنع وجوده أدخل في النقص وإن لم يكن ذلك النفي نقصا ولا مستلزما للنقص لم يكن في الإثبات نقص. فإن قلتم دخوله وخروجه يقتضي انحصاره في الأمكنة قال سلفكم بل يقتضي عدم انحصاره فإنا لم نخصه بمكان دون مكان ولو اقتضى حصره لكان ذلك أقرب إلى المعقول من الحكم عليه بما يقتضي امتناع وجوده. فظهر أنه لا يمكن خلف الجهمية أن يرد على سلفهم البتة إلا أن يتركوا تعطيلهم ويتحيزوا إلى أهل الإثبات فإذا قال هؤلاء: حقيقة هذه الألفاظ تقتضي المجاورة والمخالطة ونحن نقول بذلك لم يمكنهم إبطال قولهم وهل الإثبات براء من الفريقين هذا إن كان ظاهر القرآن يدل على المخالطة والمجاورة وإن لم يدل على ذلك ولم يكن حقيقة فيه لم يكن خارجا عن حقيقته. الوجه الثاني: إن الله سبحانه قد بين في القرآن غاية البيان أنه فوق سماواته وأنه مستو على عرشه وأنه بائن عن خلقه وأن الملائكة تعرج إليه وتنزل من عنده وأنه رفع المسيح إليه وأنه يصعد إليه الكلم الطيب إلى سائر ما دلت عليه النصوص من مباينته لخلقه وعلوه على عرشه هذه نصوص محكمة فيجب رد المتشابه إليها فتمسكهم بالمتشابه ورد المحكم متشابها وجعلتم الكل مجازا. الوجه الثالث: إن الله تعالى قد بين في غير موضع أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما وأن له ملك السماوات والأرض وما بينهما وأن الأرض قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه وأن كرسيه وسع السماوات والأرض وأنه يمسك السماوات والأرض وهذه نصوص صريحة في أن الرب تعالى ليس هو عين هذه المخلوقات(1\/477)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "460",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12858",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا صفة ولا جزء منها فإن الخالق غير المخلوق وليس بداخل فيها محصور بل هي صريحة في أنه مباين لها وأنه ليس حالا فيها ولا محلا لها فهي هادية للقلوب عاصمة لها أن يفهم من قوله وهو معكم [الحديد: 4] أن الله سبحانه عين المخلوقات أو حال فيها أو محل لها. الوجه الرابع: إنه ليس ظاهر اللفظ ولا حقيقته أنه سبحانه مختلط بالمخلوقات ممتزج بها ولا تدل لفظة (مع) على هذا بوجه من الوجوه فضلا أن يكون هو حقيقة اللفظ وموضوعه فإن (مع) في كلامهم لصحبته اللائقة وهي تختلف باختلاف متعلقاتها ومصحوبها فكون نفس الإنسان معه لون وكون علمه وقدرته وقوته معه لون وكون زوجته معه لون وكون أميره ورئيسه معه لون وكون ماله معه لون فالمعية ثابتة في هذا كله مع تنوعها واختلافها فيصح أن يقال: زوجته معه وبينهما شقة بعيدة وكذلك يقال مع فلان دار كذا وضيعته كذا فتأمل نصوص المعية في القرآن كقوله تعالى: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار [الفتح: 29] وقوله: ينادونهم ألم نكن معكم [الحديد: 14] وقوله: لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا [التوبة: 83] وقوله: وكونوا مع الصادقين [التوبة: 119] واركعوا مع الراكعين [البقرة: 43] فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه [البقرة: 249] والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم [التحريم: 8] فاكتبنا مع الشاهدين [آل عمران: 53] فلتقم طائفة منهم معك [النساء: 102] ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين [المائدة: 84] وأضعاف ذلك هل يقتضي موضع واحد منها مخالطة في الذوات التصاقا وامتزاجا فكيف تكون حقيقة المعية في حق الرب تعالى ذلك حتى يدعى أنها مجاز لا حقيقة فليس في ذلك ما يدل على أن ذاته تعالى فيهم ولا ملاصقة لهم ولا مخالطة ولا مجاورة بوجه من الوجوه وغاية ما تدل عليه (مع) المصاحبة والموافقة والمقارنة في أمر من الأمور وذا الاقتران في كل موضع بحسبه يلزمه لوازم بحسب متعلقه. فإن قيل: الله مع خلقه بطريق العموم كان من لوازم ذلك علمه بهم وتدبيره لهم(1\/478)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "461",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12859",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقدرته عليهم وإذا كان ذلك خاصا كقوله: إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون [النحل: 128] كان من لوازم ذلك معيته لهم بالنصرة والتأييد والمعونة فمعية الله تعالى مع عبده نوعان: عامة وخاصة وقد اشتمل القرآن على النوعين وليس ذلك بطريق الاشتراك اللفظي بل حقيقتها ما تقدم من الصحبة اللائقة وقد أخبر الله تعالى أنه مع خلقه مع كونه مستويا على عرشه وقرن بين الأمرين كما قال تعالى: هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير [الحديد: 4] فأخبر أنه خلق السماوات والأرض وأنه استوى على عرشه وأنه مع خلقه يبصر أعمالهم من فوق عرشه كما في حديث الأوعال quot; والله فوق عرشه يرى ما أنتم عليه quot; فعلوه لا يناقض معيته ومعيته لا تبطل علوه بل كلاهما حق فمن المعية الخاصة قوله: إن الله مع الصابرين [البقرة: 153] وإن الله لمع المحسنين [العنكبوت: 69] إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون [النحل: 128] واعلموا أن الله مع المتقين [البقرة: 194] لا تحزن إن الله معنا [التوبة: 40] ومن العامة وهو معكم أين ما كنتم [الحديد: 4] وقوله: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم [المجادلة: 7] الآية. فنبه سبحانه بالثلاثة على العدد الذي يجمع الشفع والوتر ولا يمكن أهله أن ينقسموا في النجوى قسمين ونبه بالخمسة على العدد الذي يجمعهما ويمكن أهله أن ينقسموا فيها قسمين فيكون مع كل العددين فالمشتركون في النجوى إما شفع فقط أو وتر فقط أو كلا القسمين وأقل أقسام الوتر المتناجين ثلاثة وأقل أنواع الشفع اثنان وأقل أقسام النوعين إذا اجتمعا خمسة فذكر أدنى مراتب طائفة الوتر وأدنى مراتب النوعين إذا اجتمعا ثم ذكر معيته العامة لما هو أدنى من ذلك أو أكثر. وتأمل كيف جعل نفسه رابع الثلاثة وسادس الخمسة إذ هو غيرهم سبحانه بالحقيقة لا يجتمعون معه في جنس ولا فصل وقال: لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة [المائدة: 73](1\/479)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "462",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12860",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنهم ساووا بينه وبين الاثنين في الإلهية والعرب تقول: رابع أربعة وخامس خمسة وثالث ثلاثة لما يكون فيه المضاف إليه من جنس المضاف كما قال تعالى: ثاني اثنين إذ هما في الغار [التوبة: 40] رسول الله وصديقه فإن كان من غير جنس قالوا رابع ثلاثة وخامس أربعة وسادس خمسة وقال تعالى في المعية الخاصة لموسى وأخيه إنني معكما أسمع وأرى [طه: 46] وقال في العامة فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون [الشعراء: 15] فتأمل كيف أفرد ضمير نفسه حيث أفرد موسى وأخاه عن فرعون وكيف جمع الضمير لما أدخل فرعون معهما في الذكر فجعل الخاص مع المعية الخاصة والعام مع المعية العامة وأما قوله تعالى: ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ق: 16] فهذه الآية لها شأن وقد اختلف فيها السلف والخلف على قولين فقالت طائفة: نحن أقرب إليه بالعلم والقدرة والإحاطة وعلى هذا فيكون المراد قربه سبحانه بنفسه وهو نفوذ قدرته ومشيئته فيه وإحاطة علمه به والقول الثاني: أن المراد قرب ملائكته منه وأضاف ذلك إلى نفسه بصيغة ضمير الجمع على عادة العظماء في إضافة أفعال عبيدها إليها بأوامرهم ومراسيمهم فيقول الملك نحن قتلناهم وهزمناهم قال تعالى: فإذا قرأناه فاتبع قرآنه [القيامة: 18] وجبرائيل هو الذي يقرؤه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم [الأنفال: 17] فأضاف قتل المشركين يوم بدر إليه وملائكته هم الذين باشروه إذ هو بأمره وهذا القول أصح من الأول لوجوه: أحدها: أنه سبحانه قيد القرب في الآية بالظرف وهو قوله: إذ يتلقى المتلقيان [ق: 17] كالعامل في الظرف ما في قوله: ونحن أقرب إليه [ق: 16] من معنى الفعل ولو كان المراد قربه سبحانه بنفسه لم يتقيد ذلك بوقت تلقي الملكين ولا كان في ذكر التقييد به فائدة فإن علمه سبحانه وقدرته ومشيئته عامة التعلق. الثاني: أن الآية تكون قد تضمنت علمه وكتابة ملائكته لعمل العبد وهذا نظير قوله: أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون [الزخرف: 80] وقريب(1\/480)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "463",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12861",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منه قوله تعالى في أول السورة قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ [ق: 4] ونحو قوله: قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى [طه: 52] . الثالث: إن قرب الرب تعالى إنما ورد خاصا ولا عاما وهو نوعان: قربه من داعيه بالإجابة ومن مطيعه بالإثابة ولم يجئ القرب كما جاءت المعية خاصة وعامة فليس في القرآن ولا في السنة أن الله قريب من كل أحد وأنه قريب في الكافر والفاجر وإنما جاء خاصا كقوله تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب [البقرة: 186] فهذا قربه من داعيه وسائله به وقال تعالى: إن رحمة الله قريب من المحسنين [الأعراف: 56] ولم يقل قريبة وإنما كان الخبر عنها مذكورا إما لأن فعيلا بينه وبين فعول اشتراك من وجوه منها الوزن والعدد والزيادة والمبالغة وكون كل منهما يكون معدولا عن فاعل استوى مذكره ومؤنثه في عدم إلحاق التاء كامرأة نئوم وضحوك فحملوا فعيلا عليه في بعض المواضع لعقد الأخوة التي بينهما وإما لأن قريبا معدول عن مفعول في المعنى كأنها قربت منهم وأدنيت وهم يراعون اللفظ تارة والمعنى أخرى وأما ذهابهم بالرحمة إلى الإحسان واللطف والبر وهو كثير في لغتهم حتى يكثر أنهم يستعملون ضد ذلك فيقولون جاءت فلانا كتابي تذهبون به إلى الصحيفة وإما على حذف مضاف يكون قريب خبرا عنه تقديره مكان رحمة الله أو تناولها ونحو ذلك قريب وإما على تقدير موصوف محذوف يكون قريب صفة له تقديره أمر أو شيء قريب كقول الشاعر: قامت تبكيه على قبره ... من لي من بعدك يا عامر تركتني في الدار ذا غربة قد ... ذل من ليس له ناصر أي شخصا ذا غربة وعلى هذا حمل سيبويه حائضا وطالقا وطامثا ونحوها وإما على اكتساب المضاف إليه نحو ذهبت بعض أصابعه وتواضعت سور المدينة وبابه إما من الاستغناء بأحد المذكورين عن الآخر والدلالة بالمذكور على المحذوف والأصل إن الله قريب من المحسنين ورحمته قريبة منهم فيكون قد أخبر(1\/481)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "464",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12862",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن قرب ذاته وقرب ثوابه من المحسنين واكتفى بالخبر عن أحدهما عن الآخر وقريب منه والله ورسوله أحق أن يرضوه [التوبة: 62]  والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله [التوبة: 34] ومثله على أحد الوجوه إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية [الشعراء: 4] الآية أي فذلوا لها خاضعين فظلت أعناقهم [الشعراء: 4] لها خاضعة. وإما لأن القريب يراد به شيئان: أحدهما: النسب والقربة فهذا يؤنث تقول: هذه قريبة لي وقرابة. والثاني: قرب المكان والمنزلة وهذا يجرد عن التاء تقول جلست فلانة قريبا مني هذا في الظرف ثم أجروا الصفة مجراه للأخوة التي بينهما حيث لم يرد بكل واحد منهما نسب ولا قرابة وإنما أريد قرب المكانة والمنزلة وإما لأن تأنيث الرحمة لما كان غير حقيقي ساغ حذف التاء من صفته وخبره كما ساغ حذفها من الفعل نحو طلع الشمس إما لأن قريبا مصدر لا وصف كالنقيض والعويل والوجيب مجرد عن التاء لأنك إذا أخبرت عن المؤنث بالمصدر لم تلحقه التاء كما تقول امرأة عدل وصوم ونوم.  والذي عندي أن الرحمة لما كانت من صفات الله تعالى وصفاته قائمة بذاته فإذا كانت قريبة من المحسنين فهو قريب سبحانه منهم قطعا وقد بينا أنه سبحانه قريب من أهل الإحسان ومن أهل سؤاله بإجابته. ويوضح ذلك أن الإحسان يقتضي قرب العبد من ربه فيقرب ربه منه إليه بإحسانه تقرب تعالى إليه فإنه من تقرب منه شبرا يتقرب منه ذراعا ومن تقرب منه ذراعا تقرب منه باعا  فهو قريب من المحسنين بذاته ورحمته قربا ليس له نظير وهو مع ذلك فوق سماواته على عرشه كما أنه سبحانه يقرب من عباده في آخر الليل وهو فوق عرشه فإن علوه سبحانه على سماواته من لوازم ذاته فلا يكون قط إلا عاليا ولا يكون فوقه شيء ألبتة كما قال أعلم الخلق quot; وأنت الظاهر فليس فوقك شيء quot; وهو سبحانه قريب في علوه عال في قربه كما في الحديث الصحيح عن أبي موسى الأشعري قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فارتفعت أصواتنا بالتكبير فقال quot; أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إن الذي تدعونه سميع(1\/482)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "465",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12863",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قريب أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته فأخبر صلى الله عليه وسلم وهو أعلم الخلق به أنه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته وأخبر أنه فوق سماواته على عرشه مطلع على خلقه يرى أعمالهم ويعلم ما في بطونهم وهذا حق لا يناقض أحدهما الآخر. والذي يسهل عليك فهم هذا: معرفة عظمة الرب وإحاطته بخلقه وأن السماوات السبع في يده كخردلة في يد العبد وأنه سبحانه يقبض السماوات بيده والأرض بيده الأخرى ثم يهزهن فكيف يستحيل في حق من هذا بعض عظمته. أن يكون فوق عرشه ويقرب من خلقه كيف شاء وهو على العرش. وبهذا يزول الإشكال عن الحديث الذي رواه الترمذي من حديث الحسن عن أبي هريرة قال: quot; بينما نبي الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: هل تدرون ما هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال: هذا العنان هذه روايا الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه ثم قال: هل تدرون ما فوقكم قالوا الله ورسوله أعلم قال: فإنها الرفيع سقف محفوظ وموج مكفوف ثم قال: هل تدرون كم بينكم وبينها قالوا الله ورسوله أعلم قال: بينكم وبينها خمسمائة سنة ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك قالوا الله ورسوله أعلم قال: فإن فوق ذلك سماءين ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة حتى عد سبع سماوات ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك قالوا: الله ورسوله أعلم قال: فإن فوق ذلك العرش بينه وبين السماء السابعة بعد ما بين السماءين ثم قال: هل تدرون ما الذي تحتكم قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها الأرض ثم قال: هل تدرون ما تحت ذلك قالوا: الله ورسوله أعلم قال: فإنها الأرض الأخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة ثم قال: والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبطتم على الله ثم قرأ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم [الحديد: 3]  قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه ويروى عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث وقالوا: إنما يهبط على علم الله وقدرته وسلطانه وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان وهو على العرش كما وصف في كتابه هذا آخر كلامه.(1\/483)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "466",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12864",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد اختلف الناس في هذا الحديث في سنده ومعناه فطائفة قبلته لأن إسناده ثابت إلى الحسن. قال الترمذي: حدثنا ابن حميد وغير واحد قالوا حدثنا يونس بن محمد حدثنا شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة حدثنا الحسن عن أبي هريرة فهؤلاء كلهم أئمة وقد صرح قتادة بتحديث الحسن له وقد صح عن الحسن في غير هذا الحديث أنه قال: حدثنا أبو هريرة ولا ريب أنه عاصره وقد قال مسلم بن إبراهيم حدثنا ربيعة بن كلثوم قال سمعت الحسن قال: سمعت أبا هريرة وطائفة أخرى ردت الحديث وأعلته بأنه منقطع قالوا والحسن لم ير أبا هريرة فضلا أن يسمع منه قال عثمان بن سعيد الدارمي: قلت ليحيى بن معين: الحسن لقي ابن عباس قال لا ولم يلق أبا هريرة. وقال ابن أبي حاتم حدثنا صالح بن أحمد حدثنا علي بن المديني قال سمعت سلم ابن قتيبة قال حدثني شعبة قال قلت ليونس بن عبيد: الحسن سمع من أبي هريرة قال: ما رآه قط حدثنا صالح بن أحمد قال: قال أبي: قال بعضهم عن الحسن يحدثنا أبو هريرة قال ابن أبي حاتم إنكارا عليه إنه لم يسمع من أبي هريرة. حدثنا محمد بن أحمد البر قال: قال علي: لم يسمع الحسن من أبي هريرة ثم ذكره عن أيوب وعلي بن زيد: لم يسمع الحسن من أبي هريرة وقال عبد الرحمن بن مهدي سمع من ابن عمر ولم يسمع من أبي هريرة ولم يره. وقال ابن أبي حاتم سمعت أبي يقول: لم يسمع من أبي هريرة وسمعت أبا زرعة يقول: لم يسمع الحسن من أبي هريرة ولم يره فقيل له: فمن قال حدثنا أبو هريرة قال يخطئ وسمعت أبي يقول: وذكر حدثنا أبو هريرة وأوصاني خليلي قال لم يعمل ربيعة بن كلثوم شيئا لم يسمع الحسن من أبي هريرة شيئا قلت لأبي إن سالم الخياط روى عن الحسن قال سمعت أبا هريرة. قال هذا مما بين ضعف سالم. وسمعت أبا الحجاج المزي يقول: قوله حدثنا أبو هريرة أي حدث أهل بلدنا كما في حديث الدجال قول الشاب الذي يقتله له: أنت الدجال الذي حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه قال أبو حاتم: والحسن لم يسمع من ابن عباس وقوله خطبنا ابن عباس يعني خطب أهل البصرة قالوا وللحديث علة أخرى وهي أن عبد الرزاق في تفسيره رواه عن معمر عن قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا فاختلفوا هو وشيبان فيه هل حدث به عن الحسن.(1\/484)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "467",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12865",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والذين قبلوا اختلفوا في معناه فحكى الترمذي عن بعض أهل العلم أن المعنى يهبط على علم الله وقدرته وسلطانه ومراده على معلوم الله ومقدوره وملكه أي انتهى علمه وقدرته وسلطانه إلى ما تحت التحت فلا يعزب عنه شيء. وقالت طائفة أخرى: بل هذا معنى اسمه المحيط واسمه الباطن فإنه سبحانه محيط بالعالم كله وأن العالم العلوي والسفلي في قبضته كما قال تعالى: والله من ورائهم محيط [البروج: 20] فإذا كان محيطا بالعالم فهو فوقه بالذات عال عليه من كل وجه وبكل معنى فالإحاطة تتضمن العلو والسعة والعظمة فإذا كانت السماوات السبع والأرضون السبع في قبضته فلو وقعت حصاة أو دلي بحبل لسقط في قبضته سبحانه والحديث لم يقل فيه إنه يهبط على جميع ذاته فهذا لا يقوله ولا يفهمه عاقل ولا هو مذهب أحد من أهل الأرض ألبتة لا الحلولية ولا الاتحادية ولا الفرعونية ولا القائلون بأنه في كل مكان بذاته وطوائف بني آدم كلهم متفقون على أن الله تعالى ليس تحت العالم. فقوله quot; ولو دليتم بحبل لهبط على الله quot; إذا هبط في قبضته المحيطة بالعالم هبط عليه والعالم في قبضته وهو فوق عرشه ولو أن أحدنا أمسك بيده أو برجله كرة قبضتها يده من جميع جوانبها ثم وقعت حصاة من أعلى الكرة إلى أسفلها لوقعت في يده وهبطت عليه ولم يلزم أن تكون الكرة والحصاة فوقه وهو تحتها ولله المثل الأعلى وإنما يؤتى الرجل من سوء فهمه أو من سوء قصده من كليهما فإذا هما اجتمعا كمل نصيبه من الضلال. وأما تأويل الترمذي وغيره بالعلم فقال شيخنا: هو ظاهر الفساد من جنس تأويلات الجهمية بل بتقدير ثبوته فإنما يدل على الإحاطة والإحاطة ثابتة عقلا ونقلا وفطرة كما تقدم وقد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot; إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصقن قبل وجهه فإن الله قبل وجهه ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكا ولكن ليبصق عن يساره أو تحت رجله quot;. وفي حديث أبي رزين المشهور الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم في رؤية الرب تعالى فقال له أبو رزين كيف يسعنا وهو شخص واحد ونحن جميع فقال quot; سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله: هذا القمر آية من آيات الله كلكم يراه مخليا به فالله أكبر من ذلك quot;(1\/485)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "468",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12866",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن المعلوم أن من توجه إلى القمر وقدر مخاطبته له فإنه لا يتوجه إليه إلا بوجهه مع كونه فوقه ومن الممتنع في الفطرة أن يستدبره ويخاطبه مع قصده له وكذلك إذا قام إلى الصلاة فإنه يستقبل ربه وهو فوقه فيدعوه من تلقائه لا عن يمينه ولا عن يساره ويدعوه من العلو لا من السفل. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: quot; لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم أبصارهم quot; واتفق العلماء على أن رفع البصر إلى السماء للمصلي منهي عنه وروى أحمد عن محمد بن سيرين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع بصره في الصلاة إلى السماء حتى أنزل الله قد أفلح المؤمنون - الذين هم في صلاتهم خاشعون [المؤمنون: 1 - 2] فكان بصره لا يجاوز موضع سجوده . فهذا مما جاءت له الشريعة تكميلا للفطرة لأن الداعي السائل الذي أمر بالخشوع وهو الذل والسكون لا يناسب حاله أن ينظر إلى ناحية من يدعوه ويسأله بل يناسبه الإطراق وخفض بصره أمامه فليس في هذا النهي ما ينفي كونه فوق سماواته على عرشه كما زعم بعض جهال الجهمية فإنه لا فرق عندهم بين تحت التحت والعرش بالنسبة إليه ولو كان كذلك لم ينه عن رفع بصره إلى جهة ويؤمر برده إلى غيرها لأن الجهتين عند الجهمية سواء بالنسبة إليه. وأيضا فلو كان الأمر كذلك لكان النهي ثابتا في الصلاة وغيرها وقد قال تعالى: قد نرى تقلب وجهك في السماء [البقرة: 144] فليس العبد منهيا عن رفع بصره إلى السماء مطلقا إنما نهي عنه في الوقت الذي أمر فيه بالخشوع ; لأن خفض البصر من تمام الخشوع كما قال تعالى: خشعا أبصارهم [القمر: 7] وأيضا فلو كان النهي عن رفع البصر إلى السماء لكون الرب ليس في السماء لكان لا فرق بين رفعه إلى السماء ورده إلى جميع الجهات ولو كان مقصوده أن ينهى الناس أن يعتقدوا أن الله في السماء أو يقصدوا بقلوبهم التوجه إلى العلو لبين لهم ذلك بيانا شافيا ولم يحملهم فيه على أدب من آداب المصلي وهو إطراقه بين يدي ربه(1\/486)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "469",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12867",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "المثال العاشر نداء الله ومناجاته وكلامه بحرف وصوت",
        "content": "وخشوعه ورمي بصره إلى الأرض كما يفعل بين يدي الملوك فهذا إنما يدل على نقيض قولهم. فقد ظهر أنه على كل تقدير لا يجوز التوجه إلى الله تعالى إلا من جهة العلو وإن ذلك لا ينافي إحاطته وكونه في قبضته وأنه الباطن الذي ليس دونه شيء كما أنه الظاهر الذي ليس فوقه شيء وأن أحد الأمرين لا ينفي الآخر وإن إحاطته بخلقه لا تنفي مباينته لهم ولا علوه على مخلوقاته بل هو فوق خلقه محيط بهم مباين لهم. إنما تنشأ الشبهة الفاسدة عن اعتقادين فاسدين: أحدهما: أن يظن أنه إذا كان العرش كريا والله فوقه لزم أن يكون كريا. الاعتقاد الثاني: أنه إذا كان كريا صح التوجه إليه من جميع الجهات وهذان الاعتقادان خطأ وضلال فإن الله سبحانه مع كونه فوق العرش ومع القول بأن العرش كري لا يجوز أن يظن أنه مشابه للأفلاك في أشكالها كما لا يجور أن يظن به أنه مشابه لها في أقدارها ولا في صفاتها فقد تبين أنه أعظم وأكبر من كل شيء وأن السماوات والأرض في يده كخردلة في كف أحدنا وهذا يزيل كل إشكال ويبطل كل خيال.  [المثال العاشر نداء الله ومناجاته وكلامه بحرف وصوت] المثال العاشر: مما يظن أنه مجاز وليس بمجاز لفظ (النداء الإلهي) وقد تكرر في الكتاب والسنة تكرارا مطردا في محاله متنوعا يمنع حمله على المجاز فأخبر تعالى أنه نادى الأبوين في الجنة ونادى كليمه وأنه ينادي عباده يوم القيامة وقد ذكر سبحانه النداء في تسعة مواضع في القرآن أخبر فيها عن ندائه بنفسه ولا حاجة إلى أن يقيد النداء بالصوت فإنه بمعناه وحقيقته باتفاق أهل اللغة فإذا انتفى الصوت انتفى النداء قطعا ولهذا جاء إيضاحه في الحديث الصحيح الذي بلغناه الصحابة والتابعون وتابعوهم وسائر الأمة تلقته بالقبول وتقييده بالصوت إيضاحا وتأكيدا كما قيد التكليم بالمصدر في قوله تعالى: وكلم الله موسى تكليما [النساء: 164] . قال البخاري في صحيحه: حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي حدثنا الأعمش حدثنا أبو صالح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: quot; يا آدم فيقول لبيك وسعديك فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار quot;(1\/487)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "470",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12868",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال البخاري: حدثنا الحميدي وعلي بن المديني قالا: حدثنا سفيان حدثنا عمرو بن دينار قال: سمعت عكرمة يقول سمعت أبا هريرة يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot; إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير quot; الحديث رواه النسائي في التفسير وابن ماجه وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح. وروى أبو داود من حديث علي بن الحسين بن إشكاب حدثنا أبو معاوية الضرير عن الأعمش عن مسلم بن صبيح عن مسروق عن عبيد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيضعون ولا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبرائيل فإذا جاءهم جبرائيل فزع عن قلوبهم فيقولون: يا جبرائيل: ماذا قال ربكم قال الحق فينادون الحق الحق quot; وهذا الإسناد كلهم أئمة ثقات. وقد فسر الصحابة هذه الآية بما يوافق هذا الحديث الصحيح فقال أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا أحمد بن كامل بن خلف حدثنا محمد بن كامل بن خلف حدثنا محمد بن سعد حدثنا أبي حدثنا عمي حدثنا أبي عن أبيه عن ابن عباس في قوله تعالى: حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير [سبأ: 23] قال لما أوحى الجبار جل جلاله إلى محمد صلى الله عليه وسلم دعا الرسول من الملائكة ليبعثه بالوحي فسمعت الملائكة صوت الجبار يتكلم بالوحي فلما كشف عن قلوبهم فسألوه عما قال الله تعالى قالوا: الحق علموا أن الله تعالى لا يقول إلا حقا وأنه منجز ما وعد قال ابن عباس: وصوت الوحي كصوت الحديد على الصفا فلما سمعوه خروا سجدا فلما رفعوا رءوسهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق هو العلي الكبير.(1\/488)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "471",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12869",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا إسناد معروف يروي به ابن جرير وابن أبي حاتم وعبد بن حميد وغيرهم التفسير وغيره عن ابن عباس وهو إسناد متداول بين أهل العلم وهم ثقات. وقال عبد الله بن المبارك حدثنا بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot; لما نزل جبرائيل بالوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فزع أهل السماوات لانحطاطه وسمعوا صوت الوحي كأشد ما يكون من صوت الحديد على الصفا فكلما مروا بأهل سماء فزع عن قلوبهم فيقولون يا جبرائيل بم أمرت فيقول كلام الله بلسان عربي . وقد روينا في مسند أبي يعلى الموصلي حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا همام حدثنا القاسم بن عبد الواحد قال حدثني عبد الله بن عقيل بن أبي طالب أن جابر بن عبد الله حدثه قال بلغني حديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم أسمعه منه quot; قال فابتعت بعيرا فشددت عليه رحلي فسرت إليه شهرا حتى أتيت الشام فإذا هو عبد الله بن أنيس الأنصاري فأرسلت إليه أن جابرا على الباب قال فرجع إلى الرسول فقال: جابر بن عبد الله فقلت: نعم قال فرجع الرسول فخرج إلي فاعتنقني واعتنقته فقلت: حديثا بلغني أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في المظالم لم أسمعه فخشيت أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot; يحشر الله العباد أو قال يحشر الله الناس قال وأومأ بيده إلى الشام عراة غرلا بهما قلت ما بهما قال ليس معهم شيء قال: فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى اللطمة قال: قلنا كيف هذا وإنما نأتي الله غرلا بهما قال بالحسنات والسيئات quot; هذا حديث حسن جليل وعبد الله بن محمد بن عقيل صدوق حسن الحديث وقد احتج به غير واحد من الأئمة وتكلم فيه من قبل حفظه وهذا الضرب ينتفي من(1\/489)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "472",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12870",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حديثهم ما خالفوا فيه الثقات ورووا ما يخالف روايات الحفاظ وشذوا عنهم وأما إذا روى أحدهم ما شواهده أكثر من أن تحصر مثل هذا الحديث فلا ريب في قبول حديثه أما القاسم بن عبد الواحد بن أيمن المكي فحسن الحديث أيضا وقد احتج به النسائي مع تشدده في الرجال وأن له فيهم شرطا أشد من شرط مسلم وحسن الترمذي حديثه وذكره ابن حبان في كتاب الثقات. وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد عن يزيد بن هارون عن همام بن يحيى بإسناده بطوله محتجا به على من رده وروى البخاري أوله في الصحيح مستشهدا به تعليقا ورواه في كتاب الأدب بطوله من حديث همام بن يحيى وقال في حديث واحد ورواه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في كتابه في الأحاديث المختارة وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: هي أصح من صحيح الحاكم وقال الصريفيني: شرطه فيها خير من شرط الحاكم ورواه عبد الله بن أحمد في السنة والطبراني في المعجم والسنة وأبو بكر بن أبي عاصم في السنة محتجين به فمن الناس سوى هؤلاء الأعلام سادات الإسلام ولا التفات إلى ما أعله به بعض الجهمية ظلما منه وهضما للحق حيث ذكر كلام المضعفين لعبد الله بن عقيل والقاسم بن محمد دون من وثقهما وأثنى عليهما فيوهم الغر أنهما مجمع على ضعفهما لا يحتج بحديثهما ثم أعله بأن البخاري لم يجزم به وإنما علقه تعليقا فقال: ويذكر عن جابر بن عبد الله وليس هذا تعليلا من البخاري له فقد جزم به في أول الكتاب حيث قال: ورحل جابر بن عبد الله في طلب حديث واحد شهرا ورواه كما ذكرنا في الأدب بإسناده وأعله بأن البخاري ومسلما يحتجا بابن عقيل وهذه علة باردة باطلة كل أهل الحديث على بطلانها وأعله باضطراب ألفاظه ففي بعضها يقول: quot; فقدمت الشام quot; وفي بعضها quot; فينادي quot; بكسر الدال وفي بعضها quot; فينادى quot; بفتحها وفي بعضها quot; حديث بلغني أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أسمعه quot; وفي بعضها quot; فما أحد يحفظه غيرك فأحببت أن تذاكرنيه quot; قال: وهذا يشعر أنه سمعه أيضا وأحب مذاكرة عبد الله بن أنيس له به قال: وفي بعضها رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفي بعضها يسميه بعبد الله بن أنيس. ومن تأمل هذه العلل الباردة علم أنها من باب التعنت فهب أن هذا الحديث معلول أفيلزم من ذلك بطلان سائر الآثار الموقوفة والأحاديث المرفوعة ونصوص القرآن وكلام أئمة الإسلام كما ستراه إن شاء الله تعالى وقد رواه الحافظ أبو عبد الله(1\/490)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "473",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12871",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محمد بن عبد الواحد المقدسي من حديث محمد بن المنكدر عن جابر قال: بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث من القصاص فذكر القصة إلى أن قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: quot; فإن الله يبعثكم يوم القيامة من قبوركم حفاة عراة غرلا بهما ثم ينادى بصوت رفيع غير فظيع يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب فيقول: أنا الديان لا تظالم اليوم أما وعزتي لا يجاورني اليوم ظلم ظالم ولو لطمة كف بكف أو يد على يد ألا وإن أشد ما أتخوف على أمتي من بعدي عمل قوم لوط فلترتقب أمتي العذاب إذا تكافأ النساء بالنساء والرجال بالرجال quot; ورواه تمام في فوائده. ويكفي رواية البخاري في صحيحه مستشهدا به واحتج به في خلق أفعال العباد ورواه أئمة الإسلام في كتب السنة وما زال السلف يروونه ولم يسمع عن أحد من أئمة السنة أنه أنكره حتى جاءت الجهمية فأنكروه ومضى على آثارهم من اتبعهم في ذلك. وقال قال عبد الله بن أحمد في كتاب السنة: قلت لأبي يا أبت إنهم يقولون إن الله لم يتكلم بصوت فقال بلى تكلم بصوت. وقال البخاري في كتاب خلق أفعال العباد: ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحب أن يكون الرجل خفيا من الصوت ويكره أن يكون رفيع الصوت أو quot; أن الله ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب quot; وليس هذا لغير الله عز وجل قال: وفي هذا دليل أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق ; لأن صوت الله يسمع من بعد كما يسمع من قرب وأن الملائكة يصعقون من صوته ثم ساق حديث جابر أنه سمع عبد الله بن أنيس يقوله: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: quot; يحشر العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان. . . quot; الحديث. ثم احتج بحديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم quot; يقول الله يوم القيامة: يا آدم فيقول لبيك ربنا وسعديك فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار. . . quot; الحديث.(1\/492)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "474",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12872",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم احتج بحديث عبد الله بن مسعود quot; إذا قضى الله في السماء أمرا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان quot;. فهذان إماما أهل السنة على الإطلاق: أحمد بن حنبل والبخاري وكل أهل السنة والحديث على قولهما وقد صرح بذلك وحكاه إجماعا حرب بن إسماعيل صاحب أحمد وإسحاق وصرح به خشيش بن أصرم النسائي ومحمد بن حاتم المصيصي وعبد الله بن الإمام أحمد وأبو داود السجستاني وابنه أبو بكر. وقد احتج الإمام أحمد بحديث ابن مسعود وغيره وأخبر أن المنكرين لذلك هم الجهمية فقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن قوم يقولون: quot; لما كلم الله موسى لم يتكلم بصوت quot; فقال أبي: تكلم الله بصوت وروى إمام الأمة محمد بن إسحاق بن خزيمة من حديث الشعبي قال: أرواه عن جابر حديثا طويلا وفيه quot; فبينا هم على ذلك إذ أتاهم نداء من قبل الرحمن عز وجل: عبادي ما كنتم تعبدون في الدنيا فيقول: أنت أعلم إياك نعبد فيأتيهم صوت لم يسمع الخلائق بمثله: عبادي صدقتم فقد رضيت عنكم فتقول الملائكة عند ذلك بالشفاعة فيقول المشركون: ما لنا من شافعين quot;. وروى ابن خزيمة من حديث محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; يقبض الله تعالى الأرض يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه ثم يهتف بصوته: من كان لي شريكا فليأت لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد فيقول: لله الواحد القهار ثم يزجر الخلائق زجرة أخرى فإذا هم بالساهرة. . . quot; الحديث وقطعة من حديث الصور الطويل ولم يزل الأئمة يروونه ويحتجون به حتى حدثت الجهمية. وروى ابن خزيمة من حديث نعيم بن حماد حدثنا الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن زيد بن جابر عن أبي زكريا عن رجاء بن حيوة عن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; إذا أراد الله أن يوحي بالأمر فتكلم بالوحي. . . quot; الحديث قال ابن خزيمة: ابن أبي زكريا هو عبد الله. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله قال: إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء فيخرون سجدا حتى إذا فزع عن قلوبهم قال سكن عن قلوبهم نادى أهل السماء أهل(1\/492)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "475",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12873",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السماء: ماذا قال ربكم قالوا الحق قال كذا وكذا رواه عبد الله بن أحمد في كتاب السنة عن أبيه وفي تفسير شيبان عن قتادة في تفسير قوله: فلما جاءها نودي أن بورك من في النار [النمل: 8] قال صوت رب العالمين وذكره ابن خزيمة وروى عبد الله بن أحمد عن نوف قال: نودي موسى من شاطئ الوادي قال: من أنت الذي تناديني قال: أنا ربك الأعلى وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل بن منبه حدثنا عبد الصمد قال: سمعت وهب بن منبه قال: لما رأى موسى النار انطلق يسير حتى وقف منها قريبا فذكر الحديث إلى أن قال: فنودي من الشجرة فقيل له يا موسى فأجاب سريعا ولا يدري من دعاه وما كان سرعة جوابه إلا استئناسا بالإنس فقال لبيك مرارا إني أسمع صوتك وأحس وجسك ولا أرى مكانك فأين أنت قال أنا فوقك ومعك وأمامك وأقرب إليك منك فلما سمع موسى هذا علم أنه لا ينبغي ذلك إلا لربه تبارك وتعالى فأيقن به فقال كذلك أنت إلهي أسمع أم بكلام رسولك فقال: بل أنا الذي أكلمك فادن مني الحديث قد رواه عبد الرحمن بن حميد في تفسيره ويعقوب بن سفيان الفسوي. وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: quot; إذا أحب الله عبدا نادى جبرائيل إن الله قد أحب فلانا فأحبه. . . quot; الحديث والذي تعقله الأمم من النداء إنما هو الصوت المسموع كما قال الله تعالى: واستمع يوم ينادي المنادي من مكان قريب [ق: 41] وقال: إن الذين ينادونك من وراء الحجرات [الحجرات: 4] وهذا النداء هو رفع أصواتهم الذي نهى الله عنه المؤمنين وأثنى عليهم بغضها بقوله: إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله [الحجرات: 3] الآية. وكل ما في القرآن العظيم من ذكر كلامه وتكليمه وأمره ونهيه دال على أنه تكلم(1\/493)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "476",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12874",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل مذاهب الناس في كلام الله",
        "content": "حقيقة لا مجازا وكذلك نصوص الوحي الخاص كقوله تعالى: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح [النساء: 163] . قال الجارودي: سمعت الشافعي يقول: أنا مخالف ابن علية في كل شيء حتى في قوله لا إله إلا الله أنا أقول لا إله إلا الله الذي كلم موسى من وراء حجاب وهو يقول: لا إله إلا الله الذي خلق كلاما أسمعه موسى. وقد نوع الله تعالى هذه الصفة في إطلاقها عليه تنويعا يستحيل معه نفي حقائقها بل ليس في الصفات الإلهية أظهر من صفة الكلام والعلو والفعل والقدرة بل حقيقة الإرسال تبليغ كلام الرب تبارك وتعالى وإذا انتفت عنه حقيقة الكلام انتفت حقيقة الرسالة والنبوة والرب تبارك وتعالى يخلق بقوله وكلامه كما قال تعالى: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [يس: 82] فإذا انتفت حقيقة الكلام عنه انتفى الخلق وقد عاب الله آلهة المشركين بأنها لا تكلم ولا تكلم عابديها ولا ترجع إليهم قولا والجهمية وصفوا الرب تبارك وتعالى بصفة هذه الآلهة وقد ضرب الله تعالى لكلامه واستمراره ودوامه المثل بالبحر يمده من بعده سبعة أبحر وأشجار الأرض كلها أقلام فيفنى المداد والأقلام ولا تنفد كلماته أفهذا صفة من لا يتكلم ولا يقوم به كلام فإذا كان كلامه وتكليمه وخطابه ونداؤه وقوله وأمره ونهيه ووصيته وعهده وإذنه وحكمه وأنباؤه وأخباره وشهادته كل ذلك مجاز لا حقيقة له بطلت الحقائق كلها فإن الحقائق إنما حقت بكلمات تكوينه ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون [يونس: 82] فما حقت الحقائق إلا بقوله وفعله.  [فصل مذاهب الناس في كلام الله] [مذهب الاتحادية] فصل اختلف أهل الأرض في كلام الله تعالى فذهب الاتحادية القائلون بوحدة الوجود أن كل كلام في الوجود كلام الله: نظمه ونثره وحقه وباطله سحره وكفره والسب والشتم والهجر والفحش وأضداده كله غير كلام الله تعالى القائم به كما قال عارفهم: وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه وهذا المذهب مبني على أصلهم الذي أصلوه وهو أن الله سبحانه هو عين هذا(1\/494)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "477",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12875",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "مذهب الفلاسفة المتأخرين",
        "content": "الوجود فصفاته هي صفات الله وكلامه هو كلام الله وأصل هذا المذهب إنكار مسألة المباينة والعلو فإنهم لما أصلوا أن الله تعالى غير مباين لهذا العالم المحسوس صاروا بين أمرين لا ثالث لهما إلا المكابرة. أحدهما: إنه معدوم لا وجود له إذ لو كان موجودا لكان إما داخل العالم وإما خارجا عنه وهذا معلوم بالضرورة فإنه إذا كان قائما بنفسه فإما أن يكون مباينا للعالم أو محايثا له إما داخلا فيه وإما خارجا عنه. الأمر الثاني: أن يكون هو عين هذا العالم فإنه يصح أن يقال فيه حينئذ أنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا مباينا له ولا حالا فيه إذ هو عينه والشيء لا ينافي نفسه ولا يحايثها فرأوا أن هذا خير من إنكار وجوده وبالحكم عليه بأنه معدوم ورأوا أن الفرار من هذا إلى إثبات موجود قائم بنفسه لا داخل العالم ولا خارجا ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا مباين له ولا محايث ولا فوقه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا خلفه ولا أمامه فرارا إلى ما لا يسيغه عقل ولا تقبله فطرة ولا تأتي به شريعة. ولا يمكن أن يقر برب هذا شأنه إلا على أحد وجهين لا ثالث لهما. أحدهما: أن يكون ساريا فيه حالا فيه فهو في كل مكان بذاته وهو قول جميع الجهمية الأقدمين. الوجه الثاني: أن يكون وجوده في الذهن لا في الخارج فيكون وجوده سبحانه وجودا عقليا إذ لو كان موجودا في الأعيان لكان إما عين هذا العالم أو غيره ولو كان غيره لكان إما بائنا عنه أو حالا فيه كلاهما باطل فثبت أنه عين هذا العالم فله حينئذ كل اسم حسن قبيح وكل صفة كمال ونقص وكل كلام حق وباطل نعوذ بالله من ذلك.  [مذهب الفلاسفة المتأخرين] المذهب الثاني: مذهب الفلاسفة المتأخرين أتباع أرسطو وهم الذين يحكي ابن سينا والفارابي والطوسي قولهم: إن كلام الله فيض فاض من العقل الفعال على النفوس الفاضلة الزكية بحسب استعدادها فأوجب لها ذلك الفيض تصورات وتصديقات بحسب ما قبلته منه لهذه النفوس عندهم ثلاث قوى: قوة التصور وقوة التخييل وقوة التعبير فتدرك بقوة تصورها من المعاني ما يعجز عنه غيرها وتدرك بقوة تخيلها شكل المعقول في صورة المحسوس فتتصور المعقول صورا نورانية تخاطبها وتكلمها بكلام تسمعه الآذان وهو عندهم كلام الله ولا حقيقة له في الخارج وإنما ذلك كله من(1\/495)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "478",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12876",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "مذهب المعتزلة",
        "content": "القوة الخيالية الوهمية قالوا وربما قويت هذه القوة على إسماع ذلك الخطاب لغيرها وتشكيل تلك الصور العقلية لعين الرائي فيرى الملائكة ويسمع خطابهم وكل ذلك من الوهم والخيال لا في الخارج. فهذا أصل هؤلاء في إثبات كلام الرب وملائكته وأنبيائه ورسله والأصل الذي قادهم إلى هذا عدم الإقرار بالرب الذي عرفت به الرسل ودعت إليه وهو القائم بنفسه المباين العالي فوق سماواته فوق عرشه الفعال لما يريد بقدرته ومشيئته العالم بجميع المعلومات القادر على كل شيء فهم أنكروا ذلك كله.  [مذهب المعتزلة] المذهب الثالث: مذهب الجهمية لصفات الرب تعالى أن كلامه مخلوق ومن بعض مخلوقاته فلم يقم بذاته سبحانه فاتفقوا على هذا الأصل واختلفوا في فروعه قال الأشعري في كتاب المقالات: اختلفت المعتزلة في كلام الله هل هو جسم أو ليس بجسم وفي خلقه على ستة أقاويل: فالفرقة الأولى: منهم يزعمون أن كلام الله جسم وأنه مخلوق وأنه لا شيء إلا جسم. والفرقة الثانية: زعموا أن كلام الخلق عرض وهو حركة ; لأنه لا عرض عندهم إلا الحركة وأن كلام الخالق جسم وأن ذلك الجسم صوت متقطع مؤلف مسموع وهو فعل الله وخلقه وهذا قول أبي الهذيل وأصحابه وأحال النظام أن يكون كلام الله في أماكن كثيرة أو مكانين في وقت واحد وزعم أنه في المكان الذي خلق فيه. والفرقة الثالثة: من المعتزلة تزعم أن القرآن مخلوق لله وأنه عرض وأنه يوجد في أماكن كثيرة في وقت واحد إذا تلاه قال فهو يوجد مع تلاوته وإذا كتبه وجد مع كتابته وإذا حفظه وجد مع حفظه وهو يوجد في الأماكن بالتلاوة والحفظ والكتابة ولا يجوز عليه الانتقال والزوال. والفرقة الرابعة: يزعمون أن كلام الله عز وجل عرض وأنه مخلوق وأحالوا أن يوجد في مكانين في وقت واحد وزعموا أن المكان الذي خلقه الله تعالى فيه محال انتقاله وزواله منه ووجوده في غيره وهذا قول جعفر بن حرب وأكثر البغداديين. والفرقة الخامسة: أصحاب معمر يزعمون أن القرآن عرض والأعراض عندهم قسمان: قسم منهما يفعله الأحياء وقسم منهما يفعله الأموات ومحال أن يكون ما يفعله الأموات فعلا للأحياء والقرآن مفعول وهو عرض ومحال أن يكون الله فعله في(1\/496)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "479",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12877",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "مذهب الكلابية",
        "content": "الحقيقة لأنهم يحيلون أن تكون الأعراض فعلا لله وزعموا أن القرآن فعل للمحل الذي يسمع منه إذ سمع من الشجرة فهو فعل لها حيث سمع فهو فعل المحل الذي حل فيه. والفرقة السادسة: يزعمون أن كلام الله عرض مخلوق وأنه يوجد في أماكن كثيرة في وقت واحد وهذا قول الإسكافي. واختلفت المعتزلة في كلام الله هل يبقى فقالت فرقة منهم: يبقى بعد خلقه وقالت فرقة أخرى: لا يبقى إنما يوجد في الوقت الذي خلقه الله ثم يعدم بعد ذلك وهذا المذهب هو من فروع الأصل الباطل المخالف لجميع كتب الله ورسله ولصريح المعقول والفطر من جحد صفات الرب وتعطيل حقائق أسمائه ونفي قيام الأفعال به فلما أصلوا أنه لا يقوم به وصف ولا فعل كان من فروع هذا الأصل أنه لم يتكلم بالقرآن ولا بغيره وأن القرآن مخلوق وطرد ذلك إنكار ربوبيته وإلهيته فإن ربوبيته سبحانه إنما تتحقق بكونه فعالا مدبرا متصرفا في خلقه يعلم ويقدر ويريد ويسمع ويبصر فإذا انتفت أفعاله وصفاته انتفت ربوبيته إذا انتفت عنه صفة الكلام انتفى الأمر والنهي ولوازمها وذلك ينفي حقيقة الإلهية فطرد ما أصلوه أن الله سبحانه ليس برب العالم ولا إله فضلا عن أن يكون لا رب غيره ولا إله سواه.  [مذهب الكلابية] المذهب الرابع: مذهب الكلابية أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب أن القرآن معنى قائم بالنفس لا يتعلق بالقدرة والمشيئة وأنه لازم لذات الرب كلزوم الحياة والعلم وأنه لا يسمع على الحقيقة والحروف والأصوات حكاية له دالة عليه وهي مخلوقة وهو أربع معان في نفسه: الأمر والنهي والخبر والاستفهام فهي أنواع لذلك المعنى القديم الذي لا يسمع وذلك المعنى هو المتلو المقروء وهو غير مخلوق والأصوات والحروف هي تلاوة العباد وهي مخلوقة وهذا المذهب أول من يعرف أنه قال به ابن كلاب وبناه على أن الكلام لا بد أن يقوم بالمتكلم والحروف والأصوات حادثة فلا يمكن أن تقوم بذات الرب تعالى لأنه ليس محلا للحوادث فهي مخلوقة منفصلة عن الرب والقرآن اسم ذلك المعنى وهو غير مخلوق.  [مذهب الأشعري] المذهب الخامس: مذهب الأشعري ومن وافقه أنه معنى واحد قائم بذات الرب وهو صفة قديمة أزلية ليس بحرف ولا صوت ولا ينقسم ولا له أبعاض ولا له أجزاء ولا عين الأمر وعين النهي وعين الخبر وعين الاستخبار الكل من واحد وهو عين(1\/497)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "480",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12878",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "مذهب الكرامية",
        "content": "التوراة والإنجيل والقرآن والزبور وكونه أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا صفات لذلك المعنى الواحد وأنواع له فإنه لا ينقسم بنوع ولا جزء وكونه قرآنا وتوراة وإنجيلا تقسيم للعبارات عنه لا لذاته بل إذا عبر عن ذلك المعنى بالعربية كان قرآنا وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة وإن عبر عنه بالسريانية كان اسمه إنجيلا والمعنى واحد وهذه الألفاظ عبارة عنه ولا يسميها حكاية وهي خلق من المخلوقات وعنه لم يتكلم الله بهذا الكلام العربي ولا سمع من الله وعنده ذلك المعنى سمع من الله حقيقة ويجوز أن يرى ويشم ويذاق ويلمس ويدرك بالحواس الخمس إذ المصحح عنده لإدراك الحواس هو الوجود فكل وجود يصح تعلق الإدراكات كلها به كما قرره في مسألة رؤية من ليس في جهة من الرائي وأنه يرى حقيقة وليس مقابلا للرائي. هذا قولهم في الرؤية وذلك قولهم في الكلام. والبلية العظمى نسبة ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه جاء بهذا ودعا إليه الأمة وأنهم أهل الحق ومن عداهم أهل الباطل وجمهور العقلاء يقولون: إن تصور هذا المذهب كاف في الجزم في بطلانه وهو لا يتصور إلا كما تتصور المستحيلات الممتنعات وهذا المذهب مبني على مسألة إنكار قيام الأفعال والأمور الاختيارية بالرب تعالى ويسمونها مسألة حلول الحوادث وحقيقتها إنكار أفعاله وربوبيته إرادته ومشيئته.  [مذهب الكرامية] المذهب السادس: مذهب الكرامية وهو أنه متعلق بالمشيئة والقدرة قائم بذات الرب تعالى وهو حروف وأصوات مسموعة وهو حادث بعد أن لم يكن فهو عندهم متكلم بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن متكلما كما يقوله سائر فرق المتكلمين أنه فعل بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن فاعلا كما ألزموا به الكرامية في مسألة الكلام فهو لازم لهم في مسألة الفعل والكرامية أقرب إلى الصواب منهم فإنهم أثبتوا كلاما وفعلا حقيقة قائمين بذات المتكلم الفاعل وجعلوا لهما أولا فرارا من القول بحوادث لا أول لها ومنازعون أبطلوا حقيقة الكلام والفعل وقالوا لم يقم به فعل ولا كلام البتة وأما من أثبت منهم معنى قائما بنفسه سبحانه فلو كان ما أثبته مفعولا لكان من جنس الإرادة والعلم لم يكن شيئا خارجا عنهما فهم لم يثبتوا له كلاما ولا فعلا وأما الكرامية فإنهم جعلوه متكلما بعد أن لم يكن متكلما كما جعله خصومهم فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا.  [مذهب السالمية] المذهب السابع: مذهب السالمية ومن وافقهم من أتباع الأئمة الأربعة وأهل(1\/498)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "481",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12879",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل مذهب أتباع الرسل",
        "content": "الحديث أنه صفة قائمة بذات الرب تعالى لم يزل ولا يزال لا يتعلق بقدرته ومشيئته ومع ذلك هو حروف وأصوات وسور وآيات سمعه جبرائيل منه وسمعه موسى بلا واسطة ويسمعه سبحانه من يشاء وإسماعه نوعان: بواسطة وبغير واسطة ومع ذلك فحروفه وكلماته لا يسبق بعضها بعضا بل هي مقترنة الباء مع السين مع الميم في آن واحد لم تكن معدومة في وقت من الأوقات ولا تعدم بل لم تزل قائمة بذاته سبحانه قيام صفة الحياة والسمع والبصر وجمهور العقلاء قالوا: تصور هذا المذهب كاف في الجزم ببطلانه. والبراهين العقلية والأدلة القطعية شاهدة ببطلان هذه المذاهب كلها وأنها مخالفة لصريح العقل والنقل والعجب أنها هي الدائرة بين فضلاء العالم لا يكادون يعرفون غيرها.  [فصل مذهب أتباع الرسل] فصل قوله أتباع الرسل الذين تلقوا هذا الباب عنهم أثبتوا لله صفة الكلام كما أثبتوا له سائر الصفات ومحال قيام هذه الصفة بنفسها كما يقوله بعض المكابرين أنه خلق الكلام لا في محل ومحال قيامها بغير الموصوف بها كما يقوله المكابر الآخر أنه خلق في محل فكان هو المتكلم به دون المحل قالوا والكلام الحقيقي هو الذي يوجد بقدرة المتكلم وإرادته قائما به لا يعقل غير هذا وأما ما كان موجودا بدون قدرته ومشيئته وإن سمع منه فإنه ليس بكلام له وإنما هو مخلوق خلقه الله فيه فلو كان ما قام بالرب تعالى من الكلام غير متعلق بمشيئته بل يتكلم بغير اختياره لم يكن هذا هو الكلام المعهود بل هذا شيء آخر غير ما يعرفه العقل ويشهد به الشرع قالوا: ولو لم يكن هناك ألفاظ مسموعة حقيقة السمع لم يكن ثم صفة كلام البتة ولو كان عاجزا عن الكلام في الأزل لم يصر قادرا عليه فيما لم يزل فإنه إذا كانت حاله قبل وبعد سواء وهو لم يستفد صفة الكلام من غيره فمن المستحيل أن تجدد له هذه الصفة بعد أن كان فاقدا لها بالكلية. وكذلك إثبات قدم عين كل فرد من أنواع الكلام وبقائه أزلا وأبدا واقتران حروفه بعضها ببعض بحيث لا يسبق شيء منها لغيره لا يسيغه عقل ولا تقبله فطرة وقد دلت النصوص النبوية أنه متكلم إذا شاء بما شاء وأن كلامه يسمع وأن القرآن العزيز الذي هو سور وآيات وحروف وكلمات عين كلامه حقا لا تأليف ملك ولا(1\/499)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "482",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12880",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بشر وأنه سبحانه الذي قاله بنفسه: المص [الأعراف: 1]  حم عسق [الشورى: 1]  كهيعص [مريم: 1] وأن القرآن جميعه حروفه ومعانيه نفس كلامه الذي تكلم به وليس بمخلوق ولا بعضه قديما وهو المعنى وبعضه مخلوق وهو الكلمات والحروف ولا بعضه كلامه وبعضه كلام غيره ولا ألفاظ القرآن وحروفه ترجمة ترجم بها جبرائيل أو محمد عليهما السلام عما قام بالرب من المعنى من غير أن يتكلم الله بها بل القرآن جميعه كلام الله حروفه ومعانيه تكلم الله به حقيقة والقرآن اسم لهذا النظم العربي الذي بلغه الرسول صلى الله عليه وسلم عن جبرائيل عن رب العالمين. فللرسولين منه مجرد التبليغ والأداء لا الوضع والإنشاء كما يقول أهل الزيغ والاعتداء فكتاب الله عندهم غير كلامه كتابه مخلوق وكلامه غير مخلوق والقرآن إن أريد به الكتاب كان مخلوقا وإن أريد به الكلام كان غير مخلوق وعندهم أن الذي قال السلف هو غير مخلوق هو عين القائم بالنفس وأما ما جاء به الرسول وتلاه على الأمة فمخلوق وهو عبارة عن ذلك المعنى وعندهم أن الله تعالى لم يكلم موسى وإنما اضطره إلى معرفة المعنى القائم بالنفس من غير أن يسمع منه كلمة واحدة وما يقرؤه القارئون ويتلوه التالون فهو عبارة عن ذلك المعنى وفرعوا على هذا الأصل فروعا: منها: أن كلام الله لا يتكلم به غيره فإنه عين القائم بنفسه ومحال قيامه بغيره فلم يتل أحد قط كلام الله ولا قرأه. ومنها: أن هذا الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ليس كلام الله إلا على سبيل المجاز. ومنها: أنه لا يقال إن الله تكلم ولا يتكلم ولا قال ولا يقول ولا خاطب ولا يخاطب فإن هذه كلها أفعال إرادية تكون بالمشيئة وذلك المعنى صفة أزلية لا يتعلق بالمشيئة. ومنها: أنهم قالوا لا يجوز أن ينزل القرآن إلى الأرض فألفاظ النزول والتنزيل لا حقيقة لشيء منها عندهم. ومنها: أن القرآن القديم لا نصف له ولا ربع ولا خمس ولا عشر ولا جزء له البتة. ومنها: أن معنى الأمر هو معنى النهي ومعنى الخبر والاستخبار وكل ذلك معنى واحد بالعين.(1\/500)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "483",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12881",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: أن نفس التوراة هي نفس القرآن ونفس الإنجيل والزبور والاختلاف في التأويلات فقط. ومنها: أن هذا القرآن العربي تأليف جبرائيل أو محمد أو مخلوق خلقه الله تعالى في اللوح المحفوظ فنزل به جبرائيل من اللوح لا من الله على الحقيقة كما هو معروف من أقوالهم. ومنها: أن ذلك العين القديم يجور أن تتعلق به الإدراكات الخمس فيسمع ويرى ويشم ويذاق ويلمس إلى غير ذلك من الفروع الباطلة سمعا وعقلا وفطرة. وقد دل القرآن وصريح السنة والمعقول وكلام السلف على أن الله سبحانه يتكلم بمشيئته كما دل على أن كلامه صفة قائمة بذاته وهي صفة ذات وفعل قال الله تعالى: إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون [النحل: 40]  وقوله: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [يس: 82] فإذا: تخلص الفعل للاستقبال (وأن) كذلك (ونقول) فعل دال على الحال والاستقبال (وكن) حرفان يسبق أحدهما الآخر فالذي اقتضته هذه الآية هو الذي في صريح العقول والفطر. وكذلك قوله: وإذا أردنا أن نهلك قرية [الإسراء: 16] الآية سواء كان الأمر هاهنا أمر تكوين أو أمر تشريع فهو موجود بعد أن لم يكن وكذلك قوله: ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم [الأعراف: 11] وإنما قال لهم اسجدوا بعد خلق آدم وتصويره. وكذلك قوله تعالى: ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني [الأعراف: 143] الآيات كلها فكم من برهان يدل على أن التكلم هو الخطاب وقع في ذلك الوقت. وكذلك قوله: فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن [القصص: 30] والذي ناداه هو الذي قال له: إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني [طه: 14] وكذلك قوله: ويوم يناديهم فيقول [القصص: 62](1\/501)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "484",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12882",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله: ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون [سبأ: 40] وقوله: يوم نقول لجهنم [ق: 30] الآية ومحال أن يقول سبحانه لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد قبل خلقها ووجودها. وتأمل نصوص القرآن من أوله إلى آخره ونصوص السنة ولا سيما أحاديث الشفاعة وحديث المعراج وغيرها كقوله: quot; أتدرون ماذا قال ربكم الليلة quot; وقوله: quot; إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث ألا تكلموا في الصلاة quot; وقوله: quot; ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حاجب quot;. وقد أخبر الصادق المصدوق أنه يكلم ملائكته في الدنيا فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي ويكلمهم يوم القيامة ويكلم أنبياءه ورسله وعباده المؤمنين يومئذ ويكلم أهل الجنة في الجنة ويسلم عليهم في منازلهم وأنه كل ليلة يقول: من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له من يقرض غير عديم ولا ظلوم  وقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; إن الله أحيا أباك وكلمه كفاحا quot; ومعلوم أنه في ذلك الوقت كلمه وقال له: تمن علي. إلى أضعاف أضعاف ذلك من نصوص الكتاب والسنة التي إن دفعت دفعت الرسالة بأجمعها وإن كانت مجازا كان الوحي كله مجازا وإن كانت من المتشابه كان الوحي كله من المتشابه وإن وجب أو ساغ تأويلها على خلاف ظاهرها ساغ تأويل جميع القرآن والسنة على خلاف ظاهره فإن مجيء هذه النصوص في الكتاب وظهور معانيها وتعدد أنواعها واختلاف مراتبها أظهر من كل ظاهر وأوضح من كل واضح فكم جهد ما يبلغ التأويل والتحريف والحمل على المجاز.(1\/502)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "485",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12883",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "مسألة تكلم العباد بالقرآن",
        "content": "هب أن ذلك يمكن في موضع واثنين وثلاثة وعشرة أفيسوغ حمل أكثر من ثلاثة آلاف وأربعة آلاف موضع كلها على المجاز وتأويل الجميع بما يخالف الظاهر ولا تستبعد قولنا أكثر من ثلاث آلاف فكل آية وكل حديث إلهي وكل حديث فيه الإخبار عما قال الله تعالى أو يقول وكل أثر فيه ذلك إذا استقرئت زادت على هذا العدد ويكفي أحاديث الشفاعة وأحاديث الرؤية وأحاديث الحساب وأحاديث تكليم الله لملائكته وأنبيائه ورسله وأهل الجنة وأحاديث تكليم الله لموسى وأحاديث تكلمه عند النزول الإلهي وأحاديث تكلمه بالوحي وأحاديث تكليمه للشهداء وأحاديث تكليم كافة عباده يوم القيامة بلا ترجمان ولا واسطة وأحاديث تكليمه للشفعاء يوم القيامة حين يأذن لهم في الشفاعة إلى غير ذلك إذ كل هذا وأمثاله وأضعافه مجاز لا حقيقة له سبحانك هذا بهتان عظيم بل نشهدك ونشهد ملائكتك وحملة عرشك وجميع خلقك أنك أحق بهذه الصفة وأولى من كل أحد وأن البحر لو أمده من بعده سبعة أبحر وكانت أشجار الأرض أقلاما يكتب بها ما تتكلم به لنفدت البحار والأقلام ولم تنفد كلماتك وأنك لك الخلق والأمر فأنت الخالق حقيقة.  [مسألة تكلم العباد بالقرآن] وأما مسألة تكلم العباد بالقرآن فقد اشتبهت على كثير من الناس فقالت طائفة: إن الله يخلق كلامه عند تلاوة كل تال فيجري كلامه المخلوق على لسان التالي وفعل التالي هو حركة اللسان فقط وهي القراءة: فالقراءة صنع العبد عندهم والمقروء صنع الله وخلقه فالمسموع عندهم مخلوق بين صنعين: صنع الرب وصنع العبد وهذا قول أبي هذيل والإسكافي وأصحابه. وقالت فرقة أخرى: إن العبد هو المحدث لأفعاله وتلاوته والله تعالى خلقه في مكان واحد لا ينتقل عنه ولا يفارقه إلى غيره فهذا المسموع هو صنع التالي ألفاظه وتلاوته وهذا قول أكثر البغداديين من المعتزلة وقول جعفر بن حرب. وقالت فرقة: إن القرآن لم يخلقه الله تعالى في الحقيقة ولا هو فعله فإنه عرض وهم يحيلون أن تكون الأعراض فعلا لله قالوا فهو فعل المحل الذي قام به وهذا قول معمر وأصحابه من المعتزلة. وقالت فرقة: إن الله سبحانه خلق كلامه في اللوح المحفوظ ثم مكن جبرائيل أن يأخذه منه نقلا ويعلمه رسوله صلى الله عليه وسلم فجبرائيل إذا نطق به كان نطقه بمنزلة من يقرأ كتاب غيره لكن الحروف والأصوات في الحقيقة لجبرائيل لم تقم بذات الرب حروف(1\/503)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "486",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12884",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القرآن ولا ألفاظه ولا سمعه جبرائيل من الله تعالى وإنما نزل به من المحل الذي خلق فيه وهذا قول كثير من الكلابية فعندهم أن المسموع قول الرسول الملكي حقيقة سمعه منه الرسول البشري فأداه كما سمعه فالرسول الملكي ناقل لما في اللوح المحفوظ غير سامع له من الله والرسول البشري ناقل له عن جبرائيل قوله وألفاظه. ومن هؤلاء من يقول: بل الله تعالى ألهم جبرائيل معانيه فعبر عنها جبرائيل بعبارته فهذه الألفاظ كلام جبرائيل في الحقيقة لا كلام الله. ومنهم من يقول: جبرائيل علم رسول الله نص معانيه وألقاها في روعه ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشأ ألفاظها وعبر بها من عنده دلالة على ذلك المعنى الذي ألقاه إليه الملك فالقرآن العربي على قولهم قول محمد صلى الله عليه وسلم أو قول جبرائيل عليه السلام وهذا قول من لا نسميهم لشهرتهم وإن حرفوا العبارة وزينوا له الألفاظ فهو قولهم الذي يناظرون عليه ويكفرون من خالفهم فيه يقولون فيه: قال أهل الحق كذا وقالت سائر فرق أهل الزيغ بخلافه. وقالت فرقة أخرى: بل لسان التالي مظهر للكلام القديم فيسمع منه عند التلاوة كما سمع موسى كلام الله من الشجرة فلسان التالي كالشجرة محل ومظهر للكلام فإذا قال التالي الحمد لله رب العالمين [الفاتحة: 2] كان المسموع كله حروفه وأصواته غير كلام الله القائم به من غير حلول في القارئ ولا اتحاد به كما أن الله سبحانه لم يحل في الشجرة ولا اتحد بها وسمع موسى كلامه منها. واختلفت هذه الفرقة في الصوت الذي يسمع من القارئ على قولين أحدهما: إنه عين صوت الله بالقرآن ظهر عند تلاوة التالي فكانت التلاوة مظهرة له وقالت فرقة أخرى منهم ما لا بد منه من الصوت في الأداء ولا يتأدى الكلام بدونه فهو الصوت القديم وما زاد عليه من قوة الاعتماد والرفع فمحدث. قالوا: وقد اقترن القديم بالمحدث على وجه معسر التمييز بينهما جدا فلما ورد عليهم أن الحس شاهد بأن هذا الصوت موجود بعد أن كان معدوما ومعدوما بعد وجوده وهذا مستحيل على القديم أجابوا بأن الذي وجد بعد عدمه ثم عدم بعد وجوده هو ظهور الصوت القديم لا نفسه فالمحدث وقع على الإدراك لا على المدرك كما إذا سمع كلامه سبحانه منه بعد أن لم يسمع ثم عدم السمع فالحدوث واقع على السمع لا على المسموع وهذا قول جماعة ممن ينسب إلى الإمام أحمد.(1\/504)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "487",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12885",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأصحابه المتقدمون بريئون من هذا المذهب المخالف للحس والعقل والفطرة ونصوص أحمد إنما تدل على خلافه فقد نص في رواية جماعة من أصحابه على أن الصوت صوت العبد فقال في قول النبي صلى الله عليه وسلم quot; ليس منا من لم يتغن بالقرآن quot; قال يجهر به ويحسنه بصوته ما استطاع وقد نص على ذلك الأئمة كالبخاري وغيره. قال البخاري في صحيحه: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: quot; الماهر بالقرآن مع الكرام البررة  وزينوا القرآن بأصواتكم ثم احتج بحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم quot; ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به quot; فأضاف الصوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم ساق حديث البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في العشاء بالتين والزيتون ما سمعت صوتا أحسن منه  فأضاف الصوت إليه ثم ذكر حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متواريا بمكة وكان يرفع صوته بالقرآن فإذا سمع المشركون سبوا القرآن ومن جاء به فأنزل الله تعالى: ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها [الإسراء: 110]  ثم قال: باب قراءة الفاجر والمنافق وأصواتهم وتلاوتهم لا تجاوز تراقيهم وذكر في الباب حديث أبي سعيد الخدري quot; يخرج أناس من قبل المشرق يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم quot; ومعلوم أن المراد التلاوة والأداء وما قام بهم من الأصوات وأنها لم تجاوز حناجرهم وكان البخاري قد امتحن بهذه الفرقة فتجرد للرد عليهم وبالغ في(1\/505)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "488",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12886",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك في كتاب (خلق أفعال العباد) فإنه بناه على ذلك وأن أصوات العباد من أفعالهم أو متولدة عن أفعالهم فهي من أفعالهم فالصوت صوت العبد حقيقة والكلام كلام الله حقيقة أداه العبد بصوته كما يؤدي كلام الرسول وغيره بصوته فالعبد مخلوق وصفاته مخلوقة وأفعاله مخلوقة وصوته وتلاوته مخلوقة والمتلو المؤدى بالصوت غير مخلوق. واحتج البخاري في الصحيح في (خلق أفعال العباد) على ذلك بنصوص التبليغ كقوله تعالى: ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك [المائدة: 67] وقوله: إن عليك إلا البلاغ [الشورى: 48] وقوله: لقد أبلغتكم رسالة ربي [الأعراف: 79] وهذا من رسوخه في العلم فإن ذلك يتضمن أصلين ضل فيهما أهل الزيغ: أحدهما: أن الرسول ليس له من الكلام إلا مجرد تبليغه فلو كان هو قد أنشأ ألفاظه لم يكن مبلغا بل منشئا مبتدئا ولا تعقل الأمم كلها من التبليغ سوى تأدية كلام الغير بألفاظه ومعانيه ولهذا يضاف الكلام إلى المبلغ عنه لا إلى المبلغ. وأيضا فالتبليغ والبلاغ هو الإيصال وهو معدى من بلغ إذا وصل والإيصال حقيقة أن يورد إلى الموصل إليه ما حمله إياه غيره فله مجرد إيصاله. الأصل الثاني: أن التبليغ فعل المبلغ وهو مأمور به مقدور له وتبليغه هو تلاوته بصوت نفسه فلو كان الصوت والتلاوة وصوت المتكلم به أزليا وتلاوته لم يكن فعلا مأمورا به مضافا إلى المأمور وبالجملة فالتبليغ هو صوت المبلغ القائم به. قال البخاري: باب ما جاء في قوله تعالى: بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته [المائدة: 67] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: quot; بلغوا عني ولو آية وليبلغ الشاهد الغائب وأن الوحي قد انقطع quot; فتأمل مقصوده بقوله: وإن الوحي قد انقطع فلو كانت أصواتنا بالقرآن هي نفس الصوت القديم الذي تكلم الله تعالى به لم يكن الوحي قد انقطع بل هو متصل ما دامت أصوات العباد مسموعة بالتلاوة فالقائلون إن هذا الصوت القديم ظهر عند تلاوة التالي وهو الصوت الذي أوحى الله به الوحي إلى رسوله وهو غير منقطع لزمه لزوما بينا أن الوحي متصل غير منقطع.(1\/506)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "489",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12887",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال البخاري: في كتاب (خلق أفعال العباد) ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحب أن يكون الرجل خفت الصوت ويكره أن يكون رفيع الصوت وأن الله سبحانه ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب فليس هذا لغير الله تعالى. قال أبو عبد الله: وفي الدليل أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق ; لأن صوت الله يسمع من بعد كما يسمع من قرب وأن الملائكة يصعقون من صوته فإذا نادى جبرائيل الملائكة لم يصعقوا ثم ساق في الباب أحاديث تكلم الله بالصوت محتجا بها. قال البخاري: وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتابا فيه (بسم الله الرحمن الرحيم) فقرأه ترجمان قيصر على قيصر وأصحابه ولا يشك في قراءة الكفار أهل الكتاب أنها أعمالهم وأما المقروء فهو كلام العليم المنان ليس بخلق فمن حلف بأصوات قيصر أو بنداء المشركين الذين يقرون بالله لم تكن عليه يمين دون الحلف بالله لقول النبي صلى الله عليه وسلم quot; لا تحلفوا بغير الله quot; وليس للعبد أن يحلف بالخواتيم والدراهم البيض وألواح الصبيان التي يكتبونها ثم يمحونها المرة بعد المرة وإن حلف فلا يمين عليه لقوله تعالى: فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون [البقرة: 22] . قال البخاري: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; بينا أنا في الجنة سمعت صوت رجل بالقرآن quot; فبين أن الصوت غير القرآن. قلت: ونظيره إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن. قال أبو عبد الله: ويقال له صفة الله وكلامه وعلمه وأسمائه وعزه وقدرته بائنة من الله أم لا وقولك وكلامك بائن من الله أم لا. قال أبو عبد الله: قال الله تعالى: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى [النجم: 39]  وقال تعالى: إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك [نوح: 1] والإنذار من نوح وهو نذير مبين يأمرهم بطاعة الله وأما الغفران فإنه من الله يقول(1\/507)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "490",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12888",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل جواب السؤال هل حروف المعجم قديمة أو مخلوقة",
        "content": "يغفر لكم من ذنوبكم [الأحقاف: 31]  ثم قال: رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا [نوح: 5] فذكر الدعاء سرا وعلانية من نوح وقال ابن مسعود قال النبي صلى الله عليه وسلم لقوم كانوا يقرءون القرآن فيجهرون به خلطتم علي القرآن يقول علت أصواتكم صوتي  فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يرفع بعضهم على بعض صوته ولم ينه عن القرآن ولا عن كلام الله. قال البخاري: واعتل بعضهم فقال حتى يسمع كلام الله قيل له إنما قال حتى يسمع كلام الله لا كلامك ونغمتك وصوتك إن الله فضل موسى بكلامه ولو كان يسمع الخلق كلهم كلام الله كما سمع موسى لم يكن لموسى عليك فضل ومعنى هذا أن هذا الصوت المسموع من القارئ لو كان هو الصوت الذي سمعه موسى لكان كل من سمع القرآن بمنزلة موسى في ذلك.  [فصل جواب السؤال هل حروف المعجم قديمة أو مخلوقة] فصل وإذا قيل حروف المعجم قديمة أو مخلوقة فجوابه أن الحرف حرفان: فالحرف الواقع في كلام المخلوقين مخلوق وحروف القرآن غير مخلوقة. فإن قيل: كيف الحرف الواحد مخلوق وغير مخلوق. قيل: ليس بواحد بالعين وإن كان واحدا بالنوع كما أن الكلام ينقسم إلى مخلوق وغير مخلوق فهو واحد بالنوع لا بالعين. وتحقيق ذلك أن الشيء له أربع مراتب: مرتبة في الأعيان ومرتبة في الأذهان ومرتبة في اللسان ومرتبة في الخط فالمرتبة الأولى وجوده العيني والثانية وجوده الذهني والثالثة وجوده اللفظي والرابعة وجوده الرسمي وهذه المراتب الأربعة تظهر في الأعيان القائمة بنفسها كالشمس مثلا وفي أكثر الأعراض أيضا كالألوان وغيرها ويعسر تمييزه في بعضها كالعلم والكلام أما العلم فلا يكاد يحصل الفرق بين مرتبته في الخارج ومرتبته في الذهن بل وجوده الخارجي مماثل لوجوده الذهني وأما الكلام فإن وجوده الخارجي ما قام باللسان ووجوده الذهني ما قام بالقلب ووجوده الرسمي ما أظهر الرسم فأما وجوده اللفظي فقد اتحدت فيه المرتبتان الخارجية(1\/508)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "491",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12889",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واللفظية ومن مواقع الاشتباه أيضا أن الصوت الذي يحصل له إنشاء الكلام مثل الصوت الذي يحصل به أداؤه وتبليغه وكذلك الحرف فصوت امرئ القيس وحروفه من قوله: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل كصوت المنشد لذلك حكاية عنه وحرفه فإذا قال القائل: هذا كلامك أو كلام امرئ القيس كان السؤال مجملا تحتمل الإشارة فيه معنيين أحدهما: أن يراد الإشارة إلى صوت المؤدي وحروفه والثاني: أن يراد الإشارة إلى الكلام المؤدى بصوت هذا وحروفه والغالب إرادته هو الثاني ولهذا يحمد القائل له أولا أو يذم وإنما يحمد الثاني أو يذم على كيفية الأداء وحسن الصوت وقبحه. والكلام يضاف إلى من قاله مبتديا لا إلى من قاله مبلغا مؤديا فإذا قال الواحد منا: الأعمال بالنيات  مؤديا له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل أحد إن هذا قولك وكلامك. وإن قيل إنك حسن الأداء له حسن التلفظ به وهذا الذي قام به وهو حسنه وفعله وعليه يقع اسم الخلق ولشدة ارتباطه بأصل الكلام عسر التمييز. ومن هاهنا غلطت الطائفتان إحداهما: جعلت الكل مخلوقا منفصلا والثانية: جعلت الكل قديما وهو عين صفة الرب نظرا إلى من تكلم به أولا. والحق ما عليه أئمة الإسلام كالإمام أحمد والبخاري وأهل الحديث: أن الصوت صوت القارئ والكلام كلام الباري. وقد اختلف الناس هل التلاوة غير المتلو أم هي المتلو على قولين والذين قالوا: التلاوة هي المتلو فليست حركات الإنسان عندهم هي التلاوة وإنما أظهرت التلاوة وكانت سببا لظهورها وإلا فالتلاوة عندهم هي نفس الحروف والأصوات وهي قديمة والذين قالوا التلاوة غير المتلو طائفتان: إحداهما قالت: التلاوة هي هذه الحروف والأصوات المسموعة وهي مخلوقة والمتلو هي المعنى القائم بالنفس وهو قديم وهذا قول الأشعري. والطائفة الثانية قالوا: التلاوة هي قراءتنا وتلفظنا بالقرآن والمتلو هو القرآن العزيز والمسموع بالآذان بالأداء من في رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي (المص) (حم) (عسق) (كهيعص) حروف وكلمات وسور وآيات تلاه عليه جبرائيل كذلك وتلاه هو على الأمة كما تلاه عليه جبرائيل وبلغه جبرائيل عن الله تعالى كما سمعه وهذا(1\/509)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "492",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12890",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قول السلف وأئمة السنة والحديث فهم يميزون بين ما قام بالعبد وما قام بالرب والقرآن عندهم جميعه كلام الله حروفه ومعانيه وأصوات العباد وحركاتهم وأداؤهم وتلفظهم كل ذلك مخلوق بائن عن الله. فإن قيل: فإذا كان الأمر كما قررتم فكيف أنكر الإمام أحمد على من قال: لفظي بالقرآن مخلوق. وبدعه ونسبه إلى التجهم وهل كانت محنة أبي عبد الله البخاري إلا على ذلك حتى هجره أهل الحديث ونسبوه إلى القول بخلق القرآن. قيل: معاذ الله أن يظن بأئمة الإسلام هذا الظن الفاسد فقد صرح البخاري في كتابه (خلق أفعال العباد) وفي آخر (الجامع) بأن القرآن كلام الله غير مخلوق وقال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: أدركت مشيختنا منذ سبعين سنة منهم عمرو بن دينار يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق. قال البخاري: وقال أحمد بن الحسين حدثنا أبو نعيم حدثنا سليم القاري قال سمعت سفيان الثوري يقول: قال حماد بن أبي سليمان: أبلغ أبا فلان المشرك أني بريء من دينه وكان يقول: القرآن مخلوق ثم ساق قصة خالد بن عبد الله القسري وأنه ضحى بالجعد بن درهم وقال إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما ثم نزل فذبحه. هذا مذهب الإمام البخاري ومذهب الإمام أحمد وأصحابهما من سائر أهل السنة فخفي تفريق البخاري وتمييزه على جماعة من أهل السنة والحديث ولم يفهم بعضهم مراده وتعلقوا بالمنقول عن أحمد نقلا مستفيضا أنه قال: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي: ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع وساعد ذلك نوع حسد باطن للبخاري لما كان الله نشر له من الصيت والمحبة في قلوب الخلق واجتماع الناس عليه حيث حل حتى هضم كثير من رياسة أهل العلم وامتعضوا لذلك فوافق الهوى الباطن الشبهة الناشئة من القول المجمل وتمسكوا بإطلاق الإمام أحمد وإنكاره على من قال(1\/510)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "493",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12891",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لفظي بالقرآن مخلوق وأنه جهمي فتركب من مجموع هذه الأمور فتنة وقعت بين أهل الحديث. قال الحاكم أبو عبد الله: سمعت أبا القاسم طاهر بن أحمد الوراق يقول: سمعت محمد بن شاذان الهاشمي يقول: لما وقع بين محمد بن يحيى ومحمد بن إسماعيل دخلت على محمد بن إسماعيل فقلت: يا أبا عبد الله إيش الحيلة لنا فيما بينك وبين محمد بن يحيى كل من يختلف إليك يطرد من منزله وليس لكم منزل قال: محمد بن يحيى كم يعتريه الحسد في العلم والعلم رزق من الله تعالى يعطيه من يشاء فقلت: يا أبا عبد الله هذه المسألة التي تحكى عندك فقال لي هذه مسألة مشئومة رأيت أحمد بن حنبل وما ناله من هذه المسألة جعلت على نفسي لا أتكلم فيها والمسألة التي كانت بينهما كان محمد بن يحيى لا يجيب فيها إلا ما يحكيه عن أحمد بن حنبل فسئل محمد بن إسماعيل فوقف عنها وهي أن اللفظ بالقرآن مخلوق فلما وقف عنها البخاري تكلم فيه محمد بن يحيى وقال: قد أظهر هذا البخاري قول اللفظية واللفظية شر من الجهمية. قال الحاكم: سمعت أبا محمد عبد الله بن محمد العدل يقول: سمعت أبا حامد بن الشرقي يقول: سمعت محمد بن يحيى يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص وهو قول أئمتنا مالك بن أنس وعبد الرحمن بن عمر والأوزاعي وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري والكلام كلام الله غير مخلوق من جميع جهاته وحيث تصرف فمن لزم ما قلنا استغنى عن اللفظ وعما سواه من الكلام في القرآن ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر وخرج من الإيمان وبانت منه امرأته يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وجعل ماله فيئا بين المسلمين ولم يدفن في مقابر المسلمين ومن زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع ولا يجالس ولا يكلم ومن وقف وقال لا أقول مخلوق ولا غير مخلوق فقد ضاهى الكفر ومن ذهب بعد مجلسنا هذا إلى مجلس محمد بن إسماعيل فاتهموه فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مذهبه. قال الحاكم: وسمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه يقول: سمعت محمد بن نعيم يقول سألت محمد بن إسماعيل البخاري لما وقع ما وقع من شأنه عن الإيمان فقال: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص والقرآن كلام الله غير مخلوق وأفضل أصحاب رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم على هذا حييت(1\/511)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "494",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12892",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعليه أموت وعليه أبعث إن شاء الله تعالى ثم قال أبو الوليد: أي عين أصابت محمد بن إسماعيل بما نقم عليه محمد بن يحيى فقلت له إن محمد بن إسماعيل قد بوب في آخر الجامع الصحيح بابا مترجما (ذكر قراءة الفاجر والمنافق وأن أصواتهم لا تجاوز حناجرهم) نذكر فيه حديث قتادة عن أنس عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم quot; مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كالأترجة . . . quot; الحديث وحديث أبي زرعة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم quot; كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان. . . quot; الحديث فقال لي كيف قلت فأعدته عليه فأعجبه ذلك وقال: ما بلغني هذا عنه. ومراد أبي عبد الله بهذا الاستدلال أن الثقل في الميزان والخفة على اللسان متعلق بفعل العبد وكسبه وهو صوته وتلفظه لا يعود إلى ما قام بالرب تعالى من كلامه وصفاته وكذلك قراءة البر والفاجر فإن قراءة الفاجر لا تجاوز حنجرته فلو كانت قراءته هي نفس ما قام بالرب من الكلام وهي غير مخلوقة لم تكن كذلك فإنها متصلة بالرب حينئذ. فالبخاري أعلم بهذه المسألة وأولى بالصواب فيها من جميع من خالفه وكلامه أوضح وأمتن من كلام أبي عبد الله فإن الإمام أحمد سد الذريعة حيث منع إطلاق لفظ المخلوق نفيا وإثباتا على اللفظ فقالت طائفة: أراد سد باب الكلام في ذلك وقالت طائفة منهم ابن قتيبة: إنما كره أحمد ذلك ومنع ; لأن اللفظ في اللغة الرمي والإسقاط يقال لفظ الطعام من فيه ولفظ الشيء من يده إذا رمى به فكره أحمد إطلاق ذلك على القرآن وقال طائفة: إنما مراد أحمد أن اللفظ غير الملفوظ فلذلك قال: إن من زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق فهو جهمي. وأما منعه أن يقال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فإنما منع ذلك لأنه عدول عن نفس قول السلف فإنهم قالوا القرآن غير مخلوق والقرآن اسم يتناول اللفظ والمعنى فإذا خص اللفظ بكونه غير مخلوق كان ذلك زيادة في الكلام أو نقصا من المعنى فإن القرآن كله غير مخلوق فلا وجه لتخصيص ذلك بألفاظ خاصة وهذا كما لو قال قائل: السبع الطوال من القرآن غير مخلوقة فإنه وإن كان صحيحا لكن هذا التخصيص ممنوع منه وكل هذا عدول عما أراده الإمام أحمد.(1\/512)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "495",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12893",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا المنع في النفي والإثبات من كمال علمه باللغة والسنة وتحقيقه لهذا الباب فإنه امتحن به ما لم يمتحن به غيره وصار كلامه قدوة وإماما لحزب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة والذي قصده أحمد أن اللفظ يراد به أمران أحدهما: الملفوظ نفسه وهو غير مقدور للعبد ولا فعل له الثاني: التلفظ به والأداء له وفعل العبد فإطلاق الخلق على اللفظ قد توهم المعنى الأول وهو خطأ وإطلاق نفي الخلق عليه قد يوهم المعنى الثاني وهو خطأ فمنع الإطلاقين. وأبو عبد الله البخاري ميز وفصل وأشبع الكلام في ذلك وفرق بين ما قام بالرب وبين ما قام بالعبد وأوقع المخلوق على تلفظ العباد وأصواتهم وحركاتهم وأكسابهم ونفى اسم الخلق عن الملفوظ وهو القرآن الذي سمعه جبرائيل من الله تعالى وسمعه محمد من جبرائيل وقد شفى في هذه المسألة في كتاب (خلق أفعال العباد) وأتى فيها من الفرقان والبيان بما يزيل الشبهة ويوضح الحق ويبين محله من الإمامة والدين ورد على الطائفتين أحسن الرد. وقال أبو عبد الله البخاري: فأما ما احتج الفريقان لمذهب أحمد ويدعيه كل لنفسه فليس بثابت كثير من أخبارهم وربما لم يفهموا دقة مذهبه بل المعروف عن أحمد وأهل العلم أن كلام الله تعالى غير مخلوق وما سواه فهو مخلوق وأنهم كرهوا البحث والتفتيش عن الأشياء الغامضة وتجنب أهل الكلام والخوض والتنازع إلا فيما جاء به العلم وبينه النبي صلى الله عليه وسلم. والفريقان اللذان عناهما البخاري وتصدى للرد عليهما وإبطال قولهما ثم أخبر البخاري أن كل واحدة من الطائفتين الزائغتين تحتج بأحمد وتزعم أن قولها قوله وهو كما قال رحمه الله تعالى فإن أولئك اللفظية يزعمون أنه كان يقول لفظي بالقرآن غير مخلوق وأنه على ذلك استقر أمره وهذا قول من يقول التلاوة هي المتلو والقراءة هي المقروء والكتابة هي المكتوب. والطائفة الثانية الذين يقولون: التلاوة والقراءة مخلوقة ويقولون: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة ومرادهم بالتلاوة والقرآن نفس ألفاظ القرآن العربي الذي سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمتلو المقروء عندهم هو المعنى القائم بالنفس وهو غير مخلوق وهو اسم للقرآن فإذا قالوا: القرآن غير مخلوق أرادوا به ذلك المعنى وهو المتلو المقروء وأما المقروء المسموع المثبت في المصاحف فهو عبارة عنه وهو مخلوق وهؤلاء يقولون(1\/513)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "496",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12894",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التلاوة غير المتلو والقراءة غير المقروء والكتابة غير المكتوب وهي مخلوقة والمتلو المقروء غير مخلوق وهو غير مسموع فإنه ليس بحروف ولا أصوات. والفريقان مع كل منهما حق وباطل فنقول وبالله التوفيق: أما الفريق الأول فأصابوا في قولهم إن الله تعالى تكلم بهذا القرآن على الحقيقة حروفه ومعانيه تكلم به بصوته وأسمعه من شاء من ملائكته وليس هذا القرآن العربي مخلوقا من جملة المخلوقات وأخطئوا في قولهم: إن هذا الصوت المسموع من القارئ هو الصوت القائم بذات الرب تعالى وأنه غير مخلوق وأن تلاوتهم وقراءتهم وألفاظهم القائمة بهم غير مخلوقة فهذا غلو في الإثبات يجمع بين الحق والباطل. وأما الفريق الثاني فأصابوا في قولهم: إن أصوات العباد وتلاوتهم وقراءتهم وما قام بهم من أفعالهم وتلفظهم بالقرآن وكتابتهم له مخلوق وأخطئوا في قولهم إن هذا القرآن العربي الذي بلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله مخلوق ولم يكلم به الرب ولا سمع منه وأن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه ليس بحرف ولا سور ولا آيات ولا له بعض ولا كل وليس بعربي ولا عبراني بل هذه عبارات مخلوقة تدل على ذلك المعنى. والحرب واقع بين هذين الفريقين من بعد موت الإمام أحمد إلى الآن فإنه لما مات الإمام أحمد قال طائفة ممن ينسب إليه منهم محمد بن داود المصيصي وغيره: ألفاظنا بالقرآن غير مخلوقة وحكوا ذلك عن الإمام أحمد فأنكر عليهم صاحب الإمام أحمد وأخص الناس به أبو بكر المروذي ذلك وصنف كتابا مشهورا ذكره الخلال في السنة ثم نصر هذا القول أبو عبد الله بن حامد وأبو نصر السجزي وغيرهما ثم نصره بعدهم القاضي أبو يعلى وغيره ثم ابن الزاغوني وهو خطأ على أحمد. فقابل هؤلاء الفريق الثاني وقالوا: إن نفس هذه الألفاظ مخلوقة لم يتكلم الله بها ولم تسمع منه وإنما كلامه هو المعنى القائم بنفسه وقالوا: هذا قول أحمد. والبخاري وأئمة السنة برآء من هذين القولين والثابت المتواتر عن الإمام أحمد هو ما نقله عنه خواص أصحابه وثقاتهم كما بينه صالح وعبد الله المروذي وغيرهم: من الإنكار على الطائفتين جميعا كما ذكره البخاري فأحمد والبخاري على خلاف قول الفريقين وكان يقول: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع وإن القرآن الذي يقرأه المسلمون هو كلام الله على الحقيقة(1\/514)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "497",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12895",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحيث تصرف كلام الله فهو غير مخلوق وكان يقول بخلق أفعال العباد وأصواتهم وإن الصوت المسموع من القارئ هو صوته وهو مخلوق ويقول في قول النبي صلى الله عليه وسلم quot; ليس منا من لم يتغن بالقرآن quot; معناه يحسنه بصوته كما قال quot; زينوا القرآن بأصواتكم quot;. ولما كان كل من احتج بكلام أحمد على شيء فلا بد من أمرين أحدهما: صحة النقل عن ذلك القائل والثاني: معرفة كلامه قال البخاري: فما احتج به الفريقان من كلام أحمد ليس بثابت كثير من أخبارهم وربما لم يفهموا دقة مذهبه فذكر أن من المنقول عنه ما ليس بثابت والثابت عنه قد لا يفهمون مراده لدقته على أفهامهم. وقال إبراهيم الحربي: كنت جالسا عند أحمد بن حنبل إذ جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله إن عندنا قوما يقولون إن ألفاظهم بالقرآن مخلوقة قال أبو عبد الله: يتوجه العبد لله بالقرآن بخمسة أوجه وهو فيها غير مخلوق: حفظ بقلب وتلاوة بلسان وسمع بأذن ونظرة ببصر وخط بيد فالقلب مخلوق والمحفوظ غير مخلوق والتلاوة مخلوقة والمتلو غير مخلوق والسمع مخلوق والمسموع غير مخلوق والنظر مخلوق والمنظور إليه غير مخلوق والكتابة مخلوقة والمكتوب غير مخلوق قال إبراهيم: فمات أحمد فرأيته في النوم وعليه ثياب خضر وبيض وعلى رأسه تاج من الذهب مكلل بالجواهر وفي رجليه نعلان من ذهب فقلت له: ما فعل الله بك قال غفر لي وقربني وأدناني فقال: قد غفرت لك فقلت له: يا رب بماذا قال: بقولك كلامي غير مخلوق. ففرق أحمد بين فعل العبد وكسبه وما قام به فهو مخلوق وبين ما تعلق به كسبه وهو غير ومن لم يفرق هذا التفريق لم يستقر له قدم في الحق. فإن قيل: كيف يكون المسموع غير مخلوق وإنما هو صوت العبد وأما كلامه سبحانه القائم به فإنا لا نسمعه وكيف يكون المنظور إليه غير مخلوق وإنما هو المداد والورق وكيف يكون المحفوظ غير مخلوق وإنما هو الصدر وما حواه واشتمل عليه فهل انتقل القديم وحل في المحدث أو اتحد به وظهر فيه فإن أزلتم هذه الشبهة انجلى الحق وظهر الثواب إلا فالغبش موجود والظلمة منعقدة. قيل: قد زال الغبش بحمد الله وزالت الظلمة ببعض ما تقدم ولكن ما حيلة(1\/515)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "498",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12896",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكحال في العميان فمن يشك في القلب وصفاته واللسان وحركاته والحق وأصواته والبصر ومرئياته والورق ومداده والكاتب وآلاته. قال الشعبي في بيع المصاحف: لا يبيع كتاب الله وإنما يبيع عمل يده وقال زياد مولى سعيد: سألت ابن عباس فقال: لا نرى أن تجعله متجرا ولكن ما عملت يداك فلا بأس وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس في بيع المصاحف: إنما هم مصورون يبيعون عملهم عمل أيديهم وذكر ذلك البخاري قال ويذكر عن علي قال: يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه. قال البخاري: قال الله عز وجل: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا [الإسراء: 88] قال ولكنه كلام الله تلفظ به العباد والملائكة قال: وقد قال تعالى: فإنما يسرناه بلسانك - ولقد يسرنا القرآن للذكر [القمر: 97 - 17] قال وسمع عمر معاذا القارئ يرفع صوته بالقراءة وقال: إن أنكر الأصوات لصوت الحمير [لقمان: 19] ثم روي عن أبي عثمان النهدي قال: ما سمعت صنجا قط ولا بربطا ولا مزمارا أحسن من صوت أبي موسى الأشعري إلا فلان إن كان ليصلي بنا فنود أنه قرأ البقرة لحسن صوته. ثم قال البخاري: فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن أصوات الخلق ودراستهم وقراءتهم وتعلمهم وألسنتهم مختلفة بعضها أحسن من بعض وأتلى وأزين وأصوت وأرتل وألحن وأعلى وأخف وأغض وأخشع قال تعالى: وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا [طه: 108] وأجهر وأخفى وأمد وأخفض وألين من بعض ثم ذكر حديث عائشة المتفق عليه quot; الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يشتد عليه له أجران quot; ومراده أن قراءته في الموضعين علمه وسعيه. وذكر حديث قتادة: سألت أنس بن مالك عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: quot; كان يمد مدا quot; وفي رواية quot; يمد صوته مدا quot; ثم ذكر حديث قطبة بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في الفجر: والنخل باسقات لها طلع نضيد [ق: 10] يمد بها صوته يعني فالمد والصوت له صلى الله عليه وسلم(1\/516)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "499",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12897",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال أبو عبد الله: فأما المتلو فقوله عز وجل الذي ليس كمثله شيء قال تعالى: هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق [الجاثية: 29] وقال عبد الله بن عمر: يمثل القرآن يوم القيامة فيشفع لصاحبه قال أبو عبد الله: وهو اكتسابه وفعله قال تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره - ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره [الزلزلة: 7 - 8] . ثم قال البخاري: فالمقروء كلام رب العالمين الذي قال لموسى: إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني [طه: 14] إلا المعتزلة فإنهم ادعوا أن قول الله مخلوق وهذا خلاف ما عليه المسلمون ثم قال البخاري: فالقراءة هي التلاوة والتلاوة غير المتلو قال وقد بينه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذكر حديث quot; قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: يقول العبد: الحمد لله رب العالمين يقول الله حمدني عبدي. . . quot; الحديث فالعبد يقول: الحمد لله رب العالمين حقيقة تاليا لما قاله الله عز وجل فهذا قول الله الذي قاله وتكلم به مبتدئا تاليا وقارئا كما هو قول الرسول مبلغا له ومؤديا كما قال تعالى: قل ياأيها الكافرون - قل أعوذ برب الفلق - قل هو الله أحد [الإخلاص: 1] فرسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما أمر أن يقوله فكان قوله تبليغا محضا لما قاله فمن زعم أن التالي والقارئ لم يقل شيئا فهو مكابر جاحد للحس والضرورة ومن عزم أن الله لم يقل هذا الكلام الذي نقرأه ونتلوه بأصواتنا فهو معطل جاحد جهمي زاعم أن القرآن قول البشر. قال البخاري: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; اقرءوا إن شئتم quot; فالقراءة لا تكون إلا من الناس وقد تكلم الله بالقرآن من قبل خلقه فبين أن الله سبحانه هو المتكلم بالقرآن قبل أن يتكلم به العباد بخلاف قول المعتزلة والجهمية الذين يقولون إن الله خلقه على لسان العبد فتكلم العبد بما خلقه الله على لسانه من كلامه في ذلك الوقت ولم يتكلم به الله قبل ذلك.(1\/517)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "500",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12898",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل كون الكلام في محاله",
        "content": "قال البخاري: ويقال فلان حسن القراءة ورديء القراءة ولا يقال حسن القرآن وإنما ينسب إلى العباد القراءة لأن القرآن كلام الرب والقراءة فعل العبد قال ولا تخفى معرفة هذا القدر إلا على من أعمى الله قلبه ولم يوفقه ولم يهده سبيل الرشاد.  [فصل كون الكلام في محاله] فصل من المعلوم بالفطرة المستقرة عند العقلاء قاطبة أن الكلام يكتب في المحال من الرق والخشب وغيرهما ويسمى محله كتابا ويسمى نفس المكتوب كتابا فمن الأول قوله تعالى: إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون [الواقعة: 77] ومن الثاني قوله: ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس [الأنعام: 7] وقوله: يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة [البينة: 2] ولكن تسمية المحل مشروطة بوجود المكتوب فيه وهذا كما أن تسمية القصبة قلما مشروطة بكونها مبروءة وتسمية الدار قرية مشروطة بكونها مأهولة بالساكن وتسمية الإناء كأسا مشروطة بوضع الشراب فيه وتسمية السرير أريكة مشروطة بنصب الحجلة عليه بل اشتراط وجود المكتوب في المحل يصحح هذه التسمية أظهر من ذلك كله. والقول بأن الكلام في الصحيفة من العلم العام الذي لم ينازع فيه أحد من العقلاء إذا خلي مع الفطرة وإنما وقعت فيه شبهتان فاسدتان من جهة النفي والإثبات أحالت أربابها عن فطرتهم حتى قالوا ما هو معلوم الفساد بالفطرة والعقلاء كلهم يذكرون هذا مطلقا كقولهم الكلام في الصحيفة واللوح ومقيدا كقوله كلام فلان في الصحيفة والكتاب واللوح. وهذا القدر المستقر في فطر الناس جاء في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين قال الله تعالى: ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس [الأنعام: 7] وقال: بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ [البروج: 21] وقال تعالى: إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون [الواقعة: 77] وقال تعالى: كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة [عبس: 11] وقال تعالى: يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة [البينة: 2] وقد أخبر(1\/518)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "501",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12899",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله سبحانه عن تعدد محله بالكتاب تارة وبالرق تارة وبصدور الحفاظ تارة كما قال تعالى: بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم [العنكبوت: 49] . والأحاديث والآثار في ذلك أكثر من أن تذكر كقول ابن عمر: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو  ومن المعلوم بالضرورة أنه لا محذور في السفر إلى أرض العدو بمداد وورق وكاغد وإن النهي إنما وقع عن السفر بالكلام الذي تضمنه الورق والمداد فهو المقصود لذاته والورق والمداد مقصود قصد الوسائل ولهذا يرغب الناس في الكتاب المشتمل على الكلام الذي ينتفع به ويتنافسون فيه ويبذلون فيه أضعاف ثمن الكاغد والمداد لعلمهم أن المقصود هو الكلام نفسه لا المداد والورق. وكل ذي فطرة سليمة يعلم أن وجود الكلام في المصحف ليس بمنزلة وجود الحقائق الخارجية فيها ولا بمنزلة وجودها في محالها وأماكنها وظروفها ويجد الفرق بين كون الكلام في الورقة وبين كون الماء في الظرف. فهاهنا ثلاث معان متميزة لا يشبه كل منها الآخر فإن الحقائق الموجودة لها وجود عين ثم تعلم بعد ذلك ثم يعبر عن العلم بها ثم تكتب العبارة عنها فهذا العلم والعبارة والخط ليس هو أعيان تلك الحقائق بل هو وجودها الذهني العلمي في محله وهو القلب والذهن ووجودها اللفظي النطقي في محله وهو اللسان في الآدمي ووجودها الرسمي الخطي في محله وهو الكتاب أو ما يقوم مقامه من حفر في حجر أو خشب وقد افتتح الله وحيه إلى رسوله بإنزال: اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم [العلق: 1] فأخبر سبحانه أنه خلق الحقائق الموجودة وعلم الحقائق العلمية وذكر تعليمه بالقلم وهو الخط وهو مستلزم تعليم البيان النطقي وهو العبارة وتعليم العلم بمدلولها وهو الصورة العلمية المطابقة للحقيقة فأول المراتب الوجود الخارجي وبينه(1\/519)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "502",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12900",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبين الكتاب مرتبتان وبينه وبين الوجود العلمي مرتبة اللفظ فقط وليس بينه وبين اللفظ مرتبة أخرى. إذا عرف هذا فكون الرب تعالى وأسمائه وصفاته في الكتاب غير كون كلامه في الكتاب فهذا شيء وهذا شيء وهذا شيء فكونه في الكتاب هو اسمه وأسماء صفاته والخبر عنه وهو نظير كون القيامة والجنة والنار والصراط والميزان في الكتاب إنما ذلك أسماؤها والخبر عنها وأما كون كلامه في المصحف والصدور فهو نظير كون كلام رسوله في الكتاب وفي الصدور فمن سوى بين المرتبتين فهو ملبس أو ملبوس عليه. يوضحه أنه سبحانه أخبر أن القرآن في زبر الأولين وأخبر أنه في صحف مطهرة يتلوها رسله ومعلوم أن كونه في زبر الأولين ليس مثله كونه في المصحف الذي عندنا وفي الصحف التي بأيدي الملائكة فإن وجوده في زبر الأولين هو ذكره والخبر عنه كوجود رسوله فيها قال تعالى: الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل [الأعراف: 157] فوجود الرسول في التوراة والإنجيل ووجود القرآن فيه واحد فمن جعل وجود كلام الله في المصحف كذلك فهو أضل من حمار أهله. وقد علم بذلك أن لا يحتاج إلى حذلقة متحذلق يقول: إنه لا بد من حذف وإضمار وتقديره (عبارة كلام الله في المصحف أو حكايته) فإنك إذا قلت في هذا الكتاب كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كلام الشافعي وأحمد فإن كل أحد يفهم المراد بذلك ولا يتوقف فهمه على حذف وإضمار كما لا يذهب وهمه إلى أن صفة المتكلم والقول القائم به الصوت واللفظ المسموع منه فارق ذاته وانفصل من محله وانتقل إلى محل آخر. هذا كله أمر محسوس مشهود لا ينازع فيه من فهمه إلا عنادا لكن قد لا يفهمه بعض الناس لفرط بلادة وعمى قلب أو غلبة هوى. ومما يوضح هذا أن الله سبحانه كتب مقادير الخلائق عنده قبل أن يخلق السماوات والأرض كتابا مفصلا محيطا بالكائنات وأخبرنا بذلك في كتابه فالخبر عنها مكتوب في المصاحف في قوله: وكل شيء أحصيناه في إمام مبين [يس: 12] والإمام هو الكتاب(1\/520)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "503",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12901",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل سماع كلام الله مباشرة وبواسكة",
        "content": "ومعلوم قطعا أن كتابتها في الكتاب السابق ليس هو مثل كتابتها في القرآن فإن ذلك كتابة مفصلة وهذا إخبار عنها فكتابة اسم القرآن في رق أو غيره ليس هو مثل كتابة معانيه وإذا كتب كلام المتكلم في كتاب لم تكن الحروف المكتوبة من جنس الحروف الملفوظة لا من حيث المادة ولا من حيث الصورة حتى يقال انتقلت تلك الحروف بمادتها وصورتها وحلت في الكتاب ولا يتوهم هذا سليم العقل والحواس.  [فصل سماع كلام الله مباشرة وبواسكة] فصل وكلام الرب تعالى بل كلام كل متكلم تدرك حروفه وكلماته بالسمع تارة وبالبصر تارة فالسمع نوعان: مطلق ومقيد فالمطلق ما كان بغير واسطة كما سمع موسى بن عمران كلام الرب تعالى من غير واسطة بل كلمه تكليما منه إليه وكما يسمع جبرائيل وغيره من الملائكة كلامه وتكليمه سبحانه وأما المقيد فالسمع بواسطة المبلغ كسماع الصحابة وسماعنا لكلام الله حقيقة بواسطة المبلغ عنه كما يسمع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بل وكلام غيره كمالك والشافعي وسيبويه والخليل بواسطة المبلغ فقوله تعالى: فأجره حتى يسمع كلام الله [التوبة: 6] من النوع الثاني وكذلك قوله: وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول [المائدة: 83] وقوله في الحديث quot; كأن الناس لم يسمعوا القرآن إذا سمعوه يوم القيامة من الرحمن quot; من النوع الأول ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: quot; ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان quot;. وأما النظر فعلى نوعين أيضا فإن المكتوب قد يكتبه غير من يتكلم به فيكون الناظر إليه ناظرا إلى الحروف والملمات بواسطة ذلك الكاتب وقد يكون المتكلم نفسه كتب كلامه في نظر الناظر إلى حروفه وكلماته التي كتبها بيده كما سمع منه كلماته التي تكلم بها وهذا كما كتب لموسى التوراة بيده بغير واسطة كما في الحديث الصحيح في قصة احتجاج آدم موسى وفي حديث الشفاعة وغير ذلك فجمع لموسى بين الأمرين: أسمعه كلامه بغير واسطة وأراه إياه بكتابته.(1\/521)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "504",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12902",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل وجود القرآن في المصحف",
        "content": "[فصل وجود القرآن في المصحف] فصل قالت فرقة: القرآن في المصحف بمنزلة وجود الأعيان في السماوات والأرض والجنة والنار ووجوب اسم الرب في ورقة أو صحيفة وهذا جهل عظيم فإن الفرق بين كون وجود القرآن في الصحف أظهر من أن يحتاج إلى بيان ويكفي المراتب الأربعة التي هم معترفون بصحتها ومحتجون بها فالقرآن كلام وجوده في المصحف من باب وجود الكلام في الصحف ومعلوم أن وجود الكلام في المصحف هو وجود المرتبة الثالثة في الرابعة: وجود عيني ووجود ذهني ووجود لفظي ووجود رسمي فإذا وجد الكلام في المصحف كان وجود المرتبة الثالثة في الرابعة لا بمعنى أن اللفظ الذي هو حروف وأصوات انتقل بنفسه وصار أشكالا مدادية بل ذلك أمر معقول مشهود بالحس يعرفه العقلاء قاطبة. نعم: وجود القرآن في زبر الأولين من باب وجود المرتبة الأولى في الرابعة فمن سوى بين وجود ثم ووجوده في المصحف فهو جاهل أو ملبس وليس القرآن بعينه موجودا في زبر الأولين وإنما فيها خبره وذكره والشهادة له فيها مذكور مخبر عنه وهو في المصحف ذكر وخبر وشاهد وقصص وأمر ونهي فأين أحدهما من الآخر فقوله تعالى: وإنه لفي زبر الأولين [الشعراء: 196] وقوله: إن هذا لفي الصحف الأولى [الأعلى: 18] ليس مثل قوله: إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون [الواقعة: 77] وقوله: يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة [البينة: 2] ومن سوى بينهما لومه أن يقول إن هذا القرآن العربي بعينه أنزل على من قبلنا أو أن يقول إن المصحف ليس فيه قرآن إنما فيه ذكره والخبر عنه كما هو في الصحف الأولى وكلا الأمرين معلوم البطلان عقلا وشرعا. وقد انفصلوا عن هذا السؤال بأن قالوا: المكتوب المحفوظ المتلو هو الحكاية أو العبارة المؤلفة المنطوقة بها التي خلقها الله في الهواء أو في اللوح المحفوظ أو في نفس الملك فيقال: هذه عندكم ليس كلام الله إلا على المجاز وقد علم بالاضطرار أن هذا الكلام العربي هو القرآن وهو كتاب الله وهو كلامه قال تعالى:(1\/522)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "505",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12903",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن [الأحقاف: 29] الآية فأخبر أن الذي سمعوه هو نفس القرآن وهو الكتاب وقال تعالى: وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له [الأعراف: 204] فأخبر أن الذي يسمع هو القرآن بنفسه وعندهم أن القرآن يستحيل أن يقرأ لأنه ليس بحروف ولا أصوات وإنما هو واحد الذات ليس سورا ولا آيات وقال تعالى: وإذا قرأت القرآن - ورتل القرآن ترتيلا - وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس - وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله [التوبة: 45 - 6] وعندهم أن الذي يسمع ليس كلام الله على الحقيقة وإنما هو مخلوق حكي به كلام الله (على أحد قوليهم) وعبارة عبر بها عن كلامه (على القول الآخر) وهي مخلوقة على القولين فالمقروء والمسموع والمكتوب والمحفوظ ليس هو كلام الله وإنما هو عبارة عبر بها عنه كما يعبر عن الذي لا ينطق ولا يتكلم من أخرس أو عاجز بل هو عندهم دون ذلك ما يعبر عن حال الشيء فيقال: قال كذا وكذا بلسان حاله لما لا يقبل النطق فإن الأخرس والعاجز قابل النطق فهو أحسن حالا ممن لا يقبله. فعندهم أن الملك فهم عن الله تعالى معنى مجردا قائما بنفسه ثم الملك عبر عن الله فهو الذي أحدث نظم القرآن وألفه فيكون إيحاؤه سبحانه إلى الملك مثل الوحي الذي يوحيه إلى الأنبياء إذ لا تكلم هناك ولا خطاب والملك لا يسمع من الله شيئا ولا النبي وعلى هذا فيكون ما أوحاه إلى النبي بالإلهام أو منام أشرف من تنزيل القرآن على الرسول على هذا التقدير فإن ما أوحاه في الموضعين معنى مجردا لكن القرآن بواسطة الملك ووحي إلهام والإلهام بغير واسطة وما ارتفعت فيه الوسائط فهو أشرف. ولما أصلت الجهمية هذا الأصل وبنوا عليه وجعلوا تكليم الرب تعالى للرسل والملائكة هو مجرد إيحاء المعاني صار خلق من متعبديهم ومتصوفيهم يدعون أنهم يخاطبون وأن الله يكلمهم كما كلم موسى بن عمران ويزعمون أن التحديث الذي يكون للأولياء مثل تكليم الله لموسى بن عمران إذ ليس هناك غير مجرد الإلهام وبعضهم يقول إن الله خاطبني من لسان هذا الآدمي وخاطب موسى من الشجرة(1\/523)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "506",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12904",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والآدمي أكمل من الشجرة وبعض متأخرين صرح بأن الله خلق تلك المعاني في قلب الرسول وخلق العبارة الدالة عليها في لسانه فعاد القرآن إلى عبارة مخلوقة دالة على معنى مخلوق في قلب الرسول. ويعجب هذا القائل من نصب الخلاف بينهم وبين المعتزلة وقال: ما نثبته نحن من المعنى القائم بالنفس فهو من جنس العلم والإرادة والمعتزلة لا تنازعنا في ذلك غاية ما في الباب أنا نحن نسميه كلاما وهم يسمونه علما وإرادة وأما هذا النظم العربي الذي هو حروف وكلمات وسور وآيات فنحن وهم متفقون على أنه مخلوق لكن هم يسمونه قرآنا ونحن نقول هو عبارة عن القرآن أو حكاية عنه. فتأمل هذه الأخوة التي بين هؤلاء وبين هؤلاء المعتزلة الذين اتفق السلف على تكفيرهم وأنهم زادوا على المعتزلة في التعطيل فالمعتزلة قالوا: هذا الكلام العربي هو القرآن حقيقة لا عبارة عنه وهو كلام الله وإنه غير مخلوق. ومن هنا استخف كثير من أتباعهم بالمصحف وجوزوا دوسه بالأرجل لأنه بزعمهم ليس فيه إلا الجلد والورق والزاج والعفص والحرمة التي ثبتت له دون الحرمة التي ثبتت لديار ليلى وجدرانها بكثير فإن تلك الديار حلت فيها ليلى ونزلت بها وهذا الجلد والورق إنما حل فيه المداد والأشكال المصورة الدالة على عبارة كلام الله المخلوقة. قال أبو الوفا بن عقيل في خطبة كتابه في القرآن: أما بعد فإن سبيل الحق قد عفت آثارها وقواعد الدين قد انحط شعارها والبدعة قد تضرمت نارها وظهر في الآفاق شرارها وكتاب الله عز وجل بين العوام غرض ينتضل وعلى ألسنة الطغام بعد الاحترام يبتذل وتضرب آياته بآياته جدالا وخصاما تنتهك حرمته لغوا وآثاما قد هون في نفوس الجهال بأنواع المحال حين قيل ليس في المصحف إلا الورق والخط المستحدث المخلوق وإن سلطت عليه النار احترق وأشكال في قرطاس قد لفقت إزدراء بحرمته واستهانة بقيمته وتطفيفا في حقوقه وجحودا لفضيلته حتى لو كان القرآن حيا ناطقا لكان ذلك متظلما ومن هذه البدعة متوجعا متألما أترى ليس هذا الكتاب الذي قال الله فيه وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد [فصلت: 41] وقال إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون [الواقعة: 77](1\/524)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "507",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12905",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك",
        "content": "وقال: والطور وكتاب مسطور في رق منشور [الطور: 1] أو ليس الحبر والورق قبل ظهور الحروف المكتوبة لا يمنع من مسه المحدثون وإذا ظهرت الحروف المكتوبة صار لا يمسه إلا المطهرون [الواقعة: 79] أليس هذا الكتاب الذي قال فيه صاحب الشريعة تنزيلا وتجليلا: quot; لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم quot; أليس الله تعالى يقول في كتابه يايحيى خذ الكتاب بقوة [مريم: 12] وقال في حق موسى وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة [الأعراف: 145] أفترى من القوة تهوينها عند المكلفين والازدراء بها عند المتخلفين يزخرفون للعوام عبارة يتوقون بها إنكارهم ويدفنون فيها معنى لو فهمه الناس لعجلوا بوارهم ويقولون: تلاوة ومتلو وقراءة ومقروء وكتابة ومكتوب هذه الكتابة معلومة فأين المكتوب وهذه التلاوة مسموعة فأين المتلو يقولون: القرآن عندنا قديم قائم بذاته سبحانه وإنما هي زخارف لبسوا بها ضلالتهم وإلا فالقرآن مخلوق عندهم لا محالة فقد انكشف للعلماء منهم هذه المقالة يقدمون رجلا نحو الاعتزال فلا يتجاسرون ويؤخرون أخرى نحو أصحاب الحديث ليستتروا فلا يتظاهرون إن قلنا لهم ما مذهبكم في القرآن قالوا: قديم غير مخلوق وإن قلنا فما القرآن أليس هو السور المسورة والآيات المسطرة في الصحف المطهرة أليس هو المحفوظ في صدور الحافظين أليس هو المسموع من ألسنة التالين قالوا: إنما هو حكايته وما أشرتم إليه عبارته وأما القرآن فهو قائم في نفس الحق غير ظاهر في إحساس الخلق فانظروا معاشر المسلمين إلى مقالة المعتزلة كيف جاءوا بها في صورة أخرى. ثم ساق الكلام في بيان أن القرآن اسم لهذا الكتاب العربي الذي نزل به جبرائيل من رب العالمين على قلب رسوله صلى الله عليه وسلم وأجراه على لسانه وأن الله تعالى تكلم به حقا فسمعه منه جبرائيل فأداه إلى رسوله فأداه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الأمة.  [فصل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك] فصل قال شيخ الإسلام: أول ما ظهر إنكار أن الله سبحانه يتكلم بصوت في أثناء المائة الثالثة فإنه لما ظهرت الجهمية المعطلة في إمارة أبي العباس المأمون وأدخلته في آرائها بعد أن كانوا أذلاء مقموعين وهؤلاء كان عندهم أن الله لا يتكلم أصلا بحرف(1\/525)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "508",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12906",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا صوت ولا معنى ولا يرى ولا هو مستو على عرشه ولا علم ولا حياة ولا إرادة ولا حكمة تقوم به فلما وقعت المحنة وثبت الله خلفاء الرسل وورثة الأنبياء على ما ورثوه عن الأنبياء والمرسلين وعلموا أن باطل أولئك هو نفاق مشتق من أقوال المشركين والصابئين الذين هم أعداء الرسول وسوس الملك وظهر للأمة سوء مذاهب الجهمية وما فيها من التعطيل ظهر حينئذ عبد الله بن سعيد بن كلاب البصري وأثبت الصفات موافقة لأهل السنة ونفى عنها الخلق ردا على الجهمية والمعتزلة ولم يفهم لنفي الخلق عنها معنى إلا كونها قديمة قائمة بذاته سبحانه فأثبت قدم العلم والسمع والبصر والكلام وغيرها ورأى أن القديم لا يتصور أن يكون حروفا وأصواتا لما فيها من التعاقب وسبق بعضها بعضا فجعل كلام الله القديم الذي ليس بمخلوق هو مجرد معنى أو معان محصورة وسلك طريقة خالف فيها المعتزلة ولم يوافق فيها أهل الحديث في كل ما هم عليه فلزم من ذلك أن يقول إن الله لم يتكلم بصوت وحرف وتبعه طائفة من الناس. وأنكر ذلك الإمام أحمد وأصحابه كلهم والبخاري صاحب الصحيح فقال عبد الله بن أحمد في كتاب السنة: قلت لأبي: يا أبت إن قوما يقولون إن الله لم يتكلم بصوت فقال: يا بني هؤلاء الجهمية إنما يدورون على التعطيل يريدون أن يلبسوا على الناس بلى تكلم بصوت. ثم قال حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي حدثنا الأعمش حدثنا مسلم بن صبيح عن مسروق عن عبد الله قال: إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء كجر السلسلة على الصف  وصرح البخاري بأن الله يتكلم بحرف وصوت وذكر في كتابه الصحيح حديث جابر quot; يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب quot; فاحتج به في الباب وإن ذكره تعليقا وذكر عن مسروق عن ابن مسعود: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات شيئا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق من ربهم ونادوا: ماذا قال ربكم قالوا الحق .(1\/526)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "509",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12907",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل منشأ النزاع هل كلام الرب بمشيئتة أم لا",
        "content": "وكذلك ابن القاسم صاحب مالك صرح في رسالته في السنة: إن الله يتكلم بصوت وهذا لفظه قال: والإيمان بأن الله كلم موسى بن عمران بصوت سمعه موسى من الله تعالى لا من غيره فمن قال غير هذا أو شك فقد كفر حكى ذلك ابن شكر في الرد على الجهمية عنه. وكذلك أبو الحسن بن سالم شيخ سهل بن عبد الله التستري صرح بذلك وكان الحارث المحاسبي ينكر أولا أن الله يتكلم بصوت ثم رجع عن ذلك وحكى عنه الكلاباذي في كتاب (التعرف لمذهب التصوف) أنه كان يقول: إن الله يتكلم بصوت وهذا آخر قوله كما ذكره معمر بن زياد الأصبهاني في أخبار الصوفية أن الحارث كان يقول: إن الله يتكلم بلا صوت ثم رجع عن ذلك. وكذلك قام إمام الأئمة محمد بن خزيمة وأبو نصر السجزي وشيخ الإسلام الأنصاري وأبو عمر الطمنكي كلهم يصرح أن الله تعالى يتكلم بصوت والبخاري في كتاب خلق الأفعال.  [فصل منشأ النزاع هل كلام الرب بمشيئتة أم لا] فصل منشأ النزاع بين الطوائف أن الرب تعالى هل يتكلم بمشيئته أم كلامه بغير مشيئته على قولين فقالت طائفة: كلامه بغير مشيئته واختياره ثم انقسم هؤلاء أربع فرق قالت فرقة: هو فيض فاض منه بواسطة العقل الفعال على نفس شريفة فتكلمت به كما يقول ابن سينا وأتباعه وينسبونه إلى أرسطو. وفرقة قالت: بل هو معنى قائم بذات الرب تعالى هو به متكلم وهو قول الكلابية ومن تبعهم وانقسم هؤلاء فريقين فرقة قالت: هو معان متعددة في أنفسها أمر ونهي وخبر واستخبار ومعنى جامع لهذا الأربعة وفرقة قالت: بل هو معنى واحد بالعين لا ينقسم ولا يتبعض. وفرقة قالت: كلامه هو هذه الحروف والأصوات خلقها خارجة عن ذاته فصار بها متكلما وهذا قول المعتزلة وهو في الأصل قول الجهمية تلقاه عنهم أهل الاعتزال فنسب إليهم. وفرقة قالت: يتكلم بقدرته ومشيئته كلاما قائما بذاته سبحانه كما يقول به سائر أفعاله لكنه حادث النوع وعندهم أنه صار متكلما بعد أن لم يكن متكلما كما قاله من(1\/527)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "510",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12908",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يصفهم من المتكلمين أنه صار فاعلا بعد أن لم يكن فقول هؤلاء في الفعل المتصل كقول أولئك في الفعل المنفصل وهذا قول الكرامية. وفرقة قالت: يتكلم بمشيئته وكلامه سبحانه هو الذي يتكلم به الناس كله حقه وباطله وصدقه وكذبه كما يقوله طوائف الاتحادية. وقال أهل الحديث والسنة: إنه لم يزل سبحانه متكلما إذا شاء ويتكلم بمشيئته ولم تتجدد له هذه الصفة بل كونه متكلما بمشيئته هو من لوازم ذاته المقدسة وهو بائن عن خلقه بذاته وصفاته وكلامه وليس متحدا بهم ولا حالا فيهم. واختلفت الفرق هل يسمع كلام الله على الحقيقة فقالت فرقة: لا يسمع كلامه على الحقيقة إنما يسمع حكايته والعبارة عنه وهذا قول الكلابية ومن تبعهم وقالت بقية الطوائف بل يسمع كلامه حقيقة ثم اختلفوا فقالت فرقة: يسمعه كل أحد من الله وهذا قول الاتحادية وقالت فرقة: بل لا يسمع إلا من غيره وعندهم يسمع كلام الله منه فهذا قول الجهمية والمعتزلة. وقال أهل السنة والحديث يسمع كلامه سبحانه منه تارة بلا واسطة كما سمعه موسى وجبرائيل وغيره وكما يكلم عباده يوم القيامة ويكلم أهل الجنة ويكلم الأنبياء في الموقف ويسمع من المبلغ عنه كما سمع الأنبياء الوحي من جبرائيل تبليغا عنه وكما سمع الصحابة القرآن من الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله فسمعوا كلام الله بواسطة المبلغ وكذلك نسمع نحن بواسطة التالي. فإذا قيل: المسموع مخلوق أو غير مخلوق قيل إن أردت المسموع عن الله فهو كلامه غير مخلوق وإن أردت المسموع من المبلغ ففيه تفصيل فإن سألت عن الصوت الذي روي به كلام الله فهو مخلوق وإن سألت عن الكلام المؤدى بالصوت فهو غير مخلوق والذين قالوا: إن الله يتكلم بصوت أربع فرق: فرقة قالت: يتكلم بصوت مخلوق منفصل عنه وهم المعتزلة. وفرقة قالت: يتكلم بصوت قديم لم يزل ولا يزال وهم السالمية والاقترانية. وفرقة قالت: يتكلم بصوت قديم حادث في ذاته بعد أن لم يكن وهم الكرامية.(1\/528)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "511",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12909",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل هل يمكن وجود حرف نطقي بلا صوت",
        "content": "وقال أهل السنة والحديث: لم يزل الله متكلما بصوته إذا شاء. والذين قالوا: لا يتكلم بصوت فرقتان: أصحاب الفيض والقائلون إن الكلام معنى قائم بالنفس. واختلفت الطوائف في مسمى الكلام فقالت طائفة: هو حقيقة في المعنى مجاز في اللفظ وهذا قول الأشعري وقالت طائفة: هو حقيقة في الألفاظ مجاز في المعنى وهذا قول المعتزلة وقالت طائفة: بل هو حقيقة في اللفظ والمعنى فإطلاقه على اللفظ وحده حقيقة وعلى المعنى وحده حقيقة وهذا قول أبي المعالي الجويني وغيره. وقالت طائفة: بل الكلام حقيقة في الأمرين على سبيل الجمع فكل منهما جزء مسماه فدلالته عليهما بطريق المطابقة ودلالته على كل واحد منهما بمفرده بطريق التضمن وهذا قول أكثر العقلاء فإنما استحق الاسم للفظه ومعناه كما أن الإنسان إنما استحق اسم الإنسان لجسمه ونفسه فمجموعهما هو الإنسان. وقالت طائفة: بل هو حقيقة في النفس مجاز في البدن وعكس ذلك طائفة وقالت طائفة: يطلق على كل منهما إنه إنسان بطريق الاشتراك. والتحقيق أنه اسم لهذه الذات المركبة من النفس والبدن فهذا اختلافهم في الناطق ونطقه.  [فصل هل يمكن وجود حرف نطقي بلا صوت] فصل واتفقوا على أنه يمكن أن يوجد صوت بلا حرف واختلفوا هل يمكن وجود حرف نطقي بلا صوت على القولين وهي مسألة فقهية أصولية يبنى عليها أن كل موضع اعتبر فيه النطق هل يشترط أن يسمع نفسه أو يكون بحيث لا يسمعها فشرط ذلك أصحاب الشافعي والمتأخرون من أصحاب أحمد ولم يشترطه أصحاب أبي حنيفة وهذا أقوى فإن حركة اللسان تميز الحروف بعضها من بعض وإن لم يكن هناك صوت وقد قال تعالى: لا تحرك به لسانك لتعجل به [القيامة: 16] فدل على أن تحريك اللسان بحروفه مقدور داخل تحت النهي.(1\/529)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "512",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12910",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل الاحتجاج بالأحاديث النبوية على إثبات صفات الله المقدسة العلية",
        "content": "[فصل الاحتجاج بالأحاديث النبوية على إثبات صفات الله المقدسة العلية] [المقام الأول بيان إفادة النصوص الدلالة القاطعة على مراد المتكلم] فصل في الاحتجاج بالأحاديث النبوية على الصفات المقدسة العلية وكسر طاغوت أهل التعطيل الذين قالوا: لا يحتج بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء من صفات ذي الجلال والإكرام. قالوا: الأخبار قسمان: متواتر وآحاد فالمتواتر وإن كان قطعي السند لكنه غير قطعي الدلالة فإن الدلالة اللفظية لا تفيد اليقين وبهذا قدحوا في دلالة القرآن على الصفات والآحاد لا تفيد العلم فسدوا على القلوب معرفة الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم وأحالوا الناس على قضايا وهمية ومقدمات خيالية سموها قواطع عقلية وبراهين نقلية وهي في التحقيق كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب [النور: 39] . ومن العجب أنهم قدموها على نصوص الوحي وعزلوا لأجلها النصوص والكلام على ذلك في عشر مقامات. أحدها: في بيان إفادة النصوص الدلالة القاطعة على مراد المتكلم وقد تقدم إشباع الكلام في ذلك. الثاني: أين هذه الأخبار التي زعموا أنها آحاد موافقة للقرآن مفسرة له مفصلة لما أجمله وموافقة للمتواتر منها. الثالث: بيان وجوب تلقيها بالقبول. الرابع: إفادتها للعلم واليقين. الخامس: بيان أنها لو لم تفد اليقين فأقل درجاتها أن تفيد الظن الراجح ولا يمتنع إثبات بعض الصفات والأفعال به. السادس: إن الظن الحاصل بها أقوى من الجزم المسند إلى تلك القضايا الوهمية الخيالية. السابع: بيان أن كون الشيء قطعيا أو ظنيا أمر نسبي إضافي لا يجب الاشتراك فيه فهذه الأخبار تفيد العلم عند من له عناية بمعرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ومعرفة أحواله ودعوته على التفصيل دون غيرهم.(1\/530)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "513",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12911",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "المقام الثاني موافقة القرآن للحديث",
        "content": "الثامن: بيان الإجماع المعلوم على قبولها وإثبات الصفات بها. التاسع: بيان أن قولهم خبر الواحد لا يفيد العلم قضية كاذبة باتفاق العقلاء إن أخذت عامة كلية وإن أخذت خاصة جزئية لم تقدح في الاستدلال بجملة أخبار الآحاد على الصفات. العاشر: جواز الشهادة لله سبحانه بما دلت عليه هذه الأخبار والشهادة على رسوله صلى الله عليه وسلم أنه أخبر بها عن الله. أما المقام الأول فقد تقدم تقريره.  [المقام الثاني موافقة القرآن للحديث] وأما المقام الثاني فنقول هذه الأخبار الصحيحة في هذا الباب يوافقها القرآن ويدل على مثل ما دلت عليه فهي مع القرآن بمنزلة الآية مع الآية والحديث مع الحديث المتفقين وهما كما قال النجاشي في القرآن: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة ومعلوم أن مطابقة هذه الأخبار للقرآن وموافقتها له أعظم من مطابقة التوراة للقرآن. فلما كانت الشهادة بأن هذه الأخبار والقرآن يخرجان من مشكاة واحدة فنحن نشهد الله على ذلك شهادة على القطع والبت إذ شهد خصومنا شهادة الزور أنها تخالف العقل وما يضرها أن تخالف تلك العقول المنكوسة إذا وافقت الكتاب وفطرة الله التي فطر عباده عليها والعقول المؤيدة بنور الوحي وكذلك شهادة ورقة بن نوفل بموافقة القرآن لما جاء به موسى. فإذا كان في القرآن أن لله علما وقدرة فذكرنا قول النبي صلى الله عليه وسلم quot; اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك quot; وكذلك قوله في الحديث الآخر quot; اللهم إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق quot; كان هذان الخبران مع القرآن بمنزلة الآية مع الآية وكذلك قوله في الحديث لأهل الجنة quot; أحل عليكم رضواني quot; وقوله في حديث الشفاعة quot; إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله quot;(1\/531)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "514",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12912",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأحاديث: إن الله يحب كذا ويكره كذا  وأحاديث إن الله يعجب من كذا  وأحاديث ذكر المشيئة وأحاديث الكلام والتكليم وأحاديث الرؤية والتجلي وأحاديث الوجه وأحاديث اليدين وأحاديث المجيء والنزول والإتيان وأحاديث علو الرب على عرشه واستوائه عليه وفوقيته وحديث ندائه بالصوت وقربه من داعيه وعابديه وغير ذلك من أحاديث الموافقة للقرآن كان قول المبطل: هذه الآحاد لا تفيد العلم بمنزلة قول من قال في قصص القرآن إنها لا تفيد العلم. وهكذا قال المبطلون سواء وإن اختلفت جهة إبطال العلم عندهم من نصوص الوحي فنصوص القرآن عندهم لا تفيد علما من جهة الدلالة وهذه لا تفيد علما من هذه الجهة ومن جهة السند وهذا إبطال لدين الإسلام رأسا بل ذكر هذه الأحاديث بمنزلة ذكر أخبار المعاد والجنة والنار التي شهدت بما شهد به القرآن وبمنزلة الأخبار الواردة في قصص الأولين وأخبار الأنبياء الموافقة لما في القرآن. ومن هذا أخبار الأحاديث الصحيحة المروية في أسباب نزول القرآن وبيان المراد منه فإنها تشهد باتفاق القرآن والحديث فهذه الأحاديث تقرر نصوص القرآن وتكشف معانيها كشفا مفصلا وتقرب المراد وتدفع عنه الاحتمالات وتفسر المجمل منه وتبينه وتوضحه لتقوم حجة الله به ويعلم أن الرسول بين ما أنزل إليه من ربه وأنه بلغ ألفاظه ومعانيه بلاغا مبينا حصل به العلم اليقيني بلاغا أقام الحجة وقطع المعذرة وأوجب العلم وبينه أحسن البيان وأوضحه. ولهذا كان أئمة السلف وأتباعهم يذكرون الآيات في هذا الباب ثم يتبعونها بالأحاديث الموافقة لها كما فعل البخاري ومن قبله ومن بعده من المصنفين في السنة فإن الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهما يحتجون على صحة ما تضمنته أحاديث النزول والرؤية والتكليم والوجه واليدين والإتيان والمجيء بما في القرآن ويثبتون اتفاق دلالة القرآن والسنة عليها وأنهما من مشكاة واحدة ولا ينكر ذلك من له أدنى معرفة وإيمان وإنما يحسن الاستدلال على معاني القرآن بما رواه الثقات عن الرسول صلى الله عليه وسلم ورثة الأنبياء ثم يتبعون ذلك بما قاله الصحابة والتابعون أئمة الهدى. وهل يخفى على ذي عقل سليم أن تفسير القرآن بهذه الطريق خير مما هو مأخوذ عن أئمة الضلال وشيوخ التجهم والاعتزال كالمريسي والجبائي والنظام والعلاف وأضرابهم من أهل التفرق والاختلاف الذين أحدثوا في الإسلام ضلالات وبدعا وفرقوا دينهم وكانوا شيعا وتقطعوا أمرهم بينهم كل حزب بما لديهم فرحون.(1\/532)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "515",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12913",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا لم يجز تفسير القرآن بإثبات ما دل عليه وحصول العلم واليقين بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الثابتة وكلام الصحابة وتابعيهم أفيجوز أن يرجع في معاني القرآن إلى تحريفات جهم وشيعته وتأويلات العلاف والنظام والجبائي والمريسي. وعبد الجبار وأتباعهم من كل أعمى أعجمي القلب واللسان بعيد عن السنة والقرآن مغمور عند أهل العلم والإيمان . فإذا كانت أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفيد علما فجميع ما يذكره هؤلاء من اللغة والشعر الذي يحرفون به القرآن والسنن أولى وأحرى أن لا يفيد علما ولا ظنا. فمن المعلوم بالضرورة أن المجازات والاستعارات والتأويلات التي استفادوها من اللغة والشعر الذي لم ينقله إلا الآحاد دون ما يستفاد من نقل أهل الحديث وعلمنا بمراد هذا الناظم والناثر من كلامه دون علمنا بمراد الله ورسوله والصحابة من كلامهم بكثير فإذا كان هذا دون كلام الله ورسوله في النقل والدلالة لم يكن حمل معاني القرآن عليه بأولى من حملها على معنى الحديث والآثار وإذا لم يكن لنا طريق إلى العلم بمعناه إلا جهة نقل الشعر وغرائب اللغة ووحشيها وأفهام الجهمية والمعطلة لا من طريق نقل الأحاديث والآثار تعطلت دلالة الكتاب والسنة وسقط الاستدلال بهما وحصلت لنا الحوالة على أفراخ المجوس وورثة الصابئين وتلامذة الفلاسفة وأوقاح المعتزلة. ثم لو ثبت بنقل العدل عن العدل أن الشاعر والناثر أرادا ذلك المعنى بهذا اللفظ لم يكن إثبات اللغة بمجرد هذا الاستعمال أولى من إثباتها بالاستعمال المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ولا أولى من استعمال القرآن المطرد ذلك المعنى في تلك النظائر وعموم المعنى لموارد استعمال ذلك اللفظ ولهذا تسمى تلك الألفاظ quot; النظائر quot; وفيها صنفت كتب الوجوه والنظائر فالوجوه الألفاظ المشتركة والنظائر والألفاظ المتواطئة (الأول) فيما اتفق لفظه واختلف معناه (والثاني) فيما اتفق لفظه ومعناه. فحمل كلام الله سبحانه على ما يؤخذ من النظائر في كلامه وكلام رسوله وكلام أصحابه الذين كانوا يتخاطبون بلغته والتابعين الذين أخذوا عنهم أولى من حمل معانيه على ما يؤخذ من كلام بعض الشعراء والأعراب فالاحتمال يتطرق إلى فهم كلام الله ورسوله والصحابة كما يتطرق إلى فهم كلام أولئك في نظمهم ونثرهم فما يقدر من احتمال مجاز وإضمار واشتراك وغيره فتطرقه إلى كلامهم كثر وهذا كله على طريق النزول وإلا فالأمر فوق ذلك وهذا يتبين بطريقين:(1\/533)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "516",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12914",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدهما: بيان استقامة هذه الطريق. الثاني: بيان أنه لا طريق يقوم مقامها. فأما المقام الأول فبيانه من وجوه: أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم بين لأصحابه القرآن لفظه ومعناه فبلغهم معانيه كما بلغهم ألفاظه ولا يحصل البيان والبلاغ المقصود إلا بذلك قال تعالى: لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل: 44] وقال: هذا بيان للناس [آل عمران: 138] وقال تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم [إبراهيم: 4] وقال تعالى: فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون [الدخان: 58] وقال تعالى: كتاب فصلت آياته [فصلت: 3] أي بينت وأزيل عنها الإجمال فلو كانت آياته مجملة لم تكن قد فصلت وقال تعالى: وما على الرسول إلا البلاغ المبين [النور: 54] وهذا يتضمن بلاغ المعنى وأنه في أعلى درجات البيان. فمن قال إنه لم يبلغ الأمة معاني كلامه وكلام ربه بلاغا مبينا بل بلغهم ألفاظه وأحالهم في فهم معانيه على ما يذكروه هؤلاء لم يكن قد شهد له بالبلاغ وهذا هو حقيقة قولهم حتى أن منهم من يصرح به ويقول: إن المصلحة كانت في كتمان معاني هذه الألفاظ وعدم تبليغها للأمة إما لمصلحة الجمهور ولكونهم لا يفهمون المعاني إلا في قوالب الحسيات وضرب الأمثال وإما لينال الكادحون ثواب كدحهم في استنباط معانيها واستخراج تأويلاتها من وحشي اللغات وغرائب الأشعار ويغوصون بأفكارهم الدقيقة على صرفها عن حقائقها ما أمكنهم. وأما أهل العلم والإيمان فيشهدون له بما يشهد الله به وشهدت به ملائكته وخيار القرون أنه بلغ البلاغ المبين القاطع للعذر المقيم للحجة الموجب للعلم واليقين لفظا ومعنى والجزم بتبليغه معاني القرآن والسنة كالجزم بتبليغه الألفاظ بل أعظم من ذلك لأن ألفاظ القرآن والسنة إنما يحفظها خواص أمته وأما المعاني التي بلغها فإنه يشترك في العلم بها العامة والخاصة. ولما كان بالمجمع الأعظم الذي لم يجمع لأحد مثله قبله ولا بعده في اليوم الأعظم في المكان الأعظم قال لهم: أنتم مسئولون عني فما أنتم قائلون قالوا: نشهد(1\/534)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "517",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12915",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنك قد بلغت وأديت ونصحت ورفع أصبعه إلى السماء رافعا لها من هو فوقها وفوق كل شيء قائلا: quot; اللهم اشهد quot; فكأنا شهدنا تلك الأصبع الكريمة وهي مرفوعة إلى الله وذلك اللسان الكريم وهو يقول: quot; اللهم اشهد quot; ونشهد أنه بلغ البلاغ المبين وأدى رسالة ربه كما أمر ونصح أمته غاية النصيحة وكشف لهم طرائق الهدى وأوضح لهم معالم الدين وتركهم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها فلا يحتاج مع كشفه وبيانه إلى تنطع المتنطعين فالحمد لله الذي أغنانا بوحيه ورسوله عن تكلفات المتكلفين. قال أبو عبد الرحمن السلمي أحد أكابر التابعين الذين أخذوا القرآن ومعانيه عن مثل عبد الله بن مسعود وعثمان بن عفان وتلك الطبقة حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل فتعلمنا القرآن والعلم والعمل فالصحابة أخذوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألفاظ القرآن ومعانيه بل كانت عنايتهم بأخذ المعاني من عنايتهم بالألفاظ يأخذون المعاني أولا ثم يأخذون الألفاظ ليضبطوا بها المعاني حتى لا تشذ عنهم. قال حبيب بن عبد الله البجلي وعبد الله بن عمر: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا. فإذا كان الصحابة تلقوا عن نبيهم معاني القرآن كما تلقوا عنه ألفاظه لم يحتاجوا بعد ذلك إلى لغة أحد فنقل معاني القرآن عنهم كنقل ألفاظه سواء ولا يقدح في ذلك تنازع بعضهم في بعض معانيه كما وقع من تنازعهم في بعض حروفه وتنازعهم في بعض السنة لخفاء ذلك على بعضهم فإنه ليس كل فرد منهم تلقى من نفس الرسول صلى الله عليه وسلم بلا واسطة جميع القرآن والسنة بل كان بعضهم يأخذ عن بعض ويشهد بعضهم في غيبة بعض وينسى هذا بعض ما حفظه صاحبه قال البراء بن عازب: ليس كل ما نحدثكم سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن كان لا يكذب بعضنا بعضا. الوجه الثاني: أن الله سبحانه أنزل على نبيه الحكمة كما أنزل عليه القرآن وامتن بذلك على المؤمنين والحكمة هي السنة كما قال غير واحد من السلف وهو كما قالوا فإن الله تعالى قال: واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة [الأحزاب: 34] فنوع المتلو إلى نوعين: آيات وهي القرآن وحكمة وهي السنة والمراد بالسنة ما أخذ(1\/535)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "518",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12916",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى القرآن كما قال صلى الله عليه وسلم: quot; ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إنه مثل القرآن وأكثر quot;. وقال الأوزاعي عن حسان بن عطية كان جبرائيل ينزل بالقرآن والسنة ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن  فهذه الأخبار التي زعم هؤلاء أنه لا يستفاد منها علم نزل بها جبرائيل من عند الله عز وجل كما نزل بالقرآن وقال إسماعيل بن عبد الله: ينبغي لها أن تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها بمنزلة القرآن.  الوجه الثالث: أن الرجل لو قرأ بعض مصنفات في النحو والطب أو غيرهما أو قصيدة من الشعر كان من أحرص الناس على فهم معنى ذلك وكان من أثقل الأمور عليه قراءة كلام لا يفهمه فإذا كان السابقون يعلمون أن هذا كتاب الله وكلامه الذي أنزله إليهم وهداهم به وأمرهم باتباعه فكيف لا يكونون أحرص الناس على فهمه ومعرفة معناه من جهة العادة العامة والعادة الخاصة ولم يكن للصحابة كتاب يدرسون وكلام محفوظ يتفقهون فيه إلا القرآن وما سمعوه من نبيهم صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا إذا جلسوا يتذاكرون إلا في ذلك. قال البخاري: كان الصحابة إذا جلسوا يتذاكرون كتاب ربهم وسنة نبيهم ولم يكن بينهم رأي ولا قياس ولم يكن الأمر بينهم كما هو في المتأخرين: قوم يقرءون القرآن ولا يفهمونه وآخرون يتفقهون في كلام غيرهم ويدرسونه وآخرون يشتغلون في علوم أخر وصنعة اصطلاحية بل كان القرآن عندهم هو العلم الذي يعتنون به حفظا وفهما وعملا وتفقها وكانوا أحرص الناس على ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم وهو يعلم تأويله ويبلغهم إياه كما يبلغهم لفظه. فمن الممتنع أن يكونوا يرجعون إلى غيره في ذلك ومن الممتنع أن لا يعلمهم إياه وهم أحرص الناس على كل سبب ينال به العلم والهدى وهو أحرص الناس على تعلمهم وهدايتهم بل كان أحرص الناس على هداية الكفار كما قال تعالى: إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل [النحل: 37] وكان أعلم الناس بتفاصيل الأسماء(1\/536)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "519",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12917",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والصفات وحقائقها وكان أفصح الناس في التعبير عنها وإيضاحها وكشفها بكل طريق كما يفعله بإشارته وحاله كما في الصحيح عن عمر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: quot; يقبض الله سماواته بيده والأرض باليد الأخرى quot; وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض يده ويبسطها يحكي ربه تبارك وتعالى تحقيقا لإثبات اليد وصفة القبض والبسط لا تشبيها وتمثيلا وقال سعيد بن جبير: سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا [النساء: 58] فوضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه وقال هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها ويضع أصبعه  رواه أبو داود وغيره وفي حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( آخر من يدخل الجنة رجل. . .) فذكر الحديث وفيه قالوا: لم ضحكت يا رسول الله قال: quot; لضحك الرب منه حتى قال أتهزأ بي وأنت رب العالمين quot;. وفي حديث عبيد الله بن مقسم أنه رأى ابن عمر حين حكى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot; يأخذ الله سماواته وأرضه بيده فيقول أنا الله فيقبض أصابعه ويبسطها quot; وفي لفظ: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده يحكي ربه . وفي حديث نافع عن ابن عمر يرفعه quot; يأخذ الله السماوات والأرض فيدحوها بها كما يدحى بالكرة quot; ما زال يقولها حتى رجف به المنبر . وقال ابن وهب حدثنا أسامة بن زيد عن أبي حازم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على المنبر يخطب فقال: quot; يأخذ الله سماواته وأرضه فيجعلهما في كفه ثم يقول بهما هكذا كما يقول الغلام بالكرة: أنا الله الواحد العزيز quot;.(1\/537)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "520",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12918",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الباب حديث أبي الضحى عن ابن عباس: مر يهودي فقال: يا أبا القاسم ما تقول إذا وضع الجبار السماء على هذه والأرض على هذه . . . الحديث. وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم quot; والذي نفسي بيده لقلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن إذا شاء قال به هكذا quot; وأومأ بيده quot; وإذا شاء قال به هكذا quot; وأومأ بيده . وفي حديث ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: فلما تجلى ربه للجبل [الأعراف: 143] وأشار أنس بطرف إصبعه على أول بنان من الخنصر وكذلك أشار ثابت فقال له حميد: quot; ما تريد بهذا يا أبا محمد quot; فرفع ثابت يده فضرب بها صدره ضربة شديدة وقال: quot; من أنت يا حميد يحدثني أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وتقول أنت ما تريد بهذا  quot; ورواه عبد الله بن أحمد حدثني أبي قال: quot; حدثنا معاذ فذكره قال أحمد: يعني إنما أخرج طرف الخنصر وأراناه معاذ quot; وقال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( سألت ربي الشفاعة لأمتي فقال: لك سبعون ألفا بغير حساب قلت: رب زدني قال: فإن لك هكذا وهكذا وحثى بين يديه وعن يمينه وعن شماله quot; وقال أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم quot; تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم بيده خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة quot; ومن هذا حديث الأطيط وقوله: quot; إن كرسيه وسع السماوات والأرض وإنه ليقعد عليه فما يفضل منه قدر أربع أصابع وإن له أطيطا كأطيط الرحل إذا ركب من ثقله quot; وقال عمر بن الخطاب: إذا جلس الرب عز وجل على الكرسي سمع له أطيط الرحل الجديد  فاقشعر رجل عند وكيع وهو يرويه فغضب وقال: أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون بهذه الأحاديث ولا ينكرونها.(1\/538)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "521",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12919",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن ذلك قوله: quot; إنكم ترون ربكم عيانا كما ترون القمر ليلة البدر صحوا ليس دونه سحاب quot; تحقيقا لثبوت الرؤية ونفيا لاحتمال ما يوهم خلافها فأتى بغاية البيان والإيضاح وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: quot; لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم أضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها طعامه وشرابه فطلبها حتى يئس منها فاضطجع في أصل شجرة فرأى راحلته عليها طعامه وشرابه فقام فأخذها فجعل يقول من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح quot; هذه ألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: quot; كيف ترون فرح هذا براحلته quot; قالوا: quot; عظيما يا رسول الله quot; قال: quot; فوالله لله أشد فرحا بتوبة عبده من هذا براحلته quot;. فهذا الكشف والبيان والإيضاح لا مزيد عليه تقرير لثبوت هذه الصفة ونفي الإجمال والاحتمال عنها. وكذلك قوله في حديث النداء: ( فيناديهم بصوت ) فذكر الصوت تحقيقا لصفة النداء وتقريرا ولو لم يذكره لدل عليه لفظ النداء كما لو قيل: يعلم بعلم ويقدر بقدرة ويبصر ببصر وهذا ونحوه إنما يراد به تحقيق الصفة وإثباتها لا تشبيه الموصوف وتمثيله كما أن قوله ليس كمثله شيء [الشورى: 11] إنما سبق لإثبات الصفات وعظمتها لا لنفيها كما قال عثمان بن سعيد الدارمي في قوله ليس كمثله شيء [الشورى: 11] قال معناه هو أحسن الأشياء وأجملها وقالت الجهمية: معناه ليس هناك شيء. ومن هذا حديث الصورة وقوله: quot; خلق آدم على صورة الرحمن quot; لم يرد به تشبيه الرب وتمثيله بالمخلوق وإنما أراد به تحقيق الوجه وإثبات السمع والبصر والكلام صفة ومحلا والله أعلم. الوجه الرابع: أنهم كانوا يسألونه عما يشكل عليهم من الصفات فيجيبهم بتقريرها لا بالمجاز والتأويل الباطل كما سأله أبو رزين العقيلي عن صفة الضحك لما قال:(1\/539)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "522",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12920",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot; ينظر إليكم آزلين مشفقين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب quot; فتعجب أبو رزين من ضحك الرب تعالى وقال: quot; يا رسول الله أويضحك الرب quot; فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; نعم quot;. فقال: quot; لن نعدم من رب يضحك خيرا quot; والجهمي لو سئل عن ذلك لقال لا يجوز عليه الضحك كما لا يجوز عليه الاستواء والنزول والإتيان والمجيء. وكذلك لما أخبرهم رسول الله عن رؤية الرب تعالى فهموا منها رؤية العيان لا مزيد العلم كما استشكل بعضهم ذلك وقال: يا رسول الله كيف يسع الخلائق وهو واحد ونحن كثير  وهذا السائل أبو رزين أيضا فقرر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهمه وقال: سأخبرك بمثل ذلك في آلاء الله أليس كلكم يرى القمر مخليا به قال: بلى قال: فالله أكبر  وهذا يدل على أن القوم إنما أحيلوا في إثبات ذلك على ما دل عليه اللفظ وعلى ما بينه لهم من أنزل عليه الوحي لا على رأي جهم وجعد والنظام والعلاف والمريسي وتلامذتهم ولا على غير ما يتبادر إلى أفهامهم من لغاتهم وخطابهم كان يقرر لهم ذلك ويقربه من أفهامهم بالأمثال والمقاييس العقلية تقريرا لحقيقة الصفة. الوجه الخامس: أن الصحابة قد سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث الكثيرة ورأوا منه من الأحوال المشاهدة وعلموا بقلوبهم من مقاصده ودعوته ما يوجب فهم ما أراد بكلامه ما يتعذر على من بعدهم مساواتهم فيه فليس من سمع وعلم ورأى حال المتكلم كمن كان غائبا لم ير ولم يسمع أو سمع وعلم بواسطة أو وسائط كثيرة وإذا كان للصحابة من ذلك ما ليس لمن بعدهم كان الرجوع إليهم في ذلك دون غيرهم متعينا قطعا. ولهذا قال الإمام أحمد: أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا كان اعتقاد الفرقة الناجية هو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك في قوله: quot; من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي quot; فثبت بهذه الوجوه القاطعة عند أهل البصائر وإن كانت دون الظنية عند عمى القلوب أن الرجوع إليهم في تفسير القرآن الذي هو تأويله الصحيح(1\/540)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "523",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12921",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المبين لمراد الله هو الطريق المستقيم ولهذا نص الإمام أحمد على أنه يرجع إلى الواحد من الصحابة في تفسير القرآن إذا لم يخالفه غيره منهم ثم من أصحابه من يقول: هذا قول واحد وإن كان في الرجوع في الفتيا والأحكام إليه روايتان ومنهم من يقول: الخلاف في الموضعين واحد وطائفة من أهل الحديث يجعلون تفسيره في حكم الحديث المرفوع. قال أبو عبد الله الحاكم في مستدركه: تفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع. ثم من المعلوم أن التابعين بإحسان أخذوا ذلك عن الصحابة وتلقوه منهم ولم يعدلوا عما بلغهم إياه الصحابة فإذا كان ذلك يوجب الرجوع إلى الصحابة والتابعين فكيف بالأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله. وأما الطريق الثاني فمن وجوه: أحدها: أن من لم يرجع إلى الصحابة والتابعين في نقل معاني القرآن كما يرجع إليهم في نقل حروفه وإلى لغتهم وعادتهم في خطابهم فلا بد أن يرجع في ذلك إلى لغة مأخوذة من غيرهم لأن فهم الكلام موقوف على معرفة اللغة وهاهنا خمس درجات. الدرجة الأولى: أن يباشر عربا غيرهم فيسمع لغتهم ويعرف مقاصدهم ويقيس معاني ألفاظ القرآن على معاني تلك الألفاظ وهذا إنما يستقيم إذا سلم اللفظ في الموضعين من احتمال المعاني المختلفة وأن يكون المراد من أحد المتكلمين به مثل المراد به من المتكلم الآخر وغايته فيه القياس وهو موقوف على اتحاد المعنيين في الكلامين. ومن المعلوم أن جنس ما دل عليه القرآن ليس من جنس ما يتخاطب به الناس وإن كان بينهما قدر مشترك فإن الرسول جاءهم بمعان غيبية لم يكونوا يعرفونها وأمرهم بأفعال لم يكونوا يعرفونها فإذا عبر عنها بلغتهم كان بين معناه وبين معاني تلك الألفاظ قدر مشترك ولم تكن مساوية بها بل تلك الزيادة التي هي من خصائص النبوة لا تعرف إلا منه ولهذا يسمي كثير من الناس هذه الألفاظ حقائق عقلية شرعية باعتبار تلك الخصائص داخلة في مسماها وهي لا تعلم إلا بالشرع وبعضهم يجعلها مجازات لغوية لأجل تلك العلاقة التي بين تلك الخصائص وبين المعاني اللغوية وبعضهم يجعلها متواطئة باعتبار القدر المشترك بينهما وإن كان الشرع خصصها ببعض(1\/541)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "524",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12922",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محالها كما يقع التخصيص لغة وعرفا فالتخصيص يكون لغويا تارة وعرفيا تارة فهي لم تنقل عن معانيها اللغوية بالكلية ولم تبق على ما هي عليه من أصل الوضع بل خصت تخصيصا شرعيا ببعض مواردها كما خص بعض الألفاظ تخصيصا عرفيا ببعض موارده ولا يسمى مثل هذا نقلا ولا اشتراكا ولا مجازا وإن سمي بذلك فليس الشأن في التسمية وبعود النزاع لفظيا. الدرجة الثانية: أن يسمع اللغة ممن نقل الألفاظ عن العرب نظما ونثرا وكل ما يعتري نقل الحديث من الآفات فهو هنا أكثر وهذا أمر معلوم لمن كان خبيرا بالواقع فيرد على نقل اللغة ومعرفة مراد المتكلم من ألفاظها أكثر مما يرد على نقل الحديث ومعرفة مراد الرسول به لأن الهمم والدواعي توفرت على نقل كلام الله سبحانه ورسوله وفهم معانيه ما لم تتوفر على كلام غيره وفهم معانيه مع تكفل الله سبحانه بحفظه وبيانه. الدرجة الثالثة: أن يسمع اللغة بمن سمع الألفاظ وذكر أنه فهم معناها من العرب كالأصمعي وابن الأعرابي وأبي عمرو بن العلاء ونحوهم ممن سمع من الأعراب ومن هذا الباب كتب اللغة التي يذكرون فيها معاني كلام العرب ومعلوم أن هذا يرد عليه أكثر مما يرد على من سمع الكلام النبوي من صاحبه وقال إنه فهم معناه وبينه لنا بعبارته. الدرجة الرابعة: أن ينقل إليه كلام هؤلاء الذين ذكروا أنهم سمعوا كلام العرب ومن المعلوم أنه يرد على هذا من الأسئلة أكثر مما يرد على نقل الحديث ومعناه. الدرجة الخامسة: أن اللغة بقياس نحوي أو تصرفي قد يدخله تخصيص لمعارض راجح وقد يكون فيه فرق لم يتفطن له واضع القياس القانوني ومعلوم أن الذي يرد على هذا أكثر من الذي يرد على من ذكر قبله. وإذا كان الأمر كذلك: فمن لم يأخذ معاني الكتاب والسنة من الصحابة والتابعين ومن أخذ عنهم لم يكن له طريق أصلا إلا ما ذكرناه من هذه الطرق التي يرد عليها أضعاف ما يرد على هذه الطريق ولا يجوز ترجيح تلك الطرق عليها فيلزمه أحد أمرين: إما أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ويعدل عن الطريق التي فيها من العلوم اليقينية والأمور الإيمانية ما لا يوجد في غيرها إلى ما هو دونها في ذلك كله بل يستبدل باليقين شكا وبالظن الراجح وهما والإيمان كفرا وبالهدى ضلالا(1\/542)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "525",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12923",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبالعلم جهالة وبالبيان عيا وبالعدل ظلما وبالصدق كذبا ويحمل كلام الله ورسوله على مجازه تحريفا للتكلم عن مواضعه ويسميه تأويلا لتقبله النفوس الجاهلة بحقائق الإيمان والقرآن وإما أن يعرض عن ذلك كله ولا يجعل للقرآن مفهوما وقد أنزله تعالى بيانا وهدى وشفاء لما في الصدور. قال تعالى في أصحاب الطريقين: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون [البقرة: 75] ثم قال في أهل الطريق الثاني: ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون [البقرة: 78] ثم قال في المصنفين ما لا يعلم أن الرسول قاله وجاء به يعلم أن الرسول جاء بخلافه: فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله [البقرة: 79] الآية. فهذه الطريق المذمومة التي سلكها علماء اليهود وقد سلكها أشباههم من هذه الأمة تحقيقا لقول الصادق المصدوق: quot; لتأخذن أمتي مأخذ الأمم قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع quot; وفي لفظ آخر quot; لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة quot; وكثير من هؤلاء الأشباه يحرفون كلام الله ويكتمونه لئلا يحتج به عليهم في خلاف أهوائهم فتارة يغل كتب الآثار التي فيها كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام أصحابه والتابعين وأئمة السنة ويمنع من إظهارها وربما أعدمها وربما عاقب من كتبها أو وجدها عنده كما شاهدناه منهم عيانا وكثير من هؤلاء يمنع من تبليغ الأحاديث النبوية وتفسير القرآن بالآثار والأخبار حتى إذا جاءت تفاسير الجهمية والمعتزلة ونحوهم بالغ في مدحها وقال: إن التحقيق فيها ما لم يمكنهم منعه من الكتاب والسنة وكتمانه سطوا عليه بالتحريف وتأولوه على غير تأويله ثم يعتمدون على آثار موضوعة مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه موافقة لأهوائهم وبدعهم فيقولون هذا من عند الله ويحتجون به ويضعون قواعد ابتدعوها وآراء اخترعوها ويسمونها أصل الدين وهي أضر شيء على الدين.(1\/543)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "526",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12924",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل كلام الشافعي في الاحتجاج بالسنة",
        "content": "[فصل كلام الشافعي في الاحتجاج بالسنة] فصل قال البخاري: سمعت الحميدي يقول: كنا عند الشافعي فأتاه رجل فسأله عن مسألة فقال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا فقال الرجل للشافعي: ما تقول أنت فقال: سبحان الله تراني في كنيسة تراني في بيعة ترى على وسطي زنارا أقول قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا وأنت تقول لي ما تقول أنت . وقال المزني وحرملة عن الشافعي: إذا وجدتم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعوها ولا تلتفتوا إلى أحد. وقال الربيع عن الشافعي: ليس لأحد قول مع سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الربيع: وسمعته روى حديثا فقال له الرجل: أتأخذ بهذا يا أبا عبد الله فقال: متى رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا صحيحا فلم آخذ به فأشهدكم أن عقلي قد ذهب. وتذاكر الشافعي وإسحاق بمكة وأحمد بن حنبل حاضر فقال الشافعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم quot; وهل ترك لنا عقيل من دار quot; فقال إسحاق حدثنا يزيد عن الحسن (ح) وأخبرنا أبو نعيم وعبدة عن سفيان عن منصور عن إبراهيم أنهما لم يكونا يريانه يعني بيع رباع مكة فقال الشافعي لبعض من عرفه: من هذا قال إسحاق: إبراهيم الحنظلي فقال الشافعي: أنت الذي يزعم أهل خراسان أنك فقيههم ما أحوجني أن يكون غيرك في موضعك فكنت آمر بفرك أذنيه أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول أنت: عطاء وطاوس ومنصور عن إبراهيم والحسن وهل لأحد مع رسول الله قول. وروينا عن الربيع عن الشافعي قال: لم أسمع أحدا ينسبه عامة إلى علم أو ينسب نفسه إلى علم يخالف في أن الله سبحانه فرض اتباع أثر رسوله والتسليم لحكمه لأن الله لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه وأنه لا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأن ما سواهما تبع لهما وإنما فرض الله علينا وعلى من قبلنا وبعدنا قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يختلف فيه أحد أنه فرض وواجب قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اتفق المسلمون على أن حب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض بل لا يتم الإيمان والإسلام إلا بكونه أحب إلى العبد من نفسه فضلا عن غيره واتفقوا أن حبه لا يتحقق إلا باتباع آثاره والتسليم لما جاء به والعمل على سنته وترك ما خالف قوله لقوله وهاتان مقدمتان برهانيتان لا يحتاجان إلى تقرير.(1\/544)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "527",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12925",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد قال بعض السلف في قوله عز وجل 30 ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب [النحل: 116] قال نزلت في علماء السوء الذين يفتون الناس بآرائهم ويكفي في هذا قوله تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [النساء: 65] وفرض تحكيمه لم يسقط بموته بل ثابت بعد موته كما كان ثابتا في حياته وليس تحكيمه مختصا بالعمليات دون العلميات كما يقوله أهل الزيغ والإلحاد. وقد افتتح سبحانه هذا الخبر بالقسم المؤكد بالنفي قبله وأقسم على انتفاء الإيمان منهم حتى يحكموا رسوله صلى الله عليه وسلم في جميع ما تنازعوا فيه من دقيق الدين وجليله وفروعه وأصوله ثم لم يكتف منهم بهذا التحكيم حتى ينتفي الحرج وهو الضيق مما حكم به فتنشرح صدورهم لقبول حكمه انشراحا لا يبقى معه حرج ثم يسلموا تسليما أي ينقادوا انقيادا لحكمه. والله يشهد ورسوله وملائكته والمؤمنون أن من قال أدلة القرآن والسنة لا تفيد اليقين وأن أحاديث الأسماء والصفات أخبار آحاد لا تفيد العلم بمعزل عن هذا التحكيم وهو يشهد على نفسه بذلك ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم [النساء: 59] الآية وأجمع المسلمون أن الرد إليه هو الرجوع إليه في حياته والرجوع إلى سنته بعد مماته واتفقوا أن فرض هذا الرد لم يسقط بموته فإن كان متواتر أخباره وآحادها لا تفيد علما ولا يقينا لم يكن للرد إليه وجه. ولما أصل أهل الزيغ والضلال هذا الأصل ردوا ما تنازع فيه الناس من هذا الباب إلى منطق اليونان وخيالات الأذهان ووحي الشيطان ورأي فلان وفلان وهؤلاء يتناولهم قوله سبحانه ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا [النساء: 60] والطاغوت اسم لكل ما تعدى حده وتجاوز طوره ومعلوم أن هذا الذي يتحاكم إليه أهل الزيغ حده أن يكون محكوما عليه لا حاكما. ثم أخبر تعالى عن حال هؤلاء المتحاكمين إلى غير ما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم فقال(1\/545)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "528",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12926",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا [النساء: 61] فجعل الإعراض عما جاء به الرسول والالتفات إلى غيره هو حقيقة النفاق كما أن حقيقة الإيمان هو تحكيمه وارتفاع الحرج عن الصدود بحكمه والتسليم لما حكم به رضى واختيارا ومحبة فهذا حقيقة الإيمان وذلك الإعراض حقيقة النفاق. ثم أخبر سبحانه عن عقوبة المعرضين عن التحاكم إليه الراضين بحكم الغير من خلقه في قوله: فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا [النساء: 62] فأخبر أن هذا الإعراض عن التحاكم إليه سبب لأن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم كما قال في الآية الأخرى فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم [النور: 63] وقال في المتولين عن حكمه فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم [المائدة: 49] . قال أبو داود: حدثنا حماد بن سلمة عن يعلى بن حكيم عن سعيد بن جبير أنه حدث بحديث فقال له رجل من أهل الكوفة: إن الله تعالى يقول في كتابه كذا وكذا فغضب سعيد وقال: لا أراك تعرض في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بكتاب الله منك. فإذا كان هذا إنكارهم على من عارض سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن فماذا تراهم قائلين لمن عارضها بآراء المتكلمين ومنطق المتفلسفين وأقيسة المتكلمين وخيالات المتصوفين وسياسات المعتدين ولله بلال بن سعد حيث يقول: ثلاث لا يقبل معهن عمل: الشرك والكفر والرأي قلت: يا أبا عمر وما الرأي قال: يترك سنة الله ورسوله ويقول بالرأي. وقال أبو العالية في قوله عز وجل إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا [فصلت: 30] قال:(1\/546)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "529",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12927",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أخلصوا لله الدين والعمل والدعوة أن جردوا الدعوة إليه وإلى كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فقط لا إلى رأي فلان وقول فلان. وقال سفيان في قوله تعالى: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة [النور: 63] . قال يطبع على قلوبهم وقال الإمام أحمد إنما هي الكفر ولقي عبد الله ابن عمر جابر بن زيد في الطواف فقال له: يا أبا الشعثاء إنك من فقهاء البصرة فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت. وقال ابن خزيمة: قلت لأحمد بن نصر وحدث بخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أما تأخذ به فقال: أترى على وسطي زنارا لا تقل لخبر النبي صلى الله عليه وسلم أتأخذ به وقل أصحيح هو ذا فإذا صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت به شئت أم أبيت. وقال أفلح مولى أم سلمة: إنها كانت تحدث أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر وهي تمتشط quot; أيها الناس quot; فقالت لماشطتها: كفي رأسي قالت: فديتك إنما يقول أيها الناس فقالت: ويحك أولسنا من الناس فكفت رأسها وقامت في حجرتها فسمعته يقول: quot; يا أيها الناس أنا على حوضي إذ جيء بكم زمرا فتفرقت بكم الطرق فناديتكم ألا هلم إلى الطريق فينادي مناد إنهم قد بدلوا بعدك فأقول ألا سحقا سحقا quot;. وهذه الطرق التي تفرقت بهم هي الطرق والمذاهب التي ذهبوا إليها وأعرضوا عن طريقه ومذهبه صلى الله عليه وسلم فلا يجوزون على الطريق التي هو عليها يوم القيامة كما لم يسلكوا الطريق التي كان عليها هو وأصحابه وقال عكرمة عن ابن عباس: إياكم والرأي فإن الله رد على الملائكة الرأي وقال: إني أعلم ما لا تعلمون وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله [النساء: 105] ولم يقل بما رأيت. وقال بعض العلماء: ما أخرج آدم من الجنة إلا بتقديم الرأي على النص وما لعن إبليس وغضب عليه إلا بتقديم الرأي على النص ولا هلكت أمة من الأمم إلا بتقديم(1\/547)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "530",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12928",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل المقام الرابع إفادتها للعلم واليقين",
        "content": "آرائها على الوحي ولا تفرقت الأمة فرقا وكانوا شيعا إلا بتقديم آرائهم على النصوص وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أيها الناس اتهموا الرأي على الدين فلقد رأيتني أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي اجتهادا والله ما آلو عن الحق وذلك يوم أبي جندل والكتاب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم فقال: بل تكتب كما نكتب باسمك اللهم فرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبيت عليه حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; تراني أرضى وتأبى quot; وقال ابن عباس في قوله تعالى ياأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله [الحجرات: 1] قال لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة.  [فصل المقام الرابع إفادتها للعلم واليقين] فصل وأما المقام الرابع وهو إفادتها واليقين فنقول وبالله التوفيق: الأخبار المقبولة في باب الأمور الخبرية العلمية أربعة أقسام أحدها: متواتر لفظا ومعنى والثاني: أخبار متواترة معنى إن لم تتواتر بلفظ واحد الثالث: أخبار مستفيضة متلقاة بالقبول بين الأمة الرابع: أخبار آحاد مروية بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط عن مثله حتى تنتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما القسمان الأولان فالأخبار الواردة في عذاب القبر والشفاعة والحوض ورؤية الرب تعالى وتكليمه عباده يوم القيامة وأحاديث علوه فوق سماواته على عرشه وأحاديث إثبات العرش والأحاديث الواردة في إثبات المعاد والجنة والنار نحو ذلك مما يعلم بالاضطرار أن الرسول جاء بها كما يعلم بالاضطرار أنه جاء بالتوحيد وفرائض الإسلام وأركانه وجاء بإثبات الصفات للرب تعالى فإنه ما من باب من هذه الأبواب إلا وقد تواتر فيه المعنى المقصود عن النبي صلى الله عليه وسلم تواترا معنويا لنقل ذلك عنه بعبارات متنوعة من وجوه متعددة يمتنع في مثلها في العادة التواطؤ على الكذب عمدا أو سهوا وإذا كانت العادة العامة والخاصة المعهودة من حال سلف الأمة وخلفها تمنع التواطؤ على الاتفاق على الكذب في هذه الأخبار ويمتنع في العادة وقوع الغلط فيها أفادت العلم واليقين.(1\/548)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "531",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12929",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم للناس في حصول العلم وبها طريقان: أحدهما: أنه ضروري والثاني: أنه نظري فأصحاب الضرورة يستدلون بحصول العلم لهم ضرورة على حصول التواتر الموجب له وأصحاب النظر يعكسون الأمر ويقولون نحن نستدل بتواتر المخبرين على إفادة العلم. والطريق الأول أعلى التقديرين فكل عالم بهذه الأحاديث وطرقها ونقلها وتعددها يعلم علما يقينا لا شك فيه بل يجد نفسه مضطرة إلى ثبوتها أولا وثبوت مخبرها ثانيا ولا يمكنه دفع هذين العلمين عن نفسه العلم الأول: ينشأ من جهة معرفته بطريق الأحاديث وتعددها وتباين طرقها واختلاف مخارجها وامتناع التواطؤ زمانا ومكانا على وضعها والعلم الثاني: ينشأ من جهة إيمانه بالرسالة وأن الرسول صادق فيما يخبر به. وهذا عند أهل الحديث أعظم من علم الأطباء بوجود بقراط وجالينوس فإنهما من أفاضل الأطباء وأعظم من علم النحاة بوجود سيبويه والخليل والفراء وعلمهم بالعربية ولكن أهل الكلام وأتباعهم في غاية قلة المعرفة بالحديث وعدم الاعتناء به وكثير منهم بل أفضلهم عند أصحابه لا يعتقد أنه روي في الباب الذي يتكلم فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا أو يظن أن المروي فيه حديث أو حديثان كما يجده لأكابر شيوخ المعتزلة كأبي الحسين البصري يعتقد أنه ليس في الرؤية إلا حديث واحد وهو حديث جرير ولم يعلم أنه فيها ما يقارب ثلاثين حديثا وقد ذكرناها في كتاب صفة الجنة quot; حادي الأرواح quot;. فإنكار هؤلاء لما علمه أهل الوراثة النبوية من كلام نبيهم أقبح من إنكار ما هو مشهور من مذاهب الأئمة عند أتباعهم وما يعلم أن كثيرا من الناس قد تطرق سمعه هذه الأحاديث ولا تفيده علما لأنه لم تجتمع طرقها وتعددها واختلاف مخارجها من قبله فإذا اتفق له إعراض عنها أو نفرة عن روايتها بإحسان ظن بمن قال بخلافها أو تعارض خيال شيطاني يقوم بقلبه فهناك يكون الأمر كما قال تعالى: قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد [فصلت: 44] فلو كانت أضعاف ذلك لم تحصل لهم إيمانهم ولا علما. وحصول العلم في القلب(1\/549)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "532",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12930",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بموجب التواتر مثل الشبع والري ونحوهما وكل واحد من الأخبار يفيد قدرا من العلم فإذا تعددت الأخبار وقويت أفادت العلم إما للكثرة وإما للقوة وإما لمجموعهما كما يحصل الشبع إما بكثرة أو بقوة المأكول وإما لمجموعهما. والعلم بمخبر الخبر لا يكون بمجرد سماع حروفه بل يفهم معناه مع سماع لفظه فإذا اجتمع في قلب المستمع لهذه الأخبار العلم بطريقها ومعرفة حال رواتها وفهم معناه حصل له العلم الضروري الذي لا يمكنه رفعه ولهذه كان جميع أئمة الحديث الذين لهم لسان صدق في الأمة قاطعين بمضمون هذه الأحاديث شاهدين بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم جازمين بأن من كذب بها أو أنكر مضمونها فهو كافر مع علم من له اطلاع على سيرتهم وأحوالهم بأنهم من أعظم الناس صدقا وأمانة وديانة وأوفرهم عقولا وأشدهم تحفظا وتحريا للصدق ومجانبة للكذب وأن أحدا منهم لا يجابي في ذلك آباه ولا ابنه ولا شيخه ولا صديقه وأنهم حرروا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريرا لم يبلغه أحد سواهم لا من الناقلين عن الأنبياء ولا من غير الأنبياء وهم شاهدوا شيوخهم على هذه الحال وأعظم وأولئك شاهدوا من فوقهم كذلك وأبلغ حتى انتهى الأمر إلى من أثنى الله عليهم أحسن الثناء وأخبر برضاه عنهم واختباره لهم واتخاذه إياهم شهداء على الأمم يوم القيامة. ومن تأمل ذلك أفاده علما ضروريا بما ينقلونه عن نبيهم أعظم من كل علم ينقله كل طائفة عن صاحبه وهذا أمر وجداني عندهم لا يمكنكم جحده بل هو بمنزلة ما تحسونه من الألم واللذة والحب والبغض حتى أنهم يشهدون بذلك ويحلفون عليه ويباهون من خالفهم عليه. وقول هؤلاء القادحين في أخباره وسنته يجوز أن يكون رواة هذه الأخبار كاذبين أو غالطين بمنزلة قول أعدائه يجوز أن يكون الذي جاء به شيطان كاذب. وكل أحد يعلم أن أهل الحديث أصدق الطوائف كما قال عبد الله بن المبارك: وجدت الدين لأهل الحديث والكلام للمعتزلة والكذب للرافضة والخيل لأهل الرأي وسوء الرأي والتدبير لآل أبي فلان. وإذا كان أهل الحديث عالمين بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هذه الأخبار وحدث بها في الأماكن والأوقات المتعددة وعلمهم بذلك ضروري لم يكن من لا عناية له بالسنة والحديث وأن هذه الأخبار آحاد لا تفيد العلم مقبولا عليهم فإنهم يدعون الضروري وخصومهم إما أن ينكروا حصوله لأنفسهم أو لأهل الحديث فإن أنكروا(1\/550)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "533",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12931",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل التفصيل في خبر الواحد وأنه ليس سواء",
        "content": "حصوله لأنفسهم لم يقدح ذلك في حصوله لغيرهم وإن أنكروا حصوله لأهل الحديث كانوا مكابرين لهم على ما يعلمونه من نفوسهم بمنزلة من يكابر غيره على ما يجده في نفسه من فرحه وألمه وخوفه وحبه والمناظرة إذا انتهت إلى هذا الحد لم يبق فيها فائدة وينبغي العدول إلى ما أمر الله به رسوله من المباهلة قال تعالى: فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين [آل عمران: 61]  [فصل التفصيل في خبر الواحد وأنه ليس سواء] فصل خبر الواحد بحسب الدليل الدال عليه فتارة يجزم بكذبه لقيام دليل كذبه وتارة يظن كذبه إذا كان دليل كذبه ظنيا وتارة يتوقف فيه فلا يترجح صدقه ولا كذبه إذا لم يقم دليل أحدهما وتارة يترجح صدقه ولا يجزم به وتارة يجزم بصدقه جزما لا يبقى معه شك فليس خبر واحد يفيد العلم ولا الظن ولا يجوز أن ينفى عن خبر الواحد مطلقا أنه يحصل العلم فلا وجه لإقامة الدليل على أن خبر الواحد لا يفيد العلم وإلا اجتمع النقيضان بل نقول خبر الواحد يفيد العلم في مواضع: أحدها: خبر من قام الدليل القطعي على صدقه وهو خبر الواحد القهار جل وعلا وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم في كل ما يخبر به. الثاني: خبر الواحد بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يصدقه كخبر المخبر الذي أخبر بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم quot; أن الله يضع السماوات على إصبع والأرضين على إصبع والشجر على إصبع quot; فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا وتصديقا له  وكخبر من أخبره أنه رأى السد مثل البرد المحبر فقال: quot; قد رأيته quot; ومن هذا ترتيبه صلى الله عليه وسلم على خبر المخبر له مقتضاه كغزو من أخبره بنقض قوم العهد وخبر من أخبره عن رجل أنه شتمه ونال من عرضه فأمر بقتله. فهذا تصديق للمخبر بالفعل وقد كان صلى الله عليه وسلم يقطع بصدق أصحابه كما قطع بصدق تميم الداري لما أخبره بقصة الدجال وروى ذلك عنه على المنبر ولم يقل أخبرني جبريل عن الله بل قال: (حدثني تميم الداري) ومن له أدنى معرفة بالسنة(1\/551)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "534",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12932",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يرى هذا كثيرا فيما يجزم بصدق أصحابه ويرتب على أخبارهم مقتضاها من المحاربة والمسالمة والقتل والقتال. ونحن نشهد بالله ولله شهادة على البت والقطع لا نمتري فيها ولا نشك على صدقهم ونجزم به جزما ضروريا لا يمكنا دفعه عن نفوسنا ومن هذا أنه كان يجزم بصدقهم فيما يخبرونه به من رؤيا المنام ويجزم لهم بتأويلها ويقول إنها رؤيا حق وأثنى الله تعالى عليه بذلك في قوله: ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين [التوبة: 61] وأثنى عليه ومدحه بتصديقه لمن أخبره من المؤمنين. ومن هذا إخبار الصحابة بعضهم بعضا فإنهم كانوا يجزمون بما يحدث به أحدهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل أحد منهم لمن حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرك خبر واحد لا يفيد العلم حتى يتوافر وتوقف من توقف منهم حتى عضده آخر منهم لا يدل على رد خبر الواحد عن كونه خبر واحد وإنما كان يستثبت أحيانا نادرة جدا إذا استخبر. ولم يكن أحد من الصحابة ولا أهل الإسلام بعدهم يشكون فيما يخبر به أبو بكر الصديق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وأبو ذر ومعاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وعبد الله بن عمر وأمثالهم من الصحابة بل كانوا لا يشكون في خبر أبي هريرة مع تفرده بكثير من الحديث ولم يقل له أحد منهم يوما واحدا من الدهر: خبرك خبر واحد لا يفيد العلم وكان حديث رسوله صلى الله عليه وسلم أجل في صدورهم من أن يقابل بذلك وكان المخبر لهم أجل في أعينهم وأصدق عندهم من أن يقول له مثل ذلك. وكان أحدهم إذا روى لغيره حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصفات تلقاه بالقبول واعتقد تلك الصفة به على القطع واليقين كما اعتقد رؤية الرب وتكليمه ونداءه يوم القيامة لعباده بالصوت الذي يسمعه البعيد كما يسمعه القريب ونزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة وضحكه وفرحه وإمساك سماواته على إصبع من أصابع يده وإثبات القدم له. من سمع هذه الأحاديث ممن حدث بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن صاحب اعتقد ثبوت مقتضاها بمجرد سماعها من العدل الصادق ولم يترتب فيها حق حتى(1\/552)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "535",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12933",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنهم ربما تثبتوا في بعض أحاديث الأحكام حتى يستظهروا بآخر كما استظهر عمر رضي الله عنه برواية أبي سعيد الخدري على خبر أبي موسى كما استظهر أبو بكر رضي الله عنه برواية محمد بن مسلمة على رواية المغيرة بن شعبة في توريث الجدة ولم يطلب أحد منهم الاستظهار في رواية أحاديث الصفات البتة بل كانوا أعظم مبادرة إلى قبولها وتصديقها والجزم بمقتضاها وإثبات الصفات بها من المخبر لهم بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن له أدنى إلمام بالسنة والتفات إليها يعلم ذلك ولولا وضوح الأمر في ذلك لذكرنا أكثر من مائة موضع. فهذا الذي اعتمده نفاة العلم عن أخبار رسول الله خرقوا به إجماع الصحابة المعلوم بالضرورة بإجماع التابعين وإجماع أئمة الإسلام ووافقوا به المعتزلة والجهمية والرافضة والخوارج الذين انتهكوا هذه الحرمة وتبعهم بعض الأصوليين والفقهاء وإلا فلا يعرف لهم سلف من الأئمة بذلك بل صرح الأئمة بخلاف قولهم. فممن نص على أن خبر الواحد يفيد العلم مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة وداود بن علي وأصحابه كأبي محمد بن حزم ونص عليه الحسين بن علي الكرابيسي والحارث بن أسد المحاسبي. قال ابن خواز منداد في كتاب أصول الفقه وقد ذكر خبر الواحد الذي لم يروه إلا الواحد والاثنان ويقع بهذا الضرب أيضا العلم الضروري نص على ذلك مالك وقال أحمد في حديث الرؤية: نعلم أنها حق ونقطع على العلم بها وكذلك روى المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: هاهنا اثنان يقولان إن الخبر يوجب عملا ولا يوجب علما فعابه وقال: لا أدري ما هذا وقال القاضي: وظاهر هذا إنه يسوي بين العلم والعمل. وقال القاضي في أول المخبر: خبر الواحد يوجب العلم إذا صح سنده ولم تختلف الرواية فيه وتلقته الأمة بالقبول وأصحابنا يطلقون القول فيه وأنه يوجب العلم وإن لم تتلقه بالقبول قال: والمذهب على ما حكيت لا غير. فقد صرح بأن هذا هو المذهب ونص في رواية أحمد بن الحسين الترمذي أنه يحتم على الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنه رواية أخرى تدل على أن خبر الواحد لا يفيد العلم فإنه قال في رواية المروذي: إذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح فيه حكم أو فرض عملت به ودنت الله به ولا أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك وسيأتي الكلام على معنى هذه الرواية إن شاء الله تعالى.(1\/553)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "536",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12934",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ابن أبي يونس في أول الإرشاد: وخبر الواحد يوجب العلم والعمل جميعا ونص القاضي أبو يعلى على أن هذا القول في الكفاية. وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتبه الأصول كالتبصرة وشرح اللمع وغيرهما وهذا لفظه في الشرح: وخبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول يوجب العلم والعمل سواء عمل به الكل أو البعض ولم يحك فيه نزاعا بين أصحاب الشافعي وحكى هذا القول القاضي عبد الوهاب من المالكية عن جماعة من الفقهاء وصرحت الحنفية في كتبهم بأن الخبر المستفيض يوجب العلم ومثلوه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: quot; لا وصية لوارث quot; قالوا: مع أنه إنما روي من طريق الآحاد قالوا: ونحوه حديث ابن مسعود في المتبايعين إذا اختلفا أن القول قول البائع أو يترادان قالوا: ونحوه حديث عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس قالوا: وكذلك حديث المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة في إعطاء الجدة السدس قد اتفق السلف والخلف على استعمال حكم هذه الأخبار حين سمعوها فدل ذلك من أمرها على صحة مخرجها وسلامتها وإن قد خالف فيها قوم فإنها عندنا شذوذ ولا يعتد بهم في الإجماع. قال: وإنما قلنا ما كان هذا سبيله من الأخبار فإنه يوجب العلم بصحة مخبره من قبل أنا إذا وجدنا السلف قد اتفقوا على قبول خبر هذا وصفه من غير تثبيت فيه ولا معارضة بالأصول أو يخبر مثله مع علمنا بمذاهبهم في قبول الأخبار والنظر فيها وعرضها على الأصول دلنا ذلك من أمورهم على أنهم لم يصيروا إلى حكمه إلا من حيث ثبت عندهم صحته واستقامته فأوجب لنا العلم بصحته هذا لفظ أبي بكر الرازي في كتابه أصول الفقه. ومن المعلوم لكل ذي حس سليم وعقل مستقيم استفاضة أحاديث الرؤية والنداء والنزول والتكليم وغيرها من الصفات وتلقي الأمة لها بالقبول أعظم بكثير من استفاضة حديث اختلاف المتبايعين وحديث لا وصية لوارث  وحديث فرض الجدة بل لا نسبة بين استفاضة أحاديث الصفات واستفاضة هذه الأحاديث فهل يسوغ لعاقل أن يقول إن هذه توجب العلم وتلك لا توجبه إلا أن يكون مباهتا. وقد صرح الشافعي في كتبه بأن خبر الواحد يفيد العلم نص على ذلك صريحا(1\/554)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "537",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12935",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في كتابه اختلاف مالك ونصره في الرسالة المصرية على أنه لا يوجب العلم الذي يوجبه نص الكتاب والخبر المتواتر ونحن نذكر لفظه في الكتابين. قال في الرسالة: فأما ما كان من سنة من خبر الخاصة الذي قد يختلف الخبر فيه فيكون الخبر محتملا للتأويل وجاء الخبر فيه من طريق الانفراد فالحجة فيه عندي أن يلزم العالمين حتى لا يكون لهم رد ما كان منصوصا منه كما يلزمهم أن يقبلوا شهادة العدول لا أن ذلك إحاطة كما يكون نص الكتاب وخبر العامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو شك في هذا شاك لم نقل له تب وقلنا ليس لك إن كنت عالما أن تشك كما ليس لك إلا أن تقضي بشهادة العدول وإن أمكن فيهم الغلط ولكن تقضي بذلك على الظاهر من صدقهم والله ولي ما غاب عنك من ذلك. اه. فهذا نصه في خبر يحتمل التأويل ليس معه غير كونه خبر واحد وهذا لا تنازع فيه فإنه يحتمل سندا ومتنا وكلامنا في أخبار تلقيت بالقبول واشتهرت في الأمة وصرح بها الواحد بحضرة الجمع ولم ينكره منهم منكر بل قبله السامع وأثبت به صفة الرب تعالى وأنكر على من نفاها كما أنكر جميع أئمة الإسلام على من نفى صفات الرب الخبرية ونسبوه إلى البدعة. وأما ما ذكره في كتابه الأخير فقال: فقلت له يعني من يناظره أرأيت إن قال لك قائل: أتهم جميع ما رويت عمن رويته عنه فإني أخاف غلط كل محدث عنهم عمن حدث عنه إذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه فلا يجوز أن يتهم حديث أهل الثقة قلت: فهل رواه أحد منهم إلا واحد عن واحد قال: لا قلت: وما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم واحد عن واحد قال: نعم قلت: فإنما علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله بصدق المحدث عندنا وعلمنا أن من سمينا قوله بحديث واحد قال: نعم قلت: وعلمنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله علمنا بأن من سميناه قاله قال: نعم قلت فإذا استوى العلمان من خبر الصادق فأولى بنا أن نصير إليه الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نأخذ به أو الخبر عمن دونه قال: بل الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ثبت قلت: ثبوتهما واحد قال: فالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بنا أن نصير إليه وإن أدخلتم على المخبرين عنه أنه يمكن فيهم الغلط دخل عليكم في كل حديث روي مخالف الحديث الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (فإن قلت: نثبت بخبر الصادقين) فما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أولى عندنا أن يؤخذ به.(1\/555)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "538",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12936",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقد نص كما ترى بأنه إذا رواه واحد عن واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله يصدق الراوي عندنا ولا يناقض هذا نصه في الرسالة فإنه إنما نفى هناك أن يكون المعلم المستفاد منه مساويا للعلم المستفاد من نص الكتاب وخبر التواتر وهذا حق فإن العلم يتفاوت في القوة والضعف وقد قال القاضي في رواية حنبل عن أحمد في أحاديث الرؤية: نؤمن بها ونعلم أنها حق قال: فقطع على العلم بها وذهب إلى ظاهر هذا الكلام جماعة من أصحابنا وقالوا: خبر الواحد إن كان شرعيا أوجب العلم قال: وهذا محمول عندي على وجه صحيح من كلام أحمد وأنه يوجب العلم من طريق الاستدلال لا من جهة الضرورة. والاستدلال يوجب العلم من أربعة أوجه: أحدها: أن تتلقاه الأمة بقبول فيدل ذلك على أنه حق لأن الأمة لا تجتمع على خطأ وإن قبول الأمة يدل على أن الحجة قد قامت عندهم بصحته لأن العادة أن خبر الواحد الذي لم تقم به الحجة لا تجتمع الأمة على قبوله وإنما يقبله قوم ويرده قوم الثاني: خبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو واحد فيقطع بصدقه لأن الدليل قد دل على عصمته الثالث: أن يخبر الواحد ويدعي أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينكره ويدل على أنه حق أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقر على الكذب. الرابع: أن يخبر الواحد ويدعي على عدد كثير أنهم سمعوه منه فلا ينكره منهم أحد فيدل على أنه صدق لأنه لو كان كذبا لم تتفق دواعيهم على السكوت عن تكذيبه والعلم الواقع عن ذلك كله مكتسب لأنه واقع عن نظر واستدلال. . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قلت حصره لأخبار الآحاد الموجبة للعلم ليس بجامع لأن مما يوجب العلم ما تلقاه الرسول أيضا بالقبول كأخباره عن تميم الداري وبما أخبر به مصدقا له فيه ومنها إخبار شخصين عن قصة يعلم أنهما لم يتواطآ عليها ويبعد في العادة الاتفاق على الكذب فيها والخطأ وغير ذلك. قلت: أخبار الآحاد الموجبة للعلم ولا تنحصر بل يجد المخبر علما لا يشك فيه بكثير منها كما إذا أخبره من لم يجرب عليه كذبا قط أنه شاهده فإذا يجزم به جزما ضروريا أو يقارب الضرورة وكما إذا أخبر عليه في الإخبار به ضرر فأخبر به تدينا وخشية لله تعالى كما إذا أتى بنفسه اختيارا وأخبر عن نفسه بحد ارتكبه يطلب تطهيره منه بالحد أو أقر على نفسه بحق ادعي به عليه حيث لا بينة ولا يمين يطلب منه ولا(1\/556)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "539",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12937",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مخافة تلحقه في الإنكار أو أخبر المفتي بأمر فعله ليحصل له المخرج منه أو أخبر الطبيب بألم يجده يطلب زواله إلى أضعاف أضعاف ذلك من الأخبار التي يقطع السامع بصدق المخبر بها فكيف ينشرح صدرا وينطلق لسانا بأن خبر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم إذا قالوا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا أنها لا تفيد علما البتة سبحانك هذا بهتان عظيم. ونحن نشهد بالله أن هؤلاء كانوا إذا أخبروا عن رسول الله بخبر جزم بصدقهم ونشهد بالله أنهم كانوا إذا أخبروا سواهم من الصحابة والتابعين جزم بصدقهم بل نشهد بالله أن سالما ونافعا وسعيد بن المسيب وأمثالهم بهذه المنزلة بل مالك والأوزاعي والليث ونحوهم كذلك فلا يقع عندنا ولا عند من عرف القوم الاحتمال فيما يقول فيه مالك: سمعت نافعا يقول سمعت ابن عمر يقول سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ونحن قاطعون بخطأ منازعينا في ذلك. وقد ذهبت جماعة من أهل الأصول على أن الإجماع إذا انعقد على العمل بخبر الواحد صار كالمتواتر حكى ذلك ابن برهان واختار أنه لا يصير كالمتواتر وذهب جماعة إلى أن الواحد إذا ادعى على جماعة بحضرتهم صدقه فسكتوا صار خبره كالمتواتر وقد ذهب جماعة من أصحاب أحمد وغيرهم إلى تكفير من يجحد ما ثبت بخبر الواحد العدل والتكفير مذهب إسحاق بن راهويه وإنما أتي منكر إفادة خبر الواحد للعلم من جهة القياس الفاسد فإنه قاس المخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرع عام للأمة أو بصفة من صفات الرب تعالى على خبر الشاهد على قضية معينة ويا بعد ما بينهما فإن المخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قدر أنه كذب عمدا أو خطأ ولم يظهر ما يدل على كذبه لزم على ذلك إضلال الخلق إذ الكلام في الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول وعملت بموجبه وأثبتت به صفات الرب وأفعاله فإن ما يجب قبوله شرعا من الأخبار لا يكون باطلا في نفس الأمر ولا سيما إذا قبلته الأمة كلهم وهكذا يجب أن يقال في كل دليل يجب اتباعه شرعا لا يكون إلا حقا فيكون مدلوله ثابتا في نفس الأمر. هذا فيما يخبر به عن شرع الرب تعالى وأسمائه وصفاته بخلاف الشهادة المعينة على مشهود عليه معين فهذه قد لا يكون مقتضاها ثابتا في نفس الأمر.(1\/557)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "540",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12938",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحرف مسألة أنه لا يجوز أن يكون الخبر الذي تعبد الله به الأمة وتعرف به إليهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في إثبات أسمائه وصفاته كذبا وباطلا في نفس الأمر فإنه من حجج الله على عباده وحجج الله لا تكون كذبا وباطلا بل لا تكون إلا حقا في نفس الأمر ولا يجوز أن تتكافأ أدلة الحق والباطل ولا يجوز أن يكون الكذب على الله وشرعه ودينه مشتبها للوحي الذي أنزله على رسوله وتعبد به خلقه بحيث لا يتميز هذا من هذا فإن الفرق بين الحق والباطل والصدق والكذب ووحي الشيطان ووحي الملك عن الله أظهر من أن يشتبه أحدهما بالآخر ألا وقد جعل الله على الحق نورا كنور الشمس يظهر للبصائر المستنيرة وألبس الباطل ظلمة الليل وليس بمستنكر أن يشتبه الباطل بالنهار على أعمى البصر كما يشتبه الحق والباطل على أعمى البصيرة. قال معاذ بن جبل في قضيته تلق الحق ممن قاله فإن على الحق نورا ولكن لما أظلمت القلوب وعميت البصائر بالإعراض عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وازدادت الظلمة باكتفائها بآراء الرجال التبس عليها الحق بالباطل فجوزت على أحاديثه الصحيحة التي رواها أعدل الأمة وأصدقها أن تكون كذبا وجوزت على الأحاديث الباطلة المكذوبة المختلفة التي توافق أهواءها أن تكون صدقا فاحتجب بها. وسر المسألة أن خبر العدول الثقات الذي أوجب الله تعالى على المسلمين العمل به هل يجوز أن يكون في نفس الأمر كذبا وخطأ ولا ينصب الله دليلا على ذلك فمن قال إنه يوجب العلم يقول لا يجوز ذلك بل متى وجدت الشروط الموجبة للعمل به وجب ثبوت مخبره في نفس الأمر وعلى هذا تنازعوا في كفر تاركه لكونه من الحجج العلمية كما تكلموا في كفر جاحد الإجماع أن من رد الخبر الصحيح اعتقادا لغلط الناقل أو كذبه أو لاعتقاد الراد أن المعصوم لا يقول هذا أو لاعتقاد نسخه ونحوه فرده اجتهادا وحرصا على نصر الحق فإنه لا يكفر بذلك ولا يفسق فقد رد غير واحد من الصحابة بعض أخبار الآحاد الصحيحة كما رد عمر حديث فاطمة بنت قيس في إسقاط نفقة المطلقة ثلاثا وكما ردت عائشة رضي الله عنها حديث ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه وغير ذلك.  فصل وأما رواية الأثرم عن أحمد أنه لا يشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر ويعمل به فهذه رواية انفرد بها الأثرم وليست في مسائله ولا في كتاب السنة وإنما حكاها القاضي أنه وجدها في كتاب معاني الحديث والأثرم لم يذكر أنه سمع ذلك منه بل(1\/558)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "541",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12939",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لعله بلغه عنه من واهم وهم عليه في لفظه فلم يرو عنه أحد من أصحابه ذلك بل المروي الصحيح عنه أنه جزم على الشهادة للعشرة بالجنة والخبر في ذلك خبر واحد ولعل توقفه عن الشهادة على سبيل الورع فكان يجزم بتحريم أشياء ويتوقف عن إطلاق لفظ تحريم عليها ويجزم بتحريم أشياء ويتوقف عن إطلاق لفظ الوجوب عليها تورعا بل يقول: أكره كذا وأستحب كذا وهذا كثير في أجوبته. وقد قال في موضع: ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله ولا لكبيرة أتاها إلا أن يكون ذلك في حديث فنصدقه ونعلم أنه كما جاء ولا ننص الشهادة ولا نشهد على أحد أنه في الجنة لصالح عمله ولخير أتاه إلا أن يكون في ذلك حديث فنقبله كما جاء على ما روي ولا ننص قال القاضي: ولا ننص الشهادة معناه عندي ولا نقطع على ذلك. قال شيخ الإسلام: لفظ quot; ننص quot; هو المشهود عليه معناه لا نشهد على المعين وإلا فقد قال: نعلم أنه كما جاء وهذا يقتضي أنه يفيد العلم. وأيضا فإن من أصله أنه يشهد للعشرة بالجنة للخبر الوارد وهو خبر واحد وقال أشهد وأعلم واحد وهذا دليل على أنه يشهد بموجب خبر واحد وقد خالفه ابن المديني وغيره. قال ابن المديني يقولون: أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم تفيد العلم قال الله تعالى: وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى [النجم: 3] . وقال تعالى آمرا لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: إن أتبع إلا ما يوحى إلي [الأنعام: 50] وقال تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [الحجر: 9] وقال تعالى: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل: 44] قالوا: فعلم أن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين كله وحي من عند الله وكل وحي من عند الله فهو ذكر أنزله الله وقد قال تعالى: وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة [النساء: 113] فالكتاب القرآن والحكمة السنة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; إني أوتيت الكتاب ومثله معه quot; فأخبر أنه أوتي السنة كما أوتي الكتاب والله تعالى قد ضمن حفظ ما أوحاه إليه وأنزل عليه ليقيم به حجته على العباد(1\/559)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "542",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12940",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى آخر الدهر وقالوا: فلو جاز على هذه الأخبار أن تكون كذبا لم تكن من عند الله ولا كانت مما أنزله الله على رسوله وآتاه إياه تفسيرا لكتابه وتبيينا له وكيف تقوم حجته على خلقه بما يجوز أن يكون كذبا في نفس الأمر فإن السنة تجرى مجرى تفسير الكتاب وبيان المراد فهي التي تعرفنا مراد الله من كتابه فلو جاز أن تكون كذبا وغلطا لبطلت حجة الله على العباد ولقال كل من احتج عليه بسنة تبين القرآن وتفسره: هذا في خبر واحد لا يفيد العلم فلا تقوم علي حجة بما لا يفيد العلم وهذا طرد هذا المذهب الفاسد وأطرد الناس له أبعدهم عن العلم والإيمان. والذي جاء يقضي منه العجب أنهم لا يرجعون إلى أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها لا تفيد العلم ويرجعون إلى الخيالات الذهنية والشبهات الباطلة التي تلقوها عن أهل الفلسفة والتجهم والاعتزال ويزعمون أنها براهين عقلية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية وقد قسم الأخبار إلى تواتر وآحاد فقال بعد ذكر التواتر: وأما القسم الثاني من الأخبار فهو ما لا يرويه إلا الواحد العدل ونحوه ولم يتوافر لفظه ولا معناه ولكن تلقته الأمة بالقبول عملا به أو تصديقا له كخبر عمر بن الخطاب quot; إنما الأعمال بالنيات quot; وخبر ابن عمر quot; نهى عن بيع الولاء وهبته quot; وخبر أنس دخل مكة على رأسه المغفر  وكخبر أبي هريرة quot; لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها quot; وكقوله quot; يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب quot; وقوله:(1\/560)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "543",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12941",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot; إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل quot; وقوله في المطلقة ثلاثا quot; حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك quot; وقوله quot; لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ quot; وقوله quot; إنما الولاء لمن أعتق quot; وقوله يعني ابن عمر quot; فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر في رمضان على الصغير والكبير والذكر والأنثى quot; وأمثال ذلك فهذا يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الأولين والآخرين. أما السلف فلم يكن بينهم في ذلك نزاع وأما الخلف فهذا مذهب الفقهاء الكبار من أصحاب الأئمة الأربعة والمسألة منقولة في كتب الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية مثل السرخسي وأبي بكر الرازي من الحنفية والشيخ أبي حامد وأبي الطيب والشيخ أبي إسحاق من الشافعية وابن خواز منداد وغيره من المالكية ومثل القاضي وأبي يعلى وابن موسى وأبي الخطاب وغيرهم من الحنبلية ومثل أبي إسحاق الاسفراييني وابن فورك وأبي إسحاق النظام من المتكلمين. وإنما نازع في ذلك طائفة كابن الباقلاني ومن تبعه مثل أبي المعالي والغزالي وابن عقيل وقد ذكر أبو عمرو بن الصلاح القول الأول وصححه واختاره ولكنه لم يعلم كثرة القائلين به ليتقوى بهم وإنما قاله بموجب الحجة الصحيحة وظن من اعترض عليه من المشايخ الذين لهم علم ودين وليس لهم بهذا الباب خبرة تامة أن هذا الذي قاله الشيخ أبو عمرو انفرد به عن الجمهور وعذرهم أنهم يرجعون في هذه المسائل إلى ما يجدونه من كلام ابن الحاجب وإن ارتفعوا درجة صعدوا إلى سيف الآمدي وإلى الخطيب فإن علا سندهم صعدوا إلى الغزالي والجويني والباقلاني.(1\/561)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "544",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12942",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: وجميع أهل الحديث على ما ذكره الشيخ أبو عمرو والحجة على قول الجمهور أن تلقي الأمة للخبر تصديقا وعملا إجماع منهم والأمة لا تجتمع على ضلالة كما لو اجتمعت على موجب عموم أو مطلق أو اسم حقيقة أو على موجب قياس فإنها لا تجتمع على خطأ وإن كان الواحد منهم لو جرد النظر إليه لم يؤمن عليه الخطأ فإن العصمة تثبت بالنسبة الإجماعية كما أن خبر التواتر يجوز الخطأ والكذب على واحد من المخبرين بمفرده ولا يجوز على المجموع والأمة معصومة من الخطأ في روايتها ورأيها ورؤياها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم quot; أرى رؤياكم قد تواطأت على أنها في العشر الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر quot; فجعل تواطؤ الرؤيا دليلا على صحتها. والآحاد في هذا الباب قد تكون ظنونا بشروطها فإذا قويت صارت علوما وإذا ضعفت صارت أوهاما وخيالات فاسدة. قال أيضا فلا يجوز أن يكون في نفس الأمر كذبا على الله ورسوله وليس في الأمة من ينكره إذ هو خلاف ما وصفهم الله تعالى به. فإن قيل: أما الجزم بصدقه فلا يمكن منهم وأما العمل به وهو الواجب عليهم وإن لم يكن صحيحا في الباطن وهذا سؤال ابن الباقلاني. قلنا: أما الجزم بصدقه فإنه قد يحتف به من القرائن ما يوجب العلم إذ القرائن المجردة قد تفيد العلم بمضمونها فكيف إذا احتفت بالخبر والمنازع بنى على هذا أصله الواهي أن العلم بمجرد الأخبار لا يحصل إلا من جهة العدد فلزمه أن يقول ما دون العدد لا يفيد أصلا وهذا غلط خالفه فيه حذاق أتباعه وأما العمل به فلو جاز أن يكون في الباطن كذبا وقد وجب علينا العمل به لانعقد الإجماع على ما هو كذب وخطأ في نفس الأمر وهذا باطل فإذا كان تلقي الأمة له يدل على صدقه لأنه إجماع منهم على أنه صدق مقبول فإجماع السلف والصحابة أولى أن يدل على صدقه فإنه لا يمكن أحد أن يدعي إجماع الأمة إلا فيما أجمع عليه سلفها من الصحابة والتابعين وأما بعد ذلك فقد انتشرت انتشارا لا تضبط أقوال جميعها. قال: واعلم أن جمهور أحاديث البخاري ومسلم من هذا الباب كما ذكره الشيخ أبو عمرو ومن قبله من العلماء كالحافظ أبي طاهر السلفي وغيره فإن ما تلقاه أهل(1\/562)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "545",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12943",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحديث وعلماؤه بالقبول والتصديق فهو محصل للعلم مفيد لليقين ولا عبرة بمن عداهم من المتكلمين والأصوليين فإن الاعتبار في الإجماع على كل أمر من الأمور الدينية بأهل العلم به دون غيرهم كما لم يعتبر في الإجماع على الأحكام الشرعية إلا العلماء بها دون المتكلمين والنحاة والأطباء كذلك لا يعتبر في الإجماع على صدق الحديث وعدم صدقه إلا أهل العلم بالحديث وطرقه وعلله وهم علماء أهل الحديث العالمون بأحوال نبيهم الضابطون لأقواله وأفعاله المعتنون بها أشد من عناية المقلدين بأقوالهم متبوعيهم. فكما أن العلم بالتواتر ينقسم إلى عام وخاص فيتواتر عند الخاصة ما لا يكون معلوما لغيرهم فضلا أن يتواتر عندهم فأهل الحديث لشدة عنايتهم بسنة نبيهم وضبطهم لأقواله وأفعاله وأحواله يعلمون من ذلك علما لا يشكون فيه مما لا شعور لغيرهم به ألبتة فخبر أبي بكر وعمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وابن مسعود ونحوهم يفيد العلم الجازم الذي يلتحق عندهم بقسم الضروريات وعند الجهمية والمعتزلة وغيرهم من أهل الكلام لا يفيد علما وكذلك يعلمون بالضرورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وعند الجهمية رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل ذلك ويعلمون بالضرورة أن نبيهم صلى الله عليه وسلم أخبر عن خروج قوم من النار بالشفاعة وعند المعتزلة والخوارج لم يقل ذلك وبالجملة فهم جازمون بأكثر الأحاديث الصحيحة قاطعون بصحتها عنه وغيرهم لا علم عنده بذلك والمقصود أن هذا القسم من الأخبار يوجب العلم عند الجمهور العقلاء. وأما خبر الواحد الذي أوجبت الشريعة تصديق مثله والعمل به بأن يكون خبر عدل معروف بالصدق والضبط والحفظ فهذا في إفادته للعلم قولان هما روايتان منصوصتان عن أحمد: أحدهما: إنه يفيد العلم أيضا وهو أحد الروايتين عن مالك اختاره جماعة من أصحابه منهم محمد بن خواز منداد واختاره جماعة من أصحاب أحمد منهم ابن أبي موسى وغيره واختاره الحارث المحاسبي وهو قول جمهور أهل الظاهر وجمهور أهل الحديث وعلى هذا فيحلف على مضمونه ويشهد به. والقول الثاني: إنه لا يوجب العلم وهو قول جمهور أهل الكلام وأكثر المتأخرين من الفقهاء وجماعة من أهل الحديث وعلى هذا فلا يحلف على مضمونه ولا يشهد(1\/563)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "546",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12944",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به وقد حلف الإمام على كثير من مضمون كثير من الأخبار الآحاد حلف على البت وأهل الحديث لا يجعلون حصول العلم بمخبر هذه الأخبار الثابتة من جهة العادة المطردة في حق سائر المخبرين بل يقولون ذلك لأمر يرجع إلى المخبر وأمر يرجع إلى المخبر عنه وأمر يرجع إلى المخبر به وأمر يرجع إلى المخبر المبلغ. فأما ما يرجع إلى المخبر فإن الصحابة الذين بلغوا الأمة سنة نبيهم كانوا أصدق الخلق لهجة وأعظمهم أمانة وأحفظهم لما يسمعونه وخصهم الله تعالى من ذلك بما لم يخص به غيرهم فكانت طبيعتهم قبل الإسلام الصدق والأمانة ثم ازدادوا بالإسلام قوة في الصدق والأمانة وكان صدقهم عند الأمة وعدالتهم وضبطهم وحفظهم عن نبيهم أمرا معلوما لهم بالاضطرار كما يعلمون إسلامهم وإيمانهم وجهادهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل من له أدنى علم بحال القوم يعلم أن خبر الصديق وأصحابه لا يقاس بخبر من عداهم وحصول الثقة بخبرهم فوق الثقة واليقين بخبر من سواهم من سائر الخلق بعد الأنبياء. فقياس خبر الصديق على خبر آحاد المخبرين من أفسد قياس في العالم وكذلك الثقات العدول الذين رووا عنهم هم أصدق الناس لهجة وأشدهم تحريا للصدق والضبط حتى لا تعرف في جميع طوائف بني آدم أصدق لهجة ولا أعظم تحريا للصدق منهم وإنما المتكلمون أهل ظلم وجهل يقيسون خبر الصديق والفاروق وأبي بن كعب بأخبار آحاد الناس مع ظهور الفرق المبين بين المخبرين فمن أظلم ممن سوى بين خبر الواحد من الصحابة وخبر الواحد من أفراد الناس في عدم إفادة العلم وهذا بمنزلة من سوى بينهم في العلم والدين والفضل. وأما ما يرجع إلى المخبر عنه فإن الله سبحانه تكفل لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يظهر دينه على الدين كله وأن يحفظه حتى يبلغه الأول لمن بعده فلا بد أن يحفظ الله سبحانه حججه وبيناته على خلقه لئلا تبطل حججه وبيناته ولهذا فضح الله من كذب على رسوله في حياته وبعد مماته وبين حاله للناس قال سفيان بن عيينة: ما ستر الله أحدا يكذب في الحديث قال عبد الله بن المبارك: لو هم رجل أن يكذب في الحديث لأصبح والناس يقولون فلان كذاب. وقد عاقب الله الكاذبين عليه في حياتهم بما جعلهم به نكالا وعبرة حفظا لوحيه ودينه وقد روى أبو القاسم البغوي حدثنا بن عبد الحميد الحماني حدثنا علي بن(1\/564)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "547",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12945",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مسهر عن صالح بن حيان عن بريدة عن أبيه قال: جاء رجل في جانب المدينة فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أحكم فيكم برأيي في أموالكم وفي كذا وكذا وكان خطب امرأة منهم في الجاهلية فأبوا أن يزوجوه ثم ذهب حتى نزل على المرأة فبعث القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كذب عدو الله ثم أرسل رجلا فقال: إن وجدته حيا فاقتله فإن أنت وجدته ميتا فأحرقه بالنار فانطلق فوجده قد لدغ فمات فحرقه بالنار فعند ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار quot; وروى أبو بكر بن مردويه من حديث الوزعى عن أبي سلمة عن أسامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; من تقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار quot; وذلك أنه بعث رجلا فكذب عليه فوجد ميتا قد انشق بطنه ولم تقبله الأرض. فالله سبحانه لم يقر من كذب عليه في حياته وفضحه وكشف ستره للناس بعد مماته. وأما ما يرجع إلى المخبر به فإنه الحق المحض وهو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كلامه وحي فهو أصدق وأحق الحق بعد كلام الله فلا يشتبه بالكذب والباطل على ذي عقل صحيح بل عليه من النور والجلالة والبرهان ما يشهد بصدقه والحق عليه نور ساطع يبصره ذو البصيرة السليمة فبين الخبر الصادق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الخبر الكاذب عنه من الفرق كما بين الليل والنهار والضوء والظلام وكلام النبوة متميز بنفسه عن غيره من الكلام الصدق فكيف نسبته بالكذب ولكن هذا إنما يعرفه من له عناية بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخباره وسنته ومن سواهم في عمى عن ذلك فإذا قالوا: أخباره وأحاديثه الصحيحة لا تفيد العلم فهم مخبرون عن أنفسهم أنهم لم يستفيدوا منها العلم فهم صادقون فيما يخبرون به عن أنفسهم كاذبون في إخبارهم أنها لا تفيد العلم لأهل الحديث والسنة. وأما ما يرجع إلى المخبر فالمخبر نوعان: نوع له علم ومعرفة بأحوال الصحابة وعدالتهم وتحريهم للصدق والضبط وكونهم أبعد خلق الله عن الكذب وعن الغلط(1\/565)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "548",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12946",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "كلام الإمام ابن حزم في أن خبر الواحد يفيد العلم قطعا",
        "content": "والخطأ فيما نقلوه إلى الأمة وتلقاه بعضهم عن بعض بالقبول وتلقته الأمة عنهم كذلك وقامت شواهد صدقهم فيه فهذا المخبر يقطع بصدق المخبر ويفيده خبره العلم واليقين لمعرفته بحاله وسيرته ونوع لا علم لهم بذلك وليس عندهم من المعرفة بحال المخبرين ما عند أولئك فهؤلاء قد لا يفيدهم خبرهم اليقين فإذا انضم عمل المخبر وعلمه بحال المخبر وانضاف إلى ذلك معرفة المخبر عنه ونسبة ذلك الخبر إليه أفاد ذلك علما ضروريا بصحة تلك النسبة وهذا في إفادة العلم أقوى من خبر رجل مبرز في الصدق والتحفظ عن رجل معروف بغاية الإحسان والجود أنه سأله رجل معدم فقير ما يغنيه فأعطاه ذلك وظهرت شواهد تلك العطية على الفقير فكيف إذا تعدد المخبرون عنه وكثرت رواياتهم وأحاديثهم بطرق مختلفة وعطايا متنوعة في أوقات متعددة.  [كلام الإمام ابن حزم في أن خبر الواحد يفيد العلم قطعا] قال أبو محمد بن حزم: ومما يبين أن أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم تفيد العلم أن الله تعالى قال: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل: 44] فصح أنه صلى الله عليه وسلم مأمور ببيان القرآن للناس وفي القرآن مجمل كثير كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك مما لا يعلم ما ألزمنا الله تعالى فيه بلفظه لكن بتبيان رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا كان بيانه لذلك المجمل محفوظا ولا مضمونا سلامته مما ليس منه فقد بطل الانتفاع بنص القرآن وبطلت أكثر الشرائع المفترضة علينا فيه إذا لم ندر صحيح مراد الله تعالى منها مما أخطأ فيه المخطئ أو تعمد فيه الكذب الكاذب ومعاذ الله من هذا. قال: وأيضا فنقول لمن قال: إن خبر الواحد العدل عن مثله مبلغا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يوجب العلم وأنه يجوز فيه تعمد الكذب والوهم وأنه غير مضمون الحفظ: أخبرونا هل يمكن أن يكون عندكم شريعة فرض أو تحريم أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات وهي باقية لازمة للمسلمين غير منسوخة فجهلت حتى لا يعلمها علم اليقين أحد من أهل الإسلام في العالم أبدا وهل يمكن عندكم أن يكون حكم موضوع بالكذب أو بخطأ بالوهم قد جاوز ومضى واختلط بأحكام الشريعة اختلاطا لا يجوز أن يميزه أحد من أهل الإسلام في العالم أبدا أم لا يمكن عندكم شيء من هذين الوجهين فإن قالوا: لا يمكنان أبدا بل قد أمنا ذلك صاروا إلى قولنا وقطعوا أن كل خبر رواه الثقة عن الثقة مسندا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الديانة فإنه حق قد قاله(1\/566)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "549",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12947",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو وأنه يوجب العلم ويقطع بصحته ولا يجوز أن يختلط به خبر موضوع أو موهوم فيه لم يقله قط رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلاطا لا يتميز الباطل فيه من الحق أبدا وإن قالوا: بل كل ذلك ممكن كانوا قد حكموا بأن دين الإسلام قد فسد وبطل أكثره واختلط ما أمر الله تعالى به مع ما لم يأمر به اختلاطا لا يميزه أحد أبدا وأنهم لا يدرون أبدا ما أمرهم الله به مما لم يأمرهم به ولا ما وضع الكاذبون والمستخفون بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالظن الذي هو أكذب الحديث والذي لا يغني من الحق شيئا وهذا انسلاخ من الإسلام وهدم للدين وتشكيك في الشرائع. ثم نقول لهم: أخبرونا إن كان ذلك كله ممكنا عندكم فهل أمركم الله بالعمل بما رواه الثقات مسندا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لم يأمركم بالعمل به ولا بد من أحدهما. فإن قالوا: لم يأمرنا الله تعالى بذلك لحقوا بالمعتزلة وسيأتي جوابهم عن القول وإن قالوا: بل أمرنا الله تعالى بالعمل بذلك قلنا لهم: فقد قلتم إن الله تعالى أمركم بالعمل في دينه بما لم يأمركم به مما وضعه الكاذبون وأخطأ فيه الواهمون وأمركم أن تنسبوا إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ما لم يأتكم به قط وما لم يقله الله ولا رسوله وهذا قطع عليه بأنه عز وجل أمر بالكذب عليه وافترض العمل بالباطل وبما شرعه الكاذبون مما لم يأذن به الله وبما ليس من الدين وهذا عظيم جدا لا يستجيز القول به مسلم. ثم نسألهم عما قالوا: إنه ممكن من سقوط بعض ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحكم في الدين بإيجاب أو تحريم حتى لا يؤخذ عن أحد هل بقي علينا العمل به أم سقط عنا ولا بد من أحدهما فإن قالوا: بل هو باق علينا قلنا لهم كيف يلزمنا العمل بما لا ندري وبما لم يبلغنا أبدا وهذا من تحميل الإصر والحرج والعسر الذي قد آمننا الله منه. وإن قالوا: بل قد سقط عنا العمل به قلنا لهم: فقد أجزتم نسخ شريعة من شرائع دين الإسلام مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي محكمة باقية لازمة فأخبرونا من الذي نسخها وأبطلها وقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي لازمة لنا غير منسوخة وهذا خلاف الإسلام والخروج منه جملة. فإن قالوا: لا يجوز أن يسقط حكم شريعة. مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو لازم لنا ولم(1\/567)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "550",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12948",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ينسخ قلنا لهم: فمن أين أجزتم هذا النوع من الحفظ في الشريعة ولم تجيزوا تمام الحفظ للشريعة من أن لا يختلط بها باطل لم يأمر الله به قط اختلاطا لا يتميز معه الحق الذي أمر الله به من الباطل الذي لم يأمر به قط وهذا لا مخلص لهم منه ولا فرق بين من منع من سقوط شريعة حق أو أجاز اختلاطها بالباطل وبين من منع من اختلاط الحق في شريعة بالباطل وأجاز سقوط شريعة حق وكل هذا باطل لا يجوز البتة وممتنع قد أمنا كونه ولله الحمد. وإذا صح هذا فقد ثبت يقينا أن خبر الواحد العدل عن مثله مبلغا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى حق مقطوع به موجب للعلم والعمل جميعا قال: وأيضا فإن الله تعالى قال: لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل: 44] وقال تعالى: ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس [المائدة: 67] فنسألهم هل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنزل إليه من ربه أم لم يبين وهل بلغ ما أنزل إليه أم لم يبلغ فلا بد من أحد أمرين: فمن قولهم أنه بلغ ما أنزل إليه وبينه للناس وأقام الحجة على من بلغه فنسألهم عن ذلك التبليغ وذلك البيان أهما باقيان عندنا إلى يوم القيامة أم هم غير باقيين فإن قالوا: بل هما باقيان إلى يوم القيامة رجعوا إلى قولنا وأقروا أن الحق من كل ما أنزل الله في الدين مبين مما لم ينزله مبلغ إلينا إلى يوم القيامة. وهذا هو نص قولنا في أن خبر الواحد العدل مثله مسندا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حق مقطوع بغيبه موجب للعلم والعمل وإن قالوا: بل هما غير باقيين دخلوا في عظيمة وقطعوا بأن كثيرا من الدين قد بطل وأن التبليغ قد سقط في كثير من الشرائع وأن بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم الكثير من الدين قد ذهب ذهابا لا يوجد معه أبدا وهذا قول الرافضة بل شر منه لأن الرافضة ادعت أن حقيقة الدين موجودة عند إنسان مضمون كونه في العلم وهؤلاء أبطلوه من جميع العالم ونعوذ بالله من كلا القولين. وأيضا فإن الله تعالى قد قال: قل إنما حرم ربي الفواحش [الأعراف: 33] إلى قوله: ما لا تعلمون [الأعراف: 33] وقال تعالى: إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى [النجم: 23] وقال تعالى: وإن الظن لا يغني من الحق شيئا [النجم: 28] وقال تعالى ذاما(1\/568)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "551",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12949",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لقوم في قولهم إن نظن إلا ظنا - وإن أنتم إلا تخرصون [الأنعام: 32 - 148] وقد صح أن الله تعالى افترض علينا العمل بخبر الواحد الثقة عن مثله مبلغا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن نقول أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا ونهى عن كذا وفعل كذا والله تعالى حرم القول في دينه بالظن وحرم علينا أن نقول عليه إلا بعلم فلو كان لخبر المذكور يجوز فيه الكذب أو الوهم لكان قد أمرنا أن نقول عليه ما لا نعلم ولكان قد أوجب علينا الحكم في الدين بالظن الذي لا نتيقنه والذي هو الباطل الذي لا يغني عن الحق شيئا والذي هو غير الهدى الذي جاء من عند الله وهذا هو الإفك والكذب والباطل الذي لا يحل القول به والذي حرم الله علينا أن نقول به. فصح يقينا أن الخبر المذكور حق مقطوع على غيبه يوجب العلم والعمل معا وبالله التوفيق فصار كل من يقول بإيجاب العمل بخبر واحد وأنه مع ذلك ظن لا يقطع بصحة غيبه ولا يوجب العلم قائلا بأن الله تعبدنا بأن نقول عليه ما ليس لنا به علم وأن نحكم في ديننا بالظن الذي قد حرم علينا أن نحكم به في الدين وهذا عظيم جدا وأيضا فإن الله تعالى يقول اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا [المائدة: 3] وقال تعالى: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه [آل عمران: 85] وقال تعالى: إن الدين عند الله الإسلام [آل عمران: 19] فنقول لمن جوز أن يكون ما أمر الله به نبيه من بيان شرائع الإسلام غير محفوظ وأنه يجوز فيه التبديل وأن يختلط بالكذب الموضوع اختلاطا لا يتميز أبدا أخبرونا عن إكمال الله تعالى لنا ديننا ورضاه الإسلام لنا دينا ومنعه من قبول كل دين سوى الإسلام أكل ذلك باق علينا ولنا وإلى يوم القيامة أم إنما كان ذلك للصحابة رضي الله عنهم فقط أو لا للصحابة ولا لنا ولا بد من أحد هذه الوجوه. فإن قالوا: لا للصحابة ولا لنا كان قائل هذا القول كافرا لتكذيبه الله جهارا وهذا لا يقوله مسلم وإن قالوا: بل كل ذلك باق لنا وعلينا وإلى يوم القيامة صاروا إلى قولنا ضرورة وصح أن شرائع الإسلام كلها كاملة والنعمة بذلك علينا تامة وإن دين الإسلام الذي ألزمنا الله تعالى اتباعه لأنه هو الدين عنده متميز من غيره قد هدانا(1\/569)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "552",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12950",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بفضله له وإنا على يقين أنه الحق وما عداه هو الباطل وهذا برهان ضروري قاطع على أن كل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين وفي بيان ما يلزمنا محفوظ لا يختلط به ما ليس منه أبدا. وإن قالوا: بل كان ذلك للصحابة فقط قالوا الباطل وخصصوا خطاب الله بدعوى كاذبة إذ خطابه تعالى بالآيات التي ذكرها عموم لكل مسلم في الأبد ولزمهم مع هذه العظيمة أن دين الإسلام غير كامل عندنا والله تعالى رضي لنا منه ما لم يحفظه علينا وألزمنا منه ما لا ندري أين نجده وافترض علينا اتباع ما كذبه الزنادقة والمستحقون ووضعوه على لسان رسوله أو وهم فيه الواهمون مما لم يقله نبيهم صلى الله عليه وسلم وهذا بيقين ليس هو دين الإسلام بل هو إبطال لدين الإسلام جهارا ولو كان هذا (ومعاذ الله أن يكون) لكان ديننا كدين اليهود والنصارى الذين أخبر الله تعالى أنهم كتبوا الكتاب بأيديهم وقالوا: هذا من عند الله وما هو من عند الله ونحن قد وثقنا بأن الله تعالى هو الصادق في قوله: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه [البقرة: 213] وأنه تعالى قد هدانا للحق فصح يقينا أن كل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد هدانا تعالى له وأنه حق مقطوع به. قال ابن حزم: وقال بعضهم لما انقطعت به الأسباب: خبر الواحد يوجب علما ظاهرا. قال: وهذا كلام لا يعقل وما علمنا علما ظاهرا غير باطن ولا علما باطنا غير ظاهر بل كل علم يتيقن فهو ظاهر لمن علمه وباطن في قلبه وكل ظن لم يتيقن فليس علما أصلا لا ظاهرا ولا باطنا بل هو ضلال وشك وظن محرم القول به في دين الله. ونقول لهم إذا كان عندكم يمكن أن يكون كثير من دين الإسلام قد اختلط بالباطل فما يؤمنكم إذ ليس محفوظا أن يكون كثير من الشرائع قد بطلت لأنه لم ينقلها أحد أصلا فإذا منعوا من ذلك لزمهم المنع من اختلاطهم بما ليس منها لأن ضمان حفظ الله تعالى يقتضي الأمان من كل ذلك. وأيضا فإنه لا يشك أحد من المسلمين أن كل ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه أمته(1\/570)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "553",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12951",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من شرائع الدين واجبها وحرامها وحلالها فإنه سنة الله تعالى وقد قال تعالى: فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا [فاطر: 43] وقال تعالى: ولا مبدل لكلمات الله - لا مبدل لكلماته [الأنعام: 34 - 115] فلو جاز أن يكون ما نقله الثقات الذين افترض الله علينا قبول نقلهم والعمل به والقول بأنه سنة الله وبيان نبيه يمكن في شيء منه التحويل أو التبديل لكان إخبار الله تعالى بأنه لا يوجد لها تبديل ولا تحويل كذبا وهذا لا يجيزه مسلم أصلا فصح يقينا لا شك فيه أن كل سنة سنها الله عز وجل لرسوله وسنها رسوله لأمته فإنه لا يمكن في شيء منها تبديل ولا تحويل أبدا وهذا يوجب أن نقل الثقات في الدين يوجب العلم بأنه حق كما هو من عند الله عز وجل. وأيضا فإنهم مجمعون معنا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم من الله في البلاغ في الشريعة وعلى تكفير من قال: ليس معصوما في تبليغه إلينا ونقول لهم: أخبرونا عن الفضيلة بالعصمة التي جعلها الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في تبليغه الشريعة التي بعث بها أهي له في إخباره الصحابة بذلك فقط أم هي باقية لما أتى به صلى الله عليه وسلم في بلوغه إلينا وإلى يوم القيامة فإن قالوا: بل هي له مع من شاهده خاصة لا في بلوغ الدين إلى من بعدهم قلنا لهم: إذا قد جوزتم بطلان العصمة في تبليغ الدين بعد موته وجوزتم وجود الداخلة والفساد والبطلان والزيادة والنقصان والتحريف في الدين فمن أين وقع لكم الفرق بين ما جوزتم من ذلك بعده وبين ما منعتم من ذلك في حياته  فإن قالوا: لأنه يكون غير مبلغ لما أمر به ولا معصوم والله تعالى يقول بلغ ما أنزل إليك من ربك [المائدة: 67] الآية (قيل) : نعم وهذا التبليغ المفترض عليه الذي هو معصوم فيه بإجماعكم معنا من الكذب والوهم هو إلينا كما هو إلى الصحابة ولا فرق والدين لازم لنا كما هو لازم لهم سواء فالعصمة واجبة في التبليغ للديانة باقية مضمونة ولا بد إلى يوم القيامة والحجة قائمة بالدين علينا وإلى يوم القيامة كما كانت قائمة على الصحابة سواء ومن أنكر هذا فقد قطع بأن الحجة علينا في الدين غير قائمة والحجة لا تقوم بما لا يدرى أحق هو أم كذب. ثم نقول: وكذلك قوله تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [الحجر: 9](1\/571)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "554",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12952",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي [المائدة: 3]  ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه [آل عمران: 85]  قد تبين الرشد من الغي [البقرة: 256] وإن ادعوا إجماعا قيل من الكرامية من يقول إنه صلى الله عليه وسلم غير معصوم في تبليغ الرسالة فإن قالوا: ليس هؤلاء ممن يعد في الإجماع (قلنا لهم) : صدقتم ولا يعد في الإجماع من قال: إن الدين غير محفوظ وأن كثيرا من الشرائع التي أنزل الله تعالى قد بطلت واختلطت بالباطل الموضوع والموهوم فيه اختلاطا لا يتميز به الرشد من الغي ولا دين الله تعالى من دين إبليس. (وإن قالوا) : إن الفضيلة بعصمة ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم من الدين باقية إلى يوم القيامة صاروا إلى الحق الذي هو قولنا ولله الحمد. (فإن قالوا) : إن صفة كل مخبر وطبيعته أن خبره يجوز فيه الصدق والكذب والخطأ وقولكم بأن خبر الواحد العدل في الشريعة يوجب العلم إحالة الطبيعة وخرق العادة فيه. قلنا: لا ينكر من الله تعالى إحالة ما شاء من الطبائع إذا صح البرهان به فالعجب من إنكاركم هذا مع قولكم به بعينه في إيجابكم عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الكذب والوهم في تبليغه الشريعة وهذا هو الذي أنكرتم بعينه بل لم تقنعوا بالتناقض إذا أصبتم في ذلك وأخطأتم في منعكم من ذلك في خبر الواحد العدل حتى أتيتم بالباطل المحض إذ جوزتم على جميع الأمم موافقة الخطأ في إجماعها في رأيها وذلك طبيعة في الكل وصفة لهم ومنعتم من جواز الخطأ والوهم على ما ادعيتموه من إجماع الأمة من المسلمين خاصة في اجتهادها في القياس وحاش لله أن تجتمع الأمة على الباطل والقياس عين الباطل فخرقتم بذلك العادة وأحلتم الطبائع بلا برهان ولا سيما إذا كان المخالف لنا من المرجئة القاطعين بأنه لا يمكن أن يكون يهودي ولا نصراني يعرف بقلبه أن الله تعالى حق فإن هؤلاء أحالوا الطبائع بلا برهان ومنعوا من إحالتها إذا قام البرهان بإحالتها. فإن قالوا: إنه يلزمكم أن تقولوا إن نقلة الأخبار التي قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم معصومون في نقلها وإن كل واحد معصوم في نقله من تعمد الكذب ووقوع الوهم منه. قلنا لهم: نعم هكذا نقول وبه نقطع وكل عدل روى خبرا قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم(1\/572)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "555",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12953",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في الدين فذلك الراوي معصوم فيه من تعمد الكذب مقطوع بذلك عند الله ومن جواز الوهم فيه إلا ببيان وارد ولا بد من الله ببيان ما وهم فيه كما فعل سبحانه بنبيه صلى الله عليه وسلم إذ سلم من ركعتين ومن ثلاث واهما لقيام البراهين التي قدمنا من حفظ جميع الشريعة مما ليس منها. قلت: وهذا الذي قاله أبو محمد حق في الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول عملا واعتقادا دون الغريب الذي لم يعرف تلقي الأمة له بالقبول. (قال ابن حزم) : فإن قالوا: قد تعبدنا الله سبحانه بحسن الظن به وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يقول: quot; أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا quot;. قلنا: ليس هذا من الحكم في الدين بالظن في شيء بل كله باب واحد لأنه تعالى حرم علينا أن نقول عليه في الدين بالتحريم والإباحة والإيجاب ما لا نعلم وبين لنا كل ما ألزمنا من ذلك فوجب القطع بكل ذلك كما وجب القطع بتخليد الكفار في النار وتخليد المؤمنين في الجنة ولا فرق ولم يجز القول بالظن في شيء من ذلك كله. فإن قالوا: أنتم تقولون إن الله تعالى أمرنا بالحكم بما شهد به العدل مع يمين الطالب وبما شهد به العدلان فصاعدا وبما حلف عليه المدعى عليه إذ لم يقم بالمدعي بينة في إباحة الدماء والفروج والأبشار والأموال المحرمة وكل ذلك بإقرارهم ممكن أن يكون في باطن الأمر بخلاف ما شهد به الشاهد وحلف عليه الحالف وهذا هو الحكم بالظن الذي أنكرتم علينا قوله في خبر الواحد. قلنا لهم: وبالله التوفيق: بين الأمرين فروق واضحة كالشمس: أحدها: أن الله تعالى قد تكفل بحفظ الدين وإكماله وتبيينه من الغي ومما ليس منه ولم يتكفل تعالى بحفظ دمائنا ولا بحفظ فروجنا ولا بحفظ أبشارنا وأموالنا في الدنيا بل قدر أن كثيرا من ذلك يؤخذ بغير حق في الدنيا وقد نص على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: quot; إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ولعل أحدكم أن يكون ألحن(1\/573)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "556",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12954",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار quot; وبقوله للمتلاعنين: quot; إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب quot;. والفرق الثاني: أن حكمنا بشهادة الشاهد ويمين الحالف ليس حكما بالظن كما زعموا بل نحن نقطع لهم بأن الله تعالى افترض علينا الحكم بيمين الطالب مع الشهادة العدل وبيمين المدعى عليه إذا لم تقم بينة وشهادة العدل والعدلين والعدول عندنا وإن كانوا في باطن الأمر كاذبين أو واهمين فالحكم بكل ذلك حق عند الله تعالى وعندنا مقطوع على غيبه. برهان ذلك أن حاكما لو تحاكم إليه اثنان ولا بينة للمدعي فلم يحكم للمدعى عليه باليمين أو شهد عنده عدلان فلم يحكم بشهادتهما فإن ذلك الحاكم فاسق عاص لله تعالى ظالم سواء كان المدعى عليه مبطلا في إنكاره أو محقا أو كان الشهود كذبة أو واهمين أو صادقين إذا لم يعلم باطن أمرهم ونحن مأمورون يقينا بأمر الله تعالى لنا أن نقتل هذا البريء المشهود عليه بالباطل وأن نبيح هذا الفرج الحرام المشهود فيه بالكذب وأن نبيح هذه البشرة المحرمة وهذا المال الحرام المشهود فيه الباطل وحرم على المبطل أن يأخذ شيئا من ذلك وقضى تعالى بأننا إن لم نحكم بذلك فساق عصاة له ظلمة متوعدون بالنار على ذلك وما أمرنا أن نحكم في الدين بخبر وضعه فاسق أو وهم وفيه واهم فهذا فرق في غاية البيان. وفرق ثالث: وهو أن الله تعالى فرض علينا أن نقول في جميع الشريعة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وأمرنا الله تعالى بكذا لأنه تعالى يقول: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول [النساء: 59]  وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [الحشر: 7] ففرض علينا أن نقول نهانا الله ورسوله عن كذا وكذا وأمرنا بكذا ولم يأمرنا قط أن نقول: شهد هذا الشاهد بحق ولا حلف هذا الحالف على حق ولا أن هذا الذي قضينا به لهذا حق(1\/574)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "557",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12955",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقينا لكن الله قال: احكموا بشهادة العدل ويمين المدعى عليه إذا لم تقم عليه بينة وهذا فرق لا خفاء به فلم نحكم بالظن في شيء من ذلك أصلا ولله الحمد بل بعلم قاطع فإذا قالوا: إنما قال الله تعالى: إن بعض الظن إثم [الحجرات: 12] ولم يقل كل الظن إثم (قلنا) : قد بين الله تعالى لنا الإثم من البر وبين أن القول عليه بما لا يعلم حرام فهذا من الظن الذي هو إثم بلا شك. قال ابن حزم: فلجأت المعتزلة إلى الامتناع من الحكم بخبر الواحد للدلائل التي ذكرناها وظنوا أنهم تخلصوا بذلك ولم يتخلصوا بل كل ما لزم غيرهم مما ذكرنا فهو لازم لهم وذلك أنا نقول: أخبرونا عن الأخبار التي رواها الآحاد أهي كلها حق إذا جاءت من رواية الثقات خاصة أم كلها باطل أم فيها حق وباطل . فإن قالوا: فيها حق وباطل وذلك قولهم قلنا لهم: فهل يجوز أن تبطل شريعة أوحى الله تعالى فيها إلى نبيه حتى تختلط بكذب وضعه فاسق فنسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو وهم فيه واهم فيختلط الحق المأمور به مع الباطل المختلق اختلاطا لا يتميز به الحق من الباطل أبدا لأحد من الناس وهل الشرائع الإسلامية كلها محفوظة لازمة لنا أم هي غير محفوظة ولا كلها لازم لنا بل قد سقط منها بعد رسول الله كثير وهل قامت الحجة علينا لله تعالى فيما افترض علينا من الشرائع بأنها بينة لنا متميزة مما لم يأمرنا به أم لم تقم لله تعالى علينا حجة في الدين لأن كثيرا منه مختلط بالكذب غير متميز منه أبدا. فإن أجازوا اختلاط شرائع الدين التي أوحى الله تعالى بها إلى نبيه بما ليس من الدين وقالوا: لم يقم لله علينا حجة فيما أمرنا به دخل عليهم من القول بفساد الشريعة وذهاب الإسلام وبطلان ضمان الله لحفظ الذكر كالذي دخل على غيرهم ولزمهم أنهم تركوا كثيرا من الدين الصحيح كما لزم غيرهم أنهم يعملون بما ليس من الدين وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد بطل بيانه وأن حجة الله بذلك لم تقم علينا وإن لجئوا إلى الاقتصار على خبر التواتر لم ينفكوا بذلك من أن كثيرا من الدين قد بطل لاختلاطه بالكذب الموضوع وبالموهوم فيه ومن جواز أن يكون كثير من شرائع الإسلام لم ينقل إلينا إذ قد بطل ضمان حفظ الله فيها. وأيضا فإنه لا يعجز أحد أن يدعي في أي خبر شاء أنه منقول نقل التواتر بل(1\/575)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "558",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12956",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل استدلال ابن القيم على أن خبر الواحد يفيد العلم قطعا",
        "content": "أصحاب الإسناد أصح دعوى في ذلك لشهادة كثرة الرواة وتغاير الأسانيد لهم بصحة قولهم في نقل التواتر فإن لجأ لاجئ إلى أن يقول بأن كل خبر جاء من طريق الآحاد الثقات إنه كذب موضوع ليس منه شيء قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذه مجاهرة ظاهرة ومدافعة لما يعلم بالضرورة خلافه وتكذيب لجميع الصحابة ولجميع فضلاء التابعين ولكل إنسان من علماء المسلمين جيلا بعد جيل لأن كل من ذكرنا رووا الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا شك واحتج بها بعضهم على بعض وعملوا بها وأفتوا بها في دين الله وهذا إطراح للإجماع المتيقن وباطل لا تختلف النفوس فيه لأن بالضرورة يعلم أنه لا يمكن أن يكون كل من ذكرنا لم يصدق في كلمة بل كلهم كذبوا ووضعوا كل ما رووا. وأيضا ففيه إبطال لأكثر الشرائع التي لا يشك مسلم ولا غير مسلم في أنها ليست في القرآن مبينة كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك وأنا إنما تلقيناها من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذه ثلاثة أقوال كما ترى لا رابع لها إما أن يكون كل خبر نقله العدل عن العدل مبلغا به النبي صلى الله عليه وسلم كذبا كلها أولها عن آخرها أو يكون فيها حق باطل إلا أنه لا سبيل لنا إلى تمييز الحق من الباطل أبدا وهذا تكذيب لله في إخباره بحفظ الذكر المنزل وبإكماله لنا الدين وبأنه لا يقبل منا إلا دين الإسلام لا شيء سواه وفيه أيضا إفساد الدين واختلاطه بما لم يأمر الله به ولا سبيل لأحد في العالم أن يعرف ما أمر الله به في دينه مما لم يأمر به أبدا وإن حقيقة الإسلام قد بطلت بيقين وهذا انسلاخ من الإسلام أو أنها كلها حق مقطوع على غيبها عند الله تعالى موجبة كلها العلم بإخبار الله بأنه حافظ لما أنزل من الذكر ولتحريمه تعالى الحكم في الدين بالظن والقول عليه بما لا علم لنا ولإخباره تعالى أنه قد تبين الرشد من الغي [البقرة: 256]  وليس الرشد إلا ما أنزله الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وفي فعله وليس الغي إلا ما لم ينزله الله تعالى على لسان نبيه وهذا قولنا: انتهى كلامه.  [فصل استدلال ابن القيم على أن خبر الواحد يفيد العلم قطعا] فصل ومما يبين أن خبر الواحد العدل يفيد العلم أدلة كثيرة: أحدها: أن المسلمين لما أخبرهم الواحد وهم بقباء في صلاة الصبح أن القبلة قد حولت إلى الكعبة قبلوا خبره وتركوا الحجة التي كانوا عليها واستداروا إلى القبلة ولم(1\/576)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "559",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12957",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ينكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بل شكروا على ذلك وكانوا على أمر مقطوع به من القبلة الأولى فلولا حصول العلم لهم بخبر الواحد لم يتركوا المقطوع به المعلوم لخبر لا يفيد العلم وغاية ما يقال فيه أنه خبر اقترنته قرينة وكثير منهم يقول: لا يفيد العلم بقرينة ولا غيرها وهذا في غاية المكابرة ومعلوم أن قرينة تلقي الأمة له بالقبول وروايته قرنا بعد قرن من غير نكير من أقوى القرائن وأظهرها فأي قرينة فرضتها كانت تلك أقوى منها. الدليل الثاني: أن الله تعالى قال: ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا [الحجرات: 6] وفي القراءة الأخرى (فتثبتوا) وهذا يدل على الجزم بقبول خبر الواحد أنه لا يحتاج إلى التثبيت ولو كان خبره لا يفيد العلم لأمر بالتثبت حتى يحصل العلم ومما يدل عليه أيضا أن السلف الصالح وأئمة الإسلام لم يزالوا يقولون: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وفعل كذا وأمر بكذا ونهى عن كذا وهذا معلوم في كلامهم بالضرورة. وفي صحيح البخاري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة مواضع وكثير من أحاديث الصحابة يقول فيها أحدهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما سمعه من صحابي غيره وهذه شهادة من العاقل وجزم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما نسبه إليه من قول أو فعل فلو كان خبر الواحد لا يفيد العلم لكان شاهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير علم. الدليل الثالث: إن أهل العلم بالحديث لم يزالوا يقولون صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك جزم منهم بأنه قاله ولم يكن مرادهم ما قاله بعض المتأخرين إن المراد بالصحة صحة السند لا صحة المتن بل هذا مراد من زعم أن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفيد العلم وإن ما كان مرادهم صحة الإضافة إليه وأنه قال كما كانوا يجزمون بقولهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر ونهى وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيث كان يقع لهم الوهم في ذلك يقولون يذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويروى عنه ونحو ذلك ومن له خبرة بالحديث يفرق بين قول أحدهم هذا الحديث الصحيح وبين قوله إسناده صحيح فالأول جزم بصحة نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والثاني شهادة بصحة سنده(1\/577)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "560",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12958",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد يكون فيه علة أو شذوذ فيكون سنده صحيحا ولا يحكمون أنه صحيح في نفسه. الدليل الرابع: قوله تعالى: وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون [التوبة: 122] والطائفة تقع على الواحد فما فوقه فأخبر أن الطائفة تنذر قومهم إذا رجعوا إليهم والإنذار: الإعلام بما يفيد العلم وقوله لعلهم يحذرون نظير قولهم في آياته المتلوة والمشهودة لعلهم يتفكرون [الأعراف: 176]  لعلهم يعلمون [يوسف: 46]  لعلهم يهتدون [الأنبياء: 31] وهو سبحانه إنما يذكر ذلك فيما يحصل العلم لا فيما لا يفيد العلم. الدليل الخامس: قوله: ولا تقف ما ليس لك به علم [الإسراء: 36] أي لا تتبعه ولا تعمل به ولم يزل المسلمون من عهد الصحابة يقفون أخبار الآحاد ويعملون بها ويثبتون لله تعالى بها الصفات فلو كانت لا تفيد علما لكان الصحابة والتابعون وتابعوهم وأئمة الإسلام كلهم قد قفوا ما ليس لهم به علم. الدليل السادس: قوله تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [النحل: 43] فأمر من لم يعلم أن يسأل أهل الذكر وهم أولو الكتاب والعلم ولولا أن أخبارهم تفيد العلم لم يأمر بسؤال من لا يفيد خبره علما وهو سبحانه لم يقل سلوا عدد التواتر بل أمر بسؤال أهل الذكر مطلقا فلو كان واحد لكان سؤاله وجوابه كافيا. الدليل السابع: قوله تعالى: ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته [المائدة: 67] وقال: وما على الرسول إلا البلاغ المبين [النور: 54] وقال النبي(1\/578)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "561",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12959",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلى الله عليه وسلم: quot; بلغوا عني quot; وقال لأصحابه في الجمع الأعظم يوم عرفة: quot; أنتم مسئولون عني فماذا أنتم قائلون quot; قالوا: quot; نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت quot; ومعلوم أن البلاغ هو الذي تقوم به الحجة على المبلغ ويحصل به العلم فلو كان خبر الواحد لا يحصل به العلم لم يقع به التبليغ الذي تقوم به حجة الله على العبد فإن الحجة إنما تقوم بما يحصل به العلم. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل الواحد من أصحابه يبلغ عنه فتقوم الحجة على من بلغه وكذلك قامت حجته علينا بما بلغنا العدول الثقات من أقواله وأفعاله وسنته ولو لم يفد العلم لم تقم علينا بذلك حجة ولا على من بلغه واحد أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو دون عدد التواتر وهذا من أبطل الباطل. فيلزم من قال: إن أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفيد العلم أحد أمرين: إما أن يقول إن الرسول لم يبلغ غير القرآن وما رواه عنه عدد التواتر وما سوى ذلك لم تقم به حجة ولا تبليغ وإما أن يقول إن الحجة والبلاغ حاصلان بما لا يوجب علما ولا يقتضي عملا وإذا بطل هذان الأمران بطل القول بأن أخباره صلى الله عليه وسلم التي رواها الثقات العدول الحفاظ وتلقتها الأمة بالقبول لا تفيد علما وهذا ظاهر لا خفاء به. الدليل الثامن: قوله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا [البقرة: 143] وقوله: وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس [الحج: 78] وجه الاستدلال أنه تعالى أخبر أنه جعل هذه الأمة عدولا خيارا يشهدوا على الناس بأن رسلهم قد بلغوهم عن الله رسالته وأدوا عليهم ذلك وهذا يتناول شهادتهم على الأمم الماضية وشهادتهم على أهل عصرهم ومن بعدهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم بكذا ونهاهم عن كذا فهم حجة الله على من خالف رسول الله وزعم أنه لم يأتهم من الله ما تقوم به عليه الحجة وتشهد هذه الأمة الوسط عليه بأن حجة الله بالرسل قامت عليه ويشهد كل واحد بانفراده بما وصل إليه من العلم الذي كان به من أهل الشهادة فلو كانت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تفيد العلم لم يشهد به الشاهد ولم تقم به الحجة على المشهود عليه. الدليل التاسع: قوله تعالى: ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون [الزخرف: 86](1\/579)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "562",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12960",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذه الأخبار التي رواها الثقات الحفاظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إما أن تكون حقا أو باطلا أو مشكوكا فيها لا يدرى هل هي حق أو باطل فإن كانت باطلا أو مشكوكا فيها وجب اطراحها وأن لا يلتفت إليها وهذا انسلاخ من الإسلام بالكلية وإن كانت حقا فيجب الشهادة بها على البت أنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الشاهد بذلك شاهدا بالحق وهو يعلم صحة المشهود به. الدليل العاشر: قول النبي صلى الله عليه وسلم على مثلها quot; فاشهدوا quot; أشار إلى الشمس ولم يزل الصحابة والتابعون وأئمة الحديث يشهدون عليه صلى الله عليه وسلم على القطع أنه قال كذا وأمر به ونهى عنه وفعله لما بلغهم إياه الواحد والاثنان والثلاثة فيقولون: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وحرم كذا وأباح كذا وهذه شهادة جازمة يعلمون أن المشهود به كالشمس في الوضوح ولا ريب أن كل من له التفات إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتناء بها يشهد شهادة جازمة أن المؤمنين يرون ربهم عيانا يوم القيامة وأن قوما من أهل التوحيد يدخلون النار ثم يخرجون منها بالشفاعة وأن الصراط حق وتكليم الله لعباده يوم القيامة كذلك وأن الولاء لمن أعتق إلى أضعاف أضعاف ذلك بل يشهد بكل خبر صحيح متلقى بالقبول لم ينكره أهل الحديث شهادة لا يشك فيها. الدليل الحادي عشر: إن هؤلاء المنكرون لإفادة أخبار النبي صلى الله عليه وسلم العلم يشهدون شهادة جازمة قاطعة على أئمتهم بمذاهبهم وأقوالهم أنهم قالوا ولو قيل إنها لم تصح عنهم لأنكروا ذلك غاية الإنكار وتعجبوا من جهل قائله ومعلوم أن تلك المذاهب لم يروها عنهم إلا الواحد والاثنان والثلاثة ونحوهم ولم يروها عنهم عدد التواتر وهذا معلوم يقينا. فكيف يحصل لهم العلم الضروري والمقارب للضروري بأن أئمتهم ومن قلدوهم دينهم أفتوا بكذا وذهبوا إلى كذا ولم يحصل لهم بما أخبر به أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وسائر الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بما رواه عنهم التابعون وشاع في الأمة وذاع وتعددت طرقه وتنوعت وكان حرصه عليه أعظم بكثير من حرص أولئك على أقوال متبوعيهم إن هذا لهو العجب العجاب. وهذا وإن لم يكن نفسه دليلا يلزمهم أحد أمرين: إما أن يقولوا أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتاواه وأقضيته تفيد العلم وإما أن يقولوا إنهم لا علم لهم بصحة شيء مما(1\/580)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "563",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12961",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نقل عن أئمتهم وأن النقول عنهم لا تفيد علما وأما أن يكون ذلك مفيدا للعلم بصحته عن أئمتهم دون المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو من أبين الباطل. الدليل الثاني عشر: قوله تعالى: ياأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم [الأنفال: 24] ووجه الاستدلال أن هذا أمر لكل مؤمن بلغته دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة ودعوته نوعان: مواجهة ونوع بواسطة المبلغ وهو مأمور بإجابة الدعوتين في الحالتين وقد علم أن حياته في تلك الدعوة والاستجابة لها ومن الممتنع أن يأمره الله تعالى بالإجابة لما لا يفيد علما ما أو يجيبه بما لا يفيد علما أو يتوعده على ترك الاستجابة لما لا يفيد علما بأنه إن لم يفعل عاقبه وحال بينه وبين قلبه. الدليل الثالث عشر: قوله تعالى: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم [النور: 63] وهذا يعم كل مخالف بلغه أمره صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة ولو كان ما بلغه لم يفده علما لما كان متعرضا بمخالفة ما لا يفيد علما للفتنة والعذاب الأليم فإن هذا إنما يكون بعد قيام الحجة القاطعة التي لا يبقى معها لمخالف أمره عذر. الدليل الرابع عشر: قوله تعالى: ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول [النساء: 59] إلى قوله: واليوم الآخر [النساء: 59] ووجه الاستدلال أنه أمر أن يرد ما تنازع فيه المسلمون إلى الله ورسوله والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه والرد إلى رسوله هو الرد إليه في حياته وإلى سنته بعد وفاته فلولا أن المردود إليه يفيد العلم وفصل النزاع لم يكن في الرد إليه فائدة إذ كيف يرد حكم المتنازع فيه إلى ما لا يفيد علما البتة ولا يدرى حق هو أم باطل وهذا برهان قاطع بحمد الله فلهذا قال من زعم أن أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفيد علما إنا نرد ما تنازعنا فيه إلى العقول والآراء والأقيسة فإنها تفيد العلم. الدليل الخامس عشر: قوله تعالى: وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك [المائدة: 49] إلى قوله: أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون [المائدة: 50] ووجه الاستدلال أن كل ما حكم به رسول(1\/581)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "564",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12962",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله صلى الله عليه وسلم فهو مما أنزل الله وهو ذكر من الله أنزله على رسوله وقد تكفل سبحانه بحفظه فلو جاز على حكمه الكذب والغلط والسهو من الرواة ولم يقم دليل على غلطه وسهو ناقله لسقط حكم ضمان الله وكفالته لحفظه وهذا من أعظم الباطل ونحن لا ندعي عصمة الرواة بل نقول: إن الراوي إذا كذب أو غلط أو سها فلا بد أن يقوم دليل على ذلك ولا بد أن يكون في الأمة من يعرف كذبه وغلطه ليتم حفظه لحججه وأدلته ولا تلتبس بما ليس منها فإنه من حكم الجاهلية بخلاف من زعم أنه يجوز أن تكون كل هذه الأخبار والأحكام المنقولة إلينا آحادا كذبا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وغايتها أن تكون كما قاله من لا علم عنده إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين. الدليل السادس عشر: ما احتج به الشافعي نفسه فقال: أخبرنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن أبيه عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot; نضر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها فرب حامل فقه إلى غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله والنصيحة للمسلمين ولزوم جماعتهم فإن دعوتهم تحيط من ورائهم quot;. قال الشافعي: فلما ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها أمر أن يؤديها ولو واحد دل على أنه لا يأمر من يؤدي عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه لأنه إنما يؤدى عنه حلال يؤتى وحرام يجتنب وحد يقام ومال يؤخذ ويعطى ونصيحة في دين ودنيا ودل على أنه قد يحمل الفقه غير الفقيه يكون له حافظا ولا يكون فيه فقيها وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزوم جماعة المسلمين مما يحتج به في إجماع المسلمين لازم. انتهى. والمقصود أن خبر الواحد العدل لو لم يفد علما لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يقبل ممن أدى إليه إلا من عدد التواتر الذي لا يحصل العلم إلا بخبرهم ولم يدع للحامل المؤدي وإن كان واحدا لأن ما حمله لا يفيد العلم فلم يفعل ما يستحق الدعاء وحده إلا بانضمامه إلى أهل التواتر وهذا خلاف ما اقتضاه الحديث ومعلوم أن(1\/582)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "565",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12963",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ندب إلى ذلك وحث عليه وأمر به لتقوم الحجة على من أدى إليه فلو لم يفد العلم لم يكن فيه حجة. الدليل السابع عشر: حديث أبي رافع الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot; لا ألفين أحدا منكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري يقول: لا ندري ما هذا بيننا وبينكم القرآن ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه quot; ووجه الاستدلال أن هذا نهي عام لكل من بلغه حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخالفه أو يقول لا أقبل إلا القرآن بل هو أمر لازم وفرض حتم بقبول أخباره وسننه وإعلام منه صلى الله عليه وسلم أنها من الله أوحاها إليه فلو لم تفد علما لقال من بلغته: إنها أخبار آحاد لا تفيد علما فلا يلزمني قبول ما لا علم لي بصحته والله تعالى لم يكلفني العلم بما لم أعلم صحته ولا اعتقاده بل هذا بعينه هو الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ونهاها عنه ولما علم أن في الأمة من يقوله حذرهم منه فإن القائل إن أخباره لا تفيد العلم هكذا يقول سواه لا ندري ما هذه الأحاديث وكان سلف هؤلاء يقولون بيننا وبينكم القرآن وخلفهم يقولون بيننا وبينكم أدلة العقول وقد صرحوا بذلك وقالوا: تقدم العقول على هذه الأحاديث آحادها ومتواترها ونقدم الأقيسة عليها. الدليل الثامن عشر: ما رواه مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح وأبا طلحة الأنصاري وأبي بن كعب شرابا من فضيخ فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفلها حتى كسرتها quot; ووجه الاستدلال أن أبا طلحة أقدم على قبول خبر التحريم حيث ثبت به التحريم لما كان حلالا وهو يمكنه أن يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم  شفاها وأكد ذلك القبول بإتلاف الإناء وما فيه وهو مال وما كان ليقدم على إتلاف المال بخبر من لا يفيده خبره العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه فقام خبر ذلك الأتي عنده وعند من معه مقام السماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بحيث لم يشكوا ولم يرتابوا في صدقه والمتكلفون يقولون إن مثل ذلك الخبر لا يفيد العلم لا بقرينة ولا بغير قرينة.(1\/583)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "566",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12964",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدليل التاسع عشر: أن خبر الواحد لو لم يفد العلم لم يثبت به الصحابة التحليل والتحريم والإباحة والفروض ويجعل ذلك دينا يدان به في الأرض إلى آخر الدهر فهذا الصديق رضي الله عنه زاد في الفروض التي في القرآن فرض الجدة وجعله شريعة مستمرة إلى يوم القيامة بخبر محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة فقط وجعل حكم ذلك الخبر في إثبات هذا الفرض حكم نص القرآن في إثبات فرض الأم ثم اتفق الصحابة والمسلمون بعدهم على إثباته بخبر الواحد وأثبت عمر بن الخطاب بخبر حمل بن مالك دية الجنين وجعلها فرضا لازما للأمة وأثبت ميراث المرأة من دية زوجها بخبر الضحاك بن سفيان الكلابي وحده وصار ذلك شرعا مستمرا إلى يوم القيامة وأثبت شريعة عامة في حق المجوس بخبر عبد الرحمن بن عوف وحده وأثبت عثمان بن عفان شريعة عامة في سكنى المتوفى عنها بخبر فريعة بنت مالك وحدها وهذا أكثر من أن يذكر بل هو إجماع معلوم منهم ولا يقال على هذا إنما يدل على العمل بخبر الواحد في الظنيات ونحن لا ننكر ذلك لأنا قد قدمنا أنهم جمعوا على قبوله والعمل بموجبه ولو جاز أن يكون كذبا أو غلطا في نفس الأمر لكانت الأمة مجمعة على قبول الخطأ والعمل به وهذا قدح في الدين والأمة. الدليل العشرون: أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم كانوا يقبلون خبر الواحد ويقطعون بمضمونه فقبله موسى من الذي جاء من أقصى المدينة قائلا له: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك [القصص: 20]  فجزم بخبره وخرج هاربا من المدينة وقبل خبر بنت صاحب (مدين) لما قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا [القصص: 25] وقبل خبر أبيها في قوله: هذه ابنتي وتزوجها بخبره. وقبل يوسف الصديق خبر الرسول الذي جاءه من عند الملك وقال: ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة [يوسف: 50] . وقبل النبي صلى الله عليه وسلم خبر الآحاد الذين كانوا يخبرونه بنقض عهد المعاهدين له وغزاهم بخبرهم واستباح دماءهم وأموالهم وسبى ذراريهم ورسل الله صلواته وسلامه عليهم لم يرتبوا على تلك الأخبار أحكامها وهم يجوزون أن تكون كذبا وغلطا وكذلك الأمة لم تثبت الشرائع العامة الكلية بأخبار الآحاد وهم يجوزون أن يكون كذبا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفس الأمر ولم يخبروا عن الرب تبارك وتعالى في أسمائه وصفاته وأفعاله بما لا علم لهم به بل يجوز أن يكون كذبا وخطأ في نفس الأمر هذا مما يقطع ببطلانه كل عالم مستبصر.(1\/584)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "567",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12965",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل الاستدلال بأحاديث الآحاد في العلم كالعمل",
        "content": "الدليل الحادي والعشرون: أن خبر العدل الواحد المتلقى بالقبول لو لم يفد العلم لم تجز الشهادة على الله ورسوله بمضمونه ومن المعلوم المتيقن أن الأمة من عهد الصحابة إلى الآن لم تزل تشهد على الله وعلى رسوله بمضمون هذه الأخبار جازمين بالشهادة في تصانيفهم وخطابهم فيقولون شرع الله كذا وكذا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فلو لم يكونوا عالمين بصدق تلك الأخبار جازمين بها لكانوا قد شهدوا بغير علم وكانت شهادة الزور من سادات الأمة وعلمائها. قال أبو عمرو بن الصلاح: وقد ذكر الحديث الصحيح المتلقى بالقبول المتفق على صحته وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته والعلم اليقيني النظري واقع به خلافا لقول من نفى ذلك محتجا بأنه لا يفيد إلا الظن وإنما تلقته الأمة بالقبول لأنه يجب عليهم العمل بالظن والظن قد يخطئ. قال: وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويا ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه هو الصحيح لأن الظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ ولهذا كان الإجماع المبني على الاجتهاد حجة مقطوعا بها وكثر إجماعات العلماء كذلك وهذه نكتة نفيسة نافعة. وقال إمام عصره المجمع على إمامته أبو المظفر منصور بن محمد السمعاني في كتاب الانتصار له وهذا لفظه.  [فصل الاستدلال بأحاديث الآحاد في العلم كالعمل] فصل ونشتغل الآن بالجواب عن قولهم فيما سبق أن أخبار الآحاد لا تقبل فيما طريقه العلم وهذا رأي سمعت به المبتدعة في رد الأخبار فنقول وبالله التوفيق: إذا صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه الثقات والأئمة وأسنده خلفهم عن سلفهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتلقته الأمة بالقبول فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم هذا قول العامة أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السنة. وأما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال فلا بد من نقله بطريق التواتر لوقوع العلم به حتى أخبر عنه القدرية والمعتزلة وكان قصدهم منه رد الأخبار وتلقفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابت ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول ولو أنصف أهل الفرق من الأمة لأقروا بأن خبر الواحد قد يوجب العلم فإنك تراهم مع اختلافهم في طرائقهم وعقائدهم يستدل كل فريق(1\/585)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "568",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12966",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منهم على صحة ما يذهب إليه بالخبر الواحد: ترى أصحاب القدر يستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم: quot; كل مولود يولد على الفطرة quot; وبقوله: quot; خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم quot; وترى أهل الإرجاء يستدلون بقوله: quot; من قال لا إله إلا الله دخل الجنة quot; قيل: quot; وإن زنى وإن سرق quot; قال: quot; وإن زنى وإن سرق quot; وترى الرافضة يحتجون بقوله صلى الله عليه وسلم: quot; يجاء بقوم من أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم quot; وترى الخوارج يستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم: quot; سباب المسلم فسوق وقتاله كفر quot; وبقوله: quot; لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن quot; إلى غير ذلك من الأحاديث التي يستدل بها أهل الفرق ومشهور معلوم استدلال أهل السنة بالأحاديث ورجوعهم إليها فهذا إجماع منهم على القول بأخبار الآحاد وكذلك أجمع أهل الإسلام متقدموهم ومتأخروهم على رواية الأحاديث في صفات الله تعالى وفي مسائل القدر والرؤية وأصول الإيمان والشفاعة والحوض وإخراج الموحدين من المذنبين من النار وفي صفة الجنة والنار وفي الترغيب والترهيب والوعد والوعيد وفي فضائل النبي صلى الله عليه وسلم ومناقب أصحابه وأخبار الأنبياء المتقدمين وأخبار الرقاق وغيرها ما يكثر ذكره. وهذه الأشياء علمية لا عملية وإن ما تروى لوقوع العلم للسامع بها فإذا قلنا خبر الواحد لا يجوز أن يوجب العلم حملنا أمر الأمة في نقل هذه الأخبار على الخطأ وجعلناهم لاغين هازلين مشتغلين بما لا يفيد أحدا شيئا ولا ينفعه ويصير كأنهم قد دونوا في أمور الدين ما لا يجوز الرجوع إليه والاعتماد عليه.(1\/586)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "569",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12967",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: وربما يرتقي هذا القول إلى أعظم من هذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أدى هذا الدين إلى الواحد فالواحد من الصحابة وهذا الواحد يؤديه إلى الأمة وينقله عنه فإذا لم يقبل قول الراوي لأنه واحد رجع هذا العيب إلى المؤدي نعوذ بالله من هذا القول البشع والاعتقاد القبيح. قال: ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الرسل إلى الملوك إلى كسرى وقيصر وملك الإسكندرية وإلى أكيدر دومة وغيرهم من ملوك الأطراف يكتب إليهم كتبا على ما عرف ونقل واشتهر وإنما بعث واحدا واحدا ودعاهم إلى الله تعالى والتصديق برسالته صلى الله عليه وسلم لإلزام الحجة وقطع العذر لقوله تعالى: رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [النساء: 165] وهذه المعاني لا تحصل إلا بعد وقوع العلم ممن أرسل إليه بالإرسال والمرسل وأن الكتاب من قبله والدعوة منه وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس كافة كثيرا من الرسل إلى هؤلاء الملوك والكتاب إليهم لبث الدعوة إليهم في جميع الممالك ودعا الناس إلى دينه على حسب ما أمره الله تعالى بذلك فلو لم يقع العلم بخبر الواحد في أمور الدين لم يقتصر على إرسال الواحد من الصحابة منها إنه بعث عليا لينادي في موسم الحج بمنى quot; ألا لا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان quot; ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فمدته إلى أربعة أشهر ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة . ولا بد في هذه الأشياء من وقوع العلم للقوم الذين كان يناديهم حتى إن أقدموا على شيء من هذا بعد سماع هذا القول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مبسوطا للعذر في قتالهم وقتلهم. وكذلك بعث معاذا إلى اليمن ليدعوهم إلى الإسلام ويعلمهم إذا أجابوا شرائعه. وبعث إلى أهل خيبر في أمر القتيل واحدا يقول: إما أن تدوا وإما أن تؤذنوا بحرب من الله ورسوله  وبعث إلى قريظة أبا لبابة بن عبد المنذر يستنزلهم على حكمه وجاء أهل قباء واحد وهم في مسجدهم يصلون فأخبرهم بصرف القبلة إلى المسجد الحرام فانصرفوا إليه في صلاتهم واكتفوا بقوله ولا بد في مثل هذا من وقوع العلم به.(1\/587)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "570",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12968",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل الطلائع والجواسيس في بلاد الكفر ويقتصر على الواحد في ذلك ويقبل قوله إذا رجع وربما أقدم عليهم بالقتل والنهب بقوله وحده ومن تدبر قول النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته لم يخف عليه ما ذكرناه وما يرد هذا إلا مكابر ومعاند. ولو أنك وضعت في قلبك أنك سمعت الصديق والفاروق رضي الله عنهما أو غيرهما من وجوه الصحابة يروي لك حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم في أمر من الاعتقاد من جواز الرؤية على الله وإثبات القدر أو غير ذلك لوجدت قلبك مطمئنا إلى قوله لا يداخلك شك في صدقه وثبوت قوله وفي زماننا ترى الرجل يسمع من أستاذه الذي يختلف إليه ويعتقد فيه التقدمة والصدق إنه سمع أستاذه يخبر عن شيء من عقيدته التي يريد أن يلقى الله بها فيحصل للسامع علم بمذهب من نقل عنه أستاذه ذلك بحيث لا يختلجه شبهة ولا يعتريه شك وكذلك كثير من الأخبار التي يقتضيها العلم توجد بين الناس فيحصل لهم العلم بذلك الخبر ومن رجع إلى نفسه علم بذلك. قال: واعلم أن الخبر وإن كان يحتمل الصدق والكذب والظن فللتجوز فيه مدخل ولكن هذا الذي قلناه لا يناله أحد إلا بعد أن يكون معظم أوقاته وأيامه مشتغلا بالحديث والبحث عن سيرة النقلة والرواة ليقف على رسوخهم في هذا العلم وكبير معرفتهم به وصدق ورعهم في أقوالهم وأفعالهم وشدة حذرهم من الطغيان والزلل وما بذلوه من شدة العناية في تمهيد هذا الأمر والبحث عن أحوال الرواة والوقوف على صحيح الأخبار وسقيمها وكانوا بحيث لو قتلوا لم يسامحوا أحدا في كلمة واحدة يتقولها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فعلوا هم بأنفسهم ذلك وقد نقلوا هذا الدين إلينا كما نقل إليهم وأدوا كما أدي إليهم وكانوا في صدق العناية والاهتمام بهذا الشأن ما يجل عن الوصف ويقصر دونه الذكر وإذا وقف المرء على هذا من شأنهم وعرف حالهم وخبر صدقهم وورعهم وأمانتهم ظهر له العلم فيما نقلوه ورووه. قال: والذي يزيد ما قلنا إيضاحا أن النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الفرقة الناجية قال: quot; ما أنا عليه وأصحابي quot; فلا بد من تعرف ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وليس طريق معرفته إلا النقل فيجب الرجوع إلى ذلك وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: quot; لا(1\/588)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "571",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12969",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تنازعوا الأمر أهله quot; فكما يرجع في مذاهب الفقهاء الذين صاروا قدوة في هذه الأمة إلى أهل الفقه ويرجع في معرفة اللغة إلى أهل اللغة وفي النحو إلى أهل النحو وكذا يرجع في معرفة ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى أهل الرواية والنقل لأنهم عنوا بهذا الشأن واشتغلوا بحفظه والفحص عنه ونقله ولولاهم لاندرس علم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقف أحد على سنته وطريقته. ثم قال الإمام أبو المظفر: فإن قالوا: فقد كثرت الآثار في أيدي الناس واختلطت عليهم قلنا: ما اختلطت إلا على الجاهلين بها فأما العلماء بها فإنهم ينتقدونها انتقاد الجهابذة الدراهم والدنانير فيميزون زيوفها ويأخذون خيارها ولئن دخل في أغمار الرواة من وسم بالغلط في الأحاديث فلا يروج ذلك على جهابذة أصحاب الحديث وورثة العلماء حتى أنهم عدوا أغاليط من غلط في الإسناد والمتون بل تراهم يعدون على كل واحد منهم كم في حديث غلط وفي كل حرف حرف وماذا صحف فإذا لم ترج عليهم أغاليط الرواة في الأسانيد والمتون والحروف فكيف يروج عليهم وضع الزنادقة وتوليدهم الأحاديث التي يرويها الناس حتى خفيت على أهلها وهو قول بعض الملاحدة وما يقول هذا إلا جاهل ضال مبتدع كذاب يريد أن يهجن بهذه الدعوة الكاذبة صحاح أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وآثاره الصادقة فيغالط جهال الناس بهذه الدعوى وما احتج مبتدع في رد آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجة أوهن ولا أشد استحالة من هذه الحجة فصاحب هذه الدعوى يستحق أن يسف في فيه وينفى من بلد الإسلام. فتدبر رحمك الله أيجعل حكم من أفنى عمره في طلب آثار النبي صلى الله عليه وسلم شرقا وغربا برا وبحرا وارتحل في الحديث الواحد فراسخ واتهم أباه وأدناه في خبر يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان موضع التهمة ولم يحابه في مقال ولا خطاب غضبا لله وحمية لدينه ثم ألف الكتب في معرفة المحدثين وأسمائهم وأنسابهم وقدر أعمالهم وذكر أعصارهم وشمائلهم وأخبارهم وفصل بين الرديء والجيد والصحيح والسقيم حبا لله ورسوله وغيرة على الإسلام والسنة ثم استعمل آثاره كلها حتى فيما عدا العبادات من أكله وطعامه وشرابه ونومه ويقظته وقيامه وقعوده ودخوله وخروجه وجميع سننه وسيرته حتى في خطواته ولحظاته ثم دعا الناس إلى ذلك وحثهم عليه وندبهم إلى استعماله وحبب إليهم ذلك بكل ما يملكه حتى في بذل ماله ونفسه كمن أفنى عمره في اتباع أهوائه وإرادته وخواطره وهواجسه ثم تراه ما هو أوضح من(1\/589)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "572",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12970",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل المقام الخامس هذه الأخبار لو لم تفد اليقين فإن الظن الغالب حاصل منها",
        "content": "الصبح من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأشهر من الشمس برأي دخيل واستحسان ذميم وظن فاسد ونظر مشوب بالهوى. فانظر وفقك الله للحق: أي الفريقين أحق أن ينسب إلى اتباع السنة واستعمال الأثر. فإذا قضيت بين هذين بوافر لبك وصحيح نظرك وثاقب فهمك فليكن شكرك لله تعالى على حسب ما أراك من الحق ووفقك للصواب وألهمك من السداد. قلت: ومن المعلوم أن من هذا عنايته بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته وهديه فإنها تفيد عنده من العلم الضروري والنظري ما لا تفيده عند المعرض عنها المشتغل بغيرها وهذا شأن من عني بسيرة رجل وهديه وكلامه وأحواله فإنه يعلم من ذلك بالضرورة ما هو مجبول لغيره.  [فصل المقام الخامس هذه الأخبار لو لم تفد اليقين فإن الظن الغالب حاصل منها] فصل المقام الخامس: إن هذه الأخبار لو لم تفد اليقين فإن الظن الغالب حاصل منها ولا يمتنع إثبات الأسماء والصفات بها كما لا يمتنع إثبات الأحكام الطلبية بها فما الفرق بين باب الطلب وباب الخبر بحيث يحتج بها في أحدهما دون الآخر وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة فإنها لم تزل تحتج بهذه الأحاديث في الخبريات العلميات كما يحتج بها في الطلبيات العمليات ولا سيما والأحكام العملية تتضمن الخبر عن الله بأنه شرع كذا وأوجبه ورضيه دينا بشرعه ودينه راجع إلى أسمائه وصفاته ولم تزل الصحابة والتابعون وتابعوهم وأهل الحديث والسنة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام لم ينقل عن أحد منهم ألبتة أنه جوز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الإخبار عن الله وأسمائه وصفاته. فأين السلف والمفرقين بين البابين نعم سلفهم بعض متأخري المتكلمين الذين لا عناية لهم بما جاء عن الله ورسوله وأصحابه بل يصدون القلوب عن الاهتداء في هذا الباب بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة ويحيلون على آراء المتكلمين وقواعد المتكلفين فهم الذين يعرف عنهم تفريق بين الأمرين فإنهم قسموا الدين إلى مسائل علمية وعملية وسموها أصولا وفروعا وقالوا: الحق في مسائل الأصول واحد ومن خالفه فهو كافر أو فاسق وأما مسائل الفروع فليس لله تعالى فيها حكم معين ولا يتصور فيها الخطأ وكل مجتهد لحكم الله تعالى الذي هو حكمه وهذا التقسيم لو(1\/590)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "573",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12971",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجع إلى مجرد الاصطلاح لا يتميز به ما سموه أصولا مما سموه فروعا فكيف وقد وضعوا عليه أحكاما وضعوها بعقولهم وآرائهم (منها) التكفير بالخطأ في مسائل الأصول دون مسائل الفروع وهذا من أبطل الباطل كما سنذكره (ومنها) إثبات الفروع بأخبار الآحاد دون الأصول وغير ذلك وكل تقسيم لا يشهد له الكتاب والسنة وأصول الشرع بالاعتبار فهو تقسيم باطل يجب إلغاؤه. وهذا التقسيم أصل من أصول ضلال القوم فإنهم فرقوا بين ما سموه أصولا وما سموه فروعا وسلبوا الفروع حكم الله المعين فيها بل حكم الله فيها يختلف باختلاف آراء المجتهدين وجعلوا ما سموه أصولا من أخطأ فيه عندهم فهو كافر أو فاسق وادعوا الإجماع على هذا التفريق ولا يحفظ ما جعلوه إجماعا عن إمام من أئمة المسلمين ولا عن أحد من الصحابة والتابعين وهذا عادة أهل الكلام يحكمون الإجماع على ما لم يقله أحد من أئمة المسلمين بل أئمة الإسلام على خلافه وقال الإمام أحمد: من ادعى الإجماع فقد كذب أما هذه دعوى الأصم وابن علية وأمثالهما يريدون أن يبطلوا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يدعونه من الإجماع. ومن المعلوم قطعا بالنصوص وإجماع الصحابة والتابعين وهو الذي ذكره الأئمة الأربعة نصا أن المجتهدين المتنازعين في الأحكام الشرعية ليسوا كلهم سواء بل فيهم المصيب والمخطئ فالكلام فيما سموه أصولا وفيما سموه فروعا ينقسم إلى مطابق للحق في نفس الأمر وغير مطابق فانقسام الاعتقاد في الحكم إلى المطابق وغير مطابق كانقسام الاعتقاد في باب الخمر إلى مطابق وغير مطابق فالقائل في الشيء حلال والقائل حرام في إصابة أحدهما وخطأ الآخر كالقائل إنه سبحانه يرى والقائل أنه لا يرى في إصابة أحدهما وخطأ الآخر والكذب على الله تعالى خطأ أو عمد في هذا كالكذب عليه عمدا أو خطأ في الآخر فإن المخبر يخبر عن الله أنه أمر بكذا وأباحه والآخر يخبر أنه نهى عنه وحرمه فأحدهما مخطئ قطعا. فإن قيل: الفرق بينهما أنه يجوز أن يكون في نفس الأمر لا حلالا ولا حراما بل هو حلال في حق من اعتقد حله حرام في حق من اعتقد تحريمه. قيل: هذا باطل من وجوه عديدة وقد ذكرنا في كتاب المفتاح وغيره (منها) إنه خلاف نص القرآن والسنة وخلاف إجماع الصحابة وأئمة الإسلام (ومنها) أن يكون(1\/591)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "574",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12972",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حكم الله تعالى تابعا لآراء الرجال وظنونها (ومنها) أن يكون الشيء الواحد حسنا قبيحا مرضيا لله مسخوطا محبوبا له مبغوضا (ومنها) أنه ينفي حقيقة حكم الله في نفس الأمر (ومنها) أن تكون الحقائق تبعا للعقائد فمن اعتقد بطلان الحكم المعين كان باطلا ومن اعتقد صحته كان صحيحا ومن اعتقد حله كان حلالا ومن اعتقد تحريمه كان حراما وهذا القول كما قال فيه بعض العلماء: أوله سفسطة وآخره زندقة فإنه يتضمن بطلان حكم الله تعالى قبل وجود المجتهدين وإن الله لم يشرع لرسول الله صلى الله عليه وسلم حكما أمره به ونهاه عنه (ومنها) إن حكم الله يرجع إلى خبره وإرادته فإذا أراد إيجاب الشيء وأخبر به صار واجبا وإذا أراد تحريمه وأمر بذلك صار حراما فإنكار أن يكون الله حكما إنكار لخبره وإرادته وإلغاء لتعلقها بأفعال المكلفين. ومنها: أنه يرفع ثبوت الأجرين للمصيب والأجر للمخطئ فإنه لا خطأ في نفس الأمر عندهم بل كان مجتهدا مصيبا لحكم الله تعالى في نفس الأمر (ومنها) أنه يبطل أن يوافق أحد حكم الله تعالى فليس لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; لقد حكمت فيهم بحكم الله تعالى الملك quot; معنى ولا لقوله: quot; إن سألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تفعل فإنك لا تدري أتصيب حكم الله تعالى فيهم أم لا quot; معنى ولا لقوله: quot; إن سليمان سأل ربه حكما يصادف حكمه فأعطاه إياه quot; ولا لقوله ففهمناها سليمان [الأنبياء: 79] معنى إذا كل منهما حكم بعين حكم الله تعالى عندهم ولا لقوله: quot; إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر quot; معنى. وأيضا فهذا إجماع من الصحابة قال الصديق في الكلالة: quot; أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله بريء منه ورسوله quot; وقال عمر لكاتبه: quot; اكتب هذا ما رآه عمر فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمن عمر quot; وقال في قضية قضاها: quot; والله ما يدري عمر أصاب الحق أم أخطأه quot; ذكره أحمد.(1\/592)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "575",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12973",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال علي لعمر في المرأة التي أرسل إليها فأجهضت ذا بطنها وقد استشار عثمان وعبد الرحمن فقالا: ليس عليك إنما أنت مؤدب فقال له علي: إن كانا اجتهدا فقد أخطآ وإن لم يجتهدا فقد غشاك عليك الدية فرجع عمر إلى رأيه واعترف علي رضي الله عنه بخطئه في خبر صفين وندم على ذلك وكان مجتهدا فيه. وقال ابن مسعود في قصة بروع: أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله بريء منه ورسوله وقال ابن عباس: ألا يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أبا الأب أبا وقال: من شاء باهلته في العول وقالت عائشة لأم ولد زيد بن أرقم: quot; أخبري زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب quot; وقال ابن عباس وقد ناظروه في مسألة متعة الحج واحتجوا عليه بأبي بكر وعمر: أما تخشون أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون: قال أبو بكر وعمر وكان ابن عمر يأمر بالتمتع فيقولون له: إن أباك نهى عنه فقال: أيهما أولى أن يتبع كتاب الله أو كلام عمر. وقال عمران بن حصين: نزل بها القرآن وفعلناها مع رسول الله قال رجل برأيه ما شاء يعرض بعمر وقال ابن الزبير لابن عباس في متعة النساء: لئن فعلتها لأرجمنك فجرب إن شئت وقال علي لابن عباس منكرا عليه إباحة (الحمر) الأهلية ومتعة النساء: إنك امرؤ تائه أي تهت عن القول الحق وفسخ عمر بيع أمهات الأولاد وردهن حبالى من تستر وفسخ حكم الصديق في استرقاق نساء أهل الردة وكان يضرب عن الركعتين بعد العصر وكان أبو طلحة وأبو أيوب وعائشة يصلونها فتركها أبو طلحة وأبو أيوب مدة حياة عمر خوفا منه فلما مات عاوداها. وقال ابن مسعود لما طلب منه موافقة أبي موسى في مسألة بنت وبنت ابن وأخت فأعطى البنت النصف والأخت النصف: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين فجعل القول الآخر الذي جعله المصوبة صوابا عند الله ضلالا وهذا أكثر من أن يحيط به إلا الله تعالى.(1\/593)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "576",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12974",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأيضا فالأحاديث والآيات الناهية عن الاختلاف في الدين المتضمنة لذمه كلها شهادة صريحة بأن الحق عند الله واحد وما عداه فخطأ ولو كانت تلك الأقوال كلها صوابا لم ينه الله ورسوله عن الاختلاف ولا ذمه. وأيضا فقد أخبر الله تعالى أن الاختلاف ليس من عنده وما لم يكن من عنده فليس بالصواب قال تعالى: ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [النساء: 82] وهو وإن كان في اختلاف ألفاظه فهو يدل على أن ما اختلف معانيه ليس من عند الله إذ المعنى هو المقصود. وأيضا إذا اختلف المجتهدان فرأى أحدهما إباحة دم إنسان والآخر تحريمه ورأى أحدهما تارك الصلاة كافرا مخلدا في النار والآخر رآه مؤمنا من أهل الجنة فلا يخلو إما أن يكون الكل حقا وصوابا عند الله تعالى في نفس الأمر أو الجميع خطأ عنده أو الصواب والحق في واحد من القولين والآخر خطأ والأول والثاني ظاهر الإحالة وهما بالهوس أشبه منهما بالصواب فكيف يكون إنسان واحد مؤمنا كافرا مخلدا في الجنة وفي النار وكون المصيب واحدا هو الحق وهو منصوص الإمام أحمد ومالك والشافعي كما حكاه أبو إسحاق في شرح اللمع له أن مذهب الشافعي أن المصيب واحد هذا قوله في القديم والجديد. قال القاضي أبو الطيب: وليس عنده مسألة تدل على أن كل مجتهد مصيب وأقوال الصحابة كلها صريحة أن الحق عند الله في واحد من الأقوال المختلفة وهو دين الله في نفس الأمر الذين لا دين له سواه. وليس الغرض استقصاء هذه المسألة بل المقصود أن الخطأ يقع فيما سموه فروعا كما يقع فيما جعلوه أصولا فنطالبهم بفرق صحيح بين ما يجوز إثباته بخبر الواحد من الدين وما لا يجوز ولا يجدون إلى الفرق سبيلا إلا بدعاو باطلة ثم نطالبهم بالفرق بين مسائل الأصول والفروع وما ضابط ذلك ثم نطالبهم بالفرق بين ما يأثم جاحده أهو إثم كفر أو فسوق وما لا يأثم جاحده ونطالبهم بالفرق بين ما المطلوب منه القطع اليقيني وما يكتفى فيه الظن ولا سبيل لهم إلى تقرير شيء من ذلك ألبتة. قال الجويني وقد تكلموا في الفرق بين الأصول والفروع فقالوا: الأصل ما فيه دليل قطعي والفرع بخلافه.(1\/594)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "577",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12975",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت: وهذا يلزم منه الدور فإنه إذا قيل: لا تثبت الأصول إلا بالدليل القطعي ثم قيل: والأصل ما عليه دليل قطعي كان ذلك دورا ظاهرا. وأيضا فإن كثيرا من المسائل العملية بل أكثرها عليها أدلة قطعية كوجوب الطهارة والصلاة والصيام والحج والزكاة ونقض الوضوء بالبول والغائط ووجوب الغسل بالاحتلام وهكذا أكثر الشريعة أدلتها قطعية وكثير من المسائل التي هي عندهم أصول أدلتها ظنية. وهكذا في أصول الدين وأصول الفقه أكثر من أن يذكر كالقول بالمفهوم والقياس وتقدمهما على العموم والأمر بعد الحظر ومسألة انقراض العصر وقول الصحابي والاحتجاج بالمراسيل وشرع من قبلنا وأضعاف ذلك. وكذلك أصول الدين كمسألة الحال وبقاء الرب تعالى وقدمه هل هي بقاء وقدم زائدين على الذات والوجود الواجب هل من نفس الماهية أو زائد عليها وإثبات المعنى القائم بالنفس وغير ذلك فعلى هذا الفرق تكون هذه المسائل ونحوها فرعية وتلك المسائل العملية أصولية. قال: وقيل: الأصل ما لا يجوز التعبد فيه إلا بأمر واحد معين والفرع بخلافه. قلت: وهذا الفرق أفسد من الأول فإن أكثر الفروع لا يجوز التعبد فيها إلا بالمشروع على لسان كل نبي فلا يجوز التعبد بالسجود للأصنام وإباحة الفواحش وقتل النفوس والظلم في الأموال وانتهاك الأعراض وشهادات الزور ونحو ذلك وإن كان نفاة التحسين والتقبيح يجوزون التعبد بذلك ويقولون يجوز أن تأتي الشرائع من عند الله تعالى بذلك فقولهم من أبطل الباطل وقد ذكرنا فساده من أكثر من ستين وجها في غير هذا الكتاب وإنه مما يعلم بطلانه بالضرورة. قال: وقيل: الأصل بما يجوز أن يعلم من غير تقديم ورود الشرع والفرع بخلافه وهذا الفرق أيضا في غاية الفساد فإن أكثر المسائل التي يسمونها أصولا لم تعلم إلا بعد ورود الشرع كاقتضاء الأمر للوجوب والنهي للتحريم وكون القياس حجة وكون الإجماع حجة بل أكثر مسائل أصول الدين لم تعلم إلا بالسمع فجواز رؤية الرب تبارك وتعالى يوم القيامة واستواؤه على عرشه بخلاف مسألة علوه فوق المخلوقات بالذات فإنها فطرية ضرورية وأكثر مسائل المعاد وتفصيله لا يعلم قبل ورود الشرع ومسائل عذاب القبر ونعيمه وسؤال الملكين وغير ذلك من مسائل الأصول التي لا تعلم قبل ورود الشرع.(1\/595)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "578",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12976",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال القاضي أبو بكر بن الباقلاني: كل مسألة يحرم الخلاف فيها مع استقرار الشرع ويكون معتقد خلافها جاهلا فهي من الأصول عقلية كانت أو شرعية والفرع ما لا يحرم الخلاف فيه أو ما لا يأثم المخطئ فيه وهذا وإن كان أقرب مما قبله باطل أيضا فإن كان كثير من مسائل الفروع قطعيا وإن كان فيها خلاف وإن كان لا يأثم المخطئ فيها لخفاء الدليل عليه وإن كان قطعيا فلا يلزم الاشتراك في القطعيات وقد سلم القاضي ذلك فيما إذا خفي عليه النص. وقد ذكر بعضهم فرقا آخر فقال: الأصوليات هي المسائل العلميات والفروعيات هي المسائل العلمية المطلوب منها أمران: العلم والعمل والمطلوب من العمليات العلم والعمل أيضا وهو حب القلب وبغضه وحبه للحق الذي دلت عليه وتضمنته وبغضه الباطل الذي يخالفها فليس العمل مقصورا على عمل الجوارح بل أعمال القلوب أصل لعمل الجوارح وأعمال الجوارح تبع فكل مسألة علمية فإنه يتبعها إيمان القلب وتصديقه وحبه وذلك عمل بل هو أصل العمل وهذا مما غفل عنه كثير من المتكلمين في مسائل الإيمان حيث ظنوا أنه مجرد التصديق دون الأعمال وهذا من أقبح الغلط وأعظمه فإن كثيرا من الكفار كانوا جازمين بصدق النبي صلى الله عليه وسلم غير شاكين فيه غير أنه لم يقترن بذلك التصديق عمل القلب من حب ما جاء به والرضا به وإرادته والموالاة والمعاداة عليه. فلا تهمل هذا الموضع فإنه مهم جدا به تعرف حقيقة الإيمان. فالمسائل العلمية عملية والمسائل العملية علمية فإن الشارع لم يكتف من المكلفين في العمليات بمجرد العمل دون العلم ولا في العلميات بمجرد العلم دون العمل. وفرق آخرون بين الأصول والفروع بأن مسائل الأصول هي التي يكفر جاحدها كالتوحيد والرسالة والمعاد وإثبات الصفات ومسائل الفروع ما لا يكفر جاحدها كوجوب قراءة الفاتحة في الصلاة واشتراط الطمأنينة ووجوب مسح الرأس كله في الوضوء ونحو ذلك وهذا الفرق غير مطرد ولا منعكس فإن كثيرا من مسائل الفروع يكفر جاحدها وكثير من مسائل الأصول لا يكفر جاحدها كما تقدم بيانه. وأيضا فالتكفير حكم شرعي فالكافر من كفره الله ورسوله والكفر جحد ما علم أن الرسول جاء به سواء كان من المسائل التي تسمونها علمية أو عملية فمن جحد ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بعد معرفته بأنه جاء به فهو كافر في دق الدين وجله.(1\/596)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "579",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12977",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفرق آخرون بين الأصول والفروع بأن الأصول ما تتعلق بالخبر والفروع ما تتعلق بالطلب وهذا الفرق غير خارج عن الفروق المتقدمة وهو فاسد أيضا فإن العبد مكلف بالتصديق بهذا وهذا علما وإيمانا وعملا وحبا ورضا وموالاة عليه ومعاداة كما تقدم. وفرق آخرون بينهما بأن مسائل الأصول هي ما لا يسوغ التقليد فيها ومسائل الفروع يجوز التقليد فيها وهذا مع أنه دور ممتنع فإنه يقال لهم: ما الذي يجوز فيه التقليد فيقولون: مسائل الفروع والذي لا يجوز التقليد فيه مسائل الأصول وهو أيضا فاسد طردا وعكسا فإن كثيرا من مسائل الفروع لا يجوز التقليد فيها كوجوب الطهارة والصلاة والزكاة وتحريم الخمر والربا والفواحش والظلم فإن من لم يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بذلك وشك فيه لم يعرف أنه رسول كما أن من لم يعلم أنه جاء بالتوحيد وتصديق المرسلين وإثبات معاد الأبدان وإثبات الصفات والعلو والكلام لم يعرف كونه مرسلا فكثير من المسائل الخبرية الطلبية يجوز فيها التقليد للعاجز عن الاستدلال كما أن كثيرا من المسائل العملية لا يجوز فيها التقليد. فتقسيم الدين إلى ما يثبت بخبر الواحد وما لا يثبت به تقسيم غير مطرد ولا منعكس ولا عليه دليل صحيح. وأيضا فالتقليد قبول قول الغير بغير حجة ومن قبل قول غيره فيما يحكيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جاء به خبرا أو طلبا فإنما قبل قوله لما أسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه حجة لكن تقدير مقدماتها ودفع الشبه المعارضة لها قد لا يقدر عليه كل أحد فما كل من عرف الشيء بدليله أمكنه تقريره بجميع مقدماته والتعبير عنه ولا دفع المعارض له فإن كان العجز عنه تقليدا كان جمهور الأمة مقلدين في التوحيد وإثبات الرسالة والمعاد وإن يكن العجز عنه تقليدا لم يكونوا مقلدين في التوحيد وإثبات الرسالة والمعاد وإن لم يكن العجز عنه تقليدا لم يكونوا مقلدين في أكثر الأحكام العملية التي يحتاجون إليها وهذا هو الحق فإن جمهور الأمة مبنى تعبداتها وتحريمها وتحليلها على ما علمته من نبيها بالضرورة وأنه جاء به ولو سئلت عن تقريره لعجز عنه أكثرهم كما يجزم بالتوحيد وأن الله فوق خلقه وأن القرآن كلامه وأنه يبعث من في القبور ولو سئل عن ذلك لعجز عنه أكثرهم. وأما المقام السادس: وهو أن الظن المستفاد من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم على(1\/597)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "580",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12978",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "زعمهم أقوى من الجزم المستند إلى تلك القضايا الوهمية فهذا يعرفه من عرف هذا وهذا ومن لا خبرة له بالأمرين يسمعهم يقولون لقضاياهم الباطلة: قواطع عقلية وبراهين يقينية ويقولون لنصوص القرآن والسنة: ظواهر سمعية لا تفيد اليقين قد يقع له صحة قولهم تقليدا لهم وإحسانا للظن بهم واستنادا إلى بعض الشبه التي يذكرونها وأما المستبصر فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وفيما عند القوم فإنه يجزم بالضرورة أن الأمر بخلاف ذلك وأن قضاياهم التي خالفوا فيها النصوص لا تفيد علما ولا ظنا البتة بل يقولون: صريح العقول والفطر تشهد بكذبها وبطلانها وإن اتفق عليها طائفة كثيرة فأكثر طوائف أهل الباطل جميعهم تجد كل طائفة منهم متفقين على ما هو معلوم الفساد بضرورة العقل وفطرة الله التي فطر الناس عليها فالمتكلمون كل طائفة منهم تشهد على مخالفيها بأنهم خالفوا صريح المعقول والفطرة وقد ذكرنا من ذلك طرفا فيما تقدم من هذا الكتاب مما خالف المتكلمون والفلاسفة صريح المعقول فيه. والعجب أنك ترى كثيرا منهم يقطع بالقول ويكفر من خالفه ثم يقطع هو بخلافه أو يتوقف فيه وهذا كثير فيهم جدا. قال أبو المظفر السمعاني: كل فريق من المبتدعة يعتقد أن ما يقوله هو الحق الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأن كلهم يدعون شريعة الإسلام ملتزمون في الظاهر شعارها يرون أن ما جاء به محمد هو الحق غير أن الطرق تفرقت بهم بعد ذلك وأحدثوا في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فزعم كل فريق أنه هو المتمسك بشريعة الإسلام وأن الحق الذي قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يعتقده وينتحله. غير أن الله تعالى أبى أن يكون الحق والعقيدة الصحيحة إلا مع أهل الحديث والآثار لأنهم أخذوا دينهم وعقائدهم خلفا عن سلف وقرنا عن قرن إلى أن انتهوا إلى التابعين وأخذه التابعون عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأخذه الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا طريق إلى معرفة ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس من الدين المستقيم والصراط القويم إلا هذا الطريق الذي سلكه أصحاب الحديث. وأما سائر الفرق فطلبوا الدين بغير طريقه لأنهم رجعوا إلى معقولهم وخواطرهم وآرائهم فإذا سمعوا شيئا من الكتاب والسنة عرضوه على معيار عقولهم فإن استقام لهم قبلوه وإن لم يستقم في ميزان عقولهم ردوه فإن اضطروا إلى قبوله حرفوه(1\/598)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "581",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12979",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالتأويلات البعيدة والمعاني المستكرهة فحادوا عن الحق وزاغوا عنه ونبذوا الدين وراء ظهورهم وعلوا السنة تحت أقدامهم. وأما أهل السنة فجعلوا الكتاب والسنة أمامهم وطلبوا الدين من قبلها وما وقع لهم من معقولهم وخواطرهم وآرائهم عرضوه على الكتاب والسنة فإن وجدوه موافقا لهما قبلوه وشكروا الله حيث أراهم ذلك ووفقهم له وإن وجدوه مخالفا لهما تركوا ما وقع لهم وأقبلوا على الكتاب والسنة ورجعوا بالتهمة على أنفسهم فإن الكتاب والسنة لا يهديان إلا إلى الحق ورأي الإنسان قد يكون حقا وقد يكون باطلا. وهذا قول أبي سليمان الداراني وهو أوحد أهل زمانه قال: ما حدثتني نفسي بشيء إلا طلبت عليه شاهدين من الكتاب والسنة فإن أتي بهما وإلا رددته. (قال) : ومما يدل أن أهل الحديث على الحق أنك لو طلعت جميع كتبهم المصنفة من أولها إلى آخرها قديمها وحديثها وجدتها مع اختلاف بلدانهم وزمانهم وتباعد ما بينهم في الديار وسكون كل واحد منهم قطرا من الأقطار في باب الاعتقاد على وتيرة واحدة ونمط واحد يجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنه ولا يميلون عنها قلوبهم في ذلك على قلب واحد ونقلهم لا ترى فيه اختلافا ولا تفرقا في شيء ما وإن قل بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم وجدته كأنه جاء عن قلب واحد وجرى على لسان واحد وهل على الحق دليل أبين من هذا قال الله تعالى: أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [النساء: 82] وقال تعالى: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا [آل عمران: 103] . وأما إذا نظرت إلى أهل البدع رأيتهم متفرقين مختلفين شيعا وأحزابا ولا تكاد تجد اثنين منهم على طريقة واحدة في الاعتقاد يبدع بعضهم بعضا بل يرتقون إلى التكفير يكفر الابن أباه والأخ أخاه والجار جاره وتراهم أبدا في تنازع وتباغض واختلاف تنقضي أعمارهم ولم تتفق كلماتهم تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون [الحشر: 14] أوما سمعت بأن المعتزلة مع اجتماعهم في هذا اللون يكفر البغداديون منهم البصريين والبصريون البغداديين ويكفر أصحاب أبي علي الجبائي(1\/599)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "582",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12980",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وابنه أبا هاشم وأصحابه وأصحاب أبي هاشم يكفرون أبا علي وأصحابه وكذلك سائر رءوسهم وأصحاب المقالات منهم إذا تدبرت أقوالهم رأيتهم متفرقين يكفر بعضهم بعضا وكذلك الخوارج والرافضة فيما بينهم وسائر المبتدعة كذلك وهل على الباطل أظهر من هذا قال الله تعالى: إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله [الأنعام: 159] فبرأ الله رسوله من أهل هذا التفرق والاختلاف. (قال) : وكان السبب في اتفاق أهل الحديث أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة وطريق النقل فأورثهم الاتفاق والائتلاف وأهل البدع أخذوا الدين من عقولهم فأورثهم التفرق والاختلاف فإن النقل والرواية من الثقات والمتقنين قلما تختلف وإن اختلفت في لفظه أو كلمه فذلك الاختلاف لا يضر الدين ولا يقدح فيه وأما المعقولات والخواطر والأراء فقلما تتفق بل عقل كل واحد ورأيه وخاطره يري صاحبه غير ما يري الآخر.  قال وبهذا يظهر مفارقة الاختلاف في مسائل الفروع اختلاف العقائد في الأصول فإنا وجدنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم اختلفوا بعده في أحكام الدين فلم يتفرقوا ولم يكونوا شيعا لأنهم لم يفارقوا الدين ونظروا فيما أذن لهم فاختلف أقوالهم وآراؤهم في مسائل كثيرة كمسألة الجد والمشركة وذوي الأرحام وأمهات الأولاد وغير ذلك فصاروا باختلاف في هذه الأشياء محمودين وكان هذا النوع من الاختلاف رحمة لهذه الأمة حيث أيدهم بالتوفيق واليقين ثم وسع على العلماء النظر فيما لم يجدوا حكمه في التنزيل والسنة وكانوا مع هذا الاختلاف أهل مودة ونصح وبقيت بينهم أخوة الإسلام ولم ينقطع عنهم نظام الألفة فلما حدثت هذه الأهواء المردية الداعية أصحابها إلى النار وصاروا أحزابا انقطعت الأخوة في الدين وسقطت الألفة وهذا يدل على أن التنائي والفرقة إنما حدث في المسائل المحدثة التي ابتدعها الشيطان ألقاها على أفواه أوليائه ليختلفوا ويرمي بعضها بعضا بالكفر فكل مسألة حدثت في الإسلام فخاض فيها الناس واختلفوا ولم يورث هذا الاختلاف بينهم عداوة ولا نقصا ولا تفرقا بل بقيت بينهم الألفة والنصيحة والمودة والرحمة والشفقة علمنا أن ذلك من مسائل الإسلام يجوز النظر فيها والآخر يقول من تلك الأقوال ما لا يوجب تبديعا ولا تكفيرا كما ظهر مثل هذا الاختلاف بين الصحابة والتابعين مع بقاء(1\/600)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "583",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12981",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الألفة والمودة وكل مسألة حدثت فاختلفوا فيها فأورث اختلافهم في ذلك التولي والإعراض والتدابر والتقاطع وربما ارتقى إلى التكفير علمت أن ذلك ليس من أمر الدين في شيء بل يجب على كل ذي عقل أن يجتنبها ويعرض عن الخوض فيها. إن لله تعالى شرطا في تمسكنا بالإسلام أن نصبح في ذلك إخوانا فقال تعالى: واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا [آل عمران: 103] . قال: (فإن قال قائل) : الخوض في مسائل القدر والصفات والإيمان يورث التقاطع والتدابر فيجب طرحها والإعراض عنها على ما قررتم. (فالجواب) : إنما قلنا هذا في المسائل المحدثة فأما هذه المسائل فلا بد من قبولها على ما ثبت به النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ولا يجور لنا الإعراض عن نقلها وروايتها وبيانها كما في أصل الإسلام والدعاء إلى التوحيد وإظهار الشهادتين وقد بينا أن الطريق المستقيم مع أهل الحديث وأن الحق فيما رووه ونقلوه. (فإن قال قائل) : أنتم سميتم أنفسكم أهل السنة وما نراكم في ذلك إلا مدعين لأنا وجدنا كل فرقة من الفرق تنتحل أتباع السنة وتنسب من خالفها إلى البدعة وليس على أصحابكم منها سمة وعلامة أنهم أهلها دون من خالفها من سائر الفرق وكلنا في انتحال هذا اللقب شركاء متكافئون ولستم بأولى بهذا اللقب إلا أن تأتوا بدلالة ظاهرة من الكتاب والسنة أو من إجماع المعقول. (فالجواب) : أن الأمر على ما زعمتم أنه لا يصح لأحد دعوى إلا ببينة عادلة أو بدلالة ظاهرة من الكتاب والسنة وهما لنا قائمتان بحمد الله ومنه قال الله تعالى: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [الحشر: 7] فأمرنا اتباعه وطاعته فيما سنه وأمر به وما نهى عنه وما حكم به وقال: quot; عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي quot; وقال: quot; ومن رغب عن سنتي فليس مني ومن أحب سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة quot; فعرفنا سنته ووجدناها بهذه الآثار(1\/601)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "584",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12982",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المشتهرة التي رويت بالأسانيد الصحيحة المتصلة التي ينقلها حفاظ العلماء وثقاتهم بعضهم عن بعض. ثم نظرنا فرأينا فرقة أصحاب الحديث لها أطلب وفيها أرغب ولها أجمع ولأصحابها أتبع فعلمنا يقينا أنهم أهلها دون من عداهم من جميع الفرق فإن صاحب كل حرفة أو صناعة إن لم يكن معه دلالة وآلة من آلات تلك الصناعة والحرفة ثم ادعى تلك الصناعة كان في دعواه مبطلا فإذا كانت معه آلات الصناعة والحرفة شهدت له تلك الآلات بصناعته بل شهد له كل من غايته قبل الاختيار كما إذا رأيت رجلا قد فتح باب دكانه على بز علمت أنه بزاز أو على تمر علمت أنه تمار أو على عطر علمت أنه عطار أو إذا رأيت بين يديه الكير والسندان والمطرقة علمت أنه حداد وكل صاحب صنعة يستدل على صناعته بآلته فحكم له بها بالمعاينة من غير اختيار فلو رأيت بين يدي إنسان قدوما أو منشارا ومثقبا وهو مستعد للعمل بها ثم سميته خياطا جهلت ولو قال صاحب التمر لصاحب العطر: أنا عطار وصاحب البناء للبزاز: أنا بزاز قال له: كذبت وصدقه الناس على تكذيبه ثم كل صاحب صنعة وحرفة يفتخر بصناعته ويجالس أهلها ويألفهم ويستفيد منهم ويحرص على بلوغ الغاية في صناعته وأن يكون فيها أستاذا ورأينا أصحاب الحديث قديما وحديثا هم الذين رحلوا في هذه الآثار وطلبوا فأخذوها من معادنها وحفظوها واغتبطوا بها ودعوا إلى اتباعها وعابوا من خالفهم وكثرت عندهم وفي أيديهم حتى اشتهروا بها كما يشتهر أصحاب الحرف والصناعات بصناعتهم وحرفهم ثم رأينا قوما انسلخوا من حفظها ومعرفتها وتنكبوا عن اتباع صحيحها وشهيرها وغنوا عن صحبة أهلها وطعنوا فيها وفيهم وزهدوا الناس في حقها وضربوا لها ولأهلها أسوأ الأمثال ولقبوهم أقبح الألقاب فسموهم نواصب ومشبهة وحشوية ومجسمة فعلمنا بهذه الدلائل الظاهرة والشواهد القائمة أن أولئك أحق بها من سائر الفرق. ومعلوم أن الاتباع هو الأخذ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي صحت عنه والخضوع لها والتسليم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجدنا أهل الأهواء بمعزل عن ذلك فهذه علامة ظاهرة ودليل واضح يشهد لأهل السنة باستحقاقها وعلى أهل البدع والأهواء بأنهم ليسوا من أهلها. قلت: ولهم علامات أخر (ومنها) أن أهل السنة يتركون أقوال الناس لهم وأهل(1\/602)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "585",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12983",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البدع يتركونها لأقوال الناس (ومنها) أن أهل السنة يعرضون أقوال الناس عليهم فما وافقها قبلوه وما خالفها طرحوه وأهل البدع يعرضونها على آراء الرجال فما وافق آراءها منها قبلوه وما خالفها تركوه وتأولوه (ومنها) أن أهل السنة يدعون عند التنازع إلى التحاكم إليها دون آراء الرجال وعقولها وأهل البدع يدعون إلى التحاكم إلى آراء الرجال ومعقولاتها (ومنها) أن أهل السنة إذا صحت لهم السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتوقفوا عن العمل بها واعتقاد موجبها على أن يوافقها موافق بل يبادرون إلى العمل بها من غير نظر إلى من وافقها أو خالفها وقد نص الشافعي على ذلك في كثير من كتبه وعاب على من يقول: لا أعمل بالحديث حتى أعرف من قال به ذهب إليه بل الواجب على من بلغته السنة الصحيحة أن يقبلها وأن يعاملها بما كان يعاملها به الصحابة حين يسمعونها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فينزل نفسه منزلة من سمعها منه صلى الله عليه وسلم قال الشافعي: وأجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد وهذا من أعظم علامات أهل السنة أنهم لا يتركونها إذا ثبتت عندهم لقول أحد من الناس كائنا من كان. ومنها: أنهم لا ينتسبون إلى مقالة معينة ولا إلى شخص معين غير الرسول فليس لهم لقب يعرفون به ولا نسبة ينتسبون إليها إذا انتسب سواهم إلى المقالات المحدثة وأربابها كما قال بعض أئمة أهل السنة وقد سئل عنها فقال: السنة ما لا اسم له سوى السنة وأهل البدع ينتسبون إلى المقالة تارة كالقدرية والمرجئة وإلى القائل تارة كالهاشمية والنجارية والضراوية وإلى الفعل تارة كالخوارج والروافض وأهل السنة بريئون من هذه النسب كلها وإنما نسبتهم إلى الحديث والسنة (ومنها) أن أهل السنة إنما ينصرون الحديث الصحيح والآثار السلفية وأهل البدع ينصرون مقالاتهم ومذاهبهم (ومنها) أن أهل السنة إذا ذكروا السنة وجردوا الدعوة إليها نفرت من ذلك قلوب أهل البدع فلهم نصيب من قوله تعالى: وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا [الإسراء: 46] وأهل البدع إذا ذكرت لهم شيوخهم ومقالاتهم استبشروا بها فهم كما قال تعالى: وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون [الزمر: 45](1\/603)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "586",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12984",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل المقام السابع اختلاف درجة الدليل بحسب درجة فهم المستدل",
        "content": "منها: أن أهل السنة يعرفون الحق ويرحمون الخلق فلهم نصيب وافر من العلم والرحمة وربهم تعالى وسع كل شيء رحمة وعلما وأهل البدع يكذبون بالحق ويكفرون الخلق فلا علم عندهم ولا رحمة وإذا قامت عليهم حجة أهل السنة عدلوا إلى حبسهم وعقولهم إذا أمكنهم ورثة فرعون فإنه لما قامت عليه حجة موسى ولم يمكنه عنها جواب قال: لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين [الشعراء: 29] (ومنها) أن أهل السنة إنما يوالون ويعادون على سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم وأهل البدع يوالون ويعادون على أقوال ابتدعوها (ومنها) أن أهل السنة لم يؤصلوا أصولا حكموها وحاكموا خصومهم إليها وحكموا على من خالفها بالفسق والتكفير بل عندهم الأصول كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه الصحابة. ومنها: أن أهل السنة إذا قيل لهم قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم وقفت قلوبهم عند ذلك ولم تعده إلى أحد سواه ولم تلتفت إلى ماذا قال فلان وفلان وأهل البدع بخلاف ذلك. (ومنها) أن أهل البدع يأخذون من السنة ما وافق أهواءهم صحيحا كان أو ضعيفا ويتركون ما لم يوافق أهواءهم من الأحاديث الصحيحة فإذا عجزوا عن رده نفوه عوجا بالتأويلات المستنكرة التي هي تحريف له عن مواضعه وأهل السنة ليس لهم هوى في غيرها.  [فصل المقام السابع اختلاف درجة الدليل بحسب درجة فهم المستدل] فصل وأما المقام السابع: وهو أن كون الدليل من الأمور الظنية أو القطعية أمر نسبي يختلف باختلاف المدرك المستدل ليس هو صفة للدليل في نفسه فهذا أمر لا ينازعه فيه عاقل فقد يكون قطعيا عند زيد ما هو ظني عند عمرو فقولهم: إن أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة المتلقاة بين الأمة بالقبول لا تفيد العلم بل هي ظنية هو إخبار عما عندهم إذا لم يحصل لهم من الطرق التي استفاد بها العلم أهل السنة ما حصل لهم فقولهم لم نستفد بها العلم لم يلزم منها النفي العام على ذلك بمنزلة الاستدلال على أن الواجد للشيء العالم به غير واجد له ولا عالم به فهو كمن يجد من نفسه وجعا أو لذة أو حبا أو بغضا فينتصب له من يستدل على أنه غير وجع ولا متألم ولا محب ولا مبغض ويكثر له من الشبه التي غايتها إني لم أجد ما وجدته ولو كان حقا لاشتركت أنا وأنت فيه وهذا عين الباطل وما أحسن ما قيل: أقول للائم المهدي ملامته ... ذق الهوى وإن اسطعت الملام لم(1\/604)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "587",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12985",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل المقام الثامن انعقاد الإجماع على قبول أحاديث الآحاد",
        "content": "فيقال له: اصرف عنايتك إلى ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والحرص عليه وتتبعه وجمعه ومعرفة أحوال نقلته وسيرتهم وأعرض عما سواه واجعله غاية طلبك ونهاية قصدك بل احرص عليه حرص أتباع أرباب المذاهب على معرفة مذاهب أئمتهم بحيث حصل لهم العلم الضروري بأنها مذاهب أئمتهم بحيث حصل لهم العلم الضروري بأنها مذاهبهم وأقوالهم ولو أنكر ذلك عليهم منكر لسخروا منه (وحينئذ) تعلم هل تفيد أخبار رسول صلى الله عليه وسلم العلم أو لا تفيده فأما مع إعراضك عنها وعن طلبها فهي لا تفيدك علما ولو قلت: لا تفيدك أيضا ظنا لكنت مخبرا بحصتك ونصيبك منها.  [فصل المقام الثامن انعقاد الإجماع على قبول أحاديث الآحاد] فصل وأما المقام الثامن: وهو انعقاد الإجماع المعلوم المتيقن على قبول هذه الأحاديث وإثبات صفات الرب تعالى بها فهذا لا يشك فيه من له أقل خبرة بالمنقول فإن الصحابة هم الذين رووا هذه الأحاديث وتلقاها بعضهم عن بعض بالقبول ولم ينكرها أحد منهم على من رواها ثم تلقاها عنهم جميع التابعين من أولهم إلى آخرهم ومن سمعها منهم تلقاها بالقبول والتصديق لهم ومن لم يسمعها منهم تلقاها عن التابعين كذلك وكذلك تابع التابعين مع التابعين. هذا أمر يعلمه ضرورة أهل الحديث كما يعلمون عدالة الصحابة وصدقهم وأمانتهم ونقلهم ذلك عن نبيهم صلى الله عليه وسلم كنقلهم الوضوء والغسل من الجنابة وأعداد الصلوات وأوقاتها ونقل الأذان والتشهد والجمعة والعيدين فإن الذين نقلوا هذا هم الذين نقلوا أحاديث الصفات فإن جاز عليهم الخطأ والكذب في نقلها جاز عليهم ذلك في نقل غيرها مما ذكرنا (وحينئذ) فلا وثوق لنا بشيء نقل لنا عن نبينا صلى الله عليه وسلم البتة وهذا انسلاخ من الدين والعلم والعقل على أن كثيرا من القادحين في دين الإسلام قد طردوا وقالوا: لا وثوق لنا بشيء من ذلك البتة. قالوا: وأظهر شيء الآذان والإقامة وقد اختلفوا عليه فيهما هل يرجع أم لا ويثني الإقامة أو يفرد  وهذا تشهد الصلاة قد اختلف فيه عنه صلى الله عليه وسلم على وجوده وكذلك جهره بالبسملة وإخفاؤها وهو من أظهر الأمور يفعل في اليوم والليلة خمس مرات بحضرة الجمع.(1\/605)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "588",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12986",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: وأظهروا من ذلك حجة الوداع فإنها حجة واحدة وقد شاهده الجمع العظيم والجم الغفير فهذا يقول أفرد وهذا يقول تمتع وهذا يقول قرن فكيف لنا بعد ذلك بالوثوق بشيء من الأحاديث فلذلك أطرحناها رأسا فهؤلاء أعطوا الانسلاخ من السنة والدين حقه وطردوا كفرهم وخلعوا ربقة الإسلام من أعناقهم وتقسمت الفرق قولهم هذا في رد الأحاديث (فطائفة) ردتها رأسا وجوزت على رسول الله صلى الله عليه وسلم الخطأ والغلط وهؤلاء سلف الخوارج الذين قدح رئيسهم في فعله صلى الله عليه وسلم وقال: له اعدل فإنك لم تعدل وقال له الآخر: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله  فقدح هذا في قصده وقدح الآخر في حكمه وعدله. وطائفة أخرى قالوا: لا نقبل منها إلا ما وافق القرآن وما لا يشهد له القرآن فإنا نرده ولا نقبله وهذه الطائفة هم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: quot; يوشك الرجل أن يكون شبعان متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول: بيننا وبينكم القرآن فما وجدنا فيه من حلال حللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله quot; وفي السنن من حديث المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; ألا هل رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدنا فيه حراما حرمناه وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله quot; وممن أحسن الرد على هذه الطائفة الشافعي رحمه الله في كتاب جماع العلم وإبطال الاستحسان وفي الرسالة وغيرها. وطائفة ثالثة قالت: نقبل من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متواترها ونرد آحادها سواء كان مما يقتضي علما أو عملا وقد ناظر الشافعي بعض أهل زمانه في ذلك فأبطل الشافعي قوله وأقام عليه الحجة وعقد في الرسالة بابا أطال فيه الكلام في تثبيت خبر الواحد ولزوم الحجة به وخروج من رده عن طاعة الله ورسوله ولم يفرق هو ولا أحد من أهل الحديث البتة بين أحاديث الأحكام وأحاديث الصفات ولا يعرف(1\/606)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "589",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12987",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا الفرق عن أحد من الصحابة ولا عن أحد من التابعين ولا من تابعهم ولا عن أحد من أئمة الإسلام وإنما يعرف عن رءوس أهل البدع ومن تبعهم. وطائفة رابعة: ردت أخبار الصحابة كلهم إلا ما كان من أخبار أهل البيت وشيعتهم خاصة وهذا مذهب الرافضة فلم يقبل هؤلاء قول أبي بكر وعمر وعثمان. وطائفة خامسة: ردت أخبار المقتتلين يوم الجمل وصفين وقبلت خبر غيرهم قالوا: لأنه قد فسق إحدى الطائفتين وهي غير معينة فلا يقبل خبرها ويقبل خبر غيرها. وطائفة سادسة: قبلت خبر الأربعة بشرط تنائي بلدانهم وأن يكون كل واحد منهم قبله عن غير الذي قبله صاحبه ثم قبله عنه من أداه إلينا ممن لم يقبل عن صاحبه حكاه الشافعي عمن ناظره عليه ورده إذا لم يكن على هذه الصفة. (قال الشافعي) فقلت له: أرأيت لو لقيت رجلا من أهل بدر وهم المقدمون ممن أثنى الله عليهم في كتابه فأخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكان يلزمك أن تقول به قال: لا يلزمني لأنه قد يمكن في الواحد الغلط والنسيان ثم أخذ الشافعي في إبطال هذا المذهب. وطائفة سابعة: قبلت خبر الواحد إذا لم يكن بين الصحابة نزاع في مضمونه وردته إذا تنازعوا في حكمه حكاه الشافعي أيضا ورده. وطائفة ثامنة: قبلت خبر الواحد فيما لا يسقط بالشبهة وردته فيما يسقط بها كالحدود التي تدرأ بالشبهات وزعمت أن احتمال الغلط والكذب عن الراوي شبهة في إسقاط الحد وهذا مذهب المعتزلة وحكوه عن أبي عبد الله البصري. وطائفة تاسعة: ردت خبر الواحد إذا لم يروه غيره وقبلته إذا رواه ثقة آخر فصاعدا حكاه عنهم أبو بكر الرازي من الحنفية. وطائفة عاشرة: ردته فيما تعم به البلوى وقبلته فيما عداه وحكوه عن أبي حنيفة وهو كذب عليه وعلى أبي يوسف ومحمد فلم يقل ذلك أحد منهم البتة وإنما هذا قول متأخريهم وأقدم من قال به عيسى بن أبان وتبعه أبو الحسن الكرخي وغيره. وطائفة حادية عشر: ردوه إذا كان الراوي له من الصحابة غير فقيه بزعمهم وقبلوه إذا كان فقيها وبمثل ذلك ردوا رواية أبي هريرة إذا خالفت آراءهم قالوا: لم يكن فقيها وقد أفتى في زمن عمر بن الخطاب وأقره على الفتوى واستعمله نائبا على البحرين وغيرها ومن تلاميذه عبد الله بن عباس وغيره من الصحابة وسعيد بن المسيب وغيره من التابعين.(1\/607)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "590",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12988",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال البخاري: روى العلم عنه ثمان مائة ما بين صاحب وتابع وكان من أعلم الصحابة بالحديث وأحفظهم له وكان قارئا للقرآن وكان عربيا والعربية طبعه وكان الصحابة يرجعون إلى روايته ويعملون بها نعم كان فقهه نوعا آخر غير الخواطر والآراء. قال الشافعي: ناظرت محمدا في مسألة المصراة فذكرت الحديث فقال هذا خبر رواه أبو هريرة وكان الذي جاء به شرا مما فر منه أو كما قال. وطائفة ثانية عشر: ردوا الحديث إذا خالف ظاهر القرآن بزعمهم وجعلوا هذا معيارا لكل حديث خالف آراءهم فأخذوا عموما بعيدا من الحديث لم يقصد به فجعلوه مخالفا للحديث وردوه به فردوا حديث ابن عمر في خيار المجلس بمخالفة قوله تعالى: وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم [النحل: 91] وردوا أحاديث القرعة لمخالفة ظاهر قوله تعالى: إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان [المائدة: 90] وردوا حديث عمران بن الحصين فيمن أعتق ستة أعبد في مرض موته لمخالفة ظاهر قوله: أوفوا بالعقود [المائدة: 1] وردوا أحاديث فاطمة بنت قيس لمخالفة ظاهر قوله: أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم [الطلاق: 6] وردوا أحاديث رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة لمخالفة ظاهر قوله: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103] وردوا أحاديث الشفاعة لمخالفة ظاهر قوله: ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته [آل عمران: 192] وردوا حديث العرايا والمصراة لمخالفة ظاهر الربا لهما وردوا حديث quot; لعن الله المحلل والمحلل له quot; بظاهر قوله: حتى تنكح زوجا غيره [البقرة: 230] وردوا حديث quot; من وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به quot; بظاهر قوله: ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود [المائدة: 1] وردوا(1\/608)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "591",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12989",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حديث quot; النهي عن بيع الرطب بالتمر quot; بظاهر قوله: وأحل الله البيع [البقرة: 275] وردوا حديث quot; النهي عن بيع الحاضر للبادي وعن تلقي الركبان quot; بهذا الظاهر وردوا حديث الحكم بالشاهد واليمين بظاهر قوله تعالى: واستشهدوا شهيدين من رجالكم [البقرة: 282] وردوا حديث quot; لا يقتل مؤمن بكافر quot; بظاهر قوله: النفس بالنفس [المائدة: 45] وردوا حديث quot; لا نكاح إلا بولي quot; بظاهر قوله: حتى تنكح زوجا غيره [البقرة: 230] وردوا حديث إباحة لحوم الخيل بظاهر قوله: والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة [النحل: 8] وردوا حديث: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة quot; بظاهر قوله تعالى: أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض [البقرة: 267] وظاهر قوله: quot; فيما سقت السماء العشر quot; وردوا quot; ذكاة الجنين(1\/609)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "592",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12990",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذكاة أمه quot; بظاهر قوله: حرمت عليكم الميتة [المائدة: 3] وردوا حديث تحريم تفضيل بعض الولد على بعض في العطية وقوله: quot; إن هذا لا يصلح quot; وتسميته إياه جورا وامتناعه من الشهادة على الجور وقوله أشهدوا على هذا غيري تهديدا وإعلاما أن مسلما لا يشهد على مثل ذلك وقد امتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشهادة عليه وردوا حديث quot; لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب بقوله: فاقرءوا ما تيسر منه [المزمل: 20] وردوا حديث quot; لا يقبل الله صلاة من لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده quot; بظاهر قوله: واسجدي واركعي مع الراكعين [آل عمران: 43] وردوا الحديث لكونه يتضمن زيادة على القرآن فيكون نسخا له والقرآن لا ينسخ بالحديث وردوا بهذه القاعدة الفاسدة ما شاء من الأحاديث الصحيحة الصريحة كأحاديث فرض الطمأنينة وأحاديث فرض الفاتحة وحديث تغريب الزاني. وقد أنكر الأئمة على من رد أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن وقالوا: لا ترد السنة بالقرآن فكيف بمن ردها برأي أو قياس أو قاعدة هو وضعها ولهذا كان الصواب مع من قبل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيح الثابت عنه صلى الله عليه وسلم من غير وجه أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه دون من رده بظاهر القرآن ولا تزر وازرة وزر أخرى [الأنعام: 164](1\/610)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "593",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12991",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأعجب من ذلك من رده بقوله: وأنه هو أضحك وأبكى [النجم: 43] وكان الصواب مع من قبل حديث فاطمة بنت قيس في إسقاط النفقة والسكنى للمبتوتة دون من رده بقوله تعالى: أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم [الطلاق: 6] وكان الصواب قبول حديث خطاب النبي صلى الله عليه وسلم لقتلى بدر دون رده بقوله تعالى: إنك لا تسمع الموتى [النمل: 80] وهذا وإن وقع لبعض الصحابة فلم يتفقوا كلهم على رد هذه الأحاديث بالقرآن بل كان الذين قبلوه أضعاف أضعاف الذين ردوه وقولهم هو الراجح قطعا دون قول الآخرين فلا يرد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء أبدا إلا بحديث مثله ناسخ له يعلم مقاومته له ومعارضته له وتأخره عنه ولا يجوز رده بغير ذلك البتة. وطائفة أخرى ردت الأحاديث بعدم معرفتها بمن ذهب إليها وسموا عدم علمهم إجماعا وردوا به كثيرا من السنن وبالغ الشافعي وبعده الإمام أحمد في الإنكار على هؤلاء ووسع الشافعي الرد عليهم في الرسالتين وكتاب جماع العلم وغيرها ولا يتصور أن تجمع الأمة على خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قط إلا أن يكون هناك سنة صحيحة معلومة ناسخة فتجمع على القول بالسنة الناسخة وأما أن تتفق على العمل بترك حديث لا ناسخ له فهذا لم يقع أبدا ولا يجوز نسبة الأمة إليه فإنه قدح فيها ونسبة لها إلى ترك الصواب والأخذ بالخطأ. قال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: من ادعى الإجماع فقد كذب لعل الناس قد اختلفوا هذه دعوى بشر المريسي والأصم ولكن يقول: لا أعلم الناس اختلفوا (قال) في رواية المروذي: كيف يجوز للرجل أن يقول: أجمعوا إذا سمعتهم يقولون أجمعوا فاتهمهم لو قال: إني لا أعلم لهم مخالفا جاز (وقال) في رواية أبي طالب: هذا كذب ما أعلمه أن الناس مجمعون ولكن يقول: لا أعلم فيه اختلافا: فهو أحسن من قوله إجماع الناس. وقالوا في رواية ابن الحارث: لا ينبغي لأحد أن يدعي الإجماع لعل الناس اختلفوا.(1\/611)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "594",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12992",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل ليس في السنة ما يخالف القرآن",
        "content": "وليس مراده بهذا استبعاد وجود الإجماع ولكن أحمد وأئمة الحديث بلوا بمن كان يرد عليهم السنة الصحيحة بإجماع الناس على خلافها فبين الشافعي وأحمد أن هذه الدعوى كذب وأنه لا يجوز رد السنن بمثلها قال الشافعي في رواية الربيع عنه ما لا يعلم فيه نزاع ليس إجماعا وقال أيضا: وقد أنكر على منازعه دعوى الإجماع وبين بطلانها. قال: فهل من إجماع قلت نعم بحمد الله كثير في جهل الفرائض التي لا يسع جهلها وذلك هو الذي إذا قلت: (أجمع الناس) لم تجد أحدا يعرف شيئا يقول لك: ليس هذا بإجماع فيها وفي أشياء من أصول العلم دون فروعه ودون الأصول غيرها. ثم قال الشافعي: فقال قد ادعى بعض أصحابك الإجماع بالمدينة فقلت له: فما قلت وسمعت أهل العلم غيرك في كل بلد يقولون فيما ادعي من ذلك قال ما سمعت منهم أحدا أذكر قوله إلا عاتبا لذلك وإن ذلك عندي لمعيب ثم قال بعد ذلك: أوما كفاك عيب الإجماع أن لم يرو عن أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوى الإجماع إلا فيما لا يختلف فيه أحد إن كان أهل زمانك هذا قال: فقد ادعاه بعضكم أفحمدت ما ادعاه منه قال: لا قلت: فكيف صرت إلى أن تدخل فيما ذممت في أكثر ما عبت إلا يستدل من طريقك أن الإجماع هو ترك ادعاء الإجماع وهذا كثير في كلامه رحمه الله. والمقصود أن أئمة الإسلام لم يزالوا ينكرون على من رد سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بكونه لا يعلم بها قائلا وزعم أن ذلك إجماع ولا يتوقف العمل بالحديث على أن يعلم من عمل به من الأمة بل هو حجة بنفسه عمل به أو لم يعمل ولا يمكن أن تجتمع الأمة على ترك العمل به البتة بل لا بد أن يكون في الأمة من ذهب إليه وإن خفي على كثير من أهل العلم قوله.  [فصل ليس في السنة ما يخالف القرآن] فصل ونحن نقول قولا كليا نشهد الله تعالى عليه وملائكته أنه ليس في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يخالف القرآن ولا ما يخالف العقل الصريح بل كلامه بين للقرآن وتفسير له وتفصيل لما أجمله وكل حديث من رد الحديث لزعمه أنه يخالف القرآن فهو موافق للقرآن مطابق له وغايته أن يكون زائدا على ما في القرآن وهذا الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبوله ونهى عن رده بقوله: quot; لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول: لا أدري ما وجدناه في كتاب الله اتبعناه quot; فهذا الذي وقع من(1\/612)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "595",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12993",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وضع قاعدة باطلة له لرد الأحاديث بها بقولهم في كل حديث زائد على ما في القرآن: هذا زيادة على النص فيكون نسخا والقرآن لا ينسخ بالسنة فهذا بعينه هو الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ونهاهم عنه وأخبرهم أن الله تعالى أوحى إليه الكتاب ومثله معه فمن رد السنة الصحيحة بغير سنة تكون مقاومة لها متأخرة عنها ناسخة لها فقد رد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد وحي الله. قال الشافعي: إن الله تعالى وضع نبيه صلى الله عليه وسلم من كتابه ودينه بالموضع الذي أبان في كتابه الفرض على خلقه أن يكونوا عالمين بأنه لا يقول إلا بما أنزل إليه وأنه لا يخالف كتاب الله وأنه بين عن الله تعالى ما أراد الله قال: وبيان ذلك في كتاب الله قال الله تعالى: وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا [يونس: 15] إلى قوله: إن أتبع إلا ما يوحى إلي [يونس: 15] ومثل هذا في غير آية أخبرنا الداروردي عن عمرو عن المطلب بن حنطب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: quot; ما تركت شيئا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به ولا تركت شيئا مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه quot;. قال الشافعي: فرض الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتبع ما أوحي إليه وقال: لا ينكر الناس علي بشيء فإني لا أحل لهم إلا ما أحل الله ولا أحرم عليهم إلا ما حرم الله وكذلك صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبذلك أمر أن يتبع ما أوحي اتباع سنته فيه فمن قبل منه فإنما قبل بفرض الله قال الله تعالى: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [الحشر: 7] وقال تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [النساء: 65] . وقال الإمام أحمد: من رد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على شفى هلكة وقال تعالى: فليحذر الذين يخالفون عن أمره [النور: 63] الآية وأي فتنة إنما هي الكفر. وقال الشافعي: قال الله تعالى: أيحسب الإنسان أن يترك سدى [القيامة: 36] فلم(1\/613)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "596",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12994",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يختلف أهل العلم بالقرآن فيما علمت أن السدى: هو الذي لا يؤمر ولا ينهى ومن أفتى أو حكم بما لم يؤمر به فقد أجاز لنفسه أن يكون في معنى السدى (قال) : وقد جعل الله الحق في كتابه ثم سنة نبيه صلى الله عليه وسلم فليست تنزل بأحد نازلة إلا والكتاب يدل عليها نصا أو جملة ثم ذكر بعض ما حرم الله تفصيلا (قال) : والجملة ما فرض الله من صلاة وزكاة وحج فدل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف الصلاة وعددها ووقتها والعمل فيها وكيف الزكاة وفي أي المال وفي أي وقت هي وكم قدرها وكيف الحج والعمل فيه وما يدخل به فيه ويخرج به منه. وقد صنف الإمام أحمد كتابا سماه كتاب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم رد فيه على من احتج بظاهر القرآن وترك ما فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم ودل على معناه رواه عنه ابنه صالح قال في أوله: إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون وأنزل عليه كتابا هاديا له ولمن تبعه وجعل رسوله صلى الله عليه وسلم الدال على ما أراد من ظاهره وباطنه وخاصه وعامه وناسخه ومنسوخه وما قصد به الكتاب وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المعبر عن كتاب الله الدال على معانيه وشاهده في ذلك أصحابه ونقلوا ذلك عنه وكانوا هم المعبرين عن ذلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال جابر بن عبد الله: ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا عليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء علمنا . وقال قوم: بل نستعمل الظاهر وتركوا الاستدلال برسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقبلوا أخبار أصحابه وقال ابن عباس للخوارج: أتيتكم من عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين والأنصار ومن عند ابن عم رسول الله وصهره وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله منكم وليس فيكم منهم أحد ثم ساق النصوص الموجبة لمتابعة الرسول ثم ذكر الآيات التي فسرت السنة مجملها. والمقصود أن أئمة الإسلام جميعهم على هذه الطريقة الأخذ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صح ولم يأت بعده حديث آخر بنسخه سواء عرفوا من عمل به أم لا وسواء عمل الناس بخلافه أو بوفاقه فلا يتركون الحديث لعمل أحد لا يتوقفون في قبوله على عمل أحد ولا يعارضونه بالقرآن ولا بالإجماع ويعلمون أن هذه المعارضة من أبطل الباطل.(1\/614)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "597",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12995",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "فصل المقام التاسع والعاشر أن قولهم خبر الواحد لا يفيد العلم قضية كاذبة",
        "content": "فصل وطائفة أخرى ردت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كانت في باب الصفات وقبلتها إذا كانت في باب الأحكام والزهد والرقائق ونحوها وهؤلاء طوائف من أهل الكلام المبتدع المذموم وجعلوا قوله تعالى: ليس كمثله شيء [الشورى: 11] مستندا لهم في رد الأحاديث الصحيحة تلبيسا منهم وتدليسا على من هو أعمى قلبا منهم وتحريفا لمعنى الآية عن موضعه ففهموا به من أخبار الصفات ما لم يرده الله ولا رسوله ولا فهمه أحد من أهل الإسلام أنها تقتضي إثباتا على وجه التمثيل بما للمخلوقين.  [فصل المقام التاسع والعاشر أن قولهم خبر الواحد لا يفيد العلم قضية كاذبة] فصل وقد عرفت فيما تقدم المقام التاسع والعاشر: وهو أن قولهم خبر الواحد لا يفيد العلم قضية كاذبة باتفاق العقلاء إذا أخذت كلية عامة وقضية لا تفيد إن أخذت جزئية أو مهملة فإن عاقلا لا يقول: كل خبر واحد لا يفيد العلم حتى تنتصبوا للرد عليه كأنكم في شيء وكأنكم قد كسرتم عدو الإسلام فسودتم الأوراق بغير فائدة حتى كذب بعض الأصوليين كذبا صريحا لم يقله أحد قط (فقال) : مذهب أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه أن خبر الواحد يفيد العلم من غير قرينة وهو مطرد عنده في خبر كل واحد. فيا لله العجب كيف لا يستحي العاقل من المجاهرة بالكذب على أئمة الإسلام لكن عذر هذا وأمثاله أنهم يستجيزون نقل المذاهب عن الناس بلازم أقوالهم ويجعلون لازم المذهب في ظنهم مذهبا كما نقل بعض هؤلاء المباهتين أن مذهب أحمد بن حنبل وأصحابه أن الله لا يرى يوم القيامة قال: لأنه يقول أنه لا يرى إلا الأجسام وقد قام الدليل على أنه سبحانه وتعالى ليس بجسم فلا يكون مرئيا على قولهم ونقل هذا أيضا أن مذهبهم أن الله تعالى يجوز أن يتكلم بشيء ولا يعني به شيئا إلزاما لهم من قولهم إنه لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله بهذا القول الباطل الذي لم يقله أحد من أهل الأرض وكما نقل هذا أو غيره من أهل البهتان أن مذهبهم أن الله جسم إلزاما لهم بقولهم إن الله مستو على عرشه فوق سماواته بائن من خلقه موصوف بصفات الكمال. وبالجملة فمن يستجيز الكذب على الله ورسوله ويخبر عنه ما لم يخبر عن نفسه وينفي عنه ما أثبته لنفسه ويقول على الله ما لا يعلم كيف لا يستجيز الكذب(1\/615)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "598",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12996",
        "book_id": "qym_4112",
        "book_name": " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على مخلوق مثله قلبه ملآن من الهوى والغل عليه وعلى أشباهه وأتباعه فالله الموعد وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون [الشعراء: 227] . وأما الشهادة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمضمون هذه الأحاديث فمما لا يستريب فيه من له أدنى علم بالسنن والآثار وقول الصحابة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أخبرهم به المخبر عنه وقول التابعين كذلك وقول تابعي التابعين وقول جميع أئمة الإسلام في كتبهم والشهادة لا يشترط فيها قول (أشهد) . قال ابن عباس: شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس ومعلوم أنهم لم يتلفظوا بلفظ (أشهد)  وقال تعالى: قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم [الأنعام: 150] وشهادتهم إخبارهم أن الله تعالى حرمه والله تعالى أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا من يومنا هذا إلى يوم الدين. تم بحمد الله تعالى وحسن توفيقه وإعانته وتسديده هذا المختصر المفيد المشتمل على تقرير طريقة أهل السنة والجماعة والرد على مخالفيهم من أهل البدعة والشناعة فرحم الله مؤلفه وجزاه عن أهل السنة خيرا.(1\/616)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "599",
        "book_number": "31",
        "slug": " -qym_4112"
    },
    {
        "id": "12997",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[هداية القرآن] بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين وإله المرسلين وقيوم السماوات والأرضين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بالكتاب المبين الفارق بين الهدى والضلال والغي والرشاد والشك واليقين أنزله لنقرأه تدبرا ونتأمله تبصرا ونسعد به تذكرا ونحمله على أحسن وجوهه ومعانيه ونصدق به ونجتهد على إقامة أوامره ونواهيه ونجتني ثمار علومه النافعة الموصلة إلى الله سبحانه من أشجاره ورياحين الحكم من بين رياضه وأزهاره فهو كتابه الدال عليه لمن أراد معرفته وطريقه الموصلة لسالكها إليه ونوره المبين الذي أشرقت له الظلمات ورحمته المهداة التي بها صلاح جميع المخلوقات والسبب الواصل بينه وبين عباده إذا انقطعت الأسباب وبابه الأعظم الذي منه الدخول فلا يغلق إذا غلقت الأبواب وهو الصراط المستقيم الذي لا تميل به الآراء والذكر الحكيم الذي لا تزيغ به الأهواء والنزل الكريم الذي لا يشبع منه العلماء لا تفنى عجائبه ولا تقلع سحائبه ولا تنقضي آياته ولا تختلف دلالاته كلما ازدادت البصائر فيه تأملا وتفكيرا زادها هداية وتبصيرا وكلما بجست معينه فجر لها ينابيع الحكمة تفجيرا فهو نور البصائر من عماها وشفاء الصدور من أدوائها وجواها وحياة القلوب ولذة النفوس ورياض القلوب وحادي الأرواح إلى بلاد الأفراح والمنادي بالمساء والصباح: يا أهل الفلاح حي على الفلاح نادى منادي الإيمان على رأس الصراط المستقيم ياقومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم [الأحقاف: 31] .(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "12998",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أسمع والله لو صادف آذانا واعية وبصر لو صادف قلوبا من الفساد خالية لكن عصفت على القلوب هذه الأهواء فأطفأت مصابيحها وتمكنت منها آراء الرجال فأغلقت أبوابها وأضاعت مفاتيحها وران عليها كسبها فلم تجد حقائق القرآن إليها منفذا وتحكمت فيها أسقام الجهل فلم تنتفع معها بصالح العمل. وا عجبا لها! كيف جعلت غذاءها من هذه الآراء التي لا تسمن ولا تغني من جوع ولم تقبل الاغتذاء بكلام رب العالمين ونصوص حديث نبيه المرفوع أم كيف اهتدت في ظلم الآراء إلى التمييز بين الخطأ والصواب وخفي عليها ذلك في مطالع الأنوار من السنة والكتاب . واعجبا! كيف ميزت بين صحيح الآراء وسقيمها ومقبولها ومردودها وراجحها ومرجوحها وأقرت على أنفسها بالعجز عن تلقي الهدى والعلم من كلام من كلامه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو الكفيل بإيضاح الحق مع غاية البيان وكلام من أوتي جوامع الكلم واستولى كلامه على الأقصى من البيان . كلا بل هي والله فتنة أعمت القلوب عن مواقع رشدها وحيرت العقول عن طرائق قصدها يربى فيها الصغير ويهرم فيها الكبير. وظنت خفافيش البصائر أنها الغاية التي يتسابق إليها المتسابقون والنهاية التي تنافس فيها المنافسون وتزاحموا عليها وهيهات أين السهى من شمس الضحى وأين الثرى من كواكب الجوزاء وأين الكلام الذي لم تضمن لنا عصمة قائله بدليل معلوم من النقل المصدق عن القائل المعصوم وأين الأقوال التي أعلا درجاتها أن تكون سائغة الاتباع من النصوص الواجب على كل مسلم تقديمها وتحكيمها والتحاكم إليها في محل النزاع وأين الآراء التي نهى قائلها عن تقليده فيها وحذر من النصوص التي فرض على كل عبد أن يهتدي بها ويتبصر وأين المذاهب التي إذا مات أربابها فهي من جملة الأموات من النصوص التي لا تزول إذا زالت الأرض والسماوات سبحان الله! ماذا حرم المعرضون عن نصوص الوحي واقتباس العلم من مشكاته من كنوز الذخائر ! وماذا فاتهم من حياة القلوب واستنارة البصائر قنعوا بأقوال استنبطتها معاول الآراء فكرا وتقطعوا أمرهم بينهم لأجلها زبرا وأوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا فاتخذوا لأجل ذلك القرآن مهجورا. درست معالم القرآن في قلوبهم فليسوا يعرفونها ودثرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها ووقعت ألويته وأعلامه من أيديهم فليسوا يرفعونها وأفلت كواكبه النيرة من(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "12999",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "آفاق نفوسهم فلذلك لا يحبونها وكسفت شمسه عند اجتماع ظلم آرائهم وعقدها فليسوا يبصرونها. خلعوا نصوص الوحي عن سلطان الحقيقة وعزلوها عن ولاية اليقين وشنوا عليها غارات التأويلات الباطلة فلا يزال يخرج عليها من جيوشهم كمين بعد كمين نزلت عليهم نزول الضيف على أقوام لئام فعاملوها بغير ما يليق بها من الإجلال والإكرام وتلقوها من بعيد ولكن بالدفع في صدورها والأعجاز وقالوا: ما لك عندنا من عبور وإن كان ولا بد فعلى سبيل الاجتياز أنزلوا النصوص منزلة الخليفة في هذا الزمان له السكة والخطبة وما له حكم نافذ ولا سلطان المتمسك عندهم بالكتاب والسنة صاحب ظواهر مبخوس حظه من المعقول والمقلد للآراء المتناقضة المتعارضة والأفكار المتهافتة لديهم هو الفاضل المقبول وأهل الكتاب والسنة المقدمون لنصوصها على غيرها جهال لديهم منقوصون وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون [البقرة: 13] . حرموا والله الوصول بعدولهم عن منهج الوحي وتضييعهم الأصول وتمسكوا بأعجاز لا صدور لها فخانتهم أحرص ما كانوا عليها وتقطعت بهم أسبابها أحوج ما كانوا إليها حتى إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور وتميز لكل قوم حاصلهم الذي حصلوه وانكشفت لهم حقيقة ما اعتقدوه وقدموا على ما قدموه وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون [الزمر: 47] وسقط في أيديهم عند الحصاد لما عاينوا غلة ما بذروه. فيا شدة الحسرة عندما يعاين المبطل سعيه وكده هباء منثورا ويا عظم المصيبة عندما يتبين بوارق أمانيه خلبا وآماله كاذبة غرورا فما ظن من انطوت سريرته على البدعة والهوى والتعصب للآراء بربه يوم تبلى السرائر وعذر من نبذ الوحيين وراء ظهره في يوم لا تنفع الظالمين فيه المعاذر أفيظن المعرض عن كتاب ربه وسنة رسوله أن ينجو من ربه بآراء الرجال أو يتخلص من بأس الله بكثرة البحوث والجدال وضروب الأقيسة وتنوع الأشكال أو بالإشارات والشطحات وأنواع الخيال(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13000",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هيهات والله لقد ظن أكذب الظن ومنته نفسه أبين المحال وإنما ضمنت النجاة لمن حكم هدى الله على غيره وتزود التقوى وائتم بالدليل وسلك الصراط المستقيم واستمسك من الوحي بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها والله سميع عليم. وبعد فلما كان كمال الإنسان إنما هو بالعلم النافع والعمل الصالح وهما الهدى ودين الحق وبتكميله لغيره في هذين الأمرين كما قال تعالى والعصر - إن الإنسان لفي خسر - إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر [العصر: 1 - 3] أقسم سبحانه أن كل أحد خاسر إلا من كمل قوته العلمية بالإيمان وقوته العملية بالعمل الصالح وكمل غيره بالتوصية بالحق والصبر عليه فالحق هو الإيمان والعمل ولا يتمان إلا بالصبر عليهما والتواصي بهما كان حقيقا بالإنسان أن ينفق ساعات عمره بل أنفاسه فيما ينال به المطالب العالية ويخلص به من الخسران المبين وليس ذلك إلا بالإقبال على القرآن وتفهمه وتدبره واستخراج كنوزه وإثارة دفائنه وصرف العناية إليه والعكوف بالهمة عليه فإنه الكفيل بمصالح العباد في المعاش والمعاد والموصل لهم إلى سبيل الرشاد فالحقيقة والطريقة والأذواق والمواجيد الصحيحة كلها لا تقتبس إلا من مشكاته ولا تستثمر إلا من شجراته. ونحن بعون الله ننبه على هذا بالكلام على فاتحة الكتاب وأم القرآن وعلى بعض ما تضمنته هذه السورة من هذه المطالب وما تضمنته من الرد على جميع طوائف أهل البدع والضلال وما تضمنته من منازل السائرين ومقامات العارفين والفرق بين وسائلها وغاياتها ومواهبها وكسبياتها وبيان أنه لا يقوم غير هذه السورة مقامها ولا يسد مسدها ولذلك لم ينزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها. والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13001",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[اشتمال الفاتحة على أمهات المطالب] اعلم أن هذه السورة اشتملت على أمهات المطالب العالية أتم اشتمال وتضمنتها أكمل تضمن. فاشتملت على التعريف بالمعبود تبارك وتعالى بثلاثة أسماء مرجع الأسماء الحسنى والصفات العليا إليها ومدارها عليها وهي: الله والرب والرحمن وبنيت السورة على الإلهية والربوبية والرحمة ف إياك نعبد [الفاتحة: 5] مبني على الإلهية إياك نستعين [الفاتحة: 5] على الربوبية وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم بصفة الرحمة والحمد يتضمن الأمور الثلاثة فهو المحمود في إلهيته وربوبيته ورحمته والثناء والمجد كمالان لجده. وتضمنت إثبات المعاد وجزاء العباد بأعمالهم حسنها وسيئها وتفرد الرب تعالى بالحكم إذ ذاك بين الخلائق وكون حكمه بالعدل وكل هذا تحت قوله مالك يوم الدين [الفاتحة: 4] . وتضمنت إثبات النبوات من جهات عديدة: أحدها: كونه رب العالمين فلا يليق به أن يترك عباده سدى هملا لا يعرفهم ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم وما يضرهم فيهما فهذا هضم للربوبية ونسبة الرب تعالى إلى ما لا يليق به وما قدره حق قدره من نسبه إليه.(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13002",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني: أخذها من اسم الله وهو المألوه المعبود ولا سبيل للعباد إلى معرفة عبادته إلا من طريق رسله. الموضع الثالث: من اسمه الرحمن فإن رحمته تمنع إهمال عباده وعدم تعريفهم ما ينالون به غاية كمالهم فمن أعطى اسم الرحمن حقه عرف أنه متضمن لإرسال الرسل وإنزال الكتب أعظم من تضمنه إنزال الغيث وإنبات الكلأ وإخراج الحب فاقتضاء الرحمة لما تحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح لكن المحجوبون إنما أدركوا من هذا الاسم حظ البهائم والدواب وأدرك منه أولو الألباب أمرا وراء ذلك. الموضع الرابع: من ذكر يوم الدين فإنه اليوم الذي يدين الله العباد فيه بأعمالهم فيثيبهم على الخيرات ويعاقبهم على المعاصي والسيئات وما كان الله ليعذب أحدا قبل إقامة الحجة عليه والحجة إنما قامت برسله وكتبه وبهم استحق الثواب والعقاب وبهم قام سوق يوم الدين وسيق الأبرار إلى النعيم والفجار إلى الجحيم. الموضع الخامس: من قوله إياك نعبد [الفاتحة: 5] فإن ما يعبد به الرب تعالى لا يكون إلا على ما يحبه ويرضاه وعبادته وهي شكره وحبه وخشيته فطري ومعقول للعقول السليمة لكن طريق التعبد وما يعبد به لا سبيل إلى معرفته إلا برسله وبيانهم وفي هذا بيان أن إرسال الرسل أمر مستقر في العقول يستحيل تعطيل العالم عنه كما يستحيل تعطيله عن الصانع فمن أنكر الرسول فقد أنكر المرسل ولم يؤمن به ولهذا جعل الله سبحانه الكفر برسله كفرا به. الموضع السادس: من قوله اهدنا الصراط المستقيم [الفاتحة: 6] فالهداية: هي البيان والدلالة ثم التوفيق والإلهام وهو بعد البيان والدلالة ولا سبيل إلى البيان والدلالة إلا من جهة الرسل فإذا حصل البيان والدلالة والتعريف ترتب عليه هداية التوفيق وجعل الإيمان في القلب وتحبيبه إليه وتزيينه في القلب وجعله مؤثرا له راضيا به راغبا فيه. وهما هدايتان مستقلتان لا يحصل الفلاح إلا بهما وهما متضمنتان تعريف ما لم نعلمه من الحق تفصيلا وإجمالا وإلهامنا له وجعلنا مريدين لاتباعه ظاهرا وباطنا ثم خلق القدرة لنا على القيام بموجب الهدى بالقول والعمل والعزم ثم إدامة ذلك لنا وتثبيتنا عليه إلى الوفاة. ومن هنا يعلم اضطرار العبد إلى سؤال هذه الدعوة فوق كل ضرورة وبطلان قول من يقول: إذا كنا مهتدين فكيف نسأل الهداية فإن المجهول لنا من الحق أضعاف(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13003",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعلوم وما لا نريد فعله تهاونا وكسلا مثل ما نريده أو أكثر منه أو دونه وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله فأمر يفوت الحصر ونحن محتاجون إلى الهداية التامة فمن كملت له هذه الأمور كان سؤال الهداية له سؤال التثبيت والوئام. وللهداية مرتبة أخرى وهي آخر مراتبها وهي الهداية يوم القيامة إلى طريق الجنة وهو الصراط الموصل إليها فمن هدي في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه هدي هناك إلى الصراط المستقيم الموصل إلى جنته ودار ثوابه وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم وعلى قدر سيره على هذه الصراط يكون سيره على ذاك الصراط فمنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالطرف ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كشد الركاب ومنهم من يسعى سعيا ومنهم من يمشي مشيا ومنهم من يحبو حبوا ومنهم المخدوش المسلم ومنهم المكردس في النار فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من سيره على هذا حذو القذة بالقذة جزاء وفاقا هل تجزون إلا ما كنتم تعملون [النمل: 90] . ولينظر الشبهات والشهوات التي تعوقه عن سيره على هذا الصراط المستقيم فإنها الكلاليب التي بجنبتي ذاك الصراط تخطفه وتعوقه عن المرور عليه فإن كثرت هنا وقويت فكذلك هي هناك وما ربك بظلام للعبيد [فصلت: 46] . فسؤال الهداية متضمن لحصول كل خير والسلامة من كل شر. الموضع السابع: من معرفة نفس المسئول وهو الصراط المستقيم ولا تكون الطريق صراطا حتى تتضمن خمسة أمور: الاستقامة والإيصال إلى المقصود والقرب وسعته للمارين عليه وتعينه طريقا للمقصود ولا يخفى تضمن الصراط المستقيم لهذه الأمور الخمسة.(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13004",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فوصفه بالاستقامة يتضمن قربه لأن الخط المستقيم هو أقرب خط فاصل بين نقطتين وكلما تعوج طال وبعد واستقامته تتضمن إيصاله إلى المقصود ونصبه لجميع من يمر عليه يستلزم سعته وإضافته إلى المنعم عليهم ووصفه بمخالفة صراط أهل الغضب والضلال يستلزم تعينه طريقا. والصراط تارة يضاف إلى الله إذ هو الذي شرعه ونصبه كقوله تعالى وأن هذا صراطي مستقيما [الأنعام: 153] وقوله وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله [الشورى: 52] وتارة يضاف إلى العباد كما في الفاتحة لكونهم أهل سلوكه وهو المنسوب لهم وهم المارون عليه. الموضع الثامن: من ذكر المنعم عليهم وتمييزهم عن طائفتي الغضب والضلال. فانقسم الناس بحسب معرفة الحق والعمل به إلى هذه الأقسام الثلاثة لأن العبد إما أن يكون عالما بالحق وإما جاهلا به والعالم بالحق إما أن يكون عاملا بموجبه أو مخالفا له فهذه أقسام المكلفين لا يخرجون عنها البتة فالعالم بالحق العامل به هو المنعم عليه وهو الذي زكى نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح وهو المفلح قد أفلح من زكاها [الشمس: 9] والعالم به المتبع هواه هو المغضوب عليه والجاهل بالحق هو الضال والمغضوب عليه ضال عن هداية العمل والضال مغضوب عليه لضلاله عن العلم الموجب للعمل فكل منهما ضال مغضوب عليه ولكن تارك العمل بالحق بعد معرفته به أولى بوصف الغضب وأحق به ومن هنا كان اليهود أحق به وهو متغلظ في حقهم كقوله تعالى في حقهم بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب [البقرة: 90] وقال تعالى قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل [المائدة: 60] والجاهل بالحق أحق باسم الضلال ومن هنا وصفت النصارى به في قوله تعالى قل ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل [المائدة: 77](1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13005",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالأولى في سياق الخطاب مع اليهود والثانية في سياقه مع النصارى وفي الترمذي وصحيح ابن حبان من حديث عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون . ففي ذكر المنعم عليهم وهم من عرف الحق واتبعه والمغضوب عليهم وهم من عرفه واتبع هواه والضالين وهم من جهله ما يستلزم ثبوت الرسالة والنبوة لأن انقسام الناس إلى ذلك هو الواقع المشهود وهذه القسمة إنما أوجبها ثبوت الرسالة. وأضاف النعمة إليه وحذف فاعل الغضب لوجوه: منها: أن النعمة هي الخير والفضل والغضب من باب الانتقام والعدل والرحمة تغلب الغضب فأضاف إلى نفسه أكمل الأمرين وأسبقهما وأقواهما وهذه طريقة القرآن في إسناد الخيرات والنعم إليه وحذف الفاعل في مقابلتهما كقول مؤمني الجن وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا [الجن: 10] ومنه قول الخضر في شأن الجدار واليتيمين فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما [الكهف: 82] وقال في خرق السفينة فأردت أن أعيبها [الكهف: 79] ثم قال بعد ذلك وما فعلته عن أمري [الكهف: 82] وتأمل قوله تعالى أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم [البقرة: 187] وقوله حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير [المائدة: 3] وقوله حرمت عليكم أمهاتكم [النساء: 23] ثم قال وأحل لكم ما وراء ذلكم [النساء: 24] .(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13006",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي تخصيصه لأهل الصراط المستقيم بالنعمة ما دل على أن النعمة المطلقة هي الموجبة للفلاح الدائم وأما مطلق النعمة فعلى المؤمن والكافر فكل الخلق في نعمة وهذا فصل النزاع في مسألة: هل لله على الكافر من نعمة أم لا . فالنعمة المطلقة لأهل الإيمان ومطلق النعمة تكون للمؤمن والكافر كما قال تعالى وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار [إبراهيم: 34] . والنعمة من جنس الإحسان بل هي الإحسان والرب تعالى إحسانه على البر والفاجر والمؤمن والكافر. وأما الإحسان المطلق فللذين اتقوا والذين هم محسنون. الوجه الثاني: أن الله سبحانه هو المنفرد بالنعم وما بكم من نعمة فمن الله [النحل: 53] فأضيف إليه ما هو منفرد به وإن أضيف إلى غيره فلكونه طريقا ومجرى للنعمة وأما الغضب على أعدائه فلا يختص به تعالى بل ملائكته وأنبياؤه ورسله وأولياؤه يغضبون لغضبه فكان في لفظة quot; المغضوب عليهم [الفاتحة: 7] quot; بموافقة أوليائه له من الدلالة على تفرده بالإنعام وأن النعمة المطلقة منه وحده هو المنفرد بها ما ليس في لفظة quot; المنعم عليهم quot;. الوجه الثالث: أن في حذف فاعل الغضب من الإشعار بإهانة المغضوب عليه وتحقيره وتصغير شأنه ما ليس في ذكر فاعل النعمة من إكرام المنعم عليه والإشادة بذكره ورفع قدره ما ليس في حذفه فإذا رأيت من قد أكرمه ملك وشرفه ورفع قدره فقلت: هذا الذي أكرمه السلطان وخلع عليه وأعطاه ما تمناه كان أبلغ في الثناء والتعظيم من قولك: هذا الذي أكرم وخلع عليه وشرف وأعطي. وتأمل سرا بديعا في ذكر السبب والجزاء للطوائف الثلاثة بأوجز لفظ وأخصره فإن الإنعام عليهم يتضمن إنعامه بالهداية التي هي العلم النافع والعمل الصالح وهي الهدى ودين الحق ويتضمن كمال الإنعام بحسن الثواب والجزاء فهذا تمام النعمة ولفظ quot; أنعمت عليهم [الفاتحة: 7] quot; يتضمن الأمرين. وذكر غضبه على المغضوب عليهم يتضمن أيضا أمرين: الجزاء بالغضب الذي موجبه غاية العذاب والهوان والسبب الذي استحقوا به غضبه سبحانه فإنه أرحم وأرأف(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13007",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من أن يغضب بلا جناية منهم ولا ضلال فكأن الغضب عليهم مستلزم لضلالهم وذكر الضالين مستلزم لغضبه عليهم وعقابه لهم فإن من ضل استحق العقوبة التي هي موجب ضلاله وغضب الله عليه. فاستلزم وصف كل واحد من الطوائف الثلاث للسبب والجزاء أبين استلزام واقتضاه أكمل اقتضاء في غاية الإيجاز والبيان والفصاحة مع ذكر الفاعل في أهل السعادة وحذفه في أهل الغضب وإسناد الفعل إلى السبب في أهل الضلال. وتأمل المقابلة بين الهداية والنعمة والغضب والضلال فذكر المغضوب عليهم والضالين في مقابلة المهتدين المنعم عليهم وهذا كثير في القرآن يقرن بين الضلال والشقاء وبين الهدى والفلاح فالثاني كقوله أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون [البقرة: 5] وقوله أولئك لهم الأمن وهم مهتدون [الأنعام: 82] والأول كقوله تعالى إن المجرمين في ضلال وسعر [القمر: 47] وقوله ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم [البقرة: 7] وقد جمع سبحانه بين الأمور الأربعة في قوله فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى [طه: 123] فهذا الهدى والسعادة ثم قال ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى [طه: 124] فذكر الضلال والشقاء. فالهدى والسعادة متلازمان والضلال والشقاء متلازمان.  [فصل الصراط المستقيم] فصل وذكر الصراط المستقيم مفردا معرفا تعريفين: تعريفا باللام وتعريفا بالإضافة وذلك يفيد تعينه واختصاصه وأنه صراط واحد وأما طرق أهل الغضب والضلال فإنه سبحانه يجمعها ويفردها كقوله وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله [الأنعام: 153] فوحد لفظ الصراط وسبيله وجمع السبل المخالفة له(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13008",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ابن مسعود خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا وقال: هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه وعن يساره وقال: هذه سبل على كل سبيل شيطان يدعو إليه ثم قرأ قوله تعالى وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون [الأنعام: 153]  وهذا لأن الطريق الموصل إلى الله واحد وهو ما بعث به رسله وأنزل به كتبه لا يصل إليه أحد إلا من هذه الطريق ولو أتى الناس من كل طريق واستفتحوا من كل باب فالطرق عليهم مسدودة والأبواب عليهم مغلقة إلا من هذا الطريق الواحد فإنه متصل بالله موصل إلى الله قال الله تعالى هذا صراط علي مستقيم [الحجر: 41] قال الحسن: معناه صراط إلي مستقيم وهذا يحتمل أمرين: أن يكون أراد به أنه من باب إقامة الأدوات بعضها مقام بعض فقامت أداة quot; على quot; مقام quot; إلى quot; والثاني: أنه أراد التفسير على المعنى وهو الأشبه بطريق السلف أي صراط موصل إلي وقال مجاهد: الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه لا يعرج على شيء وهذا مثل قول(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13009",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحسن وأبين منه وهو من أصح ما قيل في الآية وقيل: علي فيه للوجوب أي علي بيانه وتعريفه والدلالة عليه والقولان نظير القولين في آية النحل وهي وعلى الله قصد السبيل [النحل: 9] والصحيح فيها كالصحيح في آية الحجر: أن السبيل القاصد وهو المستقيم المعتدل يرجع إلى الله ويوصل إليه قال طفيل الغنوي: مضوا سلفا قصد السبيل عليهم ... وصرف المنايا بالرجال تشقلب أي ممرنا عليهم وإليهم وصولنا وقال الآخر: فهن المنايا أي واد سلكته ... عليها طريقي أو علي طريقها فإن قيل: لو أريد هذا المعنى لكان الأليق به أداة إلى التي هي للانتهاء لا أداة على التي هي للوجوب ألا ترى أنه لما أراد الوصول قال إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم [الغاشية: 25] وقال إلينا مرجعهم [يونس: 70] وقال ثم إلى ربهم مرجعهم [الأنعام: 108] وقال لما أراد الوجوب ثم إن علينا حسابهم [الغاشية: 26] وقال إن علينا جمعه وقرآنه [القيامة: 17] وقال وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها [هود: 6] ونظائر ذلك. قيل: في أداة على سر لطيف وهو الإشعار بكون السالك على هذا الصراط على هدى وهو حق كما قال في حق المؤمنين أولئك على هدى من ربهم [البقرة: 5] وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم فتوكل على الله إنك على الحق المبين [النمل: 79] والله عز وجل هو الحق وصراطه حق ودينه حق فمن استقام على صراطه فهو على الحق والهدى فكان في أداة quot; على quot; على هذا المعنى ما ليس في أداة إلى فتأمله فإنه سر بديع. فإن قلت: فما الفائدة في ذكر على في ذلك أيضا وكيف يكون المؤمن مستعليا على الحق وعلى الهدى .(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13010",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت: لما فيه من استعلائه وعلوه بالحق والهدى مع ثباته عليه واستقامته إليه فكان في الإتيان بأداة quot; على quot; ما يدل على علوه وثبوته واستقامته وهذا بخلاف الضلال والريب فإنه يؤتى فيه بأداة quot; في quot; الدالة على انغماس صاحبه وانقماعه وتدسسه فيه كقوله تعالى فهم في ريبهم يترددون [التوبة: 45] وقوله والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات [الأنعام: 39] وقوله فذرهم في غمرتهم حتى حين [المؤمنون: 54] وقوله وإنهم لفي شك منه مريب [هود: 110] . وتأمل قوله تعالى وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين [سبأ: 24] فإن طريق الحق تأخذ علوا صاعدة بصاحبها إلى العلي الكبير وطريق الضلال تأخذ سفلا هاوية بسالكها في أسفل سافلين. وفي قوله تعالى قال هذا صراط علي مستقيم [الحجر: 41] قول ثالث وهو قول الكسائي إنه على التهديد والوعيد نظير قوله إن ربك لبالمرصاد [الفجر: 14] كما قال: تقول طريقك علي وممرك علي لمن تريد إعلامه بأنه غير فائت لك ولا معجز والسياق يأبى هذا ولا يناسبه لمن تأمله فإنه قاله مجيبا لإبليس الذي قال لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين [ص: 82] فإنه لا سبيل لي إلى إغوائهم ولا طريق لي عليهم. فقرر الله عز وجل ذلك أتم التقرير وأخبر أن الإخلاص صراط عليه مستقيم(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13011",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلا سلطان لك على عبادي الذين هم على هذا الصراط لأنه صراط علي ولا سبيل لإبليس إلى هذا الصراط ولا الحوم حول ساحته فإنه محروس محفوظ بالله فلا يصل عدو الله إلى أهله. فليتأمل العارف هذا الموضع حق التأمل ولينظر إلى هذا المعنى ويوازن بينه وبين القولين الآخرين أيهما أليق بالآيتين وأقرب إلى مقصود القرآن وأقوال السلف . وأما تشبيه الكسائي له بقوله إن ربك لبالمرصاد [الفجر: 14] فلا يخفى الفرق بينهما سياقا ودلالة فتأمله ولا يقال في التهديد: هذا طريق مستقيم علي لمن لا يسلكه وليست سبيل المهدد مستقيمة فهو غير مهدد بصراط الله المستقيم وسبيله التي هو عليها ليست مستقيمة على الله فلا يستقيم هذا القول البتة. وأما من فسره بالوجوب أي علي بيان استقامته والدلالة عليه فالمعنى صحيح لكن في كونه هو المراد بالآية نظر لأنه حذف في غير موضع الدلالة ولم يؤلف الحذف المذكور ليكون مدلولا عليه إذا حذف بخلاف عامل الظرف إذا وقع صفة فإنه حذف مألوف معروف حتى إنه لا يذكر البتة فإذا قلت: له درهم علي كان الحذف معروفا مألوفا فلو أردت: علي نقده أو علي وزنه وحفظه ونحو ذلك وحذفت لم يسغ وهو نظير: علي بيانه المقدر في الآية مع أن الذي قاله السلف أليق بالسياق وأجل المعنيين وأكبرهما. وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين أحمد ابن تيمية رضي الله عنه يقول: وهما نظير(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13012",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله تعالى إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى [الليل: 12] قال: فهذه ثلاثة مواضع في القرآن في هذا المعنى. قلت: وأكثر المفسرين لم يذكر في سورة quot; والليل إذا يغشى [الليل: 1] quot; إلا معنى الوجوب أي علينا بيان الهدى من الضلال ومنهم من لم يذكر في سورة النحل إلا هذا المعنى كالبغوي وذكر في الحجر الأقوال الثلاثة وذكر الواحدي في بسيطه المعنيين في سورة النحل واختار شيخنا قول مجاهد والحسن في السور الثلاث.  [فصل الصراط المستقيم هو صراط الله] فصل والصراط المستقيم: هو صراط الله وهو يخبر أن الصراط عليه سبحانه كما ذكرنا ويخبر أنه سبحانه على الصراط المستقيم وهذا في موضعين من القرآن: في هود والنحل قال في هود ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم [هود: 56] وقال في النحل وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم [النحل: 76](1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13013",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا مثل ضربه الله للأصنام التي لا تسمع ولا تنطق ولا تعقل وهي كل على عابدها يحتاج الصنم إلى أن يحمله عابده ويضعه ويقيمه ويخدمه فكيف يسوونه في العادة بالله الذي يأمر بالعدل والتوحيد وهو قادر متكلم غني وهو على صراط مستقيم في قوله وفعله فقوله صدق ورشد ونصح وهدى وفعله حكمة وعدل ورحمة ومصلحة هذا أصح الأقوال في الآية وهو الذي لم يذكر كثير من المفسرين غيره ومن ذكر غيره قدمه على الأقوال ثم حكاها بعده كما فعل البغوي فإنه جزم به وجعله تفسير الآية ثم قال: وقال الكلبي: يدلكم على صراط مستقيم. قلت: ودلالته لنا على الصراط هي من موجب كونه سبحانه على الصراط المستقيم فإن دلالته بفعله وقوله وهو على الصراط المستقيم في أفعاله وأقواله فلا يناقض قول من قال: إنه سبحانه على الصراط المستقيم. قال: وقيل: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم. قلت: وهذا حق لا يناقض القول الأول فالله على الصراط المستقيم ورسوله عليه فإنه لا يأمر ولا يفعل إلا مقتضاه وموجبه وعلى هذا يكون المثل مضروبا لإمام الكفار وهاديهم وهو الصنم الذي هو أبكم لا يقدر على هدى ولا خير ولإمام الأبرار وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم. وعلى القول الأول: يكون مضروبا لمعبود الكفار ومعبود الأبرار والقولان متلازمان فبعضهم ذكر هذا وبعضهم ذكر هذا وكلاهما مراد من الآية قال وقيل: كلاهما للمؤمن والكافر يرويه عطية عن ابن عباس وقال عطاء: الأبكم(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13014",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبي بن خلف ومن يأمر بالعدل: حمزة وعثمان بن عفان وعثمان بن مظعون. قلت: والآية تحتمله ولا يناقض القولين قبله فإن الله على صراط مستقيم ورسوله وأتباع رسوله وضد ذلك: معبود الكفار وهاديهم والكافر التابع والمتبوع والمعبود فيكون بعض السلف ذكر أعلى الأنواع وبعضهم ذكر الهادي وبعضهم ذكر المستجيب القابل وتكون الآية متناولة لذلك كله ولذلك نظائر كثيرة في القرآن. وأما آية هود: فصريحة لا تحتمل إلا معنى واحدا وهو أن الله سبحانه على صراط مستقيم وهو سبحانه أحق من كان على صراط مستقيم فإن أقواله كلها صدق ورشد وهدى وعدل وحكمة وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا [الأنعام: 115] وأفعاله كلها مصالح وحكم ورحمة وعدل وخير فالشر لا يدخل في أفعال من هو على الصراط المستقيم أو أقواله وإنما يدخل في أفعال من خرج عنه وفي أقواله. وفي دعائه عليه الصلاة والسلام لبيك وسعديك والخير كله بيديك والشر ليس إليك ولا يلتفت إلى تفسير من فسره بقوله: والشر لا يتقرب به إليك أو لا يصعد إليك فإن المعنى أجل من ذلك وأكبر وأعظم قدرا فإن من أسماؤه كلها حسنى وأوصافه كلها كمال وأفعاله كلها كمال وأقواله كلها صدق وعدل يستحيل دخول الشر في أسمائه أو أوصافه أو أفعاله أو أقواله فطابق بين هذا المعنى وبين قوله إن ربي على صراط مستقيم [هود: 56] وتأمل كيف ذكر هذا عقيب قوله إني توكلت على الله ربي وربكم [هود: 56] أي هو ربي فلا يسلمني ولا يضيعني وهو ربكم فلا يسلطكم علي ولا يمكنكم مني فإن نواصيكم بيده لا تفعلون شيئا بدون مشيئته فإن ناصية كل دابة بيده لا يمكنها أن تتحرك إلا بإذنه فهو المتصرف فيها ومع هذا فهو في تصرفه فيها وتحريكه لها ونفوذ قضائه وقدره فيها على صراط مستقيم لا يفعل ما يفعل من ذلك إلا بحكمة(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13015",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعدل ومصلحة ولو سلطكم علي فله من الحكمة في ذلك ما له الحمد عليه لأنه تسليط من هو على صراط مستقيم لا يظلم ولا يفعل شيئا عبثا بغير حكمة. فهكذا تكون المعرفة بالله لا معرفة القدرية المجوسية والقدرية الجبرية نفاة الحكم والمصالح والتعليل والله الموفق سبحانه.  [فصل رفيق طالب الصراط المستقيم هم الذين أنعم الله عليهم] فصل ولما كان طالب الصراط المستقيم طالب أمر أكثر الناس ناكبون عنه مريدا لسلوك طريق مرافقه فيها في غاية القلة والعزة والنفوس مجبولة على وحشة التفرد وعلى الأنس بالرفيق نبه الله سبحانه على الرفيق في هذه الطريق وأنهم هم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا [النساء: 69] فأضاف الصراط إلى الرفيق السالكين له وهم الذين أنعم الله عليهم ليزول عن الطالب للهداية وسلوك الصراط وحشة تفرده عن أهل زمانه وبني جنسه وليعلم أن رفيقه في هذا الصراط هم الذين أنعم الله عليهم فلا يكترث بمخالفة الناكبين عنه له فإنهم هم الأقلون قدرا(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13016",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن كانوا الأكثرين عددا كما قال بعض السلف: quot; عليك بطريق الحق ولا تستوحش لقلة السالكين وإياك وطريق الباطل ولا تغتر بكثرة الهالكين quot; وكلما استوحشت في تفردك فانظر إلى الرفيق السابق واحرص على اللحاق بهم وغض الطرف عمن سواهم فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإذا صاحوا بك في طريق سيرك فلا تلتفت إليهم فإنك متى التفت إليهم أخذوك وعاقوك. وقد ضربت لذلك مثلين فليكونا منك على بال: المثل الأول: رجل خرج من بيته إلى الصلاة لا يريد غيرها فعرض له في طريقه شيطان من شياطين الإنس فألقى عليه كلاما يؤذيه فوقف ورد عليه وتماسكا فربما كان شيطان الإنس أقوى منه فقهره ومنعه عن الوصول إلى المسجد حتى فاتته الصلاة وربما كان الرجل أقوى من شيطان الإنس ولكن اشتغل بمهاوشته عن الصف الأول وكمال إدراك الجماعة فإن التفت إليه أطمعه في نفسه وربما فترت عزيمته فإن كان له معرفة وعلم زاد في السعي والجمز بقدر التفاته أو أكثر فإن أعرض عنه واشتغل لما هو بصدده وخاف فوت الصلاة أو الوقت لم يبلغ عدوه منه ما شاء. المثل الثاني: الظبي أشد سعيا من الكلب ولكنه إذا أحس به التفت إليه فيضعف سعيه فيدركه الكلب فيأخذه. والقصد: أن في ذكر هذا الرفيق ما يزيل وحشة التفرد ويحث على السير والتشمير للحاق بهم. وهذه إحدى الفوائد في دعاء القنوت quot; اللهم اهدني فيمن هديت quot; أي أدخلني في هذه الزمرة واجعلني رفيقا لهم ومعهم. والفائدة الثانية: أنه توسل إلى الله بنعمه وإحسانه إلى من أنعم عليه بالهداية أي قد أنعمت بالهداية على من هديت وكان ذلك نعمة منك فاجعل لي نصيبا من هذه النعمة واجعلني واحدا من هؤلاء المنعم عليهم فهو توسل إلى الله بإحسانه.(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13017",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والفائدة الثالثة: كما يقول السائل للكريم: تصدق علي في جملة من تصدقت عليهم وعلمني في جملة من علمته وأحسن إلي في جملة من شملته بإحسانك.  [فصل علم الله عباده كيفية سؤاله الهداية إلى الصراط المستقيم] فصل ولما كان سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم أجل المطالب ونيله أشرف المواهب: علم الله عباده كيفية سؤاله وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده والثناء عليه وتمجيده ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم توسل إليه بأسمائه وصفاته وتوسل إليه بعبوديته وهاتان الوسيلتان لا يكاد يرد معهما الدعاء ويؤيدهما الوسيلتان المذكورتان في حديثي الاسم الأعظم اللذين رواهما ابن حبان في صحيحه والإمام أحمد والترمذي. أحدهما: حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو ويقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال: والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى قال الترمذي: حديث صحيح. فهذا توسل إلى الله بتوحيده وشهادة الداعي له بالوحدانية وثبوت صفاته المدلول عليها باسم الصمد وهو كما قال ابن عباس: quot; العالم الذي كمل علمه القادر الذي كملت قدرته quot; وفي رواية عنه: quot; هو السيد الذي قد كمل فيه جميع أنواع السؤدد quot; وقال أبو وائل: quot; هو السيد الذي انتهى سؤدده quot; وقال سعيد بن جبير: هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله وأقواله وبنفي التشبيه والتمثيل عنه بقوله quot; ولم يكن له كفوا أحد [الإخلاص: 4] quot; وهذه ترجمة عقيدة أهل السنة والتوسل بالإيمان بذلك والشهادة به هو الاسم الأعظم. والثاني: حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يدعو: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال: لقد سأل الله باسمه الأعظم فهذا توسل إليه بأسمائه وصفاته.(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13018",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد جمعت الفاتحة الوسيلتين وهما التوسل بالحمد والثناء عليه وتمجيده والتوسل إليه بعبوديته وتوحيده ثم جاء سؤال أهم المطالب وأنجح الرغائب وهو الهداية بعد الوسيلتين فالداعي به حقيق بالإجابة. ونظير هذا دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يدعو به إذا قام يصلي من الليل رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق والساعة حق ومحمد حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت ولك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت إلهي لا إله إلا أنت فذكر التوسل إليه بحمده والثناء عليه وبعبوديته له ثم سأله المغفرة.  [فصل اشتمال الفاتحة على أنواع التوحيد] فصل اشتمال الفاتحة على أنواع التوحيد في اشتمال هذه السورة على أنواع التوحيد الثلاثة التي اتفقت عليها الرسل صلوات الله وسلامه عليهم. التوحيد نوعان: نوع في العلم والاعتقاد ونوع في الإرادة والقصد ويسمى الأول: التوحيد العلمي والثاني: التوحيد القصدي الإرادي لتعلق الأول بالأخبار والمعرفة والثاني بالقصد والإرادة وهذا الثاني أيضا نوعان: توحيد في الربوبية وتوحيد في الإلهية فهذه ثلاثة أنواع. فأما توحيد العلم: فمداره على إثبات صفات الكمال وعلى نفي التشبيه والمثال(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13019",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتنزيه عن العيوب والنقائص وقد دل على هذا شيئان: مجمل ومفصل. أما المجمل: فإثبات الحمد له سبحانه وأما المفصل: فذكر صفة الإلهية والربوبية والرحمة والملك وعلى هذه الأربع مدار الأسماء والصفات. فأما تضمن الحمد لذلك: فإن الحمد يتضمن مدح المحمود بصفات كماله ونعوت جلاله مع محبته والرضا عنه والخضوع له فلا يكون حامدا من جحد صفات المحمود ولا من أعرض عن محبته والخضوع له وكلما كانت صفات كمال المحمود أكثر كان حمده أكمل وكلما نقص من صفات كماله نقص من حمده بحسبها ولهذا كان الحمد كله لله حمدا لا يحصيه سواه لكمال صفاته وكثرتها ولأجل هذا لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه لما له من صفات الكمال ونعوت الجلال التي لا يحصيها سواه ولهذا ذم الله تعالى آلهة الكفار وعابها بسلب أوصاف الكمال عنها فعابها بأنها لا تسمع ولا تبصر ولا تتكلم ولا تهدي ولا تنفع ولا تضر وهذه صفة إله الجهمية التي عاب بها الأصنام نسبوها إليه تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا فقال تعالى حكاية عن خليله إبراهيم عليه السلام في محاجته لأبيه ياأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا [مريم: 42] فلو كان إله إبراهيم بهذه الصفة والمثابة لقال له آزر: وأنت إلهك بهذه المثابة فكيف تنكر علي لكن كان مع شركه أعرف بالله من الجهمية وكذلك كفار قريش كانوا مع شركهم مقرين بصفات الصانع سبحانه وعلوه على خلقه وقال تعالى واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين [الأعراف: 148] فلو كان إله الخلق سبحانه كذلك لم يكن في هذا إنكار عليهم واستدلال على بطلان الإلهية بذلك. فإن قيل: فالله تعالى لا يكلم عباده.(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13020",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل: بلى قد كلمهم فمنهم من كلمه الله من وراء حجاب منه إليه بلا واسطة كموسى ومنهم من كلمه الله على لسان رسوله الملكي وهم الأنبياء وكلم الله سائر الناس على ألسنة رسله فأنزل عليهم كلامه الذي بلغته رسله عنه وقالوا لهم: هذا كلام الله الذي تكلم به وأمرنا بتبليغه إليكم ومن هاهنا قال السلف: من أنكر كون الله متكلما فقد أنكر رسالة الرسل كلهم لأن حقيقتها تبليغ كلامه الذي تكلم به إلى عباده فإذا انتفى كلامه انتفت الرسالة وقال تعالى في سورة طه عن السامري فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا [طه: 88] ورجع القول: هو التكلم والتكليم وقال تعالى وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم [النحل: 76] فجعل نفي صفة الكلام موجبا لبطلان الإلهية وهذا أمر معلوم بالفطر والعقول السليمة والكتب السماوية: أن فاقد صفات الكمال لا يكون إلها ولا مدبرا ولا ربا بل هو مذموم معيب ناقص ليس له الحمد لا في الأولى ولا في الآخرة وإنما الحمد في الأولى والآخرة لمن له صفات الكمال ونعوت الجلال التي لأجلها استحق الحمد ولهذا سمى السلف كتبهم التي صنفوها في السنة وإثبات صفات الرب وعلوه على خلقه وكلامه وتكليمه توحيدا لأن نفي ذلك وإنكاره والكفر به إنكار للصانع وجحد له وإنما توحيده: إثبات صفات كماله وتنزيهه عن التشبيه والنقائص فجعل المعطلة جحد الصفات وتعطيل الصانع عنها توحيدا وجعلوا إثباتها لله تشبيها وتجسيما وتركيبا فسموا الباطل باسم الحق ترغيبا فيه وزخرفا ينفقونه به وسموا الحق باسم الباطل تنفيرا عنه والناس أكثرهم مع ظاهر السكة ليس لهم نقد النقاد من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا [الكهف: 17] والمحمود لا يحمد على العدم والسكوت البتة إلا إذا كانت سلب عيوب ونقائص تتضمن إثبات أضدادها من الكمالات الثبوتية وإلا فالسلب المحض لا حمد فيه ولا(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13021",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مدح ولا كمال. وكذلك حمده لنفسه على عدم اتخاذ الولد المتضمن لكمال صمديته وغناه وملكه وتعبيد كل شيء له فاتخاذ الولد ينافي ذلك كما قال تعالى قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض [يونس: 68] . وحمد نفسه على عدم الشريك المتضمن تفرده بالربوبية والإلهية وتوحده بصفات الكمال التي لا يوصف بها غيره فيكون شريكا له فلو عدمها لكان كل موجود أكمل منه لأن الموجود أكمل من المعدوم ولهذا لا يحمد نفسه سبحانه بعدم إلا إذا كان متضمنا لثبوت كمال كما حمد نفسه بكونه لا يموت لتضمنه كمال حياته وحمد نفسه بكونه لا تأخذه سنة ولا نوم لتضمن ذلك كمال قيوميته وحمد نفسه بأنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر لكمال علمه وإحاطته وحمد نفسه بأنه لا يظلم أحدا لكمال عدله وإحسانه وحمد نفسه بأنه لا تدركه الأبصار لكمال عظمته يرى ولا يدرك كما أنه يعلم ولا يحاط به علما فمجرد نفي الرؤية ليس بكمال لأن العدم لا يرى فليس في كون الشيء لا يرى كمال البتة وإنما الكمال في كونه لا يحاط به رؤية ولا إدراكا لعظمته في نفسه وتعاليه عن إدراك المخلوق له وكذلك حمد نفسه بعدم الغفلة والنسيان لكمال علمه. فكل سلب في القرآن حمد الله به نفسه فلمضادته لثبوت ضده ولتضمنه كمال ثبوت ضده. فعلمت أن حقيقة الحمد تابعة لثبوت أوصاف الكمال وأن نفيها نفي لحمده ونفي الحمد مستلزم لثبوت ضده.  [فصل دلالة على توحيد الأسماء والصفات] فصل فهذه دلالة على توحيد الأسماء والصفات. وأما دلالة الأسماء الخمسة عليها وهي quot; الله والرب والرحمن والرحيم والملك quot; فمبني على أصلين: أحدهما: أن أسماء الرب تبارك وتعالى دالة على صفات كماله فهي مشتقة من(1\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13022",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصفات فهي أسماء وهي أوصاف وبذلك كانت حسنى إذ لو كانت ألفاظا لا معاني فيها لم تكن حسنى ولا كانت دالة على مدح ولا كمال ولساغ وقوع أسماء الانتقام والغضب في مقام الرحمة والإحسان وبالعكس فيقال: اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت المنتقم واللهم أعطني فإنك أنت الضار المانع ونحو ذلك. ونفي معاني أسمائه الحسنى من أعظم الإلحاد فيها قال تعالى وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون [الأعراف: 180] ولأنها لو لم تدل على معان وأوصاف لم يجز أن يخبر عنها بمصادرها ويوصف بها لكن الله أخبر عن نفسه بمصادرها وأثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله كقوله تعالى إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين [الذاريات: 58] فعلم أن القوي من أسمائه ومعناه الموصوف بالقوة وكذلك قوله فلله العزة جميعا [فاطر: 10] فالعزيز من له العزة فلولا ثبوت القوة والعزة له لم يسم قويا ولا عزيزا وكذلك قوله أنزله بعلمه [النساء: 166]  فاعلموا أنما أنزل بعلم الله [هود: 14]  ولا يحيطون بشيء من علمه [البقرة: 255] . وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه فأثبت المصدر الذي اشتق منه اسمه البصير. وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات quot;.(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13023",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الصحيح حديث الاستخارة اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك فهو قادر بقدرة. وقال تعالى لموسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي [الأعراف: 144] فهو متكلم بكلام. وهو العظيم الذي له العظمة كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: العظمة إزاري والكبرياء ردائي وهو الحكيم الذي له الحكم فالحكم لله العلي الكبير [غافر: 12] وأجمع المسلمون أنه لو حلف بحياة الله أو سمعه أو بصره أو قوته أو عزته أو عظمته انعقدت يمينه وكانت مكفرة لأن هذه صفات كماله التي اشتقت منها أسماؤه. وأيضا لو لم تكن أسماؤه مشتملة على معان وصفات لم يسغ أن يخبر عنه بأفعالها فلا يقال: يسمع ويرى ويعلم ويقدر ويريد فإن ثبوت أحكام الصفات فرع ثبوتها فإذا انتفى أصل الصفة استحال ثبوت حكمها. وأيضا فلو لم تكن أسماؤه ذوات معان وأوصاف لكانت جامدة كالأعلام المحضة التي لم توضع لمسماها باعتبار معنى قام به فكانت كلها سواء ولم يكن فرق بين مدلولاتها وهذا مكابرة صريحة وبهت بين فإن من جعل معنى اسم القدير هو معنى اسم السميع البصير ومعنى اسم التواب هو معنى اسم المنتقم ومعنى اسم المعطي هو معنى اسم المانع فقد كابر العقل واللغة والفطرة.(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13024",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فنفي معاني أسمائه من أعظم الإلحاد فيها والإلحاد فيها أنواع هذا أحدها. الثاني: تسمية الأوثان بها كما يسمونها آلهة وقال ابن عباس ومجاهد: عدلوا بأسماء الله تعالى عما هي عليه فسموا بها أوثانهم فزادوا ونقصوا فاشتقوا اللات من الله والعزى من العزيز ومناة من المنان وروي عن ابن عباس يلحدون في أسمائه [الأعراف: 180] يكذبون عليه وهذا تفسير بالمعنى. وحقيقة الإلحاد فيها العدول بها عن الصواب فيها وإدخال ما ليس من معانيها فيها وإخراج حقائق معانيها عنها هذا حقيقة الإلحاد ومن فعل ذلك فقد كذب على الله ففسر ابن عباس الإلحاد بالكذب أو هو غاية الملحد في أسمائه تعالى فإنه إذا أدخل في معانيها ما ليس منها وخرج بها عن حقائقها أو بعضها فقد عدل بها عن الصواب والحق وهو حقيقة الإلحاد. فالإلحاد إما بجحدها وإنكارها وإما بجحد معانيها وتعطيلها وإما بتحريفها عن الصواب وإخراجها عن الحق بالتأويلات الباطلة وإما بجعلها أسماء لهذه المخلوقات المصنوعات كإلحاد أهل الاتحاد فإنهم جعلوها أسماء هذا الكون محمودها ومذمومها حتى قال زعيمهم: وهو المسمى بكل اسم ممدوح عقلا وشرعا وعرفا وبكل اسم مذموم عقلا وشرعا وعرفا تعالى الله عما يقول الملحدون علوا كبيرا.  [فصل اسم الله يدل على الصفة بمفردها ويدل على الذات المجردة] فصل الأصل الثاني: أن الاسم من أسمائه تبارك وتعالى كما يدل على الذات والصفة التي اشتق منها بالمطابقة فإنه يدل عليه دلالتين أخريين بالتضمن واللزوم فيدل على الصفة بمفردها بالتضمن وكذلك على الذات المجردة عن الصفة ويدل على الصفة الأخرى باللزوم فإن اسم السميع يدل على ذات الرب وسمعه بالمطابقة وعلى الذات وحدها وعلى السمع وحده بالتضمن ويدل على اسم الحي وصفة الحياة بالالتزام وكذلك سائر أسمائه وصفاته ولكن يتفاوت الناس في معرفة اللزوم وعدمه ومن هاهنا(1\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13025",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقع اختلافهم في كثير من الأسماء والصفات والأحكام فإن من علم أن الفعل الاختياري لازم للحياة وأن السمع والبصر لازم للحياة الكاملة وأن سائر الكمال من لوازم الحياة الكاملة أثبت من أسماء الرب وصفاته وأفعاله ما ينكره من لم يعرف لزوم ذلك ولا عرف حقيقة الحياة ولوازمها وكذلك سائر صفاته. فإن اسم العظيم له لوازم ينكرها من لم يعرف عظمة الله ولوازمها. وكذلك اسم العلي واسم الحكيم وسائر أسمائه فإن من لوازم اسم العلي العلو المطلق بكل اعتبار فله العلو المطلق من جميع الوجوه: علو القدر وعلو القهر وعلو الذات فمن جحد علو الذات فقد جحد لوازم اسمه العلي. وكذلك اسمه الظاهر من لوازمه: أن لا يكون فوقه شيء كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم quot; وأنت الظاهر فليس فوقك شيء بل هو سبحانه فوق كل شيء فمن جحد فوقيته سبحانه فقد جحد لوازم اسمه الظاهر ولا يصح أن يكون الظاهر هو من له فوقية القدر فقط كما يقال: الذهب فوق الفضة والجوهر فوق الزجاج; لأن هذه الفوقية تتعلق بالظهور بل قد يكون المفوق أظهر من الفائق فيها ولا يصح أن يكون ظهور القهر والغلبة فقط وإن كان سبحانه ظاهرا بالقهر والغلبة لمقابلة الاسم ب quot; الباطن quot; وهو الذي ليس دونه شيء كما قابل الأول الذي ليس قبله شيء ب quot; الآخر quot; الذي ليس بعده شيء. وكذلك اسم quot; الحكيم quot; من لوازمه ثبوت الغايات المحمودة المقصودة له بأفعاله ووضعه الأشياء في موضعها وإيقاعها على أحسن الوجوه فإنكار ذلك إنكار لهذا الاسم ولوازمه وكذلك سائر أسمائه الحسنى.  [فصل اسم الله يدل على الأسماء الحسنى] فصل إذا تقرر هذان الأصلان فاسم الله دال على جميع الأسماء الحسنى والصفات(1\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13026",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العليا بالدلالات الثلاث فإنه دال على إلهيته المتضمنة لثبوت صفات الإلهية له مع نفي أضدادها عنه. وصفات الإلهية: هي صفات الكمال المنزهة عن التشبيه والمثال وعن العيوب والنقائص ولهذا يضيف الله تعالى سائر الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم العظيم كقوله تعالى ولله الأسماء الحسنى [الأعراف: 180] ويقال: الرحمن والرحيم والقدوس والسلام والعزيز والحكيم من أسماء الله ولا يقال: الله من أسماء الرحمن ولا من أسماء العزيز ونحو ذلك. فعلم أن اسمه الله مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى دال عليها بالإجمال والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الإلهية التي اشتق منها اسم الله واسم الله دال على كونه مألوها معبودا تؤلهه الخلائق محبة وتعظيما وخضوعا وفزعا إليه في الحوائج والنوائب وذلك مستلزم لكمال ربوبيته ورحمته المتضمنين لكمال الملك والحمد وإلهيته وربوبيته ورحمانيته وملكه مستلزم لجميع صفات كماله إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحي ولا سميع ولا بصير ولا قادر ولا متكلم ولا فعال لما يريد ولا حكيم في أفعاله. وصفات الجلال والجمال: أخص باسم الله. وصفات الفعل والقدرة والتفرد بالضر والنفع والعطاء والمنع ونفوذ المشيئة وكمال القوة وتدبير أمر الخليقة أخص باسم الرب. وصفات الإحسان والجود والبر والحنان والمنة والرأفة واللطف أخص باسم الرحمن وكرر إيذانا بثبوت الوصف وحصول أثره وتعلقه بمتعلقاته. فالرحمن الذي الرحمة وصفه والرحيم الراحم لعباده ولهذا يقول تعالى وكان بالمؤمنين رحيما [الأحزاب: 43]  إنه بهم رءوف رحيم [التوبة: 117] ولم يجئ: رحمن بعباده ولا رحمن بالمؤمنين مع ما في اسم الرحمن الذي هو على وزن فعلان من سعة هذا الوصف وثبوت جميع معناه الموصوف به. ألا ترى أنهم يقولون: غضبان للممتلئ غضبا وندمان وحيران وسكران ولهفان(1\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13027",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لمن ملئ بذلك فبناء فعلان للسعة والشمول ولهذا يقرن استواءه على العرش بهذا الاسم كثيرا كقوله تعالى الرحمن على العرش استوى [طه: 5]  ثم استوى على العرش الرحمن [الفرقان: 59] فاستوى على عرشه باسم الرحمن لأن العرش محيط بالمخلوقات قد وسعها والرحمة محيطة بالخلق واسعة لهم كما قال تعالى ورحمتي وسعت كل شيء [الأعراف: 156] فاستوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات فلذلك وسعت رحمته كل شيء وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده موضوع على العرش إن رحمتي تغلب غضبي وفي لفظ فهو عنده على العرش . فتأمل اختصاص هذا الكتاب بذكر الرحمة ووضعه عنده على العرش وطابق بين ذلك وبين قوله الرحمن على العرش استوى [طه: 5] وقوله ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا [الفرقان: 59] ينفتح لك باب عظيم من معرفة الرب تبارك وتعالى إن لم يغلقه عنك التعطيل والتجهم. وصفات العدل والقبض والبسط والخفض والرفع والعطاء والمنع والإعزاز والإذلال والقهر والحكم ونحوها أخص باسم الملك وخصه بيوم الدين وهو الجزاء بالعدل لتفرده بالحكم فيه وحده ولأنه اليوم الحق وما قبله كساعة ولأنه الغاية وأيام الدنيا مراحل إليه.  [فصل ارتباط الخلق بأسماء الله] فصل وتأمل ارتباط الخلق والأمر بهذه الأسماء الثلاثة وهي الله والرب والرحمن كيف نشأ عنها الخلق والأمر والثواب والعقاب وكيف جمعت الخلق وفرقتهم فلها الجمع ولها الفرق.(1\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13028",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاسم الرب له الجمع الجامع لجميع المخلوقات فهو رب كل شيء وخالقه والقادر عليه لا يخرج شيء عن ربوبيته وكل من في السماوات والأرض عبد له في قبضته وتحت قهره فاجتمعوا بصفة الربوبية وافترقوا بصفة الإلهية فألهه وحده السعداء وأقروا له طوعا بأنه الله الذي لا إله إلا هو الذي لا تنبغي العبادة والتوكل والرجاء والخوف والحب والإنابة والإخبات والخشية والتذلل والخضوع إلا له. وهنا افترق الناس وصاروا فريقين: فريقا مشركين في السعير وفريقا موحدين في الجنة. فالإلهية هي التي فرقتهم كما أن الربوبية هي التي جمعتهم. فالدين والشرع والأمر والنهي مظهره وقيامه من صفة الإلهية والخلق والإيجاد والتدبير والفعل من صفة الربوبية والجزاء بالثواب والعقاب والجنة والنار من صفة الملك وهو ملك يوم الدين فأمرهم بإلهيته وأعانهم ووفقهم وهداهم وأضلهم بربوبيته وأثابهم وعاقبهم بملكه وعدله وكل واحدة من هذه الأمور لا تنفك عن الأخرى. وأما الرحمة فهي التعلق والسبب الذي بين الله وبين عباده فالتأليه منهم له والربوبية منه لهم والرحمة سبب واصل بينه وبين عباده بها أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه وبها هداهم وبها أسكنهم دار ثوابه وبها رزقهم وعافاهم وأنعم عليهم فبينهم وبينه سبب العبودية وبينه وبينهم سبب الرحمة. واقتران ربوبيته برحمته كاقتران استوائه على عرشه برحمته ف الرحمن على العرش استوى [طه: 5] مطابق لقوله رب العالمين - الرحمن الرحيم [الفاتحة: 2 - 3] فإن شمول الربوبية وسعتها بحيث لا يخرج شيء عنها أقصى شمول الرحمة وسعتها فوسع كل شيء برحمته وربوبيته مع أن في كونه ربا للعالمين ما يدل على علوه على خلقه وكونه فوق كل شيء كما يأتي بيانه إن شاء الله.  [فصل ذكر أسماء الله بعد الحمد] فصل في ذكر هذه الأسماء بعد الحمد وإيقاع الحمد على مضمونها ومقتضاها ما يدل على أنه محمود في إلهيته محمود في ربوبيته محمود في رحمانيته محمود في ملكه وأنه إله محمود ورب محمود ورحمن محمود وملك محمود فله بذلك جميع أقسام الكمال: كمال من هذا الاسم بمفرده وكمال من الآخر بمفرده وكمال من اقتران أحدهما بالآخر.(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13029",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مثال ذلك: قوله تعالى والله غني حميد [التغابن: 6]  والله عليم حكيم [النساء: 26]  والله قدير [الممتحنة: 7]  والله غفور رحيم [البقرة: 218] فالغنى صفة كمال والحمد صفة كمال واقتران غناه بحمده كمال أيضا وعلمه كمال وحكمته كمال واقتران العلم بالحكمة كمال أيضا وقدرته كمال ومغفرته كمال واقتران القدرة بالمغفرة كمال وكذلك العفو بعد القدرة إن الله كان عفوا غفورا [النساء: 43] واقتران العلم بالحلم والله عليم حليم [النساء: 12] . وحملة العرش أربعة: اثنان يقولان سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك واثنان يقولان: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك فما كل من قدر عفا ولا كل من عفا يعفو عن قدرة ولا كل من علم يكون حليما ولا كل حليم عالم فما قرن شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم ومن عفو إلى قدرة ومن ملك إلى حمد ومن عزة إلى رحمة وإن ربك لهو العزيز الرحيم [الشعراء: 9] ومن هاهنا كان قول المسيح عليه السلام إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم [المائدة: 118] أحسن من أن يقول: وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم أي إن غفرت لهم كان مصدر مغفرتك عن عزة وهي كمال القدرة وعن حكمة وهي كمال العلم فمن غفر عن عجز وجهل بجرم الجاني فأنت لا تغفر إلا عن قدرة تامة وعلم تام وحكمة تضع بها الأشياء مواضعها فهذا أحسن من ذكر الغفور الرحيم في هذا الموضع الدال ذكره على التعريض بطلب المغفرة في غير حينها وقد فاتت فإنه لو قال: وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم كان في هذا من الاستعطاف والتعريض بطلب المغفرة لمن لا يستحقها ما ينزه عنه منصب المسيح عليه السلام لا سيما والموقف موقف عظمة وجلال وموقف انتقام ممن جعل لله ولدا واتخذه إلها من دونه فذكر العزة والحكمة فيه أليق من ذكر الرحمة والمغفرة وهذا بخلاف قول الخليل عليه السلام واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم [إبراهيم: 35](1\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13030",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولم يقل: فإنك عزيز حكيم لأن المقام مقام استعطاف وتعريض بالدعاء أي إن تغفر لهم وترحمهم بأن توفقهم للرجوع من الشرك إلى التوحيد ومن المعصية إلى الطاعة كما في الحديث اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون . وفي هذا أظهر الدلالة على أن أسماء الرب تعالى مشتقة من أوصاف ومعان قامت به وأن كل اسم يناسب ما ذكر معه واقترن به من فعله وأمره والله الموفق للصواب.  [فصل مراتب الهداية الخاصة والعامة] [المرتبة الأولى تكليم الله] فصل: في مراتب الهداية الخاصة والعامة وهي عشر مراتب: في مراتب الهداية الخاصة والعامة وهي عشر مراتب: المرتبة الأولى: مرتبة تكليم الله عز وجل لعبده يقظة بلا واسطة بل منه إليه وهذه أعلى مراتبها كما كلم موسى بن عمران صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه قال الله تعالى وكلم الله موسى تكليما [النساء: 164] فذكر في أول الآية وحيه إلى نوح والنبيين من بعده ثم خص موسى من بينهم بالإخبار بأنه كلمه وهذا يدل على أن التكليم الذي حصل له أخص من مطلق الوحي الذي ذكر في أول الآية ثم أكده بالمصدر الحقيقي الذي هو مصدر كلم وهو التكليم رفعا لما يتوهمه المعطلة والجهمية والمعتزلة وغيرهم(1\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13031",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من أنه إلهام أو إشارة أو تعريف للمعنى النفسي بشيء غير التكليم فأكده بالمصدر المفيد تحقيق النسبة ورفع توهم المجاز قال الفراء: العرب تسمي ما يوصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل ولكن لا تحققه بالمصدر فإذا حققته بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام كالإرادة يقال: فلان أراد إرادة يريدون حقيقة الإرادة ويقال: أراد الجدار ولا يقال: إرادة لأنه مجاز غير حقيقة هذا كلامه وقال تعالى ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك [الأعراف: 143] وهذا التكليم غير التكليم الأول الذي أرسله به إلى فرعون وفي هذا التكليم الثاني سأل النظر لا في الأول وفيه أعطي الألواح وكان عن مواعدة من الله له والتكليم الأول لم يكن عن مواعدة وفيه قال الله له ياموسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي [الأعراف: 144] أي بتكليمي لك بإجماع السلف. وقد أخبر سبحانه في كتابه أنه ناداه وناجاه فالنداء من بعد والنجاء من قرب تقول العرب: إذا كبرت الحلقة فهو نداء أو نجاء وقال له أبوه آدم في محاجته: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده  وكذلك يقول له أهل(1\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13032",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الموقف إذا طلبوا منه الشفاعة إلى ربه وكذلك في حديث الإسراء في رؤية موسى في السماء السادسة أو السابعة على اختلاف الرواية قال: وذلك بتفضيله بكلام الله ولو كان التكليم الذي حصل له من جنس ما حصل لغيره من الأنبياء لم يكن لهذا التخصيص له في هذه الأحاديث معنى ولا كان يسمى كليم الرحمن وقال تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء [الشورى: 51] ففرق بين تكليم الوحي والتكليم بإرسال الرسول والتكليم من وراء حجاب.  [فصل المرتبة الثانية مرتبة الوحي المختص بالأنبياء] قال الله تعالى إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده [النساء: 163] وقال وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب [الشورى: 51] الآية فجعل الوحي في هذه الآية قسما من أقسام التكليم وجعله في آية النساء قسيما للتكليم وذلك باعتبارين فإنه قسيم التكليم الخاص الذي هو بلا واسطة وقسم من التكليم العام الذي هو إيصال المعنى بطرق متعددة. والوحي في اللغة هو الإعلام السريع الخفي ويقال في فعله: وحى وأوحى(1\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13033",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال رؤبة: وحى لها القرار فاستقرت . وهو أقسام كما سنذكره.  [فصل المرتبة الثالثة إرسال الرسول الملكي إلى الرسول البشري] فيوحى إليه عن الله ما أمره أن يوصله إليه. فهذه المراتب الثلاث خاصة بالأنبياء لا تكون لغيرهم. ثم هذا الرسول الملكي قد يتمثل للرسول البشري رجلا يراه عيانا ويخاطبه وقد يراه على صورته التي خلق عليها وقد يدخل فيه الملك ويوحي إليه ما يوحيه ثم يفصم عنه أي يقلع والثلاثة حصلت لنبينا صلى الله عليه وسلم.  [فصل المرتبة الرابعة مرتبة التحديث] وهذه دون مرتبة الوحي الخاص وتكون دون مرتبة الصديقين كما كانت ل عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إنه كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في هذه الأمة فعمر بن الخطاب . وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله يقول: جزم بأنهم كائنون في الأمم قبلنا وعلق وجودهم في هذه الأمة ب quot; إن quot; الشرطية مع أنها أفضل الأمم لاحتياج الأمم قبلنا إليهم واستغناء هذه الأمة عنهم بكمال نبيها ورسالته فلم يحوج الله الأمة بعده إلى محدث ولا ملهم ولا صاحب كشف ولا منام فهذا التعليق لكمال الأمة واستغنائها لا لنقصها. والمحدث: هو الذي يحدث في سره وقلبه بالشيء فيكون كما يحدث به.(1\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13034",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال شيخنا: والصديق أكمل من المحدث لأنه استغنى بكمال صديقيته ومتابعته عن التحديث والإلهام والكشف فإنه قد سلم قلبه كله وسره وظاهره وباطنه للرسول فاستغنى به عما منه. قال: وكان هذا المحدث يعرض ما يحدث به على ما جاء به الرسول فإن وافقه قبله وإلا رده فعلم أن مرتبة الصديقية فوق مرتبة التحديث. قال: وأما ما يقوله كثير من أصحاب الخيالات والجهالات: حدثني قلبي عن ربي فصحيح أن قلبه حدثه ولكن عمن عن شيطانه أو عن ربه فإذا قال: حدثني قلبي عن ربي كان مسندا الحديث إلى من لم يعلم أنه حدثه به وذلك كذب قال: ومحدث الأمة لم يكن يقول ذلك ولا تفوه به يوما من الدهر وقد أعاذه الله من أن يقول ذلك بل كتب كاتبه يوما: هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فقال: لا امحه واكتب: هذا ما رأى عمر بن الخطاب فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمن عمر والله ورسوله منه بريء وقال في الكلالة: أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان فهذا قول المحدث بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم وأنت ترى الاتحادي والحلولي والإباحي الشطاح والسماعي مجاهرا بالقحة والفرية يقول: quot; حدثني قلبي عن ربي quot;. فانظر إلى ما بين القائلين والمرتبتين والقولين والحالين وأعط كل ذي حق حقه ولا تجعل الزغل والخالص شيئا واحدا.  [فصل المرتبة الخامسة مرتبة الإفهام] قال الله تعالى وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما [الأنبياء: 78] فذكر هذين النبيين الكريمين وأثنى عليهما بالعلم والحكم وخص سليمان بالفهم في هذه الواقعة المعينة وقال علي بن أبي طالب وقد سئل quot; هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء دون الناس quot; فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه وما في هذه(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13035",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصحيفة وكان فيها العقل وهو الديات وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر quot; وفي كتاب عمر بن الخطاب ل أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما: والفهم الفهم فيما أدلي إليك فالفهم نعمة من الله على عبده ونور يقذفه الله في قلبه يعرف به ويدرك ما لا يدركه غيره ولا يعرفه فيفهم من النص ما لا يفهمه غيره مع استوائهما في حفظه وفهم أصل معناه. فالفهم عن الله ورسوله عنوان الصديقية ومنشور الولاية النبوية وفيه تفاوتت مراتب العلماء حتى عد ألف بواحد فانظر إلى فهم ابن عباس وقد سأله عمر ومن حضر من أهل بدر وغيرهم عن سورة إذا جاء نصر الله والفتح [النصر: 1] وما خص به ابن عباس من فهمه منها أنها نعي الله سبحانه نبيه إلى نفسه وإعلامه بحضور أجله وموافقة عمر له على ذلك وخفائه عن غيرهما من الصحابة وابن عباس إذ ذاك أحدثهم سنا وأين تجد في هذه السورة الإعلام بأجله لولا الفهم الخاص ويدق هذا حتى يصل إلى مراتب تتقاصر عنها أفهام أكثر الناس فيحتاج مع النص إلى غيره ولا يقع الاستغناء بالنصوص في حقه وأما في حق صاحب الفهم فلا يحتاج مع النصوص إلى غيرها.  [فصل المرتبة السادسة مرتبة البيان العام] وهو تبيين الحق وتمييزه من الباطل بأدلته وشواهده وأعلامه بحيث يصير مشهودا للقلب كشهود العين للمرئيات. وهذه المرتبة هي حجة الله على خلقه التي لا يعذب أحدا ولا يضله إلا بعد(1\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13036",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصوله إليها قال الله تعالى وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون [التوبة: 115] فهذا الإضلال عقوبة منه لهم حين بين لهم فلم يقبلوا ما بينه لهم ولم يعملوا به فعاقبهم بأن أضلهم عن الهدى وما أضل الله سبحانه أحدا قط إلا بعد هذا البيان. وإذا عرفت هذا عرفت سر القدر وزالت عنك شكوك كثيرة وشبهات في هذا الباب وعلمت حكمة الله في إضلاله من يضله من عباده والقرآن يصرح بهذا في غير موضع كقوله فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم [الصف: 5]  وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم [النساء: 155] فالأول: كفر عناد والثاني: كفر طبع وقوله ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون [الأنعام: 110] فعاقبهم على ترك الإيمان به حين تيقنوه وتحققوه بأن قلب أفئدتهم وأبصارهم فلم يهتدوا له. فتأمل هذا الموضع حق التأمل فإنه موضع عظيم. وقال تعالى وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى [فصلت: 17] فهذا هدى بعد البيان والدلالة وهو شرط لا موجب فإنه إن لم يقترن به هدى آخر بعده لم يحصل به كمال الاهتداء وهو هدى التوفيق والإلهام. وهذا البيان نوعان: بيان بالآيات المسموعة المتلوة وبيان بالآيات المشهودة المرئية وكلاهما أدلة وآيات على توحيد الله وأسمائه وصفاته وكماله وصدق ما أخبرت به رسله عنه ولهذا يدعو عباده بآياته المتلوة إلى التفكر في آياته المشهودة ويحضهم على التفكير في هذه وهذه وهذا البيان هو الذي بعثت به الرسل وجعل إليهم وإلى العلماء بعدهم وبعد ذلك يضل الله من يشاء قال الله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم [إبراهيم: 4] فالرسل تبين والله هو الذي يضل من يشاء ويهدي من يشاء بعزته وحكمته.  [فصل المرتبة السابعة البيان الخاص](1\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13037",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو البيان المستلزم للهداية الخاصة وهو بيان تقارنه العناية والتوفيق والاجتباء وقطع أسباب الخذلان وموادها عن القلب فلا تتخلف عنه الهداية البتة قال تعالى في هذه المرتبة إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل [النحل: 37] وقال إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء [القصص: 56] فالبيان الأول شرط وهذا موجب.  [فصل المرتبة الثامنة مرتبة الإسماع] قال الله تعالى ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون [الأنفال: 23] وقد قال تعالى وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير [فاطر: 19] وهذا الإسماع أخص من إسماع الحجة والتبليغ فإن ذلك حاصل لهم وبه قامت الحجة عليهم لكن ذاك إسماع الآذان وهذا إسماع القلوب فإن الكلام له لفظ ومعنى وله نسبة إلى الأذن والقلب وتعلق بهما فسماع لفظه حظ الأذن وسماع حقيقة معناه ومقصوده حظ القلب فإنه سبحانه نفى عن الكفار سماع المقصود والمراد الذي هو حظ القلب وأثبت لهم سماع الألفاظ الذي هو حظ الأذن في قوله ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم [الأنبياء: 2] وهذا السماع لا يفيد السامع إلا قيام الحجة عليه أو تمكنه منها وأما مقصود السماع وثمرته والمطلوب منه فلا يحصل مع لهو القلب وغفلته وإعراضه بل يخرج السامع قائلا للحاضر معه ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم [محمد: 16] . والفرق بين هذه المرتبة ومرتبة الإفهام أن هذه المرتبة إنما تحصل بواسطة الأذن(1\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13038",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومرتبة الإفهام أعم فهي أخص من مرتبة الفهم من هذا الوجه ومرتبة الفهم أخص من وجه آخر وهي أنها تتعلق بالمعنى المراد ولوازمه ومتعلقاته وإشاراته ومرتبة السماع مدارها على إيصال المقصود بالخطاب إلى القلب ويترتب على هذا السماع سماع القبول. فهو إذن ثلاث مراتب: سماع الأذن وسماع القلب وسماع القبول والإجابة.  [فصل المرتبة التاسعة مرتبة الإلهام] [الإلهام هو مقام المحدثين] فصل المرتبة التاسعة مرتبة الإلهام قال تعالى ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها [الشمس: 7] وقال النبي صلى الله عليه وسلم ل حصين بن منذر الخزاعي لما أسلم قل: اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي . وقد جعل صاحب المنازل الإلهام هو مقام المحدثين قال: وهو فوق مقام الفراسة لأن الفراسة ربما وقعت نادرة واستصعبت على صاحبها وقتا أو استعصت عليه والإلهام لا يكون إلا في مقام عتيد. قلت: التحديث أخص من الإلهام فإن الإلهام عام للمؤمنين بحسب إيمانهم فكل مؤمن فقد ألهمه الله رشده الذي حصل له به الإيمان فأما التحديث فالنبي صلى الله عليه وسلم قال فيه إن يكن في هذه الأمة أحد فعمر يعني من المحدثين فالتحديث إلهام خاص وهو الوحي إلى غير الأنبياء إما من المكلفين كقوله تعالى وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه [القصص: 7] وقوله وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي [المائدة: 111] وإما من غير المكلفين كقوله تعالى وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون [النحل: 68] فهذا كله وحي إلهام.(1\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13039",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما جعله فوق مقام الفراسة فقد احتج عليه بأن الفراسة ربما وقعت نادرة كما تقدم والنادر لا حكم له وربما استعصت على صاحبها واستصعبت عليه فلم تطاوعه والإلهام لا يكون إلا في مقام عتيد يعني في مقام القرب والحضور. والتحقيق في هذا أن كل واحد من quot; الفراسة quot; و quot; الإلهام quot; ينقسم إلى عام وخاص وخاص كل واحد منهما فوق عام الآخر وعام كل واحد قد يقع كثيرا وخاصه قد يقع نادرا ولكن الفرق الصحيح أن الفراسة قد تتعلق بنوع كسب وتحصيل وأما الإلهام فموهبة مجردة لا تنال بكسب البتة.  [فصل درجات الإلهام] [الدرجة الأولى نبأ يقع وحيا قاطعا مقرونا بسماع] فصل درجات الإلهام قال: وهو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: نبأ يقع وحيا قاطعا مقرونا بسماع إذ مطلق النبأ الخبر الذي له شأن فليس كل خبر نبأ وهو نبأ خبر عن غيب معظم. ويريد بالوحي والإلهام: الإعلام الذي يقطع من وصل إليه بموجبه إما بواسطة سمع أو هو الإعلام بلا واسطة. قلت: أما حصوله بواسطة سمع فليس ذلك إلهاما بل هو من قبيل الخطاب وهذا يستحيل حصوله لغير الأنبياء وهو الذي خص به موسى إذ كان المخاطب هو الحق عز وجل. وأما ما يقع لكثير من أرباب الرياضات من سماع فهو من أحد وجوه ثلاثة لا رابع لها أعلاها: أن يخاطبه الملك خطابا جزئيا فإن هذا يقع لغير الأنبياء فقد كانت الملائكة تخاطب عمران بن حصين بالسلام فلما اكتوى تركت خطابه فلما ترك الكي عاد إليه خطاب ملكي وهو نوعان: أحدهما: خطاب يسمعه بأذنه وهو نادر بالنسبة إلى عموم المؤمنين. والثاني: خطاب يلقى في قلبه يخاطب به الملك روحه كما في الحديث المشهور إن للملك لمة بقلب ابن آدم وللشيطان لمة فلمة الملك: إيعاد بالخير وتصديق بالوعد(1\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13040",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالوعد ثم قرأ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا [البقرة: 268] وقال تعالى إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا [الأنفال: 12] قيل في تفسيرها: قووا قلوبهم وبشروهم بالنصر وقيل: احضروا معهم القتال والقولان حق فإنهم حضروا معهم القتال وثبتوا قلوبهم. ومن هذا الخطاب واعظ الله عز وجل في قلوب عباده المؤمنين كما في جامع الترمذي ومسند أحمد من حديث النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله تعالى ضرب مثلا صراطا مستقيما وعلى كنفتي الصراط سوران لهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وداع يدعو على رأس الصراط وداع يدعو فوق الصراط فالصراط المستقيم الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله فلا يقع أحد في حد من حدود الله حتى يكشف الستر والداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن فهذا الواعظ في قلوب المؤمنين هو الإلهام الإلهي بواسطة الملائكة. وأما وقوعه بغير واسطة فما لم يتبين بعد والجزم فيه بنفي أو إثبات موقوف على الدليل والله أعلم.  فصل: النوع الثاني من الخطاب المسموع: خطاب الهواتف من الجان وقد يكون المخاطب جنيا مؤمنا صالحا وقد يكون شيطانا وهذا أيضا نوعان: أحدهما: أن يخاطبه خطابا يسمعه بأذنه.(1\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13041",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثاني: أن يلقي في قلبه عندما يلم به ومنه وعده وتمنيته حين يعد الإنسي ويمنيه ويأمره وينهاه كما قال تعالى يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا [النساء: 120] وقال الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء [البقرة: 268] وللقلب من هذا الخطاب نصيب وللأذن أيضا منه نصيب والعصمة منتفية إلا عن الرسل ومجموع الأمة. فمن أين للمخاطب أن هذا الخطاب رحماني أو ملكي بأي برهان أو بأي دليل والشيطان يقذف في النفس وحيه ويلقي في السمع خطابه فيقول المغرور المخدوع: قيل لي وخوطبت صدقت لكن الشأن في القائل لك والمخاطب وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لغيلان بن سلمة وهو من الصحابة لما طلق نساءه وقسم ماله بين بنيه: إني لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع سمع بموتك فقذفه في نفسك. فمن يأمن القراء بعدك يا شهر .  فصل: النوع الثالث: خطاب حالي تكون بدايته من النفس وعوده إليها فيتوهمه من خارج وإنما هو من نفسه منها بدأ وإليها يعود. وهذا كثيرا ما يعرض للسالك فيغلط فيه ويعتقد أنه خطاب من الله كلمه به منه إليه وسبب غلطه أن اللطيفة المدركة من الإنسان إذا صفت بالرياضة وانقطعت علقها عن الشواغل الكثيفة صار الحكم لها بحكم استيلاء الروح والقلب على البدن ومصير الحكم لهما فتنصرف عناية النفس والقلب إلى تجريد المعاني التي هي متصلة بهما وتشتد عناية الروح بها وتصير في محل تلك العلائق والشواغل فتملأ القلب فتنصرف تلك المعاني إلى المنطق والخطاب القلبي الروحي بحكم العادة ويتفق تجرد الروح فتشكل تلك المعاني للقوة السامعة بشكل الأصوات المسموعة وللقوة الباصرة بشكل الأشخاص المرئية فيرى صورها ويسمع الخطاب وكله في نفسه ليس في الخارج منه شيء ويحلف أنه رأى وسمع وصدق لكن رأى وسمع في الخارج أو في نفسه(1\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13042",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويتفق ضعف التمييز وقلة العلم واستيلاء تلك المعاني على الروح وتجردها عن الشواغل. فهذه الوجوه الثلاثة هي وجوه الخطاب ومن سمع نفسه غيرها فإنما هو غرور وخدع وتلبيس وهذا الموضع مقطع القول وهو من أجل المواضع لمن حققه وفهمه والله الموفق للصواب.  [فصل الدرجة الثانية إلهام يقع عيانا] فصل قال: quot; الدرجة الثانية: إلهام يقع عيانا وعلامة صحته أنه لا يخرق سترا ولا يجاوز حدا ولا يخطئ أبدا quot;. الفرق بين هذا وبين الإلهام في الدرجة الأولى: أن ذلك علم شبيه بالضروري الذي لا يمكن دفعه عن القلب وهذا معاينة ومكاشفة فهو فوقه في الدرجة وأتم منه ظهورا ونسبته إلى القلب نسبة المرئي إلى العين وذكر له ثلاث علامات: إحداها: أنه لا يخرق سترا أي صاحبه إذا كوشف بحال غير المستور عنه لا يخرق ستره ويكشفه خيرا كان أو شرا أو أنه لا يخرق ما ستره الله من نفسه عن الناس بل يستر نفسه ويستر من كوشف بحاله. الثانية: أنه لا يجاوز حدا يحتمل وجهين: أحدهما: أنه لا يتجاوز به إلى ارتكاب المعاصي وتجاوز حدود الله مثل الكهان وأصحاب الكشف الشيطاني. الثاني: أنه لا يقع على خلاف الحدود الشرعية مثل أن يتجسس به على العورات التي نهى الله عن التجسس عليها وتتبعها فإذا تتبعها وقع عليها بهذا الكشف فهو شيطاني لا رحماني. الثالثة: أنه لا يخطئ أبدا بخلاف الشيطاني فإن خطأه كثير كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن صائد ما ترى قال: أرى صادقا وكاذبا فقال: لبس عليك فالكشف الشيطاني لا بد أن يكذب ولا يستمر صدقه البتة.(1\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13043",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الدرجة الثالثة إلهام يجلو عين التحقيق صرفا] فصل قال: quot; الدرجة الثالثة: إلهام يجلو عين التحقيق صرفا وينطق عن عين الأزل محضا والإلهام غاية تمتنع الإشارة إليها quot;. عين التحقيق عنده هي الفناء في شهود الحقيقة بحيث يضمحل كل ما سواها في ذلك الشهود وتعود الرسوم أعداما محضة فالإلهام في هذه الدرجة يجلو هذا العين للملهم صرفا بحيث لا يمازجها شيء من إدراك العقول ولا الحواس فإن كان هناك إدراك عقلي أو حسي لم يتمحض جلاء عين الحقيقة والناطق عن هذا الكشف عندهم لا يفهم عنه إلا من هو معه ومشارك له وعند أرباب هذا الكشف أن كل الخلق عنه في حجاب وعندهم أن العلم والعقل والحال حجب عليه وأن خطاب الخلق إنما يكون على لسان الحجاب وأنهم لا يفهمون لغة ما وراء الحجاب من المعنى المحجوب فلذلك تمتنع الإشارة إليه والعبارة عنه فإن الإشارة والعبارة إنما يتعلقان بالمحسوس والمعقول وهذا أمر وراء الحس والعقل. وحاصل هذا الإلهام أنه إلهام ترتفع معه الوسائط وتضمحل وتعدم لكن في الشهود لا في الوجود وأما الاتحادية القائلون بوحدة الوجود فإنهم يجعلون ذلك اضمحلالا وعدما في الوجود ويجعلون صاحب المنازل منهم وهو بريء منهم عقلا ودينا وحالا ومعرفة والله أعلم.  [فصل المرتبة العاشرة الرؤيا الصادقة] فصل المرتبة العاشرة من مراتب الهداية: الرؤيا الصادقة وهي من أجزاء النبوة كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة .(1\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13044",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد قيل في سبب هذا التخصيص المذكور: إن أول مبتدأ الوحي كان هو الرؤيا الصادقة وذلك نصف سنة ثم انتقل إلى وحي اليقظة مدة ثلاث وعشرين سنة من حين بعث إلى أن توفي صلوات الله وسلامه عليه فنسبة مدة الوحي في المنام من ذلك جزء من ستة وأربعين جزءا وهذا حسن لولا ما جاء في الرواية الأخرى الصحيحة quot; إنها جزء من سبعين جزءا quot;. وقد قيل في الجمع بينهما: إن ذلك بحسب حال الرائي فإن رؤيا الصديقين من ستة وأربعين ورؤيا عموم المؤمنين الصادقة من سبعين والله أعلم. والرؤيا مبدأ الوحي وصدقها بحسب صدق الرائي وأصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثا وهي عند اقتراب الزمان لا تكاد تخطئ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لبعد العهد بالنبوة وآثارها فيتعوض المؤمنون بالرؤيا وأما في زمن قوة نور النبوة ففي ظهور نورها وقوته ما يغني عن الرؤيا. ونظير هذا الكرامات التي ظهرت بعد عصر الصحابة ولم تظهر عليهم لاستغنائهم عنها بقوة إيمانهم واحتياج من بعدهم إليها لضعف إيمانهم وقد نص أحمد(1\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13045",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على هذا المعنى وقال عبادة بن الصامت: رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لم يبق من النبوة إلا المبشرات قيل: وما المبشرات يا رسول الله قال: الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له وإذا تواطأت رؤيا المسلمين لم تكذب وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه لما أروا ليلة القدر في العشر الأواخر قال أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الأواخر فمن كان منكم متحريها فليتحرها في العشر الأواخر من رمضان . والرؤيا كالكشف منها رحماني ومنها نفساني ومنها شيطاني وقال النبي صلى الله عليه وسلم الرؤيا ثلاثة: رؤيا من الله ورؤيا تحزين من الشيطان ورؤيا مما يحدث به الرجل نفسه في اليقظة فيراه في المنام . والذي هو من أسباب الهداية: هو الرؤيا التي من الله خاصة. ورؤيا الأنبياء وحي فإنها معصومة من الشيطان وهذا باتفاق الأمة ولهذا أقدم الخليل على ذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام بالرؤيا. وأما رؤيا غيرهم فتعرض على الوحي الصريح فإن وافقته وإلا لم يعمل بها. فإن قيل: فما تقولون إذا كانت رؤيا صادقة أو تواطأت .(1\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13046",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلنا: متى كانت كذلك استحال مخالفتها للوحي بل لا تكون إلا مطابقة له منبهة عليه أو منبهة على اندراج قضية خاصة في حكمه لم يعرف الرائي اندراجها فيه فيتنبه بالرؤيا على ذلك ومن أراد أن تصدق رؤياه فليتحر الصدق وأكل الحلال والمحافظة على الأمر والنهي ولينم على طهارة كاملة مستقبل القبلة ويذكر الله حتى تغلبه عيناه فإن رؤياه لا تكاد تكذب البتة. وأصدق الرؤيا: رؤيا الأسحار فإنه وقت النزول الإلهي واقتراب الرحمة والمغفرة وسكون الشياطين وعكسه رؤيا العتمة عند انتشار الشياطين والأرواح الشيطانية وقال عبادة بن الصامت رضي الله عنه: رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام. وللرؤيا ملك موكل بها يريها العبد في أمثال تناسبه وتشاكله فيضربها لكل أحد بحسبه وقال مالك: quot; الرؤيا من الوحي وحي quot; وزجر عن تفسيرها بلا علم وقال: أتتلاعب بوحي الله ولذكر الرؤيا وأحكامها وتفاصيلها وطرق تأويلها مظان مخصوصة بها يخرجنا ذكرها عن المقصود والله أعلم.  [فصل في بيان اشتمال الفاتحة على الشفاءين شفاء القلوب وشفاء الأبدان] [اشتمالها على شفاء القلوب] فصل في بيان اشتمال الفاتحة على الشفاءين شفاء القلوب وشفاء الأبدان فأما اشتمالها على شفاء القلوب: فإنها اشتملت عليه أتم اشتمال فإن مدار اعتلال القلوب وأسقامها على أصلين: فساد العلم وفساد القصد. ويترتب عليهما داءان قاتلان وهما الضلال والغضب فالضلال نتيجة فساد العلم والغضب نتيجة فساد القصد وهذان المرضان هما ملاك أمراض القلوب جميعها فهداية الصراط المستقيم تتضمن الشفاء من مرض الضلال ولذلك كان سؤال هذه الهداية أفرض دعاء على كل عبد وأوجبه عليه كل يوم وليلة في كل صلاة لشدة ضرورته وفاقته إلى الهداية المطلوبة ولا يقوم غير هذا السؤال مقامه. والتحقق ب إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] علما ومعرفة وعملا وحالا يتضمن الشفاء من مرض فساد القلب والقصد فإن فساد القصد يتعلق بالغايات والوسائل فمن طلب غاية منقطعة مضمحلة فانية وتوسل إليها بأنواع الوسائل الموصلة إليها كان كلا نوعي(1\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13047",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قصده فاسدا وهذا شأن كل من كان غاية مطلوبه غير الله وعبوديته من المشركين ومتبعي الشهوات الذين لا غاية لهم وراءها وأصحاب الرياسات المتبعين لإقامة رياستهم بأي طريق كان من حق أو باطل فإذا جاء الحق معارضا في طريق رياستهم طحنوه وداسوه بأرجلهم فإن عجزوا عن ذلك دفعوه دفع الصائل فإن عجزوا عن ذلك حبسوه في الطريق وحادوا عنه إلى طريق أخرى وهم مستعدون لدفعه بحسب الإمكان فإذا لم يجدوا منه بدا أعطوه السكة والخطبة وعزلوه عن التصرف والحكم والتنفيذ وإن جاء الحق ناصرا لهم وكان لهم صالوا به وجالوا وأتوا إليه مذعنين لا لأنه حق بل لموافقته غرضهم وأهواءهم وانتصارهم به وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون [النور: 48] . والمقصود: أن قصد هؤلاء فاسد في غاياتهم ووسائلهم وهؤلاء إذا بطلت الغايات التي طلبوها واضمحلت وفنيت حصلوا على أعظم الخسران والحسرات وهم أعظم الناس ندامة وتحسرا إذا حق الحق وبطل الباطل وتقطعت بهم أسباب الوصل التي كانت بينهم وتيقنوا انقطاعهم عن ركب الفلاح والسعادة وهذا يظهر كثيرا في الدنيا ويظهر أقوى من ذلك عند الرحيل منها والقدوم على الله ويشتد ظهوره وتحققه في البرزخ وينكشف كل الانكشاف يوم اللقاء إذا حقت الحقائق وفاز المحقون وخسر المبطلون وعلموا أنهم كانوا كاذبين وكانوا مخدوعين مغرورين فياله هناك من علم لا ينفع عالمه ويقين لا ينجي مستيقنه. وكذلك من طلب الغاية العليا والمطلب الأسمى ولكن لم يتوسل إليه بالوسيلة الموصلة له وإليه بل توسل إليه بوسيلة ظنها موصلة إليه وهي من أعظم القواطع عنه فحاله أيضا كحال هذا وكلاهما فاسد القصد ولا شفاء من هذا المرض إلا بدواء quot; إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] quot;. فإن هذا الدواء مركب من ستة أجزاء (1) عبودية الله لا غيره (2) بأمره وشرعه (3) لا بالهوى (4) ولا بآراء الرجال وأوضاعهم ورسومهم وأفكارهم (5) بالاستعانة على عبوديته به (6) لا بنفس العبد وقوته وحوله ولا بغيره.(1\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13048",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذه هي أجزاء إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] فإذا ركبها الطبيب اللطيف العالم بالمرض واستعملها المريض حصل بها الشفاء التام وما نقص من الشفاء فهو لفوات جزء من أجزائها أو اثنين أو أكثر. ثم إن القلب يعرض له مرضان عظيمان إن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى التلف ولا بد وهما الرياء والكبر فدواء الرياء ب إياك نعبد [الفاتحة: 5] ودواء الكبر ب إياك نستعين [الفاتحة: 5] . وكثيرا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إياك نعبد [الفاتحة: 5] تدفع الرياء وإياك نستعين [الفاتحة: 5] تدفع الكبرياء. فإذا عوفي من مرض الرياء ب إياك نعبد [الفاتحة: 5] ومن مرض الكبرياء والعجب ب إياك نستعين [الفاتحة: 5] ومن مرض الضلال والجهل ب اهدنا الصراط المستقيم [الفاتحة: 6] عوفي من أمراضه وأسقامه ورفل في أثواب العافية وتمت عليه النعمة وكان من المنعم عليهم غير المغضوب عليهم وهم أهل فساد القصد الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه والضالين وهم أهل فساد العلم الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه. وحق لسورة تشتمل على هذين الشفاءين أن يستشفى بها من كل مرض ولهذا لما اشتملت على هذا الشفاء الذي هو أعظم الشفاءين كان حصول الشفاء الأدنى بها أولى كما سنبينه فلا شيء أشفى للقلوب التي عقلت عن الله وكلامه وفهمت عنه فهما خاصا اختصها به من معنى هذه السورة. وسنبين إن شاء الله تعالى تضمنها للرد على جميع أهل البدع بأوضح البيان وأحسن الطرق.  [تضمنها لشفاء الأبدان] فصل وأما تضمنها لشفاء الأبدان فنذكر منه ما جاءت به السنة وما شهدت به قواعد الطب ودلت عليه التجربة. فأما ما دلت عليه السنة: ففي الصحيح من حديث أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مروا بحي من العرب فلم يقروهم ولم يضيفوهم فلدغ سيد الحي فأتوهم فقالوا: هل عندكم من رقية أو هل فيكم من راق فقالوا: نعم ولكنكم لم تقرونا فلا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلا فجعلوا لهم على ذلك قطيعا من الغنم فجعل رجل منا يقرأ عليه بفاتحة الكتاب فقام كأن لم يكن به قلبة فقلنا: لا تعجلوا حتى نأتي النبي صلى الله عليه وسلم فأتيناه فذكرنا له ذلك فقال: ما يدريك(1\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13049",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنها رقية كلوا واضربوا لي معكم بسهم. فقد تضمن هذا الحديث حصول شفاء هذا اللديغ بقراءة الفاتحة عليه فأغنته عن الدواء وربما بلغت من شفائه ما لم يبلغه الدواء. هذا مع كون المحل غير قابل إما لكون هؤلاء الحي غير مسلمين أو أهل بخل ولؤم فكيف إذا كان المحل قابلا.  فصل: وأما شهادة قواعد الطب بذلك فاعلم أن اللدغة تكون من ذوات الحمات والسموم وهي ذوات الأنفس الخبيثة التي تتكيف بكيفية غضبية تثير فيها سمية نارية يحصل بها اللدغ وهي متفاوتة بحسب تفاوت خبث تلك النفوس وقوتها وكيفيتها فإذا تكيفت أنفسها الخبيثة بتلك الكيفية الغضبية أحدث لها ذلك طبيعة سمية تجد راحة ولذة في إلقائها إلى المحل القابل كما يجد الشرير من الناس راحة ولذة في إيصال شره إلى من يوصله إليه وكثير من الناس لا يهنأ له عيش في يوم لا يؤذي فيه أحدا من بني جنسه ويجد في نفسه تأذيا بحمل تلك السمية والشر الذي فيه حتى يفرغه في غيره فيبرد عند ذلك أنينه وتسكن نفسه ويصيبه في ذلك نظير ما يصيب من اشتدت شهوته إلى الجماع فيسوء خلقه وتثقل نفسه حتى يقضي وطره هذا في قوة الشهوة وذاك في قوة الغضب. وقد أقام الله تعالى بحكمته السلطان وازعا لهذه النفوس الغضبية فلولا هو لفسدت الأرض وخربت ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين [البقرة: 251] وأباح الله بلطفه ورحمته لهذه النفوس من الأزواج وملك اليمين ما يكسر حدتها. والمقصود أن هذه النفوس الغضبية إذا اتصلت بالمحل القابل أثرت فيه ومنها ما(1\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13050",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يؤثر في المحل بمجرد مقابلته له وإن لم يمسه فمنها ما يطمس البصر ويسقط الحبل. ومن هذا نظر العائن فإنه إذا وقع بصره على المعين حدثت في نفسه كيفية سمية أثرت في المعين بحسب عدم استعداده وكونه أعزل من السلاح وبحسب قوة تلك النفس وكثير من هذه النفوس يؤثر في المعين إذا وصف له فتتكيف نفسه وتقابله على البعد فيتأثر به ومنكر هذا ليس معدودا من بني آدم إلا بالصورة والشكل فإذا قابلت النفس الزكية العلوية الشريفة التي فيها غضب وحمية للحق هذه النفوس الخبيثة السمية وتكيفت بحقائق الفاتحة وأسرارها ومعانيها وما تضمنته من التوحيد والتوكل والثناء على الله وذكر أصول أسمائه الحسنى وذكر اسمه الذي ما ذكر على شر إلا أزاله ومحقه ولا على خير إلا نماه وزاده دفعت هذه النفس بما تكيفت به من ذلك أثر تلك النفس الخبيثة الشيطانية فحصل البرء فإن مبنى الشفاء والبرء على دفع الضد بضده وحفظ الشيء بمثله فالصحة تحفظ بالمثل والمرض يدفع بالضد أسباب ربطها بمسبباتها الحكيم العليم خلقا وأمرا ولا يتم هذا إلا بقوة من النفس الفاعلة وقبول من الطبيعة المنفعلة فلو لم تنفعل نفس الملدوغ لقبول الرقية ولم تقو نفس الراقي على التأثير لم يحصل البرء. فهنا أمور ثلاثة: موافقة الدواء للداء وبذل الطبيب له وقبول طبيعة العليل فمتى تخلف واحد منها لم يحصل الشفاء وإذا اجتمعت حصل الشفاء ولا بد بإذن الله سبحانه وتعالى. ومن عرف هذا كما ينبغي تبين له أسرار الرقى وميز بين النافع منها وغيره ورقى الداء بما يناسبه من الرقى وتبين له أن الرقية براقيها وقبول المحل كما أن السيف بضاربه مع قبول المحل للقطع وهذه إشارة مطلعة على ما وراءها لمن دق نظره وحسن تأمله والله أعلم. وأما شهادة التجارب بذلك فهي أكثر من أن تذكر وذلك في كل زمان وقد جربت أنا من ذلك في نفسي وفي غيري أمورا عجيبة ولا سيما مدة المقام بمكة فإنه كان يعرض لي آلام مزعجة بحيث تكاد تقطع الحركة مني وذلك في أثناء الطواف وغيره فأبادر إلى قراءة الفاتحة وأمسح بها على محل الألم فكأنه حصاة تسقط جربت ذلك مرارا عديدة وكنت آخذ قدحا من ماء زمزم فأقرأ عليه الفاتحة مرارا فأشربه فأجد به من النفع والقوة ما لم أعهد مثله في الدواء والأمر أعظم من ذلك ولكن بحسب قوة الإيمان وصحة اليقين والله المستعان.(1\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13051",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في اشتمال الفاتحة على الرد على جميع المبطلين من أهل الملل] [المجمل]  والنحل والرد على أهل البدع والضلال من هذه الأمة وهذا يعلم بطريقين مجمل ومفصل: أما المجمل: فهو أن الصراط المستقيم متضمن معرفة الحق وإيثاره وتقديمه على غيره ومحبته والانقياد له والدعوة إليه وجهاد أعدائه بحسب الإمكان. والحق: هو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وما جاء به علما وعملا في باب صفات الرب سبحانه وأسمائه وتوحيده وأمره ونهيه ووعده ووعيده وفي حقائق الإيمان التي هي منازل السائرين إلى الله تعالى وكل ذلك مسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم دون آراء الرجال وأوضاعهم وأفكارهم واصطلاحاتهم. فكل علم أو عمل أو حقيقة أو حال أو مقام خرج من مشكاة نبوته وعليه السكة المحمدية بحيث يكون من ضرب المدينة فهو من الصراط المستقيم وما لم يكن كذلك فهو من صراط أهل الغضب والضلال فما ثم خروج عن هذه الطرق الثلاث: طريق الرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به وطريق أهل الغضب وهي طريق من عرف الحق وعانده وطريق أهل الضلال وهي طريق من أضله الله عنه ولهذا قال عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم: quot; الصراط المستقيم: هو الإسلام quot; وقال عبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما: quot; هو القرآن quot; وفيه حديث مرفوع في الترمذي وغيره وقال سهل بن عبد الله: quot; طريق السنة والجماعة quot; وقال بكر بن عبد الله المزني: quot; طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم quot;. ولا ريب أن ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه علما وعملا وهو معرفة الحق وتقديمه وإيثاره على غيره فهو الصراط المستقيم. وكل هذه الأقوال المتقدمة دالة عليه جامعة له. فبهذا الطريق المجمل يعلم أن كل ما خالفه فباطل وهو من صراط الأمتين: الأمة الغضبية وأمة أهل الضلال.(1\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13052",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل المفصل] فصل وأما المفصل: فبمعرفة المذاهب الباطلة واشتمال كلمات الفاتحة على إبطالها فنقول: الناس قسمان: مقر بالحق تعالى وجاحد له فتضمنت الفاتحة إثبات الخالق تعالى والرد على من جحده بإثبات ربوبيته تعالى للعالمين. وتأمل حال العالم كله علويه وسفليه بجميع أجزائه: تجده شاهدا بإثبات صانعه وفاطره ومليكه فإنكار صانعه وجحده في العقول والفطر بمنزلة إنكار العلم وجحده لا فرق بينهما بل دلالة الخالق على المخلوق والفعال على الفعل والصانع على أحوال المصنوع عند العقول الزكية المشرقة العلوية والفطر الصحيحة أظهر من العكس. فالعارفون أرباب البصائر يستدلون بالله على أفعاله وصنعه إذا استدل الناس بصنعه وأفعاله عليه ولا ريب أنهما طريقان صحيحان كل منهما حق والقرآن مشتمل عليهما. فأما الاستدلال بالصنعة فكثير وأما الاستدلال بالصانع فله شأن وهو الذي أشارت إليه الرسل بقولهم لأممهم أفي الله شك [إبراهيم: 10] أي أيشك في الله حتى يطلب إقامة الدليل على وجوده وأي دليل أصح وأظهر من هذا المدلول فكيف يستدل على الأظهر بالأخفى ثم نبهوا على الدليل بقولهم فاطر السماوات والأرض [الأنعام: 14] . وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية قدس الله روحه يقول: كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت: وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل(1\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13053",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومعلوم أن وجود الرب تعالى أظهر للعقول والفطر من وجود النهار ومن لم ير ذلك في عقله وفطرته فليتهمهما. وإذا بطل قول هؤلاء بطل قول أهل الإلحاد القائلين بوحدة الوجود وأنه ما ثم وجود قديم خالق ووجود حادث مخلوق بل وجود هذا العالم هو عين وجود الله وهو حقيقة وجود هذا العالم فليس عند القوم رب وعبد ولا مالك ومملوك ولا راحم ومرحوم ولا عابد ومعبود ولا مستعين ومستعان به ولا هاد ولا مهدي ولا منعم ولا منعم عليه ولا غضبان ومغضوب عليه بل الرب هو نفس العبد وحقيقته والمالك هو عين المملوك والراحم هو عين المرحوم والعابد هو نفس المعبود وإنما التغاير أمر اعتباري بحسب مظاهر الذات وتجلياتها فتظهر تارة في صورة معبود كما ظهرت في صورة فرعون وفي صورة عبد كما ظهرت في صورة العبيد وفي صورة هاد كما في صورة الأنبياء والرسل والعلماء والكل من عين واحدة بل هو العين الواحدة فحقيقة العابد ووجوده أو أنيته: هي حقيقة المعبود ووجوده وأنيته. والفاتحة من أولها إلى آخرها تبين بطلان قول هؤلاء الملاحدة وضلالهم.  [فصل والمقرون بالرب سبحانه وتعالى أنه صانع العالم نوعان] فصل والمقرون بالرب سبحانه وتعالى أنه صانع العالم نوعان:(1\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13054",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نوع ينفي مباينته لخلقه ويقولون: لا مباين ولا محايث ولا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا خلفه ولا أمامه ولا فيه ولا بائن عنه. فتضمنت الفاتحة الرد على هؤلاء من وجهين: أحدهما: إثبات ربوبيته تعالى للعالم فإن الربوبية المحضة تقتضي مباينة الرب للعالم بالذات كما باينهم بالربوبية وبالصفات والأفعال فمن لم يثبت ربا مباينا للعالم فما أثبت ربا فإنه إذا نفى المباينة لزمه أحد أمرين لزوما لا انفكاك له عنه البتة: إما أن يكون هو نفس هذا العالم وحينئذ يصح قوله فإن العالم لا يباين ذاته ونفسه ومن هاهنا دخل أهل الوحدة وكانوا معطلة أولا واتحادية ثانيا. وإما أن يقول: ما ثم رب يكون مباينا ولا محايثا ولا داخلا ولا خارجا كما قالته الدهرية المعطلة للصانع. وأما هذا القول الثالث المشتمل على جمع النقيضين: إثبات رب مغاير للعالم مع نفي مباينته للعالم وإثبات خالق قائم بنفسه لا في العالم ولا خارج العالم ولا فوق العالم ولا تحته ولا خلفه ولا أمامه ولا يمنته ولا يسرته فقول له خبيء والعقول لا تتصوره حتى تصدق به فإذا استحال في العقل تصوره فاستحالة التصديق به أظهر وأظهر وهو منطبق على العدم المحض والنفي الصرف وصدقه عليه أظهر عند العقول والفطر من صدقه على رب العالمين. فضع هذا النفي وهذه الألفاظ الدالة عليه على العدم المستحيل ثم ضعها على الذات العلية القائمة بنفسها التي لم تحل في العالم ولا حل العالم فيها ثم انظر أي المعلومين أولى به واستيقظ لنفسك وقم لله قومة مفكر في نفسه في الخلوة في هذا الأمر متجرد عن المقالات وأربابها وعن الهوى والحمية والعصبية صادقا في طلب الهداية من الله فالله أكرم من أن يخيب عبدا هذا شأنه وهذه المسألة لا تحتاج إلى أكثر من إثبات رب قائم بنفسه مباين لخلقه بل هذا نفس ترجمتها.  [فصل المثبتون للخالق تعالى] فصل(1\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13055",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم المثبتون للخالق تعالى نوعان: أهل توحيد وأهل إشراك وأهل الإشراك نوعان: أحدهما: أهل الإشراك به في ربوبيته وإلهيته كالمجوس ومن ضاهاهم من القدرية فإنهم يثبتون مع الله خالقا آخر وإن لم يقولوا: إنه مكافئ له والقدرية المجوسية تثبت مع الله خالقين للأفعال ليست أفعالهم مقدورة لله ولا مخلوقة لهم وهي صادرة بغير مشيئته ولا قدرة له عليها ولا هو الذي جعل أربابها فاعلين لها بل هم الذين جعلوا أنفسهم شائين مريدين فاعلين. فربوبية العالم الكاملة المطلقة الشاملة تبطل أقوال هؤلاء كلهم لأنها تقتضي ربوبيته لجميع ما فيه من الذوات والصفات والحركات والأفعال. وحقيقة قول القدرية المجوسية: أنه تعالى ليس ربا لأفعال الحيوان ولا تناولتها ربوبيته وكيف تتناول ما لا يدخل تحت قدرته ومشيئته وخلقه مع أن في عموم حمده ما يقتضي حمده على طاعات خلقه إذ هو المعين عليها والموفق لها وهو الذي شاءها منهم كما قال في غير موضع من كتابه وما تشاءون إلا أن يشاء الله [الإنسان: 30] فهو محمود على أن شاءها لهم وجعلهم فاعليها بقدرته ومشيئته فهو المحمود عليها في الحقيقة وعندهم أنهم هم المحمودون عليها ولهم الحمد على فعلها وليس لله حمد على نفس فاعليتها عندهم ولا على ثوابه وجزائه عليها. أما الأول: فلأن فاعليتها بهم لا به وأما الثاني: فلأن الجزاء مستحق عليه استحقاق الأجرة على المستأجر فهو محض حقهم الذي عاوضوه عليه.(1\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13056",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي قوله وإياك نستعين [الفاتحة: 5] رد ظاهر عليهم إذ استعانتهم به إنما تكون عن شيء هو بيده وتحت قدرته ومشيئته فكيف يستعين من بيده الفعل وهو موجده إن شاء أوجده وإن شاء لم يوجده بمن ليس ذلك الفعل بيده ولا هو داخل تحت قدرته ولا مشيئته . وفي قوله اهدنا الصراط المستقيم [الفاتحة: 6] أيضا رد عليهم فإن الهداية المطلقة التامة هي المستلزمة لحصول الاهتداء ولولا أنها بيده تعالى دونهم لما سألوه إياها وهي المتضمنة للإرشاد والبيان والتوفيق والإقدار وجعلهم مهتدين وليس مطلوبهم مجرد البيان والدلالة كما ظنته القدرية لأن هذا القدر وحده لا يوجب الهدى ولا ينجي من الردى وهو حاصل لغيرهم من الكفار الذين استحبوا العمى على الهدى واشتروا الضلالة بالهدى.  فصل: النوع الثاني: أهل الإشراك به في إلهيته وهم المقرون بأنه وحده رب كل شيء ومليكه وخالقه وأنه ربهم ورب آبائهم الأولين ورب السماوات السبع ورب العرش العظيم وهم مع هذا يعبدون غيره ويعدلون به سواه في المحبة والطاعة والتعظيم وهم الذين اتخذوا من دون الله أندادا فهؤلاء لم يوفوا quot; إياك نعبد [الفاتحة: 5] quot; حقه وإن كان لهم نصيب من quot; نعبدك quot; لكن ليس لهم نصيب من إياك نعبد المتضمن معنى: لا نعبد إلا إياك حبا وخوفا ورجاء وطاعة وتعظيما ف quot; إياك نعبد [الفاتحة: 5] quot; تحقيق لهذا التوحيد وإبطال للشرك في الإلهية كما أن quot; إياك نستعين quot; تحقيق لتوحيد الربوبية وإبطال للشرك به فيها وكذلك قوله اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم [الفاتحة: 6] فإنهم أهل التوحيد وهم أهل تحقيق quot; إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] quot; وأهل الإشراك هم أهل الغضب والضلال.  [فصل في تضمنها الرد على الجهمية معطلة الصفات] وذلك من وجوه: أحدها: من قوله الحمد لله [الفاتحة: 2] فإن إثبات الحمد الكامل له يقتضي ثبوت كل ما يحمد عليه من صفات كماله ونعوت جلاله إذ من عدم صفات الكمال فليس بمحمود على الإطلاق وغايته: أنه محمود من وجه دون وجه ولا يكون محمودا بكل وجه(1\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13057",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبكل اعتبار بجميع أنواع الحمد إلا من استولى على صفات الكمال جميعها فلو عدم منها صفة واحدة لنقص من حمده بحسبها. وكذلك في إثبات صفة الرحمة له ما يتضمن إثبات الصفات التي تستلزمها من الحياة والإرادة والقدرة والسمع والبصر وغيرها. وكذلك صفة الربوبية تستلزم جميع صفات الفعل وصفة الإلهية تستلزم جميع أوصاف الكمال ذاتا وأفعالا كما تقدم بيانه. فكونه محمودا إلها ربا رحمانا رحيما ملكا معبودا مستعانا هاديا منعما يرضى ويغضب مع نفي قيام الصفات به جمع بين النقيضين وهو من أمحل المحال. وهذه الطريق تتضمن إثبات الصفات الخبرية من وجهين: أحدهما: أنها من لوازم كماله المطلق فإن استواءه على عرشه من لوازم علوه ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا في نصف الليل الثاني من لوازم رحمته وربوبيته وهكذا سائر الصفات الخبرية. الوجه الثاني: أن السمع ورد بها ثناء على الله ومدحا له وتعرفا منه إلى عباده بها فجحدها وتحريفها عما دلت عليه وعما أريد بها مناقض لما جاءت به فلك أن تستدل بطريق السمع على أنها كمال وأن تستدل بالعقل كما تقدم.  [فصل في تضمنها للرد على الجبرية] وذلك من وجوه: أحدها: من إثبات عموم حمده سبحانه فإنه يقتضي أن لا يعاقب عبيده على ما لا قدرة لهم عليه ولا هو من فعلهم بل هو بمنزلة ألوانهم وطولهم وقصرهم بل هو يعاقبهم على نفس فعله بهم فهو الفاعل لقبائحهم في الحقيقة وهو المعاقب لهم عليها فحمده عليها يأبى ذلك أشد الإباء وينفيه أعظم النفي فتعالى من له الحمد كله عن ذلك علوا كبيرا بل إنما يعاقبهم على نفس أفعالهم التي فعلوها حقيقة فهي أفعالهم لا أفعاله وإنما أفعاله العدل والإحسان والخيرات. الوجه الثاني: إثبات رحمته ورحمانيته ينفي ذلك إذ لا يمكن اجتماع هذين(1\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13058",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأمرين قط أن يكون رحمانا رحيما ويعاقب العبد على ما لا قدرة له عليه ولا هو من فعله بل يكلفه ما لا يطيقه ولا له عليه قدرة البتة ثم يعاقبه عليه وهل هذا إلا ضد الرحمة ونقض لها وإبطال وهل يصح في معقول أحد اجتماع ذلك والرحمة التامة الكاملة في ذات واحدة . الوجه الثالث: إثبات العبادة والاستعانة لهم ونسبتها إليهم بقولهم quot; نعبد ونستعين quot; وهي نسبة حقيقية لا مجازية والله لا يصح وصفه بالعبادة والاستعانة التي هي من أفعال عبيده بل العبد حقيقة هو العابد المستعين والله هو المعبود المستعان به.  [فصل في تضمنها الرد على القائلين بالموجب بالذات دون الاختيار والمشيئة] فصل: في بيان تضمنها للرد على القائلين بالموجب بالذات دون الاختيار والمشيئة وبيان أنه سبحانه فاعل مختار وذلك من وجوه: أحدها: من إثبات حمده إذ كيف يحمد على ما ليس مختارا لوجوده ولا هو بمشيئته وفعله وهل يصح حمد الماء على آثاره وموجباته أو النار والحديد وغيرها في عقل أو فطرة وإنما يحمد الفاعل المختار بقدرته ومشيئته على أفعاله الحميدة هذا الذي ليس يصح في العقول والفطر سواه فخلافه خارج عن الفطرة والعقل وهو لا ينكر خروجه عن الشرائع والنبوات بل يتبجح بذلك ويعده فخرا. الثاني: إثبات ربوبيته تعالى يقتضي فعله بمشيئته واختياره وتدبيره وقدرته وليس يصح في عقل ولا فطرة ربوبية الشمس لضوئها والماء لتبريده وللنبات الحاصل به ولا ربوبية شيء أبدا لما لا قدرة له عليه البتة وهل هذا إلا تصريح بجحد الربوبية فالقوم كنوا للأغمار وصرحوا لأولي الأفهام.(1\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13059",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالث: إثبات ملكه وحصول ملك لمن لا اختيار له ولا فعل ولا مشيئة غير معقول بل كل مملوك له مشيئة واختيار وفعل أتم من هذا الملك وأكمل أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون [النحل: 17] . الرابع: من كونه مستعانا فإن الاستعانة بمن لا اختيار له ولا مشيئة ولا قدرة محال. الخامس: من كونه مسئولا أن يهدي عباده فسؤال من لا اختيار له محال وكذلك من كونه منعما.  [فصل في تضمنها للرد على منكري تعلق علمه تعالى بالجزئيات] فصل: في بيان تضمنها للرد على منكري تعلق علمه تعالى بالجزئيات وذلك من وجوه: أحدها: كمال حمده وكيف يستحق الحمد من لا يعلم شيئا من العالم وأحواله وتفاصيله ولا عدد الأفلاك ولا عدد النجوم ولا من يطيعه ممن يعصيه ولا من يدعوه ممن لا يدعوه الثاني: أن هذا مستحيل أن يكون إلها وأن يكون ربا فلا بد للإله المعبود(1\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13060",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والرب المدبر من أن يعلم عابده ويعلم حاله. الثالث: من إثبات رحمته فإنه يستحيل أن يرحم من لا يعلم. الرابع: إثبات ملكه فإن ملكا لا يعرف أحدا من رعيته البتة ولا شيئا من أحوال مملكته البتة ليس بملك بوجه من الوجوه. الخامس: كونه مستعانا. السادس: كونه مسئولا أن يهدي سائله ويجيبه. السابع: كونه هاديا. الثامن: كونه منعما. التاسع: كونه غضبان على من خالفه. العاشر: كونه مجازيا يدين الناس بأعمالهم يوم الدين. فنفي علمه بالجزئيات مبطل لذلك كله.  [فصل في بيان تضمنها للرد على منكري النبوات]  وذلك من وجوه: أحدها: إثبات حمده التام فإنه يقتضي كمال حكمته وأن لا يخلق خلقه عبثا ولا يتركهم سدى لا يؤمرون ولا ينهون ولذلك نزه الله نفسه عن هذا في غير موضع من كتابه وأخبر أن من أنكر الرسالة والنبوة وأن يكون ما أنزل على بشر من شيء فإنه ما عرفه حق معرفته ولا عظمه حق تعظيمه ولا قدره حق قدره بل نسبه إلى ما لا يليق به ويأباه حمده ومجده. فمن أعطى الحمد حقه علما ومعرفة وبصيرة استنبط منه quot; أشهد أن محمدا رسول الله quot; كما يستنبط منه أشهد أن لا إله إلا الله وعلم قطعا أن تعطيل النبوات في منافاته للحمد كتعطيل صفات الكمال وكإثبات الشركاء والأنداد. الثاني: إلهيته وكونه إلها فإن ذلك مستلزم لكونه معبودا مطاعا ولا سبيل إلى معرفة ما يعبد به ويطاع إلا من جهة رسله. الثالث: كونه ربا فإن الربوبية تقتضي أمر العباد ونهيهم وجزاء محسنهم(1\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13061",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بإحسانه ومسيئهم بإساءته هذا حقيقة الربوبية وذلك لا يتم إلا بالرسالة والنبوة. الرابع: كونه رحمانا رحيما فإن من كمال رحمته أن يعرف عباده نفسه وصفاته ويدلهم على ما يقربهم إليه ويباعدهم منه ويثيبهم على طاعته ويجزيهم بالحسنى وذلك لا يتم إلا بالرسالة والنبوة فكانت رحمته مقتضية لها. الخامس: ملكه فإن الملك يقتضي التصرف بالقول كما أن الملك يقتضي التصرف بالفعل فالملك هو المتصرف بأمره وقوله فتنفذ أوامره ومراسيمه حيث شاء والمالك هو المتصرف في ملكه بفعله والله له الملك وله الملك فهو المتصرف في خلقه بالقول والفعل. وتصرفه بقوله نوعان: تصرف بكلماته الكونية وتصرف بكلماته الدينية وكمال الملك بهما. فإرسال الرسل موجب كمال ملكه وسلطانه وهذا هو الملك المعقول في فطر الناس وعقولهم فكل ملك لا تكون له رسل يبثهم في أقطار مملكته فليس بملك. وبهذه الطريق يعلم وجود ملائكته وأن الإيمان بهم من لوازم الإيمان بملكه فإنهم رسل الله في خلقه وأمره. السادس: quot; ثبوت يوم quot; الدين وهو يوم الجزاء الذي يدين الله فيه العباد بأعمالهم خيرا وشرا وهذا لا يكون إلا بعد ثبوت الرسالة والنبوة وقيام الحجة التي بسببها يدان المطيع والعاصي. السابع: كونه معبودا فإنه لا يعبد إلا بما يحبه ويرضاه ولا سبيل للخلق إلى معرفة ما يحبه ويرضاه إلا من جهة رسله فإنكار رسله إنكار لكونه معبودا. الثامن: كونه هاديا إلى الصراط المستقيم وهو معرفة الحق والعمل به وهو أقرب الطرق الموصلة إلى المطلوب فإن الخط المستقيم: هو أقرب خط موصل بين نقطتين وذلك لا يعلم إلا من جهة الرسل فتوقفه على الرسل ضروري أعظم من توقف الطريق الحسي على سلامة الحواس. التاسع: كونه منعما على أهل الهداية إلى الصراط المستقيم: فإن إنعامه عليهم إنما تم بإرسال الرسل إليهم وجعلهم قابلين الرسالة مستجيبين لدعوته وبذلك ذكرهم منته عليهم وإنعامه في كتابه. العاشر: انقسام خلقه إلى منعم عليهم ومغضوب عليهم وضالين فإن هذا(1\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13062",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الانقسام ضروري بحسب انقسامهم في معرفة الحق والعمل به إلى عالم به عامل بموجبه وهم أهل النعمة وعالم به معاند له وهم أهل الغضب وجاهل به وهم الضالون هذا الانقسام إنما نشأ بعد إرسال الرسل فلولا الرسل لكانوا أمة واحدة فانقسامهم إلى هذه الأقسام مستحيل بدون الرسالة وهذا الانقسام ضروري بحسب الواقع فالرسالة ضرورية. وقد تبين لك بهذه الطريق والتي قبلها بيان تضمنها للرد على من أنكر المعاد الجسماني وقيامة الأبدان وعرفت اقتضاءها ضرورة لثبوت الثواب والعقاب والأمر والنهي وهو الحق الذي خلقت به وله السماوات والأرض والدنيا والآخرة وهو مقتضى الخلق والأمر ونفيه نفي لهما.  [فصل إذا ثبتت النبوات والرسالة ثبتت صفة التكلم والتكليم] فإن حقيقة الرسالة تبليغ كلام المرسل فإذا لم يكن ثم كلام فماذا يبلغ الرسول بل كيف يعقل كونه رسولا ولهذا قال غير واحد من السلف: من أنكر أن يكون الله متكلما أو يكون القرآن كلامه: فقد أنكر رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بل ورسالة جميع الرسل التي حقيقتها تبليغ كلام الله تبارك وتعالى ولهذا قال منكرو رسالته صلى الله عليه وسلم عن القرآن إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر [المدثر: 24] إنما عنوا القرآن المسموع الذي بلغوه وأنذروا به. فمن قال: إن الله لم يتكلم به فقد ضاهأ قوله قولهم: تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.  [فصل في بيان تضمنها للرد على من قال بقدم العالم]  وذلك من وجوه: أحدها: إثبات حمده فإنه يقتضي ثبوت أفعاله لاسيما وعامة مواد الحمد في القرآن أو كلها إنما هي على الأفعال وكذلك هو هاهنا فإنه حمد نفسه على ربوبيته(1\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13063",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المتضمنة لأفعاله الاختيارية ومن المستحيل مقارنة الفعل لفاعله هذا ممتنع في كل عقل سليم وفطرة مستقيمة فالفعل متأخر عن فاعله بالضرورة. وأيضا فإنه متعلق الإرادة والتأثير والقدرة ولا يكون متعلقها قديما البتة. الثاني: إثبات ربوبيته للعالمين وتقرير ما ذكرناه والعالم كل ما سواه فثبت أن كل ما سواه مربوب والمربوب مخلوق بالضرورة وكل مخلوق حادث بعد أن لم يكن فإذا ربوبيته تعالى لكل ما سواه تستلزم تقدمه عليه وحدوث المربوب ولا يتصور أن يكون العالم قديما وهو مربوب أبدا فإن القديم مستغن بأزليته عن فاعل له وكل مربوب فهو فقير بالذات فلا شيء من المربوب يغني ولا قديم. الثالث: إثبات توحيده فإنه يقتضي عدم مشاركة شيء من العالم له في خصائص الربوبية والقدرة من خصائص الربوبية فالتوحيد ينفي ثبوته لغيره ضرورة كما ينفي ثبوت الربوبية والإلهية لغيره.  [فصل في بيان تضمنها للرد على الرافضة]  وذلك من قوله اهدنا الصراط المستقيم [الفاتحة: 6] إلى آخرها. ووجه تضمنه إبطال قولهم: أنه سبحانه قسم الناس إلى ثلاثة أقسام: منعم عليهم وهم أهل الصراط المستقيم الذين عرفوا الحق واتبعوه ومغضوب عليهم(1\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13064",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهم الذين عرفوا الحق ورفضوه وضالون وهم الذين جهلوه فأخطئوه. فكل من كان أعرف للحق وأتبع له كان أولى بالصراط المستقيم. ولا ريب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم هم أولى بهذه الصفة من الروافض فإنه من المحال أن يكون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم جهلوا الحق وعرفه الروافض أو رفضوه وتمسك به الروافض. ثم إنا رأينا آثار الفريقين تدل على أهل الحق منهما فرأينا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحوا بلاد الكفر وقلبوها بلاد إسلام وفتحوا القلوب بالقرآن والعلم والهدى فآثارهم تدل على أنهم هم أهل الصراط المستقيم ورأينا الرافضة بالعكس في كل زمان ومكان فإنه قط ما قام للمسلمين عدو من غيرهم إلا كانوا أعوانهم على الإسلام وكم جروا على الإسلام وأهله من بلية وهل عاثت سيوف المشركين عباد الأصنام من عسكر هولاكو وذويه من التتار إلا من تحت رءوسهم وهل عطلت المساجد وحرقت المصاحف وقتل سروات المسلمين وعلماؤهم وعبادهم وخليفتهم إلا بسببهم ومن جرائهم ومظاهرتهم للمشركين والنصارى معلومة عند الخاصة والعامة وآثارهم في الدين معلومة. فأي الفريقين أحق بالصراط المستقيم وأيهم أحق بالغضب والضلال إن كنتم تعلمون ولهذا فسر السلف الصراط المستقيم وأهله: بأبي بكر وعمر وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وهو كما فسروه فإنه صراطهم الذي كانوا عليه وهو عين صراط نبيهم وهم الذين أنعم الله عليهم وغضب على أعدائهم وحكم لأعدائهم بالضلال وقال أبو العالية رفيع الرياحي والحسن البصري وهما من أجل التابعين(1\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13065",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ": quot; الصراط المستقيم: رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه quot; وقال أبو العالية أيضا في قوله quot; صراط الذين أنعمت عليهم [الفاتحة: 7] quot;: هم آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر quot; وهذا حق فإن آله وأبا بكر وعمر على طريق واحدة ولا خلاف بينهم وموالاة بعضهم بعضا وثناؤهم عليهما ومحاربة من حاربا ومسالمة من سالما معلومة عند الأمة خاصها وعامها وقال زيد بن أسلم: الذين أنعم الله عليهم هم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر. ولا ريب أن المنعم عليهم هم أتباعه والمغضوب عليهم هم الخارجون عن اتباعه وأتبع الأمة له وأطوعهم أصحابه وأهل بيته وأتبع الصحابة له السمع والبصر أبو بكر وعمر وأشد الأمة مخالفة له هم الرافضة فخلافهم له معلوم عند جميع فرق الأمة ولهذا يبغضون السنة وأهلها ويعادونها ويعادون أهلها فهم أعداء سنته صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وأتباعه من بنيهم أكمل ميراثا بل هم ورثته حقا. فقد تبين أن الصراط المستقيم طريق أصحابه وأتباعه وطريق أهل الغضب والضلال طريق الرافضة. وبهذه الطريق بعينها يرد على الخوارج فإن معاداتهم الصحابة معروفة.  [فصل سر الخلق والأمر والشرائع] وسر الخلق والأمر والكتب والشرائع والثواب والعقاب انتهى إلى هاتين الكلمتين وعليهما مدار العبودية والتوحيد حتى قيل: أنزل الله مائة كتاب وأربعة كتب جمع معانيها في التوراة والإنجيل والقرآن وجمع معاني هذه الكتب الثلاثة في القرآن وجمع معاني القرآن في المفصل وجمع معاني المفصل في الفاتحة ومعاني الفاتحة في إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] . وهما الكلمتان المقسومتان بين الرب وبين عبده نصفين فنصفهما له تعالى وهو quot; إياك نعبد quot; ونصفهما لعبده وهو quot; إياك نستعين quot;. وسيأتي سر هذا ومعناه إن شاء الله في موضعه. والعبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع والعرب تقول: طريق معبد أي مذلل والتعبد: التذلل والخضوع فمن أحببته ولم تكن خاضعا له لم(1\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13066",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تكن عابدا له ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدا له حتى تكون محبا خاضعا ومن هاهنا كان المنكرون محبة العباد لربهم منكرين حقيقة العبودية والمنكرون لكونه محبوبا لهم بل هو غاية مطلوبهم ووجهه الأعلى نهاية بغيتهم منكرين لكونه إلها وإن أقروا بكونه ربا للعالمين وخالقا لهم فهذا غاية توحيدهم وهو توحيد الربوبية الذي اعترف به مشركو العرب ولم يخرجوا به عن الشرك كما قال تعالى ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله [الزخرف: 87] وقال تعالى ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله [لقمان: 25]  قل لمن الأرض ومن فيها [المؤمنون: 84] إلى قوله سيقولون لله قل فأنى تسحرون [المؤمنون: 89] ولهذا يحتج عليهم به على توحيد إلهيته وأنه لا ينبغي أن يعبد غيره كما أنه لا خالق غيره ولا رب سواه. والاستعانة تجمع أصلين: الثقة بالله والاعتماد عليه فإن العبد قد يثق بالواحد من الناس ولا يعتمد عليه في أموره مع ثقته به لاستغنائه عنه وقد يعتمد عليه مع عدم ثقته به لحاجته إليه ولعدم من يقوم مقامه فيحتاج إلى اعتماده عليه مع أنه غير واثق به. والتوكل معنى يلتئم من أصلين: من الثقة والاعتماد وهو حقيقة quot; إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] quot; وهذان الأصلان وهما التوكل والعبادة قد ذكرا في القرآن في عدة مواضع قرن بينهما فيها هذا أحدها. الثاني: قول شعيب وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب [هود: 88] . الثالث: قوله تعالى ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه [هود: 123] . الرابع: قوله تعالى حكاية عن المؤمنين ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير [الممتحنة: 4] . الخامس: قوله تعالى واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا [المزمل: 8] .(1\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13067",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السادس: قوله تعالى قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب [الرعد: 30] . فهذه ستة مواضع يجمع فيها بين الأصلين وهما quot; إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] quot;. وتقديم quot; العبادة quot; على quot; الاستعانة quot; في الفاتحة من باب تقديم الغايات على الوسائل إذ quot; العبادة quot; غاية العباد التي خلقوا لها و quot; الاستعانة quot; وسيلة إليها ولأن quot; إياك نعبد [الفاتحة: 5] quot; متعلق بألوهيته واسمه quot; الله quot; quot; وإياك نستعين [الفاتحة: 5] quot; متعلق بربوبيته واسمه quot; الرب quot; فقدم quot; إياك نعبد [الفاتحة: 5] quot; على quot; إياك نستعين quot; كما قدم اسم quot; الله quot; على quot; الرب quot; في أول السورة ولأن quot; إياك نعبد quot; قسم quot; الرب quot; فكان من الشطر الأول الذي هو ثناء على الله تعالى لكونه أولى به و quot; إياك نستعين quot; قسم العبد فكان من الشطر الذي له وهو quot; اهدنا الصراط المستقيم [الفاتحة: 6] quot; إلى آخر السورة. ولأن quot; العبادة quot; المطلقة تتضمن quot; الاستعانة quot; من غير عكس فكل عابد لله عبودية تامة مستعين به ولا ينعكس لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به على شهواته فكانت العبادة أكمل وأتم ولهذا كانت قسم الرب. ولأن quot; الاستعانة quot; جزء من quot; العبادة quot; من غير عكس ولأن quot; الاستعانة quot; طلب منه و quot; العبادة quot; طلب له. ولأن quot; العبادة quot; لا تكون إلا من مخلص و quot; الاستعانة quot; تكون من مخلص ومن غير مخلص. ولأن quot; العبادة quot; حقه الذي أوجبه عليك و quot; الاستعانة quot; طلب العون على quot; العبادة quot; وهو بيان صدقته التي تصدق بها عليك وأداء حقه أهم من التعرض لصدقته. ولأن quot; العبادة quot; شكر نعمته عليك والله يحب أن يشكر والإعانة فعله بك وتوفيقه لك فإذا التزمت عبوديته ودخلت تحت رقها أعانك عليها فكان التزامها والدخول تحت رقها سببا لنيل الإعانة وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة من الله له أعظم.(1\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13068",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعبودية محفوفة بإعانتين: إعانة قبلها على التزامها والقيام بها وإعانة بعدها على عبودية أخرى وهكذا أبدا حتى يقضي العبد نحبه. ولأن quot; إياك نعبد quot; له و quot; إياك نستعين quot; به وما له مقدم على ما به لأن ما له متعلق بمحبته ورضاه وما به متعلق بمشيئته وما تعلق بمحبته أكمل مما تعلق بمجرد مشيئته فإن الكون كله متعلق بمشيئته والملائكة والشياطين والمؤمنون والكفار والطاعات والمعاصي والمتعلق بمحبته: طاعتهم وإيمانهم فالكفار أهل مشيئته والمؤمنون أهل محبته ولهذا لا يستقر في النار شيء لله أبدا وكل ما فيها فإنه به تعالى وبمشيئته. فهذه الأسرار يتبين بها حكمة تقديم quot; إياك نعبد quot; على quot; إياك نستعين quot;. وأما تقديم المعبود والمستعان على الفعلين ففيه: أدبهم مع الله بتقديم اسمه على فعلهم وفيه الاهتمام وشدة العناية به وفيه الإيذان بالاختصاص المسمى بالحصر فهو في قوة: لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك والحاكم في ذلك ذوق العربية والفقه فيها واستقراء موارد استعمال ذلك مقدما وسيبويه نص على الاهتمام ولم ينف غيره. ولأنه يقبح من القائل أن يعتق عشرة أعبد مثلا ثم يقول لأحدهم: إياك أعتقت ومن سمعه أنكر ذلك عليه وقال: وغيره أيضا أعتقت ولولا فهم الاختصاص لما قبح هذا الكلام ولا حسن إنكاره. وتأمل قوله تعالى وإياي فارهبون [البقرة: 40]  وإياي فاتقون [البقرة: 41] كيف تجده في قوة: لا ترهبوا غيري ولا تتقوا سواي وكذلك quot; إياك نعبد وإياك نستعين quot; هو في قوة: لا نعبد غيرك ولا نستعين بسواك وكل ذي ذوق سليم يفهم هذا الاختصاص من علة السياق. ولا عبرة بجدل من قل فهمه وفتح عليه باب الشك والتشكيك فهؤلاء هم آفة(1\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13069",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العلوم وبلية الأذهان والفهوم مع أن في ضمير quot; إياك quot; من الإشارة إلى نفس الذات والحقيقة ما ليس في الضمير المتصل ففي: إياك قصدت وأحببت من الدلالة على معنى حقيقتك وذاتك قصدي ما ليس في قولك: قصدتك وأحببتك وإياك أعني فيه معنى: نفسك وذاتك وحقيقتك أعني. ومن هاهنا قال من قال من النحاة: إن quot; إيا quot; اسم ظاهر مضاف إلى الضمير المتصل ولم يرد عليه برد شاف. ولولا أنا في شأن وراء هذا لأشبعنا الكلام في هذه المسألة وذكرنا مذاهب النحاة فيها ونصرنا الراجح ولعلنا أن نعطف على ذلك بعون الله. وفي إعادة quot; إياك quot; مرة أخرى دلالة على تعلق هذه الأمور بكل واحد من الفعلين ففي إعادة الضمير من قوة الاقتضاء لذلك ما ليس في حذفه فإذا قلت لملك مثلا: إياك أحب وإياك أخاف كان فيه من اختصاص الحب والخوف بذاته والاهتمام بذكره ما ليس في قولك: إياك أحب وأخاف.  [فصل أقسام الناس في العبادة والاستعانة] إذا عرفت هذا فالناس في هذين الأصلين وهما العبادة والاستعانة أربعة أقسام:(1\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "73",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13070",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أجلها وأفضلها: أهل العبادة والاستعانة بالله عليها فعبادة الله غاية مرادهم وطلبهم منه أن يعينهم عليها ويوفقهم للقيام بها ولهذا كان من أفضل ما يسأل الرب تبارك وتعالى الإعانة على مرضاته وهو الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لحبه معاذ بن جبل رضي الله عنه فقال يا معاذ والله إني لأحبك فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك . فأنفع الدعاء طلب العون على مرضاته وأفضل المواهب إسعافه بهذا المطلوب وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا وعلى دفع ما يضاده وعلى تكميله وتيسير أسبابه فتأملها. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته ثم رأيته في الفاتحة في إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] . ومقابل هؤلاء القسم الثاني وهم المعرضون عن عبادته والاستعانة به فلا عبادة ولا استعانة بل إن سأله أحدهم واستعان به فعلى حظوظه وشهواته لا على مرضاة ربه وحقوقه فإنه سبحانه يسأله من في السماوات والأرض يسأله أولياؤه وأعداؤه ويمد هؤلاء وهؤلاء وأبغض خلقه عدوه إبليس ومع هذا فقد سأله حاجة فأعطاه إياها ومتعه بها ولكن لما لم تكن عونا له على مرضاته كانت زيادة له في شقوته وبعده عن الله وطرده عنه وهكذا كل من استعان به على أمر وسأله إياه ولم يكن عونا على طاعته كان مبعدا له عن مرضاته قاطعا له عنه ولا بد. وليتأمل العاقل هذا في نفسه وفي غيره وليعلم أن إجابة الله لسائليه ليست لكرامة السائل عليه بل يسأله عبده الحاجة فيقضيها له وفيها هلاكه وشقوته ويكون قضاؤه له من هوانه عليه وسقوطه من عينه ويكون منعه منها لكرامته عليه ومحبته له فيمنعه حماية وصيانة وحفظا لا بخلا وهذا إنما يفعله بعبده الذي يريد كرامته ومحبته ويعامله بلطفه فيظن بجهله أن الله لا يحبه ولا يكرمه ويراه يقضي حوائج غيره فيسيء ظنه(1\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "74",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13071",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بربه وهذا حشو قلبه ولا يشعر به والمعصوم من عصمه الله والإنسان على نفسه بصيرة وعلامة هذا حمله على الأقدار وعتابه الباطن لها كما قيل: وعاجز الرأي مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا فوالله لو كشف عن حاصله وسره لرأى هناك معاتبة القدر واتهامه وأنه قد كان ينبغي أن يكون كذا وكذا ولكن ما حيلتي والأمر ليس إلي والعاقل خصم نفسه والجاهل خصم أقدار ربه. فاحذر كل الحذر أن تسأله شيئا معينا خيرته وعاقبته مغيبة عنك وإذا لم تجد من سؤاله بدا فعلقه على شرط علمه تعالى فيه الخيرة وقدم بين يدي سؤالك الاستخارة ولا تكن استخارة باللسان بلا معرفة بل استخارة من لا علم له بمصالحه ولا قدرة له عليها ولا اهتداء له إلى تفاصيلها ولا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا بل إن وكل إلى نفسه هلك كل الهلاك وانفرط عليه أمره. وإذا أعطاك ما أعطاك بلا سؤال تسأله أن يجعله عونا لك على طاعته وبلاغا إلى مرضاته ولا يجعله قاطعا لك عنه ولا مبعدا عن مرضاته ولا تظن أن عطاءه كل ما أعطى لكرامة عبده عليه ولا منعه كل ما يمنعه لهوان عبده عليه ولكن عطاءه ومنعه ابتلاء وامتحان يمتحن بهما عباده قال الله تعالى فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن - وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن - كلا [الفجر: 15 - 17] أي ليس كل من أعطيته ونعمته وخولته فقد أكرمته وما ذاك لكرامته علي ولكنه ابتلاء مني وامتحان له أيشكرني فأعطيه فوق ذلك أم يكفرني فأسلبه إياه وأخول فيه غيره وليس كل من ابتليته فضيقت عليه رزقه وجعلته بقدر لا يفضل عنه فذلك من هوانه علي ولكنه ابتلاء وامتحان مني له أيصبر فأعطيه أضعاف أضعاف ما فاته من سعة الرزق أم يتسخط فيكون حظه السخط . فرد الله سبحانه على من ظن أن سعة الرزق إكرام وأن الفقر إهانة فقال: لم أبتل عبدي بالغنى لكرامته علي ولم أبتله بالفقر لهوانه علي فأخبر أن الإكرام والإهانة لا يدوران على المال وسعة الرزق وتقديره فإنه سبحانه يوسع على الكافر لا لكرامته ويقتر على المؤمن لا لإهانته إنما يكرم من يكرمه بمعرفته ومحبته وطاعته ويهين من يهينه بالإعراض عنه ومعصيته فله الحمد على هذا وعلى هذا وهو الغني الحميد.(1\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "75",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13072",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعادت سعادة الدنيا والآخرة إلى إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] .  القسم الثالث: من له نوع عبادة بلا استعانة وهؤلاء نوعان: أحدهما: القدرية القائلون بأنه قد فعل بالعبد جميع مقدوره من الألطاف وأنه لم يبق في مقدوره إعانة له على الفعل فإنه قد أعانه بخلق الآلات وسلامتها وتعريف الطريق وإرسال الرسل وتمكينه من الفعل فلم يبق بعد هذا إعانة مقدورة يسأله إياها بل قد ساوى بين أوليائه وأعدائه في الإعانة فأعان هؤلاء كما أعان هؤلاء ولكن أولياءه اختاروا لنفوسهم الإيمان وأعداءه اختاروا لنفوسهم الكفر من غير أن يكون الله سبحانه وفق هؤلاء بتوفيق زائد أوجب لهم الإيمان وخذل هؤلاء بأمر آخر أوجب لهم الكفر فهؤلاء لهم نصيب منقوص من العبادة لا استعانة معه فهم موكولون إلى أنفسهم مسدود عليهم طريق الاستعانة والتوحيد قال ابن عباس رضي الله عنهما: الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن آمن بالله وكذب بقدره نقض تكذيبه توحيده. النوع الثاني: من لهم عبادات وأوراد ولكن حظهم ناقص من التوكل والاستعانة لم تتسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر وتلاشيها في ضمنه وقيامها به(1\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "76",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13073",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأنها بدون القدر كالموات الذي لا تأثير له بل كالعدم الذي لا وجود له وأن القدر كالروح المحرك لها والمعول على المحرك الأول. فلم تنفذ قوى بصائرهم من المتحرك إلى المحرك ومن السبب إلى المسبب ومن الآلة إلى الفاعل فضعفت عزائمهم وقصرت هممهم فقل نصيبهم من quot; إياك نستعين [الفاتحة: 5] quot; ولم يجدوا ذوق التعبد بالتوكل والاستعانة وإن وجدوا ذوقه بالأوراد والوظائف. فهؤلاء لهم نصيب من التوفيق والنفوذ والتأثير بحسب استعانتهم وتوكلهم ولهم من الخذلان والضعف والمهانة والعجز بحسب قلة استعانتهم وتوكلهم ولو توكل العبد على الله حق توكله في إزالة جبل عن مكانه وكان مأمورا بإزالته لأزاله. فإن قلت: فما معنى التوكل والاستعانة . قلت: هو حال للقلب ينشأ عن معرفته بالله والإيمان بتفرده بالخلق والتدبير والضر والنفع والعطاء والمنع وأنه ما شاء كان وإن لم يشأ الناس وما لم يشأ لم يكن وإن شاءه الناس فيوجب له هذا اعتمادا عليه وتفويضا إليه وطمأنينة به وثقة به ويقينا بكفايته لما توكل عليه فيه وأنه ملي به ولا يكون إلا بمشيئته شاءه الناس أم أبوه. فتشبه حالته حالة الطفل مع أبويه فيما ينويه من رغبة ورهبة هما مليان بهما فانظر في تجرد قلبه عن الالتفات إلى غير أبويه وحبس همه على إنزال ما ينويه بهما فهذه حال المتوكل ومن كان هكذا مع الله فالله كافيه ولا بد قال الله تعالى ومن يتوكل على الله فهو حسبه [الطلاق: 3] أي كافيه والحسب الكافي فإن كان مع هذا من أهل التقوى كانت له العاقبة الحميدة وإن لم يكن من أهل التقوى فهو. القسم الرابع: وهو من شهد تفرد الله بالنفع والضر وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ولم يدر مع ما يحبه ويرضاه فتوكل عليه واستعان به على حظوظه وشهواته وأغراضه وطلبها منه وأنزلها به فقضيت له وأسعف بها سواء كانت أموالا أو رياسة أو جاها عند الخلق أو أحوالا من كشف وتأثير وقوة وتمكين ولكن لا عاقبة له فإنها من جنس الملك الظاهر والأموال لا تستلزم الإسلام فضلا عن الولاية والقرب من الله فإن الملك والجاه والمال والحال معطاة للبر والفاجر والمؤمن والكافر فمن استدل بشيء من ذلك على محبة الله لمن آتاه إياه ورضاه عنه وأنه من أوليائه المقربين(1\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "77",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13074",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهو من أجهل الجاهلين وأبعدهم عن معرفة الله ومعرفة دينه والتمييز بين ما يحبه ويرضاه ويكرهه ويسخطه فالحال من الدنيا فهو كالملك والمال إن أعان صاحبه على طاعة الله ومرضاته وتنفيذ أوامره ألحقه بالملوك العادلين البررة وإلا فهو وبال على صاحبه ومبعد له عن الله وملحق له بالملوك الظلمة والأغنياء الفجرة.  [فصل لا يكون العبد متحققا بإياك نعبد إلا بمتابعة الرسول والإخلاص وأقسام الناس في ذلك] [أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة] فصل إذا عرف هذا فلا يكون العبد متحققا ب quot; إياك نعبد [الفاتحة: 5] quot; إلا بأصلين عظيمين: أحدهما: متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم. والثاني: الإخلاص للمعبود فهذا تحقيق quot; إياك نعبد [الفاتحة: 5] quot;. والناس منقسمون بحسب هذين الأصلين أيضا إلى أربعة أقسام: أحدها: أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة وهم أهل quot; إياك نعبد [الفاتحة: 5] quot; حقيقة فأعمالهم كلها لله وأقوالهم لله وعطاؤهم لله ومنعهم لله وحبهم لله وبغضهم لله فمعاملتهم ظاهرا وباطنا لوجه الله وحده لا يريدون بذلك من الناس جزاء ولا شكورا ولا ابتغاء الجاه عندهم ولا طلب المحمدة والمنزلة في قلوبهم ولا هربا من ذمهم بل قد عدوا الناس بمنزلة أصحاب القبور لا يملكون لهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فالعمل لأجل الناس وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم ورجاؤهم للضر والنفع منهم لا يكون من عارف بهم البتة بل من جاهل بشأنهم وجاهل بربه فمن عرف الناس أنزلهم منازلهم ومن عرف الله أخلص له أعماله وأقواله وعطاءه ومنعه وحبه وبغضه ولا يعامل أحد الخلق دون الله إلا لجهله بالله وجهله بالخلق وإلا فإذا عرف الله وعرف الناس آثر معاملة الله على معاملتهم. وكذلك أعمالهم كلها وعبادتهم موافقة لأمر الله ولما يحبه ويرضاه وهذا هو العمل الذي لا يقبل الله من عامل سواه وهو الذي بلا عباده بالموت والحياة لأجله قال الله تعالى الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا [الملك: 2] وجعل ما على الأرض زينة لها ليختبرهم أيهم أحسن عملا قال الفضيل بن عياض: العمل الحسن هو(1\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "78",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13075",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أخلصه وأصوبه قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص: ما كان لله والصواب: ما كان على السنة وهذا هو المذكور في قوله تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا [الكهف: 110] وفي قوله ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن [النساء: 125] فلا يقبل الله من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه على متابعة أمره وما عدا ذلك فهو مردود على عامله يرد عليه أحوج ما هو إليه هباء منثورا وفي الصحيح من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد وكل عمل بلا اقتداء فإنه لا يزيد عامله من الله إلا بعدا فإن الله تعالى إنما يعبد بأمره لا بالآراء والأهواء.  [من لا إخلاص له ولا متابعة] فصل الضرب الثاني: من لا إخلاص له ولا متابعة فليس عمله موافقا لشرع وليس هو خالصا للمعبود كأعمال المتزينين للناس المرائين لهم بما لم يشرعه الله ورسوله وهؤلاء شرار الخلق وأمقتهم إلى الله عز وجل ولهم أوفر نصيب من قوله لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم [آل عمران: 188] يفرحون بما أتوا من البدعة والضلالة والشرك ويحبون أن يحمدوا باتباع السنة والإخلاص.(1\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "79",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13076",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا الضرب يكثر فيمن انحرف من المنتسبين إلى العلم والفقر والعبادة عن الصراط المستقيم فإنهم يرتكبون البدع والضلالات والرياء والسمعة ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوه من الاتباع والإخلاص والعلم فهم أهل الغضب والضلال.  [مخلص في أعماله لكنها على غير متابعة الأمر] فصل الضرب الثالث: من هو مخلص في أعماله لكنها على غير متابعة الأمر كجهال العباد والمنتسبين إلى طريق الزهد والفقر وكل من عبد الله بغير أمره واعتقد عبادته هذه قربة إلى الله فهذا حاله كمن يظن أن سماع المكاء والتصدية قربة وأن الخلوة التي يترك فيها الجمعة والجماعة قربة وأن مواصلة صوم النهار بالليل قربة وأن صيام يوم فطر الناس كلهم قربة وأمثال ذلك.  [من أعماله على متابعة الأمر لكنها لغير الله] فصل الضرب الرابع: من أعماله على متابعة الأمر لكنها لغير الله كطاعة المرائين وكالرجل يقاتل رياء وحمية وشجاعة ويحج ليقال ويقرأ القرآن ليقال فهؤلاء أعمالهم ظاهرها أعمال صالحة مأمور بها لكنها غير صالحة فلا تقبل وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين [البينة: 5] فكل أحد لم يؤمر إلا بعبادة الله بما أمر والإخلاص له في العبادة وهم أهل quot; إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] quot;.  [فصل أهل مقام إياك نعبد لهم في أفضل العبادة وأنفعها وأحقها بالإيثار والتخصيص أربع طرق] فصل ثم أهل مقام quot; إياك نعبد [الفاتحة: 5] quot; لهم في أفضل العبادة وأنفعها وأحقها بالإيثار والتخصيص أربع طرق فهم في ذلك أربعة أصناف: الصنف الأول: عندهم أنفع العبادات وأفضلها أشقها على النفوس وأصعبها. قالوا: لأنه أبعد الأشياء عن هواها وهو حقيقة التعبد. قالوا: والأجر على قدر المشقة ورووا حديثا لا أصل له quot; أفضل الأعمال أحمزها quot; أي أصعبها وأشقها.(1\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "80",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13077",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهؤلاء: هم أهل المجاهدات والجور على النفوس. قالوا: وإنما تستقيم النفوس بذلك إذ طبعها الكسل والمهانة والإخلاد إلى الأرض فلا تستقيم إلا بركوب الأهوال وتحمل المشاق. الصنف الثاني قالوا: أفضل العبادات التجرد والزهد في الدنيا والتقلل منها غاية الإمكان واطراح الاهتمام بها وعدم الاكتراث بكل ما هو منها. ثم هؤلاء قسمان: فعوامهم ظنوا أن هذا غاية فشمروا إليه وعملوا عليه ودعوا الناس إليه وقالوا: هو أفضل من درجة العلم والعبادة فرأوا الزهد في الدنيا غاية كل عبادة ورأسها. وخواصهم رأوا هذا مقصودا لغيره وأن المقصود به عكوف القلب على الله وجمع الهمة عليه وتفريغ القلب لمحبته والإنابة إليه والتوكل عليه والاشتغال بمرضاته فرأوا أن أفضل العبادات في الجمعية على الله ودوام ذكره بالقلب واللسان والاشتغال بمراقبته دون كل ما فيه تفريق للقلب وتشتيت له. ثم هؤلاء قسمان فالعارفون المتبعون منهم إذا جاء الأمر والنهي بادروا إليه ولو فرقهم وأذهب جمعيتهم والمنحرفون منهم يقولون: المقصود من العبادة جمعية القلب على الله فإذا جاء ما يفرقه عن الله لم يلتفت إليه وربما يقول قائلهم: يطالب بالأوراد من كان غافلا ... فكيف بقلب كل أوقاته ورد . ثم هؤلاء أيضا قسمان منهم من يترك الواجبات والفرائض لجمعيته ومنهم من يقوم بها ويترك السنن والنوافل وتعلم العلم النافع لجمعيته. وسأل بعض هؤلاء شيخا عارفا فقال: إذا أذن المؤذن وأنا في جمعيتي على الله فإن قمت وخرجت نفقت وإن بقيت على حالي بقيت على جمعيتي فما الأفضل في حقي فقال: إذا أذن المؤذن وأنت تحت العرش فقم وأجب داعي الله ثم عد إلى موضعك وهذا لأن الجمعية على الله حظ الروح والقلب وإجابة الداعي حق الرب ومن آثر حظ روحه على حق ربه فليس من أهل quot; إياك نعبد [الفاتحة: 5] quot;. الصنف الثالث: رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها: ما كان فيه نفع متعد فرأوه(1\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "81",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13078",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أفضل من ذي النفع القاصر فرأوا خدمة الفقراء والاشتغال بمصالح الناس وقضاء حوائجهم ومساعدتهم بالمال والجاه والنفع أفضل فتصدوا له وعملوا عليه واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله رواه أبو يعلى. واحتجوا بأن عمل العابد قاصر على نفسه وعمل النفاع متعد إلى الغير وأين أحدهما من الآخر . قالوا: ولهذا كان فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب. قالوا: وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم وهذا التفضيل إنما هو للنفع المتعدي واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم إن الله وملائكته يصلون على معلمي(1\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "82",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13079",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الناس الخير وبقوله صلى الله عليه وسلم إن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في البحر والنملة في جحرها . واحتجوا بأن صاحب العبادة إذا مات انقطع عمله وصاحب النفع لا ينقطع عمله ما دام نفعه الذي نسب إليه. واحتجوا بأن الأنبياء إنما بعثوا بالإحسان إلى الخلق وهدايتهم ونفعهم في معاشهم ومعادهم لم يبعثوا بالخلوات والانقطاع عن الناس والترهب ولهذا أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على أولئك النفر الذين هموا بالانقطاع للتعبد وترك مخالطة الناس ورأى هؤلاء التفرق في أمر الله ونفع عباده والإحسان إليهم أفضل من الجمعية عليه بدون ذلك. الصنف الرابع قالوا: إن أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن. والأفضل في وقت حضور الضيف مثلا القيام بحقه والاشتغال به عن الورد المستحب وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل.(1\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "83",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13080",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والأفضل في أوقات السحر الاشتغال بالصلاة والقرآن والدعاء والذكر والاستغفار. والأفضل في وقت استرشاد الطالب وتعليم الجاهل الإقبال على تعليمه والاشتغال به. والأفضل في أوقات الأذان ترك ما هو فيه من ورده والاشتغال بإجابة المؤذن. والأفضل في أوقات الصلوات الخمس الجد والنصح في إيقاعها على أكمل الوجوه والمبادرة إليها في أول الوقت والخروج إلى الجامع وإن بعد كان أفضل. والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه أو البدن أو المال الاشتغال بمساعدته وإغاثة لهفته وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك. والأفضل في وقت قراءة القرآن جمعية القلب والهمة على تدبره وتفهمه حتى كأن الله تعالى يخاطبك به فتجمع قلبك على فهمه وتدبره والعزم على تنفيذ أوامره أعظم من جمعية قلب من جاءه كتاب من السلطان على ذلك. والأفضل في وقت الوقوف بعرفة الاجتهاد في التضرع والدعاء والذكر دون الصوم المضعف عن ذلك. والأفضل في أيام عشر ذي الحجة الإكثار من التعبد لاسيما التكبير والتهليل والتحميد فهو أفضل من الجهاد غير المتعين. والأفضل في العشر الأخير من رمضان لزوم المسجد فيه والخلوة والاعتكاف دون التصدي لمخالطة الناس والاشتغال بهم حتى إنه أفضل من الإقبال على تعليمهم العلم وإقرائهم القرآن عند كثير من العلماء. والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته عيادته وحضور جنازته وتشييعه وتقديم ذلك على خلوتك وجمعيتك. والأفضل في وقت نزول النوازل وأذاة الناس لك أداء واجب الصبر مع خلطتك بهم دون الهرب منهم فإن المؤمن الذي يخالط الناس ليصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه. والأفضل خلطتهم في الخير فهي خير من اعتزالهم فيه واعتزالهم في الشر فهو(1\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "84",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13081",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أفضل من خلطتهم فيه فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله أو قلله فخلطتهم حينئذ أفضل من اعتزالهم. فالأفضل في كل وقت وحال إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه. وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق والأصناف قبلهم أهل التعبد المقيد فمتى خرج أحدهم عن النوع الذي تعلق به من العبادة وفارقه يرى نفسه كأنه قد نقص وترك عبادته فهو يعبد الله على وجه واحد وصاحب التعبد المطلق ليس له غرض في تعبد بعينه يؤثره على غيره بل غرضه تتبع مرضاة الله تعالى أين كانت فمدار تعبده عليها فهو لا يزال متنقلا في منازل العبودية كلما رفعت له منزلة عمل على سيره إليها واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى فهذا دأبه في السير حتى ينتهي سيره فإن رأيت العلماء رأيته معهم وإن رأيت العباد رأيته معهم وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم وإن رأيت الذاكرين رأيته معهم وإن رأيت المتصدقين المحسنين رأيته معهم وإن رأيت أرباب الجمعية وعكوف القلب على الله رأيته معهم فهذا هو العبد المطلق الذي لم تملكه الرسوم ولم تقيده القيود ولم يكن عمله على مراد نفسه وما فيه لذتها وراحتها من العبادات بل هو على مراد ربه ولو كانت راحة نفسه ولذتها في سواه فهذا هو المتحقق ب quot; إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] quot; حقا القائم بهما صدقا ملبسه ما تهيأ ومأكله ما تيسر واشتغاله بما أمر الله به في كل وقت بوقته ومجلسه حيث انتهى به المكان ووجده خاليا لا تملكه إشارة ولا يتعبده قيد ولا يستولي عليه رسم حر مجرد دائر مع الأمر حيث دار يدين بدين الآمر أنى توجهت ركائبه ويدور معه حيث استقلت مضاربه يأنس به كل محق ويستوحش منه كل مبطل كالغيث حيث وقع نفع وكالنخلة لا يسقط ورقها وكلها منفعة حتى شوكها وهو موضع الغلظة منه على المخالفين لأمر الله والغضب إذا انتهكت محارم الله فهو لله وبالله ومع الله قد صحب الله بلا خلق وصحب الناس بلا نفس بل إذا كان مع الله عزل الخلائق عن البين وتخلى عنهم وإذا كان مع خلقه عزل نفسه من الوسط وتخلى عنها فواها له! ما أغربه بين الناس! وما أشد وحشته منهم! وما أعظم أنسه بالله وفرحه به وطمأنينته وسكونه إليه! ! والله المستعان وعليه التكلان.  [فصل منفعة العبادة وحكمتها ومقصودها وانقسام الناس في ذلك لأربعة أصناف] [نفاة التعليل] فصل ثم للناس في منفعة العبادة وحكمتها ومقصودها طرق أربعة وهم في ذلك أربعة أصناف.(1\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "85",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13082",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصنف الأول: نفاة الحكم والتعليل الذين يردون الأمر إلى محض المشيئة وصرف الإرادة فهؤلاء عندهم القيام بها ليس إلا لمجرد الأمر من غير أن تكون سببا لسعادة في معاش ولا معاد ولا سببا لنجاة وإنما القيام بها لمجرد الأمر ومحض المشيئة كما قالوا في الخلق: إنه لم يخلق ما خلقه لعلة ولا لغاية هي المقصودة به ولا لحكمة تعود إليه منه وليس في المخلوقات أسباب مقتضيات لمسبباتها ولا فيها قوى ولا طبائع فليست النار سببا للإحراق ولا الماء سببا للإرواء والبريد وإخراج النبات ولا فيه قوة ولا طبيعة تقتضي ذلك وحصول الإحراق والري ليس بهما لكن بإجراء العادة الاقترانية على حصول هذا عند هذا لا بسبب ولا بقوة قامت به وهكذا الأمر عندهم في أمره الشرعي سواء لا فرق في نفس الأمر بين المأمور والمحظور ولكن المشيئة اقتضت أمره بهذا ونهيه عن هذا من غير أن يقوم بالمأمور به صفة اقتضت حسنه ولا المنهي عنه صفة اقتضت قبحه. ولهذا الأصل لوازم وفروع كثيرة فاسدة وقد ذكرناها في كتابنا الكبير المسمى quot; مفتاح دار السعادة ومطلب أهل العلم والإرادة quot; وبينا فساد هذا الأصل من نحو ستين وجها وهو كتاب بديع في معناه وذكرناه أيضا في كتابنا المسمى quot; سفر الهجرتين وطريق السعادتين quot;. وهؤلاء لا يجدون حلاوة العبادة ولا لذتها ولا يتنعمون بها وليست الصلاة قرة أعينهم وليست الأوامر سرور قلوبهم وغذاء أرواحهم وحياتهم ولهذا يسمونها تكاليف أي قد كلفوا بها ولو سمى مدع لمحبة ملك من الملوك أو غيره ما يأمره به تكليفا وقال: إني إنما أفعله بكلفة لم يعده أحد محبا له ولهذا أنكر هؤلاء أو كثير منهم محبة العبد لربه وقالوا: إنما يحب ثوابه وما يخلقه له من النعيم الذي يتمتع به لا أنه يحب ذاته فجعلوا المحبة لمخلوقه دونه وحقيقة العبودية هي كمال المحبة فأنكروا حقيقة العبودية ولبها وحقيقة الإلهية كونه مألوها محبوبا بغاية الحب المقرون بغاية الذل والخضوع والإجلال والتعظيم فأنكروا كونه محبوبا وذلك إنكار لإلهيته وشيخ هؤلاء هو الجعد بن درهم الذي ضحى به خالد بن عبد الله القسري في يوم أضحى(1\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "86",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13083",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: إنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليما ولم يتخذ إبراهيم خليلا وإنما كان إنكاره لكونه تعالى محبوبا محبا لم ينكر حاجة إبراهيم إليه التي هي الخلة عند الجهمية التي يشترك فيها جميع الخلائق فكلهم أخلاء لله عندهم. وقد بينا فساد قولهم هذا وإنكارهم محبة الله من أكثر من ثمانين وجها في كتابنا المسمى quot; قرة عيون المحبين وروضة قلوب العارفين quot; وذكرنا فيه وجوب تعلق المحبة بالحبيب الأول من جميع طرق الأدلة النقلية والعقلية والذوقية والفطرية وأنه لا كمال للإنسان بدون ذلك البتة كما أنه لا كمال لجسمه إلا بالروح والحياة ولا لعينه إلا بالنور الباصر ولا لأذنه إلا بالسمع وأن الأمر فوق ذلك وأعظم.  [القدرية النفاة] فصل الصنف الثاني: القدرية النفاة الذين يثبتون نوعا من الحكمة والتعليل ولكن لا يقوم بالرب ولا يرجع إليه بل يرجع إلى مجرد مصلحة المخلوق ومنفعته. فعندهم: أن العبادات شرعت أثمانا لما يناله العباد من الثواب والنعيم وأنها بمنزلة استيفاء أجرة الأجير. قالوا: ولهذا يجعلها الله تعالى عوضا كقوله ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون [الأعراف: 43] وقوله ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون [النحل: 32] وقوله هل تجزون إلا ما كنتم تعملون [النمل: 90] وقوله صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه عز وجل يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها وقوله تعالى إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [الزمر: 10](1\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "87",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13084",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: وقد سماه الله سبحانه جزاء وأجرا وثوابا لأنه يثوب إلى العامل من عمله أي يرجع إليه منه. قالوا: ولولا ارتباطه بالعمل لم يكن لتسميته جزاء ولا أجرا ولا ثوابا معنى. قالوا: ويدل عليه الوزن فلولا تعلق الثواب والعقاب بالأعمال واقتضاؤها لها وكونها كالأثمان لها لم يكن للوزن معنى وقد قال تعالى والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون - ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون [الأعراف: 8 - 9] . وهاتان الطائفتان متقابلتان أشد التقابل وبينهما أعظم التباين. فالجبرية لم تجعل للأعمال ارتباطا بالجزاء البتة وجوزت أن يعذب الله من أفنى عمره في طاعته وينعم من أفنى عمره في معصيته وكلاهما بالنسبة إليه سواء وجوزت أن يرفع صاحب العمل القليل على من هو أعظم منه عملا وأكثر وأفضل درجات والكل عندهم راجع إلى محض المشيئة من غير تعليل ولا سبب ولا حكمة تقتضي تخصيص هذا بالثواب وهذا بالعقاب. والقدرية أوجبت على الله رعاية الأصلح وجعلت ذلك كله بمحض الأعمال وثمنا لها وأن وصول الثواب إلى العبد بدون عمله فيه تنغيص باحتمال منة الصدقة عليه بلا ثمن. فقاتلهم الله ما أجهلهم بالله وأغرهم به! جعلوا تفضله وإحسانه إلى عبده بمنزلة صدقة العبد على العبد حتى قالوا: إن إعطاءه ما يعطيه أجرة على عمله أحب إلى العبد وأطيب له من أن يعطيه فضلا منه بلا عمل. فقابلتهم الجبرية أشد المقابلة ولم يجعلوا للأعمال تأثيرا في الجزاء البتة. والطائفتان جائرتان منحرفتان عن الصراط المستقيم الذي فطر الله عليه عباده(1\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "88",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13085",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجاءت به الرسل ونزلت به الكتب وهو أن الأعمال أسباب موصلة إلى الثواب والعقاب مقتضية لهما كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها وأن الأعمال الصالحة من توفيق الله وفضله ومنه وصدقته على عبده إن أعانه عليها ووفقه لها وخلق فيه إرادتها والقدرة عليها وحببها إليه وزينها في قلبه وكره إليه أضدادها ومع هذا فليست ثمنا لجزائه وثوابه ولا هي على قدره بل غايتها إذا بذل العبد فيها نصحه وجهده وأوقعها على أكمل الوجوه أن تقع شكرا له على بعض نعمه عليه فلو طالبه بحقه لبقي عليه من الشكر على تلك النعمة بقية لم يقم بشكرها فلذلك لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا نفى النبي صلى الله عليه وسلم دخول الجنة بالعمل كما قال لن يدخل أحدا منكم الجنة عمله وفي لفظ: لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله وفي لفظ: لن ينجي أحدا منكم عمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل وأثبت سبحانه دخول الجنة بالعمل كما في قوله ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون [النحل: 32] ولا تنافي بينهما إذ توارد النفي والإثبات ليس على معنى واحد فالمنفي استحقاقها بمجرد الأعمال وكون الأعمال ثمنا وعوضا لها ردا على القدرية المجوسية التي زعمت أن التفضل بالثواب ابتداء متضمن لتكرير المنة. وهذه الطائفة من أجهل الخلق بالله وأغلظهم عنه حجابا وحق لهم أن يكونوا مجوس هذه الأمة ويكفي في جهلهم بالله أنهم لم يعلموا أن أهل سماواته وأرضه في منته وأن من تمام الفرح والسرور والغبطة واللذة اغتباطهم بمنة سيدهم ومولاهم الحق وأنهم إنما طاب لهم عيشهم بهذه المنة وأعظمهم منه منزلة وأقربهم إليه أعرفهم بهذه المنة وأعظمهم إقرارا بها وذكرا لها وشكرا عليها ومحبة له لأجلها فهل يتقلب أحد قط إلا في منته يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين [الحجرات: 17] .(1\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "89",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13086",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحتمال منة المخلوق إنما كانت نقصا لأنه نظيره فإذا من عليه استعلى عليه ورأى الممنون عليه نفسه دونه هذا مع أنه ليس في كل مخلوق فلرسول الله صلى الله عليه وسلم المنة على أمته وكان أصحابه يقولون: quot; الله ورسوله أمن quot; ولا نقص في منة الوالد على ولده ولا عار عليه في احتمالها وكذلك السيد على عبده فكيف برب العالمين الذي إنما يتقلب الخلائق في بحر منته عليهم ومحض صدقته عليهم بلا عوض منهم البتة وإن كانت أعمالهم أسبابا لما ينالونه من كرمه وجوده فهو المنان عليهم بأن وفقهم لتلك الأسباب وهداهم لها وأعانهم عليها وكملها لهم وقبلها منهم على ما فيها وهذا هو المعنى الذي أثبت به دخول الجنة في قوله بما كنتم تعملون [الأعراف: 43] . فهذه باء السببية ردا على القدرية والجبرية الذين يقولون: لا ارتباط بين الأعمال والجزاء ولا هي أسباب له وإنما غايتها أن تكون أمارات. قالوا: وليست أيضا مطردة لتخلف الجزاء عنها في الخير والشر فلم يبق إلا محض الأمر الكوني والمشيئة. فالنصوص مبطلة لقول هؤلاء كما هي مبطلة لقول أولئك وأدلة المعقول والفطرة أيضا تبطل قول الفريقين وتبين لمن له قلب ولب مقدار قول أهل السنة وهم الفرقة الوسط المثبتون لعموم مشيئة الله وقدرته وخلقه العباد وأعمالهم ولحكمته التامة المتضمنة ربط الأسباب بمسبباتها وانعقادها بها شرعا وقدرا وترتيبها عليها عاجلا وآجلا. وكل واحدة من الطائفتين المنحرفتين تركت نوعا من الحق وارتكبت لأجله نوعا من الباطل بل أنواعا وهدى الله أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم [البقرة: 213] و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم [الحديد: 21] .  [الذين زعموا أن فائدة العبادة رياضة النفوس] فصل الصنف الثالث: الذين زعموا أن فائدة العبادة رياضة النفوس واستعدادها لفيض العلوم عليها وخروج قواها عن قوى النفوس السبعية والبهيمية فلو عطلت عن(1\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "90",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13087",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العبادات لكانت من جنس نفوس السباع والبهائم والعبادات تخرجها عن مألوفاتها وعوائدها وتنقلها إلى مشابهة العقول المجردة فتصير عالمة قابلة لانتقاش صور العلوم والمعارف فيها وهذا يقوله طائفتان: إحداهما: من يقرب إلى النبوات والشرائع من الفلاسفة القائلين بقدم العالم وعدم انشقاق الأفلاك وعدم الفاعل المختار. الطائفة الثانية: من تفلسفت من صوفية الإسلام وتقرب إلى الفلاسفة فإنهم يزعمون أن العبادات رياضات لاستعداد النفوس وتجردها ومفارقتها العالم الحسي ونزول الواردات والمعارف عليها. ثم من هؤلاء من لا يوجب العبادات إلا لهذا المعنى فإذا حصل لها بقي مخيرا في حفظه أو رده أو الاشتغال بالوارد عنها ومنهم من يوجب القيام بالأوراد والوظائف وعدم الإخلال بها وهم صنفان أيضا: أحدهما: من يوجبونه حفظا للقانون وضبطا للنفوس. والآخرون: الذين يوجبونه حفظا للوارد وخوفا من تدرج النفس بمفارقتها له إلى حالتها الأولى من البهيمية. فهذه نهاية أقدام المتكلمين على طريق السلوك وغاية معرفتهم بحكم العبادة وما شرعت لأجله ولا تكاد تجد في كتب القوم غير هذه الطرق الثلاثة على سبيل الجمع أو على سبيل البدل.  [الطائفة المحمدية الإبراهيمية] فصل وأما الصنف الرابع: فهم الطائفة المحمدية الإبراهيمية أتباع الخليلين العارفون بالله وحكمته في أمره وشرعه وخلقه وأهل البصائر في عبادته ومراده بها. فالطوائف الثلاث محجوبون عنهم بما عندهم من الشبه الباطلة والقواعد الفاسدة ما عندهم وراء ذلك شيء قد فرحوا بما عندهم من المحال وقنعوا بما ألفوه(1\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "91",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13088",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من الخيال ولو علموا أن وراءه ما هو أجل منه وأعظم لما ارتضوا بدونه ولكن عقولهم قصرت عنه ولم يهتدوا إليه بنور النبوة ولم يشعروا به ليجتهدوا في طلبه ورأوا أن ما معهم خير من الجهل ورأوا تناقض ما مع غيرهم وفساده. فتركب من هذه الأمور إيثار ما عندهم على ما سواه وهذه بلية الطوائف والمعافى من عافاه الله.  [فصل سر العبودية وغايتها وحكمتها] فصل فاعلم أن سر العبودية وغايتها وحكمتها إنما يطلع عليها من عرف صفات الرب عز وجل ولم يعطلها وعرف معنى الإلهية وحقيقتها ومعنى كونه إلها بل هو الإله الحق وكل إله سواه فباطل بل أبطل الباطل وأن حقيقة الإلهية لا تنبغي إلا له وأن العبادة موجب إلهيته وأثرها ومقتضاها وارتباطها بها كارتباط متعلق الصفات بالصفات وكارتباط المعلوم بالعلم والمقدور بالقدرة والأصوات بالسمع والإحسان بالرحمة والعطاء بالجود. فمن أنكر حقيقة الإلهية ولم يعرفها كيف يستقيم له معرفة حكمة العبادات وغاياتها ومقاصدها وما شرعت لأجله كيف يستقيم له العلم بأنها هي الغاية المقصودة بالخلق والتي لها خلقوا ولها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب ولأجلها خلقت الجنة والنار وأن فرض تعطيل الخليقة عنها نسبة لله إلى ما لا يليق به ويتعالى عنه من خلق السماوات والأرض بالحق ولم يخلقهما باطلا ولم يخلق الإنسان عبثا ولم يتركه سدى مهملا قال تعالى أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون [المؤمنون: 115] أي لغير شيء ولا حكمة ولا لعبادتي ومجازاتي لكم وقد صرح تعالى بهذا في قوله وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56] فالعبادة هي الغاية التي خلق لها الجن والإنس والخلائق كلها قال الله تعالى أيحسب الإنسان أن يترك سدى [القيامة: 36] أي مهملا قال الشافعي: لا يؤمر ولا ينهى وقال غيره: لا يثاب ولا يعاقب والصحيح الأمران فإن الثواب والعقاب مترتبان على الأمر والنهي والأمر والنهي طلب العبادة وإرادتها وحقيقة العبادة امتثالهما وقال تعالى ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار [آل عمران: 191](1\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "92",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13089",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق [الحجر: 85] وقال وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت [الجاثية: 22] . فأخبر أنه خلق السماوات والأرض بالحق المتضمن أمره ونهيه وثوابه وعقابه. فإذا كانت السماوات والأرض وما بينهما خلقت لهذا وهو غاية الخلق فكيف يقال إنه لا علة له ولا حكمة مقصودة هي غايته أو إن ذلك لمجرد استئجار العباد حتى لا ينكد عليهم الثواب بالمنة أو لمجرد استعداد النفوس للمعارف العقلية وارتياضها بمخالفة العوائد . فليتأمل اللبيب الفرقان بين هذه الأقوال وبين ما دل عليه صريح الوحي يجد أن أصحاب هذه الأقوال ما قدروا الله حق قدره ولا عرفوه حق معرفته. فالله تعالى إنما خلق الخلق لعبادته الجامعة لكمال محبته مع الخضوع له والانقياد لأمره. فأصل العبادة: محبة الله بل إفراده بالمحبة وأن يكون الحب كله لله فلا يحب معه سواه وإنما يحب لأجله وفيه كما يحب أنبياءه ورسله وملائكته وأولياءه فمحبتنا لهم من تمام محبته وليست محبة معه كمحبة من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحبه. وإذا كانت المحبة له هي حقيقة عبوديته وسرها فهي إنما تتحقق باتباع أمره واجتناب نهيه فعند اتباع الأمر واجتناب النهي تتبين حقيقة العبودية والمحبة ولهذا جعل تعالى اتباع رسوله علما عليها وشاهدا لمن ادعاها فقال تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله [آل عمران: 31] فجعل اتباع رسوله مشروطا بمحبتهم لله وشرطا لمحبة الله لهم ووجود المشروط ممتنع بدون وجود شرطه وتحققه بتحققه فعلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة فانتفاء محبتهم لله لازم لانتفاء المتابعة لرسوله وانتفاء المتابعة ملزوم لانتفاء محبة الله لهم فيستحيل إذا ثبوت محبتهم لله وثبوت محبة الله لهم بدون المتابعة لرسوله. ودل على أن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي حب الله ورسوله وطاعة أمره ولا يكفي(1\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "93",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13090",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك في العبودية حتى يكون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما فلا يكون عنده شيء أحب إليه من الله ورسوله ومتى كان عنده شيء أحب إليه منهما فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله لصاحبه البتة ولا يهديه الله قال الله تعالى قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين [التوبة: 24] . فكل من قدم طاعة أحد من هؤلاء على طاعة الله ورسوله أو قول أحد منهم على قول الله ورسوله أو مرضاة أحد منهم على مرضاة الله ورسوله أو خوف أحد منهم ورجاءه والتوكل عليه على خوف الله ورجائه والتوكل عليه أو معاملة أحدهم على معاملة الله فهو ممن ليس الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وإن قاله بلسانه فهو كذب منه وإخبار بخلاف ما هو عليه وكذلك من قدم حكم أحد على حكم الله ورسوله فذلك المقدم عنده أحب إليه من الله ورسوله لكن قد يشتبه الأمر على من يقدم قول أحد أو حكمه أو طاعته أو مرضاته ظنا منه أنه لا يأمر ولا يحكم ولا يقول إلا ما قاله الرسول فيطيعه ويحاكم إليه ويتلقى أقواله كذلك فهذا معذور إذا لم يقدر على غير ذلك وأما إذا قدر على الوصول إلى الرسول وعرف أن غير من اتبعه هو أولى به مطلقا أو في بعض الأمور ولم يلتفت إلى الرسول ولا إلى من هو أولى به فهذا الذي يخاف عليه وهو داخل تحت الوعيد فإن استحل عقوبة من خالفه وأذله ولم يوافقه على اتباع شيخه فهو من الظلمة المعتدين وقد جعل الله لكل شيء قدرا.  [فصل بناء إياك نعبد على أربع قواعد] فصل وبنى quot; إياك نعبد [الفاتحة: 5] quot; على أربع قواعد: التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه من قول اللسان والقلب وعمل القلب والجوارح. فالعبودية: اسم جامع لهذه المراتب الأربع فأصحاب quot; إياك نعبد [الفاتحة: 5] quot; حقا هم أصحابها. فقول القلب: هو اعتقاد ما أخبر الله سبحانه به عن نفسه وعن أسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته ولقائه على لسان رسله.(1\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "94",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13091",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقول اللسان: الإخبار عنه بذلك والدعوة إليه والذب عنه وتبيين بطلان البدع المخالفة له والقيام بذكره وتبليغ أوامره. وعمل القلب: كالمحبة له والتوكل عليه والإنابة إليه والخوف منه والرجاء له وإخلاص الدين له والصبر على أوامره وعن نواهيه وعلى أقداره والرضى به وعنه والموالاة فيه والمعاداة فيه والذل له والخضوع والإخبات إليه والطمأنينة به وغير ذلك من أعمال القلوب التي فرضها أفرض من أعمال الجوارح ومستحبها أحب إلى الله من مستحبها وعمل الجوارح بدونها إما عديم المنفعة أو قليل المنفعة. وأعمال الجوارح: كالصلاة والجهاد ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات ومساعدة العاجز والإحسان إلى الخلق ونحو ذلك. ف quot; إياك نعبد [الفاتحة: 5] quot; التزام لأحكام هذه الأربعة وإقرار بها quot; وإياك نستعين [الفاتحة: 5] quot; طلب للإعانة عليها والتوفيق لها و quot; اهدنا الصراط المستقيم [الفاتحة: 6] quot; متضمن للتعريف بالأمرين على التفصيل وإلهام القيام بهما وسلوك طريق السالكين إلى الله بها.  [فصل دعوة جميع الرسل إلى إياك نعبد وإياك نستعين] فصل وجميع الرسل إنما دعوا إلى quot; إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] quot; فإنهم كلهم دعوا إلى توحيد الله وإخلاص عبادته من أولهم إلى آخرهم فقال نوح عليه السلام لقومه اعبدوا الله ما لكم من إله غيره [الأعراف: 59] وكذلك قال هود وصالح وشعيب عليهم السلام وإبراهيم عليه السلام قال الله تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت [النحل: 36] وقال وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون [الأنبياء: 25] وقال تعالى ياأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم - وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون [المؤمنون: 51 - 52] .  [فصل الله تعالى جعل العبودية وصف أكمل خلقه] فصل والله تعالى جعل العبودية وصف أكمل خلقه وأقربهم إليه فقال(1\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "95",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13092",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا [النساء: 172] وقال إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون [الأعراف: 206] وهذا يبين أن الوقف التام في قوله في سورة الأنبياء وله من في السماوات والأرض [الأنبياء: 19] هاهنا ثم يبتدئ ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون [الأنبياء: 19] فهما جملتان تامتان مستقلتان أي إن له من في السماوات ومن في الأرض عبيدا وملكا ثم استأنف جملة أخرى فقال ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته [الأنبياء: 19] يعني أن الملائكة الذين عنده لا يستكبرون عن عبادته يعني لا يأنفون عنها ولا يتعاظمون ولا يستحسرون فيعيون وينقطعون يقال: حسر واستحسر إذا تعب وأعيا بل عبادتهم وتسبيحهم كالنفس لبني آدم فالأول وصف لعبيد ربوبيته والثاني وصف لعبيد إلهيته وقال تعالى وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا [الفرقان: 63] إلى آخر السورة وقال عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا [الإنسان: 6] وقال واذكر عبدنا داود [ص: 17] وقال واذكر عبدنا أيوب [ص: 41] وقال واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب [ص: 45] وقال عن سليمان نعم العبد إنه أواب [ص: 30] وقال عن المسيح إن هو إلا عبد أنعمنا عليه [الزخرف: 59] فجعل غايته العبودية لا الإلهية كما يقول أعداؤه النصارى ووصف أكرم خلقه عليه وأعلاهم عنده منزلة بالعبودية في أشرف مقاماته فقال تعالى وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا [البقرة: 23] وقال تبارك وتعالى تبارك الذي نزل الفرقان على عبده [الفرقان: 1] وقال الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب [الكهف: 1] فذكره بالعبودية في مقام إنزال الكتاب عليه وفي مقام التحدي بأن يأتوا(1\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "96",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13093",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بمثله وقال وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا [الجن: 19] فذكره بالعبودية في مقام الدعوة إليه وقال سبحان الذي أسرى بعبده ليلا [الإسراء: 1] فذكره بالعبودية في مقام الإسراء وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله وفي الحديث أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو قال: قرأت في التوراة صفة محمد صلى الله عليه وسلم: محمد رسول الله عبدي ورسولي سميته المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر. وجعل الله سبحانه البشارة المطلقة لعباده فقال تعالى فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه [الزمر: 17] وجعل الأمن المطلق لهم فقال تعالى ياعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون - الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين [الزخرف: 68 - 69] وعزل الشيطان عن سلطانه عليهم خاصة وجعل سلطانه على من تولاه وأشرك به فقال إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين [الحجر: 42] وقال(1\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "97",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13094",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون - إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون [النحل: 99 - 100] . وجعل النبي صلى الله عليه وسلم إحسان العبودية أعلى مراتب الدين وهو الإحسان فقال في حديث جبريل وقد سأله عن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك .  [فصل في لزوم إياك نعبد لكل عبد إلى الموت] قال الله تعالى لرسوله واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [الحجر: 99] وقال أهل النار وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين [المدثر: 46] واليقين هاهنا هو الموت بإجماع أهل التفسير وفي الصحيح في قصة موت عثمان بن مظعون رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أما عثمان فقد جاءه اليقين من ربه أي الموت وما فيه  فلا ينفك العبد من العبودية ما دام في دار التكليف بل عليه في البرزخ عبودية أخرى لما يسأله الملكان من كان يعبد وما يقول في رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلتمسان منه الجواب وعليه عبودية أخرى يوم القيامة يوم يدعو الله الخلق كلهم إلى السجود فيسجد المؤمنون ويبقى الكفار والمنافقون لا يستطيعون السجود فإذا دخلوا دار الثواب والعقاب انقطع التكليف هناك وصارت عبودية أهل الثواب تسبيحا مقرونا بأنفاسهم لا يجدون له تعبا ولا نصبا. ومن زعم أنه يصل إلى مقام يسقط عنه فيه التعبد فهو زنديق كافر بالله(1\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "98",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13095",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبرسوله وإنما وصل إلى مقام الكفر بالله والانسلاخ من دينه بل كلما تمكن العبد في منازل العبودية كانت عبوديته أعظم والواجب عليه منها أكبر وأكثر من الواجب على من دونه ولهذا كان الواجب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بل على جميع الرسل أعظم من الواجب على أممهم والواجب على أولي العزم أعظم من الواجب على من دونهم والواجب على أولي العلم أعظم من الواجب على من دونهم وكل أحد بحسب مرتبته.  [فصل في انقسام العبودية إلى عامة وخاصة] العبودية نوعان: عامة وخاصة. فالعبودية العامة عبودية أهل السماوات والأرض كلهم لله برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم فهذه عبودية القهر والملك قال تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا - لقد جئتم شيئا إدا - تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا - أن دعوا للرحمن ولدا - وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا - إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا [مريم: 88 - 93] فهذا يدخل فيه مؤمنهم وكافرهم. وقال تعالى ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء [الفرقان: 17] فسماهم عباده مع ضلالهم لكن تسمية مقيدة بالإشارة وأما المطلقة فلم تجئ إلا لأهل النوع الثاني كما سيأتي بيانه إن شاء الله. وقال تعالى قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون [الزمر: 46] وقال وما الله يريد ظلما للعباد [غافر: 31] وقال(1\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "99",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13096",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن الله قد حكم بين العباد [غافر: 48] فهذا يتناول العبودية الخاصة والعامة. وأما النوع الثاني: فعبودية الطاعة والمحبة واتباع الأوامر قال تعالى ياعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون [الزخرف: 68] وقال فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه [الزمر: 17] وقال وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما [الفرقان: 63] وقال تعالى عن إبليس ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين [الحجر: 39] فقال تعالى عنهم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان [الحجر: 42] . فالخلق كلهم عبيد ربوبيته وأهل طاعته وولايته هم عبيد إلهيته. ولا يجيء في القرآن إضافة العباد إليه مطلقا إلا لهؤلاء. وأما وصف عبيد ربوبيته بالعبودية فلا يأتي إلا على أحد خمسة أوجه: إما منكرا كقوله إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا [مريم: 93] والثاني معرفا باللام كقوله وما الله يريد ظلما للعباد [غافر: 31]  إن الله قد حكم بين العباد [غافر: 48] . الثالث: مقيدا بالإشارة أو نحوها كقوله أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء [الفرقان: 17] . الرابع: أن يذكروا في عموم عباده فيندرجوا مع أهل طاعته في الذكر كقوله أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون [الزمر: 46] . الخامس: أن يذكروا موصوفين بفعلهم كقوله قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله [الزمر: 53] .(1\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "100",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13097",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد يقال: إنما سماهم عباده إذ لم يقنطوا من رحمته وأنابوا إليه واتبعوا أحسن ما أنزل إليهم من ربهم فيكونوا من عبيد الإلهية والطاعة. وإنما انقسمت العبودية إلى خاصة وعامة لأن أصل معنى اللفظة الذل والخضوع يقال طريق معبد إذا كان مذللا بوطء الأقدام وفلان عبده الحب إذا ذلله لكن أولياؤه خضعوا له وذلوا طوعا واختيارا وانقيادا لأمره ونهيه وأعداؤه خضعوا له قهرا ورغما. ونظير انقسام العبودية إلى خاصة وعامة انقسام القنوت إلى خاص وعام والسجود كذلك قال تعالى في القنوت الخاص أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه [الزمر: 9] وقال في حق مريم وكانت من القانتين [التحريم: 12] وهو كثير في القرآن. وقال في القنوت العام وله من في السماوات والأرض كل له قانتون [الروم: 26] أي خاضعون أذلاء. وقال في السجود الخاص إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون [الأعراف: 206] وقال إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا [مريم: 58] وهو كثير في القرآن. وقال في السجود العام ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال [الرعد: 15] . ولهذا كان هذا السجود الكره غير السجود المذكور في قوله ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس [الحج: 18] فخص بالسجود هنا كثيرا من الناس وعمهم بالسجود في سورة النحل ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة [النحل: 49] وهو سجود(1\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "101",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13098",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذل والقهر والخضوع فكل أحد خاضع لربوبيته ذليل لعزته مقهور تحت سلطانه تعالى.  [فصل في مراتب إياك نعبد علما وعملا] للعبودية مراتب بحسب العلم والعمل فأما مراتبها العلمية فمرتبتان: إحداهما: العلم بالله والثانية: العلم بدينه. فأما العلم به سبحانه فخمس مراتب: العلم بذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه وتنزيهه عما لا يليق به. والعلم بدينه مرتبتان إحداهما: دينه الأمري الشرعي وهو الصراط المستقيم الموصل إليه. والثانية: دينه الجزائي المتضمن ثوابه وعقابه وقد دخل في هذا العلم العلم بملائكته وكتبه ورسله. وأما مراتبها العلمية فمرتبتان: مرتبة لأصحاب اليمين ومرتبة للسابقين المقربين. فأما مرتبة أصحاب اليمين: فأداء الواجبات وترك المحرمات مع ارتكاب المباحات وبعض المكروهات وترك بعض المستحبات. وأما رتبة المقربين: فالقيام بالواجبات والمندوبات وترك المحرمات والمكروهات زاهدين فيما لا ينفعهم في معادهم متورعين عما يخافون ضرره. وخاصتهم قد انقلبت المباحات في حقهم طاعات وقربات بالنية فليس في(1\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "102",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13099",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حقهم مباح متساوي الطرفين بل كل أعمالهم راجحة ومن دونهم يترك المباحات مشتغلا عنها بالعبادات وهؤلاء يأتونها طاعات وقربات ولأهل هاتين المرتبتين درجات لا يحصيها إلا الله.  [فصل مراتب العبودية وهي خمس عشرة مرتبة] [عبادة القلب] فصل ورحى العبودية تدور على خمس عشرة قاعدة من كملها كمل مراتب العبودية. وبيانها أن العبودية منقسمة على القلب واللسان والجوارح وعلى كل منها عبودية تخصه. والأحكام التي للعبودية خمسة: واجب ومستحب وحرام ومكروه ومباح وهي لكل واحد من القلب واللسان والجوارح. فواجب القلب منه متفق على وجوبه ومختلف فيه. فالمتفق على وجوبه كالإخلاص والتوكل والمحبة والبر والإنابة والخوف والرجاء والتصديق الجازم والنية في العبادة وهذه قدر زائد على الإخلاص فإن الإخلاص هو إفراد المعبود عن غيره.(1\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "103",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13100",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونية العبادة لها مرتبتان: إحداهما: تمييز العبادة عن العادة. والثانية: تمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض. والأقسام الثلاثة واجبة. وكذلك الصدق والفرق بينه وبين الإخلاص أن للعبد مطلوبا وطلبا فالإخلاص توحيد مطلوبه والصدق توحيد طلبه. فالإخلاص: أن لا يكون المطلوب منقسما والصدق: أن لا يكون الطلب منقسما فالصدق بذل الجهد والإخلاص إفراد المطلوب. واتفقت الأمة على وجوب هذه الأعمال على القلب من حيث الجملة. وكذلك النصح في العبودية ومدار الدين عليه وهو بذل الجهد في إيقاع العبودية على الوجه المحبوب للرب المرضي له وأصل هذا واجب وكماله مرتبة المقربين. وكذلك كل واحد من هذه الواجبات القلبية له طرفان واجب مستحق وهو مرتبة أصحاب اليمين وكمال مستحب وهو مرتبة المقربين. وكذلك الصبر واجب باتفاق الأمة قال الإمام أحمد: ذكر الله الصبر في تسعين موضعا من القرآن أو بضعا وتسعين وله طرفان أيضا: واجب مستحق وكمال مستحب. وأما المختلف فيه فكالرضا فإن في وجوبه قولين للفقهاء والصوفية والقولان لأصحاب أحمد فمن أوجبه قال: السخط حرام ولا خلاص عنه إلا بالرضا وما لا خلاص عن الحرام إلا به فهو واجب. واحتجوا بأثر quot; من لم يصبر على بلائي ولم يرض بقضائي فليتخذ ربا سواي quot;.(1\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "104",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13101",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن قال: هو مستحب قال: لم يجئ الأمر به في القرآن ولا في السنة بخلاف الصبر فإن الله أمر به في مواضع كثيرة من كتابه وكذلك التوكل قال إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين [يونس: 84] وأمر بالإنابة فقال وأنيبوا إلى ربكم [الزمر: 54] وأمر بالإخلاص كقوله وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين [البينة: 5] وكذلك الخوف كقوله فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين [آل عمران: 175] وقوله فلا تخشوهم واخشوني [البقرة: 150] وقوله وإياي فارهبون [البقرة: 40] وكذلك الصدق قال تعالى ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين [التوبة: 119] وكذلك المحبة وهي أفرض الواجبات إذ هي قلب العبادة المأمور بها ومخها وروحها. وأما الرضا فإنما جاء في القرآن مدح أهله والثناء عليهم لا الأمر به. قالوا: وأما الأثر المذكور فإسرائيلي لا يحتج به. قالوا: وفي الحديث المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم إن استطعت أن تعمل الرضا مع اليقين فافعل فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره النفس خيرا كثيرا وهو في بعض السنن. قالوا: وأما قولكم quot; لا خلاص عن السخط إلا به quot; فليس بلازم فإن مراتب الناس في المقدور ثلاثة: الرضا وهو أعلاها والسخط وهو أسفلها والصبر عليه بدون الرضا به وهو أوسطها فالأولى للمقربين السابقين والثالثة للمقتصدين والثانية(1\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "105",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13102",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للظالمين وكثير من الناس يصبر على المقدور فلا يسخط وهو غير راض به فالرضا أمر آخر. وقد أشكل على بعض الناس اجتماع الرضا مع التألم وظن أنهما متباينان وليس كما ظنه فالمريض الشارب للدواء الكريه متألم به راض به والصائم في شهر رمضان في شدة الحر متألم بصومه راض به والبخيل متألم بإخراج زكاة ماله راض بها فالتألم كما لا ينافي الصبر لا ينافي الرضا به. وهذا الخلاف بينهم إنما هو في الرضا بقضائه الكوني وأما الرضا به ربا وإلها والرضا بأمره الديني فمتفق على فرضيته بل لا يصير العبد مسلما إلا بهذا الرضا أن يرضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا. ومن هذا أيضا اختلافهم في الخشوع في الصلاة وفيه قولان للفقهاء وهما في مذهب أحمد وغيره. وعلى القولين اختلافهم في وجوب الإعادة على من غلب عليه الوسواس في صلاته فأوجبها ابن حامد من أصحاب أحمد وأبو حامد الغزالي في إحيائه ولم يوجبها أكثر الفقهاء. واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من سها في صلاته بسجدتي السهو ولم يأمره بالإعادة مع قوله إن الشيطان يأتي أحدكم في صلاته فيقول: اذكر كذا اذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يضل الرجل أن يدري كم صلى ولكن لا نزاع أن هذه الصلاة لا يثاب على شيء منها إلا بقدر حضور قلبه وخضوعه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن العبد لينصرف من الصلاة ولم يكتب له إلا نصفها ثلثها ربعها حتى بلغ عشرها وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها فليست صحيحة باعتبار ترتب كمال مقصودها عليها وإن سميت صحيحة باعتبار أنا لا نأمره بالإعادة ولا ينبغي أن(1\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "106",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13103",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعلق لفظ الصحة عليها فيقال صلاة صحيحة مع أنه لا يثاب عليها فاعلها. والقصد أن هذه الأعمال واجبها ومستحبها هي عبودية القلب فمن عطلها فقد عطل عبودية الملك وإن قام بعبودية رعيته من الجوارح. والمقصود أن يكون ملك الأعضاء وهو القلب قائما بعبوديته لله سبحانه هو ورعيته. وأما المحرمات التي عليه: فالكبر والرياء والعجب والحسد والغفلة والنفاق وهي نوعان: كفر ومعصية: فالكفر: كالشك والنفاق والشرك وتوابعها. والمعصية نوعان: كبائر وصغائر. فالكبائر: كالرياء والعجب والكبر والفخر والخيلاء والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله والأمن من مكر الله والفرح والسرور بأذى المسلمين والشماتة بمصيبتهم ومحبة أن تشيع الفاحشة فيهم وحسدهم على ما آتاهم الله من فضله وتمني زوال ذلك عنهم وتوابع هذه الأمور التي هي أشد تحريما من الزنا وشرب الخمر وغيرهما من الكبائر الظاهرة ولا صلاح للقلب ولا للجسد إلا باجتنابها والتوبة منها وإلا فهو قلب فاسد وإذا فسد القلب فسد البدن. وهذه الآفات إنما تنشأ من الجهل بعبودية القلب وترك القيام بها. فوظيفة quot; إياك نعبد [الفاتحة: 5] quot; على القلب قبل الجوارح فإذا جهلها وترك القيام بها امتلأ بأضدادها ولا بد وبحسب قيامه بها يتخلص من أضدادها. وهذه الأمور ونحوها قد تكون صغائر في حقه وقد تكون كبائر بحسب قوتها وغلظها وخفتها ودقتها. ومن الصغائر أيضا: شهوة المحرمات وتمنيها وتفاوت درجات الشهوة في الكبر والصغر بحسب تفاوت درجات المشتهى فشهوة الكفر والشرك كفر وشهوة البدعة فسق وشهوة الكبائر معصية فإن تركها لله مع قدرته عليها أثيب وإن تركها عجزا بعد بذله مقدوره في تحصيلها استحق عقوبة الفاعل لتنزيله منزلته في أحكام الثواب(1\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "107",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13104",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعقاب وإن لم ينزل منزلته في أحكام الشرع ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم quot; إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قالوا: هذا القاتل يا رسول الله فما بال المقتول قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه quot; فنزله منزلة القاتل لحرصه على قتل صاحبه في الإثم دون الحكم وله نظائر كثيرة في الثواب والعقاب. وقد علم بهذا مستحب القلب ومباحه.  [فصل عبادة اللسان] وأما عبوديات اللسان الخمس فواجبها النطق بالشهادتين وتلاوة ما يلزمه تلاوته من القرآن وهو ما تتوقف صحة صلاته عليه وتلفظه بالأذكار الواجبة في الصلاة التي أمر الله بها ورسوله كما أمر بالتسبيح في الركوع والسجود وأمر بقول quot; ربنا ولك الحمد quot; بعد الاعتدال وأمر بالتشهد وأمر بالتكبير. ومن واجبه رد السلام وفي ابتدائه قولان. ومن واجبه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الجاهل وإرشاد الضال وأداء الشهادة المتعينة وصدق الحديث. وأما مستحبه فتلاوة القرآن ودوام ذكر الله والمذاكرة في العلم النافع وتوابع ذلك. وأما محرمه فهو النطق بكل ما يبغضه الله ورسوله كالنطق بالبدع المخالفة لما بعث الله به رسوله والدعاء إليها وتحسينها وتقويتها وكالقذف وسب المسلم وأذاه بكل قول والكذب وشهادة الزور والقول على الله بلا علم وهو أشدها تحريما. ومكروهه التكلم بما تركه خير من الكلام به مع عدم العقوبة عليه. وقد اختلف السلف هل في حقه كلام مباح متساوي الطرفين على قولين(1\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "108",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13105",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذكرهما ابن المنذر وغيره أحدهما: أنه لا يخلو كل ما يتكلم به إما أن يكون له أو عليه وليس في حقه شيء لا له ولا عليه. واحتجوا بالحديث المشهور وهو quot; كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا ما كان من ذكر الله وما والاه quot;. واحتجوا بأنه يكتب عليه كلامه كله ولا يكتب إلا الخير والشر. وقالت طائفة: بل هذا الكلام مباح لا له ولا عليه كما في حركات الجوارح. قالوا: لأن كثيرا من الكلام لا يتعلق به أمر ولا نهي وهذا شأن المباح. والتحقيق: أن حركة اللسان بالكلام لا تكون متساوية الطرفين بل إما راجحة وإما مرجوحة لأن للسان شأنا ليس لسائر الجوارح وإذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان تقول: اتق الله فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا وأكثر ما يكب الناس على مناخرهم في النار حصائد ألسنتهم وكل ما يتلفظ به اللسان فإما أن يكون مما يرضي الله ورسوله أو لا فإن كان كذلك فهو الراجح وإن لم يكن كذلك فهو المرجوح وهذا بخلاف حركات سائر الجوارح فإن صاحبها ينتفع بتحريكها في المباح المستوي الطرفين لما له في ذلك من الراحة والمنفعة(1\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "109",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13106",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأبيح له استعمالها فيما فيه منفعة له ولا مضرة عليه فيه في الآخرة وأما حركة اللسان بما لا ينتفع به فلا يكون إلا مضرة فتأمله. فإن قيل: فقد يتحرك بما فيه منفعة دنيوية مباحة مستوية الطرفين فيكون حكم حركته حكم ذلك الفعل. قيل: حركته بها عند الحاجة إليها راجحة وعند عدم الحاجة إليها مرجوحة لا تفيده فتكون عليه لا له. فإن قيل: فإذا كان الفعل متساوي الطرفين كانت حركة اللسان التي هي الوسيلة إليه كذلك إذ الوسائل تابعة للمقصود في الحكم. قيل: لا يلزم ذلك فقد يكون الشيء مباحا بل واجبا ووسيلته مكروهة كالوفاء بالطاعة المنذورة هو واجب مع أن وسيلته وهو النذر مكروه منهي عنه وكذلك الحلف المكروه مرجوح مع وجوب الوفاء به أو الكفارة وكذلك سؤال الخلق عند الحاجة مكروه ويباح له الانتفاع بما أخرجته له المسألة وهذا كثير جدا فقد تكون الوسيلة متضمنة مفسدة تكره أو تحرم لأجلها وما جعلت وسيلة إليه ليس بحرام ولا مكروه.  [فصل عبادة الجوارح] وأما العبوديات الخمس على الجوارح فعلى خمس وعشرين مرتبة أيضا إذ الحواس خمسة وعلى كل حاسة خمس عبوديات. فعلى السمع وجوب الإنصات والاستماع لما أوجبه الله ورسوله عليه من استماع الإسلام والإيمان وفروضهما وكذلك استماع القراءة في الصلاة إذا جهر بها الإمام واستماع الخطبة للجمعة في أصح قولي العلماء. ويحرم عليه استماع الكفر والبدع إلا حيث يكون في استماعه مصلحة راجحة من رده أو الشهادة على قائله أو زيادة قوة الإيمان والسنة بمعرفة ضدهما من الكفر والبدعة ونحو ذلك وكاستماع أسرار من يهرب عنك بسره ولا يحب أن يطلعك عليه ما لم يكن متضمنا لحق لله يجب القيام به أو لأذى مسلم يتعين نصحه وتحذيره منه. وكذلك استماع أصوات النساء الأجانب التي تخشى الفتنة بأصواتهن إذا لم تدع(1\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "110",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13107",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليه حاجة من شهادة أو معاملة أو استفتاء أو محاكمة أو مداواة ونحوها. وكذلك استماع المعازف وآلات الطرب واللهو كالعود والنبور واليراع ونحوها ولا يجب عليه سد أذنه إذا سمع الصوت وهو لا يريد استماعه إلا إذا خاف السكون إليه والإنصات فحينئذ يجب لتجنب سماعها وجوب سد الذرائع. ونظير هذا المحرم لا يجوز له تعمد شم الطيب وإذا حملت الريح رائحته وألقتها في مشامه لم يجب عليه سد أنفه. ونظير هذا نظرة الفجاءة لا تحرم على الناظر وتحرم عليه النظرة الثانية إذا تعمدها. وأما السمع المستحب فكاستماع المستحب من العلم وقراءة القرآن وذكر الله واستماع كل ما يحبه الله وليس بفرض. والمكروه عكسه وهو استماع كل ما يكره ولا يعاقب عليه. والمباح ظاهر. وأما النظر الواجب: فالنظر في المصحف وكتب العلم عند تعين تعلم الواجب منها والنظر إذا تعين لتمييز الحلال من الحرام في الأعيان التي يأكلها أو ينفقها أو يستمتع بها والأمانات التي يؤديها إلى أربابها ليميز بينها ونحو ذلك. والنظر الحرام النظر إلى الأجنبيات بشهوة مطلقا وبغيرها إلا لحاجة كنظر الخاطب والمستام والمعامل والشاهد والحاكم والطبيب وذي المحرم. والمستحب النظر في كتب العلم والدين التي يزداد بها الرجل إيمانا وعلما والنظر في المصحف ووجوه العلماء الصالحين والوالدين والنظر في آيات الله المشهودة ليستدل بها على توحيده ومعرفته وحكمته. والمكروه فضول النظر الذي لا مصلحة فيه فإن له فضولا كما للسان فضولا وكم قاد فضولها إلى فضول عز التخلص منها وأعيى دواؤها وقال بعض السلف: كانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام. والمباح النظر الذي لا مضرة فيه في العاجل والآجل ولا منفعة.(1\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "111",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13108",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن النظر الحرام: النظر إلى العورات وهي قسمان: عورة وراء الثياب وعورة وراء الأبواب. ولو نظر في العورة التي وراء الأبواب فرماه صاحب العورة ففقأ عينه لم يكن عليه شيء وذهبت هدرا بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته وإن ضعفه بعض الفقهاء لكونه لم يبلغه النص أو تأوله. وهذا إذا لم يكن للناظر سبب يباح النظر لأجله كعورة له هناك ينظرها أو ريبة هو مأمور أو مأذون له في الاطلاع عليها. وأما الذوق: الواجب فتناول الطعام والشراب عند الاضطرار إليه وخوف الموت فإن تركه حتى مات مات عاصيا قاتلا لنفسه قال الإمام أحمد وطاوس: من اضطر إلى أكل الميتة فلم يأكل حتى مات دخل النار. ومن هذا تناول الدواء إذا تيقن النجاة به من الهلاك على أصح القولين وإن ظن الشفاء به فهل هو مستحب مباح أو الأفضل تركه فيه نزاع معروف بين السلف والخلف. والذوق الحرام: كذوق الخمر والسموم القاتلة والذوق الممنوع منه للصوم الواجب. وأما المكروه: فكذوق المشتبهات والأكل فوق الحاجة وذوق طعام الفجاءة وهو الطعام الذي تفجأ آكله ولم يرد أن يدعوك إليه وكأكل أطعمة المرائين في الولائم والدعوات ونحوها وفي السنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم quot; نهى عن طعام المتبارين  وذوق طعام من يطعمك حياء منك لا بطيبة نفس.(1\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "112",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13109",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والذوق المستحب: أكل ما يعينك على طاعة الله عز وجل مما أذن الله فيه والأكل مع الضيف ليطيب له الأكل فينال منه غرضه والأكل من طعام صاحب الدعوة الواجب إجابتها أو المستحب. وقد أوجب بعض الفقهاء الأكل من الوليمة الواجب إجابتها للأمر به عن الشارع. والذوق المباح: ما لم يكن فيه إثم ولا رجحان. وأما تعلق العبوديات الخمس بحاسة الشم فالشم الواجب: كل شم تعين طريقا للتمييز بين الحلال والحرام كالشم الذي تعلم به هذه العين هل هي خبيثة أو طيبة وهل هي سم قاتل أو لا مضرة فيه أو يميز به بين ما يملك الانتفاع به وما لا يملك ومن هذا شم المقوم ورب الخبرة عند الحكم بالتقويم وشم العبيد ونحو ذلك. وأما الشم الحرام: فالتعمد لشم الطيب في الإحرام وشم الطيب المغصوب والمسروق وتعمد شم الطيب من النساء الأجنبيات خشية الافتتان بما وراءه. وأما الشم المستحب: فشم ما يعينك على طاعة الله ويقوي الحواس ويبسط النفس للعلم والعمل ومن هذا هدية الطيب والريحان إذا أهديت لك ففي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم من عرض عليه ريحان فلا يرده فإنه طيب الريح خفيف المحمل . والمكروه: كشم طيب الظلمة وأصحاب الشبهات ونحو ذلك. والمباح: ما لا منع فيه من الله ولا تبعة ولا فيه مصلحة دينية ولا تعلق له بالشرع. وأما تعلق هذه الخمسة بحاسة اللمس: فاللمس الواجب كلمس الزوجة حين يجب جماعها والأمة الواجب إعفافها. والحرام: لمس ما لا يحل من الأجنبيات. والمستحب: إذا كان فيه غض بصره وكف نفسه عن الحرام وإعفاف أهله.(1\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "113",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13110",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمكروه: لمس الزوجة في الإحرام للذة وكذلك في الاعتكاف وفي الصيام إذا لم يأمن على نفسه. ومن هذا لمس بدن الميت لغير غاسله لأن بدنه قد صار بمنزلة عورة الحي تكريما له ولهذا يستحب ستره عن العيون وتغسيله في قميصه في أحد القولين ولمس فخذ الرجل إذا قلنا هي عورة. والمباح ما لم يكن فيه مفسدة ولا مصلحة دينية. وهذه المراتب أيضا مرتبة على البطش باليد والمشي بالرجل وأمثلتها لا تخفى. فالتكسب المقدور للنفقة على نفسه وأهله وعياله واجب وفي وجوبه لقضاء دينه خلاف والصحيح وجوبه ليمكنه من أداء دينه ولا يجب لإخراج الزكاة وفي وجوبه لأداء فريضة الحج نظر والأقوى في الدليل وجوبه لدخوله في الاستطاعة وتمكنه بذلك من أداء النسك والمشهور عدم وجوبه. ومن البطش الواجب: إعانة المضطر ورمي الجمار ومباشرة الوضوء والتيمم. والحرام: كقتل النفس التي حرم الله قتلها ونهب المال المعصوم وضرب من لا يحل ضربه ونحو ذلك وكأنواع اللعب المحرم بالنص كالنرد أو ما هو أشد تحريما منه عند أهل المدينة كالشطرنج أو مثله عند فقهاء الحديث كأحمد وغيره أو دونه عند بعضهم ونحو كتابة البدع المخالفة للسنة تصنيفا أو نسخا إلا مقرونا بردها ونقضها وكتابة الزور والظلم والحكم الجائر والقذف والتشبيب بالنساء الأجانب وكتابة ما فيه مضرة على المسلمين في دينهم أو دنياهم ولاسيما إن كسبت عليه مالا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون [البقرة: 79] وكذلك كتابة المفتي على الفتوى ما يخالف حكم الله ورسوله إلا أن يكون مجتهدا مخطئا فالإثم موضوع عنه. وأما المكروه فكالعبث واللعب الذي ليس بحرام وكتابة ما لا فائدة في كتابته ولا منفعة فيه في الدنيا والآخرة. والمستحب كتابة كل ما فيه منفعة في الدين أو مصلحة لمسلم والإحسان بيده بأن يعين صانعا أو يصنع لأخرق أو يفرغ من دلوه في دلو المستسقي أو يحمل له على دابته أو يمسكها حتى يحمل عليها أو يعاونه بيده فيما يحتاج إليه ونحو ذلك ومنه لمس(1\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "114",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13111",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الركن بيده في الطواف وفي تقبيلها بعد اللمس قولان. والمباح ما لا مضرة فيه ولا ثواب. وأما المشي الواجب: فالمشي إلى الجمعات والجماعات في أصح القولين لبضعة وعشرين دليلا مذكورة في غير هذا الموضع والمشي حول البيت للطواف الواجب والمشي بين الصفا والمروة بنفسه أو بمركوبه والمشي إلى حكم الله ورسوله إذا دعي إليه والمشي إلى صلة رحمه وبر والديه والمشي إلى مجالس العلم الواجب طلبه وتعلمه والمشي إلى الحج إذا قربت المسافة ولم يكن عليه فيه ضرر. والحرام: المشي إلى معصية الله وهو من رجل الشيطان قال تعالى وأجلب عليهم بخيلك ورجلك [الإسراء: 64] قال مقاتل: استعن عليهم بركبان جندك ومشاتهم فكل راكب وماش في معصية الله فهو من جند إبليس. وكذلك تتعلق هذه الأحكام الخمس بالركوب أيضا. فواجبه في الركوب في الغزو والجهاد والحج الواجب. ومستحبه في الركوب المستحب من ذلك ولطلب العلم وصلة الرحم وبر الوالدين وفي الوقوف بعرفة نزاع هل الركوب فيه أفضل أم على الأرض والتحقيق أن الركوب أفضل إذا تضمن مصلحة من تعليم للمناسك واقتداء به وكان أعون على الدعاء ولم يكن فيه ضرر على الدابة. وحرامه: الركوب في معصية الله عز وجل. ومكروهه الركوب للهو واللعب وكل ما تركه خير من فعله. ومباحه الركوب لما لم يتضمن فوت أجر ولا تحصيل وزر. فهذه خمسون مرتبة على عشرة أشياء: القلب واللسان والسمع والبصر والأنف والفم واليد والرجل والفرج والاستواء على ظهر الدابة.(1\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "115",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13112",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في منازل إياك نعبد] [منزلة اليقظة]  [الفاتحة: 5] التي ينتقل فيها القلب منزلة منزلة في حال سيره إلى الله وقد أكثر الناس في صفة المنازل وعددها فمنهم من جعلها ألفا ومنهم من جعلها مائة ومنهم من زاد ونقص فكل وصفها بحسب سيره وسلوكه. وسأذكر فيها أمرا مختصرا جامعا نافعا إن شاء الله تعالى. فأول منازل العبودية اليقظة وهي انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين ولله ما أنفع هذه الروعة وما أعظم قدرها وخطرها وما أشد إعانتها على السلوك! فمن أحس بها فقد أحس والله بالفلاح وإلا فهو في سكرات الغفلة فإذا انتبه شمر لله بهمته إلى السفر إلى منازله الأولى وأوطانه التي سبي منها. فحي على جنات عدن فإنها ... منازلك الأولى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلم فأخذ في أهبة السفر فانتقل إلى منزلة العزم وهو العقد الجازم على المسير(1\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "116",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13113",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومفارقة كل قاطع ومعوق ومرافقة كل معين وموصل وبحسب كمال انتباهه ويقظته يكون عزمه وبحسب قوة عزمه يكون استعداده. فإذا استيقظ أوجبت له اليقظة الفكرة وهي تحديق القلب نحو المطلوب الذي قد استعد له مجملا ولما يهتد إلى تفصيله وطريق الوصول إليه. فإذا صحت فكرته أوجبت له البصيرة فهي نور في القلب يبصر به الوعد والوعيد والجنة والنار وما أعد الله في هذه لأوليائه وفي هذه لأعدائه فأبصر الناس وقد خرجوا من قبورهم مهطعين لدعوة الحق وقد نزلت ملائكة السماوات فأحاطت بهم وقد جاء الله وقد نصب كرسيه لفصل القضاء وقد نصب الميزان وتطايرت الصحف واجتمعت الخصوم وتعلق كل غريم بغريمه ولاح الحوض وأكوابه عن كثب وكثر العطاش وقل الوارد ونصب الجسر للعبور ولز الناس إليه وقسمت الأنوار دون ظلمته للعبور عليه والنار يحطم بعضها بعضا تحته والمتساقطون فيها أضعاف أضعاف الناجين. فينفتح في قلبه عين يرى بها ذلك ويقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة يريه الآخرة ودوامها والدنيا وسرعة انقضائها.  [منزلة البصيرة] فالبصيرة معناها نور يقذفه الله في القلب يرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل كأنه يشاهده رأي عين فيتحقق مع ذلك انتفاعه بما دعت إليه الرسل وتضرره بمخالفتهم وهذا معنى قول بعض العارفين: البصيرة تحقق الانتفاع بالشيء والتضرر به وقال بعضهم: البصيرة ما خلصك من الحيرة إما بإيمان وإما بعيان.(1\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "117",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13114",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والبصيرة على ثلاث درجات من استكملها فقد استكمل البصيرة: بصيرة في الأسماء والصفات وبصيرة في الأمر والنهي وبصيرة في الوعد والوعيد. فالبصيرة في الأسماء والصفات: أن لا يتأثر إيمانك بشبهة تعارض ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله بل تكون الشبه المعارضة لذلك عندك بمنزلة الشبه والشكوك في وجود الله فكلاهما سواء في البلاء عند أهل البصائر. وعقد هذا: أن يشهد قلبك الرب تبارك وتعالى مستويا على عرشه متكلما بأمره ونهيه بصيرا بحركات العالم علويه وسفليه وأشخاصه وذواته سميعا لأصواتهم رقيبا على ضمائرهم وأسرارهم وأمر الممالك تحت تدبيره نازل من عنده وصاعد إليه وأملاكه بين يديه تنفذ أوامره في أقطار الممالك موصوفا بصفات الكمال منعوتا بنعوت الجلال منزها عن العيوب والنقائص والمثال هو كما وصف نفسه في كتابه وفوق ما يصفه به خلقه حي لا يموت قيوم لا ينام عليم لا يخفى عليه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض بصير يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء سميع يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات تمت كلماته صدقا وعدلا وجلت صفاته أن تقاس بصفات خلقه شبها ومثلا وتعالت ذاته أن تشبه شيئا من الذوات أصلا ووسعت الخليقة أفعاله عدلا وحكمة ورحمة وإحسانا وفضلا له الخلق والأمر وله النعمة والفضل وله الملك والحمد وله الثناء والمجد أول ليس قبله شيء وآخر ليس بعده شيء ظاهر ليس فوقه شيء باطن ليس دونه شيء أسماؤه كلها أسماء مدح وحمد وثناء وتمجيد ولذلك كانت حسنى وصفاته كلها صفات كمال ونعوته كلها نعوت جلال وأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل كل شيء من مخلوقاته دال عليه ومرشد لمن رآه بعين البصيرة إليه لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا ولا ترك الإنسان سدى عاطلا بل خلق الخلق لقيام توحيده وعبادته وأسبغ عليهم نعمه ليتوسلوا بشكرها إلى زيادة كرامته تعرف إلى عباده بأنواع التعرفات وصرف لهم الآيات ونوع لهم الدلالات ودعاهم إلى محبته من جميع الأبواب ومد بينه وبينهم من عهده أقوى الأسباب فأتم عليهم نعمه السابغة وأقام عليهم حجته البالغة أفاض عليهم النعمة وكتب على نفسه الرحمة وضمن الكتاب الذي كتبه: أن رحمته تغلب غضبه. وتفاوت الناس في هذه البصيرة بحسب تفاوتهم في معرفة النصوص النبوية وفهمها والعلم بفساد الشبه المخالفة لحقائقها. وتجد أضعف الناس بصيرة أهل الكلام الباطل المذموم الذي ذمه السلف لجهلهم(1\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "118",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13115",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالنصوص ومعانيها وتمكن الشبه الباطلة من قلوبهم وإذا تأملت حال العامة الذين ليسوا مؤمنين عند أكثرهم رأيتهم أتم بصيرة منهم وأقوى إيمانا وأعظم تسليما للوحي وانقيادا للحق.  فصل: المرتبة الثانية من البصيرة البصيرة في الأمر والنهي وهي تجريده عن المعارضة بتأويل أو تقليد أو هوى فلا يقوم بقلبه شبهة تعارض العلم بأمر الله ونهيه ولا شهوة تمنع من تنفيذه وامتثاله والأخذ به ولا تقليد يريحه عن بذل الجهد في تلقي الأحكام من مشكاة النصوص. وقد علمت بهذا أهل البصائر من العلماء من غيرهم.  فصل: المرتبة الثالثة البصيرة في الوعد والوعيد وهي أن تشهد قيام الله على كل نفس بما كسبت في الخير والشر عاجلا وآجلا في دار العمل ودار الجزاء وأن ذلك هو موجب إلهيته وربوبيته وعدله وحكمته فإن الشك في ذلك شك في إلهيته وربوبيته بل شك في وجوده فإنه يستحيل عليه خلاف ذلك ولا يليق أن ينسب إليه تعطيل الخليقة وإرسالها هملا وتركها سدى تعالى الله عن هذا الحسبان علوا كبيرا. فشهادة العقل بالجزاء كشهادته بالوحدانية ولهذا كان الصحيح أن المعاد معلوم بالعقل وإنما اهتدي إلى تفاصيله بالوحي ولهذا يجعل الله سبحانه إنكار المعاد كفرا به سبحانه لأنه إنكار لقدرته ولإلهيته وكلاهما مستلزم للكفر به قال تعالى وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [الرعد: 5] . وفي الآية قولان: أحدهما: إن تعجب من قولهم quot; أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد [الرعد: 5] quot; فعجب قولهم! كيف ينكرون هذا وقد خلقوا من تراب ولم يكونوا شيئا.(1\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "119",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13116",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثاني: إن تعجب من شركهم مع الله غيره وعدم انقيادهم لتوحيده وعبادته وحده لا شريك له فإنكارهم للبعث وقولهم quot; أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد [الرعد: 5] quot; أعجب. وعلى التقديرين: فإنكار المعاد عجب من الإنسان وهو محض إنكار الرب والكفر به والجحد لإلهيته وقدرته وحكمته وعدله وسلطانه. ولصاحب المنازل في البصيرة طريقة أخرى قال: البصيرة ما يخلصك من الحيرة وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى: أن تعلم أن الخبر القائم بتمهيد الشريعة يصدر عن عين لا يخاف عواقبها فترى من حقه أن تؤديه يقينا وتغضب له غيرة. ومعنى كلامه: أن ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم صادر عن حقيقة صادقة لا يخاف متبعها فيما بعد مكروها بل يكون آمنا من عاقبة اتباعها إذ هي حق ومتبع الحق لا خوف عليه ومن حق ذلك الخبر عليك أن تؤدي ما أمرت به منه من غير شك ولا شكوى والأحوط بك والذي لا تبرأ ذمتك إلا به تناول الأمر بامتثال صادر عن تصديق محقق لا يصحبه شك وأن تغضب على من خالف ذلك غيرة عليه أن يضيع حقه ويهمل جانبه. وإنما كانت الغيرة عند شيخ الإسلام من تمام البصيرة لأنه على قدر المعرفة بالحق ومستحقه ومحبته وإجلاله تكون الغيرة عليه أن يضيع والغضب على من أضاعه فإن ذلك دليل على محبة صاحب الحق وإجلاله وتعظيمه وذلك عين البصيرة فكما أن الشك القادح في كمال الامتثال معم لعين البصيرة فكذلك عدم الغضب والغيرة على حقوق الله إذا ضيعت ومحارمه إذا انتهكت معم لعين البصيرة. قال: quot; الدرجة الثانية أن تشهد في هداية الحق وإضلاله إصابة العدل وفي تلوين أقسامه: رعاية البر وتعاين في جذبه حبل الوصل quot;.(1\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "120",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13117",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يريد رحمه الله بشهود العدل في هدايته من هداه وفي إضلاله من أضله أمرين: أحدهما: تفرده بالخلق والهدى والضلال. والثاني: وقوع ذلك منه على وجه الحكمة والعدل لا بالاتفاق ولا بمحض المشيئة المجردة عن وضع الأشياء مواضعها وتنزيلها منازلها بل بحكمة اقتضت هدى من علم أنه يزكو على الهدى ويقبله ويشكره عليه ويثمر عنده فالله أعلم حيث يجعل رسالاته أصلا وميراثا قال تعالى وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين [الأنعام: 53] وهم الذين يعرفون قدر نعمته بالهدى ويشكرونه عليها ويحبونه ويحمدونه على أن جعلهم من أهله فهو سبحانه ما عدل عن موجب العدل والإحسان في هداية من هدى وإضلال من أضل ولم يطرد عن بابه ولم يبعد عن جنابه من يليق به التقريب والهدى والإكرام بل طرد من لا يليق به إلا الطرد والإبعاد وحكمته وحمده تأبى تقريبه وإكرامه وجعله من أهله وخاصته وأوليائه. ولا يبقى إلا أن يقال: فلم خلق من هو بهذه المثابة فهذا سؤال جاهل ظالم ضال مفرط في الجهل والظلم والضلال لأن خلق الأضداد والمتقابلات هو من كمال الربوبية كالليل والنهار والحر والبرد واللذة والألم والخير والشر والنعيم والجحيم. قوله: quot;: وفي تلوين أقسامه رعاية البر quot;. يريد بتلوين الأقسام: اختلافها في الجنس والقدر والصفة من أقسام الأموال والقوى والعلوم والأعمال والصنائع وغيرها قسمها على وجه البر والمصلحة فأعطى كلا منهم ما يصلحه وما هو الأنفع له برا وإحسانا. وقوله: quot; وتعاين في جذبه حبل الوصال quot;. يريد تعاين في توفيقه لك للطاعة وجذبه إياك من نفسك أنه يريد تقريبك منه فاستعار للتوفيق الخاص الجذب وللتقريب الوصال وأراد بالحبل السبب الموصل لك إليه. فأشار بهذا إلى أنك تستدل بتوفيقه لك وجذبك نفسك وجعلك متمسكا(1\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "121",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13118",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بحبله الذي هو عهده ووصيته إلى عباده على تقريبه لك تشاهد ذلك ليكون أقوى في المحبة والشكر وبذل النصيحة في العبودية وهذا كله من تمام البصيرة فمن لا بصيرة له فهو بمعزل عن هذا. قال: الدرجة الثالثة: بصيرة تفجر المعرفة وتثبت الإشارة وتنبت الفراسة. يريد بالبصيرة في الكشف والعيان أن تتفجر بها ينابيع المعارف من القلب ولم يقل quot; تفجر العلم quot; لأن المعرفة أخص من العلم عند القوم ونسبتها إلى العلم نسبة الروح إلى الجسد فهي روح العلم ولبه. وصدق رحمه الله فإن بهذه البصيرة تتفجر من قلب صاحبها ينابيع من المعارف التي لا تنال بكسب ولا دراسة إن هو إلا فهم يؤتيه الله عبدا في كتابه ودينه على قدر بصيرة قلبه. وقوله quot; وتثبت الإشارة quot;. يريد بالإشارة: ما يشير إليه القوم من الأحوال والمنازلات والأذواق التي ينكرها الأجنبي من السلوك ويثبتها أهل البصائر وكثير من هذه الأمور ترد على السالك فإن كان له بصيرة ثبتت بصيرته ذلك له وحققته عنده وعرفته تفاصيله وإن لم يكن له بصيرة بل كان جاهلا لم يعرف تفصيل ما يرد عليه ولم يهتد لتثبيته. قوله quot; وتنبت الفراسة معناها quot;. يعني أن البصيرة تنبت في أرض القلب الفراسة الصادقة وهي نور يقذفه الله في القلب يفرق به بين الحق والباطل والصادق والكاذب قال الله تعالى إن في ذلك لآيات للمتوسمين [الحجر: 75] قال مجاهد: للمتفرسين وفي الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله عز وجل ثم قرأ إن في ذلك لآيات للمتوسمين [الحجر: 75]  .(1\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "122",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13119",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتوسم معناه تفعل من السيما وهي العلامة فسمي المتفرس متوسما لأنه يستدل بما يشهد على ما غاب فيستدل بالعيان على الإيمان ولهذا خص الله تعالى بالآيات والانتفاع بها هؤلاء لأنهم يستدلون بما يشاهدون منها على حقيقة ما أخبرت به الرسل من الأمر والنهي والثواب والعقاب وقد ألهم الله ذلك لآدم وعلمه إياه حين علمه أسماء كل شيء وبنوه هم نسخته وخلفاؤه فكل قلب فهو قابل لذلك وهو فيه بالقوة وبه تقوم الحجة وتحصل العبرة وتصح الدلالة وبعث الله رسله مذكرين ومنبهين ومكملين لهذا الاستعداد بنور الوحي والإيمان فينضاف ذلك إلى نور الفراسة والاستعداد فيصير نورا على نور فتقوى البصيرة ويعظم النور ويدوم بزيادة مادته ودوامها ولا يزال في تزايد حتى يرى على الوجه والجوارح والكلام والأعمال ومن لم يقبل هدى الله ولم يرفع به رأسا دخل قلبه في الغلاف والأكنة فأظلم وعمي عن البصيرة فحجبت عنه حقائق الإيمان فيرى الحق باطلا والباطل حقا والرشد غيا(1\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "123",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13120",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والغي رشدا قال تعالى كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون [المطففين: 14] quot; والرين quot; quot; والران quot; هو الحجاب الكثيف المانع للقلب من رؤية الحق والانقياد له. وعلى حسب قوة البصيرة وضعفها تكون الفراسة وهي نوعان: فراسة علوية شريفة مختصة بأهل الإيمان وفراسة سفلية دنيئة مشتركة بين المؤمن والكافر وهي فراسة أهل الرياضة والجوع والسهر والخلوة وتجريد البواطن من أنواع الشواغل فهؤلاء لهم فراسة كشف الصور والإخبار ببعض المغيبات السفلية التي لا يتضمن كشفها والإخبار بها كمالا للنفس ولا زكاة ولا إيمانا ولا معرفة وهؤلاء لا تتعدى فراستهم هذه السفليات لأنهم محجوبون عن الحق تعالى فلا تصعد فراستهم إلى التمييز بين أوليائه وأعدائه وطريق هؤلاء وهؤلاء. وأما فراسة الصادقين العارفين بالله وأمره فإن همتهم لما تعلقت بمحبة الله ومعرفته وعبوديته ودعوة الخلق إليه على بصيرة كانت فراستهم متصلة بالله متعلقة بنور الوحي مع نور الإيمان فميزت بين ما يحبه الله وما يبغضه من الأعيان والأقوال والأعمال وميزت بين الخبيث والطيب والمحق والمبطل والصادق والكاذب وعرفت مقادير استعداد السالكين إلى الله فحملت كل إنسان على قدر استعداده علما وإرادة وعملا. ففراسة هؤلاء دائما حائمة حول كشف طريق الرسول وتعرفها وتخليصها من بين سائر الطرق وبين كشف عيوب النفس وآفات الأعمال العائقة عن سلوك طريق المرسلين فهذا أشرف أنواع البصيرة والفراسة وأنفعها للعبد في معاشه ومعاده.  [فصل القصد] فإذا انتبه وأبصر أخذ في القصد وصدق الإرادة وأجمع القصد والنية على سفر الهجرة إلى الله وعلم وتيقن أنه لا بد له منه فأخذ في أهبة السفر وتعبئة الزاد ليوم المعاد والتجرد عن عوائق السفر وقطع العلائق التي تمنعه من الخروج. وقد قسم صاحب المنازل القصد إلى ثلاث درجات فقال:(1\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "124",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13121",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدرجة الأولى: قصد يبعث على الارتياض ويخلص من التردد ويدعو إلى مجانبة الأغراض. فذكر له ثلاث فوائد: أنه يبعث على السلوك بلا توقف ولا تردد ولا علة غير العبودية من رياء أو سمعة أو طلب محمدة أو جاه ومنزلة عند الخلق. قال: الدرجة الثانية: قصد لا يلقى سببا إلا قطعه ولا حائلا إلا منعه ولا تحاملا إلا سهله. يعني أنه لا يلقى سببا يعوق عن المقصود إلا قطعه ولا حائلا دونه إلا منعه ولا صعوبة إلا سهلها. قال: الدرجة الثالثة: قصد الاستسلام لتهذيب العلم وقصد إجابة داعي الحكم وقصد اقتحام بحر الفناء. يريد أنه ينقاد إلى العلم ليتهذب به ويصلح ويقصد إجابة داعي الحكم الديني الأمري كلما دعاه فإن للحكم في كل مسألة من مسائل العلم مناديا ينادي للإيمان بها علما وعملا فيقصد إجابة داعيها ولكن مراده بداعي الحكم: الأسرار والحكم الداعية إلى شرع الحكم فإجابتها قدر زائد على مجرد الامتثال فإنها تدعو إلى المحبة والإجلال والمعرفة والحمد فالأمر يدعو إلى الامتثال وما تضمنه من الحكم والغايات تدعو إلى المعرفة والمحبة. وقوله: وقصد اقتحام بحر الفناء. هذا هو الغاية المطلوبة عند القوم وهو عند بعضهم لازم من لوازم الطريق وليس بغاية وعند آخرين عارض من عوارض الطريق وليس بغاية ولا هو لازم لكل سالك وأهل القوة والعزم لا يعرض لهم وحال البقاء أكمل منه ولهذا كان البقاء حال نبينا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء وقد رأى ما رأى وحال موسى الفناء ولهذا خر صعقا عند تجلي الله للجبل وامرأة العزيز كانت أكمل حبا ليوسف من النسوة ولم يعرض لها ما عرض لهن عند رؤية يوسف لفنائهن وبقائها وسيأتي إن شاء الله تحقيق الكلام فيه.(1\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "125",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13122",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل العزم] فإذا استحكم قصده صار عزما جازما مستلزما للشروع في السفر مقرونا بالتوكل على الله قال تعالى فإذا عزمت فتوكل على الله [آل عمران: 159] . والعزم: هو القصد الجازم المتصل بالفعل ولذلك قيل: إنه أول الشروع في الحركة لطلب المقصود وأن التحقيق: أن الشروع في الحركة ناشئ عن العزم لا أنه هو نفسه ولكن لما اتصل به من غير فصل ظن أنه هو. وحقيقته: هو استجماع قوى الإرادة على الفعل. والعزم نوعان أحدهما: عزم المريد على الدخول في الطريق وهو من البدايات والثاني: عزم في حال السير معه وهو أخص من هذا وهو من المقامات وسنذكره في موضعه إن شاء الله. وفي هذه المنزلة يحتاج السالك إلى تمييز ما له مما عليه ليستصحب ما له ويؤدي ما عليه وهو المحاسبة وهي قبل التوبة في المرتبة فإنه إذا عرف ما له وما عليه أخذ في أداء ما عليه والخروج منه وهو التوبة. وصاحب المنازل قدم التوبة على المحاسبة ووجه هذا أنه رأى التوبة أول منازل السائر بعد يقظته ولا تتم التوبة إلا بالمحاسبة فالمحاسبة تكميل مقام التوبة فالمراد بالمحاسبة الاستمرار على حفظ التوبة حتى لا يخرج عنها وكأنه وفاء بعقد التوبة. واعلم أن ترتيب هذه المقامات ليس باعتبار أن السالك يقطع المقام ويفارقه وينتقل إلى الثاني كمنازل السير الحسي هذا محال ألا ترى أن اليقظة معه في كل مقام لا تفارقه وكذلك البصيرة والإرادة والعزم وكذلك التوبة فإنها كما أنها من أول المقامات فهي آخرها أيضا بل هي في كل مقام مستصحبة ولهذا جعلها الله(1\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "126",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13123",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى آخر مقامات خاصته فقال تعالى في غزوة تبوك وهي آخر الغزوات التي قطعوا فيها الأودية والبدايات والأحوال والنهايات لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم [التوبة: 117] فجعل التوبة أول أمرهم وآخره وقال في سورة أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي آخر سورة أنزلت إذا جاء نصر الله والفتح - ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا - فسبح بحمد ربك واستغفره - إنه كان توابا [النصر: 1 - 3] . وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صلى صلاة بعد إذ أنزلت عليه هذه السورة إلا قال في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن فالتوبة هي نهاية كل سالك وكل ولي لله وهي الغاية التي يجري إليها العارفون بالله وعبوديته وما ينبغي له قال تعالى إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا - ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما [الأحزاب: 72 - 73] فجعل سبحانه التوبة غاية كل مؤمن ومؤمنة. وكذلك الصبر فإنه لا ينفك عنه في مقام من المقامات. وإنما هذا الترتيب ترتيب المشروط المتوقف على شرطه المصاحب له. ومثال ذلك: أن الرضا مترتب على الصبر لتوقف الرضا عليه واستحالة ثبوته بدونه فإذا قيل: إن مقام الرضا أو حاله على الخلاف بينهم هل هو مقام أو حال بعد مقام الصبر لا يعني به أنه يفارق الصبر وينتقل إلى الرضا وإنما يعني أنه لا يحصل له مقام الرضا حتى يتقدم له قبله مقام الصبر فافهم هذا الترتيب في مقامات العبودية. وإذا كان كذلك علمت أن القصد والعزم متقدم على سائر المنازل فلا وجه(1\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "127",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13124",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لتأخيره وعلمت بذلك أن المحاسبة متقدمة على التوبة بالرتبة أيضا فإنه إذا حاسب العبد نفسه خرج مما عليه وهي حقيقة التوبة وأن منزلة التوكل قبل منزلة الإنابة لأنه يتوكل في حصولها فالتوكل وسيلة والإنابة غاية وأن مقام التوحيد أولى المقامات أن يبدأ به كما أنه أول دعوة الرسل كلهم قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وفي رواية quot; إلى أن يعرفوا الله quot; ولأنه لا يصح مقام من المقامات ولا حال من الأحوال إلا به فلا وجه لجعله آخر المقامات وهو مفتاح دعوة الرسل وأول فرض فرضه الله على العباد وما عدا هذا من الأقوال فخطأ كقول من يقول: أول الفروض النظر أو القصد إلى النظر أو المعرفة أو الشك الذي يوجب النظر. وكل هذه الأقوال خطأ بل أول الواجبات مفتاح دعوة المرسلين كلهم وهو أول ما دعا إليه فاتحهم نوح فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره [الأعراف: 59] وهو أول ما دعا إليه خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم. ولأرباب السلوك اختلاف كثير في عدد المقامات وترتيبها كل يصف منازل سيره(1\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "128",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13125",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحال سلوكه ولهم اختلاف في بعض منازل السير هل هي من قسم الأحوال والفرق بينهما: أن المقامات كسبية والأحوال وهبية ومنهم من يقول: الأحوال من نتائج المقامات والمقامات نتائج الأعمال فكل من كان أصلح عملا كان أعلى مقاما وكل من كان أعلى مقاما كان أعظم حالا. فمما اختلفوا فيه الرضا هل هو حال أو مقام فيه خلاف بين الخراسانيين والعراقيين. وحكم بينهم بعض الشيوخ فقال: إن حصل بكسب فهو مقام وإلا فهو حال. والصحيح في هذا أن الواردات والمنازلات لها أسماء باعتبار أحوالها فتكون لوامع(1\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "129",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13126",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبوارق ولوائح عند أول ظهورها وبدوها كما يلمع البارق ويلوح عن بعد فإذا نازلته وباشرها فهي أحوال فإذا تمكنت منه وثبتت له من غير انتقال فهي مقامات وهي لوامع ولوائح في أولها وأحوال في أوسطها ومقامات في نهاياتها فالذي كان بارقا هو بعينه الحال والذي كان حالا هو بعينه المقام وهذه الأسماء له باعتبار تعلقه بالقلب وظهوره له وثباته فيه. وقد ينسلخ السالك من مقامه كما ينسلخ من الثوب وينزل إلى ما دونه ثم قد يعود إليه وقد لا يعود. ومن المقامات ما يكون جامعا لمقامين. ومنها ما يكون جامعا لأكثر من ذلك. ومنها ما يندرج فيه جميع المقامات فلا يستحق صاحبه اسمه إلا عند استجماع جميع المقامات فيه. فالتوبة جامعة لمقام المحاسبة ومقام الخوف لا يتصور وجودها بدونهما. والتوكل جامع لمقام التفويض والاستعانة والرضى لا يتصور وجوده بدونها. والرجاء جامع لمقام الخوف والإرادة. والخوف جامع لمقام الرجاء والإرادة. والإنابة جامعة لمقام المحبة والخشية لا يكون العبد منيبا إلا باجتماعهما. والإخبات له جامع لمقام المحبة والذل والخضوع لا يكمل أحدها بدون الآخر إخباتا. والزهد جامع لمقام الرغبة والرهبة لا يكون زاهدا من لم يرغب فيما يرجو نفعه ويرهب مما يخاف ضرره. ومقام المحبة جامع لمقام المعرفة والخوف والرجاء والإرادة فالمحبة معنى يلتئم من هذه الأربعة وبها تحققها. ومقام الخشية جامع لمقام المعرفة بالله والمعرفة بحق عبوديته فمتى عرف الله(1\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "130",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13127",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعرف حقه اشتدت خشيته له كما قال تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء [فاطر: 28] فالعلماء به وبأمره هم أهل خشيته قال النبي صلى الله عليه وسلم أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية . ومقام الهيبة جامع لمقام المحبة والإجلال والتعظيم. ومقام الشكر جامع لجميع مقامات الإيمان ولذلك كان أرفعها وأعلاها وهو فوق الرضا وهو يتضمن الصبر من غير عكس ويتضمن التوكل والإنابة والحب والإخبات والخشوع والرجاء فجميع المقامات مندرجة فيه لا يستحق صاحبه اسمه على الإطلاق إلا باستجماع المقامات له ولهذا كان الإيمان نصفين: نصف صبر ونصف شكر والصبر داخل في الشكر فرجع الإيمان كله شكرا والشاكرون هم أقل العباد كما قال تعالى وقليل من عبادي الشكور [سبأ: 13] . ومقام الحياء جامع لمقام المعرفة والمراقبة. ومقام الأنس جامع لمقام الحب مع القرب فلو كان المحب بعيدا من محبوبه لم يأنس به ولو كان قريبا من رجل ولم يحبه لم يأنس به حتى يجتمع له حبه مع القرب منه. ومقام الصدق جامع للإخلاص والعزم فباجتماعهما يصح له مقام الصدق. ومقام المراقبة جامع للمعرفة مع الخشية فبحسبهما يصح مقام المراقبة. ومقام الطمأنينة جامع للإنابة والتوكل والتفويض والرضى والتسليم فهو معنى ملتئم من هذه الأمور إذا اجتمعت صار صاحبها صاحب طمأنينة وما نقص منها نقص من الطمأنينة.(1\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "131",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13128",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك الرغبة والرهبة كل منهما ملتئم من الرجاء والخوف والرجاء على الرغبة أغلب والخوف على الرهبة أغلب. وكل مقام من هذه المقامات فالسالكون بالنسبة إليه نوعان: أبرار ومقربون فالأبرار في أذياله والمقربون في ذروة سنامه وهكذا مراتب الإيمان جميعها وكل من النوعين لا يحصي تفاوتهم وتفاضل درجاتهم إلا الله. وتقسيمهم ثلاثة أقسام عام وخاص وخاص خاص إنما نشأ من جعل الفناء غاية الطريق وعلم القوم الذي شمروا إليه وسنذكر ما في ذلك وأقسام الفناء محموده ومذمومه فاضله ومفضوله فإن إشارة القوم إليه إن شاء الله ومدارهم عليه. على أن الترتيب الذي يشير إليه كل مرتب للمنازل لا يخلو عن تحكم ودعوى من غير مطابقة فإن العبد إذا التزم عقد الإسلام ودخل فيه كله فقد التزم لوازمه الظاهرة والباطنة ومقاماته وأحواله وله في كل عقد من عقوده وواجب من واجباته أحوال ومقامات لا يكون موفيا لذلك العقد والواجب إلا بها وكلما وفى واجبا أشرف على واجب آخر بعده وكلما قطع منزلة استقبل أخرى. وقد يعرض له أعلى المقامات والأحوال في أول بداية سيره فينفتح عليه من حال المحبة والرضا والأنس والطمأنينة ما لم يحصل بعد لسالك في نهايته ويحتاج هذا السالك في نهايته إلى أمور من البصيرة والتوبة والمحاسبة أعظم من حاجة صاحب البداية إليها فليس في ذلك ترتيب كلي لازم للسلوك. وقد ذكرنا أن التوبة التي جعلوها من أول المقامات هي غاية العارفين ونهاية أولياء الله المقربين ولا ريب أن حاجتهم إلى المحاسبة في نهايتهم فوق حاجتهم إليها في بدايتهم. فالأولى الكلام في هذه المقامات على طريق المتقدمين من أئمة القوم كلاما مطلقا في كل مقام مقام ببيان حقيقته وموجبه وآفته المانعة من حصوله والقاطع عنه وذكر عامه وخاصه. فكلام أئمة الطريق هو على هذا المنهاج فمن تأمله كسهل بن عبد الله(1\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "132",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13129",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التستري وأبي طالب المكي والجنيد بن محمد وأبي عثمان النيسابوري ويحيى بن معاذ الرازي وأرفع من هؤلاء طبقة مثل أبي سليمان الداراني وعون بن عبد الله الذي كان يقال له حكيم الأمة وأضرابهما فإنهم تكلموا على أعمال القلوب وعلى الأحوال كلاما مفصلا جامعا مبينا مطلقا من غير ترتيب ولا حصر للمقامات بعدد معلوم فإنهم كانوا أجل من هذا وهمهم أعلى وأشرف إنما هم حائمون على اقتباس الحكمة والمعرفة وطهارة القلوب وزكاة النفوس وتصحيح المعاملة ولهذا كلامهم قليل فيه البركة وكلام المتأخرين كثير طويل قليل البركة. ولكن لا بد من مخاطبة أهل الزمان باصطلاحهم إذ لا قوة لهم للتشمير إلى تلقي(1\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "133",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13130",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السلوك عن السلف الأول وكلماتهم وهديهم ولو برز لهم هديهم وحالهم لأنكروه ولعدوه سلوكا عاميا وللخاصة سلوك آخر كما يقول ضلال المتكلمين وجهلتهم: إن القوم كانوا أسلم وإن طريقنا أعلم وكما يقول من لم يقدر قدرهم من المنتسبين إلى الفقه: إنهم لم يتفرغوا لاستنباطه وضبط قواعده وأحكامه اشتغالا منهم بغيره والمتأخرون تفرغوا لذلك فهم أفقه. فكل هؤلاء محجوبون عن معرفة مقادير السلف وعن عمق علومهم وقلة تكلفهم وكمال بصائرهم وتالله ما امتاز عنهم المتأخرون إلا بالتكلف والاشتغال بالأطراف التي كانت همة القوم مراعاة أصولها وضبط قواعدها وشد معاقدها وهممهم مشمرة إلى المطالب العالية في كل شيء فالمتأخرون في شأن والقوم في شأن و قد جعل الله لكل شيء قدرا [الطلاق: 3] . فالأولى بنا: أن نذكر منازل العبودية الواردة في القرآن والسنة ونشير إلى معرفة حدودها ومراتبها إذ معرفة ذلك من تمام معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله وقد وصف الله تعالى من لم يعرفها بالجهل والنفاق فقال تعالى الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله [التوبة: 96] فبمعرفة حدودها دراية والقيام بها رعاية يستكمل العبد الإيمان ويكون من أهل quot; إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] quot;. ونذكر لها ترتيبا غير مستحق بل مستحسن بحسب ترتيب السير الحسي ليكون ذلك أقرب إلى تنزيل المعقول منزلة المشهود بالحس فيكون التصديق أتم ومعرفته أكمل وضبطه أسهل. فهذه فائدة ضرب الأمثال وهي خاصة العقل ولبه ولهذا أكثر الله تعالى منها في القرآن ونفى عقلها عن غير العلماء فقال تعالى وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون [العنكبوت: 43] . فاعلم أن العبد قبل وصول الداعي إليه في نوم الغفلة قلبه نائم وطرفه يقظان فصاح به الناصح وأسمعه داعي النجاح وأذن به مؤذن الرحمن: حي على الفلاح.(1\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "134",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13131",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأول مراتب هذا النائم اليقظة والانتباه من النوم وقد ذكرنا أنها انزعاج القلب لروعة الانتباه. وصاحب المنازل يقول: هي القومة لله المذكورة في قوله قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى [سبأ: 46] . قال: القومة لله هي اليقظة من سنة الغفلة والنهوض عن ورطة الفترة وهي أول ما يستنير قلب العبد بالحياة لرؤية نور التنبيه وهي على ثلاثة أشياء: لحظ القلب إلى النعمة على اليأس من عدها والوقوف على حدها والتفرغ إلى معرفة المنة بها والعلم بالتقصير في حقها. وهذا الذي ذكره هو موجب اليقظة وأثرها فإنه إذا نهض من ورطة الغفلة لاستنارة قلبه برؤية نور التنبيه أوجب له ملاحظة نعم الله الباطنة والظاهرة وكلما حدق قلبه وطرفه فيها شاهد عظمتها وكثرتها فيئس من عدها والوقوف على حدها وفرغ قلبه لمشاهدة منة الله عليه بها من غير استحقاق ولا استجلاب لها بثمن فتيقن حينئذ تقصيره في واجبها وهو القيام بشكرها. فأوجب له شهود تلك المنة والتقصير نوعين جليلين من العبودية: محبة المنعم واللهج بذكره وتذكر الله وخضوعه له وإزراؤه على نفسه حيث عجز عن شكر نعمه فصار متحققا ب quot; أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت quot; وعلم حينئذ أن هذا الاستغفار حقيق بأن يكون سيد الاستغفار وعلم حينئذ أن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم وعلم أن العبد دائما سائر إلى الله بين مطالعة المنة ومشاهدة التقصير. قال: الثاني: مطالعة الجناية والوقوف على الخطر فيها والتشمير لتداركها(1\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "135",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13132",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتخلص من رقها وطلب النجاة بتمحيصها. فينظر إلى ما سلف منه من الإساءة ويعلم أنه على خطر عظيم فيها وأنه مشرف على الهلاك بمؤاخذة صاحب الحق بموجب حقه وقد ذم الله تعالى في كتابه من نسي ما تقدم يداه فقال ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه [الكهف: 57] فإذا طالع جنايته شمر لاستدراك الفارط بالعلم والعمل وتخلص من رق الجناية بالاستغفار والندم وطلب التمحيص وهو تخليص إيمانه ومعرفته من خبث الجناية كتمحيص الذهب والفضة وهو تخليصهما من خبثهما ولا يمكن دخوله الجنة إلا بعد هذا التمحيص فإنها طيبة لا يدخلها إلا طيب ولهذا تقول لهم الملائكة سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين [الزمر: 73] وقال تعالى الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة [النحل: 32] فليس في الجنة ذرة خبث. وهذا التمحيص يكون في دار الدنيا بأربعة أشياء: بالتوبة والاستغفار وعمل الحسنات الماحية والمصائب المكفرة فإن محصته هذه الأربعة وخلصته كان من الذين تتوفاهم الملائكة طيبين [النحل: 32]  يبشرونهم بالجنة وكان من الذين تتنزل عليهم الملائكة عند الموت أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون - نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون - نزلا من غفور رحيم [فصلت: 30 - 32] . وإن لم تف هذه الأربعة بتمحيصه وتخليصه فلم تكن التوبة نصوحا وهي العامة الشاملة الصادقة ولم يكن الاستغفار النافع لا استغفار من في يده قدح السكر وهو يقول: أستغفر الله ثم يرفعه إلى فيه ولم تكن الحسنات في كميتها وكيفيتها وافية بالتكفير ولا المصائب وهذا إما لعظم الجناية وإما لضعف الممحص وإما لهما - محص في البرزخ بثلاثة أشياء: أحدها: صلاة أهل الإيمان الجنازة عليه واستغفارهم له وشفاعتهم فيه. الثاني: تمحيصه بفتنة القبر وروعة الفتان والعصرة والانتهار وتوابع ذلك.(1\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "136",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13133",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالث: ما يهدي إخوانه المسلمون إليه من هدايا الأعمال من الصدقة عنه والحج والصيام عنه وقراءة القرآن عنه والصلاة وجعل ثواب ذلك له وقد أجمع الناس على وصول الصدقة والدعاء قال الإمام أحمد: لا يختلفون في ذلك وما عداهما فيه اختلاف والأكثرون يقولون بوصول الحج وأبو حنيفة يقول: إنما يصل إليه ثواب الإنفاق وأحمد ومن وافقه مذهبهم في ذلك أوسع المذاهب يقولون: يصل إليه ثواب جميع القرب بدنيها وماليها والجامع للأمرين واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن سأله quot; يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما قال: نعم فذكر الحديث quot; وقد قال صلى الله عليه وسلم من مات وعليه صيام صام عنه وليه . فإن لم تف هذه بالتمحيص محص بين يدي ربه في الموقف بأربعة أشياء: أهوال القيامة وشدة الموقف وشفاعة الشفعاء وعفو الله عز وجل. فإن لم تف هذه الثلاثة بتمحيصه فلا بد له من دخول الكير رحمة في حقه ليتخلص ويتمحص ويتطهر في النار فتكون النار طهرة له وتمحيصا لخبثه ويكون مكثه فيها على حسب كثرة الخبث وقلته وشدته وضعفه وتراكمه فإذا خرج خبثه وصفي ذهبه وصار خالصا طيبا أخرج من النار وأدخل الجنة. قال: الثالث يعني من مراتب اليقظة: الانتباه لمعرفة الزيادة والنقصان من الأيام والتنصل من تضييعها والنظر إلى الظن بها لتدارك فائتها وتعمير باقيها. يعني أنه يعرف ما معه من الزيادة والنقصان فيتدارك ما فاته في بقية عمره التي لا ثمن لها ويبخل بساعاته بل بأنفاسه عن ذهابها ضياعا في غير ما يقربه إلى الله فهذا هو حقيقة الخسران المشترك بين الناس مع تفاوتهم في قدره قلة وكثرة فكل نفس يخرج في غير ما يقرب إلى الله فهو حسرة على العبد في معاده ووقفة له في طريق سيره أو نكسة إن استمر أو حجاب إن انقطع به.(1\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "137",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13134",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: فأما معرفة النعمة فإنها تصفو بثلاثة أشياء: بنور العقل وشيم بروق المنة والاعتبار بأهل البلاء. يعني أن حقيقة مشاهدة النعمة يصفو بهذه الثلاثة فهي النور الذي أوجب اليقظة فاستنار القلب به لرؤية التنبه وعلى حسبه قوة وضعفا تصفو له مشاهدة النعمة فإن من لم ير نعمة الله عليه إلا في مأكله وملبسه وعافية بدنه وقيام وجهه بين الناس فليس له نصيب من هذا النور البتة فنعمة الله بالإسلام والإيمان وجذب عبده إلى الإقبال عليه والتنعم بذكره والتلذذ بطاعته هو أعظم النعم وهذا إنما يدرك بنور العقل وهداية التوفيق. وكذلك شيمه بروق منن الله عليه وهو النظر إليها ومطالعتها من خلال سحب الطبع وظلمات النفس والنظر إلى أهل البلاء وهم أهل الغفلة عن الله والابتداع في دين الله فهذان الصنفان هم أهل البلاء حقا فإذا رآهم وعلم ما هم عليه عظمت نعمة الله عليه في قلبه وصفت له وعرف قدرها فالضد يظهر حسنه الضد وبضدها تتميز الأشياء. حتى إن من تمام نعيم أهل الجنة رؤية أهل النار وما هم فيه من العذاب. قال: وأما مطالعة الجناية فإنها تصح بثلاثة أشياء: بتعظيم الحق ومعرفة النفس وتصديق الوعيد. يعني أن من كملت عظمة الحق تعالى في قلبه عظمت عنده مخالفته لأن مخالفة العظيم ليست كمخالفة من هو دونه ومن عرف قدر نفسه وحقيقتها وفقرها الذاتي إلى مولاها الحق في كل لحظة ونفس وشدة حاجتها إليه عظمت عنده جناية المخالفة لمن هو شديد الضرورة إليه في كل لحظة ونفس. وأيضا فإذا عرف حقارتها مع عظم قدر من خالفه عظمت الجناية عنده فشمر في التخلص منها وبحسب تصديقه بالوعيد ويقينه به يكون تشميره في التخلص من الجناية التي تلحق به. ومدار السعادة وقطب رحاها على التصديق بالوعيد فإذا تعطل من قلبه التصديق بالوعيد خرب خرابا لا يرجى معه فلاح البتة والله تعالى أخبر أنه إنما تنفع(1\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "138",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13135",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الآيات والنذر لمن صدق بالوعيد وخاف عذاب الآخرة فهؤلاء هم المقصودون بالإنذار والمنتفعون بالآيات دون من عداهم قال الله تعالى إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة [هود: 103] وقال إنما أنت منذر من يخشاها [النازعات: 45] وقال فذكر بالقرآن من يخاف وعيد [ق: 45] وأخبر تعالى أن أهل النجاة في الدنيا والآخرة هم المصدقون بالوعيد الخائفون منه فقال تعالى ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد [إبراهيم: 14] . قال: وأما معرفة الزيادة والنقصان من الأيام فإنها تستقيم بثلاثة أشياء: سماع العلم وإجابة داعي الحرمة وصحبة الصالحين وملاك ذلك كله خلع العادات. يعني أن السالك على حسب علمه بمراتب الأعمال ونفائس الكسب تكون معرفته بالزيادة والنقصان في حاله وإيمانه وكذلك تفقد إجابة داعي تعظيم حرمات الله من قلبه هل هو سريع الإجابة لها أم هو بطيء عنها فبحسب إجابة الداعي سرعة وإبطاء تكون زيادته ونقصانه. وكذلك صحبة أرباب العزائم والمشمرين إلى اللحاق بالملأ الأعلى يعرف به ما معه من الزيادة والنقصان. والذي يملك به ذلك كله خروجه عن العادات والمألوفات وتوطين النفس على مفارقتها والغربة بين أهل الغفلة والإعراض وما على العبد أضر من ملك العادات له وما عارض الكفار الرسل إلا بالعادات المستقرة الموروثة لهم عن الأسلاف الماضين فمن لم يوطن نفسه على مفارقتها والخروج عنها والاستعداد للمطلوب منه فهو مقطوع وعن فلاحه وفوزه ممنوع ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين [التوبة: 46] .(1\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "139",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13136",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الفكرة] فإذا استحكمت يقظته أوجبت له الفكرة وهي كما تقدم تحديق القلب إلى جهة المطلوب التماسا له. وصاحب المنازل جعلها بعد البصيرة وقال في حدها: هي تلمس البصيرة لاستدراك البغية أي التماس العقل المطلوب بالتفتيش عليه. قال: وهي ثلاثة أنواع: فكرة في عين التوحيد وفكرة في لطائف الصنعة وفكرة في معاني الأعمال والأحوال. قلت: الفكرة فكرتان: فكرة تتعلق بالعلم والمعرفة وفكرة تتعلق بالطلب والإرادة. فالتي تتعلق بالعلم والمعرفة فكرة التمييز بين الحق والباطل والثابت والمنفي والتي تتعلق بالطلب والإرادة هي الفكرة التي تميز بين النافع والضار. ثم يترتب عليها فكرة أخرى في الطريق إلى حصول ما ينفع فيسلكها والطريق إلى ما يضر فيتركها. فهذه ستة أقسام لا سابع لها هي مجال أفكار العقلاء. فالفكرة في التوحيد استحضار أدلته وشواهد الدلالة على بطلان الشرك واستحالته وأن الإلهية يستحيل ثبوتها لاثنين كما يستحيل ثبوت الربوبية لاثنين فكذلك من أبطل الباطل عبادة اثنين والتوكل على اثنين بل لا تصح العبادة إلا للإله الحق والرب الحق وهو الله الواحد القهار.(1\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "140",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13137",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد خبط صاحب المنازل في هذا الموضع وجاء بما يرغب عنه الكمل من سادات السالكين والواصلين إلى الله. فقال: الفكرة في عين التوحيد اقتحام بحر الجحود. وهذا بناء على أصله الذي أصله وانتهى إليه كتابه في أمر الفناء فإنه لما رأى أن الفكرة في عين التوحيد تبعد العبد من التوحيد الصحيح عنده لأن التوحيد الصحيح عنده لا يكون إلا بعد فناء الفكرة والتفكر والفكرة تدل على بقاء رسم لاستلزامها مفكرا وفعلا قائما به والتوحيد التام عنده لا يكون مع بقاء رسم أصلا كانت الفكرة عنده علامة الجحود واقتحاما لبحره وقد صرح بهذا في أبياته في آخر الكتاب: ما وحد الواحد من واحد ... إذ كل من وحده جاحد توحيد من ينطق عن نعته ... عارية أبطلها الواحد توحيده إياه توحيده ... ونعت من ينعته لاحد ومعنى أبياته: ما وحد الله عز وجل أحد حق توحيده الخاص الذي تنفى فيه الرسوم ويضمحل فيه كل حادث ويتلاشى فيه كل مكون فإنه لا يتصور منه التوحيد إلا ببقاء الرسم وهو الموحد وتوحيده القائم به فإذا وحده شهد فعله الحادث ورسمه الحادث وذلك جحود لحقيقة التوحيد الذي تنفى فيه الرسوم وتتلاشى فيه الأكوان فلذلك قال: إذ كل من وحده جاحد هذا أحسن ما يحمل عليه كلامه وقد فسره أهل الوحدة بصريح كلامهم في مذهبهم. قالوا: معنى quot; كل من وحده جاحد quot; أي كل من وحده فقد وصف الموحد بصفة تتضمن جحد حقه الذي هو عدم انحصاره تحت الأوصاف فمن وصفه فقد جحد إطلاقه عن قيود الصفات. وقوله quot; توحيد من ينطق عن نعته quot; أي توحيد المحدث له الناطق عن نعته عارية مستردة فإنه الموحد قبل توحيد هذا الناطق وبعد فنائه فتوحيده له عارية أبطلها الواحد الحق بإفنائه كل ما سواه.(1\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "141",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13138",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والاتحادي يقول: معناه أن الموحد واحد من جميع الوجوه فأبطل ببساطة ذاته تركيب نطق واصفه وأبطل بإطلاقه تقييد نعت موحده. وقوله quot; توحيده إياه توحيده quot; يعني أن توحيده الحقيقي هو توحيده لنفسه حيث لا هناك رسم ولا مكون فما وحد الله حقيقة إلا الله. والاتحادي يقول: ما ثم غير يوحده بل هو الموحد لنفسه بنفسه إذ ليس ثم سوى في الحقيقة. قوله quot; ونعت من ينعته لاحد quot; أي نعت الناعت له ميل وخروج عن التوحيد الحقيقي والإلحاد أصله الميل لأنه بنعته له قائم بالرسوم وبقاء الرسوم ينافي توحيده الحقيقي. والاتحادي يقول: نعت الناعت له شرك لأنه أسند إلى المطلق ما لا يليق به إسناده من التقييد وذلك شرك وإلحاد. فرحمة الله على أبي إسماعيل فتح للزنادقة باب الكفر والإلحاد فدخلوا منه وأقسموا بالله جهد أيمانهم: إنه لمنهم وما هو منهم وغره سراب الفناء فظن أنه لجة بحر المعرفة وغاية العارفين وبالغ في تحقيقه وإثباته فقاده قسرا إلى ما ترى. الفناء  [مراد الفناء] الفناء quot; والفناء quot; الذي يشير إليه القوم ويعملون عليه: أن تذهب المحدثات في شهود(1\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "142",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13139",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العبد وتغيب في أفق العدم كما كانت قبل أن توجد ويبقى الحق تعالى كما لم يزل ثم تغيب صورة المشاهد ورسمه أيضا فلا يبقى له صورة ولا رسم ثم يغيب شهوده أيضا فلا يبقى له شهود ويصير الحق هو الذي يشاهد نفسه بنفسه كما كان الأمر قبل إيجاد المكونات وحقيقته: أن يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل. قال صاحب المنازل: هو اضمحلال ما دون الحق علما ثم جحدا ثم حقا وهو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: فناء المعرفة في المعروف وهو الفناء علما وفناء العيان في المعاين وهو الفناء جحدا وفناء الطلب في الوجود وهو الفناء حقا. الدرجة الثانية: فناء شهود الطلب لإسقاطه وفناء شهود المعرفة لإسقاطها وفناء شهود العيان لإسقاطه. الدرجة الثالثة: الفناء عن شهود الفناء وهو الفناء حقا شائما برق العين راكبا بحر الجمع سالكا سبيل البقاء. فنذكر ما في هذا الكلام من حق وباطل ثم نتبعه ذكر أقسام الفناء والفرق بين الفناء المحمود الذي هو فناء خاصة أولياء الله المقربين والفناء المذموم الذي هو فناء أهل الإلحاد القائلين بوحدة الوجود وفناء المتوسطين الناقصين عن درجة الكمال بعون الله وحوله وتأييده. فقوله: الفناء اضمحلال ما دون الحق جحدا لا يريد به أنه يعدم من الوجود بالكلية وإنما يريد اضمحلاله في العلم فيعلم أن ما دونه باطل وأن وجوده بين(1\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "143",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13140",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عدمين وأنه ليس له من ذاته إلا العدم فعدمه بالذات ووجوده بإيجاد الحق له فيفنى في علمه كما كان فانيا في حال عدمه فإذا فني في علمه ارتقى إلى درجة أخرى فوق ذلك وهي جحد السوى وإنكاره وهذه أبلغ من الأولى لأنها غيبته عن السوى فقد يغيب عنه وهو غير جاحد له وهذه الثانية جحده وإنكاره. ومن هاهنا دخل الاتحادي وقال: المراد جحد السوى بالكلية وأنه ما ثم غير بوجه ما. وحاشا شيخ الإسلام من إلحاد أهل الاتحاد وإن كانت عبارته موهمة بل مفهمة ذلك وإنما أراد بالجحد في الشهود لا في الوجود أي يجحده أن يكون مشهودا فيجحد وجوده الشهودي العلمي لا وجوده العيني الخارجي فهو أولا يغيب عن وجوده الشهودي العلمي ثم ينكر ثانيا وجوده في علمه وهو اضمحلاله جحدا ثم يرتقي من هذه الدرجة إلى درجة أخرى أبلغ منها وهي اضمحلاله في الحقيقة وأنه لا وجود له البتة وإنما وجوده قائم بوجود الحق فلولا وجود الحق لم يكن هو موجودا ففي الحقيقة: الموجود إنما هو الحق وحده والكائنات من أثر وجوده هذا معنى قولهم quot; إنها لا وجود لها ولا أثر لها وإنها معدومة وفانية ومضمحلة quot;. والاتحادي يقول: إن السالك في أول سلوكه يرى أنه لا فاعل في الحقيقة إلا الله فهذا توحيد العلم ولا يقدر في طوره الأول على أكثر من ذلك ثم ينتقل عن هذا إلى الدرجة الثانية وهي شهود عود الأفعال إلى الصفات والصفات إلى الذات فعاد الأمر كله إلى الذات فيجحد وجود السوى بالكلية فهذا هو الاضمحلال جحدا ثم يرتقي عن هذه الدرجة إلى ركوب البحر الذي تغرق فيه الأفعال والأسماء والصفات ولا يبقى إلا أمر مطلق لا يتقيد باسم ولا فعل ولا صفة قد اضمحل فيه كل معنى وقيد وصفة ورسم وهذا عندهم غاية السفر الأول فحينئذ يأخذ في السفر الثاني وهو البقاء.(1\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "144",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13141",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله: الدرجة الأولى: فناء المعرفة في المعروف. يريد اضمحلال معرفته وتلاشيها في معروفه وأن يغيب بمعروفه عن معرفته كما يغيب بمشهوده عن شهوده وبمذكوره عن ذكره وبمحبوبه عن حبه وبمخوفه عن خوفه وهذا لا ريب في إمكانه ووقوعه فإن القلب إذا امتلأ بشيء لم يبق فيه متسع لغيره وأنت ترى الرجل يشاهد محبوبه الذي قد استغرق في حبه بحيث تخلل حبه جميع أجزاء قلبه أو يشاهد المخوف الذي امتلأ قلبه بخوفه فتراه دهشا عن شعوره بحبه أو خوفه لاستيلاء سلطان المحبوب أو المخوف على قلبه وعدم اتساعه لشهود غيره البتة لكن هذا لنقصه لا لكماله والكمال وراء ذلك فلا أحد أعظم محبة لله عز وجل من الخليلين عليهما الصلاة والسلام وكانت حالهما أكمل من هذه الحال وشهود العبودية أكمل وأتم وأبلغ من الغيبة عنها بشهود المعبود فشهود العبودية والمعبود درجة الكمل والغيبة بأحدهما عن الآخر للناقصين فكما أن الغيبة بالعبادة عن المعبود نقص فكذلك الغيبة بالمعبود عن عبادته نقص حتى إن من العارفين من لا يعتد بهذه العبادة ويرى وجودها عدما ويقول: هي بمنزلة عبودية النائم وزائل العقل لا يعتد بها ولم يبعد هذا القائل. فالحق تعالى مراده من عبده استحضار عبوديته لا الغيبة عنها والعامل على الغيبة عنها عامل على مراده من الله وعلى حظه والتنعم بالفناء في شهوده لا على مراد الله منه وبينهما ما بينهما. فكيف يكون قائما بحقيقة العبودية من يقول quot; إياك نعبد quot; ولا شعور له بعبوديته البتة بل حقيقة quot; إياك نعبد quot; علما ومعرفة وقصدا وإرادة وعملا وهذا مستحيل في وادي الفناء ومن له ذوق يعرف هذا وهذا. قوله: وفناء العيان في المعاين وهو الفناء جحدا. لما كان ما قبل هذا فناء العلم في المعلوم والمعرفة في المعروف والعيان فوق العلم والمعرفة إذ نسبته إلى العلم كنسبة المرئي إليه كان الفناء في هذه المرتبة فناء عيانه في معاينه ومحو أثره واضمحلال رسمه. قوله: وفناء الطلب في الموجود وهو الفناء حقا. يريد: أنه لا يبقى لصاحب هذا العيان طلب لأنه قد ظفر بموجوده ومطلوبه وطلب الموجود محال لأنه إنما يطلب المفقود عن العيان لا الموجود فإذا استقرت في عيانه وشهوده فني الطلب حقا.(1\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "145",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13142",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله: الدرجة الثانية: فناء شهود الطلب لإسقاطه وفناء شهود المعرفة لإسقاطها وفناء شهود العيان لإسقاطه. يريد أن الطلب يسقط فيشهد العبد عدمه فهاهنا أمور ثلاثة مترتبة أحدها: فناء الطلب وسقوطه ثم شهود سقوطه ثم سقوط شهوده. فهذا هو فناء شهود الطلب لإسقاطه. وأما فناء شهود المعرفة لإسقاطها فيريد به: أن المعرفة تسقطه في شهود العيان إذ هو فوقها وهي تفنى فيه فيشهد سقوطها في العيان ثم يسقط شهود سقوطها. وصاحب المنازل يرى أن المعرفة قد يصحبها شيء من حجاب العلم ولا يرتفع ذلك الحجاب إلا بالعيان فحينئذ تفنى في حقه المعارف فيشهد فناءها وسقوطها ولكن عليه بعد بقية لا تزول عنه حتى يسقط شهود فنائها وسقوطها منه فالعارف يخالطه بقية من العلم لا تزول إلا بالمعاينة والمعاين قد يخالطه بقية من المعرفة لا تزول إلا بشهود سقوطها ثم سقوط شهود هذا السقوط. وأما فناء شهود العيان لإسقاطه فيعني أن العيان أيضا يسقط فيشهد العبد ساقطا فلا يبقى إلا المعاين وحده. قال الاتحادي: هذا دليل على أن الشيخ يرى مذهب أهل الوحدة لأن العيان إنما يسقط في مبادئ حضرة الجمع لأنه يقتضي ثلاثة أمور: معاين ومعاين ومعاينة وحضرة الجمع تنفي التعداد. وهذا كذب على شيخ الإسلام وإنما مراده: فناء شهود العيان فيفنى عن(1\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "146",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13143",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مشاهدة المعاينة ويغيب بمعاينه عن معاينته لأن مراده انتفاء التعدد والتغاير بين المعاين والمعاين وإنما مراده: انتفاء الحاجب عن درجة الشهود لا عن حقيقة الوجود ولكنه باب لإلحاد هؤلاء الملاحدة منه يدخلون. وفرق بين إسقاط الشيء عن درجة الوجود العلمي الشهودي وإسقاطه عن رتبة الوجود الخارجي العيني فشيخ الإسلام بل مشايخ القوم المتكلمين بلسان الفناء هذا مرادهم. وأما أهل الوحدة فمرادهم: أن حضرة الجمع والوحدة تنفي التعدد والتقييد في الشهود والوجود بحيث يبقى المعروف والمعرفة والعارف من عين واحدة لا بل ذلك هو نفس العين الواحدة وإنما العلم والعقل والمعرفة حجب بعضها أغلظ من بعض ولا يصير السالك عندهم محققا حتى يخرق حجاب العلم والمعرفة والعقل فحينئذ يفضي إلى ما وراء الحجاب من شهود الوحدة المطلقة التي لا تتقيد بقيد ولا تختص بوصف. قوله: الدرجة الثالثة: الفناء عن شهود الفناء. أي يشهد فناء كل ما سوى الحق تعالى في وجود الحق ثم يشهد الفناء قد فني أيضا ثم يفنى عن شهود الفناء فذلك هو الفناء حقا. وقوله: شائما برق العين. يعني ناظرا إلى عين الجمع فإذا شام برقه من بعد انتقل من ذلك إلى ركوب لجة بحر الجمع وركوبه إياها هو فناؤه في جمعه. ويعني بالجمع: الحقيقة الكونية والقدرية التي يجتمع فيها جميع المتفرقات وتشمير القوم إلى شهودها والاستغراق والفناء فيها هو غاية السلوك والمعرفة عندهم. وسنذكر إن شاء الله تعالى أن العبد لا يدخل بهذا الفناء والشهود في الإسلام(1\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "147",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13144",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فضلا أن يكون به من المؤمنين فضلا أن يكون به من خاصة أولياء الله المقربين فإن هذا شهود مشترك لأمر أقر به عباد الأصنام وسائر أهل الملل أنه لا خالق إلا الله قال الله تعالى ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله [لقمان: 25]  ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله [الزخرف: 87] فالاستغراق والفناء في شهود هذا القدر غاية التحقيق لتوحيد الربوبية الذي أقر به المشركون ولم يدخلوا به في الإسلام وإنما الشأن في توحيد الإلهية الذي دعت إليه الرسل وأنزلت به الكتب وتميز به أولياء الله من أعدائه وهو أن لا يعبد إلا الله ولا يحب سواه ولا يتوكل على غيره. والفناء في هذا التوحيد: هو فناء خاصة المقربين كما سيأتي إن شاء الله.  [فصل الفناء أقسامه ومراتبه] إذا عرفت مراد القوم بالفناء فنذكر أقسامه ومراتبه وممدوحه ومذمومه ومتوسطه. فاعلم أن الفناء مصدر فني يفنى فناء إذا اضمحل وتلاشى وعدم وقد يطلق على ما تلاشت قواه وأوصافه مع بقاء عينه كما قال الفقهاء: لا يقتل في المعركة شيخ فان وقال تعالى كل من عليها فان [الرحمن: 26] أي هالك ذاهب ولكن القوم اصطلحوا على وضع هذه اللفظة لتجريد شهود الحقيقة الكونية والغيبة عن شهود الكائنات. وهذا الاسم يطلق على ثلاثة معان: الفناء عن وجود السوى والفناء عن شهود السوى والفناء عن إرادة السوى. فأما الفناء عن وجود السوى: فهو فناء الملاحدة القائلين بوحدة الوجود وأنه ما ثم غير وأن غاية العارفين والسالكين الفناء في الوحدة المطلقة ونفي التكثر والتعدد عن الوجود بكل اعتبار فلا يشهد غيرا أصلا بل يشهد وجود العبد عين وجود الرب بل ليس عندهم في الحقيقة رب وعبد. وفناء هذه الطائفة في شهود الوجود كله واحد وهو الواجب بنفسه ما ثم وجودان ممكن وواجب ولا يفرقون بين كون وجود المخلوقات بالله وبين كون وجودها هو عين وجوده وليس عندهم فرقان بين العالمين ورب العالمين ويجعلون(1\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "148",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13145",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأمر والنهي للمحجوبين عن شهودهم وفنائهم والأمر والنهي تلبيس عندهم والمحجوب عندهم يشهد أفعاله طاعات أو معاصي ما دام في مقام الفرق فإذا ارتفعت درجته شهد أفعاله كلها طاعات لا معصية فيها لشهوده الحقيقة الكونية الشاملة لكل موجود فإذا ارتفعت درجته عندهم فلا طاعة ولا معصية بل ارتفعت الطاعات والمعاصي لأنها تستلزم اثنينية وتعددا وتستلزم مطيعا ومطاعا وعاصيا ومعصيا وهذا عندهم محض الشرك والتوحيد المحض يأباه فهذا فناء هذه الطائفة. وأما الفناء عن شهود السوى: فهو الفناء الذي يشير إليه أكثر الصوفية المتأخرين ويعدونه غاية وهو الذي بنى عليه أبو إسماعيل الأنصاري كتابه وجعله الدرجة الثالثة في كل باب من أبوابه. وليس مرادهم فناء وجود ما سوى الله في الخارج بل فناؤه عن شهودهم وحسهم فحقيقته: غيبة أحدهم عن سوى مشهوده بل غيبته أيضا عن شهوده ونفسه لأنه يغيب بمعبوده عن عبادته وبمذكوره عن ذكره وبموجوده عن وجوده وبمحبوبه عن حبه وبمشهوده عن شهوده. وقد يسمى حال مثل هذا سكرا واصطلاحا ومحوا وجمعا وقد يفرقون بين معاني هذه الأسماء وقد يغلب شهود القلب بمحبوبه ومذكوره حتى يغيب به ويفنى به فيظن أنه اتحد به وامتزج بل يظن أنه هو نفسه كما يحكى أن رجلا ألقى محبوبه نفسه في الماء فألقى المحب نفسه وراءه فقال له: ما الذي أوقعك في الماء فقال: غبت بك عني فظننت أنك أني. وهذا إذا عاد إليه عقله يعلم أنه كان غالطا في ذلك وأن الحقائق متميزة في ذاتها فالرب رب والعبد عبد والخالق بائن عن المخلوقات ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته ولكن في حال السكر والمحو الاصطلام والفناء: قد يغيب عن هذا التمييز وفي هذه الحال قد يقول صاحبها ما يحكى عن أبي يزيد أنه قال quot; سبحاني quot; أو quot; ما في الجبة إلا الله quot; ونحو ذلك من الكلمات التي لو صدرت عن قائلها وعقله معه لكان كافرا ولكن مع سقوط التمييز والشعور قد يرتفع عنه قلم المؤاخذة.(1\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "149",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13146",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا الفناء يحمد منه شيء ويذم منه شيء ويعفى منه عن شيء. فيحمد منه: فناؤه عن حب ما سوى الله وعن خوفه ورجائه والتوكل عليه والاستعانة به والالتفات إليه بحيث يبقى دين العبد ظاهرا وباطنا كله لله. وأما عدم الشعور والعلم بحيث لا يفرق صاحبه بين نفسه وغيره ولا بين الرب والعبد مع اعتقاده الفرق ولا بين شهوده ومشهوده بل لا يرى السوى ولا الغير فهذا ليس بمحمود ولا هو وصف كمال ولا هو مما يرغب فيه ويؤمر به بل غاية صاحبه أن يكون معذورا لعجزه وضعف قلبه وعقله عن احتمال التمييز والفرقان وإنزال كل ذي منزلة منزلته موافقة لداعي العلم ومقتضى الحكمة وشهود الحقائق على ما هي عليه والتمييز بين القديم والمحدث والعبادة والمعبود فينزل العبادة منازلها ويشهد مراتبها ويعطي كل مرتبة منها حقها من العبودية ويشهد قيامه بها فإن شهود العبد قيامه بالعبودية أكمل في العبودية من غيبته عن ذلك فإن أداء العبودية في حال غيبة العبد عنها وعن نفسه بمنزلة أداء السكران والنائم وأداؤها في حال كمال يقظته وشعوره بتفاصيلها وقيامه بها أتم وأكمل وأقوى عبودية. فتأمل حال عبدين في خدمة سيدهما أحدهما يؤدي حقوق خدمته في حال غيبته عن نفسه وعن خدمته لاستغراقه بمشاهدة سيده والآخر يؤديها في حال كمال حضوره وتمييزه وإشعار نفسه بخدمة السيد وابتهاجها بذلك فرحا بخدمته وسرورا والتذاذا منه واستحضارا لتفاصيل الخدمة ومنازلها وهو مع ذلك عامل على مراد سيده منه لا على مراده من سيده فأي العبدين أكمل فالفناء: حظ الفاني ومراده والعلم والشعور والتمييز والفرق وتنزيل الأشياء منازلها وجعلها في مراتبها: حق الرب ومراده ولا يستوي صاحب هذه العبودية وصاحب تلك.(1\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "150",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13147",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نعم هذا أكمل حالا من الذي لا حضور له ولا مشاهدة بالمرة بل هو غائب بطبعه ونفسه عن معبوده وعن عبادته وصاحب التمييز والفرقان - وهو صاحب الفناء الثالث - أكمل منهما فزوال العقل والتمييز والغيبة عن شهود نفسه وأفعالها لا يحمد فضلا عن أن يكون في أعلى مراتب الكمال بل يذم إذا تسبب إليه وباشر أسبابه وأعرض عن الأسباب التي توجب له التمييز والعقل ويعذر إذا ورد عليه ذلك بلا استدعاء بأن كان مغلوبا عليه كما يعذر النائم والمغمى عليه والمجنون والسكران الذي لا يذم على سكره كالموجر والجاهل بكون الشراب مسكرا ونحوهما. وليس أيضا هذه الحال بلازمة لجميع السالكين بل هي عارضة لبعضهم منهم من يبتلى بها كأبي يزيد وأمثاله ومنهم من لا يبتلى بها وهم أكمل وأقوى فإن الصحابة رضي الله عنهم - وهم سادات العارفين وأئمة الواصلين المقربين وقدوة السالكين - لم يكن منهم من ابتلي بذلك مع قوة إرادتهم وكثرة منازلاتهم ومعاينة ما لم يعاينه غيرهم ولا شم له رائحة ولم يخطر على قلبه فلو كان هذا الفناء كمالا لكانوا هم أحق به وأهله وكان لهم منه ما لم يكن لغيرهم. ولا كان هذا أيضا لنبينا صلى الله عليه وسلم ولا حالا من أحواله صلى الله عليه وسلم ولهذا - في ليلة المعراج لما أسري به وعاين ما عاين مما أراه الله إياه من آياته الكبرى - لم تعرض له هذه الحال بل كان كما وصفه الله عز وجل بقوله ما زاغ البصر وما طغى - لقد رأى من آيات ربه الكبرى [النجم: 17 - 18] وقال وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس [الإسراء: 60] وقال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به ومع هذا فأصبح بينهم لم يتغير عليه حاله ولم يعرض له صعق ولا غشي يخبرهم عن تفصيل ما رأى غير فان عن نفسه ولا عن شهوده ولهذا كانت حاله أكمل من حال موسى بن عمران صلى الله(1\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "151",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13148",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليهما وسلم لما خر صعقا حين تجلى ربه للجبل وجعله دكا.  [فصل أسباب الفناء] فصل وهذا الفناء له سببان: أحدهما: قوة الوارد وضعف المورود وهذا لا يذم صاحبه. الثاني: نقصان العلم والتمييز وهذا يذم صاحبه لا سيما إذا أعرض عن العلم الذي يحول بينه وبين هذا الفناء وذمه وذم أهله ورأى ذلك عائقا من عوائق الطريق فهذا هو المذموم المخوف عليه. ولهذا عظمت وصية القوم بالعلم وحذروا من السلوك بلا علم وأمروا بهجر من هجر العلم وأعرض عنه وعدم القبول منه لمعرفتهم بمآل أمره وسوء عاقبته في سيره وعامة من تزندق من السالكين فلإعراضه عن دواعي العلم وسيره على جادة الذوق والوجد ذاهبة به الطريق كل مذهب فهذا فتنته والفتنة به شديدة وبالله التوفيق.  [فصل أصل الفناء] فصل وأصل هذا الفناء الاستغراق في توحيد الربوبية وهو رؤية تفرد الله بخلق الأشياء وملكها واختراعها وأنه ليس في الوجود قط إلا ما شاءه وكونه فيشهد ما اشتركت فيه المخلوقات من خلق الله إياها ومشيئته لها وقدرته عليها وشمول قيوميته وربوبيته لها ولا يشهد ما افترقت فيه من محبة الله لهذا وبغضه لهذا وأمره بما أمر به ونهيه عما نهى عنه وموالاته لقوم ومعاداته لآخرين. فلا يشهد التفرقة في الجمع وهي تفرقة الخلق والأمر في جمع الربوبية تفرقة موجب الإلهية في جمع الربوبية تفرقة الإرادة الدينية في جمع الإرادة الكونية تفرقة ما يحبه ويرضاه في جمع ما قدره وقضاه لا يشهد الكثرة في الوجود وهي كثرة معاني الأسماء الحسنى والصفات العلى واقتضاؤها لآثارها في وحدة الذات الموصوفة بها. فلا يشهد كثرة دلالات أسماء الرب تعالى وصفاته على وحدة ذاته. فهو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر وكل اسم له صفة وللصفة حكم فهو سبحانه واحد الذات كثير الأسماء والصفات فهذه كثرة في وحدة. والفرق بين مأموره ومنهيه ومحبوبه ومبغوضه ووليه وعدوه تفرقة في جمع فمن(1\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "152",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13149",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يتسع شهوده لهذه الأمور الأربعة فليس من خاصة أولياء الله العارفين بل إن انصرف شهوده عنها مع اعترافه بها فهو مؤمن ناقص وإن جحدها - أو شيئا منها - فكفر صريح أو بتأويل مثل أن يجحد تفرقة الأمر والنهي أو جمع القضاء والقدر أو كثرة معاني الأسماء والصفات ووحدة الذات. فليتدبر اللبيب السالك هذا الموضع حق التدبر وليعرف قدره فإنه مجامع طرق العالمين وأصل تفرقتهم قد ضبطت لك معاقده وأحكمت لك قواعده وبالله التوفيق. وإنما يعرف قدر هذا من اجتاز القفار واقتحم البحار وعرض له ما يعرض لسالك القفر وراكب البحر ومن لم يسافر ولم يخرج عن وطن طبعه ومرباه وما ألف عليه أصحابه وأهل زمانه فهو بمعزل عن هذا فإن عرف قدره وكفى الناس شره فهذا يرجى له السلامة وإن عدا طوره وأنكر ما لم يعرفه وكذب بما لم يحط به علما ثم تجاوز إلى تكفير من خالفه ولم يقلد شيوخه ويرضى بما رضي هو به لنفسه فذلك الظالم الجاهل الذي ما ضر إلا نفسه ولا أضاع إلا حظه.  [فصل الفناء ومهالكه] فصل ويعرض للسالك على درب الفناء معاطب ومهالك لا ينجيه منها إلا بصيرة العلم التي إن صحبته في سيره وإلا فبسبيل من هلك. منها: أنه إذا اقتحم عقبة الفناء ظن أن صاحبها قد سقط عنه الأمر والنهي لتشويشه على الفناء ونقضه له والفناء عنده غاية العارفين ونهاية التوحيد فيرى ترك كل ما أبطله وأزاله من أمر ونهي أو غيرهما ويصرح بعضهم بأنه إنما يسقط الأمر والنهي عمن شهد الإرادة وأما من لم يشهدها فالأمر والنهي لازمان له ولم يعلم هذا المغرور أن غاية ما معه الفناء في توحيد أهل الشرك الذي أقروا به ولم يكونوا به مسلمين البتة كما قال تعالى ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله [لقمان: 25] وقال قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون - سيقولون لله قل أفلا تذكرون - قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم - سيقولون لله قل أفلا تتقون - قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون - سيقولون لله قل فأنى تسحرون [المؤمنون: 84 - 89] وقال تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون [يوسف: 106] قال ابن عباس(1\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "153",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13150",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ": تسألهم من خلق السماوات والأرض فيقولون: الله وهم يعبدون غيره. ومن كان هذا التوحيد والفناء غاية توحيده انسلخ من دين الله ومن جميع رسله وكتبه إذ لم يتميز عنده ما أمر الله به مما نهى عنه ولم يفرق بين أولياء الله وأعدائه ولا بين محبوبه ومبغوضه ولا بين المعروف والمنكر وسوى بين المتقين والفجار والطاعة والمعصية بل ليس عنده في الحقيقة إلا الطاعة لاستواء الكل في الحقيقة التي هي المشيئة العامة الشاملة. ثم صاحب هذا المقام يظن أنه صاحب الجمع والتوحيد وأنه وصل إلى عين الحقيقة وإنما وصل المسكين إلى الحقيقة الشاملة التي يدخل فيها إبليس وجنوده أجمعون وكل كافر ومشرك وفاجر فإن هؤلاء كلهم تحت الحقيقة الكونية القدرية فغاية صاحب هذا المشهد وصوله إلى أن يشهد استواء هؤلاء والمؤمنين الأبرار وأولياء الله وخاصة عباده في هذه الحقيقة ومع هذا فلا بد له من الفرق والموالاة والمعاداة ضرورة فينسلخ عن الفرق الشرعي ويعود إلى الفرق الطبعي النفسي بهواه وطبعه إذ لا بد أن يفرق بين ما ينفعه فيميل إليه وما يضره فيهرب منه فبينا هو منكر على أهل الفرق الشرعي ناكبا على طريقتهم إلى عين الجمع إذ انتكس وارتكس وعاد إلى الفرق الطبعي النفسي فيوالي ويعادي ويحب ويبغض بحسب هواه وإرادته. فإن الفرق أمر ضروري للإنسان فمن لم يكن فرقه قرآنيا محمديا فلا بد له من قانون يفرق به: إما سياسة سائس فوقه أو ذوق منه أو من غيره أو رأي منه أو من غيره أو يفرق فرقا بهيميا حيوانيا بحسب مجرد شهوته وغرضه أين توجهت به فلا بد من التفريق بأحد هذه الوجوه. فلينظر العبد من الحاكم عليه في الفرق وليزن به إيمانه قبل أن يوزن وليحاسب نفسه قبل أن يحاسب وليستبدل الذهب بالخزف والدر بالبعر والماء الزلال بالسراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب [النور: 39] قبل أن يسأل الرجعة إلى دار الصرف فيقال: هيهات! اليوم يوم الوفاء وما مضى فقد فات أحصي المستخرج والمصروف وستعلم الآن ما معك من النقد الصحيح والزيوف. وأصحاب هذه الحقيقة أتباع كل ناعق يميلون مع كل صائح لم يستضيئوا بنور(1\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "154",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13151",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق إذا تناهوا في حقيقتهم أضافوا الجميع إلى الله إضافة المحبة والرضى وجعلوها عين المشيئة والخلق ضاهئوا الذين قال الله تعالى فيهم وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء [النحل: 35] وقولهم عن آلهتهم لو شاء الرحمن ما عبدناهم [الزخرف: 20] وقوله وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها [الأعراف: 28] فاحتجوا بإقرار الله لهم قدرا وكونا على رضاه ومحبته وأمره وأنه لو كره ذلك منهم لحال بينهم وبينه ولما أقرهم عليه فجعلوا قضاءه وقدره عين محبته ورضاه وورثهم من سوى بين المخلوقات ولم يفرق بالفرق النبوي القرآني. وطائفة من المشركين ذكرت ذلك معارضين لأمر الله ونهيه وما بعث به رسله بقضائه وقدره فعارضوا الحقيقة الدينية الشرعية بالحقيقة الكونية القدرية وورثهم من يحتج بالقضاء والقدر في مخالفة الأمر والنهي وكلا الطائفتين أبطلت أمره ونهيه بقضائه وقدره. وظنت طائفة ثالثة أن إثبات القضاء والقدر يبطل الشرائع والنبوات وأن المشركين احتجوا على بطلانها بإثباته فجعلت التكذيب به من أصول الإيمان بل أعظم أصوله فردت قضاء الله وقدره الشامل العام بأمره ونهيه. فانظر إلى اقتسام الطوائف هذا الموضع وافتراقهم في مفرق هذا الطريق علما وخبرا وسلوكا وحقيقة وتأمل أحوال الخلق في هذا المقام تنكشف لك أسرار العالمين وتعلم أين أنت وأين مقامك وتعرف ما جنى هذا الجمع وهذا الفناء على الإيمان وما خرب من القواعد والأركان وتتحقق حينئذ أن الدين كله فرقان في القرآن فرق في جمع وكثرة في وحدة كما تقدم بيانه وأن أولى الناس بالله وكتبه ورسله ودينه أصحاب الفرق في الجمع فيقومون بالفرق بين ما يحبه الله ويبغضه ويأمر به وينهى عنه ويواليه ويعاديه علما وشهودا وإرادة وعملا مع شهودهم الجمع لذلك كله في قضائه وقدره ومشيئته الشاملة العامة فيؤمنون بالحقيقة الدينية والكونية ويعطون كل حقيقة حظها من العبادة. فحظ الحقيقة الدينية القيام بأمره ونهيه ومحبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه(1\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "155",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13152",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه وأصل ذلك الحب فيه والبغض فيه. وحظ الحقيقة الكونية إفراده بالافتقار إليه والاستعانة به والتوكل عليه والالتجاء إليه وإفراده بالسؤال والطلب والتذلل والخضوع والتحقق بأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا يملك أحد سواه لهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وأنه مقلب القلوب فقلوبهم ونواصيهم بيده وأنه ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابعه إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه. فلهذه الحقيقة عبودية ولهذه الحقيقة عبودية ولا تبطل إحداهما الأخرى بل لا تتم إلا بها ولا تتم العبودية إلا بمجموعهما وهذا حقيقة قوله إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] بخلاف من أبطل حقيقة quot; إياك نعبد [الفاتحة: 5] quot; بحقيقة quot; إياك نستعين [الفاتحة: 5] quot; وقال: إنها جمع و quot; إياك نعبد [الفاتحة: 5] quot; فرق وقد يغلو في هذا المشهد فلا يستحسن حسنة ولا يستقبح قبيحة ويصرح بذلك ويقول: العارف لا يستحسن حسنة ولا يستقبح قبيحة لاستبصاره بسر القدر. ومنهم من يقول: حقيقة هذا المشهد أن يشهد الوجود كله حسنا لا قبيح فيه وأفعالهم كلها طاعات لا معصية فيها لأنهم - وإن عصوا الأمر - فهم مطيعون المشيئة ويقولون: أصبحت منفعلا لما تختاره ... مني ففعلي كله طاعات ويقول قائلهم: من شهد الحقيقة سقط عنه الأمر ويحتجون بقوله تعالى واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [الحجر: 99] ويفسرون اليقين بشهود الحكم الكوني وهي الحقيقة عندهم. ولا ريب أن العامة خير من هؤلاء وأصح إيمانا فإن هذا زندقة ونفاق وكذب منهم على أنفسهم ونبيهم وإلههم. أما كذبهم على أنفسهم فإنهم لا بد أن يفرقوا قطعا فرغبوا عن الفرق النبوي والقرآني ووقعوا في الفرق النفسي الطبعي مثل حال إبليس تكبر عن السجود لآدم ورضي لنفسه بالقيادة لفساق ذريته ومثل المشركين تكبروا عن عبادة الله الحي القيوم(1\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "156",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13153",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورضوا لأنفسهم بعبادة الأحجار والأشجار والموتى والأوثان ومثل أهل البدع تكبروا عن تقليد النصوص وتلقي الهدى من مشكاتها ورضوا لأنفسهم بتقليد أقوال مخالفة للفطرة والعقل والشرع وظنوها قواطع عقلية وقدموها على نصوص الأنبياء وهي في الحقيقة شبهات مخالفة للسمع والعقل. ومثل الجهمية نزهوا الرب عن عرشه وجعلوه في أجواف البيوت والحوانيت والحمامات وقالوا: هو في كل مكان بذاته ونزهوه عن صفات كماله ونعوت جلاله حذرا - بزعمهم - من التشبيه فشبهوه بالجامدات الناقصة الخسيسة التي لا تتكلم ولا سمع لها ولا بصر ولا علم ولا حياة بل شبهوه بالمعدومات الممتنع وجودها. ومثل المعطلة الذين قالوا: ما فوق العرش إلا العدم وليس فوق العرش رب يعبد ولا إله يصلى له ويسجد ولا ترتفع الأيدي إليه ولا رفع المسيح إليه ولا تعرج الملائكة والروح إليه ولا أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ولا دني منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى ولا ينزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء ولا يراه أهل الجنة من فوقهم يوم القيامة واستواؤه على عرشه لا حقيقة له بل على المجاز الذي يصح نفيه وعلوه فوق خلقه بالرتبة والشرف لا بالذات وكذلك فوقيته فوقية قهر لا فوقية ذات فنزهوه عن كمال علوه وفوقيته ووصفوه بما ساووا به بينه وبين العدم والمستحيل فقالوا: لا هو داخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا محايث له ولا مباين له ولا هو فينا ولا خارج عنا. ومعلوم أنه لو قيل لأحدهم: صف لنا العدم لوصفه بهذا بعينه. وانطباق هذا السلب على العدم المحض أقرب إلى العقول والفطر من انطباقه على رب العالمين الذي ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته بل هو بائن من خلقه مستو على عرشه عال على كل شيء وفوق كل شيء. والقصد أن كل من أعرض عن شيء من الحق وجحده وقع في باطل مقابل لما أعرض عنه من الحق وجحده ولا بد حتى في الأعمال من رغب عن العمل لوجه الله وحده ابتلاه الله بالعمل لوجوه الخلق فرغب عن العمل لمن ضره ونفعه وموته وحياته(1\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "157",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13154",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسعادته بيده فابتلي بالعمل لمن لا يملك له شيئا من ذلك. وكذلك من رغب عن إنفاق ماله في طاعة الله ابتلي بإنفاقه لغير الله وهو راغم. وكذلك من رغب عن التعب لله ابتلي بالتعب في خدمة الخلق ولا بد. وكذلك من رغب عن الهدي بالوحي ابتلي بكناسة الآراء وزبالة الأذهان ووسخ الأفكار. فليتأمل من يريد نصح نفسه وسعادتها وفلاحها هذا الموضع في نفسه وفي غيره. ولا ريب أن العامة - مع غفلتهم وشهواتهم - أصح إيمانا من هؤلاء إذا لم يعطلوا الأمر والنهي فإن إيمانا مع تفرقة وغفلة خير من شهود وجمعية يصحبها فساد الإيمان والانسلاخ منه. وأما كذبهم على نبيهم فاعتقادهم أنه إنما كان قيامه بالأوراد والعبادات لأجل التشريع لا لأنها فرض عليه إذ قد سقط ذلك عنه بشهود الحقيقة وكمال اليقين فإن الله عز وجل أمره وأمر سائر رسله بعبادته إلى حين انقضاء آجالهم فقال واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [الحجر: 99] وهو الموت بالإجماع كما قال في الآية الأخرى عن الكفار وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين [المدثر: 46] وقال صلى الله عليه وسلم أما عثمان بن مظعون فقد جاءه اليقين من ربه قاله لما مات عثمان وقال المسيح إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا [مريم: 30] فهذه وصية الله للمسيح وكذلك لجميع أنبيائه ورسله وأتباعهم قال الحسن: لم يجعل الله لعبده المؤمن أجلا دون الموت. وإذا جمع هؤلاء التجهم في الأسماء والصفات إلى شهود الحقيقة والوقوف عندها فأعاذك الله من تعطيل الرب وشرعه بالكلية فلا رب يعبد ولا شرع يتبع بالكلية. ومن أراد الوقوف على حقيقة ما ذكرنا فليسير طرفه بين تلك المعالم وليقف على تلك المعاهد وليسأل الأحوال والرسوم والشواهد فإن لم تجبه حوارا أجابته حالا(1\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "158",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13155",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واعتبارا وإنما يصدق بهذا من رافق السالكين وفارق القاعدين وتبوأ الإيمان وفارق عوائد أهل الزمان ولم يرض بقول القائل: دع المعالي لا تنهض لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فصل الدرجة الثالثة من درجات الفناء: فناء خواص الأولياء وأئمة المقربين وهو الفناء عن إرادة السوى شائما برق الفناء عن إرادة ما سواه سالكا سبيل الجمع على ما يحبه ويرضاه فانيا بمراد محبوبه منه عن مراده هو من محبوبه فضلا عن إرادة غيره قد اتحد مراده بمراد محبوبه - أعني المراد الديني الأمري لا المراد الكوني القدري - فصار المرادان واحدا. وليس في العقل اتحاد صحيح إلا هذا والاتحاد في العلم والخبر فيكون المرادان والمعلومان والمذكوران واحدا مع تباين الإرادتين والعلمين والخبرين فغاية المحبة اتحاد مراد المحب بمراد المحبوب وفناء إرادة المحب في مراد المحبوب. فهذا الاتحاد والفناء هو اتحاد خواص المحبين وفناؤهم فنوا بعبادة محبوبهم عن عبادة ما سواه وبحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه والاستعانة به والطلب منه عن حب ما سواه وخوفه ورجائه والتوكل عليه. ومن تحقيق هذا الفناء: أن لا يحب إلا في الله ولا يبغض إلا فيه ولا يوالي إلا فيه ولا يعادي إلا فيه ولا يعطي إلا له ولا يمنع إلا له ولا يرجو إلا إياه ولا يستعين إلا به فيكون دينه كله ظاهرا وباطنا لله ويكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما فلا يواد من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب الخلق إليه بل: يعادي الذي عادى من الناس كلهم ... جميعا ولو كان الحبيب المصافيا وحقيقة ذلك فناؤه عن هوى نفسه وحظوظها بمراضي ربه وحقوقه. والجامع لهذا كله تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله علما ومعرفة وعملا وحالا وقصدا. وحقيقة هذا النفي والإثبات الذي تضمنته هذه الشهادة هو الفناء والبقاء فيفنى عن تأليه ما سواه علما وإقرارا وتعبدا ويبقى بتأليهه وحده.(1\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "159",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13156",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا الفناء وهذا البقاء هو حقيقة التوحد الذي عليه المرسلون وأنزلت به الكتب وخلقت لأجله الخليقة وشرعت له الشرائع وقام عليه سوق الجنة وأسس عليه الخلق والأمر. وحقيقته أيضا البراء والولاء البراء من عبادة غير الله والولاء لله كما قال تعالى قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده [الممتحنة: 4] وقال وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون - إلا الذي فطرني فإنه سيهدين [الزخرف: 26 - 27] وقال أيضا ياقوم إني بريء مما تشركون - إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا [الأنعام: 78 - 79] وقال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم قل ياأيها الكافرون - لا أعبد ما تعبدون [الكافرون: 1 - 2] إلى آخرها وهذه براءة منهم ومن معبودهم وسماها براءة من الشرك. وهي حقيقة المحو والإثبات فيمحو محبة ما سوى الله عز وجل من قلبه علما وقصدا وعبادة كما هي ممحوة من الوجود ويثبت فيه إلهيته سبحانه وحده. وهي حقيقة الجمع والفرق فيفرق بين الإله الحق وبين من ادعيت له الإلهية بالباطل ويجمع تأليهه وعبادته وحبه وخوفه ورجاءه وتوكله واستعانته على إلهه الحق الذي لا إله سواه. وهي حقيقة التجريد والتفريد فيتجرد عن عبادة ما سواه ويفرده وحده بالعبادة فالتجريد نفي والتفريد إثبات ومجموعهما هو التوحيد. فهذا الفناء والبقاء والولاء والبراء والمحو والإثبات والجمع والتجريد والتفريد المتعلق بتوحيد الإلهية هو النافع المثمر المنجي الذي به تنال السعادة والفلاح. وأما تعلقه بتوحيد الربوبية - الذي أقر به المشركون عباد الأصنام - فغايته فناء في تحقيق توحيد مشترك بين المؤمنين والكفار وأولياء الله وأعدائه لا يصير به وحده الرجل مسلما فضلا عن كونه عارفا محققا. وهذا الموضع مما غلط فيه كثير من أكابر الشيوخ وأصحاب الإرادة ممن غلظ(1\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "160",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13157",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حجابه والمعصوم من عصمه الله وبالله المستعان والتوفيق والعصمة.  [فصل منزلة المحاسبة] [من منزلة المحاسبة يصح له نزول منزلة التوبة] فصل منزلة المحاسبة فلنرجع إلى ذكر منازل quot; إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] quot; التي لا يكون العبد من أهلها حتى ينزل منازلها. فذكرنا منها اليقظة والبصيرة والفكرة والعزم. وهذه المنازل الأربعة لسائر المنازل كالأساس للبنيان وعليها مدار منازل السفر إلى الله ولا يتصور السفر إليه بدون نزولها البتة وهي على ترتيب السير الحسي فإن المقيم في وطنه لا يتأتى منه السفر حتى يستيقظ من غفلته عن السفر ثم يتبصر في أمر سفره وخطره وما فيه من المنفعة له والمصلحة ثم يفكر في أهبة السفر والتزود وإعداد عدته ثم يعزم عليه فإذا عزم عليه وأجمع قصده انتقل إلى منزلة المحاسبة وهي التمييز بين ما له وعليه فيستصحب ما له ويؤدي ما عليه لأنه مسافر سفر من لا يعود. ومن منزلة المحاسبة يصح له نزول منزلة التوبة لأنه إذا حاسب نفسه عرف ما عليه من الحق فخرج منه وتنصل منه إلى صاحبه وهي حقيقة التوبة فكان تقديم المحاسبة عليها لذلك أولى. ولتأخيرها عنها وجه أيضا وهو أن المحاسبة لا تكون إلا بعد تصحيح التوبة. والتحقيق أن التوبة بين محاسبتين محاسبة قبلها تقتضي وجوبها ومحاسبة بعدها تقتضي حفظها فالتوبة محفوفة بمحاسبتين وقد دل على المحاسبة قوله تعالى ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد [الحشر: 18] فأمر سبحانه العبد أن ينظر ما قدم لغد وذلك يتضمن محاسبة نفسه على ذلك والنظر هل يصلح ما قدمه أن يلقى الله به أو لا يصلح . والمقصود من هذا النظر ما يوجبه ويقتضيه من كمال الاستعداد ليوم المعاد وتقديم ما ينجيه من عذاب الله ويبيض وجهه عند الله وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا وتزينوا(1\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "161",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13158",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية [الحاقة: 18] أو قال: على من لا تخفى عليه أعمالكم.  [أركان المحاسبة] [الركن الأول المقايسة بين ما للعبد وما لله] قال صاحب المنازل: المحاسبة لها ثلاثة أركان: أحدها: أن تقايس بين نعمته وجنايتك. يعني تقايس بين ما من الله وما منك فحينئذ يظهر لك التفاوت وتعلم أنه ليس إلا عفوه ورحمته أو الهلاك والعطب. وبهذه المقايسة تعلم أن الرب رب والعبد عبد ويتبين لك حقيقة النفس وصفاتها وعظمة جلال الربوبية وتفرد الرب بالكمال والإفضال وأن كل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل وأنت قبل هذه المقايسة جاهل بحقيقة نفسك وبربوبية فاطرها وخالقها فإذا قايست ظهر لك أنها منبع كل شر وأساس كل نقص وأن حدها الجاهلة الظالمة وأنه لولا فضل الله ورحمته بتزكيته لها ما زكت أبدا ولولا هداه ما اهتدت ولولا إرشاده وتوفيقه لما كان لها وصول إلى خير البتة وأن حصول ذلك لها من بارئها وفاطرها وتوقفه عليه كتوقف وجودها على إيجاده فكما أنها ليس لها من ذاتها وجود فكذلك ليس لها من ذاتها كمال الوجود فليس لها من ذاتها إلا العدم - عدم الذات وعدم الكمال - فهناك تقول حقا quot; أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي quot;. ثم تقايس بين الحسنات والسيئات فتعلم بهذه المقايسة أيهما أكثر وأرجح قدرا وصفة. وهذه المقايسة الثانية مقايسة بين أفعالك وما منك خاصة. قال: وهذه المقايسة تشق على من ليس له ثلاثة أشياء: نور الحكمة وسوء الظن بالنفس وتمييز النعمة من الفتنة.(1\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "162",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13159",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعني أن هذه المقايسة والمحاسبة تتوقف على نور الحكمة وهو النور الذي نور الله به قلوب أتباع الرسل وهو نور الحكمة فبقدره ترى التفاوت وتتمكن من المحاسبة. ونور الحكمة هاهنا: هو العلم الذي يميز به العبد بين الحق والباطل والهدى والضلال والضار والنافع والكامل والناقص والخير والشر ويبصر به مراتب الأعمال راجحها ومرجوحها ومقبولها ومردودها وكلما كان حظه من هذا النور أقوى كان حظه من المحاسبة أكمل وأتم. وأما سوء الظن بالنفس فإنما احتاج إليه لأن حسن الظن بالنفس يمنع من كمال التفتيش ويلبس عليه فيرى المساوئ محاسن والعيوب كمالا فإن المحب يرى مساوئ محبوبه وعيوبه كذلك. فعين الرضى عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا ولا يسيء الظن بنفسه إلا من عرفها ومن أحسن ظنه بنفسه فهو من أجهل الناس بنفسه. وأما تمييز النعمة من الفتنة: فليفرق بين النعمة التي يرى بها الإحسان واللطف ويعان بها على تحصيل سعادته الأبدية وبين النعمة التي يرى بها الاستدراج فكم من مستدرج بالنعم وهو لا يشعر مفتون بثناء الجهال عليه مغرور بقضاء الله حوائجه وستره عليه! وأكثر الخلق عندهم أن هذه الثلاثة علامة السعادة والنجاح ذلك مبلغهم من العلم. فإذا كملت هذه الثلاثة فيه عرف حينئذ أن ما كان من نعم الله عليه بجمعه على الله فهو نعمة حقيقة وما فرقه عنه وأخذه منه فهو البلاء في صورة النعمة والمحنة في صورة المنحة فليحذر فإنما هو مستدرج ويميز بذلك أيضا بين المنة والحجة فكم تلتبس إحداهما عليه بالأخرى! . فإن العبد بين منة من الله عليه وحجة منه عليه ولا ينفك عنهما فالحكم الديني متضمن لمنته وحجته قال الله تعالى لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم [آل عمران: 164] وقال بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان [الحجرات: 17] وقال فلله الحجة البالغة [الأنعام: 149] .(1\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "163",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13160",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحكم الكوني أيضا متضمن لمنته وحجته فإذا حكم له كونا حكما مصحوبا باتصال الحكم الديني به فهو منة عليه وإن لم يصحبه الديني فهو حجة منه عليه. وكذلك حكمه الديني إذا اتصل به حكمه الكوني فتوفيقه للقيام به منة منه عليه وإن تجرد عن حكمه الكوني صار حجة منه عليه فالمنة باقتران أحد الحكمين بصاحبه والحجة في تجرد أحدهما عن الآخر فكل علم صحبه عمل يرضي الله سبحانه فهو منة وإلا فهو حجة. وكل قوة ظاهرة وباطنة صحبها تنفيذ لمرضاته وأوامره فهي منة وإلا فهي حجة. وكل حال صحبه تأثير في نصرة دينه والدعوة إليه فهو منة منه وإلا فهو حجة. وكل مال اقترن به إنفاق في سبيل الله وطاعته لا لطلب الجزاء ولا الشكور فهو منة من الله عليه وإلا فهو حجة. وكل فراغ اقترن به اشتغال بما يريد الرب من عبده فهو منة عليه وإلا فهو حجة. وكل قبول في الناس وتعظيم ومحبة له اتصل به خضوع للرب وذل وانكسار ومعرفة بعيب النفس والعمل وبذل النصيحة للخلق فهو منة وإلا فهو حجة. وكل بصيرة وموعظة وتذكير وتعريف من تعريفات الحق سبحانه إلى العبد اتصل به عبرة ومزيد في العقل ومعرفة في الإيمان فهي منة وإلا فهي حجة. وكل حال مع الله تعالى أو مقام اتصل به السير إلى الله وإيثار مراده على مراد العبد فهو منة من الله وإن صحبه الوقوف عنده والرضى به وإيثار مقتضاه من لذة النفس به وطمأنينتها إليها وركونها إليه فهو حجة من الله عليه. فليتأمل العبد هذا الموضع العظيم الخطر ويميز بين مواقع المنن والمحن والحجج والنعم فما أكثر ما يلتبس ذلك على خواص الناس وأرباب السلوك والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.  [فصل الركن الثاني التمييز بين ما للعبد وما عليه] فصل الركن الثاني من أركان المحاسبة: وهي أن تميز ما للحق عليك وبين ما لك وما عليك من وجوب العبودية والتزام الطاعة واجتناب(1\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "164",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13161",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعصية وبين ما لك وما عليك فالذي لك: هو المباح الشرعي فعليك حق ولك حق فأد ما عليك يؤتك ما لك. ولابد من التمييز بين ما لك وما عليك وإعطاء كل ذي حق حقه. وكثير من الناس يجعل كثيرا مما عليه من الحق من قسم ما له فيتحير بين فعله وتركه وإن فعله رأى أنه فضل قام به لا حق أداه. وبإزاء هؤلاء من يرى كثيرا مما له فعله وتركه من قسم ما عليه فعله أو تركه فيتعبد بترك ما له فعله كترك كثير من المباحات ويظن ذلك حقا عليه أو يتعبد بفعل ما له تركه ويظن ذلك حقا عليه. مثال الأول: من يتعبد بترك النكاح أو ترك أكل اللحم أو الفاكهة مثلا أو الطيبات من المطاعم والملابس ويرى - لجهله - أن ذلك مما عليه فيوجب على نفسه تركه أو يرى تركه من أفضل القرب وأجل الطاعات وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على من زعم ذلك ففي الصحيح أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا عن عبادته في السر فكأنهم تقالوها فقال أحدهم: أما أنا فلا آكل اللحم وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء وقال الآخر: أما أنا فلا أنام على فراش فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم مقالتهم فخطب وقال: ما بال أقوام يقول أحدهم: أما أنا فلا آكل اللحم ويقول الآخر: أما أنا فلا أتزوج ويقول الآخر: أما أنا فلا أنام على فراش لكني أتزوج النساء وآكل اللحم وأنام وأقوم وأصوم وأفطر فمن رغب عن سنتي فليس مني فتبرأ ممن رغب عن سنته وتعبد لله بترك ما أباحه لعباده من الطيبات رغبة عنه واعتقادا أن الرغبة عنه وهجره عبادة فهذا لم يميز بين ما عليه وما له. ومثال الثاني: من يتعبد بالعبادات البدعية التي يظنها جالبة للحال والكشف والتصرف ولهذه الأمور لوازم لا تحصل بدونها البتة فيتعبد بالتزام تلك اللوازم فعلا وتركا ويراها حقا عليه وهي حق له وله تركها كفعل الرياضات والأوضاع التي(1\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "165",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13162",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسمها كثير من السالكين بأذواقهم ومواجيدهم واصطلاحاتهم من غير تمييز بين ما فيها من حظ العبد والحق الذي عليه فهذا لون وهذا لون.  [فصل الركن الثالث الرضا بالطاعة والتعيير بالمعصية] ومن أركان المحاسبة ما ذكره صاحب المنازل فقال: الثالث: أن تعرف أن كل طاعة رضيتها منك فهي عليك وكل معصية عيرت بها أخاك فهي إليك. رضاء العبد بطاعته دليل على حسن ظنه بنفسه وجهله بحقوق العبودية وعدم عمله بما يستحقه الرب جل جلاله ويليق أن يعامل به. وحاصل ذلك أن جهله بنفسه وصفاتها وآفاتها وعيوب عمله وجهله بربه وحقوقه وما ينبغي أن يعامل به يتولد منهما رضاه بطاعته وإحسان ظنه بها ويتولد من ذلك من العجب والكبر والآفات ما هو أكبر من الكبائر الظاهرة من الزنا وشرب الخمر والفرار من الزحف ونحوها. فالرضا بالطاعة من رعونات النفس وحماقتها. وأرباب العزائم والبصائر أشد ما يكونون استغفارا عقيب الطاعات لشهودهم تقصيرهم فيها وترك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه وأنه لولا الأمر لما أقدم أحدهم على مثل هذه العبودية ولا رضيها لسيده. وقد أمر الله تعالى وفده وحجاج بيته بأن يستغفروه عقيب إفاضتهم من عرفات وهو أجل المواقف وأفضلها فقال فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين - ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم [البقرة: 198 - 199] وقال تعالى والمستغفرين بالأسحار [آل عمران: 17] قال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر ثم جلسوا يستغفرون الله عز وجل وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثا ثم قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام وأمره الله تعالى(1\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "166",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13163",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالاستغفار بعد أداء الرسالة والقيام بما عليه من أعبائها وقضاء فرض الحج واقتراب أجله فقال في آخر سورة أنزلت عليه إذا جاء نصر الله والفتح - ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا - فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا [النصر: 1 - 3] . ومن هاهنا فهم عمر وابن عباس - رضي الله عنهم - أن هذا أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه به فأمره أن يستغفره عقيب أداء ما كان عليه فكأنه إعلام بأنك قد أديت ما عليك ولم يبق عليك شيء فاجعل خاتمته الاستغفار كما كان خاتمة الصلاة والحج وقيام الليل وخاتمة الوضوء أيضا أن يقول بعد فراغه quot; سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين quot;. فهذا شأن من عرف ما ينبغي لله ويليق بجلاله من حقوق العبودية وشرائطها لا جهل أصحاب الدعاوي وشطحاتهم. وقال بعض العارفين: متى رضيت نفسك وعملك لله فاعلم أنه غير راض به ومن عرف أن نفسه مأوى كل عيب وشر وعمله عرضة لكل آفة ونقص كيف يرضى لله نفسه وعمله . ولله در الشيخ أبي مدين حيث يقول: من تحقق بالعبودية نظر أفعاله بعين(1\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "167",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13164",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرياء وأحواله بعين الدعوى وأقواله بعين الافتراء وكلما عظم المطلوب في قلبك صغرت نفسك عندك وتضاءلت القيمة التي تبذلها في تحصيله وكلما شهدت حقيقة الربوبية وحقيقة العبودية وعرفت الله وعرفت النفس وتبين لك أن ما معك من البضاعة لا يصلح للملك الحق ولو جئت بعمل الثقلين خشيت عاقبته وإنما يقبله بكرمه وجوده وتفضله ويثيبك عليه أيضا بكرمه وجوده وتفضله.  وقوله: وكل معصية عيرت بها أخاك فهي إليك. يحتمل أن يريد به: أنها صائرة إليك ولا بد أن تعملها وهذا مأخوذ من الحديث الذي رواه الترمذي في جامعه عن النبي صلى الله عليه وسلم من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله قال الإمام أحمد في تفسير هذا الحديث: من ذنب قد تاب منه. وأيضا ففي التعيير ضرب خفي من الشماتة بالمعير وفي الترمذي أيضا مرفوعا لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك .(1\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "168",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13165",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويحتمل أن يريد: أن تعييرك لأخيك بذنبه أعظم إثما من ذنبه وأشد من معصيته لما فيه من صولة الطاعة وتزكية النفس وشكرها والمناداة عليها بالبراءة من الذنب وأن أخاك باء به ولعل كسرته بذنبه وما أحدث له من الذلة والخضوع والإزراء على نفسه والتخلص من مرض الدعوى والكبر والعجب ووقوفه بين يدي الله ناكس الرأس خاشع الطرف منكسر القلب أنفع له وخير من صولة طاعتك وتكثرك بها والاعتداد بها والمنة على الله وخلقه بها فما أقرب هذا العاصي من رحمة الله! وما أقرب هذا المدل من مقت الله فذنب تذل به لديه أحب إليه من طاعة تدل بها عليه وإنك أن تبيت نائما وتصبح نادما خير من أن تبيت قائما وتصبح معجبا فإن المعجب لا يصعد له عمل وإنك إن تضحك وأنت معترف خير من أن تبكي وأنت مدل وأنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبحين المدلين ولعل الله أسقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داء قاتلا هو فيك ولا تشعر. فلله في أهل طاعته ومعصيته أسرار لا يعلمها إلا هو ولا يطالعها إلا أهل البصائر فيعرفون منها بقدر ما تناله معارف البشر ووراء ذلك ما لا يطلع عليه الكرام الكاتبون وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا زنت أمة أحدكم فليقم عليها الحد ولا يثرب أي لا يعير من قول يوسف عليه السلام لإخوته لا تثريب عليكم اليوم [يوسف: 92] فإن الميزان بيد الله والحكم لله فالسوط الذي ضرب به هذا العاصي بيد مقلب القلوب والقصد إقامة الحد لا التعيير والتثريب ولا يأمن كرات القدر وسطوته إلا أهل الجهل بالله وقد قال الله تعالى لأعلم الخلق به وأقربهم إليه وسيلة ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا [الإسراء: 74] وقال يوسف الصديق وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين [يوسف: 33] وكانت عامة يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ومقلب القلوب وقال: ما من(1\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "169",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13166",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه ثم قال: اللهم مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك .  [فصل منزلة التوبة] [وجوب التوبة على جميع المؤمنين] فصل منزلة التوبة فإذا صح هذا المقام ونزل العبد في هذه المنزلة أشرف منها على مقام التوبة ; لأنه بالمحاسبة قد تميز عنده ما له مما عليه فليجمع همته وعزمه على النزول فيه والتشمير إليه إلى الممات. ومنزل التوبة أول المنازل وأوسطها وآخرها فلا يفارقه العبد السالك ولا يزال فيه إلى الممات وإن ارتحل إلى منزل آخر ارتحل به واستصحبه معه ونزل به فالتوبة هي بداية العبد ونهايته وحاجته إليها في النهاية ضرورية كما أن حاجته إليها في البداية كذلك وقد قال الله تعالى وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون [النور: 31] وهذه الآية في سورة مدنية خاطب الله بها أهل الإيمان وخيار خلقه أن يتوبوا إليه بعد إيمانهم وصبرهم وهجرتهم وجهادهم ثم علق الفلاح بالتوبة تعليق المسبب بسببه وأتى بأداة لعل المشعرة بالترجي إيذانا بأنكم إذا تبتم كنتم على رجاء الفلاح فلا يرجو الفلاح إلا التائبون جعلنا الله منهم. قال تعالى ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون [الحجرات: 11] قسم العباد إلى تائب وظالم وما ثم قسم ثالث البتة وأوقع اسم الظالم على من لم يتب ولا أظلم منه لجهله بربه وبحقه وبعيب نفسه وآفات أعماله وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: يا أيها الناس توبوا إلى الله فوالله إني لأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة وكان أصحابه يعدون له في(1\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "170",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13167",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المجلس الواحد قبل أن يقوم quot; رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور quot; مائة مرة وما صلى صلاة قط بعد إذ أنزلت عليه إذا جاء نصر الله والفتح [النصر: 1] إلى آخرها إلا قال فيها سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لن ينجي أحدا منكم عمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل . فصلوات الله وسلامه على أعلم الخلق بالله وحقوقه وعظمته وما يستحقه جلاله من العبودية وأعرفهم بالعبودية وحقوقها وأقومهم بها.  [شرائط التوبة] فصل ولما كانت التوبة هي رجوع العبد إلى الله ومفارقته لصراط المغضوب عليهم والضالين وذلك لا يحصل إلا بهداية الله إلى الصراط المستقيم ولا تحصل هدايته إلا بإعانته وتوحيده فقد انتظمتها سورة الفاتحة أحسن انتظام وتضمنتها أبلغ تضمن فمن أعطى الفاتحة حقها - علما وشهودا وحالا معرفة - علم أنه لا تصح له قراءتها على العبودية إلا بالتوبة النصوح فإن الهداية التامة إلى الصراط المستقيم لا تكون مع الجهل بالذنوب ولا مع الإصرار عليها فإن الأول جهل ينافي معرفة الهدى والثاني غي ينافي قصده وإرادته فلذلك لا تصح التوبة إلا بعد معرفة الذنب والاعتراف به وطلب التخلص من سوء عواقبه أولا وآخرا. قال في المنازل: وهي أن تنظر في الذنب إلى ثلاثة أشياء: إلى انخلاعك من العصمة حين إتيانه وفرحك عند الظفر به وقعودك على الإصرار عن تداركه مع تيقنك نظر الحق إليك.(1\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "171",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13168",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يحتمل أن يريد بالانخلاع عن العصمة انخلاعه عن اعتصامه بالله فإنه لو اعتصم بالله لما خرج عن هداية الطاعة قال الله تعالى ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم [آل عمران: 101] فلو كملت عصمته بالله لم يخذله أبدا قال الله تعالى واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير [الحج: 78] أي متى اعتصمتم به تولاكم ونصركم على أنفسكم وعلى الشيطان وهما العدوان اللذان لا يفارقان العبد وعداوتهما أضر من عداوة العدو الخارج فالنصر على هذا العدو أهم والعبد إليه أحوج وكمال النصرة على العدو بحسب كمال الاعتصام بالله. وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى بعد هذا في حقيقة الاعتصام وأن الإيمان لا يقوم إلا به. ويحتمل أن يريد الانخلاع من عصمة الله له وأنك إنما ارتكبت الذنب بعد انخلاعك من توبة عصمته لك فمتى عرف هذا الانخلاع وعظم خطره عنده واشتدت عليه مفارقته وعلم أن الهلك كل الهلك بعده وهو حقيقة الخذلان فما خلى الله بينك وبين الذنب إلا بعد أن خذلك وخلى بينك وبين نفسك ولو عصمك ووفقك لما وجد الذنب إليك سبيلا. فقد أجمع العارفون بالله على أن الخذلان: أن يكلك الله إلى نفسك ويخلي بينك وبينها والتوفيق: أن لا يكلك الله إلى نفسك وله سبحانه في هذه التخلية - بينك وبين الذنب وخذلانك حتى واقعته - حكم وأسرار سنذكر بعضها. وعلى الاحتمالين فترجع التوبة إلى اعتصامك به وعصمته لك. قوله: وفرحك عند الظفر به. الفرح بالمعصية دليل على شدة الرغبة فيها والجهل بقدر من عصاه والجهل بسوء عاقبتها وعظم خطرها ففرحه بها غطى عليه ذلك كله وفرحه بها أشد ضررا عليه من مواقعتها والمؤمن لا تتم له لذة بمعصية أبدا ولا يكمل بها فرحه بل لا يباشرها إلا والحزن مخالط لقلبه ولكن سكر الشهوة يحجبه عن الشعور به ومتى خلى قلبه من هذا الحزن واشتدت غبطته وسروره فليتهم إيمانه وليبك على موت قلبه فإنه لو كان حيا(1\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "172",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13169",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأحزنه ارتكابه للذنب وغاظه وصعب عليه ولا يحس القلب بذلك فحيث لم يحس به فما لجرح بميت إيلام. وهذه النكتة في الذنب قل من يهتدي إليها أو ينتبه لها وهي موضع مخوف جدا مترام إلى هلاك إن لم يتدارك بثلاثة أشياء: خوف من الموافاة عليه قبل التوبة وندم على ما فاته من الله بمخالفة أمره وتشمير للجد في استدراكه. قوله: وقعودك على الإصرار عن تداركه. الإصرار: هو الاستقرار على المخالفة والعزم على المعاودة وذلك ذنب آخر لعله أعظم من الذنب الأول بكثير وهذا من عقوبة الذنب أنه يوجب ذنبا أكبر منه ثم الثاني كذلك ثم الثالث كذلك حتى يستحكم الهلاك. فالإصرار على المعصية معصية أخرى والقعود عن تدارك الفارط من المعصية إصرار ورضا بها وطمأنينة إليها وذلك علامة الهلاك وأشد من هذا كله المجاهرة بالذنب مع تيقن نظر الرب جل جلاله من فوق عرشه إليه فإن آمن بنظره إليه وأقدم على المجاهرة فعظيم وإن لم يؤمن بنظره إليه واطلاعه عليه فكفر وانسلاخ من الإسلام بالكلية فهو دائر بين الأمرين: بين قلة الحياء ومجاهرة نظر الله إليه وبين الكفر والانسلاخ من الدين فلذلك يشترط في صحة التوبة تيقنه أن الله كان ناظرا - ولا يزال - إليه مطلعا عليه يراه جهرة عند مواقعة الذنب لأن التوبة لا تصح إلا من مسلم إلا أن يكون كافرا بنظر الله إليه جاحدا له فتوبته دخوله في الإسلام وإقراره بصفات الرب جل جلاله. قال: وشرائط التوبة ثلاثة: الندم والإقلاع والاعتذار. فحقيقة التوبة: هي الندم على ما سلف منه في الماضي والإقلاع عنه في الحال والعزم على أن لا يعاوده في المستقبل. والثلاثة تجتمع في الوقت الذي تقع فيه التوبة فإنه في ذلك الوقت يندم ويقلع ويعزم.(1\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "173",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13170",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فحينئذ يرجع إلى العبودية التي خلق لها وهذا الرجوع هو حقيقة التوبة. ولما كان متوقفا على تلك الثلاثة جعلت شرائط له. فأما الندم: فإنه لا تتحقق التوبة إلا به إذ من لم يندم على القبيح فذلك دليل على رضاه به وإصراره عليه وفي المسند quot; الندم توبة quot;. وأما الإقلاع: فتستحيل التوبة مع مباشرة الذنب. وأما الاعتذار: ففيه إشكال فإن من الناس من يقول: من تمام التوبة ترك الاعتذار فإن الاعتذار محاجة عن الجناية وترك الاعتذار اعتراف بها ولا تصح التوبة إلا بعد الاعتراف وفي ذلك يقول بعض الشعراء لرئيسه وقد عتب عليه في شيء: وما قابلت عتبك باعتذار ... ولكني أقول كما تقول وأطرق باب عفوك بانكسار ... ويحكم بيننا الخلق الجميل فلما سمع الرئيس مقالته قام وركب إليه من فوره وأزال عتبه عليه فتمام الاعتراف ترك الاعتذار بأن يكون في قلبه ولسانه: اللهم لا براءة لي من ذنب فأعتذر ولا قوة لي فأنتصر ولكني مذنب مستغفر اللهم لا عذر لي وإنما هو محض حقك ومحض جنايتي فإن عفوت وإلا فالحق لك. والذي ظهر لي من كلام صاحب المنازل أنه أراد بالاعتذار إظهار الضعف والمسكنة وغلبة العدو وقوة سلطان النفس وأنه لم يكن مني ما كان عن استهانة بحقك ولا جهلا به ولا إنكارا لاطلاعك ولا استهانة بوعيدك وإنما كان من غلبة الهوى وضعف القوة عن مقاومة مرض الشهوة وطمعا في مغفرتك واتكالا على عفوك وحسن ظن بك ورجاء لكرمك وطمعا في سعة حلمك ورحمتك وغرني بك الغرور والنفس الأمارة بالسوء وسترك المرخى علي وأعانني جهلي ولا سبيل إلى الاعتصام لي إلا بك ولا معونة على طاعتك إلا بتوفيقك ونحو هذا من الكلام المتضمن للاستعطاف والتذلل والافتقار والاعتراف بالعجز والإقرار بالعبودية.(1\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "174",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13171",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا من تمام التوبة وإنما يسلكه الأكياس المتملقون لربهم عز وجل والله يحب من عبده أن يتملق له. وفي الحديث quot; تملقوا لله quot; وفي الصحيح لا أحد أحب إليه العذر من الله وإن كان معنى ذلك الإعذار كما قال في آخر الحديث quot; من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين quot; وقال تعالى فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا [المرسلات: 5] فإنه من تمام عدله وإحسانه أن أعذر إلى عباده وأن لا يؤاخذ ظالمهم إلا بعد كمال الإعذار وإقامة الحجة عليه فهو أيضا يحب من عبده أن يعتذر إليه ويتنصل إليه من ذنبه وفي الحديث quot; من اعتذر إلى الله قبل الله عذره quot; فهذا هو الاعتذار المحمود النافع. وأما الاعتذار بالقدر فهو مخاصمة لله واحتجاج من العبد على الرب وحمل لذنبه على الأقدار وهذا فعل خصماء الله كما قال بعض شيوخهم في قوله تعالى زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة [آل عمران: 14] قال: أتدرون ما المراد بهذه الآية قالوا: ما المراد بها قال: إقامة أعذار الخليقة. وكذب هذا الجاهل بالله وكلامه وإنما المراد بها التزهيد في هذا الفاني الذاهب والترغيب في الباقي الدائم والإزراء بمن آثر هذا المزين واتبعه بمنزلة الصبي الذي يزين له ما يلعب به فيهش إليه ويتحرك له مع أنه لم يذكر فاعل التزيين فلم يقل زينا للناس والله تعالى يضيف تزيين الدنيا والمعاصي إلى الشياطين كما قال تعالى وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون [الأنعام: 43] وقال وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم [الأنعام: 137] وفي الحديث بعثت هاديا وداعيا وليس إلي من الهداية شيء وبعث إبليس مغويا ومزينا وليس إليه من الضلالة شيء ولا يناقض هذا قوله تعالى(1\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "175",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13172",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كذلك زينا لكل أمة عملهم [الأنعام: 108] فإن إضافة التزيين إليه قضاء وقدرا وإلى الشيطان تسببا مع أنه تزيينه تعالى عقوبة لهم على ركونهم إلى ما زينه الشيطان لهم فمن عقوبة السيئة السيئة بعدها ومن ثواب الحسنة الحسنة بعدها. والمقصود أن الاحتجاج بالقدر مناف للتوبة وليس هو من الاعتذار في شيء وفي بعض الآثار quot; إن العبد إذا أذنب فقال: يا رب هذا قضاؤك وأنت قدرت علي وأنت حكمت علي وأنت كتبت علي يقول الله عز وجل: وأنت عملت وأنت كسبت وأنت أردت واجتهدت وأنا أعاقبك عليه وإذا قال: يا رب أنا ظلمت وأنا أخطأت وأنا اعتديت وأنا فعلت يقول الله عز وجل: وأنا قدرت عليك وقضيت وكتبت وأنا أغفر لك وإذا عمل حسنة فقال: يا رب أنا عملتها وأنا تصدقت وأنا صليت وأنا أطعمت يقول الله عز وجل: وأنا أعنتك وأنا وفقتك وإذا قال: يا رب أنت أعنتني ووفقتني وأنت مننت علي يقول الله: وأنت عملتها وأنت أردتها وأنت كسبتها quot;. فالاعتذار اعتذاران: اعتذار ينافي الاعتراف فذلك مناف للتوبة واعتذار يقرر الاعتراف فذلك من تمام التوبة.  [حقائق التوبة وعلامة قبولها] قال صاحب المنازل: وحقائق التوبة ثلاثة أشياء: تعظيم الجناية واتهام التوبة وطلب أعذار الخليقة. يريد بالحقائق: ما يتحقق به الشيء وتتبين به صحته وثبوته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لحارثة إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك .(1\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "176",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13173",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأما تعظيم الجناية فإنه إذا استهان بها لم يندم عليها وعلى قدر تعظيمها يكون ندمه على ارتكابها فإن من استهان بإضاعة فلس - مثلا - لم يندم على إضاعته فإذا علم أنه دينار اشتد ندمه وعظمت إضاعته عنده. وتعظيم الجناية يصدر عن ثلاثة أشياء: تعظيم الأمر وتعظيم الآمر والتصديق بالجزاء. وأما اتهام التوبة فلأنها حق عليه لا يتيقن أنه أدى هذا الحق على الوجه المطلوب منه الذي ينبغي له أن يؤديه عليه فيخاف أنه ما وفاها حقها وأنها لم تقبل منه وأنه لم يبذل جهده في صحتها وأنها توبة علة وهو لا يشعر بها كتوبة أرباب الحوائج والإفلاس والمحافظين على حاجاتهم ومنازلهم بين الناس أو أنه تاب محافظة على حاله فتاب للحال لا خوفا من ذي الجلال أو أنه تاب طلبا للراحة من الكد في تحصيل الذنب أو اتقاء ما يخافه على عرضه وماله ومنصبه أو لضعف داعي المعصية في قلبه وخمود نار شهوته أو لمنافاة المعصية لما يطلبه من العلم والرزق ونحو ذلك من العلل التي تقدح في كون التوبة خوفا من الله وتعظيما له ولحرماته وإجلالا له وخشية من سقوط المنزلة عنده وعن البعد والطرد عنه والحجاب عن رؤية وجهه في الدار الآخرة فهذه التوبة لون وتوبة أصحاب العلل لون. ومن اتهام التوبة أيضا: ضعف العزيمة والتفات القلب إلى الذنب الفينة بعد الفينة وتذكر حلاوة مواقعته فربما تنفس وربما هاج هائجه. ومن اتهام التوبة: طمأنينته ووثوقه من نفسه بأنه قد تاب حتى كأنه قد أعطي منشورا بالأمان فهذا من علامات التهمة. ومن علاماتها: جمود العين واستمرار الغفلة وأن لا يستحدث بعد التوبة أعمالا صالحة لم تكن له قبل الخطيئة. فالتوبة المقبولة الصحيحة لها علامات. منها: أن يكون بعد التوبة خيرا مما كان قبلها. ومنها: أنه لا يزال الخوف مصاحبا له لا يأمن مكر الله طرفة عين فخوفه مستمر إلى أن يسمع قول الرسل لقبض روحه أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون [فصلت: 30] فهناك يزول الخوف.(1\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "177",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13174",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: انخلاع قلبه وتقطعه ندما وخوفا وهذا على قدر عظم الجناية وصغرها وهذا تأويل ابن عيينة لقوله تعالى لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم [التوبة: 110] قال: تقطعها بالتوبة ولا ريب أن الخوف الشديد من العقوبة العظيمة يوجب انصداع القلب وانخلاعه وهذا هو تقطعه وهذا حقيقة التوبة لأنه يتقطع قلبه حسرة على ما فرط منه وخوفا من سوء عاقبته فمن لم يتقطع قلبه في الدنيا على ما فرط حسرة وخوفا تقطع في الآخرة إذا حقت الحقائق وعاين ثواب المطيعين وعقاب العاصين فلا بد من تقطع القلب إما في الدنيا وإما في الآخرة. ومن موجبات التوبة الصحيحة أيضا: كسرة خاصة تحصل للقلب لا يشبهها شيء ولا تكون لغير المذنب لا تحصل بجوع ولا رياضة ولا حب مجرد وإنما هي أمر وراء هذا كله تكسر القلب بين يدي الرب كسرة تامة قد أحاطت به من جميع جهاته وألقته بين يدي ربه طريحا ذليلا خاشعا كحال عبد جان آبق من سيده فأخذ فأحضر بين يديه ولم يجد من ينجيه من سطوته ولم يجد منه بدا ولا عنه غناء ولا منه مهربا وعلم أن حياته وسعادته وفلاحه ونجاحه في رضاه عنه وقد علم إحاطة سيده بتفاصيل جناياته هذا مع حبه لسيده وشدة حاجته إليه وعلمه بضعفه وعجزه وقوة سيده وذله وعز سيده. فيجتمع من هذه الأحوال كسرة وذلة وخضوع ما أنفعها للعبد وما أجدى عائدتها عليه! وما أعظم جبره بها وما أقربه بها من سيده! فليس شيء أحب إلى سيده من هذه الكسرة والخضوع والتذلل والإخبات والانطراح بين يديه والاستسلام له فلله ما أحلى قوله في هذه الحال: أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني أسألك بقوتك وضعفي وبغناك عني وفقري إليك هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك عبيدك سواي كثير وليس لي سيد سواك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك أسألك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل وأدعوك دعاء الخائف الضرير سؤال من خضعت(1\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "178",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13175",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لك رقبته ورغم لك أنفه وفاضت لك عيناه وذل لك قلبه. يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنت جابره فهذا وأمثاله من آثار التوبة المقبولة فمن لم يجد ذلك في قلبه فليتهم توبته وليرجع إلى تصحيحها فما أصعب التوبة الصحيحة بالحقيقة وما أسهلها باللسان والدعوى! وما عالج الصادق بشيء أشق عليه من التوبة الخالصة الصادقة ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأكثر الناس من المتنزهين عن الكبائر الحسية والقاذورات في كبائر مثلها أو أعظم منها أو دونها ولا يخطر بقلوبهم أنها ذنوب ليتوبوا منها فعندهم - من الإزراء على أهل الكبائر واحتقارهم وصولة طاعاتهم ومنتهم على الخلق بلسان الحال واقتضاء بواطنهم لتعظيم الخلق لهم على طاعاتهم اقتضاء لا يخفى على أحد غيرهم وتوابع ذلك - ما هو أبغض إلى الله وأبعد لهم عن بابه من كبائر أولئك فإن تدارك الله أحدهم بقاذورة أو كبيرة يوقعه فيها ليكسر بها نفسه ويعرفه قدره ويذله بها ويخرج بها صولة الطاعة من قلبه فهي رحمة في حقه كما أنه إذا تدارك أصحاب الكبائر بتوبة نصوح وإقبال بقلوبهم إليه فهو رحمة في حقهم وإلا فكلاهما على خطر.  [فصل أعذار الخليقة منها محمود ومنها مذموم] فصل وأما طلب أعذار الخليقة فهذا له وجهان: وجه محمود ووجه مذموم حرام. فالمذموم: أن تطلب أعذارهم نظرا إلى الحكم القدري وجريانه عليهم شاءوا أم أبوا فتعذرهم بالقدر. وهذا القدر ينتهي إليه كثير من السالكين والناظرين إلى القدر الفانين في شهوده وهو - كما تقدم - درب خطر جدا قليل المنفعة لا ينجي وحده. وأظن هذا مراد صاحب المنازل لأنه قال بعد ذلك: مشاهدة العبد الحكم لم يدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحكم.(1\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "179",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13176",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا الشهود شهود ناقص مذموم إن طرده صاحبه فعذر أعداء الله وأهل مخالفته ومخالفة رسله وطلب أعذارهم كان مضادا لله في أمره عاذرا من لم يعذره الله طالبا عذر من لامه الله وأمر بلومه وليست هذه موافقة لله بل موافقته لوم هذا واعتقاد أنه لا عذر له عند الله ولا في نفس الأمر فالله عز وجل قد أعذر إليه وأزال عذره بالكلية ولو كان معذورا في نفس الأمر عند الله لما عاقبه البتة فإن الله عز وجل أرحم وأغنى وأعدل من أن يعاقب صاحب عذر فلا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب إزالة لأعذار خلقه لئلا يكون لهم عليه حجة. ومعلوم أن طالب عذرهم ومصححه مقيم لحجة قد أبطلها الله من جميع الوجوه فلله الحجة البالغة ومن له عذر من خلقه - كالطفل الذي لا يميز والمعتوه ومن لم تبلغه الدعوة والأصم الأعمى الذي لا يبصر ولا يسمع - فإن الله لا يعذب هؤلاء بلا ذنب البتة وله فيهم حكم آخر في المعاد يمتحنهم بأن يرسل إليهم رسولا يأمرهم وينهاهم فمن أطاع الرسول منهم أدخله الجنة ومن عصاه أدخله النار حكى ذلك أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والحديث في مقالاته وفيه عدة أحاديث بعضها(1\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "180",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13177",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في مسند أحمد كحديث الأسود بن سريع وحديث أبي هريرة. ومن طعن في هذه الأحاديث بأن الآخرة دار جزاء لا دار تكليف فهذه الأحاديث مخالفة للعقل فهو جاهل فإن التكليف إنما ينقطع بدخول دار القرار الجنة أو النار وإلا فالتكليف واقع في البرزخ وفي العرصات ولهذا يدعوهم إلى السجود له في الموقف فيسجد المؤمنون له طوعا واختيارا ويحال بين الكفار والمنافقين وبين السجود. والمقصود: أنه لا عذر لأحد البتة في معصية الله ومخالفة أمره مع علمه بذلك وتمكنه من الفعل والترك ولو كان له عذر لما استحق العقوبة واللوم لا في الدنيا ولا في العقبى. فإن قيل: هذا كلام بلسان الحال بالشرع ولو نطقت بلسان الحقيقة لعذرت الخليقة إذ هم صائرون إلى مشيئة الله فيهم وما قضاه وقدره عليهم ولا بد فهم مجار لأقداره وسهامها نافذة فيهم وهم أغراض لسهام الأقدار لا تخطئهم البتة ولكن من غلب عليه مشاهدة الحكم الشرعي لم يمكنه طلب العذر لهم ومن غلب عليه مشاهدة الحكم الكوني عذرهم فأنت معذور في الإنكار علينا بحقيقة الشرع ونحن معذورون في طلب العذر بحقيقة الحكم وكلانا مصيب. فالجواب من وجوه: أحدها: أن يقال: العذر إن لم يكن مقبولا لم يكن نافعا والاعتذار بالقدر غير مقبول ولا يعذر أحد به ولو اعتذر فهو كلام باطل لا يفيد شيئا البتة بل يزيد في ذنب الجاني ويغضب الرب عليه وما هذا شأنه لا يشتغل به عاقل. الثاني: أن الاعتذار بالقدر يتضمن تنزيه الجاني نفسه وتنزيه ساحته وهو الظالم الجاهل والجهل على القدر نسبة الذنب إليه وتظليمه بلسان الحال والقال بتحسين(1\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "181",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13178",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العبارة وتلطيفها وربما غلبه الحال فصرح بالوجد كما قال بعض خصماء الله: ألقاه في اليم مكتوفا وقال له ... : إياك إياك أن تبتل بالماء. وقال خصم آخر: وضعوا اللحم للبزا ... ة على ذروتي عدن ثم لاموا البزاة أن ... خلعوا عنهم الرسن لو أرادوا صيانتي ... ستروا وجهك الحسن وقال خصم آخر: أصبحت منفعلا لما تختاره ... مني ففعلي كله طاعات وقال خصم آخر شاكيا متظلما: إذا كان المحب قليل حظ ... فما حسناته إلا ذنوب وقال خصم آخر معتذرا عن إبليس: لما عصى من كان إبليسه . ولخصماء الله هاهنا تظلمات وشكايات ولو فتشوا زوايا قلوبهم لوجدوا هناك خصما متظلما شاكيا عاتبا يقول: لا أقدر أن أقول شيئا وإني مظلوم في صورة ظالم ويقول بحرقة ويتنفس الصعداء: مسكين ابن آدم لا قادر ولا معذور. وقال الآخر: ابن آدم كرة تحت صولجانات الأقدار يضربها واحد ويردها الآخر وهل تستطيع الكرة الانتصاف من الصولجان . ويتمثل خصم آخر بقول الشاعر: بأبي أنت وإن أس ... رفت في هجري وظلمي فجعله هاجرا بلا ذنب ظالما بل مسرفا قد تجاوز الحد في ظلمه ويقول آخر: أظلت علينا منك يوما سحابة ... أضاءت لنا برقا وأبطا رشاشها فلا غيمها يجلو فييئس طالب ... ولا غيثها يأتي فيروي عطاشها ويقول آخر: يدنو إليك ونقص الحظ يبعده ... ويستقيم وداعي البين يلويه(1\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "182",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13179",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويقول خصم آخر: واقف في الماء ظمآ ... ن ولكن ليس يسقى ومن له أدنى فهم وبصيرة يعلم أن هذا كله تظلم وشكاية وعتب ويكاد أحدهم يقول: يا ظالمي لولا ولو فتش نفسه كما ينبغي لوجد ذلك فيها وهذا ما لا غاية بعده من الجهل والظلم والإنسان كما قال الله تعالى إنه كان ظلوما جهولا [الأحزاب: 72]  والله هو الغني الحميد [فاطر: 15] . ولو علم هذا الظالم الجاهل أن بلاءه من نفسه ومصابه منها وأنها أولى بكل ذم وظلم وأنها مأوى كل سوء و إن الإنسان لربه لكنود [العاديات: 6]  قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: كفور جحود لنعم الله وقال الحسن: هو الذي يعد المصائب وينسى النعم وقال أبو عبيدة: هو قليل الخير والأرض الكنود التي لا نبت بها وقيل: التي لا تنبت شيئا من المنافع وقال الفضل بن عباس: الكنود الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإساءة الخصال الكثيرة من الإحسان. ولو علم هذا الظالم الجاهل أنه هو القاعد على طريق مصالحه يقطعها عن الوصول إليه فهو الحجر في طريق الماء الذي به حياته وهو السكر الذي قد سد مجرى الماء إلى بستان قلبه ويستغيث مع ذلك: العطش العطش وقد وقف في طريق الماء ومنع وصوله إليه فهو حجاب قلبه عن سر غيبه وهو الغيم المانع لإشراق شمس الهدى على القلب فما عليه أضر منه ولا له أعداء أبلغ في نكايته وعداوته منه. ما تبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه فتبا له ظالما في صورة مظلوم وشاكيا والجناية منه قد جد في الإعراض وهو(1\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "183",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13180",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ينادي: طردوني وأبعدوني ولى ظهره الباب بل أغلقه على نفسه وأضاع مفاتيحه وكسرها ويقول: دعاني وسد الباب دوني فهل إلى ... دخولي سبيل بينوا لي قصتي يأخذ الشفيق بحجزته عن النار وهو يجاذبه ثوبه ويغلبه ويقتحمها ويستغيث: ما حيلتي وقد قدموني إلى الحفيرة وقذفوني فيها والله كم صاح به الناصح: الحذر الحذر إياك إياك وكم أمسك بثوبه وكم أراه مصارع المقتحمين وهو يأبى إلا الاقتحام: وكم سقت في آثاركم من نصيحة ... وقد يستفيد الظنة المتنصح يا ويله ظهيرا للشيطان على ربه خصما لله مع نفسه جبري المعاصي قدري الطاعات عاجز الرأي مضياع لفرصته قاعد عن مصالحه معاتب لأقدار ربه يحتج على ربه بما لا يقبله من عبده وامرأته وأمته إذا احتجوا به عليه في التهاون في بعض أمره فلو أمر أحدهم بأمر ففرط فيه أو نهاه عن شيء فارتكبه وقال: القدر ساقني إلى ذلك لما قبل منه هذه الحجة ولبادر إلى عقوبته. فإن كان القدر حجة لك أيها الظالم الجاهل في ترك حق ربك فهلا كان حجة لعبدك وأمتك في ترك بعض حقك بل إذا أساء إليك مسيء وجنى عليك جان واحتج بالقدر لاشتد غضبك عليه وتضاعف جرمه عندك ورأيت حجته داحضة ثم تحتج على ربك به وتراه عذرا لنفسك ! فمن أولى بالظلم والجهل ممن هذه حاله هذا مع تواتر إحسان الله إليك على مدى الأنفاس أزاح عللك ومكنك من التزود إلى جنته وبعث إليك الدليل وأعطاك مؤنة السفر وما تتزود به وما تحارب به قطاع الطريق عليك فأعطاك السمع والبصر والفؤاد وعرفك الخير والشر والنافع والضار وأرسل إليك رسوله وأنزل إليك كتابه ويسره للذكر والفهم والعمل وأعانك بمدد من جنده الكرام يثبتونك ويحرسونك ويحاربون عدوك ويطردونه عنك ويريدون منك أن لا تميل إليه ولا تصالحه وهم يكفونك مؤنته وأنت تأبى إلا مظاهرته عليهم وموالاته دونهم بل تظاهره وتواليه دون وليك الحق الذي هو أولى بك قال الله تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا [الكهف: 50](1\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "184",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13181",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طرد إبليس عن سمائه وأخرجه من جنته وأبعده من قربه إذ لم يسجد لك وأنت في صلب أبيك آدم لكرامتك عليه فعاداه وأبعده ثم واليت عدوه وملت إليه وصالحته وتتظلم مع ذلك وتشتكي الطرد والإبعاد وتقول: عودوني الوصال والوصل عذب ... ورموني بالصد والصد صعب نعم وكيف لا يطرد من هذه معاملته وكيف لا يبعد عنه من كان هذا وصفه وكيف يجعل من خاصته وأهل قربه من حاله معه هكذا قد أفسد ما بينه وبين الله وكدره. أمره الله بشكره لا لحاجته إليه ولكن لينال به المزيد من فضله فجعل كفر نعمه والاستعانة بها على مساخطه من أكبر أسباب صرفها عنه. وأمره بذكره ليذكره بإحسانه فجعل نسيانه سببا لنسيان الله له نسوا الله فأنساهم أنفسهم [الحشر: 19]  نسوا الله فنسيهم [التوبة: 67] أمره بسؤاله ليعطيه فلم يسأله بل أعطاه أجل العطايا بلا سؤال فلم يقبل يشكو من يرحمه إلى من لا يرحمه ويتظلم ممن لا يظلمه ويدع من يعاديه ويظلمه إن أنعم عليه بالصحة والعافية والمال والجاه استعان بنعمه على معاصيه وإن سلبه ذلك ظل متسخطا على ربه وهو شاكيه لا يصلح له على عافية ولا على ابتلاء العافية تلقيه إلى مساخطه والبلاء يدفعه إلى كفرانه وجحود نعمته وشكايته إلى خلقه. دعاه إلى بابه فما وقف عليه ولا طرقه ثم فتحه له فما عرج عليه ولا ولجه أرسل إليه رسوله يدعوه إلى دار كرامته فعصى الرسول وقال: لا أبيع ناجزا بغائب ونقدا بنسيئة ولا أترك ما أراه لشيء سمعت به ويقول: خذ ما رأيت ودع شيئا سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل فإن وافق حظه طاعة الرسول أطاعه لنيل حظه لا لرضى مرسله لم يزل يتمقت إليه بمعاصيه حتى أعرض عنه وأغلق الباب في وجهه. ومع هذا فلم يؤيسه من رحمته بل قال: متى جئتني قبلتك إن أتيتني ليلا قبلتك وإن أتيتني نهارا قبلتك وإن تقربت مني شبرا تقربت منك ذراعا وإن تقربت(1\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "185",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13182",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مني ذراعا تقربت منك باعا وإن مشيت إلي هرولت إليك ولو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا أتيتك بقرابها مغفرة ولو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ومن أعظم مني جودا وكرما عبادي يبارزونني بالعظائم وأنا أكلؤهم على فرشهم إني والجن والإنس في نبأ عظيم: أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر سواي خيري إلى العباد نازل وشرهم إلي صاعد أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي. من أقبل إلي تلقيته من بعيد ومن أعرض عني ناديته من قريب ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد ومن أراد رضاي أردت ما يريد ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد. أهل ذكري أهل مجالستي وأهل شكري أهل زيادتي وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي إن تابوا إلي فأنا حبيبهم فإني أحب التوابين وأحب المتطهرين وإن لم يتوبوا إلي فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب. من آثرني على سواي آثرته على سواه الحسنة عندي بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة والسيئة عندي بواحدة فإن ندم عليها واستغفرني غفرتها له. أشكر اليسير من العمل وأغفر الكثير من الزلل رحمتي سبقت غضبي وحلمي سبق مؤاخذتي وعفوي سبق عقوبتي أنا أرحم بعبادي من الوالدة بولدها لله أشد فرحا بتوبة عبده من رجل أضل راحلته بأرض مهلكة دوية عليها طعامه وشرابه فطلبها حتى إذا أيس من حصولها نام في أصل شجرة ينتظر الموت فاستيقظ فإذا هي على رأسه قد تعلق خطامها بالشجرة فالله أفرح بتوبة عبده من هذا براحلته . وهذه فرحة إحسان وبر ولطف لا فرحة محتاج إلى توبة عبده منتفع بها وكذلك(1\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "186",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13183",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "موالاته لعبده إحسانا إليه ومحبة له وبرا به لا يتكثر به من قلة ولا يتعزز به من ذلة ولا ينتصر به من غلبة ولا يعده لنائبة ولا يستعين به في أمر وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا [الإسراء: 111] فنفى أن يكون له ولي من الذل والله ولي الذين آمنوا وهم أولياؤه. فهذا شأن الرب وشأن العبد وهم يقيمون أعذار أنفسهم ويحملون ذنوبهم على أقداره. استأثر الله بالمحامد والمج ... د وولى الملامة الرجلا وما أحسن قول القائل: تطوي المراحل عن حبيبك دائبا ... وتظل تبكيه بدمع ساجم كذبتك نفسك لست من أحبابه ... تشكو البعاد وأنت عين الظالم  [فصل من حقائق التوبة طلب أعذار الخليقة] فصل فهذا أحد المعنيين في قوله: إن من حقائق التوبة طلب أعذار الخليقة. وقد ظهر لك بهذا أن طلب أعذارهم في الجناية عائد على التوبة بالنقض والإبطال. المعنى الثاني: أن يكون مراده إقامة أعذارهم في إساءتهم إليك وجنايتهم عليك والنظر في ذلك إلى الأقدار وأن أفعالهم بمنزلة حركات الأشجار فتعذرهم بالقدر في حقك لا في حق ربك فهذا حق وهو من شأن سادات العارفين وخواص أولياء الله الكمل يفنى أحدهم عن حقه ويستوفي حق ربه ينظر في التفريط في حقه وفي الجناية عليه إلى القدر وينظر في حق الله إلى الأمر فيطلب لهم العذر في حقه ويمحو عنهم العذر ويطلبه في حق الله. وهذه كانت حال نبينا صلى الله عليه وسلم كما قالت عائشة رضي الله عنها: ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه قط ولا نيل منه شيء فانتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله .(1\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "187",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13184",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالت عائشة رضي الله عنها أيضا: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادما ولا دابة ولا شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله . وقال أنس رضي الله عنه: خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي لشيء صنعته: لم صنعته ولا لشيء لم أصنعه: لم لم تصنعه وكان إذا عاتبني بعض أهله يقول: دعوه فلو قضي شيء لكان . فانظر إلى نظره إلى القدر عند حقه وقيامه بالأمر وقطع يد المرأة عند حق الله ولم يقل هناك: القدر حكم عليها. وكذلك عزمه على تحريق المتخلفين عن الصلاة معه في الجماعة ولم يقل: لو قضي لهم الصلاة لكانت. وكذلك رجمه المرأة والرجل لما زنيا ولم يحتج في ذلك لهما بالقدر. وكذلك فعله في العرنيين الذين قتلوا راعيه واستاقوا الذود وكفروا بعد إسلامهم ولم يقل: قدر عليهم بل أمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمرت أعينهم وتركوا في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا عطشا إلى غير ذلك مما يطول بسطه.(1\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "188",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13185",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرف بالله وبحقه من أن يحتج بالقدر على ترك أمره ويقبل الاحتجاج به من أحد ومع هذا فعذر أنسا بالقدر في حقه وقال لو قضي شيء لكان فصلوات الله وسلامه عليه. فهذا المعنى الثاني - وإن كان حقا - لكان ليس هو من شرائط التوبة ولا من أركانها ولا له تعلق بها فإنه لو لم يقم أعذارهم في إساءتهم إليه لما نقص ذلك شيئا من توبته فما أراد إلا المعنى الأول وقد عرفت ما فيه. ولا ريب أن صاحب المنازل إنما أراد أن يعذرهم بالقدر ويقيم عليهم حكم الأمر فينظر بعين القدر ويعذرهم بها وينظر بعين الأمر ويحملهم عليها بموجبها فلا يحجبه مطالعة الأمر عن القدر ولا ملاحظة القدر عن الأمر. فهذا - وإن كان حقا لا بد منه - فلا وجه لعذرهم وليس عذرهم من التوبة في شيء البتة ولو كان صحيحا - فضلا عن كونه باطلا - فلا هم معذورون ولا طلب عذرهم من حقائق التوبة بل التحقيق أن الغيرة لله والغضب له من حقائق التوبة فتعطيل عذر الخليقة في مخالفة الأمر والنهي وشدة الغضب: هو من علامات تعظيم الحرمة وذلك بأن يكون من حقائق التوبة أولى من عذر مخالفة الأمر والنهي. ولا سيما أنه يدخل في هذا عذر عباد الأصنام والأوثان وقتلة الأنبياء وفرعون وهامان ونمرود بن كنعان وأبي جهل وأصحابه وإبليس وجنوده وكل كافر وظالم ومتعد حدود الله ومنتهك محارم الله فإنهم كلهم تحت القدر وهم من الخليقة أفيكون عذر هؤلاء من حقيقة التوبة فهذا مما أوجبه السير في طريق الفناء في توحيد الربوبية وجعله الغاية التي يشمر إليها السالكون. ثم أي موافقة للمحبوب في عذر من لا يعذره هو بل قد اشتد غضبه عليه وأبعده عن قربه وطرده عن بابه ومقته أشد المقت فإذا عذرته فهل يكون عذره إلا تعرضا لسخط المحبوب وسقوطا من عينه .(1\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "189",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13186",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا توجب هذه الزلة من شيخ الإسلام إهدار محاسنه وإساءة الظن به فمحله من العلم والإمامة والمعرفة والتقدم في طريق السلوك المحل الذي لا يجهل وكل أحد فمأخوذ من قوله ومتروك إلا المعصوم صلوات الله وسلامه عليه والكامل من عد خطؤه ولا سيما في مثل هذا المجال الضنك والمعترك الصعب الذي زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام وافترقت بالسالكين فيه الطرقات وأشرفوا - إلا أقلهم - على أودية الهلكات. وكيف لا وهو البحر الذي تجري سفينة راكبه في موج كالجبال والمعترك الذي تضاءلت لشهوده شجاعة الأبطال وتحيرت فيه عقول ألباء الرجال ووصلت الخليقة إلى ساحله يبغون ركوبه. فمنهم: من وقف مطرقا دهشا لا يستطيع أن يملأ منه عينه ولا ينقل عن موقفه قدمه قد امتلأ قلبه بعظمة ما شاهد منه فقال: الوقوف على الساحل أسلم وليس بلبيب من خاطر بنفسه. ومنهم: من رجع على عقبيه لما سمع هديره وصوت أمواجه ولم يطق نظرا إليه. ومنهم: من رمى بنفسه في لججه تخفضه موجة وترفعه أخرى. فهؤلاء الثلاثة على خطر إذ الواقف على الساحل عرضة لوصول الماء تحت قدميه والهارب - ولو جد في الهرب - فما له مصير إلا إليه والمخاطر ناظر إلى الغرقى كل ساعة بعينيه وما نجا من الخلق إلا الصنف الرابع وهم الذين انتظروا موافاة سفينة الأمر فلما قربت منهم ناداهم الربان اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها [هود: 41] فهي سفينة نوح حقا وسفينة من بعده من الرسل من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق فركبوا سفينة الأمر بالقدر تجري بهم في تصاريف أمواجه على حكم التسليم لمن بيده التصرف في البحار فلم يك إلا غفوة حتى قيل لأرض الدنيا وسمائها: يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على جودي دار القرار. والمتخلفون عن السفينة - كقوم نوح - أغرقوا ثم أحرقوا ونودي عليهم على(1\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "190",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13187",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رءوس العالمين وقيل بعدا للقوم الظالمين [هود: 44]  وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين [الزخرف: 76] ثم نودي بلسان الشرع والقدر تحقيقا لتوحيده وإثباتا لحجته وهو أعدل العادلين قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين [الأنعام: 149] .  فصل وراكب هذا البحر في سفينة الأمر وظيفته مصادمة أمواج القدر ومعارضتها بعضها ببعض وإلا هلك فيرد القدر بالقدر وهذا سير أرباب العزائم من العارفين وهو معنى قول الشيخ العارف القدوة عبد القادر الكيلاني: الناس إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا إلا أنا فانفتحت لي فيه روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق والرجل من يكون منازعا للقدر لا من يكون مستسلما مع القدر ولا تتم مصالح العباد في معاشهم إلا بدفع الأقدار بعضها ببعض فكيف في معادهم والله تعالى أمر أن تدفع السيئة - وهي من قدره - بالحسنة - وهي من قدره - وكذلك الجوع من قدره وأمر بدفعه بالأكل الذي هو من قدره ولو استسلم العبد لقدر الجوع مع قدرته على دفعه بقدر الأكل حتى مات: مات عاصيا وكذلك البرد والحر والعطش كلها من أقداره وأمر بدفعها بأقدار تضادها والدافع والمدفوع والدفع من قدره. وقد أفصح النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا المعنى كل الإفصاح إذ قالوا: يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقى نتقي بها هل ترد من قدر الله شيئا(1\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "191",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13188",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: هي من قدر الله . وفي الحديث الآخر إن الدعاء والبلاء ليعتلجان بين السماء والأرض . وإذا طرق العدو من الكفار بلد الإسلام طرقوه بقدر الله أفيحل للمسلمين الاستسلام للقدر وترك دفعه بقدر مثله وهو الجهاد الذي يدفعون به قدر الله بقدره وكذلك المعصية إذا قدرت عليك وفعلتها بالقدر فادفع موجبها بالتوبة النصوح وهي من القدر.  [فصل دفع القدر بالقدر] فصل ودفع القدر بالقدر نوعان: أحدهما: دفع القدر الذي قد انعقدت بأسبابه - ولما يقع - بأسباب أخرى من القدر تقابله فيمتنع وقوعه كدفع العدو بقتاله ودفع الحر والبرد ونحوه. الثاني: دفع القدر الذي قد وقع واستقر بقدر آخر يرفعه ويزيله كدفع قدر المرض بقدر التداوي ودفع قدر الذنب بقدر التوبة ودفع قدر الإساءة بقدر الإحسان. فهذا شأن العارفين وشأن الأقدار لا الاستسلام لها وترك الحركة والحيلة فإنه عجز والله تعالى يلوم على العجز فإذا غلب العبد وضاقت به الحيل ولم يبق له مجال فهنالك الاستسلام للقدر والانطراح كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء وهنا ينفع الفناء في القدر علما وحالا وشهودا وأما في حال القدرة وحصول الأسباب فالفناء النافع: أن يفنى عن الخلق بحكم الله وعن هواه بأمر الله وعن إرادته ومحبته بإرادة الله ومحبته وعن حوله وقوته بحول الله وقوته وإعانته فهذا الذي قام بحقيقة quot; إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] quot; علما وحالا وبالله المستعان.  [فصل سرائر حقيقة التوبة] فصل(1\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "192",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13189",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال صاحب المنازل: وسرائر حقيقة التوبة ثلاثة أشياء: تمييز التقية من العزة ونسيان الجناية والتوبة من التوبة لأن التائب داخل في الجميع من قوله تعالى وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون [النور: 31] فأمر التائب بالتوبة. تمييز التقية من العزة أن يكون المقصود من التوبة تقوى الله وهو خوفه وخشيته والقيام بأمره واجتناب نهيه فيعمل بطاعة الله على نور من الله يرجو ثواب الله ويترك معصية الله على نور من الله يخاف عقاب الله لا يريد بذلك عز الطاعة فإن للطاعة وللتوبة عزا ظاهرا وباطنا فلا يكون مقصوده العزة وإن علم أنها تحصل له بالطاعة والتوبة فمن تاب لأجل العزة فتوبته مدخولة وفي بعض الآثار quot; أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء: قل لفلان الزاهد: أما زهدك في الدنيا فقد تعجلت به الراحة وأما انقطاعك إلي فقد اكتسبت به العزة ولكن ما عملت فيما لي عليك قال: يا رب وما لك علي بعد هذا قال: هل واليت في وليا أو عاديت في عدوا quot;. يعني أن الراحة والعز حظك وقد نلتهما بالزهد والعبادة ولكن أين القيام بحقي وهو الموالاة في والمعاداة في . فالشأن في التفريق في الأوامر بين حظك وحق ربك علما وحالا. وكثير من الصادقين قد يلتبس عليهم حال نفوسهم في ذلك ولا يميزه إلا أولو البصائر منهم وهم في الصادقين كالصادقين في الناس. وأما نسيان الجناية: فهذا موضع تفصيل فقد اختلف فيه أرباب الطريق. فمنهم: من رأى الاشتغال عن ذكر الذنب والإعراض عنه صفحا فصفاء الوقت مع الله تعالى أولى بالتائب وأنفع له ولهذا قيل: ذكر الجفا في وقت الصفا جفا. ومنهم من رأى أن الأولى أن لا ينسى ذنبه بل لا يزال جاعلا له نصب عينيه يلاحظه كل وقت فيحدث له ذلك انكسارا وذلا وخضوعا أنفع له من جمعيته وصفاء وقته.(1\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "193",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13190",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: ولهذا نقش داود الخطيئة في كفه وكان ينظر إليها ويبكي. قالوا: ومتى تهت عن الطريق فارجع إلى ذنبك تجد الطريق. ومعنى ذلك: أنك إذا رجعت إلى ذنبك انكسرت وذللت وأطرقت بين يدي الله عز وجل خاشعا ذليلا خائفا وهذه طريق العبودية. والصواب التفصيل في هذه المسألة وهو أن يقال: إذا أحس العبد من نفسه حال الصفاء غيما من الدعوى ورقيقة من العجب ونسيان المنة وخطفته نفسه عن حقيقة فقره ونقصه فذكر الذنب أنفع له وإن كان في حال مشاهدته منة الله عليه وكمال افتقاره إليه وفنائه به وعدم استغنائه عنه في ذرة من ذراته وقد خالط قلبه حال المحبة والفرح بالله والأنس به والشوق إلى لقائه وشهود سعة رحمته وحلمه وعفوه وقد أشرقت على قلبه أنوار الأسماء والصفات فنسيان الجناية والإعراض عن الذنب أولى به وأنفع فإنه متى رجع إلى ذكر الجناية توارى عنه ذلك ونزل من علو إلى أسفل ومن حال إلى حال بينهما من التفاوت أبعد مما بين السماء والأرض وهذا من حسد الشيطان له أراد أن يحطه عن مقامه وسير قلبه في ميادين المعرفة والمحبة والشوق إلى وحشة الإساءة وحصر الجناية. والأول يكون شهوده لجنايته منة من الله من بها عليه ليؤمنه بها من مقت الدعوى وحجاب الكبر الخفي الذي لا يشعر به فهذا لون وهذا لون. وهذا المحل فيه أمر وراء العبارة وبالله التوفيق وهو المستعان.  [فصل التوبة من التوبة] فصل وأما التوبة من التوبة فهي من المجملات التي يراد بها حق وباطل ويكون مراد المتكلم بها حقا فيطلقه من غير تمييز. فإن التوبة من أعظم الحسنات والتوبة من الحسنات من أعظم السيئات وأقبح الجنايات بل هي كفر إن أخذت على ظاهرها ولا فرق بين التوبة من التوبة والتوبة من الإسلام والإيمان فهل يسوغ أن يقال بالتوبة من الإيمان . ولكن مرادهم أن يتوب من رؤية التوبة فإنها إنما حصلت له بمنة الله ومشيئته ولو خلي ونفسه لم تسمح بها البتة فإذا رآها وشهد صدورها منه ووقوعها به وغفل عن منة الله عليه تاب من هذه الرؤية والغفلة ولكن هذه الرؤية والغفلة ليست هي(1\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "194",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13191",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التوبة ولا جزءا منها ولا شرطا لها بل هي جناية أخرى عرضت له بعد التوبة فيتوب من هذه الجناية كما تاب من الجناية الأولى فما تاب إلا من ذنب أولا وآخرا فكيف يقال: يتوب من التوبة . هذا كلام غير معقول ولا هو صحيح في نفسه بل قد يكون في التوبة علة ونقص وآفة تمنع كمالها وقد يشعر صاحبها بذلك وقد لا يشعر به فيتوب من نقصان التوبة وعدم توفيتها حقها. وهذا أيضا ليس من التوبة وإنما هو توبة من عدم التوبة فإن القدر الموجود منها طاعة لا يتاب منها والقدر المفقود هو الذي يحتاج أن يتوب منه. فالتوبة من التوبة إنما تعقل على أحد هذين الوجهين. نعم هاهنا وجه ثالث لطيف جدا وهو أن من حصل له مقام أنس بالله وصفا وقته مع الله بحيث يكون إقباله على الله واشتغاله بذكر آلائه وأسمائه وصفاته أنفع شيء له حتى نزل عن هذه الحالة واشتغل بالتوبة من جناية سالفة قد تاب منها وطالع الجناية واشتغل بها عن الله فهذا نقص ينبغي له أن يتوب إلى الله منه وهو توبة من هذه التوبة لأنه نزول من الصفاء إلى الجفاء والله أعلم.  [فصل لطائف أسرار التوبة] فصل قال صاحب المنازل: ولطائف أسرار التوبة ثلاثة أشياء أولها: أن ينظر الجناية والقضية فيعرف مراد الله فيها إذ خلاك وإتيانها فإن الله عز وجل إنما خلى العبد والذنب لأجل معنيين: أحدهما: أن يعرف عزته في قضائه وبره في ستره وحلمه في إمهال راكبه وكرمه في قبول العذر منه وفضله في مغفرته. الثاني: أن يقيم على عبده حجة عدله فيعاقبه على ذنبه بحجته. اعلم أن صاحب البصيرة إذا صدرت منه الخطيئة فله نظر إلى خمسة أمور:(1\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "195",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13192",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها: أن ينظر إلى أمر الله ونهيه فيحدث له ذلك الاعتراف بكونها خطيئة والإقرار على نفسه بالذنب. الثاني: أن ينظر إلى الوعد والوعيد فيحدث له ذلك خوفا وخشية تحمله على التوبة. الثالث: أن ينظر إلى تمكين الله له منها وتخليته بينه وبينها وتقديرها عليه وأنه لو شاء لعصمه منها فيحدث له ذلك أنواعا من المعرفة بالله وأسمائه وصفاته وحكمته ورحمته ومغفرته وعفوه وحلمه وكرمه وتوجب له هذه المعرفة عبودية بهذه الأسماء لا تحصل بدون لوازمها البتة ويعلم ارتباط الخلق والأمر والجزاء والوعد والوعيد بأسمائه وصفاته وأن ذلك موجب الأسماء والصفات وأثرها في الوجود وأن كل اسم وصفة مقتض لأثره وموجبه متعلق به لا بد منه. وهذا المشهد يطلعه على رياض مونقة من المعارف والإيمان وأسرار القدر والحكمة يضيق عن التعبير عنها نطاق الكلم. فمن بعضها: ما ذكره الشيخ أن يعرف العبد عزته في قضائه وهو أنه سبحانه العزيز الذي يقضي بما يشاء وأنه لكمال عزته حكم على العبد وقضى عليه بأن قلب قلبه وصرف إرادته على ما يشاء وحال بين العبد وقلبه وجعله مريدا شائيا لما شاء منه العزيز الحكيم وهذا من كمال العزة إذ لا يقدر على ذلك إلا الله وغاية المخلوق أن يتصرف في بدنك وظاهرك وأما جعلك مريدا شائيا لما يشاؤه منك ويريده فلا يقدر عليه إلا ذو العزة الباهرة. فإذا عرف العبد عز سيده ولاحظه بقلبه وتمكن شهوده منه كان الاشتغال به عن ذل المعصية أولى به وأنفع له لأنه يصير مع الله لا مع نفسه. ومن معرفة عزته في قضائه: أن يعرف أنه مدبر مقهور ناصيته بيد غيره لا عصمة له إلا بعصمته ولا توفيق له إلا بمعونته فهو ذليل حقير في قبضة عزيز حميد. ومن شهود عزته أيضا في قضائه: أن يشهد أن الكمال والحمد والغناء التام والعزة كلها لله وأن العبد نفسه أولى بالتقصير والذم والعيب والظلم والحاجة وكلما ازداد شهوده لذله ونقصه وعيبه وفقره ازداد شهوده لعزة الله وكماله وحمده وغناه وكذلك بالعكس فنقص الذنب وذلته يطلعه على مشهد العزة. ومنها: أن العبد لا يريد معصية مولاه من حيث هي معصية فإذا شهد جريان(1\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "196",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13193",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحكم وجعله فاعلا لما هو غير مختار له مريد بإرادته ومشيئته واختياره فكأنه مختار غير مختار مريد غير مريد شاء غير شاء فهذا يشهد عزة الله وعظمته وكمال قدرته. ومنها: أن يعرف بره سبحانه في ستره عليه حال ارتكاب المعصية مع كمال رؤيته له ولو شاء لفضحه بين خلقه فحذروه وهذا من كمال بره ومن أسمائه: البر وهذا البر من سيده كان عن به كمال غناه عنه وكمال فقر العبد إليه فيشتغل بمطالعة هذه المنة ومشاهدة هذا البر والإحسان والكرم فيذهل عن ذكر الخطيئة فيبقى مع الله سبحانه وذلك أنفع له من الاشتغال بجنايته وشهود ذل معصيته فإن الاشتغال بالله والغفلة عما سواه هو المطلب الأعلى والمقصد الأسنى. ولا يوجب هذا نسيان الخطيئة مطلقا بل في هذه الحال فإذا فقدها فليرجع إلى مطالعة الخطيئة وذكر الجناية ولكل وقت ومقام عبودية تليق به. ومنها: شهود حلم الله سبحانه وتعالى في إمهال راكب الخطيئة ولو شاء لعاجله بالعقوبة ولكنه الحليم الذي لا يعجل فيحدث له ذلك معرفة ربه سبحانه باسمه الحليم ومشاهدة صفة الحلم والتعبد بهذا الاسم والحكمة والمصلحة الحاصلة من ذلك بتوسط الذنب أحب إلى الله وأصلح للعبد وأنفع من فوتها ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع. ومنها: معرفة العبد كرم ربه في قبول العذر منه إذا اعتذر إليه بنحو ما تقدم من الاعتذار لا بالقدر فإنه مخاصمة ومحاجة كما تقدم فيقبل عذره بكرمه وجوده فيوجب له ذلك اشتغالا بذكره وشكره ومحبة أخرى لم تكن حاصلة له قبل ذلك فإن محبتك لمن شكرك على إحسانك وجازاك به ثم غفر لك إساءتك ولم يؤاخذك بها أضعاف محبتك على شكر الإحسان وحده والواقع شاهد بذلك فعبودية التوبة بعد الذنب لون وهذا لون آخر. ومنها: أن يشهد فضله في مغفرته فإن المغفرة فضل من الله وإلا فلو أخذك بمحض حقه كان عادلا محمودا وإنما عفوه بفضله لا باستحقاقك فيوجب لك ذلك أيضا شكرا له ومحبة وإنابة إليه وفرحا وابتهاجا به ومعرفة له باسمه الغفار ومشاهدة لهذه الصفة وتعبدا بمقتضاها وذلك أكمل في العبودية والمحبة والمعرفة. ومنها: أن يكمل لعبده مراتب الذل والخضوع والانكسار بين يديه والافتقار إليه(1\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "197",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13194",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن النفس فيها مضاهاة للربوبية ولو قدرت لقالت كقول فرعون ولكنه قدر فأظهر وغيره عجز فأضمر وإنما يخلصها من هذه المضاهاة ذل العبودية وهو أربع مراتب: المرتبة الأولى: مشتركة بين الخلق وهي ذل الحاجة والفقر إلى الله فأهل السماوات والأرض جميعا محتاجون إليه فقراء إليه وهو وحده الغني عنهم وكل أهل السماوات والأرض يسألونه وهو لا يسأل أحدا. المرتبة الثانية: ذل الطاعة والعبودية وهو ذل الاختيار وهذا خاص بأهل طاعته وهو سر العبودية. المرتبة الثالثة: ذل المحبة فإن المحب ذليل بالذات وعلى قدر محبته له يكون ذله فالمحبة أسست على الذلة للمحبوب كما قيل: اخضع وذل لمن تحب فليس في ... حكم الهوى أنف يشال ويعقد وقال آخر: مساكين أهل الحب حتى قبورهم ... عليها تراب الذل بين المقابر المرتبة الرابعة: ذل المعصية والجناية. فإذا اجتمعت هذه المراتب الأربع كان الذل لله والخضوع له أكمل وأتم إذ يذل له خوفا وخشية ومحبة وإنابة وطاعة وفقرا وفاقة. وحقيقة ذلك هو الفقر الذي يشير إليه القوم وهذا المعنى أجل من أن يسمى بالفقر بل هو لب العبودية وسرها وحصوله أنفع شيء للعبد وأحب شيء إلى الله. فلا بد من تقدير لوازمه من أسباب الضعف والحاجة وأسباب العبودية والطاعة وأسباب المحبة والإنابة وأسباب المعصية والمخالفة إذ وجود الملزوم بدون لازمه ممتنع والغاية من تقدير عدم هذا الملزوم ولازمه مصلحة وجوده خير من مصلحة فوته ومفسدة فوته أكبر من مفسدة وجوده والحكمة مبناها على دفع أعظم المفسدتين(1\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "198",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13195",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "باحتمال أدناهما وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وقد فتح لك الباب فإن كنت من أهل المعرفة فادخل وإلا فرد الباب وارجع بسلام. ومنها: أن أسماءه الحسنى تقتضي آثارها اقتضاء الأسباب التامة لمسبباتها فاسم السميع البصير يقتضي مسموعا ومبصرا واسم الرزاق يقتضي مرزوقا واسم الرحيم يقتضي مرحوما وكذلك أسماء الغفور والعفو والتواب والحليم يقتضي من يغفر له ويتوب عليه ويعفو عنه ويحلم ويستحيل تعطيل هذه الأسماء والصفات إذ هي أسماء حسنى وصفات كمال ونعوت جلال وأفعال حكمة وإحسان وجود فلا بد من ظهور آثارها في العالم وقد أشار إلى هذا أعلم الخلق بالله صلوات الله وسلامه عليه حيث يقول: لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم . وأنت إذا فرضت الحيوان بجملته معدوما فمن يرزق الرزاق سبحانه وإذا فرضت المعصية والخطيئة منتفية من العالم فلمن يغفر وعمن يعفو وعلى من يتوب ويحلم وإذا فرضت الفاقات كلها قد سدت والعبيد أغنياء معافون فأين السؤال والتضرع والابتهال والإجابة وشهود الفضل والمنة والتخصيص بالإنعام والإكرام فسبحان من تعرف إلى خلقه بجميع أنواع التعرفات ودلهم عليه بأنواع الدلالات وفتح لهم إليه جميع الطرقات ثم نصب إليه الصراط المستقيم وعرفهم به ودلهم عليه ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم [الأنفال: 42] . ومنها: السر الأعظم الذي لا تقتحمه العبارة ولا تجسر عليه الإشارة ولا ينادي عليه منادي الإيمان على رءوس الأشهاد بل شهدته قلوب خواص العباد فازدادت به معرفة لربها ومحبة له وطمأنينة به وشوقا إليه ولهجا بذكره وشهودا لبره ولطفه وكرمه وإحسانه ومطالعة لسر العبودية وإشرافا على حقيقة الإلهية وهو ما ثبت(1\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "199",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13196",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لله أفرح بتوبة عبده - حين يتوب إليه - من أحدكم كان على راحلة بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال - من شدة الفرح - اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح هذا لفظ مسلم. وفي الحديث من قواعد العلم: أن اللفظ الذي يجري على لسان العبد خطأ من فرح شديد أو غيظ شديد ونحوه لا يؤاخذ به ولهذا لم يكن هذا كافرا بقوله: أنت عبدي وأنا ربك. ومعلوم أن تأثير الغضب في عدم القصد يصل إلى هذه الحال أو أعظم منها فلا ينبغي مؤاخذة الغضبان بما صدر منه في حال شدة غضبه من نحو هذا الكلام ولا يقع طلاقه بذلك ولا ردته وقد نص الإمام أحمد على تفسير الإغلاق في قوله صلى الله عليه وسلم لا طلاق في إغلاق بأنه الغضب وفسره به غير واحد من الأئمة وفسروه بالإكراه والجنون. قال شيخنا: وهو يعم هذا كله وهو من الغلق لانغلاق قصد المتكلم عليه فكأنه لم ينفتح قلبه لمعنى ما قاله. والقصد: أن هذا الفرح له شأن لا ينبغي للعبد إهماله والإعراض عنه ولا يطلع عليه إلا من له معرفة خاصة بالله وأسمائه وصفاته وما يليق بعز جلاله. وقد كان الأولى بنا طي الكلام فيه إلى ما هو اللائق بأفهام بني الزمان وعلومهم ونهاية أقدامهم من المعرفة وضعف عقولهم عن احتماله. غير أنا نعلم أن الله عز وجل سيسوق هذه البضاعة إلى تجارها ومن هو عارف بقدرها وإن وقعت في الطريق بيد من ليس عارفا بها فرب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه.(1\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "200",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13197",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاعلم أن الله سبحانه وتعالى اختص نوع الإنسان من بين خلقه بأن كرمه وفضله وشرفه وخلقه لنفسه وخلق كل شيء له وخصه من معرفته ومحبته وقربه وإكرامه بما لم يعطه غيره وسخر له ما في سماواته وأرضه وما بينهما حتى ملائكته - الذين هم أهل قربه - استخدمهم له وجعلهم حفظة له في منامه ويقظته وظعنه وإقامته وأنزل إليه وعليه كتبه وأرسله وأرسل إليه وخاطبه وكلمه منه إليه واتخذ منهم الخليل والكليم والأولياء والخواص والأحبار وجعلهم معدن أسراره ومحل حكمته وموضع حبه وخلق لهم الجنة والنار وخلق الأمر والثواب والعقاب مداره على النوع الإنساني فإنه خلاصة الخلق وهو المقصود بالأمر والنهي وعليه الثواب والعقاب. فللإنسان شأن ليس لسائر المخلوقات وقد خلق أباه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء وأظهر فضله على الملائكة فمن دونهم من جميع المخلوقات وطرد إبليس عن قربه وأبعده عن بابه إذ لم يسجد له مع الساجدين واتخذه عدوا له. فالمؤمن من نوع الإنسان خير البرية على الإطلاق وخيرة الله من العالمين فإنه خلقه ليتم نعمته عليه وليتواتر إحسانه إليه وليخصه من كرامته وفضله بما لم تنله أمنيته ولم يخطر على باله ولم يشعر به ليسأله من المواهب والعطايا الباطنة والظاهرة العاجلة والآجلة التي لا تنال إلا بمحبته ولا تنال محبته إلا بطاعته وإيثاره على ما سواه فاتخذه محبوبا له وأعد له أفضل ما يعده محب غني قادر جواد لمحبوبه إذا قدم عليه وعهد إليه عهدا تقدم إليه فيه بأوامره ونواهيه وأعلمه في عهده ما يقربه إليه ويزيده محبة له وكرامة عليه وما يبعده منه ويسخطه عليه ويسقطه من عينه. وللمحبوب عدو هو أبغض خلقه إليه قد جاهره بالعداوة وأمر عباده أن يكون دينهم وطاعتهم وعبادتهم له دون وليهم ومعبودهم الحق واستقطع عباده واتخذ منهم حزبا ظاهروه ووالوه على ربهم وكانوا أعداء له مع هذا العدو يدعون إلى سخطه ويطعنون في ربوبيته وإلهيته ووحدانيته ويسبونه ويكذبونه ويفتنون أولياءه ويؤذونهم بأنواع الأذى ويجهدون على إعدامهم من الوجود وإقامة الدولة لهم ومحو كل ما يحبه الله ويرضاه وتبديله بكل ما يسخطه ويكرهه فعرفه بهذا العدو وطرائقهم وأعمالهم وما لهم وحذره موالاتهم والدخول في زمرتهم والكون معهم. وأخبره في عهده أنه أجود الأجودين وأكرم الأكرمين وأرحم الراحمين وأنه سبقت رحمته غضبه وحلمه عقوبته وعفوه مؤاخذته وأنه قد أفاض على خلقه النعمة(1\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "201",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13198",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكتب على نفسه الرحمة وأنه يحب الإحسان والجود والعطاء والبر وأن الفضل كله بيده والخير كله منه والجود كله له وأحب ما إليه أن يجود على عباده ويوسعهم فضلا ويغمرهم إحسانا وجودا ويتم عليهم نعمته ويضاعف لديهم منته ويتعرف إليهم بأوصافه وأسمائه ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه. فهو الجواد لذاته وجود كل جواد خلقه الله ويخلقه أبدا أقل من ذرة بالقياس إلى جوده فليس الجواد على الإطلاق إلا هو وجود كل جواد فمن جوده ومحبته للجود والإعطاء والإحسان والبر والإنعام والإفضال فوق ما يخطر ببال الخلق أو يدور في أوهامهم وفرحه بعطائه وجوده وإفضاله أشد من فرح الآخذ بما يعطاه ويأخذه أحوج ما هو إليه أعظم ما كان قدرا فإذا اجتمع شدة الحاجة وعظم قدر العطية والنفع بها فما الظن بفرح المعطي ففرح المعطي سبحانه بعطائه أشد وأعظم من فرح هذا بما يأخذه ولله المثل الأعلى إذ هذا شأن الجواد من الخلق فإنه يحصل له من الفرح والسرور والابتهاج واللذة بعطائه وجوده فوق ما يحصل لمن يعطيه ولكن الآخذ غائب بلذة أخذه عن لذة المعطي وابتهاجه وسروره هذا مع كمال حاجته إلى ما يعطيه وفقره إليه وعدم وثوقه باستخلاف مثله وخوف الحاجة إليه عند ذهابه والتعرض لذل الاستعانة بنظيره ومن هو دونه ونفسه قد طبعت على الحرص والشح. فما الظن بمن تقدس وتنزه عن ذلك كله ولو أن أهل سماواته وأرضه وأول خلقه وآخرهم وإنسهم وجنهم ورطبهم ويابسهم قاموا في صعيد واحد فسألوه فأعطى كل واحد ما سأله ما نقص ذلك مما عنده مثقال ذرة. وهو الجواد لذاته كما أنه الحي لذاته العليم لذاته السميع البصير لذاته فجوده العالي من لوازم ذاته والعفو أحب إليه من الانتقام والرحمة أحب إليه من العقوبة والفضل أحب إليه من العدل والعطاء أحب إليه من المنع. فإذا تعرض عبده ومحبوبه الذي خلقه لنفسه وأعد له أنواع كرامته وفضله على غيره وجعله محل معرفته وأنزل إليه كتابه وأرسل إليه رسوله واعتنى بأمره ولم يهمله ولم يتركه سدى فتعرض لغضبه وارتكب مساخطه وما يكرهه وأبق منه ووالى عدوه وظاهره عليه وتحيز إليه وقطع طريق نعمه وإحسانه إليه التي هي أحب شيء(1\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "202",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13199",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليه وفتح طريق العقوبة والغضب والانتقام فقد استدعى من الجواد الكريم خلاف ما هو موصوف به من الجود والإحسان والبر وتعرض لإغضابه وإسخاطه وانتقامه وأن يصير غضبه وسخطه في موضع رضاه وانتقامه وعقوبته في موضع كرمه وبره وعطائه فاستدعى بمعصيته من أفعاله ما سواه أحب إليه منه وخلاف ما هو من لوازم ذاته من الجود والإحسان. فبينما هو حبيبه المقرب المخصوص بالكرامة إذ انقلب آبقا شاردا رادا لكرامته مائلا عنه إلى عدوه مع شدة حاجته إليه وعدم استغنائه عنه طرفة عين. فبينما ذلك الحبيب مع العدو في طاعته وخدمته ناسيا لسيده منهمكا في موافقة عدوه قد استدعى من سيده خلاف ما هو أهله إذ عرضت له فكرة فتذكر بر سيده وعطفه وجوده وكرمه وعلم أنه لا بد له منه وأن مصيره إليه وعرضه عليه وأنه إن لم يقدم عليه بنفسه قدم به عليه على أسوأ الأحوال ففر إلى سيده من بلد عدوه وجد في الهرب إليه حتى وصل إلى بابه فوضع خده على عتبة بابه وتوسد ثرى أعتابه متذللا متضرعا خاشعا باكيا آسفا يتملق سيده ويسترحمه ويستعطفه ويعتذر إليه قد ألقى بيده إليه واستسلم له وأعطاه قياده وألقى إليه زمامه فعلم سيده ما في قلبه فعاد مكان الغضب عليه رضا عنه ومكان الشدة عليه رحمة به وأبدله بالعقوبة عفوا وبالمنع عطاء وبالمؤاخذة حلما فاستدعى بالتوبة والرجوع من سيده ما هو أهله وما هو موجب أسمائه الحسنى وصفاته العليا فكيف يكون فرح سيده به وقد عاد إليه حبيبه ووليه طوعا واختيارا وراجع ما يحبه سيده منه برضاه وفتح طريق البر والإحسان والجود التي هي أحب إلى سيده من طريق الغضب والانتقام والعقوبة . وهذا موضع الحكاية المشهورة عن بعض العارفين أنه حصل له شرود وإباق من سيده فرأى في بعض السكك بابا قد فتح وخرج منه صبي يستغيث ويبكي وأمه خلفه تطرده حتى خرج فأغلقت الباب في وجهه ودخلت فذهب الصبي غير بعيد ثم وقف مفكرا فلم يجد له مأوى غير البيت الذي أخرج منه ولا من يئويه غير والدته فرجع مكسور القلب حزينا فوجد الباب مرتجا فتوسده ووضع خده على عتبة الباب ونام فخرجت أمه فلما رأته على تلك الحال لم تملك أن رمت نفسها عليه والتزمته تقبله وتبكي وتقول: يا ولدي أين تذهب عني ومن يئويك سواي ألم أقل لك: لا تخالفني ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة بك والشفقة عليك وإرادتي الخير لك ثم أخذته ودخلت.(1\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "203",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13200",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتأمل قول الأم: لا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة والشفقة. وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها وأين تقع رحمة الوالدة من رحمة الله التي وسعت كل شيء فإذا أغضبه العبد بمعصيته فقد استدعى منه صرف تلك الرحمة عنه فإذا تاب إليه فقد استدعى منه ما هو أهله وأولى به. فهذه نبذة يسيرة تطلعك على سر فرح الله بتوبة عبده أعظم من فرح هذا الواجد لراحلته في الأرض المهلكة بعد اليأس منها. ووراء هذا ما تجفو عنه العبارة وتدق عن إدراكه الأذهان. وإياك وطريقة التعطيل والتمثيل فإن كلا منهما منزل ذميم ومرتع على علاته وخيم ولا يحل لأحدهما أن يجد روائح هذا الأمر ونفسه لأن زكام التعطيل والتمثيل مفسد لحاسة الشم كما هو مفسد لحاسة الذوق فلا يذوق طعم الإيمان ولا يجد ريحه والمحروم كل المحروم من عرض عليه الغنى والخير فلم يقبله فلا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.  [فصل مراتب الذل والخضوع] فصل هذا إذا نظرت إلى تعلق الفرح الإلهي بالإحسان والجود والبر. وأما إن لاحظت تعلقه بإلهيته وكونه معبودا فذاك مشهد أجل من هذا وأعظم منه وإنما يشهده خواص المحبين. فإن الله سبحانه إنما خلق الخلق لعبادته الجامعة لمحبته والخضوع له وطاعته وهذا هو الحق الذي خلقت به السماوات والأرض وهو غاية الخلق والأمر ونفيه - كما يقول أعداؤه - هو الباطل والعبث الذي نزه الله نفسه عنه وهو السدى الذي نزه نفسه عنه أن يترك الإنسان عليه وهو سبحانه يحب أن يعبد ويطاع ولا يعبأ بخلقه شيئا لولا محبتهم له وطاعتهم له ودعاؤهم له.(1\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "204",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13201",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد أنكر على من زعم أنه خلقهم لغير ذلك وأنهم لو خلقوا لغير عبادته وتوحيده وطاعته لكان خلقهم عبثا وباطلا وسدى وذلك مما يتعالى عنه أحكم الحاكمين والإله الحق فإذا خرج العبد عما خلق له من الطاعة والعبودية فقد خرج عن أحب الأشياء إليه وعن الغاية التي لأجلها خلقت الخليقة وصار كأنه خلق عبثا لغير شيء إذ لم تخرج أرضه البذر الذي وضع فيها بل قلبته شوكا ودغلا فإذا راجع ما خلق له وأوجد لأجله فقد رجع إلى الغاية التي هي أحب الأشياء إلى خالقه وفاطره ورجع إلى مقتضى الحكمة التي خلق لأجلها وخرج عن معنى العبث والسدى والباطل فاشتدت محبة الرب له فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين فأوجبت هذه المحبة فرحا كأعظم ما يقدر من الفرح ولو كان في الفرح المشهود في هذا العالم نوع أعظم من هذا الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لذكره ولكن لا فرحة أعظم من فرحة هذا الواجد الفاقد لمادة حياته وبلاغه في سفره بعد إياسه من أسباب الحياة بفقده وهذا كشدة محبته لتوبة التائب المحب إذا اشتدت محبته للشيء وغاب عنه ثم وجده وصار طوع يده فلا فرحة أعظم من فرحته به. فما الظن بمحبوب لك تحبه حبا شديدا أسره عدوك وحال بينك وبينه وأنت تعلم أن العدو سيسومه سوء العذاب ويعرضه لأنواع الهلاك وأنت أولى به منه وهو غرسك وتربيتك ثم إنه انفلت من عدوه ووافاك على غير ميعاد فلم يفجأك إلا وهو على بابك يتملقك ويترضاك ويستعينك ويمرغ خديه على تراب أعتابك فكيف يكون فرحك به وقد اختصصته لنفسك ورضيته لقربك وآثرته على سواه هذا ولست الذي أوجدته وخلقته وأسبغت عليه نعمك والله عز وجل هو الذي أوجد عبده وخلقه وكونه وأسبغ عليه نعمه وهو يحب أن يتمها عليه فيصير مظهرا لنعمه قابلا لها شاكرا لها محبا لوليها مطيعا له عابدا له معاديا لعدوه مبغضا له عاصيا له والله تعالى يحب من عبده معاداة عدوه ومعصيته ومخالفته كما يحب أن يتولى الله مولاه سبحانه ويطيعه ويعبده فتنضاف محبته لعبادته وطاعته والإنابة إليه إلى محبته لعداوة عدوه ومعصيته ومخالفته فتشتد المحبة منه سبحانه مع حصول محبوبه وهذا هو حقيقة الفرح. وفي صفة النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الكتب المتقدمة quot; عبدي الذي سرت به نفسي quot; وهذا لكمال محبته له جعله مما تسر نفسه به سبحانه. ومن هذا ضحكه سبحانه من عبده حين يأتي من عبوديته بأعظم ما يحبه(1\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "205",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13202",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيضحك سبحانه فرحا ورضا كما يضحك من عبده إذا ثار عن وطائه وفراشه ومضاجعة حبيبه إلى خدمته يتلو آياته ويتملقه. ويضحك من رجل هرب أصحابه عن العدو فأقبل إليهم وباع نفسه لله ولقاهم نحره حتى قتل في محبته ورضاه. ويضحك إلى من أخفى الصدقة عن أصحابه لسائل اعترضهم فلم يعطوه فتخلف بأعقابهم وأعطاه سرا حيث لا يراه إلا الله الذي أعطاه فهذا الضحك منه حبا له وفرحا به وكذلك الشهيد حين يلقاه يوم القيامة فيضحك إليه فرحا به وبقدومه عليه. وليس في إثبات هذه الصفات محذور البتة فإنه فرح ليس كمثله شيء وضحك ليس كمثله شيء وحكمه حكم رضاه ومحبته وإرادته وسائر صفاته فالباب باب واحد لا تمثيل ولا تعطيل. وليس ما يلزم به المعطل المثبت إلا ظلم محض وتناقض وتلاعب فإن هذا لو كان لازما للزم رحمته وإرادته ومشيئته وسمعه وبصره وعلمه وسائر صفاته فكيف جاء هذا اللزوم لهذه الصفة دون الأخرى وهل يجد ذو عقل إلى الفرق سبيلا فما ثم إلا التعطيل المحض المطلق أو الإثبات المطلق لكل ما ورد به النص والتناقض لا يرضاه المحصلون.  قوله الثاني: أن يقيم على عبده حجة عدله فيعاقبه على ذنبه بحجته. اعتراف العبد بقيام حجة الله عليه من لوازم الإيمان أطاع أم عصى فإن حجة الله قامت على العبد بإرسال الرسول وإنزال الكتاب وبلوغ ذلك إليه وتمكنه من العلم به سواء علم أم جهل فكل من تمكن من معرفة ما أمر الله به ونهى عنه فقصر عنه ولم يعرفه فقد قامت عليه الحجة والله سبحانه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه فإذا عاقبه على ذنبه عاقبه بحجته على ظلمه قال الله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [الإسراء: 15] وقال كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير - قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء [الملك: 8 - 9](1\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "206",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13203",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون [هود: 117] . وفي الآية قولان أحدهما: ما كان ليهلكها بظلم منهم الثاني: ما كان ليهلكها بظلم منه. والمعنى على القول الأول ما كان ليهلكها بظلمهم المتقدم وهم مصلحون الآن أي إنهم بعد أن أصلحوا وتابوا لم يكن ليهلكهم بما سلف منهم من الظلم. وعلى القول الثاني إنه لم يكن ظالما لهم في إهلاكهم فإنه لم يهلكهم وهم مصلحون! وإنما أهلكهم وهم ظالمون فهم الظالمون لمخالفتهم وهو العادل في إهلاكهم والقولان في آية الأنعام أيضا ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون [الأنعام: 131] . قيل: لم يكن مهلكهم بظلمهم وشركهم وهم غافلون لم ينذروا ولم يأتهم رسول. وقيل: لم يهلكهم قبل التذكير بإرسال الرسول فيكون قد ظلمهم فإنه سبحانه لا يأخذ أحدا ولا يعاقبه إلا بذنبه وإنما يكون مذنبا إذا خالف أمره ونهيه وذلك إنما يعلم بالرسل. فإذا شاهد العبد القدر السابق بالذنب علم أن الله سبحانه قدره سببا مقتضيا لأثره من العقوبة كما قدر الطاعة سببا مقتضيا للثواب وكذلك تقدير سائر أسباب الخير والشر كجعل السم سببا للموت والنار سببا للإحراق والماء سببا للإغراق. فإذا أقدم العبد على سبب الهلاك - وقد عرف أنه سبب الهلاك - فهلك فالحجة مركبة عليه والمؤاخذة لازمة له كالحريق مثلا والذنب كالنار وإتيانه له كتقديمه نفسه للنار وملاحظة الحكم فيما لا يجدي عليه شيئا فإنما الذي يشهده عند قيام الحجة عليه ملاحظة الأمر لا ملاحظة القدر. فجعل صاحب المنازل هذه اللطيفة من ملاحظة الجناية والقضية ليس بالبين بل هو من ملاحظة الجناية والأمر لكن مراده أن سر التقدير أنه قد علم أن هذا العبد لا(1\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "207",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13204",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يصلح إلا للوقود كالشوك الذي لا يصلح إلا للنار والشجرة تشتمل على الثمر والشوك فاقتضى عدله سبحانه أن يسوق هذا العبد إلى ما لا يصلح إلا له وأن يقيم عليه حجة عدله فإن قدر عليه الذنب فواقعه فاستحق ما خلق له قال الله تعالى وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين - لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين [يس: 69 - 70] . فأخبر سبحانه أن الناس قسمان: حي قابل للانتفاع يقبل الإنذار وينتفع به وميت لا يقبل الإنذار ولا ينتفع به لأن أرضه غير زاكية ولا قابلة لخير البتة فيحق عليه القول بالعذاب وتكون عقوبته بعد قيام الحجة عليه لا بمجرد كونه غير قابل للهدى والإيمان بل لأنه غير قابل ولا فاعل وإنما يتبين كونه غير قابل بعد قيام الحجة عليه بالرسول إذ لو عذبه بكونه غير قابل لقال: لو جاءني رسول منك لامتثلت أمرك فأرسل إليه رسوله فأمره ونهاه فعصى الرسول بكونه غير قابل للهدى فعوقب بكونه غير فاعل فحق عليه القول أنه لا يؤمن ولو جاءه الرسول كما قال تعالى كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون [يونس: 33]  وحق عليه العذاب كقوله تعالى وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار [غافر: 6] . فالكلمة التي حقت كلمتان: كلمة الإضلال وكلمة العذاب كما قال تعالى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين [الزمر: 71] وكلمته سبحانه إنما حقت عليهم بالعذاب بسبب كفرهم فحقت عليهم كلمة حجته وكلمة عدله بعقوبته. وحاصل هذا كله أن الله سبحانه أمر العباد أن يكونوا مع مراده الديني منهم لا مع مراد أنفسهم فأهل طاعته آثروا الله ومراده على مرادهم فاستحقوا كرامته وأهل معصيته آثروا مرادهم على مراده وعلم سبحانه منهم أنهم لا يؤثرون مراده البتة وإنما يؤثرون أهواءهم ومرادهم فأمرهم ونهاهم فظهر بأمره ونهيه من القدر الذي قدر عليهم من إيثارهم هوى أنفسهم ومرادهم على مرضاة ربهم ومراده فقامت عليهم بالمعصية حجة عدله فعاقبهم بظلمهم.(1\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "208",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13205",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل نظر العبد في الذنب] فصل قد ذكرنا أن العبد في الذنب له نظر إلى أربعة أمور: نظر إلى الأمر والنهي ونظر إلى الحكم والقضاء وذكرنا ما يتعلق بهذين النظرين. النظر الثالث: النظر إلى محل الجناية ومصدرها وهو النفس الأمارة بالسوء ويفيده نظره إليها أمورا. منها: أن يعرف أنها جاهلة ظالمة وأن الجهل والظلم يصدر عنهما كل قول وعمل قبيح ومن وصفه الجهل والظلم لا مطمع في استقامته واعتداله البتة فيوجب له ذلك بذل الجهد في العلم النافع الذي يخرجها به عن وصف الجهل والعمل الصالح الذي يخرجها به عن وصف الظلم ومع هذا فجهلها أكثر من علمها وظلمها أعظم من عدلها. فحقيق بمن هذا شأنه أن يرغب إلى خالقها وفاطرها أن يقيها شرها وأن يؤتيها تقواها ويزكيها فهو خير من زكاها فإنه ربها ومولاها وأن لا يكله إليها طرفة عين فإنه إن وكله إليها هلك فما هلك من هلك إلا حيث وكل إلى نفسه وقال النبي صلى الله عليه وسلم لحصين بن المنذر قل: اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي وفي خطبة الحاجة: الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا وقد قال تعالى ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون [الحشر: 9] وقال إن النفس لأمارة بالسوء [يوسف: 53] . فمن عرف حقيقة نفسه وما طبعت عليه علم أنها منبع كل شر ومأوى كل سوء وأن كل خير فيها ففضل من الله من به عليها لم يكن منها كما قال تعالى(1\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "209",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13206",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا [النور: 21] وقال تعالى ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون [الحجرات: 7] فهذا الحب وهذه الكراهة لم يكونا في النفس ولا بها ولكن هو الله الذي من بهما فجعل العبد بسببهما من الراشدين فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم [الحجرات: 8] عليم بمن يصلح لهذا الفضل ويزكو عليه وبه ويثمر عنده حكيم فلا يضعه عند غير أهله فيضيعه بوضعه في غير موضعه. ومنها: ما ذكره صاحب المنازل فقال: اللطيفة الثانية: أن يعلم أن نظر البصير الصادق في سيئته لم يبق له حسنة بحال لأنه يسير بين مشاهدة المنة وتطلب عيب النفس والعمل. يريد: أن من له بصيرة بنفسه وبصيرة بحقوق الله وهو صادق في طلبه لم يبق له نظره في سيئاته حسنة البتة فلا يلقى الله إلا بالإفلاس المحض والفقر الصرف لأنه إذا فتش عن عيوب نفسه وعيوب عمله علم أنها لا تصلح لله وأن تلك البضاعة لا تشترى بها النجاة من عذاب الله فضلا عن الفوز بعظيم ثواب الله فإن خلص له عمل وحال مع الله وصفا له معه وقت شاهد منة الله عليه به ومجرد فضله وأنه ليس من نفسه ولا هي أهل لذلك فهو دائما مشاهد لمنة الله عليه ولعيوب نفسه وعمله لأنه متى تطلبها رآها. وهذا من أجل أنواع المعارف وأنفعها للعبد ولذلك كان سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . فتضمن هذا الاستغفار الاعتراف من العبد بربوبية الله وإلهيته وتوحيده والاعتراف بأنه خالقه العالم به إذ أنشأه نشأة تستلزم عجزه عن أداء حقه وتقصيره(1\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "210",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13207",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيه والاعتراف بأنه عبده الذي ناصيته بيده وفي قبضته لا مهرب له منه ولا ولي به سواه ثم التزام الدخول تحت عهده - وهو أمره ونهيه - الذي عهده إليه على لسان رسوله وأن ذلك بحسب استطاعتي لا بحسب أداء حقك فإنه غير مقدور للبشر وإنما هو جهد المقل وقدر الطاقة ومع ذلك فأنا مصدق بوعدك الذي وعدته لأهل طاعتك بالثواب ولأهل معصيتك بالعقاب فأنا مقيم على عهدك مصدق بوعدك ثم أفزع إلى الاستعاذة والاعتصام بك من شر ما فرطت فيه من أمرك ونهيك فإنك إن لم تعذني من شره وإلا أحاطت بي الهلكة فإن إضاعة حقك سبب الهلاك وأنا أقر لك وألتزم بنعمتك علي وأقر وألتزم وأبخع بذنبي فمنك النعمة والإحسان والفضل ومني الذنب والإساءة فأسألك أن تغفر لي بمحو ذنبي وأن تعفيني من شره إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. فلهذا كان هذا الدعاء سيد الاستغفار وهو متضمن لمحض العبودية فأي حسنة تبقى للبصير الصادق مع مشاهدته عيوب نفسه وعمله ومنة الله عليه فهذا الذي يعطيه نظره إلى نفسه ونقصه.  النظر الرابع: نظره إلى الآمر له بالمعصية المزين له فعلها الحاض له عليها وهو شيطانه الموكل به. فيفيده النظر إليه وملاحظته اتخاذه عدوا وكمال الاحتراز منه والتحفظ واليقظة والانتباه لما يريد منه عدوه وهو لا يشعر فإنه يريد أن يظفر به في عقبة من سبع عقبات بعضها أصعب من بعض لا ينزل منه من العقبة الشاقة إلى ما دونها إلا إذا عجز عن الظفر به فيها. العقبة الأولى: عقبة الكفر بالله وبدينه ولقائه وبصفات كماله وبما أخبرت به رسله عنه فإنه إن ظفر به في هذه العقبة بردت نار عداوته واستراح فإن اقتحم هذه العقبة ونجا منها ببصيرة الهداية وسلم معه نور الإيمان طلبه على: العقبة الثانية: وهي عقبة البدعة إما باعتقاد خلاف الحق الذي أرسل الله به رسوله وأنزل به كتابه وإما بالتعبد بما لم يأذن به الله من الأوضاع والرسوم المحدثة في(1\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "211",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13208",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدين التي لا يقبل الله منها شيئا والبدعتان في الغالب متلازمتان قل أن تنفك إحداهما عن الأخرى كما قال بعضهم: تزوجت بدعة الأقوال ببدعة الأعمال فاشتغل الزوجان بالعرس فلم يفجأهم إلا وأولاد الزنا يعيثون في بلاد الإسلام تضج منهم العباد والبلاد إلى الله تعالى. وقال شيخنا: تزوجت الحقيقة الكافرة بالبدعة الفاجرة فتولد بينهما خسران الدنيا والآخرة. فإن قطع هذه العقبة وخلص منها بنور السنة واعتصم منها بحقيقة المتابعة وما مضى عليه السلف الأخيار من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وهيهات أن تسمح الأعصار المتأخرة بواحد من هذا الضرب! فإن سمحت به نصب له أهل البدع الحبائل وبغوه الغوائل وقالوا: مبتدع محدث. العقبة الثالثة: وهي عقبة الكبائر فإن ظفر به فيها زينها له وحسنها في عينه وسوف به وفتح له باب الإرجاء وقال له: الإيمان هو نفس التصديق فلا تقدح فيه الأعمال وربما أجرى على لسانه وأذنه كلمة طالما أهلك بها الخلق وهي قوله: لا يضر مع التوحيد ذنب كما لا ينفع مع الشرك حسنة والظفر به في عقبة البدعة أحب إليه لمناقضتها الدين ودفعها لما بعث الله به رسوله وصاحبها لا يتوب منها ولا يرجع عنها بل يدعو الخلق إليها ولتضمنها القول على الله بلا علم ومعاداة صريح السنة ومعاداة أهلها والاجتهاد على إطفاء نور السنة وتولية من عزله الله ورسوله وعزل من(1\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "212",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13209",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولاه الله ورسوله واعتبار ما رده الله ورسوله ورد ما اعتبره وموالاة من عاداه ومعاداة من والاه وإثبات ما نفاه ونفي ما أثبته وتكذيب الصادق وتصديق الكاذب ومعارضة الحق بالباطل وقلب الحقائق بجعل الحق باطلا والباطل حقا والإلحاد في دين الله وتعمية الحق على القلوب وطلب العوج لصراط الله المستقيم وفتح باب تبديل الدين جملة. فإن البدع تستدرج بصغيرها إلى كبيرها حتى ينسلخ صاحبها من الدين كما تنسل الشعرة من العجين فمفاسد البدع لا يقف عليها إلا أرباب البصائر والعميان ضالون في ظلمة العمى ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور [النور: 40] . فإن قطع هذه العقبة بعصمة من الله أو بتوبة نصوح تنجيه منها طلبه على: العقبة الرابعة: وهي عقبة الصغائر فكال له منها بالقفزان وقال: ما عليك إذا اجتنبت الكبائر ما غشيت من اللمم أوما علمت بأنها تكفر باجتناب الكبائر وبالحسنات ولا يزال يهون عليه أمرها حتى يصر عليها فيكون مرتكب الكبيرة الخائف الوجل النادم أحسن حالا منه فالإصرار على الذنب أقبح منه ولا كبيرة مع التوبة والاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار وقد قال صلى الله عليه وسلم: إياكم ومحقرات الذنوب ثم ضرب لذلك مثلا بقوم نزلوا بفلاة من الأرض فأعوزهم الحطب فجعل هذا يجيء بعود وهذا بعود حتى جمعوا حطبا كثيرا فأوقدوا نارا وأنضجوا خبزتهم فكذلك فإن محقرات الذنوب تجتمع على العبد وهو يستهين بشأنها حتى تهلكه . العقبة الخامسة: وهي عقبة المباحات التي لا حرج على فاعلها فشغله بها عن الاستكثار من الطاعات وعن الاجتهاد في التزود لمعاده ثم طمع فيه أن يستدرجه منها إلى ترك السنن ثم من ترك السنن إلى ترك الواجبات وأقل ما ينال منه تفويته الأرباح والمكاسب العظيمة والمنازل العالية ولو عرف السعر لما فوت على نفسه شيئا من القربات ولكنه جاهل بالسعر.(1\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "213",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13210",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن نجا من هذه العقبة ببصيرة تامة ونور هاد ومعرفة بقدر الطاعات والاستكثار منها وقلة المقام على الميناء وخطر التجارة وكرم المشتري وقدر ما يعوض به التجار فبخل بأوقاته وضن بأنفاسه أن تذهب في غير ربح طلبه العدو على: العقبة السادسة: وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات فأمره بها وحسنها في عينه وزينها له وأراه ما فيها من الفضل والربح ليشغله بها عما هو أفضل منها وأعظم كسبا وربحا لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب طمع في تخسيره كماله وفضله ودرجاته العالية فشغله بالمفضول عن الفاضل وبالمرجوح عن الراجح وبالمحبوب لله عن الأحب إليه وبالمرضي عن الأرضى له. ولكن أين أصحاب هذه العقبة فهم الأفراد في العالم والأكثرون قد ظفر بهم في العقبات الأول. فإن نجا منها بفقه في الأعمال ومراتبها عند الله ومنازلها في الفضل ومعرفة مقاديرها والتمييز بين عاليها وسافلها ومفضولها وفاضلها ورئيسها ومرءوسها وسيدها ومسودها فإن في الأعمال والأقوال سيدا ومسودا ورئيسا ومرءوسا وذروة وما دونها كما في الحديث الصحيح سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت الحديث وفي الحديث الآخر الجهاد ذروة سنام الأمر وفي الأثر الآخر quot; إن الأعمال تفاخرت quot; فذكر كل عمل منها مرتبته وفضله وكان للصدقة مزية في الفخر عليهن ولا يقطع هذه العقبة إلا أهل البصائر والصدق من أولي العلم السائرين على جادة التوفيق قد أنزلوا الأعمال منازلها وأعطوا كل ذي حق حقه. فإذا نجا منها لم يبق هناك عقبة يطلبه العدو عليها سوى واحدة لا بد منها ولو نجا منها أحد لنجا منها رسل الله وأنبياؤه وأكرم الخلق عليه وهي عقبة تسليط جنده عليه(1\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "214",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13211",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأنواع الأذى باليد واللسان والقلب على حسب مرتبته في الخير فكلما علت مرتبته أجلب عليه العدو بخيله ورجله وظاهر عليه بجنده وسلط عليه حزبه وأهله بأنواع التسليط وهذه العقبة لا حيلة له في التخلص منها فإنه كلما جد في الاستقامة والدعوة إلى الله والقيام له بأمره جد العدو في إغراء السفهاء به فهو في هذه العقبة قد لبس لأمة الحرب وأخذ في محاربة العدو لله وبالله فعبوديته فيها عبودية خواص العارفين وهي تسمى عبودية المراغمة ولا ينتبه لها إلا أولو البصائر التامة ولا شيء أحب إلى الله من مراغمة وليه لعدوه وإغاظته له وقد أشار سبحانه إلى هذه العبودية في مواضع من كتابه: أحدها: قوله ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة [النساء: 100] سمى المهاجر الذي يهاجر إلى عبادة الله مراغما يراغم به عدو الله وعدوه والله يحب من وليه مراغمة عدوه وإغاظته كما قال تعالى ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين [التوبة: 120] وقال تعالى في مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار [الفتح: 29] فمغايظة الكفار غاية محبوبة للرب مطلوبة له فموافقته فيها من كمال العبودية وشرع النبي صلى الله عليه وسلم للمصلي إذا سها في صلاته سجدتين وقال إن كانت صلاته تامة كانتا ترغمان أنف الشيطان وفي رواية quot; ترغيما للشيطان quot; وسماها المرغمتين. فمن تعبد الله بمراغمة عدوه فقد أخذ من الصديقية بسهم وافر وعلى قدر محبة العبد لربه وموالاته ومعاداته لعدوه يكون نصيبه من هذه المراغمة ولأجل هذه المراغمة حمد التبختر بين الصفين والخيلاء والتبختر عند صدقة السر حيث لا يراه إلا الله لما في ذلك من إرغام العدو وبذل محبوبه من نفسه وماله لله عز وجل.(1\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "215",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13212",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا باب من العبودية لا يعرفه إلا القليل من الناس ومن ذاق طعمه ولذته بكى على أيامه الأول. وبالله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله. وصاحب هذا المقام إذا نظر إلى الشيطان ولاحظه في الذنب راغمه بالتوبة النصوح فأحدثت له هذه المراغمة عبودية أخرى. فهذه نبذة من بعض لطائف أسرار التوبة لا تستهزئ بها فلعلك لا تظفر بها في مصنف آخر البتة ولله الحمد والمنة وبه التوفيق.  [فصل استحسان لبعض الأفعال واستقباح لبعضها] فصل قال صاحب المنازل: اللطيفة الثالثة: أن مشاهدة العبد الحكم لم تدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحكم. هذا الكلام - إن أخذ على ظاهره - فهو من أبطل الباطل الذي لولا إحسان الظن بصاحبه وقائله ومعرفة قدره من الإمامة والعلم والدين لنسب إلى لازم هذا الكلام ولكن من عدا المعصوم - صلى الله عليه وسلم - فمأخوذ من قوله ومتروك ومن ذا الذي لم تزل به القدم ولم يكب به الجواد . ومعنى هذا أن العبد ما دام في مقام التفرقة فإنه يستحسن بعض الأفعال ويستقبح بعضها نظرا إلى ذواتها وما افترقت فيه فإذا تجاوزها نظر إلى مصدرها الأول وصدورها عن عين الحكم واجتماعها كلها في تلك العين وانسحاب ذيل المشيئة عليها ووحدة المصدر وهو المشيئة الشاملة العامة الموجبة فهي بالنسبة إلى مصدر الحكم وعين المشيئة لا توصف بحسن ولا بقبح إذ الحسن والقبح إنما عرضا لها عند قيامها بالكون وجريانها عليه فهي بمنزلة نور الشمس واحد في نفسه غير متلون ولا يوصف بحمرة ولا صفرة ولا خضرة فإذا اتصل بالمحال المتلونة وصف حينئذ بحسب تلك المحال لإضافته إليها واتصاله بها فيرى أحمر وأصفر وأخضر وهو بريء من ذلك كله إذا صعد من تلك المحال إلى مصدره الأول المجرد عن القوابل فهذا أحسن ما يحمل عليه كلامه.(1\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "216",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13213",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على أن له محملا آخر مبنيا على أصول فاسدة وهي أن إرادة الرب تعالى هي عين محبته ورضاه فكل ما شاءه فقد أحبه ورضيه وكل ما لم يشأه فهو مسخوط له مبغوض فالمبغوض المسخوط هو ما لم يشأه والمحبوب المرضي هو ما شاءه. هذا أصل عقيدة القدرية الجبرية المنكرين للحكم والتعليل والأسباب وتحسين العقل وتقبيحه وأن الأفعال كلها سواء لا يختص بعضها بما صار حسنا لأجله وبعضها بما صار قبيحا لأجله ويجوز في العقل أن يأمر بما نهي عنه وينهى عما أمر به ولا يكون ذلك مناقضا للحكمة. إذ الحكمة ترجع عندهم إلى مطابقة العلم الأزلي لمعلومه والإرادة الأزلية لمرادها والقدرة لمقدورها فإذا الأفعال بالنسبة إلى المشيئة والإرادة مستوية لا توصف بحسن ولا قبح فإذا تعلق بها الأمر والنهي صارت حينئذ حسنة وقبيحة وليس حسنها وقبحها أمرا زائدا على كونها مأمورا بها ومنهيا عنها فعلى هذا إذا صعد العبد من تفرقة الأمر والنهي إلى جمع المشيئة لم يستحسن حسنة ولم يستقبح قبيحة فإذا نزل فرق الأمر صح له الاستحسان والاستقباح. فهذا محمل ثان لكلامه. وله محمل ثالث - هو أبعد الناس منه ولكن قد حمل عليه - وهو أن السالك ما دام محجوبا عن شهود الحقيقة بشهود الطاعة والمعصية رأى الأفعال بعين الحسن والقبح فرأى منها الطاعة والمعصية فإذا ترقى إلى شهود الحقيقة الأولى وهي الحقيقة الكونية ورأى شمول الحكم الكوني للكائنات وإحاطته بها وعدم خروج ذرة منها عنه زال عنه استقباح شيء من الأفعال وشهدها كلها طاعات للأقدار والمشيئة وفي مثل هذا الحال يقول: إن كنت عصيت الأمر فقد أطعت الإرادة ويقول:(1\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "217",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13214",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصبحت منفعلا لما تختاره ... مني ففعلي كله طاعات فإذا ترقى مرتبة أخرى وزال عنه الفرق بين الرب والعبد - كما زال عنه في المرتبة الثانية الفرق بين المحبوب والمسخوط والمأمور والمحظور - قال: ما ثم طاعة ولا معصية إذ الطاعة والمعصية إنما يكونان بين اثنين ضرورة والمطيع عين المطاع فما هاهنا غير فالوحدة المطلقة تنفي الطاعة والمعصية فالصعود من وحدة الفعل إلى وحدة الوجود يزيل عنه - بزعمه - توهم الانقسام إلى طاعة ومعصية كما كان الصعود من تفرقة الأمر إلى وحدة الحكم يزيل عنه ثبوت المعصية. وهذا عند القوم من الأسرار التي لا يستجيزون كشفها إلا لخواصهم وأهل الوصول منهم. لكن صاحب المنازل بريء من هؤلاء وطريقتهم وهو مكفر لهم بل مخرج لهم من جملة الأديان ولكن ذكرنا ذلك لأنهم يحملون كلامه عليه ويظنونه منهم. فاعلم أن هذا مقام عظيم زلت فيه أقدام طائفتين من الناس: طائفة من أهل الكلام والنظر وطائفة من أهل السلوك والإرادة. فنفى لأجله كثير من النظار التحسين والتقبيح العقليين وجعلوا الأفعال كلها(1\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "218",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13215",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سواء في نفس الأمر وأنها غير منقسمة في ذواتها إلى حسن وقبيح ولا يميز للفعل عندهم منشأ حسن ولا قبح ولا مصلحة ولا مفسدة ولا فرق بين السجود للشيطان والسجود للرحمن في نفس الأمر ولا بين الصدق والكذب ولا بين السفاح والنكاح إلا أن الشارع حرم هذا وأوجب هذا فمعنى حسنه كونه مأمورا به لا أنه منشأ مصلحة ومعنى قبحه كونه منهيا عنه لا أنه منشأ مفسدة ولا فيه صفة اقتضت قبحه ومعنى حسنه أن الشارع أمر به لا أنه منشأ مصلحة ولا فيه صفة اقتضت حسنه. وقد بينا بطلان هذا المذهب من ستين وجها في كتابنا المسمى تحفة النازلين بجوار رب العالمين وأشبعنا الكلام في هذه المسألة هناك وذكرنا جميع ما احتج به أرباب هذا المذهب وبينا بطلانه. فإن هذا المذهب - بعد تصوره وتصور لوازمه - يجزم العقل ببطلانه وقد دل القرآن على فساده في غير موضع والفطرة أيضا وصريح العقل. فإن الله سبحانه فطر عباده على استحسان الصدق والعدل والعفة والإحسان ومقابلة النعم بالشكر وفطرهم على استقباح أضدادها ونسبة هذا إلى فطرهم وعقولهم كنسبة الحلو والحامض إلى أذواقهم وكنسبة رائحة المسك ورائحة النتن إلى مشامهم وكنسبة الصوت اللذيذ وضده إلى أسماعهم وكذلك كل ما يدركونه بمشاعرهم الظاهرة والباطنة فيفرقون بين طيبه وخبيثه ونافعه وضاره.(1\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "219",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13216",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد زعم بعض نفاة التحسين والتقبيح أن هذا متفق عليه وهو راجع إلى الملائمة والمنافرة بحسب اقتضاء الطباع وقبولها للشيء وانتفاعها به ونفرتها من ضده. قالوا: وهذا ليس الكلام فيه وإنما الكلام في كون الفعل متعلقا للذم والمدح عاجلا والثواب والعقاب آجلا فهذا الذي نفيناه وقلنا: إنه لا يعلم إلا بالشرع قال خصومنا: إنه معلوم بالعقل والعقل مقتض له. فيقال: هذا فرار من الزحف إذ هاهنا أمران متغايران لا تلازم بينهما. أحدهما: هل الفعل نفسه مشتمل على صفة اقتضت حسنه وقبحه بحيث ينشأ الحسن والقبح منه فيكون منشأ لهما أم لا والثاني: أن الثواب المرتب على حسن الفعل والعقاب المرتب على قبحه ثابت - بل واقع - بالعقل أم لا يقع إلا بالشرع ولما ذهب المعتزلة ومن وافقهم إلى تلازم الأصلين استطلتم عليهم وتمكنتم من إبداء تناقضهم وفضائحهم ولما نفيتم أنتم الأصلين جميعا استطالوا عليكم(1\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "220",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13217",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": " وأبدوا من فضائحكم وخلافكم لصريح العقل والفطرة ما أبدوه وهم غلطوا في تلازم الأصلين وأنتم غلطتم في نفي الأصلين. والحق الذي لا يجد التناقض إليه السبيل أنه لا تلازم بينهما وأن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة كما أنها نافعة وضارة والفرق بينهما كالفرق بين المطعومات والمشمومات والمرئيات ولكن لا يترتب عليهما ثواب ولا عقاب إلا بالأمر والنهي وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحا موجبا للعقاب مع قبحه في نفسه بل هو في غاية القبح والله لا يعاقب عليه إلا بعد إرسال الرسل فالسجود للشيطان والأوثان والكذب والزنا والظلم والفواحش كلها قبيحة في ذاتها والعقاب عليها مشروط بالشرع. فالنفاة يقولون: ليست في ذاتها قبيحة وقبحها والعقاب عليها إنما ينشأ بالشرع. والمعتزلة تقول: قبحها والعقاب عليها ثابتان بالعقل. وكثير من الفقهاء من الطوائف الأربع يقولون: قبحها ثابت بالعقل والعقاب متوقف على ورود الشرع وهو الذي ذكره سعد بن علي الزنجاني من الشافعية وأبو الخطاب من الحنابلة وذكره الحنفية وحكوه عن أبي حنيفة نصا لكن المعتزلة منهم يصرحون بأن العقاب ثابت بالعقل. وقد دل القرآن أنه لا تلازم بين الأمرين وأنه لا يعاقب إلا بإرسال الرسل وأن الفعل نفسه حسن وقبيح ونحن نبين دلالته على الأمرين.(1\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "221",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13218",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أما الأول: ففي قوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [الإسراء: 15] وفي قوله: رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [النساء: 165] وفي قوله: كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء [الملك: 8] فلم يسألوهم عن مخالفتهم للعقل بل للنذر وبذلك دخلوا النار وقال تعالى يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين [الأنعام: 130] وفي الزمر ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا [الزمر: 71] ثم قال في الأنعام بعدها ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون [الأنعام: 131] وعلى أحد القولين - وهو أن يكون المعنى لم يهلكهم بظلمهم قبل إرسال الرسل - فتكون الآية دالة على الأصلين: أن أفعالهم وشركهم ظلم قبيح قبل البعثة وأنه لا يعاقبهم عليه إلا بعد الإرسال وتكون هذه الآية في دلالتها على الأمرين نظير الآية التي في القصص ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين [القصص: 47] فهذا يدل على أن ما قدمت أيديهم سبب لنزول المصيبة بهم ولولا قبحه لم يكن سببا لكن امتنع إصابة المصيبة لانتفاء شرطها وهو عدم مجيء الرسول إليهم فمذ جاء الرسول انعقد السبب ووجد الشرط فأصابهم سيئات ما عملوا وعوقبوا بالأول والآخر.  [فصل دلالة الفعل في النفس] فصل وأما الأصل الثاني - وهو دلالته على أن الفعل في نفسه حسن وقبيح - فكثير جدا كقوله تعالى(1\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "222",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13219",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون - قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون - فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون - يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين - قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون - قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون [الأعراف: 28 - 33] فأخبر سبحانه أن فعلهم فاحشة قبل نهيه عنه وأمر باجتنابه بأخذ الزينة والفاحشة هاهنا هي طوافهم بالبيت عراة - الرجال والنساء - غير قريش ثم قال تعالى إن الله لا يأمر بالفحشاء [الأعراف: 28] أي لا يأمر بما هو فاحشة في العقول والفطر ولو كان إنما علم كونه فاحشة بالنهي وأنه لا معنى لكونه فاحشة إلا تعلق النهي به لصار معنى الكلام أن الله لا يأمر بما ينهى عنه وهذا يصان عن التكلم به آحاد العقلاء فضلا عن كلام العزيز الحكيم وأي فائدة في قوله: إن الله لا يأمر بما ينهى عنه فإنه ليس لمعنى كونه فاحشة عندهم إلا أنه منهي عنه لا أن العقول تستفحشه. ثم قال تعالى قل أمر ربي بالقسط [الأعراف: 29] والقسط عندهم هو المأمور به لا أنه قسط في نفسه فحقيقة الكلام قل أمر ربي بما أمر به. ثم قال قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق [الأعراف: 32] دل على أنه طيب قبل التحريم وأن وصف الطيب فيه مانع من تحريمه مناف للحكمة. ثم قال قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن [الأعراف: 33] ولو كان كونها فواحش إنما هو لتعلق التحريم بها وليست فواحش قبل ذلك لكان حاصل الكلام: قل إنما حرم ربي ما حرم وكذلك تحريم الإثم والبغي فكون ذلك فاحشة وإثما وبغيا بمنزلة كون الشرك شركا فهو شرك في نفسه قبل النهي وبعده. فمن قال: إن الفاحشة والقبائح والآثام إنما صارت كذلك بعد النهي فهو(1\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "223",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13220",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بمنزلة من يقول: الشرك إنما صار شركا بعد النهي وليس شركا قبل ذلك. ومعلوم أن هذا وهذا مكابرة صريحة للعقل والفطرة فالظلم ظلم في نفسه قبل النهي وبعده والقبيح قبيح في نفسه قبل النهي وبعده والفاحشة كذلك وكذلك الشرك لا أن هذه الحقائق صارت بالشرع كذلك. نعم الشارع كساها بنهيه عنها قبحا إلى قبحها فكان قبحها من ذاتها وازدادت قبحا عند العقل بنهي الرب تعالى عنها وذمه لها وإخباره ببغضها وبغض فاعلها كما أن العدل والصدق والتوحيد ومقابلة نعم المنعم بالثناء والشكر حسن في نفسه وازداد حسنا إلى حسنه بأمر الرب به وثنائه على فاعله وإخباره بمحبته ذلك ومحبة فاعله. بل من أعلام نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أنه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث. فلو كان كونه معروفا ومنكرا وخبيثا وطيبا إنما هو لتعلق الأمر والنهي والحل والتحريم به لكان بمنزلة أن يقال: يأمرهم بما يأمرهم به وينهاهم عما ينهاهم عنه ويحل لهم ما يحل لهم ويحرم عليهم ما يحرم عليهم! وأي فائدة في هذا وأي علم يبقى فيه لنبوته وكلام الله يصان عن ذلك وأن يظن به ذلك وإنما المدح والثناء والعلم الدال على نبوته أن ما يأمر به تشهد العقول الصحيحة حسنه وكونه معروفا وما ينهى عنه تشهد قبحه وكونه منكرا وما يحله تشهد كونه طيبا وما يحرمه تشهد كونه خبيثا وهذه دعوة جميع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وهي بخلاف دعوة المتغلبين المبطلين والكذابين والسحرة فإنهم يدعون إلى ما يوافق أهواءهم وأغراضهم من كل قبيح ومنكر وبغي وإثم وظلم. ولهذا قيل لبعض الأعراب وقد أسلم لما عرف دعوته صلى الله عليه وسلم - عن أي شيء أسلمت وما رأيت منه مما دلك على أنه رسول الله قال ما أمر بشيء فقال العقل: ليته نهى عنه ولا نهى عن شيء فقال العقل: ليته أمر به ولا أحل شيئا فقال العقل: ليته حرمه ولا حرم شيئا فقال العقل: ليته أباحه فانظر إلى هذا الأعرابي وصحة عقله وفطرته وقوة إيمانه واستدلاله على صحة دعوته بمطابقة أمره لكل ما حسن في العقل وكذلك مطابقة تحليله وتحريمه ولو كان جهة الحسن والقبح والطيب والخبث مجرد تعلق الأمر والنهي والإباحة والتحريم به لم يحسن منه هذا الجواب ولكان بمنزلة أن يقول: وجدته يأمر وينهى ويبيح ويحرم وأي دليل في هذا .(1\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "224",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13221",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك قوله تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي [النحل: 90] . وهؤلاء يزعمون أن الظلم في حق عباده هو المحرم والمنهي عنه لا أن هناك في نفس الأمر ظلما نهى عنه وكذلك الظلم الذي نزه نفسه عنه هو الممتنع المستحيل لا أن هناك أمرا ممكنا مقدورا لو فعله لكان ظلما فليس في نفس الأمر عندهم ظلم منهي عنه ولا منزه عنه إنما هو المحرم في حقه والمستحيل في حقه فالظلم المنزه عنه عندهم هو الجمع بين النقيضين وجعل الجسم الواحد في مكانين في آن واحد ونحو ذلك. والقرآن صريح في إبطال هذا المذهب أيضا قال الله تعالى قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد [ق: 27] أي لا أؤاخذ عبدا بغير ذنب ولا أمنعه من أجر ما عمله من صالح ولهذا قال قبله وقد قدمت إليكم بالوعيد [ق: 28] المتضمن لإقامة الحجة وبلوغ الأمر والنهي وإذا آخذتكم بعد التقدم فلست بظالم بخلاف من يؤاخذ العبد قبل التقدم إليه بأمره ونهيه فذلك الظلم الذي تنزه الله سبحانه وتعالى عنه. وقال تعالى ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما [طه: 112] يعني لا يحمل عليه من سيئات ما لم يعمله ولا ينقص من حسنات ما عمل ولو كان الظلم هو المستحيل الذي لا يمكن وجوده لم يكن لعدم الخوف منه معنى ولا للأمن من وقوعه فائدة. وقال تعالى من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد [فصلت: 46] أي لا يحمل المسيء عقاب ما لم يعمله ولا يمنع المحسن من ثواب عمله. وقال تعالى وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون [هود: 117] فدل على أنه لو أهلكهم مع إصلاحهم لكان ظالما وعندهم يجوز ذلك وليس بظلم لو فعل(1\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "225",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13222",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويأولون الآية على أنه سبحانه أخبر أنه لا يهلكهم مع إصلاحهم وعلم أنه لا يفعل ذلك وخلاف خبره ومعلومه مستحيل وذلك حقيقة الظلم ومعلوم أن الآية لم يقصد بها هذا قطعا ولا أريد بها ولا تحتمله بوجه إذ يئول معناها إلى أنه ما كان ليهلك القرى بظلم بسبب اجتماع النقيضين وهم مصلحون وكلامه تعالى يتنزه عن هذا ويتعالى عنه. وكذلك عند هؤلاء أيضا العبث والسدى والباطل كلها هي المستحيلات الممتنعة التي لا تدخل تحت المقدور والله سبحانه قد نزه نفسه عنها إذ نسبه إليها أعداؤه المكذبون بوعده ووعيده المنكرون لأمره ونهيه فأخبر أن ذلك يستلزم كون الخلق عبثا وباطلا وحكمته وعزته تأبى ذلك قال تعالى أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون [المؤمنون: 115] أي لغير شيء لا تؤمرون ولا تنهون ولا تثابون ولا تعاقبون والعبث قبيح فدل على أن قبح هذا مستقر في الفطر والعقول ولذلك أنكره عليهم إنكار منبه لهم على الرجوع إلى عقولهم وفطرهم وأنهم لو فكروا وأبصروا لعلموا أنه لا يليق به ولا يحسن منه أن يخلق خلقه عبثا لا لأمر ولا لنهي ولا لثواب ولا لعقاب وهذا يدل على أن حسن الأمر والنهي والجزاء مستقر في العقول والفطر وأن من جوز على الله الإخلال به فقد نسبه إلى ما لا يليق به وإلى ما تأباه أسماؤه الحسنى وصفاته العليا. وكذلك قوله تعالى أيحسب الإنسان أن يترك سدى [القيامة: 36] قال الشافعي: مهملا لا يؤمر ولا ينهى وقال غيره: لا يثاب ولا يعاقب وهما متلازمان فأنكر على من يحسب ذلك فدل على أنه قبيح تأباه حكمته وعزته وأنه لا يليق به ولهذا استدل على أنه لا يتركه سدى بقوله: ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى [القيامة: 37] إلى آخر السورة ولو كان قبحه إنما علم بالسمع لكان يستدل عليه بأنه خلاف السمع وخلاف ما أعلمناه وأخبرنا به ولم يكن إنكاره لكونه قبيحا في نفسه بل لكونه خلاف ما أخبر به ومعلوم أن هذا ليس وجه الكلام. وكذلك قوله: وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا [ص: 27] والباطل الذي ظنوه: ليس هو الجمع بين النقيضين بل الذي ظنوه: أنه لا(1\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "226",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13223",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شرع ولا جزاء ولا أمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب فأخبر أن خلقها لغير ذلك هو الباطل الذي تنزه عنه وذلك هو الحق الذي خلقت به وهو التوحيد وحقه وجزاؤه وجزاء من جحده وأشرك بربه. وقال تعالى أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون [الجاثية: 21] فأنكر سبحانه هذا الحسبان إنكار منبه للعقل على قبحه وأنه حكم سيئ والحاكم به مسيء ظالم ولو كان قبحه لكونه خلاف ما أخبر به لم يكن الإنكار لما اشتمل عليه من القبح اللازم من التسوية بين المحسن والمسيء المستقر قبحه في فطر العالمين كلهم ولا كان هنا حكم سيئ في نفسه ينكر على من حكم به. وكذلك قوله: أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار [ص: 28] وهذا استفهام إنكار فدل على أن هذا قبيح في نفسه منكر تنكره العقول والفطر أفتظنون أن ذلك يليق بنا أو يحسن منا فعله فأنكره سبحانه إنكار منبه للعقل والفطرة على قبحه وأنه لا يليق بالله نسبته إليه. وكذلك إنكاره سبحانه قبح الشرك به في إلهيته وعبادة غيره معه بما ضربه لهم من الأمثال وأقام على بطلانه من الأدلة العقلية ولو كان إنما قبح بالشرع لم يكن لتلك الأدلة والأمثال معنى. وعند نفاة التحسين والتقبيح يجوز في العقل أن يأمر بالإشراك به وبعبادة غيره! وإنما علم قبحه بمجرد النهي عنه! . فيا عجبا! أي فائدة تبقى في تلك الأمثال والحجج والبراهين الدالة على قبحه في صريح العقول والفطر وأنه أقبح القبيح وأظلم الظلم وأي شيء يصح في العقل إذا لم يكن فيه علم بقبح الشرك الذاتي وأن العلم بقبحه بديهي معلوم بضرورة العقل وأن الرسل نبهوا الأمم على ما في عقولهم وفطرهم من قبحه وأن أصحابه ليست لهم عقول ولا ألباب ولا أفئدة بل نفى عنهم السمع والبصر والمراد سمع القلب وبصره فأخبر أنهم صم بكم عمي وذلك وصف قلوبهم أنها لا تسمع ولا تبصر ولا تنطق وشبههم بالأنعام التي لا عقول لها تميز بها بين الحسن والقبيح والحق والباطل ولذلك اعترفوا في(1\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "227",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13224",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النار بأنهم لم يكونوا من أهل السمع والعقل وأنهم لو رجعوا إلى أسماعهم وعقولهم لعلموا حسن ما جاءت به الرسل وقبح مخالفتهم. قال الله تعالى حاكيا عنهم وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير [الملك: 10] وكم يقول لهم في كتابه quot; أفلا تعقلون quot; quot; لعلكم تعقلون quot;. فينبههم على ما في عقولهم وفطرهم من الحسن والقبيح ويحتج عليهم بها ويخبر أنه أعطاهموها لينتفعوا بها ويميزوا بها بين الحسن والقبيح والحق والباطل. وكم في القرآن من مثل عقلي وحسي ينبه به العقول على حسن ما أمر به وقبح ما نهى عنه فلو لم يكن في نفسه كذلك لم يكن لضرب الأمثال للعقول معنى ولكان إثبات ذلك بمجرد الأمر والنهي دون ضرب الأمثال وتبيين جهة القبح المشهودة بالحسن والعقل. والقرآن مملوء بهذا لمن تدبره كقوله تعالى ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون [الروم: 28] يحتج سبحانه عليهم بما في عقولهم من قبح كون مملوك أحدهم شريكا له فإذا كان أحدكم يستقبح أن يكون مملوكه شريكه ولا يرضى بذلك فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء تعبدونهم كعبادتي وهذا يبين أن قبح عبادة غير الله تعالى مستقر في العقول والفطر والسمع نبه العقول وأرشدها إلى معرفة ما أودع فيها من قبح ذلك. وكذلك قوله تعالى ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون [الزمر: 29] احتج سبحانه على قبح الشرك بما تعرفه العقول من الفرق بين حال مملوك يملكه أرباب متعاسرون سيئوا الملكة وحال عبد يملكه سيد واحد قد سلم كله له فهل يصح في العقول استواء حال العبدين فكذلك حال المشرك والموحد الذي قد سلمت عبوديته لإلهه الحق لا يستويان. وكذلك قوله تعالى ممثلا لقبح الرياء المبطل للعمل والمن والأذى المبطل(1\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "228",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13225",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للصدقات ب quot; صفوان quot; وهو الحجر الأملس عليه تراب غبار قد لصق به فأصابه مطر شديد فأزال ما عليه من التراب فتركه صلدا أملس لا شيء عليه وهذا المثل في غاية المطابقة لمن فهمه ف quot; الصفوان quot; وهو الحجر كقلب المرائي والمان والمؤذي والتراب الذي لصق به ما تعلق به من أثر عمله وصدقته والوابل المطر الذي به حياة الأرض فإذا صادفها لينة قابلة نبت فيها الكلأ وإذا صادف الصخور والحجارة الصم لم ينبت فيها شيئا فجاء هذا الوابل إلى التراب الذي على الحجر فصادفه رقيقا فأزاله فأفضى إلى حجر غير قابل للنبات. وهذا يدل على أن قبح المن والأذى والرياء مستقر في العقول فلذلك نبهها على شبهه ومثاله. وعكس ذلك قوله تعالى ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير [البقرة: 265] فإن كانت هذه الجنة - التي بموضع عال حيث لا تحجب عنها الشمس والرياح وقد أصابها مطر شديد فأخرجت ثمرتها ضعفي ما يخرج غيرها - إن كانت مستحسنة في العقل والحس فكذلك نفقة من أنفق ماله لوجه الله لا لجزاء من الخلق ولا لشكور بل بثبات من نفسه وقوة على الإنفاق لا يخرج النفقة وقلبه يرجف على خروجها ويداه ترتعشان ويضعف قلبه ويخور عند الإنفاق بخلاف نفقة صاحب التثبيت والقوة. ولما كان الناس في الإنفاق على هذين القسمين كان مثل نفقة صاحب الإخلاص والقوة والتثبيت كمثل الوابل ومثل نفقة الآخر كمثل الطل وهو المطر الضعيف فهذا بحسب كثرة الإنفاق وقلته وكمال الإخلاص والقوة واليقين فيه وضعفه أفلا تراه سبحانه نبه العقول على ما فيها من استحسان هذا واستقباح فعل الأول وكذلك قوله: أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون [البقرة: 266] فنبه سبحانه العقول على(1\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "229",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13226",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما فيها من قبح الأعمال السيئة التي تحبط ثواب الحسنات وشبهها بحال شيخ كبير له ذرية ضعفاء بحيث يخشى عليهم الضيعة وعلى نفسه وله بستان هو مادة عيشه وعيش ذريته فيه النخيل والأعناب ومن كل الثمرات فأرجى وأفقر ما هو له وأسر ما كان به إذ أصابه نار شديدة فأحرقته فنبه العقول على أن قبح المعاصي التي تغرق الطاعات كقبح هذه الحال وبهذا فسرها عمر وابن عباس رضي الله عنهم لرجل غني عمل بطاعة الله زمانا فبعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله ذكره البخاري في صحيحه. أفلا تراه نبه العقول على قبح المعصية بعد الطاعة وضرب لقبحها هذا المثل . ونفاة التعليل والأسباب والحكم وحسن الأفعال لقبحها هذا المثل إلا محض المشيئة لا أن بعض الأعمال يبطل بعضا وليس فيها ما هو قبيح لعينه حتى يشبه بقبيح آخر وليس فيها ما هو منشأ لمفسدة أو مصلحة تكون سببا لها ولا لها علل غائية هي مفضية إليها وإنما هي متعلق المشيئة والإرادة والأمر والنهي فقط. والفقهاء لا يمكنهم البناء على هذه الطريقة البتة فكلهم مجمعون - إذا تكلموا بلسان الفقه - على بطلانها إذ يتكلمون في العلل والمناسبات الداعية لشرع الحكم ويفرقون بين المصالح الخالصة والراجحة والمرجوحة والمفاسد التي هي كذلك ويقدمون أرجح المصلحتين على مرجوحهما ويدفعون أقوى المفسدتين باحتمال أدناهما ولا يتم لهم ذلك إلا باستخراج الحكم والعلل ومعرفة المصالح والمفاسد الناشئة من الأفعال ومعرفة ربها. وكذلك الأطباء لا يصلح لهم علم الطب وعمله إلا بمعرفة قوى الأدوية والأمزجة والأغذية وطبائعها ونسبة بعضها إلى بعض ومقدار تأثير بعضها في بعض وانفعال بعضها عن بعض والموازنة بين قوة الدواء وقوة المرض وقوة المريض ودفع الضد بضده وحفظ ما يريدون حفظه بمثله ومناسبه فصناعة الطب وعمله مبني على معرفة الأسباب والعلل والقوى والطبائع والخواص فلو نفوا ذلك وأبطلوه وأحالوا على محض المشيئة وصرف الإرادة المجردة عن الأسباب والعلل وجعلوا حقيقة النار مساوية لحقيقة الماء وحقيقة الدواء مساوية لحقيقة الغذاء ليس في أحدهما خاصية ولا قوة يتميز(1\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "230",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13227",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بها عن الآخر لفسد علم الطب ولبطلت حكمة الله فيه بل العالم مربوط بالأسباب والقوى والعلل الفاعلية والغائية. وعلى هذا قام الوجود بتقدير العزيز العليم والكل مربوط بقضائه وقدره ومشيئته ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فإذا شاء سلب قوة الجسم الفاعل منه ومنع تأثيرها وإذا شاء جعل في الجسم المنفعل قوة تدفعها وتمنع موجبها مع بقائها وهذا لكمال قدرته ونفوذ مشيئته. والناس في الأسباب والقوى والطبائع ثلاثة أقسام: منهم: من بالغ في نفيها وإنكارها فأضحك العقلاء على عقله وزعم أنه بذلك ينصر الشرع فجنى على العقل والشرع وسلط خصمه عليه. ومنهم: من ربط العالم العلوي والسفلي بها بدون ارتباطها بمشيئة فاعل مختار ومدبر لها يصرفها كيف أراد فيسلب قوة هذا ويقيم لقوة هذا قوة تعارضه ويكف قوة هذا عن التأثير مع بقائها ويتصرف فيها كما يشاء ويختار. وهذان طرفان جائران عن الصواب. ومنهم: من أثبتها خلقا وأمرا قدرا وشرعا وأنزلها بالمحل الذي أنزلها الله به من كونها تحت تدبيره ومشيئته وهي طوع المشيئة والإرادة ومحل جريان حكمها عليها فيقوي سبحانه بعضها ببعض ويبطل - إن شاء - بعضها ببعض ويسلب بعضها قوته وسببيته ويعريها منها ويمنعه من موجبها مع بقائها عليه ليعلم خلقه أنه الفعال لما يريد وأنه لا مستقل بالفعل والتأثير غير مشيئته وأن التعلق بالسبب دونه كالتعلق ببيت العنكبوت مع كونه سببا. وهذا باب عظيم نافع في التوحيد وإثبات الحكم يوجب للعبد - إذا تبصر فيه - الصعود من الأسباب إلى مسببها والتعلق به دونها وأنها لا تضر ولا تنفع إلا بإذنه وأنه إذا شاء جعل نافعها ضارا وضارها نافعا ودواءها داء وداءها دواء فالالتفات إليها بالكلية شرك مناف للتوحيد وإنكار أن تكون أسبابا بالكلية قدح في الشرع والحكمة والإعراض عنها - مع العلم بكونها أسبابا - نقصان في العقل وتنزيلها منازلها ومدافعة بعضها ببعض وتسليط بعضها على بعض وشهود الجمع في تفرقها والقيام بها هو محض العبودية والمعرفة وإثبات التوحيد والشرع والقدر والحكمة والله أعلم.(1\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "231",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13228",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل غلط السالكين في الفرق الطبيعي والشرعي] فصل وأما غلط من غلط من أرباب السلوك والإرادة في هذا الباب فحيث ظنوا أن شهود الحقيقة الكونية والفناء في توحيد الربوبية من مقامات العارفين بل أجل مقاماتهم فساروا شائمين لبرق هذا الشهود سالكين لأودية الفناء فيه وحثهم على هذا السير ورغبهم فيه ما شهدوه من حال أرباب الفرق الطبعي فأنفوا من صحبتهم في الطريق ورأوا مفارقتهم فرض عين لا بد منه فلما عرض لهم الفرق الشرعي في طريقهم ورد عليهم منه أعظم وارد فرق جمعيتهم وقسم وحدة عزيمتهم وحال بينهم وبين عين الجمع الذي هو نهاية منازل سيرهم فافترقت طرقهم في هذا الوارد العظيم. فمنهم من اقتحمه ولم يلتفت إليه وقال: الاشتغال بالأوراد عن عين المورود انقطاع عن الغاية والقصد من الأوراد الجمعية على الآخر فما الاشتغال عن المقصود بالوسيلة بعد الوصول إليه والرجوع من حضرته إلى منازل السفر إليه وربما أنشد بعضهم: يطالب بالأوراد من كان غافلا ... فكيف بقلب كل أوقاته ورد فإذا اضطر أحدهم إلى التفرقة بوارد الأمر قال: ينبغي أن يكون الفرق على اللسان موجودا والجمع في القلب مشهودا. ثم من هؤلاء من يسقط الأوامر والنواهي جملة ويرى القيام بها من باب ضبط ناموس الشرع ومصلحة العموم ومبادئ السير فهي التي تحث أهل الغفلة على التشمير للسير فإذا جد في المسير استغنى بقربه وجمعيته عنها. ومنهم من لا يرى سقوطها إلا عمن شهد الحقيقة الكونية ووصل إلى مقام الفناء فيها فمن كان هذا مشهده سقط عنه الأمر والنهي عندهم. وقد يقولون: شهود الإرادة يسقط الأمر وفي هذا المشهد يقولون: العارف لا يستقبح قبيحة ولا يستحسن حسنة. ويقول قائلهم: العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسر الله في القدر. ويقولون: القيام بالعبادة مقام التلبيس ويحتجون بقوله تعالى وللبسنا عليهم ما يلبسون [الأنعام: 9] .(1\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "232",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13229",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا من أقبح الجهل فإن هذا داخل في جواب لو التي ينتفي بها الملزوم - وهو المقدم - لانتفاء اللازم وهو الجواب وهو التالي فانتفاء جعل الرسول ملكا - كما اقترحوه - لانتفاء التلبيس من الله عليهم والكفار كانوا قد قالوا لولا أنزل عليه ملك [الأنعام: 8] أي نعاينه ونراه وإلا فالملك لم يزل يأتيه من عند الله بأمره ونهيه فهم اقترحوا نزول ملك يعاينونه فأخبر سبحانه عن الحكمة التي لأجلها لم يجعل رسوله إليهم من الملائكة ولا أنزل ملكا يرونه فقال ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون [الأنعام: 8] أي لوجب العذاب وفرغ من الأمر ثم لا يمهلون إن أقاموا على التكذيب. وهذا نظير قوله في سورة الحجر وقالوا ياأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين [الحجر: 6] قال الله عز وجل ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين [الحجر: 8] والحق هاهنا العذاب ثم قال ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا [الأنعام: 9] أي لو أنزلنا عليهم ملكا لجعلناه في صورة آدمي إذ لا يستطيعون التلقي عن الملك في صورته التي هو عليها وحينئذ فيقع اللبس منا عليهم لأنهم لا يدرون أرجل هو أم ملك ولو جعلناه رجلا لخلطنا عليهم وشبهنا عليهم الذي طلبوه بغيره. وقوله: ما يلبسون فيه قولان: أحدهما: أنه جزاء لهم على لبسهم على ضعفائهم والمعنى أنهم شبهوا على ضعفائهم ولبسوا عليهم الحق بالباطل فشبه عليهم وتلبس عليهم الملك بالرجل. والثاني: أنا نلبس عليهم ما لبسوا على أنفسهم وأنهم خلطوا على أنفسهم ولم يؤمنوا بالرسول منهم بعد معرفتهم صدقه وطلبوا رسولا ملكيا يعاينونه وهذا تلبيس منهم على أنفسهم فلو أجبناهم إلى ما اقترحوه لم يؤمنوا عنده وللبسنا عليهم لبسهم على أنفسهم. وأي تعلق لهذا بالتلبيس الذي ذكرته هذه الطائفة من تعليق الكائنات والمثوبات والعقوبات بالأسباب وتعليق المعارف بالوسائط والقضايا بالحجج والأحكام والعلل والانتقام بالجنايات والمثوبات بالطاعات مما هو محض الحكمة وموجبها.(1\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "233",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13230",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأثر اسمه الحكيم في الخلق والأمر إنما قام بالأسباب وكذلك الدنيا والآخرة وكذلك الثواب والعقاب فجعل الأسباب منصوبة للتلبيس من أعظم الباطل شرعا وقدرا. وإن الذي أوقع هؤلاء في هذا الغلو هو نفرتهم من أرباب الفرق الأول ومشاهدتهم قبح ما هم عليه. وهم - لعمر الله - خير منهم مع ما هم عليه فإنهم مقرون بالجمع والفرق وأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه فرق بين المأمور والمحظور والمحبوب والمكروه وإن كانوا كثيرا ما يفرقون بأهوائهم ونفوسهم فهم في فرقهم النفسي خير من أهل هذا الجمع إذ هم مقرون أن الله يأمر بالحسنات ويحبها وينهى عن السيئات ويبغضها وإذا فرقوا بحسب أهوائهم وفرقوا بنفوسهم لم يجعلوا هذا الفرق دينا يسقط عنهم أمر الله ونهيه بل يعترفون أنه ذنب قبيح وأنهم مقصرون بل مفرطون في الفرق الشرعي ونهاية ما معهم صحة إيمان مع غفلة وفرق نفساني وأولئك معهم جمع وشهود يصحبه فساد إيمان وخروج عن الدين. ومن العجب أنهم فروا من فرق أولئك النفسي إلى جمع أسقط التفرقة الشرعية ثم آل أمرهم إلى أن صار فرقهم كله نفسيا فهم في الحقيقة راجعون إلى فرقهم ولا بد فإن الفرق أمر ضروري للإنسان ولا بد فمن لم يفرق بالشرع فرق بالنفس والهوى فهم أعظم الناس اتباعا لأهوائهم يميلون مع الهوى حيث مال بهم ويزعمون أنه الحقيقة. وبالجملة فلهذا السلوك لوازم عظيمة البطلان منافية للإيمان جالبة للخسران أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل [المائدة: 60] وآخر أمر صاحبه الفناء في شهود الحقيقة العامة المشتركة بين الأبرار والفجار وبين الملائكة والشياطين وبين الرسل وأعدائهم وهي الحقيقة الكونية القدرية ومن وقف معها ولم يصعد إلى الفرق الثاني - وهو الحقيقة الدينية النبوية - فهو زنديق كافر.  ومنهم من لم ير إسقاط الفرق الثاني جملة بل إنما يسقطه عن الواصل إلى عين(1\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "234",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13231",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجمع الشاهد للحقيقة وما دام سالكا أو محجوبا عن شهود الحقيقة فالفرق لازم له. وهؤلاء أيضا من جنس الفريق الأول بل هم خواصهم فإذا وصل واصلهم إلى شهود حقيقة الجمع لم يجب عليه القيام بتفرقة الأوامر وإن قام بها فلحفظ المرتبة وضبط الناموس وحفظ السالكين عن الذهاب مع الفرق الطبيعي قبل شهودهم الحقيقة ويسمون هذه الحال تلبيسا وقد تقدم ذكره. وسيأتي إن شاء الله تعالى كشف هذا التلبيس الذي يشيرون إليه كشفا بينا. وقد تقدم أنهم يحتجون على سقوط الفرق عمن شهد الحقيقة بقوله تعالى واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [الحجر: 99] . ويقولون: إن الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - كان في هذا المقام وإنما كان في قيامه بالأعمال تشريعا وقد ذكرنا أن اليقين الموت وأنه من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن الأوامر والنواهي لا تسقط عن العبد ما دام في دار التكليف إلا إذا زال عقله وصار مجنونا.  [فصل من زعم سقوط الأمر والنهي] فصل ومنهم من يرى القيام بالأوامر والنواهي واجبا إذا لم تفرق جمعيته فإذا فرقت جمعيته رأى الجمعية أوجب منها فيزعم أنه يترك واجبا لما هو أوجب منه وهذا أيضا جهل وضلال. فإن رأى أن الأمر لم يتوجه إليه في حال الجمعية فهو كافر وإن علم توجهه إليه وأقدم على تركه فله حكم أمثاله من العصاة والفساق.  [فصل القيام بأمر الله] فصل ومنهم من يرى الأمر لا يسقط عنه ولكن إذا ورد عليه وارد الفناء والجمع غيب عقله واصطلمه فلم يشعر بوقت الواجب ولا حضوره حتى يفوته فيقضيه فهذا متى استدعى ذلك الفناء وطلبه فليس بمعذور في اصطلامه بل هو عاص لله في استدعائه ما يعرضه لإضاعة حقه وهو مفرط أمره إلى الله ومتى هجم عليه بغير استدعاء(1\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "235",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13232",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وغلب عليه - مع مدافعته له - خشية إضاعة الحق فهذا معذور وليس بكامل في حاله بل الكمال وراء ذلك وهو الانتقال عن وادي الجمع والفناء والخروج عنه إلى أودية الفرق الثاني والبقاء فالشأن كل الشأن فيه وهو الذي كان ينادي عليه شيخ الطائفة على الإطلاق الجنيد بن محمد رحمه الله ووقع بينه وبين أصحاب هذا الجمع والفناء ما وقع لأجله فهجرهم وحذر منهم وقال: عليكم بالفرق الثاني فإن الفرق فرقان الفرق الأول: وهو النفسي الطبيعي المذموم وليس الشأن في الخروج منه إلى الجمع والفناء في توحيد الربوبية والحقيقة الكونية بل الشأن في شهود هذا الجمع واستصحابه في الفرق الثاني وهو الحقيقة الدينية ومن لم يتسع قلبه لذلك فليترك جمعه وفناءه تحت قدمه ولينبذه وراء ظهره مشتغلا بالفرق الثاني والكمال أيضا وراء ذلك وهو شهود الجمع في الفرق والكثرة في الوحدة وتحكيم الحقيقة الدينية على الحقيقة الكونية فهذا حال العارفين الكمل: يسقي ويشرب لا تلهيه سكرته ... عن النديم ولا يلهو عن الكاس إني لأسمع بكاء الصبي وأنا في الصلاة فأتجوز فيها كراهة أن أشق على أمه وكان صلى الله عليه وسلم في صلاته واشتغاله بالله وإقباله عليه يشعر بعائشة إذا استفتحت الباب فيمشي خطوات يفتح لها ثم يرجع إلى مصلاه وذكر في صلاته تبرا كان عنده فصلى ثم قام مسرعا فقسمه وعاد إلى مجلسه فلم تشغله جمعيته العظمى - التي لا يدرك لها من بعده رائحة - عن هذه الجزئيات صلوات الله وسلامه عليه.(1\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "236",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13233",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل تمكن الإيمان والعلم في القلب] فصل ومنهم من يتمكن الإيمان والعلم من قلبه فإذا جاء الأمر قام إليه وبادر بجمعيته فإن صحبته وإلا طرحها وبادر إلى الأمر وعلم أنه لا يسعه غير ذلك وأن الجمعية فضل والأمر فرض ومن ضيع الفروض للفضول حيل بينه وبين الوصول لكن إذا جاءت المندوبات التي هي محل الأرباح والمكاسب العظيمة والمصالح الراجحة من عيادة المريض واتباع الجنازة والجهاد المستحب وطلب العلم النافع والخلطة التي ينتفع بها وينفع غيره ولم يؤثرها على جمعيته إذا رأى جمعيته خيرا له وأنفع منها - فهذا غير آثم ولا مفرط إلا إذا تركها رغبة عنها بالكلية واستبدالا بالجمعية فهذا ناقص. أما إذا قام بها أحيانا وتركها أحيانا لاشتغاله بجمعيته فهذا غير مذموم بل هذا حقيقة الاعتكاف المشروع وهو جمعية العبد على ربه وخلوته به وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحتجر بحصير في المسجد في اعتكافه يخلو به مع ربه عز وجل ولم يكن يشتغل بتعليم الصحابة وتذكيرهم في تلك الحال ولهذا كان المشهور من مذهب أحمد وغيره أنه لا يستحب للمعتكف إقراء القرآن والعلم وخلوته للذكر والعبادة أفضل له واحتجوا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم.  فصل وأكمل من هؤلاء من إذا جاءه تفرقة الأمر ورآها أرجح من مصلحة الجمعية ولم يمكنه الجمع في التفرقة اشترى الفاضل بالمفضول والراجح بالمرجوح فإذا كان المندوب مفضولا مرجوحا والجمع خيرا منه اشتغل بالجمع عنه فهذا أعلى الأقسام والرجل كل الرجل من يرد من تفرقته على جمعه ومن جمعه على تفرقته فيقوي كل واحد منهما بالآخر ولا يلغي الحرب بينهما فإذا جاءت تفرقة الأمر جد فيها وقام بها لجمعيته مقويا لها بالأمر فإذا جاءت حالة الجمعية تقوى بها على تفرقة الأمر والبقاء به فيرد من هذا على هذا ومن هذا على هذا فإذا جاءت تفرقة الأمر قال: أتفرق لله ليجمعني عليه وإذا جاءت الجمعية قال: أجتمع لأتقوى على أمر الله ورضاه لا لمجرد حظي ولذتي من هذه الجمعية فما أكثر من يغيب بحظه منها ولذتها ونعيمها وطيبها عن مراد الله منه.(1\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "237",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13234",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتدبر هذا الفصل وأحط به علما فإنه من قواعد السلوك والمعرفة وكم قد زلت فيه من أقدام وضلت فيه من أفهام ومن عرف ما عند الناس ونهض من مدينة طبعه إلى السير إلى الله عرف مقداره فمن عرفه عرف مجامع الطرق ومفترق الطرق التي تفرقت بالسالكين وأهل العلم والنظر والله سبحانه الموفق للصواب.  فصل أصل ذلك كله هو الفرق بين محبة الله ورضاه ومشيئته وإرادته الكونية ومنشأ الضلال في هذا الباب من التسوية بينهما أو اعتقاد تلازمهما فسوى بينهما الجبرية والقدرية وقالوا: المشيئة والمحبة سواء أو متلازمان. ثم اختلفوا فقالت الجبرية: الكون كله - قضاؤه وقدره طاعته ومعاصيه خيره وشره - فهو محبوبه. ثم من تعبد منهم وسلك على هذا الاعتقاد رأى أن الأفعال جميعها محبوبة للرب إذ هي صادرة عن مشيئته وهي عين محبته ورضاه وفني في هذا الشهود الذي كان اعتقادا ثم صار مشهدا فلزم من ذلك ما تقدم من أنه لا يستقبح سيئة ولا يستنكر منكرا وتلك اللوازم الباطلة المنافية للشرائع جملة. ولما ورد على هؤلاء قوله تعالى والله لا يحب الفساد [البقرة: 205]  ولا يرضى لعباده الكفر [الزمر: 7] وقوله: كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها [الإسراء: 38] واعتاص عليهم كيف يكون مكروها له وقد أراد كونه وكيف لا يحبه وقد أراد وجوده أولوا هذه الآيات ونحوها بأنه لا يحبها دينا ولا يرضاها شرعا ويكرهها كذلك بمعنى أنه لا يشرعها مع كونه يحب وجودها ويريده. فشهدوا في مقام الفناء كونها محبوبة الوجود ورأوا أن المحبة تقتضي موافقة المحبوب فيما يحبه والكون كله محبوبه فأحبوا - بزعمهم - جميع ما في الكون وكذبوا وتناقضوا فإنما أحبوا ما تهواه نفوسهم وإرادتهم فإذا كان في الكون ما لا يلائم أحدهم ويكرهه طبعه أبغضه ونفر منه وكرهه مع كونه مرادا للمحبوب فأين الموافقة وإنما وافقوا أهواءهم وإراداتهم.(1\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "238",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13235",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم بنوا على ذلك أنهم مأمورون بالرضاء بالقضاء وهذه قضاء من قضائه فنحن نرضى بها فما لنا ولإنكارها ومعاداة فاعلها ونحن مأمورون بالرضا بالقضاء فتركب من اعتقادهم كونها محبوبة للرب وكونهم مأمورين بالرضا بها والتسوية بين الأفعال وعدم استقباح شيء منها أو إنكاره. وانضاف إلى ذلك اعتقادهم جبر العبد عليها وأنها ليست فعله. فلزم من ذلك رفع الأمر والنهي وطي بساط الشرع والاستسلام للقدر والذهاب معه حيث كان وصارت لهم هذه العقائد مشاهد وكل أحد إذا ارتاض وصفا باطنه تجلى له فيه صورة معتقده فهو يشاهدها بقلبه فيظنها حقا فهذا حال هذه الطائفة. وقالت القدرية النفاة: ليست المعاصي محبوبة لله ولا مرضية له فليست مقدرة له ولا مقضية فهي خارجة عن مشيئته وخلقه. قالوا: ونحن مأمورون بالرضا بالقضاء ومأمورون بسخط هذه الأفعال وبغضها وكراهتها فليست إذا بقضاء الله إذ الرضا والقضاء متلازمان كما أن محبته ومشيئته متلازمان أو متحدان. وهؤلاء لا يجيء من سالكيهم وعبادهم ما جاء من سالكي الجبرية وعبادهم البتة لمنافاة عقائدهم لمشاهد أولئك وعقائدهم بل غايتهم التعبد والورع وهم في تعظيم الذنوب والمعاصي خير من أولئك وأولئك قد يكونون أقوى حالا وتأثيرا منهم. فمنشأ الغلط التسوية بين المشيئة والمحبة واعتقادهم وجوب الرضا بالقضاء ونحن نبين ما في الفصلين إن شاء الله تعالى فإن القوة لله جميعا.  [فصل الفرق بين المشيئة والمحبة] فأما المشيئة والمحبة فقد دل على الفرق بينهما القرآن والسنة والعقل والفطرة وإجماع المسلمين. قال الله تعالى يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول [النساء: 108](1\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "239",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13236",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقد أخبر أنه لا يرضى بما يبيتونه من القول المتضمن البهت ورمي البريء وشهادة الزور وبراءة الجاني فإن الآية نزلت في قصة هذا شأنها مع أن ذلك كله بمشيئته إذ أجمع المسلمون على أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولم يخالف في ذلك إلا القدرية المجوسية الذين يقولون: يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء. وتأويل من تأول الآية على أنه لا يرضاه دينا مع محبته لوقوعه مما ينبغي أن يصان كلام الله عنه إذ المعنى عندهم أنه محبوب له ولكن لا يثاب فاعله عليه فهو محبوب بالمشيئة غير مثاب عليه شرعا. ومذهب سلف الأمة وأئمتها أنه مسخوط للرب مكروه له قدرا وشرعا مع أنه وجد بمشيئته وقضائه فإنه يخلق ما يحب وما يكره وهذا كما أن الأعيان كلها خلقه وفيها ما يبغضه ويكرهه - كإبليس وجنوده وسائر الأعيان الخبيثة - وفيها ما يحبه ويرضاه - كأنبيائه ورسله وملائكته وأوليائه - وهكذا الأفعال كلها منها ما هو محبوب له وما هو مكروه له خلقه لحكمة له في خلق ما يكره ويبغض كالأعيان وقال تعالى والله لا يحب الفساد [البقرة: 205] مع أنه بمشيئته وقضائه وقدره وقال تعالى إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم [الزمر: 7] فالكفر والشكر واقعان بمشيئته وقدره وأحدهما محبوب له مرض والآخر مبغوض له مسخوط. وكذلك قوله عقيب ما نهى عنه من الشرك والظلم والفواحش والكبر كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها [الإسراء: 38] فهو مكروه له مع وقوعه بمشيئته وقضائه وقدره. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال فهذه كراهة لموجود تعلقت به المشيئة. وفي المسند إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته فهذه محبة(1\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "240",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13237",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكراهة لأمرين موجودين اجتمعا في المشيئة وافترقا في المحبة والكراهة وهذا في الكتاب والسنة أكثر من أن يذكر جميعه. وقد فطر الله عباده على قولهم: هذا الفعل يحبه الله وهذا يكرهه الله ويبغضه وفلان يفعل ما لا يحبه الله والقرآن مملوء بذكر سخطه وغضبه على أعدائه وذلك صفة قائمة به يترتب عليها العذاب واللعنة لا أن السخط هو نفس العذاب واللعنة بل هما أثر السخط والغضب وموجبهما ولهذا يفرق بينهما كما قال تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما [النساء: 93] ففرق بين عذابه وغضبه ولعنته وجعل كل واحد غير الآخر. وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك . فتأمل ذكر استعاذته صلى الله عليه وسلم بصفة الرضا من صفة السخط وبفعل المعافاة من فعل العقوبة فالأول للصفة والثاني لأثرها المترتب عليها ثم ربط ذلك كله بذاته سبحانه وأن ذلك كله راجع إليه وحده لا إلى غيره فما أعوذ منه واقع بمشيئتك وإرادتك وما أعوذ به من رضاك ومعافاتك هو بمشيئتك وإرادتك إن شئت أن ترضى عن عبدك وتعافيه وإن شئت أن تغضب عليه وتعاقبه فإعاذتي مما أكره وأحذر ومنعه أن يحل بي هو بمشيئتك أيضا فالمحبوب والمكروه كله بقضائك ومشيئتك فعياذي بك منك عياذي بحولك وقوتك وقدرتك ورحمتك وإحسانك مما يكون بحولك وقوتك وقدرتك وعدلك وحكمتك فلا أستعيذ بغيرك من غيرك ولا أستعيذ إلا بك من شيء هو صادر عن مشيئتك وخلقك بل هو منك ولا أستعيذ بغيرك من شيء هو صادر عن مشيئتك وقضائك بل أنت الذي تعيذني بمشيئتك مما هو كائن بمشيئتك فأعوذ بك منك. ولا يعلم ما في هذه الكلمات - من التوحيد والمعارف والعبودية - إلا الراسخون في(1\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "241",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13238",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العلم بالله ومعرفته ومعرفة عبوديته. وأشرنا إلى شيء يسير من معناها ولو استقصينا شرحها لقام منه سفر ضخم ولكن قد فتح لك الباب فإن دخلت رأيت ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. والمقصود أن انقسام الكون في أعيانه وصفاته وأفعاله إلى محبوب للرب مرضي له ومسخوط مبغوض له مكروه له أمر معلوم بجميع أنواع الأدلة من العقل والنقل والفطرة والاعتبار فمن سوى بين ذلك كله فقد خالف فطرة الله التي فطر عليها عباده وخالف المعقول والمنقول وخرج عما جاءت به الرسل. ولأي شيء نوع الله سبحانه العقوبات البليغة في الدنيا والآخرة وأشهد عباده منها ما أشهدهم لولا شدة غضبه وسخطه على الفاعلين لما اشتدت كراهته وبغضه له فأوجبت تلك الكراهة والبغض منه وقوع أنواع المكاره بهم كما أن محبته لما يحبه من الأفعال ويرضاه أوجبت وقوع أنواع المحاب لمن فعلها وشهود ما في العالم من إكرام أوليائه وإتمام نعمه عليهم ونصرهم وإعزازهم وإهانة أعدائه وعقوبتهم وإيقاع المكاره بهم من أدل الدليل على حبه وبغضه وكراهته بل نفس موالاته لمن والاه ومعاداته لمن عاداه هي عين محبته وبغضه فإن الموالاة أصلها الحب والمعاداة أصلها البغض فإنكار صفة المحبة والكراهة إنكار لحقيقة الموالاة والمعاداة. وبالجملة فشهود القلوب لمحبته وكراهته كشهود العيان لكرامته وإهانته.  [فصل حديث الرضا بالقضاء] فصل وأما حديث الرضا بالقضاء فيقال: أولا: بأي كتاب أم بأي سنة أم بأي معقول علمتم وجوب الرضا بكل ما يقضيه ويقدره بل بجواز ذلك فضلا عن وجوبه هذا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأدلة العقول ليس في شيء منها الأمر بذلك ولا إباحته. بل من المقضي ما يرضى به ومنه ما يسخطه ويمقته فلا نرضى بكل قضاء كما لا يرضى به القاضي لأقضيته سبحانه بل من القضاء ما يسخطه كما أن من الأعيان المقضية ما يغضب عليه ويمقت عليه ويلعن ويذم. ويقال ثانيا: هاهنا أمران قضاء وهو فعل قائم بذات الرب تعالى ومقضي وهو المفعول المنفصل عنه فالقضاء خير كله وعدل وحكمة فيرضى به كله والمقضي(1\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "242",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13239",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قسمان: منه ما يرضى به ومنه ما لا يرضى به. وهذا جواب من يقول: الفعل غير المفعول والقضاء غير المقضي. وأما من يقول: إن الفعل هو عين المفعول والقضاء هو عين المقضي فلا يمكنه أن يجيب بهذا الجواب. ويقال ثالثا: القضاء له وجهان: أحدهما: تعلقه بالرب تعالى ونسبته إليه فمن هذا الوجه يرضى به كله. الوجه الثاني: تعلقه بالعبد ونسبته إليه فمن هذا الوجه ينقسم إلى ما يرضى به وإلى ما لا يرضى به. مثال ذلك: قتل النفس - مثلا - له اعتباران فمن حيث إنه قدره الله وقضاه وكتبه وشاءه وجعله أجلا للمقتول ونهاية لعمره يرضى به ومن حيث إنه صدر من القاتل وباشره وكسبه وأقدم عليه باختياره وعصى الله بفعله يسخطه ولا يرضى به. فهذه نهاية أقدام العالم المقرين بالنبوات في هذه المسألة ومفترق طرقهم قد حصرت لك أقوالهم ومآخذهم وأصول تلك الأقوال بحيث لا يشذ منها شيء وبالله التوفيق. ولا تنكر الإطالة في هذا الموضع فإنه مزلة أقدام الخلق وما نجا من معاطبه إلا أهل البصائر والمعرفة بالله وصفاته وأمره وشرائعه.  [فصل توبة العامة] ثم قال صاحب المنازل: فتوبة العامة الاستكثار من الطاعة وهو يدعو إلى جحود نعمة الستر والإمهال ورؤية الحق على الله والاستغناء - الذي هو عين الجبروت - والتوثب على الله. quot; العامة quot; عندهم من عدا باب الجمع والفناء وإن كانوا أهل سلوك وإرادة وعلم هذا مرادهم بالعامة ويسمونهم quot; أهل الفرق quot; ويسميهم غلاتهم quot; المحجوبين quot;.(1\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "243",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13240",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومراده أن توبتهم مدخولة عند الخواص منقوصة فإن توبتهم من استكثارهم لما يأتون به من الحسنات والطاعات أي رؤيتهم كثرتها وذلك يتضمن ثلاث مفاسد عند الخاصة: إحداها: أن حسناتهم التي يأتون بها سيئات بالنسبة إلى مقام الخاصة فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين فهم محتاجون إلى التوبة من هذه الحسنات فلغفلتهم - باستكثارها - عن عيوبها ورؤيتها وملاحظتها هم جاحدون نعمة الله في سترها عليهم وإمهالهم كستره على أهل الذنوب الظاهرة تحت ستره وإمهاله لكن أهل الذنوب مقرون بستره وإمهاله وهؤلاء جاحدون لذلك لأنهم قد توفرت هممهم على استكثارهم من الحسنات دون مطالعة عيب النفس والعمل والتفتيش على دسائسهما وأن الحامل لهم على استكثارها رؤيتها والإعجاب بها ولو تفرغوا لتفتيشها ومحاسبة النفس عليها والتمييز بين ما فيها من الحظ والحق لشغلهم ذلك عن استكثارها ولأجل هذا كان من عدم الحضور والمراقبة والجمعية في العمل خف عليه واستكثر منه فكثر في عينه وصار بمنزلة العادة فإذا أخذ نفسه بتخليصها من الشوائب وتنقيتها من الكدر وما في ذلك من شوك الرياء وشبرق الإعجاب وجمعية القلب والهم على الله بكليته وجد له ثقلا كالجبال وقل في عينه ولكن إذا وجد حلاوته سهل عليه حمل أثقاله والقيام بأعبائه والتلذذ والتنعم به مع ثقله. وإذا أردت فهم هذا القدر كما ينبغي فانظر وقت أخذك في القراءة إذا أعرضت عن واجبها وتدبرها وتعقلها وفهم ما أريد بكل آية وحظك من الخطاب بها وتنزيلها على أدواء قلبك والتقيد بها كيف تدرك الختمة - أو أكثرها أو ما قرأت منها - بسهولة وخفة مستكثرا من القراءة فإذا ألزمت نفسك التدبر ومعرفة المراد والنظر إلى ما يخصك منه والتعبد به وتنزيل دوائه على أدواء قلبك والاستشفاء به لم تكد تجوز السورة أو الآية إلى غيرها وكذلك إذا جمعت قلبك كله على ركعتين أعطيتهما ما تقدر عليه من الحضور والخشوع والمراقبة لم تكد أن تصلي غيرهما إلا بجهد فإذا خلا القلب من ذلك عددت الركعات بلا حساب فالاستكثار من الطاعات دون مراعاة آفاتها وعيوبها ليتوب منها هي توبة العامة. المفسدة الثانية: رؤية فاعلها أن له حقا على الله في مجازاته على تلك الحسنات بالجنات والنعيم والرضوان ولهذا كثرت في عينه مع غفلته عن أعماله ولو كانت أعمال الثقلين لا تستقل بدخول الجنة ولا النجاة من النار وأنه لن ينجو أحد البتة من النار بعمله إلا بعفو الله ورحمته.(1\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "244",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13241",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالثة: استشعارهم الاستغناء عن مغفرة الله وعفوه بما يشهدون من استحقاق المغفرة والثواب بحسناتهم وطاعاتهم فإن ظنهم أن حصول النجاة والثواب بطاعاتهم واستكثارهم منها لذلك وكثرتها في عيونهم إظهار للاستغناء عن مغفرة الله وعفوه وذلك عين الجبروت والتوثب على الله. ولا ريب أن مجرد القيام بأعمال الجوارح من غير حضور ولا مراقبة ولا إقبال على الله قد يتضمن تلك المفاسد الثلاث وغيرها مع أنه قليل المنفعة دنيا وأخرى كثير المؤنة فهو كالعمل على غير متابعة الأمر والإخلاص للمعبود فإنه - وإن كثر - متعب غير مفيد فهكذا العمل الخارجي القشوري بمنزلة النخالة الكثيرة المنظر القليلة الفائدة فإن الله لا يكتب للعبد من صلاته إلا ما عقل منها. وهكذا ينبغي أن يكون سائر الأعمال التي يؤمر بالحضور فيها والخشوع كالطواف وأعمال المناسك ونحوها. فإن انضاف إلى ذلك إحسان ظنه بها واستكثارها وعدم التفاته إلى عيوبها ونقائصها والتوبة إلى الله واستغفاره منها جاءت تلك المفاسد التي ذكرها وما هو أكثر منها. وقد ظن بعض الشارحين لكلامه أن مراده الإزراء بالاستكثار من الطاعات وأن مجرد الفناء والشهود والاستغراق في حضرة المراقبة خير منها وأنفع وهذا باطل وكذب عليه وعلى الطريقة والحقيقة. ولا ريب أن هذه طريقة المنحرفين من السالكين وهو تعبد بمراد العبد وحظه من الله وتقديم له على مراد الله ومحابه من العبد. فإن للعبد حظا وعليه حقا فحق الله عليه تنفيذ أوامره والقيام بها والاستكثار من طاعاته بحسب الإمكان والاشتغال بمحاربة أعدائه ومجادلتهم ولو فرق ذلك جمعيته وشتت حضوره فهذا هو العبودية التي هي مراد الله. وأما الجمعية والمراقبة والاستغراق في الفناء وتعطيل الحواس والجوارح عن إرسالها في الطاعات والاستكثار منها فهذا مجرد حظ العبد ومراده وهو - بلا شك - أنعم وألذ وأطيب من تفرقة الاستكثار من الطاعات لا سيما إذا شهدوا تفرقة المستكثرين منها وقلة نصيبهم من الجمعية فإنهم تشتد نفرتهم منهم ويعيبون عليهم ويزرون بهم(1\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "245",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13242",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد يسمون من رأوه كثير الصلاة quot; ثقاقيل الحصر quot; ومن رأوه كثير الطواف quot; حمر المدار quot; ونحو ذلك. وقد أخبرني من رأى ابن سبعين قاعدا في طرف المسجد الحرام وهو يسخر من الطائفين ويذمهم ويقول: كأنهم الحمر حول المدار ونحو هذا وكان يقول: إقبالهم على الجمعية أفضل لهم. ولا ريب أن هؤلاء مؤثرون لحظوظهم على حقوق ربهم واقفون مع أذواقهم ومواجيدهم فانين بها عن حق الله ومراده. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يحكي عن بعض العارفين أنه قال: العامة يعبدون الله وهؤلاء يعبدون نفوسهم. وصدق - رحمه الله - فإن هؤلاء المستكثرين من الطاعات الذائقين لروح العبادة الراجين ثوابها قد رفع لهم علم الثواب وأنه مسبب عن الأعمال فشمروا إليه راجين أن تقبل منهم أعمالهم - على عيبها ونقصها - بفضل الله خائفين أن ترد عليهم إذ لا تصلح لله ولا تليق به فيردها بعدله وحقه فهم مستكثرون بجهدهم من طاعاته بين خوفه ورجائه والإزراء على أنفسهم والحرص على استعمال جوارحهم في كل وجه من وجوه الطاعات رجاء مغفرته ورحمته وطمعا في النجاة فهم يقاتلون بكل سلاح لعلهم ينجون. قالوا: وأما ما أنتم فيه من الفناء ومشاهدة الحقيقة والقيومية والاستغراق في ذلك فنحن في شغل عنه بتنفيذ أوامر صاحب الحقيقة والقيومية والاستكثار من(1\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "246",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13243",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طاعاته وتصريف الجوارح في مرضاته كما أنكم - بفنائكم واستغراقكم في شهود الحقيقة وحضرة الربوبية - في شغل عما نحن فيه فكيف كنتم أولى بالله منا ونحن في حقوقه ومراده منا وأنتم في حظوظكم ومرادكم منه قالوا: وقد ضرب لنا ولكم مثل مطابق لمن تأمله بملك ادعى محبته مملوكان من مماليكه فاستحضرهما وسألهما عن ذلك فقالا: أنت أحب شيء إلينا ولا نؤثر عليك غيرك فقال: إن كنتما صادقين فاذهبا إلى سائر مماليكي وعرفاهم بحقوقي عليهم وأخبراهم بما يرضيني عنهم ويسخطني عليهم وابذلا قواكما في تخليصهم من مساخطي ونفذا فيهم أوامري واصبرا على أذاهم وعودا مريضهم وشيعا ميتهم وأعينا ضعيفهم بقواكما وأموالكما وجاهكما ثم اذهبا إلى بلاد أعدائي بهذه الملطفات وخالطوهم وادعوهم إلى موالاتي واشتغلا بهم ولا تخافوهم فعندهم من جندي وأوليائي من يكفيكما شرهم. فأما أحد المملوكين فقام مبادرا إلى امتثال أمره وبعد عن حضرته في طلب مرضاته. وأما الآخر فقال له: لقد غلب على قلبي من محبتك والاستغراق في مشاهدة حضرتك وجمالك ما لا أقدر معه على مفارقة حضرتك ومشاهدتك. فقال له: إن رضائي في أن تذهب مع صاحبك فتفعل كما فعل وإن بعدت عن مشاهدتي. فقال: لا أوثر على مشاهدتك والاستغراق فيك شيئا. فأي المملوكين أحب إلى هذا الملك وأحظى عنده وأخص به وأقرب إليه أهذا الذي آثر حظه ومراده وما فيه لذته على مراد الملك وأمره ورضاه أم ذلك الذي ذهب في تنفيذ أوامره وفرغ لها قواه وجوارحه وتفرق فيها في كل وجه فما أولاه أن يجمعه أستاذه عليه بعد قضاء أوامره وفراغه منها ويجعله من خاصته وأهل قربه! وما أولى صاحبه بأن يبعده عن قربه ويحجبه عن مشاهدته ويفرقه عن جمعيته عليه ويبدله بالتفرقة التي هرب منها - في تفرقة أمره - تفرقة في هواه ومراده بطبعه وبنفسه. فليتأمل اللبيب هذا حق التأمل وليفتح عين بصيرته ويسير بقلبه فينظر في مقامات العبيد وأحوالهم وهممهم ومن هو أولى بالعبودية ومن هو البعيد منها. ولا ريب أن من أظهر الاستغناء عن الله وطاعاته وتوثب عليه وأورثته الطاعات(1\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "247",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13244",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جبروتا وحجبا عن رؤيته عيوب نفسه وعمله وكثرت حسناته في عينه فهو أبغض الخلق إلى الله تعالى وأبعدهم عن العبودية وأقربهم إلى الهلاك لا من استكثر من الباقيات الصالحات ومن مثل ما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم من سأله مرافقته في الجنة فقال: أعني على نفسك بكثرة السجود ومن قوله تعالى كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون [الذاريات: 17] قال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر ثم جلسوا يستغفرون وقال النبي صلى الله عليه وسلم: تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد وقال لمن سأله أن يوصيه بشيء يتشبث به: لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله . والدين كله استكثار من الطاعات وأحب خلق الله إليه أعظمهم استكثارا منها. وفي الحديث الصحيح الإلهي ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه. فهذا جزاؤه وكرامته للمستكثرين من طاعته لا لأهل الفناء المستغرقين في شهود الربوبية. وقال صلى الله عليه وسلم لآخر: عليك بكثرة السجود فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها(1\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "248",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13245",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "درجة وحط عنك بها خطيئة .  فصل وهذه الطريقة في الإرادة والطلب نظير طريقة التجهم في العلم والمعرفة تلك تعطيل للصفات والتوحيد وهذه تعطيل للأمر والعبودية وانظر إلى هذا النسب والإخاء الذي بينهما كيف شرك بينهما في اللفظ كما شرك بينهما في المعنى فتلك طريقة النفي وهذه طريقة الفناء تلك نفي لصفات المعبود وهذه فناء عن عبوديته. وأما نفي خواص العبيد وفناؤهم فأمر وراء نفي أولئك وفنائهم لأن نفيهم لصفات النقائص وما يضاد أوصاف الكمال وفناءهم عن إرادة غيره ومحبته وخوفه ورجائه ففناؤهم عن كل ما يخالف أمره ومحابه ونفيهم لكل ما يضاد كماله وجلاله ومن له فرقان فهو يعرف هذا وهذا وغيره لا اعتبار به. وصاحب المنازل - رحمه الله - كان شديد الإثبات للأسماء والصفات مضادا للجهمية من كل وجه وله كتاب الفاروق استوعب فيه أحاديث الصفات وآثارها ولم يسبق إلى مثله وكتاب ذم الكلام وأهله طريقته فيه أحسن طريقة وكتاب لطيف في أصول الدين يسلك فيه طريقة أهل الإثبات ويقررها وله مع الجهمية المقامات المشهودة وسعوا بقتله إلى السلطان مرارا عديدة والله يعصمه منهم ورموه بالتشبيه والتجسيم على عادة بهت الجهمية والمعتزلة لأهل السنة والحديث الذين لم يتحيزوا إلى مقالة غير ما دل عليه الكتاب والسنة. ولكنه - رحمه الله - كانت طريقته في السلوك مضادة لطريقته في الأسماء والصفات فإنه لا يقدم على الفناء شيئا ويراه الغاية التي يشمر إليها السالكون والعلم الذي يؤمه السائرون واستولى عليه ذوق الفناء وشهود الجمع وعظم موقعه عنده واتسعت إشاراته إليه وتنوعت به الطرق الموصلة إليه علما وحالا وذوقا فتضمن ذلك تعطيلا من العبودية باديا على صفحات كلامه. وزان تعطيل الجهمية لما اقتضته أصولهم من نفي الصفات.(1\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "249",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13246",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولما اجتمع التعطيلان لمن اجتمعا له - من السالكين - تولد منهما القول بوحدة الوجود المتضمن لإنكار الصانع وصفاته وعبوديته وعصم الله أبا إسماعيل باعتصامه بطريقة السلف في إثبات الصفات فأشرف من عقبة الفناء على وادي الاتحاد بأرض الحلول فلم يسلك فيها ولوقوفه على عقبته وإشرافه على تلك الربوع الخراب ودعوة الخلق إلى الوقوف على تلك العقبة أقسمت الاتحادية بالله جهد أيمانهم إنه لمعهم ومنهم وحاشاه. وتولى شرح كتابه أشدهم في الاتحاد طريقة وأعظمهم فيه مبالغة وعنادا لأهل الفرق العفيف التلمساني ونزل الجمع الذي يشير إليه صاحب المنازل على جمع الوجود وهو لم يرد به - حيث ذكره - إلا جمع الشهود ولكن الألفاظ مجملة وصادفت قلبا مشحونا بالاتحاد ولسانا فصيحا متمكنا من التعبير عن المراد ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور [النور: 40] .  [فصل توبة الأوساط] قال: وتوبة الأوساط من استقلال العبد المعصية وهو عين الجرأة والمبارزة ومحض التزين بالحمية والاسترسال للقطيعة. يريد أن استقلال المعصية ذنب كما أن استكثار الطاعة ذنب والعارف من صغرت حسناته في عينه وعظمت ذنوبه عنده وكلما صغرت الحسنات في عينك كبرت عند الله وكلما كبرت وعظمت في قلبك قلت وصغرت عند الله وسيئاتك بالعكس ومن عرف الله وحقه وما ينبغي لعظمته من العبودية تلاشت حسناته عنده وصغرت جدا في عينه وعلم أنها ليست مما ينجو بها من عذابه وأن الذي يليق بعزته ويصلح له من العبودية أمر آخر وكلما استكثر منها استقلها واستصغرها لأنه كلما استكثر منها فتحت له أبواب المعرفة بالله والقرب منه فشاهد قلبه من عظمته سبحانه وجلاله ما يستصغر معه جميع أعماله ولو كانت أعمال الثقلين وإذا كثرت في عينه وعظمت دل على(1\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "250",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13247",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنه محجوب عن الله غير عارف به وبما ينبغي له وبحسب هذه المعرفة ومعرفته بنفسه يستكثر ذنوبه وتعظم في عينه لمشاهدته الحق ومستحقه وتقصيره في القيام به وإيقاعه على الوجه اللائق الموافق لما يحبه الرب ويرضاه من كل وجه. إذا عرف هذا فاستقلال العبد المعصية عين الجرأة على الله وجهل بقدر من عصاه وبقدر حقه وإنما كان مبارزة لأنه إذا استصغر المعصية واستقلها هان عليه أمرها وخفت على قلبه وذلك نوع مبارزة. وأما قوله: ومحض التزين بالحمية أي بالمحاماة عن النفس وإظهار براءة ساحتها لا سيما إن انضاف إلى ذلك مشاهدة الحقيقة والاحتجاج بالقدر وقوله: وأي ذنب لي والمحرك لي غيري والفاعل في سواي وإنما أنا كالميت بين يدي الغاسل وما حيلة من ليس له حيلة وما قدرة من ليس له قدرة ونحو هذا مما يتضمن الجرأة على الله ومبارزته والمحاماة عن النفس واستصغار ذنوبه ومعاصيه إذا أضافها إلى الحكم فيسترسل إذا للقطيعة وهي المقاطعة لربه والانقطاع عنه فيصير خصما لله مع نفسه وشيطانه وهذا حال المحتجين بالقدر على الذنوب فإنهم خصماء الله عز وجل وهم مع الشياطين والنفوس على الله وهذا غاية البعد والطرد والانقطاع عن الله . فإن قلت: فكيف كانت توبة العامة من استكثار الطاعات وتوبة من هم أخص منهم وأعلى درجة من استقلال المعصية وهلا كان الأمر بالضد . قلت: الأوساط لما كانوا أشد طلبا لعيوب النفس والعمل وأكثر تفتيشا عليها انكشف لهم من ذنوبهم ومعاصيهم ما لم ينكشف للعامة وحرص هؤلاء على تنقية أنفسهم من الآفات والتفتيش على عيوب الأعمال فاستقلال السيئات آفة هؤلاء وقاطع طريقهم واستكثار الحسنات وعظمها في قلوب أولئك آفتهم وقاطع طريقهم فذكر ما هو الأخص الأغلب على كل واحدة من الطائفتين.  [فصل توبة الخواص] قال: وتوبة الخواص من تضييع الوقت فإنه يفضي إلى درك النقيصة ويطفئ نور المراقبة ويكدر عين الصحبة.(1\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "251",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13248",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليس مراده بتضييع الوقت إضاعته في الاشتغال بمعصية أو لغو أو الإعراض عن واجبه وفرضه فإنهم لو أضاعوه بهذا المعنى لم يكونوا من الخواص بل هذه توبة العامة بعينها والوقت عند القوم أخص منه في لغة العرب حتى إن منهم من يقول: الوقت هو الحق ومنهم من يقول: استغراق رسم العبد في وجود الحق يشيرون إلى الفناء في حضرة الجمع والغالب على اصطلاحهم أنه من الإقبال على الله بالمراقبة والحضور والفناء في الوحدانية ويقولون: هو صاحب وقت مع الله فخصوا الوقت بهذا الاسم تخصيصا للفظ العام ببعض أفراده وإلا فكل من هو مشغول بأمر يعنى به فان في شهوده وطلبه فله وقت معه بل أوقاته مستغرقة فيه. فتوبة هؤلاء من إضاعة هذا الوقت الخاص الذي هو وقت وجد صادق وحال صحيحة مع الله لا يكدرها الأغيار. وربما يمر بك إشباع القول في الوقت والفرق بين الصحيح منه والفاسد فيما بعد إن شاء الله. والقصد أن إضاعة الوقت الصحيح يدعو إلى درك النقيصة إذ صاحب حفظه مترق على درجات الكمال فإذا أضاعه لم يقف موضعه بل ينزل إلى درجات من النقص فإن لم يكن في تقدم فهو متأخر ولا بد فالعبد سائر لا واقف فإما إلى فوق وإما إلى أسفل إما إلى أمام وإما إلى وراء وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوف البتة ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي إلى الجنة أو النار فمسرع ومبطئ ومتقدم ومتأخر وليس في الطريق واقف البتة وإنما يتخالفون في جهة المسير وفي السرعة والبطء إنها لإحدى الكبر - نذيرا للبشر - لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر [المدثر: 35 - 37] ولم يذكر واقفا إذ لا منزل بين الجنة والنار ولا طريق لسالك إلى غير الدارين البتة فمن لم يتقدم إلى هذه بالأعمال الصالحة فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة. فإن قلت: كل مجد في طلب شيء لا بد أن يعرض له وقفة وفتور ثم ينهض إلى طلبه. قلت: لا بد من ذلك ولكن صاحب الوقفة له حالان: إما أن يقف ليجم نفسه ويعدها للسير فهذا وقفته سير ولا تضره الوقفة فإن لكل عمل شرة ولكل شرة فترة.(1\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "252",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13249",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإما أن يقف لداع دعاه من ورائه وجاذب جذبه من خلفه فإن أجابه أخره ولا بد فإن تداركه الله برحمته وأطلعه على سبق الركب له وعلى تأخره نهض نهضة الغضبان الآسف على الانقطاع ووثب وجمز واشتد سعيا ليلحق الركب وإن استمر مع داعي التأخر وأصغى إليه لم يرض برده إلى حالته الأولى من الغفلة وإجابة داعي الهوى حتى يرده إلى أسوأ منها وأنزل دركا وهو بمنزلة النكسة الشديدة عقيب الإبلال من المرض فإنها أخطر منه وأصعب. وبالجملة فإن تدارك الله سبحانه وتعالى هذا العبد بجذبة منه من يد عدوه وتخليصه وإلا فهو في تأخر إلى الممات راجع القهقرى ناكص على عقبيه أو مول ظهره ولا قوة إلا بالله والمعصوم من عصمه الله. وقوله: ويطفئ نور المراقبة. يعني أن المراقبة تعطي نورا كاشفا لحقائق المعرفة والعبودية وإضاعة الوقت تغطي ذلك النور وتكدر عين الصحبة مع الله فإن صاحب الوقت مع صحبة الله وله مع الله معية خاصة بحسب حفظه وقته مع الله فإن كان مع الله كان الله معه فإذا أضاع وقته كدر عين هذه المعية الخاصة وتعرض لقطع هذه الصحبة فلا شيء أضر على العارف بالله من إضاعة وقته مع الله ويخشى عليه إن لم يتداركه بالرجوع أن تستمر الإضاعة إلى يوم القيامة فتكون حسرته وندامته أعظم من حسرة غيره وندامته وحجابه عن الله أشد من حجاب من سواه ويكون حاله شبيها بحال قوم يؤمر بهم إلى الجنة حتى إذا عاينوها وشاهدوا ما فيها صرفت وجوههم عنها إلى النار فإذن توبة الخواص تكون من تضييع أوقاتهم مع الله التي تدعو إلى هذه الأمور.  [فصل مقام التوبة] فصل وفوق هذا مقام آخر من التوبة أرفع منه وأخص لا يعرفه إلا الخواص المحبون الذين يستقلون في حق محبوبهم جميع أعمالهم وأحوالهم وأقوالهم فلا يرونها قط إلا بعين النقص والإزراء عليها ويرون شأن محبوبهم أعظم وقدره أعلى من أن يرضوا نفوسهم وأعمالهم له فهم أشد شيء احتقارا لها وإزراء عليها وإذا غفلوا عن مراد محبوبهم منهم ولم يوفوه حقه تابوا إليه من ذلك توبة أرباب الكبائر منها فالتوبة لا(1\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "253",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13250",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تفارقهم أبدا وتوبتهم لون وتوبة غيرهم لون وفوق كل ذي علم عليم [يوسف: 76] وكلما ازدادوا حبا له ازدادوا معرفة بحقه وشهودا لتقصيرهم فعظمت لذلك توبتهم ولذلك كان خوفهم أشد وإزراؤهم على أنفسهم أعظم وما يتوب منه هؤلاء قد يكون من كبار حسنات غيرهم. وبالجملة فتوبة المحبين الصادقين العارفين بربهم وبحقه هي التوبة وسواهم محجوب عنها وفوق هذه توبة أخرى الأولى بنا الإضراب عنها صفحا.  فصل قال صاحب المنازل: ولا يتم مقام التوبة إلا بالانتهاء إلى التوبة مما دون الحق ثم رؤية علة التوبة ثم التوبة من رؤية تلك العلة. التوبة مما دون الله أن يخرج العبد بقلبه عن إرادة ما سوى الله تعالى فيعبده وحده لا شريك له بأمره وباستعانته فيكون كله له وبه. وهذا أمر لا يصح إلا لمن استولى عليه سلطان المحبة فامتلأ قلبه من الله محبة له وإجلالا وتعظيما وذلا وخضوعا وانكسارا بين يديه وافتقارا إليه. فإذا صح له ذلك بقيت عليه عندهم بقية أخرى هي علة في توبته وهي شعوره بها ورؤيته لها وعدم فنائه عنها وذلك بالنسبة إلى مقامه وحاله ذنب فيتوب من هذه الرؤية. فهاهنا ثلاثة أمور: توبته مما سوى الله ورؤيته هذه التوبة وهي علتها وتوبته من رؤية تلك الرؤية وهذا عند القوم الغاية التي لا شيء بعدها والنهاية التي لا تكون إلا لخاصة الخاصة ولعمر الله إن رؤية العبد فعله واحتجابه به عن ربه ومشاهدته له علة في طريقه موجبة للتوبة. وأما رؤيته له واقعا بمنة الله وفضله وحوله وقوته وإعانته فهذا أكمل من غيبته عنه وهو أكمل من المقام الذي يشيرون إليه وأتم عبودية وأدعى للمحبة وشهود المنة إذ يستحيل شهود المنة على شيء لا شعور للشاهد به البتة.(1\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "254",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13251",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والذي ساقهم إلى ذلك سلوك وادي الفناء في الشهود فلا يشهد مع الحق سببا ولا وسيلة ولا رسما البتة. ونحن لا ننكر ذوق هذا المقام وأن السالك ينتهي إليه ويجد له حلاوة ووجدا ولذة لا يجدها لغيره البتة وإنما يطالب أربابه والمشمرون إليه بأمر وراءه وهو أن هذا هو الكمال وهو أكمل من حال من شهد أفعاله ورآها ورأى تفاصيلها مشاهدا لها صادرة عنه بمشيئة الله وإرادته ومعونته فشهد عبوديته مع شهود معبوده فكلاهما نقص والكمال: أن تشهد العبودية حاصلة بمنة المعبود وفضله ومشيئته فيجتمع لك الشهودان فإن غبت بأحدهما عن الآخر فالمقام مقام توبة وهل في الغيبة عن العبودية إلا هضم لها . والواجب: أن يقع التحاكم في ذلك إلى الله ورسوله وإلى حقائق الإيمان دون الذوق فإننا لا ننكر ذوق هذه الحال وإنما ننكر كونها أكمل من غيرها فأين الإشارة في القرآن أو في السنة أو في كلام سادات العارفين من الصحابة ومن تبعهم إلى هذا الفناء وأنه هو الكمال وأن رؤية العبد لفعله بالله وحوله وفضله وشهوده له كذلك علة تجب التوبة منها . وهذا القدر مما يصعب إنكاره على القوم جدا ويرمون منكره بأنه محجوب من أهل الفرق وأنه لم يصل إلى هذا المقام ولو وصل إليه لما أنكره وليس في شيء من ذلك حجة لتصحيح قولهم ولا جواب المطالبة فقد سألك هذا المحجوب عن مسألة شرعية وما ذكرتموه ليس بجواب لها. ولعمر الله إنه يراكم محجوبين عن حال أعظم من هذه الحال ومقام أرفع منه وليس في مجرد الفناء والاستغراق في شهود القيومية وإسقاط الأسباب والعلل والحكم والوسائط كثير علم ولا معرفة ولا عبودية وهل المعرفة كل المعرفة والعبودية إلا شهود الأشياء على ما هي عليه والقرآن كله مملوء من دعاء العباد إلى التفكر في الآيات والنظر في أحوال المخلوقات ونظر الإنسان في نفسه وتفاصيل أحواله وأخص من ذلك نظره فيما قدم لغده ومطالعته لنعم الله عليه بالإيمان والتوفيق والهداية وتذكر ذلك والتفكر فيه وحمد الله وشكره عليه وهذا لا يحصل مع الفناء حتى عن رؤية الرؤية وشهود الشهود. ثم إن هذا غير ممكن البتة فإنكم إذا جعلتم رؤيته لتوبته علة يتوب منها فإن رؤيته لتلك الرؤية أيضا علة توجب عليه توبة وهلم جرا فلا ينتهي الأمر إلا بسقوط(1\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "255",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13252",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التمييز جملة والسكر والطمس المنافي للعبودية فضلا عن أن يكون غاية للعبودية. فتأمل الآن تفاصيل عبودية الصلاة كيف لا تتم إلا بشهود فعلك الذي متى غبت عنه كان ذلك نقصا في العبودية. فإذا قال المصلي: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا فعبودية هذا القول أن يشهد وجهه وهو قصده وإرادته وأن يشهد حقيقته وهي إقباله على الله. ثم إذا قال: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين فعبودية هذا القول أن يشهد الصلاة والنسك المضافين إليه لله ولو غاب عنهما كان قد أضاف إلى الله بلسانه ما هو غائب عن استحضاره بقلبه فكيف يكون هذا أكمل وأعلى من حال من استحضر فعله وعبوديته وأضافهما إلى الله وشهد مع ذلك كونهما به فأين هذا من حال المستغرق الفاني المصطلم الذي قد غاب بمعبوده عن حقه وقد أخذ منه وغيب عنه . نعم غاية هذا أن يكون معذورا أما أن يكون مقامه أعلى مقام وأجله فكلا. وكذلك إذا قال في قراءته quot; إياك نعبد وإياك نستعين quot; فعبودية هذا القول فهم معنى العبادة والاستعانة واستحضارهما وتخصيصهما بالله ونفيهما عن غيره فهذا أكمل من قول ذلك بمجرد اللسان. وكذلك إذا قال في ركوعه: اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وما استقلت به قدمي فكيف يؤدي عبودية هذه الكلمات غائب عن فعله مستغرق في فنائه وهل يبقى غير أصوات جارية على لسانه ولولا العذر لم تكن هذه عبودية. نعم رؤية هذه الأفعال والوقوف عندها والاحتجاب بها عن المنعم بها الموفق لها المان بها من أعظم العلل القواطع قال تعالى يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين [الحجرات: 17] فالعارف غائب بمنة الله عليه في طاعته مع شهودها ورؤيتها والجاهل غائب بها عن رؤية منة الله والفاني غائب باستغراقه في الفناء وشهود القيومية عن شهودها وهو ناقص وقد جعل الله لكل شيء قدرا.(1\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "256",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13253",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل التوبة من الذنب فرض] ونذكر نبذا تتعلق بأحكام التوبة تشتد الحاجة إليها ولا يليق بالعبد جهلها. منها: أن المبادرة إلى التوبة من الذنب فرض على الفور ولا يجوز تأخيرها فمتى أخرها عصى بالتأخير فإذا تاب من الذنب بقي عليه توبة أخرى وهي توبته من تأخير التوبة وقل أن تخطر هذه ببال التائب بل عنده أنه إذا تاب من الذنب لم يبق عليه شيء آخر وقد بقي عليه التوبة من تأخير التوبة ولا ينجي من هذا إلا توبة عامة مما يعلم من ذنوبه ومما لا يعلم فإن ما لا يعلمه العبد من ذنوبه أكثر مما يعلمه ولا ينفعه في عدم المؤاخذة بها جهله إذا كان متمكنا من العلم فإنه عاص بترك العلم والعمل فالمعصية في حقه أشد وفي صحيح ابن حبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل فقال أبو بكر: فكيف الخلاص منه يا رسول الله قال: أن تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم . فهذا طلب الاستغفار مما يعلمه الله أنه ذنب ولا يعلمه العبد. وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو في صلاته: اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطأي وعمدي وكل ذلك عندي اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني أنت إلهي لا إله إلا أنت وفي الحديث الآخر: اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله خطأه وعمده سره وعلانيته أوله وآخره . فهذا التعميم وهذا الشمول لتأتي التوبة على ما علمه العبد من ذنوبه وما لم يعلمه.(1\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "257",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13254",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره] فصل وهل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره فيه قولان لأهل العلم وهما روايتان عن الإمام أحمد ولم يطلع على الخلاف من حكى الإجماع على صحتها كالنووي وغيره. والمسألة مشكلة ولها غور ويحتاج الجزم بأحد القولين إلى دليل يحصل به الجزم والذين صححوها احتجوا بأنه لما صح الإسلام - وهو توبة من الكفر - مع البقاء على معصية لم يتب منها فهكذا تصح التوبة من ذنب مع بقائه على آخر. وأجاب الآخرون عن هذا بأن الإسلام له شأن ليس لغيره لقوته ونفاذه وحصوله - تبعا بإسلام الأبوين أو أحدهما - للطفل وكذلك بانقطاع نسب الطفل من أبيه أو بموت أحد أبويه في أحد القولين وكذلك يكون بكون سابيه ومالكه مسلما في أحد القولين أيضا وذلك لقوته وتشوف الشرع إليه حتى حصل بغير القصد بل بالتبعية. واحتج الآخرون بأن التوبة هي الرجوع إلى الله من مخالفته إلى طاعته وأي رجوع لمن تاب من ذنب واحد وأصر على ألف ذنب . قالوا: والله سبحانه إنما لم يؤاخذ التائب لأنه قد رجع إلى طاعته وعبوديته وتاب توبة نصوحا والمصر على مثل ما تاب منه - أو أعظم - لم يراجع الطاعة ولم يتب توبة نصوحا. قالوا: ولأن التائب إذا تاب إلى الله فقد زال عنه اسم العاصي كالكافر إذا(1\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "258",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13255",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أسلم زال عنه اسم الكافر وأما إذا أصر على غير الذنب الذي تاب منه فاسم المعصية لا يفارقه فلا تصح توبته. وسر المسألة أن التوبة هل تتبعض كالمعصية فيكون تائبا من وجه دون وجه كالإيمان والإسلام والراجح تبعضها فإنها كما تتفاضل في كيفيتها كذلك تفاضل في كميتها ولو أتى العبد بفرض وترك فرضا آخر لاستحق العقوبة على ما تركه دون ما فعله فهكذا إذا تاب من ذنب وأصر على آخر لأن التوبة فرض من الذنبين فقد أدى أحد الفرضين وترك الآخر فلا يكون ما ترك موجبا لبطلان ما فعل كمن ترك الحج وأتى بالصلاة والصيام والزكاة. والآخرون يجيبون عن هذا بأن التوبة فعل واحد معناه الإقلاع عما يكرهه الله والندم عليه والرجوع إلى طاعته فإذا لم توجد بكمالها لم تكن صحيحة إذ هي عبادة واحدة فالإتيان ببعضها وترك بعض واجباتها كالإتيان ببعض العبادة الواجبة وترك بعضها فإن ارتباط أجزاء العبادة الواحدة بعضها ببعض أشد من ارتباط العبادات المتنوعات بعضها ببعض. وأصحاب القول الآخر يقولون: كل ذنب له توبة تخصه وهي فرض منه لا تتعلق بالتوبة من الآخر كما لا يتعلق أحد الذنبين بالآخر. والذي عندي في هذه المسألة أن التوبة لا تصح من ذنب مع الإصرار على آخر من نوعه وأما التوبة من ذنب مع مباشرة آخر لا تعلق له به ولا هو من نوعه فتصح كما إذا تاب من الربا ولم يتب من شرب الخمر مثلا فإن توبته من الربا صحيحة وأما إذا تاب من ربا الفضل ولم يتب من ربا النسيئة وأصر عليه أو بالعكس أو تاب من تناول الحشيشة وأصر على شرب الخمر أو بالعكس فهذا لا تصح توبته وهو كمن يتوب عن الزنا بامرأة وهو مصر على الزنا بغيرها غير تائب منها أو تاب من شرب عصير العنب المسكر وهو مصر على شرب غيره من الأشربة المسكرة فهذا في الحقيقة لم يتب من الذنب وإنما عدل عن نوع منه إلى نوع آخر بخلاف من عدل عن معصية إلى معصية أخرى غيرها في الجنس إما لأن وزرها أخف وإما لغلبة دواعي الطبع إليها وقهر سلطان شهوتها له وإما لأن أسبابها حاضرة لديه عتيدة لا يحتاج إلى استدعائها بخلاف معصية يحتاج إلى استدعاء أسبابها وإما لاستحواذ قرنائه وخلطائه عليه فلا يدعونه يتوب منها وله بينهم حظوة بها وجاه فلا تطاوعه نفسه على(1\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "259",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13256",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إفساد جاهه بالتوبة كما قال أبو نواس ل أبي العتاهية وقد لامه على تهتكه في المعاصي: أتراني يا عتاهي ... تاركا تلك الملاهي أتراني مفسدا بالن ... سك عند القوم جاهي فمثل هذا إذا تاب من قتل النفس وسرقة أموال المعصومين وأكل أموال اليتامى ولم يتب من شرب الخمر والفاحشة صحت توبته مما تاب منه ولم يؤاخذ به وبقي مؤاخذا بما هو مصر عليه والله أعلم.  [فصل أحكام التوبة] فصل ومن أحكام التوبة أنه: هل يشترط في صحتها أن لا يعود إلى الذنب أبدا أم ليس ذلك بشرط فشرط بعض الناس عدم معاودة الذنب وقال: متى عاد إليه تبينا أن التوبة كانت باطلة غير صحيحة. والأكثرون على أن ذلك ليس بشرط وإنما صحة التوبة تتوقف على الإقلاع عن الذنب والندم عليه والعزم الجازم على ترك معاودته. فإن كانت في حق آدمي فهل يشترط تحلله فيه تفصيل - سنذكره إن شاء الله - فإذا عاوده مع عزمه حال التوبة على أن لا يعاوده صار كمن ابتدأ المعصية ولم تبطل توبته المتقدمة. والمسألة مبنية على أصل وهو أن العبد إذا تاب من الذنب ثم عاوده فهل يعود إليه إثم الذنب الذي قد تاب منه ثم عاوده بحيث يستحق العقوبة على الأول والآخر(1\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "260",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13257",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن مات مصرا أو إن ذلك قد بطل بالكلية فلا يعود إليه إثمه وإنما يعاقب على هذا الأخير وفي هذا الأصل قولان: فقالت طائفة: يعود إليه إثم الذنب الأول لفساد التوبة وبطلانها بالمعاودة. قالوا: لأن التوبة من الذنب بمنزلة الإسلام من الكفر والكافر إذا أسلم هدم إسلامه ما قبله من إثم الكفر وتوابعه فإذا ارتد عاد إليه الإثم الأول مع إثم الردة كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر فهذا حال من أسلم وأساء في إسلامه ومعلوم أن الردة من أعظم الإساءة في الإسلام فإذا أخذ بعدها بما كان منه في حال كفره ولم يسقطه الإسلام المتخلل بينهما فهكذا التوبة المتخللة بين الذنبين لا تسقط الإثم السابق كما لا تمنع الإثم اللاحق. قالوا: ولأن صحة التوبة مشروطة باستمرارها والموافاة عليها والمعلق على الشرط يعدم عند عدم الشرط كما أن صحة الإسلام مشروطة باستمراره والموافاة عليه. قالوا: والتوبة واجبة وجوبا مضيقا مدى العمر فوقتها مدة العمر إذ يجب عليه استصحاب حكمها في مدة عمره فهي بالنسبة إلى العمر كالإمساك عن المفطرات في صوم اليوم فإذا أمسك معظم النهار ثم نقض إمساكه بالمفطرات بطل ما تقدم من صيامه ولم يعتد به وكان بمنزلة من لم يمسك شيئا من يومه. قالوا: ويدل على هذا الحديث الصحيح وهو قوله صلى الله عليه وسلم: إن العبد ليعمل بعمل(1\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "261",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13258",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وهذا أعم من أن يكون هذا العمل الثاني كفرا موجبا للخلود أو معصية موجبة للدخول فإنه لم يقل quot; فيرتد فيفارق الإسلام quot; وإنما أخبر أنه يعمل بعمل يوجب له النار وفي بعض السنن: إن العبد ليعمل بطاعة الله ستين سنة فإذا كان عند الموت جار في وصيته فدخل النار فالخاتمة السيئة أعم من أن تكون خاتمة بكفر أو معصية والأعمال بالخواتيم. فإن قيل: فهذا يلزم منه إحباط الحسنات بالسيئات وهذا قول المعتزلة والقرآن والسنة قد دلا على أن الحسنات هي التي تحبط السيئات لا العكس كما قال إن الحسنات يذهبن السيئات [هود: 114] وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن . قيل: والقرآن والسنة قد دلا على الموازنة وإحباط الحسنات بالسيئات فلا يضرب كتاب الله بعضه ببعض ولا يرد القرآن بمجرد كون المعتزلة قالوه - فعل أهل الهوى والتعصب - بل نقبل الحق ممن قاله ونرد الباطل على من قاله.(1\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "262",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13259",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأما الموازنة: فمذكورة في سورة الأعراف والأنبياء والمؤمنين والقارعة والحاقة وأما الإحباط فقد قال الله تعالى ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم [محمد: 33] وتفسير الإبطال هاهنا بالردة لأنها أعظم المبطلات لا لأن المبطل ينحصر فيها وقال تعالى ياأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى [البقرة: 264] فهذان سببان عرضا بعد للصدقة فأبطلاها شبه سبحانه بطلانها - بالمن والأذى - بحال المتصدق رياء في بطلان صدقة كل واحد منهما وقال تعالى ياأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون [الحجرات: 2] وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله وقالت عائشة رضي الله عنها لأم ولد زيد بن أرقم - وقد باع بيعة العينة - أخبري زيدا: أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب وقد نص أحمد على هذا في رواية فقال: ينبغي للعبد أن يتزوج إذا خاف على نفسه فيستدين ويتزوج لا يقع في محظور فيحبط عمله.(1\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "263",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13260",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا استقرت قاعدة الشريعة - أن من السيئات ما يحبط الحسنات بالإجماع ومنها ما يحبطها بالنص - جاز أن تحبط سيئة المعاودة حسنة التوبة فتصير التوبة كأنها لم تكن فيلتقي العملان ولا حاجز بينهما فيكون التأثير لهما جميعا. قالوا: وقد دل القرآن والسنة وإجماع السلف على الموازنة وفائدتها اعتبار الراجح فيكون التأثير والعمل له دون المرجوح قال ابن مسعود: يحاسب الناس يوم القيامة فمن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار ومن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة ثم قرأ فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون - ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم [الأعراف: 8 - 9] ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة أو يرجح قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف. وعلى هذا: فهل يحبط الراجح المرجوح حتى يجعله كأن لم يكن أو يحبط ما قابله بالموازنة ويبقى التأثير للقدر الزائد فيه قولان للقائلين بالموازنة ينبني عليهما أنه إذا كانت الحسنات أرجح من السيئات بواحدة مثلا فهل يدفع الراجح المرجوح جملة فيثاب على الحسنات كلها أو يسقط من الحسنات ما قابل السيئات فلا يثاب عليه ولا يعاقب على تلك السيئات فيبقى القدر الزائد لا مقابل له فيثاب عليه وحده . وهذا الأصل فيه قولان لأصحاب الموازنة. وكذلك إذا رجحت السيئات بواحدة هل يدخل النار بتلك الواحدة التي سلمت عن مقابل أو بكل السيئات التي رجحت على القولين هذا كله على أصل أصحاب التعليل والحكم. وأما على أصول الجبرية نفاة التعليل والحكم والأسباب واقتضائها للثواب والعقاب فالأمر مردود عندهم إلى محض المشيئة من غير اعتبار شيء من ذلك ولا يدرى عندهم ما يفعل الله بل يجوز عندهم أن يعاقب صاحب الحسنات الراجحة ويثيب صاحب السيئات الراجحة وأن يدخل الرجلين النار مع استوائهما في العمل وأحدهما في الدرك تحت الآخر ويغفر لزيد ويعاقب عمرا مع استوائهما من جميع(1\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "264",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13261",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجوه وينعم من لم يطعه قط ويعذب من لم يعصه قط فليس عندهم سبب ولا حكمة ولا علة ولا موازنة ولا إحباط ولا تدافع بين الحسنات والسيئات والخوف على المحسن والمسيء واحد إذ من الجائز تعذيبهما وكل مقدور له فجائز عليه لا يعلم امتناعه إلا بإخبار الرسول أنه لا يكون فيمتنع وقوعه لمطابقة خبره لعلم الله عز وجل بعد وقوعه.  [فصل الخلاف في اشتراط عدم العود إلى الذنب] فصل واحتج الفريق الآخر - وهم القائلون بأنه لا يعود إليه إثم الذنب الذي تاب منه بنقض التوبة - بأن ذلك الإثم قد ارتفع بالتوبة وصار بمنزلة ما لم يعمله وكأنه لم يكن فلا يعود إليه بعد ذلك وإنما العائد إثم المستأنف لا الماضي. قالوا: ولا يشترط في صحة التوبة العصمة إلى الممات بل إذا ندم وأقلع وعزم على الترك محي عنه إثم الذنب بمجرد ذلك فإذا استأنفه استأنف إثمه. قالوا: فليس هذا كالكفر الذي يحبط الأعمال فإن الكفر له شأن آخر ولهذا يحبط جميع الحسنات ومعاودة الذنب لا تحبط ما تقدمه من الحسنات. قالوا: والتوبة من أكبر الحسنات فلو أبطلتها معاودة الذنب لأبطلت غيرها من الحسنات وهذا باطل قطعا وهو يشبه مذهب الخوارج المكفرين بالذنب والمعتزلة المخلدين في النار بالكبيرة التي تقدمها الألوف من الحسنات فإن الفريقين متفقان على خلود أرباب الكبائر في النار ولكن الخوارج كفروهم والمعتزلة فسقوهم وكلا المذهبين باطل في دين الإسلام مخالف للمنقول والمعقول وموجب العدل إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما [النساء: 40] .(1\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "265",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13262",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يحب العبد المفتن التواب . قلت: وهو الذي كلما فتن بالذنب تاب منه فلو كانت معاودته تبطل توبته لما كان محبوبا للرب ولكان ذلك أدعى إلى مقته. قالوا: وقد علق الله سبحانه قبول التوبة بالاستغفار وعدم الإصرار دون المعاودة فقال تعالى والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون [آل عمران: 135] والإصرار عقد القلب على ارتكاب الذنب متى ظفر به فهذا الذي يمنع مغفرته. قالوا: وأما استمرار التوبة فشرط في صحة كمالها ونفعها لا شرط في صحة ما مضى منها وليس كذلك العبادات كصيام اليوم وعدد ركعات الصلاة فإن تلك عبادة واحدة لا تكون مقبولة إلا بالإتيان بجميع أركانها وأجزائها وأما التوبة فهي عبادات متعددة بتعدد الذنوب فكل ذنب له توبة تخصه فإذا أتى بعبادة وترك أخرى لم يكن ما ترك موجبا لبطلان ما فعل كما تقدم تقريره. بل نظير هذا أن يصوم من رمضان ويفطر منه بلا عذر فهل يكون ما أفطره منه مبطلا لأجر ما صامه منه . بل نظير من صلى ولم يصم أو زكى ولم يحج. ونكتة المسألة أن التوبة المتقدمة حسنة ومعاودة الذنب سيئة فلا تبطل معاودته هذه الحسنة كما لا تبطل ما قارنها من الحسنات. قالوا: وهذا على أصول أهل السنة أظهر فإنهم متفقون على أن الشخص الواحد يكون فيه ولاية لله وعداوة من وجهين مختلفين ويكون محبوبا لله مبغوضا له من وجهين أيضا بل يكون فيه إيمان ونفاق وإيمان وكفر ويكون إلى أحدهما أقرب منه إلى الآخر فيكون من أهله كما قال تعالى هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان [آل عمران: 167] وقال(1\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "266",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13263",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون [يوسف: 106] أثبت لهم الإيمان به مع مقارنة الشرك فإن كان مع هذا الشرك تكذيب لرسله لم ينفعهم ما معهم من الإيمان بالله وإن كان معه تصديق لرسله وهم مرتكبون لأنواع من الشرك لا تخرجهم عن الإيمان بالرسل وباليوم الآخر فهؤلاء مستحقون للوعيد أعظم من استحقاق أرباب الكبائر. وشركهم قسمان: شرك خفي وشرك جلي فالخفي قد يغفر وأما الجلي فلا يغفره الله إلا بالتوبة منه فإن الله لا يغفر أن يشرك به. وبهذا الأصل أثبت أهل السنة دخول أهل الكبائر النار ثم خروجهم منها ودخولهم الجنة لما قام بهم من السببين. فإذا ثبت هذا فمعاود الذنب مبغوض لله من جهة معاودة الذنب محبوب له من جهة توبته وحسناته السابقة فيرتب الله سبحانه على كل سبب أثره ومسببه بالعدل والحكمة ولا يظلم مثقال ذرة وما ربك بظلام للعبيد [فصلت: 46] .  فصل وإذا استغرقت سيئاته الحديثات حسناته القديمات وأبطلتها ثم تاب منها توبة نصوحا خالصة عادت إليه حسناته ولم يكن حكمه حكم المستأنف لها بل يقال له: تبت على ما أسلفت من خير فالحسنات التي فعلتها في الإسلام أعظم من الحسنات التي يفعلها الكافر في كفره من عتاقة وصدقة وصلة وقد قال حكيم بن خزام: يا رسول الله أرأيت عتاقة أعتقتها في الجاهلية وصدقة تصدقت بها وصلة وصلت بها رحمي فهل لي فيها من أجر فقال: أسلمت على ما أسلفت من خير وذلك لأن الإساءة المتخللة بين الطاعتين قد ارتفعت بالتوبة وصارت كأنها لم تكن فتلاقت الطاعتان واجتمعتا والله أعلم.  فصل ومن أحكامها أن العاصي إذا حيل بينه وبين أسباب المعصية وعجز عنها(1\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "267",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13264",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بحيث يتعذر وقوعها منه هل تصح توبته وهذا كالكاذب والقاذف وشاهد الزور إذا قطع لسانه والزاني إذا جب والسارق إذا أتي على أطرافه الأربعة والمزور إذا قطعت يده ومن وصل إلى حد بطلت معه دواعيه إلى معصية كان يرتكبها. ففي هذا قولان للناس: فقالت طائفة: لا تصح توبته لأن التوبة إنما تكون ممن يمكنه الفعل والترك فالتوبة من الممكن لا من المستحيل ولهذا لا تتصور التوبة من نقل الجبال عن أماكنها وتنشيف البحار والطيران إلى السماء ونحوه. قالوا: ولأن التوبة مخالفة داعي النفس وإجابة داعي الحق ولا داعي للنفس هنا إذ يعلم استحالة الفعل منها. قالوا: ولأن هذا كالمكره على الترك المحمول عليه قهرا ومثل هذا لا تصح توبته. قالوا: ومن المستقر في فطر الناس وعقولهم أن توبة المفاليس وأصحاب الجوائح توبة غير معتبرة ولا يحمدون عليها بل يسمونها توبة إفلاس وتوبة جائحة قال الشاعر: ورحت عن توبة سائلا ... وجدتها توبة إفلاس قالوا: ويدل على هذا أيضا أن النصوص المتضافرة المتظاهرة قد دلت على أن التوبة عند المعاينة لا تنفع لأنها توبة ضرورة لا اختيار قال تعالى إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما - وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما [النساء: 17 - 18] والجهالة هاهنا جهالة العمل وإن كان عالما بالتحريم قال قتادة: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل ما عصي الله به فهو جهالة عمدا كان أو لم يكن وكل من عصى الله فهو جاهل. وأما التوبة من قريب فجمهور المفسرين على أنها التوبة قبل المعاينة قال(1\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "268",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13265",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عكرمة: قبل الموت وقال الضحاك: قبل معاينة ملك الموت وقال السدي والكلبي: أن يتوب في صحته قبل مرض موته وفي المسند وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر وفي نسخة دراج أبي الهيثم عن أبي سعيد مرفوعا إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم فقال الرب عز وجل: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروني . فهذا شأن التائب من قريب وأما إذا وقع في السياق فقال: إني تبت الآن لم تقبل توبته وذلك لأنها توبة اضطرار لا اختيار فهي كالتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها ويوم القيامة وعند معاينة بأس الله. قالوا: ولأن حقيقة التوبة هي كف النفس عن الفعل الذي هو متعلق النهي والكف إنما يكون عن أمر مقدور وأما المحال فلا يعقل كف النفس عنه ولأن التوبة هي الإقلاع عن الذنب وهذا لا يتصور منه الإيقاع حتى يتأتى منه الإقلاع. قالوا: ولأن الذنب عزم جازم على فعل المحرم يقترن به فعله المقدور والتوبة منه عزم جازم على ترك المقدور يقترن به الترك والعزم على غير المقدور محال والترك(1\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "269",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13266",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في حق هذا ضروري لا عزم غير مقدور بل هو بمنزلة ترك الطيران إلى السماء ونقل الجبال وغير ذلك. والقول الثاني - وهو الصواب - أن توبته صحيحة ممكنة بل واقعة فإن أركان التوبة مجتمعة فيه والمقدور له منها الندم وفي المسند مرفوعا الندم توبة فإذا تحقق ندمه على الذنب ولومه نفسه عليه فهذه توبة وكيف يصح أن تسلب التوبة عنه مع شدة ندمه على الذنب ولومه نفسه عليه ولا سيما ما يتبع ذلك من بكائه وحزنه وخوفه وعزمه الجازم ونيته أنه لو كان صحيحا والفعل مقدورا له لما فعله. وإذا كان الشارع قد نزل العاجز عن الطاعة منزلة الفاعل لها إذا صحت نيته كقوله: في الحديث الصحيح إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما وفي الصحيح أيضا عنه: إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم قالوا: وهم بالمدينة قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر وله نظائر في الحديث فتنزيل العاجز عن المعصية التارك لها قهرا - مع نيته تركها اختيارا لو أمكنه - منزلة التارك المختار أولى. يوضحه أن مفسدة الذنب التي يترتب عليها الوعيد تنشأ من العزم عليه تارة ومن فعله تارة ومنشأ المفسدة معدوم في حق هذا العاجز فعلا وعزما والعقوبة تابعة للمفسدة. وأيضا فإن هذا تعذر منه الفعل ما تعذر منه التمني والوداد فإذا كان يتمنى ويود لو واقع الذنب ومن نيته أنه لو كان سليما لباشره فتوبته بالإقلاع عن هذا الوداد والتمني والحزن على فوته فإن الإصرار متصور في حقه قطعا فيتصور في حقه ضده(1\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "270",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13267",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": " وهو التوبة بل هي أولى بالإمكان والتصور من الإصرار وهذا واضح. والفرق بين هذا وبين المعاين ومن ورد القيامة أن التكليف قد انقطع بالمعاينة وورود القيامة والتوبة إنما تكون في زمن التكليف وهذا العاجز لم ينقطع عنه التكليف فالأوامر والنواهي لازمة له والكف متصور منه عن التمني والوداد والأسف على فوته وتبديل ذلك بالندم والحزن على فعله والله أعلم.  فصل ومن أحكامها أن من توغل في ذنب وعزم على التوبة منه ولا يمكنه التوبة منه إلا بارتكاب بعضه كمن أولج في فرج حرام ثم عزم على التوبة قبل النزع الذي هو جزء الوطء وكمن توسط أرضا مغصوبة ثم عزم على التوبة ولا يمكنه إلا بالخروج الذي هو مشي فيها وتصرف فكيف يتوب من الحرام بحرام مثله وهل تعقل التوبة من الحرام بحرام . فهذا مما أشكل على بعض الناس حتى دعاه ذلك إلى أن قال بسقوط التكليف عنه في هذا الفعل الذي يتخلص به من الحرام. قال: لأنه لا يمكن أن يكون مأمورا به وهو حرام وقد تعين في حقه طريقا للخلاص من الحرام لا يمكنه التخلص بدونه فلا حكم في هذا الفعل البتة وهو بمنزلة العفو الذي لا يدخل تحت التكليف. وقالت طائفة: بل هو حرام واجب فهو ذو وجهين مأمور به من أحدهما منهي عنه من الآخر فيؤمر به من حيث تعينه طريقا للخلاص من الحرام وهو من هذا الوجه واجب وينهى عنه من جهة كونه مباشرة للحرام وهو من هذا الوجه محرم فيستحق عليه الثواب والعقاب. قالوا: ولا يمتنع كون الفعل في الشرع ذا وجهين مختلفين كالاشتغال عن الحرام بمباح فإن المباح إذا نظرنا إلى ذاته - مع قطع النظر عن ترك الحرام - قضينا بإباحته وإذا اعتبرناه من جهة كونه تاركا للحرام كان واجبا. نعم غايته أنه لا يتعين مباح دون مباح فيكون واجبا مخيرا. قالوا: وكذلك الصلاة في الدار المغصوبة هي حرام وهي واجبة وستر العورة بثوب الحرير كذلك حرام واجب من وجهين مختلفين.(1\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "271",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13268",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والصواب أن هذا النزع والخروج من الأرض توبة ليس بحرام إذ هو مأمور به ومحال أن يؤمر بالحرام وإنما كان النزع - الذي هو جزء الوطء - حراما بقصد التلذذ به وتكميل الوطء وأما النزع الذي يقصد به مفارقة الحرام وقطع لذة المعصية فلا دليل على تحريمه لا من نص ولا إجماع ولا قياس صحيح يستوي فيه الأصل والفرع في علة الحكم. ومحال خلو هذه الحادثة عن حكم الله فيها وحكمه فيها الأمر بالنزع قطعا وإلا كانت الاستدامة مباحة وذلك عين المحال وكذلك الخروج من الأرض المغصوبة مأمور به وإنما تكون الحركة والتصرف في ملك الغير حراما إذا كان على وجه الانتفاع بها المتضمن لإضرار مالكها أما إذا كان القصد ترك الانتفاع وإزالة الضرر عن المالك فلم يحرم الله ولا رسوله ذلك ولا دل على تحريمه نظر صحيح ولا قياس صحيح. وقياسه على مشي مستديم الغصب وقياس نزع التائب على نزع المستديم من أفسد القياس وأبينه بطلانا ونحن لا ننكر كون الفعل الواحد يكون له وجهان ولكن إذا تحقق النهي عنه والأمر به أمكن اعتبار وجهيه فإن الشارع أمر بستر العورة ونهى عن لبس الحرير فهذا الساتر لها بالحرير قد ارتكب الأمرين فصار فعله ذا وجهين. وأما محل النزاع فلم يتحقق فيه النهي عن النزع والخروج عن الأرض المغصوبة من الشارع البتة لا بقوله ولا بمعقول قوله إلا باعتبار هذا الفرد بفرد آخر بينهما أشد تباين وأعظم فرق في الحس والعقل والفطرة والشرع. وأما إلحاق هذا الفرد بالعفو فإن أريد به أنه معفو له عن المؤاخذة به فصحيح وإن أريد أنه لا حكم لله فيه بل هو بمنزلة فعل البهيمة والنائم والناسي والمجنون فباطل إذ هؤلاء غير مخاطبين وهذا مخاطب بالنزع والخروج فظهر الفرق والله الموفق للصواب. فإن قيل: هذا يتأتى لكم فيما إذا لم يكن في المفارقة بنزع أو خروج مفسدة فما تصنعون فيما إذا تضمن مفسدة مثل مفسدة الإقامة كمن توسط جماعة جرحى لسلبهم فطرح نفسه على واحد إن أقام عليه قتله بثقله وإن انتقل عنه لم يجد بدا من انتقاله إلى مثله يقتله بثقله وقد عزم على التوبة فكيف تكون توبته . قيل: توبة مثل هذا بالتزام أخف المفسدتين من الإقامة على الذنب المعين أو الانتقال عنه فإن تساوت مفسدة الإقامة على الذنب ومفسدة الانتقال عنه من كل وجه(1\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "272",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13269",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا يؤمر من التوبة بالمقدور له منها وهو الندم والعزم الجازم على ترك المعاودة وأما الإقلاع فقد تعذر في حقه إلا بالتزام مفسدة أخرى مثل مفسدته. فقيل: إنه لا حكم لله في هذه الحادثة لاستحالة ثبوت شيء من الأحكام الخمسة فيها إذ إقامته على الجريح تتضمن مفسدة قتله فلا يؤمر بها ولا هو مأذون له فيها وانتقاله عنه يتضمن مفسدة قتل الآخر فلا يؤمر بالانتقال ولا يؤذن له فيه فيتعذر الحكم في هذه الحادثة على هذا فتتعذر التوبة منها. والصواب أن التوبة غير متعذرة فإنه لا واقعة إلا ولله فيها حكم علمه من علمه وجهله من جهله. فيقال: حكم الله في هذه الواقعة كحكمه في الملجأ فإنه قد ألجئ قدرا إلى إتلاف أحد النفسين ولا بد والملجأ ليس له فعل يضاف إليه بل هو آلة فإذا صار هذا كالملجأ فحكمه أن لا يكون منه حركة ولا فعل ولا اختيار فلا يعدل من واحد إلى واحد بل يتخلى عن الحركة والاختيار ويستسلم استسلام من هو عليه من الجرحى إذ لا قدرة له على حركة مأذون له فيها البتة فحكمه الفناء عن الحركة والاختيار وشهود نفسه كالحجر الملقى على هذا الجريح ولا سيما إن كان قد ألقي عليه بغير اختياره فليس له أن يلقي نفسه على جاره لينجيه بقتله والقدر ألقاه على الأول فهو معذور به فإذا انتقل إلى الثاني انتقل بالاختيار والإرادة فهكذا إذا ألقى نفسه عليه باختياره ثم تاب وندم لا نأمره بإلقاء نفسه على جاره ليتخلص من الذنب بذنب مثله سواء. وتوبة مثل هذا إنما تتصور بالندم والعزم فقط لا بالإقلاع والإقلاع في حقه مستحيل فهو كمن أولج في فرج حرام ثم شد وربط في حال إيلاجه بحيث لا يمكنه النزع البتة فتوبته بالندم والعزم والتجافي بقلبه عن السكون إلى الاستدامة وكذلك توبة الأول بذلك وبالتجافي عن الإرادة والاختيار والله أعلم.  فصل ومن أحكامها: أنها إذا كانت متضمنة لحق آدمي أن يخرج التائب إليه منه إما بأدائه وإما باستحلاله منه بعد إعلامه به وإن كان حقا ماليا أو جناية على بدنه أو بدن موروثه كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض(1\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "273",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13270",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فليتحلله اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إلا الحسنات والسيئات . وإن كانت المظلمة بقدح فيه بغيبة أو قذف فهل يشترط في توبته منها إعلامه بذلك بعينه والتحلل منه أو إعلامه بأنه قد نال من عرضه ولا يشترط تعيينه أو لا يشترط لا هذا ولا هذا بل يكفي في توبته أن يتوب بينه وبين الله من غير إعلام من قذفه وإعتابه على ثلاثة أقوال وعن أحمد روايتان منصوصتان في حد القذف هل يشترط في توبة القاذف إعلام المقذوف والتحلل منه أم لا ويخرج عليهما توبة المغتاب والشاتم. والمعروف في مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك اشتراط الإعلام والتحلل هكذا ذكره أصحابهم في كتبهم. والذين اشترطوا ذلك احتجوا بأن الذنب حق آدمي فلا يسقط إلا بإحلاله منه وإبرائه. ثم من لم يصحح البراءة من الحق المجهول شرط إعلامه بعينه لا سيما إذا كان من عليه الحق عارفا بقدره فلا بد من إعلام مستحقه به لأنه قد لا تسمح نفسه بالإبراء منه إذا عرف قدره. واحتجوا بالحديث المذكور وهو قوله صلى الله عليه وسلم: من كان لأخيه عنده مظلمة - من مال أو عرض - فليتحلله اليوم . قالوا: ولأن في هذه الجناية حقين: حقا لله وحقا للآدمي فالتوبة منها بتحلل الآدمي لأجل حقه والندم فيما بينه وبين الله لأجل حقه. قالوا: ولهذا كانت توبة القاتل لا تتم إلا بتمكين ولي الدم من نفسه إن شاء اقتص وإن شاء عفا وكذلك توبة قاطع الطريق. والقول الآخر: أنه لا يشترط الإعلام بما نال من عرضه وقذفه واغتيابه بل يكفي توبته بينه وبين الله وأن يذكر المغتاب والمقذوف في مواضع غيبته وقذفه بضد ما ذكره به(1\/300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "274",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13271",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من الغيبة فيبدل غيبته بمدحه والثناء عليه وذكر محاسنه وقذفه بذكر عفته وإحصانه ويستغفر له بقدر ما اغتابه. وهذا اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية قدس الله روحه. واحتج أصحاب هذه المقالة بأن إعلامه مفسدة محضة لا تتضمن مصلحة فإنه لا يزيده إلا أذى وحنقا وغما وقد كان مستريحا قبل سماعه فإذا سمعه ربما لم يصبر على حمله وأورثته ضررا في نفسه أو بدنه كما قال الشاعر: فإن الذي يؤذيك منه سماعه ... وإن الذي قالوا وراءك لم يقل وما كان هكذا فإن الشارع لا يبيحه فضلا عن أن يوجبه ويأمر به. قالوا: وربما كان إعلامه به سببا للعداوة والحرب بينه وبين القائل فلا يصفو له أبدا ويورثه علمه به عداوة وبغضاء مولدة لشر أكبر من شر الغيبة والقذف وهذا ضد مقصود الشارع من تأليف القلوب والتراحم والتعاطف والتحابب. قالوا: والفرق بين ذلك وبين الحقوق المالية وجنايات الأبدان من وجهين: أحدهما: أنه قد ينتفع بها إذا رجعت إليه فلا يجوز إخفاؤها عنه فإنه محض حقه فيجب عليه أداؤه إليه بخلاف الغيبة والقذف فإنه ليس هناك شيء ينفعه يؤديه إليه إلا إضراره وتهييجه فقط فقياس أحدهما على الآخر من أفسد القياس. والثاني: أنه إذا أعلمه بها لم تؤذه ولم تهج منه غضبا ولا عداوة بل ربما سره ذلك وفرح به بخلاف إعلامه بما مزق به عرضه طول عمره ليلا ونهارا من أنواع القذف والغيبة والهجو فاعتبار أحدهما بالآخر اعتبار فاسد وهذا هو الصحيح في القولين كما رأيت والله أعلم.  فصل ومن أحكامها: أن العبد إذا تاب من الذنب فهل يرجع إلى ما كان عليه قبل الذنب من الدرجة التي حطه عنها الذنب أو لا يرجع إليها اختلف في ذلك. فقالت طائفة: يرجع إلى درجته لأن التوبة تجب الذنب بالكلية وتصيره كأن لم يكن والمقتضي لدرجته ما معه من الإيمان والعمل الصالح فعاد إليها بالتوبة. قالوا: لأن التوبة حسنة عظيمة وعمل صالح فإذا كان ذنبه قد حطه عن درجته فحسنته بالتوبة رقته إليها وهذا كمن سقط في بئر وله صاحب شفيق أدلى إليه حبلا(1\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "275",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13272",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تمسك به حتى رقي منه إلى موضعه فهكذا التوبة والعمل الصالح مثل هذا القرين الصالح والأخ الشفيق. وقالت طائفة: لا يعود إلى درجته وحاله لأنه لم يكن في وقوف وإنما كان في صعود فبالذنب صار في نزول وهبوط فإذا تاب نقص عليه ذلك القدر الذي كان مستعدا به للترقي. قالوا: ومثل هذا مثل رجلين سائرين على طريق سيرا واحدا ثم عرض لأحدهما ما رده على عقبه أو أوقفه وصاحبه سائر فإذا استقال هذا رجوعه ووقفته وسار بإثر صاحبه لم يلحقه أبدا لأنه كلما سار مرحلة تقدم ذاك أخرى. قالوا: والأول يسير بقوة أعماله وإيمانه وكلما ازداد سيرا ازدادت قوته وذلك الواقف الذي رجع قد ضعفت قوة سيره وإيمانه بالوقوف والرجوع. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يحكي هذا الخلاف ثم قال: والصحيح أن من التائبين من لا يعود إلى درجته ومنهم من يعود إليها ومنهم من يعود إلى أعلى منها فيصير خيرا مما كان قبل الذنب وكان داود بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة. قال: وهذا بحسب حال التائب بعد توبته وجده وعزمه وحذره وتشميره فإن كان ذلك أعظم مما كان له قبل الذنب عاد خيرا مما كان وأعلى درجة وإن كان مثله عاد إلى مثل حاله وإن كان دونه لم يعد إلى درجته وكان منحطا عنها وهذا الذي ذكره هو فصل النزاع في هذه المسألة. ويتبين هذا بمثلين مضروبين: أحدهما: رجل مسافر سائر على الطريق بطمأنينة وأمن فهو يعدو مرة ويمشي أخرى ويستريح تارة وينام أخرى فبينا هو كذلك إذ عرض له في سيره ظل ظليل وماء بارد ومقيل وروضة مزهرة فدعته نفسه إلى النزول على تلك الأماكن فنزل عليها فوثب عليه منها عدو فأخذه وقيده وكتفه ومنعه عن السير فعاين الهلاك وظن أنه منقطع به وأنه رزق الوحوش والسباع وأنه قد حيل بينه وبين مقصده الذي يؤمه فبينا هو على ذلك تتقاذفه الظنون إذ وقف على رأسه والده الشفيق القادر فحل كتافه وقيوده وقال له: اركب الطريق واحذر هذا العدو فإنه على منازل الطريق لك بالمرصاد واعلم أنك ما دمت حاذرا منه متيقظا له لا يقدر عليك فإذا غفلت وثب عليك وأنا متقدمك إلى المنزل وفرط لك فاتبعني على الأثر.(1\/302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "276",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13273",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن كان هذا السائر كيسا فطنا لبيبا حاضر الذهن والعقل استقبل سيره استقبالا آخر أقوى من الأول وأتم واشتد حذره وتأهب لهذا العدو وأعد له عدته فكان سيره الثاني أقوى من الأول وخيرا منه ووصوله إلى المنزل أسرع وإن غفل عن عدوه وعاد إلى مثل حاله الأول من غير زيادة ولا نقصان ولا قوة حذر ولا استعداد عاد كما كان وهو معرض لما عرض له أولا. وإن أورثه ذلك توانيا في سيره وفتورا وتذكرا لطيب مقيله وحسن ذلك الروض وعذوبة مائه وتفيؤ ظلاله وسكونا بقلبه إليه لم يعد إلى مثل سيره ونقص عما كان. المثل الثاني: عبد في صحة وعافية جسم عرض له مرض أوجب له حمية وشرب دواء وتحفظا من التخليط ونقص بذلك مادة ردية كانت منقصة لكمال قوته وصحته فعاد بعد المرض أقوى مما كان قبله كما قيل: لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجسام بالعلل وإن أوجب له ذلك المرض ضعفا في القوة وتداركه بمثل ما نقص من قوته عاد إلى مثل ما كان. وإن تداركه بدون ما نقص من قوته عاد إلى دون ما كان عليه من القوة. وفي هذين المثلين كفاية لمن تدبرهما. وقد ضرب لذلك مثل آخر برجل خرج من بيته يريد الصلاة في الصف الأول لا يلوي على شيء في طريقه فعرض له رجل من خلفه جبذ ثوبه وأوقفه قليلا يريد تعويقه عن الصلاة فله معه حالان: أحدهما: أن يشتغل به حتى تفوته الصلاة فهذه حال غير التائب. الثاني: أن يجاذبه على نفسه ويتفلت منه لئلا تفوته الصلاة. ثم له بعد هذا التفلت ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون سيره جمزا ووثبا ليستدرك ما فاته بتلك الوقفة فربما استدركه وزاد عليه. الثاني: أن يعود إلى مثل سيره. الثالث: أن تورثه تلك الوقفة فتورا وتهاونا فيفوته فضيلة الصف الأول أو فضيلة الجماعة وأول الوقت فهكذا حال التائبين السائرين سواء.  فصل(1\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "277",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13274",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويتبين هذا بمسألة شريفة وهي أنه هل المطيع الذي لم يعص خير من العاصي الذي تاب إلى الله توبة نصوحا أو هذا التائب أفضل منه اختلف في ذلك. فطائفة رجحت من لم يعص على من عصى وتاب توبة نصوحا واحتجوا بوجوه: أحدها: أن أكمل الخلق وأفضلهم أطوعهم لله وهذا الذي لم يعص أطوع فيكون أفضل. الثاني: أن في زمن اشتغال العاصي بمعصيته يسبقه المطيع عدة مراحل إلى فوق فتكون درجته أعلى من درجته وغايته أنه إذا تاب استقبل سيره ليلحقه وذاك في سير آخر فأنى له بلحاقه فهما بمنزلة رجلين مشتركين في الكسب كلما كسب أحدهما شيئا كسب الآخر مثله فعمد أحدهما إلى كسبه فأضاعه وأمسك عن الكسب المستأنف والآخر مجد في الكسب فإذا أدركته حمية المنافسة وعاد إلى الكسب وجد صاحبه قد كسب في تلك المدة شيئا كثيرا فلا يكسب شيئا إلا كسب صاحبه نظيره فأنى له بمساواته . الثالث: أن غاية التوبة أن تمحو عن هذا سيئاته ويصير بمنزلة من لم يعملها فيكون سعيه في مدة المعصية لا له ولا عليه فأين هذا السعي من سعي من هو كاسب رابح . الرابع: أن الله يمقت على معاصيه ومخالفة أوامره ففي مدة اشتغال هذا بالذنوب كان حظه المقت وحظ المطيع الرضا فالله لم يزل عنه راضيا ولا ريب أن هذا خير ممن كان الله راضيا عنه ثم مقته ثم رضي عنه فإن الرضا المستمر خير من الذي تخلله المقت. الخامس: أن الذنب بمنزلة شرب السم والتوبة ترياقه ودواؤه والطاعة هي الصحة والعافية وصحة وعافية مستمرة خير من صحة تخللها مرض وشرب سم أفاق منه وربما أديا به إلى التلف أو المرض أبدا. السادس: أن العاصي على خطر شديد فإنه دائر بين ثلاثة أشياء أحدها: العطب والهلاك بشرب السم. الثاني: النقصان من القوة وضعفها إن سلم من الهلاك. والثالث: عود قوته إليه كما كانت أو خيرا منها بعيد.(1\/304)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "278",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13275",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والأكثر إنما هو القسمان الأولان ولعل الثالث نادر جدا فهو على يقين من ضرر السم وعلى رجاء من حصول العافية بخلاف من لم يتناول ذلك. السابع: أن المطيع قد أحاط على بستان طاعته حائطا حصينا لا يجد الأعداء إليه سبيلا فثمرته وزهرته وخضرته وبهجته في زيادة ونمو أبدا والعاصي قد فتح فيه ثغرا وثلم فيه ثلمة ومكن منه السراق والأعداء فدخلوا فعاثوا فيه يمينا وشمالا أفسدوا أغصانه وخربوا حيطانه وقطعوا ثمراته وأحرقوا في نواحيه وقطعوا ماءه ونقصوا سقيه فمتى يرجع هذا إلى حاله الأول فإذا تداركه قيمه ولم شعثه وأصلح ما فسد منه وفتح طرق مائه وعمر ما خرب منه فإنه إما أن يعود كما كان أو أنقص أو خيرا ولكن لا يلحق بستان صاحبه الذي لم يزل على نضارته وحسنه بل في زيادة ونمو وتضاعف ثمرة وكثرة غرس. والثامن: أن طمع العدو في هذا العاصي إنما كان لضعف علمه وضعف عزيمته ولذلك يسمى جاهلا قال قتادة: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل ما عصي الله به فهو جهالة وكذلك قال الله تعالى في حق آدم ولم نجد له عزما [طه: 115] وقال في حق غيره فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل [الأحقاف: 35] وأما من قويت عزيمته وكمل علمه وقوي إيمانه لم يطمع فيه عدوه وكان أفضل. التاسع: أن المعصية لا بد أن تؤثر أثرا سيئا ولا بد إما هلاكا كليا وإما خسرانا وعقابا يعقبه إما عفو ودخول الجنة وإما نقص درجة وإما خمود مصباح الإيمان وعمل التائب في رفع هذه الآثار والتكفير وعمل المطيع في الزيادة ورفع الدرجات. ولهذا كان قيام الليل نافلة للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة فإنه يعمل في زيادة الدرجات وغيره يعمل في تكفير السيئات وأين هذا من هذا . العاشر: أن المقبل على الله المطيع له يسير بجملة أعماله وكلما زادت طاعاته وأعماله ازداد كسبه بها وعظم وهو بمنزلة من سافر فكسب عشرة أضعاف رأس ماله فسافر ثانيا برأس ماله الأول وكسبه فكسب عشرة أضعافه أيضا فسافر ثالثا أيضا بهذا المال كله وكان ربحه كذلك وهلم جرا فإذا فتر عن السفر في آخر أمره مرة واحدة فاته من الربح بقدر جميع ما ربح أو أكثر منه وهذا معنى قول الجنيد رحمه الله: لو أقبل(1\/305)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "279",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13276",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صادق على الله ألف عام ثم أعرض عنه لحظة واحدة كان ما فاته أكثر مما ناله وهو صحيح بهذا المعنى فإنه قد فاته في مدة الإعراض ربح تلك الأعمال كلها وهو أزيد من الربح المتقدم فإذا كان هذا حال من أعرض فكيف من عصى وأذنب وفي هذا الوجه كفاية.  فصل وطائفة رجحت التائب وإن لم تنكر كون الأول أكثر حسنات منه واحتجت بوجوه: أحدها: أن عبودية التوبة من أحب العبوديات إلى الله وأكرمها عليه فإنه سبحانه يحب التوابين ولو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلي بالذنب أكرم الخلق عليه فلمحبته لتوبة عبده ابتلاه بالذنب الذي يوجب وقوع محبوبه من التوبة وزيادة محبته لعبده فإن للتائبين عنده محبة خاصة يوضح ذلك: الوجه الثاني: أن للتوبة عنده سبحانه منزلة ليست لغيرها من الطاعات ولهذا يفرح سبحانه بتوبة عبده حين يتوب إليه أعظم فرح يقدر كما مثله النبي صلى الله عليه وسلم بفرح الواجد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض الدوية المهلكة بعد ما فقدها وأيس من أسباب الحياة ولم يجئ هذا الفرح في شيء من الطاعات سوى التوبة ومعلوم أن لهذا الفرح تأثيرا عظيما في حال التائب وقلبه ومزيده لا يعبر عنه وهو من أسرار تقدير الذنوب على العباد فإن العبد ينال بالتوبة درجة المحبوبية فيصير حبيبا لله فإن الله يحب التوابين ويحب العبد المفتن التواب ويوضحه: الوجه الثالث: أن عبودية التوبة فيها من الذل والانكسار والخضوع والتملق لله والتذلل له ما هو أحب إليه من كثير من الأعمال الظاهرة وإن زادت في القدر والكمية على عبودية التوبة فإن الذل والانكسار روح العبودية ومخها ولبها يوضحه: الوجه الرابع: أن حصول مراتب الذل والانكسار للتائب أكمل منها لغيره فإنه قد شارك من لم يذنب في ذل الفقر والعبودية والمحبة وامتاز عنه بانكسار قلبه كما في الأثر الإسرائيلي: يا رب أين أجدك قال: عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ولأجل هذا كان أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد لأنه مقام ذل وانكسار بين يدي ربه.(1\/306)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "280",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13277",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل أنه يقول يوم القيامة: يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين قال: استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ابن آدم استسقيتك فلم تسقني قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما لو سقيته لوجدت ذلك عندي ابن آدم مرضت فلم تعدني قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين قال: أما إن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما لو عدته لوجدتني عنده فقال في عيادة المريض quot; لوجدتني عنده quot; وقال في الإطعام والإسقاء quot; لوجدت ذلك عندي quot; ففرق بينهما فإن المريض مكسور القلب ولو كان من كان فلا بد أن يكسره المرض فإذا كان مؤمنا قد انكسر قلبه بالمرض كان الله عنده. وهذا - والله أعلم - هو السر في استجابة دعوة الثلاثة: المظلوم والمسافر والصائم للكسرة التي في قلب كل واحد منهم فإن غربة المسافر وكسرته مما يجده العبد في نفسه وكذلك الصوم فإنه يكسر سورة النفس السبعية الحيوانية ويذلها. والقصد: أن شمعة الجبر والفضل والعطايا إنما تنزل في شمعدان الانكسار وللعاصي التائب من ذلك أوفر نصيب يوضحه: الوجه الخامس: أن الذنب قد يكون أنفع للعبد إذا اقترنت به التوبة من كثير من الطاعات وهذا معنى قول بعض السلف: قد يعمل العبد الذنب فيدخل به الجنة ويعمل الطاعة فيدخل بها النار قالوا: وكيف ذلك قال: يعمل الذنب فلا يزال نصب عينيه إن قام وإن قعد وإن مشى ذكر ذنبه فيحدث له انكسارا وتوبة واستغفارا وندما فيكون ذلك سبب نجاته ويعمل الحسنة فلا تزال نصب عينيه إن قام وإن قعد وإن مشى كلما ذكرها أورثته عجبا وكبرا ومنة فتكون سبب هلاكه فيكون الذنب موجبا لترتب طاعات وحسنات ومعاملات قلبية من خوف الله والحياء منه والإطراق بين يديه منكسا رأسه خجلا باكيا نادما مستقيلا ربه وكل واحد من هذه الآثار أنفع للعبد من طاعة توجب له صولة وكبرا وازدراء بالناس ورؤيتهم بعين(1\/307)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "281",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13278",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاحتقار ولا ريب أن هذا الذنب خير عند الله وأقرب إلى النجاة والفوز من هذا المعجب بطاعته الصائل بها المان بها وبحاله على الله عز وجل وعباده وإن قال بلسانه خلاف ذلك فالله شهيد على ما في قلبه ويكاد يعادي الخلق إذا لم يعظموه ويرفعوه ويخضعوا له ويجد في قلبه بغضة لمن لم يفعل به ذلك ولو فتش نفسه حق التفتيش لرأى فيها ذلك كامنا ولهذا تراه عاتبا على من لم يعظمه ويعرف له حقه متطلبا لعيبه في قالب حمية لله وغضب له وإذا قام بمن يعظمه ويحترمه ويخضع له من الذنوب أضعاف ما قام بهذا فتح له باب المعاذير والرجاء وأغمض عنه عينه وسمعه وكف لسانه وقلبه وقال: باب العصمة عن غير الأنبياء مسدود وربما ظن أن ذنوب من يعظمه تكفر بإجلاله وتعظيمه وإكرامه إياه. فإذا أراد الله بهذا العبد خيرا ألقاه في ذنب يكسره به ويعرفه قدره ويكفي به عباده شره وينكس به رأسه ويستخرج به منه داء العجب والكبر والمنة عليه وعلى عباده فيكون هذا الذنب أنفع لهذا من طاعات كثيرة ويكون بمنزلة شرب الدواء ليستخرج به الداء العضال كما قيل بلسان الحال في قصة آدم وخروجه من الجنة بذنبه: يا آدم لا تجزع من كأس زلل كانت سبب كيسك فقد استخرج بها منك داء لا يصلح أن تجاورنا به وألبست بها حلة العبودية. لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجسام بالعلل يا آدم إنما ابتليتك بالذنب لأني أحب أن أظهر فضلي وجودي وكرمي على من عصاني لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم . يا آدم كنت تدخل علي دخول الملوك على الملوك واليوم تدخل علي دخول العبيد على الملوك. يا آدم إذا عصمتك وعصمت بنيك من الذنوب فعلى من أجود بحلمي وعلى من أجود بعفوي ومغفرتي وتوبتي وأنا التواب الرحيم . يا آدم لا تجزع من قولي لك اخرج منها [الأعراف: 18] فلك خلقتها ولكن اهبط إلى دار المجاهدة وابذر بذر التقوى وأمطر عليك سحائب الجفون فإذا اشتد الحب واستغلظ واستوى على سوقه فتعال فاحصده.(1\/308)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "282",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13279",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يا آدم ما أهبطتك من الجنة إلا لتتوسل إلي في الصعود وما أخرجتك منها نفيا لك عنها ما أخرجتك منها إلا لتعود. إن جرى بيننا وبينك عتب ... وتناءت منا ومنك الديار فالوداد الذي عهدت مقيم ... والعثار الذي أصبت جبار يا آدم ذنب تذل به لدينا أحب إلينا من طاعة تدل بها علينا. يا آدم أنين المذنبين أحب إلينا من تسبيح المدلين. quot; يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك يا ابن آدم لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا أتيتك بقرابها مغفرة quot;. يذكر عن بعض العباد أنه كان يسأل ربه في طوافه بالبيت أن يعصمه ثم غلبته عيناه فنام فسمع قائلا يقول: أنت تسألني العصمة وكل عبادي يسألونني العصمة فإذا عصمتهم فعلى من أتفضل وأجود بمغفرتي وعفوي وعلى من أتوب وأين كرمي وعفوي ومغفرتي وفضلي ونحو هذا من الكلام. يا ابن آدم إذا آمنت بي ولم تشرك بي شيئا أقمت حملة عرشي ومن حوله يسبحون بحمدي ويستغفرون لك وأنت على فراشك وفي الحديث العظيم الإلهي حديث أبي ذر يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فمن علم أني ذو قدرة على المغفرة غفرت له ولا أبالي قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم [الزمر: 53] . يا عبدي! لا تعجز فمنك الدعاء وعلي الإجابة ومنك الاستغفار وعلي المغفرة ومنك التوبة وعلي تبديل سيئاتك حسنات quot; يوضحه: الوجه السادس: وهو قوله تعالى إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما [الفرقان: 70](1\/309)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "283",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13280",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا من أعظم البشارة للتائبين إذا اقترن بتوبتهم إيمان وعمل صالح وهو حقيقة التوبة قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فرح بشيء قط فرحه بهذه الآية لما أنزلت وفرحه بنزول إنا فتحنا لك فتحا مبينا - ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر [الفتح: 1 - 2] . واختلفوا في صفة هذا التبديل وهل هو في الدنيا أو في الآخرة على قولين: فقال ابن عباس وأصحابه: هو تبديلهم بقبائح أعمالهم محاسنها فبدلهم بالشرك إيمانا وبالزنا عفة وإحصانا وبالكذب صدقا وبالخيانة أمانة. فعلى هذا معنى الآية أن صفاتهم القبيحة وأعمالهم السيئة بدلوا عوضها صفات جميلة وأعمالا صالحة كما يبدل المريض بالمرض صحة والمبتلى ببلائه عافية. وقال سعيد بن المسيب وغيره من التابعين: هو تبديل الله سيئاتهم التي عملوها بحسنات يوم القيامة فيعطيهم مكان كل سيئة حسنة. واحتج أصحاب هذا القول بما روى الترمذي في جامعه: حدثنا الحسين بن حريث قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأعلم آخر رجل يخرج من النار يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه ويخبأ عنه كبارها فيقال: عملت يوم كذا كذا وكذا وهو مقر لا ينكر وهو مشفق من كبارها فيقال: أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة فيقول: إن لي ذنوبا ما أراها هاهنا قال أبو ذر: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه . فهذا حديث صحيح ولكن في الاستدلال به على صحة هذا القول نظر فإن هذا قد عذب بسيئاته ودخل بها النار ثم بعد ذلك أخرج منها وأعطي مكان كل سيئة حسنة صدقة تصدق الله بها عليه ابتداء بعدد ذنوبه وليس في هذا تبديل تلك الذنوب بحسنات إذ لو كان كذلك لما عوقب عليها كما لم يعاقب التائب والكلام إنما هو في(1\/310)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "284",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13281",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تائب أثبت له مكان كل سيئة حسنة فزادت حسناته فأين في هذا الحديث ما يدل على ذلك والناس استقبلوا هذا الحديث مستدلين به في تفسير هذه الآية على هذا القول وقد علمت ما فيه لكن للسلف غور ودقة فهم لا يدركها كثير من المتأخرين. فالاستدلال به صحيح بعد تمهيد قاعدة إذا عرفت عرف لطف الاستدلال به ودقته وهي أن الذنب لا بد له من أثر وأثره يرتفع بالتوبة تارة وبالحسنات الماحية تارة وبالمصائب المكفرة تارة وبدخول النار ليتخلص من أثره تارة وكذلك إذا اشتد أثره ولم تقو تلك الأمور على محوه فلا بد إذا من دخول النار لأن الجنة لا يكون فيها ذرة من الخبيث ولا يدخلها إلا من طاب من كل وجه فإذا بقي عليه شيء من خبث الذنوب أدخل كير الامتحان ليخلص ذهب إيمانه من خبثه فيصلح حينئذ لدار الملك. إذا علم هذا فزوال موجب الذنب وأثره تارة يكون بالتوبة النصوح وهي أقوى الأسباب وتارة يكون باستيفاء الحق منه وتطهيره في النار فإذا تطهر بالنار وزال أثر الوسخ والخبث عنه أعطي مكان كل سيئة حسنة فإذا تطهر بالتوبة النصوح وزال عنها بها أثر وسخ الذنوب وخبثها كان أولى بأن يعطى مكان كل سيئة حسنة لأن إزالة التوبة لهذا الوسخ والخبث أعظم من إزالة النار وأحب إلى الله وإزالة النار بدل منها وهي الأصل فهي أولى بالتبديل مما بعد الدخول يوضحه: الوجه التاسع: وهو أن التائب قد بدل كل سيئة بندمه عليها حسنة إذ هو توبة تلك السيئة والندم توبة والتوبة من كل ذنب حسنة فصار كل ذنب عمله زائلا بالتوبة التي حلت محله وهي حسنة فصار له مكان كل سيئة حسنة بهذا الاعتبار فتأمله فإنه من ألطف الوجوه. وعلى هذا فقد تكون هذه الحسنة مساوية في القدر لتلك السيئة وقد تكون دونها وقد تكون فوقها وهذا بحسب نصح هذه التوبة وصدق التائب فيها وما يقترن بها من عمل القلب الذي تزيد مصلحته ونفعه على مفسدة تلك السيئة وهذا من أسرار مسائل التوبة ولطائفها يوضحه: الوجه العاشر: أن ذنب العارف بالله وبأمره قد يترتب عليه حسنات أكبر منه وأكثر وأعظم نفعا وأحب إلى الله من عصمته من ذلك الذنب من ذل وانكسار وخشية وإنابة وندم وتدارك بمراغمة العدو بحسنة أو حسنات أعظم منه حتى يقول الشيطان: يا ليتني لم أوقعه فيما أوقعته فيه ويندم الشيطان على إيقاعه في الذنب كندامة(1\/311)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "285",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13282",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاعله على ارتكابه لكن شتان ما بين الندمين والله تعالى يحب من عبده مراغمة عدوه وغيظه كما تقدم أن هذا من العبودية من أسرار التوبة فيحصل من العبد مراغمة العدو بالتوبة والتدارك وحصول محبوب الله من التوبة وما يتبعها من زيادة الأعمال هنا ما يوجب جعل مكان السيئة حسنة بل حسنات. وتأمل قوله: يبدل الله سيئاتهم حسنات [الفرقان: 70] ولم يقل مكان كل واحدة واحدة فهذا يجوز أن يبدل السيئة الواحدة بعدة حسنات بحسب حال المبدل. وأما في الحديث فإن الذي عذب على ذنوبه لم يبدلها في الدنيا بحسنات من التوبة النصوح وتوابعها فلم يكن له ما يجعل مكان السيئة حسنات فأعطي مكان كل سيئة حسنة واحدة وسكت النبي صلى الله عليه وسلم عن كبار ذنوبه ولما انتهى إليها ضحك ولم يبين ما يفعل الله بها وأخبر أن الله يبدل مكان كل صغيرة حسنة ولكن في الحديث إشارة لطيفة إلى أن هذا التبديل يعم كبارها وصغارها من وجهين: أحدهما: قوله: أخبئوا عنه كبارها فهذا إشعار بأنه إذا رأى تبديل الصغائر ذكرها وطمع في تبديلها فيكون تبديلها أعظم موقعا عنده من تبديل الصغائر وهو به أشد فرحا واغتباطا. والثاني: ضحك النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكر ذلك وهذا الضحك مشعر بالتعجب مما يفعل به من الإحسان وما يقر به على نفسه من الذنوب من غير أن يقرر عليها ولا يسأل عنها وإنما عرضت عليه الصغائر. فتبارك الله رب العالمين وأجود الأجودين وأكرم الأكرمين البر اللطيف المتودد إلى عباده بأنواع الإحسان وإيصاله إليهم من كل طريق بكل نوع لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.  فصل وكثير من الناس إنما يفسر التوبة بالعزم على أن لا يعاود الذنب وبالإقلاع عنه في الحال وبالندم عليه في الماضي وإن كان في حق آدمي فلا بد من أمر رابع وهو التحلل منه. وهذا الذي ذكروه بعض مسمى التوبة بل شرطها وإلا فالتوبة في كلام الله(1\/312)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "286",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13283",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورسوله - كما تتضمن ذلك - تتضمن العزم على فعل المأمور والتزامه فلا يكون بمجرد الإقلاع والعزم والندم تائبا حتى يوجد منه العزم الجازم على فعل المأمور والإتيان به هذا حقيقة التوبة وهي اسم لمجموع الأمرين لكنها إذا قرنت بفعل المأمور كانت عبارة عما ذكروه فإذا أفردت تضمنت الأمرين وهي كلفظة التقوى التي تقتضي عند إفرادها فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه وتقتضي عند اقترانها بفعل المأمور الانتهاء عن المحظور. فإن حقيقة التوبة الرجوع إلى الله بالتزام فعل ما يحب وترك ما يكره فهي رجوع من مكروه إلى محبوب فالرجوع إلى المحبوب جزء مسماها والرجوع عن المكروه الجزء الآخر ولهذا علق سبحانه الفلاح المطلق على فعل المأمور وترك المحظور بها فقال وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون [النور: 31] فكل تائب مفلح ولا يكون مفلحا إلا من فعل ما أمر به وترك ما نهي عنه وقال تعالى ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون [الحجرات: 11] وتارك المأمور ظالم كما أن فاعل المحظور ظالم وزوال اسم الظلم عنه إنما يكون بالتوبة الجامعة للأمرين فالناس قسمان: تائب وظالم ليس إلا فالتائبون هم العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله [التوبة: 112] فحفظ حدود الله جزء التوبة والتوبة هي مجموع هذه الأمور وإنما سمي تائبا لرجوعه إلى أمر الله من نهيه وإلى طاعته من معصيته كما تقدم. فإذا التوبة هي حقيقة دين الإسلام والدين كله داخل في مسمى التوبة وبهذا استحق التائب أن يكون حبيب الله فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين وإنما يحب الله من فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه. فإذا التوبة هي الرجوع مما يكرهه الله ظاهرا وباطنا إلى ما يحبه ظاهرا وباطنا ويدخل في مسماها الإسلام والإيمان والإحسان وتتناول جميع المقامات ولهذا كانت غاية كل مؤمن وبداية الأمر وخاتمته كما تقدم وهي الغاية التي وجد لأجلها الخلق والأمر والتوحيد جزء منها بل هو جزؤها الأعظم الذي عليه بناؤها. وأكثر الناس لا يعرفون قدر التوبة ولا حقيقتها فضلا عن القيام بها علما وعملا(1\/313)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "287",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13284",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحالا ولم يجعل الله تعالى محبته للتوابين إلا وهم خواص الخلق لديه. ولولا أن التوبة اسم جامع لشرائع الإسلام وحقائق الإيمان لم يكن الرب تعالى يفرح بتوبة عبده ذلك الفرح العظيم فجميع ما يتكلم فيه الناس من المقامات والأحوال هو تفاصيل التوبة وآثارها.  [فصل الاستغفار] وأما الاستغفار فهو نوعان: مفرد ومقرون بالتوبة فالمفرد: كقول نوح عليه السلام لقومه استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا [نوح: 10] وكقول صالح لقومه لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون [النمل: 46] وكقوله تعالى واستغفروا الله إن الله غفور رحيم [البقرة: 199] وقوله: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون [الأنفال: 33] والمقرون كقوله تعالى استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله [هود: 3] وقول هود لقومه استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا [هود: 52] وقول صالح لقومه هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب [هود: 61] وقول شعيب واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود [هود: 90] فالاستغفار المفرد كالتوبة بل هو التوبة بعينها مع تضمنه طلب المغفرة من الله وهو محو الذنب وإزالة أثره ووقاية شره لا كما ظنه بعض الناس أنها الستر فإن الله يستر على من يغفر له ومن لا يغفر له ولكن الستر لازم مسماها أو جزؤه فدلالتها عليه إما بالتضمن وإما باللزوم. وحقيقتها وقاية شر الذنب ومنه المغفر لما يقي الرأس من الأذى والستر لازم(1\/314)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "288",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13285",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لهذا المعنى وإلا فالعمامة لا تسمى مغفرا ولا القبع ونحوه مع ستره فلا بد في لفظ المغفر من الوقاية وهذا الاستغفار هو الذي يمنع العذاب في قوله: وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون [الأنفال: 33] فإن الله لا يعذب مستغفرا وأما من أصر على الذنب وطلب من الله مغفرته فهذا ليس باستغفار مطلق ولهذا لا يمنع العذاب فالاستغفار يتضمن التوبة والتوبة تتضمن الاستغفار وكل منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق. وأما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى فالاستغفار: طلب وقاية شر ما مضى والتوبة: الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله. فهاهنا ذنبان: ذنب قد مضى فالاستغفار منه: طلب وقاية شره وذنب يخاف وقوعه فالتوبة: العزم على أن لا يفعله والرجوع إلى الله يتناول النوعين رجوع إليه ليقيه شر ما مضى ورجوع إليه ليقيه شر ما يستقبل من شر نفسه وسيئات أعماله. وأيضا فإن المذنب بمنزلة من ركب طريقا تؤديه إلى هلاكه ولا توصله إلى المقصود فهو مأمور أن يوليها ظهره ويرجع إلى الطريق التي فيها نجاته والتي توصله إلى مقصوده وفيها فلاحه. فهاهنا أمران لا بد منهما: مفارقة شيء والرجوع إلى غيره فخصت التوبة بالرجوع والاستغفار بالمفارقة وعند إفراد أحدهما يتناول الأمرين ولهذا جاء - والله أعلم - الأمر بهما مرتبا بقوله: استغفروا ربكم ثم توبوا إليه [هود: 3] فإنه الرجوع إلى طريق الحق بعد مفارقة الباطل. وأيضا فالاستغفار من باب إزالة الضرر والتوبة طلب جلب المنفعة فالمغفرة أن يقيه شر الذنب والتوبة أن يحصل له بعد هذه الوقاية ما يحبه وكل منهما يستلزم الآخر عند إفراده والله أعلم.(1\/315)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "289",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13286",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل التوبة النصوح] فصل وهذا يتبين بذكر التوبة النصوح وحقيقتها قال الله تعالى ياأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار [التحريم: 8] فجعل وقاية شر السيئات - وهو تكفيرها - بزوال ما يكره العبد ودخول الجنات - وهو حصول ما يحب العبد - منوطا بحصول التوبة النصوح والنصوح على وزن فعول المعدول به عن فاعل قصدا للمبالغة كالشكور والصبور وأصل مادة (ن ص ح) لخلاص الشيء من الغش والشوائب الغريبة وهو ملاق في الاشتقاق الأكبر لنصح إذا خلص فالنصح في التوبة والعبادة والمشورة تخليصها من كل غش ونقص وفساد وإيقاعها على أكمل الوجوه والنصح ضد الغش. وقد اختلفت عبارات السلف عنها ومرجعها إلى شيء واحد فقال عمر بن الخطاب وأبي بن كعب رضي الله عنهما: التوبة النصوح أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع وقال الحسن البصري: هي أن يكون العبد نادما على ما مضى مجمعا على أن لا يعود فيه وقال الكلبي: أن يستغفر باللسان ويندم بالقلب ويمسك بالبدن وقال سعيد بن المسيب: توبة نصوحا تنصحون بها أنفسكم جعلها بمعنى ناصحة للتائب كضروب المعدول عن ضارب. وأصحاب القول الأول يجعلونها بمعنى المفعول أي قد نصح فيها التائب ولم يشبها(1\/316)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "290",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13287",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بغش فهي إما بمعنى منصوح فيها كركوبة وحلوبة بمعنى مركوبة ومحلوبة أو بمعنى الفاعل أي ناصحة كخالصة وصادقة. وقال محمد بن كعب القرظي: يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان والإقلاع بالأبدان وإضمار ترك العود بالجنان ومهاجرة سيء الإخوان. قلت: النصح في التوبة يتضمن ثلاثة أشياء: الأول: تعميم جميع الذنوب واستغراقها بها بحيث لا تدع ذنبا إلا تناولته. والثاني: إجماع العزم والصدق بكليته عليها بحيث لا يبقى عنده تردد ولا تلوم ولا انتظار بل يجمع عليها كل إرادته وعزيمته مبادرا بها. الثالث: تخليصها من الشوائب والعلل القادحة في إخلاصها ووقوعها لمحض الخوف من الله وخشيته والرغبة فيما لديه والرهبة مما عنده لا كمن يتوب لحفظ جاهه وحرمته ومنصبه ورياسته ولحفظ حاله أو لحفظ قوته وماله أو استدعاء حمد الناس أو الهرب من ذمهم أو لئلا يتسلط عليه السفهاء أو لقضاء نهمته من الدنيا أو لإفلاسه وعجزه ونحو ذلك من العلل التي تقدح في صحتها وخلوصها لله عز وجل. فالأول يتعلق بما يتوب منه والثالث يتعلق بمن يتوب إليه والأوسط يتعلق بذات التائب ونفسه فنصح التوبة الصدق فيها والإخلاص وتعميم الذنوب بها ولا ريب أن هذه التوبة تستلزم الاستغفار وتتضمنه وتمحو جميع الذنوب وهي أكمل ما يكون من التوبة والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله.  [فصل في الفرق بين تكفير السيئات ومغفرة الذنوب] وقد جاء في كتاب الله تعالى ذكرهما مقترنين وذكر كلا منهما منفردا عن الآخر فالمقترنان كقوله تعالى حاكيا عن عباده المؤمنين ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار [آل عمران: 193] والمنفرد كقوله:(1\/317)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "291",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13288",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم [محمد: 2] وقوله في المغفرة ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم [محمد: 15] وكقوله: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا [آل عمران: 147] ونظائره. فهاهنا أربعة أمور: ذنوب وسيئات ومغفرة وتكفير. فالذنوب: المراد بها الكبائر والمراد بالسيئات: الصغائر وهي ما تعمل فيه الكفارة من الخطأ وما جرى مجراه ولهذا جعل لها التكفير ومنه أخذت الكفارة ولهذا لم يكن لها سلطان ولا عمل في الكبائر في أصح القولين فلا تعمل في قتل العمد ولا في اليمين الغموس في ظاهر مذهب أحمد وأبي حنيفة. والدليل على أن السيئات هي الصغائر والتكفير لها قوله تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما [النساء: 31] وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر . ولفظ المغفرة أكمل من لفظ التكفير ولهذا كان من الكبائر والتكفير مع الصغائر فإن لفظ المغفرة يتضمن الوقاية والحفظ ولفظ التكفير يتضمن الستر والإزالة وعند الإفراد يدخل كل منهما في الآخر كما تقدم فقوله تعالى كفر عنهم سيئاتهم [محمد: 2] يتناول صغائرها وكبائرها ومحوها ووقاية شرها بل التكفير المفرد يتناول أسوأ الأعمال كما قال تعالى ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا [الزمر: 35] . وإذا فهم هذا فهم السر في الوعد على المصائب والهموم والغموم والنصب والوصب بالتكفير دون المغفرة كقوله في الحديث الصحيح ما يصيب المؤمن من هم ولا(1\/318)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "292",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13289",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غم ولا أذى - حتى الشوكة يشاكها - إلا كفر الله بها من خطاياه فإن المصائب لا تستقل بمغفرة الذنوب ولا تغفر الذنوب جميعها إلا بالتوبة أو بحسنات تتضاءل وتتلاشى فيها الذنوب فهي كالبحر لا يتغير بالجيف وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث. فلأهل الذنوب ثلاثة أنهار عظام يتطهرون بها في الدنيا فإن لم تف بطهرهم طهروا في نهر الجحيم يوم القيامة: نهر التوبة النصوح ونهر الحسنات المستغرقة للأوزار المحيطة بها ونهر المصائب العظيمة المكفرة فإذا أراد الله بعبده خيرا أدخله أحد هذه الأنهار الثلاثة فورد القيامة طيبا طاهرا فلم يحتج إلى التطهير الرابع.  [فصل توبة العبد بين توبتين من ربه] وتوبة العبد إلى الله محفوفة بتوبة من الله عليه قبلها وتوبة منه بعدها فتوبته بين توبتين من ربه سابقة ولاحقة فإنه تاب عليه أولا إذنا وتوفيقا وإلهاما فتاب العبد فتاب الله عليه ثانيا قبولا وإثابة قال الله سبحانه وتعالى لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم - وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم [التوبة: 117 - 118] فأخبر سبحانه أن توبته عليهم سبقت توبتهم وأنها هي التي جعلتهم تائبين فكانت سببا مقتضيا لتوبتهم فدل على أنهم ما تابوا حتى تاب الله تعالى عليهم والحكم ينتفي لانتفاء علته.(1\/319)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "293",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13290",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونظير هذا هدايته لعبده قبل الاهتداء فيهتدي بهدايته فتوجب له تلك الهداية هداية أخرى يثيبه الله بها هداية على هدايته فإن من ثواب الهدى الهدى بعده كما أن من عقوبة الضلالة الضلالة بعدها قال الله تعالى والذين اهتدوا زادهم هدى [محمد: 17] فهداهم أولا فاهتدوا فزادهم هدى ثانيا وعكسه في أهل الزيغ كقوله تعالى فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم [الصف: 5] فهذه الإزاغة الثانية عقوبة لهم على زيغهم. وهذا القدر من سر اسميه الأول والآخر فهو المعد وهو الممد ومنه السبب والمسبب وهو الذي يعيذ من نفسه بنفسه كما قال أعرف الخلق به: وأعوذ بك منك والعبد تواب والله تواب فتوبة العبد رجوعه إلى سيده بعد الإباق وتوبة الله نوعان: إذن وتوفيق وقبول وإمداد.  [فصل مبدأ التوبة ومنتهاها] والتوبة لها مبدأ ومنتهى فمبدؤها الرجوع إلى الله بسلوك صراطه المستقيم الذي نصبه لعباده موصلا إلى رضوانه وأمرهم بسلوكه بقوله تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل [الأنعام: 153] وبقوله: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض [الشورى: 52] وبقوله: وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد [الحج: 24] . ونهايتها الرجوع إليه في المعاد وسلوك صراطه الذي نصبه موصلا إلى جنته فمن رجع إلى الله في هذه الدار بالتوبة رجع إليه في المعاد بالثواب وهذا هو أحد التأويلات في قوله تعالى ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا [الفرقان: 71] قال البغوي وغيره: يتوب إلى الله متابا يعود إليه بعد الموت متابا حسنا يفضل على غيره فالتوبة الأولى - وهي قوله: ومن تاب - رجوع عن الشرك والثانية: رجوع إلى الله للجزاء والمكافأة.(1\/320)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "294",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13291",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتأويل الثاني: أن الجزاء متضمن معنى الأوامر والمعنى: ومن عزم على التوبة وأرادها فليجعل توبته إلى الله وحده ولوجهه خالصا لا لغيره. التأويل الثالث: أن المراد لازم هذا المعنى وهو إشعار التائب وإعلامه بمن تاب إليه ورجع إليه والمعنى: فليعلم توبته إلى من ورجوعه إلى من فإنها إلى الله لا إلى غيره. ونظير هذا - على أحد التأويلين - قوله تعالى ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته [المائدة: 67] أي اعلم ما يترتب على من عصى أوامره ولم يبلغ رسالته. والتأويل الرابع: أن التوبة تكون أولا بالقصد والعزم على فعلها ثم إذا قوي العزم وصار جازما وجد به فعل التوبة فالتوبة الأولى بالعزم والقصد لفعلها والثانية بنفس إيقاع التوبة وإيجادها والمعنى: فمن تاب إلى الله قصدا ونية وعزما فتوبته إلى الله عملا وفعلا وهذا نظير قوله صلى الله عليه وسلم فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه .  [فصل الذنوب صغائر وكبائر] والذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر بنص القرآن والسنة وإجماع السلف وبالاعتبار قال الله تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم [النساء: 31] وقال تعالى الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم [النجم: 32] وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم(1\/321)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "295",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13292",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنه قال الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان - مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر . وأما ما يحكى عن أبي إسحاق الإسفراييني أنه قال: الذنوب كلها كبائر وليس فيها صغائر فليس مراده أنها مستوية في الإثم بحيث يكون إثم النظر المحرم كإثم الوطء في الحرام وإنما المراد أنها بالنسبة إلى عظمة من عصي بها كلها كبائر ومع هذا فبعضها أكبر من بعض ومع هذا فالأمر في ذلك لفظي لا يرجع إلى معنى. والذي جاء في لفظ الشارع تسمية ذلك لمما ومحقرات كما في الحديث إياكم ومحقرات الذنوب وقد قيل: إن اللمم المذكور في الآية من الكبائر حكاه البغوي وغيره. قالوا: ومعنى الاستثناء أن يلم بالكبيرة مرة ثم يتوب منها ويقع فيها ثم ينتهي عنها لا يتخذها دأبه وعلى هذا يكون استثناء اللمم من الاجتناب إذ معناه لا يصدر منهم ولا تقع منهم الكبائر إلا لمما. والجمهور على أنه استثناء من الكبائر وهو منقطع أي لكن يقع منهم اللمم. وحسن وقوع الانقطاع بعد الإيجاب - والغالب خلافه - أنه إنما يقع حيث يقع التفريغ إذ في الإيجاب هنا معنى النفي صريحا فالمعنى: لا يأتون ولا يفعلون كبائر الإثم والفواحش فحسن استثناء اللمم. ولعل هذا الذي شجع أبا إسحاق على أن قال: الذنوب كلها كبائر إذ الأصل في الاستثناء الاتصال ولا سيما وهو من موجب.(1\/322)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "296",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13293",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولكن النصوص وإجماع السلف على انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر. ثم اختلفوا في فصلين أحدهما: في اللمم ما هو والثاني: في الكبائر وهل لها عدد يحصرها أو حد يحدها فلنذكر شيئا يتعلق بالفصلين.  [فصل اللمم] فأما اللمم فقد روي عن جماعة من السلف أنه الإلمام بالذنب مرة ثم لا يعود إليه وإن كان كبيرا قال البغوي: هذا قول أبي هريرة ومجاهد والحسن ورواية عطاء عن ابن عباس قال: وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك قال السدي: قال أبو صالح: سئلت عن قول الله عز وجل: إلا اللمم [النجم: 32]  فقلت: هو الرجل يلم بالذنب ثم لا يعاوده فذكرت ذلك لابن عباس فقال: لقد أعانك عليها ملك كريم. والجمهور على أن اللمم ما دون الكبائر وهو أصح الروايتين عن ابن عباس كما في صحيح البخاري من حديث طاووس عنه قال: ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العين النظر وزنا اللسان النطق والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه رواه مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة وفيه والعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطى . وقال الكلبي: اللمم على وجهين كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا في الدنيا ولا عذابا في الآخرة فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس ما لم يبلغ الكبائر والفواحش والوجه الآخر هو الذنب العظيم يلم به المسلم المرة بعد المرة فيتوب منه. قال سعيد بن المسيب: هو ما ألم بالقلب أي ما خطر عليه.(1\/323)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "297",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13294",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الحسين بن الفضل: اللمم النظر من غير تعمد فهو مغفور فإن أعاد النظر فليس بلمم وهو ذنب وقد روى عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما  وذهبت طائفة ثالثة إلى أن اللمم ما فعلوه في الجاهلية قبل إسلامهم فالله لا يؤاخذهم به وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين: أنتم بالأمس كنتم تعملون معنا فأنزل الله هذه الآية وهذا قول زيد بن ثابت وزيد بن أسلم. والصحيح قول الجمهور أن اللمم صغائر الذنوب كالنظرة والغمزة والقبلة ونحو ذلك هذا قول جمهور الصحابة ومن بعدهم وهو قول أبي هريرة وعبد الله بن مسعود وابن عباس ومسروق والشعبي ولا ينافي هذا قول أبي هريرة وابن عباس في الرواية الأخرى: إنه يلم بالكبيرة ثم لا يعود إليها فإن اللمم إما أنه يتناول هذا وهذا ويكون على وجهين كما قال الكلبي أو أن أبا هريرة وابن عباس ألحقا من ارتكب الكبيرة مرة واحدة - ولم يصر عليها بل حصلت منه فلتة في عمره - باللمم ورأيا أنها إنما تتغلظ وتكبر وتعظم في حق من تكررت منه مرارا عديدة وهذا من فقه الصحابة رضي الله عنهم وغور علومهم ولا ريب أن الله يسامح عبده المرة والمرتين والثلاث وإنما يخاف العنت على من اتخذ الذنب عادته وتكرر منه مرارا كثيرة وفي ذلك آثار سلفية والاعتبار بالواقع يدل على هذا ويذكر عن علي رضي الله عنه أنه دفع إليه سارق فأمر بقطع يده فقال: يا أمير المؤمنين والله ما سرقت غير هذه المرة فقال: كذبت فلما قطعت يده قال: اصدقني كم لك بهذه المرة فقال: كذا وكذا مرة فقال: صدقت إن الله لا يؤاخذ بأول ذنب أو كما قال فأول ذنب إن لم يكن هو اللمم فهو من جنسه ونظيره فالقولان عن أبي هريرة وابن عباس متفقان غير مختلفين والله أعلم.(1\/324)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "298",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13295",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذه اللفظة فيها معنى المقاربة والإعتاب بالفعل حينا بعد حين فإنه يقال: ألم بكذا إذا قاربه ولم يغشه ومن هذا سميت القبلة والغمزة لمما لأنها تلم بما بعدها ويقال: فلان لا يزورنا إلا لماما أي حينا بعد حين فمعنى اللفظة ثابت في الوجهين اللذين فسر الصحابة بهما الآية وليس معنى الآية الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم فإنهم لا يجتنبونه فإن هذا يكون ثناء عليهم بترك اجتناب اللمم وهذا محال وإنما هذا استثناء من مضمون الكلام ومعناه فإن سياق الكلام في تقسيم الناس إلى محسن ومسيء وأن الله يجزي هذا بإساءته وهذا بإحسانه ثم ذكر المحسنين ووصفهم بأنهم يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ومضمون هذا أنه لا يكون محسنا مجزيا بإحسانه ناجيا من عذاب الله إلا من اجتنب كبائر الإثم والفواحش فحسن حينئذ استثناء اللمم وإن لم يدخل في الكبائر فإنه داخل في جنس الإثم والفواحش. وضابط الانقطاع أن يكون له دخول في جنس المستثنى منه وإن لم يدخل في نفسه ولم يتناوله لفظه كقوله تعالى لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما [مريم: 62] فإن السلام داخل في الكلام الذي هو جنس اللغو والسلام وكذلك قوله: لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا [النبأ: 24] فإن الحميم والغساق داخل في جنس الذوق المنقسم فكأنه قيل في الأول: لا يسمعون فيها شيئا إلا سلاما وفي الثاني: لا يذوقون فيها شيئا إلا حميما وغساقا ونص على فرد من أفراد الجنس تصريحا ليكون نفيه بطريق التصريح والتنصيص لا بطريق العموم الذي يتطرق إليه تخصيص هذا الفرد وكذلك قوله تعالى ما لهم به من علم إلا اتباع الظن [النساء: 157] فإن الظن داخل في الشعور الذي هو جنس العلم والظن. وأدق من هذا دخول الانقطاع فيما يفهمه الكلام بلازمه كقوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف [النساء: 22] إذ مفهوم هذا أن نكاح منكوحات الآباء سبب للعقوبة إلا ما قد سلف منه قبل التحريم فإنه عفو وكذلك وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف [النساء: 23] وإن كان المراد به ما كان في شرع من(1\/325)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "299",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13296",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تقدم فهو استثناء من القبح المفهوم من ذلك التحريم والذم لمن فعله فحسن أن يقال: إلا ما قد سلف. فتأمل هذا فإنه من فقه العربية. وأما قوله: لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى [الدخان: 56] فهذا الاستثناء هو لتحقيق دوام الحياة وعدم ذوق الموت وهو يجعل النفي الأول العام بمنزلة النص الذي لا يتطرق إليه استثناء البتة إذ لو تطرق إليه استثناء فرد من أفراده لكان أولى بذكره من العدول عنه إلى الاستثناء المنقطع فجرى هذا الاستثناء مجرى التأكيد والتنصيص على حفظ العموم وهذا جار في كل منقطع فتأمله فإنه من أسرار العربية. فقوله: وما بالربع من أحد إلا الأواري يفهم منه لو وجدت فيها أحدا لاستثنيته ولم أعدل إلى الأواري التي ليست بأحد. وقريب من هذا لفظة quot; أو quot; في قوله تعالى ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة [البقرة: 74] وقوله: وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون [الصافات: 147] هو كالتنصيص على أن المراد بالأول الحقيقة لا المبالغة فإنها إن لم تزد قسوتها على الحجارة فهي كالحجارة في القسوة لا دونها وأنه إن لم يزد عددهم على مائة ألف لم ينقص عنها فذكر quot; أو quot; هاهنا كالتنصيص على حفظ المائة الألف وأنها ليست مما أريد بها المبالغة والله أعلم.(1\/326)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "300",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13297",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الكبائر] وأما الكبائر فاختلف السلف فيها اختلافا لا يرجع إلى تباين وتضاد وأقوالهم متقاربة. وفي الصحيحين من حديث الشعبي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال(1\/327)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "301",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13298",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس . وفيهما عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ألا أنبئكم بأكبر الكبائر - ثلاثا - قالوا: بلى يا رسول الله قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين - وجلس وكان متكئا - فقال: ألا وقول الزور فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت . وفي الصحيح من حديث أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك قال قلت: ثم أي قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قال قلت: ثم أي قال: أن تزاني بحليلة جارك فأنزل الله تعالى تصديق قول النبي صلى الله عليه وسلم والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون [الفرقان: 68] .(1\/329)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "302",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13299",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول الله وما هن قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات . وروى شعبة عن سعد بن إبراهيم سمعت حميد بن عبد الرحمن يحدث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه قالوا: وكيف يسب الرجل والديه قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه . وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن من أكبر الكبائر استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم بغير حق . وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أكبر الكبائر الشرك بالله والأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله . قال سعيد بن جبير: سأل رجل ابن عباس عن الكبائر أسبع هن قال: هن إلى السبعمائة أقرب إلا أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار وقال: كل شيء عصي الله به فهو كبيرة من عمل شيئا منها فليستغفر الله فإن الله لا يخلد في النار من الأمة إلا من كان راجعا عن الإسلام أو جاحدا فريضة أو مكذبا بالقدر. وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ما نهى الله عنه في سورة النساء من أولها(1\/330)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "303",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13300",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى قوله: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم [النساء: 31] فهو كبيرة وقال علي بن أبي طلحة: هي كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. وقال الضحاك: هي ما أوعد الله عليه حدا في الدنيا أو عذابا في الآخرة. وقال الحسين بن الفضل: ما سماه الله في القرآن كبيرا أو عظيما نحو قوله: إنه كان حوبا كبيرا [النساء: 2]  إن قتلهم كان خطئا كبيرا [الإسراء: 31]  إن الشرك لظلم عظيم [لقمان: 13]  إن كيدكن عظيم [يوسف: 28]  سبحانك هذا بهتان عظيم [النور: 16]  إن ذلكم كان عند الله عظيما [الأحزاب: 53] . قال سفيان الثوري: الكبائر ما كان فيه من المظالم بينك وبين العباد والصغائر ما كان بينك وبين الله لأن الله كريم يعفو واحتج بحديث يزيد بن هارون عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي مناد من قبل بطنان العرش يوم القيامة يا أمة محمد إن الله عز وجل قد عفا عنكم جميعكم المؤمنين والمؤمنات فتواهبوا المظالم بينكم وادخلوا الجنة برحمتي .(1\/331)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "304",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13301",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت: مراد سفيان: أن الذنوب التي بين العبد وبين الله أسهل أمرا من مظالم العباد فإنها تزول بالاستغفار والعفو والشفاعة وغيرها وأما مظالم العباد فلا بد من استيفائها وفي المعجم للطبراني: الظلم عند الله يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان لا يغفر الله منه شيئا وهو الشرك بالله ثم قرأ إن الله لا يغفر أن يشرك به [النساء: 48] وديوان لا يترك الله منه شيئا وهو مظالم العباد بعضهم بعضا وديوان لا يعبأ الله به شيئا وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين الله. ومعلوم أن هذا الديوان مشتمل على الكبائر والصغائر لكن مستحقه أكرم الأكرمين وما يعفو عنه من حقه ويهبه أضعاف أضعاف ما يستوفيه فأمره أسهل من الديوان الذي لا يترك منه شيئا لعدله وإيصال كل حق إلى صاحبه. وقال مالك بن مغول: الكبائر ذنوب أهل البدع والسيئات ذنوب أهل السنة. قلت: يريد أن البدعة من الكبائر وأنها أكبر من كبائر أهل السنة فكبائر أهل السنة صغائر بالنسبة إلى البدع وهذا معنى قول بعض السلف: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب منها. وقيل: الكبائر ذنوب العمد والسيئات الخطأ والنسيان وما أكره عليه وحديث النفس المرفوعة عن هذه الأمة. قلت: هذا من أضعف الأقوال طردا وعكسا فإن الخطأ والنسيان والإكراه لا يدخل تحت جنس المعاصي حتى يكون أحد قسميها. والعمد نوعان: نوع كبائر ونوع صغائر ولعل صاحب هذا القول يرى أن الذنوب كلها كبائر وأن الصغائر ما عفا الله لهذه الأمة عنه ولم يدخل تحت التكليف(1\/332)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "305",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13302",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا غير صحيح فإن الكبائر والصغائر نوعان تحت جنس المعصية ويستحيل وجود النوع بدون جنسه. وقيل: الكبائر ذنوب المستحلين مثل ذنب إبليس والصغائر ذنوب المستغفرين مثل ذنب آدم. قلت: أما المستحل فذنبه دائر بين الكفر والتأويل فإنه إن كان عالما بالتحريم فكافر وإن لم يكن عالما به فمتأول أو مقلد وأما المستغفر فإن استغفاره الكامل يمحو كبائره وصغائره فلا كبيرة مع الاستغفار. فهذا الفرق ضعيف أيضا إلا أن يكون مراد صاحبه أن ما يفعله المستحل من الذنب أعظم عقوبة مما يفعله المعترف بالتحريم النادم على الذنب المستغفر منه وهذا صحيح. وقال السدي: الكبائر ما نهى الله عنه من الذنوب الكبار والسيئات مقدماتها وتوابعها مما يجتمع فيه الصالح والفاسق مثل النظرة واللمسة والقبلة وأشباهها واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم العينان تزنيان والرجلان تزنيان ويصدق ذلك كله الفرج أو يكذبه . وقيل: الكبائر ما يستصغره العباد والصغائر ما يستعظمونه فيخافون مواقعته واحتج أرباب هذه المقالة بما روى البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال: إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات. قلت: أما قول السدي: الكبائر ما نهى الله عنه من الذنوب الكبار فبيان للشيء بنفسه فإن الذنوب الكبار هي الكبائر وإنما مراده أن المنهي عنه قسمان أحدهما: ما هو مشتمل على المفسدة بنفسه ونفس فعله منشأ المفسدة فهذا كبيرة كقتل النفس والسرقة والقذف والزنا. الثاني: ما كان من مقدمات ذلك ومباديه كالنظر واللمس والحديث والقبلة(1\/333)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "306",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13303",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي هو مقدمة الزنا فهو من الصغائر فالصغائر من جنس المقدمات والكبائر من جنس المقاصد والغايات. وأما من قال: ما يستصغره العباد فهو كبائر وما يستكبرونه فهو صغائر فإن أراد أن الفرق راجع إلى استكبارهم واستصغارهم فهو باطل فإن العبد يستصغر النظرة ويستكبر الفاحشة. وإن أراد أن استصغارهم للذنب يكبره عند الله واستعظامهم له يصغره عند الله فهذا صحيح فإن العبد كلما صغرت ذنوبه عنده كبرت عند الله وكلما كبرت عنده صغرت عند الله والحديث إنما يدل على هذا المعنى فإن الصحابة - لعلو مرتبتهم عند الله وكمالهم - كانوا يعدون تلك الأعمال موبقات ومن بعدهم - لنقصان مرتبتهم عنهم وتفاوت ما بينهم - صارت تلك الأعمال في أعينهم أدق من الشعر. وإذا أردت فهم هذا فانظر هل كان في الصحابة من إذا سمع نص رسول الله صلى الله عليه وسلم عارضه بقياسه أو ذوقه أو وجده أو عقله أو سياسته وهل كان قط أحد منهم يقدم على نص رسول الله صلى الله عليه وسلم عقلا أو قياسا أو ذوقا أو سياسة أو تقليد مقلد فلقد أكرم الله أعينهم وصانها أن تنظر إلى وجه من هذا حاله أو يكون في زمانهم ولقد حكم عمر بن الخطاب رضي الله عنه على من قدم حكمه على نص الرسول بالسيف وقال: هذا حكمي فيه فيالله! كيف لو رأى ما رأينا وشاهد ما بلينا به من تقديم رأي كل فلان وفلان على قول المعصوم صلى الله عليه وسلم ومعاداة من اطرح آراءهم وقدم عليها قول المعصوم فالله المستعان وهو الموعد وإليه المرجع. وقيل: الكبائر الشرك وما يؤدي إليه والصغائر ما عدا الشرك من ذنوب أهل التوحيد. واحتج أرباب هذه المقالة بقوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [النساء: 48] . واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم - فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى - ابن آدم لو أتيتني بقراب(1\/334)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "307",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13304",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا أتيتك بقرابها مغفرة . واحتجوا أيضا بالحديث الذي روي مرفوعا وموقوفا الظلم ثلاث دواوين ديوان لا يغفر الله منه شيئا وهو الشرك وديوان لا يترك الله منه شيئا وهو ظلم العباد بعضهم بعضا وديوان لا يعبأ به الله شيئا وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه . فهذا جملة ما احتج به أرباب هذه المقالة ولا حجة لهم في شيء منه. أما الآية: فإن غايتها التفريق بين الشرك وغيره لأن الشرك لا يغفر إلا بالتوبة منه وأما ما دون الشرك فهو موكول إلى مشيئة الله وهذا يدل على أن المعاصي دون الشرك وهذا حق فإن أراد أرباب هذا القول هذا فلا نزاع فيه وإن أرادوا أن كل ما دون الشرك فهو صغيرة في نفسه فباطل. فإن قيل: فإذا كان الشرك وغيره مما تأتي عليه التوبة فما وجه الفرق بين الشرك وما دونه وهل هما في حق التائب أم غير التائب أم أحدهما في حق التائب والآخر في حق غيره وما الفرق بين هذه الآية وبين قوله: قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم [الزمر: 53]  فالجواب أن كل واحدة من الآيتين لطائفة فآية النساء إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [النساء: 48] هي لغير التائبين في القسمين. والدليل عليه أنه فرق بين الشرك وغيره في المغفرة ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن الشرك يغفر بالتوبة وإلا لم يصح إسلام كافر أبدا. وأيضا فإنه خصص مغفرة ما دون الشرك بمن يشاء ومغفرة الذنوب للتائبين عامة لا تخصيص فيها فخصص وقيد وهذا يدل على أنه حكم غير التائب. وأما آية الزمر إن الله يغفر الذنوب جميعا [الزمر: 53] فهي في حق التائب لأنه أطلق وعمم فلم يخصها بأحد ولم يقيدها بذنب ومن المعلوم بالضرورة أن الكفر لا يغفره وكثير من الذنوب لا يغفرها فعلم أن هذا الإطلاق والتعميم في حق التائب فكل من تاب من أي ذنب كان غفر له. وأما الحديث الآخر لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا(1\/335)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "308",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13305",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أتيتك بقرابها مغفرة فلا يدل على أن ما عدا الشرك كله صغائر بل يدل على أن من لم يشرك بالله شيئا فذنوبه مغفورة كائنة ما كانت ولكن ينبغي أن يعلم ارتباط إيمان القلوب بأعمال الجوارح وتعلقها بها وإلا لم يفهم مراد الرسول صلى الله عليه وسلم ويقع الخلط والتخبيط. فاعلم أن هذا النفي العام للشرك - أن لا يشرك بالله شيئا البتة - لا يصدر من مصر على معصية أبدا ولا يمكن مدمن الكبيرة والمصر على الصغيرة أن يصفو له التوحيد حتى لا يشرك بالله شيئا هذا من أعظم المحال ولا يلتفت إلى جدلي لا حظ له من أعمال القلوب بل قلبه كالحجر أو أقسى يقول: وما المانع وما وجه الإحالة ولو فرض ذلك واقعا لم يلزم منه محال لذاته! . فدع هذا القلب المفتون بجدله وجهله واعلم أن الإصرار على المعصية يوجب من خوف القلب من غير الله ورجائه لغير الله وحبه لغير الله وذله لغير الله وتوكله على غير الله ما يصير به منغمسا في بحار الشرك والحاكم في هذا ما يعلمه الإنسان من نفسه إن كان له عقل فإن ذل المعصية لا بد أن يقوم بالقلب فيورثه خوفا من غير الله وذلك شرك ويورثه محبة لغير الله واستعانة بغيره في الأسباب التي توصله إلى غرضه فيكون عمله لا بالله ولا لله وهذا حقيقة الشرك. نعم قد يكون معه توحيد أبي جهل وعباد الأصنام وهو توحيد الربوبية وهو الاعتراف بأنه لا خالق إلا الله ولو أنجى هذا التوحيد وحده لأنجى عباد الأصنام والشأن في توحيد الإلهية الذي هو الفارق بين المشركين والموحدين. والمقصود أن من لم يشرك بالله شيئا يستحيل أن يلقى الله بقراب الأرض خطايا مصرا عليها غير تائب منها مع كمال توحيده الذي هو غاية الحب والخضوع والذل والخوف والرجاء للرب تعالى. وأما حديث الدواوين فإنما فيه أن حق الرب تعالى لا يئوده أن يهبه ويسقطه ولا يحتفل به ويعتني به كحقوق عباده وليس معناه: أنه لا يؤاخذ به البتة أو أنه كله صغائر وإنما معناه أنه يقع فيه من المسامحة والمساهلة والإسقاط والهبة ما لا يقع مثله في حقوق الآدميين. فظهر أنه لا حجة لهم في شيء مما احتجوا به والله أعلم. وقالت فرقة: الصغائر ما دون الحدين والكبائر ما تعلق بها أحد الحدين.(1\/336)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "309",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13306",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومرادهم بالحدين عقوبة الدنيا والآخرة فكل ذنب عليه عقوبة مشروعة محدودة في الدنيا كالزنا وشرب الخمر والسرقة والقذف أو عليه وعيد في الآخرة كأكل مال اليتيم والشرب في آنية الفضة والذهب وقتل الإنسان نفسه وخيانته أمانته ونحو ذلك فهو من الكبائر وصدق ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع.  [فصل الأحوال التي تكون معها الكبيرة صغيرة وبالعكس] فصل وهاهنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن الكبيرة قد يقترن بها - من الحياء والخوف والاستعظام لها - ما يلحقها بالصغائر وقد يقترن بالصغيرة - من قلة الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها - ما يلحقها بالكبائر بل يجعلها في أعلى رتبها. وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب وهو قدر زائد على مجرد الفعل والإنسان يعرف ذلك من نفسه ومن غيره. وأيضا فإنه يعفى للمحب ولصاحب الإحسان العظيم ما لا يعفى لغيره ويسامح بما لا يسامح به غيره. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: انظر إلى موسى - صلوات الله وسلامه عليه - رمى الألواح التي فيها كلام الله الذي كتبه بيده فكسرها وجر بلحية نبي مثله وهو هارون ولطم عين ملك الموت ففقأها وعاتب ربه ليلة الإسراء في محمد صلى الله عليه وسلم ورفعه عليه وربه تعالى يحتمل له ذلك كله ويحبه ويكرمه ويدلله لأنه قام لله تلك المقامات العظيمة في مقابلة أعدى عدو له وصدع بأمره وعالج أمتي القبط وبني إسرائيل أشد المعالجة فكانت هذه الأمور كالشعرة في البحر. وانظر إلى يونس بن متى حيث لم يكن له هذه المقامات التي لموسى غاضب ربه مرة فأخذه وسجنه في بطن الحوت ولم يحتمل له ما احتمل لموسى وفرق بين من إذا أتى بذنب واحد ولم يكن له من الإحسان والمحاسن ما يشفع له وبين من إذا أتى بذنب جاءت محاسنه بكل شفيع كما قيل: وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع فالأعمال تشفع لصاحبها عند الله وتذكر به إذا وقع في الشدائد قال تعالى عن(1\/337)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "310",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13307",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذي النون فلولا أنه كان من المسبحين - للبث في بطنه إلى يوم يبعثون [الصافات: 143 - 144]  وفرعون لما لم تكن له سابقة خير تشفع له وقال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل [يونس: 90] قال له جبريل آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين [يونس: 91] . وفي المسند عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إن ما تذكرون من جلال الله - من التسبيح والتكبير والتحميد - يتعاطفن حول العرش لهن دوي كدوي النحل يذكرن بصاحبهن أفلا يحب أحدكم أن يكون له من يذكر به ولهذا من رجحت حسناته على سيئاته أفلح ولم يعذب ووهبت له سيئاته لأجل حسناته ولأجل هذا يغفر لصاحب التوحيد ما لا يغفر لصاحب الإشراك لأنه قد قام به مما يحبه الله ما اقتضى أن يغفر له ويسامحه ما لا يسامح به المشرك وكما كان توحيد العبد أعظم كانت مغفرة الله له أتم فمن لقيه لا يشرك به شيئا البتة غفر له ذنوبه كلها كائنة ما كانت ولم يعذب بها. ولسنا نقول: إنه لا يدخل النار أحد من أهل التوحيد بل كثير منهم يدخل بذنوبه ويعذب على مقدار جرمه ثم يخرج منها ولا تنافي بين الأمرين لمن أحاط علما بما قدمناه. ونزيد هاهنا إيضاحا لعظم هذا المقام من شدة الحاجة إليه: اعلم أن أشعة لا إله إلا الله تبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه فلها نور وتفاوت أهلها في ذلك النور - قوة وضعفا - لا يحصيه إلا الله تعالى. فمن الناس من نور هذه الكلمة في قلبه كالشمس. ومنهم من نورها في قلبه كالكوكب الدري. ومنهم من نورها في قلبه كالمشعل العظيم. وآخر كالسراج المضيء وآخر كالسراج الضعيف. ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على هذا المقدار بحسب ما(1\/338)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "311",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13308",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في قلوبهم من نور هذه الكلمة علما وعملا ومعرفة وحالا. وكلما عظم نور هذه الكلمة واشتد أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته حتى إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف معها شبهة ولا شهوة ولا ذنبا إلا أحرقه وهذا حال الصادق في توحيده الذي لم يشرك بالله شيئا فأي ذنب أو شهوة أو شبهة دنت من هذا النور أحرقها فسماء إيمانه قد حرست بالنجوم من كل سارق لحسناته فلا ينال منها السارق إلا على غرة وغفلة لا بد منها للبشر فإذا استيقظ وعلم ما سرق منه استنقذه من سارقه أو حصل أضعافه بكسبه فهو هكذا أبدا مع لصوص الجن والإنس ليس كمن فتح لهم خزانته وولى الباب ظهره. وليس التوحيد مجرد إقرار العبد بأنه لا خالق إلا الله وأن الله رب كل شيء ومليكه كما كان عباد الأصنام مقرين بذلك وهم مشركون بل التوحيد يتضمن - من محبة الله والخضوع له والذل له وكمال الانقياد لطاعته وإخلاص العبادة له وإرادة وجهه الأعلى بجميع الأقوال والأعمال والمنع والعطاء والحب والبغض - ما يحول بين صاحبه وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي والإصرار عليها ومن عرف هذا عرف قول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله وقوله: لا يدخل النار من قال: لا إله إلا الله وما جاء من هذا الضرب من الأحاديث التي أشكلت على كثير من الناس حتى ظنها بعضهم منسوخة وظنها بعضهم قيلت قبل ورود الأوامر والنواهي واستقرار الشرع وحملها بعضهم على نار المشركين والكفار وأول بعضهم الدخول بالخلود وقال: المعنى لا يدخلها خالدا ونحو ذلك من التأويلات المستكرهة. والشارع - صلوات الله وسلامه عليه - لم يجعل ذلك حاصلا بمجرد قول اللسان فقط فإن هذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم وهم تحت الجاحدين لها في الدرك الأسفل من النار فلا بد من قول القلب وقول اللسان وقول القلب يتضمن من معرفتها والتصديق بها ومعرفة حقيقة ما تضمنته - من النفي والإثبات ومعرفة حقيقة الإلهية المنفية عن غير الله المختصة به التي يستحيل ثبوتها لغيره وقيام هذا المعنى بالقلب علما ومعرفة ويقينا وحالا - ما يوجب تحريم قائلها على النار وكل قول رتب الشارع ما رتب عليه من الثواب فإنما هو القول التام كقوله صلى الله عليه وسلم من قال في يوم: سبحان الله وبحمده مائة مرة(1\/339)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "312",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13309",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حطت عنه خطاياه - أو غفرت ذنوبه - ولو كانت مثل زبد البحر وليس هذا مرتبا على مجرد قول اللسان. نعم من قالها بلسانه غافلا عن معناها معرضا عن تدبرها ولم يواطئ قلبه لسانه ولا عرف قدرها وحقيقتها راجيا مع ذلك ثوابها حطت من خطاياه بحسب ما في قلبه فإن الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب فتكون صورة العملين واحدة وبينهما في التفاضل كما بين السماء والأرض والرجلان يكون مقامهما في الصف واحدا وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض. وتأمل حديث البطاقة التي توضع في كفة ويقابلها تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر فتثقل البطاقة وتطيش السجلات فلا يعذب. ومعلوم أن كل موحد له مثل هذه البطاقة وكثير منهم يدخل النار بذنوبه ولكن السر الذي ثقل بطاقة ذلك الرجل وطاشت لأجله السجلات لما لم يحصل لغيره من أرباب البطاقات انفردت بطاقته بالثقل والرزانة. وإذا أردت زيادة الإيضاح لهذا المعنى فانظر إلى ذكر من قلبه ملآن بمحبتك وذكر من هو معرض عنك غافل ساه مشغول بغيرك قد انجذبت دواعي قلبه إلى محبة غيرك وإيثاره عليك هل يكون ذكرهما واحدا أم هل يكون ولداك اللذان هما بهذه المثابة أو عبداك أو زوجتاك عندك سواء . وتأمل ما قام بقلب قاتل المائة من حقائق الإيمان التي لم تشغله عند السياق عن(1\/340)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "313",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13310",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السير إلى القرية وحملته - وهو في تلك الحال - على أن جعل ينوء بصدره ويعالج سكرات الموت فهذا أمر آخر وإيمان آخر ولا جرم أن ألحق بالقرية الصالحة وجعل من أهلها. وقريب من هذا ما قام بقلب البغي التي رأت ذلك الكلب - وقد اشتد به العطش يأكل الثرى - فقام بقلبها ذلك الوقت - مع عدم الآلة وعدم المعين وعدم من ترائيه بعملها - ما حملها على أن غررت بنفسها في نزول البئر وملء الماء في خفها ولم تعبأ بتعرضها للتلف وحملها خفها بفيها وهو ملآن حتى أمكنها الرقي من البئر ثم تواضعها لهذا المخلوق الذي جرت عادة الناس بضربه فأمسكت له الخف بيدها حتى شرب من غير أن ترجو منه جزاء ولا شكورا فأحرقت أنوار هذا القدر من التوحيد ما تقدم منها من البغاء فغفر لها. فهكذا الأعمال والعمال عند الله والغافل في غفلة من هذا الإكسير الكيماوي الذي إذا وضع منه مثقال ذرة على قناطير من نحاس الأعمال قلبها ذهبا والله المستعان.  [فصل قوة الإيمان والعلم التي يسامح صاحبها بما لا يسامح به غيره] فصل فإن قيل: قد ذكرتم أن المحب يسامح بما لا يسامح به غيره ويعفى للولي عما لا يعفى لسواه وكذلك العالم أيضا يغفر له ما لا يغفر للجاهل كما روى الطبراني بإسناد جيد - مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم -: إن الله - سبحانه - إذا جمع الناس يوم القيامة في صعيد واحد قال للعلماء: إني كنت أعبد بفتواكم وقد علمت أنكم كنتم تخلطون كما يخلط الناس وإني لم أضع علمي فيكم وأنا أريد أن أعذبكم اذهبوا فقد غفرت لكم  هذا معنى الحديث وقد روي مسندا ومرسلا. فهذا الذي ذكرتم صحيح وهو مقتضى الحكمة والجود والإحسان ولكن ماذا تصنعون بالعقوبة المضاعفة التي ورد التهديد بها في حق أولئك إن وقع منهم ما يكره كقوله تعالى يانساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين [الأحزاب: 30](1\/341)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "314",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13311",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله تعالى ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا - إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا [الإسراء: 74 - 75] أي لولا تثبيتنا لك لقد كدت تركن إليهم بعض الشيء ولو فعلت لأذقناك ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات أي ضاعفنا لك العذاب في الدنيا والآخرة وقال تعالى ولو تقول علينا بعض الأقاويل - لأخذنا منه باليمين - ثم لقطعنا منه الوتين [الحاقة: 44 - 46] أي لو أتى بشيء من عند نفسه لأخذنا منه بيمينه وقطعنا نياط قلبه وأهلكناه وقد أعاذه الله من الركون إلى أعدائه بذرة من قلبه ومن التقول عليه سبحانه وكم من راكن إلى أعدائه ومتقول عليه من قبل نفسه قد أمهله ولم يعبأ به كأرباب البدع كلهم المتقولين على أسمائه وصفاته ودينه. وما ذكرتم في قصة يونس هو من هذا الباب فإنه لم يسامح بغضبة وسجن لأجلها في بطن الحوت ويكفي حال أبي البشر حيث لم يسامح بلقمة وكانت سبب إخراجه من الجنة. فالجواب أن هذا أيضا حق ولا تنافي بين الأمرين فإن من كملت عليه نعمة الله واختصه منها بما لم يختص به غيره في إعطائه منها ما حرمه غيره فحبي بالإنعام وخص بالإكرام وخص بمزيد التقريب وجعل في منزلة الولي الحبيب اقتضت حاله من حفظ مرتبة الولاية والقرب والاختصاص بأن يراعي مرتبته من أدنى مشوش وقاطع فلشدة الاعتناء به ومزيد تقريبه واتخاذه لنفسه واصطفائه على غيره تكون حقوق وليه وسيده عليه أتم ونعمه عليه أكمل والمطلوب منه فوق المطلوب من غيره فهو إذا غفل وأخل بمقتضى مرتبته نبه بما لم ينبه عليه البعيد البراني مع كونه يسامح بما لم يسامح به ذلك أيضا فيجتمع في حقه الأمران. وإذا أردت معرفة اجتماعهما وعدم تناقضهما فالواقع شاهد به فإن الملك يسامح خاصته وأولياءه بما لم يسامح به من ليس في منزلتهم ويأخذهم ويؤدبهم بما لم يأخذ به غيرهم وقد ذكرنا شواهد هذا وهذا ولا تناقض بين الأمرين. وأنت إذا كان لك عبدان أو ولدان أو زوجتان أحدهما أحب إليك من الآخر وأقرب إلى قلبك وأعز عليك عاملته بهذين الأمرين واجتمع في حقه(1\/342)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "315",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13312",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعاملتان بحسب قربه منك وحبك له وعزته عليك فإذا نظرت إلى كمال إحسانك إليه وإتمام نعمتك عليه اقتضت معاملته بما لا تعامل به من دونه من التنبيه وعدم الإهمال وإذا نظرت إلى إحسانه ومحبته لك وطاعته وخدمته وكمال عبوديته ونصحه وهبت له وسامحته وعفوت عنه بما لا تفعله مع غيره فالمعاملتان بحسب ما منك وما منه. وقد ظهر اعتبار هذا المعنى في الشرع حيث جعل حد من أنعم عليه بالتزوج إذا تعداه إلى الزنا الرجم وحد من لم يعطه هذه النعمة الجلد وكذلك ضاعف الحد على الحر الذي قد ملكه نفسه وأتم عليه نعمته ولم يجعله مملوكا لغيره وجعل حد العبد المنقوص بالرق الذي لم يحصل له هذه النعمة نصف ذلك. فسبحان من بهرت حكمته في خلقه وأمره وجزائه عقول العالمين وشهدت بأنه أحكم الحاكمين. لله سر تحت كل لطيفة ... فأخو البصائر غائص يتملق(1\/343)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "316",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13313",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في أجناس ما يتاب منه] [الكفر] ولا يستحق العبد اسم التائب حتى يتخلص منها. وهي اثنا عشر جنسا مذكورة في كتاب الله عز وجل هي أجناس المحرمات: الكفر والشرك والنفاق والفسوق والعصيان والإثم والعدوان والفحشاء والمنكر والبغي والقول على الله بلا علم واتباع غير سبيل المؤمنين. فهذه الاثنا عشر جنسا عليها مدار كل ما حرم الله وإليها انتهاء العالم بأسرهم إلا أتباع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وقد يكون في الرجل أكثرها وأقلها أو واحدة منها وقد يعلم ذلك وقد لا يعلم. فالتوبة النصوح هي بالتخلص منها والتحصن والتحرز من مواقعتها وإنما يمكن التخلص منها لمن عرفها. ونحن نذكرها ونذكر ما اجتمعت فيه وما افترقت لتتبين حدودها وحقائقها والله الموفق لما وراء ذلك كما وفق له ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهذا الفصل من أنفع فصول الكتاب والعبد أحوج شيء إليه. الكفر فأما الكفر فنوعان: كفر أكبر وكفر أصغر. فالكفر الأكبر هو الموجب للخلود في النار. والأصغر موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود كما في قوله تعالى - وكان مما يتلى فنسخ لفظه - quot; لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم quot; وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث اثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة وقوله في السنن من أتى امرأة في(1\/344)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "317",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13314",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد وفي الحديث الآخر من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله على محمد وقوله: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض وهذا تأويل ابن عباس وعامة الصحابة في قوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون [المائدة: 44] قال ابن عباس: ليس بكفر ينقل عن الملة بل إذا فعله فهو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وكذلك قال طاوس وقال عطاء: هو كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق. ومنهم من تأول الآية على ترك الحكم بما أنزل الله جاحدا له وهو قول عكرمة وهو تأويل مرجوح فإن نفس جحوده كفر سواء حكم أو لم يحكم. ومنهم من تأولها على ترك الحكم بجميع ما أنزل الله قال: ويدخل في ذلك الحكم بالتوحيد والإسلام وهذا تأويل عبد العزيز الكناني وهو أيضا بعيد إذ الوعيد على نفي الحكم بالمنزل وهو يتناول تعطيل الحكم بجميعه وببعضه. ومنهم من تأولها على الحكم بمخالفة النص تعمدا من غير جهل به ولا خطأ في التأويل حكاه البغوي عن العلماء عموما.(1\/345)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "318",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13315",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنهم من تأولها على أهل الكتاب وهو قول قتادة والضحاك وغيرهما وهو بعيد وهو خلاف ظاهر اللفظ فلا يصار إليه. ومنهم من جعله كفرا ينقل عن الملة. والصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة وعدل عنه عصيانا مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا كفر أصغر وإن اعتقد أنه غير واجب وأنه مخير فيه مع تيقنه أنه حكم الله فهذا كفر أكبر وإن جهله وأخطأه فهذا مخطئ له حكم المخطئين. والقصد أن المعاصي كلها من نوع الكفر الأصغر فإنها ضد الشكر الذي هو العمل بالطاعة فالسعي إما شكر وإما كفر وإما ثالث لا من هذا ولا من هذا والله أعلم.  [فصل الكفر الأكبر] فصل وأما الكفر الأكبر فخمسة أنواع: كفر تكذيب وكفر استكبار وإباء مع التصديق وكفر إعراض وكفر شك وكفر نفاق. فأما كفر التكذيب فهو اعتقاد كذب الرسل وهذا القسم قليل في الكفار فإن الله تعالى أيد رسله وأعطاهم من البراهين والآيات على صدقهم ما أقام به الحجة وأزال به المعذرة قال الله تعالى عن فرعون وقومه وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [النمل: 14] وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون [الأنعام: 33] . وإن سمي هذا كفر تكذيب أيضا فصحيح إذ هو تكذيب باللسان. وأما كفر الإباء والاستكبار فنحو كفر إبليس فإنه لم يجحد أمر الله ولا قابله بالإنكار وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار ومن هذا كفر من عرف صدق الرسول وأنه جاء بالحق من عند الله ولم ينقد له إباء واستكبارا وهو الغالب على كفر أعداء الرسل كما حكى الله تعالى عن فرعون وقومه أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون [المؤمنون: 47](1\/346)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "319",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13316",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقول الأمم لرسلهم إن أنتم إلا بشر مثلنا [إبراهيم: 10] وقوله: كذبت ثمود بطغواها [الشمس: 11] وهو كفر اليهود كما قال تعالى فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به [البقرة: 89] وقال يعرفونه كما يعرفون أبناءهم [البقرة: 146] وهو كفر أبي طالب أيضا فإنه صدقه ولم يشك في صدقه ولكن أخذته الحمية وتعظيم آبائه أن يرغب عن ملتهم ويشهد عليهم بالكفر. وأما كفر الإعراض فأن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول لا يصدقه ولا يكذبه ولا يواليه ولا يعاديه ولا يصغي إلى ما جاء به البتة كما قال أحد بني عبد ياليل للنبي صلى الله عليه وسلم: والله أقول لك كلمة إن كنت صادقا فأنت أجل في عيني من أن أرد عليك وإن كنت كاذبا فأنت أحقر من أن أكلمك. وأما كفر الشك فإنه لا يجزم بصدقه ولا يكذبه بل يشك في أمره وهذا لا يستمر شكه إلا إذا ألزم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدق الرسول صلى الله عليه وسلم جملة فلا يسمعها ولا يلتفت إليها وأما مع التفاته إليها ونظره فيها فإنه لا يبقى معه شك لأنها مستلزمة للصدق ولا سيما بمجموعها فإن دلالتها على الصدق كدلالة الشمس على النهار. وأما كفر النفاق فهو أن يظهر بلسانه الإيمان وينطوي بقلبه على التكذيب فهذا هو النفاق الأكبر وسيأتي بيان أقسامه إن شاء الله تعالى.  [فصل الجحود نوعان مطلق ومقيد] فصل وكفر الجحود نوعان: كفر مطلق عام وكفر مقيد خاص. فالمطلق: أن يجحد جملة ما أنزله الله وإرساله الرسول. والخاص المقيد أن يجحد فرضا من فروض الإسلام أو تحريم محرم من محرماته أو صفة وصف الله بها نفسه أو خبرا أخبر الله به عمدا أو تقديما لقول من خالفه عليه لغرض من الأغراض.(1\/347)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "320",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13317",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما جحد ذلك جهلا أو تأويلا يعذر فيه صاحبه فلا يكفر صاحبه به كحديث الذي جحد قدرة الله عليه وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح ومع هذا فقد غفر الله له ورحمه لجهله إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه ولم يجحد قدرة الله على إعادته عنادا أو تكذيبا.  [فصل الشرك نوعان أكبر وأصغر] فصل الشرك وأما الشرك فهو نوعان: أكبر وأصغر فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه وهو أن يتخذ من دون الله ندا يحبه كما يحب الله وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين ولهذا قالوا لآلهتهم في النار تالله إن كنا لفي ضلال مبين - إذ نسويكم برب العالمين [الشعراء: 97 - 98] مع إقرارهم بأن الله وحده خالق كل شيء وربه ومليكه وأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق ولا تحيي ولا تميت وإنما كانت هذه التسوية في المحبة والتعظيم والعبادة كما هو حال أكثر مشركي العالم بل كلهم يحبون معبوداتهم ويعظمونها ويوالونها من دون الله وكثير منهم - بل أكثرهم - يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله ويستبشرون بذكرهم أعظم من استبشارهم إذا ذكر الله وحده ويغضبون لمنتقص معبوديهم وآلهتهم - من المشايخ - أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين وإذا انتهكت حرمة من حرمات آلهتهم ومعبوداتهم غضبوا غضب الليث إذا حرد وإذا انتهكت حرمات الله لم يغضبوا لها بل إذا قام المنتهك لها بإطعامهم شيئا رضوا عنه ولم تتنكر له قلوبهم وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة وترى أحدهم قد اتخذ ذكر إلهه ومعبوده من دون الله على لسانه ديدنا له إن قام وإن قعد وإن عثر وإن مرض وإن استوحش فذكر إلهه ومعبوده من دون الله هو الغالب على قلبه ولسانه وهو لا ينكر ذلك ويزعم أنه باب حاجته إلى الله وشفيعه عنده ووسيلته إليه. وهكذا كان عباد الأصنام سواء وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم فأولئك كانت آلهتهم من الحجر وغيرهم اتخذوها من(1\/348)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "321",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13318",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البشر قال الله تعالى حاكيا عن أسلاف هؤلاء المشركين والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون [الزمر: 3] ثم شهد عليهم بالكفر والكذب وأخبر أنه لا يهديهم فقال إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار [الزمر: 3] . فهذه حال من اتخذ من دون الله وليا يزعم أنه يقربه إلى الله وما أعز من يخلص من هذا بل ما أعز من لا يعادي من أنكره! . والذي في قلوب هؤلاء المشركين وسلفهم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله وهذا عين الشرك وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه وأبطله وأخبر أن الشفاعة كلها له وأنه لا يشفع عنده أحد إلا لمن أذن الله أن يشفع فيه ورضي قوله وعمله وهم أهل التوحيد الذين لم يتخذوا من دون الله شفعاء فإنه سبحانه يأذن لمن شاء في الشفاعة لهم حيث لم يتخذهم شفعاء من دونه فيكون أسعد الناس بشفاعة من يأذن الله له صاحب التوحيد الذي لم يتخذ شفيعا من دون الله ربه ومولاه. والشفاعة التي أثبتها الله ورسوله هي الشفاعة الصادرة عن إذنه لمن وحده والتي نفاها الله هي الشفاعة الشركية التي في قلوب المشركين المتخذين من دون الله شفعاء فيعاملون بنقيض قصدهم من شفعائهم ويفوز بها الموحدون. وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة - وقد سأله من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله - قال أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه كيف جعل أعظم الأسباب التي تنال بها شفاعته تجريد التوحيد عكس ما عند المشركين أن الشفاعة تنال باتخاذهم أولياءهم شفعاء وعبادتهم وموالاتهم من دون الله فقلب النبي صلى الله عليه وسلم ما في زعمهم الكاذب وأخبر أن سبب الشفاعة هو تجريد التوحيد فحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع. ومن جهل المشرك اعتقاده أن من اتخذه وليا أو شفيعا أنه يشفع له وينفعه عند الله كما يكون خواص الملوك والولاة تنفع شفاعتهم من والاهم ولم يعلموا أن الله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله كما قال تعالى(1\/349)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "322",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13319",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في الفصل الأول من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه [البقرة: 255] وفي الفصل الثاني ولا يشفعون إلا لمن ارتضى [الأنبياء: 28] وبقي فصل ثالث وهو أنه لا يرضى من القول والعمل إلا التوحيد واتباع الرسول وعن هاتين الكلمتين يسأل الأولين والآخرين كما قال أبو العالية: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم المرسلين . فهذه ثلاثة أصول تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها وعقلها لا شفاعة إلا بإذنه ولا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله ولا يرضى من القول والعمل إلا توحيده واتباع رسوله فالله تعالى لا يغفر شرك العادلين به غيره كما قال تعالى ثم الذين كفروا بربهم يعدلون [الأنعام: 1] وأصح القولين أنهم يعدلون به غيره في العبادة والموالاة والمحبة كما في الآية الأخرى تالله إن كنا لفي ضلال مبين - إذ نسويكم برب العالمين [الشعراء: 97 - 98] وكما في آية البقرة ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله [البقرة: 165] . وترى المشرك يكذب حاله وعمله قوله فإنه يقول: لا نحبهم كحب الله ولا نسويهم بالله ثم يغضب لهم ولحرماتهم - إذا انتهكت - أعظم مما يغضب لله ويستبشر بذكرهم ويتبشبش به سيما إذا ذكر عنهم ما ليس فيهم من إغاثة اللهفات وكشف الكربات وقضاء الحاجات وأنهم الباب بين الله وبين عباده فإنك ترى المشرك يفرح ويسر ويحن قلبه وتهيج منه لواعج التعظيم والخضوع لهم والموالاة وإذا ذكرت له الله وحده وجردت توحيده لحقته وحشة وضيق وحرج ورماك بنقص الإلهية التي له وربما عاداك. رأينا والله منهم هذا عيانا ورمونا بعداوتهم وبغوا لنا الغوائل والله مخزيهم في الدنيا والآخرة ولم تكن حجتهم إلا أن قالوا كما قال إخوانهم: عاب آلهتنا فقال هؤلاء: تنقصتم مشايخنا وأبواب حوائجنا إلى الله وهكذا قال النصارى للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال لهم: إن المسيح عبد الله قالوا: تنقصت المسيح وعبته وهكذا قال أشباه المشركين لمن منع اتخاذ القبور أوثانا تعبد ومساجد تقصد وأمر بزيارتها على الوجه الذي أذن الله فيه ورسوله قالوا: تنقصت أصحابها.(1\/350)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "323",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13320",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فانظر إلى هذا التشابه بين قلوبهم حتى كأنهم قد تواصوا به من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا [الكهف: 17] . وقد قطع الله تعالى كل الأسباب التي تعلق بها المشركون جميعا قطعا يعلم من تأمله وعرفه أن من اتخذ من دون الله وليا أو شفيعا فهو كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت فقال تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير - ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له [سبأ: 22 - 23] . فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يعتقد أنه يحصل له به من النفع والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع إما مالك لما يريده عباده منه فإن لم يكن مالكا كان شريكا للمالك فإن لم يكن شريكا له كان معينا له وظهيرا فإن لم يكن معينا ولا ظهيرا كان شفيعا عنده. فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيا مترتبا متنقلا من الأعلى إلى ما دونه فنفى الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يظنها المشرك وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك وهي الشفاعة بإذنه. فكفى بهذه الآية نورا وبرهانا ونجاة وتجريدا للتوحيد وقطعا لأصول الشرك وموداه لمن عقلها والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتضمنه له ويظنونه في نوع وفي قوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثا وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن. ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية. وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك وما عابه القرآن وذمه وقع فيه وأقره ودعا إليه وصوبه وحسنه وهو لا يعرف أنه هو الذي كان عليه أهل الجاهلية أو(1\/351)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "324",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13321",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نظيره أو شر منه أو دونه فينقض بذلك عرى الإسلام عن قلبه ويعود المعروف منكرا والمنكر معروفا والبدعة سنة والسنة بدعة ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد ويبدع بتجريد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ومفارقة الأهواء والبدع ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانا والله المستعان.  فصل وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء والتصنع للخلق والحلف بغير الله كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حلف بغير الله فقد أشرك وقول الرجل للرجل: ما شاء الله وشئت وهذا من الله ومنك وإنا بالله وبك وما لي إلا الله وأنت وأنا متوكل على الله وعليك ولولا أنت لم يكن كذا وكذا وقد يكون هذا شركا أكبر بحسب قائله ومقصده وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل قال له ما شاء الله وما شئت: أجعلتني لله ندا قل: ما شاء الله وحده وهذا اللفظ أخف من غيره من الألفاظ. ومن أنواع الشرك سجود المريد للشيخ فإنه شرك من الساجد والمسجود له والعجب أنهم يقولون: ليس هذا بسجود وإنما هو وضع الرأس قدام الشيخ احتراما وتواضعا فيقال لهؤلاء: ولو سميتموه ما سميتموه فحقيقة السجود وضع الرأس لمن يسجد له وكذلك السجود للصنم وللشمس وللنجم وللحجر كله وضع الرأس قدامه. ومن أنواعه ركوع المتعممين بعضهم لبعض عند الملاقاة وهذا سجود في اللغة وبه فسر قوله تعالى ادخلوا الباب سجدا [النساء: 154] أي منحنين وإلا فلا يمكن الدخول بالجبهة على الأرض ومنه قول العرب: سجدت الأشجار إذا أمالتها الريح. ومن أنواعه حلق الرأس للشيخ فإنه تعبد لغير الله ولا يتعبد بحلق الرأس إلا في النسك لله خاصة.(1\/352)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "325",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13322",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن أنواعه التوبة للشيخ فإنها شرك عظيم فإن التوبة لا تكون إلا لله كالصلاة والصيام والحج والنسك فهي خالص حق الله. وفي المسند أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بأسير فقال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عرف الحق لأهله . فالتوبة عبادة لا تنبغي إلا لله كالسجود والصيام. ومن أنواعه: النذر لغير الله فإنه شرك وهو أعظم من الحلف بغير الله فإذا كان من حلف بغير الله فقد أشرك فكيف بمن نذر لغير الله مع أن في السنن من حديث عقبة بن عامر عنه صلى الله عليه وسلم النذر حلفة . ومن أنواعه: الخوف من غير الله والتوكل على غير الله والعمل لغير الله والإنابة والخضوع والذل لغير الله وابتغاء الرزق من عند غيره وحمد غيره على ما أعطى والغنية بذلك عن حمده سبحانه والذم والسخط على ما لم يقسمه ولم يجر به القدر وإضافة نعمه إلى غيره واعتقاد أن يكون في الكون ما لا يشاؤه. ومن أنواعه طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم. وهذا أصل شرك العالم فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا فضلا عمن استغاث به وسأله قضاء حاجته أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها وهذا من جهله بالشافع والمشفوع له عنده كما تقدم فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلا بإذنه والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سببا لإذنه وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن وهو بمنزلة من استعان في حاجة بما يمنع حصولها وهذه حالة كل مشرك والميت محتاج إلى من يدعو له ويترحم عليه ويستغفر له كما أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم ونسأل لهم العافية والمغفرة(1\/353)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "326",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13323",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعكس المشركون هذا وزاروهم زيارة العبادة واستقضاء الحوائج والاستغاثة بهم وجعلوا قبورهم أوثانا تعبد وسموا قصدها حجا واتخذوا عندها الوقفة وحلق الرأس فجمعوا بين الشرك بالمعبود الحق وتغيير دينه ومعاداة أهل التوحيد ونسبة أهله إلى التنقص للأموات وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك وأولياءه الموحدين له الذين لم يشركوا به شيئا بذمهم وعيبهم ومعاداتهم وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا وأنهم أمروهم به وأنهم يوالونهم عليه وهؤلاء هم أعداء الرسل والتوحيد في كل زمان ومكان وما أكثر المستجيبين لهم! ولله خليله إبراهيم عليه السلام حيث يقول واجنبني وبني أن نعبد الأصنام - رب إنهن أضللن كثيرا من الناس [إبراهيم: 35 - 36] . وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد توحيده لله وعادى المشركين في الله وتقرب بمقتهم إلى الله واتخذ الله وحده وليه وإلهه ومعبوده فجرد حبه لله وخوفه لله ورجاءه لله وذله لله وتوكله على الله واستعانته بالله والتجاءه إلى الله واستغاثته بالله وأخلص قصده لله متبعا لأمره متطلبا لمرضاته إذا سأل سأل الله وإذا استعان استعان بالله وإذا عمل عمل لله فهو لله وبالله ومع الله. والشرك أنواع كثيرة لا يحصيها إلا الله. ولو ذهبنا نذكر أنواعه لاتسع الكلام أعظم اتساع ولعل الله أن يساعد بوضع كتاب فيه وفي أقسامه وأسبابه ومباديه ومضرته وما يندفع به. فإن العبد إذا نجا منه ومن التعطيل وهما الداءان اللذان هلكت بهما الأمم فما بعدهما أيسر منهما وإن هلك بهما فبسبيل من هلك ولا آسى على الهالكين.  [فصل النفاق] وأما النفاق: فالداء العضال الباطن الذي يكون الرجل ممتلئا منه وهو لا يشعر فإنه أمر خفي على الناس وكثيرا ما يخفى على من تلبس به فيزعم أنه مصلح وهو مفسد. وهو نوعان: أكبر وأصغر.(1\/354)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "327",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13324",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالأكبر يوجب الخلود في النار في دركها الأسفل وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به لا يؤمن بأن الله تكلم بكلام أنزله على بشر جعله رسولا للناس يهديهم بإذنه وينذرهم بأسه ويخوفهم عقابه. وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين وكشف أسرارهم في القرآن وجلى لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر وذكر طوائف العالم الثلاثة في أول سورة البقرة: المؤمنين والكفار والمنافقين فذكر في المؤمنين أربع آيات وفي الكفار آيتين وفي المنافقين ثلاث عشرة آية لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدا لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح وهو غاية الجهل والإفساد. فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه ! وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه ! وكم من علم له قد طمسوه ! وكم من لواء له مرفوع قد وضعوه ! وكم ضربوا بمعاول الشبه في أصول غراسه ليقلعوها ! وكم عموا عيون موارده بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها ! . فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنة وبلية ولا يزال يطرقه من شبههم سرية بعد سرية ويزعمون أنهم بذلك مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون [البقرة: 12]  يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون [الصف: 8] . اتفقوا على مفارقة الوحي فهم على ترك الاهتداء به مجتمعون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون [المؤمنون: 53]  يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا [الأنعام: 112] ولأجل ذلك اتخذوا هذا القرآن مهجورا [الفرقان: 30] . درست معالم الإيمان في قلوبهم فليسوا يعرفونها ودثرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها وأفلت كواكبه النيرة من قلوبهم فليسوا يحبونها وكسفت شمسه عند اجتماع(1\/355)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "328",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13325",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ظلم آرائهم وأفكارهم فليسوا يبصرونها لم يقبلوا هدى الله الذي أرسل به رسوله ولم يرفعوا به رأسا ولم يروا بالإعراض عنه إلى آرائهم وأفكارهم بأسا خلعوا نصوص الوحي عن سلطنة الحقيقة وعزلوها عن ولاية اليقين وشنوا عليها غارات التأويلات الباطلة فلا يزال يخرج عليها منهم كمين بعد كمين نزلت عليهم نزول الضيف على أقوام لئام فقابلوها بغير ما ينبغي لها من القبول والإكرام وتلقوها من بعيد ولكن بالدفع في الصدور منها والأعجاز وقالوا: ما لك عندنا من عبور وإن كان لا بد فعلى سبيل الاجتياز أعدوا لدفعها أصناف العدد وضروب القوانين وقالوا لما حلت بساحتهم: ما لنا ولظواهر لفظية لا تفيدنا شيئا من اليقين وعوامهم قالوا: حسبنا ما وجدنا عليه خلفنا من المتأخرين فإنهم أعلم بها من السلف الماضين وأقوم بطرائق الحجج والبراهين وأولئك غلبت عليهم السذاجة وسلامة الصدور ولم يتفرغوا لتمهيد قواعد النظر ولكن صرفوا هممهم إلى فعل المأمور وترك المحظور فطريقة المتأخرين أعلم وأحكم وطريقة السلف الماضين أجهل لكنها أسلم. أنزلوا نصوص السنة والقرآن منزلة الخليفة في هذا الزمان اسمه على السكة وفي الخطبة فوق المنابر مرفوع والحكم النافذ لغيره فحكمه غير مقبول ولا مسموع. لبسوا ثياب أهل الإيمان على قلوب أهل الزيغ والخسران والغل والكفران فالظواهر ظواهر الأنصار والبواطن قد تحيزت إلى الكفار فألسنتهم ألسنة المسالمين وقلوبهم قلوب المحاربين ويقولون آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين [البقرة: 8] . رأس مالهم الخديعة والمكر وبضاعتهم الكذب والختر وعندهم العقل المعيشي أن الفريقين عنهم راضون وهم بينهم آمنون يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون [البقرة: 9] . قد نهكت أمراض الشبهات والشهوات قلوبهم فأهلكتها وغلبت القصود السيئة على إراداتهم ونياتهم فأفسدتها ففسادهم قد ترامى إلى الهلاك فعجز عنه الأطباء العارفون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون [البقرة: 10] . من علقت مخالب شكوكهم بأديم إيمانه مزقته كل تمزيق ومن تعلق شرر فتنتهم(1\/356)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "329",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13326",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بقلبه ألقاه في عذاب الحريق ومن دخلت شبهات تلبيسهم في مسامعه حال بين قلبه وبين التصديق ففسادهم في الأرض كثير وأكثر الناس عنه غافلون وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون - ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون [البقرة: 11 - 12] . المتمسك عندهم بالكتاب والسنة صاحب ظواهر مبخوس حظه من المعقول والدائر مع النصوص عندهم كحمار يحمل أسفارا فهمه في حمل المنقول وبضاعة تاجر الوحي لديهم كاسدة وما هو عندهم بمقبول وأهل الاتباع عندهم سفهاء فهم في خلواتهم ومجالسهم بهم يتطيرون وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون [البقرة: 13] . لكل منهم وجهان وجه يلقى به المؤمنين ووجه ينقلب به إلى إخوانه من الملحدين وله لسانان: أحدهما يقبله بظاهره المسلمون والآخر يترجم به عن سره المكنون وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون [البقرة: 14] . قد أعرضوا عن الكتاب والسنة استهزاء بأهلهما واستحقارا وأبوا أن ينقادوا لحكم الوحيين فرحا بما عندهم من العلم الذي لا ينفع الاستكثار منه أشرا واستكبارا فتراهم أبدا بالمتمسكين بصريح الوحي يستهزئون الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون [البقرة: 15] . خرجوا في طلب التجارة البائرة في بحار الظلمات فركبوا مراكب الشبه والشكوك تجري بهم في موج الخيالات فلعبت بسفنهم الريح العاصف فألقتها بين سفن الهالكين أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين [البقرة: 16] . أضاءت لهم نار الإيمان فأبصروا في ضوئها مواقع الهدى والضلال ثم طفئ ذلك النور وبقيت نار تأجج ذات لهب واشتعال فهم بتلك النار معذبون وفي تلك الظلمات يعمهون مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون [البقرة: 17] .(1\/357)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "330",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13327",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أسماع قلوبهم قد أثقلها الوقر فهي لا تسمع منادي الإيمان وعيون بصائرهم عليها غشاوة العمى فهي لا تبصر حقائق القرآن وألسنتهم بها خرس عن الحق فهم به لا ينطقون صم بكم عمي فهم لا يرجعون [البقرة: 18] . صاب عليهم صيب الوحي وفيه حياة القلوب والأرواح فلم يسمعوا منه إلا رعد التهديد والوعيد والتكاليف التي وظفت عليهم في المساء والصباح فجعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وجدوا في الهرب والطلب في آثارهم والصياح فنودي عليهم على رءوس الأشهاد وكشفت حالهم للمستبصرين وضرب لهم مثلان بحسب حال الطائفتين منهم: المناظرين والمقلدين فقيل أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين [البقرة: 19] . ضعفت أبصار بصائرهم عن احتمال ما في الصيب من بروق أنواره وضياء معانيه وعجزت أسماعهم عن تلقي رعود وعوده وأوامره ونواهيه فقاموا عند ذلك حيارى في أودية التيه لا ينتفع بسمعه السامع ولا يهتدي ببصره البصير كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير [البقرة: 20] .(1\/358)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "331",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13328",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لهم علامات يعرفون بها مبينة في السنة والقرآن بادية لمن تدبرها من أهل بصائر الإيمان قام بهم والله الرياء وهو أقبح مقام قامه الإنسان وقعد بهم الكسل عما أمروا به من أوامر الرحمن فأصبح الإخلاص عليهم لذلك ثقيلا وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا [النساء: 142] . أحدهم كالشاة العائرة بين الغنمين تيعر إلى هذه مرة وإلى هذه مرة ولا تستقر مع إحدى الفئتين فهم واقفون بين الجمعين ينظرون أيهم أقوى وأعز قبيلا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا [النساء: 143] . يتربصون الدوائر بأهل السنة والقرآن فإن كان لهم فتح من الله قالوا: ألم نكن معكم وأقسموا على ذلك بالله جهد أيمانهم وإن كان لأعداء الكتاب والسنة من النصرة نصيب قالوا: ألم تعلموا أن عقد الإخاء بيننا محكم وأن النسب بيننا قريب فيا من يريد معرفتهم خذ صفاتهم من كلام رب العالمين فلا تحتاج بعده دليلا الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا [النساء: 141] . يعجب السامع قول أحدهم لحلاوته ولينه ويشهد الله على ما في قلبه من كذبه ومينه فتراه عند الحق نائما وفي الباطل على الأقدام فخذ وصفهم من قول القدوس السلام ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام [البقرة: 204] . أوامرهم التي يأمرون بها أتباعهم متضمنة لفساد البلاد والعباد ونواهيهم عما فيه(1\/359)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "332",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13329",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلاحهم في المعاش والمعاد وأحدهم تلقاه بين جماعة أهل الإيمان في الصلاة والذكر والزهد والاجتهاد وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد [البقرة: 205] . فهم جنس بعضه يشبه بعضا يأمرون بالمنكر بعد أن يفعلوه وينهون عن المعروف بعد أن يتركوه ويبخلون بالمال في سبيل الله ومرضاته أن ينفقوه كم ذكرهم الله بنعمه فأعرضوا عن ذكره ونسوه وكم كشف حالهم لعباده المؤمنين ليجتنبوه فاسمعوا أيها المؤمنين المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون [التوبة: 67] . إن حاكمتهم إلى صريح الوحي وجدتهم عنه نافرين وإن دعوتهم إلى حكم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم رأيتهم عنه معرضين فلو شهدت حقائقه لرأيت بينها وبين الهدى أمدا بعيدا ورأيتها معرضة عن الوحي إعراضا شديدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا [النساء: 61] . فكيف لهم بالفلاح والهدى! بعدما أصيبوا في عقولهم وأديانهم وأنى لهم التخلص من الضلال والردى! وقد اشتروا الكفر بإيمانهم فما أخسر تجارتهم البائرة! وقد استبدلوا بالرحيق المختوم حريقا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا [النساء: 62] . نشب زقوم الشبه والشكوك في قلوبهم فلا يجدون له مسيغا أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا [النساء: 63] . تبا لهم ما أبعدهم عن حقيقة الإيمان! وما أكذب دعواهم للتحقيق والعرفان فالقوم في شأن وأتباع الرسول في شأن لقد أقسم الله جل جلاله في كتابه بنفسه المقدسة قسما عظيما يعرف مضمونه أولو البصائر فقلوبهم منه على حذر إجلالا له وتعظيما فقال تعالى تحذيرا لأوليائه وتنبيها على حال هؤلاء وتفهيما(1\/360)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "333",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13330",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [النساء: 65] . تسبق يمين أحدهم كلامه من غير أن يعترض عليه لعلمه أن قلوب أهل الإيمان لا تطمئن إليه فيتبرأ بيمينه من سوء الظن به وكشف ما لديه وكذلك أهل الريبة يكذبون ويحلفون ليحسب السامع أنهم صادقون قد اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون [المنافقون: 2] . تبا لهم! برزوا إلى البيداء مع ركب الإيمان فلما رأوا طول الطريق وبعد الشقة نكصوا على أعقابهم ورجعوا وظنوا أنهم يتمتعون بطيب العيش ولذة المنام في ديارهم فما متعوا به ولا بتلك الهجعة انتفعوا فما هو إلا أن صاح بهم الصائح فقاموا عن موائد أطعمتهم والقوم جياع ما شبعوا فكيف حالهم عند اللقاء وقد عرفوا ثم أنكروا وعموا بعدما عاينوا الحق وأبصروا ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون [المنافقون: 3] . أحسن الناس أجساما وأخلبهم لسانا وألطفهم بيانا وأخبثهم قلوبا وأضعفهم جنانا فهم كالخشب المسندة التي لا ثمر لها قد قلعت من مغارسها فتساندت إلى حائط يقيمها لئلا يطأها السالكون وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون [المنافقون: 4] . يؤخرون الصلاة عن وقتها الأول إلى شرق الموتى فالصبح عند طلوع الشمس(1\/361)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "334",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13331",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعصر عند الغروب وينقرونها نقر الغراب إذ هي صلاة الأبدان لا صلاة القلوب ويلتفتون فيها التفات الثعلب إذ يتيقن أنه مطرود مطلوب ولا يشهدون الجماعة بل إن صلى أحدهم ففي البيت أو الدكان وإذا خاصم فجر وإذا عاهد غدر وإذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان هذه معاملتهم للخلق وتلك معاملتهم للخالق فخذ وصفهم من أول المطففين وآخر والسماء والطارق فلا ينبئك عن أوصافهم مثل خبير ياأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير [التحريم: 9] فما أكثرهم! وهم الأقلون وما أجبرهم! وهم الأذلون وما أجهلهم! وهم المتعالمون وما أغرهم بالله! إذ هم بعظمته جاهلون ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون [التوبة: 56] . إن أصاب أهل الكتاب والسنة عافية ونصر وظهور ساءهم ذلك وغمهم وإن أصابهم ابتلاء من الله وامتحان يمحص به ذنوبهم ويكفر به عنهم سيئاتهم أفرحهم ذلك وسرهم وهذا يحقق إرثهم وإرث من عداهم ولا يستوي من موروثه المنافقون إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون - قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون [التوبة: 50 - 51] وقال تعالى في شأن السلفين المختلفين والحق لا يندفع بمكابرة أهل الزيغ والتخليط إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط [آل عمران: 120] . كره الله طاعاتهم لخبث قلوبهم وفساد نياتهم فثبطهم عنها وأقعدهم وأبغض قربهم منه وجواره لميلهم إلى أعدائه فطردهم عنه وأبعدهم وأعرضوا عن وحيه فأعرض عنهم وأشقاهم وما أسعدهم وحكم عليهم بحكم عدل لا مطمع لهم في الفلاح بعده إلا أن يكونوا من التائبين فقال تعالى ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين [التوبة: 46] ثم ذكر حكمته(1\/362)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "335",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13332",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في تثبيطهم وإقعادهم وطردهم عن بابه وإبعادهم وأن ذلك من لطفه بأوليائه وإسعادهم فقال وهو أحكم الحاكمين لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين [التوبة: 47] . ثقلت عليهم النصوص فكرهوها وأعياهم حملها فألقوها عن أكتافهم ووضعوها وتفلتت منهم السنن أن يحفظوها فأهملوها وصالت عليهم نصوص الكتاب والسنة فوضعوا لها قوانين ردوها بها ودفعوها وقد هتك الله أستارهم وكشف أسرارهم وضرب لعباده أمثالهم وأعلم أنه كلما انقرض منهم طوائف خلفهم أمثالهم فذكر أوصافهم لأوليائه ليكونوا منها على حذر وبينها لهم فقال ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم [محمد: 9] . هذا شأن من ثقلت عليه النصوص فرآها حائلة بينه وبين بدعته وهواه فهي في وجهه كالبنيان المرصوص فباعها بمحصل من الكلام الباطل واستبدل منها بالفصوص فأعقبهم ذلك أن أفسد عليهم إعلانهم وإسرارهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم - فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم - ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم [محمد: 26 - 28] . أسروا سرائر النفاق فأظهرها الله على صفحات الوجوه منهم وفلتات اللسان ووسمهم لأجلها بسيماء لا يخفون بها على أهل البصائر والإيمان وظنوا أنهم إذ كتموا كفرهم وأظهروا إيمانهم راجوا على الصيارف والنقاد كيف والناقد البصير قد كشفها لكم أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم - ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم [محمد: 29 - 30] . فكيف إذا جمعوا ليوم التلاق وتجلى الله جل جلاله للعباد وقد كشف عن ساق ودعوا إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون [القلم: 43] .(1\/363)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "336",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13333",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أم كيف بهم إذا حشروا إلى جسر جهنم وهو أدق من الشعرة وأحد من الحسام وهو دحض مزلة مظلم لا يقطعه أحد إلا بنور يبصر به مواطئ الأقدام فقسمت بين الناس الأنوار وهم على قدر تفاوتها في المرور والذهاب وأعطوا نورا ظاهرا مع أهل الإسلام كما كانوا بينهم في هذه الدار يأتون بالصلاة والزكاة والحج والصيام فلما توسطوا الجسر عصفت على أنوارهم أهوية النفاق فأطفأت ما بأيديهم من المصابيح فوقفوا حيارى لا يستطيعون المرور فضرب بينهم وبين أهل الإيمان بسور له باب ولكن قد حيل بين القوم وبين المفاتيح باطنه الذي يلي المؤمنين فيه الرحمة وما يليهم من قبلهم العذاب والنقمة ينادون من تقدمهم من وفد الإيمان ومشاعل الركب تلوح على بعد كالنجوم تبدو لناظر الإنسان انظرونا نقتبس من نوركم [الحديد: 13] لنتمكن في هذا المضيق من العبور فقد طفئت أنوارنا ولا جواز اليوم إلا بمصباح من النور قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا [الحديد: 13] حيث قسمت الأنوار فهيهات الوقوف لأحد في مثل هذا المضمار! كيف نلتمس الوقوف في هذا المضيق فهل يلوي اليوم أحد على أحد في هذا الطريق وهل يلتفت اليوم رفيق إلى رفيق فذكروهم باجتماعهم معهم وصحبتهم لهم في هذه الدار كما يذكر الغريب صاحب الوطن بصحبته له في الأسفار ألم نكن معكم [الحديد: 14] نصوم كما تصومون ونصلي كما تصلون ونقرأ كما تقرءون ونتصدق كما تتصدقون ونحج كما تحجون فما الذي فرق بيننا اليوم حتى انفردتم دوننا بالمرور قالوا بلى [الحديد: 14] ولكنكم كانت ظواهركم معنا وبواطنكم مع كل ملحد وكل ظلوم كفور ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور - فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير [الحديد: 14 - 15] . لا تستطل أوصاف القوم فالمتروك والله أكثر من المذكور كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم لكثرتهم على ظهر الأرض وفي أجواف القبور فلا خلت بقاع الأرض منهم لئلا يستوحش المؤمنون في الطرقات وتتعطل بهم أسباب المعايش وتخطفهم الوحوش والسباع في الفلوات سمع حذيفة رضي الله عنه رجلا يقول: اللهم أهلك المنافقين فقال: يا ابن أخي لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم من قلة السالك. تالله لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين لعلمهم بدقه وجله وتفاصيله(1\/364)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "337",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13334",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجمله ساءت ظنونهم بنفوسهم حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين قال عمر بن الخطاب لحذيفة رضي الله عنهما: يا حذيفة نشدتك بالله هل سماني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم قال: لا ولا أزكي بعدك أحدا وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل ذكره البخاري وذكر عن الحسن البصري: ما أمنه إلا منافق وما خافه إلا مؤمن ولقد ذكر عن بعض الصحابة أنه كان يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق قيل: وما خشوع النفاق قال: أن يرى البدن خاشعا والقلب ليس بخاشع. تالله لقد ملئت قلوب القوم إيمانا ويقينا وخوفهم من النفاق شديد وهمهم لذلك ثقيل وسواهم كثير منهم لا يجاوز إيمانهم حناجرهم وهم يدعون أن إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل. زرع النفاق ينبت على ساقيتين: ساقية الكذب وساقية الرياء ومخرجهما من عينين: عين ضعف البصيرة وعين ضعف العزيمة فإذا تمت هذه الأركان الأربع استحكم نبات النفاق وبنيانه ولكنه بمدارج السيول على شفا جرف هار فإذا شاهدوا سيل الحقائق يوم تبلى السرائر وكشف المستور وبعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور تبين حينئذ لمن كانت بضاعته النفاق أن حواصله التي حصلها كانت كالسراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب [النور: 39] قلوبهم عن الخيرات لاهية وأجسادهم إليها ساعية والفاحشة في فجاجهم فاشية وإذا سمعوا الحق كانت قلوبهم عن سماعه قاسية وإذا حضروا الباطل وشهدوا الزور انفتحت أبصار قلوبهم وكانت آذانهم واعية فهذه والله أمارات النفاق فاحذرها أيها الرجل قبل أن تنزل بك القاضية(1\/365)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "338",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13335",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا عاهدوا لم يفوا وإن وعدوا أخلفوا وإن قالوا لم ينصفوا وإن دعوا إلى الطاعة وقفوا وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول صدفوا وإذا دعتهم أهواؤهم إلى أغراضهم أسرعوا إليها وانصرفوا فذرهم وما اختاروا لأنفسهم من الهوان والخزي والخسران فلا تثق بعهودهم ولا تطمئن إلى وعودهم فإنهم فيها كاذبون وهم لما سواها مخالفون ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين - فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون - فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون [التوبة: 75 - 77] .  [فصل الفسوق] وأما الفسوق: فهو في كتاب الله نوعان: مفرد مطلق ومقرون بالعصيان. والمفرد نوعان أيضا: فسوق كفر يخرج عن الإسلام وفسوق لا يخرج عن الإسلام فالمقرون كقوله تعالى ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون [الحجرات: 7] . والمفرد الذي هو فسوق كفر كقوله تعالى يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله [البقرة: 26] الآية وقوله عز وجل ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون [البقرة: 99] وقوله: وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها [السجدة: 20] الآية فهذا كله فسوق كفر. وأما الفسوق الذي لا يخرج عن الإسلام فكقوله تعالى وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم [البقرة: 282] الآية وقوله: ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ [الحجرات: 6] الآية فإن(1\/367)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "339",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13336",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق بعد الوقعة مصدقا وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية فلما سمع القوم بمقدمه تلقوه تعظيما لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله فهابهم فرجع من الطريق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن بني المصطلق منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أن يغزوهم فبلغ القوم رجوعه فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من حق الله فبدا له في الرجوع فخشينا أنه إنما رده من الطريق كتاب جاء منك لغضب غضبته علينا وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله فاتهمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث خالد بن الوليد خفية في عسكر وأمره أن يخفي عليهم قدومه وقال له: انظر فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم وإن لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما تستعمل في الكفار ففعل ذلك خالد ووافاهم فسمع منهم أذان صلاتي المغرب والعشاء فأخذ منهم صدقاتهم ولم ير منهم إلا الطاعة والخير فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر فنزل ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا [الحجرات: 6] الآية . والنبأ هو الخبر الغائب عن المخبر إذا كان له شأن والتبين طلب بيان حقيقته والإحاطة بها علما. وهاهنا فائدة لطيفة وهي أنه سبحانه لم يأمر برد خبر الفاسق وتكذيبه ورد شهادته جملة وإنما أمر بالتبين فإن قامت قرائن وأدلة من خارج تدل على صدقه عمل بدليل الصدق ولو أخبر به من أخبر فهكذا ينبغي الاعتماد في رواية الفاسق وشهادته وكثير من الفاسقين يصدقون في أخبارهم ورواياتهم وشهاداتهم بل كثير منهم يتحرى الصدق غاية التحري وفسقه من جهات أخر فمثل هذا لا يرد خبره ولا شهادته ولو ردت شهادة مثل هذا وروايته لتعطلت أكثر الحقوق وبطل كثير من الأخبار الصحيحة ولاسيما من فسقه من جهة الاعتقاد والرأي وهو متحر للصدق فهذا لا يرد خبره ولا شهادته. وأما من فسقه من جهة الكذب فإن كثر منه وتكرر بحيث يغلب كذبه على صدقه فهذا لا يقبل خبره ولا شهادته وإن ندر منه مرة ومرتين ففي رد شهادته وخبره بذلك قولان للعلماء وهما روايتان عن الإمام أحمد رحمه الله. والمقصود ذكر الفسوق الذي لا يخرج إلى الكفر.(1\/368)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "340",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13337",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والفسوق الذي تجب التوبة منه أعم من الفسوق الذي ترد به الرواية والشهادة. وكلامنا الآن فيما تجب التوبة منه وهو قسمان: فسق من جهة العمل وفسق من جهة الاعتقاد. ففسق العمل نوعان: مقرون بالعصيان ومفرد. فالمقرون بالعصيان: هو ارتكاب ما نهى الله عنه والعصيان: هو عصيان أمره كما قال الله تعالى لا يعصون الله ما أمرهم [التحريم: 6] وقال موسى لأخيه هارون عليهما السلام ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري [طه: 92] وقال الشاعر: أمرتك أمرا جازما فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما فالفسق أخص بارتكاب النهي ولهذا يطلق عليه كثيرا كقوله تعالى وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم [البقرة: 282] والمعصية أخص بمخالفة الأمر كما تقدم ويطلق كل منهما على صاحبه كقوله تعالى إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه [الكهف: 50] فسمى مخالفته للأمر فسقا وقال وعصى آدم ربه فغوى [طه: 121] فسمى ارتكابه للنهي معصية فهذا عند الإفراد فإذا اقترنا كان أحدهما لمخالفة الأمر والآخر لمخالفة النهي. والتقوى اتقاء مجموع الأمرين وبتحقيقها تصح التوبة من الفسوق والعصيان بأن يعمل العبد بطاعة الله على نور من الله يرجو ثواب الله ويترك معصية الله على نور من الله يخاف عقاب الله. وفسق الاعتقاد كفسق أهل البدع الذين يؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر ويحرمون ما حرم الله ويوجبون ما أوجب الله ولكن ينفون كثيرا مما أثبت الله ورسوله جهلا وتأويلا وتقليدا للشيوخ ويثبتون ما لم يثبته الله ورسوله كذلك. وهؤلاء كالخوارج المارقة وكثير من الروافض والقدرية والمعتزلة وكثير من الجهمية الذين ليسوا غلاة في التجهم. وأما غالية الجهمية فكغلاة الرافضة ليس للطائفتين في الإسلام نصيب.(1\/369)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "341",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13338",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولذلك أخرجهم جماعة من السلف من الثنتين والسبعين فرقة وقالوا: هم مباينون للملة. وليس مقصودنا الكلام في أحكام هؤلاء وإنما المقصود تحقيق التوبة من هذه الأجناس العشرة. فالتوبة من هذا الفسوق: بإثبات ما أثبته الله لنفسه ورسوله من غير تشبيه ولا تمثيل وتنزيهه عما نزه نفسه عنه ونزهه عنه رسوله من غير تحريف ولا تعطيل وتلقي النفي والإثبات من مشكاة الوحي لا من آراء الرجال ونتائج أفكارهم التي هي منشأ البدعة والضلالة. فتوبة هؤلاء الفساق من جهة الاعتقادات الفاسدة بمحض اتباع السنة ولا يكتفى منهم بذلك أيضا حتى يبينوا فساد ما كانوا عليه من البدعة إذ التوبة من ذنب هي بفعل ضده ولهذا شرط الله تعالى في توبة الكاتمين ما أنزل الله من البينات والهدى البيان لأن ذنبهم لما كان بالكتمان كانت توبتهم منه بالبيان قال الله تعالى إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون - إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم [البقرة: 159 - 160] وذنب المبتدع فوق ذنب الكاتم لأن ذاك كتم الحق وهذا كتمه ودعا إلا خلافه فكل مبتدع كاتم ولا ينعكس. وشرط في توبة المنافق الإخلاص; لأن ذنبه بالرياء فقال تعالى إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار [النساء: 145] ثم قال إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما [النساء: 146] ولذلك كان الصحيح من القولين أن توبة القاذف إكذابه نفسه لأنه ضد الذنب الذي ارتكبه وهتك به عرض المسلم المحصن فلا تحصل التوبة منه إلا بإكذابه نفسه لينتفي عن المقذوف العار الذي ألحقه به بالقذف وهو مقصود التوبة. وأما من قال: إن توبته أن يقول أستغفر الله من القذف ويعترف بتحريمه فقول ضعيف لأن هذا لا مصلحة فيه للمقذوف ولا يحصل له به براءة عرضه مما قذفه به فلا يحصل به مقصود التوبة من هذا الذنب فإن فيه حقين: حقا لله وهو تحريم(1\/370)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "342",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13339",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القذف فتوبته منه باستغفاره واعترافه بتحريم القذف وندمه عليه وعزمه على أن لا يعود وحقا للعبد وهو إلحاق العار به فتوبته منه بتكذيبه نفسه فالتوبة من هذا الذنب بمجموع الأمرين. فإن قيل: إذا كان صادقا قد عاين الزنا فأخبر به فكيف يسوغ له تكذيب نفسه وقذفها بالكذب ويكون ذلك من تمام توبته . قيل: هذا هو الإشكال الذي قال صاحب هذا القول لأجله ما قال إن توبته الاعتراف بتحريم القذف والاستغفار منه وهو موضع يحتاج فيه إلى بيان الكذب الذي حكم الله به على القاذف وأخبر أنه كاذب عنده ولو كان خبره مطابقا للواقع فنقول: الكذب يراد به أمران أحدهما: الخبر غير المطابق لمخبره وهو نوعان: كذب عمد وكذب خطأ فكذب العمد معروف وكذب الخطأ ككذب أبي السنابل بن بعكك في فتواه للمتوفى عنها إذا وضعت حملها أنها لا تحل حتى تتم لها أربعة أشهر وعشر فقال النبي صلى الله عليه وسلم كذب أبو السنابل ومنه قوله صلى الله عليه وسلم كذب من قالها لمن قال: حبط عمل عامر حيث قتل نفسه خطأ ومنه قول عبادة بن الصامت: كذب أبو محمد حيث قال: الوتر واجب فهذا كله من كذب الخطأ ومعناه أخطأ قائل ذلك. والثاني من أقسام الكذب: الخبر الذي لا يجوز الإخبار به وإن كان خبره مطابقا لمخبره كخبر القاذف المنفرد برؤية الزنا والإخبار به فإنه كاذب في حكم الله وإن كان خبره مطابقا لمخبره ولهذا قال تعالى فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون [النور: 13] فحكم الله في مثل هذا أن يعاقب عقوبة المفتري الكاذب وإن كان خبره مطابقا وعلى هذا فلا تتحقق توبته حتى يعترف بأنه كاذب عند الله كما أخبر الله تعالى(1\/371)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "343",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13340",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به عنه فإذا لم يعترف بأنه كاذب وجعله الله كاذبا فأي توبة له وهل هذا إلا محض الإصرار والمجاهرة بمخالفة حكم الله الذي حكم به عليه  [فصل هل يضمن السارق] واختلف في توبة السارق إذا قطعت يده هل من شرطها ضمان العين المسروقة لربها وأجمعوا على أن من شرط صحة توبته أداؤها إليه إذا كانت موجودة بعينها وإنما اختلفوا إذا كانت تالفة فقال الشافعي وأحمد: من تمام توبته ضمانها لمالكها ويلزمه ذلك موسرا كان أو معسرا وقال أبو حنيفة: إذا قطعت يده وقد استهلكت العين لم يلزمه ضمانها ولا تتوقف صحة توبته على الضمان لأن قطع اليد هو مجموع الجزاء والتضمين عقوبة زائدة عليه لا تشرع. قال: وهذا بخلاف ما إذا كانت العين قائمة فإن صاحبها قد وجد عين ماله فلم يكن أخذها عقوبة ثانية بخلاف التضمين فإنه غرامة وقد قطع طرفه فلا نجمع عليه غرامة الطرف وغرامة المال. قالوا: ولهذا لم يذكر الله في عقوبة السارق والمحارب غير إقامة الحد عليهما ولو كان الضمان لما أتلفوه واجبا لذكره مع الحد ولما جعل مجموع جزاء المحاربين ما ذكره من العقوبة بأداة quot; إنما quot; التي هي عندكم للحصر فقال إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا [المائدة: 33] الآية ومدلول هذا الكلام عند من يجعل أداة quot; إنما quot; للحصر أنه لا جزاء لهم غير ذلك. قالوا: وقد روى النسائي في سننه عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى في السارق إذا أقيم عليه الحد أنه لا غرم عليه . قالوا: وهذا هو المستقر في فطر الناس وعليه عملهم أنهم يقطعون السراق ولا يغرمونهم ما أتلفوه من أموال الناس وما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن.(1\/372)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "344",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13341",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: ولأنها لو ثبتت في ذمته بعد القطع لكان قد ملكها إذ لا يجتمع لربها البدل والمبدل وثبوت بدلها في ذمته يستلزم تقدير ملكها وهو شبهة في إسقاط القطع. وأصحاب القول الأول يقولون: هذه العين تعلق بها حقان حق الله وحق لمالكها وهما حقان متغايران لمستحقين متباينين فلا يبطل أحدهما الآخر بل يستوفيان معا لأن القطع حق الله والضمان حق للمالك ولهذا لا يسقط القطع بإسقاطه بعد الرفع إلى الإمام ولو أسقط الضمان سقط. وهذا كما إذا أكره أمة غيره على الزنا لزمه الحد لحق الله والمهر لحق السيد وكذلك إذا أكره الحرة على الزنا أيضا بل لو زنا بأمة ثم قتلها لزمه حد الزنا وقيمتها لمالكها وهو نظير ما إذا سرقها ثم قتلها قطعت يده لسرقتها وضمنها لمالكها. قالوا: وكذلك إذا قتل في الإحرام صيدا مملوكا لمالكه فعليه الجزاء لحق الله وقيمة الصيد لمالكه وكذلك إذا غصب خمر ذمي وشربها لزمه الحد حقا لله ولزمه عندكم ضمانها للذمي ولم يلزمه ضمان عند الجمهور لأنها ليست بمال فلا تضمن بالإتلاف كالميتة. قالوا: وأما قولكم: إن قطع اليد مجموع الجزاء إن أردتم أنه مجموع العقوبة فصحيح فإنه لم يبق عليه عقوبة ثانية ولكن الضمان ليس بعقوبة للسرقة ولهذا يجب في حق غير الجاني كمن أتلف مال غيره خطأ أو إكراها أو في حال نومه أو أتلفه إتلافا مأذونا له فيه كالمضطر إلى أكله أو المضطر إلى إلقائه في البحر لإنجاء السفينة ونحو ذلك فليس الضمان من العقوبة في شيء. وأما قولكم: إن الله لم يذكر في القرآن تضمين السارق والمحارب فهو لم ينفه أيضا وإنما سكت عنه فحكمه مأخوذ من قواعد الشرع ونصوصه كقوله: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم [البقرة: 194] وهذا قد اعتدى بالإتلاف فيعتدى عليه بالتضمين ولهذا أوجبنا رد العين إذا كانت قائمة ولم يذكر في القرآن وليس هذا من باب الزيادة على النص بل من باب إعمال النصوص كلها لا يعطل بعضها ويعمل ببعضها وكذلك الجواب عن قوله تعالى في المحاربين إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله [المائدة: 33] أي عقوبتهم.(1\/373)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "345",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13342",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: وأما حديث عبد الرحمن بن عوف فمنقطع لا يثبت يرويه سعد بن إبراهيم عن منصور وقد طعن في الحديث ابن المنذر فقال: سعد بن إبراهيم مجهول وقال ابن عبد البر: الحديث ليس بالقوي. وأما استقرار ذلك في فطر الناس فمن قال: إنه مستقر في فطرهم أن الغني الواجد إذا سرق مال فقير محتاج أو يتيم وأتلفه وقطعت يده أنه لا يضمن مال هذا الفقير واليتيم مع تمكنه من الضمان وقدرته عليه وضرورة صاحبه وضعفه وهل المستقر في فطر الناس إلا عكس هذا . وأما قولكم: لو ثبت في ذمته بعد القطع لكان قد ملكها فضعيف جدا لأنها بالإتلاف قد استقرت في ذمته ولهذا له المطالبة ببذلها اتفاقا وهذا الاستقرار في ذمته لا يمنع القطع فإنه يقطع بعد إتلافها واستقرارها في ذمته فكيف يزيل القطع ما ثبت في ذمته ويكون مبرئا له منه . وتوسط فقهاء المدينة مالك وغيره بين القولين فقالوا: إن كان له مال ضمنها بعد القطع وإن لم يكن له مال فلا ضمان عليه. وهذا استحسان حسن جدا وما أقربه من محاسن الشرع وأولاه بالقبول والله سبحانه وتعالى أعلم.  [فصل الإثم والعدوان] وأما الإثم والعدوان فهما قرينان قال الله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان [المائدة: 2] وكل منهما إذا أفرد تضمن الآخر فكل إثم عدوان إذ هو فعل ما نهى الله عنه أو ترك ما أمر الله به فهو عدوان على أمره ونهيه وكل عدوان إثم فإنه يأثم به صاحبه ولكن عند اقترانهما فهما شيئان بحسب متعلقهما ووصفهما.(1\/374)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "346",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13343",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالإثم ما كان محرم الجنس كالكذب والزنا وشرب الخمر ونحو ذلك والعدوان ما كان محرم القدر والزيادة. فالعدوان: تعدي ما أبيح منه إلى القدر المحرم والزيادة كالاعتداء في أخذ الحق ممن هو عليه إما بأن يتعدى على ماله أو بدنه أو عرضه فإذا غصبه خشبة لم يرض عوضها إلا داره وإذا أتلف عليه شيئا أتلف عليه أضعافه وإذا قال فيه كلمة قال فيه أضعافها فهذا كله عدوان وتعد للعدل. وهذا العدوان نوعان: عدوان في حق الله وعدوان في حق العبد فالعدوان في حق الله كما إذا تعدى ما أباح الله له من الوطء الحلال في الأزواج والمملوكات إلى ما حرم عليه من سواهما كما قال تعالى والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون [المؤمنون: 5] وكذلك تعدى ما أبيح له منه قدر معين فتعداه إلى أكثر منه فهو من العدوان كمن أبيح له إساغة الغصة بجرعة من خمر فتناول الكأس كلها أو أبيح له نظرة الخطبة والسوم والشهادة والمعاملة والمداواة فأطلق عنان طرفه في ميادين محاسن المنظور وأسام طرف ناظره في تلك الرياض والزهور فتعدى المباح إلى القدر المحظور وحام حول الحمى المحوط المحجور فصار ذا بصر حائر وقلب عن مكانه طائر أرسل طرفه رائدا يأتيه بالخبر فخامر عليه وأقام في تلك الخيام فبعث القلب في آثاره فلم يشعر إلا وهو أسير يحجل في قيوده بين تلك الخيام فما أقلعت لحظات ناظره حتى تشحط بينهن قتيلا وما برحت تنوشه سيوف تلك الجفون حتى جندلته تجديلا هذا خطر العدوان وما أمامه أعظم وأخطر وهذا فوت الحرمان وما حرمه من فوات ثواب من غض طرفه لله عز وجل أجل وأكبر سافر الطرف في مفاوز محاسن المنظور إليه فلم يربح إلا أذى السفر وغرر بنفسه في ركوب تلك البيداء وما عرف أن راكبها على أعظم الخطر ! يا لها من سفرة لم يبلغ المسافر منها ما نواه ولم يضع فيها عن عاتقه عصاه حتى قطع عليه فيها الطريق وقعد له فيها الرصد على كل نقب ومضيق لا يستطيع الرجوع إلى وطنه والإياب ولا له سبيل إلى المرور والذهاب يرى هجير الهاجرة من بعيد فيظنه برد الشراب حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب [النور: 39] وتيقن أنه كان مغرورا بلامع السراب تالله ما استوت هذه الذلة(1\/375)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "347",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13344",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتلك اللذة في القيمة فيشتريها بها العارف الخبير ولا تقاربا في المنفعة فيتحير بينهما البصير ولكن على العيون غشاوة فلا تفرق بين مواطن السلامة ومواضع العثور والقلوب تحت أغطية الغفلات راقدة فوق فرش الغرور فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور [الحج: 46] . ومن أمثلة العدوان تجاوز ما أبيح من الميتة للضرورة إلى ما لم يبح منها إما بأن يشبع وإنما أبيح له سد الرمق على أحد القولين في مذهب أحمد والشافعي وأبي حنيفة. وأباح مالك له الشبع والتزود إذا احتاج إليه فإذا استغنى عنها وأكلها واقيا لماله وبخلا عن شراء المذكى ونحوه كان تناولها عدوانا قال تعالى فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم [البقرة: 173] قال قتادة والحسن: لا يأكلها من غير اضطرار ولا يعدو شبعه وقيل: quot; غير باغ quot; غير طالبها وهو يجد غيرها quot; ولا عاد quot; أي لا يتعدى ما حد له منها فيأكل حتى يشبع ولكن سد الرمق وقال مقاتل: غير مستحل لها ولا متزود منها. وقيل: لا يبغي بتجاوز الحد الذي حد له منها ولا يتعدى بتقصيره عن تناوله حتى يهلك فيكون قد تعدى حد الله بمجاوزته أو التقصير عنه فهذا آثم وهذا آثم وقال مسروق: من اضطر إلى الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل ولم يشرب حتى مات دخل النار وهذا أصح القولين في الآية وقال ابن عباس وأصحابه والشافعي: غير باغ على السلطان ولا عاد في سفره فلا يكون سفر معصية وبنوا على ذلك أن العاصي بسفره لا يترخص. والقول الأول أصح لعشرة أوجه ليس هذا موضع ذكرها إذ الآية لا تعرض فيها للسفر بنفي ولا إثبات ولا للخروج على الإمام ولا هي مختصة بذلك ولا سيقت له وهي عامة في حق المقيم والمسافر والبغي والعدوان فيها يرجعان إلى الأكل المقصود بالنهي لا إلى أمر خارج عنه لا تعلق له بالأكل ولأن نظير هذا قوله تعالى في الآية الأخرى فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم [المائدة: 3] فهذا هو الباغي العادي والمتجانف للإثم المائل إلى القدر الحرام من أكلها وهذا هو الشرط الذي لا يباح له(1\/376)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "348",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13345",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بدونه ولأنها إنما أبيحت للضرورة فتقدرت الإباحة بقدرها وأعلمهم أن الزيادة عليها بغي وعدوان وإثم فلا تكون الإباحة للضرورة سببا لحله والله أعلم. والإثم والعدوان هما الإثم والبغي المذكوران في سورة الأعراف مع أن البغي غالب استعماله في حقوق العباد والاستطالة عليهم. وعلى هذا فإذا قرن البغي بالعدوان كان البغي ظلمهم بمحرم الجنس كالسرقة والكذب والبهت والابتداء بالأذى والعدوان تعدي الحق في استيفائه إلى أكبر منه فيكون البغي والعدوان في حقهم كالإثم والعدوان في حدود الله. فهاهنا أربعة أمور: حق لله وله حد وحق لعباده وله حد فالبغي والعدوان والظلم تجاوز الحدين إلى ما وراءهما أو التقصير عنهما فلا يصل إليهما.  [فصل الفحشاء والمنكر] وأما الفحشاء والمنكر فالفحشاء صفة لموصوف قد حذف تجريدا لقصد الصفة وهي الفعلة الفحشاء والخصلة الفحشاء وهي ما ظهر قبحها لكل أحد واستفحشه كل ذي عقل سليم ولهذا فسرت بالزنا واللواط وسماها الله فاحشة لتناهي قبحهما وكذلك القبيح من القول يسمى فحشا وهو ما ظهر قبحه جدا من السب القبيح والقذف ونحوه. وأما المنكر فصفة لموصوف محذوف أيضا أي الفعل المنكر وهو الذي تستنكره العقول والفطر ونسبته إليها كنسبة الرائحة القبيحة إلى حاسة الشم والمنظر القبيح إلى العين والطعم المستكره إلى الذوق والصوت المستنكر إلى الأذن فما اشتد إنكار العقول والفطر له فهو فاحشة كما فحش إنكار الحواس له من هذه المدركات. فالمنكر لها ما لم تعرفه ولم تألفه والقبيح المستكره لها الذي تشتد نفرتها عنه هو الفاحشة ولذلك قال ابن عباس: الفاحشة الزنا والمنكر ما لم يعرف في شريعة ولا سنة. فتأمل تفريقه بين ما لم يعرف حسنه ولم يؤلف وبين ما استقر قبحه في الفطر والعقول.(1\/377)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "349",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13346",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل القول على الله بغير علم] وأما القول على الله بلا علم فهو أشد هذه المحرمات تحريما وأعظمها إثما ولهذا ذكر في المرتبة الرابعة من المحرمات التي اتفقت عليها الشرائع والأديان ولا تباح بحال بل لا تكون إلا محرمة وليست كالميتة والدم ولحم الخنزير الذي يباح في حال دون حال. فإن المحرمات نوعان: محرم لذاته لا يباح بحال ومحرم تحريما عارضا في وقت دون وقت قال الله تعالى في المحرم لذاته قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن [الأعراف: 33] ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال والإثم والبغي بغير الحق [الأعراف: 33] ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا [الأعراف: 33] ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون [الأعراف: 33] فهذا أعظم المحرمات عند الله وأشدها إثما فإنه يتضمن الكذب على الله ونسبته إلى ما لا يليق به وتغيير دينه وتبديله ونفي ما أثبته وإثبات ما نفاه وتحقيق ما أبطله وإبطال ما حققه وعداوة من والاه وموالاة من عاداه وحب ما أبغضه وبغض ما أحبه ووصفه بما لا يليق به في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله. فليس في أجناس المحرمات أعظم عند الله منه ولا أشد إثما وهو أصل الشرك والكفر وعليه أسست البدع والضلالات فكل بدعة مضلة في الدين أساسها القول على الله بلا علم. ولهذا اشتد نكير السلف والأئمة لها وصاحوا بأهلها من أقطار الأرض وحذروا فتنتهم أشد التحذير وبالغوا في ذلك ما لم يبالغوا مثله في إنكار الفواحش والظلم والعدوان إذ مضرة البدع وهدمها للدين ومنافاتها له أشد وقد أنكر تعالى على من نسب إلى دينه تحليل شيء أو تحريمه من عنده بلا برهان من الله فقال ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب [النحل: 116] الآية. فكيف بمن نسب إلى أوصافه سبحانه وتعالى ما لم يصف به نفسه أو نفى عنه منها ما وصف به نفسه .(1\/378)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "350",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13347",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال بعض السلف: ليحذر أحدكم أن يقول: أحل الله كذا وحرم الله كذا فيقول الله: كذبت لم أحل هذا ولم أحرم هذا. يعني التحليل والتحريم بالرأي المجرد بلا برهان من الله ورسوله. وأصل الشرك والكفر هو القول على الله بلا علم فإن المشرك يزعم أن من اتخذه معبودا من دون الله يقربه إلى الله ويشفع له عنده ويقضي حاجته بواسطته كما تكون الوسائط عند الملوك فكل مشرك قائل على الله بلا علم دون العكس إذ القول على الله بلا علم قد يتضمن التعطيل والابتداع في دين الله فهو أعم من الشرك والشرك فرد من أفراده. ولهذا كان الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم موجبا لدخول النار واتخاذ منزلة منها مبوءا وهو المنزل اللازم الذي لا يفارقه صاحبه لأنه متضمن للقول على الله بلا علم كصريح الكذب عليه لأن ما انضاف إلى الرسول فهو مضاف إلى المرسل والقول على الله بلا علم صريح افتراء الكذب عليه ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا [الأنعام: 21] . فذنوب أهل البدع كلها داخلة تحت هذا الجنس فلا تتحقق التوبة منه إلا بالتوبة من البدع. وأنى بالتوبة منها لمن لم يعلم أنها بدعة أو يظنها سنة فهو يدعو إليها ويحض عليها فلا تنكشف لهذا ذنوبه التي تجب عليه التوبة منها إلا بتضلعه من السنة وكثرة اطلاعه عليها ودوام البحث عنها والتفتيش عليها ولا ترى صاحب بدعة كذلك أبدا. فإن السنة بالذات تمحق البدعة ولا تقوم لها وإذا طلعت شمسها في قلب العبد قطعت من قلبه ضباب كل بدعة وأزالت ظلمة كل ضلالة إذ لا سلطان للظلمة مع سلطان الشمس ولا يرى العبد الفرق بين السنة والبدعة ويعينه على الخروج من ظلمتها إلى نور السنة إلا المتابعة والهجرة بقلبه كل وقت إلى الله بالاستعانة والإخلاص وصدق اللجإ إلى الله والهجرة إلى رسوله بالحرص على الوصول إلى أقواله وأعماله وهديه وسنته فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن هاجر إلى غير ذلك فهو حظه ونصيبه في الدنيا والآخرة والله المستعان.(1\/379)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "351",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13348",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل ومن أحكام التوبة]  أن من تعذر عليه أداء الحق الذي فرط فيه ولم يمكنه تداركه ثم تاب فكيف حكم توبته وهذا يتصور في حق الله سبحانه وحقوق عباده. فأما في حق الله فكمن ترك الصلاة عمدا من غير عذر مع علمه بوجوبها وفرضها ثم تاب وندم فاختلف السلف في هذه المسألة. فقالت طائفة: توبته بالندم والاشتغال بأداء الفرائض المستأنفة وقضاء الفرائض المتروكة وهذا قول الأئمة الأربعة وغيرهم. وقالت طائفة: توبته باستئناف العمل في المستقبل ولا ينفعه تدارك ما مضى بالقضاء ولا يقبل منه فلا يجب عليه وهذا قول أهل الظاهر وهو مروي عن جماعة من السلف. وحجة الموجبين للقضاء قول النبي صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها . قالوا: فإذا وجب القضاء على النائم والناسي مع عدم تفريطهما فوجوبه على العامد والمفرط أولى. قالوا: ولأنه كان يجب عليه أمران: الصلاة وإيقاعها في وقتها فإذا ترك أحد الأمرين بقي الآخر. قالوا: ولأن القضاء إن قلنا يجب عليه بالأمر الأول فظاهر وإن قلنا يجب عليه بأمر جديد فأمر النائم والناسي به: تنبيه على العامد كما تقدم. قالوا: ولأن مصلحة الفعل إن لم يمكن العبد تداركها تدارك منها ما أمكن وقد فاتت مصلحة الفعل في الوقت فيتدارك ما أمكن منها وهو الفعل في خارج الوقت.(1\/380)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "352",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13349",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وهذا قد استطاع الإتيان بالمأمور خارج الوقت وقد تعذر عليه الإتيان به في وقته فيجب عليه الإتيان بالمستطاع. قالوا: وكيف يظن بالشرع أنه يخفف عن هذا المتعمد المفرط العاصي لله ورسوله بترك الوجوب ويوجبه على المعذور بالنوم أو النسيان . قالوا: ولأن الصلاة خارج الوقت بدل عن الصلاة في الوقت والعبادة إذا كان لها بدل وتعذر المبدل انتقل المكلف إلى البدل كالتيمم مع الوضوء وصلاة القاعد عند تعذر القيام والمضطجع عند تعذر القعود وإطعام العاجز عن الصيام لكبر أو مرض غير مرجو البرء عن كل يوم مسكينا ونظائر ذلك كثيرة في الشرع. قالوا: ولأن الصلاة حق مؤقت فتأخيره عن وقته لا يسقطه إلا بمبادرته خارج الوقت كديون الآدميين المؤجلة. قالوا: ولأن غايته أنه أثم بالتأخير وهذا لا يسقط القضاء كمن أخر الزكاة عن وقت وجوبها تأخيرا أثم به أو أخر الحج تأخيرا أثم به. قالوا: ولو ترك الجمعة حتى صلاها الإمام عمدا عصى بتأخيرها ولزمه أن يصلي الظهر ونسبة الظهر إلى الجمعة كنسبة صلاة الصبح بعد طلوع الشمس إلى صلاتها قبل الطلوع. قالوا: وقد أخر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر يوم الأحزاب إلى أن صلاها بعد غروب الشمس فدل على أن فعلها ممكن خارج الوقت في العمد سواء كان معذورا به كهذا التأخير وكتأخير من أخرها من الصحابة يوم بني قريظة إلى بعد غروب الشمس أو لم(1\/381)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "353",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13350",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكن معذورا به كتأخير المفرط فتأخيرهما إنما يختلف في الإثم وعدمه لا في وجوب التدارك بعد الترك. قالوا: ولو كانت الصلاة خارج الوقت لا تصح ولا تجب لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة يوم بني قريظة بتأخير صلاة العصر إلى أن يصلوها فيهم فأخرها بعضهم حتى صلاها فيهم بالليل فلم يعنفهم ولم يعنف من صلاها في الطريق لاجتهاد الفريقين. قالوا: ولأن كل تائب له طريق إلى التوبة فكيف تسد عن هذا طريق التوبة ويجعل إثم التضييع لازما له وطائرا في عنقه فهذا لا يليق بقواعد الشرع وحكمته ورحمته ومراعاته لمصالح العباد في المعاش والمعاد. فهذا أقصى ما يحتج به لهذه المقالة. قال أصحاب القول الآخر: العبادة إذا أمر بها على صفة معينة أو في وقت بعينه لم يكن المأمور ممتثلا للأمر إلا إذا أوقعها على الوجه المأمور به من وصفها ووقتها وشرطها فلا يتناولها الأمر بدونه. قالوا: وإخراجها عن وقتها كإخراجها عن استقبال القبلة مثلا وكالسجود على الخد بدل الجبهة والبروك على الركبة بدل الركوع ونحوه. قالوا: والعبادات التي جعل لها ظرف من الزمان لا تصح إلا فيه كالعبادات التي جعل لها ظرف من المكان فلو أراد نقلها إلى أمكنة أخرى غيرها لم تصح إلا في أمكنتها ولا يقوم مكان مقام مكان آخر كأمكنة المناسك من عرفة ومزدلفة والجمار والسعي بين الصفا والمروة والطواف بالبيت فنقل العبادة إلى أزمنة غير أزمنتها التي جعلت أوقاتا لها شرعا إلى غيرها كنقلها عن أمكنتها التي جعلت لها شرعا إلى غيرها لا فرق بينهما في الاعتداد وعدمه كما لا فرق بينهما في الإثم. قالوا: فنقل الصلاة المحدودة الوقت أولا وآخرا عن زمنها إلى زمن آخر كنقل الوقوف بعرفة عن زمنه إلى مزدلفة ونقل أشهر الحج عن زمنها إلى زمن آخر. قالوا: فأي فرق بين من نقل صوم رمضان إلى شوال أو صلى العصر نصف(1\/382)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "354",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13351",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الليل وبين من حج في المحرم ووقف فيه فكيف تصح صلاة هذا وصيامه دون حج هذا وكلاهما مخالف لأمر الله تعالى عاص آثم . قالوا: فحقوق الله المؤقتة لا يقبلها الله في غير أوقاتها فكما لا تقبل قبل دخول أوقاتها لا تقبل بعد خروج أوقاتها فلو قال: أنا أصوم شوالا عن رمضان كان كما لو قال: أنا أصوم شعبان الذي قبله عنه. قالوا: فإن الحق الليلي لا يقبل بالنهار والنهاري لا يقبل بالليل ولهذا جاء في وصية الصديق لعمر رضي الله عنهما التي تلقاها بالقبول هو وسائر الصحابة: واعلم أن لله حقا بالليل لا يقبله بالنهار وحقا بالنهار لا يقبله بالليل. قالوا: ولأنها إذا فات وقتها المحدود لها شرعا لم تبق تلك العبادة بعينها ولكن شيء آخر غيرها فإذا فعلت العصر بعد غروب الشمس لم تكن عصرا فإن العصر صلاة هذا الوقت المحدود وهذه ليست عصرا فلم يفعل مصليها العصر البتة وإنما أتى بأربع ركعات صورتها صورة صلاة العصر لا أنها هي. قالوا: وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ترك صلاة العصر حبط عمله وفي لفظ الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله فلو كان له سبيل إلى التدارك وفعلها صحيحة لم يحبط عمله ولم يوتر أهله وماله مع صحتها منه وقبولها; لأن معصية التأخير عندكم لا تحقق الترك والفوات لاستدراكه بالفعل في الوقت الثاني. قالوا: وهذه الصلاة مردودة بنص الشارع فلا يسوغ أن يقال بقبولها وصحتها مع تصريحه بردها وإلغائها كما ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وفي لفظ كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد وهذا عمل على خلاف أمره فيكون ردا والرد بمعنى المردود كالخلق بمعنى المخلوق والضرب بمعنى المضروب.(1\/383)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "355",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13352",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا ثبت أن هذه الصلاة مردودة فليست بصحيحة ولا مقبولة. قالوا: ولأن الوقت شرط في سقوط الإثم وامتثال الأمر فكان شرطا في براءة الذمة والصحة كسائر شروطها من الطهارة والاستقبال وستر العورة فالأمر تناول الشروط تناولا واحدا فكيف ساغ التفريق بينها مع استوائها في الوجوب والأمر والشرطية . قالوا: وليس مع المصححين لها بعد الوقت لا نص ولا إجماع ولا قياس صحيح وسنبطل جميع أقيستهم التي قاسوا عليها ونبين فسادها. قالوا: وفي مسند الإمام أحمد وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أفطر يوما من رمضان لغير عذر لم يقضه عنه صيام الدهر فكيف يقال يقضيه عنه يوم مثله . قالوا: ولأن صحة العبادة إن فسرت بموافقة الأمر فلا ريب أن هذه العبادة غير موافقة له فلا تكون صحيحة وإن فسرت بسقوط القضاء فإنما يسقط القضاء ما وقع على الوجه المأمور به وهذا لم يقع كذلك ولا سبيل إلى وقوعه على الوجه المأمور به فلا سبيل إلى صحته وإن فسرت بما أبرأ الذمة فهذه لم تبرئ الذمة من الإثم قطعا ولم يثبت بدليل يجب المصير إليه إبراؤها للذمة من توجه المطالبة بالمأمور. قالوا: ولأن الصحيح من العبادات ما اعتبره الشارع ورضيه وقبله وهذا لا يعلم إلا بإخباره عن صحتها أو بموافقتها أمره وكلاهما منتف عن هذه العبادة فكيف يحكم لها بالصحة . قالوا: فالصحة والفساد حكمان شرعيان مرجعهما إلى الشارع فالصحيح ما شهد له بالصحة أو علم أنه وافق أمره أو كان مماثلا لما شهد له بالصحة فيكون حكم المثل مثله وهذه العبادة قد انتفى عنها كل واحد من هذه الأمور. ومن أفسد الاعتبار اعتبارها بالتأخير المعذور به أو المأذون فيه وهو اعتبار(1\/384)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "356",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13353",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشيء بضده وقياسه على مخالفه في الحقيقة والشرع وهو من أفسد القياس كما سيأتي. قالوا: وأما استدلالكم بقول النبي صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فأوجب القضاء على المعذور فالمفرط أولى فهذه الحجة إلى أن تكون عليكم أقرب منها أن تكون لكم فإن صاحب الشرع شرط في فعلها بعد الوقت أن يكون الترك عن نوم أو نسيان والمعلق على الشرط يعدم عند عدمه فلم يبق معكم إلا مجرد قياس المفرط العاصي المستحق للعقوبة على من عذره الله ولم ينسب إلى تفريط ولا معصية كما ثبت عنه في الصحيح ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت التي بعدها وأي قياس في الدنيا أفسد من هذا القياس وأبطل . قالوا: وأيضا فهذا لم يؤخر الصلاة عن وقتها بل وقتها المأمور به لمثله: حين استيقظ وذكر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها فإن الله يقول وأقم الصلاة لذكري [طه: 14]  وهذه اللام عند كثير من النحاة اللام الوقتية أي عند ذكري أو في وقت ذكري. قالوا: والنبي صلى الله عليه وسلم ما صلى الصبح يوم الوادي بعد طلوع الشمس إلا في وقتها حقيقة. قالوا: والأوقات ثلاثة أنواع: وقت للقادر المستيقظ الذاكر غير المعذور فهي خمسة ووقت للذاكر المستيقظ المعذور وهي ثلاثة فإن في حقه: وقت الظهر والعصر واحد ووقت المغرب والعشاء واحد ووقت الفجر واحد فالأوقات في حق هذا ثلاثة وإذا أخر الظهر إلى أن فعلها في وقت العصر فإنما صلاها في وقتها. ووقت في حق غير المكلف بنوم أو نسيان فهو غير محدود البتة بل الوقت في حقه عند يقظته وذكره لا وقت له إلا ذلك.(1\/385)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "357",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13354",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا الذي دلت عليه نصوص الشرع وقواعده وهذا المفرط المضيع خارج عن هذه الأقسام وهو قسم رابع فبأيها تلحقونه . قالوا: وقد شرع الله سبحانه قضاء رمضان لمن أفطره لعذر من حيض أو سفر أو مرض ولم يشرعه قط لمن أفطره متعمدا من غير عذر لا بنص ولا بإيماء ولا تنبيه ولا تقتضيه قواعده وإنما غاية ما معكم قياسه على المعذور مع اطراد قواعد الشرع على التفريق بينهما بل قد أخبر الشارع أن صيام الدهر لا يقضيه عن يوم يفطره بلا عذر فضلا عن يوم مثله. قالوا: وأما قولكم: إنه كان يجب عليه أمران: العبادة وإيقاعها في وقتها فإذا ترك أحدهما بقي عليه الآخر فهذا إنما ينفع فيما إذا لم يكن أحد الأمرين مرتبطا بالآخر ارتباط الشرطية كمن أمر بالحج والزكاة فترك أحدهما لم يسقط عنه الآخر أما إذا كان أحدهما شرطا في الآخر وقد تعذر الإتيان بالشرط الذي لم يؤمر بالمشروط إلا به فكيف يقال: إنه يؤمر بالآخر بدونه ويصح منه بدون وصفه وشرطه فأين أمره الله بذلك وهل الكلام إلا فيه . قالوا: وإن قلنا إنما يجب القضاء بأمر جديد فلا أمر معكم بالقضاء في محل النزاع وقياسه على مواقع الإجماع ممتنع كما بيناه وإن قلنا: يجب بالأمر الأول فهذا فيما إذا كان القضاء نافعا ومصلحته كمصلحة الأداء كقضاء المريض والمسافر والحائض للصوم وقضاء المغمى عليه والنائم والناسي أما إذا كان القضاء غير مبرئ للذمة ولا هو معذور بتأخير الواجب عن وقته فهذا لم يتناوله الأمر الأول ولا أمر ثان وإنما هو القياس الذي علم افتراق الأصل والفرع فيه في وصف ظاهر التأثير مانع للإلحاق. قالوا: وأما قولكم: إنه إذا لم يمكن تدارك مصلحة الفعل تدارك منها ما أمكن فهذا إنما يفيد إذا لم يمكن حصول المصلحة على شرط تزول المصلحة بزواله والتدارك بعد فوات شرطه وخروجه عن الوجه المأمور به ممتنع إلا بأمر آخر من التوبة وتكثير النوافل والحسنات وأما تدارك غير هذا الفعل فكلا ولما. قالوا: وأما قوله صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم فقد أبعد النجعة من احتج به فإن هذا إنما يدل على أن المكلف إذا عجز عن جملة المأمور به أتى بما يقدر عليه منه كمن عجز عن القيام في الصلاة أو عن إكمال غسل أعضاء الوضوء أو عن إكمال الفاتحة أو عن تمام الكفاية في الإنفاق الواجب ونحو ذلك أتى بما يقدر عليه ويسقط عنه ما عجز عنه أما من ترك المأمور به حتى خرج وقته عمدا وتفريطا بلا عذر فلا(1\/386)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "358",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13355",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يتناوله الحديث ولو كان الحديث متناولا له لما توعده بإحباط عمله وتشبيهه بمن سلب أهله وماله وبقي بلا أهل ولا مال. قالوا: وأما قولكم: إنه لا يظن بالشرع تخفيفه عن هذا العامد المفرط بعدم إيجاب القضاء عليه وتكليف المعذور به فكلام بعيد عن التحقيق بين البطلان فإن هذا المعذور إنما فعل ما أمر به في وقته كما تقدم فهو في فعل ما أمر به كغير المعذور الذي صلى في وقته ونحن لم نسقط القضاء عن العامد المفرط تخفيفا عنه بل لأنه غير نافع له ولا مقبول منه ولا مأمور به فلا سبيل له إلى تحصيل مصلحة ما تركه فأين التخفيف عنه . قالوا: وأما قولكم: إن الصلاة خارج الوقت بدل عن الصلاة في الوقت وإذا تعذر المبدل انتقل إلى بدله فهل هذا إلا مجرد دعوى وهل وقع النزاع إلا في هذا فما الدليل على أن صلاة هذا المفرط العامد بدل ونحن نطالبكم بالأمر بها أولا وبكونها مقبولة نافعة ثانيا وبكونها بدلا ثالثا ولا سبيل لكم إلى إثبات شيء من ذلك البتة. وإنما يعلم كون الشيء بدلا بجعل الشارع له كذلك كشرعه التيمم عند العجز عن استعمال الماء والإطعام عند العجز عن الصيام وبالعكس كما في كفارة اليمين فأين جعل الشرع قضاء هذا المفرط المضيع بدلا عن فعله العبادة في الوقت وهل ذلك إلا القياس الذي قد تبين فساده . قالوا: وأما قياسكم فعلها خارج الوقت على صحة أداء ديون الآدميين بعد وقتها فمن هذا النمط; لأن وقت الوجوب في حقه ليس محدود الطرفين كوقت الصلاة فالوجوب في حقه ليس مؤقتا محدودا بل هو على الفور كالزكاة والحج عند من يراه على الفور فلا يتصور فيه إخراج عن وقت محدود هو شرط لفعله. نعم أولى الأوقات به الوقت الأول على الفور وتأخيره عنه لا يوجب كونه قضاء. فإن قيل: فما تصنعون بقضاء رمضان فإنه محدود على جهة التوسعة بما بين رمضانين ولا يجوز تأخيره مع القدرة إلى رمضان آخر ومع هذا لو أخره لزمه فعله وإطعام كل يوم مسكينا كما أفتى به الصحابة رضي الله عنهم وهذا دليل على أن العبادة المؤقتة لا يتعذر فعلها بعد خروج وقتها المحدود لها شرعا . قيل: قد فرق الشارع بين أيام رمضان وبين أيام القضاء فجعل أيام رمضان(1\/387)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "359",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13356",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محدودة الطرفين لا يجوز تقدمها ولا تأخرها وأطلق أيام قضائه فقال سبحانه كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون - أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر [البقرة: 183 - 184] فأطلق العدة ولم يوقتها وهذا يدل على أنها تجزئ في أي أيام كانت ولم يجئ نص عن الله ولا عن رسوله ولا إجماع على تقييدها بأيام لا تجزئ في غيرها وليس في الباب إلا حديث عائشة رضي الله عنها: كان يكون علي الصوم من رمضان فلا أقضيه إلا في شعبان من الشغل برسول الله ومعلوم أن هذا ليس صريحا في التوقيت بما بين الرمضانين كتوقيت أيام رمضان بما بين الهلالين فاعتبار أحدهما بالآخر ممتنع وجمع بين ما فرق الله بينهما فإنه جعل أيام رمضان محدودة بحد لا تتقدم عنه ولا تتأخر وأطلق أيام القضاء وأكد إطلاقها بقوله quot; أخر quot; وأفتى من أفتى من الصحابة بالإطعام لمن أخرها إلى رمضان آخر جبرا لزيادة التأخير عن المدة التي بين الرمضانين ولا تخرج بذلك عن كونها قضاء بل هي قضاء وإن فعلت بعد رمضان آخر فحكمها في القضاء قبل رمضان وبعده واحد بخلاف أيام رمضان. يوضح هذا أنه لو أفطر يوما من أيام رمضان عمدا بغير عذر لم يتمكن أن يقيم مقامه يوما آخر مثله البتة ولو أفطر يوما من أيام القضاء قام اليوم الذي بعده مقامه. وسر الفرق أن المعذور لم يتعين في حقه أيام القضاء بل هو مخير فيها وأي يوم صامه قام مقام الآخر وأما غير المعذور فأيام الوجوب متعينة في حقه لا يقوم غيرها مقامها. قالوا: وأما من ترك الجمعة عمدا فإنما أوجبنا عليه الظهر; لأن الواجب في هذا الوقت أحد الصلاتين ولا بد إما الجمعة وإما الظهر فإذا ترك الجمعة فوقت الظهر قائم وهو مخاطب بوظيفة الوقت. قالوا: ولاسيما عند من يجعل الجمعة بدلا من الظهر فإنه إذا فاته البدل رجع إلى(1\/388)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "360",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13357",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأصل وهذا إن كان القضاء ثابتا بالإجماع أو بالنص وإن كان فيه خلاف أجبنا بالجواب المركب. فنقول: إن كان ترك الجمعة مساويا لترك الصلاة حتى يخرج وقتها فالحكم في الصورتين واحد ولا فرق حينئذ عملا بما ذكرنا من الدليل وإن كان بينهما فرق مؤثر بطل الإلحاق فامتنع القياس فعلى التقديرين بطل القياس. قالوا: وأما تأخير النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر يوم الأحزاب إلى غروب الشمس فللناس في هذا التأخير هل هو منسوخ أم لا قولان: فقال الجمهور كأحمد والشافعي ومالك هذا كان قبل نزول صلاة الخوف ثم نسخ بصلاة الخوف وكان ذلك التأخير كتأخير صلاة الجمع بين الصلاتين فلا يجوز اعتبار الترك المحرم به ويكون الفرق بينهما كالفرق بين تأخير النائم والناسي وتأخير المفرط بل أولى. فإن هذا التأخير حينئذ مأمور به فهو كتأخير المغرب ليلة جمع إلى مزدلفة. القول الثاني: أنه ليس بمنسوخ بل هو باق وللمقاتل تأخير الصلاة حال القتال واشتغاله بالحرب والمسايفة وفعلها عند تمكنه منها وهذا قول أبي حنيفة ويذكر رواية عن أحمد. وعلى التقديرين فلا يصح إلحاق تأخير العامد المفرط به وكذلك تأخير الصحابة العصر يوم بني قريظة فإنه كان تأخيرا مأمورا به عند طائفة من أهل العلم كأهل الظاهر أو تأخيرا سائغا للتأويل عند بعضهم ولهذا لم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم من صلاها في الطريق في وقتها ولا من أخرها إلى الليل حتى صلاها في بني قريظة لأن هؤلاء تمسكوا بظاهر الأمر وأولئك نظروا إلى المعنى والمراد منهم وهو سرعة السير. واختلف علماء الإسلام في تصويب أي الطائفتين. فقالت طائفة: لو كنا مع القوم لصلينا في الطريق مع الذين فهموا المراد وعقلوا مقصود الأمر فجمعوا بين إيقاع الصلاة في وقتها وبين المبادرة إلى العدو ولم يفتهم مشهدهم إذ المقدار الذي سبقهم به أولئك لحقوهم به لما اشتغلوا بالصلاة وقت النزول في بني قريظة. قالوا: فهؤلاء أفقه الطائفتين جمعوا بين الامتثال والاجتهاد والمبادرة إلى الجهاد مع فقه النفس.(1\/389)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "361",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13358",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالت طائفة: لو كنا معهم لأخرنا الصلاة مع الذين أخروها إلى بني قريظة فهم الذين أصابوا حكم الله قطعا وكان هذا التأخير واجبا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم به فهو الطاعة لله ذلك اليوم خاصة والله يأمر بما يشاء فأمره بالتأخير في وجوب الطاعة كأمره بالتقديم فهؤلاء كانوا أسعد بالنص وهم الذين فازوا بالأجرين وإنما لم يعنف الآخرين لأجل التأويل والاجتهاد فإنهم إنما قصدوا طاعة الله ورسوله وهم أهل الأجر الواحد وهم كالحاكم الذي يجتهد فيخطئ الحق. والمقصود أن إلحاق المفرط العاصي بالتأخير بهؤلاء في غاية الفساد. قالوا: وأما قولكم: هذا تائب نادم فكيف تسد عليه طريق التوبة ويجعل إثم التضييع لازما له وطائرا في عنقه  فمعاذ الله أن نسد عليه بابا فتحه الله لعباده المذنبين كلهم ولم يغلقه عن أحد إلى حين موته أو إلى وقت طلوع الشمس من مغربها وإنما الشأن في طريق توبته وتحقيقها هل يتعين لها القضاء أم يستأنف العمل ويصير ما مضى لا له ولا عليه ويكون حكمه حكم الكافر إذا أسلم في استئناف العمل وقبول التوبة فإن ترك فريضة من فرائض الإسلام لا يزيد على ترك الإسلام بجملته وفرائضه فإذا كانت توبة تارك الإسلام مقبولة صحيحة لا يشترط في صحتها إعادة ما فاته في حال إسلامه أصليا كان أو مرتدا كما أجمع عليه الصحابة في ترك أمر المرتدين لما رجعوا إلى الإسلام بالقضاء فقبول توبة تارك الصلاة وعدم توقفها على القضاء أولى والله أعلم.  [فصل حقوق العباد] فصل وأما في حقوق العباد فيتصور في مسائل: إحداها: من غصب أموالا ثم تاب وتعذر عليه ردها إلى أصحابها أو إلى ورثتهم لجهله بهم أو لانقراضهم أو لغير ذلك فاختلف في توبة مثل هذا. فقالت طائفة: لا توبة له إلا بأداء هذه المظالم إلى أربابها فإذا كان ذلك قد تعذر عليه فقد تعذرت عليه التوبة والقصاص أمامه يوم القيامة بالحسنات والسيئات ليس إلا. قالوا: فإن هذا حق لآدمي لم يصل إليه والله سبحانه لا يترك من حقوق عباده(1\/390)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "362",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13359",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شيئا بل يستوفيها لبعضهم من بعض ولا يجاوزه ظلم ظالم فلا بد أن يأخذ للمظلوم حقه من ظالمه ولو لطمة ولو كلمة ولو رمية بحجر. قالوا: وأقرب ما لهذا في تدارك الفارط منه أن يكثر من الحسنات ليتمكن من الوفاء منها يوم لا يكون الوفاء بدينار ولا بدرهم فيتجر تجارة يمكنه الوفاء منها ومن أنفع ما له: الصبر على ظلم غيره له وأذاه وغيبته وقذفه فلا يستوفي حقه في الدنيا ولا يقابله ليحيل خصمه عليه إذا أفلس من حسناته فإنه كما يؤخذ منه ما عليه يستوفي أيضا ما له وقد يتساويان وقد يزيد أحدهما عن الآخر. ثم اختلف هؤلاء في حكم ما بيده من الأموال. فقالت طائفة: يوقف أمرها ولا يتصرف فيها البتة. وقالت طائفة: يدفعها إلى الإمام أو نائبه; لأنه وكيل أربابها فيحفظها لهم ويكون حكمها حكم الأموال الضائعة. وقالت طائفة أخرى: بل باب التوبة مفتوح لهذا ولم يغلقه الله عنه ولا عن مذنب وتوبته أن يتصدق بتلك الأموال عن أربابها فإذا كان يوم استيفاء الحقوق كان لهم الخيار بين أن يجيزا ما فعل وتكون أجورها لهم وبين أن لا يجيزوا ويأخذوا من حسناته بقدر أموالهم ويكون ثواب تلك الصدقة له إذ لا يبطل الله سبحانه ثوابها ولا يجمع لأربابها بين العوض والمعوض فيغرمه إياها ويجعل أجرها لهم وقد غرم من حسناته بقدرها. وهذا مذهب جماعة من الصحابة كما هو مروي عن ابن مسعود ومعاوية وحجاج بن الشاعر فقد روي أن ابن مسعود اشترى من رجل جارية ودخل يزن له الثمن فذهب رب الجارية فانتظره حتى يئس من عوده فتصدق بالثمن وقال: اللهم هذا عن رب الجارية فإن رضي فالأجر له وإن أبى فالأجر لي وله من حسناتي بقدره وغل رجل من الغنيمة ثم تاب فجاء بما غله إلى أمير الجيش فأبى أن يقبله منه وقال: كيف لي بإيصاله إلى الجيش وقد تفرقوا فأتى حجاج بن الشاعر فقال: يا هذا إن الله يعلم الجيش وأسماءهم وأنسابهم فادفع خمسه إلى صاحب الخمس وتصدق بالباقي عنهم فإن الله يوصل ذلك إليهم أو كما قال ففعل فلما أخبر معاوية قال: لأن أكون أفتيتك بذلك أحب إلي من نصف ملكي.(1\/391)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "363",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13360",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: وكذلك اللقطة إذا لم يجد ربها بعد تعريفها ولم يرد أن يتملكها تصدق بها عنه فإن ظهر مالكها خيره بين الأجر والضمان. قالوا: وهذا لأن المجهول في الشرع كالمعدوم فإذا جهل المالك صار بمنزلة المعدوم وهذا مال لم يعلم له مالك معين ولا سبيل إلى تعطيل الانتفاع به لما فيه من المفسدة والضرر بمالكه وبالفقراء وبمن هو في يده أما المالك فلعدم وصول نفعه إليه وكذلك الفقراء وأما من هو في يده فلعدم تمكنه من الخلاص من إثمه فيغرمه يوم القيامة من غير انتفاع به ومثل هذا لا تبيحه شريعة فضلا عن أن تأمر به وتوجبه فإن الشرائع مبناها على المصالح بحسب الإمكان وتكميلها وتعطيل المفاسد بحسب الإمكان وتقليلها وتعطيل هذا المال ووقفه ومنعه عن الانتفاع به مفسدة محضة لا مصلحة فيها فلا يصار إليه. قالوا: وقد استقرت قواعد الشرع على أن الإذن العرفي كاللفظي فمن رأى بمال غيره موتا وهو مما يمكن استدراكه بذبحه فذبحه إحسانا إلى مالكه ونصحا له فهو مأذون له فيه عرفا وإن كان المالك سفيها فإذا ذبحه لمصلحة مالكه لم يضمنه; لأنه محسن و ما على المحسنين من سبيل [التوبة: 91] وكذلك إذا غصبه ظالم أو خاف عليه منه فصالحه عليه ببعضه ليسلم الباقي لمالكه وهو غائب عنه أو رآه آيلا إلى تلف محض فباعه وحفظ ثمنه له ونحو ذلك فإن هذا كله مأذون فيه عرفا من المالك وقد باع عروة بن الجعد البارقي وكيل النبي صلى الله عليه وسلم ملك النبي صلى الله عليه وسلم بغير إذنه لفظا واشترى له ببعض ثمنه مثل ما وكله في شرائه بذلك الثمن كله ثم جاءه بالثمن وبالمشترى فقبله النبي صلى الله عليه وسلم ودعا له. وأشكل هذا على بعض الفقهاء. وبناه على تصرف الفضولي فأورد عليه أن الفضولي لا يقبض ولا يقبض وهذا قبض وأقبض. وبناه آخرون على أنه كان وكيلا مطلقا في كل شيء وهذا أفسد من الأول فإنه لا يعرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه وكل أحدا وكالة مطلقة البتة ولا نقل ذلك عنه مسلم.(1\/392)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "364",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13361",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والصواب أنه مبني على هذه القاعدة: أن الإذن العرفي كالإذن اللفظي ومن رضي بالمشتري وخرج ثمنه عن ملكه. فهو بأن يرضى به ويحصل له الثمن أشد رضى. ونظير هذا مريض عجز أصحابه في السفر أو الحضر عن استئذانه في إخراج شيء من ماله في علاجه وخيف عليه فإنهم يخرجون من ماله ما هو مضطر إليه بدون استئذانه بناء على العرف في ذلك ونظائر ذلك مما مصلحته وحسنه مستقر في فطر الخلق ولا تأتي شريعة بتحريمه كثير. وإذا ثبت ذلك فمن المعلوم أن صاحب هذا المال الذي قد حيل بينه وبينه أشد شيء رضى بوصول نفعه الأخروي إليه وهو أكره شيء لتعطيله أو إبقائه مقطوعا عن الانتفاع به دنيا وأخرى وإذا وصل إليه ثواب ماله سره ذلك أعظم من سروره بوصوله إليه في الدنيا فكيف يقال: مصلحة تعطيل هذا المال عن انتفاع الميت والمساكين به ومن هو بيده أرجح من مصلحة إنفاقه شرعا بل أي مصلحة دينية أو دنيوية في هذا التعطيل وهل هو إلا محض المفسدة . ولقد سئل شيخنا أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه سأله شيخ فقال: هربت من أستاذي وأنا صغير إلى الآن لم أطلع له على خبر وأنا مملوك وقد خفت من الله عز وجل وأريد براءة ذمتي من حق أستاذي من رقبتي وقد سألت جماعة من المفتين فقالوا لي: اذهب فاقعد في المستودع فضحك شيخنا وقال: تصدق بقيمتك أعلى ما كانت عن سيدك ولا حاجة لك بالمستودع تقعد فيه عبثا في غير مصلحة وإضرارا بك وتعطيلا عن مصالحك ولا مصلحة لأستاذك في هذا ولا لك ولا للمسلمين أو نحو هذا من الكلام والله أعلم.  فصل المسألة الثانية: إذا عاوض غيره معاوضة محرمة وقبض العوض كالزانية والمغني وبائع الخمر وشاهد الزور ونحوهم ثم تاب والعوض بيده. فقالت طائفة: يرده إلى مالكه إذ هو عين ماله ولم يقبضه بإذن الشارع ولا حصل لربه في مقابلته نفع مباح.(1\/393)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "365",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13362",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالت طائفة: بل توبته بالتصدق به ولا يدفعه إلى من أخذه منه وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو أصوب القولين فإن قابضه إنما قبضه ببذل مالكه له ورضاه ببذله وقد استوفى عوضه المحرم فكيف يجمع له بين العوض والمعوض وكيف يرد عليه مالا قد استعان به على معاصي الله ورضي بإخراجه فيما يستعين به عليها ثانيا وثالثا وهل هذا إلا محض إعانته على الإثم والعدوان وهل يناسب هذا محاسن الشرع أن يقضى للزاني بكل ما دفعه إلى من زنى بها ويؤخذ منها ذلك طوعا أو كرها فيعطاه وقد نال عوضه . وهب أن هذا المال لم يملكه الآخذ فملك صاحبه قد زال عنه بإعطائه لمن أخذه وقد سلم له ما في قبالته من النفع فكيف يقال: ملكه باق عليه ويجب رده إليه وهذا بخلاف أمره بالصدقة به فإنه قد أخذه من وجه خبيث برضى صاحبه وبذله له بذلك وصاحبه قد رضي بإخراجه عن ملكه بذلك وأن لا يعود إليه فكان أحق الوجوه به صرفه في المصلحة التي ينتفع بها من قبضه ويخفف عنه الإثم ولا يقوى الفاجر به ويعان ويجمع له بين الأمرين. وهكذا توبة من اختلط ماله الحلال بالحرام وتعذر عليه تمييزه أن يتصدق بقدر الحرام ويطيب باقي ماله والله أعلم.  فصل إذا غصب مالا ومات ربه وتعذر رده عليه تعين عليه رده إلى وارثه فإن مات الوارث رده إلى وارثه وهلم جرا فإن لم يرده إلى ربه ولا إلى أحد ورثته فهل تكون المطالبة به في الآخرة للموروث إذ هو ربه الأصلي وقد غصبه عليه أو للوارث الأخير إذ الحق قد انتقل إليه . فيه قولان للفقهاء وهم وجهان في مذهب الشافعي. ويحتمل أن يقال: المطالبة للموروث ولكل واحد من الورثة إذ كل منهم قد كان يستحقه ويجب عليه الدفع إليه فقد ظلمه بترك إعطائه ما وجب عليه دفعه إليه فيتوجه عليه المطالبة في الآخرة له. فإن قيل: فكيف يتخلص بالتوبة من حقوق هؤلاء. قيل: طريق التوبة أن يتصدق عنهم بمال تجري منافع ثوابه عليهم بقدر ما فات كل واحد منهم من منفعة ذلك المال لو صار إليه متحريا للممكن من ذلك وهكذا لو(1\/394)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "366",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13363",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تطاولت على المال سنون وقد كان يمكن ربه أن ينميه بالربح فتوبته بأن يخرج المال ومقدار ما فوته من ربح ماله. فإن كان قد ربح فيه بنفسه فقيل: الربح كله للمالك وهو قول الشافعي وظاهر مذهب أحمد رحمهما الله. وقيل: كله للغاصب وهو مذهب أبي حنيفة ومالك رحمهما الله. وكذلك لو أودعه مالا فاتجر به وربح فربحه له دون مالكه عندهما وضمانه عليه. وفيها قول ثالث: أنهما شريكان في الربح وهو رواية عن أحمد رحمه الله واختيار شيخنا رحمه الله وهو أصح الأقوال فتضم حصة المالك من الربح إلى أصل المال ويتصدق بذلك. وهكذا لو غصب ناقة أو شاة فنتجت أولادا فقيل: أولادها كلها للمالك فإن ماتت أو شيء من النتاج رد أولادها وقيمة الأم وما مات من النتاج هذا مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عند أصحابه. وقال مالك: إذا ماتت فربها بالخيار بين أخذ قيمتها يوم ماتت وترك نتاجها للغاصب وبين أخذ نتاجها وترك قيمتها وعلى القول الثالث الراجح يكون عليه قيمتها وله نصف النتاج والله أعلم.  [فصل هل من ذنوب لا تقبل توبته أم لا] فصل اختلف الناس هل من الذنوب ذنب لا تقبل توبته أم لا . فقال الجمهور: التوبة تأتي على كل ذنب فكل ذنب يمكن التوبة منه وتقبل. وقالت طائفة: لا توبة للقاتل وهذا مذهب ابن عباس المعروف عنه وإحدى الروايتين عن أحمد وقد ناظر ابن عباس في ذلك أصحابه فقالوا: أليس قد قال الله تعالى في سورة الفرقان ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق [الفرقان: 68] إلى أن قال إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما [الفرقان: 70] فقال: كانت هذه الآية في الجاهلية وذلك أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد(1\/395)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "367",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13364",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قتلوا وزنوا فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملناه كفارة فنزل والذين لا يدعون مع الله إلها آخر [الفرقان: 68] الآية فهذه في أولئك وأما التي في سورة النساء وهي قوله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما [النساء: 93] فالرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه ثم قتل فجزاؤه جهنم وقال زيد بن ثابت: لما نزلت التي في الفرقان والذين لا يدعون مع الله إلها آخر [الفرقان: 68] عجبنا من لينها فلبثنا سبعة أشهر ثم نزلت الغليظة بعد اللينة فنسخت اللينة وأراد بالغليظة هذه الآية التي في سورة النساء وباللينة آية الفرقان قال ابن عباس: آية الفرقان مكية وآية النساء مدنية نزلت ولم ينسخها شيء. قال هؤلاء: ولأن التوبة من قتل المؤمن عمدا متعذرة إذ لا سبيل إليها إلا باستحلاله أو إعادة نفسه التي فوتها عليه إلى جسده إذ التوبة من حق الآدمي لا تصح إلا بأحدهما وكلاهما متعذر على القاتل فكيف تصح توبته من حق آدمي لم يصل إليه ولم يستحله منه . ولا يرد عليهم هذا في المال إذا مات ربه ولم يوفه إياه لأنه يتمكن من إيصال نظيره إليه بالصدقة. قالوا: ولا يرد علينا أن الشرك أعظم من القتل وتصح التوبة منه فإن ذلك محض حق الله فالتوبة منه ممكنة وأما حق الآدمي فالتوبة موقوفة على أدائه إليه واستحلاله وقد تعذر. واحتج الجمهور بقوله تعالى قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم [الزمر: 53] فهذه في حق التائب وبقوله إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [النساء: 48] فهذه في حق غير التائب; لأنه فرق بين الشرك وما دونه وعلق المغفرة بالمشيئة فخصص وعلق(1\/396)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "368",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13365",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي التي قبلها عمم وأطلق. واحتجوا بقوله تعالى وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى [طه: 82] فإذا تاب هذا القاتل وآمن وعمل صالحا فإن الله عز وجل غفار له. قالوا: وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث الذي قتل المائة ثم تاب فنفعته توبته وألحق بالقرية الصالحة التي خرج إليها وصح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك . قالوا: وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى ابن آدم لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لقيتك بقرابها مغفرة وقال صلى الله عليه وسلم من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة وقال من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة وقال إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله وفي حديث الشفاعة أخرجوا من النار من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان وفيه يقول الله(1\/397)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "369",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13366",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله وأضعاف هذه النصوص كثير تدل على أنه لا يخلد في النار أحد من أهل التوحيد. قالوا: وأما هذه الآية التي في النساء فهي نظائر أمثالها من نصوص الوعيد كقوله تعالى ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين [النساء: 14] وقوله ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا [الجن: 23] وقوله إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا [النساء: 10] وقوله صلى الله عليه وسلم من قتل نفسه بحديدة فحديدته يتوجأ بها خالدا مخلدا في نار جهنم ونظائره كثيرة. وقد اختلف الناس في هذه النصوص على طرق: أحدها: القول بظاهرها وتخليد أرباب هذه الجرائم في النار وهو قول الخوارج والمعتزلة ثم اختلفوا. فقالت الخوارج: هم كفار; لأنه لا يخلد في النار إلا كافر وقالت المعتزلة: ليسوا بكفار بل فساق مخلدون في النار هذا كله إذا لم يتوبوا. وقالت فرقة: بل هذا الوعيد في حق المستحل لها; لأنه كافر وأما من فعلها معتقدا تحريمها فلا يلحقه هذا الوعيد وعيد الخلود وإن لحقه وعيد الدخول. وقد أنكر الإمام أحمد هذا القول وقال: لو استحل ذلك ولم يفعله كان كافرا والنبي صلى الله عليه وسلم إنما قال: من فعل كذا وكذا. وقالت فرقة ثالثة: الاستدلال بهذه النصوص مبني على ثبوت العموم وليس في اللغة ألفاظ عامة ومن هاهنا أنكر العموم من أنكره وقصدهم تعطيل هذه الأدلة عن استدلال المعتزلة والخوارج بها لكن ذلك يستلزم تعطيل الشرع جملة بل تعطيل عامة(1\/398)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "370",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13367",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأخبار فهؤلاء ردوا باطلا بأبطل منه وبدعة بأقبح منها وكانوا كمن رام أن يبني قصرا فهدم مصرا. وقالت فرقة رابعة: في الكلام إضمار. قالوا: والإضمار في كلامهم كثير معروف. ثم اختلفوا في هذا المضمر فقالت طائفة بإضمار الشرط والتقدير: فجزاؤه كذا إن جازاه أو إن شاء. وقالت فرقة خامسة بإضمار الاستثناء والتقدير: فجزاؤه كذا إلا أن يعفو وهذه دعوى لا دليل في الكلام عليها البتة ولكن إثباتها بأمر خارج عن اللفظ. وقالت فرقة سادسة: هذا وعيد وإخلاف الوعيد لا يذم بل يمدح والله تعالى يجوز عليه إخلاف الوعيد ولا يجوز عليه خلف الوعد والفرق بينهما أن الوعيد حقه فإخلافه عفو وهبة وإسقاط وذلك موجب كرمه وجوده وإحسانه والوعد حق عليه أوجبه على نفسه والله لا يخلف الميعاد. قالوا: ولهذا مدح به كعب بن زهير رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول وتناظر في هذه المسألة أبو عمرو بن العلاء وعمرو بن عبيد فقال عمرو بن(1\/399)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "371",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13368",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عبيد: يا أبا عمرو لا يخلف الله وعده وقد قال ومن يقتل مؤمنا متعمدا [النساء: 93] الآية فقال له أبو عمرو: ويحك يا عمرو من العجمة أتيت إن العرب لا تعد إخلاف الوعيد ذما بل جودا وكرما أما سمعت قول الشاعر: ولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي ... ولا يختشي من سطوة المتهدد وإني إن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي وقالت فرقة سابعة: هذه النصوص وأمثالها مما ذكر فيه المقتضي للعقوبة ولا يلزم من وجود مقتضي الحكم وجوده فإن الحكم إنما يتم بوجود مقتضيه وانتفاء مانعه وغاية هذه النصوص الإعلام بأن كذا سبب للعقوبة ومقتض لها وقد قام الدليل على ذكر الموانع فبعضها بالإجماع وبعضها بالنص فالتوبة مانع بالإجماع والتوحيد مانع بالنصوص المتواترة التي لا مدفع لها والحسنات العظيمة الماحية مانعة والمصائب الكبار المكفرة مانعة وإقامة الحدود في الدنيا مانع بالنص ولا سبيل إلى تعطيل هذه النصوص فلا بد من إعمال النصوص من الجانبين. ومن هاهنا قامت الموازنة بين الحسنات والسيئات اعتبارا بمقتضي العقاب ومانعه وإعمالا لأرجحها. قالوا: وعلى هذا بناء مصالح الدارين ومفاسدهما وعلى هذا بناء الأحكام الشرعية والأحكام القدرية وهو مقتضى الحكمة السارية في الوجود وبه ارتباط الأسباب ومسبباتها خلقا وأمرا وقد جعل الله سبحانه لكل ضد ضدا يدافعه ويقاومه ويكون الحكم للأغلب منهما فالقوة مقتضية للصحة والعافية وفساد الأخلاق وبغيها مانع من عمل الطبيعة وفعل القوة والحكم للغالب منهما وكذلك قوى الأدوية والأمراض والعبد يكون فيه مقتض للصحة ومقتض للعطب وأحدهما يمنع كمال تأثير الآخر ويقاومه فإذا ترجح عليه وقهره كان التأثير له. ومن هاهنا يعلم انقسام الخلق إلى من يدخل الجنة ولا يدخل النار وعكسه ومن(1\/400)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "372",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13369",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يدخل النار ثم يخرج منها ويكون مكثه فيها بحسب ما فيه من مقتضى المكث في سرعة الخروج وبطئه. ومن له بصيرة منورة يرى بها كل ما أخبر الله به في كتابه من أمر المعاد وتفاصيله حتى كأنه يشاهده رأي عين ويعلم أن هذا هو مقتضى إلهيته سبحانه وربوبيته وعزته وحكمته وأنه يستحيل عليه خلاف ذلك ونسبة خلاف ذلك إليه نسبة ما لا يليق به إليه فيكون نسبة ذلك إلى بصيرته كنسبة الشمس والنجوم إلى بصره وهذا يقين الإيمان وهو الذي يحرق السيئات كما تحرق النار الحطب. وصاحب هذا المقام من الإيمان يستحيل إصراره على السيئات وإن وقعت منه وكثرت فإن ما معه من نور الإيمان يأمره بتجديد التوبة كل وقت بالرجوع إلى الله بعدد أنفاسه وهذا من أحب الخلق إلى الله. فهذه مجامع طرق الناس في نصوص الوعيد.  [فصل تاب القاتل وسلم نفسه فقتل قصاصا هل يبقى عليه يوم القيامة للمقتول حق] فصل واختلفوا فيما إذا تاب القاتل وسلم نفسه فقتل قصاصا هل يبقى عليه يوم القيامة للمقتول حق . فقالت طائفة: لا يبقى عليه شيء لأن القصاص حده والحدود كفارة لأهلها وقد استوفى ورثة المقتول حق موروثهم وهم قائمون مقامه في ذلك فكأنه قد استوفاه بنفسه إذ لا فرق بين استيفاء الرجل حقه بنفسه أو بنائبه ووكيله. يوضح هذا أنه أحد الجنايتين فإذا استوفيت منه لم يبق عليه شيء كما لو جنى على طرفه فاستقاد منه فإنه لا يبقى له عليه شيء. وقالت طائفة: المقتول قد ظلم وفاتت عليه نفسه ولم يستدرك ظلامته والوارث إنما أدرك ثأر نفسه وشفاء غيظه وأي منفعة حصلت للمقتول بذلك وأي ظلامة استوفاها من القاتل . قالوا: فالحقوق في القتل ثلاثة: حق لله وحق للمقتول وحق للوارث فحق الله لا يزول إلا بالتوبة وحق الوارث قد استوفاه بالقتل وهو مخير بين ثلاثة أشياء: بين القصاص والعفو مجانا أو إلى مال فلو أحله أو أخذ منه مالا لم يسقط حق المقتول بذلك فكذلك إذا اقتص منه; لأنه أحد الطرق الثلاثة في استيفاء حقه فكيف يسقط حق المقتول بواحد منها دون الآخرين .(1\/401)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "373",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13370",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا: ولو قال القتيل: لا تقتلوه لأطالبه بحقي يوم القيامة فقتلوه أكان يسقط حقه أو لم يسقطه فإن قلتم: يسقط فباطل; لأنه لم يرض بإسقاطه وإن قلتم: لا يسقط فكيف تسقطونه إذا اقتص منه مع عدم العلم برضا المقتول بإسقاط حقه . وهذه حجج كما ترى في القوة لا تندفع إلا بأقوى منها أو بأمثالها. فالصواب والله أعلم أن يقال: إذا تاب القاتل من حق الله وسلم نفسه طوعا إلى الوارث ليستوفي منه حق موروثه سقط عنه الحقان وبقي حق الموروث لا يضيعه الله ويجعل من تمام مغفرته للقاتل تعويض المقتول; لأن مصيبته لم تنجبر بقتل قاتله والتوبة النصوح تهدم ما قبلها فيعوض هذا عن مظلمته ولا يعاقب هذا لكمال توبته وصار هذا كالكافر المحارب لله ولرسوله إذا قتل مسلما في الصف ثم أسلم وحسن إسلامه فإن الله سبحانه يعوض هذا الشهيد المقتول ويغفر للكافر بإسلامه ولا يؤاخذه بقتل المسلم ظلما فإن هدم التوبة لما قبلها كهدم الإسلام لما قبله. وعلى هذا إذا سلم نفسه وانقاد فعفا عنه الولي وتاب القاتل توبة نصوحا فالله تعالى يقبل توبته ويعوض المقتول. فهذا الذي يمكن أن يصل إليه نظر العالم واجتهاده والحكم بعد ذلك لله إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم [النمل: 78] .(1\/402)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "374",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13371",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في مشاهد الخلق في المعصية] [مشاهد الخلق في المعصية ثلاثة عشر] . فصل في مشاهد الخلق في المعصية وهي ثلاثة عشر مشهدا: 1 - مشهد الحيوانية وقضاء الشهوة. 2 - ومشهد اقتضاء رسوم الطبيعة ولوازم الخلقة. 3 - ومشهد الجبر. 4 - ومشهد القدر. 5 - ومشهد الحكمة. 6 - ومشهد التوفيق والخذلان. 7 - ومشهد التوحيد. 8 - ومشهد الأسماء والصفات. 9 - ومشهد الإيمان وتعدد شواهده. 10 - ومشهد الرحمة. 11 - ومشهد العجز والضعف. 12 - ومشهد الذل والافتقار. 13 - ومشهد المحبة والعبودية. فالأربعة الأول للمنحرفين والثمانية البواقي لأهل الاستقامة وأعلاها المشهد العاشر. وهذا الفصل من أجل فصول الكتاب وأنفعها لكل أحد وهو حقيق بأن تثنى عليه الخناصر ولعلك لا تظفر به في كتاب سواه إلا ما ذكرناه في كتابنا المسمى quot; سفر الهجرتين في طريق السعادتين quot;.  [فصل المشهد الأول مشهد الحيوانية] فأما مشهد الحيوانية وقضاء الشهوة فمشهد الجهال الذين لا فرق بينهم وبين سائر الحيوان إلا في اعتدال القامة ونطق اللسان ليس همهم إلا مجرد نيل الشهوة بأي طريق أفضت إليها فهؤلاء نفوسهم نفوس حيوانية لم تترق عنها إلى درجة الإنسانية(1\/403)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "375",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13372",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فضلا عن درجة الملائكة فهؤلاء حالهم أخس من أن تذكر وهم في أحوالهم متفاوتون بحسب تفاوت الحيوانات التي هم على أخلاقها وطباعها. فمنهم من نفسه كلبية لو صادف جيفة تشبع ألف كلب لوقع عليها وحماها من سائر الكلاب ونبح كل كلب يدنو منها فلا تقربها الكلاب إلا على كره منه وغلبة ولا يسمح لكلب بشيء منها وهمه شبع بطنه من أي طعام اتفق: ميتة أو مذكى خبيث أو طيب ولا يستحي من قبيح إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث إن أطعمته بصبص بذنبه ودار حولك وإن منعته هرك ونبحك. ومنهم من نفسه حمارية لم تخلق إلا للكد والعلف كلما زيد في علفه زيد في كده أبكم الحيوان وأقله بصيرة ولهذا مثل الله سبحانه وتعالى به من حمله كتابه فلم يحمله معرفة ولا فقها ولا عملا ومثل بالكلب عالم السوء الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها وأخلد إلى الأرض واتبع هواه وفي هذين المثلين أسرار عظيمة ليس هذا موضع ذكرها. ومنهم من نفسه سبعية غضبية همته العدوان على الناس وقهرهم بما وصلت إليه قدرته طبيعته تتقاضى ذلك كتقاضي طبيعة السبع لما يصدر منه. ومنهم من نفسه فأرية فاسق بطبعه مفسد لما جاوره تسبيحه بلسان الحال: سبحان من خلقه للفساد. ومنهم من نفسه على نفوس ذوات السموم والحمات كالحية والعقرب وغيرهما وهذا الضرب هو الذي يؤذي بعينه فيدخل الرجل القبر والجمل القدر والعين وحدها لم تفعل شيئا وإنما النفس الخبيثة السمية تكيفت بكيفية غضبية مع شدة حسد وإعجاب وقابلت المعين على غرة منه وغفلة وهو أعزل من سلاحه فلدغته كالحية التي تنظر إلى موضع مكشوف من بدن الإنسان فتنهشه فإما عطب وإما أذى ولهذا لا يتوقف أذى العائن على الرؤية والمشاهدة بل إذا وصف له الشيء الغائب عنه وصل إليه أذاه والذنب لجهل المعين وغفلته وغرته عن حمل سلاحه كل وقت فالعائن لا يؤثر في شاكي السلاح كالحية إذا قابلت درعا سابغا على جميع البدن ليس فيه موضع مكشوف فحق على من أراد حفظ نفسه وحمايتها أن لا يزال متدرعا متحصنا لابسا أداة الحرب مواظبا على أوراد التعوذات والتحصينات النبوية التي في القرآن والتي في السنة. وإذا عرف الرجل بالأذى بالعين ساغ بل وجب حبسه وإفراده عن الناس ويطعم ويسقى حتى يموت ذكر ذلك غير واحد من الفقهاء ولا ينبغي أن يكون في(1\/404)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "376",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13373",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك خلاف; لأن هذا من نصيحة المسلمين ودفع الأذى عنهم ولو قيل فيه غير ذلك لم يكن بعيدا من أصول الشرع. فإن قيل: فهل تقيدون منه إذا قتل بعينه. قيل: إن كان ذلك بغير اختياره بل غلب على نفسه لم يقتص منه وعليه الدية وإن تعمد وقدر على رده وعلم أنه يقتل به ساغ للولي أن يقتله بمثل ما قتل به فيعينه إن شاء كما عان هو المقتول وأما قتله بالسيف قصاصا فلا لأن هذا ليس مما يقتل غالبا ولا هو مماثل لجنايته. وسألت شيخنا أبا العباس ابن تيمية قدس الله روحه عن القتل بالحال هل يوجب القصاص . فقال: للولي أن يقتله بالحال كما قتل به. فإن قيل: فما الفرق بين القتل بهذا وبين القتل بالسحر حيث توجبون القصاص به بالسيف . قلنا: الفرق من وجهين: أحدهما: أن السحر الذي يقتل به هو السحر الذي يقتل مثله غالبا ولا ريب أن هذا كثير في السحر وفيه مقالات أبواب معروفة للقتل عند أربابه. الثاني: أنه لا يمكن أن يقتص منه بمثل ما فعل لكونه محرما لحق الله فهو كما لو قتله باللواط وتجريع الخمر فإنه يقتص منه بالسيف. وليس هذا موضع ذكر هذه المسائل وإنما ذكرت لما ذكرنا أن من النفوس البشرية ما هي على نفوس الحيوانات العادية وغيرها وهذا هو تأويل سفيان بن عيينة في قوله تعالى وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء [الأنعام: 38] . وعلى هذا الشبه اعتماد أهل التعبير للرؤيا في رؤية هذه الحيوانات في المنام عند(1\/405)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "377",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13374",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإنسان وفي داره أو أنها تحاربه وهو كما اعتمدوه وقد وقع لنا ولغيرنا من ذلك في المنام وقائع كثيرة فكان تأويلها مطابقا لأقوام على طباع تلك الحيوانات وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في قصة أحد بقرا تنحر فكان من أصيب من المؤمنين بنحر الكفار فإن البقر أنفع الحيوانات للأرض وبها صلاحها وفلاحها مع ما فيها من السكينة والمنافع والذل بكسر الذال فإنها ذلول مذللة منقادة غير أبية والجواميس كبارهم ورؤساؤهم رأى عمر بن الخطاب كأن ديكا نقره ثلاث نقرات فكان طعن أبي لؤلؤة له والديك رجل أعجمي شرير. ومن الناس من طبعه طبع خنزير يمر بالطيبات فلا يلوي عليها فإذا قام الإنسان عن رجيعه قمه وهكذا كثير من الناس يسمع منك ويرى من المحاسن أضعاف أضعاف المساوئ فلا يحفظها ولا ينقلها ولا تناسبه فإذا رأى سقطة أو كلمة عوراء وجد بغيته وما يناسبها فجعلها فاكهته ونقله. ومنهم من هو على طبيعة الطاوس ليس له إلا التطوس والتزين بالريش وليس وراء ذلك من شيء. ومنهم من هو على طبيعة الجمل أحقد الحيوان وأغلظه كبدا. ومنهم من هو على طبيعة الدب أبكم خبيث وعلى طبيعة القرد. وأحمد طبائع الحيوانات طبائع الخيل التي هي أشرف الحيوانات نفوسا وأكرمها طبعا وكذلك الغنم وكل من ألف ضربا من ضروب هذه الحيوانات اكتسب من طبعه وخلقه فإن تغذى بلحمه كان الشبه أقوى فإن الغاذي شبيه بالمغتذى. ولهذا حرم الله أكل لحوم السباع وجوارح الطير لما تورث آكلها من شبه نفوسها بها والله أعلم. والمقصود أن أصحاب هذا المشهد ليس لهم شهود سوى مثل نفوسهم وشهواتهم لا يعرفون ما وراء ذلك البتة.(1\/406)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "378",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13375",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل المشهد الثاني من مشاهد الخلق في المعصية مشهد رسوم الطبيعة ولوازم الخلقة] فصل المشهد الثاني مشهد رسوم الطبيعة ولوازم الخلقة: كمشهد زنادقة الفلاسفة والأطباء الذين يشهدون أن ذلك من لوازم الخلقة الإنسانية وأن تركيب الإنسان من الطبائع الأربع وامتزاجها واختلاطها كما يقتضي بغي بعضها على بعض وخروجه عن الاعتدال بحسب اختلاف هذه الأخلاط فكذلك تركيبه من البدن والنفس والطبيعة والأخلاط الحيوانية تتقاضاه آثار هذه الخلقة ورسوم تلك الطبيعة ولا تنقهر إلا بقاهر إما من نفسه وإما من خارج عنه وأكثر النوع الإنساني ليس له قاهر من نفسه فاحتياجه إلى قاهر فوقه يدخله تحت سياسة وإيالة ينتظم بها أمره ضرورة كحاجته إلى مصالحه من الطعام والشراب واللباس. وعند هؤلاء أن العاقل متى كان له وازع من نفسه قاهر لم يحتج إلى أمر غيره ونهيه وضبطه. فمشهد هؤلاء من حركات النفس الاختيارية الموجبة للجنايات كمشهدهم من حركات الطبيعة الاضطرارية الموجبة للتغيرات وليس لهم مشهد وراء ذلك.  [فصل المشهد الثالث مشهد أصحاب الجبر] فصل المشهد الثالث مشهد أصحاب الجبر: وهم الذين يشهدون أنهم مجبورون على أفعالهم وأنها واقعة بغير قدرتهم بل لا يشهدون أنها أفعالهم البتة. يقولون: إن أحدهم غير فاعل في الحقيقة ولا قادر وأن الفاعل فيه غيره والمحرك له سواه وأنه آلة محضة وحركاته بمنزلة هبوب الرياح وحركات الأشجار. وهؤلاء إذا أنكرت عليهم أفعالهم احتجوا بالقدر وحملوا ذنوبهم عليه وقد يغلون في ذلك حتى يروا أفعالهم كلها طاعات خيرها وشرها لموافقتها للمشيئة والقدر. ويقولون: كما أن موافقة الأمر طاعة فموافقة المشيئة طاعة كما حكى الله تعالى عن المشركين إخوانهم أنهم جعلوا مشيئة الله تعالى لأفعالهم دليلا على أمره بها ورضاه وهؤلاء شر من القدرية النفاة وأشد منهم عداوة لله ومناقضة لكتبه ورسله ودينه حتى إن من هؤلاء من يعتذر عن إبليس ويتوجع له ويقيم عذره بجهده وينسب ربه تعالى(1\/407)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "379",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13376",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى ظلمه بلسان الحال والمقال ويقول: ما ذنبه وقد صان وجهه عن السجود لغير خالقه وقد وافق حكمه ومشيئته فيه وإرادته منه ثم كيف يمكنه السجود وهو الذي منعه منه وحال بينه وبينه وهل كان في ترك السجود لغير الله إلا محسنا ولكن: إذا كان المحب قليل حظ ... فما حسناته إلا ذنوب وهؤلاء أعداء الله حقا وأولياء إبليس وأحباؤه وإخوانه وإذا ناح منهم نائح على إبليس رأيت من البكاء والحنين أمرا عجبا ورأيت من ظلمهم الأقدار واتهامهم الجبار ما يبدو على فلتات ألسنتهم وصفحات وجوههم وتسمع من أحدهم من التظلم والتوجع ما تسمعه من الخصم المغلوب العاجز عن خصمه فهؤلاء هم الذين قال فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية في تائيته: ويدعى خصوم الله يوم معادهم ... إلى النار طرا فرقة القدرية  [فصل المشهد الرابع مشهد القدرية النفاة] فصل المشهد الرابع مشهد القدرية النفاة: يشهدون أن هذه الجنايات والذنوب هم الذين أحدثوها وأنها واقعة بمشيئتهم دون مشيئة الله تعالى وأن الله لم يقدر ذلك عليهم ولم يكتبه ولا شاء ولا خلق أفعالهم وأنه لا يقدر أن يهدي أحدا ولا يضله إلا بمجرد البيان لا أنه يلهمه الهدى والضلال والفجور والتقوى فيجعل ذلك في قلبه. ويشهدون أنه يكون في ملك الله ما لا يشاؤه وأنه يشاء ما لا يكون وأن العباد خالقون لأفعالهم بدون مشيئة الله. فالمعاصي والذنوب خلقهم وموجب مشيئتهم لا أنها خلق الله ولا تتعلق بمشيئته وهم لذلك مبخوسوا الحظ جدا من الاستعانة بالله والتوكل عليه والاعتصام به وسؤاله أن يهديهم وأن يثبت قلوبهم وأن لا يزيغها وأن يوفقهم لمرضاته ويجنبهم معصيته إذ هذا كله واقع بهم وعين أفعالهم لا يدخل تحت مشيئة الرب شيء منها. والشيطان قد رضي منهم بهذا القدر فلا يؤزهم إلى المعاصي ذلك الأز ولا يزعجهم إليها ذلك الإزعاج وله في ذلك غرضان مهمان: أحدهما: أن يقر في قلوبهم صحة هذا المشهد وهذه العقيدة وأنكم تاركون الذنوب والكبائر التي يقع فيها أهل السنة فدل على أن الأمر مفوض إليكم واقع بكم وأنكم العاصمون لأنفسكم المانعون لها من المعصية.(1\/408)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "380",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13377",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الغرض الثاني: أنه يصطاد على أيديهم الجهال فإذا رأوهم أهل عبادة وزهادة وتورع عن المعاصي وتعظيم لها قالوا: هؤلاء أهل الحق والبدعة آثر عنده وأحب إليه من المعصية فإذا ظفر بها منهم واصطاد الجهال على أيديهم كيف يأمرهم بالمعصية بل ينهاهم عنها ويقبحها في أعينهم وقلوبهم ولا يكشف هذه الحقائق إلا أرباب البصائر.  [فصل المشهد الخامس وهو أحد مشاهد أهل الاستقامة مشهد الحكمة] فصل المشهد الخامس وهو أحد مشاهد أهل الاستقامة: مشهد الحكمة وهو مشهد حكمة الله في تقديره على عبده ما يبغضه سبحانه ويكرهه ويلوم ويعاقب عليه وأنه لو شاء لعصمه منه ولحال بينه وبينه وأنه سبحانه لا يعصى قسرا وأنه لا يكون في العالم شيء إلا بمشيئته ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين [الأعراف: 54] . وهؤلاء يشهدون أن الله سبحانه لم يخلق شيئا عبثا ولا سدى وأنه له الحكمة البالغة في كل ما قدره وقضاه من خير وشر وطاعة ومعصية وحكمة باهرة تعجز العقول عن الإحاطة بكنهها وتكل الألسن عن التعبير عنها. فمصدر قضائه وقدره لما يبغضه ويسخطه اسمه الحكيم الذي بهرت حكمته الألباب وقد قال تعالى لملائكته لما قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك [البقرة: 30] فأجابهم سبحانه بقوله: إني أعلم ما لا تعلمون [البقرة: 30] فلله سبحانه في ظهور المعاصي والذنوب والجرائم وترتب آثارها من الآيات والحكم وأنواع التعرفات إلى خلقه وتنويع آياته ودلائل ربوبيته ووحدانيته وإلهيته وحكمته وعزته وتمام ملكه وكمال قدرته وإحاطة علمه ما يشهده أولو البصائر عيانا ببصائر قلوبهم فيقولون ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك [آل عمران: 191] إن هي إلا حكمتك الباهرة وآياتك الظاهرة. ولله في كل تحريكة ... وتسكينة أبدا شاهد وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد فكم من آية من الأرض بينة دالة على الله وعلى صدق رسله وعلى أن لقاءه(1\/409)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "381",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13378",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حق كان سببها معاصي بني آدم وذنوبهم كآيته في إغراق قوم نوح وعلو الماء على رءوس الجبال حتى أغرق جميع أهل الأرض ونجى أولياءه وأهل معرفته وتوحيده فكم في ذلك من آية وعبرة ودلالة باقية على مر الدهور ! وكذلك إهلاك قوم عاد وثمود. وكم له من آية في فرعون وقومه من حين بعث موسى عليه السلام إليهم بل قبل مبعثه إلى حيث إغراقهم لولا معاصيهم وكفرهم لم تظهر تلك الآيات والعجائب وفي التوراة أن الله تعالى قال لموسى: اذهب إلى فرعون فإني سأقسي قلبه وأمنعه عن الإيمان لأظهر آياتي وعجائبي بمصر وكذلك فعل سبحانه فأظهر من آياته وعجائبه بسبب ذنوب فرعون وقومه ما أظهر. وكذلك إظهاره سبحانه ما أظهر من جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم بسبب ذنوب قومه ومعاصيهم وإلقائهم له في النار حتى صارت تلك آية وحتى نال إبراهيم بها ما نال من كمال الخلة. وكذلك ما حصل للرسل من الكرامة والمنزلة والزلفى عند الله والوجاهة عنده بسبب صبرهم على أذى قومهم وعلى محاربتهم لهم ومعاداتهم. وكذلك اتخاذ الله تعالى الشهداء والأولياء والأصفياء من بني آدم بسبب صبرهم على أذى بني آدم من أهل المعاصي والظلم ومجاهدتهم في الله وتحملهم لأجله من أعدائه ما هو بعينه وعلمه واستحقاقهم بذلك رفعة الدرجات. إلى غير ذلك من المصالح والحكم التي وجدت بسبب ظهور المعاصي والجرائم وكان من سببها تقدير ما يبغضه الله ويسخطه وكان ذلك محض الحكمة لما يترتب عليه مما هو أحب إليه وآثر عنده من فوته بتقدير عدم المعصية. فحصول هذا المحبوب العظيم أحب إليه من فوات ذلك المبغوض المسخوط فإن فواته وعدمه وإن كان محبوبا له لكن حصول هذا المحبوب الذي لم يكن يحصل بدون وجود ذلك المكروه المسخوط وكمال حكمته تقتضي حصول أحب الأمرين إليه بفوات أدنى المحبوبين وأن لا يعطل هذا الأحب بتعطيل ذلك المكروه وفرض الذهن وجود هذا بدون هذا كفرضه وجود المسببات بدون أسبابها والملزومات بدون لوازمها مما تمنعه حكمة الله وكمال قدرته وربوبيته. ويكفي من هذا مثال واحد وهو أنه لولا المعصية من أبي البشر بأكله من(1\/410)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "382",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13379",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشجرة لما ترتب على ذلك ما ترتب من وجود هذه المحبوبات العظام للرب تعالى من امتحان خلقه وتكليفهم وإرسال رسله وإنزال كتبه وإظهار آياته وعجائبه وتنويعها وتصريفها وإكرام أوليائه وإهانة أعدائه وظهور عدله وفضله وعزته وانتقامه وعفوه ومغفرته وصفحه وحلمه وظهور من يعبده ويحبه ويقوم بمراضيه بين أعدائه في دار الابتلاء والامتحان. فلو قدر أن آدم لم يأكل من الشجرة ولم يخرج من الجنة هو وأولاده لم يكن شيء من تلك ولا ظهر من القوة إلى الفعل ما كان كامنا في قلب إبليس يعلمه الله ولا تعلمه الملائكة ولم يتميز خبيث الخلق من طيبهم ولم تتم المملكة حيث لم يكن هناك إكرام وثواب وعقوبة وإهانة ودار سعادة وفضل ودار شقاوة وعدل. وكم في تسليط أوليائه على أعدائه وتسليط أعدائه على أوليائه والجمع بينهما في دار واحدة وابتلاء بعضهم ببعض من حكمة بالغة ونعمة سابغة! . وكم فيها من حصول محبوب للرب وحمد له من أهل سماواته وأرضه وخضوع له وتذلل وتعبد وخشية وافتقار إليه وانكسار بين يديه أن لا يجعلهم من أعدائه إذ هم يشاهدونهم ويشاهدون خذلان الله لهم وإعراضه عنهم ومقته لهم وما أعد لهم من العذاب وكل ذلك بمشيئته وإرادته وتصرفه في مملكته فأولياؤه من خشية خذلانه خاضعون مشفقون على أشد وجل وأعظم مخافة وأتم انكسار. فإذا رأت الملائكة إبليس وما جرى له وهاروت وماروت وضعت رءوسها بين يدي الرب خضوعا لعظمته واستكانة لعزته وخشية من إبعاده وطرده وتذللا لهيبته وافتقارا إلى عصمته ورحمته وعلمت بذلك منته عليهم وإحسانه إليهم وتخصيصه لهم بفضله وكرامته. وكذلك أولياؤه المتقون إذا شاهدوا أحوال أعدائه ومقته لهم وغضبه عليهم وخذلانه لهم ازدادوا خضوعا وذلا وافتقارا وانكسارا وبه استعانة وإليه إنابة وعليه توكلا وفيه رغبة ومنه رهبة وعلموا أنهم لا ملجأ لهم منه إلا إليه وأنهم لا يعيذهم من بأسه إلا هو ولا ينجيهم من سخطهم إلا مرضاته فالفضل بيده أولا وآخرا.(1\/411)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "383",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13380",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذه قطرة من بحر حكمته المحيطة بخلقه والبصير يطالع ببصيرته ما وراءه فيطلعه على عجائب من حكمته لا تبلغها العبارة ولا تنالها الصفة. وأما حظ العبد في نفسه وما يخصه من شهود هذه الحكمة فبحسب استعداده وقوة بصيرته وكمال علمه ومعرفته بالله وأسمائه وصفاته ومعرفته بحقوق العبودية والربوبية وكل مؤمن له من ذلك شرب معلوم ومقام لا يتعداه ولا يتخطاه والله الموفق والمعين.  [فصل المشهد السادس مشهد التوحيد] وهو أن يشهد انفراد الرب تبارك وتعالى بالخلق والحكم وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه وأن الخلق مقهورون تحت قبضته وأنه ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابعه إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه فالقلوب بيده وهو مقلبها ومصرفها كيف شاء وكيف أراد وأنه هو الذي آتى نفوس المؤمنين تقواها وهو الذي هداها وزكاها وألهم نفوس الفجار فجورها وأشقاها من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل الله فلا هادي له يهدي من يشاء بفضله ورحمته ويضل من يشاء بعدله وحكمته هذا فضله وعطاؤه وما فضل الكريم بممنون وهذا عدله وقضاؤه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون [الأنبياء: 23] . قال ابن عباس رضي الله عنه: الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده ومن آمن بالقدر صدق إيمانه توحيده. وفي هذا المشهد يتحقق للعبد مقام إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] علما وحالا فيثبت قدم العبد في توحيد الربوبية ثم يرقى منه صاعدا إلى توحيد الإلهية فإنه إذا تيقن أن الضر والنفع والعطاء والمنع والهدى والضلال والسعادة والشقاء كل ذلك بيد الله لا بيد غيره وأنه الذي يقلب القلوب ويصرفها كيف يشاء وأنه لا موفق إلا من وفقه وأعانه ولا مخذول إلا من خذله وأهانه وتخلى عنه وأن أصح القلوب وأسلمها وأقومها(1\/412)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "384",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13381",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأرقها وأصفاها وأشدها وألينها من اتخذه وحده إلها ومعبودا فكان أحب إليه من كل ما سواه وأخوف عنده من كل ما سواه وأرجى له من كل ما سواه فتتقدم محبته في قلبه جميع المحاب فتنساق المحاب تبعا لها كما ينساق الجيش تبعا للسلطان ويتقدم خوفه في قلبه جميع المخوفات فتنساق المخاوف كلها تبعا لخوفه ويتقدم رجاؤه في قلبه جميع الرجاء فينساق كل رجاء تبعا لرجائه. فهذا علامة توحيد الإلهية في هذا القلب والباب الذي دخل إليه منه توحيد الربوبية أي باب توحيد الإلهية هو توحيد الربوبية. فإن أول ما يتعلق القلب يتعلق بتوحيد الربوبية ثم يرتقي إلى توحيد الإلهية كما يدعو الله سبحانه عباده في كتابه بهذا النوع من التوحيد إلى النوع الآخر ويحتج عليهم به ويقررهم به ثم يخبر أنهم ينقضونه بشركهم به في الإلهية. وفي هذا المشهد يتحقق له مقام إياك نعبد [الفاتحة: 5] قال الله تعالى ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون [الزخرف: 87] أي فأين يصرفون عن شهادة أن لا إله إلا الله وعن عبادته وحده وهم يشهدون أنه لا رب غيره ولا خالق سواه وكذلك قوله تعالى قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون - سيقولون لله قل أفلا تذكرون [المؤمنون: 84 - 85] فتعلمون أنه إذا كان هو وحده مالك الأرض ومن فيها وخالقهم وربهم ومليكهم فهو وحده إلههم ومعبودهم فكما لا رب لهم غيره فهكذا لا إله لهم سواه قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم - سيقولون لله قل أفلا تتقون - قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه [المؤمنون: 86 - 88] الآيات وهكذا قوله في سورة النمل قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون - أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون [النمل: 59 - 60] إلى آخر الآيات. يحتج عليهم بأن من فعل لهم هذا وحده فهو الإله لهم وحده فإن كان معه رب فعل هذا فينبغي أن تعبدوه وإن لم يكن معه رب فعل هذا فكيف تجعلون معه إلها آخر(1\/413)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "385",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13382",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولهذا كان الصحيح من القولين في تقدير الآية أإله مع الله فعل هذا حتى يتم الدليل فلا بد من الجواب بلا فإذا لم يكن معه إله فعل كفعله فكيف تعبدون آلهة أخرى سواه فعلم أن إلهية ما سواه باطلة كما أن ربوبية ما سواه باطلة بإقرارهم وشهادتكم. ومن قال: المعنى هل مع الله إله آخر من غير أن يكون المعنى quot; فعل هذا quot; فقوله ضعيف لوجهين: أحدهما: أنهم كانوا يقولون: مع الله آلهة أخرى ولا ينكرون ذلك. الثاني: أنه لا يتم الدليل ولا يحصل إفحامهم وإقامة الحجة عليهم إلا بهذا التقدير أي فإذا كنتم تقولون: إنه ليس معه إله آخر فعل مثل فعله فكيف تجعلون معه إلها آخر لا يخلق شيئا وهو عاجز وهذا كقوله: أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار [الرعد: 16] وقوله: هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه [لقمان: 11] وقوله: أفمن يخلق كمن لا يخلق [النحل: 17] وقوله: والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون [النحل: 20] وقوله: واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون [الفرقان: 3] وهو كثير في القرآن وبه تتم الحجة كما تبين. والمقصود أن العبد يحصل له هذا في المشهد من مطالعة الجنايات والذنوب وجريانها عليه وعلى الخليقة بتقدير العزيز الحكيم وأنه لا عاصم من غضبه وأسباب سخطه إلا هو ولا سبيل إلى طاعته إلا بمعونته ولا وصول إلى مرضاته إلا بتوفيقه فموارد الأمور كلها منه ومصادرها إليه وأزمة التوفيق جميعها بيديه فلا مستعان للعباد إلا به ولا متكل إلا عليه كما قال شعيب خطيب الأنبياء وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب [هود: 88] .  [فصل المشهد السابع مشهد التوفيق والخذلان] وهو من تمام هذا المشهد وفروعه ولكن أفرد بالذكر لحاجة العبد إلى شهوده(1\/414)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "386",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13383",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وانتفاعه به وقد أجمع العارفون بالله أن التوفيق هو أن لا يكلك الله إلى نفسك وأن الخذلان هو أن يخلي بينك وبين نفسك فالعبيد متقلبون بين توفيقه وخذلانه بل العبد في الساعة الواحدة ينال نصيبه من هذا وهذا فيطيعه ويرضيه ويذكره ويشكره بتوفيقه له ثم يعصيه ويخالفه ويسخطه ويغفل عنه بخذلانه له فهو دائر بين توفيقه وخذلانه فإن وفقه فبفضله ورحمته وإن خذله فبعدله وحكمته وهو المحمود على هذا وهذا له أتم حمد وأكمله ولم يمنع العبد شيئا هو له وإنما منعه ما هو مجرد فضله وعطائه وهو أعلم حيث يضعه وأين يجعله فمتى شهد العبد هذا المشهد وأعطاه حقه علم شدة ضرورته وحاجته إلى التوفيق في كل نفس وكل لحظة وطرفة عين وأن إيمانه وتوحيده بيده تعالى لو تخلى عنه طرفة عين لثل عرش توحيده ولخرت سماء إيمانه على الأرض وأن الممسك له هو من يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه فهجيرى قلبه ودأب لسانه: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك يا مصرف القلوب صرف قلبي إلى طاعتك ودعواه: يا حي يا قيوم يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك. ففي هذا المشهد يشهد توفيق الله وخذلانه كما يشهد ربوبيته وخلقه فيسأله توفيقه مسألة المضطر ويعوذ به من خذلانه عياذ الملهوف ويلقي نفسه بين يديه طريحا ببابه مستسلما له ناكس الرأس بين يديه خاضعا ذليلا مستكينا لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ونشورا. والتوفيق إرادة الله من نفسه أن يفعل بعبده ما يصلح به العبد بأن يجعله قادرا على فعل ما يرضيه مريدا له محبا له مؤثرا له على غيره ويبغض إليه ما يسخطه ويكرهه إليه وهذا مجرد فعله والعبد محل له قال تعالى ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون - فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم [الحجرات: 7 - 8] فهو سبحانه عليم بمن يصلح لهذا الفضل ومن لا يصلح له حكيم يضعه في مواضعه وعند أهله لا يمنعه أهله ولا(1\/415)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "387",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13384",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يضعه عند غير أهله وذكر هذا عقيب قوله: واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم [الحجرات: 7] ثم جاء به بحرف الاستدراك فقال ولكن الله حبب إليكم الإيمان [الحجرات: 7] . يقول سبحانه لم تكن محبتكم للإيمان وإرادتكم له وتزيينه في قلوبكم منكم ولكن الله هو الذي جعله في قلوبكم كذلك فآثرتموه ورضيتموه فلذلك لا تقدموا بين يدي رسولي ولا تقولوا حتى يقول ولا تفعلوا حتى يأمر فالذي حبب إليكم الإيمان أعلم بمصالح عباده منكم وأنتم فلولا توفيقه لكم لما أذعنت نفوسكم للإيمان فلم يكن الإيمان بمشورتكم وتوفيق أنفسكم ولا تقدمتم به إليها فنفوسكم تقصر وتعجز عن ذلك ولا تبلغه فلو أطاعكم رسولي في كثير مما تريدون لشق عليكم ذلك ولهلكتم وفسدت مصالحكم وأنتم لا تشعرون ولا تظنوا أن نفوسكم تريد لكم الرشد والصلاح كما أردتم الإيمان فلولا أني حببته إليكم وزينته في قلوبكم وكرهت إليكم ضده لما وقع منكم ولا سمحت به أنفسكم. وقد ضرب للتوفيق والخذلان مثل: ملك أرسل إلى أهل بلد من بلاده رسولا وكتب معه إليهم كتابا يعلمهم أن العدو مصبحهم عن قريب ومجتاحهم ومخرب البلد ومهلك من فيها وأرسل إليهم أموالا ومراكب وزادا وعدة وأدلة وقال: ارتحلوا مع هؤلاء الأدلة وقد أرسلت إليكم جميع ما تحتاجون إليه ثم قال لجماعة من مماليكه: اذهبوا إلى فلان فخذوا بيده واحملوه ولا تذروه يقعد واذهبوا إلى فلان كذلك وإلى فلان وذروا من عداهم فإنهم لا يصلحون أن يساكنوني في بلدي فذهب خواص مماليكه إلى من أمروا بحملهم فلم يتركوهم يقرون بل حملوهم حملا وساقوهم سوقا إلى الملك فاجتاح العدو من بقي في المدينة وقتلهم وأسر من أسر. فهل يعد الملك ظالما لهؤلاء أم عادلا فيهم نعم خص أولئك بإحسانه وعنايته وحرمها من عداهم إذ لا يجب عليه التسوية بينهم في فضله وإكرامه بل ذلك فضله يؤتيه من يشاء. وقد فسرت القدرية الجبرية التوفيق بأنه خلق الطاعة والخذلان بأنه خلق المعصية. ولكن بنوا ذلك على أصولهم الفاسدة من إنكار الأسباب والحكم وردوا الأمر إلى(1\/416)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "388",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13385",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محض المشيئة من غير سبب ولا حكمة. وقابلهم القدرية النفاة ففسروا التوفيق بالبيان العام والهدى العام والتمكن من الطاعة والإقبال عليها وتهيئة أسبابها وهذا حاصل لكل كافر ومشرك بلغته الحجة وتمكن من الإيمان. فالتوفيق عندهم أمر مشترك بين الكفار والمؤمنين إذ الإقدار والتمكين والدلالة والبيان قد عم به الفريقين ولم يفرد المؤمنين عندهم بتوفيق وقع به الإيمان منهم والكفار بخذلان امتنع به الإيمان منهم ولو فعل ذلك لكان عندهم محاباة وظلما. والتزموا لهذا الأصل لوازم قامت بها عليهم سوق الشناعة بين العقلاء ولم يجدوا بدا من التزامها فظهر فساد مذهبهم وتناقض قولهم لمن أحاط به علما وتصوره حق تصوره وعلم أنه من أبطل مذهب في العالم وأردئه. وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فلم يرضوا بطريق هؤلاء ولا بطريق هؤلاء وشهدوا انحراف الطريقين عن الصراط المستقيم فأثبتوا القضاء والقدر وعموم مشيئة الله للكائنات وأثبتوا الأسباب والحكم والغايات والمصالح ونزهوا الله عز وجل أن يكون في ملكه ما لا يشاء أو أن يقدر خلقه على ما لا يدخل تحت قدرته ولا مشيئته أو أن يكون شيء من أفعالهم واقعا بغير اختياره وبدون مشيئته ومن قال ذلك فلم يعرف ربه ولم يثبت له كمال الربوبية.(1\/417)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "389",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13386",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونزهوه مع ذلك عن العبث وفعل القبيح وأن يخلق شيئا سدى وأن تخلو أفعاله عن حكم بالغة لأجلها أوجدها وأسباب بها سببها وغايات جعلت طرقا ووسائل إليها وأن له في كل ما خلقه وقضاه حكمة بالغة وتلك الحكمة صفة له قائمة به ليست مخلوقة كما تقول القدرية النفاة للقدر والحكمة في الحقيقة. فأهل الصراط المستقيم بريئون من الطائفتين إلا من حق تتضمنه مقالاتهم فإنهم يوافقونهم عليه ويجمعون حق كل منهما إلى حق الأخرى ولا يبطلون ما معهم من الحق لما قالوه من الباطل فهم شهداء الله على الطوائف وأمناؤه عليهم حكام بينهم حاكمون عليهم ولا يحكم عليهم أحد منهم يكشفون أحوال الطوائف ولا يكشفهم إلا من كشف له عن معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وعرف الفرق بينه وبين غيره ولم يلتبس عليه وهؤلاء أفراد العالم ونخبته وخلاصته ليسوا من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ولا من الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبرا بل ممن هم على بينة من ربه وبصيرة في إيمانه ومعرفة بما عند الناس والله الموفق.  [فصل المشهد الثامن مشهد الأسماء والصفات] وهو من أجل المشاهد وهو أعلى مما قبله وأوسع. والمطلع على هذا المشهد: معرفة تعلق الوجود خلقا وأمرا بالأسماء الحسنى والصفات العلا وارتباطه بها وإن كان العالم بما فيه من بعض آثارها ومقتضياتها. وهذا من أجل المعارف وأشرفها وكل اسم من أسمائه سبحانه له صفة خاصة فإن أسماءه أوصاف مدح وكمال وكل صفة لها مقتضى وفعل إما لازم وإما متعد ولذلك الفعل تعلق بمفعول هو من لوازمه وهذا في خلقه وأمره وثوابه وعقابه كل ذلك آثار الأسماء الحسنى وموجباتها. ومن المحال تعطيل أسمائه عن أوصافها ومعانيها وتعطيل الأوصاف عما تقتضيه وتستدعيه من الأفعال وتعطيل الأفعال عن المفعولات كما أنه يستحيل تعطيل مفعوله عن أفعاله وأفعاله عن صفاته وصفاته عن أسمائه وتعطيل أسمائه وأوصافه عن ذاته. وإذا كانت أوصافه صفات كمال وأفعاله حكما ومصالح وأسماؤه حسنى ففرض تعطيلها عن موجباتها مستحيل في حقه ولهذا ينكر سبحانه على من عطله عن أمره ونهيه وثوابه وعقابه وأنه بذلك نسبه إلى ما لا يليق به وإلى ما يتنزه عنه وأن ذلك حكم(1\/418)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "390",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13387",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سيئ ممن حكم به عليه وأن من نسبه إلى ذلك فما قدره حق قدره ولا عظمه حق تعظيمه كما قال تعالى في حق منكري النبوة وإرسال الرسل وإنزال الكتب وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء [الأنعام: 91] وقال تعالى في حق منكري المعاد والثواب والعقاب وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه [الزمر: 67] وقال في حق من جوز عليه التسوية بين المختلفين كالأبرار والفجار والمؤمنين والكفار أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون [الجاثية: 21] فأخبر أن هذا حكم سيئ لا يليق به تأباه أسماؤه وصفاته وقال سبحانه أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم [المؤمنون: 115] عن هذا الظن والحسبان الذي تأباه أسماؤه وصفاته. ونظائر هذا في القرآن كثيرة ينفي فيها عن نفسه خلاف موجب أسمائه وصفاته إذ ذلك مستلزم تعطيلها عن كمالها ومقتضياتها. فاسمه الحميد المجيد يمنع ترك الإنسان سدى مهملا معطلا لا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا يعاقب وكذلك اسمه الحكيم يأبى ذلك وكذلك اسمه الملك واسمه الحي يمنع أن يكون معطلا من الفعل بل حقيقة الحياة الفعل فكل حي فعال وكونه سبحانه خالقا قيوما من موجبات حياته ومقتضياتها واسمه السميع البصير يوجب مسموعا ومرئيا واسمه الخالق يقتضي مخلوقا وكذلك الرازق واسمه الملك يقتضي مملكة وتصرفا وتدبيرا وإعطاء ومنعا وإحسانا وعدلا وثوابا وعقابا واسم البر والمحسن المعطي المنان ونحوها تقتضي آثارها وموجباتها. إذا عرف هذا فمن أسمائه سبحانه الغفار التواب العفو فلا بد لهذه الأسماء من متعلقات ولا بد من جناية تغفر وتوبة تقبل وجرائم يعفى عنها ولا بد لاسمه الحكيم من متعلق يظهر فيه حكمه إذ اقتضاء هذه الأسماء لآثارها كاقتضاء اسم الخالق الرازق المعطي المانع للمخلوق والمرزوق والمعطى والممنوع وهذه الأسماء كلها حسنى.(1\/419)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "391",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13388",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والرب تعالى يحب ذاته وأوصافه وأسماءه فهو عفو يحب العفو ويحب المغفرة ويحب التوبة ويفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه أعظم فرح يخطر بالبال وكان تقدير ما يغفره ويعفو عن فاعله ويحلم عنه ويتوب عليه ويسامحه من موجب أسمائه وصفاته وحصول ما يحبه ويرضاه من ذلك وما يحمد به نفسه ويحمده به أهل سماواته وأهل أرضه ما هو من موجبات كماله ومقتضى حمده. وهو سبحانه الحميد المجيد وحمده ومجده يقتضيان آثارهما. ومن آثارهما مغفرة الزلات وإقالة العثرات والعفو عن السيئات والمسامحة على الجنايات مع كمال القدرة على استيفاء الحق. والعلم منه سبحانه بالجناية ومقدار عقوبتها فحلمه بعد علمه وعفوه بعد قدرته ومغفرته عن كمال عزته وحكمته كما قال المسيح صلى الله عليه وسلم إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم [المائدة: 118] أي فمغفرتك عن كمال قدرتك وحكمتك لست كمن يغفر عجزا ويسامح جهلا بقدر الحق بل أنت عليم بحقك قادر على استيفائه حكيم في الأخذ به. فمن تأمل سريان آثار الأسماء والصفات في العالم وفي الأمر تبين له أن مصدر قضاء هذه الجنايات من العبيد وتقديرها: هو من كمال الأسماء والصفات والأفعال. وغاياتها أيضا: مقتضى حمده ومجده كما هو مقتضى ربوبيته وإلهيته. فله في كل ما قضاه وقدره الحكمة البالغة والآيات الباهرة والتعرفات إلى عباده بأسمائه وصفاته واستدعاء محبتهم له وذكرهم له وشكرهم له وتعبدهم له بأسمائه الحسنى إذ كل اسم فله تعبد مختص به علما ومعرفة وحالا وأكمل الناس عبودية المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يطلع عليها البشر فلا تحجبه عبودية اسم عن عبودية اسم آخر كمن يحجبه التعبد باسمه القدير عن التعبد باسمه الحليم الرحيم أو يحجبه عبودية اسمه المعطي عن عبودية اسمه المانع أو عبودية اسمه الرحيم والعفو والغفور عن اسمه المنتقم أو التعبد بأسماء التودد والبر واللطف والإحسان عن أسماء العدل والجبروت والعظمة والكبرياء ونحو ذلك. وهذه طريقة الكمل من السائرين إلى الله وهي طريقة مشتقة من قلب القرآن قال الله تعالى ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها [الأعراف: 180] والدعاء بها يتناول دعاء المسألة ودعاء(1\/420)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "392",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13389",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثناء ودعاء التعبد وهو سبحانه يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته ويثنوا عليه بها ويأخذوا بحظهم من عبوديتها. وهو سبحانه يحب موجب أسمائه وصفاته. فهو عليم يحب كل عليم جواد يحب كل جواد وتر يحب الوتر جميل يحب الجمال عفو يحب العفو وأهله حيي يحب الحياء وأهله بر يحب الأبرار شكور يحب الشاكرين صبور يحب الصابرين حليم يحب أهل الحلم فلمحبته سبحانه للتوبة والمغفرة والعفو والصفح خلق من يغفر له ويتوب عليه ويعفو عنه وقدر عليه ما يقتضي وقوع المكروه والمبغوض له ليترتب عليه المحبوب له المرضي له فتوسطه كتوسط الأسباب المكروهة المفضية إلى المحبوب. فربما كان مكروه العباد إلى ... محبوبها سبب ما مثله سبب والأسباب مع مسبباتها أربعة أنواع: محبوب يفضي إلى محبوب ومكروه يفضي إلى محبوب وهذان النوعان عليهما مدار أقضيته وأقداره سبحانه بالنسبة إلى ما يحبه وما يكرهه. والثالث: مكروه يفضي إلى مكروه والرابع: محبوب يفضي إلى مكروه وهذان النوعان ممتنعان في حقه سبحانه إذ الغايات المطلوبة من قضائه وقدره الذي ما خلق ما خلق ولا قضى ما قضى إلا لأجل حصولها لا تكون إلا محبوبة للرب مرضية له. والأسباب الموصلة إليها منقسمة إلى محبوب له ومكروه له. فالطاعات والتوحيد أسباب محبوبة له موصلة إلى الإحسان والثواب المحبوب له أيضا. والشرك والمعاصي أسباب مسخوطة له موصلة إلى العدل المحبوب له وإن كان الفضل أحب إليه من العدل فاجتماع العدل والفضل أحب إليه من انفراد أحدهما عن الآخر لما فيهما من كمال الملك والحمد وتنوع الثناء وكمال القدرة. فإن قيل: كان يمكن حصول هذا المحبوب من غير توسط المكروه. قيل: هذا سؤال باطل لأن وجود الملزوم بدون لازمه ممتنع والذي يقدر في الذهن وجوده شيء آخر غير هذا المطلوب المحبوب للرب وحكم الذهن عليه بأنه محبوب للرب حكم بلا علم بل قد يكون مبغوضا للرب تعالى لمنافاته حكمته فإذا حكم الذهن عليه بأنه محبوب له كان نسبة له إلى ما لا يليق به ويتعالى عنه. فليعط اللبيب هذا الموضع حقه من التأمل فإنه مزلة أقدام ومضلة أفهام ولو(1\/421)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "393",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13390",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أمسك عن الكلام من لا يعلم لقل الخلاف. وهذا المشهد أجل من أن يحيط به كتاب أو يستوعبه خطاب وإنما أشرنا إليه أدنى إشارة تطلع على ما وراءها والله الموفق المعين.  [فصل المشهد التاسع مشهد زيادة الإيمان وتعدد شواهده] وهذا من ألطف المشاهد وأخصها بأهل المعرفة ولعل سامعه يبادر إلى إنكاره ويقول: كيف يشهد زيادة الإيمان من الذنوب والمعاصي ولا سيما ذنوب العبد ومعاصيه وهل ذلك إلا منقص للإيمان فإنه بإجماع السلف يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. فاعلم أن هذا حاصل من التفات العارف إلى الذنوب والمعاصي منه ومن غيره وإلى ترتب آثارها عليها وترتب هذه الآثار عليها علم من أعلام النبوة وبرهان من براهين صدق الرسل وصحة ما جاءوا به فإن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أمروا العباد بما فيه صلاح ظواهرهم وبواطنهم في معاشهم ومعادهم ونهوهم عما فيه فساد ظواهرهم وبواطنهم في المعاش والمعاد وأخبروهم عن الله عز وجل أنه يحب كذا وكذا ويثيب عليه بكذا وكذا وأنه يبغض كيت وكيت ويعاقب عليه بكيت وكيت وأنه إذا أطيع بما أمر به شكر عليه بالإمداد والزيادة والنعم في القلوب والأبدان والأموال ووجد العبد زيادته وقوته في حاله كلها وأنه إذا خولف أمره ونهيه ترتب عليه من النقص والفساد والضعف والذل والمهانة والحقارة وضيق العيش وتنكد الحياة ما ترتب كما قال تعالى من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [النحل: 97] وقال وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير [النحل: 30] وقال تعالى وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله [هود: 3] وقال تعالى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى [طه: 124] وفسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر والصحيح أنها في الدنيا وفي البرزخ فإن من أعرض عن ذكره الذي أنزله فله من ضيق الصدر ونكد العيش وكثرة الخوف وشدة الحرص والتعب على الدنيا والتحسر على فواتها قبل(1\/422)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "394",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13391",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حصولها وبعد حصولها والآلام التي في خلال ذلك ما لا يشعر به القلب لسكرته وانغماسه في السكر فهو لا يصحو ساعة إلا أحس وشعر بهذا الألم فبادر إلى إزالته بسكر ثان فهو هكذا مدة حياته وأي عيشة أضيق من هذه لو كان للقلب شعور . فقلوب أهل البدع والمعرضين عن القرآن وأهل الغفلة عن الله وأهل المعاصي في جحيم قبل الجحيم الأكبر وقلوب الأبرار في نعيم قبل النعيم الأكبر إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم [الانفطار: 13] هذا في دورهم الثلاث ليس مختصا بالدار الآخرة وإن كان تمامه وكماله وظهوره: إنما هو في الدار الآخرة وفي البرزخ دون ذلك كما قال تعالى وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك [الطور: 47] وقال تعالى ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون [النمل: 71] وفي هذه الدار دون ما في البرزخ ولكن يمنع من الإحساس به الاستغراق في سكرة الشهوات وطرح ذلك عن القلب وعدم التفكر فيه. والعبد قد يصيبه ألم حسي فيطرحه عن قلبه ويقطع التفاته عنه ويجعل إقباله على غيره لئلا يشعر به جملة فلو زال عنه ذلك الالتفات لصاح من شدة الألم فما الظن بعذاب القلوب وآلامها ! . وقد جعل الله سبحانه للحسنات والطاعات آثارا محبوبة لذيذة طيبة لذتها فوق لذة المعصية بأضعاف مضاعفة لا نسبة لها إليها وجعل للسيئات والمعاصي آلاما وآثارا مكروهة وحزازات تربي على لذة تناولها بأضعاف مضاعفة قال ابن عباس: إن للحسنة نورا في القلب وضياء في الوجه وقوة في البدن وزيادة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق وإن للسيئة سوادا في الوجه وظلمة في القلب ووهنا في البدن ونقصا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق وهذا يعرفه صاحب البصيرة ويشهده من نفسه ومن غيره. فما حصل للعبد حال مكروهة قط إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر قال الله تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير [الشورى: 30] وقال لخيار(1\/423)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "395",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13392",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خلقه وأصحاب نبيه أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم [آل عمران: 165] وقال ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك [النساء: 79] . والمراد بالحسنة والسيئة هنا النعم والمصائب التي تصيب العبد من الله ولهذا قال quot; ما أصابك quot; ولم يقل quot; ما أصبت quot;. فكل نقص وبلاء وشر في الدنيا والآخرة فسببه الذنوب ومخالفة أوامر الرب فليس في العالم شر قط إلا الذنوب وموجباتها. وآثار الحسنات والسيئات في القلوب والأبدان والأموال أمر مشهود في العالم لا ينكره ذو عقل سليم بل يعرفه المؤمن والكافر والبر والفاجر. وشهود العبد هذا في نفسه وفي غيره وتأمله ومطالعته مما يقوي إيمانه بما جاءت به الرسل وبالثواب والعقاب فإن هذا عدل مشهود محسوس في هذا العالم ومثوبات وعقوبات عاجلة دالة على ما هو أعظم منها لمن كانت له بصيرة كما قال بعض الناس: إذا صدر مني ذنب ولم أبادره ولم أتداركه بالتوبة انتظرت أثره السيئ فإذا أصابني أو فوقه أو دونه كما حسبت يكون هجيراي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ويكون ذلك من شواهد الإيمان وأدلته فإن الصادق متى أخبرك أنك إذا فعلت كذا وكذا ترتب عليه من المكروه كذا وكذا فجعلت كلما فعلت شيئا من ذلك حصل لك ما قال من المكروه لم تزدد إلا علما بصدقه وبصيرة فيه وليس هذا لكل أحد بل أكثر الناس ترين الذنوب على قلبه فلا يشهد شيئا من ذلك ولا يشعر به البتة. وإنما يكون هذا القلب فيه نور الإيمان وأهوية الذنوب والمعاصي تعصف فيه فهو يشاهد هذا وهذا ويرى حال مصباح إيمانه مع قوة تلك الأهوية والرياح فيرى نفسه كراكب البحر عند هيجان الرياح وتقلب السفينة وتكفئها ولاسيما إذا انكسرت به وبقي على لوح تلعب به الرياح فهكذا المؤمن يشاهد نفسه عند ارتكاب الذنوب إذا أريد به الخير وإن أريد به غير ذلك فقلبه في واد آخر. ومتى انفتح هذا الباب للعبد انتفع بمطالعة تاريخ العالم وأحوال الأمم(1\/424)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "396",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13393",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومجريات الخلق بل انتفع بمجريات أهل زمانه وما يشاهده من أحوال الناس وفهم حينئذ معنى قوله تعالى أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت [الرعد: 33] وقوله: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم [آل عمران: 18] فكل ما تراه في الوجود من شر وألم وعقوبة وجدب ونقص في نفسك وفي غيرك فهو من قيام الرب تعالى بالقسط وهو عدل الله وقسطه وإن أجراه على يد ظالم فالمسلط له أعدل العادلين كما قال تعالى لمن أفسد في الأرض بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار [الإسراء: 5] الآية. فالذنوب مثل السموم مضرة بالذات فإن تداركها من سقي بالأدوية المقاومة لها وإلا قهرت القوة الإيمانية وكان الهلاك كما قال بعض السلف: المعاصي بريد الكفر كما أن الحمى بريد الموت. فشهود العبد نقص حاله إذا عصى ربه وتغير القلوب عليه وجفولها منه وانسداد الأبواب في وجهه وتوعر المسالك عليه وهوانه على أهل بيته وأولاده وزوجته وإخوانه. وتطلبه ذلك حتى يعلم من أين أتي ووقوعه على السبب الموجب لذلك مما يقوي إيمانه فإن أقلع وباشر الأسباب التي تفضي به إلى ضد هذه الحال رأى العز بعد الذل والغنى بعد الفقر والسرور بعد الحزن والأمن بعد الخوف والقوة في قلبه بعد ضعفه ووهنه ازداد إيمانا مع إيمانه فتقوى شواهد الإيمان في قلبه وبراهينه وأدلته في حال معصيته وطاعته فهذا من الذين قال الله فيهم ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون [الزمر: 35] . وصاحب هذا المشهد متى تبصر فيه وأعطاه حقه: صار من أطباء القلوب العالمين بدائها ودوائها فنفعه الله في نفسه ونفع به من شاء من خلقه والله أعلم.  [فصل المشهد العاشر مشهد الرحمة] فإن العبد إذا وقع في الذنب خرج من قلبه تلك الغلظة والقسوة والكيفية(1\/425)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "397",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13394",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الغضبية التي كانت عنده لمن صدر منه ذنب حتى لو قدر عليه لأهلكه وربما دعا الله عليه أن يهلكه ويأخذه غضبا منه لله وحرصا على أن لا يعصي فلا يجد في قلبه رحمة للمذنبين الخاطئين ولا يراهم إلا بعين الاحتقار والازدراء ولا يذكرهم إلا بلسان الطعن فيهم والعيب لهم والذم فإذا جرت عليه المقادير وخلي ونفسه استغاث الله والتجأ إليه وتململ بين يديه تململ السليم ودعاه دعاء المضطر فتبدلت تلك الغلظة على المذنبين رقة وتلك القساوة على الخاطئين رحمة ولينا مع قيامه بحدود الله وتبدل دعاؤه عليهم دعاء لهم وجعل لهم وظيفة من عمره يسأل الله أن يغفر لهم. فما أنفعه له من مشهد! وما أعظم جدواه عليه والله أعلم.  [فصل المشهد الحادي عشر مشهد العجز والضعف] فصل فيورثه ذلك: المشهد الحادي عشر وهو مشهد العجز والضعف وأنه أعجز شيء عن حفظ نفسه وأضعفه وأنه لا قوة له ولا قدرة ولا حول إلا بربه فيشهد قلبه كريشة ملقاة بأرض فلاة تقلبها الرياح يمينا وشمالا ويشهد نفسه كراكب سفينة في البحر تهيج بها الرياح وتتلاعب بها الأمواج ترفعها تارة وتخفضها تارة أخرى تجري عليه أحكام القدر وهو كالآلة طريحا بين يدي وليه ملقى ببابه واضعا خده على ثرى أعتابه لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ليس له من نفسه إلا الجهل والظلم وآثارهما ومقتضياتهثما فالهلاك أدنى إليه من شراك نعله كشاة ملقاة بين الذئاب والسباع لا يردها عنها إلا الراعي فلو تخلى عنها طرفة عين لتقاسموها أعضاء. وهكذا حال العبد ملقى بين الله وبين أعدائه من شياطين الإنس والجن فإن حماه منهم وكفهم عنه لم يجدوا إليه سبيلا وإن تخلى عنه ووكله إلى نفسه طرفة عين لم ينقسم عليهم بل هو نصيب من ظفر به منهم. وفي هذا المشهد يعرف نفسه حقا ويعرف ربه وهذا أحد التأويلات للكلام المشهور quot; من عرف نفسه عرف ربه quot; وليس هذا حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو أثر(1\/426)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "398",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13395",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إسرائيلي بغير هذا اللفظ أيضا quot; يا إنسان اعرف نفسك تعرف ربك quot; وفيه ثلاث تأويلات: أحدها: أن من عرف نفسه بالضعف عرف ربه بالقوة ومن عرفها بالعجز عرف ربه بالقدرة ومن عرفها بالذل عرف ربه بالعز ومن عرفها بالجهل عرف ربه بالعلم فإن الله سبحانه استأثر بالكمال المطلق والحمد والثناء والمجد والغنى والعبد فقير ناقص محتاج وكلما ازدادت معرفة العبد بنقصه وعيبه وفقره وذله وضعفه ازدادت معرفته لربه بأوصاف كماله. التأويل الثاني: أن من نظر إلى نفسه وما فيها من الصفات الممدوحة من القوة والإرادة والكلام والمشيئة والحياة عرف أن من أعطاه ذلك وخلقه فيه أولى به فمعطي الكمال أحق بالكمال فكيف يكون العبد حيا متكلما سميعا بصيرا مريدا عالما يفعل باختياره ومن خلقه وأوجده لا يكون أولى بذلك منه فهذا من أعظم المحال بل من جعل العبد متكلما أولى أن يكون هو متكلما ومن جعله حيا عليما سميعا بصيرا فاعلا قادرا أولى أن يكون كذلك. فالتأويل الأول من باب الضد وهذا من باب الأولوية. والتأويل الثالث: أن هذا من باب النفي أي كما أنك لا تعرف نفسك التي هي أقرب الأشياء إليك فلا تعرف حقيقتها ولا ماهيتها ولا كيفيتها فكيف تعرف ربك وكيفية صفاته . والمقصود: أن هذا المشهد يعرف العبد أنه عاجز ضعيف فتزول عنه رعونات الدعاوي والإضافات إلى نفسه ويعلم أنه ليس له من الأمر شيء إن هو إلا محض القهر والعجز والضعف.  [فصل المشهد الثاني عشر مشهد الذل والانكسار والخضوع والافتقار للرب جل جلاله] فصل فحينئذ يطلع منه على المشهد الثاني عشر وهو مشهد الذل والانكسار والخضوع والافتقار للرب جل جلاله فيشهد في كل ذرة من ذراته الباطنة والظاهرة ضرورة تامة وافتقارا تاما إلى ربه ووليه ومن بيده صلاحه وفلاحه وهداه وسعادته وهذه الحال التي تحصل لقلبه لا تنال العبارة حقيقتها وإنما تدرك بالحصول فيحصل لقلبه كسرة خاصة لا يشبهها شيء بحيث يرى نفسه كالإناء المرضوض تحت الأرجل الذي لا شيء فيه ولا به ولا منه ولا فيه منفعة ولا يرغب في مثله وأنه لا يصلح للانتفاع إلا بجبر جديد من صانعه وقيمه فحينئذ يستكثر(1\/427)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "399",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13396",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في هذا المشهد ما من ربه إليه من الخير ويرى أنه لا يستحق قليلا منه ولا كثيرا فأي خير له من الله استكثره على نفسه وعلم أن قدره دونه وأن رحمة ربه هي التي اقتضت ذكره به وسياقته إليه واستقل ما من نفسه من الطاعات لربه ورآها ولو ساوت طاعات الثقلين من أقل ما ينبغي لربه عليه واستكثر قليل معاصيه وذنوبه فإن الكسرة التي حصلت لقلبه أوجبت له هذا كله. فما أقرب الجبر من هذا القلب المكسور! وما أدنى النصر والرحمة والرزق منه! وما أنفع هذا المشهد له وأجداه عليه! وذرة من هذا ونفس منه أحب إلى الله من طاعات أمثال الجبال من المدلين المعجبين بأعمالهم وعلومهم وأحوالهم وأحب القلوب إلى الله سبحانه قلب قد تمكنت منه هذه الكسرة وملكته هذه الذلة فهو ناكس الرأس بين يدي ربه لا يرفع رأسه إليه حياء وخجلا من الله. قيل لبعض العارفين: أيسجد القلب قال: نعم يسجد سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللقاء فهذا سجود القلب. فقلب لا تباشره هذه الكسرة هو غير ساجد السجود المراد منه وإذا سجد القلب لله هذه السجدة العظمى سجدت معه جميع الجوارح وعنا الوجه حينئذ للحي القيوم وخشع الصوت والجوارح كلها وذل العبد وخضع واستكان ووضع خده على عتبة العبودية ناظرا بقلبه إلى ربه ووليه نظر الذليل إلى العزيز الرحيم فلا يرى إلا متملقا لربه خاضعا له ذليلا مستعطفا له يسأله عطفه ورحمته فهو يترضى ربه كما يترضى المحب الكامل المحبة محبوبه المالك له الذي لا غنى له عنه ولا بد له منه فليس له هم غير استرضائه واستعطافه لأنه لا حياة له ولا فلاح إلا في قربه ورضاه عنه ومحبته له يقول: كيف أغضب من حياتي في رضاه وكيف أعدل عمن سعادتي وفلاحي وفوزي في قربه وحبه وذكره وصاحب هذا المشهد يشهد نفسه كرجل كان في كنف أبيه يغذوه بأطيب الطعام والشراب واللباس ويربيه أحسن التربية ويرقيه على درجات الكمال أتم ترقية وهو القيم بمصالحه كلها فبعثه أبوه في حاجة له فخرج عليه في طريقه عدو فأسره وكتفه وشده وثاقا ثم ذهب به إلى بلاد الأعداء فسامه سوء العذاب وعامله بضد ما كان أبوه يعامله به فهو يتذكر تربية والده وإحسانه إليه الفينة بعد الفينة فتهيج من قلبه لواعج الحسرات كلما رأى حاله ويتذكر ما كان عليه وكل ما كان فيه فبينما هو في أسر عدوه يسومه سوء العذاب ويريد نحره في آخر الأمر إذ حانت منه التفاتة إلى نحو ديار أبيه فرأى أباه منه قريبا فسعى إليه وألقى نفسه عليه وانطرح بين يديه يستغيث(1\/428)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "400",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13397",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يا أبتاه يا أبتاه يا أبتاه! انظر إلى ولدك وما هو فيه ودموعه تستبق على خديه قد اعتنقه والتزمه وعدوه في طلبه حتى وقف على رأسه وهو ملتزم لوالده ممسك به فهل تقول: إن والده يسلمه مع هذه الحال إلى عدوه ويخلي بينه وبينه فما الظن بمن هو أرحم بعبده من الوالد بولده ومن الوالدة بولدها إذا فر عبد إليه وهرب من عدوه إليه وألقى بنفسه طريحا ببابه يمرغ خده في ثرى أعتابه باكيا بين يديه يقول: يا رب يا رب ارحم من لا راحم له سواك ولا ناصر له سواك ولا مؤوي له سواك ولا مغيث له سواك. مسكينك وفقيرك وسائلك ومؤملك ومرجيك لا ملجأ له ولا منجى له منك إلا إليك أنت معاذه وبك ملاذه. يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنت جابره  [فصل المشهد الثالث عشر مشهد العبودية والمحبة والشوق إلى لقائه والابتهاج به] فصل فإذا استبصر في هذا المشهد وتمكن من قلبه وباشره وذاق طعمه وحلاوته ترقى منه إلى: المشهد الثالث عشر وهو الغاية التي شمر إليها السالكون وأمها القاصدون ولحظ إليها العاملون. وهو مشهد العبودية والمحبة والشوق إلى لقائه والابتهاج به والفرح والسرور به فتقر به عينه ويسكن إليه قلبه وتطمئن إليه جوارحه ويستولي ذكره على لسان محبه وقلبه فتصير خطرات المحبة مكان خطرات المعصية وإرادات التقرب إليه وإلى مرضاته مكان إرادة معاصيه ومساخطه وحركات اللسان والجوارح بالطاعات مكان حركاتها بالمعاصي قد امتلأ قلبه من محبته ولهج لسانه بذكره وانقادت الجوارح لطاعته فإن هذه الكسرة الخاصة لها تأثير عجيب في المحبة لا يعبر عنه. ويحكى عن بعض العارفين أنه قال: دخلت على الله من أبواب الطاعات كلها فما دخلت من باب إلا رأيت عليه الزحام فلم أتمكن من الدخول حتى جئت باب الذل والافتقار فإذا هو أقرب باب إليه وأوسعه ولا مزاحم فيه ولا معوق فما هو إلا أن وضعت قدمي في عتبته فإذا هو سبحانه قد أخذ بيدي وأدخلني عليه. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه يقول: من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية.(1\/429)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "401",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13398",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال بعض العارفين: لا طريق أقرب إلى الله من العبودية ولا حجاب أغلظ من الدعوى ولا ينفع مع الإعجاب والكبر عمل واجتهاد ولا يضر مع الذل والافتقار بطالة يعني بعد فعل الفرائض. والقصد: أن هذه الذلة والكسرة الخاصة تدخله على الله وترميه على طريق المحبة فيفتح له منها باب لا يفتح له من غير هذه الطريق وإن كانت طرق سائر الأعمال والطاعات تفتح للعبد أبوابا من المحبة لكن الذي يفتح منها من طريق الذل والانكسار والافتقار وازدراء النفس ورؤيتها بعين الضعف والعجز والعيب والنقص والذم بحيث يشاهدها ضيعة وعجزا وتفريطا وذنبا وخطيئة نوع آخر وفتح آخر والسالك بهذه الطريق غريب في الناس وهم في واد وهو في واد وهي تسمى طريق الطير يسبق النائم فيها على فراشه السعاة فيصبح وقد قطع الطريق وسبق الركب. بينا هو يحدثك إذا به قد سبق الطرف وفات السعاة فالله المستعان وهو خير الغافرين. وهذا الذي حصل له من آثار محبة الله له وفرحه بتوبة عبده فإنه سبحانه يحب التوابين ويفرح بتوبتهم أعظم فرح وأكمله. فكلما طالع العبد من ربه سبحانه عليه قبل الذنب وفي حال مواقعته وبعده بره به وحلمه عنه وإحسانه إليه هاجت من قلبه لواعج محبته والشوق إلى لقائه فإن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها وأي إحسان أعظم من إحسان من يبارزه العبد بالمعاصي وهو يمده بنعمه ويعامله بألطافه ويسبل عليه ستره ويحفظه من خطفات أعدائه المترقبين له أدنى عثرة ينالون منه بها بغيتهم ويردهم عنه ويحول بينهم وبينه وهو في ذلك كله بعينه يراه ويطلع عليه فالسماء تستأذن ربها أن تحصبه والأرض تستأذنه أن تخسف به والبحر يستأذنه أن يغرقه كما في مسند الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه أن يغرق ابن آدم والملائكة تستأذنه أن تعاجله وتهلكه والرب تعالى يقول: دعوا عبدي فأنا أعلم به إذ أنشأته من الأرض إن كان عبدكم فشأنكم به وإن كان عبدي فمني وإلي عبدي وعزتي وجلالي إن أتاني ليلا قبلته وإن أتاني نهارا قبلته وإن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا وإن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا وإن مشى إلي هرولت إليه وإن استغفرني غفرت له وإن استقالني أقلته وإن تاب إلي تبت عليه من أعظم مني جودا وكرما وأنا الجواد الكريم عبيدي يبيتون يبارزونني بالعظائم وأنا أكلؤهم في مضاجعهم وأحرسهم على فرشهم من أقبل إلي تلقيته من بعيد ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد ومن أراد مرادي أردت ما يريد أهل ذكري أهل(1\/430)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "402",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13399",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مجالستي وأهل شكري أهل زيادتي وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي إن تابوا إلي فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب . ولنقتصر على هذا القدر من ذكر التوبة وأحكامها وثمراتها فإنه ما أطيل الكلام فيها إلا لفرط الحاجة والضرورة إلى معرفتها ومعرفة أحكامها وتفاصيلها ومسائلها والله الموفق لمراعاة ذلك والقيام به عملا وحالا كما وفق له علما ومعرفة فما خاب من توكل عليه ولاذ به ولجأ إليه ولا حول ولا قوة إلا بالله.(1\/431)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "403",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13400",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل منزلة الإنابة] [معنى الإنابة والدليل عليها] قد علمت أن من نزل من منزل التوبة وقام في مقامها نزل في جميع منازل الإسلام فإن التوبة الكاملة متضمنة لها وهي مندرجة فيها ولكن لا بد من إفرادها بالذكر والتفصيل تبيينا لحقائقها وخواصها وشروطها. فإذا استقرت قدمه في منزل التوبة نزل بعده منزل الإنابة وقد أمر الله تعالى بها في كتابه وأثنى على خليله بها فقال وأنيبوا إلى ربكم [الزمر: 54] وقال إن إبراهيم لحليم أواه منيب [هود: 75] وأخبر أن آياته إنما يتبصر بها ويتذكر أهل الإنابة فقال أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها [ق: 6] إلى أن قال تبصرة وذكرى لكل عبد منيب [ق: 8] وقال تعالى هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب [غافر: 13] وقال تعالى منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة [الروم: 31] الآية quot; فمنيبين quot; منصوب على الحال من الضمير المستكن في قوله quot; فأقم وجهك [الروم: 30] quot; لأن هذا الخطاب له ولأمته أي أقم وجهك أنت وأمتك منيبين إليه نظيره قوله: ياأيها النبي إذا طلقتم النساء [الطلاق: 1] ويجوز أن يكون حالا من المفعول في قوله فطر الناس عليها [الروم: 30] أي فطرهم منيبين إليه فلو خلوا وفطرهم لما عدلت عن الإنابة إليه ولكنها تتحول وتتغير عما فطرت عليه كما قال صلى الله عليه وسلم ما من مولود إلا يولد على الفطرة وفي رواية: على الملة حتى يعرب عنه لسانه وقال عن نبيه داود فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب [ص: 24] وأخبر(1\/432)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "404",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13401",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن ثوابه وجنته لأهل الخشية والإنابة فقال وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب ادخلوها بسلام [ق: 31] وأخبر سبحانه أن البشرى منه إنما هي لأهل الإنابة فقال والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى [الزمر: 17] . والإنابة إنابتان: إنابة لربوبيته وهي إنابة المخلوقات كلها يشترك فيها المؤمن والكافر والبر والفاجر قال الله تعالى وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه [الروم: 33] فهذا عام في حق كل داع أصابه ضر كما هو الواقع وهذه الإنابة لا تستلزم الإسلام بل تجامع الشرك والكفر كما قال تعالى في حق هؤلاء ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم [الروم: 33] فهذا حالهم بعد إنابتهم. والإنابة الثانية إنابة أوليائه وهي إنابة لإلهيته إنابة عبودية ومحبة. وهي تتضمن أربعة أمور: محبته والخضوع له والإقبال عليه والإعراض عما سواه فلا يستحق اسم المنيب إلا من اجتمعت فيه هذه الأربع وتفسير السلف لهذه اللفظة يدور على ذلك. وفي اللفظة معنى الإسراع والرجوع والتقدم والمنيب إلى الله المسرع إلى مرضاته الراجع إليه كل وقت المتقدم إلى محابه. قال صاحب المنازل: الإنابة في اللغة الرجوع وهي هاهنا الرجوع إلى الحق. وهي ثلاثة أشياء: الرجوع إلى الحق إصلاحا كما رجع إليه اعتذارا والرجوع إليه وفاء كما رجع إليه عهدا والرجوع إليه حالا كما رجعت إليه إجابة. لما كان التائب قد رجع إلى الله بالاعتذار والإقلاع عن معصيته كان من تتمة ذلك رجوعه إليه بالاجتهاد والنصح في طاعته كما قال إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا [الفرقان: 70](1\/433)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "405",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13402",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال إلا الذين تابوا وأصلحوا [البقرة: 160] فلا تنفع توبة وبطالة فلا بد من توبة وعمل صالح ترك لما يكره وفعل لما يحب تخل عن معصيته وتحل بطاعته. وكذلك الرجوع إليه بالوفاء بعهده كما رجعت إليه عند أخذ العهد عليك فرجعت إليه بالدخول تحت عهده أولا فعليك بالرجوع بالوفاء بما عاهدته عليه ثانيا والدين كله عهد ووفاء فإن الله أخذ عهده على جميع المكلفين بطاعته فأخذ عهده على أنبيائه ورسله على لسان ملائكته أو منه إلى الرسول بلا واسطة كما كلم موسى وأخذ عهده على الأمم بواسطة الرسل وأخذ عهده على الجهال بواسطة العلماء فأخذ عهده على هؤلاء بالتعليم وعلى هؤلاء بالتعلم ومدح الموفين بعهده وأخبر بما لهم عنده من الأجر فقال ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما [الفتح: 10] وقال وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا [الإسراء: 34] وقال وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم [النحل: 91] وقال والموفون بعهدهم إذا عاهدوا [البقرة: 177] . وهذا يتناول عهودهم مع الله بالوفاء له بالإخلاص والإيمان والطاعة وعهودهم مع الخلق. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من علامات النفاق الغدر بعد العهد . فما أناب إلى الله من خان عهده وغدر به كما أنه لم ينب إليه من لم يدخل تحت عهده فالإنابة لا تتحقق إلا بالتزام العهد والوفاء به. وقوله: والرجوع إليه حالا كما رجعت إليه إجابة. أي هو سبحانه قد دعاك فأجبته بلبيك وسعديك قولا فلا بد من الإجابة حالا تصدق به المقال فإن الأحوال تصدق الأقوال أو تكذبها وكل قول فلصدقه وكذبه شاهد(1\/434)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "406",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13403",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من حال قائله فكما رجعت إلى الله إجابة بالمقال فارجع إليه إجابة بالحال قال الحسن: ابن آدم لك قول وعمل وعملك أولى بك من قولك ولك سريرة وعلانية وسريرتك أملك بك من علانيتك.  [فصل الرجوع إلى الله] فصل قال: وإنما يستقيم الرجوع إليه إصلاحا بثلاثة أشياء: بالخروج من التبعات والتوجع للعثرات واستدراك الفائتات. والخروج من التبعات هو بالتوبة من الذنوب التي بين العبد وبين الله وأداء الحقوق التي عليه للخلق. والتوجع للعثرات يحتمل شيئين: أحدهما: أن يتوجع لعثرته إذا عثر فيتوجع قلبه وينصدع وهذا دليل على إنابته إلى الله بخلاف من لا يتألم قلبه ولا ينصدع من عثرته فإنه دليل على فساد قلبه وموته. الثاني: أن يتوجع لعثرة أخيه المؤمن إذا عثر حتى كأنه هو الذي عثر بها ولا يشمت به فهو دليل على رقة قلبه وإنابته. واستدراك الفائتات هو استدراك ما فاته من طاعة وقربة بأمثالها أو خير منها ولاسيما في بقية عمره عند قرب رحيله إلى الله فبقية عمر المؤمن لا قيمة لها. يستدرك بها ما فات ويحيي بها ما أمات.  فصل. قال: وإنما يستقيم الرجوع إليه عهدا بثلاثة أشياء: بالخلاص من لذة الذنب وبترك الاستهانة بأهل الغفلة تخوفا عليهم مع الرجاء لنفسك بالاستقصاء في رؤية علة الخدمة. إذا صفت له الإنابة إلى ربه تخلص من الفكرة في لذة الذنب وعاد مكانها ألما وتوجعا لذكره والفكرة فيه فما دامت لذة الفكرة فيه موجودة في قلبه فإنابته غير صافية.(1\/435)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "407",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13404",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قيل: أي الحالين أعلى حال من يجد لذة الذنب في قلبه فهو يجاهدها لله ويتركها من خوفه ومحبته وإجلاله أو حال من ماتت لذة الذنب في قلبه وصار مكانها ألما وتوجعا وطمأنينة إلى ربه وسكونا إليه والتذاذا بحبه وتنعما بذكره . قيل: حال هذا أكمل وأرفع وغاية صاحب المجاهدة أن يجاهد نفسه حتى يصل إلى مقام هذا ومنزلته ولكنه يتلوه في المنزلة والقرب ومنوط به. فإن قيل: فأين أجر مجاهدة صاحب اللذة وتركه محابه لله وإيثاره رضى الله على هواه وبهذا كان النوع الإنساني أفضل من النوع الملكي عند أهل السنة وكانوا خير البرية. والمطمئن قد استراح من ألم هذه المجاهدة وعوفي منها فبينهما من التفاوت ما بين درجة المعافى والمبتلى. قيل: النفس لها ثلاثة أحوال: الأمر بالذنب ثم اللوم عليه والندم منه ثم الطمأنينة إلى ربها والإقبال بكليتها عليه وهذه الحال أعلى أحوالها وأرفعها وهي التي يشمر إليها المجاهد وما يحصل له من ثواب مجاهدته وصبره فهو لتشميره إلى درجة الطمأنينة إلى الله فهو بمنزلة راكب القفار والمهامه والأهوال ليصل إلى البيت فيطمئن قلبه برؤيته والطواف به والآخر بمنزلة من هو مشغول به طائفا وقائما وراكعا وساجدا ليس له التفات إلى غيره فهذا مشغول بالغاية وذاك بالوسيلة وكل له أجر ولكن بين أجر الغايات وأجر الوسائل بون. وما يحصل للمطمئن من الأحوال والعبودية والإيمان فوق ما يحصل لهذا المجاهد نفسه في ذات الله وإن كان أكثر عملا فقدر عمل المطمئن المنيب بجملته وكيفيته أعظم وإن كان هذا المجاهد أكثر عملا وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فما سبق الصديق الصحابة بكثرة عمل وقد كان فيهم من هو أكثر صياما وحجا وقراءة وصلاة منه ولكن بأمر آخر قام بقلبه حتى إن أفضل الصحابة كان يسابقه ولا يراه إلا أمامه. ولكن عبودية مجاهد نفسه على لذة الذنب والشهوة قد تكون أشق ولا يلزم من(1\/436)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "408",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13405",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مشقتها تفضيلها في الدرجة فأفضل الأعمال الإيمان بالله والجهاد أشق منه وهو تاليه في الدرجة ودرجة الصديقين أعلى من درجة المجاهدين والشهداء وفي مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الشهداء فقال إن أكثر شهداء أمتي لأصحاب الفرش ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته .  [فصل علامات الإنابة] فصل ومن علامات الإنابة ترك الاستهانة بأهل الغفلة والخوف عليهم مع فتحك باب الرجاء لنفسك فترجو لنفسك الرحمة وتخشى على أهل الغفلة النقمة ولكن ارج لهم الرحمة واخش على نفسك النقمة فإن كنت لا بد مستهينا بهم ماقتا لهم لانكشاف أحوالهم لك ورؤية ما هم عليه فكن لنفسك أشد مقتا منك لهم وكن أرجى لهم لرحمة الله منك لنفسك. قال بعض السلف: لن تفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في ذات الله ثم ترجع إلى نفسك فتكون لها أشد مقتا. وهذا الكلام لا يفقه معناه إلا الفقيه في دين الله فإن من شهد حقيقة الخلق وعجزهم وضعفهم وتقصيرهم بل تفريطهم وإضاعتهم لحق الله وإقبالهم على غيره وبيعهم حظهم من الله بأبخس الثمن من هذا العاجل الفاني لم يجد بدا من مقتهم ولا يمكنه غير ذلك البتة ولكن إذا رجع إلى نفسه وحاله وتقصيره وكان على بصيرة من ذلك كان لنفسه أشد مقتا واستهانة فهذا هو الفقيه. وأما الاستقصاء في رؤية علل الخدمة فهو التفتيش عما يشوبها من حظوظ النفس وتمييز حق الرب منها من حظ النفس ولعل أكثرها أو كلها أن تكون حظا لنفسك وأنت لا تشعر. فلا إله إلا الله كم في النفوس من علل وأغراض وحظوظ تمنع الأعمال أن تكون(1\/437)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "409",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13406",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لله خالصة وأن تصل إليه وإن العبد ليعمل العمل حيث لا يراه بشر البتة وهو غير خالص لله ويعمل العمل والعيون قد استدارت عليه نطاقا وهو خالص لوجه الله ولا يميز هذا إلا أهل البصائر وأطباء القلوب العالمون بأدوائها وعللها. فبين العمل وبين القلب مسافة وفي تلك المسافة قطاع تمنع وصول العمل إلى القلب فيكون الرجل كثير العمل وما وصل منه إلى قلبه محبة ولا خوف ولا رجاء ولا زهد في الدنيا ولا رغبة في الآخرة ولا نور يفرق به بين أولياء الله وأعدائه وبين الحق والباطل ولا قوة في أمره فلو وصل أثر الأعمال إلى قلبه لاستنار وأشرق ورأى الحق والباطل وميز بين أولياء الله وأعدائه وأوجب له ذلك المزيد من الأحوال. ثم بين القلب وبين الرب مسافة وعليها قطاع تمنع وصول العمل إليه من كبر وإعجاب وإدلال ورؤية العمل ونسيان المنة وعلل خفية لو استقصى في طلبها لرأى العجب ومن رحمة الله تعالى سترها على أكثر العمال إذ لو رأوها وعاينوها لوقعوا فيما هو أشد منها من اليأس والقنوط والاستحسار وترك العمل وخمود العزم وفتور الهمة ولهذا لما ظهرت quot; رعاية quot; أبي عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي واشتغل بها العباد عطلت منهم مساجد كانوا يعمرونها بالعبادة. والطبيب الحاذق يعلم كيف يطبب النفوس فلا يعمر قصرا ويهدم مصرا.  فصل. قال: وإنما يستقيم الرجوع إليه حالا بثلاثة أشياء: بالإياس من عملك وبمعاينة اضطرارك وشيم برق لطفه بك.(1\/438)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "410",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13407",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإياس من العمل يفسر بشيئين: أحدهما: أنه إذا نظر بعين الحقيقة إلى الفاعل الحق والمحرك الأول وأنه لولا مشيئته لما كان منك فعل فمشيئته أوجبت فعلك لا مشيئتك بقي بلا فعل. فهاهنا تنفع مشاهدة القدر والفناء عن رؤية الأعمال. والثاني: أن تيأس من النجاة بعملك وترى النجاة إنما هي برحمته تعالى وعمله وفضله كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لن ينجي أحدا منكم عمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل فالمعنى الأول يتعلق ببداية الفعل والثاني بغايته ومآله. وأما معاينة الاضطرار فإنه إذا أيس من عمله بداية وأيس من النجاة به نهاية شهد به في كل ذرة منه ضرورة تامة إليه وليست ضرورته من هذه الجهة وحدها بل من جميع الجهات وجهات ضرورته لا تنحصر بعدد ولا لها سبب بل هو مضطر إليه بالذات كما أن الله عز وجل غني بالذات فإن الغنى وصف ذاتي للرب والفقر والحاجة والضرورة وصف ذاتي للعبد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: والفقر لي وصف ذات لازم أبدا ... كما الغنى أبدا وصف له ذاتي وأما شيم برق لطفه بك فإنه إذا تحقق له قوة ضرورية وأيس من عمله والنجاة به نظر إلى ألطاف الله وشام برقها وعلم أن كل ما هو فيه وما يرجوه وما تقدم له لطف من الله به ومنة من بها عليه وصدقة تصدق بها عليه بلا سبب منه إذ هو المحسن بالسبب والمسبب والأمر له من قبل ومن بعد وهو الأول والآخر لا إله غيره ولا رب سواه.  [فصل منزلة التذكر] [أقسام الناس فيها] فصل منزلة التذكر ثم ينزل القلب منزل التذكر وهو قرين الإنابة قال الله تعالى وما يتذكر إلا من ينيب [غافر: 13] وقال تبصرة وذكرى لكل عبد منيب [ق: 8] وهو من خواص أولي الألباب(1\/439)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "411",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13408",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كما قال تعالى إنما يتذكر أولو الألباب [الرعد: 19] وقال تعالى وما يذكر إلا أولو الألباب [البقرة: 269] . والتذكر والتفكر منزلان يثمران أنواع المعارف وحقائق الإيمان والإحسان والعارف لا يزال يعود بتفكره على تذكره وبتذكره على تفكره حتى يفتح قفل قلبه بإذن الفتاح العليم قال الحسن البصري: ما زال أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر وبالتفكر على التذكر ويناطقون القلوب حتى نطقت. قال صاحب المنازل: التذكر فوق التفكر لأن التفكر طلب والتذكر وجود. يريد أن التفكر التماس الغايات من مباديها كما قال: التفكر تلمس البصيرة لاستدراك البغية. وأما قوله: التذكر وجود فلأنه يكون فيما قد حصل بالتفكر ثم غاب عنه بالنسيان فإذا تذكره وجده فظفر به. والتذكر تفعل من الذكر وهو ضد النسيان وهو حضور صورة المذكور العلمية في القلب واختير له بناء التفعل لحصوله بعد مهلة وتدرج كالتبصر والتفهم والتعلم. فمنزلة التذكر من التفكر منزلة حصول الشيء المطلوب بعد التفتيش عليه ولهذا كانت آيات الله المتلوة والمشهودة ذكرى كما قال في المتلوة ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب [غافر: 53] وقال عن القرآن وإنه لتذكرة للمتقين [الحاقة: 48] وقال في آياته المشهودة أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب [ق: 6] .(1\/440)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "412",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13409",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالتبصرة آلة البصر والتذكرة آلة الذكر وقرن بينهما وجعلهما لأهل الإنابة لأن العبد إذا أناب إلى الله أبصر مواقع الآيات والعبر فاستدل بها على ما هي آيات له فزال عنه الإعراض بالإنابة والعمى بالتبصرة والغفلة بالتذكرة لأن التبصرة توجب له حصول صورة المدلول في القلب بعد غفلته عنها فترتيب المنازل الثلاثة أحسن ترتيب ثم إن كلا منها يمد صاحبه ويقويه ويثمره. وقال تعالى في آياته المشهودة وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد [ق: 36] . والناس ثلاثة: رجل قلبه ميت فذلك الذي لا قلب له فهذا ليست هذه الآية ذكرى في حقه. الثاني: رجل له قلب حي مستعد لكنه غير مستمع للآيات المتلوة التي يخبر بها الله عن الآيات المشهودة إما لعدم ورودها أو لوصولها إليه ولكن قلبه مشغول عنها بغيرها فهو غائب القلب ليس حاضرا فهذا أيضا لا تحصل له الذكرى مع استعداده ووجود قلبه. الثالث: رجل حي القلب مستعد تليت عليه الآيات فأصغى بسمعه وألقى السمع وأحضر قلبه ولم يشغله بغير فهم ما يسمعه فهو شاهد القلب ملق السمع فهذا القسم هو الذي ينتفع بالآيات المتلوة والمشهودة. فالأول: بمنزلة الأعمى الذي لا يبصر. والثاني: بمنزلة البصير الطامح ببصره إلى غير جهة المنظور إليه فكلاهما لا يراه. والثالث: بمنزلة البصير الذي قد حدق إلى جهة المنظور وأتبعه بصره وقابله على توسط من البعد والقرب فهذا هو الذي يراه. فسبحان من جعل كلامه شفاء لما في الصدور. فإن قيل: فما موقع quot; أو quot; من هذا النظم على ما قررت قيل: فيها سر لطيف ولسنا نقول: إنها بمعنى الواو كما يقوله ظاهرية النحاة.(1\/441)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "413",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13410",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاعلم أن الرجل قد يكون له قلب وقاد مليء باستخراج العبر واستنباط الحكم فهذا قلبه يوقعه على التذكر والاعتبار فإذا سمع الآيات كانت له نورا على نور وهؤلاء أكمل خلق الله وأعظمهم إيمانا وبصيرة حتى كأن الذي أخبرهم به الرسول مشاهد لهم لكن لم يشعروا بتفاصيله وأنواعه حتى قيل: إن مثل حال الصديق مع النبي صلى الله عليه وسلم كمثل رجلين دخلا دارا فرأى أحدهما تفاصيل ما فيها وجزئياته والآخر وقعت يده على ما في الدار ولم ير تفاصيله ولا جزئياته لكن علم أن فيها أمورا عظيمة لم يدرك بصره تفاصيلها ثم خرجا فسأله عما رأى في الدار فجعل كلما أخبره بشيء صدقه لما عنده من شواهده وهذه أعلى درجات الصديقية ولا تستبعد أن يمن الله المنان على عبد بمثل هذا الإيمان فإن فضل الله لا يدخل تحت حصر ولا حسبان. فصاحب هذا القلب إذا سمع الآيات وفي قلبه نور من البصيرة ازداد بها نورا إلى نوره فإن لم يكن للعبد مثل هذا القلب فألقى السمع وشهد قلبه ولم يغب حصل له التذكر أيضا فإن لم يصبها وابل فطل [البقرة: 265] والوابل والطل في جميع الأعمال وآثارها وموجباتها. وأهل الجنة سابقون مقربون وأصحاب يمين وبينهما في درجات التفضيل ما بينهما حتى إن شراب أحد النوعين الصرف يطيب به شراب النوع الآخر ويمزج به مزجا قال الله تعالى ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد [سبأ: 6] فكل مؤمن يرى هذا ولكن رؤية أهل العلم له لون ورؤية غيرهم له لون آخر. قال صاحب المنازل: أبنية التذكر ثلاثة: الانتفاع بالعظة والاستبصار بالعبرة والظفر بثمرة الفكرة. الانتفاع بالعظة: هو أن يقدح في القلب قادح الخوف والرجاء فيتحرك للعمل طلبا للخلاص من الخوف ورغبة في حصول المرجو. والعظة هي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب.(1\/442)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "414",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13411",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعظة نوعان: عظة بالمسموع وعظة بالمشهود فالعظة بالمسموع الانتفاع بما يسمعه من الهدى والرشد والنصائح التي جاءت على لسان الرسل وما أوحي إليهم وكذلك الانتفاع بالعظة من كل ناصح ومرشد في مصالح الدين والدنيا. والعظة بالمشهود الانتفاع بما يراه ويشهده في العالم من مواقع العبر وأحكام القدر ومجاريه وما يشاهده من آيات الله الدالة على صدق رسله. وأما استبصار العبرة فهو زيادة البصيرة عما كانت عليه في منزل التفكر بقوة الاستحضار لأن التذكر يعتقل المعاني التي حصلت بالتفكر في مواقع الآيات والعبر فهو يظفر بها بالتفكر وتنصقل له وتنجلي بالتذكر فيقوى العزم على السير بحسب قوة الاستبصار لأنه يوجب تحديد النظر فيما يحرك المطلب إذ الطلب فرع الشعور فكلما قوي الشعور بالمحبوب اشتد سفر القلب إليه وكلما اشتغل الفكر به ازداد الشعور به والبصيرة فيه والتذكر له. وأما الظفر بثمرة الفكرة فهذا موضع لطيف. وللفكرة ثمرتان: حصول المطلوب تاما بحسب الإمكان والعمل بموجبه رعاية لحقه فإن القلب حال التفكر كان قد كل بأعماله في تحصيل المطلوب فلما حصلت له المعاني وتخمرت في القلب واستراح العقل عاد فتذكر ما كان حصله وطالعه فابتهج به وفرح به وصحح في هذا المنزل ما كان فاته في منزل التفكر لأنه قد أشرف عليه في مقام التذكر الذي هو أعلى منه فأخذ حينئذ في الثمرة المقصودة وهي العمل بموجبه مراعاة لحقه فإن العمل الصالح هو ثمرة العلم النافع الذي هو ثمرة التفكر. وإذا أردت فهم هذا بمثال حسي. فطالب المال ما دام جادا في طلبه فهو في كلال وتعب حتى إذا ظفر به استراح من كد الطلب وقدم من سفر التجارة فطالع ما حصله وأبصره وصحح في هذا الحال ما عساه غلط فيه في حال اشتغاله بالطلب فإذا صح له وبردت غنيمته له أخذ في صرف المال في وجوه الانتفاع المطلوبة منه والله أعلم.  فصل قال: وإنما ينتفع بالعظة بعد حصول ثلاثة أشياء: شدة الافتقار إليها والعمى عن عيب الواعظ وتذكر الوعد والوعيد.(1\/443)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "415",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13412",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنما يشتد افتقار العبد إلى العظة وهي الترغيب والترهيب إذا ضعفت إنابته وتذكره وإلا فمتى قويت إنابته وتذكره لم تشتد حاجته إلى التذكير والترغيب والترهيب ولكن تكون الحاجة منه شديدة إلى معرفة الأمر والنهي. والعظة يراد بها أمران: الأمر والنهي المقرونان بالرغبة والرهبة ونفس الرغبة والرهبة. فالمنيب المتذكر شديد الحاجة إلى الأمر والنهي والمعرض الغافل شديد الحاجة إلى الترغيب والترهيب والمعارض المتكبر شديد الحاجة إلى المجادلة فجاءت هذه الثلاثة في حق هؤلاء الثلاثة في قوله: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن [النحل: 125] أطلق الحكمة ولم يقيدها بوصف الحسنة إذ كلها حسنة ووصف الحسن لها ذاتي. وأما الموعظة فقيدها بوصف الإحسان إذ ليس كل موعظة حسنة. وكذلك الجدل قد يكون بالتي هي أحسن وقد يكون بغير ذلك وهذا يحتمل أن يرجع إلى حال المجادل وغلظته ولينه وحدته ورفقه فيكون مأمورا بمجادلتهم بالحال التي هي أحسن. ويحتمل أن يكون صفة لما يجادل به من الحجج والبراهين والكلمات التي هي أحسن شيء وأبينه وأدله على المقصود وأوصله إلى المطلوب. والتحقيق: أن الآية تتناول النوعين. وأما ما ذكره بعض المتأخرين أن هذا إشارة إلى أنواع القياسات فالحكمة(1\/444)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "416",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13413",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هي طريقة البرهان والموعظة الحسنة هي طريقة الخطابة والمجادلة بالتي هي أحسن طريقة الجدل فالأول: بذكر المقدمات البرهانية لمن لا يرضى إلا بالبرهان ولا ينقاد إلا له وهم خواص الناس والثاني: بذكر المقدمات الخطابية التي تثير رغبة ورهبة لمن يقنع بالخطابة وهم الجمهور والثالث: بذكر المقدمات الجدلية للمعارض الذي يندفع بالجدل وهم المخالفون فتنزيل القرآن على قوانين أهل المنطق اليوناني واصطلاحهم وذلك باطل قطعا من وجوه عديدة ليس هذا موضع ذكرها وإنما ذكر هذا استطرادا لذكر العظة وأن المنيب المتذكر لا تشتد حاجته إليها كحاجة الغافل المعرض فإنه شديد الحاجة جدا إلى العظة ليتذكر ما قد نسيه فينتفع بالتذكر. وأما العمى عن عيب الواعظ فإنه إذا اشتغل به حرم الانتفاع بموعظته لأن النفوس مجبولة على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعمله ولا ينتفع به وهذا بمنزلة من يصف له الطبيب دواء لمرض به مثله والطبيب معرض عنه غير ملتفت إليه بل الطبيب المذكور عندهم أحسن حالا من هذا الواعظ المخالف لما يعظ به لأنه قد يقوم دواء آخر عنده مقام هذا الدواء وقد يرى أن به قوة على ترك التداوي وقد يقنع بعمل الطبيعة وغير ذلك بخلاف هذا الواعظ فإن ما يعظ به طريق معين للنجاة لا يقوم غيرها مقامها ولا بد منها ولأجل هذه النفرة قال شعيب عليه السلام لقومه وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه [هود: 88] وقال بعض السلف: إذا أردت أن يقبل منك الأمر والنهي فإذا أمرت بشيء فكن أول الفاعلين له المؤتمرين به وإذا نهيت عن شيء فكن أول المنتهين عنه وقد قيل: يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام من الضنى ... ومن الضنى تمسي وأنت سقيم لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت ذميم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم هناك يقبل ما تقول ويقتدى ... بالقول منك وينفع التعليم(1\/445)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "417",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13414",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالعمى عن عيب الواعظ من شروط تمام الانتفاع بموعظته. وأما تذكر الوعد والوعيد فإن ذلك يوجب خشيته والحذر منه ولا تنفع الموعظة إلا لمن آمن به وخافه ورجاه قال الله تعالى إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة [هود: 103] وقال سيذكر من يخشى [الأعلى: 10] وقال إنما أنت منذر من يخشاها [النازعات: 45] وأصرح من ذلك قوله تعالى فذكر بالقرآن من يخاف وعيد [ق: 45] فالإيمان بالوعد والوعيد وذكره: شرط في الانتفاع بالعظات والآيات والعبر يستحيل حصوله بدونه. قال: وإنما تستبصر العبرة بثلاثة أشياء: بحياة العقل ومعرفة الأيام والسلامة من الأغراض. إنما تتميز العبرة وترى وتتحقق بحياة العقل والعبرة هي الاعتبار وحقيقتها العبور من حكم الشيء إلى حكم مثله فإذا رأى من قد أصابته محنة وبلاء لسبب ارتكبه علم أن حكم من ارتكب ذلك السبب كحكمه. وحياة العقل هي صحة الإدراك وقوة الفهم وجودته وتحقق الانتفاع بالشيء والتضرر به وهو نور يخص الله به من يشاء من خلقه وبحسب تفاوت الناس في قوة ذلك النور وضعفه ووجوده وعدمه يقع تفاوت أذهانهم وأفهامهم وإدراكاتهم. ونسبته إلى القلب كنسبة النور الباصر إلى العين. ومن تجريبات السالكين التي جربوها فألفوها صحيحة أن من أدمن يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت أورثه ذلك حياة القلب والعقل. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه شديد اللهج بها جدا وقال لي يوما: لهذين الاسمين وهما الحي القيوم تأثير عظيم في حياة القلب وكان يشير إلى أنهما الاسم الأعظم وسمعته يقول: من واظب على أربعين مرة كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الفجر يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث حصلت له حياة القلب ولم يمت قلبه.(1\/446)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "418",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13415",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن علم عبوديات الأسماء الحسنى والدعاء بها وسر ارتباطها بالخلق والأمر وبمطالب العبد وحاجاته عرف ذلك وتحققه فإن كل مطلوب يسأل بالمناسب له فتأمل أدعية القرآن والأحاديث النبوية تجدها كذلك. وأما معرفة الأيام فيحتمل أن يريد به أيامه التي تخصه وما يلحقه فيها من الزيادة والنقصان ويعلم قصرها وأنها أنفاس معدودة منصرمة كل نفس منها يقابله آلاف آلاف من السنين في دار البقاء فليس لهذه الأيام الخالية قط نسبة إلى أيام البقاء والعبد منساق زمنه وفي مدة العمر إلى النعيم أو إلى الجحيم وهي كمدة المنام لمن له عقل حي وقلب واع فما أولاه أن لا يصرف منها نفسا إلا في أحب الأمور إلى الله فلو صرفه فيما يحبه وترك الأحب لكان مفرطا فكيف إذا صرفه فيما لا ينفعه فكيف إذا صرفه فيما يمقته عليه ربه فالله المستعان ولا قوة إلا به. ويحتمل أن يريد بالأيام أيام الله التي أمر رسله بتذكير أممهم بها كما قال تعالى ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله [إبراهيم: 5] وقد فسرت أيام الله بنعمه وفسرت بنقمه من أهل الكفر والمعاصي فالأول تفسير ابن عباس وأبي بن كعب ومجاهد والثاني تفسير مقاتل. والصواب أن أيامه تعم النوعين وهي وقائعه التي أوقعها بأعدائه ونعمه التي ساقها إلى أوليائه وسميت هذه النعم والنقم الكبار المتحدث بها أياما لأنها ظرف لها تقول العرب: فلان عالم بأيام العرب وأيام الناس أي بالوقائع التي كانت في تلك الأيام فمعرفة هذه الأيام توجب للعبد استبصار العبر وبحسب معرفته بها تكون عبرته وعظمته قال الله تعالى لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب [يوسف: 111] . ولا يتم ذلك إلا بالسلامة من الأغراض وهي متابعة الهوى والانقياد لداعي النفس الأمارة بالسوء فإن اتباع الهوى يطمس نور العقل ويعمي بصيرة القلب ويصد عن اتباع الحق ويضل عن الطريق المستقيم فلا تحصل بصيرة العبرة معه البتة والعبد إذا اتبع هواه فسد رأيه ونظره فأرته نفسه الحسن في صورة القبيح والقبيح في(1\/447)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "419",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13416",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صورة الحسن فالتبس عليه الحق بالباطل فأنى له الانتفاع بالتذكر أو بالتفكر أو بالعظة .  [فصل تجتنى ثمرة الفكرة بثلاثة أشياء] فصل قال: وإنما تجتنى ثمرة الفكرة بثلاثة أشياء: بقصر الأمل والتأمل في القرآن وقلة الخلطة والتمني والتعلق بغير الله والشبع والمنام. يعني: أن في منزل التذكر تجتنى ثمرة الفكرة لأنه أعلى منها وكل مقام تجتنى ثمرته في الذي هو أعلى منه ولاسيما على ما قرره في خطبة كتابه أن كل مقام يصحح ما قبله. ثم ذكر أن هذه الثمرة تجتنى بثلاثة أشياء أحدها: قصر الأمل والثاني: تدبر القرآن والثالث: تجنب مفسدات القلب الخمسة. فأما قصر الأمل: فهو العلم بقرب الرحيل وسرعة انقضاء مدة الحياة وهو من أنفع الأمور للقلب فإنه يبعثه على معاصفة الأيام وانتهاز الفرص التي تمر مر السحاب ومبادرة طي صحائف الأعمال ويثير ساكن عزماته إلى دار البقاء ويحثه على قضاء جهاز سفره وتدارك الفارط ويزهده في الدنيا ويرغبه في الآخرة فيقوم بقلبه إذا داوم مطالعة قصر الأمل شاهد من شواهد اليقين يريد فناء الدنيا وسرعة انقضائها وقلة ما بقي منها وأنها قد ترحلت مدبرة ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها وإنها لم يبق منها إلا كما بقي من يوم صارت شمسه على رءوس الجبال ويريه بقاء الآخرة ودوامها وأنها قد ترحلت مقبلة وقد جاء أشراطها وعلاماتها وأنه من لقائها كمسافر خرج صاحبه يتلقاه فكل منهما يسير إلى الآخر فيوشك أن يلتقيا سريعا. ويكفي في قصر الأمل قوله تعالى أفرأيت إن متعناهم سنين - ثم جاءهم ما كانوا يوعدون - ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون [الشعراء: 205 - 207] وقوله تعالى ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم [يونس: 45] وقوله تعالى كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها [النازعات: 46](1\/448)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "420",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13417",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله تعالى قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين - قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون [المؤمنون: 113 - 114] وقوله تعالى كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون [الأحقاف: 35] وقوله تعالى يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا - نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما [طه: 103 - 104] وخطب النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوما والشمس على رءوس الجبال فقال إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض أصحابه وهم يعالجون خصا لهم قد وهى. فهم يصلحونه فقال ما هذا قالوا: خص لنا قد وهى فنحن نعالجه فقال: ما أرى الأمر إلا أعجل من هذا . وقصر الأمل بناؤه على أمرين: تيقن زوال الدنيا ومفارقتها وتيقن لقاء الآخرة وبقائها ودوامها ثم يقايس بين الأمرين ويؤثر أولاهما بالإيثار.  [فصل فوائد تدبر القرآن وتأمل معانيه] فصل وأما التأمل في القرآن فهو تحديق ناظر القلب إلى معانيه وجمع الفكر على تدبره وتعقله وهو المقصود بإنزاله لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر قال الله تعالى كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب [ص: 29] وقال تعالى أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها [محمد: 24] وقال تعالى أفلم يدبروا القول [المؤمنون: 68] وقال تعالى إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون [الزخرف: 3] وقال الحسن: نزل(1\/449)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "421",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13418",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القرآن ليتدبر ويعمل به. فاتخذوا تلاوته عملا. فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن وإطالة التأمل فيه وجمع الفكر على معاني آياته فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما ومآل أهلهما وتتل في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة وتثبت قواعد الإيمان في قلبه وتشيد بنيانه وتوطد أركانه وتريه صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه وتحضره بين الأمم وتريه أيام الله فيهم وتبصره مواقع العبر وتشهده عدل الله وفضله وتعرفه ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله وما يحبه وما يبغضه وصراطه الموصل إليه وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه وقواطع الطريق وآفاتها وتعرفه النفس وصفاتها ومفسدات الأعمال ومصححاتها وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم وأحوالهم وسيماهم ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه وافتراقهم فيما يفترقون فيه. وبالجملة تعرفه الرب المدعو إليه وطريق الوصول إليه وما له من الكرامة إذا قدم عليه. وتعرفه في مقابل ذلك ثلاثة أخرى: ما يدعو إليه الشيطان والطريق الموصلة إليه وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه. فهذه ستة أمور ضروري للعبد معرفتها ومشاهدتها ومطالعتها فتشهده الآخرة حتى كأنه فيها وتغيبه عن الدنيا حتى كأنه ليس فيها وتميز له بين الحق والباطل في كل ما اختلف فيه العالم. فتريه الحق حقا والباطل باطلا وتعطيه فرقانا ونورا يفرق به بين الهدى والضلال والغي والرشاد وتعطيه قوة في قلبه وحياة وسعة وانشراحا وبهجة وسرورا فيصير في شأن والناس في شأن آخر. فإن معاني القرآن دائرة على التوحيد وبراهينه والعلم بالله وما له من أوصاف الكمال وما ينزه عنه من سمات النقص وعلى الإيمان بالرسل وذكر براهين صدقهم وأدلة صحة نبوتهم والتعريف بحقوقهم وحقوق مرسلهم وعلى الإيمان بملائكته وهم رسله في خلقه وأمره وتدبيرهم الأمور بإذنه ومشيئته وما جعلوا عليه من أمر العالم(1\/450)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "422",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13419",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العلوي والسفلي وما يختص بالنوع الإنساني منهم من حين يستقر في رحم أمه إلى يوم يوافي ربه ويقدم عليه وعلى الإيمان باليوم الآخر وما أعد الله فيه لأوليائه من دار النعيم المطلق التي لا يشعرون فيها بألم ولا نكد وتنغيص وما أعد لأعدائه من دار العقاب الوبيل التي لا يخالطها سرور ولا رخاء ولا راحة ولا فرح. وتفاصيل ذلك أتم تفصيل وأبينه وعلى تفاصيل الأمر والنهي والشرع والقدر والحلال والحرام والمواعظ والعبر والقصص والأمثال والأسباب والحكم والمبادئ والغايات في خلقه وأمره. فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل وتحذره وتخوفه بوعيده من العذاب الوبيل وتحثه على التضمر والتخفف للقاء اليوم الثقيل وتهديه في ظلم الآراء والمذاهب إلى سواء السبيل وتصده عن اقتحام طرق البدع والأضاليل وتبعثه على الازدياد من النعم بشكر ربه الجليل وتبصره بحدود الحلال والحرام وتوقفه عليها لئلا يتعداها فيقع في العناء الطويل وتثبت قلبه عن الزيغ والميل عن الحق والتحويل وتسهل عليه الأمور الصعاب والعقبات الشاقة غاية التسهيل وتناديه كلما فترت عزماته وونى في سيره تقدم الركب وفاتك الدليل فاللحاق اللحاق والرحيل الرحيل وتحدو به وتسير أمامه سير الدليل وكلما خرج عليه كمين من كمائن العدو أو قاطع من قطاع الطريق نادته: الحذر الحذر! فاعتصم بالله واستعن به وقل: حسبي الله ونعم الوكيل. وفي تأمل القرآن وتدبره وتفهمه أضعاف أضعاف ما ذكرنا من الحكم والفوائد. وبالجملة فهو أعظم الكنوز طلسمه الغوص بالفكر إلى قرار معانيه. نزه فؤادك عن سوى روضاته ... فرياضه حل لكل منزه والفهم طلسم لكنز علومه ... فاقصد إلى الطلسم تحظ بكنزه لا تخش من بدع لهم وحوادث ... ما دمت في كنف الكتاب وحرزه من كان حارسه الكتاب ودرعه ... لم يخش من طعن العدو ووخزه لا تخش من شبهاتهم واحمل إذا ... ما قابلتك بنصره وبعزه والله ما هاب امرؤ شبهاتهم ... إلا لضعف القلب منه وعجزه يا ويح تيس ظالع يبغي مسا ... بقة الهزبر بعدوه وبجمزه ودخان زبل يرتقي للشمس يس ... تر عينها لما سرى في أزه وجبان قلب أعزل قد رام يأس ... ر فارسا شاكي السلاح بهزه  [فصل آثار مفسدات القلب الخمسة] [المفسد الأول كثرة الخلطة] فصل ] وأما مفسدات القلب الخمسة فهي التي أشار إليها: من كثرة الخلطة والتمني(1\/451)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "423",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13420",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتعلق بغير الله والشبع والمنام فهذه الخمسة من أكبر مفسدات القلب. فنذكر آثارها التي اشتركت فيها وما تميز به كل واحد منها. اعلم أن القلب يسير إلى الله عز وجل والدار الآخرة ويكشف عن طريق الحق ونهجه وآفات النفس والعمل وقطاع الطريق بنوره وحياته وقوته وصحته وعزمه وسلامة سمعه وبصره وغيبة الشواغل والقواطع عنه وهذه الخمسة تطفئ نوره وتعور عين بصيرته وتثقل سمعه إن لم تصمه وتبكمه وتضعف قواه كلها وتوهن صحته وتفتر عزيمته وتوقف همته وتنكسه إلى ورائه ومن لا شعور له بهذا فميت القلب وما لجرح بميت إيلام فهي عائقة له عن نبل كماله. قاطعة له عن الوصول إلى ما خلق له. وجعل نعيمه وسعادته وابتهاجه ولذته في الوصول إليه. فإنه لا نعيم له ولا لذة ولا ابتهاج ولا كمال إلا بمعرفة الله ومحبته والطمأنينة بذكره والفرح والابتهاج بقربه والشوق إلى لقائه فهذه جنته العاجلة كما أنه لا نعيم له في الآخرة ولا فوز إلا بجواره في دار النعيم في الجنة الآجلة فله جنتان لا يدخل الثانية منهما إن لم يدخل الأولى. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. وقال بعض العارفين: إنه ليمر بالقلب أوقات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب. وقال بعض المحبين: مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها قالوا: وما أطيب ما فيها قال: محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه والإقبال عليه والإعراض عما سواه أو نحو هذا من الكلام. وكل من له قلب حي يشهد هذا ويعرفه ذوقا. وهذه الأشياء الخمسة: قاطعة عن هذا حائلة بين القلب وبينه عائقة له عن سيره ومحدثة له أمراضا وعللا إن لم يتداركها المريض خيف عليه منها. فأما ما تؤثره كثرة الخلطة: فامتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى يسود يوجب له تشتتا وتفرقا وهما وغما وضعفا وحملا لما يعجز عن حمله من مؤنة قرناء السوء وإضاعة مصالحه والاشتغال عنها بهم وبأمورهم وتقسم فكره في أودية مطالبهم وإراداتهم فماذا يبقى منه لله والدار الآخرة .(1\/452)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "424",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13421",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا وكم جلبت خلطة الناس من نقمة ودفعت من نعمة وأنزلت من محنة وعطلت من منحة وأحلت من رزية وأوقعت في بلية وهل آفة الناس إلا الناس وهل كان على أبي طالب عند الوفاة أضر من قرناء السوء لم يزالوا به حتى حالوا بينه وبين كلمة واحدة توجب له سعادة الأبد. وهذه الخلطة التي تكون على نوع مودة في الدنيا وقضاء وطر بعضهم من بعض تنقلب إذا حقت الحقائق عداوة ويعض المخلط عليها يديه ندما كما قال تعالى ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا - ياويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا - لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني [الفرقان: 27 - 29] وقال تعالى الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين [الزخرف: 67] وقال خليله إبراهيم لقومه إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين [العنكبوت: 25] وهذا شأن كل مشتركين في غرض يتوادون ما داموا متساعدين على حصوله فإذا انقطع ذلك الغرض أعقب ندامة وحزنا وألما وانقلبت تلك المودة بغضا ولعنة وذما من بعضهم لبعض لما انقلب ذلك الغرض حزنا وعذابا كما يشاهد في هذه الدار من أحوال المشتركين في خزيه إذا أخذوا وعوقبوا فكل متساعدين على باطل متوادين عليه لا بد أن تنقلب مودتهما بغضا وعداوة. والضابط النافع في أمر الخلطة أن يخالط الناس في الخير كالجمعة والجماعة والأعياد والحج وتعلم العلم والجهاد والنصيحة ويعتزلهم في الشر وفضول المباحات فإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في الشر ولم يمكنه اعتزالهم فالحذر الحذر أن يوافقهم وليصبر على أذاهم فإنهم لا بد أن يؤذوه إن لم يكن له قوة ولا ناصر. ولكن أذى يعقبه عز ومحبة له وتعظيم وثناء عليه منهم ومن المؤمنين ومن رب العالمين. وموافقتهم يعقبها ذل وبغض له ومقت وذم منهم ومن المؤمنين ومن رب العالمين. فالصبر على أذاهم خير وأحسن عاقبة وأحمد مآلا وإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات فليجتهد أن يقلب ذلك المجلس طاعة لله إن أمكنه ويشجع نفسه ويقوي قلبه ولا يلتفت إلى الوارد الشيطاني القاطع له عن ذلك بأن هذا رياء(1\/453)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "425",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13422",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومحبة لإظهار علمك وحالك ونحو ذلك فليحاربه وليستعن بالله ويؤثر فيهم من الخير ما أمكنه. فإن أعجزته المقادير عن ذلك فليسل قلبه من بينهم كسل الشعرة من العجين وليكن فيهم حاضرا غائبا قريبا بعيدا نائما يقظانا ينظر إليهم ولا يبصرهم ويسمع كلامهم ولا يعيه لأنه قد أخذ قلبه من بينهم ورقى به إلى الملأ الأعلى يسبح حول العرش مع الأرواح العلوية الزكية وما أصعب هذا وأشقه على النفوس وإنه ليسير على من يسره الله عليه فبين العبد وبينه أن يصدق الله تبارك وتعالى ويديم اللجأ إليه ويلقي نفسه على بابه طريحا ذليلا ولا يعين على هذا إلا محبة صادقة والذكر الدائم بالقلب واللسان وتجنب المفسدات الأربع الباقية الآتي ذكرها ولا ينال هذا إلا بعدة صالحة ومادة قوة من الله عز وجل وعزيمة صادقة وفراغ من التعلق بغير الله تعالى والله تعالى أعلم.  [فصل المفسد الثاني من مفسدات القلب ركوبه بحر التمني] وهو بحر لا ساحل له وهو البحر الذي يركبه مفاليس العالم كما قيل: إن المنى رأس أموال المفاليس. وبضاعة ركابه مواعيد الشياطين وخيالات المحال والبهتان فلا تزال أمواج الأماني الكاذبة والخيالات الباطلة تتلاعب براكبه كما تتلاعب الكلاب بالجيفة وهي بضاعة كل نفس مهينة خسيسة سفلية ليست لها همة تنال بها الحقائق الخارجية بل اعتاضت عنها بالأماني الذهبية وكل بحسب حاله من متمن للقدرة والسلطان وللضرب في الأرض والتطواف في البلدان أو للأموال والأثمان أو للنسوان والمردان فيمثل المتمني صورة مطلوبه في نفسه وقد فاز بوصولها والتذ بالظفر بها فبينا هو على هذه الحال إذ استيقظ فإذا يده والحصير. وصاحب الهمة العلية أمانيه حائمة حول العلم والإيمان والعمل الذي يقربه إلى الله ويدنيه من جواره. فأماني هذا إيمان ونور وحكمة وأماني أولئك خدع وغرور. وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم متمني الخير وربما جعل أجره في بعض الأشياء كأجر فاعله كالقائل: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان الذي يتقي في ماله ربه ويصل فيه رحمه(1\/454)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "426",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13423",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويخرج منه حقه وقال quot; هما في الأجر سواء وتمنى صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع أنه لو كان تمتع وحل ولم يسق الهدي وكان قد قرن فأعطاه الله ثواب القران بفعله وثواب التمتع الذي تمناه بأمنيته فجمع له بين الأجرين.  [فصل المفسد الثالث من مفسدات القلب التعلق بغير الله تبارك تعالى] وهذا أعظم مفسداته على الإطلاق. فليس عليه أضر من ذلك ولا أقطع له عن مصالحه وسعادته منه فإنه إذا تعلق بغير الله وكله الله إلى ما تعلق به وخذله من جهة ما تعلق به وفاته تحصيل مقصوده من الله عز وجل بتعلقه بغيره والتفاته إلى سواه فلا على نصيبه من الله حصل ولا إلى ما أمله ممن تعلق به وصل قال الله تعالى واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا - كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا [مريم: 81 - 82] وقال تعالى واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون - لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون [يس: 74 - 75] . فأعظم الناس خذلانا من تعلق بغير الله فإن ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به وهو معرض للزوال والفوات. ومثل المتعلق بغير الله كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت وأوهن البيوت. وبالجملة فأساس الشرك وقاعدته التي بني عليها التعلق بغير الله ولصاحبه الذم والخذلان كما قال تعالى لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا [الإسراء: 22] مذموما لا حامد لك مخذولا لا ناصر لك إذ قد يكون بعض الناس مقهورا محمودا كالذي قهر بباطل وقد يكون مذموما منصورا كالذي قهر وتسلط عليه بباطل وقد(1\/455)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "427",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13424",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكون محمودا منصورا كالذي تمكن وملك بحق والمشرك المتعلق بغير الله قسمه أردأ الأقسام الأربعة لا محمود ولا منصور.  [فصل المفسد الرابع من مفسدات القلب الطعام] والمفسد له من ذلك نوعان: أحدهما ما يفسده لعينه وذاته كالمحرمات وهي نوعان: محرمات لحق الله كالميتة والدم ولحم الخنزير وذي الناب من السباع والمخلب من الطير ومحرمات لحق العباد كالمسروق والمغصوب والمنهوب وما أخذ بغير رضا صاحبه إما قهرا وإما حياء وتذمما. والثاني: ما يفسده بقدره وتعدي حده كالإسراف في الحلال والشبع المفرط فإنه يثقله عن الطاعات ويشغله بمزاولة مؤنة البطنة ومحاولتها حتى يظفر بها فإذا ظفر بها شغله بمزاولة تصرفها ووقاية ضررها والتأذي بثقلها وقوى عليه مواد الشهوة وطرق مجاري الشيطان ووسعها فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم فالصوم يضيق مجاريه ويسد عليه طرقه والشبع يطرقها ويوسعها ومن أكل كثيرا شرب كثيرا فنام كثيرا فخسر كثيرا وفي الحديث المشهور ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا بد فاعلا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ويحكى أن إبليس لعنه الله عرض ليحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام فقال له يحيى: هل نلت مني شيئا قط قال: لا إلا أنه قدم إليك الطعام ليلة فشهيته إليك حتى شبعت منه فنمت عن وردك فقال يحيى: لله علي أن لا أشبع من طعام أبدا فقال إبليس: وأنا لله علي أن لا أنصح آدميا أبدا.  [فصل المفسد الخامس كثرة النوم] فصل. المفسد الخامس: كثرة النوم. فإنه يميت القلب ويثقل البدن ويضيع الوقت ويورث كثرة الغفلة والكسل ومنه المكروه جدا ومنه الضار غير النافع للبدن وأنفع النوم ما كان عند شدة الحاجة(1\/456)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "428",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13425",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليه ونوم أول الليل أحمد وأنفع من آخره ونوم وسط النهار أنفع من طرفيه وكلما قرب النوم من الطرفين قل نفعه وكثر ضرره ولاسيما نوم العصر والنوم أول النهار إلا لسهران. ومن المكروه عندهم النوم بين صلاة الصبح وطلوع الشمس فإنه وقت غنيمة وللسير ذلك الوقت عند السالكين مزية عظيمة حتى لو ساروا طول ليلهم لم يسمحوا بالقعود عن السير ذلك الوقت حتى تطلع الشمس فإنه أول النهار ومفتاحه ووقت نزول الأرزاق وحصول القسم وحلول البركة ومنه ينشأ النهار وينسحب حكم جميعه على حكم تلك الحصة فينبغي أن يكون نومها كنوم المضطر. وبالجملة فأعدل النوم وأنفعه نوم نصف الليل الأول وسدسه الأخير وهو مقدار ثمان ساعات وهذا أعدل النوم عند الأطباء وما زاد عليه أو نقص منه أثر عندهم في الطبيعة انحرافا بحسبه. ومن النوم الذي لا ينفع أيضا النوم أول الليل عقيب غروب الشمس حتى تذهب فحمة العشاء وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهه. فهو مكروه شرعا وطبعا. وكما أن كثرة النوم مورثة لهذه الآفات فمدافعته وهجره مورث لآفات أخرى عظام: من سوء المزاج ويبسه وانحراف النفس وجفاف الرطوبات المعينة على الفهم والعمل ويورث أمراضا متلفة لا ينتفع صاحبها بقلبه ولا بدنه معها وما قام الوجود إلا بالعدل فمن اعتصم به فقد أخذ بحظه من مجامع الخير وبالله المستعان.  [فصل منزلة الاعتصام] ثم ينزل القلب منزل الاعتصام. وهو نوعان: اعتصام بالله واعتصام بحبل الله قال الله تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا [آل عمران: 103] وقال واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير [الحج: 78] . والاعتصام افتعال من العصمة وهو التمسك بما يعصمك ويمنعك من(1\/457)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "429",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13426",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المحذور والمخوف فالعصمة: الحمية والاعتصام: الاحتماء ومنه سميت القلاع: العواصم لمنعها وحمايتها. ومدار السعادة الدنيوية والأخروية على الاعتصام بالله والاعتصام بحبله ولا نجاة إلا لمن تمسك بهاتين العصمتين. فأما الاعتصام بحبله فإنه يعصم من الضلالة والاعتصام به يعصم من الهلكة فإن السائر إلى الله كالسائر على طريق نحو مقصده فهو محتاج إلى هداية الطريق والسلامة فيها فلا يصل إلى مقصده إلا بعد حصول هذين الأمرين له فالدليل كفيل بعصمته من الضلالة وأن يهديه إلى الطريق والعدة والقوة والسلاح التي بها تحصل له السلامة من قطاع الطريق وآفاتها. فالاعتصام بحبل الله يوجب له الهداية واتباع الدليل والاعتصام بالله يوجب له القوة والعدة والسلاح والمادة التي يستلئم بها في طريقه ولهذا اختلفت عبارات السلف في الاعتصام بحبل الله بعد إشارتهم كلهم إلى هذا المعنى. فقال ابن عباس: تمسكوا بدين الله. وقال ابن مسعود: هو الجماعة وقال: عليكم بالجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة. وقال مجاهد وعطاء: بعهد الله وقال قتادة والسدي وكثير من أهل التفسير: هو القرآن. قال ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إن هذا القرآن هو حبل الله وهو النور المبين والشفاء النافع وعصمة من تمسك به ونجاة من تبعه وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن هو حبل الله المتين ولا تختلف به الألسن ولا يخلق على كثرة الرد ولا يشبع منه العلماء .(1\/458)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "430",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13427",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال مقاتل: بأمر الله وطاعته ولا تفرقوا كما تفرقت اليهود والنصارى. وفي الموطأ من حديث مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ويسخط لكم قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال رواه مسلم في الصحيح. قال صاحب المنازل: الاعتصام بحبل الله هو المحافظة على طاعته مراقبا لأمره. ويريد بمراقبة الأمر القيام بالطاعة لأجل أن الله أمر بها وأحبها لا لمجرد العادة أو لعلة باعثة سوى امتثال الأمر كما قال طلق بن حبيب في التقوى: هي العمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله. وهذا هو الإيمان والاحتساب المشار إليه في كلام النبي صلى الله عليه وسلم كقوله: quot; من صام رمضان إيمانا واحتسابا quot; و quot; من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له quot; فالصيام والقيام: هو الطاعة والإيمان: مراقبة الأمر. وإخلاص الباعث: هو أن يكون الإيمان الآمر لا شيء سواه. والاحتساب: رجاء ثواب الله. فالاعتصام بحبل الله يحمي من البدعة وآفات العمل والله أعلم.  فصل. وأما الاعتصام به فهو التوكل عليه والامتناع به والاحتماء به وسؤاله أن(1\/459)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "431",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13428",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يحمي العبد ويمنعه ويعصمه ويدفع عنه فإن ثمرة الاعتصام به هو الدفع عن العبد والله يدافع عن الذين آمنوا فيدفع عن عبده المؤمن إذا اعتصم به كل سبب يفضي به إلى العطب ويحميه منه فيدفع عنه الشبهات والشهوات وكيد عدوه الظاهر والباطن وشر نفسه ويدفع عنه موجب أسباب الشر بعد انعقادها بحسب قوة الاعتصام به وتمكنه فتفقد في حقه أسباب العطب فيدفع عنه موجباتها ومسبباتها ويدفع عنه قدره بقدره وإرادته بإرادته ويعيذه به منه.  فصل. وأما صاحب المنازل فقال: الاعتصام بالله الترقي عن كل موهوم. الموهوم عنده ما سوى الله تعالى والترقي عنه الصعود من شهود نفعه وضره وعطائه ومنعه وتأثيره إلى الله تعالى وهذه إشارة إلى الفناء. ومراده: الصعود عن شهود ما سوى الله إلى الله. والكمال في ذلك: الصعود عن إرادة ما سوى الله إلى إرادته. والاتحادي يفسره بالصعود عن وجود ما سواه إلى وجوده بحيث لا يرى لغيره وجودا البتة ويرى وجود كل موجود هو وجوده فلا وجود لغيره إلا في الوهم الكاذب عنده. قال: وهو على ثلاث درجات: اعتصام العامة بالخبر استسلاما وإذعانا بتصديق الوعد والوعيد وتعظيم الأمر والنهي وتأسيس المعاملة على اليقين والإنصاف. يعني أن العامة اعتصموا بالخبر الوارد عن الله استسلاما من غير منازعة بل إيمانا واستسلاما وانقادوا إلى تعظيم الأمر والنهي والإذعان لهما والتصديق بالوعد والوعيد وأسسوا معاملتهم على اليقين لا على الشك والتردد وسلوك طريقة الاحتياط كما قال القائل: زعم المنجم والطبيب كلاهما ... لا تبعث الأجساد قلت إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر ... أو صح قولي فالخسار عليكما(1\/460)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "432",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13429",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا طريق أهل الريب والشك يقومون بالأمر والنهي احتياطا وهذه الطريق لا تنجي من عذاب الله ولا تحصل لصاحبها السعادة ولا توصله إلى المأمن. وأما الإنصاف الذي أسسوا معاملتهم عليه فهو الإنصاف في معاملتهم لله ولخلقه. فأما الإنصاف في معاملة الله فأن يعطي العبودية حقها وأن لا ينازع ربه صفات إلهيته التي لا تليق بالعبد ولا تنبغي له من العظمة والكبرياء والجبروت. ومن إنصافه لربه أن لا يشكر سواه على نعمه وينساه ولا يستعين بها على معاصيه ولا يحمد على رزقه غيره ولا يعبد سواه كما في الأثر الإلهي: إني والجن والإنس في نبإ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر سواي وفي أثر آخر: ابن آدم ما أنصفتني خيري إليك نازل وشرك إلي صاعد أتحبب إليك بالنعم وأنا عنك غني وتتبغض إلي بالمعاصي وأنت فقير إلي ولا يزال الملك الكريم يعرج إلي منك بعمل قبيح وفي أثر آخر: يا ابن آدم ما من يوم جديد إلا يأتيك من عندي رزق جديد وتأتي عنك الملائكة بعمل قبيح تأكل رزقي وتعصيني وتدعوني فأستجيب لك وتسألني فأعطيك وأنا أدعوك إلى جنتي فتأبى ذلك وما هذا من الإنصاف. وأما الإنصاف في حق العبيد فأن يعاملهم بمثل ما يحب أن يعاملوه به. ولعمر الله هذا الذي ذكر أنه اعتصام العامة. هو اعتصام خاصة الخاصة في الحقيقة ولكن الشيخ ممن رفع له علم الفناء فشمر إليه فلا تأخذه فيه لومة لائم ولا يرى مقاما أجل منه.  فصل. قال: واعتصام الخاصة بالانقطاع وهو صون الإرادة قبضا وإسبال الخلق(1\/461)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "433",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13430",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على الخلق بسطا ورفض العلائق عزما وهو التمسك بالعروة الوثقى. يريد انقطاع النفس عن أغراضها من هذه الوجوه الثلاثة فيصون إرادته ويقبضها عما سوى الله سبحانه وهذا شبيه بحال أبي يزيد فيما أخبر به عن نفسه لما قيل له: ما تريد فقال: أريد أن لا أريد. الثاني: إسبال الخلق على الخلق بسطا وهذا حقيقة التصوف فإنه كما قال أبو(1\/462)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "434",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13431",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بكر الكتاني: التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف. فإن حسن الخلق وتزكية النفس بمكارم الأخلاق يدل على سعة قلب صاحبه وكرم نفسه وسجيته. وفي هذا الوصف يكف الأذى ويحمل الأذى ويوجد الراحة ويدير خده الأيسر لمن لطم الأيمن ويعطي رداءه لمن سلبه قميصه ويمشي ميلين مع من سخره ميلا وهذا علامة انقطاعه عن حظوظ نفسه وأغراضها. وأما رفض العلائق عزما فهو العزم التام على رفض العلائق وتركها في ظاهره وباطنه. والأصل هو قطع علائق الباطن فمتى قطعها لم تضره علائق الظاهر فمتى كان المال في يدك وليس في قلبك لم يضرك ولو كثر ومتى كان في قلبك ضرك ولو لم يكن في يدك منه شيء. قيل للإمام أحمد: أيكون الرجل زاهدا ومعه ألف دينار قال: نعم على شريطة ألا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت ولهذا كان الصحابة أزهد الأمة مع ما بأيديهم من الأموال. وقيل لسفيان الثوري: أيكون ذو المال زاهدا قال: نعم إن كان إذا زيد في ماله شكر وإن نقص شكر وصبر.(1\/463)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "435",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13432",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإنما يحمد قطع العلائق الظاهرة في موضعين: حيث يخاف منها ضررا في دينه أو حيث لا يكون فيها مصلحة راجحة والكمال من ذلك قطع العلائق التي تصير كلاليب على الصراط تمنعه من العبور وهي كلاليب الشهوات والشبهات ولا يضره ما تعلق به بعدها.  فصل. قال: واعتصام خاصة الخاصة: بالاتصال وهو شهود الحق تفريدا بعد الاستحذاء له تعظيما والاشتغال به قربا. لما كان ذلك الانقطاع موصلا إلى هذا الاتصال كان ذلك للمتوسطين وهذا عنده لأهل الوصول. ويعني بشهود الحق تفريدا أن يشهد الحق سبحانه وحده منفردا ولا شيء معه وذلك لفناء الشاهد في الشهود والحوالة في ذلك عند القوم: على الكشف. وقد تقدم أن هذا ليس بكمال وأن الكمال أن يفنى بمراده عن مراد نفسه وأما فناؤه بشهوده عن شهود ما سواه فدون هذا الفناء في الرتبة كما تقدم وأما قوله: بعد الاستحذاء له تعظيما فالشيخ لكثرة لهجه بالاستعارات عبر عن معنى لطيف عظيم بلفظة الاستحذاء التي هي استفعال من المحاذاة وهي المقابلة التي لا يبقى فيها جزء من المحاذي خارجا عما حاذاه بل قد واجهه وقابله بكليته وجميع أجزائه. ومراده بذلك: القرب وارتفاع الوسائط المانعة منه ولا ريب أن العبد يقرب من ربه والرب يقرب من عبده فأما قرب العبد فكقوله تعالى واسجد واقترب [العلق: 19] وقوله في الأثر الإلهي من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا وكقوله: وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا(1\/464)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "436",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13433",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي  وفي الحديث الصحيح أقرب ما يكون الرب من عبده في جوف الليل الأخير وفي الحديث أيضا أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وفي الحديث الصحيح لما ارتفعت أصواتهم بالتكبير مع النبي صلى الله عليه وسلم في السفر فقال يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إن الذي تدعونه سميع قريب أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته . فعبر الشيخ عن طلب القرب منه ورفض الوسائط الحائلة بينه وبين القرب المطلوب الذي لا تقر عيون عابديه وأوليائه إلا به بالاستحذاء. وحقيقته موافاة العبد إلى حضرته وقدامه وبين يديه عكس حال من نبذه وراءه ظهريا وأعرض عنه ونأى بجانبه بمنزلة من ولى المطاع ظهره ومال بشقه عنه. وهذا الأمر لا يدرك معناه إلا بوجوده وذوقه وأحسن ما يعبر عنه بالعبارة النبوية المحمدية وأقرب عبارات القوم أنه التقريب برفع الوسائط التي بارتفاعها يحصل للعبد حقيقة التعظيم فلذلك قال quot; الاستحذاء له تعظيما quot;. ومن أراد فهم هذا كما ينبغي فعليه بفهم اسمه تعالى الباطن وفهم اسمه القريب مع امتلاء القلب بحبه ولهج اللسان بذكره ومن هاهنا يؤخذ العبد إلى الفناء الذي كان مشمرا إليه عاملا عليه. فإن كان مشمرا إلى الفناء المتوسط وهو الفناء عن شهود السوى لم يبق في قلبه شهود لغيره البتة بل تضمحل الرسوم وتفنى الإشارات ويفنى من لم يكن ويبقى من لم(1\/465)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "437",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13434",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يزل وفي هذا المقام يجيب داعي الفناء طوعا ورغبة لا كرها لأن هذا المقام امتزج فيه الحب بالتعظيم مع القرب وهو منتهى سفر الطالبين لمقام الفناء. وإن كان العبد مشمرا للفناء العالي وهو الفناء عن إرادة السوى لم يبق في قلبه مراد يزاحم مراده الديني الشرعي النبوي القرآني بل يتحد المرادان فيصير عين مراد الرب هو مراد العبد وهذا حقيقة المحبة الخالصة وفيها يكون الاتحاد الصحيح وهو الاتحاد في المراد لا في المريد ولا في الإرادة. فتدبر هذا الفرقان في هذا الموضع الذي طالما زلت فيه أقدام السالكين وضلت فيه أفهام الواجدين. وفي هذا المقام حقيقة: يفنى من لم يكن إرادة وإيثارا ومحبة وتعظيما وخوفا ورجاء وتوكلا ويبقى من لم يزل وفيه ترتفع الوسائط بين الرب والعبد حقيقة ويحصل له الاستحذاء المذكور مقرونا بغاية الحب وغاية التعظيم. وفي هذا المقام يجيب داعي الفناء في المحبة طوعا واختيارا لا كرها بل ينجذب إليه انجذاب قلب المحب وروحه الذي قد ملأت المحبة قلبه بحيث لم يبق فيه جزء فارغ منها إلى محبوبه الذي هو أكمل محبوب وأجله وأحقه بالحب. وهذا الفناء أوجبه الحب الكامل الممتزج بالتعظيم والإجلال والقرب ومحو ما سوى مراد المحبوب من القلب بحيث لم يبق في القلب إلا المحبوب ومراده وهذا حقيقة الاعتصام به وبحبله والله المستعان. وأما قوله: والاشتغال به قربا أي يشغله قرب الحق عن كل ما سواه وهذا حقيقة القرب ألا ترى أن القريب من السلطان جدا المقبل عليه المكلم له لا يشتغل بشيء البتة فعلى قدر القرب من الله يكون اشتغال العبد به والله أعلم.  [فصل منزلة الفرار] ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين: منزلة الفرار. قال الله تعالى ففروا إلى الله [الذاريات: 50] وحقيقة الفرار: الهرب من شيء إلى شيء وهو نوعان: فرار السعداء وفرار الأشقياء.(1\/466)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "438",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13435",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ففرار السعداء: الفرار إلى الله عز وجل وفرار الأشقياء: الفرار منه لا إليه. وأما الفرار منه إليه ففرار أوليائه قال ابن عباس في قوله تعالى ففروا إلى الله [الذاريات: 50] : فروا منه إليه واعملوا بطاعته وقال سهل بن عبد الله: فروا مما سوى الله إلى الله وقال آخرون: اهربوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان والطاعة. وقال صاحب المنازل: هو الهرب مما لم يكن إلى من لم يزل وهو على ثلاث درجات: فرار العامة من الجهل إلى العلم عقدا وسعيا ومن الكسل إلى التشمير جدا وعزما ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاء. يريد ب quot; ما لم يكن quot; الخلق وب quot; ما لم يزل quot; الحق. وقوله: فرار العامة من الجهل إلى العلم عقدا وسعيا. الجهل نوعان: عدم العلم بالحق النافع وعدم العمل بموجبه ومقتضاه فكلاهما جهل لغة وعرفا وشرعا وحقيقة قال موسى أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين [البقرة: 67] لما قال له قومه أتتخذنا هزوا [البقرة: 67] أي من المستهزئين وقال يوسف الصديق وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين [يوسف: 33] أي من مرتكبي ما حرمت عليهم وقال تعالى إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة [النساء: 17] قال قتادة: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كل ما عصي الله به فهو جهالة وقال غيره: أجمع الصحابة أن كل من عصى الله فهو جاهل وقال الشاعر: ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا وسمي عدم مراعاة العلم جهلا إما لأنه لم ينتفع به فنزل منزلة الجهل وإما لجهله بسوء ما تجني عواقب فعله. فالفرار المذكور هو الفرار من الجهلين: من الجهل بالعلم إلى تحصيله اعتقادا ومعرفة وبصيرة ومن جهل العمل إلى السعي النافع والعمل الصالح قصدا وسعيا.(1\/467)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "439",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13436",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله: ومن الكسل إلى التشمير جدا وعزما. أي يفر من إجابة داعي الكسل إلى داعي العمل والتشمير بالجد والاجتهاد. والجد هاهنا هو صدق العمل وإخلاصه من شوائب الفتور ووعود التسويف والتهاون وهو تحت السين وسوف وعسى ولعل فهي أضر شيء على العبد وهي شجرة ثمرها الخسران والندامات. والفرق بين الجد والعزم أن العزم صدق الإرادة واستجماعها والجد صدق العمل وبذل الجهد فيه وقد أمر الله سبحانه وتعالى بتلقي أوامره بالعزم والجد فقال خذوا ما آتيناكم بقوة [البقرة: 63] وقال وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة [الأعراف: 145] وقال يايحيى خذ الكتاب بقوة [مريم: 12] أي بجد واجتهاد وعزم لا كمن يأخذ ما أمر به بتردد وفتور. وقوله: ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاء. يريد هروب العبد من ضيق صدره بالهموم والغموم والأحزان والمخاوف التي تعتريه في هذه الدار من جهة نفسه وما هو خارج عن نفسه مما يتعلق بأسباب مصالحه ومصالح من يتعلق به وما يتعلق بماله وبدنه وأهله وعدوه يهرب من ضيق صدره بذلك كله إلى سعة فضاء الثقة بالله تبارك وتعالى وصدق التوكل عليه وحسن الرجاء لجميل صنعه به وتوقع المرجو من لطفه وبره ومن أحسن كلام العامة قولهم: لا هم مع الله قال الله تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب [الطلاق: 2] قال الربيع بن خثيم: يجعل له مخرجا من كل ما ضاق على الناس وقال أبو العالية: مخرجا من كل شدة وهذا جامع لشدائد الدنيا والآخرة ومضايق الدنيا والآخرة فإن الله يجعل للمتقي من كل ما ضاق على الناس واشتد عليهم في الدنيا والآخرة مخرجا وقال الحسن: مخرجا مما نهاه عنه ومن يتوكل على الله فهو حسبه [الطلاق: 3] أي كافي من يثق به في نوائبه ومهماته يكفيه كل ما أهمه والحسب الكافي حسبنا الله [آل عمران: 173] كافينا الله.(1\/468)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "440",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13437",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكلما كان العبد حسن الظن بالله حسن الرجاء له صادق التوكل عليه فإن الله لا يخيب أمله فيه البتة فإنه سبحانه لا يخيب أمل آمل ولا يضيع عمل عامل وعبر عن الثقة وحسن الظن بالسعة فإنه لا أشرح للصدر ولا أوسع له بعد الإيمان من ثقته بالله ورجائه له وحسن ظنه به.  فصل. قال: وفرار الخاصة من الخبر إلى الشهود ومن الرسوم إلى الأصول ومن الحظوظ إلى التجريد. يعني أنهم لا يرضون أن يكون إيمانهم عن مجرد خبر حتى يترقوا منه إلى مشاهدة المخبر عنه فيطلبون الترقي من علم اليقين بالخبر إلى عين اليقين بالشهود كما طلب إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه ذلك من ربه إذ قال رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي [البقرة: 260] فطلب إبراهيم أن يكون اليقين عيانا والمعلوم مشاهدا وهذا هو المعنى الذي عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بالشك في قوله: نحن أحق بالشك من إبراهيم حيث قال رب أرني كيف تحيي الموتى [البقرة: 260] وهو صلى الله عليه وسلم لم يشك ولا إبراهيم حاشاهما من ذلك وإنما عبر عن هذا المعنى بهذه العبارة. هذا أحد الأقوال في الحديث. وفيه قول ثان: أنه على وجه النفي أي لم يشك إبراهيم حيث قال ما قال ولم نشك نحن وهذا القول صحيح أيضا أي لو كان ما طلبه للشك لكنا نحن أحق به منه لكن لم يطلب ما طلب شكا وإنما طلب ما طلبه طمأنينة. فالمراتب ثلاث علم يقين يحصل عن الخبر ثم تتجلى حقيقة المخبر عنه للقلب أو البصر حتى يصير العلم به عين يقين ثم يباشره ويلابسه فيصير حق يقين فعلمنا بالجنة والنار الآن علم يقين فإذا أزلفت الجنة للمتقين في الموقف وبرزت الجحيم للغاوين وشاهدوهما عيانا كان ذلك عين يقين كما قال تعالى لترون الجحيم - ثم لترونها عين اليقين [التكاثر: 6 - 7](1\/469)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "441",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13438",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فذلك حق اليقين وسنزيد ذلك إيضاحا إن شاء الله تعالى إذا انتهينا إليه. وأما قوله: ومن الرسوم إلى الأصول فإنه يريد بالرسوم ظواهر العلم والعمل وبالأصول حقائق الإيمان ومعاملات القلوب وأذواق الإيمان ووارداته فيفر من إحكام العلم والعمل إلى خشوع السر للعرفان فإن أرباب العزائم في السير لا يقنعون برسوم الأعمال وظواهرها ولا يعتدون إلا بأرواحها وحقائقها وما يثبته لهم التعرف الإلهي وهو نصيبهم من الأمر. والتعرف الإلهي لا يقتضي مفارقة الأمر كما يظن قطاع الطريق وزنادقة الصوفية بل يستخرج منهم حقائق الأمر وأسرار العبودية وروح المعاملة فحظهم من الأمر حظ العالم بمراد المتكلم من كلامه تصريحا وإيماء وتنبيها وإشارة وحظ غيرهم منه حظ التالي له حفظا بلا فهم ولا معرفة لمراده وهؤلاء أحوج شيء إلى الأمر لأنهم لم يصلوا إلى تلك التعرفات والحقائق إلا به فالمحافظة عليه لهم علما ومعرفة وعملا وحالا ضرورية لا عوض لهم عنه البتة. وهذا القدر هو الذي فات الزنادقة وقطاع الطريق من المنتسبين إلى طريقة القوم. فإنهم لما علموا أن حقائق هذه الأوامر هي المطلوبة أرواحها لا صورها وأشباحها ورسومها قالوا: نجمع هممنا على مقاصدها وحقائقها ولا حاجة لنا إلى رسومها وظواهرها بل الاشتغال برسومها اشتغال عن الغاية بالوسيلة وعن المطلوب لذاته بالمطلوب لغيره وغرهم ما رأوا فيه الواقفين مع رسوم الأعمال وظواهرها دون مراعاة حقائقها ومقاصدها وأرواحها فرأوا نفوسهم أشرف من نفوس أولئك وهممهم أعلى وأنهم المشتغلون باللب وأولئك بالقشر فتركب من تقصير هؤلاء وعدوان هؤلاء تعطيل. وجملة الأمر أن هؤلاء عطلوا سره ومقصوده وحقيقته وهؤلاء عطلوا رسمه وصورته فظنوا أنهم يصلون إلى حقيقته من غير رسمه وظاهره فلم يصلوا إلا إلى الكفر والزندقة وجحدوا ما علم بالضرورة مجيء الرسل به فهؤلاء كفار زنادقة منافقون وأولئك مقصرون غير كاملين والقائمون بهذا وهذا هم الذين يرون أن الأمر متوجه إلى قلوبهم قبل جوارحهم وأن على القلب عبودية في الأمر كما على الجوارح وأن تعطيل عبودية القلب بمنزلة تعطيل عبودية الجوارح وأن كمال العبودية قيام كل من الملك وجنوده بعبوديته فهؤلاء خواص أهل الإيمان وأهل العلم والعرفان.  فصل.(1\/470)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "442",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13439",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله: ومن الحظوظ إلى التجريد. يريد الفرار من حظوظ النفوس على اختلاف مراتبها فإنه لا يعرفها لا المعتنون بمعرفة الله ومراده وحقه على عبده ومعرفة نفوسهم وأعمالهم وآفاتهما ورب مطالب عالية لقوم من العباد هي حظوظ لقوم آخرين يستغفرون الله منها ويفرون إليه منها يرونها حائلة بينهم وبين مطلوبهم. وبالجملة فالحظ ما سوى مراد الله الديني منك كائنا ما كان وهو ما يبرح حظا محرما إلى مكروه إلى مباح إلى مستحب غيره أحب إلى الله منه ولا يتميز هذا إلا في مقام الرسوخ في العلم بالله وأمره وبالنفس وصفاتها وأحوالها. فهناك تتبين له الحظوظ من الحقوق ويفر من الحظ إلى التجريد وأكثر الناس لا يصلح لهم هذا لأنهم إنما يعبدون الله على الحظوظ وعلى مرادهم منه وأما تجريد عبادته على مراده من عبده: فتلك منزلة لم يعطها أحد ... سوى نبي وصديق من البشر والزهد زهدك فيها ليس زهدك في ... ما قد أبيح لنا في محكم السور والصدق صدقك في تجريدها وكذا ال ... إخلاص تخليصها إن كنت ذا بصر كذا توكل أرباب البصائر في ... تجريد أعمالهم من ذلك الكدر كذاك توبتهم منها فهم أبدا ... في توبة أو يصيروا داخل الحفر وبالجملة فصاحب هذا التجريد لا يقنع من الله بأمر يسكن إليه دون الله ولا يفرح بما حصل له دون الله ولا يأسى على ما فاته سوى الله ولا يستغني برتبة شريفة وإن عظمت عنده أو عند الناس فلا يستغني إلا بالله ولا يفتقر إلا إلى الله ولا يفرح إلا بموافقته لمرضاة الله ولا يحزن إلا على ما فاته من الله ولا يخاف إلا من سقوطه من عين الله واحتجاب الله عنه فكله بالله وكله لله وكله مع الله وسيره دائما إلى الله قد رفع له علمه فشمر إليه وتجرد له مطلوبه فعمل عليه تناديه الحظوظ: إلي وهو يقول: إنما أريد من إذا حصل لي حصل لي كل شيء وإذا فاتني فاتني كل شيء فهو مع الله مجرد عن خلقه ومع خلقه مجرد عن نفسه ومع الأمر مجرد عن حظه أعني الحظ المزاحم للأمر وأما الحظ المعين على الأمر فإنه لا يحطه تناوله عن مرتبته ولا يسقطه من عين ربه.(1\/471)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "443",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13440",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا أيضا موضع غلط فيه من غلط من الشيوخ فظنوا أن إرادة الحظ نقص في الإرادة. والتحقيق فيه أن الحظ نوعان: حظ يزاحم الأمر وحظ يؤازر الأمر فينفذه فالأول هو المذموم والثاني ممدوح وتناوله من تمام العبودية فهذا لون وهذا لون.  فصل. قال: وفرار خاصة الخاصة مما دون الحق إلى الحق ثم من شهود الفرار إلى الحق ثم الفرار من شهود الفرار. هذا على قاعدته في جعل الفناء عن الشهود غاية السالكين فيفر أولا من الخلق إلى الحق ويشهد بهذا الفرار انفراد مشهوده الذي فر إليه لكن بقيت عليه بقية وهي شهود فراره. فيعدله إحساسا بالخلق فيفر ثانيا من شهود فراره فتنقطع النسب كلها بينه وبين الخلق بهذا الفرار الثاني فلا يبقى فيه بقية إلا ملاحظة فراره من شهود فراره فيفر من شهود الفرار فتنقطع حينئذ النسب كلها. وقد تقدم الكلام على هذا وأنه ليس أعلى المقامات والرتب ولا هو غاية الكمال وأن فوقه ما هو أعلى منه مقاما وأشرف منزلا وهو أن يشهد فراره وأنه بالله من الله إلى الله فيشهد أنه فر به منه إليه ويعطي كل مشهد حقه من العبودية وهذا حال الكمل والله المستعان.  [فصل منزلة الرياضة] ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الرياضة. هي تمرين النفس على الصدق والإخلاص. قال صاحب المنازل: هي تمرين النفس على قبول الصدق.(1\/472)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "444",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13441",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا يراد به أمران: تمرينها على قبول الصدق إذا عرضه عليها في أقواله وأفعاله وإرادته فإذا عرض عليها الصدق قبلته وانقادت له وأذعنت له. والثاني: قبول الحق ممن عرضه عليه قال الله والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون [الزمر: 33] فلا يكفي صدقك بل لا بد من صدقك وتصديقك للصادقين فكثير من الناس يصدق ولكن يمنعه من التصديق كبر أو حسد أو غير ذلك. قال: وهي على ثلاث درجات: رياضة عامة وهي تهذيب الأخلاق بالعلم وتصفية الأعمال بالإخلاص وتوفير الحقوق في المعاملة. أما تهذيب الأخلاق بالعلم فالمراد به إصلاحها وتصفيتها بموجب العلم فلا يتحرك بحركة ظاهرة أو باطنة إلا بمقتضى العلم فتكون حركات ظاهرة وباطنة موزونة بميزان الشرع. وأما تصفية الأعمال بالإخلاص فهو تجريدها عن أن يشوبها باعث لغير الله وهي عبارة عن توحيد المراد وتجريد الباعث إليه. وأما توفير الحقوق في المعاملة فهو أن تعطي ما أمرت به من حق الله وحقوق العباد كاملا موفرا قد نصحت فيه صاحب الحق غاية النصح وأرضيته كل الرضا ففزت بحمده لك وشكره. ولما كانت هذه الثلاثة شاقة على النفس جدا كان تكلفها رياضة فإذا اعتادها صارت خلقا. قال: ورياضة الخاصة حسم التفرق وقطع الالتفات إلى المقام الذي جاوزه وإبقاء العلم يجري مجراه. يريد بحسم التفرق قطع ما يفرق قلبك عن الله بالجمعية عليه والإقبال بكليتك إليه حاضرا معه بقلبك كله لا تلتفت إلى غيره. وأما قطع الالتفات إلى المقام الذي جاوزه فهو أن لا يشتغل باستحسان علوم ذلك المقام ولذته واستحسانه بل يلهى عنه معرضا مقبلا على الله طالبا للزيادة خائفا(1\/473)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "445",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13442",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن يكون ذلك المقام له حجابا يقف عنده عن السير فهمته حفظه ليس له قوة ولا همة أن ينهض إلى ما فوقه ومن لم تكن همته التقدم فهو في تأخر ولا يشعر فإنه لا وقوف في الطبيعة ولا في السير بل إما إلى قدام وإما إلى الوراء فالسالك الصادق لا ينظر إلى ورائه ولا يسمع النداء إلا من أمامه لا من ورائه. وأما إبقاء العلم يجري مجراه: فالذهاب مع داعي العلم أين ذهب به والجري معه في تياره أين جرى. وحقيقة ذلك الاستسلام للعلم وأن لا تعارضه بجمعية ولا ذوق ولا حال بل امض معه حيث ذهب فالواجب تسليط العلم على الحال وتحكيمه عليه وأن لا يعارض به. وهذا صعب جدا إلا على الصادقين من أرباب العزائم فلذلك كان من أنواع الرياضة. ومتى تمرنت النفس عليه وتعودته صار خلقا وكثير من السالكين إذا لاحت له بارقة أو غلبه حال أو ذوق خلى العلم وراء ظهره ونبذه وراءه ظهريا وحكم عليه الحال هذا حال أكثر السالكين وهي حال أهل الانحراف الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ولهذا عظمت وصية أهل الاستقامة من الشيوخ بالعلم والتمسك به.  فصل. قال: ورياضة خاصة الخاصة: تجريد الشهود والصعود إلى الجمع ورفض المعارضات وقطع المعاوضات. أما تجريد الشهود فنوعان أحدهما: تجريده عن الالتفات إلى غيره والثاني: تجريده عن رؤيته وشهوده. وأما الصعود إلى الجمع فيعني به الصعود عن معاني التفرقة إلى الجمع الذاتي وهذا يحتمل أمرين: أحدهما: أن يصعد عن تفرقة الأفعال إلى وحدة مصدرها. والثاني: أن يصعد عن علائق الأسماء والصفات إلى الذات فإن شهود الذات(1\/474)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "446",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13443",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بدون علائق الأسماء والصفات عندهم هو حضرة الجمع وهذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام لا بد من تحقيقه فنقول: التفرقة تفرقتان: تفرقة في المفعولات وتفرقة في معاني الأسماء والصفات والجمع جمعان: جمع في الحكم الكوني وجمع ذاتي. فالجمع في الحكم الكوني: اجتماع المفعولات كلها في القضاء والقدر والحكم والجمع الذاتي: اجتماع الأسماء والصفات في الذات. فالذات واحدة جامعة للأسماء والصفات. والقدر جامع لجميع المقتضيات والمقدورات والشهود مترتب على هذا وهذا. فشهود اجتماع الكائنات في قضائه وقدره وإن كان حقا فهو لا يعطي إيمانا فضلا عن أن يكون أعلى مقامات الإحسان والفناء في هذا الشهود: غايته فناء في توحيد الربوبية الذي لا ينفع وحده ولا بد منه. وشهود اجتماع الأسماء والصفات في وحدة الذات: شهود صحيح وهو شهود مطابق للحق في نفسه. وأما الصعود عن شهود تفرقة الأسماء والصفات وعلائقها إلى وحدة الذات المجردة فغايته أن يكون صاحبه معذورا لضيق قلبه وأما أن يكون محمودا في شهوده ذاتا مجردة عن كل اسم وصفة وعن علائقها فكلا ولما. وأي إيمان يعطي ذلك وأي معرفة وإنما هو سلب ونفي في الشهود كالسلب والنفي في العلم والاعتقاد فنسبته إلى الشهود كنسبة نفي الجهمية وسلبهم إلى الأخبار لكن الفرق بينهما أن ذلك السلب في العلم والاعتقاد مخالف للحق الثابت في نفس الأمر وكذب على الله ونفي لما يستحقه من صفات كماله ونعوت جلاله ومعاني أسمائه الحسنى. وأما هذا السلب: فنفي الشعور به للصعود منه إلى الجمع الذاتي مع الإيمان به والاعتراف بثبوته فهذا لون وذاك لون. والكمال: شهود الأمر على ما هو عليه ويشهد الذات موصوفة بصفات الجلال منعوتة بنعوت الكمال وكلما كثر شهوده لمعاني الأسماء والصفات كان أكمل. نعم قد يعذر في الفناء في الذات المجردة لقوة الوارد وضعف المحل عن شهود معاني الأسماء والصفات.(1\/475)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "447",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13444",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتأمل هذا الموضع وأعطه حقه ولا يصدنك عن تحقيق ذلك ما يحيل عليه أرباب الفناء من الكشف والذوق فإنا لا ننكره بل نقر به ولكن الشأن في مرتبته وبالله التوفيق. وأما رفض المعارضات فيحتمل أمرين. أحدهما: ما يعارض شهوده الجمعي من التفرقات وهو مراده. والثاني: ما يعارض إرادته من الإرادات وما يعارض مراد الله من المرادات وهذا أكمل من الأول وأعلى منه. وأما قطع المعاوضات فهو تجريد المعاملة عن إرادة المعاوضة بل يجردها لذاته وأنه أهل أن يعبد ولو لم يحصل لعابده عوض منه فإنه يستحق أن يعبد لذاته لا لعلة ولا لعوض ولا لمطلوب وهذا أيضا موضع لا بد من تجريده. فيقال: ملاحظة المعاوضة ضرورية للعامل وإنما الشأن في ملاحظة الأعواض وتباينها فالمحب الصادق الذي قد تجرد عن ملاحظة عوض قد لاحظ أعظم الأعواض وشمر إليها وهي قربه من الله ووصوله إليه واشتغاله به عما سواه والتنعم بحبه ولذة الشوق إلى لقائه فهذه أعواض لا بد للخاصة منها وهي من أجل مقاصدهم وأغراضهم ولا تقدح في مقاماتهم وتجريد عبودياتهم بل أكملهم عبودية أشدهم التفاتا إلى هذه الأعواض. نعم طلب الأعواض المنفصلة المخلوقة من الجاه والمال والرياسة والملك أو طلب الحور العين والقصور والولدان ونحو ذلك بالنسبة إلى تلك الأعواض التي تطلبها الخاصة معلولة وهذا لا شك فيه إذا تجرد طلبهم لها. أما إذا كان مطلوبهم الأعظم الذاتي هو قربه والوصول إليه والتنعم بحبه والشوق إلى لقائه وانضاف إلى هذا طلبهم لثوابه المخلوق المنفصل فلا علة في هذه العبودية بوجه ما ولا نقص وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم حولها ندندن يعني الجنة وقال(1\/476)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "448",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13445",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة . ومعلوم أن هذا مسكن خاصة الخاصة وسادات العارفين فسؤالهم إياه ليس علة في عبوديتهم ولا قدحا فيها. وقد استوفينا ذكر هذا الموضع في (كتاب سفر الهجرتين) عند الكلام على علل المقامات. ويحتمل أن يريد الشيخ بقطع المعاوضات أن تشهد أن الله ما أعطاك شيئا معاوضة بل إنما أعطاك تفضلا وإحسانا لا لعوض يرجوه منك كما يكون عطاء العبد للعبد وإنما نتكلم فيما من العبد مما يؤمر بالتجرد عنه كتجرده عن التفرقة والمعاوضة فهذا أليق المعنيين بكلامه والله أعلم.  [فصل منزلة السماع] [أقسام السماع] فصل منزلة السماع ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة السماع. وهو اسم مصدر كالنبات وقد أمر الله به في كتابه وأثنى على أهله وأخبر أن البشرى لهم فقال تعالى واتقوا الله واسمعوا [المائدة: 108] وقال واسمعوا وأطيعوا [التغابن: 16] وقال ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم [النساء: 46] وقال فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب [الزمر: 17] وقال وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا [الأعراف: 204] وقال(1\/477)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "449",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13446",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق [المائدة: 83] . وجعل الإسماع منه والسماع منهم دليلا على علم الخير فيهم وعدم ذلك دليلا على عدم الخير فيهم فقال ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون [الأنفال: 23] . وأخبر عن أعدائه أنهم هجروا السماع ونهوا عنه فقال وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه [فصلت: 26] . فالسماع رسول الإيمان إلى القلب وداعيه ومعلمه وكم في القرآن من قوله: أفلا يسمعون [السجدة: 26] وقال أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها [الحج: 46] الآية. فالسماع أصل العقل وأساس الإيمان الذي انبنى عليه وهو رائده وجليسه ووزيره ولكن الشأن كل الشأن في المسموع وفيه وقع خبط الناس واختلافهم وغلط منهم من غلط. وحقيقة السماع تنبيه القلب على معاني المسموع وتحريكه عنها طلبا وهربا(1\/478)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "450",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13447",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحبا وبغضا فهو حاد يحدو بكل أحد إلى وطنه ومألفه. وأصحاب السماع منهم: من يسمع بطبعه ونفسه وهواه فهذا حظه من مسموعه ما وافق طبعه. ومنهم من يسمع بحاله وإيمانه ومعرفته وعقله فهذا يفتح له من المسموع بحسب استعداده وقوته ومادته. ومنهم من يسمع بالله لا يسمع بغيره كما في الحديث الإلهي الصحيح quot; فبي يسمع وبي يبصر quot; وهذا أعلى سماعا وأصح من كل أحد. والكلام في السماع مدحا وذما يحتاج فيه إلى معرفة صورة المسموع وحقيقته وسببه والباعث عليه وثمرته وغايته فبهذه الفصول الثلاثة يتحرر أمر السماع ويتميز النافع منه والضار والحق والباطل والممدوح والمذموم. فأما المسموع فعلى ثلاثة أضرب: أحدها: مسموع يحبه الله ويرضاه وأمر به عباده وأثنى على أهله ورضي عنهم به. الثاني: مسموع يبغضه ويكرهه ونهى عنه ومدح المعرضين عنه. الثالث: مسموع مباح مأذون فيه لا يحبه ولا يبغضه ولا مدح صاحبه ولا ذمه فحكمه حكم سائر المباحات من المناظر والمشام والمطعومات والملبوسات المباحة فمن حرم هذا النوع الثالث فقد قال على الله ما لا يعلم وحرم ما أحل الله ومن جعله دينا وقربة يتقرب به إلى الله فقد كذب على الله وشرع دينا لم يأذن به الله وضاهأ بذلك المشركين.  [فصل السماع الذي يمدحه الله] فصل فأما النوع الأول فهو السماع الذي مدحه الله في كتابه وأمر به وأثنى على(1\/479)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "451",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13448",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصحابه وذم المعرضين عنه ولعنهم وجعلهم أضل من الأنعام سبيلا وهم القائلون في النار لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير [الملك: 10] وهو سماع آياته المتلوة التي أنزلها على رسوله فهذا السماع أساس الإيمان الذي يقوم عليه بناؤه وهو على ثلاثة أنواع سماع إدراك بحاسة الأذن وسماع فهم وعقل وسماع فهم وإجابة وقبول والثلاثة في القرآن. فأما سماع الإدراك ففي قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن قولهم إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به [الجن: 1] وقوله: ياقومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى [الأحقاف: 30] الآية فهذا سماع إدراك اتصل به الإيمان والإجابة وأما سماع الفهم فهو المنفي عن أهل الإعراض والغفلة بقوله تعالى فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء [الروم: 52] وقوله: إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور [فاطر: 22] . فالتخصيص هاهنا لإسماع الفهم والعقل وإلا فالسمع العام الذي قامت به الحجة لا تخصيص فيه ومنه قوله تعالى ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون [الأنفال: 23] أي لو علم الله في هؤلاء الكفار قبولا وانقيادا لأفهمهم وإلا فهم قد سمعوا سمع الإدراك ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون [الأنفال: 23] أي ولو أفهمهم لما انقادوا ولا انتفعوا بما فهموا; لأن في قلوبهم من داعي التولي والإعراض ما يمنعهم عن الانتفاع بما سمعوه. وأما سماع القبول والإجابة ففي قوله تعالى حكاية عن عباده المؤمنين أنهم قالوا سمعنا وأطعنا [البقرة: 285] فإن هذا سمع قبول وإجابة مثمر للطاعة.(1\/480)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "452",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13449",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتحقيق: أنه متضمن للأنواع الثلاثة وأنهم أخبروا بأنهم أدركوا المسموع وفهموه واستجابوا له. ومن سمع القبول: قوله تعالى وفيكم سماعون لهم [التوبة: 47] أي قابلون منهم مستجيبون لهم هذا أصح القولين في الآية. وأما قول من قال: عيون لهم وجواسيس فضعيف فإنه سبحانه أخبر عن حكمته في تثبيطهم عن الخروج بأن خروجهم يوجب الخبال والفساد والسعي بين العسكر بالفتنة وفي العسكر من يقبل منهم ويستجيب لهم فكان في إقعادهم عنهم لطفا بهم ورحمة حتى لا يقعوا في عنت القبول منهم. أما اشتمال العسكر على جواسيس وعيون لهم فلا تعلق له بحكمة التثبيط والإقعاد ومعلوم أن جواسيسهم وعيونهم منهم وهو سبحانه قد أخبر أنه أقعدهم لئلا يسعوا بالفساد في العسكر ولئلا يبغوهم الفتنة وهذه الفتنة إنما تندفع بإقعادهم وإقعاد جواسيسهم وعيونهم. وأيضا فإن الجواسيس إنما تسمى عيونا هذا المعروف في الاستعمال لا تسمى سماعين. وأيضا فإن هذا نظير قوله تعالى في إخوانهم اليهود سماعون للكذب أكالون للسحت [المائدة: 42] أي قابلون له. والمقصود أن سماع خاصة الخاصة المقربين هو سماع القرآن بالاعتبارات الثلاثة: إدراكا وفهما وتدبرا وإجابة. وكل سماع في القرآن مدح الله أصحابه وأثنى عليهم وأمر به أولياءه فهو هذا السماع. وهو سماع الآيات لا سماع الأبيات وسماع القرآن لا سماع مزامير الشيطان وسماع كلام رب الأرض والسماء لا سماع قصائد الشعراء وسماع المراشد لا سماع القصائد وسماع الأنبياء والمرسلين لا سماع المغنين والمطربين. فهذا السماع حاد يحدو القلوب إلى جوار علام الغيوب وسائق يسوق الأرواح(1\/481)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "453",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13450",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى ديار الأفرح ومحرك يثير ساكن العزمات إلى أعلى المقامات وأرفع الدرجات ومناد ينادي للإيمان ودليل يسير بالركب في طريق الجنان وداع يدعو القلوب بالمساء والصباح من قبل فالق الإصباح حي على الفلاح حي على الفلاح. فلم يعدم من اختار هذا السماع إرشادا لحجة وتبصرة لعبرة وتذكرة لمعرفة وفكرة في آية ودلالة على رشد وردا على ضلالة وإرشادا من غي وبصيرة من عمى وأمرا بمصلحة ونهيا عن مضرة ومفسدة وهداية إلى نور وإخراجا من ظلمة وزجرا عن هوى وحثا على تقى وجلاء لبصيرة وحياة لقلب وغذاء ودواء وشفاء وعصمة ونجاة وكشف شبهة وإيضاح برهان وتحقيق حق وإبطال باطل. ونحن نرضى بحكم أهل الذوق في سماع الأبيات والقصائد ونناشدهم بالذي أنزل القرآن هدى وشفاء ونورا وحياة هل وجدوا ذلك أو شيئا منه في الدف والمزمار ونغمة الشادن ومطربات الألحان . والغناء المشتمل على تهييج الحب المطلق الذي يشترك فيه محب الرحمن ومحب الأوطان ومحب الإخوان ومحب العلم والعرفان ومحب الأموال والأثمان ومحب النسوان والمردان ومحب الصلبان فهو يثير من قلب كل مشتاق ومحب لشيء ساكنه ويزعج قاطنه فيثور وجده ويبدو شوقه فيتحرك على حسب ما في قلبه من الحب والشوق والوجد بذلك المحبوب كائنا ما كان ولهذا تجد لهؤلاء كلهم ذوقا في السماع وحالا ووجدا وبكاء. ويا لله العجب! أي إيمان ونور وبصيرة وهدى ومعرفة تحصل باستماع أبيات بألحان وتوقيعات لعل أكثرها قيلت فيما هو محرم يبغضه الله ورسوله ويعاقب عليه من غزل وتشبيب بمن لا يحل له من ذكر أو أنثى فإن غالب التغزل والتشبيب إنما هو في الصور المحرمة ومن أندر النادر تغزل الشاعر وتشبيبه في امرأته وأمته وأم ولده مع أن هذا واقع لكنه كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود فكيف يقع لمن له أدنى بصيرة وحياة قلب أن يتقرب إلى الله ويزداد إيمانا وقربا منه وكرامة عليه بالتذاذه بما هو بغيض إليه مقيت عنده يمقت قائله والراضي به وتترقى به الحال حتى يزعم أن ذلك أنفع لقلبه من سماع القرآن والعلم النافع وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ! . يا لله! إن هذا القلب مخسوف به ممكور به منكوس لم يصلح لحقائق القرآن وأذواق معانيه ومطالعة أسراره فبلاه بقرآن الشيطان كما في معجم الطبراني وغيره مرفوعا وموقوفا quot; إن الشيطان قال: يا رب اجعل لي قرآنا قال: قرآنك الشعر قال: اجعل لي كتابا قال: كتابك الوشم قال: اجعل لي مؤذنا قال: مؤذنك المزمار قال: اجعل لي بيتا قال: بيتك الحمام قال: اجعل لي مصائد قال: مصائدك النساء قال:(1\/482)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "454",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13451",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اجعل لي طعاما قال: طعامك ما لم يذكر عليه اسمي quot; والله سبحانه وتعالى أعلم.  [فصل ما يبغضه الله ويكرهه من السماع] فصل. القسم الثاني من السماع ما يبغضه الله ويكرهه ويمدح المعرض عنه وهو سماع كل ما يضر العبد في قلبه ودينه كسماع الباطل كله إلا إذا تضمن رده وإبطاله والاعتبار به وقصد أن يعلم به حسن ضده فإن الضد يظهر حسنه الضد كما قيل: وإذا سمعت إلى حديثك زادني ... حبا له سمعي حديث سواكا وكسماع اللغو الذي مدح التاركين لسماعه والمعرضين عنه بقوله: وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه [القصص: 55] وقوله: وإذا مروا باللغو مروا كراما [الفرقان: 72] قال محمد ابن الحنفية: هو الغناء وقال الحسن أو غيره: أكرموا نفوسهم عن سماعه قال ابن مسعود الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل وهذا كلام عارف بأثر الغناء وثمرته فإنه ما اعتاده أحد إلا نافق قلبه وهو لا يشعر ولو عرف حقيقة النفاق وغايته لأبصره في قلبه فإنه ما اجتمع في قلب عبد قط محبة الغناء ومحبة القرآن إلا طردت إحداهما الأخرى وقد شاهدنا نحن وغيرنا ثقل القرآن على أهل الغناء وسماعه وتبرمهم به وصياحهم بالقارئ إذا طول عليهم وعدم انتفاع قلوبهم بما يقرؤه فلا تتحرك ولا تطرب ولا تهيج منها بواعث الطلب فإذا جاء قرآن الشيطان فلا إله إلا الله كيف تخشع منهم الأصوات وتهدأ الحركات وتسكن القلوب وتطمئن(1\/483)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "455",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13452",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويقع البكاء والوجد والحركة الظاهرة والباطنة والسماحة بالأثمان والثياب وطيب السهر وتمني طول الليل فإن لم يكن هذا نفاقا فهو آخية النفاق وأساسه. تلي الكتاب فأطرقوا لا خيفة ... لكنه إطراق ساه لاهي وأتى الغناء فكالذباب تراقصوا ... والله ما رقصوا من أجل الله دف ومزمار ونغمة شاهد ... فمتى شهدت عبادة بملاهي ثقل الكتاب عليهم لما رأوا ... تقييده بأوامر ونواهي وعليهم خف الغنا لما رأوا ... إطلاقه في اللهو دون مناهي يا فرقة ما ضر دين محمد ... وجنى عليه ومله إلا هي سمعوا له رعدا وبرقا إذ حوى ... زجرا وتخويفا بفعل مناهي ورأوه أعظم قاطع للنفس عن ... شهواتها يا ويحها المتناهي وأتى السماع موافقا أغراضها ... فلأجل ذاك غدا عظيم الجاه أين المساعد للهوى من قاطع ... أسبابه عند الجهول الساهي إن لم يكن خمر الجسوم فإنه ... خمر العقول مماثل ومضاهي فانظر إلى النشوان عند شرابه ... وانظر إلى النشوان عند تلاهي وانظر إلى تمزيق ذا أثوابه ... من بعد تمزيق الفؤاد اللاهي فاحكم بأي الخمرتين أحق بال ... تحريم والتأثيم عند الله وكيف يكون السماع الذي يسمعه العبد بطبعه وهواه أنفع له من الذي يسمعه بالله ولله وعن الله فإن زعموا أنهم يسمعون هذا السماع الغنائي الشعري كذلك فهذا غاية اللبس على القوم فإنه إنما يسمع بالله ولله وعن الله ما يحبه الله ويرضاه ولهذا قلنا: إنه لا يتحرر الكلام في هذه المسألة إلا بعد معرفة صورة المسموع وحقيقته ومرتبته فقد جعل الله لكل شيء قدرا ولن يجعل الله من شربه ونصيبه وذوقه ووجده من سماع الآيات البينات كمن نصيبه وشربه وذوقه ووجده من سماع الغناء والأبيات. ومن أعجب العجائب استدلال من استدل على أن هذا السماع من طريق القوم وأنه مباح بكونه مستلذا طبعا تستلذه النفوس وتستروح إليه وأن الطفل يسكن إلى الصوت الطيب والجمل يقاسي تعب السير ومشقة الحمولة فيهون عليه بالحداء وبأن(1\/484)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "456",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13453",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصوت الطيب نعمة من الله على صاحبه وزيادة في خلقه وبأن الله ذم الصوت الفظيع فقال إن أنكر الأصوات لصوت الحمير [لقمان: 19] وبأن الله وصف نعيم أهل الجنة فقال فيه فهم في روضة يحبرون [الروم: 15]  وبأن ذلك هو السماع الطيب فكيف يكون حراما وهو في الجنة وبأن الله تعالى ما أذن لشيء كأذنه أي كاستماعه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن وبأن أبا موسى الأشعري استمع النبي صلى الله عليه وسلم إلى صوته وأثنى عليه بحسن الصوت وقال لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود فقال له أبو موسى: لو علمت أنك استمعت لحبرته لك تحبيرا أي زينته لك وحسنته وبقوله صلى الله عليه وسلم زينوا القرآن بأصواتكم . وبقوله صلى الله عليه وسلم ليس منا من لم يتغن بالقرآن والصحيح أنه من التغني بمعنى(1\/485)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "457",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13454",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تحسين الصوت وبذلك فسره الإمام أحمد رحمه الله فقال: يحسنه بصوته ما استطاع. وبأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عائشة على غناء القينتين يوم العيد وقال لأبي بكر دعهما فإن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا أهل الإسلام . وبأنه صلى الله عليه وسلم أذن في العرس في الغناء وسماه لهوا وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحداء وأذن فيه وكان يسمع أنسا والصحابة وهم يرتجزون بين يديه في حفر الخندق: نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا ودخل مكة والمرتجز يرتجز بين يديه بشعر عبد الله بن رواحة وحدا به الحادي في منصرفه من خيبر فجعل يقول: والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا(1\/486)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "458",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13455",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن الذين قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا ... ونحن إن صيح بنا أتينا وبالصياح عولوا علينا ... ونحن عن فضلك ما استغنينا فدعا لقائله. وسمع قصيدة كعب بن زهير وأجازه ببردة. واستنشد الأسود بن سريع قصائد حمد بها ربه. واستنشد من شعر أمية بن أبي الصلت مائة قافية. وأنشده الأعشى شيئا من شعره فسمعه. وصدق لبيدا في قوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. ودعا لحسان أن يؤيده الله بروح القدس ما دام ينافح عنه وكان يعجبه شعره(1\/487)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "459",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13456",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال له اهجهم وروح القدس معك . وأنشدته عائشة قول أبي بكر الهذلي: ومبرإ من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل وقالت: أنت أحق بهذا البيت فسر بقولها. وبأن ابن عمر رضي الله عنهما رخص فيه وعبد الله بن جعفر وأهل المدينة وبأن كذا وكذا وليا لله حضروه وسمعوه فمن حرمه فقد قدح في هؤلاء السادة القدوة الأعلام. وبأن الإجماع منعقد على إباحة أصوات الطيور المطربة الشجية فلذة سماع صوت الآدمي أولى بالإباحة أو مساوية. وبأن السماع يحدو روح السامع وقلبه إلى نحو محبوبه فإن كان محبوبه حراما كان السماع معينا له على الحرام وإن كان مباحا كان السماع في حقه مباحا وإن كانت محبته رحمانية كان السماع في حقه قربة وطاعة لأنه يحرك المحبة الرحمانية ويقويها ويهيجها. وبأن التذاذ الأذن بالصوت الطيب كالتذاذ العين بالمنظر الحسن والشم بالروائح الطيبة والفم بالطعوم الطيبة فإن كان هذا حراما كانت جميع هذه اللذات والإدراكات محرمة. فالجواب أن هذه حيدة عن المقصود وروغان عن محل النزاع وتعلق بما لا(1\/488)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "460",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13457",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "متعلق به فإن جهة كون الشيء مستلذا للحاسة ملائما لها لا يدل على إباحته ولا تحريمه ولا كراهته ولا استحبابه فإن هذه اللذة تكون فيما فيه الأحكام الخمسة تكون في الحرام والواجب والمكروه والمستحب والمباح فكيف يستدل بها على الإباحة من يعرف شروط الدليل ومواقع الاستدلال . وهل هذا إلا بمنزلة من استدل على إباحة الزنا بما يجده فاعله من اللذة وأن لذته لا ينكرها من له طبع سليم وهل يستدل بوجود اللذة والملاءمة على حل اللذيذ الملائم أحد وهل خلت غالب المحرمات من اللذات وهل أصوات المعازف التي صح عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريمها وأن في أمته من سيستحلها بأصح إسناد وأجمع أهل العلم على تحريم بعضها وقال جمهورهم بتحريم جملتها إلا لذيذة تلذ السمع وهل في التذاذ الجمل والطفل بالصوت الطيب دليل على حكمه من إباحة أو تحريم . وأعجب من هذا: الاستدلال على الإباحة بأن الله خلق الصوت الطيب وهو زيادة نعمة منه لصاحبه. فيقال: والصورة الحسنة الجميلة أليست زيادة في النعمة والله خالقها. ومعطي حسنها أفيدل ذلك على إباحة التمتع بها والالتذاذ على الإطلاق بها وهل هذا إلا مذهب أهل الإباحة الجارين مع رسوم الطبيعة . وهل في ذم الله لصوت الحمار ما يدل على إباحة الأصوات المطربات بالنغمات الموزونات والألحان اللذيذات من الصور المستحسنات بأنواع القصائد المنغمات بالدفوف والشبابات ! . وأعجب من هذا: الاستدلال على الإباحة بسماع أهل الجنة وما أجدر صاحبه أن يستدل على إباحة الخمر بأن في الجنة خمرا وعلى حل لباس الحرير بأن لباس أهلها حرير وعلى حل أواني الذهب والفضة والتحلي بهما للرجال بكون ذلك ثابتا بوجود النعيم به في الجنة. فإن قال: قد قام الدليل على تحريم هذا ولم يقم على تحريم السماع. قيل: هذا استدلال آخر غير الاستدلال بإباحته لأهل الجنة فعلم أن استدلالكم بإباحته لأهل الجنة استدلال باطل لا يرضى به محصل.(1\/489)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "461",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13458",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما قولكم: لم يقم دليل على تحريم السماع. فيقال لك: أي السماعات تعني وأي المسموعات تريد فالسماعات والمسموعات منها المحرم والمكروه والمباح والواجب والمستحب فعين نوعا يقع الكلام فيه نفيا وإثباتا. فإن قلت: سماع القصائد قيل لك: أي القصائد تعني ما مدح به الله ورسوله ودينه وكتابه وهجي به أعداؤه . فهذه لم يزل المسلمون يروونها ويسمعونها ويتدارسونها وهي التي سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأثاب عليها وحرض حسان عليها وهي التي غرت أصحاب السماع الشيطاني فقالوا: تلك قصائد وسماعنا قصائد فنعم إذن والسنة كلام والبدعة كلام والتسبيح كلام والغيبة كلام والدعاء كلام والقذف كلام ولكن هل سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه سماعكم هذا الشيطاني المشتمل على أكثر من مفسدة مذكورة في غير هذا الموضع وقد أشرنا فيما تقدم إلى بعضها . ونظير هذا: ما غرهم من استحسانه صلى الله عليه وسلم الصوت الحسن بالقرآن وأذنه له وإذنه فيه ومحبة الله له. فنقلوا هذا الاستحسان إلى صوت النسوان والمردان وغيرهم بالغناء المقرون بالمعازف والشاهد وذكر القد والنهد والخصر ووصف العيون وفعلها والشعر الأسود ومحاسن الشباب وتوريد الخدود وذكر الوصل والصد والتجني والهجران والعتاب والاستعطاف والاشتياق والقلق والفراق وما جرى هذا المجرى مما هو أفسد للقلب من شرب الخمر بما لا نسبة بينهما وأي نسبة لمفسدة سكر يوم ونحوه إلى سكرة العشق التي لا يستفيق الدهر صاحبها إلا في عسكر الهالكين سليبا حربيا أسيرا قتيلا . وهل تقاس سكرة الشراب بسكرة الأرواح بالسماع وهل يظن بحكيم أن يحرم سكرا لمفسدة فيه معلومة ويبيح سكرا مفسدته أضعاف أضعاف مفسدة الشراب حاشا أحكم الحاكمين. فإن نازعوا في سكر السماع وتأثيره في العقول والأرواح خرجوا عن الذوق والحس وظهرت مكابرة القوم فكيف يحمي الطبيب المريض عما يشوش عليه صحته(1\/490)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "462",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13459",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويبيح له ما فيه أعظم السقم والمنصف يعلم أنه لا نسبة بين سقم الأرواح بسكر الشراب وسقمها بسكر السماع. وكلامنا مع واجد لا فاقد فهو المقصود بالخطاب. وأعجب من هذا: استدلالكم على إباحة السماع المركب مما ذكرنا من الهيئة الاجتماعية بغناء بنيتين صغيرتين دون البلوغ عند امرأة صبية في يوم عيد وفرح بأبيات من أبيات العرب في وصف الشجاعة والحروب ومكارم الأخلاق والشيم فأين هذا من هذا . والعجب أن هذا الحديث من أكبر الحجج عليهم فإن الصديق الأكبر رضي الله عنه سمى ذلك مزمورا من مزامير الشيطان وأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه التسمية ورخص فيه لجويريتين غير مكلفتين ولا مفسدة في إنشادهما ولا استماعهما أفيدل هذا على إباحة ما تعملونه وتعلمونه من السماع المشتمل على ما لا يخفى فيا سبحان الله! كيف ضلت العقول والأفهام . وأعجب من هذا كله: الاستدلال على إباحته بما سمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحداء المشتمل على الحق والتوحيد ! وهل حرم أحد مطلق الشعر وقوله واستماعه فكم في هذا التعلق ببيوت العنكبوت . وأعجب من هذا: الاستدلال على إباحته بإباحة أصوات الطيور اللذيذة وهل هذا إلا من جنس قياس الذين قالوا إنما البيع مثل الربا [البقرة: 275] وأين أصوات الطيور إلى نغمات الغيد الحسان والأوتار والعيدان وأصوات أشباه النساء من المردان والغناء بما يحدو الأرواح والقلوب إلى مواصلة كل محبوبة ومحبوب وأين الفتنة بهذا إلى الفتنة بصوت القمري والبلبل والهزار ونحوها . بل نقول: لو كانا سواء لكان اتخاذ هذا السماع قربة وطاعة تستنزل به المعارف والأذواق والمواجيد وتحرك به الأحوال بمنزلة التقرب إلى الله بأصوات الطيور ومعاذ الله أن يكونا سواء. والذي يفصل النزاع في حكم هذه المسألة ثلاث قواعد من أهم قواعد الإيمان والسلوك فمن لم يبن عليها فبناؤه على شفا جرف هار.(1\/491)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "463",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13460",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القاعدة الأولى: أن الذوق والحال والوجد: هل هو حاكم أو محكوم عليه فيحكم عليه بحاكم آخر ويتحاكم إليه . فهذا منشأ ضلال من ضل من المفسدين لطريق القوم الصحيحة حيث جعلوه حاكما فتحاكموا إليه فيما يسوغ ويمتنع وفيما هو صحيح وفاسد وجعلوه محكا للحق والباطل فنبذوا لذلك موجب العلم والنصوص وحكموا فيها الأذواق والأحوال والمواجيد فعظم الأمر وتفاقم الفساد والشر وطمست معالم الإيمان والسلوك المستقيم وانعكس السير وكان إلى الله فصيروه إلى النفوس فالناس المحجوبون عن أذواقهم يعبدون الله وهؤلاء يعبدون نفوسهم. ومن العجب أنهم دخلوا في أنواع الرياضات والمجاهدات والزهد ليتجردوا عن شهوات النفوس وحظوظها فانتقلوا من شهوات إلى شهوات أكبر منها ومن حظوظ إلى حظوظ أحط منها وكان حالهم في شهوات نفوسهم التي انتقلوا عنها أكمل وحال أربابها خيرا من حال هؤلاء لأنهم لم يعارضوا بها العلم ولا قدموها على النصوص ولا جعلوها دينا وقربة ولا ازدروا من أجلها العلم وأهله. والشهوات التي انتقلوا إليها جعلوها أعلى ما يشمرون إليها فهي قبلة قلوبهم فهم حولها عاكفون واقفون مع حظوظهم من الله فانون بها عن مراد الله منهم الناس يعبدون الله وهم يعبدون أنفسهم عائبون على أهل الحظوظ والشهوات ومزدرون لهم وهم أعظم الناس حظوظا وإنما زهدوا في حظ إلى حظ أعلى منه وإنما تركوا شهوة لشهوة أحط. فليتدبر اللبيب هذا الموضع في نفسه وفي غيره فكل ما خالف مراد الله الديني من العبد فهو حظه وشهوته مالا كان أو رياسة أو صورة أو حالا أو ذوقا أو وجدا. ثم من قدمه على مراد الله فهو أسوأ حالا ممن عرف أنه نقص ومحنة وأن مراد الله أولى بالتقديم منه فهو يتوب منه كل وقت إلى الله. ثم إنه وقع من تحكيم الذوق من الفساد ما لا يعلمه إلا الله فإن الأذواق مختلفة في أنفسها كثيرة الألوان متباينة أعظم التباين فكل طائفة لهم أذواق وأحوال ومواجيد بحسب معتقداتهم وسلوكهم. فالقائلون بوحدة الوجود لهم ذوق وحال ووجد في معتقدهم بحسبه والنصارى لهم ذوق في النصرانية بحسب رياضتهم وعقائدهم وكل من اعتقد شيئا أو سلك(1\/492)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "464",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13461",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سلوكا حقا كان أو باطلا فإنه إذا ارتاض وتجرد لزمه وتمكن من قلبه وبقي له فيه حال وذوق ووجد فيذوق من يزن الحقائق إذن ويعرف الحق من الباطل. وهذا سيد أهل الأذواق والمواجيد والكشوف والأحوال من هذه الأمة المحدث المكاشف عمر رضي الله عنه لا يلتفت إلى ذوقه ووجده ومخاطبته في شيء من أمور الدين حتى ينشد عنه الرجال والنساء والأعراب فإذا أخبروه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء لم يلتفت إلى ذوقه ولا إلى وجده وخطابه بل يقول quot; لو لم نسمع بهذا لقضينا بغيره quot; ويقول quot; أيها الناس رجل أخطأ وامرأة أصابت quot; فهذا فعل الناصح لنفسه وللأمة رضي الله عنه ليس كفعل من غش نفسه والدين والأمة. القاعدة الثانية: أنه إذا وقع النزاع في حكم فعل من الأفعال أو حال من الأحوال أو ذوق من الأذواق هل هو صحيح أو فاسد وحق أو باطل وجب الرجوع فيه إلى الحجة المقبولة عند الله وعند عباده المؤمنين وهي وحيه الذي تتلقى أحكام النوازل والأحوال والواردات منه وتعرض عليه وتوزن به فما زكاه منها وقبله ورجحه وصححه فهو المقبول وما أبطله ورده فهو الباطل المردود ومن لم يبن على هذا الأصل علمه وسلوكه وعمله فليس على شيء من الدين وإن وإن وإنما معه خدع وغرور كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب [النور: 39] . القاعدة الثالثة: إذا أشكل على الناظر أو السالك حكم شيء هل هو الإباحة أو التحريم فلينظر إلى مفسدته وثمرته وغايته فإن كان مشتملا على مفسدة راجحة ظاهرة فإنه يستحيل على الشارع الأمر به أو إباحته بل العلم بتحريمه من شرعه قطعي ولاسيما إذا كان طريقا مفضيا إلى ما يغضب الله ورسوله موصلا إليه عن قرب(1\/493)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "465",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13462",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": " وهو رقية له ورائد وبريد فهذا لا يشك في تحريمه أولو البصائر فكيف يظن بالحكيم الخبير أن يحرم مثل رأس الإبرة من المسكر لأنه يسوق النفس إلى السكر الذي يسوقها إلى المحرمات ثم يبيح ما هو أعظم منه سوقا للنفوس إلى الحرام بكثير فإن الغناء كما قال ابن مسعود رضي الله عنه هو رقية الزنا وقد شاهد الناس أنه ما عاناه صبي إلا وفسد ولا امرأة إلا وبغت ولا شاب إلا وإلا ولا شيخ إلا وإلا والعيان من ذلك يغني عن البرهان ولاسيما إذا جمع هيئة تحدو النفوس أعظم حدو إلى المعصية والفجور بأن يكون على الوجه الذي ينبغي لأهله من المكان والإمكان والعشراء والإخوان وآلات المعازف من اليراع والدف والأوتار والعيدان وكان القوال شادنا شجي الصوت لطيف الشمائل من المردان أو النسوان وكان القول في العشق والوصال والصد والهجران. ودارت كئوس الهوى بينهم ... فلست ترى فيهم صاحيا فكل على قدر مشروبه ... وكل أجاب الهوى الداعيا فمالوا سكارى ولا سكر من ... تناول أم الهوى خاليا وجار على القوم ساقيهم ... ولم يؤثروا غيره ساقيا فمزق منهم قلوبا غدت ... لباسا عليه يرى ضافيا فلم يستفيقوا إلى أن أتى ... إليهم منادي اللقا داعيا أجيبوا فكل امرئ منكم ... على حاله ربه لاقيا هنالك تعلم من حمأة ... شربت مع القوم أم صافيا وبالله لا بد قبل اللقا ... سنعلم ذا إن تك واعيا لا بد تصحو فإما هنا ... وإما هناك فكن راضيا  [فصل تحكيم الوحي في الأحوال والأذواق] فصل وإذا لم يكن بد من المحاكمة إلى الذوق فهلم نحاكمك إلى ذوق لا ننكره نحن ولا أنت غير هذه الأذواق التي ذكرناها. فالقلب يعرض له حالتان: حالة حزن وأسف على مفقود وحالة فرح ورضى بموجود وله بمقتضى هاتين الحالتين عبوديتان. وله بمقتضى الحالة الأولى عبودية الرضاء وهي للسابقين والصبر وهي لأصحاب اليمين.(1\/494)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "466",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13463",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وله بمقتضى الحالة الثانية عبودية الشكر والشاكرون فيها أيضا نوعان: سابقون وأصحاب يمين فاقتطعته النفس والشيطان عن هاتين العبوديتين بصوتين أحمقين فاجرين هما للشيطان لا للرحمن: صوت الندب والنياحة عند الحزن وفوات المحبوب وصوت اللهو والمزمار والغناء عند الفرح وحصول المطلوب فعوضه الشيطان بهذين الصوتين عن تينك العبوديتين. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى بعينه في حديث أنس رضي الله عنه quot; إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت ويل عند مصيبة وصوت مزمار عند نعمة quot;. ووافق ذلك راحة من النفس وشهوة ولذة وسرت فيها تلك الرقائق حتى تعبد بها من قل نصيبه من النور النبوي وقل مشربه من العين المحمدية وانضاف ذلك إلى صدق وطلب وإرادة مضادة لشهوات أهل الغي وأهل البطالة ورأوا قساوة قلوب المنكرين لطريقتهم وكثافة حجبهم وغلظة طباعهم وثقل أرواحهم وصادف ذلك تحركا لسواكنهم وانقيادا للواعج الحب وإزعاجا للنفوس إلى أوطانها الأولى ومعاهدها التي سبيت منها. والنفوس الطالبة المرتاضة السائرة لا بد لها من محرك يحركها وحاد يحدوها وليس لها من حادي القرآن عوض عن حادي السماع. فتركب من هذه الأمور إيثار منهم للسماع ومحبة صادقة له تزول الجبال عن أماكنها ولا تفارق قلوبهم إذ هو مثير عزماتهم ومحرك سواكنهم ومزعج بواطنهم. فدواء صاحب مثل هذا الحال أن ينقل بالتدريج إلى سماع القرآن بالأصوات الطيبة مع الإمعان في تفهم معانيه وتدبر خطابه قليلا قليلا إلى أن ينخلع من قلبه سماع الأبيات ويلبس محبة سماع الآيات ويصير ذوقه وشربه وحاله ووجده فيه فحينئذ يعلم هو من نفسه أنه لم يكن على شيء ويتمثل حينئذ بقول القائل: وكنت أرى أن قد تناهى بي الهوى ... إلى غاية ما فوقها لي مطلب فلما تلاقينا وعاينت حسنها ... تيقنت أني إنما كنت ألعب ومنافاة النوح للصبر والغناء للشكر: أمر معلوم بالضرورة من الدين لا يمتري فيه إلا أبعد الناس من العلم والإيمان فإن الشكر هو الاشتغال بطاعة الله لا بالصوت(1\/495)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "467",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13464",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأحمق الفاجر الذي هو الشيطان وكذلك النوح ضد الصبر كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في النائحة وقد ضربها حتى بدا شعرها وقال: لا حرمة لها إنها تأمر بالجزع وقد نهى الله عنه وتنهى عن الصبر وقد أمر الله به وتفتن الحي وتؤذي الميت وتبيع عبرتها وتبكي شجو غيرها. ومعلوم عند الخاصة والعامة أن فتنة سماع الغناء والمعازف أعظم من فتنة النوح بكثير والذي شاهدناه نحن وغيرنا وعرفناه بالتجارب أنه ما ظهرت المعازف وآلات اللهو في قوم وفشت فيهم واشتغلوا بها إلا سلط الله عليهم العدو وبلوا بالقحط والجدب وولاة السوء والعاقل يتأمل أحوال العالم وينظر والله المستعان. ولا تستطل كلامنا في هذه المنزلة فإن لها عند القوم شأنا عظيما. وأما قولهم: من أنكر على أهله فقد أنكر على كذا وكذا ولي لله فحجة عامية نعم إذا أنكر أولياء الله على أولياء الله كان ماذا فقد أنكر عليهم من أولياء الله من هو أكثر منهم عددا وأعظم عند الله وعند المؤمنين منهم قدرا وأقرب بالقرون المفضلة عهدا وليس من شرط ولي الله العصمة وقد تقاتل أولياء الله في صفين بالسيوف ولما سار بعضهم إلى بعض كان يقال: سار أهل الجنة إلى أهل الجنة. وكون ولي الله يرتكب المحظور والمكروه متأولا أو عاصيا لا يمنع ذلك من الإنكار عليه ولا يخرجه عن أصل ولاية الله وهيهات هيهات أن يكون أحد من أولياء الله المتقدمين حضر هذا السماع المحدث المبتدع المشتمل على هذه الهيئة التي تفتن القلوب أعظم من فتنة المشروب وحاشا أولياء الله من ذلك وإنما السماع الذي اختلف فيه مشايخ القوم: اجتماعهم في مكان خال من الأغيار يذكرون الله ويتلون شيئا من القرآن ثم يقوم بينهم قوال ينشدهم شيئا من الأشعار المزهدة في الدنيا المرغبة في لقاء الله ومحبته وخوفه ورجائه والدار الآخرة وينبههم على بعض أحوالهم من يقظة أو غفلة أو بعد أو انقطاع أو تأسف على فائت أو تدارك لفارط أو وفاء بعهد أو تصديق بوعد أو ذكر قلق وشوق أو خوف فرقة أو صد وما جرى هذا المجرى. فهذا السماع الذي اختلف فيه القوم لا سماع المكاء والتصدية والمعازف والخمريات. وعشق الصور من المردان والنسوان وذكر محاسنها ووصالها وهجرانها فهذا لو سئل عنه من سئل من أولي العقول لقضى بتحريمه وعلم أن الشرع لا يأتي بإباحته(1\/496)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "468",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13465",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": " وأنه ليس على الناس أضر منه ولا أفسد لعقولهم وقلوبهم وأديانهم وأموالهم وأولادهم وحريمهم منه والله أعلم.  [فصل درجات السماع الثلاث] فصل قال صاحب المنازل: السماع على ثلاث درجات: سماع العامة وهو ثلاثة أشياء: إجابة زجر الوعيد رغبة وإجابة دعوة الوعد جهدا وبلوغ مشاهدة المنة استبصارا. الوعيد يكون على ترك المأمور وفعل المحظور وإجابة داعيه هو العمل بالطاعة. وقوله: رغبة يعني امتثالا لكون الله تعالى أمر ونهى وأوعد. وحقيقة الرجاء: الخوف والرجاء فيفعل ما أمر به على نور الإيمان راجيا الثواب ويترك ما نهى عنه على نور الإيمان خائفا من العقاب. وفي الرغبة فائدة أخرى وهي أن فعله يكون فعل راغب مختار لا فعل كاره كأنما يساق إلى الموت وهو ينظر. وأما إجابة الوعد جهدا: فهو امتثال الأمر طلبا للوصول إلى الموعود به باذلا جهده في ذلك مستفرغا فيه قواه. وأما بلوغ مشاهدة المنة استبصارا: فهو تنبه السامع في سماعه إلى أن جميع ما وصله من خير فمن منة الله عليه وبفضله عليه من غير استحقاق منه ولا بذل عوض استوجب به ذلك كما قال تعالى يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين [الحجرات: 17] . وكذلك يشهد أن ما زوي عنه من الدنيا أو ما لحقه منها من ضرر وأذى فهو منة أيضا من الله عليه من وجوه كثيرة ويستخرجها الفكر الصحيح كما قال بعض السلف: يا ابن آدم لا تدري أي النعمتين عليك أفضل: نعمته فيما أعطاك أو نعمته فيما زوى عنك وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا أبالي على أي حال أصبحت أو أمسيت إن كان الغنى إن فيه للشكر وإن كان الفقر إن فيه للصبر وقال بعض السلف:(1\/497)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "469",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13466",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نعمته فيما زوى عني من الدنيا أعظم من نعمته فيما بسط لي منها إني رأيته أعطاها قوما فاغتروا. إذا عم بالسراء أعقب شكرها ... وإن مس بالضراء أعقبها الأجر وما منهما إلا له فيه نعمة ... تضيق بها الأوهام والبر والبحر فإن قلت: فهل يشهد منته فيما لحقه من المعصية والذنب قلت: نعم إذا اقترن بها التوبة النصوح والحسنات الماحية كانت من أعظم المنن عليه كما تقدم تقريره.  فصل. قال: وسماع الخاصة ثلاثة أشياء: شهود المقصود في كل رمز والوقوف على الغاية في كل حين والخلاص من التلذذ بالتفرق. والمقصود في كل رمز: هو الرب تبارك وتعالى فإن المسموع كله يعرف به وبصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه ووعده ووعيده وأمره ونهيه وعدله وفضله وهذا الشهود ينال بالسماع بالله ولله وفي الله ومن الله. أما السماع به: فأن لا يسمع وفيه بقية من نفسه فإن كانت فيه بقية قطعها كمال تعلقه بالمسموع فيكون سماعه بقيوميته مجردا من التفاته إلى نفسه. وأما السماع له: فأن يجرد النفس في السماع من كل إرادة تزاحم مراد الله منه. وتجمع قوى سمعه على تحصيل مراد الله من المسموع. وأما السماع فيه: فشأن آخر وهو تجريد ما لا يليق نسبته إلى الحق من وصف أو سمة أو نعت أو فعل مما هو لائق بكماله فيثبت له ما يليق بكماله من المسموع وينزهه عما لا يليق به. وهذا الموضع لم يتخلص فيه إلا الراسخون في العلم والمعرفة بالله وأضل الله عنه أهل التحريف والتعطيل والتشبيه والتمثيل و فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم [البقرة: 213] .(1\/498)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "470",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13467",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما السماع منه فإنما يتصور بواسطة فهو سماع مقيد وأما المطلق فلا مطمع فيه في عالم الفناء إلا لمن اختصه الله برسالاته وبكلامه ولكن السماع لكلامه كالسماع منه فإنه كلامه الذي تكلم به حقا فمن سمعه فليقدر نفسه كأنه يسمعه من الله. هذا هو السماع من الله لا سماع أرباب الخيال ودعوى المحال القائل أحدهم: ناداني في سري وخاطبني وقال لي يا ليت شعري من المنادي لك ومن المخاطب يا مخدوع يا مغرور فما يدريك أنداء شيطاني أم رحماني وما البرهان على أن المخاطب لك هو الرحمن نعم نحن لا ننكر النداء والخطاب والحديث وإنما الشأن في المنادي المخاطب المحدث فهاهنا تسكب العبرات. وبالجملة فمن قرئ عليه القرآن فليقدر نفسه كأنما يسمعه من الله يخاطبه به فإذا حصل له مع ذلك السماع به وله وفيه ازدحمت معاني المسموع ولطائفه وعجائبه على قلبه وازدلفت إليه بأيهما يبدأ فما شئت من علم وحكمة وتعرف وبصيرة وهداية وغيرة. وأما الوقوف على الغاية في كل حين: فهو التطلب والسفر إلى الغاية المقصودة بالمسموع الذي جعل وسيلة إليها. وهو الحق سبحانه فإنه غاية كل مطلب وأن إلى ربك المنتهى [النجم: 42] وليس وراء الله مرمى ولا دونه مستقر ولا تقر العين بغيره البتة وكل مطلوب سواه فظل زائل وخيال مفارق مائل وإن تمتع به صاحبه فمتاع الغرور. وأما الخلاف من التلذذ بالتفرق: فالتفرق في معاني المسموع وتنقل القلب في منازلها يوجب له لذة كما هو المألوف في الانتقال فليتخلص من لذة تفرقه التي هي حظه إلى الجمعية على المسموع به وله ومنه. ولم يقل الشيخ quot; من التفرق quot; فإن المسموع إنما يدرك معناه ويفهم بالتفرق لتنوعه ولكن ليتخلص من لذته لا منه لئلا يكون مع حظه وهذا من لطف أحوال السامعين المخلصين.  فصل. قال: وسماع خاصة الخاصة: سماع ينفي العلل عن الكشف ويصل الأبد إلى(1\/499)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "471",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13468",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأزل ويرد النهايات إلى الأول. فالكشف هو مكافحة القلب لحقيقة المسموع. وعلله أمران: أحدهما: الشبه التي تنتفي بهذه المكافحة فلا تبقى معها شبهة فهذا هو عين اليقين. والثاني: نفي الوسائط بين السامع والمسموع فيغيب بمسموعه عنها ويفنى عن شهودها ويفنى عن شهود فنائه عنها بحيث يشهده هو المسمع لا الواسطة وهو الهادي فمنه الإسماع ومنه الهداية ومنه الابتداء وإليه الانتهاء. وأما وصله الأبد إلى الأزل فهذا إن أخذ على ظاهره فهو محال لأن الأبد والأزل متقابلان تقابل التناقض فإيصال أحدهما إلى الآخر عين المحال وإنما مراده أن ما يكون في الأبد موجودا مشهودا فقد كان في الأزل معلوما مقدرا فعاد حكم الأبد إلى الأزل علما وحقيقة وصار الأزلي أبديا كما كان الأبدي أزليا في العلم والحكم. وإيضاح ذلك: أن الأبد ظهر فيه ما كان كامنا في الأزل خافيا فانتهى الأمر كله إلى علمه وحكمه وحكمته وذلك أزلي وهذا رد النهايات إلى الأول فتصير الخاتمة هي عين السابقة والله تعالى هو الأول والآخر وكل ما كان ويكون آخرا فمردود إلى سابق علمه وحكمه فرجع الأبد إلى الأزل والنهايات إلى الأول والله أعلم.  [فصل منزلة الحزن] ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الحزن وليست من المنازل المطلوبة ولا المأمور بنزولها وإن كان لا بد للسالك من نزولها ولم يأت الحزن في القرآن إلا منهيا عنه أو منفيا. فالمنهي عنه كقوله تعالى ولا تهنوا ولا تحزنوا [آل عمران: 139] وقوله: ولا تحزن عليهم [الحجر: 88] في غير موضع وقوله: لا تحزن إن الله معنا [التوبة: 40] والمنفي كقوله: فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون [البقرة: 38] .(1\/500)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "472",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13469",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسر ذلك أن الحزن موقف غير مسير ولا مصلحة فيه للقلب وأحب شيء إلى الشيطان أن يحزن العبد ليقطعه عن سيره ويوقفه عن سلوكه قال الله تعالى إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا [المجادلة: 10] ونهى النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة أن يتناجى اثنان منهم دون الثالث لأن ذلك يحزنه. فالحزن ليس بمطلوب ولا مقصود ولا فيه فائدة وقد استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم فقال اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن فهو قرين الهم والفرق بينهما أن المكروه الذي يرد على القلب إن كان لما يستقبل أورثه الهم وإن كان لما مضى أورثه الحزن وكلاهما مضعف للقلب عن السير مقتر للعزم. ولكن نزول منزلته ضروري بحسب الواقع ولهذا يقول أهل الجنة إذا دخلوها الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن [فاطر: 34] فهذا يدل على أنهم كان يصيبهم في الدنيا الحزن كما يصيبهم سائر المصائب التي تجري عليهم بغير اختيارهم. وأما قوله تعالى ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون [التوبة: 92] فلم يمدحوا على نفس الحزن وإنما مدحوا على ما دل عليه الحزن من قوة إيمانهم حيث تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعجزهم عن النفقة ففيه تعريض بالمنافقين الذين لم يحزنوا على تخلفهم بل غبطوا نفوسهم به. وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ما يصيب المؤمن من هم ولا نصب ولا حزن إلا كفر الله به من خطاياه فهذا يدل على أنه مصيبة من الله يصيب بها العبد(1\/501)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "473",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13470",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكفر بها من سيئاته لا يدل على أنه مقام ينبغي طلبه واستيطانه. وأما حديث هند بن أبي هالة في صفة النبي صلى الله عليه وسلم إنه كان متواصل الأحزان فحديث لا يثبت وفي إسناده من لا يعرف. وكيف يكون متواصل الأحزان وقد صانه الله عن الحزن على الدنيا وأسبابها ونهاه عن الحزن على الكفار وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فمن أين يأتيه الحزن . بل كان دائم البشر ضحوك السن كما في صفته quot; الضحوك القتال quot; صلوات الله وسلامه عليه. وأما الخبر المروي quot; إن الله يحب كل قلب حزين quot; فلا يعرف إسناده ولا من رواه ولا تعلم صحته. وعلى تقدير صحته فالحزن مصيبة من المصائب التي يبتلي الله بها عبده فإذا ابتلى به العبد فصبر عليه أحب صبره على بلائه. وأما الأثر الآخر quot; إذا أحب الله عبدا نصب في قلبه نائحة وإذا أبغض عبدا جعل في قلبه مزمارا quot; فأثر إسرائيلي قيل: إنه في التوراة وله معنى صحيح فإن المؤمن حزين على ذنوبه والفاجر لاه لاعب مترنم فرح.(1\/502)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "474",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13471",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما قوله تعالى عن نبيه إسرائيل وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم [يوسف: 84] فهو إخبار عن حاله بمصابه بفقد ولده وحبيبه وأنه ابتلاه بذلك كما ابتلاه بالتفريق بينه وبينه. وأجمع أرباب السلوك على أن حزن الدنيا غير محمود إلا أبا عثمان الحيري فإنه قال: الحزن بكل وجه فضيلة وزيادة للمؤمن ما لم يكن بسبب معصية قال: لأنه إن لم يوجب تخصيصا فإنه يوجب تمحيصا. فيقال: لا ريب أنه محنة وبلاء من الله بمنزلة المرض والهم والغم وأما إنه من منازل الطريق فلا والله سبحانه أعلم.  فصل قال صاحب المنازل: الحزن توجع لفائت وتأسف على ممتنع. يريد أن ما يفوت الإنسان قد يكون مقدورا له وقد لا يكون فإن كان مقدورا توجع لفوته وإن كان غير مقدور تأسف لامتناعه. قال: وله ثلاث درجات الأولى: حزن العامة وهو حزن على التفريط في الخدمة وعلى التورط في الجفاء وعلى ضياع الأيام. التفريط في الخدمة عندهم فوق التفريط في العمل وتضييعه بل هذا الحزن يكون مع القيام والعمل فإن الخدمة عندهم من باب الأخلاق والآداب لا من باب الأفعال وهي حق العبودية وأدبها وواجبها وصاحب هذا الحزن بالأولى: أن يحزن لتضييع العمل. وأما التورط في الجفاء فهو أيضا أخص من المعصية بارتكاب المحظور لأنه قد يكون لفقد أنس سابق مع الله فإذا توارى عنه تورط في الجفوة فإن الشيخ ذكر الحزن في قسم الأبواب وهو عنده من قسم البدايات. وأما تضييع الأيام فنوعان أيضا: تضييعها بخلوها عن الطاعات وتضييعها(1\/503)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "475",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13472",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بخلوها عن مواجيد الإيمان وذوق حلاوته والأنس بالله وحسن الصحبة معه. فكل واحد من الثلاثة نوعان لأهل البداية وللسالكين المتوسطين. وكلامه يعم النوعين وإن كان بالثاني أخص. قال: الدرجة الثانية حزن أهل الإرادة وهو حزن على تعلق القلب بالتفرقة وعلى اشتغال النفس عن الشهود وعلى التسلي عن الحزن. تعلق القلب بالتفرقة: هو عدم الجمعية في الحضور مع الله وتشتيت الخواطر في أودية المرادات. وأما اشتغال النفس عن الشهود فهو نوعان: اشتغالها عن الذكر الذي يوجب الشهود ويثمره بغيره. والثاني: اشتغالها عن الشهود لضعف الذكر أو لضعف القلب عن الشهود أو لمانع آخر ولكن إذا قهر الشهود النفس لم تتمكن من التشاغل عنه إلا بقاهر يقهرها عنه. وأما التسلي عن الحزن فيعني أن وجود الحزن في القلب دليل على الإرادة والطلب ففقده والتسلي عنه نقص فيحزن على فقد الحزن كما يبكي على فقد البكاء ويخاف من عدم الخوف وهذا فيه نظر وإنما يحمد الحزن على فقد الحزن أما إذا اشتغل عن الحزن بفرح محمود وهو الفرح بفضل الله ورحمته فلا معنى للحزن على فوات الحزن. قال صاحب المنازل: وليست الخاصة من مقام الحزن في شيء لأن الحزن فقد والخاصة أهل وجدان. وهذا إن أراد به أنه لا ينبغي لهم تعمد الحزن فصحيح وإن أراد به لا يعرض لهم حزن فليس كذلك والحزن من لوازم الطبيعة ولكن ليس هو بمقام. قال: الدرجة الثالثة من الحزن التحزن للمعارضات دون الخواطر(1\/504)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "476",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13473",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومعارضات القصود واعتراضات الأحكام. هذه ثلاثة أمور بحسب الشهود والإرادة. الأول: حزن المعارضات فإن القلب يعترضه وارد الرجاء مثلا فلم ينشب أن يعارضه وارد الخوف وبالعكس ويعترضه وارد البسط فلم ينشب أن يعترضه وارد القبض ويرد عليه وارد الأنس فيعترضه وارد الهيبة فيوجب له اختلاف هذه المعارضات عليه حزنا لا محالة. وليست هذه المعارضات من قبيل الخواطر بل هي من قبيل الواردات الإلهية فلذلك قال quot; دون الخواطر quot; فإن معارضات الخواطر غير هذا. وعند القوم هذا من آثار الأسماء والصفات واتصال أشعة أنوارها بالقلب وهو المسمى عندهم بالتجلي. وأما معارضات القصود فهي أصعب ما على القوم وفيه يظهر اضطرارهم إلى العلم فوق كل ضرورة فإن الصادق يتحرى في سلوكه كله أحب الطرق إلى الله فإنه سالك به وإليه فيعترضه طريقان لا يدري أيهما أرضى لله وأحب إليه فمنهم من يحكم العلم بجهده استدلالا فإن عجز فتقليدا فإن عجز عنهما سكن ينتظر ما يحكم له به القدر ويخلي باطنه من المقاصد جملة. ومنهم من يلقي الكل على شيخه إن كان له شيخ. ومنهم من يلجأ إلى الاستخارة والدعاء ثم ينتظر ما يجري به القدر. وأصحاب العزائم يبذلون وسعهم في طلب الأرضى علما ومعرفة فإن أعجزهم قنعوا بالظن الغالب فإن تساوى عندهم الأمران قدموا أرجحهما مصلحة. ولترجيح المصالح رتب متفاوتة فتارة تترجح بعموم النفع وتارة تترجح بزيادة الإيمان وتارة تترجح بمخالفة النفس وتارة تترجح باستجلاب مصلحة أخرى لا تحصل من غيرها وتارة تترجح بأمنها من الخوف من مفسدة لا تؤمن في غيرها. فهذه خمس جهات من الترجيح قل أن يعدم واحدة منها. فإن أعوزه ذلك كله تخلى عن الخواطر جملة وانتظر ما يحركه به محرك القدر(1\/505)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "477",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13474",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": " وافتقر إلى ربه افتقار مستنزل ما يرضيه ويحبه فإذا جاءته الحركة استخار الله وافتقر إليه افتقارا ثانيا خشية أن تكون تلك الحركة نفسية أو شيطانية لعدم العصمة في حقه واستمرار المحنة بعدوه ما دام في عالم الابتلاء والامتحان ثم أقدم على الفعل. فهذا نهاية ما في مقدور الصادقين. ولأهل الجهاد في هذا من الهداية والكشف ما ليس لأهل المجاهدة ولهذا قال الأوزاعي وابن المبارك: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما عليه أهل الثغر يعني أهل الجهاد فإن الله تعالى يقول والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين [العنكبوت: 69] . وأما اعتراضات الأحكام فيجوز أن يريد بالأحكام الأحكام الكونية وهو أظهر وأن يريد بها الأحكام الدينية فإن أرباب الأحوال يقع منهم اعتراضات على الأحكام الجارية عليهم بخلاف ما يريدونه فيحزنون عند إدراكهم لتلك الاعتراضات على ما صدر منهم من سوء الأدب. وتلك الاعتراضات هي إرادتهم خلاف ما جرى لهم به القدر فيحزنون على عدم الموافقة وإرادة خلاف ما أريد بهم. وإن كان المراد به الأحكام الدينية فإنهم تعرض لهم أحوال لا يمكنهم الجمع بينها وبين أحكام الأمر كما تقدم فلا يجدون بدا من القيام بأحكام الأمر ولا بد أن يعرض لهم اعتراض خفي أو جلي بحسب انقطاعهم عن الحال بالأمر فيحزنون لوجود(1\/506)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "478",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13475",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذه المعارضة فإذا قاموا بأحكام الأمر ورأوا أن المصلحة في حقهم ذلك وحمدوا عاقبته حزنوا على تسرعهم على المعارضة. فالتسليم لداعي العلم واجب ومعارضة الحال من قبيل الإرادات والعلل فيحزن على نفيهما فيه والله أعلم.  [فصل منزلة الخوف] ومن منازل ( إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] ) منزلة الخوف. وهي من أجل منازل الطريق وأنفعها للقلب وهي فرض على كل أحد قال الله تعالى فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين [آل عمران: 175] وقال تعالى وإياي فارهبون [البقرة: 40] وقال فلا تخشوا الناس واخشون [المائدة: 44] ومدح أهله في كتابه وأثنى عليهم فقال إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون [المؤمنون: 57] إلى قوله أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون [المؤمنون: 61] وفي المسند والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله قول الله والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة [المؤمنون: 60] أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق قال: لا يا ابنة الصديق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه قال الحسن: عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم إن المؤمن جمع إحسانا وخشية والمنافق جمع إساءة وأمنا. و ((الوجل)) و ((الخوف)) و ((الخشية)) و ((الرهبة)) ألفاظ متقاربة غير مترادفة قال أبو القاسم الجنيد: الخوف توقع العقوبة على مجاري الأنفاس.(1\/507)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "479",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13476",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقيل: الخوف اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف. وقيل: الخوف قوة العلم بمجاري الأحكام وهذا سبب الخوف لا أنه نفسه وقيل: الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره. و ((الخشية)) أخص من الخوف فإن الخشية للعلماء بالله قال الله تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء [فاطر: 28] فهي خوف مقرون بمعرفة وقال النبي صلى الله عليه وسلم إني أتقاكم لله وأشدكم له خشية . فالخوف حركة والخشية انجماع وانقباض وسكون فإن الذي يرى العدو والسيل ونحو ذلك له حالتان: إحداهما: حركة للهرب منه وهي حالة الخوف. والثانية: سكونه وقراره في مكان لا يصل إليه فيه وهي الخشية ومنه: انخشى الشيء والمضاعف والمعتل أخوان كتقضي البازي وتقضض. وأما الرهبة فهي الإمعان في الهرب من المكروه وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه. وبين الرهب والهرب تناسب في اللفظ والمعنى يجمعهما الاشتقاق الأوسط الذي هو عقد تقاليب الكلمة على معنى جامع. وأما الوجل فرجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته أو لرؤيته. وأما الهيبة فخوف مقارن للتعظيم والإجلال وأكثر ما يكون مع المحبة والمعرفة. والإجلال: تعظيم مقرون بالحب. فالخوف لعامة المؤمنين والخشية للعلماء العارفين والهيبة للمحبين والإجلال للمقربين وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية وفي رواية quot; خوفا quot; وقال لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات(1\/508)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "480",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13477",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تجأرون إلى الله تعالى . فصاحب الخوف يلتجئ إلى الهرب والإمساك وصاحب الخشية يلتجئ إلى الاعتصام بالعلم ومثلهما مثل من لا علم له بالطب ومثل الطبيب الحاذق فالأول يلتجئ إلى الحمية والهرب والطبيب يلتجئ إلى معرفته بالأدوية والأدواء. قال أبو حفص: الخوف سوط الله يقوم به الشاردين عن بابه وقال: الخوف سراج في القلب به يبصر ما فيه من الخير والشر وكل أحد إذا خفته هربت منه إلا الله عز وجل فإنك إذ خفته هربت إليه. فالخائف هارب من ربه إلى ربه. قال أبو سليمان: ما فارق الخوف قلبا إلا خرب وقال إبراهيم بن سفيان: إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات منها وطرد الدنيا عنها وقال ذو النون: الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف فإذا زال عنهم الخوف ضلوا الطريق وقال(1\/509)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "481",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13478",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حاتم الأصم: لا تغتر بمكان صالح فلا مكان أصلح من الجنة ولقي فيها آدم ما لقي ولا تغتر بكثرة العبادة فإن إبليس بعد طول العبادة لقي ما لقي ولا تغتر بكثرة العلم فإن بلعام بن باعورا لقي ما لقي وكان يعرف الاسم الأعظم ولا تغتر بلقاء الصالحين ورؤيتهم فلا شخص أصلح من النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينتفع بلقائه أعداؤه والمنافقون. والخوف ليس مقصودا لذاته بل هو مقصود لغيره قصد الوسائل ولهذا يزول بزوال المخوف فإن أهل الجنة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والخوف يتعلق بالأفعال والمحبة تتعلق بالذات والصفات ولهذا تتضاعف محبة المؤمنين لربهم إذا دخلوا دار النعيم ولا يلحقهم فيها خوف ولهذا كانت منزلة المحبة ومقامها أعلى وأرفع من منزلة الخوف ومقامه. والخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم الله عز وجل فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط. قال أبو عثمان: صدق الخوف هو الورع عن الآثام ظاهرا وباطنا.(1\/510)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "482",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13479",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله. وقال صاحب المنازل: الخوف هو الانخلاع من طمأنينة الأمن بمطالعة الخبر. يعني الخروج عن سكون الأمن باستحضار ما أخبر الله به من الوعد والوعيد. قال: وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى: الخوف من العقوبة وهو الخوف الذي يصح به الإيمان وهو خوف العامة وهو يتولد من تصديق الوعيد وذكر الجناية ومراقبة العاقبة. والخوف مسبوق بالشعور والعلم فمحال خوف الإنسان مما لا شعور له به. وله متعلقان أحدهما: نفس المكروه المحذور وقوعه والثاني: السبب والطريق المفضي إليه فعلى قدر شعوره بإفضاء السبب إلى المخوف وبقدر المخوف يكون خوفه وما نقص من شعوره بأحد هذين نقص من خوفه بحسبه. فمن لم يعتقد أن سبب كذا يفضي إلى محذور كذا لم يخف من ذلك السبب ومن اعتقد أنه يفضي إلى مكروه ما ولم يعرف قدره لم يخف منه ذلك الخوف فإذا عرف قدر المخوف وتيقن إفضاء السبب إليه حصل له الخوف. هذا معنى تولده من تصديق الوعيد وذكر الجناية ومراقبة العاقبة. وفي مراقبة العاقبة: زيادة استحضار المخوف وجعله نصب عينه بحيث لا ينساه فإنه وإن كان عالما به لكن نسيانه وعدم مراقبته يحول بين القلب وبين الخوف فلذلك كان الخوف علامة صحة الإيمان وترحله من القلب علامة ترحل الإيمان منه والله أعلم.  فصل. قال: الدرجة الثانية: خوف المكر في جريان الأنفاس المستغرقة في اليقظة المشوبة بالحلاوة.(1\/511)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "483",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13480",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يريد أن من حصلت له اليقظة بلا غفلة واستغرقت أنفاسه فيها استحلى ذلك فإنه لا أحلى من الحضور في اليقظة فإنه ينبغي أن يخاف المكر وأن يسلب هذا الحضور واليقظة والحلاوة فكم من مغبوط بحاله انعكس عليه الحال ورجع من حسن المعاملة إلى قبيح الأعمال فأصبح يقلب كفيه ويضرب باليمين على الشمال بينما بدر أحواله مستنيرا في ليالي التمام إذ أصابه الكسوف فدخل في الظلام فبدل بالأنس وحشة وبالحضور غيبة وبالإقبال إعراضا وبالتقريب إبعادا وبالجمع تفرقة كما قيل: أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر قال: الدرجة الثالثة [درجة الخاصة] وليس في مقام أهل الخصوص وحشة الخوف إلا هيبة الجلال وهي أقصى درجة يشار إليها في غاية الخوف. يعني أن وحشة الخوف إنما تكون مع الانقطاع والإساءة وأهل الخصوص أهل وصول إلى الله وقرب منه فليس خوفهم خوف وحشة كخوف المسيئين المنقطعين لأن الله عز وجل معهم بصفة الإقبال عليهم والمحبة لهم وهذا بخلاف هيبة الجلال فإنها متعلقة بذاته وصفاته وكلما كان عبده به أعرف وإليه أقرب كانت هيبته وإجلاله في قلبه أعظم وهي أعلى من درجة خوف العامة. قال: وهي هيبة تعارض المكاشف أوقات المناجاة وتصون المسامر أحيان المسامرة وتفصم المعاين بصدمة العزة. يعني أن أكثر ما تكون الهيبة أوقات المناجاة وهو وقت تملق العبد ربه وتضرعه بين يديه واستعطافه والثناء عليه بآلائه وأسمائه وأوصافه أو مناجاته بكلامه هذا هو مراد القوم بالمناجاة. وهذه المناجاة توجب كشف الغطاء بين القلب وبين الرب ورفع الحجاب المانع من مكافحة القلب لأنوار أسمائه وصفاته وتجليها عليه فتعارضه الهيبة في خلال هذه الأوقات فيفيض من عنان مناجاته بحسب قوة واردها. وأما صون المسامر أحيان المسامرة: فالمسامرة عندهم: أخص من المناجاة وهي(1\/512)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "484",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13481",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مخاطبة القلب للرب خطاب المحب لمحبوبه فإن لم يقارنها هيبة جلاله أخذت به في الانبساط والإدلال فتجيء الهيبة صائنة للمسامر في مسامرته عن انخلاعه من أدب العبودية. وأما فصمها المعاين بصدمة العزة فإن الفصم هو القطع أي تكاد تقتله وتمحقه بصدمة عزة الربوبية بمعانيها الثلاثة وهي عزة الامتناع وعزة القوة والشدة وعزة السلطان والقهر فإذا صدمت المعاين كادت تفصمه وتمحق أثره إذ لا يقوم لعزة الربوبية شيء والله أعلم.  [فصل منزلة الإشفاق] القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر فالمحبة رأسه والخوف والرجاء جناحاه فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران ومتى قطع الرأس مات الطائر ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر ولكن السلف استحبوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناح الخوف هذه طريقة أبي سليمان وغيره قال: ينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف فإن غلب عليه الرجاء فسد. وقال غيره: أكمل الأحوال: اعتدال الرجاء والخوف وغلبة الحب فالمحبة هي المركب. والرجاء حاد والخوف سائق والله الموصل بمنه وكرمه. فصل. منزلة الإشفاق ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الإشفاق قال الله تعالى الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون [الأنبياء: 49] وقال تعالى وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون - قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين - فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم [الطور: 25 - 27] .(1\/513)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "485",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13482",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإشفاق رقة الخوف وهو خوف برحمة من الخائف لمن يخاف عليه فنسبته إلى الخوف نسبة الرأفة إلى الرحمة فإنها ألطف الرحمة وأرقها ولهذا قال صاحب المنازل: الإشفاق: دوام الحذر مقرونا بالترحم وهو على ثلاث درجات الأولى: إشفاق على النفس أن تجمح إلى العناد. أي تسرع وتذهب إلى طريق الهوى والعصيان ومعاندة العبودية. وإشفاق على العمل: أن يصير إلى الضياع. أي يخاف على عمله أن يكون من الأعمال التي قال الله فيها وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا [الفرقان: 23] وهي الأعمال التي كانت لغير الله وعلى غير أمره وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويخاف أيضا أن يضيع عمله في المستقبل إما بتركه وإما بمعاصي تفرقه وتحبطه فيذهب ضائعا ويكون حال صاحبه كالحال التي قال الله تعالى عن أصحابها أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات [البقرة: 266] الآية قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للصحابة رضي الله عنهم: فيمن ترون هذه الآية نزلت فقالوا: الله أعلم فغضب عمر وقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين قال: يا ابن أخي قل ولا تحقرن نفسك قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل قال عمر: أي عمل قال ابن عباس: لعمل قال عمر: لرجل غني يعمل بطاعة الله فبعث الله إليه الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق جميع أعماله. قال: وإشفاق على الخليقة لمعرفة معاذيرها. هذا قد يوهم نوع تناقض فإنه كيف يشفق مع معرفة العذر وليس بمتناقض فإن الإشفاق كما تقدم خوف مقرون برحمة فيشفق عليهم من جهة مخالفة الأمر والنهي مع نوع رحمة بملاحظة جريان القدر عليهم. قال: الدرجة الثانية: إشفاق على الوقت أن يشوبه تفرق.(1\/514)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "486",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13483",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أي يحذر على وقته أن يخالطه ما يفرقه عن الحضور مع الله عز وجل. قال: وعلى القلب أن يزاحمه عارض. والعارض المزاحم إما فترة وإما شبهة وإما شهوة وكل سبب يعوق السالك. قال: وعلى اليقين أن يداخله سبب هو الطمأنينة إلى من بيده الأسباب كلها فمتى داخل يقينه ركون إلى سبب وتعلق به واطمأن إليه قدح ذلك في يقينه وليس المراد قطع الأسباب عن أن تكون أسبابا والإعراض عنها فإن هذا زندقة وكفر ومحال فإن الرسول سبب في حصول الهداية والإيمان والأعمال الصالحة سبب لحصول النجاة ودخول الجنة والكفر سبب لدخول النار والأسباب المشاهدة أسباب لمسبباتها ولكن الذي يريد أن يحذر منه إضافة يقينه إلى سبب غير الله ولا يتعلق بالأسباب بل يفنى بالمسبب عنها. والشيخ ممن يبالغ في إنكار الأسباب لا يرى وراء الفناء في توحيد الربوبية غاية وكلامه في الدرجة الثالثة في معظم الأبواب يرجع إلى هذين الأصلين وقد عرفت ما فيهما وأن الصواب خلافهما وهو إثبات الأسباب والقوى وأن الفناء في توحيد الربوبية ليس هو غاية الطريق بل فوقه ما هو أجل منه وأعلى وأشرف. ومن هاتين القاعدتين عرض في كتابه من الأمور التي أنكرت عليه ما عرض. قال: الدرجة الثالثة: إشفاق يصون سعيه عن العجب ويكف صاحبه عن مخاصمة الخلق ويحمل المريد على حفظ الجد. الأول يتعلق بالعمل والثاني بالخلق والثالث بالإرادة وكل منها له ما يفسده. فالعجب: يفسد العمل كما يفسده الرياء فيشفق على سعيه من هذا المفسد شفقة تصونه عنه. والمخاصمة للخلق مفسدة للخلق فيشفق على خلقه من هذا المفسد شفقة تصونه عنه. والإرادة يفسدها عدم الجد وهو الهزل واللعب فيشفق على إرادته مما يفسدها.(1\/515)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "487",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13484",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا صح له عمله وخلقه وإرادته استقام سلوكه وقلبه وحاله والله المستعان.  [فصل منزلة الخشوع] ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الخشوع قال الله تعالى ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق [الحديد: 16] قال ابن مسعود رضي الله عنه: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين وقال ابن عباس: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن وقال تعالى قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون [المؤمنون: 1] . والخشوع في أصل اللغة الانخفاض والذل والسكون قال تعالى وخشعت الأصوات للرحمن [طه: 108] أي سكنت وذلت وخضعت ومنه وصف الأرض بالخشوع وهو يبسها وانخفاضها وعدم ارتفاعها بالري والنبات قال تعالى ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت [فصلت: 39] . والخشوع: قيام القلب بين يدي الرب بالخضوع والذل والجمعية عليه وقيل: الخشوع الانقياد للحق وهذا من موجبات الخشوع. فمن علاماته أن العبد إذا خولف ورد عليه بالحق استقبل ذلك بالقبول والانقياد. وقيل: الخشوع خمود نيران الشهوة وسكون دخان الصدور وإشراق نور التعظيم في القلب.(1\/516)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "488",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13485",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الجنيد: الخشوع تذلل القلوب لعلام الغيوب. وأجمع العارفون على أن الخشوع محله القلب وثمرته على الجوارح وهي تظهره ورأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه قال النبي صلى الله عليه وسلم التقوى هاهنا وأشار إلى صدره ثلاث مرات وقال بعض العارفين: حسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن ورأى بعضهم رجلا خاشع المنكبين والبدن فقال: يا فلان الخشوع هاهنا وأشار إلى صدره لا هاهنا وأشار إلى منكبيه. وكان بعض الصحابة رضي الله عنهم وهو حذيفة يقول: إياكم وخشوع النفاق فقيل له: وما خشوع النفاق قال: أن ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع ورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا طأطأ رقبته في الصلاة فقال: يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك ليس الخشوع في الرقاب إنما الخشوع في القلوب ورأت عائشة رضي الله عنها شبابا يمشون ويتمارون في مشيتهم فقالت لأصحابها: من هؤلاء فقالوا: نساك فقالت: كان عمر بن الخطاب إذا مشى أسرع وإذا قال أسمع وإذا ضرب أوجع وإذا أطعم أشبع وكان هو الناسك حقا وقال الفضيل بن عياض: كان يكره أن يري الرجل من الخشوع أكثر مما في قلبه وقال حذيفة رضي الله عنه: أول ما تفقدون من دينكم الخشوع وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة ورب مصل لا خير فيه ويوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيهم خاشعا وقال سهل: من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان.(1\/517)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "489",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13486",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل. قال صاحب المنازل: الخشوع: خمود النفس وهمود الطباع لمتعاظم أو مفزع. يعني انقباض النفس والطبع وهو خمود قوى النفس عن الانبساط لمن له في القلوب عظمة ومهابة أو لما يفزع منه القلب. والحق أن الخشوع معنى يلتئم من التعظيم والمحبة والذل والانكسار. قال: وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى: التذلل للأمر والاستسلام للحكم والاتضاع لنظر الحق. التذلل للأمر تلقيه بذلة القبول والانقياد والامتثال. ومواطأة الظاهر الباطن مع إظهار الضعف والافتقار إلى الهداية للأمر قبل الفعل والإعانة عليه حال الفعل وقبوله بعد الفعل. وأما الاستسلام للحكم فيجوز أن يريد به الحكم الديني الشرعي فيكون معناه عدم معارضته برأي أو شهوة ويجوز أن يريد به الاستسلام للحكم القدري وهو عدم تلقيه بالتسخط والكراهة والاعتراض. والحق أن الخشوع هو الاستسلام للحكمين وهو الانقياد بالمسكنة والذل لأمر الله وقضائه. وأما الاتضاع لنظر الحق فهو اتضاع القلب والجوارح وانكسارها لنظر الرب إليها واطلاعه على تفاصيل ما في القلب والجوارح وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان [الرحمن: 46] وقوله: وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى [النازعات: 40] وهو مقام الرب على عبده بالاطلاع والقدرة والربوبية. فخوفه من هذا المقام يوجب له خشوع القلب لا محالة وكلما كان أشد(1\/518)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "490",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13487",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "استحضارا له كان أشد خشوعا وإنما يفارق القلب إذا غفل عن اطلاع الله عليه ونظره إليه. والتأويل الثاني: أنه مقام العبد بين يدي ربه عند لقائه. فعلى الأول يكون من باب إضافة المصدر إلى الفاعل. وعلى الثاني وهو أليق بالآية يكون من باب إضافة المصدر إلى المخوف والله أعلم.  فصل. قال: الدرجة الثانية: ترقب آفات النفس والعمل ورؤية فضل كل ذي فضل عليك وتنسم نسيم الفناء. يريد انتظار ظهور نقائص نفسك وعملك وعيوبهما لك فإنه يجعل القلب خاشعا لا محال لمطالعة عيوب نفسه وأعماله ونقائصهما من الكبر والعجب والرياء وضعف الصدق وقلة اليقين وتشتت النية وعدم تجرد الباعث من الهوى النفساني وعدم إيقاع العمل على الوجه الذي ترضاه لربك وغير ذلك من عيوب النفس ومفسدات الأعمال. وأما رؤية فضل كل ذي فضل عليك فهو أن تراعي حقوق الناس فتؤديها ولا ترى أن ما فعلوه من حقوقك عليهم فلا تعاوضهم عليها. فإن هذا من رعونات النفس وحماقاتها. ولا تطالبهم بحقوق نفسك وتعترف بفضل ذي الفضل منهم وتنسى فضل نفسك. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: العارف لا يرى له على أحد حقا ولا يشهد على غيره فضلا ولذلك لا يعاتب ولا يطالب ولا يضارب. وأما تنسم نسيم الفناء فلما كان الفناء عنده غاية جعل هذه الدرجة كالنسيم لرقته وعبر عنها بالنسيم للطف موقعه من الروح وشدة تشبثها به ولا ريب أن الخشوع سبب موصل إلى الفناء فاضله ومفضوله.(1\/519)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "491",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13488",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل. قال: الدرجة الثالثة: حفظ الحرمة عند المكاشفة وتصفية الوقت من مراءاة الخلق وتجريد رؤية الفضل. أما حفظ الحرمة عند المكاشفة فهو ضبط النفس بالذل والانكسار عن البسط والإدلال الذي تقتضيه المكاشفة فإن المكاشفة توجب بسطا ويخاف منه شطح إن لم يصحبه خشوع يحفظ الحرمة. وأما تصفية الوقت من مراءاة الخلق فلا يريد به أن يصفي وقته عن الرياء فإن أصحاب هذه الدرجة أجل قدرا وأعلى من ذلك. وإنما المراد أن يخفي أحواله عن الخلق جهده كخشوعه وذله وانكساره لئلا يراها الناس فيعجبه اطلاعهم عليها ورؤيتهم لها فيفسد عليه وقته وقلبه وحاله مع الله وكم قد اقتطع في هذه المفازة من سالك والمعصوم من عصمه الله فلا شيء أنفع للصادق من التحقق بالمسكنة والفاقة والذل وأنه لا شيء وأنه ممن لم يصح له بعد الإسلام حتى يدعي الشرف فيه. ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه من ذلك أمرا لم أشاهده من غيره وكان يقول كثيرا: ما لي شيء ولا مني شيء ولا في شيء وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت: أنا المكدي وابن المكدي ... وهكذا كان أبي وجدي وكان إذا أثني عليه في وجهه يقول: والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت وما أسلمت بعد إسلاما جيدا. وبعث إلي في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه: أنا الفقير إلى رب البريات ... أنا المسيكين في مجموع حالاتي أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي ... والخير إن يأتنا من عنده يأتي لا أستطيع لنفسي جلب منفعة ... ولا عن النفس لي دفع المضرات(1\/520)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "492",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13489",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وليس لي دونه مولى يدبرني ... ولا شفيع إذا حاطت خطيئاتي إلا بإذن من الرحمن خالقنا ... إلى الشفيع كما قد جاء في الآيات ولست أملك شيئا دونه أبدا ... ولا شريك أنا في بعض ذرات ولا ظهير له كي يستعين به ... كما يكون لأرباب الولايات والفقر لي وصف ذات لازم أبدا ... كما الغنى أبدا وصف له ذاتي وهذه الحال حال الخلق أجمعهم ... وكلهم عنده عبد له آتي فمن بغى مطلبا من غير خالقه ... فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي والحمد لله ملء الكون أجمعه ... ما كان منه وما من بعد قد ياتي وأما تجريد رؤية الفضل فهو أن لا يرى الفضل والإحسان إلا من الله فهو المان به بلا سبب منك ولا شفيع لك تقدم إليه بالشفاعة ولا وسيلة سبقت منك توسلت بها إلى إحسانه. والتجريد هو تخليص شهود الفضل لوليه حتى لا ينسبه إلى غيره وإلا فهو في نفسه مجرد عن النسبة إلى سواه وإنما الشأن في تجريده في الشهود ليطابق الشهود الحق في نفس الأمر والله أعلم.  فصل. فإن قيل: ما تقولون في صلاة من عدم خشوع هل يعتد بها أم لا قيل: أما الاعتداد بها في الثواب فلا يعتد له فيها إلا بما عقل فيه منها وخشع فيه لربه. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها. وفي المسند مرفوعا إن العبد ليصلي الصلاة ولم يكتب له إلا نصفها أو ثلثها أو(1\/521)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "493",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13490",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ربعها حتى بلغ عشرها . وقد علق الله فلاح المصلين بالخشوع في صلاتهم فدل على أن من لم يخشع فليس من أهل الفلاح ولو اعتد له بها ثوابا لكان من المفلحين. وأما الاعتداد بها في أحكام الدنيا وسقوط القضاء فإن غلب عليها الخشوع وتعقلها اعتد بها إجماعا وكانت السنن والأذكار عقيبها جوابر ومكملات لنقصها. وإن غلب عليه عدم الخشوع فيها وعدم تعقلها فقد اختلف الفقهاء في وجوب إعادتها فأوجبها أبو عبد الله بن حامد من أصحاب أحمد وأبو حامد الغزالي في إحيائه لا في وسيطه وبسيطه.(1\/522)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "494",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13491",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحتجوا بأنها صلاة لا يثاب عليها ولم يضمن له فيها الفلاح فلم تبرأ ذمته منها ويسقط القضاء عنه كصلاة المرائي. قالوا: ولأن الخشوع والعقل روح الصلاة ومقصودها ولبها فكيف يعتد بصلاة فقدت روحها ولبها وبقيت صورتها وظاهرها . قالوا: ولو ترك العبد واجبا من واجباتها عمدا لأبطلها تركه. وغايته: أن يكون بعضا من أبعاضها بمنزلة فوات عضو من أعضاء العبد المعتق في الكفارة فكيف إذا عدمت روحها ولبها ومقصودها وصارت بمنزلة العبد الميت إذا لم يعتد بالعبد المقطوع اليد يعتقه تقربا إلى الله تعالى في كفارة واجبة فكيف يعتد بالعبد الميت. وقال بعض السلف: الصلاة كجارية تهدى إلى ملك من الملوك فما الظن بمن يهدي إليه جارية شلاء أو عوراء أو عمياء أو مقطوعة اليد والرجل أو مريضة أو دميمة أو قبيحة حتى يهدي إليه جارية ميتة بلا روح وجارية قبيحة فكيف بالصلاة التي يهديها العبد ويتقرب بها إلى ربه تعالى والله طيب لا يقبل إلا طيبا وليس من العمل الطيب صلاة لا روح فيها كما أنه ليس من العتق الطيب عتق عبد لا روح فيه. قالوا: وتعطيل القلب عن عبودية الحضور والخشوع: تعطيل لملك الأعضاء عن عبوديته وعزل له عنها فماذا تغني طاعة الرعية وعبوديتها وقد عزل ملكها وتعطل . قالوا: والأعضاء تابعة للقلب تصلح بصلاحه وتفسد بفساده فإذا لم يكن قائما بعبوديته فالأعضاء أولى أن لا يعتد بعبوديتها وإذا فسدت عبوديته بالغفلة والوسواس فأنى تصح عبودية رعيته وجنده ومادتهم منه وعن أمره يصدرون وبه يأتمرون . قالوا: وفي الترمذي وغيره مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم إن الله لا يستجيب الدعاء من قلب غافل وهذا إما خاص بدعاء العبادة وإما عام له ولدعاء المسألة وإما خاص(1\/523)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "495",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13492",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بدعاء المسألة الذي هو أبعد فهو تنبيه على أنه لا يقبل دعاء العبادة الذي هو خاص حقه من قلب غافل. قالوا: ولأن عبودية من غلبت عليه الغفلة والسهو في الغالب لا تكون مصاحبة للإخلاص فإن الإخلاص قصد المعبود وحده بالتعبد. والغافل لا قصد له فلا عبودية له. قالوا: وقد قال الله تعالى فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون [الماعون: 4] وليس السهو عنها تركها وإلا لم يكونوا مصلين وإنما هو السهو عن واجبها إما عن الوقت كما قال ابن مسعود وغيره وإما عن الحضور والخشوع والصواب أنه يعم النوعين فإنه سبحانه أثبت لهم صلاة ووصفهم بالسهو عنها فهو السهو عن وقتها الواجب أو عن إخلاصها وحضورها الواجب ولذلك وصفهم بالرياء ولو كان السهو سهو ترك لما كان هناك رياء. قالوا: ولو قدرنا أنه السهو عن واجب فقط فهو تنبيه على التوعد بالويل على سهو الإخلاص والحضور بطريق الأولى لوجوه: أحدها: أن الوقت يسقط في حال العذر وينتقل إلى بدله والإخلاص والحضور لا يسقط بحال ولا بدل له. الثاني: أن واجب الوقت يسقط لتكميل مصلحة الحضور فيجوز الجمع بين الصلاتين للشغل المانع من فعل إحداهما في وقتها بلا قلب ولا حضور كالمسافر والمريض وذي الشغل الذي يحتاج معه إلى الجمع كما نص عليه أحمد وغيره. فبالجملة: مصلحة الإخلاص والحضور وجمعية القلب على الله في الصلاة أرجح في نظر الشارع من مصلحة سائر واجباتها فكيف يظن به أنه يبطلها بترك تكبيرة واحدة أو اعتدال في ركن أو ترك حرف أو شدة من القرآن أو ترك تسبيحة أو قول سمع الله لمن حمده أو قول ربنا ولك الحمد أو ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليه ثم يصححها مع فوت لبها ومقصودها الأعظم وروحها وسرها. فهذا ما احتجت به هذه الطائفة وهي حجج كما تراها قوة وظهورا. قال أصحاب القول الآخر: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال إذا أذن(1\/524)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "496",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13493",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضي التأذين أقبل فإذا ثوب بالصلاة أدبر فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء وبين نفسه فيذكره ما لم يكن يذكر ويقول: اذكر كذا اذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس . قالوا: فأمره النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الصلاة التي قد أغفله الشيطان فيها حتى لم يدر كم صلى بأن يسجد سجدتي السهو ولم يأمره بإعادتها ولو كانت باطلة كما زعمتم لأمره بإعادتها. قالوا: وهذا هو السر في سجدتي السهو ترغيما للشيطان في وسوسته للعبد وكونه حال بينه وبين الحضور في الصلاة. ولهذا سماهما النبي صلى الله عليه وسلم quot; المرغمتين quot; وأمر من سها بهما ولم يفصل في سهوه الذي صدر عنه موجب السجود بين القليل والكثير والغالب والمغلوب وقال لكل سهو سجدتان ولم يستثن من ذلك السهو الغالب مع أنه الغالب. قالوا: ولأن شرائع الإسلام على الأفعال الظاهرة وأما حقائق الإيمان الباطنة فتلك عليها شرائع الثواب والعقاب فلله تعالى حكمان: حكم في الدنيا على الشرائع الظاهرة وأعمال الجوارح وحكم في الآخرة على الظواهر والبواطن ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل علانية المنافقين ويكل أسرارهم إلى الله فيناكحون ويرثون ويورثون ويعتد بصلاتهم في أحكام الدنيا فلا يكون حكمهم حكم تارك الصلاة إذ قد أتوا بصورتها الظاهرة وأحكام الثواب والعقاب ليست إلى البشر بل إلى الله والله يتولاه في الدار الآخرة. نعم لا يحصل مقصود هذه الصلاة من ثواب الله عاجلا ولا آجلا فإن للصلاة(1\/525)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "497",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13494",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مزيد ثواب عاجل في القلب من قوة إيمانه واستنارته وانشراحه وانفساحه ووجود حلاوة العبادة والفرح والسرور واللذة التي تحصل لمن اجتمع همه وقلبه على الله وحضر قلبه بين يديه كما يحصل لمن قربه السلطان منه وخصه بمناجاته والإقبال عليه والله أعلى وأجل. وكذلك ما يحصل لهذا من الدرجات العلى في الآخرة ومرافقة المقربين. كل هذا يفوته بفوات الحضور والخضوع وإن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحدا وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض وليس كلامنا في هذا كله. فإن أردتم وجوب الإعادة لتحصل هذه الثمرات والفوائد فذاك إليه إن شاء أن يحصلها وإن شاء أن يفوتها على نفسه وإن أردتم بوجوبها أنا نلزمه بها ونعاقبه على تركها ونرتب عليه أحكام تارك الصلاة فلا. وهذا القول الثاني أرجح القولين والله أعلم.(1\/526)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "498",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13495",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل منزلة الإخبات] ومن منازل: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الإخبات. قال الله تعالى: وبشر المخبتين [الحج: 34] ثم كشف عن معناهم فقال: الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون [الحج: 35] وقال: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون [هود: 23] . و quot; الخبت quot; في أصل اللغة: المكان المنخفض من الأرض. وبه فسر ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة لفظ المخبتين وقالا: هم المتواضعون. وقال مجاهد: المخبت: المطمئن إلى الله عز وجل. قال: والخبت: المكان المطمئن من الأرض. وقال الأخفش:(2\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "499",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13496",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخاشعون. وقال إبراهيم النخعي: المصلون المخلصون. وقال الكلبي: هم الرقيقة قلوبهم. وقال عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا. وهذه الأقوال تدور على معنيين: التواضع والسكون إلى الله عز وجل ولذلك عدي ب quot; إلى quot; تضمينا لمعنى الطمأنينة والإنابة والسكون إلى الله. قال صاحب quot; المنازل quot;: quot; هو من أول مقامات الطمأنينة quot;. كالسكينة واليقين والثقة بالله ونحوها. فالإخبات مقدمتها ومبدؤها. قال: وهو ورود المأمن من الرجوع والتردد. لما كان الإخبات أول مقام يتخلص فيه السالك من التردد - الذي هو نوع غفلة وإعراض - والسالك مسافر إلى ربه سائر إليه على مدى أنفاسه. لا ينتهي مسيره إليه ما دام نفسه يصحبه - شبه حصول الإخبات له بالماء العذب الذي يرده المسافر على ظمأ وحاجة في أول مناهله. فيرويه مورده ويزيل عنه خواطر تردده في إتمام سفره أو رجوعه إلى وطنه لمشقة السفر. فإذا ورد ذلك الماء زال عنه التردد وخاطر الرجوع. كذلك(2\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "500",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13497",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السالك إذا ورد مورد الإخبات تخلص من التردد والرجوع ونزل أول منازل الطمأنينة بسفره وجد في السير. قال: وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: أن تستغرق العصمة الشهوة وتستدرك الإرادة الغفلة. ويستهوي الطلب السلوة. المريد السالك: تعرض له غفلة عن مراده تضعف إرادته. وشهوة تعارض إرادته فتصده عن مراده. ورجوع عن مراده وسلوة عنه. فهذه الدرجة من الإخبات تحميه عن هذه الثلاثة. فتستغرق عصمته شهوته. والعصمة هي الحماية والحفظ. والشهوة الميل إلى مطالب النفس. والاستغراق للشيء الاحتواء عليه والإحاطة به. يقول: تغلب عصمته شهوته وتقهرها وتستوفي جميع أجزائها. فإذا استوفت العصمة جميع أجزاء الشهوة فذلك دليل على إخباته ودخوله في مقام الطمأنينة ونزوله أول منازلها وخلاصه في هذا المنزل من تردد الخواطر بين الإقبال والإدبار والرجوع والعزم إلى الاستقامة والعزم الجازم والجد في السير. وذلك علامة السكينة. وتستدرك إرادته غفلته. والإرادة عند القوم هي اسم لأول منازل القاصدين إلى الله. والمريد هو الذي خرج من وطن طبعه ونفسه. وأخذ في السفر إلى الله والدار الآخرة فإذا نزل في منزل الإخبات أحاطت إرادته بغفلته. فاستدركها واستدرك بها فارطها. وأما استهواء طلبه لسلوته فهو قهر محبته لسلوته وغلبتها له. بحيث تهوي السلوة وتسقط كالذي يهوي في بئر. وهذا علامة المحبة الصادقة أن تقهر فيه وارد السلوة وتدفنها في هوة لا تحيا بعدها أبدا. فالحاصل: أن عصمته وحمايته تقهر شهوته. وإرادته تقهر غفلته. ومحبته تقهر سلوته. قال: الدرجة الثانية: أن لا ينقض إرادته سبب. ولا يوحش قلبه عارض. ولا يقطع عليه الطريق فتنة.(2\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "501",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13498",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذه ثلاثة أمور أخرى. تعرض لصادق الإرادة: سبب يعرض له ينقض عزمه وإرادته. ووحشة تعرض له في طريق طلبه ولا سيما عند تفرده. وفتنة تخرج عليه تقصد قطع الطريق عليه. فإذا تمكن من منزل الإخبات اندفعت عنه هذه الآفات لأن إرادته إذا قويت وجد به المسير لم ينقضها سبب من أسباب التخلف. والنقض هو الرجوع عن إرادته والعدول عن جهة سفره. ولا يوحش أنسه بالله في طريقه عارض من العوارض الشواغل للقلب والجواذب له عمن هو متوجه إليه. والعارض هو المخالف. كالشيء الذي يعترضك في طريقك. فيجيء في عرضها. ومن أقوى هذه العوارض عارض وحشة التفرد. فلا يلتفت إليه كما قال بعض الصادقين: انفرادك في طريق طلبك دليل على صدق الطلب. وقال آخر: لا تستوحش في طريقك من قلة السالكين. ولا تغتر بكثرة الهالكين. وأما الفتنة التي تقطع عليه الطريق فهي الواردات التي ترد على القلوب تمنعها من مطالعة الحق وقصده. فإذا تمكن من منزل الإخبات وصحة الإرادة والطلب لم يطمع فيه عارض الفتنة. وهذه العزائم لا تصح إلا لمن أشرق على قلبه أنوار آثار الأسماء والصفات. وتجلت عليه معانيها. وكافح قلبه حقيقة اليقين بها. وقد قيل: من أخذ العلم من عين العلم ثبت. ومن أخذه من جريانه أخذته أمواج الشبه. ومالت به العبارات واختلفت عليه الأقوال. قال: الدرجة الثالثة: أن يستوي عنده المدح والذم وتدوم لائمته لنفسه. ويعمى عن نقصان الخلق عن درجته. اعلم أنه متى استقرت قدم العبد في منزلة الإخبات وتمكن فيها ارتفعت همته وعلت نفسه عن خطفات المدح والذم. فلا يفرح بمدح الناس. ولا يحزن لذمهم. هذا وصف من خرج عن حظ نفسه وتأهل للفناء في عبودية ربه. وصار قلبه مطرحا لأشعة أنوار الأسماء والصفات. وباشر حلاوة الإيمان واليقين قلبه.(2\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "502",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13499",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والوقوف عند مدح الناس وذمهم علامة انقطاع القلب وخلوه من الله وأنه لم تباشره روح محبته ومعرفته ولم يذق حلاوة التعلق به والطمأنينة إليه. وأما قوله: وأن تدوم لائمته لنفسه فهو أن صاحب هذا المنزل لا يرضى عن نفسه وهو مبغض لها متمن لمفارقتها. والمراد بالنفس عند القوم: ما كان معلوما من أوصاف العبد مذموما من أخلاقه وأفعاله سواء كان ذلك كسبيا أو خلقيا. فهو شديد اللائمة لها. وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى: ولا أقسم بالنفس اللوامة [القيامة: 2] قال سعيد بن جبير وعكرمة: تلوم على الخير والشر. ولا تصبر على السراء. ولا على الضراء. وقال قتادة: اللوامة هي الفاجرة. وقال مجاهد: تندم على ما فات وتقول: لو فعلت ولو لم أفعل . وقال الفراء: ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها إن كانت عملت خيرا قالت: هلا زدت وإن عملت شرا قالت: ليتني لم أفعل. وقال الحسن: هي النفس المؤمنة. إن المؤمن - والله - ما تراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمة كذا ما أردت بأكلة كذا ما أردت بكذا ما أردت بكذا وإن الفاجر يمضي قدما قدما ولا يحاسب نفسه ولا يعاتبها. وقال مقاتل: هي النفس الكافرة تلوم نفسها في الآخرة على ما فرطت في أمر الله في الدنيا. والقصد: أن من بذل نفسه لله بصدق كره بقاءه معها لأنه يريد أن يتقبلها من بذلت له. ولأنه قد قربها له قربانا. ومن قرب قربانا فتقبل منه ليس كمن رد عليه قربانه. فبقاء نفسه معه دليل على أنه لم يتقبل قربانه. وأيضا فإنه من قواعد القوم المجمع عليها بينهم التي اتفقت كلمة أولهم وآخرهم ومحقهم ومبطلهم عليها أن النفس حجاب بين العبد وبين الله وأنه لا يصل إلى الله حتى يقطع هذا الحجاب. كما قال أبو يزيد: رأيت رب العزة في المنام. فقلت: يا رب كيف الطريق إليك فقال: خل نفسك وتعال.(2\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "503",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13500",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالنفس جبل عظيم شاق في طريق السير إلى الله عز وجل. وكل سائر لا طريق له إلا على ذلك الجبل. فلابد أن ينتهي إليه ولكن منهم من هو شاق عليه ومنهم من هو سهل عليه. وإنه ليسير على من يسره الله عليه. وفي ذلك الجبل أودية وشعوب وعقبات ووهود وشوك وعوسج وعليق وشبرق ولصوص يقتطعون الطريق على السائرين. ولا سيما أهل الليل المدلجين. فإذا لم يكن معهم عدد الإيمان ومصابيح اليقين تتقد بزيت الإخبات وإلا تعلقت بهم تلك الموانع. وتشبثت بهم تلك القواطع وحالت بينهم وبين السير. فإن أكثر السائرين فيه رجعوا على أعقابهم لما عجزوا عن قطعه واقتحام عقباته. والشيطان على قلة ذلك الجبل يحذر الناس من صعوده وارتفاعه ويخوفهم منه. فيتفق مشقة الصعود وقعود ذلك المخوف على قلته وضعف عزيمة السائر ونيته. فيتولد من ذلك الانقطاع والرجوع. والمعصوم من عصمه الله. وكلما رقى السائر في ذلك الجبل اشتد به صياح القاطع وتحذيره وتخويفه فإذا قطعه وبلغ قلته: انقلبت تلك المخاوف كلهن أمانا. وحينئذ يسهل السير وتزول عنه عوارض الطريق ومشقة عقباتها ويرى طريقا واسعا آمنا. يفضي به إلى المنازل والمناهل. وعليه الأعلام. وفيه الإقامات قد أعدت لركب الرحمن. فبين العبد وبين السعادة والفلاح قوة عزيمة وصبر ساعة وشجاعة نفس وثبات قلب. والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. والله ذو الفضل العظيم. فصل وقوله: ويعمى عن نقصان الخلق عن درجته. يعني أنه - وإن كان أعلى ممن هو دونه من الناقصين عن درجته - إلا أنه لاشتغاله بالله وامتلاء قلبه من محبته ومعرفته والإقبال عليه يشتغل به عن ملاحظة حال غيره وعن شهود النسبة بين حاله وأحوال الناس. ويرى اشتغاله بذلك والتفاته إليه نزولا عن مقامه وانحطاطا عن درجته ورجوعا على عقبيه. فإن هجم عليه ذلك - بغير استدعاء واختيار - فليداوه بشهود المنة وخوف المكر وعدم علمه بالعاقبة التي يوافى عليها. والله المستعان.(2\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "504",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13501",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل منزلة الزهد] [حقيقة الزهد] ومن منازل quot; إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] quot; منزلة الزهد. قال الله تعالى: ما عندكم ينفد وما عند الله باق [النحل: 96] وقال تعالى: اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور [الحديد: 20] وقال تعالى: إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض [يونس: 24] الآية وقال تعالى: واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح [الكهف: 45]- إلى قوله - وخير أملا [الكهف: 46] وقال تعالى: قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى [النساء: 77] وقال تعالى: بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى [الأعلى: 16] وقال: ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى [طه: 131] وقال تعالى: إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا [الكهف: 7] وقال: ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة [الزخرف: 33] إلى قوله: والآخرة عند ربك للمتقين [الزخرف: 35] .(2\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "505",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13502",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والقرآن مملوء من التزهيد في الدنيا والإخبار بخستها وقلتها وانقطاعها وسرعة فنائها. والترغيب في الآخرة والإخبار بشرفها ودوامها. فإذا أراد الله بعبد خيرا أقام في قلبه شاهدا يعاين به حقيقة الدنيا والآخرة. ويؤثر منهما ما هو أولى بالإيثار. وقد أكثر الناس من الكلام في الزهد وكل أشار إلى ذوقه. ونطق عن حاله وشاهده. فإن غالب عبارات القوم عن أذواقهم وأحوالهم. والكلام بلسان العلم أوسع من الكلام بلسان الذوق وأقرب إلى الحجة والبرهان. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة. والورع ترك ما تخاف ضرره في الآخرة. وهذه العبارة من أحسن ما قيل في الزهد والورع وأجمعها. وقال سفيان الثوري: الزهد في الدنيا قصر الأمل. ليس بأكل الغليظ ولا لبس العباء. وقال الجنيد: سمعت سريا يقول: إن الله عز وجل سلب الدنيا عن أوليائه وحماها عن أصفيائه وأخرجها من قلوب أهل وداده لأنه لم يرضها لهم. وقال: الزهد في قوله تعالى: لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور [الحديد: 23] فالزاهد لا يفرح من الدنيا بموجود. ولا يأسف منها على مفقود. وقال يحيى بن معاذ: الزهد يورث السخاء بالملك والحب يورث السخاء بالروح. وقال ابن الجلاء: الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال فتصغر في عينيك(2\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "506",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13503",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيسهل عليك الإعراض عنها. وقال ابن خفيف: الزهد وجود الراحة في الخروج من الملك. وقال أيضا: الزهد سلو القلب عن الأسباب ونفض الأيدي من الأملاك. وقيل: هو عزوف القلب عن الدنيا بلا تكلف. وقال الجنيد: الزهد خلو القلب عما خلت منه اليد. وقال الإمام أحمد: الزهد في الدنيا قصر الأمل. وعنه رواية أخرى أنه عدم فرحه بإقبالها. ولا حزنه على إدبارها. فإنه سئل عن الرجل يكون معه ألف دينار. هل يكون زاهدا فقال: نعم. على شريطة أن لا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت. وقال عبد الله بن المبارك: هو الثقة بالله مع حب الفقر. وهذا قول شقيق ويوسف بن أسباط. وقال عبد الواحد بن زيد: الزهد: الزهد في الدنيا والدرهم. وقال أبو سليمان الداراني: ترك ما يشغل عن الله. وهو قول الشبلي. وسأل رويم الجنيد عن الزهد فقال: استصغار الدنيا ومحو آثارها من القلب.(2\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "507",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13504",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال مرة: هو خلو اليد عن الملك والقلب عن التتبع. وقال يحيى بن معاذ: لا يبلغ أحد حقيقة الزهد حتى يكون فيه ثلاث خصال: عمل بلا علاقة وقول بلا طمع وعز بلا رياسة. وقال أيضا: الزاهد يسعطك الخل والخردل والعارف يشمك المسك والعنبر. وقيل: حقيقته هو الزهد في النفس. وهذا قول ذي النون المصري. وقيل: الزهد الإيثار عند الاستغناء والفتوة: الإيثار عند الحاجة. قال الله تعالى: ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة [الحشر: 9] . وقال رجل ليحيى بن معاذ: متى أدخل حانوت التوكل وألبس رداء الزاهدين وأقعد معهم فقال: إذا صرت من رياضتك لنفسك إلى حد لو قطع الله الرزق عنك ثلاثة أيام لم تضعف نفسك. فأما ما لم تبلغ إلى هذه الدرجة فجلوسك على بساط الزاهدين جهل ثم لا آمن عليك أن تفتضح. وقد قال الإمام أحمد بن حنبل: الزهد على ثلاثة أوجه. الأول ترك الحرام. وهو زهد العوام. والثاني ترك الفضول من الحلال. وهو زهد الخواص. والثالث ترك ما يشغل عن الله. وهو زهد العارفين. وهذا الكلام من الإمام أحمد يأتي على جميع ما تقدم من كلام المشايخ مع زيادة تفصيله وتبيين درجاته. وهو من أجمع الكلام. وهو يدل على أنه رضى الله عنه من هذا العلم بالمحل الأعلى. وقد شهد الشافعي رحمه الله بإمامته في ثمانية أشياء أحدها الزهد.(2\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "508",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13505",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والذي أجمع عليه العارفون أن الزهد سفر القلب من وطن الدنيا وأخذه في منازل الآخرة. وعلى هذا صنف المتقدمون كتب الزهد. كالزهد لعبد الله بن المبارك وللإمام أحمد ولوكيع ولهناد بن السري ولغيرهم. ومتعلقه ستة أشياء. لا يستحق العبد اسم الزهد حتى يزهد فيها. وهي المال والصور والرياسة والناس والنفس وكل ما دون الله. وليس المراد رفضها من الملك. فقد كان سليمان وداود عليهما السلام من أزهد أهل زمانهما. ولهما من المال والملك والنساء ما لهما. وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من أزهد البشر على الإطلاق. وله تسع نسوة. وكان علي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف والزبير وعثمان - رضي الله عنهم - من الزهاد. مع ما كان لهم من الأموال. وكان الحسن بن علي رضي الله عنه من الزهاد مع أنه كان من أكثر الأمة محبة للنساء ونكاحا لهن وأغناهم. وكان عبد الله بن المبارك من الأئمة الزهاد مع مال كثير. وكذلك الليث بن سعد من(2\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "509",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13506",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أئمة الزهاد. وكان له رأس مال يقول: لولا هو لتمندل بنا هؤلاء. ومن أحسن ما قيل في الزهد كلام الحسن أو غيره: ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال. ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك وأن تكون في ثواب المصيبة - إذا أصبت بها - أرغب منك فيها لو لم تصبك . فهذا من أجمع كلام في الزهد وأحسنه. وقد روي مرفوعا.  [فصل اختلاف الناس في الزهد] فصل وقد اختلف الناس في الزهد هل هو ممكن في هذه الأزمنة أم لا فقال أبو حفص: الزهد لا يكون إلا في الحلال. ولا حلال في الدنيا فلا زهد. وخالفه الناس في هذا. وقالوا: بل الحلال موجود فيها. وفيها الحرام كثيرا. وعلى تقدير: أن لا يكون فيها الحلال فهذا أدعى إلى الزهد فيها وتناول ما يتناوله المضطر منها كتناوله للميتة والدم ولحم الخنزير. وقال يوسف بن أسباط: لو بلغني أن رجلا بلغ في الزهد منزلة أبي ذر وأبي(2\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "510",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13507",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدرداء وسلمان والمقداد وأشباههم من الصحابة رضي الله عنهم ما قلت له زاهد لأن الزهد لا يكون إلا في الحلال المحض. والحلال المحض لا يوجد في زماننا هذا. وأما الحرام فإن ارتكبته عذبك الله عز وجل. ثم اختلف هؤلاء في متعلق الزهد. فقالت طائفة: الزهد إنما هو في الحلال لأن ترك الحرام فريضة. وقالت فرقة: بل الزهد لا يكون إلا في الحرام. وأما الحلال فنعمة من الله تعالى على عبده. والله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده. فشكره على نعمه والاستعانة بها على طاعته واتخاذها طريقا إلى جنته أفضل من الزهد فيها والتخلي عنها ومجانبة أسبابها. والتحقيق أنها إن شغلته عن الله. فالزهد فيها أفضل. وإن لم تشغله عن الله بل كان شاكرا لله فيها فحاله أفضل. والزهد فيها تجريد القلب عن التعلق بها والطمأنينة إليها. والله أعلم.  [فصل الزهد بالنسبة للعامة وللمريد] فصل قال صاحب quot; المنازل quot;: الزهد هو إسقاط الرغبة عن الشيء بالكلية. يريد بالشيء المزهود فيه ما سوى الله. والإسقاط عنه إزالته عن القلب وإسقاط تعلق الرغبة به. وقوله: بالكلية أي بحيث لا يلتفت إليه ولا يتشوق إليه. قال: وهو للعامة قربة. وللمريد ضرورة. وللخاصة خشية. يعني أن العامة تتقرب به إلى الله. والقربة ما يتقرب به المتقرب إلى محبوبه. وهو ضرورة للمريد لأنه لا يحصل له التخلي بما هو بصدده إلا بإسقاط الرغبة فيما سوى مطلوبه. فهو مضطر إلى الزهد كضرورته إلى الطعام والشراب. إذ التعلق(2\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "511",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13508",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بسوى مطلوبه لا يعدم منه حجابا أو وقفة أو نكسة على حسب بعد ذلك الشيء من مطلوبه وقوة تعلقه به وضعفه. وإنما كان خشية للخاصة لأنهم يخافون على ما حصل لهم من القرب والأنس بالله وقرة عيونهم به أن يتكدر عليهم صفوه بالتفاتهم إلى ما سوى الله. فزهدهم خشية وخوف.  [درجات الزهد] [الدرجة الأولى الزهد في الشبهة] قال: وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى الزهد في الشبهة. بعد ترك الحرام بالحذر من المعتبة والأنفة من المنقصة وكراهة مشاركة الفساق. أما الزهد في الشبهة فهو ترك ما يشتبه على العبد هل هو حلال أو حرام كما في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: الحلال بين. والحرام بين. وبين ذلك أمور مشتبهات. لا يعلمهن كثير من الناس. فمن اتقى الشبهات اتقى الحرام. ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى. يوشك أن يرتع فيه. ألا وإن لكل ملك حمى. ألا وإن حمى الله محارمه. ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد. وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد. ألا وهي القلب . فالشبهات برزخ بين الحلال والحرام. وقد جعل الله عز وجل بين كل متباينين برزخا كما جعل الموت وما بعده برزخا بين الدنيا والآخرة. وجعل المعاصي برزخا بين الإيمان والكفر. وجعل الأعراف برزخا بين الجنة والنار. وكذلك جعل بين كل مشعرين من مشاعر المناسك برزخا حاجزا بينهما ليس من هذا ولا من هذا. فمحسر برزخ بين منى ومزدلفة ليس من واحد منهما فلا يبيت به(2\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "512",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13509",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحاج ليلة جمع ولا ليالي منى. وبطن عرنة برزخ بين عرفة وبين الحرم. فليس من الحرم ولا من عرفة. وكذلك ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس برزخ بين الليل والنهار. ليس من الليل لتصرمه بطلوع الفجر. ولا من النهار لأنه من طلوع الشمس. وإن دخل في اسم اليوم شرعا. وكذلك منازل السير بين كل منزلتين برزخ يعرفه السائر في تلك المنازل. وكثير من الأحوال والواردات تكون برازخ فيظنها صاحبها غاية. وهذا لم يتخلص منه إلا فقهاء الطريق والعلماء هم الأدلة فيها. وقوله: بعد ترك الحرام أي ترك الشبهة لا يكون إلا بعد ترك الحرام. وقوله: بالحذر من المعتبة يعني أن يكون سبب تركه للشبهة الحذر من توجه عتب الله عليه. وقوله: والأنفة من المنقصة أي يأنف لنفسه من نقصه عند ربه وسقوطه من عينيه. لا أنفته من نقصه عند الناس وسقوطه من أعينهم. وإن كان ذلك ليس مذموما بل هو محمود أيضا. ولكن المذموم أن تكون أنفته كلها من الناس ولا يأنف من الله. وقوله: وكراهة مشاركة الفساق يعني أن الفساق يزدحمون على مواضع الرغبة في الدنيا. ولتلك المواقف بهم كظيظ من الزحام. فالزاهد يأنف من مشاركتهم في تلك المواقف. ويرفع نفسه عنها لخسة شركائه فيها كما قيل لبعضهم: ما الذي زهدك في الدنيا قال: قلة وفائها وكثرة جفائها وخسة شركائها. إذا لم أترك الماء اتقاء ... تركت لكثرة الشركاء فيه إذا وقع الذباب على طعام ... رفعت يدي ونفسي تشتهيه وتجتنب الأسود ورود ماء ... إذا كان الكلاب يلغن فيه  [الدرجة الثانية الزهد في الفضول] قال: الدرجة الثانية: الزهد في الفضول. وهو ما زاد على المسكة والبلاغ من القوت باغتنام التفرغ إلى عمارة الوقت. وحسم الجأش والتحلي بحلية الأنبياء والصديقين.(2\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "513",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13510",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفضول ما يفضل عن قدر الحاجة. والمسكة ما يمسك النفس من القوت والشراب واللباس والمسكن والمنكح إذا احتاج إليه. والبلاغ هو البلغة من ذلك الذي يتبلغ به المسافر في منازل السفر. فيزهد فيما وراء ذلك اغتناما لتفرغه لعمارة وقته. ولما كان الزهد لأهل الدرجة الأولى خوفا من المعتبة وحذرا من المنقصة كان الزهد لأهل هذه الدرجة أعلى وأرفع. وهو اغتنام الفراغ لعمارة أوقاتهم مع الله لأنه إذا اشتغل بفضول الدنيا فاته نصيبه من انتهاز فرصة الوقت. فالوقت سيف إن لم تقطعه وإلا قطعك. وعمارة الوقت الاشتغال في جميع آنائه بما يقرب إلى الله أو يعين على ذلك من مأكل أو مشرب أو منكح أو منام أو راحة. فإنه متى أخذها بنية القوة على ما يحبه الله وتجنب ما يسخطه. كانت من عمارة الوقت وإن كان له فيها أتم لذة فلا تحسب عمارة الوقت بهجر اللذات والطيبات. فالمحب الصادق ربما كان سيره القلبي في حال أكله وشربه وجماع أهله وراحته أقوى من سيره البدني في بعض الأحيان. وقد حكي عن بعضهم أنه كان يرد عليه - وهو على بطن امرأته - حال لا يعهدها في غيرها. ولهذا سبب صحيح. وهو اجتماع قوى النفس وعدم التفاتها حينئذ إلى شيء مع ما يحصل لها من السرور والفرح. والسرور يذكر بالسرور. واللذة تذكر باللذة. فتنهض الروح من تلك الفرحة واللذة إلى ما لا نسبة بينها وبينها بتلك الجمعية والقوة والنشاط وقطع أسباب الالتفات فيورثه ذلك حالا عجيبة. ولا تعجل بالإنكار. وانظر إلى قلبك عند هجوم أعظم محبوب له عليه في هذه الحال كيف تراه فهكذا حال غيرك. ولا ريب أن النفس إذا نالت حظا صالحا من الدنيا قويت به وسرت واستجمعت قواها وجمعيتها. وزال تشتتها. اللهم اغفر. فقد طغى القلم. وزاد الكلم فعياذا بك اللهم من مقتك. وأما حسم الجأش فهو قطع اضطراب القلب المتعلق بأسباب الدنيا رغبة ورهبة وحبا وبغضا وسعيا. فلا يصح الزهد للعبد حتى يقطع هذا الاضطراب من قلبه. بأن لا يلتفت إليها ولا يتعلق بها في حالتي مباشرته لها وتركه. فإن الزهد زهد(2\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "514",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13511",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القلب لا زهد الترك من اليد وسائر الأعضاء. فهو تخلي القلب عنها. لا خلو اليد منها. وأما التحلي بحلية الأنبياء والصديقين فإنهم أهل الزهد في الدنيا حقا. إذ هم مشمرون إلى علم قد رفع لهم غيرها. فهم زاهدون وإن كانوا لها مباشرين.  [فصل الدرجة الثالثة الزهد في الزهد] فصل قال: الدرجة الثالثة: الزهد في الزهد. وهو بثلاثة أشياء: استحقار ما زهدت فيه. واستواء الحالات فيه عندك. والذهاب عن شهود الاكتساب ناظرا إلى وادي الحقائق. وقد فسر الشيخ مراده بالزهد في الزهد بثلاثة أشياء. أحدها: احتقاره ما زهد فيه. فإن من امتلأ قلبه بمحبة الله وتعظيمه لا يرى أن ما تركه لأجله من الدنيا يستحق أن يجعل قربانا لأن الدنيا بحذافيرها لا تساوي عند الله جناح بعوضة. فالعارف لا يرى زهده فيها كبير أمر يعتد به ويحتفل له فيستحي من صح له الزهد أن يجعل لما تركه لله قدرا يلاحظ زهده فيه بل يفنى عن زهده فيه كما فني عنه. ويستحي من ذكره بلسانه وشهوده بقلبه. وأما استواء الحالات فيه عنده فهو أن يرى ترك ما زهد فيه وأخذه متساويين عنده. إذ ليس له عنده قدر. وهذا من دقائق فقه الزهد. فيكون زاهدا في حال أخذه كما هو زاهد في حال تركه إذ همته أعلى من ملاحظته أخذا وتركا لصغره في عينه. وأما الذهاب عن شهود الاكتساب فمعناه أن من استصغر الدنيا بقلبه واستوت الحالات في أخذها وتركها عنده لم ير أنه اكتسب بتركها عند الله درجة البته لأنها أصغر في عينه من أن يرى أنه اكتسب بتركها الدرجات. وفيه معنى آخر: وهو أن يشاهد تفرد الله عز وجل بالعطاء والمنع. فلا يرى أنه ترك شيئا ولا أخذ شيئا. بل الله وحده هو المعطي المانع. فما أخذه فهو مجرى لعطاء الله إياه كمجرى الماء في النهر. وما تركه لله فالله سبحانه وتعالى هو الذي منعه منه. فيذهب بمشاهدة الفعال وحده عن شهود كسبه وتركه. فإذا نظر إلى الأشياء بعين الجمع وسلك في وادي الحقيقة غاب عن شهود اكتسابه. وهو معنى قوله: ناظرا إلى وادي الحقائق. وهذا أليق المعنيين بكلامه. فهذا زهد الخاصة. قال الشاعر:(2\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "515",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13512",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا زهدتني في الهوى خشية الردى ... جلت لي عن وجه يزهد في الزهد  [فصل منزلة الورع] [حقيقة الورع] فصل منزلة الورع ومن منازل quot; إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] quot; منزلة الورع. قال الله تعالى: ياأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم [المؤمنون: 51] وقال تعالى: وثيابك فطهر [المدثر: 4] قال قتادة ومجاهد: نفسك فطهر من الذنب. فكنى عن النفس بالثوب. وهذا قول إبراهيم النخعي والضحاك والشعبي والزهري والمحققين من أهل التفسير. قال ابن عباس: لا تلبسها على معصية ولا غدر. ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي: وإني - بحمد الله - لا ثوب غادر لبست ولا من غدرة أتقنع والعرب تقول في وصف الرجل بالصدق والوفاء: طاهر الثياب. وتقول للغادر والفاجر: دنس الثياب. وقال أبي بن كعب: لا تلبسها على الغدر والظلم والإثم. ولكن البسها وأنت بر طاهر.(2\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "516",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13513",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الضحاك: عملك فأصلح. قال السعدي: يقال للرجل إذا كان صالحا: إنه لطاهر الثياب. وإذا كان فاجرا: إنه لخبيث الثياب. وقال سعيد بن جبير: وقلبك وبيتك فطهر. وقال الحسن والقرظي: وخلقك فحسن. وقال ابن سيرين وابن زيد: أمر بتطهير الثياب من النجاسات التي لا تجوز الصلاة معها لأن المشركين كانوا لا يتطهرون ولا يطهرون ثيابهم. وقال طاوس: وثيابك فقصر لأن تقصير الثياب طهرة لها. والقول الأول أصح الأقوال. ولا ريب أن تطهيرها من النجاسات وتقصيرها من جملة التطهير المأمور به إذ به تمام إصلاح الأعمال والأخلاق لأن نجاسة الظاهر تورث نجاسة الباطن. ولذلك أمر القائم بين يدي الله عز وجل بإزالتها والبعد عنها. والمقصود أن الورع يطهر دنس القلب ونجاسته. كما يطهر الماء دنس الثوب ونجاسته. وبين الثياب والقلوب مناسبة ظاهرة وباطنة. ولذلك تدل ثياب المرء في المنام على قلبه وحاله. ويؤثر كل منهما في الآخر. ولهذا نهى عن لباس الحرير والذهب وجلود السباع لما تؤثر في القلب من الهيئة المنافية للعبودية والخشوع. وتأثير القلب والنفس في الثياب أمر خفي يعرفه أهل البصائر من نظافتها ودنسها ورائحتها وبهجتها وكسفتها حتى إن ثوب البر ليعرف من ثوب الفاجر وليسا عليهما. وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم الورع كله في كلمة واحدة. فقال: quot; من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه فهذا يعم الترك لما لا يعني من الكلام والنظر والاستماع والبطش(2\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "517",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13514",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمشي والفكر وسائر الحركات الظاهرة والباطنة. فهذه الكلمة كافية شافية في الورع. قال إبراهيم بن أدهم: الورع ترك كل شبهة وترك مالا يعنيك هو ترك الفضلات. وفي الترمذي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة كن ورعا تكن أعبد الناس . قال الشبلي: الورع أن يتورع عن كل ما سوى الله. وقال إسحاق بن خلف: الورع في المنطق أشد منه في الذهب والفضة والزهد في الرياسة أشد منه في الذهب والفضة لأنهما يبذلان في طلب الرياسة. وقال أبو سليمان الداراني: الورع أول الزهد كما أن القناعة أول الرضا. وقال يحيى بن معاذ: الورع الوقوف على حد العلم من غير تأويل. وقال: الورع على وجهين. ورع في الظاهر وورع في الباطن فورع الظاهر أن لا يتحرك إلا لله وورع الباطن هو أن لا تدخل قلبك سواه. وقال: من لم ينظر في الدقيق من الورع لم يصل إلى الجليل من العطاء. وقيل: الورع الخروج من الشهوات وترك السيئات. وقيل: من دق في الدنيا ورعه - أو نظره - جل في القيامة خطره. وقال يونس بن عبيد: الورع الخروج من كل شبهة ومحاسبة النفس في كل طرفة عين.(2\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "518",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13515",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال سفيان الثوري: ما رأيت أسهل من الورع ما حاك في نفسك فاتركه. وقال سهل: الحلال هو الذي لا يعصى الله فيه والصافي منه الذي لا ينسى الله فيه وسأل الحسن غلاما. فقال له: ما ملاك الدين قال: الورع. قال: فما آفته قال: الطمع. فعجب الحسن منه. وقال الحسن: مثقال ذرة من الورع خير من ألف مثقال من الصوم والصلاة. وقال أبو هريرة: جلساء الله غدا أهل الورع والزهد. وقال بعض السلف: لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس. وقال بعض الصحابة: كنا ندع سبعين بابا من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام.  [فصل تعريف ابن القيم للورع] فصل قال صاحب quot; المنازل quot;: الورع توق مستقصى على حذر. وتحرج على تعظيم. يعني أن يتوقى الحرام والشبه وما يخاف أن يضره أقصى ما يمكنه من التوقي لأن التوقي والحذر متقاربان. إلا أن التوقي فعل الجوارح. والحذر فعل القلب. فقد يتوقى العبد الشيء لا على وجه الحذر والخوف. ولكن لأمور أخرى من إظهار نزاهة وعزة وتصوف أو اعتراض آخر كتوقي الذين لا يؤمنون بمعاد ولا جنة ولا نار ما يتوقونه من الفواحش والدناءة تصونا عنها ورغبة بنفوسهم عن مواقعتها وطلبا للمحمدة ونحو ذلك. وقوله: quot; أو تحرج على تعظيم quot; يعني أن الباعث على الورع عن المحارم والشبه إما حذر حلول الوعيد وإما تعظيم الرب جل جلاله وإجلالا له أن يتعرض لما نهى عنه. فالورع عن المعصية: إما تخوف أو تعظيم. واكتفى بذكر التعظيم عن ذكر الحب(2\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "519",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13516",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباعث على ترك معصية المحبوب لأنه لا يكون إلا مع تعظيمه. وإلا فلو خلا القلب من تعظيمه لم تستلزم محبته ترك مخالفته كمحبة الإنسان ولده وعبده وأمته. فإذا قارنه التعظيم أوجب ترك المخالفة. قال: وهو آخر مقام الزهد للعامة وأول مقام الزهد للمريد. يعني أن هذا التوقي والتحرج - بوصف الحذر والتعظيم - هو نهاية لزهد العامة وبداية لزهد المريد. وإنما كان كذلك لأن الورع - كما تقدم - هو أول الزهد وركنه وزهد المريد فوق زهد العامة. ونهاية العامة هي بداية المريد. فنهاية مقام هذا هي بداية مقام هذا. فإذا انتهى ورع العامة صار زهدا. وهو أول ورع المريد.  [درجات الورع] [الدرجة الأولى تجنب القبائح لصون النفس] قال: وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: تجنب القبائح لصون النفس. وتوفير الحسنات. وصيانة الإيمان. هذه ثلاث فوائد من فوائد تجنب القبائح. إحداها: صون النفس. وهو حفظها وحمايتها عما يشينها ويعيبها ويزري بها عند الله عز وجل وملائكته وعباده المؤمنين وسائر خلقه. فإن من كرمت عليه نفسه وكبرت عنده صانها وحماها وزكاها وعلاها ووضعها في أعلى المحال. وزاحم بها أهل العزائم والكمالات. ومن هانت عليه نفسه وصغرت عنده ألقاها في الرذائل. وأطلق شناقها وحل زمامها وأرخاه. ودساها ولم يصنها عن قبيح. فأقل ما في تجنب القبائح: صون النفس. وأما توفير الحسنات فمن وجهين: أحدهما: توفير زمانه على اكتساب الحسنات. فإذا اشتغل بالقبائح نقصت عليه الحسنات التي كان مستعدا لتحصيلها. والثاني: توفير الحسنات المفعولة عن نقصانها بموازنة السيئات وحبوطها كما تقدم في منزلة التوبة أن السيئات قد تحبط الحسنات وقد تستغرقها بالكلية أو تنقصها. فلا بد أن تضعفها قطعا فتجنبها يوفر ديوان الحسنات. وذلك بمنزلة من له مال حاصل. فإذا استدان عليه فإما أن يستغرقه الدين أو يكثره أو ينقصه فهكذا الحسنات والسيئات سواء.(2\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "520",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13517",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما صيانة الإيمان فإن الإيمان عند جميع أهل السنة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وقد حكاه الشافعي وغيره عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وإضعاف المعاصي للإيمان أمر معلوم بالذوق والوجود. فإن العبد - كما جاء في الحديث - إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء. فإن تاب واستغفر صقل قلبه. وإن عاد فأذنب نكت فيه نكتة أخرى حتى تعلو قلبه. وذلك الران الذي قال الله تعالى: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون [المطففين: 14]  . فالقبائح تسود القلب وتطفئ نوره. والإيمان هو نور في القلب. والقبائح تذهب به أو تقلله قطعا. فالحسنات تزيد نور القلب. والسيئات تطفئ نور القلب. وقد أخبر الله عز وجل أن كسب القلوب سبب للران الذي يعلوها. وأخبر أنه أركس المنافقين بما كسبوا. فقال: والله أركسهم بما كسبوا [النساء: 88] . وأخبر أن نقض الميثاق الذي أخذه على عباده سبب لتقسية القلب. فقال: فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به [المائدة: 13] . فجعل ذنب النقض موجبا لهذه الآثار من تقسية القلب واللعنة وتحريف الكلم ونسيان العلم. فالمعاصي للإيمان كالمرض والحمى للقوة سواء بسواء. ولذلك قال السلف: المعاصي بريد الكفر كما أن الحمى بريد الموت. فإيمان صاحب القبائح كقوة المريض على حسب قوة المرض وضعفه. وهذه الأمور الثلاثة - وهي صون النفس وتوفير الحسنات وصيانة الإيمان - هي أرفع من باعث العامة على الورع لأن صاحبها أرفع همة لأنه عامل على تزكية نفسه وصونها وتأهيلها للوصول إلى ربها. فهو يصونها عما يشينها عنده. ويحجبها عنه. ويصون حسناته عما يسقطها ويضعها لأنه يسير بها إلى ربه. ويطلب بها رضاه. ويصون إيمانه بربه من حبه له وتوحيده ومعرفته به ومراقبته إياه عما يطفئ نوره. ويذهب بهجته ويوهن قوته. قال الشيخ: quot; وهذه الثلاث الصفات: هي في الدرجة الأولى من ورع المريدين.(2\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "521",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13518",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعني أن للمريدين درجتين أخريين من الورع فوق هذه. ثم ذكرهما فقال:  [الدرجة الثانية حفظ الحدود عند مالا بأس به]  إبقاء على الصيانة والتقوى. وصعودا عن الدناءة. وتخلصا عن اقتحام الحدود. يقول: إن من صعد عن الدرجة الأولى إلى هذه الدرجة من الورع يترك كثيرا مما لا بأس به من المباح إبقاء على صيانته وخوفا عليها أن يتكدر صفوها. ويطفأ نورها. فإن كثيرا من المباح يكدر صفو الصيانة ويذهب بهجتها ويطفئ نورها ويخلق حسنها وبهجتها. وقال لي يوما شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - في شيء من المباح: هذا ينافي المراتب العالية وإن لم يكن تركه شرطا في النجاة. أو نحو هذا من الكلام. فالعارف يترك كثيرا من المباح إبقاء على صيانته. ولا سيما إذا كان ذلك المباح برزخا بين الحلال والحرام فإن بينهما برزخا - كما تقدم - فتركه لصاحب هذه الدرجة كالمتعين الذي لابد منه لمنافاته لدرجته. والفرق بين صاحب الدرجة الأولى وصاحب هذه: أن ذلك يسعى في تحصيل الصيانة. وهذا يسعى في حفظ صفوها أن يتكدر ونورها أن يطفأ ويذهب. وهو معنى قوله: إبقاء على الصيانة. وأما الصعود عن الدناءة فهو الرفع عن طرقاتها وأفعالها. وأما التخلص عن اقتحام الحدود فالحدود هي النهايات. وهي مقاطع الحلال والحرام. فحيث ينقطع وينتهي فذلك حده. فمن اقتحمه وقع في المعصية. وقد نهى الله تعالى عن تعدي حدوده وقربانه. فقال: تلك حدود الله فلا تقربوها [البقرة: 187] . وقال: تلك حدود الله فلا تعتدوها [البقرة: 229] . فإن الحدود يراد بها أواخر الحلال. وحيث نهى عن القربان فالحدود هناك: أوائل الحرام. يقول سبحانه: لا تتعدوا ما أبحت لكم ولا تقربوا ما حرمت عليكم. فالورع يخلص العبد من قربان هذه وتعدي هذه. وهو اقتحام الحدود.(2\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "522",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13519",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[الدرجة الثالثة التورع عن كل داعية تدعو إلى شتات الوقت] وقال: الدرجة الثالثة: التورع عن كل داعية تدعو إلى شتات الوقت. والتعلق بالتفرق. وعارض يعارض حال الجمع. الفرق بين شتات الوقت والتعلق بالتفرق: كالفرق بين السبب والمسبب والنفي والإثبات. فإنه يتشتت وقته. فلا يجد بدا من التعلق بما سوى مطلوبه الحق. إذ لا تعطيل في النفس ولا في الإرادة. فمن لم يكن الله مراده أراد ما سواه. ومن لم يكن هو وحده معبوده عبد ما سواه. ومن لم يكن عمله لله فلا بد أن يعمل لغيره. وقد تقدم هذا. فالمخلص يصونه الله بعبادته وحده وإرادة وجهه وخشيته وحده ورجائه وحده والطلب منه والذل له والافتقار إليه وحده. وإنما كان هذا أعلى من الدرجة الثانية: لأن أربابها اشتغلوا بحفظ الصيانة من الكدر وملاحظتها. وذلك عند أهل الدرجة الثالثة: تفرق عن الحق. واشتغال عن مراقبته بحال نفوسهم. فأدب أهل هذه أدب حضور وأدب أولئك أدب غيبة. وأما quot; الورع عن كل حال يعارض حال الجمع quot;. فمعناه أن يستغرق العبد شهود فنائه في التوحيد وجمعيته على الله تعالى فيه عن كل حال يعارض هذا الفناء والجمعية. وهذا عند الشيخ لما كان هو الغاية التي ليس بعدها مطلب جعل كل حال يعارضها ويقطع عنها ناقصا بالنسبة إليها. فالرغبة عنه غير ورع صاحبها. وقد عرفت ما فيه. وأن فوق هذا مقام أرفع منه وأعلى. وهو الورع عن كل حظ يزاحم مراده منك ولو كان الحظ فناء وجمعية أو كائنا ما كان. وبينا أن الفناء والجمعية حظ العبد. وأن حق الرب وراء ذلك. وهو البقاء بمراده فرقا وجمعا به وله. وعلى هذا فالورع الخاص: الورع عن كل حال يعارض حال القيام بالأمر والبقاء به فرقا وجمعا. والله المستعان.  [فصل الخوف يثمر الورع] فصل الخوف يثمر الورع والاستعانة وقصر الأمل. وقوة الإيمان باللقاء تثمر الزهد. والمعرفة تثمر المحبة والخوف والرجاء. والقناعة تثمر الرضاء. والذكر يثمر حياة القلب.(2\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "523",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13520",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والإيمان بالقدر يثمر التوكل. ودوام تأمل الأسماء والصفات يثمر المعرفة. والورع يثمر الزهد أيضا. والتوبة تثمر المحبة أيضا ودوام الذكر يثمرها. والرضا يثمر الشكر. والعزيمة والصبر يثمران جميع الأحوال والمقامات. والإخلاص والصدق كل منهما يثمر الآخر ويقتضيه. والمعرفة تثمر الخلق. والفكر يثمر العزيمة. والمراقبة تثمر عمارة الوقت وحفظ الأيام والحياء والخشية والإنابة. وإماتة النفس وإذلالها وكسرها يوجب حياة القلب وعزه وجبره. ومعرفة النفس ومقتها يوجب الحياء من الله عز وجل واستكثار ما منه واستقلال ما منك من الطاعات. ومحو أثر الدعوى من القلب واللسان وصحة البصيرة تثمر اليقين. وحسن التأمل لما ترى وتسمع من الآيات المشهودة والمتلوة يثمر صحة البصيرة. وملاك ذلك كله: أمران: أحدهما: أن تنقل قلبك من وطن الدنيا فتسكنه في وطن الآخرة ثم تقبل به كله على معاني القرآن واستجلائها وتدبرها وفهم ما يراد منه وما نزل لأجله وأخذ نصيبك وحظك من كل آية من آياته وتنزلها على داء قلبك. فهذه طريق مختصرة قريبة سهلة. موصلة إلى الرفيق الأعلى. آمنة لا يلحق سالكها خوف ولا عطب ولا جوع ولا عطش ولا فيها آفة من آفات سائر الطريق البتة. وعليها من الله حارس وحافظ يكلأ السالكين فيها ويحميهم ويدفع عنهم. ولا يعرف قدر هذه الطريق إلا من عرف طرق الناس وغوائلها وآفاتها وقطاعها. والله المستعان.  [فصل منزلة التبتل] [حقيقة التبتل] فصل منزلة التبتل ومن منازل quot; إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] quot; منزلة التبتل. قال الله تعالى: واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا [المزمل: 8] . والتبتل الانقطاع. وهو تفعل من البتل وهو القطع. وسميت مريم عليها السلام البتول لانقطاعها عن الأزواج وعن أن يكون لها نظراء من نساء زمانها. ففاقت نساء الزمان شرفا وفضلا. وقطعت منهن. ومصدر بتل تبتلا كالتعلم والتفهم ولكن جاء على التفعيل - مصدر تفعل - لسر لطيف. فإن في هذا الفعل إيذانا بالتدريج والتكلف والتعمل والتكثر والمبالغة. فأتى بالفعل الدال على أحدهما وبالمصدر(2\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "524",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13521",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدال على الآخر. فكأنه قيل: بتل نفسك إلى الله تبتيلا وتبتل إليه تبتلا. ففهم المعنيان من الفعل ومصدره. وهذا كثير في القرآن. وهو من أحسن الاختصار والإيجاز. قال صاحب quot; المنازل quot;: التبتل الانقطاع إلى الله بالكلية. وقوله عز وجل: له دعوة الحق [الرعد: 14] أي التجريد المحض. ومراده بالتجريد المحض التبتل عن ملاحظة الأعواض. بحيث لا يكون المتبتل كالأجير الذي لا يخدم إلا لأجل الأجرة. فإذا أخذها انصرف عن باب المستأجر بخلاف العبد. فإنه يخدم بمقتضى عبوديته لا للأجرة. فهو لا ينصرف عن باب سيده إلا إذا كان آبقا. والآبق قد خرج من شرف العبودية. ولم يحصل له إطلاق الحرية. فصار بذلك مركوسا عند سيده وعند عبيده. وغاية شرف النفس دخولها تحت رق العبودية طوعا واختيارا ومحبة لا كرها وقهرا. كما قيل: شرف النفوس دخولها في رقهم ... والعبد يحوي الفخر بالتمليك والذي حسن استشهاده بقوله: له دعوة الحق [الرعد: 14] في هذا الموضع: إرادة هذا المعنى. وأنه تعالى صاحب دعوة الحق لذاته وصفاته. وإن لم يوجب لداعيه بها ثوابا. فإنه يستحقها لذاته. فهو أهل أن يعبد وحده ويدعى وحده ويقصد ويشكر ويحمد ويحب ويرجى ويخاف ويتوكل عليه ويستعان به ويستجار به ويلجأ إليه ويصمد إليه. فتكون الدعوة الإلهية الحق له وحده. ومن قام بقلبه هذا - معرفة وذوقا وحالا - صح له مقام التبتل والتجريد المحض. وقد فسر السلف دعوة الحق بالتوحيد والإخلاص فيه والصدق. ومرادهم هذا المعنى. فقال علي رضي الله عنه: دعوة الحق التوحيد وقال ابن عباس رضي الله عنهما: شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل: الدعاء بالإخلاص. والدعاء الخالص لا يكون إلا لله. ودعوة الحق دعوة الإلهية وحقوقها وتجريدها وإخلاصها.  [درجات التبتل] [الدرجة الأولى تجريد الانقطاع عن الحظوظ واللحوظ إلى العالم] قال: وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: تجريد الانقطاع عن الحظوظ(2\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "525",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13522",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واللحوظ إلى العالم خوفا أو رجاء أو مبالاة بحال. قلت: التبتل يجمع أمرين اتصالا وانفصالا. لا يصح إلا بهما. فالانفصال: انقطاع قلبه عن حظوظ النفس المزاحمة لمراد الرب منه. وعن التفات قلبه إلى ما سوى الله خوفا منه أو رغبة فيه أو مبالاة به أو فكرا فيه بحيث يشغل قلبه عن الله. والاتصال: لا يصح إلا بعد هذا الانفصال. وهو اتصال القلب بالله وإقباله عليه وإقامة وجهه له حبا وخوفا ورجاء وإنابة وتوكلا. ثم ذكر الشيخ ما يعين على هذا التجريد وبأي شيء يحصل. فقال: بحسم الرجاء بالرضا وقطع الخوف بالتسليم ورفض المبالاة بشهود الحقيقة. يقول: إن الذي يحسم مادة رجاء المخلوقين من قلبك هو الرضا بحكم الله عز وجل وقسمه لك. فمن رضي بحكم الله وقسمه لم يبق لرجاء الخلق في قلبه موضع. والذي يحسم مادة الخوف هو التسليم لله. فإن من سلم لله واستسلم له وعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه وعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له - لم يبق لخوف المخلوقين في قلبه موضع أيضا. فإن نفسه التي يخاف عليها قد سلمها إلى وليها ومولاها. وعلم أنه لا يصيبها إلا ما كتب لها. وأن ما كتب لها لا بد أن يصيبها. فلا معنى للخوف من غير الله بوجه. وفي التسليم أيضا فائدة لطيفة. وهي أنه إذا سلمها الله فقد أودعها عنده. وأحرزها في حرزه. وجعلها تحت كنفه. حيث لا تنالها يد عدو عاد ولا بغي باغ عات. والذي يحسم مادة المبالاة بالناس شهود الحقيقة. وهو رؤية الأشياء كلها من الله وبالله وفي قبضته وتحت قهره وسلطانه. لا يتحرك منها شيء إلا بحوله وقوته. ولا ينفع ولا يضر إلا بإذنه ومشيئته. فما وجه المبالاة بالخلق بعد هذا الشهود  [الدرجة الثانية تجريد الانقطاع عن التعريج على النفس بمجانبة الهوى] قال: الدرجة الثانية تجريد الانقطاع عن التعريج على النفس بمجانبة الهوى.(2\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "526",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13523",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتنسم روح الأنس وشيم برق الكشف. الفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها: أن الأولى انقطاع عن الخلق وهذه انقطاع عن النفس. وجعله بثلاثة أشياء: أولها: مجانبة الهوى ومخالفته ونهي نفسه عنه لأن اتباعه يصد عن التبتل. وثانيها: - وهو بعد مخالفة الهوى - تنسم روح الأنس بالله والروح للروح كالروح للبدن. فهو روحها وراحتها. وإنما حصل له هذا الروح لما أعرض عن هواه. فحينئذ تنسم روح الأنس بالله. ووجد رائحته. إذ النفس لا بد لها من التعلق. فلما انقطع تعلقها من هواها وجدت روح الأنس بالله. وهبت عليها نسماته. فريحتها وأحيتها. وثالثها: شيم برق الكشف. وهو مطالعته واستشرافه والنظر إليه. ليعلم به مواقع الغيث ومساقط الرحمة. وليس مراده بالكشف هاهنا الكشف الجزئي السفلي المشترك بين البر والفاجر والمؤمن والكافر كالكشف عن مخبآت الناس ومستورهم. وإنما هو الكشف عن ثلاثة أشياء هن منتهى كشف الصادقين أرباب البصائر. أحدها: الكشف عن منازل السير. والثاني: الكشف عن عيوب النفس وآفات الأعمال ومفسداتها. والثالث: الكشف عن معاني الأسماء والصفات وحقائق التوحيد والمعرفة. وهذه الأبواب الثلاثة هي مجامع علوم القوم. وعليها يحومون. وحولها يدندنون. وإليها يشمرون. فمنهم من جل كلامه ومعظمه في السير وصفة المنازل. ومنهم من جل كلامه في الآفات والقواطع. ومنهم من جل كلامه في التوحيد والمعرفة وحقائق الأسماء والصفات. والصادق الذكي يأخذ من كل منهم ما عنده من الحق. فيستعين به على مطلبه. ولا يرد ما يجده عنده من الحق لتقصيره في الحق الآخر. ويهدره به. فالكمال المطلق لله رب العالمين وما من العباد إلا له مقام معلوم.(2\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "527",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13524",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[الدرجة الثالثة تجريد الانقطاع إلى السبق بتصحيح الاستقامة] قال: الدرجة الثالثة تجريد الانقطاع إلى السبق بتصحيح الاستقامة والاستغراق في قصد الوصول والنظر إلى أوائل الجمع. لما جعل الدرجة الأولى انقطاعا عن الخلق والثانية انقطاعا عن النفس جعل الثالثة طلبا للسبق. وجعله بتصحيح الاستقامة. وهي الإعراض عما سوى الحق. ولزوم الإقبال عليه والاشتغال بمحابه. ثم بالاستغراق في قصد الوصول. وهو أن يشغله طلب الوصول عن كل شيء بحيث يستغرق همومه وعزائمه وإرادته وأوقاته. وإنما يكون ذلك بعد بدو برق الكشف المذكور له. وأما النظر إلى أوائل الجمع فالجمع هو قيام الخلق كلهم بالحق وحده. وقيامه عليهم بالربوبية والتدبير. والنظر إلى أوائل ذلك هو الالتفات إلى مقدماته وبداياته. وهي العقبة التي ينحدر منها على وادي الفناء. وقد قيل: إنها وقفة تعترض القاطع لأودية التفرقة قبل وصوله إلى الجمع. ومنها يشرف عليه. وهذه الوقفة تعترض كل طالب مجد في طلبه. فمنها يرجع على عقبه أو يصل إلى مطلبه كما قيل: لابد للعاشق من وقفة ما بين سلوان وبين غرام ... وعندها ينقل أقدامه إما إلى خلف وإما أمام والذي يظهر لي من كلامه أن أوائل الجمع مبادئه ولوائحه وبوارقه. وبعد هذا درجة رابعة. وهي الانقطاع عن مراده من ربه. والفناء عنه إلى مراد ربه منه والفناء به. فلا يريد منه بل يريد ما يريده منقطعا به عن كل إرادة. فينظر في أوائل الجمع في مراده الديني الأمري الذي يحبه ويرضاه. وأكثر أرباب السلوك عندهم: إياك نعبد [الفاتحة: 5] فرق وإياك نستعين [الفاتحة: 5] جمع. ثم منهم من يرى أن ترك الجمع زندقة وكفر. فهو يعرض عن الجمع إلى الفرق. ومنهم من يرى أن مقام التفرقة ناقص مرغوب عنه. ويرى سوء حال أهله(2\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "528",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13525",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتشتتهم. فيرغب عنه عاملا على الجمع. يتوجه معه حيث توجهت ركائبه. والمستقيمون منهم يقولون: لا بد للعبد السالك من جمع وفرق وقيام العبودية بهما. فمن لا تفرقة له لا عبودية له. ومن لا جمع له لا معرفة له ولا حال. ف: إياك نعبد [الفاتحة: 5] فرق.: وإياك نستعين [الفاتحة: 5] جمع. والحق: أن كلا من مشهدي إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] متضمن للفرق والجمع وكمال العبودية بالقيام بهما في كل مشهد. ففرق: إياك نعبد [الفاتحة: 5] تنوع ما يعبد به وكثرة تعلقاته وضروبه. وجمعه: توحيد المعبود بذلك كله. وإرادة وجهه وحده والفناء عن كل حظ ومراد يزاحم حقه ومراده. فتضمن هذا المشهد فرقا في جمع وكثرة في وحدة. فصاحبه يتنقل في منازل العبودية من عبادة إلى عبادة ومعبود واحد لا إله إلا هو. وأما فرق: وإياك نستعين [الفاتحة: 5] فشهود ما يستعين به عليه ومرتبته ومنزلته ومحله من النفع والضر وبدايته وعاقبته واتصاله - بل وانفصاله - وما يترتب عليه من هذا الاتصال والانفصال. ويشهد - مع ذلك - فقر المستعين وحاجته ونقصه وضرورته إلى كمالاته التي يستعين ربه في تحصيلها وآفاته التي يستعين ربه في دفعها. ويشهد حقيقة الاستعانة وكفاية المستعان به. وهذا كله فرق يثمر عبودية هذا المشهد. وأما جمعه: فشهود تفرده سبحانه بالأفعال وصدور الكائنات بأسرها عن مشيئته وتصريفها بإرادته وحكمته. فغيبته بهذا المشهد عما قبله من الفرق: نقص في العبودية كما أن تفرقه في الذي قبله دون ملاحظته: نقص أيضا. والكمال إعطاء الفرق والجمع حقهما في هذا المشهد والمشهد الأول. فتبين تضمن: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] للجمع والفرق. والله المستعان.  [فصل منزلة الرجاء] [حقيقة الرجاء] فصل منزلة الرجاء(2\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "529",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13526",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن منازل: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الرجاء. قال الله تعالى: أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه [الإسراء: 57] فابتغاء الوسيلة إليه: طلب القرب منه بالعبودية والمحبة. فذكر مقامات الإيمان الثلاثة التي عليها بناؤه: الحب والخوف والرجاء. قال تعالى: من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت [العنكبوت: 5]  وقال: فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا [الكهف: 110]  وقال تعالى: أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم [البقرة: 218] . وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول - قبل موته بثلاث -: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه  وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء . quot; الرجاء quot; حاد يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب. وهو الله والدار الآخرة. ويطيب لها السير. وقيل: هو الاستبشار بجود وفضل الرب تبارك وتعالى. والارتياح لمطالعة كرمه سبحانه.(2\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "530",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13527",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقيل: هو الثقة بجود الرب تعالى. والفرق بينه وبين التمني أن التمني يكون مع الكسل. ولا يسلك بصاحبه طريق الجد والاجتهاد. و quot; الرجاء quot; يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل. فالأول كحال من يتمنى أن يكون له أرض يبذرها ويأخذ زرعها. والثاني كحال من يشق أرضه ويفلحها ويبذرها. ويرجو طلوع الزرع. ولهذا أجمع العارفون على أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل. قال شاه الكرماني: علامة صحة الرجاء حسن الطاعة. والرجاء ثلاثة أنواع: نوعان محمودان ونوع غرور مذموم. فالأولان رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله. فهو راج لثوابه. ورجل أذنب ذنوبا ثم تاب منها. فهو راج لمغفرة الله تعالى وعفوه وإحسانه وجوده وحلمه وكرمه. والثالث: رجل متماد في التفريط والخطايا. يرجو رحمة الله بلا عمل. فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب. وللسالك نظران: نظر إلى نفسه وعيوبه وآفات عمله يفتح عليه باب الخوف إلى سعة فضل ربه وكرمه وبره. ونظر يفتح عليه باب الرجاء. ولهذا قيل في حد الرجاء: هو النظر إلى سعة رحمة الله. وقال أبو علي الروذباري: الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه. وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص. وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت.(2\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "531",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13528",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسئل أحمد بن عاصم: ما علامة الرجاء في العبد فقال: أن يكون إذا أحاط به الإحسان ألهم الشكر راجيا لتمام النعمة من الله عليه في الدنيا والآخرة وتمام عفوه عنه في الآخرة. واختلفوا أي الرجائين أكمل: رجاء المحسن ثواب إحسانه. أو رجاء المسيء التائب مغفرة ربه وعفوه . فطائفة رجحت رجاء المحسن. لقوة أسباب الرجاء معه. وطائفة رجحت رجاء المذنب لأن رجاءه مجرد عن علة رؤية العمل مقرون بذلة رؤية الذنب. قال يحيى بن معاذ: يكاد رجائي لك مع الذنوب يغلب رجائي لك مع الأعمال لأني أجدني أعتمد في الأعمال على الإخلاص وكيف أصفيها وأحرزها وأنا بالآفات معروف. وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف . وقال أيضا: إلهي أحلى العطايا في قلبي رجاؤك. وأعذب الكلام على لساني ثناؤك. وأحب الساعات إلي ساعة يكون فيها لقاؤك.  [فصل مناقشة شيخ الإسلام في تعريفه للرجاء] فصل قال صاحب quot; المنازل quot;: الرجاء أضعف منازل المريدين لأنه معارضة من وجه واعتراض من وجه وهو وقوع في الرعونة في مذهب هذه الطائفة. وفائدة واحدة نطق بها التنزيل والسنة. وتلك الفائدة هي كونه يرد حرارة الخوف حتى لا يفضي بصاحبه إلى اليأس. شيخ الإسلام حبيب إلينا. والحق أحب إلينا منه. وكل من عدا المعصوم صلى الله عليه وسلم فمأخوذ من قوله ومتروك ونحن نحمل كلامه على أحسن محامله. ثم نبين ما فيه.(2\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "532",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13529",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أما قوله: الرجاء أضعف منازل المريدين فيعني بالنسبة إلى ما فوقه من المنازل كمنزلة المعرفة والمحبة والإخلاص والصدق والتوكل لا أن مراده ضعف حال هذه المنزلة في نفسها وأنها منزلة ناقصة. وأما قوله: لأنه معارضة من وجه واعتراض من وجه. فلأنه تعلق بمراد العبد من ربه من الإحسان والثواب والإفضال. وقد يكون مراده تعالى من عبده استيفاء حقه ومعاملته بحكم عدله له. لما له في ذلك من الحكمة. فإذا أراد العبد منه معاملته بحكم الفضل دخل في نوع معارضة. وكأن الراجي تعلق قلبه بما يعارض تصرف المالك في ملكه. وذلك ينافي حكم استسلامه وانقياده وانطراحه بين يدي ربه مستسلما لما يحكم به فيه. فرجاؤه معارض لحكمه وإرادته ووقوف مع مراده من سيده. وذلك يعارض مراد سيده منه. والمحب الصادق من فني بمراد محبوبه عن مراده منه. ولو كان فيه تعذيبه. وأما وجه الاعتراض: فهو أن القلب إذا تعلق بالرجاء ولم يظفر بمرجوه اعترض. حيث لم يحصل له مرجوه ولم يظفر به. وإن ظفر به اعترض. حيث فاته غير ذلك المرجو لأن كل أحد يرجو فضل الله. ويحدث نفسه به. وفيه وجه آخر من الاعتراض: وهو أن يعترض على ربه تعالى بما يرجو منه لأن الراجي متمن لما يرجو مؤثر له. وذلك اعتراض على القدر مناف لكمال الاستسلام والرضا بما سبق به القضاء. فإذا تيقن له أنه سبق القضاء بشيء فإنه لا بد أن يناله. فعلق قلبه برجاء شيء من الفضل. فقد اعترض على القضاء ولم يعرف للاستسلام للحكم حقه. وذلك وقوع في الرعونة. في مذهب السائرين على درب الفناء الناظرين إلى عين الجمع. إذ الرعونة هي الوقوف مع حظ النفس. والرجاء هو الوقوف مع الحظ لأنه يتعلق بالحظوظ. وأصحاب هذه الطريقة أول طريقهم الخروج عن نفوسهم فضلا عن حظوظها لأنهم عاملون على أن يكونوا بالله لا بنفوسهم. فغاية المحب أن يرضى بأحكام محبوبه عليه ساءته أم سرته حتى يبلغ بأحدهم هذا الحال إلى أن ينشد: أحبك لا أحبك للثواب ... ولكني أحبك للعقاب وكل مآربي قد نلت منها سوى ملذوذ وجدي بالعذاب ولو كان نفس تلذذه بالعذاب مقصوده من العذاب لكان أيضا واقفا مع حظه(2\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "533",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13530",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولكن أراد أن رضاه بمراد محبوبه منه - ولو كان عذابه - لم يدع فيه للرجاء موضعا ولا للخوف. بل يقول: أنا أحب ما تريده بي ولو أنه عذابي. وقد كشف بعض المغرورين عن هذا بقوله: وتعذيبي مع الهجران عندي ... أحب إلي من طيب الوصال لأني في الوصال عبيد حظي وفي الهجران عبد للموالي فأخبر أن التعذيب بالهجران أحب إليه من طيب الوصال لكون الوصال فيه ما تشتهيه النفس. وأما التعذيب فليس للنفس فيه مقصود. ثم أخبر أنه لم يأت في القرآن والسنة إلا لفائدة واحدة. وهي تبريده لحرارة الخوف. حتى لا يفضي بصاحبه إلى الإياس. وهذا وجه كلامه وحمله على أحسن المحامل. فيقال: هذا ونحوه من الشطحات التي ترجى مغفرتها بكثرة الحسنات ويستغرقها كمال الصدق وصحة المعاملة وقوة الإخلاص وتجريد التوحيد ولم تضمن العصمة لبشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه الشطحات أوجبت فتنة على طائفتين من الناس. إحداهما حجبت بها عن محاسن هذه الطائفة ولطف نفوسهم وصدق معاملتهم فأهدروها لأجل هذه الشطحات وأنكروها غاية الإنكار. وأساءوا الظن بهم مطلقا وهذا عدوان وإسراف. فلو كان كل من أخطأ أو غلط ترك جملة وأهدرت محاسنه لفسدت العلوم والصناعات والحكم وتعطلت معالمها. والطائفة الثانية: حجبوا بما رأوه من محاسن القوم وصفاء قلوبهم وصحة عزائمهم وحسن معاملاتهم عن رؤية عيوب شطحاتهم ونقصانها. فسحبوا عليها ذيل المحاسن. وأجروا عليها حكم القبول والانتصار لها. واستظهروا بها في سلوكهم. وهؤلاء أيضا معتدون مفرطون. والطائفة الثالثة: - وهم أهل العدل والإنصاف - الذين أعطوا كل ذي حق حقه وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول ولا للمعلول السقيم بحكم الصحيح. بل قبلوا ما يقبل. وردوا ما يرد. وهذه الشحطات ونحوها هي التي حذر منها سادات القوم وذموا عاقبتها. وتبرءوا(2\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "534",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13531",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منها حتى ذكر أبو القاسم القشيري في رسالته أن أبا سليمان الداراني رؤي بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك فقال: غفر لي. وما كان شيء أضر علي من إشارات القوم. وقال أبو القاسم: سمعت أبا سعيد الشحام يقول: رأيت أبا سهل الصعلوكي في المنام فقلت له: أيها الشيخ فقال: دع التشييخ. فقلت: وتلك الأحوال فقال: لم تغن عنا شيئا. فقلت: ما فعل الله بك قال: غفر لي بمسائل كانت تسأل عنها العجائز. وذكر عن الجريري: أنه رأى الجنيد في المنام بعد موته فقال: كيف حالك يا أبا القاسم فقال: طاحت تلك الإشارات. وفنيت تلك العبارات. وما نفعنا إلا تسبيحات كنا نقولها بالغدوات. وقال أبو سليمان الداراني: تعرض علي النكتة من نكت القوم. فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل الكتاب والسنة. وقال الجنيد: مذهبنا مقيد بالكتاب والسنة. فمن لم يقرأ القرآن ويكتب(2\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "535",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13532",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحديث لا يقتدى به في طريقنا. هذا إلى غير ذلك من الأقوال التي وردت عنهم. رضي الله عنهم. فأما قوله: الرجاء أضعف منازل المريدين فليس كذلك بل هو من أجل منازلهم وأعلاها وأشرفها. وعليه وعلى الحب والخوف مدار السير إلى الله. وقد مدح الله تعالى أهله وأثنى عليهم. فقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا [الأحزاب: 21] . وفي الحديث الصحيح الإلهي عن النبي صلى الله عليه وسلم - فيما يروي عن ربه عز وجل - يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي. وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه. إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي. وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم. وإن اقترب إلي شبرا اقتربت إليه ذراعا. وإن اقترب إلي ذراعا اقتربت إليه باعا. وإن أتاني يمشي أتيته هرولة . رواه مسلم. وقد أخبر تعالى عن خواص عباده الذين كان المشركون يزعمون أنهم يتقربون بهم إلى الله تعالى: أنهم كانوا راجين له خائفين منه. فقال تعالى: قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا [الإسراء: 56] . يقول تعالى: هؤلاء الذين تدعونهم من دوني: هم عبادي يتقربون إلي بطاعتي ويرجون رحمتي ويخافون عذابي فلماذا تدعونهم من دوني فأثنى عليهم بأفضل أحوالهم ومقاماتهم من الحب والخوف والرجاء. قوله: لأنه معارضة من وجه واعتراض من وجه.(2\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "536",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13533",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقال: وهو عبودية وتعلق بالله من حيث اسمه المحسن البر فذلك التعلق والتعبد بهذا الاسم والمعرفة بالله هو الذي أوجب للعبد الرجاء من حيث يدري ومن حيث لا يدري. فقوة الرجاء على حسب قوة المعرفة بالله وأسمائه وصفاته وغلبة رحمته غضبه. ولولا روح الرجاء لعطلت عبودية القلب والجوارح. وهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا. بل لولا روح الرجاء لما تحركت الجوارح بالطاعة. ولولا ريحه الطيبة لما جرت سفن الأعمال في بحر الإرادات. ولي من أبيات: لولا التعلق بالرجاء تقطعت ... نفس المحب تحسرا وتمزقا وكذاك لولا برده بحرارة ال ... أكباد ذابت بالحجاب تحرقا أيكون قط حليف حب لا يرى ... برجائه لحبيبه متعلقا ! أم كلما قويت محبته له ... قوي الرجاء فزاد فيه تشوقا لولا الرجا يحدو المطي لما سرت ... بحمولها لديارهم ترجو اللقا وعلى حسب المحبة وقوتها يكون الرجاء. فكل محب راج خائف بالضرورة فهو أرجى ما يكون لحبيبه أحب ما يكون إليه. وكذلك خوفه. فإنه يخاف سقوطه من عينيه. وطرد محبوبه له وإبعاده. واحتجابه عنه. فخوفه أشد خوف. ورجاؤه ذاتي للمحبة. فإنه يرجوه قبل لقائه والوصول إليه. فإذا لقيه ووصل إليه اشتد الرجاء له لما يحصل له به من حياة روحه ونعيم قلبه من ألطاف محبوبه وبره وإقباله عليه ونظره إليه بعين الرضا وتأهيله في محبته وغير ذلك مما لا حياة للمحب ولا نعيم ولا فوز إلا بوصوله إليه من محبوبه. فرجاؤه أعظم رجاء وأجله وأتمه. فتأمل هذا الموضع حق التأمل يطلعك على أسرار عظيمة من أسرار العبودية والمحبة. فكل محبة فهي مصحوبة بالخوف والرجاء. وعلى قدر تمكنها من قلب المحب يشتد خوفه ورجاؤه لكن خوف المحب لا يصحبه وحشة. بخلاف خوف المسيء ورجاء المحب لا يصحبه علة بخلاف رجاء الأجير. وأين رجاء المحب من رجاء الأجير ! وبينهما كما بين حاليهما. وبالجملة: فالرجاء ضروري للمريد السالك والعارف لو فارقه لحظة لتلف أو كاد. فإنه دائر بين ذنب يرجو غفرانه وعيب يرجو إصلاحه وعمل صالح يرجو قبوله واستقامة يرجو حصولها ودوامها وقرب من الله ومنزلة عنده يرجو وصوله إليها. ولا ينفك أحد من السالكين عن هذه الأمور أو بعضها. فكيف يكون الرجاء من أضعف منازله. وهذا حاله(2\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "537",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13534",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حديث المعارضة والاعتراض فباطل. فإن الراجي ليس معارضا. ولا معترضا بل راغبا راهبا. مؤملا لفضل ربه. حسن الظن به متعلق الأمل ببره وجوده عابدا له بأسمائه: المحسن البر المعطي الحليم الغفور الجواد الوهاب الرزاق. والله سبحانه وتعالى يحب من عبده أن يرجوه. ولذلك كان عند رجاء العبد له وظنه به. والرجاء من الأسباب التي ينال بها العبد ما يرجوه من ربه بل هو من أقوى الأسباب. ولو تضمن معارضة واعتراضا لكان ذلك في الدعاء والمسألة أولى فكان دعاء العبد ربه وسؤاله - أن يهديه ويوفقه ويسدده ويعينه على طاعته ويجنبه معصيته ويغفر ذنوبه ويدخله جنته وينجيه من النار - معارضة واعتراضا لأن الداعي راج وطالب ما يرجوه. فهو أولى حينئذ بالمعارضة والاعتراض. والذي أوجب للشيخ هذا القدر: الاسترسال في القدر. والفناء في شهود الحقيقة الكونية. فإنه من الراسخين فيه الذين لا تأخذهم فيه لومة لائم. وهو شديد في إنكار الأسباب. وهذا موضع زلت فيه أقدام أئمة أعلام. ولولا أن حق الحق أوجب من حق الخلق لكان في الإمساك فسحة ومتسع. وليس في الرجاء ولا في الدعاء معارضة لتصرف المالك في ملكه. فإنه إنما يرجو تصرفه في ملكه أيضا بما هو أولى وأحب الأمرين إليه. فإن الفضل أحب إليه من العدل والعفو أحب إليه من الانتقام والمسامحة أحب إليه من الاستقصاء والترك أحب إليه من الاستيفاء ورحمته غلبت غضبه. فالراجي علق رجاءه بتصرفه المحبوب له المرضي له. فلم يوجب رجاؤه خروجه عن تصرفه في ملكه. بل اقتضى عبوديته وحصول أحب التصرفين إليه. وهو سبحانه وتعالى لا ينتفع باستيفاء حقه وعقوبة عبده حتى يكون رجاؤه مبطلا لذلك. وإنما العبد استدعى العقوبة وأخذ الحق منه لشركه بالله وكفره به. واجتهاده في غضبه. ولغضبه موجبات وآثار ومقتضيات والعبد مؤثر لها ساع في تحصيلها عامل عليها بإيثاره إياها وسعيه في أسبابها. فهو المهلك لنفسه. وربه يحذره ويبصره ويناديه: هلم إلي أحمك وأصنك وأنجك مما تحذر وأؤمنك من كل ما تخاف وهو يأبى إلا شرودا عليه ونفارا عنه ومصالحة لعدوه ومظاهرة له على ربه. ومتطلبا لمرضاة خلقه بمساخطه. رضا المخلوق آثر عنده من رضا خالقه. وحقه آكد عنده من حقه. وخوفه ورجاؤه وحبه في قلبه أعظم من خوفه من الله ورجائه وحبه. فلم يدع لفضل ربه وكرامته وثوابه إليه طريقا بل سد دونه طرق مجاريها بجهده. وأعطى بيده لعدوه. فصالحه وسمع له(2\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "538",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13535",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأطاع. وانقاد إلى مرضاته. فجاء من الظلم بأقبحه وأشده. فهو الذي عارض مراده به منه بمراده وهواه وشهوته. واعترض لمحابه ومراضيه بالدفع. ولم يأذن لها في الدخول عليه. فأضاع حظه وبخس حقه. وظلم نفسه. وعادى حبيبه. ووالى عدوه. وأسخط من حياته في رضاه. وأرضى من حياته في سخطه. وجاد بنفسه لعدوه. وبخل بها عن حبيبه ووليه. والرب تبارك وتعالى ليس له ثأر عند عبده فيدركه بعقوبته. ولا يتشفى بعقابه. ولا يزيد ذلك في ملكه مثقال ذرة من ملكه. كيف والرحمة أوسع من العقوبة وأسبق من الغضب وأغلب له وهو قد كتب على نفسه الرحمة. فرجاء العبد له لا ينقص شيئا من حكمته. ولا ينقص ذرة من ملكه. ولا يخرجه عن كمال تصرفه. ولا يوجب خلاف كماله. ولا تعطيل أوصافه وأسمائه. ولولا أن العبد هو الذي سد على نفسه طرق الخيرات وأغلق دونها أبواب الرحمة بسوء اختياره لنفسه لكان ربه له فوق رجائه وفوق أمله. وأما استسلام العبد لربه واستسلامه بانطراحه بين يديه ورضاه بمواقع حكمه فيه فما ذاك إلا رجاء منه أن يرحمه ويقيله عثرته ويعفو عنه ويقبل حسناته مع عيوب أعماله وآفاتها. ويتجاوز عن سيئاته. فقوة رجائه أوجبت له هذا الاستسلام والانقياد والانطراح بالباب. ولا يتصور هذا بدون الرجاء ألبتة. فالرجاء حياة الطلب. والإرادة روحها. وأما رضاه بمراده منه وإن عذبه فهذا هو الرعونة كل الرعونة. فإن مراده سبحانه نوعان: مراد يحبه ويرضاه. ويمدح فاعله ويواليه. فموافقته في هذا المراد هي عين محبته وإرادة خلافه رعونة ومعارضة واعتراض. ومراد يبغضه ويكرهه ويمقت فاعله ويعاديه. فموافقته في هذا المراد عين مشاقته ومعاداته ومخالفته والتعرض لمقته وسخطه. فهذا الموضع موضع فرقان. فالموافقة كل الموافقة معارضة هذا المراد واعتراضه بالدفع والرد بالمراد الآخر. فالعبودية الحق معارضة مراده بمراده ومزاحمة أحكامه بأحكامه. فاستسلامه لهذا المراد المكروه المسخوط وما يوجبه ويقتضيه عين الرعونة. والخروج عن العبودية. وهو عين الدعوى الكاذبة إذ لو كان مصدر ذلك الاستسلام والموافقة وترك الاعتراض والمعارضة لكان ذلك مخصوصا بمحابه ومراضيه وأوامره(2\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "539",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13536",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التي الاستسلام لها والموافقة فيها وترك معارضتها والاعتراض عليها - هو عين المحبة والموالاة. وأما الفناء بمراد ربه فقد تقدم أن المحمود منه هو ذلك الفناء بمراده الديني الأمري لا الكوني القدري. فإن الكون كله مراده القدري خيره وشره. وأما تعلق الرجاء بمراده دون مراد سيده فهو إنما علقه بمراده المحبوب له هاربا من مراده المسخوط المكروه له. وعلى تقدير أن يكون محبوبا له - إذا كان انتقاما - فالعفو والفضل أحب إليه منه. فهو إنما علق رجاءه بأحب المرادين إليه. وأما كون الرجاء اعتراضا على ما سبق به الحكم: فليس كذلك. بل تعلقا بما سبق به الحكم. فإنه إنما يرجو فضلا وإحسانا ورحمة سبق بها القضاء والقدر وجعل الرجاء أحد أسباب حصولها. فليس الرجاء اعتراضا على القدر ولا معارضة للقدر. بل طلبا لما سبق به القدر. وأما اعتراضه إذا لم يحصل له مرجوه فهذا نقص في العبودية وجهل بحق الربوبية. فإن الراجي والداعي يرجو ويدعو فضلا لا يستحقه ولا يستوجبه بمعاوضة. فإن أعطيه فمحض المنة والصدقة عليه وإن منعه فلم يمنع حقا هو له. فاعتراضه رعونة وجهالة. ولا يلزم من فوات المرجو أو عدم حصول المدعو به في حق العبد الصادق معارضة ولا اعتراض. وقد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه تبارك وتعالى ثلاث خصال لأمته. فأعطاه اثنتين ومنعه واحدة. فرضي بما أعطاه. ولم يعترض فيما منعه بل رضي وسلم. وأما كون الرجاء وقوفا مع الحظ وأصحاب هذه الطريقة قد خرجوا عن نفوسهم فكيف حظوظهم فيا لله العجب! أي رعونة فيمن يجعل رجاء العبد ربه وطمعه في بره وإحسانه وفضله وسؤاله ذلك بقلبه ولسانه فإن الرجاء هو استشراف القلب لنيل ما يرجوه. فإذا كان العبد دائما مستشرفا بقلبه سائلا بلسانه طالبا لفضل ربه. فأي رعونة هاهنا وهل(2\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "540",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13537",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرعونة كل الرعونة إلا خلاف ذلك ومن العجب دعواهم خروجهم عن نفوسهم. وهم أعظم الناس عبادة لنفوسهم. وليس الخارج عن نفسه إلا من جعلها حبسا على مراد الله الديني الأمري النبوي. وبذلها لله في إقامة دينه. وتنفيذه بين أهل العناد والمعارضة والبغي. فانغمس فيهم يمزقون أديمه ويرمونه بالعظائم. ويخيفونه بأنواع المخاوف ويتطلبون دمه بجهدهم لا تأخذه في جهادهم في الله لومة لائم. يصدع بالحق عند من يخافه ويرجوه قد زهد في مدحهم وثنائهم. وتعظيمهم وتشييخهم له وتقبيل يده وقضاء حوائجه. يصيح فيهم بالنصائح جهارا. ويعلن لهم بها. ويسر لهم إسرارا. قد تجرد عن الأوضاع والقيود والرسوم. وتعلق بمراضي الحي القيوم. مقامه ساعة في جهاد أعداء الله. ورباطه ليلة على ثغر الإيمان آثر عنده وأحب إليه من فناء ومشاهدات وأحوال هي أعظم عيش النفس وأعلى قوتها وأوفر حظها. ويزعم أنه قد خرج عن نفسه فكيف حظها ولعله قد خرج عن مراد ربه من عبوديته إلى عين مراده. وهو حظه. ولو فتش نفسه لرأى ذلك فيها عيانا. وهل الرعونة كل الرعونة إلا دعواه أنه يحب ربه لعذابه لا لثوابه وأنه إذا أحبه وأطاعه للثواب كان ذلك حظا وإيثارا لمراد النفس بخلاف ما إذا أحبه وأطاعه ليعذبه. فإنه لا حظ للنفس في ذلك فوالله ليس في أنواع الرعونة والحماقة أقبح من هذا ولا أسمج. وماذا يلعب الشيطان بالنفوس وإن نفسا وصل بها تلبيس الشيطان إلى هذه الحالة المحتاجة إلى سؤال المعافاة. فزن أحوال الأنبياء والرسل والصديقين وسؤالهم ربهم على أحوال هؤلاء الغالطين الذين مرجت بهم نفوسهم. ثم قايس بينهما. وانظر التفاوت. فأين هذا من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك  وقوله لعمه العباس رضي الله عنه: يا عباس يا عم رسول الله سل الله العافية. وقوله للصديق(2\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "541",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13538",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأكبر رضي الله عنه - وقد سأله أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته - قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا. ولا يغفر الذنوب إلا أنت. فاغفر لي مغفرة من عندك. وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم. وقوله لصديقة النساء - وقد سألته دعاء تدعو به إن وافقت ليلة القدر - فقال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني. وقوله في دعائه الذي كان لا يدعه: وإن دعا بدعاء أردفه إياه: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة. وقنا عذاب النار  وقد أثنى الله تعالى على خاصته وهم أولو الألباب بأنهم سألوه أن يقيهم عذاب النار فقالوا: ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار [آل عمران: 191]  وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأم حبيبة: لو سألت الله أن يجيرك من عذاب النار لكان خيرا لك  وكان يستعيذ كثيرا من عذاب النار. ومن عذاب القبر وأمر المسلمين أن يستعيذوا في تشهدهم من عذاب القبر وعذاب النار. وفتنة المحيا والممات. وفتنة المسيح الدجال حتى قيل:(2\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "542",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13539",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن هذا الدعاء واجب في الصلاة. لا تصح إلا به. وهذا أعظم من أن نستقصيه. ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مريض يعوده. فرآه مثل الفرخ فقال: ما كنت تدعو به فقال: كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة فعاقبني به في الدنيا. فقال: سبحان الله! إنك لا تطيق ذلك. ألا سألت الله العفو والعافية . وفي المسند عنه صلى الله عليه وسلم قال: ما سئل الله شيئا أحب إليه من سؤال العفو والعافية. وقال لبعض أصحابه: ما تقول إذا صليت فقال: أسأل الله الجنة. وأعوذ به من النار أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا حولها ندندن . فأين هذا من حال من قال: لا أحبك لثوابك لأنه عين حظي. وإنما أحبك لعقابك لأنه لا حظ لي فيه. والرجاء عين الحظ. ونحن قد خرجنا عن نفوسنا فما لنا وللرجاء . فهذا وأمثاله أحسن ما يقال فيهم: إنه شطح قد يعذر فيه صاحبه إذا كان مغلوبا على عقله. كالسكران ونحوه. ولا تهدر محاسنه ومعاملاته وأحواله وزهده. ولكن الذي ينكر كون هذا من الأحوال الصحيحة والمقامات العلية. التي يتعاطاها العبد. ويشمر إليها. فهذا الذي لا تلبس عليه الثياب. ولا تصبر عليه نفوس العلماء. وحاشا سادات القوم وأئمتهم من هذه الرعونات. بل هم أبعد الناس منها.(2\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "543",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13540",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نعم قد يعرض لأحدهم حال يحدث نفسه فيه بأنه لو عذبه لكان راضيا بعذابه كرضا صاحب الثواب بثوابه. ويعزم على ذلك بقلبه. ولكن هذا عزم وأمنية وعند الحقيقة لا يكون لذلك أثر ألبتة. ولو امتحنه بأدنى محنة لصاح واستغاث. وسأل العافية. كما جرى للقائل. وهو سمنون: وليس لي من هواك بد ... فكيفما شئت فامتحني فامتحنه بعسر البول. فطاحت هذه الدعوى منه واضمحل حالها. وجعل يطوف على صبيان المكاتب ويقول: ادعوا لعمكم الكذاب. فالعزم على الرضا لون. وحقيقته لون آخر. وأما قوله: وإنما نطق به التنزيل: لفائدة. وهي كونه يبرد حرارة الخوف فيقال: بل لفوائد كثيرة أخر مشاهدة. منها: إظهار العبودية والفاقة والحاجة إلى ما يرجوه من ربه ويستشرفه من إحسانه وأنه لا يستغني عن فضله وإحسانه طرفة عين. ومنها أنه سبحانه يحب من عباده أن يؤملوه ويرجوه. ويسألوه من فضله لأنه الملك الحق الجواد أجود من سئل وأوسع من أعطى. وأحب ما إلى الجواد أن يرجى ويؤمل ويسأل. وفي الحديث من لم يسأل الله يغضب عليه والسائل راج وطالب. فمن لم يرج الله يغضب عليه. فهذه فائدة أخرى من فوائد الرجاء. وهي التخلص به من غضب الله.(2\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "544",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13541",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها أن الرجاء حاد يحدو به في سيره إلى الله. ويطيب له المسير. ويحثه عليه. ويبعثه على ملازمته. فلولا الرجاء لما سار أحد. فإن الخوف وحده لا يحرك العبد. وإنما يحركه الحب. ويزعجه الخوف. ويحدوه الرجاء. ومنها أن الرجاء يطرحه على عتبة المحبة ويلقيه في دهليزها. فإنه كلما اشتد رجاؤه وحصل له ما يرجوه ازداد حبا لله تعالى وشكرا له ورضا به وعنه. ومنها أنه يبعثه على أعلى المقامات. وهو مقام الشكر الذي هو خلاصة العبودية. فإنه إذا حصل له مرجوه كان أدعى لشكره. ومنها أنه يوجب له المزيد من معرفة الله وأسمائه ومعانيها والتعلق بها. فإن الراجي متعلق بأسمائه الحسنى متعبد بها داع بها. قال الله تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها [الأعراف: 180] فلا ينبغي أن يعطل دعاؤه بأسمائه الحسنى التي هي أعظم ما يدعو بها الداعي. فالقدح في مقام الرجاء تعطيل لعبودية هذه الأسماء وتعطيل للدعاء بها. ومنها: أن المحبة لا تنفك عن الرجاء - كما تقدم - فكل واحد منهما يمد الآخر ويقويه. ومنها: أن الخوف مستلزم للرجاء. والرجاء مستلزم للخوف. فكل راج خائف. وكل خائف راج. ولأجل هذا حسن وقوع الرجاء في موضع يحسن فيه وقوع الخوف. قال الله تعالى: ما لكم لا ترجون لله وقارا [نوح: 13] قال كثير من المفسرين: المعنى ما لكم لا تخافون لله عظمة قالوا: والرجاء بمعنى الخوف. والتحقيق أنه ملازم له. فكل راج خائف من فوات مرجوه. والخوف بلا رجاء يأس وقنوط. وقال تعالى: قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله [الجاثية: 14] قالوا في تفسيرها: لا يخافون وقائع الله بهم كوقائعه بمن قبلهم من الأمم. ومنها: أن العبد إذا تعلق قلبه برجاء ربه فأعطاه ما رجاه كان ذلك ألطف موقعا وأحلى عند العبد. وأبلغ من حصول ما لم يرجه. وهذا أحد الأسباب والحكم(2\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "545",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13542",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في جعل المؤمنين بين الرجاء والخوف في هذه الدار. فعلى قدر رجائهم وخوفهم يكون فرحهم في القيامة بحصول مرجوهم واندفاع مخوفهم. ومنها: أن الله سبحانه وتعالى يريد من عبده تكميل مراتب عبوديته من الذل والانكسار والتوكل والاستعانة والخوف والرجاء والصبر والشكر والرضا والإنابة وغيرها. ولهذا قدر عليه الذنب وابتلاه به لتكمل مراتب عبوديته بالتوبة التي هي من أحب عبوديات عبده إليه فكذلك تكميلها بالرجاء والخوف. ومنها: أن في الرجاء - من الانتظار والترقب والتوقع لفضل الله - ما يوجب تعلق القلب بذكره ودوام الالتفات إليه بملاحظة أسمائه وصفاته وتنقل القلب في رياضها الأنيقة وأخذه بنصيبه من كل اسم وصفة - كما تقدم بيانه - فإذا فنى عن ذلك وعاب عنه فاته حظه ونصيبه من معاني هذه الأسماء والصفات. إلى فوائد أخرى كثيرة. يطالعها من أحسن تأمله وتفكره في استخراجها. وبالله التوفيق. والله يشكر لشيخ الإسلام سعيه ويعلي درجته. ويجزيه أفضل جزائه. ويجمع بيننا وبينه في محل كرامته. فلو وجد مريده سعة وفسحة في ترك الاعتراض عليه واعتراض كلامه لما فعل. كيف وقد نفعه الله بكلامه وجلس بين يديه مجلس التلميذ من أستاذه وهو أحد من كان على يديه فتحه يقظة ومناما وهذا غاية جهد المقل في هذا الموضع. فمن كان عنده فضل علم فليجد به أو فليعذر ولا يبادر إلى الإنكار. فكم بين الهدهد ونبي الله سليمان وهو يقول له: أحطت بما لم تحط به [النمل: 22] وليس شيخ الإسلام أعلم من نبي الله. ولا المعترض عليه بأجهل من هدهد. وبالله المستعان وهو أعلم.  [فصل درجات الرجاء] [الدرجة الأولى رجاء يبعث العامل على الاجتهاد] فصل قال صاحب quot; المنازل quot;: الرجاء على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: رجاء يبعث العامل على الاجتهاد. ويولد التلذذ بالخدمة ويوقظ الطباع للسماحة بترك المناهي.(2\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "546",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13543",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أي ينشطه لبذل جهده لما يرجوه من ثواب ربه. فإن من عرف قدر مطلوبه هان عليه ما يبذل فيه. وأما توليده للتلذذ بالخدمة فإنه كلما طالع قلبه ثمرتها وحسن عاقبتها التذ بها. وهذا كحال من يرجو الأرباح العظيمة في سفره ويقاسي مشاق السفر لأجلها. فكلما صورها لقلبه هانت عليه تلك المشاق والتذ بها. وكذلك المحب الصادق الساعي في مراضي محبوبه الشاقة عليه كلما تأمل ثمرة رضاه عنه وقبوله سعيه وقربه منه تلذذ بتلك المساعي وكلما قوي علم العبد بإفضاء ذلك السبب إلى المسبب المطلوب وقوي علمه بقدر المسبب وقرب السبب منه ازداد التذاذا بتعاطيه. وأما إيقاظ الطباع للسماحة بترك المناهي: فإن الطباع لها معلوم ورسوم تتقاضاها من العبد. ولا تسمح له بتركها إلا بعوض هو أحب إليها من معلومها ورسومها وأجل عندها منه وأنفع لها. فإذا قوي تعلق الرجاء بهذا العوض الأفضل الأشرف سمحت الطباع بترك تلك الرسوم وذلك المعلوم. فإن النفس لا تترك محبوبا إلا لمحبوب هو أحب إليها منه. أو حذرا من مخوف هو أعظم مفسدة لها من حصول مصلحتها بذلك المحبوب. وفي الحقيقة ففرارها من ذلك المخوف إيثار لضده المحبوب لها. فما تركت محبوبا إلا لما هو أحب إليها منه. فإن من قدم إليه طعام لذيذ يضره ويوجب له السقم. فإنما يتركه محبة للعافية التي هي أحب إليه من ذلك الطعام.  [الدرجة الثانية رجاء أرباب الرياضات أن يبلغوا موقفا تصفو فيه هممهم] قال: الدرجة الثانية رجاء أرباب الرياضات أن يبلغوا موقفا تصفو فيه هممهم برفض الملذوذات ولزوم شروط العلم واستقصاء حدود الحمية. أرباب الرياضات: هم المجاهدون لأنفسهم بترك مألوفاتها والاستبدال بها مألوفات هي خير منها وأكمل فرجاؤهم أن يبلغوا مقصودهم بصفاء الوقت والهمة من تعلقها بالملذوذات. وتجريد الهم عن الالتفات إليها. وبلزوم شروط العلم. وهو الوقوف عند حدود الأحكام الدينية. فإن رجاءهم متعلق بحصول ذلك لهم واستقصاء حدود الحمية. و quot; الحمية quot; العصمة والامتناع من تناول ما يخشى ضرره آجلا أو عاجلا. وله حدود متى خرج العبد عنها انتقض عليه مطلوبه والوقوف على حدودها بلزوم شروط العلم. والاستقصاء في تلك الحدود بأمرين: بذل الجهد في معرفتها علما وأخذ النفس(2\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "547",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13544",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالوقوف عندها طلبا وقصدا.  [الدرجة الثالثة رجاء أرباب القلوب] قال: الدرجة الثالثة: رجاء أرباب القلوب. وهو رجاء لقاء الخالق الباعث على الاشتياق المبغض المنغص للعيش المزهد في الخلق. هذا الرجاء أفضل أنواع الرجاء وأعلاها قال الله تعالى: فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا [الكهف: 110]  وقال تعالى: من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت [العنكبوت: 5] . وهذا الرجاء هو محض الإيمان وزبدته وإليه شخصت أبصار المشتاقين. ولذلك سلاهم الله تعالى بإتيان أجل لقائه. وضرب لهم أجلا يسكن نفوسهم ويطمئنها. والاشتياق هو سفر القلب في طلب محبوبه. واختلف المحبون: هل يبقى عند لقاء المحبوب أم يزول على قولين. فقالت طائفة: يزول لأنه إنما يكون مع الغيبة. وهو سفر القلب إلى المحبوب. فإذا انتهى السفر واجتمع بمحبوبه وضع عصا الاشتياق عن عاتقه. وصار الاشتياق أنسا به ولذة بقربه. وقالت طائفة: بل يزيد ولا يزول باللقاء. قالوا: لأن الحب يقوى بمشاهدة جمال المحبوب أضعاف ما كان حال غيبته. وإنما يواري سلطانه فناءه ودهشته بمعاينة محبوبه حتى إذا توارى عنه ظهر سلطان شوقه إليه ولهذا قيل: وأعظم ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الخيام من الخيام وقد ذكرنا هذه المسألة مستقصاة وتوابعها في كتابنا الكبير في المحبة. وفي كتاب quot; سفر الهجرتين quot;. وسنعود إليها إذا انتهينا إلى منزلتها إن شاء الله تعالى. وقوله quot; المنغص للعيش quot; فلا ريب أن عيش المشتاق منغص حتى يلقى محبوبه. فهناك تقر عينه. ويزول عن عيشه تنغيصه. وكذلك يزهد في الخلق غاية التزهيد لأن(2\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "548",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13545",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صاحبه طالب للأنس بالله والقرب منه. فهو أزهد شيء في الخلق إلا من أعانه على هذا المطلوب منهم وأوصله إليه. فهو أحب خلق الله إليه. ولا يأنس من الخلق بغيره. ولا يسكن إلى سواه. فعليك بطلب هذا الرفيق جهدك. فإن لم تظفر به فاتخذ الله صاحبا. ودع الناس كلهم جانبا. مت بداء الهوى وإلا فخاطر ... واطرق الحي والعيون نواظر لا تخف وحشة الطريق إذا جئ ... ت وكن في خفارة الحب سائر واصبر النفس ساعة عن سواهم فإذا لم تجب لصبر فصابر ... وصم اليوم واجعل الفطر يوما فيه تلقى الحبيب بالبشر شاكر ... وافطم النفس عن سواه فكل ال عيش بعد الفطام نحوك صائر ... وتأمل سريرة القلب واستح ي من الله يوم تبلى السرائر ... واجعل الهم واحدا يكفك الله هموما شتى فربك قادر ... وانتظر يوم دعوة الخلق إلى الله ربهم من بطون المقابر ... واستمع ما الذي به أنت تدعى به من صفات تلوح وسط المحاضر ... وسمات تبدو على أوجه الخل ق عيانا تجلى على كل ناظر ... يا أخا اللب إنما السير عزم ثم صبر مؤيد بالبصائر ... يا لها من ثلاثة من ينلها يرق يوم المزيد فوق المنابر ... فاجتهد في الذي يقال لك ال بشرى بذا يوم ضرب البشائر ... عمل خالص بميزان وحي مع سر هناك في القلب حاضر  [فصل منزلة الرغبة] [الفرق بين الرغبة والرجاء] فصل منزلة الرغبة ومن منازل: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الرغبة. قال الله عز وجل: يدعوننا رغبا ورهبا [الأنبياء: 90] . والفرق بين الرغبة والرجاء أن الرجاء طمع. والرغبة طلب. فهي ثمرة الرجاء. فإنه إذا رجا الشيء طلبه. والرغبة من الرجاء كالهرب من الخوف. فمن رجا شيئا طلبه ورغب فيه. ومن خاف شيئا هرب منه. والمقصود أن الراجي طالب والخائف هارب. قال صاحب quot; المنازل quot;:(2\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "549",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13546",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرغبة هي من الرجاء بالحقيقة لأن الرجاء طمع يحتاج إلى تحقيق والرغبة سلوك على التحقيق. أي الرغبة تتولد من الرجاء. لكنه طمع. وهي سلوك وطلب. وقوله: الرجاء طمع يحتاج إلى تحقيق أي طمع في مغيب عنه مشكوك في حصوله وإن كان متحققا في نفسه كرجاء العبد دخول الجنة. فإن الجنة متحققة لا شك فيها. وإنما الشك في دخوله إليها. وهل يوافي ربه بعمل يمنعه منها أم لا بخلاف الرغبة فإنها لا تكون إلا بعد تحقق ما يرغب فيه. فالإيمان في الرغبة أقوى منه في الرجاء. فلذلك قال: والرغبة سلوك على التحقيق. هذا معنى كلامه. وفيه نظر. فإن الرغبة أيضا طلب مغيب هو على شك من حصوله. فإن المؤمن يرغب في الجنة وليس بجازم بدخولها. فالفرق الصحيح أن الرجاء طمع والرغبة طلب. فإذا قوي الطمع صار طلبا.  [درجات الرغبة] [الدرجة الأولى رغبة أهل الخبر] قال: والرغبة على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: رغبة أهل الخبر. تتولد من العلم. فتبعث على الاجتهاد المنوط بالشهود. وتصون السالك عن وهن الفترة وتمنع صاحبها من الرجوع إلى غثاثة الرخص. أراد بالخبر هاهنا الإيمان الصادر عن الأخبار. ولهذا جعل تولدها من العلم. ولكن هذا الإيمان متصل بمنزلة الإحسان منه يشرف عليه ويصل إليه. ولهذا قال: المنوط بالمشهود. أي المقترن بالشهود. وذلك الشهود: هو مشهد مقام الإحسان. وهو أن تعبد الله كأنك تراه. ولا مشهد للعبد في الدنيا أعلى من هذا. وعند كثير من الصوفية أن فوقه مشهدا أعلى منه. وهو شهود الحق مع غيبته عن كل ما سواه وهو مقام الفناء. وقد عرفت ما فيه. ولو كان فوق مقام الإحسان مقام آخر لذكره النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل. ولسأله جبريل عنه. فإنه جمع مقامات الدين كلها في الإسلام والإيمان والإحسان.(2\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "550",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13547",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نعم الفناء المحمود هو تحقيق مقام الإحسان. وهو أن يفنى بحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه وعبادته والتبتل إليه عن غيره. وليس فوق ذلك مقام يطلب إلا ما هو من عوارض الطريق. قوله: وتصون السالك عن وهن الفترة أي تحفظه عن وهن فتوره وكسله الذي سببه عدم الرغبة أو قلتها. وقوله: وتمنع صاحبها من الرجوع إلى غثاثة الرخص. أهل العزائم بناء أمرهم على الجد والصدق. فالسكون منهم إلى الرخص رجوع وبطالة. وهذا موضع يحتاج إلى تفصيل. ليس على إطلاقه. فإن الله عز وجل يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه. وفي المسند مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته . فجعل الأخذ بالرخص قبالة إتيان المعاصي. وجعل حظ هذا: المحبة. وحظ هذا: الكراهية. وما عرض للنبي صلى الله عليه وسلم أمران إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما والرخصة أيسر من العزيمة. وهكذا كان حاله في فطره وسفره وجمعه بين الصلاتين والاقتصار من الرباعية على ركعتين وغير ذلك. فنقول: الرخصة نوعان: أحدهما: الرخصة المستقرة المعلومة من الشرع نصا كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير عند الضرورة وإن قيل لها عزيمة باعتبار الأمر والوجوب. فهي(2\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "551",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13548",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رخصة باعتبار الإذن والتوسعة. وكفطر المريض والمسافر وقصر الصلاة في السفر وصلاة المريض إذا شق عليه القيام قاعدا وفطر الحامل والمرضع خوفا على ولديهما ونكاح الأمة خوفا من العنت ونحو ذلك. فليس في تعاطي هذه الرخص ما يوهن رغبته. ولا يرد إلى غثاثة. ولا ينقص طلبه وإرادته ألبتة. فإن منها ما هو واجب كأكل الميتة عند الضرورة. ومنها ما هو راجح المصلحة كفطر الصائم المريض وقصر المسافر وفطره. ومنها ما مصلحته للمترخص وغيره. ففيه مصلحتان قاصرة ومتعدية. كفطر الحامل والمرضع. ففعل هذه الرخص أرجح وأفضل من تركها. النوع الثاني: رخص التأويلات واختلاف المذاهب. فهذه تتبعها حرام ينقص الرغبة ويوهن الطلب ويرجع بالمترخص إلى غثاثة الرخص. فإن من ترخص بقول أهل مكة في الصرف وأهل العراق في الأشربة وأهل المدينة في الأطعمة وأصحاب الحيل في المعاملات وقول ابن عباس في المتعة وإباحة لحوم الحمر الأهلية وقول من جوز نكاح البغايا المعروفات بالبغاء وجوز أن يكون زوج قحبة وقول من أباح آلات اللهو والمعازف من اليراع والطنبور والعود والطبل والمزمار وقول من أباح الغناء وقول من جوز استعارة الجواري الحسان للوطء وقول من جوز للصائم أكل البرد. وقال: ليس بطعام ولا شراب وقول من جوز الأكل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس للصائم وقول من صحح الصلاة بمدهامتان بالفارسية.(2\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "552",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13549",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وركع كلحظة الطرف ثم هوى من غير اعتدال. وفصل بين السجدتين كحد السيف. ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم وخرج من الصلاة بحبقة. وقول من جوز وطء النساء في أعجازهن ونكاح بنته المخلوقة من مائه الخارجة من صلبه حقيقة إذا كان ذلك الحمل من زنى وأمثال ذلك من رخص المذاهب وأقوال العلماء. فهذا الذي تنقص بترخصه رغبته ويوهن طلبه. ويلقيه في غثاثة الرخص. فهذا لون والأول لون.  [الدرجة الثانية رغبة أرباب الحال] قال: الدرجة الثانية رغبة أرباب الحال. وهي رغبة لا تبقي من المجهود مبذولا. ولا تدع للهمة ذبولا. ولا تترك غير القصد مأمولا. يعني أن الرغبة الحاصلة لأرباب الحال فوق رغبة أصحاب الخبر لأن صاحب الحال كالمضطر إلى رغبته وإرادته. فهو كالفراش الذي إذا رأى النور ألقى نفسه فيه. ولا يبالي ما أصابه. فرغبته لا تدع من مجهوده مقدورا له إلا بذله. ولا تدع لهمته وعزيمته فترة ولا خمودا وعزيمته في مزيد بعدد الأنفاس. ولا تترك في قلبه نصيبا لغير مقصوده وذلك لغلبة سلطان الحال. وصاحب هذه الحال لا يقاومه إلا حال مثل حاله أو أقوى منه. ومتى لم يصادفه حال تعارضه فله من النفوذ والتأثير بحسب حاله.  [الدرجة الثالثة رغبة أهل الشهود] قال: الدرجة الثالثة: رغبة أهل الشهود. وهي تشرف يصحبه تقية. تحمله عليها همة نقية. لا تبقي معه من التفرق بقية. يشير الشيخ بذلك إلى حالة الفناء التي يحمله عليها همة نقية من أدناس الالتفات إلى ما سوى الحق. بحيث لا يبقى معه بقية من تفرقة. بل قد اجتمع شاهده كله وانحصر في مشهوده. وأراد بالشهود هاهنا شهود الحقيقة. وقوله: تشرف أي استشرف الغيبة في الفناء. ويحتمل أن يريد به تشرفا عن التفاته إلى ما سوى مشهوده.(2\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "553",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13550",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتقية التي تصحب هذا التشرف يحتمل أن يريد بها التقية من إظهار الناس على حاله وإطلاعهم عليها صيانة لها وغيرة عليها. ويحتمل أن يريد بها الحذر من التفاته في شهوده إلى ما سوى حضرة مشهوده. فهي تتقي ذلك الالتفات وتحذره كل الحذر. ثم ذكر الحامل له على هذه الرغبة. وهي اللطيفة المدركة المريدة التي قد تطهرت قبل وصولها إلى هذه الغاية. وهي الهمة النقية. ولو لم يحصل لها كمال الطهارة لبقيت عليها بقية منها تمنعها من وصولها إلى هذه الدرجة. والله سبحانه وتعالى أعلم.  [فصل منزلة الرعاية] [حقيقة الرعاية] فصل منزلة الرعاية ومن منازل: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الرعاية. وهي مراعاة العلم وحفظه بالعمل. ومراعاة العمل بالإحسان والإخلاص. وحفظه من المفسدات. ومراعاة الحال بالموافقة. وحفظه بقطع التفريق. فالرعاية صيانة وحفظ. ومراتب العلم والعمل ثلاثة: رواية: وهي مجرد النقل وحمل المروي. ودراية: وهي فهمه وتعقل معناه. ورعاية: وهي العمل بموجب ما علمه ومقتضاه. فالنقلة همتهم الرواية. والعلماء همتهم الدراية. والعارفون همتهم الرعاية. وقد ذم الله من لم يرع ما اختاره وابتدعه من الرهبانية حق رعايته. فقال تعالى: وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها [الحديد: 27] . quot; رهبانية quot; منصوب ب quot; ابتدعوها quot; على الاشتغال. إما بنفس الفعل المذكور - على قول الكوفيين - وإما بمقدر محذوف مفسر بهذا المذكور - على قول البصريين - أي: وابتدعوا رهبانية. وليس منصوبا بوقوع الجعل عليه. فالوقوف التام عند قوله: ورحمة [الحديد: 27] ثم يبتدئ: ورهبانية ابتدعوها [الحديد: 27] أي: لم نشرعها لهم. بل هم ابتدعوها من عند أنفسهم ولم نكتبها عليهم. وفي نصب قوله: إلا ابتغاء رضوان الله [الحديد: 27] ثلاثة أوجه.(2\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "554",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13551",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها: أنه مفعول له أي لم نكتبها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله. وهذا فاسد. فإنه لم يكتبها عليهم سبحانه. كيف وقد أخبر: أنهم هم ابتدعوها. فهي مبتدعة غير مكتوبة. وأيضا فإن المفعول لأجله يجب أن يكون علة لفعل الفاعل المذكور معه. فيتحد السبب والغاية. نحو: قمت إكراما. فالقائم هو المكرم. وفعل الفاعل المعلل هاهنا هو الكتابة و quot; ابتغاء رضوان الله [الحديد: 27] quot; فعلهم لا فعل الله. فلا يصلح أن يكون علة لفعل الله. لاختلاف الفاعل. وقيل: بدل من مفعول quot; كتبناها quot; أي ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله. وهو فاسد أيضا إذ ليس ابتغاء رضوان الله عين الرهبانية فتكون بدل الشيء من الشيء. ولا بعضها فتكون بدل بعض من كل. ولا أحدهما مشتمل على الآخر. فتكون بدل اشتمال. وليس بدل غلط. فالصواب أنه منصوب نصب الاستثناء المنقطع. أي لم يفعلوها ولم يبتدعوها إلا لطلب رضوان الله. ودل على هذا قوله quot; ابتدعوها quot; ثم ذكر الحامل لهم والباعث على ابتداع هذه الرهبانية وأنه هو طلب الرضوان. ثم ذمهم بترك رعايتها إذ من التزم لله شيئا لم يلزمه الله إياه من أنواع القرب لزمه رعايته وإتمامه. حتى ألزم كثير من الفقهاء من شرع في طاعة مستحبة حكمه بإتمامها. وجعلوا التزامها بالشروع كالتزامها بالنذر. كما قال أبو حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه وهو إجماع - أو كالإجماع - في أحد النسكين. قالوا: والالتزام بالشروع أقوى من الالتزام بالقول. فكما يجب عليه ما التزمه بالنذر وفاء يجب عليه رعاية ما التزمه بالفعل إتماما. وليس هذا موضع استقصاء هذه المسألة. والقصد: أن الله سبحانه وتعالى ذم من لم يرع قربة ابتدعها لله تعالى حق رعايتها فكيف بمن لم يرع قربة شرعها الله لعباده وأذن بها وحث عليها !  [فصل درجات الرعاية] [الدرجة الأولى رعاية الأعمال] فصل قال صاحب quot; المنازل quot;: الرعاية صون بالعناية. وهي على ثلاث درجات درجات الرعاية. الدرجة الأولى: رعاية الأعمال. والثانية: رعاية الأحوال. والثالثة: رعاية الأوقات.(2\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "555",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13552",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأما رعاية الأعمال فتوفيرها بتحقيرها. والقيام بها من غير نظر إليها. وإجراؤها على مجرى العلم لا على التزين بها. أما قوله: صون بالعناية أي حفظ بالاعتناء والقيام بحق الشيء الذي يرعاه. ومنه راعي الغنم. وقوله: أما رعاية الأعمال: فتوفيرها بتحقيرها. فالتوفير: سلامة من طرفي التفريط بالنقص والإفراط بالزيادة على الوجه المشروع في حدودها وصفاتها وشروطها وأوقاتها. وأما تحقيرها فاستصغارها في عينه. واستقلالها وأن ما يليق بعظمة الله وجلاله وحقوق عبوديته أمر آخر. وأنه لم يوفه حقه. وأنه لا يرضى لربه بعمله ولا بشيء منه. وقد قيل: علامة رضا الله عن الإنسان عنك إعراضك عن نفسك. وعلامة قبول عملك علامة قبول العمل احتقاره واستقلاله وصغره في قلبك. حتى إن العارف ليستغفر الله عقيب طاعته. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم من الصلاة استغفر الله ثلاثا. وأمر الله عباده بالاستغفار عقيب الحج. ومدحهم على الاستغفار عقيب قيام الليل. وشرع النبي صلى الله عليه وسلم عقيب الطهور التوبة والاستغفار. فمن شهد واجب ربه ومقدار عمله وعيب نفسه لم يجد بدا من استغفار ربه منه واحتقاره إياه واستصغاره. وأما القيام بها فهو توفيتها حقها وجعلها قائمة كالشهادة القائمة والصلاة القائمة والشجرة القائمة على ساقها التي ليست بساقطة. وقوله: من غير نظر إليها أي من غير أن يلتفت إليها ويعددها ويذكرها مخافة العجب والمنة بها. فيسقط من عين الله. ويحبط عمله. وقوله: وإجراؤها على مجرى العلم هو أن يكون العمل على مقتضى العلم المأخوذ(2\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "556",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13553",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من مشكاة النبوة إخلاصا لله. وإرادة لوجهه. وطلبا لمرضاته لا على وجه التزين بها عند الناس.  [الدرجة الثانية رعاية الأحوال] قال: وأما رعاية الأحوال الدرجة الثانية من درجات الرعاية فهو أن يعد الاجتهاد مراءاة واليقين تشبعا والحال دعوى. أي يتهم نفسه في اجتهاده أنه راءى الناس. فلا يطغى به. ولا يسكن إليه. ولا يعتد به. وأما عده اليقين تشبعا. فالتشبع: افتخار الإنسان بما لا يملكه. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور . وعد اليقين تشبعا: يحتمل وجهين: أحدهما: أن ما حصل له من اليقين لم يكن به ولا منه ولا استحقه بعوض. وإنما هو فضل الله وعطاؤه ووديعته عنده ومجرد منته عليه. فهو خلعة خلعها سيده عليه. والعبد وخلعته ملكه وله. فما للعبد في اليقين مدخل. وإنما هو متشبع بما هو ملك لله وفضله ومنته على عبده. والوجه الثاني: أن يتهم يقينه وأنه لم يحصل له اليقين على الوجه الذي ينبغي بل ما حصل له منه هو كالعارية لا الملك المستقر فهو متشبع بزعم نفسه بأن اليقين ملكه وله. وليس كذلك. وهذا لا يختص باليقين بل بسائر الأحوال. فالصادق يعد صدقه تشبعا. وكذا المخلص يعد إخلاصه. وكذا العالم. لاتهامه لصدقه وإخلاصه وعلمه. وأنه لم ترسخ قدمه في ذلك. ولم يحصل له فيه ملكة. فهو كالمتشبع به. ولما كان اليقين روح الأعمال وعمودها وذروة سنامها خصه بالذكر. تنبيها على ما دونه. والحاصل أنه يتهم نفسه في حصول اليقين. فإذا حصل فليس حصوله به ولا منه ولا له فيه شيء فهو يذم نفسه في عدم حصوله. ولا يحمدها عند حصوله. وأما عد الحال دعوى أي دعوى كاذبة اتهاما لنفسه وتطهيرا لها من رعونة(2\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "557",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13554",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدعوى وتخليصا للقلب من نصيب الشيطان. فإن الدعوى من نصيب الشيطان. وكذلك القلب الساكن إلى الدعوى مأوى الشيطان. أعاذنا الله من الدعوى ومن الشيطان.  [فصل الدرجة الثالثة رعاية الأوقات] فصل قال وأما: رعاية الأوقات الدرجة الثالثة من درجات الرعاية فأن يقف مع كل خطوة. ثم أن يغيب عن حضوره بالصفاء من رسمه. ثم أن يذهب عن شهود صفو صفوه. أي يقف مع حركة ظاهره وباطنه بمقدار تصحيحها نية وقصدا وإخلاصا ومتابعة فلا يخطو هجما وهمجا بل يقف قبل الخطو حتى يصحح الخطوة ثم ينقل قدم عزمه. فإذا صحت له ونقل قدمه انفصل عنها. وقد صحت الغيبة عن شهودها ورؤيتها. فيغيب عن شهود تقدمه بنفسه. فإن رسمه هو نفسه. فإذا غاب عن شهود نفسه وتقدمه بها في كل خطوة. فذلك عين الصفاء من رسمه الذي هو نفسه. فعند ذلك يشاهد فضل ربه. ولما كانت النفس محل الأكدار. سمي انفصاله عنها صفاء. وهذه الأمور تستدعي لطف إدراك واستعدادا من العبد. وذلك عين المنة عليه. وأما ذهابه عن شهود صفوه أي لا يستحضره في قلبه. ويشهد ذلك الصفو المطلوب. ويقف عنده. فإن ذلك من بقايا النفس وأحكامها وهو كدر. فإذا تخلص من الكدر لا ينبغي له الالتفات والرجوع إليه. فيصفو من الرسم. ويغيب عن الصفو بمشاهدة المطلب الأعلى. والمقصد الأسنى.  [فصل منزلة المراقبة] [حقيقة المراقبة] فصل منزلة المراقبة ومن منازل: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة المراقبة. قال الله تعالى: واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه [البقرة: 235] . وقال تعالى:(2\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "558",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13555",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ": وكان الله على كل شيء رقيبا [الأحزاب: 52] وقال تعالى: وهو معكم أين ما كنتم [الحديد: 4]  وقال تعالى: ألم يعلم بأن الله يرى [العلق: 14]  وقال تعالى: فإنك بأعيننا [الطور: 48]  وقال تعالى: يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور [غافر: 19] . إلى غير ذلك من الآيات. وفي حديث جبريل عليه السلام: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال له: أن تعبد الله كأنك تراه. فإن لم تكن تراه فإنه يراك . المراقبة تعريفها: دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه. فاستدامته لهذا العلم واليقين هي المراقبة وهي ثمرة علمه بأن الله سبحانه رقيب عليه ناظر إليه سامع لقوله. وهو مطلع على عمله كل وقت وكل لحظة وكل نفس وكل طرفة عين. والغافل عن هذا بمعزل عن حال أهل البدايات. فكيف بحال المريدين فكيف بحال العارفين . قال الجريري: من لم يحكم بينه وبين الله تعالى التقوى والمراقبة: لم يصل إلى الكشف والمشاهدة وقيل: من راقب الله في خواطره عصمه في حركات جوارحه. وقيل لبعضهم: متى يهش الراعي غنمه بعصاه عن مراتع الهلكة فقال: إذا علم أن عليه رقيبا. وقال الجنيد: من تحقق في المراقبة خاف على فوات لحظة من ربه لا غير. وقال ذو النون: علامة المراقبة إيثار ما أنزل الله وتعظيم ما عظم الله وتصغير ما(2\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "559",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13556",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صغر الله. وقيل: الرجاء يحرك إلى الطاعة والخوف يبعد عن المعاصي والمراقبة تؤديك إلى طريق الحقائق. وقيل: المراقبة مراعاة القلب لملاحظة الحق مع كل خطرة وخطوة. وقال الجريري: أمرنا هذا مبني على فصلين: أن تلزم نفسك المراقبة لله وأن يكون العلم على ظاهرك قائما. وقال إبراهيم الخواص: المراقبة خلوص السر والعلانية لله عز وجل. وقيل: أفضل ما يلزم الإنسان نفسه في هذه الطريق: المحاسبة والمراقبة وسياسة عمله بالعلم. وقال أبو حفص ل أبي عثمان النيسابوري: إذا جلست للناس فكن واعظا لقلبك ونفسك. ولا يغرنك اجتماعهم عليك. فإنهم يراقبون ظاهرك. والله يراقب باطنك. وأرباب الطريق مجمعون على أن مراقبة الله تعالى في الخواطر: سبب لحفظها في حركات الظواهر. فمن راقب الله في سره حفظه الله في حركاته في سره وعلانيته. والمراقبة هي التعبد باسمه الرقيب الحفيظ العليم السميع البصير فمن عقل هذه الأسماء وتعبد بمقتضاها: حصلت له المراقبة. والله أعلم.  [فصل درجات المراقبة] [الدرجة الأولى مراقبة الحق تعالى في السير إليه على الدوام] قال صاحب quot; المنازل quot;: المراقبة: دوام ملاحظة المقصود. وهي على ثلاث درجات درجات المراقبة. الدرجة الأولى: مراقبة الحق تعالى في السير إليه على الدوام بين تعظيم مذهل ومداناة حاملة. وسرور باعث. فقوله: دوام ملاحظة المقصود أي دوام حضور القلب معه.(2\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "560",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13557",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله: بين تعظيم مذهل فهو امتلاء القلب من عظمة الله عز وجل. بحيث يذهله ذلك عن تعظيم غيره وعن الالتفات إليه. فلا ينسى هذا التعظيم عند حضور قلبه مع الله. بل يستصحبه دائما. فإن الحضور مع الله يوجب أنسا ومحبة إن لم يقارنهما تعظيم أورثاه خروجا عن حدود العبودية ورعونة. فكل حب لا يقارنه تعظيم المحبوب فهو سبب للبعد عنه والسقوط من عينيه. فقد تضمن كلامه خمسة أمور: سير إلى الله واستدامة هذا السير وحضور القلب معه وتعظيمه والذهول بعظمته عن غيره. وأما قوله: ومداناة حاملة فيريد دنوا وقربا حاملا على هذه الأمور الخمسة. وهذا الدنو يحمله على التعظيم الذي يذهله عن نفسه. وعن غيره. فإنه كلما ازداد قربا من الحق ازداد له تعظيما وذهولا عن سواه وبعدا عن الخلق. وأما السرور الباعث فهو الفرحة والتعظيم واللذة التي يجدها في تلك المداناة فإن سرور القلب بالله وفرحه به وقرة العين به. لا يشبهه شيء من نعيم الدنيا ألبتة. وليس له نظير يقاس به. وهو حال من أحوال أهل الجنة. حتى قال بعض العارفين: إنه لتمر بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب. ولا ريب أن هذا السرور يبعثه على دوام السير إلى الله عز وجل وبذل الجهد في طلبه وابتغاء مرضاته ومن لم يجد هذا السرور ولا شيئا منه فليتهم إيمانه وأعماله. فإن للإيمان حلاوة من لم يذقها فليرجع وليقتبس نورا يجد به حلاوة الإيمان. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذوق طعم الإيمان ووجد حلاوته. فذكر الذوق والوجد وعلقه بالإيمان. فقال: ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا . وقال: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله. ومن يكره أن يعود في الكفر - بعد إذ أنقذه الله منه - كما يكره أن يلقى في النار .(2\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "561",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13558",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحا فاتهمه فإن الرب تعالى شكور. يعني أنه لا بد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه وقوة انشراح وقرة عين. فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول.  [الدرجة الثانية مراقبة نظر الحق برفض المعارضة] قال: الدرجة الثانية من درجات المراقبة: مراقبة نظر الحق برفض المعارضة بالإعراض عن الاعتراض ونقض رعونة التعرض. هذه مراقبة لمراقبة الله لك. فهي مراقبة لصفة خاصة معينة. وهي توجب صيانة الباطن والظاهر. فصيانة الظاهر: بحفظ الحركات الظاهرة. وصيانة الباطن: بحفظ الخواطر والإرادات والحركات الباطنة التي منها رفض معارضة أمره وخبره. فيتجرد الباطن من كل شهوة وإرادة تعارض أمره ومن كل إرادة تعارض إرادته. ومن كل شبهة تعارض خبره. ومن كل محبة تزاحم محبته. وهذه حقيقة القلب السليم الذي لا ينجو إلا من أتى الله به. وهذا هو حقيقة تجريد الأبرار المقربين العارفين. وكل تجريد سوى هذا فناقص. وهذا تجريد أرباب العزائم. ثم بين الشيخ سبب المعارضة وبماذا يرفضها العبد. فقال: بالإعراض عن الاعتراض. فإن المعارضة تتولد من الاعتراض. والاعتراض ثلاثة أنواع سارية في الناس. والمعصوم من عصمه الله منها. النوع الأول: الاعتراض على أسمائه وصفاته بالشبه الباطلة التي يسميها أربابها قواطع عقلية. وهي في الحقيقة خيالات جهلية ومحالات ذهنية اعترضوا بها على أسمائه وصفاته عز وجل. وحكموا بها عليه. ونفوا لأجلها ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم. وأثبتوا ما نفاه ووالوا بها أعداءه. وعادوا بها أولياءه. وحرفوا بها الكلم عن مواضعه. ونسوا بها نصيبا كثيرا مما ذكروا به وتقطعوا لها أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون. والعاصم من هذا الاعتراض التسليم المحض للوحي. فإذا سلم القلب له رأى صحة ما جاء به وأنه الحق بصريح العقل والفطرة. فاجتمع له السمع والعقل والفطرة. وهذا أكمل الإيمان. ليس كمن الحرب قائم بين سمعه وعقله وفطرته.(2\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "562",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13559",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النوع الثاني: الاعتراض على شرعه وأمره. وأهل هذا الاعتراض ثلاثة أنواع: أحدها: المعترضون عليه بآرائهم وأقيستهم المتضمنة تحليل ما حرم الله سبحانه وتعالى وتحريم ما أباحه وإسقاط ما أوجبه وإيجاب ما أسقطه وإبطال ما صححه وتصحيح ما أبطله واعتبار ما ألغاه وإلغاء ما اعتبره وتقييد ما أطلقه وإطلاق ما قيده. وهذه هي الآراء والأقيسة التي اتفق السلف قاطبة على ذمها والتحذير منها. وصاحوا على أصحابها من أقطار الأرض. وحذروا منهم ونفروا عنهم. النوع الثاني: الاعتراض على حقائق الإيمان والشرع بالأذواق والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة الشيطانية المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله وإبطال دينه الذي شرعه على لسان رسوله والتعوض عن حقائق الإيمان بخدع الشيطان وحظوظ النفوس الجاهلة. والعجب أن أربابها ينكرون على أهل الحظوظ. وكل ما هم فيه فحظ ولكن حظهم متضمن مخالفة مراد الله والإعراض عن دينه واعتقاد أنه قربة إلى الله. فأين هذا من حظوظ أصحاب الشهوات المعترفين بذمها المستغفرين منها المقرين بنقصهم وعيبهم وأنها منافية للدين وهؤلاء في حظوظ اتخذوها دينا وقدموها على شرع الله ودينه. واغتالوا بها القلوب. واقتطعوها عن طريق الله. فتولد من معقول أولئك وآراء الآخرين وأقيستهم الباطلة وأذواق هؤلاء خراب العالم وفساد الوجود وهدم قواعد الدين وتفاقم الأمر وكاد لولا أن الله ضمن أنه لا يزال يقوم به من يحفظه ويبين معالمه ويحميه من كيد من يكيد. النوع الثالث: الاعتراض على ذلك بالسياسات الجائرة التي لأرباب الولايات التي قدموها على حكم الله ورسوله. وحكموا بها بين عباده وعطلوا لها وبها شرعه وعدله وحدوده. فقال الأولون: إذا تعارض العقل والنقل أيهما يقدم : قدمنا العقل. وقال الآخرون: إذا تعارض الأثر والقياس: قدمنا القياس. وقال أصحاب الذوق والكشف والوجد: إذا تعارض الذوق والوجد والكشف وظاهر الشرع: قدمنا الذوق والوجد والكشف.(2\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "563",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13560",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أصحاب السياسة: إذا تعارضت السياسة والشرع قدمنا السياسة. فجعلت كل طائفة قبالة دين الله وشرعه طاغوتا يتحاكمون إليه. فهؤلاء يقولون: لكم النقل ولنا العقل. والآخرون يقولون: أنتم أصحاب آثار وأخبار ونحن أصحاب أقيسة وآراء وأفكار. وأولئك يقولون: أنتم أرباب الظاهر ونحن أهل الحقائق. والآخرون يقولون: لكم الشرع ولنا السياسة. فيا لها من بلية عمت فأعمت ورزية رمت فأصمت وفتنة دعت القلوب فأجابها كل قلب مفتون وأهوية عصفت. فصمت منها الآذان وعميت منها العيون. عطلت لها - والله - معالم الأحكام. كما نفيت لها صفات ذي الجلال والإكرام. واستند كل قوم إلى ظلم وظلمات آرائهم وحكموا على الله وبين عباده بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم. وصار لأجلها الوحي عرضة لكل تحريف وتأويل والدين وقفا على كل إفساد وتبديل. النوع الرابع: الاعتراض على أفعاله وقضائه وقدره. وهذا اعتراض الجهال. وهو ما بين جلي وخفي وهو أنواع لا تحصى. وهو سار في النفوس سريان الحمى في بدن المحموم. ولو تأمل العبد كلامه وأمنيته وإرادته وأحواله لرأى ذلك في قلبه عيانا فكل نفس معترضة على قدر الله وقسمه وأفعاله إلا نفسا قد اطمأنت إليه وعرفته حق المعرفة التي يمكن وصول البشر إليها. فتلك حظها التسليم والانقياد. والرضا كل الرضاء. وأما نقض رعونة التعرض فيشير به إلى معنى آخر لا تتم المراقبة عنده إلا بنقضه وهو إحساس العبد بنفسه وخواطره وأفكاره حال المراقبة والحضور مع الله. فإن ذلك تعرض منه لحجاب الحق له عن كمال الشهود لأن بقاء العبد مع مداركه وحواسه ومشاعره وأفكاره وخواطره عند الحضور والمشاهدة هو تعرض للحجاب. فينبغي أن تتخلص مراقبة نظر الحق إليك من هذه الآفات. وذلك يحصل بالاستغراق في الذكر. فتذهل به عن نفسك وعما منك. لتكون بذلك متهيئا مستعدا للفناء عن وجودك وعن وجود كل ما سوى المذكور سبحانه. وهذا التهيؤ والاستعداد: لا يكون إلا بنقض تلك الرعونة. والذكر يوجب الغيبة عن الحس. فمن كان ذاكرا لنظر الحق إليه من إقباله عليه ثم أحس بشيء من حديث نفسه وخواطره وأفكاره: فقد تعرض واستدعى عوالم نفسه واحتجاب المذكور عنه لأن حضرة الحق تعالى لا يكون فيها غيره.(2\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "564",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13561",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذه الدرجة لا يقدر عليها العبد إلا بملكة قوية من الذكر وجمع القلب فيه بكليته على الله عز وجل.  [فصل الدرجة الثالثة مراقبة الأزل] فصل قال: الدرجة الثالثة من درجات المراقبة: مراقبة الأزل بمطالعة عين السبق استقبالا لعلم التوحيد. ومراقبة ظهور إشارات الأزل على أحايين الأبد ومراقبة الإخلاص من ورطة المراقبة. قوله: مراقبة الأزل أي شهود معنى الأزل وهو القدم الذي لا أول له بمطالعة عين السبق أي بشهود سبق الحق تعالى لكل ما سواه إذ هو الأول الذي ليس قبله شيء. فمتى طالع العبد عين هذا السبق شهد معنى الأزل وعرف حقيقته فبدا له حينئذ علم التوحيد فاستقبله كما يستقبل أعلام البلد وأعلام الجيش. ورفع له فشمر إليه. وهو شهود انفراد الحق بأزليته وحده. وأنه كان ولم يكن شيء غيره ألبتة. وكل ما سواه فكائن بعد عدمه بتكوينه. فإذا عدمت الكائنات من شهوده كما كانت معدومة في الأزل. فطالع عين السبق وفني بشهود من لم يزل عن شهود من لم يكن. فقد استقبل علم التوحيد. وأما مراقبة ظهور إشارات الأزل على أحايين الأبد فقد تقدم أن ما يظهر في الأبد هو عين ما كان معلوما في الأزل وأنه إنما تجددت أحايينه وهي أوقات ظهوره. فقد ظهرت إشارات الأزل وهي ما يشير إليه العقل بالأزلية من المقدرات العلمية على أحايين الأبد. هذا معناه الصحيح عندي. والقوم يريدون به معنى آخر وهو اتصال الأبد بالأزل في الشهود. وذلك بأن يطوي بساط الكائنات عن شهوده طيا كليا ويشهد استمرار وجود الحق سبحانه وحده مجردا عن كل ما سواه فيصل - بهذا الشهود - الأزل بالأبد ويصيران شيئا واحدا. وهو دوام وجوده سبحانه بقطع النظر عن كل حادث. والشهود الأول أكمل وأتم. وهو متعلق بأسمائه وصفاته. وتقدم علمه بالأشياء ووقوعها في الأبد مطابقة لعلمه الأزلي فهذا الشهود يعطي إيمانا ومعرفة وإثباتا للعلم والقدرة والفعل والقضاء والقدر.(2\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "565",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13562",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الشهود الثاني فلا يعطى صاحبه معرفة ولا إيمانا ولا إثباتا لاسم ولا صفة ولا عبودية نافعة. وهو أمر مشترك. يشهده كل من أقر بالصانع من مسلم وكافر. فإذا استغرق في شهود أزليته وتفرده بالقدم وغاب عن الكائنات اتصل في شهوده الأزل بالأبد. فأي كبير أمر في هذا وأي إيمان ويقين يحصل به ونحن لا ننكر ذوقه ولا نقدح في وجوده وإنما نقدح في مرتبته وتفضيله على ما قبله من المراقبة بحيث يكون لخاصة الخاصة. وما قبله لمن هم دونهم. فهذا عين الوهم. والله الموفق. فإذا اتصل في شهود الشاهد الأزل الذي لا بداية له بالأزمنة التي يعقل لها بداية - وهي أزمنة الحوادث - ثم اتصل ذلك بما لا نهاية له بحيث صارت الأزمنة الثلاثة واحدا. لا ماضي فيه ولا حاضر ولا مستقبل وذلك لا يكون إلا إذا شهد فناء الحوادث فناء مطلقا وعدمها عدما كليا. وذلك تقدير وهمي مخالف للواقع. وهو تجريد خيالي يوقع صاحبه في بحر طامس لا ساحل له وليل دامس لا فجر له. فأين هذا من مشهد تنوع الأسماء والصفات وتعلقها بأنواع الكائنات وارتباطها بجميع الحادثات وإعطاء كل اسم منها وصفة حقها من الشهود والعبودية والنظر إلى سريان آثارها في الخلق والأمر والعالم العلوي والسفلي والظاهر والباطن ودار الدنيا ودار الآخرة وقيامه بالفرق والجمع في ذلك علما ومعرفة وحالا ! والله المستعان. قوله: ومراقبة الإخلاص من ورطة المراقبة. يشير إلى فناء شهود المراقب عن نفسه وما منها. وأنه يفنى بمن يراقبه عن نفسه وما منها. فإذا كان باقيا بشهود مراقبته: فهو في ورطتها لم يتخلص منها لأن شهود المراقبة لا يكون إلا مع بقائه. والمقصود إنما هو الفناء والتخلص من نفسه ومن صفاتها وما منها. وقد عرفت أن فوق هذا درجة أعلى منه وأرفع وأشرف. وهي مراقبة مواقع رضا الرب ومساخطه في كل حركة. والفناء عما يسخطه بما يحب والتفرق له وبه وفيه ناظرا إلى عين جمع العبودية فانيا عن مراده من ربه - مهما علا - بمراد ربه منه. والله سبحانه وتعالى أعلم.(2\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "566",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13563",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل منزلة تعظيم حرمات الله] [ما هي حرمات الله] ومن منازل: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة تعظيم حرمات الله عز وجل قال الله عز وجل: ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه [الحج: 30] قال جماعة من المفسرين: حرمات الله هاهنا مغاضبه وما نهى عنه وتعظيمها ترك ملابستها. قال الليث: حرمات الله: ما لا يحل انتهاكها. وقال قوم: الحرمات: هي الأمر والنهي. وقال الزجاج: الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه. وقال قوم: الحرمات هاهنا المناسك ومشاعر الحج زمانا ومكانا. والصواب: أن الحرمات تعم هذا كله. وهي جمع حرمة وهي ما يجب احترامه وحفظه من الحقوق والأشخاص والأزمنة والأماكن فتعظيمها توفيتها حقها وحفظها من الإضاعة. قال صاحب quot; المنازل quot;: الحرمة: هي التحرج عن المخالفات والمجاسرات. التحرج: الخروج من حرج المخالفة. وبناء quot; تفعل quot; يكون للدخول في الشيء. كتمنى إذا دخل في الأمنية وتولج في الأمر دخل فيه ونحوه. وللخروج منه كتخرج وتحوب وتأثم إذا أراد الخروج من الحرج. والحوب هو الإثم. أراد أن الحرمة هي الخروج من حرج المخالفة وجسارة الإقدام عليها. ولما كان المخالف قسمين جاسرا وهائبا. قال: عن المخالفات والمجاسرات.  [درجات حرمات الله] [الدرجة الأولى تعظيم الأمر والنهي] قال: وهي على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: تعظيم الأمر والنهي لا خوفا من العقوبة فتكون خصومة للنفس ولا طلبا للمثوبة. فيكون مستشرفا للأجرة ولا(2\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "567",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13564",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مشاهدا لأحد. فيكون متزينا بالمراءاة. فإن هذه الأوصاف كلها من شعب عبادة النفس. هذا الموضع يكثر في كلام القوم. والناس بين معظم له ولأصحابه معتقد أن هذا أرفع درجات العبودية: أن لا يعبد الله ويقوم بأمره ونهيه خوفا من عقابه ولا طمعا في ثوابه. فإن هذا واقف مع غرضه وحظ نفسه. وأن المحبة تأبى ذلك. فإن المحب لا حظ له مع محبوبه. فوقوفه مع حظه علة في محبته وأن طمعه في الثواب تطلع إلى أنه يستحق بعمله على الله تعالى أجرة. ففي هذا آفتان: تطلعه إلى الأجرة وإحسان ظنه بعمله إذ تطلعه إلى استحقاقه الأجر وخوفه من العقاب: خصومة للنفس فإنه لا يزال يخاصمها إذا خالفت. ويقول: أما تخافين النار وعذابها وما أعد الله لأهلها فلا تزال الخصومة بذلك بينه وبين نفسه. ومن وجه آخر أيضا: وهو أنه كالمخاصم عن نفسه الدافع عنها خصمه الذي يريد هلاكه وهو عين الاهتمام بالنفس والالتفات إلى حظوظها مخاصمة عنها واستدعاء لما تلتذ به. ولا يخلصه من هذه المخاصمة وذلك الاستشراف إلا تجريد القيام بالأمر والنهي من كل علة. بل يقوم به تعظيما للآمر الناهي. وأنه أهل أن يعبد وتعظم حرماته. فهو يستحق العبادة والتعظيم والإجلال لذاته كما في الأثر الإسرائيلي: لو لم أخلق جنة ولا نارا أما كنت أهلا أن أعبد . ومنه قول القائل: هب البعث لم تأتنا رسله ... وجاحمة النار لم تضرم أليس من الواجب المستح ... ق على ذوي الورى الشكر للمنعم فالنفوس العلية الزكية تعبده لأنه أهل أن يعبد ويجل ويحب ويعظم. فهو لذاته مستحق للعبادة. قالوا: ولا يكون العبد كأجير السوء. إن أعطي أجره عمل وإن لم يعط لم يعمل. فهذا عبد الأجرة لا عبد المحبة والإرادة. قالوا: والعمال شاخصون إلى منزلتين: منزلة الآخرة ومنزلة القرب من المطاع.(2\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "568",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13565",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال تعالى في حق نبيه داود: وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب [ص: 25] . فالزلفى منزلة القرب وحسن المآب حسن الثواب والجزاء. وقال تعالى: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة [يونس: 26] والحسنى: الجزاء. والزيادة: منزلة القرب. ولهذا فسرت بالنظر إلى وجه الله عز وجل. وهذان هما اللذان وعدهما فرعون للسحرة إن غلبوا موسى فقالوا له: إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن المقربين [الأعراف: 113]  وقال تعالى: وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر [التوبة: 72] . قالوا: والعارفون عملهم على المنزلة والدرجة. والعمال عملهم على الثواب والأجرة. وشتان ما بينهما.  فصل: وطائفة ثانية تجعل هذا الكلام من شطحات القوم ورعوناتهم. وتحتج بأحوال الأنبياء والرسل والصديقين ودعائهم وسؤالهم والثناء عليهم بخوفهم من النار ورجائهم للجنة. كما قال تعالى في حق خواص عباده الذين عبدهم المشركون: إنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه - كما تقدم - وقال عن أنبيائه ورسله: وزكريا إذ نادى ربه [الأنبياء: 89]- إلى أن قال - إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين [الأنبياء: 90] . أي رغبا فيما عندنا ورهبا من عذابنا. والضمير في قوله: quot; إنهم quot; عائد على الأنبياء المذكورين في هذه السورة عند عامة المفسرين. والرغب والرهب: رجاء الرحمة والخوف من النار عندهم أجمعين. وذكر سبحانه عباده الذين هم خواص خلقه. وأثنى عليهم بأحسن أعمالهم. وجعل منها: استعاذتهم به من النار فقال تعالى: والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما - إنها ساءت مستقرا ومقاما [الفرقان: 65 - 66] . وأخبر عنهم: أنهم توسلوا إليه بإيمانهم أن ينجيهم من النار. فقال تعالى: الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار [آل عمران: 16](2\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "569",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13566",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فجعلوا أعظم وسائلهم إليه: وسيلة الإيمان وأن ينجيهم من النار. وأخبر تعالى عن سادات العارفين أولي الألباب: أنهم كانوا يسألونه جنته. ويتعوذون به من ناره. فقال تعالى: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب [آل عمران: 190] الآيات إلى آخرها ولا خلاف أن الموعود به على ألسنة رسله: هي الجنة التي سألوها. وقال عن خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم: والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين - رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين [الشعراء: 82 - 83] إلى قوله: ولا تخزني يوم يبعثون - يوم لا ينفع مال ولا بنون - إلا من أتى الله بقلب سليم [الشعراء: 87 - 89] . فسأل الله الجنة واستعاذ به من النار. وهو الخزي يوم البعث. وأخبرنا سبحانه عن الجنة: أنها كانت وعدا عليه مسئولا أي يسأله إياها عباده وأولياؤه. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته: أن يسألوا له في وقت الإجابة - عقيب الأذان - أعلى منزلة في الجنة. وأخبر: أن من سألها له حلت عليه شفاعته.(2\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "570",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13567",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال له سليم الأنصاري: أما إني أسأل الله الجنة وأستعيذ به من النار لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ فقال: أنا ومعاذ حولها ندندن . وفي الصحيح - في حديث الملائكة السيارة الفضل عن كتاب الناس - إن الله تعالى يسألهم عن عباده - وهو أعلم تبارك وتعالى - فيقولون: أتيناك من عند عباد لك يهللونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك فيقول عز وجل: وهل رأوني فيقولون: لا يا رب. ما رأوك. فيقول عز وجل: كيف لو رأوني فيقولون: لو رأوك لكانوا لك أشد تمجيدا. قالوا: يا رب. ويسألونك جنتك. فيقول: هل رأوها فيقولون: لا وعزتك ما رأوها. فيقول: فكيف لو رأوها فيقولون: لو رأوها لكانوا لها أشد طلبا. قالوا: ويستعيذون بك من النار فيقول عز وجل: وهل رأوها فيقولون: لا وعزتك ما رأوها. فيقول: فكيف لو رأوها فيقولون: لو رأوها لكانوا أشد منها هربا. فيقول: إني أشهدكم أني قد غفرت لهم وأعطيتهم ما سألوا وأعذتهم مما استعاذوا . والقرآن والسنة مملوءان من الثناء على عباده وأوليائه بسؤال الجنة ورجائها والاستعاذة من النار والخوف منها. قالوا: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: استعيذوا بالله من النار . وقال لمن سأله مرافقته في الجنة: أعني على نفسك بكثرة السجود . قالوا: والعمل على طلب الجنة والنجاة من النار مقصود الشارع من أمته ليكونا دائما على ذكر منهما فلا ينسونهما. ولأن الإيمان بهما شرط في النجاة والعمل على حصول الجنة والنجاة من النار هو محض الإيمان. قالوا: وقد حض النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وأمته فوصفها وجلاها لهم ليخطبوها وقال: ألا مشمر للجنة فإنها - ورب الكعبة - نور يتلألأ وريحانة تهتز وزوجة حسناء وفاكهة نضيجة وقصر مشيد ونهر مطرد - الحديث - فقال الصحابة: يا رسول الله(2\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "571",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13568",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نحن المشمرون لها. فقال: قولوا: إن شاء الله . ولو ذهبنا نذكر ما في السنة من قوله: 32 من عمل كذا وكذا أدخله الله الجنة تحريضا على عمله لها وأن تكون هي الباعثة على العلم: لطال ذلك جدا. وذلك في جميع الأعمال. قالوا: فكيف يكون العمل لأجل الثواب وخوف العقاب معلولا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحرض عليه ويقول من فعل كذا فتحت له أبواب الجنة الثمانية ومن قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة . و من كسا مسلما على عري كساه الله من حلل الجنة و عائد المريض في خرفة الجنة  والحديث مملوء من ذلك أفتراه يحرض(2\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "572",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13569",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المؤمنين على مطلب معلول ناقص ويدع المطلب العالي البريء من شوائب العلل لا يحرضهم عليه قالوا: وأيضا فالله سبحانه يحب من عباده أن يسألوه جنته ويستعيذوا به من ناره فإنه يحب أن يسأل. ومن لم يسأله يغضب عليه. وأعظم ما سئل الجنة وأعظم ما استعيذ به من النار. فالعمل لطلب الجنة محبوب للرب مرضي له. وطلبها عبودية للرب. والقيام بعبوديته كلها أولى من تعطيل بعضها. قالوا: وإذا خلا القلب من ملاحظة الجنة والنار ورجاء هذه والهرب من هذه فترت عزائمه وضعفت همته ووهى باعثه وكلما كان أشد طلبا للجنة وعملا لها كان الباعث له أقوى والهمة أشد والسعي أتم. وهذا أمر معلوم بالذوق. وقالوا: ولو لم يكن هذا مطلوبا للشارع لما وصف الجنة للعباد وزينها لهم وعرضها عليهم. وأخبرهم عن تفاصيل ما تصل إليه عقولهم منها وما عداه أخبرهم به مجملا. كل هذا تشويقا لهم إليها وحثا لهم على السعي لها سعيها. قالوا: وقد قال الله عز وجل: والله يدعو إلى دار السلام [يونس: 25] . وهذا حث على إجابة هذه الدعوة والمبادرة إليها والمسارعة في الإجابة. والتحقيق أن يقال: الجنة ليست اسما لمجرد الأشجار والفواكه والطعام والشراب والحور العين والأنهار والقصور. وأكثر الناس يغلطون في مسمى الجنة. فإن الجنة اسم لدار النعيم المطلق الكامل. ومن أعظم نعيم الجنة التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم وسماع كلامه وقرة العين بالقرب منه وبرضوانه. فلا نسبة للذة ما فيها من المأكول والمشروب والملبوس والصور إلى هذه اللذة أبدا. فأيسر يسير من رضوانه أكبر من الجنان وما فيها من ذلك. كما قال تعالى: ورضوان من الله أكبر [التوبة: 72] . وأتى به منكرا في سياق الإثبات أي: أي شيء كان من رضاه عن عبده: فهو أكبر من الجنة. قليل منك يقنعني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل وفي الحديث الصحيح - حديث الرؤية - فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم(2\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "573",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13570",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من النظر إلى وجهه وفي حديث آخر أنه سبحانه إذا تجلى لهم ورأوا وجهه عيانا نسوا ما هم فيه من النعيم وذهلوا عنه ولم يلتفتوا إليه . ولا ريب أن الأمر هكذا. وهو أجل مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال. ولا سيما عند فوز المحبين هناك بمعية المحب. فإن المرء مع من أحب. ولا تخصيص في هذا الحكم. بل هو ثابت شاهدا وغائبا. فأي نعيم وأي لذة وأي قرة عين وأي فوز يداني نعيم تلك المعية ولذتها وقرة العين بها وهل فوق نعيم قرة العين بمعية المحبوب الذي لا شيء أجل منه ولا أكمل ولا أجمل: قرة عين البتة وهذا - والله - هو العلم الذي شمر إليه المحبون واللواء الذي أمه العارفون. وهو روح مسمى الجنة وحياتها. وبه طابت الجنة وعليه قامت. فكيف يقال: لا يعبد الله طلبا لجنته ولا خوفا من ناره وكذلك النار أعاذنا الله منها فإن لأربابها من عذاب الحجاب عن الله وإهانته وغضبه وسخطه والبعد عنه: أعظم من التهاب النار في أجسامهم وأرواحهم بل التهاب هذه النار في قلوبهم هو الذي أوجب التهابها في أبدانهم. ومنها سرت إليها. فمطلوب الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين هو الجنة. ومهربهم من النار. والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل. ومقصد القوم أن العبد يعبد ربه بحق العبودية. والعبد إذا طلب من سيده أجرة(2\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "574",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13571",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على خدمته له كان أحمق ساقطا من عين سيده إن لم يستوجب عقوبته. إذ عبوديته تقتضي خدمته له. وإنما يخدم بالأجرة من لا عبودية للمخدوم عليه. إما أن يكون حرا في نفسه أو عبدا لغيره. وأما من الخلق عبيده حقا وملكه على الحقيقة ليس فيهم حر ولا عبد لغيره فخدمتهم له بحق العبودية فاقتضاؤهم للأجرة خروج عن محض العبودية. وهذا لا ينكر على الإطلاق ولا يقبل على الإطلاق. وهو موضع تفصيل وتمييز. وقد تقدم في أول الحديث ذكر طرق الخلق في هذا الموضع. وبينا طريق أهل الاستقامة. فالناس في هذا المقام أربعة أقسام: أحدهم: من لا يريد ربه ولا يريد ثوابه. فهؤلاء أعداؤه حقا. وهم أهل العذاب الدائم. وعدم إرادتهم لثوابه إما لعدم تصديقهم به وإما لإيثار العاجل عليه ولو كان فيه سخطه. والقسم الثاني: من يريده ويريد ثوابه وهؤلاء خواص خلقه. قال الله تعالى: وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما [الأحزاب: 29] فهذا خطابه لخير نساء العالمين أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم. وقال الله تعالى: ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا [الإسراء: 19]  فأخبر أن السعي المشكور: سعي من أراد الآخرة. وأصرح منها قوله: لخواص أوليائه - وهم أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم - في يوم أحد: منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة [آل عمران: 152] فقسمهم إلى هذين القسمين اللذين لا ثالث لهما. وقد غلط من قال: فأين من يريد الله فإن إرادة الآخرة عبارة عن إرادة الله تعالى وثوابه. فإرادة الثواب لا تنافي إرادة الله. والقسم الثالث: من يريد من الله ولا يريد الله. فهذا ناقص غاية النقص. وهو حال الجاهل بربه الذي سمع: أن ثم جنة ونارا. فليس في قلبه غير إرادة نعيم الجنة المخلوق لا يخطر بباله سواه البتة. بل هذا حال أكثر المتكلمين المنكرين رؤية الله(2\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "575",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13572",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى والتلذذ بالنظر إلى وجهه في الآخرة وسماع كلامه وحبه. والمنكرين على من يزعم أنه يحب الله. وهم عبيد الأجرة المحضة. فهؤلاء لا يريدون الله تعالى. ومنهم من يصرح بأن إرادة الله محال. قالوا: لأن الإرادة إنما تتعلق بالحادث. فالقديم لا يراد. فهؤلاء منكرون لإرادة الله غاية الإنكار. وأعلى الإرادة عندهم: إرادة الأكل والشرب والنكاح واللباس في الجنة وتوابع ذلك. فهؤلاء في شق وأولئك - الذين قالوا: لم نعبده طلبا لجنته ولا هربا من ناره - في شق. وهما طرفا نقيض. بينهما أعظم من بعد المشرقين. وهؤلاء من أكثف الناس حجابا وأغلظهم طباعا وأقساهم قلوبا وأبعدهم عن روح المحبة والتأله ونعيم الأرواح والقلوب. وهم يكفرون أصحاب المحبة والشوق إلى الله والتلذذ بحبه والتصديق بلذة النظر إلى وجهه وسماع كلامه منه بلا واسطة. وأولئك لا يعدونهم من البشر إلا بالصورة. ومرتبتهم عندهم قريبة من مرتبة الجماد والحيوان البهيم. وهم عندهم في حجاب كثيف عن معرفة نفوسهم وكمالها ومعرفة معبودهم وسر عبوديته. وحال الطائفتين عجب لمن اطلع عليه. والقسم الرابع - وهو محال -: أن يريد الله ولا يريد منه. فهذا هو الذي يزعم هؤلاء أنه مطلوبهم وأن من لم يصل إليه ففي سيره علة وأن العارف ينتهي إلى هذا المقام. وهو أن يكون الله مراده ولا يريد منه شيئا. كما يحكى عن أبي يزيد أنه قال: قيل لي: ما تريد فقلت: أريد أن لا أريد. وهذا في التحقيق عين المحال الممتنع: عقلا وفطرة وحسا وشرعا. فإن الإرادة من لوازم الحي. وإنما يعرض له التجرد عنها بالغيبة عن عقله وحسه كالسكر والإغماء والنوم. فنحن لا ننكر التجريد عن إرادة ما سواه من المخلوقات التي تزاحم إرادتها إرادته. أفليس صاحب هذا المقام مريدا لقربه ورضاه ودوام مراقبته والحضور معه وأي إرادة فوق هذه نعم. قد زهد في مراد لمراد هو أجل منه وأعلى. فلم يخرج عن الإرادة. وإنما انتقل من إرادة إلى إرادة ومن مراد إلى مراد. وأما خلوه عن صفة الإرادة بالكلية مع حضور عقله وحسه فمحال. وإن حاكمنا في ذلك محاكم إلى ذوق مصطلم مأخوذ عن نفسه فان عن عوالمها: لم(2\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "576",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13573",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ننكر ذلك لكن هذه حال عارضة غير دائمة ولا هي غاية مطلوبة للسالكين ولا مقدورة للبشر ولا مأمور بها ولا هي أعلى المقامات. فيؤمر باكتساب أسبابها. فهذا فصل الخطاب في هذا الموضع. والله سبحانه وتعالى أعلم.  فصل قوله: ولا مشاهدا لأحد. فيكون متزينا بالمراءاة. هذا فيه تفصيل أيضا. وهو أن المشاهدة في العمل لغير الله نوعان. مشاهدة تبعث عليه أو تقوي باعثه. فهذه مراءاة خالصة أو مشوبة. كما أن المشاهدة القاطعة عنه أيضا من الآفات والحجب. ومشاهدة لا تبعث عليه ولا تعين الباعث. بل لا فرق عنده بين وجودها وعدمها. فهذه لا تدخله في التزين بالمراءاة. ولا سيما عند المصلحة الراجحة في هذه المشاهدة: إما حفظا ورعاية كمشاهدة مريض أو مشرف على هلكة يخاف وقوعه فيها. أو مشاهدة عدو يخاف هجومه كصلاة الخوف عند المواجهة. أو مشاهدة ناظر إليك يريد أن يتعلم منك فتكون محسنا إليه بالتعليم وإلى نفسك بالإخلاص. أو قصدا منك للاقتداء وتعريف الجاهل. فهذا رياء محمود. والله عند نية القلب وقصده. فالرياء المذموم أن يكون الباعث قصد التعظيم والمدح والرغبة فيما عند من ترائيه أو الرهبة منه وأما ما ذكرناه - من قصد رعايته أو تعليمه أو إظهار السنة وملاحظة هجوم العدو ونحو ذلك - فليس في هذه المشاهد رياء بل قد يتصدق العبد رياء مثلا وتكون صدقته فوق صدقة صاحب السر. مثال ذلك: رجل مضرور سأل قوما ما هو محتاج إليه. فعلم رجل منهم أنه إن أعطاه سرا حيث لا يراه أحد لم يقتد به أحد. ولم يحصل له سوى تلك العطية وأنه إن أعطاه جهرا اقتدي به واتبع وأنف الحاضرون من تفرده عنهم بالعطية. فجهر له بالعطاء. وكان الباعث له على الجهر إرادة سعة العطاء عليه من الحاضرين. فهذه مراءاة محمودة حيث لم يكن الباعث عليها قصد التعظيم والثناء. وصاحبها جدير بأن يحصل له مثل أجور أولئك المعطين. قوله: فإن هذه الأوصاف كلها من شعب عبادة النفس. يعني أن الخائف يشتغل بحفظ نفسه من العذاب. ففيه عبادة لنفسه إذ هو متوجه(2\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "577",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13574",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليها. وطالب المثوبة متوجه إلى طلب حظ نفسه. وذلك شعبة من عبوديتها والمشاهد للناس في عبادته: فيه شعبة من عبودية نفسه إذ هو طالب لتعظيمهم وثنائهم ومدحهم. فهذه شعب من شعب عبودية النفس. والأصل الذي هذه الشعب فروعه هي النفس. فإذا ماتت بالمجاهدة والإقبال على الله والاشتغال به ودوام المراقبة له ماتت هذه الشعب. فلا جرم أن بناء أمر هذه الطائفة على ترك عبادة النفس. وقد علمت أن الخوف وطلب الثواب ليس من عبادة النفس في شيء. نعم التزين بالمراءاة عين عبادة النفس. والكلام في أمر أرفع من هذا. فإن حال المرائي أخس ونفسه أسقط وهمته أدنى من أن يدخل في شأن الصادقين ويذكر مع الصالحين. والله سبحانه وتعالى أعلم.  [فصل الدرجة الثانية إجراء الخبر على ظاهره] فصل قال صاحب quot; المنازل quot;: الدرجة الثانية: إجراء الخبر على ظاهره. وهو أن تبقى أعلام توحيد العامة الخبرية على ظواهرها. ولا يتحمل البحث عنها تعسفا. ولا يتكلف لها تأويلا. ولا يتجاوز ظواهرها تمثيلا. ولا يدعي عليها إدراكا أو توهما. يشير الشيخ - رحمه الله وقدس روحه - بذلك إلى أن حفظ حرمة نصوص الأسماء والصفات بإجراء أخبارها على ظواهرها. وهو اعتقاد مفهومها المتبادر إلى أذهان العامة. ولا يعني بالعامة الجهال بل عامة الأمة كما قال مالك رحمه الله - وقد سئل عن قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] كيف استوى فأطرق مالك حتى علاه الرحضاء ثم قال: الاستواء معلوم والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.(2\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "578",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13575",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ففرق بين المعنى المعلوم من هذه اللفظة وبين الكيف الذي لا يعقله البشر. وهذا الجواب من مالك رضي الله عنه شاف عام في جميع مسائل الصفات. فمن سأل عن قوله: إنني معكما أسمع وأرى [طه: 46] كيف يسمع ويرى أجيب بهذا الجواب بعينه. فقيل له: السمع والبصر معلوم. والكيف غير معقول. وكذلك من سأل عن العلم والحياة والقدرة والإرادة والنزول والغضب والرضا والرحمة والضحك وغير ذلك. فمعانيها كلها مفهومة. وأما كيفيتها فغير معقولة إذ تعقل الكيفية فرع العلم بكيفية الذات وكنهها. فإذا كان ذلك غير معقول للبشر فكيف يعقل لهم كيفية الصفات والعصمة النافعة في هذا الباب: أن يوصف الله بما وصف به نفسه. وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل. بل تثبت له الأسماء والصفات وتنفى عنه مشابهة المخلوقات. فيكون إثباتك منزها عن التشبيه. ونفيك منزها عن التعطيل. فمن نفى حقيقة الاستواء فهو معطل. ومن شبهه باستواء المخلوق على المخلوق فهو ممثل. ومن قال: استواء ليس كمثله شيء. فهو الموحد المنزه. وهكذا الكلام في السمع والبصر والحياة والإرادة والقدرة واليد والوجه والرضا والغضب والنزول والضحك وسائر ما وصف الله به نفسه. والمنحرفون في هذا الباب قد أشار الشيخ إليهم بقوله: لا يتحمل البحث عنها تعسفا أي لا يتكلف التعسف عن البحث عن كيفياتها. والتعسف سلوك غير الطريق. يقال: ركب فلان التعاسيف في سيره. إذا كان يسير يمينا وشمالا جائرا عن الطريق. ولا يتكلف لها تأويلا. أراد بالتأويل هاهنا التأويل الاصطلاحي. وهو صرف اللفظ عن ظاهره وعن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح.(2\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "579",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13576",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد حكى غير واحد من العلماء إجماع السلف على تركه. وممن حكاه البغوي وأبو المعالي الجويني في رسالته النظامية بخلاف ما سلكه في شامله وإرشاده وممن حكاه سعد بن علي الزنجاني. وقبل هؤلاء خلائق من العلماء لا يحصيهم إلا الله. ولا يتجاوز ظاهرها تمثيلا. أي لا يمثلها بصفات المخلوقين. وفي قوله: لا يتجاوز ظاهرها إشارة لطيفة. وهي أن ظواهرها لا تقتضي التمثيل كما تظنه المعطلة النفاة وأن التمثيل تجاوز لظواهرها إلى ما لا تقتضيه كما أن تأويلها تكلف وحمل لها على ما لا تقتضيه. فهي لا تقتضي ظواهرها تمثيلا ولا تحتمل تأويلا بل إجراء على ظواهرها بلا تأويل ولا تمثيل. فهذه طريقة السالكين بها سواء السبيل. وأما قوله: ولا يدعي عليها إدراكا أي لا يدعي عليها استدراكا ولا فهما ولا معنى غير فهم العامة كما يدعيه أرباب الكلام الباطل المذموم بإجماع السلف. وقوله: ولا توهما أي لا يعدل عن ظواهرها إلى التوهم. والتوهم نوعان: توهم كيفية. لا تدل عليه ظواهرها أو توهم معنى غير ما تقتضيه ظواهرها. وكلاهما توهم باطل. وهما توهم تشبيه وتمثيل أو تحريف وتعطيل. وهذا الكلام من شيخ الإسلام يبين مرتبته من السنة ومقداره في العلم وأنه بريء مما رماه به أعداؤه الجهمية من التشبيه والتمثيل على عادتهم في رمي أهل الحديث والسنة بذلك كرمي الرافضة لهم بأنهم نواصب والمعتزلة بأنهم نوابت حشوية. وذلك ميراث من أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم في رميه ورمي أصحابه رضي الله عنهم بأنهم صبأة. قد(2\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "580",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13577",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابتدعوا دينا محدثا. وميراث لأهل الحديث والسنة من نبيهم صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين. بتلقيب أهل الباطل لهم بالألقاب المذمومة. وقدس الله روح الشافعي حيث يقول وقد نسب إلى الرفض: إن كان رفضا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي ورضي الله عن شيخنا أبي العباس ابن تيمية حيث يقول: إن كان نصبا حب صحب محمد ... فليشهد الثقلان أني ناصبي وعفا الله عن الثالث حيث يقول: فإن كان تجسيما ثبوت صفاته ... وتنزيهها عن كل تأويل مفتري فإني - بحمد الله ربي - مجسم ... هلموا شهودا واملئوا كل محضر  [فصل الدرجة الثالثة صيانة الانبساط والسرور والشهود] فصل قال: الدرجة الثالثة: صيانة الانبساط أن تشوبه جرأة. وصيانة السرور أن يداخله أمن. وصيانة الشهود أن يعارضه سبب. لما كانت هذه الدرجة عنده مختصة بأهل المشاهدة - والغالب عليهم الانبساط والسرور - فإن صاحبها متعلق باسمه الباسط حذره من شائبة الجرأة. وهي ما يخرجه عن أدب العبودية ويدخله في الشطح. كشطح من قال: سبحاني ونحو ذلك من الشطحات المعروفة المخرجة عن أدب العبودية التي نهاية صاحبها أن يعذر بزوال عقله وغلبة سكر الحال عليه. فلا بد من مقارنة التعظيم والإجلال لبسط المشاهدة وإلا وقع في الجرأة ولا بد. فالمراقبة تصونه عن ذلك. قوله: وصيانة السرور أن يداخله أمن. يعني أن صاحب الانبساط والمشاهدة يداخله سرور لا يشبهه سرور البتة. فينبغي(2\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "581",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13578",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له أن لا يأمن في هذا الحال المكر بل يصون سروره وفرحه عن خطفات المكر بخوف العاقبة المطوي عنه علم غيبها. ولا يغتر. وأما صيانة الشهود أن يعارضه سبب فيريد أن صاحب الشهود قد يكون ضعيفا في شهود حقيقة التوحيد. فيتوهم أنه قد حصل له ما حصل بسبب الاجتهاد التام والعبادة الخالصة. فينسب حصول ما حصل له من الشهود إلى سبب منه. وذلك نقص في توحيده ومعرفته لأن الشهود لا يكون إلا موهبة ليس هو كسبيا. ولو كان كسبيا فشهود سببه نقص في التوحيد وغيبة عن شهود الحقيقة. ويحتمل أن يريد بالسبب المعارض للشهود ورود خاطر على الشاهد يكدر عليه صفو شهوده. فيصونه عن ورود سبب يعارضه إما معارض إرادة أو معارض شبهة. وقد يعم كلامه الأمرين. والله سبحانه أعلم.  [فصل منزلة الإخلاص] [حقيقة الإخلاص] فصل منزلة الإخلاص ومن منازل: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الإخلاص قال الله تعالى: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين [البينة: 5] . وقال: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين - ألا لله الدين الخالص [الزمر: 2 - 3] . وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل الله أعبد مخلصا له ديني - فاعبدوا ما شئتم من دونه [الزمر: 14 - 15] . وقال له: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين - لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين [الأنعام: 162 - 163] . وقال: الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا [الملك: 2] . قال الفضيل بن عياض: هو أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه فقال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا. لم يقبل. وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا: لم(2\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "582",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13579",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقبل. حتى يكون خالصا صوابا والخالص: أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة. ثم قرأ قوله تعالى: فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا [الكهف: 110] . وقال تعالى: ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن [النساء: 125] . فإسلام الوجه: إخلاص القصد والعمل لله. والإحسان فيه: متابعة رسوله صلى الله عليه وسلم وسنته. وقال تعالى: وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا [الفرقان: 23] . وهي الأعمال التي كانت على غير السنة. أو أريد بها غير وجه الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم ل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله تعالى إلا ازددت به خيرا ودرجة ورفعة. وفي الصحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعة المسلمين. فإن دعوتهم تحيط من ورائهم  أي لا يبقى فيه غل ولا يحمل(2\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "583",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13580",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الغل مع هذه الثلاثة. بل تنفي عنه غله. وتنقيه منه. وتخرجه عنه. فإن القلب يغل على الشرك أعظم غل. وكذلك يغل على الغش. وعلى خروجه عن جماعة المسلمين بالبدعة والضلالة. فهذه الثلاثة تملؤه غلا ودغلا. ودواء هذا الغل واستخراج أخلاطه بتجريد الإخلاص والنصح ومتابعة السنة. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل رياء ويقاتل شجاعة. ويقاتل حمية: أي ذلك في سبيل الله فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله . وأخبر عن أول ثلاثة تسعر بهم النار: قارئ القرآن والمجاهد والمتصدق بماله الذين فعلوا ذلك ليقال: فلان قارئ فلان شجاع فلان متصدق ولم تكن أعمالهم خالصة لله. وفي الحديث الصحيح الإلهي يقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملا أشرك فيه غيري فهو للذي أشرك به. وأنا منه بريء . وفي أثر آخر: يقول له يوم القيامة اذهب فخذ أجرك ممن عملت له. لا أجر لك عندنا .(2\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "584",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13581",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم . وقال تعالى: لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم [الحج: 37] . وفي أثر مروي إلهي: الإخلاص سر من سري استودعته قلب من أحببته من عبادي . وقد تنوعت عبارتهم في الإخلاص والصدق والقصد واحد. فقيل: هو إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة. وقيل: تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين. وقيل: التوقي من ملاحظة الخلق حتى عن نفسك. والصدق التنقي من مطالعة النفس. فالمخلص لا رياء له والصادق لا إعجاب له. ولا يتم الإخلاص إلا بالصدق ولا الصدق إلا بالإخلاص. ولا يتمان إلا بالصبر. وقيل: من شهد في إخلاصه الإخلاص احتاج إخلاصه إلى إخلاص. فنقصان كل مخلص في إخلاصه: بقدر رؤية إخلاصه. فإذا سقط عن نفسه رؤية الإخلاص صار مخلصا مخلصا. وقيل: الإخلاص استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن. والرياء: أن يكون ظاهره خيرا من باطنه. والصدق في الإخلاص: أن يكون باطنه أعمر من ظاهره.(2\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "585",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13582",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقيل: الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق. ومن تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله. ومن كلام الفضيل: ترك العمل من أجل الناس: رياء. والعمل من أجل الناس: شرك. والإخلاص: أن يعافيك الله منهما. قال الجنيد: الإخلاص سر بين الله وبين العبد. لا يعلمه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده. ولا هوى فيميله. وقيل لسهل: أي شيء أشد على النفس فقال: الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب. وقال بعضهم: الإخلاص أن لا تطلب على عملك شاهدا غير الله ولا مجازيا سواه. وقال مكحول: ما أخلص عبد قط أربعين يوما إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه. وقال يوسف بن الحسين: أعز شيء في الدنيا: الإخلاص. وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي. فكأنه ينبت على لون آخر. وقال أبو سليمان الداراني: إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء.(2\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "586",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13583",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل درجات الإخلاص] [الدرجة الأولى إخراج رؤية العمل عن العمل والخلاص من طلب العوض على العمل] فصل قال صاحب quot; المنازل quot;: الإخلاص: تصفية العمل من كل شوب. أي لا يمازج عمله ما يشوبه من شوائب إرادات النفس إما طلب التزين في قلوب الخلق وإما طلب مدحهم والهرب من ذمهم أو طلب تعظيمهم أو طلب أموالهم أو خدمتهم ومحبتهم وقضائهم حوائجه أو غير ذلك من العلل والشوائب التي عقد متفرقاتها هو إرادة ما سوى الله بعمله كائنا ما كان. قال: وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: إخراج رؤية العمل عن العمل والخلاص من طلب العوض على العمل والنزول عن الرضا بالعمل. يعرض للعامل في عمله ثلاث آفات: رؤيته وملاحظته وطلب العوض عليه ورضاه به وسكونه إليه. ففي هذه الدرجة يتخلص من هذه البلية. فالذي يخلصه من رؤية عمله مشاهدته لمنة الله عليه وفضله وتوفيقه له وأنه بالله لا بنفسه وأنه إنما أوجب عمله مشيئة الله لا مشيئته هو كما قال تعالى: وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين [التكوير: 29] . فهنا ينفعه شهود الجبر وأنه آلة محضة وأن فعله كحركات الأشجار وهبوب الرياح وأن المحرك له غيره والفاعل فيه سواه وأنه ميت - والميت لا يفعل شيئا - وأنه لو خلي ونفسه لم يكن من فعله الصالح شيء البتة. فإن النفس جاهلة ظالمة طبعها الكسل وإيثار الشهوات والبطالة. وهي منبع كل شر ومأوى كل سوء. وما كان هكذا لم يصدر منه خير ولا هو من شأنه. فالخير الذي يصدر منها إنما هو من الله وبه. لا من العبد ولا به. كما قال تعالى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء [النور: 21]  وقال أهل الجنة: الحمد لله الذي هدانا لهذا [الأعراف: 43]  وقال تبارك وتعالى لرسوله(2\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "587",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13584",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلى الله عليه وسلم: ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا [الإسراء: 74] . وقال تعالى: ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم [الحجرات: 7] الآية. فكل خير في العبد فهو مجرد فضل الله ومنته وإحسانه ونعمته. وهو المحمود عليه. فرؤية العبد لأعماله في الحقيقة كرؤيته لصفاته الخلقية: من سمعه وبصره وإدراكه وقوته بل من صحته وسلامة أعضائه ونحو ذلك. فالكل مجرد عطاء الله ونعمته وفضله. فالذي يخلص العبد من هذه الآفة: معرفة ربه ومعرفة نفسه. والذي يخلصه من طلب العوض على العمل: علمه بأنه عبد محض. والعبد لا يستحق على خدمته لسيده عوضا ولا أجرة إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته. فما يناله من سيده من الأجر والثواب تفضل منه وإحسان إليه وإنعام عليه لا معارضة إذ الأجرة إنما يستحقها الحر أو عبد الغير. فأما عبد نفسه فلا. والذي يخلصه من رضاه بعمله وسكونه إليه أمران: أحدهما: مطالعة عيوبه وآفاته وتقصيره فيه وما فيه من حظ النفس ونصيب الشيطان. فقل عمل من الأعمال إلا وللشيطان فيه نصيب وإن قل. وللنفس فيه حظ. سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن التفات الرجل في صلاته فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد . فإذا كان هذا التفات طرفه أو لحظه فكيف التفات قلبه إلى ما سوى الله هذا أعظم نصيب الشيطان من العبودية. وقال ابن مسعود: لا يجعل أحدكم للشيطان حظا من صلاته يرى أن حقا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه. فجعل هذا القدر اليسير النزر حظا ونصيبا للشيطان من صلاة العبد. فما الظن بما فوقه(2\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "588",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13585",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حظ النفس من العمل فلا يعرفه إلا أهل البصائر الصادقون. الثاني: علمه بما يستحقه الرب جل جلاله من حقوق العبودية وآدابها الظاهرة والباطنة وشروطها وأن العبد أضعف وأعجز وأقل من أن يوفيها حقا وأن يرضى بها لربه. فالعارف لا يرضى بشيء من عمله لربه ولا يرضى نفسه لله طرفة عين. ويستحيي من مقابلة الله بعمله. فسوء ظنه بنفسه وعمله وبغضه لها وكراهته لأنفاسه وصعودها إلى الله يحول بينه وبين الرضا بعمله والرضا عن نفسه. وكان بعض السلف يصلي في اليوم والليلة أربعمائة ركعة ثم يقبض على لحيته ويهزها. ويقول لنفسه: يا مأوى كل سوء وهل رضيتك لله طرفة عين وقال بعضهم: آفة العبد رضاه عن نفسه. ومن نظر إلى نفسه باستحسان شيء منها فقد أهلكها. ومن لم يتهم نفسه على دوام الأوقات فهو مغرور.  [فصل الدرجة الثانية الخجل من العمل مع بذل المجهود] فصل قال صاحب quot; المنازل quot;: الدرجة الثانية: الخجل من العمل مع بذل المجهود وتوفير الجهد بالاحتماء من الشهود ورؤية العمل في نور التوفيق من عين الجود. هذه ثلاثة أمور quot; خجله quot; من عمله وهو شدة حيائه من الله إذ لم ير ذلك العمل صالحا له مع بذل مجهوده فيه. قال تعالى: والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون [المؤمنون: 60] . قال النبي صلى الله عليه وسلم: هو الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه . وقال بعضهم: إني لأصلي ركعتين فأقوم عنهما بمنزلة السارق أو الزاني الذي يراه الناس حياء من الله عز وجل.(2\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "589",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13586",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالمؤمن: جمع إحسانا في مخافة وسوء ظن بنفسه. والمغرور: حسن الظن بنفسه مع إساءته. الثاني: توفير الجهد باحتمائه من الشهود أي يأتي بجهد الطاقة في تصحيح العمل محتميا عن شهوده منك وبك. الثالث: أن تحتمي بنور التوفيق الذي ينور الله به بصيرة العبد. فترى في ضوء ذلك النور أن عملك من عين جوده لا بك ولا منك. فقد اشتملت هذه الدرجة على خمسة أشياء: عمل واجتهاد فيه وخجل وحياء من الله عز وجل وصيانة عن شهوده منك ورؤيته من عين جود الله سبحانه ومنه.  [الدرجة الثالثة إخلاص العمل بالخلاص من العمل] قال: الدرجة الثالثة: إخلاص العمل بالخلاص من العمل تدعه يسير سير العلم. وتسير أنت مشاهدا للحكم حرا من رق الرسم. قد فسر الشيخ مراده بإخلاص العمل من العمل بقوله: تدعه يسير سير العلم وتسير أنت مشاهدا للحكم. ومعنى كلامه: أنك تجعل عملك تابعا لعلم موافقا له مؤتما به. تسير بسيره وتقف بوقوفه وتتحرك بحركته. نازلا منازله مرتويا من موارده ناظرا إلى الحكم الديني الأمري متقيدا به فعلا وتركا وطلبا وهربا. ناظرا إلى ترتب الثواب والعقاب عليه سببا وكسبا. ومع ذلك فتسير أنت بقلبك مشاهدا للحكم الكوني القضائي الذي تنطوي فيه الأسباب والمسببات والحركات والسكنات. ولا يبقى هناك غير محض المشيئة وتفرد الرب وحده بالأفعال ومصدرها عن إرادته ومشيئته. فيكون قائما بالأمر والنهي فعلا وتركا سائرا بسيره وبالقضاء والقدر إيمانا وشهودا وحقيقة. فهو ناظر إلى الحقيقة. قائم بالشريعة. وهذان الأمران هما عبودية هاتين الآيتين: لمن شاء منكم أن يستقيم - وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين [التكوير: 28 - 29] وقال تعالى: إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا - وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما [الإنسان: 29 - 30] . فترك العمل يسير سير العلم: مشهد: لمن شاء منكم أن يستقيم [التكوير: 28]  وسير صاحبه(2\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "590",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13587",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مشاهدا للحكم: مشهد: وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين [التكوير: 29] . وأما قوله: حرا من رق الرسم فالحرية التي يشيرون إليها: هي عدم الدخول تحت عبودية الخلق والنفس والدخول تحت رق عبودية الحق وحده. ومرادهم بالرسم: ما سوى الله فكله رسوم. فإن الرسوم هي الآثار. ورسوم المنازل والديار: هي الآثار التي تبقى بعد سكانها. والمخلوقات بأسرها في منزل الحقيقة رسوم وآثار للقدرة أي فتخلص نفسك من عبودية كل ما سوى الله وتكون بقلبك مع القادر الحق وحده. لا مع آثار قدرته التي هي رسوم. فلا تشتغل بغيره لتشغلها بعبوديته. ولا تطلب بعبوديتك له حالا ولا مقاما. ولا مكاشفة ولا شيئا سواه. فهذه أربعة أمور: بذل الجهد وتحكيم العلم والنظر إلى الحقيقة والتخلص من الالتفات إلى غيره. والله الموفق والمعين.  [فصل حقيقة الإخلاص توحيد المطلوب] فصل الإخلاص عدم انقسام المطلوب. والصدق عدم انقسام الطلب. فحقيقة الإخلاص: توحيد المطلوب. وحقيقة الصدق: توحيد الطلب والإرادة. ولا يثمران إلا بالاستسلام المحض للمتابعة. فهذه الأركان الثلاثة: هي أركان السير وأصول الطريق التي من لم يبن عليها سلوكه وسيره فهو مقطوع. وإن ظن أنه سائر فسيره إما إلى عكس جهة مقصوده وإما سير المقعد والمقيد وإما سير صاحب الدابة الجموح. كلما مشت خطوة إلى قدام رجعت عشرة إلى الخلف. فإن عدم الإخلاص والمتابعة: انعكس سيره إلى خلف. وإن لم يبذل جهده ويوحد طلبه: سار سير المقيد. وإن اجتمعت له الثلاثة: فذلك الذي لا يجارى في مضمار سيره. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والله ذو الفضل العظيم.(2\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "591",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13588",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل منزلة التهذيب والتصفية] [تعريف التهذيب] ومن منازل: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة التهذيب والتصفية. وهو سبك العبودية في كير الامتحان طلبا لإخراج ما فيها من الخبث والغش. قال صاحب quot; المنازل quot;: التهذيب: محنة أرباب البدايات. وهو شريعة من شرائع الرياضة. يريد: أنه صعب على المبتدي. فهو له كالمحنة. وطريقة للمرتاض الذي قد مرن نفسه حتى اعتادت قبوله وانقادت إليه.  [درجات التهذيب] [الدرجة الأولى تهذيب الخدمة] قال: وهو على ثلاث درجات. الأولى: تهذيب الخدمة أن لا يخالجها جهالة. ولا يشوبها عادة ولا يقف عندها همة. أي: تخليص العبودية وتصفيتها من هذه الأنواع الثلاثة. وهي: مخالجة الجهالة وشوب العادة ووقوف همة الطالب عندها. النوع الأول: مخالطة الجهال. فإن الجهالة متى خالطت العبودية أوردها العبد غير موردها. ووضعها في غير موضعها وفعلها في غير مستحقها وفعل أفعالا يعتقد أنها صلاح. وهي إفساد لخدمته وعبوديته بأن يتحرك في موضع السكون أو يسكن في موضع التحرك. أو يفرق في موضع جمع أو يجمع في موضع فرق أو يطير في موضع سفوف أو يسف في موضع طيران أو يقدم في موضع إحجام أو يحجم في موضع إقدام أو يتقدم في موضع وقوف أو يقف في موضع تقدم. ونحو ذلك من الحركات التي هي في حق الخدمة كحركات الثقيل البغيض في حقوق الناس. فالخدمة ما لم يصحبها علم ثان بآدابها وحقوقها غير العلم بها نفسها كانت في مظنة أن تبعد صاحبها وإن كان مراده بها التقرب. ولا يلزم حبوط ثوابها وأجرها فهي إن لم تبعده عن الأجر والثواب أبعدته عن المنزلة والقربة. ولا تنفصل مسائل هذه الجملة إلا بمعرفة خاصة بالله وأمره ومحبة تامة له ومعرفة بالنفس وما منها.(2\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "592",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13589",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النوع الثاني: شوب العادة: وهو أن يمازج العبودية حكم من أحكام عوائد النفس تكون منفذة لها معينة عليها وصاحبها يعتقدها قربة وطاعة كمن اعتاد الصوم - مثلا - وتمرن عليه. فألفته النفس وصار لها عادة تتقاضاها أشد اقتضاء. فيظن أن هذا التقاضي محض العبودية. وإنما هو تقاضي العادة. وعلامة هذا أنه إذا عرض عليها طاعة دون ذلك وأيسر منه وأتم مصلحة لم تؤثرها إيثارها لما اعتادته وألفته. كما حكي عن بعض الصالحين من الصوفية قال: حججت كذا وكذا حجة على التجريد فبان لي أن جميع ذلك كان مشوبا بحظي. وذلك أن والدتي سألتني أن أستقي لها جرعة ماء. فثقل ذلك على نفسي. فعلمت أن مطاوعة نفسي في الحجات كان بحظ نفسي وإرادتها. إذ لو كانت نفسي فانية لم يصعب عليها ما هو حق في الشرع. النوع الثالث: وقوف همته عند الخدمة. وذلك علامة ضعفها وقصورها. فإن العبد المحض لا تقف همته عند الخدمة. بل همته أعلى من ذلك إذ هي طالبة لرضا مخدومه. فهو دائما مستصغر خدمته له. ليس واقفا عندها. والقناعة تحمد من صاحبها إلا في هذا الموضع. فإنها عين الحرمان. فالمحب لا يقنع بشيء دون محبوبه. فوقوف همة العبد مع خدمته وأجرتها: سقوط فيها وحرمان.  [الدرجة الثانية تهذيب الحال] قال: الدرجة الثانية: تهذيب الحال. وهو أن لا يجنح الحال إلى علم ولا يخضع لرسم ولا يلتفت إلى حظ. أما جنوح الحال إلى العلم فهو نوعان: ممدوح ومذموم. فالممدوح: التفاته إليه وإصغاؤه إلى ما يأمر به وتحكيمه عليه فمتى لم يجنح إليه هذا الجنوح كان حالا مذموما. ناقصا مبعدا عن الله. فإن كل حال لا يصحبه علم يخاف عليه أن يكون من خدع الشيطان. وهذا القدر هو الذي أفسد على أرباب الأحوال أحوالهم وعلى أهل الثغور ثغورهم وشردهم عن الله كل مشرد وطردهم عنه كل مطرد حيث لم يحكموا عليه العلم وأعرضوا عنه صفحا حتى قادهم إلى الانسلاخ من حقائق الإيمان وشرائع الإسلام. وهم الذين قال فيهم سيد الطائفة الجنيد بن محمد - لما قيل له: أهل المعرفة(2\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "593",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13590",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى الله - فقال الجنيد: إن هذا كلام قوم تكلموا بإسقاط الأعمال عن الجوارح. وهو عندي عظيمة. والذي يزني ويسرق أحسن حالا من الذي يقول هذا. فإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله. وإليه رجعوا فيها. ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إلا أن يحال بي دونها. وقال: الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم. وقال: من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في طريقنا هذا لأن طريقنا وعلمنا مقيد بالكتاب والسنة. وقال: علمنا هذا مشيد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. والبلية التي عرضت لهؤلاء: أن أحكام العلم تتعلق بالعلم وتدعو إليه. وأحكام الحال تتعلق بالكشف. وصاحب الحال ترد عليه أمور ليست في طور العلم. فإن أقام عليها ميزان العلم ومعياره تعارض عنده العلم والحال فلم يجد بدا من الحكم على أحدهما بالإبطال. فمن حصلت له أحوال الكشف ثم جنح إلى أحكام العلم. فقد رجع القهقرى وتأخر في سيره إلى وراء. فتأمل هذا الوارد وهذه الشبهة التي هي سم ناقع تخرج صاحبها من المعرفة والدين كإخراج الشعرة من العجين. واعلم أن المعرفة الصحيحة هي روح العلم. والحال الصحيح هو روح العمل المستقيم. فكل حال لا يكون نتيجة العمل المستقيم مطابقا للعلم فهو بمنزلة الروح الخبيثة الفاجرة. ولا ينكر أن يكون لهذه الروح أحوال لكن الشأن في مرتبة تلك الأحوال ومنازلها. فمتى عارض الحال حكم من أحكام العلم فذلك الحال إما فاسد وإما ناقص. ولا يكون مستقيما أبدا. فالعلم الصحيح والعلم المستقيم: هما ميزان المعرفة الصحيحة والحال الصحيح وهما كالبدنين لروحيهما. فأحسن ما يحمل عليه قوله: quot; أن يجنح الحال إلى العلم quot; أن العلم يدعو إلى التفرقة دائما. والحال يدعو إلى الجمعية. والقلب بين هذين الداعيين. فهو يجيب هذا مرة وهذا مرة. فتهذيب الحال وتصفيته: أن يجيب داعي الحال لا داعي العلم. ولا يلزم من هذا إعراضه عن العلم وعدم تحكيمه والتسليم له بل هو متعبد بالعلم محكم له(2\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "594",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13591",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مستسلم له غير مجيب لداعيه من التفرقة. بل هو مجيب لداعي الحال والجمعية آخذ من العلم ما يصحح له حاله وجمعيته غير مستغرق فيه استغراق من هو مطرح همته وغاية مقصده لا مطلوب له سواه ولا مراد له إلا إياه. فالعلم عنده آلة ووسيلة. وطريق توصله إلى مقصده ومطلوبه. فهو كالدليل بين يديه. يدعوه إلى الطريق ويدله عليها فهو يجيب داعيه للدلالة ومعرفة الطريق. وما في قلبه من ملاحظة مقصده ومطلبه من سيره وسفره وباعث همته على الخروج من أوطانه ومرباه ومن بين أصحابه وخلطائه. الحامل له على الاغتراب. والتفرد في طريق الطلب: هو المسير له والمحرك والباعث. فلا يجنح عن داعيه إلى اشتغاله بجزيئات أحوال الدليل. وما هو خارج عن دلالته على طريقه. فهذا مقصد شيخ الإسلام - إن شاء الله تعالى - لا الوجه الأول. والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل وأما قوله: ولا يخضع لرسم أي لا يستولي على قلبه شيء من الكائنات بحيث يخضع له قلبه فإن صاحب الحال: إنما يطلب الحي القيوم. فلا ينبغي له أن يقف عند المعاهد والرسوم. وأما قوله: ولا يلتفت إلى حظ أي إذا حصل له الحال التام: لم يشتغل بفرحه به وحظه منه واستلذاذه. فإن ذلك حظ من حظوظ النفس وبقية من بقاياها.  [فصل الدرجة الثالثة تهذيب القصد] فصل قال صاحب quot; المنازل quot;: الدرجة الثالثة: تهذيب القصد. وهو تصفيته من ذل الإكراه وتحفظه من مرض الفتور ونصرته على منازعات العلم. هذه أيضا ثلاثة أشياء تهذب قصده وتصفيه. أحدها: تصفيته من ذلك الإكراه. أي لا يسوق نفسه إلى الله كرها. كالأجير(2\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "595",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13592",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المسخر المكلف بل تكون دواعي قلبه وجواذبه منساقة إلى الله طوعا ومحبة وإيثارا. كجريان الماء في منحدره. وهذه حال المحبين الصادقين. فإن عبادتهم طوعا ومحبة ورضا. ففيها قرة عيونهم وسرور قلوبهم ولذة أرواحهم. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وجعلت قرة عيني في الصلاة  وكان يقول: يا بلال أرحنا بالصلاة . فقرة عين المحب ولذته ونعيم روحه: في طاعة محبوبه. بخلاف المطيع كرها المتحمل للخدمة ثقلا. وفي قوله: ذل الإكراه. لطيفة وهي أن المطيع كرها يرى أنه لولا ذل قهره وعقوبة سيده له لما أطاعه. فهو يتحمل طاعته كالمكره الذي قد أذله مكرهه وقاهره. بخلاف المحب الذي يعد طاعة محبوبه قوتا ونعيما ولذة وسرورا فهذا ليس الحامل له ذل الإكراه. والثاني: تحفظه من مرض الفتور. أي توقيه من مرض فتور قصده وخمود نار طلبه. فإن العزم هو روح القصد ونشاطه كالصحة له. وفتوره مرض من أمراضه. فتهذيب قصده وتصفيته بحميته من أسباب هذا المرض الذي هو فتوره. وإنما يتحفظ منه بالحمية من أسبابه. وهو أن يلهو عن الفضول من كل شيء. ويحرص على ترك ما لا يعنيه. ولا يتكلم إلا فيما يرجو فيه زيادة إيمانه وحاله مع الله ولا يصحب إلا من يعينه على ذلك. فإن بلي بمن لا يعينه فليدرأه عنه ما استطاع ويدفعه دفع الصائل.(2\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "596",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13593",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالث: نصرة قصده على منازعات العلم ومعنى ذلك: نصرة خاطر العبودية المحضة والجمعية فيها والإقبال على الله فيها بكلية القلب على جواذب العلم والفكرة في دقائقه وتفاريع مسائله وفضلاته. أو أن العلم يطلب من العبد العمل للرغبة والرهبة والثواب وخوف العقاب. فتهذيب القصد: تصفيته من ملاحظة ذلك وتجريده: أن يكون قصده وعبوديته محبة لله بلا علة وأن لا يحب الله لما يعطيه ويحميه منه. فتكون محبته لله محبة الوسائل ومحبته بالقصد الأول لما يناله من الثواب المخلوق. فهو المحبوب له بالذات. بحيث إذا حصل له محبوبه تسلى به عن محبة من أعطاه إياه. فإن من أحبك لأمر والاك عند حصوله. وملك عند انقضائه. والمحب الصادق يخاف أن تكون محبته لغرض من الأغراض. فتنقضي محبته عند انقضاء ذلك الغرض. وإنما مراده: أن محبته تدوم لا تنقضي أبدا وأن لا يجعل محبوبه وسيلة له إلى غيره بل يجعل ما سواه وسيلة له إلى محبوبه. وهذا القدر هو الذي حام عليه القوم وداروا حوله. وتكلموا فيه. وشمروا إليه. فمنهم من أحسن التعبير عنه. ومنهم من أساء العبارة. وقصده وصدقه يصلح فساد عبارته. ومن الناس من لم يفهم هذا كما ينبغي فلم يجد له ملجأ غير الإنكار. والله يغفر لكل من قصده الحق واتباع مرضاته. فإنه واسع المغفرة.  [فصل منزلة الاستقامة] [حقيقة الاستقامة] فصل منزلة الاستقامة ومن منازل: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الاستقامة. قال الله تعالى: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون [فصلت: 30] . وقال: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون [الأحقاف: 13] .(2\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "597",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13594",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم: فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير [هود: 112] . فبين أن الاستقامة ضد الطغيان. وهو مجاوزة الحدود في كل شيء. وقال تعالى: قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه [فصلت: 6] . وقال تعالى: وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه [الجن: 16] . سئل صديق الأمة وأعظمها استقامة - أبو بكر الصديق رضي الله عنه - عن الاستقامة فقال: أن لا تشرك بالله شيئا. يريد الاستقامة على محض التوحيد. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الاستقامة: أن تستقيم على الأمر والنهي. ولا تروغ روغان الثعالب. وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: استقاموا: أخلصوا العمل لله. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس رضي الله عنهما: استقاموا: أدوا الفرائض. وقال الحسن: استقاموا على أمر الله فعملوا بطاعته واجتنبوا معصيته. وقال مجاهد: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: استقاموا على محبته وعبوديته فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة. وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله(2\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "598",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13595",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك. قال: قل آمنت بالله. ثم استقم . وفيه عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: استقيموا ولن تحصوا. واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة. ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن . والمطلوب من العبد الاستقامة. وهي السداد. فإن لم يقدر عليها فالمقاربة. فإن نزل عنها: فالتفريط والإضاعة. كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سددوا وقاربوا. واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل . فجمع في هذا الحديث مقامات الدين كلها. فأمر بالاستقامة وهي السداد والإصابة في النيات والأقوال والأعمال. وأخبر في حديث ثوبان: أنهم لا يطيقونها. فنقلهم إلى المقاربة. وهي أن يقربوا من(2\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "599",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13596",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاستقامة بحسب طاقتهم. كالذي يرمي إلى الغرض فإن لم يصبه يقاربه. ومع هذا فأخبرهم أن الاستقامة والمقاربة لا تنجي يوم القيامة. فلا يركن أحد إلى عمله. ولا يعجب به. ولا يرى أن نجاته به بل إنما نجاته برحمة الله وعفوه وفضله. فالاستقامة كلمة جامعة آخذة بمجامع الدين. وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق والوفاء بالعهد. والاستقامة تتعلق بالأقوال والأفعال والأحوال والنيات. فالاستقامة فيها: وقوعها لله وبالله وعلى أمر الله. قال بعض العارفين: كن صاحب الاستقامة لا طالب الكرامة. فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة. وربك يطالبك بالاستقامة. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله تعالى روحه - يقول: أعظم الكرامة لزوم الاستقامة.  [فصل تفسير شيخ الإسلام لقوله تعالى فاستقيموا إليه واستغفروه] فصل قال صاحب quot; المنازل quot; - قدس الله روحه - في قوله: فاستقيموا إليه واستغفروه [فصلت: 6] إنه إشارة إلى عين التفريد. يريد: أنه أرشدهم إلى شهود تفريده. وهو أن لا يروا غير فردانيته. وتفريده نوعان: تفريد في العلم والمعرفة والشهود. وتفريد في الطلب والإرادة. وهما نوعا التوحيد. وفي قوله: عين التفريد إشارة إلى حال الجمع وأحديته التي هي عنده فوق علمه ومعرفته لأن التفرقة قد تجامع علم الجمع. وأما حاله: فلا تجامعه التفرقة والله سبحانه وتعالى أعلم.(2\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "600",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13597",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل تشبيه الاستقامة للحال بمنزلة الروح للبدن] فصل قال: الاستقامة: روح تحيا به الأحوال كما تربو للعامة عليها الأعمال. وهي برزخ بين وهاد التفرق وروابي الجمع. شبه الاستقامة للحال بمنزلة الروح للبدن. فكما أن البدن إذا خلا عن الروح فهو ميت فكذلك الحال إذا خلا عن الاستقامة فهو فاسد وكما أن حياة الأحوال بها فزيادة أعمال الزاهدين أيضا وربوها وزكاؤها بها. فلا زكاء للعمل ولا صحة للحال بدونها. وأما كونها برزخا بين وهاد التفرق وروابي الجمع فالبرزخ هو الحاجز بين شيئين متغايرين. والوهاد: الأمكنة المنخفضة من الأرض. واستعارها للتفرق لأنها تحجب من يكون فيها عن مطالعة ما يراه من هو على الروابي كما أن صاحب التفرق محجوب عن مطالعة ما يراه صاحب الجمع ويشاهده. وأيضا فإن حاله أنزل من حاله. فهو كصاحب الوهاد. وحال صاحب الجمع أعلى. فهو كصاحب الروابي. وشبه حال صاحب الجمع بحال من على الروابي لعلوه. ولأن الروابي تكشف لمن عليها القريب والبعيد وصاحب الجمع تكشف له الحقائق المحجوبة عن صاحب التفرقة. إذا عرف هذا فمعنى كونها برزخا: أن السالك يكون في أول سلوكه في أودية التفرقة سائرا إلى روابي الجمع. فيستقيم في طريق سيره غاية الاستقامة. ليصل باستقامته إلى روابي الجمع. فاستقامته برزخ بين تلك التفرقة التي كان فيها. وبين الجمع الذي يؤمه ويقصده. وهذا بمنزلة تفرقة المقيم في البلد في أنواع التصرفات. فإذا عزم على السفر وخرج وفارق البلد. واستمر على السير: كان طريق سفره برزخا بين البلد الذي كان فيه والبلد الذي يقصده ويؤمه.  [فصل درجات الاستقامة] [الدرجة الأولى الاستقامة على الاجتهاد في الاقتصاد] فصل قال: وهي على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: الاستقامة على الاجتهاد في الاقتصاد. لا عاديا رسم العلم ولا متجاوزا حد الإخلاص ولا مخالفا نهج السنة. هذه درجة تتضمن ستة أمور: عملا واجتهادا فيه وهو بذل المجهود واقتصادا(2\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "601",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13598",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو السلوك بين طرفي الإفراط وهو الجور على النفوس والتفريط بالإضاعة ووقوفا مع ما يرسمه العلم لا وقوفا مع داعي الحال. وإفراد المعبود بالإرادة وهو الإخلاص ووقوع الأعمال على الأمر وهو متابعة السنة. فبهذه الأمور الستة تتم لأهل هذه الدرجة استقامتهم. وبالخروج عن واحد منها يخرجون عن الاستقامة: إما خروجا كليا وإما خروجا جزئيا. والسلف يذكرون هذين الأصلين كثيرا - وهما الاقتصاد في الأعمال والاعتصام بالسنة - فإن الشيطان يشم قلب العبد ويختبره. فإن رأى فيه داعية للبدعة وإعراضا عن كمال الانقياد للسنة: أخرجه عن الاعتصام بها. وإن رأى فيه حرصا على السنة وشدة طلب لها: لم يظفر به من باب اقتطاعه عنها فأمره بالاجتهاد والجور على النفس ومجاوزة حد الاقتصاد فيها قائلا له: إن هذا خير وطاعة. والزيادة والاجتهاد فيها أكمل. فلا تفتر مع أهل الفتور. ولا تنم مع أهل النوم فلا يزال يحثه ويحرضه حتى يخرجه عن الاقتصاد فيها فيخرج عن حدها. كما أن الأول خارج هذا الحد. فكذا هذا الآخر خارج عن الحد الآخر. وهذا حال الخوارج الذين يحقر أهل الاستقامة صلاتهم مع صلاتهم وصيامهم مع صيامهم. وقراءتهم مع قراءتهم. وكلا الأمرين خروج عن السنة إلى البدعة. لكن هذا إلى بدعة التفريط والإضاعة والآخر إلى بدعة المجاوزة والإسراف. وقال بعض السلف: ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان إما إلى تفريط وإما إلى مجاوزة وهي الإفراط ولا يبالي بأيهما ظفر: زيادة أو نقصان. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: يا عبد الله بن عمرو إن لكل عامل شرة ولكل شرة فترة. فمن كانت فترته إلى سنة أفلح ومن كانت فترته إلى بدعة خاب وخسر . قال له ذلك حين أمره بالاقتصاد في العمل. فكل الخير في اجتهاد باقتصاد وإخلاص مقرون بالاتباع. كما قال بعض الصحابة: اقتصاد في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة فاحرصوا أن تكون أعمالكم على منهاج الأنبياء عليهم السلام وسنتهم. وكذلك الرياء في الأعمال يخرجه عن الاستقامة. والفتور والتواني يخرجه عنها أيضا.(2\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "602",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13599",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الدرجة الثانية استقامة الأحوال] فصل قال: الدرجة الثانية: استقامة الأحوال. وهي شهود الحقيقة لا كسبا. ورفض الدعوى لا علما. والبقاء مع نور اليقظة لا تحفظا. يعني أن استقامة الحال بهذه الثلاثة. أما شهود الحقيقة فالحقيقة حقيقتان: حقيقة كونية وحقيقة دينية يجمعهما حقيقة ثالثة وهي مصدرهما ومنشؤهما وغايتهما. وأكثر أرباب السلوك من المتأخرين: إنما يريدون بالحقيقة الحقيقة الكونية. وشهودها هو شهود تفرد الرب بالفعل. وأن ما سواه محل جريان أحكامه وأفعاله. فهو كالحفير الذي هو محل لجريان الماء حسب. وعندهم أن شهود هذه الحقيقة والفناء فيها غاية السالكين. ومنهم من يشهد حقيقة الأزلية والدوام وفناء الحادثات وطيها في ضمن بساط الأزلية والأبدية وتلاشيها في ذلك. فيشهدها معدومة ويشهد تفرد موجدها بالوجود الحق بالحق وأن وجود ما سواه رسوم وظلال. فالأول: شهد تفرده بالأفعال. وهذا شهد تفرده بالوجود. وصاحب الحقيقة الدينية في طور آخر. فإنه في مشهد الأمر والنهي والثواب والعقاب والموالاة والمعاداة والفرق بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما يبغضه ويسخطه. فهو في مقام الفرق الثاني الذي لا يحصل للعبد درجة الإسلام - فضلا عن مقام الإحسان - إلا به. فالمعرض عنه صفحا لا نصيب له في الإسلام ألبتة وهو كالذي كان الجنيد يوصي به أصحابه فيقول: عليكم بالفرق الثاني. وإنما سمي ثانيا لأن الفرق الأول: فرق بالطبع والنفس. وهذا فرق بالأمر. والجمع أيضا جمعان: جمع في فرق وهو جمع أهل الاستقامة والتوحيد. وجمع بلا فرق وهو جمع أهل الزندقة والإلحاد. فالناس ثلاثة: صاحب فرق بلا جمع فهو مذموم ناقص مخذول. وصاحب جمع بلا فرق. وهو جمع أهل الزندقة والإلحاد. فصاحبه ملحد زنديق.(2\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "603",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13600",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصاحب فرق وجمع. يشهد الفرق في الجمع والكثرة في الوحدة. فهو المستقيم الموحد الفارق. وهذا صاحب الحقيقة الثالثة الجامعة للحقيقتين الدينية والكونية. فشهود هذه الحقيقة الجامعة: هو عين الاستقامة. وأما شهود الحقيقة الكونية أو الأزلية والفناء فيها: فأمر مشترك بين المؤمنين والكفار. فإن الكافر مقر بقدر الله وقضائه وأزليته وأبديته. فإذا استغرق في هذا الشهود وفني به عن سواه: فقد شهد الحقيقة. وأما قوله: لا كسبا. أي يتحقق عند مشاهدة الحقيقة أن شهودها لم يكن بالكسب لأن الكسب من أعمال النفس. فالحقيقة لا تبدو مع بقاء النفس إذ الحقيقة فردانية أحدية نورانية. فلا بد من زوال ظلمة النفس ورؤية كسبها وإلا لم يشهد الحقيقة. وأما رفض الدعوى لا علما فالدعوى نسبة الحال وغيره إلى نفسك وإنيتك. فالاستقامة لا تصح إلا بتركها سواء كانت حقا أو باطلا. فإن الدعوى الصادقة تطفئ نور المعرفة. فكيف بالكاذبة وأما قوله: لا علما أي لا يكون الحامل له على ترك الدعوى مجرد علمه بفساد الدعوى ومنافاتها للاستقامة. فإذا تركها يكون تركها لكون العلم قد نهى عنها. فيكون تاركا لها ظاهرا لا حقيقة أو تاركا لها لفظا قائما بها حالا لأنه يرى أنه قد قام بحق العلم في تركها. فيتركها تواضعا بل يتركها حالا وحقيقة. كما يترك من أحب شيئا تضره محبته حبه حالا وحقيقة. وإذا تحقق أنه ليس له من الأمر شيء - كما قال الله عز وجل لخير خلقه على الإطلاق: ليس لك من الأمر شيء [آل عمران: 128]- ترك الدعوى شهودا وحقيقة وحالا. وأما البقاء مع نور اليقظة فهو الدوام في اليقظة وأن لا يطفئ نورها بظلمة الغفلة. بل يستديم يقظته. ويرى أنه في ذلك كالمجذوب المأخوذ عن نفسه حفظا من الله له. لا أن ذلك حصل بتحفظه واحترازه. فهذه ثلاثة أمور: يقظة واستدامة لها وشهود أن ذلك بالحق سبحانه لا بك. فليس سبب بقائه في نور اليقظة بحفظه. بل بحفظ الله له. وكأن الشيخ يشير إلى أن الاستقامة في هذه الدرجة لا تحصل بكسب. وإنما هو مجرد موهبة من الله. فإنه قال في الأولى quot; الاستقامة على الاجتهاد quot; وفي الثانية quot; استقامة(2\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "604",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13601",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأحوال لا كسبا ولا تحفظا quot;. ومنازعته في ذلك متوجهة. وأن ذلك مما يمكن تحصيله كسبا يتعاطى الأسباب التي تهجم بصاحبها على هذا المقام. نعم الذي ينفى في هذا المقام: شهود الكسب وأن هذا حصل له بكسبه. فنفي الكسب شيء ونفي شهوده شيء آخر. ولعل أن نشبع الكلام في هذا فيما يأتي إن شاء الله تعالى.  [فصل الدرجة الثالثة استقامة بترك رؤية الاستقامة] فصل قال: الدرجة الثالثة: استقامة بترك رؤية الاستقامة. وبالغيبة عن تطلب الاستقامة بشهود إقامة وتقويمه الحق. هذه الاستقامة معناها: الذهول بمشهوده عن شهوده. فيغيب بالمشهود المقصود سبحانه عن رؤية استقامته في طلبه. فإن رؤية الاستقامة تحجبه عن حقيقة الشهود. وأما الغيبة عن تطلب الاستقامة فهو غيبته عن طلبها بشهود إقامة الحق للعبد وتقويمه إياه فإنه إذا شهد أن الله هو المقيم له والمقوم وأن استقامته وقيامه بالله لا بنفسه ولا بطلبه: غاب بهذا الشهود عن استشعار طلبه لها. وهذا القدر من موجبات شهود معنى اسمه القيوم وهو الذي قام بنفسه فلم يحتج إلى أحد. وقام كل شيء به. فكل ما سواه محتاج إليه بالذات. وليست حاجته إليه معللة بحدوث كما يقول المتكلمون. ولا بإمكان كما يقول الفلاسفة المشاءون. بل حاجته إليه ذاتية وما بالذات لا يعلل. نعم الحدوث والإمكان دليلان على الحاجة. فالتعليل بهما من باب التعريف لا من باب العلل المؤثرة. والله أعلم.(2\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "605",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13602",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل منزلة التوكل] [التوكل في الكتاب والسنة] ومن منازل: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة التوكل. قال الله تعالى: وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين [المائدة: 23]  وقال: وعلى الله فليتوكل المؤمنون [آل عمران: 122]  وقال: ومن يتوكل على الله فهو حسبه [الطلاق: 3]  وقال عن أوليائه: ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير [الممتحنة: 4]  وقال لرسوله: قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا [الملك: 29]  وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم: فتوكل على الله إنك على الحق المبين [النمل: 79]  وقال له: وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا [النساء: 81]  وقال له: وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده [الفرقان: 58]  وقال له: فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين [آل عمران: 159]  وقال عن أنبيائه ورسله: وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا [إبراهيم: 12]  وقال عن أصحاب نبيه: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل [آل عمران: 173]  وقال: إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون [الأنفال: 2] . والقرآن مملوء من ذلك. وفي الصحيحين - في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب - هم(2\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "606",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13603",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون . وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حسبنا الله ونعم الوكيل. قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار. وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له: (: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل [آل عمران: 173] ) . وفي الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: اللهم لك أسلمت وبك آمنت. وعليك توكلت. وإليك أنبت. وبك خاصمت. اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني. أنت الحي الذي لا يموت. والجن والإنس يموتون . وفي الترمذي عن عمر رضي الله عنه مرفوعا: لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا . وفي السنن عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال - يعني إذا خرج من بيته - بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله يقال له: هديت ووقيت وكفيت. فيقول الشيطان لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي . التوكل نصف الدين. والنصف الثاني الإنابة فإن الدين استعانة وعبادة.(2\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "607",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13604",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالتوكل هو الاستعانة والإنابة هي العبادة. ومنزلته أوسع المنازل وأجمعها. ولا تزال معمورة بالنازلين لسعة متعلق التوكل وكثرة حوائج العالمين وعموم التوكل ووقوعه من المؤمنين والكفار والأبرار والفجار والطير والوحش والبهائم. فأهل السماوات والأرض - المكلفون وغيرهم - في مقام التوكل وإن تباين متعلق توكلهم. فأولياؤه وخاصته يتوكلون عليه في الإيمان ونصرة دينه وإعلاء كلمته وجهاد أعدائه وفي محابه وتنفيذ أوامره. ودون هؤلاء من يتوكل عليه في استقامته في نفسه وحفظ حاله مع الله فارغا عن الناس. ودون هؤلاء من يتوكل عليه في معلوم يناله منه. من رزق أو عافية. أو نصر على عدو أو زوجة أو ولد ونحو ذلك. ودون هؤلاء من يتوكل عليه في حصول الإثم والفواحش. فإن أصحاب هذه المطالب لا ينالونها غالبا إلا باستعانتهم بالله. وتوكلهم عليه بل قد يكون توكلهم أقوى من توكل كثير من أصحاب الطاعات. ولهذا يلقون أنفسهم في المتالف والمهالك معتمدين على الله أن يسلمهم ويظفرهم بمطالبهم. فأفضل التوكل التوكل في الواجب - أعني واجب الحق وواجب الخلق وواجب النفس - وأوسعه وأنفعه التوكل في التأثير في الخارج في مصلحة دينية. أو في دفع مفسدة دينية وهو توكل الأنبياء في إقامة دين الله ودفع فساد المفسدين في الأرض وهذا توكل ورثتهم. ثم الناس بعد في التوكل على حسب هممهم ومقاصدهم فمن متوكل على الله في حصول الملك ومن متوكل في حصول رغيف. ومن صدق توكله على الله في حصول شيء ناله. فإن كان محبوبا له مرضيا كانت له فيه العاقبة المحمودة وإن كان مسخوطا مبغوضا كان ما حصل له بتوكله مضرة عليه وإن كان مباحا حصلت له مصلحة التوكل دون مصلحة ما توكل فيه. إن لم يستعن به على طاعاته. والله أعلم.  [فصل معنى التوكل] فصل فلنذكر معنى التوكل ودرجاته. وما قيل فيه. قال الإمام أحمد: التوكل عمل القلب. ومعنى ذلك أنه عمل قلبي. ليس بقول اللسان ولا عمل الجوارح ولا هو من باب العلوم والإدراكات.(2\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "608",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13605",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن الناس من يجعله من باب المعارف والعلوم فيقول: هو علم القلب بكفاية الرب للعبد. ومنهم من يفسره بالسكون وخمود حركة القلب. فيقول: التوكل هو انطراح القلب بين يدي الرب كانطراح الميت بين يدي الغاسل بقلبه كيف يشاء. وهو ترك الاختيار والاسترسال مع مجاري الأقدار. قال سهل: التوكل الاسترسال مع الله مع ما يريد. ومنهم من يفسره بالرضا. فيقول: هو الرضا بالمقدور. قال بشر الحافي: يقول أحدهم: توكلت على الله. يكذب على الله لو توكل على الله رضي بما يفعل الله. وسئل يحيى بن معاذ: متى يكون الرجل متوكلا فقال: إذا رضي بالله وكيلا. ومنهم من يفسره بالثقة بالله والطمأنينة إليه. والسكون إليه. قال ابن عطاء: التوكل أن لا يظهر فيك انزعاج إلى الأسباب مع شدة فاقتك إليها ولا تزول عن حقيقة السكون إلى الحق مع وقوفك عليها. قال ذو النون: هو ترك تدبير النفس والانخلاع من الحول والقوة. وإنما يقوى العبد على التوكل إذا علم أن الحق سبحانه يعلم ويرى ما هو فيه.(2\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "609",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13606",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال بعضهم: التوكل التعلق بالله في كل حال. وقيل: التوكل أن ترد عليك موارد الفاقات فلا تسمو إلا إلى من إليه الكفايات. وقيل: نفي الشكوك والتفويض إلى مالك الملوك. وقال ذو النون: خلع الأرباب وقطع الأسباب. يريد قطعها من تعلق القلب بها لا من ملابسة الجوارح لها. ومنهم من جعله مركبا من أمرين أو أمور. فقال أبو سعيد الخراز: التوكل اضطراب بلا سكون وسكون بلا اضطراب. يريد: حركة ذاته في الأسباب بالظاهر والباطن وسكونا إلى المسبب وركونا إليه. ولا يضطرب قلبه معه. ولا تسكن حركته عن الأسباب الموصلة إلى رضاه. وقال أبو تراب النخشبي: هو طرح البدن في العبودية وتعلق القلب بالربوبية والطمأنينة إلى الكفاية. فإن أعطي شكر. وإن منع صبر. فجعله مركبا من خمسة أمور: القيام بحركات العبودية وتعلق القلب بتدبير الرب وسكونه إلى قضائه وقدره وطمأنينته وكفايته له وشكره إذا أعطى وصبره إذا منع. قال أبو يعقوب النهرجوري: التوكل على الله بكمال الحقيقية كما وقع لإبراهيم(2\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "610",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13607",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخليل عليه السلام في الوقت الذي قال لجبريل عليه السلام: أما إليك فلا لأنه غائب عن نفسه بالله. فلم ير مع الله غير الله. وأجمع القوم على أن التوكل لا ينافي القيام بالأسباب. فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها وإلا فهو بطالة وتوكل فاسد. قال سهل بن عبد الله: من طعن في الحركة فقد طعن في السنة. ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان. فالتوكل حال النبي صلى الله عليه وسلم والكسب سنته. فمن عمل على حاله فلا يتركن سنته وهذا معنى قول أبي سعيد: هو اضطراب بلا سكون وسكون بلا اضطراب وقول سهل أبين وأرفع. وقيل: التوكل قطع علائق القلب بغير الله. وسئل سهل عن التوكل فقال: قلب عاش مع الله بلا علاقة. وقيل: التوكل هجر العلائق ومواصلة الحقائق. وقيل: التوكل أن يستوي عندك الإكثار والإقلال. وهذا من موجباته وآثاره لا أنه حقيقته. وقيل: هو ترك كل سبب يوصلك إلى مسبب حتى يكون الحق هو المتولي لذلك. وهذا صحيح من وجه باطل من وجه. فترك الأسباب المأمور بها قادح في التوكل. وقد تولى الحق إيصال العبد بها. وأما ترك الأسباب المباحة فإن تركها لما هو أرجح منها مصلحة فممدوح وإلا فهو مذموم. وقيل: هو إلقاء النفس في العبودية وإخراجها من الربوبية. يريد استرسالها مع الأمر وبراءتها من حولها وقوتها وشهود ذلك بها بل بالرب وحده. ومنهم من قال: التوكل هو التسليم لأمر الرب وقضائه. ومنهم من قال: هو التفويض إليه في كل حال. ومنهم من جعل التوكل بداية والتسليم واسطة والتفويض نهاية. قال أبو علي الدقاق: التوكل ثلاث درجات: التوكل ثم التسليم ثم(2\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "611",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13608",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التفويض. فالمتوكل يسكن إلى وعده وصاحب التسليم يكتفي بعلمه وصاحب التفويض يرضى بحكمه. فالتوكل بداية والتسليم واسطة والتفويض نهاية. فالتوكل صفة المؤمنين والتسليم صفة الأولياء. والتفويض صفة الموحدين. التوكل صفة العوام. والتسليم صفة الخواص والتفويض صفة خاصة الخاصة. التوكل صفة الأنبياء والتسليم صفة إبراهيم الخليل والتفويض صفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. هذا كله كلام الدقاق. ومعنى هذا التوكل اعتماد على الوكيل وقد يعتمد الرجل على وكيله مع نوع اقتراح عليه وإرادة وشائبة منازعة. فإذا سلم إليه زال عنه ذلك. ورضي بما يفعله وكيله. وحال المفوض فوق هذا. فإنه طالب مريد ممن فوض إليه ملتمس منه أن يتولى أموره. فهو رضا واختيار وتسليم واعتماد فالتوكل يندرج في التسليم وهو والتسليم يندرجان في التفويض. والله سبحانه وتعالى أعلم.  [حقيقة التوكل مركبة في أمور] [فصل الأولى معرفة الرب وصفاته] فصل وحقيقة الأمر: أن التوكل حال مركبة من مجموع أمور لا تتم حقيقة التوكل إلا بها. وكل أشار إلى واحد من هذه الأمور أو اثنين أو أكثر. فأول ذلك: معرفة بالرب وصفاته من قدرته وكفايته وقيوميته وانتهاء الأمور إلى علمه وصدورها عن مشيئته وقدرته. وهذه المعرفة أول درجة يضع بها العبد قدمه في مقام التوكل. قال شيخنا رضي الله عنه: ولذلك لا يصح التوكل ولا يتصور من فيلسوف. ولا من القدرية النفاة القائلين بأنه يكون في ملكه ما لا يشاء. ولا يستقيم أيضا من الجهمية النفاة لصفات الرب جل جلاله. ولا يستقيم التوكل إلا من أهل الإثبات. فأي توكل لمن يعتقد أن الله لا يعم جزيئات العالم سفليه وعلويه ولا هو فاعل باختياره ولا له إرادة ومشيئة. ولا يقوم به صفة فكل من كان بالله وصفاته أعلم وأعرف كان توكله أصح وأقوى. والله سبحانه وتعالى أعلم.  [فصل الدرجة الثانية إثبات في الأسباب والمسببات] فصل(2\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "612",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13609",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدرجة الثانية: إثبات في الأسباب والمسببات. فإن من نفاها فتوكله مدخول. وهذا عكس ما يظهر في بدوات الرأي: أن إثبات الأسباب يقدح في التوكل وأن نفيها تمام التوكل. فاعلم أن نفاة الأسباب لا يستقيم لهم توكل ألبتة لأن التوكل من أقوى الأسباب في حصول المتوكل فيه. فهو كالدعاء الذي جعله الله سببا في حصول المدعو به. فإذا اعتقد العبد أن توكله لم ينصبه الله سببا. ولا جعل دعاءه سببا لنيل شيء. فإن المتوكل فيه المدعو بحصوله إن كان قد قدر حصل توكل أو لم يتوكل دعا أو لم يدع وإن لم يقدر لم يحصل توكل أيضا أو ترك التوكل. وصرح هؤلاء أن التوكل والدعاء عبودية محضة. لا فائدة لهما إلا ذلك. ولو ترك العبد التوكل والدعاء ما فاته شيء مما قدر له. ومن غلاتهم من يجعل الدعاء بعدم المؤاخذة على الخطإ والنسيان عديم الفائدة إذ هو مضمون الحصول. ورأيت بعض متعمقي هؤلاء - في كتاب له - لا يجوز الدعاء بهذا. وإنما يجوزه تلاوة لا دعاء. قال: لأن الدعاء به يتضمن الشك في وقوعه لأن الداعي بين الخوف والرجاء. والشك في وقوع ذلك شك في خبر الله. فانظر إلى ما قاد إنكار الأسباب من العظائم وتحريم الدعاء بما أثنى الله على عباده وأوليائه بالدعاء به وبطلبه. ولم يزل المسلمون - من عهد نبيهم صلى الله عليه وسلم وإلى الآن - يدعون به في مقامات الدعاء. وهو من أفضل الدعوات. وجواب هذا الوهم الباطل أن يقال: بقي قسم ثالث غير ما ذكرتم من القسمين لم تذكروه. وهو الواقع. وهو أن يكون قضى بحصول الشيء عند حصول سببه من التوكل والدعاء. فنصب الدعاء والتوكل سببين لحصول المطلوب. وقضى الله بحصوله إذا فعل العبد سببه. فإذا لم يأت بالسبب امتنع المسبب. وهذا كما قضى بحصول الولد إذا جامع الرجل من يحبها. فإذا لم يجامع لم يخلق الولد. وقضى بحصول الشبع إذا أكل والري إذا شرب. فإذا لم يفعل لم يشبع ولم يرو. وقضى بحصول الحج والوصول إلى مكة إذا سافر وركب الطريق فإذا جلس في بيته لم يصل إلى مكة.(2\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "613",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13610",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقضى بدخول الجنة إذا أسلم وأتى بالأعمال الصالحة. فإذا ترك الإسلام ولم يعمل الصالحات لم يدخلها أبدا. وقضى بإنضاج الطعام بإيقاد النار تحته. وقضى بطلوع الحبوب التي تزرع بشق الأرض وإلقاء البذر فيها. فما لم يأت بذلك لم يحصل إلا الخيبة. فوزان ما قاله منكرو الأسباب: أن يترك كل من هؤلاء السبب الموصل. ويقول: إن كان قضي لي وسبق في الأزل حصول الولد والشبع والري والحج ونحوها. فلابد أن يصل إلي تحركت أو سكنت وتزوجت أو تركت سافرت أو قعدت. وإن لم يكن قد قضي لي لم يحصل لي أيضا فعلت أو تركت. فهل يعد أحد هذا من جملة العقلاء وهل البهائم إلا أفقه منه فإن البهيمة تسعى في السبب بالهداية العامة. فالتوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب ويندفع بها المكروه. فمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل. ولكن من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب وقطع علاقة القلب بها فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها. وحال بدنه قيامه بها. فالأسباب محل حكمة الله وأمره ودينه. والتوكل متعلق بربوبيته وقضائه وقدره. فلا تقوم عبودية الأسباب إلا على ساق التوكل. ولا يقوم ساق التوكل إلا على قدم العبودية. والله سبحانه وتعالى أعلم.  [فصل الدرجة الثالثة رسوخ القلب في مقام توحيد التوكل] فصل الدرجة الثالثة: رسوخ القلب في مقام توحيد التوكل. فإنه لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده. بل حقيقة التوكل توحيد القلب. فما دامت فيه علائق الشرك فتوكله معلول مدخول. وعلى قدر تجريد التوحيد تكون صحة التوكل فإن العبد متى التفت إلى غير الله أخذ ذلك الالتفات شعبة من شعب قلبه. فنقص من توكله على الله بقدر ذهاب تلك الشعبة ومن هاهنا ظن من ظن أن التوكل لا يصح إلا برفض الأسباب. وهذا حق. لكن رفضها عن القلب لا عن الجوارح. فالتوكل لا يتم إلا برفض الأسباب عن القلب وتعلق الجوارح بها. فيكون منقطعا منها متصلا بها. والله سبحانه وتعالى أعلم.(2\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "614",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13611",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الدرجة الرابعة اعتماد القلب على الله واستناده إليه وسكونه إليه] فصل الدرجة الرابعة: اعتماد القلب على الله واستناده إليه وسكونه إليه. بحيث لا يبقى فيه اضطراب من تشويش الأسباب ولا سكون إليها بل يخلع السكون إليها من قلبه. ويلبسه السكون إلى مسببها. وعلامة هذا أنه لا يبالي بإقبالها وإدبارها. ولا يضطرب قلبه ويخفق عند إدبار ما يحب منها وإقبال ما يكره لأن اعتماده على الله وسكونه إليه واستناده إليه قد حصنه من خوفها ورجائها. فحاله حال من خرج عليه عدو عظيم لا طاقة له به. فرأى حصنا مفتوحا فأدخله ربه إليه. وأغلق عليه باب الحصن. فهو يشاهد عدوه خارج الحصن. فاضطراب قلبه وخوفه من عدوه في هذه الحال لا معنى له. وكذلك من أعطاه ملك درهما فسرق منه. فقال له الملك: عندي أضعافه. فلا تهتم. متى جئت إلي أعطيتك من خزائني أضعافه. فإذا علم صحة قول الملك ووثق به واطمأن إليه وعلم أن خزائنه مليئة بذلك - لم يحزنه فوته. وقد مثل ذلك بحال الطفل الرضيع في اعتماده وسكونه. وطمأنينته بثدي أمه لا يعرف غيره. وليس في قلبه التفات إلى غيره كما قال بعض العارفين: المتوكل كالطفل. لا يعرف شيئا يأوي إليه إلا ثدي أمه كذلك المتوكل لا يأوي إلا إلى ربه سبحانه.  [فصل الدرجة الخامسة حسن الظن بالله عز وجل] فصل الدرجة الخامسة: حسن الظن بالله عز وجل. فعلى قدر حسن ظنك بربك ورجائك له. يكون توكلك عليه. ولذلك فسر بعضهم التوكل بحسن الظن بالله. والتحقيق: أن حسن الظن به يدعوه إلى التوكل عليه. إذ لا يتصور التوكل على من ساء ظنك به ولا التوكل على من لا ترجوه. والله أعلم.  [فصل الدرجة السادسة استسلام القلب لله] فصل الدرجة السادسة: استسلام القلب له وانجذاب دواعيه كلها إليه وقطع منازعاته. وبهذا فسره من قال: أن يكون العبد بين يدي الله كالميت بين يدي الغاسل(2\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "615",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13612",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقلبه كيف أراد لا يكون له حركة ولا تدبير. وهذا معنى قول بعضهم: التوكل إسقاط التدبير. يعني الاستسلام لتدبير الرب لك. وهذا في غير باب الأمر والنهي. بل فيما يفعله بك. لا فيما أمرك بفعله. فالاستسلام كتسليم العبد الذليل نفسه لسيده وانقياده له وترك منازعات نفسه وإرادتها مع سيده. والله سبحانه وتعالى أعلم.  [فصل الدرجة السابعة التفويض] فصل الدرجة السابعة: التفويض. وهو روح التوكل ولبه وحقيقته. وهو إلقاء أموره كلها إلى الله وإنزالها به طلبا واختيارا لا كرها واضطرارا. بل كتفويض الابن العاجز الضعيف المغلوب على أمره: كل أموره إلى أبيه العالم بشفقته عليه ورحمته وتمام كفايته وحسن ولايته له وتدبيره له. فهو يرى أن تدبير أبيه له خير من تدبيره لنفسه وقيامه بمصالحه وتوليه لها خير من قيامه هو بمصالح نفسه وتوليه لها. فلا يجد له أصلح ولا أرفق من تفويضه أموره كلها إلى أبيه وراحته من حمل كلفها وثقل حملها مع عجزه عنها وجهله بوجوه المصالح فيها وعلمه بكمال علم من فوض إليه وقدرته وشفقته.  [فصل ثمرة التوكل] فصل فإذا وضع قدمه في هذه الدرجة. انتقل منها إلى درجة الرضا. وهي ثمرة التوكل. ومن فسر التوكل بها فإنما فسره بأجل ثمراته وأعظم فوائده فإنه إذا توكل حق التوكل رضي بما يفعله وكيله. وكان شيخنا - رضي الله عنه - يقول: المقدور يكتنفه أمران: التوكل قبله والرضا بعده فمن توكل على الله قبل الفعل. ورضي بالمقضي له بعد الفعل فقد قام بالعبودية. أو معنى هذا. قلت: وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستخارة: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم . فهذا توكل وتفويض. ثم قال: فإنك تعلم ولا أعلم وتقدر ولا أقدر وأنت علام الغيوب . فهذا تبرؤ إلى الله من(2\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "616",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13613",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العلم والحول والقوة وتوسل إليه سبحانه بصفاته التي هي أحب ما توسل إليه بها المتوسلون. ثم سأل ربه أن يقضي له ذلك الأمر إن كان فيه مصلحته عاجلا أو آجلا وأن يصرفه عنه إن كان فيه مضرته عاجلا أو آجلا. فهذا هو حاجته التي سألها. فلم يبق عليه إلا الرضا بما يقضيه له. فقال: واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به . فقد اشتمل هذا الدعاء على هذه المعارف الإلهية والحقائق الإيمانية التي من جملتها التوكل والتفويض قبل وقوع المقدور والرضا بعده. وهو ثمرة التوكل. والتفويض علامة صحته فإن لم يرض بما قضي له فتفويضه معلول فاسد. فباستكمال هذه الدرجات الثماني يستكمل العبد مقام التوكل وتثبت قدمه فيه. وهذا معنى قول بشر الحافي: يقول أحدهم: توكلت على الله. يكذب على الله. لو توكل على الله لرضي بما يفعله الله به. وقول يحيى بن معاذ وقد سئل: متى يكون الرجل متوكلا فقال: إذا رضي بالله وكيلا.  [فصل اشتباه المحمود الكامل بالمذموم الناقص] فصل وكثيرا ما يشتبه في هذا الباب المحمود الكامل بالمذموم الناقص. فيشتبه التفويض بالإضاعة. فيضيع العبد حظه. ظنا منه أن ذلك تفويض وتوكل. وإنما هو تضييع لا تفويض. فالتضييع في حق الله. والتفويض في حقك. ومنه اشتباه التوكل بالراحة وإلقاء حمل الكل. فيظن صاحبه أنه متوكل. وإنما هو عامل على عدم الراحة. وعلامة ذلك أن المتوكل مجتهد في الأسباب المأمور بها غاية الاجتهاد مستريح من غيرها لتعبه بها. والعامل على الراحة آخذ من الأمر مقدار ما تندفع به الضرورة وتسقط به عنه مطالبة الشرع. فهذا لون وهذا لون. ومنه اشتباه خلع الأسباب بتعطيلها. فخلعها توحيد وتعطيلها إلحاد وزندقة. فخلعها عدم اعتماد القلب عليها ووثوقه وركونه إليها مع قيامه بها. وتعطيلها إلغاؤها عن الجوارح. ومنه: اشتباه الثقة بالله بالغرور والعجز والفرق بينهما: أن الواثق بالله قد فعل ما أمره الله به ووثق بالله في طلوع ثمرته وتنميتها وتزكيتها كغارس الشجرة وباذر(2\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "617",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13614",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأرض. والمغتر العاجز قد فرط فيما أمر به وزعم أنه واثق بالله. والثقة إنما تصح بعد بذل المجهود. ومنه: اشتباه الطمأنينة إلى الله والسكون إليه بالطمأنينة إلى المعلوم وسكون القلب إليه. ولا يميز بينهما إلا صاحب البصيرة. كما يذكر عن أبي سليمان الداراني: أنه رأى رجلا بمكة لا يتناول شيئا إلا شربة من ماء زمزم. فمضى عليه أيام. فقال له أبو سليمان يوما: أرأيت لو غارت زمزم أي شيء كنت تشرب فقام وقبل رأسه وقال: جزاك الله خيرا حيث أرشدتني. فإني كنت أعبد زمزم منذ أيام. ثم تركه ومضى. وأكثر المتوكلين سكونهم وطمأنينتهم إلى المعلوم. وهم يظنون أنه إلى الله وعلامة ذلك أنه متى انقطع معلوم أحدهم حضره همه وبثه وخوفه. فعلم أن طمأنينته وسكونه لم يكن إلى الله. ومنه: اشتباه الرضا عن الله بكل ما يفعل بعبده - مما يحبه ويكرهه - بالعزم على ذلك وحديث النفس به. وذلك شيء والحقيقة شيء آخر. كما يحكى عن أبي سليمان أنه قال: أرجو أن أكون أعطيت طرفا من الرضا لو أدخلني النار لكنت بذلك راضيا. فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا عزم منه على الرضا وحديث نفس به. ولو أدخله النار لم يكن من ذلك شيء. وفرق بين العزم على الشيء وبين حقيقته. ومنه اشتباه علم التوكل بحال التوكل. فكثير من الناس يعرف التوكل وحقيقته وتفاصيله. فيظن أنه متوكل. وليس من أهل التوكل. فحال التوكل أمر آخر من وراء العلم به. وهذا كمعرفة المحبة والعلم بها وأسبابها ودواعيها. وحال المحب العاشق وراء ذلك. وكمعرفة علم الخوف وحال الخائف وراء ذلك. وهو شبيه بمعرفة المريض ماهية الصحة وحقيقتها وحاله بخلافها. فهذا الباب يكثر اشتباه الدعاوي فيه بالحقائق والعوارض بالمطالب والآفات القاطعة بالأسباب الموصلة. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.  [فصل تعلق التوكل بالأسماء الحسنى] فصل التوكل من أعم المقامات تعلقا بالأسماء الحسنى. فإن له تعلقا خاصا بعامة أسماء الأفعال وأسماء الصفات. فله تعلق باسم الغفار والتواب والعفو والرءوف والرحيم وتعلق باسم(2\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "618",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13615",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفتاح والوهاب والرزاق والمعطي والمحسن. وتعلق باسم المعز المذل الخافض الرافع المانع. من جهة توكله عليه في إذلال أعداء دينه وخفضهم ومنعهم أسباب النصر. وتعلق بأسماء القدرة والإرادة وله تعلق عام بجميع الأسماء الحسنى. ولهذا فسره من فسره من الأئمة بأنه المعرفة بالله. وإنما أراد أنه بحسب معرفة العبد يصح له مقام التوكل. وكلما كان بالله أعرف كان توكله عليه أقوى.  [فصل المتوكل المغبون في توكله] فصل وكثير من المتوكلين يكون مغبونا في توكله. وقد توكل حقيقة التوكل وهو مغبون. كمن صرف توكله إلى حاجة جزئية استفرغ فيها قوة توكله. ويمكنه نيلها بأيسر شيء وتفريغ قلبه للتوكل في زيادة الإيمان والعلم ونصرة الدين والتأثير في العالم خيرا. فهذا توكل العاجز القاصر الهمة. كما يصرف بعضهم همته وتوكله ودعاءه إلى وجع يمكن مداواته بأدنى شيء أو جوع يمكن زواله بنصف رغيف أو نصف درهم ويدع صرفه إلى نصرة الدين وقمع المبتدعين وزيادة الإيمان ومصالح المسلمين. والله أعلم.  [فصل تفسير ابن القيم لمعنى التوكل] فصل قال صاحب quot; المنازل quot;: التوكل:: كلة الأمر إلى مالكه والتعويل على وكالته وهو من أصعب منازل العامة عليهم. وأوهى السبل عند الخاصة لأن الحق تعالى قد وكل الأمور كلها إلى نفسه. وأيأس العالم من ملك شيء منها. قوله: كلة الأمر إلى مالكه. أي تسليمه إلى من هو بيده. والتعويل على وكالته أي الاعتماد على قيامه بالأمر والاستغناء بفعله عن فعلك وبإرادته عن إرادتك. والوكالة يراد بها أمران. أحدهما: التوكيل. وهو الاستنابة والتفويض. والثاني: التوكل. وهو التعرف بطريق النيابة عن الموكل. وهذا من الجانبين. فإن الله تبارك وتعالى يوكل العبد ويقيمه في حفظ ما وكله فيه. والعبد يوكل الرب ويعتمد عليه.(2\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "619",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13616",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأما وكالة الرب عبده ففي قوله تعالى: فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين [الأنعام: 89] قال قتادة: وكلنا بها الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرناهم - يعني قبل هذه الآية - وقال أبو رجاء العطاردي: معناه: إن يكفر بها أهل الأرض فقد وكلنا بها أهل السماء وهم الملائكة. وقال ابن عباس ومجاهد: هم الأنصار أهل المدينة. والصواب: أن المراد من قام بها إيمانا ودعوة وجهادا ونصرة. فهؤلاء هم الذين وكلهم الله بها. فإن قلت: فهل يصح أن يقال: إن أحدا وكيل الله قلت: لا. فإن الوكيل من يتصرف عن موكله بطريق النيابة. والله عز وجل لا نائب له ولا يخلفه أحد بل هو الذي يخلف عبده كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل . على أنه لا يمتنع أن يطلق ذلك باعتبار أنه مأمور بحفظ ما وكله فيه ورعايته والقيام به. وأما توكيل العبد ربه فهو تفويضه إليه وعزل نفسه عن التصرف وإثباته لأهله ووليه. ولهذا قيل في التوكل: إنه عزل النفس عن الربوبية وقيامها بالعبودية. وهذا معنى كون الرب وكيل عبده أي كافيه والقائم بأموره ومصالحه لأنه نائبه في التصرف. فوكالة الرب عبده أمر وتعبد وإحسان له وخلعة منه عليه لا عن حاجة منه وافتقار إليه كموالاته. وأما توكيل العبد ربه فتسليم لربوبيته وقيام بعبوديته. وقوله: وهو من أصعب منازل العامة عليهم لأن العامة لم يخرجوا عن نفوسهم ومألوفاتهم. ولم يشاهدوا الحقيقة التي شهدها الخاصة. وهي التي تشهد التوكيل فهم في رق الأسباب. فيصعب عليهم الخروج عنها وخلو القلب منها والاشتغال بملاحظة المسبب وحده.(2\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "620",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13617",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما كونه أوهى السبل عند الخاصة فليس على إطلاقه بل هو من أجل السبل عندهم وأفضلها وأعظمها قدرا. وقد تقدم في صدر الباب أمر الله رسوله بذلك وحضه عليه هو والمؤمنين. ومن أسمائه صلى الله عليه وسلم المتوكل وتوكله أعظم توكل. وقد قال الله له: فتوكل على الله إنك على الحق المبين [النمل: 79] وفي ذكر أمره بالتوكل مع إخباره بأنه على الحق دلالة على أن الدين بمجموعه في هذين الأمرين أن يكون العبد على الحق في قوله وعمله واعتقاده ونيته وأن يكون متوكلا على الله واثقا به. فالدين كله في هذين المقامين. وقال رسل الله وأنبياؤه: وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا [إبراهيم: 12] . فالعبد آفته إما من عدم الهداية وإما من عدم التوكل. فإذا جمع التوكل إلى الهداية فقد جمع الإيمان كله. نعم التوكل على الله في معلوم الرزق المضمون والاشتغال به عن التوكل في نصرة الحق والدين من أوهى منازل الخاصة. أما التوكل عليه في حصول ما يحبه ويرضاه فيه وفي الخلق فهذا توكل الرسل والأنبياء عليهم السلام. فكيف يكون من أوهى منازل الخاصة قوله: لأن الحق قد وكل الأمور إلى نفسه وأيأس العالم من ملك شيء منها. جوابه: أن الذي تولى ذلك أسند إلى عباده كسبا وفعلا وإقدارا واختيارا وأمرا ونهيا استعبدهم به وامتحن به من يطيعه ممن يعصيه ومن يؤثره ممن يؤثر عليه. وأمر بتوكلهم عليه فيما أسنده إليهم وأمرهم به وتعبدهم به. وأخبر أنه يحب المتوكلين عليه كما يحب الشاكرين. وكما يحب المحسنين وكما يحب الصابرين. وكما يحب التوابين. وأخبر أن كفايته لهم مقرونة بتوكلهم عليه وأنه كاف من توكل عليه وحسبه. وجعل لكل عمل من أعمال البر ومقام من مقاماته جزاء معلوما. وجعل نفسه جزاء المتوكل عليه وكفايته. فقال: ومن يتق الله يجعل له مخرجا [الطلاق: 2]  ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته [الطلاق: 5]  ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا [الطلاق: 4](2\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "621",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13618",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": " ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين [النساء: 69]- الآية ثم قال في التوكل: ومن يتوكل على الله فهو حسبه [الطلاق: 3] . فانظر إلى هذا الجزاء الذي حصل للمتوكل ولم يجعله لغيره. وهذا يدل على أن التوكل أقوى السبل عنده وأحبها إليه. وليس كونه وكل الأمور إلى نفسه بمناف لتوكل العبد عليه بل هذا تحقيق كون الأمور كلها موكولة إلى نفسه لأن العبد إذا علم ذلك وتحققه معرفة صارت حاله التوكل - قطعا - على من هذا شأنه لعلمه بأن الأمور كلها موكولة إليه وأن العبد لا يملك شيئا منها. فهو لا يجد بدا من اعتماده عليه. وتفويضه إليه. وثقته به من الوجهين: من جهة فقره وعدم ملكه شيئا ألبتة. ومن جهة كون الأمر كله بيده وإليه. والتوكل ينشأ من هذين العلمين. فإن قيل: فإذا كان الأمر كله لله وليس للعبد من الأمر شيء. فكيف يوكل المالك على ملكه وكيف يستنيبه فيما هو ملك له دون هذا الموكل فالخاصة لما تحققوا هذا نزلوا عن مقام التوكل وسلموه إلى العامة. وبقي الخطاب بالتوكل لهم دون الخاصة. قيل: لما كان الأمر كله لله عز وجل وليس للعبد فيه شيء ألبتة. كان توكله على الله تسليم الأمر إلى من هو له وعزل نفسه عن منازعات مالكه واعتماده عليه فيه وخروجه عن تصرفه بنفسه وحوله وقوته وكونه به إلى تصرفه بربه وكونه به سبحانه دون نفسه. وهذا مقصود التوكل. وأما عزل العبد نفسه عن مقام التوكل: فهو عزل لها عن حقيقة العبودية. وأما توجه الخطاب به إلى العامة: فسبحان الله! هل خاطب الله بالتوكل في كتابه إلا خواص خلقه وأقربهم إليه وأكرمهم عليه وشرط في إيمانهم أن يكونوا متوكلين والمعلق على الشرط يعدم عند عدمه. وهذا يدل على انتفاء الإيمان عند انتفاء التوكل. فمن لا توكل له لا إيمان له قال الله تعالى: وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين [المائدة: 23] . وقال تعالى: وعلى الله فليتوكل المؤمنون [آل عمران: 122] . وقال تعالى: إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون [الأنفال: 2] .(2\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "622",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13619",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا يدل على انحصار المؤمنين فيمن كان بهذه الصفة. وأخبر تعالى عن رسله بأن التوكل ملجأهم ومعاذهم. وأمر به رسوله في أربعة مواضع من كتابه. وقال: وقال موسى ياقوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين فقالوا على الله توكلنا [يونس: 84] . فكيف يكون من أوهى السبل وهذا شأنه والله سبحانه وتعالى أعلم.  [فصل درجات التوكل] [الدرجة الأولى التوكل مع الطلب] فصل قال: وهو على ثلاث درجات. كلها تسير مسير العامة. الدرجة الأولى: التوكل مع الطلب ومعاطاة السبب على نية شغل النفس بالسبب مخافة ونفع الخلق وترك الدعوى. يقول: إن صاحب هذه الدرجة يتوكل على الله. ولا يترك الأسباب. بل يتعاطاها على نية شغل النفس بالسبب مخافة أن تفرغ فتشتغل بالهوى والحظوظ. فإن لم يشغل نفسه بما ينفعها شغلته بما يضره. لا سيما إذا كان الفراغ مع حدة الشباب وملك الجدة وميل النفس إلى الهوى وتوالي الغفلات. كما قيل: إن الشباب والفراغ والجده ... مفسدة للمرء أي مفسده ويكون أيضا قيامه بالسبب على نية نفع النفس ونفع الناس بذلك. فيحصل له نفع نفسه ونفع غيره. وأما تضمن ذلك لترك الدعوى فإنه إذا اشتغل بالسبب تخلص من إشارة الخلق إليه الموجبة لحسن ظنه بنفسه الموجب لدعواه. فالسبب ستر لحاله ومقامه. وحجاب مسبل عليه. ومن وجه آخر وهو أن يشهد به فقره وذله وامتهانه امتهان العبيد والفعلة. فيتخلص من رعونة دعوى النفس فإنه إذا امتهن نفسه بمعاطاة الأسباب سلم من هذه الأمراض.(2\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "623",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13620",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيقال: إذا كانت الأسباب مأمورا بها ففيها فائدة أجل من هذه الثلاث. وهي المقصودة بالقصد الأول وهذه مقصودة قصد الوسائل. وهي القيام بالعبودية والأمر الذي خلق له العبد وأرسلت به الرسل وأنزلت لأجله الكتب. وبه قامت السماوات والأرض. وله وجدت الجنة والنار. فالقيام بالأسباب المأمور بها محض العبودية. وحق الله على عبده الذي توجهت به نحوه المطالب. وترتب عليه الثواب والعقاب. والله سبحانه أعلم.  [فصل الدرجة الثانية التوكل مع إسقاط الطلب] فصل قال: الدرجة الثانية: التوكل مع إسقاط الطلب وغض العين عن السبب اجتهادا لتصحيح التوكل وقمعا لشرف النفس وتفرغا إلى حفظ الواجبات. قوله: مع إسقاط الطلب. أي من الخلق لا من الحق. فلا يطلب من أحد شيئا. وهذا من أحسن الكلام وأنفعه للمريد. فإن الطلب من الخلق في الأصل محظور وغايته: أن يباح للضرورة كإباحة الميتة للمضطر ونص أحمد على أنه لا يجب. وكذلك كان شيخنا يشير إلى أنه لا يجب الطلب والسؤال. وسمعته يقول في السؤال: هو ظلم في حق الربوبية وظلم في حق الخلق وظلم في حق النفس. أما في حق الربوبية فلما فيه من الذل لغير الله وإراقة ماء الوجه لغير خالقه والتعوض عن سؤاله بسؤال المخلوقين والتعرض لمقته إذا سأل وعنده ما يكفيه يومه. وأما في حق الناس فبمنازعتهم ما في أيديهم بالسؤال واستخراجه منهم. وأبغض ما إليهم من يسألهم ما في أيديهم وأحب ما إليهم من لا يسألهم. فإن أموالهم محبوباتهم ومن سألك محبوبك فقد تعرض لمقتك وبغضك. وأما ظلم السائل نفسه فحيث امتهنها وأقامها في مقام ذل السؤال. ورضي لها بذل الطلب ممن هو مثله أو لعل السائل خير منه وأعلى قدرا. وترك سؤال من: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [الشورى: 11] . فقد أقام السائل نفسه مقام الذل وأهانها بذلك. ورضي أن يكون شحاذا من شحاذ مثله. فإن من تشحذه فهو أيضا شحاذ مثلك. والله وحده الغني الحميد.(2\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "624",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13621",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فسؤال المخلوق للمخلوق سؤال الفقير للفقير والرب تعالى كلما سألته كرمت عليه ورضي عنك وأحبك. والمخلوق كلما سألته هنت عليه وأبغضك ومقتك وقلاك كما قيل: الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يسأل يغضب وقبيح بالعبد المريد: أن يتعرض لسؤال العبيد. وهو يجد عند مولاه كل ما يريده. وفي صحيح مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه. قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة - أو ثمانية أو سبعة - فقال: ألا تبايعون رسول الله وكنا حديثي عهد ببيعة. فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله. ثم قال: ألا تبايعون رسول الله فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله فعلام نبايعك فقال: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا والصلوات الخمس - وأسر كلمة خفية - ولا تسألوا الناس شيئا. قال: ولقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا أن يناوله إياه . وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم . وفيهما أيضا عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف عن المسألة - واليد العليا خير من اليد السفلى. واليد العليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة .(2\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "625",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13622",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من سأل الناس تكثرا فإنما يسأل جمرا. فليستقل أو ليستكثر . وفي الترمذي عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المسألة كد يكد بها الرجل وجهه إلا أن يسأل الرجل سلطانا أو في الأمر الذي لا بد منه . قال الترمذي: حديث صحيح. وفيه عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا: من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته. ومن أنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل . وفي السنن والمسند عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تكفل لي أن لا يسأل الناس شيئا أتكفل له بالجنة فقلت: أنا. فكان لا يسأل أحدا شيئا . وفي صحيح مسلم عن قبيصة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك. ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله. فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال: سدادا من عيش - ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال: سدادا من عيش - فما سواهن من المسألة يا قبيصة فسحت يأكلها صاحبها سحتا .(2\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "626",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13623",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالتوكل مع إسقاط هذا الطلب والسؤال هو محض العبودية. قوله: quot; وغض العين عن التسبب اجتهادا في تصحيح التوكل quot;. معناه: أنه يعرض عن الاشتغال بالسبب لتصحيح التوكل بامتحان النفس لأن المتعاطي للسبب قد يظن أنه حصل التوكل. ولم يحصله لثقته بمعلومه فإذا أعرض عن السبب صح له التوكل. وهذا الذي أشار إليه مذهب قوم من العباد والسالكين. وكثير منهم كان يدخل البادية بلا زاد. ويرى حمل الزاد قدحا في التوكل. ولهم في ذلك حكايات مشهورة وهؤلاء في خفارة صدقهم وإلا فدرجتهم ناقصة عن العارفين. ومع هذا فلا يمكن بشرا البتة ترك الأسباب جملة. فهذا إبراهيم الخواص كان مجردا في التوكل يدقق فيه. ويدخل البادية بغير زاد. وكان لا تفارقه الإبرة والخيط والركوة والمقراض. فقيل له: لم تحمل هذا وأنت تمنع من كل شيء فقال: مثل هذا لا ينقص من التوكل لأن لله علينا فرائض. والفقير لا يكون عليه إلا ثوب واحد فربما تخرق ثوبه. فإذا لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته فتفسد عليه صلاته. وإذا لم يكن معه ركوة فسدت عليه طهارته. وإذا رأيت الفقير بلا ركوة ولا إبرة ولا خيوط فاتهمه في صلاته. أفلا تراه لم يستقم له دينه إلا بالأسباب أوليست حركة أقدامه ونقلها في الطريق والاستدلال على أعلامها - إذا خفيت عليه - من الأسباب فالتجرد من الأسباب جملة ممتنع عقلا وشرعا وحسا. نعم قد تعرض للصادق أحيانا قوة ثقة بالله. وحال مع الله تحمله على ترك كل سبب مفروض عليه. كما تحمله على إلقاء نفسه في مواضع الهلكة. ويكون ذلك الوقت بالله لا به. فيأتيه مدد من الله على مقتضى حاله. ولكن لا تدوم له هذه الحال. وليست في مقتضى الطبيعة. فإنها كانت هجمة هجمت عليه بلا استدعاء فحمل عليها. فإذا استدعى مثلها وتكلفها لم يجب إلى ذلك. وفي تلك الحال إذا ترك السبب يكون معذورا لقوة الوارد وعجزه عن الاشتغال بالسبب. فيكون في وارده عون له. ويكون حاملا له. فإذا تعاطى تلك الحال بدون ذلك الوارد وقع في الحال.(2\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "627",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13624",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكل تلك الحكايات الصحيحة التي تحكى عن القوم فهي جزئية حصلت لهم أحيانا ليست طريقا مأمورا بسلوكها ولا مقدورة وصارت فتنة لطائفتين. طائفة ظنتها طريقا ومقاما فعملوا عليها. فمنهم من انقطع ومنهم من رجع ولم يمكنه الاستمرار عليها بل انقلب على عقبيه. وطائفة قدحوا في أربابها وجعلوهم مخالفين للشرع والعقل. مدعين لأنفسهم حالا أكمل من حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذ لم يكن فيهم أحد قط يفعل ذلك. ولا أخل بشيء من الأسباب. وقد ظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين يوم أحد . ولم يحضر الصف قط عريانا. كما يفعله من لا علم عنده ولا معرفة. واستأجر دليلا مشركا على دين قومه يدله على طريق الهجرة. وقد هدى الله به العالمين وعصمه من الناس أجمعين وكان يدخر لأهله قوت سنة وهو سيد المتوكلين. وكان إذا سافر في جهاد أو حج أو(2\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "628",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13625",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عمرة حمل الزاد والمزاد وجميع أصحابه وهم أولو التوكل حقا. وأكمل المتوكلين بعدهم هو من اشتم رائحة توكلهم من مسيرة بعيدة أو لحق أثرا من غبارهم. فحال النبي صلى الله عليه وسلم وحال أصحابه محك الأحوال وميزانها. بها يعلم صحيحها من سقيمها. فإن هممهم كانت في التوكل أعلى من همم من بعدهم. فإن توكلهم كان في فتح بصائر القلوب. وأن يعبد الله في جميع البلاد وأن يوحده جميع العباد وأن تشرق شموس الدين الحق على قلوب العباد فملئوا بذلك التوكل القلوب هدى وإيمانا. وفتحوا بلاد الكفر وجعلوها دار إيمان. وهبت رياح روح نسمات التوكل على قلوب أتباعهم فملأتها يقينا وإيمانا. فكانت همم الصحابة - رضي الله عنهم - أعلى وأجل من أن يصرف أحدهم قوة توكله واعتماده على الله في شيء يحصل بأدنى حيلة وسعي فيجعله نصب عينيه ويحمل عليه قوى توكله. قوله: وقمعا لشرف النفس. يريد أن المتسبب قد يكون متسببا بالولايات الشريفة في العبادة أو التجارات الرفيعة والأسباب التي له بها جاه وشرف في الناس. فإذا تركها يكون تركها قمعا لشرف نفسه وإيثارا للتواضع. وقوله: وتفرغا لحفظ الواجبات أي يتفرغ بتركها لحفظ واجباتها التي تزاحمها تلك الأسباب. والله أعلم.  [فصل الدرجة الثالثة التوكل مع معرفة التوكل] فصل قال: الدرجة الثالثة: التوكل مع معرفة التوكل النازعة إلى الخلاص من علة التوكل. وهي أن يعلم أن ملكة الحق تعالى للأشياء هي ملكة عزة. لا يشاركه فيها مشارك. فيكل شركته إليه. فإن من ضرورة العبودية: أن يعلم العبد أن الحق سبحانه هو مالك الأشياء وحده. يريد أن صاحب هذه الدرجة متى قطع الأسباب والطلب وتعدى تينك الدرجتين فتوكله فوق توكل من قبله. وهو إنما يكون بعد معرفته بحقيقة التوكل وأنه دون مقامه فتكون معرفته به وبحقيقته نازعة - أي باعثة وداعية - إلى تخلصه من علة التوكل أي لا يعرف علة التوكل حتى يعرف حقيقته. فحينئذ يعرف التوكل المعرفة التي تدعوه إلى التخلص من علته. ثم بين المعرفة التي يعلم بها علة التوكل. فقال: أن يعلم أن ملكة الحق للأشياء(2\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "629",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13626",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ملكة عزة أي ملكة امتناع وقوة وقهر تمنع أن يشاركه في ملكه لشيء من الأشياء مشارك. فهو العزيز في ملكه الذي لا يشاركه غيره في ذرة منه. كما هو المنفرد بعزته التي لا يشاركه فيها مشارك. فالمتوكل يرى أن له شيئا قد وكل الحق فيه وأنه سبحانه صار وكيله عليه. وهذا مخالف لحقيقة الأمر إذ ليس لأحد من الأمر مع الله شيء. فلهذا قال: لا يشاركه فيه مشارك. فيكل شركته إليه. فلسان الحال يقول لمن جعل الرب تعالى وكيله: في ماذا وكلت ربك أفيما هو له وحده أو لك وحدك أو بينكما فالثاني والثالث ممتنع بتفرده بالملك وحده. والتوكيل في الأول ممتنع فكيف توكله فيما ليس لك منه شيء ألبتة . فيقال: هاهنا أمران: توكل وتوكيل. فالتوكل: محض الاعتماد والثقة والسكون إلى من له الأمر كله. وعلم العبد بتفرد الحق تعالى وحده بملك الأشياء كلها وأنه ليس له مشارك في ذرة من ذرات الكون: من أقوى أسباب توكله وأعظم دواعيه. فإذا تحقق ذلك علما ومعرفة. وباشر قلبه حالا: لم يجد بدا من اعتماد قلبه على الحق وحده وثقته به وسكونه إليه وحده وطمأنينته به وحده لعلمه أن حاجاته وفاقاته وضروراته وجميع مصالحه كلها: بيده وحده. لا بيد غيره. فأين يجد قلبه مناصا من التوكل بعد هذا فعلة التوكل حينئد: التفات قلبه إلى من ليس له شركة في ملك الحق. ولا يملك مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. هذه علة توكله. فهو يعمل على تخليص توكله من هذه العلة. نعم ومن علة أخرى. وهي رؤية توكله. فإنه التفات إلى عوالم نفسه. وعلة ثالثة: وهي صرفه قوة توكله إلى شيء غيره أحب إلى الله منه. فهذه العلل الثلاث: هي علل التوكيل. وأما التوكل: فليس المراد منه إلا مجرد التفويض. وهو من أخص مقامات العارفين. كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم إني أسلمت نفسي إليك وفوضت أمري إليك  وقال تعالى عن مؤمن آل فرعون: وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد [غافر: 44](2\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "630",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13627",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكان جزاء هذا التفويض قوله: فوقاه الله سيئات ما مكروا [غافر: 45]  فإن كان التوكل معلولا بما ذكره فالتفويض أيضا كذلك. وليس فليس. ولولا أن الحق لله ورسوله وأن كل ما عدا الله ورسوله فمأخوذ من قوله ومتروك وهو عرضة الوهم والخطإ لما اعترضنا على من لا نلحق غبارهم ولا نجري معهم في مضمارهم ونراهم فوقنا في مقامات الإيمان ومنازل السائرين كالنجوم الدراري. ومن كان عنده علم فليرشدنا إليه. ومن رأى في كلامنا زيغا أو نقصا وخطأ فليهد إلينا الصواب. نشكر له سعيه. ونقابله بالقبول والإذعان والانقياد والتسليم. والله أعلم. وهو الموفق.  [فصل منزلة التفويض] [حقيقة التفويض] فصل منزلة التفويض ومن منازل: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة التفويض. قال صاحب quot; المنازل quot;: وهو ألطف إشارة وأوسع معنى من التوكل فإن التوكل بعد وقوع السبب والتفويض قبل وقوعه وبعده. وهو عين الاستسلام. والتوكل شعبة منه. يعني أن المفوض يتبرأ من الحول والقوة ويفوض الأمر إلى صاحبه من غير أن يقيمه مقام نفسه في مصالحه. بخلاف التوكل. فإن الوكالة تقتضي أن يقوم الوكيل مقام الموكل. فالتفويض: براءة وخروج من الحول والقوة وتسليم الأمر كله إلى مالكه. فيقال: وكذلك التوكل أيضا. وما قدحتم به في التوكل يرد عليكم نظيره في التفويض سواء. فإنك كيف تفوض شيئا لا تملكه البتة إلى مالكه وهل يصح أن يفوض واحد من آحاد الرعية الملك إلى ملك زمانه(2\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "631",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13628",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالعلة إذن في التفويض أعظم منها في التوكل. بل لو قال القائل: التوكل فوق التفويض وأجل منه وأرفع لكان مصيبا. ولهذا كان القرآن مملوءا به أمرا وإخبارا عن خاصة الله وأوليائه وصفوة المؤمنين بأن حالهم التوكل. وأمر الله به رسوله في أربعة مواضع من كتابه وسماه المتوكل كما في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قرأت في التوراة صفة النبي صلى الله عليه وسلم: محمد رسول الله سميته المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق. وأخبر عن رسله بأن حالهم كان التوكل. وبه انتصروا على قومهم. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم أهل مقام التوكل. ولم يجئ التفويض في القرآن إلا فيما حكاه عن مؤمن آل فرعون من قوله: وأفوض أمري إلى الله [غافر: 44] . وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يتخذه وكيلا. فقال: رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا [المزمل: 9] . وهذا يبطل قول من قال من جهلة القوم: إن توكيل الرب فيه جسارة على الباري لأن التوكل يقتضي إقامة الوكيل مقام الموكل. وذلك عين الجسارة. قال: ولولا أن الله أباح ذلك وندب إليه: لما جاز للعبد تعاطيه. وهذا من أعظم الجهل. فإن اتخاذه وكيلا هو محض العبودية وخالص التوحيد(2\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "632",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13629",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا قام به صاحبه حقيقة. ولله در سيد القوم وشيخ الطائفة سهل بن عبد الله التستري إذ يقول: العلم كله باب من التعبد. والتعبد كله باب من الورع. والورع كله باب من الزهد والزهد كله باب من التوكل. فالذي نذهب إليه: أن التوكل أوسع من التفويض وأعلى وأرفع.  [التفويض أعم من التوكل] قوله: فإن التوكل بعد وقوع السبب والتفويض قبل وقوعه وبعده. يعني بالسبب: الاكتساب. فالمفوض قد فوض أمره إلى الله قبل اكتسابه وبعده. والمتوكل قد قام بالسبب. وتوكل فيه على الله. فصار التفويض أوسع. فيقال: والتوكل قد يكون قبل السبب ومعه وبعده. فيتوكل على الله أن يقيمه في سبب يوصله إلى مطلوبه. فإذا قام به توكل على الله حال مباشرته. فإذا أتمه توكل على الله في حصول ثمراته. فيتوكل على الله قبله ومعه وبعده. فعلى هذا: هو أوسع من التفويض على ما ذكر. قوله: وهو عين الاستسلام أي التفويض عين الانقياد بالكلية إلى الحق سبحانه. ولا يبالي أكان ما يقضي له الخير. أم خلافه والمتوكل يتوكل على الله في مصالحه. وهذا القدر هو الذي لحظه القوم في هضم مقام التوكل ورفع مقام التفويض عليه. وجوابه من وجهين. أحدهما: أن المفوض لا يفوض أمره إلى الله إلا لإرادته أن يقضي له ما هو خير له في معاشه ومعاده. وإن كان المقضي له خلاف ما يظنه خيرا. فهو راض به لأنه يعلم أنه خير له. وإن خفيت عليه جهة المصلحة فيه. وهكذا حال المتوكل سواء بل هو أرفع من المفوض لأن معه من عمل القلب ما ليس مع المفوض. فإن المتوكل مفوض وزيادة. فلا يستقيم مقام التوكل إلا بالتفويض. فإنه إذا فوض أمره إليه اعتمد بقلبه كله عليه بعد تفويضه. ونظير هذا: أن من فوض أمره إلى رجل وجعله إليه. فإنه يجد من نفسه - بعد تفويضه - اعتمادا خاصا وسكونا وطمأنينة إلى المفوض إليه أكثر مما كان قبل التفويض. وهذا هو حقيقة التوكل.(2\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "633",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13630",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثاني: أن أهم مصالح المتوكل: حصول مراضي محبوبه ومحابه. فهو يتوكل عليه في تحصيلها له. فأي مصلحة أعظم من هذه وأما التفويض: فهو تفويض حاجات العبد المعيشية وأسبابها إلى الله. فإنه لا يفوض إليه محابه. والمتوكل يتوكل عليه في محابه. والوهم إنما دخل من حيث يظن الظان: أن التوكل مقصور على معلوم الرزق وقوة البدن وصحة الجسم. ولا ريب أن هذا التوكل ناقص بالنسبة إلى التوكل في إقامة الدين والدعوة إلى الله.  [درجات التفويض] [الدرجة الأولى أن يعلم أن العبد لا يملك قبل عمله استطاعة] قال: وهو على ثلاث درجات: الأولى: أن يعلم أن العبد لا يملك قبل عمله استطاعة. فلا يأمن من مكر ولا ييأس من معونة ولا يعول على نية. أي يتحقق أن استطاعته بيد الله لا بيده فهو مالكها دونه. فإنه إن لم يعطه الاستطاعة فهو عاجز. فهو لا يتحرك إلا بالله لا بنفسه. فكيف يأمن المكر وهو محرك لا محرك يحركه من حركته بيده فإن شاء ثبطه وأقعده مع القاعدين. كما قال فيمن منعه هذا التوفيق: ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين [التوبة: 46] . فهذا مكر الله بالعبد: أن يقطع عنه مواد توفيقه. ويخلي بينه وبين نفسه ولا يبعث دواعيه ولا يحركه إلى مراضيه ومحابه. وليس هذا حقا على الله. فيكون ظالما بمنعه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. بل هو مجرد فضله الذي يحمد على بذله لمن بذله وعلى منعه لمن منعه إياه. فله الحمد على هذا وهذا. ومن فهم هذا فهم بابا عظيما من سر القدر وانجلت له إشكالات كثيرة. فهو سبحانه لا يريد من نفسه فعلا يفعله بعبده يقع منه ما يحبه ويرضاه. فيمنعه فعل نفسه به وهو توفيقه لأنه يكرهه ويقهره على فعل مساخطه بل يكله إلى نفسه وحوله وقوته ويتخلى عنه. فهذا هو المكر. قوله: ولا ييأس من معونة يعني إذا كان المحرك له هو الرب جل جلاله. وهو أقدر القادرين. وهو الذي تفرد بخلقه ورزقه. وهو أرحم الراحمين. فكيف ييأس من معونته له قوله: ولا يعول على نية أي لا يعتمد على نيته وعزمه ويثق بها. فإن نيته وعزمه(2\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "634",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13631",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بيد الله تعالى لا بيده. وهي إلى الله لا إليه. فلتكن ثقته بمن هي في يده حقا لا بمن هي جارية عليه حكما.  [فصل الدرجة الثانية معاينة الاضطرار] فصل قال: الدرجة الثانية: معاينة الاضطرار. فلا يرى عملا منجيا ولا ذنبا مهلكا ولا سببا حاملا. أي يعاين فقره وفاقته وضرورته التامة إلى الله بحيث إنه يرى في كل ذرة من ذراته الباطنة والظاهرة ضرورة وفاقة تامة إلى الله. فنجاته إنما هي بالله لا بعمله. وأما قوله: ولا ذنبا مهلكا فإن أراد به: أن هلاكه بالله لا بسبب ذنوبه: فباطل معاذ الله من ذلك. وإن أراد به: أن فضل الله وسعته ومغفرته ورحمته ومشاهدة شدة ضرورته وفاقته إليه يوجب له أن لا يرى ذنبا مهلكا فإن افتقاره وفاقته وضرورته تمنعه من الهلاك بذنوبه بل تمنعه من اقتحام الذنوب المهلكة إذ صاحب هذا المقام لا يصر على ذنوب تهلكه. وهذا حاله - فهذا حق. وهو من مشاهد أهل المعرفة. وقوله: ولا سببا حاملا. أي: يشهد أن الحامل له هو الحق تعالى لا الأسباب التي يقوم بها. فإنه وإياها محمولان بالله وحده.  [فصل الدرجة الثالثة شهود انفراد الحق بملك الحركة والسكون] فصل قال: الدرجة الثالثة: شهود انفراد الحق بملك الحركة والسكون والقبض والبسط ومعرفته بتصريف التفرقة والجمع. هذه الدرجة تتعلق بشهود وصف الله تبارك وتعالى وشأنه. والتي قبلها تتعلق بشهود حال العبد ووصفه. أي يشهد حركات العالم وسكونه صادرة عن الحق تعالى في كل متحرك وساكن فيشهد تعلق الحركة باسمه الباسط وتعلق السكون باسمه القابض فيشهد تفرده سبحانه بالبسط والقبض. وأما معرفته بتصريف التفرقة والجمع فأن يكون المشاهد عارفا بمواضع التفرقة(2\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "635",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13632",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والجمع. والمراد بالتفرقة: نظر الاعتبار ونسبة الأفعال إلى الخلق. والمراد بالجمع: شهود الأفعال منسوبة إلى موجدها الحق تعالى. وقد يريدون بالتفرقة والجمع معنى وراء هذا الشهود. وهو حال التفرقة والجمع. فحال التفرقة: تفرق القلب في أودية الإرادات وشعابها. وحال الجمع: جمعيته على مراد الحق وحده. فالأول: علم التفرقة والجمع. والثاني: حالهما. والله أعلم.  [فصل منزلة الثقة بالله تعالى] [حقيقة الثقة بالله تعالى] فصل منزلة الثقة بالله تعالى ومن منازل: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الثقة بالله تعالى. قال صاحب quot; المنازل quot;: الثقة: سواد عين التوكل. ونقطة دائرة التفويض. وسويداء قلب التسليم. وصدر الباب بقوله تعالى لأم موسى: فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني [القصص: 7] . فإن فعلها هذا هو عين ثقتها بالله تعالى إذ لولا كمال ثقتها بربها لما ألقت بولدها وفلذة كبدها في تيار الماء تتلاعب به أمواجه وجرياته إلى حيث ينتهي أو يقف. ومراده: أن الثقة خلاصة التوكل ولبه كما أن سواد العين: أشرف ما في العين. وأشار بأنه نقطة دائرة التفويض إلى أن مدار التوكل عليه وهو في وسطه كحال النقطة من الدائرة. فإن النقطة هي المركز الذي عليه استدارة المحيط ونسبة جهات المحيط إليها نسبة واحدة وكل جزء من أجزاء المحيط مقابل لها. كذلك الثقة هي النقطة التي يدور عليها التفويض. وكذلك قوله: سويداء قلب التسليم. فإن القلب أشرف ما فيه سويداؤه وهي(2\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "636",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13633",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المهجة التي تكون بها الحياة وهي في وسطه. فلو كان التفويض قلبا لكانت الثقة سويداءه. ولو كان عينا لكانت سوادها. ولو كان دائرة لكانت نقطتها. وقد تقدم أن كثيرا من الناس يفسر التوكل بالثقة. ويجعله حقيقتها. ومنهم من يفسره بالتفويض. ومنهم من يفسره بالتسليم. فعلمت أن مقام التوكل يجمع ذلك كله. فكأن الثقة عند الشيخ هي روح والتوكل كالبدن الحامل لها ونسبتها إلى التوكل كنسبة الإحسان إلى الإيمان. والله أعلم.  [فصل درجات الثقة بالله تعالى] [الدرجة الأولى درجة الإياس] فصل قال: وهي على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: درجة الإياس. وهو إياس العبد عن مقاومات الأحكام. ليقعد عن منازعة الأقسام ليتخلص من قحة الإقدام. يعني أن الواثق بالله لاعتقاده: أن الله تعالى إذا حكم بحكم وقضى أمرا. فلا مرد لقضائه. ولا معقب لحكمه. فمن حكم الله له بحكم وقسم له بنصيب من الرزق أو الطاعة أو الحال أو العلم أو غيره: فلا بد من حصوله له. ومن لم يقسم له ذلك: فلا سبيل له إليه البتة. كما لا سبيل له إلى الطيران إلى السماء وحمل الجبال - فبهذا القدر يقعد عن منازعة الأقسام. فما كان له منها فسوف يأتيه على ضعفه وما لم يكن له منها فلن يناله بقوته. والفرق بين قوله: مقاومة الأحكام ومنازعة الأقسام أن مقاومة الأحكام: أن تتعلق إرادته بعين ما في حكم الله وقضائه. فإذا تعلقت إرادته بذلك جاذب الخلق الأقسام ونازعهم فيها. وقوله: يتخلص من قحة الإقدام أي يتخلص بالثقة بالله من هذه القحة والجرأة على إقدامه على ما لم يحكم له به ولا قسم له. والله سبحانه أعلم.  [فصل الدرجة الثانية درجة الأمن] فصل(2\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "637",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13634",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: الدرجة الثانية: درجة الأمن. وهو أمن العبد من فوت المقدور. وانتقاض المسطور. فيظفر بروح الرضا وإلا فبعين اليقين. وإلا فبلطف الصبر. يقول: من حصل له الإياس المذكور حصل له الأمن. وذلك: أن من تحقق بمعرفة الله وأن ما قضاه الله فلا مرد له البتة: أمن من فوت نصيبه الذي قسمه الله له. وأمن أيضا من نقصان ما كتبه الله له وسطره في الكتاب المسطور. فيظفر بروح الرضا أي براحته ولذته ونعيمه لأن صاحب الرضا في راحة ولذة وسرور. كما في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله - بعدله وقسطه - جعل الروح والفرح في اليقين والرضا. وجعل الهم والحزن في الشك والسخط . فإن لم يقدر العبد على روح الرضا ظفر بعين اليقين وهو قوة الإيمان ومباشرته للقلب. بحيث لا يبقى بينه وبين العيان إلا كشف الحجاب المانع من مكافحة البصر. فإن لم يحصل له هذا المقام حصل على لطف الصبر وما فيه من حسن العاقبة. كما في الأثر المعروف: إن استطعت أن تعمل لله بالرضا مع اليقين فافعل. فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره النفس خيرا كثيرا.  [فصل الدرجة الثالثة معاينة أزلية الحق] فصل قال: الدرجة الثالثة: معاينة أزلية الحق. ليتخلص من محن القصود وتكاليف الحمايات والتعريج على مدارج الوسائل.(2\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "638",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13635",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله: معاينة أزلية الحق أي متى شهد قلبه تفرد الرب سبحانه وتعالى بالأزلية غاب بها عن الطلب لتيقنه فراغ الرب تعالى من المقادير وسبق الأزل بها وثبوت حكمها هناك. فيتخلص من المحن التي تعرض له دون المقصود. ويتخلص أيضا من تعريجه والتفاته وحبس مطيته على طرق الأسباب التي يتوسل بها إلى المطالب. وهذا ليس على إطلاقه. فإن مدارج الوسائل قسمان: وسائل موصلة إلى عين الرضا. فالتعريج على مدارجها - معرفة وعملا وحالا وإيثارا - هو محض العبودية. ولكن لا يجعل تعريجه كله على مدارجها. بحيث ينسى بها الغاية التي هي وسائل إليها. وأما تخلصه من تكاليف الحمايات فهو تخلصه من طلب ما حماه الله تعالى عنه قدرا. فلا يتكلف طلبه وقد حمي عنه. ووجه آخر: وهو أن يتخلص بمشاهدة سبق الأزلية من تكاليف احترازاته وشدة احتمائه من المكاره لعلمه بسبق الأزل بما كتب له منها. فلا فائدة في تكلف الاحتماء. نعم يحتمي مما نهي عنه وما لا ينفعه في طريقه. ولا يعينه على الوصول.  [فصل منزلة التسليم] [أنواع منزلة التسليم] فصل منزلة التسليم ومن منازل: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة التسليم وهي نوعان: تسليم لحكمه الديني الأمري. وتسليم لحكمه الكوني القدري. فأما الأول: فهو تسليم المؤمنين العارفين. قال تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [النساء: 65] . فهذه ثلاث مراتب: التحكيم وسعة الصدر بانتفاء الحرج والتسليم. وأما التسليم للحكم الكوني: فمزلة أقدام ومضلة أفهام. حير الأنام وأوقع الخصام. وهي مسألة الرضا بالقضاء. وقد تقدم الكلام عليها بما فيه كفاية. وبينا أن(2\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "639",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13636",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التسليم للقضاء يحمد إذا لم يؤمر العبد بمنازعته ودفعه. ولم يقدر على ذلك كالمصائب التي لا قدرة له على دفعها. وأما الأحكام التي أمر بدفعها: فلا يجوز له التسليم إليها بل العبودية: مدافعتها بأحكام أخر أحب إلى الله منها.  [فصل التسليم الصادر عن الرضا والاختيار] فصل قال صاحب quot; المنازل quot;: وفي التسليم والثقة والتفويض: ما في التوكل من العلل. وهو من أعلى درجات سبل العامة. يعني أن العلل التي في التوكل من معاني الدعوى ونسبته الشيء إلى نفسه أولا حيث زعم أنه وكل ربه فيه وتوكل عليه فيه. وجعله وكيله القائم عنه بمصالحه التي كان يحصلها لنفسه بالأسباب والتصرفات وغير ذلك من العلل المتقدمة. وقد عرفت ما في ذلك. وليس في التسليم إلا علة واحدة: وهي أن لا يكون تسليمه صادرا عن محض الرضا والاختيار بل يشوبه كره وانقباض فيسلم على نوع إغماض. فهذه علة التسليم المؤثرة. فاجتهد في الخلاص منها. وإنما كان للعامة عنده لأن الخاصة في شغل عنه باستغراقهم بالفناء في عين الجمع. وجعل الفناء غاية الاستغراق في عين الجمع: هو الذي أوجب ما أوجب والله المستعان.  [درجات التسليم] [الدرجة الأولى تسليم ما يزاحم العقول مما سبق على الأوهام من الغيب] قال: وهو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: تسليم ما يزاحم العقول مما سبق على الأوهام من الغيب والإذعان لما يغالب القياس من سير الدول والقسم والإجابة لما يفزع المريد من ركوب الأحوال. اعلم أن التسليم هو الخلاص من شبهة تعارض الخبر أو شهوة تعارض الأمر أو إرادة تعارض الإخلاص أو اعتراض يعارض القدر والشرع.(2\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "640",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13637",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصاحب هذا التخلص: هو صاحب القلب السليم الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به فإن التسليم ضد المنازعة. والمنازعة: إما بشبهة فاسدة تعارض الإيمان بالخبر عما وصف الله به نفسه من صفاته وأفعاله وما أخبر به عن اليوم الآخر وغير ذلك. فالتسليم له: ترك منازعته بشبهات المتكلمين الباطلة. وإما بشهوة تعارض أمر الله عز وجل. فالتسليم للأمر بالتخلص منها. أو إرادة تعارض مراد الله من عبده فتعارضه إرادة تتعلق بمراد العبد من الرب. فالتسليم: بالتخلص منها. أو اعتراض يعارض حكمته في خلقه وأمره بأن يظن أن مقتضى الحكمة خلاف ما شرع وخلاف ما قضى وقدر. فالتسليم: التخلص من هذه المنازعات كلها. وبهذا يتبين أنه من أجل مقامات الإيمان وأعلى طرق الخاصة وأن التسليم هو محض الصديقية التي هي بعد درجة النبوة وأن أكمل الناس تسليما: أكملهم صديقية. فلنرجع إلى شرح كلام الشيخ. فأما قوله: تسليم ما يزاحم العقول مما سبق على الأوهام فيعني: أن التسليم يقتضي ما ينهى عنه العقل ويزاحمه. فإنه يقتضي التجريد عن الأسباب. والعقل يأمر بها. فصاحب التسليم يسلم إلى الله عز وجل ما هو غيب عن العبد. فإن فعله سبحانه وتعالى لا يتوقف على هذه الأسباب التي ينهى العقل عن التجرد عنها. فإذا سلم لله لم يلتفت إلى السبب في كل ما غاب عنه. فالأوهام يسبق عليها: أن ما غاب عنها من الحكم لا يحصل إلا بالأسباب. والتسليم يقتضي التجرد عنها. والعقل ينهى عن ذلك. والوهم قد سبق عليه أن الغيب موقوف عليها. فهاهنا أمور ستة: عقل ومزاحم له ووهم وسائق إليه وغيب وتسليم لهذا المزاحم. فالعقل هو الباعث له على الأسباب الداعي له إليها التي إذا خرج الرجل(2\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "641",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13638",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنها عد خروجه قدحا في عقله. والمزاحم له: التجرد عنها بكمال التسليم إلى من بيده أزمة الأمور: مواردها ومصادرها. والوهم: اعتقاده توقف حصول السعادة والنجاة وحصول المقدور - كائنا ما كان - عليها وأنه لولاها لما حصل المقدور. وهذا هو السائق إلى الوهم. والغيب: هو الحكم الذي غاب عنه. وهو فعل الله. والتسليم: تسليم هذا المزاحم إلى نفس الحكم. مع أن في تنزيل عبارته على هذا المعنى وإفراغ هذا المعنى في قوالب ألفاظه نظرا. وفيه وجه آخر: وهو أن يكون المراد: التسليم لما يبدو للعبد من معاني الغيب مما يزاحم معقوله في بادي الرأي لما يسبق إلى وهمه: أن الأمر بخلافه. فيسبق على الأوهام من الغيب الذي أخبرت به شيء يزاحم معقولها فتقع المنازعة بين حكم العقل وحكم الوهم. فإن كثيرا من الغيب قد يزاحم العقل بعض المزاحمة ويسبق إلى الوهم خلافه. فالتسليم: تسليم هذا المزاحم إلى وليه ومن هو أخبر به والتجرد عما يسبق إلى الوهم مما يخالفه. وهذا أولى المعنيين بكلامه. إن شاء الله. فالأول: تسليم منازعات الأسباب لتجريد التوحيد العملي القصدي الإرادي. وهذا تجريد منازعات الأوهام المخالفة للخبر لتجريد التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي. وهذا حقيقة التسليم. قوله: والإذعان لما يغالب القياس من سير الدول والقسم. أي الانقياد لما يقاوي عقله وقياسه مما جرى به حكم الله في الدول قديما وحديثا: من طي دولة ونشر دولة وإعزاز هذه وإذلال هذه والقسم التي قسمها على خلقه مع شدة تفاوتها وتباين مقاديرها وكيفياتها وأجناسها فيذعن لحكمة الله في كل ذلك ولا يعترض على ما وقع منها بشبهة وقياس. ويحتمل أن يكون مراده ب quot; الدول والقسم quot; الأحوال التي تتداول على السالك ويختلف سيرها. والقسم التي نالته من الله: ما كان قياس سعيه واجتهاده أن يحصل له أكثر منها. فيذعن لما غالب قياسه منها ويسلم للقاسم المعطي بحكمته وعدله. فإن من(2\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "642",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13639",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عباده من لا يصلحه إلا الفقر. ولو أغناه لأفسده ذلك. ومنهم من لا يصلحه إلا الغنى. ولو أفقره لأفسده ذلك. ومنهم من لا يصلحه إلا المرض. ولو أصحه لأفسده ذلك. ومنهم من لا يصلحه إلا الصحة. ولو أمرضه لأفسده ذلك. قوله: والإجابة لما يفزع المريد من ركوب الأحوال. يقول: إن صاحب هذه الدرجة من قوة التسليم يهجم على الأمور المفزعة ولا يلتفت إليها. ولا يخاف معها من ركوب الأحوال واقتحام الأهوال لأن قوة تسليمه تحميه من خطرها. فلا ينبغي له أن يخاف. فإنه في حصن التسليم ومنعته وحمايته. والله سبحانه وتعالى الموفق بحوله وقوته.  [فصل الدرجة الثانية تسليم العلم إلى الحال] فصل قال: الدرجة الثانية: تسليم العلم إلى الحال: والقصد إلى الكشف والرسم إلى الحقيقة. أما تسليم العلم إلى الحال فليس المراد منه: تحكيم الحال على العلم حاشا الشيخ من ذلك وإنما أراد: الانتقال من الوقوف عند صور العلم الظاهرة إلى معانيها وحقائقها الباطنة وثمراتها المقصودة منها مثل الانتقال من محض التقليد والخبر إلى العيان واليقين. حتى كأنه يرى ويشاهد ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق [سبأ: 6] . وقال تعالى: أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى [الرعد: 19] . وينتقل من الحجاب إلى الكشف فينتقل من العلم إلى اليقين ومن اليقين إلى عين اليقين. ومن علم الإيمان إلى ذوق طعم الإيمان ووجدان حلاوته. فإن هذا قدر زائد على مجرد علمه. ومن علم التوكل إلى حاله وأشباه ذلك. فيسلم العلم الصحيح إلى الحال الصحيح. فإن سلطان الحال أقوى من سلطان العلم. فإذا كان الحال مخالفا للعلم فهو ملك ظالم. فليخرج عليه بسيف العلم وليحكمه فيه. وأما تسليم القصد إلى الكشف فليس معناه: أن يترك القصد عن معاينة(2\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "643",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13640",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكشف. فإنه متى ترك القصد خلع ربقة العبودية من عنقه. ولكن يجعل قصده سائرا طالبا لكشفه يؤمه. فإذا وصل إليه سلمه إليه. وصار الحكم للكشف إذ القصد آلة ووسيلة إليه. فإن كان كشفا صحيحا مطابقا للحق في نفسه: كشف له عن آفات القصد ومفسداته ومصححاته وعيوبه. فأقبل على تصحيحه بنور الكشف. لا أن صاحب القصد ترك القصد لأجل الكشف فهذا سير أهل الإلحاد الناكبين عن سبيل الحق والرشاد. وأما ترك الرسم إلى الحقيقة فإنه يشير به إلى الفناء. فإن من جملة تسليم صاحب الفناء: تسليم ذاته ليفنى في شهود الحقيقة. فإن ذات العبد هي رسم. والرسم تفنيه الحقيقة كما يفني النور الظلمة لأن عند أصحاب الفناء: أن الحق سبحانه لا يراه سواه. ولا يشاهده غيره. لا بمعنى الاتحاد ولكن بمعنى: أنه لا يشاهده العبد حتى يفنى عن إنيته ورسمه وجميع عوالمه فيفنى من لم يكن. ويبقى من لم يزل. هذا كإجماع من الطائفة بل هو إجماع منهم.  [الدرجة الثالثة تسليم ما دون الحق إلى الحق] قال: الدرجة الثالثة: تسليم ما دون الحق إلى الحق مع السلامة من رؤية التسليم بمعاينة تسليم الحق إياك إليه. هذه الدرجة تكملة الدرجة التي قبلها. فإن التسليم في التي قبلها بداية لها. وهي واسطة بين الدرجة الأولى والثالثة. فالأولى: بداية والثانية: وسط والثالثة: نهاية. قوله: تسليم ما دون الحق إلى الحق. يريد به: اضمحلال رسوم الخلق في شهود الحقيقة. وكل ما دون الحق رسوم. فإذا سلم رسمه الخاص إلى ربه: حصل له حقيقة الفناء. وهذا التسليم نوعان. أحدهما: تسليم رسمه الخاص به. والثاني: تسليم رسوم الكائنات ورؤية تلاشيها واضمحلالها في عين الحقيقة. وهذا علم ومعرفة. والأول حال. قوله: والسلامة من رؤية التسليم أي ينسلب أيضا من رسم رؤية التسليم فإن الرؤية أيضا رسم من جملة الرسوم. فما دام مستصحبا لها: لم يسلم التسليم التام. وقد بقيت عليه بقية من منازعات رسمه. ثم عرف كيفية هذا التسليم فقال: بمعاينة تسليم الحق إياك إليه أي ينكشف(2\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "644",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13641",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لك - حين تسلم ما دون الحق إلى الحق - أن الحق تعالى هو الذي سلم إلى نفسه ما دونه. فالحق تعالى هو الذي سلمك إليه. فهو المسلم وهو المسلم إليه. وأنت آلة التسليم. فمن شهد هذا المشهد: وجد ذاته مسلمة إلى الحق. وما سلمها إلى الحق غير الحق فقد سلم العبد من دعوى التسليم. والله أعلم.  [فصل منزلة الصبر] [الصبر في الكتاب والسنة] فصل منزلة الصبر ومن منازل: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الصبر. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعا. وهو واجب بإجماع الأمة. وهو نصف الإيمان. فإن الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر. وهو مذكور في القرآن على ستة عشر نوعا. الأول: الأمر به. نحو قوله تعالى: ياأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة [البقرة: 153] وقوله: واستعينوا بالصبر والصلاة [البقرة: 45] . وقوله: اصبروا وصابروا [آل عمران: 200] وقوله: واصبر وما صبرك إلا بالله [النحل: 127] . الثاني: النهي عن ضده كقوله: فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم [الأحقاف: 35]  وقوله: فلا تولوهم الأدبار [الأنفال: 15]  فإن تولية الأدبار: ترك للصبر والمصابرة. وقوله: ولا تبطلوا أعمالكم [محمد: 33] فإن إبطالها ترك الصبر على إتمامها. وقوله: ولا تهنوا ولا تحزنوا [آل عمران: 139] فإن الوهن من عدم الصبر. الثالث: الثناء على أهله كقوله تعالى: الصابرين والصادقين [آل عمران: 17] الآية وقوله:(2\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "645",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13642",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": ": والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون [البقرة: 177] . وهو كثير في القرآن. الرابع: إيجابه سبحانه محبته لهم. كقوله: والله يحب الصابرين [آل عمران: 146] . الخامس: إيجاب معيته لهم. وهي معية خاصة. تتضمن حفظهم ونصرهم وتأييدهم. ليست معية عامة. وهي معية العلم والإحاطة. كقوله: واصبروا إن الله مع الصابرين [الأنفال: 46] وقوله: والله مع الصابرين [البقرة: 249] . السادس: إخباره بأن الصبر خير لأصحابه. كقوله: ولئن صبرتم لهو خير للصابرين [النحل: 126] وقوله: وأن تصبروا خير لكم [النساء: 25] . السابع: إيجاب الجزاء لهم بأحسن أعمالهم. كقوله: ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [النحل: 96] . الثامن: إيجابه سبحانه الجزاء لهم بغير حساب. كقوله تعالى: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [الزمر: 10] . التاسع: إطلاق البشرى لأهل الصبر. كقوله تعالى: ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين [البقرة: 155] . العاشر: ضمان النصر والمدد لهم. كقوله تعالى: بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين [آل عمران: 125]  ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: واعلم أن النصر مع الصبر . الحادي عشر: الإخبار منه تعالى بأن أهل الصبر هم أهل العزائم. كقوله تعالى: ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور [الشورى: 43] .(2\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "646",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13643",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني عشر: الإخبار أنه ما يلقى الأعمال الصالحة وجزاءها والحظوظ العظيمة إلا أهل الصبر كقوله تعالى: ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون [القصص: 80]  وقوله: وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم [فصلت: 35] . الثالث عشر: الإخبار أنه إنما ينتفع بالآيات والعبر أهل الصبر. كقوله تعالى لموسى: أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور [إبراهيم: 5]  وقوله في أهل سبإ: فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور [سبأ: 19] . وقوله: في سورة الشورى: ومن آياته الجواري في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور [الشورى: 32] . الرابع عشر: الإخبار بأن الفوز المطلوب المحبوب والنجاة من المكروه المرهوب ودخول الجنة إنما نالوه بالصبر كقوله تعالى: والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار [الرعد: 23] . الخامس عشر: أنه يورث صاحبه درجة الإمامة. سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. ثم تلا قوله تعالى: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون [السجدة: 24] . السادس عشر: اقترانه بمقامات الإسلام والإيمان كما قرنه الله سبحانه باليقين وبالإيمان والتقوى والتوكل. وبالشكر والعمل الصالح والرحمة. ولهذا كان الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا إيمان لمن لا صبر له كما أنه لا جسد لمن لا رأس له. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: خير عيش أدركناه بالصبر. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه ضياء. وقال: من يتصبر يصبره(2\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "647",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13644",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله . وفي الحديث الصحيح: عجبا لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر. فكان خيرا له. وإن أصابته ضراء صبر. فكان خيرا له. . وقال للمرأة السوداء التي كانت تصرع فسألته أن يدعو لها: إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك. فقالت: إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف. فدعا لها . وأمر الأنصار - رضي الله تعالى عنهم - بأن يصبروا على الأثرة التي يلقونها بعده حتى يلقوه على الحوض. وأمر عند ملاقاة العدو بالصبر. وأمر بالصبر عند المصيبة. وأخبر أنه إنما يكون(2\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "648",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13645",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عند الصدمة الأولى. وأمر صلى الله عليه وسلم المصاب بأنفع الأمور له وهو الصبر والاحتساب. فإن ذلك يخفف مصيبته ويوفر أجره. والجزع والتسخط والتشكي يزيد في المصيبة ويذهب الأجر. وأخبر صلى الله عليه وسلم أن الصبر خير كله فقال: ما أعطي أحد عطاء خيرا له وأوسع من الصبر. .  [فصل تعريف الصبر] فصل والصبر في اللغة: الحبس والكف. ومنه: قتل فلان صبرا. إذا أمسك وحبس. ومنه قوله تعالى: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه [الكهف: 28]  أي احبس نفسك معهم. فالصبر: حبس النفس عن الجزع والتسخط. وحبس اللسان عن الشكوى. وحبس الجوارح عن التشويش. وهو ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله. وصبر عن معصية الله. وصبر على امتحان الله.(2\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "649",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13646",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالأولان: صبر على ما يتعلق بالكسب. والثالث: صبر على ما لا كسب للعبد فيه. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: كان صبر يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنها: أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجب وبيعه وتفريقهم بينه وبين أبيه. فإن هذه أمور جرت عليه بغير اختياره لا كسب له فيها ليس للعبد فيها حيلة غير الصبر وأما صبره عن المعصية: فصبر اختيار ورضا ومحاربة للنفس. ولا سيما مع الأسباب التي تقوى معها دواعي الموافقة. فإنه كان شابا وداعية الشباب إليها قوية. وعزبا ليس له ما يعوضه ويرد شهوته. وغريبا والغريب لا يستحي في بلد غربته مما يستحي منه من بين أصحابه ومعارفه وأهله. ومملوكا والمملوك أيضا ليس وازعه كوازع الحر. والمرأة جميلة وذات منصب. وهي سيدته. وقد غاب الرقيب. وهي الداعية له إلى نفسها. والحريصة على ذلك أشد الحرص ومع ذلك توعدته إن لم يفعل بالسجن والصغار. ومع هذه الدواعي كلها صبر اختيارا وإيثارا لما عند الله. وأين هذا من صبره في الجب على ما ليس من كسبه وكان يقول: الصبر على أداء الطاعات: أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات وأفضل; فإن مصلحة فعل الطاعة أحب إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية. ومفسدة عدم الطاعة: أبغض إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية. وله - رحمه الله - في ذلك مصنف قرره فيه بنحو من عشرين وجها. ليس هذا موضع ذكرها. والمقصود: الكلام على الصبر وحقيقته ودرجاته ومرتبته. والله الموفق.  [فصل أنواع الصبر] [الصبر بالله ولله ومع الله] فصل أنواع الصبر وهو على ثلاثة أنواع: صبر بالله. وصبر لله. وصبر مع الله. فالأول: صبر الاستعانة به ورؤيته أنه هو المصبر وأن صبر العبد بربه لا بنفسه. كما قال تعالى: واصبر وما صبرك إلا بالله [النحل: 127] يعني إن لم يصبرك هو لم تصبر.(2\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "650",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13647",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثاني: الصبر لله. وهو أن يكون الباعث له على الصبر محبة الله وإرادة وجهه. والتقرب إليه. لا لإظهاره قوة النفس والاستحماد إلى الخلق وغير ذلك من الأعراض. والثالث: الصبر مع الله. وهو دوران العبد مع مراد الله الديني منه. ومع أحكامه الدينية. صابرا نفسه معها سائرا بسيرها. مقيما بإقامتها. يتوجه معها أين توجهت ركائبها. وينزل معها أين استقلت مضاربها. فهذا معنى كونه صابرا مع الله أي قد جعل نفسه وقفا على أوامره ومحابه. وهو أشد أنواع الصبر وأصعبها. وهو صبر الصديقين. قال الجنيد: المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن. وهجران الخلق في جنب الله شديد والمسير من النفس إلى الله صعب شديد. والصبر مع الله أشد. وسئل عن الصبر فقال: تجرع المرارة من غير تعبس. قال ذو النون المصري: الصبر: التباعد من المخالفات. والسكون عند تجرع غصص البلية. وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة. وقيل: الصبر: الوقوف مع البلاء بحسن الأدب. وقيل: هو الفناء في البلوى بلا ظهور ولا شكوى. وقيل: تعويد النفس الهجوم على المكاره. وقيل: المقام مع البلاء بحسن الصحبة كالمقام مع العافية. وقال عمرو بن عثمان: هو الثبات مع الله وتلقي بلائه بالرحب والدعة. وقال الخواص: هو الثبات على أحكام الكتاب والسنة. وقال يحيى بن معاذ: صبر المحبين أشد من صبر الزاهدين. واعجبا! كيف يصبرون وأنشد: والصبر يجمل في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه لا يجمل وقيل: الصبر هو الاستعانة بالله.(2\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "651",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13648",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقيل: هو ترك الشكوى. وقيل: الصبر مثل اسمه مر مذاقته ... لكن عواقبه أحلى من العسل وقيل: الصبر أن ترضى بتلف نفسك في رضا من تحبه. كما قيل: سأصبر كي ترضى وأتلف حسرة ... وحسبي أن ترضى ويتلفني صبري وقيل: مراتب الصابرين خمسة: صابر ومصطبر ومتصبر وصبور وصبار فالصابر: أعمها والمصطبر: المكتسب الصبر المليء به. والمتصبر: المتكلف حامل نفسه عليه. والصبور: العظيم الصبر الذي صبره أشد من صبر غيره. والصبار: الكثير الصبر. فهذا في القدر والكم. والذي قبله في الوصف والكيف. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الصبر مطية لا تكبو. وقف رجل على الشبلي. فقال: أي صبر أشد على الصابرين فقال: الصبر في الله. قال السائل: لا. فقال: الصبر لله. فقال: لا. فقال: الصبر مع الله. فقال: لا. قال الشبلي: فإيش هو قال: الصبر عن الله. فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تتلف. وقال الجريري: الصبر أن لا يفرق بين حال النعمة وحال المحبة مع سكون الخاطر فيهما. والتصبر: هو السكون مع البلاء مع وجدان أثقال المحنة. قال أبو علي الدقاق: فاز الصابرون بعز الدارين لأنهم نالوا من الله معيته. فإن الله مع الصابرين. وقيل في قوله تعالى: اصبروا وصابروا ورابطوا [آل عمران: 200] . إنه انتقال من الأدنى إلى الأعلى. فالصبر دون المصابرة. والمصابرة دون المرابطة والمرابطة مفاعلة من الربط وهو الشد. وسمي المرابط مرابطا لأن المرابطين يربطون خيولهم ينتظرون الفزع. ثم قيل لكل منتظر قد ربط نفسه لطاعة ينتظرها: مرابط. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط .(2\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "652",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13649",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: رباط يوم في سبيل الله: خير من الدنيا وما فيها . وقيل: اصبروا بنفوسكم على طاعة الله. وصابروا بقلوبكم على البلوى في الله. ورابطوا بأسراركم على الشوق إلى الله. وقيل: اصبروا في الله. وصابروا بالله. ورابطوا مع الله. وقيل: اصبروا على النعماء. وصابروا على البأساء والضراء. ورابطوا في دار الأعداء. واتقوا إله الأرض والسماء. لعلكم تفلحون في دار البقاء. فالصبر مع نفسك والمصابرة بينك وبين عدوك والمرابطة الثبات وإعداد العدة. وكما أن الرباط لزوم الثغر لئلا يهجم منه العدو. فكذلك الرباط أيضا لزوم ثغر القلب لئلا يهجم عليه الشيطان فيملكه ويخربه أو يشعثه. وقيل: تجرع الصبر فإن قتلك قتلك شهيدا. وإن أحياك أحياك عزيزا. وقيل: الصبر لله غناء. وبالله تعالى بقاء. وفي الله بلاء. ومع الله وفاء. وعن الله جفاء. والصبر على الطلب عنوان الظفر. وفي المحن عنوان الفرج. وقيل: حال العبد مع الله رباطه. وما دون الله أعداؤه. وفي كتاب الأدب للبخاري سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال: الصبر والسماحة . ذكره عن موسى بن إسماعيل. قال: حدثنا سويد قال: حدثنا عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه عن جده فذكره. وهذا من أجمع الكلام وأعظمه برهانا وأوعبه لمقامات الإيمان من أولها إلى آخرها. فإن النفس يراد منها شيئان: بذل ما أمرت به وإعطاؤه. فالحامل عليه:(2\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "653",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13650",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السماحة. وترك ما نهيت عنه والبعد منه. فالحامل عليه: الصبر. وقد أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه بالصبر الجميل والصفح الجميل والهجر الجميل. فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: الصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه ولا معه. والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه. والهجر الجميل هو الذي لا أذى معه. وفي أثر إسرائيلي: أوحى الله إلى نبي من أنبيائه: أنزلت بعبدي بلائي فدعاني. فماطلته بالإجابة فشكاني. فقلت: عبدي كيف أرحمك من شيء به أرحمك . وقال ابن عيينة في قوله تعالى: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا [السجدة: 24] قال: أخذوا برأس الأمر فجعلهم رؤساء. وقيل: صبر العابدين أحسنه: أن يكون محفوظا وصبر المحبين أحسنه: أن يكون مرفوضا. كما قيل: تبين يوم البين أن اعتزامه ... على الصبر من إحدى الظنون الكواذب والشكوى إلى الله عز وجل لا تنافي الصبر. فإن يعقوب - عليه السلام - وعد بالصبر الجميل. والنبي إذا وعد لا يخلف. ثم قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله [يوسف: 86] وكذلك أيوب أخبر الله عنه أنه وجده صابرا مع قوله: مسني الضر وأنت أرحم الراحمين [الأنبياء: 83] . وإنما ينافي الصبر شكوى الله لا الشكوى إلى الله. كما رأى بعضهم رجلا يشكو إلى آخر فاقة وضرورة. فقال: يا هذا تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك ثم أنشد: وإذا عرتك بلية فاصبر لها ... صبر الكريم فإنه بك أعلم وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم.  [فصل الصبر أصعب المنازل على العامة] فصل قال صاحب quot; المنازل quot;: الصبر: حبس النفس على المكروه. وعقل اللسان عن الشكوى. وهو من(2\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "654",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13651",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصعب المنازل على العامة. وأوحشها في طريق المحبة. وأنكرها في طريق التوحيد وإنما كان صعبا على العامة لأن العامي مبتدئ في الطريق. وما له دربة في السلوك. ولا تهذيب المرتاض بقطع المنازل. فإذا أصابته المحن أدركه الجزع. وصعب عليه احتمال البلاء. وعز عليه وجدان الصبر. لأنه ليس من أهل الرياضة. فيكون مستوطنا للصبر. ولا من أهل المحبة فيلتذ بالبلاء في رضا محبوبه. وأما كونه وحشة في طريق المحبة: فلأنها تقتضي التذاذ المحب بامتحان محبوبه له والصبر يقتضي كراهيته لذلك وحبس نفسه عليه كرها. فهو وحشة في طريق المحبة. وفي الوحشة نكتة لطيفة لأن الالتذاذ بالمحنة في المحبة هو من موجبات أنس القلب بالمحبوب. فإذا أحس بالألم - بحيث يحتاج إلى الصبر - انتقل من الأنس إلى الوحشة. ولولا الوحشة لما أحس بالألم المستدعي للصبر. وإنما كان أنكرها في طريق التوحيد لأن فيه قوة الدعوى. لأن الصابر يدعي بحاله قوة الثبات. وذلك ادعاء منه لنفسه قوة عظيمة. وهذا مصادمة لتجريد التوحيد. إذ ليس لأحد قوة ألبتة. بل لله القوة جميعا. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فهذا سبب كون الصبر منكرا في طريق التوحيد. بل من أنكر المنكر - كما قال - لأن التوحيد يرد الأشياء إلى الله والصبر يرد الأشياء إلى النفس. وإثبات النفس في التوحيد منكر. هذا حاصل كلامه محررا مقررا. وهو من منكر كلامه. بل الصبر من آكد المنازل في طريق المحبة وألزمها للمحبين. وهم أحوج إلى منزلته من كل منزلة. وهو من أعرف المنازل في طريق التوحيد وأبينها. وحاجة المحب إليه ضرورية. فإن قيل: كيف تكون حاجة المحب إليه ضرورية مع منافاته لكمال المحبة. فإنه لا يكون إلا مع منازعات النفس لمراد المحبوب قيل: هذه هي النكتة التي لأجلها كان من آكد المنازل في طريق المحبة وأعلقها بها. وبه يعلم صحيح المحبة من معلولها وصادقها من كاذبها. فإن بقوة الصبر على(2\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "655",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13652",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المكاره في مراد المحبوب يعلم صحة محبته. ومن هاهنا كانت محبة أكثر الناس كاذبة. لأنهم كلهم ادعوا محبة الله تعالى. فحين امتحنهم بالمكاره انخلعوا عن حقيقة المحبة. ولم يثبت معه إلا الصابرون. فلولا تحمل المشاق وتجشم المكاره بالصبر لما ثبتت صحة محبتهم. وقد تبين بذلك أن أعظمهم محبة أشدهم صبرا. ولهذا وصف الله تعالى بالصبر خاصة أوليائه وأحبابه. فقال عن حبيبه أيوب إنا وجدناه صابرا [ص: 44] ثم أثنى عليه. فقال: نعم العبد إنه أواب [ص: 44] . وأمر أحب الخلق إليه بالصبر لحكمه وأخبر أن صبره به. وأثنى على الصابرين أحسن الثناء. وضمن لهم أعظم الجزاء. وجعل أجر غيرهم محسوبا وأجرهم بغير حساب. وقرن الصبر بمقامات الإسلام والإيمان والإحسان - كما تقدم - فجعله قرين اليقين والتوكل والإيمان والأعمال والتقوى. وأخبر أن آياته إنما ينتفع بها أولو الصبر. وأخبر أن الصبر خير لأهله. وأن الملائكة تسلم عليهم في الجنة بصبرهم كما تقدم ذلك. وليس في استكراه النفوس لألم ما تصبر عليه وإحساسها به ما يقدح في محبتها ولا توحيدها. فإن إحساسها بالألم ونفرتها منه: أمر طبعي لها. كاقتضائها للغذاء من الطعام والشراب. وتألمها بفقده. فلوازم النفس لا سبيل إلى إعدامها أو تعطيلها بالكلية. وإلا لم تكن نفسا إنسانية. ولارتفعت المحنة. وكانت عالما آخر. والصبر والمحبة لا يتناقضان. بل يتواخيان ويتصاحبان. والمحب صبور بل علة الصبر في الحقيقة المناقضة للمحبة المزاحمة للتوحيد - أن يكون الباعث عليه غير إرادة رضا المحبوب. بل إرادة غيره أو مزاحمته بإرادة غيره أو المراد منه. لا مراده. هذه هي وحشة الصبر ونكارته. وأما من رأى صبره بالله وصبره لله وصبر مع الله مشاهدا أن صبره به تعالى لا بنفسه. فهذا لا تلحق محبته وحشة. ولا توحيده نكارة. ثم لو استقام له هذا لكان في نوع واحد من أنواع الصبر. وهو الصبر على المكاره. فأما الصبر على الطاعات - وهو حبس النفس عليها - وعن المخالفات - وهو منع(2\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "656",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13653",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النفس منها طوعا واختيارا والتذاذا - فأي وحشة في هذا وأي نكارة فيه فإن قيل: إذا كان يفعل ذلك طوعا ومحبة ورضا وإيثارا: لم يكن الحامل له على ذلك الصبر. فيكون صبره في هذا الحال ملزوم الوحشة والنكارة. لمنافاتها لحال المحب. قيل: لا منافاة في ذلك بوجه. فإن صبره حينئذ قد اندرج في رضاه. وانطوى فيه. وصار الحكم للرضا. لا أن الصبر عدم بل لقوة وارد الرضا والحب. وإيثار مراد المحبوب صار المشهد والمنزل للرضا بحكم الحال. والصبر جزء منه ومنطو فيه. ونحن لا ننكر هذا القدر. فإن كان هو المراد فحبذا الوفاق. وليس المقصود القيل والقال. ومنازعات الجدال. وإن كان غيره: فقد عرف ما فيه. والله سبحانه وتعالى أعلم.  [فصل درجات الصبر] [الدرجة الأولى الصبر عن المعصية] فصل قال: وهو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: الصبر عن المعصية بمطالعة الوعيد: إبقاء على الإيمان وحذرا من الحرام وأحسن منها: الصبر عن المعصية حياء. ذكر للصبر عن المعصية سببين وفائدتين. أما السببان: فالخوف من لحوق الوعيد المترتب عليها. والثاني الحياء من الرب تبارك وتعالى أن يستعان على معاصيه بنعمه وأن يبارز بالعظائم. وأما الفائدتان: فالإبقاء على الإيمان والحذر من الحرام. فأما مطالعة الوعيد والخوف منه: فيبعث عليه قوة الإيمان بالخبر والتصديق بمضمونه. وأما الحياء: فيبعث عليه قوة المعرفة ومشاهدة معاني الأسماء والصفات. وأحسن من ذلك: أن يكون الباعث عليه وازع الحب. فيترك معصيته محبة له كحال الصهيبيين.(2\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "657",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13654",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الفائدتان: فالإبقاء على الإيمان: يبعث على ترك المعصية. لأنها لا بد أن تنقصه أو تذهب به أو تذهب رونقه وبهجته أو تطفئ نوره أو تضعف قوته أو تنقص ثمرته. هذا أمر ضروري بين المعصية وبين الإيمان يعلم بالوجود والخبر والعقل كما صح عنه صلى الله عليه وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن. ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن. ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن. ولا ينتهب نهبة ذات شرف - يرفع إليه الناس فيها أبصارهم حين ينتهبها - وهو مؤمن. فإياكم إياكم. والتوبة معروضة بعد . وأما الحذر عن الحرام: فهو الصبر عن كثير من المباح حذرا من أن يسوقه إلى الحرام. ولما كان الحياء من شيم الأشراف وأهل الكرم والنفوس الزكية كان صاحبه أحسن حالا من أهل الخوف. ولأن في الحياء من الله ما يدل على مراقبته وحضور القلب معه. ولأن فيه من تعظيمه وإجلاله ما ليس في وازع الخوف. فمن وازعه الخوف: قلبه حاضر مع العقوبة. ومن وازعه الحياء: قلبه حاضر مع الله. والخائف مراع جانب نفسه وحمايتها. والمستحي مراع جانب ربه وملاحظ عظمته.(2\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "658",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13655",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكلا المقامين من مقامات أهل الإيمان. غير أن الحياء أقرب إلى مقام الإحسان وألصق به إذ أنزل نفسه منزلة من كأنه يرى الله. فنبعت ينابيع الحياء من عين قلبه وتفجرت عيونها.  [الدرجة الثانية الصبر على الطاعة] قال: الدرجة الثانية: الصبر على الطاعة بالمحافظة عليها دواما وبرعايتها إخلاصا. وبتحسينها علما. هذا يدل على أن عنده: أن فعل الطاعة آكد من ترك المعصية. فيكون الصبر عليها فوق الصبر عن ترك المعصية في الدرجة. وهذا هو الصواب - كما تقدم - فإن ترك المعصية إنما كان لتكميل الطاعة. والنهي مقصود للأمر. فالمنهي عنه لما كان يضعف المأمور به وينقصه: نهى عنه حماية وصيانة لجانب الأمر فجانب الأمر أقوى وآكد. وهو بمنزلة الصحة والحياة. والنهي بمنزلة الحمية التي تراد لحفظ الصحة وأسباب الحياة. وذكر الشيخ: أن الصبر في هذه الدرجة بثلاثة أشياء: دوام الطاعة. والإخلاص فيها. ووقوعها على مقتضى العلم. وهو تحسينها علما. فإن الطاعة تتخلف من فوات واحد من هذه الثلاثة. فإن العبد إن لم يحافظ عليها دواما عطلها وإن حافظ فيها دواما عرض لها آفتان. إحداهما: ترك الإخلاص فيها. بأن يكون الباعث عليها غير وجه الله وإرادته والتقرب إليه. فحفظها من هذه الآفة: برعاية الإخلاص. الثانية: ألا تكون مطابقة للعلم بحيث لا تكون على اتباع السنة. فحفظها من هذه الآفة بتجريد المتابعة. كما أن حفظها من تلك الآفة بتجريد القصد والإرادة. فلذلك قال: بالمحافظة عليها دواما ورعايتها إخلاصا وتحسينها علما.  [فصل الدرجة الثالثة الصبر في البلاء] فصل قال: الدرجة الثالثة: الصبر في البلاء بملاحظة حسن الجزاء وانتظار روح الفرج. وتهوين البلية بعد أيادي المنن. وبذكر سوالف النعم.(2\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "659",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13656",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذه ثلاثة أشياء تبعث المتلبس بها على الصبر في البلاء. إحداها: ملاحظة حسن الجزاء. وعلى حسب ملاحظته والوثوق به ومطالعته يخفف حمل البلاء لشهود العوض وهذا كما يخف على كل متحمل مشقة عظيمة حملها لما يلاحظه من لذة عاقبتها وظفره بها. ولولا ذلك لتعطلت مصالح الدنيا والآخرة. وما أقدم أحد على تحمل مشقة عاجلة إلا لثمرة مؤجلة فالنفس مولعة بحب العاجل. وإنما خاصة العقل: تلمح العواقب ومطالعة الغايات. وأجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم. وأن من رافق الراحة فارق الراحة. وحصل على المشقة وقت الراحة في دار الراحة فإن قدر التعب تكون الراحة. على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكريم الكرائم ويكبر في عين الصغير صغيرها ... وتصغر في عين العظيم العظائم والقصد: أن ملاحظة حسن العاقبة تعين على الصبر فيما تتحمله باختيارك وغير اختيارك. والثاني انتظار روح الفرج يعني راحته ونسيمه ولذته. فإن انتظاره ومطالعته وترقبه يخفف حمل المشقة. ولا سيما عند قوة الرجاء. أو القطع بالفرج. فإنه يجد في حشو البلاء من روح الفرج ونسيمه وراحته: ما هو من خفي الألطاف وما هو فرج معجل. وبه - وبغيره - يفهم معنى اسمه اللطيف. والثالث: تهوين البلية بأمرين. أحدهما: أن يعد نعم الله عليه وأياديه عنده. فإذا عجز عن عدها وأيس من حصرها هان عليه ما هو فيه من البلاء ورآه - بالنسبة إلى أيادي الله ونعمه - كقطرة من بحر. الثاني: تذكر سوالف النعم التي أنعم الله بها عليه. فهذا يتعلق بالماضي. وتعداد أيادي المنن: يتعلق بالمستقبل. وأحدهما في الدنيا. والثاني يوم الجزاء.(2\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "660",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13657",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويحكى عن امرأة من العابدات أنها عثرت. فانقطعت إصبعها. فضحكت. فقال لها بعض من معها: أتضحكين وقد انقطعت إصبعك فقالت: أخاطبك على قدر عقلك. حلاوة أجرها أنستني مرارة ذكرها. إشارة إلى أن عقله لا يحتمل ما فوق هذا المقام. من ملاحظة المبتلي. ومشاهدة حسن اختياره لها في ذلك البلاء وتلذذها بالشكر له والرضا عنه ومقابلة ما جاء من قبله بالحمد والشكر. كما قيل: لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... فقد سرني أني خطرت ببالكا  [فصل صبر العامة] فصل قال وأضعف الصبر: الصبر لله. وهو صبر العامة. وفوقه: الصبر بالله. وهو صبر المريدين. وفوقه: الصبر على الله. وهو صبر السالكين. معنى كلامه: أن صبر العامة لله. أي رجاء ثوابه وخوف عقابه. وصبر المريدين بالله. أي بقوة الله ومعونته. فهم لا يرون لأنفسهم صبرا ولا قوة لهم عليه. بل حالهم التحقق ب quot; لا حول ولا قوة إلا بالله quot; علما ومعرفة وحالا. وفوقهما: الصبر على الله. أي على أحكامه. إذ صاحبه يشهد المتصرف فيه. فهو يصبر على أحكامه الجارية عليه جالبة عليه ما جلبت من محبوب ومكروه. فهذه درجة صبر السالكين. وهؤلاء الثلاثة عنده من العوام. إذ هو في مقام الصبر. وقد ذكر أنه للعامة وأنه من أضعف منازلهم. هذا تقرير كلامه. والصواب: أن الصبر لله فوق الصبر بالله وأعلى درجة منه وأجل. فإن الصبر لله متعلق بإلهيته. والصبر به: متعلق بربوبيته. وما تعلق بإلهيته أكمل وأعلى مما تعلق بربوبيته. ولأن الصبر له: عبادة. والصبر به استعانة. والعبادة غاية. والاستعانة وسيلة. والغاية مرادة لنفسها والوسيلة مرادة لغيرها.(2\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "661",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13658",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولأن الصبر به مشترك بين المؤمن والكافر والبر والفاجر. فكل من شهد الحقيقة الكونية صبر به. وأما الصبر له: فمنزلة الرسل والأنبياء والصديقين وأصحاب مشهد إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] . ولأن الصبر له: صبر فيما هو حق له محبوب له مرضي له. والصبر به: قد يكون في ذلك وقد يكون فيما هو مسخوط له. وقد يكون في مكروه أو مباح فأين هذا من هذا وأما تسمية الصبر على أحكامه صبرا عليه. فلا مشاحة في العبارة بعد معرفة المعنى. فهذا هو الصبر على أقداره. وقد جعله الشيخ في الدرجة الثالثة وقد عرفت بما تقدم: أن الصبر على طاعته والصبر عن معصيته: أكمل من الصبر على أقداره - كما ذكرنا في صبر يوسف عليه السلام - فإن الصبر فيها صبر اختيار وإيثار ومحبة. والصبر على أحكامه الكونية: صبر ضرورة. وبينهما من البون ما قد عرفت. وكذلك كان صبر نوح وإبراهيم وموسى عليهم الصلاة والسلام على ما نالهم في الله باختيارهم وفعلهم ومقاومتهم قومهم: أكمل من صبر أيوب على ما ناله في الله من ابتلائه وامتحانه بما ليس مسببا عن فعله. وكذلك كان صبر إسماعيل الذبيح. وصبر أبيه إبراهيم عليهما السلام على تنفيذ أمر الله أكمل من صبر يعقوب على فقد يوسف. فعلمت بهذا أن الصبر لله أكمل من الصبر بالله. والصبر على طاعته والصبر على معصيته أكمل من الصبر على قضائه وقدره. والله المستعان. وعليه التكلان. ولا حول ولا قوة إلا بالله. فإن قلت: الصبر بالله أقوى من الصبر لله. فإن ما كان بالله كان بحوله وقوته. وما كان به لم يقاومه شيء. ولم يقم له شيء. وهو صبر أرباب الأحوال والتأثير. والصبر لله صبر أهل العبادة والزهد. ولهذا هم - مع إخلاصهم وزهدهم وصبرهم لله - أضعف من الصابرين به فلهذا قال: وأضعف الصبر: الصبر لله. قيل: المراتب أربعة. إحداها: مرتبة الكمال. وهي مرتبة أولي العزائم. وهي الصبر لله وبالله. فيكون(2\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "662",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13659",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في صبره مبتغيا وجه الله صابرا به متبرئا من حوله وقوته. فهذا أقوى المراتب وأرفعها وأفضلها. الثانية: أن لا يكون فيه لا هذا ولا هذا. فهو أخس المراتب وأردأ الخلق. وهو جدير بكل خذلان وبكل حرمان. الثالثة: مرتبة من فيه صبر بالله. وهو مستعين متوكل على حوله وقوته. متبرئ من حوله هو وقوته. ولكن صبره ليس لله إذ ليس صبره فيما هو مراد الله الديني منه. فهذا ينال مطلوبه ويظفر به. ولكن لا عاقبة له. وربما كانت عاقبته شر العواقب. وفي هذا المقام خفراء الكفار وأرباب الأحوال الشيطانية. فإن صبرهم بالله لا لله ولا في الله. ولهم من الكشف والتأثير بحسب قوة أحوالهم. وهم من جنس الملوك الظلمة. فإن الحال كالملك يعطاه البر والفاجر والمؤمن والكافر. الرابع: من فيه صبر لله لكنه ضعيف النصيب من الصبر به والتوكل عليه والثقة به والاعتماد عليه. فهذا له عاقبة حميدة ولكنه ضعيف عاجز مخذول في كثير من مطالبه. لضعف نصيبه من إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] فنصيبه من الله: أقوى من نصيبه بالله. فهذا حال المؤمن الضعيف. وصابر بالله لا لله: حال الفاجر القوي. وصابر لله وبالله: حال المؤمن القوي. والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. فصابر لله وبالله عزيز حميد. ومن ليس لله ولا بالله مذموم مخذول. ومن هو بالله لا لله قادر مذموم. ومن هو لله لا بالله عاجز محمود. فبهذا التفصيل يزول الاشتباه في هذا الباب. ويتبين فيه الخطأ من الصواب. والله سبحانه وتعالى أعلم.  [فصل منزلة الرضا] [حقيقة الرضا] فصل منزلة الرضا ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الرضا وقد أجمع العلماء على أنه مستحب مؤكد استحبابه. واختلفوا في وجوبه على قولين.(2\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "663",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13660",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يحكيهما على قولين لأصحاب أحمد. وكان يذهب إلى القول باستحبابه. قال: ولم يجئ الأمر به كما جاء الأمر بالصبر. وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحهم. قال: وأما ما يروى من الأثر: من لم يصبر على بلائي ولم يرض بقضائي فليتخذ ربا سوائي. فهذا أثر إسرائيلي ليس يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: ولا سيما عند من يرى أنه من جملة الأحوال التي ليست بمكتسبة بل هو موهبة محضة. فكيف يؤمر به. وليس مقدورا عليه وهذه مسألة اختلف فيها أرباب السلوك على ثلاث طرق فالخراسانيون قالوا: الرضا من جملة المقامات. وهو نهاية التوكل. فعلى هذا: يمكن أن يتوصل إليه العبد باكتسابه. والعراقيون قالوا: هو من جملة الأحوال. وليس كسبيا للعبد بل هو نازلة تحل بالقلب كسائر الأحوال. والفرق بين المقامات والأحوال: أن المقامات عندهم من المكاسب. والأحوال مجرد المواهب. وحكمت فرقة ثالثة بين الطائفتين. منهم القشيري - صاحب الرسالة - وغيره فقالوا: يمكن الجمع بينهما بأن يقال: بداية الرضا مكتسبة للعبد. وهي من جملة المقامات. ونهايته من جملة الأحوال. وليست مكتسبة. فأوله مقام ونهايته حال. واحتج من جعله من جملة المقامات: بأن الله مدح أهله وأثنى عليهم وندبهم إليه. فدل ذلك على أنه مقدور لهم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا .(2\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "664",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13661",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال: من قال حين يسمع النداء: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا غفرت له ذنوبه . وهذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدين وإليهما ينتهي. وقد تضمنا الرضا بربوبيته سبحانه وألوهيته. والرضا برسوله والانقياد له. والرضا بدينه والتسليم له ومن اجتمعت له هذه الأربعة: فهو الصديق حقا. وهي سهلة بالدعوى واللسان. وهي من أصعب الأمور عند الحقيقة والامتحان. ولا سيما إذا جاء ما يخالف هوى النفس ومرادها. من ذلك تبين أن الرضا كان لسانه به ناطقا. فهو على لسانه لا على حاله. فالرضا بإلهيته يتضمن الرضا بمحبته وحده وخوفه ورجائه والإنابة إليه والتبتل إليه وانجذاب قوى الإرادة والحب كلها إليه. فعل الراضي بمحبوبه كل الرضا. وذلك يتضمن عبادته والإخلاص له. والرضا بربوبيته: يتضمن الرضا بتدبيره لعبده. ويتضمن إفراده بالتوكل عليه. والاستعانة به والثقة به والاعتماد عليه. وأن يكون راضيا بكل ما يفعل به. فالأول: يتضمن رضاه بما يؤمر به. والثاني: يتضمن رضاه بما يقدر عليه. وأما الرضا بنبيه رسولا: فيتضمن كمال الانقياد له. والتسليم المطلق إليه بحيث يكون أولى به من نفسه. فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته. ولا يحاكم إلا إليه. ولا يحكم عليه غيره ولا يرضى بحكم غيره ألبتة. لا في شيء من أسماء الرب وصفاته وأفعاله. ولا في شيء من أذواق حقائق الإيمان ومقاماته. ولا في شيء من أحكام ظاهره وباطنه. لا يرضى في ذلك بحكم غيره. ولا يرضى إلا بحكمه. فإن عجز عنه كان تحكيمه غيره من باب غذاء المضطر إذا لم يجد ما يقيته إلا من الميتة والدم. وأحسن أحواله: أن يكون من باب التراب الذي إنما يتيمم به عند العجز عن استعمال الماء الطهور. وأما الرضا بدينه: فإذا قال أو حكم أو أمر أو نهى: رضي كل الرضا. ولم يبق في قلبه حرج من حكمه. وسلم له تسليما. ولو كان مخالفا لمراد نفسه أو هواها أو قول مقلده وشيخه وطائفته.(2\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "665",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13662",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهاهنا يوحشك الناس كلهم إلا الغرباء في العالم. فإياك أن تستوحش من الاغتراب والتفرد. فإنه والله عين العزة والصحبة مع الله ورسوله وروح الأنس به. والرضا به ربا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا وبالإسلام دينا. بل الصادق كلما وجد مس الاغتراب وذاق حلاوته وتنسم روحه. قال: اللهم زدني اغترابا ووحشة من العالم وأنسا بك. وكلما ذاق حلاوة هذا الاغتراب وهذا التفرد: رأى الوحشة عين الأنس بالناس والذل عين العز بهم. والجهل عين الوقوف مع آرائهم وزبالة أذهانهم والانقطاع عين التقيد برسومهم وأوضاعهم. فلم يؤثر بنصيبه من الله أحدا من الخلق. ولم يبع حظه من الله بموافقتهم فيما لا يجدي عليه إلا الحرمان. وغايته: مودة بينهم في الحياة الدنيا. فإذا انقطعت الأسباب. وحقت الحقائق وبعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور وبليت السرائر ولم يجد من دون مولاه الحق من قوة ولا ناصر: تبين له حينئذ مواقع الربح والخسران. وما الذي يخف أو يرجح به الميزان. والله المستعان وعليه التكلان. والتحقيق في المسألة: أن الرضا كسبي باعتبار سببه موهبي باعتبار حقيقته. فيمكن أن يقال بالكسب لأسبابه. فإذا تمكن في أسبابه وغرس شجرته: اجتنى منها ثمرة الرضا. فإن الرضا آخر التوكل. فمن رسخ قدمه في التوكل والتسليم والتفويض: حصل له الرضا ولا بد. ولكن لعزته وعدم إجابة أكثر النفوس له وصعوبته عليها - لم يوجبه الله على خلقه. رحمة بهم وتخفيفا عنهم. لكن ندبهم إليه. وأثنى على أهله وأخبر أن ثوابه رضاه عنهم الذي هو أعظم وأكبر وأجل من الجنان وما فيها. فمن رضي عن ربه رضي الله عنه. بل رضا العبد عن الله من نتائج رضا الله عنه. فهو محفوف بنوعين من رضاه عن عبده: رضا قبله أوجب له أن يرضى عنه ورضا بعده. هو ثمرة رضاه عنه. ولذلك كان الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العارفين وحياة المحبين ونعيم العابدين وقرة عيون المشتاقين. ومن أعظم أسباب حصول الرضا: أن يلزم ما جعل الله رضاه فيه. فإنه يوصله إلى مقام الرضا ولا بد. قيل ليحيى بن معاذ: متى يبلغ العبد إلى مقام الرضا فقال: إذا أقام نفسه على أربعة أصول فيما يعامل به ربه فيقول: إن أعطيتني قبلت. وإن منعتني رضيت. وإن تركتني عبدت. وإن دعوتني أجبت. وقال الجنيد: الرضا هو صحة العلم الواصل إلى القلب. فإذا باشر القلب(2\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "666",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13663",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حقيقة العلم أداه إلى الرضا. وليس الرضا والمحبة كالرجاء والخوف. فإن الرضا والمحبة حالان من أحوال أهل الجنة. لا يفارقان المتلبس بهما في الدنيا ولا في البرزخ ولا في الآخرة. بخلاف الخوف والرجاء. فإنهما يفارقان أهل الجنة بحصول ما كانوا يرجونه وأمنهم مما كانوا يخافونه. وإن كان رجاؤهم لما ينالون من كرامته دائما لكنه ليس رجاء مشوبا بشك. بل هو رجاء واثق بوعد صادق من حبيب قادر. فهذا لون ورجاؤهم في الدنيا لون. وقال ابن عطاء: الرضا سكون القلب إلى قديم اختيار الله للعبد أنه اختار له الأفضل. فيرضى به. قلت: وهذا رضا بما منه. وأما الرضا به: فأعلى من هذا وأفضل. ففرق بين من هو راض بمحبوبه وبين من هو راض بما يناله من محبوبه من حظوظ نفسه. والله أعلم.  [فصل شرط الرضا] فصل وليس من شرط الرضا ألا يحس بالألم والمكاره وليس من شرط الرضا ألا يحس بالألم والمكاره. بل ألا يعترض على الحكم ولا يتسخطه. ولهذا أشكل على بعض الناس الرضا بالمكروه وطعنوا فيه. وقالوا: هذا ممتنع على الطبيعة. وإنما هو الصبر وإلا فكيف يجتمع الرضا والكراهة وهما ضدان. والصواب: أنه لا تناقض بينهما وأن وجود التألم وكراهة النفس له لا ينافي الرضا كرضا المريض بشرب الدواء الكريه ورضا الصائم في اليوم الشديد الحر بما يناله من ألم الجوع والظمأ ورضا المجاهد بما يحصل له في سبيل الله من ألم الجراح وغيرها. وطريق الرضا طريق مختصرة قريبة جدا موصلة إلى أجل غاية. ولكن فيها مشقة. ومع هذا فليست مشقتها بأصعب من مشقة طريق المجاهدة. ولا فيها من العقبات والمفاوز ما فيها. وإنما عقبتها همة عالية. ونفس زكية وتوطين النفس على كل ما يرد عليها من الله. ويسهل ذلك على العبد: علمه بضعفه وعجزه ورحمته به وشفقته عليه وبره به فإذا شهد هذا وهذا ولم يطرح نفسه بين يديه ويرضى به وعنه وتنجذب دواعي حبه ورضاه كلها إليه: فنفسه نفس مطرودة عن الله بعيدة عنه. ليست مؤهلة لقربه وموالاته أو نفس ممتحنة مبتلاة بأصناف البلايا والمحن.(2\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "667",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13664",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فطريق الرضا والمحبة: تسير العبد وهو مستلق على فراشه. فيصبح أمام الركب بمراحل. وثمرة الرضا: الفرح والسرور بالرب تبارك وتعالى. ورأيت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - في المنام. وكأني ذكرت له شيئا من أعمال القلب. وأخذت في تعظيمه ومنفعته - لا أذكره الآن - فقال: أما أنا فطريقتي: الفرح بالله والسرور به أو نحو هذا من العبارة. وهكذا كانت حاله في الحياة. يبدو ذلك على ظاهره. وينادي به عليه حاله. لكن قد قال الواسطي: استعمل الرضا جهدك. ولا تدع الرضا يستعملك فتكون محجوبا بلذته ورؤيته عن حقيقة ما تطالع. وهذا الذي أشار إليه الواسطي هو عقبة عظيمة عند القوم ومقطع لهم. فإن مساكنة الأحوال والسكون إليها والوقوف عندها استلذاذا ومحبة: حجاب بينهم وبين ربهم بحظوظهم عن مطالعة حقوق محبوبهم ومعبودهم. وهي عقبة لا يحوزها إلا أولو العزائم. وكان الواسطي كثير التحذير من هذه العقبة. شديد التنبيه عليها. ومن كلامه: إياكم واستحلاء الطاعات. فإنها سموم قاتلة. فهذا معنى قوله: استعمل الرضا جهدك. ولا تدع الرضا يستعملك أي لا يكون عملك لأجل حصول حلاوة الرضا بحيث تكون هي الباعثة لك عليه. بل اجعله آلة لك وسببا موصلا إلى قصدك ومطلوبك. فتكون مستعملا له لا أنه مستعمل لك. وهذا لا يختص بالرضا بل هو عام في جميع الأحوال والمقامات القلبية التي يسكن إليها القلب حتى إنه أيضا لا يكون عاملا على المحبة لأجل المحبة وما فيها من اللذة والسرور والنعيم به. بل يستعمل المحبة في مرضاة المحبوب لا يقف عندها. فهذا من علل المحبة.(2\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "668",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13665",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ذو النون: ثلاثة من أعلام الرضا: ترك الاختيار قبل القضاء وفقدان المرارة بعد القضاء. وهيجان الحب في حشو البلاء. وقيل للحسين بن علي رضي الله عنهما: إن أبا ذر رضي الله عنه يقول: الفقر أحب إلي من الغنى والسقم أحب إلي من الصحة. فقال: رحم الله أبا ذر. أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله له لم يتمن غير ما اختار الله له. وقال الفضيل بن عياض ل بشر الحافي: الرضا أفضل من الزهد في الدنيا. لأن الراضي لا يتمنى فوق منزلته. وسئل أبو عثمان عن قول النبي صلى الله عليه وسلم أسألك الرضا بعد القضاء فقال: لأن الرضا قبل القضا عزم على الرضا. والرضا بعد القضا هو الرضا. وقيل: الرضا ارتفاع الجزع في أي حكم كان. وقيل: رفع الاختيار. وقيل: استقبال الأحكام بالفرح. وقيل: سكون القلب تحت مجاري الأحكام. وقيل: نظر القلب إلى قديم اختيار الله للعبد. وهو ترك السخط. وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى رضي الله عنهما: أما بعد فإن الخير كله في الرضا فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر. وقال أبو علي الدقاق: الإنسان خزف. وليس للخزف من الخطر ما يعارض فيه حكم الحق تعالى. وقال أبو عثمان الحيري: منذ أربعين سنة ما أقامني الله في حال فكرهته وما نقلني إلى غيره فسخطته. والرضا ثلاثة أقسام: رضا العوام بما قسمه الله وأعطاه. ورضا الخواص بما قدره وقضاه. ورضا خواص الخواص به بدلا من كل ما سواه.  [فصل الدخول في الرضا شرط في رجوع النفس إلى ربها] فصل قال صاحب quot; المنازل quot;: قال الله تعالى: يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي [الفجر: 27](2\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "669",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13666",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يدع في هذه الآية للمتسخط إليه سبيلا. وشرط القاصد الدخول في الرضا. والرضا اسم للوقوف الصادق حيثما وقف العبد. لا يلتمس متقدما ولا متأخرا ولا يستزيد مزيدا. ولا يستبدل حالا. وهو من أوائل مسالك أهل الخصوص. وأشقها على العامة. أما قوله: لم يدع في هذه الآية للمتسخط إليه سبيلا فلأنه قيد رجوعها إليه سبحانه بحال. وهو وصف الرضا. فلا سبيل إلى الرجوع إليه مع سلب ذلك الوصف عنها. وهذا نظير قوله تعالى: الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون [النحل: 32] . فإنما أوجب لهم هذا السلام من الملائكة والبشارة بقيد وهو وفاتهم طيبين. فلم تبق الآية لغير الطيب سبيلا إلى هذه البشارة. والحاصل: أن الدخول في الرضا شرط في رجوع النفس إلى ربها. فلا ترجع إليه إلا إذا كانت راضية. قلت: هذا تعلق بإشارة الآية لا بالمراد منها. فإن المراد منها: رضاها بما حصل لها من كرامته. وبما نالته منها عند الرجوع إليه. فحصل لها رضاها والرضا عنها. وهذا يقال لها عند خروجها من دار الدنيا وقدومها على الله. قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: إذا توفي العبد المؤمن أرسل الله إليه ملكين. وأرسل إليه بتحفة من الجنة. فيقال: اخرجي أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى روح وريحان ورب عنك راض. وفي وقت هذه المقالة ثلاثة أقوال للسلف. أحدها: أنه عند الموت. وهو الأشهر. قال الحسن: إذا أراد قبضها اطمأنت إلى ربها. ورضيت عن الله فيرضى الله عنها. وقال آخرون: إنما يقال لها ذلك عند البعث. هذا قول عكرمة وعطاء والضحاك وجماعة. وقال آخرون: الكلمة الأولى وهي ارجعي إلى ربك راضية مرضية [الفجر: 28] تقال لها(2\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "670",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13667",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عند الموت. والكلمة الثانية - وهي فادخلي في عبادي وادخلي جنتي [الفجر: 29] تقال لها يوم القيامة. قال أبو صالح ارجعي إلى ربك راضية مرضية [الفجر: 28] هذا عند خروجها من الدنيا. فإذا كان يوم القيامة قيل لها فادخلي في عبادي وادخلي جنتي [الفجر: 29] والصواب: أن هذا القول يقال لها عند الخروج من الدنيا ويوم القيامة. فإن أول بعثها عند مفارقتها الدنيا وحينئذ فهي في الرفيق الأعلى إن كانت مطمئنة إلى الله وفي جنته. كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة. فإذا كان يوم القيامة قيل لها ذلك. وحينئذ فيكون تمام الرجوع إلى الله ودخول الجنة. فأول ذلك عند الموت. وتمامه ونهايته يوم القيامة فلا اختلاف في الحقيقة. ولكن الشيخ أخذ من إشارة الآية: أن رجوعها إلى الله من الخلق في هذا العالم إنما يحصل برضاها. ولكن لو استدل بالآية في مقام الطمأنينة لكان أولى فإن هذا الرجوع الذي حصل لها فيه رضاها والرضا عنها: إنما نالته بالطمأنينة. وهو حظ الكسب من هذه الآية وموضع التنبيه على موقع الطمأنينة وما يحصل لصاحبها. فلنرجع إلى شرح كلامه. قوله: الرضا هو الوقوف الصادق. يريد به الوقوف مع مراد الرب تبارك وتعالى الديني حقيقة من غير تردد في ذلك ولا معارضة. وهذا مطلوب القوم السابقين. وهو الوقوف الصادق مع محاب الرب تعالى من غير أن يشوب ذلك تردد ولا يزاحمه مراد. قوله: حيثما وقف العبد. يصح أن يكون العبد فاعلا. أي حيث ما وقف بإذن ربه لا يلتمس تقدما ولا تأخرا. ويصح أن يكون مفعولا وهو أظهر. أي حيثما وقف الله العبد - فإن وقف يستعمل لازما ومتعديا - أي حيثما وقفه ربه. لا يطلب تقدما ولا تأخرا. وهذا إنما يكون فيما يقفه فيه من مراده الكوني الذي لا يتعلق بالأمر والنهي. وأما إذا وقفه في مراد ديني فكماله بطلب التقدم فيه دائما. فإنه إن لم تكن همته التقدم إلى الله في كل لحظة: رجع من حيث لا يدري. فلا وقوف في الطريق ألبتة ولكن إذا وقف في مقام - من الغنى والفقر والراحة والتعب والعافية والسقم والاستيطان ومفارقة الأوطان - يقف حيث وقفه. لا يطلب غير تلك الحالة التي أقامه الله فيها. وهذا لتصحيح رضاه باختيار الله له والفناء به عن اختياره لنفسه. وكذلك قوله: لا يستزيد مزيدا ولا يستبدل حالا. هذا المعنى الذي ذكره الشيخ فرد من أفراد الرضا وهو الرضا بالأقسام والأحكام الكونية التي لم يؤمر بمدافعتها.(2\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "671",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13668",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله: وهو من أوائل مسالك أهل الخصوص يعني أن سلوك أهل الخصوص: هو بالخروج عن النفس والخروج عن الإرادة: هو مبدأ الخروج عن النفس. فإذا الرضا - بهذا الاعتبار - من أوائل مسالك الخاصة. وهذا على أصله في كون الفناء غاية مطلوبة فوق الرضا. والصواب: أن الرضا أجل منه وأعلى. وهو غاية لا بداية. نعم فوقه مقام الشكر فهو منزلة بينه وبين منزلة الصبر. وقوله: وأشقها على العامة وذلك لمشقة الخروج عن الحظوظ على العامة والرضا أول ما فيه: الخروج عن الحظوظ. والله سبحانه وتعالى أعلم.  [فصل درجات الرضا] [الدرجة الأولى رضا العامة] فصل درجات الرضا قال: وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: رضا العامة. وهو الرضا بالله ربا وتسخط عبادة ما دونه وهذا قطب رحى الإسلام. وهو يطهر من الشرك الأكبر. الرضا بالله ربا: أن لا يتخذ ربا غير الله تعالى يسكن إلى تدبيره. وينزل به حوائجه. قال الله تعالى: قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء [الأنعام: 164] قال ابن عباس رضي الله عنهما: سيدا وإلها. يعني فكيف أطلب ربا غيره وهو رب كل شيء وقال في أول السورة قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض [الأنعام: 14] يعني معبودا وناصرا ومعينا وملجأ. وهو من الموالاة التي تتضمن الحب والطاعة. وقال في وسطها أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا [الأنعام: 114] أي: أفغير الله أبتغي من يحكم بيني وبينكم فنتحاكم إليه فيما اختلفنا فيه وهذا كتابه سيد الحكام فكيف نتحاكم إلى غير كتابه وقد أنزله مفصلا مبينا كافيا شافيا. وأنت إذا تأملت هذه الآيات الثلاث حق التأمل رأيتها هي نفس الرضا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا ورأيت الحديث يترجم عنها ومشتقا منها. فكثير من الناس يرضى بالله ربا ولا يبغي ربا سواه لكنه لا يرضى به وحده وليا(2\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "672",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13669",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وناصرا. بل يوالي من دونه أولياء. ظنا منه أنهم يقربونه إلى الله وأن موالاتهم كموالاة خواص الملك. وهذا عين الشرك. بل التوحيد: أن لا يتخذ من دونه أولياء. والقرآن مملوء من وصف المشركين بأنهم اتخذوا من دونه أولياء. وهذا غير موالاة أنبيائه ورسله وعباده المؤمنين فيه. فإن هذا من تمام الإيمان ومن تمام موالاته. فموالاة أوليائه لون واتخاذ الولي من دونه لون. ومن لم يفهم الفرقان بينهما فليطلب التوحيد من أساسه. فإن هذه المسألة أصل التوحيد وأساسه. وكثير من الناس يبتغي غيره حكما يتحاكم إليه ويخاصم إليه ويرضى بحكمه. وهذه المقامات الثلاث هي أركان التوحيد: أن لا يتخذ سواه ربا ولا إلها ولا غيره حكما. وتفسير الرضا بالله ربا: أن يسخط عبادة ما دونه. هذا هو الرضا بالله ربا. وهو من تمام الرضا بالله ربا. فمن أعطي الرضا به ربا حقه سخط عبادة ما دونه قطعا. لأن الرضا بتجريد ربوبيته يستلزم تجريد عبادته كما أن العلم بتوحيد الربوبية يستلزم العلم بتوحيد الإلهية. وقوله: وهو قطب رحى الإسلام يعني أن مدار رحى الإسلام على أن يرضى العبد بعبادة ربه وحده وأن يسخط عبادة غيره. وقد تقدم أن العبادة هي الحب مع الذل. فكل من ذللت له وأطعته وأحببته دون الله فأنت عابد له. وقوله: وهو يطهر من الشرك الأكبر. يعني أن الشرك نوعان: أكبر وأصغر فهذا الرضا يطهر صاحبه من الأكبر. وأما الأصغر: فيطهر منه نزوله منزلة إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] .  فصل قال وهو يصح بثلاثة شروط: أن يكون الله عز وجل أحب الأشياء إلى العبد. وأولى الأشياء بالتعظيم وأحق الأشياء بالطاعة. يعني أن هذا النوع من الرضا إنما يصح بثلاثة أشياء أيضا.(2\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "673",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13670",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها: أن يكون الله عز وجل أحب شيء إلى العبد. وهذه تعرف بثلاثة أشياء أيضا. أحدها: أن تسبق محبته إلى القلب كل محبة. فتتقدم محبته المحاب كلها. الثاني: أن تقهر محبته كل محبة. فتكون محبته إلى القلب سابقة قاهرة ومحبة غيره متخلفة مقهورة مغلوبة منطوية في محبته. الثالث: أن تكون محبة غيره تابعة لمحبته. فيكون هو المحبوب بالذات والقصد الأول. وغيره محبوبا تبعا لحبه. كما يطاع تبعا لطاعته. فهو في الحقيقة المطاع المحبوب. وهذه الثلاثة في كونه أولى الأشياء بالتعظيم والطاعة أيضا. فالحاصل: أن يكون الله وحده المحبوب المعظم المطاع. فمن لم يحبه ولم يطعه. ولم يعظمه: فهو متكبر عليه. ومتى أحب معه سواه وعظم معه سواه وأطاع معه سواه: فهو مشرك. ومتى أفرده وحده بالحب والتعظيم والطاعة فهو عبد موحد. والله سبحانه وتعالى أعلم.  [فصل الدرجة الثانية الرضا عن الله] فصل قال: الدرجة الثانية: الرضا عن الله. وبهذا نطقت آيات التنزيل. وهو الرضا عنه في كل ما قضى وقدر. وهذا من أوائل مسالك أهل الخصوص. الشيخ جعل هذه الدرجة أعلى من الدرجة التي قبلها. ووجه قوله: أنه لا يدخل في الإسلام إلا بالدرجة الأولى. فإذا استقر قدمه عليها دخل في مقام الإسلام. وأما هذه الدرجة: فمن معاملات القلوب. وهي لأهل الخصوص. وهي الرضا عنه في أحكامه وأقضيته. وإنما كان من أول مسالك أهل الخصوص لأنه مقدمة للخروج عن النفس والذي هو طريق أهل الخصوص فمقدمته بداية سلوكهم. لأنه يتضمن خروج العبد عن حظوظه ووقوفه مع مراد الله عز وجل. لا مع مراد نفسه. هذا تقرير كلامه. وفي جعله هذه الدرجة أعلى من التي قبلها نظر لا يخفى وهو نظير جعله الصبر بالله أعلى من الصبر لله. والذي ينبغي: أن تكون الدرجة الأولى أعلى شأنا وأرفع قدرا. فإنها مختصة وهذه(2\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "674",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13671",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدرجة مشتركة. فإن الرضا بالقضاء يصح من المؤمن والكافر. وغايته التسليم لقضاء الله وقدره. فأين هذا من الرضا به ربا وإلها ومعبودا وأيضا فالرضا به ربا فرض. بل هو من آكد الفروض باتفاق الأمة. فمن لم يرض به ربا لم يصح له إسلام ولا عمل ولا حال. وأما الرضا بقضائه: فأكثر الناس على أنه مستحب. وليس بواجب. وقيل: بل هو واجب وهما قولان في مذهب أحمد. فالفرق بين الدرجتين فرق ما بين الفرض والندب. وفي الحديث الإلهي الصحيح يقول الله عز وجل: ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه فدل على أن التقرب إليه سبحانه بأداء فرائضه أفضل وأعلى من التقرب إليه بالنوافل. وأيضا: فإن الرضا به ربا يتضمن الرضا عنه ويستلزمه. فإن الرضا بربوبيته: هو رضا العبد بما يأمره به وينهاه عنه ويقسمه له ويقدره عليه ويعطيه إياه ويمنعه منه. فمتى لم يرض بذلك كله لم يكن قد رضي به ربا من جميع الوجوه. وإن كان راضيا به ربا من بعضها. فالرضا به ربا من كل وجه: يستلزم الرضا عنه ويتضمنه بلا ريب. وأيضا: فالرضا به ربا متعلق بذاته وصفاته وأسمائه وربوبيته العامة والخاصة فهو الرضا به خالقا ومدبرا وآمرا وناهيا وملكا ومعطيا ومانعا وحكما ووكيلا ووليا وناصرا ومعينا وكافيا وحسيبا ورقيبا ومبتليا ومعافيا وقابضا وباسطا إلى غير ذلك من صفات ربوبيته. وأما الرضا عنه: فهو رضا العبد بما يفعله به ويعطيه إياه ولهذا لم يجئ إلا في الثواب والجزاء. كقوله تعالى: ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية [الفجر: 27] فهذا برضاها عنه لما حصل لها من كرامته. كقوله تعالى: خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه [البينة: 8] . والرضا به: أصل الرضا عنه والرضا عنه: ثمرة الرضا به. وسر المسألة: أن الرضا به متعلق بأسمائه وصفاته. والرضا عنه: متعلق بثوابه وجزائه.(2\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "675",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13672",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأيضا: فإن النبي صلى الله عليه وسلم علق ذوق طعم الإيمان بمن رضي بالله ربا. ولم يعلقه بمن رضي عنه كما قال صلى الله عليه وسلم ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا. . فجعل الرضا به قرين الرضا بدينه ونبيه. وهذه الثلاثة هي أصول الإسلام التي لا يقوم إلا بها وعليها. وأيضا: فالرضا به ربا يتضمن توحيده وعبادته والإنابة إليه والتوكل عليه وخوفه ورجاءه ومحبته والصبر له وبه. والشكر على نعمه: يتضمن رؤية كل ما منه نعمة وإحسانا وإن ساء عبده. فالرضا به يتضمن شهادة أن لا إله إلا الله والرضا بمحمد رسولا يتضمن شهادة أن محمدا رسول الله والرضا بالإسلام دينا: يتضمن التزام عبوديته وطاعته وطاعة رسوله. فجمعت هذه الثلاثة الدين كله. وأيضا: فالرضا به ربا يتضمن اتخاذه معبودا دون ما سواه. واتخاذه وليا ومعبودا وإبطال عبادة كل ما سواه. وقد قال تعالى لرسوله أفغير الله أبتغي حكما [الأنعام: 114] وقال أغير الله أتخذ وليا [الأنعام: 14] وقال قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء [الأنعام: 164] . فهذا هو عين الرضا به ربا. وأيضا: فإنه جعل حقيقة الرضا به ربا: أن يسخط عبادة ما دونه. فمتى سخط العبد عبادة ما سوى الله من الآلهة الباطلة حبا وخوفا ورجاء وتعظيما وإجلالا - فقد تحقق بالرضا به ربا الذي هو قطب رحى الإسلام. وإنما كان قطب رحى الدين لأن جميع العقائد والأعمال والأحوال: إنما تنبني على توحيد الله عز وجل في العبادة وسخط عبادة ما سواه. فمن لم يكن له هذا القطب لم يكن له رحى تدور عليه. ومن حصل له هذا القطب ثبتت له الرحى. ودارت على ذلك القطب. فيخرج حينئذ من دائرة الشرك إلى دائرة الإسلام. فتدور رحى إسلامه وإيمانه على قطبها الثابت اللازم. وأيضا: فإنه جعل حصول هذه الدرجة من الرضا موقوفا على كون المرضي به ربا - سبحانه - أحب إلى العبد من كل شيء وأولى الأشياء بالتعظيم وأحق الأشياء بالطاعة ومعلوم أن هذا يجمع قواعد العبودية وينظم فروعها وشعبها.(2\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "676",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13673",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولما كانت المحبة التامة ميل القلب بكليته إلى المحبوب: كان ذلك الميل حاملا على طاعته وتعظيمه. وكلما كان الميل أقوى: كانت الطاعة أتم والتعظيم أوفر. وهذا الميل يلازم الإيمان بل هو روح الإيمان ولبه. فأي شيء يكون أعلى من أمر يتضمن أن يكون الله سبحانه أحب الأشياء إلى العبد وأولى الأشياء بالتعظيم وأحق الأشياء بالطاعة وبهذا يجد العبد حلاوة الإيمان. كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله. ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر - بعد إذ أنقذه الله منه - كما يكره أن يلقى في النار . فعلق ذوق الإيمان بالرضا بالله ربا. وعلق وجود حلاوته بما هو موقوف عليه. ولا يتم إلا به وهو كونه سبحانه أحب الأشياء إلى العبد هو ورسوله. ولما كان هذا الحب التام والإخلاص - الذي هو ثمرته - أعلى من مجرد الرضا بربوبيته سبحانه: كانت ثمرته أعلى. وهو وجد حلاوة الإيمان. وثمرة الرضا: ذوق طعم الإيمان. فهذا وجد حلاوة وذلك ذوق طعم. والله المستعان. وإنما ترتب هذا وهذا على الرضا به وحده ربا والبراءة من عبودية ما سواه وميل القلب بكليته إليه وانجذاب قوى المحب كلها إليه. ورضاه عن ربه تابع لهذا الرضا به. فمن رضي بالله ربا رضيه الله له عبدا. ومن رضي عنه في عطائه ومنعه وبلائه وعافيته: لم ينل بذلك درجة رضا الرب عنه إن لم يرض به ربا وبنبيه رسولا وبالإسلام دينا فإن العبد قد يرضى عن الله ربه فيما أعطاه وفيما منعه ولكن لا يرضى به وحده معبودا وإلها. ولهذا إنما ضمن رضا العبد يوم القيامة لمن رضي به ربا. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من قال كل يوم: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا: إلا كان حقا على الله أن يرضيه يوم القيامة .  فصل(2\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "677",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13674",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا عرف هذا فلنرجع إلى شرح كلامه. قال: وبهذا الرضا نطق التنزيل. يشير إلى قوله: عز وجل قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم [المائدة: 119] . وقال تعالى في آخر سورة المجادلة ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون [المجادلة: 22] وفي آخر سورة لم يكن خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه [البينة: 8] . فتضمنت هذه الآيات: جزاءهم على صدقهم وإيمانهم وأعمالهم الصالحة ومجاهدة أعدائه وعدم ولايتهم بأن رضي الله عنهم. فأرضاهم. فرضوا عنه. وإنما حصل لهم هذا بعد الرضا به ربا وبمحمد نبيا وبالإسلام دينا. قوله: وهو الرضا عنه في كل ما قضى. هاهنا ثلاثة أمور: الرضاء بالله والرضا عن الله والرضا بقضاء الله. فالرضا به فرض. والرضا عنه - وإن كان من أجل الأمور وأشرف أنواع العبودية - فلم يطالب به العموم. لعجزهم ومشقته عليهم. وأوجبته طائفة كما أوجبوا الرضا به واحتجوا بحجج. منها: أنه إذا لم يكن راضيا عن ربه فهو ساخط عليه. إذ لا واسطة بين الرضا والسخط. وسخط العبد على ربه مناف لرضاه به ربا. قالوا: وأيضا فعدم رضاه عنه يستلزم سوء ظنه به ومنازعته له في اختياره لعبده وأن الرب تبارك وتعالى يختار شيئا ويرضاه فلا يختاره العبد ولا يرضاه وهذا مناف للعبودية. قالوا: وفي بعض الآثار الإلهية من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي.(2\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "678",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13675",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فليتخذ ربا سواي. ولا حجة في شيء من ذلك. أما قوله: إنه لا يتخلص من السخط على ربه إلا بالرضا عنه. إذ لا واسطة بين الرضا والسخط - فكلام مدخول. لأن السخط بالمقضي لا يستلزم السخط على من قضاه كما أن كراهة المقضي وبغضه والنفرة عنه لا تستلزم تعلق ذلك بالذي قضاه وقدره. فالمقضي قد يسخطه العبد وهو راض عمن قضاه وقدره. بل قد يجتمع تسخطه والرضا بنفس القضاء. كما سيأتي إن شاء الله. وأما قولكم إنه يستلزم سوء ظن العبد بربه ومنازعته له في اختياره فليس كذلك. بل هو حسن الظن بربه في الحالتين. فإنه إنما يسخط المقدور وينازعه بمقدور آخر. كما ينازع القدر الذي يكرهه ربه بالقدر الذي يحبه ويرضاه. فينازع قدر الله بقدر الله بالله لله كما يستعيذ برضاه من سخطه وبمعافاته من عقوبته ويستعيذ به منه. فأما كونه يختار لنفسه خلاف ما يختاره الرب فهذا موضع تفصيل. لا يسحب عليه ذيل النفي والإثبات. فاختيار الرب تعالى لعبده نوعان. أحدهما: اختيار ديني شرعي. فالواجب على العبد أن لا يختار في هذا النوع غير ما اختاره له سيده. قال تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم [الأحزاب: 36] فاختيار العبد خلاف ذلك مناف لإيمانه وتسليمه ورضاه بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا. النوع الثاني: اختيار كوني قدري. لا يسخطه الرب كالمصائب التي يبتلي الله بها عبده. فهذا لا يضره فراره منها إلى القدر الذي يرفعها عنه ويدفعها ويكشفها. وليس في ذلك منازعة للربوبية. وإن كان فيه منازعة للقدر بالقدر. فهذا يكون تارة واجبا وتارة يكون مستحبا وتارة يكون مباحا مستوي الطرفين وتارة يكون مكروها وتارة يكون حراما. وأما القدر الذي لا يحبه ولا يرضاه - مثل قدر المعائب والذنوب - فالعبد مأمور بسخطها. ومنهي عن الرضا بها. وهذا هو التفصيل الواجب في الرضا بالقضاء. وقد اضطرب الناس في ذلك اضطرابا عظيما. ونجا منه أصحاب الفرق والتفصيل. فإن لفظ الرضا بالقضاء لفظ محمود مأمور به. وهو من مقامات(2\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "679",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13676",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصديقين. فصارت له حرمة أوجبت لطائفة قبوله من غير تفصيل. وظنوا أن كل ما كان مخلوقا للرب تعالى فهو مقضي مرضي له. ينبغي له الرضا به. ثم انقسموا على فرقتين. فقالت فرقة: إذا كان القضاء والرضا متلازمين. فمعلوم أنا مأمورون ببغض المعاصي والكفر والظلم. فلا تكون مقضية مقدرة. وفرقة قالت: قد دل العقل والشرع على أنها واقعة بقضاء الله وقدره. فنحن نرضى بها. والطائفتان منحرفتان جائرتان عن قصد السبيل. فأولئك أخرجوها عن قضاء الرب وقدره. وهؤلاء رضوا بها ولم يسخطوها. هؤلاء خالفوا الرب تعالى في رضاه وسخطه. وخرجوا عن شرعه ودينه. وأولئك أنكروا تعلق قضائه وقدره بها. واختلفت طرق أهل الإثبات للقدر والشرع في جواب الطائفتين. فقالت طائفة: لم يقم دليل من الكتاب ولا السنة ولا الإجماع على جواز الرضا بكل قضاء فضلا عن وجوبه واستحبابه فأين أمر الله عباده أو رسوله: أن يرضوا بكل ما قضاه الله وقدره وهذه طريقة كثير من أصحابنا وغيرهم. وبه أجاب القاضي أبو يعلى وابن الباقلاني. قال: فإن قيل: أفترضون بقضاء الله وقدره قيل له: نرضى بقضاء الله الذي هو خلقه الذي أمرنا أن نرضى به. ولا نرضى(2\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "680",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13677",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من ذلك ما نهانا عنه أن نرضى به. ولا نتقدم بين يدي الله تعالى ولا نعترض على حكمه. وقالت طائفة أخرى: يطلق الرضا بالقضاء في الجملة دون تفاصيل المقضي المقدر. فنقول: نرضى بقضاء الله جملة ولا نسخطه. ولا نطلق الرضا على كل واحد من تفاصيل المقضي. كما يقول المسلمون: كل شيء يبيد ويهلك. ولا يقولون: حجج الله تبيد وتهلك. ويقولون: الله رب كل شيء. ولا يضيفون ربوبيته إلى الأعيان المستخبثة المستقذرة بخصوصها. وقالت طائفة أخرى: نرضى بها من جهة إضافتها إلى الرب خلقا ومشيئة ونسخطها من جهة إضافتها إلى العبد كسبا له وقياما به. وقالت طائفة أخرى: بل نرضى بالقضاء ونسخط المقضي. فالرضا والسخط لم يتعلقا بشيء واحد. وهذه الأجوبة لا يتمشى شيء منها على أصول من يجعل محبة الرب تعالى ورضاه ومشيئته واحدة كما هو أحد قولي الأشعري وأكثر أتباعه. فإن هؤلاء يقولون: إن كل ما شاءه وقضاه فقد أحبه ورضيه وإذا كان الكون محبوبا له مرضيا فنحن نحب ما أحبه ونرضى ما رضيه. وقولكم: إن الرضا بالقضاء يطلق جملة ولا يطلق تفصيلا. فذلك لا يمنع دخوله في جملة المرضي به. فيعود الإشكال. وقولكم: نرضى بها من جهة كونها خلقا لله ونسخطها من جهة كونها كسبا للعبد: فكسب العبد إن كان أمرا وجوديا فهو خلق لله فنرضى به وإن كان أمرا عدميا فلا حقيقة له ترضي ولا تسخط. وأما قولكم: نرضى بالقضاء دون المقضي: فهذا إنما يصح على قول من يجعل القضاء غير المقضي والفعل غير المفعول. وأما من لم يفرق بينهما: فكيف يصح هذا على أصله . وقد أورد القاضي أبو بكر الباقلاني على نفسه هذا السؤال فقال: فإن قيل: القضاء عندكم هو المقضي أو غيره قيل: هو على ضربين. فالقضاء - بمعنى الخلق - هو المقضي. لأن الخلق هو(2\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "681",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13678",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المخلوق. والقضاء - الذي هو الإلزام والإعلام والكتابة - غير المقضي. لأن الأمر غير المأمور. والخبر غير المخبر عنه. وهذا الجواب لا يخلصه أيضا. لأن الكلام ليس في الإلزام والإعلام والكتابة. وإنما الكلام في نفس الفعل المقدور المعلم به المكتوب: هل مقدره وكاتبه سبحانه راض به أم لا وهل العبد مأمور بالرضا به نفسه أم لا هذا هو حرف المسألة. وقد أنكر الله سبحانه وتعالى على من جعل مشيئته وقضاءه مستلزمان لمحبته ورضاه. فكيف بمن جعل ذلك شيئا واحدا قال الله تعالى: سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون [الأنعام: 148] وقال تعالى: وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم [النحل: 35] وقال تعالى: وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم [الزخرف: 20] . فهم استدلوا على محبته لشركهم ورضاه عنه بمشيئته لذلك. وعارضوا بهذا الدليل أمره ونهيه. وفيه أبين الرد لقول من جعل مشيئته غير محبته ورضاه. فالإشكال إنما نشأ من جعلهم المشيئة نفس المحبة. ثم زادوه بجعلهم الفعل نفس المفعول والقضاء عين المقضي. فنشأ من ذلك إلزامهم بكونه تعالى راضيا محبا لذلك. والتزام رضاهم به. والذي يكشف هذه الغمة ويبصر من هذه العماية وينجي من هذه الورطة: إنما هو التفريق بين ما فرق الله بينه وهو المشيئة والمحبة. فإنهما ليسا واحدا. ولا هما متلازمين. بل قد يشاء ما لا يحبه ويحب ما لا يشاء كونه. فالأول: كمشيئته لوجود إبليس وجنوده. ومشيئته العامة لجميع ما في الكون مع بغضه لبعضه. والثاني: كمحبته إيمان الكفار وطاعات الفجار وعدل الظالمين وتوبة الفاسقين. ولو شاء ذلك لوجد كله وكان جميعه. فإنه ما شاء كان. وما لم يشأ لم يكن. فإذا تقرر هذا الأصل وأن الفعل غير المفعول والقضاء غير المقضي وأن الله(2\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "682",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13679",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبحانه لم يأمر عباده بالرضا بكل ما خلقه وشاءه: زالت الشبهات. وانحلت الإشكالات. ولله الحمد. ولم يبق بين شرع الرب وقدره تناقض بحيث يظن إبطال أحدهما للآخر بل القدر ينصر الشرع. والشرع يصدق القدر. وكل منهما يحقق الآخر. إذا عرف هذا فالرضا بالقضاء الديني الشرعي واجب وهو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان. فيجب على العبد أن يكون راضيا به بلا حرج ولا منازعة ولا معارضة ولا اعتراض. قال الله تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [النساء: 65] . فأقسم: أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله وحتى يرتفع الحرج من نفوسهم من حكمه وحتى يسلموا لحكمه تسليما. وهذا حقيقة الرضا بحكمه. فالتحكيم: في مقام الإسلام. وانتفاء الحرج: في مقام الإيمان. والتسليم: في مقام الإحسان. ومتى خالط القلب بشاشة الإيمان واكتحلت بصيرته بحقيقة اليقين وحيى بروح الوحي وتمهدت طبيعته وانقلبت النفس الأمارة مطمئنة راضية وادعة وتلقى أحكام الرب تعالى بصدر واسع منشرح مسلم: فقد رضي كل الرضا بهذا القضاء الديني المحبوب لله ولرسوله. والرضا بالقضاء الكوني القدري الموافق لمحبة العبد وإرادته ورضاه - من الصحة والغنى والعافية واللذة - أمر لازم بمقتضى الطبيعة. لأنه ملائم للعبد محبوب له. فليس في الرضا به عبودية. بل العبودية في مقابلته بالشكر والاعتراف بالمنة ووضع النعمة مواضعها التي يحب الله أن توضع فيها وأن لا يعصى المنعم بها وأن يرى التقصير في جميع ذلك. والرضا بالقضاء الكوني القدري الجاري على خلاف مراد العبد ومحبته - مما لا يلائمه. ولا يدخل تحت اختياره - مستحب. وهو من مقامات أهل الإيمان وفي وجوبه قولان. وهذا كالمرض والفقر وأذى الخلق له والحر والبرد والآلام ونحو ذلك. والرضا بالقدر الجاري عليه باختياره - مما يكرهه الله ويسخطه وينهى عنه - كأنواع الظلم والفسوق والعصيان: حرام يعاقب عليه. وهو مخالفة لربه تعالى. فإن الله لا يرضى بذلك ولا يحبه. فكيف تتفق المحبة ورضا ما يسخطه الحبيب ويبغضه فعليك(2\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "683",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13680",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بهذا التفصيل في مسألة الرضا بالقضاء. فإن قلت: كيف يريد الله سبحانه أمرا لا يرضاه ولا يحبه وكيف يشاؤه ويكونه وكيف تجتمع إرادة الله له وبغضه وكراهيته قيل: هذا السؤال هو الذي افترق الناس لأجله فرقا وتباينت عنده طرقهم وأقوالهم. فاعلم أن المراد نوعان: مراد لنفسه. ومراد لغيره. فالمراد لنفسه: مطلوب محبوب لذاته ولما فيه من الخير. فهو مراد إرادة الغايات والمقاصد. والمراد لغيره: قد لا يكون في نفسه مقصودا للمريد ولا فيه مصلحة له بالنظر إلى ذاته. وإن كان وسيلة مقصودة ومرادة. فهو مكروه له من حيث نفسه وذاته مراد له من حيث إفضاؤه وإيصاله إلى مراده. فيجتمع فيه الأمران: بغضه وإرادته ولا يتنافيان. لاختلاف متعلقهما. وهذا كالدواء المتناهي في الكراهة إذا علم متناوله أن فيه شفاءه وكقطع العضو المتآكل إذا علم أن في قطعه بقاء جسده وكقطع المسافة الشاقة جدا إذا علم أنها توصله إلى مراده ومحبوبه. بل العاقل يكتفي في إيثار هذا المكروه وإرادته بالظن الغالب وإن خفيت عنه عاقبته وطويت عنه مغبته فكيف بمن لا تخفى عليه العواقب فهو سبحانه وتعالى يكره الشيء ويبغضه في ذاته. ولا ينافي ذلك إرادته لغيره وكونه سببا إلى ما هو أحب إليه من فوته. مثال ذلك: أنه سبحانه خلق إبليس الذي هو مادة لفساد الأديان والأعمال والاعتقادات والإرادات وهو سبب شقاوة العبيد وعملهم بما يغضب الرب تبارك وتعالى. وهو الساعي في وقوع خلاف ما يحبه الله ويرضاه بكل طريق وكل حيلة. فهو مبغوض للرب سبحانه وتعالى مسخوط له. لعنه الله ومقته. وغضب عليه. ومع هذا فهو وسيلة إلى محاب كثيرة للرب تعالى ترتبت على خلقه. وجودها أحب إليه من عدمها. منها: أن تظهر للعباد قدرة الرب تعالى على خلق المتضادات المتقابلات فخلق هذه الذات - التي هي أخبث الذوات وشرها. وهي سبب كل شر - في مقابلة ذات جبريل التي هي أشرف الذوات وأطهرها وأزكاها. وهي مادة كل خير. فتبارك الله خالق هذا وهذا. كما ظهرت لهم قدرته التامة في خلق الليل والنهار والضياء والظلام والداء والدواء والحياة والموت والحر والبرد والحسن والقبيح والأرض والسماء والذكر والأنثى والماء والنار والخير والشر.(2\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "684",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13681",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذلك من أدل الدلائل على كمال قدرته وعزته وسلطانه وملكه. فإنه خلق هذه المتضادات. وقابل بعضها ببعض. وسلط بعضها على بعض. وجعلها محال تصرفه وتدبيره وحكمته. فخلو الوجود عن بعضها بالكلية تعطيل لحكمته وكمال تصرفه وتدبير مملكته. ومنها: ظهور آثار أسمائه القهرية مثل القهار والمنتقم والعدل والضار وشديد العقاب وسريع الحساب وذي البطش الشديد والخافض والمذل. فإن هذه الأسماء والأفعال كمال. فلا بد من وجود متعلقها. ولو كان الخلق كلهم على طبيعة الملك لم يظهر أثر هذه الأسماء والأفعال. ومنها: ظهور آثار أسمائه المتضمنة لحلمه وعفوه ومغفرته وستره وتجاوزه عن حقه وعتقه لمن شاء من عبيده. فلولا خلق ما يكره من الأسباب المفضية إلى ظهور آثار هذه الأسماء لتعطلت هذه الحكم والفوائد. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله: لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله. فيغفر لهم . ومنها: ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة. فإنه سبحانه الحكيم الخبير الذي يضع الأشياء مواضعها. وينزلها منازلها اللائقة بها. فلا يضع الشيء في غير موضعه. ولا ينزله غير منزله التي يقتضيها كمال علمه وحكمته وخبرته. فلا يضع الحرمان والمنع موضع العطاء والفضل. ولا الفضل والعطاء موضع الحرمان والمنع. ولا الثواب موضع العقاب ولا العقاب موضع الثواب ولا الخفض موضع الرفع ولا الرفع موضع الخفض ولا العز مكان الذل ولا الذل مكان العز ولا يأمر بما ينبغي النهي عنه ولا ينهى عما ينبغي الأمر به. فهو أعلم حيث يجعل رسالته. وأعلم بمن يصلح لقبولها. ويشكره على انتهائها إليه ووصولها. وأعلم بمن لا يصلح لذلك ولا يستأهله. وأحكم من أن يمنعها أهلها. وأن يضعها عند غير أهلها. فلو قدر عدم الأسباب المكروهة البغيضة له لتعطلت هذه الآثار. ولم تظهر لخلقه. ولفاتت الحكم والمصالح المترتبة عليها. وفواتها شر من حصول تلك الأسباب. فلو عطلت تلك الأسباب - لما فيها من الشر - لتعطل الخير الذي هو أعظم من الشر الذي في تلك الأسباب. وهذا كالشمس والمطر والرياح التي فيها من المصالح ما هو أضعاف أضعاف ما يحصل بها من الشر والضرر. فلو قدر تعطيلها - لئلا يحصل منها ذلك الشر الجزئي - لتعطل من الخير ما هو أعظم من ذلك الشر بما لا نسبة بينه وبينه.(2\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "685",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13682",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومنها: حصول العبودية المتنوعة التي لولا خلق إبليس لما حصلت. ولكان الحاصل بعضها لا كلها. فإن عبودية الجهاد من أحب أنواع العبودية إليه سبحانه. ولو كان الناس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه العبودية وتوابعها: من الموالاة فيه سبحانه والمعاداة فيه والحب فيه والبغض فيه. وبذل النفس له في محاربة عدوه وعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعبودية الصبر ومخالفة الهوى وإيثار محاب الرب على محاب النفس. ومنها: عبودية التوبة والرجوع إليه واستغفاره. فإنه سبحانه يحب التوابين. ويحب توبتهم. فلو عطلت الأسباب التي يتاب منها لتعطلت عبودية التوبة والاستغفار منها. ومنها: عبودية مخالفة عدوه ومراغمته في الله وإغاظته فيه. وهي من أحب أنواع العبودية إليه. فإنه سبحانه يحب من وليه أن يغيظ عدوه ويراغمه ويسوءه. وهذه عبودية لا يتفطن لها إلا الأكياس. ومنها: أن يتعبد له بالاستعاذة من عدوه وسؤاله أن يجيره منه ويعصمه من كيده وأذاه. ومنها: أن عبيده يشتد خوفهم وحذرهم إذا رأوا ما حل بعدوه بمخالفته وسقوطه من المرتبة الملكية إلى المرتبة الشيطانية. فلا يخلدون إلى غرور الأمل بعد ذلك. ومنها: أنهم ينالون ثواب مخالفته ومعاداته الذي حصوله مشروط بالمعاداة والمخالفة. فأكثر عبادات القلوب والجوارح مرتبة على مخالفته. ومنها: أن نفس اتخاذه عدوا من أكبر أنواع العبودية وأجلها. قال الله تعالى: إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا [فاطر: 6] . فاتخاذه عدوا أنفع شيء للعبد. وهو محبوب للرب. ومنها: أن الطبيعة البشرية مشتملة على الخير والشر والطيب والخبيث. وذلك كامن فيها كمون النار في الزناد. فخلق الشيطان مستخرجا لما في طبائع أهل الشر من القوة إلى الفعل. وأرسلت الرسل تستخرج ما في طبيعة أهل الخير من القوة إلى الفعل. فاستخرج أحكم الحاكمين ما في قوى هؤلاء من الخير الكامن فيها ليترتب عليه آثاره(2\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "686",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13683",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما في قوى أولئك من الشر ليترتب عليه آثاره وتظهر حكمته في الفريقين. وينفذ حكمه فيهما. ويظهر ما كان معلوما له مطابقا لعلمه السابق. وهذا هو السؤال الذي سألته ملائكته حين قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون [البقرة: 30] . فظنت الملائكة أن وجود من يسبح بحمده ويطيعه ويعبده أولى من وجود من يعصيه ويخالفه. فأجابهم سبحانه بأنه يعلم من الحكم والمصالح والغايات المحمودة في خلق هذا النوع ما لا تعلمه الملائكة. ومنها: أن ظهور كثير من آياته وعجائب صنعه: حصل بسبب وقوع الكفر والشرك من النفوس الكافرة الظالمة كآية الطوفان وآية الريح وآية إهلاك ثمود وقوم لوط وآية انقلاب النار على إبراهيم بردا وسلاما والآيات التي أجراها الله تعالى على يد موسى وغير ذلك من آياته التي يقول سبحانه عقيب ذكر كل آية منها في سورة الشعراء إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم [الشعراء: 8] . فلولا كفر الكافرين. وعناد الجاحدين لما ظهرت هذه الآيات الباهرة التي يتحدث بها الناس جيلا بعد جيل إلى الأبد. ومنها: أن خلق الأسباب المتقابلة التي يقهر بعضها بعضا ويكسر بعضها بعضا: هو من شأن كمال الربوبية والقدرة النافذة والحكمة التامة والملك الكامل - وإن كان شأن الربوبية كاملا في نفسه ولو لم تخلق هذه الأسباب - لكن خلقها من لوازم كماله وملكه وقدرته وحكمته. فظهور تأثيرها وأحكامها في عالم الشهادة: تحقيق لذلك الكمال وموجب من موجباته. فتعمير مراتب الغيب والشهادة بأحكام الصفات من آثار الكمال الإلهي المطلق بجميع وجوهه وأقسامه وغاياته. وبالجملة: فالعبودية والآيات والعجائب التي ترتبت على خلق ما لا يحبه ولا يرضاه وتقديره ومشيئته: أحب إليه سبحانه وتعالى من فواتها وتعطيلها بتعطيل أسبابها. فإن قلت: فهل كان يمكن وجود تلك الحكم بدون هذه الأسباب قلت: هذا سؤال باطل. إذ هو فرض وجود الملزوم بدون لازمه. كفرض وجود الابن بدون الأب والحركة بدون المتحرك والتوبة بدون التائب. فإن قلت: فإذا كانت هذه الأسباب مرادة لما تفضي إليه من الحكم فهل تكون(2\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "687",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13684",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مرضية محبوبة من هذا الوجه أم هي مسخوطة من جميع الوجوه قلت: هذا السؤال يورد على وجهين. أحدهما: من جهة الرب سبحانه وتعالى. وهل يكون محبا لها من جهة إفضائها إلى محبوبه وإن كان يبغضها لذاتها الثاني: من جهة العبد. وهو أنه هل يسوغ له الرضا بها من تلك الجهة أيضا فهذا سؤال له شأن. فاعلم أن الشر كله يرجع إلى العدم - أعني عدم الخير وأسبابه المفضية إليه - وهو من هذه الجهة شر. وأما من جهة وجوده المحض فلا شر فيه. مثاله: أن النفوس الشريرة وجودها خير من حيث هي موجودة. وإنما حصل لها الشر بقطع مادة الخير عنها. فإنها خلقت في الأصل متحركة لا تسكن. فإن أعينت بالعلم وإلهام الخير تحركت. وإن تركت تحركت بطبعها إلى خلافه وحركتها من حيث هي حركة خير. وإنما تكون شرا بالإضافة لا من حيث هي حركة. والشر كله ظلم. وهو وضع الشيء في غير موضعه. فلو وضع في موضعه لم يكن شرا. فعلم أن جهة الشر فيه: نسبة إضافية. ولهذا كانت العقوبات الموضوعات في محالها خيرا في نفسها. وإن كانت شرا بالنسبة إلى المحل الذي حلت به لما أحدثت فيه من الألم الذي كانت الطبيعة قابلة لضده من اللذة مستعدة له. فصار ذلك الألم شرا بالنسبة إليها. وهو خير بالنسبة إلى الفاعل حيث وضعه موضعه. فإنه سبحانه لا يخلق شرا محضا من جميع الوجوه والاعتبارات فإن حكمته تأبى ذلك بل قد يكون ذلك المخلوق شرا ومفسدة ببعض الاعتبارات وفي خلقه مصالح وحكم باعتبارات أخر أرجح من اعتبارات مفاسده. بل الواقع منحصر في ذلك. فلا يمكن في جناب الحق - جل جلاله - أن يريد شيئا يكون فسادا من كل وجه بكل اعتبار. لا مصلحة في خلقه بوجه ما. هذا من أبين المحال. فإنه سبحانه بيده الخير والشر ليس إليه. بل كل ما إليه فخير. والشر إنما حصل لعدم هذه الإضافة والنسبة إليه. فلو كان إليه لم يكن شرا. فتأمله. فانقطاع نسبته إليه هو الذي صيره شرا. فإن قلت: لم تنقطع نسبته إليه خلقا ومشيئة قلت: هو من هذه الجهة ليس بشر. فإن وجوده هو المنسوب إليه. وهو من هذه الجهة ليس بشر. والشر الذي فيه: من عدم إمداده بالخير وأسبابه والعدم ليس بشيء حتى ينسب إلى من بيده الخير.(2\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "688",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13685",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن أردت مزيد إيضاح لذلك فاعلم أن أسباب الخير ثلاثة: الإيجاد والإعداد والإمداد. فهذه هي الخيرات وأسبابها. فإيجاد السبب خير. وهو إلى الله. وإعداده خير. وهو إليه أيضا. وإمداده خير. وهو إليه أيضا. فإذا لم يحدث فيه إعداد ولا إمداد حصل فيه الشر بسبب هذا العدم الذي ليس إلى الفاعل. وإنما إليه ضده. فإن قلت: فهلا أمده إذ أوجده قلت: ما اقتضت الحكمة إيجاده وإمداده. فإنه - سبحانه - يوجد ويمده وما اقتضت الحكمة إيجاده وترك إمداده: أوجده بحكمته ولم يمده بحكمته. فإيجاده خير. والشر وقع من عدم إمداده. فإن قلت: فهلا أمد الموجودات كلها قلت: فهذا سؤال فاسد يظن مورده أن التسوية بين الموجودات أبلغ في الحكمة. وهذا عين الجهل بل الحكمة كل الحكمة في هذا التفاوت العظيم الواقع بينها. وليس في خلق كل نوع منها تفاوت. فكل نوع منها ليس في خلقه من تفاوت. والتفاوت إنما وقع بأمور عدمية لم يتعلق بها الخلق. وإلا فليس في الخلق من تفاوت. فإن اعتاص ذلك عليك ولم تفهمه حق الفهم. فراجع قول القائل: إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع كما ذكر: أن الأصمعي اجتمع بالخليل بن أحمد. وحرص على فهم العروض منه: فأعياه ذلك فقال له الخليل يوما: قطع لي هذا البيت. وأنشده إذا لم تستطع شيئا - البيت ففهم ما أراد. فأمسك عنه ولم يشتغل به. وسر المسألة: أن الرضا بالله يستلزم الرضا بصفاته وأفعاله وأسمائه وأحكامه. ولا يستلزم الرضا بمفعولاته كلها. بل حقيقة العبودية: أن يوافقه عبده في رضاه وسخطه. فيرضى منها بما يرضى به. ويسخط منها ما سخطه. فإن قيل: فهو سبحانه يرضى عقوبة من يستحق العقوبة. فكيف يمكن العبد أن يرضى بعقوبته له قيل: لو وافقه في رضاه بعقوبته لانقلبت لذة وسرورا. ولكن لا يقع منه ذلك.(2\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "689",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13686",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنه لم يوافقه في محبته وطاعته التي هي سرور النفس وقرة العين وحياة القلب. فكيف يوافقه في محبته للعقوبة التي هي أكره شيء إليه وأشق شيء عليه بل كان كارها لما يحبه من طاعته وتوحيده. فلا يكون راضيا بما يختاره من عقوبته. ولو قبل ذلك لارتفعت عنه العقوبة. فإن قلت: فكيف يجتمع الرضا بالقضاء الذي يكرهه العبد - من المرض والفقر والألم - مع كراهته قلت: لا تنافي في ذلك. فإنه يرضى به من جهة إفضائه إلى ما يحب. ويكرهه من جهة تألمه به كالدواء الكريه الذي يعلم أن فيه شفاءه. فإنه يجتمع فيه رضاه به وكراهته له. فإن قلت: كيف يرضى لعبده شيئا ولا يعينه عليه قلت: لأن إعانته عليه قد تستلزم فوات محبوب له أعظم من حصول تلك الطاعة التي رضيها له. وقد يكون وقوع تلك الطاعة منه يتضمن مفسدة هي أكره إليه سبحانه من محبته لتلك الطاعة بحيث يكون وقوعها منه مستلزما لمفسدة راجحة ومفوتا لمصلحة راجحة وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله: ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين - لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين [التوبة: 46 - 47] . فأخبر سبحانه: أنه كره انبعاثهم مع رسوله صلى الله عليه وسلم للغزو. وهو طاعة وقربة وقد أمرهم به فلما كرهه منهم ثبطهم عنه. ثم ذكر سبحانه بعض المفاسد التي كانت ستترتب على خروجهم لو خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا [التوبة: 47] أي فسادا وشرا ولأوضعوا خلالكم [التوبة: 47] أي سعوا فيما بينكم بالفساد والشر. يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم [التوبة: 47] . أي قابلون منهم مستجيبون لهم. فيتولد من بين سعي هؤلاء بالفساد وقبول أولئك منهم من الشر ما هو أعظم من مصلحة خروجهم. فاقتضت الحكمة والرحمة: أن منعهم من الخروج وأقعدهم عنه. فاجعل هذا المثال أصلا لهذا الباب. وقس عليه. فإن قلت: قد يتصور لي هذا في رضا الرب تعالى لبعض ما يخلقه من وجه وكراهته من وجه آخر. فكيف لي بأن يجتمع الأمران في حقي بالنسبة إلى المعاصي والفسوق(2\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "690",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13687",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت: هو متصور ممكن بل واقع. فإن العبد يسخط ذلك ويبغضه ويكرهه من حيث هو فعل له بسببه وواقع بكسبه وإرادته واختياره. ويرضى بعلم الله وكتابته ومشيئته وإذنه الكوني فيه. فيرضى بما من الله ويسخط ما هو منه فهذا مسلك طائفة من أهل العرفان. وطائفة أخرى رأوا كراهة ذلك مطلقا وعدم الرضا به من كل وجه. وهؤلاء في الحقيقة لا يخالفون أولئك. فإن العبد إذا كرهها مطلقا فإن الكراهة إنما تقع على الاعتبار المكروه منها. وهؤلاء لم يكرهوا علم الرب وكتابته ومشيئته وإلزامه حكمه الكوني وأولئك لم يرضوا بها من الوجه الذي سخطها الرب وأبغضها لأجله. وسر المسألة: أن الذي إلى الرب منها غير مكروه. والذي إلى العبد منها هو المكروه والمسخوط. فإن قلت: ليس إلى العبد شيء منها قلت: هذا هو الجبر الباطل الذي لا يمكن صاحبه التخلص من هذا المقام الضيق. والقدري أقرب إلى التخلص منه من الجبري. وأهل السنة المتوسطون بين القدرية والجبرية: هم أسعد بالتخلص منه من الفريقين. فإن قلت: كيف يتأتى الندم والتوبة مع شهود الحكمة في التقدير ومع شهود القيومية والمشيئة النافذة قلت: هذا الذي أوقع من عميت بصيرته في شهود الأمر على خلاف ما هو عليه. فرأى تلك الأفعال طاعات لموافقته فيها المشيئة والقدر. وقال: إن عصيت أمره. فقد أطعت إرادته في ذلك. وقيل: أصبحت منفعلا لما تختاره ... مني ففعلي كله طاعات وهؤلاء أعمى الخلق بصائر وأجهلهم بالله وأحكامه الدينية والكونية. فإن الطاعة هي موافقة الأمر. لا موافقة القدر والمشيئة. ولو كانت موافقة القدر طاعة لله لكان إبليس من أعظم المطيعين لله. وكان قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم فرعون كلهم مطيعين له. فيكون قد عذبهم أشد العذاب على طاعته وانتقم منهم لأجلها. وهذا غاية الجهل بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله. فإن قلت: ومع ذلك فاجمع لي بين الندم والتوبة. وبين مشهد القيومية والحكمة(2\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "691",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13688",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت: العبد إذا شهد عجز نفسه ونفوذ الأقدار فيه وكمال فقره إلى ربه وعدم استغنائه عن عصمته وحفظه طرفة عين - كان بالله في هذه الحال لا بنفسه فوقوع الذنب منه لا يتأتى في هذه الحال ألبتة. فإن عليه حصنا حصينا من: فبي يسمع وبي يبصر. وبي يبطش وبي يمشي. فلا يتصور منه الذنب في هذه الحال. فإذا حجب عن هذا المشهد وسقط إلى وجوده الطبيعي وبقي بنفسه: استولى عليه حكم النفس والطبع والهوى. وهذا الوجود الطبيعي قد نصبت فيه الشباك والأشراك وأرسلت عليه الصيادون. فلا بد أن يقع في شبكة من تلك الشباك وشرك من تلك الأشراك. وهذا الوجود هو حجاب بينه وبين ربه فعند ذلك يقع الحجاب. ويقوى المقتضى ويضعف المانع. وتشتد الظلمة وتضعف القوى فأنى له بالخلاص من تلك الأشراك والشباك فإذا انقشع ضباب ذلك الوجود الطبيعي وانجاب ظلامه وزال قتامه وصرت بربك ذاهبا عن نفسك وطبعك. بدا لك سر طال عنك اكتتامه ... ولاح صباح كنت أنت ظلامه فإن غبت عنه حل فيه وطنبت ... على منكب الكشف المصون خيامه فأنت حجاب القلب عن سر غيبه ... ولولاك لم يطبع عليه ختامه وجاء حديث لا يمل سماعه ... شهي إلينا نثره ونظامه إذا ذكرته النفس زال عناؤها ... وزال عن القلب المعنى قتامه فهنالك يحضره الندم والتوبة والإنابة. فإنه كان في المعصية بنفسه محجوبا فيها عن ربه وعن طاعته. فلما فارق ذلك الوجود وصار في وجود آخر: بقي بربه لا بنفسه. وإذا عرف هذا فالتوبة والندم يكونان في هذا الوجود الذي هو فيه بربه. وذلك لا ينافي مشهد الحكمة والقيومية بل يجامعه ويستمد منه. وبالله التوفيق. قوله: ويصح بثلاثة شرائط: باستواء الحالات عند العبد. وسقوط الخصومة مع الخلق والخلاص من المسألة والإلحاح. يعني: أن الرضا عن الله إنما يتحقق بهذه الأمور الثلاثة. فإن الرضا الموافق(2\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "692",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13689",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تستوي عنده الحالات - من النعمة والبلية - في رضاه بحسن اختيار الله له. وليس المراد استواؤها عنده في ملاءمته ومنافرته. فإن هذا خلاف الطبع البشري بل خلاف الطبع الحيواني. وليس المراد أيضا استواء الحالات عنده في الطاعة والمعصية. فإن هذا مناف للعبودية من كل وجه. وإنما تستوي النعمة والبلية عنده في الرضا بهما لوجوه. أحدها: أنه مفوض. والمفوض راض بكل ما اختاره له من فوض إليه. ولا سيما إذا علم كمال حكمته ورحمته ولطفه وحسن اختياره له. الثاني: أنه جازم بأنه لا تبديل لكلمات الله ولا راد لحكمه. وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. فهو يعلم أن كلا من البلية والنعمة بقضاء سابق وقدر حتم. الثالث: أنه عبد محض. والعبد المحض لا يسخط جريان أحكام سيده المشفق البار الناصح المحسن. بل يتلقاها كلها بالرضا به وعنه. الرابع: أنه محب. والمحب الصادق: من رضي بما يعامله به حبيبه. الخامس: أنه جاهل بعواقب الأمور. وسيده أعلم بمصلحته وبما ينفعه. السادس: أنه لا يريد مصلحة نفسه من كل وجه ولو عرف أسبابها. فهو جاهل ظالم. وربه تعالى يريد مصلحته ويسوق إليه أسبابها. ومن أعظم أسبابها: ما يكرهه العبد فإن مصلحته فيما يكره أضعاف أضعاف مصلحته فيما يحب. قال الله تعالى: كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون [البقرة: 216] . وقال تعالى: فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا [النساء: 19] . السابع: أنه مسلم. والمسلم من قد سلم نفسه لله. ولم يعترض عليه في جريان أحكامه عليه. ولم يسخط ذلك. الثامن: أنه عارف بربه. حسن الظن به. لا يتهمه فيما يجريه عليه من أقضيته وأقداره. فحسن ظنه به يوجب له استواء الحالات عنده ورضاه بما يختاره له سيده سبحانه.(2\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "693",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13690",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التاسع: أنه يعلم أن حظه من المقدور ما يتلقاه به من رضا وسخط. فلا بد له منه. فإن رضي فله الرضا وإن سخط فله السخط. العاشر: علمه بأنه إذا رضي انقلب في حقه نعمة ومنحة وخف عليه حمله وأعين عليه. وإذا سخطه تضاعف عليه ثقله وكله ولم يزدد إلا شدة. فلو أن السخط يجدي عليه شيئا لكان له فيه راحة أنفع له من الرضا به. ونكتة المسألة: إيمانه بأن قضاء الرب تعالى خير له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له. إن أصابته سراء شكر. فكان خيرا له. وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له. وليس ذلك إلا للمؤمن . الحادي عشر: أن يعلم أن تمام عبوديته في جريان ما يكرهه من الأحكام عليه. ولو لم يجر عليه منها إلا ما يحب لكان أبعد شيء عن عبودية ربه. فلا تتم له عبوديته - من الصبر والتوكل والرضا والتضرع والافتقار والذل والخضوع وغيرها - إلا بجريان القدر له بما يكرهه. وليس الشأن في الرضا بالقضاء الملازم للطبيعة. إنما الشأن في القضاء المؤلم المنافر للطبع. الثاني عشر: أن يعلم أن رضاه عن ربه سبحانه وتعالى في جميع الحالات يثمر رضا ربه عنه فإذا رضي عنه بالقليل من الرزق: رضي ربه عنه بالقليل من العمل. وإذا رضي عنه في جميع الحالات واستوت عنده وجده أسرع شيء إلى رضاه إذا ترضاه وتملقه. الثالث عشر: أن يعلم أن أعظم راحته وسروره ونعيمه: في الرضا عن ربه تعالى وتقدس في جميع الحالات. فإن الرضا باب الله الأعظم ومستراح العارفين وجنة الدنيا. فجدير بمن نصح نفسه أن تشتد رغبته فيه. وأن لا يستبدل بغيره منه. الرابع عشر: أن السخط باب الهم والغم والحزن وشتات القلب وكسف البال وسوء الحال والظن بالله خلاف ما هو أهله. والرضا يخلصه من ذلك كله ويفتح له باب جنة الدنيا قبل جنة الآخرة. الخامس عشر: أن الرضا يوجب له الطمأنينة وبرد القلب وسكونه وقراره. والسخط يوجب اضطراب قلبه وريبته وانزعاجه وعدم قراره.(2\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "694",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13691",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السادس عشر: أن الرضا ينزل عليه السكينة التي لا أنفع له منها. ومتى نزلت عليه السكينة: استقام. وصلحت أحواله وصلح باله. والسخط يبعده منها بحسب قلته وكثرته. وإذا ترحلت عنه السكينة ترحل عنه السرور والأمن والدعة والراحة وطيب العيش. فمن أعظم نعم الله على عبده: تنزل السكينة عليه. ومن أعظم أسبابها: الرضا عنه في جميع الحالات. السابع عشر: أن الرضا يفتح له باب السلامة. فيجعل قلبه سليما نقيا من الغش والدغل والغل. ولا ينجو من عذاب الله إلا من أتى الله بقلب سليم. كذلك وتستحيل سلامة القلب مع السخط وعدم الرضا. وكلما كان العبد أشد رضا كان قلبه أسلم. فالخبث والدغل والغش: قرين السخط. وسلامة القلب وبره ونصحه: قرين الرضا. وكذلك الحسد: هو من ثمرات السخط. وسلامة القلب منه من ثمرات الرضا. الثامن عشر: أن السخط يوجب تلون العبد وعدم ثباته مع الله. فإنه لا يرضى إلا بما يلائم طبعه ونفسه. والمقادير تجري دائما بما يلائمه وبما لا يلائمه. وكلما جرى عليه منها ما لا يلائمه أسخطه. فلا تثبت له قدم على العبودية. فإذا رضي عن ربه في جميع الحالات استقرت قدمه في مقام العبودية فلا يزيل التلون عن العبد شيء مثل الرضا. التاسع عشر: أن السخط يفتح عليه باب الشك في الله وقضائه وقدره وحكمته وعلمه. فقل أن يسلم الساخط من شك يداخل قلبه ويتغلغل فيه وإن كان لا يشعر به. فلو فتش نفسه غاية التفتيش لوجد يقينه معلولا مدخولا. فإن الرضا واليقين أخوان مصطحبان. والشك والسخط قرينان. وهذا معنى الحديث الذي في الترمذي - أو غيره إن استطعت أن تعمل بالرضا مع اليقين فافعل. فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره النفس خيرا كثيرا. . العشرون: أن الرضا بالمقدور من سعادة ابن آدم وسخطه من شقاوته كما في المسند والترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سعادة ابن آدم: استخارة الله عز وجل. ومن سعادة ابن آدم: رضاه بما قضى الله. ومن شقوة ابن آدم: سخطه بما قضى الله. ومن شقاوة ابن آدم ترك استخارة الله(2\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "695",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13692",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالرضا بالقضاء من أسباب السعادة. والتسخط على القضاء من أسباب الشقاوة. الحادي والعشرون: أن الرضا يوجب له أن لا يأسى على ما فاته ولا يفرح بما آتاه. وذلك من أفضل الإيمان. أما عدم أساه على الفائت: فظاهر. وأما عدم فرحه بما آتاه: فلأنه يعلم أن المصيبة فيه مكتوبة من قبل حصوله. فكيف يفرح بشيء يعلم أن له فيه مصيبة منتظرة ولا بد الثاني والعشرون: أن من ملأ قلبه من الرضا بالقدر: ملأ الله صدره غنى وأمنا وقناعة. وفرغ قلبه لمحبته والإنابة إليه والتوكل عليه. ومن فاته حظه من الرضا: امتلأ قلبه بضد ذلك. واشتغل عما فيه سعادته وفلاحه. فالرضا يفرغ القلب لله والسخط يفرغ القلب من الله. الثالث والعشرون: أن الرضا يثمر الشكر الذي هو من أعلى مقامات الإيمان بل هو حقيقة الإيمان. والسخط يثمر ضده. وهو كفر النعم. وربما أثمر له كفر المنعم. فإذا رضي العبد عن ربه في جميع الحالات: أوجب له ذلك شكره. فيكون من الراضين الشاكرين. وإذا فاته الرضا: كان من الساخطين. وسلك سبيل الكافرين. الرابع والعشرون: أن الرضا ينفي عنه آفات الحرص والكلب على الدنيا وذلك رأس كل خطيئة وأصل كل بلية. وأساس كل رزية. فرضاه عن ربه في جميع الحالات: ينفي عنه مادة هذه الآفات. الخامس والعشرون: أن الشيطان إنما يظفر بالإنسان غالبا عند السخط والشهوة. فهناك يصطاده. ولا سيما إذا استحكم سخطه. فإنه يقول ما لا يرضي الرب. ويفعل ما لا يرضيه. وينوي ما لا يرضيه. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عند موت ابنه إبراهيم يحزن القلب. وتدمع العين. ولا نقول إلا ما يرضي الرب . فإن موت البنين من العوارض التي توجب للعبد السخط على القدر. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم: أنه لا يقول في مثل هذا المقام - الذي يسخطه أكثر الناس. فيتكلمون بما لا يرضي الله. ويفعلون ما لا يرضيه - إلا ما يرضي ربه تبارك وتعالى. ولهذا لما مات ابن الفضيل بن عياض رؤي في الجنازة ضاحكا.(2\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "696",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13693",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقيل له: أتضحك وقد مات ابنك فقال: إن الله قضى بقضاء فأحببت أن أرضى بقضائه. فأنكرت طائفة هذه المقالة على الفضيل. وقالوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى يوم مات ابنه. وأخبر أن القلب يحزن والعين تدمع . وهو في أعلى مقامات الرضا. فكيف يعد هذا من مناقب الفضيل والتحقيق: أن قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم اتسع لتكميل جميع المراتب من الرضا عن الله والبكاء رحمة للصبي. فكان له مقام الرضا ومقام الرحمة ورقة القلب. والفضيل لم يتسع قلبه لمقام الرضا ومقام الرحمة. فلم يجتمع له الأمران والناس في ذلك على أربع مراتب. أحدها: من اجتمع له الرضا بالقضاء ورحمة الطفل. فدمعت عيناه رحمة والقلب راض. الثاني: من غيبه الرضا عن الرحمة. فلم يتسع للأمرين. بل غيبه أحدهما عن الآخر. الثالث: من غيبته الرحمة والرقة عن الرضا فلم يشهده بل فني عن الرضا. الرابع: من لا رضا عنده ولا رحمة. وإنما يكون حزنه لفوات حظه من الميت. وهذا حال أكثر الخلق. فلا إحسان. ولا رضا عن الرحمن. والله المستعان. فالأول في أعلى مراتب الرضا. والثاني دونه. والثالث دون الثاني. والرابع هو الساخط. السادس والعشرون: أن الرضا هو اختيار ما اختاره الله لعبده. والسخط كراهة ما اختاره الله له وهذا نوع محادة. فلا يتخلص منه إلا بالرضا عن الله في جميع الحالات. السابع والعشرون: أن الرضا يخرج الهوى من القلب. فالراضي هواه تبع لمراد ربه منه. أعني المراد الذي يحبه ربه ويرضاه. فلا يجتمع الرضا واتباع الهوى في القلب أبدا وإن كان معه شعبة من هذا وشعبة من هذا فهو للغالب عليه منهما. الثامن والعشرون: أن الرضا عن الله في جميع الحالات يثمر للعبد رضا الله عنه - كما تقدم بيانه في الرضا به - فإن الجزاء من جنس العمل. وفي أثر إسرائيلي أن موسى صلى الله عليه وسلم سأل ربه عز وجل: ما يدني من رضاه فقال: إن رضاي في رضاك بقضائي .(2\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "697",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13694",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التاسع والعشرون: أن الرضا بالقضاء أشق شيء على النفس. بل هو ذبحها في الحقيقة. فإنه مخالفة هواها وطبعها وإرادتها. ولا تصير مطمئنة قط حتى ترضى بالقضاء. فحينئذ تستحق أن يقال لها: ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي [الفجر: 27] . الثلاثون: أن الراضي متلق أوامر ربه - الدينية والقدرية - بالانشراح والتسليم وطيب النفس والاستسلام. والساخط يتلقاها بضد ذلك إلا ما وافق طبعه. وإرادته منها. وقد بينا أن الرضا بذلك لا ينفعه ولا يثاب عليه. فإنه لم يرض به لكون الله قدره وقضاه وأمر به. وإنما رضي به لموافقته هواه وطبعه. فهو إنما رضي لنفسه وعن نفسه. لا بربه ولا عن ربه. الحادي والثلاثون: أن المخالفات كلها أصلها من عدم الرضا. والطاعات كلها أصلها من الرضا. وهذا إنما يعرفه حق المعرفة من عرف صفات نفسه وما يتولد عنها من الطاعات والمعاصي. الثاني والثلاثون: أن عدم الرضا يفتح باب البدعة والرضا يغلق عنه ذلك الباب. ولو تأملت بدع الروافض والنواصب والخوارج. لرأيتها ناشئة من عدم الرضا بالحكم الكوني أو الديني أو كليهما. الثالث والثلاثون: أن الرضا معقد نظام الدين ظاهره وباطنه. فإن القضايا لا تخلو من خمسة أنواع: فتنقسم قسمين: دينية وكونية. وهي مأمورات ومنهيات ومباحات ونعم ملذة وبلايا مؤلمة. فإذا استعمل العبد الرضا في ذلك كله فقد أخذ بالحظ الوافر من الإسلام وفاز بالقدح المعلى. الرابع والثلاثون: أن الرضا يخلص العبد من مخاصمة الرب تعالى في أحكامه وأقضيته. فإن السخط عليه مخاصمة له فيما لم يرض به العبد. وأصل مخاصمة إبليس لربه: من عدم رضاه بأقضيته وأحكامه الدينية والكونية. فلو رضي لم يمسخ من الحقيقة الملكية إلى الحقيقة الشيطانية الإبليسية. الخامس والثلاثون: أن جميع ما في الكون أوجبته مشيئة الله وحكمته وملكه.(2\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "698",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13695",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهو موجب أسمائه وصفاته. فمن لم يرض بما رضي به ربه لم يرض بأسمائه وصفاته. فلم يرض به ربا. السادس والثلاثون: أن كل قدر يكرهه العبد ولا يلائمه. لا يخلو: إما أن يكون عقوبة على الذنب. فهو دواء لمرض. لولا تدارك الحكيم إياه بالدواء لترامى به المرض إلى الهلاك. أو يكون سببا لنعمة لا تنال إلا بذلك المكروه. فالمكروه ينقطع ويتلاشى. وما يترتب عليه من النعمة دائم لا ينقطع. فإذا شهد العبد هذين الأمرين انفتح له باب الرضا عن ربه في كل ما يقتضيه له ويقدره. السابع والثلاثون: أن حكم الرب تعالى ماض في عبده وقضاؤه عدل فيه. كما في الحديث ماض في حكمك عدل في قضاؤك ومن لم يرض بالعدل فهو من أهل الظلم والجور. وقوله: عدل في قضاؤك يعم قضاء الذنب وقضاء أثره وعقوبته. فإن الأمرين من قضائه عز وجل. وهو أعدل العادلين في قضائه بالذنب وفي قضائه بعقوبته. أما عدله في العقوبة: فظاهر. وأما عدله في قضائه بالذنب: فلأن الذنب عقوبة على غفلته عن ربه. وإعراض قلبه عنه. فإنه إذا غفل قلبه عن ربه ووليه ونقص إخلاصه: استحق أن يضرب بهذه العقوبة. لأن قلوب الغافلين معدن الذنوب. والعقوبات واردة عليها من كل جهة. وإلا فمع كمال الإخلاص والذكر والإقبال على الله سبحانه وتعالى وذكره يستحيل صدور الذنب. كما قال تعالى كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين [يوسف: 24] . فإن قلت: قضاؤه على عبده بإعراضه عنه ونسيانه إياه وعدم إخلاصه: عقوبة على ماذا(2\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "699",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13696",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت: هذا طبع النفس وشأنها فهو سبحانه إذا لم يرد الخير بعبده خلى بينه وبين نفسه وطبعه وهواه. وذلك يقتضي أثرها من الغفلة والنسيان وعدم الإخلاص واتباع الهوى. وهذه الأسباب تقتضي آثارها من الآلام وفوات الخيرات واللذات. كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها وآثارها. فإن قلت: فهلا خلقه على غير تلك الصفة قلت: هذا سؤال فاسد ومضمونه: هلا خلقه ملكا لا إنسانا. فإن قلت: فهلا أعطاه التوفيق الذي يتخلص به من شر نفسه وظلمة طبعه قلت: مضمون هذا السؤال: هلا سوى بين جميع خلقه ولم خلق المتضادات والمختلفات وهذا من أفسد الأسئلة. وقد تقدم بيان اقتضاء حكمته وربوبيته وملكه لخلق ذلك. الثامن والثلاثون: أن عدم الرضا إما أن يكون لفوات ما أخطأه مما يحبه ويريده. وإما لإصابة ما يكرهه ويسخطه. فإذا تيقن أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. وما أصابه لم يكن ليخطئه: فلا فائدة في سخطه بعد ذلك إلا فوات ما ينفعه وحصول ما يضره. التاسع والثلاثون: أن الرضا من أعمال القلوب نظير الجهاد من أعمال الجوارح. فإن كل واحد منهما ذروة سنام الإيمان. قال أبو الدرداء ذروة سنام الإيمان: الصبر للحكم والرضا بالقدر. الأربعون: أن أول معصية عصي الله بها في هذا العالم: إنما نشأت من عدم الرضا. فإبليس لم يرض بحكم الله الذي حكم به كونا من تفضيل آدم وتكريمه ولا بحكمه الديني من أمره بالسجود لآدم وآدم لم يرض بما أبيح له من الجنة. حتى ضم إليه الأكل من شجرة الحمى. ثم ترتبت معاصي الذرية على عدم الصبر وعدم الرضا. الحادي والأربعون: أن الراضي واقف مع اختيار الله له. معرض عن اختياره لنفسه. وهذا من قوة معرفته بربه تعالى ومعرفته بنفسه. وقد اجتمع وهيب بن الورد وسفيان الثوري ويوسف بن أسباط. فقال(2\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "700",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13697",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثوري: قد كنت أكره موت الفجاءة قبل اليوم. وأما اليوم: فوددت أني ميت. فقال له يوسف بن أسباط: ولم فقال: لما أتخوف من الفتنة. فقال يوسف: لكني لا أكره طول البقاء. فقال الثوري: ولم تكره الموت قال: لعلي أصادف يوما أتوب فيه وأعمل صالحا. فقيل لوهيب: أي شيء تقول أنت فقال: أنا لا أختار شيئا أحب ذلك إلي أحبه إلى الله. فقبل الثوري بين عينيه. وقال: روحانية ورب الكعبة. فهذا حال عبد قد استوت عنده حالة الحياة والموت. وقف مع اختيار الله له منها. وقد كان وهيب - رحمه الله - له المقام العالي من الرضا وغيره. الثاني والأربعون: أن يعلم أن منع الله سبحانه وتعالى لعبده المؤمن المحب عطاء وابتلاءه إياه عافية. قال سفيان الثوري: منعه عطاء. وذلك: أنه لم يمنع عن بخل ولا عدم. وإنما نظر في خير عبده المؤمن فمنعه اختيارا وحسن نظر. وهذا كما قال. فإنه سبحانه لا يقضي لعبده المؤمن قضاء إلا كان خيرا له ساءه ذلك القضاء أو سره. فقضاؤه لعبده المؤمن المنع عطاء. وإن كان في صورة المنع. ونعمة. وإن كانت في صورة محنة. وبلاؤه عافية. وإن كان في صورة بلية. ولكن لجهل العبد وظلمه لا يعد العطاء والنعمة والعافية إلا ما التذ به في العاجل. وكان ملائما لطبعه. ولو رزق من المعرفة حظا وافرا لعد المنع نعمة والبلاء رحمة. وتلذذ بالبلاء أكثر من لذته بالعافية. وتلذذ بالفقر أكثر من لذته بالغنى. وكان في حال القلة أعظم شكرا من حال الكثرة. وهذه كانت حال السلف. فالعاقل الراضي: من يعد البلاء عافية والمنع نعمة والفقر غنى. وأوحى الله إلى بعض أنبيائه إذا رأيت الفقر مقبلا فقل: مرحبا بشعار الصالحين. وإذا رأيت الغنى مقبلا. فقل: ذنب عجلت عقوبته.(2\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "701",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13698",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالراضي: هو الذي يعد نعم الله عليه فيما يكرهه أكثر وأعظم من نعمه عليه فيما يحبه كما قال بعض العارفين: يا ابن آدم نعمة الله عليك فيما تكره أعظم من نعمته عليك فيما تحب. وقد قال تعالى: وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم [البقرة: 216] وقد قال بعض العارفين: ارض عن الله في جميع ما يفعله بك. فإنه ما منعك إلا ليعطيك. ولا ابتلاك إلا ليعافيك. ولا أمرضك إلا ليشفيك. ولا أماتك إلا ليحييك. فإياك أن تفارق الرضا عنه طرفة عين. فتسقط من عينه. الثالث والأربعون: أن يعلم أنه سبحانه هو الأول قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء والمظهر لكل شيء والمالك لكل شيء وهو الذي يخلق ما يشاء ويختار. وليس للعبد أن يختار عليه وليس لأحد معه اختيار. ولا يشرك في حكمه أحدا. والعبد لم يكن شيئا مذكورا. فهو سبحانه الذي اختار وجوده. واختار أن يكون كما قدره له وقضاه: من عافية وبلاء وغنى وفقر وعز وذل ونباهة وخمول فكما تفرد سبحانه بالخلق تفرد بالاختيار والتدبير - وليس للعبد شيء من ذلك - فإن الأمر كله لله. وقد قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ليس لك من الأمر شيء [آل عمران: 128] فإذا تيقن العبد أن الأمر كله لله وليس له من الأمر قليل ولا كثير. لم يكن له معول - بعد ذلك - غير الرضا بمواقع الأقدار. وما يجري به من ربه الاختيار. الرابع والأربعون: أن رضا الله عن العبد أكبر من الجنة وما فيها. لأن الرضا صفة الله والجنة خلقه قال الله تعالى: ورضوان من الله أكبر [التوبة: 72] بعد قوله: وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم [التوبة: 72] . وهذا الرضا جزاء على رضاهم عنه في الدنيا ولما كان هذا الجزاء أفضل الجزاء كان سببه أفضل الأعمال. الخامس والأربعون: أن العبد إذا رضي به وعنه في جميع الحالات: لم يتخير عليه المسائل. وأغناه رضاه بما يقسمه له ويقدره ويفعله به عن ذلك. وجعل ذكره في محل سؤاله. بل يكون من سؤاله له الإعانة على ذكره وبلوغ رضاه. فهذا يعطى أفضل ما يعطاه سائل. كما جاء في الحديث من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي(2\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "702",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13699",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السائلين . فإن السائلين سألوه. فأعطاهم الفضل الذي سألوه. والراضون رضوا عنه فأعطاهم رضاه عنهم ولا يمنع الرضا سؤاله أسباب الرضا بل أصحابه ملحون في سؤاله ذلك. السادس والأربعون: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يندب إلى أعلى المقامات. فإن عجز العبد عنه: حط إلى المقام الوسط كما قال: اعبد الله كأنك تراه فهذا مقام المراقبة الجامع لمقامات الإسلام والإيمان والإحسان. ثم قال: فإن لم تكن تراه فإنه يراك فحطه عند العجز عن المقام الأول إلى المقام الثاني وهو العلم باطلاع الله عليه ورؤيته له ومشاهدته لعبده في الملأ والخلاء وكذا الحديث الآخر: إن استطعت أن تعمل لله بالرضا مع اليقين فافعل. فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا فرفعه إلى أعلى المقامات. ثم رده إلى أوسطها إن لم يستطع الأعلى. فالأول: مقام الإحسان. والذي حطه إليه: مقام الإيمان. وليس دون ذلك إلا مقام الخسران. السابع والأربعون: أنه صلى الله عليه وسلم أثنى على الراضين بمر القضاء بالحكم والعلم والفقه والقرب من درجة النبوة. كما في حديث الوفد الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ما أنتم فقالوا: مؤمنون. فقال: ما علامة إيمانكم فقالوا: الصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء والرضا بمر القضاء. والصدق في مواطن اللقاء وترك الشماتة بالأعداء. فقال: حكماء علماء. كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء . الثامن والأربعون: أن الرضا آخذ بزمام مقامات الدين كلها. وهو روحها(2\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "703",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13700",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحياتها. فإنه روح التوكل وحقيقته وروح اليقين وروح المحبة وصحة المحب ودليل صدق المحبة وروح الشكر ودليله. قال الربيع بن أنس: علامة حب الله: كثرة ذكره. فإنك لا تحب شيئا إلا أكثرت من ذكره. وعلامة الدين: الإخلاص لله في السر والعلانية. وعلامة الشكر الرضا بقدر الله والتسليم لقضائه. وقال أحمد بن أبي الحواري: ذاكرت أبا سليمان في الخبر المروي: أول [من] يدعى إلى الجنة الحمادون فقال: ويحك ليس هو أن تحمده على المصيبة وقلبك يتعصى عليك. إذا كنت كذلك فارجع إلى الصابرين. إنما الحمد: أن تحمده وقلبك مسلم راض. فصار الرضا كالروح لهذه المقامات والأساس الذي تنبني عليه. ولا يصح شيء منها بدونه ألبتة والله أعلم. التاسع والأربعون: أن الرضا يقوم مقام كثير من التعبدات التي تشق على البدن. فيكون رضاه أسهل عليه وألذ له وأرفع في درجته. وقد ذكر في أثر إسرائيلي: أن عابدا عبد الله دهرا طويلا فأري في المنام: أن فلانة الراعية رفيقتك في الجنة فسأل عنها إلى أن وجدها. فاستضافها ثلاثا لينظر إلى عملها فكان يبيت قائما وتبيت نائمة. ويظل صائما وتظل مفطرة. فقال لها: أما لك عمل غير ما رأيت قالت: ما هو والله غير ما رأيت - أو قالت: إلا ما رأيت - لا أعرف غيره فلم يزل يقول لها: تذكري. حتى قالت: خصيلة واحدة هي في. وذلك: أني إن كنت في شدة لم أتمن أني في رخاء. وإن كنت في مرض لم أتمن أني في صحة. وإن كنت في شمس لم أتمن أني في الظل. قال: فوضع العابد يده على رأسه. وقال: أهذه خصيلة هذه والله خصلة عظيمة يعجز عنها العباد.(2\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "704",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13701",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد روى ابن مسعود رضي الله عنه: من رضي بما أنزل من السماء إلى الأرض غفر له. وفي أثر مرفوع: خير ما أعطي العبد: الرضا بما قسم الله له . وفي أثر آخر: إذا أحب الله عبدا ابتلاه. فإن صبر اجتباه فإن رضي اصطفاه . وفي أثر: إن بني إسرائيل سألوا موسى أن يسأل ربه أمرا إذا هم فعلوه رضي عنهم. فقال موسى: رب إنك تسمع ما يقولون. فقال: قل لهم يرضون عني حتى أرضى عنهم. وفي أثر آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحب أن يعلم ما له عند الله. فلينظر ما لله عنده. فإن الله ينزل العبد منه حيث ينزله العبد من نفسه . وفي أثر آخر: من رضي من الله بالقليل من الرزق رضي الله منه بالقليل من العمل . وقال بعض العارفين: أعرف في الموتى عالما ينظرون إلى منازلهم في الجنان في قبورهم يغدى عليهم ويراح برزقهم من الجنة بكرة وعشيا. وهم في غموم وكروب في البرزخ. لو قسمت على أهل بلد لماتوا أجمعين. قيل: وما كانت أعمالهم قال: كانوا مسلمين مؤمنين إلا أنهم لم يكن لهم من التوكل ولا من الرضا نصيب.(2\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "705",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13702",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي وصية لقمان لابنه: أوصيك بخصال تقربك من الله وتباعدك من سخطه: أن تعبد الله لا تشرك به شيئا. وأن ترضى بقدر الله فيما أحببت وكرهت وقال بعض العارفين: من يتوكل على الله ويرض بقدر الله فقد أقام الإيمان وفرغ يديه ورجليه لكسب الخير وأقام الأخلاق الصالحة التي تصلح للعبد أمره. الخمسون: أن الرضا يفتح باب حسن الخلق مع الله تعالى ومع الناس; فإن حسن الخلق من الرضا وسوء الخلق من السخط. وحسن الخلق يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم وسوء الخلق يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. الحادي والخمسون: أن الرضا يثمر سرور القلب بالمقدور في جميع الأمور وطيب النفس وسكونها في كل حال وطمأنينة القلب عند كل مفزع مهلع من أمور الدنيا وبرد القناعة واغتباط العبد بقسمه من ربه وفرحه بقيام مولاه عليه واستسلامه لمولاه في كل شيء ورضاه منه بما يجريه عليه وتسليمه له الأحكام والقضايا واعتقاد حسن تدبيره وكمال حكمته ويذهب عنه شكوى ربه إلى غيره وتبرمه بأقضيته. ولهذا سمى بعض العارفين الرضا: حسن الخلق مع الله. فإنه يوجب ترك الاعتراض عليه في ملكه وحذف فضول الكلام التي تقدح في حسن خلقه. فلا يقول: ما أحوج الناس إلى مطر ولا يقول: هذا يوم شديد الحر أو شديد البرد. ولا يقول: الفقر بلاء والعيال هم وغم ولا يسمي شيئا قضاه الله وقدره باسم مذموم إذا لم يذمه الله سبحانه وتعالى. فإن هذا كله ينافي رضاه. وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: أصبحت وما لي سرور إلا في مواقع القدر. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: الفقر والغنى مطيتان ما أبالي أيهما ركبت إن كان الفقر فإن فيه الصبر وإن كان الغنى فإن فيه البذل وقال ابن أبي الحواري - أو قيل له - إن فلانا قال: وددت أن الليل أطول مما هو. فقال: قد أحسن. وقد أساء. أحسن حيث تمنى طوله للعبادة والمناجاة وأساء حيث تمنى ما لم يرده الله وأحب ما لم يحبه الله. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما أبالي على أي حال أصبحت وأمسيت: من شدة أو رخاء. وقال يوما لامرأته عاتكة أخت سعيد بن زيد - وقد غضب عليها - والله لأسوأنك. فقالت: أتستطيع أن تصرفني عن الإسلام بعد إذ هداني الله قال: لا. فقالت: فأي شيء تسوءني به إذا .(2\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "706",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13703",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تريد أنها راضية بمواقع القدر. لا يسوؤها منه شيء إلا صرفها عن الإسلام. ولا سبيل له إليه. وقال الثوري يوما عند رابعة: اللهم ارض عنا. فقالت: أما تستحي أن تسأله الرضا عنك وأنت غير راض عنه فقال: أستغفر الله ثم قال لها جعفر بن سليمان: متى يكون العبد راضيا عن الله فقالت: إذا كان سروره بالمصيبة مثل سروره بالنعمة. وفي أثر إلهي: ما لأوليائي والهم بالدنيا إن الهم بالدنيا يذهب حلاوة مناجاتي من قلوبهم. وقيل: أكثر الناس هما بالدنيا أكثرهم هما في الآخرة. وأقلهم هما بالدنيا أقلهم هما في الآخرة. فالإيمان بالقدر والرضا به: يذهب عن العبد الهم والغم والحزن. وذكر عند رابعة ولي لله قوته من المزابل. فقال رجل عندها: ما ضر هذا أن يسأل الله أن يجعل رزقه في غير هذا فقالت: اسكت يا بطال. أما علمت أن أولياء الله هم أرضى عنه من أن يسألوه أن ينقلهم إلى معيشة حتى يكون هو الذي يختار لهم وفي أثر إسرائيلي أن موسى صلى الله عليه وسلم: سأل ربه عما فيه رضاه فأوحى الله إليه: إن رضاه في كرهك وأنت لا تصبر على ما تكره. فقال: يا رب دلني عليه. فقال: إن رضاه في رضاك بقضائي. وفي أثر آخر: أن موسى عليه السلام قال: يا رب أي خلقك أحب إليك فقال: من إذا أخذت منه محبوبه سالمني. قال: فأي خلقك أنت عليه ساخط قال: من استخارني في أمر فإذا قضيته له سخط قضائي. وفي أثر آخر: أنا الله. لا إله إلا أنا قدرت التقادير ودبرت التدابير وأحكمت الصنع. فمن رضي فله الرضا مني حتى يلقاني. ومن سخط فله السخط حتى يلقاني. الثاني والخمسون: أن أفضل الأحوال: الرغبة في الله ولوازمها. وذلك لا يتم إلا باليقين والرضا عن الله. ولهذا قال سهل: حظ الخلق من اليقين على قدر حظهم من الرضا. وحظهم من الرضا على قدر رغبتهم في الله. الثالث والخمسون: أن الرضا يخلصه من عيب ما لم يعبه الله. ومن ذم ما لم يذمه الله. فإن العبد إذا لم يرض بالشيء عابه بأنواع المعايب. وذمه بأنواع المذام. وذلك منه قلة حياء من الله. وذم لما ليس له ذنب وعيب لخلقه. وذلك يسقط العبد من عين ربه. ولو أن رجلا صنع لك طعاما وقدمه إليك فعبته وذممته لكنت متعرضا لمقته وإهانته ومستدعيا منه: أن يقطع ذلك عنك. وقد قال بعض العارفين: إن ذم المصنوع وعيبه -(2\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "707",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13704",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا لم يذمه صانعه - غيبة له وقدح فيه. الرابع والخمسون: أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الله الرضا بالقضاء. كما في المسند والسنن اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي. وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي. وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة. وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا. وأسألك القصد في الفقر والغنى. وأسألك نعيما لا ينفد. وأسألك قرة عين لا تنقطع. وأسألك الرضا بعد القضاء. وأسألك برد العيش بعد الموت. وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم. وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة. اللهم زينا بزينة الإيمان. واجعلنا هداة مهتدين . فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: سأله الرضا بعد القضاء. لأنه حينئذ تبين حقيقة الرضا. وأما الرضا قبله: فإنما هو عزم على أنه يرضى إذا أصابه. وإنما يتحقق الرضا بعده. قال البيهقي: وروينا في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اللهم إني أسألك الصحة والعفة والأمانة وحسن الخلق والرضا بالقدر . الخامس والخمسون: أن الرضا بالقدر يخلص العبد من أن يرضي الناس بسخط الله. وأن يذمهم على ما لم يؤته الله. وأن يحمدهم على ما هو عين فضل الله. فيكون ظالما لهم في الأول - وهو رضاهم وذمهم - مشركا بهم في الثاني - وهو حمدهم - فإذا رضي بالقضاء تخلص من ذمهم وحمدهم. فخلصه الرضا من ذلك كله. وقد روى عمرو بن قيس الملائي عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من ضعف اليقين: أن ترضي الناس بسخط الله وأن تحمدهم على رزق الله وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله. إن رزق الله لا يجره حرص حريص ولا يرده كره كاره. وإن الله - بحكمته - جعل الروح والفرح في الرضا(2\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "708",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13705",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واليقين. وجعل الهم والحزن في الشك والسخط وقد رواه الثوري عن منصور عن خيثمة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم. السادس والخمسون: أن الرضا يفرغ قلب العبد. ويقلل همه وغمه. فيتفرغ لعبادة ربه بقلب خفيف من أثقال الدنيا وهمومها وغمومها. كما ذكر ابن أبي الدنيا عن بشر بن بشار المجاشعي - وكان من العلماء - قال: قلت لعابد: أوصني. قال: ألق نفسك مع القدر حيث ألقاك. فهو أحرى أن يفرغ قلبك. ويقلل همك. وإياك أن تسخط ذلك فيحل بك السخط وأنت عنه في غفلة لا تشعر به. فيلقيك مع الذي سخط الله عليهم. وقال بعض السلف: ذروا التدبير والاختيار تكونوا في طيب من العيش. فإن التدبير والاختيار يكدر على الناس عيشهم. وقال أبو العباس بن عطاء: الفرح في تدبير الله لنا. والشقاء كله في تدبيرنا. وقال سفيان بن عيينة: من لم يصلح على تقدير الله لم يصلح على تقدير نفسه. وقال أبو العباس الطوسي: من ترك التدبير عاش في راحة. وقال بعضهم: لا تجد السلامة حتى تكون في التدبير كأهل القبور. وقال: الرضاء ترك الخلاف على الرب فيما يجريه على العبد. وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله لقد تركتني هؤلاء الدعوات وما لي في شيء من الأمور كلها أرب إلا في مواقع قدر الله وكان كثيرا ما يدعو: اللهم رضني بقضائك وبارك لي في قدرك حتى لا أحب تعجيل شيء أخرته. ولا تأخير شيء عجلته. وقال: ما أصبح لي هوى في شيء سوى ما قضى الله عز وجل. وقال شعبة: قال يونس بن عبيد: ما تمنيت شيئا قط.(2\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "709",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13706",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الفضيل بن عياض: الراضي لا يتمنى فوق منزلته. وقال ذو النون: ثلاثة من أعلام التسليم: مقابلة القضاء بالرضا والصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء. وثلاثة من أعلام التفويض: تعطيل إرادتك لمراده والنظر إلى ما يقع من تدبيره لك وترك الاعتراض على الحكم وثلاثة من أعلام التوحيد: رؤية كل شيء من الله وقبول كل شيء عنه وإضافة كل شيء إليه. وقال بعض العارفين: أصل العبادة ثلاثة: لا ترد من أحكامه شيئا ولا تسأل غيره حاجة ولا تدخر عنه شيئا. وسئل ابن شمعون عن الرضا فقال: أن ترضى به مدبرا ومختارا. وترضى عنه قاسما ومعطيا ومانعا. وترضاه إلها ومعبودا وربا. وقال بعض العارفين: الرضا ترك الاختيار وسرور القلب بمر القضاء وإسقاط التدبير من النفس حتى يحكم الله لها أو عليها. وقيل: الراضي من لم يندم على فائت من الدنيا ولم يتأسف عليها. ولله در القائل: العبد ذو ضجر. والرب ذو قدر ... والدهر ذو دول. والرزق مقسوم والخير أجمع فيما اختار خالقنا ... وفي اختيار سواه اللوم والشوم السابع والخمسون: أنه إذا لم يرض بالقدر وقع في لوم المقادير. إما بقالبه وإما بقلبه وحاله. ولوم المقادير لوم لمقدرها وكذلك يقع في لوم الخلق. والله والناس يلومونه فلا يزال لائما ملوما. وهذا مناف للعبودية. قال أنس رضي الله عنه خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين. فما قال لي لشيء فعلته: لم فعلته ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته ولا قال لي لشيء كان: ليته لم يكن. ولا لشيء لم يكن: ليته كان. وكان بعض أهله إذا لامني يقول: دعوه. فلو قضي شيء لكان . وقوله: لو قضي شيء لكان. يتناول أمرين. أحدهما: ما لم يوجد من مراد العبد. والثاني: ما وجد مما يكرهه. وهو يتناول فوات المحبوب وحصول المكروه فلو قضي الأول لكان. ولو قضي خلاف الآخر لكان. فإذا استوت الحالتان بالنسبة إلى القضاء. فعبودية العبد: أن يستوي عنده الحالتان بالنسبة إلى رضاه. وهذا موجب العبودية ومقتضاها. يوضحه:(2\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "710",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13707",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثامن والخمسون: أنه إذا استوى الأمران بالنسبة إلى رضا الرب تعالى. فهذا رضيه لعبده فقدره. وهذا لم يرضه له فلم يقدره. فكمال الموافقة: أن يستويا بالنسبة إلى العبد. فيرضى ما رضيه له ربه في الحالين. التاسع والخمسون: أن الله تعالى نهى عن التقدم بين يديه ويدي رسوله في حكمه الديني الشرعي. وذلك عبودية هذا الأمر. فعبودية أمره الكوني القدري: أن لا يتقدم بين يديه إلا حيث كانت المصلحة الراجحة في ذلك. فيكون التقدم أيضا بأمره الكوني والديني. فإذا كان فرضه الصبر أو ندبه. أو فرضه الرضا حتى ترك ذلك: فقد تقدم بين يدي شرعه وقدره. الستون: أن المحبة والإخلاص والإنابة: لا تقوم إلا على ساق الرضا. فالمحب راض عن حبيبه في كل حالة. وقد كان عمران بن حصين رضي الله عنه استسقي بطنه فبقي ملقى على ظهره مدة طويلة لا يقوم ولا يقعد. وقد نقب له في سريره موضع لحاجته. فدخل عليه مطرف بن عبد الله الشخير. فجعل يبكي لما رأى من حاله. فقال له عمران: لم تبكي فقال: لأني أراك على هذه الحال الفظيعة. فقال: لا تبك. فإن أحبه إلي أحبه إليه. وقال: أخبرك بشيء لعل الله أن ينفعك به واكتم علي حتى أموت. إن الملائكة تزورني فآنس بها. وتسلم علي فأسمع تسليمها. ولما قدم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إلى مكة - وقد كف بصره - جعل الناس يهرعون إليه ليدعو لهم. فجعل يدعو لهم. قال عبد الله بن السائب: فأتيته وأنا غلام. فتعرفت إليه. فعرفني. فقلت: يا عم أنت تدعو للناس فيشفون. فلو دعوت لنفسك لرد الله عليك بصرك. فتبسم. ثم قال: يا بني قضاه الله أحب إلي من بصري. وقال بعض العارفين: ذنب أذنبته. أنا أبكي عليه ثلاثين سنة. قيل: وما هو قال: قلت لشيء قضاء الله: ليته لم يقضه أو ليته لم يكن. وقال بعض السلف: لو قرض لحمي بالمقاريض كان أحب إلي من أن أقول لشيء قضاه الله: ليته لم يقضه. وقيل لعبد الواحد بن زيد: هاهنا رجل قد تعبد خمسين سنة. فقصده. فقال له: حبيبي أخبرني عنك هل قنعت به قال: لا. قال: فهل أنت به قال: لا. قال: فهل رضيت عنه قال: لا. قال: فإنما مزيدك من الصوم والصلاة قال: نعم. قال: لولا أني أستحي منك لأخبرتك: أن معاملتك خمسين سنة مدخولة. يعني أنه لم يقربه فجعله في مقام المقربين. فيوجده مواجيد العارفين بحيث يكون مزيده لديه: أعمال القلوب. التي يستعمل بها كل محبوب مطلوب لأن القناعة: حال(2\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "711",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13708",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الموفق والأنس به: مقام المحب والرضا: وصف المتوكل. يعني أنت عنده في طبقات أصحاب اليمين. فمزيدك عنده مزيد العموم من أعمال الجوارح. وقوله: إن معاملته مدخولة يحتمل وجهين: أحدهما: أنها ناقصة عن معاملة المقربين التي أوجبت لهم هذه الأحوال. الثاني: أنها لو كانت صحيحة سالمة لا علة فيها ولا غش: لأثمرت له الأنس والرضا والمحبة والأحوال العلية. فإن الرب تعالى شكور. إذا وصل إليه عمل عبده جمل به ظاهره وباطنه. وأثابه عليه من حقائق المعرفة والإيمان بحسب عمله. فحيث لم يجد أثرا في قلبه من الأنس والرضا والمحبة: استدل على أنه مدخول غير سالم من الآفات. الحادي والستون: أن أعمال الجوارح تضاعف إلى حد معلوم محسوب. وأما أعمال القلب: فلا ينتهي تضعيفها. وذلك لأن أعمال الجوارح: لها حد تنتهي إليه. وتقف عنده. فيكون جزاؤها بحسب حدها. وأما أعمال القلوب: فهي دائمة متصلة. وإن توارى شهود العبد لها. مثاله: أن المحبة والرضا حال المحب الراضي لا تفارقه أصلا. وإن توارى حكمها. فصاحبها في مزيد متصل. فمزيد المحب الراضي: متصل بدوام هذه الحال له. فهو في مزيد ولو فترت جوارحه. بل قد يكون مزيده في حال سكونه وفتوره أكثر من مزيد كثير من أهل النوافل بما لا نسبة بينهما. ويبلغ ذلك بصاحبه إلى أن يكون مزيده في حال نومه أكثر من مزيد كثير من أهل القيام. وأكله أكثر من مزيد كثير من أهل الصيام والجوع. فإن أنكرت هذا فتأمل مزيد نائم بالله وقيام غافل عن الله. فالله سبحانه إنما ينظر إلى القلوب والهمم والعزائم لا إلى صور الأعمال. وقيمة العبد: همته وإرادته. فمن لا يرضيه غير الله - ولو أعطي الدنيا بحذافيرها - له شأن. ومن يرضيه أدنى حظ من حظوظها له شأن. وإن كانت أعمالهما في الصورة الواحدة. وقد تكون أعمال الملتفت إلى الحظوظ أكثر وأشق. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والله ذو الفضل العظيم. وقد اختلف أرباب هذا الشأن في مسألة. وهي: هل للرضا حد ينتهي إليه فقال أبو سليمان الداراني: ثلاث مقامات لا حد لها: الزهد والورع والرضا. وخالفه سليمان ابنه - وكان عارفا حتى إن من الناس من كان يقدمه على أبيه -(2\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "712",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13709",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال: بل من تورع في كل شيء: فقد بلغ حد الورع. ومن زهد في غير الله: فقد بلغ حد الزهد. ومن رضي عن الله في كل شيء: فقد بلغ حد الرضا. وقد اختلفوا في مسألة تتعلق بذلك. وهي: أهل مقامات ثلاثة: أحدهم: يحب الموت شوقا إلى الله ولقائه. والثاني: يحب البقاء للخدمة والتقرب. وقال الثالث: لا أختار. بل أرضى بما يختار لي مولاي إن شاء أحياني وإن شاء أماتني. فتحاكموا إلى بعض العارفين. فقال: صاحب الرضا أفضلهم. لأنه أقلهم فضولا وأقربهم إلى السلامة. ولا ريب أن مقام الرضا فوق مقام الشوق والزهد في الدنيا. بقي النظر في مقامي الآخرين: أيهما أعلى فرجحت طائفة مقام من أحب الموت. لأنه في مقام الشوق إلى لقاء الله ومحبة لقائه. ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. ورجحت طائفة مقام مريد البقاء لتنفيذ أوامر الرب تعالى. واحتجوا بأن الأول محب لحظه من الله. وهذا محب لمراد الله منه. لم يشبع منه ولم يقض منه وطرا. قالوا: وهذا حال موسى - صلوات الله وسلامه عليه - حين لطم وجه ملك الموت. ففقأ عينه لا محبة للدنيا ولكن لينفذ أوامر ربه. ومراضيه في الناس. فكأنه قال: أنت عبده وأنا عبده. وأنت في طاعته. وأنا في طاعته وتنفيذ أوامره. وحينئذ فنقول في الوجه الثاني والستين: إن حال الراضي المسلم ينتظم حاليهما جميعا مع زيادة التسليم وترك الاختيار فإنه قد غاب بمراد ربه منه - من إحيائه وإماتته - عن مراده هو من هذين الأمرين. وكل محب فهو مشتاق إلى لقاء حبيبه مؤثر لمراضيه. فقد أخذ بزمام كل من المقامين واتصف بالحالين. وقال: أحب ذلك إلي أحبه(2\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "713",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13710",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليه لا أتمنى غير رضاه. ولا أتخير عليه إلا ما يحبه ويرضاه. وهذا القدر كاف في هذا الموضع. وبالله التوفيق. فلنرجع إلى شرح كلامه. قال: الثاني: سقوط الخصومة عن الخلق. يعني أن الرضا إنما يصح بسقوط الخصومة مع الخلق. فإن الخصومة تنافي حال الرضا. وتنافي نسبة الأشياء كلها إلى من بيده أزمة القضاء والقدر. ففي الخصومة آفات. أحدها: المنازعة التي تضاد الرضا. الثاني: نقص التوحيد بنسبة ما يخاصم فيه إلى عبد دون الخالق لكل شيء. الثالث: نسيان الموجب والسبب الذي جر إلى الخصومة. فلو رجع العبد إلى السبب والموجب لكان اشتغاله بدفعه أجدى عليه وأنفع له من خصومة من جرى على يديه. فإنه - وإن كان ظالما - فهو الذي سلطه على نفسه بظلمه. قال الله تعالى: أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم [آل عمران: 165] فأخبر عن أذى عدوهم لهم وغلبتهم لهم: إنما هو بسبب ظلمهم. وقال الله تعالى: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير [الشورى: 30] . فإذا اجتمعت بصيرة العبد على مشاهد القدر والتوحيد والحكمة والعدل: انسد عنه باب خصومة الخلق إلا فيما كان حقا لله ورسوله. فالراضي لا يخاصم ولا يعاتب إلا فيما يتعلق بحق الله. وهذه كانت حال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإنه لم يكن يخاصم أحدا ولا يعاتبه إلا فيما يتعلق بحق الله. كما أنه كان لا يغضب لنفسه. فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله. فالمخاصمة لحظ النفس تطفئ نور الرضا وتذهب بهجته. وتبدل بالمرارة حلاوته. وتكدر صفوه. قال: الشرط الثالث: الخلاص من المسألة للخلق والإلحاح.(2\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "714",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13711",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذلك: لأن المسألة: فيها ضرب من الخصومة والمنازعة والمحاربة والرجوع عن مالك الضر والنفع إلى من لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا إلا بربه. وفيها الغيبة عن المعطي المانع. والإلحاح ينافي حال الرضا ووصفه. وقد أثنى الله سبحانه على الذين لا يسألون الناس إلحافا. فقال تعالى يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا [البقرة: 273] . فقالت طائفة: يسألون الناس ما تدعو حاجتهم إلى سؤاله. ولكن لا يلحفون. فنفى الله عنهم سؤال الإلحاف لا مطلق السؤال. قال ابن عباس: إذا كان عنده غداء لم يسأل عشاء. وإذا كان عنده عشاء لم يسأل غداء. وقالت طائفة - منهم الزجاج والفراء وغيرهما - بل الآية اقتضت ترك السؤال مطلقا. لأنهم وصفوا بالتعفف والمعرفة بسيماهم دون الإفصاح بالمسألة. لأنهم لو أفصحوا بالسؤال لم يحسبهم الجاهل أغنياء. ثم اختلفوا في وجه قوله تعالى: لا يسألون الناس إلحافا [البقرة: 273] . فقال الزجاج: المعنى لا يكون منهم سؤال فيقع إلحاف. كما قال تعالى فما تنفعهم شفاعة الشافعين [المدثر: 48] أي لا تكون شفاعة فتنفع. وكما في قوله: لا يقبل منها عدل [البقرة: 123] أي لا يكون عدل فيقبل ونظائره. قال امرؤ القيس: على لاحب لا يهتدى لمناره أي ليس له منار يهتدى به. قال ابن الأنباري وتأويل الآية: لا يسألون ألبتة. فيخرجهم السؤال في بعض الأوقات إلى الإلحاف. فيجري هذا مجرى قولك: فلان لا يرجى خيره. أي ليس له خير فيرجى.(2\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "715",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13712",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو علي: لم يثبت في هذه الآية مسألة منهم. لأن المعنى: ليس منهم مسألة فيكون منهم إلحاف. قال: ومثل ذلك قول الشاعر: لا يفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضب بها ينجحر أي ليس بها أرنب فتفزع لهولها ولا ضب فينجحر. وقال الفراء: نفى الإلحاف عنهم. وهو يريد نفي جميع السؤال.  فصل حكم المسألة والمسألة في الأصل حرام. وإنما أبيحت للحاجة والضرورة. لأنها ظلم في حق الربوبية. وظلم في حق المسئول. وظلم في حق السائل. أما الأول: فلأنه بذل سؤاله وفقره وذله واستعطاءه لغير الله. وذلك نوع عبودية. فوضع المسألة في غير موضعها. وأنزلها بغير أهلها. وظلم توحيده وإخلاصه. وفقره إلى الله وتوكله عليه ورضاه بقسمه. واستغنى بسؤال الناس عن مسألة رب الناس. وذلك كله يهضم من حق التوحيد ويطفئ نوره ويضعف قوته. وأما ظلمه للمسئول: فلأنه سأله ما ليس عنده. فأوجب له بسؤاله عليه حقا لم يكن له عليه. وعرضه لمشقة البذل أو لوم المنع. فإن أعطاه أعطاه على كراهة. وإن منعه. منعه على استحياء وإغماض. هذا إذا سأله ما ليس عليه. وأما إذا سأله حقا هو له عنده: فلم يدخل في ذلك. ولم يظلمه بسؤاله. وأما ظلمه لنفسه: فإنه أراق ماء وجهه. وذل لغير خالقه. وأنزل نفسه أدنى المنزلتين. ورضي لها بأبخس الحالتين. ورضي بإسقاط شرف نفسه وعزة تعففه وراحة(2\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "716",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13713",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قناعته. وباع صبره ورضاه وتوكله وقناعته بما قسم له واستغناءه عن الناس بسؤالهم. وهذا عين ظلمه لنفسه. إذ وضعها في غير موضعها. وأخمل شرفها. ووضع قدرها. وأذهب عزها. وصغرها وحقرها. ورضي أن تكون نفسه تحت نفس المسئول. ويده تحت يده. ولولا الضرورة لم يبح ذلك في الشرع. وقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما يسأل جمرا. فليستقل أو ليستكثر . وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره فيتصدق به على الناس خير له من أن يأتي رجلا فيسأله أعطاه أو منعه . وفي صحيح مسلم عنه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره. فيتصدق به ويستغني به عن الناس: خير له من أن يسأل رجلا أعطاه أو منعه. ذلك بأن اليد العليا خير من اليد السفلى. وابدأ بمن تعول . زاد الإمام أحمد ولأن يأخذ ترابا فيجعله في فيه: خير له من أن يجعل في فيه ما حرم الله عليه . وفي صحيح البخاري عن الزبير بن العوام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لأن يأخذ أحدكم حبله. فيأتي بحزمة من الحطب على ظهره فيبيعها. فيكف الله بها وجهه: خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه . وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن ناسا من الأنصار سألوا(2\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "717",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13714",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم. حتى نفد ما عنده. فقال لهم - حين أنفق كل شيء بيده -: ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم. ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله. ومن يتصبر يصبره الله. وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر . وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: - وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف والمسألة - اليد العليا خير من اليد السفلى. فاليد العليا: هي المنفقة. واليد السفلى: هي السائلة . رواه البخاري ومسلم. وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني. ثم سألته فأعطاني. ثم قال: يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة. فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه. ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه. وكان كالذي يأكل ولا يشبع. واليد العليا خير من اليد السفلى. قال حكيم: فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا. وكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيما إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه. ثم إن عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه. فأبى أن يقبل منه شيئا. فقال عمر: إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم: أني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه. فلم يرزأ حكيم رضي الله عنه أحدا من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي . متفق على صحته. وروي عن الشعبي قال: حدثني كاتب المغيرة بن شعبة: قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: أن اكتب إلي شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكتب إليه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله كره لكم ثلاثا. قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال . رواه البخاري ومسلم. وعن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تلحفوا في المسألة. فوالله(2\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "718",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13715",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يسألني أحد منكم شيئا فتخرج له مسألته مني شيئا وأنا له كاره. فيبارك له فيما أعطيته. . وفي لفظ إنما أنا خازن. فمن أعطيته عن طيب نفس فيبارك له فيه ومن أعطيته عن مسألة وشره كان كالذي يأكل ولا يشبع . رواه مسلم. وعن أبي مسلم الخولاني رضي الله عنه قال: حدثني الحبيب الأمين - أما هو: فحبيب إلي. وأما هو عندي: فأمين. عوف بن مالك الأشجعي - رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة - أو ثمانية أو سبعة - فقال: ألا تبايعون رسول الله - وكنا حديثي عهد ببيعته - فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله. ثم قال: ألا تبايعون رسول الله فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله. ثم قال: ألا تبايعون رسول الله قال: فبسطنا أيدينا. وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله. فعلام نبايعك قال: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا. والصلوات الخمس. وتطيعوا الله - وأسر كلمة خفية - ولا تسألوا الناس شيئا. فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا يناوله إياه . رواه مسلم. وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المسألة كد يكد بها الرجل وجهه إلا أن يسأل الرجل سلطانا أو في أمر لا بد منه . رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. وفي مسند الإمام أحمد عن زيد بن عقبة الفزاري قال: دخلت على الحجاج بن يوسف الثقفي. فقلت: أصلح الله الأمير ألا أحدثك حديثا سمعته من سمرة بن جندب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بلى قال: سمعته يقول: المسائل كد يكد بها الرجل وجهه. فمن شاء أبقى على وجهه. ومن شاء ترك إلا أن يسأل رجل ذا سلطان أو يسأل في أمر لا بد منه . وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يتقبل لي بواحدة وأتقبل(2\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "719",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13716",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له بالجنة قلت: أنا. قال: لا تسأل الناس شيئا. فكان ثوبان يقع سوطه وهو راكب. فلا يقول لأحد: ناولنيه حتى ينزل هو فيتناوله . رواه الإمام أحمد وأهل السنن. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أصابته فاقة. فأنزلها بالناس: لم تسد فاقته. ومن أنزلها بالله: أوشك الله له بالغنى: إما بموت عاجل أو غنى عاجل . رواه أبو داود الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. وعن سهل بن الحنظلية قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن والأقرع بن حابس. فسألاه. فأمر لهما بما سألاه. وأمر معاوية فكتب لهما بما سألا. فأما الأقرع: فأخذ كتابه فلفه في عمامته وانطلق. وأما عيينة: فأخذ كتابه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتابه. فقال: يا محمد أراني حاملا إلى قومي كتابا لا أدري ما فيه كصحيفة المتلمس فأخبر معاوية بقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار - وفي لفظ: من جمر جهنم - قالوا: يا رسول الله وما يغنيه - وفي لفظ: وما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة - قال: قدر ما يغديه وما يعشيه . وفي لفظ: أن يكون له شبع يوم وليلة رواه أبو داود والإمام أحمد. وعن ابن الفراسي أن الفراسي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أسأل يا رسول الله قال: لا وإن كنت سائلا لا بد فسل الصالحين . رواه النسائي. وعن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أسأله: فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة. فآمر لك بها. ثم قال: يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة. فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك. ورجل أصابته(2\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "720",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13717",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال: سدادا من عيش - ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة. فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال: سدادا من عيش - فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتا . رواه مسلم. وعن عائذ بن عمرو رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم: فسأله. فأعطاه. فلما وضع رجله على أسكفة الباب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو يعلمون ما في المسألة ما مشى أحد إلى أحد يسأله شيئا . رواه النسائي. وعن مالك بن نضلة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأيدي ثلاثة. فيد الله: العليا ويد المعطي: التي تليها ويد السائل: السفلى. فأعط الفضل. ولا تعجز عن نفسك . رواه الإمام أحمد وأبو داود. وعن ثوبان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: من سأل مسألة - وهو عنها غني - كانت شينا في وجهه يوم القيامة رواه الإمام أحمد. وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: ثلاث والذي نفس محمد بيده إن كنت لحالفا عليهن: لا ينقص مال من صدقة فتصدقوا. ولا يعفو عبد عن مظلمة يبتغي بها وجه الله إلا رفعه الله بها. ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر . رواه الإمام أحمد.(2\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "721",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13718",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سرحتني أمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله. فأتيته فقعدت. قال: فاستقبلني فقال: من استغنى أغناه الله ومن استعف أعفه الله ومن استكفى كفاه الله ومن سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف. فقلت: ناقتي هي خير من أوقية. ولم أسأله . رواه الإمام أحمد وأبو داود. وعن خالد بن عدي الجهني رضي الله عنه: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من جاءه من أخيه معروف من غير إشراف ولا مسألة. فليقبله ولا يرده. فإنما هو رزق ساقه الله إليه . رواه الإمام أحمد. فهذا أحد المعنيين في قوله: إن من شرط الرضا: ترك الإلحاح في المسألة وهو أليق المعنيين وأولاهما. لأنه قرنه بترك الخصومة مع الخلق. فلا يخاصمهم في حقه. ولا يطلب منهم حقوقه. والمعنى الثاني: أنه لا يلح في الدعاء. ولا يبالغ فيه. فإن ذلك يقدح في رضاه. وهذا يصح في وجه دون وجه فيصح إذا كان الداعي يلح في الدعاء بأغراضه وحظوظه العاجلة. وأما إذا ألح على الله في سؤاله بما فيه رضاه والقرب منه: فإن ذلك لا يقدح في مقام الرضا أصلا. وفي الأثر: إن الله يحب الملحين في الدعاء . وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه - يوم بدر - للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله قد ألححت على ربك. كفاك بعض منادتك لربك فهذا الإلحاح عين العبودية. وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لم يسأل الله يغضب عليه . فإذا كان سؤاله يرضيه لم يكن الإلحاح فيه منافيا لرضاه.(2\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "722",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13719",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحقيقة الرضا: موافقته سبحانه في رضاه. بل الذي ينافي الرضا: أن يلح عليه. متحكما عليه متخيرا عليه ما لم يعلم: هل يرضيه أم لا كمن يلح على ربه في ولاية شخص أو إغنائه أو قضاء حاجته. فهذا ينافي الرضا لأنه ليس على يقين أن مرضاة الرب في ذلك. فإن قيل: فقد يكون للعبد حاجة يباح له سؤاله إياها. فيلح على ربه في طلبها حتى يفتح له من لذيذ مناجاته وسؤاله والذل بين يديه وتملقه والتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده وتفريغ القلب له وعدم تعلقه في حاجته بغيره -: ما لم يحصل له بدون الإلحاح. فهل يكره له هذا الإلحاح. وإن كان المطلوب حظا من حظوظه قيل: هاهنا ثلاثة أمور. أحدها: أن يفنى بمطلوبه وحاجته عن مراده ورضاه ويجعل الرب تعالى وسيلة إلى مطلوبه بحيث يكون أهم إليه منه. فهذا ينافي كمال الرضا به وعنه. الثاني: أن يفتح على قلبه - حال السؤال - من معرفة الله ومحبته والذل له والخضوع والتملق: ما ينسيه حاجته. ويكون ما فتح له من ذلك أحب إليه من حاجته. بحيث يحب أن تدوم له تلك الحال وتكون آثر عنده من حاجته. وفرحه بها أعظم من فرحه بحاجته لو عجلت له وفاته ذلك. فهذا لا ينافي رضاه. وقال بعض العارفين: إنه لأن تكون لي حاجة إلى الله. فأسأله إياها. فيفتح علي من مناجاته ومعرفته والتذلل له والتملق بين يديه: ما أحب معه أن يؤخر عني قضاءها. وتدوم لي تلك الحال. وفي أثر: إن العبد ليدعو ربه عز وجل. فيقول الله عز وجل لملائكته: اقضوا حاجة عبدي وأخروها فإني أحب أن أسمع دعاءه ويدعوه آخر. فيقول الله لملائكته: اقضوا حاجته وعجلوها. فإني أكره صوته . وقد روى الترمذي وغيره عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج .(2\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "723",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13720",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وروي أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد. فليكثر من الدعاء في الرخاء . وروي أيضا من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليسأل أحدكم ربه حاجته حتى يسأله الملح وحتى يسأله شسع نعله إذا انقطع . وفيه أيضا عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما سئل الله شيئا أحب إليه من أن يسأل العافية. وإن الدعاء لينفع مما نزل ومما لم ينزل. فعليكم عباد الله بالدعاء . وإذا كان هذا محبة الرب تعالى للدعاء فلا ينافي الإلحاح فيه الرضا. الثالث: أن ينقطع طمعه من الخلق. ويتعلق بربه في طلب حاجته وقد أفرده بالطلب. ولا يلوي على ما وراء ذلك. فهذا قد تنشأ له المصلحة من نفس الطلب وإفراد الرب بالقصد. والفرق بينه وبين الذي قبله: أن ذلك قد فتح عليه بما هو أحب إليه من حاجته. فهو لا يبالي بفواتها بعد ظفره بما فتح عليه. وبالله التوفيق.  [فصل الدرجة الثالثة الرضا برضا الله] فصل قال: الدرجة الثالثة: الرضا برضا الله. فلا يرى العبد لنفسه سخطا ولا رضا. فيبعثه على ترك التحكم وحسم الاختيار وإسقاط التمييز ولو أدخل النار.(2\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "724",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13721",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنما كانت هذه الدرجة أعلى مما قبلها من الدرجات عنده: لأنها درجة صاحب الجمع الفاني بربه عن نفسه وعما منها قد غيبه شاهد رضا الله بالأشياء في وقوعها على مقتضى مشيئته عن شاهد رضاه هو. فيشهد الرضا لله ومنه حقيقة. ويرى نفسه فانيا ذاهبا مفقودا. فهو يستوحش من نفسه ومن صفاتها ومن رضاها ومن سخطها فهو عامل على التغيب عن وجوده وعما منه. مترام إلى العدم المحض. قد تلاشى وجوده ونفسه وصفاتها في وجود مولاه الملك الحق وصفاته وأفعاله. كما يتلاشى ضوء السراج الضعيف في جرم الشمس. فغاب برضا ربه عن رضاه هو وعن ربه في أقضيته وأقداره. وغاب بصفات ربه عن صفاته. وبأفعاله عن أفعاله. فتلاشى وجوده وصفاته وأفعاله في جنب وجود ربه وصفاته بحيث صار كالعدم المحض. وفي هذا المقام لا يرى لنفسه رضا ولا سخطا. فيوجب له هذا الفناء: ترك التحكم على الله بأمر من الأمور. وترك التخير عليه. فتذهب مادة التحكم وتفنى. وتنحسم مادة الاختيار وتتلاشى. وعند ذلك يسقط تمييز العبد ويتلاشى. هذا تقدير كلامه. وبعد فهاهنا أمران. أحدهما: أن هذا حال يعرض. لا مقام يطلب ويشمر إليه. فإن هذه الحال متى عرضت له وارت عنه تمييزه. ولا يمكن أن يدوم له ذلك. بل يقصر زمنه ويطول. ثم يرجع إلى تمييزه وعقله. وصاحب هذه الحال مغلوب: إما سكران. بحاله وإما فان عن وجوده. والكمال وراء ذلك. وهو أن يكون فانيا عن إرادته بإرادة ربه منه. فيكون باقيا بوجود آخر غير وجوده الطبيعي. وهو وجود مطهر كائن بالله. ولله. ومع الله. وصاحب هذا في مقام: quot; فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش quot;. قد فني عن وجوده الطبيعي والنفسي. وبقي بهذا الوجود العلوي القدسي. فيعود عليه تمييزه وفرقانه ورضاه عن ربه تعالى ومقامات إيمانه. وهذا أكمل وأعلى من فنائه عنها كالسكران. فإن قلت: فهل يمكن وصوله إلى هذا المقام من غير درب الفناء وعبوره إليه على غير جسره قلت: اختلف في ذلك. فطائفة ظنت أنه لا يصل إلى البقاء وإلى هذا الوجود المطهر إلا بعد عبوره على جسر الفناء. فعدوه لازما من لوازم السير إلى الله. وقالت طائفة: بل يمكن الوصول إلى البقاء على غير درب الفناء والفناء عندهم عارض من عوارض الطريق لا لازم. وسببه: قوة الوارد وضعف المحل واستجلابه بتعاطي أسبابه.(2\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "725",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13722",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتحقيق: أنه لا يصل إلى هذا المقام إلا بعد عبوره على جسر الفناء عن مراده بمراد سيده. فما دام لم يحصل له هذا الفناء فلا سبيل له إلى ذلك البقاء. وأما فناؤه عن وجوده: فليس شرطا لذلك البقاء. ولا هو من لوازمه. وصاحب هذا المقام: هو في رضاه عن ربه بربه لا بنفسه. كما هو في توكله وتفويضه وتسليمه وإخلاصه ومحبته وغير ذلك من أحواله بربه لا بنفسه. فيرى ذلك كله من عين المنة والفضل مستعملا فيه. قد أقيم فيه. لا أنه قد قام هو به. فهو واقف بين مشهد لمن شاء منكم أن يستقيم [التكوير: 28] ومشهد وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين [التكوير: 29] . والله المستعان.  [فصل منزلة الشكر] [حقيقة الشكر] فصل منزلة الشكر ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الشكر وهي من أعلى المنازل. وهي فوق منزلة الرضا وزيادة. فالرضا مندرج في الشكر. إذ يستحيل وجود الشكر بدونه. وهو نصف الإيمان - كما تقدم - والإيمان نصفان: نصف شكر. ونصف صبر. وقد أمر الله به. ونهى عن ضده وأثنى على أهله. ووصف به خواص خلقه. وجعله غاية خلقه وأمره. ووعد أهله بأحسن جزائه. وجعله سببا للمزيد من فضله. وحارسا وحافظا لنعمته. وأخبر أن أهله هم المنتفعون بآياته. واشتق لهم اسما من أسمائه. فإنه سبحانه هو الشكور وهو يوصل الشاكر إلى مشكوره بل يعيد الشاكر مشكورا. وهو غاية الرب من عبده. وأهله هم القليل من عباده. قال الله تعالى: واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون [النحل: 114] وقال واشكروا لي ولا تكفرون [البقرة: 152] وقال عن خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين - شاكرا لأنعمه [النحل: 120 - 121] وقال عن نوح عليه السلام إنه كان عبدا شكورا [الإسراء: 3] وقال تعالى:(2\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "726",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13723",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون [النحل: 78] وقال تعالى: واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون [العنكبوت: 17] وقال تعالى: وسيجزي الله الشاكرين [آل عمران: 144] وقال تعالى: وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد [إبراهيم: 7] وقال تعالى: إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور [إبراهيم: 5] وسمى نفسه شاكرا وشكورا وسمى الشاكرين بهذين الاسمين. فأعطاهم من وصفه. وسماهم باسمه. وحسبك بهذا محبة للشاكرين وفضلا. وإعادته للشاكر مشكورا. كقوله: إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا [الإنسان: 22] ورضا الرب عن عبده به. كقوله: وإن تشكروا يرضه لكم [الزمر: 7] وقلة أهله في العالمين تدل على أنهم هم خواصه. كقوله: وقليل من عبادي الشكور [سبأ: 13] وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام حتى تورمت قدماه. فقيل له: تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال: أفلا أكون عبدا شكورا . وقال لمعاذ والله يا معاذ إني لأحبك. فلا تنس أن تقول في دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك . وفي المسند والترمذي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهؤلاء الكلمات: اللهم أعني ولا تعن علي. وانصرني ولا تنصر علي. وامكر لي ولا(2\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "727",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13724",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تمكر بي. واهدني ويسر الهدى لي. وانصرني على من بغى علي. رب اجعلني لك شكارا لك ذكارا لك رهابا لك مطاوعا لك مخبتا إليك أواها منيبا. رب تقبل توبتي. واغسل حوبتي. وأجب دعوتي. وثبت حجتي. واهد قلبي. وسدد لساني. واسلل سخيمة صدري .  [فصل أصل الشكر في اللغة] فصل وأصل الشكر في وضع اللسان: ظهور أثر الغذاء في أبدان الحيوان ظهورا بينا. يقال: شكرت الدابة تشكر شكرا على وزن سمنت تسمن سمنا: إذا ظهر عليها أثر العلف ودابة شكور: إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تأكل وتعطى من العلف. وفي صحيح مسلم حتى إن الدواب لتشكر من لحومهم أي لتسمن من كثرة ما تأكل منها. وكذلك حقيقته في العبودية. وهو ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده: ثناء واعترافا. وعلى قلبه: شهودا ومحبة. وعلى جوارحه: انقيادا وطاعة. والشكر مبني على خمس قواعد: خضوع الشاكر للمشكور. وحبه له. واعترافه بنعمته. وثناؤه عليه بها. وأن لا يستعملها فيما يكره. فهذه الخمس: هي أساس الشكر. وبناؤه عليها. فمتى عدم منها واحدة: اختل من قواعد الشكر قاعدة. وكل من تكلم في الشكر وحده فكلامه إليها يرجع. وعليها يدور. فقيل: حده الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع. وقيل: الثناء على المحسن بذكر إحسانه.(2\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "728",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13725",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقيل: هو عكوف القلب على محبة النعم والجوارح على طاعته وجريان اللسان بذكره والثناء عليه. وقيل: هو مشاهدة المنة. وحفظ الحرمة. وما ألطف ما قال حمدون القصار: شكر النعمة أن ترى نفسك فيها طفيليا. وقال أبو عثمان: الشكر معرفة العجز عن الشكر. وقيل: الشكر إضافة النعم إلى موليها بنعت الاستكانة له. وقال الجنيد: الشكر أن لا ترى نفسك أهلا للنعمة. هذا معنى قول حمدون أن يرى نفسه فيها طفيليا. وقال رويم: الشكر استفراغ الطاقة. وقال الشبلي: الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعمة. قلت: يحتمل كلامه أمرين. أحدهما: أن يفنى برؤية المنعم عن رؤية نعمه. والثاني: أن لا تحجبه رؤية نعمه ومشاهدتها عن رؤية المنعم بها. وهذا أكمل. والأول أقوى عندهم. والكمال: أن تشهد النعمة والمنعم. لأن شكره بحسب شهود النعمة. فكلما كان أتم كان الشكر أكمل. والله يحب من عبده: أن يشهد نعمه ويعترف له بها. ويثني عليه بها. ويحبه عليها. لا أن يفنى عنها. ويغيب عن شهودها. وقيل: الشكر قيد النعم الموجودة وصيد النعم المفقودة. وشكر العامة: على المطعم والمشرب والملبس وقوت الأبدان. وشكر الخاصة: على التوحيد والإيمان وقوت القلوب. وقال داود عليه السلام: يا رب كيف أشكرك وشكري لك نعمة علي من عندك تستوجب بها شكرا. فقال: الآن شكرتني يا داود.(2\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "729",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13726",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي أثر آخر إسرائيلي: أن موسى صلى الله عليه وسلم قال يا رب خلقت آدم بيدك. ونفخت فيه من روحك. وأسجدت له ملائكتك. وعلمته أسماء كل شيء. وفعلت وفعلت. فكيف شكرك قال الله عز وجل: علم أن ذلك مني. فكانت معرفته بذلك شكرا لي. وقيل: الشكر التلذذ بثنائه على ما لم تستوجب من عطائه. وقال الجنيد - وقد سأله سري عن الشكر وهو صبي - الشكر: أن لا يستعان بشيء من نعم الله على معاصيه. فقال: من أين لك هذا قال: من مجالستك. وقيل: من قصرت يداه عن المكافآت فليطل لسانه بالشكر. والشكر معه المزيد أبدا. لقوله تعالى: لئن شكرتم لأزيدنكم [إبراهيم: 7] فمتى لم تر حالك في مزيد. فاستقبل الشكر. وفي أثر إلهي: يقول الله عز وجل أهل ذكري أهل مجالستي وأهل شكري أهل زيادتي وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي. إن تابوا فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم. أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب . وقيل: من كتم النعمة فقد كفرها. ومن أظهرها ونشرها فقد شكرها. وهذا مأخوذ من قوله: صلى الله عليه وسلم إن الله إذا أنعم على عبد بنعمة أحب أن يرى أثر نعمته على عبده . وفي هذا قيل: ومن الرزية أن شكري صامت ... عما فعلت وأن برك ناطق وأرى الصنيعة منك ثم أسرها ... إني إذا لندى الكريم لسارق  [فصل الفرق بين الحمد والشكر] فصل وتكلم الناس في الفرق بين الحمد والشكر أيهما أعلى وأفضل وفي الحديث الحمد رأس الشكر فمن لم يحمد الله لم يشكره .(2\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "730",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13727",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والفرق بينهما: أن الشكر أعم من جهة أنواعه وأسبابه وأخص من جهة متعلقاته. والحمد أعم من جهة المتعلقات وأخص من جهة الأسباب. ومعنى هذا: أن الشكر يكون بالقلب خضوعا واستكانة وباللسان ثناء واعترافا وبالجوارح طاعة وانقيادا. ومتعلقه: النعم دون الأوصاف الذاتية فلا يقال: شكرنا الله على حياته وسمعه وبصره وعلمه. وهو المحمود عليها. كما هو محمود على إحسانه وعدله والشكر يكون على الإحسان والنعم. فكل ما يتعلق به الشكر يتعلق به الحمد من غير عكس وكل ما يقع به الحمد يقع به الشكر من غير عكس. فإن الشكر يقع بالجوارح. والحمد يقع بالقلب واللسان.  [فصل تعريف ابن القيم للشكر] فصل قال صاحب quot; المنازل quot;: الشكر: اسم لمعرفة النعمة. لأنها السبيل إلى معرفة المنعم. ولهذا سمى الله تعالى الإسلام والإيمان في القرآن: شكرا. فمعرفة النعمة: ركن من أركان الشكر. لا أنها جملة الشكر كما تقدم: أنه الاعتراف بها والثناء عليه بها والخضوع له ومحبته والعمل بما يرضيه فيها. لكن لما كان معرفتها ركن الشكر الأعظم الذي يستحيل وجود الشكر بدونه: جعل أحدهما اسما للآخر. قوله: لأنه السبيل إلى معرفة المنعم. يعني أنه إذا عرف النعمة توصل بمعرفتها إلى معرفة المنعم بها. وهذا من جهة معرفة كونها نعمة لا من أي جهة عرفها بها. ومتى عرف المنعم أحبه. وجد في طلبه. فإن من عرف الله أحبه لا محالة. ومن عرف الدنيا أبغضها لا محالة.(2\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "731",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13728",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعلى هذا: يكون قوله: الشكر اسم لمعرفة النعمة. مستلزما لمعرفة المنعم. ومعرفته تستلزم محبته. ومحبته تستلزم شكره. فيكون قد ذكر بعض أقسام الشكر باللفظ. ونبه على سائرها باللزوم. وهذا من أحسن اختصاره. وكمال معرفته وتصوره قدس الله روحه. قال: ومعاني الشكر ثلاثة أشياء: معرفة النعمة. ثم قبول النعمة. ثم الثناء بها. وهو أيضا من سبل العامة. أما معرفتها: فهو إحضارها في الذهن ومشاهدتها وتمييزها. فمعرفتها: تحصيلها ذهنا كما حصلت له خارجا. إذ كثير من الناس تحسن إليه وهو لا يدري. فلا يصح من هذا الشكر. قوله: ثم قبول النعمة. قبولها: هو تلقيها من المنعم بإظهار الفقر والفاقة إليها. وأن وصولها إليه بغير استحقاق منه ولا بذل ثمن. بل يرى نفسه فيها كالطفيلي. فإن هذا شاهد بقبولها حقيقة. قوله: ثم الثناء بها. الثناء على المنعم المتعلق بالنعمة نوعان: عام وخاص. فالعام: وصفه بالجود والكرم والبر والإحسان وسعة العطاء ونحو ذلك. والخاص: التحدث بنعمته والإخبار بوصولها إليه من جهته. كما قال تعالى وأما بنعمة ربك فحدث [الضحى: 11] . وفي هذا التحديث المأمور به قولان. أحدهما: أنه ذكر النعمة والإخبار بها. وقوله: أنعم الله علي بكذا وكذا. قال مقاتل: يعني اشكر ما ذكر من النعم عليك في هذه السورة: من جبر اليتم والهدى بعد الضلال والإغناء بعد العيلة. والتحدث بنعمة الله شكر. كما في حديث جابر مرفوعا من صنع إليه معروف فليجز(2\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "732",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13729",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به. فإن لم يجد ما يجزي به فليثن. فإنه إذا أثنى عليه فقد شكره. وإن كتمه فقد كفره ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور . فذكر أقسام الخلق الثلاثة: شاكر النعمة المثني بها والجاحد لها والكاتم لها. والمظهر أنه من أهلها وليس من أهلها. فهو متحل بما لم يعطه. وفي أثر آخر مرفوع: من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير. ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله. والتحدث بنعمة الله شكر. وتركه كفر. والجماعة رحمة والفرقة عذاب . والقول الثاني: أن التحدث بالنعمة المأمور به في هذه الآية: هو الدعوة إلى الله وتبليغ رسالته وتعليم الأمة. قال مجاهد: هي النبوة. قال الزجاج: أي بلغ ما أرسلت به وحدث بالنبوة التي آتاك الله. وقال الكلبي: هو القرآن. أمره أن يقرأه. والصواب: أنه يعم النوعين. إذ كل منهما نعمة مأمور بشكرها والتحدث بها. وإظهارها من شكرها. قوله: وهو أيضا من سبل العامة. يا ليت الشيخ صان كتابه عن هذا التعليل. إذ جعل نصف الإسلام والإيمان من أضعف السبل. بل الشكر سبيل رسل الله وأنبيائه - صلى الله عليهم وسلم أجمعين - أخص خلقه وأقربهم إليه. ويا عجبا! أي مقام أرفع من الشكر الذي يندرج فيه جميع مقامات الإيمان حتى المحبة والرضا والتوكل وغيرها فإن الشكر لا يصح إلا بعد حصولها. وتالله ليس لخواص أولياء الله وأهل القرب منه سبيل أرفع من الشكر ولا أعلى. لأن الشكر عندهم يتضمن نوع دعوى. وأنه شكر الحق على إنعامه. ففي الشاكر بقية من بقايا رسمه. لم يتخلص عنها ويفرغ منها. فلو فني عنها - بتحققه أن الحق سبحانه هو الذي شكر نفسه(2\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "733",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13730",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بنفسه وأن من لم يكن كيف يشكر من لم يزل - علم أن الشكر من منازل العامة. ولو أن السلطان كسا عبدا من عبيده ثوبا من ثيابه. فأخذ يشكر السلطان على ذلك: لعد مخطئا مسيئا للأدب. فإنه مدع بذلك مكافأة السلطان بشكره. فإن الشكر مكافأة. والعبد أصغر قدرا من المكافأة. والشهود للحقيقة يقتضي اتحاد نسبة الأخذ والعطاء ورجوعها إلى وصف المعطي وقوته. فالخاصة يسقط عندهم الشكر بالشهود وفي حقهم ما هو أعلى منه. هذا غاية تقرير كلامهم. وكسوته أحسن عبارة. لئلا يتعدى عليهم بسوء التعبير الموجب للتنفير. ونحن معنا العصمة النافعة: أن كل أحد - غير المعصوم صلى الله عليه وسلم - فمأخوذ من قوله ومتروك. وكل سبيل لا يوافق سبيله فمهجور غير مسلوك. فأما تضمن الشكر لنوع دعوى. فإن أريد بهذه الدعوى إضافة العبد الفعل إلى نفسه وأنه كان به وغاب بذلك عن كونه بحول الله وقوته ومنته على عبده: فلعمر الله هذه علة مؤثرة. ودعوى باطلة كاذبة. وإن أريد: أن شهوده لشكره شهوده لنعمة الله عليه به وتوفيقه له فيه وإذنه له به ومشيئته عليه ومنته. فشهد عبوديته وقيامه بها وكونها بالله. فأي دعوى في هذا وأي علة . نعم غايته: أنه لا يجامع الفناء. ولا يخوض تياره. فكان ماذا . فأنتم جعلتم الفناء غاية. فأوجب لكم ما أوجب. وقدمتموه على ما قدمه الله ورسوله. فتضمن ذلك تقديم ما أخر وتأخير ما قدم. وإلغاء ما اعتبر واعتبار ما ألغي. ولولا منة الله على الصادقين منكم بتحكيم الرسالة والتقيد بالشرع لكان أمرا غير هذا. كما جرى لغير واحد من السالكين على هذه الطريق الخطرة. فلا إله إلا الله. كم فيها من قتيل وسليب وجريح وأسير وطريد . وأما قولكم: إن الشاكر فيه بقية من بقايا رسمه. فيقال: إذا كانت هذه البقية محض العبودية ومركبها والحاملة لها: فأي نقص في هذا فإن العبودية لا تقوم بنفسها. وإنما تقوم بهذا الرسم. فلا نقص في حمل العبودية عليه والسير به إلى الله عز وجل.(2\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "734",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13731",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نعم النقص كل النقص: في حمل النفس والشهوة والحظ المخالف لمراد الرب تعالى الديني على هذا الرسم والسير به إلى النفس. ولعل العامل على الفناء بهذه المثابة. وهو ملبوس عليه. فالعارف يستقصي التفتيش عن كمائن النفس. وأما قولكم: من لم يكن كيف يشكر من لم يزل فهذا بالشطح أليق منه بالمعرفة. فإن من لم يزل إذا أمر من لم يكن بالشكر ورضيه منه وأحبه وأثنى عليه به واستدعاه واقتضاه منه وأوجب له به المزيد وأضافه إليه واشتق منه له الاسم وأوقع عليه به الحكم وأخبر أنه غاية رضاه منه. وأمره - مع ذلك - أن يشهد أن شكره به وبإذنه ومشيئته وتوفيقه: فهذا شكر من لم يكن لمن يزل. وهو محض العبودية. وأما ضربكم مثل كسوة السلطان لعبده وأخذه في الشكر له مكافأة: فهذا من أبطل الأمثلة عقلا ونقلا وفطرة. وهو الحجاب الذي أوجب لمن قال: إن شكر المنعم لا يجب عقلا ما قال ذلك. حتى زعم أن شكره قبيح عقلا. ولولا الشرع لما حسن الإقدام عليه. وضرب هذا المثل الذي ضربتموه بعينه. وهذا من القياس الفاسد المتضمن قياس الخالق على المخلوق وبمثله عبدت الشمس والقمر والأوثان إذ قال المشركون: جناب العظيم لا يهجم عليه بغير وسائل ووسائط. وسرت هاتان الرقيقتان فيمن فسد من أهل التعبد وأهل النظر والبحث. والمعصوم من عصمه الله. فيقال: الفرق من وجوه كثيرة جدا. تفوت الحصر. منها: أن الملك محتاج فقير إلى من أنعم عليه لا يقوم ملكه إلا به. فهو محتاج إلى معاوضة بتلك الكسوة - مثلا - خدمة له وحفظا له وذبا عنه وسعيا في تحصيل مصالحه. فكسوته له من باب المعاوضة والمعاونة. فإذا أخذ في شكره. فكأنه جعل ذلك ثمنا لنعمته. وليس بثمن لها. وأما إنعام الرب تعالى على عبده: فإحسان إليه وتفضل عليه ومجرد امتنان. لا لحاجة منه إليه ولا لمعاوضة ولا لاستعانة به ولا ليتكثر به من قلة ولا ليتعزز به من ذلة ولا ليقوى به من ضعف. سبحانه وبحمده. وأمره له بالشكر أيضا: إنعام آخر عليه. وإحسان منه إليه. إذ منفعة الشكر ترجع إلى العبد دنيا وآخرة. لا إلى الله. والعبد هو الذي ينتفع بشكره. كما قال تعالى:(2\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "735",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13732",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن شكر فإنما يشكر لنفسه [النمل: 40] فشكر العبد إحسان منه إلى نفسه دنيا وأخرى. فلا يذم ما أتى به من ذلك وإن كان لا يحسن مقابلة المنعم به. ولا يستطيع شكره. فإنه إنما هو محسن إلى نفسه بالشكر. لا أنه مكافئ به لنعم الرب. فالرب تعالى لا يستطيع أحد أن يكافئ نعمه أبدا ولا أقلها ولا أدنى نعمة من نعمه. فإنه تعالى هو المنعم المتفضل الخالق للشكر والشاكر وما يشكر عليه. فلا يستطيع أحد أن يحصي ثناء عليه. فإنه هو المحسن إلى عبده بنعمه وأحسن إليه بأن أوزعه شكرها. فشكره نعمة من الله أنعم بها عليه. تحتاج إلى شكر آخر. وهلم جرا. ومن تمام نعمته سبحانه وعظيم بره وكرمه وجوده: محبته له على هذا الشكر. ورضاه منه به. وثناؤه عليه به ومنفعته وفائدته مختصة بالعبد. لا تعود منفعته على الله. وهذا غاية الكرم الذي لا كرم فوقه. ينعم عليك ثم يوزعك شكر النعمة ويرضى عنك. ثم يعيد إليك منفعة شكرك. ويجعله سببا لتوالي نعمه واتصاله إليك والزيادة على ذلك منها. وهذا الوجه وحده يكفي اللبيب ليتنبه به على ما بعده. وأما كون الشهود يسقط الشكر: فلعمر الله إنه إسقاط لحق المشكور بحظ الشاهد. نعم بحظ عظيم متعلق بالحق عز وجل لا حظ سفلي متعلق بالكائنات ولكن صاحبه قد سار من حرم إلى حرم. وكان يقع لي هذا القدر منذ أزمان. ولا أتجرأ على التصريح به. لأن أصحابه يرون من ذكرهم به بعين الفرق الأول. فلا يصغون إليه ألبتة لا سيما وقد ذاقوا حلاوته ولذته. ورأوا تخبيط أهل الفرق الأول وتلوثهم بنفوسهم وعوالمها. وانضاف إلى ذلك: أن جعلوه غاية فتركب من هذه الأمور ما تركب. وإذا لاحت الحقائق فليقل القائل ما شاء.  [فصل درجات الشكر] [الدرجة الأولى الشكر على المحاب] فصل درجات الشكر قال: وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: الشكر على المحاب. وهذا شكر تشاركت فيه المسلمون واليهود والنصارى والمجوس. ومن سعة رحمة الباري سبحانه: أن عده شكرا. ووعد عليه الزيادة وأوجب فيه المثوبة.(2\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "736",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13733",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا علمت حقيقة الشكر وأن جزء حقيقته: الاستعانة بنعم المنعم على طاعته ومرضاته: علمت اختصاص أهل الإسلام بهذه الدرجة. وأن حقيقة الشكر على المحاب ليست لغيرهم. نعم لغيرهم منها بعض أركانها وأجزائها كالاعتراف بالنعمة والثناء على المنعم بها. فإن جميع الخلق في نعم الله وكل من أقر بالله ربا وتفرده بالخلق والإحسان. فإنه يضيف نعمته إليه لكن الشأن في تمام حقيقة الشكر. وهو الاستعانة بها على مرضاته. وقد كتبت عائشة رضي الله عنها إلى معاوية رضي الله عنه: إن أقل ما يجب للمنعم على من أنعم عليه: أن لا يجعل ما أنعم عليه سبيلا إلى معصيته. وقد عرف مراد الشيخ. وهو أن هذا الشكر مشترك. وهو الاعتراف بنعمه سبحانه والثناء عليه بها والإحسان إلى خلقه منها. وهذا بلا شك يوجب حفظها عليهم والمزيد منها. فهذا الجزء من الشكر مشترك. وقد تكون ثمرته في الدنيا بعاجل الثواب. وفي الآخرة: بتخفيف العقاب. فإن النار دركات في العقوبة مختلفة.  [فصل الدرجة الثانية الشكر في المكاره] فصل قال: الدرجة الثانية: الشكر في المكاره. وهذا ممن تستوي عنده الحالات: إظهارا للرضا. وممن يميز بين الأحوال: لكظم الغيظ وستر الشكوى. ورعاية الأدب. وسلوك مسلك العلم. وهذا الشاكر أول من يدعى إلى الجنة. يعني أن الشكر على المكاره: أشد وأصعب من الشكر على المحاب. ولهذا كان فوقه في الدرجة. ولا يكون إلا من أحد رجلين: إما رجل لا يميز بين الحالات: بل يستوي عنده المكروه والمحبوب. فشكر هذا: إظهار منه للرضا بما نزل به. وهذا مقام الرضا. الرجل الثاني: من يميز بين الأحوال. فهو لا يحب المكروه. ولا يرضى بنزوله به. فإذا نزل به مكروه شكر الله تعالى عليه فكان شكره كظما للغيظ الذي أصابه وسترا للشكوى ورعاية منه للأدب وسلوكا لمسلك العلم. فإن العلم والأدب يأمران بشكر الله على السراء والضراء. فهو يسلك بهذا الشكر مسلك العلم. لأنه شاكر لله شكر من رضي بقضائه كحال الذي قبله. فالذي قبله: أرفع منه.(2\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "737",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13734",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإنما كان هذا الشاكر أول من يدعى إلى الجنة: لأنه قابل للمكاره - التي يقابلها أكثر الناس بالجزع والسخط وأوساطهم بالصبر وخاصتهم بالرضا - فقابلها هو بأعلى من ذلك كله. وهو الشكر. فكان أسبقهم دخولا إلى الجنة. وأول من يدعى منهم إليها. وقسم أهل هذه الدرجة إلى قسمين: سابقين ومقربين بحسب انقسامهم إلى من يستوي عنده الحالات من المكروه والمحبوب فلا يؤثر أحدهما على الآخر. بل قد فني بإيثاره ما يرضى له به ربه عما يرضاه هو لنفسه. وإلى من يؤثر المحبوب ولكن إذا نزل به المكروه قابله بالشكر.  [فصل الدرجة الثالثة أن لا يشهد العبد إلا المنعم] فصل قال الدرجة الثالثة: أن لا يشهد العبد إلا المنعم. فإذا شهد المنعم عبودية: استعظم منه النعمة. وإذا شهده حبا: استحلى منه الشدة. وإذا شهده تفريدا: لم يشهد منه نعمة ولا شدة. هذه الدرجة يستغرق صاحبها بشهود المنعم عن النعمة. فلا يتسع شهوده للمنعم ولغيره. وقسم أصحابها إلى ثلاثة أقسام: أصحاب شهود العبودية. وأصحاب شهود الحب. وأصحاب شهود التفريد. وجعل لكل منهم حكما هو أولى به. فأما شهوده عبودية: فهو مشاهدة العبد للسيد بحقيقة العبودية والملك له فإن العبيد إذا حضروا بين يدي سيدهم فإنهم ينسون ما هم فيه من الجاه والقرب الذي اختصوا به عن غيرهم باستغراقهم في أدب العبودية وحقها وملاحظتهم لسيدهم خوفا أن يشير إليهم بأمر فيجدهم غافلين عن ملاحظته. وهذا أمر يعرفه من شاهد أحوال الملوك وخواصهم. فهذا هو شهود العبد للمنعم بوصف عبوديته له واستغراقه عن الإحسان بما حصل له منه القرب الذي تميز به عن غيره. فصاحب هذا المشهد: إذا أنعم عليه سيده في هذه الحال - مع قيامه في مقام العبودية - يوجب عليه أن يستصغر نفسه في حضرة سيده غاية الاستصغار مع امتلاء قلبه من محبته فأي إحسان ناله منه في هذه الحالة. رآه عظيما. والواقع شاهد بهذا في حال(2\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "738",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13735",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المحب الكامل المحبة المستغرق في مشاهدة محبوبه إذا ناوله شيئا يسيرا. فإنه يراه في ذلك المقام عظيما جدا. ولا يراه غيره كذلك. القسم الثاني: يشهد الحق شهود محبة غالبة قاهرة له مستغرق في شهوده كذلك. فإنه يستحلي في هذه الحال الشدة منه. لأن المحب يستحلي فعل المحبوب به. وأقل ما في هذا المشهد: أن يخف عليه حمل الشدائد إن لم تسمح نفسه باستحلائها. وفي هذا من الحكايات المعروفة عند الناس ما يغني عن ذكرها كحال الذي كان يضرب بالسياط ولا يتحرك حتى ضرب آخر سوط. فصاح صياحا شديدا. فقيل له في ذلك. فقال: العين التي كانت تنظر إلي وقت الضرب كانت تمنعني من الإحساس بالألم. فلما فقدتها وجدت ألم الضرب. وهذه الحال عارضة ليست بلازمة. فإن الطبيعة تأبى استحلاء المنافي كاستحلاء الموافق. نعم قد يقوى سلطان المحبة حتى يستحلي المحب ما يستمره غيره. ويستخف ما يستثقله غيره. ويأنس بما يستوحش منه الخلي. ويستوحش مما يأنس به ويستلين ما يستوعره. وقوة هذا وضعفه بحسب قهر سلطان المحبة وغلبته على قلب المحب. القسم الثالث: أن يشهده تفريدا. فإنه لا يشهد معه نعمة ولا شدة. يقول: إن شهود التفريد: يفني الرسم. وهذه حال الفناء المستغرق فيه الذي لا يشهد نعمة ولا بلية. فإنه يغيب بمشهوده عن شهوده له. ويفنى به عنه. فكيف يشهد معه نعمة أو بلية كما قال بعضهم في هذا: من كانت مواهبه لا تتعدى يديه فلا واهب ولا موهوب. وذلك مقام الجمع عندهم وبعضهم يحرم العبارة عنه. وحقيقته: اصطلام يرفع إحساس صاحبه برسمه فضلا عن رسم غيره لاستغراقه في مشهوده وغيبته به عما سواه وهذا هو مطلوب القوم. وقد عرفت أن فوقه مقاما أعلى منه وأرفع وأجل. وهو أن يصطلم بمراده عن غيره. فيكون في حال مشاهدته واستغراقه: منفذا لمراسيمه ومراده. ملاحظا لما يلاحظ محبوبه من المرادات والأوامر. فتأمل الآن عبدين بين يدي ملك من ملوك الدنيا. وهما على موقف واحد بين يديه. أحدهما مشغول بمشاهدته. فإن استغراقه في ملاحظة الملك ليس فيه متسع إلى(2\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "739",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13736",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ملاحظة شيء من أمور الملك ألبتة. وآخر مشغول بملاحظة حركات الملك وكلماته وإيش أمره ولحظاته وخواطره ليرتب على كل من ذلك ما هو مراد للملك. وتأمل قصة بعض الملوك: الذي كان له غلام يخصه بإقباله عليه وإكرامه والحظوة عنده من بين سائر غلمانه - ولم يكن الغلام أكثرهم قيمة ولا أحسنهم صورة - فقالوا له في ذلك. فأراد السلطان أن يبين لهم فضل الغلام في الخدمة على غيره. فيوما من الأيام كان راكبا في بعض شئونه. ومعه الحشم وبالبعد منه جبل عليه ثلج. فنظر السلطان إلى ذلك الثلج وأطرق. فركض الغلام فرسه. ولم يعلم القوم لماذا ركض. فلم يلبث أن جاء ومعه شيء من الثلج. فقال السلطان: ما أدراك أني أريد الثلج فقال الغلام: لأنك نظرت إليه. ونظر الملوك إلى شيء لا يكون عن غير قصد. فقال السلطان: إنما أخصه بإكرامي وإقبالي لأن لكل واحد منكم شغلا وشغله مراعاة لحظاتي ومراقبة أحوالي. يعني في تحصيل مرادي. وسمعت بعض الشيوخ يقول: لو قال ملك لغلامين له بين يديه مستغرقين في مشاهدته والإقبال عليه: اذهبا إلى بلاد عدوي. فأوصلا إليهم هذه الكتب. وطالعاني بأحوالهم. وافعلا كيت وكيت. فأحدهما: مضى من ساعته لوجهه. وبادر ما أمره به والآخر قال: أنا لا أدع مشاهدتك والاستغراق فيك. ودوام النظر إليك. ولا أشتغل بغيرك: لكان هذا جديرا بمقت الملك له وبغضه إياه وسقوطه من عينه. إذ هو واقف مع مجرد حظه من الملك. لا مع مراد الملك منه بخلاف صاحبه الأول. وسمعته أيضا يقول: لو أن شخصين ادعيا محبة محبوب. فحضرا بين يديه. فأقبل أحدهما على مشاهدته والنظر إليه فقط. وأقبل الآخر على استقراء مراداته ومراضيه وأوامره ليمتثلها. فقال لهما: ما تريدان فقال أحدهما: أريد دوام مشاهدتك والاستغراق في جمالك وقال الآخر: أريد تنفيذ أوامرك وتحصيل مراضيك. فمرادي منك ما تريده أنت مني. لا ما أريده أنا منك. والآخر قال: مرادي منك تمتعي بمشاهدتك. أكانا عنده سواء فمن هو الآن صاحب المحبة المعلولة المدخولة الناقصة النفسانية وصاحب المحبة الصحيحة الصادقة الكاملة أهذا أم هذا وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يحكي عن بعض العارفين أنه قال: الناس يعبدون الله. والصوفية يعبدون أنفسهم. أراد هذا المعنى المتقدم وأنهم واقفون مع مرادهم من الله. لا مع مراد الله منهم.(2\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "740",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13737",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا عين عبادة النفس. فليتأمل اللبيب هذا الموضع حق التأمل. فإنه محك وميزان. والله المستعان.  [فصل منزلة الحياء] [الحياء في الكتاب والسنة] فصل منزلة الحياء ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الحياء قال الله تعالى: ألم يعلم بأن الله يرى [العلق: 14] وقال تعالى: إن الله كان عليكم رقيبا [النساء: 1] وقال تعالى: يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور [غافر: 19] . وفي الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل - وهو يعظ أخاه في الحياء - فقال: دعه. فإن الحياء من الإيمان . وفيهما عن عمران بن حصين رضي الله عنه. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحياء لا يأتي إلا بخير . وفيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم. أنه قال: الإيمان بضع وسبعون شعبة - أو بضع وستون شعبة - فأفضلها: قول لا إله إلا الله. وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. والحياء شعبة من الإيمان .(2\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "741",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13738",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها. فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه . وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت . وفي هذا قولان. أحدهما: أنه أمر تهديد. ومعناه الخبر أي من لم يستح صنع ما شاء. والثاني: أنه أمر إباحة. أي انظر إلى الفعل الذي تريد أن تفعله. فإن كان مما لا يستحيا منه فافعله. والأول أصح. وهو قول الأكثرين. وفي الترمذي مرفوعا استحيوا من الله حق الحياء. قالوا: إنا نستحي يا رسول الله. قال: ليس ذلكم ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى. وليحفظ البطن وما حوى. وليذكر الموت والبلى. ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا. فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء .  [فصل تعريف الحياء] فصل والحياء من الحياة. ومنه الحيا للمطر لكنه مقصور وعلى حسب حياة القلب يكون فيه قوة خلق الحياء. وقلة الحياء من موت القلب والروح. فكلما كان القلب(2\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "742",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13739",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحيى كان الحياء أتم. قال الجنيد - رحمه الله: الحياء رؤية الآلاء. ورؤية التقصير فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء. وحقيقته خلق يبعث على ترك القبائح. ويمنع من التفريط في حق صاحب الحق. ومن كلام بعض الحكماء: أحيوا الحياء بمجالسة من يستحيا منه. وعمارة القلب: بالهيبة والحياء. فإذا ذهبا من القلب لم يبق فيه خير. وقال ذو النون: الحياء وجود الهيبة في القلب مع وحشة ما سبق منك إلى ربك والحب ينطق والحياء يسكت. والخوف يقلق. وقال السري: إن الحياء والأنس يطرقان القلب. فإن وجدوا فيه الزهد والورع وإلا رحلا. وفي أثر إلهي يقول الله عز وجل: ابن آدم. إنك ما استحييت مني أنسيت الناس عيوبك. وأنسيت بقاع الأرض ذنوبك. ومحوت من أم الكتاب زلاتك. وإلا ناقشتك الحساب يوم القيامة . وفي أثر آخر: أوحى الله عز وجل إلى عيسى عليه الصلاة والسلام: عظ نفسك. فإن اتعظت وإلا فاستحي مني أن تعظ الناس . وقال الفضيل بن عياض: خمس من علامات الشقوة: القسوة في القلب. وجمود العين. وقلة الحياء. والرغبة في الدنيا. وطول الأمل. وفي أثر إلهي: ما أنصفني عبدي. يدعوني فأستحيي أن أرده. ويعصيني ولا يستحيي مني . وقال يحيى بن معاذ: من استحيا من الله مطيعا استحيا الله منه وهو مذنب. وهذا الكلام يحتاج إلى شرح. ومعناه: أن من غلب عليه خلق الحياء من الله حتى في حال طاعته. فقلبه مطرق بين يديه إطراق مستح خجل: فإنه إذا واقع ذنبا استحيا الله عز وجل من نظره إليه في تلك الحال لكرامته عليه. فيستحيي أن يرى من وليه ومن يكرم عليه: ما يشينه عنده. وفي الشاهد شاهد بذلك. فإن الرجل إذا اطلع على أخص الناس به وأحبهم إليه وأقربهم منه - من صاحب أو ولد أو من يحبه - وهو يخونه. فإنه يلحقه من ذلك الاطلاع عليه حياء عجيب. حتى كأنه هو الجاني. وهذا غاية الكرم.(2\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "743",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13740",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد قيل: إن سبب هذا الحياء أنه يمثل نفسه في حال طاعته كأنه يعصي الله عز وجل. فيستحيي منه في تلك الحال. ولهذا شرع الاستغفار عقيب الأعمال الصالحة والقرب التي يتقرب بها العبد إلى الله عز وجل. وقيل: إنه يمثل نفسه خائنا فيلحقه الحياء. كما إذا شاهد رجلا مضروبا وهو صديق له أو من قد أحصر على المنبر عن الكلام فإنه يخجل أيضا. تمثيلا لنفسه بتلك الحال. وهذا قد يقع. ولكن حياء من اطلع على محبوبه وهو يخونه ليس من هذا. فإنه لو اطلع على غيره ممن هو فارغ البال منه لم يلحقه هذا الحياء ولا قريب منه. وإنما يلحقه مقته وسقوطه من عينه. وإنما سببه - والله أعلم - شدة تعلق قلبه ونفسه به. فينزل الوهم فعله بمنزلة فعله هو. ولا سيما إن قدر حصول المكاشفة بينهما. فإن عند حصولها يهيج خلق الحياء منه تكرما. فعند تقديرها ينبعث ذلك الحياء. هذا في حق الشاهد. وأما حياء الرب تعالى من عبده: فذاك نوع آخر. لا تدركه الأفهام. ولا تكيفه العقول. فإنه حياء كرم وبر وجود وجلال. فإنه تبارك وتعالى حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا. ويستحيي أن يعذب ذا شيبة شابت في الإسلام. وكان يحيى بن معاذ يقول: سبحان من يذنب عبده ويستحيي هو. وفي أثر: من استحيا من الله استحيا الله منه .  [أقسام الحياء] وقد قسم الحياء على عشرة أوجه: حياء جناية. وحياء تقصير. وحياء إجلال. وحياء كرم. وحياء حشمة. وحياء استصغار للنفس واحتقار لها. وحياء محبة. وحياء عبودية. وحياء شرف وعزة. وحياء المستحيي من نفسه.(2\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "744",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13741",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأما حياء الجناية: فمنه حياء آدم عليه السلام لما فر هاربا في الجنة. قال الله تعالى: أفرارا مني يا آدم قال: لا يا رب. بل حياء منك . وحياء التقصير: كحياء الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون فإذا كان يوم القيامة قالوا: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك. وحياء الإجلال: هو حياء المعرفة. وعلى حسب معرفة العبد بربه يكون حياؤه منه. وحياء الكرم: كحياء النبي صلى الله عليه وسلم من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب وطولوا الجلوس عنده. فقام واستحيا أن يقول لهم: انصرفوا. وحياء الحشمة: كحياء علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المذي لمكان ابنته منه. وحياء الاستحقار واستصغار النفس: كحياء العبد من ربه عز وجل حين يسأله حوائجه احتقارا لشأن نفسه واستصغارا لها. وفي أثر إسرائيلي: إن موسى عليه السلام قال: يا رب إنه لتعرض لي الحاجة من الدنيا. فأستحيي أن أسألك هي يا رب. فقال الله تعالى: سلني حتى ملح عجينتك. وعلف شاتك . وقد يكون لهذا النوع سببان. أحدهما: استحقار السائل نفسه. واستعظام ذنوبه وخطاياه. الثاني: استعظام مسئوله.(2\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "745",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13742",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما حياء المحبة: فهو حياء المحب من محبوبه حتى إنه إذا خطر على قلبه في غيبته هاج الحياء من قلبه وأحس به في وجهه. ولا يدري ما سببه. وكذلك يعرض للمحب عند ملاقاته محبوبه ومفاجأته له روعة شديدة. ومنه قولهم: جمال رائع. وسبب هذا الحياء والروعة مما لا يعرفه أكثر الناس. ولا ريب أن للمحبة سلطانا قاهرا للقلب أعظم من سلطان من يقهر البدن. فأين من يقهر قلبك وروحك إلى من يقهر بدنك ولذلك تعجبت الملوك والجبابرة من قهرهم للخلق وقهر المحبوب لهم وذلهم له. فإذا فاجأ المحبوب محبه. ورآه بغتة: أحس القلب بهجوم سلطانه عليه. فاعتراه روعة وخوف. وسألنا يوما شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - عن هذه المسألة فذكرت أنا هذا الجواب. فتبسم ولم يقل شيئا. وأما الحياء الذي يعتريه منه وإن كان قادرا عليه - كأمته وزوجته - فسببه - والله أعلم - أن هذا السلطان لما زال خوفه عن القلب بقيت هيبته واحتشامه. فتولد منها الحياء. وأما حصول ذلك له في غيبة المحبوب: فظاهر. لاستيلائه على قلبه. فوهمه يغالطه عليه ويكابره حتى كأنه معه. وأما حياء العبودية: فهو حياء ممتزج من محبة وخوف ومشاهدة عدم صلاح عبوديته لمعبوده وأن قدره أعلى وأجل منها. فعبوديته له توجب استحياءه منه لا محالة. وأما حياء الشرف والعزة: فحياء النفس العظيمة الكبيرة إذا صدر منها ما هو دون قدرها من بذل أو عطاء وإحسان. فإنه يستحيي مع بذله حياء شرف نفس وعزة. وهذا له سببان. أحدهما هذا. والثاني: استحياؤه من الآخذ حتى كأنه هو الآخذ السائل. حتى إن بعض أهل الكرم لا تطاوعه نفسه بمواجهته لمن يعطيه حياء منه. وهذا يدخل في حياء التلوم. لأنه يستحيي من خجلة الآخذ. وأما حياء المرء من نفسه: فهو حياء النفوس الشريفة العزيزة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص وقناعتها بالدون. فيجد نفسه مستحيا من نفسه حتى كأن له نفسين يستحيي بإحداهما من الأخرى. وهذا أكمل ما يكون من الحياء فإن العبد إذا استحيى من نفسه. فهو بأن يستحيي من غيره أجدر.(2\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "746",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13743",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الحياء أول مدارج أهل الخصوص] فصل قال صاحب quot; المنازل quot;: الحياء: من أول مدارج أهل الخصوص. يتولد من تعظيم منوط بود. إنما جعل الحياء من أول مدارج أهل الخصوص: لما فيه من ملاحظة حضور من يستحيي منه. وأول سلوك أهل الخصوص: أن يروا الحق سبحانه حاضرا معهم وعليه بناء سلوكهم. وقوله: إنه يتولد من تعظيم منوط بود. يعني: أن الحياء حالة حاصلة من امتزاج التعظيم بالمودة. فإذا اقترنا تولد بينهما الحياء. والجنيد يقول: إن تولده من مشاهدة النعم. ورؤية التقصير. ومنهم من يقول: تولده من شعور القلب بما يستحيي منه. فيتولد من هذا الشعور والنفرة حالة تسمى الحياء. ولا تنافي بين هذه الأقوال. فإن للحياء عدة أسباب. قد تقدم ذكرها فكل أشار إلى بعضها. والله أعلم.  [فصل درجات الحياء] [الدرجة الأولى حياء يتولد من علم العبد بنظر الحق إليه] فصل قال: وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: حياء يتولد من علم العبد بنظر الحق إليه. فيجذبه إلى تحمل هذه المجاهدة. ويحمله على استقباح الجناية. ويسكته عن الشكوى. يعني: أن العبد متى علم أن الرب تعالى ناظر إليه أورثه هذا العلم حياء منه. يجذبه إلى احتمال أعباء الطاعة مثل العبد إذا عمل الشغل بين يدي سيده فإنه يكون نشيطا فيه محتملا لأعبائه. ولا سيما مع الإحسان من سيده إليه ومحبته لسيده. بخلاف ما إذا كان غائبا عن سيده. والرب تعالى لا يغيب نظره عن عبده. ولكن يغيب نظر القلب والتفاته إلى نظره سبحانه إلى العبيد. فإن القلب إذا غاب نظره وقل التفاته إلى نظر الله تبارك وتعالى إليه: تولد من ذلك قلة الحياء والقحة.(2\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "747",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13744",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك يحمله على استقباح جنايته. وهذا الاستقباح الحاصل بالحياء قدر زائد على استقباح ملاحظة الوعيد. وهو فوقه. وأرفع منه درجة: الاستقباح الحاصل عن المحبة. فاستقباح المحب أتم من استقباح الخائف. ولذلك فإن هذا الحياء يكف العبد أن يشتكي لغير الله. فيكون قد شكا الله إلى خلقه. ولا يمنع الشكوى إليه سبحانه. فإن الشكوى إليه سبحانه فقر وذلة وفاقة وعبودية. فالحياء منه في مثل ذلك لا ينافيها.  [فصل الدرجة الثانية حياء يتولد من النظر في علم القرب] فصل قال: الدرجة الثانية: حياء يتولد من النظر في علم القرب. فيدعوه إلى ركوب المحبة. ويربطه بروح الأنس. ويكره إليه ملابسة الخلق. النظر في علم القرب: تحقق القلب بالمعية الخاصة مع الله. فإن المعية نوعان: عامة. وهي: معية العلم والإحاطة. كقوله تعالى: وهو معكم أين ما كنتم [الحديد: 4] وقوله: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا [المجادلة: 7] . وخاصة: وهي معية القرب كقوله تعالى: إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون [النحل: 128] وقوله: إن الله مع الصابرين [البقرة: 153] وقوله: وإن الله لمع المحسنين [العنكبوت: 69] . فهذه معية قرب. تتضمن الموالاة والنصر والحفظ. وكلا المعنيين مصاحبة منه للعبد. لكن هذه مصاحبة اطلاع وإحاطة. وهذه مصاحبة موالاة ونصر وإعانة. ف quot; مع quot; في لغة العرب تفيد الصحبة اللائقة لا تشعر بامتزاج ولا اختلاط ولا مجاورة ولا مجانبة. فمن ظن منها شيئا من هذا فمن سوء فهمه أتي. وأما القرب: فلا يقع القرآن إلا خاصا. وهو نوعان: قربه من داعيه بالإجابة. وقربه من عابده بالإثابة.(2\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "748",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13745",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالأول: كقوله تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان [البقرة: 186] . ولهذا نزلت جوابا للصحابة رضي الله عنهم. وقد سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه فأنزل الله تعالى هذه الآية. والثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. وأقرب ما يكون الرب من عبده في جوف الليل . فهذا قربه من أهل طاعته. وفي الصحيح: عن أبي موسى رضي الله عنه. قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر. فارتفعت أصواتنا بالتكبير. فقال: يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم. إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا. إن الذي تدعونه سميع قريب. أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته . فهذا قرب خاص بالداعي دعاء العبادة والثناء والحمد. وهذا القرب لا ينافي كمال مباينة الرب لخلقه واستواءه على عرشه. بل يجامعه ويلازمه. فإنه ليس كقرب الأجسام بعضها من بعض. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ولكنه نوع آخر. والعبد في الشاهد يجد روحه قريبة جدا من محبوب بينه وبينه مفاوز تتقطع فيها أعناق المطي. ويجده أقرب إليه من جليسه. كما قيل. ألا رب من يدنو. ويزعم أنه ... يحبك. والنائي أحب وأقرب وأهل السنة أولياء رسول الله صلى الله عليه وسلم وورثته وأحباؤه الذين هو عندهم أولى بهم من أنفسهم. وأحب إليهم منها: يجدون نفوسهم أقرب إليه. وهم في الأقطار النائية عنه من جيران حجرته في المدينة والمحبون المشتاقون للكعبة والبيت الحرام يجدون قلوبهم وأرواحهم أقرب إليها من جيرانها ومن حولها. هذا مع عدم تأتي القرب منها. فكيف بمن يقرب من خلقه كيف يشاء وهو مستو على عرشه. وأهل الذوق لا يلتفتون في ذلك إلى شبهة معطل بعيد من الله خلي من محبته ومعرفته. والقصد: أن هذا القرب يدعو صاحبه إلى ركوب المحبة. وكلما ازداد حبا ازداد قربا. فالمحبة بين قربين: قرب قبلها وقرب بعدها وبين معرفتين: معرفة قبلها حملت عليها ودعت إليها ودلت عليها. ومعرفة بعدها. هي من نتائجها وآثارها.(2\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "749",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13746",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما ربطه بروح الأنس: فهو تعلق قلبه بروح الأنس بالله تعلقا لازما لا يفارقه. بل يجعل بين القلب والأنس رابطة لازمة. ولا ريب أن هذا يكره إليه ملابسة الخلق. بل يجد الوحشة في ملابستهم بقدر أنسه بربه وقرة عينه بحبه وقربه منه. فإنه ليس مع الله غيره. فإن لابسهم لابسهم برسمه دون سره وروحه وقلبه. فقلبه وروحه في ملأ وبدنه ورسمه في ملأ.  [فصل الدرجة الثالثة حياء يتولد من شهود الحضرة] فصل قال الدرجة الثالثة: حياء يتولد من شهود الحضرة. وهي التي لا تشوبها هيبة. ولا تقارنها تفرقة. ولا يوقف لها على غاية. شهود الحضرة: انجذاب الروح والقلب من الكائنات وعكوفه على رب البريات فهو في حضرة قربه مشاهدا لها. وإذا وصل القلب إليها غشيته الهيبة وزالت عنه التفرقة. إذ ما مع الله سواه. فلا يخطر بباله في تلك الحال سوى الله وحده. وهذا مقام الجمعية. وأما قوله: ولا يوقف لها على غاية. فيعني أن كل من وصل إلى مطلوبه وظفر به: وصل إلى الغاية إلا صاحب هذا المشهد. فإنه لا يقف بحضرة الربوبية على غاية. فإن ذلك مستحيل. بل إذا شهد تلك الروابي. ووقف على تلك الربوع وعاين الحضرة التي هي غاية الغايات شارف أمرا لا غاية له ولا نهاية. والغايات والنهايات كلها إليه تنتهي وأن إلى ربك المنتهى [النجم: 42] فانتهت إليه الغايات والنهايات. وليس له سبحانه غاية ولا نهاية. لا في وجوده ولا في مزيد جوده. إذ هو الأول الذي ليس قبله شيء. والآخر الذي ليس بعده شيء. ولا نهاية لحمده وعطائه. بل كلما ازداد له العبد شكرا زاده فضلا. وكلما ازداد له طاعة زاده لمجده مثوبة. وكلما ازداد منه قربا لاح له من جلاله وعظمته ما لم يشاهده قبل ذلك. وهكذا أبدا لا يقف على غاية ولا نهاية. ولهذا جاء أن أهل الجنة في مزيد دائم بلا انتهاء فإن نعيمهم متصل ممن لا نهاية لفضله ولا لعطائه ولا لمزيده ولا لأوصافه. فتبارك الله ذو الجلال والإكرام إن هذا لرزقنا ما له من نفاد [ص: 54] . يا عبادي لو أن أولكم(2\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "750",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13747",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر .  [فصل منزلة الصدق] [حقيقة الصدق] فصل منزلة الصدق ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الصدق وهي منزلة القوم الأعظم. الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين والطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين. وبه تميز أهل النفاق من أهل الإيمان وسكان الجنان من أهل النيران. وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيء إلا قطعه. ولا واجه باطلا إلا أرداه وصرعه. من صال به لم ترد صولته. ومن نطق به علت على الخصوم كلمته. فهو روح الأعمال ومحك الأحوال والحامل على اقتحام الأهوال والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال. وهو أساس بناء الدين وعمود فسطاط اليقين. ودرجته تالية لدرجة النبوة التي هي أرفع درجات العالمين. ومن مساكنهم في الجنات تجرى العيون والأنهار إلى مساكن الصديقين. كما كان من قلوبهم إلى قلوبهم في هذه الدار مدد متصل ومعين. وقد أمر الله سبحانه أهل الإيمان: أن يكونوا مع الصادقين. وخص المنعم عليهم بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين. فقال تعالى ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين [التوبة: 119] وقال تعالى: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين [النساء: 69] فهم الرفيق الأعلى وحسن أولئك رفيقا [النساء: 69] ولا يزال الله يمدهم بأنعمه وألطافه ومزيده إحسانا منه وتوفيقا. ولهم مرتبة المعية مع الله. فإن الله مع الصادقين ولهم منزلة القرب منه. إذ درجتهم منه ثاني درجة النبيين. وأخبر تعالى أن من صدقه فهو خير له. فقال فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم [محمد: 21] .(2\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "751",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13748",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأخبر تعالى عن أهل البر. وأثنى عليهم بأحسن أعمالهم: من الإيمان والإسلام والصدقة والصبر. بأنهم أهل الصدق فقال ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون [البقرة: 177] وهذا صريح في أن الصدق بالأعمال الظاهرة والباطنة. وأن الصدق هو مقام الإسلام والإيمان. وقسم الله سبحانه الناس إلى صادق ومنافق. فقال ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم [الأحزاب: 24] . والإيمان أساسه الصدق. والنفاق أساسه الكذب. فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما محارب للآخر. وأخبر سبحانه: أنه في يوم القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذابه إلا صدقه. قال تعالى هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم [المائدة: 119] وقال تعالى: والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون [الزمر: 33] فالذي جاء بالصدق: هو من شأنه الصدق في قوله وعمله وحاله. فالصدق: في هذه الثلاثة. فالصدق في الأقوال: استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها. والصدق في الأعمال: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة. كاستواء الرأس على الجسد. والصدق في الأحوال: استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص. واستفراغ الوسع وبذل الطاقة فبذلك يكون العبد من الذين جاءوا بالصدق. وبحسب كمال هذه الأمور فيه وقيامها به: تكون صديقيته. ولذلك كان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه: ذروة سنام الصديقية سمي الصديق على الإطلاق والصديق أبلغ من الصدوق والصدوق أبلغ من الصادق. فأعلى مراتب الصدق: مرتبة الصديقية. وهي كمال الانقياد للرسول صلى الله عليه وسلم مع كمال الإخلاص للمرسل.(2\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "752",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13749",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد أمر الله تعالى رسوله: أن يسأله أن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق. فقال وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا [الإسراء: 80] وأخبر عن خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم أنه سأله أن يهب له لسان صدق في الآخرين. فقال واجعل لي لسان صدق في الآخرين [الشعراء: 84] وبشر عباده بأن لهم عنده قدم صدق ومقعد صدق. فقال تعالى وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم [يونس: 2] وقال إن المتقين في جنات ونهر - في مقعد صدق عند مليك مقتدر [القمر: 54 - 55] . فهذه خمسة أشياء: مدخل الصدق ومخرج الصدق. ولسان الصدق وقدم الصدق ومقعد الصدق. وحقيقة الصدق في هذه الأشياء: هو الحق الثابت المتصل بالله الموصل إلى الله. وهو ما كان به وله من الأقوال والأعمال. وجزاء ذلك في الدنيا والآخرة. فمدخل الصدق ومخرج الصدق: أن يكون دخوله وخروجه حقا ثابتا بالله وفي مرضاته. بالظفر بالبغية وحصول المطلوب ضد مخرج الكذب ومدخله الذي لا غاية له يوصل إليها. ولا له ساق ثابتة يقوم عليها. كمخرج أعدائه يوم بدر. ومخرج الصدق كمخرجه صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه في تلك الغزوة. وكذلك مدخله صلى الله عليه وسلم المدينة: كان مدخل صدق بالله ولله وابتغاء مرضاة الله. فاتصل به التأييد والظفر والنصر وإدراك ما طلبه في الدنيا والآخرة بخلاف مدخل الكذب الذي رام أعداؤه أن يدخلوا به المدينة يوم الأحزاب. فإنه لم يكن بالله ولا لله. بل كان محادة لله ورسوله فلم يتصل به إلا الخذلان والبوار. وكذلك مدخل من دخل من اليهود المحاربين لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصن بني قريظة. فإنه لما كان مدخل كذب: أصابه معهم ما أصابهم. فكل مدخل معهم ومخرج كان بالله ولله. فصاحبه ضامن على الله. فهو مدخل صدق ومخرج صدق. وكان بعض السلف إذا خرج من داره: رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إني(2\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "753",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13750",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أعوذ بك أن أخرج مخرجا لا أكون فيه ضامنا عليك. يريد: أن لا يكون المخرج مخرج صدق. ولذلك فسر مدخل الصدق ومخرجه: بخروجه صلى الله عليه وسلم من مكة ودخوله المدينة. ولا ريب أن هذا على سبيل التمثيل. فإن هذا المدخل والمخرج من أجل مداخله ومخارجه صلى الله عليه وسلم. وإلا فمداخله كلها مداخل صدق ومخارجه مخارج صدق. إذ هي لله وبالله وبأمره ولابتغاء مرضاته. وما خرج أحد من بيته ودخل سوقه - أو مدخلا آخر - إلا بصدق أو بكذب فمخرج كل واحد ومدخله: لا يعدو الصدق والكذب. والله المستعان. وأما لسان الصدق: فهو الثناء الحسن عليه صلى الله عليه وسلم من سائر الأمم بالصدق. ليس ثناء بالكذب. كما قال عن إبراهيم وذريته من الأنبياء والرسل عليهم صلوات الله وسلامه وجعلنا لهم لسان صدق عليا [مريم: 50] والمراد باللسان هاهنا: الثناء الحسن. فلما كان الصدق باللسان وهو محله. أطلق الله سبحانه ألسنة العباد بالثناء على الصادق جزاء وفاقا. وعبر به عنه. فإن اللسان يراد به ثلاثة معان: هذا واللغة. كقوله تعالى: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم [إبراهيم: 4] وقوله: واختلاف ألسنتكم وألوانكم [الروم: 22] وقوله: لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين [النحل: 103] ويراد به الجارحة نفسها. كقوله تعالى: لا تحرك به لسانك لتعجل به [القيامة: 16] . وأما قدم الصدق: ففسر بالجنة. وفسر بمحمد صلى الله عليه وسلم. وفسر بالأعمال الصالحة. وحقيقة القدم ما قدموه. وما يقدمون عليه يوم القيامة. وهم قدموا الأعمال والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ويقدمون على الجنة التي هي جزاء ذلك. فمن فسره بها أراد: ما يقدمون عليه. ومن فسره بالأعمال وبالنبي صلى الله عليه وسلم: فلأنهم قدموها. وقدموا الإيمان به بين أيديهم. فالثلاثة قدم صدق. وأما مقعد الصدق: فهو الجنة عند الرب تبارك وتعالى.(2\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "754",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13751",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ووصف ذلك كله بالصدق مستلزم ثبوته واستقراره وأنه حق ودوامه ونفعه وكمال عائدته. فإنه متصل بالحق سبحانه كائن به وله. فهو صدق غير كذب. وحق غير باطل. ودائم غير زائل. ونافع غير ضار. وما للباطل ومتعلقاته إليه سبيل ولا مدخل. ومن علامات الصدق: طمأنينة القلب إليه. ومن علامات الكذب: حصول الريبة كما في الترمذي - مرفوعا - من حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الصدق طمأنينة. والكذب ريبة . وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الصدق يهدي إلى البر. وإن البر يهدي إلى الجنة. وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا. وإن الكذب يهدي إلى الفجور. وإن الفجور يهدي إلى النار. وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا فجعل الصدق مفتاح الصديقية ومبدأها. وهي غايته. فلا ينال درجتها كاذب ألبتة. لا في قوله: ولا في عمله ولا في حاله. ولا سيما كاذب على الله في أسمائه وصفاته ونفي ما أثبته. أو إثبات ما نفاه عن نفسه. فليس في هؤلاء صديق أبدا. وكذلك الكذب عليه في دينه وشرعه. بتحليل ما حرمه. وتحريم ما لم يحرمه. وإسقاط ما أوجبه وإيجاب ما لم يوجبه وكراهة ما أحبه واستحباب ما لم يحبه. كل ذلك مناف للصديقية. وكذلك الكذب معه في الأعمال: بالتحلي بحلية الصادقين المخلصين والزاهدين المتوكلين. وليس في الحقيقة منهم. فلذلك كانت الصديقية: كمال الإخلاص والانقياد والمتابعة للخبر والأمر ظاهرا(2\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "755",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13752",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وباطنا حتى إن صدق المتبايعين يحل البركة في بيعهما. وكذبهما يمحق بركة بيعهما. كما في الصحيحين عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا. فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما. وإن كذبا وكتما: محقت بركة بيعهما .  [فصل في كلمات في حقيقة الصدق] قال عبد الواحد بن زيد: الصدق: الوفاء لله بالعمل. وقيل: موافقة السر النطق. وقيل: استواء السر والعلانية. يعني أن الكاذب علانيته خير من سريرته. كالمنافق الذي ظاهره خير من باطنه. وقيل: الصدق: القول بالحق في مواطن الهلكة. وقيل: كلمة الحق عند من تخافه وترجوه. وقال الجنيد: الصادق يتقلب في اليوم أربعين مرة. والمرائي يثبت على حالة واحدة أربعين سنة. وهذا الكلام يحتاج إلى شرح. وقد يسبق إلى الذهن خلافه وأن الكاذب متلون. لأن الكذب ألوان فهو يتلون بتلونه. والصادق مستمر على حالة واحدة. فإن الصدق واحد في نفسه وصاحبه لا يتلون ولا يتغير. لكن مراد الشيخ أبي القاسم صحيح غير هذا. فإن المعارضات والواردات التي ترد على الصادق لا ترد على الكاذب المرائي. بل هو فارغ منها. فإنه لا يرد عليه من قبل الحق موارد الصادقين على الكاذبين المرائين. ولا يعارضهم الشيطان. كما يعارض الصادقين. فإنه لا أرب له في خربة لا شيء فيها. وهذه الواردات توجب تقلب الصادق بحسب اختلافها وتنوعها. فلا تراه إلا هاربا من مكان إلى مكان ومن عمل إلى عمل. ومن حال إلى حال. ومن سبب إلى سبب. لأنه يخاف في كل حال يطمئن إليها. ومكان(2\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "756",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13753",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسبب: أن يقطعه عن مطلوبه. فهو لا يساكن حالة ولا شيئا دون مطلوبه. فهو كالجوال في الآفاق في طلب الغنى الذي يفوق به الأغنياء. والأحوال والأسباب تتقلب به وتقيمه وتقعده وتحركه وتسكنه حتى يجد فيها ما يعينه على مطلوبه. وهذا عزيز فيها. فقلبه في تقلب وحركة شديدة بحسب سعة مطلوبه. وعظمته وهمته أعلى من أن يقف دون مطلبه على رسم أو حال أو يساكن شيئا غيره. فهو كالمحب الصادق الذي همته التفتيش على محبوبه. وكذا حال الصادق في طلب العلم وحال الصادق في طلب الدنيا. فكل صادق في طلب شيء لا يستقر له قرار. ولا يدوم على حالة واحدة. وأيضا: فإن الصادق مطلوبه رضا ربه وتنفيذ أوامره وتتبع محابه. فهو متقلب فيها يسير معها أين توجهت ركائبها. ويستقل معها أين استقلت مضاربها فبينا هو في صلاة إذ رأيته في ذكر ثم في غزو ثم في حج. ثم في إحسان للخلق بالتعليم وغيره من أنواع النفع. ثم في أمر بمعروف أو نهي عن منكر. أو في قيام بسبب في عمارة الدين والدنيا ثم في عيادة مريض أو تشييع جنازة. أو نصر مظلوم - إن أمكن - إلى غير ذلك من أنواع القرب والمنافع. فهو في تفرق دائم لله وجمعية على الله. لا يملكه رسم ولا عادة ولا وضع. ولا يتقيد بقيد ولا إشارة. ولا بمكان معين يصلي فيه لا يصلي في غيره. وزي معين لا يلبس سواه. وعبادة معينة لا يلتفت إلى غيرها مع فضل غيرها عليها أو هي أعلى من غيرها في الدرجة. وبعد ما بينهما كبعد ما بين السماء والأرض. فإن البلاء والآفات والرياء والتصنع وعبادة النفس وإيثار مرادها والإشارة إليها: كلها في هذه الأوضاع والرسوم والقيود التي حبست أربابها عن السير إلى قلوبهم. فضلا عن السير من قلوبهم إلى الله تعالى. فإذا خرج أحدهم عن رسمه ووضعه وزيه وقيده وإشارته - ولو إلى أفضل منه - استهجن ذلك. ورآه نقصا وسقوطا من أعين الناس وانحطاطا لرتبته عندهم. وهو قد انحط وسقط من عين الله. وقد يحس أحدهم ذلك من نفسه وحاله. ولا تدعه رسومه وأوضاعه وزيه وقيوده: أن يسعى في ترميم ذلك وإصلاحه. وهذا شأن الكذاب المرائي الذي يبدي للناس خلاف ما يعلمه الله من باطنه العامل على عمارة نفسه ومرتبته. وهذا هو النفاق بعينه. ولو كان عاملا على مراد الله منه وعلى الصدق مع الله: لأثقلته تلك القيود. وحبسته تلك الرسوم. ولرأى الوقوف عندها ومعها عين الانقطاع عن الله لا إليه. ولما بالى أي ثوب لبس ولا أي عمل عمل إذا كان على مراد الله من العبد.(2\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "757",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13754",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكلام أبي القاسم الجنيد حق كلام راسخ في الصدق عالم بتفاصيله وآفاته ومواضع اشتباهه بالكذب. وأيضا فحمل الصدق كحمل الجبال الرواسي. لا يطيقه إلا أصحاب العزائم. فهم يتقلبون تحته تقلب الحامل بحمله الثقيل. والرياء والكذب خفيف كالريشة لا يجد له صاحبه ثقلا ألبتة. فهو حامل له في أي موضع اتفق بلا تعب ولا مشقة ولا كلفة. فهو لا يتقلب تحت حمله ولا يجد ثقله. وقال بعضهم: لا يشم رائحة الصدق عبد داهن نفسه أو غيره. وقال بعضهم: الصادق الذي يتهيأ له أن يموت ولا يستحيي من سره لو كشف قال الله تعالى: فتمنوا الموت إن كنتم صادقين [البقرة: 94] . قلت: هذه الآية فيها للناس كلام معروف. قالوا: إنها معجزة النبي صلى الله عليه وسلم. أعجز بها اليهود. ودعاهم إلى تمني الموت. وأخبر أنهم لا يتمنونه أبدا. وهذا علم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم إذ لا يمكن الاطلاع على بواطنهم إلا بأخبار الغيب. ولم ينطق الله ألسنتهم بتمنيه أبدا. وقالت طائفة: لما ادعت اليهود أن لهم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس وأنهم أبناؤه وأحباؤه وأهل كرامته كذبهم الله في دعواهم. وقال: إن كنتم صادقين فتمنوا الموت. لتصلوا إلى الجنة دار النعيم فإن الحبيب يتمنى لقاء حبيبه. ثم أخبر سبحانه: أنهم لا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم من الأوزار والذنوب الحائلة بينهم وبين ما قالوه. فقال ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم [البقرة: 95] . وقالت طائفة - منهم محمد بن إسحاق وغيره - هذه من جنس آية المباهلة وأنهم لما عاندوا ودفعوا الهدى عيانا. وكتموا الحق: دعاهم إلى أمر يحكم بينهم وبينه. وهو أن(2\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "758",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13755",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يدعوا بالموت على الكاذب المفتري. والتمني سؤال ودعاء فتمنوا الموت وادعوا به على المبطل الكاذب المفتري. وعلى هذا فليس المراد: تمنوه لأنفسكم خاصة كما قاله أصحاب القولين الأولين. بل معناه: ادعوا بالموت وتمنوه للمبطل. وهذا أبلغ في إقامة الحجة وبرهان الصدق وأسلم من أن يعارضوا رسول الله بقولهم: فتمنوه أنتم أيضا. إن كنتم محقين أنكم أهل الجنة. لتقدموا على ثواب الله وكرامته. وكانوا أحرص شيء على معارضته فلو فهموا منه ما ذكره أولئك لعارضوه بمثله. وأيضا فإنا نشاهد كثيرا منهم يتمنى الموت لضره وبلائه وشدة حاله. ويدعو به. وهذا بخلاف تمنيه والدعاء به على الفرقة الكاذبة. فإن هذا لا يكون أبدا. ولا وقع من أحد منهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ألبتة. وذلك لعلمهم بصحة نبوته وصدقه وكفرهم به حسدا وبغيا. فلا يتمنوه أبدا. لعلمهم أنهم هم الكاذبون. وهذا القول هو الذي نختاره. والله أعلم بما أراد من كتابه. وقال إبراهيم الخواص: الصادق لا تراه إلا في فرض يؤديه أو فضل يعمل فيه. وقال الجنيد: حقيقة الصدق: أن تصدق في موطن لا ينجيك منه إلا الكذب. وقيل: ثلاث لا تخطئ الصادق: الحلاوة والملاحة والهيبة. وفي أثر إلهي من صدقني في سريرته صدقته في علانيته عند خلقي. وقال سهل بن عبد الله: أول خيانة الصديقين: حديثهم مع أنفسهم. وقال يوسف بن أسباط: لأن أبيت ليلة أعامل الله بالصدق أحب إلي من أن أضرب بسيفي في سبيل الله. وقال الحارث المحاسبي: الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب(2\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "759",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13756",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخلق من أجل صلاح قلبه. ولا يحب اطلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله. ولا يكره أن يطلع الناس على السيئ من عمله. فإن كراهته لذلك دليل على أنه يحب الزيادة عندهم. وليس هذا من علامات الصديقين. وفي هذا نظر. لأن كراهته لاطلاع الناس على مساوئ عمله من جنس كراهته للضرب والمرض وسائر الآلام. وهذا أمر جبلي طبيعي. ولا يخرج صاحبه عن الصدق لاسيما إذا كان قدوة متبعا. فإن كراهته لذلك من علامات صدقه. لأن فيها مفسدتين: مفسدة ترك الاقتداء به واتباعه على الخير وتنفيذه. ومفسدة اقتداء الجهال به فيها. فكراهيته لاطلاعهم على مساوئ عمله: لا تنافي صدقه بل قد تكون من علامات صدقه. نعم المنافي للصدق: أن لا يكون له مراد سوى عمارة حاله عندهم وسكناه في قلوبهم تعظيما له. فلو كان مراده تنفيذا لأمر الله ونشرا لدينه وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر ودعوة إلى الله: فهذا الصادق حقا. والله يعلم سرائر القلوب ومقاصدها. وأظن أن هذا هو مراد المحاسبي بقوله: ولا يكره اطلاع الناس على السيئ من عمله فإنهم يريدون ذلك فضولا ودخولا فيما لا يعني. فرضي الله عن أبي بكر الصديق حيث قال: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة والله لو منعوني عناقا - أو عقالا - كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه. فهذا وأمثاله يعدونه ويرونه من سيئ الأعمال عند العوام والجهال. وقال بعضهم: من لم يؤد الفرض الدائم لم يقبل منه الفرض المؤقت. قيل: وما الفرض الدائم قال: الصدق. وقيل: من طلب الله بالصدق أعطاه مرآة يبصر فيها الحق والباطل. وقيل: عليك بالصدق حيث تخاف أنه يضرك. فإنه ينفعك. ودع الكذب حيث(2\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "760",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13757",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ترى أنه ينفعك. فإنه يضرك. وقيل: ما أملق تاجر صدوق.  [فصل تعريف الصدق] فصل قال صاحب quot; المنازل quot;: الصدق: اسم لحقيقة الشيء بعينه حصولا ووجودا. الصدق: هو حصول الشيء وتمامه وكمال قوته واجتماع أجزائه كما يقال: عزيمة صادقة. إذا كانت قوية تامة وكذلك: محبة صادقة وإرادة صادقة. وكذا قولهم: حلاوة صادقة: إذا كانت قوية تامة ثابتة الحقيقة. لم ينقص منها شيء. ومن هذا أيضا: صدق الخبر. لأنه وجود المخبر بتمام حقيقته في ذهن السامع. فالتمام والوجود نوعان: خارجي وذهني. فإذا أخبرت المخاطب بخبر صادق حصلت له حقيقة المخبر عنه بكماله وتمامه في ذهنه. ومن هذا: وصفهم الرمح بأنه صادق الكعوب إذا كانت كعوبه صلبة قوية ممتلئة.  [درجات الصدق] [الدرجة الأولى صدق القصد] قال: وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: صدق القصد. وبه يصح الدخول في هذا الشأن. ويتلافى به كل تفريط. ويتدارك به كل فائت. ويعمر كل خراب. وعلامة هذا الصادق: أن لا يتحمل داعية تدعو إلى نقض عهد. ولا يصبر على صحبة ضد. ولا يقعد عن الجد بحال. يعني بصدق القصد: كمال العزم وقوة الإرادة بأن يكون في القلب داعية صادقة إلى السلوك وميل شديد يقهر السر على صحة التوجه. فهو طلب لا يمازجه رياء ولا فتور. ولا يكون فيه قسمة بحال. ولا يصح الدخول في شأن السفر إلى الله والاستعداد للقائه إلا به. ويتلافى به كل تفريط. فإنه حامل على كل سبب ينال به الوصول وقطع كل سبب يحول بينه وبينه. فلا يترك فرصة تفوته. وما فاته من الفرص السابقة تداركها بحسب الإمكان. فيصلح من قلبه ما مزقته يد الغفلة والشهوة. ويعمر منه ما خربته(2\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "761",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13758",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يد البطالة. ويوقد فيه ما أطفأته أهوية النفس. ويلم منه ما شعثته يد التفريط والإضاعة. ويسترد منه ما نهبته أكف اللصوص والسراق. ويزرع منه ما وجده بورا من أراضيه. ويقلع ما وجده شوكا وشبرقا في نواحيه. ويستفرغ منه ما ملأته مواد الأخلاط الرديئة الفاسدة المترامية به إلى الهلاك والعطب. ويداوي منه الجراحات التي أصابته من عبرات الرياء. ويغسل منه الأوساخ والحوبات التي تراكمت عليه على تقادم الأوقات حتى لو اطلع عليه لأحزنه سواده ووسخه الذي صار دباغا له فيطهره بالماء البارد من ينابيع الصدق الخالصة من جميع الكدورات قبل أن يكون طهوره بالجحيم والحميم. فإنه لا يجاور الرحمن قلب دنس بأوساخ الشهوات والرياء أبدا. ولا بد من طهور. فاللبيب يؤثر أسهل الطهورين وأنفعهما. والله المستعان. وقوله: وعلامة هذا الصادق: أن لا يتحمل داعية تدعو إلى نقض عهد. يعني أن الصادق حقيقة: هو الذي قد انجذبت قوى روحه كلها إلى إرادة الله وطلبه والسير إليه والاستعداد للقائه. ومن تكون هذه حاله: لا يحتمل سببا يدعوه إلى نقض عهده مع الله بوجه. وقوله: ولا يصبر على صحبة ضد. الضد عند القوم: هم أهل الغفلة وقطاع طريق القلب إلى الله. وأضر شيء على الصادق: صحبتهم بل لا تصبر نفسه على ذلك أبدا إلا مع ضرورة. وتكون صحبتهم له في تلك الحال بقالبه وشبحه دون قلبه وروحه. فإن هذا لما استحكمت الغفلة عليه كما استحكم الصدق في الصادق: أحست روحه بالأجنبية التي بينه وبينهم بالمضادة. فاشتدت النفرة. وقوي الهرب. وبحسب هذه الأجنبية وإحساس الصادق بها: تكون نفرته وهربه عن الأضداد. فإن هذا الضد إن نطق أحس قلب الصادق: أنه نطق بلسان الغفلة والرياء والكبر وطلب الجاه. ولو كان ذاكرا أو قارئا أو مصليا أو حاجا أو غير ذلك. فنفر قلبه منه. وإن صمت أحس قلبه: أنه صمت على غير حضور وجمعية على الله وإقبال بالقلب عليه وعكوف السر عليه. فينفر منه أيضا. فإن قلب الصادق قوي الإحساس. فيجد الغيرية والأجنبية من الضد. ويشم القلب القلب كما يشم الرائحة الخبيثة. فيزوي وجهه لذلك. ويعتريه عبوس. فلا يأنس به إلا تكلفا. ولا يصاحبه إلا ضرورة. فيأخذ من صحبته قدر الحاجة كصحبة من يشتري منه أو يحتاج إليه في مصالحه كالزوجة والخادم ونحوه. قوله: ولا يقعد عن الجد بحال. يعني أنه لما كان صادقا في طلبه مستجمع القوة: لم يقعد به عزمه عن الجد في جميع(2\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "762",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13759",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحواله. فلا تراه إلا جادا. وأمره كله جد.  [فصل الدرجة الثانية أن لا يتمنى الحياة إلا للحق] فصل قال الدرجة الثانية: أن لا يتمنى الحياة إلا للحق. ولا يشهد من نفسه إلا أثر النقصان. ولا يلتفت إلى ترفيه الرخص. أي لا يحب أن يعيش إلا ليشبع من رضا محبوبه. ويقوم بعبوديته. ويستكثر من الأسباب التي تقربه إليه وتدنيه منه. لا لعلة من علل الدنيا. ولا لشهوة من شهواتها كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لولا ثلاث لما أحببت البقاء: لولا أن أحمل على جياد الخيل في سبيل الله ومكابدة الليل ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب التمر. يريد رضي الله عنه: الجهاد والصلاة والعلم النافع. وهذه درجات الفضائل. وأهلها هم أهل الزلفى والدرجات العليا. وقال معاذ رضي الله عنه عند موته: اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار ولا لنكح الأزواج ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الليل ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر. وقوله: ولا يشهد من نفسه إلا أثر النقصان. يعني لا يرى نفسه إلا مقصرا. والموجب له هذه الرؤية: استعظام مطلوبه واستصغار نفسه ومعرفته بعيوبها وقلة زاده في عينه. فمن عرف الله وعرف نفسه: لم ير نفسه إلا بعين النقصان. وأما قوله: ولا يلتفت إلى ترفيه الرخص. فلأنه - لكمال صدقه وقوة إرادته وطلبه للتقدم - يحمل نفسه على العزائم. ولا يلتفت إلى الرفاهية التي في الرخص. وهذا لا بد فيه من التفصيل. فإن الصادق يعمل على رضا الحق تعالى ومحابه. فإذا كانت الرخص أحب إليه تعالى من العزائم: كان التفاته إلى ترفيهها. وهو عين صدقه. فإذا أفطر في السفر وقصر وجمع بين الصلاتين عند الحاجة إليه. وخفف الصلاة(2\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "763",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13760",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عند الشغل ونحو ذلك من الرخص التي يحب الله تعالى أن يؤخذ بها: فهذا الالتفات إلى ترفيهها لا ينافي الصدق. بل هاهنا نكتة. وهي أنه فرق بين أن يكون التفاته إليها ترفها وراحة. وأن يكون متابعة وموافقة. ومع هذا فالالتفات إليها ترفها وراحة لا ينافي الصدق. فإن هذا هو المقصود منها. وفيه شهود نعمة الله على العبد وتعبده باسمه البر اللطيف المحسن الرفيق فإنه رفيق يحب الرفق. وفي الصحيح: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما. ما لم يكن إثما لما فيه من روح التعبد باسم: الرفيق اللطيف وإجمام القلب به لعبودية أخرى. فإن القلب لا يزال يتنقل في منازل العبودية. فإذا أخذ بترفيه رخصة محبوبه: استعد بها لعبودية أخرى. وقد تقطعه عزيمتها عن عبودية هي أحب إلى الله منها كالصائم في السفر الذي ينقطع عن خدمة أصحابه والمفطر الذي يضرب الأخبية ويسقي الركاب ويضم المتاع. ولهذا قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم ذهب المفطرون اليوم بالأجر . أما الرخص التأويلية المستندة إلى اختلاف المذاهب والآراء التي تصيب وتخطئ: فالأخذ بها عندهم عين البطالة مناف للصدق.  [فصل الدرجة الثالثة الصدق في معرفة الصدق] فصل قال الدرجة الثالثة: الصدق في معرفة الصدق. فإن الصدق لا يستقيم - في علم أهل الخصوص - إلا على حرف واحد. وهو أن يتفق رضا الحق بعمل العبد أو حاله أو وقته وإيقان العبد وقصده: بكون العبد راضيا مرضيا. فأعماله إذن مرضية. وأحواله صادقة. وقصوده مستقيمة. وإن كان العبد كسي ثوبا معارا. فأحسن أعماله: ذنب. وأصدق أحواله: زور. وأصفى قصوده: قعود. يعني أن الصدق المتحقق إنما يحصل لمن صدق في معرفة الصدق. فكأنه قال: لا يحصل حال الصدق إلا بعد معرفة علم الصدق. ثم عرف حقيقة الصدق. فقال لا يستقيم الصدق - في علم أهل الخصوص - إلا(2\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "764",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13761",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على حرف واحد. وهو أن يتفق رضا الحق بعمل العبد أو حاله أو وقته وإيقانه وقصده. وهذا موجب الصدق وفائدته وثمرته. فالشيخ ذكر الغاية الدالة على الحقيقة التي يعرف انتفاء الحقيقة بانتفائها. وثبوتها بثبوتها. فإن العبد إذا صدق الله: رضي الله بعمله وحاله ويقينه وقصده. لا أن رضا الله نفس الصدق. وإنما يعلم الصدق بموافقة رضاه سبحانه. ولكن من أين يعلم العبد رضاه . فمن هاهنا كان الصادق مضطرا - أشد الضرورة - إلى متابعة الأمر والتسليم للرسول صلى الله عليه وسلم في ظاهره وباطنه والاقتداء به والتعبد بطاعته في كل حركة وسكون مع إخلاص القصد لله عز وجل فإن الله تعالى لا يرضيه من عبده إلا ذلك. وما عدا هذا فقوت النفس ومجرد حظها واتباع أهوائها. وإن كان فيه من المجاهدات والرياضيات والخلوات ما كان. فإن الله سبحانه وتعالى أبى أن يقبل من عبده عملا أو يرضى به حتى يكون على متابعة رسوله صلى الله عليه وسلم خالصا لوجهه سبحانه. ومن هاهنا يفارق الصادق أكثر السالكين. بل يستوحش في طريقه. وذلك لقلة سالكها. فإن أكثرهم سائرون على طرق أذواقهم وتجريد أنفاسهم لنفوسهم ومتابعة رسوم شيوخهم. والصادق في واد. وهؤلاء في واد. وقوله: فيكون العبد راضيا مرضيا. لأنه قد رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا. فرضي الله به عبدا. وأعماله إذا مرضية لله. وأحواله صادقة مع الله. وقصوده مستقيمة على متابعة أوامر الله عز وجل. وقوله: وإن كان العبد كسي ثوبا معارا فأحسن أعماله: ذنب. وأصدق أحواله: زور. وأصفى قصوده: قعود. هذا يراد به أمران. أحدهما: أن يكسى حلية الصادقين. ويلبس ثيابهم على غير قلوبهم وأرواحهم. فثوب الصدق عارية له لا ملك له. فهو كالمتشبع بما لم يعط. فإنه كلابس ثوبي زور. فهذا أحسن أعماله: ذنب يعاقب عليه. كما يعاقب المقتول في الجهاد والقارئ القرآن المتنسك والمتصدق ويكونون أول من تسعر بهم النار يوم القيامة. لما لبسوا ثياب الصادقين على قلوب المرائين.(2\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "765",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13762",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا معنى صحيح. ما أظن الشيخ قصده. وإنما أظنه قصد معنى آخر. وهو أنه متى تيقن العبد: أن وجوده ثوب معار ليس منه ولا له. وإنما إيجاده وصفاته وإرادته وقدرته وأعماله: عارية من الفعال وحده. والعبد ليس له من ذاته إلا العدم. فوجوده وحياته: ثوب أعيره. فمتى نظر بعين الحقيقة إلى كسوته: رأى أحسن أعماله ذنوبا في هذا المقام. وأصدق أحواله زورا وأصفى قصوده قعودا. فلا يرى لنفسه منه عملا ولا حالا ولا قصدا. فإنه ليس له من نفسه إلا الجهل والظلم. فكل ما من النفس: فهو ذنب وزور وقعود. وما كان مرضيا فهو بالله ومن الله ولله. لا بالنفس ولا منها ولا لها. فإن العبد إذا رأى أنه قد فعل الطاعة: كانت رؤيته لذلك ذنبا. فإنه قد نسب الفعل إليه. والله في الحقيقة هو المنفرد بالفعل. فعلى هذا لا يتخلص العبد من الذنب قط. فإنه إذا خلص فعله من الرياء ومن كل شيء يفسده: اقترن به آخر. لا يمكنه الخلاص منه. وهو اعتقاده أنه هو الفاعل. والصواب: أن هذا ليس بذنب ولا هو مقدور للعبد ولا مأمور به. والكمال في حقه: أن يشهد الأمر كما هو عليه وأنه فاعل حقيقة كما أضاف الله إليه الفعل في كتابه كله. والله هو الذي جعله فاعلا. فإذا شهد نفسه فاعلا حقيقة. وشهد فاعليته بالله ومن الله. لا من نفسه: فلا ذنب في هذا الشهود ولا زور بحمد الله. وهو نظر بمجموع عينيه إلى السبب والمسبب والشرع والقدر والخلق والأمر وأنه متى شهد نفسه عاصيا مخالفا مذنبا: كان عاصيا بهذا الشهود. لأن الفاعل فيه غيره. وهذا مناف للعبودية أشد منافاة. وهو من سير القوم إلى شهود الحقيقة الكونية واعتقادهم: أنه غاية السالكين. فإن قيل: الشيخ هاهنا ما نطق بلسان الأبرار. وإنما نطق بلسان المقربين. ولا ريب أن حسنات الأبرار سيئات المقربين ولسنا نريد أن شهود فعله ذنب في الشرع بل يكون حسنة كما ذكرتم. لكن هو حسنة للبر ذنب للمقرب. فإن نصيب البر من السيئة: ما جاء به العلم. ونصيب المقرب: ما جاءت به المعرفة التي هي أخص من العلم. قيل: هذا أيضا باطل قطعا. فإن المعرفة الصحيحة: مطابقة للحق في نفسه شرعا وقدرا. ومخالف ذلك فمعرفة فاسدة. والحق في نفس الأمر: نسبة الأفعال إلى الفاعلين قياما ومباشرة وصدورا منهم.(2\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "766",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13763",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذلك محل الأمر والنهي والثواب والعقاب. والقدح في ذلك مستلزم لإبطال الشرع والجزاء. فإن الشرع إنما أمر بأفعالنا ونهى عنها. والجزاء إنما ترتب عليها. فشهود أفعالنا كذلك من تمام الإيمان بالشرع والجزاء. ونسبتها إلى الرب تعالى قضاء وقدرا وخلقا للأسباب التي منها إرادتنا وقدرتنا. فلم يجبرنا عليها ولم يكرهنا. بل خلقها بما أعطانا من القدرة والإرادة اللتين هما من أسباب الفعل. فهذا المشهد يحقق عبودية إياك نستعين [الفاتحة: 5] والمشهد الأول: يحقق عبودية إياك نعبد [الفاتحة: 5] وهما يحققان مشهدي فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا - وما تشاءون إلا أن يشاء الله [الإنسان: 29 - 30] وقوله: لمن شاء منكم أن يستقيم - وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين [التكوير: 28 - 29] . وما جاء به العلم لا يناقض ما جاءت به المعرفة. بل المعرفة روح العلم ولبه وكماله. وحقيقتها: العلم الذي أثمر لصاحبه مقصوده. ولسان الأبرار لا يخالف لسان المقربين. إنما يخالف لسان الفجار. نعم لسان المقربين أعلى منه وأرفع على مقتضى أعمالهم وأحوالهم. فنسبته إليه: كنسبة مقام التوكل إلى الرضا والرضا إلى الحمد والشكر. فإن قيل: كلامكم هذا بلسان العلم. ولو تكلمتم بلسان الحال لعلمتم صحة ما ذكرناه. فإن صاحب الحال صاحب شهود. وصاحب العلم صاحب غيبة. والشاهد يرى ما لا يرى الغائب. ونحن نشير إليكم إشارة حالية علمية. تنزلا من الحال إلى العلم. فنقول: الحال تأثر عن نور من أنوار الأحدية والفردانية. يستر العبد عن نفسه ويبدي ظهور مشهوده. ولا ريب أن في هذا الحال قد يعتقد أن الشاهد هو المشهود. حتى قال أبو يزيد في مثل هذا الحال: سبحاني سبحاني وما في الجبة إلا الله. ولا شك أن هذا الاعتقاد زور. وأن سببه نور من أنوار الأحدية وصاحبه معذور. ما دام مستورا عن نفسه بوارده. فإذا رد إلى رسمه وعقله وحسه: حال ذلك الحال وزال وعلم صاحبه أنه كان زورا. حيث ظن أن الشاهد هو المشهود. فإن أنكرتم ذلك فلا كلام معكم. وإن اعترفتم به حصل المقصود.(2\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "767",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13764",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا معنى كون أصدق أحوال الصادق: زورا. وإذا عرف هذا في الحال: عرف مثله في كون أحسن أعماله: ذنبا. فإنه - لصدقه في الطلب وبذله الجهد في العمل واستفراغه الوسع فيه - يغيب بذلك عن شهود الحقيقة الكونية وأن المحرك له سواه وأنه آلة ومجرى للمشيئة وأن نفسه أعجز وأضعف من أن يكون لها أو بها أو منها فعل أو إرادة أو حركة. فإذا رجع إلى الحقيقة فشهد منة الله عليه وأنه هو المحرك له وأن مشيئته هي التي أوجبت سعيه رأى أحسن أعماله: ذنبا بهذا الاعتبار. وأما رؤيته أصفى قصوده قعودا فلأن القاصد إلى الحقيقة متى شهد مقصوده: قعد عن قصده. فإن المقصود المراد: أقرب إلى اللسان من نطقه وإلى القلب من قصده. فالقصد إليه: هو عين القعود عن القصد. لأن القصد إنما يكون لبعيد عن القاصد. أما من هو أقرب إلى القاصد من ذاته: فمتى شاهد القاصد الحقيقة: علم أن قصده عين القعود عن قصده. والعبارة تزيد هذا المعنى جفوة. والحوالة فيه على الحال والذوق. فالجواب أن يقال: من أحالك على الحال فما أنصفك. فإنه أحالك على أمر مشترك بين الحق والباطل. فإن كل من اعتقد شيئا وطلبه طلبا صادقا واستفرغ وسعه في الوصول إليه: كان له لا محالة فيه حال ليست لغيره. بحسب صدقه في طلبه وجمع همته وقصده عليه. وهذا يكون للأبرار والفجار بل لأولياء الله وأعدائه. فيكون الرجل له شهود بمشهوده وحال في طلبه لا يوجب كونه حقا ولا باطلا. فإن كل من اعتقد عقيدة وارتاض وصقل قلبه بأنواع الرياضة. وجزم بما اعتقده: تجلت له صورة معتقده في عالم نفسه. فيظن ذلك كشفا صحيحا. وإن كان صادقا في طلبه وحبه لما اعتقده: كان له فيه حال وتأثير بحسبه. فالحوالة على الحال حوالة مفلس من العلم على غير مليء به. ومن هاهنا دخل الداخل على أكثر السالكين. وانعكس سيرهم حيث أحالوا العلم على الحال. وحكموه عليه. وسير أولياء الله وعباده الأبرار والمقربين بخلاف هذا. وهو إحالة الحال على العلم وتحكيمه عليه وتقديمه ووزنه به وقبول حكمه. فإن وافقه العلم وإلا كان حالا فاسدا منحرفا عن أحوال الصادقين بحسب بعده عن العلم. فالعلم حاكم والحال محكوم عليه. والعلم راع والحال من رعيته. فمن لم يكن هذا أصل بناء سلوكه فسلوكه فاسد. وغايته: الانسلاخ من العلم والدين. كما جرى ذلك لمن جرى له. وبالله المستعان. ونحن لا ننكر ما ذكرتم - من غيبة الشاهد بمشهوده عن شهوده وبمذكوره عن(2\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "768",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13765",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذكره وبمعروفه عن معرفته وبمحبوبه عن حبه - لكن ننكر كون هذا أكمل حالا من صاحب البقاء والتمييز وشهود الحقائق على ما هي عليه. فلا يحتاج أن يشهد حاله زورا. لأنه لم يحصل له ما حصل لصاحب السكر والاصطلام من الزور. فهو أكمل منه حقيقة وشرعا. وأما الغائب عن الحقيقة الكونية بشهود فعله: فإنه متى صحبه استصحاب عقد التوحيد وأن مصدر كل شيء مشيئة الله وحده وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا يتحرك متحرك في ظاهره أو باطنه إلا به سبحانه: فلا تضره الغيبة عن هذا المشهد باستغراقه في القصد والطلب والفعل. إذ حكمه جار عليه في هذه الحال. وليس ضيق قلبه عن استحضار ذلك وقت استجماع إرادته وفعله وطلبه - ذنبا. لا للخاصة ولا للعامة. ولا بالنسبة إلى مقامه أيضا. فإن الذنب تعمد مخالفة الأمر. وهذا ليس كذلك. ولا هو مطالب بالغيبة عن شهود الحقيقة والفناء فيها عن شهود الفعل وقيامه به مع اعتقاد أنه بمشيئة الله وحوله وقوته. وأما ما ذكرتم من أن مشاهدة القرب تجعل القصد قعودا: فكلام له خبئ. وقد أفصح عنه بعض المغرورين المخدوعين بقوله: ما بال عينك لا يقر قرارها ... وإلام ظلك لا يني متنقلا فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن ... إلا إليك إذا بلغت المنزلا وكأن صاحبه يشير إلى أنه وجود قلبه ولسانه. ووجوده أقرب إليه من إرادته ولطفه. هذا خبئ هذا الكلام. وتعالى الله عن إلحاد هذا وأمثاله وإفكهم علوا كبيرا. بل هو سبحانه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه. وأما ما ذكرتم من القرب: فإن أردتم عموم قربه إلى كل لسان من نطقه وإلى كل قلب من قصده: فهذا - لو صح - لكان قرب قدرة وعلم وإحاطة لا قربا بالذات والوجود. فإنه سبحانه لا يمازج خلقه ولا يخالطهم ولا يتحد بهم. مع أن هذا المعنى لم يرد عن الله ورسوله ولا عن أحد من السلف الأخيار تسميته قربا ولم يجئ القرب في القرآن والسنة قط إلا خاصا كما تقدم. وإن أردتم القرب الخاص إلى اللسان والقلب: فهذا قرب المحبة وقرب الرضا والأنس كقرب العبد من ربه وهو ساجد. وهو نوع آخر من القرب. لا مثال له ولا نظير. فإن الروح والقلب يقربان من الله وهو على عرشه والروح والقلب في البدن. وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.(2\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "769",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13766",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا القرب لا ينافي القصد والطلب بل هو مشروط بالقصد. فيستحيل وجوده بدونه. وكلما كان الطلب والقصد أتم: كان هذا القرب أقوى. فإن قيل: فكيف تصنعون بقوله تعالى: ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ق: 16]  قيل: هذه الآية فيها قولان للناس. أحدهما: أنه قربه بعلمه. ولهذا قرنه بعلمه بوسوسة نفس الإنسان. وحبل الوريد حبل العنق وهو عرق بين الحلقوم والودجين الذي متى قطع مات صاحبه. وأجزاء القلب وهذا الحبل يحجب بعضها بعضا. وعلم الله بأسرار العبد وما في ضميره لا يحجبه شيء. والقول الثاني: أنه قربه من العبد بملائكته الذين يصلون إلى قلبه. فيكون أقرب إليه من ذلك العرق. اختاره شيخنا. وسمعته يقول: هذا مثل قوله: نحن نقص عليك أحسن القصص [يوسف: 3] وقوله: فإذا قرأناه فاتبع قرآنه [القيامة: 18] فإن جبريل عليه السلام هو الذي قصه عليه بأمر الله. فنسب تعليمه إليه. إذ هو بأمره وكذلك جبريل هو الذي قرأه عليه. كما في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية: فإذا قرأه رسولنا فأنصت لقراءته حتى يقضيها. قلت: أول الآية يأبى ذلك. فإنه قال ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه [ق: 16] قال: وكذلك خلقه للإنسان إنما هو بالأسباب وتخليق الملائكة. قلت: وفي صحيح مسلم من حديث حذيفة بن أسيد رضي الله عنه في تخليق النطفة فيقول الملك الذي يخلقه: يارب ذكر أم أنثى أسوي أم غير سوي فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك . فهو سبحانه الخالق وحده. ولا ينافي ذلك استعمال الملائكة(2\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "770",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13767",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بإذنه ومشيئته وقدرته في التخليق. فإن أفعالهم وتخليقهم خلق له سبحانه. فما ثم خالق على الحقيقة غيره. والمقصود: أن هذا موضع ضلت فيه أفهام. وزلت فيه أقدام واشتبهت فيه معية العلم والقدرة والإحاطة بالقرب. واشتبهت فيه آثار قرب المحبة والرضا والموافقة وغلبة ذكره ومراقبته بقرب ذاته. واشتبه فيه ما في الذهن بما في الخارج. واشتبه اضمحلال شهود الرسم وانمحاؤه من القلب بعدمه وفنائه. واشتبهت فيه آثار الصفات بحقيقتها وأنوار المعرفة بأنوار الذات. وأصحابه - لتحكيمهم الحال والذوق - لا يلتفتون إلى لسان العلم ولا يصغون إليه. وفي هذا كفاية. والله المستعان.  [فصل منزلة الإيثار] [حقيقة الإيثار] فصل منزلة الإيثار ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الإيثار. قال الله تعالى: ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون [الحشر: 9] . فالإيثار ضد الشح. فإن المؤثر على نفسه تارك لما هو محتاج إليه. والشحيح: حريص على ما ليس بيده. فإذا حصل بيده شيء شح عليه. وبخل بإخراجه. فالبخل ثمرة الشح. والشح يأمر بالبخل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إياكم والشح. فإن الشح أهلك من كان قبلكم. أمرهم بالبخل فبخلوا. وأمرهم بالقطيعة فقطعوا . فالبخيل: من أجاب داعي الشح. والمؤثر: من أجاب داعي الجود. كذلك السخاء عما في أيدي الناس هو السخاء. وهو أفضل من سخاء البذل. قال عبد الله بن المبارك: سخاء النفس عما في أيدي الناس أفضل من سخاء النفس بالبذل.(2\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "771",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13768",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا المنزل: هو منزل الجود والسخاء والإحسان. وسمي بمنزل الإيثار لأنه أعلى مراتبه فإن المراتب ثلاثة. إحداها: أن لا ينقصه البذل ولا يصعب عليه. فهو منزلة السخاء. الثانية: أن يعطي الأكثر ويبقي له شيئا أو يبقي مثل ما أعطى. فهو الجود. الثالثة: أن يؤثر غيره بالشيء مع حاجته إليه وهو مرتبة الإيثار وعكسها الأثرة وهو استئثاره عن أخيه بما هو محتاج إليه. وهي المرتبة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار رضي الله عنهم: إنكم ستلقون بعدي أثرة. فاصبروا حتى تلقوني على الحوض والأنصار: هم الذين وصفهم الله بالإيثار في قوله: ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة [الحشر: 9] فوصفهم بأعلى مراتب السخاء وكان ذلك فيهم معروفا. وكان قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما من الأجواد المعروفين. حتى إنه مرض مرة فاستبطأ إخوانه في العيادة. فسأل عنهم فقالوا: إنهم كانوا يستحيون مما لك عليهم من الدين. فقال: أخزى الله مالا يمنع الإخوان من الزيارة. ثم أمر مناديا ينادي: من كان لقيس عليه مال فهو منه في حل. فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه لكثرة من عاده. وقالوا له يوما: هل رأيت أسخى منك قال: نعم. نزلنا بالبادية على امرأة. فحضر زوجها. فقالت: إنه نزل بك ضيفان. فجاء بناقة فنحرها وقال: شأنكم فلما كان من الغد جاء بأخرى فنحرها. فقلنا: ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا اليسير. فقال: إني لا أطعم ضيفاني البائت. فبقينا عنده يومين أو ثلاثة والسماء تمطر. وهو يفعل ذلك. فلما أردنا الرحيل وضعنا مائة دينار في بيته وقلنا للمرأة: اعتذري لنا إليه. ومضينا. فلما طلع النهار إذا نحن برجل يصيح خلفنا: قفوا. أيها الركب اللئام. أعطيتموني ثمن قراي ثم إنه لحقنا وقال: لتأخذنه أو لأطاعننكم برمحي. فأخذناه وانصرف. فتأمل سر التقدير حيث قدر الحكيم الخبير - سبحانه - استئثار الناس على الأنصار بالدنيا - وهم أهل الإيثار - ليجازيهم على إيثارهم إخوانهم في الدنيا على نفوسهم بالمنازل العالية في جنات عدن على الناس. فتظهر حينئذ فضيلة إيثارهم ودرجته ويغبطهم من(2\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "772",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13769",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "استأثر عليهم بالدنيا أعظم غبطة. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. فإذا رأيت الناس يستأثرون عليك - مع كونك من أهل الإيثار - فاعلم أنه لخير يراد بك. والله سبحانه وتعالى أعلم.  [فصل مراتب الجود] والجود عشر مراتب. إحداها: الجود بالنفس. وهو أعلى مراتبه كما قال الشاعر: يجود بالنفس إذ ضن البخيل بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود الثانية: الجود بالرياسة. وهو ثاني مراتب الجود. فيحمل الجواد جوده على امتهان رياسته والجود بها. والإيثار في قضاء حاجات الملتمس. الثالثة: الجود براحته ورفاهيته وإجمام نفسه. فيجود بها تعبا وكدا في مصلحة غيره. ومن هذا جود الإنسان بنومه ولذته لمسامره كما قيل: متيم بالندى لو قال سائله: ... هب لي جميع كرى عينيك لم ينم الرابعة: الجود بالعلم وبذله. وهو من أعلى مراتب الجود. والجود به أفضل من الجود بالمال. لأن العلم أشرف من المال. والناس في الجود به على مراتب متفاوتة. وقد اقتضت حكمة الله وتقديره النافذ: أن لا ينفع به بخيلا أبدا. ومن الجود به: أن تبذله لمن يسألك عنه بل تطرحه عليه طرحا. ومن الجود بالعلم: أن السائل إذا سألك عن مسألة: استقصيت له جوابها جوابا شافيا لا يكون جوابك له بقدر ما تدفع به الضرورة كما كان بعضهم يكتب في جواب الفتيا: نعم أو: لا. مقتصرا عليها. ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - في ذلك أمرا عجيبا: كان إذا سئل عن مسألة حكمية ذكر في جوابها مذاهب الأئمة الأربعة إذا قدر ومأخذ الخلاف وترجيح القول الراجح. وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون أنفع للسائل من مسألته. فيكون فرحه بتلك المتعلقات واللوازم: أعظم من فرحه بمسألته.(2\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "773",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13770",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذه فتاويه - رحمه الله - بين الناس. فمن أحب الوقوف عليها رأى ذلك. فمن جود الإنسان بالعلم: أنه لا يقتصر على مسألة السائل. بل يذكر له نظائرها ومتعلقها ومأخذها بحيث يشفيه ويكفيه. وقد سأل الصحابة رضي الله عنهم النبي صلى الله عليه وسلم عن المتوضئ بماء البحر فقال هو الطهور ماؤه الحل ميتته فأجابهم عن سؤالهم. وجاد عليهم بما لعلهم في بعض الأحيان إليه أحوج مما سألوه عنه. وكانوا إذا سألوه عن الحكم نبههم على علته وحكمته. كما سألوه عن بيع الرطب بالتمر فقال: أينقص الرطب إذا جف قالوا: نعم. قال: فلا إذن ولم يكن يخفى عليه صلى الله عليه وسلم نقصان الرطب بجفافه ولكن نبههم على علة الحكم. وهذا كثير جدا في أجوبته صلى الله عليه وسلم. مثل قوله: إن بعت من أخيك ثمرة. فأصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئا. بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق وفي لفظ: أرأيت إن منع الله الثمرة: بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق فصرح بالعلة التي يحرم لأجلها إلزامه بالثمن. وهي منع الله الثمرة التي ليس للمشتري فيها صنع. وكان خصومه - يعني شيخ الإسلام ابن تيمية - يعيبونه بذلك. ويقولون: سأله السائل عن طريق مصر - مثلا - فيذكر له معها طريق مكة والمدينة وخراسان والعراق والهند. وأي حاجة بالسائل إلى ذلك . ولعمر الله ليس ذلك بعيب وإنما العيب: الجهل والكبر. وهذا موضع المثل المشهور:(2\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "774",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13771",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لقبوه بحامض وهو خل ... مثل من لم يصل إلى العنقود الخامسة: الجود بالنفع بالجاه. كالشفاعة والمشي مع الرجل إلى ذي سلطان ونحوه. وذلك زكاة الجاه المطالب بها العبد. كما أن التعليم وبذل العلم زكاته. السادسة: الجود بنفع البدن على اختلاف أنواعه. كما قال صلى الله عليه وسلم: يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة. كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين اثنين: صدقة. ويعين الرجل في دابته فيحمله عليها أو يرفع له عليها متاعه: صدقة. والكلمة الطيبة: صدقة وبكل خطوة يمشيها الرجل إلى الصلاة: صدقة. ويميط الأذى عن الطريق: صدقة متفق عليه. السابعة: الجود بالعرض كجود أبي ضمضم من الصحابة رضي الله عنهم. كان إذا أصبح قال: اللهم إنه لا مال لي أتصدق به على الناس. وقد تصدقت عليهم بعرضي فمن شتمني أو قذفني: فهو في حل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من يستطيع منكم أن يكون كأبي ضمضم . وفي هذا الجود من سلامة الصدر وراحة القلب والتخلص من معاداة الخلق ما فيه. الثامنة: الجود بالصبر والاحتمال والإغضاء. وهذه مرتبة شريفة من مراتبه. وهي أنفع لصاحبها من الجود بالمال وأعز له وأنصر وأملك لنفسه وأشرف لها. ولا يقدر عليها إلا النفوس الكبار. فمن صعب عليه الجود بماله فعليه بهذا الجود. فإنه يجتني ثمرة عواقبه الحميدة في الدنيا قبل الآخرة. وهذا جود الفتوة. قال تعالى والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له [المائدة: 45] وفي هذا الجود قال تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين [الشورى: 40](2\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "775",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13772",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فذكر المقامات الثلاثة في هذه الآية: مقام العدل وأذن فيه. ومقام الفضل وندب إليه. ومقام الظلم وحرمه. التاسعة: الجود بالخلق والبشر والبسطة. وهو فوق الجود بالصبر والاحتمال والعفو. وهو الذي بلغ بصاحبه درجة الصائم القائم. وهو أثقل ما يوضع في الميزان. قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط إليه وفي هذا الجود من المنافع والمسار وأنواع المصالح ما فيه. والعبد لا يمكنه أن يسعهم بخلقه واحتماله. العاشرة: الجود بتركه ما في أيدي الناس عليهم. فلا يلتفت إليه. ولا يستشرف له بقلبه ولا يتعرض له بحاله ولا لسانه. وهذا الذي قال عبد الله بن المبارك: إنه أفضل من سخاء النفس بالبذل. فلسان حال القدر يقول للفقير الجواد: وإن لم أعطك ما تجود به على الناس فجد عليهم بزهدك في أموالهم. وما في أيديهم تفضل عليهم وتزاحمهم في الجود وتنفرد عنهم بالراحة. ولكل مرتبة من مراتب الجود مزيد وتأثير خاص في القلب والحال. والله سبحانه قد ضمن المزيد للجواد والإتلاف للممسك. والله المستعان.  [فصل معنى الإيثار والأثرة] فصل قال صاحب quot; المنازل quot; رحمه الله: الإيثار: تخصيص واختيار. والأثرة: تحسن طوعا. وتصح كرها. فرق الشيخ بين الإيثار والأثرة وجعل الإيثار اختيارا والأثرة منقسمة إلى اختيارية واضطرارية. وبالفرق بينهما يعلم معنى كلامه. فإن الإيثار هو البذل وتخصيصك لمن تؤثره على نفسك وهذا لا يكون إلا اختيارا.(2\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "776",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13773",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الأثرة فهي استئثار صاحب الشيء به عليك وحوزه لنفسه دونك. فهذه لا يحمد عليها المستأثر عليه. إلا إذا كانت طوعا. مثل أن يقدر على منازعته ومجاذبته فلا يفعل. ويدعه وأثرته طوعا. فهذا حسن وإن لم يقدر على ذلك كانت أثرة كره. ويعني بالصحة: الوجود أي توجد كرها. ولكن إنما تحسن إذا كانت طوعا من المستأثر عليه. فحقيقة الإيثار بذل صاحبه وإعطاؤه. والأثرة استبداله هو بالمؤثر به. فيتركه وما استبدل به: إما طوعا وإما كرها. فكأنك آثرته باستئثاره حيث خليت بينه وبينه ولم تنازعه. قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله . فالسمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره: لهم معه ومع الأئمة بعده والأثرة: عدم منازعة الأمر مع الأئمة بعده خاصة فإنه صلى الله عليه وسلم لم يستأثر عليهم.  [فصل درجات الإيثار] [الدرجة الأولى أن تؤثر الخلق على نفسك] فصل قال: وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: أن تؤثر الخلق على نفسك فيما لا يخرم عليك دينا. ولا يقطع عليك طريقا ولا يفسد عليك وقتا. يعني: أن تقدمهم على نفسك في مصالحهم. مثل أن تطعمهم وتجوع. وتكسوهم وتعرى وتسقيهم وتظمأ بحيث لا يؤدي ذلك إلى ارتكاب إتلاف لا يجوز في الدين. ومثل أن تؤثرهم بمالك وتقعد كلا مضطرا مستشرفا للناس أو سائلا. وكذلك إيثارهم بكل ما يحرمه على المؤثر دينه. فإنه سفه وعجز. يذم المؤثر به عند الله وعند الناس. وأما قوله: ولا يقطع عليك طريقا أي لا يقطع عليك طريق الطلب والمسير إلى الله تعالى مثل أن تؤثر جليسك على ذكرك وتوجهك وجمعيتك على الله. فتكون قد آثرته على الله. وآثرت بنصيبك من الله ما لا يستحق الإيثار. فيكون مثلك كمثل مسافر(2\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "777",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13774",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سائر على الطريق لقيه رجل فاستوقفه وأخذ يحدثه ويلهيه حتى فاته الرفاق. وهذا حال أكثر الخلق مع الصادق السائر إلى الله تعالى. فإيثارهم عليه عين الغبن. وما أكثر المؤثرين على الله تعالى غيره. وما أقل المؤثرين الله على غيره. وكذلك الإيثار بما يفسد على المؤثر وقته قبيح أيضا. مثل أن يؤثر بوقته ويفرق قلبه في طلب خلفه أو يؤثر بأمر قد جمع قلبه وهمه على الله. فيفرق قلبه عليه بعد جمعيته. ويشتت خاطره. فهذا أيضا إيثار غير محمود. وكذلك الإيثار باشتغال القلب والفكر في مهماتهم ومصالحهم التي لا تتعين عليك. على الفكر النافع واشتغال القلب بالله ونظائر ذلك لا تخفى. بل ذلك حال الخلق والغالب عليهم. وكل سبب يعود عليك بصلاح قلبك ووقتك وحالك مع الله: فلا تؤثر به أحدا. فإن آثرت به فإنما تؤثر الشيطان على الله وأنت لا تعلم. وتأمل أحوال أكثر الخلق في إيثارهم على الله من يضرهم إيثارهم له ولا ينفعهم. وأي جهالة وسفه فوق هذا ومن هذا تكلم الفقهاء في الإيثار بالقرب. وقالوا: إنه مكروه أو حرام. كمن يؤثر بالصف الأول غيره ويتأخر هو أو يؤثره بقربه من الإمام يوم الجمعة أو يؤثر غيره بالأذان والإقامة أو يؤثره بعلم يحرمه نفسه ويرفعه عليه فيفوز به دونه. وتكلموا في إيثار عائشة رضي الله عنها لعمر بن الخطاب رضي الله عنه بدفنه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرتها. وأجابوا عنه بأن الميت ينقطع عمله بموته وبقربه. فلا يتصور في حقه الإيثار بالقرب بعد الموت. إذ لا تقرب في حق الميت. وإنما هذا إيثار بمسكن شريف فاضل لمن هو أولى به منها. فالإيثار به قربة إلى الله عز وجل للمؤثر. والله أعلم.  فصل قال ولا يستطاع إلا بثلاثة أشياء: بتعظيم الحقوق ومقت الشح والرغبة في مكارم الأخلاق. ذكر ما يعين على الإيثار فيبعث عليه. وهو ثلاثة أشياء.(2\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "778",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13775",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعظيم الحقوق. فإن من عظمت الحقوق عنده قام بواجبها. ورعاها حق رعايتها. واستعظم إضاعتها. وعلم أنه إن لم يبلغ درجة الإيثار لم يؤدها كما ينبغي. فيجعل إيثاره احتياطا لأدائها. الثاني: مقت الشح. فإنه إذا مقته وأبغضه التزم الإيثار. فإنه يرى أنه لا خلاص له من هذا المقت البغيض إلا بالإيثار. الثالث: الرغبة في مكارم الأخلاق. وبحسب رغبته فيها: يكون إيثاره. لأن الإيثار أفضل درجات مكارم الأخلاق.  [فصل الدرجة الثانية إيثار رضا الله على رضا غيره] فصل قال الدرجة الثانية: إيثار رضا الله على رضا غيره. وإن عظمت فيه المحن. وثقلت فيه المؤن وضعف عنه الطول والبدن. إيثار رضا الله عز وجل على غيره: هو أن يريد ويفعل ما فيه مرضاته ولو أغضب الخلق. وهي درجة الأنبياء. وأعلاها للرسل عليهم صلوات الله وسلامه. وأعلاها لأولي العزم منهم. وأعلاها لنبينا صلى الله عليه وسلم عليه وعليهم. فإنه قاوم العالم كله. وتجرد للدعوة إلى الله. واحتمل عداوة البعيد والقريب في الله تعالى. وآثر رضا الله على رضا الخلق من كل وجه. ولم يأخذه في إيثار رضاه لومة لائم. بل كان همه وعزمه وسعيه كله مقصورا على إيثار مرضاة الله وتبليغ رسالاته وإعلاء كلماته وجهاد أعدائه. حتى ظهر دين الله على كل دين. وقامت حجته على العالمين. وتمت نعمته على المؤمنين. فبلغ الرسالة. وأدى الأمانة. ونصح الأمة. وجاهد في الله حق جهاده. وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه. فلم ينل أحد من درجة هذا الإيثار ما نال. صلوات الله وسلامه عليه. وأما قوله: وإن عظمت فيه المحن. وثقلت فيه المؤن. فإن المحنة تعظم فيه أولا ليتأخر من ليس من أهله. فإذا احتملها وتقدم انقلبت تلك المحن منحا. وصارت تلك المؤن عونا. وهذا معروف بالتجربة الخاصة والعامة. فإنه ما آثر عبد مرضاة الله عز وجل على مرضاة الخلق وتحمل ثقل ذلك ومؤنته وصبر على محنته: إلا أنشأ الله من تلك المحنة والمؤنة نعمة ومسرة ومعونة بقدر ما تحمل من مرضاته. فانقلبت مخاوفه أمانا ومظان عطبه نجاة وتعبه راحة ومؤنته معونة وبليته نعمة ومحنته منحة وسخطه رضا. فيا خيبة المتخلفين ويا ذلة المتهيبين.(2\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "779",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13776",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا وقد جرت سنة الله - التي لا تبديل لها - أن من آثر مرضاة الخلق على مرضاته: أن يسخط عليه من آثر رضاه ويخذله من جهته. ويجعل محنته على يديه. فيعود حامده ذاما. ومن آثر مرضاته ساخطا. فلا على مقصوده منهم حصل ولا إلى ثواب مرضاة ربه وصل. وهذا أعجز الخلق وأحمقهم. هذا مع أن رضا الخلق: لا مقدور ولا مأمور ولا مأثور. فهو مستحيل. بل لا بد من سخطهم عليك. فلأن يسخطوا عليك وتفوز برضا الله عنك أحب إليك وأنفع لك من أن يسخوا عليك والله عنك غير راض. فإذا كان سخطهم لا بد منه - على التقديرين - فآثر سخطهم الذي ينال به رضا الله. فإن هم رضوا عنك بعد هذا وإلا فأهون شيء رضا من لا ينفعك رضاه ولا يضرك سخطه في دينك ولا في إيمانك ولا في آخرتك. فإن ضرك في أمر يسير في الدنيا فمضرة سخط الله أعظم وأعظم. وخاصة العقل: احتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما. وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما. فوازن بعقلك. ثم انظر أي الأمرين خير فآثره وأيهما شر فابعد عنه. فهذا برهان قطعي ضروري في إيثار رضا الله على رضا الخلق. هذا مع أنه إذا آثر رضا الله كفاه الله مؤنة غضب الخلق. وإذا آثر رضاهم لم يكفوه مؤنة غضب الله عليه. قال بعض السلف: لمصانعة وجه واحد أيسر عليك من مصانعة وجوه كثيرة. إنك إذا صانعت ذلك الوجه الواحد كفاك الوجوه كلها. وقال الشافعي رضي الله عنه: رضا الناس غاية لا تدرك. فعليك بما فيه صلاح نفسك فالزمه. ومعلوم: أنه لا صلاح للنفس إلا بإيثار رضا ربها ومولاها على غيره. ولقد أحسن أبو فراس في هذا المعنى - إلا أنه أساء كل الإساءة في قوله إذ يقوله لمخلوق لا يملك له ولا لنفسه نفعا ولا ضرا: فليتك تحلو والحياة مريرة ... وليتك ترضى. والأنام غضاب(2\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "780",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13777",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب ... إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب ثم ذكر الشيخ - رحمه الله - ما يستطاع به هذا الإيثار العظيم الشأن. فقال: ويستطاع هذا بثلاثة أشياء: بطيب العود. وحسن الإسلام. وقوة الصبر. من المعلوم: أن المؤثر لرضا الله متصد لمعاداة الخلق وأذاهم وسعيهم في إتلافه ولا بد. هذه سنة الله في خلقه. وإلا فما ذنب الأنبياء والرسل. والذين يأمرون بالقسط من الناس والقائمين بدين الله الذابين عن كتابه وسنة رسوله عندهم فمن آثر رضا الله فلا بد أن يعاديه رذالة العالم وسقطهم وغرثاهم وجهالهم وأهل البدع والفجور منهم وأهل الرياسات الباطلة وكل من يخالف هديه هديه. فما يقدم على معاداة هؤلاء إلا طالب الرجوع إلى الله عامل على سماع خطاب ياأيتها النفس المطمئنة - ارجعي إلى ربك راضية مرضية [الفجر: 27 - 28] ومن إسلامه صلب كامل لا تزعزعه الرجال. ولا تقلقله الجبال ومن عقد عزيمة صبره محكم لا تحله المحن والشدائد والمخاوف. قلت: وملاك ذلك أمران: الزهد في الحياة والثناء. فما ضعف من ضعف وتأخر من تأخر إلا بحبه للحياة والبقاء وثناء الناس عليه ونفرته من ذمهم له. فإذا زهد في هذين الشيئين تأخرت عنه العوارض كلها. وانغمس حينئذ في العساكر. وملاك هذين الشيئين بشيئين: صحة اليقين. وقوة المحبة. وملاك هذين بشيئين أيضا: بصدق اللجأ والطلب والتصدي للأسباب الموصلة إليهما. فإلى هاهنا تنتهي معرفة الخلق وقدرتهم. والتوفيق بعد بيد من أزمة الأمور كلها بيده وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما - يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما [الإنسان: 30 - 31] .(2\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "781",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13778",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الدرجة الثالثة إيثار إيثار الله] فصل قال الدرجة الثالثة: إيثار إيثار الله. فإن الخوض في الإيثار دعوى في الملك. ثم ترك شهود رؤيتك إيثار الله. ثم غيبتك عن الترك. يعني بإيثار إيثار الله: أن تنسب إيثارك إلى الله دون نفسك. وأنه هو الذي تفرد بالإيثار لا أنت. فكأنك سلمت الإيثار إليه. فإذا آثرت غيرك بشيء فإن الذي آثره هو الحق لا أنت. فهو المؤثر حقيقة. إذ هو المعطي حقيقة. ثم بين الشيخ السبب الذي يصح به نسبة الإيثار إلى الله وترك نسبته إلى نفسك فقال فإن الخوض في الإيثار: دعوى في الملك. فإذا ادعى العبد: أنه مؤثر فقد ادعى ملك ما آثر به غيره. والملك في الحقيقة: إنما هو لله الذي له كل شيء. فإذا خرج العبد عن دعوى الملك فقد آثر إيثار الله - وهو إعطاؤه - على إيثار نفسه. وشهد أن الله وحده هو المؤثر بملكه. وأما من لا ملك له: فأي إيثار له . وقوله: ثم ترك شهود رؤيتك إيثار الله. يعني أنك إذا آثرت إيثار الله بتسليمك معنى الإيثار إليه: بقيت عليك من نفسك بقية أخرى لا بد من الخروج عنها. وهي أن تعرض عن شهودك رؤيتك أنك آثرت الحق بإيثارك وأنك نسبت الإيثار إليه لا إليك. فإن في شهودك ذلك ورؤيتك له: دعوى أخرى. هي أعظم من دعوى الملك. وهي أنك ادعيت أن لك شيئا آثرت به الله. وقدمته على نفسك فيه بعد أن كان لك. وهذه الدعوى أصعب من الأولى. فإنها تتضمن ما تضمنته الأولى من الملك. وتزيد عليها برؤية الإيثار به فالأول: مدع للملك مؤثر به. وهذا مدع للملك ومدع للإيثار به. فإذن يجب عليه ترك شهود رؤيته لهذا الإيثار. فلا يعتقد أنه آثر الله بهذا الإيثار. بل الله هو الذي استأثر به دونك. فإن الأثرة واجبة له بإيجابه إياها بنفسه. لا بإيجاب العبد إياها له. قوله: ثم غيبتك عن الترك. يريد: أنك إذا نزلت هذا الشهود وهذه الرؤية: بقيت عليك بقية أخرى. وهي(2\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "782",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13779",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رؤيتك لهذا الترك المتضمنة لدعوى ملكك للترك. وهي دعوى كاذبة. إذ ليس للعبد شيء من الأمر. ولا بيده فعل ولا ترك. وإنما الأمر كله لله. وقد تبين في الكشف والشهود والعلم والمعرفة: أن العبد ليس له شيء أصلا والعبد لا يملك حقيقة. إنما المالك بالحقيقة سيده. فالأثرة والإيثار والاستئثار كلها لله ومنه وإليه. سواء اختار العبد ذلك وعلمه أو جهله أم لم يختره. فالأثرة واقعة. كره العبد أم رضي. فإنها استئثار المالك الحق بملكه تعالى. وقد فهمت من هذا قوله: فإن الأثرة تحسن طوعا. وتصح كرها والله سبحانه وتعالى أعلم.  [فصل منزلة الخلق] [الخلق في الكتاب والسنة] فصل منزلة الخلق ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الخلق. قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: وإنك لعلى خلق عظيم [الفاتحة: 4 - 28753] . قال ابن عباس ومجاهد: لعلى دين عظيم لا دين أحب إلي ولا أرضى عندي منه. وهو دين الإسلام. وقال الحسن رضي الله عنه: هو آداب القرآن. وقال قتادة: هو ما كان يأمر به من أمر الله. وينهى عنه من نهي الله. والمعنى: إنك لعلى الخلق الذي آثرك الله به في القرآن. وفي الصحيحين: أن هشام بن حكيم سأل عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن. فقال: لقد هممت أن أقوم ولا أسأل شيئا. وقد جمع الله له مكارم الأخلاق في قوله تعالى: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين [الأعراف: 199](2\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "783",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13780",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال جعفر بن محمد: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق. وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية. وقد ذكر: أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: ما هذا قال: لا أدري حتى أسأل فسأل. ثم رجع إليه. فقال: إن الله يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك . ولا ريب أن للمطاع مع الناس ثلاثة أحوال. أحدها: أمرهم ونهيهم بما فيه مصلحتهم. الثاني: أخذه منهم ما يبذلونه مما عليهم من الطاعة. الثالث: أن الناس معه قسمان: موافق له موال ومعاد له معارض. وعليه في كل واحد من هذه واجب. فواجبه في أمرهم ونهيهم: أن يأمر بالمعروف. وهو المعروف الذي به صلاحهم وصلاح شأنهم. وينهاهم عن ضده. وواجبه فيما يبذلونه له من الطاعة: أن يأخذ منهم ما سهل عليهم وطوعت له به أنفسهم سماحة واختيارا. ولا يحملهم على العنت والمشقة فيفسدهم. وواجبه عند جهل الجاهلين عليه: الإعراض عنهم. وعدم مقابلتهم بالمثل والانتقام منهم لنفسه. فقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين [الأعراف: 199] قال عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما: أمر الله نبيه أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. وقال مجاهد: يعني خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تخسيس مثل قبول الأعذار والعفو والمساهلة وترك الاستقصاء في البحث والتفتيش عن حقائق بواطنهم.(2\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "784",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13781",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ابن عباس رضي الله عنهما: خذ ما عفا لك من أموالهم. وهو الفاضل عن العيال وذلك معنى قوله تعالى: ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو [البقرة: 219] . ثم قال تعالى وأمر بالعرف [الأعراف: 199] وهو كل معروف. وأعرفه: التوحيد. ثم حقوق العبودية وحقوق العبيد. ثم قال تعالى وأعرض عن الجاهلين [الأعراف: 199] يعني إذا سفه عليك الجاهل فلا تقابله بالسفه. كقوله تعالى: وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما [الفرقان: 63] وعلى هذا فليست بمنسوخة. بل يعرض عنه مع إقامة حق الله عليه. ولا ينتقم لنفسه. وهكذا كان خلقه صلى الله عليه وسلم. قال أنس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا . وقال: ما مسست ديباجا ولا حريرا ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين. فما قال لي قط: أف. ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا متفق عليهما. وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن البر: هو حسن الخلق . وفي صحيح مسلم عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم فقال: البر حسن الخلق. والإثم ما حاك في صدرك. وكرهت أن يطلع عليه الناس .(2\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "785",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13782",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقابل البر بالإثم. وأخبر: أن البر حسن الخلق. والإثم: حواز الصدور. وهذا يدل على أن حسن الخلق: هو الدين كله. وهو حقائق الإيمان وشرائع الإسلام. ولهذا قابله بالإثم. وفي حديث آخر البر: ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في الصدر  وقد فسر حسن الخلق بأنه البر. فدل على أن حسن الخلق: طمأنينة النفس والقلب. والإثم حواز الصدور وما حاك فيها واسترابت به. وهذا غير حسن الخلق وسوئه في عرف كثير من الناس. كما سيأتي في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خياركم: أحاسنكم أخلاقا . وفي الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق. وإن الله تعالى ليبغض الفاحش البذيء. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفيه أيضا - وصححه - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال: تقوى الله وحسن الخلق. وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: الفم والفرج .(2\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "786",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13783",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيه أيضا عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم - وصححه - إن من أكمل المؤمنين إيمانا: أحسنهم خلقا. وخياركم: خياركم لنسائهم . وفي الصحيح عن عائشة عنه صلى الله عليه وسلم إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم رواه أبو داود. وعن ابن عمر رضي الله عنهما عنه صلى الله عليه وسلم أنا زعيم ببيت في ربض الجنة: لمن ترك المراء وإن كان محقا. وببيت في وسط الجنة: لمن ترك الكذب وإن كان مازحا وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه رواه الطبراني وإسناده صحيح. فجعل البيت العلوي جزاء لأعلى المقامات الثلاثة. وهي حسن الخلق. والأوسط لأوسطها. وهو ترك الكذب. والأدنى لأدناها وهو ترك المماراة وإن كان معه حق. ولا ريب أن حسن الخلق مشتمل على هذا كله. وفي الترمذي عن جابر رضي الله عنه عنه صلى الله عليه وسلم إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة: أحاسنكم أخلاقا. وإن من أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة: الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون. قالوا: يا رسول الله. قد علمنا الثرثارون والمتشدقون. فما المتفيهقون قال: المتكبرون. الثرثار: هو كثير الكلام بغير فائدة دينية. والمتشدق:(2\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "787",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13784",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المتكلم بملء فيه تفاصحا وتعاظما وتطاولا وإظهارا لفضله على غيره. وأصله من الفهق. وهو الامتلاء.  [فصل الدين كله خلق] فصل الدين كله خلق. فمن زاد عليك في الخلق: زاد عليك في الدين. وكذلك التصوف. قال الكناني: التصوف هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق: فقد زاد عليك في التصوف. وقد قيل: إن حسن الخلق بذل الندى وكف الأذى واحتمال الأذى. وقيل: حسن الخلق: بذل الجميل وكف القبيح. وقيل: التخلي من الرذائل والتحلي بالفضائل. وحسن الخلق يقوم على أربعة أركان لا يتصور قيام ساقه إلا عليها: الصبر والعفة والشجاعة والعدل. فالصبر: يحمله على الاحتمال وكظم الغيظ وكف الأذى والحلم والأناة والرفق وعدم الطيش والعجلة. والعفة: تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل وتحمله على الحياء. وهو رأس كل خير. وتمنعه من الفحشاء والبخل والكذب والغيبة والنميمة. والشجاعة: تحمله على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق والشيم وعلى البذل والندى الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته. وتحمله على كظم الغيظ والحلم. فإنه بقوة نفسه وشجاعتها يمسك عنانها ويكبحها بلجامها عن النزغ والبطش. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد: الذي يملك نفسه عند الغضب وهو حقيقة الشجاعة وهي ملكة يقتدر بها العبد على قهر خصمه. والعدل: يحمله على اعتدال أخلاقه وتوسطه فيها بين طرفي الإفراط والتفريط. فيحمله على خلق الجود والسخاء الذي هو توسط بين الذل والقحة. وعلى خلق الشجاعة الذي هو توسط بين الجبن والتهور. وعلى خلق الحلم الذي هو توسط بين الغضب والمهانة وسقوط النفس. ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة.(2\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "788",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13785",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنشأ جميع الأخلاق السافلة وبناؤها على أربعة أركان: الجهل. والظلم. والشهوة. والغضب. فالجهل: يريه الحسن في صورة القبيح والقبيح في صورة الحسن. والكمال نقصا والنقص كمالا. والظلم: يحمله على وضع الشيء في غير موضعه. فيغضب في موضع الرضا. ويرضى في موضع الغضب. ويجهل في موضع الأناة. ويبخل في موضع البذل. ويبذل في موضع البخل. ويحجم في موضع الإقدام. ويقدم في موضع الإحجام. ويلين في موضع الشدة. ويشتد في موضع اللين. ويتواضع في موضع العزة. ويتكبر في موضع التواضع. والشهوة: تحمله على الحرص والشح والبخل وعدم العفة والنهمة والجشع والذل والدناءات كلها. والغضب: يحمله على الكبر والحقد والحسد والعدوان والسفه. ويتركب من بين كل خلقين من هذه الأخلاق: أخلاق مذمومة. وملاك هذه الأربعة أصلان: إفراط النفس في الضعف وإفراطها في القوة. فيتولد من إفراطها في الضعف: المهانة والبخل والخسة واللؤم والذل والحرص والشح وسفساف الأمور والأخلاق. ويتولد من إفراطها في القوة: الظلم والغضب والحدة والفحش والطيش. ويتولد من تزوج أحد الخلقين بالآخر أولاد غية كثيرون. فإن النفس قد تجمع قوة وضعفا. فيكون صاحبها أجبر الناس إذا قدر وأذلهم إذا قهر ظالما عنوفا جبارا. فإذا قهر صار أذل من امرأة: جبانا عن القوي جريئا على الضعيف. فالأخلاق الذميمة: يولد بعضها بعضا كما أن الأخلاق الحميدة: يولد بعضها بعضا. وكل خلق محمود مكتنف بخلقين ذميمين. وهو وسط بينهما. وطرفاه خلقان ذميمان كالجود: الذي يكتنفه خلقا البخل والتبذير. والتواضع: الذي يكتنفه خلقا الذل والمهانة. والكبر والعلو. فإن النفس متى انحرفت عن التوسط انحرفت إلى أحد الخلقين الذميمين ولا بد فإذا انحرفت عن خلق التواضع انحرفت: إما إلى كبر وعلو وإما إلى ذل ومهانة وحقارة. وإذا انحرفت عن خلق الحياء انحرفت: إما إلى قحة وجرأة وإما إلى عجز وخور ومهانة بحيث يطمع في نفسه عدوه. ويفوته كثير من مصالحه. ويزعم أن الحامل له على ذلك الحياء. وإنما هو المهانة والعجز وموت النفس.(2\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "789",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13786",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك إذا انحرفت عن خلق الصبر المحمود انحرفت: إما إلى جزع وهلع وجشع وتسخط وإما إلى غلظة كبد وقسوة قلب وتحجر طبع. كما قال بعضهم: تبكي علينا. ولا نبكي على أحد فنحن أغلظ أكبادا من الإبل. وإذا انحرفت عن خلق الحلم انحرفت: إما إلى الطيش والترف والحدة والخفة وإما إلى الذل والمهانة والحقارة. ففرق بين من حلمه حلم ذل ومهانة وحقارة وعجز وبين من حلمه حلم اقتدار وعزة وشرف. كما قيل: كل حلم أتى بغير اقتدار ... حجة لاجئ إليها اللئام وإذا انحرفت عن خلق الأناة والرفق انحرفت: إما إلى عجلة وطيش وعنف وإما إلى تفريط وإضاعة. والرفق والأناة بينهما. وإذا انحرفت عن خلق العزة التي وهبها الله للمؤمنين انحرفت: إما إلى كبر وإما إلى ذل. والعزة المحمودة بينهما. وإذا انحرفت عن خلق الشجاعة انحرفت: إما إلى تهور وإقدام غير محمود وإما إلى جبن وتأخر مذموم. وإذا انحرفت عن خلق المنافسة في المراتب العالية والغبطة انحرفت: إما إلى حسد وإما إلى مهانة وعجز وذل ورضا بالدون. وإذا انحرفت عن القناعة انحرفت: إما إلى حرص وكلب وإما إلى خسة ومهانة وإضاعة. وإذا انحرفت عن خلق الرحمة انحرفت: إما إلى قسوة وإما إلى ضعف قلب وجبن نفس كمن لا يقدم على ذبح شاة ولا إقامة حد وتأديب ولد. ويزعم أن الرحمة تحمله على ذلك. وقد ذبح أرحم الخلق صلى الله عليه وسلم بيده في موضع واحد ثلاثا وستين بدنة. وقطع الأيدي من الرجال والنساء. وضرب الأعناق. وأقام الحدود ورجم بالحجارة حتى مات المرجوم. وكان أرحم خلق الله على الإطلاق وأرأفهم. وكذلك طلاقة الوجه والبشر المحمود. فإنه وسط بين التعبيس والتقطيب وتصعير الخد وطي البشر عن البشر وبين الاسترسال بذلك مع كل أحد بحيث يذهب الهيبة ويزيل الوقار ويطمع في الجانب كما أن الانحراف الأول يوقع الوحشة والبغضة والنفرة في قلوب الخلق.(2\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "790",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13787",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصاحب الخلق الوسط: مهيب محبوب عزيز جانبه حبيب لقاؤه. وفي صفة نبينا صلى الله عليه وسلم من رآه بديهة هابه. ومن خالطه عشرة أحبه والله أعلم.  [فصل تغيير الأخلاق التي طبعت النفوس عليها] فصل نافع جدا عظيم النفع للسالك. يوصله عن قريب ويسيره بأخلاقه التي لا يمكنه إزالتها. فإن أصعب ما على الطبيعة الإنسانية: تغيير الأخلاق التي طبعت النفوس عليها. وأصحاب الرياضات الصعبة والمجاهدات الشاقة إنما عملوا عليها ولم يظفر أكثرهم بتبديلها. لكن النفس اشتغلت بتلك الرياضات عن ظهور سلطانها. فإذا جاء سلطان تلك الأخلاق وبرز: كسر جيوش الرياضة وشتتها. واستولى على مملكة الطبع. وهذا فصل يصل به السالك مع تلك الأخلاق. ولا يحتاج إلى علاجها وإزالتها. ويكون سيره أقوى وأجل وأسرع من سير العامل على إزالتها. ونقدم قبل هذا مثلا نضربه. مطابقا لما نريده. وهو: نهر جار في صببه ومنحدره ومنته إلى تغريق أرض وعمران ودور. وأصحابها يعلمون أنه لا ينتهي حتى يخرب دورهم. ويتلف أراضيهم وأموالهم. فانقسموا ثلاث فرق. فرقة صرفت قواها وقوى أعمالها إلى سكره وحبسه وإيقافه. فلا تصنع هذه الفرقة كبير أمر. فإنه يوشك أن يجتمع ثم يحمل على السكر فيكون إفساده وتخريبه أعظم. وفرقة رأت هذه الحالة. وعلمت أنه لا يغني عنها شيئا. فقالت: لا خلاص من محذوره إلا بقطعه من أصل الينبوع. فرامت قطعه من أصله. فتعذر عليها ذلك غاية التعذر وأبت الطبيعة النهرية عليهم ذلك أشد الإباء فهم دائما في قطع الينبوع وكلما سدوه من موضع نبع من موضع فاشتغل هؤلاء بشأن هذا النهر عن الزراعات والعمارات وغرس الأشجار. فجاءت فرقة ثالثة خالفت رأي الفرقتين. وعلموا أنهم قد ضاع عليهم كثير من مصالحهم. فأخذوا في صرف ذلك النهر عن مجراه المنتهي إلى العمران فصرفوه إلى موضع ينتفعون بوصوله إليه. ولا يتضررون به. فصرفوه إلى أرض قابلة للنبات. وسقوها به. فأنبتت أنواع العشب والكلأ والثمار المختلفة الأصناف فكانت هذه الفرقة هم أصوب الفرق في شأن هذا النهر.(2\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "791",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13788",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا تبين هذا المثل فالله سبحانه قد اقتضت حكمته: أن ركب الإنسان - بل وسائر الحيوان - على طبيعة محمولة على قوتين: غضبية. وشهوانية. وهي الإرادية. وهاتان القوتان هما الحاملتان لأخلاق النفس وصفاتها. وهما مركوزتان في جبلة كل حيوان. فبقوة الشهوة والإرادة: يجذب المنافع إلى نفسه. وبقوة الغضب: يدفع المضار عنها. فإذا استعمل الشهوة في طلب ما يحتاج إليه: تولد منها الحرص. وإذا استعمل الغضب في دفع المضرة عن نفسه: تولد منه القوة والغيرة. فإذا عجز عن ذلك الضار: أورثه قوة الحقد. وإن أعجزه وصول ما يحتاج إليه ورأى غيره مستبدا به: أورثه الحسد. فإن ظفر به: أورثته شدة شهوته وإرادته: خلق البخل والشح. وإن اشتد حرصه وشهوته على الشيء ولم يمكنه تحصيله إلا بالقوة الغضبية فاستعملها فيه: أورثه ذلك العدوان والبغي والظلم. ومنه يتولد: الكبر والفخر والخيلاء. فإنها أخلاق متولدة من بين قوتي الشهوة والغضب وتزوج أحدهما بصاحبه. فإذا تبين هذا: فالنهر مثال هاتين القوتين. وهو منصب في جدول الطبيعة ومجراها إلى دور القلب وعمرانه وحواصله يخربها ويتلفها ولا بد. فالنفوس الجاهلة الظالمة تركته ومجراه. فخرب ديار الإيمان. وقلع آثاره. وهدم عمرانه. وأنبت موضعها كل شجرة خبيثة من حنظل وضريع وشوك وزقوم. وهو الذي يأكله أهل النار يوم القيامة يوم المعاد. وأما النفوس الزكية الفاضلة: فإنها رأت ما يئول إليه أمر هذا النهر. فافترقوا ثلاث فرق. فأصحاب الرياضات والمجاهدات والخلوات والتمرينات: راموا قطعه من ينبوعه. فأبت عليهم ذلك حكمة الله تعالى وما طبع عليه الجبلة البشرية. ولم تنقد له الطبيعة. فاشتد القتال. ودام الحرب. وحمي الوطيس. وصارت الحرب دولا وسجالا. وهؤلاء صرفوا قواهم إلى مجاهدة النفس على إزالة تلك الصفات. وفرقة أعرضوا عنها. وشغلوا نفوسهم بالأعمال. ولم يجيبوا دواعي تلك الصفات مع تخليتهم إياها على مجراها لكن لم يمكنوا نهرها من إفساد عمرانهم. بل اشتغلوا بتحصين العمران وإحكام بنائه وأساسه ورأوا أن ذلك النهر لا بد أن يصل إليه. فإذا وصل وصل إلى بناء محكم فلم يهدمه. بل أخذ عنه يمينا وشمالا. فهؤلاء صرفوا قوة عزيمتهم وإرادتهم في العمارة وإحكام البناء. وأولئك صرفوها في قطع المادة الفاسدة من أصلها خوفا من هدم البناء.(2\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "792",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13789",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسألت يوما شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عن هذه المسألة وقطع الآفات والاشتغال بتنقية الطريق وتنظيفها فقال لي جملة كلامه: النفس مثل الباطوس - وهو جب القذر - كلما نبشته ظهر وخرج. ولكن إن أمكنك أن تسقف عليه وتعبره وتجوزه فافعل ولا تشتغل بنبشه. فإنك لن تصل إلى قراره. وكلما نبشت شيئا ظهر غيره. فقلت: سألت عن هذه المسألة بعض الشيوخ فقال لي: مثال آفات النفس مثال الحيات والعقارب التي في طريق المسافر. فإن أقبل على تفتيش الطريق عنها والاشتغال بقتلها: انقطع. ولم يمكنه السفر قط. ولكن لتكن همتك المسير والإعراض عنها وعدم الالتفات إليها. فإذا عرض لك فيها ما يعوقك عن المسير فاقتله. ثم امض على سيرك. فاستحسن شيخ الإسلام ذلك جدا. وأثنى على قائله. إذا تبين هذا. فهذه الفرقة الثالثة: رأت أن هذه الصفات ما خلقت سدى ولا عبثا. وأنها بمنزلة ماء يسقى به الورد والشوك والثمار والحطب وأنها صوان وأصداف لجواهر منطوية عليها. وأن ما خاف منها أولئك هو نفس سبب الفلاح والظفر. فرأوا أن الكبر نهر يسقى به العلو والفخر والبطر والظلم والعدوان. ويسقى به علو الهمة والأنفة والحمية والمراغمة لأعداء الله وقهرهم والعلو عليهم. وهذه درة في صدفته. فصرفوا مجراه إلى هذا الغراس. واستخرجوا هذه الدرة من صدفته. وأبقوه على حاله في نفوسهم. لكن استعملوه حيث يكون استعماله أنفع. وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم أبا دجانة يتبختر بين الصفين. فقال: إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموضع . فانظر كيف خلى مجرى هذه الصفة وهذا الخلق يجري في أحسن مواضعه. وفي الحديث الآخر - وأظنه في المسند - إن من الخيلاء ما يحبها الله. ومنها ما يبغضها الله. فالخيلاء التي يحبها الله: اختيال الرجل في الحرب وعند الصدقة . فانظر كيف صارت الصفة المذمومة عبودية وكيف استحال القاطع موصلا فصاحب الرياضات والعامل بطريق الرياضات والمجاهدات والخلوات: هيهات(2\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "793",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13790",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هيهات إنما يوقعه ذلك في الآفات والشبهات والضلالات. فإن تزكية النفوس مسلم إلى الرسل. وإنما بعثهم الله لهذه التزكية وولاهم إياها. وجعلها على أيديهم دعوة وتعليما وبيانا وإرشادا لا خلقا ولا إلهاما. فهم المبعوثون لعلاج نفوس الأمم. قال الله تعالى: هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [الجمعة: 2] وقال تعالى: كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون - فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون [البقرة: 151 - 152] . وتزكية النفوس: أصعب من علاج الأبدان وأشد. فمن زكى نفسه بالرياضة والمجاهدة والخلوة التي لم يجئ بها الرسل: فهو كالمريض الذي عالج نفسه برأيه وأين يقع رأيه من معرفة الطبيب فالرسل أطباء القلوب. فلا سبيل إلى تزكيتها وصلاحها إلا من طريقهم. وعلى أيديهم وبمحض الانقياد والتسليم لهم. والله المستعان. فإن قلت: هل يمكن أن يقع الخلق كسبيا أو هو أمر خارج عن الكسب . قلت: يمكن أن يقع كسبيا بالتخلق والتكلف. حتى يصير له سجية وملكة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس رضي الله عنه إن فيك لخلقين يحبهما الله: الحلم والأناة. فقال: أخلقين تخلقت بهما. أم جبلني الله عليهما فقال: بل جبلك الله عليهما. فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله . فدل على أن من الخلق: ما هو طبيعة وجبلة وما هو مكتسب. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعاء الاستفتاح اللهم اهدني لأحسن الأخلاق. لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت فذكر الكسب والقدر. والله أعلم.(2\/300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "794",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13791",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل معنى الخلق] فصل قال صاحب quot; المنازل quot;: الخلق: ما يرجع إليه المتكلف من نعمته. أي خلق كل متكلف: فهو ما اشتملت عليه نعوته. فتكلفه يرده إلى خلقه. كما قيل: إن التخلق يأتي دونه الخلق. وقال الآخر: يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل فمتكلف ما ليس من نعته ولا شيمته: يرجع إلى شيمته ونعته وسجيته. فذاك الذي يرجع إليه: هو الخلق. قال واجتمعت كلمة الناطقين في هذا العلم: أن التصوف هو الخلق. وجميع الكلام فيه يدور على قطب واحد. وهو بذل المعروف وكف الأذى. قلت: من الناس من يجعلها ثلاثة: كف الأذى واحتمال الأذى وإيجاد الراحة. ومنهم: من يجعلها اثنين - كما قال الشيخ - بذل المعروف وكف الأذى. ومنهم من يردها إلى واحد. وهو بذل المعروف. والكل صحيح. قال وإنما يدرك إمكان ذلك في ثلاثة أشياء. في العلم والجود والصبر. فالعلم يرشده إلى مواقع بذل المعروف والفرق بينه وبين المنكر وترتيبه في وضعه مواضعه. فلا يضع الغضب موضع الحلم. ولا بالعكس ولا الإمساك موضع البذل ولا بالعكس. بل يعرف مواقع الخير والشر ومراتبها وموضع كل خلق: أين يضعه وأين يحسن استعماله. والجود يبعثه على المسامحة بحقوق نفسه والاستقصاء منها بحقوق غيره. فالجود هو قائد جيوش الخير. والصبر يحفظ عليه استدامة ذلك. ويحمله على الاحتمال وكظم الغيظ وكف الأذى وعدم المقابلة. وعلى كل خير كما تقدم. وهو أكبر العون على نيل كل مطلوب(2\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "795",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13792",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من خير الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين [البقرة: 45] . فهذه الثلاثة أشياء: بها يدرك التصوف والتصوف: زاوية من زوايا السلوك الحقيقي وتزكية النفس وتهذيبها. لتستعد لسيرها إلى صحبة الرفيق الأعلى ومعية من تحبه. فإن المرء مع من أحب. كما قال سمنون: ذهب المحبون بشرف الدنيا والآخرة. فإن المرء مع من أحب. والله أعلم.  [فصل درجات الخلق] [الدرجة الأولى أن تعرف مقام الخلق] فصل قال وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: أن تعرف مقام الخلق. وأنهم بأقدارهم مربوطون. وفي طاقتهم محبوسون. وعلى الحكم موقوفون. فتستفيد بهذه المعرفة ثلاثة أشياء: أمن الخلق منك حتى الكلب. ومحبة الخلق إياك ونجاة الخلق بك. فبهذه الدرجة: يكون تحسين الخلق مع الخلق في معاملتهم وكيفية مصاحبتهم. وبالثانية: تحسين الخلق مع الله في معاملته. وبالثالثة: درجة الفناء على قاعدته وأصله. يقول: إذا عرفت مقام الخلق ومقاديرهم وجريان الأحكام القدرية عليهم وأنهم مقيدون بالقدر لا خروج لهم عنه ألبتة ومحبوسون في قدرتهم وطاقتهم. لا يمكنهم تجاوزها إلى غيرها وأنهم موقوفون على الحكم الكوني القدري لا يتعدونه استفدت بهذه المعرفة ثلاثة أشياء: أمن الخلق منك. وذلك: أنه إذا نظر إليهم بعين الحقيقة. لم يطالبهم بما لا يقدرون عليه. وامتثل فيهم أمر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بأخذ العفو منهم. فأمنوا من تكليفه إياهم. وإلزامه لهم ما ليس في قواهم وقدرهم. وأيضا فإنهم يأمنون لائمته. فإنه في هذه الحال عاذر لهم فيما يجري عليهم من الأحكام فيما لم يأمر الشرع بإقامته فيهم. لأنهم إذا كانوا محبوسين في طاقتهم فينبغي مطالبتهم بما يطالب به المحبوس وعذرهم بما يعذر به المحبوس. وإذا بدا منهم في حقك تقصير أو إساءة أو تفريط. فلا تقابلهم به ولا تخاصمهم. بل اغفر لهم ذلك(2\/302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "796",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13793",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واعذرهم. نظرا إلى جريان الأحكام عليهم وأنهم آلة. وهاهنا ينفعك الفناء بشهود الحقيقة عن شهود جنايتهم عليك كما قال بعض العارفين لرجل تعدى عليه وظلمه: إن كنت ظالما فالذي سلطك علي ليس بظالم.  [مشاهد العبد فيما يصيبه من أذى الخلق] [المشهد الأول مشهد القدر] وهاهنا للعبد أحد عشر مشهدا فيما يصيبه من أذى الخلق وجنايتهم عليه. أحدها: المشهد الذي ذكره الشيخ رحمه الله. وهو مشهد القدر وأن ما جرى عليه بمشيئة الله وقضائه وقدره. فيراه كالتأذي بالحر والبرد والمرض والألم وهبوب الرياح وانقطاع الأمطار. فإن الكل أوجبته مشيئة الله. فما شاء الله كان. ووجب وجوده. وما لم يشأ لم يكن. وامتنع وجوده. وإذا شهد هذا: استراح. وعلم أنه كائن لا محالة. فما للجزع منه وجه. وهو كالجزع من الحر والبرد والمرض والموت.  [فصل المشهد الثاني مشهد الصبر] فصل المشهد الثاني: مشهد الصبر فيشهده ويشهد وجوبه وحسن عاقبته وجزاء أهله وما يترتب عليه من الغبطة والسرور. ويخلصه من ندامة المقابلة والانتقام. فما انتقم أحد لنفسه قط إلا أعقبه ذلك ندامة. وعلم أنه إن لم يصبر اختيارا على هذا - وهو محمود - صبر اضطرارا على أكبر منه. وهو مذموم.  [فصل المشهد الثالث مشهد العفو والصفح والحلم] فصل المشهد الثالث: مشهد العفو والصفح والحلم فإنه متى شهد ذلك وفضله وحلاوته وعزته: لم يعدل عنه إلا لعشى في بصيرته. فإنه ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. وعلم بالتجربة والوجود. وما انتقم أحد لنفسه إلا ذل. هذا وفي الصفح والعفو والحلم: من الحلاوة والطمأنينة والسكينة وشرف النفس وعزها ورفعتها عن تشفيها بالانتقام: ما ليس شيء منه في المقابلة والانتقام.  [فصل المشهد الرابع مشهد الرضا] فصل المشهد الرابع: مشهد الرضا وهو فوق مشهد العفو والصفح وهذا لا يكون إلا للنفوس المطمئنة سيما إن كان ما أصيبت به سببه القيام لله. فإذا كان ما أصيب به(2\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "797",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13794",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في الله وفي مرضاته ومحبته: رضيت بما نالها في الله. وهذا شأن كل محب صادق يرضى بما يناله في رضا محبوبه من المكاره. ومتى تسخط به وتشكى منه كان ذلك دليلا على كذبه في محبته. والواقع شاهد بذلك والمحب الصادق كما قيل: من أجلك جعلت خدي أرضا ... للشامت والحسود حتى ترضى ومن لم يرض بما يصيبه في سبيل محبوبه فلينزل عن درجة المحبة. وليتأخر فليس من ذا الشأن.  [فصل المشهد الخامس مشهد الإحسان] فصل المشهد الخامس: مشهد الإحسان وهو أرفع مما قبله. وهو أن يقابل إساءة المسيء إليه بالإحسان. فيحسن إليه كلما أساء هو إليه. ويهون هذا عليه علمه بأنه قد ربح عليه. وأنه قد أهدى إليه حسناته ومحاها من صحيفته. وأثبتها في صحيفة من أساء إليه. فينبغي لك أن تشكره وتحسن إليه بما لا نسبة له إلى ما أحسن به إليك. وهاهنا ينفع استحضار مسألة اقتضاء الهبة الثواب. وهذا المسكين قد وهبك حسناته. فإن كنت من أهل الكرم فأثبه عليها لتثبت الهبة. وتأمن رجوع الواهب فيها. وفي هذا حكايات معروفة عن أرباب المكارم. وأهل العزائم. ويهونه عليك أيضا: علمك بأن الجزاء من جنس العمل. فإن كان هذا عملك في إساءة المخلوق إليك عفوت عنه. وأحسنت إليه مع حاجتك وضعفك وفقرك وذلك. فهكذا يفعل المحسن القادر العزيز الغني بك في إساءتك. يقابلها بما قابلت به إساءة عبده إليك. فهذا لا بد منه. وشاهده في السنة من وجوه كثيرة لمن تأملها.  [فصل المشهد السادس مشهد السلامة وبرد القلب] فصل المشهد السادس: مشهد السلامة وبرد القلب وهذا مشهد شريف جدا لمن عرفه وذاق حلاوته. وهو أن لا يشتغل قلبه وسره بما ناله من الأذى وطلب الوصول إلى درك ثأره وشفاء نفسه. بل يفرغ قلبه من ذلك. ويرى أن سلامته وبرده وخلوه منه أنفع له. وألذ وأطيب. وأعون على مصالحه. فإن القلب إذا اشتغل بشيء فاته ما هو أهم عنده وخير له منه. فيكون بذلك مغبونا. والرشيد لا يرضى بذلك. ويرى أنه من تصرفات السفيه. فأين سلامة القلب من امتلائه بالغل والوساوس وإعمال الفكر في إدراك الانتقام .(2\/304)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "798",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13795",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل المشهد السابع مشهد الأمن] فصل المشهد السابع: مشهد الأمن فإنه إذا ترك المقابلة والانتقام: أمن ماهو شر من ذلك. وإذا انتقم: واقعه الخوف ولا بد. فإن ذلك يزرع العداوة. والعاقل لا يأمن عدوه ولو كان حقيرا. فكم من حقير أردى عدوه الكبير فإذا غفر ولم ينتقم ولم يقابل: أمن من تولد العداوة أو زيادتها. ولا بد أن عفوه وحلمه وصفحه يكسر عنه شوكة عدوه. ويكف من جزعه بعكس الانتقام. والواقع شاهد بذلك أيضا.  [فصل المشهد الثامن مشهد الجهاد] فصل المشهد الثامن: مشهد الجهاد وهو أن يشهد تولد أذى الناس له من جهاده في سبيل الله. وأمرهم بالمعروف. ونهيهم عن المنكر. وإقامة دين الله وإعلاء كلماته. وصاحب هذا المقام: قد اشترى الله منه نفسه وماله وعرضه بأعظم الثمن. فإن أراد أن يسلم إليه الثمن فليسلم هو السلعة ليستحق ثمنها. فلا حق له على من آذاه. ولا شيء له قبله إن كان قد رضي بعقد هذا التبايع. فإنه قد وجب أجره على الله. وهذا ثابت بالنص وإجماع الصحابة رضي الله عنهم. ولهذا منع النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين من سكنى مكة - أعزها الله - ولم يرد على أحد منهم داره ولا ماله الذي أخذه الكفار. ولم يضمنهم دية من قتلوه في سبيل الله . ولما عزم الصديق رضي الله عنه على تضمين أهل الردة ما أتلفوه من نفوس المسلمين وأموالهم. قال له عمر بن الخطاب - بمشهد من الصحابة رضي الله عنهم - تلك دماء وأموال ذهبت في الله. وأجورها على الله ولا دية لشهيد فأصفق الصحابة على قول عمر. ووافقه عليه الصديق. فمن قام لله حتى أوذي في الله: حرم الله عليه الانتقام. كما قال لقمان لابنه وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور [لقمان: 17] .  [فصل المشهد التاسع مشهد النعمة] فصل المشهد التاسع: مشهد النعمة وذلك من وجوه. أحدها: أن يشهد نعمة الله عليه في أن جعله مظلوما يترقب النصر. ولم يجعله ظالما(2\/305)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "799",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13796",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يترقب المقت والأخذ. فلو خير العاقل بين الحالتين - ولا بد من إحداهما - لاختار أن يكون مظلوما. ومنها: أن يشهد نعمة الله في التكفير بذلك من خطاياه. فإنه ما أصاب المؤمن هم ولا غم ولا أذى إلا كفر الله به من خطاياه. فذلك في الحقيقة دواء يستخرج به منه داء الخطايا والذنوب. ومن رضي أن يلقى الله بأدوائه كلها وأسقامه ولم يداوه في الدنيا بدواء يوجب له الشفاء: فهو مغبون سفيه. فأذى الخلق لك كالدواء الكريه من الطبيب المشفق عليك. فلا تنظر إلى مرارة الدواء وكراهته ومن كان على يديه. وانظر إلى شفقة الطبيب الذي ركبه لك وبعثه إليك على يدي من نفعك بمضرته. ومنها: أن يشهد كون تلك البلية أهون وأسهل من غيرها. فإنه ما من محنة إلا وفوقها ما هو أقوى منها وأمر. فإن لم يكن فوقها محنة في البدن والمال فلينظر إلى سلامة دينه وإسلامه وتوحيده. وأن كل مصيبة دون مصيبة الدين فهينة. وأنها في الحقيقة نعمة. والمصيبة الحقيقية مصيبة الدين. ومنها: توفية أجرها وثوابها يوم الفقر والفاقة. وفي بعض الآثار: أنه يتمنى أناس يوم القيامة لو أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض لما يرون من ثواب أهل البلاء. هذا. وإن العبد ليشتد فرحه يوم القيامة بما له قبل الناس من الحقوق في المال والنفس والعرض. فالعاقل يعد هذا ذخرا ليوم الفقر والفاقة. ولا يبطله بالانتقام الذي لا يجدي عليه شيئا.  [فصل المشهد العاشر مشهد الأسوة] فصل المشهد العاشر: مشهد الأسوة وهو مشهد شريف لطيف جدا. فإن العاقل اللبيب يرضى أن يكون له أسوة برسل الله وأنبيائه وأوليائه وخاصته من خلقه. فإنهم(2\/306)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "800",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13797",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أشد الخلق امتحانا بالناس وأذى الناس إليهم أسرع من السيل في الحدور. ويكفي تدبر قصص الأنبياء - عليهم السلام - مع أممهم وشأن نبينا صلى الله عليه وسلم وأذى أعدائه له بما لم يؤذه من قبله. وقد قال له ورقة بن نوفل لتكذبن ولتخرجن ولتؤذين. وقال له: ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي. وهذا مستمر في ورثته كما كان في مورثهم صلى الله عليه وسلم. أفلا يرضى العبد أن يكون له أسوة بخيار خلق الله وخواص عباده: الأمثل فالأمثل . ومن أحب معرفة ذلك فليقف على محن العلماء وأذى الجهال لهم. وقد صنف في ذلك ابن عبد البر كتابا سماه محن العلماء.  [فصل المشهد الحادي عشر مشهد التوحيد] فصل المشهد الحادي عشر: مشهد التوحيد وهو أجل المشاهد وأرفعها. فإذا امتلأ قلبه بمحبة الله والإخلاص له ومعاملته وإيثار مرضاته والتقرب إليه وقرة العين به والأنس به واطمأن إليه. وسكن إليه. واشتاق إلى لقائه واتخذه وليا دون من سواه بحيث فوض إليه أموره كلها. ورضي به وبأقضيته. وفني بحبه وخوفه ورجائه وذكره والتوكل عليه عن كل ما سواه: فإنه لا يبقى في قلبه متسع لشهود أذى الناس له ألبتة. فضلا عن أن يشتغل قلبه وفكره وسره بتطلب الانتقام والمقابلة. فهذا لا يكون إلا من قلب ليس فيه ما يغنيه عن ذلك ويعوضه منه. فهو قلب جائع غير شبعان. فإذا رأى أي طعام رآه هفت إليه نوازعه. وانبعثت إليه دواعيه. وأما من امتلأ قلبه بأعلى الأغذية وأشرفها: فإنه لا يلتفت إلى ما دونها. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والله ذو الفضل العظيم.  فصل وأما قوله: أن يستفيد بمعرفة أقدار الناس وجريان الأحكام عليهم: محبتهم له ونجاتهم به. فلأنه إذا عاملهم بهذه المعاملة: من إقامة أعذارهم والعفو عنهم وترك مقابلتهم: استوت كراهتهم ومحبتهم له. وكان ذلك سببا لنجاتهم الأخروية أيضا. إذ(2\/307)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "801",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13798",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يرشدهم ذلك إلى القبول منه. وتلقي ما يأمرهم به وينهاهم عنه أحسن التلقي. هذه طباع الناس.  [فصل الدرجة الثانية تحسين خلقك مع الحق] فصل قال الدرجة الثانية: تحسين خلقك مع الحق. وتحسينه منك: أن تعلم أن كل ما يأتي منك يوجب عذرا وأن كل ما يأتي من الحق يوجب شكرا وأن لا ترى له من الوفاء بدا. هذه الدرجة مبنية على قاعدتين. إحداهما: أن تعلم أنك ناقص. وكل ما يأتي من الناقص ناقص. فهو يوجب اعتذاره منه لا محالة. فعلى العبد أن يتعذر إلى ربه من كل ما يأتي به من خير وشر. أما الشر: فظاهر. وأما الخير: فيعتذر من نقصانه. ولا يراه صالحا لربه. فهو - مع إحسانه - معتذر في إحسانه. ولذلك مدح الله أولياءه بالوجل منه مع إحسانهم بقوله: والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة [المؤمنون: 60] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: هو الرجل يصوم ويتصدق. ويخاف أن لا يقبل منه فإذا خاف فهو بالاعتذار أولى. والحامل له على هذا الاعتذار أمران: أحدهما: شهود تقصيره ونقصانه. والثاني: صدق محبته. فإن المحب الصادق يتقرب إلى محبوبه بغاية إمكانه. وهو معتذر إليه مستحي منه: أن يواجهه بما واجهه به. وهو يرى أن قدره فوقه وأجل منه. وهذا مشاهد في محبة المخلوقين. القاعدة الثانية: استعظام كل ما يصدر منه سبحانه إليك والاعتراف بأنه يوجب الشكر عليك وأنك عاجز عن شكره. ولا يتبين هذا إلا في المحبة الصادقة. فإن المحب يستكثر من محبوبه كل ما يناله. فإذا ذكره بشيء وأعطاه إياه: كان سروره بذكره له وتأهيله لعطائه: أعظم عنده من سروره بذلك العطاء بل يغيب بسروره بذكره له عن سروره بالعطية. وإن كان المحب يسره ذكر محبوبه له وإن ناله بمساءة. كما قال القائل:(2\/308)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "802",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13799",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرني أني خطرت ببالكا فكيف إذا ناله محبوبه بمسرة - وإن دقت - فإنه لا يراها إلا جليلة خطيرة. فكيف هذا مع الرب تعالى الذي لا يأتي أبدا إلا بالخير ويستحيل خلاف ذلك في حقه. كما يستحيل عليه خلاف كماله. وقد أفصح أعرف الخلق بربه عن هذا بقوله: والشر ليس إليك أي لا يضاف إليك. ولا ينسب إليك. ولا يصدر منك. فإن أسماءه كلها حسنى وصفاته كلها كمال وأفعاله كلها فضل وعدل وحكمة ورحمة ومصلحة. فبأي وجه ينسب الشر إليه سبحانه وتعالى فكل ما يأتي منه فله عليه الحمد والشكر. وله فيه النعمة والفضل. قوله: وأن لا يرى من الوفاء بدا. يعني: أن معاملتك للحق سبحانه بمقتضى الاعتذار من كل ما منك والشكر على ما منه - عقد مع الله تعالى لازم لك أبدا لا ترى من الوفاء به بدا. فليس ذلك بأمر عارض وحال يحول. بل عقد لازم عليك الوفاء به إلى يوم القيامة.  [فصل الدرجة الثالثة التخلق بتصفية الخلق] فصل قال الدرجة الثالثة: التخلق بتصفية الخلق. ثم الصعود عن تفرقة التخلق. ثم التخلق بمجاوزة الأخلاق. هذه الدرجة ثلاثة أشياء. أحدها: تصفية الخلق بتكميل ما ذكر في الدرجتين قبله. فيصفيه من كل شائبة وقذى ومشوش. فإذا فعلت ذلك صعدت من تفرقته إلى جمعيتك على الله. فإن التخلق والتصوف تهذيب واستعداد للجمعية. وإنما سماه تفرقة: لأنه اشتغال بالغير. والسلوك يقتضي الإقبال بالكلية والاشتغال بالرب وحده عما سواه. ثم يصعد إلى ما فوق ذلك. وهو مجاوزة الأخلاق كلها بأن يغيب عن الخلق والتخلق. وهذه الغيبة لها مرتبتان عندهم. إحداهما: الاشتغال بالله عز وجل عن كل ما سواه. والثانية: الفناء في الفردانية التي يسمونها حضرة الجمع وهي أعلى الغايات(2\/309)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "803",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13800",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عندهم. وهي موهبية لا كسبية. لكن العبد إذا تعرض وصدق في الطلب: رجي له الظفر بمطلوبه. والله أعلم.  [فصل مدار حسن الخلق مع الحق] فصل ومدار حسن الخلق مع الحق ومع الخلق: على حرفين. ذكرهما عبد القادر الكيلاني فقال: كن مع الحق بلا خلق. ومع الخلق بلا نفس. فتأمل. ما أجل هاتين الكلمتين مع اختصارهما وما أجمعهما لقواعد السلوك ولكل خلق جميل وفساد الخلق إنما ينشأ من توسط الخلق بينك وبين الله تعالى. وتوسط النفس بينك وبين خلقه. فمتى عزلت الخلق - حال كونك مع الله تعالى - وعزلت النفس - حال كونك مع الخلق - فقد فزت بكل ما أشار إليه القوم. وشمروا إليه. وحاموا حوله. والله المستعان.  [فصل منزلة التواضع] [التواضع في الكتاب والسنة] فصل منزلة التواضع ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة التواضع قال الله تعالى: وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا [الفرقان: 63] أي سكينة ووقارا متواضعين غير أشرين ولا مرحين ولا متكبرين. قال الحسن: علماء حلماء. وقال محمد بن الحنفية: أصحاب وقار وعفة لا يسفهون. وإن سفه عليهم حلموا. والهون بالفتح في اللغة: الرفق واللين. والهون بالضم: الهوان. فالمفتوح منه: صفة أهل الإيمان. والمضموم: صفة أهل الكفران. وجزاؤهم من الله النيران. وقال تعالى: ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين [المائدة: 54] . لما كان الذل منهم ذل رحمة وعطف وشفقة وإخبات عداه بأداة على تضمينا لمعاني هذه الأفعال. فإنه لم يرد به ذل الهوان الذي صاحبه ذليل. وإنما هو ذل اللين والانقياد الذي صاحبه ذلول فالمؤمن ذلول. كما في الحديث المؤمن كالجمل الذلول. والمنافق(2\/310)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "804",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13801",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والفاسق ذليل وأربعة يعشقهم الذل أشد العشق: الكذاب. والنمام. والبخيل. والجبار. وقوله: أعزة على الكافرين [المائدة: 54] هو من عزة القوة والمنعة والغلبة. قال عطاء رضي الله عنه: للمؤمنين كالوالد لولده. وعلى الكافرين كالسبع على فريسته. كما قال في الآية الأخرى أشداء على الكفار رحماء بينهم [الفتح: 29] وهذا عكس حال من قيل فيهم: كبرا علينا وجبنا عن عدوكم ... لبئست الخلتان: الكبر والجبن وفي صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أوحى إلي: أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد. ولا يبغي أحد على أحد . وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر . وفي الصحيحين مرفوعا ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر . وفي حديث احتجاج الجنة والنار أن النار قالت: ما لي لا يدخلني إلا الجبارون(2\/311)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "805",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13802",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمتكبرون وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم . وهو في الصحيح. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد وعن أبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله عز وجل: العزة إزاري. والكبرياء ردائي. فمن نازعني عذبته . وفي جامع الترمذي مرفوعا عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في ديوان الجبارين. فيصيبه ما أصابهم . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر على الصبيان فيسلم عليهم . وكانت الأمة تأخذ بيده صلى الله عليه وسلم. فتنطلق به حيث شاءت. وكان صلى الله عليه وسلم إذا أكل لعق أصابعه الثلاث . وكان صلى الله عليه وسلم يكون في بيته في خدمة أهله ولم يكن ينتقم لنفسه قط .(2\/312)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "806",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13803",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان صلى الله عليه وسلم يخصف نعله ويرقع ثوبه ويحلب الشاة لأهله ويعلف البعير ويأكل مع الخادم. ويجالس المساكين ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتهما ويبدأ من لقيه بالسلام ويجيب دعوة من دعاه. ولو إلى أيسر شيء . وكان صلى الله عليه وسلم هين المؤنة لين الخلق. كريم الطبع. جميل المعاشرة. طلق الوجه بساما متواضعا من غير ذلة جوادا من غير سرف رقيق القلب رحيما بكل مسلم خافض الجناح للمؤمنين لين الجانب لهم . وقال صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم بمن يحرم على النار - أو تحرم عليه النار - تحرم على كل قريب هين لين سهل رواه الترمذي. وقال: حديث حسن. وقال: لو دعيت إلى ذراع - أو كراع - لأجبت ولو أهدي إلي ذراع - أو كراع - لقبلت رواه البخاري.(2\/313)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "807",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13804",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان صلى الله عليه وسلم يعود المريض. ويشهد الجنازة. ويركب الحمار ويجيب دعوة العبد . وكان يوم قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه إكاف من ليف .  [فصل أقوال العلماء في التواضع] فصل سئل الفضيل بن عياض عن التواضع فقال: يخضع للحق وينقاد له. ويقبله ممن قاله. وقيل: التواضع أن لا ترى لنفسك قيمة. فمن رأى لنفسه قيمة فليس له في التواضع نصيب. وهذا مذهب الفضيل وغيره. وقال الجنيد بن محمد: هو خفض الجناح ولين الجانب. وقال أبو يزيد البسطامي: هو أن لا يرى لنفسه مقاما ولا حالا. ولا يرى في الخلق شرا منه. وقال ابن عطاء: هو قبول الحق ممن كان. والعز في التواضع. فمن طلبه في الكبر فهو كتطلب الماء من النار. وقال إبراهيم بن شيبان: الشرف في التواضع. والعز في التقوى. والحرية في القناعة. ويذكر عن سفيان الثوري رحمه الله أنه قال: أعز الخلق خمسة أنفس: عالم زاهد وفقيه صوفي. وغني متواضع. وفقير شاكر. وشريف سني.(2\/314)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "808",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13805",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال عروة بن الزبير رضي الله عنهما: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على عاتقه قربة ماء فقلت: يا أمير المؤمنين لا ينبغي لك هذا. فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين. دخلت نفسي نخوة. فأردت أن أكسرها. وولي أبو هريرة رضي الله عنه إمارة مرة. فكان يحمل حزمة الحطب على ظهره. ويقول: طرقوا للأمير. وركب زيد بن ثابت مرة. فدنا ابن عباس ليأخذ بركابه. فقال: مه يا ابن عم رسول الله! فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بكبرائنا. فقال: أرني يدك. فأخرجها إليه فقبلها. فقال: هكذا أمرنا نفعل بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقسم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بين الصحابة رضي الله عنهم حللا فبعث إلى معاذ حلة مثمنة. فباعها. واشترى بثمنها ستة أعبد وأعتقهم. فبلغ ذلك عمر. فبعث إليه بعد ذلك حلة دونها. فعاتبه معاذ فقال عمر: لأنك بعت الأولى. فقال معاذ: وما عليك ادفع لي نصيبي. وقد حلفت لأضربن بها رأسك فقال عمر رضي الله عنه: رأسي بين يديك. وقد يرفق الشاب بالشيخ. ومر الحسن على صبيان معهم كسر خبز. فاستضافوه. فنزل فأكل معهم ثم حملهم إلى منزله. فأطعمهم وكساهم وقال: اليد لهم. لأنهم لا يجدون شيئا غير ما أطعموني ونحن نجد أكثر منه. ويذكر أن أبا ذر رضي الله عنه عير بلالا رضي الله عنه بسواده ثم ندم. فألقى بنفسه. فحلف: لا رفعت رأسي حتى يطأ بلال خدي بقدمه. فلم يرفع رأسه حتى فعل بلال. وقال رجاء بن حيوة. قومت ثياب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه - وهو يخطب - باثني عشر درهما. وكانت قباء وعمامة وقمصا وسراويل ورداء وخفين وقلنسوة. ورأى محمد بن واسع ابنا له يمشي مشية منكرة. فقال: تدري بكم شريت أمك بثلاثمائة درهم وأبوك - لا كثر الله في المسلمين مثله - أنا. وأنت تمشي هذه المشية . وقال حمدون القصار: التواضع أن لا ترى لأحد إلى نفسك حاجة لا في الدين ولا في الدنيا. وقال إبراهيم بن أدهم: ما سررت في إسلامي إلا ثلاث مرات: كنت في سفينة وفيها رجل مضحاك. كان يقول: كنا في بلاد الترك فأخذ العلج هكذا - وكان يأخذ بشعر(2\/315)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "809",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13806",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رأسي ويهزني - لأنه لم يكن في تلك السفينة أحد أحقر مني. والأخرى: كنت عليلا في مسجد. فدخل المؤذن وقال: اخرج. فلم أطق فأخذ برجلي وجرني إلى خارج. والأخرى: كنت بالشام وعلي فرو. فنظرت فيه فلم أميز بين شعره وبين القمل لكثرته. فسرني ذلك. وفي رواية: كنت يوما جالسا. فجاء إنسان فبال علي. وقال بعضهم: رأيت في الطواف رجلا بين يديه شاكرية يمنعون الناس لأجله عن الطواف ثم رأيته بعد ذلك بمدة على جسر بغداد يسأل شيئا. فتعجبت منه. فقال لي: إني تكبرت في موضع يتواضع الناس فيه فابتلاني الله بالذل في موضع يترفع الناس فيه. وبلغ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: أن ابنا له اشترى خاتما بألف درهم. فكتب إليه عمر: بلغني أنك اشتريت فصا بألف درهم. فإذا أتاك كتابي فبع الخاتم. وأشبع به ألف بطن. واتخذ خاتما بدرهمين. واجعل فصه حديدا صينيا. واكتب عليه: رحم الله امرءا عرف قدر نفسه. والله أعلم.  [فصل ذم الكبر والحرص] فصل أول ذنب عصى الله به أبوا الثقلين: الكبر والحرص. فكان الكبر ذنب إبليس اللعين. فآل أمره إلى ما آل إليه. وذنب آدم على نبينا وعليه السلام: كان من الحرص والشهوة. فكان عاقبته التوبة والهداية وذنب إبليس حمله على الاحتجاج بالقدر والإصرار. وذنب آدم أوجب له إضافته إلى نفسه والاعتراف به والاستغفار. فأهل الكبر والإصرار والاحتجاج بالأقدار: مع شيخهم وقائدهم إلى النار إبليس. وأهل الشهوة: المستغفرون التائبون المعترفون بالذنوب الذين لا يحتجون عليها بالقدر: مع أبيهم آدم في الجنة. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول: التكبر شر من الشرك فإن المتكبر يتكبر عن عبادة الله تعالى والمشرك يعبد الله وغيره. قلت: ولذلك جعل الله النار دار المتكبرين. كما قال تعالى في سورة الزمر وفي سورة غافر ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين [غافر: 76] وفي سورة(2\/316)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "810",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13807",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النحل فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين [النحل: 29] وفي سورة تنزيل أليس في جهنم مثوى للمتكبرين [الزمر: 60] . وأخبر أن أهل الكبر والتجبر هم الذين طبع الله على قلوبهم. فقال تعالى كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار [غافر: 35] . وقال صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم الكبر بطر الحق. وغمط الناس . وقال تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به [النساء: 48] تنبيها على أنه لا يغفر الكبر الذي هو أعظم من الشرك وكما أن من تواضع لله رفعه فكذلك من تكبر عن الانقياد للحق أذله الله ووضعه وصغره وحقره. ومن تكبر عن الانقياد للحق - ولو جاءه على يد صغير أو من يبغضه أو يعاديه - فإنما تكبره على الله فإن الله هو الحق. وكلامه حق. ودينه حق. والحق صفته. ومنه وله. فإذا رده العبد وتكبر عن قبوله: فإنما رد على الله وتكبر عليه. والله أعلم.  [فصل تعريف التواضع] فصل قال صاحب quot; المنازل quot;: التواضع: أن يتواضع العبد لصولة الحق. يعني: أن يتلقى سلطان الحق بالخضوع له والذل والانقياد والدخول تحت رقه. بحيث يكون الحق متصرفا فيه تصرف المالك في مملوكه. فبهذا يحصل للعبد خلق التواضع. ولهذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم الكبر بضده. فقال الكبر بطر الحق وغمص الناس  فبطر(2\/317)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "811",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13808",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحق: رده وجحده والدفع في صدره. كدفع الصائل. وغمص الناس: احتقارهم وازدراؤهم. ومتى احتقرهم وازدراهم: دفع حقوقهم. وجحدها واستهان بها. ولما كان لصاحب الحق مقال وصولة: كانت النفوس المتكبرة لا تقر له بالصولة على تلك الصولة التي فيها ولا سيما النفوس المبطلة. فتصول على صولة الحق بكبرها وباطلها. فكان حقيقة التواضع: خضوع العبد لصولة الحق وانقياده لها. فلا يقابلها بصولته عليها.  [درجات التواضع] [الدرجة الأولى التواضع للدين] قال: وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: التواضع للدين. وهو أن لا يعارض بمعقول منقولا. ولا يتهم للدين دليلا. ولا يرى إلى الخلاف سبيلا. التواضع للدين هو الانقياد لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والاستسلام له والإذعان. وذلك بثلاثة أشياء. الأول: أن لا يعارض شيئا مما جاء به بشيء من المعارضات الأربعة السارية في العالم المسماة: بالمعقول والقياس والذوق والسياسة. فالأولى: للمنحرفين أهل الكبر من المتكلمين الذين عارضوا نصوص الوحي بمعقولاتهم الفاسدة. وقالوا: إذا تعارض العقل والنقل: قدمنا العقل. وعزلنا النقل. إما عزل تفويض وإما عزل تأويل. والثاني: للمتكبرين من المنتسبين إلى الفقه قالوا: إذا تعارض القياس والرأي والنصوص: قدمنا القياس على النص. ولم نلتفت إليه. والثالث: للمتكبرين المنحرفين من المنتسبين إلى التصوف والزهد. فإذا تعارض عندهم الذوق والأمر. قدموا الذوق والحال. ولم يعبأوا بالأمر. والرابع: للمتكبرين المنحرفين من الولاة والأمراء الجائرين. إذا تعارضت عندهم الشريعة والسياسة. قدموا السياسة. ولم يلتفتوا إلى حكم الشريعة. فهؤلاء الأربعة: هم أهل الكبر. والتواضع: التخلص من ذلك كله. الثاني: أن لا يتهم دليلا من أدلة الدين بحيث يظنه فاسد الدلالة أو ناقص الدلالة أو قاصرها أو أن غيره كان أولى منه. ومتى عرض له شيء من ذلك فليتهم فهمه وليعلم أن الآفة منه والبلية فيه كما قيل:(2\/318)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "812",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13809",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم ولكن تأخذ الأذهان منه على قدر القرائح والفهوم وهكذا الواقع في الواقع حقيقة: أنه ما اتهم أحد دليلا للدين إلا وكان المتهم هو الفاسد الذهن. المأفون في عقله وذهنه. فالآفة من الذهن العليل. لا في نفس الدليل. وإذا رأيت من أدلة الدين ما يشكل عليك وينبو فهمك عنه فاعلم أنه لعظمته وشرفه استعصى عليك وأن تحته كنزا من كنوز العلم. ولم تؤت مفتاحه بعد. هذا في حق نفسك. وأما بالنسبة إلى غيرك: فاتهم آراء الرجال على نصوص الوحي وليكن ردها أيسر شيء عليك للنصوص فما لم تفعل ذلك فلست على شيء. ولو. . ولو. . وهذا لا خلاف فيه بين العلماء. قال الشافعي قدس الله روحه: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم يحل له أن يدعها لقول أحد. الثالث: أن لا يجد إلى خلاف النص سبيلا ألبتة. لا بباطنه ولا بلسانه ولا بفعله. ولا بحاله. بل إذا أحس بشيء من الخلاف: فهو كخلاف المقدم على الزنا وشرب الخمر وقتل النفس. بل هذا الخلاف أعظم عند الله من ذلك. وهو داع إلى النفاق. وهو الذي خافه الكبار. والأئمة على نفوسهم. واعلم أن المخالف للنص - لقول متبوعه وشيخه ومقلده أو لرأيه ومعقوله وذوقه وسياسته. إن كان عند الله معذورا ولا والله ما هو بمعذور - فالمخالف لقوله لنصوص الوحي أولى بالعذر عند الله ورسوله وملائكته. والمؤمنين من عباده. فواعجبا إذا اتسع بطلان المخالفين للنصوص لعذر من خالفها تقليدا أو تأويلا أو لغير ذلك. فكيف ضاق عن عذر من خالف أقوالهم وأقوال شيوخهم. لأجل موافقة النصوص وكيف نصبوا له الحبائل. وبغوه الغوائل. ورموه بالعظائم. وجعلوه أسوأ حالا من أرباب الجرائم فرموه بدائهم وانسلوا منه لواذا. وقذفوه بمصابهم. وجعلوا تعظيم المتبوعين ملاذا لهم ومعاذا. والله أعلم.  فصل(2\/319)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "813",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13810",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: ولا يصح ذلك إلا بأن يعلم: أن النجاة في البصيرة والاستقامة بعد الثقة. وأن البينة وراء الحجة. يقول: إن ما ذكرناه من التواضع للدين بهذه الأمور الثلاثة: الأولى: علمه أن النجاة من الشقاء والضلال: إنما هي في البصيرة. فمن لا بصيرة له: فهو من أهل الضلال في الدنيا. والشقاء في الآخرة. والبصيرة نور يجعله الله في عين القلب يفرق به العبد بين الحق والباطل ونسبته إلى القلب: كنسبة ضوء العين إلى العين. وهذه البصيرة وهبية وكسبية. فمن أدار النظر في أعلام الحق وأدلته وتجرد لله من هواه: استنارت بصيرته. ورزق فرقانا يفرق به بين الحق والباطل. الثاني: أن يعلم أن الاستقامة إنما تكون بعد الثقة أي لا يتصور حصول الاستقامة في القول والعمل والحال إلا بعد الثقة بصحة ما معه من العلم. وأنه مقتبس من مشكاة النبوة. ومن لم يكن كذلك فلا ثقة له ولا استقامة. الثالث: أن يعلم أن البينة وراء الحجة. والبينة مراده بها: استبانة الحق وظهوره. وهذا إنما يكون بعد الحجة إذا قامت استبان الحق وظهر واتضح. وفيه معنى آخر. وهو: أن العبد إذا قبل حجة الله بمحض الإيمان والتسليم والانقياد: كان هذا القبول هو سبب تبينها وظهورها وانكشافها لقلبه. فلا يصبر على بينة ربه إلا بعد قبول حجته. وفيه معنى آخر أيضا: أنه لا يتبين له عيب عمله من صحته إلا بعد العلم الذي هو حجة الله على العبد. فإذا عرف الحجة اتضح له بها ما كان مشكلا عليه من علومه وما كان معيبا من أعماله. وفيه معنى آخر أيضا: وهو أن يكون quot; وراء quot; بمعنى أمام. والمعنى: أن الحجة إنما تحصل للعبد بعد تبينها. فإذا لم تتبين له لم تكن له حجة. يعني فلا يقنع من الحجة بمجرد حصولها بلا تبين. فإن التبين أمام الحجة. والله أعلم.(2\/320)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "814",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13811",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الدرجة الثانية أن ترضى بما رضي الحق به لنفسه] فصل قال الدرجة الثانية: أن ترضى بما رضي الحق به لنفسه عبدا من المسلمين أخا. وأن لا ترد على عدوك حقا. وأن تقبل من المعتذر معاذيره. يقول: إذا كان الله قد رضي أخاك المسلم لنفسه عبدا. أفلا ترضى أنت به أخا فعدم رضاك به أخا - وقد رضيه سيدك الذي أنت عبده عبدا لنفسه - عين الكبر. وأي قبيح أقبح من تكبر العبد على عبد مثله لا يرضى بأخوته. وسيده راض بعبوديته . فيجيء من هذا: أن المتكبر غير راض بعبودية سيده. إذ عبوديته توجب رضاه بأخوة عبده. وهذا شأن عبيد الملوك. فإنهم يرون بعضهم خشداشية بعض. ومن ترفع منهم عن ذلك: لم يكن من عبيد أستاذهم. قوله: وأن لا ترد على عدوك حقا. أي لا تصح لك درجة التواضع حتى تقبل الحق ممن تحب وممن تبغض فتقبله من عدوك كما تقبله من وليك. وإذا لم ترد عليه حقه فكيف تمنعه حقا له قبلك بل حقيقة التواضع أنه إذا جاءك قبلته منه. وإذا كان له عليك حق أديته إليه. فلا تمنعك عداوته من قبول حقه ولا من إيتائه إياه. وأما قبولك من المعتذر معاذيره. فمعناه: أن من أساء إليك. ثم جاء يعتذر من إساءته فإن التواضع يوجب عليك قبول معذرته حقا كانت أو باطلا. وتكل سريرته إلى الله تعالى. كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين الذين تخلفوا عنه في الغزو. فلما قدم جاءوا يعتذرون إليه. فقبل أعذارهم. ووكل سرائرهم إلى الله تعالى. وعلامة الكرم والتواضع: أنك إذا رأيت الخلل في عذره لا توقفه عليه ولا تحاجه. وقل: يمكن أن يكون الأمر كما تقول. ولو قضي شيء لكان والمقدور لا مدفع له. ونحو ذلك.  [فصل الدرجة الثالثة أن تتضع للحق] فصل قال الدرجة الثالثة: أن تتضع للحق. فتنزل عن رأيك وعوائدك في الخدمة(2\/321)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "815",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13812",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورؤية حقك في الصحبة. وعن رسمك في المشاهدة. بقول التواضع بأن تخدم الحق سبحانه. وتعبده بما أمرك به على مقتضى أمره. لا على ما تراه من رأيك. ولا يكون الباعث لك داعي العادة. كما هو باعث من لا بصيرة له غير أنه اعتاد أمرا فجرى عليه. ولو اعتاد ضده لكان كذلك. وحاصله: أنه لا يكون باعثه على العبودية مجرد رأي وموافقة هوى ومحبة وعادة. بل الباعث مجرد الأمر. والرأي والمحبة والهوى والعوائد: منفذة تابعة. لا أنها مطاعة باعثة. وهذه نكتة لا يتنبه لها إلا أهل البصائر. وأما نزوله عن رؤية حقه في الصحبة. فمعناه: أن لا يرى لنفسه حقا على الله لأجل عمله. فإن صحبته مع الله بالعبودية والفقر المحض والذل والانكسار. فمتى رأى لنفسه عليه حقا فسدت الصحبة. وصارت معلولة وخيف منها المقت. ولا ينافي هذا ما أحقه سبحانه على نفسه من إثابة عابديه وإكرامهم. فإن ذلك حق أحقه على نفسه بمحض كرمه وبره وجوده وإحسانه. لا باستحقاق العبيد وأنهم أوجبوه عليه بأعمالهم. فعليك بالفرقان في هذا الموضع الذي هو مفترق الطرق. والناس فيه ثلاث فرق. فرقة رأت أن العبد أقل وأعجز من أن يوجب على ربه حقا. فقالت: لا يجب على الله شيء ألبتة. وأنكرت وجوب ما أوجب على نفسه. وفرقة رأت أنه سبحانه أوجب على نفسه أمورا لعبده. فظنت أن العبد أوجبها عليه بأعماله وأن أعماله كانت سببا لهذا الإيجاب. والفرقتان غالطتان. والفرقة الثالثة: أهل الهدى والصواب قالت: لا يستوجب العبد على الله بسعيه نجاة ولا فلاحا. ولا يدخل أحدا عمله الجنة أبدا ولا ينجيه من النار. والله تعالى - بفضله وكرمه ومحض جوده وإحسانه - أكد إحسانه وجوده وبره بأن أوجب لعبده عليه سبحانه حقا بمقتضى الوعد. فإن وعد الكريم إيجاب ولو بعسى ولعل. ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: عسى من الله واجب. ووعد اللئيم خلف. ولو اقترن به العهد والحلف. والمقصود: أن عدم رؤية العبد لنفسه حقا على الله لا ينافي ما أوجبه الله على نفسه. وجعله حقا لعبده. قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: يا معاذ أتدري ما(2\/322)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "816",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13813",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حق الله على العباد قال: الله ورسوله أعلم. قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. يا معاذ أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حقهم عليه: أن لا يعذبهم بالنار . فالرب سبحانه ما لأحد عليه حق. ولا يضيع لديه سعي. كما قيل: ما للعباد عليه حق واجب ... كلا ولا سعي لديه ضائع إن عذبوا فبعدله أو نعموا ... فبفضله وهو الكريم الواسع وأما قوله: وتنزل عن رسمك في المشاهدة. أي من جملة التواضع للحق: فناؤك عن نفسك. فإن رسمه هي نفسه. والنزول عنها: فناؤه عنها حين شهوده الحضرة. وهذا النزول يصح أن يقال كسبي باعتبار وإن كان عند القوم غير كسبي. لأنه يحصل عند التجلي. والتجلي نور. والنور يقهر الظلمة ويبطلها. والرسم عند القوم ظلمة. فهي تنفر من النور بالذات. فصار النزول عن الرسم حين التجلي ذاتيا. ووجه كونه كسبيا: أنه نتيجة المقامات الكسبية. ونتيجة الكسبي كسبي. وثمرته وإن حصلت ضرورة بالذات: لم يمتنع أن يطلق عليها كونها كسبية باعتبار السبب. والله أعلم.  [فصل منزلة الفتوة] [حقيقة الفتوة] فصل منزلة الفتوة ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الفتوة هذه المنزلة حقيقتها هي منزلة الإحسان إلى الناس. وكف الأذى عنهم. واحتمال أذاهم. فهي استعمال حسن الخلق معهم. فهي في الحقيقة نتيجة حسن الخلق واستعماله.(2\/323)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "817",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13814",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والفرق بينها وبين المروءة: أن المروءة أعم منها. فالفتوة نوع من أنواع المروءة. فإن المروءة استعمال ما يجمل ويزين مما هو مختص بالعبد أو متعد إلى غيره. وترك ما يدنس ويشين مما هو مختص أيضا به أو متعلق بغيره. والفتوة إنما هي استعمال الأخلاق الكريمة مع الخلق. فهي ثلاثة منازل: منزلة التخلق وحسن الخلق. ومنزلة الفتوة. ومنزلة المروءة. وقد تقدمت منزلة الخلق. وهذه منزلة شريفة لم تعبر عنها الشريعة باسم الفتوة بل عبرت عنها باسم مكارم الأخلاق كما في حديث يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله بعثني لأتمم مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال . وأصل الفتوة من الفتى وهو الشاب الحديث السن. قال الله تعالى عن أهل الكهف إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى [الكهف: 13] وقال عن قوم إبراهيم: إنهم قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم [الأنبياء: 60] وقال تعالى عن يوسف ودخل معه السجن فتيان - وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم [يوسف: 36 - 62] . فاسم الفتى لا يشعر بمدح ولا ذم كاسم الشاب والحدث. ولذلك لم يجئ اسم(2\/324)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "818",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13815",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفتوة في القرآن ولا في السنة ولا في لسان السلف. وإنما استعمله من بعدهم في مكارم الأخلاق. وأصلها عندهم: أن يكون العبد أبدا في أمر غيره. وأقدم من علمته تكلم في الفتوة جعفر بن محمد. ثم الفضيل بن عياض. والإمام أحمد وسهل بن عبد الله والجنيد. ثم الطائفة. فيذكر أن عفر بن محمد سئل عن الفتوة فقال للسائل: ما تقول أنت فقال: إن أعطيت شكرت. وإن منعت صبرت. فقال: الكلاب عندنا كذلك. فقال السائل: يا ابن رسول الله. فما الفتوة عندكم فقال: إن أعطينا آثرنا. وإن منعنا شكرنا. وقال الفضيل بن عياض: الفتوة: الصفح عن عثرات الإخوان. وقال الإمام أحمد رضي الله عنه - في رواية ابنه عبد الله - عنه وقد سئل عن الفتوة فقال: ترك ما تهوى لما تخشى. ولا أعلم لأحد من الأئمة الأربعة فيها سواه. وسئل الجنيد عن الفتوة فقال: لا تنافر فقيرا ولا تعارض غنيا. وقال الحارث المحاسبي: الفتوة أن تنصف ولا تنتصف. وقال عمر بن عثمان المكي: الفتوة حسن الخلق. وقال محمد بن علي الترمذي: الفتوة أن تكون خصما لربك على نفسك. وقيل: الفتوة أن لا ترى لنفسك فضلا على غيرك. وقال الدقاق: هذا الخلق لا يكون كماله إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن كل أحد يقول يوم القيامة: نفسي نفسي وهو يقول أمتي أمتي.(2\/325)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "819",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13816",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقيل: الفتوة: كسر الصنم الذي بينك وبين الله تعالى وهو نفسك. فإن الله حكى عن خليله إبراهيم عليه السلام: أنه جعل الأصنام جذاذا. فكسر الأصنام له. فالفتى من كسر صنما واحدا في الله. وقيل: الفتوة أن لا تكون خصما لأحد. يعني في حظ نفسك. وأما في حق الله فالفتوة: أن تكون خصما لكل أحد ولو كان الحبيب المصافيا. وقال الترمذي: الفتوة أن يستوي عندكم المقيم والطارئ. وقال بعضهم: الفتوة أن لا يميز بين أن يأكل عنده ولي أو كافر. وقال الجنيد أيضا: الفتوة كف الأذى وبذل الندى. وقال سهل: هي اتباع السنة. وقيل: هي الوفاء والحفاظ. وقيل: فضيلة تأتيها ولا ترى نفسك فيها. وقيل: أن لا تحتجب ممن قصدك. وقيل: أن لا تهرب إذا أقبل العافي. يعني طالب المعروف. وقيل: إظهار النعمة وإسرار المحنة. وقيل: أن لا تدخر ولا تعتذر. وقيل: تزوج رجل بامرأة. فلما دخلت عليه رأى بها الجدري. فقال: اشتكيت عيني. ثم قال: عميت. فبعد عشرين سنة ماتت. ولم تعلم أنه بصير. فقيل له في ذلك. فقال: كرهت أن يحزنها رؤيتي لما بها. فقيل له: سبقت الفتيان. وقيل: ليس من الفتوة أن تربح على صديقك. واستضاف رجل جماعة من الفتيان. فلما فرغوا من الطعام خرجت جارية تصب الماء على أيديهم. فانقبض واحد منهم. وقال: ليس من الفتوة أن تصب النسوان الماء على أيدي الرجال. فقال آخر منهم: أنا منذ سنين أدخل إلى هذه الدار. ولم أعلم أن امرأة تصب الماء على أيدينا أو رجلا. وقدم جماعة فتيان لزيارة فتى. فقال الرجل: يا غلام قدم السفرة. فلم يقدم. فقالها ثانيا وثالثا فلم يقدم. فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: ليس من الفتوة أن يستخدم الرجل من يتعاصى عليه في تقديم السفرة كل هذا. فقال الرجل: لم أبطأت بالسفرة فقال الغلام: كان عليها نمل. فلم يكن من الأدب تقديم السفرة إلى الفتيان مع النمل. ولم يكن من الفتوة إلقاء النمل وطردهم عن الزاد. فلبثت حتى دب النمل. فقالوا: يا غلام. مثلك يخدم الفتيان. ومن الفتوة التي لا تلحق: ما يذكر أن رجلا نام من الحاج في المدينة. ففقد هميانا فيه ألف دينار. فقام فزعا. فوجد جعفر بن محمد فعلق به. وقال: أخذت همياني. فقال:(2\/326)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "820",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13817",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أي شيء كان فيه قال: ألف دينار. فأدخله داره ووزن له ألف دينار ثم إن الرجل وجد هميانه فجاء إلى جعفر معتذرا بالمال. فأبى أن يقبله منه. وقال: شيء أخرجته من يدي لا أسترده أبدا. فقال الرجل للناس: من هذا فقالوا: هذا جعفر بن محمد رضي الله عنه.  [فصل تعريف الفتوة] فصل قال صاحب quot; المنازل quot;: نكتة الفتوة: أن لا تشهد لك فضلا. ولا ترى لك حقا. يقول: قلب الفتوة وإنسان عينها: أن تفنى بشهادة نقصك وعيبك عن فضلك. وتغيب بشهادة حقوق الخلق عليك عن شهادة حقوقك عليهم. والناس في هذا مراتب. فأشرفها: أهل هذه المرتبة. وأخسها: عكسهم. وهم أهل الفناء في شهود فضائلهم عن عيوبهم. وشهود حقوقهم على الناس عن شهود حقوق الناس عليهم. وأوسطهم: من شهد هذا وهذا. فيشهد ما في العيب والكمال. ويشهد حقوق الناس عليه وحقوقه عليهم.  [درجات الفتوة] [الدرجة الأولى ترك الخصومة] قال: وهي على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: ترك الخصومة. والتغافل عن الزلة ونسيان الأذية. هذه الدرجة من باب الترك والتخلي. وهي أن لا يخاصم أحدا. فلا ينصب نفسه خصما لأحد غيرها. فهي خصمه. وهذه المنزلة أيضا ثلاث درجات. لا يخاصم بلسانه. ولا ينوي الخصومة بقلبه. ولا يخطرها على باله. هذا في حق نفسه. وأما في حق ربه: فالفتوة أن يخاصم بالله وفي الله. ويحاكم إلى الله كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعاء الاستفتاح: وبك خاصمت. وإليك حاكمت وهذه درجة فتوة العلماء الدعاة إلى الله تعالى. وأما التغافل عن الزلة فهو أنه إذا رأى من أحد زلة يوجب عليه الشرع أخذه بها:(2\/327)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "821",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13818",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أظهر أنه لم يرها لئلا يعرض صاحبها للوحشة. ويريحه من تحمل العذر. وفتوة التغافل: أرفع من فتوة الكتمان مع الرؤية. قال أبو علي الدقاق: جاءت امرأة فسألت حاتما عن مسألة فاتفق أنه خرج منها صوت في تلك الحالة. فخجلت. فقال حاتم: ارفعي صوتك. فأوهمها أنه أصم. فسرت المرأة بذلك. وقالت: إنه لم يسمع الصوت. فلقب بحاتم الأصم وهذا التغافل هو نصف الفتوة. وأما نسيان الأذية فهو بأن تنسى أذية من نالك بأذى ليصفو قلبك له. ولا تستوحش منه. قلت: وهنا نسيان آخر أيضا. وهو من الفتوة. وهو نسيان إحسانك إلى من أحسنت إليه حتى كأنه لم يصدر منك. وهذا النسيان أكمل من الأول. وفيه قيل: ينسى صنائعه والله يظهرها ... إن الجميل إذا أخفيته ظهرا  [فصل الدرجة الثانية أن تقرب من يقصيك] فصل قال: الدرجة الثانية أن تقرب من يقصيك. وتكرم من يؤذيك. وتعتذر إلى من يجني عليك سماحة لا كظما ومودة لا مصابرة. هذه الدرجة أعلى مما قبلها وأصعب. فإن الأولى: تتضمن ترك المقابلة والتغافل. وهذه تتضمن الإحسان إلى من أساء إليك ومعاملته بضد ما عاملك به. فيكون الإحسان والإساءة بينك وبينه خطتين. فخطتك: الإحسان. وخطته: الإساءة. وفي مثلها قال القائل: إذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم ونعتذر ومن أراد فهم هذه الدرجة كما ينبغي فلينظر إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مع الناس يجدها هذه بعينها. ولم يكن كمال هذه الدرجة لأحد سواه. ثم للورثة منها بحسب سهامهم من التركة. وما رأيت أحدا قط أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه.(2\/328)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "822",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13819",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما رأيته يدعو على أحد منهم قط وكان يدعو لهم. وجئت يوما مبشرا له بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوة وأذى له. فنهرني وتنكر لي واسترجع. ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم وقال: إني لكم مكانه ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه. ونحو هذا من الكلام. فسروا به ودعوا له. وعظموا هذه الحال منه. فرحمه الله ورضي عنه. وهذا مفهوم. وأما الاعتذار إلى من يجني عليك فإنه غير مفهوم في بادي الرأي إذ لم يصدر منك جناية توجب اعتذارا وغايتك: أنك لا تؤاخذه. فهل تعتذر إليه من ترك المؤاخذة. ومعنى هذا: أنك تنزل نفسك منزلة الجاني لا المجني عليه. والجاني خليق بالعذر. والذي يشهدك هذا المشهد: أنك تعلم أنه إنما سلط عليك بذنب كما قال تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير [الشورى: 30] . فإذا علمت أنك بدأت بالجناية فانتقم بالله منك على يده - كنت في الحقيقة أولى بالاعتذار. والذي يهون عليك هذا كله: مشاهدة تلك المشاهد العشرة المتقدمة. فعليك بها. فإن فيها كنوز المعرفة والبر. وقوله: سماحة لا كظما. ومودة لا مصابرة. يعني: اجعل هذه المعاملة منك صادرة عن سماحة وطيبة نفس وانشراح صدر لا عن كظم وضيق ومصابرة. فإن ذلك دليل على أن هذا ليس في خلقك. وإنما هو تكلف يوشك أن يزول ويظهر حكم الخلق صريحا فتفتضح. وليس المقصود إلا إصلاح الباطن والسر والقلب. وهذا الذي قاله الشيخ لا يمكن إلا بعد العبور على جسر المصابرة والكظم. فإذا تمكن منه أفضى به إلى هذه المنزلة بعون الله. والله أعلم.  [فصل الدرجة الثالثة أن لا تتعلق في السير بدليل] فصل قال: الدرجة الثالثة أن لا تتعلق في السير بدليل. ولا تشوب إجابتك بعوض. ولا تقف في شهودك على رسم.(2\/329)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "823",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13820",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذه ثلاثة أمور اشتملت عليها هذه الدرجة. أما عدم تعلقه في السير بدليل: فقد بين مراده به في آخر الباب إذ يقول: وفي علم الخصوص: من طلب نور الحقيقة على قدم الاستدلال لم يحل له دعوى الفتوة أبدا. وهذا موضع عظيم يحتاج إلى تبيين وتقدير. والمراد: أن السائر إلى الله يسير على قدم اليقين وطريق البصيرة والمشاهدة. فوقوفه مع الدليل: دليل على أنه لم يشم رائحة اليقين. والمراد بهذا: أن المعرفة عندهم ضرورية لا استدلالية. وهذا هو الصواب. ولهذا لم تدع الرسل قط الأمم إلى الإقرار بالصانع سبحانه وتعالى وإنما دعوهم إلى عبادته وتوحيده. وخاطبوهم خطاب من لا شبهة عنده قط في الإقرار بالله تعالى. ولا هو محتاج إلى الاستدلال عليه. ولهذا قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض [إبراهيم: 10] وكيف يصح الاستدلال على مدلول هو أظهر من دليله حتى قال بعضهم: كيف أطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء فتقيد السائر بالدليل وتوقفه عليه دليل على عدم يقينه. بل إنما يتقيد بالدليل الموصل له إلى المطلوب بعد معرفته به. فإنه يحتاج - بعد معرفته - إلى دليل يوصله إليه ويدله على طريق الوصول إليه. وهذا الدليل: هو الرسول صلى الله عليه وسلم. فهو موقوف عليه يتقيد به. لا يخطو خطوة إلا وراءه. وأيضا فالقوم يشيرون إلى الكشف ومشاهدة الحقيقة. وهذا لا يمكن طلبه بالدليل أصلا. ولا يقال: ما الدليل على حصول هذا وإنما يحصل بالسلوك في منازل السير وقطعها منزلة منزلة حتى يصل إلى المطلوب. فوصوله إليه بالسير لا بالاستدلال بخلاف وصول المستدل. فإنه إنما يصل إلى العلم ومطلوب القوم وراءه. والعلم منزلة من منازلهم - كما سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى - ولهذا يسمون أصحاب الاستدلال: أصحاب القال. وأصحاب الكشف: أصحاب الحال. والقوم عاملون على الكشف الذي يحصل نور العيان لا على العلم الذي ينال بالاستدلال والبرهان. وهذا موضع غلط واشتباه. فإن الدليل في هذا المقام شرط وكذلك العلم. وهو باب لا بد من دخوله إلى المطلوب ولا يوصل إلى المطلوب إلا من بابه كما قال تعالى:(2\/330)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "824",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13821",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأتوا البيوت من أبوابها [البقرة: 189] . ثم إنه يخاف على من لا يقف مع الدليل ما هو أعظم الأمور وأشدها خطرا. وهو الانقطاع عن الطلب بالكلية والوصول إلى مجرد الخيال والمحال. فمن خرج عن الدليل: ضل سواء السبيل. فإن قيل: تعلقه في المسير بالدليل: يفرق عليه عزمه وقلبه. فإن الدليل يفرق والمدلول يجمع. فالسالك يقصد الجمعية على المدلول. فما له ولتفرقة الدليل قيل: هذه البلية التي لأجلها أعرض من أعرض من السالكين عن العلم ونهى عنه. وجعلت علة في الطريق ووقع هذا من زمن الشيوخ القدماء العارفين فأنكروه غاية الإنكار. وتبرءوا منه ومن قائله. وأوصوا بالعلم. وأخبروا أن طريقهم مقيدة بالعلم. لا يفلح فيها من لم يتقيد بالعلم. والجنيد كان من أشد الناس مبالغة في الوصية بالعلم وحثا لأصحابه عليه. والتفرق في الدليل خير من الجمعية على الوهم والخيال. فإنه لا يعرف كون الجمعية حقا إلا بالدليل والعلم. فالدليل والعلم ضروريان للصادق. لا يستغني عنهما. نعم يقينه ونور بصيرته وكشفه: يغنيه عن كثير من الأدلة التي يتكلفها المتكلفون وأرباب القال. فإنه مشغول عنها بما هو أهم منها. وهو الغاية المطلوبة. مثاله: أن المتكلم يفني زمانه في تقرير حدوث العالم وإثبات وجود الصانع. وذلك أمر مفروغ منه عند السالك الصادق صاحب اليقين. فالذي يطلبه هذا بالاستدلال - الذي هو عرضة الشبه والأسئلة والإيرادات التي لا نهاية لها - هو كشف ويقين للسالك فتقيده في سلوكه بحال هذا المتكلم انقطاع وخروج عن الفتوة. وهذا حق لا ينازع فيه عارف فترى المتكلم يبحث في الزمان والمكان والجواهر والأعراض والأكوان وهمته مقصورة عليها لا يعدوها ليصل منها إلى المكون وعبوديته. والسالك قد جاوزها إلى جمع القلب على المكون وعبوديته بمقتضى أسمائه وصفاته. لا يلتفت إلى غيره. ولا يشتغل قلبه بسواه. فالمتكلم متفرق مشتغل في معرفة حقيقة الزمان والمكان. والعارف قد شح بالزمان أن يذهب ضائعا في غير السير إلى رب الزمان والمكان.(2\/331)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "825",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13822",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبالجملة: فصاحب هذه الدرجة لا يتعلق في سيره بدليل. ولا يمكنه السير إلا خلف الدليل وكلاهما يجتمع في حقه. فهو لا يفتقر إلى دليل على وجود المطلوب. ولا يستغني طرفة عين عن دليل يوصله إلى المطلوب. فسير الصادق على البصيرة واليقين والكشف لا على النظر والاستدلال. وأما قوله: ولا تشوب إجابتك بعوض. أي تكون إجابتك لداعي الحق خالصة إجابة محبة ورغبة وطلب للمحبوب ذاته غير مشوبة بطلب غيره من الحظوظ والأعواض فإنه متى حصل لك حصل لك كل عوض وكل حظ به وكل قسم. كما في الأثر الإلهي: ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء. وإن فتك فاتك كل شيء. وأنا أحب إليك من كل شيء . فمن أعرض عن طلب ما سوى الله ولم يشب طلبه له بعوض بل كان حبا له وإرادة خالصة لوجهه فهو في الحقيقة الذي يفوز بالأعواض والأقسام والحظوظ كلها. فإنه لما لم يجعلها غاية طلبه توفرت عليه في حصولها. وهو محمود مشكور مقرب. ولو كانت هي مطلوبة لنقصت عليه بحسب اشتغاله بطلبها وإرادتها عن طلب الرب تعالى لذاته وإرادته. فهذا قلبه ممتلئ بها والحاصل له منها: نزر يسير. والعارف ليس قلبه متعلقا بها. وقد حصلت له كلها. فالزهد فيها لا يفيتكها بل هو عين حصولها. والزهد في الله هو الذي يفيتكه ويفيتك الحظوظ. وإذا كان لك أربعة عبيد. أحدهم: يريدك ولا يريد منك بل إرادته مقصورة عليك وعلى مرضاتك. والثاني: يريد منك ولا يريدك بل إرادته مقصورة على حظوظه منك. والثالث: يريدك ويريد منك. والرابع: لا يريدك ولا يريد منك. بل هو متعلق القلب ببعض عبيدك. فله يريد. ومنه يريد. فإن آثر العبيد عندك وأحبهم إليك وأقربهم منك منزلة والمخصوص من إكرامك وعطائك بما لا يناله العبيد الثلاثة - هو الأول. هكذا نحن عند الله سواء. وأما قوله: ولا تقف في شهودك على رسم. فيعني: أن لا يكون منك نظر إلى السوى عند الشهود كما تقدم مرارا. وهذا عند القوم غير مكتسب. فإن الشهود إذا صح محا الرسوم ضرورة في نظر الشاهد. فلا حاجة إلى أن يشرط عليه عدم الوقوف عليها. والشهود الصحيح ماح لها بالذات. لكن أوله قد لا يستغني عن الكسب. ونهايته لا تقف على كسب. قال: واعلم أن من أحوج عدوه إلى شفاعة ولم يخجل من المعذرة إليه: لم يشم(2\/332)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "826",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13823",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رائحة الفتوة. يعني أن العدو متى علم أنك متألم من جهة ما نالك من الأذى منه احتاج إلى أن يعتذر إليك ويشفع إليك شافعا يزيل ما في قلبك منه. فالفتوة كل الفتوة: أن لا تحوجه إلى الشفاعة بأن لا يظهر له منك عتب ولا تغير عما كان له منك قبل معاداته. ولا تطوي عنه بشرك ولا برك. وإذا لم تخجل أنت من قيامه بين يديك مقام المعتذر لم يكن لك في الفتوة نصيب. ولا تستعظم هذا الخلق. فإن للفتيان ما هو أكبر منه. ولا تستصعبه. فإنه موجود في كثير من الشطار والعشراء الذين ليس لهم في حال المعرفة ولا في لسانها نصيب فأنت أيها العارف أولى به. قال: وفي علم الخصوص: من طلب نور الحقيقة على قدم الاستدلال: لم يحل له دعوى الفتوة أبدا. كأنه يقول: إذا لم تحوج عدوك إلى العذر والشفاعة. ولم تكلفه طلب الاستدلال على صحة عذره فكيف تحوج وليك وحبيبك إلى أن يقيم لك الدليل على التوحيد والمعرفة ولا تشير إليه حتى يقيم لك دليلا على وجوده ووحدانيته وقدرته ومشيئته فأين هذا من درجة الفتوة وهل هذا إلا خلاف الفتوة من كل وجه ولو أن رجلا دعاك إلى داره. فقلت للرسول: لا آتي معك حتى تقيم لي الدليل على وجود من أرسلك وأنه مطاع وأنه أهل أن يغشى بابه. لكنت في دعوى الفتوة زنيما. فكيف بمن وجوده ووحدانيته وقدرته وربوبيته وإلهيته - أظهر من كل دليل تطلبه فما من دليل يستدل به إلا ووحدانية الله وكماله أظهر منه. فإقرار الفطر بالرب سبحانه خالق العالم: لم يوقفها عليه موقف. ولم تحتج فيه إلى نظر واستدلال أفي الله شك فاطر السماوات والأرض [إبراهيم: 10] . فأبعد الناس من درجة الفتوة: طالب الدليل على ذلك.(2\/333)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "827",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13824",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل منزلة المروءة] [حقيقة المروءة] ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة المروءة. المروءة فعولة من لفظ المرء كالفتوة من الفتى والإنسانية من الإنسان. ولهذا كان حقيقتها: اتصاف النفس بصفات الإنسان التي فارق بها الحيوان البهيم والشيطان الرجيم. فإن في النفس ثلاثة دواع متجاذبة: داع يدعوها إلى الإنصاف بأخلاق الشيطان: من الكبر والحسد والعلو والبغي والشر والأذى والفساد والغش. وداع يدعوها إلى أخلاق الحيوان. وهو داعي الشهوة. وداع يدعوها إلى أخلاق الملك: من الإحسان والنصح والبر والعلم والطاعة. فحقيقة المروءة: بغض ذينك الداعيين وإجابة الداعي الثالث. وقلة المروءة وعدمها: هو الاسترسال مع ذينك الداعيين والتوجه لدعوتهما أين كانت. فالإنسانية والمروءة والفتوة: كلها في عصيان الداعيين وإجابة الداعي الثالث. كما قال بعض السلف: خلق الله الملائكة عقولا بلا شهوة. وخلق البهائم شهوة بلا عقول. وخلق ابن آدم وركب فيه العقل والشهوة. فمن غلب عقله شهوته: التحق بالملائكة. ومن غلبت شهوته عقله: التحق بالبهائم. ولهذا قيل في حد المروءة: إنها غلبة العقل للشهوة. وقال الفقهاء في حدها: هي استعمال ما يجمل العبد ويزينه وترك ما يدنسه ويشينه. وقيل: المروءة استعمال كل خلق حسن. واجتناب كل خلق قبيح. وحقيقة المروءة تجنب الدنايا والرذائل من الأقوال والأخلاق والأعمال. فمروءة اللسان: حلاوته وطيبه ولينه واجتناء الثمار منه بسهولة ويسر. ومروءة الخلق: سعته وبسطه للحبيب والبغيض.(2\/334)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "828",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13825",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومروءة المال: الإصابة ببذله مواقعه المحمودة عقلا وعرفا وشرعا. ومروءة الجاه: بذله للمحتاج إليه. ومروءة الإحسان: تعجيله وتيسيره وتوفيره وعدم رؤيته حال وقوعه ونسيانه بعد وقوعه. فهذه مروءة البذل. وأما مروءة الترك: فترك الخصام والمعاتبة والمطالبة والمماراة والإغضاء عن عيب ما يأخذه من حقك. وترك الاستقصاء في طلبه. والتغافل عن عثرات الناس وإشعارهم أنك لا تعلم لأحد منهم عثرة والتوقير للكبير وحفظ حرمة النظير ورعاية أدب الصغير وهي على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: مروءة المرء مع نفسه وهي أن يحملها قسرا على ما يجمل ويزين. وترك ما يدنس ويشين ليصير لها ملكة في العلانية. فمن أراد شيئا في سره وخلوته: ملكه في جهره وعلانيته. فلا يكشف عورته في الخلوة ولا يتجشأ بصوت مزعج ما وجد إلى خلافه سبيلا. ولا يخرج الريح بصوت وهو يقدر على خلافه ولا يجشع وينهم عند أكله وحده. وبالجملة: فلا يفعل خاليا ما يستحيي من فعله في الملأ إلا ما لا يحظره الشرع والعقل. ولا يكون إلا في الخلوة كالجماع والتخلي ونحو ذلك. الدرجة الثانية: المروءة مع الخلق بأن يستعمل معهم شروط الأدب والحياء والخلق الجميل ولا يظهر لهم ما يكرهه هو من غيره لنفسه. وليتخذ الناس مرآة لنفسه. فكل ما كرهه ونفر عنه من قول أو فعل أو خلق فليتجنبه. وما أحبه من ذلك واستحسنه فليفعله. وصاحب هذه البصيرة ينتفع بكل من خالطه وصاحبه من كامل وناقص وسيئ الخلق وحسنه. وعديم المروءة وغزيرها. وكثير من الناس: يتعلم المروءة ومكارم الأخلاق من الموصوفين بأضدادها كما روي عن بعض الأكابر: أنه كان له مملوك سيئ الخلق فظ غليظ لا يناسبه. فسئل عن ذلك فقال: أدرس عليه مكارم الأخلاق. وهذا يكون بمعرفة مكارم الأخلاق في ضد أخلاقه. ويكون بتمرين النفس على مصاحبته ومعاشرته والصبر عليه. الدرجة الثالثة: المروءة مع الحق سبحانه بالاستحياء من نظره إليك واطلاعه عليك في كل لحظة ونفس وإصلاح عيوب نفسك جهد الإمكان. فإنه قد اشتراها(2\/335)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "829",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13826",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منك. وأنت ساع في تسليم المبيع وتقاضي الثمن. وليس من المروءة: تسليمه على ما فيه من العيوب وتقاضي الثمن كاملا. أو رؤية منته في هذا الإصلاح وأنه هو المتولي له لا أنت. فيغنيك الحياء منه عن رسوم الطبيعة. والاشتغال بإصلاح عيوب نفسك عن التفاتك إلى عيب غيرك وشهود الحقيقة عن رؤية فعلك وصلاحك. وكل ما تقدم في منزلة الخلق والفتوة فإنه بعينه في هذه المسألة. فلذلك اقتصرنا منها على هذا القدر. وصاحب quot; المنازل quot; - رحمه الله - استغنى بما ذكر في الفتوة. والله أعلم.  [فصل منزلة البسط] [حقيقة البسط] فصل منزلة البسط ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة البسط والتخلي عن القبض. وهي منزلة شريفة لطيفة. وهي عنوان على الحال. وداعية لمحبة الخلق. وقد غلط صاحب quot; المنازل quot; حيث صدرها بقوله تعالى حاكيا عن كليمه موسى عليه الصلاة والسلام: إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء [الأعراف: 155] . وكأنه فهم من هذا الخطاب: انبساطا بين موسى وبين الله تعالى. حمله على أن قال: إن هي إلا فتنتك [الأعراف: 155] . وسمعت بعض الصوفية يقول لآخر - وهما في الطواف - لما قال: إن هي إلا فتنتك [الأعراف: 155] تدارك هذا الانبساط بالتذلل بقوله: أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين [الأعراف: 155] أو نحو من هذا الكلام. وكل هذا وهم. وفهم خلاف المقصود. فالفتنة هاهنا: هي الامتحان. والاختبار. كقوله تعالى: وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا [الأنعام: 53] وقوله: ونبلوكم بالشر والخير فتنة [الأنبياء: 35] .(2\/336)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "830",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13827",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمعنى: أن هذه الفتنة اختبار منك لعبدك وامتحان. تضل بها من تشاء. وتهدي من تشاء. فأي تعلق لهذا بالانبساط وهل هذا إلا توحيد وشهود للحكمة وسؤال للعصمة والمغفرة وليس للعارف في هذه المنزلة حظ مع الله. وإنما هي متعلقة بالخلق. وصاحب quot; المنازل quot;: جعلها ثلاث درجات. الأولى: مع الناس والثانية والثالثة: مع الله. وسنبين ما في كلامه بحول الله وقوته وتوفيقه. قال: الانبساط: إرسال السجية والتحاشي من وحشة الحشمة. السجية الطبع وجمعها سجايا يقال: سجية وخليقة وطبيعة وغريزة. وإرسالها: تركها في مجراها. والتحاشي من وحشة الحشمة. التحاشي: هو تجنب الوحشة الواقعة بينك وبين من تحبه وتخدمه. فإن مرتبته تقتضي احتشامه والحياء منه وإجلاله عن انبساطك إليه. وذلك نوع وحشة فالانبساط: إزالة تلك الوحشة لا تسقطك من عينه. بل تزيدك حبا إليه. ولا سيما إذا وقع في موقعه. قال: وهو السير مع الجبلة أي المشي مع ما جبل الله عليه العبد من الأخلاق من غير تكلف.  [درجات البسط] [الدرجة الأولى الانبساط مع الخلق] قال: وهو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: الانبساط مع الخلق. وهو أن تعتزلهم ضنا على نفسك أو شحا على حظك. وتسترسل لهم في فضلك. وتسعهم بخلقك وتدعهم يطؤونك. والعلم قائم وشهود المعنى دائم. يريد: لا تبخل عليهم بنفسك. فيحملك ذلك البخل على اعتزالهم. وتشح بحظك في الخلوة. وراحة العزلة: أن تذهب بمخالطتهم بل تحملك السماحة والجود والبذل على أن تترك ذلك لراحة إخوانك بك وانتفاعهم بمجالستك. فتتكرم عليهم بحظك في عزلتك وخلوتك وتؤثرهم به على نفسك. وهذا من الفتوة. والمروءة والتخلق ضد من أضدادها. قوله: وتسترسل لهم من فضلك. يعني: إذا استرسلت معهم ولم تجذب عنهم عنانك: نالوا من فضلك. فيكون استرسالك سببا لنيلهم لفضلك وقبض العنان سببا للحرمان.(2\/337)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "831",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13828",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتسعهم بخلقك باحتمال ما يبدو منهم من سوء العشرة فخذ منهم ما أمر الله نبيه أن يأخذه من أخلاق الناس. وهو العفو. وتدعهم يطؤونك أي يدوسونك من لينك وتواضعك وخفض جناحك بحيث لا تترك لنفسك بينهم رتبة تتقاضاهم أن يحترموك لأجلها. هذا معنى كلامه. قوله: والعلم قائم. وشهود المعنى دائم. أما قيام العلم: فهو أن يكون هذا الاسترسال موافقا للشرع غير مخرج عن حدوده وآدابه بحيث لا تحملهم على تعدي حدود الله وتضييع حقه وحقوق عباده. وأما دوام شهود المعنى فهو حفظ حالك وقلبك مع الله ودوام إقبالك عليه بقلبك كله. فأنت معهم مسترسل بشبحك ورسمك وصورتك فقط. ومفارقتهم بقلبك وسرك مشاهدا للمعنى الذي به حياتك. فإذا فارقته كنت كالحوت إذا فارق الماء. فإن هذا المعنى هو حياة القلب والروح. فإذا فات العبد علته الكآبة وغمره الهم والغم والأحزان وتلون في أفعاله وأقواله. وتاه قلبه في الأودية والشعاب. وفقد نعيم الدنيا والآخرة. وهذا هو الذي أشار إليه يحيى الصرصري في قوله: إذا صار قلب العبد للسر معدنا تلوح على أعطافه بهجة السنا وإن فاته المعنى علته كآبة فأصبح في أفعاله متلونا فمتى كان شهود هذا المعنى قائما في قلبك: لا يضرك مخالطة من لا تسلبك إياه مخالطته والانبساط إليه.  [فصل الدرجة الثانية الانبساط مع الحق] فصل قال: الدرجة الثانية: الانبساط مع الحق. وهو أن لا يحبسك خوف ولا يحجبك رجاء. ولا يحول بينك وبينه آدم ولا حواء.(2\/338)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "832",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13829",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يريد: أن لا يمنعك عن الانبساط إليه خوف. فإن مقام الخوف لا يجامع مقام الانبساط. والخوف من أحكام اسم القابض والانبساط من أحكام اسم الباسط. والبسط عندهم: من مشاهدة أوصاف الجمال والإحسان والتودد والرحمة. والقبض من مشاهدة أوصاف الجلال والعظمة والكبرياء والعدل والانتقام. وبعضهم يجعل الخوف من منازل العامة. والانبساط من منازل الخاصة. إذ الانبساط لا يكون إلا للعارفين أرباب التجليات. وليس في حق هؤلاء خوف. وأما قوله: ولا يحجبك رجاء فلأن الراجي لطلبه حاجته تحتاج إلى التملق والتذلل. فيحجبه رجاؤه وطمعه فيما يناله من المعظم عن انبساطه. كالسائل للغني. فإن سؤاله وطمعه يمنعه من انبساطه إليه. فإذا غاب عن ذلك انبسط. وقوله: ولا يحول بينك وبينه آدم ولا حواء. استعارة. والمعنى: أنك تراه أقرب إليك من أبيك وأمك وأرحم بك منهما وأشفق عليك. فلا توسط بينك وبينه أبا خرجت من صلبه ولا أما ركضت في رحمها. وفيه معنى آخر. وهو الإشارة إلى أنك تشاهد خلقه لك بلا واسطة. كما خلق آدم وحواء. فتشاهد خلقه لك بيده ونفخه فيك من روحه. وإسجاد ملائكته لك. وإبعاد إبليس حيث لم يسجد لك. وأنت في صلب أبيك آدم. وهذا يوجب لك شهود الانطواء عن الانبساط. وهو رحب الهمة لانطواء انبساط العبد في بسط الحق جل جلاله. ومعنى هذا: أن لا يرى العبد لنفسه انبساطا ولا انقباضا. بل ينطوي انبساطه ويضمحل في صفة البسط التي للحق جل جلاله. وهذا شهود معنى اسم الباسط عز وجل. فهذا تقدير كلامه على أن فيه مقبولا ومردودا. ولا معنى لتعلق هذه الصفة بالرب تعالى ألبتة وأما تعلقها بالخلق: فصحيح. نعم هاهنا مقام اشتباه وفرق. وهو أن المحب الصادق: لا بد أن يقارنه أحيانا فرح بمحبوبه. ويشتد فرحه به. ويرى مواقع لطفه به وبره به وإحسانه إليه وحسن دفاعه عنه والتلطف في إيصاله المنافع والمسار والمبار إليه بكل طريق ودفع المضار والمكاره عنه(2\/339)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "833",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13830",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بكل طريق. وكلما فتش عن ذلك اطلع منه على أمور عجيبة. لا يقف وهمه ومقتبسه لها على غاية. بل ما خفي عنه منها أعظم. فيداخله من شهود هذه الحالة نوع إدلال وانبساط. وشهود نفسه في منزلة المراد المحبوب. ولا يسلم من آفات ذلك إلا خواص العارفين. وصاحب هذا المقام نهايته: أن يكون معذورا وما يبدو منه من أحكامه بالشطحات أليق منه بأحكام العبودية. ولم يكن لأحد من البشر في منزلة القرب والكرامة والحظوة والجاه ما لرسول الله صلى الله عليه وسلم من ربه تبارك وتعالى. وكان أشد الخلق لله خشية وتعظيما وإجلالا. وحاله كلها مع الله تشهد بتكميل العبودية. وأين درجة الانبساط من المخلوق من التراب إلى الانبساط مع رب الأرباب نعم لا ينكر فرح القلب بالرب تعالى وسروره به وابتهاجه وقرة عينه ونعيمه بحبه والشوق إلى لقائه: إلا كثيف الحجاب حجري الطباع. فلا بهذا الميعان. ولا بذاك الجمود والقسوة. وبهذا ومثله طرق المتأخرون من القوم السبيل إليهم. وفتحوا للمقالة فيهم بابا فالعبد الخائف الوجل المشفق الذليل بين يدي الله عز وجل المنكس الرأس بين يديه الذي لا يرضى لربه شيئا من عمله: هو أحوج شيء إلى عفوه ورحمته. ولا يرى نفسه في نعمته إلا طفيليا. ولا يرى نفسه محسنا قط. وإن صدر منه إحسان: علم أنه ليس من نفسه ولا بها ولا فيها. وإنما هو محض منة الله عليه وصدقته عليه. فما لهذا والانبساط نعم انبساطه انبساط فرح وسرور ورضا وابتهاج. فإن كان المراد بالانبساط هذا: فلا ننكره. لكنه غير الاسترسال المذكور والاستشهاد عليه بالآية يبين مراده. والله أعلم.(2\/340)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "834",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13831",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل منزلة العزم] [أنواع العزم] ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة العزم وقد ذكرنا في أول الكتاب أنه نوعان. أحدهما: عزم المريد على الدخول في الطريق. وهو بداية. والثاني: عزم السالك. وهو مقام ذكره صاحب quot; المنازل quot; في وسط كتابه في قسم الأصول فقال: هو تحقيق القصد طوعا أو كرها. أما قوله: تحقيق القصد فهو أن يكون قصده محققا. لا يشوبه شيء من التردد. وأما تقسيمه هذا التحقيق إلى طوع وكره: فصحيح. فإن المختار: تحقيق قصده طوعا. وأما المكره: فتحقيق قصده كرها. فإنه إذا أكره على فعل وعزم عليه: قد حقق قصده كرها لا طوعا. واختلف الفقهاء والأصوليون في المكره: هل يسمى مختارا أم لا . وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول: التحقيق أنه محمول على الاختيار. فله اختيار في الفعل. وبه صح وقوعه. فإنه لولا إرادته واختياره: لما وقع الفعل. ولكنه محمول على أن هذه الإرادة والاختيار ليست من قبله. فهو مختار باعتبار أن حقيقة الإرادة والاختيار منه. وغير مختار باعتبار أن غيره حمله على الاختيار. ولم يكن مختارا من نفسه. هذا معنى كلامه.(2\/341)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "835",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13832",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[درجات العزم] [الدرجة الأولى إباء الحال على العلم] قال وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: إباء الحال على العلم لشيم برق الكشف واستدامة نور الأنس والإجابة لإماتة الهوى. يريد ب quot; إباء الحال على العلم quot;: استعصاؤه عليه وأن صاحب الحال: تأبى عليه حاله أن ينزل منه إلى درجة العلم ويصعب عليه ذلك كل الصعوبة. وهو انحطاط في رتبته. ولا يريد امتناع الحال عن طاعة العلم وتحكيمه. فإن هذا انحلال وانسلاخ من الطريق بالكلية. فكل حال لا يطيع العلم ولا يحكمه فهو حال فاسد مبعد عن الله. لكن من وصل إلى حال العلم يحجبه حاله أن ينزل إلى درجة العلم. وينحط إليها بلا حال. فإن كان مراده هذا المعنى: فهو صحيح وإن كان مراده: امتناع الحال عن طاعة العلم لأن العلم يدعو إلى أحكام الغيبة والحجاب. والحال يدعو إلى أنس الكشف والحضور. فصاحب الحال لا يلتفت إلى العلم - فباطل. فإن العلم شرط في الحال تستحيل معرفة صحته بدونه. نعم لا ينكر حصوله بدون العلم. لكن صاحبه على غير بصيرة ولا وثوق به. وشيم برق الكشف هو النظر إليه على بعد. فإن صاحب الحال: عامل على شيم برق الكشف. لأن شيم برق الكشف: يوجب نورا يأنس به القلب. فعزيمة صاحبه: على استدامته وحفظه. وأما الإجابة لإماتة الهوى. فهو أن السالك إذا أشرف على الكشف: أحس بحالة شبيهة بالموت حتى إن منهم من يسقط إلى الأرض. ويظن ذلك موتا. وهذه الحال من مبادئ الفناء فتهوى نفسه العود إلى الحجاب خوفا من الانعدام لما جبلت عليه النفس البشرية من كراهة الموت. فإذا حصل العزم أميت هذا الهوى ولم يلتفت إليه رغبة فيما يطلبه من الفناء في الفردانية. فإن الحقيقة لا تبدأ إلا بعد فناء البشرية. هذا الذي قاله حق. لا ينكره إلا من لم يذقه. وإنما الكلام في مرتبته وأنه غاية أو توسط أو لازم أو عارض .(2\/342)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "836",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13833",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فشيخنا - رحمه الله - كان يرى أنه عارض من عوارض الطريق لا يعرض للكل. ومن السالكين من لم يعرض له ألبتة. ومن الناس من يراه لازما للطريق لا بد منه. ومن الناس من يراه غاية لا شيء فوقه. ومنهم من يراه توسطا. وفوقه ما هو أجل منه وأرفع. وهو حالة البقاء. والله أعلم.  [فصل الدرجة الثانية الاستغراق في لوائح المشاهدة] فصل قال: الدرجة الثانية الاستغراق في لوائح المشاهدة. واستنارة ضياء الطريق واستجماع قوى الاستقامة. هذه ثلاثة أشياء. أحدها: فقدان الإحساس بغيره. لاستغراقه في مشاهدته. الثاني: استنارة ضياء الطريق. يعني ظهور الجادة له ووضوحها. واتصالها بمطلوبه. وهذا كمن هو سائر إلى مدينة. فإذا شارفها ورآها: رأى الطريق حينئذ واضحة إليها واستنار له ضياؤها واتصالها بالمدينة وكان قبل مشاهدة المدينة على علم - أو ظن - يجوز معه أن يضيع عن باب المدينة. وأما الآن: فقد أمن من أن يضيع عن الباب. وكذلك هذا السالك: قد انقطعت عنه الموانع واستبان له الطريق. وأيقن بالوصول. وصارت حاله حال معاين باب المدينة من حين يقع بصره عليه. وكحال معاين الشفق الأحمر قرب طلوع الشمس حيث تيقن أن الشمس بعده. قوله: واستجماع قوى الاستقامة. يعني: تستجمع له قوى الظاهر والباطن على قصد الوصول والعزم عليه لمشاهدته ما هو سائر إليه. وهكذا عادة المسافر: أنه إذا عاين القرية التي يريد دخولها أسرع السير وبذل الجهد. وكذلك المسابق إذا عاين الغاية: استفرغ قوى جريه وسوقه. وكذلك الصادق في آخر عمره: أقوى عزما وقصدا من أوله لقربه من الغاية التي يجري إليها. والله أعلم.  [الدرجة الثالثة معرفة العزم على التخلص من العزم] قال: الدرجة الثالثة: معرفة العزم على التخلص من العزم. ثم الخلاص من(2\/343)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "837",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13834",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تكاليف ترك العزم. فإن العزائم لم تورث أربابها ميراثا أكرم من وقوفهم على علل العزائم. معرفة علة العزم هي نسبته إلى نفسه. فإذا عرف أن العزم مجرد فضل الله وإيثاره وتوفيقه وأنه ليس من العبد: فنسبته إياه بعد ذلك إلى نفسه علة قادحة فيه. فإذا لاح له لائح الكشف. وشهد توحيد الفضل علم حينئذ علة عزمه. وهو نسبته إياه إلى نفسه ورؤيته له. فإذا عرف هذه العلة عزم على التخلص منها بالعزم على التخلص من العزم. وهذا قد يسبق منه إلى الذهن تناقض وتدافع. فكيف يتخلص من العزم بالعزم . ومراده: أن يعزم على التخلص من العزم المنسوب إليه بالعزم الذي هو مجرد فضل الله وموهبته. ولا تناقض حينئذ. فيتخلص من العزم بالعزم كما ينازع القدر بالقدر. وأما الخلاص من ترك تكاليف العزم. فهو أنه إذا تخلص من هذا العزم وتركه: بقيت عليه بقية. وهي رؤيته أنه قد ترك. فعليه التخلص من رؤية هذا الترك. فهو يطلب الآن الخلاص من رؤية ترك العزم. كما كان يطلب ترك العزم. قوله: فإن العزائم لم تورث أربابها ميراثا أكرم من وقوفهم على علل العزائم. مدار علل العزائم: على ثلاثة أشياء. أحدها: فتورها وضعفها. الثاني: عدم تجردها من الأغراض وشوائب الحظوظ. الثالث: رؤية العزائم وشهودها ونسبتها إلى أنفسهم. فإذا عرف هذه الثلاثة: عرف علل العزائم. والله المستعان. وهو سبحانه وتعالى أعلم.(2\/344)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "838",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13835",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل منزلة الإرادة] [حقيقة الإرادة] ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الإرادة قال الله تعالى: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه [الأنعام: 52] وقال تعالى: وما لأحد عنده من نعمة تجزى - إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى - ولسوف يرضى [الليل: 19 - 21] . وقال تعالى: وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما [الأحزاب: 29] . وقد أشكل على المتكلمين تعلق الإرادة بالله. وكون وجهه تعالى مرادا. قالوا: الإرادة لا تتعلق إلا بالحادث. وأما بالقديم: فلا لأن القديم لا يراد. وأولوا الإرادة المتعلقة به بإرادة التقرب إليه. ثم إنه لا يتصور عندهم التقرب إليه. فأولوا ذلك بإرادة طاعته الموجبة لجزائه. هذا حاصل ما عندهم. وحجابهم في هذا الباب غليظ كثيف من أغلظ الحجب وأكثفها. ولهذا تجدهم أهل قسوة. ولا تجد عليهم روح السلوك ولا بهجة المحبة. والطلب والإرادة عند أرباب السلوك: هي التجرد عن الإرادة. فلا تصح عندهم الإرادة إلا لمن لا إرادة له. ولا تظن أن هذا تناقض. بل هو محض الحق. واتفاق كلمة القوم عليه. وقد تنوعت عبارات القوم عنها. وغالبهم يخبر عنها بأنها ترك العادة. ومعنى هذا: أن عادة الناس غالبا التعريج على أوطان الغفلة وإجابة داعي الشهوة والإخلاد إلى أرض الطبيعة. والمريد منسلخ عن ذلك. فصار خروجه عنه: أمارة ودلالة على صحة الإرادة. فسمي انسلاخه وتركه إرادة. وقيل: نهوض القلب في طلب الحق.(2\/345)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "839",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13836",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويقال: لوعة تهون كل روعة. قال الدقاق: الإرادة لوعة في الفؤاد لذعة في القلب غرام في الضمير انزعاج في الباطن نيران تأجج في القلوب. وقيل: من صفات المريد: التحبب إلى الله بالنوافل والإخلاص في نصيحة الأمة والأنس بالخلوة والصبر على مقاساة الأحكام والإيثار لأمره والحياء من نظره وبذل المجهود في محبوبه. والتعرض لكل سبب يوصل إليه. والقناعة بالخمول. وعدم قرار القلب حتى يصل إلى وليه ومعبوده. وقال حاتم الأصم: إذا رأيت المريد يريد غير مراده فاعلم أنه أظهر نذالته. وقيل: من حكم المريد: أن يكون نومه غلبة وأكله فاقة وكلامه ضرورة. وقال بعضهم: نهاية الإرادة: أن تشير إلى الله. فتجده مع الإشارة. فقيل له: وأين تستوعبه الإشارة فقال: أن تجد الله بلا إشارة. وهذا كلام متين. فإن المراتب ثلاثة: أعلاها: أن يكون واجدا لله في كل وقت. لا يتوقف وجوده له على الإشارة منه ولا من غيره. الثاني: أن يكون له ملكة وحال وإرادة تامة بحيث إنه متى أشير له إلى الله وجده عند إشارة المشير. الثالث: أن لا يكون كذلك ويتكلف وجدانه عند الإشارة إليه. فالمرتبة الأولى: للمقربين السابقين. والوسطى: للأبرار المقتصدين. والثالثة: للغافلين. وقال أبو عثمان الحيري: من لم تصح إرادته ابتداء فإنه لا يزيده مرور الأيام عليه إلا إدبارا. وقال: المريد إذا سمع شيئا من علوم القوم فعمل به: صار حكمة في قلبه إلى آخر عمره ينتفع به. وإذا تكلم انتفع به من سمعه. ومن سمع شيئا من علومهم ولم يعمل به كان حكاية يحفظها أياما ثم ينساها. وقال الواسطي: أول مقام المريد: إرادة الحق بإسقاط إرادته. وقال يحيى بن معاذ: أشد شيء على المريد: معاشرة الأضداد. وسئل الجنيد: ما للمريد حظ في مجازات الحكايات فقال: الحكايات جند من جند الله يثبت الله بها قلوب المريدين. ثم قرأ قوله تعالى: وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك [هود: 120] .(2\/346)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "840",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13837",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد ذكر عن الجنيد كلمتان في الإرادة مجملتان. تحتاج كل منهما إلى تفسير. الكلمة الواحدة: قال أبو عبد الرحمن السلمي: سمعت محمد بن مخلد يقول: سمعت جعفرا يقول: سمعت الجنيد يقول: المريد الصادق غني من العلماء. وقال أيضا: سمعت الجنيد يقول: إذا أراد الله بالمريد خيرا: أوقعه إلى الصوفية. ومنعه صحبة القراء. قلت: إذا صدق المريد وصح عقد صدقه مع الله: فتح الله على قلبه ببركة الصدق وحسن المعاملة مع الله: ما يغنيه عن العلوم التي هي نتائج أفكار الناس وآرائهم. وعن العلوم التي هي فضلة ليست من زاد القبر. وعن كثير من إشارات الصوفية وعلومهم التي أفنوا فيها أعمارهم: من معرفة النفس وآفاتها وعيوبها ومعرفة مفسدات الأعمال وأحكام السلوك. فإن حال صدقه وصحة طلبه: يريه ذلك كله بالفعل. ومثال ذلك: رجل قاعد في البلد يدأب ليله ونهاره في علم منازل الطريق وعقباتها وأوديتها ومواضع المتاهات فيها والموارد والمفاوز. وآخر: حمله الوجد وصدق الإرادة على أن ركب الطريق وسار فيها. فصدقه يغنيه عن علم ذلك القاعد ويريه إياها في سلوكه عيانا.(2\/347)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "841",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13838",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما أن يغنيه صدق إرادته عن علم الحلال والحرام وأحكام الأمر والنهي ومعرفة العبادات وشروطها وواجباتها ومبطلاتها وعن علم أحكام الله ورسوله على ظاهره وباطنه: فقد أعاذ الله من هو دون الجنيد من ذلك فضلا عن سيد الطائفة وإمامها وإنما يقول ذلك قطاع الطريق وزنادقة الصوفية وملاحدتهم الذين لا يرون اتباع الرسول شرطا في الطريق. وأيضا فإن المريد الصادق: يفتح الله على قلبه وينوره بنور من عنده مضاف إلى ما معه من نور العلم يعرف به كثيرا من أمر دينه. فيستغني به عن كثير من علم الناس فإن العلم نور. وقلب الصادق ممتلئ بنور الصدق. ومعه نور الإيمان. والنور يهدي إلى النور. والجنيد أخبر بهذا عن حاله. وهذا أمر جزئي ليس على عمومه بل صدقه يغنيه عن كثير من العلم. وأما عن جملة العلم: فكلام أبي القاسم الثابت عنه في ضرورة الصادق إلى العلم وأنه لا يفلح من لم يكن له علم وأن طريق القوم مقيدة بالعلم وأنه لا يحل لأحد أن يتكلم في الطريق إلا بالعلم فمشهور معروف قد ذكرنا فيما مضى طرفا منه. كقوله: من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر. لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة. وأيضا فإن علم العلماء الذين أشار إليهم: هو ما فهموه واستنبطوه من القرآن والسنة. والمريد الصادق: هو الذي قرأ القرآن وحفظ السنة والله يرزقه ببركة صدقه ونور قلبه فهما في كتابه وسنة رسوله يغنيه عن تقليد فهم غيره. وأما قوله - يعني الجنيد - إذا أراد الله بالمريد خيرا: أوقعه على الصوفية. ومنعه صحبة القراء. فالقراء في لسانهم: هم أهل التنسك والتعبد سواء كانوا يقرءون القرآن أم لا فالقارئ عندهم: هو الكثير التعبد والتنسك الذي قد قصر همته على ظاهر العبادة دون أرواح المعارف. ودون حقائق الإيمان وروح المحبة وأعمال القلوب فهمتهم كلها إلى العبادة ولا خبر عندهم مما عند أهل التصوف وأرباب القلوب وأهل المعارف. ولهذا قال من قال: طريقنا تفت لا تقسر. فسير هؤلاء بالقلوب والأرواح وسير أولئك: بمجرد القوالب والأشباح وبين(2\/348)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "842",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13839",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أرواح هؤلاء وقلوبهم وأرواح هؤلاء وقلوبهم: نوع تناكر وتنافر ولا يقدر أحدهم على صحبة النوع الآخر إلا على نوع إغضاء وتحميل للطبيعة ما تأباه. وهو من جنس ما بينهم وبين ظاهرية الفقهاء من التنافر. ويسمونهم: أصحاب الرسوم. ويسمون أولئك: القراء. والطائفتان عندهم: أهل ظواهر لا أرباب حقائق. هؤلاء مع رسوم العلم. وهؤلاء مع رسوم العبادة. ثم إنهم - في أنفسهم - فريقان: صوفية وفقراء. وهم متنازعون في ترجيح الصوفية على الفقراء أو بالعكس أو هما سواء. على ثلاثة أقوال. فطائفة رجحت الصوفي. منهم كثير من أهل العراق. وعلى هذا صاحب العوارف وجعلوا نهاية الفقير: بداية الصوفي. وطائفة رجحت الفقير. وجعلوا الفقر لب التصوف وثمرته وهم كثير من أهل خراسان. وطائفة ثالثة قالوا: الفقر والتصوف شيء واحد. وهؤلاء هم أهل الشام. ولا يستقيم الحكم بين هؤلاء وهؤلاء حتى تتبين حقيقة الفقر والتصوف. وحينئذ يعلم: هل هما حقيقة واحدة أو حقيقتان ويعلم راجحهما من مرجوحهما. وسترى ذلك مبينا إن شاء الله في منزلتي الفقر والتصوف إذا انتهينا إليهما. إن ساعد الله ومن بفضله وتوفيقه. فلا حول ولا قوة إلا بالله وبه المستعان. وعليه(2\/349)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "843",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13840",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التكلان. وما شاء كان. وما لم يشأ لم يكن. والمقصود: أن المراتب عندهم ثلاثة: مرتبة التقوى وهي مرتبة التعبد والتنسك. ومرتبة التصوف وهي مرتبة التفتي بكل خلق حسن. والخروج من كل خلق ذميم. ومرتبة الفقر وهي مرتبة التجرد وقطع كل علاقة تحول بين القلب وبين الله تعالى. فهذه مراتب طلاب الآخرة. ومن عداهم: فمع القاعدين المتخلفين. فأشار أبو القاسم الجنيد إلى أن المريد لله بصدق إذا أراد الله به خيرا: أوقعه على طائفة الصوفية يهذبون أخلاقه. ويدلونه على تزكية نفسه وإزالة أخلاقها الذميمة. والاستبدال بالأخلاق الحميدة. ويعرفونه منازل الطريق ومفازاتها وقواطعها وآفاتها. وأما القراء: فيدقونه بالعبادة من الصوم والصلاة دقا. ولا يذيقونه شيئا من حلاوة أعمال القلوب وتهذيب النفوس. إذ ليس ذلك طريقهم. ولهذا بينهم وبين أرباب التصوف نوع تنافر كما تقدم. والبصير الصادق: يضرب في كل غنيمة بسهم ويعاشر كل طائفة على أحسن ما معها. ولا يتحيز إلى طائفة. وينأى عن الأخرى بالكلية: أن لا يكون معها شيء من الحق. فهذه طريقة الصادقين. ودعوى الجاهلية كامنة في النفوس. ولا أعني بذلك أصغريهم ولكني أريد به الدوينا سمع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته قائلا يقول: يا للمهاجرين وآخر يقول: يا للأنصار! فقال: ما بال دعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم . هذا وهما اسمان شريفان. سماهم الله بهما في كتابه فنهاهم عن ذلك. وأرشدهم إلى أن يتداعوا ب quot; المسلمين والمؤمنين وعباد الله quot; وهي الدعوى الجامعة. بخلاف المفرقة. ك quot; الفلانية والفلانية quot; فالله المستعان.(2\/350)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "844",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13841",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر إنك امرؤ فيك جاهلية. فقال: على كبر السن مني يا رسول الله قال: نعم . فمن يأمن القراء بعدك يا شهر ولا يذوق العبد حلاوة الإيمان وطعم الصدق واليقين حتى تخرج الجاهلية كلها من قلبه. والله لو تحقق الناس في هذا الزمان ذلك من قلب رجل لرموه عن قوس واحدة. وقالوا: هذا مبتدع ومن دعاة البدع. فإلى الله المشتكى. وهو المسئول الصبر والثبات. فلا بد من لقائه وقد خاب من افترى [طه: 61] . وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون [الشعراء: 227] .  [فصل تعريف الإرادة] فصل قال صاحب quot; المنازل quot; رحمه الله: باب الإرادة: قال الله تعالى: قل كل يعمل على شاكلته [الإسراء: 84] . في تصديره الباب بهذه الآية دلالة على عظم قدره. وجلالة محله من هذا العلم. فإن معنى الآية: كل يعمل على كل ما يشاكله ويناسبه ويليق به. فالفاجر يعمل على ما يليق به. وكذلك الكافر والمنافق ومريد الدنيا وجيفتها عامل على ما يناسبه ولا يليق به سواه. ومحب الصور: عامل على ما يناسبه ويليق به. فكل امرئ يهفو إلى ما يحبه وكل امرئ يصبو إلى ما يناسبه فالمريد الصادق المحب لله: يعمل ما هو اللائق به والمناسب له. فهو يعمل على شاكلة إرادته. وما هو الأليق به والأنسب لها. قال: الإرادة من قوانين هذا العلم وجوامع أبنيته. وهي الإجابة لدواعي الحقيقة طوعا أو كرها.(2\/351)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "845",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13842",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يريد: أن هذا العلم مبني على الإرادة. فهي أساسه ومجمع بنائه. وهو مشتمل على تفاصيل أحكام الإرادة. وهي حركة القلب. ولهذا سمي علم الباطن كما أن علم الفقه يشتمل على تفاصيل أحكام الجوارح. ولهذا سموه علم الظاهر فهاتان حركتان اختياريتان. وللعبد حركة طبيعية اضطرارية. فالعلم المشتمل على تفاصيلها وأحكامها: هو علم الطب. فهذه العلوم الثلاثة: هي الكفيلة بمعرفة حركات النفس والقلب. وحركات اللسان والجوارح وحركات الطبيعة. فالطبيب: ينظر في تلك الحركات من جهة تأثر البدن عنها صحة واعتلالا وفي لوازم ذلك ومتعلقاته. والفقيه: ينظر في تلك الحركات من جهة موافقتها لأمر الشرع ونهيه وإذنه وكراهته ومتعلقات ذلك. والصوفي: ينظر في تلك الحركات من جهة كونها موصلة له إلى مراده. أو قاطعة عنه ومفسدة لقلبه أو مصححة له. وأما قوله: وهي الإجابة لداعي الحقيقية فالإجابة هي الانقياد والإذعان. والحقيقة عندهم: مشاهدة الربوبية. والشريعة التزام العبودية. فالشريعة: أن تعبده. والحقيقة: أن تشهده. فالشريعة: قيامك بأمره. والحقيقة: شهودك لوصفه. وداعي الحقيقة: هو صحة المعرفة. فإن من عرف الله أحبه ولا بد. ولا بد في هذه الإجابة من ثلاثة أشياء: نفس مستعدة قابلة. لا تعوز إلا الداعي. ودعوة مستمعة وتخلية الطريق من المانع. فما انقطع من انقطع إلا من جهة من هذه الجهات الثلاث. وقوله: طوعا أو كرها يشير إلى المجذوب المختطف من نفسه والسالك إرادة واختيارا ومجاهدة.  [درجات الإرادة] [الدرجة الأولى ذهاب عن العادات بصحة العلم] قال: وهي على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: ذهاب عن العادات بصحة العلم. والتعلق بأنفاس السالكين مع صدق القصد. وخلع كل شاغل من الإخوان. ومشتت من الأوطان. هذا يوافق من حد الإرادة بأنها: مخالفة العادة. وهي ترك عوائد النفس(2\/352)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "846",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13843",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وشهواتها ورعوناتها وبطالاتها. ولا يمكن ذلك إلا بهذه الأشياء التي أشار إليها. وهي: صحبة العلم ومعانقته. فإنه النور الذي يعرف العبد مواقع ما ينبغي إيثار طلبه. وما ينبغي إيثار تركه. فمن لم يصحبه العلم: لم تصح له إرادة باتفاق كلمة الصادقين. ولا عبرة بقطاع الطريق. وقال بعضهم: متى رأيت الصوفي الفقير يقدح في العلم. فاتهمه على الإسلام. ومنها: التعلق بأنفاس السالكين. ولا ريب أن كل من تعلق بأنفاس قوم انخرط في مسلكهم. ودخل في جماعتهم. وقال أنفاس السالكين ولم يقل: أنفاس العابدين. فإن العابدين من شأنهم القيام بالأعمال. وشأن السالكين مراعاة الأحوال. وقوله: مع صدق القصد. يكون بأمرين. أحدهما: توحيده. والثاني: توحيد المقصود. فلا يقع في قصدك قسمة. ولا في مقصودك. وقوله: وخلع كل شاغل من الإخوان ومشتت من الأوطان. يشير إلى ترك الموانع والقواطع العائقة عن السلوك: من صحبة الأغيار والتعلق بالأوطان التي ألف فيها البطالة والنذالة. فليس على المريد الصادق أضر من عشرائه ووطنه القاطعين له عن سيره إلى  [فصل الدرجة الثانية تقطع بصحبة الحال] فصل قال: الدرجة الثانية تقطع بصحبة الحال وترويح الأنس والسير بين القبض والبسط. أي ينقطع إلى صحبة الحال. وهو الوارد الذي يرد على القلب من تأثيره بالمعاملة السالب لوصف الكسل والفتور الجالب له إلى مرافقة الرفيق الأعلى الذين أنعم الله عليهم. فينتقل من مقام العلم إلى مقام الكشف ومن مقام رسوم الأعمال إلى(2\/353)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "847",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13844",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مقام حقائقها وأذواقها ومواجيدها وأحوالها. فيترقى من الإسلام إلى الإيمان ومن الإيمان إلى الإحسان. وأما ترويح الأنس الذي أشار إليه: فإن السالك في أول الأمر يجد تعب التكاليف ومشقة العمل. لعدم أنس قلبه بمعبوده. فإذا حصل للقلب روح الأنس زالت عنه تلك التكاليف والمشاق. فصارت قرة عين له. وقوة ولذة. فتصير الصلاة قرة عينه بعد أن كانت عبئا عليه. ويستريح بها بعد أن كان يطلب الراحة منها. فله ميراث من قوله: صلى الله عليه وسلم: أرحنا بالصلاة يا بلال . وجعلت قرة عيني في الصلاة بحسب إرادته ومحبته وأنسه بالله سبحانه وتعالى ووحشته مما سواه. وأما السير بين القبض والبسط. ف quot; القبض والبسط quot; حالتان تعرضان لكل سالك. يتولدان من الخوف تارة والرجاء تارة فيقبضه الخوف. ويبسطه الرجاء. ويتولدان من الوفاء تارة والجفاء تارة فوفاؤه: يورثه البسط. ورجاؤه يورثه القبض. ويتولدان من التفرقة تارة والجمعية تارة فتفرقته تورثه القبض. وجمعيته تورثه البسط. ويتولدان من أحكام الوارد تارة. فوارد يورث قبضا ووارد يورث بسطا. وقد يهجم على قلب السالك قبض لا يدري ما سببه. وبسط لا يدري ما سببه. وحكم صاحب هذا القبض: أمران. الأول: التوبة والاستغفار. لأن ذلك القبض نتيجة جناية. أو جفوة. ولا يشعر بها. والثاني: الاستسلام حتى يمضي عنه ذلك الوقت ولا يتكلف دفعه. ولا يستقبل وقته مغالبة وقهرا. ولا يطلب طلوع الفجر في وسط الليل وليرقد حتى يمضي عامة الليل. ويحين طلوع الفجر. وانقشاع ظلمة الليل. بل يصبر حتى يهجم عليه الملك. فالله يقبض ويبسط. وكذلك إذا هجم عليه وارد البسط: فليحذر كل الحذر من الحركة والاهتزاز. وليحرزه بالسكون والانكماش. فالعاقل يقف على البساط ويحذر من الانبساط وهذا(2\/354)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "848",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13845",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شأن عقلاء أهل الدنيا ورؤسائهم: إذا ما ورد عليهم ما يسرهم ويبسطهم ويهيج أفراحهم قابلوه بالسكون والثبات والاستقرار حتى كأنه لم يهجم عليهم. وقال كعب بن زهير في مدح المهاجرين: ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم ... قوما. وليسوا مجازيعا إذا نيلوا  [الدرجة الثالثة ذهول مع صحبة الاستقامة] قال: الدرجة الثالثة: ذهول مع صحبة الاستقامة. وملازمة الرعاية على تهذيب الأدب. الذهول هاهنا: الغيبة في المشاهدة بالحال الغالب المذهل لصاحبه عن التفاته إلى غيره. وهذا إنما ينفع إذا كان مصحوبا بالاستقامة. وهي حفظ حدود العلم والوقوف معها وعدم إضاعتها. وإلا فأحسن أحوال هذا الذاهل: أن يكون كالمجنون الذي رفع عنه القلم. فلا يقتدى به. ولا يعاقب على تركه الاستقامة. وأما إن كان سبب الذهول المخرج عن الاستقامة باستدعائه وتكلفه وإرادته: فهو عاص مفرط مضيع لأمر الله. له حكم أمثاله من المفرطين. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: متى كان السبب محظورا. لم يكن السكران معذورا. وقوله: وملازمة الرعاية على تهذيب الأدب. يريد به: ملازمته رعاية حقوق الله مع التأدب بآدابه. فلا يخرجه ذهول عن استقامته. ولا عن رعاية حقوق سيده ولا عن الوقوف بالأدب بين يديه. والله المستعان.  [فصل منزلة الأدب] [تعريف الأدب] فصل منزلة الأدب ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الأدب قال الله تعالى: ياأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة [التحريم: 6] قال ابن عباس وغيره: أدبوهم وعلموهم. وهذه اللفظة مؤذنة بالاجتماع. فالأدب: اجتماع خصال الخير في العبد ومنه(2\/355)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "849",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13846",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المأدبة. وهي الطعام الذي يجتمع عليه الناس. وعلم الأدب: هو علم إصلاح اللسان والخطاب وإصابة مواقعه وتحسين ألفاظه وصيانته عن الخطأ والخلل. وهو شعبة من الأدب العام. والله أعلم.  [فصل أنواع الأدب] فصل والأدب ثلاثة أنواع: أدب مع الله سبحانه. وأدب مع رسوله صلى الله عليه وسلم وشرعه. وأدب مع خلقه. فالأدب مع الله ثلاثة أنواع: أحدها: صيانة معاملته أن يشوبها بنقيصة. الثاني: صيانة قلبه أن يلتفت إلى غيره. الثالث: صيانة إرادته أن تتعلق بما يمقتك عليه. قال أبو علي الدقاق: العبد يصل بطاعة الله إلى الجنة ويصل بأدبه في طاعته إلى الله. وقال: رأيت من أراد أن يمد يده في الصلاة إلى أنفه فقبض على يده. وقال ابن عطاء: الأدب الوقوف مع المستحسنات. فقيل له: وما معناه فقال: أن تعامله سبحانه بالأدب سرا وعلنا. ثم أنشد: إذا نطقت جاءت بكل ملاحة ... وإن سكتت جاءت بكل مليح وقال أبو علي: من صاحب الملوك بغير أدب أسلمه الجهل إلى القتل. وقال يحيى بن معاذ: إذا ترك العارف أدبه مع معروفه فقد هلك مع الهالكين. وقال أبو علي: ترك الأدب يوجب الطرد. فمن أساء الأدب على البساط رد إلى الباب. ومن أساء الأدب على الباب رد إلى سياسة الدواب. وقال يحيى بن معاذ: من تأدب بأدب الله صار من أهل محبة الله. وقال ابن مبارك: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم. وسئل الحسن البصري رحمه الله عن أنفع الأدب فقال: التفقه في الدين. والزهد في الدنيا والمعرفة بما لله عليك. وقال سهل: القوم استعانوا بالله على مراد الله. وصبروا لله على آداب الله.(2\/356)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "850",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13847",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ابن المبارك: طلبنا الأدب حين فاتنا المؤدبون. وقال: الأدب للعارف كالتوبة للمستأنف. وقال أبو حفص - لما قال له الجنيد: لقد أدبت أصحابك أدب السلاطين - فقال: حسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب في الباطن. فالأدب مع الله حسن الصحبة معه وبإيقاع الحركات الظاهرة والباطنة على مقتضى التعظيم والإجلال والحياء. كحال مجالس الملوك ومصاحبهم. وقال أبو نصر السراج: الناس في الأدب على ثلاث طبقات. أما أهل الدنيا: فأكبر آدابهم: في الفصاحة والبلاغة. وحفظ العلوم وأسمار الملوك وأشعار العرب. وأما أهل الدين: فأكبر آدابهم: في طهارة القلوب ومراعاة الأسرار والوفاء بالعهود وحفظ الوقت وقلة الالتفات إلى الخواطر وحسن الأدب في مواقف الطلب وأوقات الحضور ومقامات القرب. وقال سهل: من قهر نفسه بالأدب فهو يعبد الله بالإخلاص. وقال عبد الله بن المبارك: قد أكثر الناس القول في الأدب ونحن نقول: إنه معرفة النفس ورعوناتها وتجنب تلك الرعونات. وقال الشبلي: الانبساط بالقول مع الحق ترك الأدب. وقال بعضهم: الحق سبحانه يقول: من ألزمته القيام مع أسمائي وصفاتي ألزمته الأدب ومن كشفت له عن حقيقة ذاتي ألزمته العطب فاختر الأدب أو العطب. ويشهد لهذا: أنه سبحانه لما كشف للجبل عن ذاته ساخ الجبل وتدكدك ولم يثبت على عظمة الذات.(2\/357)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "851",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13848",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو عثمان: إذا صحت المحبة تأكدت على المحب ملازمة الأدب. وقال النوري رحمه الله: من لم يتأدب للوقت فوقته مقت. وقال ذو النون: إذا خرج المريد عن استعمال الأدب: فإنه يرجع من حيث جاء. وتأمل أحوال الرسل صلوات الله وسلامه عليهم مع الله وخطابهم وسؤالهم. كيف تجدها كلها مشحونة بالأدب قائمة به قال المسيح عليه السلام إن كنت قلته فقد علمته [المائدة: 116] ولم يقل: لم أقله. وفرق بين الجوابين في حقيقة الأدب. ثم أحال الأمر على علمه سبحانه بالحال وسره. فقال: تعلم ما في نفسي [المائدة: 116] ثم برأ نفسه عن علمه بغيب ربه وما يختص به سبحانه فقال ولا أعلم ما في نفسك [المائدة: 116] ثم أثنى على ربه. ووصفه بتفرده بعلم الغيوب كلها. فقال إنك أنت علام الغيوب [المائدة: 116] ثم نفى أن يكون قال لهم غير ما أمره ربه به - وهو محض التوحيد - فقال: ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم [المائدة: 117] ثم أخبر عن شهادته عليهم مدة مقامه فيهم. وأنه بعد وفاته لا اطلاع له عليهم وأن الله عز وجل وحده هو المنفرد بعد الوفاة بالاطلاع عليهم. فقال: وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم [المائدة: 117] . ثم وصفه بأن شهادته سبحانه فوق كل شهادة وأعم. فقال: وأنت على كل شيء شهيد [المائدة: 117] ثم قال: إن تعذبهم فإنهم عبادك [المائدة: 118] وهذا من أبلغ الأدب مع الله في مثل هذا المقام. أي شأن السيد رحمة عبيده والإحسان إليهم. وهؤلاء عبيدك ليسوا عبيدا لغيرك. فإذا عذبتهم - مع كونهم عبيدك - فلولا أنهم عبيد سوء من أبخس العبيد وأعتاهم على سيدهم وأعصاهم له - لم تعذبهم. لأن قربة العبودية تستدعي إحسان السيد إلى عبده ورحمته. فلماذا يعذب أرحم الراحمين وأجود الأجودين وأعظم المحسنين إحسانا عبيده لولا فرط عتوهم وإباؤهم عن طاعته وكمال استحقاقهم للعذاب. وقد تقدم قوله: إنك أنت علام الغيوب [المائدة: 116] أي هم عبادك. وأنت أعلم بسرهم وعلانيتهم. فإذا عذبتهم: عذبتهم على علم منك بما تعذبهم عليه. فهم عبادك وأنت أعلم بما جنوه واكتسبوه. فليس في هذا استعطاف لهم كما يظنه الجهال. ولا تفويض إلى محض المشيئة والملك المجرد عن الحكمة كما تظنه القدرية. وإنما هو إقرار واعتراف وثناء عليه سبحانه بحكمته وعدله وكمال علمه بحالهم واستحقاقهم للعذاب. ثم قال: وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم [المائدة: 118] ولم يقل: الغفور الرحيم(2\/358)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "852",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13849",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا من أبلغ الأدب مع الله تعالى. فإنه قاله في وقت غضب الرب عليهم والأمر بهم إلى النار. فليس هو مقام استعطاف ولا شفاعة. بل مقام براءة منهم. فلو قال: فإنك أنت الغفور الرحيم لأشعر باستعطافه ربه على أعدائه الذين قد اشتد غضبه عليهم. فالمقام مقام موافقة للرب في غضبه على من غضب الرب عليهم. فعدل عن ذكر الصفتين اللتين يسأل بهما عطفه ورحمته ومغفرته إلى ذكر العزة والحكمة المتضمنتين لكمال القدرة وكمال العلم. والمعنى: إن غفرت لهم فمغفرتك تكون عن كمال القدرة والعلم. ليست عن عجز عن الانتقام منهم ولا عن خفاء عليك بمقدار جرائمهم وهذا لأن العبد قد يغفر لغيره لعجزه عن الانتقام منه. ولجهله بمقدار إساءته إليه. والكمال: هو مغفرة القادر العالم. وهو العزيز الحكيم. وكان ذكر هاتين الصفتين في هذا المقام عين الأدب في الخطاب. وفي بعض الآثار حملة العرش أربعة: اثنان يقولان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك. لك الحمد على حلمك بعد علمك. واثنان يقولان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك. لك الحمد على عفوك بعد قدرتك. ولهذا يقترن كل من هاتين الصفتين بالأخرى. كقوله: والله عليم حليم [النساء: 12] وقوله: فإن الله كان عفوا قديرا [النساء: 149] . وكذلك قول إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم: الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين [الشعراء: 78] ولم يقل: وإذا أمرضني. حفظا للأدب مع الله. وكذلك قول الخضر عليه السلام في السفينة فأردت أن أعيبها [الكهف: 79] . ولم يقل: فأراد ربك أن أعيبها. وقال في الغلامين: فأراد ربك أن يبلغا أشدهما [الكهف: 82] . وكذلك قول مؤمني الجن: وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض [الجن: 10] ولم يقولوا: أراده بهم. ثم قالوا: أم أراد بهم ربهم رشدا [الجن: 10] . وألطف من هذا قول موسى عليه السلام رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير [القصص: 24] ولم يقل: أطعمني.(2\/359)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "853",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13850",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقول آدم عليه السلام ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [الأعراف: 23] ولم يقل: رب قدرت علي وقضيت علي. وقول أيوب عليه السلام. مسني الضر وأنت أرحم الراحمين [الأنبياء: 83] . ولم يقل: فعافني واشفني. وقول يوسف لأبيه وإخوته: هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن [يوسف: 100] ولم يقل: أخرجني من الجب حفظا للأدب مع إخوته. وتفتيا عليهم: أن لا يخجلهم بما جرى في الجب. وقال وجاء بكم من البدو [يوسف: 100] ولم يقل: رفع عنكم جهد الجوع والحاجة. أدبا معهم. وأضاف ما جرى إلى السبب. ولم يضفه إلى المباشر الذي هو أقرب إليه منه. فقال: من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي [يوسف: 100] فأعطى الفتوة والكرم والأدب حقه. ولهذا لم يكن كمال هذا الخلق إلا للرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. ومن هذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل: أن يستر عورته وإن كان خاليا لا يراه أحد أدبا مع الله على حسب القرب منه وتعظيمه وإجلاله وشدة الحياء منه ومعرفة وقاره. وقال بعضهم: الزم الأدب ظاهرا وباطنا. فما أساء أحد الأدب في الظاهر إلا عوقب ظاهرا. وما أساء أحد الأدب باطنا إلا عوقب باطنا. وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله: من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السنن. ومن تهاون بالسنن. عوقب بحرمان الفرائض. ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة. وقيل: الأدب في العمل علامة قبول العمل.(2\/360)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "854",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13851",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحقيقة الأدب استعمال الخلق الجميل. ولهذا كان الأدب: استخراج ما في الطبيعة من الكمال من القوة إلى الفعل. فإن الله سبحانه هيأ الإنسان لقبول الكمال بما أعطاه من الأهلية والاستعداد التي جعلها فيه كامنة كالنار في الزناد. فألهمه ومكنه وعرفه وأرشده. وأرسل إليه رسله. وأنزل إليه كتبه لاستخراج تلك القوة التي أهله بها لكماله إلى الفعل. قال الله تعالى: ونفس وما سواها - فألهمها فجورها وتقواها - قد أفلح من زكاها - وقد خاب من دساها [الشمس: 7 - 10] . فعبر عن خلق النفس بالتسوية للدلالة على الاعتدال والتمام. ثم أخبر عن قبولها للفجور والتقوى. وأن ذلك نالها منه امتحانا واختبارا. ثم خص بالفلاح من زكاها فنماها وعلاها. ورفعها بآدابه التي أدب بها رسله وأنبياءه وأولياءه. وهي التقوى. ثم حكم بالشقاء على من دساها فأخفاها وحقرها. وصغرها وقمعها بالفجور. والله سبحانه وتعالى أعلم.  [فصل وصف لأدبه صلى الله عليه وسلم] فصل وجرت عادة القوم: أن يذكروا في هذا المقام قوله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم حين أراه ما أراه: ما زاغ البصر وما طغى [النجم: 17] وأبو القاسم القشيري صدر باب الأدب بهذه الآية. وكذلك غيره. وكأنهم نظروا إلى قول من قال من أهل التفسير: إن هذا وصف لأدبه صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام. إذ لم يلتفت جانبا. ولا تجاوز ما رآه. وهذا كمال الأدب. والإخلال به: أن يلتفت الناظر عن يمينه وعن شماله أو يتطلع أمام المنظور. فالالتفات زيغ. والتطلع إلى ما أمام المنظور: طغيان ومجاوزة. فكمال إقبال الناظر على المنظور: أن لا يصرف بصره عنه يمنة ولا يسرة. ولا يتجاوزه. هذا معنى ما حصلته عن شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه. وفي هذه الآية أسرار عجيبة. وهي من غوامض الآداب اللائقة بأكمل البشر صلى الله عليه وسلم: تواطأ هناك بصره وبصيرته. وتوافقا وتصادقا فيما شاهده بصره. فالبصيرة مواطئة له. وما شاهدته بصيرته فهو أيضا حق مشهود بالبصر. فتواطأ في حقه مشهد البصر والبصيرة.(2\/361)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "855",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13852",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولهذا قال سبحانه وتعالى: ما كذب الفؤاد ما رأى - أفتمارونه على ما يرى [النجم: 11 - 12] أي ما كذب الفؤاد ما رآه ببصره. ولهذا قرأها أبو جعفر: ما كذب الفؤاد ما رأى - بتشديد الذال - أي لم يكذب الفؤاد البصر. بل صدقه وواطأه. لصحة الفؤاد والبصر. أو استقامة البصيرة والبصر. وكون المرئي المشاهد بالبصر والبصيرة حقا. وقرأ الجمهور ما كذب الفؤاد [النجم: 11] بالتخفيف. وهو متعد. و: ما رأى مفعوله: أي ما كذب قلبه ما رأته عيناه. بل واطأه ووافقه. فلمواطأة قلبه لقالبه وظاهره لباطنه. وبصره لبصيرته: لم يكذب الفؤاد البصر. ولم يتجاوز البصر حده فيطغى. ولم يمل عن المرئي فيزيغ بل اعتدل البصر نحو المرئي. ما جاوزه ولا مال عنه كما اعتدل القلب في الإقبال على الله والإعراض عما سواه. فإنه أقبل على الله بكليته. وللقلب زيغ وطغيان. وكلاهما منتف عن قلبه وبصره. فلم يزغ قلبه التفاتا عن الله إلى غيره. ولم يطغ بمجاوزته مقامه الذي أقيم فيه. وهذا غاية الكمال والأدب مع الله الذي لا يلحقه فيه سواه. فإن عادة النفوس إذا أقيمت في مقام عال رفيع: أن تتطلع إلى ما هو أعلى منه وفوقه. ألا ترى أن موسى - صلى الله عليه وسلم - لما أقيم في مقام التكليم والمناجاة: طلبت نفسه الرؤية ونبينا صلى الله عليه وسلم لما أقيم في ذلك المقام وفاه حقه: فلم يلتفت بصره ولا قلبه إلى غير ما أقيم فيه ألبتة ولأجل هذا ما عاقه عائق. ولا وقف به مراد حتى جاوز السماوات السبع حتى عاتب موسى ربه فيه. وقال: يقول بنو إسرائيل: إني كريم الخلق على الله. وهذا قد جاوزني وخلفني علوا. فلو أنه وحده ولكن معه كل أمته. وفي رواية البخاري فلما جاوزته بكى. قيل: ما يبكيك قال: أبكي أن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي . ثم جاوزه علوا فلم تعقه إرادة. ولم تقف به دون كمال العبودية همة.(2\/362)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "856",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13853",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولهذا كان مركوبه في مسراه يسبق خطوه الطرف. فيضع قدمه عند منتهى طرفه مشاكلا لحال راكبه وبعد شأوه الذي سبق العالم أجمع في سيره فكان قدم البراق لا يختلف عن موضع نظره. كما كان قدمه صلى الله عليه وسلم لا يتأخر عن محل معرفته. فلم يزل صلى الله عليه وسلم في حفارة كمال أدبه مع الله سبحانه وتكميل مراتب عبوديته له حتى خرق حجب السماوات وجاوز السبع الطباق. وجاوز سدرة المنتهى. ووصل إلى محل من القرب سبق به الأولين والآخرين. فانصبت إليه هناك أقسام القرب انصبابا. وانقشعت عنه سحائب الحجب ظاهرا وباطنا حجابا حجابا. وأقيم مقاما غبطه به الأنبياء والمرسلون. فإذا كان في المعاد أقيم مقاما من القرب ثانيا يغبطه به الأولون والآخرون. واستقام هناك على صراط مستقيم من كمال أدبه مع الله ما زاغ البصر عنه وما طغى. فأقامه في هذا العالم على أقوم صراط من الحق والهدى. وأقسم بكلامه على ذلك في الذكر الحكيم فقال تعالى: يس - والقرآن الحكيم - إنك لمن المرسلين - على صراط مستقيم [يس: 1 - 4] فإذا كان يوم المعاد أقامه على الصراط يسأله السلامة لأتباعه وأهل سنته حتى يجوزوه إلى جنات النعيم. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والله ذو الفضل العظيم.  [فصل الأدب هو الدين كله] فصل والأدب هو الدين كله. فإن ستر العورة من الأدب. والوضوء وغسل الجنابة من الأدب. والتطهر من الخبث من الأدب. حتى يقف بين يدي الله طاهرا. ولهذا كانوا يستحبون أن يتجمل الرجل في صلاته. للوقوف بين يدي ربه. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول: أمر الله بقدر زائد على ستر العورة في الصلاة. وهو أخذ الزينة. فقال تعالى خذوا زينتكم عند كل مسجد [الأعراف: 31] فعلق الأمر بأخذ الزينة لا بستر العورة إيذانا بأن العبد ينبغي له: أن يلبس أزين ثيابه وأجملها في الصلاة. وكان لبعض السلف حلة بمبلغ عظيم من المال. وكان يلبسها وقت الصلاة. ويقول: ربي أحق من تجملت له في صلاتي. ومعلوم: أن الله سبحانه وتعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده. لاسيما إذا(2\/363)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "857",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13854",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقف بين يديه. فأحسن ما وقف بين يديه بملابسه ونعمته التي ألبسه إياها ظاهرا وباطنا. ومن الأدب: نهى النبي صلى الله عليه وسلم المصلي: أن يرفع بصره إلى السماء . فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: هذا من كمال أدب الصلاة: أن يقف العبد بين يدي ربه مطرقا خافضا طرفه إلى الأرض. ولا يرفع بصره إلى فوق. قال: والجهمية - لما لم يفقهوا هذا الأدب ولا عرفوه - ظنوا أن هذا دليل أن الله ليس فوق سمواته على عرشه. كما أخبر به عن نفسه. واتفقت عليه رسله وجميع أهل السنة. قال: وهذا من جهلهم. بل هذا دليل لمن عقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم على نقيض قولهم; إذ من الأدب مع الملوك: أن الواقف بين أيديهم يطرق إلى الأرض. ولا يرفع بصره إليهم. فما الظن بملك الملوك سبحانه وسمعته يقول - في نهيه صلى الله عليه وسلم عن قراءة القرآن في الركوع والسجود - إن القرآن هو أشرف الكلام. وهو كلام الله. وحالتا الركوع والسجود حالتا ذل وانخفاض من العبد. فمن الأدب مع كلام الله: أن لا يقرأ في هاتين الحالتين. ويكون حال القيام والانتصاب أولى به. ومن الأدب مع الله: أن لا يستقبل بيته ولا يستدبره عند قضاء الحاجة. كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي أيوب وسلمان وأبي هريرة وغيرهم. رضي الله عنهم. والصحيح: أن هذا الأدب: يعم الفضاء والبنيان. كما ذكرنا في غير هذا الموضع. ومن الأدب مع الله في الوقوف بين يديه في الصلاة: وضع اليمنى على اليسرى حال قيام القراءة ففي الموطأ لمالك عن سهل بن سعد أنه من السنة وكان الناس(2\/364)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "858",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13855",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يؤمرون به ولا ريب أنه من أدب الوقوف بين يدي الملوك والعظماء. فعظيم العظماء أحق به. ومنها: السكون في الصلاة. وهو الدوام الذي قال الله تعالى فيه: الذين هم على صلاتهم دائمون [المعارج: 23] . قال عبد الله بن المبارك عن ابن لهيعة: حدثني يزيد بن أبي حبيب: أن أبا الخير أخبره قال: سألنا عقبة بن عامر عن قوله تعالى: الذين هم على صلاتهم دائمون [المعارج: 23] أهم الذين يصلون دائما قال: لا. ولكنه إذا صلى لم يلتفت عن يمينه ولا عن شماله ولا خلفه. قلت: هما أمران. الدوام عليها. والمداومة عليها. فهذا الدوام. والمداومة في قوله تعالى: والذين هم على صلاتهم يحافظون [المعارج: 34] وفسر الدوام بسكون الأطراف والطمأنينة. وأدبه في استماع القراءة: أن يلقي السمع وهو شهيد. وأدبه في الركوع: أن يستوي. ويعظم الله تعالى حتى لا يكون في قلبه شيء أعظم منه. ويتضاءل ويتصاغر في نفسه. حتى يكون أقل من الهباء. والمقصود: أن الأدب مع الله تبارك وتعالى: هو القيام بدينه والتأدب بآدابه ظاهرا وباطنا. ولا يستقيم لأحد قط الأدب مع الله إلا بثلاثة أشياء: معرفته بأسمائه وصفاته ومعرفته بدينه وشرعه وما يحب وما يكره. ونفس مستعدة قابلة لينة متهيئة لقبول الحق علما وعملا وحالا. والله المستعان.  [فصل الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم] فصل وأما الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم: فالقرآن مملوء به. فرأس الأدب معه: كمال التسليم له والانقياد لأمره. وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن يحمله معارضة خيال باطل يسميه معقولا. أو يحمله شبهة أو شكا أو يقدم عليه آراء الرجال وزبالات أذهانهم فيوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان. كما وحد المرسل سبحانه وتعالى بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل.(2\/365)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "859",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13856",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهما توحيدان. لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسل. وتوحيد متابعة الرسول. فلا يحاكم إلى غيره. ولا يرضى بحكم غيره. ولا يقف تنفيذ أمره. وتصديق خبره. على عرضه على قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته ومن يعظمه. فإن أذنوا له نفذه وقبل خبره وإلا فإن طلب السلامة: أعرض عن أمره وخبره وفوضه إليهم وإلا حرفه عن مواضعه. وسمى تحريفه: تأويلا وحملا. فقال: نؤوله ونحمله. فلأن يلقى العبد ربه بكل ذنب على الإطلاق - ما خلا الشرك بالله - خير له من أن يلقاه بهذه الحال. ولقد خاطبت يوما بعض أكابر هؤلاء. فقلت له: سألتك بالله. لو قدر أن الرسول صلى الله عليه وسلم حي بين أظهرنا. وقد واجهنا بكلامه وبخطابه. أكان فرضا علينا أن نتبعه من غير أن نعرضه على رأي غيره وكلامه ومذهبه أم لا نتبعه حتى نعرض ما سمعناه منه على آراء الناس وعقولهم فقال: بل كان الفرض المبادرة إلى الامتثال من غير التفات إلى سواه. فقلت: فما الذي نسخ هذا الفرض عنا وبأي شيء نسخ فوضع إصبعه على فيه. وبقي باهتا متحيرا. وما نطق بكلمة. هذا أدب الخواص معه. لا مخالفة أمره والشرك به. ورفع الأصوات وإزعاج الأعضاء بالصلاة عليه والتسليم. وعزل كلامه عن اليقين. وأن يستفاد منه معرفة الله أو يتلقى منه أحكامه. بل المعول في باب معرفة الله على العقول المتهوكة المتحيرة المتناقضة. وفي الأحكام: على تقليد الرجال وآرائها. والقرآن والسنة إنما نقرؤهما تبركا لا أنا نتلقى منهما أصول الدين ولا فروعه. ومن طلب ذلك ورامه عاديناه وسعينا في قطع دابره. واستئصال شأفته بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون - حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون - لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون - قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون - مستكبرين به سامرا تهجرون - أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين - أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون - أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون - ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون - أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين - وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم - وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون [المؤمنون: 63 - 74] .(2\/366)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "860",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13857",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والناصح لنفسه. العامل على نجاتها: يتدبر هذه الآيات حق تدبرها. ويتأملها حق تأملها. وينزلها على الواقع: فيرى العجب. ولا يظنها اختصت بقوم كانوا فبانوا. فالحديث لك. واسمعي يا جارة. والله المستعان. ومن الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم: أن لا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي ولا إذن ولا تصرف. حتى يأمر هو وينهى ويأذن كما قال تعالى: ياأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله [الحجرات: 1] وهذا باق إلى يوم القيامة ولم ينسخ. فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته كالتقدم بين يديه في حياته ولا فرق بينهما عند ذي عقل سليم. قال مجاهد رحمه الله: لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال أبو عبيدة: تقول العرب: لا تقدم بين يدي الإمام وبين يدي الأب. أي لا تعجلوا بالأمر والنهي دونه. وقال غيره: لا تأمروا حتى يأمر. ولا تنهوا حتى ينهى. ومن الأدب معه: أن لا ترفع الأصوات فوق صوته. فإنه سبب لحبوط الأعمال فما الظن برفع الآراء ونتائج الأفكار على سنته وما جاء به أترى ذلك موجبا لقبول الأعمال ورفع الصوت فوق صوته موجب لحبوطها ومن الأدب معه: أن لا يجعل دعاءه كدعاء غيره. قال تعالى: لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا [النور: 63] . وفيه قولان للمفسرين. أحدهما: أنكم لا تدعونه باسمه كما يدعو بعضكم بعضا بل قولوا: يا رسول الله يا نبي الله فعلى هذا: المصدر مضاف إلى المفعول أي دعاءكم الرسول. الثاني: أن المعنى: لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم بعضا. إن شاء أجاب وإن شاء ترك بل إذا دعاكم لم يكن لكم بد من إجابته ولم يسعكم التخلف عنها ألبتة. فعلى هذا: المصدر مضاف إلى الفاعل. أي دعاؤه إياكم. ومن الأدب معه: أنهم إذا كانوا معه على أمر جامع - من خطبة أو جهاد أو رباط - لم يذهب أحد منهم مذهبا في حاجته حتى يستأذنه. كما قال تعالى:(2\/367)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "861",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13858",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه [النور: 62] . فإذا كان هذا مذهبا مقيدا بحاجة عارضة ولم يوسع لهم فيه إلا بإذنه فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل الدين: أصوله وفروعه دقيقه وجليله هل يشرع الذهاب إليه بدون استئذانه فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [النحل: 43] . ومن الأدب معه: أن لا يستشكل قوله:. بل تستشكل الآراء لقوله: ولا يعارض نصه بقياس بل تهدر الأقيسة وتلقى لنصوصه. ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولا نعم هو مجهول وعن الصواب معزول ولا يوقف قبول ما جاء به صلى الله عليه وسلم على موافقة أحد فكل هذا من قلة الأدب معه صلى الله عليه وسلم. وهو عين الجرأة.  [فصل الأدب مع الخلق] فصل وأما الأدب مع الخلق: فهو معاملتهم - على اختلاف مراتبهم - بما يليق بهم. فلكل مرتبة أدب. والمراتب فيها أدب خاص. فمع الوالدين: أدب خاص وللأب منهما: أدب هو أخص به ومع العالم: أدب آخر ومع السلطان: أدب يليق به وله مع الأقران أدب يليق بهم. ومع الأجانب: أدب غير أدبه مع أصحابه وذوي أنسه. ومع الضيف: أدب غير أدبه مع أهل بيته. ولكل حال أدب: فللأكل آداب. وللشرب آداب. وللركوب والدخول والخروج والسفر والإقامة والنوم آداب. وللبول آداب. وللكلام آداب. وللسكوت والاستماع آداب. وأدب المرء: عنوان سعادته وفلاحه. وقلة أدبه: عنوان شقاوته وبواره. فما استجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب ولا استجلب حرمانهما بمثل قلة الأدب. فانظر إلى الأدب مع الوالدين: كيف نجى صاحبه من حبس الغار حين أطبقت عليهم الصخرة والإخلال به مع الأم - تأويلا وإقبالا على الصلاة - كيف امتحن(2\/368)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "862",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13859",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صاحبه بهدم صومعته وضرب الناس له ورميه بالفاحشة وتأمل أحوال كل شقي ومغتر ومدبر: كيف تجد قلة الأدب هي التي ساقته إلى الحرمان وانظر قلة أدب عوف مع خالد: كيف حرمه السلب بعد أن برد بيديه وانظر أدب الصديق رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة: أن يتقدم بين يديه. فقال: ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. كيف أورثه مقامه والإمامة بالأمة بعده فكان ذلك التأخر إلى خلفه - وقد أومأ إليه أن اثبت مكانك - جمزا وسعيا إلى قدام بكل خطوة إلى وراء مراحل إلى قدام. تنقطع فيها أعناق المطي. والله أعلم.(2\/369)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "863",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13860",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل حقيقة الأدب] فصل قال صاحب quot; المنازل quot;: الأدب: حفظ الحد بين الغلو والجفاء بمعرفة ضرر العدوان. هذا من أحسن الحدود. فإن الانحراف إلى أحد طرفي الغلو والجفاء: هو قلة الأدب. والأدب: الوقوف في الوسط بين الطرفين فلا يقصر بحدود الشرع عن تمامها. ولا يتجاوز بها ما جعلت حدودا له. فكلاهما عدوان. والله لا يحب المعتدين. والعدوان: هو سوء الأدب. وقال بعض السلف: دين الله بين الغالي فيه والجافي عنه. فإضاعة الأدب بالجفاء: كمن لم يكمل أعضاء الوضوء. ولم يوف الصلاة آدابها التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعلها. وهي قريب من مائة أدب: ما بين واجب ومستحب. وإضاعته بالغلو: كالوسوسة في عقد النية. ورفع الصوت بها. والجهر بالأذكار والدعوات التي شرعت سرا. وتطويل ما السنة تخفيفه وحذفه. كالتشهد الأول والسلام الذي حذفه سنة. وزيادة التطويل على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لا على ما يظنه سراق الصلاة والنقارون لها ويشتهونه. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليأمر بأمر ويخالفه. وقد صانه الله من ذلك. وكان يأمرهم بالتخفيف ويؤمهم بالصافات ويأمرهم بالتخفيف وتقام صلاة الظهر فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته. ويأتي أهله ويتوضأ. ويدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى. فهذا هو التخفيف الذي أمر به. لا نقر الصلاة وسرقها. فإن ذلك اختصار بل اقتصار على ما يقع عليه الاسم. ويسمى به مصليا وهو كأكل المضطر في المخمصة ما يسد به رمقه: فليته شبع على القول الآخر وهو كجائع قدم إليه طعام لذيذ جدا. فأكل منه لقمة أو لقمتين. فماذا يغنيان عنه ولكن لو أحس بجوعه لما قام من الطعام حتى يشبع منه وهو يقدر على ذلك. لكن القلب شبعان من شيء آخر. ومثال هذا التوسط في حق الأنبياء عليهم السلام: أن لا يغلو فيهم كما غلت النصارى في المسيح ولا يجفو عنهم كما جفت اليهود. فالنصارى عبدوهم. واليهود قتلوهم وكذبوهم. والأمة الوسط: آمنوا بهم وعزروهم ونصروهم واتبعوا ما جاءوا به.(2\/370)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "864",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13861",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومثال ذلك في حقوق الخلق: أن لا يفرط في القيام بحقوقهم ولا يستغرق فيها بحيث يشتغل بها عن حقوق الله أو عن تكميلها أو عن مصلحة دينه وقلبه وأن لا يجفو عنها حتى يعطلها بالكلية. فإن الطرفين من العدوان الضار. وعلى هذا الحد فحقيقة الأدب: هي العدل. والله أعلم.  [فصل درجات الأدب] [الدرجة الأولى منع الخوف] فصل قال: وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: منع الخوف: أن لا يتعدى إلى اليأس وحبس الرجاء: أن يخرج إلى الأمن وضبط السرور: أن يضاهئ الجرأة. يريد: أنه لا يدع الخوف يفضي به إلى حد يوقعه في القنوط واليأس من رحمة الله. فإن هذا الخوف مذموم. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول: حد الخوف ما حجزك عن معاصي الله. فما زاد على ذلك: فهو غير محتاج إليه. وهذا الخوف الموقع في الإياس: إساءة أدب على رحمة الله تعالى التي سبقت غضبه وجهل بها. وأما حبس الرجاء: أن يخرج إلى الأمن فهو أن لا يبلغ به الرجاء إلى حد يأمن معه العقوبة. فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. وهذا إغراق في الطرف الآخر. بل حد الرجاء: ما طيب لك العبادة وحملك على السير. فهو بمنزلة الرياح التي تسير السفينة. فإذا انقطعت وقفت السفينة. وإذا زادت ألقتها إلى المهالك. وإذا كانت بقدر: أوصلتها إلى البغية. وأما ضبط السرور: أن يخرج إلى مشابهة الجرأة. فلا يقدر عليه إلا الأقوياء أرباب العزائم. الذين لا تستفزهم السراء فتغلب شكرهم. ولا تضعفهم الضراء. فتغلب صبرهم كما قيل: لا تغلب السراء منهم شكرهم ... كلا. ولا الضراء صبر الصابر والنفس قرينة الشيطان ومصاحبته وتشبهه في صفاته. ومواهب الرب تبارك وتعالى تنزل(2\/371)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "865",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13862",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على القلب والروح. فالنفس تسترق السمع. فإذا نزلت على القلب تلك المواهب: وثبت لتأخذ قسطها منها وتصيره من عدتها وحواصلها. فالمسترسل معها الجاهل بها فيدعها تستوفي ذلك. فبينا هو في موهبة القلب والروح وعدة وقوة له إذ صار ذلك كله من حاصل النفس وآلتها وعددها. فصالت به وطغت. لأنها رأت غناها به. والإنسان يطغى أن رآه استغنى بالمال. فكيف بما هو أعظم خطرا وأجل قدرا من المال بما لا نسبة بينهما: من علم أو حال أو معرفة أو كشف فإذا صار ذلك من حاصلها: انحرف العبد به ولا بد إلى طرف مذموم من جرأة أو شطح أو إدلال. ونحو ذلك. فوالله كم هاهنا من قتيل وسليب وجريح يقول: من أين أتيت ومن أين دهيت ومن أين أصبت وأقل ما يعاقب به من الحرمان بذلك: أن يغلق عنه باب المزيد. ولهذا كان العارفون وأرباب البصائر: إذا نالوا شيئا من ذلك انحرفوا إلى طرف الذل والانكسار ومطالعة عيوب النفس. واستدعوا حارس الخوف وحافظوا على الرباط بملازمة الثغر بين القلب وبين النفس ونظروا إلى أقرب الخلق من الله وأكرمهم عليه وأدناهم منه وسيلة وأعظمهم عنده جاها وقد دخل مكة يوم الفتح وذقنه تمس قربوس سرجه: انخفاضا وانكسارا وتواضعا لربه تعالى في مثل تلك الحال التي عادة النفوس البشرية فيها: أن يملكها سرورها وفرحها بالنصر والظفر والتأييد ويرفعها إلى عنان السماء. فالرجل: من صان فتحه ونصيبه من الله. وواراه عن استراق نفسه. وبخل عليها به والعاجز: من جاد لها به. فيا له من جود ما أقبحه. وسماحة ما أسفه صاحبها. والله المستعان.  [فصل الدرجة الثانية الخروج عن الخوف إلى ميدان القبض] فصل قال الدرجة الثانية: الخروج عن الخوف إلى ميدان القبض والصعود من الرجاء إلى ميدان البسط ثم الترقي من السرور إلى ميدان المشاهدة. ذكر في الدرجة الأولى: كيف يحفظ الحد بين المقامات حتى لا يتعدى إلى غلو أو جفاء. وذلك سوء أدب. فذكر مع الخوف: أن يخرجه إلى اليأس ومع الرجاء: أن يخرجه إلى الأمن ومع(2\/372)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "866",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13863",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السرور: أن يخرجه إلى الجرأة. ثم ذكر في هذه الدرجة: أدب الترقي من هذه الثلاثة إلى ما يحفظه عليها. ولا يضيعها بالكلية. كما أن في الدرجة الأولى: لا يبالغ به. بل يكون خروجه من الخوف إلى القبض يعني لا يزايل الخوف بالكلية فإن قبضه لا يؤيسه ولا يقنطه. ولا يحمله على مخالفة ولا بطالة. وكذلك رجاؤه لا يقعد به عن ميدان البسط. بل يكون بين القبض والبسط. وهذه حال الكمال. وهي السير بين القبض والبسط. وسروره: لا يقعد به عن ترقيه إلى ميدان مشاهدته بل يرقى بسروره إلى المشاهدة. ويرجع من رجائه إلى البسط. ومن خوفه إلى القبض. ومقصوده: أن ينتقل من أشباح هذه الأحوال إلى أرواحها. فإن الخوف شبح. والقبض روحه. والرجاء شبح والبسط روحه. والسرور شبح والمشاهدة روحه. فيكون حظه من هذه الثلاثة: أرواحها وحقائقها لا صورها ورسومها.  [فصل الدرجة الثالثة معرفة الأدب] فصل قال: الدرجة الثالثة: معرفة الأدب. ثم الفناء عن التأدب بتأديب الحق ثم الخلاص من شهود أعباء الأدب. قوله: معرفة الأدب. يعني لا بد من الاطلاع على حقيقته في كل درجة. وإنما يكون ذلك في الدرجة الثالثة. فإنه يشرف منها على الأدب في الدرجتين الأوليين. فإذا عرفه وصار له حالا. فإنه ينبغي له أن يفنى عنه بأن يغلب عليه شهود من أقامه فيه. فينسبه إليه تعالى دون نفسه. ويفنى عن رؤية نفسه وقيامها بالأدب بشهود الفضل لمن أقامها فيه ومنته. فهذا هو الفناء عن التأدب بتأديب الحق. قوله: ثم الخلاص من شهود أعباء الأدب يعني: أنه يفنى عن مشاهدة الأدب بالكلية لاستغراقه في شهود الحقيقة في حضرة الجمع التي غيبته عن الأدب. ففناؤه عن الأدب فيها: هو الأدب حقيقة. فيستريح حينئذ من كلفة حمل أعباء الأدب وأثقاله. لأن استغراقه في شهود الحقيقة لم يبق عليه شيئا من أعباء الأدب. والله سبحانه وتعالى أعلم.(2\/373)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "867",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13864",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل منزلة اليقين] [حقيقة اليقين والأقوال فيه] ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة اليقين وهو من الإيمان منزلة الروح من الجسد. وبه تفاضل العارفون. وفيه تنافس المتنافسون. وإليه شمر العاملون. وعمل القوم إنما كان عليه. وإشاراتهم كلها إليه. وإذا تزوج الصبر باليقين: ولد بينهما حصول الإمامة في الدين. قال الله تعالى وبقوله: يهتدي المهتدون وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون [السجدة: 24] . وخص سبحانه أهل اليقين بالانتفاع بالآيات والبراهين. فقال وهو أصدق القائلين: وفي الأرض آيات للموقنين [الذاريات: 20] . وخص أهل اليقين بالهدى والفلاح من بين العالمين فقال: والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون - أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون [البقرة: 4 - 5] . وأخبر عن أهل النار: بأنهم لم يكونوا من أهل اليقين فقال تعالى: وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين [الجاثية: 32] . فاليقين روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح. وهو حقيقة الصديقية. وهو قطب هذا الشأن الذي عليه مداره. وروى خالد بن يزيد عن السفيانين عن التيمي عن خيثمة عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ترضين أحدا بسخط الله. ولا تحمدن أحدا على فضل الله ولا تذمن أحدا على ما لم يؤتك الله. فإن رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص. ولا يرده عنك كراهية كاره. وإن الله بعدله وقسطه جعل الروح والفرح في الرضا واليقين وجعل الهم والحزن في الشك والسخط .(2\/374)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "868",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13865",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واليقين قرين التوكل. ولهذا فسر التوكل بقوة اليقين. والصواب: أن التوكل ثمرته ونتيجته. ولهذا حسن اقتران الهدى به. قال الله تعالى: فتوكل على الله إنك على الحق المبين [النمل: 79] فالحق: هو اليقين. وقالت رسل الله: وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا [إبراهيم: 12] . ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورا وإشراقا. وانتفى عنه كل ريب وشك وسخط وهم وغم. فامتلأ محبة لله. وخوفا منه ورضا به وشكرا له وتوكلا عليه وإنابة إليه. فهو مادة جميع المقامات والحامل لها. واختلف فيه: هل هو كسبي أو موهبي فقيل: هو العلم المستودع في القلوب. يشير إلى أنه غير كسبي. وقال سهل: اليقين من زيادة الإيمان ولا ريب أن الإيمان كسبي. والتحقيق: أنه كسبي باعتبار أسبابه موهبي باعتبار نفسه وذاته. قال سهل: ابتداؤه المكاشفة. كما قال بعض السلف: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. ثم المعاينة والمشاهدة. وقال ابن خفيف: هو تحقق الأسرار بأحكام المغيبات. وقال أبو بكر بن ظاهر: العلم تعارضه الشكوك واليقين لا شك فيه. وعند القوم: اليقين لا يساكن قلبا فيه سكون إلى غير الله. وقال ذو النون: اليقين يدعو إلى قصر الأمل وقصر الأمل يدعو إلى الزهد. والزهد يورث الحكمة وهي تورث النظر في العواقب. قال: وثلاثة من أعلام اليقين: قلة مخالطة الناس في العشرة. وترك المدح لهم في العطية. والتنزه عن ذمهم عند المنع. وثلاثة من أعلامه أيضا: النظر إلى الله في كل شيء. والرجوع إليه في كل أمر. والاستعانة به في كل حال. وقال الجنيد: اليقين هو استقرار العلم الذي لا ينقلب ولا يحول ولا يتغير في القلب.(2\/375)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "869",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13866",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ابن عطاء: على قدر قربهم من التقوى أدركوا من اليقين. وأصل التقوى مباينة النهي. وهو مباينة النفس. فعلى قدر مفارقتهم النفس: وصلوا إلى اليقين. وقيل: اليقين هو المكاشفة. وهو على ثلاثة أوجه: مكاشفة في الأخبار. ومكاشفة بإظهار القدرة. ومكاشفة القلوب بحقائق الإيمان. ومراد القوم بالمكاشفة: ظهور الشيء للقلب بحيث يصير نسبته إليه كنسبة المرئي إلى العين. فلا يبقى معك شك ولا ريب أصلا. وهذا نهاية الإيمان. وهو مقام الإحسان. وقد يريدون بها أمرا آخر. وهو ما يراه أحدهم في برزخ بين النوم واليقظة عند أوائل تجرد الروح عن البدن. ومن أشار منهم إلى غير هذين: فقد غلط ولبس عليه. وقال السري: اليقين سكونك عند جولان الموارد في صدرك لتيقنك أن حركتك فيها لا تنفعك. ولا ترد عنك مقضيا. وقال أبو بكر الوراق: اليقين ملاك القلب. وبه كمال الإيمان. وباليقين عرف الله. بالعقل عقل عن الله. وقال الجنيد: قد مشى رجال باليقين على الماء. ومات بالعطش من هو أفضل منهم يقينا. وقد اختلف في تفضيل اليقين على الحضور والحضور على اليقين. فقيل: الحضور أفضل. لأنه وطنات واليقين خطرات. وبعضهم رجح اليقين. وقال: هو غاية الإيمان. والأول: رأى أن اليقين ابتداء الحضور فكأنه جعل اليقين ابتداء. والحضور دواما. وهذا الخلاف لا يتبين. فإن اليقين لا ينفك عن الحضور. ولا الحضور عن اليقين. بل في اليقين من زيادة الإيمان ومعرفة تفاصيله وشعبه وتنزيلها منازلها - ما ليس في الحضور. فهو أكمل منه من هذا الوجه. وفي الحضور من الجمعية وعدم التفرقة والدخول في الفناء: ما قد ينفك عنه اليقين. فاليقين أخص بالمعرفة. والحضور أخص بالإرادة. والله أعلم. وقال النهرجوري: إذا استكمل العبد حقائق اليقين صار البلاء عنده نعمة والرخاء عنده مصيبة.(2\/376)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "870",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13867",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو بكر الوراق: اليقين على ثلاثة أوجه: يقين خبر. ويقين دلالة. ويقين مشاهدة. يريد بيقين الخبر: سكون القلب إلى خبر المخبر وتوثقه به. وبيقين الدلالة: ما هو فوقه. وهو أن يقيم له - مع وثوقه بصدقه - الأدلة الدالة على ما أخبر به. وهذا كعامة أخبار الإيمان والتوحيد والقرآن. فإنه سبحانه - مع كونه أصدق الصادقين - يقيم لعباده الأدلة والأمثال والبراهين على صدق أخباره. فيحصل لهم اليقين من الوجهين: من جهة الخبر ومن جهة الدليل. فيرتفعون من ذلك إلى الدرجة الثالثة: وهي يقين المكاشفة بحيث يصير المخبر به لقلوبهم كالمرئي لعيونهم. فنسبة الإيمان بالغيب حينئذ إلى القلب: كنسبة المرئي إلى العين. وهذا أعلى أنواع المكاشفة. وهي التي أشار إليها عامر بن عبد قيس في قوله: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا وليس هذا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من قول علي - كما يظنه من لا علم له بالمنقولات. وقال بعضهم: رأيت الجنة والنار حقيقة. قيل له: وكيف قال: رأيتهما بعيني رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورؤيتي لهما بعينيه: آثر عندي من رؤيتي لهما بعيني. فإن بصري قد يطغى ويزيغ بخلاف بصره صلى الله عليه وسلم. واليقين يحمله على الأهوال وركوب الأخطار. وهو يأمر بالتقدم دائما. فإن لم يقارنه العلم: حمل على المعاطب. والعلم يأمر بالتأخر والإحجام. فإن لم يصحبه اليقين قعد بصاحبه عن المكاسب والغنائم. والله أعلم.  [فصل تعريف ابن القيم لليقين] فصل قال صاحب quot; المنازل quot; رحمه الله: اليقين: مركب الآخذ في هذا الطريق. وهو غاية درجات العامة. وقيل: أول خطوة للخاصة. لما كان اليقين هو الذي يحمل السائر إلى الله - كما قال أبو سعيد الخراز: العلم ما استعملك. واليقين ما حملك - سماه مركبا يركبه السائر إلى الله. فإنه لولا اليقين ما سار(2\/377)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "871",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13868",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ركب إلى الله ولا ثبت لأحد قدم في السلوك إلا به. وإنما جعله آخر درجات العامة: لأنهم إليه ينتهون. ثم حكى قول من قال: إنه أول خطوة للخاصة. يعني: أنه ليس بمقام لهم. وإنما هو مبدأ لسلوكهم. فمنه يبتدئون سلوكهم وسيرهم. وهذا لأن الخاصة عنده سائرون إلى عين الجمع والفناء في شهود الحقيقة. لا تقف بهم دونها همة. ولا يعرجون دونها على رسم. فكل ما دونها فهو عندهم من مشاهد العامة ومنازلهم ومقاماتهم. حتى المحبة. وحسبك بجعل اليقين نهاية للعامة. وبداية لهم. قال:  [درجات اليقين] [الدرجة الأولى علم اليقين] وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: علم اليقين. وهو قبول ما ظهر من الحق. وقبول ما غاب للحق. والوقوف على ما قام بالحق. ذكر الشيخ في هذه الدرجة ثلاثة أشياء هي متعلق اليقين وأركانه. الأولى: قبول ما ظهر من الحق تعالى. والذي ظهر منه سبحانه: أوامره ونواهيه وشرعه ودينه الذي ظهر لنا منه على ألسنة رسله. فنتلقاه بالقبول والانقياد والإذعان والتسليم للربوبية. والدخول تحت رق العبودية. الثاني: قبول ما غاب للحق وهو الإيمان بالغيب الذي أخبر به الحق سبحانه على لسان رسله من أمور المعاد وتفصيله والجنة والنار وما قبل ذلك: من الصراط والميزان والحساب وما قبل ذلك: من تشقق السماء وانفطارها وانتثار الكواكب ونسف الجبال وطي العالم وما قبل ذلك: من أمور البرزخ ونعيمه وعذابه. فقبول هذا كله - إيمانا وتصديقا وإيقانا - هو اليقين. بحيث لا يخالج القلب فيه شبهة. ولا شك ولا تناس ولا غفلة عنه. فإنه إن لم يهلك يقينه أفسده وأضعفه. الثالث: الوقوف على ما قام بالحق سبحانه من أسمائه وصفاته وأفعاله. وهو علم التوحيد الذي أساسه: إثبات الأسماء والصفات. وضده: التعطيل والنفي والتهجم. فهذا التوحيد يقابله التعطيل. وأما التوحيد القصدي الإرادي الذي هو إخلاص العمل لله وعبادته وحده: فيقابله الشرك والتعطيل شر من الشرك فإن المعطل جاحد للذات أو لكمالها. وهو جحد لحقيقة الإلهية. فإن ذاتا لا تسمع ولا تبصر ولا تتكلم ولا ترضى ولا تغضب(2\/378)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "872",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13869",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا تفعل شيئا. وليست داخل العالم ولا خارجه ولا متصلة بالعالم ولا منفصلة ولا مجانبة له ولا مباينة له ولا مجاورة ولا مجاوزة ولا فوق العرش ولا تحت العرش ولا خلفه ولا أمامه ولا عن يمينه ولا عن يساره: سواء هي والعدم. والمشرك مقر بالله وصفاته. لكن عبد معه غيره. فهو خير من المعطل للذات والصفات. فاليقين هو الوقوف على ما قام بالحق من أسمائه وصفاته ونعوت كماله وتوحيده. وهذه الثلاثة أشرف علوم الخلائق: علم الأمر والنهي وعلم الأسماء والصفات والتوحيد وعلم المعاد واليوم الآخر والله أعلم.  [فصل الدرجة الثانية عين اليقين] فصل قال: الدرجة الثانية: عين اليقين. وهو المغني بالاستدلال عن الاستدلال. وعن الخبر بالعيان. وخرق الشهود حجاب العلم. الفرق بين علم اليقين وعين اليقين: كالفرق بين الخبر الصادق والعيان. وحق اليقين: فوق هذا. وقد مثلت المراتب الثلاثة بمن أخبرك: أن عنده عسلا وأنت لا تشك في صدقه. ثم أراك إياه. فازددت يقينا. ثم ذقت منه. فالأول: علم اليقين. والثاني: عين اليقين. والثالث: حق اليقين. فعلمنا الآن بالجنة والنار: علم يقين. فإذا أزلفت الجنة في الموقف للمتقين وشاهدها الخلائق. وبرزت الجحيم للغاوين. وعاينها الخلائق. فذلك: عين اليقين. فإذا أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار: فذلك حينئذ حق اليقين. قوله: هو المغني بالاستدلال عن الاستدلال. يريد بالاستدلال: الإدراك والشهود. يعني صاحبه قد استغنى به عن طلب الدليل. فإنه إنما يطلب الدليل ليحصل له العلم بالمدلول. فإذا كان المدلول مشاهدا له - وقد أدركه بكشفه - فأي حاجة به إلى الاستدلال وهذا معنى الاستغناء عن الخبر بالعيان. وأما قوله: وخرق الشهود حجاب العلم.(2\/379)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "873",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13870",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيريد به: أن المعارف التي تحصل لصاحب هذه الدرجة: هي من الشهود الخارق لحجاب العلم. فإن العلم حجاب عن الشهود. ففي هذه الدرجة يرتفع الحجاب. ويفضي إلى المعلوم بحيث يكافح بصيرته وقلبه مكافحة.  [فصل الدرجة الثالثة حق اليقين] فصل قال: الدرجة الثالثة حق اليقين. وهو إسفار صبح الكشف. ثم الخلاص من كلفة اليقين. ثم الفناء في حق اليقين. اعلم أن هذه الدرجة لا تنال في هذا العالم إلا للرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فإن نبينا صلى الله عليه وسلم رأى بعينه الجنة والنار وموسى عليه السلام سمع كلام الله منه إليه بلا واسطة وكلمه تكليما. وتجلى للجبل وموسى ينظر فجعله دكا هشيما. نعم يحصل لنا حق اليقين من مرتبة وهي ذوق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من حقائق الإيمان المتعلقة بالقلوب وأعمالها. فإن القلب إذا باشرها وذاقها صارت في حقه حق يقين. وأما في أمور الآخرة والمعاد ورؤية الله جهرة عيانا وسماع كلامه حقيقة بلا واسطة - فحظ المؤمن منه في هذه الدار: الإيمان. وعلم اليقين. وحق اليقين: يتأخر إلى وقت اللقاء. ولكن لما كان السالك عنده ينتهي إلى الفناء. ويتحقق شهود الحقيقة. ويصل إلى عين الجمع قال: حق اليقين: هو إسفار صبح الكشف. يعني: تحققه وثبوته وغلبة نوره على ظلمة ليل الحجاب. فينتقل من طور العلم إلى الاستغراق في الشهود بالفناء عن الرسم بالكلية. وقوله: ثم الخلاص من كلفة اليقين. يعني: أن اليقين له حقوق يجب على صاحبه أن يؤديها. ويقوم بها ويتحمل كلفها ومشاقها. فإذا فني في التوحيد حصل له أمور أخرى رفيعة عالية جدا. يصير فيها محمولا بعد أن كان حاملا وطائرا بعد أن كان سائرا فتزول عنه كلفة حمل تلك الحقوق. بل يبقى له كالنفس وكالماء للسمك. وهذا أمر التحاكم فيه إلى الذوق والإحساس. فلا تسرع إلى إنكاره. وتأمل حال ذلك الصحابي الذي أخذ تمراته. وقعد يأكلها على حاجة وجوع وفاقة إليها. فلما عاين سوق الشهادة قامت. ألقى قوته من يده وقال: إنها لحياة طويلة(2\/380)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "874",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13871",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن بقيت حتى آكل هذه التمرات. وألقاها من يده وقاتل حتى قتل وكذلك أحوال الصحابة رضي الله عنهم. كانت مطابقة لما أشار إليه. لكن بقيت نكتة عظيمة وهي موضع السجدة وهي أن فناءهم لم يكن في توحيد الربوبية وشهود الحقيقة التي يشير إليها أرباب الفناء بل في توحيد الإلهية. ففنوا بحبه تعالى عن حب ما سواه. وبمراده منهم عن مرادهم وحظوظهم. فلم يكونوا عاملين على فناء. ولا الاستغراق في الشهود. بحيث يفنون به عن مراد محبوبهم منهم بل قد فنوا بمراده عن مرادهم. فهم أهل بقاء في فناء وفرق في جمع. وكثرة في وحدة. وحقيقة كونية في حقيقة دينية. هم القوم. لا قوم إلا هم ولولاهم ما اهتدينا السبيلا فنسبة أحوال من بعدهم الصحيحة الكاملة إلى أحوالهم: كنسبة ما يرشح من الظرف والقربة إلى ما في داخلها. وأما الطريق المنحرفة الفاسدة: فسبيل غير سبيلهم والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. والله ذو الفضل العظيم.  [فصل منزلة الأنس بالله] [تعريف الأنس] فصل منزلة الأنس بالله ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الأنس بالله قال صاحب quot; المنازل quot; رحمه الله. وهو روح القرب ولهذا صدر منزلته بقوله تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان [البقرة: 186] . فاستحضار القلب هذا البر والإحسان واللطف: يوجب قربه من الرب سبحانه وتعالى. وقربه منه يوجب له الأنس والأنس ثمرة الطاعة والمحبة فكل مطيع(2\/381)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "875",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13872",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مستأنس وكل عاص مستوحش كما قيل: فإن كنت قد أوحشتك الذنوب ... فدعها إذا شئت واستأنس والقرب يوجب الأنس والهيبة والمحبة. قال صاحب quot; المنازل quot; رحمه الله.  [درجات الأنس] [الدرجة الأولى الأنس بالشواهد] وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: الأنس بالشواهد وهو استحلاء الذكر. والتغذي بالسماع والوقوف على الإشارات. هذه اللفظة يجرونها في كلامهم - أعني لفظة الشواهد - ومرادهم بها أمران. أحدهما: الحقيقة. وهي ما يقوم بقلب العبد حتى كأنه يشاهده ويبصره لغلبته عليه. فكل ما يستولي على قلب صاحبه ذكره: فإنه شاهده. فمنهم من يكون شاهده العمل. ومنهم من يكون شاهده الذكر. ومنهم من يكون شاهده المحبة. ومنهم من يكون شاهده الخوف. فالمريد: يأنس بشاهده. ويستوحش لفقده. والثاني: شاهد الحال. وهو الأثر الذي يقوم به. ويظهر عليه من عمله وسلوكه وحاله. فإن شاهده لا بد أن يظهر عليه. ومراد صاحب quot; المنازل quot;: الشاهد الأول. الذي يأنس به المريد وهو الحامل له على استحلاء الذكر طلبا لظفره بحصول المذكور. فهو يستأنس بالذكر طلبا لاستئناسه بالمذكور ويتغذى بالسماع كما يتغذى الجسم بالطعام والشراب. فإن كان محبا صادقا طالبا لله عاملا على مرضاته: كان غذاؤه بالسماع القرآني الذي كان غذاء سادات العارفين من هذه الأمة وأبرها قلوبا وأصحها أحوالا. وهم الصحابة رضي الله عنهم. وإن كان منحرفا فاسد الحال ملبوسا عليه مغرورا مخدوعا: كان غذاؤه بالسماع الشيطاني. الذي هو قرآن الشيطان المشتمل على محاب النفوس ولذتها وحظوظها. وأصحابه: أبعد الخلق من الله. وأغلظهم عنه حجابا وإن كثرت إشاراتهم إليه. وهذا السماع القرآني سماع أهل المعرفة بالله والاستقامة على صراطه المستقيم. ويحصل للأذهان الصافية من معان وإشارات ومعارف وعلوم. تتغذى بها القلوب المشرقة بنور الأنس. فيجد بها ولها لذة روحانية. يصل نعيمها إلى القلوب والأرواح. وربما فاض حتى وصل إلى الأجسام. فيجد من اللذة ما لم يعهد مثله من اللذات الحسية.(2\/382)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "876",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13873",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وللتغذي بالسماع سر لطيف. نذكره للطف موضعه. وهو الذي أوقع كثيرا من السالكين في إيثار سماع الأبيات. لما رأى فيه من غذاء القلب وقوته ونعيمه. فلو جئته بألف آية وألف خبر لما أعطاك شطرا من إصغائه. وكان ذلك عنده أعظم من الظواهر التي يعارض بها الفلاسفة وأرباب الكلام. اعلم أن الله عز وجل جعل للقلوب نوعين من الغذاء: نوعا من الطعام والشراب الحسي. وللقلب منه خلاصته وصفوه ولكل عضو منه بحسب استعداده وقبوله. والثاني: غذاء روحاني معنوي خارج عن الطعام والشراب: من السرور والفرح والابتهاج واللذة. والعلوم والمعارف. وبهذا الغذاء كان سماويا علويا. وبالغذاء المشترك كان أرضيا سفليا. وقوامه بهذين الغذاءين. وله ارتباط بكل واحدة من الحواس الخمس وغذاء يصل إليه منها. فله ارتباط بحاسة اللمس. ويصل إليه منها غذاء. وكذلك حاسة الشم. وكذلك حاسة الذوق. وكذلك ارتباطه بحاستي السمع والبصر: أشد من ارتباطه بغيرهما. ووصول الغذاء منهما إليه أكمل وأقوى من سائر الحواس. وانفعاله عنهما أشد من انفعاله عن غيرهما. ولهذا تجد في القرآن اقترانه بهما أكثر من اقترانه بغيرهما. بل لا يكاد يقرن إلا بهما أو بإحداهما. قال الله تعالى: والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون [النحل: 78] وقال تعالى: ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون [الأحقاف: 26] وقال تعالى: ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون [الأعراف: 179] . وقال تعالى في صفة الكفار صم بكم عمي فهم لا يعقلون [البقرة: 171] وقال تعالى: أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور [الحج: 46] . وهذا كثير جدا في القرآن.(2\/383)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "877",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13874",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأن تأثره بما يراه ويسمعه: أعظم من تأثره بما يلمسه ويذوقه ويشمه. ولأن هذه الثلاثة: هي طرق العلم. وهي: السمع والبصر والعقل. وتعلق القلب بالسمع وارتباطه به: أشد من تعلقه بالبصر وارتباطه به. ولهذا يتأثر بما يسمعه من الملذوذات أعظم مما يتأثر بما يراه من المستحسنات. وكذلك في المكروهات سماعا ورؤية. ولهذا كان الصحيح من القولين: أن حاسة السمع أفضل من حاسة البصر لشدة تعلقها بالقلب وعظم حاجته إليها. وتوقف كماله عليها. ووصول العلوم إليه بها وتوقف الهدى على سلامتها. ورجحت طائفة حاسة البصر لكمال مدركها. وامتناع الكذب فيه. وزوال الريب والشك به. ولأنه عين اليقين. وغاية مدرك حاسة السمع علم اليقين. وعين اليقين أفضل وأكمل من علم اليقين. ولأن متعلقها رؤية وجه الرب عز وجل في دار النعيم. ولا شيء أعلى وأجل من هذا التعلق. وحكم شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - بين الطائفتين حكما حسنا. فقال: المدرك بحاسة السمع أعم وأشمل. والمدرك بحاسة البصر أتم وأكمل. فللسمع العموم والشمول والإحاطة بالموجود والمعدوم والحاضر والغائب والحسي والمعنوي وللبصر: التمام والكمال. وإذا عرف هذا. فهذه الحواس الخمس لها أشباح وأرواح وأرواحها حظ القلب ونصيبه منها.(2\/384)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "878",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13875",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فمن الناس: من ليس لقلبه منها نصيب إلا كنصيب الحيوانات البهيمية منها. فهو بمنزلتها. وبينه وبينها أول درجة الإنسانية. ولهذا شبه الله سبحانه أولئك بالأنعام. بل جعلهم أضل. فقال تعالى أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا [الفرقان: 44] ولهذا نفى الله عن الكفار السمع والبصر والعقول. إما لعدم انتفاعهم بها. فنزلت منزلة المعدوم. وإما لأن النفي توجه إلى أسماع قلوبهم وأبصارها وإدراكها. ولهذا يظهر لهم ذلك عند انكشاف حقائق الأمور. كقول أصحاب السعير لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير [الملك: 10] ومنه في أحد التأويلين قوله تعالى وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون [الأعراف: 198] فإنهم كانوا ينظرون إلى صورة النبي صلى الله عليه وسلم بالحواس الظاهرة ولا يبصرون صورة نبوته ومعناها بالحاسة الباطنة التي هي بصر القلب. والقول الثاني: أن الضمير عائد على الأصنام. ثم فيه قولان. أحدهما: أنه على التشبيه أي كأنهم ينظرون إليك. ولا أبصار لهم يرونك بها. والثاني: المراد به المقابلة. تقول العرب: داري تنظر دارك. أي تقابلها. وكذلك السمع ثابت لهم. وبه قامت الحجة عليهم. ومنتف عنهم. وهو سمع القلب. فإنهم كانوا يسمعون القرآن من حيث السمع الحسي المشترك كالغنم التي لا تسمع إلا نعيق الراعي بها دعاء ونداء. ولم يسمعوه بالروح الحقيقي الذي هو روح حاسة السمع التي هي حظ القلب. فلو سمعوه من هذه الجهة: لحصلت لهم الحياة الطيبة التي منشؤها من السماع المتصل أثره بالقلب. ولزال عنهم الصمم والبكم. ولأنقذوا نفوسهم من السعير بمفارقة من عدم السمع والعقل. فحصول السمع الحقيقي: مبدأ لظهور آثار الحياة الطيبة التي هي أكمل أنواع الحياة في هذا العالم. فإن بها يحصل غذاء القلب ويعتدل. فتتم قوته وحياته وسروره ونعيمه وبهجته. وإذا فقد غذاءه الصالح: احتاج إلى أن يعتاض عنه بغذاء قبيح خبيث. وإذا فسد غذاؤه: خبث ونقص من حياته وقوته وسروره ونعيمه بحسب ما فسد من غذائه كالبدن إذا فسد غذاؤه نقص. فلما كان تعلق السمع الظاهر الحسي بالقلب أشد والمسافة بينهما أقرب من المسافة(2\/385)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "879",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13876",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بين البصر وبينه. ولذلك يؤدي آثار ما يتعلق بالسمع الظاهر إلى القلب أسرع مما يؤدي إليه آثار البصر الظاهر ولهذا ربما غشي على الإنسان إذا سمع كلاما يسره أو يسوءه. أو صوتا لذيذا طيبا مطربا مناسبا. ولا يكاد يحصل له ذلك من رؤية الأشياء المستحسنة بالبصر الظاهر. وقد يكون هذا المسموع شديد التأثير في القلب. ولا يشعر به صاحبه لاشتعاله بغيره ولمباينة ظاهره لباطنه ذلك الوقت. فإذا حصل له نوع تجرد ورياضة: ظهرت قوة ذلك التأثير والتأثر. فكلما تجردت الروح والقلب وانقطعتا عن علائق البدن كان حظهما من ذلك السماع أوفى وتأثرهما به أقوى. فإن كان المسموع معنى شريفا بصوت لذيذ: حصل للقلب حظه ونصيبه من إدراك المعنى وابتهج به أتم ابتهاج على حسب إدراكه له. وللروح حظها ونصيبها من لذة الصوت ونغمته وحسنه. فابتهجت به. فتتضاعف اللذة. ويتم الابتهاج. ويحصل الارتياح. حتى ربما فاض على البدن والجوارح. وعلى الجليس. وهذا لا يحصل على الكمال في هذا العالم. ولا يحصل إلا عند سماع كلام الله. فإذا تجردت الروح وكانت مستعدة. وباشر القلب روح المعنى. وأقبل بكليته على المسموع. فألقى السمع وهو شهيد. وساعده طيب صوت القارئ: كاد القلب يفارق هذا العالم. ويلج عالما آخر. ويجد له لذة وحالة لا يعهدها في شيء غيره ألبتة. وذلك رقيقة من حالة أهل الجنة في الجنة. فيا له من غذاء ما أصلحه وما أنفعه. وحرام على قلب قد تربى على غذاء السماع الشيطاني: أن يجد شيئا من ذلك في سماع القرآن. بل إن حصل له نوع لذة. فهو من قبل الصوت المشترك. لا من قبل المعنى الخاص. وليس في نعيم أهل الجنة أعلى من رؤيتهم وجه الله محبوبهم سبحانه وتعالى عيانا وسماع كلامه منه. وذكر عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة أثرا - لا يحضرني الآن هل هو موقوف أو مرفوع - إذا سمع الناس القرآن يوم القيامة من الرحمن عز وجل. فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك. وإذا امتلأ القلب بشيء وارتفعت المباينة الشديدة بين الظاهر والباطن: أدت(2\/386)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "880",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13877",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأذن إلى القلب من المسموع ما يناسبه وإن لم يدل عليه ذلك المسموع. ولا قصده المتكلم. ولا يختص ذلك بالكلام الدال على معنى. بل قد يقع في الأصوات المجردة. قال القشيري: سمعت أبا عبد الله السلمي يقول: دخلت على أبي عثمان المغربي ورجل يستقي الماء من البئر على بكرة. فقال: يا أبا عبد الرحمن أتدري إيش تقول هذه البكرة فقلت: لا فقال تقول: الله الله. ومثل ذلك كثير. كما سمع أبو سليمان الدمشقي من المنادي: يا سعتر بري: اسع تر بري. وهذا السماع الروحاني تبع لحقيقة القلب ومادته منه فالاتحاد به يظن به السامع: أنه أدرك ذلك المعنى لا محالة من الصوت الخارجي. وسبب ذلك اتحاد السمع بالقلب. وأكمل السماع: سماع من يسمع بالله ما هو مسموع من الله وهو كلامه. وهو سماع المحبين المحبوبين. كما في الحديث الذي في صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى - أنه قال ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه. ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه. فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به. وبصره الذي يبصر به. ويده التي يبطش بها. ورجله التي يمشي بها. فبي يسمع. وبي يبصر. وبي يبطش. وبي يمشي . والقلب يتأثر بالسماع بحسب ما فيه من المحبة. فإذا امتلأ من محبة الله وسمع كلام محبوبه - أي بمصاحبته وحضوره في قلبه - فله من سماعه هذا شأن. ولغيره شأن آخر. والله أعلم.(2\/387)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "881",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13878",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل والثاني على ثلاثة أقسام. أحدهما: من اتصف قلبه بصفات نفسه. بحيث صار قلبه نفسا محضة. فغلبت عليه آفات الشهوات ودعوات الهوى. فهذا حظه من السماع: كحظ البهائم. لا يسمع إلا دعاء ونداء. والفرق الذي بينها وبينه: غير طائل. القسم الثاني: من اتصفت نفسه بصفات قلبه. فصارت نفسه قلبا محضا. فغلبت عليه المعرفة والمحبة والعقل واللب. وعشق صفات الكمال. فاستنارت نفسه بنور القلب. واطمأنت إلى ربها. وقرت عينها بعبوديته. وصار نعيمها في حبه وقربه. فهذا حظه من السماع مثل - أو قريب من - حظ الملائكة. وسماعه غذاء قلبه وروحه وقرة عينه ونعيمه من الدنيا ورياضه التي يسرح فيها. وحياته التي بها قوامه. وإلى هذا المعنى قصد أرباب سماع القصائد والأبيات. ولكن أخطأوا الطريق وأخذوا عن الدرب شمالا ووراء. القسم الثالث: من له منزلة بين منزلتين. وقلبه باق على فطرته الأولى. ولكن ما تصرف في نفسه تصرفا أحالها إليه. وأزال به رسومه. وجلا عنه ظلمتها. ولا قويت النفس على القلب بإحالته إليها. وتصرفت فيه تصرفا أزالت عنه نوره وصحته وفطرته. فبين القلب والنفس منازلات ووقائع والحرب بينهما دول وسجال تدال النفس عليه تارة ويدال عليها تارة. فهذا حظه من السماع: حظ بين الحظين ونصيبه منه بين النصيبين فإن صادفه وقت دولة القلب: كان حظه منه قويا. وإن صادفه وقت دولة النفس: كان ضعيفا. ومن هاهنا يقع التفاوت في الفقه عن الله. والفهم عنه. والابتهاج والنعيم بسماع كلامه. وصاحب هذه الحال - في حال سماعه - يشتغل القلب بالحرب بينه وبين النفس فيفوته من روح المسموع ونعيمه ولذته بحسب اشتغاله عنه بالمحاربة. ولا سبيل له إلى حصول ذلك بتمامه حتى تضع الحرب أوزارها. وربما صادفه في حال السماع وارد حق أو الظفر بمعنى بديع لا يقدر فكره على صيده كل وقت. فيغيب به ويستغرق فيه عما يأتي بعده. فيعجز عن صيد تلك المعاني. ويدهشه ازدحامها. فيبقى قلبه باهتا. كما يحكى أن بعض العرب: أرسل صائدا له على صيد. فخرج الصيد عليه من أمامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله فوقف باهتا ينظر يمينا وشمالا. ولم يصطد شيئا. فقال:(2\/388)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "882",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13879",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تكاثرت الظباء على خراش ... فما يدري خراش ما يصيد فوظيفته في مثل هذا الحال: أن يفنى عن وارده. ويعلق قلبه بالمتكلم. وكأنه يسمع كلامه منه. ويجعل قلبه نهرا لجريان معانيه. ويفرغه من سوى فهم المراد. وينصب إليه انصبابا يتلقى فيه معانيه كتلقي المحب للأحباب القادمين عليه. لا يشغله حبيب منهم عن حبيب. بل يعطى كل قادم حقه. وكتلقي الضيوف والزوار. وهذا إنما يكون مع سعة القلب وقوة الاستعداد وكمال الحضور. فإذا سمع خطاب الترغيب والتشويق واللطف والإحسان: لا يفنى به عما يجيء بعده من خطاب التخويف والترهيب والعدل. بل يسمع الخطاب الثاني مستصحبا لحكم الخطاب الأول. ويمزج هذا بهذا. ويسير بهما ومعهما جميعا عاكفا بقلبه على المتكلم وصفاته سبحانه. وهذا سير في الله. وهو نوع آخر أعلى وأرفع من مجرد المسير إليه. ولا ينقطع بذلك سيره إليه. بل يدرج سيره. فإن سير القلب في معاني أسمائه وصفاته وتوحيده ومعرفته. ومتى بقيت للقلب في ذلك ملكة واشتد تعلقه به: لم تحجبه معاني المسموع وصفات المتكلم بعضها عن بعض ولكن في الابتداء يعسر عليه ذلك. وفي التوسط يهون عليه ولا انتهاء هاهنا ألبتة. والله المستعان. فهذه كلمات تشير إلى معاني سماع أهل المعرفة والإيمان والأحوال المستقيمة. وأما السماع الشيطاني: فبالضد من ذلك وهو مشتمل على أكثر من مائة مفسدة. ولولا خوف الإطالة لسقناها مفصلة. وسنفرد لها مصنفا مستقلا. إن شاء الله. فهذا ما يتعلق بقوله: إن من الأنس بالشواهد: التغذي بالسماع. وقوله: والوقوف على الإشارات. الإشارات هي المعاني التي تشير إلى الحقيقة من بعد ومن وراء حجاب. وهي تارة تكون من مسموع. وتارة تكون من مرئي. وتارة تكون من معقول. وقد تكون من الحواس كلها. فالإشارات: من جنس الأدلة والأعلام. وسببها: صفاء يحصل بالجمعية. فيلطف به الحس والذهن. فيستيقظ لإدراك أمور لطيفة. لا يكشف حس غيره وفهمه عن إدراكها.(2\/389)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "883",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13880",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: الصحيح منها: ما يدل عليه اللفظ بإشارته من باب قياس الأولى. قلت: مثاله قوله تعالى: لا يمسه إلا المطهرون [الواقعة: 79] . قال: والصحيح في الآية أن المراد به: الصحف التي بأيدي الملائكة. لوجوه عديدة. منها: أنه وصفه بأنه مكنون والمكنون: المستور عن العيون. وهذا إنما هو في الصحف التي بأيدي الملائكة. ومنها: أنه قال لا يمسه إلا المطهرون [الواقعة: 79] وهم الملائكة. ولو أراد المتوضئين لقال: لا يمسه إلا المتطهرون. كما قال تعالى إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين [البقرة: 222] فالملائكة مطهرون. والمؤمنون متطهرون. ومنها: أن هذا إخبار. ولو كان نهيا لقال: لا يمسسه بالجزم والأصل في الخبر: أن يكون خبرا صورة ومعنى. ومنها: أن هذا رد على من قال: إن الشيطان جاء بهذا القرآن. فأخبر تعالى أنه في كتاب مكنون لا تناله الشياطين. ولا وصول لها إليه كما قال تعالى في آية الشعراء وما تنزلت به الشياطين - وما ينبغي لهم وما يستطيعون [الشعراء: 210 - 211] وإنما تناله الأرواح المطهرة. وهم الملائكة. ومنها: أن هذا نظير الآية التي في سورة عبس فمن شاء ذكره - في صحف مكرمة - مرفوعة مطهرة - بأيدي سفرة - كرام بررة [عبس: 12 - 16] . قال مالك في موطئه: أحسن ما سمعت في تفسير قوله: لا يمسه إلا المطهرون [الواقعة: 79] أنها مثل هذه الآية التي في سورة عبس. ومنها: أن الآية مكية من سورة مكية. تتضمن تقرير التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات الصانع والرد على الكفار. وهذا المعنى أليق بالمقصود من فرع عملي. وهو حكم مس المحدث المصحف.(2\/390)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "884",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13881",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: أنه لو أريد به الكتاب الذي بأيدي الناس: لم يكن في الإقسام على ذلك بهذا القسم العظيم كثير فائدة. إذ من المعلوم: أن كل كلام فهو قابل لأن يكون في كتاب حقا أو باطلا. بخلاف ما إذا وقع القسم على أنه في كتاب مصون مستور عن العيون عند الله. لا يصل إليه شيطان. ولا ينال منه. ولا يمسه إلا الأرواح الطاهرة الزكية. فهذا المعنى أليق وأجل وأخلق بالآية وأولى بلا شك. فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: لكن تدل الآية بإشارتها على أنه لا يمس المصحف إلا طاهر. لأنه إذا كانت تلك الصحف لا يمسها إلا المطهرون لكرامتها على الله. فهذه الصحف أولى أن لا يمسها إلا طاهر. وسمعته يقول في قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة إذا كانت الملائكة المخلوقون يمنعها الكلب والصورة عن دخول البيت. فكيف تلج معرفة الله عز وجل ومحبته وحلاوة ذكره والأنس بقربه في قلب ممتلئ بكلاب الشهوات وصورها فهذا من إشارة اللفظ الصحيحة. ومن هذا: أن طهارة الثوب الطاهر والبدن إذا كانت شرطا في صحة الصلاة والاعتداد بها. فإذا أخل بها كانت فاسدة. فكيف إذا كان القلب نجسا ولم يطهره صاحبه فكيف يعتد له بصلاته وإن أسقطت القضاء وهل طهارة الظاهر إلا تكميل لطهارة الباطن . ومن هذا: أن استقبال القبلة في الصلاة شرط لصحتها. وهي بيت الرب. فتوجه المصلى إليها ببدنه وقالبه شرط. فكيف تصح صلاة من لم يتوجه بقلبه إلى رب القبلة والبدن بل وجه بدنه إلى البيت. ووجه قلبه إلى غير رب البيت. وأمثال ذلك من الإشارات الصحيحة التي لا تنال إلا بصفاء الباطن وصحة البصيرة وحسن التأمل. والله أعلم.(2\/391)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "885",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13882",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الدرجة الثانية الأنس بنور الكشف] فصل قال: الدرجة الثانية: الأنس بنور الكشف. وهو أنس شاخص عن الأنس الأول. تشوبه صولة الهيمان. ويضربه موج الفناء. وهو الذي غلب قوما على عقولهم وسلب قوما طاقة الاصطبار. وحل عنهم قيود العلم. وفي هذا ورد الخبر بهذا الدعاء: أسألك شوقا إلى لقائك من غير ضراء مضرة. ولا فتنة مضلة . يجوز أن تكون الباء في قوله: بنور الكشف. باء السببية أو باء الإلصاق. فإن كانت باء السببية: كان المعنى: الأنس الحاصل بسبب نور الكشف. وإن كانت باء الإلصاق كان المعنى: الأنس المتلبس بنور الكشف. فإن قلت: ما الفرق بين الأنس ونور الكشف حتى يكون أحدهما سببا للآخر أو متلبسا به . قلت: الفرق بينهما: أن نور الكشف من باب المعارف وانكشاف الحقيقة للقلب. وأما الأنس: فمن باب القرب والدنو والسكون إلى من يأنس به والطمأنينة إليه. فضده: الوحشة. وضد نور الكشف: ظلمة الحجاب. وقوله: شاخص عن الأنس الأول. أي مرتفع عنه وأعلى منه. قوله: تشوبه صولة الهيمان. وذلك: لأن هذا الأنس المذكور يكون مبدؤه الكشف عن أسماء الصفات التي يحصل عنها الأنس. ويتعلق بها. كاسم الجميل والبر واللطيف والودود والحليم والرحيم ونحوها. ثم يقوى التعلق بها إلى أن يستغرق العقل فيمازجه نوع من الأسماء. فيقهر العقل بصولته. والهيمان هو الحركة إلى كل جهة بسبب الحيرة والدهشة. وذلك إنما يكون مع نوع عدم تمييز. وقوة إرادة قاهرة لا يملك صاحبها ضبطها. وقوله: ويضربه موج الفناء. أي إن صاحب هذا الأنس: يطالع مبادئ الفناء محيطة به. فهي تقلبه كما يقلب(2\/392)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "886",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13883",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الموج الغريق. وهذا قبل استيلاء سلطان الفناء على وجوده. وقوله: وهو الذي غلب قوما على عقولهم أي سلبهم إياها. لأنهم شاهدوا شيئا فوق مدارك العقول. وفوق كل مدرك بالحواس الظاهرة والباطنة ولا إلف لهم به. فأوجبت قوة المشاهدة والوارد وضعف المحل والحامل: غلبته على العقل. والكامل من القوم يثبت لذلك ولا يتحرك. بل يبقى كأنه جبل. وتلا الجنيد في مثل هذه الحال - وقد قيل له: أما يغيرك ما تسمع فتلا: وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب [النمل: 88] . وبعضهم تلا في مثل ذلك: وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال [الكهف: 18] . وقوم أقوى تمكينا من هؤلاء: لم يغلبهم على عقولهم بل سلبهم طاقة صبرهم. فبدا منهم ما ينافي الصبر. وأما قوله: وحل عنهم قيود العلم. فكلام لا بد من تأويله. وتكلف وجه يصححه. وأحسن ما يحمل عليه: أن العلم يقيد صاحبه. والمعرفة تطلقه. وتوسع بطانه وتريه حقائق الأشياء. فتزول عنه التقيدات التي كانت حاصلة بسبب خفاء نور المعرفة وكشفها عليه. فإن العارف صاحب ضياء الكشف أوسع بطانا وقلبا. وأعظم إطلاقا بلا شك من صاحب العلم. ونسبته إليه كنسبة صاحب العلم إلى الجاهل. فكما أن العالم أوسع بطانا من الجاهل. وله إطلاق بحسب علمه فالعارف - بما معه من روح العلم. وضياء الكشف ونوره - هو أكثر إطلاقا. وأوسع بطانا من صاحب العلم. فيتقيد العالم بظواهر العلم وأحكامه. والعارف لا يراها قيودا. ومن هاهنا تزندق من تزندق. وظن أنه إذا لاحت له حقائقها وبواطنها: خلع قيود ظواهرها ورسومها اشتغالا بالمقصود عن الوسيلة. وبالحقيقة عن الرسم. فهؤلاء هم المقطوعون عن الله القطاع لطريق الله. وهم معاطب الطريق وآفاتها.(2\/393)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "887",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13884",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واتفق أن العارفين تكلموا في الحقائق. وأمروا بالانتقال من الرسوم والظواهر إليها وأن لا يقف عندها. فظن هؤلاء الزنادقة: أنهم جوزوا خلعها والانحلال منها. ولا ريب أن من جوز ذلك: فهو مثل هؤلاء. والله يركم الخبيث بعضه على بعض. فيجعله في جهنم. أولئك هم الخاسرون. فصاحب quot; المنازل quot;: أشار إلى المعنى الحق الصحيح. كما أشار إليه شيوخ القوم. وأما استدلاله بقول النبي صلى الله عليه وسلم أسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة. ولا فتنة مضلة فليس مطابقا لما ذكره في هذه الدرجة. فأين طلب الشوق إلى لقائه الباعث على كمال الاستعداد وعلى خفة أعباء السير والمزيل لكل فتور والحامل على كل صدق وإخلاص وإنابة. وصحة معاملة - إلى أمر مشوب بصولة الهيمان. تضربه أمواج الفناء بحيث غلب قوما على عقولهم وسلب قوما صبرهم بحيث صيرهم في عالم الفناء . ورسول الله صلى الله عليه وسلم: لم يكن ليسأل حالة الفناء قط. وإنما سأل شوقا موجبا للبقاء مصاحبا له. موجبا له طيب الحياة وقرة العين ولذة القلب وبهجة الروح. وصاحب quot; المنازل quot;: كأنه فهم منه اشتياقه إلى المشاهدة من غير غلبة على عقل ولا فقد لاصطبار. ولهذا قال: من غير ضراء مضرة وهي الغلبة على العقل. ولا فتنة مضلة وهي مفارقة أحكام العلم. وهذا غايته: أن يؤخذ من إشارة الحديث على عادة القوم. وأما أن يكون هو نفس المراد: فلا. وإنما المسئول: أن يهب له شوقا إلى لقائه. مصاحبا للعافية والهداية. فلا تصحبه فتنة ولا محنة. وهذا من أجل العطايا والمواهب. فإن كثيرا ممن يحصل له هذا لا يناله إلا بعد امتحان واختبار: هل يصلح أم لا ومن لم يمتحن ولم يختبر فأكثرهم لم يؤهل لهذا. فتضمن هذا الدعاء: حصول ذلك. والتأهيل له مع كمال العافية بلا محنة والهداية بلا فتنة. وبالله التوفيق. والله أعلم.(2\/394)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "888",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13885",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الدرجة الثالثة أنس اضمحلال في شهود الحضرة] فصل قال الدرجة الثالثة: أنس اضمحلال في شهود الحضرة. لا يعبر عن غيبه ولا يشار إلى حده. ولا يوقف على كنهه. الاضمحلال: الانعدام. وشهود الحضرة هو مشاهدة الحقيقة. والفناء في ذلك الشهود. قوله: ولا يعبر عن غيبه إلى آخره. حاصله: أن هذا أمر وراء العبارة. لا تناله العبارة. ولا يحاط به عينا. ولا حدا. ولا كنها. ولا حقيقة. فإن حقيقته: تستغرق العبارة والإشارة والدلالة وفي وصفه يقول قائلهم: فألقوا حبال مراسيهم ... فغطاهم البحر. ثم انطبق وهاهنا إنما حوالة القوم على الذوق. وإشارتهم إلى الفناء الذي يصطلم المشير وإشارته والمعبر وعبارته مع ظهور سلطان الحقيقة التي هي فوق الإشارة والعبارة والدلالة. والله سبحانه وتعالى أعلم.  [فصل منزلة الذكر] [حقيقة الذكر] فصل منزلة الذكر ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الذكر وهي منزلة القوم الكبرى التي منها يتزودون وفيها يتجرون وإليها دائما يترددون. والذكر منشور الولاية الذي من أعطيه اتصل ومن منعه عزل وهو قوت قلوب القوم الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا وعمارة ديارهم التي إذا تعطلت عنه صارت بورا وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطريق وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الطريق ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب والسبب الواصل والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيوب. إذا مرضنا تداوينا بذكركم ... فنترك الذكر أحيانا فننتكس(2\/395)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "889",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13886",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به يستدفعون الآفات ويستكشفون الكربات وتهون عليهم به المصيبات إذا أظلهم البلاء فإليه ملجؤهم وإذا نزلت بهم النوازل فإليه مفزعهم. فهو رياض جنتهم التي فيها يتقلبون ورءوس أموال سعادتهم التي بها يتجرون. يدع القلب الحزين ضاحكا مسرورا ويوصل الذاكر إلى المذكور بل يدع الذاكر مذكورا. وفي كل جارحة من الجوارح عبودية مؤقتة والذكر عبودية القلب واللسان وهي غير مؤقتة بل هم مأمورون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كل حال: قياما وقعودا وعلى جنوبهم. فكما أن الجنة قيعان وهو غراسها فكذلك القلوب بور وخراب وهو عمارتها وأساسها. وهو جلاء القلوب وصقالها ودواؤها إذا غشيها اعتلالها وكلما ازداد الذاكر في ذكره استغراقا: ازداد المذكور محبة إلى لقائه واشتياقا وإذا واطأ في ذكره قلبه للسانه: نسي في جنب ذكره كل شيء وحفظ الله عليه كل شيء وكان له عوضا من كل شيء. به يزول الوقر عن الأسماع والبكم عن الألسن وتنقشع الظلمة عن الأبصار. زين الله به ألسنة الذاكرين كما زين بالنور أبصار الناظرين فاللسان الغافل: كالعين العمياء والأذن الصماء واليد الشلاء. وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده ما لم يغلقه العبد بغفلته. قال الحسن البصري رحمه الله: تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة وفي الذكر وقراءة القرآن فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق. وبالذكر: يصرع العبد الشيطان كما يصرع الشيطان أهل الغفلة والنسيان. قال بعض السلف: إذا تمكن الذكر من القلب فإن دنا منه الشيطان صرعه كما يصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان فيجتمع عليه الشياطين فيقولون: ما لهذا فيقال: قد مسه الإنسي. وهو روح الأعمال الصالحة فإذا خلا العمل عن الذكر كان كالجسد الذي لا روح فيه. والله أعلم.  [فصل أوجه الذكر في القرآن] فصل وهو في القرآن على عشرة أوجه. الأول: الأمر به مطلقا ومقيدا. الثاني: النهي عن ضده من الغفلة والنسيان. الثالث: تعليق الفلاح باستدامته وكثرته.(2\/396)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "890",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13887",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرابع: الثناء على أهله والإخبار بما أعد الله لهم من الجنة والمغفرة. الخامس: الإخبار عن خسران من لها عنه بغيره. السادس: أنه سبحانه جعل ذكره لهم جزاء لذكرهم له. السابع: الإخبار أنه أكبر من كل شيء. الثامن: أنه جعله خاتمة الأعمال الصالحة كما كان مفتاحها. التاسع: الإخبار عن أهله بأنهم هم أهل الانتفاع بآياته وأنهم أولو الألباب دون غيرهم. العاشر: أنه جعله قرين جميع الأعمال الصالحة وروحها فمتى عدمته كانت كالجسد بلا روح.  [تفصيل أوجه الذكر في القرآن] فصل في تفصيل ذلك 1 - أما الأول: فكقوله تعالى: ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا - وسبحوه بكرة وأصيلا - هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما [الأحزاب: 41 - 43] وقوله تعالى: واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة [الأعراف: 205] . وفيه قولان أحدهما: في سرك وقلبك والثاني: بلسانك بحيث تسمع نفسك. 2 - وأما النهي عن ضده: فكقوله: ولا تكن من الغافلين [الأعراف: 205] وقوله: ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم [الحشر: 19] . 3 - وأما تعليق الفلاح بالإكثار منه: فكقوله: واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون [الجمعة: 10] . 4 - وأما الثناء على أهله وحسن جزائهم: فكقوله: إن المسلمين والمسلمات [الأحزاب: 35] إلى قوله: والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما [الأحزاب: 35] . 5 - وأما خسران من لها عنه فكقوله تعالى: ياأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون [المنافقون: 9] .(2\/397)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "891",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13888",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "6 - وأما جعل ذكره لهم جزاء لذكرهم له فكقوله: فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون [البقرة: 152] . 7 - وأما الإخبار عنه بأنه أكبر من كل شيء فكقوله تعالى: اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر [العنكبوت: 45] وفيها أربعة أقوال: أحدها: أن ذكر الله أكبر من كل شيء فهو أفضل الطاعات; لأن المقصود بالطاعات كلها: إقامة ذكره فهو سر الطاعات وروحها. الثاني: أن المعنى: أنكم إذا ذكرتموه ذكركم فكان ذكره لكم أكبر من ذكركم له. فعلى هذا: المصدر مضاف إلى الفاعل وعلى الأول: مضاف إلى المذكور. الثالث: أن المعنى: ولذكر الله أكبر من أن يبقى معه فاحشة ومنكر بل إذا تم الذكر: محق كل خطيئة ومعصية. هذا ما ذكره المفسرون. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول: معنى الآية: أن في الصلاة فائدتين عظيمتين إحداهما: نهيها عن الفحشاء والمنكر والثانية: اشتمالها على ذكر الله وتضمنها له ولما تضمنته من ذكر الله أعظم من نهيها عن الفحشاء والمنكر. 8 - وأما ختم الأعمال الصالحة به: فكما ختم به عمل الصيام بقوله: ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون [البقرة: 185] . وختم به الحج في قوله: فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا [البقرة: 200] . وختم به الصلاة كقوله: فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم [النساء: 103] وختم به الجمعة كقوله: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون [الجمعة: 10](2\/398)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "892",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13889",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولهذا كان خاتمة الحياة الدنيا وإذا كان آخر كلام العبد أدخله الله الجنة 9 - وأما اختصاص الذاكرين بالانتفاع بآياته وهم أولو الألباب والعقول فكقوله تعالى: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب - الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم [آل عمران: 190 - 191] 10 - وأما مصاحبته لجميع الأعمال واقترانه بها وأنه روحها: فإنه سبحانه قرنه بالصلاة كقوله: وأقم الصلاة لذكري [طه: 14] وقرنه بالصيام وبالحج ومناسكه بل هو روح الحج ولبه ومقصوده. كما قال النبي: إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله . وقرنه بالجهاد وأمر بذكره عند ملاقاة الأقران ومكافحة الأعداء فقال تعالى: ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون [الأنفال: 45] وفي أثر إلهي يقول الله تعالى: إن عبدي - كل عبدي - الذي يذكرني وهو ملاق قرنه. سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يستشهد به وسمعته يقول: المحبون يفتخرون بذكر من يحبونه في هذه الحال كما قال عنترة: ولقد ذكرتك والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم وقال الآخر: ذكرتك والخطي يخطر بيننا ... وقد نهلت منا المثقفة السمر قال آخر: ولقد ذكرتك والرماح شواجر ... تحوي وبيض الهند تقطر من دمي وهذا كثير في أشعارهم وهو مما يدل على قوة المحبة. فإن ذكر المحب محبوبه(2\/399)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "893",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13890",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في تلك الحال التي لا يهم المرء فيها غير نفسه يدل على أنه عنده بمنزلة نفسه أو أعز منها وهذا دليل على صدق المحبة والله أعلم.  [فصل فضل أهل الذكر] فصل والذاكرون: هم أهل السبق كما روى مسلم في صحيحه من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له جمدان فقال: سيروا هذا جمدان سبق المفردون. قالوا: وما المفردون يا رسول الله قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات والمفردون إما الموحدون وإما الآحاد الفرادى وفي المسند مرفوعا من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه: ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والفضة وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا: وما ذاك يا رسول الله قال: ذكر الله عز وجل . وروى شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت الأغر قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما أنهما شهدا على رسول الله قال: لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده وهو في صحيح مسلم. ويكفي في شرف الذكر: أن الله يباهي ملائكته بأهله كما في صحيح مسلم عن معاوية رضي الله عنه: أن رسول الله: خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا. قال:(2\/400)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "894",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13891",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "آلله ما أجلسكم إلا ذلك قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكن أتاني جبريل فأخبرني: أن الله يباهي بكم الملائكة . وسأل أعرابي رسول الله: أي الأعمال أفضل فقال: أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله وقال له رجل: إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فمرني بأمر أتشبث به. فقال: لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله . وفي المسند وغيره من حديث جابر قال: خرج علينا رسول الله فقال: أيها الناس ارتعوا في رياض الجنة. قلنا: يا رسول الله وما رياض الجنة فقال: مجالس الذكر . وقال: اغدوا وروحوا واذكروا من كان يحب أن يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده; فإن الله ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه وروى النبي عن أبيه إبراهيم ليلة الإسراء أنه قال له: أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر رواه الترمذي وأحمد وغيرهما. وفي الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه عن النبي: مثل الذي(2\/401)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "895",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13892",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يذكر ربه والذي لا يذكره: مثل الحي والميت ولفظ مسلم: مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه: مثل الحي والميت فجعل بيت الذاكر بمنزلة بيت الحي وبيت الغافل بمنزلة بيت الميت وهو القبر. وفي اللفظ الأول: جعل الذاكر بمنزلة الحي والغافل بمنزلة الميت فتضمن اللفظان: أن القلب الذاكر كالحي في بيوت الأحياء والغافل كالميت في بيوت الأموات. ولا ريب أن أبدان الغافلين قبور لقلوبهم وقلوبهم فيها كالأموات في القبور كما قيل: فنسيان ذكر الله موت قلوبهم ... وأجسامهم قبل القبور قبور وأرواحهم في وحشة من جسومهم ... وليس لهم حتى النشور نشور وكما قيل: فنسيان ذكر الله موت قلوبهم ... وأجسامهم فهي القبور الدوارس وأرواحهم في وحشة من حبيبهم ... ولكنها عند الخبيث أوانس وفي أثر إلهي: يقول الله تعالى: إذا كان الغالب على عبدي ذكري: أحبني وأحببته . وفي آخر: فبي فافرحوا وبذكري فتنعموا . وفي آخر: ابن آدم ما أنصفتني! أذكرك وتنساني وأدعوك وتهرب إلى غيري وأذهب عنك البلايا وأنت معتكف على الخطايا. يا ابن آدم ما تقول غدا إذا جئتني . وفي آخر: ابن آدم اذكرني حين تغضب: أذكرك حين أغضب وارض بنصرتي لك فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك . وفي الصحيح في الأثر الذي يرويه رسول الله عن ربه تبارك وتعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم . وقد ذكرنا في الذكر نحو مائة فائدة في كتابنا quot; الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب quot;(2\/402)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "896",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13893",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكرنا هناك أسرار الذكر وعظم نفعه وطيب ثمرته وذكرنا فيه: أن الذكر ثلاثة أنواع: ذكر الأسماء والصفات ومعانيها والثناء على الله بها وتوحيد الله بها. وذكر الأمر والنهي والحلال والحرام. وذكر الآلاء والنعماء والإحسان والأيادي. وأنه ثلاثة أنواع أيضا: ذكر يتواطأ عليه القلب واللسان وهو أعلاها وذكر بالقلب وحده وهو في الدرجة الثانية وذكر باللسان المجرد وهو في الدرجة الثالثة.  [فصل حقيقة الذكر] فصل قال صاحب quot; المنازل quot;: قال الله تعالى: واذكر ربك إذا نسيت [الكهف: 24] يعني: إذا نسيت غيره ونسيت نفسك في ذكرك ثم نسيت ذكرك في ذكره ثم نسيت في ذكر الحق إياك كل ذكر. ليته - قدس الله روحه - لم يقل. فلا والله ما عنى الله هذا المعنى ولا هو مراد الآية ولا تفسيرها عند أحد من السلف ولا من الخلف. وتفسير الآية عند جماعة المفسرين: أنك لا تقل لشيء: أفعل كذا وكذا حتى تقول: إن شاء الله. فإذا نسيت أن تقولها فقلها متى ذكرتها. وهذا هو الاستثناء المتراخي الذي جوزه ابن عباس وتأول عليه الآية. وهو الصواب. فغلط عليه من لم يفهم كلامه ونقل عنه أن الرجل إذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا أو قال: نسائي الأربع طوالق. ثم بعد سنة يقول: إلا واحدة أو: إلا زينب - إن هذا الاستثناء ينفعه. وقد صان الله عن هذا من هو دون غلمان ابن عباس بكثير فضلا عن البحر حبر الأمة وعالمها الذي فقهه الله في الدين وعلمه التأويل. وما أكثر ما ينقل الناس المذاهب الباطلة عن العلماء بالأفهام القاصرة. ولو ذهبنا نذكر ذلك لطال جدا وإن ساعد الله أفردنا له كتابا. والذي أجمع عليه المفسرون: أن أهل مكة سألوا النبي عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فقال: أخبركم غدا. ولم يقل: إن شاء الله. فتلبث الوحي أياما ثم نزلت هذه الآية. قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم: معناه:(2\/403)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "897",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13894",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت فاستثن. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ويجوز الاستثناء إلى سنة. وقال عكرمة رحمه الله: واذكر ربك إذا غضبت وقال الضحاك والسدي: هذا في الصلاة أي إذا نسيت الصلاة فصلها متى ذكرتها. وأما كلام صاحب quot; المنازل quot;: فيحمل على الإشارة لا على التفسير. فذكر أربع مراتب: إحداها: أن ينسى غير الله ولا ينسى نفسه لأنه ناس لغيره ولا يكون ناسيا إلا ونفسه باقية يعلم أنه ناس بها لما سوى المذكور. الثانية: نسيان نفسه في ذكره وهي التي عبر عنها بقوله: ونسيت نفسك في ذكرك. وفي هذه المرتبة: ذكره معه لم ينسه. فقال في المرتبة الثالثة: ثم نسيت ذكرك في ذكره. وهي مرتبة الفناء. ثم قال في المرتبة الرابعة: ثم نسيت في ذكر الحق إياك كل ذكر. وهذا الفناء بذكر الحق عبده عن ذكر العبد ربه. فأما المرتبة الأولى: فهي أول درجات الذكر وهي أن تنسى غير المذكور ولا تنسى نفسك في الذكر وفي هذه المرتبة: لم يذكره بتمام الذكر إذ لتمامه مرتبتان فوقه: إحداهما: نسيان نفسه وهي المرتبة الثانية فيغيب بذكره عن نفسه فيعدم إدراكها بوجدان المذكور. الثانية: نسيان ذكره في ذكره كما سئل ذو النون عن الذكر فقال: غيبة الذاكر عن الذكر ثم أنشد: لا لأني أنساك أكثر ذكرا ك ... ولكن بذاك يجري لساني وهذه هي المرتبة الثالثة. ففي الأولى: فني عما سوى المذكور ولم يفن عن نفسه. وفي الثانية: فني عن نفسه دون ذكره. وفي الثالثة: فني عن نفسه وذكره. وبقي بعد هذا مرتبة رابعة وهي: أن يفنى بذكر الحق سبحانه له عن كل ذكر فإنه ما ذكر الله إلا بعد ذكر الله له فذكر الله للعبد سابق على ذكر العبد للرب ففي(2\/404)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "898",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13895",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذه المرتبة الرابعة: يشهد صفات المذكور سبحانه وذكره لعبده فيفنى بذلك عن شهود ما من العبد وهذا الذي يسمونه وجدان المذكور في الذكر والذاكر. فإن الذاكر وذكره والمذكور ثلاثة أشياء: فالذاكر وذكره قد اضمحلا وفنيا ولم يبق غير المذكور وحده ولا شيء معه سواه فهو الذاكر لنفسه بنفسه من غير حلول ولا اتحاد. بل الذكر منه بدأ وإليه يعود. وذكر العبد لربه محفوف بذكرين من ربه له: ذكر قبله به صار العبد ذاكرا له وذكر بعده به صار العبد مذكورا كما قال تعالى: فاذكروني أذكركم [البقرة: 152] وقال فيما يروي عنه نبيه: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه . والذكر الذي ذكره الله به بعد ذكره له: نوع غير الذكر الذي ذكره به قبل ذكره له ومن كثف فهمه عن هذا فليجاوزه إلى غيره فقد قيل: إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع وسألت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يوما فقلت له: إذا كان الرب سبحانه يرضى بطاعة العبد ويفرح بتوبته ويغضب من مخالفته فهل يجوز أن يؤثر المحدث في القديم حبا وبغضا وفرحا وغير ذلك فقال لي: الرب سبحانه هو الذي خلق أسباب الرضا والغضب والفرح وإنما كانت بمشيئته وخلقه فلم يكن ذلك التأثر من غيره بل من نفسه بنفسه والممتنع أن يؤثر غيره فيه فهذا محال وأما أن يخلق هو أسبابا ويشاءها ويقدرها تقتضي رضاه ومحبته وفرحه وغضبه: فهذا ليس بمحال فإن ذلك منه بدأ وإليه يعود والله سبحانه أعلم.  [فصل الفرق بين الغفلة والنسيان] فصل قال: والذكر: هو التخلص من الغفلة والنسيان. والفرق بين الغفلة والنسيان: أن الغفلة ترك باختيار الغافل والنسيان ترك(2\/405)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "899",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13896",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بغير اختياره ولهذا قال تعالى: ولا تكن من الغافلين [الأعراف: 205] ولم يقل: ولا تكن من الناسين فإن النسيان لا يدخل تحت التكليف فلا ينهى عنه.  [درجات الذكر] [الدرجة الأولى الذكر الظاهر] قال: وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى: الذكر الظاهر من: ثناء أو دعاء أو رعاية. يريد بالظاهر: الجاري على اللسان المطابق للقلب لا مجرد الذكر اللساني فإن القوم لا يعتدون به. فأما ذكر الثناء: فنحو: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وأما ذكر الدعاء فنحو: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [الأعراف: 23] و: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث. ونحو ذلك. وأما ذكر الرعاية: فمثل قول الذاكر: الله معي والله ناظر إلي الله شاهدي. ونحو ذلك مما يستعمل لتقوية الحضور مع الله وفيه رعاية لمصلحة القلب ولحفظ الأدب مع الله والتحرز من الغفلة والاعتصام من الشيطان والنفس. والأذكار النبوية تجمع الأنواع الثلاثة فإنها متضمنة للثناء على الله والتعرض للدعاء والسؤال والتصريح به كما في الحديث: أفضل الدعاء الحمد لله قيل لسفيان بن عيينة: كيف جعلها دعاء قال: أما سمعت قول أمية بن أبي الصلت لعبد الله بن جدعان يرجو نائله: أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء فهذا مخلوق واكتفى من مخلوق بالثناء عليه من سؤاله فكيف برب العالمين . والأذكار النبوية متضمنة أيضا لكمال الرعاية ومصلحة القلب والتحرز من(2\/406)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "900",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13897",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الغفلات والاعتصام من الوساوس والشيطان والله أعلم.  [فصل الدرجة الثانية الذكر الخفي] فصل قال: الدرجة الثانية: الذكر الخفي وهو الخلاص من القيود والبقاء مع الشهود ولزوم المسامرة. يريد بالخفي هاهنا: الذكر بمجرد القلب بما يعرض له من الواردات وهذا ثمرة الذكر الأول. ويريد بالخلاص من القيود: التخلص من الغفلة والنسيان والحجب الحائلة بين القلب وبين الرب سبحانه. والبقاء مع الشهود: ملازمة الحضور مع المذكور ومشاهدة القلب له حتى كأنه يراه. ولزوم المسامرة: هي لزوم مناجاة القلب لربه: تملقا تارة وتضرعا تارة وثناء تارة واستعظاما تارة. وغير ذلك من أنواع المناجاة بالسر والقلب وهذا شأن كل محب وحبيبه كما قيل: إذا ما خلونا والرقيب بمجلس ... فنحن سكوت والهوى يتكلم  [فصل الدرجة الثالثة الذكر الحقيقي] فصل قال: الدرجة الثالثة: الذكر الحقيقي وهو شهود ذكر الحق إياك والتخلص من شهود ذكرك ومعرفة افتراء الذاكر في بقائه مع الذكر. إنما سمي هذا الذكر في هذه الدرجة حقيقيا; لأنه منسوب إلى الرب تعالى وأما نسبة الذكر للعبد: فليست حقيقية. فذكر الله لعبده هو الذكر الحقيقي وهو شهود ذكر الحق عبده وأنه ذكره فيمن اختصه وأهله للقرب منه ولذكره. فجعله ذاكرا له ففي الحقيقة: هو الذاكر لنفسه بأن جعل عبده ذاكرا له وأهله لذكره وهذا المعنى هو الذي أشار إليه في باب التوحيد بقوله: توحيده إياه توحيده ... ونعت من ينعته لاحد أي هو الذي وحد نفسه في الحقيقة فتوحيد العبد منسوب إليه حقيقة ونسبته إلى(2\/407)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "901",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13898",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العبد غير حقيقية. إذ ذاك لم يكن به ولا منه وإنما هو مجعول فيه فإن سمي موحدا ذاكرا فلكونه مجرى ومحلا لما أجري فيه كما يسمى أبيض وأسود وطويلا وقصيرا; لكونه محلا لهذه الصفات لا صنع له فيها ولم توجبها مشيئته ولا حوله ولا قوته. هذا مع ما يتصل بذلك من استيلاء القرب والفناء عن الرسم والغيبة بالمشهود عن الشهود وقوة الوارد فيتركب من ذلك ذوق خاص: أنه ما وحد الله إلا الله وما ذكر الله إلا الله وما أحب الله إلا الله. فهذا حقيقة ما عند القوم فالعارفون منهم أرباب البصائر أعطوا مع ذلك العبودية حقها والعلم حقه وعرفوا أن العبد عبد حقيقة من كل وجه والرب رب حقيقة من كل وجه وقاموا بحق العبودية بالله لا بأنفسهم ولله لا لحظوظهم وفنوا بمشاهدة معاني أسمائه وصفاته عما سواه وبما له محبة ورضا عما به كونا ومشيئة. فإن الكون كله به والذي له: هو محبوبه ومرضيه فهو له وبه والمنحرفون فنوا بما به عما له فوالوا أعداءه وعطلوا دينه وسووا بين محابه ومساخطه ومواقع رضاه وغضبه. والله المستعان. قوله: التخلص من شهود ذكرك. يعني: بفناء شهود ذكره لك عن شهود ذكرك له وهذا الشهود يريح العبد من رؤية النفس وملاحظة العمل ويميته ويحييه: يميته عن نفسه ويحييه بربه ويفنيه ويقتطعه من نفسه ويوصله بربه وهذا هو عين الظفر بالنفس. قال بعض العارفين: انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بنفوسهم. قوله: ومعرفة افتراء الذاكر في بقائه مع الذكر. يعني: أن الباقي مع الذكر يشهد على نفسه أنه ذاكر وذلك افتراء منه; فإنه لا فعل له. ولا يزول عنه هذا الافتراء إلا إذا فني عن ذكره فإن شهود ذكره وبقاءه معه افتراء يتضمن نسبة الذكر إليه وهي في الحقيقة ليست له. فيقال: سبحان الله! أي افتراء في هذا وهل هذا إلا شهود الحقائق على ما هي عليه فإنه إذا شهد نفسه ذاكرا بجعل الله له ذاكرا وتأهيله له وتقدم ذكره للعبد على ذكر العبد له فاجتمع في شهوده الأمران فأي افتراء هاهنا ! وهل هذا إلا عين الحق وشهود الحقائق على ما هي عليه . نعم الافتراء: أن يشهد ذلك به وبحوله وقوته لا بالله وحده. لكن الشيخ لا تأخذه في الفناء لومة لائم ولا يصغي فيه إلى عاذل.(2\/408)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "902",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13899",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والذي لا ريب فيه: أن البقاء في الذكر أكمل من الفناء فيه والغيبة به; لما في البقاء من التفصيل والمعارف وشهود الحقائق على ما هي عليه والتمييز بين الرب والعبد وما قام بالعبد وما قام بالرب تعالى وشهود العبودية والمعبود. وليس في الفناء شيء من ذلك والفناء - كاسمه - الفناء والبقاء بقاء كاسمه والفناء مطلوب لغيره والبقاء مطلوب لنفسه والفناء وصف العبد والبقاء وصف الرب. والفناء عدم والبقاء وجود والفناء نفي والبقاء إثبات والسلوك على درب الفناء مخطر وكم به من مفازة ومهلكة والسلوك على درب البقاء آمن; فإنه درب عليه الأعلام والهداة والخفراء ولكن أصحاب الفناء يزعمون أنه طويل ولا يشكون في سلامته وإيصاله إلى المطلوب ولكنهم يزعمون أن درب الفناء أقرب وراكبه طائر وراكب درب البقاء سائر والكمل من السائرين يرون الفناء منزلة من منازل الطريق وليس نزولها عاما لكل سائر بل منهم من لا يراها ولا يمر بها وإنما الدرب الأعظم والطريق الأقوم هو درب البقاء. ويحتجون على صاحب الفناء بالانتقال إليه من الفناء وإلا فهو عندهم على خطر والله المستعان وهو سبحانه أعلم.  [فصل منزلة الفقر] [حقيقة الفقر] فصل منزلة الفقر ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الفقر هذه المنزلة أشرف منازل الطريق عند القوم وأعلاها وأرفعها. بل هي روح كل منزلة وسرها ولبها وغايتها. وهذا إنما يعرف بمعرفة حقيقة الفقر. والذي تريد به هذه الطائفة أخص من معناه الأصلي. فإن لفظ الفقر وقع في القرآن في ثلاثة مواضع. أحدها: قوله تعالى: للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف [البقرة: 273]- الآية أي الصدقات لهؤلاء. كان فقراء المهاجرين نحو أربعمائة. لم يكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر. وكانوا قد حبسوا(2\/409)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "903",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13900",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنفسهم على الجهاد في سبيل الله. فكانوا وقفا على كل سرية يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهم أهل الصفة. هذا أحد الأقوال في إحصارهم في سبيل الله. وقيل: هو حبسهم أنفسهم في طاعة الله. وقيل: حبسهم الفقر والعدم عن الجهاد في سبيل الله. وقيل: لما عادوا أعداء الله وجاهدوهم في الله تعالى أحصروا عن الضرب في الأرض لطلب المعاش. فلا يستطيعون ضربا في الأرض. والصحيح: أنهم - لفقرهم وعجزهم وضعفهم - لا يستطيعون ضربا في الأرض ولكمال عفتهم وصيانتهم يحسبهم من لم يعرف حالهم أغنياء. والموضع الثاني: قوله تعالى: إنما الصدقات للفقراء [التوبة: 60]- الآية. والموضع الثالث: قوله تعالى: ياأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله [فاطر: 15] . فالصنف الأول: خواص الفقراء. والثاني: فقراء المسلمين خاصهم وعامهم. والثالث: الفقر العام لأهل الأرض كلهم: غنيهم وفقيرهم مؤمنهم وكافرهم. فالفقراء الموصوفون في الآية الأولى: يقابلهم أصحاب الجدة ومن ليس محصرا في سبيل الله ومن لا يكتم فقره تعففا. فمقابلهم أكثر من مقابل الصنف الثاني. والصنف الثاني: يقابلهم الأغنياء أهل الجدة. ويدخل فيهم المتعفف وغيره. والمحصر في سبيل الله وغيره. والصنف الثالث: لا مقابل لهم. بل الله وحده الغني. وكل ما سواه فقير إليه. ومراد القوم بالفقر شيء أخص من هذا كله. وهو تحقيق العبودية. والافتقار إلى الله تعالى في كل حالة. وهذا المعنى أجل من أن يسمى فقرا. بل هو حقيقة العبودية ولبها. وعزل النفس عن مزاحمة الربوبية. وسئل عنه يحيى بن معاذ. فقال: حقيقته أن لا يستغني إلا بالله ورسمه: عدم الأسباب كلها. يقول: عدم الوثوق بها والوقوف معها. وهو كما قال بعض المشايخ: شيء لا يضعه الله إلا عند من يحبه. ويسوقه إلى من يريده.(2\/410)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "904",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13901",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسئل رويم عن الفقر فقال: إرسال النفس في أحكام الله. وهذا إنما يحمد في إرسالها في الأحكام الدينية والقدرية التي لا يؤمر بمدافعتها والتحرز منها. وسئل أبو حفص: بم يقدم الفقير على ربه فقال: ما للفقير شيء يقدم به على ربه سوى فقره. وحقيقة الفقر وكماله كما قال بعضهم وقد سئل: متى يستحق الفقير اسم الفقر فقال: إذا لم يبق عليه بقية منه. فقيل له: وكيف ذاك فقال: إذا كان له فليس له. وإذا لم يكن له فهو له. وهذه من أحسن العبارات عن معنى الفقر الذي يشير إليه القوم. وهو أن كله يصير لله عز وجل. لا يبقى عليه بقية من نفسه وحظه وهواه. فمتى بقي عليه شيء من أحكام نفسه ففقره مدخول. ثم فسر ذلك بقوله: إذا كان له فليس له أي: إذا كان لنفسه فليس لله. وإذا لم يكن لنفسه فهو لله. فحقيقة الفقر أن لا تكون لنفسك. ولا يكون لها منك شيء بحيث تكون كلك لله. وإذا كنت لنفسك فثم ملك واستغناء مناف للفقر. وهذا الفقر الذي يشيرون إليه: لا تنافيه الجدة ولا الأملاك. فقد كان رسل الله وأنبياؤه في ذروته مع جدتهم وملكهم كإبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم كان أبا الضيفان. وكانت له الأموال والمواشي وكذلك كان سليمان وداود عليهما السلام. وكذلك كان نبينا صلى الله عليه وسلم كان كما قال الله تعالى: ووجدك عائلا فأغنى [الضحى: 8] فكانوا أغنياء في فقرهم. فقراء في غناهم. فالفقر الحقيقي: دوام الافتقار إلى الله في كل حال وأن يشهد العبد - في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة - فاقة تامة إلى الله تعالى من كل وجه. فالفقر ذاتي للعبد. وإنما يتجدد له لشهوده ووجوده حالا وإلا فهو حقيقة. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية. قدس الله روحه: والفقر لي وصف ذات لازم أبدا ... كما الغنى أبدا وصف له ذاتي(2\/411)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "905",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13902",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وله آثار وعلامات وموجبات وأسباب أكثر إشارات القوم إليها. كقول بعضهم: الفقير لا تسبق همته خطوته. يريد: أنه ابن حاله ووقته. فهمته مقصورة على وقته لا تتعداه. وقيل: أركان الفقر أربعة: علم يسوسه وورع يحجزه ويقين يحمله وذكر يؤنسه. وقال الشبلي: حقيقة الفقر أن لا يستغني بشيء دون الله. وسئل سهل بن عبد الله: متى يستريح الفقير فقال: إذا لم ير لنفسه غير الوقت الذي هو فيه. وقال أبو حفص: أحسن ما يتوسل به العبد إلى الله: دوام الافتقار إليه على جميع الأحوال. وملازمة السنة في جميع الأفعال وطلب القوت من وجه حلال. وقيل: من حكم الفقر: أن لا تكون له رغبة. فإذا كان ولا بد فلا تجاوز رغبته كفايته. وقيل: الفقير من لا يملك ولا يملك. وأتم من هذا: من يملك ولا يملكه مالك. وقيل: من أراد الفقر لشرف الفقر مات فقيرا. ومن أراده لئلا يشتغل عن الله بشيء مات غنيا. والفقر له بداية ونهاية. وظاهر وباطن فبدايته: الذل. ونهايته: العز. وظاهره: العدم. وباطنه: الغنى. كما قال رجل لآخر: فقر وذل فقال: لا. بل فقر وعز. فقال: فقر وثراء فقال: لا بل فقر وعرش وكلاهما مصيب. واتفقت كلمة القوم على أن دوام الافتقار إلى الله - مع التخليط - خير من دوام الصفاء مع رؤية النفس والعجب مع أنه لا صفاء معهما. وإذا عرفت معنى الفقر علمت أنه عين الغنى بالله. فلا معنى لسؤال من سأل: أي الحالين أكمل الافتقار إلى الله أم الاستغناء به . فهذه مسألة غير صحيحة. فإن الاستغناء به هو عين الافتقار إليه. وسئل عن ذلك محمد بن عبد الله الفرغاني فقال: إذا صح الافتقار إلى الله(2\/412)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "906",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13903",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى فقد صح الاستغناء بالله وإذا صح الاستغناء بالله كمل الغنى به. فلا يقال أيهما أفضل: الافتقار أم الاستغناء لأنهما حالتان لا تتم إحداهما إلا بالأخرى. وأما كلامهم في مسألة الفقير الصابر والغني الشاكر وترجيح أحدهما على صاحبه. فعند أهل التحقيق والمعرفة: أن التفضيل لا يرجع إلى ذات الفقر والغنى. وإنما يرجع إلى الأعمال والأحوال والحقائق. فالمسألة أيضا فاسدة في نفسها. فإن التفضيل عند الله تعالى بالتقوى وحقائق الإيمان. لا بفقر ولا غنى كما قال تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم [الحجرات: 13] ولم يقل أفقركم ولا أغناكم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - والفقر والغنى ابتلاء من الله لعبده. كما قال تعالى فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن - وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن [الفجر: 15 - 16] كلا أي ليس كل من وسعت عليه وأعطيته: أكون قد أكرمته ولا كل من ضيقت عليه وقترت: أكون قد أهنته فالإكرام: أن يكرم الله العبد بطاعته والإيمان به ومحبته ومعرفته. والإهانة: أن يسلبه ذلك. قال - يعني ابن تيمية - ولا يقع التفاضل بالغنى والفقر. بل بالتقوى فإن استويا في التقوى استويا في الدرجة. سمعته يقول ذلك. وتذاكروا هذه المسألة عند يحيى بن معاذ. فقال: لا يوزن غدا الفقر ولا الغنى وإنما يوزن الصبر والشكر. وقال غيره: هذه المسألة محال من وجه آخر. وهو أن كلا من الغني والفقير لا بد له من صبر وشكر. فإن الإيمان نصفان: نصف صبر. ونصف شكر. بل قد يكون نصيب الغني وقسطه من الصبر أوفر. لأنه يصبر عن قدرة فصبره أتم من صبر من يصبر عن عجز. ويكون شكر الفقير أتم لأن الشكر هو استفراغ الوسع في طاعة الله والفقير أعظم فراغا للشكر من الغني. فكلاهما لا تقوم قائمة إيمانه إلا على ساقي الصبر والشكر. نعم الذي يحكي الناس من هذه المسألة: فرعا من الشكر وفرعا من الصبر.(2\/413)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "907",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13904",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأخذوا في الترجيح بينهما. فجردوا غنيا منفقا متصدقا باذلا ماله في وجوه القرب شاكرا لله عليه. وفقيرا متفرغا لطاعة الله. ولأوراد العبادات من الطاعات صابرا على فقره. فهل هو أكمل من ذلك الغني أم الغني أكمل منه . فالصواب في مثل هذا: أن أكملهما أطوعهما. فإن تساوت طاعتهما تساوت درجاتهما. والله أعلم.  [فصل تعريف الفقر] فصل قال صاحب quot; المنازل quot; رحمه الله. الفقر اسم للبراءة من الملكة. عدل الشيخ عن لفظ عدم الملكة إلى قوله: البراءة من الملكة لأن عدم الملكة ثابت في نفس الأمر لكل أحد سوى الله تعالى. فالله سبحانه هو المالك حقيقة. فعدم الملكة: أمر ثابت لكل ما سواه لذاته. والكلام في الفقر الذي يمدح به صاحبه: هو فقر الاختيار. وهو أخص من مطلق الفقر. وهو براءة العبد من دعوى الملك بحيث لا ينازع مالكه الحق. ولما كانت نفس الإنسان ليست له. وإنما هي ملك لله. فما لم يخرج عنها ويسلمها لمالكها الحق: لم يثبت له في الفقر قدم. فلذلك كان أول قدم الفقر: الخروج عن النفس وتسليمها لمالكها ومولاها. فلا يخاصم لها ولا يتوكل لها ولا يحاجج عنها ولا ينتصر لها بل يفوض ذلك لمالكها وسيدها. قال بندار بن الحسين: لا تخاصم لنفسك. فإنها ليست لك. دعها لمالكها يفعل بها ما يريد. وقد أجمعت هذه الطائفة على أنه لا وصول إلى الله إلا من طريق الفقر. ولا دخول عليه إلا من بابه. والله أعلم.  [فصل درجات الفقر] [الدرجة الأولى فقر الزهاد] فصل قال وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: فقر الزهاد. وهو قبض اليد عن(2\/414)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "908",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13905",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدنيا ضبطا أو طلبا. وإسكات اللسان عنها مدحا أو ذما. والسلامة منها طلبا أو تركا. وهذا هو الفقر الذي تكلموا في شرفه. الدنيا عند القوم: ما سوى الله تعالى من المال والجاه والصور والمراتب واختلف المتكلمون فيها على قولين. حكاهما أبو الحسن الأشعري في مقالاته. أحدهما: أنها اسم لمدة بقاء هذا العالم. والثاني: أنها اسم لما بين السماء والأرض. فما فوق السماء ليس من الدنيا. وما تحت الأرض ليس منها. فعلى الأول: تكون الدنيا زمانا. وعلى الثاني: تكون مكانا. ولما كان لها تعلق بالجوارح والقلب واللسان كان حقيقة الفقر: تعطيل هذه الثلاثة عن تعلقها بها وسلبها منها. فلذلك قال قبض اليد عن الدنيا ضبطا أو طلبا. يعني يقبض يده عن إمساكها إذا حصلت له. فإذا قبض يده عن الإمساك جاد بها. وإن كانت غير حاصلة له كف يده عن طلبها. فلا يطلب معدومها. ولا يبخل بموجودها. وأما تعطيلها عن اللسان: فهو أن لا يمدحها ولا يذمها. فإن اشتغاله بمدحها أو ذمها دليل على محبتها ورغبته فيها. فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره. وإنما اشتغل بذمها حيث فاتته. كمن طلب العنقود فلم يصل إليه فقال: هو حامض. ولا يتصدى لذم الدنيا إلا راغب محب مفارق. فالواصل مادح. والمفارق ذام. وأما تعطيل القلب منها فبالسلامة من آفات طلبها وتركها. فإن لتركها آفات. ولطلبها آفات. والفقر سلامة القلب من آفات الطلب والترك. بحيث لا يحجبه عن ربه بوجه من الوجوه الظاهرة والباطنة. لا في طلبها وأخذها ولا في تركها والرغبة عنها. فإن قلت: عرفت الآفة في أخذها وطلبها. فما وجه الآفة في تركها والرغبة عنها قلت: من وجوه شتى:(2\/415)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "909",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13906",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها: أنه إذا تركها - وهو بشر لا ملك - تعلق قلبه بما يقيمه ويقيته ويعيشه. وما هو محتاج إليه. فيبقى في مجاهدة شديدة مع نفسه لترك معلومها وحظها من الدنيا. وهذه قلة فقه في الطريق بل الفقيه العارف: يردها عنه بلقمة. كما يرد الكلب إذا نبح عليه بكسرة. ولا يقطع زمانه بمجاهدته ومدافعته بل أعطها حظها وطالبها بما عليها من الحق. هذه طريقة الرسل صلى الله عليهم وسلم. وهي طريقة العارفين من أرباب السلوك. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن لنفسك عليك حقا. ولربك عليك حقا. ولزوجك عليك حقا. ولضيفك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه . والعارف البصير يجعل عوض مجاهدته لنفسه في ترك شهوة مباحة: مجاهدته لأعداء الله من شياطين الإنس والجن وقطاع الطريق على القلوب. كأهل البدع من بني العلم وبني الإرادة ويستفرغ قواه في حربهم ومجاهدتهم. ويتقوى على حربهم بإعطاء النفس حقها من المباح. ولا يشتغل بها. ومن آفات الترك: تطلعه إلى ما في أيدي الناس إذا مسته الحاجة إلى ما تركه فاستدامتها كان أنفع له من هذا الترك. ومن آفات تركها وعدم أخذها: ما يداخله من الكبر والعجب والزهو. وهذا يقابل الزهد فيها وتركها. كما أن كسرة الآخذ وذلته وتواضعه: يقابل الآخذ التارك. ففي الأخذ آفات. وفي الترك آفات. فالفقر الصحيح: السلامة من آفات الأخذ والترك. وهذا لا يحصل إلا بفقه في الفقر. قوله رحمه الله: فهذا هو الفقر الذي تكلموا في شرفه. يعني تكلم فيه أرباب السلوك. وفضلوه ومدحوه.(2\/416)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "910",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13907",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الدرجة الثانية الرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل] فصل قال الدرجة الثانية: الرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل. وهو يورث الخلاص من رؤية الأعمال. ويقطع شهود الأحوال. ويمحص من أدناس مطالعة المقامات. يريد بالرجوع إلى السبق: الالتفات إلى ما سبقت به السابقة من الله بمطالعة فضله ومنته وجوده. وأن العبد - وكل ما فيه من خير - فهو محض جود الله وإحسانه. وليس للعبد من ذاته سوى العدم. وذاته وصفاته وإيمانه وأعماله كلها من فضل الله عليه. فإذا شهد هذا وأحضره قلبه. وتحقق به: خلصه من رؤية أعماله. فإنه لا يراها إلا من الله وبالله. وليست منه هو ولا به. واتفقت كلمة الطائفة على أن رؤية الأعمال حجاب بين العبد وبين الله. ويخلصه منها: شهود السبق ومطالعة الفضل. وقوله: ويقطع شهود الأحوال. لأنه إذا طالع سبق فضل الله: علم أن كل ما حصل له من حال أو غيره فهو محض جوده. فلا يشهد له حالا مع الله ولا مقاما كما لم يشهد له عملا. فقد جعل عدته للقاء ربه: فقره من أعماله وأحواله. فهو لا يقدم عليه إلا بالفقر المحض. فالفقر خير العلاقة التي بينه وبين ربه والنسبة التي ينتسب بها إليه والباب الذي يدخل منه عليه. وكذلك قوله: يمحص من أدناس مطالعة المقامات. هو من جنس التخلص من رؤية الأعمال والانقطاع عن رؤية شهود الأحوال ومطالعة المقامات: دنس عند هذه الطائفة. فمطالعة الفضل يمحص من هذا الدنس. والفرق بين الحال والمقام: أن الحال معنى يرد على القلب من غير اجتلاب له ولا اكتساب ولا تعمد. والمقام يتوصل إليه بنوع كسب وطلب. فالأحوال عندهم مواهب والمقامات مكاسب. فالمقام يحصل ببذل المجهود. وأما الحال: فمن عين الجود. ولما دخل الواسطي نيسابور سأل أصحاب أبي عثمان: بماذا كان يأمركم شيخكم(2\/417)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "911",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13908",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقالوا: كان يأمر بالتزام الطاعات ورؤية التقصير فيها. فقال: أمركم بالمجوسية المحضة. هلا أمركم بالغيبة عنها برؤية منشئها ومجريها . قلت: لم يأمرهم أبو عثمان رحمه الله إلا بالحنيفية المحضة. وهي القيام بالأمر ومطالعة التقصير فيه. وليس في هذا من رائحة المجوسية شيء. فإنه إذا بذل الطاعة لله وبالله صانه ذلك عن الاتحاد والشرك. وإذا شهد تقصيره فيها صانه عن الإعجاب. فيكون قائما ب إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] . وأما ما أشار إليه الواسطي: فمشهد الفناء. ولا ريب أن مشهد البقاء أكمل. فإن من غاب عن طاعاته: لم يشهد تقصيره فيها. ومن تمام العبودية: شهود التقصير. فمشهد أبي عثمان أتم من مشهد الواسطي. وأبو عثمان هذا: هو سعيد بن إسماعيل النيسابوري من جلة شيوخ القوم وعارفيهم. وكان يقال: في الدنيا ثلاثة لا رابع لهم: أبو عثمان النيسابوري بنيسابور والجنيد ببغداد وأبو عبد الله بن الجلا بالشام. وله كلام رفيع عال في التصوف والمعرفة. وكان شديد الوصية باتباع السنة وتحكيمها ولزومها. ولما حضرته الوفاة مزق ابنه قميصا على نفسه. ففتح أبو عثمان عينيه وهو في السياق. فقال: يا بني خلاف السنة في الظاهر علامة رياء في الباطن.  [فصل الدرجة الثالثة الاضطرار] فصل قال الدرجة الثالثة: الاضطرار. والوقوع في يد التقطع الوجداني. أو الاحتباس في بيداء قيد التجريد. وهذا فقر الصوفية. الاضطرار: شهود كمال الضرورة والفاقة علما وحالا. ويريد بالوقوع في يد التقطع الوجداني: حضرة الجمع التي ليس عندها أغيار. فهي منقطعة عن الأغيار وحدانية في نفسها. والوقوع في يدها: الاستسلام والإذعان لها. والدخول في رقها. وقد تقدم أن حضرة الجمع عندهم: هي شهود الحقيقة الكونية ورؤيتها بنور الكشف حيث يشهدها منشأ جميع الكائنات. والكائنات عدم بالنسبة إليها. وأما الاحتباس في بيداء قيد التجريد.(2\/418)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "912",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13909",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهو تجريد الفردانية أن يشهد معها غيرها وهو الفناء عن شهود السوى. وسمي ذلك احتباسا لأنه منع نفسه عن شهود الأغيار. وجعل للتجريد قيدا. وهو التقيد بشهود الحقيقة. وجعل القيد بيداء لوجهين: أحدهما: أن الأغيار تبيد فيه وتنعدم. ولا يكون معه سواه. والثاني: لسعته وفضائه. فصاحب مشهده: في بيداء واسعة وإن احتبس في قيد شهوده. وقوله: وهذا فقر الصوفية. قد يفهم منه: أن التصوف أعلى عنده من الفقر. فإن هذه الدرجة الثالثة - التي هي أعلى درجات الفقر عنده - هي من بعض مقامات الصوفية. وطائفة تنازعه في ذلك وتقول: التصوف دون هذا المقام بكثير. والتصوف وسيلة إلى هذا الفقر. فإن التصوف خلق. وهذا الفقر حقيقة وغاية لا غاية وراءها. وقد تقدم ذكر الخلاف بين القوم في هذه المسألة. وحكينا فيها ثلاثة أقوال هذين. والثالث: أنه لا يفضل أحدهما على الآخر. فإن كل واحد منهم لا تتم حقيقته إلا بالآخر. وهذا قول الشاميين. والله أعلم.  [فصل منزلة الغنى] [حقيقة الغنى] فصل منزلة الغنى ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الغنى العالي. وهو نوعان: غنى بالله وغنى عن غير الله وهما حقيقة الفقر. ولكن أرباب الطريق أفردوا للغنى منزلة. قال صاحب quot; المنازل quot; رحمه الله: باب الغنى. قال الله تعالى: ووجدك عائلا فأغنى [الضحى: 8] . وفي الآية ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه أغناه من المال بعد فقره: وهذا قول أكثر المفسرين. لأنه قابله بقوله: عائلا والعائل: هو المحتاج. ليس ذا العيلة. فأغناه من المال.(2\/419)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "913",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13910",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثاني: أنه أرضاه بما أعطاه. وأغناه به عن سواه. فهو غنى قلب ونفس لا غنى مال. وهو حقيقة الغنى. والثالث: - وهو الصحيح - أنه يعم النوعين: نوعي الغنى فأغنى قلبه به. وأغناه من المال. ثم قال: الغنى اسم للملك التام. يعني أنه من كان مالكا من وجه دون وجه فليس بغني. وعلى هذا: فلا يستحق اسم الغني بالحقيقة إلا الله. وكل ما سواه فقير إليه بالذات.  [درجات الغنى] [الدرجة الأولى غنى القلب] قال: وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: غنى القلب. وهو سلامته من السبب. ومسالمته للحكم. وخلاصه من الخصومة. حقيقة غنى القلب: تعلقه بالله وحده. وحقيقة فقره المذموم: تعلقه بغيره. فإذا تعلق بالله حصلت له هذه الثلاثة التي ذكرها. سلامته من السبب أي من التعلق به. لا من القيام به. والغنى عند أهل الغفلة بالسبب. ولذلك قلوبهم معلقة به. وعند العارفين بالمسبب. وكذلك الصناعة والقوة. فهذه الثلاثة: هي جهات الغنى عند الناس. وهي التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: إن الصدقة لا تحل لغني. ولا لذي مرة سوي وفي رواية: ولا لقوي مكتسب وهو غنى بالشيء. فصاحبها غني بها إذا سكنت نفسه إليها. وإن كان سكونه إلى ربه: فهو غني به. وكل ما سكنت النفس إليه فهي فقيرة إليه. وأما مسالمة الحكم فعلى نوعين. أحدهما: مسالمة الحكم الديني الأمري. وهي معانقته وموافقته. ضد محاربته.(2\/420)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "914",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13911",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثاني: مسالمة الحكم الكوني القدري. الذي يجري عليه بغير اختياره ولا قدرة له على دفعه وهو غير مأمور بدفعه. وفي مسالمة الحكم نكتة لا بد منها. وهي تجريد إضافته ونسبته إلى من صدر عنه بحيث لا ينسبه إلى غيره. وهذا يتضمن توحيد الربوبية في مسالمة الحكم الكوني. وتوحيد الإلهية في مسالمة الحكم الديني. وهما حقيقة إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] . وأما الخلاص من الخصومة فإنما يحمد منه: الخلاص من الخصومة بنفسه لنفسه. وأما إذا خاصم بالله ولله: فهذا من كمال العبودية. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في استفتاحه: اللهم لك أسلمت. وبك آمنت. وعليك توكلت. وإليك أنبت. وبك خاصمت. وإليك حاكمت .  [الدرجة الثانية غنى النفس] قال: الدرجة الثانية. غنى النفس. وهو استقامتها على المرغوب. وسلامتها من الحظوظ. وبراءتها من المراءاة جعل الشيخ: غنى النفس فوق غنى القلب. ومعلوم: أن أمور القلب أكمل وأقوى من أمور النفس. لكن في هذا الترتيب نكتة لطيفة. وهي أن النفس من جند القلب ورعيته. وهي من أشد جنده خلافا عليه وشقاقا له. ومن قبلها تتشوش عليه المملكة. ويدخل عليه الداخل. فإذا حصل له كمال بالغنى: لم يتم له إلا بغناها أيضا. فإنها متى كانت فقيرة عاد حكم فقرها عليه. وتشوش عليه غناه. فكان غناها تماما لغناه وكمالا له. وغناه أصلا بغناها. فمنه يصل الغنى إليها. ومنها يصل الفقر والضرر والعنت إليه. إذا عرف هذا فالشيخ جعل غناها بثلاثة أشياء: استقامتها على المرغوب وهو الحق تعالى. واستقامتها عليه: استدامة طلبه. وقطع المنازل بالسير إليه. الثاني: سلامتها من الحظوظ وهي تعلقاتها الظاهرة والباطنة بما سوى الله. الثالث: براءتها من المراءاة وهي إرادة غير الله بشيء من أعمالها وأقوالها. فمراءاتها دليل على شدة فقرها. وتعلقها بالحظوظ من فقرها أيضا.(2\/421)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "915",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13912",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعدم استقامتها على مطلوبها الحق: أيضا من فقرها. وذلك يدل على أنها غير واجدة لله. إذ لو وجدته لاستقامت على السير إليه. ولقطعت تعلقاتها وحظوظها من غيره. ولما أرادت بعملها غيره. فلا تستقيم هذه الثلاثة إلا لمن قد ظفر بنفسه ووجد مطلوبه. وما لم يجد ربه تعالى فلا استقامة له. ولا سلامة لها من الحظوظ. ولا براءة لها من الرياء.  [فصل الدرجة الثالثة الغنى بالحق] فصل قال: الدرجة الثالثة: الغنى بالحق. وهو على ثلاث مراتب. المرتبة الأولى: شهود ذكره إياك. والثانية: دوام مطالعة أوليته. والثالثة: الفوز بوجوده. أما شهود ذكره إياك فقد تقدم قريبا. وأما مطالعة أوليته فهو سبقه للأشياء جميعا. فهو الأول الذي ليس قبله شيء. قال بعضهم. ما رأيت شيئا إلا وقد رأيت الله قبله. فإن قلت: وأي غنى يحصل للقلب من مطالعة أولية الرب وسبقه لكل شيء ومعلوم أن هذا حاصل لكل أحد من غني أو فقير فما وجه الغنى الحاصل به قلت: إذا شهد القلب سبقه للأسباب وأنها كانت في حيز العدم. وهو الذي كساها حلة الوجود فهي معدومة بالذات. فقيرة إليه بالذات. وهو الموجود بذاته. والغني بذاته لا بغيره. فليس الغنى في الحقيقة إلا به كما أنه ليس في الحقيقة إلا له. فالغنى بغيره: عين الفقر. فإنه غنى بمعدوم فقير. وفقير كيف يستغني بفقير مثله وأما الفوز بوجوده فإشارة القوم كلهم إلى هذا المعنى. وهو نهاية سفرهم. وفي الأثر الإلهي: ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء. وإن فتك فاتك كل شيء. وأنا أحب إليك من كل شيء. ومن لم يعلم معنى وجوده لله عز وجل والفوز به: فليحث على رأسه الرماد. وليبك على نفسه. والله أعلم.(2\/422)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "916",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13913",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل منزلة المراد] [حقيقة المراد] ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة المراد. أفردها القوم بالذكر. وفي الحقيقة: فكل مريد مراد. بل لم يصر مريدا إلا بعد أن كان مرادا. لكن القوم خصوا المريد بالمبتدئ والمراد بالمنتهي. قال أبو علي الدقاق: المريد متحمل والمراد محمول وقد كان موسى صلى الله عليه وسلم مريدا إذ قال: رب اشرح لي صدري [طه: 25] ونبينا صلى الله عليه وسلم مرادا إذ قيل له ألم نشرح لك صدرك [الشرح: 1] . وسئل الجنيد عن المريد والمراد فقال: المريد يتولى سياسته العلم. والمراد: يتولى رعايته الحق. لأن المريد يسير والمراد يطير. فمتى يلحق السائر الطائر  [فصل تعريف المراد] فصل قال صاحب quot; المنازل quot;: باب المراد. قال الله تعالى: وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك [القصص: 86] أكثر المتكلمين في هذا العلم جعلوا المريد والمراد اثنين. وجعلوا مقام المراد فوق مقام المريد وإنما أشاروا باسم المراد إلى الضنائن الذين ورد فيهم الخبر. قلت: وجه استشهاده بالآية: أن الله سبحانه ألقى إلى رسوله كتابه وخصه بكرامته. وأهله لرسالته ونبوته. من غير أن يكون ذلك منه على رجاء أو ناله بكسب أو توسل إليه بعمل بل هو أمر أريد به. فهو المراد حقيقة. وقوله: إن أكثرهم جعلوا المريد والمراد اثنين فهو تعرض إلى أن منهم من اكتفى عن ذكر مقام المراد بمنزلة الإرادة لأن صاحبها مريد مراد. وأما إشارتهم إلى الضنائن(2\/423)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "917",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13914",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالمراد به: حديث يروى مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: إن لله ضنائن من خلقه. يحييهم في عافية. ويميتهم في عافية . والضنائن: الخصائص. يقال: هو ضنتي من بين الناس - بكسر الضاد - أي الذي أختص به وأضن بجودته أي أبخل بها أن أضيعها. وقد مثل للمريد والمراد بقوم بعث إليهم سلطانهم يستدعيهم إلى حضرته من بلاد نائية وأرسل إليهم بالأدلة والأموال والمراكب وأنواع الزاد. وأمرهم بأن يتجشموا إليه قطع السبل والمفاوز. وأن يجتهدوا في المسير حتى يلحقوا به. وبعث خيلا له ومماليك إلى طائفة منهم. فقال: احملوهم على هذه الخيل التي تسبق الركاب. واخدموهم في طريقهم. ولا تدعوهم يعانون مؤنة الشد والربط بل إذا نزلوا فأريحوهم. ثم احملوهم حتى تقدموهم علي. فلم يجد هؤلاء من مجاهدة السير ومكابدته ووعثاء السفر ما وجده غيرهم. ومن الناس من يقول: المريد ينتقل من منزلة الإرادة إلى أن يصير مرادا فكان محبا. فصار محبوبا. فكل مريد صادق نهاية أمره أن يكون مرادا. وأكثرهم على هذا. وصاحب quot; المنازل quot; كأن عنده المراد هو المجذوب والمريد هو السالك على طريق الجادة.  [درجات المراد] [فصل الدرجة الأولى أن يعصم العبد] فصل قال: وللمراد ثلاث درجات: الأولى: أن يعصم العبد. وهو مستشرف للجفاء اضطرارا بتنغيص الشهوات وتعويق الملاذ وسد مسالك المعاطب عليه إكراها. يعني: أن العبد إذا استشرفت نفسه للجفاء بينه وبين سيده - بموافقة شهواته - عصمه سيده اضطرارا بأن ينغص عليه الشهوات. فلا تصفو له ألبتة. بل لا ينال ما ينال منها إلا مشوبا بأنواع التنغيص الذي ربما أربى على لذتها واستهلكها بحيث تكون اللذة في جنب التنغيص كالخلسة والغفوة وكذلك يعوق الملاذ عليه بأن يحول بينه وبينها حتى لا يركن إليها ولا يطمئن إليها ويساكنها. فيحول بينه وبين أسبابها.(2\/424)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "918",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13915",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن هيئت له قيض له مدافع يحول بينه وبين استيفائها فيقول: من أين دهيت وإنما هي عين العناية والحمية والصيانة. وكذلك يسد عنه طرق المعاصي. فإنها طرق المعاطب. وإن كان كارها عناية به وصيانة له.  [فصل الدرجة الثانية أن يضع عن العبد عوارض النقص] فصل قال: الدرجة الثانية: أن يضع عن العبد عوارض النقص ويعافيه من سمة اللائمة. ويملكه عواقب الهفوات. كما فعل بسليمان عليه السلام حين قتل الخيل فحمله على الريح الرخاء. فأغناه عن الخيل. وفعل بموسى عليه السلام حين ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه. ولم يعتب عليه كما عتب على آدم عليه السلام ونوح وداود ويونس عليهم السلام. والفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها: أن في التي قبلها منعا من مواقعة أسباب الجفاء اضطرارا. وفي هذه: إذا عرضت له أسباب النقيصة التي يستحق عليها اللائمة(2\/425)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "919",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13916",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يعتبه عليها ولم يلمه. وهذا نوع من الدلال. وصاحبه من ضنائن الله وأحبابه. فإن الحبيب يسامح بما لا يسامح به سواه. لأن المحبة أكبر شفعائه. وإذا هفا هفوة ملكه عاقبتها بأن جعلها سببا لرفعته وعلو درجته. فيجعل تلك الهفوة سببا لتوبة نصوح. وذل خاص وانكسار بين يديه وأعمال صالحة تزيد في قربه منه أضعاف ما كان عليه قبل الهفوة. فتكون تلك الهفوة أنفع له من حسنات كثيرة. وهذا من علامات اعتناء الله بالعبد وكونه من أحبابه وحزبه. وقد استشهد الشيخ بقصة سليمان عليه السلام حين ألهته الخيل عن صلاة العصر. فأخذته الغضبة لله والحمية. فحملته على أن مسح عراقيبها وأعناقها بالسيف. وأتلف مالا شغله عن الله في الله. فعوضه الله منه: أن حمله على متن الريح. فملكه الله تعالى عاقبة هذه الهفوة. وجعلها سببا لنيل تلك المنزلة الرفيعة. واستشهد بقصة موسى صلى الله عليه وسلم حين ألقى الألواح - وفيها كلام الله - عن رأسه وكسرها وجر بلحية أخيه. وهو نبي مثله ولم يعاتبه الله على ذلك كما عتب على آدم عليه السلام في أكل لقمة من الشجرة وعلى نوح في ابنه حين سأل ربه أن ينجيه. وعلى داود في شأن امرأة أوربا. وعلى يونس في شأن المغاضبة.(2\/426)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "920",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13917",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول: وكذلك لطم موسى عين ملك الموت ففقأها. ولم يعتب عليه ربه. وفي ليلة الإسراء عاتب ربه في النبي صلى الله عليه وسلم. إذ رفعه فوقه ورفع صوته بذلك. ولم يعتبه الله على ذلك. قال: لأن موسى - عليه السلام - قام تلك المقامات العظيمة التي أوجبت له هذا الدلال. فإنه قاوم فرعون أكبر أعداء الله تعالى. وتصدى له ولقومه. وعالج بني إسرائيل أشد المعالجة. وجاهد في الله أعداء الله أشد الجهاد. وكان شديد الغضب لربه فاحتمل له ما لم يحتمله لغيره. وذو النون لما لم يكن في هذا المقام: سجنه في بطن الحوت من غضبه وقد جعل الله لكل شيء قدرا.  [فصل الدرجة الثالثة اجتباء الحق عبده] فصل قال: الدرجة الثالثة: اجتباء الحق عبده. واستخلاصه إياه بخالصته. كما ابتدأ موسى وقد خرج يقتبس نارا فاصطنعه لنفسه. وأبقى منه رسما معارا. قلت: الاجتباء الاصطفاء والإيثار. والتخصيص. وهو افتعال من جبيت الشيء: إذا حزته وأحرزته إليك. كجباية المال وغيره. والاصطناع أيضا الاصطفاء والاختيار يعني أنه اصطفى موسى واستخلصه لنفسه. وجعله خالصا له من غير سبب كان من موسى ولا وسيلة. فإنه خرج ليقتبس النار. فرجع وهو كليم الواحد القهار. وأكرم الخلق عليه ابتداء منه سبحانه من غير سابقة استحقاق ولا تقدم وسيلة. وفي مثل هذا قيل: أيها العبد كن لما لست ترجو ... من صلاح أرجى لما أنت راجي إن موسى أتى ليقبس نارا ... من ضياء رآه والليل داجي فانثنى راجعا وقد كلمه الل ... ه وناجاه وهو خير مناجي وقوله: وأبقى منه رسما معارا. يحتمل أن يريد بالرسم: البقية التي تقدم بها عليه محمد صلى الله عليه وسلم. ورفع فوقه بدرجات لأجل بقائها منه.(2\/427)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "921",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13918",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويحتمل - وهو الأظهر - أنه أخذه من نفسه واصطنعه لنفسه. واختاره من بين العالمين. وخصه بكلامه ولم يبق له من نفسه إلا رسما مجردا يصحب به الخلق وتجري عليه فيه أحكام البشرية. إتماما لحكمته وإظهارا لقدرته. فهو عارية معه. فإذا قضى ما عليه: استرد ذلك الرسم. وجعله من ماله. فتكملت إذ ذاك مرتبة الاجتباء. ظاهرا وباطنا حقيقة ورسما ورجعت العارية إلى مالكها الحق الذي يرجع إليه الأمر كله. فكما ابتدأت منه عادت إليه. وموسى عليه السلام: كان في مظهر الجلال ولهذا كانت شريعته شريعة جلال وقهر. أمروا بقتل نفوسهم وحرمت عليهم الشحوم وذوات الظفر وغيرها من الطيبات وحرمت عليهم الغنائم. وعجل لهم من العقوبات ما عجل وحملوا من الآصار والأغلال ما لم يحمله غيرهم. وكان موسى - صلى الله عليه وسلم - من أعظم خلق الله هيبة ووقارا. وأشدهم بأسا وغضبا لله وبطشا بأعداء الله وكان لا يستطاع النظر إليه. وعيسى صلى الله عليه وسلم: كان في مظهر الجمال. وكانت شريعته شريعة فضل وإحسان. وكان لا يقاتل ولا يحارب. وليس في شريعته قتال ألبتة. والنصارى يحرم عليهم دينهم القتال. وهم به عصاة لشرعه. فإن الإنجيل يأمرهم فيه: أن من لطمك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر. ومن نازعك ثوبك. فأعطه رداءك. ومن سخرك ميلا. فامش معه ميلين. ونحو هذا. وليس في شريعتهم مشقة ولا آصار ولا أغلال وإنما النصارى ابتدعوا تلك الرهبانية من قبل أنفسهم. ولم تكتب عليهم. وأما نبينا صلى الله عليه وسلم: فكان في مظهر الكمال الجامع لتلك القوة والعدل والشدة في الله. وهذا اللين والرأفة والرحمة. وشريعته أكمل الشرائع. فهو نبي الكمال وشريعته شريعة الكمال. وأمته أكمل الأمم. وأحوالهم ومقاماتهم أكمل الأحوال والمقامات. ولذلك تأتي شريعته بالعدل إيجابا له وفرضا. وبالفضل ندبا إليه واستحبابا. وبالشدة في موضع الشدة. وباللين في موضع اللين. ووضع السيف موضعه. ووضع الندى موضعه. فيذكر الظلم. ويحرمه. والعدل ويوجبه. والفضل ويندب إليه في بعض آيات. كقوله تعالى: وجزاء سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40] فهذا عدل فمن عفا وأصلح فأجره على الله [الشورى: 40] فهذا فضل(2\/428)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "922",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13919",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنه لا يحب الظالمين [الشورى: 40] فهذا تحريم للظلم. وقوله: وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به [النحل: 126] فهذا إيجاب للعدل وتحريم للظلم ولئن صبرتم لهو خير للصابرين [النحل: 126] ندب إلى الفضل. وقوله: وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون [البقرة: 279] تحريم للظلم. وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة [البقرة: 280] عدل. وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون [البقرة: 280] فضل. وكذلك تحريم ما حرم على أمته صيانة وحمية. حرم عليهم كل خبيث وضار وأباح لهم كل طيب ونافع. فتحريمه عليهم رحمة وعلى من قبلهم لم يخل من عقوبة. وهداهم لما ضلت عنه الأمم قبلهم. ووهب لهم من علمه وحلمه. وجعلهم خير أمة أخرجت للناس. وكمل لهم من المحاسن ما فرقه في الأمم قبلهم. كما كمل نبيهم صلى الله عليه وسلم من المحاسن بما فرقه في الأنبياء قبله. وكمل في كتابه من المحاسن بما فرقها في الكتب قبله. وكذلك في شريعته. فهؤلاء الضنائن وهم المجتبون الأخيار. كما قال تعالى هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج [الحج: 78] . وجعلهم شهداء على الناس. فأقامهم في ذلك مقام الأنبياء الشاهدين على أممهم. وتفصيل تفضيل هذه الأمة وخصائصها يستدعي سفرا. بل أسفارا. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والله ذو الفضل العظيم.  [فصل منزلة الإحسان] [حقيقة الإحسان] فصل [منزلة الإحسان] ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الإحسان. وهي لب الإيمان وروحه وكماله وهذه المنزلة تجمع جميع المنازل. فجميعها منطوية فيها. وكل ما قيل من أول الكتاب إلى هاهنا فهو من الإحسان. قال صاحب quot; المنازل quot; رحمه الله - وقد استشهد على هذه المنزلة بقوله تعالى:(2\/429)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "923",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13920",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن: 60] . فالإحسان: جامع لجميع أبواب الحقائق. وهو أن تعبد الله كأنك تراه. أما الآية: فقال ابن عباس والمفسرون: هل جزاء من قال: لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا الجنة . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن: 60] ثم قال: هل تدرون ماذا قال ربكم قالوا: الله ورسوله أعلم قال: يقول: هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة . وأما الحديث: فإشارة إلى كمال الحضور مع الله عز وجل. ومراقبته الجامعة لخشيته ومحبته ومعرفته والإنابة إليه والإخلاص له ولجميع مقامات الإيمان.  [درجات الإحسان] [الدرجة الأولى الإحسان في القصد بتهذيبه علما] قال: وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: الإحسان في القصد بتهذيبه علما وإبرامه عزما وتصفيته حالا. يعني: إحسان القصد يكون بثلاثة أشياء. أحدها: تهذيبه علما بأن يجعله تابعا للعلم على مقتضاه مهذبا به. منقى من شوائب الحظوظ فلا يقصد إلا ما يجوز في العلم. والعلم هو اتباع الأمر والشرع. والثاني: إبرامه عزما. والإبرام: الإحكام والقوة. أي يقارنه عزم يمضيه ولا يصحبه فتور وتوان يضعفه ويوهنه. الثالث: تصفيته حالا. أي يكون حال صاحبه صافيا من الأكدار والشوائب التي تدل على كدر قصده. فإن الحال مظهر القصد وثمرته. وهو أيضا مادته وباعثه. فكل منهما ينفعل عن الآخر. فصفاؤه وتخليصه من تمام صفاء الآخر وتخليصه.  [فصل الدرجة الثانية الإحسان في الأحوال] فصل قال: الدرجة الثانية: الإحسان في الأحوال. وهو أن تراعيها غيرة. وتسترها(2\/430)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "924",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13921",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تظرفا وتصححها تحقيقا. يريد بمراعاتها: حفظها وصونها غيرة عليها أن تحول. فإنها تمر مر السحاب. فإن لم يرع حقوقها حالت. ومراعاتها: بدوام الوفاء وتجنب الجفاء. ويراعيها أيضا بإكرام نزلها. فإنها ضيف. والضيف إن لم تكرم نزله ارتحل. ويراعيها أيضا بضبطها ملكة. وشد يده عليها وأن لا يسمح بها لقاطع طريق ولا ناهب. ويراعيها أيضا: بالانقياد إلى حكمها والإذعان لسلطانها إذا وافق الأمر. ويراعيها أيضا: بسترها تظرفا وهو أن يسترها عن الناس ما أمكنه. لئلا يعلموا بها. ولا يظهرها إلا لحجة. أو حاجة أو مصلحة راجحة. فإن في إظهارها بدون ذلك آفات عديدة. مع تعريضها للصوص والسراق والمغيرين. وإظهار الحال للناس عند الصادقين: حمق وعجز. وهو من حظوظ النفس والشيطان. وأهل الصدق والعزم لها أستر وأكتم من أرباب الكنوز من الأموال لأموالهم حتى إن منهم من يظهر أضدادها نفيا وجحدا. وهم أصحاب الملامتية ولهم طريقة معروفة. وكان شيخ هذه الطائفة عبد الله بن منازل. واتفقت الطائفة على أن من أطلع الناس على حاله مع الله: فقد دنس طريقته. إلا لحجة أو حاجة أو ضرورة. وقوله: وتصحيحها تحقيقا أي يجتهد في تحقيق أحواله وتصحيحها وتخليصها. فإن الحال قد يمتزج بحق وباطل. ولا يميزه إلا أولو البصائر والعلم. وأهل هذه الطريق يقولون: إن الوارد الذي يبتدئ العبد من جانبه الأيمن والهواتف والخطاب: يكون في الغالب حقا. والذي يبتدئ من الجانب الأيسر: يكون في الغالب باطلا وكذبا. فإن أهل اليمين: هم أهل الحق. وبأيمانهم يأخذون كتبهم. ونورهم الظاهر على الصراط بأيمانهم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وشأنه كله. والله وملائكته يصلون على ميامن(2\/431)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "925",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13922",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصفوف. وأخبر أن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله. وحظه من ابن آدم جهة الشمال. ولهذا تكون اليد الشمال للاستجمار وإزالة النجاسة والأذى. ويبدأ بالرجل الشمال عند دخول الخلاء. ومن الفرقان أيضا: أن كل وارد يبقى الإنسان بعد انفصاله نشيطا مسرورا نشوانا: فإنه وارد ملكي وكل وارد يبقي الإنسان بعد انفصاله خبيث النفس كسلان ثقيل الأعضاء والروح يجنح إلى فتور - فهو وارد شيطاني. ومن الفرقان أيضا: أن كل وارد أعقب صاحبه تقدما إلى الله تعالى والدار الآخرة وحضورا فيها حتى كأنه يشاهد الجنة قد أزلفت والجحيم قد سعرت - فهو إلهي ملكي وخلافه شيطاني نفساني. ومن الفرقان أيضا: أن كل وارد كان سببه النصيحة في امتثال الأمر والإخلاص والصدق فيه - فهو إلهي ملكي. وإلا فهو شيطاني. ومن الفرقان أيضا: أن كل وارد استنار به القلب وانشرح له الصدر وقوي به(2\/432)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "926",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13923",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القلب - إلهي ملكي. وإلا فهو شيطاني. ومن الفرقان أيضا: أن كل وارد جمعك على الله فهو منه. وكل وارد فرقك عنه وأخذك عنه: فمن الشيطان. ومن الفرقان أيضا: أن الوارد الإلهي لا يصرف إلا في قربة وطاعة ولا يكون سببه إلا قربة وطاعة فمستخرجه الأمر. ومصرفه الأمر والشيطاني بخلافه. ومن الفرقان أيضا: أن الوارد الرحماني لا يتناقض ولا يتفاوت ولا يختلف. بل يصدق بعضه بعضا والشيطاني بخلافه يكذب بعضه بعضا. والله سبحانه أعلم.  [فصل الدرجة الثالثة الإحسان في الوقت] فصل قال: الدرجة الثالثة: الإحسان في الوقت. وهو أن لا تزايل المشاهدة أبدا. ولا تخلط بهمتك أحدا. وتجعل هجرتك إلى الحق سرمدا. أي لا تفارق حال الشهود. وهذا إنما يقدر عليه أهل التمكن الذين ظفروا بنفوسهم وقطعوا المسافات التي بين النفس وبين القلب. والمسافات التي بين القلب وبين الله بمجاهدة القطاع التي على تلك المسافات. قوله: ولا تخلط بهمتك أحدا. يعني: أن تعلق همتك بالحق وحده. ولا تعلق همتك بأحد غيره. فإن ذلك شرك في طريق الصادقين. قوله: وأن تجعل هجرتك إلى الحق سرمدا. يعني: أن كل متوجه إلى الله بالصدق والإخلاص فإنه من المهاجرين إليه. فلا ينبغي أن يتخلف عن هذه الهجرة بل ينبغي أن يصحبها سرمدا. حتى يلحق بالله عز وجل. فما هي إلا ساعة. ثم تنقضي ... ويحمد غب السير من هو سائر ولله على كل قلب هجرتان. وهما فرض لازم له على الأنفاس: هجرة إلى الله سبحانه بالتوحيد والإخلاص والإنابة والحب والخوف والرجاء والعبودية.(2\/433)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "927",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13924",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهجرة إلى رسوله صلى الله عليه وسلم: بالتحكيم له والتسليم والتفويض والانقياد لحكمه وتلقي أحكام الظاهر والباطن من مشكاته. فيكون تعبده به أعظم من تعبد الركب بالدليل الماهر في ظلم الليل ومتاهات الطريق. فما لم يكن لقلبه هاتان الهجرتان فليحث على رأسه الرماد. وليراجع الإيمان من أصله. فيرجع وراءه ليقتبس نورا قبل أن يحال بينه وبينه ويقال له ذلك على الصراط من وراء السور. والله المستعان.  [فصل منزلة العلم] [حقيقة العلم والأقوال فيه] فصل منزلة العلم ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة العلم. وهذه المنزلة إن لم تصحب السالك من أول قدم يضعه في الطريق إلى آخر قدم ينتهي إليه: فسلوكه على غير طريق. وهو مقطوع عليه طريق الوصول مسدود عليه سبل الهدى والفلاح مغلقة عنه أبوابها. وهذا إجماع من الشيوخ العارفين. ولم ينه عن العلم إلا قطاع الطريق منهم ونواب إبليس وشرطه. قال سيد الطائفة وشيخهم الجنيد بن محمد رحمه الله: الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى آثار الرسول صلى الله عليه وسلم. وقال: من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة. وقال: مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة. وقال أبو حفص رحمه الله: من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة. ولم يتهم خواطره. فلا يعد في ديوان الرجال. وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله: ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياما. فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة. وقال سهل بن عبد الله رحمه الله: كل فعل يفعله العبد بغير اقتداء - طاعة كان أو معصية - فهو عيش النفس وكل فعل يفعله العبد بالاقتداء: فهو عذاب على النفس. وقال السري: التصوف اسم لثلاثة معان: لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ولا يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب ولا تحمله الكرامات على هتك أستار محارم الله.(2\/434)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "928",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13925",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو يزيد: عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئا أشد علي من العلم ومتابعته ولولا اختلاف العلماء لبقيت واختلاف العلماء رحمة إلا في تجريد التوحيد. وقال مرة لخادمه: قم بنا إلى هذا الرجل الذي قد شهر نفسه بالصلاح لنزوره فلما دخلا عليه المسجد تنخع. ثم رمى بها نحو القبلة فرجع ولم يسلم عليه. وقال: هذا غير مأمون على أدب من آداب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يكون مأمونا على ما يدعيه وقال: لقد هممت أن أسأل الله تعالى أن يكفيني مؤنة النساء. ثم قلت: كيف يجوز لي أن أسأل الله هذا ولم يسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أسأله. ثم إن الله كفاني مؤنة النساء حتى لا أبالي استقبلتني امرأة أو حائط. وقال: لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات إلى أن يرتفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة وقال أحمد بن أبي الحواري رحمه الله: من عمل عملا بلا اتباع سنة فباطل عمله. وقال أبو عثمان النيسابوري رحمه الله: الصحبة مع الله: بحسن الأدب ودوام الهيبة والمراقبة والصحبة مع الرسول صلى الله عليه وسلم: باتباع سنته ولزوم ظاهر العلم. ومع أولياء الله: بالاحترام والخدمة. ومع الأهل: بحسن الخلق. ومع الإخوان: بدوام البشر. ما لم يكن إثما. ومع الجهال: بالدعاء لهم والرحمة. زاد غيره: ومع الحافظين: بإكرامهما واحترامهما وإملائهما ما يحمدانك عليه. ومع النفس: بالمخالفة. ومع الشيطان: بالعداوة. وقال أبو عثمان أيضا: من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا: نطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا: نطق بالبدعة. قال الله تعالى: وإن تطيعوه تهتدوا [النور: 54] . وقال أبو الحسين النوري: من رأيتموه يدعي مع الله عز وجل حالة تخرجه عن(2\/435)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "929",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13926",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حد العلم الشرعي فلا تقربوا منه. وقال محمد بن الفضل البلخي من مشايخ القوم الكبار: ذهاب الإسلام من أربعة: لا يعملون بما يعلمون ويعملون بما لا يعلمون ولا يتعلمون ما يعملون ويمنعون الناس من التعلم والتعليم. وقال عمرو بن عثمان المكي: العلم قائد. والخوف سائق. والنفس حرون بين ذلك جموح خداعة رواغة. فاحذرها وراعها بسياسة العلم. وسقها بتهديد الخوف: يتم لك ما تريد. وقال أبو سعيد الخراز: كل باطن يخالفه الظاهر فهو باطل. وقال ابن عطاء: من ألزم نفسه آداب السنة نور الله قلبه بنور المعرفة. لا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب في أوامره وأفعاله وأخلاقه. وقال: كل ما سألت عنه فاطلبه في مفازة العلم. فإن لم تجده ففي ميدان الحكمة. فإن لم تجده فزنه بالتوحيد. فإن لم تجده في هذه المواضع الثلاثة فاضرب به وجه الشيطان. وألقي بنان الحمال بين يدي السبع. فجعل السبع يشمه لا يضره فلما أخرج قيل له: ما الذي كان في قلبك حين شمك السبع قال: كنت أتفكر في اختلاف العلماء في سؤر السباع.(2\/436)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "930",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13927",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو حمزة البغدادي - من أكابر الشيوخ. وكان أحمد بن حنبل يقول له في المسائل: ما تقول يا صوفي - من علم طريق الحق سهل عليه سلوكه. ولا دليل على الطريق إلى الله إلا متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في أحواله وأقواله وأفعاله. ومر الشيخ أبو بكر محمد بن موسى الواسطي يوم الجمعة إلى الجامع. فانقطع شسع نعله. فأصلحه له رجل صيدلاني. فقال: تدري لم انقطع شسع نعلي فقلت: لا. فقال: لأني ما اغتسلت للجمعة. فقال: هاهنا حمام تدخله فقال: نعم. فدخل واغتسل. وقال أبو إسحاق الرقي من أقران الجنيد: علامة محبة الله: إيثار طاعته ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم. وقال أبو يعقوب النهرجوري: أفضل الأحوال: ما قارن العلم. وقال أبو القاسم النصراباذي شيخ خراسان في وقته: أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة. وترك الأهواء والبدع. وتعظيم كرامات المشايخ ورؤية أعذار الخلق والمداومة على الأوراد وترك ارتكاب الرخص والتأويلات. وقال أبو بكر الطمستاني - من كبار شيوخ الطائفة -: الطريق واضح والكتاب(2\/437)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "931",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13928",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والسنة قائم بين أظهرنا. وفضل الصحابة معلوم لسبقهم إلى الهجرة ولصحبتهم فمن صحب الكتاب والسنة وتغرب عن نفسه وعن الخلق وهاجر بقلبه إلى الله: فهو الصادق المصيب. وقال أبو عمرو بن نجيد: كل حال لا يكون عن نتيجة علم فإن ضرره على صاحبه أكثر من نفعه. وقال: التصوف: الصبر تحت الأوامر والنواهي. وكان بعض أكابر الشيوخ المتقدمين يقول: يا معشر الصوفية لا تفارقوا السواد في البياض تهلكوا.  [شرف العلم وفضله] وأما الكلمات التي تروى عن بعضهم: من التزهيد في العلم والاستغناء عنه. كقول من قال: نحن نأخذ علمنا من الحي الذي لا يموت وأنتم تأخذونه من حي يموت. وقول الآخر - وقد قيل له: ألا ترحل حتى تسمع من عبد الرزاق - فقال: ما يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يسمع من الخلاق وقول الآخر: العلم حجاب بين القلب وبين الله عز وجل. وقول الآخر: لنا علم الحرف. ولكم علم الورق. ونحو هذا من الكلمات التي أحسن أحوال قائلها: أن يكون جاهلا يعذر بجهله أو شاطحا معترفا بشطحه وإلا فلولا عبد الرزاق وأمثاله ولولا أخبرنا وحدثنا لما وصل إلى هذا وأمثاله شيء من الإسلام.(2\/438)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "932",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13929",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن أحالك على غير أخبرنا وحدثنا فقد أحالك: إما على خيال صوفي أو قياس فلسفي. أو رأي نفسي. فليس بعد القرآن وأخبرنا وحدثنا إلا شبهات المتكلمين. وآراء المنحرفين وخيالات المتصوفين وقياس المتفلسفين. ومن فارق الدليل ضل عن سواء السبيل. ولا دليل إلى الله والجنة سوى الكتاب والسنة. وكل طريق لم يصحبها دليل القرآن والسنة فهي من طرق الجحيم والشيطان الرجيم. والعلم ما قام عليه الدليل. والنافع منه: ما جاء به الرسول. والعلم خير من الحال: العلم حاكم. والحال محكوم عليه. والعلم هاد. والحال تابع. والعلم آمر ناه. والحال منفذ قابل والحال سيف إن لم يصحبه العلم فهو مخراق في يد لاعب. الحال مركب لا يجارى. فإن لم يصحبه علم ألقى صاحبه في المهالك والمتالف. والحال كالمال يؤتاه البر والفاجر. فإن لم يصحبه نور العلم كان وبالا على صاحبه. الحال بلا علم كالسلطان الذي لا يزعه عن سطوته وازع. الحال بلا علم كالنار التي لا سائس لها. نفع الحال لا يتعدى صاحبه. ونفع العلم كالغيث يقع على الظراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر. دائرة العلم تسع الدنيا والآخرة. ودائرة الحال تضيق عن غير صاحبه. وربما ضاقت عنه. العلم هاد والحال الصحيح مهتد به. وهو تركة الأنبياء وتراثهم. وأهله عصبتهم ووراثهم وهو حياة القلوب. ونور البصائر. وشفاء الصدور. ورياض العقول. ولذة الأرواح. وأنس المستوحشين. ودليل المتحيرين. وهو الميزان الذي به توزن الأقوال والأعمال والأحوال. وهو الحاكم المفرق بين الشك واليقين والغي والرشاد والهدى والضلال. به يعرف الله ويعبد ويذكر ويوحد ويحمد ويمجد. وبه اهتدى إليه السالكون. ومن طريقه وصل إليه الواصلون. ومن بابه دخل عليه القاصدون.(2\/439)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "933",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13930",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به تعرف الشرائع والأحكام ويتميز الحلال من الحرام. وبه توصل الأرحام وبه تعرف مراضي الحبيب وبمعرفتها ومتابعتها يوصل إليه من قريب. وهو إمام والعمل مأموم. وهو قائد والعمل تابع. وهو الصاحب في الغربة والمحدث في الخلوة والأنيس في الوحشة. والكاشف عن الشبهة. والغنى الذي لا فقر على من ظفر بكنزه. والكنف الذي لا ضيعة على من آوى إلى حرزه. مذكراته تسبيح. والبحث عنه جهاد. وطلبه قربة. وبذله صدقة. ومدارسته تعدل بالصيام والقيام. والحاجة إليه أعظم منها إلى الشراب والطعام. قال الإمام أحمد رضي الله عنه: الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب. لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين. وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه. وروينا عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة. ونص على ذلك أبو حنيفة رضي الله عنه. وقال ابن وهب: كنت بين يدي مالك رضي الله عنه. فوضعت ألواحي وقمت أصلي. فقال: ما الذي قمت إليه بأفضل مما قمت عنه. ذكره ابن عبد البر وغيره.(2\/440)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "934",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13931",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واستشهد الله عز وجل بأهل العلم على أجل مشهود به وهو التوحيد وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته. وفي ضمن ذلك تعديلهم. فإنه سبحانه وتعالى لا يستشهد بمجروح. ومن هاهنا - والله أعلم - يؤخذ الحديث المعروف يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله. ينفون عنه تحريف الغالين وتأويل المبطلين . وهو حجة الله في أرضه. ونوره بين عباده. وقائدهم ودليلهم إلى جنته. ومدنيهم من كرامته. ويكفي في شرفه: أن فضل أهله على العباد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب. وأن الملائكة لتضع لهم أجنحتها وتظلهم بها وأن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في البحر وحتى النمل في جحرها وأن الله وملائكته يصلون على معلمي الناس الخير. ولقد رحل كليم الرحمن موسى بن عمران - عليه الصلاة والسلام - في طلب العلم(2\/441)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "935",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13932",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو وفتاه حتى مسهما النصب في سفرهما في طلب العلم. حتى ظفر بثلاث مسائل. وهو من أكرم الخلق على الله وأعلمهم به. وأمر الله رسوله أن يسأله المزيد منه فقال: وقل رب زدني علما [طه: 114] . وحرم الله صيد الجوارح الجاهلة وإنما أباح للأمة صيد الجوارح العالمة. فهكذا جوارح الإنسان الجاهل لا يجدي عليه صيدها من الأعمال شيئا. والله سبحانه وتعالى أعلم.  [فصل تعريف العلم] فصل قال صاحب quot; المنازل quot; رحمه الله. العلم ما قام بدليل. ورفع الجهل. يريد: أن للعلم علامة قبله وعلامة بعده فعلامته قبله: ما قام به الدليل. وعلامته بعده: رفع الجهل.  [درجات العلم] [الدرجة الأولى علم جلي] قال: وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: علم جلي. به يقع العيان. واستفاضة صحيحة أو صحة تجربة قديمة. يريد بالجلي: الظاهر الذي لا خفاء به. وجعله ثلاثة أنواع. أحدها: ما وقع عن عيان. وهو البصر. والثاني: ما استند إلى السمع. وهو علم الاستفاضة. والثالث: ما استند إلى العقل. وهو علم التجربة. فهذه الطرق الثلاثة - وهي السمع والبصر والعقل - هي طرق العلم وأبوابه ولا تنحصر طرق العلم فيما ذكره. فإن سائر الحواس توجب العلم.(2\/442)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "936",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13933",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذا ما يدرك بالباطن. وهي الوجدانيات. وكذا ما يدرك بخبر المخبر الصادق وإن كان واحدا. وكذا ما يحصل بالفكر والاستنباط. وإن لم يكن عن تجربة. فالعلم لا يتوقف على هذه الثلاثة التي ذكرها فقط. والفرق بينه وبين المعرفة من وجوه ثلاثة. أحدها: أن المعرفة لب العلم ونسبة العلم إليها كنسبة الإيمان إلى الإحسان. وهي علم خاص متعلقها أخفى من متعلق العلم وأدق. والثاني: أن المعرفة هي العلم الذي يراعيه صاحبه بموجبه ومقتضاه. فهي علم تتصل به الرعاية. والثالث: أن المعرفة شاهد لنفسها وهي بمنزلة الأمور الوجدانية التي لا يمكن صاحبها أن يشك فيها ولا ينتقل عنها. وكشف المعرفة أتم من كشف العلم. والله سبحانه وتعالى أعلم.  [فصل الدرجة الثانية علم خفي] فصل قال: الدرجة الثانية: علم خفي. ينبت في الأسرار الطاهرة من الأبدان الزاكية بماء الرياضة الخالصة ويظهر في الأنفاس الصادقة لأهل الهمة العالية في الأحايين الخالية والأسماع الصاخية. وهو علم يظهر الغائب ويغيب الشاهد ويشير إلى الجمع. يعني: أن هذا العلم خفي على أهل الدرجة الأولى وهو المسمى بالمعرفة عند هذه الطائفة. قوله: ينبت في الأسرار الطاهرة. لفظ السر يطلق في لسانهم ويراد به أمور. أحدها: اللطيفة المودعة في هذا القالب التي حصل بها الإدراك والمحبة والإرادة والعلم. وذلك هو الروح. الثاني: معنى قائم بالروح. نسبته إلى الروح كنسبة الروح إلى البدن. وغالبا ما يريدون به: هذا المعنى.(2\/443)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "937",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13934",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعندهم: أن القلب أشرف ما في البدن والروح أشرف من القلب. والسر ألطف من الروح. وعندهم: للسر سر آخر. لا يطلع عليه غير الحق سبحانه. وصاحبه لا يطلع عليه وإن اطلع على سره. فيقولون السر ما لك عليه إشراف وسر السر ما لا اطلاع عليه لغير الحق سبحانه. والمعنى الثالث: يراد به ما يكون مصونا مكتوما بين العبد وبين ربه من الأحوال والمقامات. كما قال بعضهم: أسرارنا بكر. لم يفتضها وهم واهم. ويقول قائلهم: لو عرف زري سري لطرحته. والمقصود قوله: ينبت في الأسرار الطاهرة. يعني: الطاهرة من كدر الدنيا والاشتغال بها وعلائقها التي تعوق الأرواح عن ديار الأفراح. فإن هذه أكدار وتنفسات في وجه مرآة القلب والروح. فلا تنجلي فيها صور الحقائق كما ينبغي. والنفس تنفس فيها دائما بالرغبة في الدنيا والرهبة من فوتها. فإذا جليت المرآة بإذهاب هذه الأكدار صفت. وظهرت فيها الحقائق والمعارف. وأما الأبدان الزكية. فهي التي زكت بطاعة الله ونبتت على أكل الحلال. فمتى خلصت الأبدان من الحرام وأدناس البشرية التي ينهى عنها العقل والدين والمروءة وطهرت الأنفس من علائق الدنيا: زكت أرض القلب. فقبلت بذر العلوم والمعارف. فإن سقيت - بعد ذلك - بماء الرياضة الشرعية النبوية المحمدية - وهي التي لا تخرج عن علم ولا تبعد عن واجب ولا تعطل سنة - أنبتت من كل زوج كريم من علم وحكمة وفائدة وتعرف. فاجتنى منها صاحبها ومن جالسه أنواع الطرف والفوائد والثمار المختلفة الألوان والأذواق كما قال بعض السلف: إذا عقدت القلوب على ترك المعاصي: جالت في الملكوت. ثم رجعت إلى أصحابها بأنواع التحف والفوائد. قوله: وتظهر في الأنفاس الصادقة يريد بالأنفاس أمرين. أحدهما: أنفاس الذكر والمعرفة. والثاني: أنفاس المحبة والإرادة. وما يتعلق بالمعروف المذكور. وبالمحبوب المراد من الذاكر والمحب. وصدقها خلوصها من شوائب الأغيار والحظوظ. وقوله: لأهل الهمم العالية فهي التي لا تقف دون الله عز وجل. ولا تعرج في سفرها على شيء سواه. وأعلى الهمم: ما تعلق بالعلي الأعلى. وأوسعها: ما تعلق بصلاح(2\/444)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "938",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13935",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العباد. وهي همم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وورثتهم. وقوله: في الأحايين الخالية. يريد بها: ساعات الصفاء مع الله تعالى وأوقات النفحات الإلهية التي من تعرض لها يوشك أن لا يحرمها. ومن أعرض عنها فهي عنه أشد إعراضا. وقوله: في الأسماع الصاخية فهي التي صحت من تعلقها بالباطل واللغو وأصاخت لدعوة الحق ومنادي الإيمان. فإن الباطل واللغو خمر الأسماع والعقول. فصحوها بتجنبه والإصغاء إلى دعوة الحق. قوله: وهو علم يظهر الغائب أي يكشف ما كان غائبا عن العارف. قوله: ويغيب الشاهد أي يغيبه عن شهود ما سوى مشهوده الحق. ويشير إلى الجمع وهو مقام الفردانية واضمحلال الرسوم حتى رسم الشاهد نفسه. والله سبحانه أعلم.  [فصل الدرجة الثالثة علم لدني] فصل قال الدرجة الثالثة: علم لدني. إسناده وجوده وإدراكه عيانه. ونعته حكمه. ليس بينه وبين الغيب حجاب. يشير القوم بالعلم اللدني إلى ما يحصل للعبد من غير واسطة بل بإلهام من الله وتعريف منه لعبده كما حصل للخضر عليه السلام بغير واسطة موسى قال الله تعالى: آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما [الكهف: 65] . وفرق بين الرحمة والعلم. وجعلهما من عنده ومن لدنه إذ لم ينلهما على يد بشر وكان من لدنه أخص وأقرب من عنده ولهذا قال تعالى: وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا [الإسراء: 80] فالسلطان النصير الذي من لدنه سبحانه: أخص وأقرب مما عنده. ولهذا قال تعالى واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا [الإسراء: 80] . وهو الذي أيده به. والذي من عنده: نصره بالمؤمنين كما قال تعالى هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين [الأنفال: 62] .(2\/445)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "939",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13936",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعلم اللدني ثمرة العبودية والمتابعة والصدق مع الله والإخلاص له وبذل الجهد في تلقي العلم من مشكاة رسوله. وكمال الانقياد له. فيفتح له من فهم الكتاب والسنة بأمر يخصه به كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه - وقد سئل هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء دون الناس - فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة. إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه. فهذا هو العلم اللدني الحقيقي وأما علم من أعرض عن الكتاب والسنة ولم يتقيد بهما: فهو من لدن النفس والهوى والشيطان فهو لدني. لكن من لدن من وإنما يعرف كون العلم لدنيا رحمانيا: بموافقته لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل. فالعلم اللدني نوعان: لدني رحماني ولدني شيطاني بطناوي. والمحك: هو الوحي. ولا وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما قصة موسى مع الخضر عليهما السلام: فالتعلق بها في تجويز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدني إلحاد وكفر مخرج عن الإسلام موجب لإراقة الدم. والفرق: أن موسى لم يكن مبعوثا إلى الخضر. ولم يكن الخضر مأمورا بمتابعته. ولو كان مأمورا بها لوجب عليه أن يهاجر إلى موسى ويكون معه. ولهذا قال له: أنت موسى نبي بني إسرائيل قال: نعم. ومحمد صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى جميع الثقلين. فرسالته عامة للجن والإنس في كل زمان. ولو كان موسى وعيسى عليهما السلام حيين لكانا من أتباعه وإذا نزل عيسى ابن مريم عليهما السلام فإنما يحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم. فمن ادعى أنه مع محمد صلى الله عليه وسلم كالخضر مع موسى. أو جوز ذلك لأحد من الأمة: فليجدد إسلامه وليتشهد شهادة الحق. فإنه بذلك مفارق لدين الإسلام بالكلية. فضلا عن أن يكون من خاصة أولياء الله. وإنما هو من أولياء الشيطان وخلفائه ونوابه.(2\/446)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "940",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13937",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا الموضع مقطع ومفرق بين زنادقة القوم وبين أهل الاستقامة منهم فحرك تره. قوله: إسناده وجوده. يعني: أن طريق هذا العلم: وجدانه كما أن طريق غيره: هو الإسناد. وإدراكه عيانه. أي إن هذا العلم لا يؤخذ بالفكر والاستنباط وإنما يؤخذ عيانا وشهودا. ونعته حكمه. يعني: أن نعوته لا يوصل إليها إلا به فهي قاصرة عنه يعني أن شاهده منه ودليل وجوده. وإنيته لميته فبرهان الإن فيه. هو برهان اللم. فهو الدليل. وهو المدلول. ولذلك لم يكن بينه وبين الغيوب حجاب. بخلاف ما دونه من العلوم. فإن بينه وبين العلوم حجابا. والذي يشير إليه القوم: هو نور من جناب المشهود. يمحو قوى الحواس وأحكامها. ويقوم لصاحبها مقامها. فهو المشهود بنوره ويفنى ما سواه بظهوره وهذا عندهم معنى الأثر الإلهي فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به فبي يسمع. وبي يبصر. والعلم اللدني الرحماني: هو ثمرة هذه الموافقة والمحبة التي أوجبها التقرب بالنوافل بعد الفرائض. واللدني الشيطاني: ثمرة الإعراض عن الوحي وتحكيم الهوى والشيطان. والله المستعان.  [فصل منزلة الحكمة] [حقيقة الحكمة] فصل منزلة الحكمة ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الحكمة. قال الله تعالى: يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا [البقرة: 269](2\/447)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "941",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13938",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال تعالى: وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما [النساء: 113] وقال عن المسيح عليه السلام: ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل [آل عمران: 48] . الحكمة في كتاب الله نوعان: مفردة. ومقترنة بالكتاب. فالمفردة: فسرت بالنبوة وفسرت بعلم القرآن. قال ابن عباس رضي الله عنهما: هي علم القرآن: ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه. ومقدمه ومؤخره. وحلاله وحرامه. وأمثاله. وقال الضحاك: هي القرآن والفهم فيه. وقال مجاهد: هي القرآن والعلم والفقه. وفي رواية أخرى عنه: هي الإصابة في القول والفعل. وقال النخعي: هي معاني الأشياء وفهمها. وقال الحسن: الورع في دين الله. كأنه فسرها بثمرتها ومقتضاها. وأما الحكمة المقرونة بالكتاب: فهي السنة. وكذلك قال الشافعي وغيره من الأئمة. وقيل: هي القضاء بالوحي. وتفسيرها بالسنة أعم وأشهر. وأحسن ما قيل في الحكمة. قول مجاهد ومالك: إنها معرفة الحق والعمل به. والإصابة في القول والعمل. وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن والفقه في شرائع الإسلام وحقائق الإيمان. والحكمة حكمتان: علمية وعملية. فالعلمية: الاطلاع على بواطن الأشياء. ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبباتها خلقا وأمرا. قدرا وشرعا. والعلمية كما قال صاحب quot; المنازل quot; وهي وضع الشيء في موضعه.  [درجات الحكمة] [الدرجة الأولى أن تعطي كل شيء حقه] قال: وهي على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: أن تعطي كل شيء حقه ولا تعديه حده ولا تعجله عن وقته ولا تؤخره عنه.(2\/448)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "942",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13939",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لما كانت الأشياء لها مراتب وحقوق تقتضيها شرعا وقدرا. ولها حدود ونهايات تصل إليها ولا تتعداها. ولها أوقات لا تتقدم عنها ولا تتأخر - كانت الحكمة مراعاة هذه الجهات الثلاث. بأن تعطى كل مرتبة حقها الذي أحقه الله بشرعه وقدره. ولا تتعدى بها حدها. فتكون متعديا مخالفا للحكمة. ولا تطلب تعجيلها عن وقتها فتخالف الحكمة. ولا تؤخرها عنه فتفوتها. وهذا حكم عام لجميع الأسباب مع مسبباتها شرعا وقدرا. فإضاعتها تعطيل للحكمة بمنزلة إضاعة البذر وسقي الأرض. وتعدي الحق: كسقيها فوق حاجتها بحيث يغرق البذر والزرع ويفسد. وتعجيلها عن وقتها: كحصاده قبل إدراكه وكماله. وكذلك ترك الغذاء والشراب واللباس: إخلال بالحكمة وتعدي الحد المحتاج إليه خروج عنها أيضا. وتعجيل ذلك قبل وقته: إخلال بها. وتأخيره عن وقته: إخلال بها. فالحكمة إذا: فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي. والله تعالى أورث الحكمة آدم وبنيه. فالرجل الكامل: من له إرث كامل من أبيه ونصف الرجل - كالمرأة - له نصف ميراث والتفاوت في ذلك لا يحصيه إلا الله تعالى. وأكمل الخلق في هذا: الرسل صلوات الله وسلامه عليهم. وأكملهم أولو العزم. وأكملهم محمد صلى الله عليه وسلم. ولهذا امتن الله سبحانه وتعالى عليه وعلى أمته بما آتاهم من الحكمة. كما قال تعالى: وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم [النساء: 113] . وقال تعالى: كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون [البقرة: 151] . فكل نظام الوجود مرتبط بهذه الصفة. وكل خلل في الوجود وفي العبد فسببه: الإخلال بها. فأكمل الناس: أوفرهم نصيبا. وأنقصهم وأبعدهم عن الكمال: أقلهم منها ميراثا. ولها ثلاثة أركان: العلم والحلم والأناة. وآفاتها وأضدادها: الجهل والطيش والعجلة.(2\/449)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "943",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13940",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلا حكمة لجاهل ولا طائش ولا عجول والله أعلم.  [فصل الدرجة الثانية أن تشهد نظر الله في وعده] فصل قال الدرجة الثانية: أن تشهد نظر الله في وعده. وتعرف عدله في حكمه. وتلحظ بره في منعه. أي تعرف الحكمة في الوعد والوعيد وتشهد حكمه في قوله: إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما [النساء: 40] . فتشهد عدله في وعيده وإحسانه في وعده وكل قائم بحكمته. وكذلك تعرف عدله في أحكامه الشرعية والكونية الجارية على الخلائق فإنه لا ظلم فيها ولا حيف ولا جور. وإن أجراها على أيدي الظلمة. فهو أعدل العادلين. ومن جرت على يديه هو الظالم. وكذلك تعرف بره في منعه. فإنه سبحانه هو الجواد الذي لا ينقص خزائنه الإنفاق ولا يغيض ما في يمينه سعة عطائه. فما منع من منعه فضله إلا لحكمة كاملة في ذلك. فإنه الجواد الحكيم. وحكمته لا تناقض جوده. فهو سبحانه لا يضع بره وفضله إلا في موضعه ووقته. بقدر ما تقتضيه حكمته. ولو بسط الله الرزق لعباده لفسدوا وهلكوا. ولو علم في الكفار خيرا وقبولا لنعمة الإيمان وشكرا له عليها ومحبة له واعترافا بها لهداهم إلى الإيمان. ولهذا لما قالوا للمؤمنين أهؤلاء من الله عليهم من بيننا [الأنعام: 53] أجابهم بقوله: أليس الله بأعلم بالشاكرين [الأنعام: 53] . سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: هم الذين يعرفون قدر نعمة الإيمان ويشكرون الله عليها. فهو سبحانه ما أعطى إلا بحكمته. ولا منع إلا بحكمته ولا أضل إلا بحكمته. وإذا تأمل البصير أحوال العالم وما فيه من النقص: رآه عين الحكمة. وما عمرت الدنيا والآخرة والجنة والنار إلا بحكمته. وفي الحكمة ثلاثة أقوال للناس.(2\/450)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "944",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13941",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها: أنها مطابقة علمه لمعلومه وإرادته ومشيئته لمراده. هذا تفسير الجبرية. وهو في الحقيقة نفي حكمته. إذ مطابقة المعلوم والمراد: أعم من أن يكون حكمة أو خلافها فإن السفيه من العباد: يطابق علمه وإرادته لمعلومه ومراده. مع كونه سفيها. الثاني: - مذهب القدرية النفاة -: أنها مصالح العباد ومنافعهم العائدة عليهم. وهو إنكار لوصفه تعالى بالحكمة. وردوها إلى مخلوق من مخلوقاته. الثالث: - قول أهل الإثبات والسنة -: أنها الغايات المحمودة المطلوبة له سبحانه بخلقه وأمره التي أمر لأجلها وقدر وخلق لأجلها. وهي صفته القائمة به كسائر صفاته: من سمعه وبصره وقدرته وإرادته وعلمه وحياته وكلامه. وللرد على طائفتي الجبرية والقدرية موضع غير هذا. والله أعلم.  [فصل الدرجة الثالثة أن تبلغ في استدلالك البصيرة] فصل قال: الدرجة الثالثة: أن تبلغ في استدلالك البصيرة. وفي إرشادك الحقيقة. وفي إشارتك الغاية. يريد أن تصل باستدلالك إلى أعلى درجات العلم. وهي البصيرة التي تكون نسبة العلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئي إلى البصر. وهذه هي الخصيصة التي اختص بها الصحابة عن سائر الأمة. وهي أعلى درجات العلماء. قال تعالى: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني [يوسف: 108] أي أنا وأتباعي على بصيرة. وقيل ومن اتبعني [يوسف: 108] عطف على المرفوع بأدعو أي أنا أدعو إلى الله على بصيرة. ومن اتبعني كذلك يدعو إلى الله على بصيرة. وعلى القولين فالآية تدل على أن أتباعه هم أهل البصائر الداعين إلى الله على بصيرة. فمن ليس منهم فليس من أتباعه على الحقيقة والموافقة. وإن كان من أتباعه على الانتساب والدعوى. وقوله: وفي إرشادك الحقيقة إما أن يريد: أنك إذا أرشدت غيرك تبلغ في إرشاده إلى الحقيقة أو تبلغ في إرشاد غيرك لك إلى الحقيقة ولا تقف دونها.(2\/451)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "945",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13942",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعلى الأول: المصدر مضاف إلى الفاعل وعلى الثاني: إلى المفعول. والمعنى: أنك تكون من أهل الوجود الذين إذا أشاروا لم يشيروا إلا إلى الغاية المطلوبة التي ليس وراءها مرمى. والقوم يسمون أخبارهم عن المعارف وعن المطلوب إشارات لأن المعروف أجل من أن يفصح عنه بعبارة مطابقة وشأنه فوق ذلك. فالكامل من إشارته إلى الغاية. ولا يكون ذلك إلا لمن فني عن رسمه وهواه وحظه. وبقي بربه ومراده الديني الأمري وكل أحد فإشارته بحسب معرفته وهمته. ومعارف القوم وهمتهم تؤخذ من إشارتهم. والله المستعان.  [فصل منزلة الفراسة] [حقيقة الفراسة] فصل منزلة الفراسة ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الفراسة. قال الله تعالى: إن في ذلك لآيات للمتوسمين [الحجر: 75] قال مجاهد رحمه الله: المتفرسين. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: للناظرين. وقال قتادة: للمعتبرين. وقال مقاتل: للمتفكرين. ولا تنافي بين هذه الأقوال فإن الناظر متى نظر في آثار ديار المكذبين ومنازلهم وما آل إليه أمرهم: أورثه فراسة وعبرة وفكرة. وقال تعالى في حق المنافقين: ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول [محمد: 30] . فالأول: فراسة النظر والعين. والثاني: فراسة الأذن والسمع. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول: علق معرفته إياهم بالنظر على المشيئة ولم يعلق تعريفهم بلحن خطابهم على شرط. بل أخبر به خبرا مؤكدا بالقسم. فقال: ولتعرفنهم في لحن القول وهو تعريض الخطاب وفحوى الكلام ومغزاه. واللحن ضربان: صواب وخطأ. فلحن الصواب نوعان. أحدهما: الفطنة. ومنه(2\/452)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "946",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13943",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحديث ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض . والثاني: التعريض والإشارة. وهو قريب من الكناية. ومنه قول الشاعر: وحديث ألذه وهو مما ... يشتهي السامعون يوزن وزنا منطق صائب. وتلحن أحيا ... نا وخير الحديث ما كان لحنا والثالث: فساد المنطق في الإعراب. وحقيقته: تغيير الكلام عن وجهه: إما إلى خطأ وإما إلى معنى خفي لم يوضع له اللفظ. والمقصود: أنه سبحانه أقسم على معرفتهم من لحن خطابهم. فإن معرفة المتكلم وما في ضميره من كلامه: أقرب من معرفته بسيماه وما في وجهه. فإن دلالة الكلام على قصد قائله وضميره أظهر من السيماء المرئية. والفراسة تتعلق بالنوعين بالنظر والسماع. وفي الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا فراسة المؤمن. فإنه ينظر بنور الله. ثم تلا قوله تعالى: إن في ذلك لآيات للمتوسمين [الحجر: 75] .  [فصل أنواع الفراسة] [الأولى الفراسة الإيمانية] فصل والفراسة ثلاثة أنواع: إيمانية. وهي المتكلم فيها في هذه المنزلة. وسببها: نور يقذفه الله في قلب عبده. يفرق به بين الحق والباطل والحالي والعاطل والصادق والكاذب. وحقيقتها: أنها خاطر يهجم على القلب ينفي ما يضاده. يثب على القلب كوثوب الأسد على الفريسة. لكن الفريسة فعيلة بمعنى مفعولة. وبناء الفراسة كبناء الولاية والإمارة والسياسة.(2\/453)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "947",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13944",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان. فمن كان أقوى إيمانا فهو أحد فراسة. قال أبو سعيد الخراز: من نظر بنور الفراسة نظر بنور الحق وتكون مواد علمه مع الحق بلا سهو ولا غفلة. بل حكم حق جرى على لسان عبده. وقال الواسطي: الفراسة شعاشع أنوار لمعت في القلوب وتمكن معرفة جملة السرائر في الغيوب من غيب إلى غيب حتى يشهد الأشياء من حيث أشهده الحق إياها فيتكلم عن ضمير الخلق. وقال الداراني: الفراسة مكاشفة النفس ومعاينة الغيب وهي من مقامات الإيمان. وسئل بعضهم عن الفراسة فقال: أرواح تتقلب في الملكوت. فتشرف على معاني الغيوب. فتنطق عن أسرار الخلق نطق مشاهدة لا نطق ظن وحسبان. وقال عمرو بن نجيد: كان شاه الكرماني حاد الفراسة لا يخطئ. ويقول: من غض بصره عن المحارم وأمسك نفسه عن الشهوات وعمر باطنه بالمراقبة وظاهره باتباع السنة وتعود أكل الحلال: لم تخطئ فراسته. وقال أبو جعفر الحداد: الفراسة أول خاطر بلا معارض فإن عارضه معارض آخر من جنسه. فهو خاطر وحديث نفس. وقال أبو حفص النيسابوري: ليس لأحد أن يدعي الفراسة. ولكن يتقي الفراسة من الغير. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا فراسة المؤمن. فإنه ينظر بنور الله . ولم يقل: تفرسوا. وكيف يصح دعوى الفراسة لمن هو في محل اتقاء الفراسة وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي: إذا جالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق. فإنهم جواسيس القلوب يدخلون في قلوبكم ويخرجون من حيث لا تحتسبون. وكان الجنيد يوما يتكلم على الناس. فوقف عليه شاب نصراني متنكرا. فقال: أيها الشيخ ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله فأطرق الجنيد ثم رفع رأسه إليه. وقال: أسلم. فقد حان وقت إسلامك. فأسلم الغلام.(2\/454)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "948",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13945",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويقال في بعض الكتب القديمة: إن الصديق لا تخطئ فراسته. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: أفرس الناس ثلاثة: العزيز في يوسف حيث قال لامرأته: أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا [يوسف: 21] . وابنة شعيب حين قالت لأبيها في موسى: استأجره وأبو بكر في عمر رضي الله عنهما حيث استخلفه. وفي رواية أخرى: وامرأة فرعون حين قالت: قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا [القصص: 9] . وكان الصديق رضي الله عنه أعظم الأمة فراسة. وبعده عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ووقائع فراسته مشهورة. فإنه ما قال لشيء أظنه كذا إلا كان كما قال. ويكفي في فراسته: موافقته ربه في المواضع المعروفة. ومر به سواد بن قارب ولم يكن يعرفه. فقال: لقد أخطأ ظني أو أن هذا كاهن أو كان يعرف الكهانة في الجاهلية. فلما جلس بين يديه قال له ذلك عمر. فقال: سبحان الله يا أمير المؤمنين ما استقبلت أحدا من جلسائك بمثل ما استقبلتني به. فقال له عمر رضي الله عنه: ما كنا عليه في الجاهلية أعظم من ذلك. ولكن أخبرني عما سألتك عنه. فقال: صدقت يا أمير المؤمنين. كنت كاهنا في الجاهلية. ثم ذكر القصة. وكذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه صادق الفراسة. وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: دخلت على عثمان بن عفان رضي الله عنه. وكنت رأيت امرأة في الطريق تأملت محاسنها. فقال عثمان رضي الله عنه: يدخل علي أحدكم وأثر الزنا ظاهر في عينيه. فقلت: أوحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ولكن تبصرة وبرهان وفراسة صادقة. وفراسة الصحابة رضي الله عنهم أصدق الفراسة. وأصل هذا النوع من الفراسة: من الحياة والنور اللذين يهبهما الله تعالى لمن يشاء من عباده فيحيا القلب بذلك ويستنير فلا تكاد فراسته تخطئ. قال الله تعالى: أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها [الأنعام: 122] كان ميتا بالكفر والجهل فأحياه الله بالإيمان والعلم. وجعل له بالقرآن والإيمان نورا يستضيء به في الناس على قصد السبيل. ويمشي به في الظلم. والله أعلم.(2\/455)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "949",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13946",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الثانية فراسة الرياضة والجوع] فصل الفراسة الثانية: فراسة الرياضة والجوع والسهر والتخلي. فإن النفس إذا تجردت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجردها. وهذه فراسة مشتركة بين المؤمن والكافر. ولا تدل على إيمان ولا على ولاية. وكثير من الجهال يغتر بها. وللرهبان فيها وقائع معلومة. وهي فراسة لا تكشف عن حق نافع. ولا عن طريق مستقيم. بل كشفها جزئي من جنس فراسة الولاة وأصحاب عبارة الرؤيا والأطباء ونحوهم. وللأطباء فراسة معروفة من حذقهم في صناعتهم. ومن أحب الوقوف عليها فليطالع تاريخهم وأخبارهم. وقريب من نصف الطب فراسة صادقة يقترن بها تجربة. والله سبحانه أعلم.  [فصل الثالثة الفراسة الخلقية] فصل الفراسة الثالثة: الفراسة الخلقية. وهي التي صنف فيها الأطباء وغيرهم. واستدلوا بالخلق على الخلق لما بينهما من الارتباط الذي اقتضته حكمة الله. كالاستدلال بصغر الرأس الخارج عن العادة على صغر العقل. وبكبره وبسعة الصدر وبعد ما بين جانبيه: على سعة خلق صاحبه. واحتماله وبسطته. وبضيقه على ضيقه وبخمود العين وكلال نظرها على بلادة صاحبها وضعف حرارة قلبه. وبشدة بياضها مع إشرابه بحمرة - وهو الشكل - على شجاعته وإقدامه وفطنته. وبتدويرها مع حمرتها وكثرة تقلبها على خيانته ومكره وخداعه. ومعظم تعلق الفراسة بالعين. فإنها مرآة القلب وعنوان ما فيه. ثم باللسان. فإنه رسوله وترجمانه. وبالاستدلال بزرقتها مع شقرة صاحبها على رداءته. وبالوحشة التي ترى عليها على سوء داخله وفساد طويته. وكالاستدلال بإفراط الشعر في السبوطة على البلادة. وبإفراطه في الجعودة على الشر. وباعتداله على اعتدال صاحبه. وأصل هذه الفراسة: أن اعتدال الخلقة والصورة: هو من اعتدال المزاج والروح. وعن اعتدالها يكون اعتدال الأخلاق والأفعال. وبحسب انحراف الخلقة والصورة عن(2\/456)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "950",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13947",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاعتدال: يقع الانحراف في الأخلاق والأعمال. هذا إذا خليت النفس وطبيعتها. ولكن صاحب الصورة والخلقة المعتدلة يكتسب بالمقارنة والمعاشرة أخلاق من يقارنه ويعاشره. ولو أنه من الحيوان البهيم. فيصير من أخبث الناس أخلاقا وأفعالا وتعود له تلك طباعا ويتعذر - أو يتعسر - عليه الانتقال عنها. وكذلك صاحب الخلقة والصورة المنحرفة عن الاعتدال يكتسب بصحبة الكاملين بخلطتهم أخلاقا وأفعالا شريفة. تصير له كالطبيعة. فإن العوائد والمزاولات تعطي الملكات والأخلاق. فليتأمل هذا الموضع ولا يعجل بالقضاء بالفراسة دونه. فإن القاضي حينئذ يكون خطؤه كثيرا. فإن هذه العلامات أسباب لا موجبة. وقد تتخلف عنها أحكامها لفوات شرط أو لوجود مانع. وفراسة المتفرس تتعلق بثلاثة أشياء: بعينه. وأذنه. وقلبه. فعينه للسيماء والعلامات. وأذنه: للكلام وتصريحه وتعريضه ومنطوقه ومفهومه وفحواه وإشارته. ولحنه وإيمانه ونحو ذلك. وقلبه للعبور: والاستدلال من المنظور والمسموع إلى باطنه وخفيه. فيعبر إلى ما وراء ظاهره كعبور النقاد من ظاهر النقش والسكة إلى باطن النقد والاطلاع عليه: هل هو صحيح أو زغل وكذلك عبور المتفرس من ظاهر الهيئة والدل إلى باطن الروح والقلب فنسبة نقده للأرواح من الأشباح كنسبة نقد الصيرفي ينظر للجوهر من ظاهر السكة والنقد. وكذلك نقد أهل الحديث. فإنه يمر إسناد ظاهر كالشمس على متن مكذوب. فيخرجه ناقدهم كما يخرج الصيرفي الزغل من تحت الظاهر من الفضة. وكذلك فراسة التمييز بين الصادق والكاذب في أقواله وأفعاله وأحواله. وللفراسة سببان. أحدهما: جودة ذهن المتفرس وحدة قلبه وحسن فطنته. والثاني: ظهور العلامات والأدلة على المتفرس فيه. فإذا اجتمع السببان لم تكد تخطئ للعبد فراسة. وإذا انتفيا لم تكد تصح له فراسة. وإذا قوي أحدهما وضعف الآخر. كانت فراسته بين بين. وكان إياس بن معاوية من أعظم الناس فراسة. وله الوقائع المشهورة. وكذلك(2\/457)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "951",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13948",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشافعي رحمه الله. وقيل: إن له فيها تآليف. ولقد شاهدت من فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - أمورا عجيبة. وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم. ووقائع فراسته تستدعي سفرا ضخما. أخبر أصحابه بدخول التتار الشام سنة تسع وتسعين وستمائة وأن جيوش المسلمين تكسر وأن دمشق لا يكون بها قتل عام ولا سبي عام وأن كلب الجيش وحدته في الأموال. وهذا قبل أن يهم التتار بالحركة. ثم أخبر الناس والأمراء سنة اثنتين وسبعمائة لما تحرك التتار وقصدوا الشام: أن الدائرة والهزيمة عليهم. وأن الظفر والنصر للمسلمين. وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينا. فيقال له: قل إن شاء الله. فيقول: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا. وسمعته يقول ذلك. قال: فلما أكثروا علي. قلت: لا تكثروا. كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ. أنهم مهزومون في هذه الكرة. وأن النصر لجيوش الإسلام. قال: وأطمعت بعض الأمراء والعسكر حلاوة النصر قبل خروجهم إلى لقاء العدو. وكانت فراسته الجزئية في خلال هاتين الواقعتين مثل المطر. ولما طلب إلى الديار المصرية وأريد قتله - بعدما أنضجت له القدور وقلبت له الأمور - اجتمع أصحابه لوداعه. وقالوا: قد تواترت الكتب بأن القوم عاملون على قتلك. فقال: والله لا يصلون إلى ذلك أبدا. قالوا: أفتحبس قال: نعم ويطول حبسي. ثم أخرج وأتكلم بالسنة على رءوس الناس. سمعته يقول ذلك. ولما تولى عدوه الملقب بالجاشنكير الملك أخبروه بذلك. وقالوا: الآن بلغ مراده منك. فسجد لله شكرا وأطال. فقيل له: ما سبب هذه السجدة فقال: هذا بداية ذله ومفارقة عزه من الآن وقرب زوال أمره. فقيل: متى هذا فقال: لا تربط خيول الجند على القرط حتى تغلب دولته. فوقع الأمر مثل ما أخبر به. سمعت ذلك منه. وقال مرة: يدخل علي أصحابي وغيرهم. فأرى في وجوههم وأعينهم أمورا لا أذكرها لهم. فقلت له - أو غيري - لو أخبرتهم فقال: أتريدون أن أكون معرفا كمعرف الولاة(2\/458)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "952",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13949",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقلت له يوما: لو عاملتنا بذلك لكان أدعى إلى الاستقامة والصلاح. فقال: لا تصبرون معي على ذلك جمعة أو قال: شهرا. وأخبرني غير مرة بأمور باطنة تختص بي مما عزمت عليه ولم ينطق به لساني. وأخبرني ببعض حوادث كبار تجري في المستقبل. ولم يعين أوقاتها. وقد رأيت بعضها وأنا أنتظر بقيتها. وما شاهده كبار أصحابه من ذلك أضعاف أضعاف ما شاهدته. والله أعلم.  [فصل تعريف الفراسة] فصل قال صاحب quot; المنازل quot; رحمه الله: الفراسة: استئناس حكم غيب والاستئناس: استفعال من آنست كذا إذا رأيته. فإن أدركت بهذا الاستئناس حكم غيب: كان فراسة. وإن كان بالعين: كان رؤية. وإن كان بغيرها من المدارك: فبحسبها. قوله: من غير استدلال بشاهده هذا الاستدلال بالشاهد على الغائب: أمر مشترك بين البر والفاجر. والمؤمن والكافر كالاستدلال بالبروق والرعود على الأمطار وكاستدلال رؤساء البحر بالكدر الذي يبدو لهم في جانب الأفق على ريح عاصف. ونحو ذلك. وكاستدلال الطبيب بالسحنة والتفسرة على حال المريض. ويدق ذلك حتى يبلغ إلى حد يعجز عنه أكثر الأذهان. وكما يستدل بسيرة الرجل وسيره على عاقبة أمره في الدنيا من خير أو شر. فيطابق أو يكاد. فهذا خارج عن الفراسة التي تتكلم فيها هذه الطائفة. وهو نوع فراسة لكنها غير فراستهم. وكذلك ما علم بالتجربة من مسائل الطب والصناعات والفلاحة وغيرها. والله أعلم.(2\/459)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "953",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13950",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل درجات الفراسة] [الدرجة الأولى فراسة طارئة نادرة] فصل قال: وهي على ثلاث درجات. الأولى: فراسة طارئة نادرة. تسقط على لسان وحشي في العمر مرة. لحاجة سمع مريد صادق إليها. لا يتوقف على مخرجها. ولا يؤبه لصاحبها. وهذا شيء لا يخلص من الكهانة وما ضاهأها لأنها لم تشر عن عين ولم تصدر عن علم. ولم تسبق بوجود. يريد بهذا النوع: فراسة تجري على ألسنة الغافلين الذين ليست لهم يقظة أرباب القلوب. فلذلك قال: طارئة نادرة تسقط على لسان وحشي. الذي لم يأنس بذكر الله. ولا اطمأن إليه قلب صاحبه. فيسقط على لسانه مكاشفة في العمر مرة. وذلك نادر. ورمية من غير رام. وقوله: لحاجة مريد صادق. يشير إلى حكمة إجرائها على لسانه. وهي حاجة المريد الصادق إليها. فإذا سمعها على لسان غيره كان أشد تنبيها له. وكانت عنده أعظم موقعا. وقوله: لا يوقف على مخرجها. يعني لا يعلم الشخص الذي وصلت إليه. واتصلت به. ما سبب مخرج ذلك الكلام وإنما سمعه مقتطعا مما قبله ومما هيجه. ولا يؤبه لصاحبها لأنه ليس هناك. قلت: وهذا من جنس الفأل. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الفأل ويعجبه. والطيرة من هذا. ولكن المؤمن لا يتطير. فإن التطير شرك. ولا يصده ما سمع عن مقصده وحاجته. بل يتوكل على الله ويثق به. ويدفع شر التطير عنه بالتوكل.(2\/460)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "954",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13951",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الطيرة شرك وما منا إلا. ولكن الله يذهبه بالتوكل . وهذه الزيادة - وهي قوله: وما منا إلا - يعني من يعتريه ولكن الله يذهبها بالتوكل - مدرجة في الحديث من قول ابن مسعود. وجاء ذلك مبينا. ومن له يقظة يرى ويسمع من ذلك عجائب. وهي من إلقاء الملك تارة على لسان الناطق. وتارة من إلقاء الشيطان. فالإلقاء الملكي: تبشير وتحذير وإنذار. والإلقاء الشيطاني: تحزين وتخويف وشرك. وصد عن المطالب. وصاحب الهمة والعزيمة: لا يتقيد بذلك. ولا يصرف إليه همته. وإذا سمع ما يسره استبشر. وقوي رجاؤه وحسن ظنه. وحمد الله. وسأله إتمامه. واستعان به على حصوله. وإذا سمع ما يسوءه: استعاذ بالله ووثق به. وتوكل عليه. ولجأ إليه والتجأ إلى التوحيد. وقال: اللهم لا طير إلا طيرك. ولا خير إلا خيرك. ولا إله غيرك. اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت. ولا يذهب بالسيئات إلا أنت. ولا حول ولا قوة إلا بك. ومن جعل هذا نصب قلبه وعلق به همته: كان ضرره به أكثر من نفعه. قوله: وهذا شيء لا يخلص من الكهانة يعني: أنه من جنس الكهانة. وأحوال الكهان معلومة قديما وحديثا في إخبارهم عن نوع من المغيبات بواسطة إخوانهم من الشياطين الذين يلقون إليهم السمع ولم يزل هؤلاء في الوجود. ويكثرون في الأزمنة والأمكنة التي يخفى فيها نور النبوة. ولذلك كانوا أكثر ما كانوا في زمن الجاهلية وكل زمان جاهلية وبلد جاهلية وطائفة جاهلية فلهم(2\/461)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "955",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13952",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نصيب منها بحسب اقتران الشياطين بهم وطاعتهم لهم وعبادتهم إياهم. وقوله: وما ضاهأها أي وما شابهها من جنس الخط بالرمل وضرب الحصا والودع وزجر الطير الذي يسمونه السانح والبارح والقرعة الشركية لا الشرعية والاستقسام بالأزلام وغير ذلك مما تتعلق به النفوس الجاهلية المشركة التي عاقبة أمرها خسر وبوار. وقوله: لأنها لم تشر عن عين. أي عن عين الحقيقة التي لا يصدر عنها إلا حق. يعني غير متصلة بالله عز وجل. وقوله: ولم تصدر عن علم. يعني أنها ظن وحسبان لا عن علم ويقين. وصاحبها دائما في شك. ليس على بصيرة من أمره. وقوله: ولم تسق بوجود. أي لم يسقها وجود الحقيقة لصاحبها بل هو فارغ بو غير واجد بل فاقد من غير أهل الوجود. والله أعلم.  [الدرجة الثانية فراسة تجنى عن غرس الإيمان] قال: الدرجة الثانية: فراسة تجنى عن غرس الإيمان. وتطلع من صحة الحال. وتلمع من نور الكشف. هذا النوع من الفراسة: مختص بأهل الإيمان. ولذلك قال: تجنى من غرس الإيمان وشبه الإيمان بالغرس لأنه يزداد وينمو ويزكو على السقي. ويؤتي أكله كل حين بإذن ربه. وأصله ثابت في الأرض. وفروعه في السماء فمن غرس الإيمان في أرض قلبه الطيبة الزاكية وسقى ذلك الغراس بماء الإخلاص والصدق والمتابعة: كان من بعض ثمره هذه الفراسة. قوله: وتطلع من صحة الحال يعني: أن صدق الفراسة من صدق الحال. فكلما كان الحال أصدق وأصح فالفراسة كذلك. قوله: وتلمع من نور الكشف يعني أن نور الكشف من جملة ما يولد الفراسة بل أصلها نور الكشف.(2\/462)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "956",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13953",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوة الفراسة: بحسب قوة هذا النور وضعفه وقوته وضعفه بحسب قوة مادته وضعفها. والله أعلم.  [فصل الدرجة الثالثة فراسة سرية] فصل قال: الدرجة الثالثة: فراسة سرية لم تجتلبها روية على لسان مصطنع تصريحا أو رمزا. يحتمل لفظ السرية وجهين: أحدهما: الشرف. أي فراسة شريفة. فإن الرجل السري هو الرجل الشريف. وجمعه سراة ومنه - في أحد التأويلين - قوله تعالى: قد جعل ربك تحتك سريا [مريم: 24] أي سيدا مطاعا. وهو المسيح. وعلى هذا يكون سرية بوزن شريفة. والثاني: أن يكون من السر أي فراسة متعلقة بالأسرار لا بالظواهر فتكون سرية بوزن شريبة ومكيثة. قوله: لم تجتلبها روية أي لا تكون عن فكرة. بل تهجم على القلب هجوما لا يعرف سببه. قوله: على لسان مصطنع أي مختار مصطفى على غيره. تصريحا أو رمزا يعني أن هذا المختار المصطفى يخبر بهذه الفراسة العالية عن أمور مغيبة تارة بالتصريح وتارة بالتلويح إما سترا لحاله وإما صيانة لما أخبر به عن الابتذال ووصوله إلى غير أهله. وإما لغير ذلك من الأسباب. والله سبحانه وتعالى أعلم.  [فصل منزلة التعظيم] [حقيقة التعظيم] فصل منزلة التعظيم ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة التعظيم. وهذه المنزلة تابعة للمعرفة. فعلى قدر المعرفة يكون تعظيم الرب تعالى في القلب. وأعرف الناس به: أشدهم له تعظيما وإجلالا. وقد ذم الله تعالى من لم يعظمه حق عظمته. ولا عرفه حق معرفته. ولا وصفه حق صفته. وأقوالهم تدور على هذا. فقال(2\/463)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "957",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13954",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى: ما لكم لا ترجون لله وقارا [نوح: 13] قال ابن عباس ومجاهد: لا ترجون لله عظمة. وقال سعيد بن جبير: ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته وقال الكلبي: لا تخافون لله عظمة. قال البغوي: والرجاء بمعنى المخوف. والوقار العظمة. اسم من التوقير. وهو التعظيم. وقال الحسن: لا تعرفون لله حقا ولا تشكرون له نعمة. وقال ابن كيسان: لا ترجون في عبادة الله أن يثيبكم على توقيركم إياه خيرا. وروح العبادة: هو الإجلال والمحبة. فإذا تخلى أحدهما عن الآخر فسدت. فإذا اقترن بهذين الثناء على المحبوب المعظم. فذلك حقيقة الحمد. والله سبحانه أعلم.  [فصل درجات التعظيم] [الدرجة الأولى تعظيم الأمر والنهي] فصل قال صاحب quot; المنازل quot; رحمه الله: التعظيم: معرفة العظمة مع التذلل لها. وهو على ثلاث درجات. الأولى: تعظيم الأمر والنهي وهو أن لا يعارضا بترخص جاف. ولا يعرضا لتشدد غال. ولا يحملا على علة توهن الانقياد. هاهنا ثلاثة أشياء تنافي تعظيم الأمر والنهي. أحدها: الترخص الذي يجفو بصاحبه عن كمال الامتثال. والثاني: الغلو الذي يتجاوز بصاحبه حدود الأمر والنهي. فالأول: تفريط. والثاني: إفراط. وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان: إما إلى تفريط وإضاعة وإما إلى إفراط وغلو. ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه. كالوادي بين جبلين. والهدى بين(2\/464)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "958",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13955",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ضلالتين. والوسط بين طرفين ذميمين. فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له فالغالي فيه: مضيع له. هذا بتقصيره عن الحد. وهذا بتجاوزه الحد. وقد نهى الله عن الغلو بقوله: ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق [المائدة: 77] . والغلو نوعان: نوع يخرجه عن كونه مطيعا. كمن زاد في الصلاة ركعة أو صام الدهر مع أيام النهي أو رمى الجمرات بالصخرات الكبار التي يرمى بها في المنجنيق أو سعى بين الصفا والمروة عشرا أو نحو ذلك عمدا. وغلو يخاف منه الانقطاع والاستحسار. كقيام الليل كله. وسرد الصيام الدهر أجمع. بدون صوم أيام النهي. والجور على النفوس في العبادات والأوراد الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه. فسددوا وقاربوا ويسروا. واستعينوا بالغدوة والروحة. وشيء من الدلجة يعني استعينوا على طاعة الله بالأعمال في هذه الأوقات الثلاثة. فإن المسافر يستعين على قطع مسافة السفر بالسير فيها. وقال صلى الله عليه وسلم ليصل أحدكم نشاطه. فإذا فتر فليرقد رواهما البخاري. وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: هلك المتنطعون - قالها ثلاثا - وهم المتعمقون المتشددون . وفي صحيح البخاري عنه صلى الله عليه وسلم عليكم من الأعمال ما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا .(2\/465)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "959",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13956",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن هذا الدين متين. فأوغل فيه برفق. ولا تبغضن إلى نفسك عبادة الله . أو كما قال. وقوله: ولا يحملا على علة توهن الانقياد. يريد: أن لا يتأول في الأمر والنهي علة تعود عليهما بالإبطال كما تأول بعضهم تحريم الخمر بأنه معلل بإيقاع العداوة والبغضاء والتعرض للفساد. فإذا أمن من هذا المحذور منه جاز شربه. كما قيل: أدرها فما التحريم فيها لذاتها ... ولكن لأسباب تضمنها السكر إذا لم يكن سكر يضل عن الهدى ... فسيان ماء في الزجاجة أو خمر وقد بلغ هذا بأقوام إلى الانسلاخ من الدين جملة. وقد حمل طائفة من العلماء أن جعلوا تحريم ما عدا شراب خمر العنب معللا بالإسكار. فله أن يشرب منه ما شاء ما لم يسكر. ومن العلل التي توهن الانقياد: أن يعلل الحكم بعلة ضعيفة لم تكن هي الباعثة عليه في نفس الأمر. فيضعف انقياد العبد إذا قام عنده أن هذه هي علة الحكم. ولهذا كانت طريقة القوم عدم التعرض لعلل التكاليف خشية هذا المحذور. وفي بعض الآثار القديمة: يا بني إسرائيل. لا تقولوا: لم أمر ربنا ولكن قولوا: بم أمر ربنا . وأيضا فإنه إذا لم يمتثل الأمر حتى تظهر له علته لم يكن منقادا للأمر. وأقل درجاته: أن يضعف انقياده له. وأيضا فإنه إذا نظر إلى حكم العبادات والتكاليف مثلا. وجعل العلة فيها هي جمعية القلب والإقبال به على الله. فقال: أنا أشتغل بالمقصود عن الوسيلة. فاشتغل بجمعيته وخلوته عن أوراد العبارات فعطلها وترك الانقياد بحمله الأمر على العلة التي أذهبت انقياده.(2\/466)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "960",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13957",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكل هذا من ترك تعظم الأمر والنهي. وقد دخل من هذا الفساد على كثير من الطوائف ما لا يعلمه إلا الله. فما يدري ما أوهنت العلل الفاسدة من الانقياد إلا الله. فكم عطلت لله من أمر. وأباحت من نهي. وحرمت من مباح ! وهي التي اتفقت كلمة السلف على ذمها.  [فصل الدرجة الثانية تعظيم الحكم] فصل قال الدرجة الثانية: تعظيم الحكم: أن يبغى له عوج أو يدافع بعلم. أو يرضى بعوض. الدرجة الأولى: تتضمن تعظيم الحكم الديني الشرعي. وهذه الدرجة تتضمن تعظيم الحكم الكوني القدري. وهو الذي يخصه المصنف باسم الحكم وكما يجب على العبد أن يرعى حكم الله الديني بالتعظيم. فكذلك يرعى حكمه الكوني به. فذكر من تعظيمه ثلاثة أشياء. أحدها أن لا يبغى له عوج أي يطلب له عوج أو يرى فيه عوج. بل يراه كله مستقيما. لأنه صادر عن عين الحكمة. فلا عوج فيه. وهذا موضع أشكل على الناس جدا. فقال نفاة القدر: ما في خلق الرحمن من تفاوت ولا عوج. والكفر والمعاصي مشتملة على أعظم التفاوت والعوج. فليست بخلقه لا مشيئته ولا قدره. وقالت فرقة تقابلهم: بل هي من خلق الرحمن وقدره. فلا عوج فيها. وكل ما في الوجود مستقيم. والطائفتان ضالتان منحرفتان عن الهدى. وهذه الثانية أشد انحرافا. لأنها جعلت الكفر والمعاصي طريقا مستقيما لا عوج فيه. وعدم تفريق الطائفتين بين القضاء والمقضي والحكم والمحكوم به: هو الذي أوقعهم فيما أوقعهم فيه. وقول سلف الأمة وجمهورها: إن القضاء غير المقضي. فالقضاء فعله ومشيئته وما قام به. والمقضي مفعوله المباين له المنفصل عنه. وهو المشتمل على الخير والشر والعوج والاستقامة.(2\/467)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "961",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13958",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقضاؤه كله حق. والمقضي: منه حق ومنه باطل. وقضاؤه كله عدل. والمقضي: منه عدل ومنه جور وقضاؤه كله مرضي. والمقضي: منه مرضي ومنه مسخوط. وقضاؤه كله مسالم. والمقضي: منه ما يسالم ومنه ما يحارب. وهذا أصل عظيم تجب مراعاته. وهو موضع مزلة أقدام كما رأيت والمنحرف عنه: إما جاهل للحكمة أو القدرة أو للأمر والشرع ولا بد. وعلى هذا يحمل كلام صاحب quot; المنازل quot; رحمه الله أن لا يبتغى للحكم عوج. وأما قوله: أو يدفع بعلم فأشكل من الأول. فإن العلم مقدم على القدر. وحاكم عليه. ولا يجوز دفع العلم بالحكم. فأحسن ما يحمل عليه كلامه أن يقال: قضاء الله وقدره وحكمه الكوني لا يناقض دينه وشرعه وحكمه الديني. بحيث تقع المدافعة بينهما. لأن هذا مشيئته الكونية. وهذا إرادته الدينية. وإن كان المرادان قد يتدافعان ويتعارضان. لكن من تعظيم كل منهما: أن لا يدافع بالآخر ولا يعارض. فإنهما وصفان للرب تعالى. وأوصافه لا يدافع بعضها ببعض وإن استعيذ ببعضها من بعض. فالكل منه سبحانه. وهو المعيذ من نفسه بنفسه كما قال أعلم الخلق به: أعوذ برضاك من سخطك. وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك. وأعوذ بك منك فرضاه - وإن أعاذ من سخطه - فإنه لا يبطله ولا يدفعه. وإنما يدفع تعلقه بالمستعيذ. وتعلقه بأعدائه باق غير زائل. فهكذا أمره وقدره سواء. فإن أمره لا يبطل قدره ولا قدره يبطل أمره. ولكن يدفع ما قضاه وقدره بما أمر به وأحبه. وهو أيضا من قضائه. فما دفع قضاؤه إلا بقضائه وأمره. فلم يدفع العلم الحكم بل المحكوم به. والعلم والحكم دفعا المحكوم به الذي قدر دفعه وأمر به. فتأمل هذا. فإنه محض العبودية والمعرفة والإيمان بالقدر والاستسلام له والقيام بالأمر والتنفيذ له بالقدر فما نفذ المطيع أمر الله إلا بقدر الله. ولا دفع مقدور الله بقدر الله وأمره. وأما قوله: ولا يرضى بعوض أي أن صاحب مشهد الحكم قد وصل إلى حد لا يطلب معه عوضا. ولا يكون ممن يعبد الله بالعوض. فإنه يشاهد جريان حكم الله عليه وعدم تصرفه في نفسه وأن(2\/468)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "962",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13959",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المتصرف فيه حقا هو مالكه الحق. فهو الذي يقيمه ويقعده ويقلبه ذات اليمين وذات الشمال وإنما يطلب العوض من غاب عن الحكم وذهل عنه. وذلك مناف لتعظيمه. فمن تعظيمه: أن لا يرضى العبد بعوض يطلبه بعمله. لأن مشاهدة الحكم وتعظيمه يمنعه أن يرى لنفسه ما يعاوض عليه. فهذا الذي يمكن حمل كلامه عليه من غير خروج عن حقيقة الأمر. والله سبحانه أعلم.  [فصل الدرجة الثالثة تعظيم الحق سبحانه] فصل قال الدرجة الثالثة: تعظيم الحق سبحانه. وهو أن لا يجعل دونه سببا ولا يرى عليه حقا أو ينازع له اختيارا. هذه الدرجة تتضمن تعظيم الحاكم سبحانه صاحب الخلق والأمر والتي قبلها تتضمن تعظيم قضائه لا مقضيه والأولى: تتضمن تعظيم أمره. وذكر من تعظيمه ثلاثة أشياء: أحدها: أن لا تجعل دونه سببا أي لا تجعل للوصلة إليه سببا غيره. بل هو الذي يوصل عبده إليه فلا يوصل إلى الله إلا الله ولا يقرب إليه سواه. ولا يدني إليه غيره ولا يتوصل إلى رضاه إلا به. فما دل على الله إلا الله ولا هدى إليه سواه. ولا أدنى إليه غيره. فإنه سبحانه هو الذي جعل السبب سببا. فالسبب وسببيته وإيصاله: كله خلقه وفعله. الثاني: أن لا يرى عليه حقا أي لا ترى لأحد من الخلق - لا لك ولا لغيرك - حقا على الله. بل الحق لله على خلقه وفي أثر إسرائيلي: أن داود عليه السلام قال: يا رب بحق آبائي عليك. فأوحى الله إليه: يا داود. أي حق لآبائك علي ألست أنا الذي هديتهم ومننت عليهم واصطفيتهم. ولي الحق عليهم . وأما حقوق العبيد على الله تعالى: من إثابته لمطيعهم وتوبته على تائبهم وإجابتهم لسائلهم: فتلك حقوق أحقها الله سبحانه على نفسه بحكم وعده وإحسانه لا أنها حقوق أحقوها هم عليه. فالحق في الحقيقة لله على عبده وحق العبد عليه هو ما اقتضاه بجوده وبره وإحسانه إليه بمحض جوده وكرمه هذا قول أهل التوفيق والبصائر. وهو وسط بين قولين منحرفين. قد تقدم ذكرهما مرارا. والله سبحانه أعلم.(2\/469)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "963",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13960",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما قوله: أو لا ينازع له اختيارا. أي إذا رأيت الله عز وجل قد اختار لك أو لغيرك شيئا - إما بأمره ودينه وإما بقضائه وقدره - فلا تنازع اختياره بل ارض باختيار ما اختاره لك فإن ذلك من تعظيمه سبحانه. ولا يرد عليه قدره من المعاصي. فإنه سبحانه - وإن قدرها - لكنه لم يخترها له فمنازعتها غير اختياره من عبده. وذلك من تمام تعظيم العبد له سبحانه. والله أعلم.  [منزلة الإلهام والإفهام والوحي والتحديث والرؤيا الصادقة] فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الإلهام والإفهام والوحي والتحديث والرؤيا الصادقة. وقد تقدمت في أول الكتاب عند الكلام على مراتب الهداية. وذكرنا كلام صاحب quot; المنازل quot; هناك.  [فصل منزلة السكينة] [السكينة في الكتاب والسنة] فصل منزلة السكينة ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة السكينة هذه المنزلة من منازل المواهب. لا من منازل المكاسب. وقد ذكر الله سبحانه السكينة في كتابه في ستة مواضع. الأول: قوله تعالى: وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم [البقرة: 248] . الثاني: قوله تعالى: ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين [التوبة: 26] . الثالث: قوله تعالى: إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها [التوبة: 40] . الرابع: قوله تعالى: هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما [الفتح: 4] .(2\/470)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "964",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13961",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخامس: قوله تعالى: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا [الفتح: 18] . السادس: قوله تعالى: إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين [الفتح: 26] . الآية. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - إذا اشتدت عليه الأمور: قرأ آيات السكينة. وسمعته يقول في واقعة عظيمة جرت له في مرضه تعجز العقول عن حملها - من محاربة أرواح شيطانية ظهرت له إذ ذاك في حال ضعف القوة - قال: فلما اشتد علي الأمر قلت لأقاربي ومن حولي: اقرءوا آيات السكينة قال: ثم أقلع عني ذلك الحال وجلست وما بي قلبة. وقد جربت أنا أيضا قراءة هذه الآيات عند اضطراب القلب بما يرد عليه. فرأيت لها تأثيرا عظيما في سكونه وطمأنينته. وأصل السكينة هي الطمأنينة والوقار والسكون الذي ينزله الله في قلب عبده عند اضطرابه من شدة المخاوف. فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه. ويوجب له زيادة الإيمان وقوة اليقين والثبات. ولهذا أخبر سبحانه عن إنزالها على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين في مواضع القلق والاضطراب. كيوم الهجرة إذ هو وصاحبه في الغار والعدو فوق رءوسهم. لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه لرآهما. وكيوم حنين حين ولوا مدبرين من شدة بأس الكفار لا يلوي أحد منهم على أحد. وكيوم الحديبية حين اضطربت قلوبهم من تحكم الكفار عليهم ودخولهم تحت شروطهم التي لا تحملها النفوس. وحسبك بضعف عمر رضي الله عنه عن حملها - وهو عمر - حتى ثبته الله بالصديق رضي الله عنه. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل سكينة في القرآن فهي طمأنينة إلا التي في سورة البقرة. وفي الصحيحين عن البراء بن عازب رضي الله عنهما: قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ينقل(2\/471)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "965",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13962",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من تراب الخندق حتى وارى التراب جلدة بطنه. وهو يرتجز بكلمة عبد الله بن رواحة رضي الله عنه: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا إن الأولى قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا وفي صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة إني باعث نبيا أميا ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا متزين بالفحش ولا قوال للخنا. أسدده لكل جميل. وأهب له كل خلق كريم. ثم أجعل السكينة لباسه والبر شعاره والتقوى ضميره. والحكمة معقوله والصدق والوفاء طبيعته والعفو والمعروف خلقه والعدل سيرته. والحق شريعته والهدى إمامه والإسلام ملته وأحمد اسمه.  [فصل تعريف السكينة] فصل قال صاحب quot; المنازل quot;: السكينة: اسم لثلاثة أشياء. أولها: سكينة بني إسرائيل التي أعطوها في التابوت. قال أهل التفسير: هي ريح هفافة. وذكروا صفتها قلت: اختلفوا: هل هي عين قائمة بنفسها أو معنى على قولين. أحدهما: أنها عين. ثم اختلف أصحاب هذا القول في صفتها فروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنها ريح هفافة. لها رأسان ووجه كوجه الإنسان ويروى عن مجاهد: إنها صورة هرة لها جناحان وعينان لهما شعاع. وجناحان من زمرد وزبرجد فإذا سمعوا صوتها أيقنوا بالنصر. وعن ابن عباس: هي طست من ذهب الجنة. كان يغسل فيه قلوب الأنبياء. وعن وهب بن منبه: هي روح من روح الله تتكلم. إذا اختلفوا في شيء أخبرتهم ببيان ما يريدون. والثاني: أنها معنى. ويكون معنى قوله: سكينة من ربكم [البقرة: 248] أي ومجيئه إليكم: سكينة لكم وطمأنينة.(2\/472)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "966",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13963",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعلى الأول: يكون المعنى: إن السكينة في نفس التابوت. ويؤيده عطف قوله: وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون [البقرة: 248] قال عطاء بن أبي رباح: فيه سكينة هي ما تعرفون من الآيات. فتسكنون إليها. وقال قتادة والكلبي: هي من السكون أي طمأنينة من ربكم. ففي أي مكان كان التابوت اطمأنوا إليه وسكنوا.  [فصل أنواع السكينة] [السكينة الأولى سكينة الأنبياء] فصل قال: وفيها ثلاثة أشياء: للأنبياء معجزة. ولملوكهم كرامة. وهي آية النصر تخلع قلوب الأعداء بصوتها رعبا إذا التقى الصفان للقتال. وكرامات الأولياء: هي من معجزات الأنبياء. لأنهم إنما نالوها على أيديهم وبسبب اتباعهم فهي لهم كرامات. وللأنبياء دلالات. فكرامات الأولياء: لا تعارض معجزات الأنبياء. حتى يطلب الفرقان بينهما. لأنها من أدلتهم وشواهد صدقهم. نعم: الفرقان بين ما للأنبياء وما للأولياء من وجوه كثيرة جدا. ليس هذا موضع ذكرها. وغير هذا الكتاب أليق بها.  [فصل السكينة الثانية التي تنطق على لسان المحدثين] فصل قال السكينة الثانية: هي التي تنطق على لسان المحدثين. ليست هي شيئا يملك. إنما هي شيء من لطائف صنع الحق. تلقي على لسان المحدث الحكمة كما يلقي الملك الوحي على قلوب الأنبياء. وتنطق بنكت الحقائق مع ترويح الأسرار وكشف الشبه. والسكينة إذا نزلت على القلب اطمأن بها. وسكنت إليها الجوارح. وخشعت واكتسبت الوقار وأنطقت اللسان بالصواب والحكمة وحالت بينه وبين قول الخنا والفحش واللغو والهجر وكل باطل قال ابن عباس رضي الله عنهما: كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر وقلبه. وكثيرا ما ينطق صاحب السكينة بكلام لم يكن عن فكرة منه ولا روية ولا هبة ويستغربه هو من نفسه. كما يستغرب السامع له. وربما لا يعلم بعد انقضائه بما صدر منه.(2\/473)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "967",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13964",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأكثر ما يكون: هذا عند الحاجة. وصدق الرغبة من السائل والمجالس وصدق الرغبة منه: هو إلى الله والإسراع بقلبه إلى بين يديه وحضرته مع تجرده من الأهواء وتجريده النصيحة لله ولرسوله ولعباده المؤمنين وإزالة نفسه من البين. ومن جرب هذا عرف منفعته وعظمها. وساء ظنه بما يحسن به الغافلون ظنونهم من كثير من كلام الناس. قوله: وليست شيئا يملك يعني هي موهبة من الله تعالى ليست بسببية ولا كسبية. وليست كالسكينة التي كانت في التابوت تنقل معهم كيف شاءوا. وقوله: تلقي على لسان المحدث الحكمة أي تجري الصواب على لسانه. وقوله: كما يلقي الملك الوحي على قلوب الأنبياء عليهم السلام. يعني: أنها بواسطة الملائكة. بحيث تلقي في قلوب أربابها الحكمة عنهم والطمأنينة والصواب. كما أن الأنبياء تتلقى الوحي عن الله بواسطة الملائكة. ولكن ما للأنبياء مختص بهم. ولا يشاركهم فيه غيرهم. وهو نوع آخر. وقوله: تنطق المحدثين بنكت الحقائق مع ترويج الأسرار وكشف الشبه قد تقدم في أول الكتاب: ذكر مرتبة المحدث وأن هذا التحديث من مراتب الهداية العشرة وأن المحدث هو الذي يحدث في سره بالشيء فيكون كما يحدث به. والحقائق هي حقائق الإيمان والسلوك. ونكتها عيونها ومواضع الإشارات منها. ولا ريب أن تلك توجب للأسرار روحا تحيا به وتتنعم. وتكشف عنها شبهات لا يكشفها المتكلمون ولا الأصوليون. فتسكن الأرواح والقلوب إليها. ولهذا سميت سكينة ومن لم يفز من الله بذلك لم تنكشف عنه شبهاته. فإنها لا يكشفها إلا سكينة الإيمان واليقين.  [فصل السكينة الثالثة هي التي نزلت على قلب النبي صلى الله عليه وسلم] فصل قال السكينة الثالثة: هي التي نزلت على قلب النبي صلى الله عليه وسلم وقلوب المؤمنين. وهي شيء يجمع قوة وروحا يسكن إليه الخائف ويتسلى به الحزين والضجر. ويسكن إليه العصي والجرئ والأبي. هذا من عيون كلامه وغرره الذي تثنى عليه الخناصر. وتعقد عليه القلوب. وتظفر(2\/474)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "968",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13965",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به عن ذوق تام. لا عن مجرد. فذكر: أن هذا الشيء أنزله الله في قلب رسوله صلى الله عليه وسلم. وقلوب عباده المؤمنين يشتمل على ثلاثة معان: النور والقوة والروح. وذكر له ثلاث ثمرات: سكون الخائف إليه وتسلي الحزين والضجر به واستكانة صاحب المعصية والجرأة على المخالفة والإباء إليه. فبالروح الذي فيها: حياة القلب. وبالنور الذي فيها: استنارته وضياؤه وإشراقه وبالقوة: ثباته وعزمه ونشاطه. فالنور: يكشف له عن دلائل الإيمان وحقائق اليقين. ويميز له بين الحق والباطل والهدى والضلال والغي والرشد والشك واليقين. والحياة: توجب كمال يقظته وفطنته وحضوره وانتباهه من سنة الغفلة. وتأهبه للقائه. والقوة: توجب له الصدق وصحة المعرفة وقهر داعي الغي والعنت وضبط النفس عن جزعها وهلعها واسترسالها في النقائض والعيوب. ولذلك ازداد بالسكينة إيمانا مع إيمانه. والإيمان: يثمر له النور والحياة والقوة. وهذه الثلاثة تثمره أيضا. وتوجب زيادته. فهو محفوف بها قبلها وبعدها. فبالنور: يكشف دلائل الإيمان. وبالحياة: ينتبه من سنة الغفلة. ويصير يقظانا. وبالقوة: يقهر الهوى والنفس والشيطان. كما قيل: وتلك مواهب الرحمن ليست ... تحصل باجتهاد أو بكسب ولكن لا غنى عن بذل جهد ... بإخلاص وجد لا بلعب وفضل الله مبذول ولكن ... بحكمته وعن ذا النص ينبي فما من حكمة الرحمن وضع ال ... كواكب بين أحجار وترب فشكرا للذي أعطاك منه ... فلو قبل المحل لزاد ربي  [فصل السكينة يسكن إليها العصي] فصل فإذا حصلت هذه الثلاثة بالسكينة - وهي النور والحياة والروح - سكن إليها العصي وهو الذي سكونه إلى المعصية والمخالفة لعدم سكينة الإيمان في قلبه صار سكونه إليها عوض سكونه إلى الشهوات والمخالفات. فإنه قد وجد فيها مطلوبه. وهو اللذة التي كان يطلبها من المعصية. ولم يكن له ما يعيضه عنها. فإذا نزلت عليه السكينة(2\/475)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "969",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13966",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اعتاض بذلتها وروحها ونعيمها عن لذة المعصية. فاستراحت بها نفسه. وهاج إليها قلبه. ووجد فيها من الروح والراحة واللذة ما لا نسبة بينه وبين اللذة الجسمانية النفسانية. فصارت لذته روحانية قلبية. بعد أن كانت جسمانية فانسلب منها وحبس عنها وخلصته. فإذا تألقت بروقها قال: تألق البرق نجديا فقلت له: ... يا أيها البرق إني عنك مشغول وإذا طرقته طيوفها الخيالية في ظلام ليل الشهوات نادى لسان حاله وتمثل بمثل قوله: طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام فإذا ودعته وعزمت على الرحيل ووعدته بالموافاة بقول الآخر: قالت - وقد عزمت على ترحالها - ... ماذا تريد فقلت: أن لا ترجعي فإذا باشرت هذه السكينة قلبه سكنت خوفه. وهو قوله: يسكن إليها الخائف وسلت حزنه فإنها لا حزن معها. فهي سلوة المحزون. ومذهبة الهموم والغموم. وكذلك تذهب عنه وخم ضجره. وتبعث نشوة العزم. وحالت بينه وبين الجرأة على مخالفة الأمر. وبين إباء النفس والانقياد إليه. والله أعلم.  [فصل درجات سكينة الوقار] [الدرجة الأولى سكينة الخشوع عند القيام للخدمة] فصل قال وأما سكينة الوقار التي نزلها نعتا لأربابها: فإنها ضياء تلك السكينة الثالثة التي ذكرناها. وهي على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: سكينة الخشوع عند القيام للخدمة: رعاية وتعظيما وحضورا. سكينة الوقار هي نوع من السكينة ولكن لما كانت موجبة للوقار سماها الشيخ سكينة الوقار. وقوله: نزلها نعتا يعني نزلها الله تعالى في قلوب أهلها. ونعتهم بها. وقوله: فإنها ضياء تلك السكينة الثالثة التي ذكرناها أي نتيجتها وثمرتها. وعنها نشأت. كما أن الضياء عن الشمس حصل. ولما كان النور والحياة والقوة - التي ذكرناها - مما يثمر الوقار: جعل سكينة الوقار(2\/476)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "970",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13967",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كالضياء لتلك السكينة. إذ هو علامة حصولها. ودليل عليها. كدلالة الضياء على حامله. قوله: الدرجة الأولى: سكينة الخشوع عند القيام للخدمة يريد به الوقار والخشوع الذي يحصل لصاحب مقام الإحسان. ولما كان الإيمان موجبا للخشوع وداعيا إليه قال الله تعالى: ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق [الحديد: 16] . دعاهم من مقام الإيمان إلى مقام الإحسان. يعني: أما آن لهم أن يصلوا إلى الإحسان بالإيمان وتحقيق ذلك بخشوعهم لذكره الذي أنزله إليهم قوله: رعاية وتعظيما وحضورا هذه ثلاثة أمور. تحقق الخشوع في الخدمة. وهي رعاية حقوقها الظاهرة والباطنة. فليس يضيعها خشوع ولا وقار. الثاني: تعظيم الخدمة وإجلالها. وذلك تبع لتعظيم المعبود وإجلاله ووقاره. فعلى قدر تعظيمه في قلب العبد وإجلاله ووقاره: يكون تعظيمه لخدمته وإجلاله ورعايته لها. والثالث: الحضور. وهو إحضار القلب فيها مشاهدة المعبود كأنه يراه. فهذه الثلاثة تثمر له سكينة الوقار والله سبحانه أعلم.  [فصل الدرجة الثانية السكينة عند المعاملة بمحاسبة النفوس] فصل قال: الدرجة الثانية: السكينة عند المعاملة بمحاسبة النفوس وملاطفة الخلق ومراقبة الحق هذه الدرجة هي التي يحوم عليها أهل التصوف والعلم الذي يشمرون إليه للمعاملة التي بينهم وبين الله وبينهم وبين خلقه. وتحصل بثلاثة أشياء: أحدها: محاسبة النفس حتى تعرف ما لها وما عليها. ولا يدعها تسترسل في الحقوق استرسالا فيضيعها ويهملها. وأيضا فإن زكاتها وطهارتها موقوف على محاسبتها. فلا تزكو ولا تطهر ولا تصلح ألبتة إلا بمحاسبتها.(2\/477)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "971",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13968",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الحسن رضي الله عنه: إن المؤمن - والله - لا تراه إلا قائما على نفسه: ما أردت بكلمة كذا ما أردت بأكلة ما أردت بمدخل كذا ومخرج كذا ما أردت بهذا ما لي ولهذا والله لا أعود إلى هذا. ونحو هذا من الكلام. فبمحاسبتها يطلع على عيوبها ونقائصها. فيمكنه السعي في إصلاحها. الثاني: ملاطفة الخلق. وهي معاملتهم بما يحب أن يعاملوه به من اللطف. ولا يعاملهم بالعنف والشدة والغلظة. فإن ذلك ينفرهم عنه. ويغريهم به. ويفسد عليه قلبه وحاله مع الله ووقته فليس للقلب أنفع من معاملة الناس باللطف. فإن معاملة الناس بذلك: إما أجنبي. فتكسب مودته ومحبته وإما صاحب وحبيب فتستديم صحبته ومودته. وإما عدو ومبغض. فتطفئ بلطفك جمرته. وتستكفي شره. ويكون احتمالك لمضض لطفك به دون احتمالك لضرر ما ينالك من الغلظة عليه والعنف به. الثالث: مراقبة الحق سبحانه. وهي الموجبة لكل صلاح وخير عاجل وآجل. ولا تصح الدرجتان الأولتان إلا بهذه. وهي المقصود لذاته. وما قبله وسيلة إليه وعون عليه. فمراقبة الحق سبحانه وتعالى: توجب إصلاح النفس واللطف بالخلق.  [فصل الدرجة الثالثة السكينة التي تثبت الرضا بالقسم] فصل قال: الدرجة الثالثة: السكينة التي تثبت الرضا بالقسم. وتمنع من الشطح الفاحش. وتقف صاحبها على حد الرتبة والسكينة لا تنزل إلا في قلب نبي أو ولي. هذه الدرجة الثالثة: كأنها عند الشيخ لأهل الصحو بعد السكر. ولمن شام بوارق الحقيقة. فقوله: تثبت الرضا بالقسم أي توجب لصاحبها أن يرضى بالمقسوم. ولا تتطلع نفسه إلى غيره. وتمنع من الشطح الفاحش يعني مثل ما نقل عن أبي يزيد ونحوه بخلاف الجنيد وسهل وأمثالهما. فإنهم لما كانت لهم هذه السكينة لم تصدر منهم الشطحات. ولا ريب أن الشطح سببه عدم السكينة. فإنها إذا استقرت في القلب منعته من الشطح وأسبابه.(2\/478)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "972",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13969",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله: وتوقف صاحبها على حد الرتبة أي توجب لصاحبها الوقوف عند حده من رتبة العبودية. فلا يتعدى مرتبة العبودية وحدها. قوله: والسكينة لا تنزل إلا على قلب نبي أو ولي وذلك لأنها من أعظم مواهب الحق سبحانه ومنحه. ومن أجل عطاياه. ولهذا لم يجعلها في القرآن إلا لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين كما تقدم. فمن أعطيها فقد خلعت عليه خلع الولاية وأعطي منشورها. والله المستعان. وعليه التكلان. ولا حول ولا قوة إلا بالله.  [فصل منزلة الطمأنينة] [حقيقة الطمأنينة] فصل منزلة الطمأنينة ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] منزلة الطمأنينة قال الله تعالى: الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب [الرعد: 28] . وقال الله تعالى: ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي [الفجر: 27] . الطمأنينة سكون القلب إلى الشيء. وعدم اضطرابه وقلقه. ومنه الأثر المعروف الصدق طمأنينة والكذب ريبة أي الصدق يطمئن إليه قلب السامع. ويجد عنده سكونا إليه. والكذب يوجب له اضطرابا وارتيابا. ومنه قوله: صلى الله عليه وسلم: البر ما اطمأن إليه(2\/479)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "973",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13970",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القلب أي سكن إليه وزال عنه اضطرابه وقلقه. وفي ذكر الله هاهنا قولان. أحدهما: أنه ذكر العبد ربه. فإنه يطمئن إليه قلبه ويسكن. فإذا اضطرب القلب وقلق فليس له ما يطمئن به سوى ذكر الله. ثم اختلف أصحاب هذا القول فيه. فمنهم من قال: هذا في الحلف واليمين. إذا حلف المؤمن على شيء سكنت قلوب المؤمنين إليه واطمأنت ويروى هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما. ومنهم من قال: بل هو ذكر العبد ربه بينه وبينه يسكن إليه قلبه ويطمئن. والقول الثاني: أن ذكر الله هاهنا القرآن. وهو ذكره الذي أنزله على رسوله. به طمأنينة قلوب المؤمنين. فإن القلب لا يطمئن إلا بالإيمان واليقين. ولا سبيل إلى حصول الإيمان واليقين إلا من القرآن. فإن سكون القلب وطمأنينته من يقينه. واضطرابه وقلقه من شكه. والقرآن هو المحصل لليقين الدافع للشكوك والظنون والأوهام فلا تطمئن قلوب المؤمنين إلا به. وهذا القول هو المختار. وكذلك القولان أيضا في قوله تعالى: ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين [الزخرف: 36] . والصحيح: أن ذكره الذي أنزله على رسوله - وهو كتابه - من أعرض عنه: قيض له شيطانا يضله ويصده عن السبيل. وهو يحسب أنه على هدى. وكذلك القولان أيضا في قوله تعالى: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى [طه: 124] . والصحيح: أنه ذكره الذي أنزله على رسوله - وهو كتابه - ولهذا يقول المعرض عنه: رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى [طه: 125] . وأما تأويل من تأوله على الحلف: ففي غاية البعد عن المقصود. فإن ذكر الله(2\/480)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "974",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13971",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالحلف يجري على لسان الصادق والكاذب والبر والفاجر والمؤمنون تطمئن قلوبهم إلى الصادق ولو لم يحلف. ولا تطمئن قلوبهم إلى من يرتابون فيه ولو حلف. وجعل الله سبحانه الطمأنينة في قلوب المؤمنين ونفوسهم وجعل الغبطة والمدحة والبشارة بدخول الجنة لأهل الطمأنينة. فطوبى لهم وحسن مآب. وفي قوله تعالى: ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك [الفجر: 27] دليل على أنها لا ترجع إليه إلا إذا كانت مطمئنة. فهناك ترجع إليه. وتدخل في عباده. وتدخل جنته. وكان من دعاء بعض السلف اللهم هب لي نفسا مطمئنة إليك.  [فصل تعريف ابن القيم للطمأنينة] فصل قال صاحب quot; المنازل quot;: الطمأنينة: سكون يقويه أمن صحيح شبيه بالعيان. وبينها وبين السكينة فرقان أحدهما: أن السكينة صولة تورث خمود الهيبة أحيانا. والطمأنينة سكون أمن في استراحة أنس. والثاني: أن السكينة تكون نعتا. وتكون حينا بعد حين والطمأنينة لا تفارق صاحبها. الطمأنينة موجب السكينة. وأثر من آثارها. وكأنها نهاية السكينة. فقوله: سكون يقويه أمن أي سكون القلب مع قوة الأمن الصحيح الذي لا يكون أمن غرور. فإن القلب قد يسكن إلى أمن الغرور. ولكن لا يطمئن به لمفارقة ذلك السكون له. والطمأنينة لا تفارقه فإنها مأخوذة من الإقامة. يقال: اطمأن بالمكان والمنزل: إذا أقام به. وسبب صحة هذا الأمن المقوي للسكون: شبهه بالعيان. بحيث لا يبقى معه شيء من مجوزات الظنون والأوهام. بل كأن صاحبه يعاين ما يطمئن به. فيأمن به اضطراب قلبه وقلقه وارتيابه. وأما الفرقان اللذان ذكرهما بينها وبين السكينة. فحاصل الفرق الأول: أن السكينة تصول على الهيبة الحاصلة في القلب. فتخمدها في بعض الأحيان. فيسكن(2\/481)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "975",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13972",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القلب من انزعاج الهيبة بعض السكون. وذلك في بعض الأوقات. فليس حكما دائما مستمرا. وهذا يكون لأهل الطمأنينة دائما. ويصحبه الأمن والراحة بوجود الأنس. فإن الاستراحة في السكينة قد تكون من الخوف والهيبة فقط. والاستراحة في منزلة الطمأنينة تكون مع زيادة أنس. وذلك فوق مجرد الأمن وقدر زائد عليه. وحاصل الفرق الثاني: أن الطمأنينة ملكة ومقام لا يفارق. والسكينة تنقسم إلى سكينة هي مقام ونعت لا يزول وإلى سكينة تكون وقتا دون وقت. هذا حاصل كلامه. والذي يظهر لي في الفرق بينهما أمران سوى ما ذكر. أحدهما: أن ظفره وفوزه بمطلوبه الذي حصل له السكينة بمنزلة من واجهه عدو يريد هلاكه فهرب منه عدوه فسكن روعه. والطمأنينة بمنزلة حصن رآه مفتوحا فدخله. وأمن فيه. وتقوى بصاحبه وعدته. فللقلب ثلاثة أحوال. أحدها: الخوف والاضطراب والقلق من الوارد الذي يزعجه ويقلقه. الثاني: زوال ذلك الوارد الذي يزعجه ويقلقه عنه وعدمه. الثالث: ظفره وفوزه بمطلوبه الذي كان ذلك الوارد حائلا بينه وبينه. وكل منهما يستلزم الآخر ويقارنه. فالطمأنينة تستلزم السكينة ولا تفارقها. وكذلك بالعكس. لكن استلزام الطمأنينة للسكينة أقوى من استلزام السكينة للطمأنينة. الثاني: أن الطمأنينة أعم فإنها تكون في العلم والخبر به واليقين والظفر بالمعلوم. ولهذا اطمأنت القلوب بالقرآن لما حصل لها الإيمان به ومعرفته والهداية به في ظلم الآراء والمذاهب. واكتفت به منه وحكمته عليها وعزلتها. وجعلت له الولاية بأسرها كما جعلها الله. فبه خاصمت وإليه حاكمت. وبه صالت. وبه دفعت الشبه. وأما السكينة: فإنها ثبات القلب عند هجوم المخاوف عليه وسكونه وزوال قلقه واضطرابه كما يحصل لحزب الله عند مقابلة العدو وصولته. والله سبحانه أعلم.  [فصل درجات الطمأنينة] [الدرجة الأولى طمأنينة القلب بذكر الله] قال: وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: طمأنينة القلب بذكر الله. وهي طمأنينة الخائف إلى الرجاء والضجر إلى الحكم والمبتلى إلى المثوبة.(2\/482)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "976",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13973",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قد تقدم أن الطمأنينة بذكر الله بكلامه وكتابه ولا ريب أن الذي ذكره في هذه الدرجة: هو من جملة الطمأنينة بذكره. وهي أهم من ذلك. فذكر طمأنينة الخائف إلى الرجاء فإن الخائف إذا طال عليه الخوف واشتد به. وأراد الله عز وجل أن يريحه ويحمل عنه: أنزل عليه السكينة فاستراح قلبه إلى الرجاء واطمأن به. وسكن لهيب خوفه. وأما طمأنينة الضجر إلى الحكم: فالمراد بها: أن من أدركه الضجر من قوة التكاليف وأعباء الأمر وأثقاله - ولا سيما من أقيم مقام التبليغ عن الله ومجاهدة أعداء الله وقطاع الطريق إليه - فإن ما يحمله ويتحمله فوق ما يحمله الناس ويتحملونه. فلا بد أن يدركه الضجر ويضعف صبره. فإذا أراد الله أن يريحه ويحمل عنه: أنزل عليه سكينته. فاطمأن إلى حكمه الديني وحكمه القدري. ولا طمأنينة له بدون مشاهدة الحكمين. وبحسب مشاهدته لهما تكون طمأنينته. فإنه إذا اطمأن إلى حكمه الديني علم أنه دينه الحق وهو صراطه المستقيم وهو ناصره وناصر أهله وكافيهم ووليهم. وإذا اطمأن إلى حكمه الكوني: علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له وأنه ما يشاء كان وما لم يشأ لم يكن. فلا وجه للجزع والقلق إلا ضعف اليقين والإيمان. فإن المحذور والمخوف: إن لم يقدر فلا سبيل إلى وقوعه وإن قدر فلا سبيل إلى صرفه بعد أن أبرم تقديره. فلا جزع حينئذ لا مما قدر ولا مما لم يقدر. نعم إن كان له في هذه النازلة حيلة. فلا ينبغي أن يضجر عنها وإن لم يكن فيها حيلة فلا ينبغي أن يضجر منها. فهذه طمأنينة الضجر إلى الحكم. وفي مثل هذا قال القائل: ما قد قضى يا نفس فاصطبري له ... ولك الأمان من الذي لم يقدر وتحققي أن المقدر كائن ... يجري عليك حذرت أم لم تحذري وأما طمأنينة المبتلى إلى المثوبة فلا ريب أن المبتلى إذا قويت مشاهدته للمثوبة سكن قلبه واطمأن بمشاهدة العوض. وإنما يشتد به البلاء إذا غاب عنه ملاحظة الثواب. وقد تقوى ملاحظة العوض حتى يستلذ بالبلاء ويراه نعمة ولا تستبعد هذا. فكثير من العقلاء إذا تحقق نفع الدواء الكريه فإنه يكاد يلتذ به. وملاحظته لنفعه تغيبه عن تألمه بمذاقه أو تخففه عنه. والعمل المعول عليه: إنما هو على البصائر. والله أعلم.  [فصل الدرجة الثانية طمأنينة الروح في القصد إلى الكشف] فصل(2\/483)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "977",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13974",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الدرجة الثانية: طمأنينة الروح في القصد إلى الكشف وفي الشوق إلى العدة. وفي التفرقة إلى الجمع. طمأنينة الروح أن تطمئن في حال قصدها. ولا تلتفت إلى ما وراءها. والمراد بالكشف: كشف الحقيقة لا الكشف الجزئي السفلي. وهو ثلاث درجات. كشف عن الطريق الموصل إلى المطلوب. وهو الكشف عن حقائق الإيمان. وشرائع الإسلام. وكشف عن المطلوب المقصود بالسير: وهو معرفة الأسماء والصفات. ونوعي التوحيد وتفاصيله. ومراعاة ذلك حق رعايته. وليس وراء ذلك إلا الدعاوى والشطح والغرور. وقوله: وفي الشوق إلى العدة. يعني أن الروح تظهر في اشتياقها إلى ما وعدت به وشوقت إليه فطمأنينتها بتلك العدة: تسكن عنها لهيب اشتياقها. وهذا شأن كل مشتاق إلى محبوب وعد بحصوله إنما يحصل لروحه الطمأنينة بسكونها إلى وعد اللقاء. وعلمها بحصول الموعود به. قوله: وفي التفرقة إلى الجمع أي وتطمئن الروح في حال تفرقتها إلى ما اعتادته من الجمع بأن توافيها روحه فتسكن إليه وتطمئن به كما يطمئن الجائع الشديد الجوع إلى ما عنده من الطعام. ويسكن إليه قلبه. وهذا إنما يكون لمن أشرف على الجمع من وراء حجاب رقيق. وشام برقه. فاطمأن بحصوله. وأما من بينه وبينه الحجب الكثيفة: فلا يطمئن به.  [فصل الدرجة الثالثة طمأنينة شهود الحضرة إلى اللطف] فصل قال: الدرجة الثالثة: طمأنينة شهود الحضرة إلى اللطف. وطمأنينة الجمع إلى البقاء. وطمأنينة المقام إلى نور الأزل.(2\/484)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "978",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13975",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذه الدرجة الثالثة تتعلق بالفناء والبقاء فالواصل إلى شهود الحضرة: مطمئن إلى لطف الله. وحضرة الجمع يريدون بها الشهود الذاتي. فإن الشهود عندهم مراتب بحسب تعلقه. فشهود الأفعال: أول مراتب الشهود. ثم فوقه: شهود الأسماء والصفات. ثم فوقه: شهود الذات الجامعة إلى الأفعال والأسماء والصفات. والتجلي عند القوم: بحسب هذه الشهود الثلاثة. فأصحاب تجلي الأفعال: مشهدهم توحيد الربوبية. وأصحاب تجلي الأسماء والصفات: مشهدهم توحيد الإلهية: وأصحاب تجلي الذات: يغنيهم به عنهم. وقد يعرض لبعضهم بحسب قوة الوارد وضعف المحل عجز عن القيام والحركة. فربما عطل بعض الفروض وهذا له حكم أمثاله من أهل العجز والتفريط والكاملون منهم قد يفترون في تلك الحال عن الأعمال الشاقة. ويقتصرون على الفرائض وسننها وحقوقها. ولا يقعد بهم ذلك الشهود والتجلي عنها. ولا يؤثرون عليه شيئا من النوافل والحركات التي لم تعرض عليهم ألبتة. وذلك في طريقهم رجوع وانقطاع. وأكمل من هؤلاء: من يصحبه ذلك في حال حركاته ونوافله. فلا يعطل ذرة من أوراده. والله سبحانه قد فاوت بين قوى القلوب أشد من تفاوت قوى الأبدان. وفي كل شيء له آية. وصاحب هذا المقام آية من آيات الله لأولي الألباب والبصائر. والمقصود: أنه لولا طمأنينته إلى لطف الله لمحقه شهود الحضرة وأفناه جملة. فقد خر موسى صعقا لما تجلى ربه للجبل. وتدكدك الجبل وساخ في الأرض من تجليه سبحانه. هذا ولا يتوهم متوهم أن الحاصل في الدنيا للبشر كذلك ولا قريب منه أبدا. وإنما هي المعارف واستيلاء مقام الإحسان على القلب فقط. وإياك وترهات القوم وخيالاتهم ورعوناتهم وإن سموك محجوبا فقل: اللهم زدني من هذا الحجاب الذي ما وراءه إلا الخيالات والترهات والشطحات. فكليم الرحمن وحده مع هذا لم تتجل الذات له وأراه ربه تعالى أنه لا يثبت لتجلي ذاته لما أشهده من حال الجبل وخر الكليم صعقا مغشيا عليه لما رأى ما رأى من حال الجبل عند تجلي ربه له. ولم يكن تجليا مطلقا. قال الضحاك: أظهر الله من نور الحجب مثل منخر ثور. وقال عبد الله بن سلام رضي الله عنه وكعب الأحبار: ما تجلى من عظمة الله للجبل إلا مثل سم الخياط حتى صار دكا. وقال السدي: ما تجلى إلا قدر الخنصر.(2\/485)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "979",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13976",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي مستدرك الحاكم من حديث ثابت البناني عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال: هكذا - ووضع الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر - فساخ الجبل . وإسناده على شرط مسلم. ولما حدث به حميد عن ثابت استعظمه بعض أصحابه وقال: تحدث بهذا فضرب بيده في صدره. وقال: يحدث به ثابت عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتنكره أنت ولا أحدث به فإذا شهد لك المخدوعون بأنك محجوب عن ترهاتهم وخيالاتهم فتلك الشهادة لك بالاستقامة. فلا تستوحش منها. وبالله التوفيق. وهو المستعان.  [فصل طمأنينة الجمع إلى البقاء] فصل وأما طمأنينة الجمع إلى البقاء فمشهد شريف فاضل. وهو مشهد الكمل. فإن حضرة الجمع تعفي الآثار وتمحو الأغيار. وتحول بين الشاهد وبين رؤية القلب للخلق. فيرى الحق سبحانه وحده قائما بذاته. ويرى كل شيء قائما به متوحدا في كثرة أسمائه وأفعاله وصفاته. ولا يرى معه غيره ولا يشهده عكس حال من يشهد غيره. وليس الشأن في هذا الشهود فإن صاحبه في مقام الفناء. فإن لم ينتقل منه إلى مقام البقاء وإلا انقطع انقطاعا كليا. ففي هذا المقام: إن لم يطمئن إلى حصول البقاء وإلا عطل الأمر. وخلع ربقة العبودية من عنقه. فإذا اطمأن إلى البقاء طمأنينة من يعلم أنه لا بد له منه وإن لم يصحبه وإلا فسد وهلك - كان هذا من طمأنينة الجمع إلى البقاء. والله أعلم.  [فصل طمأنينة المقام إلى نور الأزل] فصل وأما طمأنينة المقام إلى نور الأزل فيريد به: طمأنينة مقامه إلى السابقة التي سبق بها الأزل. فلا تتغير ولا تتبدل ولهذا قال: طمأنينة المقام. ولم يقل: طمأنينة الحال. فإن الحال يزول ويحول ولو لم يحل لما سمي حالا بخلاف المقام. فإذا اطمأن إلى السابقة والحسنى التي سبقت له من الله في الأزل. كان هذا طمأنينة المقام إلى الأزل. وهذا هو شهود أهل البقاء بعد الفناء. والله أعلم.(2\/486)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "980",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13977",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل منزلة الهمة] [حقيقة الهمة] بسم الله الرحمن الرحيم ومن منازل quot; إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] quot; منزلة الهمة وقد صدرها صاحب المنازل بقوله تعالى ما زاغ البصر وما طغى [النجم: 17] . وقد تقدم: أنه صدر بها باب الأدب وذكرنا وجهه. وأما وجه تصدير quot; الهمة quot; بها: فهو الإشارة إلى أن همته - صلى الله عليه وسلم - ما تعلقت بسوى مشهوده وما أقيم فيه. ولو تجاوزته همته لتبعها بصره. والهمة فعلة من الهم. وهو مبدأ الإرادة. ولكن خصوها بنهاية الإرادة. فالهم مبدؤها. والهمة نهايتها. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول: في بعض الآثار الإلهية يقول الله تعالى: إني لا أنظر إلى كلام الحكيم. وإنما أنظر إلى همته . قال: والعامة تقول: قيمة كل امرئ ما يحسن. والخاصة تقول: قيمة كل امرئ ما يطلب. يريد: أن قيمة المرء همته ومطلبه. قال صاحب المنازل:(3\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "981",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13978",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الهمة: ما يملك الانبعاث للمقصود صرفا. لا يتمالك صاحبها. ولا يلتفت عنها. قوله quot; يملك الانبعاث للمقصود quot; أي يستولي عليه كاستيلاء المالك على المملوك وصرفا أي خالصا صرفا. والمراد: أن همة العبد إذا تعلقت بالحق تعالى طلبا صادقا خالصا محضا. فتلك هي الهمة العالية التي لا يتمالك صاحبها أي: لا يقدر على المهلة. ولا يتمالك صبره لغلبة سلطانه عليه. وشدة إلزامها إياه بطلب المقصود ولا يلتفت عنها إلى ما سوى أحكامها. وصاحب هذه الهمة: سريع وصوله وظفره بمطلوبه. ما لم تعقه العوائق وتقطعه العلائق. والله أعلم.  [فصل درجات الهمة] [الدرجة الأولى همة تصون القلب عن وحشة الرغبة في الفاني] فصل قال: وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى: همة تصون القلب عن وحشة الرغبة في الفاني وتحمله على الرغبة في الباقي وتصفيه من كدر التواني. الفاني الدنيا وما عليها. أي يزهد القلب فيها وفي أهلها. وسمى الرغبة فيها وحشة لأنها وأهلها توحش قلوب الراغبين فيها وقلوب الزاهدين فيها. أما الراغبون فيها: فأرواحهم وقلوبهم في وحشة من أجسامهم. إذ فاتها ما خلقت له. فهي في وحشة لفواته. وأما الزاهدون فيها: فإنهم يرونها موحشة لهم. لأنها تحول بينهم وبين مطلوبهم ومحبوبهم. ولا شيء أوحش عند القلب مما يحول بينه وبين مطلوبه ومحبوبه. ولذلك كان من نازع الناس أموالهم وطلبها منهم أوحش شيء إليهم وأبغضه. وأيضا: فالزاهدون فيها: إنما ينظرون إليها بالبصائر. والراغبون ينظرون إليها بالأبصار فيستوحش الزاهد مما يأنس به الراغب. كما قيل: وإذا أفاق القلب واندمل الهوى ... رأت القلوب ولم تر الأبصار وكذلك هذه الهمة تحمله على الرغبة في الباقي لذاته. وهو الحق سبحانه. والباقي بإبقائه: هو الدار الآخرة.(3\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "982",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13979",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتصفيه من كدر التواني أي تخلصه وتمحصه من أوساخ الفتور والتواني الذي هو سبب الإضاعة والتفريط. والله أعلم.  [فصل الدرجة الثانية همة تورث أنفة من المبالاة بالعلل] فصل قال: الدرجة الثانية: همة تورث أنفة من المبالاة بالعلل والنزول على العمل والثقة بالأمل. العلل هاهنا: هي علل الأعمال من رؤيتها أو رؤية ثمراتها وإرادتها. ونحو ذلك. فإنها عندهم علل. فصاحب هذه الهمة: يأنف على همته وقلبه من أن يبالي بالعلل. فإن همته فوق ذلك. فمبالاته بها وفكرته فيها: نزول من الهمة. وعدم هذه المبالاة: إما لأن العلل لم تحصل له لأن علو همته حال بينه وبينها. فلا يبالي بما لم يحصل له. وإما لأن همته وسعت مطلوبه وعلوه يأتي على تلك العلل ويستأصلها. فإنه إذا علق همته بما هو أعلى منها تضمنتها الهمة العالية. فاندرج حكمها في حكم الهمة العالية. وهذا موضع غريب عزيز جدا. وما أدري قصده الشيخ أو لا وأما أنفته من النزول على العمل: فكلام يحتاج إلى تقييد وتبيين. وهو أن العالي الهمة مطلبه فوق مطلب العمال والعباد. وأعلى منه. فهو يأنف أن ينزل من سماء مطلبه العالي إلى مجرد العمل والعبادة دون السفر بالقلب إلى الله ليحصل له ويفوز به. فإنه طالب لربه تعالى طلبا تاما بكل معنى واعتبار في عمله وعبادته ومناجاته ونومه ويقظته وحركته وسكونه وعزلته وخلطته وسائر أحواله. فقد انصبغ قلبه بالتوجه إلى الله تعالى أيما صبغة. وهذا الأمر إنما يكون لأهل المحبة الصادقة. فهم لا يقنعون بمجرد رسوم الأعمال ولا بالاقتصار على الطلب حال العمل فقط. وأما أنفته من الثقة بالأمل: فإن الثقة توجب الفتور والتواني. وصاحب هذه الهمة: ليس من أهل ذلك كيف وهو طائر لا سائر. والله أعلم.(3\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "983",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13980",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الدرجة الثالثة همة تتصاعد عن الأحوال والمعاملات] فصل قال: الدرجة الثالثة: همة تتصاعد عن الأحوال والمعاملات. وتزري بالأعواض والدرجات. وتنحو عن النعوت نحو الذات. أي هذه الهمة أعلى من أن يتعلق صاحبها بالأحوال التي هي آثار الأعمال والواردات أو يتعلق بالمعاملات. وليس المراد تعطيلها. بل القيام بها مع عدم الالتفات إليها والتعلق بها. ووجه صعود هذه المهمة عن هذا: ما ذكره من قوله: تزري بالأعواض والدرجات وتنحو عن النعوت نحو الذات أي صاحبها لا يقف عند عوض ولا درجة. فإن ذلك نزول من همته. ومطلبه أعلى من ذلك. فإن صاحب هذه الهمة قد قصر همته على المطلب الأعلى الذي لا شيء أعلى منه. والأعواض والدرجات دونه. وهو يعلم أنه إذا حصل له فهناك كل عوض ودرجة عالية. وأما نحوها نحو الذات فيريد به: أن صاحبها لا يقتصر على شهود الأفعال والأسماء والصفات. بل الذات الجامعة لمتفرقات الأسماء والصفات والأفعال. كما تقدم. والله أعلم.  [فصل منزلة المحبة] [حقيقة المحبة] فصل منزلة المحبة ومن منازل quot; إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] quot; منزلة المحبة وهي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون. وإليها شخص العاملون. وإلى علمها شمر السابقون. وعليها تفانى المحبون. وبروح نسيمها تروح العابدون. فهي قوت القلوب وغذاء الأرواح وقرة العيون. وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات. والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات. والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام. واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام. وهي روح(3\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "984",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13981",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه. تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيها. وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها أبدا واصليها. وتبوؤهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها. وهي مطايا القوم التي مسراهم على ظهورها دائما إلى الحبيب. وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب. تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة. إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب. وقد قضى الله - يوم قدر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة -: أن المرء مع من أحب. فيا لها من نعمة على المحبين سابغة. تالله لقد سبق القوم السعاة وهم على ظهور الفرش نائمون. وقد تقدموا الركب بمراحل وهم في سيرهم واقفون. من لي بمثل سيرك المدلل ... تمشي رويدا وتجي في الأول أجابوا منادي الشوق إذ نادى بهم: حي على الفلاح. وبذلوا نفوسهم في طلب الوصول إلى محبوبهم وكان بذلهم بالرضا والسماح. وواصلوا إليه المسير بالإدلاج والغدو والرواح. تالله لقد حمدوا عند الوصول سراهم. وشكروا مولاهم على ما أعطاهم. وإنما يحمد القوم السرى عند الصباح. فحيهلا إن كنت ذا همة فقد ... حدا بك حادي الشوق فاطو المراحلا وقل لمنادي حبهم ورضاهم ... إذا ما دعا لبيك ألفا كواملا ولا تنظر الأطلال من دونهم فإن ... نظرت إلى الأطلال عدن حوائلا ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد ... ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا وخذ منهم زادا إليهم وسر على ... طريق الهدى والفقر تصبح واصلا وأحي بذكراهم سراك إذا ونت ... ركابك فالذكرى تعيدك عاملا وإما تخافن الكلال فقل لها ... أمامك ورد الوصل فابغ المناهلا وخذ قبسا من نورهم ثم سر به ... فنورهم يهديك ليس المشاعلا وحي على واد الأراك فقل به ... عساك تراهم فيه إن كنت قائلا وإلا ففي نعمان عند معرف ال ... أحبة فاطلبهم إذا كنت سائلا وإلا ففي جمع بليلته فإن ... تفت فمتى يا ويح من كان غافلا وحي على جنات عدن بقربهم ... منازلك الأولى بها كنت نازلا ولكن سباك الكاشحون لأجل ذا ... وقفت على الأطلال تبكي المنازلا(3\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "985",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13982",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فدعها رسوما دارسات فما بها مقيل فجاوزها فليست منازلا ... رسوم عفت يفنى بها الخلق كم بها قتيل وكم فيها لذا الخلق قاتلا ... وخذ يمنة عنها على المنهج الذي عليه سرى وفد المحبة آهلا ... وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة فعند اللقا ذا الكد يصبح زائلا ... فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا أول نقدة من أثمان المحبة: بذل الروح فما للمفلس الجبان البخيل وسومها بدم المحب يباع وصلهم ... فمن الذي يبتاع بالثمن تالله ما هزلت فيستامها المفلسون ولا كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون لقد أقيمت للعرض في سوق من يزيد فلم يرض لها بثمن دون بذل النفوس. فتأخر البطالون. وقام المحبون ينظرون: أيهم يصلح أن يكون ثمنا فدارت السلعة بينهم. ووقعت في يد أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين [المائدة: 54] . لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى. فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخلي حرقة الشجي. فتنوع المدعون في الشهود. فقيل: لا تقبل هذه الدعوى إلا ببينة قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله [آل عمران: 31] . فتأخر الخلق كلهم. وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأقواله وأخلاقه. فطولبوا بعدالة البينة بتزكية يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم [المائدة: 54] . فتأخر أكثر المحبين وقام المجاهدون فقيل لهم: إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم. فهلموا إلى بيعة إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة [التوبة: 111] . فلما عرفوا عظمة المشتري وفضل الثمن وجلالة من جرى على يديه عقد التبايع: عرفوا قدر السلعة وأن لها شأنا. فرأوا من أعظم الغبن أن يبيعوها لغيره بثمن بخس. فعقدوا معه بيعة الرضوان بالتراضي من غير ثبوت خيار. وقالوا: والله لا نقيلك ولا نستقيلك.(3\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "986",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13983",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلما تم العقد وسلموا المبيع قيل لهم: مذ صارت نفوسكم وأموالكم لنا رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعافها معا ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون - فرحين بما آتاهم الله من فضله [آل عمران: 169 - 170] . إذا غرست شجرة المحبة في القلب وسقيت بماء الإخلاص ومتابعة الحبيب أثمرت أنواع الثمار. وآتت أكلها كل حين بإذن ربها. أصلها ثابت في قرار القلب. وفرعها متصل بسدرة المنتهى. لا يزال سعي المحب صاعدا إلى حبيبه لا يحجبه دونه شيء إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر: 10] .  [فصل حد المحبة] فصل لا تحد المحبة بحد أوضح منها. فالحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء. فحدها وجودها. ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة. وإنما يتكلم الناس في أسبابها وموجباتها وعلاماتها وشواهدها وثمراتها وأحكامها. فحدودهم ورسومهم دارت على هذه الستة. وتنوعت بهم العبارات. وكثرت الإشارات بحسب إدراك الشخص ومقامه وحاله وملكه للعبارة. وهذه المادة تدور في اللغة على خمسة أشياء: أحدها: الصفاء والبياض. ومنه قولهم لصفاء بياض الأسنان ونضارتها: حبب الأسنان. الثاني: العلو والظهور. ومنه حبب الماء وحبابه. وهو ما يعلوه عند المطر الشديد. وحبب الكأس منه. الثالث: اللزوم والثبات. ومنه: حب البعير وأحب إذا برك ولم يقم. قال الشاعر: حلت عليه بالفلاة ضربا ... ضرب بعير السوء إذ أحبا(3\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "987",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13984",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرابع: اللب. ومنه: حبة القلب للبه وداخله. ومنه الحبة لواحدة الحبوب. إذ هي أصل الشيء ومادته وقوامه. الخامس: الحفظ والإمساك. ومنه حب الماء للوعاء الذي يحفظ فيه ويمسكه وفيه معنى الثبوت أيضا. ولا ريب أن هذه الخمسة من لوازم المحبة. فإنها صفاء المودة وهيجان إرادات القلب للمحبوب. وعلوها وظهورها منه لتعلقها بالمحبوب المراد. وثبوت إرادة القلب للمحبوب. ولزومها لزوما لا تفارقه ولإعطاء المحب محبوبه لبه وأشرف ما عنده. وهو قلبه ولاجتماع عزماته وإراداته وهمومه على محبوبه. فاجتمعت فيها المعاني الخمسة. ووضعوا لمعناها حرفين مناسبين للمسمى غاية المناسبة quot; الحاء quot; التي هي من أقصى الحلق و quot; الباء quot; الشفوية التي هي نهايته. فللحاء الابتداء وللباء الانتهاء. وهذا شأن المحبة وتعلقها بالمحبوب. فإن ابتداءها منه وانتهاءها إليه. وقالوا في فعلها: حبه وأحبه. قال الشاعر: أحب أبا ثروان من حب تمره ... ولم تعلم أن الرفق بالجار أرفق فوالله لولا تمره ما حببته ... ولا كان أدنى من عبيد ومشرق ثم اقتصروا على اسم الفاعل من أحب فقالوا: محب ولم يقولوا: حاب واقتصروا على اسم المفعول من حب فقالوا: محبوب ولم يقولوا: محب إلا قليلا. كما قال الشاعر: ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم وأعطوا الحب حركة الضم التي هي أشد الحركات وأقواها مطابقة لشدة حركة مسماه وقوتها. وأعطوا الحب وهو المحبوب: حركة الكسر لخفتها عن الضمة وخفة المحبوب وخفة ذكره على قلوبهم وألسنتهم: من إعطائه حكم نظائره كنهب(3\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "988",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13985",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بمعنى منهوب وذبح بمعنى مذبوح وحمل للمحمول. بخلاف الحمل - الذي هو مصدر - لخفته. ثم ألحقوا به حملا لا يشق على حامله حمله كحمل الشجرة والولد. فتأمل هذا اللطف والمطابقة والمناسبة العجيبة بين الألفاظ والمعاني في اللغة العربية تطلعك على قدر هذه اللغة وأن لها شأنا ليس لسائر اللغات.  [فصل رسوم وحدود قيلت في المحبة] فصل في ذكر رسوم وحدود قيلت في المحبة بحسب آثارها وشواهدها. والكلام على ما يحتاج إليه منها. الأول قيل: المحبة الميل الدائم بالقلب الهائم. وهذا الحد لا تمييز فيه بين المحبة الخاصة والمشتركة والصحيحة والمعلولة. الثاني: إيثار المحبوب على جميع المصحوب. وهذا حكم من أحكام المحبة وأثر من آثارها. الثالث: موافقة الحبيب في المشهد والمغيب. وهذا أيضا موجبها ومقتضاها. وهو أكمل من الحدين قبله. فإنه يتناول المحبة الصادقة الصحيحة خاصة بخلاف مجرد الميل والإيثار بالإرادة. فإنه إن لم تصحبه موافقة فمحبته معلولة. الرابع: محو الحب لصفاته. وإثبات المحبوب لذاته. وهذا أيضا من أحكام الفناء في المحبة: أن تنمحي صفات المحب وتفنى في صفات محبوبه وذاته. وهذا يستدعي بيانا أتم من هذا لا يدركه إلا من أفناه وارد المحبة عنه وأخذه منه. الخامس: مواطأة القلب لمرادات المحبوب. وهذا أيضا من موجباتها وأحكامها. والمواطأة الموافقة لمرادات المحبوب وأوامره ومراضيه. السادس: خوف ترك الحرمة مع إقامة الخدمة. وهذا أيضا من أعلامها وشواهدها وآثارها: أن يقوم بالخدمة كما ينبغي مع خوفه من ترك الحرمة والتعظيم. السابع: استقلال الكثير من نفسك واستكثار القليل من حبيبك. وهذا قول أبي يزيد وهو أيضا من أحكامها وموجباتها وشواهدها. والمحب(3\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "989",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13986",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصادق لو بذل لمحبوبه جميع ما يقدر عليه لاستقله واستحيى منه ولو ناله من محبوبه أيسر شيء لاستكثره واستعظمه. الثامن: استكثار القليل من جنايتك واستقلال الكثير من طاعتك. وهو قريب من الذي قبله لكنه مخصوص بما من المحب. التاسع: معانقة الطاعة ومباينة المخالفة. وهو لسهل بن عبد الله. وهو أيضا حكم المحبة وموجبها. العاشر: دخول صفات المحبوب على البدل من صفات المحب. وهو للجنيد. وفيه غموض. ومراده: أن استيلاء ذكر المحبوب وصفاته وأسمائه على قلب المحب حتى لا يكون الغالب عليه إلا ذلك ولا يكون شعوره وإحساسه في الغالب إلا بها. فيصير شعوره وإحساسه بدلا من شعوره وإحساسه بصفات نفسه وقد يحتمل معنى أشرف من هذا: تبدل صفات المحب الذميمة - التي لا توافق صفات المحبوب - بالصفات الجميلة المحبوبة التي توافق صفاته. والله أعلم. الحادي عشر: أن تهب كلك لمن أحببت. فلا يبقى لك منك شيء. وهو لأبي عبد الله القرشي. وهو أيضا من موجبات المحبة وأحكامها. والمراد: أن تهب إرادتك وعزمك وأفعالك ونفسك ومالك ووقتك لمن تحبه وتجعلها حبسا في مرضاته ومحابه. فلا تأخذ لنفسك منها إلا ما أعطاك. فتأخذه منه له. الثاني عشر: أن تمحو من القلب ما سوى المحبوب. وهو للشبلي وكمال المحبة يقتضي ذلك. فإنه ما دامت في القلب بقية لغيره ومسكن لغيره فالمحبة مدخولة. الثالث عشر: إقامة العتاب على الدوام. وهو لابن عطاء. وفيه غموض. ومراده: أن لا تزال عاتبا على نفسك في مرضاة المحبوب. وأن لا ترضى له فيها عملا ولا حالا. الرابع عشر: أن تغار على المحبوب: أن يحبه مثلك. وهو للشبلي أيضا. وفيه كلام سنذكره إن شاء الله في منزلة الغيرة ومراده: احتقارك لنفسك واستصغارها: أن يكون مثلك من محبيه.(3\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "990",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13987",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخامس عشر: إرادة غرست أغصانها في القلب. فأثمرت الموافقة والطاعة. السادس عشر: أن ينسى المحب حظه في محبوبه وينسى حوائجه إليه. وهو لأبي يعقوب السوسي. ومراده: أن استيلاء سلطانها على قلبه غيبه عن حظوظه وعن حوائجه. واندرجت كلها في حكم المحبة. السابع عشر: مجانبة السلو على كل حال. وهو للنصراباذي. وهو أيضا من لوازمها وثمراتها كما قيل: مرت بأرجاء الخيال طيوفه ... فبكت على رسم السلو الدارس. الثامن عشر: توحيد المحبوب بخالص الإرادة وصدق الطلب. التاسع عشر: سقوط كل محبة من القلب إلا محبة الحبيب. وهو لمحمد بن الفضل. ومراده: توحيد المحبوب بالمحبة. العشرون: غض طرف القلب عما سوى المحبوب غيرة. وعن المحبوب هيبة. وهذا يحتاج إلى تبيين. أما الأول: فظاهر. وأما الثاني: فإن غض طرف القلب عن المحبوب - مع كمال محبته - كالمستحيل. ولكن عند استيلاء الهيبة يقع مثل هذا. وذلك من علامات المحبة المقارنة للهيبة والتعظيم. وقد قيل: إن هذا تفسير قول النبي - صلى الله عليه وسلم - حبك الشيء يعمي ويصم أي يعمي عما سواه غيرة وعنه هيبة.(3\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "991",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13988",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وليس هذا مراد الحديث ولكن المراد به: أن حبك للشيء يعمي ويصم عن تأمل قبائحه ومساويه. فلا تراها ولا تسمعها وإن كانت فيه. وليس المراد به: ذكر المحبة المطلوبة المتعلقة بالرب. ولا يقال في حب الرب تبارك وتعالى: حبك الشيء. ولا يوصف صاحبها بالعمى والصم. ونحن لا ننكر المرتبتين المذكورتين. فإن المحب قد يعمى ويصم عنه بالهيبة والإجلال ولكن لا توصف محبة العبد لربه تعالى بذلك. وليس أهلها من أهل العمى والصمم. بل هم أهل الأسماع والأبصار على الحقيقة ومن سواهم هم البكم العمي الصم الذين لا يعقلون. الحادي والعشرون: ميلك للشيء بكليتك. ثم إيثارك له على نفسك وروحك ومالك. ثم موافقتك له سرا وجهرا. ثم علمك بتقصيرك في حبه. قال الجنيد: سمعت الحارث المحاسبي يقول ذلك. الثاني والعشرون: المحبة نار في القلب تحرق ما سوى مراد المحبوب. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول: لمت بعض الإباحية فقال لي ذلك. ثم قال: والكون كله مراده فأي شيء أبغض منه قال الشيخ: فقلت له: إذا كان المحبوب قد أبغض أفعالا وأقوالا وأقواما وعاداهم فطردهم ولعنهم فأحببتهم: تكون مواليا للمحبوب أو معاديا له قال: فكأنما ألقم حجرا. وافتضح بين أصحابه. وكان مقدما فيهم مشارا إليه. وهذا الحد صحيح: وقائله إنما أراد: أنها تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب الديني الأمري الذي يحبه ويرضاه لا المراد الذي قدره وقضاه. لكن لقلة حظ المتأخرين منهم وغيرهم من العلم: وقعوا فيما وقعوا فيه من الإباحة والحلول والاتحاد والمعصوم من عصمه الله. الثالث والعشرون: المحبة بذل المجهود وترك الاعتراض على المحبوب.(3\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "992",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13989",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا أيضا من حقوقها وثمراتها. وموجباتها. الرابع والعشرون: سكر لا يصحو صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه. ثم السكر الذي يحصل عند المشاهدة لا يوصف وأنشد: فأسكر القوم دور الكأس بينهم ... لكن سكري نشا من رؤية الساقي. وينبغي صون المحبة والحبيب عن هذه الألفاظ التي غاية صاحبها: أن يعذر بصدقه وغلبة الوارد عليه وقهره له. فمحبة الله أعلى وأجل من أن تضرب لها هذه الأمثال وتجعل عرضة للأفواه المتلوثة والألفاظ المبتدعة ولكن الصادق في خفارة صدقه. الخامس والعشرون: أن لا يؤثر على المحبوب غيره وأن لا يتولى أمورك غيره. السادس والعشرون: الدخول تحت رق المحبوب وعبوديته والحرية من استرقاق ما سواه. السابع والعشرون: المحبة سفر القلب في طلب المحبوب ولهج اللسان بذكره على الدوام. قلت: أما سفر القلب في طلب المحبوب: فهو الشوق إلى لقائه وأما لهج اللسان بذكره: فلا ريب أن من أحب شيئا أكثر من ذكره. الثامن والعشرون: أن المحبة هي ما لا ينقص بالجفاء. ولا تزيد بالبر. وهو ليحيى بن معاذ بل الإرادة والطلب والشوق إلى المحبوب لذاته فلا ينقص ذلك جفاؤه. ولا يزيده بره. وفي ذلك ما فيه. فإن المحبة الذاتية تزيد بالبر. ولا تنقصها زيادتها بالبر. وليس ذلك بعلة ولكن مراد يحيى: أن القلب قد امتلأ بالمحبة الذاتية. فإذا جاء البر من محبوبه. لم يجد في القلب مكانا خاليا من حبه يشغله محبة البر. بل تلك المحبة قد استحقت عليه بالذات بلا سبب. ومع هذا فلا يزيل الوهم. فإن المحبة لا نهاية لها. وكلما قويت المعرفة والبر قويت المحبة. ولا نهاية لجمال المحبوب ولا بره. فلا نهاية لمحبته بل لو اجتمعت محبة الخلق كلهم وكانت على قلب رجل واحد منهم: كان ذلك دون ما يستحقه الرب جل جلاله. ولهذا لا تسمى محبة العبد لربه عشقا - كما سيأتي - لأنه إفراط المحبة والعبد لا يصل في محبة الله إلى حد الإفراط ألبتة. والله أعلم.(3\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "993",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13990",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "فصل أسباب المحبة",
        "content": "التاسع والعشرون: المحبة أن يكون كلك بالمحبوب مشغولا وذلك له مبذولا. الثلاثون: وهو من أجمع ما قيل فيها قال أبو بكر الكتاني: جرت مسألة في المحبة بمكة - أعزها الله تعالى - أيام الموسم فتكلم الشيوخ فيها. وكان الجنيد أصغرهم سنا. فقالوا: هات ما عندك يا عراقي. فأطرق رأسه ودمعت عيناه. ثم قال: عبد ذاهب عن نفسه متصل بذكر ربه قائم بأداء حقوقه ناظر إليه بقلبه أحرقت قلبه أنوار هيبته. وصفا شربه من كأس وده. وانكشف له الجبار من أستار غيبه. فإن تكلم فبالله. وإن نطق فعن الله. وإن تحرك فبأمر الله. وإن سكن فمع الله. فهو بالله ولله ومع الله. فبكى الشيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد. جزاك الله يا تاج العارفين.  [فصل أسباب المحبة] في الأسباب الجالبة للمحبة والموجبة لها وهي عشرة. أحدها: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد ويشرحه. ليتفهم مراد صاحبه منه. الثاني: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض. فإنها توصله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة. الثالث: دوام ذكره على كل حال: باللسان والقلب والعمل والحال. فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا الذكر. الرابع: إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى والتسنم إلى محابه وإن صعب المرتقى. الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتها ومعرفتها. وتقلبه في رياض هذه المعرفة ومباديها. فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله: أحبه لا محالة. ولهذا كانت المعطلة والفرعونية والجهمية قطاع الطريق على القلوب بينها وبين الوصول إلى المحبوب. السادس: مشاهدة بره وإحسانه وآلائه ونعمه الباطنة والظاهرة. فإنها داعية إلى محبته.(3\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "994",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13991",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السابع: وهو من أعجبها انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى. وليس في التعبير عن هذا المعنى غير الأسماء والعبارات. الثامن: الخلوة به وقت النزول الإلهي لمناجاته وتلاوة كلامه والوقوف بالقلب والتأدب بأدب العبودية بين يديه. ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة. التاسع: مجالسة المحبين الصادقين والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقي أطايب الثمر. ولا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام وعلمت أن فيه مزيدا لحالك ومنفعة لغيرك. العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل. فمن هذه الأسباب العشرة: وصل المحبون إلى منازل المحبة. ودخلوا على الحبيب. وملاك ذلك كله أمران: استعداد الروح لهذا الشأن وانفتاح عين البصيرة. وبالله التوفيق.  [فصل محبة العبد لربه ومحبة الرب لعبده] فصل والكلام في هذه المنزلة معلق بطرفين: طرف محبة العبد لربه. وطرف محبة الرب لعبده. والناس في إثبات ذلك ونفيه أربعة أقسام: فأهل يحبهم ويحبونه على إثبات الطرفين وأن محبة العبد لربه فوق كل محبة تقدر. ولا نسبة لسائر المحاب إليها. وهي حقيقة لا إله إلا الله وكذلك عندهم محبة الرب لأوليائه وأنبيائه ورسله: صفة زائدة على رحمته وإحسانه وعطائه. فإن ذلك أثر المحبة وموجبها. فإنه لما أحبهم كان نصيبهم من رحمته وإحسانه وبره أتم نصيب. والجهمية المعطلة عكس هؤلاء فإنه عندهم لا يحب ولا يحب. ولم يمكنهم تكذيب النصوص. فأولوا نصوص محبة العباد له على محبة طاعته وعبادته. والازدياد من الأعمال لينالوا بها الثواب. وإن أطلقوا عليهم بها لفظ المحبة فلما ينالون به من الثواب والأجر والثواب المنفصل عندهم: هو المحبوب لذاته. والرب تعالى محبوب لغيره حب الوسائل. وأولوا نصوص محبته لهم بإحسانه إليهم. وإعطائهم الثواب. وربما أولوها بثنائه عليهم ومدحه لهم. ونحو ذلك. وربما أولوها بإرادته لذلك. فتارة يؤولونها بالمفعول المنفصل. وتارة يؤولونها بنفس الإرادة. ويقولون: الإرادة إن تعلقت بتخصيص العبد بالأحوال والمقامات العلية: سميت(3\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "995",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13992",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محبة وإن تعلقت بالعقوبة والانتقام: سميت غضبا وإن تعلقت بعموم الإحسان والإنعام الخاص: سميت برا وإن تعلقت بإيصاله في خفاء من حيث لا يشعر ولا يحتسب: سميت لطفا وهي واحدة. ولها أسماء وأحكام باعتبار متعلقاتها. ومن جعل محبته للعبد ثناءه عليه ومدحه له: ردها إلى صفة الكلام. فهي عنده من صفات الذات لا من صفات الأفعال. والفعل عنده نفس المفعول. فلم يقم بذات الرب محبة لعبده ولا لأنبيائه ورسله ألبتة. ومن ردها إلى صفة الإرادة جعلها من صفات الذات باعتبار أصل الإرادة ومن صفات الأفعال باعتبار تعلقها. ولما رأى هؤلاء أن المحبة إرادة من رأى ذلك قال وأن الإرادة لا تتعلق إلا بالمحدث المقدور والقديم يستحيل أن يراد: أنكروا محبة العباد والملائكة والأنبياء والرسل له. وقالوا: لا معنى لها إلا إرادة التقرب إليه والتعظيم له وإرادة عبادته. فأنكروا خاصة الإلهية وخاصة العبودية. واعتقدوا أن هذا من موجبات التوحيد والتنزيه. فعندهم لا يتم التوحيد والتنزيه إلا بجحد حقيقة الإلهية وجحد حقيقة العبودية. وجميع طرق الأدلة - عقلا ونقلا وفطرة وقياسا واعتبارا وذوقا ووجدا - تدل على إثبات محبة العبد لربه والرب لعبده. وقد ذكرنا لذلك قريبا من مائة طريق في كتابنا الكبير في المحبة. وذكرنا فيه فوائد المحبة وما تثمر لصاحبها من الكمالات وأسبابها وموجباتها والرد على من أنكرها. وبيان فساد قوله وأن المنكرين لذلك قد أنكروا خاصة الخلق والأمر والغاية التي وجدوا لأجلها. فإن الخلق والأمر والثواب والعقاب: إنما نشأ عن المحبة ولأجلها. وهي الحق الذي به خلقت السماوات والأرض. وهي الحق الذي تضمنه الأمر والنهي. وهي سر التأليه. وتوحيدها: هو شهادة أن لا إله إلا الله. وليس كما زعم المنكرون: أن الإله هو الرب الخالق. فإن المشركين كانوا مقرين بأنه لا رب إلا الله ولا خالق سواه وبأنه وحده المنفرد بالخلق والربوبية. ولم يكونوا مقرين بتوحيد الإلهية. وهو المحبة والتعظيم بل كانوا يؤلهون مع الله غيره. وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله وصاحبه ممن اتخذ من دون الله أندادا. قال الله تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله [البقرة: 165](3\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "996",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13993",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأخبر أن من أحب من دون الله شيئا كما يحب الله تعالى: فهو ممن اتخذ من دون الله أندادا فهذا ند في المحبة لا في الخلق والربوبية. فإن أحدا من أهل الأرض لم يثبت هذا الند في الربوبية بخلاف ند المحبة. فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادا في الحب والتعظيم. ثم قال والذين آمنوا أشد حبا لله [البقرة: 165] وفي تقدير الآية قولان: أحدهما: والذين آمنوا أشد حبا لله من أصحاب الأنداد لأندادهم وآلهتهم التي يحبونها ويعظمونها من دون الله. والثاني: والذين آمنوا أشد حبا لله من محبة المشركين بالأنداد لله. فإن محبة المؤمنين خالصة ومحبة أصحاب الأنداد قد ذهبت أندادهم بقسط منها. والمحبة الخالصة: أشد من المشتركة. والقولان مرتبان على القولين في قوله تعالى يحبونهم كحب الله [البقرة: 165] فإن فيها قولان. أحدهما: يحبونهم كما يحبون الله. فيكون قد أثبت لهم محبة الله. ولكنها محبة يشركون فيها مع الله أندادا. والثاني: أن المعنى يحبون أندادهم كما يحب المؤمنون الله. ثم بين أن محبة المؤمنين لله أشد من محبة أصحاب الأنداد لأندادهم. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يرجح القول الأول ويقول: إنما ذموا بأن أشركوا بين الله وبين أندادهم في المحبة. ولم يخلصوها لله كمحبة المؤمنين له. وهذه التسوية المذكورة في قوله تعالى حكاية عنهم. وهم في النار يقولون(3\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "997",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13994",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لآلهتهم وأندادهم وهي محضرة معهم في العذاب تالله إن كنا لفي ضلال مبين - إذ نسويكم برب العالمين [الشعراء: 97 - 98] ومعلوم أنهم لم يسووهم برب العالمين في الخلق والربوبية. وإنما سووهم به في المحبة والتعظيم. . وهذا أيضا هو العدل المذكور في قوله تعالى ثم الذين كفروا بربهم يعدلون [الأنعام: 1] أي يعدلون به غيره في العبادة التي هي المحبة والتعظيم. وهذا أصح القولين. وقيل: الباء. بمعنى quot; عن quot; والمعنى: ثم الذين كفروا عن ربهم يعدلون عن عبادته إلى عبادة غيره. وهذا ليس بقوي. إذ لا تقول العرب عدلت بكذا أي عدلت عنه. وإنما جاء هذا في فعل السؤال. نحو: سألت بكذا. أي عنه. كأنهم ضمنوه: اعتنيت به واهتممت. ونحو ذلك. وقال تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله [آل عمران: 31] وهي تسمى آية المحبة. قال أبو سليمان الداراني: لما ادعت القلوب محبة الله: أنزل الله لها محنة قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله [آل عمران: 31] . قال بعض السلف: ادعى قوم محبة الله فأنزل الله آية المحنة قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله [آل عمران: 31] . وقال quot; يحببكم الله [آل عمران: 31] quot; إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها وفائدتها. فدليلها وعلامتها: اتباع الرسول. وفائدتها وثمرتها: محبة المرسل لكم. فما لم تحصل المتابعة. فليست محبتكم له حاصلة. ومحبته لكم منتفية. وقال تعالى: ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم [المائدة: 54] فقد ذكر لهم أربع علامات أحدها: أنهم أذلة على المؤمنين قيل: معناه أرقاء رحماء مشفقون عليهم. عاطفون عليهم. فلما ضمن أذلة هذا المعنى عداه بأداة quot; على quot;. قال عطاء: للمؤمنين كالولد لوالده والعبد لسيده. وعلى الكافرين كالأسد على فريسته أشداء على الكفار رحماء بينهم [الفتح: 29] .(3\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "998",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13995",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العلامة الثالثة: الجهاد في سبيل الله بالنفس واليد واللسان والمال وذلك تحقيق دعوى المحبة. العلامة الرابعة: أنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم. وهذا علامة صحة المحبة فكل محب يأخذه اللوم عن محبوبه فليس بمحب على الحقيقة. كما قيل: لا كان من لسواك فيه بقية ... يجد السبيل بها إليه اللوم. وقال تعالى أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب [الإسراء: 57]- إلى قوله - محذورا [الإسراء: 57] فذكر المقامات الثلاث: الحب. وهو ابتغاء القرب إليه والتوسل إليه بالأعمال الصالحة. والرجاء والخوف: يدل على أن ابتغاء الوسيلة أمر زائد على رجاء الرحمة وخوف العذاب. ومن المعلوم قطعا: أنك لا تتنافس إلا في قرب من تحب قربه وحب قربه تبع لمحبة ذاته. بل محبة ذاته أوجبت محبة القرب منه. وعند الجهمية والمعطلة: ما من ذلك كله شيء. فإنه عندهم لا تقرب ذاته من شيء ولا يقرب من ذاته شيء ولا يحب لذاته. ولا يحب. فأنكروا حياة القلوب ونعيم الأرواح وبهجة النفوس وقرة العيون وأعلى نعيم الدنيا والآخرة. ولذلك ضربت قلوبهم بالقسوة وضربت دونهم ودون الله حجب على معرفته ومحبته. فلا يعرفونه ولا يحبونه. ولا يذكرونه إلا عند تعطيل أسمائه وصفاته فذكرهم أعظم آثامهم وأوزارهم. بل يعاقبون من يذكره بأسمائه وصفاته ونعوت جلاله. ويرمونهم بالأدواء التي هم أحق بها وأهلها وحسب ذي البصيرة وحياة القلب: ما يرى على كلامهم من القسوة والمقت والتنفير عن محبة الله عز وجل ومعرفته وتوحيده. والله المستعان. وقال تعالى: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه [الأنعام: 52](3\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "999",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13996",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أحبابه وأولياؤه: إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا [الإنسان: 9] . وقال تعالى: وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى [الليل: 19] فجعل غاية أعمال الأبرار والمقربين والمحبين: إرادة وجهه. وقال تعالى: وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما [الأحزاب: 29] فجعل إرادته غير إرادة الآخرة. . وهذه الإرادة لوجهه موجبة للذة النظر إليه في الآخرة كما في مستدرك الحاكم وصحيح ابن حبان في الحديث المرفوع عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان يدعو: اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق: أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي. وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة. وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا. وأسألك القصد في الفقر والغنى. وأسألك نعيما لا ينفد. وأسألك قرة عين لا تنقطع. وأسألك الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك. وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة. اللهم زينا بزينة الإيمان. واجعلنا هداة مهتدين . فقد اشتمل هذا الحديث الشريف على ثبوت لذة النظر إلى وجه الله وعلى ثبوت الشوق إلى لقائه. وعند الجهمية لا وجه له سبحانه ولا ينظر إليه فضلا أن يحصل به لذة. كما سمع بعضهم داعيا يدعو بهذا الدعاء فقال: ويحك! هب أن له وجها أفتلتذ بالنظر إليه وفي الصحيح عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله. وأن يكره أن يعود في الكفر - بعد إذ أنقذه الله منه - كما يكره أن يلقى في النار . وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب. وما تقرب إلي عبدي بشيء(3\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1000",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13997",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحب إلي من أداء ما افترضته عليه. ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه. فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها. ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه . وفي الصحيحين عنه أيضا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أحب الله العبد دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبه. فيحبه جبريل. ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه. فيحبه أهل السماء. ثم يوضع له القبول في الأرض . وذكر في البغض عكس ذلك. وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها في حديث أمير السرية الذي كان يقرأ quot; قل هو الله أحد quot; لأصحابه في كل صلاة وقال: لأنها صفة الرحمن. فأنا أحب أن أقرأ بها فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبروه أن الله يحبه . وفي جامع الترمذي من حديث أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال كان من دعاء داود - صلى الله عليه وسلم -: اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يبلغني حبك. اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي وأهلي. ومن الماء البارد . وفيه أيضا من حديث عبد الله بن يزيد الخطمي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في دعائه اللهم ارزقني حبك وحب من ينفعني حبه عندك. اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغا فيما تحب . والقرآن والسنة مملوءان بذكر من يحبه الله سبحانه من عباده المؤمنين. وذكر ما يحبه من أعمالهم وأقوالهم وأخلاقهم. كقوله تعالى والله يحب الصابرين - والله يحب المحسنين [آل عمران: 146 - 134](3\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1001",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13998",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين - إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص - فإن الله يحب المتقين [آل عمران: 222 - 76] . وقوله في ضد ذلك والله لا يحب الفساد - والله لا يحب كل مختال فخور - والله لا يحب الظالمين - إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا [النساء: 205 - 36] .(3\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1002",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "13999",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكم في السنة quot; أحب الأعمال إلى الله كذا وكذا quot; و quot; إن الله يحب كذا وكذا quot; كقوله أحب الأعمال إلى الله: الصلاة على وقتها ثم بر الوالدين ثم الجهاد في سبيل الله و أحب الأعمال إلى الله: الإيمان بالله ثم الجهاد في سبيل الله. ثم حج مبرور و أحب العمل إلى الله: ما داوم عليه صاحبه وقوله إن الله يحب أن يؤخذ برخصه . وأضعاف أضعاف ذلك. وفرحه العظيم بتوبة عبده الذي هو أشد فرح يعلمه العباد. وهو من محبته للتوبة وللتائب. فلو بطلت مسألة المحبة لبطلت جميع مقامات الإيمان والإحسان. ولتعطلت منازل السير إلى الله. فإنها روح كل مقام ومنزلة وعمل. فإذا خلا منها فهو ميت لا روح فيه. ونسبتها إلى الأعمال كنسبة الإخلاص إليها. بل هي حقيقة الإخلاص بل هي نفس الإسلام. فإنه الاستسلام بالذل والحب والطاعة لله. فمن لا محبة له لا إسلام له ألبتة. بل هي حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله. فإن الإله هو الذي يألهه العباد ذلا وخوفا ورجاء وتعظيما وطاعة له. بمعنى مألوه. وهو الذي تألهه القلوب. أي تحبه وتذل له.(3\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1003",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14000",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأصل التأله التعبد. والتعبد آخر مراتب الحب. يقال: عبده الحب وتيمه: إذا ملكه وذلله لمحبوبه. ف quot; المحبة quot; حقيقة العبودية. وهل تمكن الإنابة بدون المحبة والرضا والحمد والشكر والخوف والرجاء! ! وهل الصبر في الحقيقة إلا صبر المحبين! ! فإنه إنما يتوكل على المحبوب في حصول محابه ومراضيه. وكذلك الزهد في الحقيقة: هو زهد المحبين. فإنهم يزهدون في محبة ما سوى محبوبهم لمحبته. وكذلك الحياء في الحقيقة: إنما هو حياء المحبين. فإنه يتولد من بين الحب والتعظيم. وأما ما لا يكون عن محبة: فذلك خوف محض. وكذلك مقام الفقر فإنه في الحقيقة فقر الأرواح إلى محبوبها. وهو أعلى أنواع الفقر. فإنه لا فقر أتم من فقر القلب إلى من يحبه. لا سيما إذا وحده في الحب ولم يجد منه عوضا سواه. هذا حقيقة الفقر عند العارفين. وكذلك الغنى هو غنى القلب بحصول محبوبه. وكذلك الشوق إلى الله تعالى ولقائه. فإنه لب المحبة وسرها. كما سيأتي. فمنكر المحبة هذه المسألة ومعطلها من القلوب: معطل لذلك كله. وحجابه أكثف الحجب. وقلبه أقسى القلوب وأبعدها عن الله. وهو منكر لخلة إبراهيم عليه السلام. فإن الخلة كمال المحبة. وهو يتأول الخليل بالمحتاج. فخليل الله عنده: هو المحتاج. فكم - على قوله - لله من خليل من بر وفاجر بل مؤمن وكافر. إذ كثير من الفجار والكفار من ينزل حوائجه كلها بالله صغيرها وكبيرها. ويرى نفسه أحوج شيء إلى ربه في كل حالة. فلا بالخلة أقر المنكرون ولا بالعبودية ولا بتوحيد الإلهية ولا بحقائق الإسلام والإيمان والإحسان. ولهذا ضحى خالد بن عبد الله القسري بمقدم هؤلاء وشيخهم جعد بن درهم وقال في يوم عيد الله الأكبر عقيب خطبته: أيها الناس ضحوا. تقبل الله ضحاياكم. فإني مضح بالجعد بن درهم. فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما. تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا. ثم نزل فذبحه فشكر المسلمون سعيه. ورحمه الله وتقبل منه.(3\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1004",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14001",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في مراتب المحبة] أولها: العلاقة وسميت علاقة لتعلق القلب بالمحبوب. قال الشاعر: أعلاقة أم الوليد بعيد ما ... أفنان رأسك كالثغام المخلس. الثانية: الإرادة وهي ميل القلب إلى محبوبه وطلبه له. الثالثة: الصبابة وهي انصباب القلب إليه. بحيث لا يملكه صاحبه. كانصباب الماء في الحدور. فاسم الصفة منها صب والفعل صبا إليه يصبو صبا وصبابة فعاقبوا بين المضاعف والمعتل وجعلوا الفعل من المعتل والصفة من المضاعف. ويقال: صبا وصبوة وصبابة. فالصبا: أصل الميل. والصبوة: فوقه والصبابة: الميل اللازم. وانصباب القلب بكليته. الرابعة: الغرام وهو الحب اللازم للقلب الذي لا يفارقه. بل يلازمه كملازمة الغريم لغريمه. ومنه سمي عذاب النار غراما للزومه لأهله. وعدم مفارقته لهم. قال تعالى: إن عذابها كان غراما [الفرقان: 65] . الخامسة: الوداد وهو صفو المحبة مراتبها عشرة وخالصها ولبها والودود من أسماء الرب تعالى. وفيه قولان: أحدهما: أنه المودود. قال البخاري رحمه الله في صحيحه: الودود الحبيب. والثاني: أنه الواد لعباده. أي المحب لهم. وقرنه باسمه الغفور إعلاما بأنه(3\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1005",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14002",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يغفر الذنب ويحب التائب منه ويوده. فحظ التائب: نيل المغفرة منه. وعلى القول الأول quot; الودود quot; في معنى يكون سر الاقتران. أي اقتران quot; الودود بالغفور quot; استدعاء مودة العباد له ومحبتهم إياه باسم الغفور. السادسة: الشغف يقال: شغف بكذا. فهو مشغوف به. وقد شغفه المحبوب. أي وصل حبه إلى شغاف قلبه. كما قال النسوة عن امرأة العزيز: قد شغفها حبا [يوسف: 30] وفيه ثلاثة أقوال. أحدها: أنه الحب المستولي على القلب بحيث يحجبه عن غيره. قال الكلبي: حجب حبه قلبها حتى لا تعقل سواه. الثاني: الحب الواصل إلى داخل القلب. قال صاحب هذا القول: المعنى أحبته حتى دخل حبه شغاف قلبها أي داخله. الثالث: أنه الحب الواصل إلى غشاء القلب. والشغاف غشاء القلب إذا وصل الحب إليه باشر القلب. قال السدي: الشغاف جلدة رقيقة على القلب. يقول: دخله الحب حتى أصاب القلب. وقرأ بعض السلف quot; شعفها quot; بالعين المهملة. ومعناه: ذهب الحب بها كل مذهب. وبلغ بها أعلى مراتبه ومنه: شعف الجبال لرءوسها. السابعة: العشق وهو الحب المفرط الذي يخاف على صاحبه منه. وعليه تأول إبراهيم ومحمد بن عبد الوهاب ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به [البقرة: 286] قال محمد: هو العشق.(3\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1006",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14003",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورفع إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - شاب رضي الله عنهما - وهو يعرفه - قد صار كالخلال. فقال: ما به قالوا: العشق. فجعل ابن عباس - رضي الله عنهما - عامة دعائه بعرفة: الاستعاذة من العشق. وفي اشتقاقه قولان. أحدهما: أنه من العشقة - محركة - وهي نبت أصفر يلتوي على الشجر فشبه به العاشق. والثاني: أنه من الإفراط. وعلى القولين: فلا يوصف به الرب تبارك وتعالى ولا العبد في محبة ربه. وإن أطلقه سكران من المحبة قد أفناه الحب عن تمييزه. كان في خفارة صدقه ومحبته. الثامنة: التتيم وهو التعبد والتذلل. يقال: تيمه الحب أي ذلله وعبده. وتيم الله: عبد الله. وبينه وبين اليتم - الذي هو الانفراد - تلاق في الاشتقاق الأوسط وتناسب في المعنى. فإن المتيم المنفرد بحبه وشجوه. كانفراد اليتيم بنفسه عن أبيه وكل منهما مكسور ذليل. هذا كسره يتم. وهذا كسره تتيم. التاسعة: التعبد وهو فوق التتيم. فإن العبد هو الذي قد ملك المحبوب رقه فلم يبق له شيء من نفسه ألبتة. بل كله عبد لمحبوبه ظاهرا وباطنا. وهذا هو حقيقة العبودية. ومن كمل ذلك فقد كمل مرتبتها. ولما كمل سيد ولد آدم هذه المرتبة: وصفه الله بها في أشرف مقاماته. مقام الإسراء كقوله سبحان الذي أسرى بعبده [الإسراء: 1] ومقام الدعوة. كقوله وأنه لما قام عبد الله يدعوه [الجن: 19] ومقام التحدي كقوله وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا [البقرة: 23] وبذلك استحق التقديم على الخلائق في الدنيا والآخرة. وكذلك يقول المسيح عليه الصلاة والسلام لهم إذا طلبوا منه الشفاعة - بعد(3\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1007",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14004",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - quot; اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر quot;. سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: فحصلت له تلك المرتبة. بتكميل عبوديته لله تعالى وكمال مغفرة الله له. وحقيقة العبودية: الحب التام مع الذل التام والخضوع للمحبوب. تقول العرب طريق معبد أي قد ذللته الأقدام وسهلته. العاشرة: مرتبة الخلة التي انفرد بها الخليلان - إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم - كما صح عنه أنه قال: إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا . وقال: لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. ولكن صاحبكم خليل الرحمن . والحديثان في الصحيح. وهما يبطلان قول من قال: الخلة(3\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1008",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14005",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لإبراهيم. والمحبة لمحمد فإبراهيم خليله ومحمد حبيبه. والخلة هي المحبة التي تخللت روح المحب وقلبه حتى لم يبق فيه موضع لغير المحبوب كما قيل: قد تخللت مسلك الروح مني ... ولذا سمي الخليل خليلا. وهذا هو السر الذي لأجله - والله أعلم - أمر الخليل بذبح ولده وثمرة فؤاده وفلذة كبده. لأنه لما سأل الولد فأعطيه تعلقت به شعبة من قلبه. والخلة منصب لا يقبل الشركة والقسمة. فغار الخليل على خليله: أن يكون في قلبه موضع لغيره. فأمره بذبح الولد. ليخرج المزاحم من قلبه. فلما وطن نفسه على ذلك وعزم عليه عزما جازما: حصل مقصود الأمر. فلم يبق في إزهاق نفس الولد مصلحة. فحال بينه وبينه. وفداه بالذبح العظيم. وقيل له: ياإبراهيم قد صدقت الرؤيا [الصافات: 104] أي عملت عمل المصدق إنا كذلك نجزي المحسنين [الصافات: 80] نجزي من بادر إلى طاعتنا فنقر عينه كما أقررنا عينك بامتثال أوامرنا وإبقاء الولد وسلامته إن هذا لهو البلاء المبين [الصافات: 106] وهو اختبار المحبوب لمحبه وامتحانه إياه ليؤثر مرضاته. فيتم عليه نعمه فهو بلاء محنة ومنحة عليه معا. وهذه الدعوة إنما دعا إليها بها خواص خلقه وأهل الألباب والبصائر منهم. فما كل أحد يجيب داعيها. ولا كل عين قريرة بها. وأهلها هم الذين حصلوا في وسط قبضة اليمين يوم القبضتين. وسائر أهل اليمين في أطرافها. فما كل عين بالحبيب قريرة ... ولا كل من نودي يجيب المناديا ومن لا يجب داعي هداك فخله ... يجب كل من أضحى إلى الغي داعيا وقل للعيون الرمد: إياك أن تري ... سنا الشمس فاستغشي ظلام اللياليا وسامح نفوسا لم يهبها لحبهم ... ودعها وما اختارت ولا تك جافيا(3\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1009",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14006",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقل للذي قد غاب يكفي عقوبة مغيبك عن ذا الشأن لو كنت واعيا ... ووالله لو أضحى نصيبك وافرا رحمت عدوا حاسدا لك قاليا ... ألم تر آثار القطيعة قد بدت على حاله فارحمه إن كنت راثيا ... خفافيش أعشاها النهار بضوئه ولاءمها قطع من الليل باديا ... فجالت وصالت فيه حتى إذا الن هار بدا استخفت وأعطت تواريا ... فيا محنة الحسناء تهدى إلى امرئ ضرير وعنين من الوجد خاليا ... إذا ظلمة الليل انجلت بضيائها يعود لعينيه ظلاما كما هيا ... فضن بها إن كنت تعرف قدرها إلى أن ترى كفؤا أتاك موافيا ... فما مهرها شيء سوى الروح أيها ال جبان تأخر لست كفؤا مساويا ... فكن أبدا حيث استقلت ركائب ال محبة في ظهر العزائم ساريا ... وأدلج ولا تخش الظلام فإنه سيكفيك وجه الحب في الليل هاديا ... وسقها بذكراه مطاياك إنه سيكفي المطايا طيب ذكراه حاديا ... وعدها بروح الوصل تعطيك سيرها فما شئت واستبق العظام البواليا ... وأقدم فإما منية أو منية تريحك من عيش به لست راضيا ... فما ثم إلا الوصل أو كلف بهم وحسبك فوزا ذاك إن كنت واعيا ... أما سئمت من عيشها نفس واله تبيت بنار البعد تلقى المكاويا ... أما موته فيهم حياة وذله هو العز والتوفيق ما زال غاليا ... أما يستحي من يدعي الحب باخلا بما لحبيب عنه يدعوه ذا ليا ... أما تلك دعوى كاذب ليس حظه من الحب إلا قوله والأمانيا ... أما أنفس العشاق ملك لغيرهم بإجماع أهل الحب ما زال فاشيا ... أما سمع العشاق قول حبيبة لصب بها وافى من الحب شاكيا ... ولما شكوت الحب قالت. كذبتني فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا ... فلا حب حتى يلصق القلب بالحشا وتخرس حتى لا تجيب المناديا ... وتنحل حتى لا يبقي لك الهوى سوى مقلة تبكي بها وتناجيا  [فصل المحبة تعلق القلب بين الهمة والأنس] فصل قال صاحب المنازل رحمه الله: المحبة: تعلق القلب بين الهمة والأنس.(3\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1010",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14007",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعني: تعلق القلب بالمحبوب تعلقا مقترنا بهمة المحب وأنسه بالمحبوب في حالتي بذله ومنعه وإفراده بذلك التعلق. بحيث لا يكون لغيره فيه نصيب. وإنما أشار إلى أنها بين الهمة والأنس لأن المحبة لما كانت هي نهاية شدة الطلب وكان المحب شديد الرغبة والطلب: كانت الهمة من مقومات حبه وجملة صفاته. ولما كان الطلب بالهمة قد يعرى عن الأنس وكان المحب لا يكون إلا مستأنسا بجمال محبوبه وطمعه بالوصول إليه. فمن هذين يتولد الأنس: وجب أن يكون المحب موصوفا بالأنس. فصارت المحبة قائمة بين الهمة والأنس. ويريد بالبذل والمنع أحد أمرين: إما بذل الروح والنفس لمحبوبه ومنعها عن غيره. فيكون البذل والمنع صفة المحب وإما بذل الحبيب ومنعه. فتتعلق همة المحب به في حالتي بذله ومنعه. ويريد بالإفراد معنيين: إما إفراد المحبوب وتوحيده بذلك التعلق. وإما فناءه في محبته بحيث ينسى نفسه وصفاته في ذكر محاسن محبوبه حتى لا يبقى إلا المحبوب وحده. والمقصود: إفراد المحب لمحبوبه بالتوحيد والمحبة. والله أعلم.  [فصل المحبة أول أودية الفناء] فصل قال: والمحبة: أول أودية الفناء والعقبة التي ينحدر منها على منازل المحو. وهي آخر منزل تلتقي فيه مقدمة العامة وساقة الخاصة. إنما كانت المحبة أول أودية الفناء: لأنها تفني خواطر المحب عن التعلق بالغير. وأول ما يفنى من المحب: خواطره المتعلقة بما سوى محبوبه. لأنه إذا انجذب قلبه بكليته إلى محبوبه انجذبت خواطره تبعا. ويريد بمنازل المحو مقاماته. وأولها: محو الأفعال في فعل الحق تعالى. فلا يرى لنفسه ولا لغيره فعلا. والثاني: محو الصفات التي في العبد. فيراها عارية أعيرها وهبة وهبها. ليستدل بها على بارئه وفاطره وعلى وحدانيته وصفاته. فيعلم بواسطة حياته: معنى حياة ربه وبواسطة علمه وقدرته وإرادته وسمعه وبصره وكلامه وغضبه ورضاه:(3\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1011",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14008",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معنى علم ربه وقدرته وإرادته وسمعه وبصره وكلامه وغضبه ورضاه. ولولا هذه الصفات فيه لما عرفها من ربه. وهذا أحد التأويلات في الأثر الإسرائيلي: اعرف نفسك تعرف ربك. وهذه الصفات في الحقيقة: أثر الصفات الإلهية فيه. فإنها أثر أفعال الحق وأفعاله موجب صفاته وأسمائه. فإذن عاد الأمر كله إلى أفعاله وعادت أفعاله إلى صفاته. ففي هذه المنزلة يمحو العبد شهود صفاته ووجودها الذي ليس بحقيقي. ويثبت شهود صفات المعبود ووجودها الحقيقي. فالله سبحانه منح عبده هذه الصفات ليعرفه بها. ويستدل بها عليه. فإن لم يفعلها عطل عليه طريق المعرفة والاستدلال بها. فصارت بمنزلة العدم. ولهذا يوصف الغافل عن الله بالصم والبكم والعمى والموت وعدم العقل. الثالث: محو الذات. وهو شهود تفرد الحق تعالى بالوجود أزلا وأبدا. وأنه الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء. ووجود كل ما سواه قائم به وأثر صنعه. فوجوده هو الوجود الواجب الحق الثابت لنفسه أزلا وأبدا. وأنه المتفرد بذلك. وهذا المحو يصح باعتبارين. أحدهما: باعتبار الوجود الذاتي. ولا ريب في إثبات محوه بهذا الاعتبار. إذ ليس مع الله موجود بذاته سواه. وكل ما سواه فموجود بإيجاده سبحانه. الاعتبار الثاني: المحو في المشهد. فلا يشهد فاعلا غير الحق سبحانه. ولا صفات غير صفاته ولا موجود سواه لغيبته بكمال شهوده عن شهود غيره. وأما محو ذلك من الوجود جملة: فهو محو الزنادقة وطائفة الاتحادية. وصاحب المنازل وكل ولي لله بريء منهم حالا وعقيدة. والمقصود: أن من عقبة المحبة ينحدر المحب على منازل المحو. ولما كانت منازل المحو والفناء غاية عند صاحب المنازل جعل المحبة عقبة ينحدر منها إليها. وأما من جعل المحبة غاية: فمنازل المحو عنده أودية يصعد منها إلى روح المحبة. وليس بعد المحبة الصحيحة إلا منازل البقاء. وأما الفناء والمحو: فعقبات وأودية في طريقها عند هؤلاء. والله أعلم.(3\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1012",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14009",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله: وهي آخر منزلة تلتقي فيها مقدمة العامة وساقة الخاصة. هذا بناء على الأصل الذي ذكره وهو: أن المحبة ينحدر منها على أودية الفناء. فهي أول أودية الفناء. فمقدمة العامة: هم في آخر مقام المحبة وساقة الخاصة: في أول منزل الفناء. ومنزلة الفناء متصلة بآخر منزلة المحبة. فتلتقي حينئذ مقدمة العامة بساقة الخاصة هذا شرح كلامه. وعند الطائفة الأخرى: الأمر بالعكس. وهو أن مقدمة أرباب الفناء يلتقون بساقة أو باب المحبة. فإنهم أمامهم في السير. وهم أمام الركب دائما. وهذا بناء على أن أهل البقاء في المحبة أعلى شأنا من أهل الفناء. وهو الصواب. والله أعلم.  [فصل ما دون المحبة من المقامات] فصل قال: وما دونها: أغراض لأعواض. يعني ما دون المحبة من المقامات: فهي أغراض من المخلوقين لأجل أعواض ينالونها وأما المحبون: فإنهم عبيد. والعبد ونفسه وعمله ومنافعه ملك لسيده فكيف يعاوضه على ملكه والأجير عند أخذ الأجرة ينصرف. والعبد في الباب لا ينصرف. فلا عبودية إلا عبودية أهل المحبة الخالصة. أولئك هم الفائزون بشرف الدنيا والآخرة. وأولئك لهم الأمن وهم مهتدون.  [فصل المحبة هي سمة الطائفة وعنوان الطريقة] فصل قال: والمحبة هي سمة الطائفة وعنوان الطريقة ومعقد النسبة. يعني: سمة هذه الطائفة المسافرين إلى ربهم الذين ركبوا جناح السفر إليه ثم لم يفارقوه إلى حين اللقاء وهم الذين قعدوا على الحقائق. وقعد من سواهم على الرسوم. وعنوان طريقتهم أي دليلها. فإن العنوان يدل على الكتاب والمحبة تدل على صدق الطالب وأنه من أهل الطريق. ومعقد النسبة أي النسبة التي بين الرب وبين العبد. فإنه لا نسبة بين الله وبين العبد إلا محض العبودية من العبد والربوبية من الرب. وليس في العبد شيء من(3\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1013",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14010",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الربوبية ولا في الرب شيء من العبودية. فالعبد عبد من كل وجه. والرب تعالى هو الإله الحق من كل وجه. ومعقد نسبة العبودية هو المحبة. فالعبودية معقودة بها بحيث متى انحلت المحبة انحلت العبودية. والله أعلم.  [فصل درجات المحبة] [الدرجة الأولى محبة تقطع الوساوس] فصل قال: وهي على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: محبة تقطع الوساوس وتلذ الخدمة. وتسلي عن المصائب. قوله quot; تقطع الوساوس quot; فإن الوساوس والمحبة متناقضان. فإن المحبة توجب استيلاء ذكر المحبوب على القلب. والوساوس تقتضي غيبته عنه حتى توسوس له نفسه بغيره. فبين المحبة والوساوس تناقض شديد كما بين الذكر والغفلة. فعزيمة المحبة: تنفي تردد القلب بين المحبوب وغيره. وذلك سبب الوساوس وهيهات أن يجد المحب الصادق فراغا لوسواس الغير لاستغراق قلبه في حضوره بين يدي محبوبه. وهل الوسواس إلا لأهل الغفلة والإعراض عن الله تعالى ومن أين يجتمع الحب والوسواس لا كان من لسواك فيه بقية ... فيها يقسم فكره ويوسوس. قوله quot; وتلذ الخدمة quot; أي المحب يلتذ بخدمة محبوبه. فيرتفع عن رؤية التعب الذي يراه الخلي في أثناء الخدمة. وهذا معلوم بالمشاهدة. قوله quot; وتسلي عن المصائب quot; فإن المحب يجد في لذة المحبة ما ينسيه المصائب ولا يجد من مسها ما يجد غيره حتى كأنه قد اكتسى طبيعة ثانية ليست طبيعة الخلق. بل يقوى سلطان المحبة حتى يلتذ المحب بكثير من المصائب التي يصيبه بها حبيبه أعظم من التذاذ الخلي بحظوظه وشهواته. والذوق والوجود شاهد بذلك والله أعلم.  فصل قال: وهي محبة تنبت من مطالعة المنة. وتثبت باتباع السنة. وتنمو على الإجابة بالفاقة. قوله quot; تنبت من مطالعة المنة quot; أي تنشأ من مطالعة العبد منة الله عليه ونعمه(3\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1014",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14011",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الباطنة والظاهرة فبقدر مطالعته ذلك تكون قوة المحبة. فإن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها. وليس للعبد قط إحسان إلا من الله. ولا إساءة إلا من الشيطان. ومن أعظم مطالعة منة الله على عبده: تأهيله لمحبته ومعرفته وإرادة وجهه ومتابعة حبيبه. وأصل هذا: نور يقذفه الله في قلب العبد. فإذا دار ذلك النور في قلب العبد وذاته: أشرقت ذاته. فرأى فيه نفسه وما أهلت له من الكمالات والمحاسن. فعلت به همته. وقويت عزيمته. وانقشعت عنه ظلمات نفسه وطبعه. لأن النور والظلمة لا يجتمعان إلا ويطرد أحدهما صاحبه. فرقيت حينئذ بين الهيبة والأنس إلى الحبيب الأول. نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل وهذا النور كالشمس في قلوب المقربين السابقين وكالبدر في قلوب الأبرار أصحاب اليمين وكالنجم في قلوب عامة المؤمنين. وتفاوتهم فيه كتفاوت ما بين الزهرة والسهى. قوله quot; وتثبت باتباع السنة quot; أي ثباتها إنما يكون بمتابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أعماله وأقواله وأخلاقه. فبحسب هذا الاتباع يكون منشأ هذه المحبة وثباتها وقوتها. وبحسب نقصانه يكون نقصانها كما تقدم: أن هذا الاتباع يوجب المحبة والمحبوبية معا. ولا يتم الأمر إلا بهما. فليس الشأن في أن تحب الله بل الشأن في أن يحبك الله. ولا يحبك الله إلا إذا اتبعت حبيبه ظاهرا وباطنا وصدقته خبرا وأطعته أمرا وأجبته دعوة وآثرته طوعا. وفنيت عن حكم غيره بحكمه وعن محبته غيره من الخلق بمحبته وعن طاعة غيره بطاعته. وإن لم يكن ذلك فلا تتعن. وارجع من حيث شئت فالتمس نورا. فلست على شيء. وتأمل قوله فاتبعوني يحببكم الله [آل عمران: 31] أي الشأن في أن الله يحبكم. لا في أنكم تحبونه وهذا لا تنالونه إلا باتباع الحبيب - صلى الله عليه وسلم -.(3\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1015",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14012",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله quot; وتنمو على الإجابة بالفاقة quot; الإجابة بالفاقة: أن يجيب الداعي بموفور الأعمال. وهو خال منها. كأنه لم يعملها بل يجيب دعوته بمجرد الإفلاس والفقر التام. فإن طريقة الفقر والفاقة: تأبى أن يكون لصاحبها عمل أو حال أو مقام. وإنما يدخل على ربه بالإفلاس المحض والفاقة المجردة. ولا ريب أن المحبة تنمو على هذا المشهد وهذه الإجابة. وما أعزه من مقام. وأعلاه من مشهد. وما أنفعه للعبد! وما أجلبه للمحبة! والله المستعان.  [فصل الدرجة الثانية محبة تبعث على إيثار الحق على غيره] فصل قال: الدرجة الثانية: محبة تبعث على إيثار الحق على غيره وتلهج اللسان بذكره. وتعلق القلب بشهوده. وهي محبة تظهر من مطالعة الصفات والنظر إلى الآيات والارتياض بالمقامات. هذه الدرجة أعلى مما قبلها باعتبار سببها وغايتها. فإن سبب الأولى: مطالعة الإحسان والمنة. وسبب هذه: مطالعة الصفات. وشهود معاني آياته المسموعة والنظر إلى آياته المشهودة. وحصول الملكة في مقامات السلوك وهو الارتياض بالمقامات. ولذلك كانت غايتها أعلى من غاية ما قبلها. فقوله quot; تبعث على إيثار الحق على غيره quot; أي لكمالها وقوتها فإنها تقتضي من المحب أن يترك لأجل الحق ما سواه فيؤثره على غيره. ولا يؤثر غيره عليه. ويجعل اللسان لهجا بذكره. فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره. quot; وتعلق القلب بشهوده quot; لفرط استيلائه على القلب. وتعلقه به حتى كأنه لا يشاهد غيره. وقوله quot; وهي محبة تظهر من مطالعة الصفات quot; يعني: إثباتها أولا. ومعرفتها ثانيا. ونفي التحريف والتعطيل عن نصوصها ثالثا ونفي التمثيل والتكييف عن معانيها رابعا. فلا يصح له مطالعة الصفات الباعثة على المحبة الصحيحة إلا بهذه الأمور الأربعة. وكلما أكثر قلبه من مطالعتها ومعرفة معانيها: ازدادت محبته للموصوف بها. ولذلك كانت الجهمية - قطاع طريق المحبة - بين المحبين وبينهم السيف الأحمر. وقوله quot; والنظر إلى الآيات quot; أي نظر الفكر والاعتبار إلى آياته المشهودة. وفي آياته(3\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1016",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14013",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المسموعة. وكل منهما داع قوي إلى محبته سبحانه. لأنها أدلة على صفات كماله ونعوت جلاله وتوحيد ربوبيته وإلهيته وعلى حكمته وبره وإحسانه ولطفه وجوده وكرمه وسعة رحمته وسبوغ نعمته فإدامة النظر فيها داع - لا محالة - إلى محبته. وكذلك الارتياض بالمقامات. فإن من كانت له رياضة وملكة في مقامات الإسلام والإيمان والإحسان: كانت محبته أقوى. لأن محبة الله له أتم. وإذا أحب الله عبدا أنشأ في قلبه محبته.  [فصل الدرجة الثالثة محبة خاطفة] فصل قال: الدرجة الثالثة: محبة خاطفة. تقطع العبارة. وتدفع الإشارة. ولا تنتهي بالنعوت. يعني: أنها تخطف قلوب المحبين. لما يبدو لهم من جمال محبوبهم. ويشير الشيخ بذلك إلى الفناء في المحبة والشهود. وإن العبارة تنقطع دون حقيقة تلك المحبة. ولا تبلغها. ولا تصل إليها الإشارة. فإنها فوق العبارة والإشارة. وحقيقتها عندهم: فناء الحدوث في القدم واضمحلال الرسوم في نور الحقيقة التي تظهر لقلوب المحبين. فتملك عليها العبارة والإشارة والصفة. فلا يقدر المحب أن يعبر عما يجده لأن واردها قد خطف فهمه. والعبارة تابعة للفهم. فلا يقدر المحب أن يشير إليه إشارة تامة. والعبارة عندهم: تحت الإشارة وأبعد منها. ولذلك جعل حظها القطع. وحظ الإشارة الدفع. فإن مقام المحبة يقبل العبارة. وهذه الدرجة الثالثة لا تقبل إشارة ما. ولا تقبل عبارة. وعندهم: إنما تمتنع العبارة والإشارة في مقام التوحيد حيث لا يبقى للمحبة رسم ولا اسم ولا إشارة وهو الغاية عندهم كما سيأتي. والصواب: أن توحيد المحبة أكمل من هذا التوحيد الذي يشيرون إليه وأعلى مقاما وأجل مشهدا. وهو مقام الرسل والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وخواص المقربين. وأما توحيد الفناء: فدونه بكثير. وليس ذلك من مقامات الرسل والأنبياء عليهم(3\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1017",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14014",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصلاة والسلام. فإن توحيدهم توحيد بقاء ومحبة. لا توحيد فناء وغيبة وسكر واصطلام. ولما كان المحب عند أرباب الفناء. لم يخلص إلى مقام توحيد الفناء بالكلية. بل رسوم المحبة معه بعد جعلوا المحبة هي العقبة التي ينحدر منها إلى أودية الفناء. كما تقدم. والصواب الذي لا ريب فيه عند أرباب التحقيق والبصائر: أن لسان المحبة أتم ومقامها أكمل وحالها أشرف وصاحبها من أهل الصحو بعد السكر والتمكين بعد التلوين والبقاء بعد الفناء. ولسانه نائب عن كل لسان. وبيانه واف بكل ذوق. ومقامه أعلى من كل مقام. فهو أمين على كل من دونه من أرباب المقامات. لأن مقامه أمير على المقامات كلها. أمين أمين عليه الندى ... جواد بخيل بأن لا يجودا. وأما كون نعوت المحبة لا تتناهى: فلأن لها في كل مقام نسبة وتعلقا به. وهي روح كل مقام والحاملة له. وأقدام السالكين إنما تتحرك بها. فلها تعلق بكل قدم وحال ومقام. فلا تتناهى نعوتها ألبتة. والله أعلم.  [فصل مدار شأن السالكين المسافرين إلى الله على هذه المحبة الثالثة] فصل قوله: وهذه المحبة: هي قطب هذا الشأن. وما دونها محاب نادت عليها الألسن وادعتها الخليقة. وأوجبتها العقول. يريد: أن مدار شأن السالكين المسافرين إلى الله: على هذه المحبة الثالثة. وإنما كان ذلك كذلك لخلوصها من الشوائب والعلل والأغراض. وصاحبها مراد ومجذوب ومطلوب وما دونها من المحاب: فصاحبها باق مع إرادته من محبوبه. أما محبة الإحسان والأفعال: فظاهر. وأما محبة الصفات: فصاحبها مع لذة روحه ونعيم قلبه بمطالعة الصفات. فإن لذة الأرواح والعقول لا محالة في مطالعة صفات الكمال ونعوت الجمال. وصاحب هذه المحبة الثالثة: قد ارتقى عن هاتين الدرجتين. وأخذ منه وعيب عنه. وهذا مبني على أصله في كون الفناء غاية. وقد عرفته.(3\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1018",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14015",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله quot; ونادت عليها الألسن quot; أي وصفتها الألسن. فأكثرت صفاتها. وتمكنت من التعبير عنها. و quot; ادعتها الخليقة quot; بخلاف الدرجة الثالثة. فإنه لا وصول لأحد إليها إلا بالحق تعالى. فهي غير كسبية. ولا تنال بسبب. فلا يمكن فيها الدعوى. فإن شأنها أجل من ذلك. قوله quot; وأوجبتها العقول quot; يريد: أن العقل يحكم بوجوبها. وهو كما قال. فإن العقول تحكم بوجوب تقديم محبة الله على محبة النفس والأهل والمال والولد وكل ما سواه. وكل من لم يحكم عقله بهذا: فلا تعبأ بعقله. فإن العقل والفطرة والشرعة والاعتبار والنظر. تدعو كلها إلى محبته سبحانه. بل إلى توحيده في المحبة. وإنما جاءت الرسل بتقرير ما في الفطر والعقول. كما قيل: هب الرسل لم تأت من عنده ... ولا أخبرت عن جمال الحبيب أليس من الواجب المست ... حق محبته في اللقا والمغيب فمن لم يكن عقله آمرا ... بذا. ما له في الحجى من نصيب وإن العقول لتدعو إلى ... محبة فاطرها من قريب أليست على ذاك مجبولة ... ومفطورة لا بكسب غريب أليس الجمال حبيب القلوب ... لذات الجمال وذات القلوب أليس جميلا يحب الجمال ... تعالى إله الورى عن نسيب أما بعد ذلك إحسانه ... بداع إليه لقلب المنيب أليس إذا كملا أوجبا ... كمال المحبة للمستجيب فمن ذا يشابه أوصافه ... تعالى إله الورى عن ضريب ومن ذا يكافئ إحسانه ... فيألهه قلب عبد منيب وهذا دليل على أنه ... إلى كل ذي الخلق أولى حبيب فيا منكرا ذاك والله أن ... ت عين الطريد وعين الحريب ويا من يحب سواه كمث ... ل محبته أنت عبد الصليب ويا من يوحد محبوبه ... ويرضيه في مشهد أو مغيب ولو سخط الخلق في وجهه ... لقال هوانا ولو بالنسيب حظيت وخابوا فلا تبتئس ... بكيد العدو وهجر الرقيب(3\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1019",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14016",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل منزلة الغيرة] [حقيقة الغيرة] ومن منازل quot; إياك نعبد وإياك نستعين quot; منزلة الغيرة قال الله تعالى قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن [الأعراف: 33] وفي الصحيح عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -. قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما أحد أغير من الله ومن غيرته: حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. وما أحد أحب إليه المدح من الله. ومن أجل ذلك أثنى على نفسه. وما أحد أحب إليه العذر من الله. من أجل ذلك: أرسل الرسل مبشرين ومنذرين . وفي الصحيح أيضا من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة - رضي الله عنه -. أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال إن الله يغار وإن المؤمن يغار وغيرة الله: أن يأتي العبد ما حرم عليه . وفي الصحيح أيضا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال أتعجبون من غيرة سعد ! لأنا أغير منه. والله أغير مني . ومما يدخل في الغيرة قوله تعالى وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا [الإسراء: 45] . قال السري لأصحابه: أتدرون ما هذا الحجاب حجاب الغيرة. ولا أحد أغير من الله. إن الله تعالى لم يجعل الكفار أهلا لفهم كلامه ولا أهلا لمعرفته وتوحيده ومحبته. فجعل بينهم وبين رسوله وكلامه وتوحيده حجابا مستورا عن العيون غيرة عليه أن يناله من ليس أهلا به.(3\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1020",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14017",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والغيرة منزلة شريفة عظيمة جدا جليلة المقدار. ولكن الصوفية المتأخرين منهم من قلب موضوعها. وذهب بها مذهبا باطلا. سماه غيرة فوضعها في غير موضعها. ولبس عليه أعظم تلبيس. كما ستراه. والغيرة نوعان: غيرة من الشيء. وغيرة على الشيء. والغيرة من الشيء: هي كراهة مزاحمته ومشاركته لك في محبوبك. والغيرة على الشيء: هي شدة حرصك على المحبوب أن يفوز به غيرك دونك أو يشاركك في الفوز به. والغيرة أيضا نوعان: غيرة العبد من نفسه على نفسه كغيرته من نفسه على قلبه ومن تفرقته على جمعيته ومن إعراضه على إقباله ومن صفاته المذمومة على صفاته الممدوحة. وهذه الغيرة خاصية النفس الشريفة الزكية العلوية. وما للنفس الدنية المهينة فيها نصيب. وعلى قدر شرف النفس وعلو همتها تكون هذه الغيرة. ثم الغيرة أيضا نوعان: غيرة الحق تعالى على عبده وغيرة العبد لربه لا عليه. فأما غيرة الرب على عبده: فهي أن لا يجعله للخلق عبدا. بل يتخذه لنفسه عبدا. فلا يجعل له فيه شركاء متشاكسين. بل يفرده لنفسه. ويضن به على غيره. وهذه أعلى الغيرتين. وغيرة العبد لربه نوعان أيضا: غيرة من نفسه. وغيرة من غيره. فالتي من نفسه: أن لا يجعل شيئا من أعماله وأقواله وأحواله وأوقاته وأنفاسه لغير ربه والتي من غيره: أن يغضب لمحارمه إذا انتهكها المنتهكون. ولحقوقه إذا تهاون بها المتهاونون. وأما الغيرة على الله: فأعظم الجهل وأبطل الباطل. وصاحبها من أعظم الناس جهلا. وربما أدت بصاحبها إلى معاداته وهو لا يشعر. وإلى انسلاخه من أصل الدين والإسلام. وربما كان صاحبها شرا على السالكين إلى الله من قطاع الطريق. بل هو من قطاع طريق السالكين حقيقة. وأخرج قطع الطريق في قالب الغيرة. وأين هذا من الغيرة لله التي توجب تعظيم حقوقه وتصفية أعماله وأحواله لله فالعارف يغار لله. والجاهل يغار على الله. فلا يقال: أنا أغار على الله. ولكن أنا أغار لله. وغيرة العبد من نفسه: أهم من غيرته من غيره. فإنك إذا غرت من نفسك صحت لك غيرتك لله من غيرك وإذا غرت له من غيرك ولم تغر من نفسك: فالغيرة مدخولة(3\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1021",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14018",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معلولة ولا بد. فتأملها وحقق النظر فيها. فليتأمل السالك اللبيب هذه الكلمات في هذا المقام الذي زلت فيه أقدام كثير من السالكين. والله الهادي والموفق المثبت. كما حكي عن واحد من مشهوري الصوفية أنه قال: لا أستريح حتى لا أرى من يذكر الله. يعني غيرة عليه من أهل الغفلة وذكرهم. والعجب أن هذا يعد من مناقبه ومحاسنه. وغاية هذا: أن يعذر فيه لكونه مغلوبا على عقله. وهو من أقبح الشطحات. وذكر الله على الغفلة وعلى كل حال خير من نسيانه بالكلية. والألسن متى تركت ذكر الله - الذي هو محبوبها - اشتغلت بذكر ما يبغضه ويمقت عليه. فأي راحة للعارف في هذا وهل هو إلا أشق عليه وأكره إليه وقول آخر: لا أحب أن أرى الله ولا أنظر إليه. فقيل له: كيف قال: غيرة عليه من نظر مثلي. فانظر إلى هذه الغيرة القبيحة الدالة على جهل صاحبها مع أنه في خفارة ذله وتواضعه وانكساره واحتقاره لنفسه. ومن هذا ما يحكى عن الشبلي: أنه لما مات ابنه دخل الحمام ونور لحيته حتى أذهب شعرها كله. فكل من أتاه معزيا قال: إيش هذا يا أبا بكر قال: وافقت أهلي في قطع شعورهم. فقال له بعض أصحابه: أخبرني لم فعلت هذا فقال: علمت أنهم يعزونني على الغفلة ويقولون: آجرك الله. ففديت ذكرهم لله على الغفلة بلحيتي. فانظر إلى هذه الغيرة المحرمة القبيحة التي تضمنت أنواعا من المحرمات: حلق الشعر عند المصيبة وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ليس منا من حلق وسلق وخرق(3\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1022",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14019",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أي حلق شعره ورفع صوته بالندب والنياحة. وخرق ثيابه. ومنها: حلق اللحية وقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإعفائها وتوفيرها. ومنها: منع إخوانه من تعزيته ونيل ثوابها. ومنها: كراهته لجريان ذكر الله على ألسنتهم بالغفلة. وذلك خير بلا شك من ترك ذكره. فغاية صاحب هذا: أن تغفر له هذه الذنوب ويعفى عنه. وأما أن يعد ذلك في مناقبه وفي الغيرة المحمودة فسبحانك هذا بهتان عظيم. ومن هذا: ما ذكر عن أبي الحسين النوري: أنه سمع رجلا يؤذن. فقال: طعنه وسم الموت. وسمع كلبا ينبح فقال: لبيك وسعديك. فقالوا له: هذا ترك للدين. وصدقوا والله يقول للمؤذن في تشهده: طعنه. وسم الموت. ويلبي نباح الكلب فقال: أما ذاك فكان يذكر الله عن رأس الغفلة. وأما الكلب: فقد قال تعالى وإن من شيء إلا يسبح بحمده [الإسراء: 44] . فيالله! ! ماذا ترى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يواجه هذا القائل لو رآه يقول ذلك أو عمر بن الخطاب أو من عد ذلك في المناقب والمحاسن ! . وسمع الشبلي رجلا يقول: جل الله. فقال: أحب أن تجله عن هذا. وأذن مرة. فلما بلغ الشهادتين قال: لولا أنك أمرتني ما ذكرت معك غيرك. وقال بعض الجهال من القوم: لا إله إلا الله من أصل القلب ومحمد رسول الله من القرط. ونحن نقول: محمد رسول الله من تمام قول لا إله إلا الله. فالكلمتان يخرجان من أصل القلب من مشكاة واحدة. لا تتم إحداهما إلا بالأخرى.(3\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1023",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14020",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الغيرة سقوط الاحتمال ضنا والضيق عن الصبر نفاسة] فصل قال صاحب المنازل: باب الغيرة قال الله تعالى - حاكيا عن نبيه سليمان عليه السلام - ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق [ص: 33] . ووجه استشهاده بالآية: أن سليمان عليه السلام كان يحب الخيل. فشغله استحسانها والنظر إليها - لما عرضت عليه - عن صلاة النهار حتى توارت الشمس بالحجاب. فلحقته الغيرة لله من الخيل إذ استغرقه استحسانها والنظر إليها عن خدمة مولاه وحقه. فقال: ردوها علي فطفق يضرب أعناقها وعراقيبها بالسيف غيرة لله. قال: الغيرة: سقوط الاحتمال ضنا والضيق عن الصبر نفاسة. أي عجز الغيور عن احتمال ما يشغله عن محبوبه ويحجبه عنه ضنا به - أي بخلا به - أن يعتاض عنه بغيره. وهذا البخل: هو محض الكرم عند المحبين الصادقين. وأما الضيق عن الصبر نفاسة فهو أن يضيق ذرعه بالصبر عن محبوبه. وهذا هو الصبر الذي لا يذم من أنواع الصبر سواه أو ما كان من وسيلته. والحامل له على هذا الضيق: مغالاته بمحبوبه. وهي النفاسة. فإنه - لمنافسته ورغبته - لا يسامح نفسه بالصبر عنه. والمنافسة هي كمال الرغبة في الشيء ومنع الغير منه: إن لم يمدح فيه المشاركة والمسابقة إليه إن مدحت فيه المشاركة. قال تعالى وفي ذلك فليتنافس المتنافسون [المطففين: 26] وبين المنافسة والغبطة جمع وفرق وبينهما وبين الحسد أيضا جمع وفرق. فالمنافسة تتضمن مسابقة واجتهادا وحرصا. والحسد: يدل على مهانة الحاسد وعجزه وإلا فنافس من حسدته. فذلك أنفع لك من حسده كما قيل: إذا أعجبتك خلال امرئ ... فكنه يكن منك ما يعجبك فليس على الجود والمكرما ... ت إذا جئتها حاجب يحجبك والغبطة تتضمن نوع تعجب وفرح للمغبوط واستحسان لحاله.(3\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1024",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14021",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل درجات الغيرة] [الدرجة الأولى غيرة العابد] فصل قال: وهي على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: غيرة العابد على ضائع يسترد ضياعه. ويستدرك فواته ويتدارك قواه. العابد هو العامل - بمقتضى العلم النافع - للعمل الصالح. فغيرته على ما ضاع عليه من عمل صالح. فهو يسترد ضياعه بأمثاله. ويجبر ما فاته من الأوراد والنوافل وأنواع القرب بفعل أمثالها من جنسها وغير جنسها. فيقضي ما ينفع فيه القضاء. ويعوض ما يقبل العوض. ويجبر ما يمكن جبره. وقوله quot; ويستدرك فواته quot; الفرق بين استرداد ضائعه واستدراك فائته أن الأول: يمكن أن يسترد بعينه كما إذا فاته الحج في عام تمكن منه. فأضاعه في ذلك العام: استدركه في العام المقبل. وكذلك إذا أخر الزكاة عن وقت وجوبها استدركها بعد تأخيرها ونحو ذلك. وأما الفائت: فإنما يستدرك بنظيره. كقضاء الواجب المؤقت إذا فات وقته. أو يكون مراده باسترداد الضائع واستدراك الفائت نوعي التفريط في الأمر والنهي. فيسترد ضائع هذا بقضائه وفعل أمثاله. ويستدرك فائت هذا - أي سالفه - بالتوبة والندم. وأما تدارك قواه فهو أن يتدارك قوته ببذلها في الطاعة قبل أن تتبدل بالضعف. فهو يغار عليها أن تذهب في غير طاعة الله. ويتدارك قوى العمل الذي لحقه الفتور عنه بأن يكسوه قوة ونشاطا غيرة له وعليه. فهذه غيرة العباد على الأعمال. والله أعلم.  [فصل الدرجة الثانية غيرة المريد] فصل قال: الدرجة الثانية: غيرة المريد. وهي غيرة على وقت فات. وهي غيرة قاتلة. فإن الوقت وحي التقضي. أبي الجانب بطي الرجوع. و quot; المريدون quot; هم أرباب الأحوال و quot; العباد quot; أرباب الأوراد والعبادات. وكل مريد عابد. وكل عابد مريد. لكن القوم خصوا أهل المحبة وأذواق حقائق الإيمان(3\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1025",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14022",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "باسم quot; المريد quot; وخصوا أصحاب العمل المجرد باسم quot; العابد quot; وكل مريد لا يكون عابدا فزنديق وكل عابد لا يكون مريدا فمراء. و quot; الوقت quot; عند العابد: هو وقت العبادة والأوراد. وعند المريد: هو وقت الإقبال على الله والجمعية عليه والعكوف عليه بالقلب كله. و quot; الوقت quot; أعز شيء عليه يغار عليه أن ينقضي بدون ذلك. فإذا فاته الوقت لا يمكنه استدراكه ألبتة. لأن الوقت الثاني قد استحق واجبه الخاص فإذا فاته وقت فلا سبيل له إلى تداركه. كما في المسند مرفوعا من أفطر يوما من رمضان متعمدا من غير عذر: لم يقضه عنه صيام الدهر وإن صامه . وقوله quot; وهي غيرة قاتلة quot; يعني: مضرة ضررا شديدا بينا يشبه القتل لأن حسرة الفوت قاتلة. ولا سيما إذا علم المتحسر: أنه لا سبيل له إلى الاستدراك. وأيضا. فالغيرة على التفويت تفويت آخر كما يقال: الاشتغال بالندم على الوقت الفائت تضييع للوقت الحاضر. ولذلك يقال: الوقت سيف. إن لم تقطعه وإلا قطعك. ثم بين الشيخ السبب في كون هذه الغيرة قاتلة. فقال: quot; فإن الوقت وحي التقضي quot; أي سريع الانقضاء كما تقول العرب الوحا الوحا العجل العجل والوحي الإعلام في خفاء وسرعة. ويقال: جاء فلان وحيا أي مجيئا سريعا. فالوقت منقض بذاته منصرم بنفسه. فمن غفل عن نفسه تصرمت أوقاته وعظم فواته. واشتدت حسراته. فكيف حاله إذا علم عند تحقق الفوت مقدار ما أضاع. وطلب الرجعى فحيل بينه وبين الاسترجاع وطلب تناول الفائت.(3\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1026",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14023",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكيف يرد الأمس في اليوم الجديد وأنى لهم التناوش من مكان بعيد [سبأ: 52] ومنع مما يحبه ويرتضيه وعلم أن ما اقتناه ليس مما ينبغي للعاقل أن يقتنيه وحيل بينه وبين ما يشتهيه. فيا حسرات ما إلى رد مثله ... سبيل ولو ردت لهان التحسر هي الشهوات اللاء كانت تحولت ... إلى حسرات حين عز التصبر فلو أنها ردت بصبر وقوة ... تحولن لذات وذو اللب يبصر ويقال: إن أصعب الأحوال المنقطعة: انقطاع الأنفاس. فإن أربابها إذا صعد النفس الواحد صعدوه إلى نحو محبوبهم صاعدا إليه متلبسا بمحبته والشوق إليه. فإذا أرادوا دفعه لم يدفعوه حتى يتبعوه نفسا آخر مثله. فكل أنفاسهم بالله. وإلى الله متلبسة بمحبته والشوق إليه والأنس به. فلا يفوتهم نفس من أنفاسهم مع الله إلا إذا غلبهم النوم. وكثير منهم يرى في نومه: أنه كذلك لالتباس روحه وقلبه. فيحفظ عليه أوقات نومه ويقظته. ولا تستنكر هذه الحال. فإن المحبة إذا غلبت على القلب وملكته: أوجبت له ذلك لا محالة. والمقصود: أن الواردات سريعة الزوال. تمر أسرع من السحاب وينقضي الوقت بما فيه. فلا يعود عليك منه إلا أثره وحكمه. فاختر لنفسك ما يعود عليك من وقتك. فإنه عائد عليك لا محالة. لهذا يقال للسعداء كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية [الحاقة: 24] ويقال للأشقياء ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون [غافر: 75] .  [فصل الدرجة الثالثة غيرة العارف] فصل قال: الدرجة الثالثة: غيرة العارف على عين غطاها غين. وسر غشيه رين ونفس علق برجاء أو التفت إلى عطاء. أي يغار على بصيرة غطاها ستر أو حجاب. فإن الغين بمنزلة الغطاء(3\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1027",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14024",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحجاب. وهو غطاء رقيق جدا. وفوقه الغيم وهو لعموم المؤمنين. وفوقه الرين والران وهو للكفار. وقوله quot; وسر غشيه رين quot; أي حجاب أغلظ من الغيم الأول. والسر هاهنا: إما اللطيفة المدركة من الروح وإما الحال التي بين العبد وبين الله عز وجل. فإذا غشيه رين النفس والطبيعة استغاث صاحبه كما يستغيث المعذب في عذابه غيرة على سره من ذلك الرين. وقوله: ونفس علق برجاء والتفت إلى عطاء. يعني: أن صاحب النفس يغار على نفسه إذا تعلق برجاء من ثواب منفصل ولم يتعلق بإرادة الله ومحبته. فإن بين النفسين كما بين متعلقهما. وكذلك قوله quot; أو التفت إلى عطاء quot; يعني: أنه يلتفت إلى عطاء من دون الله فيرضى به. ولا ينبغي أن يتعلق إلا بالله ولا يلتفت إلا إلى المعطي الغني الحميد. وهو الله وحده. والله أعلم.  [فصل منزلة الشوق] [حقيقة الشوق] فصل منزلة الشوق ومن منازل quot; إياك نعبد وإياك نستعين quot; منزلة الشوق قال الله تعالى من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت [العنكبوت: 5] . قيل: هذا تعزية للمشتاقين وتسلية لهم. أي أنا أعلم أن من كان يرجو لقائي فهو مشتاق إلي. فقد أجلت له أجلا يكون عن قريب. فإنه آت لا محالة. وكل آت قريب. وفيه لطيفة أخرى. وهي تعليل المشتاقين برجاء اللقاء.(3\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1028",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14025",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لولا التعلل بالرجاء لقطعت ... نفس المحب صبابة وتشوقا ولقد يكاد يذوب منه قلبه ... مما يقاسي حسرة وتحرقا حتى إذا روح الرجاء أصابه ... سكن الحريق إذا تعلل باللقا وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في دعائه أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك . قال بعضهم: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - دائم الشوق إلى لقاء الله. لم يسكن شوقه إلى لقائه قط. ولكن الشوق مائة جزء. تسعة وتسعون له. وجزء مقسوم على الأمة. فأراد - صلى الله عليه وسلم - أن يكون ذلك الجزء مضافا إلى ما له من الشوق الذي يختص به. والله سبحانه وتعالى أعلم.  [فصل الشوق أثر من آثار المحبة] فصل والشوق أثر من آثار المحبة وحكم من أحكامها. فإنه سفر القلب إلى المحبوب في كل حال. وقيل: هو اهتياج القلوب إلى لقاء المحبوب. وقيل: هو احتراق الأحشاء. ومنها يتهيج ويتولد ويلهب القلوب ويقطع الأكباد. والمحبة أعلى منه. لأن الشوق عنها يتولد وعلى قدرها يقوى ويضعف. قال يحيى بن معاذ: علامة الشوق فطام الجوارح عن الشهوات. وقال أبو عثمان: علامته حب الموت مع الراحة والعافية كحال يوسف لما ألقي في الجب لم يقل توفني ولما أدخل السجن لم يقل توفني ولما تم له الأمر والأمن والنعمة قال: quot; توفني مسلما quot;. قال ابن خفيف: الشوق ارتياح القلوب بالوجد ومحبة اللقاء بالقرب. وقيل: هو لهب ينشأ بين أثناء الحشا يسنح عن الفرقة. فإذا وقع اللقاء طفئ.(3\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1029",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14026",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت: هذه مسألة نزاع بين المحبين. وهي: أن الشوق هل يزول باللقاء أم لا ولا يختلفون أن المحبة لا تزول باللقاء. فمنهم من قال: يزول باللقاء. لأن الشوق هو سفر القلب إلى محبوبه. فإذا قدم عليه ووصل إليه صار مكان الشوق قرة عينه به. وهذه القرة تجامع المحبة ولا تنافيها. قال هؤلاء: وإذا كان الغالب على القلب مشاهدة المحبوب لم يطرقه الشوق. وقيل لبعضهم: هل تشتاق إليه فقال: لا. إنما الشوق إلى غائب وهو حاضر. وقالت طائفة: بل يزيد الشوق بالقرب والوصول ولا يزول. لأنه كان قبل الوصول على الخبر والعلم وبعده: قد صار على العيان والشهود. ولهذا قيل: وأبرح ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الخيام من الخيام. قال الجنيد: سمعت السري يقول: الشوق أجل مقام للعارف إذا تحقق فيه. وإذا تحقق في الشوق لها عن كل شيء يشغله عمن يشتاق إليه وعلى هذا: فأهل الجنة دائما في شوق إلى الله مع قربهم منه ورؤيتهم له. قالوا: ومن الدليل على أن الشوق يكون حال اللقاء أعظم: أنا نرى المحب يبكي عند لقاء محبوبه. وذلك البكاء إنما هو من شدة شوقه إليه ووجده به ولذلك يجد عند لقائه نوعا من الشوق لم يجده في حال غيبته عنه.  [فصل الشوق يراد به حركة القلب واهتياجه للقاء المحبوب] فصل النزاع في هذه المسألة: أن الشوق يراد به: حركة القلب واهتياجه للقاء المحبوب. فهذا يزول باللقاء. ولكن يعقبه شوق آخر أعظم منه تثيره حلاوة الوصل ومشاهدة جمال المحبوب. فهذا يزيد باللقاء والقرب ولا يزول. والعبارة عن هذا: وجوده. والإشارة إليه: حصوله. وبعضهم سمى النوع الأول: شوقا. والثاني: اشتياقا.(3\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1030",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14027",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال القشيري: سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يفرق بين الشوق والاشتياق. ويقول: الشوق يسكن باللقاء. والاشتياق لا يزول باللقاء. قال: وفي معناه أنشدوا: ما يرجعالطرف عنه عند رؤيته ... حتى يعود إليهالطرف مشتاقا وقال النصراباذي: للخلقكلهم مقام الشوق. وليس لهم مقام الاشتياق. ومن دخل في حال الاشتياق هام فيه حتى لا يرى له فيه أثر ولا قرار. قال الدقاق - في قول موسى وعجلت إليك رب لترضى [طه: 84] قال: معناه شوقا إليك. فستره بلفظ الرضا. وقيل: إن أهل الشوق إلى لقاء الله يتحسون حلاوة القرب عند وروده - لما قد كشف لهم من روح الوصول - أحلى من الشهد. فهم في سكراته في أعظم لذة وحلاوة. وقيل: من اشتاق إلى الله اشتاق إليه كل شيء. كما قال بعضهم: أنا أدخل في الشوق والأشياء تشتاق إلي. وأتأخر عن جميعها. وفي مثل هذا قيل: إذا اشتاقت الخيل المناهل أعرضت ... عن الماء فاشتاقت إليها المناهل وكانت عجوز مغيبة. فقدم غائبها من السفر. ففرح به أهله وأقاربه وقعدت هي تبكي. فقيل لها: ما يبكيك فقالت: ذكرني قدوم هذا الفتى يوم القدوم على الله عز وجل. يا من شكا شوقه من طول فرقته ... اصبر لعلك تلقى من تحب غدا وقيل: خرج داود عليه السلام يوما إلى الصحراء منفردا. فأوحى الله تعالى إليه: ما لي أراك منفردا فقال: إلهي استأثر شوقي إلى لقائك على قلبي. فحال بيني وبين(3\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1031",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14028",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صحبة الخلق. فقال: ارجع إليهم. فإنك إن أتيتني بعبد آبقأثبتك في اللوح المحفوظ جهبذا.  [فصل الشوق هبوب القلب إلى غائب] فصل قال صاحب المنازل رحمه الله: الشوق: هبوب القلب إلى غائب. وفي مذهب هذه الطائفة: علة الشوق عظيمة. فإن الشوق إنما يكون إلى الغائب. ومذهب هذه الطائفة: إنما قام على المشاهدة. ولهذه العلة لم ينطق القرآن باسمه. قلت: هوصدر الباب بقوله تعالى من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت [العنكبوت: 5] فكأنه جعل الرجاء شوقا بلسان الاعتبار لا بلسان التفسير. أو أن دلالة الرجاء على الشوق باللزوم لا بالتضمن ولا بالمطابقة. قوله quot; هبوب القلب إلى غائب quot; يعني: سفره إليه وهويه إليه. وأما العلة التي ذكرها في الشوق: فقد تقدم أن من الناس من جعل الشوق في حال اللقاء أكمل منه في حال المغيب. فعلى قول هؤلاء: لا علة فيه. وأما من جعله سفر القلب إلى المحبوب في حال غيبته عنه فعلى قوله: يجيء كلام المصنف. ووجهه مفهوم. وقوله quot; فإن مذهب هذه الطائفة quot; - الذي هو الفناء - يريد: أن الفناء إنما قام على المشاهدة. فإن بدايته - كما قرره هو - المحبة التي هي نهاية مقامات المريدين. والفناء إنما يكون مع المشاهدة. ومع المشاهدة لا عمل للشوق. فيقال: هذا باطل من وجوه. أحدها: أن المشاهدة لا تزيل الشوق بل تزيده كما تقدم. الثاني: أنه لا مشاهدة أكمل من مشاهدة أهل الجنة. وهم إلى يوم المزيد - وهو يوم الجمعة - أشوق شيء كما في الحديث. وكذلك هم أشوق شيء إلى رؤية(3\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1032",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14029",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ربهم وسماع كلامه تعالى وهم في الجنة. فإن هذا إنما يحصل لهم في حال دون حال. كما في حديث ابن عمر المسند وغيره إن أعلى أهل الجنة منزلة: من ينظر إلى وجه ربه كل يوم مرتين . ومعلوم قطعا: أن شوق هذا إلى الرؤية قبل حصولها أعظم شوق يقدر وحصول المشاهدة لأهل الجنة أتم منها لأهل الدنيا. الثالث: أنه لا سبيل في الدنيا إلى مشاهدة تزيل الشوق ألبتة. ومن ادعى هذا فقد كذب وافترى. فإنه لم يحصل هذا لموسى بن عمران. كليم الرحمن عز وجل فضلا عمن دونه. فما هذه المشاهدة التي مبنى مذهب هذه الطائفة عليها. بحيث لا يكون معها شوق أهي كمال المشاهدة عيانا وجهرة سبحانك هذا بهتان عظيم. أم نوع من مشاهدة القلب لمعروفه مع اقترانها بالحجب الكثيرة التي لا يحصيها إلا الله فهل تمنع هذه المشاهدة الشوق إلى كمالها وتمامها وهل الأمر إلا بالعكس في العقل والفطرة والحقيقة. لأن من شاهد محبوبه من بعض الوجوه. كان شوقه إلى كمال مشاهدته أشد وأعظم. وتكون تلك المشاهدة الجزئية سببا لاشتياقه إلى كمالها وتمامها. فأين العلة في الشوق وأين المشاهدة المانعة من الشوق وهذا بحمد الله ظاهر. ومن نازع فيه كان مكابرا. والله أعلم.(3\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1033",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14030",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل درجات الشوق] [الدرجة الأولى شوق العابد إلى الجنة] فصل قال: وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: شوق العابد إلى الجنة ليأمن الخائف ويفرح الحزين. ويظفر الآمل. يعني: شوق العابد إلى الجنة فيه هذه الحكم الثلاث. أحدها: حصول الأمن الباعث على الأمل. فإن الخوف المجرد عن الأمن من كل وجه لا ينبعث صاحبه لعمل ألبتة إن لم يقارنه أمل. فإن تجرد عنه قطع وصار قنوطا. الثاني: فرح الحزين. فإن الحزن المجرد أيضا إن لم يقترن به الفرح قتل صاحبه. فلولا روح الفرح لتعطلت قوى الحزين وقعد حزنه به ولكن إذا قعد به الحزن قام به روح الفرح. الثالث: روح الظفر. فإن الآمل إن لم يصحبه روح الظفر مات أمله. والله أعلم.  [فصل الدرجة الثانية شوق إلى الله عز وجل] فصل قال: الدرجة الثانية: شوق إلى الله عز وجل زرعه الحب الذي ينبت على حافات المنن فعلق قلبه بصفاته المقدسة فاشتاق إلى معاينة لطائف كرمه وآيات بره وأعلام فضله. وهذا شوق تغشاه المبار وتخالجه المسار ويقاومه الاصطبار. الشوق إلى الله لا ينافي الشوق إلى الجنة. فإن أطيب ما في الجنة: قربه تعالى ورؤيته وسماع كلامه ورضاه. نعم. الشوق إلى مجرد الأكل والشرب والحور العين في الجنة ناقص جدا بالنسبة إلى شوق المحبين إلى الله تعالى. بل لا نسبة له إليه ألبتة. وهذا الشوق درجتان. إحداهما: شوق زرعه الحب الذي سببه الإحسان والمنة. وهو الذي قال فيه: ينبت على حافات المنن. فسببه مطالعة منة الله وإحسانه ونعمه. وقد تقدم بيان ذلك في منزلة المحبة وتبين أن محبة الأسماء والصفات(3\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1034",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14031",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أكمل وأقوى من محبة الإحسان والآلاء. وفي قوله quot; تنبت على حافات المنن quot; أي جوانبه: إشارة إلى عدم تمكنها وقوتها وأنها من نبات الحافات التي هي جوانب المنن. لا من نبات الأسماء والصفات. وقوله quot; فعلق قلبه بصفاته المقدسة quot; يعني الصفات المختصة بالمنن والإحسان. كالبر والمنان والمحسن والجواد والمعطي والغفور ونحوها. وقوله quot; المقدسة quot; يعني المطهرة المنزهة عن تأويل المحرفين وتشبيه الممثلين وتعطل المعطلين. وإنما قلنا: إن مراده هذه الصفات الخاصة لوجهين. أحدهما: أن تعلق القلب بالصفات العامة: إنما يكون في الدرجة الثالثة. الثاني: أنه جعل ثمرة هذا التعلق شوق العبد إلى معاينة لطائف كرم الرب ومننه وإحسانه وآيات بره. وهي علامات بره بالعبد وإحسانه إليه وكذلك (أعلام فضله) وهو ما يفضل عليه به ويفضله به على غيره. قوله quot; وهذا شوق تغشاه المبار quot; يعني: أنه شوق معلول. ليس خالصا لذات المحبوب. بل لما ينال منه من المبار quot; فقد غشيته quot; أي أدركته المبار. قوله quot; وتخالجه المسار quot; أي تجاذبه. فإن المخالجة هي المجاذبة. فإذا خالط هذا الشوق الفرح: كان ممزوجا بنوع من الحظ. وقوله quot; ويقاومه الاصطبار quot; أي أن صاحبه يقوى على الصبر فيقاوم صبره شوقه ولا يغلبه بخلاف الشوق في الدرجة الثالثة.  [فصل الدرجة الثالثة الشوق الخالص] فصل قال: الدرجة الثالثة: نار أضرمها صفو المحبة فنغصت العيش. وسلبت السلوة. ولم ينهنهها معزى دون اللقاء. يريد: أن الشوق في هذه المرتبة: شبيه بالنار التي أضرمها صفو المحبة. وهو خالصها. وشبهه بالنار لالتهابه في الأحشاء. وفي قوله quot; صفو المحبة quot; إشارة إلى أنها محبة لم تكن لأجل المنة والنعم. ولكن محبة متعلقة بالذات والصفات.(3\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1035",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14032",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله quot; فنغصت العيش quot; أي منعت صاحبها السكون إلى لذيذ العيش. و quot; التنغيص quot; قريب من التكدير. قوله quot; وسلبت السلوة quot; أي نهبت السلو وأخذته قهرا. و quot; السلوة quot; هي الخلاص من كرب المحبة وإلقاء حملها عن الظهر. والإعراض عن المحبوب تناسيا. وقوله quot; لم ينهنهها معزى دون اللقاء quot; أي لم يكفها ويردها قرار دون لقاء المحبوب. وهذه لا يقاومها الاصطبار. لأنه لا يكفها دون لقاء من يحب قرار.  [فصل القلق] [حقيقة القلق] فصل القلق وقد يقوى هذا الشوق ويتجرد عن الصبر. فيسمى قلقا وبذلك سماه صاحب المنازل واستشهد عليه بقوله تعالى - حاكيا عن كليمه موسى صلى الله عليه وسلم - وعجلت إليك رب لترضى [طه: 84] فكأنه فهم: أن عجلته إنما حمله عليها القلق. وهو تجريد الشوق للقائه وميعاده. وظاهر الآية: أن الحامل لموسى على العجلة: هو طلب رضا ربه وأن رضاه في المبادرة إلى أوامره والعجلة إليها. ولهذا احتج السلف بهذه الآية على أن الصلاة في أول الوقت أفضل. سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر ذلك. قال: إن رضا الرب في العجلة إلى أوامره. ثم حده صاحب المنازل بأنه تجريد الشوق بإسقاط الصبر أي تخلصه من كل شائبة بحيث يسقط معه الصبر فإن قارنه اصطبار فهو شوق.  [درجات القلق] [الدرجة الأولى قلق يضيق الخلق ويبغض الخلق ويلذذ الموت] ثم قال: وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى: قلق يضيق الخلق ويبغض الخلق. ويلذذ الموت. يعني: يضيق خلق صاحبه عن احتمال الأغيار. فلا يبقي فيه اتساعا لحملهم فضلا عن تقييدهم له وتعوقه بأنفاسهم. و quot; يبغض الخلق quot; يعني: لا شيء أبغض إلى صاحبه من اجتماعه بالخلق. لما(3\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1036",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14033",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في ذلك من التنافر بين حاله وبين خلطتهم. وحدثني بعض أقارب شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - قال: كان في بداية أمره يخرج أحيانا إلى الصحراء يخلو عن الناس لقوة ما يرد عليه. فتبعته يوما فلما أصحر تنفس الصعداء. ثم جعل يتمثل بقول الشاعر - وهو لمجنون ليلى من قصيدته الطويلة -: وأخرج من بين البيوت لعلني ... أحدث عنك النفس بالسر خاليا وصاحب هذه الحال: إن لم يرده الله سبحانه إلى الخلق بتثبيت وقوة وإلا فإنه لا صبر له على مخالطتهم. قوله quot; ويلذذ الموت quot; فإن صاحبه يرجو فيه لقاء محبوبه. فإذا ذكر الموت التذ به كما يلتذ المسافر بتذكر قدومه على أهله وأحبابه.  [فصل الدرجة الثانية قلق يغالب العقل ويخلي السمع ويطاول الطاقة] فصل قال: الدرجة الثانية: قلق يغالب العقل ويخلي السمع ويطاول الطاقة. أي يكاد يقهر العقل ويغلبه. فهو والعقل تارة وتارة. ولكن لما لم يصل إلى درجة الشهود لم يصطلمه. فإن العقل لا يصطلمه إلا الشهود. ولذلك قال: يغالب ولم يقل يغلب. وأما quot; إخلاؤه السمع quot; فهو يتضمن إخلاءه من شيء وإخلاءه لشيء. فيخليه من استماعه ذكر الغير ويخليه لاستماعه أوصاف المحبوب وذكره وحديثه. وقد يقوى إلى أن يبعد بين قلب صاحبه وبين إدراك الحواس لانقهار الحس لسلطان القلق. قوله quot; ويطاول الطاقة quot; يعني: يصابرها ويقاومها. فلا تقدر طاقة الاصطبار على دفعه ورده. والله أعلم.(3\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1037",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14034",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الدرجة الثالثة قلق لا يرحم أبدا ولا يقبل أمدا ولا يبقي أحدا] فصل قال: الدرجة الثالثة: قلق لا يرحم أبدا. ولا يقبل أمدا ولا يبقي أحدا. يريد: أن هذا القلق له القهر والغلبة. لأنه ربما كان عن شهود. فإذا علق بالقلب لم يبق عليه حتى يلقيه في فناء الشهود. quot; ولا يقبل أمدا quot; أي لا يقبل حدا ومقدارا يقف عنده. وينقضي به كما ينقضي ذو الأمد. فإنه حاكم غير محكوم عليه مالك للقلب غير مملوك له. quot; ولا يبقي أحدا quot; أي يلقي صاحبه في الشهود الذي تفنى فيه الرسوم وتضمحل. فلا يبقي معه على أحد رسمه حتى يفنيه. والله أعلم. ت  [فصل العطش] [حقيقة العطش] فصل العطش ثم يقوى هذا القلق ويتزايد حتى يورث القلب حالة شبيهة بشدة ظمإ الصادي الحران إلى الماء وهذه الحالة هي التي يسميها صاحب المنازل العطش واستشهد عليه بقوله تعالى عن الخليل فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي [الأنعام: 76] كأنه أخذ من إشارة الآية: أنه لشدة عطشه إلى لقاء محبوبه - لما رأى الكوكب - قال: هذا ربي. فإن العطشان إذا رأى السراب ذكر به الماء. فاشتد عطشه إليه. وهذا ليس معنى الآية قطعا. وإنما القوم مولعون بالإشارات. وإلا فالآية قد قيل: إنها على تقدير الاستفهام. أي أهذا ربي  وليس بشيء.(3\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1038",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14035",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقيل: إنها على وجه إقامة الحجة على قومه. فتصور بصورة الموافق ليكون أدعى إلى القبول. ثم توسل بصورة الموافقة إلى إعلامهم بأنه لا يجوز أن يكون المعبود ناقصا آفلا. فإن المعبود الحق: لا يجوز أن يغيب عن عابديه وخلقه ويأفل عنهم. فإن ذلك مناف لربوبيته لهم. أو أنه انتقل من مراتب الاستدلال على المعبود حتى أوصله الدليل إلى الذي فطر السماوات والأرض. فوجه إليه وجهه حنيفا موحدا مقبلا عليه معرضا عما سواه. والله سبحانه أعلم.  [فصل درجات العطش] [الدرجة الأولى عطش المريد إلى شاهد يرويه] فصل قال: العطش: كناية عن غلبة ولوع بمأمول. الولوع بالشيء: هو التعلق به بصفة المحبة مع أمل الوصول إليه. وقيل في حد الولوع: إنه كثرة ترداد القلب إلى الشيء المحبوب. كما يقال: فلان مولع بكذا وقد أولع به. وقيل: هو لزوم القلب للشيء. فكأنه مثل: أغري به فهو مغرى. قال: وهو على ثلاث درجات. الأولى: عطش المريد إلى شاهد يرويه. أو إشارة تشفيه. أو عطفة تؤويه. ولما كان المريد من أهل طلب الشواهد على الاعتبار ومثير العزمات وتعلق العباد بالأعمال. وقوله quot; شاهد يرويه quot; يحتمل: أنه من الرواية. أي يرويه عمن أقامه له. فيكون ذلك إشارة إلى شواهد العلم. فهو شديد العطش إلى شواهد يرويها عن الصادقين من أهل السلوك يزداد بها تثبيتا وقوة بصيرة. فإن المريد إذا تجددت له حالة أو حصل له(3\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1039",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14036",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وارد: استوحش من تفرده بها. فإذا قام عنده بمثلها شاهد حال لمريد آخر صادق قد سبقه إليها: استأنس بها أعظم استئناس. واستدل بشاهد ذلك المريد على صحة شاهده. فلذلك يشتد عطشه إلى شاهد يرويه عن الصادقين. ويحتمل: أنه من الري - فيكون مضموم الياء - يعني: إذا حصل له الري بذلك الشاهد. ونزل على قلبه منزلة الماء البارد من الظمآن. فقرر عنده صحته وأنه شاهد حق. ويرجح هذا: ذكر الري مع العطش. ويرجح الأول: ذكره لفظة الري في قوله quot; أو عطفة ترويه quot; والأمر قريب. قوله quot; أو إشارة تشفيه quot; أي تشفي قلبه من علة عارضة. فإذا وردت عليه الإشارة - إما من صادق مثله أو من عالم أو من شيخ مسلك أو من آية فهمها أو عبرة ظفر بها -: اشتفى بها قلبه. وهذا معلوم عند من له ذوق. قوله quot; أو إلى عطفة ترويه quot; أي عطفة من جانب محبوبه عليه تروي لهيب عطشه وتبرده. ولا شيء أروى لقلب المحب من عطف محبوبه عليه. ولا شيء أشد للهيبه وحريقه من إعراض محبوبه عنه. ولهذا كان عذاب أهل النار باحتجاب ربهم عنهم: أشد عليهم مما هم فيه من العذاب الجسماني. كما أن نعيم أهل الجنة - برؤيته تعالى وسماع خطابه ورضاه وإقباله - أعظم من نعيمهم الجسماني.  [فصل الدرجة الثانية عطش السالك إلى أجل يطويه] فصل قال: الدرجة الثانية: عطش السالك إلى أجل يطويه. ويوم يريه ما يغنيه. ومنزل يستريح فيه. إما أن يريد بالأجل الذي يطويه: انقضاء مدة سجن القلب والروح في البدن حتى تصل إلى ربها وتلقاه وهذا هو الظاهر من كلامه. وإما أن يريد به: عطشه إلى مقصود السلوك من وصوله إلى محبوبه وقرة عينه وجمعيته عليه. فهو يطوي مراحل سيره حثيثا ليصل إلى هذا المقصود وحينئذ يعود إليه سير آخر وراء هذا السير مع عدم مفارقته له. فإنه إنما وصل به إليه. فلو فارقه لانقطع انقطاعا كليا. ولكن يبقى له سير وهو مستلق على ظهره يسبق به السعاة.(3\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1040",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14037",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويرجح هذا المعنى الثاني: أن المريد الصادق لا يحب الخروج من الدنيا حتى يقضي نحبه لعلمه أنه لا سبيل إلى انقضائه في غير هذه الدار. فإذا علم أنه قد قضى نحبه: أحب حينئذ الخروج منها. ولكن لا يقضي نحبه حتى يوفي ما عليه. والناس ثلاثة: موف قد قضى نحبه ومنتظر للوفاء ساع فيه حريص عليه ومفرط في وفاء ما عليه من الحقوق. والله المستعان. قوله quot; ويوم يريه ما يغنيه quot; أي يوم يرى فيه ما يغني قلبه ويسد فاقته من قرة عينه بمطلوبه ومراده. قوله quot; ومنزل يستريح فيه quot; أي منزل من منازل السير ومقام من مقامات الصادقين يستريح فيه قلبه ويسكن فيه. ويخلص من تلون الأحوال عليه. فإن المقامات منازل والأحوال مراحل. فصاحب الحال شديد العطش إلى مقام يستقر فيه وينزله.  [فصل الدرجة الثالثة عطش المحب إلى جلوة ما دونها سحاب علة] فصل قال: الدرجة الثالثة: عطش المحب إلى جلوة ما دونها سحاب علة. ولا يغطيها حجاب تفرقة. ولا يعرج دونها على انتظار. عطش المحب فوق عطش المريد والسالك. وإن كان كل محب سالكا وكل مريد سالكا. وكل سالك ومريد محب. لكن خص المحب بهذا الاسم لتمكنه من المحبة ورسوخ قلبه فيها. والمريد والسالك: يشمران إلى علمه الذي رفع له ووصل إليه. ولذلك جعل الأولى: لأهل البدايات. والثانية: للمتوسطين. والثالثة: لأهل النهايات. وقوله: عطش المحب إلى جلوة ما دونها سحاب. يريد بالجلوة: استجلاء القلب لصفات المحبوب ومحاسنه وانكشافها له. وقوله quot; ما دونها سحاب quot; أي لا يسترها شيء من سحب النفس. وهي سحب العلل التي هي بقايا في العبد تحول بينه وبين استجلائه صفات محبوبه وتعوقه عنه. فمهما بقي في العبد بقية من نفسه فهي سحاب وغيم ساتر على قدره. فكثيف ورقيق وبين بين.(3\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1041",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14038",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله: quot; ولا يغطيها حجاب quot; الحجاب في لسان الطائفة: النفس وصفاتها وأحكامها. وهم مجمعون على أن النفس من أعظم الحجب. بل هي الحجاب الأكبر فإن حجاب الرب سبحانه عن ذاته هو quot; النور. لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه quot; وحجابه من عبده: هو نفسه وظلمته فلو كشف عنه هذا الحجاب لوصل إلى ربه. والوصول عند القوم: عبارة عن ارتفاع هذا الحجاب وزواله. فالحجاب الذي يشتد على المحب ويشتد عطشه إلى زواله: هو حجاب الظلمة والنفس. وهو الحجاب الذي بينه وبين الله. وأما الحجاب الذي بين الله وبين خلقه - وهو حجاب النور - فلا سبيل إلى كشفه في هذا العالم ألبتة. ولا يطمع في ذلك بشر. ولم يكلم الله بشرا إلا من وراء حجاب. وهذا الحجاب كاشف للعبد موصل له إلى مقام الإحسان الذي يعبر عنه القوم بمقام المشاهدة والأول ساتر للعبد قاطع له حائل بينه وبين الإحسان وحقيقة الإيمان. والتفرقة كلها عندهم حجب إلا تفرقة في الله وبالله ولله. فإنها لا تحجب العبد عنه. بل توصله إليه. فلذلك قال: ولا يغطيها حجاب تفرقة فإن التفرقة إنما تكون حجابا إذا كانت بالنفس ولها. قوله: ولا يعرج دونها على انتظار يعني: لا يعرج المشاهد لما يشاهده على انتظار أمر آخر وراءها. كما يعرج المحب المحجوب على انتظار زوال حجابه. والمراد: أنه حصل له مشهد تام. لا يبقى له بعده ما ينتظره.(3\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1042",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14039",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا عندي وهم بين. فإنه لا غاية لجمال المحبوب وكمال صفاته. بحيث يصل المشاهد لها إلى حالة لا ينتظر معها شيئا آخر. هذا. وسنبين - إن شاء الله تعالى - أنه لا يصح لأحد في الدنيا مقام المشاهدة أبدا وأن هذا من أوهام القوم وترهاتهم. وإنما غاية ما يصل إليه العبد: الشواهد. ولا سبيل لأحد قط في الدنيا إلى مشاهدة الحق سبحانه. وإنما وصوله إلى شواهد الحق. ومن زعم غير هذا فلغلبة الوهم عليه وحسن ظنه بترهات القوم وخيالاتهم. ولله در الشبلي حيث سئل عن المشاهدة فقال: من أين لنا مشاهدة الحق لنا شاهد الحق. هذا وهو صاحب الشطحات المعروفة وهذا من أحسن كلامه وأبينه. وأراد بشاهد الحق: ما يغلب على القلوب الصادقة العارفة الصافية: من ذكره ومحبته وإجلاله وتعظيمه وتوقيره بحيث يكون ذلك حاضرا فيها مشهودا لها غير غائب عنها. ومن أشار إلى غير ذلك فمغرور مخدوع. وغايته: أن يكون في خفارة صدقه وضعف تمييزه وعلمه. ولا ريب أن القلوب تشاهد أنوارا بحسب استعدادها. تقوى تارة وتضعف أخرى. ولكن تلك أنوار الأعمال والإيمان والمعارف وصفاء البواطن والأسرار. لا أنها أنوار الذات المقدسة. فإن الجبل لم يثبت لليسير من ذلك النور حتى تدكدك وخر الكليم صعقا مع عدم تجليه له. فما الظن بغيره فإياك ثم إياك وترهات القوم وخيالاتهم وأوهامهم. فإنها عند العارفين أعظم من حجاب النفس وأحكامها. فإن المحجوب بنفسه معترف بأنه في ذلك الحجاب. وصاحب هذه الخيالات والأوهام يرى أن الحقيقة قد تجلت له أنوارها. ولم يحصل ذلك لموسى بن عمران كليم الرحمن. فحجاب هؤلاء أغلظ بلا شك من حجاب أولئك. ولا يقر لنا بهذا إلا عارف قد أشرق في باطنه نور السنة المحمدية. فرأى ما الناس فيه. وما أعز ذلك في الدنيا. وما أغربه بين الخلق وبالله المستعان. فالصادقون في أنوار معارفهم وعباداتهم وأحوالهم ليس إلا. وأنوار ذات الرب تبارك وتعالى وراء ذلك كله. وهذا الموضع من مقاطع الطريق ولله كم زلت فيه أقدام! وضلت فيه أفهام! وحارت فيه أوهام! ونجا منه صادق البصيرة تام المعرفة علمه متصل بمشكاة النبوة. وبالله التوفيق.(3\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1043",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14040",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل منزلة الوجد] [حقيقة الوجد] ومن منازل quot; إياك نعبد وإياك نستعين quot; منزلة الوجد ثبت في الصحيحين من حديث أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله. وأن يكره أن يعود في الكفر - بعد إذ أنقذه الله منه - كما يكره أن يلقى في النار . وقد استشهد صاحب المنازل بقوله تعالى في أهل الكهف وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا [الكهف: 14] وهذا من أحسن الاستدلال والاستشهاد. فإن هؤلاء كانوا بين قومهم الكفار في خدمة ملكهم الكافر. فما هو إلا أن وجدوا حقيقة الإيمان والتوفيق. وذاقوا حلاوته. وباشر قلوبهم. فقاموا من بين قومهم وقالوا: ربنا رب السماوات والأرض [الكهف: 14] الآية. والربط على قلوبهم: يتضمن الشد عليها بالصبر والتثبيت وتقويتها وتأييدها بنور الإيمان حتى صبروا على هجران دار قومهم ومفارقة ما كانوا فيه من خفض العيش. وفروا بدينهم إلى الكهف. والربط على القلب: عكس الخذلان. فالخذلان حله من رباط التوفيق. فيغفل عن ذكر ربه. ويتبع هواه ويصير أمره فرطا. والربط على القلب: شده برباط التوفيق. فيتصل بذكر ربه. ويتبع مرضاته. ويجتمع عليه شمله. فلهذا استشهد عليه بهذه الآية في مقام الوجد. والشيخ جعل مقام الوجد غير مقام الوجود كما سيأتي إن شاء الله تعالى فإن الوجود عند القوم هو الظفر بحقيقة الشيء. والوجد هو ما يصادف القلب ويرد عليه من واردات المحبة والشوق والإجلال والتعظيم وتوابع ذلك. والمواجيد(3\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1044",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14041",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عندهم فوق الوجد. فإن الوجد مصادفة. والمواجيد ثمرات الأوراد. وكلما كثرت الأوراد قويت المواجيد. و quot; الوجود quot; عندهم فوق ذلك. وهو الظفر بحقيقة المطلوب ولا يكون إلا بعد خمود البشرية. وانسلاخ أحكام النفس انسلاخا كليا. قال الجنيد: علم التوحيد مباين لوجوده ووجوده مباين لعلمه. ولا يريد بالمباينة: المخالفة والمناقضة. فإنه يطابقه مطابقة العلم للمعلوم. وإنما يريد بالمباينة: أن حال الموحد وذوقه للتوحيد وانصباغ قلبه بحاله: أمر وراء علمه به ومعرفته به. والمباينة بينهما كالمباينة بين علم الشوق والتوكل والخوف ونحوها وبين حقائقها ومواجيدها. فالمراتب أربعة. أضعفها التواجد وهو نوع تكلف وتعمل واستدعاء. واختلفوا فيه: هل يسلم لصاحبه أم لا على قولين. فطائفة قالت: لا يسلم لصاحبه. وينكر عليه لما فيه من التكلف والتصنع المباين لطريق الصادقين. وبناء هذا الأمر على الصدق المحض. وطائفة قالت: يسلم لصاحبه إذا كان قصده استدعاء الحقيقة لا التشبه بأهلها. واحتجوا بقول عمر - رضي الله عنه - وقد رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر يبكيان في شأن أسارى بدر وما قبلوا منهم من الفداء: أخبراني ما يبكيكما فإن وجدت بكاء بكيت وإلا تباكيت . ورووا أثرا ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا . قالوا: والتكلف والتعمل في أوائل السير والسلوك لا بد منه. إذ لا يطالب صاحبه بما يطالب به صاحب الحال. ومن تأمله بنية حصول الحقيقة لمن رصد الوجد لا يذم. والتواجد يكون بما يتكلفه العبد من حركات ظاهرة quot; والمواجيد quot; لمن يتأوله من أحكام باطنة. المرتبة الثانية: المواجيد وهي نتائج الأوراد وثمرتها.(3\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1045",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14042",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المرتبة الثالثة: الوجد وهو ثمرة أعمال القلوب من الحب في الله والبغض فيه كما جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ثمرة كون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما. وثمرة الحب فيه وكراهة عوده في الكفر كما يكره أن يقذف في النار. فهذا الوجد ثمرة هذه الأعمال القلبية التي هي الحب في الله والبغض في الله. المرتبة الرابعة: الوجود وهي أعلى ذروة مقام الإحسان. فمن مقام الإحسان يرقى إليه. فإنه إذا غلب على قلبه مشاهدة معبوده حتى كأنه يراه - وتمكن في ذلك - صار له ملكة أخمدت أحكام نفسه وتبدل بها أحكاما أخر وطبيعة ثانية حتى كأنه أنشئ نشأة أخرى غير نشأته الأولى وولد ولادا جديدا. ومما يذكر عن المسيح عليه السلام أنه قال: يا بني إسرائيل لن تلجوا ملكوت السماء حتى تولدوا مرتين. سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يذكر ذلك. ويفسره بأن الولادة نوعان. أحدهما: هذه المعروفة والثانية: ولادة القلب والروح وخروجهما من مشيمة النفس وظلمة الطبع. قال: وهذه الولادة لما كانت بسبب الرسول كان كالأب للمؤمنين وقد قرأ أبي بن كعب - رضي الله عنه - quot; النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم quot;. قال: ومعنى هذه الآية والقراءة في قوله تعالى وأزواجه أمهاتهم [الأحزاب: 6] إذ ثبوت أمومة أزواجه لهم: فرع عن ثبوت أبوته. قال: فالشيخ والمعلم والمؤدب أب الروح. والوالد أب الجسم. ويقال في الحب وجد وفي الغضب موجدة وفي الظفر وجدان ووجود.  [فصل درجات الوجد] [الدرجة الأولى وجد عارض يستفيق له شاهد السمع] فصل قال صاحب المنازل:(3\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1046",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14043",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجد: لهب يتأجج من شهود عارض القلق. لما كان الوجود أعلى من الوجد جعل سبب الوجد شهودا عارضا. وجعل الوجود نفس الظفر بالشيء كما سيأتي. وإنما أوجب اللهب لأن صاحبه لما شهد محبوبه: أورثه ذلك لهيب القلب إليه ولما لم يظفر به أورثه القلق. فلذلك جعله لهيبا مقلقا. قال: وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: وجد عارض يستفيق له شاهد السمع أو شاهد البصر أو شاهد الفكر. أبقى على صاحبه أثرا أو لم يبق. قوله quot; وجد عارض quot; أي متجدد. ليس بلازم quot; يستفيق له شاهد السمع quot; أي ينتبه السمع من سنته لوروده عليه. وهذا إذا كان المنبه له خطابا من خارج أو من نفسه. وأما quot; إفاقة شاهد البصر quot; فلما يراه ويعاينه من آيات الله. فينتقل منها إلى ما نصبت آية له وعليه. وأما quot; إفاقة شاهد الفكر quot; ففيما يفتح له من المعاني التي أوقعه عليها فكره وتأمله. وهذه الشواهد الثلاثة التي دعا الله سبحانه عباده إلى تبينها والاستشهاد بها وقبول الحق الذي تشهد به وترتيب حكم هذه الشهادة عليها من التوحيد والإقرار والإيمان. قال الله تعالى أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور [الحج: 46] وقال أفلم يدبروا القول [المؤمنون: 68] وقال أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها [محمد: 24] وقال قل انظروا ماذا في السماوات والأرض [يونس: 101] وقال أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى [الروم: 8] وقال وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون [النحل: 44] والقرآن مملوء من هذا. فإذا استفاق شاهد السمع والبصر والفكر ووجد القلب حلاوة المعرفة(3\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1047",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14044",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والإيمان: خرج من جملة النيام الغافلين. قوله quot; أبقى على صاحبه أثرا أو لم يبق quot; يعني: أن ذلك الوجد العارض قد يبقي على واجده أثرا من أحكامه بعد مفارقته. وقد لا يبقي. والظاهر: أنه لا بد أن يبقي أثرا لكن قد يخفى وينغمر بما يعقبه بعده ويخلفه من أضداده.  [فصل الدرجة الثانية وجد تستفيق له الروح بلمع نور أزلي] فصل قال: الدرجة الثانية: وجد تستفيق له الروح بلمع نور أزلي. أو سماع نداء أولي أو جذب حقيقي. إن أبقى على صاحبه لباسه وإلا أبقى عليه نوره. إنما كان هذا الوجد أعلى من الوجد الأول: لأن محل اليقظة فيه هو الروح ومحلها في الأول: السمع والبصر والفكر. والروح هي الحاملة للسمع والبصر والفكر. وهذه الأوصاف من صفاتها. وأيضا فلعل وجد الروح سبب آخر. وهو علو متعلقه فإن متعلق وجد السمع والبصر والفكر: الآيات والبصائر. ومتعلق وجد الروح: تعلقها بالمحبوب لذاته. ولذلك جعل سببه quot; لمع نور أزلي quot; يعني شهودها لمع نور الحقيقة الأزلي. وهذا الشهود لا حظ فيه للسمع ولا للبصر ولا للفكر. بل تستنير به الأسماع والأبصار. لأن الروح لما استنارت بهذه اليقظة والإفاقة. ثم استنارت بنورها الأسماع والأبصار. لا سيما وصاحبها في هذه الحال إنما يسمع بالله ويبصر به. وإذا كان سمعه وبصره وبطشه بالله فما الظن بحركة روحه وقلبه وأحكامها وقوله quot; أو سماع نداء أولي quot; إن أراد به: تعرف الحق تعالى إلى عباده بواسطة الخطاب على ألسنة رسله - وهذا هو الخطاب الأزلي - فصحيح. وإن أراد به: خطاب الملك له: فليس بخطاب أزلي. وإن أراد ما سمعه في نفسه من الخطاب: فهو خطاب وهمي. وإن ظنه أزليا. فإياك والأوهام والغرور. ونحن لا ننكر الوجود ولا ندفع الشهود. وإنما نتكلم مع القوم في رتبته وإنشائه ومن أين بدأ وإلى أين يعود فلا ننكر واعظ الله في قلب عبده المؤمن الذي يأمره وينهاه. ولكن ذلك في قلب كل مؤمن جعله الله واعظا له يأمره وينهاه ويناديه ويحذره ويبشره وينذره. وهو الداعي الذي يدعو فوق الصراط. والداعي على رأس(3\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1048",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14045",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصراط: كتاب الله. كما في المسند والترمذي من حديث النواس بن سمعان - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ضرب الله مثلا: صراطا مستقيما. وعلى جنبتي الصراط سوران. وفي السورين أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وداع يدعو على رأس الصراط وداع يدعو فوق الصراط. فالصراط المستقيم: الإسلام والأبواب المفتحة: محارم الله. فلا يقع أحد في حد من حدود الله حتى يكشف الستر. والداعي على رأس الصراط: كتاب الله. والداعي فوق الصراط: واعظ الله في قلب كل مؤمن . فما ثم خطاب قط إلا من جهة من هاتين: إما خطاب القرآن وإما خطاب هذا الواعظ. ولكن لما كانت الروح قد تتجرد ويقوى تعلقها بالحق تعالى. بل قد تتلاشى بما سواه. وقد يقترن بذلك نوع غيبة من حسه ويقوى داعي هذا الواعظ. ويستولي على قلبه وروحه بحيث يمتلئ به فتؤديه الروح إلى الأذن فيخرج عن الأذن إليها. إذ هي مبدؤه. وإليها يعود فيظنه خطابا خارجا. وينضاف إلى ذلك نوع من ضعف العلم ومعرفة المراتب. فينشأ الغلط والوهم. قوله quot; أو جذب حقيقي quot; يعني: أن من أسباب هذا الوجد جذبة حقيقية من جذبات الرب تعالى لعبده استفاقت لها روحه من منامها. وحييت بها بعد مماتها. واستنارت بها بعد ظلماتها. فالوجد خلعة هذه الجذبة. قوله: إن أبقى على صاحبه لباسه وإلا أبقى عليه نوره يريد بلباسه مقامه يعني إن أبقى عليه تحقق مقامه فيه وإلا أبقى عليه أثره. فمقامه يورثه عزا ومهابة وخلافة نبوة ومنشور صديقية. وأثره يورثه حلاوة وسكينة وأنسا في نفسه وأنسا للقلوب به وهوى الأفئدة إليه.  [فصل الدرجة الثالثة وجد يخطف العبد من يد الكونين] فصل قال: الدرجة الثالثة: وجد يخطف العبد من يد الكونين. ويمحص معناه من درن الحظ ويسلبه من رق الماء والطين إن سلبه أنساه اسمه. وإن لم يسلبه أعاره رسمه.(3\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1049",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14046",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقوله quot; يخطف العبد من يد الكونين quot; أي يغنيه عن شهود ما سوى الله من كوني الدنيا والآخرة. فيختطف القلب من شهود هذا وهذا بشهود المكون. قوله quot; ويمحص معناه من درن الحظ quot; أي يخلص عبوديته التي هي حقيقته وسره من وسخ حظوظ نفسه وإراداتها المزاحمة لمراد ربه منه. فإن تحقيق العبودية - التي هي معنى العبد - لا يكون إلا بفقد النفس الحاملة للحظوظ. فمتى فقدت حظوظها تمحصت عبوديتها. وكلما مات منها حظ حيي منها عبودية ومعنى. وكلما حيي فيها حظ ماتت عبودية حتى يعود الأمر على نفسين وروحين وقلبين: قلب حي وروح حية بموت نفسه وحظوظها وقلب ميت وروح ميتة بحياة نفسه وحظوظه. وبين ذلك مراتب متفاوتة في الصحة والمرض وبين بين لا يحصيها إلا الله عز وجل. قوله quot; ويسلبه من رق الماء والطين quot; أي يعتقه ويحرره من رق الطبيعة والجسم المركب من الماء والطين إلى رق رب العالمين فخادم الجسم الشقي بخدمته عبد الماء والطين كما قيل: يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته ... فأنت بالروح لا بالجسم إنسان والناس في هذا المقام ثلاثة: عبد محض. وحر محض ومكاتب قد أدى بعض كتابته. وهو يسعى في بقية الأداء. فالعبد المحض: عبد الماء والطين الذي قد استعبدته نفسه وشهوته وملكته وقهرته. فانقاد لها انقياد العبد إلى سيده الحاكم عليه. والحر المحض: هو الذي قهر شهوته ونفسه وملكها. فانقادت معه وذلت له ودخلت تحت رقه وحكمه. والمكاتب: من قد عقد له سبب الحرية. وهو يسعى في كمالها. فهو عبد من وجه حر من وجه. وبالبقية التي بقيت عليه من الأداء يكون عبدا ما بقي عليه درهم. فهو عبد ما بقي عليه حظ من حظوظ نفسه. فالحر من تخلص من رق الماء والطين. وفاز بعبودية رب العالمين فاجتمعت له العبودية والحرية. فعبوديته من كمال حريته وحريته من كمال عبوديته. قوله: إن سلبه أنساه اسمه وإن لم يسلبه أعاره رسمه أي هذا الوجد إن سلب(3\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1050",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14047",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صاحبه بالكلية: فأفناه عنه وأخذه منه: أنساه اسمه. لأن الاسم تبع للحقيقة. فإذا سلب الحقيقة نسي اسمها وإن لم يسلبه بالكلية بل أبقى منه رسما فهو معار عنده بصدد الاسترجاع. فإن العواري يوشك أن تسترد. ويشير بالأول: إلى حالة الفناء الكامل. وبالثاني: إلى حالة الغيبة التي يؤوب منها غائبها. والله أعلم.  [فصل الدهش] [حقيقة الدهش] فصل الدهش وقد تعرض للسالك دهشة في حال سلوكه شبيهة بالبهتة التي تحصل للعبد عند مفاجأة رؤية محبوبه. وليست من منازل السلوك. خلافا لأبي إسماعيل الأنصاري حيث جعلها من المنازل. بل من غاياتها. فإن هذه الحالة ليست مذكورة في القرآن ولا في السنة ولا في كلام السالكين. ولا عدها أحد من المتقدمين من المنازل والمقامات. ولهذا لم يجد ما يستشهد به عليها سوى حال النسوة مع يوسف عليه السلام لما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن. فصدر الباب بقوله تعالى فلما رأينه أكبرنه [يوسف: 31] أي أعظمنه. فإن كان المقصود: ما حصل لهن من إعظامه وإجلاله: فذلك منزلة التعظيم. وإن كان مراده: ما ترتب على رؤيته لهن من غيبتهن عن أنفسهن وعن أيديهن وما فيها حتى قطعنها: فتلك منزلة الفناء. وإن كان مقصوده: الدهشة والبهتة التي حصلت لهن عند مفاجأته - وهو الذي قصده - فذلك أمر عارض من عوارض الطريق عند مفاجأة ما يغلب على صبر الإنسان وعقله. ولا ريب أن ذلك عارض من عوارض الطريق ليس بمقام للسالكين ولا منزل مطلوب لهم. فعوارض الطريق شيء. ومنازلها ومقاماتها شيء. فلهذا قال في تعريفه الدهش: بهتة تأخذ العبد عند مفاجأة ما يغلب على عقله أو صبره أو علمه.(3\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1051",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14048",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يشير إلى الشهود الذي يغلب على عقله والحب الذي يغلب على صبره والحال التي تغلب على علمه.  [درجات الدهش] [الدرجة الأولى دهشة المريد عند صولة الحال على علمه] قال: وهو على ثلاث درجات. الأولى: دهشة المريد عند صولة الحال على علمه والوجد على طاقته والكشف على همته يعني: أن علمه يقتضي شيئا وحاله يصول عليه بخلافه. فهذا غايته: أن يكون معذورا إن لم يكن مفرطا. فإن الحال لا يصول على العلم إلا وأحدهما فاسد. إما الصائل أو المصول عليه. فإذا اقتضى العلم سكونا فصال عليه الحال بحركته: فهي حركة فاسدة. غاية صاحبها: أن يكون معذورا لا مشكورا. فإذا اقتضى العلم حركة فصال الحال عليه بسكونه: فهو سكون فاسد. مثال الأول: اقتضاء العلم للسكون والخشوع عند وارد السماع القرآني. وصولة الحال عليه حتى يزعق ويشق ثيابه أو يلقي نفسه لورود ما يدهشه من معاني المسموع على قلبه. فيصول حاله على عمله حتى لو كان في صلاة فرض لأبطلها وقطعها. ومثال الثاني: اقتضاء العلم حركة مفرقة في رضا المحبوب. فيصول الحال عليها بسكونه وجمعيته حتى يقهرها. وهذه من مقاطع القوم وآفاتهم. وما نجا منها إلا أهل البصائر منهم العاملون على تجريد العبودية. وكثرة صور هذا مغنية عن كثرة الأمثلة. فإن أكثرهم يقدم حال الجمعية على ملابسة الأغيار والأعداء في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويصول حال الجمعية عنده على الحركة التي يأمر بها العلم. كما صالت حركة الأول على السكون الذي يأمر به العلم. قوله quot; والوجد على الطاقة quot; يعني: أن وجد المحب ربما غلب صبره. وصال على طاقته. فصرخ إلى محبوبه واستغاث به حتى يأتي النصر من عنده. بل صراخه به واستغاثته به عين نصره إياه حيث حفظ عليه وجده. ولم يرده فيه إلى صبر يسلو به ويجفو. فيكون ذلك نوع طرد. قوله quot; والكشف على همته quot; يعني أن الهمة تستدعي صدق الطلب ودوامه والكشف: هو الشهود. وهو في مظنة فسخ الهمة وإبطال حكمها. لأنها تقتضي الطلب. وهو يقتضي الفتور. لأن الطلب للغائب عن المطلوب فهمته متعلقة(3\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1052",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14049",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بتحصيله. وصاحب الكشف: في حضور مع مطلوبه. فكشفه صائل على همته كما قال بعضهم: إذا برقت بارقة من بوارق الحقيقة لم يبق معها حال ولا همة. وهذا أيضا عارض مطلوب الزوال. والبقاء معه انقطاع كلي. فإن السالك في همة ما دامت روحه في جسده. فإذا فارقته الهمة انقطع واستحسر.  [فصل الدرجة الثانية دهشة السالك عند صولة الجمع على رسمه] فصل قال: الدرجة الثانية: دهشة السالك عند صولة الجمع على رسمه والسبق على وقته والمشاهدة على روحه الجمع عند القوم: ما أسقط التفرقة. وقطع الإشارة. وباين الكائنات. و quot; رسم quot; العبد عندهم: هو صورته الظاهرة والباطنة. فشهود الجمع: يقتضي أن يستولي على فناء تلك الرسوم فيه. فللجمع صولة على رسم السالك يغشاه عندهم بهتة هي الدهشة المشار إليها. وأما صولة السبق على وقته فالسبق: هو الأزل. وهو سابق على وقت السالك. وإنما صال الأزل على وقته: لأن وقته حادث فان. فهو يرى فناءه في بقاء الأزل وسبقه فيغلبه شهود السبق ويقهره على شهود وقته فلا يتسع له. وأما صولة المشاهدة على روحه فلما كانت المشاهدة تعلق إدراك الروح بشهود الحق تعالى فهي شهود الحق بالحق - كما قال تعالى في الحديث القدسي فبي يسمع وبي يبصر - اقتضى هذا الشهود صولة على الروح. فحيث صار الحكم له دونها: انطوى حكم الشاهد في شهوده. وقد عرفت ما في ذلك فيما تقدم.  [الدرجة الثالثة دهشة المحب عند صولة الاتصال على لطف العطية] قال: الدرجة الثالثة: دهشة المحب عند صولة الاتصال على لطف العطية وصولة نور القرب على نور العطف وصولة شوق العيان على شوق الخبر. الاتصال عنده على ثلاثة مراتب: اتصال الاعتصام واتصال الشهود واتصال الوجود كما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله. وبيان ما فيه من حق وباطل يجل عنه جناب الحق تعالى.(3\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1053",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14050",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "و quot; العطية quot; هاهنا: هي الواردات التي ترد في لطف وخفاء على قلب العبد من قبل الحق تعالى. وهي ألطاف يعامل المحبوب بها محبه وتوجب قربا خالصا هو المسمى بالاتصال. فيصول ذلك القرب على لطف العطية. فيغيب العبد عنها وعن شهودها. وينسيه إياها. لما أوجبه له ذلك القرب من الدهش. وقد يكون سبب ذلك: تواتر أنواع العطايا عليه حتى يدهشه كثرتها وتنوعها. فتوجب له كثرتها دهشة تمنعه من مطالعتها مع انضمام ذلك إلى صولة القرب. وهي واردات وأنوار يتصل بعضها ببعض. تمحو ظلم نفسه ورسمه. وأما صولة نور القرب على نور العطف فهو قريب من هذا. أو هو بعينه وإنما كرر المعنى بلفظ آخر. فإن لطف العطية كله نور عطف والاتصال هو القرب نفسه. تعالى الله عن غير ذلك من اتصال يتوهمه ملاحدة الطريق وزنادقتهم. وأما صولة شوق العيان على شوق الخبر. فمراده بها: أن المريد في أول الأمر سالك على شوق الخبر في مقام الإيمان. فإذا ترقى عنه إلى مقام الإحسان وتمكن منه: بقي شوقه بشوق العيان. فصال هذا الشوق على الشوق الأول. فإن كان هذا مراده وإلا فالعيان في الدنيا لا سبيل للبشر إليه ألبتة. ومن زعم خلاف ذلك فأحسن أحواله: أن يكون ملبوسا عليه وليس فوق الإحسان للصديقين مرتبة إلا بقاؤهم فيه. فإن سمي ذلك عيانا فالتسمية الشرعية المخلصة التي لا لبس فيها أولى وأحرى. وأكثر آفات الناس من الألفاظ. ولا سيما في هذه المواضع التي يعز فيها تصور الحق على ما هو عليه والتعبير المطابق فيتولد من ضعف التصور وقصور التعبير: نوع تخبيط. ويتزايد على ألسنة السامعين له وقلوبهم بحسب قصورهم وبعدهم من العلم. فتفاقم الخطب وعظم الأمر. والتبس طريق أولياء الله الصادقين بطرائق الزنادقة الملحدين. وعز المفرق بينهما. فدخل على الدين من الفساد من ذلك ما لا يعلمه إلا الله. وأشير إلى أعظم الخلق كفرا بالله عز وجل وإلحادا في دينه: بأنه من شيوخ التحقيق والمعرفة والسلوك. ولولا ضمان الله بحفظ دينه وتكفله بأن يقيم له من يجدد أعلامه ويحيي منه ما أماته المبطلون. وينعش ما أخمله الجاهلون: لهدمت أركانه وتداعى بنيانه ولكن الله ذو فضل على العالمين.(3\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1054",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14051",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل في منزلة الهيمان] [حقيقة الهيمان] وقد يعرض للسالك عند ورود بعض المعاني والواردات العجيبة على قلبه: فرط تعجب واستحسان واستلذاذ يزيل عنه تماسكه فيورثه ذلك الهيمان. وليس ذلك من مقامات السير ولا منازل الطريق المقصودة بالنزول فيها للمسافرين. خلافا لصاحب المنازل. حيث عد ذلك من أعلى المنازل وغاياتها وعبر عنه بمنزلة الهيمان ولهذا ليس له ذكر في القرآن ولا في السنة ولا في لسان سلف القوم. وقد تكلف له صاحب المنازل الاستشهاد بقوله تعالى وخر موسى صعقا [الأعراف: 143] وما أبعد الآية من استشهاده. وكأنه ظن أن موسى ذهب عن تماسكه لما ورد عليه في حالة الخطاب والتكليم الإلهي فأورثه ذلك هيمانا صعق منه وليس كما ظنه. وإنما صعق موسى عند تجلي الرب تعالى للجبل واضمحلاله وتدكدكه من تجلي الرب تعالى. فالاستشهاد بالآية في منزلة الفناء التي تضمحل فيها الرسوم: أنسب وأظهر. لأن تدكدك الجبل: هو اضمحلال رسمه عند ورود نور التجلي عليه. والصعق فناء في هذه الحال لهذا الوارد المفني لبشرية موسى عليه الصلاة والسلام. وقد حده بأنه الذهاب عن التماسك تعجبا أو حيرة. يعني: أن الهائم لا يقدر على إمساك نفسه للوارد تعجبا منه وحيرة. قال: وهو أثبت دواما وأملك للنعت من الدهش. يعني: أن الهائم قد يستمر هيمانه مدة طويلة. بخلاف المدهوش. وصاحب الهيمان يملك عنان القول. فيصرفه كيف يشاء. ويتمكن من التعبير عنه. وأما الدهش: فلضيق معناه وقصر زمانه: لم يملك النعت. فالهائم أملك بنعت حاله ووارده من المدهوش.  [درجات الهيمان] [الدرجة الأولى هيمان في شيم أوائل برق اللطف عند قصد الطريق] قال: وهو على ثلاث درجات. الأولى: هيمان في شيم أوائل برق اللطف عند(3\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1055",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14052",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قصد الطريق مع ملاحظة العبد خسة قدره وسفالة منزلته. وتفاهة قيمته يريد: أن القاصد للسلوك إذا نظر إلى مواقع لطف ربه به - حيث أهله لما لم يؤهل له أهل البلاء وهم أهل الغفلة والإعراض عنه - أورثه ذلك النظر تعجبا يوقعه في نوع من الهيمان. قال بعض العارفين في الأثر المروي quot; إذا رأيتم أهل البلاء فسلوا الله العافية quot; تدرون من هم أهل البلاء هم أهل الغفلة عن الله. وتقوى هذه الحال إذا انضاف إليها شهود العبد خسة قدر نفسه. فاستصغرها أن تكون أهلا لما أهلت له. وكذلك شهود سفالة منزلته أي انحطاط رتبته وكذلك شهود تفاهة قيمته أي خستها وقلتها. وحاصل ذلك كله: احتقاره لنفسه واستعظامه للطف ربه به وتأهيله له. فيتولد من بين هذين: الهيمان المذكور. ولا ريب أنه يتولد من بين هذين الشهودين: أمور أخرى أجل وأعظم وأشرف من الهيمان - من محبة وحمد وشكر وعزم وإخلاص ونصيحة في العبودية وسرور وفرح بربه وأنس به - هي مطلوبة لذاتها. بخلاف عارض الهيمان. فإنه لا يطلب لذاته. وليس هو من منازل العبودية.  [فصل الدرجة الثانية هيمان في تلاطم أمواج التحقيق عند ظهور براهينه] فصل قال: الدرجة الثانية: هيمان في تلاطم أمواج التحقيق عند ظهور براهينه وتواصل عجائبه ولوامع أنواره. يريد: أن السالك والمريد إذا لاحت له أنوار تحقق العلم والمعرفة: اهتدى بها إلى القصد عن بصيرة مستجدة ويقظة مستعدة. فاستنار بها قلبه وأشرق لها سره. فتلاطمت عليه أمواج التحقيق عند ظهور البراهين. فهام قلبه فيها. وهذا أمر يعرفه بالذوق كل طالب لأمر عظيم انفتحت له الطرق والأبواب إلى تحصيله. ويريد بتواصل عجائبه: تتابع عجائب التحقيق وأن بعضها لا يحجب عن(3\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1056",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14053",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعض ولا يقف في طريق بعض. وكذلك لوامع أنواره وأعظم ما يجد هذا الوجد: عند استغراقه في تدبر القرآن. ويحصل ذلك بحسب استعداده وأهليته للفهم. ونسبة ما دون ذلك إليه: كتفلة في بحر.  [فصل الدرجة الثالثة هيمان عند الوقوع في عين القدم ومعاينة سلطان الأزل] فصل قال: الدرجة الثالثة: هيمان عند الوقوع في عين القدم ومعاينة سلطان الأزل والغرق في بحر الكشف. يريد: هيمان الفناء. والوقوع في عين القدم إنما يكون باضمحلال الرسم وفنائه في شهود القدم. فإنه يفنى من لم يكن مشهودا. ويبقى من لم يزل. وكذلك معاينة سلطان الأزل لا يبقى معها معاينة رسوم الكائنات وأطلال الحادثات. وأما بحر الكشف الذي أشار إليه: فهو انكشاف الحقيقة لعين القلب. ولا تعتقد أن للسالك وراء مقام الإحسان شيئا أعلى منه. بل الإحسان مراتب. وأما الكشف الحقيقي للحقيقة: فلا سبيل إليه في الدنيا ألبتة. والقوم يلوح لأحدهم أنوار هي ثمرات الإيمان ومعاملات القلوب وآثار الأحوال الصادقة فيظنونها نور الحقيقة. ولا يأخذهم في ذلك لومة لائم. وإنما هي أنوار في بواطنهم ليس إلا وباب العصمة من غير الرسل مسدود إلا عمن اتفقت عليه الأمة. والله أعلم.  [فصل البرق] [حقيقة البرق] فصل البرق ومن أنوار quot; إياك نعبد وإياك نستعين quot; نور البرق الذي يبدو للعبد عند دخوله في طريق الصادقين وهو لامع يلمع لقلبه. يشبه لامع البرق. قال صاحب المنازل: البرق: باكورة تلمع للعبد. فتدعوه إلى الدخول في هذه الطريق.(3\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1057",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14054",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واستشهد عليه بقوله تعالى وهل أتاك حديث موسى - إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا [طه: 9 - 10] . ووجه الاستشهاد: أن النار التي رآها موسى كانت مبدأ في طريق نبوته. و quot; البرق quot; مبدأ في طريق الولاية التي هي وراثة النبوة. وقوله quot; باكورة: الباكورة هي أول الشيء ومنه باكورة الثمار. وهو لما سبق نوعه في النضج. وقوله quot; يلمع للعبد quot; أي يبدو له ويظهر quot; فتدعوه إلى الدخول في هذه الطريق quot; ولم يرد طريق أهل البدايات. فإن تلك هي اليقظة التي ذكرها في أول كتابه وإنما أراد: طريق أرباب التوسط والنهايات. وعلى هذا: فالبرق - الذي أشار إليه - هو برق الأحوال لا برق الأعمال أو برق لا سبب له من السالك. إنما هو مجرد موهبة. والدليل على أنه أراد ما يحصل لأرباب التوسط والنهايات: أنه أخذ - بعد تعريفه - يفرق بينه وبين الوجد. فقال: والفرق بينه وبين الوجد: أن الوجد يقع بعد الدخول فيه. والبرق قبله. فالوجد زاد. والبرق إذن. يريد: أن البرق نور يقذفه الله في قلب العبد ويبديه له. فيدعوه به إلى الدخول في الطريق. والوجد هو شدة الطلب وقوته الموجبة لتأجيج اللهيب من الشهود كما تقدم. و quot; الوجد زاد quot; يعني: أنه يصحب السالك كما يصحبه زاده. بل هو من نفائس زاده و quot; البرق إذن quot; يعني إذنا في السلوك والإذن إنما يفسح للسالك في المسير لا غير.  [درجات البرق] [الدرجة الأولى برق يلمع من جانب العدة في عين الرجاء] قال: وهو ثلاث درجات. الأولى: برق يلمع من جانب العدة في عين الرجاء. فيستكثر فيه العبد القليل من العطاء ويستقل فيه الكثير من الإعياء ويستحلي فيه مرارة القضاء.(3\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1058",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14055",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعني بالعدة: ما وعد الله أولياءه من أنواع الكرامة في هذه الدار وعند اللقاء. وقوله quot; يلمع في عين الرجاء quot; أي يبدو في حقيقة الرجاء من أفقه وناحيته فيوجب له ذلك استكثار القليل - ولا قليل من الله - من عطائه والحامل له على هذا الاستكثار: أربعة أمور. أحدها: نظره إلى جلالة معطيه وعظمته. الثاني: احتقاره لنفسه. فإن ازدراءه لها: يوجب استكثار ما يناله من سيده. الثالث: محبته له. فإن المحبة إذا تمكنت من العبد استكثر قليل ما يناله من محبوبه. الرابع: أن هذا - قبل العطاء - لم يكن له إلف به ولا اتصال بالعطية. فلما فاجأته: استكثرها. وأما استقلاله الكثير من الإعياء - وهو التعب والنصب - فلأنه لما بدا له برق الوعود من أفق الرجاء: حمله ذلك على الجد والطلب. وحمل عنه مشقة السير. فلم يجد لذلك من مس الإعياء والنصب ما يجده من لم يشم ذلك. وكذلك استحلاؤه - في هذا البرق - مرارة القضاء وهو البلاء الذي يختبر به الله عز وجل عباده ليبلوهم أيهم أصبر وأصدق وأعظم إيمانا ومحبة وتوكلا وإنابة فإذا لاح للسالك هذا البرق: استحلى فيه مرارة القضاء.  [فصل الدرجة الثانية برق يلمع من جانب الوعيد في عين الحذر] فصل قال: الدرجة الثانية: برق يلمع من جانب الوعيد في عين الحذر. فيستقصر فيه العبد الطويل من الأمل ويزهد في الخلق على القرب. ويرغب في تطهير السر. هذا البرق أفقه وعينه: غير أفق البرق الأول. فإن هذا يلمع من أفق الحذر وذاك من أفق الرجاء. فإذا شام هذا البرق: استقصر فيه الطويل من الأمل. وتخيل في كل وقت: أن المنية تعافصه وتفاجئه. فاشتد حذره من هجومها مخافة أن تحل به عقوبة الله ويحال بينه وبين الاستعتاب والتأهب لللقاء. فيلقى ربه قبل الطهر التام. فلا يؤذن له بالدخول عليه بغير طهارة. كما أنه لم يؤذن له في دار التكليف بالدخول عليه للصلاة بغير طهارة.(3\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1059",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14056",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا يذكر العباد بالتطهر للموافاة والقدوم عليه والدخول وقت اللقاء لمن عقل عن الله وفهم أسرار العبادات. فإذا كان العبد لا يدخل عليه حتى يستقبل بيته المحرم بوجهه ويستر عورته ويطهر بدنه وثيابه وموضع مقامه بين يديه. ثم يخلص له النية. فهكذا الدخول عليه وقت اللقاء لا يحصل إلا بأن يستقبل ربه بقلبه كله. ويستر عوراته الباطنة بلباس التقوى. ويطهر قلبه وروحه وجوارحه من أدناسها الظاهرة والباطنة. ويتطهر لله طهرا كاملا. ويتأهب للدخول أكمل تأهب. وأوقات الصلاة نظير وقت الموافاة. فإذا تأهب العبد قبل الوقت: جاءه الوقت وهو متأهب. فيدخل على الله. وإذا فرط في التأهب: خيف عليه من خروج الوقت قبل التأهب. إذ هجوم وقت الموافاة مضيق لا يقبل التوسعة. فلا يمكن العبد من التطهر والتأهب عند هجوم الوقت. بل يقال له: هيهات فات ما فات وقد بعدت بينك وبين التطهر المسافات. فمن شام برق الوعيد بقصر الأمل: لم يزل على طهارة. وأما quot; تزهيده في الخلق على القرب quot; وإن كانوا أقاربه أو مناسبيه أو مجاوريه وملاصقيه أو معاشريه ومخالطيه: فلكمال حذره واستعداده واشتغاله بما أمامه وملاحظة الوعيد من أفق ذلك البارق الذي ليس بخلب بل هو أصدق بارق. ويحتمل أن يريد بقوله عن قرب أي عن أقرب وقت. فلا ينتظر بزهده فيهم: أملا يؤمله. ولا وقتا يستقبله. قوله quot; ويرغب في تطهير السر quot; يعني تطهير سره عما سوى الله. وقد تقدم بيانه.  [فصل الدرجة الثالثة برق يلمع من جانب اللطف في عين الافتقار] فصل قال: الدرجة الثالثة: برق يلمع من جانب اللطف في عين الافتقار. فينشئ سحاب السرور. ويمطر مطر الطرب. ويجري من نهر الافتخار هذا البرق يلمع من أفق ملاطفة الرب تعالى لعبده بأنواع الملاطفات. ومطلع هذا البرق: في عين الافتخار الذي هو باب السلوك إلى الله تعالى والطريق الأعظم الذي لا يدخل عليه إلا منه. وكل طريق سواه فمسدود. ومع هذا فلا يصل العبد منه إلا بالمتابعة. فلا طريق إلى الله ألبتة أبدا - ولو تعنى المتعنون وتمنى المتمنون - إلا(3\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1060",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14057",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الافتقار ومتابعة الرسول فقط. فلا يتعب السالك نفسه في غير هذه الطريق. فإنه على غير شيء. وهو صيد الوحوش والسباع. قوله quot; فينشئ سحاب السرور quot; أي ينشئ للعبد سرورا خاصا وفرحا بربه لا عهد له بمثله ولا نظير له في الدنيا ونفحة من نعيم الجنة ونسمة من ريح شمالهم. فإذا نشأ له ذلك السحاب أمطر عليه صيب الطرب فطرب باطنه وسره لما ورد عليه من عند سيده ووليه. وإذا اشتد ذلك الطرب. جرى به نهر الافتخار يتميز به عن أبناء جنسه بما خصه الله به. وإما أن يريد به: افتخاره على الشيطان. وهذه مخيلة محمودة طربا وافتخارا عليه. فإن الله لا يكره ذلك. ولهذا يحب المختال بين الصفين عند الحرب لما في ذلك من مراغمة أعدائه ويحب الخيلاء عند الصدقة - كما جاء ذلك مصرحا به في الحديث - لسر عجيب يعرفه أولو الصدقات والبذل من نفوسهم عند ارتياحهم للعطاء وابتهاجهم به واختيالهم على النفس الشحيحة الأمارة بالبخل. وعلى الشيطان المزين لها ذلك: وهم ينفذون المال في أول الغنى ... ويستأنفون الصبر في آخر الصبر مغاوير للعليا مغابير للحمى ... مفاريج للغمى مداريك للوتر وتأخذهم في ساعة الجود هزة ... كما تأخذ المطراب عن نزوة الخمر فهذا الافتخار من تمام العبودية. أو يريد به: أنه حري بالافتخار بما تميز به. ولم يفتخر به إبقاء على عبوديته وافتقاره. وكلا المعنيين صحيح. والله أعلم. وسر ذلك: أن العبد إذا لاحظ ما هو فيه من الألطاف وشهده من عين المنة ومحض الجود: شهد مع ذلك فقره إليه في كل لحظة وعدم استغنائه عنه طرفة عين. فكان ذلك من أعظم أبواب الشكر وأسباب المزيد وتوالي النعم عليه. وكلما توالت عليه النعم: أنشأت في قلبه سحائب السرور. وإذا انبسطت هذه السحائب في سماء قلبه وامتلأ بها أفقه: أمطرت عليه وابل الطرب بما هو فيه من لذيذ السرور. فإن لم يصبه وابل فطل. وحينئذ يجري على لسانه وظاهره نهر الافتخار من غير عجب ولا فخر بل فرحا بفضل الله ورحمته كما قال تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا [يونس: 58] فالافتخار على ظاهره والافتقار والانكسار في باطنه ولا ينافي أحدهما الآخر.(3\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1061",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14058",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتأمل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أنا سيد ولد آدم ولا فخر فكيف أخبر بفضل الله ومنته عليه. وأخبر أن ذلك لم يصدر منه افتخارا به على من دونه ولكن إظهارا لنعمة الله عليه وإعلاما للأمة بقدر إمامهم ومتبوعهم عند الله وعلو منزلته لديه. لتعرف الأمة نعمة الله عليه وعليهم. ويشبه هذا قول يوسف الصديق للعزيز اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم [يوسف: 55] فإخباره عن نفسه بذلك لما كان متضمنا لمصلحة تعود على العزيز وعلى الأمة وعلى نفسه: كان حسنا. إذ لم يقصد به الفخر عليهم فمصدر الكلمة والحامل عليها يحسنها ويهجنها. وصورته واحدة.  [فصل منزلة الذوق] [حقيقة الذوق] فصل ومنها منزلة الذوق و quot; الذوق quot; مباشرة الحاسة الظاهرة والباطنة للملائم والمنافر. ولا يختص ذلك بحاسة الفم في لغة القرآن بل ولا في لغة العرب. قال الله تعالى وذوقوا عذاب الحريق [الأنفال: 50] وقال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون [آل عمران: 106] وقال تعالى هذا فليذوقوه حميم وغساق [ص: 57] وقال فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون [النحل: 112] . فتأمل كيف جمع بين الذوق واللباس ليدل على مباشرة المذوق وإحاطته وشموله. فأفاد الإخبار عن إذاقته: أنه واقع مباشر غير منتظر. فإن الخوف قد يتوقع ولا(3\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1062",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14059",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يباشر وأفاد الإخبار عن لباسه: أنه محيط شامل كاللباس للبدن. وفي الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - ذاق طعم الإيمان: من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا. وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - رسولا فأخبر: أن للإيمان طعما وأن القلب يذوقه كما يذوق الفم طعم الطعام والشراب. وقد عبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إدراك حقيقة الإيمان والإحسان وحصوله للقلب ومباشرته له: بالذوق تارة وبالطعام والشراب تارة وبوجود الحلاوة تارة كما قال ذاق طعم الإيمان وقال ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله. ومن كان يكره أن يرجع في الكفر - بعد إذ أنقذه الله منه - كما يكره أن يلقى في النار . ولما نهاهم عن الوصال قالوا: إنك تواصل قال: إني لست كهيئتكم إني أطعم وأسقى وفي لفظ إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني وفي لفظ إن لي مطعما يطعمني وساقيا يسقيني . وقد غلظ حجاب من ظن أن هذا طعام وشراب حسي للفم. ولو كان كما ظنه هذا الظان: لما كان صائما فضلا عن أن يكون مواصلا. ولما صح جوابه بقوله إني لست كهيئتكم فأجاب بالفرق بينه وبينهم. ولو كان يأكل ويشرب بفيه الكريم حسا لكان الجواب أن يقول: وأنا لست أواصل أيضا. فلما أقرهم على قولهم إنك تواصل علم أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يمسك عن الطعام والشراب ويكتفي بذلك الطعام والشراب العالي الروحاني الذي يغني عن الطعام والشراب المشترك الحسي. وهذا الذوق هو الذي استدل به هرقل على صحة النبوة حيث قال لأبي سفيان: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه فقال: لا. قال: وكذلك الإيمان إذا خالطت(3\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1063",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14060",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حلاوته بشاشة القلوب. فاستدل بما يحصل لأتباعه من ذوق الإيمان - الذي خالطت بشاشته القلوب: لم يسخطه ذلك القلب أبدا - على أنه دعوة نبوة ورسالة لا دعوى ملك ورياسة. والمقصود: أن ذوق حلاوة الإيمان والإحسان أمر يجده القلب. تكون نسبته إليه كنسبة ذوق حلاوة الطعام إلى الفم وذوق حلاوة الجماع إلى إلفة النفس. كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى تذوقي عسيلته. ويذوق عسيلتك فللإيمان طعم وحلاوة يتعلق بهما ذوق ووجد. ولا تزول الشبه والشكوك عن القلب إلا إذا وصل العبد إلى هذه الحال. فباشر الإيمان قلبه حقيقة المباشرة. فيذوق طعمه ويجد حلاوته. والله الموفق.  [فصل باب الذوق] قال صاحب المنازل: باب الذوق قال الله تعالى هذا ذكر [الأنبياء: 24] . في تنزيل هذه الآية على الذوق صعوبة. والذي يظهر - والله أعلم - أن الشيخ أراد: أن الذوق مقدمة الشراب كما أن التذكر مقدمة المعرفة ومنه يدخل إلى مقام الإيمان والإحسان. فإنه إذا تذكر أبصر الحقيقة كما قال تعالى تذكروا فإذا هم مبصرون [الأعراف: 201] فالتذكر يوجب التبصر فيكون له الإيمان بعد التبصر ذوقا وعيانا. ولهذا قال بعده وإن للمتقين لحسن مآب - جنات عدن [ص: 49 - 50] فالتذكر بهذا الذكر الذي قصه الله تعالى: يشهد صاحبه الإيمان بالمعاد وما أعد الله لأوليائه عند لقائه. فيصير(3\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1064",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14061",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إيمانهم بذلك ذوقا لا خبرا محضا. لأنه نشأ عن تذكرهم بذكره سبحانه وتأملهم حقائقه وأسراره وما فيه من الهدى والبيان. فالتذكر سبب الذوق. والله سبحانه أعلم.  [فصل الذوق أبقى من الوجد وأجلى من البرق] فصل قال: والذوق: أبقى من الوجد وأجلى من البرق. يريد به: أن منزلة الذوق أثبت وأرسخ من منزلة الوجد وذلك لأن أثر الذوق يبقى في القلب ويطول بقاؤه. كما يبقى أثر ذوق الطعام والشراب في القوة الذائقة. ويبقى على البدن والروح. فإن الذوق مباشرة - كما تقدم - والوجد عند الشيخ لهيب يتأجج من شهود عارض مقلق فهو عنده من العوارض كالهيمان والقلق. فإنه ينشأ من مكاشفة لا تدوم. فلذلك جعله أبقى من الوجد. وأما قوله quot; وأجلى من البرق quot; فإن البرق أسرع انقضاء وكشفه دون كشف الذوق. وهذا صحيح. ولكن جعله الذوق أبقى من الوجد وأعلى منه: فيه نظر. وقد يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الوجد فوق الذوق وأعلى منزلة منه فإنه قال ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان الحديث وقال في الذوق: ذاق طعم الإيمان فوجد حلاوة الشيء المذوق: أخص من مجرد ذوقه. ولما كانت الحلاوة أخص من الطعم: قرن بها الوجد الذي هو أخص من مجرد الذوق. فقرن الأخص بالأخص والأعم بالأعم. وليس المراد بوجد حلاوة الإيمان: الوجد الذي هو لهيب القلب. فإن ذلك مصدر وجد بالشيء وجدا وإنما هو من الوجود الذي هو الثبوت. فمصدر هذا الفعل: الوجود والوجدان فوجد الشيء يجده وجدانا: إذا حصل له وثبت. كما يجد الفاقد الشيء الذي بعد منه. ومنه قوله تعالى ووجد الله عنده [النور: 39] وقوله ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما [النساء: 110] وقوله ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى [الضحى: 6] وقوله إنا وجدناه صابرا [ص: 44] فهذا كله من الوجود والثبوت. وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - وجد بهن حلاوة الإيمان .(3\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1065",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14062",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فوجدان الشيء: ثبوته واستقراره. ولا ريب أن ذوق طعم الإيمان وجدان له. إذ يمتنع حصول هذا الذوق من غير وجدان. ولكن اصطلاح كثير من القوم على أن الذائق أخص من الواجد. فكأنه شارك الواجد في الحصول وامتاز عنه بالذوق. فإنه قد يجد الشيء ولا يذوقه الذوق التام. وهذا ليس كما قالوه. بل وجود هذه الحقائق للقلب: ذوق لها وزيادة وثبوت واستقرار. والله سبحانه وتعالى أعلم.  [فصل درجات الذوق] [الدرجة الأولى ذوق التصديق طعم العدة] فصل قال: وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: ذوق التصديق طعم العدة. فلا يعقله ظن ولا يقطعه أمل. ولا تعوقه أمنية. يريد: أن العبد المصدق إذا ذاق طعم الوعد من الله على إيمانه وتصديقه وطاعته: ثبت على حكم الوعد واستقام. quot; فلم يعقله ظن quot; أي لم يحبسه ظن تقول: عقلت فلانا عن كذا أي منعته عنه وصددته ومنه عقال البعير لأنه يحبسه عن الشرود. ومنه: العقل. لأنه يحبس صاحبه عن فعل ما لا يحسن ولا يجمل. ومنه: عقلت الكلام وعقلت معناه: إذا حبسته في صدرك وحصلته في قلبك بعد أن لم يكن حاصلا عندك. ومنه: العقل للدية. لأنها تمنع آخذها من العدوان على الجاني وعصبته. والمقصود: أن ذوق طعم الإيمان بوعد الله يمنع الذائق أن يحبسه ظن عن الجد في الطلب والسير إلى ربه. والظن هو الوقوف عن الجزم بصحة الوعد والوعيد بحيث لا يترجح عنده جانب التصديق. وكأن الشيخ يقول: الذائق بالتصديق طعم الوعد لا يعارضه ظن يعقله عن صدق الطلب ويحبس عزيمته عن الجد فيه. وفي حديث سيد الاستغفار قوله وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أي مقيم على التصديق بوعدك وعلى القيام بعهدك بحسب استطاعتي. والحامل على هذه الإقامة والثبات: ذوق طعم الإيمان ومباشرته للقلب. ولو(3\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1066",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14063",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان الإيمان مجازا - لا حقيقة - لم يثبت القلب على حكم الوعد والوفاء بالعهد. ولا يفيد في هذا المقام إلا ذوق طعم الإيمان. وثوب العارية لا يجمل لابسه. ولا سيما إذا عرف الناس أنه ليس له وأنه عارية عليه كما قيل: ثوب الرياء يشف عما تحته ... فإذا اشتملت به فإنك عاري وكان بعض الصحابة يكثر التلبية في إحرامه ثم يقول لبيك لو كان رياء لاضمحل وقد نفى الله تعالى الإيمان عمن ادعاه. وليس له فيه ذوق. فقال تعالى قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم [الحجرات: 14] . فهؤلاء مسلمون وليسوا بمؤمنين. لأنهم ليسوا ممن باشر الإيمان قلبه فذاق حلاوته وطعمه. وهذا حال أكثر المنتسبين إلى الإسلام. وليس هؤلاء كفارا. فإنه سبحانه أثبت لهم الإسلام بقوله ولكن قولوا أسلمنا [الحجرات: 14] ولم يرد: قولوا بألسنتكم من غير مواطأة القلب. فإنه فرق بين قولهم آمنا وقولهم أسلمنا ولكن لما لم يذوقوا طعم الإيمان قال: لم تؤمنوا. ووعدهم سبحانه وتعالى - مع ذلك - على طاعتهم أن لا ينقصهم من أجور أعمالهم شيئا. ثم ذكر أهل الإيمان الذين ذاقوا طعمه وهم الذين آمنوا به وبرسوله. ثم لم يرتابوا في إيمانهم. وإنما انتفى عنهم الريب: لأن الإيمان قد باشر قلوبهم. وخالطتها بشاشته. فلم يبق للريب فيه موضع. وصدق ذلك الذوق: بذلهم أحب شيء إليهم في رضا ربهم تعالى. وهو أموالهم وأنفسهم. ومن الممتنع: حصول هذا البذل من غير ذوق طعم الإيمان ووجود حلاوته. فإن ذلك إنما يحصل بصدق الذوق والوجد. كما قال الحسن ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل. فالذوق والوجد: أمر باطن والعمل دليل عليه ومصدق له. كما أن الريب(3\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1067",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14064",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والشك والنفاق: أمر باطن. والعمل دليل عليه ومصدق له. فالأعمال ثمرات العلوم والعقائد. فاليقين: يثمر الجهاد ومقامات الإحسان. فعلى حسب قوته تكون ثمرته ونتيجته. والريب والشك: يثمر الأعمال المناسبة له. وبالله التوفيق. قوله quot; ولا يقطعه أمل quot; أي من علامات الذوق: أن لا يقطع صاحبه عن طلبه أمر دنيا وطمع في غرض من أغراضها. فإن الأمل والطمع يقطعان طريق القلب في سيره إلى مطلوبه. ولم يقل الشيخ: إنه لا يكون له أمل بل قال: لا يقطعه أمل. فإن الأمل إذا قام به ولم يقطعه: لم يضره وإن عوق سيره بعض التعويق. وإنما البلاء في الأمل القاطع للقلب عن سيره إلى الله. وعند الطائفة: أن كل ما سوى الله فإرادته: أمل قاطع كائنا ما كان. فمن كان ذلك أمله ومنتهى طلبه: فليس من أهل ذوق الإيمان. فإنه من ذاق حلاوة معرفة الله والقرب منه والأنس به: لم يكن له أمل في غيره. وإن تعلق أمله بسواه فهو لإعانته على مرضاته ومحابه. فهو يؤمله لأجله ولا يؤمله معه. فإن قلت: فما الذي يقطع به العبد هذا الأمل قلت: قوة رغبته في المطلب الأعلى الذي ليس شيء أعلى منه. ومعرفته بخسة ما يؤمل دونه وسرعة ذهابه. فيوشك انقطاعه. وأنه في الحقيقة كخيال طيف أو سحابة صيف. فهو ظل زائل ونجم قد تدلى للغروب. فهو عن قريب آفل. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لي وللدنيا إنما أنا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها وقال ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر: بم ترجع فشبه الدنيا في جنب الآخرة بما يعلق على الإصبع من البلل حين تغمس في البحر. قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: لو أن الدنيا من أولها إلى آخرها أوتيها(3\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1068",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14065",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجل ثم جاءه الموت: لكان بمنزلة من رأى في منامه ما يسره. ثم استيقظ فإذا ليس في يده شيء. وقال مطرف بن عبد الله - أو غيره -: نعيم الدنيا بحذافيره في جنب نعيم الآخرة: أقل من ذرة في جنب جبال الدنيا. ومن حدق عين بصيرته في الدنيا والآخرة: علم أن الأمر كذلك. فكيف يليق بصحيح العقل والمعرفة: أن يقطعه أمل من هذا الجزء الحقير عن نعيم لا يزول ولا يضمحل فضلا عن أن يقطعه عن طلب من نسبة هذا النعيم الدائم إلى نعيم معرفته ومحبته والأنس به والفرح بقربه كنسبة نعيم الدنيا إلى نعيم الجنة قال الله تعالى وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر [التوبة: 72] فيسير من رضوانه - ولا يقال له يسير - أكبر من الجنات وما فيها. وفي حديث الرؤية فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إلى وجهه وفي حديث آخر إنهم إذا رأوه - سبحانه - لم يلتفتوا إلى شيء مما هم فيه من النعيم حتى يتوارى عنهم . فمن قطعه عن هذا أمل فقد فاز بالحرمان ورضي لنفسه بغاية الخسران والله المستعان. وعليه التكلان. وما شاء الله كان. قوله quot; ولا تعوقه أمنية quot; الأمنية: هي ما يتمناه العبد من الحظوظ. وجمعها أماني. والفرق بينها وبين الأمل أن الأمل يتعلق بما يرجى وجوده. والأمنية: قد تتعلق بما لا يرجى حصوله. كما يتمنى العاجز المراتب العالية. والأماني الباطلة: هي رءوس أموال المفاليس. بها يقطعون أوقاتهم ويلتذون(3\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1069",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14066",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بها كالتذاذ من زال عقله بالمسكر أو بالخيالات الباطلة. وفي الحديث المرفوع الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت. والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني . ولا يرضى بالأماني عن الحقائق إلا ذوو النفوس الدنيئة الساقطة. كما قيل: واترك منى النفس لا تحسبه يشبعها ... إن المنى رأس أموال المفاليس. وأمنية الرجل تدل على علو همته وخستها. وفي أثر إلهي إني لا أنظر إلى كلام الحكيم وإنما أنظر إلى همته والعامة تقول: قيمة كل امرئ ما يحسنه. والعارفون يقولون: قيمة كل امرئ ما يطلب.  [فصل الدرجة الثانية ذوق الإرادة طعم الأنس] فصل قال: الدرجة الثانية: ذوق الإرادة طعم الأنس. فلا يعلق به شاغل. ولا يفسده عارض. ولا تكدره تفرقة. الإرادة وصف المريد. والفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها: أن الأولى وصف حال العابد الذي ذاق بتصديقه طعم وعد الرب عز وجل فجد في العبادة. وأعمال البر لثقته بالوعد عليها. وصاحب هذه الدرجة: ذاقت إرادته طعم الأنس. فهي حال المريد. ولهذا علق حال صاحب الدرجة الأولى: بالوعد الجميل. وعلق حال صاحب هذه الدرجة: بالأنس بالله. والأنس به سبحانه أعلى من الأنس بما يرجوه العابد من نعيم الجنة. فإذا ذاق المريد طعم الأنس جد في إرادته واجتهد في حفظ أنسه وتحصيل الأسباب المقوية له. فلا يعلق به شاغل: أي لا يتعلق به شيء يشغله عن سلوكه وسيره إلى الله(3\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1070",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14067",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لشدة طلبه الباعث عليه أنسه الذي قد ذاق طعمه وتلذذ بحلاوته. والأنس بالله: حالة وجدانية. وهي من مقامات الإحسان تقوى بثلاثة أشياء: دوام الذكر وصدق المحبة وإحسان العمل. وقوة الأنس وضعفه: على حسب قوة القرب. فكلما كان القلب من ربه أقرب كان أنسه به أقوى. وكلما كان منه أبعد كانت الوحشة بينه وبين ربه أشد. قوله quot; ولا يفسده عارض quot; العارض المفسد: هو الذي يعذل المحب ويلومه على النشاط في رضا محبوبه وطاعته ويدعوه إلى الالتفات إليه والوقوف معه دون مطلبه العالي. فهو كالذي يجيء عرضا يمنع المار في طريقه عن المرور ويلفته عن جهة مقصده إلى غيرها. وهذا العارض عند القوم: هو إرادة السوى. فإن كل ما سوى الله فهو عارض. وإرادة السوى: توقف السالك وتنكس الطالب وتحجب الواصل. فإياك وإرادة السوىوإن علا. فإنك تحجب عن الله بقدرإرادتك لغيره. قال تعالى إخبارا عن عباده المقربين إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا [الإنسان: 9] وقال تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه [الأنعام: 52] وقال تعالى وما لأحد عنده من نعمة تجزى - إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى [الليل: 19 - 20] . قوله quot; ولا تكدره تفرقة quot; الكدر: ضد الصفاء. والتفرقة: ضد الجمعية. والجمعية: هي جمع القلب والهمة على الله بالحضور معه بحال الأنس خاليا من تفرقة الخواطر. والتفرقة من أعظم مكدرات القلب. وهي تزيل الصفاء الذي أثمره له الإسلام والإيمان والإحسان. فإن القلب يصفو بذلك. فتجيء التفرقة. فتكدر عليه ذلك الصفاء وتشعث القلب. فيجد الصادق ألم ذلك الشعث وأذاه. فيجتهد في لمه ولا يلم شعث القلوب بشيء غير الإقبال على الله والإعراض عما سواه. فهناك يلم شعثه ويزول كدره ويصح سفره. ويجد روح الحياة ويذوق طعم الحياة الملكية.  [فصل الدرجة الثالثة ذوق الانقطاع طعم الاتصال] فصل قال: الدرجة الثالثة: ذوق الانقطاع طعم الاتصال. وذوق الهمة: طعم(3\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1071",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14068",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجمع. وذوق المسامرة: طعم العيان. الفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها: أن تلك بقاء مع الأحوال. وهذه الدرجة: خروج وفناء عن الأحوال. فإن المتمكن في حال فنائه عن الأسباب - أعمالا كانت أو أحوالا - هو الذي يجد طعم الاتصال حقيقة. فإنه على حسب تجرده عن الالتفات إلى الأسباب يكون اتصاله. وعلى حسب التفاته إليها يكون انقطاعه. وكلما تمكن في جمع همه على الحق سبحانه وجد لذة الجمع عليه وذاق طعم القرب منه والأنس به. فالانقطاع عند القوم: هو أنس القلب بغيره تعالى والالتفات إلى ما سواه. والاتصال: تجريد التعلق به وحده. والانقطاع عما سواه بالكلية. إذا عرفت هذا. فلنرجع إلى تفسير كلامه. فقوله quot; ذوق الانقطاع طعم الاتصال quot; استعارة وإلا فالذائق هو صاحب الانقطاع لا نفس الانقطاع. فإنه هو الذي ذاق الانقطاع والاتصال. وبالجملة: فالمراد أن المنقطع هو المحجوب والمتصل هو المشاهد بقلبه المكاشف بسره. وأحسن من التعبير بالاتصال: التعبير بالقرب. فإنها العبارة السديدة التي ارتضاها الله ورسوله في هذا المقام. وأما التعبير بالوصل والاتصال: فعبارة غير سديدة. يتشبث بها الزنديق الملحد والصديق الموحد. فالموحد يريد بالاتصال القرب. وبالانفصال والانقطاع البعد. والملحد يريد به الحلول تارة والاتحاد تارة. حتى قال بعض هؤلاء: المنقطع ليس في الحقيقة منقطعا. بل لم يزل متصلا لكنه كان غائبا عن المشاهدة. فلما شاهد وجد نفسه لم يكن منقطعا. بل لم يزل متصلا. قال: وليس قولنا quot; لم يزل متصلا quot; بسديد. فإن الاتصال لا يصح إلا بين اثنين. فلا المحجوب منقطعا. ولا المكاشف متصلا. وإنما هي عبارات للتقريب والتفهيم. وأنشد في ذلك: ما بال عيسك لا يقر قرارها ... وإلام ظلك لا يني متنقلا فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن ... إلا إليك إذا بلغت المنزلا.(3\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1072",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14069",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبإزاء هؤلاء طائفة غلظ حجابهم وكثفت أرواحهم عن هذا الشأن. فزعموا: أن القرب والبعد والأنس ليس له حقيقة تتعلق بالخالق سبحانه. وإنما ذلك القرب من داره وجنته بالطاعات وأنس القلب بما وعد عليها من الثواب والبعد ضد ذلك. لأن العبد لا يقرب من ربه. ولا يبعد عنه. ولا يأنس به. وصرحوا بأنه لا يريده ولا يحبه. فلا يصح تعلق الإرادة والمحبة به. فسار هؤلاء مغربين. وسار أولئك مشرقين. كما قيل: سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب. ومصباح الموحد السالك على درب الرسول وطريقه يتوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس [النور: 35] . قوله quot; وذوق الهمة: طعم الجمع quot; جعل الهمة ذائقة: وإنما الذوق لصاحبها توسعا. و quot; الهمة quot; قد عبر عنها الشيخ فيما تقدم بأنها quot; ما يملك الانبعاث إلى المقصود صرفا quot; أي حالة وصفية لها سطوة وملكة تحمل صاحبها على المقصود. وتبعثه عليه بعثا لا يخالطه غيره. فالهمة عندهم: طلب الحق من غير التفات إلى غيره. والجمع شهود الفردانية التي تفنى فيها رسوم المشاهد. وهذا جمع في الربوبية. وأعلى منه: الجمع في الألوهية وهو جمع قلبه وهمه وسره على محبوبه ومراضيه ومراده منه. فهو عكوف القلب بكليته على الله عز وجل. لا يلتفت عنه يمنة ولا يسرة. فإذا ذاقت الهمة طعم هذا الجمع: اتصل اشتياق صاحبها وتأججت نيران المحبة والطلب في قلبه. ويجد صبره عن محبوبه من أعظم كبائره. كما قيل: والصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه لا يحمد وقد تقدم ذكر الأثر الإلهي إني لا أنظر إلى كلام الحكيم. وإنما أنظر إلى همته . فلله همة نفس قطعت جميع الأكوان وسارت فما ألقت عصا السير إلا بين يدي الرحمن. تبارك وتعالى فسجدت بين يديه سجدة الشكر على الوصول إليه. فلم(3\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1073",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14070",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تزل ساجدة حتى قيل لها ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي [الفجر: 27] . فسبحان من فاوت بين الخلق في هممهم حتى ترى بين الهمتين أبعد مما بين المشرقين والمغربين. بل أبعد مما بين أسفل سافلين وأعلى عليين. وتلك مواهب العزيز الحكيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم [الحديد: 21] . قوله quot; وذوق المسامرة: طعم العيان quot; مرادهم بالمسامرة: مناجاة القلب ربه وإن سكت اللسان فلذة استيلاء ذكره تعالى ومحبته على قلب العبد وحضوره بين يديه وأنسه به وقربه منه حتى يصير كأنه يخاطبه ويسامره ويعتذر إليه تارة ويتملقه تارة ويثني عليه تارة حتى يبقى القلب ناطقا بقوله: أنت الله الذي لا إله إلا أنت من غير تكلف له بذلك. بل يبقى هذا حالا له ومقاما. ولا ينكر وصول القوم إلى هذا. فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإذا بلغ في مقام الإحسان بحيث يكون كأنه يرى الله سبحانه. فهكذا مخاطبته ومناجاته له. لكن الأولى العدول عن لفظ المسامرة إلى المناجاة فإنه اللفظ الذي اختاره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا. وعبر به عن حال العبد بقوله إذا قام أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه وفي الحديث الآخر كلكم يناجي ربه. فلا يجهر بعضكم على بعض .(3\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1074",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14071",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلا تعدل عن ألفاظه - صلى الله عليه وسلم -. فإنها معصومة وصادرة عن معصوم والإجمال والإشكال في اصطلاحات القوم وأوضاعهم. وبالله التوفيق.  [فصل منزلة اللحظ] [حقيقة اللحظ] فصل منزلة اللحظ ومن ذلك: منزلة اللحظ قال شيخ الإسلام: (باب اللحظ) قال الله تعالى ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني [الأعراف: 143] . قلت: يريد - والله أعلم - بالاستشهاد بالآية: أن الله سبحانه أراد أن يري موسى - صلى الله عليه وسلم - من كمال عظمته وجلاله ما يعلم به أن القوة البشرية في هذه الدار لا تثبت لرؤيته ومشاهدته عيانا. لصيرورة الجبل دكا عند تجلي ربه سبحانه أدنى تجل. كما رواه ابن جرير في تفسيره من حديث حماد بن سلمة: أخبرنا ثابت عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا [الأعراف: 143] قال حماد: هكذا - ووضع الإبهام علىمفصل الخنصر الأيمن - فقال حميد لثابت: أتحدثبمثلي هذا فضرب ثابت صدر حميد ضربة بيده. وقال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحدث به وأنا لا أحدث به  رواه الحاكم في(3\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1075",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14072",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صحيحه وقال: هو على شرط مسلم. وهو كما قال. والمقصود: أن الشيخ استشهد بهذه الآية في باب اللحظ لأن الله سبحانه أمر موسى أن ينظر إلى الجبل حين تجلى له ربه. فرأى أثر التجلي في الجبل دكا. فخر موسى صعقا. قال الشيخ: quot; اللحظ: لمحمسترق quot; الصواب قراءة هذه الكلمة على الصفة بالتخفيف. فوصف اللمح بأنهمسترق كما يقال: سارقته النظر. وهو لمح بخفية بحيث لا يشعر به الملموح. ولهذاالاستراق أسباب. منها: تعظيم الملموح وإجلاله. فالناظريسارقه النظر. ولا يحد نظره إليه إجلالا له. كما كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يحدون النظر إليه إجلالا له. وقال عمرو بن العاص لم أكن أملأ عيني منه إجلالا له. ولو سئلت أن أصفه لكم لما قدرت. لأني لم أكن أملأ عيني منه. ومنها: خوف اللامح سطوته. ومنها محبته. ومنها الحياء منه. ومنها ضعف القوة الباصرة عن التحديق فيه. وهذا السبب هو السبب الغالب في هذا الباب. ويجوز أن تقرأ بكسر الراء وتشديد القاف. أي نظرا يسترق صاحبه. أي يأسر قلبه ويجعله رقيقا - أي عبدا مملوكا للمنظور إليه - لما شاهد من جماله وكماله فاسترق قلبه. فلم يكن بينه وبين رقه له إلا مجرد وقوع لحظه عليه. فهكذا صاحب هذه الحال إذا لاحظ بقلبه جلال الربوبية. وكمال الرب سبحانه وكمال نعوته ومواقع لطفه وفضله وبره وإحسانه: استرق قلبه له وصارت له عبودية خاصة.  [درجات اللحظ] [الدرجة الأولى ملاحظة الفضل سبقا] قال: وهو في هذا الباب على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: ملاحظة الفضل سبقا. وهي تقطع طريق السؤال إلا ما استحقته الربوبية من إظهار التذلل لها. وتنبت السرور إلا ما يشوبه من حذر المكر. وتبعث على الشكر إلا ما قام به الحق عز وجل من حق الصفة.(3\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1076",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14073",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشيخ عادته في كل باب أن يقول: quot; وهو على ثلاث درجات quot;. وقال هاهنا: quot; وهو في هذا الباب على ثلاث درجات quot; فعين quot; هذا الباب quot; هنا دون غيره من الأبواب. لأن اللحظ مشترك بين لحظ البصر ولحظ البصيرة. والشيخ إنما أراد هاهنا هذا الثاني دون الأول. فإن كلامه فيه خاصة. وهو لما صدر بالآية والأمر بالنظر فيها: إنما توجه إلى الأمر بنظر العين استدرك كلامه. وقال: اللحظ الذي نشير إليه في هذا الباب هو لحظ العين. والله أعلم. قوله quot; ملاحظة الفضل سبقا quot; الفضل: هو العطاء الإلهي. و quot; السبق quot; هو ما سبق له بالتقدير قبل خروجه إلى الدنيا. كما قال تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون [الأنبياء: 101] وقال ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون [الصافات: 171] وهذا الكلام يفسر على معنيين. أحدهما: أن العبد إذا رأى ما قدره الله له قد سبق به تقديره - فهو واصل إليه لا محالة. ولا بد أن يناله - سكن جأشه. واطمأن قلبه ووطن نفسه وعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه. وما أخطأه لم يكن ليصيبه . وأنه ما يفتح الله له وللناس من رحمة فلا ممسك لها. وما يمسك فلا مرسل له من بعده [فاطر: 2] . فإذا تيقن ذلك وذاق طعم الإيمان به: قطع ذلك عليه طريق الطلب من ربه. لأن ما سبق له به القدر كائن واصل لا محالة. ثم استدرك الشيخ: أن العبد لا بد له من سؤال ربه والطلب منه. فقال: quot; إلا ما استحقته الربوبية من إظهار التذلل لها quot; أي لا يعتقد أن سؤاله وطلبه يجلب له ما ينفعه. ويدفع عنه ما يحذره. فإن القدر السابق قد استقر بوصول المقدور إليه سأله أو لم يسأله. ولكن يكون سؤاله على وجه التذلل وإظهار فقر العبودية وذلها بين يدي عز الربوبية. فإن الرب سبحانه يحب من عبده أن يسأله ويرغب إليه. لأن وصول بره وإحسانه إليه موقوف على سؤاله. بل هو المتفضل به ابتداء بلا سبب من العبد ولا توسط سؤاله وطلبه. بل قدر له ذلك الفضل بلا سبب من العبد ثم أمره بسؤاله والطلب منه إظهارا لمرتبة العبودية والفقر والحاجة واعترافا بعز الربوبية. وكمال غنى الرب وتفرده بالفضل والإحسان وأن العبد لا غنى له عن فضله طرفة عين فيأتي بالطلب والسؤال إتيان من يعلم أنه لا يستحق بطلبه وسؤاله شيئا. ولكن(3\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1077",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14074",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ربه تعالى يحب أن يسأل ويرغب إليه ويطلب منه. كما قال تعالى وقال ربكم ادعوني أستجب لكم [غافر: 60] . وقال تعالى وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون [البقرة: 186] . وقال واسألوا الله من فضله [النساء: 32]  وقال قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم [الفرقان: 77]  وقال ادعوا ربكم تضرعا وخفية [الأعراف: 55]  وقال وادعوه خوفا وطمعا [الأعراف: 56] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ليسأل أحدكم ربه كل شيء حتى شسع نعله إذا انقطع. فإنه إن لم ييسره لم يتيسر وقال من لم يسأل الله يغضب عليه . وروى الترمذي عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: سلوا الله من فضله. فإن الله يحب أن يسأل من فضله. وما سئل الله شيئا أحب إليه من العافية . وقال: إن لربكم في أيام دهركم نفحات. فتعرضوا لنفحاته. واسألوا الله أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم . وقال ما من داع يدعو الله بدعوة إلا آتاه بها أحد ثلاث: إما أن يعجل له حاجته وإما أن يعطيه من الخير مثلها وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها. قالوا: إذا نكثر يا رسول الله قال: فالله أكثر(3\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1078",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14075",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال ليس شيء أكرم على الله من الدعاء . وقال تعالى - في الحديث القدسي فيما رواه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته. فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته. فاستكسوني أكسكم. يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته. فاستهدوني أهدكم. يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار. وأنا أغفر الذنوب جميعا ولا أبالي. فاستغفروني أغفر لكم . وقال - صلى الله عليه وسلم - وأما السجود: فاجتهدوا فيه في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم . وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: إني لا أحمل هم الإجابة. ولكن أحمل هم الدعاء. فإذا ألهمت الدعاء علمت أن الإجابة معه. وفي هذا يقول القائل: لو لم ترد بذل ما أرجو وأطلبه ... من جود كفك ما عودتني الطلبا والله سبحانه وتعالى يحب تذلل عبيده بين يديه وسؤالهم إياه وطلبهم حوائجهم منه وشكواهم إليه وعياذهم به منه وفرارهم منه إليه. كما قيل:(3\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1079",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14076",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا أتشكو إليه ... ما ليس يخفى عليه فقلت ربي يرضى ... ذل العبيد لديه. وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا عبد الوهاب عن إسحاق عن مطرف بن عبد الله قال: تذاكرت: ما جماع الخير فإذا الخير كثير: الصيام والصلاة. وإذا هو في يد الله تعالى. وإذا أنت لا تقدر على ما في يد الله إلا أن تسأله فيعطيك. فإذا جماع الخير: الدعاء. وفي هذا المقام غلط طائفتان من الناس: طائفة ظنت أن القدر السابق يجعل الدعاء عديم الفائدة. قالوا: فإن المطلوب إن كان قد قدر فلا بد من وصوله دعا العبد أو لم يدع وإن لم يكن قد قدر فلا سبيل إلى حصوله دعا أو لم يدع. ولما رأوا الكتاب والسنة والآثار قد تظاهرت بالدعاء وفضله والحث عليه وطلبه قالوا: هو عبودية محضة. لا تأثير له في المطلوب ألبتة. وإنما تعبدنا به الله. وله أن يتعبد عباده بما شاء كيف شاء. والطائفة الثانية: ظنت أن بنفس الدعاء والطلب ينال المطلوب وأنه موجب لحصوله حتى كأنه سبب مستقل. وربما انضاف إلى ذلك شهودهم: أن هذا السبب منهم وبهم وأنهم هم الذين فعلوه وأن نفوسهم هي التي فعلته وأحدثته. وإن علموا أن الله خالق أفعال العباد وحركاتهم وسكناتهم وإراداتهم فربما غاب عنهم شهود كون ذلك بالله ومن الله لا بهم ولا منهم. وأنه هو الذي حركهم للدعاء. وقذفه في قلب العبد. وأجراه على لسانه. فهاتان الطائفتان غالطتان أقبح غلط. وهما محجوبتان عن الله. فالأولى: محجوبة عن رؤية حكمته في الأسباب ونصبها لإقامة العبودية وتعلق الشرع والقدر بها. فحجابها كثيف عن معرفة حكمة الله سبحانه وتعالى في شرعه وأمره وقدره. والثانية: محجوبة عن رؤية مننه وفضله وتفرده بالربوبية والتدبير. وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وأنه لا حول للعبد ولا قوة له - بل ولا للعالم أجمع - إلا به سبحانه. وأنه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه ومشيئته. وقول الطائفة الأولى: إن المطلوب إن قدر لا بد من حصوله وإنه إن لم يقدر فلا مطمع في حصوله.(3\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1080",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14077",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جوابه أن يقال: بقي قسم ثالث لم تذكروه. وهو أنه قدر بسببه. فإن وجد سببه وجد ما رتب عليه. وإن لم يوجد سببه لم يوجد. ومن أسباب المطلوب: الدعاء والطلب اللذين إذا وجدا وجد ما رتب عليهما. كما أن من أسباب الولد: الجماع. ومن أسباب الزرع: البذر. ونحو ذلك. وهذا القسم الثالث هو الحق. ويقال للطائفة الثانية: لا موجب إلا مشيئة الله تعالى. وليس هاهنا سبب مستقل غيرها. فهو الذي جعل السبب سببا. وهو الذي رتب على السبب حصول المسبب. ولو شاء لأوجده بغير ذلك السبب. وإذا شاء منع سببية السبب وقطع عنه اقتضاء أثره. وإذا شاء أقام له مانعا يمنعه عن اقتضاء أثره مع بقاء قوته فيه. وإذا شاء رتب عليه ضد مقتضاه وموجبه. فالأسباب طوع مشيئته سبحانه وقدرته وتحت تصرفه وتدبيره. يقلبها كيف شاء. فهذا أحد المعنيين في كلامه. والمعنى الثاني: أن من لاحظ بعين قلبه ما سبق له من ربه من جزيل الفضل والإحسان والبر من غير معاوضة ولا سبب من العبد أصلا. فإنه سبقت له تلك السابقة وهو في العدم. لم يكن شيئا ألبتة - شغلته تلك الملاحظة بطلب الله ومحبته وإرادته عن الطلب منه. وقطعت عليه طريق السؤال اشتغالا بذكره وشكره ومطالعة منته عن مسألته. لا لأن مسألته والطلب منه نقص. بل لأنه في هذه الحال لا يتسع للأمرين بل استغراقه في شهود المنة وسبق الفضل قطع عليه طريق الطلب والسؤال. وهذا لا يكون مقاما لازما له لا يفارقه. بل هذا حكمه في هذه الحال. والله أعلم.  فصل قوله: وينبت السرور إلا ما يشوبه من حذر المكر. يعني: أن هذا اللحظ من العبد ينبت له السرور إذا علم أن فضل ربه قد سبق له بذلك قبل أن يخلقه مع علمه به وبأحواله وتقصيره على التفصيل. ولم يمنعه علمه به: أن يقدر له ذلك الفضل والإحسان. فهو أعلم به إذ أنشأه من الأرض وإذ هو جنين في بطن أمه. ومع ذلك فقدر له من الفضل والجود ما قدره بدون سبب منه. بل مع علمه بأنه يأتي من الأسباب ما يقتضي قطع ذلك ومنعه عنه. فإذا شاهد العبد ذلك: اشتد سروره بربه وبمواقع فضله وإحسانه. وهذا فرح محمود غير مذموم. قال الله تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون [يونس: 58](3\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1081",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14078",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ففضله: الإسلام والإيمان ورحمته: العلم والقرآن. وهو يحب من عبده: أن يفرح بذلك ويسر به. بل يحب من عبده: أن يفرح بالحسنة إذا عملها وأن يسر بها. وهو في الحقيقة فرح بفضل الله حيث وفقه الله لها وأعانه عليها ويسرها له. ففي الحقيقة: إنما يفرح العبد بفضل الله وبرحمته. ومن أعظم مقامات الإيمان: الفرح بالله والسرور به. فيفرح به إذ هو عبده ومحبه. ويفرح به سبحانه ربا وإلها ومنعما ومربيا أشد من فرح العبد بسيده المخلوق المشفق عليه القادر على ما يريده العبد ويطلبه منه. المتنوع في الإحسان إليه والذب عنه. وسيأتي عن قريب - إن شاء الله - تمام هذا المعنى في باب السرور. قوله quot; إلا ما يشوبه من حذر المكر quot; أي يمازجه. فإن السرور والفرح يبسط النفس وينميها. وينسيها عيوبها وآفاتها ونقائصها. إذ لو شهدت ذلك وأبصرته لشغلها ذلك عن الفرح. وأيضا فإن الفرح بالنعمة قد ينسيه المنعم. فيشتغل بالخلعة التي خلعها عليه عنه. فيطفح عليه السرور حتى يغيب بنعمته عنه. وهنا يكون المكر إليه أقرب من اليد للفم. ولله كم هاهنا من مسترد منه ما وهب له عزة وحكمة! وربما كان ذلك رحمة به. إذ لو استمر على تلك الولاية لخيف عليه من الطغيان. كما قال تعالى كلا إن الإنسان ليطغى - أن رآه استغنى [العلق: 6 - 7] فإذا كان هذا غنى بالحطام الفاني فكيف بالغنى بما هو أعلى من ذلك وأكثر فصاحب هذا إن لم يصحبه حذر المكر: خيف عليه أن يسلبه وينحط عنه. و quot; المكر quot; الذي يخاف عليه منه: أن يغيب الله سبحانه عنه شهود أوليته في ذلك ومنته وفضله وأنه محض منته عليه وأنه به وحده ومنه وحده. فيغيب عن شهود حقيقة قوله تعالى وما بكم من نعمة فمن الله [النحل: 53] وقوله قل إن الأمر كله لله [آل عمران: 154] وقوله وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم [يونس: 107](3\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1082",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14079",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك [القصص: 86] وقوله ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء [النور: 21] وأمثال ذلك. فيغيبه عن شهود ذلك. ويحيله على معرفته في كسبه وطلبه. فيحيله على نفسه التي لها الفقر بالذات ويحجبه عن الحوالة على المليء الوفي الذي له الغنى التام كله بالذات فهذا من أعظم أسباب المكر. والله المستعان. ولو بلغ العبد من الطاعة ما بلغ فلا ينبغي له أن يفارقه هذا الحذر. وقد خافه خيار خلقه وصفوته من عباده. قال شعيب - صلى الله عليه وسلم - وقد قال له قومه لنخرجنك ياشعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها [الأعراف: 88]- إلى قوله - على الله توكلنا [الأعراف: 89] فرد الأمر إلى مشيئة الله تعالى وعلمه أدبا مع الله ومعرفة بحق الربوبية ووقوفا مع حد العبودية. وكذلك قال إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - لقومه - وقد خوفوه بآلهتهم - فقال ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما [الأنعام: 80] فرد الأمر إلى مشيئة الله وعلمه. وقد قال تعالى أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون [الأعراف: 99] . وقد اختلف السلف: هل يكره أن يقول العبد في دعائه: اللهم لا تؤمني مكرك فكان بعض السلف يدعو بذلك. ومراده: لا تخذلني حتى آمن مكرك ولا أخافه وكرهه مطرف بن عبد الله بن الشخير. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب عن إسحاق عن مطرف: أنه كان يكره أن يقول: اللهم لا تنسني ذكرك ولا تؤمني مكرك. ولكن أقول: اللهم لا تنسني ذكرك وأعوذ بك أن آمن مكرك حتى تكون أنت تؤمنني.(3\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1083",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14080",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبالجملة: فمن أحيل على نفسه فقد مكر به. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد - مولى بني هاشم - حدثنا الصلت بن طريف المعولي حدثنا غيلان بن جرير عن مطرف قال: وجدت هذا الإنسان ملقى بين الله عز وجل وبين الشيطان. فإن يعلم الله تعالى في قلبه خيرا: جبذه إليه. وإن لم يعلم فيه خيرا: وكله إلى نفسه. ومن وكله إلى نفسه فقد هلك. وقال جعفر بن سليمان: حدثنا ثابت عن مطرف قال: لو أخرج قلبي فجعل في يدي هذه في اليسار. وجيء بالخير فجعل في هذه اليمنى. ثم قربت من الأخرى ما استطعت أن أولج في قلبي شيئا حتى يكون الله عز وجل يضعه. ومما يدل على أن الفرح من أسباب المكر ما لم يقارنه خوف: قوله تعالى فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون [الأنعام: 44] . وقال قوم قارون له لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين [القصص: 76] فالفرح متى كان بالله وبما من الله به مقارنا للخوف والحذر: لم يضر صاحبه ومتى خلا عن ذلك: ضره ولا بد. قوله: ويبعث على الشكر إلا ما قام به الحق عز وجل من حق الصفة. هذا الكلام يحتمل معنيين. أحدهما: أن يريد أن هذه الملاحظة تبعثه على الشكر لله في السراء والضراء في كل حين إلا ما عجزت قدرته عن شكره. فإن الحق سبحانه هو الذي يقوم به لنفسه بحق كماله المقدس وكمال صفاته ونعوته. فتلك الملاحظة تبسط للعبد الشكر الذي يعجز عنه ولا يقدر أن يقوم به. فإن شكر العبد لربه: نعمة من الله أنعم بها عليه. فهي تستدعي شكرا آخر عليها. وذلك الشكر نعمة أيضا. فيستدعي شكرا ثالثا. وهلم جرا. فلا سبيل إلى القيام بشكر الرب على الحقيقة. ولا يشكره على الحقيقة سواه. فإنه هو المنعم بالنعمة وبشكرها. فهو الشكور لنفسه وإن سمى عبده شكورا. فمدحة الشكر في الحقيقة: راجعة إليه وموقوفة عليه. فهو الشاكر لنفسه بما أنعم على عبده. فما شكره في الحقيقة سواه مع كون العبد عبدا والرب ربا. فهذا أحد المعنيين في كلامه.(3\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1084",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14081",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعنى الثاني: أن هذا اللحظ يبسطه للشكر الذي هو وصفه وفعله. لا الشكر الذي هو صفة الرب جل جلاله وفعله. فإنه سمى نفسه بالشكور كما قال تعالى وكان الله شاكرا عليما [النساء: 147] وقال أهل الجنة إن ربنا لغفور شكور [فاطر: 34] فهذا الشكر الذي هو وصفه سبحانه لا يقوم إلا به. ولا يبعث العبد على الملاحظة المذكورة إلا على وجه واحد. وهو أنه: إذا لاحظ سبق الفضل منه سبحانه علم أنه فعل ذلك لمحبته للشكر. فإنه تعالى يحب أن يشكر. كما قال موسى - صلى الله عليه وسلم -: يا رب هلا ساويت بين عبادك فقال: إني أحب أن أشكر . وإذا كان يحب الشكر فهو أولى أن يتصف به كما أنه سبحانه وتر يحب الوتر جميل يحب الجمال محسن يحب المحسنين صبور يحب الصابرين عفو يحب العفو قوي والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف. فكذلك هو شكور يحب الشاكرين. فملاحظة العبد سبق الفضل تشهده صفة الشكر. وتبعثه على القيام بفعل الشكر. والله أعلم.  [فصل الدرجة الثانية ملاحظة نور الكشف] فصل قال: الدرجة الثانية: ملاحظة نور الكشف. وهي تسبل لباس التولي وتذيق طعم التجلي. وتعصم من عوار التسلي. هذه الدرجة: أتم مما قبلها. فإن تلك الدرجة: ملاحظة ما سبق بنور العلم. وهذه ملاحظة كشف بحال قد استولى على قلبه حتى شغله عن الخلق. فأسبل عليه لباس توليه الله وحده وتوليه عما سواه. ونور الكشف عندهم: هو مبدأ الشهود. وهو نور تجلي معاني الأسماء الحسنى على القلب. فتضيء به ظلمة القلب. ويرتفع به حجاب الكشف. ولا تلتفت إلى غير هذا فتزل قدم بعد ثبوتها. فإنك تجد في كلام بعضهم: تجلي الذات يقتضي كذا وكذا وتجلي الصفات يقتضي كذا وكذا وتجلي الأفعال يقتضي كذا وكذا. والقوم عنايتهم بالألفاظ. فيتوهم المتوهم: أنهم يريدون تجلي حقيقة الذات والصفات والأفعال للعيان فيقع من يقع منهم في الشطحات والطامات.(3\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1085",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14082",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والصادقون العارفون برآء من ذلك. وإنما يشيرون إلى كمال المعرفة وارتفاع حجب الغفلة والشك والإعراض واستيلاء سلطان المعرفة على القلب بمحو شهود السوى بالكلية. فلا يشهد القلب سوى معروفه. وينظرون هذا بطلوع الشمس. فإنها إذا طلعت انطمس نور الكواكب. ولم تعدم الكواكب. وإنما غطى عليها نور الشمس. فلم يظهر لها وجود. وهي في الواقع موجودة في أماكنها. وهكذا نور المعرفة إذا استولى على القلب قوي سلطانها وزالت الموانع والحجب عن القلب. ولا ينكر هذا إلا من ليس من أهله. ولا يعتقد أن الذات المقدسة والأوصاف: برزت وتجلت للعبد - كما تجلى سبحانه للطور وكما يتجلى يوم القيامة للناس - إلا غالط فاقد للعلم. وكثيرا ما يقع الغلط من التجاوز من نور العبادات والرياضة والذكر إلى نور الذات والصفات. فإن العبادة الصحيحة والرياضة الشرعية والذكر المتواطئ عليه القلب واللسان: يوجب نورا على قدر قوته وضعفه. وربما قوي ذلك النور حتى يشاهد بالعيان. فيظنه فيه ضعيف العلم والتمييز بين خصائص الربوبية ومقتضيات العبودية. فيظنه نور الذات وهيهات! ثم هيهات! نور الذات لا يقوم له شيء ولو كشف سبحانه وتعالى الحجاب عنه لتدكدك العالم كله كما تدكدك الجبل وساخ لما ظهر له القدر اليسير من التجلي. وفي الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - إن الله سبحانه لا ينام. ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه. يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل. حجابه النور. لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه . فالإسلام له نور. والإيمان له نور أقوى منه. والإحسان له نور أقوى منهما. فإذا اجتمع الإسلام والإيمان والإحسان وزالت الحجب الشاغلة عن الله تعالى: امتلأ القلب والجوارح بذلك النور. لا بالنور الذي هو صفة الرب تعالى. فإن صفاته لا تحل في شيء من مخلوقاته. كما أن مخلوقاته لا تحل فيه. فالخالق سبحانه بائن عن(3\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1086",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14083",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المخلوق بذاته وصفاته. فلا اتحاد ولا حلول ولا ممازجة. تعالى الله عن ذلك كله علوا كبيرا. قوله quot; ويعصم من عوار التسلي quot; العوار: العيب. والتسلي السلوة عن المحبوب الذي لا حياة للقلب ولا نعيم إلا بحبه والقرب منه والأنس بذكره. فإن سلو القلب وغفلته عن ذكره: هو من أعظم العيوب. فهذه الملاحظة إذا صدقت عصمت صاحبها عن عيب سلوته عن مطلوبه ومراده. فإنه في هذه الدرجة مستغرق في شهود الأسماء والصفات. وقد استولى على قلبه نور الإيمان بها ومعرفتها ودوام ذكرها. ومع هذا: فباب السلوة عليه مسدود وطريقها عليه مقطوع. والمحب يمكنه التسلي قبل أن يشاهد جمال محبوبه ويستغرق في شهود كماله ويغيب به عن غيره. فإذا وصل إلى هذه الحال كان كما قيل: مرت بأرجاء الخيال طيوفه ... فبكت على رسم السلو الدارس  [فصل الدرجة الثالثة ملاحظة عين الجمع] فصل قال: الدرجة الثالثة: ملاحظة عين الجمع. وهي توقظ لاستهانة المجاهدات. وتخلص من رعونة المعارضات. وتفيد مطالعة البدايات. هذه الدرجة عنده: أرفع مما قبلها. فإن ما قبلها - مطالعة كشف الأنوار - تشير إلى نوع كسب واختيار. وهذه مطالعة تجذب القلب من التفرق في أودية الإرادات وشعاب الأحوال والمقامات إلى ما استولى عليه من عين الجمع الناظر إلى الواحد الفرد الأول الذي ليس قبله شيء الآخر الذي ليس بعده شيء الظاهر الذي ليس فوقه شيء الباطن الذي ليس دونه شيء. سبق كل شيء بأوليته. وبقي بعد كل شيء بآخريته. وعلا فوق كل شيء بظهوره. وأحاط بكل شيء ببطونه. فالنظر بهذه العين: يوقظ قلبه لاستهانته بالمجاهدات. ومعنى ذلك: أن السالك في مبدأ أمره له شرة وفي طلبه حدة تحمله على أنواع المجاهدات وترميه عليها لشدة طلبه. ففتوره نائم واجتهاده يقظان. فإذا وصل إلى هذه الدرجة: استهان بالمجاهدات الشاقة في جنب ما حصل له(3\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1087",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14084",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من مقام الجمع على الله. واستراح من كدها. فإن ساعة من ساعات الجمع على الله: أنفع وأجدى عليه من القيام بكثير من المجاهدات البدنية التي لم يفرضها الله عليه. فإذا جمع همه وقلبه كله على الله وزال كل مفرق ومشتت: كانت هذه هي ساعات عمره في الحقيقة. فتعوض بها عما كان يقاسيه من كد المجاهدات وتعبها. وهذا موضع غلط فيه طائفتان من الناس. إحداهما: غلت فيه حتى قدمته على الفرائض والسنن. ورأت نزولها عنه إلى القيام بالأوامر انحطاطا من الأعلى إلى الأدنى. حتى قيل لبعض من زعم أنه ذاق ذلك: قم إلى الصلاة فقال: يطالب بالأوراد من كان غافلا ... فكيف بقلب كل أوقاته ورد وقال آخر: لا تسيب واردك لوردك. وهؤلاء بين كافر وناقص. فمن لم ير القيام بالفرائض - إذا حصلت له الجمعية - فهو كافر منسلخ من الدين. ومن عطل لها مصلحة راجحة - كالسنن الرواتب والعلم النافع والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنفع العظيم المتعدي - فهو ناقص. والطائفة الثانية: لا تعبأ بالجمعية ولا تعمل عليها. ولعلها لا تدري ما مسماها ولا حقيقتها. وطريقة الأقوياء أهل الاستقامة: القيام بالجمعية في التفرقة ما أمكن. فيقوم أحدهم بالعبادات ونفع الخلق والإحسان إليهم مع جمعيته على الله. فإن ضعف عن اجتماع الأمرين وضاق عن ذلك: قام بالفرائض. ونزل عن الجمعية. ولم يلتفت إليها إذا كان لا يقدر على تحصيلها إلا بتعطيل الفرض. فإن ربه سبحانه يريد منه أداء فرائضه. ونفسه تريد الجمعية لما فيها من الراحة واللذة والتخلص من ألم التفرقة وشعثها. فالفرائض حق ربه. والجمعية حظه هو. فالعبودية الصحيحة: توجب عليه تقديم أحد الأمرين على الآخر. فإذا جاء إلى النوافل وتعارض عنده الأمران: فمنهم من يرجح الجمعية. ومنهم من يرجح النوافل. ومنهم من يؤثر هذا في وقت وهذا في وقت. والتحقيق - إن شاء الله - أن تلك النوافل إن كانت مصلحتها أرجح من الجمعية(3\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1088",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14085",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا تعوضه الجمعية عنها: اشتغل بها ولو فاتت الجمعية كالدعوة إلى الله وتعليم العلم النافع وقيام وسط الليل والذكر أول الليل وآخره وقراءة القرآن بالتدبر. ونفل الجهاد والإحسان إلى المضطر وإغاثة الملهوف. ونحو ذلك. فهذا كله مصلحته أرجح من مصلحة الجمعية. وإن كانت مصلحته دون الجمعية - كصلاة الضحى وزيارة الإخوان والغسل لحضور الجنائز وعيادة المرضى وإجابة الدعوات وزيارة القدس وضيافة الإخوان ونحو ذلك - فهذا فيه تفصيل. فإن قويت جمعيته فظهر تأثيرها فيه: فهي أولى له وأنفع من ذلك. وإن ضعفت الجمعية وقوي إخلاصه في هذه الأعمال: فهي أنفع له وأفضل من الجمعية. والمعول عليه في ذلك كله: إيثار أحب الأمرين إلى الرب تعالى. وذلك يعرف بنفع العمل وثمرته من زيادة الإيمان به وترتب الغايات الحميدة عليه وكثرة مواظبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليه وشدة اعتنائه به وكثرة الوصية به وإخباره: أن الله يحب فاعله. ويباهي به الملائكة. ونحو ذلك. ونكتة المسألة وحرفها: أن الصادق في طلبه يؤثر مرضاة ربه على حظه. فإن كان رضا الله في القيام بذلك العمل وحظه في الجمعية: خلى الجمعية تذهب. وقام بما فيه رضا الله. ومتى علم الله من قلبه: أن تردده وتوقفه - ليعلم: أي الأمرين أحب إلى الله وأرضى له - أنشأ له من ذلك التوقف والتردد حالة شريفة فاضلة حتى لو قدم المفضول - لظنه أنه الأحب إلى الله -: ردت تلك النية والإرادة عليه ما ذهب عليه وفاته من زيادة العمل الآخر. وبالله التوفيق. وفي كلامه معنى آخر: وهو أن صاحب المجاهدات مسافر بعزمه وهمته إلى الله. فإذا لاحظ عين الجمع وهي الوحدانية - التي شهود عينها: هو انكشاف حقيقتها للقلب - كان بمنزلة مسافر جاد في سيره وقد وصل إلى المنزل. وقرت عينه بالوصول. وسكنت نفسه كما قيل: فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر ولكن هذا الموضع: مورد الصديق الموحد. والزنديق الملحد. فالزنديق يقول: الاشتغال بالسير بعد الوصول عيب. لا فائدة فيه. والوصول عنده: هو ملاحظة عين الجمع. فإذا استغرق في هذا الشهود وفني به عن كل(3\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1089",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14086",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما سواه: ظن أن ذلك هو الغاية المطلوبة بالأوراد والعبادات. وقد حصلت له الغاية. فرأى قيامه بها أولى به. وأنفع له من الاشتغال بالوسيلة. فالعبادات البدنية عنده: وسيلة لغاية وقد حصلت. فلا معنى للاشتغال بالوسيلة بعدها كما يقول كثير من الناس: إن العلم وسيلة إلى العمل. فإذا اشتغلت بالغاية لم تحتج إلى الوسيلة. وقد اشتد نكير السلف - من أهل الاستقامة من الشيوخ - على هذه الفرقة. وحذروا منهم. وجعلوا أهل الكبائر وأصحاب الشهوات خيرا منهم وأرجى عاقبة. وأما الصديق الموحد: فإذا وصل إلى هناك صارت أعماله القلبية والروحية أعظم من أعماله البدنية ولم يسقط من أعماله شيئا. ولكنه استراح من كد المجاهدات بملاحظة عين الجمع. وصار بمنزلة مسافر طلب ملكا عظيما رحيما جوادا فجد في السفر إليه خشية أن يقتطع دونه. فلما وصل إليه ووقع بصره عليه: بقي له سير آخر في مرضاته ومحابه. فالأول: كان سيرا إليه. وهذا سير في محابه ومراضيه. فهذا أقرب ما يقال في كلام الشيخ وأمثاله في ذلك. وبعد فالعبد - وإن لاحظ عين الجمع ولم يغب عنها - فهو سائر إلى الله ولا ينقطع سيره إليه ما دام في قيد الحياة. ولا يصل العبد ما دام حيا إلى الله وصولا يستغني به عن السير إليه ألبتة وهذا عين المحال. بل يشتد سيره إلى الله كلما زادت ملاحظته لتوحيده وأسمائه وصفاته. ولهذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعظم الخلق اجتهادا وقياما بالأعمال ومحافظة عليها إلى أن توفاه الله. وهو أعظم ما كان اجتهادا وقياما بوظائف العبودية. فلو أتى العبد بأعمال الثقلين جميعها لم تفارقه حقيقة السير إلى الله. وكان بعد في طريق الطلب والإرادة. وتقسيم السائرين إلى الله: إلى طالب وسائر وواصل. أو إلى مريد ومراد: تقسيم فيه مساهلة لا تقسيم حقيقي فإن الطلب والسلوك والإرادة لو فارق العبد: لانقطع عن الله بالكلية. ولكن هذا التقسيم باعتبار تنقل العبد في أحوال سيره وإلا فإرادة العبد المراد وطلبه وسيره: أشد من إرادة غيره وطلبه وسيره. وأيضا فإنه مراد أولا حيث أقيم في مقام الطلب وجذب إلى السير. فكل مريد مراد. وكل واصل وسالك وطالب لا يفارقه طلبه ولا سيره وإن تنوعت طرق السير بحسب اختلاف حال العبد.(3\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1090",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14087",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فمن السالكين: من يكون سيره ببدنه وجوارحه أغلب عليه من سيره بقلبه وروحه. ومنهم: من سيره بقلبه أغلب عليه أعني قوة سيره وحدته. ومنهم - وهم الكمل الأقوياء - من يعطي كل مرتبة حقها. فيسير إلى الله ببدنه وجوارحه وقلبه وروحه. وقد أخبر الله سبحانه عن صفوة أوليائه بأنهم دائما في مقام الإرادة له. فقال تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه [الأنعام: 52] وقال تعالى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى [الليل: 19] فالعبد أخص أوصافه وأعلى مقاماته: أن يكون مريدا صادق الإرادة عبدا في إرادته. بحيث يكون مراده تبعا لمراد ربه الديني منه. ليس له إرادة في سواه. وقد يحمل كلام الشيخ على معنى آخر وهو: أن يكون معنى قوله quot; إن ملاحظة عين الجمع توقظ الاستهانة بالمجاهدات quot; أنه يوقظه من نوم الاستهانة بالمجاهدات وتكون اللام للتعليل. أي يوقظه من سنة التقصير. لاستهانته بالمجاهدات. وهذا معنى صحيح في نفسه فإن العبد كلما كان إلى الله أقرب كان جهاده في الله أعظم. قال الله تعالى وجاهدوا في الله حق جهاده [الحج: 78] . وتأمل أحوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. فإنهم كانوا كلما ترقوا من القرب في مقام: عظم جهادهم واجتهادهم: لا كما ظنه بعض الملاحدة المنتسبين إلى الطريق حيث قال: القرب الحقيقي تنقل العبد من الأحوال الظاهرة إلى الأعمال الباطنة. ويريح الجسد والجوارح من كد العمل. وهؤلاء أعظم كفرا وإلحادا. حيث عطلوا العبودية. وظنوا أنهم استغنوا عنها بما حصل لهم من الخيالات الباطلة التي هي من أماني النفس وخدع الشيطان. وكأن قائلهم إنما عنى نفسه وذوي مذهبه بقوله: رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم ... وخاضوا بحار الحب دعوى فما ابتلوا فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم ... وما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا(3\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1091",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14088",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد صرح أهل الاستقامة وأئمة الطريق: بكفر هؤلاء. فأخرجوهم من الإسلام. وقالوا: لو وصل العبد من القرب إلى أعلى مقام يناله العبد لما سقط عنه من التكليف مثقال ذرة. أي ما دام قادرا عليه. وهؤلاء يظنون: أنهم يستغنون بهذه الحقيقة عن ظاهر الشريعة. وأجمعت هذه الطائفة على أن هذا كفر وإلحاد. وصرحوا بأن كل حقيقة لا تتبعها شريعة فهي كفر. قال سري السقطي: من ادعى باطن الحقيقة ينقضها ظاهر حكم: فهو غالط. وقال سيد الطائفة الجنيد بن محمد: علمنا هذا متشبك بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال إبراهيم بن محمد النصرابادي: أصل هذا المذهب: ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع. والتمسك بالأئمة والاقتداء بالسلف وترك ما أحدثه الآخرون والمقام على ما سلك الأولون. . وسئل إسماعيل بن نجيد: ما الذي لا بد للعبد منه فقال: ملازمة العبودية على السنة ودوام المراقبة. وسئل: ما التصوف فقال: الصبر تحت الأمر والنهي. . وقال أحمد بن أبي الحواري: من عمل بلا اتباع سنة فباطل عمله. وقال الشبلي يوما - ومد يده إلى ثوبه - لولا أنه عارية لمزقته. فقيل له: رؤيتك في تلك الغلبة ثيابك وأنها عارية فقال: نعم أرباب الحقائق محفوظ عليهم في كل الأوقات الشريعة. . وقال أبو يزيد البسطامي: لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا: كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود والشريعة. وقال عبد الله الخياط: الناس قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا مع ما يقع في قلوبهم. فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فردهم من القلب إلى الدين والشريعة. ولما حضرت أبا عثمان الحيري الوفاة: مزق ابنه أبو بكر قميصه. ففتح أبو عثمان عينيه وقال: يا بني خلاف السنة في الظاهر من رياء الباطن في القلب. ومن كلام ابن عثمان هذا: أسلم الطرق من الاغترار: طريق السلف ولزوم الشريعة. . وقال عبد الله بن مبارك: لا يظهر على أحد شيء من نور الإيمان إلا باتباع السنة ومجانبة البدعة. وكل(3\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1092",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14089",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "موضع ترى فيه اجتهادا ظاهرا بلا نور. فاعلم أن ثم بدعة خفية. وقال سهل بن عبد الله: الزم السواد على البياض - حدثنا وأخبرنا - إن أردت أن تفلح. ولقد كان سادات الطائفة أشد ما كانوا اجتهادا في آخر أعمارهم. قال القشيري: سمعت أبا علي الدقاق يقول: رئي في يد الجنيد سبحة. فقيل له: أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة فقال: طريق وصلت به إلى ربي تبارك وتعالى لا أفارقه أبدا. . وقال إسماعيل بن نجيد: كان الجنيد يجيء كل يوم إلى السوق فيفتح باب حانوته. فيدخله ويسبل الستر ويصلي أربعمائة ركعة ثم يرجع إلى بيته. ودخل عليه ابن عطاء - وهو في النزع - فسلم عليه. فلم يرد عليه. ثم رد عليه بعد ساعة. فقال: اعذرني. فإني كنت في وردي. ثم حول وجهه إلى القبلة. وكبر ومات. وقال أبو سعيد بن الأعرابي: سمعت أبا بكر العطار يقول: حضرت أبا القاسم الجنيد - أنا وجماعة من أصحابنا - فكان قاعدا يصلي ويثني رجله إذا أراد أن يسجد. فلم يزل كذلك حتى خرجت الروح من رجليه. فثقلت عليه حركتها وكانتا قد تورمتا. فقال له بعض أصحابه: ما هذا يا أبا القاسم فقال: هذه نعم الله. الله أكبر. فلما فرغ من صلاته قال له أبو محمد الجريري: يا أبا القاسم لو اضطجعت. فقال: يا أبا محمد هذا وقت يؤخذ فيه الله أكبر. فلم يزل ذلك حاله حتى مات. ودخل عليه شاب - وهو في مرضه الذي مات فيه. وقد تورم وجهه. وبين يديه مخدة يصلي إليها - فقال: وفي هذه الساعة لا تترك الصلاة فلما سلم دعاه وقال: شيء وصلت به إلى الله فلا أدعه. ومات بعد ساعة. رحمة الله عليه. وقال أبو محمد الجريري: كنت واقفا على رأس الجنيد في وقت وفاته. وكان يوم جمعة ويوم نيروز. وهو يقرأ القرآن. فقلت له: يا أبا القاسم ارفق بنفسك فقال: يا أبا محمد أرأيت أحدا أحوج إليه مني في مثل هذا الوقت وهو ذا تطوى صحيفتي . وقال أبو بكر العطوي: كنت عند الجنيد حين مات. فختم القرآن. ثم ابتدأ في ختمة أخرى. فقرأ من البقرة سبعين آية. ثم مات. وقال محمد بن إبراهيم: رأيت الجنيد في النوم. فقلت: ما فعل الله بك فقال: طاحت تلك الإشارات وغابت تلك العبارات وفنيت تلك العلوم ونفدت تلك الرسوم. وما نفعنا إلا ركعات كنا نركعها في الأسحار. وتذاكروا بين يديه أهل(3\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1093",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14090",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعرفة وما استهانوا به من الأوراد والعبادات بعدما وصلوا إليه فقال الجنيد: العبادة على العارفين أحسن من التيجان على رءوس الملوك. وقال: الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول - صلى الله عليه وسلم -. واتبع سنته ولزم طريقته. فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه. وقال: من ظن أنه يصل ببذل المجهود فمتعن. ومن ظن أنه يصل بغير بذل المجهود فمتمن. وقال أبو نعيم: سمعت أبي يقول: سمعت أحمد بن جعفر بن هانئ يقول: سألت الجنيد ما علامة الإيمان فقال: علامته طاعة من آمنت به والعمل بما يحبه ويرضاه وترك التشاغل عنه بما ينقضي ويزول. فرحمة الله على أبي القاسم الجنيد ورضي الله عنه. ما أتبعه لسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وما أقفاه لطريقة أصحابه. وهذا باب يطول تتبعه جدا. يدلك على أن أهل الاستقامة في نهاياتهم: أشد اجتهادا منهم في بداياتهم بل كان اجتهادهم في البداية في عمل مخصوص. فصار اجتهادهم في النهاية: الطاعة المطلقة. وصارت إرادتهم دائرة معها. فتضعف الاجتهاد في المعنى المعين. لأنه كان مقسوما بينه وبين غيره. ولا تضع إلى قول ملحد قاطع للطريق في قالب عارف يقول: إن منزلة القرب تنقل العبد من الأعمال الظاهرة إلى الأعمال الباطنة. وتحمل على الاستهانة بالطاعات الظاهرة وتريحه من كد القيام بها.  فصل قوله: وتخلص من رعونة المعارضات. يريد: أن هذه الملاحظة تخلص العبد من رعونة معارضة حكم الله الديني والكوني الذي لم يأمر بمعارضته. فيستسلم للحكمين. فإن ملاحظة عين الجمع تشهده: أن الحكمين صدرا عن عزيز حكيم. فلا يعارض حكمه برأي ولا عقل ولا ذوق ولا خاطر. وأيضا فتخلص قلبه من معارضات السوى للأمر. فإن الأمر يعارض بالشهوة. والخبر يعارض بالشك والشبهة. فملاحظة عين الجمع: تخلص قلبه من هاتين(3\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1094",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14091",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعارضتين. وهذا هو القلب السليم الذي لا يفلح إلا من لقي الله به. هذا تفسير أهل الحق والاستقامة. وأما أهل الإلحاد فقالوا: المراد بالمعارضات هاهنا: الإنكار على الخلق فيما يبدو منهم من أحكام البشرية. لأن المشاهد لعين الجمع يعلم: أن مراد الله من الخلق ما هم عليه. فإذا علم ذلك بحقيقة الشهود: كانت المعارضات والإنكار عليهم من رعونات الأنفس المحجوبة. وقال قدوتهم في ذلك: العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسر الله في القدر. وهذا عين الاتحاد والإلحاد والانسلاخ من الدين بالكلية. وقد أعاذ الله شيخ الإسلام من ذلك. وإذا كان الملحد يحمل كلام الله ورسوله ما لا يحتمله. فما الظن بكلام مخلوق مثله فيقال: إنما بعث الله رسله وأنزل كتبه بالإنكار على الخلق بما هم عليه من أحكام البشرية وغيرها. فبهذا أرسلت الرسل وأنزلت الكتب وانقسمت الدار إلى دار سعادة للمنكرين ودار شقاوة للمنكر عليهم. فالطعن في ذلك: طعن في الرسل والكتب. والتخلص من ذلك: انحلال من ربقة الدين. ومن تأمل أحوال الرسل مع أممهم: وجدهم كانوا قائمين بالإنكار عليهم أشد القيام. حتى لقوا الله تعالى وأوصوا من آمن بهم بالإنكار على من خالفهم وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن المتخلص من مقامات الإنكار الثلاثة ليس معه من الإيمان حبة خردل. وبالغ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشد المبالغة حتى قال إن الناس إذا تركوه: أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده . وأخبر أن تركه: يوقع المخالفة بين القلوب والوجوه. ويحل لعنة الله. كما لعن(3\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1095",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14092",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله بني إسرائيل على تركه. فكيف يكون الإنكار من رعونات النفوس وهو مقصود الشريعة وهل الجهاد إلا على أنواع الإنكار. وهو جهاد باليد وجهاد أهل العلم: إنكار باللسان. وأما قوله: إن المشاهد: أن مراد الله من الخلائق: ما هم عليه. فيقال له: الرب تعالى له مرادان: كوني وديني. فهب أن مراده الكوني منهم ما هم عليه. فمراده الديني الأمري الشرعي: هو الإنكار على أصحاب المراد الكوني. فإذا عطلت مراده الديني: لم تكن واقفا مع مراده الديني الذي يحبه ويرضاه. ولا ينفعك وقوفك مع مراده الكوني الذي قدره وقضاه. إذ لو نفعك ذلك لم يكن للشرائع معنى ألبتة. ولا للحدود والزواجر ولا للعقوبات الدنيوية ولا للأخذ على أيدي الظلمة والفجار وكف عدوانهم وفجورهم. فإن العارف عندك: يشهد أن مراد الله منهم: هو ذلك. وفي هذا فساد الدنيا قبل الأديان. فهذا المذهب الخبيث لا يصلح عليه دنيا ولا دين ولكنه رعونة نفس قد أخلدت إلى الإلحاد وكفرت بدين رب العباد. واتخذت تعطيل الشرائع دينا ومقاما ووساوس الشيطان مسامرة وإلهاما. وجعلت أقدار الرب تعالى مبطلة لما بعث به رسله. ومعطلة لما أنزل به كتبه. وجعلوا هذا الإلحاد غاية المعارف الإلهية وأشرف المقامات العلية. ودعوا إلى ذلك النفوس المبطلة الجاهلة بالله ودينه. فلبوا دعوتهم مسرعين واستخف الداعي منهم قومه فأطاعوه. إنهم كانوا قوما فاسقين. وأما قوله: إن الإنكار: من معارضات النفوس المحجوبة. فلعمر الله: إنهم لفي حجاب منيع من هذا الكفر والإلحاد. ولكنهم يشرفون على أهله وهم في ضلالتهم يعمهون وفي كفرهم يترددون ولأتباع الرسل يحاربون وإلى خلاف طريقهم يدعون. وبغير هداهم يهتدون. وعن صراطهم المستقيم ناكبون. ولما جاءا به يعارضون يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون - في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون - وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون - ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون - وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون - وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون - الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون - أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين [البقرة: 9 - 16] .  فصل(3\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1096",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14093",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله: quot; وتفيد مطالعة البدايات quot; يحتمل كلامه أمرين. أحدهما: أن ملاحظة عين الجمع: تفيد صاحبها مطالعة السوابق التي ابتدأه الله بها. فتفيده ملاحظة عين الجمع نظرة إلى أولية الرب تعالى في كل شيء. ويحتمل أن يريد بالبدايات: بدايات سلوكه وحدة طلبه. فإنه في حال سلوكه لا يلتفت إلى ما وراءه لشدة شغله بما بين يديه. وغلبة أحكام الهمة عليه. فلا يتفرغ لمطالعة بداياته. فإذا لاحظ عين الجمع: قطع السلوك الأول. وبقي له سلوك ثان. فتفرغ حينئذ إلى مطالعة بداياته. ووجد اشتياقا منه إليها كما قال الجنيد: واشوقاه إلى أوقات البداية. يعني: لذة أوقات البداية وجمع الهمة على الطلب والسير إلى الله. فإنه كان مجموع الهمة على السير والطلب. فلما لاحظ عين الجمع فنيت رسومه وهو لا يمكنه الفناء عن بشريته وأحكام طبيعته. فتقاضت طباعه ما فيها. فلزمته الكلف. فارتاح إلى أوقات البدايات لما كان فيها من لذة الإعراض عن الخلق واجتماع الهمة. ومر أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه على رجل وهو يبكي من خشية الله. فقال: هكذا كنا حتى قست قلوبنا. وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - إن لكل عامل شرة. ولكل شرة فترة . فالطالب الجاد: لا بد أن تعرض له فترة. فيشتاق في تلك الفترة إلى حاله وقت الطلب والاجتهاد. ولما فتر الوحي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغدو إلى شواهق الجبال ليلقي نفسه. فيبدو له جبريل عليه السلام فيقول له: إنك رسول الله. فيسكن لذلك جأشه وتطمئن نفسه .(3\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1097",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14094",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتخلل الفترات للسالكين: أمر لازم لا بد منه. فمن كانت فترته إلى مقاربة وتسديد ولم تخرجه من فرض ولم تدخله في محرم: رجا له أن يعود خيرا مما كان. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: إن لهذه القلوب إقبالا وإدبارا. فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل. وإن أدبرت فألزموها الفرائض. وفي هذه الفترات والغيوم والحجب التي تعرض للسالكين: من الحكم ما لا يعلم تفصيله إلا الله. وبها يتبين الصادق من الكاذب. فالكاذب: ينقلب على عقبيه. ويعود إلى رسوم طبيعته وهواه. والصادق: ينتظر الفرج. ولا ييأس من روح الله. ويلقي نفسه بالباب طريحا ذليلا مسكينا مستكينا كالإناء الفارغ الذي لا شيء فيه ألبتة ينتظر أن يضع فيه مالك الإناء وصانعه ما يصلح له لا بسبب من العبد - وإن كان هذا الافتقار من أعظم الأسباب - لكن ليس هو منك. بل هو الذي من عليك به. وجردك منك. وأخلاك عنك. وهو الذي يحول بين المرء وقلبه. فإذا رأيته قد أقامك في هذا المقام فاعلم أنه يريد أن يرحمك ويملأ إناءك فإن وضعت القلب في غير هذا الموضع فاعلم أنه قلب مضيع. فسل ربه ومن هو بين أصابعه: أن يرده عليك ويجمع شملك به. ولقد أحسن القائل: إذا ما وضعت القلب في غير موضع ... بغير إناء فهو قلب مضيع  [فصل منزلة الوقت] [حقيقة الوقت] فصل ومنها الوقت قال صاحب المنازل: باب الوقت. قال الله تعالى ثم جئت على قدر ياموسى [طه: 40] الوقت اسم لظرف الكون. وهو اسم في هذا الباب لثلاثة معان على ثلاث درجات. المعنى الأول: حين وجد صادق لإيناس ضياء فضل جذبه صفاء رجاء أو لعصمة جذبها(3\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1098",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14095",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صدق خوف. أو لتلهب شوق جذبه اشتعال محبة. وجه استشهاده بالآية: أن الله سبحانه قدر مجيء موسى أحوج ما كان الوقت إليه. فإن العرب تقول: جاء فلان على قدر. إذا جاء وقت الحاجة إليه. قال جرير: نال الخلافة إذ كانت على قدر ... كما أتى ربه موسى على قدر وقال مجاهد: على موعد. وهذا فيه نظر. لأنه لم يسبق بين الله سبحانه وبين موسى موعد للمجيء حتى يقال: إنه أتى على ذلك الموعد. ولكن وجه هذا: أن المعنى: جئت على الموعد الذي وعدنا أن ننجزه والقدر الذي قدرنا أن يكون في وقته وهذا كقوله تعالى إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا - ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا [الإسراء: 107 - 108] لأن الله سبحانه وتعالى وعد بإرسال نبي في آخر الزمان يملأ الأرض نورا وهدى. فلما سمعوا القرآن: علموا أن الله أنجز ذلك الوعد الذي وعد به. واستشهاده بهذه الآية يدل على محله من العلم. لأن الشيء إذا وقع في وقته الذي هو أليق الأوقات بوقوعه فيه: كان أحسن وأنفع وأجدى. كما إذا وقع الغيث في أحوج الأوقات إليه. وكما إذا وقع الفرج في الوقت الذي يليق به. ومن تأمل أقدار الرب تعالى وجريانها في الخلق: علم أنها واقعة في أليق الأوقات بها. فبعث الله سبحانه موسى: أحوج ما كان الناس إلى بعثته. وبعث عيسى كذلك. وبعث محمدا صلى الله عليه وعليهم أجمعين: أحوج ما كان أهل الأرض إلى إرساله. فهكذا وقت العبد مع الله يعمره بأنفع الأشياء له: أحوج ما كان إلى عمارته. قوله quot; الوقت: ظرف الكون quot; الوقت: عبارة عن مقاربة حادث لحادث عند(3\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1099",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14096",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المتكلمين فهو نسبة بين حادثين. فقوله quot; ظرف الكون quot; أي وعاء التكوين. فهو الوعاء الزماني الذي يقع فيه التكوين. كما أن ظرف المكان: هو الوعاء المكاني الذي يحصل فيه الجسم. ولكن الوقت في اصطلاح القوم أخص من ذلك. قال أبو علي الدقاق: الوقت ما أنت فيه. فإن كنت في الدنيا فوقتك الدنيا وإن كنت بالعقبى فوقتك العقبى. وإن كنت بالسرور فوقتك السرور. وإن كنت بالحزن فوقتك الحزن. يريد: أن الوقت ما كان الغالب على الإنسان من حاله. وقد يريد: أن الوقت ما بين الزمانين الماضي والمستقبل. وهو اصطلاح أكثر الطائفة. ولهذا يقولون: الصوفي والفقير ابن وقته. يريدون: أن همته لا تتعدى وظيفة عمارته بما هو أولى الأشياء به وأنفعها له. فهو قائم بما هو مطالب به في الحين والساعة الراهنة. فهو لا يهتم بماضي وقته وآتيه بل يهتم بوقته الذي هو فيه. فإن الاشتغال بالوقت الماضي والمستقبل يضيع الوقت الحاضر وكلما حضر وقت اشتغل عنه بالطرفين. فتصير أوقاته كلها فواتا. قال الشافعي - رضي الله عنه -: صحبت الصوفية. فما انتفعت منهم إلا بكلمتين(3\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1100",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14097",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سمعتهم يقولون: الوقت سيف. فإن قطعته وإلا قطعك. ونفسك إن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك بالباطل. قلت: يا لهما من كلمتين ما أنفعهما وأجمعهما وأدلهما على علو همة قائلهما ويقظته. ويكفي في هذا ثناء الشافعي على طائفة هذا قدر كلماتهم. وقد يريدون بالوقت: ما هو أخص من هذا كله. وهو ما يصادفهم في تصريف الحق لهم. دون ما يختارونه لأنفسهم. ويقولون: فلان بحكم الوقت. أي مستسلم لما يأتي من عند الله من غير اختيار. وهذا يحسن في حال ويحرم في حال. وينقص صاحبه في حال. فيحسن في كل موضع ليس لله على العبد فيه أمر ولا نهي. بل في موضع جريان الحكم الكوني الذي لا يتعلق به أمر ولا نهي كالفقر والمرض والغربة والجوع والألم والحر والبرد ونحو ذلك. ويحرم في الحال التي يجري عليه فيها الأمر والنهي والقيام بحقوق الشرع. فإن التضييع لذلك والاستسلام والاسترسال مع القدر: انسلاخ من الدين بالكلية. وينقص صاحبه في حال تقتضي قياما بالنوافل وأنواع البر والطاعة. وإذا أراد الله بالعبد خيرا: أعانه بالوقت. وجعل وقته مساعدا له. وإذا أراد به شرا: جعل وقته عليه وناكده وقته. فكلما أراد التأهب للمسير: لم يساعده الوقت. والأول: كلما همت نفسه بالقعود أقامه الوقت وساعده. وقد قسم بعضهم الصوفية أربعة أقسام: أصحاب السوابق وأصحاب العواقب وأصحاب الوقت وأصحاب الحق. قال: فأما أصحاب السوابق: فقلوبهم أبدا فيما سبق لهم من الله. لعلمهم أن الحكم الأزلي لا يتغير باكتساب العبد. ويقولون: من أقصته السوابق لم تدنه الوسائل. ففكرهم في هذا أبدا. ومع ذلك: فهم يجدون في القيام بالأوامر واجتناب النواهي والتقرب إلى الله بأنواع القرب غير واثقين بها ولا ملتفتين إليها ويقول قائلهم: من أين أرضيك إلا أن توفقني ... هيهات هيهات ما التوفيق من قبلي إن لم يكن لي في المقدور سابقة ... فليس ينفع ما قدمت من عملي. وأما أصحاب العواقب: فهم متفكرون فيما يختم به أمرهم. فإن الأمور(3\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1101",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14098",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأواخرها. والأعمال بخواتيمها والعاقبة مستورة. كما قيل: لا يغرنك صفا الأوقات ... فإن تحتها غوامض الآفات فكم من ربيع نورت أشجاره وتفتحت أزهاره وزهت ثماره لم يلبث أن أصابته جائحة سماوية. فصار كما قال الله عز وجل حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها [يونس: 24]- إلى قوله - يتفكرون [يونس: 24] . فكم من مريد كبا به جواد عزمه ... فخر صريعا لليدين وللفم وقيل لبعضهم - وقد شوهد منه خلاف ما كان يعهد عليه -: ما الذي أصابك فقال: حجاب وقع وأنشد: أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر ليس العجب ممن هلك كيف هلك إنما العجب ممن نجا كيف نجا تعجبين من سقمي ... صحتي هي العجب الناكصون على أعقابهم أضعاف أضعاف من اقتحم العقبة: خذ من الألف واحدا ... واطرح الكل من بعده. وأما أصحاب الوقت: فلم يشتغلوا بالسوابق ولا بالعواقب. بل اشتغلوا بمراعاة الوقت وما يلزمهم من أحكامه. وقالوا: العارف ابن وقته. لا ماضي له ولا مستقبل. ورأى بعضهم الصديق - رضي الله عنه - في منامه. فقال له: أوصني. فقال له: كن ابن وقتك. وأما أصحاب الحق: فهم مع صاحب الوقت والزمان ومالكهما ومدبرهما. مأخوذون بشهوده عن مشاهدة الأوقات. لا يتفرغون لمراعاة وقت ولا زمان. كما قيل: لست أدري أطال ليلي أم لا ... كيف يدري بذاك من يتقلى لو تفرغت لاستطالة ليلي ... ولرعي النجوم كنت مخلى(3\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1102",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14099",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن للعاشقين عن قصر اللي ل وعن طوله من العشق شغلا قال الجنيد: دخلت على السري يوما. فقلت له: كيف أصبحت فأنشأ يقول: ما في النهار ولا في الليل لي فرج ... فلا أبالي أطال الليل أم قصرا ثم قال: ليس عند ربكم ليل ولا نهار. يشير إلى أنه غير متطلع إلى الأوقات. بل هو مع الذي قدر الليل والنهار.  [فصل معاني الوقت] [المعنى الأول وقت وجد صادق] فصل قال صاحب المنازل: الوقت: اسم في هذا الباب لثلاث معان. المعنى الأول: حين وجد صادق. أي وقت وجد صادق أي زمن من وجد يقوم بقلبه وهو صادق فيه غير متكلف له ولا متعمل في تحصيله. quot; يكون متعلقه إيناس ضياء فضل quot; أي رؤية ذلك والإيناس الرؤية. قال الله تعالى فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا [القصص: 29] وليس هو مجرد الرؤية. بل رؤية ما يأنس به القلب ويسكن إليه. ولا يقال لمن رأى عدوه أو مخوفا آنسه. ومقصوده: أن هذا الوقت وقت وجد صاحبه صادق فيه لرؤيته ضياء فضل الله ومنته عليه. والفضل هو العطاء الذي لا يستحقه المعطى أو يعطى فوق استحقاقه. فإذا آنس هذا الفضل وطالعه بقلبه: أثار ذلك فيه وجدا آخر باعثا على محبة صاحب الفضل والشوق إلى لقائه فإن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها. ودخلت يوما على بعض أصحابنا وقد حصل له وجد أبكاه. فسألته عنه فقال: ذكرت ما من الله به علي من السنة ومعرفتها والتخلص من شبه القوم وقواعدهم الباطلة وموافقة العقل الصريح والفطرة السليمة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. فسرني ذلك حتى أبكاني. فهذا الوجد أثاره إيناس فضل الله ومنته. قوله quot; جذبه صفاء رجاء quot; أي جذب ذلك الوجد - أو الإيناس أو الفضل - رجاء(3\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1103",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14100",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صاف غير مكدر. والرجاء الصافي هو الذي لا يشوبه كدر توهم معاوضة منك وأن عملك هو الذي بعثك على الرجاء. فصفاء الرجاء يخرجه عن ذلك. بل يكون رجاء محضا لمن هو مبتدئك بالنعم من غير استحقاقك. والفضل كله له ومنه وفي يده - أسبابه وغاياته ووسائله وشروطه وصرف موانعه - كلها بيد الله. لا يستطيع العبد أن ينال منه شيئا بدون توفيقه وإذنه ومشيئته. وملخص ذلك: أن الوقت في هذه الدرجة الأولى: عبارة عن وجد صادق سببه رؤية فضل الله على عبده. لأن رجاءه كان صافيا من الأكدار. قوله quot; أو لعصمة جذبها صدق خوف quot; اللام في قوله quot; أو لعصمة quot; معطوف على اللام في قوله quot; أو لإيناس ضياء فضل quot; أي وجد لعصمة جذبها صدق خوف. فاللام ليست للتعليل. بل هي على حدها في قولك: ذوق لكذا ورؤية لكذا. فمتعلق الوجد عصمة وهي منعة وحفظ ظاهر وباطن. جذبها صدق خوف من الرب سبحانه. والفرق بين الوجد في هذه الدرجة والتي قبلها: أن الوجد في الأولى: جذبه صدق الرجاء. وفي الثانية: جذبه صدق الخوف. وفي الثالثة - التي ستذكر - جذبه صدق الحب. فهو معنى قوله: أو لتلهب شوق جذبه اشتعال محبة. وخدمته التورية في اللهيب والاشتعال. والمحبة متى قويت اشتعلت نارها في القلب. فحدث عنها لهيب الاشتياق إلى لقاء الحبيب. وهذه الثلاثة التي تضمنتها هذه الدرجة - وهي: الحب والخوف والرجاء - هي التي تبعث على عمارة الوقت بما هو الأولى لصاحبه والأنفع له وهي أساس السلوك والسير إلى الله. وقد جمع الله سبحانه الثلاثة في قوله أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا [الإسراء: 57] وهذه الثلاثة هي قطب رحى العبودية. وعليها دارت رحى الأعمال. والله أعلم.  [فصل المعنى الثاني اسم لطريق سالك] فصل قال: والمعنى الثاني: اسم لطريق سالك. يسير بين تمكن وتلون لكنه إلى التمكن ما هو. يسلك الحال ويلتفت إلى العلم. فالعلم يشغله في حين والحال(3\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1104",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14101",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يحمله في حين. فبلاؤه بينهما: يذيقه شهودا طورا. ويكسوه عبرة طورا ويريه غيرة تفرق طورا. هذا المعنى: هو المعنى الثاني من المعاني الثلاثة من معاني الوقت عنده. قوله quot; اسم لطريق سالك quot; هو على الإضافة. أي لطريق عبد سالك. قوله quot; يسير بين تمكن وتلون quot; أي ذلك العبد يسير بين تمكن وتلون. والتمكن هو الانقياد إلى أحكام العبودية بالشهود والحال والتلون في هذا الموضع خاصة: هو الانقياد إلى أحكام العبودية بالعلم. فالحال يجمعه بقوته وسلطانه. فيعطيه تمكينا. والعلم بلونه بحسب متعلقاته وأحكامه. قوله: لكنه إلى التمكن ما هو يسلك الحال. ويلتفت إلى العلم. يعني: أن هذا العبد هو سالك إلى التمكن ما دام يسلك الحال ويلتفت إلى العلم. فأما إن سلك العلم والتفت إلى الحال: لم يكن سالكا إلى التمكن. فالسالكون ضربان: سالكون على الحال ملتفتون إلى العلم. وهم إلى التمكن أقرب وسالكون على العلم. ملتفتون إلى الحال. وهم إلى التلون أقرب. هذا حاصل كلامه. وهذه الثلاثة: هي المفرقة بين أهل العلم وأهل الحال حتى كأنهما غيران وحزبان وكل فرقة منهما لا تأنس بالأخرى ولا تعاشرها إلا على إغماض ونوع استكراه. وهذا من تقصير الفريقين حيث ضعف أحدهما عن السير في العلم. وضعف الآخر عن الحال في العلم. فلم يتمكن كل منهما من الجمع بين الحال والعلم. فأخذ هؤلاء العلم وسعته ونوره. ورجحوه. وأخذ هؤلاء الحال وسلطانه وتمكينه ورجحوه. وصار الصادق الضعيف من الفريقين: يسير بأحدهما ملتفتا إلى الآخر. فهذا مطيع للحال. وهذا مطيع للعلم. لكن المطيع للحال متى عصى بهالعلم: كان منقطعا محجوبا وإن كان له من الحال ما عساه أن يكون. والمطيع للعلم متى أعرض به عن الحال كان مضيعا منقوصا مشتغلا بالوسيلة عن الغاية. وصاحب التمكين: يتصرفعلمه في حاله. ويحكم عليه فينقاد لحكمه(3\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1105",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14102",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويتصرف حاله في علمه. فلا يدعه أن يقف معه. بل يدعوه إلى غاية العلم. فيجيبه ويلبي دعوته. فهذه حال الكمل من هذه الأمة. ومن استقرأ أحوال الصحابة رضي الله عنهم وجدها كذلك. فلما فرق المتأخرون بين الحال والعلم: دخل عليهم النقص والخلل. والله المستعان يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور - أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير [الشورى: 49 - 50] فكذلك يهب لمن يشاء علما. ولمن يشاء حالا. ويجمع بينهما لمن يشاء. ويخلي منهما من يشاء. قوله quot; فالعلم يشغله في حين quot; أي يشغله عن السلوك إلى تمكن الحال. لأن العلم متنوع التعلقات فهو يفرق. والحال يجمع. لأنه يدعوه إلى الفناء. وهناك سلطان الحال. قوله quot; والحال يحمله في حين quot; أي يغلب عليه الحال تارة. فيصير محمولا بقوة الحال وسلطانه على السلوك. فيشتد بحكم الحال يعني: وإذا غلبه العلم شغله عن السلوك. وهذا هو المعهود من طريقة المتأخرين: أن العلم عندهم يشغل عن السلوك. ولهذا يعدون السالك من سلك على الحال ملتفتا عن العلم. وأما على ما قررناه - من أن العلم يعين على السلوك ويحمل عليه ويكون صاحبه سالكا به وفيه - فلا يشغله العلم عن سلوكه. وإن أضعف سيره على درب الفناء. فلا ريب أن العلم لا يجامع الفناء. فالفناء ليس هو غاية السالكين إلى الله. بل ولا هو لازم من لوازم الطريق وإن كان عارضا من عوارضها. يعرض لغير الكمل كما تقدم تقرير ذلك. فبينا أن الفناء الكامل الذي هو الغاية المطلوبة: هو الفناء عن محبة ما سوى الله وإرادته. فيفنى بمحبة الله عن محبة ما سواه. وبإرادته ورجائه والخوف منه والتوكل عليه والإنابة إليه: عن إرادة ما سواه وخوفه ورجائه والتوكل عليه. وهذا الفناء لا ينافي العلم بحال. ولا يحول بين العبد وبينه. بل قد يكون في أغلب الأحوال من أعظم أعوانه. وهذا أمر غفل عنه أكثر المتأخرين بحيث لم يعرفوه ولم يسلكوه. ولكن لم يخل الله الأرض من قائم به داع إليه. قوله quot; فبلاؤه بينهما quot; أي عذابه وألمه: بين داعي الحال وداعي العلم. فإيمانه(3\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1106",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14103",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يحمله على إجابة داعي العلم ووارده يحمله على إجابة داعي الحال. فيصير كالغريم بين مطالبين. كل منهما يطالبه بحقه. وليس بيده إلا ما يقضي أحدهما. وقد عرفت أن هذا من الضيق. وإلا فمع السعة: يوفي كلا منهما حقه. قوله quot; يذيقه شهودا طورا quot; أي ذلك البلاء الحاصل بين الداعيين يذيقه شهودا طورا وهو الطور الذي يكون الحاكم عليه فيه: هو العلم. قوله quot; ويكسوه عبرة طورا quot; الظاهر: أنه عبرة بالباء الموحدة والعين أي اعتبارا بأفعاله واستدلالا عليه بها. فإنه سبحانه دل على نفسه بأفعاله. فالعلم يكسو صاحبه اعتبارا واستدلالا على الرب بأفعاله. ويصح أن يكون غيرة بالغين المعجمة والياء المثناة من تحت. ومعناه: أن العلم يكسوه غيرة من حجابه عن مقام صاحب الحال. فيغار من احتجاجه عن الحال بالعلم وعن العيان بالاستدلال وعن الشهود - الذي هو مقام الإحسان - بالإيمان الذي هو إيمان بالغيب. قوله quot; ويريه غيرة تفرق طورا quot; هذا بالغين المعجمة ليس إلا أي ويريه العلم غيرة تفرقة في أوديته. فيفرق بين أحكام الحال وأحكام العلم. وهو حال صحو وتمييز. وكأن الشيخ يشير إلى أن صاحب هذا المقام تغار تفرقته من جمعيته على الله. فنفسه تفر من الجمعية على الله إلى تفرق العلم. فإنه لاأشق على النفوس من جمعيتها على الله. فهي تهرب من الله إلى الحال تارة وإلى العمل تارة وإلى العلم تارة هذه نفوس السالكين الصادقين. وأما من ليس من أهل هذا الشأن: فنفوسهم تفر من الله إلى الشهوات والراحات. فأشق ما على النفوس: جمعيتها على الله. وهي تناشد صاحبها: أن لا يوصلها إليه وأن يشغلها بما دونه. فإن حبس النفس على الله شديد. وأشد منه: حبسها على أوامره. وحبسها عن نواهيه. فهي دائما ترضيك بالعلم عن العمل وبالعمل عن الحال وبالحال عن الله سبحانه وتعالى وهذا أمر لا يعرفه إلا من شد مئزر سيره إلى الله. وعلم أن كل ما سواه فهو قاطع عنه. وقد تضمن كلامه في هذه الدرجة ثلاث درجات - كما أشار إليه -: درجة الحال. ودرجة العلم ودرجة التفرقة بين الحال والعلم. وهذه الثلاث الدرجات: هي المختصة بالمعنى الثاني من معاني الوقت. والله أعلم.(3\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1107",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14104",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل المعنى الثالث: الوقت الحق] قال: والمعنى الثالث قالوا: الوقت الحق. أرادوا به: استغراق رسم الوقت في وجود الحق. وهذا المعنى يسبق على هذا الاسم عندي. لكنه هو اسم في هذا المعنى الثالث لحين تتلاشى فيه الرسوم كشفا. لا وجودا محضا. وهو فوق البرق والوجد. وهو يشارف مقام الجمع لو دام وبقي. ولا يبلغ وادي الوجود لكنه يكفي مؤنة المعاملة ويصفي عين المسامرة. ويشم روائح الوجود. هذا المعنى الثالث من معاني الوقت أخص مما قبله. وأصعب تصورا وحصولا. فإن الأول: وقت سلوك يتلون. وهذا وقت كشف يتمكن. ولذلك أطلقوا عليه اسم الحق لغلبة حكمه على قلب صاحبه. فلا يحس برسم الوقت بل يتلاشى ذكر وقته من قلبه لما قهره من نور الكشف. فقوله: قالوا: الوقت هو الحق. يعني: أن بعضهم أطلق اسم الحق على الوقت ثم فسر مرادهم بذلك. وأنهم عنوا به استغراق رسم الوقت في وجود الحق. ومعنى هذا: أن السالك بهذا المعنى الثالث للحق: إذا اشتد استغراقه في وقت يتلاشى عنه وقته بالكلية. وتقريب هذا إلى الفهم: أنه إذا شهد استغراق وقته الحاضر في ماهية الزمان. فقد استغرق الزمان رسم الوقت إلى ما هو جزء يسير جدا من أجزائه وانغمر فيه. كما تنغمر القطرة في البحر. ثم إن الزمان - المحدود الطرفين - يستغرق رسمه في وجود الدهر. وهو ما بين الأزل والأبد. ثم إن الدهر يستغرق رسمه في دوام الرب جل جلاله. وذلك الدوام: هو صفة الرب. فهناك يضمحل الدهر والزمان والوقت. ولا يبقى له نسبة إلى دوام الرب جل جلاله ألبتة. فاضمحل الزمان والدهر والوقت في الدوام الإلهي كما تضمحل الأنوار المخلوقة في نوره وكما يضمحل علم الخلق في علمه وقدرتهم في قدرته وجمالهم في جماله وكلامهم في كلامه بحيث لا يبقى للمخلوق نسبة ما إلى صفات الرب جل جلاله. والقوم إذا أطلق أهل الاستقامة منهم quot; ما في الوجود إلا الله quot; أو quot; ما ثم موجود على الحقيقة إلا الله quot; أو quot; هناك: يفنى من لم يكن. ويبقى من لم يزل quot; ونحو ذلك من العبارات فهذا مرادهم. لا سيما إذا حصل هذا الاستغراق في الشهود كما هو في(3\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1108",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14105",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجود. وغلب سلطانه على سلطان العلم. وكان العلم مغمورا بوارده. وفي قوة التمييز ضعف. وقد توارى العلم بالشهود وحكم الحال. فهناك يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت [إبراهيم: 27] وتزل أقدام كثيرة إلى الحضيض الأدنى. ولا ريب أن وجود الحق سبحانه ودوامه يستغرق وجود كل ما سواه ووقته وزمانه. بحيث يصير كأنه لا وجود له. ومن هنا غلط القائلون بوحدة الوجود. وظنوا أنه ليس لغيره وجود ألبتة. وغرهم كلمات مشتبهات جرت على ألسنة أهل الاستقامة من الطائفة. فجعلوها عمدة لكفرهم وضلالهم. وظنوا أن السالكين سيرجعون إليهم وتصير طريقة الناس واحدة ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون [التوبة: 32] . قوله: وهذا المعنى يسبق على هذا الاسم عندي. يريد: أن quot; الحق quot; سابق على الاسم الذي هو quot; الوقت quot; أي منزه عن أن يسمى بالوقت. فلا ينبغي إطلاقه عليه. لأن الأوقات حادثة. قوله: لكنه اسم في هذا المعنى الثالث لحين تتلاشى فيه الرسوم كشفا لا وجودا محضا. تلاشي الرسوم اضمحلالها وفناؤها. والرسوم عندهم: ما سوى الله. وقد صرح الشيخ: أنها إنما تتلاشى في وجود العبد الكشفي. بحيث لا يبقى فيه سعة للإحساس بها لما استغرقه من الكشف. فهذه عقيدة أهل الاستقامة من القوم. وأما الملاحدة أهل وحدة الوجود فعندهم: أنها لم تزل متلاشية في عين وجود الحق بل وجودها هو نفس وجوده. وإنما كان الحس يفرق بين الوجودين. فلما غاب عن حسه بكشفه تبين أن وجودها هو عين وجود الحق. ولكن الشيخ كأنه عبر بالكشف والوجود عن المقامين اللذين ذكرهما في كتابه. والكشف هو دون الوجود عنده. فإن الكشف يكون مع بقاء بعض رسوم صاحبه. فليس معه استغراق في الفناء. والوجود لا يكون معه رسم باق. ولذلك قال: لا وجودا محضا فإن الوجود المحض عنده: يفني الرسوم. وبكل حال: فهو يفنيها من وجود الواجد لا يفنيها في الخارج.(3\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1109",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14106",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسر المسألة: أن الواصل إلى هذا المقام يصير له وجود آخر غير وجوده الطبيعي المشترك بين جميع الموجودات. ويصير له نشأة أخرى لقلبه وروحه نسبة النشأة الحيوانية إليها كنسبة النشأة في بطن الأم إلى هذه النشأة المشاهدة في العالم وكنسبة هذه النشأة إلى النشأة الأخرى. فللعبد أربع نشآت: نشأة في الرحم حيث لا بصر يدركه. ولا يد تناله. ونشأة في الدنيا. ونشأة في البرزخ. ونشأة في المعاد الثاني. وكل نشأة أعظم من التي قبلها. وهذه النشأة للروح والقلب أصلا وللبدن تبعا. فللروح في هذا العالم نشأتان. إحداهما: النشأة الطبيعية المشتركة. والثانية: نشأة قلبية روحانية يولد بها قلبه وينفصل عن مشيمة طبعه كما ولد بدنه وانفصل عن مشيمة البطن. ومن لم يصدق بهذا فليضرب عن هذا صفحا وليشتغل بغيره. وفي كتاب الزهد للإمام أحمد: أن المسيح عليه السلام قال للحواريين: إنكم لن تلجوا ملكوت السماوات حتى تولدوا مرتين. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول: هي ولادة الأرواح والقلوب من الأبدان وخروجها من عالم الطبيعة كما ولدت الأبدان من البدن وخرجت منه. والولادة الأخرى: هي الولادة المعروفة. والله أعلم. قوله: وهو فوق البرق والوجد. يعني: أن هذا الكشف الذي تلاشت فيه الرسوم: فوق منزلتي البرق والوجد فإنه أثبت وأدوم والوجود فوقه. لأنه يشعر بالدوام. قوله: وهو يشارف مقام الجمع لو دام. أي لو دام هذا الوقت لشارف مقام الجمع وهو ذهاب شعور القلب بغير الحق سبحانه وتعالى شغلا به عن غيره. فهو جمع في الشهود. وعند الملاحدة: هو جمع في الوجود. ومقصوده: أنه لو داوم الوقت بهذا المعنى الثالث: لشارف حضرة الجمع. لكنه لا يدوم.(3\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1110",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14107",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله: ولا يبلغ وادي الوجود يعني: أن الوقت المذكور لا يبلغ السالك فيه وادي الوجود حتى يقطعه. ووادي الوجود: هو حضرة الجمع. قوله: لكنه يلقى مؤنة المعاملة. يعني: أن الوقت المذكور - وهو الكشف المشارف لحضرة الجمع - يخفف عن العامل أثقال المعاملة مع قيامه بها أتم القيام بحيث تصير هي الحاملة له. فإنه كان يعمل على الخبر. فصار يعمل على العيان. هذا مراد الشيخ. وعند الملحد: أنه يفنى عن المعاملات الجسمانية ويرد صاحبه إلى المعاملات القلبية. وقد تقدم إشباع الكلام في هذا المعنى. قوله quot; ويصفي عن المسامرة quot; المسامرة: عند القوم هي الخطاب القلبي الروحي بين العبد وربه. وقد تقدم: أن تسميتها بالمناجاة أولى. فهذا الكشف يخلص عن المسامرة من ذكر غير الحق سبحانه ومناجاته. قوله: ويشم روائح الوجود أي صاحب مقام هذا الوقت الخاص: يشم روائح الوجود. وهو حضرة الجمع. فإنهم يسمونها بالجمع والوجود. ويعنون بذلك: ظهور وجود الحق سبحانه. وفناء وجود ما سواه. وقد عرفت أن فناء وجود ما سواه بأحد اعتبارين: إما فناؤه من شهود العبد فلا يشهده وإما اضمحلاله وتلاشيه بالنسبة إلى وجود الرب. ولا تلتفت إلى غير هذين المعنيين. فهو إلحاد وكفر. والله المستعان.  [فصل منزلة الصفاء] [حد الصفاء] فصل منزلة الصفاء ومنها منزلة الصفاء. قال صاحب المنازل: باب الصفاء. قال الله عز وجل وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار [ص: 47] الصفاء اسم للبراءة من الكدر. وهو في هذا الباب سقوط التلوين. أما الاستشهاد بالآية: فوجهه أن المصطفى مفتعل من الصفوة. وهي خلاصة(3\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1111",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14108",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشيء وتصفيته مما يشوبه. ومنه: اصطفى الشيء لنفسه. أي خلصه من شوب شركة غيره له فيه. ومنه الصفي وهو السهم الذي كان يصطفيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه من الغنيمة. ومنه: الشيء الصافي. وهو الخالص من كدر غيره. قوله: الصفاء: اسم للبراءة من الكدر. البراءة: هي الخلاص. والكدر امتزاج الطيب بالخبيث. قوله: وهو في هذا الباب: سقوط التلوين. التلوين هو التردد والتذبذب كما قيل: كل يوم تتلون ... ترك هذا بك أجمل  [درجات الصفاء] [الدرجة الأولى صفاء علم يهذب لسلوك الطريق] قال: وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: صفاء علم يهذب لسلوك الطريق. ويبصر غاية الجد. ويصحح همة القاصد. ذكر الشيخ له في هذه الدرجة ثلاث فوائد. الفائدة الأولى: علم يهذب لسلوك الطريق وهذا العلم الصافي - الذي أشار إليه - هو العلم الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان الجنيد يقول دائما: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة. فمن لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث ولم يتفقه: لا يقتدى به. وقال غيره من العارفين: كل حقيقة لا تتبعها شريعة فهي كفر.(3\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1112",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14109",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الجنيد: علمنا هذا متشبك بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال أبو سليمان الداراني: إنه لتمر بقلبي النكتة من نكت القوم. فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل من الكتاب والسنة. وقال النصرابادي: أصل هذا المذهب: ملازمة الكتاب والسنة. وترك الأهواء والبدع والاقتداء بالسلف وترك ما أحدثه الآخرون. والإقامة على ما سلكه الأولون. وقد تقدم ذكر بعض ذلك. فهذا العلم الصافي المتلقى من مشكاة الوحي والنبوة: يهذب صاحبه لسلوك طريق العبودية. وحقيقتها: التأدب بآداب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باطنا وظاهرا. وتحكيمه باطنا وظاهرا. والوقوف معه حيث وقف بك. والمسير معه حيث سار بك. بحيث تجعله بمنزلة شيخك الذي قد ألقيت إليه أمرك كله سره وظاهره واقتديت به في جميع أحوالك. ووقفت مع ما يأمرك به. فلا تخالفه ألبتة. فتجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لك شيخا وإماما وقدوة وحاكما وتعلق قلبك بقلبه الكريم وروحانيتك بروحانيته كما يعلق المريد روحانيته بروحانية شيخه. فتجيبه إذا دعاك. وتقف معه إذا استوقفك. وتسير إذا سار بك. وتقيل إذا قال وتنزل إذا نزل. وتغضب لغضبه. وترضى لرضاه. وإذا أخبرك عن شيء أنزلته منزلة ما تراه بعينك. وإذا أخبرك عن الله بخبر أنزلته منزلة ما تسمعه من الله بأذنك. وبالجملة: فتجعل الرسول شيخك وأستاذك ومعلمك ومربيك ومؤدبك. وتسقط الوسائط بينك وبينه إلا في التبليغ. كما تسقط الوسائل بينك وبين المرسل في العبودية. ولا تثبت وساطة إلا في وصول أمره ونهيه ورسالته إليك. وهذان التجريدان: هما حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. والله وحده هو المعبود المألوه الذي لا يستحق العبادة سواه ورسوله: المطاع المتبع المهتدى به الذي لا يستحق الطاعة سواه. ومن سواه: فإنما يطاع إذا أمر الرسول بطاعته. فيطاع تبعا للأصل. وبالجملة: فالطريق مسدودة إلا على من اقتفى آثار الرسول صلى الله عليه وسلم واقتدى به في ظاهره وباطنه. فلا يتعنى السالك على غير هذا الطريق. فليس حظه من سلوكه إلا التعب وأعماله كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب [النور: 39] .(3\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1113",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14110",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يتعنى السالك على هذا الطريق. فإنه واصل ولو زحف زحفا. فأتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم -: إذا قعدت بهم أعمالهم قامت بهم عزائمهم وهممهم ومتابعتهم لنبيهم. كما قيل: من لي بمثل سيرك المدلل ... تمشي رويدا وتجي في الأول والمنحرفون عن طريقه إذا قامت بهم أعمالهم واجتهاداتهم: قعد بهم عدولهم عن طريقه. فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم ... وما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا قوله quot; ويبصر غاية الجد quot; الجد: الاجتهاد والتشمير والغاية: النهاية. يريد: أن صفاء العلم يهدي صاحبه إلى الغاية المقصودة بالاجتهاد والتشمير. فإن كثيرا من السالكين - بل أكثرهم - سالك بجده واجتهاده غير منتبه إلى المقصود. وأضرب لك في هذا مثلا حسنا جدا وهو: أن قوما قدموا من بلاد بعيدة عليهم أثر النعيم والبهجة والملابس السنية والهيئة العجيبة. فعجب الناس لهم. فسألوهم عن حالهم فقالوا: بلادنا من أحسن البلاد. وأجمعها لسائر أنواع النعيم. وأرخاها وأكثرها مياها وأصحها هواء وأكثرها فاكهة وأعظمها اعتدالا وأهلها كذلك أحسن الناس صورا وأبشارا. ومع هذا فملكها لا يناله الوصف جمالا وكمالا وإحسانا وعلما وحلما وجودا ورحمة للرعية وقربا منهم. وله الهيبة والسطوة على سائر ملوك الأطراف. فلا يطمع أحد منهم في مقاومته ومحاربته. فأهل بلده في أمان من عدوهم. لا يحل الخوف بساحتهم. ومع هذا: فله أوقات يبرز فيها لرعيته ويسهل لهم الدخول عليه ويرفع الحجاب بينه وبينهم. فإذا وقعت أبصارهم عليه: تلاشى عندهم كل ما هم فيه من النعيم واضمحل حتى لا يلتفتون إلى شيء منه. فإذا أقبل على واحد منهم: أقبل عليه سائر أهل المملكة بالتعظيم والإجلال. ونحن رسله إلى أهل البلاد ندعوهم إلى حضرته. وهذه كتبه إلى الناس. ومعنا من الشهود ما يزيل سوء الظن بنا. ويدفع اتهامنا بالكذب عليه. فلما سمع الناس ذلك وشاهدوا أحوال الرسل: انقسموا أقساما. فطائفة قالت: لا نفارق أوطاننا ولا نخرج من ديارنا ولا نتجشم مشقة السفر(3\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1114",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14111",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البعيد ونترك ما ألفناه من عيشنا ومنازلنا ومفارقة آبائنا وأبنائنا وإخواننا لأمر وعدنا به في غير هذه البلاد ونحن لا نقدر على تحصيل ما نحن فيه إلا بعد الجهد والمشقة. فكيف ننتقل عنه ورأت هذه الفرقة مفارقتها لأوطانها وبلادها: كمفارقة أنفسها لأبدانها. فإن النفس - لشدة إلفها للبدن - أكره ما إليها مفارقته. ولو فارقته إلى النعيم المقيم. فهذه الطائفة غلب عليها داعي الحس والطبع على داعي العقل والرشد. والطائفة الثانية: لما رأت حال الرسل وما هم فيه من البهجةوحسن الحال وعلموا صدقهم: تأهبوا للسير إلى بلاد الملك. فأخذوا في المسير. فعارضهم أهلوهم وأصحابهم وعشائرهم من القاعدين. وعارضهم إلفهم مساكنهم ودورهم وبساتينهم. فجعلوا يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى. فإذا تذكروا طيب بلاد الملك وما فيها من سلوة العيش: تقدموا نحوها. وإذا عارضهم ما ألفوه واعتادوه من ظلال بلادهم وعيشها وصحبة أهلهم وأصحابهم: تأخروا عن المسير والتفتوا إليهم. فهم دائما بين الداعيين والجاذبين إلى أن يغلب أحدهما ويقوى على الآخر. فيصيرون إليه. والطائفة الثالثة: ركبت ظهور عزائمها ورأت أن بلاد الملك أولى بها. فوطنت أنفسها على قصدها. ولم يثنها لوم اللوام. لكن في سيرها بطء بحسب ضعف ما كشف لها من أحوال تلك البلاد وحال الملك. والطائفة الرابعة: جدت في السير وواصلته. فسارت سيرا حثيثا. فهم كما قيل: وركب سروا والليل مرخ سدوله ... على كل مغبر المطالع قاتم حدوا عزمات ضاعت الأرض بينها ... فصار سراهم في ظهور العزائم تريهم نجوم الليل ما يطلبونه ... على عاتق الشعرى وهام النعائم فهؤلاء هممهم مصروفة إلى السير. وقواهم موقوفة عليه من غير تثنية منهم إلى المقصود الأعظم والغاية العليا. والطائفة الخامسة: أخذوا في الجد في المسير. وهمتهم متعلقة بالغاية فهم في سيرهم ناظرون إلى المقصود بالمسير. فكأنهم يشاهدونه من بعد وهو يدعوهم إلى نفسه وإلى بلاده. فهم عاملون على هذا الشاهد الذي قام بقلوبهم. وعمل كل أحد منهم على قدر شاهده. فمن شاهد المقصود بالعمل في علمه(3\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1115",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14112",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان نصحه فيه وإخلاصه وتحسينه وبذل الجهد فيه أتم ممن لم يشاهده ولم يلاحظه. ولم يجد من مس التعب والنصب ما يجده الغائب والوجود شاهد بذلك. فمن عمل عملا لملك بحضرته وهو يشاهده: ليس حاله كحال من عمل في غيبته وبعده عنه وهو غير متيقن وصوله إليه. وقوله quot; ويصحح همة القاصد quot; أي ويصحح له صفاء هذا العلم همته ومتى صحت الهمة علت وارتفعت. فإن سقوطها ودناءتها من علتها وسقمها وإلا فهي كالنار تطلب الصعود والارتفاع ما لم تمنع. وأعلى الهمم: همة اتصلت بالحق سبحانه طلبا وقصدا. وأوصلت الخلق إليه دعوة ونصحا. وهذه همة الرسل وأتباعهم. وصحتها: بتمييزها من انقسام طلبها وانقسام مطلوبها وانقسام طريقها. بل توحد مطلوبها بالإخلاص وطلبها بالصدق وطريقها بالسلوك خلف الدليل الذي نصبه الله دليلا. لا من نصبه هو دليلا لنفسه. ولله الهمم! ما أعجب شأنها وأشد تفاوتها. فهمة متعلقة بمن فوق العرش. وهمة حائمة حول الأنتان والحش. والعامة تقول: قيمة كل امرئ ما يحسنه. والخاصة تقول: قيمة المرء ما يطلبه. وخاصة الخاصة تقول: همة المرء إلى مطلوبه. وإذا أردت أن تعرف مراتب الهمم فانظر إلى همة ربيعة بن كعب الأسلمي - رضي الله عنه - وقد قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سلني - فقال: أسألك مرافقتك في الجنة . وكان غيره يسأله ما يملأ بطنه أو يواري جلده. وانظر إلى همة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض - فأباها. ومعلوم أنه لو أخذها لأنفقها في طاعة ربه تعالى. فأبت له تلك الهمة العالية: أن يتعلق منها بشيء مما سوى الله ومحابه. وعرض عليه أن يتصرف بالملك فأباه. واختار التصرف بالعبودية المحضة. فلا إله إلا الله خالق هذه الهمة وخالق نفس تحملها وخالق همم لا تعدو همم أخس الحيوانات.(3\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1116",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14113",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الدرجة الثانية صفاء حال يشاهد به شواهد التحقيق] فصل قال: الدرجة الثانية: صفاء حال يشاهد به شواهد التحقيق. ويذاق به حلاوة المناجاة. وينسى به الكون. هذه الدرجة إنما كانت أعلى مما قبلها لأنها همة حال. والحال ثمرة العلم ولا يصفو حال إلا بصفاء العلم المثمر له. وعلى حسب شوب العلم يكون شوب الحال. وإذا صفا الحال: شاهد العبد - بصفائه - آثار الحقائق. وهي الشواهد فيه وفي غيره وعليه وعلى غيره. ووجد حلاوة المناجاة. وإذا تمكن في هذه الدرجة: نسي الكون وما فيه من المكونات. وهذه الدرجة تختص بصفاء الحال كما اختصت الأولى بصفاء العلم. والحال هو تكيف القلب وانصباغه بحكم الواردات على اختلافها والحال يدعو صاحبه إلى المقام الذي جاء منه الوارد كما تدعوه رائحة البستان الطيبة إلى دخوله والمقام فيه. فإذا كان الوارد من حضرة صحيحة - وهي حضرة الحقيقة الإلهية لا الحقيقة الخيالية الذهنية - شاهد السالك بصفائه شواهد التحقيق وهي علاماته: والتحقيق هو حكم الحقيقة وتأثر القلب والروح بها والحقيقة ما تعلق بالحق المبين سبحانه. فالله هو الحق. والحقيقة ما نسب إليه وتعلق به. والتحقيق تأثر القلب بآثار الحقيقة. ولكل حق حقيقة ولكل حقيقة تحقيق يقوم بمشاهدة الحقيقة. قوله quot; ويذاق به حلاوة المناجاة quot; المناجاة: مفاعلة من النجوى. وهو الخطاب في سر العبد وباطنه. والشيخ ذكر في هذه الدرجة ثلاثة أمور. أحدها: مشاهدة شواهد التحقيق. الثاني: ذوق حلاوة المناجاة. فإنه متى صفا له حاله من الشوائب خلصت له حلاوته من مرارة الأكدار. فذاق تلك الحلاوة في حال مناجاته. فلو كان الحال مشوبا مكدرا لم يجد حلاوة المناجاة. والحال المستندة إلى وارد تذاق به حلاوة المناجاة: هو من حضرة الأسماء والصفات بحسب ما يصادف القلب من ظهورها وكشف معانيها. فمن ظهر له اسم الودود - مثلا - وكشف له عن معاني هذا الاسم ولطفه وتعلقه بظاهر العبد وباطنه: كان الحال الحاصل له من حضرة هذا الاسم مناسبا له.(3\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1117",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14114",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكان حال اشتغال حب وشوق ولذة مناجاة لا أحلى منها ولا أطيب بحسب استغراقه في شهود معنى هذا الاسم. وحظه من أثره. فإن الودود - وإن كان بمعنى المودود كما قال البخاري في صحيحه: الودود الحبيب - واستغراق العبد في مطالعة صفات الكمال التي تدعو العبد إلى حب الموصوف بها: أثمر له صفاء علمه بها وصفاء حاله في تعبده بمقتضاها: ما ذكره الشيخ من هذه الأمور الثلاثة وغيرها. وكذلك إن كان اسم فاعل بمعنى الواد وهو المحب: أثمرت له مطالعة ذلك حالا تناسبه. فإنه إذا شاهد بقلبه غنيا كريما جوادا عزيزا قادرا كل أحد محتاج إليه بالذات. وهو غني بالذات عن كل ما سواه. وهو - مع ذلك - يود عباده ويحبهم ويتودد إليهم بإحسانه إليهم وتفضله عليهم -: كان له من هذا الشهود حالة صافية خالصة من الشوائب. وكذلك سائر الأسماء والصفات. فصفاء الحال بحسب صفاء المعرفة بها وخلوصها من دم التعطيل وفرث التمثيل. فتخرج المعرفة من بين ذلك فطرة خالصة سائغة للعارفين. كما يخرج اللبن من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين. والأمر الثالث: قوله quot; وينسى به الكون quot; أي ينسى الكون بما يغلب على قلبه من اشتغاله بهذه الحال المذكورة. والمراد بالكون: المخلوقات. أي يشتغل بالحق عن الخلق.  [فصل الدرجة الثالثة صفاء اتصال] فصل قال: الدرجة الثالثة: صفاء اتصال. يدرج حظ العبودية في حق الربوبية. ويغرق نهايات الخبر في بدايات العيان ويطوي خسة التكاليف في عين الأزل. في هذا اللفظ قلق وسوء تعبير. يجبره حسن حال صاحبه وصدقه وتعظيمه لله ورسوله. ولكن أبى الله أن يكون الكمال إلا له. ولا ريب أن بين أرباب الأحوال وبين أصحاب التمكن تفاوتا عظيما. وانظر إلى غلبة الحال على الكليم عليه السلام لما شاهد آثار التجلي الإلهي على الجبل كيف خر صعقا وصاحب التمكن - صلوات(3\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1118",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14115",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله وسلامه عليه - لما أسري به ورأى ما رأى: لم يصعق ولم يخر بل ثبت فؤاده وبصره. ومراد القوم بالاتصال والوصول: اتصال العبد بربه ووصوله إليه. لا بمعنى اتصال ذات العبد بذات الرب كما تتصل الذاتان إحداهما بالأخرى. ولا بمعنى انضمام إحدى الذاتين إلى الأخرى والتصاقها بها. وإنما مرادهم بالاتصال والوصول: إزالة النفس والخلق من طريق السير إلى الله. ولا تتوهم سوى ذلك. فإنه عين المحال. فإن السالك لا يزال سائرا إلى الله تعالى حتى يموت. فلا ينقطع سيره إلا بالموت. فليس في هذه الحياة وصول يفرغ معه السر وينتهي. وليس ثم اتصال حسي بين ذات العبد وذات الرب. فالأول: تعطيل وإلحاد. والثاني: حلول واتحاد. وإنما حقيقة الأمر: تنحية النفس والخلق عن الطريق. فإن الوقوف معهما: هو الانقطاع. وتنحيتهما هو الاتصال. وأما الملاحدة القائلون بوحدة الوجود فإنهم قالوا: العبد من أفعال الله وأفعاله من صفاته. وصفاته من ذاته. فأنتج لهم هذا التركيب: أن العبد من ذات الرب. تعالى الله وتقدس عما يقولون علوا كبيرا. وموضع الغلط: أن العبد من مفعولات الرب تعالى لا من أفعاله القائمة بذاته. ومفعولاته آثار أفعاله. وأفعاله من صفاته القائمة بذاته فذاته سبحانه مستلزمة لصفاته وأفعاله. ومفعولاته منفصلة عنه تلك مخلوقة محدثة. والرب تعالى هو الخالق بذاته وصفاته وأفعاله. فإياك ثم إياك والألفاظ المجملة المشتبهة التي وقع اصطلاح القوم عليها. فإنها أصل البلاء. وهي مورد الصديق والزنديق. فإذا سمع الضعيف المعرفة والعلم بالله تعالى لفظ quot; اتصال وانفصال ومسامرة ومكالمة وأنه لا وجود في الحقيقة إلا وجود الله وأن وجود الكائنات خيال ووهم وهو بمنزلة وجود الظل القائم بغيره quot; فاسمع منه ما يملأ الآذان من حلول واتحاد وشطحات. والعارفون من القوم أطلقوا هذه الألفاظ ونحوها وأرادوا بها معاني صحيحة في أنفسها. فغلط الغالطون في فهم ما أرادوه. ونسبوهم إلى إلحادهم وكفرهم. واتخذوا كلماتهم المتشابهة ترسا له وجنة حتى قال قائلهم:(3\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1119",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14116",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنك بدا حب بعز تمازجا ... بنا ووصالا كنت أنت وصلته ظهرت لمن أبقيت بعد فنائه ... وكان بلا كون لأنك كنته فيسمع الغر quot; التمازج والوصال quot; فيظن أنه سبحانه نفس كون العبد. فلا يشك أن هذا هو غاية التحقيق ونهاية الطريق. ثم لنرجع إلى شرح كلامه. قوله: يدرج حظ العبودية في حق الربوبية. المعنى الصحيح الذي يحمل عليه هذا الكلام: أن من تمكن في قلبه شهود الأسماء والصفات وصفا له علمه وحاله: اندرج عمله جميعه وأضعافه وأضعاف أضعافه في حق ربه تعالى ورآه في جنب حقه أقل من خردلة بالنسبة إلى جبال الدنيا. فسقط من قلبه اقتضاء حظه من المجازاة عليه. لاحتقاره له وقلته عنده وصغره في عينه. قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا صالح عن أبي عمران الجوني عن أبي الجلد أن الله تعالى أوحى إلى داود: يا داود أنذر عبادي الصادقين. فلا يعجبن بأنفسهم ولا يتكلن على أعمالهم. فإنه ليس أحد من عبادي أنصبه للحساب وأقيم عليه عدلي إلا عذبته من غير أن أظلمه. وبشر عبادي الخطائين: أنه لا يتعاظمني ذنب أن أغفره وأتجاوز عنه. وقال الإمام أحمد: وحدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا ثابت البناني قال: تعبد رجل سبعين سنة. وكان يقول في دعائه: رب اجزني بعملي. فمات فأدخل الجنة. فكان فيها سبعين عاما. فلما فرغ وقته قيل له: اخرج فقد استوفيت عملك فقلب أمره: أي شيء كان في الدنيا أوثق في نفسه فلم يجد شيئا أوثق في نفسه من دعاء الله والرغبة إليه. فأقبل يقول في دعائه: رب سمعتك - وأنا في الدنيا - وأنت تقيل العثرات. فأقل اليوم عثرتي. فترك في الجنة. وقال أحمد بن حنبل: حدثنا هاشم حدثنا صالح عن أبي عمران الجوني عن أبي الجلد قال: قال موسى: إلهي كيف أشكرك وأصغر نعمة وضعتها عندي من نعمتك لا يجازيها عملي كله فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى الآن شكرتني.(3\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1120",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14117",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا المعنى الصحيح من اندراج حظ العبودية في حق الربوبية. وله محمل آخر صحيح أيضا وهو أن ذات العبد وصفاته وأفعاله وقواه وحركاته: كلها مفعولة للرب مملوكة له ليس يملك العبد منها شيئا. بل هو محض ملك الله. فهو المالك لها المنعم على عبده بإعطائه إياها. فالمال ماله. والعبد عبده. والخدمة مستحقة عليه بحق الربوبية. وهي من فضل الله عليه. فالفضل كله لله ومن الله وبالله. قوله quot; ويعرف نهايات الخبر في بدايات العيان quot; الخبر: متعلق الغيب. والعيان متعلق الشهادة. وهو إدراك عين البصيرة لصحة الخبر وثبوت مخبره. ومراده ب quot; بدايات العيان quot; أوائل الكشف الحقيقي الذي يدخل منه إلى مقام الفناء. ومقصوده: أن يرى الشاهد ما أخبر به الصادق بقلبه عيانا. قال الله تعالى ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق [سبأ: 6] وقال تعالى أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى [الرعد: 19] فقد قال: أفمن رأى بعين قلبه أن ما أنزل الله إلى رسوله هو الحق كمن هو أعمى لا يبصر ذلك وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في مقام الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ولا ريب أن تصديق الخبر واليقين به يقوي القلب حتى يصير الغيب بمنزلة المشاهد بالعين. فصاحب هذا المقام: كأنه يرى ربه سبحانه فوق سماواته على عرشه مطلعا على عباده ناظرا إليهم يسمع كلامهم. ويرى ظواهرهم وبواطنهم. وكأنه يسمعه وهو يتكلم بالوحي. ويكلم به عبده جبريل ويأمره وينهاه بما يريد ويدبر أمر المملكة. وأملاكه صاعدة إليه بالأمر نازلة من عنده به. وكأنه يشاهده وهو يرضى ويغضب ويحب ويبغض ويعطي ويمنع ويضحك ويفرح ويثني على أوليائه بين ملائكته ويذم أعداءه. وكأنه يشاهده ويشاهد يديه الكريمتين وقد قبضت إحداهما السماوات السبع والأخرى الأرضين السبع. وقد طوى السماوات السبع بيمينه كما يطوى السجل على أسطر الكتاب. وكأنه يشاهده وقد جاء لفصل القضاء بين عباده. فأشرقت الأرض بنوره.(3\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1121",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14118",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونادى - وهو مستو على عرشه - بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب quot; وعزتي وجلالي: quot; لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم quot;. وكأنه يسمع نداءه لآدم quot; يا آدم قم فابعث بعث النار quot; بإذنه الآن وكذلك نداؤه لأهل الموقف ماذا أجبتم المرسلين [القصص: 65] وماذا كنتم تعبدون وبالجملة: فيشاهد بقلبه ربا عرفت به الرسل كما عرفت به الكتب ودينا دعت إليه الرسل. وحقائق أخبرت بها الرسل. فقام شاهد ذلك بقلبه كما قام شاهد ما أخبر به أهل التواتر - وإن لم يره - من البلاد والوقائع. فهذا إيمانه يجري مجرى العيان وإيمان غيره فمحض تقليد العميان. قوله quot; ويطوي خسة التكاليف quot; ليت الشيخ عبر عن هذه اللفظة بغيرها. فوالله إنها لأقبح من شوكة في العين وشجى في الحلق. وحاشا التكاليف أن توصف بخسة أو تلحقها خسة. وإنما هي قرة عين وسرور قلب وحياة روح. صدر التكليف بها عن حكيم حميد. فهي أشرف ما وصل إلى العبد من ربه وثوابه عليها أشرف ما أعطاه الله للعبد.(3\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1122",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14119",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نعم لو قال: يطوي ثقل التكاليف ويخفف أعباءها ونحو ذلك. فلعله كان أولى ولولا مقامه في الإيمان والمعرفة والقيام بالأوامر لكنا نسيء به الظن. والذي يحتمل أن يصرف كلامه إليه وجهان: أحدهما: أن الصفاء - المذكور في هذه الدرجة - لما انطوت في حكمه الوسائط والأسباب. واندرج فيه حظ العبودية في حق الربوبية: انطوت فيه رؤية كون العبادة تكليفا. فإن رؤيتها تكليفا خسة من الرائي. لأنه رآها بعين أنفته وقيامه بها. ولم يرها بعين الحقيقة. فإنه لم يصل إلى مقام quot; فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي quot; ولو وصل إلى ذلك لرآها بعين الحقيقة ولا خسة فيها هناك ألبتة. فإن نظره قد تعدى من قيامه بها إلى قيامها بالقيوم الذي قام به كل شيء. فكان لها وجهان. أحدهما: هي به خسيسة. وهو وجه قيامها بالعبد وصدورها منه. والثاني: هي به شريفة. وهو وجه كونها بالرب تعالى وأوليته أمرا وتكوينا وإعانة. فالصفاء يطويها من ذلك الوجه خاصة. والمعنى الثاني الذي يحتمله كلامه: أن يكون مراده: أن الصفاء يشهده عين الأزل وسبق الرب تعالى وأوليته لكل شيء. فتنطوي في هذا المشهد أعماله التي عملها. ويراها خسيسة جدا بالنسبة إلى عين الأزل. فكأنه قال: تنطوي أعماله وتصير - بالنسبة إلى هذه العين - خسيسة جدا لا تذكر. بل تكون في عين الأزل هباء منثورا لا حاصل لها. فإن الوقت الذي هو ظرف التكليف يتلاشى جدا بالنسبة إلى الأزل. وهو وقت خسيس حقير حتى كأنه لا حاصل له. ولا نسبة له إلى الأزل والأبد في مقدار الأعمال الواقعة فيه. وهي يسيرة بالنسبة إلى مجموع ذلك الوقت الذي هو يسير جدا. بالنسبة إلى مجموع الزمان الذي هو يسير جدا. بالنسبة إلى عين الأزل. فهذا أقرب ما يحمل عليه كلامه مع قلقه. وقد اعتراه فيه سوء تعبير. وكأنه أطلق عليها الخسة لقلتها وخفتها. بالنسبة إلى عظمة المكلف بها سبحانه. وما يستحقه. والله سبحانه أعلم.(3\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1123",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14120",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل منزلة السرور] [فصل ذكر السرور في القرآن] فصل ومنها السرور قال صاحب المنازل: باب السرور قال الله تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون [يونس: 58] . تصدير الباب بهذه الآية في غاية الحسن. فإن الله تعالى أمر عباده بالفرح بفضله ورحمته. وذلك تبع للفرح والسرور بصاحب الفضل والرحمة. فإن من فرح بما يصل إليه من جواد كريم محسن بر. يكون فرحه بمن أوصل ذلك إليه: أولى وأحرى. ونذكر ما في هذه الآية من المعنى. ثم نشرح كلام المصنف. قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والحسن وغيرهم: فضل الله: الإسلام. ورحمته: القرآن. فجعلوا رحمته أخص من فضله فإن فضله الخاص عام على أهل الإسلام ورحمته بتعليم كتابه لبعضهم دون بعض. فجعلهم مسلمين بفضله. وأنزل إليهم كتابه برحمته. قال تعالى وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك [القصص: 86] وقال أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه -: فضل الله: القرآن ورحمته: أن جعلنا من أهله. قلت: يريد بذلك. أن هاهنا أمرين. أحدهما: الفضل في نفسه. والثاني: استعداد المحل لقبوله كالغيث يقع على الأرض القابلة للنبات. فيتم المقصود بالفضل وقبول المحل له. والله أعلم. والفرح لذة تقع في القلب بإدراك المحبوب ونيل المشتهى. فيتولد من إدراكه حالة تسمى الفرح والسرور. كما أن الحزن والغم من فقد المحبوب. فإذا فقده: تولد من فقده حالة تسمى الحزن والغم. وذكر سبحانه الأمر بالفرح بفضله وبرحمته عقيب قوله: ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين [يونس: 57](3\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1124",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14121",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا شيء أحق أن يفرح العبد به من فضل الله ورحمته التي تتضمن الموعظة وشفاء الصدور من أدوائها بالهدى والرحمة. فأخبر سبحانه: أن ما آتى عباده من الموعظة - التي هي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب وشفاء الصدور المتضمن لعافيتها من داء الجهل والظلمة والغي والسفه - وهو أشد ألما لها من أدواء البدن ولكنها لما ألفت هذه الأدواء لم تحس بألمها. وإنما يقوى إحساسها بها عند المفارقة للدنيا. فهناك يحضرها كل مؤلم محزن. وما آتاها من ربها الهدى الذي يتضمن ثلج الصدور باليقين وطمأنينة القلب به وسكون النفس إليه وحياة الروح به. والرحمة التي تجلب لها كل خير ولذة. وتدفع عنها كل شر ومؤلم. فذلك خير من كل ما يجمع الناس من أعراض الدنيا وزينتها. أي هذا هو الذي ينبغي أن يفرح به. ومن فرح به فقد فرح بأجل مفروح به. لا ما يجمع أهل الدنيا منها. فإنه ليس بموضع للفرح. لأنه عرضة للآفات. ووشيك الزوال ووخيم العاقبة وهو طيف خيال زار الصب في المنام. ثم انقضى المنام. وولى الطيف. وأعقب مزاره الهجران. وقد جاء الفرح في القرآن على نوعين. مطلق ومقيد. فالمطلق: جاء في الذم. كقوله تعالى: لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين [القصص: 76] . وقوله: إنه لفرح فخور [هود: 10] . والمقيد: نوعان أيضا. مقيد بالدنيا. ينسي صاحبه فضل الله ومنته. فهو مذموم. كقوله: حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون [الأنعام: 44] . والثاني: مقيد بفضل الله وبرحمته. وهو نوعان أيضا. فضل ورحمة بالسبب. وفضل بالمسبب فالأول: كقوله: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون [يونس: 58] والثاني: كقوله: فرحين بما آتاهم الله من فضله [آل عمران: 170] .(3\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1125",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14122",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالفرح بالله وبرسوله وبالإيمان وبالسنة وبالعلم وبالقرآن: من أعلى مقامات العارفين: قال الله تعالى: وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون [التوبة: 124] . وقال: والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك [الرعد: 36] . فالفرح بالعلم والإيمان والسنة: دليل على تعظيمه عند صاحبه ومحبته له وإيثاره له على غيره فإن فرح العبد بالشيء عند حصوله له: على قدر محبته له ورغبته فيه. فمن ليس له رغبة في الشيء لا يفرحه حصوله له ولا يحزنه فواته. فالفرح تابع للمحبة والرغبة. والفرق بينه وبين الاستبشار: أن الفرح بالمحبوب بعد حصوله والاستبشار يكون به قبل حصوله إذا كان على ثقة من حصوله. ولهذا قال تعالى: فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم [آل عمران: 170] . والفرح صفة كمال ولهذا يوصف الرب تعالى بأعلى أنواعه وأكملها كفرحه بتوبة التائب أعظم من فرحة الواجد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة بعد فقده لها واليأس من حصولها. والمقصود: أن الفرح أعلى أنواع نعيم القلب ولذته وبهجته. والفرح والسرور نعيمه. والهم والحزن عذابه. والفرح بالشيء فوق الرضا به. فإن الرضا طمأنينة وسكون وانشراح. والفرح لذة وبهجة وسرور. فكل فرح راض. وليس كل راض فرحا. ولهذا كان الفرح ضد الحزن والرضا ضد السخط. والحزن يؤلم صاحبه والسخط لا يؤلمه إلا إن كان مع العجز عن الانتقام. والله أعلم.  [فصل حد السرور] فصل قال صاحب المنازل: السرور: اسم لاستبشار جامع. وهو أصفى من الفرح. لأن الأفراح ربما شابها الأحزان. ولذلك نزل القرآن باسمه في أفراح الدنيا في مواضع. وورد السرور(3\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1126",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14123",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في موضعين من القرآن في حال الآخرة. السرور والمسرة: مصدر سره سرورا ومسرة. وكأن معنى سره: أثر في أسارير وجهه. فإنه تبرق منه أسارير الوجه. كما قال شاعر العرب: وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل وهذا كما يقال: رأسه; إذا أصاب رأسه وبطنه وظهره; إذا أصاب بطنه وظهره وأمه; إذا أصاب أم رأسه. وأما الاستبشار: فهو استفعال من البشرى. والبشارة: هي أول خبر صادق سار. و quot; البشرى quot; يراد بها أمران. أحدهما: بشارة المخبر. والثاني: سرور المخبر. قال الله تعالى: لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة [يونس: 64] . فسرت البشرى بهذا وهذا. ففي حديث عبادة بن الصامت. وأبي الدرداء رضي الله عنهما. عن النبي صلى الله عليه وسلم: هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له . وقال ابن عباس: بشرى الحياة الدنيا: هي عند الموت تأتيهم ملائكة الرحمة بالبشرى من الله وفي الآخرة: عند خروج نفس المؤمن إذا خرجت يعرجون بها إلى الله تزف كما تزف العروس تبشر برضوان الله. وقال الحسن: هي الجنة. واختاره الزجاج والفراء. وفسرت بشرى الدنيا بالثناء الحسن يجري له على ألسنة الناس. وكل ذلك صحيح. فالثناء: من البشرى والرؤيا الصالحة من البشرى وتبشير الملائكة له عند(3\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1127",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14124",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الموت من البشرى. والجنة من أعظم البشرى. قال الله تعالى وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار [البقرة: 25] . وقال تعالى: وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون [فصلت: 30] . قيل: وسميت بذلك لأنها تؤثر في بشرة الوجه. ولذلك كانت نوعين: بشرى سارة تؤثر فيه نضارة وبهجة وبشرى محزنة تؤثر فيه بسورا وعبوسا. ولكن إذا أطلقت كانت للسرور. وإذا قيدت كانت بحسب ما تقيد به. قوله quot; وهو أصفى من الفرح quot; واحتج على ذلك بأن الأفراح ربما شابها أحزان أي ربما مازجها ضدها. بخلاف السرور. فيقال: والمسرات ربما شابها أنكاد وأحزان فلا فرق. قوله: ولذلك نزل القرآن باسمه في أفراح الدنيا في مواضع يريد: أن الله تعالى نسب الفرح إلى أحوال الدنيا في قوله تعالى: حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة [الأنعام: 44] وفي قوله تعالى: لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين [القصص: 76] وقوله تعالى: إنه لفرح فخور [هود: 10] . فإن الدنيا لا تتخلص أفراحها من أحزانها وأتراحها ألبتة. بل ما من فرحة إلا ومعها ترحة سابقة أو مقارنة أو لاحقة. ولا تتجرد الفرحة. بل لا بد من ترحة تقارنها. ولكن قد تقوى الفرحة على الحزن فينغمر حكمه وألمه مع وجودها. وبالعكس. فيقال: ولقد نزل القرآن أيضا بالفرح في أمور الآخرة في مواضع كقوله تعالى: فرحين بما آتاهم الله من فضله [آل عمران: 170] . وقوله تعالى: فبذلك فليفرحوا [يونس: 58] فلا فرق بينهما من هذا الوجه الذي ذكره. قوله: وورد اسم السرور في القرآن في موضعين في حال الآخرة. يريد بهما: قوله تعالى فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا [الانشقاق: 7](3\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1128",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14125",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والموضع الثاني: قوله: ولقاهم نضرة وسرورا [الإنسان: 11] . فيقال: وورد السرور في أحوال الدنيا في موضع على وجه الذم. كقوله تعالى: وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا إنه كان في أهله مسرورا [الانشقاق: 10] . فقد رأيت ورود كل واحد من الفرح والسرور في القرآن بالنسبة إلى أحوال الدنيا وأحوال الآخرة. فلا يظهر ما ذكره من الترجيح. بل قد يقال: الترجيح للفرح: لأن الرب تبارك وتعالى يوصف به. ويطلق عليه اسمه دون السرور فدل على أن معناه أكمل من معنى السرور وأمر الله به في قوله تعالى فبذلك فليفرحوا [يونس: 58] وأثنى على السعداء به في قوله: فرحين بما آتاهم الله من فضله [آل عمران: 170] . وأما قوله تعالى ولقاهم نضرة وسرورا [الإنسان: 11] وقوله وينقلب إلى أهله مسرورا [الانشقاق: 9] فعدل إلى لفظ السرور لاتفاق رءوس الآي. ولو أنه ترجم الباب بباب الفرح لكان أشد مطابقة للآية التي استشهد بها. والأمر في ذلك قريب. فالمقصود أمر وراء ذلك.  [درجات السرور] [الدرجة الأولى سرور ذوق] قال: وهو في هذا الباب: على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: سرور ذوق. ذهب بثلاثة أحزان: حزن أورثه خوف الانقطاع. وحزن هاجمته ظلمة الجهل. وحزن بعثته وحشة التفرق. السرور ضد الحزن. والحزن لا يجامعه: كان مذهبا له. ولما كان سببه: ذوق الشيء السار. فإنه كلما كان الذوق أتم: كان السرور به أكمل. وهذا السرور يذهب ثلاثة أحزان. الحزن الأول: حزن أورثه خوف الانقطاع. وهذا حزن المتخلفين عن ركب المحبين ووفد المحبة فأهل الانقطاع هم المتخلفون عن صحبة هذا الركب وهذا(3\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1129",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14126",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوفد. وهم الذين كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين [التوبة: 46] فثبط عزائمهم وهممهم: أن تسير إليه وإلى جنته. وأمر قلوبهم أمرا كونيا قدريا: أن تقعد مع القاعدين المتخلفين عن السعي إلى محابه. فلو عاينت قلوبهم - حين أمرت بالقعود عن مرافقة الوفد وقد غمرتها الهموم وعقدت عليها سحائب البلاء فأحضرت كل حزن وغم وأمواج القلق والحسرات تتقاذف بها وقد غابت عنها المسرات. ونابت عنها الأحزان - لعلمت أن الأبرار في هذه الدار في نعيم. وأن المتخلفين عن رفقتهم في جحيم. وهذا الحزن يذهب به ذوق طعم الإيمان. فيذيق الصديق طعم الوعد الذي وعد به على لسان الرسول. فلا يعقله ظن. ولا يقطعه أمل. ولا تعوقه أمنية - كما تقدم - فيباشر قلبه حقيقة قوله تعالى: أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين [القصص: 61] وقوله تعالى: ياأيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور [فاطر: 5] وقوله تعالى: وقدموا لأنفسكم واتقوا الله - واعلموا أنكم ملاقوه - وبشر المؤمنين [البقرة: 223] . وأمثال هذه الآيات. قوله: وحزن هاجته ظلمة الجهل. وهذا الحزن الثاني: الذي يذهب سرور الذوق هو حزن ظلمة الجهل. والجهل نوعان: جهل علم ومعرفة. وهو مراد الشيخ هاهنا وجهل عمل وغي. وكلاهما له ظلمة ووحشة في القلب وكما أن العلم يوجب نورا وأنسا. فضده يوجب ظلمة ويوقع وحشة. وقد سمى الله سبحانه وتعالى العلم الذي بعث به رسوله نورا وهدى وحياة. وسمى ضده: ظلمة وموتا وضلالا. قال الله تعالى: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور - والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات [البقرة: 257] وقال تعالى: أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها [الأنعام: 122](3\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1130",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14127",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال تعالى: قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم [المائدة: 15] . وقال تعالى: ياأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا [النساء: 174] وقال تعالى: فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون [الأعراف: 157] وقال تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا [الشورى: 52] . فجعله روحا لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح. ونورا لما يحصل به من الهدى والرشاد. ومثل هذا النور في قلب المؤمن: كمشكاة فيها مصباح - المصباح في زجاجة - الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار - نور على نور - يهدي الله لنوره من يشاء [النور: 35] ومثل حال من فقد هذا النور: بمن هو في ظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور [النور: 40] . الحزن الثالث: حزن بعثته وحشة التفرق. وهو تفرق الهم والقلب عن الله عز وجل. ولهذا التفرق حزن ممض على فوات جمعية القلب على الله ولذاتها ونعيمها فلو فرضت لذات أهل الدنيا بأجمعها حاصلة لرجل لم يكن لها نسبة إلى لذة جمعية قلبه على الله وفرحه به وأنسه بقربه وشوقه إلى لقائه. وهذا أمر لا يصدق به إلا من ذاقه. فإنما يصدقك من أشرق فيه ما أشرق فيك. ولله در القائل: أيا صاحبي أما ترى نارهم ... فقال: تريني ما لا أرى سقاك الغرام ولم يسقني ... فأبصرت ما لم أكن مبصرا فلو لم يكن في التفرق المذكور إلا ألم الوحشة ونكد التشتت وغبار الشعث(3\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1131",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14128",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لكفى به عقوبة فكيف وأقل عقوبته: أن يبتلى بصحبة المنقطعين ومعاشرتهم وخدمتهم. فتصير أوقاته - التي هي مادة حياته - ولا قيمة لها مستغرقة في قضاء حوائجهم ونيل أغراضهم. وهذه عقوبة قلب ذاق حلاوة الإقبال على الله والجمعية عليه والأنس به. ثم آثر على ذلك سواه. ورضي بطريقة بني جنسه وما هم عليه. ومن له أدنى حياة في قلبه ونور فإنه يستغيث قلبه من وحشة هذا التفرق. كما تستغيث الحامل عند ولادتها. ففي القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله. وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته. وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته. وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار منه إليه. وفيه نيران حسرات: لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه. وفيه طلب شديد: لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلوبه. وفيه فاقة: لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه ودوام ذكره وصدق الإخلاص له. ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة منه أبدا. فالتفرق يوقع وحشة الحجاب. وألمه أشد من ألم العذاب. قال الله تعالى: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالو الجحيم [المطففين: 15] . فاجتمع عليهم عذاب الحجاب وعذاب الجحيم. و quot; الذوق quot; الذي يذهب وحشة هذا التفرق: هو الذوق الذي ذكره الشيخ في قوله: ذوق الإرادة طعم الأنس. فلا يعلق به شاغل. ولا يفسده عارض. ولا تكدره تفرقة.  [فصل الدرجة الثانية سرور شهود] فصل قال: الدرجة الثانية: سرور شهود. كشف حجاب العلم وفك رق التكليف. ونفى صغار الاختيار. يريد: أن العلم حجاب على المعرفة. فشهود كشف ذلك الحجاب حتى(3\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1132",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14129",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يفضي القلب إلى المعرفة: يوجب سرورا. و quot; العلم quot; عند هذه الطائفة: استدلال. والمعرفة ضرورية. فالعلم: له الخبر. والمعرفة: لها العيان فالعلم عندهم حجاب على المعرفة وإن كان لا يوصل إليها إلا بالعلم. والعلم لها كالصوان لما تحته فهو حجاب عليه. ولا يوصل إليه إلا منه. ومثال هذا: أنك إذا رأيت في حومة ثلج ثقبا خاليا: استدللت به على أن تحته حيوانا يتنفس فهذا علم. فإذا حفرته وشاهدت الحيوان. فهذه معرفة. قوله quot; وفك رق التكليف quot; عبارة قلقة غير سديدة. و quot; رق التكليف quot; لا يفك إلى الممات. وكلما تقدم العبد منزلا شاهد من رق تكليفه ما لم يكن شاهده من قبل فرق التكليف: أمر لازم للمكلف ما بقي في هذا العالم. والذي يتوجه عليه كلامه: أن السرور بالذوق - الذي أشار إليه - يعتق العبد من رق التكليف بحيث لا يعده تكليفا. بل تبقى الطاعات غذاء لقلبه وسرورا له وقرة عين في حقه ونعيما لروحه. يتلذذ بها ويتنعم بملابستها أعظم مما يتنعم بملابسة الطعام والشراب واللذات الجسمانية. فإن اللذات الروحانية القلبية أقوى وأتم من اللذات الجسمانية. فلا يجد في أوراد العبادة كلفة. ولا تصير تكليفا في حقه. فإن ما يفعله المحب الصادق ويأتي به في خدمة محبوبه: هو أسر شيء إليه. وألذه عنده. ولا يرى ذلك تكليفا لما في التكليف: من إلزام المكلف بما فيه كلفة ومشقة عليه. والله سبحانه إنما سمى أوامره ونواهيه: وصية وعهدا وموعظة ورحمة ولم يطلق عليها اسم التكليف إلا في جانب النفي كقوله: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [البقرة: 286] . ووقوع الوسع بعد الاستثناء من التكليف لا يوجب وقوع الاسم عليه مطلقا. فهذا أقرب ما يؤول به كلامه. على أن للملحد هاهنا مجالا. وهو أن هذه الحال: إنما هي لأقوام انتقلت عباداتهم من ظواهرهم إلى بواطنهم. فانتقل حكم أورادهم إلى وارداتهم. فاستغنوا بالواردات عن الأوراد وبالحقائق عن الرسوم وبالمعاني عن الصور. فخلصوا من رق التكليف المختص بالعلم وقاموا بالحقيقة التي يقتضيها الحكم. وهكذا الألفاظ المجملة عرضة للمحق والمبطل. قوله: quot; ونفى صغار الاختيار quot; يريد به: أن العبد متى كان مربوطا باختياراته(3\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1133",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14130",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محبوسا في سجن إراداته فهو في ذل وصغار فإذا وصل إلى هذه الدرجة: انتفى عنه صغار الاختيار. وبقي من جملة الأحرار. فيا لها من عبودية أوجبت حرية وحرية كملت عبودية. فيصير واقفا مع ما يختار الله له لا مع ما يختاره هو لنفسه. بل يصير مع الله بمنزلة من لا اختيار له ألبتة. فمن كان محجوبا بالعلم عن المعرفة: نازعته اختياراته ونازعها فهو معها في ذل وصغار. ومتى أفضى إلى المعرفة وكشف له عن حجابها: شاهد البلاء نعيما والمنع عطاء والذل عزا والفقر غنى. فانقاد باطنه لأحكام المعرفة وظاهره لأحكام العلم. على أن للملحد هاهنا مجالا قد جال فيه هو وطائفته. فقال: هذا يوجب الانقياد لأحكام المعرفة والتخلص والراحة من أحكام العلم. وقد قيل: إن العالم يسعطك الخل والخردل. والعارف ينشقك المسك والعنبر. قال: ومعنى هذا: أنك مع العالم في تعب. ومع العارف في راحة. لأن العارف يبسط عذر العوالم والخلائق. والعالم يلوم. وقد قيل: من نظر إلى الناس بعين العلم مقتهم. ومن نظر إليهم بعين الحقيقة عذرهم. فانظر ما تضمنه هذا الكلام الذي ملمسه ناعم. وسمه زعاف قاتل من الانحلال عن الدين ودعوى الراحة من حكم العبودية والتماس الأعذار لليهود والنصارى وعباد الأوثان والظلمة والفجرة وأن أحكام الأمر والنهي - الواردين على ألسن الرسل - للقلوب بمنزلة سعط الخل والخردل وأن شهود الحقيقة الكونية الشاملة للخلائق والوقوف معها والانقياد لحكمها: بمنزلة تنشيق المسك والعنبر. فليهن الكفار والفجار والفساق: انتشاق هذا المسك والعنبر إذا شهدوا هذه الحقيقة وانقادوا لحكمها. ويا رحمة للأبرار المحكمين لما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من كثرة سعوطهم بالخل والخردل. فإن قوله صلى الله عليه وسلم: هذا يجوز وهذا لا يجوز. وهذا حلال وهذا حرام. وهذا يرضي الله وهذا يسخطه: خل وخردل عند هؤلاء الملاحدة. وإلا فالحقيقة تشهدك الأمر بخلاف ذلك. ولذلك إذا نظرت - عندهم - إلى الخلق بعين الحقيقة: عذرت الجميع. فتعذر من توعده الله ورسوله أعظم الوعيد. وتهدده أعظم التهديد.(3\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1134",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14131",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويا لله العجب! إذا كانوا معذورين في الحقيقة فكيف يعذب الله سبحانه المعذور. ويذيقه أشد العذاب وهلا كان الغني الرحيم أولى بعذره من هؤلاء نعم. العالم الناصح يلوم بأمر الله. والعارف الصادق يرحم بقدر الله. ولا يتنافى عنده اللوم والرحمة. ومن رحمته: عقوبة من أمر الله بعقوبته. فذلك رحمة له وللأمة. وترك عقوبته زيادة في أذاه وأذى غيره. وأنت مع العالم في تعب يعقب كل الراحة ومع عارف هؤلاء الملاحدة: في راحة وهمية: تعقب كل تعب وخيبة وألم كما ذكر الإمام أحمد في كتاب الزهد: أن المسيح عليه السلام كان يقول: على قدر ما تتعبون هاهنا تستريحون هنالك. وعلى قدر ما تستريحون هاهنا تتعبون هنالك. فالعلم يحذرك ويمنعك الوقوف حتى تبلغ المأمن. وعارف الملاحدة يوهمك الراحة من كد المسير ومؤنة السفر حتى تؤخذ في الطريق.  [فصل الدرجة الثالثة سرور سماع الإجابة] فصل قال: الدرجة الثالثة: سرور سماع الإجابة. وهو سرور يمحو آثار الوحشة. ويقرع باب المشاهدة. ويضحك الروح. قيد الشيخ السماع: بكونه سماع إجابة فإنه السماع المنتفع به لا مجرد سماع الإدراك. فإنه مشترك بين المجيب والمعرض. وبه تقوم الحجة وينقطع العذر. ولهذا قال الله عن أصحابه سمعنا وعصينا [البقرة: 93] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لليهودي الذي سأله عن أمور الغيب -: ينفعك إن حدثتك قال: أسمع بأذني. وأما سماع الإجابة: ففي مثل قوله تعالى: وفيكم سماعون لهم [التوبة: 47] أي مستجيبون لهم. وفي قوله: سماعون للكذب [المائدة: 41] أي: مستجيبون له. وهو المراد. وهذا المراد بقول المصلي: سمع الله لمن حمده أي أجاب الله حمد من حمده. وهو(3\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1135",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14132",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السمع الذي نفاه الله عز وجل عمن لم يرد به خيرا. في قوله: ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم [الأنفال: 23] أي لجعلهم يسمعون سمع إجابة وانقياد. وقيل: المعنى لأفهمهم. وعلى هذا: يكون المعنى لأسمع قلوبهم. فإن سماع القلب يتضمن الفهم. والتحقيق: أن كلا الأمرين مراد. فلو علم فيهم خيرا لأفهمهم ولجعلهم يستجيبون لما سمعوه وفهموه. والمقصود: أن سماع الإجابة هو سماع انقياد القلب والروح والجوارح لما سمعته الأذنان. قوله: ويمحو آثار الوحشة يعني: يزيل بقايا الوحشة التي سببها ترك الانقياد التام. فإنه على قدر فقد ذلك: تكون الوحشة. وزوالها إنما يكون بالانقياد التام. وأيضا: فإنه يبقى على أهل الدرجة الثانية آثار. وهم أهل كشف حجاب العلم. فإنهم إذا انكشف عنهم حجاب العلم وأفضوا إلى المعرفة: بقيت عليهم بقايا من آثار الحجاب. فإذا حصلوا في هذه الدرجة: زالت عنهم تلك البقايا. وقد يوجه كلامه على معنى آخر وهو: أنه إذا دعا ربه سبحانه. فسمع ربه دعاءه سماع إجابة وأعطاه ما سأله على حسب مراده ومطلبه أو أعطاه خيرا منه: حصل له بذلك سرور يمحو من قلبه آثار ما كان يجده من وحشة البعد. فإن للعطاء والإجابة سرورا وأنسا وحلاوة. وللمنع وحشة ومرارة. فإذا تكرر منه الدعاء وتكرر من ربه سماع وإجابة لدعائه: محا عنه آثار الوحشة. وأبدله بها أنسا وحلاوة. قوله: ويقرع باب المشاهدة. يريد - والله أعلم - مشاهدة حضرة الجمع التي يشمر إليها السالكون عنده. وإلا فمشاهدة الفضل والمنة: قد سبقت في الدرجتين الأولتين. وانتقل المشاهد لذلك إلى ما هو أعلى منه. وهو مشاهدة الحضرة المذكورة. قوله quot; ويضحك الروح quot; يعني: أن سماع الإجابة يضحك الروح لسرورها بما حصل لها من ذلك السماع. وإنما خص الروح بالضحك: ليخرج به سرورا يضحك النفس والعقل والقلب. فإن ذلك يكون قبل رفع الحجاب الذي أشار إليه إذ محله النفس. فإذا ارتفع ومحا الشهود رسم النفس بالكلية: كان الإدراك حينئذ بالروح. فيضحكها بالسرور.(3\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1136",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14133",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا مبني على قواعد القوم في الفرق بين أحكام النفس والقلب والروح. و quot; الفتح quot; عندهم نوعان: فتح قلبي وفتح روحي. فالفتح القلبي: يجمعه على الله ويلم شعثه والفتح الروحي: يغنيه عنه ويجرده منه وبالله التوفيق.  [فصل منزلة السر] [حقيقة السر] فصل ومنها منزلة السر قال صاحب المنازل: باب السر قال الله تعالى: الله أعلم بما في أنفسهم [هود: 31] أصحاب السر: هم الأخفياء الذين ورد فيهم الخبر. أما استشهاده بالآية فوجهه: أن أتباع الرسل الذين صدقوهم وآثروا الله والدار الآخرة على قومهم وأصحابهم قد أودع الله قلوبهم سرا من أسرار معرفته ومحبته والإيمان به خفي على أعداء الرسل فنظروا إلى ظواهرهم وعموا عن بواطنهم فازدروهم واحتقروهم وقالوا للرسول: اطرد هؤلاء عنك حتى نأتيك ونسمع منك وقالوا: أهؤلاء من الله عليهم من بيننا [الأنعام: 53] فقال نوح عليه السلام لقومه: ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين [هود: 31] قال الزجاج: المعنى إن كنتم تزعمون أنهم إنما اتبعوني في بادي الرأي وظاهره فليس علي أن أطلع على ما في أنفسهم فإذا رأيت من يوحد الله عملت على ظاهره ورددت علم ما في نفوسهم إلى الله وهذا معنى حسن. والذي يظهر من الآية: أن الله يعلم ما في أنفسهم إذ أهلهم لقبول دينه وتوحيده وتصديق رسله والله سبحانه وتعالى عليم حكيم يضع العطاء في مواضعه وتكون هذه الآية مثل قوله تعالى: وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين [الأنعام: 53](3\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1137",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14134",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنهم أنكروا أن يكون الله سبحانه أهلهم للهدى والحق وحرمه رؤساء الكفار وأهل العزة والثروة منهم كأنهم استدلوا بعطاء الدنيا على عطاء الآخرة. فأخبر الله سبحانه: أنه أعلم بمن يؤهله لذلك لسر عنده: من معرفة قدر النعمة ورؤيتها من مجرد فضل المنعم ومحبته وشكره عليها. وليس كل أحد عنده هذا السر. فلا يؤهل كل أحد لهذا العطاء. قوله: أصحاب السر: هم الأخفياء الذين ورد فيهم الخبر قد يريد به: حديث سعد بن أبي وقاص. حيث قال له ابنه: أنت هاهنا والناس يتنازعون في الإمارة فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي . وقد يريد به: قوله صلى الله عليه وسلم: رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره  وقوله في الحديث الآخر وقد مر به رجل: فقال: ما تقولون في هذا فقالوا: هذا حري إن شفع أن يشفع وإن خطب أن ينكح وإن قال أن يسمع لقوله. ثم مر به آخر فقال: ما تقولون في هذا فقالوا: هذا حري إن شفع ألا يشفع وإن خطب: أن لا ينكح وإن قال: ألا يسمع لقوله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا .  [فصل أصحاب السر ثلاث طبقات] [الأولى طائفة علت هممهم وصفت قصودهم] فصل قال: وهم على ثلاث طبقات الطبقة الأولى: طائفة علت هممهم وصفت(3\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1138",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14135",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قصودهم. وصح سلوكهم. ولن يوقف لهم على رسم. ولم ينسبوا إلى اسم. ولم يشر إليهم بالأصابع. أولئك ذخائر الله حيث كانوا. ذكر لهم ثلاث صفات ثبوتية وثلاثا سلبية. الأولى: علو هممهم. وعلو الهمة: أن لا تقف دون الله ولا تتعوض عنه بشيء سواه. ولا ترضى بغيره بدلا منه. ولا تبيع حظها من الله وقربه والأنس به والفرح والسرور والابتهاج له بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية. فالهمة العالية على الهمم: كالطائر العالي على الطيور. لا يرضى بمساقطهم ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم فإن الهمة كلما علت بعدت عن وصول الآفات إليها. وكلما نزلت قصدتها الآفات من كل مكان فإن الآفات قواطع وجواذب وهي لا تعلو إلى المكان العالي فتجتذب منه وإنما تجتذب من المكان السافل فعلو همة المرء: عنوان فلاحه وسفول همته: عنوان حرمانه. العلامة الثانية: صفاء القصد وهو خلاصه من الشوائب التي تعوقه عن مقصوده فصفاء القصد: تجريده لطلب المقصود له لا لغيره فهاتان آفتان في القصد إحداهما: أن لا يتجرد لمطلوبه. الثانية: أن يطلبه لغيره لا لذاته. وصفاء القصد: يراد به العزم الجازم على اقتحام بحر الفناء عند الشيخ ومن وافقه على أن الفناء غاية. ويراد به: خلوص القصد من كل إرادة تزاحم مراد الرب تعالى بل يصير القصد مجردا لمراده الديني الأمري وهذه طريقة من يجعل الغاية: هي الفناء عن إرادة السوى وعلامته: اندراج حظ العبد في حق الرب تعالى بحيث يصير حظه هو نفس حق ربه عليه ولا يخفى على البصير الصادق علو هذه المنزلة وفضلها على منزلة الفناء وبالله التوفيق. العلامة الثالثة صحة السلوك وهو سلامته من الآفات والعوائق والقواطع وهو إنما يصح بثلاثة أشياء: أحدها: أن يكون على الدرب الأعظم الدرب النبوي المحمدي لا على الجواد الوضعية والرسوم الاصطلاحية وإن زخرفوا لها القول ودققوا لها الإشارة(3\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1139",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14136",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحسنوا لها العبارة فتلك من بقايا النفوس عليهم وهم لا يشعرون. الثاني: أن لا يجيب على الطريق داعي البطالة والوقوف والدعة. الثالث: أن يكون في سلوكه ناظرا إلى المقصود. وقد تقدم بيان ذلك. فبهذه الثلاثة يصح السلوك والعبارة الجامعة لها: أن يكون واحدا لواحد في طريق واحد فلا ينقسم طلبه ولا مطلوبه ولا يتلون مطلوبه. وأما الثلاثة السلبية التي ذكرها. فأولها: قوله: ولم يوقف لهم على رسم. يريد: أنهم انمحت رسومهم فلم يبق منها ما يقف عليه واقف. وهذا كلام يحتاج إلى شرح فإن الرسم الظاهر المعاين لا يمحى ما دام في هذا العالم ولا يرون محو هذا الرسم وهم مختلفون فيما يعبر بالرسم عنه. فطائفة قالت: الرسم ما سوى الحق سبحانه ومحوه هو ذهاب الوقوف معه والنظر إليه والرضا به والتعلق به. ومنهم: من يريد بالرسم: الظواهر والعلامات. وهذا أقرب إلى وضع اللغة فإن رسم الدار هو الأثر الباقي منها الذي يدل عليها ولهذا يسمون الفقهاء وأهل الأثر ونحوهم علماء الرسوم لأنهم عندهم لم يصلوا إلى الحقائق اشتغلوا عن معرفتها بالظواهر والأدلة. فهذه الطائفة التي أشار إليها لا رسم لهم يقفون عنده بل اشتغلوا بالحقائق والمعاني عن الرسوم والظواهر. وللملحد هاهنا مجال إذ عنده أن العبادات والأوامر والأوراد كلها رسوم وأن العباد وقفوا على الرسوم ووقفوا هم على الحقائق. ولعمر الله إنها لرسوم إلهية أتت على أيدي رسله ورسم لهم أن لا يتعدوها ولا يقصروا عنها فالرسل قعدوا على هذه الرسوم يدعون الخلق إليها ويمنعونهم من تجاوزها ليصلوا إلى حقائقها ومقاصدها فعطل الملاحدة تلك الرسوم وقالوا إنما المراد الحقائق ففاتتهم الرسوم والحقائق معا. ووصلوا ولكن إلى الحقائق الإلحادية الكفرية وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون [آل عمران: 24] . وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون [الأنعام: 43] .(3\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1140",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14137",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأحسن ما حمل عليه قول الشيخ quot; ولم يقفوا مع رسم quot;: أنهم لم ينقطعوا بشيء سوى الله عنه فكل ما قطع عن الله لم يقفوا معه وما أوصلهم إلى الله لم يفارقوه وكان وقوفهم معه. وقد يريد بقوله: quot; لم يوقف لهم على رسم quot; أنهم لعلو هممهم سبقوا الناس في السير فلم يقفوا معهم فهم المفردون السابقون فلسبقهم لم يوقف لهم على أثر في الطريق ولم يعلم المتأخر عنهم أين سلكوا والمشمر بعدهم: قد يرى آثار نيرانهم على بعد عظيم كما يرى الكوكب ويستخبر ممن رآهم: أين رآهم فحاله كما قيل: أسائل عنكم كل غاد ورائح ... وأومي إلى أوطانكم وأسلم العلامة الثانية: قوله quot; ولم ينسبوا إلى اسم quot; أي: لم يشتهروا باسم يعرفون به عند الناس من الأسماء التي صارت أعلاما لأهل الطريق. وأيضا فإنهم لم يتقيدوا بعمل واحد يجري عليهم اسمه فيعرفون به دون غيره من الأعمال. فإن هذا آفة في العبودية. وهي عبودية مقيدة وأما العبودية المطلقة: فلا يعرف صاحبها باسم معين من معاني أسمائها فإنه مجيب لداعيها على اختلاف أنواعها فله مع كل أهل عبودية نصيب يضرب معهم بسهم فلا يتقيد برسم ولا إشارة ولا اسم ولا بزي ولا طريق وضعي اصطلاحي بل إن سئل عن شيخه قال: الرسول. وعن طريقه قال: الاتباع. وعن خرقته قال: لباس التقوى. وعن مذهبه قال: تحكيم السنة. وعن مقصوده ومطلبه قال: يريدون وجهه [الأنعام: 52] وعن رباطه وعن خانكاه قال: في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة [النور: 36] . وعن نسبه قال: أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم وعن مأكله ومشربه قال: quot; ما لك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وترعى(3\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1141",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14138",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشجر حتى تلقى ربها quot;. واحسرتاه تقضى العمر وانصرمت ... ساعاته بين ذل العجز والكسل والقوم قد أخذوا درب النجاة وقد ... ساروا إلى المطلب الأعلى على مهل والعلامة الثالثة: قوله: quot; ولم يشر إليهم بالأصابع quot; يريد: أنهم لخفائهم عن الناس لم يعرفوا بينهم حتى يشيروا إليهم بالأصابع وفي الحديث المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم: لكل عامل شرة ولكل شرة فترة. فإن صاحبها سدد وقارب فارجوا له. وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدوه شيئا . فسئل راوي الحديث عن معنى: quot; أشير إليه بالأصابع quot; فقال: هو المبتدع في دينه الفاجر في دنياه. وهذا موضع يحتاج إلى تفصيل فإن الناس إنما يشيرون بالأصابع إلى من يأتيهم بشيء فبعضهم يعرفه وبعضهم لا يعرفه فإذا مر: أشار من يعرفه إلى من لا يعرفه: هذا فلان وهذا قد يكون ذما له وقد يكون مدحا فمن كان معروفا باجتهاد وعبادة وزهد وانقطاع عن الخلق ثم انحط عن ذلك وعاد إلى حال أهل الدنيا والشهوات: فإذا مر بالناس أشاروا إليه وقالوا: هذا كان على طريق كذا وكذا ثم فتن وانقلب فهذا الذي قال في الحديث عنه: quot; فلا تعدوه شيئا quot; لأنه انقلب على عقبيه ورجع بعد الشرة إلى أسوأ فترة. وقد يكون الرجل منهمكا في الدنيا ولذاتها ثم يوقظه الله لآخرته فيترك ما هو فيه ويقبل على شأنه. فإذا مر أشار الناس إليه بالأصابع وقالوا: هذا كان مفتونا. ثم تداركه الله. فهذا كانت شرته في المعاصي. ثم صارت في الطاعات. والأول: كانت شرته في الطاعات. ثم فترت وعادت إلى البدعة والفجور. وبالجملة: فالإشارة بالأصابع إلى الرجل: علامة خير وشر ومورد هلاكه ونجاته والله سبحانه الموفق.(3\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1142",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14139",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله quot; أولئك ذخائر الله حيث كانوا quot; ذخائر الملك: ما يخبأ عنده ويذخره لمهماته ولا يبذله لكل أحد وكذلك ذخيرة الرجل: ما يذخره لحوائجه ومهماته وهؤلاء لما كانوا مستورين عن الناس بأسبابهم غير مشار إليهم ولا متميزين برسم دون الناس ولا منتسبين إلى اسم طريق أو مذهب أو شيخ أو زي كانوا بمنزلة الذخائر المخبوءة وهؤلاء أبعد الخلق عن الآفات فإن الآفات كلها تحت الرسوم والتقيد بها ولزوم الطرق الاصطلاحية والأوضاع المتداولة الحادثة هذه هي التي قطعت أكثر الخلق عن الله وهم لا يشعرون. والعجب أن أهلها: هم المعروفون بالطلب والإرادة والسير إلى الله. وهم إلا الواحد بعد الواحد المقطوعون عن الله بتلك الرسوم والقيود. وقد سئل بعض الأئمة عن السنة فقال: ما لا اسم له سوى السنة يعني: أن أهل السنة ليس لهم اسم ينسبون إليه سواها. فمن الناس: من يتقيد بلباس لا يلبس غيره أو بالجلوس في مكان لا يجلس في غيره أو مشية لا يمشي غيرها أو بزي وهيئة لا يخرج عنهما أو عبادة معينة لا يتعبد بغيرها وإن كانت أعلى منها أو شيخ معين لا يلتفت إلى غيره وإن كان أقرب إلى الله ورسوله منه فهؤلاء كلهم محجوبون عن الظفر بالمطلوب الأعلى مصدودون عنه قد قيدتهم العوائد والرسوم والأوضاع والاصطلاحات عن تجريد المتابعة. فأضحوا عنهما بمعزل ومنزلتهم منها أبعد منزل فترى أحدهم يتعبد بالرياضة والخلوة وتفريغ القلب ويعد العلم قاطعا له عن الطريق فإذا ذكر له الموالاة في الله والمعاداة فيه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عد ذلك فضولا وشرا وإذا رأوا بينهم من يقوم بذلك أخرجوه من بينهم وعدوه غيرا عليهم فهؤلاء أبعد الناس عن الله وإن كانوا أكثر إشارة والله أعلم.  [فصل الثانية طائفة أشاروا عن منزل وهم في غيره ووروا بأمر وهم لغيره] فصل قال: الطبقة الثانية: طائفة أشاروا عن منزل وهم في غيره ووروا بأمر وهم لغيره ونادوا على شأن وهم على غيره فهم بين غيرة عليهم تسترهم وأدب فيهم يصونهم وظرف يهذبهم. أهل هذه الطبقة استسروا اختيارا وإرادة لذلك صيانة لأحوالهم وكمالا في(3\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1143",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14140",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تمكنهم فمقاماتهم عالية لا ترمقها العيون ولا تخالطها الظنون يشيرون إلى ما يعرفه المخاطب من مقامات المريدين السالكين وبدايات السلوك ويخفون ما مكنهم فيه الحق سبحانه وتعالى من أحوال المحبة ومواجيدها وآثار المعرفة وتوحيدها فهذه هي التورية التي ذكرها. فكأنهم يظهرون للمخاطب: أنهم من أهل البدايات وهم في أعلى المقامات يتكلمون معهم في البداية والإرادة والسلوك ومقامهم فوق ذلك وهم محقون في الحالتين لكنهم يسترون أشرف أحوالهم ومقاماتهم عن الناس. وبالجملة: فهم مع الناس بظواهرهم يخاطبونهم على قدر عقولهم ولا يخاطبونهم بما لا تصل إليه عقولهم فينكرون عليهم فيحسبهم المخاطب مثله فالناس عندهم وليسوا هم عند أحد. قوله: quot; أشاروا إلى منزل وهم في غيره quot; يعني: يشيرون إلى منزل التوبة والمحاسبة وهم في منزل المحبة والوجد والذوق ونحوها. وقد يريد: أنهم يشيرون إلى أنهم عامة وهم خاصة الخاصة وإلى أنهم جهال وهم العارفون بالله وأنهم مسيئون وهم محسنون. وعلى هذا: فيكونون من الطائفة الملامتية الذين يظهرون ما لا يمدحون عليه ويسرون ما يحمدهم الله عليه عكس المرائين المنافقين وهؤلاء طائفة معروفة. لهم طريقة معروفة تسمى طريقة أهل الملامة وهم الطائفة الملامتية يزعمون: أنهم يحتملون ملام الناس لهم على ما يظهرونه من الأعمال. ليخلص لهم ما يبطنونه من الأحوال. ويحتجون بقوله تعالى: فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم [المائدة: 54](3\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1144",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14141",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهم عاملون على إسقاط جاههم ومنزلتهم في قلوب الناس. لما رأوا المغترين - المغتر بهم - من المنتسبين إلى السلوك يعملون على تزكية نفوسهم وتوفير جاههم في قلوب الناس. فعاكسهم هؤلاء وأظهروا بطالة وأبطنوا أعمالا. وكتموا أحوالهم جهدهم. وينشدون في هذه الحال: فليتك تحلو والحياة مريرة ... وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر ... وبيني وبين العالمين خراب إذا صح منك الود يا غاية المنى ... فكل الذي فوق التراب تراب قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا سفيان عن منصور عن هلال بن يساف قال: كان عيسى عليه السلام يقول: إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن لحيته ويمسح شفتيه حتى يخرج إلى الناس فيقولون: ليس بصائم. ولهذا قال بعضهم: التصوف ترك الدعاوى وكتمان المعاني وسئل الحارث بن أسد عن علامات الصادق فقال: أن لا يبالي أن يخرج كل قدر له في قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه ولا يحب اطلاع الناس على اليسير من عمله. وهذا يحمد في حال ويذم في حال ويحسن من رجل ويقبح من آخر فيحمد إذا أظهر ما يجوز إظهاره ولا نقص عليه فيه ولا ذم من الله ورسوله ليكتم به حاله وعمله كما إذا أظهر الغنى وكتم الفقر والفاقة وأظهر الصحة وكتم المرض وأظهر النعمة وكتم البلية. فهذا كله من كنوز الستر وله في القلب تأثير عجيب يعرفه من ذاقه وشكا رجل إلى الأحنف بن قيس شكاة فقال: يا ابن أخي قد ذهب ضوء بصري من عشرين سنة فما أخبرت به أحدا. وأما الحال التي يذم فيها: فأن يظهر ما لا يجوز إظهاره ليسيء به الناس الظن فلا يعظموه كما يذكر عن بعضهم: أنه دخل الحمام ثم خرج وسرق ثياب رجل ومشى رويدا حتى أدركوه فأخذوها منه وسبوه فهذا حرام لا يحل تعاطيه ويقبح أيضا من المتبوع المقتدى به ذلك بل وما هو دونه لأنه يغر الناس ويوقعهم في التأسي بما يظهره من سوء.(3\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1145",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14142",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالملامتية نوعان: ممدوحون أبرار ومذمومون جهال. وإن كانوا في خفارة صدقهم. فالأولون: الذين لا يبالون بلوم اللوم في ذات الله والقيام بأمره والدعوة إليه وهم الذين قال الله فيهم: يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم [المائدة: 54] فأحب الناس إلى الله: من لا تأخذه في الله لومة لائم وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا تأخذه في الله لومة لائم.. والنوع الثاني المذموم: هو الذي يظهر ما يلام عليه شرعا من محرم أو مكروه. ليكتم بذلك حاله وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه . فلنرجع إلى شرح كلام الشيخ. قوله: أشاروا إلى منزل. وهم في غيره. مثاله: أنهم يتكلمون في التوبة والمحاسبة وهم في منزل المحبة والفناء. قوله quot; ووروا بأمر. وهم لغيره quot; التورية: أن يذكر لفظا يفهم به المخاطب معنى وهو يريد غيره مثاله: أن يقول أحدهم: أنا غني. فيوهم المخاطب له أنه غني بالشيء. ومراده: غني بالله عنه. كما قيل: غنيت بلا مال عن الناس كلهم ... وإن الغنى العالي عن الشيء لا به وأن يقول: ما صح لي مقام التوبة بعد. ويريد: ما صحت لي التوبة عن رؤية التوبة ونحو ذلك. قوله quot; ونادوا على شأن. وهم على غيره quot; أي: عظموا شأنا من شئون القوم ودعوا الناس إليه وهم في أعلى منه وهذا قريب مما قبله. قوله: quot; فهم بين غيرة عليهم تسترهم quot; أي: يغار الحق سبحانه عليهم فيسترهم عن الخلق ويغارون على أحوالهم ومقاماتهم فيسترون أحوالهم عن رؤية الخلق لها كما قيل:(3\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1146",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14143",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ألف الخمول صيانة وتسترا ... فكأنما تعريفه أن ينكرا وكأنه كلف الفؤاد بنفسه ... فحمته غيرته عليها أن ترى قوله: وأدب فيهم يصونهم بهذا يتم أمرهم وهو أن يقوم بهم أدب يصونهم عن ظن السوء بهم ويصونهم عن دناءة الأخلاق والأعمال فأدبهم صوان على أحوالهم فهمته العلية ترتفع به وأدبه يرسو به إلى التراب كما قيل: أبلج سهل الأخلاق ممتنع ... يبرزه الدهر وهو يحتجب إذا ترقت به عزائمه ... إلى الثريا رسا به الأدب فأدب المريد والسالك: صوان له وتاج على رأسه. قوله: quot; وظرف يهذبهم quot; التهذيب: هو التأديب والتصفية. و quot; الظرف quot; في هذه الطائفة: أحلى من كل حلو. وأزين من كل زين. فما قرن شيء إلى شيء أحسن من ظرف إلى صدق وإخلاص وسر مع الله وجمعية عليه فإن أكثر من عني بهذا الشأن تضيق نفسه وأخلاقه عن سوى ما هو بصدده فتثقل وطأته على أهله وجليسه ويضمن عليه ببشره والتبسط إليه ولين الجانب له. ولعمر الله إنه لمعذور وإن لم يكن في ذلك بمشكور فإن الخلق كلهم أغيار إلا من أعانك على شأنك وساعدك على مطلوبك. فإذا تمكن العبد في حاله وصار له إقبال على الله وجمعية عليه ملكة ومقاما راسخا أنس بالخلق وأنسوا به وانبسط إليهم وحملهم على ضلعهم وبطء سيرهم فعكفت القلوب على محبته للطفه وظرفه فإن الناس ينفرون من الكثيف ولو بلغ في الدين ما بلغ ولله ما يجلب اللطف والظرف من القلوب ويدفع عن صاحبه من الشر ويسهل له ما توعر على غيره فليس الثقلاء بخواص الأولياء وما ثقل أحد على قلوب الصادقين المخلصين إلا من آفة هناك وإلا فهذه الطريق تكسو العبد حلاوة ولطافة وظرفا فترى الصادق فيها من أحلى الناس وألطفهم وأظرفهم قد زالت عنه ثقالة النفس وكدورة الطبع وصار روحانيا سمائيا بعد أن كان حيوانيا أرضيا فتراه أكرم الناس عشرة وألينهم عريكة وألطفهم قلبا وروحا وهذه خاصة المحبة فإنها تلطف وتظرف وتنظف. ومن ظرف أهل هذه الطبقة: أن لا يظهر أحدهم على جليسه بحال ولا مقام.(3\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1147",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14144",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يواجهه إذا لقيه بالحال بل بلين الجانب وخفض الجناح وطلاقة الوجه فيفرش له بساط الأنس ويجلسه عليه. فهو أحب إليه من الفرش الوثيرة. وسئل محمد بن علي القصاب أستاذ الجنيد عن التصوف فقال: أخلاق كريمة ظهرت في زمان كريم مع قوم كرام. وبالجملة: فهذه الطريق لا تنافي اللطف والظرف. والصلف بل هي أصلف شيء لكن هاهنا دقيقة قاطعة وهي الاسترسال مع هذه الأمور فإنها أقطع شيء للمريد والسالك فمن استرسل معها قطعته ومن عاداها بالكلية وعرت عليه طريق سلوكه ومن استعان بها أراحته في طريقه أو أراحت غيره به وبالله التوفيق.  فصل وأهل هذه الطبقة أثقل شيء عليهم: البحث عما جريات الناس وطلب تعرف أحوالهم وأثقل ما على قلوبهم سماعها فهم مشغولون عنها بشأنهم فإذا اشتغلوا بما لا يعنيهم منها فاتهم ما هو أعظم عناية لهم وإذا عد غيرهم الاشتغال بذلك وسماعه من باب الظرف والأدب وستر الأحوال كان هذا من خدع النفوس وتلبيسها فإنه يحط الهمم العالية من أوجها إلى حضيضها وربما يعز عليه أن يحصل همة أخرى يصعد بها إلى موضعه الذي كان فيه فأهل الهمم والفطن الثاقبة لا يفتحون من آذانهم وقلوبهم طريقا إلى ذلك إلا ما تقاضاه الأمر وكانت مصلحته أرجح وما عداه فبطالة وحط مرتبة.  [فصل الثالثة طائفة أسرهم الحق عنهم فألاح لهم لائحا أذهلهم عن إدراك ما هم فيه] فصل قال: الطبقة الثالثة: طائفة أسرهم الحق عنهم فألاح لهم لائحا أذهلهم عن إدراك ما هم فيه وهيمهم عن شهود ما هم له وضن بحالهم عن علمهم ما هم به فاستسروا عنهم مع شواهد تشهد لهم بصحة مقامهم عن قصد صادق يهيجه غيب وحب صادق يخفى عليه علمه ووجد غريب لا ينكشف له موقده وهذا من أدق مقامات أهل الولاية.(3\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1148",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14145",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أهل هذه الطبقة: أحق باسم السر من الذين قبلهم فإنه إذا كانت أحوال القلب ومواهب الرب التي وضعها فيه سرا عن صاحبه بحيث لا يشعر هو بها شغلا عنها بالعزيز الوهاب سبحانه فلا يتسع قلبه لاشتغاله به وبغيره بل يشتغل بمجريها ومنشئها وواهبها عنها فهذا أقوى وجوه السر بل ذلك أخفى من السر ومن أعظم الستر والإخفاء أن يستر الله سبحانه وتعالى حال عبده ويخفيه عنه رحمة به ولطفا لئلا يساكنه وينقطع به عن ربه فإن ذلك خلعة من خلع الحق تعالى فإذا سترها صاحبها وملبسها عن عبده فقد أراد به أن لا يقف مع شيء دونه وقد يكون ذلك الستر مما يشتغل به العبد عن مشاهدة جلال الرب تعالى وكماله وجماله أعني مشاهدة القلب لمعاني تلك الصفات واستغراقه فيها. وعلامة هذا الشهود الصحيح: أن يكون باطنه معمورا بالإحسان وظاهره مغمورا بالإسلام فيكون ظاهره عنوانا لباطنه مصدقا لما اتصف به وباطنه مصححا لظاهره هذا هو الأكمل عند أصحاب الفناء. وأكمل منه: أن يشهد ما وهبه الله له ويلاحظه ويراه من محض المنة وعين الجود فلا يفنى بالمعطى عن رؤية عطيته ولا يشتغل بالعطية عن معطيها وقد أمر الله سبحانه بالفرح بفضله ورحمته وذلك لا يكون إلا برؤية الفضل والرحمة وملاحظتهما وأمر بذكر نعمه وآلائه فقال تعالى: ياأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم [فاطر: 3]  وقال تعالى: فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون [الأعراف: 69]  وقال تعالى: واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به [البقرة: 231] . فلم يأمر الله سبحانه بالفناء عن شهود نعمته فضلا عن أن يكون مقام الفناء أرفع من مقام شهودها من فضله ومنته. وقد أشبعنا القول في هذا فيما تقدم ولا تأخذنا فيه لومة لائم ولا تأخذ أرباب الفناء في ترجيح الفناء عليه لومة لائم. فقوله: quot; أسرهم الحق عنهم quot; أي: شغلهم به عن ذكر أنفسهم فأنساهم بذكره ذكر نفوسهم وهذا ضد حال الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم فإن أولئك لما نسوه أنساهم مصالح أنفسهم التي لا صلاح لهم إلا بها فلا يطلبونها وأنساهم عيوبهم(3\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1149",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14146",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلا يصلحونها وهؤلاء أنساهم حظوظهم بحقوقه وذكر ما سواه بذكره والمقصود: أنه سبحانه أخذهم إليه وشغلهم به عنهم. قوله: وألاح لهم لائحا أذهلهم عن إدراك ما هم فيه. ألاح أي: أظهر والمعنى: أظهر لهم من معرفة جماله وجلاله لائحا ما لم تتسع قلوبهم بعده لإدراك شيء من أحوالهم ومقاماتهم وهذا رقيقة من حال أهل الجنة إذا تجلى لهم سبحانه وأراهم نفسه فإنهم لا يشعرون في تلك الحال بشيء من النعيم ولا يلتفتون إلى سواه ألبتة كما صرح به في الحديث الصحيح في قوله: فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه . والمعنى: أن هذا اللائح الذي ألاحه سبحانه لهم أذهلهم عن الشعور بغيره. قوله: quot; هيمهم عن شهود ما هم له quot; يحتمل أن يكون مراده: أن هذا اللائح هيمهم عن شهود ما خلقوا له فلم يبق فيهم اتساع للجمع بين الأمرين وهذا وإن كان لقوة الوارد فهو دليل على ضعف المحل حيث لم يتسع القلب معه لذكر ما خلق له والكمال: أن يجتمع له الأمران. ويحتمل أن يريد به: أن هذا اللائح غيبهم عن شهود أحوالهم التي هم لها في تلك الحال فغابوا بمشهودهم عن شهودهم وبمعروفهم عن معرفتهم وبمعبودهم عن عبادتهم فإن الهائم لا يشعر بما هو فيه ولا بحال نفسه وفي الصحاح: الهيام كالجنون من العشق. قوله: quot; وضن بحالهم عن علمهم quot; أي: بخل به والمعنى لم يكن علمهم أن يدرك حالهم وما هم عليه قوله: quot; فاستسروا عنهم quot; أي: اختفوا حتى عن أنفسهم فلم تعلم نفوسهم كيف هم ولا تبادر بإنكار هذا تكن ممن لا يصل إلى العنقود فيقول: هو حامض. قوله: مع شواهد تشهد لهم بصحة مقامهم. يريد: أنهم لم يعطلوا أحكام العبودية في هذه الحال فيكون ذلك شاهدا عليهم بفساد أحوالهم بل لهم مع ذلك شواهد صحيحة تشهد لهم بصحة مقاماتهم وتلك الشواهد: هي القيام بالأمر وآداب الشريعة ظاهرا وباطنا. قوله: عن قصد سابق يهيجه غيب(3\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1150",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14147",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يجوز أن يتعلق هذا الحرف وما بعده بمحذوف دل عليه الكلام أي: حصل لهم ذلك عن قصد صادق أي: لازم ثابت لا يلحقه تلون quot; يهيجه غيب quot; أي: أمر غائب عن إدراكهم هيج لهم ذلك القصد الصادق. قوله: وحب صادق يخفى عليه مبدأ علمه أي: هم لا يعرفون مبدأ ما بهم ولا يصل علمهم إليه لأنهم لما لاح لهم ذلك اللائح استغرق قلوبهم وشغل عقولهم عن غيره فهم مأخوذون عن أنفسهم مقهورون بواردهم. قوله: ووجد غريب لا ينكشف لصاحبه موقده أي: لا ينكشف لصاحب هذا الوجد السبب الذي أهاجه له وأوقده في قلبه فهو لا يعرف السبب الذي أوجد نار وجده. قوله: quot; وهذا من أدق مقامات أهل الولاية quot; جعله دقيقا لكون الحس مقهورا مغلوبا عند صاحبه والعلم والمعرفة لا يحكمان عليه فضلا عن الحس والعادة. وحاصل هذا المقام: الاستغراق في الفناء وهو الغاية عند الشيخ والصحيح: أن أهل الطبقة الثانية أعلى من هؤلاء وأرفع مقاما وهم الكمل وهم أقوى منهم كما كان مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء أرفع من مقام موسى عليه السلام يوم التجلي ولم يحصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الفناء ما حصل لموسى صلى الله عليه وسلم وكان حب امرأة العزيز ليوسف عليه السلام أعظم من حب النسوة ولم يحصل لها من تقطيع الأيدي ونحوه ما حصل لهن وكان حب أبي بكر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم من حب عمر رضي الله عنه وغيره ولم يحصل له عند موته من الاضطراب والغشي والإقعاد ما حصل لغيره. فأهل البقاء والتمكن: أقوى حالا وأرفع مقاما من أهل الفناء وبالله التوفيق.  [فصل منزلة النفس] [فصل حقيقة النفس] فصل ومنها النفس قال صاحب المنازل: (باب النفس) قال الله تعالى: فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك [الأعراف: 143] .(3\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1151",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14148",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجه إشارته بالآية: أن النفس يكون بعد مفارقة الحال وانفصاله عن صاحبه فشبه الحال بالشيء الذي يأخذ صاحبه فيغته ويغطه حتى إذا أقلع عنه تنفس نفسا يستريح به ويستروح. قال: ويسمى النفس: نفسا لتروح المتنفس به quot; التنفيس quot; هو الترويح يقال: نفس الله عنك الكرب أي: أراحك منه وفي الحديث الصحيح: من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة . وهذه الأحرف الثلاثة وهي النون والفاء وما يثلثهما تدل حيث وجدت على الخروج والانفصال فمنه النفل لأنه زائد على الأصل خارج عنه ومنه: النفر والنفي والنفس ونفقت الدابة ونفست المرأة ونفست: إذا حاضت أو ولدت فالنفس: خروج وانفصال يستريح به المتنفس. قال: وهو على ثلاث درجات وهي تشابه درجات الوقت وجه الشبه بينهما: أن الأوقات تعد بالأنفاس كدرجاتها. وأيضا فالوقت كما قال هو: quot; حين وجد صادق quot; فقيد الحين بالوجد والوجد بالصدق وقال في هذا الباب: هو نفس في حين استتار فقيد النفس بالحين وبالوجد(3\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1152",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14149",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقيد به الوقت فهو معتبر بهما. وأيضا فالوقت والنفس لهما أسباب تعرض للقلب بسبب حجبه عن مطلوبه أو مفارقة حال كان فيها فاستترت عنه فبينهما تشابه من هذه الوجوه وغيرها.  [فصل الأنفاس ثلاثة] [الأول نفس في حين استتار] فصل قال: والأنفاس ثلاثة: نفس في حين استتار مملوء من الكظم متعلق بالعلم إن تنفس تنفس بالأسف وإن نطق نطق بالحزن وعندي: هو متولد من وحشة الاستتار وهي الظلمة التي قالوا: إنها مقام. فقوله: نفس في حين استتار أي: يكون له حال صادق وكشف صحيح فيستتر عنه بحكم الطبيعة والبشرية ولا بد فيضيق بذلك صدره ويمتلئ كظما بحجب ما كان فيه واستتاره لأسباب فاعلية وغائية سترد عليك إن شاء الله فإذا تنفس في هذه الحال فتنفسه تنفس الحزين المكروب. قوله: quot; مملوء من الكظم quot; الكظم: هو الإمساك ومنه: كظم غيظه إذا تجرعه وحبسه ولم يخرجه. قوله: quot; متعلق بالعلم quot; يريد: أن ذلك النفس متعلق بأحكام الظاهر لا بأحكام الحال وذلك هو البلاء الذي تقدم ذكر الشيخ له وهو بلاء العبد بين الاستجابة لداعي العلم وداعي الحال. وإنما كان ذلك نفس مكظوم: لخلوه في هذه الحال من أحكام المحبة التي تهون الشدائد وتسهل الصعب وتحمل الكل وتعين على نوائب الحق وتعلقه بالعلم الذي هو داعي التفرق فإن كرب المحبة ممزوج بالحلاوة فإذا خلا من أحكامها إلى أحكام العلم فقد تلك الحلاوة واشتاق إلى ذلك الكرب كما قيل: ويشكو المحبون الصبابة ليتني ... تحملت ما يلقون من بينهم وحدي فكان لقلبي لذة الحب كلها ... فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي قوله: إن تنفس تنفس بالأسف.(3\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1153",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14150",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأسف: الحزن كقوله تعالى عن يعقوب: ياأسفى على يوسف [يوسف: 84] والأسف: الغضب كقوله تعالى: فلما آسفونا انتقمنا منهم [الزخرف: 55] وهو في هذا الموضع: الحزن على ما توارى عنه من مطلوبه أو من صدق حاله. قوله: quot; وإن نطق نطق بالحزن quot; يعني: أن هذا المتنفس إن نطق بما يدل على الحزن على ما توارى عنه فمصدر تنفسه ونطقه حزنه على ما حجب عنه. قوله:: وعندي: أنه يتولد من وحشة الاستتار والحجب. وكأن الاستتار السبب فيتولد السبب. يريد: أن هذا الأسف وإن أضيف إلى الاستتار والحجاب فتولده: إنما هو من الوحشة التي سببها الاستتار من تلك الوحشة المتولدة من الاستتار وهذا صحيح فإنه لما كان مطلوبه مشاهدا له وحال محبته وأحكامها قائما به كان نصيبه من الأنس على قدر ذلك فإنه لما توارى عنه مطلوبه وأحكام محبته استوحش لذلك فتولد الحزن من تلك الوحشة. وبعد فالحزن يتولد من مفارقة المحبوب ليس له سبب سواه وإن تولد من حصول مكروه فذلك المكروه: إنما كان كذلك لما فات به من المحبوب فلا حزن إذا ولا هم ولا غم ولا أذى ولا كرب إلا في مفارقة المحبوب ولهذا كان حزن الفقر والمرض والألم والجهل والخمول والضيق وسوء الحال ونحو ذلك: على فراق المحبوب من المال والوجد والعافية والعلم والسعة وحسن الحال ولهذا جعل الله سبحانه وتعالى مفارقة المشتهيات من أعظم العقوبات فقال تعالى: وحيل بينهم وبين ما يشتهون - كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب [سبأ: 54] فالفرح والسرور بالظفر بالمحبوب والهم والغم والحزن والأسف بفوات المحبوب فأطيب العيش عيش المحب الواصل إلى محبوبه وأمر العيش عيش من حيل بينه وبين محبوبه. والاستتار المذكور لا يكون إلا بعد كشف وعيان والرب تعالى يستر عنهم ما يستره رحمة بهم ولطفا بضعيفهم إذ لو دام له حال الكشف لمحقه بل رحمة به من ربه أن رده إلى أحكام البشرية ومقتضى الطبيعة.(3\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1154",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14151",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأيضا ليتزايد طلبه ويقوى شوقه فإنه لو دامت له تلك الحال لألفها واعتادها ولم يقع منه موقع الماء من ذي الغلة الصادي ولا موقع الأمن من الخائف ولا موقع الوصال من المهجور فالرب سبحانه واراها عنه ليكمل فرحه ولذته وسروره بها. وأيضا فليعرفه سبحانه قدر نعمته بما أعطاه وخلع عليه فإنه لما ذاق مرارة الفقد عرف حلاوة الوجود فإن الأشياء تتبين بأضدادها. وأيضا فليعرفه فقره وحاجته وضرورته إلى ربه وأنه غير مستغن عن فضله وبره طرفة عين وأنه إن انقطع عنه إمداده فسد بالكلية. وأيضا فليعرفه أن ذلك الفضل والعطاء ليس لسبب من العبد وأنه عاجز عن تحصيلها بكسب واختيار وأنها مجرد موهبة وصدقة تصدق الله بها عليه لا يبلغها عمله ولا ينالها سعيه. وأيضا فليعرفه عزه في منعه وبره في عطائه وكرمه وجوده في عوده عليه بما حجب عنه فينفتح على قلبه من معرفة الأسماء والصفات بسبب هذا الاستتار والكشف بعده أمور غريبة عجيبة يعرفها الذائق لها وينكرها من ليس من أهلها. وأيضا فإن الطبيعة والنفس لم يموتا ولم يعدما بالكلية ولولا ذلك لما قام سوق الامتحان والتكليف في هذا العالم بل قهرا بسلطان العلم والمعرفة والإيمان والمحبة والمقهور المغلوب لا بد أن يتحرك أحيانا وإن قلت ولكن حركة أسير مقهور بعد أن كانت حركته حركة أمير مسلط. فمن تمام إحسان الرب إلى عبده وتعريفه قدر نعمته أن أراه في الأعيان ما كان حاكما عليه قاهرا له وقد تقاضى ما كان يتقاضاه منه أولا فحينئذ يستغيث العبد بربه ووليه ومالك أمره كله: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك. وأيضا فإنه يزيل من قلبه آفة الركون إلى نفسه أو عمله أو حاله كما قيل: إن ركنت إلى العلم أنسيناكه وإن ركنت إلى الحال: سلبناك إياه وإن ركنت إلى المعرفة: حجبناها عنك وإن ركنت إلى قلبك: أفسدناه عليك فلا يركن العبد إلى شيء سوى الله ألبتة ومتى وجد قلبه ركونا إلى غيره: فليعلم أنه قد أحيل على مفلس بل معدم وأنه قد فتح له الباب مكرا فليحذر ولوجه والله المستعان.(3\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1155",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14152",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله: وهي الظلمة التي قالوا: إنها مقام. يعني: أن وحشة الاستتار ظلمة. وقد قال قوم: إنها مقام. ووجهه: أن الرب سبحانه يقيم عبده بحكمته فيها لما ذكرناه من الحكم والفوائد وغيرها مما لم نذكره. فبهذا الاعتبار تكون مقاما ولكن صاحب هذا المقام: أنفاسه أنفاس حزن وأسف وهلاك وتلف لما حجب عنه من المقام الذي كان فيه. والشيخ كأنه لا يرى ذلك مقاما فإن المقامات هي منازل في طريق المطلوب فكل أمر أقيم فيه السالك من حاله الذي يقدمه إلى مطلوبه: فهو مقام وأما وحشة الاستتار: فهي تأخر في الحقيقة لا تقدم فكيف تسمى مقاما بل هي ضد المقام. ومما يدل على أن وحشة الاستتار ليست مقاما: أن كل مقام فهو تعلق بالحق سبحانه على وجه الثبوت وحقيقته: بأن يكون العبد بالمقيم لا بالمقام. وأما حال الاستتار: فهو حال انقطاع عن ذلك التعلق المذكور. والتحقيق في ذلك: أن له وجهين هو من أحدهما: ظلمة ووحشة. ومن الثاني: مقام فهو باعتبار الحال وباعتبار نفسه ليس مقاما وباعتبار المآل وما يترتب عليه وما فيه من تلك الحكم والفوائد المذكورة: فهو مقام وبالله التوفيق.  [فصل الثاني نفس في حين التجلي] فصل قال: والنفس الثاني: نفس في حين التجلي وهو نفس شاخص عن مقام السرور إلى روح المعاينة مملوء من نور الوجود شاخص إلى منقطع الإشارة. هذا النفس أعلى من الأول فإن الأول في حين استتار وظلمة وهذا نفس في حال تجل ونوره وحين التجلي: هو زمان حصول الكشف والتجلي مشتق من الجلوة قيل: وحقيقته إشراق نور الحق على قلوب المريدين. فإن أرادوا إشراق نور الذات فغلط شنيع منهم ولهذا قال: احترز منهم عن ذلك quot; إشراق نور الصفات quot;. فإن أرادوا أيضا إشراق نفس الصفة فغلط كذلك فإن التجلي الذاتي(3\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1156",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14153",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والصفاتي لا يقع في هذا العالم ولا تثبت له القوى البشرية. والحق أنه إشراق نور المعرفة والإيمان واستغراق القلب في شهود الذات المقدسة وصفاتها استغراقا علميا نعم هو أرفع من العلم المجرد لأسباب. منها: قوته فإن المعارف والعلوم تتفاوت. ومنها: صفاء المحل ونقاؤه من الكدر المانع من ظهور العلم والمعرفة فيه. ومنها: التجرد عن الموانع والشواغل. ومنها: كمال الالتفات والتحديق نحو المعروف المشهود. ومنها: كمال الأنس به والقرب منه إلى غير ذلك من الأسباب التي توجب للقلب شهودا وكشفا وراء مجرد العلم. قوله: وهو نفس شاخص عن مقام السرور أي: صادر عن مقام السرور و quot; الشخوص quot; الخروج يقال: شخص فلان إلى بلد كذا إذا خرج إليه. والمقصود: أن هذا النفس صدر عن سرور وفرح بخلاف الأول فإنه صدر عن ظلمة ووحشة أثارت حزنا فهذا النفس صدر عن سماع الإجابة الذي يمحو آثار الوحشة. قوله: quot; إلى روح المعاينة quot; هو بفتح الراء وهو النعيم والراحة التي تحصل بالمعاينة ضد الألم والوحشة الحاصلين في حين الاستتار فهذا النفس مصدره السرور ونهايته روح المعاينة صادرا عن مسرة طالبا المعاينة. وأصح ما يحمل عليه كلام الشيخ وأمثاله من أهل الاستقامة في المعاينة أنها تزايد العلم حتى يصير يقينا ولا يصل أحد إلى عين اليقين في هذه الدار. وإن خالف في ذلك من خالف فالغلط من لوازم الطبيعة والعلم يميز بين الغلط والصواب. وقد أشعر كلام الشيخ هاهنا بأن التجلي دون المعاينة فإن التجلي قد يكون من وراء ستر رقيق وحاجز لطيف والكشف والعيان هو الظهور من غير ستر فإذا كان مسرورا بحال التجلي كانت أنفاسه متعلقة بمقام المعاينة الذي هو فوق مقام التجلي ولهذا جعله شاخصا إليها. قوله: quot; مملوء من نور الوجود quot; يريد: أن هذا النفس مملوء من نور الوجود و quot; الوجود quot; عنده: هو حضرة الجمع فكأنه يقول: هذا النفس منصبغ مكتس بنور الوجود فإن صاحبه لما تنفس به كان في مقام الجمع والوجود.(3\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1157",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14154",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله: quot; شاخص إلى منقطع الإشارة quot; لما كان قلبه مملوءا من نور الوجود وكان شاخصا إلى المعاينة مستفرغا بكليته في طلبها كان شاخصا إلى حضرة الجمع التي هي منقطع الإشارة عندهم فضلا عن العبارة فلا إشارة هناك ولا عبارة ولا رسم بل تفنى الإشارات وتعجز العبارات وتضمحل الرسوم.  [فصل الثالث نفس مطهر بماء القدس] فصل قوله: والنفس الثالث: نفس مطهر بماء القدس قائم بإشارات الأزل وهو النفس الذي يسمى بصدق النور. القدس: الطهارة والتقديس: التطهير والتنزيه ومراده بالقدس هاهنا: الشهود الذي يفنى الحادث الذي لم يكن ويبقى القديم الذي لم يزل فكأن صفات الحدوث عندهم: مما يتطهر منها بالتجلي المذكور فالتجلي يطهر العبد منها فإنه ما دام في الحجاب فهو باق مع إنيته وصفاته فإذا أشرق عليه نور التجلي طهره من صفاته وشهودها وتوسيطها بينه وبين مشهوده الحق. وحاصل كلامه: أن هذا النفس صادر عن مشاهدة الأزل الماحي للحوادث المفني لها فهذا النفس مطهر بالطهر المقدس عن كل غير وعن ملاحظة كل مقام بل هو مستغرق بنور الحق وآثار الحق تنطق عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه  وقال ابن مسعود: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر. وهذا نطق غير النطق النفساني الطبيعي ولهذا سمي هذا النفس(3\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1158",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14155",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بصدق النور لصدق شدة تعلقه بالنور وملازمته له. قوله: quot; قائم بإشارات الأزل quot; أي: هذا النفس منزه مطهر عن إشارات الحدوث فقد ترحل عنها وفارقها إلى إشارات الأزل ويعني بإشارات الأزل أنه قد فني في عيانه الذي شخص إليه من لم يكن وبقي من لم يزل فصارت أنفاسه من جملة إشارات الأزل. ولم يرد الشيخ: أن أنفاسه تنقلب أزلية فمن هو دون الشيخ لا يتوهم هذا بل أنفاس الخلق متعلقة بمن لم يكن وهذا نفسه متعلق بمن لم يزل. وبعد فللملحد هاهنا مجال لكنه في الحقيقة وهم باطل وخيال. وفي قوله: quot; يسمى بصدق النور quot; لطيفة وهي أن السالك يلوح له في سلوكه النور مرارا ثم يختفي عنه كالبرق يلمع ثم يختفي فإذا قوي ذلك النور ودام ظهوره صار نورا صادقا. قوله: فالنفس الأول: للعيون سراج. والثاني: للقاصد معراج. والثالث: للمحقق تاج. أي: النفس الأول: سراج في ظلمة السلوك لتعلقه بالعلم كما تقدم والعلم سراج يهتدى به في طرقات القصد ويوضح مسالكها ويبين مراتبها فهو سراج للعيون. والنفس الثاني: للقاصد معراج فإنه أعلى من الأول لأنه من نور المعرفة الرافعة للحجاب. والنفس الثالث للمحقق تاج لأنه نفس مطهر من أدناس الأكوان ومتصل بالكائن قبل كل شيء والمكون لكل شيء والكائن بعد كل شيء فهذا تاج لقلبه بمنزلة التاج على رأس الملك. والنفس الأول يؤمن السالك من عثرته والثاني يوصله إلى طلبته والثالث: يدله على علو مرتبته والله سبحانه وتعالى أعلم.(3\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1159",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14156",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الغربة] [حقيقة الغربة] فصل الغربة قال شيخ الإسلام: باب الغربة قال الله تعالى: فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم [هود: 116] . استشهاده بهذه الآية في هذا الباب يدل على رسوخه في العلم والمعرفة وفهم القرآن فإن الغرباء في العالم هم أهل هذه الصفة المذكورة في الآية وهم الذين أشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء قيل: ومن الغرباء يا رسول الله قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس . وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن زهير بن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن حنطب عن المطلب بن حنطب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: طوبى للغرباء قالوا:(3\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1160",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14157",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يا رسول الله ومن الغرباء قال: الذين يزيدون إذا نقص الناس . فإن كان هذا الحديث بهذا اللفظ محفوظا لم ينقلب على الراوي لفظه وهو: الذين ينقصون إذا زاد الناس فمعناه: الذين يزيدون خيرا وإيمانا وتقى إذا نقص الناس من ذلك والله أعلم. وفي حديث الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء قيل: ومن الغرباء يا رسول الله قال: النزاع من القبائل . وفي حديث عبد الله بن عمرو قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم ونحن عنده طوبى للغرباء قيل: ومن الغرباء يا رسول الله قال: ناس صالحون قليل في ناس كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم . وقال أحمد: حدثنا الهيثم بن جميل حدثنا محمد بن مسلم حدثنا عثمان بن عبد الله عن سليمان بن هرمز عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: إن أحب شيء إلى الله الغرباء قيل: ومن الغرباء قال: الفرارون بدينهم يجتمعون إلى عيسى ابن مريم عليه السلام يوم القيامة . وفي حديث آخر: بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء قيل: ومن الغرباء يا رسول الله قال: الذين يحيون سنتي ويعلمونها الناس . وقال نافع عن مالك: دخل عمر بن الخطاب المسجد فوجد معاذ بن جبل جالسا إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فقال له عمر: ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن هلك أخوك قال: لا ولكن حديثا حدثنيه حبيبي صلى الله عليه وسلم وأنا في هذا المسجد فقال: ما هو قال: إن الله يحب الأخفياء الأحفياء الأتقياء الأبرياء الذين إذا غابوا لم(3\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1161",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14158",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يفتقدوا وإذا حضروا لم يعرفوا قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل فتنة عمياء مظلمة . فهؤلاء هم الغرباء الممدوحون المغبوطون ولقلتهم في الناس جدا سموا غرباء فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات فأهل الإسلام في الناس غرباء والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء وأهل العلم في المؤمنين غرباء. وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع فهم غرباء والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين هم أشد هؤلاء غربة ولكن هؤلاء هم أهل الله حقا فلا غربة عليهم وإنما غربتهم بين الأكثرين الذين قال الله عز وجل فيهم: وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله [الأنعام: 116]  فأولئك هم الغرباء من الله ورسوله ودينه وغربتهم هي الغربة الموحشة وإن كانوا هم المعروفين المشار إليهم كما قيل: فليس غريبا من تناءت دياره ... ولكن من تنأين عنه غريب ولما خرج موسى عليه السلام هاربا من قوم فرعون انتهى إلى مدين على الحال التي ذكر الله وهو وحيد غريب خائف جائع فقال: يا رب وحيد مريض غريب فقيل له: يا موسى الوحيد: من ليس له مثلي أنيس والمريض: من ليس له مثلي طبيب والغريب: من ليس بيني وبينه معاملة.  [أنواع الغربة] [الأول غربة أهل الله وأهل سنة رسوله بين هذا الخلق] فالغربة ثلاثة أنواع: غربة أهل الله وأهل سنة رسوله بين هذا الخلق وهي الغربة التي مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلها وأخبر عن الدين الذي جاء به: أنه بدأ غريبا وأنه سيعود غريبا كما بدأ وأن أهله يصيرون غرباء. وهذه الغربة قد تكون في مكان دون مكان ووقت دون وقت وبين قوم دون قوم ولكن أهل هذه الغربة هم أهل الله حقا فإنهم لم يأووا إلى غير الله ولم ينتسبوا إلى غير رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يدعوا إلى غير ما جاء به وهم الذين فارقوا الناس أحوج ما كانوا إليهم فإذا انطلق الناس يوم القيامة مع آلهتهم بقوا في مكانهم فيقال لهم: ألا تنطلقون حيث انطلق الناس فيقولون: فارقنا الناس ونحن أحوج إليهم منا(3\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1162",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14159",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اليوم وإنا ننتظر ربنا الذي كنا نعبده. فهذه الغربة لا وحشة على صاحبها بل وآنس ما يكون إذا استوحش الناس وأشد ما تكون وحشته إذا استأنسوا فوليه الله ورسوله والذين آمنوا وإن عاداه أكثر الناس وجفوه. وفي حديث القاسم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: عن الله تعالى إن أغبط أوليائي عندي: لمؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من صلاته أحسن عبادة ربه وكان رزقه كفافا وكان مع ذلك غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع وصبر على ذلك حتى لقي الله ثم حلت منيته وقل تراثه وقلت بواكيه . ومن هؤلاء الغرباء: من ذكرهم أنس في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم: رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره . وفي حديث أبي إدريس الخولاني عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم عن ملوك أهل الجنة قالوا: بلى يا رسول الله. قال: كل ضعيف أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره وقال الحسن: المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها ولا ينافس في عزلها للناس حال وله حال الناس منه في راحة وهو من نفسه في تعب. ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم النبي صلى الله عليه وسلم: التمسك بالسنة إذا(3\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1163",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14160",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رغب عنها الناس وترك ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم وتجريد التوحيد وإن أنكر ذلك أكثر الناس وترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله لا شيخ ولا طريقة ولا مذهب ولا طائفة بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبودية له وحده وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقا وأكثر الناس بل كلهم لائم لهم. فلغربتهم بين هذا الخلق: يعدونهم أهل شذوذ وبدعة ومفارقة للسواد الأعظم. ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: هم النزاع من القبائل أن الله سبحانه بعث رسوله وأهل الأرض على أديان مختلفة فهم بين عباد أوثان ونيران وعباد صور وصلبان ويهود وصابئة وفلاسفة وكان الإسلام في أول ظهوره غريبا وكان من أسلم منهم واستجاب لله ولرسوله غريبا في حيه وقبيلته وأهله وعشيرته. فكان المستجيبون لدعوة الإسلام نزاعا من القبائل بل آحادا منهم تغربوا عن قبائلهم وعشائرهم ودخلوا في الإسلام فكانوا هم الغرباء حقا حتى ظهر الإسلام وانتشرت دعوته ودخل الناس فيه أفواجا فزالت تلك الغربة عنهم ثم أخذ في الاغتراب والترحل حتى عاد غريبا كما بدأ بل الإسلام الحق الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه هو اليوم أشد غربة منه في أول ظهوره وإن كانت أعلامه ورسومه الظاهرة مشهورة معروفة فالإسلام الحقيقي غريب جدا وأهله غرباء أشد الغربة بين الناس. وكيف لا تكون فرقة واحدة قليلة جدا غريبة بين اثنتين وسبعين فرقة ذات أتباع ورئاسات ومناصب وولايات ولا يقوم لها سوق إلا بمخالفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فإن نفس ما جاء به يضاد أهواءهم ولذاتهم وما هم عليه من الشبهات والبدع التي هي منتهى فضيلتهم وعملهم والشهوات التي هي غايات مقاصدهم وإراداتهم فكيف لا يكون المؤمن السائر إلى الله على طريق المتابعة غريبا بين هؤلاء الذين قد اتبعوا أهواءهم وأطاعوا شحهم وأعجب كل منهم برأيه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر حتى إذا رأيتم شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ورأيت أمرا لا يد لك به فعليك بخاصة نفسك وإياك وعوامهم فإن وراءكم أياما صبر الصابر فيهن كالقابض على الجمر . ولهذا جعل للمسلم الصادق في هذا الوقت إذا تمسك بدينه: أجر(3\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1164",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14161",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خمسين من الصحابة ففي سنن أبي داود والترمذي من حديث أبي ثعلبة الخشني قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم [المائدة: 105] فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك العوام فإن من ورائكم أيام الصبر الصبر فيهن مثل قبض على الجمر للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله قلت: يا رسول الله أجر خمسين منهم قال: أجر خمسين منكم . وهذا الأجر العظيم إنما هو لغربته بين الناس والتمسك بالسنة بين ظلمات أهوائهم وآرائهم. فإذا أراد المؤمن الذي قد رزقه الله بصيرة في دينه وفقها في سنة رسوله وفهما في كتابه وأراه ما الناس فيه من الأهواء والبدع والضلالات وتنكبهم عن الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فإذا أراد أن يسلك هذا الصراط فليوطن نفسه على قدح الجهال وأهل البدع فيه وطعنهم عليه وإزرائهم به وتنفير الناس عنه وتحذيرهم منه كما كان سلفهم من الكفار يفعلون مع متبوعه وإمامه صلى الله عليه وسلم فأما إن دعاهم إلى ذلك وقدح فيما هم عليه: فهنالك تقوم قيامتهم ويبغون له الغوائل وينصبون له الحبائل ويجلبون عليه بخيل كبيرهم ورجله. فهو غريب في دينه لفساد أديانهم غريب في تمسكه بالسنة لتمسكهم بالبدع غريب في اعتقاده لفساد عقائدهم غريب في صلاته لسوء صلاتهم غريب في طريقه لضلال وفساد طرقهم غريب في نسبته لمخالفة نسبهم غريب في معاشرته لهم لأنه يعاشرهم على ما لا تهوى أنفسهم. وبالجملة: فهو غريب في أمور دنياه وآخرته لا يجد من العامة مساعدا ولا معينا فهو عالم بين جهال صاحب سنة بين أهل بدع داع إلى الله ورسوله بين دعاة إلى الأهواء والبدع آمر بالمعروف ناه عن المنكر بين قوم المعروف لديهم منكر والمنكر معروف.(3\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1165",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14162",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الثاني غربة أهل الباطل] فصل النوع الثاني من الغربة غربة مذمومة وهي غربة أهل الباطل وأهل الفجور بين أهل الحق فهي غربة بين حزب الله المفلحين وإن كثر أهلها فهم غرباء على كثرة أصحابهم وأشياعهم أهل وحشة على كثرة مؤنسهم يعرفون في أهل الأرض ويخفون على أهل السماء.  [فصل الثالث غربة مشتركة لا تحمد ولا تذم] فصل النوع الثالث: غربة مشتركة لا تحمد ولا تذم وهي الغربة عن الوطن فإن الناس كلهم في هذه الدار غرباء فإنها ليست لهم بدار مقام ولا هي الدار التي خلقوا لها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل . وهكذا هو في نفس الأمر لأنه أمر أن يطالع ذلك بقلبه ويعرفه حق المعرفة ولي من أبيات في هذا المعنى: وحي على جنات عدن فإنها ... منازلك الأولى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلم وأي اغتراب فوق غربتنا التي ... لها أضحت الأعداء فينا تحكم وقد زعموا أن الغريب إذا نأى ... وشطت به أوطانه ليس ينعم فمن أجل ذا لا ينعم العبد ساعة ... من العمر إلا بعد ما يتألم وكيف لا يكون العبد في هذه الدار غريبا وهو على جناح سفر لا يحل عن راحلته إلا بين أهل القبور فهو مسافر في صورة قاعد وقد قيل: وما هذه الأيام إلا مراحل ... يحث بها داع إلى الموت قاصد وأعجب شيء لو تأملت أنها ... منازل تطوى والمسافر قاعد(3\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1166",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14163",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل درجات الاغتراب] [الدرجة الأولى الغربة عن الأوطان] فصل قال صاحب المنازل: الاغتراب: أمر يشار به إلى الانفراد عن الأكفاء. يريد: أن كل من انفرد بوصف شريف دون أبناء جنسه فإنه غريب بينهم لعدم مشاركه أو لقلته. قال: وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى: الغربة عن الأوطان وهذا الغريب موته شهادة ويقاس له في قبره من مدفنه إلى وطنه ويجمع يوم القيامة إلى عيسى ابن مريم عليه السلام. لما كانت الغربة هي انفراد والانفراد إما بالجسم وإما بالقصد والحال وإما بهما كان الغريب غريب جسم أو غريب قلب وإرادة وحال أو غريبا بالاعتبارين. قوله: quot; وهذا الغريب موته شهادة quot; يشير به إلى الحديث الذي يروى عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: موت الغريب شهادة ولكن هذا الحديث لا يثبت وقد روي من طرق لا يصح منها شيء قال(3\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1167",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14164",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإمام أحمد: هذا حديث منكر. وأما قوله: quot; ويقاس له في قبره من مدفنه إلى وطنه quot; فيشير به إلى ما رواه عبد الله بن وهب: حدثني حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن البجلي عن عبد الله بن عمرو قال: توفي رجل بالمدينة ممن ولد بالمدينة فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ليته مات في غير مولده فقال رجل: ولم يا رسول الله فقال: إن الرجل إذا مات قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة رواه ابن لهيعة عن حيي بهذا الإسناد وقال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبر رجل بالمدينة فقال: يا له لو مات غريبا فقيل: وما للغريب يموت بغير أرضه فقال: ما من غريب يموت بغير أرضه إلا قيس له من تربته إلى مولده في الجنة . قوله: ويجمع يوم القيامة إلى عيسى ابن مريم يشير إلى الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا الهيثم بن جميل حدثنا محمد بن مسلم حدثنا عثمان بن عبد الله بن أوس عن سليمان بن هرمز عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب شيء إلى الله الغرباء. قيل: وما الغرباء يا رسول الله قال: الفرارون بدينهم يجتمعون إلى عيسى ابن مريم يوم القيامة .  [فصل الدرجة الثانية غربة الحال] فصل قال: الدرجة الثانية: غربة الحال وهذا من الغرباء الذين طوبى لهم وهو رجل صالح في زمان فاسد بين قوم فاسدين أو عالم بين قوم جاهلين أو صديق بين قوم منافقين. يريد بالحال هاهنا: الوصف الذي قام به من الدين والتمسك بالسنة ولا يريد به الحال الاصطلاحي عند القوم والمراد به: العالم بالحق العامل به الداعي إليه. وجعل الشيخ الغرباء في هذه الدرجة ثلاثة أنواع: صاحب صلاح ودين بين قوم فاسدين وصاحب علم ومعرفة بين قوم جهال وصاحب صدق وإخلاص بين أهل(3\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1168",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14165",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كذب ونفاق فإن صفات هؤلاء وأحوالهم تنافي صفات من هم بين أظهرهم فمثل هؤلاء بين أولئك كمثل الطير الغريب بين الطيور والكلب الغريب بين الكلاب. والصديق هو الذي صدق في قوله وفعله وصدق الحق بقوله وعمله فقد انجذبت قواه كلها للانقياد لله ولرسوله عكس المنافق الذي ظاهره خلاف باطنه وقوله خلاف عمله.  [فصل الدرجة الثالثة غربة الهمة] فصل قال: الدرجة الثالثة: غربة الهمة وهي غربة طلب الحق وهي غربة العارف لأن العارف في شاهده غريب ومصحوبه في شاهده غريب وموجوده لا يحمله علم أو يظهره وجد أو يقوم به رسم أو تطيقه إشارة أو يشمله اسم غريب فغربة العارف غربة الغربة لأنه غريب الدنيا والآخرة. إنما كانت هذه الدرجة أعلى مما قبلها لأن الغربة الأولى غربة بالأبدان. والثانية: غربة بالأفعال والأحوال. وهذه الثالثة: غربة بالهمم. فإن همة العارف حائمة حول معروفه فهو غريب في أبناء الآخرة فضلا عن أبناء الدنيا كما أن طالب الآخرة غريب في أبناء الدنيا. قوله: quot; لأن العارف في شاهده غريب quot; شاهد العارف: هو الذي يشهد عنده وله بصحة ما وجد وأنه كما وجد وبثبوت ما عرف وأنه كما عرف. وهذا الشاهد: أمر يجده من قلبه وهو قربه من الله وأنسه به وشدة شوقه إلى لقائه وفرحه به فهذا شاهده في سره وقلبه. وله شاهد في حاله وعمله يصدق هذا الشاهد الذي في قلبه. وله شاهد في قلوب الصادقين يصدق هذين الشاهدين فإن قلوب الصادقين لا تشهد بالزور ألبتة فإذا أخفي عليك شأنك وحالك فاسأل عنك قلوب الصادقين فإنها تخبرك عن حالك. قوله: quot; ومصحوبه في شاهده غريب quot; مصحوبه في شاهده هو الذي يصحبه فيه من العلم والعمل والحال وهو غريب بالنسبة إلى غيره ممن لم يطق طعم هذا الشأن بل هو في واد وأهله في واد.(3\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1169",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14166",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله: وموجوده لا يحمله علم إلى آخره. يريد بموجوده: ما يجده في شهوده وجدانا ذاتيا حقيقيا في هذه المراتب المذكورة لأن الشهود يشملها كلها حالة المشاهدة. فأما ما يحمله العلم: فهو أحكام العلم التي متى انسلخ منها انسلخ من الإيمان. وموجوده في هذه المشاهدة في هذا الحال هو إصابته وجه الصواب الذي أراده الله ورسوله بشرعه وأمره وهذه الإصابة غريبة جدا عند أهل العلم بل هي متروكة عند كثير منهم فليس الحلال إلا ما أحله من قلدوه والحرام ما حرمه والدين ما أفتى به يقدم على النصوص وتترك له أقوال الرسول والصحابة وسائر أهل العلم. قوله: quot; أو يظهره وجد quot; الوجد: يظهر أمورا ينكرها من لم يكن له ذلك الوجد ويعرفها من كان له وهذا الوجد إن شهد له العلم بالقبول وزكاه فهو وجد صحيح وإلا فهو وجد فاسد وفيه انحراف. والمقصود: أن ما يظهره وجد هذا العارف بالله وأسمائه وصفاته وأحكامه غريب على غيره بحسب همته ومعرفته وطلبه. قوله: quot; أو يقوم به رسم quot; الرسم: هو الصورة الخلقية وصفاتها وأفعالها عندهم والذي يقوم به هذا الرسم هو الذي يقيمه من تعلق اسم القيوم به فإن القيوم هو القائم بنفسه الذي قيام كل شيء به أي: هو المقيم لغيره فلا قيام لغيره بدون إقامته له وقيامه هو بنفسه لا بغيره. ويحتمل أن يريد به معنى آخر وهو ما يقوى رسمه على القيام به فإن وراء ذلك ما لا يقوى رسم العبد على إظهاره ولا القيام به وهذا أظهر المعنيين من كلامه وسياقه إنما يدل عليه ولهذا قال بعد ذلك: أو تطيقه إشارة أي: لا تقدر على إفهامه وإظهاره إشارة فتنهض الإشارة بكشفه. ثم قال: أو يشمله رسم يعني: أو تناله عبارة. فذكر الشيخ خمس مراتب الأولى: مرتبة حمل العلم له. الثانية: مرتبة إظهار الوجد له. الثالثة: مرتبة قيام الرسم به. الرابعة: مرتبة إطاقة الإشارة له. الخامسة: مرتبة شمول العبارة له. ومقصوده: أن موجود العارف أخفى وأدق من موجود غيره فهو غريب بالنسبة(3\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1170",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14167",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى موجود سواه وأخبر: أن موجوده في هذه المراتب غريب فكيف بموجوده الذي لا يحمله علم ولا يظهره وجد ولا يقوم به رسم ولا تطيقه إشارة ولا تشمله عبارة فهذا أشد غربة. قوله: quot; فغربة العارف: غربة الغربة quot; و quot; الغربة quot; أن يكون الإنسان بين أبناء جنسه غريبا مع أن له نسبا فيهم. وأما غربة المعرفة: فلا يبقى معها نسبة بينه وبين أبناء جنسه إلا بوجه بعيد لأنه في شأن والناس في شأن آخر فغربته غربة الغربة. وأيضا فالصالحون غرباء في الناس والزاهدون غرباء في الصالحين والعارفون غرباء في الزاهدين. قوله: لأنه غريب الدنيا وغريب الآخرة. يعني: أن أبناء الدنيا لا يعرفونه لأنه ليس منهم وأهل الآخرة العباد الزهاد لا يعرفونه لأن شأنه وراء شأنهم همتهم متعلقة بالعبادة وهمته متعلقة بالمعبود مع قيامه بالعبادة فهو يرى الناس والناس لا يرونه كما قيل: تسترت من دهري بظل جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني فلو تسأل الأيام ما اسمي لما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني  [فصل الغرق] [حقيقة الغرق] فصل الغرق قال شيخ الإسلام: (باب الغرق) قال الله تعالى: فلما أسلما وتله للجبين [الصافات: 103] هذا اسم يشار به في هذا الباب إلى من توسط المقام وجاوز حد التفرق. وجه استدلاله بإشارة الآية: أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لما بلغ ما بلغ هو وولده في المبادرة إلى الامتثال والعزم على إيقاع الذبح المأمور به: ألقاه الوالد على جبينه في الحال وأخذ الشفرة وأهوى إلى حلقه أعرض في تلك الحال عن نفسه وولده(3\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1171",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14168",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفني بأمر الله عنهما فتوسط بحر جمع السر والقلب والهم على الله وجاوز حد التفرقة المانعة من امتثال هذا الأمر. قوله: quot; فلما أسلما [الصافات: 103] quot; استسلما وانقادا لأمر الله فلم يبق هناك منازعة لا من الوالد ولا من الولد بل استسلام صرف وتسليم محض. قوله: quot; وتله للجبين [الفاتحة: 103 - 31870] quot; أي: صرعه على جبينه وهو جانب الجبهة الذي يلي الأرض عند النوم وتلك هي هيئة ما يراد ذبحه. قوله: quot; توسط المقام quot; لا يريد به مقاما معينا ولذلك أبهمه ولم يقيده و quot; المقام quot; عندهم: منزل من منازل السالكين وهو يختلف باختلاف مراتبه وله بداية وتوسط ونهاية ف quot; الغرق quot; المشار إليه: أن يصير في وسط المقام. فإن قيل: الغرق أخص بنهاية المقام من توسطه لأنه استغراق فيه بحيث يستغرق قلبه وهمه فكيف جعله الشيخ توسطا فيه قلت: لما كانت همة الطالب في هذه الحال مجموعة على المقصود وهو معرض عما سواه قد فارق مقام التفرقة وجاوز حدها إلى مقام الجمع فابتدأ في المقام وأول كل مقام يشبه آخر الذي قبله فلما توسط فيه استغرق قلبه وهمه وإرادته كما يغرق من توسط اللجة فيها قبل وصوله إلى آخرها.  [درجات الغرق] [الدرجة الأولى استغراق العلم في عين الحال] قوله: وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى: استغراق العلم في عين الحال وهذا رجل قد ظفر بالاستقامة وتحقق في الإشارة فاستحق صحة النسبة. هذه الدرجة التي بدأ بها هي أول درجاته لأن الرجل قد يكون عالما بالشيء ولا يكون متصفا بالتخلق به واستعماله فالعلم شيء والحال شيء آخر. فعلم العشق والصحة والشكر والعافية غير حصولها والاتصاف بها فإذا غلب عليه حال تلك المعلومات صار علمه بها كالمغفول عنه وليس بمغفول عنه بل صار الحكم للحال. فإن العبد يعرف الخوف من حيث العلم ولكن إذا اتصف بالخوف وباشر الخوف قلبه غلب عليه حال الخوف والانزعاج واستغرق علمه في حاله فلم يذكر علمه لغلبة حاله عليه.(3\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1172",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14169",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن هذه حاله فقد ظفر بالاستقامة لأن العلوم إذا أثمرت الأحوال كانت عنها الاستقامة في الأعمال ووقوعها على وجه الصواب وتحقق صاحبها في الإشارة إلى ما وجده من الأحوال ولم تكن إشارته عن تخمين وظن وحسبان. واستحق اسم النسبة في صحة العبودية إلى الرحمن عز وجل لقوله: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان [الحجر: 42]  وقوله: وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا [الفرقان: 63] الآيات وقوله: عينا يشرب بها عباد الله [الإنسان: 6]  وقوله: ياعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون [الزخرف: 68] . والمقصود: أن هذا انتقل من أحكام العلم وحده إلى أحكام العمل بالحال المصاحب للعلم فهو عامل بالمواجيد الحالية المصحوبة بالعلوم النبوية فإن انفراد العلم عن الحال تعطيل وبطالة وانفراد الحال عن العلم كفر وإلحاد والأكمل: أن لا يغيب عن شهود العلم بالحال وإن استغرقه الحال عن شهود العلم مع قيامه بأحكامه لم يضره. قوله: quot; وهذا رجل قد ظفر بالاستقامة quot; أي: هو على محجة الطريق القاصد إلى الله الموصل إليه و quot; الظفر quot; هو حصول الإنسان على مطلوبه. قوله: quot; وتحقق في الإشارة quot; أي: إشارته إشارة تحقيق ليست كإشارة صاحب البرق الذي يلوح ثم يذهب. قوله: quot; فاستحق صحة النسبة quot; لأنه لما استقام وصح حاله بعمله وأثمر علمه حاله: صحت نسبة العبودية له فإنه لا نسبة بين العبد والرب إلا نسبة العبودية.  [فصل الدرجة الثانية استغراق الإشارة في الكشف] فصل قال: الدرجة الثانية: استغراق الإشارة في الكشف وهذا رجل ينطق عن موجوده ويسير مع مشهوده ولا يحس برعونة رسمه. إنما كانت هذه الدرجة أرفع مما قبلها لأن صاحب الدرجة الأولى غايته أن(3\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1173",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14170",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يشير إلى ما تحققه وإن فارقه وصاحب هذه الدرجة قد فني عن الإشارة لغلبة توالي نور الكشف عليه فاستغراق الإشارة في الكشف هو ارتفاع حكمها فيه فإن الإشارة عندهم نداء على رأس العبد وبوح بمعنى العلة وقد ارتفعت العلل عن صاحب هذه الدرجة فاستغرقت إشارته في كشفه فلم يبق له إشارة في الكشف وإنما ترتفع الإشارة لاستغراق الكشف لها إلا أن صاحب هذه الدرجة فيه بقية من رعونة رسمه فلذلك قال: ولا يحس برعونة رسمه ورعونة الرسم: هي التفاته إلى إنيته. وقوله: وهذا رجل ينطق عن موجوده. أي: لا يستعير ما يذكره من الذوق والوجد من غيره ويكون لسانه ناطقا به على حال غيره وموجوده فهو ينطق عن أمر هو متصف به لا وصاف له. قوله: quot; ويسير مع مشهوده quot; هو بالسين المهملة أي: يسير إلى الله عز وجل عن شهود وكشف لا مع حجاب وغفلة فهو سائر إلى الله بالله مع الله. قوله: quot; ولا يحس برعونة رسمه quot; الرسم عندهم هو ذات العبد التي تفنى عند الشهود وليس المراد بفنائها عدمها من الوجود العيني بل عدمها من الوجود الذهني العلمي هذا مرادهم بقولهم: فني من لم يكن وبقي من لم يزل. وقد يريدون به معنى آخر وهو: اضمحلال الوجود المحدث الحاصل بين عدمين وتلاشيه في الوجود الذي لم يزل ولا يزال. وللملحد هاهنا مجال يجول فيه ويقول: إن الوجود المحدث لم تكن له حقيقة وإن الوجود القديم الدائم وحده هو الثابت لا وجود لغيره لا في ذهن ولا في خارج وإنما هو وجود فائض على الدوام على ماهيات معدومة فتكتسي بعين وجوده بحسب استعداداتها والمقصود: شرح كلام الشيخ. والمراد برعونة الرسم هاهنا: بقية تبقى من صاحب الشهود لا يدركها لضعفها وقلتها واشتغاله بنور الكشف عن ظلمتها فهو لا يحس بها.  [فصل الدرجة الثالثة استغراق الشواهد في الجمع] فصل قال: الدرجة الثالثة: استغراق الشواهد في الجمع وهذا رجل شملته أنوار(3\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1174",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14171",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأولية ففتح عينه في مطالعة الأزلية فتخلص من الهمم الدنية. إنما كان هذا الاستغراق عنده أكمل مما قبله لأن الأول استغراق كاشف في كشف وهو متضمن لتفرقة وهذا استغراق عن شهود كشفه في الجمع فتمكن هذا في حال جمع همته مع الحق حتى غاب عن إدراك شهوده وذكر رسومه لما توالى عليه من الأنوار التي خصه الحق بها في الأزل وهي أنوار كشف اسمه الأول ففتح عين بصيرته في مطالعة الاختصاصات الأزلية فتخلص بذلك من الهمم الدنية المنقسمة بين تغيير مقسوم أو تفويت مضمون أو تعجيل مؤخر أو تأخير سابق ونحو ذلك. وقد يراد بالهمم الدنية تعلقها بما سوى الحق سبحانه وما كان له وعلى هذا فاستغراق شواهده في جمع الحكم وشموله. وقد يراد به معنى آخر وهو استغراق شواهد الأسماء والصفات في الذات الجامعة لها فإن الذات جامعة لأسمائها وصفاتها فإذا استغرق العبد في حضرة الجمع غابت الشواهد في تلك الحضرة. وأكمل من ذلك: أن يشهد كثرة في وحدة ووحدة في كثرة بمعنى: أن يشهد كثرة الأسماء والصفات في الذات الواحدة ووحدة الذات مع كثرة أسمائها وصفاتها. وقوله: quot; ففتح عينه في مطالعة الأزلية quot; نظر بالله لا بنفسه واستمد من فضله وتوفيقه لا من معرفته وتحقيقه فشاهد سبق الله سبحانه وتعالى لكل شيء وأوليته قبل كل شيء فتخلص من همم المخلوقين المتعلقة بالأدنى وصارت له همة عالية متعلقة بربه الأعلى تسرح في رياض الأنس به ومعرفته ثم تأوي إلى مقاماتها تحت عرشه ساجدة له خاضعة لعظمته متذللة لعزته لا تبغي عنه حولا ولا تروم به بدلا.  [فصل الغيبة] [حقيقة الغيبة] فصل الغيبة قال صاحب المنازل: (باب الغيبة) قال الله تعالى وتولى عنهم وقال ياأسفى على يوسف [يوسف: 84] .(3\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1175",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14172",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجه استدلاله بإشارة الآية أن يعقوب صلى الله عليه وسلم لما امتلأ قلبه بحب يوسف عليه الصلاة والسلام وذكره أعرض عن ذكر أخيه مع قرب عهده بمصيبة فراقه فلم يذكره مع ذلك ولم يتأسف عليه غيبة عنه بمحبة يوسف واستيلائه على قلبه واستدل بقوله تعالى: فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن [يوسف: 31] لكان دليلا أيضا فإن مشاهدته في تلك الحال غيب عن النسوة السكاكين وما يقطعن بهن حتى قطعن أيديهن ولا يشعرن وذلك من قوة الغيبة.  [درجات الغيبة] [الدرجة الأولى غيبة المريد في تخلص القصد عن أيدي العلائق] قال الشيخ: الغيبة التي يشار إليها في هذا الباب على ثلاث درجات الأولى: غيبة المريد في تخلص القصد عن أيدي العلائق ودرك العوائق لالتماس الحقائق. يريد غيبة المريد عن بلده ووطنه وعاداته في محل تخليص القصد وتصحيحه ليقطع بذلك العلائق وهي ما يتعلق بقلبه وقالبه وحسه من المألوفات ويسبق العوائق حتى لا تلحقه ولا تدركه. قوله: quot; لالتماس الحقائق quot; متعلق بقوله: quot; غيبة المريد quot; أي: هذه الغيبة لالتماس الحقائق فإن العوائق والعلائق تحول بينه وبين طلبها وحصولها لمضادتها لها. والحقائق جمع حقيقة ويراد بها الحق تعالى وما نسب إليه فهو الحق وقوله الحق ووعده الحق ولقاؤه الحق ورسوله حق وعبوديته وحده حق وعبودية ما سواه الباطل فكل شيء ما خلا الله باطل. والمقصود: أن المريد إن لم يتخلص قصده في مطلوبه عما يعوقه من الشواغل أو ما يدركه من المعوقات لم يبلغ مقصوده ولم يصل إليه وإن وصل إليه فبعد جهد شديد ومشقة بسبب تلك الشواغل ولم يصل القوم إلى مطلبهم إلا بقطع العلائق ورفض الشواغل.  [فصل الدرجة الثانية غيبة السالك عن رسوم العلم وعلل السعي ورخص الفتور] فصل قال: الدرجة الثانية: غيبة السالك عن رسوم العلم وعلل السعي ورخص الفتور.(3\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1176",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14173",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يريد: أنه ينتقل عن أحكام العلم إلى الحال وهذا كلام فيه إجمال فالملحد يفهم منه: أنه يفارق أحكام العلم ويقف مع أحكام الحال وهذا زندقة وإلحاد. والموحد يفهم منه: أنه ينتقل من أحكام العلم وحده إلى أحكام الحال المصاحب للعلم فإن العلم الخالي عن الحال ضعف في الطريق والحال المجرد عن العلم ضلال عن الطريق ومن عبد الله بحال مجرد عن علم لم يزدد من الله إلا بعدا. قوله: quot; وعلل السعي quot; يعني: أن السالك يغيب عن علل سعيه وعمله. وهذه العلل عندهم: هي اعتقاده أنه يصل بها إلى الله وسكونه إليها وفرحه بها ورؤيتها فيغيب عن هذه العلل. ومراده بغيبته عنها: إعدامها حتى لا تحضره لا أنه يغيب عنها وهي موجودة قائمة نعم إذا اعتقد أن الله يوصله إليه بها ويفرح بها من جهة الفضل والمنة وسبق الأولية لا من جهة الاكتساب والفعل لم يضره ذلك بل هذا أكمل وهو في الحقيقة سكون إلى الله تعالى وفرح به واعتقاد أنه هو الموصل لعبده إليه بما منه وحده لا بحول العبد وقوته فهذا لون وهذا لون. والحاصل: أنه إذا انتقل عن أحكام العلم المجرد إلى أحكام الحال المصاحب للعلم غابت عنه علل السعي. وكذلك تغيب عنه رخص الفتور فلا ينظر إلى عزيمة السعي ولا يقف مع رخص الفتور فهما آفتان للسالك فإنه إما أن يجرد عزمه وهمته فينظر إلى ما منه وأن همته وعزيمته تحمله وتقوم به وإما أن يترخص برخص تفتر عزمه وهمته فكمال جده وصدقه وصحة طلبه يخلصه من رخص الفتور وكمال توحيده ومعرفته بربه ونفسه يخلصه من علل السعي.  [فصل الدرجة الثالثة غيبة العارف عن عيون الأحوال والشواهد والدرجات في عين الجمع] فصل قال: الدرجة الثالثة: غيبة العارف عن عيون الأحوال والشواهد والدرجات في عين الجمع. إنما كانت هذه الدرجة عنده أعلى على طريقته في كون الفناء غاية الطالب.(3\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1177",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14174",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذه الدرجة هي غيبته عن خيرات ومقامات بما هو أكمل منها وأشرف عنده وهو حضرة الجمع. ومعنى غيبته عن عيون الأحوال هو أن لا يرى الأحوال ولا تراه فلذلك استعار لها عيونا لأن الأحوال تقتضي وجدا وموجودا ووجدانا وهذا ينافي الفناء في حضرة الجمع فإن الجمع يمحو أثر الرسوم وقد عرفت مرارا أن هذا ليس بكمال ولا هو مطلوب لنفسه وغيره أكمل منه. وأما quot; غيبته عن الشواهد quot; فقد يريد بها شواهد المعرفة وأدلتها فيغيب بمعروفه عن الشواهد الدالة عليه في الخارج وفي نفسه. وقد يريد بالشواهد الأسماء والصفات والغيبة عنها بشهود الذات ولكن هذا ليس بكمال ولا هو أعلى من شهود الأسماء والصفات بل هذا الشهود هو شهود المعطلة المنكرين لحقائق الأسماء والصفات فإنهم ينتهون في فنائهم إلى شهود ذات مجردة. ومن هاهنا دخل الملاحدة القائلون بوحدة الوجود وجعلوا شهود نفس الوجود المجرد عن التقييدات وعن سائر الأسماء والصفات هو شهود الحقيقة تعالى الله عن كفرهم وإلحادهم علوا كبيرا وشيخ الإسلام براء من هؤلاء ومن شهودهم. ومراد أهل الاستقامة بذلك أن يشهد الذات الجامعة لجميع معاني الأسماء الحسنى والصفات العلى فيغيبه شهوده لهذه الذات المقدسة عن شهود صفة واسم. فالشواهد هي الأفعال الدالة على الصفات المستلزمة للذات وشواهد المعرفة هي الأدلة التي حصلت عنها المعرفة فإذا طواها الشاهد من وجوده وشهد أنه ما عرف الله إلا به ولا دل عليه إلا هو غابت عنه شواهده في مشهوده كما تغيب معارفه في معروفه. وبكل حال فما عرف الله إلا بالله ولا دل على الله إلا الله ولا أوصل إلى الله إلا الله فهو الدال على نفسه بما نصبه من الأدلة وهو الذاكر لنفسه على لسان عبده. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله قال على لسان نبيه: سمع الله لمن حمده وهو المحب(3\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1178",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14175",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لنفسه بنفسه وبما خلق من عبيده الذين يحبونه والشاكر لنفسه بنفسه وبما أجراه على ألسنة عبيده وقلوبهم وجوارحهم من ذكره وشكره فمنه السبب وهو الغاية هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم [الحديد: 3] . وللملحد هاهنا مجال حيث يظن أن الذاكر والمذكور والذكر والعارف والمعروف والمعرفة والمحب والمحبوب والمحبة من عين واحدة لا بل ذلك هو العين الواحدة وأن الذي عرف الله وأحبه هو الله نفسه وإن تعددت مظاهره فالظاهر فيها واحد ظهر بوجوده العيني فيها فوجودها عين وجوده ووجوده فاض عليها وهذا أكفر من كل كفر وأعظم من كل إلحاد. والموحدون يقولون: إنما فاض عليها إيجاده لا وجوده فظهر فيها فعله بل أثر فعله لا ذاته ولا صفاته فقامت به فقرا إليه واحتياجا لا وجودا وذاتا وأقامها بمشيئته وربوبيته لا بظهوره فيها. ولقد لحظ ملاحدة الاتحادية أمرا اشتبه عليهم في وحدة الموجد بوحدة الوجود وتوحيد الذات والصفات والأفعال بتوحيد الوجود وفيضان جوده بفيضان وجوده فوحدوا الوجود وزعموا أنه هو المعبود فصاروا عبيد الوجود المطلق الذي لا وجود له في غير الأذهان وعبيد الموجودات الخارجة في الأعيان فإن وجودها عندهم: هو المسمى بالله تعالى الله عن هذا الإلحاد الذي تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا [مريم: 90] وسبحان من هو فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. أين حقيقة المخلوق من الماء المهين من ذات رب العالمين أين المكون من تراب من رب الأرباب أين الفقير بالذات إلى الغني بالذات أين وجود من يضمحل وجوده ويفوت إلى حقيقة وجود الحي الذي لا يموت هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم - هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون - هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم [الحشر: 22 - 24] .(3\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1179",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14176",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل التمكن] [حقيقة التمكن] قال صاحب المنازل: (باب التمكن) قال الله تعالى ولا يستخفنك الذين لا يوقنون [الروم: 60] . وجه استدلاله بالآية في غاية الظهور وهو أن المتمكن لا يبالي بكثرة الشواغل ولا بمخالطة أصحاب الغفلات ولا بمعاشرة أهل البطالات بل قد تمكن بصبره ويقينه عن استفزازهم إياه واستخفافهم له. ولهذا قال تعالى: فاصبر إن وعد الله حق [الروم: 60] فمن وفى الصبر حقه وتيقن أن وعد الله حق لم يستفزه المبطلون ولم يستخفه الذين لا يوقنون ومتى ضعف صبره ويقينه أو كلاهما استفزه هؤلاء واستخفه هؤلاء فجذبوه إليهم بحسب ضعف قوة صبره ويقينه فكلما ضعف ذلك منه قوي جذبهم له وكلما قوي صبره ويقينه قوي انجذابه منهم وجذبه لهم. فصل. قال الشيخ: التمكن: فوق الطمأنينة وهو الإشارة إلى غاية الاستقرار. التمكن هو القدرة على التصرف في الفعل والترك ويسمى مكانة أيضا قال الله تعالى: قل ياقوم اعملوا على مكانتكم إني عامل [الأنعام: 135] الآية.(3\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1180",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14177",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأكثر ما يطلق في اصطلاح القوم: على من انتقل إلى مقام البقاء بعد الفناء وهو الوصول عندهم وحقيقته: ظفر العبد بنفسه وهو أن تتوارى عنه أحكام البشرية بطلوع شمس الحقيقة واستيلاء سلطانها فإذا دامت له هذه الحال أو غلبت عليه فهو صاحب تمكين. قال صاحب المنازل: التمكن: فوق الطمأنينة وهو الإشارة إلى غاية الاستقرار إنما كان فوق الطمأنينة لأنها تكون مع نوع من المنازعة فيطمئن القلب إلى ما يسكنه وقد يتمكن فيه وقد لا يتمكن ولذلك كان التمكن هو غاية الاستقرار وهو تفعل من المكان فكأنه قد صار مقامه مكانا لقلبه قد تبوأه منزلا ومستقرا.  [درجات التمكن] [الدرجة الأولى تمكن المريد] قال: وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: تمكن المريد وهو أن يجتمع له صحة قصد يسيره ولمع شهوده يحمله وسعة طريق تروحه. المريد في اصطلاحهم: هو الذي قد شرع في السير إلى الله وهو فوق العابد ودون الواصل وهذا اصطلاح بحسب حال السالكين وإلا فالعابد مريد والسالك مريد والواصل مريد فالإرادة لا تفارق العبد ما دام تحت حكم العبودية. وقد ذكر الشيخ للتمكن في هذه الدرجة ثلاثة أمور: صحة قصد وصحة علم وسعة طريق فبصحة القصد يصح سيره وبصحة العلم تنكشف له الطريق وبسعة الطريق يهون عليه السير وكل طالب أمر من الأمور فلا بد له من تعين مطلوبه وهو المقصود ومعرفة الطريق الموصل إليه والأخذ في السلوك فمتى فاته واحد من هذه الثلاث: لم يصح طلبه ولا سيره فالأمر دائر بين مطلوب يتعين إيثاره على غيره وطلب يقوم بقصد من يقصده وطريق توصل إليه. فإذا تحقق العبد بطلب ربه وحده: تعين مطلوبه فإذا بذل جهده في طلبه صح له طلبه فإذا تحقق باتباع أوامره واجتناب نواهيه صح له طريقه وصحة القصد والطريق موقوفة على صحة المطلوب وتعينه. فحكم القصد يتلقى من حكم المقصود فمتى كان المقصود أهلا للإيثار كان القصد المتعلق به كذلك فالقصد والطريق تابعان للمقصود. وتمام العبودية: أن يوافق الرسول صلى الله عليه وسلم في مقصوده وقصده وطريقه فمقصوده:(3\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1181",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14178",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله وحده وقصده: تنفيذ أوامره في نفسه وفي خلقه وطريقه: اتباع ما أوحي إليه فصحبه الصحابة رضي الله عنهم على ذلك حتى لحقوا به ثم جاء التابعون لهم بإحسان فمضوا على آثارهم. ثم تفرقت الطرق بالناس فخيار الناس من وافقه في المقصود والطريق وأبعدهم عن الله ورسوله من خالفه في المقصود والطريق وهم أهل الشرك بالمعبود والبدعة في العبادة ومنهم من وافقه في المقصود وخالفه في الطريق ومنهم من وافقه في الطريق وخالفه في المقصود. فمن كان مراده الله والدار الآخرة فقد وافقه في المقصود فإن عبد الله بما به أمر على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فقد وافقه في الطريق وإن عبده بغير ذلك فقد خالفه في الطريق. ومن كان مقصوده من أهل العلم والعبادة والزهد في الدنيا الرياسة فقد خالفه في المقصود وإن تقيد بالأمر. فإن لم يتقيد به فقد خالفه في المقصود والطريق. فإذا عرف هذا فقول الشيخ quot; تمكن المريد: أن يجتمع له صحة قصد يسيره quot; إشارة إلى صحة القصد. وقوله: quot; ولمع شهود يحمله quot; إشارة إلى معرفة المقصود وقوة اليقين فيحصل لقلبه كشف يحمله على سلوكه فإن السالك إذا كشف له عن مقصوده حتى كأنه يعاينه جد في طلبه وذهبت عنه رخص الفتور. وقوله: quot; وسعة طريق تروحه quot; إشارة إلى صحة طريقه وذلك بأمرين: بسعتها حتى لا تضيق عليه فيعجز عن سلوكها وباستقامتها حتى لا يزيغ عنها إلى غيرها فإن طريق الحق واسعة مستقيمة وطرق الباطل ضيقة معوجة وهذا يدل على رسوخ الشيخ في العلم ووقوفه مع السنة وفقهه في هذا الشأن.  [فصل الدرجة الثانية تمكن السالك] فصل قال: الدرجة الثانية: تمكن السالك وهو أن يجتمع له صحة انقطاع وبرق كشف وضياء حال. هذه الدرجة أتم مما قبلها فإن تلك تمكن في تصحيح قصد الأعمال وهذه(3\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1182",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14179",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تمكن في حال التمكن والتمكن في الحال أبلغ من التمكن في القصد. ويريد بصحة الانقطاع: انقطاع قلبه عن الأغيار وتعلقه بالشواغل الموجبة للأكدار ومع ذلك فقد حصل لقلبه quot; برق كشف quot; يجعل الإيمان له كالعيان ومع ذلك فحاله مع الله صاف من معارضات السوى فلا يعارض كشفه شبهة ولا همته إرادة بل هو متمكن في انقطاعه وشهوده وحاله.  [فصل الدرجة الثالثة تمكن العارف] فصل قال: الدرجة الثالثة: تمكن العارف وهو أن يحصل في الحضرة فوق حجب الطلب لابسا نور الوجود. العارف فوق السالك ولا يفارقه السلوك لكنه مع السلوك قد ظفر بالمعرفة فأخذ منها اسما أخص من اسم السالك وهكذا الشأن في سائر المقامات والأحوال فإنها لا تفارق من ترقى فيها ولكن إذا ترقى في مقام أخذ اسمه وكان أحق به مع ثبوت الأول له. والحضرة يراد بها حضرة الجمع وعندي: أنها حضرة دوام المراقبة والتمكن من مقام الإحسان هذه حضرة الأنبياء والعارفين. وأما حضرة الجمع التي يشيرون إليها فكل فرقة تشير إلى شيء فأهل الفناء يريدون حضرة جمع الفناء في توحيد الربوبية وأهل الإلحاد: يريدون حضرة جمع الوجود في وجود واحد وطائفة من السالكين يريدون حضرة جمع الأسماء والصفات في ذات واحدة.(3\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1183",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14180",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا فسرت بحضرة دوام المراقبة والتمكن في مقام الإحسان كان ذلك أحسن وأصح وصاحب هذه الحضرة لدوام مراقبته قد انقشعت عنه سحب الغفلات ولم تشغله عن تلك الحضرة الشواغل الملهيات. قوله: quot; فوق حجب الطلب quot; يعني أن العارف قد ارتفع عن مقام الطلب للمعرفة إلى مقام حصولها والطالب للأمر دون الواصل إليه فالطالب بعد في حجاب طلبه والعارف قد ارتفع فوق حجاب الطلب بما شاهده من الحقيقة فالطالب شيء والواجد شيء. وهذا كلام يحتاج إلى شرح وبيان فإن الطلب لا يفارق العبد ما دامت أحكام العبودية تجري عليه ولكنه متنقل في منازل الطلب ينتقل من عبودية إلى عبودية والمعبود واحد جل وعلا لا ينتقل عنه فكيف يمكن تجرد المعرفة عن الطلب هذا موضع زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام وظن المخدوعون المغرورون أنهم قد استغنوا بالمعرفة عن الطلب وأن الطلب وسيلة والمعرفة غاية ولا معنى للاشتغال بالوسيلة بعد الوصول إلى الغاية. فهؤلاء خرجوا عن الدين بالكلية بعد أن شمروا في السير فيها فردوا على أدبارهم ونكصوا على أعقابهم ولم يفهموا مراد أهل الاستقامة بذكر حجب الطلب. واعلم أن كل ما منك حجاب على مطلوبك فإن وقفت معه فأنت دون الحجاب وإن قطعته إلى تجريد المطلوب صرت فوق الحجاب فطلبك وإرادتك وتوكلك وحالك وعملك كله حجاب إن وقفت معه أو ركنت إليه وإن جاوزته إلى الذي أنت به وله وفي يديه وتحت تصرفه ومشيئته وليس لك ذرة واحدة إلا به ومنه ولم تقف مع طلبك في إرادتك فقد صرت فوق حجاب الطلب. ففي الحقيقة: أنت حجاب قلبك عن ربك فإذا كشفت الحجاب عن القلب أفضى إلى الرب ووصل إلى الحضرة المقدسة. وقولنا: quot; إذا كشفت الحجاب quot; إخبار عن محل العبودية وإلا فكشفه ليس بيدك ولا أنت الكاشف له فإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو. ومن أعظم الضر: حجاب القلب عن الرب وهو أعظم عذابا من الجحيم قال(3\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1184",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14181",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون - ثم إنهم لصالو الجحيم [المطففين: 15 - 16] . قوله: quot; لابسا نور الوجود quot; المعنى الصحيح من هذه اللفظة: أن نور الوجود نور ظفره بإقبال قلبه على الله عز وجل وجمع همه عليه وفنائه بمراده عن مراد نفسه فصار واجدا لما أكثر الخلق فاقد له قد لبس قلبه نور ذلك الوجود حتى فاض على لسانه وجوارحه وحركاته وسكناته فإن نطق علاه النور وإن سكت علاه النور. وأخص من هذا: أنه قد فاض على قلبه نور اليقين بالأسماء والصفات فصار لقلبه من معرفتها والإيمان بها وذوق حلاوة ذلك نور خاص غير مجرد نور العبادة والإرادة والسلوك وإياك أن تلتفت إلى غير هذا فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله [النحل: 94] . وليس مراد الشيخ بالوجود ما يريده المتكلمون والفلاسفة ولا ما يريده الاتحادية الملاحدة وإنما مراده به الوجدان بعد الفقد كما يقال: فلان واجد وفلان فاقد والله أعلم.  [فصل المكاشفة] قال صاحب المنازل: (باب المكاشفة) قال الله تعالى: فأوحى إلى عبده ما أوحى [النجم: 10] . وجه احتجاجه بإشارة الآية: أن الله سبحانه كشف لعبده صلى الله عليه وسلم ما لم يكشفه لغيره وأطلعه على ما لم يطلع عليه غيره فحصل لقلبه الكريم من انكشاف الحقائق التي لا تخطر ببال غيره ما خصه الله به والإيحاء هو الإعلام السريع الخفي ومنه الوحا الوحا أي: الإسراع الإسراع. قوله: quot; ما أوحى quot; أبهمه لعظمه فإن الإبهام قد يقع للتعظيم ونظيره قوله تعالى: فغشيهم من اليم ما غشيهم [طه: 78] أي: أمر عظيم فوق الصفة.(3\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1185",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14182",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الشيخ: المكاشفة: مهاداة السر بين متباطنين يريد أن المكاشفة إطلاع أحد المتحابين المتصافيين صاحبه على باطن أمره وسره. قوله: quot; مهاداة السر quot; أي: تردد السر على وجه الإلطاف والمودة. قوله: quot; بين متباطنين quot; يعني بالمتباطنين: باطن المكاشف والمكاشف فيحمل سر كل منهما إلى الآخر كما يحمل إليه هديته فيسري سر كل واحد منهما إلى الآخر وإذا بلغ العبد في مقام المعرفة إلى حد كأنه يطالع ما اتصف به الرب سبحانه من صفات الكمال ونعوت الجلال وأحست روحه بالقرب الخاص الذي ليس هو كقرب المحسوس من المحسوس حتى يشاهد رفع الحجاب بين روحه وقلبه وبين ربه فإن حجابه هو نفسه وقد رفع الله سبحانه عنه ذلك الحجاب بحوله وقوته أفضى القلب والروح حينئذ إلى الرب فصار يعبده كأنه يراه فإذا تحقق بذلك وارتفع عنه حجاب النفس وانقشع عنه ضبابها ودخانها وكشطت عنه سحبها وغيومها فهناك يقال له: بذلك سر طال عنك اكتتامه ... ولاح صباح كنت أنت ظلامه فأنت حجاب القلب عن سر غيبه ... ولولاك لم يطبع عليه ختامه فإن غبت عنه حل فيه وطنبت ... على منكب الكشف المصون خيامه وجاء حديث لا يمل سماعه ... شهي إلينا نثره ونظامه إذا ذكرته النفس زال عناؤها ... وزال عن القلب الكئيب قتامه فلذلك قال الشيخ: وهي في هذا الباب: بلوغ ما وراء الحجاب وجودا. قوله: quot; وجودا quot; احتراز من بلوغه سماعا وعلما وكثيرا ما يلتبس على العبد أحدهما بالآخر فأين وجود الحقيقة من العلم بها ومعرفتها كما تقدم ذلك مرارا فتعلق العلم بالقلب شيء واتصافه بالمعلوم شيء آخر. فمن الناس من يتعلق به سماع ذلك دون فهمه ومنهم من يتعلق به فهمه دون حقيقته والتعلق الكامل أن يتعلق به وجوده فلذلك قال: بلوغ ما وراء الحجاب وجودا. قال الشيخ: وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى: مكاشفة تدل على التحقيق الصحيح وهي لا تكون مستدامة فإذا كانت حينا دون حين ولم يعارضها(3\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1186",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14183",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تفرق غير أن الغين ربما شاب مقامه على أنه قد بلغ مبلغا لا يلفته قاطع ولا يلويه سبب ولا يقتطعه حظ وهي درجة القاصد فإذا استدامت فهي الدرجة الثانية. المكاشفة الصحيحة: علوم يحدثها الرب سبحانه وتعالى في قلب العبد ويطلعه بها على أمور تخفى على غيره وقد يواليها وقد يمسكها عنه بالغفلة عنها ويواريها عنه بالغين الذي يغشى قلبه وهو أرق الحجب أو بالغيم وهو أغلظ منه أو بالران وهو أشدها. فالأول: يقع للأنبياء عليهم السلام كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله أكثر من سبعين مرة . والثاني: يكون للمؤمنين. والثالث: لمن غلبت عليه الشقوة قال الله تعالى: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون [المطففين: 14] قال ابن عباس وغيره: هو الذنب بعد الذنب يغطي القلب حتى يصير كالران عليه. والحجب عشرة الأول: حجاب التعطيل ونفي حقائق الأسماء والصفات وهو أغلظها فلا يتهيأ لصاحب هذا الحجاب أن يعرف الله ولا يصل إليه ألبتة إلا كما يتهيأ للحجر أن يصعد إلى فوق. الثاني: حجاب الشرك وهو أن يتعبد قلبه لغير الله. الثالث: حجاب البدعة القولية كحجاب أهل الأهواء والمقالات الفاسدة على اختلافها. الرابع: حجاب البدعة العملية كحجاب أهل السلوك المبتدعين في طريقهم وسلوكهم. الخامس: حجاب أهل الكبائر الباطنة كحجاب أهل الكبر والعجب والرياء والحسد والفخر والخيلاء ونحوها. السادس: حجاب أهل الكبائر الظاهرة وحجابهم أرق من حجاب إخوانهم من أهل الكبائر الباطنة مع كثرة عباداتهم وزهاداتهم واجتهاداتهم فكبائر هؤلاء أقرب إلى التوبة من كبائر أولئك فإنها قد صارت مقامات لهم لا يتحاشون من إظهارها وإخراجها في قوالب عبادة ومعرفة فأهل الكبائر الظاهرة أدنى إلى السلامة منهم.(3\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1187",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14184",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقلوبهم خير من قلوبهم. السابع: حجاب أهل الصغائر. الثامن: حجاب أهل الفضلات والتوسع في المباحات. التاسع: حجاب أهل الغفلة عن استحضار ما خلقوا له وأريد منهم وما لله عليهم من دوام ذكره وشكره وعبوديته. العاشر: حجاب المجتهدين السالكين المشمرين في السير عن المقصود. فهذه عشر حجب بين القلب وبين الله سبحانه وتعالى تحول بينه وبين هذا الشأن وهذه الحجب تنشأ من أربعة عناصر: عنصر النفس وعنصر الشيطان وعنصر الدنيا وعنصر الهوى فلا يمكن كشف هذه الحجب مع بقاء أصولها وعناصرها في القلب ألبتة. وهذه الأربعة العناصر: تفسد القول والعمل والقصد والطريق بحسب غلبتها وقلتها فتقطع طريق القول والعمل والقصد: أن يصل إلى القلب وما وصل منه إلى القلب قطعت عليه الطريق: أن يصل إلى الرب فبين القول والعمل وبين القلب مسافة يسافر فيها العبد إلى قلبه ليرى عجائب ما هنالك وفي هذه المسافة قطاع الطريق المذكورون فإن حاربهم وخلص العمل إلى قلبه دار فيه وطلب النفوذ من هناك إلى الله فإنه لا يستقر دون الوصول إليه وأن إلى ربك المنتهى [النجم: 42] فإذا وصل إلى الله سبحانه أثابه عليه مزيدا في إيمانه ويقينه ومعرفته وعقله وجمل به ظاهره وباطنه فهداه به لأحسن الأخلاق والأعمال وصرف عنه به سيئ الأخلاق والأعمال وأقام الله سبحانه من ذلك العمل للقلب جندا يحارب به قطاع الطريق للوصول إليه فيحارب الدنيا بالزهد فيها وإخراجها من قلبه ولا يضره أن تكون في يده وبيته ولا يمنع ذلك من قوة يقينه بالآخرة يحارب الشيطان بترك الاستجابة لداعي الهوى فإن الشيطان مع الهوى لا يفارقه ويحارب الهوى بتحكيم الأمر المطلق والوقوف معه بحيث لا يبقى له هوى فيما يفعله ويتركه ويحارب النفس بقوة الإخلاص. هذا كله إذا وجد العمل منفذا من القلب إلى الرب سبحانه وتعالى وإن دار فيه ولم يجد منفذا وثبت عليه النفس فأخذته وصيرته جندا لها فصالت به وعلت(3\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1188",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14185",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وطغت فتراه أزهد ما يكون وأعبد ما يكون وأشد اجتهادا وهو أبعد ما يكون عن الله وأصحاب الكبائر أقرب قلوبا إلى الله منه وأدنى منه إلى الإخلاص والخلاص. فانظر إلى السجاد العباد الزاهد الذي بين عينيه أثر السجود كيف أورثه طغيان عمله أن أنكر على النبي صلى الله عليه وسلم وأورث أصحابه احتقار المسلمين حتى سلوا عليهم سيوفهم واستباحوا دماءهم. وانظر إلى الشريب السكير الذي كان كثيرا ما يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيحده على الشراب كيف قامت به قوة إيمانه ويقينه ومحبته لله ورسوله وتواضعه وانكساره لله حتى نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لعنه. فظهر بهذا: أن طغيان المعاصي أسلم عاقبة من طغيان الطاعات. وقد روى الإمام أحمد في كتاب الزهد أن الله سبحانه أوحى إلى موسى صلى الله عليه وسلم: يا موسى أنذر الصديقين فإني لا أضع عدلي على أحد إلا عذبته من غير أن أظلمه وبشر الخطائين فإنه لا يتعاظمني ذنب أن أغفره فلنرجع إلى شرح كلامه. قوله: quot; مكاشفة تدل على التحقيق الصحيح quot; كل يدعي أن التحقيق الصحيح معه. وكل يدعون وصال ليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاك(3\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1189",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14186",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى فليس التحقيق الصحيح: إلا المطابق لما عليه الأمر في نفسه وهو في العلم الكشف المطابق لما أخبر به الرسل وفي الإرادة: الكشف المطابق لمراد الرب الديني من عبده وقولنا quot; الديني quot; احتراز من مراده الكوني فإن كل ما في الكون موجب هذه الإرادة. فالكشف الصحيح: أن يعرف الحق الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه معاينة لقلبه ويجرد إرادة القلب له فيدور معه وجودا وعدما هذا هو التحقيق الصحيح وما خالفه فغرور قبيح. قوله: quot; وهي لا تكون مستدامة quot; هكذا رأيته في نسخ وفي أخرى quot; وهي أن تكون مستديمة quot; وكأن هذا الثاني أصح لأن سياق الكلام يدل على ذلك وأنها غير مستدامة في الدرجة الأولى فإذا استدامت صارت في الدرجة الثانية وبذلك يحصل الاختلاف بين الدرجتين وإلا فلو كانت مستدامة فيهما لكانت الدرجتان واحدة. قوله: فإذا كانت حينا دون حين ولم يعارضها تفرق. يعني: فهي الدرجة الأولى بشرط أن لا يقطع حكمها تفرق ولهذا قال: لم يعارضها ولم يقل: لم يعرض لها فإن التفرق لا بد أن يعرض لكن لا يعارضها ويقاومها بحيث يزيلها فإن العارض إذا عرض للقلب كرهه ومحاه وأزاله بسرعة. وأما المعارض: فإنه يزيل الحاصل ويخلفه فيصير الحكم له فلذلك قال: غير أن الغين ربما شاب مقامه على أنه قد بلغ مبلغا إلى آخره. يعني: أن لوازم البشرية لا بد له منها ولو لم يكن إلا أخفها وهو الحجاب الرقيق الذي يعرض لقلبه وهو الغين لكنه لا يضره لأنه قد بلغ مبلغا لا يلفته قاطع أي: لا توجب له القواطع التفات قلبه عن مقامه إليها بل إذا لحظها بقلبه فر منها كما يفر الظبي من الكلب الصائد إذا أحس به ولا يلويه سبب أي: لا يعوج قصده للحق سبب من الأسباب ولا يرده عنه. قوله: quot; ولا يقطعه حظ quot; أي: لا يقطعه عن بلوغ مقصوده حظ من الحظوظ النفسية و quot; القاصد quot; في هذه الدرجة: هو الذي قد ظفر بالقصد الذي لا يلقى سببا إلا قطعه ولا حائلا إلا منعه ولا تحاملا إلا سهله. فهذه درجة القاصد فإذا استدامت وتمكن فيها السالك فهي الدرجة الثانية.(3\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1190",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14187",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الشيخ: وأما الدرجة الثالثة: فمكاشفة عين لا مكاشفة علم وهي مكاشفة لا تذر سمة تشير إلى التذاذ أو تلجئ إلى توقف أو تنزل إلى رسم وغاية هذه المكاشفة المشاهدة. إنما كانت هذه الدرجة مكاشفة عين لغلبة نور الكشف على القلب فتنزلت هذه المكاشفة من القلب وحلت منه محل العلم الضروري الذي لا يمكن جحده ولا تكذيبه بل صارت للقلب بمنزلة المرئي للبصر والمسموع للأذن والوجدانيات للنفس وكما أن المشاهدة بالبصر لا تصح إلا مع صحة القوة المدركة وعدم الحائل من جسم أو ظلمة وانتفاء البعد المفرط فكذلك المكاشفة بالبصيرة تستلزم صحة القلب وعدم الحائل والشاغل وقرب القلب ممن يكاشفه بأسراره. وليس مراد الشيخ في هذا الباب: الكشف الجزئي المشترك بين المؤمنين والكفار والأبرار والفجار كالكشف عما في دار إنسان أو عما في يده أو تحت ثيابه أو ما حملت به امرأته بعد انعقاده ذكرا أو أنثى وما غاب عن العيان من أحوال البعد الشاسع ونحو ذلك فإن ذلك يكون من الشيطان تارة ومن النفس تارة ولذلك يقع من الكفار كالنصارى وعابدي النيران والصلبان فقد كاشف ابن صياد النبي صلى الله عليه وسلم بما أضمره له وخبأه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنت من إخوان الكهان فأخبر أن ذلك الكشف من جنس كشف الكهان وأن ذلك قدره وكذلك مسيلمة الكذاب مع فرط كفره كان يكاشف أصحابه بما فعله أحدهم في بيته وما قاله لأهله يخبره به شيطانه ليغوي الناس وكذلك الأسود العنسي والحارث المتنبي الدمشقي الذي خرج في دولة عبد الملك بن مروان وأمثال هؤلاء ممن لا يحصيهم إلا الله وقد رأينا نحن وغيرنا منهم جماعة وشاهد الناس من كشف الرهبان عباد الصليب ما هو معروف. والكشف الرحماني من هذا النوع: هو مثل كشف أبي بكر لما قال لعائشة رضي الله عنهما: إن امرأته حامل بأنثى وكشف عمر رضي الله عنه لما قال: يا سارية الجبل وأضعاف هذا من كشف أولياء الرحمن. والمقصود: أن مراد القوم بالكشف في هذا الباب أمر وراء ذلك وأفضله(3\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1191",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14188",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأجله أن يكشف للسالك عن طريق سلوكه ليستقيم عليها وعن عيوب نفسه ليصلحها وعن ذنوبه ليتوب منها. فما أكرم الله الصادقين بكرامة أعظم من هذا الكشف وجعلهم منقادين له عاملين بمقتضاه فإذا انضم هذا الكشف إلى كشف تلك الحجب المتقدمة عن قلوبهم سارت القلوب إلى ربها سير الغيث إذا استدبرته الريح. فلنرجع إلى شرح كلامه. فقوله: quot; الدرجة الثالثة: مكاشفة عين لا مكاشفة علم quot; أي: متعلق هذه المكاشفة عين الحقيقة بخلاف مكاشفة العلم فإن متعلقها الصورة الذهنية المطابقة للحقيقة الخارجية فكشف العلم: أن يكون مطابقا لمعلومه وكشف العيان: أن يصير المعلوم مشاهدا للقلب كما تشاهد العين المرئي. ومن ظن من القوم أن كشف العين ظهور الذات المقدسة لعيانه حقيقة فقد غلط أقبح الغلط وأحسن أحواله: أن يكون صادقا ملبوسا عليه فإن هذا لم يقع في الدنيا لبشر قط وقد منع منه كليم الرحمن صلى الله عليه وسلم. وقد اختلف السلف والخلف: هل حصل هذا لسيد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه فالأكثرون على أنه لم ير الله سبحانه وحكاه عثمان بن سعيد الدارمي إجماعا من الصحابة فمن ادعى كشف العيان البصري عن الحقيقة الإلهية فقد وهم وأخطأ وإن قال: إنما هو كشف العيان القلبي بحيث يصير الرب سبحانه كأنه مرئي للعبد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: اعبد الله كأنك تراه فهذا حق وهو قوة يقين ومزيد علم فقط. نعم قد يظهر له نور عظيم فيتوهم أن ذلك نور الحقيقة الإلهية وأنها قد تجلت له وذلك غلط أيضا فإن نور الرب تعالى لا يقوم له شيء ولما ظهر للجبل منه أدنى(3\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1192",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14189",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شيء ساخ الجبل وتدكدك وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103] قال: ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى به لم يقم له شيء. وهذا النور الذي يظهر للصادق: هو نور الإيمان الذي أخبر الله عنه في قوله: مثل نوره كمشكاة فيها مصباح [النور: 35] قال أبي بن كعب: مثل نوره في قلب المؤمن فهذا نور يضاف إلى الرب ويقال: هو نور الله كما أضافه الله سبحانه إلى نفسه والمراد: نور الإيمان الذي جعله الله له خلقا وتكوينا كما قال تعالى: ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور [النور: 40] فهذا النور إذا تمكن من القلب وأشرق فيه فاض على الجوارح فيرى أثره في الوجه والعين ويظهر في القول والعمل وقد يقوى حتى يشاهده صاحبه عيانا وذلك لاستيلاء أحكام القلب عليه وغيبة أحكام النفس. والعين شديدة الارتباط بالقلب تظهر ما فيه فتقوى مادة النور في القلب ويغيب صاحبه بما في قلبه عن أحكام حسه بل وعن أحكام العلم فينتقل من أحكام العلم إلى أحكام العيان. وسر المسألة: أن أحكام الطبيعة والنفس شيء وأحكام القلب شيء وأحكام الروح شيء وأنوار العبادات شيء وأنوار استيلاء معاني الصفات والأسماء على القلب شيء وأنوار الذات المقدسة شيء وراء ذلك كله. فهذا الباب يغلط فيه رجلان أحدهما: غليظ الحجاب كثيف الطبع والآخر: قليل العلم يلتبس عليه ما في الذهن بما في الخارج ونور المعاملات بنور رب الأرض والسماوات ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور [النور: 40] . قوله: quot; ولا مكاشفة الحال quot; مكاشفة الحال: هي المواجيد التي يجدها السالك بوارداته حتى يبقى الحكم لقلبه وحاله. قوله: quot; وهي مكاشفة لا تذر سمة تشير إلى الالتذاذ quot; يريد: أن هذه المكاشفة تمحو رسوم المكاشف فلا يبقى منه ما يحس بلذة فإن الأحوال والمواجيد لها لذة(3\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1193",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14190",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عظيمة أضعاف اللذة الحسية فإن لذتها روحانية قلبية والمكاشفة العينية تغيب المكاشف عن إدراك تلك اللذة والسمة هي العلامة فالمعنى: أن هذه المكاشفة لا تذر له علامة تدل على لذة. قوله: quot; أو تلجئ إلى توقف quot; يعني: لا تذر له بقية تلجئه إلى وقفة فإن البقية التي تبقى على السالك من نفسه: هي التي تلجئه إلى التوقف في سيره. قوله: quot; ولا تنزل على رسم quot; أي: لا تنزل هذه المكاشفة على من بقي فيه رسم حجابا بينه وبين هذه المكاشفة فإنها بمنزلة نور الشمس فلا تنزل في بيت عليه سقف حائل فإن الرسم عند القوم هو الحجاب بينهم وبين مطلوبهم والرسم هو النفس وأحكامها وصفاتها وهذه المكاشفة إذا قويت واستحكمت صارت مشاهدة ولذلك قال: وغاية هذه المكاشفة هو مقام المشاهدة.  [فصل المشاهدة] [من ينتفع بكلام الله] فصل المشاهدة قال صاحب المنازل: (باب المشاهدة) قال الله تعالى: إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد [ق: 37] . قلت: جعل الله سبحانه كلامه ذكرى لا ينتفع بها إلا من جمع هذه الأمور الثلاثة. أحدها: أن يكون له قلب حي واع فإذا فقد هذا القلب لم ينتفع بالذكرى الثاني: أن يصغي بسمعه كله نحو المخاطب فإن لم يفعل لم ينتفع بكلامه الثالث: أن يحضر قلبه وذهنه عند المكلم له وهو الشهيد أي: الحاضر غير الغائب فإن غاب قلبه وسافر في موضع آخر: لم ينتفع بالخطاب. وهذا كما أن المبصر لا يدرك حقيقة المرئي إلا إذا كانت له قوة مبصرة وحدق بها نحو المرئي ولم يكن قلبه مشغولا بغير ذلك فإن فقد القوة المبصرة أو لم(3\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1194",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14191",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يحدق نحو المرئي أو حدق نحوه ولكن قلبه كله في موضع آخر لم يدركه فكثيرا ما يمر بك إنسان أو غيره وقلبك مشغول بغيره فلا تشعر بمروره فهذا الشأن يستدعي صحة القلب وحضوره وكمال الإصغاء.  [حقيقة المشاهدة] قال الشيخ: quot; المشاهدة: سقوط الحجاب بتا quot; أي: قطعا بحيث لا يبقى منه شيء والمشاهدة هي المسقطة للحجاب وهي التي تكون عند سقوط الحجاب وليست هي نفس سقوط الحجاب لكن عبر عن الشيء بلازمه فإن سقوط الحجاب يلازم حصول المشاهدة. قوله: quot; وهي فوق المكاشفة quot; هذا يدلك على أن مراد الشيخ ومن وافقه من أهل الاستقامة بالمكاشفة والمشاهدة قوة اليقين ومزيد العلم وارتفاع الحجب المانعة من ذلك لا نفس معاينة الحقيقة فإن المكاشفة لو كانت هي معاينة الحقيقة لما كان فوقها مرتبة أخرى وإنما كانت المشاهدة عنده فوق المكاشفة لما ذكره من قوله لأن المكاشفة ولاية النعت وفيه شيء من بقايا الرسم والمشاهدة ولاية العين والذات. يريد: أن المكاشفة تتعلق بالصفات الإلهية فولايتها ولاية النعوت والأوصاف أي: سلطانها وما يتعلق به هو النعوت والصفات وسلطان المشاهدة وما يتعلق به هو نفس الذات الجامعة للنعوت والصفات فلذلك كانت فوقها وأكمل منها. والفرق بين ولاية النعت وولاية العين والذات أن النعت صفة ومن شاهد الصفة فلا بد أن يشاهد متعلقاتها فإن النظر في متعلقاتها يكسبه التعظيم للمتصف بها فإن من شاهد العلم القديم الأزلي متعلقا بسائر المعلومات التي لا تتناهى من واجب وممكن ومستحيل ومن شاهد الإرادة الموجبة لسائر الإرادات على تنوعها من الأفعال والأعيان والحركات والأوصاف التي لا تتناهى وشاهد القدرة التي هي كذلك وشاهد صفة الكلام الذي لو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر وأشجار العالم كلها أقلام يكتب بها كلام الرب جل جلاله لفنيت البحار ونفدت(3\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1195",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14192",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأقلام وكلام الله عز وجل لا ينفد ولا يفنى. فمن شاهد الصفات كذلك وجال قلبه في عظمتها فهو مشغول بالصفات ومتفرق قلبه في متعلقاتها في أنفسها بخلاف من قصر نظره على نفس الذات وشاهد قدمها وبقاءها واستغرق قلبه في عظمة تلك الذات بقطع النظر عن صفاتها فهو مشاهد للعين والأول مشاهد للصفات فالأول في فرق وهذا في جمع فمن استغرق قلبه في هذا المشهد استحق اسم المشاهد ووصف المشاهدة عند القوم إذا غاب عن إدراك رسمه وكل ما فيه من علم أو عمل أو حال هذا تقرير كلامه. وبعد فإن ولاية! النعوت والصفات التي جعلها دون ولاية العين والذات ليس الأمر فيها كما زعم بل لا نسبة بينهما ألبتة فإن الله سبحانه وتعالى دعا عباده في كتبه الإلهية إلى الأول دون الثاني وبذلك نطقت كتبه ورسله فهذا القرآن من أوله إلى آخره إنما يدعو الناس إلى النظر في صفات الله وأفعاله وأسمائه دون الذات المجردة فإن الذات المجردة لا يلحظ معها وصف ولا يشهد فيها نعت ولا تدل على كمال ولا جلال ولا يحصل من شهودها إيمان فضلا عن أن يكون من أعلى مقامات العارفين. ويا سبحان الله! أين يقع شهود صفات الكمال وتنوعها وكثرتها وما تدل عليه من عظمة الموصوف بها وجلاله وكماله وأنه ليس كمثله شيء في كماله لكثرة أوصافه ونعوته وأسمائه وامتناع أضدادها عليه وثبوتها له على أكمل الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه ما من شهود ذات قد غاب مشاهدها عن كل صفة ونعت واسم ! فبين هذين المشهدين من التفاوت ما لا يحصيه إلا الله وهذا هو مشهد من تأله وفني من الجهمية والمعطلة صرحوا بذلك وقالوا: إن كمال هذا المشهد هو قصر النظر القلبي على عين الذات وتنزيهها عن الأعراض والأبعاض والأغراض والحدود والجهات. ومرادهم بالأعراض: الصفات التي تقوم بالحي كالسمع والبصر والقدرة والإرادة والكلام فلا سمع له ولا بصر ولا إرادة ولا حياة ولا علم ولا قدرة. ومرادهم بالأبعاض: أنه لا وجه له ولا يدان ولم يخلق آدم بيده ولا يطوي سماواته بيده ولا يقبض الأرض باليد الأخرى ولا يمسك السماوات على إصبع ولا الأرضين على إصبع ولا الشجر على إصبع ونحو ذلك مما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله الصادق صلى الله عليه وسلم.(3\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1196",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14193",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومرادهم بالأغراض: أنه لا يفعل لحكمة ولا لعلة غائية ولا سبب لفعله ولا غاية مقصودة. ومرادهم بالحدود والجهات: مسألة المباينة والعلو وأنه غير بائن عن خلقه ولا مستو على عرشه ولا ترفع إليه الأيدي ولا تصعد إليه الأعمال ولا ينزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء وليس فوق العرش إله يعبد ولا رب يصلى له ويسجد بل ليس هناك إلا العدم المحض الذي هو لا شيء! فكمال الشهود عندهم: أن يشهد العبد ذاتا مجردة عن كل اسم ووصف ونعت. وشيخ الإسلام عدو هذه الطائفة وهو بريء منهم براءة الرسل منهم ولكن بقيت عليه مثل هذه البقية وهي جعل مشهد العين والذات فوق مشهد الصفات على أنه لا سبيل للقوى البشرية إلى شهود الذات الإلهية ألبتة ولا يقع الشهود على تلك الحقيقة ولا جعل ذلك إليها وإنما إليها شهود الصفات والأفعال وأما حقيقة الذات والعين: فغير معلومة للبشرية ولما سأل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حقيقة ربه سبحانه: من أي شيء هو أنزل الله عز وجل قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد [الإخلاص: 1] ولذلك لما سأل فرعون موسى عن حقيقة ربه بقوله: وما رب العالمين [الشعراء: 23] أجابه موسى بقوله: رب السماوات والأرض وما بينهما [مريم: 65] إذ لا وصول للبشر إلى حقيقة ذاته فدلهم على نفسه بصفاته الثبوتية من كونه صمدا وصفاته السلبية المتضمنة للثبوت من كونه quot; لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد quot; لم يجعل لهم سبيلا إلى معرفة الذات والكنه. فما هذا الشهود العيني الذاتي الذي جعلتموه للمشاهد وجعلتموه فوق(3\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1197",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14194",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المكاشفة وجعلتم ولاية المكاشفة النعت وولاية المشاهدة العين فاعلم أن مراد الشيخ وأمثاله من العارفين أهل الاستقامة: أن لا يقصر نظر القلب على صفة من الصفات بحيث يستغرق فيها وحدها بل يكون التفاته وشهوده واقعا على الذات الموصوفة بصفات الكمال المنعوتة بنعوت الجلال فحينئذ يكون شهوده واقعا على الذات والصفات جميعا. ولا ريب أن هذا فوق مشهد الصفة الواحدة أوالصفات. ولكن يقال: الشهود لا يقع على الصفة المجردة ولا يصح تجردها في الخارج ولا في الذهن بل متى شهد الصفة شهد قيامها بالموصوف ولا بد فما هذا الشهود الذاتي الذي هو فوق الشهود الوصفي والأمر يرجع إلى شيء واحد وهو أن من كان بصفات الله أعرف ولها أثبت ومعارض الإثبات منتف عنده كان أكمل شهودا ولهذا كان أكمل الخلق شهودا من قال: لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ولكمال معرفته بالأسماء والصفات: استدل بما عرفه منها على أن الأمر فوق ما أحصاه وعلمه. فمشهد الصفات: مشهد الرسل والأنبياء وورثتهم وكل من كان بها أعرف كان بالله أعلم وكان مشهده بحسب ما عرف منها وليس للعبد في الحقيقة مشاهدة ولا مكاشفة لا للذات ولا للصفات أعني مشاهدة عيان وكشف عيان وإنما هو مزيد إيمان وإيقان. ويجب التنبه هاهنا على أمر وهو: أن المشاهدة نتائج العقائد فمن كان معتقده ثابتا في أمر من الأمور فإنه إذا صفت نفسه وارتاضت وفارقت الشهوات والرذائل وصارت روحانية تجلت لها صورة معتقدها كما اعتقدته وربما قوي ذلك التجلي حتى يصير كالعيان وليس به فيقع الغلط من وجهين. أحدهما: ظن أن ذلك ثابت في الخارج وإنما هو في الذهن ولكن لما صفا الارتياض وانجلت عنه ظلمات الطبع وغاب بمشهوده عن شهوده واستولت عليه أحكام القلب بل أحكام الروح ظن أنه الذي ظهر له في الخارج ولا تأخذه في ذلك لومة لائم ولو جاءته كل آية في السماوات والأرض وذلك عنده بمنزلة من عاين الهلال ببصره جهرة فلو قال له أهل السماوات والأرض: لم تره لم يلتفت إليهم.(3\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1198",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14195",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولعمر الله إنا لا نكذبه فيما أخبر به عن رؤيته ولكن إنما نوقن أنه إنما رأى صورة معتقده في ذاته ونفسه لا الحقيقة في الخارج فهذا أحد الغلطين. وسببه: قوة ارتباط حاسة البصر بالقلب فالعين مرآة القلب شديدة الاتصال به وتنضم إلى ذلك قوة الاعتقاد وضعف التمييز وغلبة حكم الهوى والحال على العلم وسماعه من القوم: أن العلم حجاب. والغلط الثاني: ظن أن الأمر كما اعتقده وأن ما في الخارج مطابق لاعتقاده فيتولد من هذين الغلطين مثل هذا الكشف والشهود. ولقد أخبر صادق الملاحدة القائلين بوحدة الوجود: أنهم كشف لهم أن الأمر كما قالوه وشهدوه في الخارج كذلك عيانا وهذا الكشف والشهود: ثمرة اعتقادهم ونتيجته فهذه إشارة ما إلى الفرقان في هذا الموضع والله أعلم.  [درجات المشاهدة] [فصل الدرجة الأولى مشاهدة معرفة] فصل قال: وهي على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: مشاهدة معرفة تجري فوق حدود العلم في لوائح نور الوجود منيخة بفناء الجمع. هذا بناء على أصول القوم وأن المعرفة فوق العلم فإن العلم عندهم هو إدراك المعلوم ولو ببعض صفاته ولوازمه والمعرفة عندهم إحاطة بعين الشيء على ما هو به كما حدها الشيخ ولا ريب أنها بهذا الاعتبار فوق العلم لكن على هذا الحد لا يتصور أن يعرف الله أحد من خلقه ألبتة وسيأتي الكلام على هذا الحد في موضعه إن شاء الله تعالى وليست المعرفة عند القوم مشروطة بما ذكروا وسنذكر كلامهم إن شاء الله. وقد ذكر بعضهم: أن أعمال الأبرار بالعلم وأعمال المقربين بالمعرفة. وهذا كلام يصح من وجه ويبطل من وجه فالأبرار والمقربون عاملون بالعلم واقفون مع أحكامه وإن كانت معرفة المقربين أكمل من معرفة الأبرار فكلاهما أهل علم ومعرفة فلا يسلب الأبرار المعرفة ولا يستغني المقربون عن العلم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله فإذا هم عرفوا الله فأخبرهم: أن الله قد فرض(3\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1199",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14196",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة فجعلهم عارفين بالله قبل إتيانهم بفرض الصلاة والزكاة بل جعلهم في أول أوقات دخولهم في الإسلام عارفين بالله ولا ريب أن هذه المعرفة ليست كمعرفة المهاجرين والأنصار فالناس متفاوتون في درجات المعرفة تفاوتا بعيدا. قوله: quot; في لوائح نور الوجود quot; يعني: أن شواهد المعرفة بوارق تلوح من نور الوجود والوجود عند الشيخ ثلاث مراتب: وجود علم ووجود عين ووجود مقام كما سيأتي شرحه في موضعه إن شاء الله تعالى. وهذه اللوائح التي أشار إليها: تلوح في المراتب الثلاث وقد ذكروا عن الجنيد أنه قال: علم التوحيد مباين لوجوده ووجوده مباين لعلمه. ومعنى ذلك: أن العبد قد يصح له العلم بانفراد الحق في ذاته وصفاته وأفعاله علما جازما لا يشك ولا يرتاب فيه ولكن إذا اختلفت عليه الأسباب وتقاذفت به أمواجها لم يثبت قلبه في أوائل الصدمات ولم يبادر إذ ذاك إلى رؤية الأسباب كلها من الأول الذي دلت على وحدانيته وأوليته البراهين القطعية والمشاهدة الإيمانية فهذا عالم بالتوحيد غير واجد لمقامه ولا متصف بحال أكسبه إياها التوحيد فإذا وجد قلبه وقت اختلاف الأحوال وتباين الأسباب واثقا بربه مقبلا عليه مستغرقا في شهود وحدانيته في ربوبيته وإلهيته فإنه وحده هو المنفرد بتدبير عباده فقد وجد مقام التوحيد حاله. وأهل هذا المقام متفاوتون في شهوده تفاوتا عظيما: من مدرك لما هو فيه متنعم متلذذ في وقت دون وقت ومن غالب عليه هذه الحال ومن مستغرق غائب عن حظه ولذته بما هو فيه من وجوده فنور الوجود قد غشي مشاهدته لحاله ولم يصل إلى مقام الجمع بل قد أناخ بفنائه والوجود عنده هو حضرة الجمع ويسمى حضرة الوجود.(3\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1200",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14197",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله: quot; منيخة بفناء الجمع quot; يعني: قد شارفت مشاهدته لحاله منزل الجمع وأناخت به وتهيأ لدخوله وهذه استعارة فكأنه مثل المشاهد بالمسافر ومثل مشاهدته بناقته التي يسافر عليها فإنها الحاملة له وشبه حضرة الجمع بالمنزل والدار وقد أناخ المسافر بفنائها وهذا إشارة منه إلى إشرافه عليها وأن نور الوجود لا يلوح إلا منها.  [فصل الدرجة الثانية مشاهدة معاينة] فصل قال: الدرجة الثانية: مشاهدة معاينة تقطع حبال الشواهد وتلبس نعوت القدس وتخرس ألسنة الإشارات. إنما كانت هذه الدرجة أعلى مما قبلها لأن تلك الدرجة مشاهدة برق عن العلم النظري بالتوحيد وتمكنت في وجود التوحيد حتى صار صاحبها يرى الأسباب كلها عن واحد متقدم عليها لا أول لوجوده حالا وذوقا وأناخ بفناء الجمع ليتبوأه منزلا لتوحيده ولكنه بعد لم يكمل استغراقه عن شهود رسمها بالكلية فشواهد الرسوم بعد معه وصاحب هذه الدرجة: قد انقطعت عنه حبال الشواهد وتمكن في مقام المشاهدة وتطهر من نعوت النفس ولبس نعوت القدس فتطهر من الالتفات إلى غير مشهوده فحرس لذلك لسانه عن الإشارة إلى ما هو فيه فهذه المشاهدة عنده فوق مشاهدة المعرفة لأن تلك من لوائح نور الوجود وهذه مشاهدة الوجود نفسه لا بوارق نوره فهي أعلى لأنها مشاهدة عيان والعيان والمعاينة: أن تقع العين في العين. وقد عرفت أن هذا مستحيل في الدنيا ومن جوزه فقد أخطأ أقبح الخطأ وتعدى مقام الرسل وإنما غاية ما يصل إليه العارف: مزيد إيمان ويقين بحيث يعبد الله كأنه يراه لقوة يقينه وإيمانه بوجوده وأسمائه وصفاته وأن الأنوار واللوامع والبوارق إنما هي أنوار الإيمان والطاعات من الذكر وقراءة القرآن ونحوها أو هي أنوار استغراقه في مطالعة الأسماء والصفات وإثباتها والإيمان بها بحيث يبقى(3\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1201",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14198",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كالمعاين لها فيشرق على قلبه نور المعرفة فيظنه نور الذات والصفات. وتقدم بيان السبب الموقع لهم في ذلك وأنهم لا يمكن رجوعهم في ذلك إلى المحجوبين الذين غلظ في هذا الباب حجابهم وكثفت عن إدراكه أرواحهم وقصرت عنه علومهم ومعارفهم ولم يكادوا يظفرون بذائق صحيح الذوق يفصل لهم أحكام أذواقهم ومشاهدتهم وينزلها منازلها ويبين أسبابها وعللها فوجود هذا أعز شيء والقوم لهم طلب شديد وهمم عالية ومطلبهم وهممهم عندهم فوق مطالب الناس وهممهم فتشهد أرواحهم مقامات المنكر عليهم وسفولها واستغراقه في حظوظه وأحكام نفسه وطبيعته فلا تسمح نفوسهم بقبول قوله والرجوع إليه فلو وجدوا عارفا ذا قرآن وإيمان ينادي القرآن والإيمان على معرفته وتدل معرفته على مقتضى الإيمان والقرآن محكما للوحي على الذوق مستخرجا أحكام الذوق من الوحي ليس فظا ولا غليظا ولا مدعيا ولا محجوبا بالوسائل عن الغايات إشارته دون مقامه ومقامه فوق إشارته إن أشار أشار بالله مستشهدا بشواهد الله وإن سكت سكت بالله عاكفا بسره وقلبه على الله فلو وجدوا مثل هذا لكان الصادقون أسرع إليه من النار في يابس الحطب والوقود والله المستعان. قوله: quot; وقطع حبال الشواهد quot; شبه الشواهد بالحبال التي تجذب العبد إلى مطلوبه وهذا إنما يكون مع الغيبة عنه فإذا صار الأمر إلى العيان: انقطعت حينئذ حبال الشواهد بحكم المعاينة. قوله: quot; وتلبس نعوت القدس quot; القدس: هو النزاهة والطهارة و quot; نعوت القدس quot; هي صفاته فيلبسه الحق سبحانه من تلك النعوت ما يليق به واستعار لذلك لفظة اللبس فإن تلك الصفات خلع وخلع الحق سبحانه وتعالى يلبسها من يشاء من عباده. وهذا موضع يتوارد عليه الموحدون والملحدون فالموحد يعتقد: أن الذي ألبسه الله إياه هو صفات جمل الله بها ظاهره وباطنه وهي صفات مخلوقة ألبست عبدا مخلوقا فكسا عبده حلة من حلل فضله وعطائه. والملحد يقول: كساه نفس صفاته وخلع عليه خلعة من صفات ذاته حتى صار شبيها به بل هو هو ويقولون: الوصول هو التشبه بالإله على قدر الطاقة وبعضهم يلطف هذا المعنى ويقول: بل يتخلق بأخلاق الرب ورووا في ذلك أثرا(3\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1202",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14199",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "باطلا quot; تخلقوا بأخلاق الله quot;. وليس هاهنا غير التعبد بالصفات الجميلة والأخلاق الفاضلة التي يحبها الله ويخلقها لمن يشاء من عباده فالعبد مخلوق وخلعته مخلوقة وصفاته مخلوقة والله سبحانه وتعالى بائن بذاته وصفاته عن خلقه لا يمازجهم ولا يمازجونه ولا يحل فيهم ولا يحلون فيه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.  [فصل الدرجة الثالثة مشاهدة جمع] فصل قال: الدرجة الثالثة: مشاهدة جمع. تجذب إلى عين الجمع مالكة لصحة الورود راكبة بحر الوجود. صاحب هذه الدرجة: أثبت عند الشيخ في مقام المشاهدة وأمكن في مقام الجمع الذي هو حضرة الوجود وأملك لحمل ما يرد عليه في مقامه من أنواع الكشوفات والمعارف ولذلك كانت مشاهدته مالكة لصحة الورود أي: تشهد لنفسها بصحة ورودها إلى حضرة الجمع وتشهد الأشياء كلها لها بالصدق ويشهد المشهود أيضا لها بذلك فلا يبقى عندها احتمال شك ولا ريب. وهذا أيضا مورد للملحد والموحد. فالملحد يقول: مشاهدة الجمع هي مشاهدة الوجود الواحد الجامع لجميع المعاني والصور والقوى والأفعال والأسماء و quot; حضرة الجمع quot; عنده: هي حضرة هذا الوجود ومشاهدة هذا الجذب تجذب إلى عينه. قال: وصفة هذا الجذب: أن يحل الحق تعالى عقد خليقته بيد حقيقته فيرجع النور الفائض على صورة خليقته إلى أصله ويرجع العبد إلى عدميته فيبقى الوجود للحق والفناء للخلق ويقيم الحق تعالى وصفا من أوصافه نائبا عنه في استجلاء ذاته فيكون الحق هو المشاهد ذاته بذاته في طور من أطوار ظهوره وهي مرتبة عبده فإذا ثبت الحق تعالى عبده بعد نفيه ومحوه وأبقاه بعد فنائه فعاد كما يعود السكران إلى صحوه وجد في ذاته أسرار ربه وطور صفاته وحقائق ذاته ومعالم وجوده ومطارح أشعة نوره ووجد خليقته أسماء مسمى ذاته وعوده إليه فيرى العبد ثبوت ذلك الاسم في حضرة سائر الأسماء المشيرة بدلالتها إلى الوجود المنزه الأصل الموهم الفرع فيؤدي استصحاب النظر إلى أصله: أن الفرع لم يفارقه هو إلا بشكله.(3\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1203",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14200",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والشكل على اختلاف ضروبه فمعنى عدمي لتعين إمكانه في وجوبه. فانظر ما في الكلام من الإلحاد والكفر الصراح وجعل عين المخلوق نفس عين الخالق وأن الرب سبحانه أقام نفس أوصافه نائبة عنه في استجلاء ذاته وأنه شاهد ذاته بذاته في مراتب الخلق وأن الإنسان إذا صحا من سكره وجد في ذاته حقائق ذات الرب ووجد خليقته أسماء مسمى ذاته فيرى ثبوت ذلك الاسم في حضرة سائر الأسماء المشيرة بدلالتها إلى الوجود المنزه الأصل يعني عن الانقسام والتكثر quot; الموهم الفرع quot; يعني الذي يوهم فروعه وتكثر مظاهره واختلاف أشكاله أنه متعدد وإنما هو وجود واحد والأشكال على اختلاف ضروبها أمور عدمية لأنها ممكنة وإمكانها يفنى في وجوبها فلم يبق إلا وجوب واجب الوجود وهو واحد وإن اختلفت الأشكال التي ظهر فيها والأسماء التي أشارت إليه. فالاتحادي يشاهد وجودا واحدا جامعا لجميع الصور والأنواع والأجناس فاض عليها كلها فظهر فيها بحسب قوابلها واستعداداتها. وذلك الشهود يجذبه إلى انحلال عزمه عن التقيد بمعبود معين أو عبادة معينة بل يبقى معبوده الوجود المطلق الساري في الموجودات بأي معنى ظهر وفي أي ماهية تحقق فلا فرق عنده بين السجود للصنم والشمس والقمر والنجوم وغيرها كما قال شاعر القوم: وإن خر للأحجار في البيد عاكف ... فلا تعد بالإنكار بالعصبية وإن عبد النار المجوس وما انطفت ... كما جاء في الأخبار مذ ألف حجة فما عبدوا غيري وما كان قصدهم ... سواي وإن لم يظهروا عقد نية وما عقد الزنار حكما سوى يدي ... وإن حل بالإقرار لي فهي بيعتي وكما قال عارفهم: واعلم أن للحق في كل معبود وجها يعرفه من عرفه ويجهله من جهله فالعارف يعرف من عبد وفي أي صورة ظهر قال الله: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه [الإسراء: 23] قال: وما قضى الله شيئا إلا وقع وما عبد غير لله في كل معبود فهذا مشهد الملحد.(3\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1204",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14201",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والموحد يشاهد بإيمانه ويقينه ذاتا جامعة للأسماء الحسنى والصفات العلى لها كل صفة كمال وكل اسم حسن وذلك يجذبه إلى نفس اجتماع همه على الله وعلى القيام بفرائضه. والطريق بمجموعها لا تخرج عن هذين السببين وإن طولوا العبارات ودققوا الإشارات فالأمر كله دائر على جمع الهمة على الله واستفراغ الوسع بغاية النصيحة في التقرب إليه بالنوافل بعد تكميل الفرائض فلا تطول ولا يطول عليك. وشيخ الإسلام مراده بالجمع الجاذب إلى عين الجمع أمر آخر بين هذا وبين جمع أهل الوحدة وعين جمعهم لا هو هذا ولا هو هذا فهو دائر على الفناء لا تأخذه فيه لومة لائم وهو الجمع الذي يدندن حوله وعين الجمع عنده هو تفرد الرب سبحانه بالأزلية وبالدوام وبالخلق والفعل فكان ولا شيء ويعود بعد كل شيء وهو المكون لكل شيء فلا وجود في الحقيقة لغيره ولا فعل لغيره بل وجود غيره كالخيال والظلال وفعل غيره في الحقيقة كحركات الأشجار والنبات وهذا تحقيق الفناء في شهود الربوبية والأزلية والأبدية وطي بساط شهود الأكوان فإذا ظهر هذا الحكم انمحق وجود العبد في وجود الحق وتدبيره في تدبير الحق فصار سبحانه هو المشهود بوجود العبد متلاش مضمحل كالخيال والظلال. ولا يستعد لهذا عندهم إلا من اجتمعت إرادته على المراد وحده حالا لا تكلفا وطبعا لا تطبعا فقد تنبعث الهمة إلى أمر وتتعلق به وصاحبها معرض عن غير مطلبه متحل به ولكن إرادة السوى كامنة فيه قد توارى حكمها واستتر ولما يزل فإن القلب إذا اشتغل بشيء اشتغالا تاما توارث عنه إرادته لغيره والتفاته إلى ما سواه مع كونه كامنا في نفسه مادته حاضرة عنده فإذا وجد فجوة وأدنى تخل من شاغله ظهر حكم تلك الإرادات التي كان سلطان شهوده يحول بينه وبينها فإذا الجمع وعين الجمع ثلاث مراتب. أعلاها: جمع لهم على الله: إرادة ومحبة وإنابة وجمع القلب والروح والنفس والجوارح على استفراغ الوسع في التقرب إليه بما يحبه ويرضاه دون رسوم الناس وعوائدهم فهذا جمع خواص المقربين وساداتهم. والثاني: الاستغراق في الفناء في شهود الربوبية وتفرد الرب سبحانه بالأزلية والدوام وأن الوجود الحقيقي له وحده وهذا الجمع دون الجمع الأول بمراتب كثيرة.(3\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1205",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14202",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والثالث: جمع الملاحدة الاتحادية وعين جمعهم وهو جمع الشهود في وحدة الوجود فعليك بتمييز المراتب لتسلم من المعاطب وسيأتي ذكر مراتب الجمع والتمييز بين صحيحها وفاسدها في آخر باب التوحيد من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى والله المستعان. قوله: quot; مالكة لصحة الورود quot; أي: ضامنة لصحة ورودها شاهدة بذلك مشهودا لها به لأنها فوق مشاهدة المعرفة وفوق مشاهدة المعاينة. قوله: quot; راكبة بحر الوجود quot; يعني: تلك المشاهدة راكبة بحر الوجود فهي في لجة بحره لا في أنواره ولا في بوارقه. وقد تقدم الكلام على مراده بالوجود وأنه وجود علم ووجود عين ووجود مقام وسيأتي تمام الكلام عليه في بابه إن شاء الله تعالى.  [فصل المعاينة] [حقيقة المعاينة] فصل المعاينة قال شيخ الإسلام: (باب المعاينة) قال الله تعالى: ألم تر إلى ربك كيف مد الظل [الفرقان: 45] . قلت: المعاينة مفاعلة من العيان وأصلها من الرؤية بالعين يقال: عاينه إذا وقعت عينه عليه كما يقال: شافهه إذا كلمه شفاها وواجهه إذا قابله بوجهه وهذا مستحيل في هذه الدار أن يظفر به بشر. وأما قوله: ألم تر إلى ربك كيف مد الظل [الفرقان: 45] فالرؤية واقعة على نفس مد الظل لا على الذي مده سبحانه كما قال تعالى: ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا [نوح: 15]  وقوله تعالى: ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل [الفيل: 1] فهاهنا أوقع الرؤية على نفس الفعل وفي قوله: ألم تر إلى ربك كيف مد الظل [الفرقان: 45] أوقعها في اللفظ عليه سبحانه والمراد: فعله من مد الظل هذا كلام عربي بين معناه غير محتمل ولا مجمل كما قيل في العزى: كفرانك اليوم لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك(3\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1206",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14203",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو كثير في كلامهم يقولون: رأيت الله قد فعل كذا وكذا والمراد رأيت فعله فالعيان والرؤية: واقع على المفعول لا على ذات الفاعل وصفته ولا فعله القائم به.  [فصل أنواع المعاينة] فصل قال صاحب المنازل: المعاينة ثلاث. إحداها: معاينة الأبصار. الثانية: معاينة عين القلب وهي معرفة عين الشيء على نعته علما يقطع الريبة ولا تشوبه حيرة. الثالثة: معاينة عين الروح وهي التي تعاين الحق عيانا محضا والأرواح إنما طهرت وأكرمت بالبقاء لتعاين سنا الحضرة وتشاهد بهاء العزة وتجذب القلوب إلى فناء الحضرة. جعل الشيخ المعاينة للعين والقلب والروح وجعل لكل معاينة منها حكما. فمعاينة العين: هي رؤية الشيء عيانا إما بانطباع صورة المرئي في القوة الباصرة عند أصحاب الانطباع وإما باتصال الشعاع المنبسط من العين المتصل بالمرئي عند أصحاب الشعاع وإما بالنسبة والإضافة الخاصة بين العين وبين المرئي عند كثير من المتكلمين والأقوال الثلاثة لا تخلو عن خطأ وصواب والحق شيء غيرها وأن الله سبحانه جعل في العين قوة باصرة كما جعل في الأذن قوة سامعة وفي الأنف قوة شامة وفي اللسان قوة ناطقة وقوة ذائقة فهذه قوى أودعها الله سبحانه في هذه الأعضاء وجعل بينها وبينها رابطة وجعل لها أسبابا من خارج وموانع تمنع حكمها وكل ما ذكروه من انطباع ومقابلة وشعاع ونسبة وإضافة: فهو سبب وشرط والمقتضى هو القوة القائمة بالمحل وليس الغرض ذكر هذه المسألة فالمقصود أمر آخر. وأما معاينة القلب: فهي انكشاف صورة المعلوم له بحيث تكون نسبته إلى القلب كنسبة المرئي إلى العين وقد جعل الله سبحانه القلب يبصر ويعمى كما تبصر العين وكما تعمى قال تعالى: فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور [الحج: 46](3\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1207",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14204",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالقلب يرى ويسمع ويعمى ويصم وعماه وصممه أبلغ من عمى البصر وصممه. وأما ما يثبته متأخرو القوم من هذا القسم الثالث وهو رؤية الروح وسمعها وإرادتها وأحكامها التي هي أخص من أحكام القلب فهؤلاء اعتقادهم أن الروح غير النفس والقلب. ولا ريب أن هاهنا أمورا معلومة وهي: البدن وروحه القائم به والقلب المشاهد فيه وفي سائر الحيوان والغريزة وهي القوة العاقلة التي محلها القلب ونسبتها إلى القلب كنسبة القوة الباصرة إلى العين والقوة السامعة إلى الأذن ولهذا تسمى تلك القوة قلبا كما تسمى القوة الباصرة بصرا قال تعالى: إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب [ق: 37] ولم يرد شكل القلب فإنه لكل أحد وإنما أراد القوة والغريزة المودعة فيه. والروح: هي الحاملة للبدن ولهذه القوى كلها فلا قوام للبدن ولا لقواه إلا بها ولها باعتبار إضافتها إلى كل محل حكم واسم يخصها هناك فإذا أضيفت إلى محل البصر سميت بصرا وكان لها حكم يخصها هناك وإذا أضيفت إلى محل السمع سميت سمعا وكان لها حكم يخصها هناك وإذا أضيفت إلى محل العقل وهو القلب سميت قلبا ولها حكم يخصها هناك هي في ذلك كله روح. فالقوة الباصرة والعاقلة والسامعة والناطقة روح باصرة وسامعة وعاقلة وناطقة فهي في الحقيقة هذا العاقل الفاهم المدرك المحب العارف المحرك للبدن الذي هو محل الخطاب والأمر والنهي هو شيء واحد له صفات متعددة بحسب متعلقاته فإنه يسمى نفسا مطمئنة ونفسا لوامة ونفسا أمارة وليس هو ثلاثة أنفس بالذات والحقيقة ولكن هو نفس واحدة لها صفات متعددة. وهم يشيرون بالنفس إلى الأخلاق والصفات المذمومة فيقولون: فلان له نفس وفلان ليس له نفس ومعلوم أنه لو فارقته نفسه لمات ولكن يريدون تجرده عن صفات النفس المذمومة. والمحققون منهم يقولون: إن النفس إذا تلطفت وفارقت الرذائل صارت روحا ومعلوم أنها لم تعدم ويخلق له مكانها روح لم تكن ولكن عدمت منها الصفات(3\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1208",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14205",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المذمومة وصارت مكانها الصفات المحمودة فسميت روحا. وهذا اصطلاح مجرد وإلا فالله سبحانه وتعالى سماها نفسا في القرآن في جميع أحوالها أمارة ولوامة ومطمئنة قال تعالى: الله يتوفى الأنفس حين موتها [الزمر: 42] ويدخل في هذا جميع أنفس العباد حتى الأنبياء وسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم روحا على الإطلاق مؤمنة كانت أو كافرة برة أو فاجرة كقوله: إن الروح إذا قبض تبعه البصر  وقوله: إن الله قبض أرواحنا حيث شاء وردها حيث شاء  وقوله: صلى الله عليه وسلم في حديث قبض الروح وصفته إن كان مؤمنا كان كذا وكذا وإن كان كافرا كان كذا وكذا فسمى المقبوض روحا كما سماه الله في كتابه نفسا وهذا المقبوض والمتوفى شيء واحد لا ثلاثة ولا اثنان وإذا قبض تبعته القوى كلها العقل وما دونه لأنه كان حامل الجميع ومركبه. إذا عرفت هذا فالمعاينة نوعان: معاينة بصر ومعاينة بصيرة فمعاينة البصر: وقوعه على نفس المرئي أو مثاله الخارجي كرؤية مثال الصورة في المرآة والماء ومعاينة البصيرة: وقوع القوة العاقلة على المثال العلمي المطابق للخارجي فيكون إدراكه له بمنزلة إدراك العين للصورة الخارجية وقد يقوى سلطان هذا الإدراك الباطن بحيث يصير الحكم له ويقوى استحضار القوة العاقلة لمدركها بحيث يستغرق فيه فيغلب حكم القلب على حكم الحس والمشاهدة فيستولي على السمع والبصر بحيث يراه ويسمع خطابه في الخارج وهو في النفس والذهن لكن لغلبة الشهود وقوة الاستحضار وتمكن حكم القلب واستيلائه على القوى صار كأنه مرئي(3\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1209",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14206",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالعين مسموع بالأذن بحيث لا يشك المدرك ولا يرتاب في ذلك ألبتة ولا يقبل عذلا. وحقيقة الأمر: أن ذلك كله شواهد وأمثلة علمية تابعة للمعتقد فذلك الذي أدرك بعين القلب والروح إنما هو شاهد دال على الحقيقة وليس هو نفس الحقيقة فإن شاهد نور جلال الذات في قلب العبد ليس هو نفس نور الذات الذي لا تقوم له السماوات والأرض فإنه لو ظهر لها لتدكدكت ولأصابها ما أصاب الجبل وكذلك شاهد نور العظمة في القلب إنما هو نور التعظيم والإجلال لا نور نفس المعظم ذي الجلال والإكرام. وليس مع القوم إلا الشواهد والأمثلة العلمية والرقائق التي هي ثمرة قرب القلب من الرب وأنسه به واستغراقه في محبته وذكره واستيلاء سلطان معرفته عليه والرب تبارك وتعالى وراء ذلك كله منزه مقدس عن اطلاع البشر على ذاته أو أنوار ذاته أو صفاته أو أنوار صفاته وإنما هي الشواهد التي تقوم بقلب العبد كما يقوم بقلبه شاهد من الآخرة والجنة والنار وما أعد الله لأهلهما. وهذا هو الذي وجده عبد الله بن حرام الأنصاري يوم أحد لما قال: واها لريح الجنة! إني أجد والله ريحها دون أحد. ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا: وما رياض الجنة قال: حلق الذكر  ومنه قوله: ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة فهو روضة لأهل العلم والإيمان لما يقوم بقلوبهم من(3\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1210",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14207",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شواهد الجنة حتى كأنها لهم رأي عين وإذا قعد المنافق هناك لم يكن ذلك المكان في حقه روضة من رياض الجنة ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم الجنة تحت ظلال السيوف . فالعمل: إنما هو على الشواهد وعلى حسب شاهد العبد يكون عمله. ونحن نشير بعون الله وتوفيقه إلى الشواهد إشارة يعلم بها حقيقة الأمر. فأول شواهد السائر إلى الله والدار الآخرة: أن يقوم به شاهد من الدنيا وحقارتها وقلة وفائها وكثرة جفائها وخسة شركائها وسرعة انقضائها ويرى أهلها وعشاقها صرعى حولها قد بدعت بهم وعذبتهم بأنواع العذاب وأذاقتهم أمر الشراب أضحكتهم قليلا وأبكتهم طويلا سقتهم كؤوس سمها بعد كؤوس خمرها فسكروا بحبها وماتوا بهجرها. فإذا قام بالعبد هذا الشاهد منها: ترحل قلبه عنها وسافر في طلب الدار الآخرة وحينئذ يقوم بقلبه شاهد من الآخرة ودوامها وأنها هي الحيوان حقا فأهلها لا يرتحلون منها ولا يظعنون عنها بل هي دار القرار ومحط الرجال ومنتهى السير وأن الدنيا بالنسبة إليها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم ترجع وقال بعض التابعين: ما الدنيا في الآخرة إلا أقل من ذرة واحدة في جبال الدنيا. ثم يقوم بقلبه شاهد من النار وتوقدها واضطرامها وبعد قعرها وشدة حرها وعظيم عذاب أهلها فيشاهدهم وقد سيقوا إليها سود الوجوه زرق العيون والسلاسل والأغلال في أعناقهم فلما انتهوا إليها فتحت في وجوههم أبوابها فشاهدوا ذلك المنظر الفظيع وقد تقطعت قلوبهم حسرة وأسفا ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا [الكهف: 53](3\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1211",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14208",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأراهم شاهد الإيمان وهم إليها يدفعون وأتى النداء من قبل رب العالمين: وقفوهم إنهم مسئولون [الصافات: 24] ثم قيل لهم: هذه النار التي كنتم بها تكذبون - أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون - اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون [الطور: 14 - 16] فيراهم شاهد الإيمان وهم في الحميم على وجوههم يسحبون وفي النار كالحطب يسجرون لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش [الأعراف: 41] فبئس اللحاف وبئس الفراش وإن استغاثوا من شدة العطش يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه [الكهف: 29] فإذا شربوه قطع أمعاءهم في أجوافهم وصهر ما في بطونهم شرابهم الحميم وطعامهم الزقوم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور - وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير [فاطر: 36 - 37] . فإذا قام بقلب العبد هذا الشاهد: انخلع من الذنوب والمعاصي واتباع الشهوات ولبس ثياب الخوف والحذر وأخصب قلبه من مطر أجفانه وهان عليه كل مصيبة تصيبه في غير دينه وقلبه. وعلى حسب قوة هذا الشاهد يكون بعده من المعاصي والمخالفات فيذيب هذا الشاهد من قلبه الفضلات والمواد المهلكة وينضجها ثم يخرجها فيجد القلب لذة العافية وسرورها. فيقوم به بعد ذلك: شاهد من الجنة وما أعد الله لأهلها فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فضلا عما وصفه الله لعباده على لسان رسوله من النعيم المفصل الكفيل بأعلى أنواع اللذة من المطاعم والمشارب والملابس والصور والبهجة والسرور فيقوم بقلبه شاهد دار قد جعل الله النعيم المقيم الدائم بحذافيره فيها تربتها المسك وحصباؤها الدر وبناؤها لبن الذهب والفضة وقصب اللؤلؤ وشرابها أحلى من العسل وأطيب رائحة من المسك وأبرد(3\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1212",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14209",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من الكافور وألذ من الزنجبيل ونساؤها لو برز وجه إحداهن في هذه الدنيا لغلب على ضوء الشمس ولباسهم الحرير من السندس والإستبرق وخدمهم ولدان كاللؤلؤ المنثور وفاكهتهم دائمة لا مقطوعة ولا ممنوعة وفرش مرفوعة وغذاؤهم لحم طير مما يشتهون وشرابهم عليه خمرة لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون وخضرتهم فاكهة مما يتخيرون وشاهدهم حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون فهم على الأرائك متكئون وفي تلك الرياض يحبرون وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وهم فيها خالدون. فإذا انضم إلى هذا الشاهد: شاهد يوم المزيد والنظر إلى وجه الرب جل جلاله وسماع كلامه منه بلا واسطة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم بينما أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب تعالى قد أشرف عليهم من فوقهم وقال: يا أهل الجنة سلام عليكم ثم قرأ قوله تعالى: سلام قولا من رب رحيم [يس: 58] ثم يتوارى عنهم وتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم . فإذا انضم هذا الشاهد إلى الشواهد التي قبله: فهناك يسير القلب إلى ربه أسرع من سير الرياح في مهابها فلا يلتفت في طريقه يمينا ولا شمالا. هذا وفوق ذلك: شاهد آخر تضمحل فيه هذه الشواهد ويغيب به العبد عنها كلها وهو شاهد جلال الرب تعالى وجماله وكماله وعزه وسلطانه وقيوميته وعلوه فوق عرشه وتكلمه بكتبه وكلمات تكوينه وخطابه لملائكته وأنبيائه. فإذا شاهده شاهد بقلبه قيوما قاهرا فوق عباده مستويا على عرشه منفردا بتدبير مملكته آمرا ناهيا مرسلا رسله ومنزلا كتبه يرضى ويغضب ويثيب ويعاقب ويعطي ويمنع ويعز ويذل ويحب ويبغض ويرحم إذا استرحم ويغفر إذا استغفر ويعطي إذا سئل ويجيب إذا دعي ويقيل إذا استقيل أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء وأعز من كل شيء وأقدر من كل شيء وأعلم من كل شيء وأحكم من كل شيء فلو كانت قوى الخلائق كلهم على واحد منهم ثم كانوا كلهم على تلك القوة ثم نسبت تلك القوى إلى قوة البعوضة بالنسبة إلى قوة الأسد ولو قدر جمال الخلق كلهم على واحد منهم ثم كانوا كلهم بذلك الجمال ثم نسب إلى جمال الرب تعالى لكان دون سراج ضعيف بالنسبة إلى عين الشمس ولو كان علم الأولين والآخرين على رجل منهم ثم كان كل الخلق على تلك الصفة ثم نسب(3\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1213",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14210",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى علم الرب تعالى لكان ذلك بالنسبة إلى علم الرب كنقرة عصفور في بحر وهكذا سائر صفاته كسمعه وبصره وسائر نعوت كماله فإنه يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات فلا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ولا يتبرم بإلحاح الملحين سواء عنده من أسر القول ومن جهر به فالسر عنده علانية والغيب عنده شهادة يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ويرى نياط عروقها ومجاري القوت في أعضائها يضع السماوات على إصبع من أصابع يده والأرض على إصبع والجبال على إصبع والشجر على إصبع والماء على إصبع ويقبض سماواته بإحدى يديه والأرضين باليد الأخرى فالسماوات السبع في كفه كخردلة في كف العبد ولو أن الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم قاموا صفا واحدا ما أحاطوا بالله عز وجل لو كشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سبحاته ما انتهى إليه بصره من خلقه. فإذا قام بقلب العبد هذا الشاهد: اضمحلت فيه الشواهد المتقدمة من غير أن تعدم بل تصير الغلبة والقهر لهذا الشاهد وتندرج فيه الشواهد كلها ومن هذا شاهده فله سلوك وسير خاص ليس لغيره ممن هو عن هذا في غفلة أو معرفة مجملة. فصاحب هذا الشاهد سائر إلى الله في يقظته ومنامه وحركته وسكونه وفطره وصيامه له شأن وللناس شأن هو في واد والناس في واد. خليلي لا والله ما أنا منكما ... إذا علم من آل ليلى بدا ليا والمقصود: أن العيان والكشف والمشاهدة في هذه الدار إنما تقع على الشواهد والأمثلة العلمية وهو المثل الأعلى الذي ذكره سبحانه في ثلاثة مواضع من كتابه في سورة النحل وسورة الروم وسورة الشورى وهو ما يقوم بقلوب عابديه ومحبيه والمنيبين إليه من هذا الشاهد وهو الباعث لهم على العبادة والمحبة والخشية والإنابة وتفاوتهم فيه لا ينحصر طرفاه فكل منهم له مقام معلوم لا يتعداه وأعظم الناس حظا في ذلك معترف بأنه لا يحصي ثناء عليه سبحانه وأنه فوق ما يثني(3\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1214",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14211",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه المثنون وفوق ما يحمده الحامدون كما قيل: وما بلغ المهدون نحوك مدحة ... وإن أطنبوا إن الذي فيك أعظم لك الحمد كل الحمد لا مبدأ له ... ولا منتهى والله بالحمد أعلم وطهارة القلب ونزاهته من الأوصاف المذمومة والإرادات السفلية وخلوه وتفريغه من التعلق بغير الله سبحانه هو كرسي هذا الشاهد الذي يجلس عليه ومقعده الذي يتمكن فيه فحرام على قلب متلوث بالخبائث والأخلاق الرديئة والصفات الذميمة متعلق بالمرادات السافلة أن يقوم به هذا الشاهد وأن يكون من أهله. نزه فؤادك عن سوانا وائتنا ... فجنابنا حل لكل منزه والصبر طلسم لكنز لقائنا ... من حل ذا الطلسم فاز بكنزه إذا طلعت شمس التوحيد وباشرت جوانبها الأرواح ونورها البصائر تجلت بها ظلمات النفس والطبع وتحركت بها الأرواح في طلب من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فسافر القلب في بيداء الأمر ونزل منازل العبودية منزلا منزلا فهو ينتقل من عبادة إلى عبادة مقيم على معبود واحد فلا تزال شواهد الصفات قائمة بقلبه توقظه إذا رقد وتذكره إذا غفل وتحدو به إذا سار وتقيمه إذا قعد إن قام بقلبه شاهد من الربوبية والقيومية رأى أن الأمر كله لله ليس لأحد معه من الأمر شيء ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم - ياأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون - وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم - ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون - قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون - سيقولون لله قل أفلا تذكرون - قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم - سيقولون لله قل أفلا تتقون - قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون - سيقولون لله قل فأنى تسحرون [المؤمنون: 2 - 89] .(3\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1215",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14212",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن قام بقلبه شاهد من الإلهية: رأى في ذلك الشاهد الأمر والنهي والنبوات والكتب والشرائع والمحبة والرضا والكراهة والبغض والثواب والعقاب وشاهد الأمر نازلا ممن هو مستو على عرشه وأعمال العباد صاعدة إليه ومعروضة عليه يجزي بالإحسان منها في هذه الدار وفي العقبى نضرة وسرورا ويقدم إلى ما لم يكن عن أمره وشرعه منها فيجعله هباء منثورا. وإن قام بقلبه شاهد من الرحمة: رأى الوجود كله قائما بهذه الصفة قد وسع من هي صفته كل شيء رحمة وعلما وانتهت رحمته إلى حيث انتهى علمه فاستوى على عرشه برحمته لتسع كل شيء كما وسع عرشه كل شيء. وإن قام بقلبه شاهد العزة والكبرياء والعظمة والجبروت: فله شأن آخر. وهكذا جميع شواهد الصفات فما ذكرناه إنما هو أدنى تنبيه عليها فالكشف والعيان والمشاهدة لا تتجاوز الشواهد ألبتة فلنرجع إلى شرح كلامه. فقوله في الدرجة الثانية: إنها معاينة عين القلب وهي معرفة الشيء على نعته يريد به معرفته على نعته الذي هو عليه في الخارج من كل وجه فإن هذا ممتنع على معرفة ما في الآخرة من المخلوقات كما قال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء فكيف بمعرفة رب الأرض والسماء وإن غاية المعرفة: أن تتعلق به على نعته على وجه مجمل أو مفصل تفصيلا من بعض الوجوه. قوله: quot; علما يقطع الريبة ولا يشوبه حيرة quot; هذا حق فإن المعرفة متى شابها ريبة أو حيرة: لم تكن معرفة صحيحة كما أن رؤية العين لو شابها ذلك لم تكن رؤية تامة فالمعرفة: ما قطع الشك والريبة والوسواس. قوله: والمعاينة الثالثة: عين الروح وهي التي تعاين الحق عيانا محضا. إن أراد بالحق ضد الباطل أي: تعاين ما هو حق بحيث ينكشف لها كما ينكشف المرئي للبصر فصحيح وإن أراد بالحق الرب تبارك وتعالى فإن لم يحمل كلامه على قوة اليقين ومزيد الإيمان ونزول الروح في مقام الإحسان وإلا(3\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1216",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14213",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهو باطل فإن الرب تبارك وتعالى لا يعاينه في هذه الدار بصر ولا روح بل المثال العلمي: حظ الروح والقلب كما تقدم. قوله: والأرواح إنما طهرت وأكرمت بالبقاء لتعاين سنا الحضرة وتشاهد بهاء العزة وتجذب القلوب إلى فناء الحضرة. يعني: أن الأرواح خلقت للبقاء لا للفناء هذا هو الحق وما خالف فيه إلا شرذمة من الناس من أهل الإلحاد القائلين: إن الأرواح تفنى بفناء الأبدان لكونها قوة من قواها وعرضا من أعراضها. وهؤلاء قسمان أحدهما: منكر لمعاد الأبدان والثاني: من يقر بمعاد الأبدان ويقول: إن الله عز وجل يعيد قوى البدن وأعراضه ومنها: الروح فتفنى بفناء الأبدان فليس عند الطائفتين روح قائمة بنفسها تساكن البدن وتفارقه وتتصل به وتنفصل عنه. وأما الحق الذي اتفقت عليه الرسل وأتباعهم: فهو أن هذه الأرواح باقية بعد مفارقة أبدانها لا تفنى ولا تعدم وأنها منعمة أو معذبة في البرزخ فإذا كان يوم المعاد ردت إلى أبدانها فتنعم معها أو تعذب ولا تعدم ولا تفنى. فقوله: والأرواح إذا طهرت وأكرمت بالبقاء لتعاين سنا الحضرة يريد: الأرواح الطاهرة الزكية وفي نسخة: لتناغي سنا الحضرة والأول أظهر وألصق بالباب الذي ترجمه بباب المعاينة والمراد بالحضرة: الحضرة الإلهية وب quot; السنا quot; النور الذي يلمع قال الله تعالى: يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار [النور: 43] ومعاينة ذلك: إنما هو في الدار الآخرة والمعاين هاهنا: هو نور المعرفة والمثال العلمي. قوله: quot; ويشاهد بهاء العزة quot; البهاء في اللغة: الحسن قاله الجوهري يقال منه: بهي الرجل بالكسر وبهو أيضا. فهو بهي. والعزة يراد بها ثلاثة معان: عزة القوة وعزة الامتناع وعزة القهر والرب تبارك وتعالى له العزة التامة بالاعتبارات الثلاث ويقال من الأول: عز يعز بفتح العين في المستقبل ومن الثاني: عز يعز بكسرها ومن الثالث: عز يعز بضمها(3\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1217",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14214",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أعطوا أقوى الحركات لأقوى المعاني وأخفها لأخفها وأوسطها لأوسطها وهذه العزة مستلزمة للوحدانية إذ الشركة تنقص العزة ومستلزمة لصفات الكمال لأن الشركة تنافي كمال العزة ومستلزمة لنفي أضدادها ومستلزمة لنفي مماثلة غيره له في شيء منها. فالروح تعاين بقوة معرفتها وإيمانها بهاء العزة وجلالها وعظمتها وهذه المعاينة هي نتيجة العقيدة الصحيحة المطابقة للحق في نفس الأمر المتلقاة من مشكاة الوحي فلا يطمع فيها واقف مع أقيسة المتفلسفين وجدل المتكلمين وخيالات المتصوفين. قوله: وتجذب القلوب إلى فناء الحضرة هو بكسر الفاء أي: جانب الحضرة يعني: أن الأرواح لقوة طلبها وشدة شوقها تسوق القلوب وتجذبها إلى هناك فإن طلب الروح وسيرها أقوى من طلب القلب وسيره كما كانت معاينتها أتم من معاينته. وبالجملة: فأحكام الروح عندهم فوق أحكام القلب وأخص منها. والمقصود: أن الروح متى عاينت الحق جذبت القوى كلها والقلب إلى حضرته فينقاد معها انقيادا بلا استعصاء بخلاف جذب القلب فإن الجوارح قد تستعصي عليه بعض الاستعصاء وتأبى شيئا من الإباء وأما جذب الروح: فلا استعصاء معه ولا إباء وبالله التوفيق.  [فصل الحياة] [حقيقة الحياة] فصل الحياة قال صاحب المنازل: (باب الحياة) قال الله تعالى: أومن كان ميتا فأحييناه [الأنعام: 122] . استشهاده بهذه الآية في هذا الباب ظاهر جدا فإن المراد بها: من كان ميت القلب بعدم روح العلم والهدى والإيمان فأحياه الرب تعالى بروح أخرى غير الروح التي أحيا بها بدنه وهي روح معرفته وتوحيده ومحبته وعبادته وحده لا شريك له إذ لا حياة للروح إلا بذلك وإلا فهي في جملة الأموات ولهذا وصف الله تعالى من عدم ذلك بالموت فقال: أومن كان ميتا فأحييناه [الأنعام: 122]  وقال تعالى: إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء [النمل: 80](3\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1218",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14215",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسمي وحيه روحا لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح فقال تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا [الشورى: 52] فأخبر أنه روح تحصل به الحياة وأنه نور تحصل به الإضاءة وقال تعالى: ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون [النحل: 2]  وقال تعالى: رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق [غافر: 15] فالوحي حياة الروح كما أن الروح حياة البدن ولهذا من فقد هذه الروح فقد فقد الحياة النافعة في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فحياته حياة البهائم وله المعيشة الضنك وأما في الآخرة فله جهنم لا يموت فيها ولا يحيا. وقد جعل الله الحياة الطيبة لأهل معرفته ومحبته وعبادته فقال تعالى: من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [النحل: 97] وقد فسرت الحياة الطيبة بالقناعة والرضا والرزق الحسن وغير ذلك والصواب: أنها حياة القلب ونعيمه وبهجته وسروره بالإيمان ومعرفة الله ومحبته والإنابة إليه والتوكل عليه فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها ولا نعيم فوق نعيمه إلا نعيم الجنة كما كان بعض العارفين يقول: إنه لتمر بي أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب وقال غيره: إنه ليمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربا. وإذا كانت حياة القلب حياة طيبة تبعته حياة الجوارح فإنه ملكها ولهذا جعل الله المعيشة الضنك لمن أعرض عن ذكره وهي عكس الحياة الطيبة. وهذه الحياة الطيبة تكون في الدور الثلاث أعني: دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار والمعيشة الضنك أيضا تكون في الدور الثلاث فالأبرار في النعيم هنا وهنالك والفجار في الجحيم هنا وهنالك قال الله تعالى: للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير [النحل: 30]  وقال تعالى: وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله [هود: 3](3\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1219",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14216",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فذكر الله سبحانه وتعالى ومحبته وطاعته والإقبال عليه ضامن لأطيب الحياة في الدنيا والآخرة والإعراض عنه والغفلة ومعصيته كفيل بالحياة المنغصة والمعيشة الضنك في الدنيا والآخرة.  [الحياة المقصودة هنا ثلاثة أشياء] [فصل الحياة الأولى حياة العلم من موت الجهل وهي عشر مراتب] فصل قال صاحب المنازل: الحياة في هذا الباب: يشار بها إلى ثلاثة أشياء الحياة الأولى: حياة العلم من موت الجهل ولها ثلاثة أنفاس: نفس الخوف ونفس الرجاء ونفس المحبة. قوله quot; الحياة في هذا الباب quot; يريد: الحياة الخاصة التي يتكلم عليها القوم دون الحياة العامة المشتركة بين الحيوان كله بل بين الحيوان والنبات وللحياة مراتب ونحن نشير إليها. المرتبة الأولى: حياة الأرض بالنبات قال تعالى: والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون [النحل: 65]  وقال في الماء: وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج [ق: 11]  وقال: وأنزلنا من السماء ماء طهورا لنحيي به بلدة ميتا [الفرقان: 48] وجعل هذه الحياة دليلا على الحياة يوم المعاد وهذه حياة حقيقة في هذه المرتبة مستعملة في كل لغة جارية على ألسن الخاصة والعامة قال الشاعر يمدح عبد المطلب: بشيبة الحمد أحيا الله بلدتنا ... لما فقدنا الحيا واجلوز المطر وهذا أكثر من أن نذكر شواهده.  المرتبة الثانية: حياة النمو والاغتذاء. وهذه الحياة مشتركة بين النبات والحيوان الذي يعيش بالغذاء قال الله تعالى: وجعلنا من الماء كل شيء حي [الأنبياء: 30] .(3\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1220",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14217",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد اختلف الفقهاء في الشعور: هل تحلها الحياة على قولين والصواب: أنها تحلها حياة النمو والغذاء دون الحس والحركة ولهذا لا تنجس بالموت إذ لو أوجب لها فراق النمو والاغتذاء النجاسة لنجس الزرع والشجر لمفارقته هذه الحياة له ولهذا كان الجمهور على أن الشعور لا تنجس بالموت.  المرتبة الثالثة: حياة الحيوان المتغذي بقدر زائد على نموه واغتذائه وهي إحساسه وحركته ولهذا يألم بورود الكيفيات المؤلمة عليه وبتفرق الاتصال ونحو ذلك وهذه الحياة فوق حياة النبات وهذه الحياة تقوى وتضعف في الحيوان الواحد بحسب أحواله فحياته بعد الولادة: أكمل منها وهو جنين في بطن أمه وحياته وهو صحيح معافى أكمل منها وهو سقيم عليل. فنفس هذه الحياة تتفاوت تفاوتا عظيما في محالها فحياة الحية أكمل من حياة البعوضة ومن قال غير هذا فقد كابر الحس والعقل.  المرتبة الرابعة: حياة الحيوان الذي لا يتغذى بالطعام والشراب كحياة الملائكة وحياة الأرواح بعد مفارقتها لأبدانها فإن حياتها أكمل من حياة الحيوان المتغذي ولهذا لا يلحقها كلال ولا فتور ولا نوم ولا إعياء قال تعالى: يسبحون الليل والنهار لا يفترون [الأنبياء: 20] وكذلك الأرواح إذا تخلصت من هذه الأبدان وتجردت: صار لها حياة أخرى أكمل من هذه إن كانت سعيدة وإن كانت شقية كانت عاملة ناصبة في العذاب.  المرتبة الخامسة: الحياة التي أشار إليها المصنف وهي حياة العلم من موت الجهل فإن الجهل موت لأصحابه كما قيل: وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... وأجسامهم قبل القبور قبور وأرواحهم في وحشة من جسومهم ... فليس لهم حتى النشور نشور فإن الجاهل ميت القلب والروح وإن كان حي البدن فجسده قبر يمشي به على وجه الأرض قال الله تعالى: أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها [الأنعام: 122]  وقال تعالى: إن هو إلا ذكر وقرآن مبين - لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين [يس: 69 - 70]  وقال تعالى::(3\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1221",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14218",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء [النمل: 80]  وقال تعالى: إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور [فاطر: 22] وشبههم في موت قلوبهم بأهل القبور فإنهم قد ماتت أرواحهم وصارت أجسامهم قبورا لها فكما أنه لا يسمع أصحاب القبور كذلك لا يسمع هؤلاء وإذا كانت الحياة هي الحس والحركة وملزومهما فهذه القلوب لما لم تحس بالعلم والإيمان ولم تتحرك له: كانت ميتة حقيقة وليس هذا تشبيها لموتها بموت البدن بل ذلك موت القلب والروح. وقد ذكر الإمام أحمد في كتاب الزهد من كلام لقمان أنه قال لابنه: يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل القطر وقال معاذ بن جبل تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية وطلبه عبادة ومذاكرته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة وبذله لأهله قربة لأنه معالم الحلال والحرام ومنار سبل أهل الجنة وهو الأنيس في الوحشة والصاحب في الغربة والمحدث في الخلوة والدليل على السراء والضراء والسلاح على الأعداء والزين عند الأخلاء يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة وأئمة تقتص آثارهم ويقتدى بأفعالهم وينتهى إلى رأيهم ترغب الملائكة في خلتهم وبأجنحتها تمسحهم يستغفر لهم كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوامه وسباع البر وأنعامه لأن العلم حياة القلوب من الجهل ومصابيح الأبصار من الظلم يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار والدرجات العلى في الدنيا والآخرة التفكر فيه يعدل الصيام ومدارسته تعدل القيام به توصل الأرحام وبه يعرف الحلال من الحرام وهو إمام العمل والعمل تابع له يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء. رواه الطبراني وابن عبد البر وغيرهما وقد روي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم والوقف أصح.(3\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1222",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14219",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمقصود: قوله لأن العلم حياة القلوب من الجهل فالقلب ميت وحياته بالعلم والإيمان.  فصل المرتبة السادسة: حياة الإرادة والهمة. وضعف الإرادة والطلب: من ضعف حياة القلب وكلما كان القلب أتم حياة كانت همته أعلى وإرادته ومحبته أقوى فإن الإرادة والمحبة تتبع الشعور بالمراد المحبوب وسلامة القلب من الآفة التي تحول بينه وبين طلبه وإرادته فضعف الطلب وفتور الهمة إما من نقصان الشعور والإحسان وإما من وجود الآفة المضعفة للحياة فقوة الشعور وقوة الإرادة دليل على قوة الحياة وضعفها دليل على ضعفها وكما أن علو الهمة وصدق الإرادة والطلب من كمال الحياة: فهو سبب إلى حصول أكمل الحياة وأطيبها فإن الحياة الطيبة إنما تنال بالهمة العالية والمحبة الصادقة والإرادة الخالصة فعلى قدر ذلك تكون الحياة الطيبة وأخس الناس حياة أخسهم همة وأضعفهم محبة وطلبا وحياة البهائم خير من حياته. كما قيل: نهارك يا مغرور سهو وغفلة ... وليلك نوم والردى لك لازم وتكدح فيما سوف تنكر غبه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم تسر بما يفنى وتفرح بالمنى ... كما غر باللذات في النوم حالم والمقصود: أن حياة القلب بالعلم والإرادة والهمة والناس إذا شاهدوا ذلك من الرجل قالوا: هو حي القلب وحياة القلب بدوام الذكر وترك الذنوب كما قال عبد الله بن المبارك. رحمه الله: رأيت الذنوب تميت القلوب ... وقد يورث الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها(3\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1223",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14220",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهل أفسد الدين إلا الملو ك وأحبار سوء ورهبانها ... وباعوا النفوس ولم يربحوا ولم يغل في البيع أثمانها ... فقد رتع القوم في جيفة يبين لذي اللب خسرانها وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: من واظب على quot; يا حي يا قيوم. لا إله إلا أنت quot; كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الفجر أربعين مرة أحيى الله بها قلبه. وكما أن الله سبحانه جعل حياة البدن بالطعام والشراب فحياة القلب بدوام الذكر والإنابة إلى الله وترك الذنوب والغفلة الجاثمة على القلب والتعلق بالرذائل والشهوات المنقطعة عن قريب يضعف هذه الحياة ولا يزال الضعف يتوالى عليه حتى يموت وعلامة موته: أنه لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا كما قال عبد الله بن مسعود أتدرون من ميت القلب الذي قيل فيه: ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء قالوا: ومن هو قال: الذي لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا. والرجل: هو الذي يخاف موت قلبه لا موت بدنه إذ أكثر هؤلاء الخلق يخافون موت أبدانهم ولا يبالون بموت قلوبهم ولا يعرفون من الحياة إلا الحياة الطبيعية وذلك من موت القلب والروح فإن هذه الحياة الطبيعية شبيهة بالظل الزائل والنبات السريع الجفاف والمنام الذي يخيل كأنه حقيقة فإذا استيقظ عرف أنه كان خيالا كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو أن الحياة الدنيا من أولها إلى آخرها أوتيها رجل واحد ثم جاءه الموت: لكان بمنزلة من رأى في منامه ما يسره ثم استيقظ فإذا ليس في يده شيء. وقد قيل: إن الموت موتان: موت إرادي وموت طبيعي فمن أمات نفسه موتا إراديا كان موته الطبيعي حياة له ومعنى هذا أن الموت الإرادي: هو قمع الشهوات المردية وإخماد نيرانها المحرقة وتسكين هوائجها المتلفة فحينئذ يتفرغ القلب والروح للتفكر فيما فيه كمال العبد ومعرفته والاشتغال به. ويرى حينئذ أن إيثار الظل الزائل عن قريب على العيش اللذيذ الدائم أخسر الخسران فأما إذا كانت الشهوات وافدة واللذات مؤثرة والعوائد غالبة والطبيعة حاكمة فالقلب حينئذ إما أن يكون أسيرا ذليلا أو مهزوما مخرجا عن وطنه ومستقره الذي لا قرار له إلا فيه أو قتيلا ميتا وما لجرح به إيلام وأحسن أحواله: أن يكون في(3\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1224",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14221",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حرب يدال له فيها مرة ويدال عليه مرة فإذا مات العبد موته الطبيعي كانت بعده حياة روحه بتلك العلوم النافعة والأعمال الصالحة والأحوال الفاضلة التي حصلت له بإماتة نفسه فتكون حياته هاهنا على حسب موته الإرادي في هذه الدار. وهذا موضع لا يفهمه إلا ألباء الناس وعقلاؤهم ولا يعمل بمقتضاه إلا أهل الهمم العلية والنفوس الزكية الأبية.  فصل المرتبة السابعة من مراتب الحياة: حياة الأخلاق والصفات المحمودة التي هي حياة راسخة للموصوف بها فهو لا يتكلف الترقي في درجات الكمال ولا يشق عليه لاقتضاء أخلاقه وصفاته لذلك بحيث لو فارقه ذلك لفارق ما هو من طبيعته وسجيته فحياة من قد طبع على الحياء والعفة والجود والسخاء والمروءة والصدق والوفاء ونحوها أتم من حياة من يقهر نفسه ويغالب طبعه حتى يكون كذلك فإن هذا بمنزلة من تعارضه أسباب الداء وهو يعالجها ويقهرها بأضدادها وذلك بمنزلة من قد عوفي من ذلك. وكلما كانت هذه الأخلاق في صاحبها أكمل كانت حياته أقوى وأتم ولهذا كان خلق الحياء مشتقا من الحياة اسما وحقيقة فأكمل الناس حياة: أكملهم حياء ونقصان حياء المرء من نقصان حياته فإن الروح إذا ماتت لم تحس بما يؤلمها من القبائح فلا تستحي منها فإذا كانت صحيحة الحياة أحست بذلك فاستحيت منه وكذلك سائر الأخلاق الفاضلة والصفات الممدوحة تابعة لقوة الحياة وضدها من نقصان الحياة ولهذا كانت حياة الشجاع أكمل من حياة الجبان وحياة السخي أكمل من حياة البخيل وحياة الفطن الذكي أكمل من حياة الفدم البليد ولهذا لما كان الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أكمل الناس حياة حتى إن قوة حياتهم تمنع الأرض أن تبلي أجسامهم كانوا أكمل الناس في هذه الأخلاق ثم الأمثل فالأمثل من أتباعهم. فانظر الآن إلى حياة حلاف مهين هماز مشاء بنميم [القلم: 10]  مناع للخير معتد أثيم [القلم: 12]  عتل بعد ذلك زنيم [القلم: 13]  وحياة جواد شجاع بر عادل عفيف محسن تجد الأول ميتا بالنسبة إلى الثاني ولله در القائل: وما للمرء خير في حياة ... إذا ما عد من سقط المتاع(3\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1225",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14222",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل المرتبة الثامنة من مراتب الحياة: حياة الفرح والسرور وقرة العين بالله وهذه الحياة إنما تكون بعد الظفر بالمطلوب الذي تقر به عين طالبه فلا حياة نافعة له بدونه وحول هذه الحياة يدندن الناس كلهم وكلهم قد أخطأ طريقها وسلك طرقا لا تفضي إليها بل تقطعه عنها إلا أقل القليل. فدار طلب الكل حول هذه الحياة وحرمها أكثرهم. وسبب حرمانهم إياها: ضعف العقل والتمييز والبصيرة وضعف الهمة والإرادة فإن مادتها بصيرة وقادة وهمة نقادة والبصيرة كالبصر تكون عمى وعورا وعمشا ورمدا وتامة النور والضياء وهذه الآفات قد تكون لها بالخلقة في الأصل وقد تحدث فيها بالعوارض الكسبية. والمقصود: أن هذه المرتبة من مراتب الحياة هي أعلى مراتبها ولكن كيف يصل إليها من عقله مسبي في بلاد الشهوات وأمله موقوف على اجتناء اللذات وسيرته جارية على أسوأ العادات ودينه مستهلك بالمعاصي والمخالفات وهمته واقفة مع السفليات وعقيدته غير متلقاة من مشكاة النبوات ! فهو في الشهوات منغمس وفي الشبهات منتكس وعن الناصح معرض وعلى المرشد معترض وعن السراء نائم وقلبه في كل واد هائم فلو أنه تجرد من نفسه ورغب عن مشاركة أبناء جنسه وخرج من ضيق الجهل إلى فضاء العلم ومن سجن الهوى إلى ساحة الهدى ومن نجاسة النفس إلى طهارة القدس لرأى الإلف الذي نشأ بنشأته وزاد بزيادته وقوي بقوته وشرف عند نفسه وأبناء جنسه بحصوله وسد قذى في عين بصيرته وشجا في حلق إيمانه ومرضا متراميا إلى هلاكه فإن قلت: قد أشرت إلى حياة غير معهودة بين أموات الأحياء فهل يمكنك وصف طريقها لأصل إلى شيء من أذواقها فقد بان لي أن ما نحن فيه من الحياة حياة بهيمية ربما زادت علينا فيه البهائم بخلوها عن المنكرات والمنغصات وسلامة العاقبة قلت: لعمر الله إن اشتياقك إلى هذه الحياة وطلب علمها ومعرفتها: لدليل(3\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1226",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14223",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على حياتك وأنك لست من جملة الأموات. فأول طريقها: أن تعرف الله وتهتدي إليه طريقا يوصلك إليه ويحرق ظلمات الطبع بأشعة البصيرة فيقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة فينجذب إليها بكليته ويزهد في التعلقات الفانية ويدأب في تصحيح التوبة والقيام بالمأمورات الظاهرة والباطنة وترك المنهيات الظاهرة والباطنة ثم يقوم حارسا على قلبه فلا يسامحه بخطرة يكرهها الله ولا بخطرة فضول لا تنفعه فيصفو بذلك قلبه عن حديث النفس ووسواسها فيفدى من أسرها ويصير طليقا فحينئذ يخلو قلبه بذكر ربه ومحبته والإنابة إليه ويخرج من بين بيوت طبعه ونفسه إلى فضاء الخلوة بربه وذكره كما قيل: وأخرج من بين البيوت لعلني ... أحدث عنك النفس في السر خاليا فحينئذ يجتمع قلبه وخواطره وحديث نفسه على إرادة ربه وطلبه والشوق إليه. فإذا صدق في ذلك رزق محبة الرسول صلى الله عليه وسلم واستولت روحانيته على قلبه فجعله إمامه ومعلمه وأستاذه وشيخه وقدوته كما جعله الله نبيه ورسوله وهاديا إليه فيطالع سيرته ومبادئ أمره وكيفية نزول الوحي عليه ويعرف صفاته وأخلاقه وآدابه في حركاته وسكونه ويقظته ومنامه وعبادته ومعاشرته لأهله وأصحابه حتى يصير كأنه معه من بعض أصحابه. فإذا رسخ قلبه في ذلك: فتح عليه بفهم الوحي المنزل عليه من ربه بحيث لو قرأ السورة شاهد قلبه ما أنزلت فيه وما أريد بها وحظه المختص به منها من الصفات والأخلاق والأفعال المذمومة فيجتهد في التخلص منها كما يجتهد في الشفاء من المرض المخوف وشاهد حظه من الصفات والأفعال الممدوحة فيجتهد في تكميلها وإتمامها. فإذا تمكن من ذلك انفتح في قلبه عين أخرى يشاهد بها صفات الرب جل جلاله حتى تصير لقلبه بمنزلة المرئي لعينه فيشهد علو الرب سبحانه فوق خلقه واستواءه على عرشه ونزول الأمر من عنده بتدبير مملكته وتكليمه بالوحي وتكليمه لعبده جبريل به وإرساله إلى من يشاء بما يشاء وصعود الأمور إليه وعرضها عليه. فيشاهد قلبه ربا قاهرا فوق عباده آمرا ناهيا باعثا لرسله منزلا لكتبه معبودا(3\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1227",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14224",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مطاعا لا شريك له ولا مثيل ولا عدل له ليس لأحد معه من الأمر شيء بل الأمر كله له فيشهد ربه سبحانه قائما بالملك والتدبير فلا حركة ولا سكون ولا نفع ولا ضر ولا عطاء ولا منع ولا قبض ولا بسط إلا بقدرته وتدبيره فيشهد قيام الكون كله به وقيامه سبحانه بنفسه فهو القائم بنفسه المقيم لكل ما سواه. فإذا رسخ قلبه في ذلك شهد الصفة المصححة لجميع صفات الكمال وهي الحياة التي كمالها يستلزم كمال السمع والبصر والقدرة والإرادة والكلام وسائر صفات الكمال وصفة القيومية الصحيحة المصححة لجميع الأفعال فالحي القيوم: من له كل صفة كمال وهو الفعال لما يريد. فإذا رسخ قلبه في ذلك: فتح له مشهد القرب والمعية فيشهده سبحانه معه غير غائب عنه قريبا غير بعيد مع كونه فوق سماواته على عرشه بائنا من خلقه قائما بالصنع والتدبير والخلق والأمر فيحصل له مع التعظيم والإجلال الأنس بهذه الصفة فيأنس به بعد أن كان مستوحشا ويقوى به بعد أن كان ضعيفا ويفرح به بعد أن كان حزينا ويجد بعد أن كان فاقدا فحينئذ يجد طعم قوله: quot; ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه . فأطيب الحياة على الإطلاق حياة هذا العبد فإنه محب محبوب متقرب إلى ربه وربه قريب منه قد صار له حبيبه لفرط استيلائه على قلبه ولهجه بذكره وعكوف همته على مرضاته بمنزلة سمعه وبصره ويده ورجله وهذه آلات إدراكه وعمله وسعيه فإن سمع سمع بحبيبه وإن أبصر أبصر به وإن بطش بطش به وإن مشى مشى به. فإن صعب عليك فهم هذا المعنى وكون المحب الكامل المحبة يسمع ويبصر ويبطش ويمشي بمحبوبه وذاته غائبة عنه فاضرب عنه صفحا وخل هذا الشأن لأهله. خل الهوى لأناس يعرفون به ... قد كابدوا الحب حتى لان أصعبه فإن السالك إلى ربه لا تزال همته عاكفة على أمرين استفراغ القلب في صدق(3\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1228",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14225",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحب وبذل الجهد في امتثال الأمر فلا يزال كذلك حتى يبدو على سره شواهد معرفته وآثار صفاته وأسمائه ولكن يتوارى عنه ذلك أحيانا ويبدو أحيانا يبدو من عين الجود ويتوارى بحكم الفترة والفترات أمر لازم للعبد فكل عامل له شرة ولكل شرة فترة فأعلاها فترة الوحي وهي للأنبياء وفترة الحال الخاص للعارفين وفترة الهمة للمريدين وفترة العمل للعابدين وفي هذه الفترات أنواع من الحكمة والرحمة والتعرفات الإلهية وتعريف قدر النعمة وتجديد الشوق إليها ومحض التواجد إليها وغير ذلك. ولا تزال تلك الشواهد تتكرر وتتزايد حتى تستقر وينصبغ بها قلبه وتصير الفترة غير قاطعة له بل تكون نعمة عليه وراحة له وترويحا وتنفيسا عنه. فهمة المحب إذا تعلقت روحه بحبيبه عاكفا على مزيد محبته وأسباب قوتها فهو يعمل على هذا ثم يترقى منه إلى طلب محبة حبيبه له فيعمل على حصول ذلك ولا يعدم الطلب الأول ولا يفارقه ألبتة بل يندرج في هذا الطلب الثاني فتتعلق همته بالأمرين جميعا فإنه إنما يحصل له منزلة quot; كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به quot; بهذا الأمر الثاني وهو كونه محبوبا لحبيبه كما قال في الحديث فإذا أحببته كنت سمعه وبصره إلخ فهو يتقرب إلى ربه حفظا لمحبته له واستدعاء لمحبة ربه له. فحينئذ يشد مئزر الجد في طلب محبة حبيبه له بأنواع التقرب إليه فقلبه للمحبة والإنابة والتوكل والخوف والرجاء ولسانه للذكر وتلاوة كلام حبيبه وجوارحه: للطاعات فهو لا يفتر عن التقرب من حبيبه. وهذا هو السير المفضي إلى هذه الغاية التي لا تنال إلا به ولا يتوصل إليها إلا من هذا الباب وهذه الطريق وحينئذ تجمع له في سيره جميع متفرقات السلوك من الحضور والهيبة والمراقبة ونفي الخواطر وتخلية الباطن. فإن المحب يشرع أولا في التقربات بالأعمال الظاهرة وهي ظاهر التقرب ثم يترقى من ذلك إلى حال التقرب وهو الانجذاب إلى حبيبه بكليته بروحه وقلبه وعقله وبدنه ثم يترقى من ذلك إلى حال الإحسان فيعبد الله كأنه يراه فيتقرب إليه حينئذ من باطنه بأعمال القلوب من المحبة والإنابة والتعظيم والإجلال والخشية فينبعث حينئذ من باطنه الجود ببذل الروح والجود في محبة حبيبه بلا تكلف فيجود بروحه ونفسه وأنفاسه وإرادته وأعماله لحبيبه حالا لا تكلفا فإذا وجد المحب(3\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1229",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14226",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك فقد ظفر بحال التقرب وسره وباطنه وإن لم يجده فهو يتقرب بلسانه وبدنه وظاهره فقط فليدم على ذلك وليتكلف التقرب بالأذكار والأعمال على الدوام فعساه أن يحظى بحال القرب. ووراء هذا القرب الباطن أمر آخر أيضا وهو شيء لا يعبر عنه بأحسن من عبارة أقرب الخلق إلى الله صلى الله عليه وسلم عن هذا المعنى حيث يقول حاكيا عن ربه تبارك وتعالى: من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة فيجد هذا المحب في باطنه ذوق معنى هذا الحديث ذوقا حقيقيا. فذكر من مراتب القرب ثلاثة ونبه بها على ما دونها وما فوقها. فذكر تقرب العبد إليه بالبر وتقربه سبحانه إلى العبد ذراعا فإذا ذاق العبد حقيقة هذا التقرب انتقل منه إلى تقرب الذراع فيجد ذوق تقرب الرب إليه باعا. فإذا ذاق حلاوة هذا القرب الثاني أسرع المشي حينئذ إلى ربه فيذوق حلاوة إتيانه إليه هرولة وهاهنا منتهى الحديث منبها على أنه إذا هرول عبده إليه كان قرب حبيبه منه فوق هرولة العبد إليه فإما أن يكون قد أمسك عن ذلك لعظيم شاهد الجزاء أو لأنه يدخل في الجزاء الذي لم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر أو إحالة له على المراتب المتقدمة فكأنه قيل له وقس على هذا فعلى قدر ما تبذل منك متقربا إلى ربك يتقرب إليك بأكثر منه وعلى هذا فلازم هذا التقرب المذكور في مراتبه أي من تقرب إلى حبيبه بروحه وجميع قواه وإرادته وأقواله وأعماله تقرب الرب منه سبحانه بنفسه في مقابلة تقرب عبده إليه.(3\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1230",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14227",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وليس القرب في هذه المراتب كلها قرب مسافة حسية ولا مماسة بل هو قرب حقيقي والرب تعالى فوق سماواته على عرشه والعبد في الأرض. وهذا الموضع هو سر السلوك وحقيقة العبودية وهو معنى الوصول الذي يدندن حوله القوم. وملاك هذا الأمر هو قصد التقرب أولا ثم التقرب ثانيا ثم حال القرب ثالثا وهو الانبعاث بالكلية إلى الحبيب. وحقيقة هذا الانبعاث: أن تفنى بمراده عن هواك وبما منه عن حظك بل يصير ذلك هو مجموع حظك ومرادك وقد عرفت أن من تقرب إلى حبيبه بشيء من الأشياء جوزي على ذلك بقرب هو أضعافه وعرفت أن أعلى أنواع التقرب تقرب العبد بجملته بظاهره وباطنه وبوجوده إلى حبيبه فمن فعل ذلك فقد تقرب بكله ولم تبق منه بقية لغير حبيبه كما قيل: لا كان من لسواك فيه بقية ... يجد السبيل بها إليه العذل وإذا كان المتقرب إليه بالأعمال يعطي أضعاف أضعاف ما تقرب به فما الظن بمن أعطي حال التقرب وذوقه ووجده فما الظن بمن تقرب إليه بروحه وجميع إرادته وهمته وأقواله وأعماله وعلى هذا فكما جاد لحبيبه بنفسه فإنه أهل أن يجاد عليه بأن يكون ربه سبحانه هو حظه ونصيبه عوضا عن كل شيء جزاء وفاقا فإن الجزاء من جنس العمل. وشواهد هذا كثيرة. منها: قوله تعالى: ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه [الطلاق: 2] ففرق بين الجزاءين كما ترى وجعل جزاء المتوكل عليه كونه سبحانه حسبه وكافيه. ومنها: أن الشهيد لما بذل حياته لله أعاضه الله سبحانه حياة أكمل منها عنده في محل قربه وكرامته. ومنها: أن من بذل لله شيئا أعاضه الله خيرا منه.(3\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1231",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14228",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنها: قوله تعالى فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون [البقرة: 152] . ومنها: قوله في الحديث القدسي من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه . ومنها: قوله من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا الحديث. فالعبد لا يزال رابحا على ربه أفضل مما قدم له وهذا المتقرب بقلبه وروحه وعمله يفتح عليه ربه بحياة لا تشبه ما الناس فيه من أنواع الحياة بل حياة من ليس كذلك بالنسبة إلى حياته كحياة الجنين في بطن أمه بالنسبة إلى حياة أهل الدنيا ولذتهم فيها بل أعظم من ذلك. فهذا نموذج من باين شرف هذه الحياة وفضلها وإن كان علم هذا يوجب لصاحبه حياة طيبة فكيف إن انصبغ القلب به وصار حالا ملازما لذاته فالله المستعان. فهذه الحياة: هي حياة الدنيا ونعيمها في الحقيقة فمن فقدها ففقده لحياته الطبيعية أولى به. هذي حياة الفتى فإن فقدت ... ففقده للحياة أليق به فلا عيش إلا عيش المحبين الذين قرت أعينهم بحبيبهم وسكنت نفوسهم إليه واطمأنت قلوبهم به واستأنسوا بقربه وتنعموا بحبه ففي القلب فاقة لا يسدها إلا محبة الله والإقبال عليه والإنابة إليه ولا يلم شعثه بغير ذلك ألبتة ومن لم يظفر بذلك: فحياته كلها هموم وغموم وآلام وحسرات فإنه إن كان ذا همة عالية تقطعت نفسه على الدنيا حسرات فإن همته لا ترضى فيها بالدون وإن كان مهينا خسيسا فعيشه كعيش أخس الحيوانات فلا تقر العيون إلا بمحبة الحبيب الأول. نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل فصل المرتبة التاسعة من مراتب الحياة: حياة الأرواح بعد مفارقتها الأبدان وخلاصها(3\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1232",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14229",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من هذا السجن وضيقه فإن من ورائه فضاء وروحا وريحانا وراحة نسبة هذه الدار إليه كنسبة بطن الأم إلى هذه الدار أو أدنى من ذلك قال بعض العارفين: لتكن مبادرتك إلى الخروج من الدنيا كمبادرتك إلى الخروج من السجن الضيق إلى أحبتك والاجتماع بهم في البساتين المونقة. قال الله تعالى في هذه الحياة: فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم [الواقعة: 88] . ويكفي في طيب هذه الحياة: مرافقة الرفيق الأعلى ومفارقة الرفيق المؤذي المنكد الذي تنغص رؤيته ومشاهدته الحياة فضلا عن مخالطته وعشرته إلى الرفيق الأعلى الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا في جوار الرب الرحمن الرحيم. قد قلت إذ مدحوا الحياة فأسرفوا ... في الموت ألف فضيلة لا تعرف منها أمان لقائه بلقائه ... وفراق كل معاشر لا ينصف ولو لم يكن في الموت من الخير إلا أنه باب الدخول إلى هذه الحياة وجسر يعبر منه إليها: لكفى به تحفة للمؤمن. جزى الله عنا الموت خيرا فإنه ... أبر بنا من كل بر وألطف يعجل تخليص النفوس من الأذى ... ويدني إلى الدار التي هي أشرف فالاجتهاد في هذا العمر القصير والمدة القليلة والسعي والكدح وتحمل الأثقال والتعب والمشقة إنما هو لهذه الحياة والعلوم والأعمال وسيلة إليها وهي يقظة وما قبلها من الحياة نوم وهي عين وما قبلها أثر وهي حياة جامعة بين فقد المكروه وحصول المحبوب في مقام الأنس وحضرة القدس حيث لا يتعذر مطلوب ولا يفقد محبوب حيث الطمأنينة والراحة والبهجة والسرور حيث لا عبارة للعبد عن حقيقة كنهها لأنها في بلد لا عهد لنا به ولا إلف بيننا وبين ساكنه فالنفس لإلفها لهذا السجن الضيق النكد زمانا طويلا تكره الانتقال منه إلى ذلك البلد وتستوحش إذا استشعرت مفارقته. وحصول العلم بهذه الحياة إنما وصل إلينا بخبر إلهي على يد أكمل الخلق وأعلمهم وأنصحهم صلى الله عليه وسلم فقامت شواهدها في قلوب أهل الإيمان حتى صارت لهم بمنزلة العيان ففرت نفوسهم من هذا الظل الزائل والخيال المضمحل والعيش(3\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1233",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14230",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفاني المشوب بالتنغيص وأنواع الغصص رغبة عن هذه الحياة وشوقا إلى ذلك الملكوت ووجدا بهذا السرور وطربا على هذا الحد واشتياقا لهذا النسيم الوارد من محل النعيم المقيم. ولعمر الله إن من سافر إلى بلد العدل والخصب والأمن والسرور صبر في طريقه على كل مشقة وإعواز وجدب وفارق المتخلفين أحوج ما كان إليهم وأجاب المنادي إذا نادى به حي على الفلاح وبذل نفسه في الوصول بذل المحب بالرضا والسماح وواصل السير بالغدو والرواح فحمد عند الوصول مسراه وإنما يحمد المسافر السرى عند الصباح. عند الصباح يحمد القوم السرى ... وفي الممات يحمد القوم اللقا وما هذا والله بالصعب ولا بالشديد مع هذا العمر القصير الذي هو بالنسبة إلى تلك الدار كساعة من نهار كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار [الأحقاف: 35]  ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم [يونس: 45]  كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها [النازعات: 46]  ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة [الروم: 55]  قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين - قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين - قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون [المؤمنون: 112 - 114] فلو أن أحدنا يجر على وجهه يتقي به الشوك والحجارة إلى هذه الحياة لم يكن ذلك كثيرا ولا غبنا في جنب ما يوقاه. فواحسرتاه على بصيرة شاهدت هاتين الحياتين على ما هما عليه وعلى همة تؤثر الأدنى على الأعلى وما ذاك إلا بتوفيق من أزمة الأمور بيديه ومنه ابتداء كل شيء وانتهاؤه إليه أقعد نفوس من غلبت عليهم الشقاوة عن السفر إلى هذه الدار وجذب قلوب من سبقت لهم منه الحسنى وأقامهم في الطريق وسهل عليهم ركوب الأخطار فأضاع أولئك مراحل أعمارهم مع المتخلفين وقطع هؤلاء مراحل أعمارهم مع السائرين وعقدت الغبرة وثار العجاج فتوارى عنه السائرون والمتخلفون.(3\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1234",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14231",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسينجلي عن قريب فيفوز العاملون ويخسر المبطلون. ومن طيب هذه الحياة ولذتها: قال النبي صلى الله عليه وسلم ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرها أن ترجع إلى الدنيا وأن لها الدنيا وما فيها إلا الشهيد فإنه يتمنى الرجوع إلى الدنيا لما يرى من كرامة الله له يعني ليقتل فيه مرة أخرى. وسمع بعض العارفين منشدا ينشد: إنما العيش في بهيمية الل ... ذة وهو ما يقوله الفلسفي حكم كأس المنون أن يتساوى ... في حساها البليد والألمعي ويصير الغبي تحت ثرى الأر ... ض كما صار تحتها اللوذعي فسل الأرض عنهما إن أزال الش ... ك والشبهة السؤال الجلي فقال: قاتله الله ما أشد معاندته للدين والعقل! هذا نفس عدو الفطرة والشريعة والعقل والإيمان والحكمة يا مسكين أمن أجل أن الموت تساوى فيه الصالح والطالح والعالم والجاهل وصاروا جميعا تحت أطباق الثرى أيجب أن يتساووا في العاقبة أما تساوى قوم سافروا من بلد إلى بلد في الطريق فلما بلغوا القصد نزل كل واحد في مكان كان معدا له وتلقي بغير ما تلقي به رفيقه في الطريق أما لكل قوم دار فأجلس كل واحد منهم حيث يليق به وقوبل هذا بشيء وهذا بضده أما قدم على الملك من جاءه بما يحبه فأكرمه عليه ومن جاءه بما يسخطه فعاقبه عليه أما قدم ركب المدينة فنزل بعضهم في قصورها وبساتينها وأماكنها الفاضلة ونزل قوم على قوارع الطريق بين الكلاب أما قدم اثنان من بطن الأم الواحدة فصار هذا إلى الملك وهذا إلى الأسر والعناء وقولك quot; سل الأرض عنهما quot; أما إنا قد سألناها فأخبرتنا أنها قد ضمت(3\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1235",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14232",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أجسادهم وجثثهم وأوصالهم لا كفرهم وإيمانهم ولا أنسابهم وأحسابهم ولا حلمهم وسفههم ولا طاعتهم ومعصيتهم ولا يقينهم وشكهم ولا توحيدهم وشركهم ولا جورهم وعدلهم ولا علمهم وجهلهم فأخبرتنا عن هذه الجثث البالية والأبدان المتلاشية والأوصال المتمزقة وقالت هذا خبر ما عندي. وأما خبر تلك الأرواح وما صارت إليه فسلوا عنها كتب رب العالمين ورسله الصادقين وخلفاءهم الوارثين سلوا القرآن فعنده الخبر اليقين وسلوا من جاء به فهو بذلك أعرف العارفين وسلوا العلم والإيمان فهما الشاهدان المقبولان وسلوا العقول والفطر فعندها حقيقة الخبر أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون [الجاثية: 21] تعالى الله أحكم الحاكمين عن هذا الظن والحسبان الذي لا يليق إلا بأجهل الجاهلين. ثم قال: الناظر في هذا الباب رجلان رجل ينظر إلى الأشياء ورجل ينظر في الأشياء فالأول: يحار فيها فإن صورها وأشكالها وتخاطيطها تستفرغ ذهنه وحسه وتبدد فكره وقلبه فنظره إليها بعين حسه لا يفيده منها ثمرة الاعتبار ولا زبدة الاختبار لأنه لما فقد الاعتبار أولا فإنه فقد الاختيار ثانيا. وأما الناظر في الأشياء: فإن نظره يبعثه على العبور من صورها إلى حقائقها والمراد بها وما اقتضى وجودها من الحكمة البالغة والعلم التام فيفيده هذا النظر تمييز مراتبها ومعرفة نافعها من ضارها وصحيحها من سقيمها وباقيها من فانيها وقشرها من لبها ويميز بين الوسيلة والغاية وبين وسيلة الشيء ووسيلة ضده فيعرف حينئذ أن الدنيا قشره والآخرة لبه وأن الدنيا محل الزرع والآخرة وقت الحصاد وأن الدنيا معبر وممر والآخرة دار مستقر. وإذا عرف أن الدنيا طريق وممر كان حريا بتهيئة الزاد لقراره ويعلم حينئذ أنه لم ينشأ في هذه الدار للاستيطان والخلود ولكن للجواز إلى مكان آخر هو المنزل والمتبوأ وأن الإنسان دعي إلى ذلك بكل شريعة وعلى لسان كل نبي وبكل إشارة ودليل ونصب له على ذلك علم وضرب لأجله كل مثل ونبه عليه بنشأته الأولى ومبادئه وسائر أحواله وأحوال طعامه وشرابه وأرضه وسمائه بحيث أزيلت عنه الشبهة وأوضحت له المحجة وأقيمت عليه الحجة وأعذر إليه غاية الإعذار(3\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1236",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14233",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأمهل أتم الإمهال فاستبان لذي العقل الصحيح والفطرة السليمة أن الظعن عن هذا المكان ضروري والانتقال عنه حق لا مرية فيه وأن له محلا آخر له قد أنشئ ولأجله قد خلق وله هيئ فمصيره إليه وقدومه بلا ريب عليه وأن داره هذه منزل عبور لا منزل قرار. وبالجملة: من نظر في الموجودات ولم يقنع بمجرد النظر إليها وحدها: وجدها دالة على أن وراء هذه الحياة حياة أخرى أكمل منها وأن هذه الحياة بالنسبة إليها كالمنام بالنسبة إلى اليقظة وكالظل بالنسبة إلى الشخص وسمعها كلها تنادي بما نادى به ربها وخالقها وفاطرها ياأيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور [فاطر: 5] وتنادي بلسان الحال بما نادى به ربها بصريح المقال واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا [الكهف: 45] وقال تعالى: إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون [يونس: 24] وقال تعالى: اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور [الحديد: 20] ثم ندبهم إلى المسابقة إلى الدار الآخرة الباقية التي لا زوال لها.: فقال سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم [الحديد: 21] . وسمع بعض العارفين منشدا ينشد عن بعض الزنادقة عند موته وهو محمد بن زكريا المتطبب:(3\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1237",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14234",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لعمري ما أدري وقد أذن البلى ... بعاجل ترحالي إلى أين ترحالي وأين محل الروح بعد خروجه ... عن الهيكل المنحل والجسد البالي فقال: وما علينا من جهله إذا لم يدر أين ترحاله ولكننا ندري إلى أين ترحالنا وترحاله أما ترحاله فإلى دار الأشقياء ومحل المنكرين لقدرة الله وحكمته والمكذبين بما اتفقت عليه كلمة المرسلين عن ربهم أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون - وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون - قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون - ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون [السجدة: 5 - 12] . وأما ترحالنا أيها المسلمون المصدقون بلقاء ربهم وكتبه ورسله فإلى نعيم دائم وخلود متصل ومقام كريم وجنة عرضها السماوات والأرض في جوار رب العالمين وأرحم الراحمين وأقدر القادرين وأحكم الحاكمين الذي له الخلق والأمر وبيده النفع والضر الأول بالحق الموجود بالضرورة المعروف بالفطرة الذي أقرت به العقول ودلت عليه الموجودات وشهدت بوحدانيته وربوبيته جميع المخلوقات وأقرت بها الفطر المشهود وجوده وقيوميته بكل حركة وسكون بكل ما كان وما هو كائن وما سيكون الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة من أنواع النباتات وبث به في الأرض جميع الحيوانات أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا [النمل: 61] الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويغيث الملهوف إذا ناداه ويكشف السوء(3\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1238",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14235",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويفرج الكربات ويقيل العثرات الذي يهدي خلقه في ظلمات البر والبحر ويرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته فيحيي الأرض بوابل القطر الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ويرزق من في السماوات والأرض من خلقه وعبيده الذي يملك السمع والأبصار والأفئدة ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويدبر الأمر قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه - الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا [الفرقان: 88 - 2] المستعان به على كل نائبة وفادحة والمعهود منه كل بر وكرامة الذي عنت له الوجوه وخشعت له الأصوات وسبحت بحمده الأرض والسماوات وجميع الموجودات الذي لا تسكن الأرواح إلا بحبه ولا تطمئن القلوب إلا بذكره ولا تزكو العقول إلا بمعرفته ولا يدرك النجاح إلا بتوفيقه ولا تحيا القلوب إلا بنسيم لطفه وقربه ولا يقع أمر إلا بإذنه ولا يهتدي ضال إلا بهدايته ولا يستقيم ذو أود إلا بتقويمه ولا يفهم أحد إلا بتفهيمه ولا يتخلص من مكروه إلا برحمته ولا يحفظ شيء إلا بكلاءته ولا يفتتح أمر إلا باسمه ولا يتم إلا بحمده ولا يدرك مأمول إلا بتيسيره ولا تنال سعادة إلا بطاعته ولا حياة إلا بذكره ومحبته ومعرفته ولا طابت الجنة إلا بسماع خطابه ورؤيته الذي وسع كل شيء رحمة وعلما وأوسع كل مخلوق فضلا وبرا. فهو الإله الحق والرب الحق والملك الحق والمنفرد بالكمال المطلق من كل الوجوه المبرأ عن النقائص والعيوب من كل الوجوه لا يبلغ المثنون وإن استوعبوا جميع الأوقات بكل أنواع الثناء ثناء عليه بل ثناؤه أعظم من ذلك فهو كما أثنى على نفسه هذا الجار. وأما الدار: فلا تعلم نفس حسنها وبهاءها وسعتها ونعيمها وبهجتها وروحها وراحتها فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين فهي الجامعة لجميع أنواع الأفراح والمسرات الخالية من جميع المنكدات والمنغصات ريحانة تهتز وقصر مشيد وزوجة حسناء وفاكهة نضيجة. فترحالنا أيها الصادقون المصدقون إلى هذه الدار بإذن ربنا وتوفيقه وإحسانه. وترحال الكاذبين المكذبين إلى الدار التي أعدت لمن كفر بالله ولقائه وكتبه ورسله.(3\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1239",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14236",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولن يجمع الله بين الموحدين له الطالبين لمرضاته الساعين في طاعته الدائبين في خدمته المجاهدين في سبيله وبين الملحدين - الساعين في مساخطه الدائبين في معصيته المستفرغين جهدهم في أهوائهم وشهواتهم - في دار واحدة إلا على سبيل الجواز والعبور كما جمع بينهما في هذه الدنيا ويجمع بينهم في موقف القيامة فحاشاه من هذا الظن السيئ الذي لا يليق بكماله وحكمته.  فصل وفي هذه المرتبة تعلم حياة الشهداء وأنهم عند ربهم يرزقون وأنها أكمل من حياتهم في هذه الدنيا وأتم وأطيب وإن كانت أجسادهم متلاشية ولحومهم متمزقة وأوصالهم متفرقة وعظامهم نخرة فليس العمل على الطلل إنما الشأن في الساكن قال الله تعالى: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون [آل عمران: 169]  وقال تعالى: ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون [البقرة: 154] وإذا كان الشهداء إنما نالوا هذه الحياة بمتابعة الرسل وعلى أيديهم فما الظن بحياة الرسل في البرزخ ولقد أحسن القائل: فالعيش نوم والمنية يقظة ... والمرء بينهما خيال ساري فللرسل والشهداء والصديقين من هذه الحياة التي هي يقظة من نوم الدنيا أكملها وأتمها وعلى قدر حياة العبد في هذا العالم يكون شوقه إلى هذه الحياة وسعيه وحرصه على الظفر بها والله المستعان.  فصل المرتبة العاشرة من مراتب الحياة الحياة الدائمة الباقية بعد طي هذا العالم وذهاب الدنيا وأهلها في دار الحيوان وهي الحياة التي شمر إليها المشمرون وسابق إليها المتسابقون ونافس فيها المتنافسون وهي التي أجرينا الكلام إليها ونادت الكتب السماوية ورسل الله(3\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1240",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14237",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جميعهم عليها وهي التي يقول من فاته الاستعداد لها إذا دكت الأرض دكا دكا - وجاء ربك والملك صفا صفا - وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى - يقول ياليتني قدمت لحياتي - فيومئذ لا يعذب عذابه أحد - ولا يوثق وثاقه أحد [الفجر: 21 - 26]  وهي التي قال الله عز وجل فيها: وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون [العنكبوت: 64] . والحياة المتقدمة كالنوم بالنسبة إليها وكل ما تقدم من وصف السير ومنازله وأحوال السائرين وعبوديتهم الظاهرة والباطنة فوسيلة إلى هذه الحياة وإنما الحياة الدنيا بالنسبة إليها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم ترجع . وكما قيل: تنفست الآخرة فكانت الدنيا نفسا من أنفاسها فأصاب أهل السعادة نفس نعيمها فهم على هذا النفس يعملون وأصاب أهل الشقاوة نفس عذابها فهم على ذلك النفس يعملون. وإذا كانت حياة أهل الإيمان والعمل الصالح في هذه الدار حياة طيبة فما الظن بحياتهم في البرزخ وقد تخلصوا من سجن الدنيا وضيقها فما الظن بحياتهم في دار النعيم المقيم الذي لا يزول وهم يرون وجه ربهم تبارك وتعالى بكرة وعشيا ويسمعون خطابه فإن قلت: ما سبب تخلف النفس عن طلب هذه الحياة التي لا خطر لها وما الذي زهدها فيها وما سبب رغبتها في الحياة الفانية المضمحلة التي هي كالخيال والمنام أفساد في تصورها وشعورها أم تكذيب بتلك الحياة أم لآفة في العقل وعمى هناك أم إيثار للحاضر المشهود بالعيان على الغائب المعلوم بالإيمان قيل: بل ذلك لمجموع أمور مركبة من ذلك كله. وأقوى الأسباب في ذلك: ضعف الإيمان فإن الإيمان هو روح الأعمال وهو الباعث عليها والآمر بأحسنها والناهي عن أقبحها وعلى قدر قوة الإيمان يكون أمره ونهيه لصاحبه وائتمار صاحبه وانتهاؤه قال الله تعالى: قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين [البقرة: 93] .(3\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1241",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14238",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبالجملة: فإذا قوي الإيمان قوي الشوق إلى هذه الحياة واشتد طلب صاحبه لها. السبب الثاني: جثوم الغفلة على القلب فإن الغفلة نوم القلب ولهذا تجد كثيرا من الأيقاظ في الحس نياما في الواقع فتحسبهم أيقاظا وهم رقود ضد حال من يكون يقظان القلب وهو نائم فإن القلب إذا قويت فيه الحياة لا ينام إذا نام البدن وكمال هذه الحياة كان لنبينا صلى الله عليه وسلم ولمن أحيا الله قلبه بمحبته واتباع رسالته على بصيرة من ذلك بحسب نصيبه منهما. فالغفلة واليقظة يكونان في الحس والعقل والقلب فمستيقظ القلب وغافله كمستيقظ البدن ونائمه وكما أن يقظة الحس على نوعين فكذلك يقظة القلب على نوعين. فالنوع الأول من يقظة الحس: أن صاحبها ينفذ في الأمور الحسية ويتوغل فيها بكسبه وفطانته واحتياله وحسن تأتيه. والنوع الثاني: أن يقبل على نفسه وقلبه وذاته فيعتني بتحصيل كماله فيلحظ عوالي الأمور وسفسافها فيؤثر الأعلى على الأدنى ويقدم خير الخيرين بتفويت أدناهما ويرتكب أخف الشرين خشية حصول أقواهما ويتحلى بمكارم الأخلاق ومعالي الشيم فيكون ظاهره جميلا وباطنه أجمل من ظاهره وسريرته خيرا من علانيته فيزاحم أصحاب المعالي عليها كما يتزاحم أهل الدينار والدرهم عليهما فبهذه اليقظة يستعد للنوعين الآخرين منهما. أحدهما: يقظة تبعثه على اقتباس الحياة الدائمة الباقية التي لا خطر لها من هذه الحياة الزائلة الفانية التي لا قيمة لها. فإن قلت: مثل لي كيف تقتبس الحياة الدائمة من الحياة الفانية وكيف يكون هذا فإني لا أفهمه. قلت: وهذا أيضا من نوم القلب بل من موته وهل تقتبس الحياة الدائمة إلا من هذه الحياة الزائلة وأنت قد تشعل سراجك من سراج آخر قد أشفى على(3\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1242",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14239",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الانطفاء فيتقد الثاني ويضيء غاية الإضاءة ويتصل ضوءه وينطفئ الأول والمقتبس لحياته الدائمة من حياته المنقطعة إنما ينتقل من دار منقطعة إلى دار باقية وقد توسط الموت بين الدارين فهو قنطرة لا يعبر إلى تلك الدار إلا عليها وباب لا يدخل إليها إلا منه فهما حياتان في دارين بينهما الموت وكما أن نور تلك الدار مقتبس من نور هذه الدار فحياتها كذلك مقتبسة من حياتها فعلى قدر نور الإيمان في هذه الدار يكون نور العبد في تلك الدار وعلى قدر حياته في هذه الدار تكون حياته هناك. نعم هذا النور والحياة الذي يقتبس منه ذلك النور والحياة لا ينقطع بل يضيء للعبد في البرزخ وفي موقف القيامة وعلى الصراط فلا يفارقه إلى دار الحيوان يطفأ نور الشمس وهذا النور لا يطفأ وتبطل الحياة المحسوسة وهذه الحياة لا تبطل هذا أحد نوعي يقظة القلب. النوع الثاني: يقظة تبعث على حياة لا تدركها العبارة ولا ينالها التوهم ولا يطابق فيها اللفظ لمعناه ألبتة والذي يشار به إليها حياة المحب مع حبيبه الذي لا قوام لقلبه وروحه وحياته إلا به ولا غنى له عنه طرفة عين ولا قرة لعينه ولا طمأنينة لقلبه ولا سكون لروحه إلا به فهو أحوج إليه من سمعه وبصره وقوته بل ومن حياته فإن حياته بدونه عذاب وآلام وهموم وأحزان فحياته موقوفة على قربه وحبه ومصاحبته وعذاب حجابه عنه أعظم من العذاب الآخر كما أن نعيم القلب والروح بإزالة ذلك الحجاب أعظم من النعيم بالأكل والشرب والتمتع بالحور العين فهكذا عذاب الحجاب أعظم من عذاب الجحيم ولهذا جمع الله سبحانه لأوليائه بين النعيمين في قوله: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة [يونس: 26] فالحسنى الجنة والزيادة: رؤية وجهه الكريم في جنات عدن وجمع لأعدائه بين العذابين في قوله: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون - ثم إنهم لصالو الجحيم [المطففين: 15 - 16] . والمقصود: أن الغفلة هي نوم القلب عن طلب هذه الحياة وهي حجاب عليه فإن كشف هذا الحجاب بالذكر وإلا تكاثف حتى يصير حجاب بطالة ولعب واشتغال بما لا يفيد فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى يصير حجاب معاص وذنوب صغار تبعده عن الله فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى يصير حجاب كبائر توجب مقت(3\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1243",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14240",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرب تعالى له وغضبه ولعنته فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى صار حجاب بدع عملية يعذب العامل فيها نفسه ولا تجدي عليه شيئا فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى صار حجاب بدع قولية اعتقادية تتضمن الكذب على الله ورسوله والتكذيب بالحق الذي جاء به الرسول فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى صار حجاب شك وتكذيب يقدح في أصول الإيمان الخمسة وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه فلغلظ حجابه وكثافته وظلمته وسواده لا يرى حقائق الإيمان ويتمكن منه الشيطان يعده ويمنيه والنفس الأمارة بالسوء تهوى وتشتهي وسلطان الطبع قد ظفر بسلطان الإيمان فأسره وسجنه إن لم يهلكه وتولى تدبير المملكة واستخدام جنود الشهوات وأقطعها العوائد التي جرى عليها العمل وأغلق باب اليقظة وأقام عليه بواب الغفلة وقال: إياك أن نؤتى من قبلك واتخذ حاجبا من الهوى وقال: إياك أن تمكن أحدا يدخل علي إلا معك فأمر هذه المملكة قد صار إليك وإلى البواب فيا بواب الغفلة ويا حاجب الهوى ليلزم كل منكما ثغره فإن أخليتما فسد أمر مملكتنا وعادت الدولة لغيرنا وسامنا سلطان الإيمان شر الخزي والهوان ولا نفرح بهذه المدينة أبدا. فلا إله إلا الله! إذا اجتمعت على القلب هذه العساكر مع رقة الإيمان وقلة الأعوان والإعراض عن ذكر الرحمن والانخراط في سلك أبناء الزمان وطول الأمل المفسد للإنسان أن آثر العاجل الحاضر على الغائب الموعود به بعد طي هذه الأكوان فالله المستعان وعليه التكلان. فهذا فصل مختصر نافع في ذكر الحياة وأنواعها والتشويق إلى أشرفها وأطيبها فمن صادف من قلبه حياة انتفع به وإلا فخود تزف إلى ضرير مقعد. فلنرجع إلى شرح كلام صاحب المنازل: قال: ولها ثلاثة أنفاس: نفس الخوف ونفس الرجاء ونفس المحبة. لما كان لكل حيوان متنفسا فإن النفس موجب الحياة وعلامتها كانت أنفاس الحياة المشار إليها ثلاثة أنفاس: نفس الخوف ومصدره: مطالعة الوعيد وما أعد الله لمن آثر الدنيا على الآخرة والمخلوق على الخالق والهوى على الهدى والغي على الرشاد.(3\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1244",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14241",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونفس الرجاء ومصدره مطالعة الوعد وحسن الظن بالرب تعالى وما الله أعد لمن آثر الله ورسوله والدار الآخرة وحكم الهدى على الهوى والوحي على الآراء والسنة على البدعة وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على عوائد الخلق. ونفس بالمحبة مصدره مطالعة الأسماء والصفات ومشاهدة النعماء والآلاء. فإذا ذكر ذنوبه تنفس بالخوف وإذا ذكر رحمة ربه وسعة مغفرته وعفوه تنفس بالرجاء وإذا ذكر جماله وجلاله وكماله وإحسانه وإنعامه تنفس بالحب. فليزن العبد إيمانه بهذه الأنفاس الثلاثة ليعلم ما معه من الإيمان فإن القلوب مفطورة على حب الجمال والإجمال والله سبحانه جميل بل له الجمال التام الكامل من جميع الوجوه جمال الذات وجمال الصفات وجمال الأفعال وجمال الأسماء وإذا جمع جمال المخلوقات كله على شخص واحد ثم كانت جميعها على جمال ذلك الشخص ثم نسب هذا الجمال إلى جمال الرب تبارك وتعالى كان أقل من نسبة سراج ضعيف إلى عين الشمس. فالنفس الصادر عن هذه الملاحظة والمطالعة أشرف أنفاس العبد على الإطلاق فأين نفس المشتاق المحب الصادق إلى نفس الخائف الراجي ولكن لا يحصل له هذا النفس إلا بتحصيل ذينك النفسين فإن أحدهما ثمرة تركه للمخالفات والثاني: ثمرة فعله للطاعات فمن هذين النفسين يصل إلى النفس الثالث.  [فصل الحياة الثانية حياة الجمع من موت التفرقة] فصل قال: الحياة الثانية: حياة الجمع من موت التفرقة ولها ثلاثة أنفاس: نفس الاضطرار ونفس الافتقار ونفس الافتخار. ومراده إن شاء الله بالجمع في هذه الدرجة: جمع القلب على الله وجمع الخواطر والعزوم في التوجه إليه سبحانه لا الجمع الذي هو حضرة الوجود لأنه قد ذكر حياة هذا الجمع في الدرجة الثالثة وسماها حياة الوجود. وإنما كان جمع القلب على الله والخواطر على السير إليه حياة حقيقية لأن القلب لا سعادة له ولا فلاح ولا نعيم ولا فوز ولا لذة ولا قرة عين إلا بأن يكون الله وحده هو غاية طلبه ونهاية قصده ووجهه الأعلى هو كل بغيته فالتفرقة(3\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1245",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14242",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المتضمنة للإعراض عن التوجه إليه واجتماع القلب عليه هي مرضه إن لم يمت منها. قال: ولهذه الحياة ثلاثة أنفاس نفس الاضطرار وذلك لانقطاع أمله مما سوى الله فيضطر حينئذ بقلبه وروحه ونفسه وبدنه إلى ربه ضرورة تامة بحيث يجد في كل منبت شعرة منه فاقة تامة إلى ربه ومعبوده فهذا النفس نفس مضطر إلى ما لا غنى له عنه طرفة عين وضرورته إليه من جهة كونه ربه وخالقه وفاطره وناصره وحافظه ومعينه ورازقه وهاديه ومعافيه والقائم بجميع مصالحه ومن جهة كونه معبوده وإلهه وحبيبه الذي لا تكمل حياته ولا تنفع إلا بأن يكون هو وحده أحب شيء إليه وأشوق شيء إليه وهذا الاضطرار هو اضطرار quot; إياك نعبد quot; والاضطرار الأول: اضطرار quot; إياك نستعين quot;. ولعمر الله إن نفس الافتقار هو هذا النفس أو من نوعه ولكن الشيخ جعلهما نفسين فجعل نفس الاضطرار بداية ونفس الافتقار توسطا ونفس الافتخار نهاية وكأن نفس الاضطرار يقطع الخلق من قلبه ونفس الافتقار يعلق قلبه بربه. والتحقيق: أنه نفس واحد ممتد أوله انقطاع وآخره اتصال. وأما نفس الافتخار فهو نتيجة هذين النفسين لأنهما إذا صحا للعبد حصل له القرب من ربه والأنس به والفرح به وبالخلع التي خلعها ربه على قلبه وروحه مما لا يقوم لبعضه ممالك الدنيا بحذافيرها فحينئذ يتنفس نفسا آخر يجد به من التفريج والترويح والراحة والانشراح ما يشبه من بعض الوجوه بنفس من جعل في عنقه حبل ليخنق به حتى يموت ثم كشف عنه وقد حبس نفسه فتنفس نفس من أعيدت عليه حياته وتخلص من أسباب الموت. فإن قلت: ما للعبد والافتخار وأين العبودية من نفس الافتخار قلت: لا يريد بذلك أن العبد يفتخر بذلك ويختال على بني جنسه بل هو فرح وسرور لا يمكن دفعه عن نفسه بما فتح عليه ربه ومنحه إياه وخصه به وأولى ما فرح به العبد فضل ربه عليه فإنه تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ويحب الفرح بذلك لأنه من الشكر ومن لا يفرح بنعمة المنعم لا يعد شكورا فهو افتخار بما هو محض منة الله ونعمته على عبده لا افتخار بما من العبد فهذا هو الذي ينافي العبودية لا ذاك.(3\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1246",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14243",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهنا سر لطيف وهو أن هذا النفس يفخر على أنفاسه التي ليست كذلك كما تفخر الحياة على الموت والعلم على الجهل والسمع على الصمم والبصر على العمى فيكون الافتخار للنفس على النفس لا للمتنفس على الناس والله أعلم.  [فصل الحياة الثالثة حياة الوجود] فصل قال: الحياة الثالثة: حياة الوجود. وهي حياة بالحق ولها ثلاثة أنفاس: نفس الهيبة وهو يميت الاعتدال. ونفس الوجود وهو يمنع الانفصال. ونفس الانفراد وهو يورث الاتصال وليس وراء ذلك ملحظ للنظارة ولا طاقة للإشارة. هذه المرتبة من الحياة هي حياة الواجد وهي أكمل من النوعين اللذين قبلها ووجود العبد لربه هو الذي أشار إليه في الحديث الإلهي بقوله: فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي والمشار إليه في قوله: ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء . وسيأتي في باب الوجود مزيد لهذا إن شاء الله تعالى. وإنما كانت حياة الوجود أكمل الحياة لشرفها وكمالها بموجدها وهو الحق سبحانه وتعالى فمن حبي بوجوده فقد فاز بأعلى أنواع الحياة. فإن قلت: يصعب علي فهم معنى الحياة بوجوده. قلت: لأجل الحجاب الذي ضرب بينك وبين هذه الحياة فافهم الحياة بوجود الفناء وبوجود المالك القادر إذا كان معك وناصرك دون مجرد وجوده ولا معرفة بينك وبينه ألبتة فحقيقة الحياة: هي الحياة بالرب تعالى لا الحياة النفس والفناء وأسباب العيش. وقد تفسر quot; حياة الوجود quot; بشهود القيومية حيث لا يرى شيئا من الأشياء إلا وهو بالله وهو الذي أقامه وبحال هذا الشهود وهو أن لا يلتفت بقلبه إلى شيء سوى الله ولا يخافه ولا يرجوه بل قد قصر خوفه ورجاءه وتوكله وإنابته على الحي القيوم قيوم الوجود وقيمه وقيامه ومقيمه وحده فمتى حصل له هذا الشهود وهذا الحال فقد حصلت له حياة الوجود.(3\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1247",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14244",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتارة يتنفس بالهيبة وهي سطوة نور الصفات وذلك عند أول ما يسطع نور الوجود فيقع القلب في هيبة تستغرق حسه عن الالتفات إلى شيء من عوالم النفس وذلك هو الاعتلال الذي يميته النفس الثاني وهو قوله: quot; ونفس يميت الاعتلال quot; فتموت منه علل أعماله وآثار حظوظه وشهود إنيته. قوله: quot; ونفس الوجود quot; يريد به: وجود العبد بربه فيتنفس بهذا الوجود كما يسمع به ويبصر به ويبطش به ويمشي به. ولا تصغ إلى غير هذا فتزل قدم بعد ثبوتها. قوله: quot; وهو يمنع الانفصال quot; الانفصال عند القوم: انقطاع القلب عن الرب وبقاؤه بنفسه وطبيعته و quot; الاتصال quot; هو بقاؤه بربه وفناؤه عن أحكام نفسه وطبعه وهواه وقد يراد ب quot; الاتصال quot; الفناء في شهود القيومية وب quot; الانفصال quot; الغيبة عن هذا الشهود. وأما الملحد: فيفسر الاتصال والانفصال بالاتصال الذاتي والانفصال الذاتي وهذا محال أيضا فإنه لم يزل متصلا به بل لم يزل إياه عنده فالأول: يتعلق بالإرادة والهمة وهو أعلى الأنواع. والثاني: يتعلق بالشهود والشعور وهو دونه وهو عند الشيخ أعلى لأنه إنما يكون في وادي الفناء. والثالث: للملاحدة القائلين بوحدة الوجود. قوله: ونفس الانفراد وهو يورث الاتصال. نفس الانفراد: هو المصحوب بشهود الفردانية وهي تفرد الرب سبحانه بالربوبية والإلهية والتدبير والقيومية فلا يثبت لسواه قسطا في الربوبية ولا يجعل لسواه حظا في الإلهية ولا في القيومية بل يفرده بذلك في شهوده كما أفرده به في علمه ثم يفرده به في الحال التي أوجبها له الشهود فيكون الله سبحانه فردا في علم العبد ومعرفته فردا في شهوده فردا في حاله في شهوده. وهذا النفس يورثه الاتصال بربه بحيث لا يبقى له مراد غيره ولا إرادة غير مراده الديني الذي يحبه ويرضاه فيستفرغ حبه قلبه وتستفرغ مرضاته سعيه وليس وراء ذلك مقام يلحظه النظارة لا بالقلب ولا بالروح.(3\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1248",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14245",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن كمال هذا الاتصال والشغل بالحق سبحانه: قد استفرغ المقامات واستوعب الإشارات والله المستعان.  [فصل القبض] قال صاحب المنازل: (باب القبض) قال الله تعالى: ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا [الفرقان: 46] . قلت: قد أبعد في تعلقه بإشارة لآية إلى القبض الذي يريده ولا تدل عليه الآية بوجه ما وإنما يشارك القبض المترجم عليه في اللفظ فقط فإن القبض في الآية هو قبض الظل وهو تقلصه بعد امتداده قال الله تعالى: ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا [الفرقان: 45] فأخبر تعالى: أنه بسط الظل ومده وأنه جعله متحركا تبعا لحركة الشمس ولو شاء لجعله ساكنا لا يتحرك: إما بسكون المظهر له والدليل عليه وإما بسبب آخر ثم أخبر: أنه قبضه بعد بسطه قبضا يسيرا وهو شيء بعد شيء لم يقبضه جملة فهذا من أعظم آياته الدالة على عظيم قدرته وكمال حكمته فندب الرب سبحانه عباده إلى رؤية صنعته وقدرته وحكمته في هذا الفرد من مخلوقاته ولو شاء لجعله لاصقا بأصل ما هو ظل له من جبل وبناء وشجر وغيره فلم ينتفع به أحد. فإن كان الانتفاع به تابعا لمده وبسطه وتحوله من مكان إلى مكان ففي مده وبسطه ثم قبضه شيئا فشيئا من المصالح والمنافع ما لا يخفى ولا يحصى فلو كان ساكنا دائما أو قبض دفعة واحدة لتعطلت مرافق العالم ومصالحه به وبالشمس فمد الظل وقبضه شيئا فشيئا لازم لحركة الشمس على ما قدرت عليه من مصالح العالم وفي دلالة الشمس على الظلال ما تعرف به أوقات الصلوات وما مضى من اليوم وما بقي منه وفي تحركه وانتقاله ما يبرد به ما أصابه من حر الشمس وينفع الحيوانات والشجر والنبات فهو من آيات الله الدالة عليه.(3\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1249",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14246",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الآية وجه آخر وهو: أنه سبحانه مد الظل حين بنى السماء كالقبة المضروبة ودحا الأرض تحتها فألقت القبة ظلها عليها فلو شاء سبحانه لجعله ساكنا مستقرا في تلك الحال ثم خلق الشمس ونصبها دليلا على ذلك الظل فهو يتبعها في حركتها يزيد بها وينقص ويمتد ويتقلص فهو تابع لها تبعية المدلول لدليله. وفيها وجه آخر وهو: أن يكون المراد قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهي الأجرام التي تلقي الظلال. فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام أسبابه كما ذكر إنشاءه بإنشاء أسبابه. وقوله تعالى: قبضناه إلينا [الفرقان: 46] كأنه يشعر بذلك وقوله: قبضا يسيرا [الفرقان: 46] يشبه قوله: ذلك حشر علينا يسير [ق: 44] وقوله: quot; قبضناه quot; بصيغة الماضي لا ينافي ذلك كقوله: أتى أمر الله [النحل: 1] والوجه في الآية هو الأول. وهذان الوجهان: إن أراد من ذكرهما دلالة الآية عليهما إشارة وإيماء فقريب وإن أراد أن ذلك هو المراد من لفظها فبعيد لأنه سبحانه جعل ذلك آية ودلالة عليه للناظر فيه كما في سائر آياته التي يدعو عباده إلى النظر فيها فلا بد أن يكون ذلك أمرا مشهودا تقوم به الدلالة وتحصل به التبصرة. وأبعد من هذا ما تعلق به صاحب المنازل في باب القبض بقبض الظل كما أشار إليه في خطبة كتابه حيث يقول: الذي مد ظل التكوين على الخليقة مدا طويلا ثم جعل شمس التمكين لصفوته عليه دليلا ثم قبض ظل التفرقة عنهم إليه قبضا يسيرا فاستعار للتكوين لفظ الظل إعلاما بأن المكونات بمنزلة الظلال في عدم استقلالها بأنفسها إذ لا يتحرك الظل إلا بحركة صاحبه وقوله quot; مدا طويلا quot; إشارة إلى أنه سبحانه لا يزال يخلق شيئا بعد شيء خلقا لا يتناهى لسعة قدرته ووجوب أبديته. ثم إن حقيقة الظل هي عدم الشمس في بقعة ما لساتر سترها فإنما تتعين تلك الحقيقة بالشمس فكذلك المكون إنما تتعين حقيقته بالمكون له سبحانه وتعالى و quot; شمس التمكين quot; هي التوحيد الجامع لقلوب صفوته عن التفرق في شعاب(3\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1250",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14247",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ظل التكوين quot; ثم قبض ظل التفرقة عنهم إليه قبضا يسيرا quot; أي: أخذ ظل التفرقة عنهم أخذا سهلا. فالشيخ أحال باستشهاده بالآية في الباب المذكور على ما تقدم له في الخطبة ووجه الإشارة بالآية يعلم من قوله: ثم قبضناه إلينا [الفرقان: 46] والقبض في هذا الباب: لم يرد به قبض الإضافة. ولهذا قال الشيخ: القبض في هذا الباب اسم يشار به إلى مقام الضنائن الذين ادخرهم الحق اصطناعا لنفسه. فالقبض نوعان: قبض في الأحوال وقبض في الحقائق فالقبض في الأحوال أمر يطرق القلب يمنعه عن الانبساط والفرح وهو نوعان أيضا. أحدهما: ما يعرف سببه مثل تذكر ذنب أو تفريط أو بعد أو جفوة أو حدوث ما هو نحو ذلك. والثاني: ما لا يعرف سببه. بل يهجم على القلب هجوما لا يقدر على التخلص منه وهذا هو القبض المشار إليه على ألسنة القوم وضده البسط فالقبض والبسط عندهم حالتان للقلب لا يكاد ينفك عنهما. وقال أبو القاسم الجنيد: في معنى القبض والبسط معنى الخوف والرجاء. فالرجاء: يبسط إلى الطاعة والخوف: يقبض على المعصية. فكلهم تكلم في القبض والبسط على هذا المنهج حتى جعلوه أقساما: قبض تأديب وقبض تهذيب وقبض جمع وقبض تفريق ولهذا يمتنع صاحبه إذا تمكن منه من الأكل والشرب والكلام وفعل الأوراد والانبساط إلى الأهل وغيرهم فقبض التأديب: يكون عقوبة على غفلة أو خاطر سوء أو فكرة رديئة. وقبض التهذيب: يكون إعدادا لبسط عظيم شأنه يأتي بعده فيكون القبض قبله كالتنبيه عليه والمقدمة له كما كان quot; الغت والغط quot; مقدمة بين يدي الوحي(3\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1251",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14248",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإعدادا لوروده وهكذا الشدة مقدمة بين يدي الفرج والبلاء مقدمة بين يدي العافية والخوف الشديد مقدمة بين يدي الأمن وقد جرت سنة الله سبحانه أن هذه الأمور النافعة المحبوبة إنما يدخل إليها من أبواب أضدادها. وأما قبض الجمع: فهو ما يحصل للقلب حال جمعيته على الله من انقباضه عن العالم وما فيه فلا يبقى فيه فضل ولا سعة لغير من اجتمع قلبه عليه وفي هذه الحال من أراد من صاحبه ما يعهده منه من المؤانسة والمذاكرة فقد ظلمه. وأما قبض التفرقة: فهو القبض الذي يحصل من تفرق قلبه عن الله وتشتته عنه في الشعاب والأودية فأقل عقوبته: ما يجده من القبض الذي يتمنى معه الموت. وأما القبض الذي أشار إليه صاحب المنازل: فهو شيء وراء هذا كله فإنه جعله من قسم الحقائق وذلك القبض الذي تقدم ذكره من قسم البدايات ولهذا قال: القبض في هذا الباب: اسم يشار به إلى مقام الضنائن ومن هنا حسن استشهاده بإشارة الآية لأنه تعالى أخبر عن قبض الظل إليه والقبض في هذا الباب يتضمن قبض القلب عن غيره إليه وجمعيته بعد التفرقة عليه والضنائن جمع ضنينة وهي الخاصة يضن بها صاحبها أي: يبخل ببذلها ويصطفيها لنفسه ولهذا قال: الذين ادخرهم الحق اصطناعا لنفسه. والادخار افتعال من الذخر وهو ما يعده المرء لحوائجه ومصالحه والاصطناع بمعنى الاصطفاء. قال تعالى لموسى واصطنعتك لنفسي [طه: 41] والاصطناع في الأصل: اتخاذ الصنيعة وهي الخير تسديه إلى غيرك قال الشاعر: وإذا اصطنعت صنيعة فاقصد بها ... وجه الذي يولي الصنائع أودع قال ابن عباس: اصطنعتك لوحيي ورسالتي وقال الكلبي: اخترتك بالرسالة لنفسي لكي تحبني وتقوم بأمري. وقيل: اخترتك بالإحسان إليك لإقامة حجتي فتكلم عبادي عني. قال أبو إسحاق: اخترتك بالإحسان إليك لإقامة حجتي وجعلتك بيني وبين خلقي حتى صرت في الخطاب والتبليغ عني بالمنزلة التي أكون أنا بها لو خاطبتهم.(3\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1252",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14249",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقيل: مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك لجوامع خصال فيه وخصائص أهلا لكرامته وتقريبه فلا يكون أحد أقرب منه منزلة إليه ولا ألطف محلا فيصطنعه بالكرامة والأثرة ويستخلصه لنفسه بحيث يسمع به ويبصر به ويطلع على سره. والمقصود: أن الرب سبحانه حال بين هؤلاء الضنائن وبين التعلق بالخلق وصرف قلوبهم وهممهم وعزائمهم إليه. قال: وهم على ثلاث فرق: فرقة قبضهم إليه قبض التوقي فضن بهم عن أعين العالمين. هذا الحرف في التوقي بالقاف من الوقاية وليس من الوفاة أي: سترهم عن أعين الناس وقاية لهم وصيانة عن ملابستهم فغيبهم عن أعين الناس فلم يطلعهم عليهم وهؤلاء هم أهل الانقطاع والعزلة عن الناس وقت فساد الزمان ولعلهم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم يوشك أن يكون خير مال المرء غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر  وقوله: ورجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره وهذه الحال تحمد في بعض الأماكن والأوقات دون بعضها وإلا فالمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم: أفضل من هؤلاء فالعزلة: في وقت تجب فيه ووقت تستحب فيه ووقت تباح فيه ووقت تكره فيه ووقت تحرم فيه.(3\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1253",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14250",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويجوز أن يكون قبض التوفي بالفاء أجسادهم وقلوبهم من بين العالمين وهم في الدنيا لكن لما لم يخالطوا الناس كانوا بمنزلة من قد توفي وفارق الدنيا. قال: وفرقة قبضهم بسترهم في لباس التلبيس وأسبل عليهم أكلة الرسوم فأخفاهم عن عيون العالم. هذه الفرقة: هم مع الناس مخالطون والناس يرون ظواهرهم. وقد ستر الله حقائقهم وأحوالهم عن رؤية الخلق لها فحالهم ملتبس على الناس لا يعرفونه فإذا رأوا منهم ما يرون من أبناء الدنيا من الأكل والشرب واللباس والنكاح وطلاقة الوجه وحسن العشرة قالوا: هؤلاء من أبناء الدنيا وإذا رأوا ذلك الجد والهمم والصبر والصدق وحلاوة المعرفة والإيمان والذكر وشاهدوا منهم أمورا ليست من أمور أبناء الدنيا قالوا: هؤلاء من أبناء الآخرة فالتبس حالهم عليهم وهم مستورون عن الناس بأسبابهم وصنائعهم ولباسهم لم يجعلوا لطلبهم وإرادتهم إشارة تشير إليهم: اعرفوني فهؤلاء يكونون مع الناس والمحجوبون لا يعرفونهم ولا يعرفون بهم رءوسا وهم من سادات أولياء الله صانهم الله عن معرفة الناس كرامة لهم لئلا يفتتنوا بهم وإهانة للجهال بهم فلا ينتفعون بهم. وهذه الفرقة بينها وبين الأولى من الفضل ما لا يعلمه إلا الله فهم بين الناس بأبدانهم وبين الرفيق الأعلى بقلوبهم فإذا فارقوا هذا العالم انتقلت أرواحهم إلى تلك الحضرة فإن روح كل عبد تنتقل بعد مفارقة البدن إلى حضرة من كان يألفهم ويحبهم فإن المرء مع من أحبه.(3\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1254",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14251",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله: quot; وأسبل عليهم أكلة الرسوم quot; أي: أجرى عليهم أحكام الخلق يأكلون كما يأكلون ويشربون كما يشربون ويسكنون حيث يسكنون ويمشون معهم في الأسواق ويعانون معهم الأسباب وهم في واد والناس في واد فمشاركتهم إياهم في ذلك هي التي سترتهم عن معرفتهم وعن إدراك حقائقهم فهم تحت ستور المشاركة. ووراء هاتيك الستور محجب ... بالحسن كل العز تحت لوائه لو أبصرت عيناك بعض جماله ... لبذلت منك الروح في إرضائه ما طابت الدنيا بغير حديثه ... كلا ولا الأخرى بدون لقائه يا خاسرا هانت عليه نفسه ... إذ باعها بالغبن من أعدائه لو كنت تعلم قدر ما قد بعته ... لفسخت ذاك البيع قبل وفائه أو كنت كفوا للرشاد وللهدى ... أبصرت لكن لست من أكفائه قوله: وفرقة قبضهم منهم إليه فصافاهم مصافاة سر فضن بهم عليهم. هذه الفرقة إنما كانت أعلى من الفرقتين المتقدمتين: لأن الحق سبحانه قد سترهم عن نفوسهم لكمال ما أطلعهم عليه وشغلهم به عنهم فهم في أعلى الأحوال والمقامات ولا التفات لهم إليها فهؤلاء قلوبهم معه سبحانه لا مع سواه فلم يكونوا مع السوى ولا السوى منهم بل هم مع السوى بالمجاورة والامتحان لا بالمساكنة والألفة قلوبهم عامرة بالأسرار وأرواحهم تحن إليه حنين الطيور إلى الأوكار قد سترهم وليهم وحبيبهم عنهم وأخذهم إليه منهم. قوله: quot; فصافاهم مصافاة سر quot; أي: جعل مواجيدهم في أسرارهم وقلوبهم للطف إدراكهم فلم تظهر عليهم في ظواهرهم لقوة الاستعداد. قوله: quot; فضن بهم عليهم quot; أي: أخذهم عن رسومهم فأفناهم عنهم. وأبقاهم به. وقد علمت من هذا: أن quot; القبض quot; المشار إليه في هذا الباب: ليس هو القبض الذي يشير إليه القوم في البدايات والسلوك والله أعلم.(3\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1255",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14252",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل البسط] قال صاحب المنازل: (باب البسط) قال الله تعالى: يذرؤكم فيه [الشورى: 11] . قلت: وجه تعلقه بإشارة الآية: هو أن الله سبحانه يعيشكم فيما خلق لكم من الأنعام المذكورة. قال الكلبي: يكثركم في هذا التزويج ولولا هذا التزويج لم يكثر النسل والمعنى: يخلقكم في هذا الوجه الذي ذكر من جعله لكم أزواجا فإن سبب خلقنا وخلق الحيوان: بالأزواج والضمير في قوله: quot; فيه quot; يرجع إلى الجعل ومعنى الذرء: الخلق وهو هنا الخلق الكثير فهو خلق وتكثير فقيل quot; في quot; بمعنى الباء أي: يكثركم بذلك وهذا قول الكوفيين والصحيح: أنها على بابها والفعل تضمن معنى ينشئكم وهو يتعدى بفي كما قال تعالى: وننشئكم في ما لا تعلمون [الواقعة: 61] فهذا تفسير الآية. ولما كانت الحياة حياتين: حياة الأبدان وحياة الأرواح وهو سبحانه الذي يحيي قلوب أوليائه وأرواحهم بإكرامه ولطفه وبسطه كان ذلك تنمية لها وتكثيرا وذرءا والله أعلم. قال صاحب المنازل: البسط: أن يرسل شواهد العبد في مدارج العلم ويسبل على باطنه رداء الاختصاص وهم أهل التلبيس وإنما بسطوا في ميدان البسط بعد ثلاث معان لكل معنى طائفة. يريد: أن البسط إرسال ظواهر العبد وأعماله على مقتضى العلم ويكون باطنه مغمورا بالمراقبة والمحبة والأنس بالله فيكون جماله في ظاهره وباطنه فظاهره قد اكتسى الجمال بموجب العلم وباطنه قد اكتسى الجمال بالمحبة والرجاء والخوف والمراقبة والأنس فالأعمال الظاهرة له دثار والأحوال الباطنة له شعار فلا حاله ينقص عليه ظاهر حكمه ولا علمه يقطع وارد حاله وقد جمع سبحانه بين الجمالين(3\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1256",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14253",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أعني جمال الظاهر وجمال الباطن في غير موضع من كتابه. منها: قوله تعالى: يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير [الأعراف: 26] . ومنها: قوله تعالى في نساء الجنة: فيهن خيرات حسان [الرحمن: 70] فهن حسان الوجوه خيرات الأخلاق. ومنها: قوله تعالى: ولقاهم نضرة وسرورا [الإنسان: 11] فالنضرة جمال الوجوه والسرور جمال القلوب. ومنها: قوله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة [القيامة: 22] فالنضرة تزين ظواهرهم والنظر يجمل بواطنهم. ومنها: قوله تعالى: وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا [الإنسان: 21] فالأساور جملت ظواهرهم والشراب الطهور طهر بواطنهم. ومنها: قوله تعالى: إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد [الصافات: 6] فجمل ظاهرها بالكواكب وباطنها بالحراسة من الشياطين. رجعنا إلى شرح كلامه. قوله: quot; وهم أهل التلبيس quot; يعني: أنهم المذكورون في باب القبض وهم الفرقة الثانية الذين ستروا بلباس التلبيس عن أعين الناس. فلا ترى حقائقهم. قوله: quot; وإنما بسطوا في ميدان البسط quot; أي: بسطهم الحق سبحانه على لسان رسوله لا ما يظنه الملحد أنه السماع الشهي وملاحظة المنظر البهي ورؤية الصور المستحسنات وسماع الآلات المطربات. نعم هذا ميدان بسطه الشيطان يقتطع به النفوس عن الميدان الذي نصبه الرحمن فميدان الرحمن الذي بسطه هو الذي نصبه لأنبيائه وأوليائه وهو ما كان(3\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1257",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14254",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه وأهله ومع الغريب والقريب وهي سعة الصدر ودوام البشر وحسن الخلق والسلام على من لقيه والوقوف مع من استوقفه والمزاح بالحق مع الصغير والكبير أحيانا وإجابة الدعوة ولين الجانب حتى يظن كل واحد من أصحابه أنه أحبهم إليه وهذا الميدان لا تجد فيه إلا واجبا أو مستحبا أو مباحا يعين عليهما. قوله: فطائفة بسطت رحمة للخلق يباسطونهم ويلابسونهم فيستضيئون بنورهم والحقائق مجموعة والسرائر مصونة. جعل الله انبساطهم مع الخلق رحمة لهم كما قال تعالى: فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك [آل عمران: 159] فالرب سبحانه بسط هؤلاء مع خلقه ليقتدي بهم السالك ويهتدي بهم الحيران ويشفى بهم العليل ويستضاء بنور هدايتهم ونصحهم ومعرفتهم في ظلمات دياجي الطبع والهوى فالسالكون يقتدون بهم إذا سكتوا وينتفعون بكلماتهم إذا نطقوا فإن حركاتهم وسكونهم لما كانت بالله ولله وعلى أمر الله جذبت قلوب الصادقين إليهم وهذا النور الذي أضاء على الناس منهم هو نور العلم والمعرفة. والعلماء ثلاثة: عالم استنار بنوره واستنار به الناس فهذا من خلفاء الرسل وورثة الأنبياء وعالم استنار بنوره ولم يستنر به غيره فهذا إن لم يفرط كان نفعه قاصرا على نفسه فبينه وبين الأول ما بينهما وعالم لم يستنر بنوره ولا استنار به غيره فهذا علمه وبال عليه وبسطته للناس فتنة لهم وبسطة الأول رحمة لهم. قوله: quot; والحقائق مجموعة والسرائر مصونة quot; أي: انبسطوا والحقائق التي في سرائرهم مجموعة في بواطنهم فالانبساط لم يشتت قلوبهم ولم يفرق هممهم ولم يحل عقد عزائمهم. قوله: quot; وسرائرهم مصونة quot; مستورة لم يكشفوها لمن انبسطوا إليه وإن كان البسط يقتضي الإلف واطلاع كل من المتباسطين على سر صاحبه فإياك ثم إياك أن تطلع من باسطته على سرك مع الله ولكن اجذبه وشوقه واحفظ وديعة الله عندك لا تعرضها للاسترجاع.(3\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1258",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14255",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: وطائفة بسطت لقوة معاينتهم وتصميم مناظرهم لأنهم طائفة لا تخالج الشواهد مشهودهم ولا تضرب رياح الرسوم موجودهم فهم مبسوطون في قبضة القبض إنما كانت هذه الدرجة أعلى مما قبلها لأن ما قبلها لأرباب الأعمال وهذه لأرباب الأحوال بسطت الأولى: رحمة للخلق وبسطت هذه: اختصاصا بالحق. وقوله: quot; لقوة معاينتهم quot; إما أن يكون المعنى: لقوة إدراك معاينتهم أو لقوة ظهور معاينتهم لبواطنهم أو لقوتها وبيانها في نفسها. والمعنى: أنه لا يطمع البسط أن يحجبهم عن معاينة مطلوبهم لأن قوة المعاينة منعت وصول البسط إلى إزالتها وإضعافها. قوله: quot; وتصميم مناظرهم quot; يعني ثبات مناظر قلوبهم وصحتها فليسوا ممن يحول بين نظر قلوبهم وبين ما تراه قتر من شك ولا غيم من ريب فاللطيفة الإنسانية المدركة لحقيقة ما أخبروا به من الغيب صحيحة وهي شديدة التوجه إلى مشهودها فلم يقدر البسط على حجبها عن مشهودها. قوله: quot; لأنهم طائفة لا تخالج الشواهد مشهودهم quot; أي: لا تمازج الشواهد مشهودهم فيكون إدراكهم بالاستدلال بل مشهودهم حاضر لهم لم يدركوه بغيره فلا تخالط مشاهدتهم له شواهد من غيره والشواهد مثل الأمارات والعلامات. وهذا الكلام يحتاج إلى شرح وبيان وتفصيل. فإن الله سبحانه أقام الشواهد عليه وملأ بها كتابه وهدى عباده إلى النظر فيها والاستدلال بها ولكن العارف إذا حصل له منها الدلالة ووصل منها إلى اليقين انطوى حكمها عن شهوده وسافر قلبه منها إلى المطلوب المدلول عليه بها ورآها كلها أثرا من آثار أسمائه وصفاته وأفعاله المشهود المدلول عليه بها معاينة القلب والبصيرة للصانع إذا عاين صنعته فكأنه يرى الباني وهو يبني ما شاهده من البناء المحكم المتقن لأن الشواهد والأدلة تبطل ويبطل حكمها. فتأمل هذا الموضع فإنه قد غلط فيه فريقان: فريق أساءوا الظن بمن طوى حكم الشواهد والأدلة ونسبوهم إلى ما نسبوهم إليه وفريق رأوا أن الشواهد نفس(3\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1259",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14256",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المشهود والدليل عين المدلول عليه ولكن كان في الابتداء شاهدا ودليلا وفي الانتهاء مشهودا ومدلولا. قوله: quot; ولا تضرب رياح الرسوم موجودهم quot; شبه الرسوم بالرياح لأن معاني الصور الخلقية تمر على أهل الشهود الضعيف فتحرك بواطنهم بنوع من الشك والريب فهؤلاء الذين بسطهم الحق تعالى سالمون من ذلك. قوله: quot; فهم منبسطون في قبضة القبض quot; أي: هم في حال انبساطهم غير محجوبين عن معاني القبض بل هم مبسوطون بقبضه إياهم عن غيره فلا يتنافى في حقهم البسط والقبض بل قبضهم إليه في بسطهم وبسطهم به في قبضهم وجعل للقبض قبضة ترشيحا للاستعارة. قال: وطائفة بسطت أعلاما على الطريق وأئمة للهدى ومصابيح للسالكين. إنما كانت هذه الفرقة أعلى من الفرقتين لأنها شاركتهما في درجتيهما واختصت عنهما بهذه الدرجة فاتصفت بما اتصفت به الأولى من الأعمال واتصفت بما اتصفت به الثانية من الأحوال وزادت عليهما بالنفع للسالكين والهداية للحائرين والإرشاد للطالبين فاهتدى بهم الحائر وسار بهم الواقف. واستقام بهم الحاند وأقبل بهم المعرض وكمل بهم الناقص ورجع بهم الناكص وتقوى بهم الضعيف وتنبه على المقصود من هو في الطريق وهؤلاء هم خلفاء الرسل حقا وهم أولو البصر واليقين فجمعوا بين البصيرة والبصر قال الله تعالى: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون [السجدة: 24] فنالوا إمامة الدين بالصبر واليقين.(3\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1260",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14257",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل السكر] [حد السكر] قال صاحب المنازل: (باب السكر) قال الله تعالى حاكيا عن موسى كليمه: رب أرني أنظر إليك [الأعراف: 143] . وجه استدلاله بإشارة الآية أن موسى لما استقر في قلبه وروحه وسمعه وبصره الاستلذاذ بكلام ربه له فحصل له من سماع ذلك الكلام وطيب ذلك الخطاب ولذة ذلك التكليم ما يجل ويعظم ويكبر أن يسمى سكرا أو يشبه بالسكر جرى على لسانه أن طلب الرؤية له سبحانه في تلك الحال. قال: السكر في هذا الباب اسم يشار به إلى سقوط التمالك في الطرب وهذا من مقامات المحبين خاصة فإن عيون الفناء لا تقبله ومنازل العلم لا تبلغه. قوله: quot; يشار به إلى سقوط التمالك quot; يعني: عدم الصبر تقول: ما تمالكت أن أفعل كذا أي: ما قدرت أن أصبر عنه فكأنه قال: هو اسم لقوة الطرب الذي لا يدفعه الصبر. وهذا المعنى لم يعبر عنه في القرآن ولا في السنة ولا العارفون من السلف بالسكر أصلا وإنما ذلك من اصطلاح المتأخرين وهو بئس الاصطلاح فإن لفظ(3\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1261",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14258",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السكر والمسكر من الألفاظ المذمومة شرعا وعقلا وعامة ما يستعمل في السكر المذموم الذي يمقته الله ورسوله قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى [النساء: 43] وعبر به سبحانه عن الهول الشديد الذي يحصل للناس عند قيام الساعة فقال تعالى: وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد [الحج: 2] ويقال: فلان أسكره حب الدنيا وكذلك يستعمل في سكر الهوى المذموم فأين أطلق الله سبحانه أو رسوله عن الصحابة أو أئمة الطريق المتقدمون على هذا المعنى الشريف الذي هو من أشرف أحوال محبيه وعابديه اسم السكر المستعمل في سكر الخمر وسكر الفواحش كما قال عن قوم لوط لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون [الحجر: 72] فوصف بالسكر أرباب الفواحش وأرباب الشراب المسكر فلا يليق استعماله في أشرف الأحوال والمقامات ولا سيما في قسم الحقائق ولا يطلق على كليم الرحمن اسم السكر في تلك الحال والاصطلاحات لا مشاحة فيها إذا لم تتضمن مفسدة. وأيضا فمن المعلوم أن هذا الحال يحصل في الجنة عند رؤية الرب تعالى وسماع كلامه على أتم الوجوه ولا يسمى سكرا ونحن لا ننكر المعنى المشار إليه بهذا الاسم وإنما المنكر تسميته بهذا الاسم ولا سيما إذا انضاف إلى ذلك اسم الشراب أو تسمية المعارف بالخمر والواردات بالكؤوس والله جل جلاله بالساقي فهذه الاستعارات والتسمية هي التي فتحت هذا الباب. وأما قوله: quot; وهو من مقامات المحبين خاصة quot; فلا بد من بيان حقيقة السكر وسببه وتولده وهل هو مقدور أو غير مقدور وبيان انقسامه باعتبار ذاته وأسبابه ومحله لتكون الفائدة بذلك أتم.(3\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1262",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14259",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فنقول وبالله التوفيق: السكر لذة ونشوة يغيب معها العقل الذي يحصل به التمييز فلا يعلم صاحبه ما يقول قال الله تعالى: ياأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون [النساء: 43] فجعل الغاية التي يزول بها حكم السكر أن يعلم ما يقول فإذا علم ما يقول خرج عن حد السكر قال الإمام أحمد: السكران من لم يعرف ثوبه من ثوب غيره ونعله من نعل غيره ويذكر عن الشافعي: أنه قال: إذا اختلط كلامه المنظوم وأفشى سره المكتوم. فالسكر يجمع معنيين: وجود لذة وعدم تمييز وقاصد السكر قد يقصدهما جميعا وقد يقصد أحدهما فإن النفس لها هوى وشهوات تلتذ بإدراكها والعلم بما في تلك اللذات من المفاسد العاجلة والآجلة يمنعها من تناولها والعقل يأمرها بأن لا تفعل فإذا زال العلم الكاشف المميز والعقل الآمر الناهي انبسطت النفس في هواها وصادفت مجالا واسعا. وحرم الله سبحانه السكر لشيئين ذكرهما في كتابه وهما إيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين والصد عن ذكر الله وعن الصلاة وذلك يتضمن حصول المفسدة الناشئة من النفوس بواسطة زوال العقل وانتفاء المصلحة التي لا تتم إلا بالعقل وإيقاع العداوة من الأول والصد عن ذكر الله من الثاني. وقد يكون سبب السكر غير تناول المسكر: إما ألم شديد يغيب به العقل حتى يكون كالسكران وقد يكون سببه مخوف عظيم هجم عليه وهلة واحدة حتى يغيب عقل من هجم عليه ومن هذا قوله تعالى: وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد [الحج: 2] فهم سكارى من الدهش والخوف وليسوا بسكارى من الشراب فسكرهم سكر خوف ودهش لا سكر لذة وطرب. وقد يكون سببه قوة الفرح بإدراك المحبوب بحيث يختلط كلامه وتتغير أفعاله بحيث يزول عقله ويعربد أعظم من عربدة شارب الخمر وربما قتله سكر هذا الفرح لسبب طبيعي وهو انبساط دم القلب وهلة واحدة انبساطا غير معتاد والدم حامل الحار الغريزي فيبرد القلب بسبب انبساط الدم عنه فيحدث الموت ومن هذا(3\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1263",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14260",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قول سكران الفرح بوجد راحلته في المفازة بعد أن استشعر الموت quot; اللهم أنت عبدي وأنا ربك quot; أخطأ من شدة فرحه وسكرة الفرح فوق سكرة الشراب فصور في نفسك حال فقير معدوم عاشق للدنيا أشد العشق ظفر بكنز عظيم فاستولى عليه آمنا مطمئنا كيف تكون سكرته أو من غاب عنه غلامه بمال له عظيم مدة سنين حتى أضر به العدم فقدم عليه من غير انتظار له بماله كله وقد كسب أضعافه وقد يوجبه غضب شديد يحول بين الغضبان وبين تمييزه بل قد يكون سكر الغضب أقوى من سكر الطرب ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يقض القاضي بين اثنين وهو غضبان ولا يستريب من شم رائحة الفقه أن الغضب إذا وصل بصاحبه إلى هذه الحال فطلق لم يقع طلاقه وقد نص الإمام أحمد على أن الإغلاق الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم لا طلاق ولا عتاق في إغلاق أنه الغضب وقال أبو داود: أظنه الغضب والشافعي سمى نذر اللجاج والغضب نذر الغلق وذلك لأن الغضبان قد انغلق عليه باب القصد والتمييز بشدة غضبه وإذا كان الإكراه غلقا فالغضب الشديد أولى أن يكون غلقا وكذلك السكر غلق والجنون غلق. فالغلق والإغلاق أيضا كلمة جامعة لمن انغلق عليه باب القصد والتمييز بسبب من الأسباب. وقد أشبعنا الكلام في هذا في كتابنا المسمى إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان.(3\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1264",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14261",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل أسباب السكر] فصل ومن أسباب السكر: حب الصور وغيرها سواء كانت مباحة أو محرمة فإن الحب إذا استحكم وقوي أسكر صاحبه وهذا مشهور في أشعارهم وكلامهم كما قال الشاعر: سكران: سكر هوى وسكر مدامة ... ومتى إفاقة من به سكران وقال آخر من أبيات: تسقيك من عينها خمرا ومن يدها ... خمرا فما لك من سكرين من بد لي سكرتان وللندمان واحدة ... شيء خصصت به من بينهم وحدي وفي المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم حبك الشيء يعمي ويصم أي: يعمي عن رؤية مساوئ المحبوب ويصم عن سماع العذل واللوم فيه وإذا تمكن واستمكن أعمى قلبه وأصمه بالكلية وهذا أبلغ من السكر فإذا انضم إلى سكر المحبة فرحة الوصال قوي السكر وتضاعف فيخرج صاحبه عن حكم العقل وهو لا يشعر وأكثر ما نرى من عربدة العاشق وتخليطه هو من هذا السكر ولكن لما ألف الناس ذلك واشتركوا فيه لم ينكروه وإنما ينكره من كان خارجا عنه فإذا أفاقوا بين الأموات علموا أنهم حينئذ كانوا في سكرتهم يعمهون.  فصل ومن أقوى أسباب السكر الموجبة له سماع الأصوات المطربة لا سيما إن كانت من صورة مستحسنة وصادفت محلا قابلا فلا تسأل عن سكر السامع وهذا السكر يحدث عندها من جهتين: إحداهما: أنها في نفسها توجب لذة قوية ينغمر معها العقل. الثانية: أنها تحرك النفس إلى نحو محبوبها وجهته كائنا من كان فيحصل بتلك الحركة والشوق والطلب مع التخيل للمحبوب وإحضاره في النفس وإدناء صورته إلى القلب واستيلائها على الفكر لذة عظيمة تقهر العقل فتجتمع لذة الألحان(3\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1265",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14262",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولذة الأشجان فتسكر الروح سكرا عجيبا أقوى وألذ من سكر الشراب وتحصل به نشوة ألذ من نشوة الشراب. ومن هاهنا استشهد الشيخ على السكر بقول موسى عليه السلام لما سمع كلام الرب جل جلاله: رب أرني أنظر إليك [الأعراف: 143] وقد ذكر الإمام أحمد وغيره: أن الله سبحانه وتعالى يقول يوم القيامة لداود: quot; مجدني بذلك الصوت الذي كنت تمجدني به في الدنيا فيقول: يا رب كيف وقد أذهبته المعصية فيقول الله تعالى: أنا أرده عليك فيقوم عند ساق العرش فيمجده فإذا سمع أهل الجنة صوته استفرغ نعيم أهل الجنة quot; وأعظم من ذلك إذا سمعوا كلام الرب جل جلاله وخطابه لهم منه إليهم بلا واسطة وقد ذكر عبد الله بن أحمد في كتاب السنة أثرا في ذلك: كأن الناس يوم القيامة لم يسمعوا القرآن إذا سمعوه من الرحمن جل جلاله. فإذا انضاف إلى ذلك: رؤيتهم وجهه الكريم الذي تغنيهم لذة رؤيته عن الجنة ونعيمها فأملا لا تدركه العبارة ولا قليلا من كثير فهذا صوت لا يلج كل أذن وصيب لا تحيا به كل أرض وعين لا يشرب منها كل وارد وسماع لا يطرب عليه كل سامع ومائدة لا يجلس عليها طفيلي. فلنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول: السكر سببه اللذة القاهرة للعقل وسبب اللذة إدراك المحبوب فإذا كانت المحبة قوية وإدراك المحبوب قويا كانت اللذة بإدراكه تابعة لقوة هذين الأمرين فإذا كان العقل قويا مستحكما لم يتغير لذلك وإن كان ضعيفا حدث السكر المخرج له عن حكمه فقد يضاف إلى قوة الوارد وقد يضاف إلى ضعف المحل وقد يجتمع الأمران. قال صاحب المنازل: وعيون الفناء لا تقبله ومنازل العلم لا تبلغه. لما كان الفناء يفني من العبد كل ما سوى مشهوده ويفني معاني كل شيء وكان السكر كما حده بأنه سقوط التمالك في الطرب كان في السكران بقية طرب بها وأحس بها بطربه بحيث لم يتمالك في الطرب والفناء يأبى ذلك فحقائقه لا تقبل السكر(3\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1266",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14263",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحاصل: أن الفناء استغراق محض والسكر معه لذة وطرب لا يتمالك صاحبها ولا يقدر أن يفنى عنها. والمقصود: أن السكر ليس من أعلى مقامات العارفين الواصلين لأن أعلى مقاماتهم هو الفناء عنده فمقامهم لا يقبل السكر. قوله: quot; ومنازل العلم لا تبلغه quot; صحيح فإن علم المحبة والشوق والعشق شيء وحال المحبة شيء آخر والسكر لا ينشأ عن علم المحبة وإنما ينشأ عن حالها فكأنه يقول: السكر صفة وحالة نقص لمن مقامه فوق مقام العلم ودون مقام الشهود والفناء وهو مختص بالمحبة لأن المحبة هي آخر منزلة يلتقي فيها مقدمة العامة وهم أهل طور العلم وساقة الخاصة وهم أهل طور الشهود والفناء فالبرزخ الحاصل بين المقامين: هو مقام المحبة فاختص به السكر.  [فصل علامات السكر] فصل قال: وللسكر ثلاث علامات: الضيق عن الاشتغال بالخبر والتعظيم قائم. واقتحام لجة الشوق والتمكن دائم. والغرق في بحر السرور والصبر هائم. يريد: أن المحب تشغله شدة وجده بالمحبوب وحضور قلبه معه وذوبان جوارحه من شدة الحب عن سماع الخبر عنه وهذا الكلام ليس على إطلاقه فإن المحب الصادق أحب شيء إليه الخبر عن محبوبه وذكره كما قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله وقال بعض العارفين: كيف يشبعون من كلام محبوبهم وهو غاية مطلوبهم والذي يريده الشيخ وأمثاله بهذا: أن المحب الصادق يمتلئ قلبه بالمحبة فتكون هي الغالبة عليه فتحمله غلبتها وتمكنها على أن لا يغفل عن محبوبه ولا يشتغل قلبه بغيره ألبتة فيسمع من الفارغين ما ورد في حق المحبين ويسمع منهم أوصاف حبيبه والخبر عنه فلا يكاد يصبر على أن يسمع ذلك أبدا لضيق قلبه عن سماعه من قلب غافل وإلا فلو سمع هذا الخبر ممن هو شريكه في شجوه وأنيسه في طريقه وصاحبه في سفره لما ضاق عنه بل لاتسع له غاية الاتساع فهذا وجه. ووجه ثان وهو: أن السكران بالمحبة قد امتلأ قلبه بمشاهدة المحبوب(3\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1267",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14264",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاجتمعت قوى قلبه وهمه وإرادته عليه ومعاني الخبر فيها كثرة وانتقال من معنى إلى معنى فقلبه يضيق في هذه الحال عنها حتى إذا صحا اتسع قلبه لها. قوله: quot; والتعظيم قائم quot; أي: ضيق قلبه عن اشتغاله بالخبر ليس اطراحا له ورغبة عنه وكيف وهو خبر عن محبوبه واردا منه بل لضيقه في تلك الحال عن الاشتغال به وتعظيمه قائم في قلبه فهو مشغول بوجده وحاله عما يفرقه عنه وهذا يحسن إذا كان المشتغل به أحب إلى حبيبه من المشتغل عنه فأما إذا كان ما أعرض عنه أحب إلى الحبيب مما اشتغل به فشرع المحبة يوجب عليه إيثار أعظم المحبوبين إلى حبيبه وإلا كان مع نفسه ووجده ولذته. قوله: quot; واقتحام لجة الشوق والتمكن دائم quot; اقتحام لجة الشوق: هو ركوب بحره وتوسطه لا الدخول في حاشيته وطرفه والتمكن المشار إليه: هو لزوم أحكام العلم من العمل به ولزوم أحكام الورع والقيام بالأوراد الشرعية فلزوم ذلك ودوامه علامة صحة الشوق. قوله: quot; والغرق في بحر السرور والصبر هائم quot; أي: يكون المحب غريقا في بحر السرور ولا يفارقه السرور حتى كأنه بحر قد غرق فيه فكما أن الغريق لا يفارقه الماء كذلك المحب لا يفارقه السرور ومن ذاق مقام المحبة عرف صحة ما يقوله الشيخ فإن نعيم المحبة في الدنيا رقيقه ولطيفه من نعيم الجنة في الآخرة بل هو جنة الدنيا فما طابت الدنيا إلا بمعرفة الله ومحبته ولا الجنة إلا برؤيته ومشاهدته فنعيم المحب دائم وإن مزج بالآلام أحيانا فلو عرف المشغولون بغير الحق سبحانه ما فيه أهل محبته وذكره ومعرفته من النعيم لتقطعت قلوبهم حسرات ولعلموا أن الذي حصلوه لا نسبة له إلى ما ضيعوه وحرموه. كما قيل: ولا خير في الدنيا ولا في نعيمها ... وأنت وحيد مفرد غير عاشق وقال الآخر: وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوى ... ولا خير فيمن لا يحب ويعشق وقال الآخر: هل العيش إلا أن تروح وتغتدي ... وأنت بكأس العشق في الناس نشوان(3\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1268",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14265",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الآخر: وما تلفت إلا من العشق مهجتي ... وهل طاب عيش لامرئ غير عاشق وقال الآخر: وما سرني أني خلي من الهوى ... ولو أن لي ما بين شرق ومغرب وقال الآخر: ولا خير في الدنيا بغير صبابة ... ولا في نعيم ليس فيه حبيب وقال الآخر: وما طابت الدنيا بغير محبة ... وأي نعيم لامرئ غير عاشق وقال الآخر: اسكن إلى سكن تلذ بحبه ... ذهب الزمان وأنت منفرد به وقال الآخر: إذا لم تذق في هذه الدار صبوة ... فموتك فيها والحياة سواء وقال الآخر: وما ذاق طعم العيش من لم يكن له ... حبيب إليه يطمئن ويسكن وقال الآخر: ولا خير في الدنيا إذا أنت لم تزر ... حبيبا ولا وافى إليك حبيب قال الآخر: يزور فتنجلي عني هموم ... لأن جلاء حزني في يديه ويمضي بالمسرة حين يمضي ... لأن حوالتي فيها عليه قال أبو المنجاب: رأيت في الطواف فتى نحيف الجسم بين الضعف يلوذ(3\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1269",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14266",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويتعوذ وينشد: وددت بأن الحب يجمع كله ... فيقذف في قلبي وينغلق الصدر ولا ينقضي ما في فؤادي من الهوى ... ومن فرحي بالحب أو ينقضي العمر والأخبار في المحبين وأشعارهم في ذلك أكثر من أن تحصى هذا وكل منهم معذب بمحبوبه سوى الحق سبحانه ولو ظفر بوصاله فما الظن بمن قصر حبه على الحبيب الأول وكلما دعته نفسه إلى محبة غيره تمثل بقول القائل: نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول قوله: quot; والصبر هائم quot; أي: يكون غريقا في سروره بالمحبة وصبره مفقود و quot; الهيمان quot; هو التشتت والحيرة. قوله: وما سوى هذا فحيرة تنحل اسم السكر جهلا أو هيمانا يسمى باسمه جورا يقول: وما سوى ما ذكرناه من العلامات الثلاث وإن كان من المحبة إلا أنه لا ينبغي أن يسمى سكرا مثل الحياة فإنها تعطى اسم السكر عند الجهال ومثل الهيمان فإنه يسميه من لا يعرف السكر سكرا وذلك جور وخروج عن التحقيق وعدول عن الصواب. قوله: وما سوى ذلك فكله يناقض البصائر كسكر الحرص وسكر الجهل وسكر الشهوة أي: هذه الأنواع من السكر أنواع مذمومة تناقض البصائر فسكر الحرص ينشأ من شدة الرغبة في الدنيا وعدم الزهد فيها والحريص عليها سكران في صورة صاح وكذلك سكر الجهل فإن الجهل جهلان: جهل العلم وجهل العمل فإذا تحكم الجهلان فلا تسأل عن سكر صاحبهما وكذلك سكر الشهوة فإن لها سكرا أشد من سكر الخمر وكذلك سكر الغضب وسكر الفرح وكذلك سكر السلطان والرئاسة فإن للرئاسة سكرا وعربدة لا تخفى وكذلك الشباب له سكرة قوية وهي شعبة من الجنون وكذلك الخوف له سكرة تحول بين الخائف وبين حكم العقل.(3\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1270",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14267",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سكرات خمس إذا مني المر ... ء بها صار ضحكة للزمان سكرة الحرص والحداثة والعش ... ق وسكر الشراب والسلطان وآخر ذلك سكرة الموت التي تأتي بالحق هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون [يونس: 30] .  [فصل الصحو] قال صاحب المنازل: (باب الصحو) قال الله تعالى: حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير [سبأ: 23] . وجه استدلاله بإشارة الآية: أن الله سبحانه إذا تكلم بالوحي صعقت الملائكة وأخذهم شبه الغشي من تكلم الرب جل جلاله فإذا كشف الفزع عن قلوبهم وخلى عنها وأفاقوا من ذلك الغشي قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم فيستخبر كل أهل سماء من يليهم حتى ينتهي الأمر إلى أهل السماء السابعة فيسألون جبريل: يا جبريل ماذا قال ربنا فيقول: قال الحق. وهو العلي الكبير. قال: الصحو: فوق السكر وهو يناسب مقام البسط والصحو: مقام صاعد عن الانتظار مغن عن الطلب طاهر من الحرج فإن السكر إنما هو في الحق والصحو إنما هو بالحق كل ما كان في عين الحق لم يخل من حيرة لا حيرة الشبهة بل حيرة مشاهدة نور العزة وما كان بالحق لم يخل من صحة. ولم تحف عليه نقيصة ولم تتعاوره علة. والصحو: من منازل الحياة وأودية الجمع ولوائح الوجود. قوله: quot; الصحو فوق السكر quot; يعني: أن السكر يكون في الانفصال. والصحو في(3\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1271",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14268",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاتصال وأيضا فالسكر فناء والصحو بقاء. وأيضا فالسكر غيبة والصحو حضور وأيضا فالسكر غلبة والصحو تمكن وأيضا فالسكر كالنوم والصحو كاليقظة. وبعضهم يفضل مقام السكر على مقام الصحو ويقول: لولا البقية التي بقيت فيه لما صحا وينشد متمثلا: ومهما بقى للصحو فيك بقية ... يجد نحوك اللاحي سبيلا إلى العذل وهذا غلط محض لما ذكرنا. نعم السكر فوق الصحو الفارغ والسكران بالمحبة خير من الصاحي منها والصاحي بها خير من السكران فيها. قوله: quot; وهو يناسب مقام البسط quot; وجه المناسبة بينهما أن الانبساط لا يكون إلا مع الصحو وإلا فالسكر لا يحتمل الانبساط. قوله: quot; والصحو مقام صاعد عن الانتظار quot; يعني: انتظار الحضور فإن الصاحي متمكن في الحضور ولذلك أشبه مقامه مقام البسط فالصحو أعلى من أن يصحبه الانتظار لأن صاحبه قد اتصل فهو لا ينتظر الاتصال ولذلك قال: مغن عن الطلب فإن الطالب إنما يطلب الوصول إلى مطلوبه وهذا قد اتصل فصحوه مغن له عن طلبه. وهذا الكلام ليس على إطلاقه فإن الطلب لا يفارق العبد ما دامت الحياة تصحبه نعم صحوه مغن عن طلب حظ من حظوظه وأما طلب محاب محبوبه ومراضيه فهو أكمل ما يكون لها طلبا. فإن قيل: إن مراد الشيخ: أنه مغن عن التوجه والسلوك فإنه واصل والسالك لا يزال في الطريق. قلت: العبد لا يزال في الطريق حتى يلحق الله تعالى. قال الله تعالى: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [الحجر: 99] وهو الموت بإجماع أهل العلم كلهم. قال الحسن: لم يجعل الله لعباده المؤمنين أجلا دون الموت. وتقسيم أبناء الآخرة إلى طالب وسالك وواصل صحيح باعتبار فاسد(3\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1272",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14269",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "باعتبار فكأنهم جعلوا السير إلى الله تعالى بمنزلة السير إلى بيته فالناس ثلاثة: طالب للسفر ومسافر في الطريق وواصل إلى البيت. وهذا موضع زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام ولا بد من تحقيقه. فنقول وبالله التوفيق ومنه الاستمداد وهو المستعان: هذا المثال غير مطابق فإن الوصول إلى البيت هو غاية الطريق فإذا وصل فقد انقطعت طريقه وانتهى سفره وليس كذلك الوصول إلى الله فإن العبد إذا وصل إلى الله جذبه سيره وقوي سفره فعلامة الوصول إلى الله: الجد في السير والاجتهاد في السفر وهذا الموضع هو مفرق الطريقين بين الموحدين والملحدين فالملحد يقول: السفر وسيلة والاشتغال بالوسيلة بعد الوصول إلى الغاية بطالة ومتى وصل العبد سقطت عنه أحكام السفر وصار كما قيل: فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر ودعي بعض هؤلاء إلى الصلاة وقد أقيمت فقال: يطالب بالأوراد من كان غافلا ... فكيف بقلب كل أوقاته ورد وقيل لملحد آخر منهم: ألا تصلي فقال: أنتم مع أورادكم ونحن مع وارداتنا وهؤلاء هم الذين صاح بهم أئمة الطريق وأخرجوهم من دائرة الإسلام وقال بعضهم: نعم وصلوا ولكن إلى الشيطان لا إلى الرحمن وقال آخر: وصلوا ولكن إلى سقر. فكل واصل إلى الله: فهو طالب له وسالك في طريق مرضاته. نعم بداية الأمر الطلب وتوسطه السلوك ونهايته الوصول وسيأتي بيان حقيقة الوصول الذي يشير إليه القوم في الباب الذي يلي هذا إن شاء الله تعالى. والمقصود: أن قوله: quot; مغن عن الطلب quot; كلام يحتاج إلى تأويل وحمل على معنى يصح فإما أن يحمل على أنه مغن عن تكلف الطلب فلا يريد هذا على هذا المعنى. وإما أن يحمل على أنه مغن عن رؤيته وهذا أقرب ولكن لا يريده. وإما أن يحمل على أنه قد وصل إلى مشاهدة الأولية حيث تنطوي الأكوان والأسباب ولا يبقى للطلب تأثير ألبتة فإنه من عين الجود وحصول المطلوب لم يكن موقوفا عليه ولا به وإنما هو ممن وجود كل شيء به وحده فهو الموجد والمعد(3\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1273",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14270",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والممد وبيده الأسباب وسببيتها وقواها وموانعها ومعارضها فالأمر كله له وبه ومصيره إليه فهذا معنى صحيح في نفسه ولكن صاحب هذا المقام لا يستغني عن الطلب. قوله: quot; طاهر من الحرج quot; أي: خال منه لا حرج عليه لأنه قائم بوظائف العبودية في سكره وصحوه. قوله: quot; فإن السكر إنما هو في الحق والصحو إنما هو بالحق quot;. يريد: أن السكر إنما هو في محبته والشوق إليه فقلبه مستغرق في الحب والصحو إنما هو بالحق أي: بوجوده وهذا كلام يحتاج إلى شرح وبيان وعبارة وافية فنقول والله المستعان: المحب له حالتان: حالة استغراق في محبة محبوبه كاستغراق صاحب السكر في سكره وذلك عند استغراقه في شهود جماله وكماله فلا يبقى فيه متسع لسواه ولا فضل لغيره فإذا رآه من لم يعرف حاله: ظنه سكرا فهذا استغراق في محبوبه وصفاته ونعوته. الحالة الثانية: حالة صحو يفيق فيها على عبوديته والقيام بمرضاته كالمسارعة إلى محابه فهو في هذا الحال به أي: متصرف في أوامره ومحابه به ليس غائبا عنه بأوامره ولا غائبا به عن أوامره فلا يشغله واجب أو أمر وحقوقه عن واجب محبته والإنابة إليه والرضا به ولا يشغله واجب حبه عن أوامره بل هو مقتد بإمام الحنفاء إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه فإنه كان في أعلى مقامات المحبة وهي الخلة ولم يشغله ذلك عن القيام بخصال الفطرة من الختان وقص الشارب وتقليم الأظافر فضلا عما هو فوق ذلك فوفى المقامين حقهما ولهذا أثنى الله عليه بذلك فقال: وإبراهيم الذي وفى [النجم: 37] . قوله: وكلما كان في عين الحق لم يخل من حيرة. يريد بذلك: تفضيل مقام الصحو على مقام السكر ورفعه عليه وأن السكر لما كان في عين الحق كان مستلزما لنوع من الحيرة ثم استدرك فقال: quot; لا حيرة الشبهة quot; فإنها تنافي أصل عقد الإيمان quot; ولكن حيرة مشاهدة أنوار العزة quot; وهي دهشة تعتري الشاهد لأمر عظيم جدا لا عهد له بمثله بخلاف مقام quot; الصحو quot; فإنه لقوته(3\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1274",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14271",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وثباته وتمكنه لا يعرض له ذلك. وحاصل كلامه: أن من كان ناظرا في عين الحقيقة لزمته الحيرة وهي حيرة مشاهدة أنوار العزة لا حيرة من ضل عن طريق مقصوده فإن الشبهة هي اشتباه الطريق على السالك بحيث لا يدري أعلى حق هو أم على باطل وقد تقدم بيان أن مشاهدة نور الذات المقدسة في هذه الدار محال فلا نعيده. قوله: وما كان بالحق لم يخل من صحة ولم تحف عليه نقيصة ولم تتعاوره علة هذا تقرير منه لرفع مقام الصحو على مقام السكر فإنه لما كان بالله كان محفوظا محروسا من النفس والشيطان اللذين هما مصدر كل باطل وهذا الحفظ هو معنى قوله quot; فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها quot; فأين الباطل هاهنا ثم قال: quot; فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي quot; تحقيقا لحفظ سمعه وبصره وبطشه ومشيه. قوله: quot; ولم تتعاوره علة quot; التعاور: الاختلاف أي: لم تتخالف عليه العلل والعلل ملاحظة الأغيار وطاعة القلب للسوى وإجابته لداعيه. قوله: quot; والصحو من منازل الحياة وأودية الجمع ولوائح الوجود quot; هذا تقرير أيضا لرفع مقامه على مقام السكر وقد تقدم ذكر الحياة ومراتبها وأقسامها. والمناسبة بين الصحو والحياة: أن الحياة هي المصححة لجميع المقامات والأحوال فهي التي ترمي على جميعها كما ترمي الأودية أمواهها على البحار. قوله: quot; وأودية الجمع quot; الجمع يراد به جمع الوجود وجمع الشهود وجمع الإرادة فالأول: جمع أهل الإلحاد الاتحادية. والثاني: جمع أهل الفناء. والثالث: جمع الرسل وورثتهم كما سيأتي تفصيل ذلك في باب الجمع إن شاء الله تعالى فالصحو من أودية الجمع العالي لا النازل ولا المتوسط. قوله: quot; ولوائح الوجود quot; اللوائح جمع لائحة وهي ما يلوح لك كالبرق وغيره وسيأتي الكلام على الوجود الذي الصحو من لوائحه في بابه إن شاء الله تعالى.(3\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1275",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14272",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الاتصال] قال صاحب المنازل (باب الاتصال) قال الله تعالى: ثم دنا فتدلى - فكان قاب قوسين أو أدنى [النجم: 8 - 9] آيس العقول فقطع البحث بقوله: quot; أو أدنى quot;. كأن الشيخ فهم من الآية: أن الذي دنى فتدلى فكان من محمد صلى الله عليه وسلم قاب قوسين أو أدنى: هو الله عز وجل وهذا وإن قاله جماعة من المفسرين فالصحيح: أن ذلك هو جبريل عليه الصلاة والسلام فهو الموصوف بما ذكره من أول السورة إلى قوله: ولقد رآه نزلة أخرى - عند سدرة المنتهى [النجم: 13 - 14] هكذا فسره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح قالت عائشة رضي الله عنها: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقال: جبريل لم أره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين ولفظ القرآن لا يدل على غير ذلك من وجوه. أحدها: أنه قال علمه شديد القوى [النجم: 5] وهذا جبريل الذي وصفه الله بالقوة في سورة التكوير فقال: إنه لقول رسول كريم - ذي قوة عند ذي العرش مكين [التكوير: 19 - 20] . الثاني: أنه قال: ذو مرة [النجم: 6] أي: حسن الخلق وهو الكريم المذكور في التكوير. الثالث: أنه قال: فاستوى - وهو بالأفق الأعلى [النجم: 6 - 7] وهو ناحية السماء العليا وهذا استواء جبريل بالأفق الأعلى وأما استواء الرب جل جلاله فعلى عرشه. الرابع: أنه قال: ثم دنا فتدلى - فكان قاب قوسين أو أدنى [النجم: 8 - 9] فهذا دنو جبريل وتدليه إلى الأرض حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما الدنو والتدلي في حديث المعراج فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان فوق السماوات. فهناك دنا الجبار جل جلاله منه وتدلى.(3\/300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1276",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14273",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالدنو والتدلي في الحديث غير الدنو والتدلي في الآية وإن اتفقا في اللفظ. الخامس: أنه قال: ولقد رآه نزلة أخرى - عند سدرة المنتهى [النجم: 13 - 14] والمرئي عند السدرة: هو جبريل قطعا وبهذا فسره النبي صلى الله عليه وسلم فقال لعائشة ذاك جبريل . السادس: أن مفسر الضمير في قوله: ولقد رآه [النجم: 13]  وفي قوله: ثم دنا فتدلى [النجم: 8]  وفي قوله: فاستوى وفي قوله: وهو بالأفق الأعلى [النجم: 7] واحد فلا يجوز أن يخالف بين المفسر والمفسر من غير دليل. السابع: أنه سبحانه ذكر في هذه السورة الرسولين الكريمين: الملكي والبشري ونزه البشري عن الضلال والغواية ونزه الملكي عن أن يكون شيطانا قبيحا ضعيفا بل هو قوي كريم حسن الخلق وهذا نظير الوصف المذكور في سورة التكوير سواء. الثامن: أنه أخبر هناك أنه رآه بالأفق المبين وهاهنا أخبر أنه رآه بالأفق الأعلى وهو واحد وصف بصفتين فهو مبين وهو أعلى فإن الشيء كلما علا بان وظهر. التاسع: أنه قال: ذو مرة [النجم: 6] والمرة الخلق الحسن المحكم فأخبر عن حسن خلق الذي علم النبي صلى الله عليه وسلم ثم ساق الخبر كله عنه نسقا واحدا. العاشر: أنه لو كان خبرا عن الرب تعالى لكان القرآن قد دل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه سبحانه مرتين: مرة بالأفق ومرة عند السدرة ومعلوم أن الأمر لو كان كذلك لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر وقد سأله: هل رأيت ربك فقال: نور أنى أراه فكيف يخبر القرآن أنه رآه مرتين ثم يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: quot; أنى أراه quot; وهذا أبلغ من قوله: لم أره لأنه مع النفي يقتضي الإخبار عن عدم الرؤية فقط وهذا يتضمن النفي وطرفا من الإنكار على السائل كما إذا قال لرجل: هل كان كيت وكيت فيقول: كيف يكون ذلك(3\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1277",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14274",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحادي عشر: أنه لم يتقدم للرب جل جلاله ذكر يعود الضمير عليه في قوله: ثم دنا فتدلى [النجم: 8] والذي يعود الضمير عليه لا يصلح له وإنما هو لعبده. الثاني عشر: أنه كيف يعود الضمير إلى ما لم يذكر ويترك عوده إلى المذكور مع كونه أولى به الثالث عشر: أنه قد تقدم ذكر quot; صاحبكم quot; وأعاد عليه الضمائر التي تليق به ثم ذكر بعده quot; شديد القوى ذو مرة quot; وأعاد عليه الضمائر التي تليق به والخبر كله عن هذين المفسرين وهما الرسول الملكي والرسول البشري. الرابع عشر: أنه سبحانه أخبر أن هذا الذي دنا فتدلى كان بالأفق الأعلى وهو أفق السماء بل هو تحتها قد دنا من رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم ودنو الرب تعالى وتدليه على ما في حديث شريك كان من فوق العرش لا إلى الأرض. الخامس عشر: أنهم لم يماروه صلوات الله وسلامه عليه على رؤية ربه ولا أخبرهم بها لتقع مماراتهم له عليها وإنما ماروه على رؤية ما أخبرهم من الآيات التي أراه الله إياها ولو أخبرهم الرب تعالى لكانت مماراتهم له عليها أعظم من مماراتهم على رؤية المخلوقات. السادس عشر: أنه سبحانه قرر صحة ما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم وأن مماراتهم له على ذلك باطلة بقوله: لقد رأى من آيات ربه الكبرى فلو كان المرئي هو الرب سبحانه وتعالى والمماراة على ذلك منهم لكان تقرير تلك الرؤية أولى والمقام إليها أحوج والله أعلم. قوله: quot; آيس العقول بقوله: أو أدنى quot; يعني: أن العقول لا تقدر أن تثبت على معرفة اتصال هو أدنى من قاب قوسين وهذا بناء على ما فهمه من الآية وإلا فالعقول غير آيسة من دنو رسوله الملكي من رسوله البشري حتى صار في القرب منه قاب قوسين أو أدنى من قوسين فإنه دنو عبد من عبد ومخلوق من مخلوق. يبقى أن يقال: فما فائدة ذكر quot; أو quot; فيقال: هي لتقرير المذكور قبلها وأن القرب إن لم ينقص عن قدر قوسين لم يزد عليهما وهذا كقوله: وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون [الصافات: 147] والمعنى: أنهم إن لم يزيدوا على المائة الألف لم ينقصوا عنها.(3\/302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1278",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14275",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهو تقرير لنصية عدد المائة الألف فتأمله. قال: والاتصال ثلاث درجات الدرجة الأولى: اتصال الاعتصام ثم اتصال الشهود ثم اتصال الوجود واتصال الاعتصام: تصحيح القصد ثم تصفية الإرادة ثم تحقيق الحال. أما القسمان الأولان وهما اتصال الاعتصام واتصال الشهود فلا إشكال فيهما فإنهما مقاما الإيمان والإحسان فاتصال الاعتصام مقام الإيمان واتصال الشهود مقام الإحسان. وعندي: أنه ليس وراء ذلك مرمى وكل ما يذكر بعد ذلك من اتصال صحيح فهو من مقام الإحسان فاتصال الوجود لا حقيقة له ولكن لا بد من ذكر مراد الشيخ وأهل الاستقامة بهذا الاتصال ومراد أهل الإلحاد القائلين بوحدة الوجود منه إذا انتهينا إلى ذكره إن شاء الله. فأما اتصال الاعتصام: فقد قال الله تعالى: واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير [الحج: 78]  وقال تعالى: ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم [آل عمران: 101]  وقال تعالى: إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله [النساء: 146]  وقال: واعتصموا بحبل الله جميعا [آل عمران: 103] . فالاعتصام به نوعان: اعتصام توكل واستعانة وتفويض ولجء وعياذ وإسلام النفس إليه والاستسلام له سبحانه. والثاني: اعتصام بوحيه وهو تحكيمه دون آراء الرجال ومقاييسهم ومعقولاتهم وأذواقهم وكشوفاتهم ومواجيدهم فمن لم يكن كذلك فهو منسل من هذا الاعتصام فالدين كله في الاعتصام به وبحبله علما وعملا وإخلاصا واستعانة ومتابعة واستمرارا على ذلك إلى يوم القيامة. قوله: quot; ثم اتصال الشهود quot; وتقدم ذكر المشاهدة قريبا وبينا أن المشاهدة هي(3\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1279",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14276",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تحقق مقام الإحسان فالاتصال الأول اتصال العلم والعمل والثاني اتصال الحال والمعرفة. قوله: quot; ثم اتصال الوجود quot; الوجود: الظفر بحقيقة الشيء ومعاذ الله أن يريد الشيخ: أن وجود العبد يتصل بوجود الرب فيصير الكل وجودا واحدا كما يظنه الملحد فإن كفر النصارى جزء يسير من هذا الكفر وهو أيضا كلام لا معنى له فإن العبد بل لا عبد في الحقيقة عندهم لم يزل كذلك ولو كان أفسد الخلق وأفجرهم فنفس وجوده متصل بوجود ربه بل هو عين وجوده بل لا رب عندهم ولا عبد. وإنما يريد الشيخ باتصال الوجود: أن العبد يجد ربه بعد أن كان فاقدا له فهو بمنزلة من كان يطلب كنزا ولا وصول له إليه فظفر به بعد ذلك ووجده واستغنى به غاية الغنى فهذا اتصال الوجود كما في الأثر اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء. وهذا الوجود من العبد لربه يتنوع بحسب أحوال العبد ومقامه فإن التائب الصادق في توبته إذا تاب إليه وجده غفورا رحيما والمتوكل إذا صدق في التوكل عليه وجده حسيبا كافيا والداعي إذا صدق في الرغبة إليه وجده قريبا مجيبا والمحب إذا صدق في محبته وجده ودودا حبيبا والملهوف إذا صدق في الاستغاثة به وجده كاشفا للكرب مخلصا منه والمضطر إذا صدق في الاضطرار إليه وجده رحيما مغيثا والخائف إذا صدق في اللجء إليه وجده مؤمنا من الخوف والراجي إذا صدق في الرجاء وجده عند ظنه به. فمحبه وطالبه ومريده الذي لا يبغي به بدلا ولا يرضى بسواه عوضا إذا صدق في محبته وإرادته وجده أيضا وجودا أخص من تلك الوجودات فإنه إذا كان المريد منه يجده فكيف بمريده ومحبه فيظفر هذا الواجد بنفسه وبربه. أما ظفره بنفسه فتصير منقادة له مطيعة له تابعة لمرضاته غير آبية ولا أمارة بل تصير خادمة له مملوكة بعد أن كانت مخدومة مالكة. وأما ظفره بربه فقربه منه وأنسه به وعمارة سره به وفرحه وسروره به أعظم فرح وسرور فهذا حقيقة اتصال الوجود والله المستعان. قوله: فاتصال الاعتصام: تصحيح القصد ثم تصفية الإرادة ثم تحقيق الحال.(3\/304)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1280",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14277",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت: تصحيح القصد يكون بشيئين إفراد المقصود وجمع الهم عليه وحقيقته توحيد القصد والمقصود فمتى انقسم قصده أو مقصوده لم يكن صحيحا وقد عبر عنه الشيخ فيما تقدم بأنه quot; قصد يبعث على الارتياض ويخلص من التردد ويدعو إلى مجانبة الأعواض quot; فالاتصال في هذه الدرجة بهذا القصد. وقوله: quot; ثم تصفية الإرادة quot; هو تخليصها من الشوائب وتعلقها بالسوى أو بالأعواض بل تكون إرادة صافية من ذلك كله بحيث تكون متعلقة بالله وبمراده الديني الشرعي كما تقدم بيانه. قوله: quot; ثم تحقيق الحال quot; أي: يكون له حال محقق ثابت لا يكتفي بمجرد العلم حتى يصحبه العمل ولا بمجرد العمل حتى يصحبه الحال فتصير الإرادة والمحبة والإنابة والتوكل وحقائق الإيمان حالا لقلبه قد انصبغ قلبه بها بحيث لو تعطلت جوارحه كان قلبه في العمل والسير إلى الله وربما يكون عمل قلبه أقوى من عمل جوارحه. قوله: الدرجة الثانية: اتصال الشهود وهو الخلاص من الاعتلال والغنى عن الاستدلال وسقوط شتات الأسرار. الاعتلال هو العوائق والعلل والخلاص منها هو الصحة ولهذا كانت هذه الدرجة أعلى مما قبلها فإن الأولى: اتصال بصحة القصود والأعمال وهذه اتصال برؤية من العمل له على تحقيق مشاهدته بالبصيرة فيتخلص العبد بذلك من علل الأعمال واستكثارها واستحسانها والسكون إليها. قوله: quot; والغنى على الاستدلال quot; أي: هو مستغن بمشاهدة المدلول عليه عن طلب الدليل فإن طالب الدليل إنما يطلبه ليصل به إلى معرفة المدلول فإذا كان مشاهدا للمدلول فما له ولطلب الدليل وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل فكيف يحتاج إلى إقامة الدليل عليه من النهار بعض آياته الدالة عليه ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر [فصلت: 37] ولهذا خاطب الرسل قومهم خطاب من لا يشك(3\/305)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1281",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14278",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في ربه ولا يرتاب في وجوده قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض [إبراهيم: 10] . قوله: quot; وسقوط شتات الأسرار quot; يعني: أن الخلاص من الاعتلال والفناء باتصال الشهود عن الاستدلال يسقطان عنه شتات الأسرار وهو تفرق باله وتشتت قلبه في الأكوان فإن اتصال شهوده يجمعه على المشهود كما أن دوام الذكر الذي تواطأ عليه القلب واللسان وشهود المذكور يجمعه عليه ويسقط شتاته فالشتات مصحوب الغيبة وسقوطه مصحوب الحضور والله المستعان. قوله: الدرجة الثالثة: اتصال الوجود وهذا الاتصال لا يدرك منه نعت ولا مقدار إلا اسم معار ولمح إليه مشار يقول: لما يعهد في هذا النوع من الاتصال وكان أعز شيء وأغربه عن النفوس علما وحالا لم تف العبارة بكشفه فإن اللفظ لملوم والعبارة فتانة إما أن تزيغ إلى زيادة مفسدة أو نقص مخل أو تعدل بالمعنى إلى غيره فيظن أنه هو الذي تمكن العبارة عنه من ذلك أنه غلبه نور القرب وتمكن المحبة وقوة الأنس وكمال المراقبة واستيلاء الذكر القلبي فيذهب العبد عن إدراكه بحاله لما قهره من هذه الأمور فيبقى بوجود آخر غير وجوده الطبيعي. وما أظنك تصدق بهذا وأنه يصير له وجود آخر وتقول: هذا خيال ووهم فلا تعجل بإنكار ما لم تحط بعلمه فضلا عن ذوق حاله وأعط القوس باريها وخل المطايا وحاديها فلو أنصفت لعرفت أن الوجود الحاصل لمعذب مضيق عليه في أسوأ حال وأضيق سجن وأنكد عيش إذا فارق هذه الحال وصار إلى ملك هني واسع نافذة فيه كلمته مطاع أمره قد انقادت له الجيوش واجتمعت عليه الأمة فإن وجوده حينئذ غير الوجود الذي كان فيه وهذا تشبيه على التقريب وإلا فالأمر أعظم من ذلك وأعظم فلهذا قال: quot; لا يدرك منه نعت quot; يطابقه ويحيط به فإن الأمور العظيمة جدا نعتها لا يكشف حقيقتها على ما هي عليه وليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء وإنما نذكر بعض لوازمها ومتعلقاتها فيدل بالمذكور على غيره. قوله: quot; ولا مقدار quot; يريد: مقدار الشرف والمنزلة كما تقول: فلان كبير المقدار.(3\/306)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1282",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14279",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله: إلا اسم معار ولمح إليه مشار. لما كان الاسم لا يبلغ الحقيقة ولا يطابقها فكأنه لغيرها وأعير إطلاقه عليها عارية وكذلك اللمح المشار هو الذي يشار به إشارة إلى الحقيقة وبعد فالشيخ يدندن حول بحر الفناء وكأنه يقول: صاحب هذا الاتصال قد فني في الوجود بحيث صار نقطة انحل تعينها واضمحل تكونها ورجح عودها على بدئها ففني من لم يكن وبقي من لم يزل فهنالك طاحت الإشارات وذهبت العبارات وفنيت الرسوم وعنت الوجوه للحي القيوم [طه: 111] .  [فصل الانفصال] [حقيقة الانفصال] فصل الانفصال قال صاحب المنازل: (باب الانفصال) قال الله تعالى: ويحذركم الله نفسه [آل عمران: 28] ليس في المقامات شيء فيه من التفاوت ما في الانفصال. وجه الإشارة بالآية: أنه سبحانه المقرب المبعد فليحذر القريب من الإبعاد والمتصل من الانفصال فإن الحق جل جلاله غيور لا يرضى ممن عرفه ووجد حلاوة معرفته واتصل قلبه بمحبته والأنس به وتعلقت روحه بإرادة وجهه الأعلى أن يكون له التفات إلى غيره ألبتة. ومن غيرته سبحانه: حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن والله سبحانه يغار أشد الغيرة على عبده: أن يلتفت إلى سواه فإذا أذاقه حلاوة محبته ولذة الشوق إليه وأنس معرفته ثم ساكن غيره باعده من قربه وقطعه من وصله وأوحش سره وشتت قلبه ونغص عيشه وألبسه رداء الذل والصغار والهوان فنادى عليه حاله إن لم يصرح به قاله: هذا جزاء من تعوض عن وليه وإلهه وفاطره ومن لا حياة له إلا به بغيره وآثر غيره عليه فاتخذ سواه له حبيبا ورضي بغيره أنيسا واتخذ سواه وليا قال الله تعالى: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا [الكهف: 50] .(3\/307)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1283",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14280",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا ضرب هذا القلب بسوط البعد والحجاب وسلط عليه من يسومه سوء العذاب وملئ من الهموم والغموم والأحزان وصار محلا للجيف والأقذار والأنتان وبدل بالأنس وحشة وبالعز ذلا وبالقناعة حرصا وبالقرب بعدا وطردا وبالجمع شتاتا وتفرقة كان هذا بعض جزائه فحينئذ تطرقه الطوارق والمؤلمات وتعتريه وفود الأحزان والهموم بعد وفود المسرات. قرأ قارئ بين يدي السري: وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا [الإسراء: 45] فقال السري: تدرون ما هذا الحجاب هو حجاب الغيرة ولا أحد أغير من الله. فمن عرفه وذاق حلاوة قربه ومحبته ثم رجع عنه إلى مساكنة غيره: ثبط جوارحه عن طاعته وعقل قلبه عن إرادته ومحبته وأخره عن محل قربه وولاه ما اختاره لنفسه. وقال بعضهم: احذره فإنه غيور لا يحب أن يرى في قلب عبده سواه. ومن غيرته: أن صفيه آدم لما ساكن بقلبه الجنة وحرص على الخلود فيها أخرجه منها ومن غيرته سبحانه: أن إبراهيم خليله لما أخذ إسماعيل شعبة من قلبه أمره بذبحه حتى يخرج من قلبه ذلك المزاحم. إنما كان الشرك عنده ذنبا لا يغفر لتعلق قلب المشرك به وبغيره فكيف بمن تعلق قلبه كله بغيره وأعرض عنه بكليته إذا أردت أن تعرف ما حل بك من بلاء الانفصال وذل الحجاب فانظر لمن استعبد قلبك واستخدم جوارحك وبمن شغل سرك وأين يبيت قلبك إذا أخذت مضجعك وإلى أين يطير إذا استيقظت من منامك فذلك هو معبودك وإلهك فإذا سمعت النداء يوم القيامة: لينطلق كل واحد مع من كان يعبده انطلقت معه كائنا من كان. لا إله إلا الله! ما أشد غبن من باع أطيب الحياة في هذه الدار المتصلة بالحياة الطيبة هناك والنعيم المقيم بالحياة المنغصة المنكدة المتصلة بالعذاب الأليم والمدة ساعة من نهار أو عشية أو ضحاها أو يوم أو بعض يوم فيه ربح الأبد أو خسارة الأبد. فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ويذهب هذا كله ويزول(3\/308)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1284",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14281",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل وجوه الانفصال] فصل قال الشيخ: ليس في المقامات شيء فيه من التفاوت ما في الانفصال. يعني: أن بين درجات المقامات تناسب واختلاف يسير. ومقام الانفصال قليل التناسب في درجاته كثير التفاوت كما سنذكره. قال: ووجوهه ثلاثة أحدها: انفصال هو شرط الاتصال وهو الانفصال عن الكونين بانفصال نظرك إليهما وانفصال توقفك عليهما وانفصال مبالاتك بهما. يعني: أن انفصال العبد عن رسومه بالفناء هو شرط اتصال وجوده بالبقاء فلا ولاء لله ورسوله إلا بالبراء مما يضاد ذلك ويخالفه وقد قال إمام الحنفاء لقومه: إنني براء مما تعبدون - إلا الذي فطرني [الزخرف: 26 - 27]  وقال الفتية: وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله [الكهف: 16] فلم تعتزلوه. وهذه العبارة التي ذكرها الشيخ في بادئ الرأي لا تخلو عن إنكار حتى يبين معناها والمراد بها فإن الكونين عبارة عن جميع ما خلقه الله في الدنيا والآخرة ويعبر عنهما بعالم الغيب وعالم الشهادة وفيهما الرسل والأنبياء والملائكة والأولياء فكيف ينفصل عنهم ولا ينظر إليهم ولا يقف بقلبه عليهم ولا يبالي بهم فاعلم أن في لسان القوم من الاستعارات وإطلاق العام وإرادة الخاص وإطلاق اللفظ وإرادة إشارته دون حقيقة معناه: ما ليس في لسان أحد من الطوائف غيرهم ولهذا يقولون: نحن أصحاب إشارة لا أصحاب عبارة والإشارة لنا والعبارة لغيرنا وقد يطلقون العبارة التي يطلقها الملحد ويريدون بها معنى لا فساد فيه وصار هذا سببا لفتنة طائفتين: طائفة تعلقوا عليهم بظاهر عباراتهم فبدعوهم وضللوهم وطائفة نظروا إلى مقاصدهم ومغزاهم فصوبوا تلك العبارات وصححوا تلك الإشارات فطالب الحق يقبله ممن كان ويرد ما خالفه على من كان. ومراد الشيخ وأهل الاستقامة: أن النفس لما كانت مائلة إلى الملذوذات المحسوسة والمعنوية المشاهدة المعاينة كان النظر إليها والوقوف معها علة في الطريق والقصد جميعا وكان شاغلا لها عن النظر إلى المقصود وحده والوقوف معه دون(3\/309)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1285",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14282",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غيره والالتفات إليه دون ما سواه فمتى قوي تعلق القلب بالمقصود الأعلى بحيث يشغله ذكره عن ذكر غيره وحبه عن حب غيره وخوفه عن خوف غيره ورجاؤه عن رجاء غيره وكان أنسه به خاصة انفصل عن ذكر غيره في حال شغله به سبحانه إذ ليس فيه اتساع لغيره فانفصل في هذه الحال نظره إلى الكونين وانفصل توقفه عليهما وانفصلت مبالاته بهما ضرا أو نفعا أو عطاء أو منعا وهذه الحال لا تدوم فإذا رجع إلى الكون بحكم طبيعته وأنه جزء من الكون ذكر الرسل والأنبياء والملائكة والأولياء بالتعظيم والاحترام وأحسن الذكر وذكر أعداءهم باللعن وأقبح الذكر - فهذه وظيفته في هذه الحال وتلك وظيفته في ذلك المقام. والمقصود: أنه انفصال شهود في الأحوال لا انفصال وجود ولا انفصال شهود دائما أبدا ولا تلتفت إلى غير هذا فإنه خيال وخبال ووهم لا نطيل الكتاب بذكره. قال: الثاني: انفصال عن رؤية الانفصال الذي ذكرناه وهو أن لا يتراءى عندك في شهود التحقيق شيء يوصل بالانفصال منهما إلى شيء. إنما كانت هذه الدرجة أعلى عنده مما قبلها من حيث كانت الأولى وسيلة إليها وكانت هذه غاية لها ومرتبة عليها فإن المنفصل من الكونين شغلا بالله عز وجل قد تسكن نفسه إلى مقامه من الانفصال ويساكنه بسره وقلبه ويغيب عنه أنه محض منة الله ومجرد عطائه فيحتاج إلى أن ينفصل عن رؤية انفصاله ويضيف ذلك إلى أهله ووليه المان به. وهذا التفصيل يتضمن التفاوت الذي أشار إليه الشيخ في أول الباب فإنه ذكر في الدرجة الأولى أن الانفصال شرط في الاتصال وقال هاهنا: quot; لا يتراءى عندك في شهود التحقيق سبب يوصل بالانفصال منهما إلى شيء quot; وهذا يناقض ما ذكره ولا يجتمع معنى كلاميه بل بينهما تفاوت التناقض فأين شرط حصول الشيء من شهود عدم كونه سببا وشرطا والجواب عن هذا: أن كون الشيء شرطا وسببا لحصول شيء لا يناقض أن يكون عدم رؤيته شرطا لحصول ذلك الشيء فيكون حصوله مشروطا بوجود ذلك الشيء في نفس الأمر وبعدم رؤية العبد له فتكون الرؤية مانعة وإيضاح ذلك ببيان كلامه.(3\/310)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1286",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14283",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقوله: quot; انفصال عن رؤية الانفصال quot; يعني: أن العبد يرى حالة الشهود أنه انفصل عن الكونين ثم اتصل بجناب العزة فيشهد اتصالا بعد انفصال وهذه الرؤية في التحقيق ليست صحيحة لأنه لم ينفصل عن الكونين أصلا لكنه توهم ذلك فإذا تبين أنه لم ينفصل عن الكونين فقد انفصل عن الانفصال المذكور لتحققه أنه لم يكن صحيحا. ثم بين كيف يصح له انفصال عن انفصاله بقوله: أن لا يتراءى أي: لا يظهر لك شيء في شهود التحقيق يكون هو السبب الموجب للاتصال فكأنه قال: أن تشهد التحقيق فيريك شهوده: أنك ما انفصلت بنفسك عن شيء ولا اتصلت بنفسك بشيء بل الأمر كله بيد غيرك فهو الذي فصلك وهو الذي وصلك. وأما الملحد: فيفسر كلامه بغير هذا ويقول: إذا شهدت الحقيقة أرتك أنك ما انفصلت من شيء ولا اتصلت بشيء فإن تلك اثنينية تنافي الوحدة المطلقة. فانظر ما في الألفاظ المجملة الاصطلاحية من الاحتمال وكيف يجرها كل أحد إلى نحلته ومذهبه ولهذا يقول الملحد: إنه ليس هناك اتصال ولا انفصال إنما هو في نظر العبد ووهمه فقط فإذا صار من أهل التحقيق علم بعد ذلك أنه لا انفصال ولا اتصال وينشد في هذا المعنى بيتا مشهورا لطائفة الاتحادية: فما فيك لي شيء لشيء موافق ... ولا منك لي شيء لشيء مخالف قال: الثالث: انفصال عن الاتصال وهو انفصال عن شهود مزاحمة الاتصال عين السبق فإن الانفصال والاتصال على عظم تفاوتهما في الاسم والرسم في العلة سيان. الفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها: أن ما قبلها انفصال عن سكونه إلى انفصاله ورؤيته له وهو في هذه الدرجة انفصال عن رؤية اتصاله فيتجرد عن رؤية كونه متصلا فإن هذه الرؤية علة في الاتصال بل كمال الاتصال غيبته عن رؤية كونه متصلا لكمال استغراقه بما هو فيه من حقيقة الاتصال فيحصل من الدرجتين انفصاله عن الانفصال والاتصال معا. فهاهنا جال الملحد وصال وفتح فاه ناطقا بالإلحاد وقال: هذا يدل على أن الانفصال والاتصال لا حقيقة لهما في نفس الأمر بل في نظر الناظر فلا حقيقة(3\/311)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1287",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14284",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لهما في نفس الأمر لكن في وهم المكاشف فأين الاتصال والانفصال في العين الواحدة إنما الوهم والخيال قد حكما على أكثر الخلق. وقد أعاذ الله الشيخ من أن يظن به هذا الإلحاد وإنما مراده ما ذكرناه. وقد كشف عن مراده بقوله: quot; وهو انفصال عن شهود مزاحمة الاتصال عين السبق quot; أي: ينفصل عن شهود مزاحمته لاتصاله عما سبق في الأزل من الأول الآخر سبحانه فإنه إذا لاحظ السبق وما تقرر فيه حيث لم يكن هو ولا شيء من الأشياء لم يزاحم شهود اتصاله لشهود ما سبق له به الأزل بل اضمحل فعله وشهوده ووجوده إلى ذلك الوجود الأزلي بحيث كأنه لم يكن فإذا نسب فعله وصفاته ووجوده إلى ذلك الوجود اضمحل وتلاشى وصار كالظل والخيال للشخص. قوله: فإن الاتصال والانفصال على عظم تفاوتهما في الاسم والرسم في العلة سيان. معناه: أن معنى اسم الاتصال يضاد اسم الانفصال كما يضاد اسمه اسمه وهما متساويان في العلة أي: رؤية الاتصال علة ورؤية الانفصال علة فتساويا من هذا الوجه وإن تضادا لفظا ومعنى والله سبحانه وتعالى أعلم.  [فصل المعرفة] [حقيقة المعرفة] فصل المعرفة قال صاحب المنازل: (باب المعرفة) قال الله تعالى: وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق [المائدة: 83] المعرفة: إحاطة بعين الشيء كما هو. قلت: وقع في القرآن لفظ المعرفة ولفظ العلم فلفظ المعرفة كقوله: مما عرفوا من الحق [المائدة: 83]  وقوله: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم [البقرة: 146] .(3\/312)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1288",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14285",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما لفظ العلم فهو أوسع إطلاقا كقوله: فاعلم أنه لا إله إلا الله [محمد: 19]  وقوله: شهد الله أنه لا إله إلا هو [آل عمران: 18] الآية وقوله: والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق [الأنعام: 114]  وقوله: وقل رب زدني علما [طه: 114]  وقوله: أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى [الرعد: 19]  وقوله: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون [الزمر: 9]  وقوله: وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث [الروم: 56]  وقوله: وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا [القصص: 80]  وقوله: وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون [العنكبوت: 43]  وقوله: قال الذي عنده علم من الكتاب [النمل: 40]  وقوله: اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها [الحديد: 17]  وقوله: اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو [الحديد: 20]  وقوله: واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه [البقرة: 223]  وقوله: فاعلموا أنما أنزل بعلم الله [هود: 14] وهذا كثير. واختار سبحانه لنفسه اسم العلم وما تصرف منه فوصف نفسه بأنه عالم وعليم وعلام وعلم ويعلم وأخبر أن له علما دون لفظ المعرفة في القرآن ومعلوم أن الاسم الذي اختاره الله لنفسه أكمل نوعه المشارك له في معناه. وإنما جاء لفظ المعرفة في القرآن في مؤمني أهل الكتاب خاصة كقوله: ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون [المائدة: 82] إلى قوله مما عرفوا من الحق [المائدة: 83]  وقوله: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم [البقرة: 146] .(3\/313)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1289",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14286",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذه الطائفة ترجح المعرفة على العلم جدا وكثير منهم لا يرفع بالعلم رأسا ويعده قاطعا وحجابا دون المعرفة وأهل الاستقامة منهم: أشد الناس وصية للمريدين بالعلم وعندهم أنه لا يكون ولي لله كامل الولاية من غير أولي العلم أبدا فما اتخذ الله ولا يتخذ وليا جاهلا والجهل رأس كل بدعة وضلالة ونقص والعلم أصل كل خير وهدى وكمال.  [فصل الفرق بين العلم والمعرفة] فصل والفرق بين العلم والمعرفة لفظا ومعنى أما اللفظ: ففعل المعرفة يقع على مفعول واحد تقول: عرفت الدار وعرفت زيدا قال تعالى: فعرفهم وهم له منكرون [يوسف: 58]  وقال: يعرفونه كما يعرفون أبناءهم [البقرة: 146] . وفعل العلم يقتضي مفعولين كقوله تعالى: فإن علمتموهن مؤمنات [الممتحنة: 10] وإن وقع على مفعول واحد كان بمعنى المعرفة كقوله: وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم [الأنفال: 60] وأما الفرق المعنوي فمن وجوه: أحدها: أن المعرفة تتعلق بذات الشيء والعلم يتعلق بأحواله فتقول: عرفت أباك وعلمته صالحا عالما ولذلك جاء الأمر في القرآن بالعلم دون المعرفة كقوله تعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله [محمد: 19]  وقوله: اعلموا أن الله شديد العقاب [المائدة: 98]  وقوله: فاعلموا أنما أنزل بعلم الله [هود: 14] . فالمعرفة: حضور صورة الشيء ومثاله العلمي في النفس والعلم: حضور أحواله وصفاته ونسبتها إليه فالمعرفة: تشبه التصور والعلم: يشبه التصديق.(3\/314)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1290",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14287",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني: أن المعرفة في الغالب تكون لما غاب عن القلب بعد إدراكه فإذا أدركه قيل: عرفه أو تكون لما وصف له بصفات قامت في نفسه فإذا رآه وعلم أنه الموصوف بها قيل: عرفه قال الله تعالى: ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم [يونس: 45]  وقال تعالى: وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون [يوسف: 58]  وقال: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم [البقرة: 146] لما كانت صفاته معلومة عندهم فرأوه: عرفوه بتلك الصفات وفي الحديث الصحيح: إن الله تعالى يقول لآخر أهل الجنة دخولا: أتعرف الزمان الذي كنت فيه فيقول: نعم. فيقول: تمن فيتمنى على ربه وقال تعالى: وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به [البقرة: 89] فالمعرفة: تشبه الذكر للشيء وهو حضور ما كان غائبا عن الذكر ولهذا كان ضد المعرفة الإنكار وضد العلم الجهل قال تعالى: يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها [النحل: 83] ويقال: عرف الحق فأقر به وعرفه فأنكره. الوجه الثالث من الفرق: أن المعرفة تفيد تمييز المعروف عن غيره والعلم يفيد تمييز ما يوصف به عن غيره وهذا الفرق غير الأول فإن ذاك يرجع إلى إدراك الذات وإدراك صفاتها وهذا يرجع إلى تخليص الذات من غيرها وتخليص صفاتها من صفات غيرها. الفرق الرابع: أنك إذا قلت: علمت زيدا لم يفد المخاطب شيئا لأنه ينتظر(3\/315)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1291",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14288",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعد: أن تخبره على أي حال علمته فإذا قلت: كريما أو شجاعا حصلت له الفائدة وإذا قلت: عرفت زيدا. استفاد المخاطب أنك أثبته وميزته عن غيره ولم يبق منتظرا لشيء آخر وهذا الفرق في التحقيق إيضاح للفرق الذي قبله. الفرق الخامس وهو فرق العسكري في فروقه وفروق غيره: أن المعرفة علم بعين الشيء مفصلا عما سواه بخلاف العلم فإنه قد يتعلق بالشيء مجملا وهذا يشبه فرق صاحب المنازل فإنه قال: المعرفة إحاطة بعين الشيء كما هو وعلى هذا الحد: فلا يتصور أن يعرف الله ألبتة ويستحيل عليه هذا الباب بالكلية فإن الله سبحانه لا يحاط به علما ولا معرفة ولا رؤية فهو أكبر من ذلك وأجل وأعظم قال تعالى: يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما [طه: 110] بل حقيقة هذا الحد: انتفاء تعلق المعرفة بأكبر المخلوقات حتى بأظهرها وهو الشمس والقمر بل لا يصح أن يعرف أحد نفسه وذاته ألبتة. والفرق بين العلم والمعرفة عند أهل هذا الشأن: أن المعرفة عندهم هي العلم الذي يقوم العالم بموجبه ومقتضاه فلا يطلقون المعرفة على مدلول العلم وحده بل لا يصفون بالمعرفة إلا من كان عالما بالله وبالطريق الموصل إلى الله وبآفاتها وقواطعها وله حال مع الله تشهد له بالمعرفة فالعارف عندهم من عرف الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله ثم صدق الله في معاملته ثم أخلص له في قصوده ونياته ثم انسلخ من أخلاقه الرديئة وآفاته ثم تطهر من أوساخه وأدرانه ومخالفاته ثم صبر على أحكام الله في نعمه وبلياته ثم دعا إليه على بصيرة بدينه وآياته ثم جرد الدعوة إليه وحده بما جاء به رسوله ولم يشبها بآراء الرجال وأذواقهم ومواجيدهم ومقاييسهم ومعقولاتهم ولم يزن بها ما جاء به الرسول عليه من الله أفضل صلواته فهذا الذي يستحق اسم العارف على الحقيقة إذا سمي به غيره على الدعوى والاستعارة.(3\/316)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1292",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14289",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد تكلموا على المعرفة بآثارها وشواهدها فقال بعضهم: من أمارات المعرفة بالله: حصول الهيبة منه فمن ازدادت معرفته ازدادت هيبته. وقال أيضا: المعرفة توجب السكون فمن ازدادت معرفته ازدادت سكينته. وقال لي بعض أصحابنا: ما علامة المعرفة التي يشيرون إليها فقلت له: أنس القلب بالله قال لي: علامتها أن يحس بقرب قلبه من الله فيجده قريبا منه. وقال الشبلي: ليس لعارف علاقة ولا لمحب شكوى ولا لعبد دعوى ولا لخائف قرار. ولا لأحد من الله فرار. وهذا كلام جيد فإن المعرفة الصحيحة تقطع من القلب العلائق كلها وتعلقه بمعروفه فلا يبقى فيه علاقة بغيره ولا تمر به العلائق إلا وهي مجتازة لا تمر مرور استيطان. وقال أحمد بن عاصم: من كان بالله أعرف كان له أخوف ويدل على هذا قوله تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء [فاطر: 28] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خشية . وقال آخر: من عرف الله تعالى ضاقت عليه الدنيا بسعتها. وقال غيره: من عرف الله تعالى اتسع عليه كل ضيق. ولا تنافي بين هذين الأمرين فإنه يضيق عليه كل مكان لا يساعد فيه على شأنه ومطلوبه ويتسع عليه ما ضاق على غيره لأنه ليس فيه ولا هو مساكن له بقلبه فقلبه غير محبوس فيه. والأول: في بداية المعرفة. والثاني: في نهايتها التي يصل إليها العبد. وقال آخر: من عرف الله تعالى صفا له العيش فطابت له الحياة وهابه كل شيء وذهب عنه خوف المخلوقين وأنس بالله. وقال غيره: من عرف الله قرت عينه بالله وقرت عينه بالموت وقرت به كل عين ومن لم يعرف الله تقطع قلبه على الدنيا حسرات ومن عرف الله لم يبق له رغبة(3\/317)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1293",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14290",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيما سواه ومن ادعى معرفة الله وهو راغب في غيره: كذبت رغبته معرفته ومن عرف الله أحبه على قدر معرفته به وخافه ورجاه وتوكل عليه وأناب إليه ولهج بذكره واشتاق إلى لقائه واستحيا منه وأجله وعظمه على قدر معرفته به وعلامة العارف: أن يكون قلبه مرآة إذا نظر فيها الغيب الذي دعي إلى الإيمان به فعلى قدر جلاء تلك المرآة يتراءى له فيها الله سبحانه والدار الآخرة والجنة والنار والملائكة والرسل صلوات الله وسلامه عليهم كما قيل: إذا سكن الغدير على صفاء ... وجنب أن يحركه النسيم بدت فيه السماء بلا امتراء ... كذاك الشمس تبدو والنجوم كذاك قلوب أرباب التجلي ... يرى في صفوها الله العظيم وهذه رؤية المثل الأعلى كما تقدم. ومن علامات المعرفة: أن يبدو لك الشاهد وتفنى الشواهد وتنحل العلائق وتنقطع العوائق وتجلس بين يدي الرب تعالى وتقوم وتضطجع على التأهب للقائه كما يجلس الذي شد أحماله وأزمع السفر على التأهب له ويقوم على ذلك ويضطجع عليه كما ينزل المسافر في المنزل فهو قائم وجالس ومضطجع على التأهب. وقيل للجنيد: إن أقواما يدعون المعرفة يقولون: إنهم يصلون بترك الحركات من باب البر والتقوى فقال الجنيد: هذا قول أقوام تكلموا بإسقاط الأعمال وهو عندي عظيم والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا إن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله وإلى الله رجعوا فيها ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إلا أن يحال بيني وبينها. ومن علامات العارف: أنه لا يطالب ولا يخاصم ولا يعاتب ولا يرى له على أحد فضلا ولا يرى له على أحد حقا. ومن علاماته: أنه لا يأسف على فائت ولا يفرح لآت لأنه ينظر إلى الأشياء بعين الفناء والزوال لأنها في الحقيقة كالظلال والخيال. وقال الجنيد: لا يكون العارف عارفا حتى يكون كالأرض يطؤها البر والفاجر وكالسحاب يظل كل شيء وكالمطر يسقي ما يحب وما لا يحب. وقال يحيى بن معاذ: يخرج العارف من الدنيا ولم يقض وطره من شيئين: بكاء على نفسه وثناء على ربه وهذا من أحسن الكلام فإنه يدل على معرفته بنفسه وعيوبه وآفاته وعلى معرفته بربه وكماله وجلاله فهو شديد الإزراء على نفسه لهج بالثناء على ربه.(3\/318)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1294",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14291",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال أبو يزيد: إنما نالوا المعرفة بتضييع ما لهم والوقوف مع ما له. يريد تضييع حظوظهم والوقوف مع حقوق الله سبحانه وتعالى فتغنيهم حقوقه عن حظوظهم. وقال آخر: لا يكون العارف عارفا حتى لو أعطي ملك سليمان لم يشغله عن الله طرفة عين وهذا يحتاج إلى شرح فإن ما هو دون ذلك يشغل القلب لكن يكون اشتغاله بغير الله لله فذلك اشتغال به سبحانه لأنه إذا اشتغل بغيره لأجله لم يشتغل عنه. قال ابن عطاء: المعرفة على ثلاثة أركان: الهيبة والحياء والأنس. وقيل لذي النون: بم عرفت الله ربك قال: عرفت ربي بربي ولولا ربي لما عرفت ربي. وقيل لعبد الله بن المبارك: بماذا نعرف ربنا قال: بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه فأتى عبد الله بأصل المعرفة التي لا يصح لأحد معرفة ولا إقرار بالله سبحانه إلا به وهو المباينة والعلو على العرش. ومن علامات العارف: أن يعتزل الخلق بينه وبين الله حتى كأنهم أموات لا يملكون له ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ويعتزل نفسه بينه وبين الخلق حتى يكون بينهم بلا نفس وهذا معنى قول من قال: العارف يقطع الطريق بخطوتين: خطوة عن نفسه وخطوة عن الخلق. وقيل: العارف ابن وقته وهذا من أحسن الكلام وأخصره فهو مشغول بوظيفة وقته عما مضى وصار في العدم وعما لم يدخل بعد في الوجود فهمه عمارة وقته الذي هو مادة حياته الباقية. ومن علاماته: أنه مستأنس بربه مستوحش ممن يقطعه عنه ولهذا قيل: العارف من أنس بالله فأوحشه من الخلق وافتقر إلى الله فأغناه عنهم وذل لله فأعزه فيهم وتواضع لله فرفعه بينهم واستغنى بالله فأحوجهم إليه. وقيل: العارف فوق ما يقول والعالم دون ما يقول يعني أن العالم علمه أوسع من حاله وصفته والعارف حاله وصفته فوق كلامه وخبره. وقال أبو سليمان الداراني: إن الله تعالى يفتح للعارف على فراشه ما لم يفتح له وهو قائم يصلي وقال غيره: العارف تنطق المعرفة على قلبه وحاله وهو ساكت. وقال ذو النون: لكل شيء عقوبة. وعقوبة العارف انقطاعه عن ذكر الله.(3\/319)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1295",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14292",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال بعضهم: رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين وهذا كلام ظاهره منكر جدا يحتاج إلى شرح فالعارف لا يرائي المخلوق طلبا للمنزلة في قلبه وإنما يكون رياؤه نصيحة وإرشادا وتعليما ليقتدى به فهو يدعو إلى الله بعمله كما يدعو إليه بقوله فهو ينتفع بعلمه وينفع به غيره وإخلاص المريد مقصور على نفسه فالعارف جمع بين الإخلاص والدعوة إلى الله فإخلاصه في قلبه وهو يظهر عمله وحاله ليقتدى به والعارف ينفع بسكوته والعالم إنما ينفع بكلامه. ولو سكتوا أثنت عليك الحقائق وقال ذو النون: الزهاد ملوك الآخرة وهم فقراء العارفين. وسئل الجنيد عن العارف فقال: لون الماء لون إنائه وهذه كلمة رمز بها إلى حقيقة العبودية وهو أن يتلون بتلون أقسام العبودية فبينما تراه مصليا إذ رأيته ذاكرا أو قارئا أو معلما أو متعلما أو مجاهدا أو حاجا أو مساعدا للضيف أو مغيثا للملهوف فيضرب في كل غنيمة من الغنائم بسهم فهو مع المتسببين متسبب ومع المتعلمين متعلم ومع الغزاة غاز ومع المصلين مصل ومع المتصدقين متصدق فهو يتنقل في منازل العبودية من عبودية إلى عبودية وهو مقيم على معبود واحد لا ينتقل إلى غيره. وقال يحيى بن معاذ: العارف كائن بائن وهذا يفسر على وجوه. منها: أنه كائن مع الخلق بظاهره بائن عنهم بسره وقلبه. ومنها: أنه كائن بربه بائن عن نفسه. ومنها: أنه كائن مع أبناء الآخرة بائن عن أبناء الدنيا. ومنها: أنه كائن مع الله بموافقته بائن عن الناس في مخالفته. ومنها: أنه داخل في الأشياء خارج منها فإن من الناس من هو داخل فيها لا يقدر على الخروج منها ومنهم من هو خارج عنها لا يقدر على الدخول فيها والعارف داخل فيها خارج منها ولعل هذا أحسن الوجوه. وقال ذو النون: علامة العارف ثلاثة: لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ولا يعتقد باطنا من العلم ينقضه عليه ظاهر من الحكم ولا تحمله كثرة نعم الله على هتك أستار محارم الله. وهذا من أحسن الكلام الذي قيل في المعرفة وهو محتاج إلى شرح فإن كثيرا من الناس يرى أن التورع عن الأشياء من قلة المعرفة فإن المعرفة متسعة الأكناف واسعة الأرجاء. فالعارف واسع موسع والسعة تطفئ نور الورع فالعارف لا تنقص(3\/320)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1296",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14293",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معرفته ورعه ولا يخالف ورعه معرفته كما قال بعضهم: العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسر الله في القدر فعنده: أن مشاهدة القدر والحقيقة الكونية: هو غاية المعرفة وإذا شاهد الحقيقة عذر الخليقة لأنهم مأسورون في قبضة القدر فمن يعذر أصحاب الكبائر والجرائم بل أرباب الكفر فهو أبعد خلق الله عن الورع بل لظلام معرفته قد أطفأ نور إيمانه. قوله quot; باطن العلم الذي ينقضه ظاهر الحكم quot; فإنه يشير به إلى ما عليه المنحرفون ممن ينسب إلى السلوك فإنهم يقع لهم أذواق ومواجيد وواردات تخالف الحكم الشرعي وتكون تلك معلومة لهم لا يمكنهم جحدها فيعتقدونها ويتركون بها ظاهر الحكم وهذا كثير جدا وهو الذي انتقد أئمة الطريق على هؤلاء وصاحوا بهم من كل ناحية وبدعوهم وضللوهم به. قوله quot; ولا تحمله كثرة نعم الله على هتك أستار محارم الله quot; كثرة النعم تطغي العبد وتحمله على أن يصرفها في وجوهها وغير وجوهها وهي تدعو إلى أن يتناول العبد بها ما حل وما لا يحل وأكثر المنعم عليهم لا يقتصرون في صرف النعمة على القدر الحلال بل يتعداه إلى غيره وتسول له نفسه أن معرفته بالله ترد عليه ما انتهبته منهم أيدي الشهوات والمخالفات ويقول: العارف لا تضره الذنوب كما تضر الجاهل وربما يسول له أن ذنوبه خير من طاعات الجهال وهذا من أعظم المكر والأمر بضد ذلك فيحتمل من الجاهل ما لا يحتمل من العارف وإذا عوقب الجاهل ضعفا عوقب العارف ضعفين وقد دل على هذا شرع الله وقدره ولهذا كانت عقوبة الحر في الحدود مثلي عقوبة العبد وقال تعالى في نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - يانساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين [الأحزاب: 30] فإذا أكملت النعمة على العبد فقابلها بالإساءة والعصيان: كانت عقوبته أعظم فدرجته أعلى وعقوبته أشد. وقال أيضا: ليس بعارف من وصف المعرفة عند أبناء الآخرة فكيف عند أبناء الدنيا يريد: أنه ليس من المعرفة وصف المعرفة لغير أهلها سواء كانوا عبادا أو من أبناء الدنيا. وقال أبو سعيد: المعرفة تأتي من عين الوجود وبذل المجهود وهذا كلام حسن يشير إلى أن المعرفة ثمرة بذل المجهود في الأعمال وتحقق الوجد في(3\/321)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1297",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14294",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأحوال فهي ثمرة عمل الجوارح وحال القلب لا ينال بمجرد العلم والبحث فمن ليس له عمل ولا حال فلا معرفة له. وسئل ذو النون عن العارف فقال: كان هاهنا فذهب. فسئل الجنيد عما أراد بكلامه هذا فقال: لا يحصره حال عن حال ولا يحجبه منزل عن التنقل في المنازل فهو مع كل أهل منزل بمثل الذي هم فيه يجد مثل الذي يجدون وينطق بمعالمها لينتفعوا. وقال محمد بن الفضل: المعرفة حياة القلب مع الله. وسئل أبو سعيد: هل يصل العارف إلى حال يجفو عليه البكاء فقال: نعم إنما البكاء في أوقات سيرهم إلى الله فإذا نزلوا بحقائق القرب وذاقوا طعم الوصول من بره زال عنهم ذلك. وقال بعض السلف: نوم العارف يقظة وأنفاسه تسبيح ونوم العارف أفضل من صلاة الغافل. وإنما كان نوم العارف يقظة لأن قلبه حي فعيناه تنامان وروحه ساجدة تحت العرش بين يدي ربها وفاطرها جسده في الفرش وقلبه حول العرش وإنما كان نومه أفضل من صلاة الغافل لأن بدن الغافل واقف في الصلاة وقلبه يسبح في حشوش الدنيا والأماني ولذلك كانت يقظته نوما لأن قلبه موات. وقيل: مجالسة العارف تدعوك من ست إلى ست: من الشك إلى اليقين ومن الرياء إلى الإخلاص ومن الغفلة إلى الذكر ومن الرغبة في الدنيا إلى الرغبة في الآخرة ومن الكبر إلى التواضع ومن سوء الطوية إلى النصيحة.  [فصل درجات المعرفة] [الدرجة الأولى معرفة الصفات والنعوت] فصل قال صاحب المنازل: المعرفة على ثلاث درجات والخلق فيها على ثلاث فرق: الدرجة الأولى: معرفة الصفات والنعوت وقد وردت أساميها بالرسالة وظهرت شواهدها في الصنعة: بتبصر النور القائم في السر وطيب حياة العقل لزرع الفكر وحياة القلب: بحسن النظر بين التعظيم وحسن الاعتبار وهي معرفة العامة التي لا تنعقد شرائط اليقين إلا بها وهي على ثلاثة أركان: إثبات الصفات باسمها من غير تشبيه ونفي التشبيه عنها من غير تعطيل والإياس من إدراك كنهها وابتغاء(3\/322)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1298",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14295",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تأويلها. قلت: الفرق بين الصفة والنعت من وجوه ثلاثة. أحدها: أن النعت يكون بالأفعال التي تتجدد كقوله تعالى إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار [الأعراف: 54] الآية. وقوله الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون [الزخرف: 10] . والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون [الزخرف: 11] . والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون [الزخرف: 12] ونظائر ذلك. و quot; الصفة quot; هي الأمور الثابتة اللازمة للذات كقوله تعالى هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم [الحشر: 22] . هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر [الحشر: 23] إلى قوله العزيز الحكيم [الحشر: 24] ونظائر ذلك. الفرق الثاني: أن الصفات الذاتية لا يطلق عليها اسم النعوت كالوجه واليدين والقدم والأصابع وتسمى صفات وقد أطلق عليها السلف هذا الاسم وكذلك متكلمو أهل الإثبات سموها صفات وأنكر بعضهم هذه التسمية كأبي الوفاء بن عقيل وغيره وقال: لا ينبغي أن يقال: نصوص الصفات بل آيات الإضافات لأن الحي لا يوصف بيده ولا وجهه فإن ذلك هو الموصوف فكيف تسمى صفة وأيضا: فالصفة معنى يعم الموصوف فلا يكون الوجه واليد صفة. والتحقيق: أن هذا نزاع لفظي في التسمية فالمقصود: إطلاق هذه الإضافات عليه سبحانه ونسبتها إليه والإخبار عنه بها منزهة عن التمثيل والتعطيل سواء(3\/323)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1299",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14296",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سميت صفات أو لم تسم. الفرق الثالث: أن النعوت ما يظهر من الصفات ويشتهر ويعرفه الخاص والعام والصفات: أعم فالفرق بين النعت والصفة فرق ما بين الخاص والعام ومنه قولهم في تحلية الشيء: نعته كذا وكذا لما يظهر من صفاته. وقيل: هما لغتان لا فرق بينهما ولهذا يقول نحاة البصرة: باب الصفة ويقول نحاة الكوفة: باب النعت والمراد واحد والأمر قريب ونحن في غير هذا فلنرجع إلى المقصود. وهو: أنه لا يستقر للعبد قدم في المعرفة - بل ولا في الإيمان - حتى يؤمن بصفات الرب جل جلاله ويعرفها معرفة تخرجه عن حد الجهل بربه فالإيمان بالصفات وتعرفها: هو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان وثمرة شجرة الإحسان فمن جحد الصفات فقد هدم أساس الإسلام والإيمان وثمرة شجرة الإحسان فضلا عن أن يكون من أهل العرفان وقد جعل الله سبحانه منكر صفاته مسيء الظن به وتوعده بما لم يتوعد به غيره من أهل الشرك والكفر والكبائر فقال تعالى وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون [فصلت: 22] . وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين [فصلت: 23] فأخبر سبحانه: أن إنكارهم هذه الصفة من صفاته: من سوء ظنهم به وأنه هو الذي أهلكهم وقد قال في الظانين به ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا [الفتح: 6] ولم يجئ مثل هذا الوعيد في غير من ظن السوء به سبحانه وجحد صفاته وإنكار حقائق أسمائه من أعظم ظن السوء به. ولما كان أحب الأشياء إليه حمده ومدحه والثناء عليه بأسمائه وصفاته وأفعاله كان إنكارها وجحدها أعظم الإلحاد والكفر به وهو شر من الشرك فالمعطل شر من المشرك فإنه لا يستوي جحد صفات الملك وحقيقة ملكه والطعن في أوصافه هو والتشريك بينه وبين غيره في الملك فالمعطلون أعداء الرسل بالذات بل كل شرك في العالم فأصله التعطيل فإنه لولا تعطيل كماله - أو بعضه - وظن السوء به: لما أشرك به كما قال إمام الحنفاء وأهل التوحيد لقومه أئفكا آلهة دون الله تريدون - فما ظنكم برب العالمين [الصافات: 86 - 87](3\/324)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1300",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14297",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أي فما ظنكم به أن يجازيكم وقد عبدتم معه غيره وما الذي ظننتم به حتى جعلتم معه شركاء أظننتم: أنه محتاج إلى الشركاء والأعوان أم ظننتم: أنه يخفى عليه شيء من أحوال عباده حتى يحتاج إلى شركاء تعرفه بها كالملوك أم ظننتم أنه لا يقدر وحده على استقلاله بتدبيرهم وقضاء حوائجهم أم هو قاس فيحتاج إلى شفعاء يستعطفونه على عباده أم ذليل فيحتاج إلى ولي يتكثر به من القلة ويتعزز به من الذلة أم يحتاج إلى الولد فيتخذ صاحبة يكون الولد منها ومنه تعالى الله عن ذلك كله علوا كبيرا. والمقصود: أن التعطيل مبدأ الشرك وأساسه فلا تجد معطلا إلا وشركه على حسب تعطيله فمستقل ومستكثر.  فصل والرسل من أولهم إلى خاتمهم - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - أرسلوا بالدعوة إلى الله وبيان الطريق الموصل إليه وبيان حال المدعوين بعد وصولهم إليه فهذه القواعد الثلاث ضرورية في كل ملة على لسان كل رسول فعرفوا الرب المدعو إليه بأسمائه وصفاته وأفعاله تعريفا مفصلا حتى كأن العباد يشاهدونه سبحانه وينظرون إليه فوق سماواته على عرشه يكلم ملائكته ويدبر أمر مملكته ويسمع أصوات خلقه ويرى أفعالهم وحركاتهم ويشاهد بواطنهم كما يشاهد ظواهرهم يأمر وينهى ويرضى ويغضب ويحب ويسخط ويضحك من قنوطهم وقرب غيره ويجيب دعوة مضطرهم ويغيث ملهوفهم ويعين محتاجهم ويجبر كسيرهم ويغني فقيرهم ويميت ويحيي ويمنع ويعطي يؤتي الحكمة من يشاء مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير كل يوم هو في شأن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويفك عانيا وينصر مظلوما ويقصم ظالما ويرحم مسكينا ويغيث ملهوفا ويسوق الأقدار إلى مواقيتها ويجريها على نظامها ويقدم ما يشاء تقديمه ويؤخر ما يشاء تأخيره فأزمة الأمور كلها بيده ومدار تدبير الممالك كلها عليه وهذا مقصود الدعوة وزبدة الرسالة. القاعدة الثانية: تعريفهم بالطريق الموصل إليه وهو صراطه المستقيم الذي نصبه لرسله وأتباعهم وهو امتثال أمره واجتناب نهيه والإيمان بوعده ووعيده.(3\/325)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1301",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14298",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القاعدة الثالثة: تعريف الحال بعد الوصول وهو ما تضمنه اليوم الآخر من الجنة والنار وما قبل ذلك من الحساب والحوض والميزان والصراط. فقعدت المعطلة والجهمية على رأس القاعدة الأولى فحالوا بين القلوب وبين معرفة ربها وسموا إثبات صفاته وعلوه فوق خلقه واستواءه على عرشه: تشبيها وتجسيما وحشوا فنفروا عنه صبيان العقول وسموا نزوله إلى سماء الدنيا وتكلمه بمشيئته ورضاه بعد غضبه وغضبه بعد رضاه وسمعه الحاضر لأصوات العباد ورؤيته المقارنة لأفعالهم ونحو ذلك: حوادث وسموا وجهه الأعلى ويديه المبسوطتين وأصابعه التي يضع عليها الخلائق يوم القيامة: جوارح وأعضاء مكرا منهم كبارا بالناس كمن يريد التنفير عن العسل فيمكر في العبارة ويقول: مائع أصفر يشبه العذرة المائعة أو ينفر عن شيء مستحسن فيسميه بأقبح الأسماء فعل الماكر المخادع فليس مع مخالف الرسل سوى المكر في القول والعمل. فلما تم للمعطلة مكرهم وسلك في القلوب المظلمة الجاهلة بحقائق الإيمان وما جاء به الرسول ترتب عليه الإعراض عن الله وعن ذكره ومحبته والثناء عليه بأوصاف كماله ونعوت جلاله فانصرفت قوى حبها وشوقها وأنسها إلى سواه. وجاء أهل الآراء الفاسدة والسياسات الباطلة والأذواق المنحرفة والعوائد المستمرة: فقعدوا على رأس هذا الصراط وحالوا بين القلوب وبين الوصول إلى نبيها وما كان عليه هو وأصحابه وعابوا من خالفهم في قعودهم عن ذلك ورغب عما اختاروه لأنفسهم ورموه بما هم أولى به منه كما قيل: رمتني بدائها وانسلت. وجاء أصحاب الشهوات المفتونون بها الذين يعدون حصولها - كيف كان - هو الظفر في هذه الحياة والبغية فقعدوا على رأس طريق المعاد والاستعداد للجنة ولقاء الله وقالوا: اليوم خمر وغدا أمر اليوم لك ولا تدري: غدا لك أو عليك وقالوا: لا نبيع ذرة منقودة بدرة موعودة. خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل وقالوا للناس: خلوا لنا الدنيا ونحن قد خلينا لكم الآخرة فإن طلبتم منا ما بأيدينا أحلناكم على الآخرة.(3\/326)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1302",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14299",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أناس ينقدون عيش النعيم ... ونحن نحال على الآخره فإن لم تكن مثلما يزعمو ... ن فتلك إذا كرة خاسره فالإيمان بالصفات ومعرفتها وإثبات حقائقها وتعلق القلب بها وشهوده لها: هو مبدأ الطريق ووسطه وغايته وهو روح السالكين وحاديهم إلى الوصول ومحرك عزماتهم إذا فتروا ومثير هممهم إذا قصروا فإن سيرهم إنما هو على الشواهد فمن كان لا شاهد له فلا سير له ولا طلب ولا سلوك له وأعظم الشواهد: صفات محبوبهم ونهاية مطلوبهم وذلك هو العلم الذي رفع لهم في السير فشمروا إليه كما قالت عائشة رضي الله عنها: من رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد رآه غاديا رائحا لم يضع لبنة على لبنة ولكن رفع له علم فشمر إليه ولا يزال العبد في التواني والفتور والكسل حتى يرفع الله عز وجل له - بفضله ومنه - علما يشاهده بقلبه فيشمر إليه ويعمل عليه. فإن عطلت شواهد الصفات ووضعت أعلامها عن القلوب وطمست آثارها وضربت بسياط البعد وأسبل دونها حجاب الطرد وتخلفت مع المتخلفين وأوحى إليها القدر: أن اقعدي مع القاعدين فإن أوصاف المدعو إليه ونعوت كماله وحقائق أسمائه: هي الجاذبة للقلوب إلى محبته وطلب الوصول إليه لأن القلوب إنما تحب من تعرفه وتخافه وترجوه وتشتاق إليه وتلتذ بقربه وتطمئن إلى ذكره بحسب معرفتها بصفاته فإذا ضرب دونها حجاب معرفة الصفات والإقرار بها: امتنع منها - بعد ذلك - ما هو مشروط بالمعرفة وملزوم لها إذ وجود الملزوم بدون لازمه والمشروط بدون شرطه ممتنع. فحقيقة المحبة والإنابة والتوكل ومقام الإحسان ممتنع على المعطل امتناع حصول المغل من معطل البذر بل أعظم امتناعا. كيف تصمد القلوب إلى من ليس داخل العالم ولا خارجه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولا مباينا له ولا محايثا بل حظ العرش منه كحظ الآبار والوهاد والأماكن التي يرغب عن ذكرها وكيف تأله القلوب من لا يسمع كلامها ولا يرى مكانها ولا يحب ولا يحب ولا يقوم به فعل البتة ولا يتكلم ولا يكلم ولا يقرب من شيء ولا يقرب منه شيء ولا يقوم به رأفة ولا رحمة ولا حنان ولا له حكمة ولا غاية يفعل ويأمر لأجلها . فكيف يتصور على ذلك ومحبته والإنابة إليه والشوق إلى لقائه ورؤية وجهه(3\/327)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1303",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14300",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكريم في جنات النعيم وهو مستو على عرشه فوق جميع خلقه أم كيف تأله القلوب من لا يحب ولا يحب ولا يرضى ولا يغضب ولا يفرح ولا يضحك فسبحان من حال بين المعطلة وبين محبته ومعرفته والسرور والفرح به والشوق إلى لقائه وانتظار لذة النظر إلى وجهه الكريم والتمتع بخطابه في محل كرامته ودار ثوابه! فلو رآها أهلا لذلك لمن عليها به وأكرمها به إذ ذاك أعظم كرامة يكرم بها عبده والله أعلم حيث يجعل كرامته ويضع نعمته وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين - وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته - أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون [الزخرف: 53 - 32] وليس جحودهم صفاته سبحانه وحقائق أسمائه: في الحقيقة تنزيها وإنما هو حجاب ضرب عليهم فظنوه تنزيها كما ضرب حجاب الشرك والبدع المضلة والشهوات المردية على قلوب أصحابها وزين لهم سوء أعمالهم فرأوها حسنة. عدنا إلى شرح كلامه. قوله: وقد وردت أساميها بالرسالة. . . إلى آخره. ذكر أن إثبات الصفات دل عليها الوحي الذي جاء من عند الله على لسان رسوله والحس الذي شاهد به البصير آثار الصنعة فاستدل بها على صفات صانعها والعقل الذي طابت حياته بزرع الفكر والقلب الذي حيي بحسن النظر بين التعظيم والاعتبار. فأما الرسالة: فإنها جاءت بإثبات الصفات إثباتا مفصلا على وجه أزال الشبهة وكشف الغطاء وحصل العلم اليقيني ورفع الشك والريب فثلجت له الصدور واطمأنت به القلوب واستقر به الإيمان في نصابه ففصلت الرسالة الصفات والنعوت والأفعال أعظم من تفصيل الأمر والنهي وقررت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ لفظ وأبعده من الإجمال والاحتمال وأمنعه من قبول التأويل وكذلك كان تأويل آيات(3\/328)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1304",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14301",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصفات وأحاديثها بما يخرجها عن حقائقها من جنس تأويل آيات المعاد وأخباره بل أبعد منه لوجوه كثيرة ذكرتها في كتاب quot; الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة quot; بل تأويل آيات الصفات - بما يخرجها عن حقائقها - كتأويل آيات الأمر والنهي سواء فالباب كله باب واحد ومصدره واحد ومقصوده واحد وهو إثبات حقائقه والإيمان بها. وكذلك سطا على تأويل آيات المعاد قوم وقالوا: فعلنا فيها كفعل المتكلمين في آيات الصفات بل نحن أعذر فإن اشتمال الكتب الإلهية على الصفات والعلو وقيام الأفعال: أعظم من نصوص المعاد للأبدان بكثير فإذا ساغ لكم تأويلها فكيف يحرم علينا نحن تأويل آيات المعاد وكذلك سطا قوم آخرون على تأويل آيات الأمر والنهي وقالوا: فعلنا فيها كفعل أولئك في آيات الصفات مع كثرتها وتنوعها وآيات الأحكام لا تبلغ زيادة على خمسمائة آية. قالوا: وما يظن أنه معارض من العقليات لنصوص الصفات فعندنا معارض عقلي لنصوص المعاد من جنسه أو أقوى منه. وقال متأولو آيات الأحكام على خلاف حقائقها وظواهرها: الذي سوغ لنا هذا التأويل: القواعد التي اصطلحتموها لنا وجعلتموها أصلا نرجع إليه فلما طردناها كان طردها: أن الله ما تكلم بشيء قط ولا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ولا له صفة تقوم به ولا يفعل شيئا وطرد هذا الأصل: لزوم تأويل آيات الأمر والنهي والوعد والوعيد والثواب والعقاب. وقد ذكرنا في كتاب الصواعق أن تأويل آيات الصفات وأخبارها - بما يخرجها عن حقائقها - هو أصل فساد الدنيا والدين وزوال الممالك وتسليط أعداء الإسلام عليه إنما كان بسبب التأويل ويعرف هذا من له اطلاع وخبرة بما جرى في العالم ولهذا يحرم عقلاء الفلاسفة التأويل مع اعتقادهم لصحته لأنه سبب لفساد العالم وتعطيل الشرائع. ومن تأمل كيفية ورود آيات الصفات في القرآن والسنة: علم قطعا بطلان تأويلها بما يخرجها عن حقائقها فإنها وردت على وجه لا يحتمل معه التأويل بوجه.(3\/329)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1305",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14302",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فانظر إلى قوله تعالى هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك [الأنعام: 158] هل يحتمل هذا التقسيم والتنويع: تأويل إتيان الرب جل جلاله بإتيان ملائكته أو آياته وهل يبقى مع هذا السياق شبهة أصلا: أنه إتيانه بنفسه وكذلك قوله إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده [النساء: 163]- إلى أن قال - وكلم الله موسى تكليما [النساء: 164] ففرق بين الإيحاء العام والتكليم الخاص وجعلهما نوعين ثم أكد فعل التكليم بالمصدر الرافع لتوهم ما يقوله المحرفون وكذلك قوله وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا [الشورى: 51] فنوع تكليمه إلى تكليم بواسطة وتكليم بغير واسطة وكذلك قوله لموسى عليه السلام إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي [الأعراف: 144] ففرق بين الرسالة والكلام والرسالة إنما هي بكلامه وكذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - إنكم ترون ربكم عيانا كما ترون القمر ليلة البدر في الصحو ليس دونه سحاب وكما ترون الشمس في الظهيرة صحوا ليس دونها سحاب ومعلوم أن هذا البيان والكشف والاحتراز: ينافي إرادة التأويل قطعا ولا يرتاب في هذا من له عقل ودين. قوله: quot; وظهرت شواهدها في الصنعة quot;. هذا هو الطريق الثاني من طرق إثبات الصفات وهو دلالة الصنعة عليها فإن المخلوق يدل على وجود خالقه على حياته وعلى قدرته وعلى علمه ومشيئته فإن الفعل الاختياري يستلزم ذلك استلزاما ضروريا وما فيه من الإتقان والإحكام ووقوعه على أكمل الوجوه يدل على حكمة فاعله وعنايته وما فيه من الإحسان والنفع ووصول المنافع العظيمة إلى المخلوق يدل على رحمة خالقه وإحسانه وجوده وما(3\/330)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1306",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14303",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيه من آثار الكمال يدل على أن خالقه أكمل منه فمعطي الكمال أحق بالكمال وخالق الأسماع والأبصار والنطق: أحق بأن يكون سميعا بصيرا متكلما وخالق الحياة والعلوم والقدر والإرادات: أحق بأن يكون هو كذلك في نفسه فما في المخلوقات من أنواع التخصيصات: هو من أدل شيء على إرادة الرب سبحانه ومشيئته وحكمته التي اقتضت التخصيص. وحصول الإجابة عقيب سؤال الطالب على الوجه المطلوب: دليل على علم الرب تعالى بالجزئيات وعلى سمعه لسؤال عبيده وعلى قدرته على قضاء حوائجهم وعلى رأفته ورحمته بهم. والإحسان إلى المطيعين والتقرب إليهم والإكرام وإعلاء درجاتهم يدل على محبته ورضاه وعقوبته للعصاة والظلمة وأعداء رسله بأنواع العقوبات المشهودة: تدل على صفة quot; الغضب والسخط quot; والإبعاد والطرد والإقصاء يدل على المقت والبغض. فهذه الدلالات من جنس واحد عند التأمل ولهذا دعا سبحانه في كتابه عباده إلى الاستدلال بذلك على صفاته فهو يثبت العلم بربوبيته ووحدانيته وصفات كماله بآثار صفته المشهودة والقرآن مملوء بذلك. فيظهر شاهد اسم quot; الخالق quot; من نفس المخلوق وشاهد اسم quot; الرازق quot; من وجود الرزق والمرزوق وشاهد اسم quot; الرحيم quot; من شهود الرحمة المبثوثة في العالم واسم quot; المعطي quot; من وجود العطاء الذي هو مدرار لا ينقطع لحظة واحدة واسم quot; الحليم quot; من حلمه عن الجناة والعصاة وعدم معالجتهم واسم quot; الغفور quot; و quot; التواب quot; من مغفرة الذنوب وقبول التوبة ويظهر شاهد اسمه quot; الحكيم quot; من العلم بما في خلقه وأمره من الحكم والمصالح ووجوه المنافع وهكذا كل اسم من أسمائه الحسنى له شاهد في خلقه وأمره يعرفه من عرفه ويجهله من جهله فالخلق والأمر من أعظم شواهد أسمائه وصفاته. وكل سليم العقل والفطرة يعرف قدر الصانع وحذقه وتبريزه على غيره وتفرده بكمال لم يشاركه فيه غيره من مشاهدة صنعته فكيف لا تعرف صفات من هذا العالم العلوي والسفلي وهذه المخلوقات من بعض صنعه وإذا اعتبرت المخلوقات والمأمورات وجدتها بأسرها كلها دالة على النعوت والصفات وحقائق الأسماء الحسنى وعلمت أن المعطلة من أعظم الناس عمى(3\/331)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1307",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14304",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بمكابرة ويكفي ظهور شاهد الصنع فيك خاصة كما قال تعالى وفي أنفسكم أفلا تبصرون [الذاريات: 21] فالموجودات بأسرها شواهد صفات الرب جل جلاله ونعوته وأسمائه فهي كلها تشير إلى الأسماء الحسنى وحقائقها وتنادي عليها وتدل عليها وتخبر بها بلسان النطق والحال كما قيل: تأمل سطور الكائنات فإنها ... من الملك الأعلى إليك رسائل وقد خط فيها لو تأملت خطها ... ألا كل شيء ما خلا الله باطل تشير بإثبات الصفات لربها ... فصامتها يهدي ومن هو قائل فلست ترى شيئا أدل على شيء من دلالة المخلوقات على صفات خالقها ونعوت كماله وحقائق أسمائه وقد تنوعت أدلتها بحسب تنوعها فهي تدل عقلا وحسا وفطرة ونظرا واعتبارا. قوله quot; بتبصير النور القائم في السر quot; يعني: أن النور الإلهي الذي جعله الله لعبده ويلقيه إليه ويودعه في سره: هو الذي يبصره بشواهد صفاته فكلما قوي هذا النور في قلب العبد: كان بصره بالصفات أتم وأكمل وكلما قل نصيبه من هذا النور وطفئ مصباحه في قلبه: طفئ نور التصديق بالصفات وإثباتها في قلبه فإنه إنما يشاهدها بذلك النور فإذا فقده لم يشاهدها وجاءت الشبه الباطلة مع تلك الظلمة فلم يكن له نصيب منها سوى الإنكار. قوله quot; وطيب حياة العقل لزرع الفكر quot; أي يدرك الصفات بذلك النور القائم في سره وطيب حياة عقله التي طيبها زرع الفكر الصحيح المتعلق بما دعا الله سبحانه عباده إلى الفكر فيه بقوله ويتفكرون في خلق السماوات والأرض [آل عمران: 191] وقوله أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق [الروم: 8] وقوله كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون [البقرة: 219] . في الدنيا والآخرة [البقرة: 220] فيتفكرون في الآيات التي بينها لهم فيستدلون بها على توحيده وصفات كماله وصدق رسله والعلم بلقائه ويتفكرون في الدنيا وانقضائها واضمحلالها وآفاتها والآخرة ودوامها وبقائها وشرفها وقوله ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون [الروم: 21](3\/332)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1308",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14305",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالفكر الصحيح المؤيد بحياة القلب ونور البصيرة يدل على إثبات صفات الكمال ونعوت الجلال وأما فكر مصحوب بموت القلب وعمى البصيرة فإنما يعطى صاحبه نفيها وتعطيلها. قوله quot; وحياة القلب بحسن النظر بين التعظيم وحسن الاعتبار quot; يعني: أنه ينضاف إلى نور البصيرة وطيب حياة العقل: حياة القلب بحسن النظر الدائر بين تعظيم الخالق - جل جلاله - وحسن الاعتبار بمصنوعاته الدالة عليه فلابد من الأمرين فإنه إن غفل بالتعظيم عن حسن الاعتبار: لم يحصل له الاستدلال على الصفات وإن حصل له الاعتبار من غير تعظيم الخالق سبحانه: لم يستفد به إثبات الصفات فإذا اجتمع له تعظيم الخالق وحسن النظر في صنعه: أثمرا له إثبات صفات كماله ولابد. و quot; الاعتبار quot; هو أن يعبر نظره من الأثر إلى المؤثر ومن الصنعة إلى الصانع ومن الدليل إلى المدلول فينتقل إليه بسرعة لطف إدراك فينتقل ذهنه من الملزوم إلى لازمه قال الله تعالى فاعتبروا ياأولي الأبصار [الحشر: 2] و quot; الاعتبار quot; افتعال من العبور وهو عبور القلب من الملزوم إلى لازمه ومن النظير إلى نظيره. وهذا الاعتبار يضعف ويقوى حتى يستدل صاحبه بصفات الله تعالى وكماله على ما يفعله لحسن اعتباره وصحة نظره وهو اعتبار الخواص واستدلالهم فإنهم يستدلون بأسماء الله وصفاته وأفعاله وأنه يفعل كذا ولا يفعل كذا فيفعل ما هو موجب حكمته وعلمه وغناه وحمده ولا يفعل ما يناقض ذلك وقد ذكر سبحانه هذين الطريقين في كتابه فقال تعالى في الطريق الأولى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق [فصلت: 53] ثم قال في الطريق الثانية أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد [فصلت: 53] فمخلوقاته دالة على ذاته وأسمائه وصفاته وأسماؤه وصفاته دالة على ما يفعله ويأمر به وما لا يفعله ولا يأمر به. مثال ذلك: أن اسمه quot; الحميد quot; سبحانه يدل على أنه لا يأمر بالفحشاء والمنكر واسمه quot; الحكيم quot; يدل على أنه لا يخلق شيئا عبثا واسمه quot; الغني quot; يدل على أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا واسمه quot; الملك quot; يدل على ما يستلزم حقيقة ملكه: من قدرته(3\/333)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1309",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14306",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتدبيره وعطائه ومنعه وثوابه وعقابه وبث رسله في أقطار مملكته وإعلام عبيده بمراسيمه وعهوده إليهم واستوائه على سرير مملكته الذي هو عرشه المجيد فمتى قام بالعبد تعظيم الحق - جل جلاله - وحسن النظر في الشواهد والتبصر والاعتبار بها: صارت الصفات والنعوت مشهودة لقلبه قبلة له. قوله: quot; وهي معرفة العامة التي لا تنعقد شرائط اليقين إلا بها quot;. لا يريد بالعامة الجهال الذين هم عوام الناس وإنما يريد: أن هذه هي المعرفة التي وقف عندها العموم ولم يتعدوها وأما معرفة أهل الذوق والمحبة الخاصة فأخص من هذا كما سيأتي. قوله: وهي على ثلاثة أركان: إثبات الصفة من غير تشبيه - إلى آخرها هذه ثلاثة أشياء. أحدها: إثبات تلك الصفة فلا يعاملها بالنفي والإنكار. الثاني: أنه لا يتعدى بها اسمها الخاص الذي سماها الله به بل يحترم الاسم كما يحترم الصفة فلا يعطل الصفة ولا يغير اسمها ويعيرها اسما آخر كما تسمى الجهمية والمعطلة سمعه وبصره وقدرته وحياته وكلامه: أعراضا ويسمون وجهه ويديه وقدمه - سبحانه -: جوارح وأبعاضا ويسمون حكمته وغاية فعله المطلوبة: عللا وأغراضا ويسمون أفعاله القائمة به: حوادث ويسمون علوه على خلقه واستواءه على عرشه تحيرا ويتواصون بهذا المكر الكبار إلى نفي ما دل عليه الوحي والعقل والفطرة وآثار الصنعة من صفاته فيسطون - بهذه الأسماء التي سموها هم وآباؤهم - على نفي صفاته وحقائق أسمائه. الثالث: عدم تشبيهها بما للمخلوق فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله فالعارفون به المصدقون لرسله المقرون بكماله: يثبتون له الأسماء والصفات وينفون عنه مشابهة المخلوقات فيجمعون بين الإثبات ونفي التشبيه وبين التنزيه وعدم التعطيل فمذهبهم حسنة بين سيئتين وهدى بين ضلالتين فصراطهم صراط المنعم عليهم وصراط غيرهم صراط المغضوب عليهم والضالين قال الإمام أحمد رحمه الله: لا نزيل عن الله صفة من صفاته لأجل شناعة المشنعين وقال: التشبيه: أن تقول يد كيدي تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.(3\/334)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1310",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14307",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله: quot; والإياس من إدراك كنهها وابتغاء تأويلها quot;. يعني: أن العقل قد يئس من تعرف كنه الصفة وكيفيتها فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله وهذا معنى قول السلف بلا كيف أي بلا كيف يعقله البشر فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته ولا يقدح ذلك في الإيمان بها ومعرفة معانيها فالكيفية وراء ذلك كما أنا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر ولا نعرف حقيقة كيفيته مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق فعجزنا عن معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم. فكيف يطمع العقل المخلوق المحصور المحدود في معرفة كيفية من له الكمال كله والجمال كله والعلم كله والقدرة كلها والعظمة كلها والكبرياء كلها من لو كشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سبحاته السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما وما وراء ذلك الذي يقبض سماواته بيده فتغيب كما تغيب الخردلة في كف أحدنا الذي نسبة علوم الخلائق كلها إلى علمه أقل من نسبة نقرة عصفور من بحار العلم الذي لو أن البحر - يمده من بعده سبعة أبحر - مداد وأشجار الأرض - من حين خلقت إلى قيام الساعة - أقلام: لفني المداد وفنيت الأقلام ولم تنفد كلماته الذي لو أن الخلق من أول الدنيا إلى آخرها - إنسهم وجنهم وناطقهم وأعجمهم - جعلوا صفا واحدا ما أحاطوا به سبحانه الذي يضع السماوات على إصبع من أصابعه والأرض على إصبع والجبال على إصبع والأشجار على إصبع ثم يهزهن ثم يقول: أنا الملك. فقاتل الله الجهمية والمعطلة! أين التشبيه هاهنا وأين التمثيل لقد اضمحل هاهنا كل موجود سواه فضلا عن أن يكون له ما يماثله في ذلك الكمال ويشابهه فيه فسبحان من حجب عقول هؤلاء عن معرفته وولاها ما تولت من وقوفها مع الألفاظ التي لا حرمة لها والمعاني التي لا حقائق لها. ولما فهمت هذه الطائفة من الصفات الإلهية ما تفهمه من صفات المخلوقين(3\/335)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1311",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14308",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فرت إلى إنكار حقائقها وابتغاء تحريفها وسمته تأويلا فشبهت أولا وعطلت ثانيا وأساءت الظن بربها وبكتابه وبنبيه وبأتباعه. أما إساءة الظن بالرب: فإنها عطلت صفات كماله ونسبته إلى أنه أنزل كتابا مشتملا على ما ظاهره كفر وباطل وأن ظاهره وحقائقه غير مرادة. وأما إساءة ظنها بالرسول: فلأنه تكلم بذلك وقرره وأكده ولم يبين للأمة أن الحق في خلافه وتأويله. وأما إساءة ظنها بأتباعه: فبنسبتهم لهم إلى التشبيه والتمثيل والجهل والحشو وهم عند أتباعه أجهل من أن يكفروهم إلا من عاند الرسول وقصد نفي ما جاء به والقوم عندهم في خفارة جهلهم قد حجبت قلوبهم عن معرفة الله وإثبات حقائق أسمائه وأوصاف كماله.  [فصل الدرجة الثانية معرفة الذات] فصل قال: quot; الدرجة الثانية: معرفة الذات مع إسقاط التفريق بين الصفات والذات وهي تثبت بعلم الجمع وتصفو في ميدان الفناء وتستكمل بعلم البقاء وتشارف عين الجمع quot;. نشرح كلامه ومراده أولا ثم نبين ما له وعليه فيه. فكانت هذه الدرجة عنده أرفع مما قبلها لأن التي قبلها نظر في الصفات وهذه متعلقة بالذات بالجامعة للصفات وإن كانت الذات لا تخلو عن الصفات فهي قائمة بها ولا نقول: إن صفاتها عينها ولا غيرها لما في لفظ الغير من الإجمال والاشتباه فإن الغيرين قد يراد بهما ما جاز افتراقهما ذاتا أو زمانا أو مكانا وعلى هذا: فليست الصفات مغايرة للذات وقد يراد بالغيرين: ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر فيفترقان في الوجود الذهني لا في الوجود الخارجي فالصفات غير الذات بهذا الاعتبار لأنه قد يقع الشعور بالذات حال ما يغفل عن صفاتها فتتجرد عن صفاتها في شعور العبد لا في نفس الأمر.(3\/336)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1312",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14309",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله quot; مع إسقاط التفريق بين الصفات والذات quot; التفريق بين الصفات والذات في الوجود مستحيل وهو ممكن في الشهود بأن يشهد الصفة ويذهل عن شهود الموصوف أو يشهد الموصوف ويذهل عن شهود الصفة فتجريد الذات أو الصفات إنما يمكن في الذهن فالمعرفة في هذه الدرجة تعلقت بالذات والصفات جميعا فلم يفرق العلم والشهود بينهما ولا ريب أن ذلك أكمل من شهود مجرد الصفة أو مجرد الذات. ولا يريد الشيخ أنك تسقط التفريق بين الذات والصفات في الخارج والعلم. بحيث تكون الصفات هي نفس الذات فهذا لا يقوله الشيخ وإن كان كثير من أرباب الكلام يقولون: إن الصفات هي الذات فليس مرادهم أن الذات نفسها صفة فهذا لا يقوله عاقل وإنما مرادهم أن صفاتها ليست شيئا غيرها. فإن أراد هؤلاء أن مفهوم الصفة هو مفهوم الذات: فهذا مكابرة وإن أرادوا أنه ليس هاهنا أشياء غير الذات انضمت إليها وقامت بها فهذا حق. والتحقيق: أن صفات الرب - جل جلاله - داخلة في مسمى اسمه فليس اسمه الله والرب والإله أسماء لذات مجردة لا صفة لها البتة فإن هذه الذات المجردة وجودها مستحيل وإنما يفرضها الذهن فرض الممتنعات ثم يحكم عليها واسم quot; الله quot; سبحانه quot; والرب والإله quot; - اسم لذات لها جميع صفات الكمال ونعوت الجلال كالعلم والقدرة والحياة والإرادة والكلام والسمع والبصر والبقاء والقدم وسائر الكمال الذي يستحقه الله لذاته فصفاته داخلة في مسمى اسمه فتجريد الصفات عن الذات والذات عن الصفات فرض وخيال ذهني لا حقيقة له وهو أمر اعتباري لا فائدة فيه ولا يترتب عليه معرفة ولا إيمان ولا هو علم في نفسه وبهذا أجاب السلف الجهمية لما استدلوا على خلق القرآن بقوله تعالى الله خالق كل شيء [الرعد: 16] قالوا: والقرآن شيء. فأجابهم السلف بأن القرآن كلامه وكلامه من صفاته وصفاته داخلة في مسمى اسمه - كعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره ووجهه ويديه - فليس الله اسما لذات لا نعت لها ولا صفة ولا فعل ولا وجه ولا يدين ذلك إله معدوم مفروض في الأذهان لا وجود له في الأعيان كإله الجهمية الذي فرضوه غير خارج عن العالم ولا داخل فيه ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا محايث له ولا مباين وكإله الفلاسفة(3\/337)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1313",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14310",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي فرضوه وجودا مطلقا لا يتخصص بصفة ولا نعت ولا له مشيئة ولا قدرة ولا إرادة ولا كلام وكإله الاتحادية الذي فرضوه وجودا ساريا في الموجودات ظاهرا فيها هو عين وجودها وكإله النصارى الذي فرضوه قد اتخذ صاحبة وولدا وتدرع بناسوت ولده واتخذ منه حجابا فكل هذه الآلهة مما عملته أيدي أفكارها وإله العالمين الحق: هو الذي دعت إليه الرسل وعرفوه بأسمائه وصفاته وأفعاله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه موصوف بكل كمال منزه عن كل نقص لا مثال له ولا شريك ولا ظهير ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم [الحديد: 3] غني بذاته عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه بذاته. قوله quot; وهي تثبت بعلم الجمع وتصفو في ميدان الفناء quot; يعني: أن هذه المعرفة الخاصة تثبت بعلم الجمع ولم يقل بحال الجمع ولا بعينه ولا مقامه فإن علمه أولا: هو سبب ثبوتها فإن هذه المعرفة لا تنال إلا بالعلم فهو شرط فيها وسيأتي الكلام - إن شاء الله تعالى - في الجمع عن قريب. فإذا علم العبد انفراد الرب سبحانه بالأزل والبقاء والفعل وعجز من سواه عن القدرة على إيجاد ذرة أو جزء من ذرة وأنه لا وجود له من نفسه فوجوده ليس له ولا به ولا منه وتوالى هذا العلم عن القلب يسقط ذكر غيره سبحانه عن البال والذكر كما سقط غناه وربوبيته وملكه وقدرته فصار الرب سبحانه وحده هو المعبود والمشهود والمذكور كما كان وحده هو الخالق المالك الغني الموجود بنفسه أزلا وأبدا وأما ما سواه فوجوده - وتوابع وجوده - عارية ليست له وكلما فني العبد عن ذكر غيره وشهوده صفت هذه المعرفة في قلبه فلهذا قال: quot; وتصفو في ميدان الفناء quot; استعار الشيخ للفناء ميدانا وأضافه إليه لاتساع مجاله لأن صاحبه قد انقطع التفاته إلى ضيق الأغيار وانجذبت روحه وقلبه إلى الواحد القهار فهي تجول في ميدان أوسع من السماوات والأرض بعد أن كانت مسجونة في سجون المخلوقات فإذا استمر له عكوف قلبه على الحق سبحانه ونظر قلبه إليه كأنه يراه ورؤية تفرده بالخلق والأمر والنفع والضر والعطاء والمنع - كملت وتمت في هذه الدرجة معرفته واستكملت بهذا البقاء الذي أوصله إليه الفناء وشارفت عين الجمع بعد علمه فغاب العارف عن معرفته بمعروفه وعن ذكره بمذكوره وعن محبته وإرادته بمراده ومحبوبه فلذلك قال:(3\/338)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1314",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14311",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot; وتستكمل بعلم البقاء وتشارف عين الجمع quot;. ولهذه المعرفة ثلاثة أركان أشار إليها الشيخ بقوله: إرسال الصفات على الشواهد وإرسال الوسائط على المدارج وإرسال العبارات على المعالم. شواهد الصفات هي التي تشهد بها وتدل عليها من الكتاب والسنة وشهادة العقل والفكرة وآثار الصنعة فإذا تمكن العبد في التوحيد علم أن الحق سبحانه هو الذي علمه صفات نفسه بنفسه لم يعرفها العبد من ذاته ولا بغير تعريف الحق له بما أجراه له سبحانه على قلبه من معرفة تلك الشواهد والانتقال منها إلى المشهود المدلول عليه فهو سبحانه الذي شهد لنفسه في الحقيقة إذ تلك الشواهد مصدرها منه فشهد لنفسه بنفسه بما قاله وفعله وجعله شاهدا لمعرفته فهو الأول والآخر والعبد آلة محضة ومنفعل ومحل لجريان الشواهد وآثارها وأحكامها عليه ليس له من الأمر شيء فهذا معنى إرسال الصفات على الشواهد فإذا أرسلها عليها تبين له أن الحكم للصفات دون الشواهد بل الشواهد هي آثار الصفات فهذا وجه. ووجه ثان أيضا وهو: أن الشواهد بوارق وتجليات تبدو للشاهد فإذا أرسل الصفات على تلك الشواهد توارى حكم تلك البوارق والتجليات في الصفات وكان الحكم للصفات فحينئذ يترقى العبد إلى شهود الذات شهودا علميا عرفانيا كما تقدم. قوله quot; وإرسال الوسائط على المدارج quot; quot; الوسائط quot;: هي الأسباب المتوسطة بين الرب والعبد التي بها تظهر المعرفة وتوابعها quot; والمدارج quot;: هي المنازل والمقامات التي يترقى العبد فيها إلى المقصود وقد تكون المدارج الطرق التي يسلكها إليه ويدرج فيها فإرسال الوسائط التي من الرب على المدارج التي هي منازل السير وطرقه توجب كون الحكم لها دون المدارج فيغيب عن شهود المدارج بالوسائط وقد غاب عن شهود الوسائط بالصفات فيترقى حينئذ إلى شهود الذات. وحقيقة الأمر: أن يعلم أن الرب سبحانه ما أطلعه على معرفته إلا بشواهد منه سبحانه وبوسائط ليست من العبد فهو قادر على قبض تلك الشواهد والوسائط وعلى إجرائها على غيره فإن الأمر كله له وتلك الوسائط لا توجب بنفسها شيئا قال الله تعالى لرسوله: ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا - إلا رحمة من ربك [الإسراء: 86 - 87](3\/339)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1315",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14312",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال للأمة على لسانه قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به [الأنعام: 46] وقال تعالى: قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به [يونس: 16] ويعلم العبد أن ما أخبر به الرب تعالى على لسان رسوله من شواهد معرفته والإيمان به: هي معالم يهتدي بها عباده إليه ويعرفون بها كماله وجلاله وعظمته فإذا تيقنوا صدقه ولم يشكوا فيه وتفطنوا لآثار أسمائه وصفاته في أنفسهم وفي سواهم انضم شاهد العقل والفطرة إلى شاهد الوحي والشرع فانتقلوا حينئذ من الخبر إلى العيان فالعبارات معالم على الحقائق المطلوبة والمعالم هي الأمارات التي يعلم بها المطلوب فإذا أوصل العارف كل معنى مما تقدم ذكره على مقصوده وصرف همته إلى مجريه وناصبه ومصدره اجتمع همه عليه وتمكن في معرفة الذات التي لها صفات الكمال ونعوت الجلال. ومقصوده: أن يبين في هذه الأركان الثلاثة حال صاحب معرفة الذات وكيف تترتب الأشياء في نظره ويترقى فيها إلى المقصود مثال ذلك: أن الشواهد أرسلته إلى الصفات بإرسالها عليها فانتقل من مشاهدتها إلى مشاهدة الصفات والوسائط التي كان يراها آية على المدارج انتقل فانتقل منها إلى المدارج ولم يلقها وإنما تعلق بما هي آية له والعبارات التي كانت عنده ألفاظا خارجة عن المعبر عنه صارت أمارات توصله إلى الحقيقة المعبر عنها فبهذه الأركان الثلاثة يصير بها من أهل معرفة الذات عنده. قوله quot; وهذه معرفة الخاصة التي تؤنس من أفق الحقيقة quot; أي تدرك وتحس من ناحية الحقيقة و quot; الإيناس quot; الإدراك والإحساس قال الله تعالى: فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم [النساء: 6] وقال موسى: إني آنست نارا [طه: 10] والمقصود: أن العارف إذا علق همه بأفق الحقيقة وأعرض عن الأسباب والوسائط - لا إعراض جحود وإنكار بل إعراض اشتغال ونظر إلى عين المقصود - أوصله ذلك إلى معرفة الذات الجامعة لصفات الكمال والله سبحانه وتعالى أعلم.(3\/340)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1316",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14313",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل الدرجة الثالثة معرفة مستغرقة في محض التعريف] فصل قال: الدرجة الثالثة: معرفة مستغرقة في محض التعريف لا يوصل إليها الاستدلال ولا يدل عليها شاهد ولا تستحقها وسيلة وهي على ثلاثة أركان: مشاهدة القرب والصعود عن العلم ومطالعة الجمع وهي معرفة خاصة الخاصة. إنما كانت هذه المعرفة عنده أرفع مما قبلها لأن ما قبلها متعلقة بالوسائط والشواهد متصلة إلى المطلوب وهذه متعلقة بعين المقصود فقط طاوية للوسائط والشواهد فالوسائط صاعدة عنها إليه وهي غالبة على حال العارف وشهوده وقد استغرقت إدراكه لما هو فيه بحيث غاب عن معرفته بمعروفه وعن ذكره بمذكوره وعن وجوده بموجوده. فقوله: quot; مستغرقة في محض التعريف quot;. quot; المعرفة quot; صفة العبد وفعله و quot; التعريف quot; فعل الرب وتوفيقه فاستغرقت صفة العبد في فعل الرب وتعريفه نفسه لعبده. وقوله quot; لا يوصل إليها بالاستدلال quot; يريد أن هذه المعرفة في الدرجة الثالثة لا يوصل إليها بسبب فإن الأسباب قد انطوت فيها والوسائل قد انقطعت دونها فلا يدل عليها شاهد غيرها بل هي شاهد نفسها فشاهدها وجودها ودليلها نفسها ولا تعجل بإنكار هذا فالأمور الوجدانية كذلك ودليلها نفسها وشاهدها حقيقتها فتصير هذه المعرفة للعارف كالأمور الوجدانية كاللذة والفرح والحب والخوف وغيرها من الأمور التي لا يطلب من قامت به شاهدا عليها من سوى أنفسها. ولعمر الله إن هذه درجة من المعرفة منيفة ورتبة شريفة تنقطع دونها أعناق مطايا السائرين فلذلك لا يوصل إليها بالاستدلال ولا يدل عليها شاهد ولا تستحقها وسيلة والأعمال والأحوال والمقامات كلها وسائل وهي لا تستحق هذه الدرجة من المعرفة وإنما هي فضل من الفضل كله بيده وهو ذو الفضل العظيم وكون الوسائل المذكورة لا تستحقها لا تمنع من القيام بها على أتم الوجوه وبذل الجهد فيها ومع ذلك فلا تستحقها الوسائل.(3\/341)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1317",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14314",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله: quot; وهي على ثلاثة أركان: مشاهدة القرب والصعود عن العلم ومطالعة الجمع إنما كانت هذه الثلاثة أركانا لها لأن صاحب هذه المعرفة قد وصل من القرب إلى مقام يليق به بحسب معرفته فكلما كانت معرفته أتم كان قربه أتم فإن شهود الوسائط والوسائل حجاب عن عين القرب وإلغاؤها وجحودها حجاب عن أصل الإيمان. وأما صعوده عن العلم: فليس المراد به صعوده عن أحكامه فإن ذلك سقوط ونزول إلى الحضيض الأدنى لا صعود إلى المطلب الأعلى وإنما المراد: أنه يصعد بأحكام العلم عن الوقوف معه وتوسيطه بينه وبين المطلوب فإن الوسائط قد طوي بساطها في هذا الشهود والعرفان أعني: بساط الوقوف معها والنظر إليها فيدرك مشهوده ومعروفه به سبحانه لا بالعلم والخبر بل بالمشاهدة والعيان وإن كان لم يصل إلى ذلك إلا بالعلم والخبر لكنه قد صعد من العلم والخبر إلى المعلوم المخبر عنه. وأما مطالعة الجمع فهي الغاية عند هذه الطائفة: ونحن لا ننكر ذلك لكن أي جمع هو هل هو جمع الوجود كما يقوله الاتحادي أم جمع الشهود كما يقوله صاحب الفناء في توحيد الربوبية أم هو جمع الإرادة كلها في مراد الرب تعالى الديني الأمري فالشأن في هذا الجمع الذي مطالعته من أعلى أنواع المعرفة. نعم هاهنا جمع آخر مطالعته هي كل المعرفة وهو: جمع الأفعال في الصفات وجمع الصفات في الذات وجمع الأسماء في الذات والصفات والأفعال فمطالعة هذا الجمع: هي غاية المعرفة وأعلى أنواعها وهي - لعمر الله - معرفة خاصة الخاصة والله المستعان وبه التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله.  [فصل الفناء] [حقيقة الفناء] فصل الفناء قال صاحب المنازل: (باب الفناء) قال الله تعالى كل من عليها فان [الرحمن: 26] . ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام [الرحمن: 27] .(3\/342)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1318",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14315",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفناء المذكور في الآية: ليس هو الفناء الذي تشير إليه الطائفة فإن الفناء في الآية الهلاك والعدم أخبر سبحانه أن كل من على الأرض يعدم ويموت ويبقى وجهه سبحانه وهذا مثل قوله إنك ميت وإنهم ميتون [الزمر: 30] ومثل قوله كل نفس ذائقة الموت [آل عمران: 185] قال الكلبي ومقاتل: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض فلما قال تعالى كل شيء هالك إلا وجهه [القصص: 88] أيقنت الملائكة بالهلاك قال الشعبي: إذا قرأت كل من عليها فان [الرحمن: 26] فلا تسكت حتى تقرأ ويبقى وجه ربك ذو الجلال [الرحمن: 27] وهذا من فقهه في القرآن وكمال علمه إذ المقصود: الإخبار بفناء من عليها مع بقاء وجهه سبحانه فإن الآية سيقت لتمدحه بالبقاء وحده ومجرد فناء الخليقة ليس فيه مدحه إنما المدح في بقائه بعد فناء خلقه فهي نظير قوله كل شيء هالك إلا وجهه [القصص: 88] .(3\/343)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1319",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14316",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الفناء الذي تترجم عنه الطائفة: فأمر غير هذا ولكن وجد الإشارة بالآية: أن الفناء المشار إليه هو ذهاب القلب وخروجه من هذا العالم وتعلقه بالعلي الكبير الذي له البقاء فلا يدركه الفناء ومن فني في محبته وطاعته وإرادة وجهه أوصله هذا الفناء إلى منزل البقاء فالآية تشير إلى أن العبد حقيق أن لا يتعلق بمن هو فان ويذر من له البقاء وهو ذو الجلال والإكرام فكأنها تقول: إذا تعلقت بمن هو فان انقطع ذلك التعلق عند فنائه أحوج ما تكون إليه وإذا تعلقت بمن هو باق لا يفنى لم ينقطع تعلقك ودام بدوامه. والفناء الذي يترجم عليه هو غاية التعلق ونهايته فإنه انقطاع عما سوى الرب تعالى من كل وجه ولذلك قال: quot; الفناء في هذا الباب: اضمحلال ما دون الحق علما ثم جحدا ثم حقا quot;. قلت: quot; الفناء quot; ضد quot; البقاء quot; والباقي: إما باق بنفسه من غير حاجة إلى من يبقيه بل بقاؤه من لوازم نفسه وهو الله تعالى وحده وما سواه فبقاؤه ببقاء الرب وليس له من نفسه بقاء كما أنه ليس له من نفسه وجود فإيجاده وإبقاؤه من ربه وخالقه وإلا فهو ليس له من نفسه إلا العدم قبل إيجاده والفناء بعد إيجاده. وليس المعنى: أن نفسه وذاته اقتضت عدمه وفناءه وإنما الفناء أنك إذا نظرت إلى ذاته - بقطع النظر عن إيجاد موجده له - كان معدوما وإذا نظرت إليه بعد وجوده - مع قطع النظر عن إبقاء موجده له - استحال بقاؤه فإنه إنما يبقى بإبقائه كما أنه إنما يوجد بإيجاده فهذا معنى قولنا: إنه نفسه معدوم وفان فافهمه. وقد اختلف الناس: هل إفناء الموجود وإعدامه بخلق عرض فيه يسمى الفناء والإعدام أم بإمساك خلق البقاء له إذ هو في كل وقت محتاج إلى أن يخلق له بقاء يبقيه وهي مسألة الإعدام المشهورة. والتحقيق فيها: أن ذاته لا تقتضي الوجود وهو معدوم بنفسه فإذا قدر الرب تعالى لوجوده أجلا ووقتا انتهى وجوده عند حضور أجله فرجع إلى أصله وهو العدم نعم قد يقدر له وقتا ثم يمحو سبحانه ذلك الوقت ويريد إعدامه قبل وقته كما أنه سبحانه يمحو ما يشاء ويريد استمرار وجوده بعد الوقت المقدر إلى أمد آخر فإنه(3\/344)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1320",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14317",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يمحو ما يشاء ويثبت قال الله تعالى حاكيا عن نبيه نوح عليه السلام قال ياقوم إني لكم نذير مبين - أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون - يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى [نوح: 2 - 4] فإذا أراد الله سبحانه إبقاء الشيء أبقاه إلى حين يشاء وإذا أراد إفناءه أعدمه بمشيئته كما يوجده بمشيئته. فإن قيل: متعلق المشيئة لابد أن يكون أمرا وجوديا فكيف يكون العدم متعلق المشيئة قيل: متعلق المشيئة أمران: إيجاد وإعدام وكلاهما ممكن فقول القائل لابد أن يكون متعلق المشيئة أمرا وجوديا دعوى باطلة نعم العدم المحض لا تتعلق به المشيئة وأما الإعدام: فهو أخص من العدم. ولولا أنا في أمر أخص من هذا لبسطنا الكلام في هذه المسألة وذكرنا أوهام الناس وأغلاطهم فيها. وقوله quot; الفناء اسم لاضمحلال ما دون الحق علما quot; يعني: يضمحل عن القلب والشهود علما وإن لم تكن ذاته فانية في الحال مضمحلة فتغيب صور الموجودات في شهود العبد بحيث تكون كأنها دخلت في العدم كما كانت قبل أن توجد ويبقى الحق تعالى ذو الجلال والإكرام وحده في قلب الشاهد كما كان وحده قبل إيجاد العوالم. قوله quot; علما ثم جحدا ثم حقا quot; هذه الثلاثة هي مراتب الاضمحلال إذا ورد على العبد على الترتيب فإذا جاء وهلة واحدة لم يشهد شيئا من ذلك وإن كان قد يعرف ذلك إذا عاد إلى علمه وشهوده فإن الرب سبحانه إذا رقى عبده بالتدريج نور باطنه وعقله بالعلم فرأى أنه لا خالق سواه ولا رب غيره ولا يملك الضر والنفع والعطاء والمنع غيره وأنه لا يستحق أن يعبد - بنهاية الخضوع والحب - سواه وكل معبود سوى وجهه الكريم فباطل فهذا توحيد العلم.(3\/345)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1321",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14318",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم إذا رقاه الحق سبحانه درجة أخرى فوق هذه أشهده عود المفعولات إلى أفعاله سبحانه وعود أفعاله إلى أسمائه وصفاته وقيام صفاته بذاته فيضمحل شهود غيره من قلبه وجحد أن يكون لسواه من نفسه شيء البتة ولم يجحد السوي كما يجحده الملاحدة فإن هذا الجحود عين الإلحاد. ثم إذا رقاه درجة أخرى أشهده قيام العوالم كلها - جواهرها وأعراضها ذواتها وصفاتها - به وحده أي بإقامته لها وإمساكه لها فإنه سبحانه يمسك السماوات والأرض أن تزولا ويمسك البحار أن تغيض أو تفيض على العالم ويمسك السماء أن تقع على الأرض ويمسك الطير في الهواء صافات ويقبضن ويمسك القلوب الموقنة أن تزيغ عن الإيمان ويمسك حياة الحيوان أن تفارقه إلى الأجل المحدود ويمسك على الموجودات وجودها ولولا ذلك لاضمحلت وتلاشت والكل قائم بأفعاله وصفاته التي هي من لوازم ذاته فليس الوجود الحقيقي إلا له أعني الوجود الذي هو مستغن فيه عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه بالذات لا قيام له بنفسه طرفة عين. ولما كان للفناء مبدأ وتوسط وغاية أشار إلى مراتبه الثلاثة فالمرتبة الأولى: فناء أهل العلم المتحققين به والثانية: فناء أهل السلوك والإرادة والثالثة: فناء أهل المعرفة المستغرقين في شهود الحق سبحانه. فأول الأمر أن تفنى قوة علمه وشعوره بالمخلوقين في جنب علمه ومعرفته بالله وحقوقه ثم يقوى ذلك حتى يعدهم كالأموات وكالعدم ثم يقوى ذلك حتى يغيب عنهم بحيث يكلم ولا يسمع ويمر به ولا يرى وذلك أبلغ من حال السكر ولكن لا تدوم له هذه الحال ولا يمكن أن يعيش عليها.  [درجات الفناء] [فصل الدرجة الأولى فناء المعرفة في المعروف] فصل قال: وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى: فناء المعرفة في المعروف وهو الفناء علما وفناء العيان في المعاين وهو الفناء جحدا وفناء الطلب في الوجود وهو الفناء حقا. هذا تفصيل ما أجمله أولا ونبين ما أرادوا بالعلم والجحد والحق.(3\/346)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1322",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14319",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ففناء المعرفة في المعروف: هو غيبة العارف بمعروفه عن شعوره بمعرفته ومعانيها فيفنى به سبحانه عن وصفه هنا وما قام به فإن المعرفة فعله ووصفه فإذا استغرق في شهود المعروف فني عن صفة نفسه وفعلها ولما كانت المعرفة فوق العلم وأخص منه كان فناء المعرفة في المعروف مستلزما لفناء العلم في المعرفة فيفنى أولا في المعرفة ثم تفنى المعرفة في المعروف. وأما فناء العيان في المعاين: فالعيان فوق المعرفة فإن المعرفة مرتبة فوق العلم ودون العيان فإذا انتقل من المعرفة إلى العيان فني عيانه في معاينه كما فنيت معرفته في معروفه. وأما فناء الطلب في الوجود: فهو أن لا يبقى لصاحب هذا الفناء طلب لأنه ظفر بالمطلوب المشاهد وصار واجدا بعد أن كان طالبا فكان إدراكه أولا علما ثم قوي فصار معرفة ثم قوي فصار عيانا ثم تمكن فصار معرفة ثم تمكن فصار وجودا. ولعلك أن تستنكر - أو تستبعد - هذه الألفاظ ومعانيها فاسمع ضرب مثل يهون عليك ذلك ويقربه منك: مثل ملك - عظيم السلطان شديد السطوة تام الهيبة قوي البأس - استدعى رجلا من رعيته قد اشتد جرمه وعصيانه له فحضر بين يديه وغلب على ظنه إتلافه فأحواله في حال حضوره مختلفة بالنسبة إلى ما يشاهده فتارة يتذكر جرمه وسطوة السلطان وقدرته عليه فيفكر فيما سيلقاه وتارة تقهره الحال التي هو فيها فلا يذكر ما كان منه ولا ما أحضر من أجله لغلبة الخوف على قلبه ويأسه من الخلاص ولكن عقله وذهنه معه وتارة يغيب قلبه وذهنه بالكلية فلا يشعر أين هو ولا من إلى جانبه ولا بما يراد به وربما جرى على لسانه في هذه الحال ما لا يريده فهذا فناء الخوف. ومثال ثان في فناء الحب: محب استغرقت محبته شخصا في غاية الجمال والبهاء وأكبر أمنيته الوصول إليه ومحادثته ورؤيته فبينا هو على حاله قد ملأ الحب قلبه وقد استغرق فكره في محبوبه وإذا به قد دخل عليه محبوبه بغتة على أحسن هيئة فقابله قريبا منه وليس دونه سواه أفليس هذا حقيقا أن يفنى عن شهوده بمشهوده بل وعن حبه بمحبوبه فيملك عليه المحبوب سمعه وبصره وإرادته وإحساسه ويغيب به عن ذاته وصفاته وانظر إلى النسوة كيف قطعن أيديهن لما طلع عليهن يوسف وشاهدن ذلك الجمال ولم يتقدم لهن من عشقه ومحبته ما تقدم لامرأة العزيز فأفناهن شهود جماله عن حالهن حتى قطعن أيديهن.(3\/347)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1323",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14320",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما امرأة العزيز: فإنها - وإن كانت صاحبة المحبة - فإنها كانت قد ألفت رؤيته ومشاهدته فلما خرج لم يتغير عليها حالها كما تغير على العواذل فكان مقامها البقاء ومقامهن الفناء وحصل لهن الفناء من وجهين. أحدهما: ذهولهن عن الشعور بقطع ما في أيديهن حتى تخطاه القطع إلى الأيدي. الثاني: فناؤهن عن الإحساس بألم القطع وهكذا الفناء بالمخوف والفرح بالمحبوب يفني صاحبه عن شعوره وعن إحساسه بالكيفيات النفسانية. هذا في مشاهدة مخلوق محدث له أشباه وأمثال وله من يقاربه ويدانيه في الجمال وإنما فاق بني جنسه في الحسن والجمال ببعض الصفات وامتاز ببعض المعاني المخلوقة المصنوعة فما الظن بمن له الجمال كله والكمال كله والإحسان والإجمال ونسبة كل جمال في الوجود إلى جماله وجلاله أقل من نسبة سراج ضعيف إلى عين الشمس ولما علم سبحانه أن قوى البشر لا تحتمل - في هذه الدار - رؤيته احتجب عن عباده إلى يوم القيامة فينشئهم نشأة يتمكنون بها من مشاهدة جماله ورؤية وجهه وأنت ترى بعض آياته ومخلوقاته ومبدعاته كيف يفنى فيها مشاهدها عن غيرها ولكن هذا كله في المشاهدات العيانية والواردات الوجدانية. وأما المعارف الإلهية: فإن حالة quot; البقاء quot; فيها أكمل من حالة quot; الفناء quot; وهي حالة نبينا صلوات الله وسلامه عليه وحال الكمل من أتباعه ولهذا رأى ما رأى ليلة الإسراء والمعراج وهو ثابت القلب رابط الجأش حاضر الإدراك تام التمييز ولو رأى غيره بعض ذلك لما تمالك. فإن قلت: ربما أفهم معنى فناء المعرفة في المعروف وفناء العيان في المعاين فما معنى فناء الطلب في الوجود حتى يكون هو الفناء حقا قلت: متى فهمت الأمرين اللذين قبله فهمت معناه فإن الواجد لما ظفر بموجوده فني طلبه له واضمحل وهذا مشهود في الشاهد فإنك ترى طالب أمر مهم فإذا ظفرت يداه به وأدركه كيف يبرد طلبه ويفنى في وجوده لكن هذا محال في حق العارف فإن طلبه لا يفارقه بل إذا وجد اشتد طلبه فلا يزال طالبا فكلما كان أوجد كان أطلب نعم الذي يفنى طلب حظه في طلب محبوبه وطلب مراضيه وليس بعد هذا غاية ولكن الذي يشير إليه القوم: أن العبد يصل في منزلة المحبة والمعرفة والاستغراق في المشاهدة إلى حالة تستولي فيها عليه أنواع القرب وآثار الصفات(3\/348)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1324",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14321",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بحيث يذهل لبه عن شعوره بطلبه وإرادته ومحبته. وإيضاح ذلك: أن العبد إذا أقبل على ربه وتفقد أحواله وتمكن من شهود قيام ربه عليه فإنه يكون في أول أمره: مكابدا وصابرا ومرابطا فإذا صبر وصابر ورابط - صبر في نفسه وصابر عدوه ورابط على ثغر قلبه أن يدخل فيه خاطر لا يحبه وليه الحق - ظهر حينئذ في قلبه نور من إقباله على ربه فإذا قوي ذلك النور غيبه عن وجوده الذهني وسرى به في مطاوي الغيب فحينئذ يصفو له إقباله على ربه فإذا صفا له ذلك غاب عن وجوده العيني والذهني فغاب بنور إقباله على ربه بوصول خالص الذكر وصافيه إلى قلبه حيث خلا من كل شاغل من الوجود العيني والذهني وصار واحدا لواحد فيستولي نور المراقبة على أجزاء باطنه فيمتلئ قلبه من نور التوجه بحيث يغمر قلبه ويستره عما سواه ثم يسري ذلك النور من باطنه فيعم أجزاء ظاهره فيتشابه الظاهر والباطن فيه وحينئذ يفنى العبد عما سواه ويبقى بالمشهد الروحي الذاتي الموجب للمحبة الخاصة الملهبة للروح. فمنهم من يضعف لقلة الوارد فلا يمكنه أن يتسع لغير ما باشر سره وقلبه من آثار الحب الخاص ومنهم من يقوى ويتسع نظره فيجد آثار الجلال والجمال المقدس في قلبه وروحه ويجد العبودية والمحبة والدعاء والافتقار والتوكل والخوف والرجاء وسائر الأعمال القلبية قائمة بقلبه لا تشغله عن مشهد الروح ولا تستغرق مشهد الروح عنه ويجد ملاحظته للأوامر والنواهي حاضرا في جذر قلبه حيث نزلت الأمانة فلا يشغله مشهد الروح المستغرق ولا مشهد القلب عن ملاحظة مراضي الرب تعالى ومحابه وحقه على عبده ويجد ترك التدبير والاختيار وصحة التفويض موجودا في محل نفسه فيعامل الله سبحانه بذلك بحيث لا تشغله مشاهدة الأولى عنه ويقوم بملاحظة عقله لأسرار حكمة الله في خلقه وأمره ولا يحجبه ذلك كله عن ملاحظة عبوديته فيبقى مغمور الروح بملاحظة الفردانية وجلالها وكمالها وجمالها قد استغرقته محبته والشوق إليه معمور القلب بعبادات القلوب معمور القلب بملاحظة الحكمة ومعاني الخطاب طاهر القلب عن سفساف الأخلاق مع الله تعالى ومع الخلق قد صار عبدا محضا لربه بروحه وقلبه وعقله ونفسه وبدنه وجوارحه قد قام كل بما عليه من العبودية بحيث لا تحجبه عبودية بعضه عن عبودية البعض الآخر قد فني عن نفسه وبقي بربه كما قال أبو بكر الكتاني: جرت مسألة بمكة أيام الموسم في المحبة فتكلم الشيوخ فيها وكان الجنيد أصغرهم سنا فقالوا له: هات ما عندك يا عراقي فأطرق ساعة ودمعت عيناه ثم قال: عبد ذاهب عن(3\/349)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1325",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14322",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفسه ومتصل بذكر ربه قائم بأداء حقوقه ناظر إليه بقلبه أحرق قلبه أنوار هيبته وصفا شربه من كأس وده وانكشف له الجبار من أستار غيبه فإن تكلم فبالله وإن نطق فعن الله وإن عمل فبأمر الله وإن سكن فمع الله فهو لله وبالله ومع الله. فبكى الشيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد جبرك الله يا تاج العارفين.  [فصل الدرجة الثانية فناء شهود الطلب لإسقاطه] فصل قال الشيخ: الدرجة الثانية: فناء شهود الطلب لإسقاطه وفناء شهود العلم لإسقاطه وفناء شهود العيان لإسقاطه. إنما كانت هذه الدرجة من الفناء أعلى عنده مما قبلها لأنها أبلغ في الفناء من جهة فناء أربابها عن فنائهم فقد سقط عن قلوبهم ذكر أحوالهم ومقاماتهم لما هم فيه من الشغل بربهم. وقوله quot; لإسقاطه quot; أي لإسقاط الشهود لا إسقاط المشهود فالطلب والعلم والعيان قائم وقد سقط الشهود لاستغراق صاحبه في المطلوب المعاين.  [فصل الدرجة الثالثة الفناء عن شهود الفناء] فصل قال: الدرجة الثالثة: الفناء عن شهود الفناء وهو الفناء حقا شائما برق العين راكبا بحر الجمع سالكا سبيل البقاء. الفرق بين الفناء في هذه الدرجة والتي قبلها أنه في التي قبلها قد فني عن شهود طلبه وعلمه وعيانه مع شعوره بفنائه عن ذلك وفي هذه الدرجة قد فني عن ذلك كله وفني عن شهود فنائه كما يقال: آخر من يموت ملك الموت. وإنما كان هذا الفناء عنده هو الفناء حقا لأنه قد فني فيه كل ما سوى الحق سبحانه لأن صاحبه يشهد الفناء قد فني فلم يبق سوى الواحد القهار. وقوله quot; شائما برق العين quot; الشائم الناظر من بعد وبرق العين نور الحقيقة وقد تقدم التنبيه على استحالة تعلق هذا بالنور الخارجي وإنما هو أنوار القرب والمراقبة والحضور مع الله.(3\/350)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1326",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14323",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله quot; راكبا بحر الجمع quot; quot; الجمع quot; الذي يشيرون إليه: عبارة عن شخوص البصيرة إلى مجرد مصدر المتفرقات كلها كما سيأتي بيانه في بابه - إن شاء الله تعالى - وركوب لجة هذا الجمع هو فناؤه فيه. قوله quot; سالكا سبيل البقاء quot; يعني: أن من فني فقد تأهل للبقاء بالحق وهذا البقاء هو بعد الفناء فإنه إذا تحقق بالفناء رفع له علم الحقيقة فشمر إليه سالكا في طريق البقاء وهي القيام بالأوراد وحفظ الواردات فحينئذ يرجى له الوصول. فصل لم يرد في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام الصحابة والتابعين مدح لفظ الفناء ولا ذمه ولا استعملوا لفظه في هذا المعنى المشار إليه البتة ولا ذكره مشايخ الطريق المتقدمون ولا جعلوه غاية ولا مقاما وقد كان القوم أحق بكل كمال وأسبق إلى كل غاية محمودة ونحن لا ننكر هذا اللفظ مطلقا ولا نقبله مطلقا. ولابد فيه من التفصيل وبيان صحيحه من معلوله ووسيلته من غايته فنقول - وبالله التوفيق وهو الفتاح العليم: حقيقة quot; الفناء quot; المشار إليه هو استهلاك الشيء في الوجود العلمي الذهني وهاهنا تقسمه أهل الاستقامة وأهل الزيغ والإلحاد فزعم أهل الاتحاد - القائلون بوحدة الوجود - أن الفناء هو غاية الفناء عن وجود السوى فلا يثبت للسوى وجود البتة لا في الشهود ولا في العيان بل يتحقق بشهود وحدة الوجود فيعلم حينئذ أن وجود جميع الموجودات هو عين وجود الحق فما ثم وجودان بل الموجود واحد وحقيقة الفناء عندهم أن يفنى عما لا حقيقة له بل هو وهم وخيال فيفنى عما هو فان في نفسه لا وجود له فيشهد فناء وجود كل ما سواه في وجوده وهذا تعبير محض وإلا ففي الحقيقة ليس عند القوم quot; سوى quot; ولا quot; غير quot; وإنما السوى والغير في الوهم والخيال فحول هذا الفناء يدندنون وعليه يحومون. وأما أهل التوحيد والاستقامة: فيشيرون بالفناء إلى أمرين أحدهما أرفع من الآخر.(3\/351)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1327",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14324",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأمر الأول: الفناء في شهود الربوبية والقيومية فيشهد تفرد الرب تعالى بالقيومية والتدبير والخلق والرزق والعطاء والمنع والضر والنفع وأن جميع الموجودات منفعلة لا فاعلة وما له منها فعل فهو منفعل في فعله محل محض لجريان أحكام الربوبية عليه لا يملك شيئا منها لنفسه ولا لغيره فلا يملك ضرا ولا نفعا فإذا تحقق العبد بهذا المشهد خمدت منه الخواطر والإرادات نظرا إلى القيوم الذي بيده تدبير الأمور وشخوصا منه إلى مشيئته وحكمته فهو ناظر منه به إليه فان بشهوده عن شهود ما سواه ومع هذا فهو ساع في طلب الوصول إليه قائما بالواجبات والنوافل. الأمر الثاني: الفناء في مشهد الإلهية وحقيقته quot; الفناء quot; عن إرادة ما سوى الله ومحبته والإنابة إليه والتوكل عليه وخوفه ورجائه فيفنى بحبه عن حب ما سواه وبخوفه ورجائه عن خوف ما سواه ورجائه وحقيقة هذا الفناء إفراد الرب سبحانه بالمحبة والخوف والرجاء والتعظيم والإجلال ونحن نشير إلى مبادئ ذلك وتوسطه وغايته فنقول: اعلم أن القلب إذا خلا من الاهتمام بالدنيا والتعلق بما فيها من مال أو رياسة أو صورة وتعلق بالآخرة والاهتمام بها من تحصيل العدة والتأهب للقدوم على الله عز وجل فذلك أول فتوحه وتباشير فجره فعند ذلك يتحرك قلبه لمعرفة ما يرضى به ربه منه فيفعله ويتقرب به إليه وما يسخطه منه فيجتنبه وهذا عنوان صدق إرادته فإن كل من أيقن بلقاء الله وأنه سائله عن كلمتين - يسأل عنهم الأولون والآخرون - ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم المرسلين لابد أن يتنبه لطلب معرفة معبوده والطريق الموصلة إليه فإذا تمكن في ذلك فتح له باب الأنس بالخلوة والوحدة والأماكن الخالية التي تهدأ فيها الأصوات والحركات فلا شيء أشوق إليه من ذلك فإنها تجمع عليه قوى قلبه وإرادته وتسد عليه الأبواب التي تفرق همه وتشت قلبه فيأنس بها ويستوحش من الخلق. ثم يفتح له باب حلاوة العبادة بحيث لا يكاد يشبع منها ويجد فيها من اللذة والراحة أضعاف ما كان يجده في لذة اللهو واللعب ونيل الشهوات بحيث إنه إذا دخل في الصلاة ود أن لا يخرج منها ثم يفتح له باب حلاوة استماع كلام الله فلا يشبع منه وإذا سمعه هدأ قلبه به كما يهدأ الصبي إذا أعطي ما هو شديد المحبة له ثم يفتح له باب شهود عظمة الله المتكلم به وجلاله وكمال نعوته وصفاته وحكمته ومعاني خطابه بحيث يستغرق قلبه في ذلك حتى يغيب فيه ويحس بقلبه وقد دخل(3\/352)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1328",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14325",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في عالم آخر غير ما الناس فيه. ثم يفتح له باب الحياء من الله وهو أول شواهد المعرفة وهو نور يقع في القلب يريه ذلك النور أنه واقف بين يدي ربه عز وجل فيستحي منه في خلواته وجلواته ويرزق عند ذلك دوام المراقبة للرقيب ودوام التطلع إلى حضرة العلي الأعلى حتى كأنه يراه ويشاهده فوق سماواته مستويا على عرشه ناظرا إلى خلقه سامعا لأصواتهم مشاهدا لبواطنهم فإذا استولى عليه هذا الشاهد غطى عليه كثيرا من الهموم بالدنيا وما فيها فهو في وجود والناس في وجود آخر هو في وجود بين يدي ربه ووليه ناظرا إليه بقلبه والناس في حجاب عالم الشهادة في الدنيا فهو يراهم وهم لا يرونه ولا يرون منه إلا ما يناسب عالمهم ووجودهم. ثم يفتح له باب الشعور بمشهد القيومية فيرى سائر التقلبات الكونية وتصاريف الوجود بيده سبحانه وحده فيشهده مالك الضر والنفع والخلق والرزق والإحياء والإماتة فيتخذه وحده وكيلا ويرضى به ربا ومدبرا وكافيا وعند ذلك إذا وقع نظره على شيء من المخلوقات دله على خالقه وبارئه وصفات كماله ونعوت جلاله فلا يحجبه خلقه عنه سبحانه بل يناديه كل من المخلوقات بلسان حاله: اسمع شهادتي لمن أحسن كل شيء خلقه فأنا صنع الله الذي أتقن كل شيء. فإذا استمر له ذلك فتح عليه باب القبض والبسط فيقبض عليه حتى يجد ألم القبض لقوة وارده ثم يقبض وعاءه بأنوار الوجود فيفنى عن وجوده وينمحي كما يمحو نور الشمس نور الكواكب ويطوي الكون عن قلبه بحيث لا يبقى فيه إلا الله الواحد القهار وتفيض أنوار المعرفة والمعاملة والصدق والإخلاص والمحبة من قلبه كما يفيض نور الشمس عن جرمها فيغرق حينئذ في الأنوار كما يغرق راكب البحر في البحر وذلك إنما يكون في الرياضة والمجاهدة وزوال أحكام الطبيعة وطول الوقوف في الباب. وهذا هو من علم اليقين لا من عين اليقين ولا من حق اليقين إذ لا سبيل إليهما في الدار فإن عين اليقين مشاهدة وحق اليقين مباشرة نعم قد يكون حق اليقين في هذه الدنيا بالنسبة إلى الوجود الذهني وما يقوم بالقلوب فقط ليس إلا كما تقدم تقريره مرارا ونحن لا تأخذنا في ذلك لومة لائم وهم لا تأخذهم في كون ذلك في العيان لومة لائم وهم عندنا صادقون ملبوس عليهم ونحن عندهم محجوبون عن ذلك غير واصلين إليه.(3\/353)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1329",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14326",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن استمر على حاله واقفا بباب مولاه لا يلتفت عنه يمينا ولا شمالا ولا يجيب غير من يدعوه إليه ويعلم أن الأمر وراء ذلك وأنه لم يصل بعد ومتى توهم أنه قد وصل انقطع عنه المزيد - رجي أن يفتح له فتح آخر هو فوق ما كان فيه مستغرقا قلبه في أنوار مشاهدة الجلال بعد ظهور أنوار الوجود الحق ومحو وجوده هو ولا يتوهم أن وجود صفاته وذاته تبطل بل الذي يبطل هو وجوده النفساني الطبعي ويبقى له وجود قلبي روحاني ملكي فيبقى قلبه سابحا في بحر من أنوار آثار الجلال فتنبع الأنوار من باطنه كما ينبع الماء من العين حتى يجد الملكوت الأعلى كأنه في باطنه وقلبه ويجد قلبه عاليا على ذلك كله صاعدا إلى من ليس فوقه شيء ثم يرقيه الله سبحانه فيشهده أنوار الإكرام بعد ما شهد أنوار الجلال فيستغرق في نور من أنوار أشعة الجمال وفي هذا المشهد يذوق المحبة الخاصة الملهبة للأرواح والقلوب فيبقى القلب مأسورا في يد حبيبه ووليه ممتحنا بحبه وإن شئت أن تفهم ذلك تقريبا فانظر إليك وإلى غيرك - وقد امتحنت بصورة بديعة الجمال ظاهرا وباطنا - فملكت عليك قلبك وفكرك وليلك ونهارك فيحصل لك نار من المحبة فتضرم في أحشائك يعز معها الاصطبار وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فيا له من قلب ممتحن مغمور مستغرق بما ظهر له من أشعة أنوار الجمال الأحدى والناس مفتونون ممتحنون بما يفنى من المال والصور والرياسة معذبون بذلك قبل حصوله وحال حصوله وبعد حصوله وأعلاهم مرتبة من يكون مفتونا بالحور العين أو عاملا على تمتعه في الجنة بالأكل والشرب واللباس والنكاح وهذا المحب قد ترقى في درجات المحبة على أهل المقامات ينظرون إليه في الجنة كما ينظرون إلى الكوكب الدري الغابر في الأفق لعلو درجته وقرب منزلته من حبيبه ومعيته معه فإن المرء مع من أحب ولكل عمل جزاء وجزاء المحبة المحبة والوصول والاصطناع والقرب فهذا هو الذي يصلح وكفى بذلك شرفا وفخرا في عاجل الدنيا فما ظنك بمقاماتهم العالية عند مليك مقتدر فكيف إذا رأيتهم في موقف القيامة وقد أسمعهم المنادي quot; لينطلق كل قوم مع ما كانوا يعبدون quot; فيبقون في مكانهم ينتظرون معبودهم وحبيبهم الذي هو أحب شيء إليهم حتى يأتيهم فينظرون إليه ويتجلى لهم ضاحكا. والمقصود: أن هذا العبد لا يزال الله يرقيه طبقا بعد طبق ومنزلا بعد منزل إلى أن يوصله إليه ويمكن له بين يديه أو يموت في الطريق فيقع أجره على الله فالسعيد كل السعيد والموفق كل الموفق من لم يلتفت عن ربه تبارك وتعالى يمينا(3\/354)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1330",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14327",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا شمالا ولا اتخذ سواه ربا ولا وكيلا ولا حبيبا ولا مدبرا ولا حكما ولا ناصرا ولا رازقا. وجميع ما تقدم من مراتب الوصول إنما هي شواهد وأمثلة إذا تجلت له الحقائق في الغيب - بحسب استعداده ولطفه ورقته من حيث لا يراها - ظهر من تجليها شاهد في قلبه وذلك الشاهد دال عليها ليس هو عينها فإن نور الجلال في القلب ليس هو نور ذي الجلال في الخارج فإن ذلك لا تقوم له السماوات والأرض ولو ظهر للوجود لتدكدك لكنه شاهد دال على ذلك كما أن المثل الأعلى شاهد دال على الذات والحق وراء ذلك كله منزه عن حلول واتحاد وممازجة لخلقه وإنما تلك رقائق وشواهد تقوم بقلب العارف تدل على قرب الألطاف منه في عالم الغيب حيث يراها وإذا فني فإنما يفنى بحال نفسه لا بالله ولا فيه وإذا بقي فإنما يبقى بحاله هو ووصفه لا ببقاء ربه وصفاته ولا يبقى بالله إلا الله ومع ذلك فالوصول حق يجد الواصل آثار تجلي الصفات في قلبه وآثار تجلي الحق في قلبه ويوقف القلب فوق الأكوان كلها بين يدي الرب تعالى وهو على عرشه ومن هناك يكاشف بآثار الجلال والإكرام فيجد العرش والكرسي تحت مشهد قلبه حكما وليس الذي يجده تحت قلبه حقيقة العرش والكرسي بل شاهد ومثال علمي يدل على قرب قلبه من ربه وقرب ربه من قلبه وبين الذوقين تفاوت فإذا قرب الرب تعالى من قلب عبده بقيت الأكوان كلها تحت مشهد قلبه وحينئذ يطلع في أفقه شمس التوحيد فينقشع بها ضباب وجوده ويضمحل ويتلاشى وذاته وحقيقته موجودة بائنة عن ربه وربه بائن عنه فحينئذ يغيب العبد عن نفسه ويفنى وفي الحقيقة هو باق غير فان ولكنه ليس في سره غير الله قد فني فيه عن كل ما سواه. نعم قد يتفق له في هذه الحالة أن لا يجد شيئا غير الله فذلك لاستغراق قلبه في مشهوده وموجوده ولو كان ذلك في نفس الأمر لكان العبد في هذه الحال خالقا بارئا مصورا أزليا أبديا. فعليك بهذا الفرقان واحذر فريقين هما أعدى عدو لهذا الشأن: فريق الجهمية المعطلة التي ليس عندها فوق العرش إلا العدم المحض فشم رائحة هذا المقام من أبعد الأمكنة حرام عليها وفريق أهل الاتحاد القائلين بوحدة الوجود وأن العبد ينتهي في هذا السفر إلى أن يشهد وجوده هو عين وجود الحق جل جلاله وعيشك بجهلك خير من معرفة هاتين الطائفتين وانقطاعك مع الشهوات خيرك معهما والله المستعان وعليه التكلان.(3\/355)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1331",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14328",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل البقاء] [حد البقاء] قال الشيخ: (باب البقاء) قال الله عز وجل: والله خير وأبقى [طه: 73] . البقاء الذي يشير إليه القوم: هو صفة العبد ومقامه والبقاء في الآية: هو بقاء الرب ودوام وجوده وإنما ذكره مؤمنو السحرة في هذا المكان لأن عدو الله فرعون توعدهم على الإيمان بإتلاف حياتهم وإفناء ذواتهم فقالوا له: وإن فعلت ذلك فالذي آمنا به وانتقلنا من عبوديتك إلى عبوديته ومن طلب رضاك والمنزلة عندك إلى طلب رضاه والمنزلة عنده - خير منك وأدوم وعذابك ونعيمك ينقطع ويفرغ وعذابه هو ونعيمه وكرامته لا تنقطع ولا تبيد فكيف نؤثر المنقطع الفاني الأدنى على الباقي المستمر الأعلى ولكن وجه الإشارة بالآية أن الوسائل والتعلقات والمحبة والإرادة تابعة لغاياتها ومحبوبها ومرادها فمن كانت غاية محبته وإرادته منقطعة انقطع تعلقه عند انقطاعها وذهب عمله وسعيه واضمحل ومن كان مطلوبه وغايته باقيا دائما لا زوال له ولا فناء ولا يضمحل ولا يتلاشى دام تعلقه ونعيمه به بدوامه فالوسائل تابعة للغايات والتعلقات تابعة لمتعلقاتها والمحبة تابعة للمحبوب فليس المحبوب الذي يتلاشى ويضمحل ويفنى كالمحبوب الذي كل شيء هالك إلا وجهه فالمحب باق ببقاء محبوبه يشرف بشرفه ويعظم خطره بحسب محبوبه ويستغني بغناه ويقوى بقوته ويعز بعزه ويعظم شأنه في النفوس بخدمته وإرادته ومحبته تالله لولا حجاب الغفلة والعوائد والهوى والمخالفات لذاق القلب أعظم الألم بتعلقه بغير الحبيب الأول ولذاق أعظم اللذة والسرور بتعلقه به فالله المستعان.  فصل قال الشيخ: quot; البقاء: اسم لما بقي بعد فناء الشواهد وسقوطها quot;. له في هذه العبارة تسامح وأرباب هذا الشأن همهم المعاني فهم يسامحون(3\/356)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1332",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14329",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في العبارات ما لا يسامح فيه غيرهم. فالبقاء: هو الدوام واستمرار الوجود وهو نوعان: مقيد ومطلق فالمقيد: البقاء إلى مدة والمطلق: الدائم المستمر لا إلى غاية. و quot; البقاء quot; أوضح من هذا الحد الذي ذكره ولكن لما كان مراده quot; البقاء quot; الذي هو صفة العبد ومقامه قال: quot; هو اسم لما بقي بعد فناء الشواهد quot; وهذا عام في سائر أنواع ما بقي العبد متصفا به بعد فناء الأدلة والآثار التي دلت على الحقيقة. و quot; الشواهد quot; عنده هي الرسوم كلها وربما يراد بها معالم الشهود وهو الذي عناه فيما تقدم فإذا جعلت الشواهد هاهنا معالم الشهود كان المعنى أن المعالم توصل إلى الشهود ويبقى الشهود قائما بعد فناء معالمه. وحقيقة الأمر أن الحق سبحانه يفنيهم عما سواه ويبقيهم به وما سواه هو المعالم والرسوم.  [درجات البقاء] قال: وهو على ثلاث درجات: بقاء المعلوم بعد سقوط العلم عينا لا علما وبقاء المشهود بعد سقوط الشهود وجودا لا نعتا وبقاء ما لم يزل حقا بإسقاط ما لم يكن محوا. قلت: أما بقاء المعلوم بعد سقوط العلم فقد يظهر في بادئ الأمر امتناعه إذ كونه معلوما - مع سقوط العلم به - جمع بين النقيضين وكأنه معلوم غير معلوم فإن المعلوم لا يكون معلوما إلا بالعلم فكيف يكون معلوما مع سقوطه وجواب هذا أن هنا أمرين: أحدهما: وجود صورة المعلوم في قلب العالم وإدراكه لها وشعوره بها. والثاني: علمه بعلمه وشعوره وهو أمر وراء حضور تلك الصورة وهذا في سائر المدارك فقد يرى الرائي الشيء ويسمعه ويشمه ويغيب عن علمه وشعوره بصفة نفسه التي هي إدراكه فيغيب بمدركه عن إدراكه وبمعلومه عن علمه وبمرئيه عن رؤيته فإن قلت: أوضح لي هذا لينجلي فهمه. فاعلم أن هاهنا قوة مدركة له إذا تعلقت به صار معلوما مدركا فتولد من بين(3\/357)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1333",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14330",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذين الأمرين حالة ثالثة تسمى quot; الشعور quot; و quot; العلم quot; و quot; الإدراك quot;. مثال ذلك: ما يدركه بحاسة الذوق والشم فإنه لابد من وجود المدرك المذوق المشموم ولابد من قوة في الآلة والمحل المخصوص تقابل المدرك وتتعلق به فيتولد من بين الأمرين كيفية الشم والذوق وكذلك في الملموس والمسموع والمرئي فتمام الإدراك أن يحيط علما بهذه الأمور الثلاثة فيشعر بالمدرك وبالقوة المدركة وبحالة الإدراك فإذا استغرق القلب في شهوده المعلوم غاب به عن شهود القوة التي بها يعلم وعن حالة العلم ومثل هذا برجل أدرك بلمسه ما التذ به أعظم لذة حصلت له فاستغرقته تلك اللذة عما سواها فأسقطت شعوره بها دون وجودها ولهذا قال الشيخ quot; بقاء المعلوم بعد سقوط العلم عيانا لا علما quot; فعيانا حال من البقاء لا من السقوط أي بقاؤه وجودا لا نعتا فإنه في مرتبة العلم باق نعتا ووصفا وفي هذه المرتبة باق وجودا وعيانا لا علما مجردا. وهذا وجه ثان في كلامه أنه يبقى وجوده وعينه لا مجرد العلم به فالعلم به لم يعدم ولكن انتقل العبد من وجود العلم إلى وجود المعلوم. وكذلك قوله - في الدرجة الثانية - quot; وبقاء المشهود بعد سقوط الشهود وجودا لا نعتا quot; الشهود فوق العلم لأنه علم عيان فينتقل من مجرد الشهود إلى الوجود فيبقى المشهود موجودا له بعد أن كان مشهودا ومرتبة الوجود فوق مرتبة الشهود فإن الوجود حصول ذاتي والشهود حصول علمي وإن كان فوق العلم. قوله في الدرجة الثالثة: quot; وبقاء من لم يزل حقا بإسقاط ما لم يكن محوا quot; أي يغلب على القلب سلطان الحقيقة ونور الجمع حتى ينطمس من قلبه أثر المخلوقات كما ينطمس نور الكواكب بطلوع الشمس ويبقى فيه تعظيم من لم يزل وذكره وحبه والاشتغال به لا بغيره. فالدرجة الأولى: بقاء في مرتبة العلم والثانية: بقاء في مرتبة الشهود والثالثة: بقاء في مرتبة الوجود فهذا وجه. ويمكن شرح كلامه على وجه آخر وهو: أن المعلوم يسقط شهود العلم فالعلم يسقط والمعلوم يثبت فالعبد إذا بقي بعد الفناء سقط علمه في مشهد عيانه بحيث تبقى مرتبة العلم عيانا فيسقط العلم بالعيان بحيث يصير عينا لا علما فإذا نظرت إلى العلم باعتبار العين - وهي حضرة الجمع - سقط العلم فإذا نظرت إليه باعتبار الفرق لم يسقط فسقوطه في حضرة الجمع وثبوته في مقام الفرق.(3\/358)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1334",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14331",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله: quot; وبقاء المشهود بعد سقوط الشهود وجودا quot; يعني: بقاء الحق الذي هو المشهود بعد سقوط الشهود الذي هو المخلوق: كان المشهود صفة المشاهد والمشاهد وصفاته مخلوق ومشهوده سبحانه غير مخلوق كما أن علمه وذكره ومعرفته مخلوقة والمعلوم المذكور المعروف سبحانه غير مخلوق وإذا كان الموصوف قد فني وصفاته تابعة له في الفناء فيفنى شهوده ويبقى مشهوده. قوله quot; وجودا لا نعتا quot; أي سقط وجود شهوده لا نعته والإخبار عنه. قوله quot; وبقاء ما لم يزل حقا بإسقاط ما لم يكن محوا quot; يوضح المراد من الدرجتين اللتين قبل ومعناه: بقاء الحق وفناء المخلوق والحق - سبحانه - لم يزل باقيا فلم يتجدد له البقاء والفناء المتعلق بالمخلوق فناؤهم في شهود المشاهد ومحو رسومهم من قلبه بالكلية لا فناؤهم في الخارج. وحاصل ذلك: أن يفنى من قلبك إرادة السوى: وشهوده والالتفات إليه ويبقى فيه إرادة الحق وحده وشهوده والالتفات بالكلية إليه والإقبال بجمعيتك عليه فحول هذا يدندن العارفون وإليه يشمر السالكون وإن وسعوا له العبارات وصرفوا إليه القول والله أعلم.  [فصل التحقيق] قال: (باب التحقيق) قال الله تعالى أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي [البقرة: 260] التحقيق: تلخيص مصحوبك من الحق ثم بالحق ثم في الحق وهذه أسماء درجاته الثلاث. وجه تعلقه بإشارة الآية: أن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - طلب الانتقال من الإيمان بالعلم بإحياء الله الموتى إلى رؤية تحقيقه عيانا فطلب - بعد حصول العلم الذهني - تحقيق الوجود الخارجي فإن ذلك أبلغ في طمأنينة القلب ولما كان بين العلم والعيان منزلة أخرى قال النبي - صلى الله عليه وسلم - نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحي الموتى [البقرة: 260] وإبراهيم لم يشك - صلى الله عليه وسلم - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يشك ولكن أوقع اسم(3\/359)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1335",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14332",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "quot; الشك quot; على المرتبة العلمية باعتبار التفاوت الذي بينها وبين مرتبة العيان في الخارج وباعتبار هذه المرتبة سمي العلم اليقيني - قبل مشاهدة معلومه - ظنا قال تعالى الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون [البقرة: 46] وقال تعالى الذين يظنون أنهم ملاقو الله [البقرة: 249] وهذا الظن علم جازم كما قال تعالى واعلموا أنكم ملاقوه [البقرة: 223] لكن بين الخبر والعيان فرق وفي المسند مرفوعا ليس الخبر كالعيان ولهذا لما أخبر الله موسى أنه قد فتن قومه وأن السامري أضلهم لم يحصل له من الغضب والكيفية وإلقاء الألواح ما حصل له عند مشاهدة ذلك. إذا عرف هذا فقوله quot; التحقيق: تلخيص مصحوبك من الحق quot; هاهنا أربعة ألفاظ بتفسيرها يفهم مراده - إن شاء الله -. أحدها: لفظ quot; التحقيق quot; وهو تفعيل من حقق الشيء تحقيقا فهو مصدر فعله(3\/360)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1336",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14333",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حقق الشيء أي أثبته وخلصه من غيره. الثانية: لفظ quot; التلخيص quot; ومعناه: تخليص الشيء من غيره فخلصه ولخصه يشتركان لفظا ومعنى وإن كان quot; التلخيص quot; أغلب ما في الذهن والتخليص أغلب على ما في الخارج فالتلخيص: تلخيص الشيء في الذهن بحيث لا يدخل فيه غيره والتخليص: إفراده في الخارج عن غيره. الثالث: quot; المصحوب quot; وهو ما يصحب الإنسان في قصده ومعرفته من معلوم ومراد. الرابع: quot; الحق quot; وهو الله سبحانه وما كان موصلا إليه مدنيا للعبد من رضاه. إذا عرف هذا فمصحوب العبد من الحق هو معرفته ومحبته وإرادة وجهه الكريم وما يستعين به على الوصول إليه وما هو محتاج إليه في سلوكه ف quot; التحقيق quot; هو تخليصه من المفسدات القاطعة عنه الحائلة بين القلب وبين الموصل إليه وتحصينه من المخالطات وتخليصه من المشوشات فإن تلك قواطع له عن مصحوبه الحق وهي نوعان لا ثالث لهما: عوارض محبوبة وعوارض مكروهة. فصاحب مقام التحقيق لا يقف مع العوارض المحبوبة فإنها تقطعه عن مصحوبه ومحبوبه ولا مع العوارض المكروهة فإنها قواطع أيضا ويتغافل عنها ما أمكنه فإنها تمر بالمكاثرة والتغافل مرا سريعا لا يوسع دوائرها فإنه كلما وسعها اتسعت ووجدت مجالا فسيحا فصالت فيه وجالت ولو ضيقها - بالإعراض عنها والتغافل - لاضمحلت وتلاشت فصاحب مقام التحقيق ينساها ويطمس آثارها ويعلم أنها جاءت بحكم المقادير في دار المحن والآفات. قال لي شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - مرة: العوارض والمحن هي كالحر والبرد فإذا علم العبد أنه لابد منهما لم يغضب لورودهما ولم يغتم لذلك ولم يحزن. فإذا صبر العبد على هذه العوارض ولم ينقطع بها رجا له أن يصل إلى مقام التحقيق فيبقى مع مصحوبه الحق وحده فتهذب نفسه وتطمئن مع الله وتنفطم عن عوائد السوء حتى تغمر محبة الله قلبه وروحه وتعود جوارحه متابعة للأوامر فيحس قلبه حينئذ بأن معية الله معه وتوليه له فيبقى في حركاته وسكناته بالله لا بنفسه وترد على قلبه التعريفات الإلهية وذلك إنما يكون في منزل البقاء بعد الفناء(3\/361)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1337",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14334",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والظفر بالمحبة الخاصة ويشهد الإلهية والقيومية والفردانية فإن على هذه المشاهد الثلاثة مدار المعرفة والوصول. والمقصود: أن صاحب مقام quot; التحقيق quot; يعرف الحق ويميز بينه وبين الباطل فيمسك بالحق ويلغي الباطل فهذه مرتبة ثم يتبين له أن ذلك ليس به بل بالله وحده فيبرأ حينئذ من حوله وقوته ويعلم أن ذلك بالحق ثم يتمكن في ذلك المقام ويرسخ فيه قلبه فيصير تحقيقه بالله وفي الله. ففي الأول: يخلص له مطلوبه من غيره ويتجرد له من سواه. وفي الثاني: يخلص له إضافته إلى غيره وأن يكون سواه سبحانه. وفي الثالث: تجرد له شهوده وقصوره بحيث صارت في مطلوبه. فالأول: سفر إلى الله والثاني: سفر بالله والثالث: سفر في الله. وإن أشكل عليك معنى السفر فيه والفرق بينه وبين السفر إليه ففرق بين حال العابد الزاهد السائر إلى الله الذي لم يفتح له في الأسماء والصفات والمعرفة الخاصة وبين حال العارف الذي قد كشف له في معرفة الأسماء والصفات والفقه فيها ما حجب عن غيره. قوله: quot; أما الدرجة الأولى - وهي تخليص مصحوبك من الحق -: فأن لا يخالج علمك علمه quot; يعني: أنك كنت تنسب العلم إلى نفسك قبل وصولك إلى مقام التحقيق ففي حالة التحقيق تعود نسبته إلى معلمه ومعطيه الحق ولعل هذا معنى قول الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إذ جمعهم الرب تبارك وتعالى وقال ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا [المائدة: 109] قيل: قالوه تأدبا معه سبحانه إذ ردوا العلم إليه وقيل: معناه لا علم لنا بحقيقة الباطن وإنما أجابنا من أجابنا ظاهرا والباطن غيب وأنت علام الغيوب. والتحقيق - إن شاء الله - أن علومهم تلاشت في علمه سبحانه واضمحلت فصارت بالنسبة إليه كلا علم فردوا العلم كله إلى وليه وأهله ومن هو أولى به فعلومهم وعلوم الخلائق جميعهم في جنب علمه تعالى كنقرة عصفور في بحر من بحار العالم و quot; المخالجة quot; المنازعة.(3\/362)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1338",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14335",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله: quot; وأما الدرجة الثانية: فأن لا ينازع شهودك شهوده هذا قريب من المعنى الأول والمعنى: أن الشهود الذي كنت تنسبه إلى نفسك قبل الفناء تصير بعد تنسبه إليه سبحانه لا إليك. قوله quot; الدرجة الثالثة: أن لا يناسم رسمك سبقه quot; الرسم عندهم: هو الشخص وهو محدث مخلوق والرب تعالى هو القديم الخالق فإذا تحقق العبد بالحقيقة شهد الحق وحده منفردا عن خلقه فلم يناسم رسمه سبق الحق وأوليته والمناسمة كالمشامة يقال: ناسمه أي شامه فاستعار الشيخ اللفظة لأدنى المقاربة والملابسة أي لا يداني رسمك سبقه ولو بأدنى مناسمة بل تشهد الحق وحده منفردا عن كل ما سواه. وهم يشيرون بذلك إلى أمر وهو: أن الله سبحانه كان ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان فأما اللفظ الأول وهو quot; كان الله ولا شيء معه quot; فهذا قد روي في الصحيح في بعض ألفاظ حديث عمران بن حصين رضي الله عنه وإن كان اللفظ الثابت كان الله ولم يكن شيء قبله وهو المطابق لقوله في الحديث الآخر الصحيح أنت الأول فليس قبلك شيء ولم يقل: فليس معك شيء. وأما قوله quot; وهو الآن على ما كان عليه quot; فزيادة في الحديث ليست منه بل زادها بعض المتحذلقين وهي باطلة قطعا فإن الله مع خلقه بالعلم والتدبير والقدرة ومع أوليائه بالحفظ والكلاءة والنصرة وهم معه بالموافقة والمحبة وصارت هذه اللفظة(3\/363)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1339",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14336",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مجنا وترسا للملاحدة من الاتحادية فقالوا: إنه لا وجود سوى وجوده أزلا وأبدا وحالا فليس في الوجود إلا الله وحده وكل ما تراه وتلمسه وتذوقه وتشمه وتباشره فهو حقيقة الله تعالى الله عن إفكهم علوا كبيرا. وأما أهل التوحيد: فقد يطلقون هذه اللفظة ويريدون بها لفظا صحيحا وهو أن الله سبحانه لم يزل منفردا بنفسه عن خلقه ليس مخالطا لهم ولا حالا فيهم ولا ممازجا لهم بل هو بائن عنهم بذاته وصفاته. وأما الشيخ وأرباب الفناء: فقد يعنون معنى آخر أخص من ذلك وهو المشار إليه بقوله quot; لا يناسم رسمك سبقه quot; أي لا ترى أنك معه بل تراه وحده ولهذا قال: فتسقط الشهادات وتبطل العبارات وتفنى الإشارات يعني: أنك إذا لم تشهد معه غيره وأسقطت الغير من الشهود لا من الوجود بخلاف ما يقول الملحد الاتحادي: إنك تسقط الغير شهودا ووجودا - سقطت الشهادات والعبارات والإشارات لأنها صفات العبد المحدث المخلوق والفناء يوجب إسقاطها. والمعنى: أن الواصل إلى هذا المقام لا يرى مع الحق سواه فيمحو السوى في شهوده وعند الملحد يمحوه من الوجود والله أعلم وهو الموفق.  [فصل التلبيس] [عدم مناسبة اسم الباب] فصل التلبيس قال: (باب التلبيس) قال الله تعالى وللبسنا عليهم ما يلبسون [الأنعام: 9]  ليته لم يستشهد بهذه الآية في هذا الباب فإن الاستشهاد بها على مقصوده أبعد شاهد عليه وأبطله شهادة وليته لم يسم هذا الباب بالتلبيس واختار له اسما أحسن منه موقعا. فأما الآية: فإن معناها غير ما عقد له الباب من كل وجه فإن المشركين قالوا تعنتا في كفرهم لولا أنزل عليه ملك [الأنعام: 8] يعنون: ملكا نشاهده ونراه يشهد له ويصدقه وإلا فالملك كان ينزل عليه بالوحي من الله فأجاب الله تعالى عن هذا وبين الحكمة في عدم إنزال الملك على الوجه الذي اقترحوه بأنه لو أنزل ملكا - كما اقترحوا ولم يؤمنوا ويصدقوه - لعوجلوا بالعذاب كما جرت واستمرت به سنته تعالى مع(3\/364)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1340",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14337",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكفار في آيات الاقتراح إذا جاءتهم ولم يؤمنوا بها فقال ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون [الأنعام: 8] ثم بين سبحانه أنه لو أنزل ملكا - كما اقترحوا - لما حصل به مقصودهم لأنه إن أنزله في صورته لم يقدروا على التلقي عنه إذ البشر لا يقدرون على مخاطبة الملك ومباشرته وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أقوى الخلق - إذا نزل عليه الملك كرب لذلك وأخذه البرحاء وتحدر منه العرق في اليوم الشاتي وإن جعله في صورة رجل حصل لهم لبس هل هو رجل أم ملك فقال تعالى ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم [الأنعام: 9] في هذه الحال ما يلبسون [الأنعام: 9] على أنفسهم حينئذ فإنهم يقولون - إذا رأوا الملك في صورة الإنسان - هذا إنسان وليس بملك فهذا معنى الآية فأين تجده مما عقد له الباب  [فصل حقيقة التلبيس] فصل قال: quot; التلبيس: تورية بشاهد معار عن موجود قائم لما كانت quot; التورية quot; إظهار خلاف المراد بأن يذكر شيئا يوهم أنه مراده وليس هو بمراده بل ورى بالمذكور عن المراد: فسر quot; التلبيس quot; بها وفي الحديث quot; كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد غزوة ورى بغيرها quot; مثاله: أن يريد غزو خيبر فيقول للناس: كيف طريق نجد وما بها من المياه ونحو ذلك. فهاهنا شيئان: أمر ستر الموري الملبس وأمر ستر ما ورى عنه فأشار المصنف إلى الأمرين بقوله quot; تورية شاهد معار عن موجود قائم quot; فأما quot; التورية quot; فقد عرفتها وأما quot; الشاهد quot; فهو الذي توري به عن مرادك وتستشهد به وأما quot; المعار quot; فهو الشاهد الذي استعير لغيره ليشهد له فهو شاهد استعير لمشهود قائم فالتورية: أن تذكر ما يحتمل معنيين ومقصودك خلاف الذي يظهر منهما والتلبيس: يشبه التعمية والتخليط ومنه قوله ولا تلبسوا الحق بالباطل [البقرة: 42] والله سبحانه وتعالى أعلم.(3\/365)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1341",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14338",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل التلبيس اسم لثلاثة معان] [الأول تلبيس الحق سبحانه بالكون على أهل التفرقة] فصل قال الشيخ: quot; وهو اسم لثلاثة معان أولها: تلبيس الحق سبحانه بالكون على أهل التفرقة وهو تعليقه الكوائن بالأسباب والأماكن والأحايين وتعليقه المعارف بالوسائط والقضايا بالحجج والأحكام بالعلل والانتقام بالجنايات والمثوبة بالطاعات وأخفى الرضا والسخط اللذين يوجبان الفصل والوصل ويظهران الشقاوة والسعادة. شيخ الإسلام حبيبنا ولكن الحق أحب إلينا منه وكان شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول: عمله خير من علمه وصدق - رحمه الله - فسيرته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد أهل البدع لا يشق له فيها غبار وله المقامات المشهورة في نصرة الله ورسوله وأبى الله أن يكسو ثوب العصمة لغير الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى - صلى الله عليه وسلم - وقد أخطأ في هذا الباب لفظا ومعنى. أما اللفظ: فتسميته فعل الله الذي هو حق وصواب وحكمة ورحمة وحكمه الذي هو عدل وإحسان وأمره الذي هو دينه وشرعه quot; تلبيسا quot; فمعاذ الله ثم معاذ الله من هذه التسمية ومعاذ الله من الرضا بها والإقرار عليها والذب عنها والانتصار لها ونحن نشهد بالله أن هذا تلبيس على شيخ الإسلام فالتلبيس وقع عليه ولا نقول: وقع منه ولكنه صادق لبس عليه ولعل متعصبا له يقول: أنتم لا تفهمون كلامه فنحن نبين مراده على وجهه - إن شاء الله - ثم نتبع ذلك بما له وعليه. فقوله quot; أولها: تلبيس الحق بالكون على أهل التفرقة quot; والحق هاهنا المراد به الرب تعالى و quot; الكون quot; اسم لكل ما سواه و quot; أهل التفرقة quot; ضد أهل quot; الجمع quot; وسيأتي معنى الجمع عنده بعد هذا - إن شاء الله - فأهل التفرقة الذين لم يصلوا إلى مقام الجمع فأهل التفرقة عنده لبس عليهم الحق بالباطل فإنهم لبس عليهم الحق بالكون وهو الباطل وكل شيء ما خلا الله باطل وأهل التفرقة عندهم الذين غلب عليهم النظر إلى الأسباب حتى غفلوا عن المسبب ووقفوا معها دونه و quot; التلبيس quot; فعل من أفعال الرب تعالى وهو سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولذلك استدل على هذا المعنى بالآية وهي قوله تعالى وللبسنا عليهم ما يلبسون [الأنعام: 9](3\/366)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1342",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14339",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليعرفك أن هذا الفعل لا تمنع نسبته إلى الله كما لا تمنع نسبة الإضلال إليه. ووجه هذا التلبيس: أنه - سبحانه - أضاف الأفعال الصادرة عن محض قدرته ومشيئته إلى أسباب وأزمنة وأمكنة فلبس الحق سبحانه على أهل التفرقة حيث علق الكوائن - وهي الأفعال - بالأسباب فنسبها أهل التفرقة إلى أسبابها وعموا عن رؤية الحق سبحانه ففي الحقيقة لا فعل إلا لله وأهل التفرقة يجهلون ذلك ويقولون: فعل فلان وفعل الماء وفعل الهواء وفعلت النار وكذلك تعليقه سبحانه المعارف بالوسائط وهي الأدلة السمعية والعقلية والفطرية وتعليقه المسموعات والمبصرات والملموسات بآلاتها وحواسها من السمع والبصر والشم والذوق واللمس وهو سبحانه الخالق لتلك الإدراكات مقارنة لهذه الحواس وعندها لا بها ولا بقوى مودعة فيها وهو سبحانه قادر على خلق هذه المعارف بغير هذه الوسائط فحجب أهل التفرقة فهذه الوسائط عن إله قادر سبحانه حقيقة الذي لا فعل في الحقيقة إلا له فكأنه لبس على أهل التفرقة - أي أضلهم - بشهودهم الأسباب وغيبتهم بها عنه. وكذلك القضايا - وهي الوقائع بين العباد - غلقها بالحجج الموجبة لها فكل قضاء وحكم لابد له من حجة يستند إليها فيحجب صاحب التفرقة بتلك الحجة عن المصدر الأول الذي منه ابتداء كل شيء ويقف مع الحجة ولا ينظر إلى من حكم بها وجعلها مظهرا لنفوذ حكمه وقضائه. وكذلك تعليقه الأحكام بالعلل - وهي المعاني والمناسبات والحكم والمصالح - التي من أجلها ثبتت الأحكام وهو سبحانه واضع تلك المعاني ومضيف الأحكام إليها وإنما هي في الحقيقة مضافة إليه سبحانه. وكذلك ترتيبه الانتقام على الجنايات وربطه الثواب بالطاعات كل ذلك مضاف إليه سبحانه وحده لا إلى الجنايات ولا إلى الطاعات فإضافة ذلك إليها تلبيس على أهل التفرقة وموضع التلبيس في ذلك كله أن أهل التفرقة يظنون أنه لولا تلك الوسائط لما وجدت معرفة ولا وقعت قضية ولا كان حكم ولا ثواب ولا عقاب ولا انتقام وهذا تلبيس عليهم فإن هذه الأمور إنما أوجبها محض مشيئة الله الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فانطوى حكم تلك الوسائط والأسباب والعلل في بساط المشيئة الأزلية واضمحلت في عين الحكم الأزلي وصارت من جملة الكائنات التي هي منفعلة لا فاعلة ومطيعة لا مطاعة ومأمورة لا آمرة وخلق من خلقه لا واسطة بينه وبين خلقه فهي به لا بهم ولهذا عاذ العارفون به منه وهربوا منه إليه والتجئوا منه إليه وفروا منه إليه وتوكلوا به عليه وخافوه بما منه لا من(3\/367)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1343",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14340",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "غيره فشهدوا أوليته في كل شيء وتفرده في الصنع وأنه ما ثم ما يوجب من الأشياء إلا مشيئته وحده فمشيئته هي السبب في الحقيقة وما يشاهد أو يعلم من الأسباب فمحل ومجرى لنفوذ المشيئة لا أنه مؤثر وفاعل فالوسائط لابد أن تنتهي إلى أول لامتناع التسلسل ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فمن أعدى الأول والله سبحانه قدر المقادير وكتب الآثار والأعمال والشقاء والسعادة والثواب والعقاب حيث لا واسطة هناك ولا سبب ولا علة فأهل التفرقة وقفوا مع الوسائط وأهل الجمع نفذ بصرهم من الوسائط والأسباب إلى من أقامها وربط بها أحكامها. قوله: quot; وأخفى الرضا والسخط اللذين هما موضع الوصل والفصل quot; يعني: أنه سبحانه أخفى عن عباده ما سبق لهم عنده من سخطه على من سخط عليه ورضاه عمن رضي عنه الموجبين لوصل من وصله وقطع من قطعه. ومراده: أن هذا مع السبب الصحيح في نفس الأمر وهو رضاه وسخطه وإنما لبس سبحانه على أهل التفرقة الأمر بما ذكره من الجنايات والطاعات والعلل والحجج ولا سبب في الحقيقة إلا رضاه وسخطه وذلك لا علة له فالرضا هو الذي أوجب المثوبة لا الطاعة والسخط هو الذي أوجب العقوبة لا المعصية والمشيئة هي التي أوجبت الحكم لا الوسائط فأخفى الرب سبحانه ذلك عن خلقه وأظهر لهم أسبابا أخر علقوا بها الأحكام وذلك تلبيس من الحق عليهم فأهل التفرقة وقفوا مع هذا التلبيس وأهل الجمع صعدوا عنه وجاوزوه إلى مصدر الأشياء كلها وموجدها بمشيئته فقط. فبالغ الشيخ في ذلك حتى جعل الرضا والسخط يظهران السعادة والشقاوة ولم يجعل الرضا والسخط مؤثرين فيهما وذلك لأن السعادة والشقاوة سبقت عنده سبقا محضا مستندا إلى محض المشيئة لا علة لهما والرضا والسخط أظهرا ما سبق به التقدير من السعادة والشقاوة فهذا أحسن ما يقال في شرح كلامه وتقريره وحمله على أحسن الوجوه وأجملها. وأما ما فيه من التوحيد وانتهاء الأمور إلى مشيئة الرب جل جلاله وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فذلك عقد نظام الإيمان ومع ذلك فلا يكفي وحده إذ غايته تحقيق توحيد الربوبية الذي لا ينكره عباد الأصنام وإنما الشأن في أمر آخر وراء هذا هذا بابه والمدخل إليه والدليل عليه ومنه يوصل إليه وهو التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب وعليه الثواب والعقاب والشرائع كلها(3\/368)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1344",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14341",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تفاصيله وحقوقه وهو توحيد الإلهية والعبادة وهو الذي لا سعادة للنفوس إلا بالقيام به - علما وعملا وحالا - وهو أن يكون الله وحده أحب إلى العبد من كل ما سواه وأخوف عنده من كل ما سواه وأرجى له من كل ما سواه فيعبده بمعاني الحب والخوف والرجاء بما يحبه هو ويرضاه وهو ما شرعه على لسان رسوله لا بما يريد العبد ويهواه وتلخيص ذلك في كلمتين quot; إياك أريد بما تريد quot; فالأولى: توحيد وإخلاص والثانية: اتباع للسنة وتحكيم للأمر. والمقصود: أن ما أشار إليه في هذا الباب غايته تقرير توحيد الأفعال وهو توحيد الربوبية. وأما جعله ما نصبه من الأسباب في خلقه وأمره وأحكامه وثوابه وعقابه تلبيسا فتلبيس من النفس عليه وليس ذلك - عند العارفين بالله ورسله وأسمائه وصفاته - من التلبيس في شيء وإنما ذلك مظهر أسمائه وصفاته وحكمته ونعمته وقدرته وعزته إذ ظهور هذه الصفات والأسماء تستلزم محال وتعلقات تتعلق بها ويظهر فيها آثارها وهذا أمر ضروري للصفات والأسماء إذ العلم لابد له من معلوم وصفة الخالقية والرازقية تستلزم وجود مخلوق ومرزوق وكذلك صفة الرحمة والإحسان والحلم والعفو والمغفرة والتجاوز - تستلزم فكيف يكون تعليق الأحكام والثواب والعقاب بها تلبيسا وهل ذلك محال تتعلق بها ويظهر فيها آثارها فالأسباب والوسائط مظهر الخلق والأمر إلا حكمة بالغة باهرة وآيات ظاهرة وشواهد ناطقة بربوبية منشئها وكماله وثبوت أسمائه وصفاته فإن الكون - كما هو محل الخلق والأمر ومظهر الأسماء والصفات - فهو بجميع ما فيه شواهد وأدلة وآيات دعا الله سبحانه عباده إلى النظر فيها والاستدلال بها على وجود الخالق والاعتبار بما تضمنته من الحكم والمصالح والمنافع على علمه وحكمته ورحمته وإحسانه وبما تضمنته من العقوبات على عدله وأنه يغضب ويسخط ويكره ويمقت وبما تضمنته من المثوبات والإكرام على أنه يحب ويرضى ويفرح فالكون - بجملة ما فيه - آيات وشواهد وأدلة لم يخلق الله منها شيئا تلبيسا ولا وسطه عبثا ولا خلقه سدى. فالأسباب والوسائط والعلل محل ادكار المتفكرين واعتبار الناظرين ومعارف المستدلين إن في ذلك لآيات للمتوسمين [الحجر: 75] وكم في القرآن من الحث على النظر(3\/369)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1345",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14342",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والاعتبار بها والتفكر فيها وذم من أعرض عنها والإخبار بأن النظر فيها والاستدلال يوجب العلم والمعرفة بصدق رسله فهو آيات كونية مشاهدة تصدق الآيات القرآنية ! ! . فما علق بها آثارها سدى ولا رتب عليها مقتضياتها وأحكامها باطلا ولا جعل توسيطها تلبيسا البتة بل ذلك موجب كماله وكمال نعوته وصفاته وبها عرفت ربوبيته وإلهيته وملكه وصفاته وأسماؤه. هذا ولم يخلقها سبحانه عن حاجة منه إليها ولا توقفا لكماله المقدس عليها فلم يتكثر بها من قلة ولم يتعزز بها من ذلة بل اقتضى كماله أن يفعل ما يشاء ويأمر ويتصرف ويدبر كما يشاء وأن يحمد ويعرف ويذكر ويعبد ويعرف الخلق صفات كماله ونعوت جلاله ولذلك خلق خلقا يعصونه ويخالفون أمره لتعرف ملائكته وأنبياؤه ورسله وأولياؤه كمال مغفرته وعفوه وحلمه وإمهاله ثم أقبل بقلوب من شاء منهم إليه فظهر كرمه في قبول توبته وبره ولطفه في العود عليه بعد الإعراض عنه كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم فلمن كانت تكون مغفرته لو لم يخلق الأسباب التي يعفو عنها ويغفرها والعبد الذي له يغفر فخلق العبد المغفور له وتقدير الذنب الذي يغفر والتوبة التي يغفر بها هو نفس مقتضى العزة والحكمة وموجب الأسماء الحسنى والصفات العلا - ليس من التلبيس في شيء فتعليق الكوائن بالأسباب كتعليق الثواب والعقاب بالأسباب ولهذا سوى صاحب المنازل بين الأمرين وهو محض الحكمة وموجب الكمال الإلهي ومقتضى الحمد التام ومظهر صفة العزة والقدرة والملك والشرائع كلها - من أولها إلى آخرها - مبنية على تعليق الأحكام بالعلل والقضايا بالحجج والثواب بالطاعة والعقوبات بالجرائم فهل يقال: إن الشرائع كلها تلبيس بأي معنى فسر التلبيس ولعمر الله لقد كان في غنية عن هذا الباب وعن هذه التسمية ولقد أفسد الكتاب بذلك. هذا ولا يجهل محل الرجل من العلم والسنة وطريق السلوك وآفته وعلله ولكن قصده تجريد توحيد الأفعال والربوبية قاده إلى ذلك وانضم إليه اعتقاده أن(3\/370)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1346",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14343",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفناء في هذا التوحيد هو غاية السلوك ونهاية العارفين وساعده اعتقاد كثير من المنتسبين إلى السنة الرادين على القدرية في الأسباب أنه لا تأثير لها البتة ولا فيها قوى ولا يفعل الله شيئا بشيء ولا شيئا لشيء فينكرون أن يكون في أفعاله باء سببية أو لام تعليل وما جاء من ذلك حملوا الباء فيه على باء المصاحبة واللام فيه على لام العاقبة وقالوا: يفعل الله الإحراق والإغراق والإزهاق عند ملاقاة النار والماء والحديد لا بهما ولا بقوى فيهما ولا فرق - في نفس الأمر - بين النار وبين الهواء والتراب والخشب وانضم إلى ذلك أن العبد ليس بفاعل أصلا وإنما هو منفعل محض ومحل جريان تصاريف الأحكام عليه وأن الفاعل فيه سواه والمحرك له غيره وإذا قيل: إنه فاعل أو متحرك فهو تلبيس. فهذه الأصول: أوجبت هذا التلبيس على نفاة الحكم والأسباب وقابلهم آخرون فمزقوا لحومهم كل ممزق وفرقوا أديمهم وقالوا: عطلتم الشرائع والثواب والعقاب وأبطلتم حقيقة الأمر والنهي فإن مبنى ذلك على أن العباد فاعلون حقيقة وأن أفعالهم منسوبة إليهم على الحقيقة وأن قدرهم وإرادتهم ودواعيهم مؤثرة في أفعالهم وأفعالهم واقعة بحسب دواعيهم وإرادتهم على ذلك قامت الشرائع والنبوات والثواب والعقاب والحدود والزواجر فطرة الله التي فطر الناس عليها والحيوان وسويتم بين ما فرق الله بينه فإن الله سبحانه ما سوى بين حركة المختار وحركة من تحرك قسرا بغير إرادة منه أبدا ولا سوى بين حركات الأشجار وحركات ابن آدم ولا جعل الله سبحانه أفعال عباده وطاعتهم ومعاصيهم أفعالا له بل نسبها إليه حقيقة وأخبر: أنه هو الذي جعلهم فاعلين كما قال تعالى وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون [السجدة: 24] وقال وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار [القصص: 41] وقال سادات العارفين به ربنا واجعلنا مسلمين لك [البقرة: 128] وقال إبراهيم خليله رب اجعلني مقيم الصلاة [إبراهيم: 40] فهو الذي جعل العبد كذلك والعبد هو الذي صلى وصام وأسلم وهو الفاعل حقيقة يجعل الله له فاعلا وهو السائر بتيسير الله له كما قال تعالى هو الذي يسيركم في البر والبحر [يونس: 22] فهذا فعله والسير(3\/371)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1347",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14344",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعلهم والإقامة فعله والقيام فعلهم والإنطاق فعله والنطق فعلهم فكيف تجعل نسبة الأفعال إلى محالها القائمة بها وأسبابها المظهرة لها: تلبيسا ومعلوم: أن طي بساط الأسباب والعلل: تعطيل للأمر والنهي والشرائع والحكم وأما الوقوف مع الأسباب واعتقاد تأثيرها: فلا نعلم من أتباع الرسل من قال: إنها مستقلة بأنفسها حتى يحتاج إلى نفي هذا المذهب وإنما قالت طائفة من الناس - وهم القدرية -: إن أفعال الحيوان خاصة غير مخلوقة لله ولا واقعة بمشيئته وهؤلاء هم الذين أطبق الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام على ذمهم وتبديعهم وتضليلهم وبين أئمة السنة أنهم أشباه المجوس وأنهم مخالفون العقول والفطر ونصوص الوحي فالتلبيس في الحقيقة حصل لهؤلاء ولمنكري الأسباب في القوى والطبائع والحكم ولبس على الفريقين الحق بالباطل. والحق - الذي بعث به الله رسله وأنزل به كتبه وفطر عليه عباده وأودعه في عقولهم -: بين مذهب هؤلاء وهؤلاء فالهدى بين الضلالتين والاستقامة بين الانحرافين. والمقصود: أن القرآن - بل وسائر كتب الله - تضمنت تعليق الكوائن بالأسباب والأماكن والأحايين وتعليق المعارف بالوسائط والقضايا بالحجج والأحكام بالعلل والانتقام بالجنايات والمثوبات بالطاعات فإن كان هذا تلبيسا عاد الوحي والشرع والكتب الإلهية تلبيسا. نعم التلبيس على من ظن أن ذلك التعليق على وجه الاستقلال بقطع النظر عن مسبب الأسباب وناصب الحكم والعلل فإن كان مراده: أنه لبس الأمر على هؤلاء فلم يهتدوا إلى الصواب فأبعد الله من ينتصر لهم ويذب عنهم فإنهم أضل من الأنعام وإن كان المراد من أثبت الأسباب والحكم والعلل وعلق بها ما علقه الله بها من الحكم والشرع وأنزلها بالمحل الذي أنزلها الله به ووضعها حيث وضعها - فقد لبس عليه فنحن ندين الله بذلك وإن سمي تلبيسا كما ندين بإثبات القدر وإن سمي جبرا وندين بإثبات الصفات وحقائق الأسماء وإن سمي تجسيما وندين بإثبات علو الله على عرشه فوق سماواته وإن سمي تحيزا أو جهة وندين بإثبات وجهه الأعلى ويديه المبسوطتين وإن سمي تركيبا وندين بحب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن سمي نصبا وندين بأنه مكلم متكلم حقيقة كلاما يسمعه من خاطبه وأنه يرى بالأبصار عيانا حقيقة يوم لقائه وإن سمي ذلك تشبيها.(3\/372)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1348",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14345",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويا لله العجب! أليست الكوائن كلها متعلقة بالأسباب أوليس الرب تعالى - كل وقت - يسوق المقادير إلى المواقيت التي وقتها لها ويظهرها بأسبابها التي سببها لها ويخصها بمحالها من الأعيان والأمكنة والأزمنة التي عينها لها أوليس قد قدر الله المقادير وسبب الأسباب التي تظهر بها ووقت المواقيت التي تنتهي إليها ونصب العلل التي توجد لأجلها وجعل للأسباب أسبابا أخر تعارضها وتدافعها فهذه تقتضي آثارها وهذه تمنعها اقتضاءها وتطلب ضد ما تطلبه تلك. أوليس قد رتب الخلق والأمر على ذلك وجعله محل الامتحان والابتلاء والعبودية أوليس عمارة الدارين - أعني الجنة والنار - بالأسباب والعلل والحكم ولا حاجة بنا أن نقول: وهو الذي خلق الأسباب ونصب العلل فإن ذكر هذا من باب بيان الواضحات التي لا يجهلها إلا أجهل خلق الله تعالى وأقلهم نصيبا من الإيمان والمعرفة. أوليس القرآن - من أوله إلى آخره - قد علقت أخباره وقصصه عن الأنبياء وأممهم وأوامره ونواهيه وزواجره وثوابه وعقابه: بالأسباب والحكم والعلل وعلقت فيه المعارف بالوسائط والقضايا بالحجج والعقوبات والمثوبات بالجنايات والطاعات أوليس ذلك مقتضى الرسالة وموجب الملك الحق والحكمة البالغة نعم مرجع ذلك كله إلى المشيئة الإلهية المقرونة بالحكمة والرحمة والعدل والمصلحة والإحسان ووضع الأشياء في مواضعها وتنزيلها في منازلها وهو سبحانه الذي جعل لها تلك المواضع والمنازل والصفات والمقادير فلا تلبيس هناك بوجه ما وإنما التلبيس في إخراج الأسباب عن مواضعها وموضوعها وإلغائها أو في إنزالها غير منزلتها والغيبة بها عن مسببها وواضعها وبالله التوفيق.  [فصل الثاني تلبيس أهل الغيرة على الأوقات بإخفائها] فصل قال: quot; والتلبيس الثاني: تلبيس أهل الغيرة على الأوقات بإخفائها وعلى الكرامات بكتمانها quot;. إطلاق quot; التلبيس quot; على هذه الدرجة أولى من إطلاقه على الدرجة الأولى فإن(3\/373)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1349",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14346",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التلبيس في هذه الدرجة راجع إلى فعل العبد وفي الأولى إلى فعل الرب ولهذا لما كان تسمية الدرجة الأولى تلبيسا شنيعا جدا وطأ له بذكر قوله تعالى وللبسنا عليهم ما يلبسون [الأنعام: 9] أي لا تستوحش من إطلاق ذلك على الله فإنه قد أطلقه على نفسه وقد عرفت ما فيه. والمقصود: أن العبد يقوى إخلاصه لله وصدقه ومعاملته حتى لا يحب أن يطلع أحد من الخلق على حاله مع الله ومقامه معه فهو يخفي أحواله غيرة عليها من أن تشوبها شائبة الأغيار ويخفي أنفاسه خوفا عليها من المداخلة وكان بعضهم إذا غلبه البكاء وعجز عن دفعه قال: لا إله إلا الله ما أمر الزكام! فالصادق إذا غلب عليه الوجد والحال وهاج من قلبه لواعج الشوق أخلد إلى السكون ما أمكنه فإن غلب أظهر ألما ووجعا يستر به حاله مع الله كما أظهر إبراهيم الخليل - صلى الله عليه وسلم - لقومه أنه سقيم حين أراد أن يفارقهم ويرجع بذلك الوارد وتلك الحال إلى الآلهة الباطلة فيجعلها جذاذا. فالصادقون يعملون في كتمان المعاني واجتناب الدعاوي فظواهرهم ظواهر الناس وقلوبهم مع الحق تعالى لا تلتفت عنه يمنة ولا يسرة فهم في واد والناس في واد. فقوله: quot; تلبيس أهل الغيرة على الأوقات بإخفائها quot; يعني: أنهم يغارون على الأوقات التي عمرت لهم بالله وصفت لهم أن يظهروها للناس وإن اطلع غيرهم عليها من غير قصدهم لكشفها وإظهارها لم يقدح ذلك في طريقهم فلا يفزعون إلى الجحد والإنكار وشكاية الحال بل يسعهم الإمساك عن الإظهار والجحد. قوله: quot; وعلى الكرامات بكتمانها quot; يعني: أنهم يغارون على كراماتهم أن يعلم بها الناس فهم يخفونها أبدا غيرة عليها إلا إذا كان في إظهارها مصلحة راجحة من حجة أو حاجة فلا يظهرونها إلا لحجة على مبطل أو حاجة تقتضي إظهارها. قوله: quot; والتلبيس بالمكاسب والأسباب معناه وتعليق الظواهر بالشواهد والمكاسب تلبيس على العيون الكليلة والعقول العليلة quot; يعني: أن التلبيس المذكور إنما يكون على العيون الكليلة أي أهل الإحساس الضعيف و quot; العقول العليلة quot; هي المنحرفة التي لا تدرك الحق لمرض بها.(3\/374)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1350",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14347",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله quot; مع تصحيح التحقيق عقدا وسلوكا ومعاينة quot; يعني: أن هذه الطائفة يلبسون على أهل العيون الكليلة أحوالهم وكراماتهم بسترهم لها عنهم مع كونهم قائمين بالتحقيق اعتقادا وسلوكا ومعاينة فهم معتقدون للحق سالكون الطريق الموصلة إلى المقصود أهل مراقبة وشهود. قوله: quot; وهذه الطائفة: رحمة من الله على أهل التفرقة والأسباب في ملابستهم quot;. وإنما كانوا رحمة من الله عليهم من وجهين أحدهما: أنهم ذاكرون الله بين الغافلين وفي وسطهم يرحمهم الله بهم فإنهم القوم لا يشقى بهم جليسهم الثاني: أنهم لا يتركونهم في غفلاتهم بل يقومون فيهم بالنصيحة لهم والأمر لهم بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة لهم إلى الله فيرحمون بهم وينالون بهم سعادة الدنيا والآخرة فهم يتصرفون مع الخلق بحكم العلم والشرع وأحوالهم ومقاماتهم بينهم وبين الله خاصة.  [الثالث تلبيس أهل التمكين على العالم] قوله: quot; التلبيس الثالث: تلبيس أهل التمكين على العالم ترحما عليهم بملابسة الأسباب وتوسعا على العالم لا على أهل الإيمان وهذه درجة الأنبياء ثم هي للأئمة الربانيين الصادرين عن وادي الجمع المشيرين عن عينه quot;. هذا أيضا من النمط الأول مما ينكر لفظه وإطلاقه غاية الإنكار ويجب على أهل الإيمان محو هذا اللفظ القبيح وإطلاقه في حق الأنبياء وكيف تتسع مسامع المؤمن ليسمع أن الأنبياء لبسوا على الناس بأي اعتبار كان سبحانك هذا بهتان عظيم! بل الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - كشفوا عن الناس التلبيس الذي لبسوه على أنفسهم ولبسه عليهم طواغيتهم فجاءوا بالبيان والبرهان وشياطينهم. وكان الناس في لبس عظيم ... فجاءوا بالبيان فأظهروه وكان الناس في جهل عظيم ... فجاءوا باليقين فأذهبوه وكان الناس في كفر عظيم ... فجاءوا بالرشاد فأبطلوه والمصنف من أثبت الناس قدما في مقام الإيمان بالرسل وتعظيمهم وتعظيم ما(3\/375)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1351",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14348",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جاءوا به ولكن لبس عليه في ذلك ما لبس على غيره والله يغفر لنا وله ويجمع بيننا وبينه في دار كرامته وقد صرح بأن أهل التمكين هم الأنبياء والأئمة بعدهم وجعل هذه الدرجة من التلبيس لهم ثم فسروها بأنها تلبيس ترحم وتوسيع على العالم ومقصوده: أنهم يأمرونهم بتعاطي الأسباب رحمة لهم وتوسيعا عليهم مع علمهم بأنها لا أثر لها في خلق ولا رزق ولا نفع ولا ضر ولا عطاء ولا منع بل الله وحده هو الخالق الرازق الضار النافع المعطي المانع لكن لما علموا عجز الناس عن إدراك ذلك والتحقق به لبسوا عليهم وستروهم بالأسباب رحمة بهم وتوسيعا عليهم. فهذه الدرجة تتضمن الرجوع إلى الأسباب رحمة وتوسيعا مع الانقطاع عن الالتفات إليها والوقوف معها تجريدا وتوحيدا. قوله quot; لا لأنفسهم quot; يعني: أن أمرهم بالأسباب إحسانا إليهم وتوسيعا عليهم لا لحظ الآمر وجر النفع إلى نفسه بل لقصد الإحسان إلى الخلق وحصول النفع لهم وهذا قريب مع أن فيه ما فيه لمن تأمله فإن من أمر غيره بمصلحة وقصد نفعه: فبنفسه يبدأ ولها ينفع أولا ومصلحتها لابد أن تكون قد حصلت قبل مصلحة المأمور والإحسان إلى نفسه قصد بإحسانه إلى غيره فإنه عبد فقير محتاج والله وحده هو الغني بذاته الذي يحسن إلى خلقه لا لأجل معاوضة منهم وأما المخلوق: فإنه يريد العوض لكن الأعواض تتفاوت ومن يطلب منه العوض يختلف. والمقصود: أن قوله quot; لا لأنفسهم quot; ليس على إطلاقه وفي أثر إلهي quot; ابن آدم كل يريدك لنفسه وأنا أريدك لك quot;. قوله: quot; ثم هي للأئمة الربانيين الصادرين عن وادي الجمع quot; يعني: الذين فنوا في الجمع ثم حصلوا في البقاء بعد الفناء فذلك صدورهم عن وادي الجمع. قوله: quot; المشيرين عن عينه quot; يعني: الذين إذا أشاروا أشاروا عن عين لا عن علم فإن الإشارة تختلف باختلاف مصدرها فإشارة عن علم وإشارة عن كشف وإشارة عن شهود وإشارة عن عين.  [فصل مبنى الباب على محو الأسباب وعدم الالتفات إليها والوقوف معها] فصل قد عرفت أن هذا الباب مبناه على محو الأسباب وعدم الالتفات إليها والوقوف معها ولهذا سمى المصنف نصبها quot; تلبيسا quot;.(3\/376)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1352",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14349",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونحن نقول: إن الدين هو إثبات الأسباب والوقوف معها والنظر إليها والالتفات إليها وإنه لا دين إلا بذلك كما لا حقيقة إلا به فالحقيقة والشريعة: مبناهما على إثباتها لا على محوها ولا ننكر الوقوف معها فإن الوقوف معها فرض على كل مسلم لا يتم إسلامه وإيمانه إلا بذلك والله تعالى أمرنا بالوقوف معها بمعنى أنا نثبت الحكم إذا وجدت وننفيه إذا عدمت ونستدل بها على حكمه الكوني فوقوفنا معها - بهذا الاعتبار - هو مقتضى الحقيقة والشريعة وهل يمكن حيوانا أن يعيش في هذه الدنيا إلا بوقوفه مع الأسباب فينتجع مساقط غيثها ومواقع قطرها ويرعى في خصبها دون جدبها ويسالمها ولا يحار بها فكيف وتنفسه في الهواء بها وتحركه بها وسمعه وبصره بها وغذاؤه بها ودواؤه بها وهداه بها وسعادته وفلاحه بها وضلاله وشقاؤه بالإعراض عنها وإلغائها فأسعد الناس في الدارين: أقومهم بالأسباب الموصلة إلى مصالحهما وأشقاهم في الدارين: أشدهم تعطيلا لأسبابهما فالأسباب محل الأمر والنهي والثواب والعقاب والنجاح والخسران. وبالأسباب عرف الله وبها عبد الله وبها أطيع الله وبها تقرب إليه المتقربون وبها نال أولياؤه رضاه وجواره في جنته وبها نصر حزبه ودينه وأقاموا دعوته وبها أرسل رسله وشرع شرائعه وبها انقسم الناس إلى سعيد وشقي ومهتد وغوي فالوقوف معها والالتفات إليها والنظر إليها: هو الواجب شرعا كما هو الواقع قدرا ولا تكن ممن غلظ حجابه وكثف طبعه فيقول: لا نقف معها وقوف من يعتقد أنها مستقلة بالإحداث والتأثير وأنها أرباب من دون الله فإن وجدت أحدا يزعم ذلك ويظن أنها أرباب وآلهة مع الله مستقلة بالإيجاد أو أنها عون لله يحتاج في فعله إليها أو أنها شركاء له: فشأنك به فمزق أديمه وتقرب إلى الله بعداوته ما استطعت وإلا فما هذا النفي لما أثبته الله والإلغاء لما اعتبره والإهدار لما حققه والحط والوضع لما نصبه والمحو لما كتبه والعزل لما ولاه فإن زعمت أنك تعزلها عن رتبة الإلهية فسبحان الله من ولاها هذه الرتبة حتى تجعل سعيك في عزلها عنها ويالله ما أجهل كثيرا من أهل الكلام والتصوف حيث لم يكن عندهم تحقيق التوحيد إلا بإلغائها ومحوها وإهدارها بالكلية وأنه لم يجعل الله في المخلوقات قوى ولا طبائع ولا غرائز لها تأثير موجبة ما ولا في النار حرارة ولا إحراقا ولا في الدواء قوة مذهبة للداء ولا في الخبز قوة مشبعة ولا في الماء قوة مروية ولا في العين قوة باصرة ولا في الأنف قوة شامة ولا في السم قوة قاتلة ولا في الحديد قوة قاطعة(3\/377)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1353",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14350",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأن الله لم يفعل شيئا بشيء ولا فعل شيئا لأجل شيء. فهذا غاية توحيدهم الذي يحومون حوله ويبالغون في تقريره. فلعمر الله لقد أضحكوا عليهم العقلاء وأشمتوا بهم الأعداء ونهجوا لأعداء الرسل طريق إساءة الظن بهم وجنوا على الإسلام والقرآن أعظم جناية وقالوا: نحن أنصار الله ورسوله الموكلون بكسر أعداء الإسلام وأعداء الرسل ولعمر الله لقد كسروا الدين وسلطوا عليه المبطلين وقد قيل: إياك ومصاحبة الجاهل فإنه يريد أن ينفعك فيضرك. فقف مع الأسباب حيث أمرت بالوقوف معها وفارقها حيث أمرت بمفارقتها كما فارقها الخليل وهو في تلك السفرة من المنجنيق حيث عرض له جبريل أقوى الأسباب فقال: ألك حاجة فقال: أما إليك فلا. ودر معها حيث دارت ناظرا إلى من أزمتها بيديه والتفت إليها التفات العبد المأمور إلى تنفيذ ما أمر به والتحديق نحوه وارعها حق رعايتها ولا تغب عنها ولا تفن عنها بل انظر إليها وهي في رتبتها التي أنزل الله إياها واعلم أن غيبتك بمسببها عنها نقص في عبوديتك بل الكمال: أن تشهد المعبود وتشهد قيامك بعبوديته وتشهد أن قيامك به لا بك ومنه لا منك وبحوله وقوته لا بحولك وقوتك ومتى خرجت عن ذلك وقعت في انحرافين لابد لك من أحدهما: إما أن تغيب بها عن المقصود لذاته لضعف نظرك وغفلتك وقصور علمك ومعرفتك وإما أن تغيب بالمقصود عنها بحيث لا تلتفت إليها. والكمال: أن يسلمك الله من الانحرافين فتبقى عبدا ملاحظا للعبودية ناظرا إلى المعبود والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله.  [فصل الوجود] [حقيقة الوجود] فصل الوجود قال شيخ الإسلام: quot; (باب الوجود) أطلق الله سبحانه في القرآن اسم الوجود على نفسه صريحا في مواضع فقال تعالى يجد الله غفورا رحيما - لوجدوا الله توابا رحيما [النساء: 110 - 64](3\/378)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1354",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14351",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ووجد الله عنده [النور: 39] الوجود: الظفر بحقيقة الشيء وهو اسم لثلاثة معان أولها: وجود علم لدني يقطع علوم الشواهد في صحة مكاشفة الحق إياك والثاني: وجود الحق وجود عين منقطعا عن مساغ الإشارة والثالث: وجود مقام اضمحلال رسم الوجود فيه بالاستغراق في الأولية. هذا الباب هو العلم الذي شمر إليه القوم والغاية التي قصدوها ولا ريب أنهم قصدوا معنى صحيحا وعبروا عنه بالوجود واستدلوا عليه بهذه الآيات ونظيرها ولكن ليس مقصودهم ما تضمنه الوجدان في هذه الآيات فإنه وجدان المطلوب تعلق باسم أو صفة قال الله تعالى ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما [النساء: 64] فهذا وجود مقيد بظفرهم بمغفرة الله ورحمته لهم وكذلك قوله تعالى ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما [النساء: 110] ومعناه: أنه يجد ما ظنه من مغفرة الله له حاصلة وكذلك ووجد الله عنده فوفاه حسابه [النور: 39] فهذا وجدان الكافر لربه عند حسابه له على أعماله وليس هذا هو الوجود الذي يشير القوم إليه بل منه الأثر المعروف ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ومنه الحديث أنا عند ظن عبدي بي ومنه الأثر الإسرائيلي: أن موسى قال: يا رب أين أجدك قال: عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ومنه الحديث الصحيح إن الله تعالى يقول يوم القيامة: عبدي استطعمتك فلم تطعمني قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين قال: استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما لو أطعمته لوجدت ذلك عندي عبدي استسقيتك فلم تسقني قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما لو سقيته لوجدت ذلك عندي عبدي مرضت فلم تعدني قال: يا رب كيف أعودك وأنت(3\/379)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1355",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14352",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رب العالمين قال: مرض عبدي فلان فلم تعده أما لو عدته لوجدتني عنده . فتأمل قوله في الإطعام والإسقاء لوجدت ذلك عندي وقوله في العيادة لوجدتني عنده ولم يقل: لوجدت ذلك عندي إيذانا بقربه من المريض وأنه عنده لذله وخضوعه وانكسار قلبه وافتقاره إلى ربه فأوجب ذلك وجود الله عنده هذا وهو فوق سماواته مستو على عرشه بائن من خلقه وهو عند عبده فوجود العبد عند ربه ظفره بالوصول إليه. والناس ثلاثة: سالك وواصل وواجد. فإن قلت: اضرب لي مثلا أفهم به معنى الوصول في هذا الباب والوجود. قلت: إذا بلغك أن بمكان كذا وكذا كنزا عظيما من ظفر به أو بشيء منه استغنى غنى الدهر وترحل عنه العدم والفقر فتحركت نفسه للسير إليه فأخذ في التأهب للمسير فلما جد به السير انتهى إلى الكنز ووصل إليه ولكن لم يظفر بتحويله إلى داره وحصوله عنده بعد فهو واصل غير واجد والذي في الطريق سالك والقاعد عن الطلب منقطع وآخذ الكنز - بحيث حصل عنده وصار في داره - واجد فهذا المعنى حوله حام القوم وعليه دارت إشاراتهم فعندهم التواجد بداية والواجد واسطة والوجود نهاية. ومعنى ذلك: أنه في الابتداء يتكلف التواجد فيقوى عليه حتى يصير واجدا ثم يستغرق في وجده حتى يصل إلى موجوده. ويستشكل قول أبي الحسن النوري: أنا منذ عشرين سنة بين الوجد والفقد إذا وجدت ربي فقدت قلبي وإذا وجدت قلبي فقدت ربي ومعنى هذا: أن الوجود الصحيح يغيب الواجد عنه ويجرده منه فيفنى بموجوده عن وجوده وبمشهوده عن شهوده فإذا وجد الحقيقة غاب عن قلبه وعن صفاته وإذا غابت عنه الحقيقة بقي مع صفاته وفي هذا المعنى قيل: وجودي أن أغيب عن الوجود ... بما يبدو علي من الشهود(3\/380)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1356",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14353",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما في الوجد موجود ولكن فخرت بوجد موجود الوجود وقد مثل التواجد والوجد والوجود بمشاهدة البحر وركوبه والغرق فيه فقيل: التواجد يوجب استيعاب العبد والوجد: يوجب استغراق العبد والوجود: يوجب استهلاك العبد وهذه عبارات واستعارات للمراتب الثلاثة وهي البداية والتوسط والنهاية والسلوك والوصول - عندهم - قصود ثم ورود ثم شهود ثم وجود ثم خمود فيقصد أولا ثم يرد ثم يشهد ثم يجد ثم تخمد نفسه وتذهب بالكلية. والوجد ما يرد على الناظر من الله تعالى يكسبه فرحا أو حزنا وهي فرحة يجدها المغلوب عليه بصفات شريفة ينظر إلى الله منها والتواجد استجلاب الوجد بالتذكر والتفكر لاتساع فرجة الوجد بالخروج إلى فضاء الوجدان فلا وجد عندهم مع الوجدان كما لا خبر مع العيان والوجد عرضة للزوال والوجود ثابت ثبوت الجبال وقد قيل: قد كان يطربني وجدي فأقعدني ... عن رؤية الوجد من بالوجد موجود والوجد يطرب من في الوجد راحته ... والوجد عند حضور الحق مقصود فالتواجد: استدعاء الوجد بنوع اختيار وتكلف وليس لصاحبه كمال الوجد إذ لو كان له ذلك لكان وجدا وباب التفاعل ينبني على ذلك فإن مبناه على إظهار الصفة وليست كذلك كما قيل: إذا تخازرت وما بي من خزر. وقد اختلف الناس في التواجد: هل يسلم لصاحبه على قولين فقالت طائفة: لا يسلم لصاحبه لما فيه من التكلف وإظهار ما ليس عنده وقوم قالوا: يسلم للصادق الذي يرصد لوجدان المعاني الصحيحة كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا . والتحقيق: أن صاحب التواجد إن تكلفه لحظ وشهوة نفس: لم يسلم له وإن(3\/381)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1357",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14354",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تكلفه لاستجلاب حال أو مقام مع الله: سلم له وهذا يعرف من حال المتواجد وشواهد صدقه وإخلاصه.  [فصل تكلم الفلاسفة والمتكلمون والاتحادية في الوجود بما هو أبعد شيء عن الصواب] فصل وقد تكلم في quot; الوجود quot; الفلاسفة والمتكلمون والاتحادية بما هو أبعد شيء عن الصواب: هل وجود الشيء عين ماهيته أو غير ماهيته أو وجود القديم نفس ماهيته أو وجود الحادث زائد على ماهيته وكل هذه الأقوال خطأ وأصحابها كخابط عشواء. والتحقيق: أن الوجود والماهية إن أخذا ذهنيين فالوجود الذهني عين الماهية الذهنية وكذلك إن أخذا خارجيين: اتحدا أيضا فليس في الخارج وجود زائد على الماهية الخارجية بحيث يكون كالثوب المشتمل على البدن هذا خيال محض وكذلك حصول الماهية في الذهن هو عين وجودها فليس في الذهن ماهية ووجود متغايرين بل إن أخذ أحدهما ذهنيا والآخر خارجيا فأحدهما غير الآخر وليس المقصود بحث هذه المسألة فإنها بعيدة عما نحن فيه وهي من وظائف أرباب الجدل والكلام والفلسفة لا من وظائف أرباب القلوب والمعاملات فهؤلاء هممهم في أن يجدوا مطلوبهم ويظفروا به وأولئك شاكون في وجوده: هل هو عين ماهيته أو زائد على ماهيته وهل هو وجود مطلق لا يضاف إليه وصف ولا اسم أم وجود خاص تضاف إليه الصفات والأسماء فهؤلاء في واد وهؤلاء في واد. وأعظم الخلق كفرا وضلالا: من زعم أن ربه نفس وجود هذه الموجودات وأن عين وجوده فاض عليها فاكتست عين وجوده فاتخذ حجابا من أعيانها واكتست جلبابا من وجوده ولبس عليهم ما لبسوه على ضعفاء العقول والبصائر من عدم التفريق بين وجود الحق سبحانه وإيجاده وأن إيجاده هو الذي فاض عليها وهو الذي اكتسته وأما وجوده: فمختص به لا يشاركه فيه غيره كما هو مختص بماهيته وصفاته فهو بائن عن خلقه والخلق بائنون عنه فوجود ما سواه مخلوق كائن بعد أن(3\/382)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1358",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14355",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يكن حاصل بإيجاده له فهو الذي أعطى كل شيء خلقه ووجوده المختص به وبان بذاته وصفاته ووجوده عن خلقه.  [فصل حد الوجود] فصل قوله: quot; الوجود: اسم للظفر بحقيقة الشيء هذا الوجود الذي هو مصدر وجد الشيء يجده وجودا ووجد ضالته وجدانا وفي الصحاح: أوجده الله مطلوبه أي أظفره به وأوجده أي أغناه أي جعله ذا جدة قال الله تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم [الطلاق: 6] ويقال: وجد فلان وجدا ووجدا - بضم الواو وفتحها وكسرها - إذا صار ذا جدة وثروة ووجد الشيء فهو موجود وأوجده الله ويقال: وجد الله الشيء كذا وكذا على غير معنى أوجده كما قال تعالى وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين [الأعراف: 102] فالله سبحانه أوجده على علمه بأن يكون على صفة ثم وجده بعد إيجاده على تلك الصفة التي علم أن سيكون عليها. وأما الواجد في أسمائه سبحانه: فهو بمعنى ذو الوجد والغنى وهو ضد الفاقد وهو كالموسع ذي السعة قال تعالى والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون [الذاريات: 47] أي ذوو سعة وقدرة وملك كما قال تعالى ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره [البقرة: 236] ودخل في أسمائه سبحانه الواجد دون الموجد فإن الموجد صفة فعل وهو معطي الوجود كالمحيي معطي الحياة وهذا الفعل لم يجئ إطلاقه في أفعال الله في الكتاب ولا في السنة فلا يعرف إطلاق: أوجد الله كذا وكذا وإنما الذي جاء خلقه وبرأه وصوره وأعطاه خلقه ونحو ذلك فلما لم يكن يستعمل فعله لم يجئ اسم الفاعل منه في أسمائه الحسنى فإن الفعل أوسع من الاسم ولهذا أطلق الله على نفسه أفعالا لم يتسم منها بأسماء الفاعل كأراد وشاء وأحدث ولم يسم بالمريد والشائي والمحدث كما لم يسم نفسه بالصانع والفاعل والمتقن وغير ذلك من الأسماء التي أطلق على نفسه فباب الأفعال أوسع من باب الأسماء. وقد أخطأ - أقبح خطأ - من اشتق له من كل فعل اسما وبلغ بأسمائه زيادة على الألف فسماه الماكر والمخادع والفاتن والكائد ونحو ذلك وكذلك باب(3\/383)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1359",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14356",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإخبار عنه بالاسم أوسع من تسميته به فإنه يخبر عنه بأنه شيء وموجود ومذكور ومعلوم ومراد ولا يسمى بذلك. فأما الواجد فلم تجئ تسميته به إلا في حديث تعداد الأسماء الحسنى والصحيح: أنه ليس من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعناه صحيح فإنه ذو الوجد والغنى فهو أولى بأن يسمى به من الموجود ومن الموجد أما الموجود فإنه منقسم إلى كامل وناقص وخير وشر وما كان مسماه منقسما لم يدخل اسمه في الأسماء الحسنى كالشيء والمعلوم ولذلك لم يسم بالمريد ولا بالمتكلم وإن كان له الإرادة والكلام لانقسام مسمى المريد والمتكلم وأما الموجد فقد سمى نفسه بأكمل(3\/384)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1360",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14357",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنواعه وهو الخالق البارئ المصور فالموجد كالمحدث والفاعل والصانع. وهذا من دقيق فقه الأسماء الحسنى فتأمله وبالله التوفيق.  فصل الظفر بحقيقة الشيء إن كان في باب العلم والمعرفة فهو معرفة تجري فوق حدود العلم وإن كان للمعاين كان معاينة وهي فوق المعرفة وإن كان للطالب فهو جمعية له بكله على مطلوبه وإن كان لصاحب الجمع كان جمعية وجودية تغنيه عما سوى الله تعالى. قوله quot; هو اسم لثلاث معان أولها: وجود علم لدني يقطع علوم الشواهد quot; العلم اللدني - عندهم - هو المعرفة وسمي لدنيا لأنه تعريف من تعريفات الحق وارد على قلب العبد يقطع الوساوس ويزيل الشكوك ويحل محل العيان فيصير لصاحبه كالوجدانيات التي لا يمكن دفعها عن النفس ولذلك قال: يقطع علوم الشواهد فعلوم الشواهد - عنده - هي علوم الاستدلال وهي تنقطع بوجدان هذا العلم أي يرتقي صاحبه عنها إلى ما هو أكمل منها لا أنها يبطل حكمها ويزول رسمها ولكن صاحب الوجود قد ارتقى عن العلم الحاصل بالشواهد إلى العلم المدرك بالذوق والحس الباطن. قوله quot; في صحة مكاشفة الحق إياك quot; متعلق بقوله quot; يقطع علوم الشواهد quot; أي يقطعها في كون الحق كشف لك كشفا صحيحا قطع عنك الحاجة إلى الشواهد والأدلة. قوله: quot; والثاني: وجود الحق وجود عين quot; أي وجود معاينة لا وجود خبر ومراده: معاينة القلب له بحقيقة اليقين. قوله quot; منقطعا عن مساغ الإشارة quot; لما كانت الدرجة الأولى وجود علم وهذه وجود عيان: قام العيان فيها مقام الإشارة فأغنى عنها فإن العلم قد يكون ضروريا وقد يكون نظريا والضروري: أبعد عن الالتفات وعن تطرق الآفات وعدم الغفلات فصاحبه يشاهد معلومه بنور البصيرة كما يشاهد المبصرات بنور البصر ولما كانت مرتبة المعرفة فوق مرتبة العلم عندهم ومرتبة الشهود فوق مرتبة المعرفة ومرتبة الوجود فوق مرتبة الشهود كانت العبارة في مرتبة العلم والمعرفة والإشارة في مرتبة الشهود فإن وصل إلى مرتبة الوجود انقطعت الإشارات(3\/385)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1361",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14358",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واضمحلت العبارات فإن صاحب الوجود في حضرة الوجود فما له وما للإشارة إذ الإشارة في هذا الباب إنما تكون إلى غائب بوجه ما. قوله: quot; والثالث: وجود مقام اضمحلال رسم الوجود فيه بالاستغراق في الأولية quot;. هذا كلام فيه قلق وتعقيد وهو باللغز أشبه منه بالبيان. وحقيقة هذه الدرجة: أنها تشغل صاحبها بموجوده عن إدراك كونه واجدا فلم تبق فيه بقية يتفطن بها لكونه مدركا لموجوده لاستيلائه على قلبه فقد قهره ومحقه عن شعوره بكونه واجدا لموجوده فهو حاضر مع الحق غائب عن كل ما سواه. فالدرجة الأولى: وجود علم والثانية: وجود عيان والثالثة: وجود مقام اضمحل فيه ما سوى الموجود وهذا معنى quot; اضمحلال رسم الوجود فيه quot; ولهذا قال: بالاستغراق في الأولية فإنه إذا استغرق في شهود الأولية اضمحل في هذا الشهود كل حادث والله أعلم.  [فصل التجريد] [حقيقة التجريد] فصل التجريد قال: quot; باب التجريد قال الله تعالى فاخلع نعليك [طه: 12] التجريد: انخلاع عن شهود الشواهد وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى: تجريد عين الكشف عن كسب اليقين والدرجة الثانية: تجريد عين الجمع عن درك العلم والدرجة الثالثة: تجريد الخلاص من شهود التجريد quot;. وجه الإشارة بالآية - وليس هو تفسيرها ولا المراد بها - أن الله سبحانه أمر موسى أن يخلع نعليه عند دخوله ذلك الوادي المقدس إما لتنال إخمص قدميه بركة الوادي وإما لأنهما كانتا مما لا يصلح أن يباشر ذلك المكان بهما قيل: إنهما كانتا من جلد(3\/386)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1362",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14359",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حمار غير مذكى وعلى كل حال فهو أمر بالتجرد من النعلين في ذلك المكان وتلك الحال. وموضع الإشارة: أنه أمر موسى بالتجرد من نعليه عند دخول الوادي فعلم أن التجرد شرط في الدخول فيما لا يصلح الدخول فيه إلا بالتجرد. وعلى هذا فيقال لمن أراد الوصول إلى الله سبحانه وتعالى والدخول عليه: اخلع من قلبك ما سواه وادخل عليه وأول قدم يدخل بها في الإسلام: أن يخلع الأنداد والأوثان التي تعبد من دون الله ويتجرد منها فكأنه قيل له: اطرح عنك ما لا يكون صالحا للوطء به على هذا البساط أو لأن ذلك الوادي لما كان من أشرف الأودية وأطهرها - ولذلك اختاره الله سبحانه على غيره من الأودية لتكليم نبيه وكليمه - فأمره سبحانه أن يعظم ذلك الوادي بالوطء فيه حافيا كما يوطأ بساط الملك وصار ذلك سنة في بني إسرائيل في مواضع صلواتهم وكنائسهم وشريعتنا جاءت بخلاف ذلك فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في النعلين وأمر أصحابه أن يصلوا في نعالهم وقال: إن اليهود والنصارى لا يصلون في نعالهم فخالفوهم فالسنة في ديننا: الصلاة في النعال نص عليه الإمام أحمد وقيل له: أيصلي الرجل في نعليه فقال: إي والله.  [فصل درجات التجريد] [الدرجة الأولى تجريد عين الكشف عن كسب اليقين] فصل قوله: التجريد: الانخلاع عن شهود الشواهد والشواهد عنده: هي ما سوى الحق سبحانه والانخلاع عن الشهود هو غيبة الشاهد بمشهوده عن شهوده وذلك يكون في مقام المعاينة: فإنه لا ينخلع عن شهود الشواهد إلا إذا كان معاينا للمشهود. قوله: quot; الدرجة الأولى: تجريد عين الكشف عن كسب اليقين أي تجريد حقيقة الكشف عن كسب اليقين أي يعزل ما اكتسبه من اليقين العلمي بالكشف الحقيقي فتجرد الكشف: أن يخلصه ويعريه عن الالتفات إلى اليقين فيعزل ما اكتسبه من(3\/387)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1363",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14360",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اليقين العلمي بالكشف الحقيقي.  [فصل الدرجة الثانية تجريد عين الجمع عن درك العلم] فصل قال: الدرجة الثانية: تجريد عين الجمع عن درك العلم. quot; عين الجمع quot; هي حقيقة الجمع وتجريده هو أن لا يشهد للعلم فيها آثارا فإن العلم من آثار الرسوم وحقيقة الجمع تمحو الرسوم فصاحب هذه الدرجة أبدا في تجرد وتجريد والدرك هو الإدراك في هذا الموضع ويحتمل أن يراد به أن درجة العلم أسفل من درجة عين الجمع فيجرد الجمع عن الدرجة التي هي أسفل منه وقد اعترفوا بأن هذا حال المولهين في الاستغراق في الجمع. ولعمر الله إن ذلك ليس بكمال وهو أصل من أصول الانحلال فإنه إذا تجرد من العلم وما يوجبه فقد خرج من النور الذي يكشف له الحقائق ويميز له بين الحق والباطل والصحيح والفاسد فالكشف وشهود الحقيقة إذا تجرد عن العلم: فقد ينسلخ صاحبه عن أصل الإيمان وهو لا يشعر. وأحسن من هذا أن يقال: هو تجريد الجمع عن الوقوف مع مجرد العلم فلا يرضى بالعلم عن مقام جمعية حاله وقلبه وهمه على الله بل يرتقي من درجة العلم إلى درجة الجمع مصاحبا للعلم غير مفارق لأحكامه ولا جاعل له غاية يقف عندها.  [فصل الدرجة الثالثة تجريد الخلاص من شهود التجريد] فصل قوله: quot; الدرجة الثالثة: تجريد الخلاص من شهود التجريد quot;. يعني: أن لا يشهد تجريده لمن يجرده من صفاته وأفعاله وصاحب هذه الدرجة دائما قد فني عما سوى الحق تعالى فكيف يتسع مع ذلك لشهود وصفه وفعله بل أفناه تجريده عن شهود تجريده.(3\/388)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1364",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14361",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل التفريد] [حد التفريد] قال صاحب المنازل: quot; باب التفريد قال الله تعالى أن الله هو الحق المبين [النور: 25] التفريد: اسم لتخليص الإشارة إلى الحق ثم بالحق ثم عن الحق quot;. الشيخ جعل التفريد عين التجريد وجعله بعده والفرق بينهما: أن التجريد انقطاع عن الأغيار والتفريد إفراد الحق بالإيثار فالتفريد متعلق بالمعبود والتجريد متعلق بالعبودية وجعله ثلاث درجات: تخليص الإشارة إلى الحق ثم به ثم عنه فهاهنا أمران أحدهما: تخليص الإشارة والثاني: متعلق الإشارة. فأما تخليصها: فهو تجريدها مما يمازجها ويخالطها وأما متعلقها فثلاثة أمور: الإشارة إلى الحق وبه وعنه فالإشارة إليه: غاية والإشارة به: وجود والإشارة عنه: إخبار وتبليغ فمن خلصت إشارته إلى الحق كان من المخلصين ومن كانت إشارته به فهو من الصادقين ومن كانت إشارته عنه فهو من المبلغين ومن اجتمعت له الثلاثة فهو من الأئمة العارفين فالكمال أن تشير إليه به عنه فتخليص الإشارة إليه هو حقيقة المتابعة وذلك هو محض الصديقية فمتى اجتمعت هذه الثلاثة في العبد فقد خلعت عليه خلعة الصديقية فما كل من أشار إلى الله أشار به ولا كل من أشار به أشار عنه والرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - أجمعين - هم الذين كملوا المراتب الثلاثة فخلصت إشارتهم إلى الله وبه وعنه من كل شائبة ثم(3\/389)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1365",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14362",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأمثل فالأمثل على منهاجهم وما أكثر ما تشبه الإشارة إلى الله وبه بالإشارة إلى النفس والإشارة بها فيشير إلى نفسه بنفسه ظانا أن إشارته بالله وإلى الله ولا يميز بين هذا وهذا إلا خواص العارفين الفقهاء في معرفة الطريق والمقصود وهاهنا انقطع من انقطع واتصل من اتصل ولا إله إلا الله! كم من تنوع في الإشارة وبالغ ودقق وحقق ولم تعد إشارته نفسه وهو لا يعلم أشار بنفسه وهو يظن أنه أشار بربه وإن فلتات لسانه ورائحة كلامه لتنادي عليه: أنا وبي وعني. فإذا خلصت الإشارة - بالله وعن الله - من جميع الشوائب كانت متصلة بالله خالصة له مقبولة لديه راضيا بها وعلى هذا كان حرص السابقين الأولين لا على كثرة العمل ولا على تدقيق الإشارة كما قال بعض الصحابة: لو أعلم أن الله قبل مني عملا واحدا لم يكن غائب أحب إلي من الموت وليس هذا على معنى أن أعماله كانت لغير الله أو على غير سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فشأن القوم كان أجل من ذلك ولكن على تخليص الأعمال من شوائب النفوس ومشاركات الحظوظ فكانوا يخافون - لكمال علمهم بالله وحقوقه عليهم - أن أعمالهم لم تخلص من شوائب حظوظهم ومشاركات أنفسهم بحيث تكون متمحصة لله وبالله ومأخوذة عن الله فمن وصل له عمل واحد على هذا الوجه وصل إلى الله والله تعالى شكور إذا رضي من العبد عملا من أعماله نجاه وأسعده به وثمره له وبارك له فيه وأوصله به إليه وأدخله به عليه ولم يقطعه به عنه فما أكثر المنقطعين بالإشارة عن المشار إليه وبالعبادة عن المعبود وبالمعرفة عن المعروف فتكون الإشارات والمعارف قبلة قلبه وغاية قصده فيتغذى بها ويجد من الأنس بها والذوق والوجد ما يسكن قلبه إليه ويطمئن به ويظن أنه الغاية المطلوبة فيصير قلبه محبوسا عن ربه وهو لا يشعر وتصير نفسه راتعة في رياض العلوم والمعارف واجدة لها وهو يظن أنه قد وصل واتصل وعلى منزل الوجود حصل فهو دقيق الإشارة لطيف العبارة ففيه في مسائل السلوك وبينه وبين الله حجاب لم ينكشف عنه وإنما يرتفع هذا الحجاب بحال التجريد والتفريد لا بمجرد علم ذلك فبتفريد المعبود المطلوب المقصود عن غيره وبتجريد القصد والطلب والإرادة والمحبة والخوف والرجاء والإنابة والتوكل عليه واللجأ إليه عن الحظوظ وإرادات النفس فينكشف عن القلب حجابه ويزول عنه ظلامه ويطلع فيه فجر التوحيد وتبزغ فيه شمس اليقين وتستنير له الطريق الغراء والمحجة البيضاء التي ليلها كنهارها.(3\/390)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1366",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14363",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل تفريد الإشارة إلى الحق] فصل قال: quot; فأما تفريد الإشارة إلى الحق: فعلى ثلاث درجات: تفريد القصد عطشا ثم تفريد المحبة تلفا ثم تفريد الشهود اتصالا quot;. ذكر في هذه الدرجة ثلاثة أمور: تفريد القصد والمحبة والشهود فالقصد بداية والشهود نهاية والمحبة واسطة فيفرد قصده وحبه وشهوده وذلك يتضمن إفراد مطلوبه ومحبوبه ومشهوده فيكون فردا لفرد فلا ينقسم طلبه ولا حبه ولا شهوده ولا ينقسم مطلوبه ومحبوبه ومشهوده فتفريد الطلب والمحبة والشهود صدق وتفريد المطلوب والمحبوب والمشهود إخلاص. فالصدق والإخلاص: هو أن تبذل كلك لمحبوبك وحده ثم تحتقر ما بذلت في جنب ما يستحقه ثم لا تنظر إلى بذلك. وقيد تفريد القصد بالعطش وتفريد المحبة بالتلف وتفريد الشهود بالاتصال والعطش - كما قال - هو غلبة ولوع بمأمول والتلف: هو المحبة المهلكة والاتصال: سقوط الأغيار عن درجة الاعتبار فهذا حكم التفريد في الدرجة الأولى.  [تفريد الإشارة بالحق] فصل قال: quot; وأما تفريد الإشارة بالحق: فعلى ثلاث درجات تفريد الإشارة بالافتخار بوحا وتفريد الإشارة بالسلوك مطالعة وتفريد الإشارة بالقبض غيرة. ذكر أيضا في هذه الدرجة ثلاثة أمور: الافتخار والسلوك والقبض فالافتخار نوعان: مذموم ومحمود فالمذموم: إظهار مرتبته على أبناء جنسه ترفعا عليهم وهذا غير مراد والمحمود: إظهار الأحوال السنية والمقامات الشريفة بوحا بها أي تصريحا وإعلانا لا على وجه الفخر بل على وجه تعظيم النعمة والفرح بها وذكرها ونشرها والتحدث بها والترغيب فيها وغير ذلك من المقاصد في إظهارها كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنا سيد ولد آدم ولا فخر وأنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه:(3\/391)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1367",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14364",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنا أول من رمى بسهم في سبيل الله وقال أبو ذر رضي الله عنه: لقد أتى علي كذا وكذا وإني لثالث الإسلام وقال علي رضي الله عنه: إنه لعهد النبي الأمي إلي: أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق وقال عمر رضي الله عنه: وافقت ربي في ثلاث وقال علي رضي الله عنه - وأشار إلى صدره: إن هاهنا علما جما لو أصبت له حملة وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أخذت من في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعين سورة وإن زيدا ليلعب مع الغلمان وقال أيضا: ما من كتاب الله آية إلا وأنا أعلم أين نزلت وماذا أريد بها ولو أعلم أن أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لرحلت إليه وقال بعض الصحابة: لأن تختلف في الأسنة أحب إلي من أن أحدث(3\/392)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1368",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14365",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفسي في الصلاة بغير ما أنا فيه وهذا أكثر من أن يذكر. والصادق تختلف عليه الأحوال فتارة يبوح بما أولاه ربه ومن به عليه لا يطيق كتمان ذلك وتارة يخفيه ويكتمه لا يطيق إظهاره فتارة يقبض وتارة يبسط وينشط وتارة يجد لسانا قائلا لا يسكت وتارة لا يقدر أن ينطق بكلمة وتارة تجده ضاحكا مسرورا وتارة باكيا حزينا وتارة يجد جمعية لا سبيل للتفرقة عليها وتارة تفرقة لا جمعية معها وتارة يقول: واطرباه! وأخرى يقول: واحرباه! بخلاف من هو على لون واحد لا يوجد على غيره فهذا لون والصادق لون. قوله: quot; وتفريد الإشارة بالسلوك مطالعة quot; أي تجريد الإشارة إلى المطلوب بالسلوك اطلاعا على حقائقه. قوله: quot; وتفريد الإشارة بالقبض غيرة quot; أي تخليص الإشارة إلى المطلوب بالقبض غيرة عليه. والمقصود: أنه تارة يفرد إشارته بما أولاه الحق لا يكتمه ولا يخفيه وتارة يفرد إشارته بحقائق السلوك اطلاعا عليها وإطلاعا لغيره وتارة يشير بالقبض غيرة وتسترا فيشير بالافتخار تارة وبالاطلاع تارة وبالقبض تارة. فافتخاره بالمنعم ونعمه لا بنفسه وصفته وإطلاعه لغيره: تعليم وإرشاد وتبصير وقبضه غيرة وستر وحقيقة الأمر ما ذكرناه: أن الصادق بحسب دواعي صدقه وحاله مع الله وحكم وقته وما أقيم فيه.  [فصل تفريد الإشارة عن الحق] فصل قوله: quot; وأما تفريد الإشارة عن الحق: فانبساط ببسط ظاهر: يتضمن قبضا خالصا للهداية إلى الحق والدعوة إليه يريد أن صاحب هذه الإشارة منبسط(3\/393)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1369",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14366",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بسطا ظاهرا مع أن باطنه مجموع على الله وهو القبض الخالص الذي أشار إليه فهو في باطنه مقبوض لما هو فيه من جمعيته على الله وفي ظاهره مبسوط مع الخلق بسطا ظاهرا لقوته قصدا لهدايتهم إلى الحق سبحانه ودعوتهم إليه. وحاصل الأمر: أنه مبسوط بظاهره لدعوة الخلق إلى الله ومقبوض بباطنه عما سوى الله فظاهره منبسط مع الخلق وباطنه منقبض عنهم لقوة تعلقه بالله واشتغاله به عنهم فهو كائن بائن داخل خارج متصل منفصل قال الله تعالى: وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين - ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه [القصص: 87 - 88] فأمره بتجريد الدعوة إليه وتجريد عبوديته وحده وهذان هما أصلا الدين وعليهما مداره وبالله التوفيق.  [فصل الجمع] [حد الجمع] فصل الجمع قال: quot; باب الجمع: قال الله تعالى وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى [الأنفال: 17] . قلت: اعتقد جماعة أن المراد بالآية: سلب فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عنه وإضافته إلى(3\/394)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1370",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14367",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرب تعالى وجعلوا ذلك أصلا في الجبر وإبطال نسبة الأفعال إلى العباد وتحقيق نسبتها إلى الرب وحده وهذا غلط منهم في فهم القرآن فلو صح ذلك لوجب طرده في جميع الأعمال فيقال: ما صليت إذ صليت وما صمت إذ صمت وما ضحيت إذ ضحيت ولا فعلت كل فعل إذ فعلته ولكن الله فعل ذلك فإن طردوا ذلك لزمهم في جميع أفعال العباد - طاعتهم ومعاصيهم - إذ لا فرق فإن خصوه بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وحده وأفعاله جميعها أو رميه وحده تناقضوا فهؤلاء لم يوفقوا لفهم ما أريد بالآية. وبعد فهذه الآية نزلت في شأن رميه - صلى الله عليه وسلم - المشركين يوم بدر بقبضة من الحصباء فلم تدع وجه أحد منهم إلا أصابته ومعلوم أن تلك الرمية من البشر لا تبلغ هذا المبلغ فكان منه - صلى الله عليه وسلم - مبدأ الرمي وهو الحذف ومن الله سبحانه وتعالى نهايته وهو الإيصال فأضاف إليه رمي الحذف الذي هو مبدؤه ونفى عنه رمي الإيصال الذي هو نهايته ونظير هذا: قوله في الآية نفسها فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم [الأنفال: 17] ثم قال: وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى [الأنفال: 17] فأخبره: أنه وحده هو الذي تفرد بقتلهم ولم يكن ذلك بكم أنتم كما تفرد بإيصال الحصى إلى أعينهم ولم يكن ذلك من رسوله ولكن وجه الإشارة بالآية: أنه سبحانه أقام أسبابا ظاهرة كدفع المشركين وتولى دفعهم وإهلاكهم بأسباب باطنة غير الأسباب التي تظهر للناس فكان ما حصل من الهزيمة والقتل والنصرة مضافا إليه وبه وهو خير الناصرين. قال: quot; الجمع: ما أسقط التفرقة وقطع الإشارة وشخص عن الماء والطين بعد صحة التمكين والبراءة من التلوين والخلاص من شهود الثنوية والتنافي من إحساس الاعتلال والتنافي من شهود شهودها وهو على ثلاث درجات: جمع علم ثم جمع وجود ثم جمع عين. قوله: quot; الجمع: ما أسقط التفرقة quot; هذا حد غير محصل للفرق بين ما يحمد وما(3\/395)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1371",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14368",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يذم من الجمع والتفرقة فإن quot; الجمع quot; ينقسم إلى صحيح وباطل و quot; التفرقة quot; تنقسم إلى محمود ومذموم وكل منهما لا يحمد مطلقا ولا يذم مطلقا فيراد بالجمع: جمع الوجود وهو جمع الملاحدة القائلين بوحدة الوجود ويريدون بالتفرقة: الفرق بين القديم والمحدث وبين الخالق والمخلوق وأصحابه يقولون: الجمع ما أسقط هذه التفرقة ويقولون عن أنفسهم: إنهم أصحاب جمع الوجود ولهذا صرح بما ذكرنا محققو الملاحدة فقالوا: التفرقة اعتبار الفرق بين وجود ووجود فإذا زال الفرق في نظر المحقق حصل له حقيقة الجمع. ويراد بالجمع: الجمع بين الإرادة والطلب على المراد المطلوب وحده وبالتفرقة: تفرقة الهمة والإرادة وهذا هو الجمع الصحيح والتفرقة المذمومة فحد الجمع الصحيح: ما أزال هذه التفرقة وأما جمع يزيل التفرقة بين الرب والعبد والخالق والمخلوق والقديم والمحدث فأبطل الباطل وتلك التفرقة هي الحق وأهل هذه التفرقة هم أهل الإسلام والإيمان والإحسان كما أن أهل ذلك الجمع هم أهل الإلحاد والكفر والوثنية. ويراد بالجمع: جمع الشهود وبالتفرقة: ما ينافي ذلك فإذا زال الفرق في نظر المشاهد وهو مثبت للفرق كان ذلك جمعا في شهوده خاصة مع تحققه بالفرق. فإذا عرف هذا فالجمع الصحيح: ما أسقط التفرقة الطبيعية النفسية وهي التفرقة المذمومة وأما التفرقة الأمرية الشرعية - بين المأمور والمحظور والمحبوب والمكروه - فلا يحمد جمع أسقطها بل يذم كل الذم وبمثل هذه المجملات دخل على أصحاب السلوك والإرادة ما دخل. قوله quot; وقطع الإشارة quot; هو من جنس قوله quot; ما أسقط التفرقة quot; قال أهل الإلحاد: لما كانت الإشارة نسبة بين شيئين - مشير ومشار إليه - كانت مستلزمة للثنوية فإذا جاءت الوحدة جمعية وذهبت الثنوية انقطعت الإشارة. وقال أهل التوحيد: إنما تنقطع الإشارة عند كمال الجمعية على الله فلا يبقى في صاحب هذه الجمعية موضع للإشارة لأن جمعيته على المطلوب المراد غيبته عن الإشارة إليه وأيضا فإن جمعيته أفنته عن نفسه وإشارته ففي مقام الفناء تنقطع الإشارة لأنها من أحكام البشرية. قوله: quot; وشخص عن الماء والطين quot; هذا يحتمل معنيين.(3\/396)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1372",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14369",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدهما: أن يريد بالماء والطين بني آدم ونفسه من جملتهم أي شخص عن النظر إلى الناس والالتفات إليهم وتعلق القلب بهم بالكلية وخصهم بالذكر لأن أكثر العلائق وأصعبها وأشدها قطعا لصاحبها هي علائقهم فإذا شخص قلبه عنهم بالكلية فعن غيرهم ممن هو أبعد إليه منهم أولى وأحرى. وفي ذكر الماء والطين تقرير لهذا الشخوص عنهم وتنبيه على تعينه ووجوبه فإن المخلوق من الماء والطين بشر ضعيف لا يملك لنفسه - ولا لمن تعلق به - جلب منفعته ولا دفع مضرة فإن الماء والطين منفعل لا فاعل وعاجز مهين لا قوي متين كما قال تعالى: فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب [الصافات: 11] وأخبر: أنه خلقنا من ماء مهين [السجدة: 8] فحقيق بابن الماء والطين أن يشخص عنه القلب لا إليه وأن يعول على خالقه وحده لا عليه وأن يجعل رغبته كلها فيه وفيما لديه. والمعنى الثاني - الذي يحتمله كلامه -: أن يشخص عن أحكام الطبيعة السفلية الناشئة من الماء والطين وعن متعلقاتها إلى أحكام الأرواح العلوية. ولما كان الله سبحانه وتعالى - بحكمته وعجيب صنعه - قد جعل الإنسان مركبا من جوهرين: جوهر طبيعي كثيف وهو الجسم وجوهر روحاني لطيف وهو الروح ومن شأن كل شكل أن يميل إلى شكله ومن طبع كل مثل أن ينجذب إلى مثله - صار الإنسان ينجذب إلى العالم الطبيعي بما فيه من الكثافة وإلى العالم الروحاني بما فيه من اللطافة فصار في الإنسان قوتان متضادتان إحداهما: تجذبه سفلا والثانية: تجذبه علوا فمن شخص عن طبيعة الماء والطين إلى محل الأرواح العلوية التي ليست من هذا العالم السفلي كان من أهل هذا الجمع المحمود الذي جمعه من متفرقات النفس والطبع. قوله: quot; بعد صحة التمكين والبراءة من التلوين والخلاص من شهود الثنوية quot; معناه: أن العبد لا يمكنه أن يشخص عن الماء والطين إلا بعد صحة تمكنه في المعرفة وبراءته من التلوين فشرط الشيخ حصول التمكين له وانتفاء التلوين عنه وخلاصه من شهود الثنوية. فالتلوين: تلونه لإجابة دواعي الطبع والنفس وشهود الثنوية: عبارة مجملة(3\/397)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1373",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14370",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محتملة وقد حملها الملحد على أنه يشهد عبدا وربا وقديما وحديثا وخالقا ومخلوقا والتوحيد المحض: أن يتخلص من ذلك بشهوده وحدة الوجود ومتى شهد تعدد الوجود كان ثنويا عند الملاحدة. وأما الموحدون: فالثنوية التي يجب التخلص منها: أن يتخذ إلهين اثنين فيشهد مع الله إلها آخر وأما كونه شهد مع الله موجودا غيره وهو موجده وخالقه وفاطره: فليس بثنوية بل هو توحيد خالص ولا يتم له التوحيد إلا بهذا الشهود ليصح له نفي الإلهية عنه وإلا فكيف ينفي الإلهية عما لا يشهده ويشهد نفيها عنه والمقصود: أن صاحب الجمع إذا شهد ربا وعبدا وخالقا ومخلوقات وآمرا وفاعلا منفذا ومحركا ومتحركا ووليا وعدوا: كان ذلك موجب عقد التوحيد. وصحة التمكين هي حفظ الأصل الذي هو بقاء شهود الرسوم في مرتبتها. وكأنه نبه بذلك على الاحتراز من القوم الذي تخطفهم لوائح شهود الجمع وتمكنهم ضعيف فينكرون صور الخلق حتى يقول أحدهم: أنا نور من نور ربي لما يغلب على أحدهم من شهود الجمع وعدم تمكنه في البقاء وهذا قد يعرض للصادق أحيانا فيعلم أنه غالط فيرجع إلى الأصل ويحكم العلم على الحال فإذا صحا علم أنه غالط مخطئ وفي مثل هذه الحال قال أبو يزيد: سبحاني وما في الجبة إلا الله ونحو ذلك فأخذ قوم هذه الشطحات فجعلوها غاية يجرون إليها ويعملون عليها فالشيخ شرط: أنه لا يثبت شهود الجمع إلا لمن تمكن في شهود طور البقاء. قوله: quot; والتنافي من الإحساس بالاعتلال quot;. الاعتلال عندهم: هو التفرقة في الأسباب والوقوف مع الربط الواقع بين المسببات وأسبابها وذلك عقد لا يحله إلا شهود الجمع ولا يخفى ما في هذه العبارة من العجم والتعقيد وكذلك قوله quot; والتنافي من شهود شهودها quot; ومراده: أن ينتفي عنه شهود هذه الأشياء - التي ذكرها - كلها وأن يفنى عن هذا الشهود فإنه إن لم يفن عنها كلها وعن شهود فنائه وإلا فهو معها لأنه يحس بها ولا يقع الإحساس إلا بما هو موجود عند صاحب الإحساس فإذا غاب عن شهودها ثم عن شهود الشهود: فقد استقر قدمه في حضرة الجمع. وقد تقدم غير مرة أن هذا ليس بكمال ولا مقصود في نفسه ولا يعطي(3\/398)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1374",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14371",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كمالا ولا فيه معرفة ولا عبودية ولا دعت إليه الرسل البتة ولا أشار إليه القرآن ولا وصفه أهل الطريق المتقدمون وغايته أن يشبه صاحبه بالغائب عن عقله وحسه وإدراكه وغايته: أن يكون عارضا من عوارض الطريق ليس بلازم فضلا عن أن يكون غاية. ولما جعله من جعله غاية مطلوبة يشمر إليها السالكون دخل بسبب ذلك من الفساد على من شمر إليه ما يعلمه الراسخون في العلم من أئمة هذا الشأن والله المستعان والعبودية المطلوبة من العبد بمعزل عن ذلك وبالله التوفيق.  [درجات الجمع] قوله: quot; وهو على ثلاث درجات: جمع علم ثم جمع وجود ثم جمع عين فأما جمع العلم: فهو تلاشي علوم الشواهد في العلم اللدني صرفا وأما جمع الوجود: فهو تلاشي نهاية الاتصال في عين الوجود محقا وأما جمع العين: فهو تلاشي كل ما تقله الإشارة في ذات الحق حقا. علوم الشواهد هي ما حصلت من الاستدلال بالأثر على المؤثر وبالمصنوع على الصانع فالمصنوعات شواهد وأدلة وآثار وعلوم الشواهد: هي المستندة إلى الشواهد الحاصلة عنها والعلم اللدني هو العلم الذي يقذفه الله في القلب إلهاما بلا سبب من العبد ولا استدلال ولهذا سمي لدنيا قال الله تعالى: وعلمناه من لدنا علما [الكهف: 65] والله تعالى هو الذي علم العباد ما لا يعلمون كما قال تعالى: علم الإنسان ما لم يعلم [العلق: 5] ولكن هذا العلم أخص من غيره ولذلك أضافه إليه سبحانه كبيته وناقته وبلده وعبده ونحو ذلك فتضمحل العلوم المستندة إلى الأدلة والشواهد في العلم اللدني الحاصل بلا سبب ولا استدلال هذا مضمون كلامه. ونحن نقول: إن العلم الحاصل بالشواهد والأدلة: هو العلم الحقيقي وأما ما يدعي حصوله بغير شاهد ولا دليل: فلا وثوق به وليس بعلم نعم قد يقوى العلم الحاصل بالشواهد ويتزايد بحيث يصير المعلوم كالمشهود والغائب كالمعاين وعلم اليقين كعين اليقين فيكون الأمر شعورا أولا ثم تجويزا ثم ظنا ثم علما ثم معرفة ثم علم يقين ثم حق يقين ثم عين يقين ثم تضمحل كل مرتبة في التي فوقها بحيث يصير الحكم لها دونها فهذا حق.(3\/399)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1375",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14372",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما دعوى وقوع نوع من العلم بغير سبب من الاستدلال: فليس بصحيح فإن الله سبحانه ربط التعريفات بأسبابها كما ربط الكائنات بأسبابها ولا يحصل لبشر علم إلا بدليل يدله عليه وقد أيد الله سبحانه رسله بأنواع الأدلة والبراهين التي دلتهم على أن ما جاءهم هو من عند الله ودلت أممهم على ذلك وكان معهم أعظم الأدلة والبراهين على أن ما جاءهم هو من عند الله وكانت براهينهم أدلة وشواهد لهم وللأمم فالأدلة والشواهد التي كانت لهم ومعهم أعظم الشواهد والأدلة والله تعالى شهد بتصديقهم بما أقام عليه من الشواهد فكل علم لا يستند إلى دليل فدعوى لا دليل عليها وحكم لا برهان عند قائله وما كان كذلك لم يكن علما فضلا عن أن يكون لدنيا. فالعلم اللدني: ما قام الدليل الصحيح عليه أنه جاء من عند الله على لسان رسله وما عداه فلدني من لدن نفس الإنسان منه بدأ وإليه يعود وقد انبثق سد العلم اللدني ورخص سعره حتى ادعت كل طائفة أن علمهم لدني وصار من تكلم في حقائق الإيمان والسلوك وباب الأسماء والصفات بما يسنح له ويلقيه شيطانه في قلبه: يزعم أن علمه لدني فملاحدة الاتحادية وزنادقة المنتسبين إلى السلوك يقولون: إن علمهم لدني وقد صنف في العلم اللدني متهوكو المتكلمين وزنادقة المتصوفين وجهلة المتفلسفين وكل يزعم أن علمه لدني وصدقوا وكذبوا فإن اللدني منسوب إلى quot; لدن quot; بمعنى عند فكأنهم قالوا: العلم العندي ولكن الشأن فيمن هذا العلم من عنده ومن لدنه وقد ذم الله تعالى بأبلغ الذم من ينسب إليه ما ليس من عنده كما قال تعالى ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون [آل عمران: 78] وقال تعالى: فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله [البقرة: 79] وقال تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء [الأنعام: 93] فكل من قال: هذا العلم من عند الله - وهو كاذب في هذه النسبة - فله نصيب وافر من هذا الذم وهذا في القرآن كثير يذم الله سبحانه من أضاف إليه ما لا علم له به ومن قال عليه ما لا يعلم ولهذا رتب سبحانه المحرمات أربع مراتب وجعل أشدها: القول عليه بلا علم فجعله آخر مراتب المحرمات التي لا تباح بحال بل هي محرمة في كل ملة وعلى لسان كل(3\/400)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1376",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14373",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول فالقائل: إن هذا علم لدني لما لا يعلم أنه من عند الله ولا قام عليه برهان من الله أنه من عنده: كاذب مفتر على الله وهو من أظلم الظالمين وأكذب الكاذبين. قوله: quot; وأما جمع الوجود: فهو تلاشي نهاية الاتصال في عين الوجود محقا quot;. quot; تلاشي نهاية الاتصال quot;: هو فناء العبد في الشهود و quot; نهاية الاتصال quot;: هو ما ذكره في الدرجة الثالثة من باب الاتصال quot; أنه لا يدرك منه نعت ولا مقدار إلا اسم معار ولمح إليه مشار quot; فحقيقة الجمع في هذه الدرجة: تلاشي ذلك في عين الوجود أي في حقيقته ويريد بالوجود: ما أشار إليه في الدرجة الثانية من باب الوجود وهو قوله quot; وجود الحق: وجود عين منقطعا عن مساغ الإشارة quot; فتضمحل نهاية الاتصال في هذا الوجود محقا أي ذوبانا وفناء. قوله: quot; وأما جمع العين: فهو تلاشي كل ما تقله الإشارة في ذات الحق حقا quot;. quot; تقله الإشارة quot; أي تحمله وتقوم به والإشارة تارة تكون باليد والرأس فتكون إيماء وتارة تكون بالعين فتكون رمزا وتارة تكون باللفظ فيسمى تعريضا وتارة تكون بالذهن والعقل فتضمحل كل هذه الأنواع وتبطل عند شهود العين في حضرة الجمع وظهور جلال الذات المقدسة والذات: هي الحاملة للصفات والأفعال. فعرفت من هذا: أنه في الدرجة الأولى يغيب عن جميع العلوم المتعلقة بالأدلة والشواهد بالعلم اللدني وفي الدرجة الثانية: يغيب عن اتصاله وشهود اتصاله بالوجود فإن الوجود فوق الاتصال - كما تقدم - وهذا كما يغيب الواجد الذي قد ظفر بموجوده عن شهود وصوله إليه واتصاله به فتفنيه عين وجوده عن شهود نفسه وصفاتها وفي الدرجة الثالثة: يضمحل كل ما تحمله الإشارة - إلى ذات أو إلى صفة أو حال أو مقام - في ذات الحق سبحانه فلا يبقى هناك ما يشار إليه سواه.  [الجمع غاية مقامات السالكين] قوله: quot; والجمع: غاية مقامات السالكين وهو طرف بحر التوحيد quot;. وجه ذلك: أن السالك ما دام في سلوكه فهو في تفرقة الاستدلال وطلب الشواهد فإذا وصل إلى مقام المعرفة وصار همه هما واحدا - لله وفي الله وبالله - ينزل في منزلة الجمع ويشمر لركوب بحر التوحيد الذي يتلاشى فيه كل ما(3\/401)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1377",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14374",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سوى الواحد القهار فالجمع عنده: نهاية سفر السالكين إلى الله. وهذا موضع غير مسلم له على إطلاقه وإنما غاية مقام السالكين: التوبة التي هي بدايات منازلهم. ولعل سمعك ينفر من هذا غاية النفور وتقول: هذا كلام من لم يعرف شيئا من طريق القوم ولا نزل في منازل الطريق ولعمر الله إن كثيرا من الناس ليوافقك على هذا ويقول: أين كنا وأين صرنا نحن قد قطعنا منزلة التوبة وبيننا وبينها مائة مقام فنرجع من مائة مقام إليها ونجعلها غاية مقام السالكين فاسمع الآن وعه ولا تعجل بالإنكار ولا تبادر بالرد وافتح ذهنك لمعرفة نفسك وحقوق ربك وما ينبغي له منك وما له من الحق عليك ثم انسب أعمالك وأحوالك وتلك المنازل التي نزلتها والمقامات التي قمت فيها - لله وبالله - إلى عظيم جلاله وما يستحقه وما هو له أهل فإن رأيتها وافية بذلك مكافئة له فلا حاجة حينئذ إلى التوبة والرجوع إليها رجوع عن المقامات العلية وانحطاط من علو إلى سفل ورجوع من غاية إلى بداية وما ذلك ببعيد من كثير من المنتسبين إلى هذا الشأن المغرورين بأحوالهم ومعارفهم وإشاراتهم وإن رأيت أن أضعاف أضعاف ما قمت به - من صدق وإخلاص وإنابة وتوكل وزهد وعبادة - لا يفي بأيسر حق له عليك ولا يكافئ نعمة من نعمه عندك وأن ما يستحقه - لجلالته وعظمته - أعظم وأجل وأكبر مما يقوم به الخلق. فاعلم الآن: أن التوبة نهاية كل عارف وغاية كل سالك وكما أنها بداية فهي نهاية والحاجة إليها في النهاية أشد من الحاجة إليها في البداية بل هي في النهاية في محل الضرورة. فاسمع الآن ما خاطب الله به رسوله في آخر الأمر عند النهاية وكيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في آخر حياته أشد ما كان استغفارا وأكثره قال الله تعالى: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم [التوبة: 117] وهذا أنزله الله(3\/402)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1378",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14375",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبحانه بعد غزوة تبوك وهي آخر الغزوات التي غزاها - صلى الله عليه وسلم - بنفسه فجعل الله سبحانه التوبة عليهم شكرانا لما تقدم من تلك الأعمال وذلك الجهاد وقال تعالى في آخر ما أنزل على رسوله: إذا جاء نصر الله والفتح - ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا - فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا [النصر: 1 - 3] وفي الصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - ما صلى صلاة - بعد ما نزلت عليه هذه السورة - إلا قال فيها: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي وذلك في نهاية أمره صلوات الله وسلامه عليه ولهذا فهم منها علماء الصحابة - كعمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم: أن أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلمه الله إياه فأمره سبحانه بالاستغفار في نهاية أحواله وآخر أمره على ما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - مقاما وحالا وآخر ما سمع من كلامه عند قدومه على ربه: اللهم اغفر لي وألحقني بالرفيق الأعلى وكان - صلى الله عليه وسلم - يختم على كل عمل صالح بالاستغفار  كالصوم والصلاة والحج والجهاد فإنه كان إذا فرغ منه وأشرف على المدينة قال: آيبون تائبون لربنا حامدون وشرع أن يختم المجلس بالاستغفار وإن كان(3\/403)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1379",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14376",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مجلس خير وطاعة وشرع أن يختم العبد عمل يومه بالاستغفار فيقول عند النوم أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه وأن ينام على سيد الاستغفار. والعارف بالله وأسمائه وصفاته وحقوقه يعلم أن العبد أحوج ما يكون إلى التوبة في نهايته وأنه أحوج إلى التوبة من الفناء والاتصال وجمع الشواهد وجمع الوجود وجمع العين وكيف يكون ذلك أعلى مقامات السالكين وغاية مطلب المقربين ولم يأت له ذكر في القرآن ولا في السنة ولا يعرفه إلا النادر من الناس ولا يتصوره أكثرهم إلا بصعوبة ومشقة ولو سمعه أكثر الخلق لما فهموه ولا عرفوا المراد منه إلا بترجمة فأين في كتاب الله أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو كلام الصحابة - الذين نسبة معارف من بعدهم إلى معارفهم كنسبة فضلهم ودينهم وجهادهم إليهم - ما يدل على ذلك أو يشير إليه فصار المتأخرون - أرباب هذه الاصطلاحات الحادثة بالألفاظ المجملة والمعاني المتشابهة -: أعرف بمقامات السالكين ومنازل السائرين وغاياتها من أعلم الخلق بالله بعد رسله ! هذا من أعظم الباطل. وهؤلاء في باب الإرادة والطلب والسلوك نظير أرباب الكلام من المعتزلة(3\/404)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1380",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14377",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والجهمية ومن سلك سبيلهم في باب العلم والخبر عن الله وأسمائه وصفاته فالطائفتان - بل وكثير من المصنفين في الفقه - من المتكلفين أشد التكلف وقد قال الله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين [ص: 86] وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا يؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد: أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدي المستقيم. فلا تجد هذا التكليف الشديد والتعقيد في الألفاظ والمعاني عند الصحابة أصلا. وإنما يوجد عند من عدل عن طريقهم وإذا تأمله العارف وجده كلحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقي ولا سمين فينتقل فيطول عليك الطريق ويوسع لك العبارة ويأتي بكل لفظ غريب ومعنى أغرب من اللفظ فإذا وصلت لم تجد معك حاصلا طائلا ولكن تسمع جعجعة ولا ترى طحنا فالمتكلمون في جعاجع الجواهر والأعراض والأكوان والألوان والجوهر الفرد والأحوال والحركة والسكون والوجود والماهية والانحياز والجهات والنسب والإضافات والغيرين والخلافين والضدين والنقيضين والتماثل والاختلاف والعرض هل يبقى زمانين وما هو الزمان والمكان ويموت أحدهم ولم يعرف الزمان والمكان ويعترف بأنه لم يعرف الوجود: هل هو ماهية الشيء أو زائد عليها ويعترف: أنه شاك في وجود الرب: هل هو وجود محض أو وجود مقارن للماهية ويقول: الحق عندي الوقف في هذه المسألة. ويقول أفضلهم - عند نفسه - عند الموت: أخرج من الدنيا وما عرفت إلا مسألة واحدة وهي أن الممكن يفتقر إلى واجب ثم قال: الافتقار أمر عدمي فأموت ولم أعرف شيئا وهذا أكثر من أن يذكر كما قال بعض السلف: أكثر الناس شكا عند الموت: أرباب الكلام. وآخرون أعظم تكلفا من هؤلاء وأبعد شيء عن العلم النافع وهم: أرباب(3\/405)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1381",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14378",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الهيولي والصورة والأسطقصات والأركان والعلل الأربعة والجواهر العقلية والمفارقات والمجردات والمقولات العشر والكليات الخمس والمختلطات والموجهات والقضايا المسورات والقضايا المهملات فهم أعظم الطوائف تكلفا وأقلهم تحصيلا للعلم النافع والعمل الصالح. وكذلك المتكلفون من أصحاب الإرادة والسلوك وأرباب الحال والمقام والوقت والمكان والبادي والباذه والوارد والخاطر والواقع والقادح واللامع والغيبة والحضور والمحق والحق والسكر واللوائح والطوالع والعطش والدهش والتلبيس والتمكين والتلوين والاسم والرسم والجمع وجمع الجمع وجمع الشواهد وجمع الوجود والأثر والكون والبون والاتصال والانفصال والمسامرة والمشاهدة والمعاينة والتجلي والتخلي وأنا بلا أنا وأنت بلا أنت ونحن بلا نحن وهو بلا هو وكل ذلك أدنى إشارة إلى تكلف هؤلاء الطوائف وتنطعهم وكذلك كثير من المنتسبين إلى الفقه لهم مثل هذا التكلف وأعظم منه. فكل هؤلاء محجوبون بما لديهم موقوفون على ما عندهم خاضوا - بزعمهم - بحار العلم وما ابتلت أقدامهم وكدوا أفكارهم وأذهانهم وخواطرهم وما استنارت بالعلم الموروث عن الرسل قلوبهم وأفهامهم فرحين بما عندهم من العلوم راضين بما قيدوا به من الرسوم فهم في واد ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله عنهم في واد والله يعلم أنا لم نتجاوز فيهم القول بل قصرنا فيما ينبغي لنا أن نقوله فذكرنا غيضا من فيض وقليلا من كثير. وهؤلاء كلهم داخلون تحت الرأي الذي اتفق السلف على ذمه وذم أهله. فهم أهل الرأي حقا الذين قال فيهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: إياكم(3\/406)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1382",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14379",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا وقال أيضا: أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم أن يعوها وتفلتت عليهم أن يرووها فاشتغلوا عنها بالرأي وقال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في كتاب الله برأيي أو بما لا أعلم وقال عمر - رضي الله عنه: يا أيها الناس إن الرأي كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصيبا لأن الله عز وجل كان يريه وإنما هو منا الظن والتكلف وقال ابن عباس - رضي الله عنهما: من أحدث رأيا ليس في كتاب الله ولم تمض به سنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لم يدر ما هو على ما هو منه إذا لقي الله عز وجل وقال عمر - رضي الله عنه: يا أيها الناس اتهموا رأيكم على الدين فقد رأيتني وإني لأرد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برأيي أجتهد والله ما آلو ذلك يوم أبي جندل والكتاب يكتب فقالوا: تكتب باسمك اللهم فرضي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبيت فقال: يا عمر تراني قد رضيت وتأبى وقال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رويناه من طريق مسدد حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج أخبرني سليمان بن عتيق عن طلق بن حبيب عن الأحنف بن قيس عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ألا هلك المتنطعون ألا هلك المتنطعون ألا هلك المتنطعون فإن لم تكن هذه الألفاظ والمعاني التي نجدها في كثير من كلام هؤلاء تنطعا فليس للتنطع حقيقة والله سبحانه وتعالى أعلم.  [فصل نهاية السالكين تكميل مرتبة العبودية صرفا] فصل فإن لم يسمح قلبك بكون التوبة غاية مقامات السالكين ولم تصغ إلى شيء مما ذكرنا وأبيت إلا أن يكون تلاشي نهاية الاتصال في عين الوجود محقا وتلاشي علوم الشواهد في العلم اللدني صرفا وجمع الوجود وجمع العين: هو نهاية مقامات السالكين إلى الله بحيث يدخل في ذلك كل سالك فاعلم أن هذا الجمع المذكور بمجرد لا يعطي عبودية ولا إيمانا فضلا عن أن يكون غاية كل نبي وولي وعارف فإن(3\/407)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1383",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14380",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا الجمع يحصل للصديق والزنديق وللملاحدة والاتحادية منه حظ كبير وحوله يدندنون وهو عندهم نهاية التحقيق فأين تحقيق العبودية والقيام بأعبائها واحتمال فرائضها وسننها وأدائها والجهاد لأعداء الله والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحمل الأذى في الله في هذا الجمع ! وأين معرفة الأسماء والصفات فيه مفصلا وأين معرفة ما يحبه الرب تعالى ويكرهه مفصلا وأين معرفة خير الخيرين وشر الشرين فيه وأين العلم بمراتب العبودية ومنازلها فيه ! . فالحق أن نهاية السالكين تكميل مرتبة العبودية صرفا وهذا مما لا سبيل إليه لبني الطبيعة وإنما خص بذلك الخليلان - عليهما الصلاة والسلام - من بين سائر الخلق أما إبراهيم الخليل - صلوات الله وسلامه عليه - فإن الله عز وجل شهد له بأنه وفى وأما سيد ولد آدم - صلوات الله وسلامه عليه - فإنه كمل مرتبة العبودية فاستحق التقديم على سائر الخلائق فكان صاحب الوسيلة والشفاعة التي يتأخر عنها جميع الرسل ويقول هو: أنا لها ولهذا ذكره الله سبحانه وتعالى بالعبودية في أعلى مقاماته وأشرف أحواله كقوله تعالى: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا [الإسراء: 1] وقوله: وأنه لما قام عبد الله يدعوه [الجن: 19] وقوله: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا [البقرة: 23] وقوله: تبارك الذي نزل الفرقان على عبده [الفرقان: 1] ولهذا يقول المسيح حين يرغب إليه في الشفاعة: اذهبوا إلى محمد عبد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فاستحق تلك الرتبة العليا بتكميل عبوديته لله وبكمال مغفرة الله له. فرجع الأمر إلى أن غاية المقامات ونهايتها: هو التوبة والعبودية المحضة لا جمع العين ولا جمع الوجود ولا تلاشي الاتصال. فإن قلت: فهذا الجمع إنما يحصل لمن قام بحقيقة التوبة والعبودية. قيل: ليس كذلك بل الجمع الذي يحصل لمن قام بذلك: هو جمع الرسل وخلفائهم وهو جمع الهمة على الله سبحانه محبة وإنابة وتوكلا وخوفا ورجاء(3\/408)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1384",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14381",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومراقبة وجمع الهمة على تنفيذ أوامر الله في الخلق دعوة وجهادا فهما جمعان: جمع القلب على المعبود وحده وجمع الهم له على محض عبوديته. فإن قلت: فأين شاهد هذين الجمعين قلت: في القرآن كله فخذه من فاتحة الكتاب في قوله: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] وتأمل ما في قوله quot; إياك quot;: التخصيص لذاته المقدسة بالعبادة والاستعانة وما في قوله: quot; نعبد quot; الذي هو للحال والاستقبال وللعبادة الظاهرة والباطنة من استيفاء أنواع العبادة حالا واستقبالا قولا وعملا ظاهرا وباطنا والاستعانة على ذلك به لا بغيره ولهذا كانت الطريق كلها في هاتين الكلمتين وهي معنى قولهم: الطريق في: إياك أريد بما تريد فجمع المراد في واحد والإرادة في مراده الذي يحبه ويرضاه فإلى هذا دعت الرسل من أولهم إلى آخرهم وإليه شخص العاملون وتوجه المتوجهون وكل الأحوال والمقامات - من أولها إلى آخرها - مندرجة في ضمن ذلك ومن ثمراته وموجباته. فالعبودية تجمع كمال الحب في كمال الذل وكمال الانقياد لمراضي المحبوب وأوامره فهي الغاية التي ليس فوقها غاية وإذا لم يكن إلى القيام بحقيقتها - كما يجب - سبيل فالتوبة هي المعول والآخية وقد عرفت - بهذا وبغيره - أن الحاجة إليها في النهاية أشد من الحاجة إليها في البداية ولولا تنسم روحها لحال اليأس بين ابن الماء والطين وبين الوصول إلى رب العالمين هذا لو قام بما ينبغي عليه أن يقوم به لسيده من حقوقه فكيف والغفلة والتقصير والتفريط والتهاون وإيثار حظوظه في كثير من الأوقات على حقوق ربه لا يكاد يتخلص منها ولاسيما السالك على درب الفناء والجمع لأن ربه يطالبه بالعبودية ونفسه تطالبه بالجمع والفناء ولو حقق النظر مع نفسه وحاسبها حسابا صحيحا لتبين له أن حظه يريد ولذته يطلب نعم كل أحد يطلب ذلك لكن الشأن في الفرق بين من صار حظه نفس مرضاة الله ومحابه أحبت ذلك نفسه أو كرهته وبين من حظه ما يريد من ربه فالأول: حظه مراد ربه الديني الشرعي منه وهذا حظه مراده من ربه وبالله التوفيق. فإن قيل: هذا الباب مسلم لأهل الذوق وأنتم تتكلمون بلسان العلم لا بلسان الذوق والذائق واجد والواجد لا يمكنه إنكار موجوده فلا يرجع إلى صاحب العلم بل يدعوه إلى ذوق ما ذاقه ويقول: أقول للائم المهدي ملامته ... ذق الهوى وإن اسطعت الملام لم قيل: لم ينصف من أحال على الذوق فإنها حوالة على محكوم عليه لا على(3\/409)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1385",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14382",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حاكم وعلى مشهود له لا على شاهد وعلى موزون لا على ميزان. ويا سبحان الله! هل يدل مجرد ذوق الشيء على حكمه وأنه حق أو باطل وهل جعل الله ورسوله الأذواق والمواجيد حججا وأدلة يميز بها بين ما يحبه ويرضاه وبين ما يكرهه ويسخطه ولو كان ذلك كذلك: لاحتج كل مبطل على باطله بالذوق والوجد كما تجده في كثير من أهل الباطل والإلحاد فهؤلاء الاتحادية - وهم أكفر الخلق - يحتجون بالذوق والوجد على كفرهم وإلحادهم حتى ليقول قائلهم: يا صاحبي أنت تنهاني وتأمرني ... والوجد أصدق نهاء وأمار فإن أطعك وأعص الوجد رحت عم ... عن اليقين إلى أوهام أخبار وعين ما أنت تدعوني إليه إذا ... حققته بدل المنهي يا جار ويقول هذا القائل: ثبت عندنا - بالكشف والذوق - ما يناقض صريح العقل وكل معتقد لأمر جازم به مستحسن له: يذوق طعمه فالملحد يذوق طعم الاتحاد والانحلال من الدين والرافضي يذوق طعم الرفض ومعاداة خيار الخلق والقدري يذوق طعم إنكار القدر ويعجب ممن يثبته والجبري عكسه والمشرك يذوق طعم الشرك حتى إنه ليستبشر إذا ذكر إلهه ومعبوده من دون الله ويشمئز قلبه إذا ذكر الله وحده. وهذا الاحتجاج قد سلكه أرباب السماع المحدث الشيطاني الذي هو محض شهوة النفس وهواها واحتجوا على إباحة هذا السماع بما فيه من الذوق والوجد واللذة وأنت تجد النصراني له في تثليثه ذوق ووجد وحنين بحيث لو عرض عليه أشد العذاب لاختاره دون أن يفارق تثليثه لما له فيه من الذوق. وحينئذ فيقال: هب أن الأمر كما تقول وأن المتكلم المنكر لم يتكلم بلسان الذوق فهل يصح أن يكون ذوق الذائق لذلك حجة صحيحة نافعة له بينه وبين الله ولو فرضنا أن هذا المنكر قال: نعم أنا محجوب عن الوصول إلى ما أنكرته غير ذائق له وأنت ذائق واصل فما علامة ما ذقته ووصلت إليه وما الدليل عليه وأنا لا أنكر ذوقك له ووجدك به ولكن الشأن في المذوق لا في الذوق وإذا ذاق المحب العاشق طعم محبته وعشقه لمحبوبه ما كان غاية ذلك: إلا أن يدل على وجود محبته وعشقه لا على كون ذلك نافعا له أو ضارا أو موجبا لكماله أو نقصه وبالله التوفيق.(3\/410)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1386",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14383",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[فصل التوحيد] [التوحيد أول دعوة الرسل] قال صاحب المنازل: (باب التوحيد) قال الله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم [آل عمران: 18] التوحيد: تنزيه الله عز وجل عن الحدث وإنما نطق العلماء بما نطقوا به وأشار المحققون بما أشاروا به في هذا الطريق: لقصد تصحيح التوحيد وما سواه من حال أو مقام فكله مصحوب بالعلل. قلت: التوحيد أول دعوة الرسل وأول منازل الطريق وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله تعالى: قال تعالى: لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره [الأعراف: 59] وقال هود لقومه: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره [الأعراف: 65] وقال صالح لقومه: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره [الأعراف: 73] وقال شعيب لقومه: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره [الأعراف: 85] وقال تعالى: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت [النحل: 36] . فالتوحيد: مفتاح دعوة الرسل ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لرسوله معاذ بن جبل - رضي الله عنه - وقد بعثه إلى اليمن - إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه: عبادة الله وحده فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة وذكر الحديث وقال - صلى الله عليه وسلم -: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله  ولهذا(3\/411)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1387",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14384",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان الصحيح: أن أول واجب يجب على المكلف: شهادة أن لا إله إلا الله لا النظر ولا القصد إلى النظر ولا الشك - كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم. فالتوحيد: أول ما يدخل به في الإسلام وآخر ما يخرج به من الدنيا كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة  فهو أول واجب وآخر واجب فالتوحيد: أول الأمر وآخره. قوله: quot; التوحيد: تنزيه الله عن الحدث quot; هذا الحد لا يدل على التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه وينجو به العبد من النار ويدخل به الجنة ويخرج من الشرك فإنه مشترك بين جميع الفرق وكل من أقر بوجود الخالق سبحانه أقر به فعباد الأصنام والمجوس والنصارى واليهود والمشركون - على اختلاف نحلهم - كلهم ينزهون الله عن الحدث ويثبتون قدمه حتى أعظم الطوائف على الإطلاق شركا وكفرا وإلحادا وهم طائفة الاتحادية فإنهم يقولون: هو الوجود المطلق وهو قديم لم يزل وهو منزه عن الحدث ولم تزل المحدثات تكتسي وجوده تلبسه وتخلعه. والفلاسفة - الذين هم أبعد الخلق عن الشرائع وما جاءت به الأنبياء - يثبتون واجب الوجود قديما منزها عن الحدث. والمشركون - عباد الأصنام الذين يعبدون معه آلهة أخرى - يثبتون قديما منزها عن الحدث. فالتنزيه عن الحدث حق ولكن لا يعطي إسلاما ولا إيمانا ولا يدخل في شرائع الأنبياء ولا يخرج من نحل أهل الكفر ومللهم البتة وهذا القدر لا يخفى على شيخ الإسلام ومحله من العلم والمعرفة محله. ومع هذا فقد سئل سيد الطائفة الجنيد عن التوحيد فقال: هو إفراد القديم عن المحدث والجنيد أشار إلى أنه لا تصح دعوى التوحيد ولا مقامه ولا حاله ولا(3\/412)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1388",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14385",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكون العبد موحدا إلا إذا أفرد القديم عن المحدث فإن كثيرا ممن ادعى التوحيد لم يفرده سبحانه من المحدثات فإن من نفى مباينته لخلقه فوق سماواته على عرشه وجعله في كل مكان بذاته لم يفرده عن المحدث بل جعله حالا في المحدثات مخالفا لها موجودا فيها بذاته وصوفية هؤلاء وعبادهم هم الحلولية الذين يقولون: إن الله - عز وجل - يحل بذاته في المخلوقات وهم طائفتان: طائفة تعمم الموجودات بحلوله فيها وطائفة تخص به بعضها دون بعض. قال الأشعري في كتاب المقالات: هذه حكاية قول قوم من النساك وفي الأمة قوم ينتحلون النسك يزعمون أنه جائز على الله تعالى الحلول في الأجسام وإذا رأوا شيئا يستحسنونه قالوا: لا ندري! لعله ربنا. قلت: وهذه الفرقة طائفتان إحداهما: تزعم أنه سبحانه يحل في الصورة الجميلة المستحسنة والثانية: تزعم أنه سبحانه يحل في الكمل من الناس وهم الذين تجردت نفوسهم عن الشهوات واتصفوا بالفضائل وتنزهوا عن الرذائل والنصارى تزعم أنه حل في بدن المسيح وتدرع به والاتحادية تزعم أنه وجود مطلق اكتسته الماهيات فهو عين وجودها. فكل هؤلاء لم يفردوا القديم عن المحدث.  [فصل الإفراد الذي أشار إليه الجنيد] فصل وهذا الإفراد - الذي أشار إليه الجنيد - نوعان أحدهما: إفراد في الاعتقاد والخبر وذلك نوعان أيضا أحدهما: إثبات مباينة الرب تعالى للمخلوقات وعلوه فوق عرشه من فوق سبع سماوات كما نطقت به الكتب الإلهية من أولها إلى آخرها وأخبرت به جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم والثاني: إفراده سبحانه بصفات كماله وإثباتها له على وجه التفصيل كما أثبتها لنفسه وأثبتها له رسله منزهة عن التعطيل والتحريف والتمثيل والتكييف والتشبيه بل تثبت له سبحانه حقائق الأسماء والصفات وتنفي عنه فيها مماثلة المخلوقات إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تحريف ولا تعطيل ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [الشورى: 11] . وفي هذا النوع يكون إفراده سبحانه بعموم قضائه وقدره لجميع المخلوقات - أعيانها وصفاتها وأفعالها - وأنها كلها واقعة بمشيئته وقدرته وعلمه وحكمته فيباين(3\/413)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1389",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14386",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صاحب هذا الإفراد سائر فرق أهل الباطل: من الاتحادية والحلولية والجهمية الفرعونية - الذين يقولون: ليس فوق السماوات رب يعبد ولا على العرش إله يصلى له ويسجد - والقدرية - الذين يقولون: إن الله لا يقدر على أفعال العباد من الملائكة والإنس والجن ولا على أفعال سائر الحيوانات - بل يقع في ملكه ما لا يريد ويريد ما لا يكون فيريد شيئا لا يكون ويكون شيء بغير إرادته ومشيئته والله سبحانه أعلم.  فصل والنوع الثاني من الإفراد: إفراد القديم عن المحدث بالعبادة - من التأله والحب والخوف والرجاء والتعظيم والإنابة والتوكل والاستعانة وابتغاء الوسيلة إليه - فهذا الإفراد وذلك الإفراد: بهما بعثت الرسل وأنزلت الكتب وشرعت الشرائع ولأجل ذلك خلقت السماوات والأرض والجنة والنار وقام سوق الثواب والعقاب فتفريد القديم سبحانه عن المحدث: في ذاته وصفاته وأفعاله - وفي إرادته وحده ومحبته وخوفه ورجائه والتوكل عليه والاستعانة والحلف به والنذر له والتوبة إليه والسجود له والتعظيم والإجلال وتوابع ذلك ولذلك كانت عبارة الجنيد عن التوحيد عبارة سادة مسددة. فشيخ الإسلام: إن أراد ما أراد أبو القاسم فلا إشكال وإن أراد أن ينزه الله سبحانه عن قيام الأفعال الاختيارية به - التي يسميها نفاة أفعاله: حلول الحوادث - ويجعلون تنزيه الرب تعالى عنها من كمال التوحيد بل هو أصل التوحيد عندهم فكأنه قال: التوحيد تنزيه الرب تعالى عن حلول الحوادث. وحقيقة ذلك: أن التوحيد - عندهم - تعطيله عن أفعاله ونفيها بالكلية وأنه لا يفعل شيئا البتة فإن إثبات فاعل من غير فعل يقوم به البتة محال في العقول والفطر ولغات الأمم ولا يثبت كونه سبحانه ربا للعالم مع نفي ذلك أبدا فإن قيام الأفعال به هو معنى الربوبية وحقيقتها ونافي هذه المسألة ناف لأصل الربوبية جاحد لها رأسا. وإن أراد تنزيه الرب تعالى عن سمات المحدثين وخصائص المخلوقين فهو حق ولكنه تقصير في التعبير عن التوحيد فإن إثبات صفات الكمال أصل التوحيد ومن تمام هذا الإثبات: تنزيهه سبحانه عن سمات المحدثين وخصائص المخلوقين وقد استدرك عليه الاتحادي في هذا الحد فقال: شهود التوحيد يرفع الحدوث أصلا ورأسا فلا يكون هناك وجودان - قديم ومحدث - فالتوحيد: هو أن لا يرى مع الوجود(3\/414)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1390",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14387",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المطلق سواه والله سبحانه أعلم.  [فصل انقسام الطوائف في التوحيد وتسمية كل طائفة باطلهم توحيدا] فصل وقد تقسمت الطوائف التوحيد وسمى كل طائفة باطلهم توحيدا. فأتباع إرسطو وابن سينا والنصير الطوسي عندهم التوحيد: إثبات وجود مجرد عن الماهية والصفة بل هو وجود مطلق لا يعرض لشيء من الماهيات ولا يقوم به وصف ولا يتخصص بنعت بل صفاته كلها سلوب وإضافات فتوحيد هؤلاء: هو غاية الإلحاد والجحد والكفر وفروع هذا التوحيد: إنكار ذات الرب والقول بقدم الأفلاك وأن الله لا يبعث من في القبور وأن النبوة مكتسبة وأنها حرفة من الحرف كالولاية والسياسة وأن الله لا يعلم عدد الأفلاك ولا الكواكب ولا يعلم شيئا من الموجودات المعينة البتة وأنه لا يقدر على قلب شيء من أعيان العالم ولا شق الأفلاك ولا خرقها وأنه: لا حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهي ولا جنة ولا نار فهذا توحيد هؤلاء. وأما الاتحادية فالتوحيد عندهم: أن الحق المنزه هو عين الخلق المشبه وأنه سبحانه هو عين وجود كل موجود وحقيقته وماهيته وأنه آية كل شيء وله فيه آية تدل على أنه عينه وهذا عند محققيهم من خطأ التعبير بل هو نفس الآية ونفس الدليل ونفس المستدل ونفس المستدل عليه فالتعدد: بوجود اعتبارات وهمية لا(3\/415)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1391",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14388",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالحقيقة والوجود فهو عندهم عين الناكح وعين المنكوح وعين الذابح وعين المذبوح وعين الآكل وعين المأكول وهذا عندهم: هو السر الذي رمزت إليه هوامس الدهور الأولية ورامت إفادته الهداية النبوية كما قاله محققهم وعارفهم ابن سبعين. ومن فروع هذا التوحيد: أن فرعون وقومه مؤمنون كاملو الإيمان عارفون بالله على الحقيقة ومن فروعه: أن عباد الأصنام على الحق والصواب وأنهم إنما عبدوا عين الله سبحانه لا غيره ومن فروعه: أن الحق أن لا فرق في التحريم والتحليل بين الأم والأخت والأجنبية ولا فرق بين الماء والخمر والزنا والنكاح الكل في عين واحدة بل هو العين الواحدة وإنما المحجوبون عن هذا السر قالوا: هذا حرام وهذا حلال نعم هو حرام عليكم لأنكم في حجاب عن حقيقة هذا التوحيد ومن فروعه: أن الأنبياء ضيقوا الطريق على الناس وبعدوا عليهم المقصود والأمر وراء ما جاءوا به ودعوا إليه. وأما الجهمية فالتوحيد عندهم: إنكار علو الله على خلقه بذاته واستوائه على عرشه وإنكار سمعه وبصره وقوته وحياته وكلامه وصفاته وأفعاله ومحبته ومحبة العباد له فالتوحيد عندهم: هو المبالغة في إنكار التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه. وأما القدرية فالتوحيد عندهم: هو إنكار قدر الله وعموم مشيئته للكائنات وقدرته عليها ومتأخروهم ضموا إلى ذلك: توحيد الجهمية فصار حقيقة التوحيد عندهم: إنكار القدر وإنكار حقائق الأسماء الحسنى والصفات العلى وربما سموا إنكار القدر والكفر بقضاء الرب وقدره: عدلا وقالوا: نحن أهل العدل والتوحيد.(3\/416)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1392",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14389",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الجبرية فالتوحيد عندهم: هو تفرد الرب تعالى بالخلق والفعل وأن العباد غير فاعلين على الحقيقة ولا محدثين لأفعالهم ولا قادرين عليها وأن الرب تعالى لم يفعل لحكمة ولا غاية تطلب بالفعل وليس في المخلوقات قوى وطبائع وغرائز وأسباب بل ما تم إلا مشيئة محضة ترجح مثلا على مثل بغير مرجح ولا حكمة ولا سبب البتة. وأما صاحب المنازل - ومن سلك سبيله - فالتوحيد عندهم: نوعان أحدهما غير موجود ولا ممكن وهو توحيد العبد ربه فعندهم: ما وحد الواحد من واحد ... إذ كل من وحده جاحد والثاني: توحيد صحيح وهو توحيد الرب لنفسه وكل من ينعته سواه فهو ملحد فهذا توحيد الطوائف ومن الناس إلا أولئك والله سبحانه أعلم.  [فصل أنواع التوحيد الذي دعت إليه الرسل] فصل وأما التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه: فوراء ذلك كله وهو نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات وتوحيد في المطلب والقصد. فالأول: هو حقيقة ذات الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وعلوه فوق سماواته على عرشه وتكلمه بكتبه وتكليمه لمن شاء من عباده وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمه وقد أفصح القرآن عن هذا النوع جد الإفصاح. كما في أول سورة الحديد وسورة طه وآخر سورة الحشر وأول سورة quot; تنزيل quot; السجدة وأول سورة آل عمران وسورة الإخلاص بكمالها وغير ذلك. النوع الثاني: مثل ما تضمنته سورة قل ياأيها الكافرون [الكافرون: 1] وقوله: قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم [آل عمران: 64]- الآية وأول سورة quot; تنزيل الكتاب quot; وآخرها وأول سورة يونس ووسطها وآخرها وأول سورة الأعراف وآخرها وجملة سورة الأنعام وغالب سور القرآن بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد. بل نقول قولا كليا: إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه فإن القرآن: إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله فهو التوحيد(3\/417)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1393",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14390",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العلمي الخبري وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع كل ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره فهي حقوق التوحيد ومكملاته وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيده وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد.  [مراتب التوحيد] فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم ف الحمد لله [الفاتحة: 2] توحيد رب العالمين [الفاتحة: 2] توحيد الرحمن الرحيم [الفاتحة: 3] توحيد مالك يوم الدين [الفاتحة: 4] توحيد إياك نعبد [الفاتحة: 5] توحيد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] توحيد اهدنا الصراط المستقيم [الفاتحة: 6] توحيد متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين [الفاتحة: 7] الذين فارقوا التوحيد ولذلك شهد الله لنفسه بهذا التوحيد وشهد له به ملائكته وأنبياؤه ورسله قال: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام [آل عمران: 18] . فتضمنت هذه الآية الكريمة إثبات حقيقة التوحيد والرد على جميع هذه الطوائف والشهادة ببطلان أقوالهم ومذاهبهم وهذا إنما يتبين بعد فهم الآية ببيان ما تضمنته من المعارف الإلهية والحقائق الإيمانية. فتضمنت هذه الآية: أجل شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها من أجل شاهد بأجل مشهود به وعبارات السلف في quot; شهد quot; تدور على الحكم والقضاء والإعلام والبيان والإخبار قال مجاهد: حكم وقضى وقال الزجاج: بين وقالت طائفة: أعلم وأخبر وهذه الأقوال كلها حق لا تنافي بينها فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره وقوله وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه فلها أربع مراتب فأول مراتبها: علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته وثانيها: تكلمه بذلك ونطقه به وإن لم يعلم به غيره بل يتكلم به مع نفسه ويذكرها وينطق بها أو يكتبها وثالثها: أن يعلم غيره بما شهد به ويخبره به ويبينه له ورابعها: أن يلزمه بمضمونها ويأمره به.(3\/418)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1394",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14391",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط: تضمنت هذه المراتب الأربعة: علم الله سبحانه بذلك وتكلمه به وإعلامه وإخباره لخلقه به وأمرهم وإلزامهم به. أما مرتبة العلم: فإن الشهادة بالحق تتضمنها ضرورة وإلا كان الشاهد شاهدا بما لا علم له به قال الله تعالى: إلا من شهد بالحق وهم يعلمون [الزخرف: 86] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: على مثلها فاشهد وأشار إلى الشمس . وأما مرتبة التكلم والخبر: فمن تكلم بشيء وأخبر به فقد شهد به وإن لم يتلفظ بالشهادة قال تعالى: قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم [الأنعام: 150] وقال تعالى: وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون [الزخرف: 19] . فجعل ذلك منهم شهادة وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة ولم يؤدوها عند غيرهم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: عدلت شهادة الزور الإشراك بالله وشهادة الزور هي قول الزور كما قال تعالى: واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به [الحج: 30] وعند نزول هذه الآية قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: عدلت شهادة الزور الإشراك بالله فسمى قول الزور شهادة وسمى الله تعالى إقرار العبد على نفسه شهادة قال تعالى: ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم [النساء: 135](3\/419)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1395",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14392",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فشهادة المرء على نفسه: هي إقراره على نفسه وفي الحديث الصحيح في قصة ماعز الأسلمي: فلما شهد على نفسه أربع مرات رجمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  وقال تعالى: قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين [الأنعام: 130] . وهذا - وأضعافه - يدل على أن الشاهد عند الحاكم وغيره: لا يشترط في قبول شهادته أن يتلفظ بلفظ الشهادة كما هو مذهب مالك وأهل المدينة وظاهر كلام أحمد ولا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين اشتراط ذلك وقد قال ابن عباس شهد عندي رجال مرضيون - وأرضاهم عندي عمر - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس  ومعلوم أنهم لم يتلفظوا بلفظ الشهادة والعشرة الذين شهد لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجنة لم يتلفظ في شهادته لهم بلفظ الشهادة بل قال: أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة الحديث.(3\/420)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1396",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14393",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأجمع المسلمون على أن الكافر إذا قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد دخل في الإسلام وشهد شهادة الحق ولم يتوقف إسلامه على لفظ الشهادة وأنه قد دخل في قوله: حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وفي لفظ آخر: حتى يقولوا لا إله إلا الله فدل على أن مجرد قولهم لا إله إلا الله شهادة منهم وهذا أكثر من أن تذكر شواهده من الكتاب والسنة فليس مع من اشترط لفظ الشهادة دليل يعتمد عليه والله أعلم.  فصل وأما مرتبة الإعلام والإخبار فنوعان: إعلام بالقول وإعلام بالفعل وهذا شأن كل معلم لغيره بأمر: تارة يعلمه بقوله وتارة بفعله ولهذا كان من جعل دارا مسجدا وفتح بابها لكل من دخل إليها وأذن بالصلاة فيها: معلما أنها وقف وإن لم يتلفظ به وكذلك من وجد متقربا إلى غيره بأنواع المسار: معلما له ولغيره أنه يحبه وإن لم يتلفظ بقوله وكذلك بالعكس وكذلك شهادة الرب جل جلاله وبيانه وإعلامه يكون بقوله تارة وبفعله تارة أخرى فالقول: هو ما أرسل به رسله وأنزل به كتبه ومما قد علم بالاضطرار: أن جميع الرسل أخبروا عن الله: أنه شهد لنفسه بأنه لا إله إلا هو وأخبر بذلك وأمر عباده أن يشهدوا به وشهادته سبحانه أن لا إله إلا هو معلومة من جهة كل من بلغ عنه كلامه. وأما بيانه وإعلامه بفعله: فهو ما تضمنه خبره تعالى عن الأدلة الدالة على وحدانيته التي تعلم دلالتها بالعقل والفطرة وهذا أيضا يستعمل فيه لفظ الشهادة كما يستعمل فيه لفظ الدلالة والإرشاد والبيان فإن الدليل يبين المدلول عليه ويظهره كما يبينه الشاهد والمخبر بل قد يكون البيان بالفعل أظهر وأبلغ وقد يسمى شاهد الحال نطقا وقولا وكلاما لقيامه مقامه وأدائه مؤداه كما قيل: وقالت له العينان سمعا وطاعة ... وحدرتا بالدر لما يثقب وقال الآخر: شكا إلي جملي طول السرى ... صبرا جميلا فكلانا مبتلى(3\/421)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1397",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14394",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال الآخر: امتلأ الحوض وقال قطني ... مهلا رويدا قد ملأت بطني ويسمى هذا شهادة أيضا كما في قوله تعالى: ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر [التوبة: 17] فهذه شهادة منهم على أنفسهم بما يفعلون من أعمال الكفر وأقواله فهي شهادة بكفرهم وهم شاهدون على أنفسهم بما شهدت به. والمقصود: أن الله سبحانه يشهد بما جعل آياته المخلوقة دالة عليه فإن دلالتها إنما هي بخلقه وجعله ويشهد بآياته القولية الكلامية المطابقة لما شهدت به آياته الخلقية فتتطابق شهادة القول وشهادة الفعل كما قال تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق [فصلت: 53]  أي أن القرآن حق فأخبر أنه يدل بآياته الأفقية والنفسية على صدق آياته القولية الكلامية وهذه الشهادة الفعلية قد ذكرها غير واحد من أئمة العربية والتفسير قال ابن كيسان: شهد الله بتدبيره العجيب وأموره المحكمة عند خلقه: أنه لا إله إلا هو.  فصل وأما المرتبة الرابعة - وهي الأمر بذلك والإلزام به وإن كان مجرد الشهادة لا يستلزمه لكن الشهادة في هذا الموضع تدل عليه وتتضمنه - فإنه سبحانه شهد به شهادة من حكم به وقضى وأمر وألزم عباده به كما قال تعالى وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه [الإسراء: 23] وقال تعالى: وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد [النحل: 51] وقال تعالى: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين [البينة: 5]  وقال تعالى: لا تجعل مع الله إلها آخر [الإسراء: 22]  وقال الله سبحانه وتعالى: ولا تدع مع الله إلها آخر [القصص: 88] والقرآن كله شاهد بذلك.(3\/422)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1398",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14395",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ووجه استلزام شهادته سبحانه لذلك: أنه إذا شهد أنه لا إله إلا هو فقد أخبر وبين وأعلم وحكم وقضى: أن ما سواه ليس بإله وأن إلهية ما سواه أبطل الباطل وإثباتها أظلم الظلم فلا يستحق العبادة سواه كما لا تصلح الإلهية لغيره وذلك يستلزم الأمر باتخاذه وحده إلها والنهي عن اتخاذ غيره معها إلها وهذا يفهمه المخاطب من هذا النفي والإثبات كما إذا رأيت رجلا يستفتي أو يستشهد أو يستطب من ليس أهلا لذلك ويدع من هو أهل له فتقول: هذا ليس بمفت ولا شاهد ولا طبيب المفتي فلان والشاهد فلان والطبيب فلان فإن هذا أمر منك ونهي. وأيضا فإن الأدلة قد دلت على أنه سبحانه وحده المستحق للعبادة فإذا أخبر أنه هو وحده المستحق للعبادة تضمن هذا الإخبار: أمر العباد وإلزامهم بأداء ما يستحقه الرب تعالى عليهم وأن القيام بذلك هو خالص حقه عليهم فإذا شهد سبحانه أنه لا إله إلا هو تضمنت شهادته الأمر والإلزام بتوحيده. وأيضا فلفظ الحكم والقضاء يستعمل في الجمل الخبرية فيقال للجملة الخبرية قضية وحكم وقد حكم فيها بكيت وكيت قال تعالى: ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون أاصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون [الصافات: 151] فجعل هذا الإخبار المجرد منهم حكما وقال في موضع آخر: أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون [القلم: 35] لكن هذا حكم لا إلزام معه والحكم والقضاء بأنه لا إله إلا هو: متضمن للإلزام والله سبحانه أعلم.  [فصل تفسير قوله تعالى quot; قائما بالقسط] فصل وقوله تعالى: قائما بالقسط [آل عمران: 18] quot; القسط quot;: هو العدل فشهد الله سبحانه: أنه قائم بالعدل في توحيده وبالوحدانية في عدله والتوحيد والعدل هما جماع صفات الكمال فإن التوحيد يتضمن تفرده سبحانه بالكمال والجلال والمجد والتعظيم الذي لا ينبغي لأحد سواه والعدل يتضمن وقوع أفعاله كلها على السداد والصواب وموافقة الحكمة. فهذا توحيد الرسل وعدلهم: إثبات الصفات والأمر بعبادة الله وحده لا شريك(3\/423)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1399",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14396",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له وإثبات القدر والحكم والغايات المطلوبة المحمودة بفعله وأمره لا توحيد الجهمية والمعتزلة والقدرية الذي هو إنكار الصفات وحقائق الأسماء الحسنى وعدلهم الذي هو: التكذيب بالقدر أو نفي الحكم والغايات والعواقب الحميدة التي يفعل الله لأجلها ويأمر وقيامه سبحانه بالقسط في شهادته يتضمن أمورا. أحدها: أنه قائم بالقسط في هذه الشهادة التي هي أعدل شهادة على الإطلاق وإنكارها وجحودها أعظم الظلم على الإطلاق فلا أعدل من التوحيد ولا أظلم من الشرك فهو سبحانه قائم بالعدل في هذه الشهادة قولا وفعلا حيث شهد بها وأخبر وأعلم عباده وبين لهم تحقيقها وصحتها وألزمهم بمقتضاها وحكم به وجعل الثواب والعقاب عليها وجعل الأمر والنهي من حقوقها وواجباتها فالدين كله من حقوقها والثواب كله عليها والعقاب كله على تركها. وهذا هو العدل الذي قام به الرب تعالى في هذه الشهادة فأوامره كلها تكميل لها وأمر بأداء حقوقها ونواهيه كلها صيانة لها عما يهضمها ويضادها وثوابه كله عليها وعقابه كله على تركها وترك حقوقها وخلقه السماوات والأرض وما بينهما كان بها ولأجلها وهي الحق الذي خلقت به وضدها هو الباطل والعبث الذي نزه نفسه عنه وأخبر: أنه لم يخلق به السماوات والأرض قال تعالى - ردا على المشركين المنكرين لهذه الشهادة - وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار [ص: 27]  وقال تعالى: حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم - ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون [الأحقاف: 1 - 3] وقال: هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق [يونس: 5]  وقال أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون [الروم: 8] وقال: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق [الدخان: 38] وهذا كثير في القرآن والحق الذي خلقت به(3\/424)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1400",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14397",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السماوات والأرض ولأجله: هو التوحيد وحقوقه من الأمر والنهي والثواب والعقاب فالشرع والقدر والخلق والأمر والثواب والعقاب قائم بالعدل والتوحيد صادر عنهما وهذا هو الصراط المستقيم الذي عليه الرب سبحانه وتعالى قال تعالى - حكاية عن نبيه هود - إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم [هود: 56] فهو سبحانه على صراط مستقيم في قوله وفعله فهو يقول الحق ويفعل العدل وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم - والله يقول الحق وهو يهدي السبيل [الأحزاب: 115 - 4] . فالصراط المستقيم - الذي عليه ربنا تبارك وتعالى -: هو مقتضى التوحيد والعدل قال تعالى: وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم [النحل: 76] فهذا مثل ضربه الله لنفسه وللصنم فهو سبحانه الذي يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم والصنم مثل العبد الذي هو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير. والمقصود: أن قوله تعالى: قائما بالقسط [آل عمران: 18] هو كقوله: إن ربي على صراط مستقيم [هود: 56] وقوله قائما بالقسط [آل عمران: 18] نصب على الحال وفيه وجهان أحدهما: أنه حال من الفاعل في quot; شهد الله quot; والعامل فيها الفعل والمعنى على هذا: شهد الله حال قيامه بالقسط: أنه لا إله إلا هو والثاني: أنه حال من قوله quot; هو quot; والعامل فيها معنى النفي أي لا إله إلا هو حال كونه قائما بالقسط وبين التقديرين فرق ظاهر فإن التقدير الأول: يتضمن أن المعنى: quot; شهد الله quot; متكلما بالعدل مخبرا به آمرا به فاعلا له مجازيا به - أنه لا إله إلا هو فإن العدل يكون في القول والفعل والمقسط هو العادل في قوله وفعله فشهد الله قائما بالعدل - قولا وفعلا - أنه لا إله إلا هو وفي ذلك تحقيق لكون هذه الشهادة شهادة عدل وقسط وهي أعدل شهادة كما أن المشهود به أعدل شيء وأصحه وأحقه وذكر ابن السائب وغيره في سبب نزول الآية ما يشهد بذلك وهو أن حبرين من أحبار الشام قدما على النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بمدينة النبي الذي يخرج في آخر(3\/425)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1401",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14398",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الزمان فلما دخلا على النبي - صلى الله عليه وسلم - قالا له: أنت محمد قال: نعم وأحمد قال: نعم قالا: نسألك عن شهادة فإن أخبرتنا بها آمنا بك قال: سلاني قالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله فنزلت: شهد الله أنه لا إله إلا هو [آل عمران: 18]- الآية وإذا كان القيام بالقسط يكون في القول والفعل كان المعنى: أنه كان سبحانه يشهد وهو قائم بالعدل عالم به لا بالظلم فإن هذه الشهادة تضمنت قولا وعملا فإنها تضمنت: أنه هو الذي يستحق العبادة وحده دون غيره وأن الذين عبدوه وحده: هم المفلحون السعداء وأن الذين أشركوا به غيره هم الضالون الأشقياء فإذا شهد قائما بالعدل - المتضمن جزاء المخلصين بالجنة وجزاء المشركين بالنار -: كان هذا من تمام موجب الشهادة وتحقيقها وكان قوله قائما بالقسط [آل عمران: 18] تنبيها على جزاء الشاهد بها والجاحد لها والله أعلم.  فصل وأما التقدير الثاني - وهو أن يكون قوله: quot; قائما quot; حالا مما بعد إلا - فالمعنى: أنه لا إله إلا هو قائما بالعدل فهو وحده المستحق الإلهية مع كونه قائما بالقسط قال شيخنا: وهذا التقدير أرجح فإنه يتضمن: أن الملائكة وأولي العلم يشهدون له بأنه لا إله إلا هو وأنه قائم بالقسط. قلت: مراده أنه إذا كان قوله قائما بالقسط [آل عمران: 18] حالا من المشهود به فهو كالصفة له فإن الحال صفة في المعنى لصاحبها فإذا وقعت الشهادة على ذي الحال وصاحبها كان كلاهما مشهودا به فيكون الملائكة وأولو العلم قد شهدوا بأنه قائم بالقسط كما شهدوا بأنه لا إله إلا هو والتقدير الأول لا يتضمن ذلك فإنه إذا كان التقدير: شهد الله - قائما بالقسط - أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم يشهدون أنه لا إله إلا هو: كان القيام بالقسط حالا من اسم الله وحده. وأيضا فكونه قائما بالقسط فيما شهد به أبلغ من كونه حالا من مجرد الشهادة. فإن قيل: فإذا كان حالا من quot; هو quot; فهلا اقترن به ولم فصل بين صاحب الحال وبينها بالمعطوف فجاء متوسطا بين صاحب الحال وبينها قلت: فائدته ظاهرة فإنه لو قال: شهد الله أنه لا إله إلا هو قائما بالقسط والملائكة وأولو العلم; لأوهم عطف الملائكة وأولي العلم على الضمير في قوله قائما بالقسط [آل عمران: 18](3\/426)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1402",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14399",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يحسن العطف لأجل الفصل وليس المعنى على ذلك قطعا وإنما المعنى على خلافه وهو أن قيامه بالقسط مختص به كما أنه مختص بالإلهية فهو وحده الإله المعبود المستحق العبادة وهو وحده المجازي المثيب المعاقب بالعدل. قوله: quot; لا إله إلا هو quot; ذكر محمد بن جعفر أنه قال: الأولى وصف وتوحيد والثانية: رسم وتعليم أي قولوا: لا إله إلا هو ومعنى هذا: أن الأولى تضمنت أن الله سبحانه شهد بها وأخبر بها والتالي للقرآن إنما يخبر عن شهادته هو وليس في ذلك شهادة من التالي نفسه فأعاد سبحانه ذكرها مجردة ليقولها التالي فيكون شاهدا هو أيضا. وأيضا فالأولى: خبر عن الشهادة بالتوحيد والثانية: خبر عن نفس التوحيد وختم بقوله: العزيز الحكيم [آل عمران: 18] فتضمنت الآية توحيده وعدله وعزته وحكمته فالتوحيد: يتضمن ثبوت صفات كماله ونعوت جلاله وعدم المماثل له فيها وعبادته وحده لا شريك له والعدل يتضمن وضعه الأشياء موضعها وتنزيلها منازلها وأنه لم يخص شيئا منها إلا بمخصص اقتضى ذلك وأنه لا يعاقب من لا يستحق العقوبة ولا يمنع من يستحق العطاء وإن كان هو الذي جعله مستحقا والعزة تتضمن كمال قدرته وقوته وقهره والحكمة تتضمن كمال علمه وخبرته وأنه أمر ونهى وخلق وقدر لما له في ذلك من الحكم والغايات الحميدة التي يستحق عليها كمال الحمد. فاسمه العزيز يتضمن الملك واسمه الحكيم يتضمن الحمد وأول الآية يتضمن التوحيد وذلك حقيقة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وذلك أفضل ما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والنبيون من قبله والحكيم الذي إذا أمر بأمر كان حسنا في نفسه وإذا نهى عن شيء كان قبيحا في نفسه وإذا أخبر بخبر كان صدقا وإذا فعل فعلا كان صوابا وإذا أراد شيئا كان أولى بالإرادة من غيره وهذا الوصف على الكمال لا يكون إلا لله وحده. فتضمنت هذه الآية وهذه الشهادة: الدلالة على وحدانيته المنافية للشرك وعدله المنافي للظلم وعزته المنافية للعجز وحكمته المنافية للجهل والعيب ففيها الشهادة له بالتوحيد والعدل والقدرة والعلم والحكمة ولهذا كانت أعظم شهادة.(3\/427)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1403",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14400",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يقوم لهذه الشهادة على وجهها من جميع الطوائف إلا أهل السنة وسائر طوائف أهل البدع لا يقومون بها فالفلاسفة أشد الناس إنكارا وجحودا لمضمونها من أولها إلى آخرها وطوائف الاتحادية: هم أبعد خلق الله عنها من كل وجه وطائفة الجهمية تنكر حقيقتها من وجوه: منها: أن الإله هو الذي تألهه القلوب محبة له واشتياقا إليه وإنابة وعندهم: أن الله لا يحب ولا يحب. ومنها: أن الشهادة كلامه وخبره عما شهد به وهو عندهم لا يقول ولا يتكلم ولا يشهد ولا يخبر. ومنها: أنها تتضمن مباينته لخلقه بذاته وصفاته وعند فرعونيهم: أنه لا يباين الخلق ولا يحايثهم وليس فوق العرش إله يعبد ولا رب يصلى له ويسجد. وعند حلوليتهم: أنه حال في كل مكان بذاته حتى في الأمكنة التي يستحيى من ذكرها فهؤلاء مثبتة الجهمية وأولئك نفاتهم. ومنها: أن قيامه بالقسط في أفعاله وأقواله وعندهم: أنه لم يقم ولا يقوم به فعل ولا قول البتة وأن قوله: مخلوق من بعض المخلوقات وفعله هو المفعول المنفصل وأما أن يكون له فعل يكون به فاعلا حقيقة: فلا. ومنها: أن القسط عندهم لا حقيقة له بل كل ممكن فهو قسط وليس في مقدوره ما يكون ظلما وقسطا بل الظلم عندهم هو المحال الممتنع لذاته والقسط هو الممكن فنزه الله سبحانه نفسه - على قولهم - عن المحال الممتنع لذاته الذي لا يدخل تحت القدرة. ومنها: أن العزة هي القوة والقدرة وعندهم لا يقوم به صفة ولا له صفة وقدرة تسمى قدرة وقوة. ومنها: أن الحكمة هي الغاية التي يفعل لأجلها وتكون هي المطلوبة بالفعل ويكون وجودها أولى من عدمها وهذا عندهم ممتنع في حقه سبحانه فلا يفعل لحكمة ولا غاية بل لا غاية لفعله ولا أمره وما ثم إلا محض المشيئة المجردة عن الحكمة والتعليل. ومنها: أن الإله هو الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى وهو الذي يفعل بقدرته ومشيئته وحكمته وهو الموصوف بالصفات والأفعال المسمى بالأسماء(3\/428)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1404",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14401",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التي قامت بها حقائقها ومعانيها وهذا لا يثبته على الحقيقة إلا أتباع الرسل وهم أهل العدل والتوحيد.  [فصل مزاعم الجهمية والمعتزلة] فصل فالجهمية والمعتزلة: تزعم أن ذاته لا تحب ووجهه لا يرى ولا يلتذ بالنظر إليه ولا تشتاق القلوب إليه فهم في الحقيقة منكرون الإلهية. والقدرية: تنكر دخول أفعال الملائكة والجن والإنس وسائر الحيوان تحت قدرته ومشيئته وخلقه فهم منكرون في الحقيقة لكمال عزه وملكه. والجبرية: تنكر حكمته وأن يكون له في أفعاله وأوامره غاية يفعل ويأمر لأجلها فهم منكرون في الحقيقة لحكمته وحمده. وأتباع ابن سينا والنصير الطوسي وفروخهما: ينكرون أن يكون ماهية غير الوجود المطلق وأن يكون له وصف ثبوتي زائد على ماهية الوجود فهم في الحقيقة منكرون لذاته وصفاته وأفعاله لا يتحاشون من ذلك. والاتحادية: أدهى وأمر فإنهم رفعوا القواعد من الأصل وقالوا: ما ثم وجود خالق ووجود مخلوق بل الخلق المشبه هو عين الحق المنزه كل ذلك من عين واحدة بل هو العين الواحدة. فهذه الشهادة العظيمة: كل هؤلاء هم بها غير قائمين وهي متضمنة لإبطال ما هم عليه ورده كما تضمنت إبطال ما عليه المشركون ورده وهي مبطلة لقول طائفتي الشرك والتعطيل ولا يقوم بهذه الشهادة إلا أهل الإثبات الذين يثبتون لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات وينفون عنه مماثلة المخلوقات ويعبدونه وحده لا يشركون به شيئا.  [فصل شهادته سبحانه تتضمن بيانه للعباد ودلالتهم وتعريفهم بما شهد به] فصل وإذا كانت شهادته سبحانه تتضمن بيانه للعباد ودلالتهم وتعريفهم بما شهد به وإلا فلو شهد شهادة لم يتمكنوا من العلم بها: لم ينتفعوا ولم يقم عليهم بها الحجة كما أن الشاهد من العباد إذا كانت عنده شهادة ولم يبينها بل كتمها لم ينتفع بها أحد ولم تقم بها حجة وإذا كان لا ينتفع بها إلا ببيانها فهو سبحانه قد بينها غاية البيان بطرق ثلاثة: السمع والبصر والعقل.(3\/429)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1405",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14402",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أما السمع: فبسمع آياته المتلوة القولية المتضمنة لإثبات صفات كماله ونعوت جلاله وعلوه على عرشه فوق سبع سماواته وتكلمه بكتبه وتكليمه لمن شاء من عباده تكلما وتكليما حقيقة لا مجازا. وفي هذا إبطال لقول من قال: إنه لم يرد من عباده ما دلت عليه آياته السمعية من إثبات معانيها وحقائقها التي وضعت لها ألفاظها فإن هذا ضد البيان والإعلام ويعود على مقصود الشهادة بالإبطال والكتمان وقد ذم الله من كتم شهادة عنده من الله وأخبر أنه من أظلم الظالمين فإذا كانت عند العبد شهادة من الله تحقق ما جاء به رسوله من أعلام نبوته وتوحيد الرسل وأن إبراهيم وأهل بيته كانوا على الإسلام كلهم وكتم هذه الشهادة كان من أظلم الظالمين - كما فعله أعداء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من اليهود الذين كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم - فكيف يظن بالله سبحانه أنه كتم شهادة الحق التي يشهد بها الجهمية والمعتزلة والمعطلة ولا يشهد بها لنفسه ثم يشهد لنفسه بما يضادها ويناقضها ولا يجامعها بوجه ما سبحانك هذا بهتان عظيم! فإن الله سبحانه شهد لنفسه بأنه استوى على العرش وبأنه القاهر فوق عباده وبأن ملائكته يخافونه من فوقهم وأن الملائكة تعرج إليه بالأمر وتنزل من عنده به وأن العمل الصالح يصعد إليه وأنه يأتي ويجيء ويتكلم ويرضى ويغضب ويحب ويكره ويتأذى ويفرح ويضحك وأنه يسمع ويبصر وأنه يراه المؤمنون بأبصارهم يوم لقائه إلى غير ذلك مما شهد به لنفسه وشهد له به رسله وشهدت له الجهمية بضد ذلك وقالوا: شهادتنا أصح وأعدل من شهادة النصوص فإن النصوص تضمنت كتمان الحق وإظهار خلافه. فشهادة الرب تعالى: تكذب هؤلاء أشد التكذيب وتتضمن أن الذي شهد به قد بينه وأوضحه وأظهره حتى جعله في أعلى مراتب الظهور والبيان وأنه لو كان الحق فيما يقوله المعطلة والجهمية لم يكن العباد قد انتفعوا بما شهد به سبحانه فإن الحق في نفس الأمر - عندهم - لم يشهد به لنفسه والذي شهد به لنفسه وأظهره وأوضحه: فليس بحق ولا يجوز أن يستفاد منه الحق واليقين. وأما آياته العيانية الخلقية والنظر فيها والاستدلال بها: فإنها تدل على ما تدل عليه آياته القولية السمعية وآيات الرب: هي دلائله وبراهينه التي بها يعرفه العباد وبها يعرفون أسماءه وصفاته وتوحيده وأمره ونهيه فالرسل تخبر عنه بكلامه الذي تكلم به وهو آياته القولية ويستدلون على ذلك بمفعولاته التي تشهد على صحة ذلك وهي آياته العيانية والعقل يجمع بين هذه وهذه فيجزم بصحة ما جاءت به(3\/430)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1406",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14403",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرسل فتتفق شهادة السمع والبصر والعقل والفطرة وهو سبحانه - لكمال عدله ورحمته وإحسانه وحكمته ومحبته للعذر وإقامته للحجة - لم يبعث نبيا من الأنبياء إلا ومعه آية تدل على صدقه فيما أخبر به قال تعالى: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط [الحديد: 25] وقال تعالى: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر [النحل: 43] وقال تعالى: قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير [آل عمران: 183] وقال تعالى: وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك [فاطر: 4] وقال تعالى: وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير [فاطر: 25] . حتى إن من أخفى آيات الرسل آيات هود عليه السلام حتى قال له قومه ياهود ما جئتنا ببينة [هود: 53] ومع هذا فبينته من أظهر البينات وقد أشار إليها بقوله: إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون - إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم [هود: 54 - 56]  فهذا من أعظم الآيات: أن رجلا واحدا يخاطب أمة عظيمة بهذا الخطاب غير جزع ولا فزع ولا خوار بل واثق مما قاله جازم به قد أشهد الله أولا على براءته من دينهم ومما هم عليه إشهاد واثق به معتمد عليه معلم لقومه: أنه وليه وناصره وأنه غير مسلطهم عليه. ثم أشهدهم - إشهاد مجاهر لهم بالمخالفة -: أنه بريء من دينهم وآلهتهم التي يوالون عليها ويعادون ويبذلون دماءهم وأموالهم في نصرتها. ثم أكد عليهم ذلك بالاستهانة بهم واحتقارهم وازدرائهم وأنهم لو يجتمعون كلهم على كيده وشفاء غيظهم منه ثم يعالجونه ولا يمهلونه وفي ضمن ذلك: أنهم(3\/431)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1407",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14404",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أضعف وأعجز وأقل من ذلك وأنكم لو رمتموه لانقلبتم بغيظكم مكبوتين مخذولين. ثم قرر دعوته أحسن تقرير وبين أن ربه تعالى وربهم الذي نواصيهم بيده: هو وليه ووكيله القائم بنصره وتأييده وأنه على صراط مستقيم فلا يخذل من توكل عليه وآمن به ولا يشمت به أعداءه ولا يكون معهم عليه فإن صراطه المستقيم الذي هو عليه - في قوله وفعله - يمنع ذلك ويأباه. وتحت هذا الخطاب أن من صراطه المستقيم أن ينتقم ممن خرج عنه وعمل بخلافه وينزل به بأسه فإن الصراط المستقيم هو العدل الذي عليه الرب تعالى ومنه انتقامه من أهل الشرك والإجرام ونصره أولياءه ورسله على أعدائهم وأنه يذهب بهم ويستخلف قوما غيرهم ولا يضره ذلك شيئا وأنه القائم سبحانه على كل شيء حفظا ورعاية وتدبيرا وإحصاء. فأي آية وبرهان ودليل أحسن من آيات الأنبياء وبراهينهم وأدلتهم وهي شهادة من الله سبحانه لهم بينها لعباده غاية البيان وأظهرها لهم غاية الإظهار بقوله وفعله وفي الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة . ومن أسمائه تعالى المؤمن وهو - في أحد التفسيرين - المصدق الذي يصدق الصادقين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم فهو الذي صدق رسله وأنبياءه فيما بلغوا عنه وشهد لهم بأنهم صادقون بالدلائل التي دل بها على صدقهم قضاء وخلقا فإنه سبحانه أخبر - وخبره الصدق وقوله الحق - أنه لابد أن يرى العباد من الآيات الأفقية والنفسية ما يبين لهم أن الوحي الذي بلغته رسله حق فقال تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق [فصلت: 53] أي القرآن فإنه هو المتقدم في قوله: قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به [فصلت: 52] ثم قال: أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد [فصلت: 53] فشهد سبحانه لرسوله بقوله: أن ما جاء به حق ووعده أن يري(3\/432)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1408",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14405",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العباد من آياته الفعلية الخلقية ما يشهد بذلك أيضا ثم ذكر ما هو أعظم من ذلك وأجل وهو شهادته سبحانه على كل شيء فإن من أسمائه الشهيد الذي لا يغيب عنه شيء ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء بل هو مطلع على كل شيء مشاهد له عليم بتفاصيله وهذا استدلال بأسمائه وصفاته والأول استدلال بقوله وكلماته والاستدلال بالآيات الأفقية والنفسية استدلال بأفعاله ومخلوقاته. فإن قلت: قد فهمت الاستدلال بكلماته والاستدلال بمخلوقاته فبين لي كيفية الاستدلال بأسمائه وصفاته فإن ذلك أمر لا عهد لنا به في تخاطبنا وكتبنا. قلت: أجل! هو لعمر الله كما ذكرت وشأنه أجل وأعلى فإن الرب تعالى هو المدلول عليه وآياته هي الدليل والبرهان. فاعلم أن الله سبحانه في الحقيقة هو الدال على نفسه بآياته فهو الدليل لعباده في الحقيقة بما نصبه لهم من الدلالات والآيات وقد أودع في الفطر التي لم تتنجس بالتعطيل والجحود: أنه سبحانه الكامل في أسمائه وصفاته وأنه الموصوف بكل كمال المنزه عن كل عيب ونقص فالكمال كله والجمال والجلال والبهاء والعزة والعظمة والكبرياء: كله من لوازم ذاته يستحيل أن يكون على غير ذلك فالحياة كلها له والعلم كله له والقدرة كلها له والسمع والبصر والإرادة والمشيئة والرحمة والغنى والجود والإحسان والبر كله خاص له قائم به وما خفي على الخلق من كماله أعظم وأعظم مما عرفوه منه بل لا نسبة لما عرفوه من ذلك إلى ما لم يعرفوه. ومن كماله المقدس: اطلاعه على كل شيء وشهادته عليه بحيث لا يغيب عنه وجه من وجوه تفاصيله ولا ذرة من ذراته باطنا وظاهرا ومن هذا شأنه: كيف يليق بالعباد أن يشركوا به وأن يعبدوا معه غيره وأن يجعلوا معه إلها آخر وكيف يليق بكماله أن يقر من يكذب عليه أعظم الكذب ويخبر عنه بخلاف ما الأمر عليه ثم ينصره على ذلك ويؤيده ويعلي كلمته ويرفع شأنه ويجيب دعوته ويهلك عدوه ويظهر على يديه من الآيات والبراهين والأدلة ما تعجز عن مثله قوى البشر وهو - مع ذلك - كاذب عليه مفتر ساع في الأرض بالفساد  ومعلوم أن شهادته سبحانه على كل شيء وقدرته على كل شيء وحكمته وعزته وكماله المقدس يأبى ذلك كل الإباء ومن ظن ذلك به وجوزه عليه فهو من أبعد الخلق من معرفته وإن عرف منه بعض صفاته كصفة القدرة وصفة المشيئة. والقرآن مملوء من هذه الطريق وهي طريق الخاصة بل خاصة الخاصة هم(3\/433)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1409",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14406",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذين يستدلون بالله على أفعاله وما يليق به أن يفعله وما لا يفعله. وإذا تدبرت القرآن رأيته ينادي على ذلك فيبديه ويعيده لمن له فهم وقلب واع عن الله قال الله تعالى: ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين [الحاقة: 44] أفلا تراه كيف يخبر سبحانه: أن كماله وحكمته وقدرته تأبى أن يقر من تقول عليه بعض الأقاويل بل لابد أن يجعله عبرة لعباده كما جرت بذلك سنته في المتقولين عليه وقال تعالى: أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك [الشورى: 24] هاهنا انتهى جواب الشرط ثم أخبر خبرا جازما غير معلق: أنه يمح الله الباطل ويحق الحق [الشورى: 24] وقال تعالى: وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء [الأنعام: 91] فأخبر أن من نفى عنه الإرسال والكلام لم يقدره حق قدره ولا عرفه كما ينبغي ولا عظمه كما يستحق فكيف من ظن أنه ينصر الكاذب المفتري عليه ويؤيده ويظهر على يديه الآيات والأدلة وهذا في القرآن كثير جدا يستدل بكماله المقدس وأوصافه وجلاله على صدق رسله وعلى وعده ووعيده ويدعو عباده إلى ذلك كما يستدل بأسمائه وصفاته على وحدانيته وعلى بطلان الشرك كما في قوله: هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم - هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون [الحشر: 22 - 23]  وأضعاف أضعاف ذلك في القرآن. ويستدل سبحانه بأسمائه وصفاته على بطلان ما نسب إليه من الأحكام والشرائع الباطلة وأن كماله المقدس يمنع من شرعها كقوله: وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون [الأعراف: 28]  وقوله عقيب ما نهى عنه وحرمه من الشرك والظلم والفواحش والقول عليه بلا علم كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها [الإسراء: 38] فأعلمك أن ما كان سيئه في نفسه(3\/434)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1410",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14407",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهو يكرهه وكماله يأبى أن يجعله شرعا له ودينا فهو سبحانه يدل عباده بأسمائه وصفاته على ما يفعله ويأمر به وما يحبه ويبغضه ويثيب عليه ويعاقب عليه ولكن هذه الطريق لا يصل إليها إلا خاصة الخاصة فلذلك كانت طريقة الجمهور الدلالات بالآيات المشاهدة فإنها أوسع وأسهل تناولا والله سبحانه يفضل بعض خلقه على بعض ويرفع درجات من يشاء وهو العليم الحكيم. فالقرآن العظيم قد اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره فإنه هو الدعوة والحجة وهو الدليل والمدلول عليه وهو الشاهد والمشهود له وهو الحكم والدليل وهو الدعوى والبينة قال الله تعالى: أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه [هود: 17] أي من ربه وهو القرآن وقال تعالى لمن طلب آية تدل على صدق رسوله: أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون - قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون [العنكبوت: 51 - 52]  فأخبر سبحانه أن الكتاب الذي أنزله على رسوله يكفي عن كل آية ففيه الحجة والدلالة على أنه من الله وأن الله سبحانه أرسل به رسوله وفيه بيان ما يوجب لمن اتبعه السعادة وينجيه من العذاب ثم قال: قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض [العنكبوت: 52] فإذا كان الله سبحانه عالما بجميع الأشياء كانت شهادته أصدق شهادة وأعدلها فإنها شهادة بعلم تام محيط بالمشهود به فيكون الشاهد به أعدل الشهداء وأصدقهم وهو سبحانه يذكر علمه عند شهادته وقدرته وملكه عند مجازاته وحكمته عند خلقه وأمره ورحمته عند ذكر إرسال رسوله وحلمه عند ذكر ذنوب عباده ومعاصيهم وسمعه عند ذكر دعائهم ومسألته وعزته وعلمه عند قضائه وقدره. فتأمل ورود أسمائه الحسنى في كتابه وارتباطها بالخلق والأمر والثواب والعقاب.  [فصل الاستشهاد على الرسالة بشهادة الله له] فصل ومن هذا قوله تعالى: ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب [الرعد: 43] فاستشهد على رسالته بشهادة الله له ولابد(3\/435)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1411",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14408",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن تعلم هذه الشهادة وتقوم بها الحجة على المكذبين له وكذلك قوله قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم [الأنعام: 19] وكذلك قوله: لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا [النساء: 166] وكذلك قوله: يس - والقرآن الحكيم - إنك لمن المرسلين [يس: 1 - 3] وقوله: تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين [البقرة: 252] وقوله: والله يعلم إنك لرسوله [المنافقون: 1] وقوله: محمد رسول الله [الفتح: 29] فهذا كله شهادة منه لرسوله قد أظهرها وبينها وبين صحتها غاية البيان بحيث قطع العذر بينه وبين عباده وأقام الحجة عليهم فكونه سبحانه شاهدا لرسوله: معلوم بسائر أنواع الأدلة: عقليها ونقليها وفطريها وضروريها ونظريها. ومن نظر في ذلك وتأمله علم أن الله سبحانه شهد لرسوله أصدق الشهادة وأعدلها وأظهرها وصدقه بسائر أنواع التصديق: بقوله الذي أقام البراهين على صدقه فيه وبفعله وإقراره وبما فطر عليه عباده: من الإقرار بكماله وتنزيهه عن القبائح وعما لا يليق به وفي كل وقت يحدث من الآيات الدالة على صدق رسوله ما يقيم به الحجة ويزيل به العذر ويحكم له ولأتباعه بما وعدهم به من العز والنجاة والظفر والتأييد ويحكم على أعدائه ومكذبيه بما توعدهم به: من الخزي والنكال والعقوبات المعجلة الدالة على تحقيق العقوبات المؤجلة هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا [الفتح: 28] فيظهره ظهورين: ظهورا بالحجة والبيان والدلالة وظهورا بالنصر والظفر والغلبة والتأييد حتى يظهره على مخالفيه ويكون منصورا. وقوله لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون [النساء: 166] فما فيه من الخبر عن علم الله الذي لا يعمله غيره: من أعظم الشهادة بأنه هو الذي أنزله كما قال في الآية الأخرى أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين - فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون [هود: 13 - 14](3\/436)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1412",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14409",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وليس المراد مجرد الإخبار بأنه أنزله - وهو معلوم له كما يعلم سائر الأشياء فإن كل شيء معلوم له من حق وباطل - وإنما المعنى: أنزله مشتملا على علمه فنزوله مشتملا على علمه هو آية كونه من عنده وأنه حق وصدق ونظير هذا قوله: قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض [الفرقان: 6] ذكر ذلك سبحانه تكذيبا وردا على من قال: افتراه.  [فصل من شهادته سبحانه ما أودعه في قلوب العباد من التصديق الجازم بكلامه ووحيه] فصل ومن شهادته أيضا: ما أودعه في قلوب عباده: من التصديق الجازم واليقين الثابت والطمأنينة بكلامه ووحيه فإن العادة تحيل حصول ذلك بما هو من أعظم الكذب والافتراء على رب العالمين والإخبار عنه بخلاف ما هو عليه من أسمائه وصفاته بل ذلك يوقع أعظم الريب والشك وتدفعه الفطر والعقول السليمة كما تدفع الفطر - التي فطر عليها الحيوان - الأغذية الخبيثة الضارة التي لا تغذي كالأبوال والأنتان فإن الله سبحانه فطر القلوب على قبول الحق والانقياد له والطمأنينة به والسكون إليه ومحبته وفطرها على بغض الكذب والباطل والنفور عنه والريبة به وعدم السكون إليه ولو بقيت الفطر على حالها لما آثرت على الحق سواه ولما سكنت إلا إليه ولا اطمأنت إلا به ولا أحبت غيره ولهذا ندب الله عز وجل عباده إلى تدبر القرآن فإن كل من تدبره أوجب له تدبره علما ضروريا ويقينا جازما: أنه حق وصدق بل أحق كل الحق وأصدق كل صدق وأن الذي جاء به أصدق خلق الله وأبرهم وأكملهم علما وعملا ومعرفة كما قال تعالى: أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [النساء: 82] وقال تعالى: أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها [محمد: 24] فلو رفعت الأقفال عن القلوب لباشرتها حقائق القرآن واستنارت فيها مصابيح الإيمان وعلمت علما ضروريا يكون عندها كسائر الأمور الوجدانية - من الفرح والألم والحب والخوف - أنه من عند الله تكلم به حقا وبلغه رسوله جبريل عنه إلى رسوله محمد فهذا الشاهد في القلب من أعظم الشواهد وبه احتج هرقل على أبي سفيان حيث قال له: فهل يرتد أحد منهم سخطة(3\/437)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1413",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14410",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لدينه بعد أن يدخل فيه فقال: لا فقال له: وكذلك الإيمان إذا خالطت حلاوته بشاشة القلوب لا يسخطه أحد وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى في قوله: بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم [العنكبوت: 49] وقوله: وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به [الحج: 54] وقوله ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق [سبأ: 6] وقوله: أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى [الرعد: 19] وقوله: ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب [الرعد: 27] يعني: أن الآية التي يقترحونها لا توجب هداية بل الله هو الذي يهدي ويضل ثم نبههم على أعظم آية وأجلها وهي: طمأنينة قلوب المؤمنين بذكره الذي أنزله فقال: الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله [الرعد: 28] أي بكتابه وكلامه: ألا بذكر الله تطمئن القلوب [الرعد: 28] فطمأنينة القلوب الصحيحة والفطر السليمة به وسكونها إليه من أعظم الآيات إذ يستحيل في العادة أن تطمئن القلوب وتسكن إلى الكذب والافتراء والباطل. فإن قيل: فلم لم يذكر الله سبحانه شهادة رسله مع الملائكة فيقول: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة والرسل وهم أعظم شهادة من أولي العلم قيل: في ذلك عدة فوائد. إحداها: أن أولي العلم أعم من الرسل والأنبياء فيدخلون هم وأتباعهم. وثانيها: أن في ذكر أولي العلم في هذه الشهادة وتعليقها بهم: ما يدل على أنها من موجبات العلم ومقتضياته وأن من كان من أولي العلم فإنه يشهد بهذه الشهادة كما يقال: إذا طلع الهلال واتضح فإن كل من كان من أهل النظر يراه وإذا فاحت رائحة ظاهرة فكل من كان من أهل الشم يشم هذه الرائحة قال تعالى: وبرزت الجحيم لمن يرى [النازعات: 36] أي كل من له رؤية يراها حينئذ عيانا ففي هذا بيان أن من لم يشهد له الله سبحانه بهذه الشهادة فهو من أعظم الجهال وإن علم من(3\/438)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1414",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14411",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أمور الدنيا ما لم يعلمه غيره فهو من أولي الجهل لا من أولي العلم وقد بينا أنه لم يقم بهذه الشهادة ويؤديها على وجهها إلا اتباع الرسل أهل الإثبات فهم أولو العلم وسائر من عداهم أولو الجهل وإن وسعوا القول وأكثروا الجدال. ومنها: الشهادة من الله سبحانه لأهل هذه الشهادة أنهم أولو العلم فشهادته لهم أعدل وأصدق من شهادة الجهمية والمعطلة والفرعونية لهم بأنهم جهال وأنهم حشوية وأنهم مشبهة وأنهم مجسمة ونوابت ونواصب فكفاهم أصدق الصادقين لهم بأنهم من أولي العلم إذ شهدوا له بحقيقة ما شهد به لنفسه من غير تحريف ولا تعطيل وأثبتوا له حقيقة هذه الشهادة ومضمونها وخصومهم نفوا عنه حقائقها وأثبتوا له ألفاظها ومجازاتها.  [فصل ضمن الشهادة الإلهية الثناء على أهل العلم الشاهدين بها وتعديلهم] فصل وفي ضمن هذه الشهادة الإلهية الثناء على أهل العلم الشاهدين بها وتعديلهم. فإنه سبحانه قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته واستشهد بهم - جل وعلا - على أجل مشهود به وجعلهم حجة على من أنكر هذه الشهادة كما يحتج بالبينة على من أنكر الحق فالحجة قامت بالرسل على الخلق وهؤلاء نواب الرسل وخلفاؤهم في إقامة حجج الله على العباد.  [فصل تفسير شهادة أولي العلم] فصل وقد فسرت شهادة أولي العلم بالإقرار وفسرت بالتبيين والإظهار والصحيح: أنها تتضمن الأمرين فشهادتهم إقرار وإظهار وإعلام وهم شهداء الله على الناس يوم القيامة قال الله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا [البقرة: 143] وقال تعالى: هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس [الحج: 78] فأخبر: أنه جعلهم عدولا خيارا ونوه بذكرهم قبل أن يوجدهم لما سبق في علمه من اتخاذه لهم شهداء يشهدون على الأمم يوم القيامة فمن لم يقم بهذه الشهادة - علما وعملا ومعرفة وإقرارا ودعوة وتعليما وإرشادا - فليس من شهداء الله والله المستعان.(3\/439)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1415",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14412",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله تعالى إن الدين عند الله الإسلام [آل عمران: 19] اختلف المفسرون: هل هو كلام مستأنف أو داخل في مضمون هذه الشهادة فهو بعض المشهود به. وهذا الاختلاف مبني على القراءتين في كسر quot; إن quot; وفتحها فالأكثرون على كسرها على الاستئناف وفتحها الكسائي وحده والوجه: هو الكسر لأن الكلام الذي قبله قد تم فالجملة الثانية مقررة مؤكدة لمضمون ما قبلها وهذا أبلغ في التقرير وأذهب في المدح والثناء ولهذا كان كسر إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم [الطور: 28] أحسن من الفتح وكان الكسر في قول الملبي quot; لبيك إن الحمد والنعمة لك quot; أحسن من الفتح. وقد ذكر في توجيه قراءة الكسائي ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون الشهادة واقعة على الجملتين فهي واقعة على إن الدين عند الله الإسلام [آل عمران: 19] وهو المشهود به ويكون فتح quot; أنه quot; من قوله أنه لا إله إلا هو [آل عمران: 18] على إسقاط حرف الجر أي بأنه لا إله إلا هو وهذا توجيه الفراء وهو ضعيف جدا فإن المعنى على خلافه وأن المشهود به هو نفس قوله quot; أنه لا إله إلا هو quot; فالمشهود به quot; أن quot; وما في حيزها والعناية إلى هذا صرفت وبه حصلت ولكن لهذا القول - مع ضعفه - وجه وهو: أن يكون المعنى: شهد الله بتوحيده أن الدين عند الله الإسلام والإسلام: هو توحيده سبحانه فتضمنت الشهادة توحيده وتحقيق دينه: أنه الإسلام لا غيره. الوجه الثاني: أن تكون الشهادة واقعة على الجملتين معا كلاهما مشهود به على تقدير حذف الواو وإرادتها والتقدير: وأن الدين عند الله الإسلام فتكون جملة استغنى فيها عن حرف العطف بما تضمنت من ذكر المعطوف عليه كما وقع الاستغناء عنها في قوله ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم [الكهف: 22] فيحسن ذكر الواو وحذفها كما حذفت هنا وذكرت في قوله ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم [الكهف: 22] . الوجه الثالث - وهو مذهب البصريين -: أن يجعل quot; أن quot; الثانية بدلا من(3\/440)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1416",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14413",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأولى والتقدير: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام وقوله أنه لا إله إلا هو [آل عمران: 18] توطئة للثانية وتمهيد ويكون هذا من البدل الذي الثاني فيه نفس الأول فإن الدين الذي هو نفس الإسلام عند الله هو شهادة أن لا إله إلا الله والقيام بحقها ولك أن تجعله على هذا الوجه من باب بدل الاشتمال لأن الإسلام يشتمل على التوحيد. فإن قيل: فكان ينبغي على هذه القراءة أن يقول: إن الدين عند الله الإسلام لأن المعنى: شهد الله أن الدين عنده الإسلام فلم عدل إلى لفظ الظاهر قيل: هذا يرجح قراءة الجمهور وأنها أفصح وأحسن ولكن يجوز إقامة الظاهر مقام المضمر وقد ورد في القرآن وكلام العرب كثيرا فإن الله تعالى قال واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب [البقرة: 196] وقال واتقوا الله إن الله غفور رحيم [الأنفال: 69] وقال تعالى والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين [الأعراف: 170] قال ابن عباس: افتخر المشركون بآبائهم فقال كل فريق: لا دين إلا دين آبائنا وما كانوا عليه فأكذبهم الله تعالى فقال إن الدين عند الله الإسلام [آل عمران: 19] يعني الذي جاء به محمد وهو دين الأنبياء من أولهم إلى آخرهم ليس لله دين سواه ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين [آل عمران: 85] . وقد دل قوله إن الدين عند الله الإسلام [آل عمران: 19] على أنه دين جميع أنبيائه ورسله وأتباعه من أولهم إلى آخرهم وأنه لم يكن لله قط ولا يكون له دين سواه قال أول الرسل نوح فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين [يونس: 72] وقال إبراهيم وإسماعيل ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك - ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون [البقرة: 128 - 132] وقال يعقوب لبنيه عند الموت ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك [البقرة: 133]- إلى قوله - ونحن له مسلمون [البقرة: 133] وقال موسى لقومه إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين [يونس: 84](3\/441)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1417",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14414",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال تعالى فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون [آل عمران: 52] وقالت ملكة سبأ رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين [النمل: 44] . فالإسلام دين أهل السماوات ودين أهل التوحيد من أهل الأرض لا يقبل الله من أحد دينا سواه فأديان أهل الأرض ستة: واحد للرحمن وخمسة للشيطان فدين الرحمن: هو الإسلام والتي للشيطان: اليهودية والنصرانية والمجوسية والصابئة ودين المشركين. فهذا بعض ما تضمنته هذه الآية العظيمة من أسرار التوحيد والمعارف ولا تستطل الكلام فيها فإنه أهم من الكلام على كلام صاحب المنازل فلنرجع إلى شرح كلامه وبيان ما فيه. قال: وإنما نطق العلماء بما نطقوا به وأشار المحققون إلى ما أشاروا إليه من هذا الطريق: لقصد تصحيح التوحيد وما سواه - من حال أو مقام -: فكله مصحوب العلل. يريد: أن التوحيد هو الغاية المطلوبة من جميع المقامات والأعمال والأحوال فغايتها كلها التوحيد وإنما كلام العلماء والمحققين من أهل السلوك كله لقصد تصحيحه وهذا بين من أول المقامات إلى آخرها فإنها تشير إلى تصحيحه وتجريده. وقوله quot; وما سواه - من حال أو مقام - فكله مصحوب العلل quot; يريد: أن تجريد التوحيد لا علة معه إذ لو كان معه علة تصحبه لم يجرد فتجرده ينفي عنه العلل بالكلية بخلاف ما سواه من المقامات والأحوال فإن العلل تصحبها وعندهم: أن علل المقامات لا تزول بتجريد التوحيد مثاله: أن علة مقام التوكل أن يشهد متوكلا ومتوكلا عليه ومتوكلا فيه ويشهد نفس توكله وهذا كله علة في مقام التوكل فإنه لا يصح له مقامه إلا بأن لا يشهد مع الوكيل الحق الذي يتوكل عليه غيره ولا يرى توكله(3\/442)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1418",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14415",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه سببا لحصول المطلوب ولا وسيلة إليه. وفيه علة أخرى أدق من هذه عند أرباب الفناء وهي: أن المتوكل قد وكل أمره إلى مولاه والتجأ إلى كفايته وتدبيره له والقيام بمصالحه قالوا: وهذا في طريق الخاصة عمى عن التوحيد ورجوع إلى الأسباب لأن الموحد قد رفض الأسباب ووقف مع المسبب وحده والمتوكل - وإن رفض الأسباب - فإنه واقف مع توكله فصار توكله بدلا من تلك الأسباب التي رفضها فهو متعلق بما رفضه. وتجريد التوكل عندهم وحقيقته: هو تخليص القلب من علة التوكل وهو أن يعلم أن الله سبحانه فرغ من الأسباب وقدرها وهو سبحانه يسوق المقادير إلى المواقيت فالمتوكل حقيقة - عندهم - هو من أراح نفسه من كد النظر ومطالعة السبب سكونا إلى ما سبق له من القسم مع استواء الحالين عنده وهو أن يعلم: أن الطالب لا ينفع والتوكل لا يجمع ومتى طالع بتوكله عرضا كان توكله مدخولا وقصده معلولا فإذا خلص من رق هذه الأسباب ومطالعة العوارض ولم يلاحظ في توكله سوى خالص حق الرب سبحانه كفاه تعالى كل مهم كما أوحى الله تعالى إلى موسى quot; كن لي كما أريد أكن لك كما تريد. وهذا الكلام وأمثاله بعضه صواب وبعضه خطأ وبعضه محتمل. فقوله quot; إن التوكل في طريق الخاصة عمى عن التوحيد ورجوع إلى الأسباب quot; خطأ محض بل التوكل: حقيقة التوحيد ولا يتم التوحيد إلا به وقد تقدم في باب التوكل بيان ذلك وأنه من مقامات الرسل وهم خاصة الخاصة وإنما المتحذلقون المتنطعون جعلوه من مقامات العامة ولا أخص ممن أرسل الله واصطفى ولا أعلى من مقاماتهم. وقوله quot; إنه رجوع إلى الأسباب quot; يقال: بل هو قيام بحق الأمر فإن الله سبحانه اقتضت حكمته ربط المسببات بأسبابها وجعل التوكل والدعاء من أقرب الأسباب التي تحصل المقصود فالتوكل امتثال لأمر الله وموافقة لحكمته وعبودية القلب له فكيف يكون مصحوب العلل وكيف يكون من مقامات العامة وقوله quot; لأن الموحد قد رفض الأسباب كلها quot; يقال له: هذا الرفض لا يخرج عن الكفر تارة والفسق تارة والتقصير تارة فإن الله أمر بالقيام بالأسباب فمن رفض ما أمره الله أن يقوم به فقد ضاد الله في أمره وكيف يحل لمسلم أن يرفض الأسباب كلها(3\/443)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1419",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14416",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن قلت: ليس المراد رفض القيام بها وإنما المراد: رفض الوقوف معها. قلت: وهذا أيضا غير مستقيم فإن الوقوف مع الأسباب قسمان: وقوف مأمور به مطلوب وهو أن يقف معها حيث أوقفه الله ورسوله فلا يتعدى حدودها ولا يقصر عنها فيقف معها مراعاة لحدودها وأوقاتها وشرائطها وهذا الوقوف لا تتم العبودية إلا به. ووقوف معها بحيث يعتقد أنها هي الفاعلة المؤثرة بنفسها وأنها تنفع وتضر بذاتها فهذا لا يعتقده موحد ولا يحتاج أن يحترز منه من يتكلم في المعرفة والسلوك نعم لا ينقطع بها عن رؤية المسبب ويعتقدها هي الغاية المطلوبة منه بل هي وسيلة توصل إلى الغاية ولا تصل إلى الغاية المطلوبة بدونها فهذا حق لكن لا يجامع رفضها والإعراض عنها بل يقوم بها معتقدا أنها وسيلة موصلة إلى الغاية فهي كالطريق الحسي الذي يقطعه المسافر إلى مقصده فإن قيل له: ارفض الطريق ولا تلتفت إليها انقطع عن المسير بالكلية وإن جعلها غايته ولم يقصد بالسير فيها وصوله إلى مقصد معين كان معرضا عن الغاية مشتغلا بالطريق وإن قيل له: التفت إلى طريقك ومنازل سيرك وراعها وسر فيها ناظرا إلى المقصود عاملا على الوصول إليه فهذا هو الحق. وقوله: quot; المتوكل - وإن رفض الأسباب - واقف مع توكله. فيقال: إن وقف مع توكله امتثالا لأمر الله وأداء لحق عبوديته معتقدا أن الله هو الذي من عليه بالتوكل وأقامه فيه وجعله سببا موصلا له إلى مطلوبه فنعم الوقوف وقف وما أحسنه من وقوف! وإن وقف معه اعتقادا أن بنفس توكله وعمله يصل مع قطع النظر عن فضل ربه وإعانته ومنه عليه بالتوكل فهو وقوف منقطع عن الله. وقوله: quot; إن التوكل بدل من الأسباب التي رفضها فالمتوكل متنقل من سبب إلى سبب يقال له: إن كانت الأسباب التي رفضها غير مأمور بها فالتوكل المجرد خير منها وإن كانت مأمورا بها فرفضه لها إلى التوكل معصية وخروج عن الأمر. نعم للتوكل ثلاث علل إحداها: أن يترك ما أمر به من الأسباب استغناء بالتوكل عنها فهذا توكل عجز وتفريط وإضاعة لا توكل عبودية وتوحيد كمن يترك الأعمال التي هي سبب النجاة ويتوكل في حصولها ويترك القيام بأسباب الرزق - من(3\/444)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1420",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14417",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العمل والحراثة والتجارة ونحوها - ويتوكل في حصوله ويترك طلب العلم ويتوكل في حصوله فهذا توكله عجز وتفريط كما قال بعض السلف: لا تكن ممن يجعل توكله عجزا وعجزه توكلا. العلة الثانية: أن يتوكل في حظوظه وشهواته دون حقوق ربه كمن يتوكل في حصول مال أو زوجة أو رياسة وأما التوكل في نصرة دين الله وإعلاء كلمته وإظهار سنة رسوله وجهاد أعدائه فليس فيه علة بل هو مزيل للعلل. العلة الثالثة: أن يرى توكله منه ويغيب بذلك عن مطالعة المنة وشهود الفضل وإقامة الله له في مقام التوكل وليس مجرد رؤية التوكل علة كما يظنه كثير من الناس بل رؤية التوكل وأنه من عين الجود ومحض المنة ومجرد التوفيق عبودية وهي أكمل من كونه يغيب عنه ولا يراه فالأكمل أن لا يغيب بفضل ربه عنه ولا به عن شهود فضله كما تقدم بيانه. فهذه العلل الثلاث هي التي تعرض في مقام التوكل وغيره من المقامات وهي التي يعمل العارفون بالله وأمره على قطعها وهكذا الكلام في سائر علل المقامات وإنما ذكرنا هذا مثالا لما يذكر من عللها وقد أفرد لها صاحب المنازل مصنفا لطيفا وجعل غالبها معلولا والصواب: أن عللها هذه الثلاثة المذكورة أن يترك بها ما هو أعلى منها وأن يعلقها بحظه والانقطاع بها عن المقصود وأن لا يراها من عين المنة ومحض الجود وبالله التوفيق. قوله: والتوحيد على ثلاثة أوجه الوجه الأول: توحيد العامة الذي يصح بالشواهد والوجه الثاني: توحيد الخاصة وهو الذي يثبت بالحقائق والوجه الثالث: توحيد قائم بالقدم وهو توحيد خاصة الخاصة. فيقال: لا ريب أن أهل التوحيد يتفاوتون في توحيدهم - علما ومعرفة وحالا - تفاوتا لا يحصيه إلا الله فأكمل الناس توحيدا: الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم والمرسلون منهم أكمل في ذلك وأولو العزم من الرسل أكمل توحيدا وهم نوح وإبراهيم وموسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وأكملهم توحيدا: الخليلان محمد وإبراهيم صلوات الله وسلامه عليهما فإنهما قاما من التوحيد بما لم يقم به غيرهما - علما ومعرفة وحالا ودعوة للخلق وجهادا - فلا توحيد أكمل من الذي(3\/445)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1421",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14418",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قامت به الرسل ودعوا إليه وجاهدوا الأمم عليه ولهذا أمر الله سبحانه نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يقتدي بهم فيه كما قال سبحانه - بعد ذكر إبراهيم ومناظرته أباه وقومه في بطلان الشرك وصحة التوحيد وذكر الأنبياء من ذريته - ثم قال أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [الأنعام: 89] فلا أكمل من توحيد من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقتدي بهم. ولما قاموا بحقيقته - علما وعملا ودعوة وجهادا - جعلهم الله أئمة للخلائق يهدون بأمره ويدعون إليه وجعل الخلائق تبعا لهم يأتمون بأمرهم وينتهون إلى ما وقفوا بهم عنده وخص بالسعادة والفلاح والهدى أتباعهم وبالشقاء والضلال مخالفيهم وقال لإمامهم وشيخهم إبراهيم خليله إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين [البقرة: 124] أي لا ينال عهدي بالإمامة مشرك ولهذا أوصى نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - أن يتبع ملة إبراهيم وكان يعلم أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا: quot; أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين quot; فملة إبراهيم: التوحيد ودين محمد: ما جاء به من عند الله قولا وعملا واعتقادا وكلمة الإخلاص: هي شهادة أن لا إله إلا الله وفطرة الإسلام: هي ما فطر الله عليه عباده من محبته وعبادته وحده لا شريك له والاستسلام له عبودية وذلا وانقيادا وإنابة. فهذا هو توحيد خاصة الخاصة الذي من رغب عنه فهو من أسفه السفهاء قال تعالى ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين [البقرة: 130] . فقسم سبحانه الخلائق قسمين: سفيها لا أسفه منه ورشيدا فالسفيه: من رغب عن ملته إلى الشرك والرشيد: من تبرأ من الشرك قولا وعملا وحالا فكان قوله توحيدا وعمله توحيدا وحاله توحيدا ودعوته إلى التوحيد وبهذا أمر الله سبحانه جميع المرسلين - من أولهم إلى آخرهم - قال تعالى ياأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون [المؤمنون: 51](3\/446)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1422",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14419",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون [الأنبياء: 25] وقال تعالى واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون [الزخرف: 45] وقال تعالى أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون - لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون - لا يسأل عما يفعل وهم يسألون - أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي [الأنبياء: 21 - 24] أي هذا الكتاب الذي أنزل علي وهذه كتب الأنبياء كلهم: هل وجدتم في شيء منها اتخاذ آلهة مع الله أم كلها ناطقة بالتوحيد آمرة به وقال تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت [النحل: 36] والطاغوت اسم لكل ما عبدوه من دون الله فكل مشرك إلهه طاغوته. وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية على ما ذكره صاحب المنازل في التوحيد فقال - بعد أن حكى كلامه إلى آخره -: أما التوحيد الأول الذي ذكره: فهو التوحيد الذي جاءت به الرسل من أولهم إلى آخرهم ونزلت به الكتب كلها وبه أمر الله الأولين والآخرين وذكر الآيات الواردة بذلك. ثم قال: وقد أخبر الله عن كل رسول من الرسل أنه قال لقومه اعبدوا الله ما لكم من إله غيره [المؤمنون: 32] وهذه أول دعوة الرسل وآخرها قال النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وقال من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة والقرآن مملوء من هذا التوحيد والدعوة إليه وتعليق النجاة والسعادة في الآخرة به وحقيقته: إخلاص الدين كله والفناء في هذا التوحيد مقرون بالبقاء وهو أن تثبت إلهية الحق تعالى في قلبك وتنفي إلهية ما سواه فتجمع بين النفي والإثبات فالنفي هو الفناء والإثبات هو البقاء وحقيقته: أن تفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه وبمحبته عن محبة ما سواه وبخشيته عن خشية ما سواه(3\/447)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1423",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14420",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبطاعته عن طاعة ما سواه وكذلك بموالاته وسؤاله والاستغناء به والتوكل عليه ورجائه ودعائه والتفويض إليه والتحاكم إليه واللجء إليه والرغبة فيما عنده قال تعالى قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض [الأنعام: 14] وقال تعالى أفغير الله أبتغي حكما [الأنعام: 114] وقال تعالى قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء [الأنعام: 164] وقال تعالى قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون - ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين [الزمر: 64 - 65] وقال تعالى قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين - قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين [الأنعام: 161 - 162] لا شريك له الآية وقال تعالى فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين [الشعراء: 213] وقال تعالى لا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا [الإسراء: 39] وقال تعالى ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه [القصص: 88] وقال تعالى قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون [الزمر: 38] وقال وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله [يونس: 107] وقال تعالى إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص [الزمر: 2] وقال عن أصحاب الكهف فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا [الكهف: 14] وقال عن صاحب يس وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون [يس: 22] وقال تعالى أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي [الشورى: 9](3\/448)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1424",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14421",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال تعالى أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون [الزمر: 43] وقال تعالى ياأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز [الحج: 73] وقال تعالى واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا [النساء: 36] . وهذا في القرآن كثير بل هو أكثر من أن يذكر وهو أول الدين وآخره وباطنه وظاهره وذروة سنامه وقطب رحاه وأمرنا تعالى أن نتأسى بإمام هذا التوحيد في نفيه وإثباته كما قال تعالى قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده [الممتحنة: 4] وقال تعالى وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين [الزخرف: 26] وقال تعالى واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون - قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين - قال هل يسمعونكم إذ تدعون - أو ينفعونكم أو يضرون - قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون - قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون - أنتم وآباؤكم الأقدمون - فإنهم عدو لي إلا رب العالمين - الذي خلقني فهو يهدين - والذي هو يطعمني ويسقين - وإذا مرضت فهو يشفين - والذي يميتني ثم يحيين - والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين [الشعراء: 69 - 82] وإذا تدبرت القرآن - من أوله إلى آخره - رأيته يدور على هذا التوحيد وتقريره وحقوقه. قال شيخنا: والخليلان هم أكمل خاصة الخاصة توحيدا ولا يجوز أن يكون في الأمة من هو أكمل توحيدا من نبي من الأنبياء فضلا عن الرسل فضلا عن أولي العزم فضلا عن الخليلين وكمال هذا التوحيد هو أن لا يبقى في القلب شيء لغير(3\/449)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1425",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14422",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله أصلا بل يبقى العبد مواليا لربه في كل شيء يحب من أحب وما أحب ويبغض من أبغض وما أبغض ويوالي من يوالي ويعادي من يعادي ويأمر بما يأمر به وينهى عما نهى عنه.  [فصل توحيد العامة الذي يصح بالشواهد] فصل قوله: quot; وهذا توحيد العامة الذي يصح بالشواهد quot;. قد تبين أن هذا توحيد خاصة الخاصة الذي لا شيء فوقه ولا أخص منه وأن الخليلين أكمل الناس فيه توحيدا فليهن العامة نصيهم منه. قوله quot; يصح بالشواهد quot; أي بالأدلة والآيات والبراهين وهذا مما يدل على كماله وشرفه أن قامت عليه الأدلة ونادت عليه الشواهد وأوضحته الآيات والبراهين وما عداه فدعاوى مجردة لا يقوم عليها دليل ولا تصح بشاهد فكل توحيد لا يصح بشاهد فليس بتوحيد فلا يجوز أن يكون توحيد أكمل من التوحيد الذي يصح بالشواهد والآيات وتوحيد القرآن من أوله إلى آخره كذلك. قوله: quot; هذا هو التوحيد الظاهر الجلي الذي نفى الشرك الأعظم quot;. فنعم لعمر الله ولظهوره وجلائه أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه وأمر الله به الأولين والآخرين من عباده وأما الرمز والإشارة والتعقيد الذي لا يكاد أن يفهمه أحد من الناس إلا بجهد وكلفة فليس مما جاءت به الرسل ولا دعوا إليه فظهور هذا التوحيد وانجلاؤه ووضوحه وشهادة الفطر والعقول به من أعظم الأدلة أنه أعلى مراتب التوحيد وذروة سنامه ولذلك قوي على نفي الشرك الأعظم فإن الشيء كلما عظم لا يدفعه إلا العظيم فلو كان شيء أعظم من هذا التوحيد لدفع الله به الشرك الأعظم ولعظمته وشرفه نصبت عليه القبلة وأسست عليه الملة ووجبت به الذمة وانفصلت به دار الكفر من دار الإسلام وانقسم به الناس إلى سعيد وشقي(3\/450)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1426",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14423",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومهتد وغوي ونادت عليه الكتب والرسل. قوله quot; وإن لم يقوموا بحسن الاستدلال quot; يعني: هو مستتر في قلوب أهله وإن كان أكثرهم لا يحسن الاستدلال عليه تقريرا وإيضاحا وجوابا عن المعارض ودفعا لشبه المعاند ولا ريب أن أكثر الناس لا يحسنون ذلك وهذا قدر زائد على وجود التوحيد في قلوبهم فما كل من وجد شيئا وعلمه وتيقنه أحسن أن يستدل عليه ويقرره ويدفع الشبه القادحة فيه فهذا لون ووجوده لون ولكن لابد - مع ذلك - من نوع استدلال قام عنده وإن لم يكن على شروط الأدلة التي ينظمها أهل الكلام وغيرهم وترتيبها فهذه ليست شرطا في التوحيد - لا في معرفته والعلم به ولا في القيام به عملا وحالا - فاستدلال كل أحد بحسبه ولا يحصي أنواع الاستدلال ووجوهه ومراتبه إلا الله فلكل قوم هاد ولكل علم صحيح ويقين دليل يوجبه وشاهد يصح به وقد لا يمكن صاحبه التعبير عنه عجزا وعيا وإن عبر عنه فقد لا يمكنه التعبير عنه باصطلاح أهل العلم وألفاظهم وكثيرا ما يكون الدليل الذي عرف به الحق أصح من كثير من أدلة المتكلمين ومقدماتها وأبعد عن الشبه وأقرب تحصيلا للمقصود وإيصالا إلى المدلول عليه. بل من استقرأ أحوال الناس رأى أن كثيرا من أهل الإسلام - أو أكثرهم - أعظم توحيدا وأكثر معرفة وأرسخ إيمانا من أكثر المتكلمين وأرباب النظر والجدال ويجد عندهم من أنواع الأدلة والآيات التي يصح بها إيمانهم ما هو أظهر وأوضح وأصح مما عند المتكلمين وهذه الآيات التي ندب الله عباده إلى النظر فيها والاستدلال بها على توحيده وثبوت صفاته وأفعاله وصدق رسله هي آيات مشهودة بالحس معلومة بالعقل مستقرة في الفطر لا يحتاج الناظر فيها إلى أوضاع أهل الكلام والجدل واصطلاحهم وطرقهم البتة وكل من له حس سليم وعقل يميز به يعرفها ويقر بها وينتقل من العلم بها إلى العلم بالمدلول وفي القرآن ما يزيد على عشرات ألوف من هذه الآيات البينات ومن لم يحفظ القرآن فإنه إذا سمعها وفهمها وعقلها انتقل ذهنه منها إلى المدلول أسرع انتقال وأقربه. وبالجملة: فما كل من علم شيئا أمكنه أن يستدل عليه ولا كل من أمكنه الاستدلال عليه يحسن ترتيب الدليل وتقريره والجواب عن المعارض والشواهد التي ذكرها: هي الأدلة كالاستدلال بالمصنوع على الصانع والمخلوق على(3\/451)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1427",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14424",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخالق وهذه طريقة القرآن الذي لا توحيد أكمل من توحيده. قوله: quot; بعد أن يسلموا من الشبهة والحيرة والريبة quot; الشبهة: الشكوك التي توقع في اشتباه الحق بالباطل فيتولد عنها الحيرة والريبة وهذا حق فإن هذا التوحيد لا ينفع إن لم يسلم قلب صاحبه من ذلك وهذا هو القلب السليم الذي لا يفلح إلا من أتى الله به فيسلم من الشبه المعارضة لخبره والإرادات المعارضة لأمره بل ينقاد للخبر تصديقا واستيقانا وللطلب إذعانا وامتثالا. قوله: quot; بصدق شهادة صححها قبول القلب quot; أي سلموا من الشبهة والحيرة والريبة: بصدق شهادة تواطأ عليها القلب واللسان فصحت شهادتهم بقبول قلوبهم لها واعتقادهم صحتها والجزم بها بخلاف شهادة المنافق التي لم يقبلها قلبه ولم يواطئ عليها لسانه. قوله: quot; وهو توحيد العامة الذي يصح بالشواهد قد عرفت أن هذا هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب واتفقت عليه الشرائع ثم بين مراده بالشواهد أنها الرسالة والصنائع فقال: quot; والشواهد: الأدلة على التوحيد والرسالة أرشدت إليها وعرفت بها ومقصوده: أن الشواهد نوعان: آيات متلوة وهي الرسالة وآيات مرئية وهي الصنائع. قوله: quot; ويجب بالسمع ويوجد بتبصير الحق وينمو على مشاهد الشواهد quot;. هذه ثلاث مسائل إحداها: ما يجب به والثانية: ما يوجد به والثالثة: ما ينمو به. فأما المسألة الأولى: فاختلف فيها الناس فقالت طائفة: يجب بالعقل ويعاقب على تركه والسمع مقرر لما وجب بالعقل مؤكد له فجعلوا وجوبه والعقاب على تركه ثابتين بالعقل والسمع مبين ومقرر للوجوب والعقاب وهذا قول المعتزلة ومن وافقهم من أتباع الأئمة في مسألة التحسين والتقبيح العقليين.(3\/452)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1428",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14425",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالت طائفة: لا يثبت بالعقل لا هذا ولا هذا بل لا يجب بالعقل فيها شيء وإنما الوجوب بالشرع ولذلك لا يستحق العقاب على تركه وهذا قول الأشعرية ومن وافقهم على نفي التحسين والتقبيح والقولان لأصحاب أحمد والشافعي وأبي حنيفة. والحق: أن وجوبه ثابت بالعقل والسمع والقرآن على هذا يدل فإنه يذكر الأدلة والبراهين العقلية على التوحيد ويبين حسنه وقبح الشرك عقلا وفطرة ويأمر بالتوحيد وينهى عن الشرك ولهذا ضرب الله سبحانه الأمثال وهي الأدلة العقلية وخاطب العباد بذلك خطاب من استقر في عقولهم وفطرهم حسن التوحيد ووجوبه وقبح الشرك وذمه والقرآن مملوء بالبراهين العقلية الدالة على ذلك كقوله ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون [الزمر: 29] وقوله ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون - وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم [النحل: 75 - 76] وقوله ياأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز [الحج: 73] إلى أضعاف ذلك من براهين التوحيد العقلية التي أرشد إليها القرآن ونبه عليها. ولكن هاهنا أمر آخر وهو أن العقاب على ترك هذا الواجب يتأخر إلى حين ورود الشرع كما دل عليه قوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [الإسراء: 15] وقوله كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا [الملك: 8] وقوله وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون [القصص: 59] وقوله ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون [الأنعام: 131](3\/453)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1429",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14426",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا يدل على أنهم ظالمون قبل إرسال الرسل وأنه لا يهلكهم بهذا الظلم قبل إقامة الحجة عليهم فالآية رد على الطائفتين معا من يقول: إنه لا يثبت الظلم والقبح إلا بالسمع ومن يقول: إنهم معذبون على ظلمهم بدون السمع فالقرآن يبطل قول هؤلاء وقول هؤلاء كما قال تعالى ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين [القصص: 47] فأخبر: أن ما قدمت أيديهم قبل إرسال الرسل سبب لإصابتهم بالمصيبة ولكن لم يفعل سبحانه ذلك قبل إرسال الرسول الذي يقيم به حجته عليهم كما قال تعالى رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [النساء: 165] وقال تعالى وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون - أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين - أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة [الأنعام: 155 - 157] وقوله أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين [الزمر: 56]- إلى قوله - بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين [الزمر: 59] وهذا في القرآن كثير يخبر أن الحجة إنما قامت عليهم بكتابه ورسوله كما نبههم بما في عقولهم وفطرهم: من حسن التوحيد والشكر وقبح الشرك والكفر. وقد ذكرنا هذه المسألة مستوفاة من كتاب مفتاح دار السعادة وذكرنا هناك نحوا من ستين وجها تبطل قول من نفى القبح العقلي وزعم أنه ليس في الأفعال ما يقتضي حسنها ولا قبحها وأنه يجوز أن يأمر الله بعين ما نهى عنه وينهى عن عين ما أمر به وأن ذلك جائز عليه وإنما الفرق بين المأمور والمنهي بمجرد الأمر والنهي لا بحسن هذا وقبح هذا وأنه لو نهى عن التوحيد والإيمان والشكر لكان قبيحا ولو أمر بالشرك والكفر والظلم والفواحش لكان حسنا وبينا أن هذا القول مخالف للعقول والفطر والقرآن والسنة. والمقصود: الكلام على قول الشيخ quot; ويجب بالسمع quot; وأن الصواب وجوبه(3\/454)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1430",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14427",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالسمع والعقل وإن اختلفت جهة الإيجاب فالعقل يوجبه: بمعنى اقتضائه لفعله وذمه على تركه وتقبيحه لضده والسمع يوجبه بهذا المعنى ويزيد: إثبات العقاب على تركه والإخبار عن مقت الرب تعالى لتاركه وبغضه له وهذا قد يعلم بالعقل فإنه إذا تقرر قبح الشيء وفحشه بالعقل وعلم ثبوت كمال الرب جل جلاله بالعقل أيضا: اقتضى ثبوت هذين الأمرين: علم العقل بمقت الرب تعالى لمرتكبه وأما تفاصيل العقاب وما يوجبه مقت الرب منه: فإنما يعلم بالسمع. واعلم أنه إن لم يكن حسن التوحيد وقبح الشرك معلوما بالعقل مستقرا في الفطر فلا وثوق بشيء من قضايا العقل فإن هذه القضية من أجل القضايا البديهيات وأوضح ما ركب الله في العقول والفطر ولهذا يقول سبحانه عقيب تقرير ذلك أفلا تعقلون أفلا تذكرون وينفي العقل عن أهل الشرك ويخبر عنهم بأنهم يعترفون في النار: أنهم لم يكونوا يسمعون ولا يعقلون وأنهم خرجوا عن موجب السمع والعقل وأخبر عنهم أنهم صم بكم عمي فهم لا يعقلون [البقرة: 171] وأخبر عنهم أن سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم لم تغن عنهم شيئا وهذا إنما يكون في حق من خرج عن موجب العقل الصريح والفطرة الصحيحة ولو لم يكن في صريح العقل ما يدل على ذلك لم يكن في قوله تعالى quot; انظروا quot; و quot; اعتبروا quot; و quot; سيروا في الأرض فانظروا quot; فائدة فإنهم يقولون: عقولنا لا تدل على ذلك وإنما هو مجرد إخبارك فما هذا النظر والتفكر والاعتبار والسير في الأرض وما هذه الأمثال المضروبة والأقيسة العقلية والشواهد العيانية أفليس في ذلك أظهر دليل على حسن التوحيد والشكر وقبح الشرك والكفر مستقر في العقول والفطر معلوم لمن كان له قلب حي وعقل سليم وفطرة صحيحة قال تعالى ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون [الزمر: 27] وقال تعالى وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون [العنكبوت: 43] وقال تعالى إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد [ق: 37] وقال تعالى أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور [الحج: 46](3\/455)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1431",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14428",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال تعالى كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون [البقرة: 219] وقال تعالى قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون [يونس: 101] وقال تعالى ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون [إبراهيم: 25] . ومن بعض الأدلة العقلية: ما أبقاه الله تعالى من آثار عقوبات أهل الشرك وآثار ديارهم وما حل بهم وما أبقاه من نصر أهل التوحيد وإعزازهم وجعل العاقبة لهم قال تعالى وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم [العنكبوت: 38] وقال في ثمود فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون [النمل: 52] وقال في قوم لوط إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون [العنكبوت: 34] وقال تعالى إن في ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم إن في ذلك لآية للمؤمنين وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين [الحجر: 75] وقال تعالى في قوم لوط وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون [الصافات: 137] وهو سبحانه يذكر في سورة الشعراء ما أوقع بالمشركين من أنواع العقوبات ويذكر إنجاءه لأهل التوحيد ثم يقول إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم [الشعراء: 8] فيذكر شرك هؤلاء الذين استحقوا به الهلاك وتوحيد هؤلاء الذين استحقوا به النجاة ثم يخبر أن في ذلك آية وبرهانا للمؤمنين ثم يذكر مصدر ذلك كله وأنه عن أسمائه وصفاته فصدور هذا الإهلاك عن عزته وذلك الإنجاء عن رحمته ثم يقرر في آخر السورة نبوة رسوله بالأدلة العقلية أحسن تقرير ويجيب عن شبه المكذبين له أحسن جواب وكذلك تقريره للمعاد بالأدلة العقلية والحسية فضرب الأمثال والأقيسة(3\/456)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1432",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14429",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فدلالة القرآن سمعية عقلية. فصل المسألة الثانية: قوله: quot; ويوجد بتبصير الحق وجوب الشيء شرعا لا يستلزم وجوده حسا فلذلك ذكر ما يوجد به بعد ذكر ما يجب به وهو تبصير الحق تعالى ومراده: التبصير التام الذي لا تختلف عنه الهداية وإلا فقد يبصر العبد الحق ولا توجد منه الهداية كما قال تعالى وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى [فصلت: 17] فهو - سبحانه - بصرهم فآثروا الضلال على الهدى وقال تعالى وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين [العنكبوت: 38] وقال تعالى وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون [التوبة: 115] وقال تعالى عن قوم فرعون وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [النمل: 14] فهذا التبصير لم يوجب وجود الهداية لأنه سبحانه لم يرد وجودها وإنما أراد وجود مجرد البصيرة فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وأما التبصير التام: فإنه يستلزم وجود الهداية وهو الذي أمرنا أن نسأله إياه في كل صلاة وقال فيه أهل الجنة الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله [الأعراف: 43] وقال تعالى والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم [يونس: 25] فعم بدعوته البيان والدلالة وخص بهدايته التوفيق والإلهام فلو قال الشيخ: ويوجد بتوفيق الله بعد تبصيره لكان أحسن ولعله هو مراده والله أعلم. فصل المسألة الثالثة: قوله: quot; وينمو على مشاهدة الشواهد quot; وهذا أيضا يحتاج إلى أمر آخر وهو الإجابة لداعي الحق فلا يكفي مجرد مشاهدة الشواهد في نموه وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون [يوسف: 105] يمر عليها العبد ولا ينمو بها ولا يزيد بل ينقص إيمانه وتوحيده فإذا أجاب الداعي وتبصر في الشواهد نما توحيده وقوي(3\/457)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1433",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14430",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إيمانه وقال تعالى والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم [محمد: 17] وقال تعالى ويزيد الله الذين اهتدوا هدى [مريم: 76] وقال تعالى فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا [التوبة: 124] . وقد تضمن كلام الشيخ ما دلت عليه النصوص واتفق عليه الصحابة والتابعون: أن الإيمان والتوحيد ينموان ويتزايدان وهذا من أعظم أصول أهل السنة الذي فارقوا به الجهمية والمرجئة.  [فصل توحيد الخاصة] فصل قال: وأما التوحيد الثاني الذي يثبت بالحقائق: فهو توحيد الخاصة وهو إسقاط الأسباب الظاهرة والصعود عن منازعات العقول وعن التعلق بالشواهد وهو أن لا يشهد في التوحيد دليلا ولا في التوكل سببا ولا في النجاة وسيلة فيكون مشاهدا سبق الحق بحكمه وعلمه ووضعه الأشياء مواضعها وتعليقه إياها بأحايينها وإخفائه إياها في رسومها وتحقق معرفة العلل ويسلك سبيل إسقاط الحدث هذا توحيد الخاصة الذي يصلح بعلم الفناء ويصفو في علم الجمع ويجذب إلى توحيد أرباب الجمع. قوله quot; يثبت بالحقائق quot; وقال في التوحيد الأول quot; يصح بالشواهد quot; فإن الثبوت أبلغ من الصحة والحقائق أبلغ من الشواهد ويريد بالحقائق: المكاشفة والمشاهدة والمعاينة والاتصال والانفصال والحياة والقبض والبسط وما ذكره من قسم الحقائق من كتابه. وبالأدلة والشواهد يصح التوحيد العام وبالحقائق يثبت التوحيد الخاص. قوله: quot; وهو إسقاط الأسباب الظاهرة يحتمل أن يريد بها: الأسباب المشاهدة التي تظهر لنا وإسقاطها: هو أن لا يرى لها تأثيرا البتة ولا تغييرا وإن باشرها بحكم الارتباط العادي فمباشرتها لا تنافي إسقاطها. ويحتمل أن يريد بالأسباب الظاهرة: الحركات والأعمال وإسقاطها: عزلها عن اقتضائها السعادة والنجاة لا إهمالها وتعطيلها فإن ذلك كفر وانسلاخ من الإسلام(3\/458)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1434",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14431",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالكلية ولكن يقوم بها وقد عزلها عن ولاية النجاح والنجاة كما قال - صلى الله عليه وسلم - اعملوا واعلموا أن أحدا منكم لن ينجيه عمله . واحترز بالأسباب الظاهرة من الأسباب الباطنة كالإيمان والتصديق ومحبة الله ورسوله فإن النجاة والسعادة معلقة بها بل التوحيد نفسه من الأسباب بل هو أعظم الأسباب الباطنة فلا يجوز إسقاطه. وعلى التقديرين فهو غير مخلص فإذا أريد بالإسقاط التعطيل والإهمال فمن أبطل الباطل وإن أريد العزل عن ولاية الاقتضاء وإسناد الحكم إلى مشيئة الرب وحده فلا فرق بين الأسباب الظاهرة والباطنة وإن أريد الأسباب التي لم يؤمر بها العبد فليس إسقاطها من توحيد الله في شيء ولا القيام بها مبطلا له ولا منقصا. وبالجملة: فليس إسقاط الأسباب من التوحيد بل القيام بها واعتبارها وإنزالها في منازلها التي أنزلها الله فيها هو محض التوحيد والعبودية والقول بإسقاط الأسباب هو توحيد القدرية الجبرية أتباع جهم بن صفوان في الجبر فإنه كان غاليا فيه وعندهم أن الله لم يخلق شيئا بسبب ولا جعل في الأسباب قوى وطبائع تؤثر فليس في النار قوة الإحراق ولا في السم قوة الإهلاك ولا في الماء والخبز قوة الري والتغذي به ولا في العين قوة الإبصار ولا في الأذن والأنف قوة السمع والشم بل الله سبحانه يحدث هذه الآثار عند ملاقاة هذه الأجسام لا بها فليس الشبع بالأكل ولا الري بالشرب ولا العلم بالاستدلال ولا الانكسار بالكسر ولا الإزهاق بالذبح ولا الطاعات والتوحيد سببا لدخول الجنة والنجاة من النار ولا الشرك والكفر والمعاصي سببا لدخول النار بل يدخل هؤلاء الجنة بمحض مشيئته من غير سبب ولا حكمة أصلا ويدخل هؤلاء النار بمحض مشيئته من غير سبب ولا حكمة. ولهذا قال صاحب المنازل: وهو أن لا يشهد في التوحيد دليلا ولا في التوكل سببا ولا في النجاة وسيلة بل عندهم صدور الكائنات والأوامر والنواهي عن محض المشيئة الواحدة التي رجحت مثلا على مثل بغير مرجح فعنها يصدر كل حادث ويصدر مع الحادث حادث آخر مقترنا به اقترانا عاديا لا أن أحدهما سبب الآخر ولا مرتبط به فأحدهما مجرد علامة وأمارة على وجود الآخر فإذا وجد أحد المقترنين وجد الآخر معه بطريق الاقتران العادي فقط لا بطريق التسبب والاقتضاء وهذا عندهم هو نهاية التوحيد وغاية المعرفة.(3\/459)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1435",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14432",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وطرد هذا المذهب: مفسد للدنيا والدين بل ولسائر أديان الرسل ولهذا لما طرده قوم أسقطوا الأسباب الدنيوية وعطلوها وجعلوا وجودها كعدمها ولم يمكنهم ذلك فإنهم لابد أن يأكلوا ويشربوا ويباشروا من الأسباب ما يدفع عنهم الحر والبرد والألم. فإن قيل لهم: هلا أسقطتم ذلك قالوا: لأجل الاقتران العادي. فإن قيل لهم: هلا قمتم بما أسقطتموه من الأسباب لأجل الاقتران العادي أيضا فهذا المذهب قد فطر الله سبحانه الحيوان - ناطقه وأعجمه - على خلافه. وقوم طردوه فتركوا له الأسباب الأخروية وقالوا: سبق العلم والحكم بالسعادة والشقاوة لا يتغير البتة فسواء علينا الفعل والترك فإن سبق العلم والحكم بالشقاوة فنحن أشقياء عملنا أو لم نعمل وإن سبق بالسعادة فنحن سعداء عملنا أو لم نعمل. ومنهم من يترك الدعاء جملة بناء على هذا الأصل ويقول: المدعو به إن سبق العلم والحكم بحصوله حصل دعونا أو لم ندع وإن سبق بعدم حصوله لم يحصل وإن دعونا. قال شيخنا: quot; وهذا الأصل الفاسد مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف وأئمة الدين quot; بل ومخالف لصريح العقل والحس والمشاهدة وقد سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إسقاط الأسباب نظرا إلى القدر فرد ذلك وألزم القيام بالأسباب كما في الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة ومقعده من النار قالوا: يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب فقال: لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له وفي الصحيح عنه أيضا أنه قيل له: يا رسول الله أرأيت ما يكدح الناس فيه(3\/460)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1436",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14433",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اليوم ويعملون: أمر قضي عليهم ومضى أم فيما يستقبلون مما آتاهم فيه الحجة فقال: بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم قالوا: يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على كتابنا قال: لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له وفي السنن عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قيل له: أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقاة نتقي بها هل ترد من قدر الله شيئا فقال: هي من قدر الله وكذلك قول عمر لأبي عبيدة رضي الله عنهما وقد قال أبو عبيدة لعمر أتفر من قدر الله - يعني من الطاعون - قال: أفر من قدر الله إلى قدر الله وقد قال الله تعالى في السحاب فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات [الأعراف: 57] وقال تعالى فأحيا به الأرض بعد موتها [البقرة: 164] وقال تعالى يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام [المائدة: 16] وقال تعالى بما كنتم تعملون - بما كنتم تكسبون - ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد [آل عمران: 105 - 182] والقرآن مملوء من ترتيب الأحكام الكونية والشرعية والثواب والعقاب على الأسباب بطرق متنوعة فيأتي بباء السببية تارة وباللام تارة وبأن تارة وبكي تارة ويذكر الوصف المقتضى تارة ويذكر صريح التعليل تارة كقوله: ذلك بأنهم فعلوا كذا وقالوا كذا ويذكر الجزاء تارة كقوله وذلك جزاء الظالمين [المائدة: 29] وقوله وذلك جزاء المحسنين [المائدة: 85] وقوله وهل نجازي إلا الكفور [سبأ: 17] ويذكر المقتضي للحكم والمانع منه كقوله وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون [الإسراء: 59] .(3\/461)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1437",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14434",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعند منكري الأسباب والحكم: لم يمنعه إلا محض مشيئته ليس إلا وقال إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم [يونس: 9] وقال كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم [إبراهيم: 1] وقال كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية [الحاقة: 24] وقال ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب [الطلاق: 2] وقال ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا [الطلاق: 5] وقال إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا [الأنفال: 29] وقال وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا [آل عمران: 120] وقال تعالى فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل [النساء: 160] وبالجملة: فالقرآن - من أوله إلى آخره - يبطل هذا المذهب ويرده كما تبطله العقول والفطر والحس. وقد قال بعض أهل العلم: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب - أن تكون أسبابا - تغيير في وجه العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية: قدح في الشرع والتوكل معنى يلتئم من معنى التوحيد والعقل والشرع. وهذا الكلام يحتاج إلى شرح وتقييد فالالتفات إلى الأسباب ضربان أحدهما: شرك والآخر: عبودية وتوحيد فالشرك: أن يعتمد عليها ويطمئن إليها ويعتقد أنها بذاتها محصلة للمقصود فهو معرض عن السبب لها ويجعل نظره والتفاته مقصورا عليها وأما إن التفت إليها التفات امتثال وقيام بها وأداء لحق العبودية فيها وإنزالها منازلها: فهذا الالتفات عبودية وتوحيد إذ لم يشغله عن الالتفات إلى المسبب وأما محوها أن تكون أسبابا: فقدح في العقل والحس والفطرة فإن أعرض عنها بالكلية: كان ذلك قدحا في الشرع وإبطالا له وحقيقة التوكل: القيام بالأسباب والاعتماد بالقلب على المسبب واعتقاد أنها بيده فإن شاء منعها اقتضاءها وإن شاء جعلها(3\/462)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1438",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14435",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مقتضية لضد أحكامها وإن شاء أقام لها موانع وصوارف تعارض اقتضاءها وتدفعه. فالموحد المتوكل: لا يلتفت إلى الأسباب بمعنى أنه لا يطمئن إليها ولا يرجوها ولا يخافها فلا يركن إليها ولا يلتفت إليها - بمعنى أنه لا يسقطها ولا يهملها ويلغيها - بل يكون قائما بها ملتفتا إليها ناظرا إلى مسببها سبحانه ومجريها فلا يصح التوكل - شرعا وعقلا - إلا عليه سبحانه وحده فإنه ليس في الوجود سبب تام موجب إلا مشيئته وحده فهو الذي سبب الأسباب وجعل فيها القوى والاقتضاء لآثارها ولم يجعل منها سببا يقتضي وحده أثره بل لابد معه من سبب يشاركه وجعل لها أسبابا تضادها وتمانعها بخلاف مشيئته سبحانه فإنها لا تحتاج إلى أمر آخر ولا في الأسباب الحادثة ما يبطلها ويضادها وإن كان الله سبحانه قد يبطل حكم مشيئته بمشيئته فيشاء الأمر ثم يشاء ما يضاده ويمنع حصوله والجميع بمشيئته واختياره فلا يصح التوكل إلا عليه ولا الالتجاء إلا إليه ولا الخوف إلا منه ولا الرجاء إلا له ولا الطمع إلا في رحمته كما قال أعرف الخلق به - صلى الله عليه وسلم - أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك وقال لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك . فإذا جمعت بين هذا التوحيد وبين إثبات الأسباب: استقام قلبك على السير إلى الله ووضح لك الطريق الأعظم الذي مضى عليه جميع رسل الله وأنبيائه وأتباعهم وهو الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم وبالله التوفيق. وما سبق به علم الله وحكمه حق وهو لا ينافي إثبات الأسباب ولا يقتضي إسقاطها فإنه سبحانه قد علم وحكم: أن كذا وكذا يحدث بسبب كذا وكذا فسبق العلم والحكم بحصوله عن سببه فإسقاط الأسباب خلاف موجب علمه وحكمه فمن نظر إلى الحدوث بغير الأسباب: لم يكن نظره وشهوده مطابقا للحق بل كان شهوده غيبة ونظره عمى فإذا كان علم الله قد سبق بحدوث الأشياء بأسبابها فكيف يشهد العبد الأمور بخلاف ما هي عليه في علمه وحكمه وخلقه وأمره والعلل التي تتقي في الأسباب نوعان أحدهما: الاعتماد عليها والتوكل عليها والثقة بها ورجاؤها وخوفها فهذا شرك يرق ويغلظ وبين ذلك.(3\/463)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1439",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14436",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني: ترك ما أمر الله به من الأسباب وهذا أيضا قد يكون كفرا وظلما وبين ذلك بل على العبد أن يفعل ما أمره الله به من الأمر ويتوكل على الله توكل من يعتقد أن الأمر كله بمشيئة الله سبق به علمه وحكمه وأن السبب لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع ولا يقضي ولا يحكم ولا يحصل للعبد ما لم تسبق له به المشيئة الإلهية ولا يصرف عنه ما سبق به الحكم والعلم فيأتي بالأسباب إتيان من لا يرى النجاة والفلاح والوصول إلا بها ويتوكل على الله توكل من يرى أنها لا تنجيه ولا تحصل له فلاحا ولا توصله إلى المقصود فيجرد عزمه للقيام بها حرصا واجتهادا ويفرغ قلبه من الاعتماد عليها والركون إليها تجريدا للتوكل واعتمادا على الله وحده وقد جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين هذين الأصلين في الحديث الصحيح حيث يقول احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز فأمره بالحرص على الأسباب والاستعانة بالمسبب ونهاه عن العجز وهو نوعان: تقصير في الأسباب وعدم الحرص عليها وتقصير في الاستعانة بالله وترك تجريدها فالدين كله - ظاهره وباطنه شرائعه وحقائقه - تحت هذه الكلمات النبوية والله أعلم.  [فصل الصعود عن منازعات العقول حق لا يتم التوحيد والإيمان إلا به] فصل قوله: والصعود عن منازعات العقول هذا حق ولا يتم التوحيد والإيمان إلا به فما أفسد أديان الرسل إلا أرباب منازعات العقول الذين ينازعون بمعقولهم في التصديق بما جاءت به وإثبات ما أثبتوه ونفي ما نفوه فنازعت عقولهم ذلك وتركوا لتلك المنازعات ما جاءت به الرسل ثم عارضوهم بتلك المعقولات وقدموها على ما جاءوا به وقالوا: إذا تعارضت عقولنا وما جاءت به الرسل: قدمنا ما حكمت به عقولنا على ما جاءوا به وقد هلك بهؤلاء طوائف لا يحصيهم إلا الله وانحلوا بسببهم من أديان جميع الرسل. قوله quot; ومن التعلق بالشواهد quot; كلام فيه إجمال فالشواهد: هي الأدلة والآيات فترك التعلق بها انسلاخ عن العلم والإيمان بالكلية والتعلق بها وحدها دون من نصبها شواهد وأدلة انقطاع عن الله وشرك في التوحيد والتعلق بها استدلالا ونظرا(3\/464)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1440",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14437",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في آيات الرب ليصل بها إلى الله هو التوحيد والإيمان. وأحسن ما يحمل عليه كلامه: أنه يصعد عن الوقوف معها فإنها وسائل إلى المقصود فلا ينقطع بالوسيلة عن المقصود وهذا حق لكن قوله quot; وهو أن لا يشهد في التوحيد دليلا quot; يكدر هذا المعنى ويشوشه وليس بصحيح بل الواجب: أن يشهد الأمر كما أشهده الله إياه فإن الله سبحانه نصب الأدلة على التوحيد وأقام البراهين وأظهر الآيات وأمرنا أن نشهد الأدلة والآيات وننظر فيها ونستدل بها ولا يجتمع هذا الإثبات وذلك النفي البتة والمخلوقات كلها آيات للتوحيد وكذلك الآيات المتلوة أدلة على التوحيد فكيف لا يشهدها دليلا عليه هذا من أبطل الباطل بل التوحيد - كل التوحيد - أن يشهد كل شيء دليلا عليه مرشدا إليه ومعلوم أن الرسل أدلة للتوحيد فكيف لا يشهدهم كذلك وكيف يجتمع الإيمان بهم وعدم شهودهم أدلة للتوحيد فانظر ماذا أدى إليه إنكار الأسباب والسلوك على درب الفناء في توحيد الأفعال فهذا هو مقتضاه وطرده وإلا تناقض أصحابه وقد قال الله تعالى لرسوله وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم [الشورى: 52] وقال تعالى ولكل قوم هاد [الرعد: 7] والهادي: هو الدليل الذي يدل بهم في الطريق إلى الله والدار الآخرة ولا يناقض هذا قوله إنك لا تهدي من أحببت [القصص: 56] وقوله فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء [فاطر: 8] فإن الله سبحانه تكلم بهذا وهذا فرسله الهداة هداية الدلالة والبيان وهو الهادي هداية التوفيق والإلهام فالرسل هم الأدلة حقا والله سبحانه هو الموفق الملهم الخالق للهدى في القلوب. قوله quot; ولا في التوكل سببا quot; يريد: أنك تجرد التوكل عن الأسباب فإن أراد تجريده عن القيام بها: فباطل كما تقدم وإن أراد تجريده عن الركون إليها والوقوف معها والوثوق بها: فهو حق وإن أراد تجريده عن شهودها: فشهودها على ما هي عليه أكمل ولا يقدح في التوحيد بوجه ما. وكذلك قوله quot; ولا في النجاة وسيلة quot; إنما يصح على وجه واحد وهو أن يشهد(3\/465)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1441",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14438",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حصول النجاة بمجرد الوسائل من الأعمال والأسباب وأما إلغاء كونها وسائل: فباطل يخالف الشرع والعقل وأما عدم شهودها وسائل مع اعتقاد كونها وسائل: فليس بكمال وشهودها وسائل - كما جعلها الله سبحانه - أكمل مشهدا وأصح طريقة وبالله التوفيق. وقد بينا - فيما تقدم - أن الكمال: أن تشهد العبودية وقيامك بها وتشهد أنها من عين المنة والفضل وتشهد المعبود فلا تغيب بشهوده عن شهود أمره ولا تغيب بشهود أمره عن شهوده ولا تغيب بشهوده وشهود أمره عن شهود فضله ومنته وتوفيقه وشهود فقرك وفاقتك وأنك به لا بك وقد خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - يوما على حلقة من أصحابه وهم يتذاكرون فقال: ما أجلسكم قالوا: جلسنا نذكر ما من الله به علينا وهدانا بك إلى الإسلام فقال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك فقال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكن الله يباهي بكم الملائكة ولم يقل لهم: لا تشهدوا في التوحيد دليلا ولا في النجاة وسيلة بل كان من أسباب مباهاة الله بهم الملائكة: شهودهم سبب التوحيد ووسيلة النجاة وأنها من من الله عليهم كما قال تعالى لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة [آل عمران: 164] فكيف يكون كمالهم في أن لا يشهدوا الدليل الذي يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويهديهم ويسقطونه من الشهود والسببية قوله: quot; فيكون شاهدا سبق الحق بعلمه وحكمه ووضعه الأشياء مواضعها وتعليقه إياها بأحايينها وإخفائه إياها في رسومها. ليس الشهود هاهنا متعلقا بمجرد أزلية الرب تعالى وتقدمه على كل شيء فقط بل متعلق بسبق العلم والتقدير فيرى الأشياء بعين سوابقها وقد تقررت هناك في علم الرب وتقديره فينظر إليها هناك إذا نظر الناس إليها هنا فيتجاوز نظره نظرهم فيغلب شهود السوابق على ملاحظة اللواحق فيشهد تفرد الرب وحده حيث لا موجود سواه وقد علم الكائنات وقدر مقاديرها ووقت مواقيتها وقررها على مقتضى علمه وحكمته وقد سبق العلم المعلوم والقدر المقدور والإرادة المراد فيرى الأشياء كلها ثابتة في علم الله سبحانه وحكمته قبل وجود العوالم فأي وسيلة يشهد هناك وأي(3\/466)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1442",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14439",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبب وأي دليل هذا الذي يدندن الشيخ حوله وقد عرفت أن العلم والحكم سبق بوجود المسببات عن أسبابها وارتباطها بوسائلها وأدلتها كما سبق العلم والحكم بوجود الولد عن أبويه والمطر عن السحاب والنبات عن الماء والإزهاق عن القتل وأسباب الموت فهذه هي المشاهدة الصحية لا إسقاط الأسباب والوسائل والأدلة. قوله: quot; ووضع الأشياء مواضعها وتعليقها بأحايينها وإخفائها في رسومها quot; هذه ثلاثة أشياء - المكان والزمان والمادة - التي لابد لكل مخلوق منها فإن المخلوق لابد له من زمان يوجد فيه ومكان يستقر فيه ومادة يوجد بها فأشار إلى الثلاثة فالمواضع: الأمكنة والأحايين: الأزمنة والرسوم: المواد الحاملة لها والرسوم: هي الصورة الخلقية. وكأن شيخ الإسلام أراد بها هنا الأسباب وأن الله سبحانه غطى حقائق الأشياء عن أبصار الخلق بما يشاهدونه من تعلق المسببات بأسبابها فنسبوها إليها فصاحب هذه الدرجة يشهد كيف أظهر الرب سبحانه الأشياء في موادها وصورها وأظهرها بأسبابها وأخفى علمه وحكمه فيما أظهره من ذلك فالظهور: للأسباب المشاهدة والحقيقة المخفية للعلم والحكم السابقين. قوله quot; وتحقق معرفة العلل quot; يريد: أن هذا التوحيد يحقق لصاحبه معرفة علل الأحوال والمقامات والأعمال وهي عبارة عن عوائق السالك: من نظره إلى السوى والتفاته إليه فهذه الدرجة من التوحيد - عنده - تحقق هذه العلل. ويحتمل أن يريد بالعلل الأسباب التي ربطت بها الأحكام فصاحب هذه الدرجة يعرف حقيقتها ومرتبتها كما هي عليه لأنه قد صعد منها إلى مسببها وواضعها. قوله: quot; ويسلك سبيل إسقاط الحدث quot;. يريد: أنه في هذا الشهود وهذه الملاحظة المذكورة: سالك سبيل الذين شهدوا عين الأزل فنفى عنهم شهود الحدث وذلك بالفناء في حضرة الجمع فإنها هي التي يفنى فيها من لم يكن ويبقى فيها من لم يزل. فإن أراد بإسقاط الحدث: أنه يعتقد نفي حدوث شيء فهذا مكابرة للحس والشهود وإن أراد إسقاط الحدث من قلبه فلا يشهد حادثا ومحدثا - وهذا مراده - فهذا خلاف ما أمر الله ورسوله به وخلاف الحق فإن العبد مأمور أن يشهد: أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويشهد أن الجنة حق والنار حق والساعة(3\/467)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1443",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14440",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حق والنبيين حق ويشهد حدوث المحدثات بإحداث الرب تعالى لها بمشيئته وقدرته وبما خلقه من الأسباب ولما خلقه من الحكم ولم يأمر العبد - بل لم يرد منه - أن لا يشهد حادثا ولا حدوث شيء وهذا لا كمال فيه ولا معرفة فضلا عن أن يكون غاية العارف وأن يكون توحيد الخاصة والقرآن - من أوله إلى آخره - صريح في خلافه فإنه أمر بشهود الحادثات والكائنات والنظر فيها والاعتبار بها والاستدلال بها على وحدانية الله سبحانه وعلى أسمائه وصفاته فأعرف الناس به وبأسمائه وصفاته أعظمهم شهودا لها ونظرا فيها واعتبارا بها فكيف يكون لب التوحيد وقلبه وسره: إسقاطها من الشهود. فإن قلت: إنما يريد إسقاطها من التفات القلب إليها والوقوف معها. قلت: هذا قد تقدم في أول الدرجة في قوله: quot; وهو إسقاط الأسباب الظاهرة quot; وقد عرفت ما فيه. وبالجملة: فالإسقاط إما لعين الوجود أو لعين الشهود أو لعين المقصود فالأول: محال والثاني: نقص والثالث: حق لكنه ليس مراد الشيخ فتأمله. وقوله: quot; وفني من لم يكن وبقي من لم يزل quot; إن أراد به فناء الوجود الخارجي فهذا مكابرة وإن أراد به أنه فني من الشهود فهذا نقص في الإيمان والتوحيد - كما تقرر - وإن أراد به أن يفنى في القصد والإرادة والمحبة فهذا هو الحق وهو الفناء عن إرادة السوى وقصده ومحبته. قوله: هذا توحيد الخاصة الذي يصح بعلم الفناء ويصفو في علم الجمع ويجذب إلى توحيد أرباب الجمع يعني: توحيد المتوسطين الذين ارتفعوا عن العامة ولم يصلوا إلى منزلة خاصة الخاصة. قوله quot; يصح بعلم الفناء quot; ولم يقل: بحقيقة الفناء لأن درجة العلم في هذا السلوك قبل درجة الحال والمعرفة وهذه درجة متوسط لم يبلغ الغاية وحال الفناء لصاحب الدرجة الثالثة. وكذلك قوله quot; ويصفو في علم الجمع quot; فإن علم الجمع قبل حال الجمع كما تقدم في بابه. قوله quot; ويجذب إلى توحيد أرباب الجمع quot; يريد: أن هذا المقام يجذب أهله إلى توحيد الفريق الثاني الذين هم فوقهم وهم أصحاب الجمع وقد تقدم ذكر الجمع(3\/468)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1444",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14441",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولم يحصل به الشفاء. ونحن الآن ذاكرون حقيقته وأقسامه والصحيح منه والمعلول والله المستعان. الجمع في اللغة الضم والاجتماع الانضمام والتفريق: ضده وأما في اصطلاح القوم: فهو شخوص البصيرة إلى من صدرت عنه المتفرقات كلها وهو ثلاثة أنواع: جمع وجود وهو جمع الزنادقة من أهل الاتحاد وجمع شهود وجمع قصود فإذا تحررت هذه الأقسام تحرر الجمع الصحيح من الفاسد. وكذلك ينقسم الفرق إلى صحيح وفاسد أعني إلى مطلوب في السلوك وقاطع عن السلوك فالفرق ثلاثة أنواع فرق طبيعي حيواني وفرق إسلامي وفرق إيماني هذه ستة أقسام للجمع وللفرق. فنذكر أنواع الفرق أولا إذ بها تعرف أنواع الجمع. فأما الفرق الطبيعي والحيواني: فهو التفريق بمجرد الطبع والميل فيفرق بين ما يفعله وما لا يفعله بطبعه وهواه وهذا فرق الحيوانات وأشباهها من بني آدم فالمعيار ميل طبعه ونفرة طبعه والمشركون والكفار وأهل الظلم والعدوان واقفون مع هذا الفرق. وأما الفرق الإسلامي: فهو الفرق بين ما شرعه الله وأمر به وأحبه ورضيه وبين ما نهى عنه وكرهه ومقت فاعله وهذا الفرق من لم يكن من أهله لم يشم رائحة الإسلام البتة وقد حكى الله سبحانه عن أهل الفرق الطبيعي: أنهم أنكروا هذا الفرق فشهدوا الجمع بين المأمور والمحظور إذ قالوا إنما البيع مثل الربا [البقرة: 275] لا فرق بينهما وقالوا: الميتة مثل المذكاة لا فرق بينهما وقالوا: الحلال والحرام شيء واحد فهذا جمعهم وذاك فرقهم فهذا فرق يتعلق بالأعمال.  [فصل الفرق الإيماني الذي يتعلق بمسائل القضاء والقدر] فصل وأما الفرق الإيماني الذي يتعلق بمسائل القضاء والقدر: فهو التمييز الإيماني بين فعل الحق سبحانه وأفعال العباد فيؤمن بأن الله وحده خالق كل شيء وليس في الكون إلا ما هو واقع بمشيئته وقدرته وخلقه ومع ذلك يؤمن بأن العبد فاعل لأفعاله حقيقة وهي صادرة عن قدرته ومشيئته قائمة به وهو فاعل لها على الحقيقة فيشهد(3\/469)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1445",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14442",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تفرد الرب سبحانه بالخلق والتقدير ووقوع أفعال العباد منهم بقدرتهم ومشيئتهم والله الخالق لذلك كله. وهنا انقسم أصحاب هذا الفرق ثلاثة أقسام: قسم غابوا بأفعالهم وحركاتهم عن فعل الرب تعالى وقضائه مع إيمانهم به وقسم غابوا بفعل الرب وتفرده بالحكم والمشيئة عن أفعالهم وحركاتهم وقسم أعطوا المراتب حقها فآمنوا بفعل الرب وقدرته ومشيئته وتفرده بالحكم والقضاء وشهدوا وقوع الأفعال من فاعليها واستحقاقهم عليها المدح والذم والثواب والعقاب. فالفريق الأول: يغلب عليهم الفرق الطبيعي ولم يصعدوا إلى مشاهدة الحكم. والفريق الثاني: يغلب عليهم حال الجمع وهو شهود قدر الرب تعالى ومشيئته وتدبيره لخلقه فتجتمع قلوبهم على شهود أفعاله بعد أن كانت متفرقة في رؤية أفعال الخلق وتغيب بفعله عن أفعالهم وربما غلب عليها شهود ذلك حتى أسقطت عنهم المدح والذم بالكلية فكلاهما منحرف في شهوده. والفريق الثالث: يشهد الحكم والتدبير العام لكل موجود ويشهد أفعال العباد ووقوعها بإرادتهم ودواعيهم فيكون صاحب جمع وفرق فيجمع الأشياء في الحكم الكوني القدري ويفرق بينها بالحكم الكوني أيضا كما فرق الله بينها بالحكم الديني الشرعي فإن الله سبحانه فرق بينها خلقا وأمرا وقدرا وشرعا وكونا ودينا. فالشهود الصحيح المطابق أن يشهدها كذلك فيكون صاحب جمع في فرق وفرق في جمع جمع بينها في الخلق والتكوين وشمول المشيئة لها وفرق بينها بالأمر والنهي والحب والبغض فشهدها وهي منقسمة إلى مأمور ومحظور ومحبوب ومكروه كما فرق خالقها بينها ويشهد الفرق بينها أيضا قدرا فإنه كما فرق بينها أمره فرق بينها قدره فقدر المحبوب محبوبا والمسخوط مسخوطا والخير على ما هو عليه والشر على ما هو عليه فافترقت في قدره كما افترقت في شرعه فجمعتها مشيئته وقدره وفرقت بينها مشيئته وقدره فشاء سبحانه كلا منها أن يكون على ما هو عليه ذاتا وقدرا وصفة وأن يكون محبوبا أو مسخوطا وأشهدها أهل البصائر من خلقه كما هي عليه. فهؤلاء أصح الناس شهودا بخلاف من شهد المخلوق قديما والوجود المخلوق هو عين وجود الخالق والمأمور والمحظور سواء والمقدور كله محبوبا مرضيا له أو أن بعض الحادثات خارج عن مشيئته وخلقه وتكوينه أو أن أفعال عباده(3\/470)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1446",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14443",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خارجة عن إرادتهم ومشيئتهم وقدرتهم وليسوا هم الفاعلين لها فإن هذا الشهود كله عمى وأصحابه قد جمعوا بين ما فرق الله بينه وفرقوا بين ما جمع الله بينه ولم يهتدوا إلى الشهود الصحيح الذي يميز به صاحبه بين وجود الخالق ووجود المخلوق وبين المأمور والمحظور وبين فعل الرب وفعل العبد وبين ما يحبه ويبغضه. وصاحب هذا الشهود: لا يغيب بأفعال العباد عن فعل الرب وقضائه وقدره ولا يغيب بقضائه وقدره عن أمره ونهيه ومحبته لبعضها وكراهته لبعضها ولا يغيب بوجود الخالق عن وجود المخلوق ولا برؤية الخلق عن ملاحظة الخالق بل يضع الأمور مواضعها فيشهد القدر العام السابق الذي لا خروج لمخلوق عنه كما لا خروج له عن أن يكون مربوبا فقيرا بذاته ويذم العباد ويمدحهم بما حركهم به القدر من المعاصي والطاعات بخلاف صاحب الجمع بلا فرق فإنه ربما عذر أصحاب الشرك والمعاصي لاستيلاء شهود الجمع على قلبه ويقول: العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسر الله في القدر فشهوده من الخلق موافقتهم لما شاء الله منهم. فالشاهد المبصر المتمكن يشهد القيومية والقدر السابق الشامل المحيط ويشهد اكتساب العباد وما جرى به عليهم القدر من الطاعات والمعاصي ويشهد حكمة الرب تعالى وأمره ونهيه وحبه وكراهيته.  [فصل الجمع الصحيح هو جمع توحيد الربوبية وجمع توحيد الإلهية] فصل إذا عرفت هذه المقدمات: فالجمع الصحيح - الذي عليه أهل الاستقامة - هو جمع توحيد الربوبية وجمع توحيد الإلهية فيشهد صاحبه قيومية الرب تعالى فوق عرشه يدبر أمر عباده وحده فلا خالق ولا رازق ولا معطي ولا مانع ولا مميت ولا محيي ولا مدبر لأمر المملكة - ظاهرا وباطنا - غيره فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن لا تتحرك ذرة إلا بإذنه ولا يجري حادث إلا بمشيئته ولا تسقط ورقة إلا بعلمه ولا يغرب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا أحصاها علمه وأحاطت بها قدرته ونفذت بها مشيئته واقتضتها حكمته فهذا جمع توحيد الربوبية. وأما جمع توحيد الإلهية فهو: أن يجمع قلبه وهمه وعزمه على الله وإرادته وحركاته على أداء حقه تعالى والقيام بعبوديته سبحانه فتجتمع شئون إرادته على مراده الديني الشرعي. وهذان الجمعان: هما حقيقة إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] فإن العبد يشهد من(3\/471)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1447",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14444",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله quot; إياك quot; الذات الجامعة لجميع صفات الكمال التي لها كل الأسماء الحسنى ثم يشهد من قوله quot; نعبد quot; جميع أنواع العبادة ظاهرا وباطنا قصدا وقولا وعملا وحالا واستقبالا ثم يشهد من قوله quot; وإياك نستعين [الفاتحة: 5] quot; جميع أنواع الاستعانة والتوكل والتفويض فيشهد منه جمع الربوبية ويشهد من quot; إياك نعبد [الفاتحة: 5] quot; جمع الإلهية ويشهد من quot; إياك quot; الذات الجامعة لكل الأسماء الحسنى والصفات العلى. ثم يشهد من quot; اهدنا quot; عشر مراتب إذا اجتمعت حصلت له الهداية. المرتبة الأولى: هداية العلم والبيان فيجعله عالما بالحق مدركا له. الثانية: أن يقدره عليه وإلا فهو غير قادر بنفسه. الثالثة: أن يجعله مريدا له. الرابعة: أن يجعله فاعلا له. الخامسة: أن يثبته على ذلك ويستمر به عليه. السادسة: أن يصرف عنه الموانع والعوارض المضادة له. السابعة: أن يهديه في الطريق نفسها هداية خاصة أخص من الأولى فإن الأولى هداية إلى الطريق إجمالا وهذه هداية فيها وفي منازلها تفصيلا. الثامنة: أن يشهده المقصود في الطريق وينبهه عليه فيكون مطالعا له في سيره ملتفتا إليه غير محتجب بالوسيلة عنه. التاسعة: أن يشهده فقره وضرورته إلى هذه الهداية فوق كل ضرورة. العاشرة: أن يشهده الطريقين المنحرفين عن طريقها وهما طريق أهل الغضب الذين عدلوا عن اتباع الحق قصدا وعنادا وطريق أهل الضلال الذين عدلوا عنها جهلا وضلالا ثم يشهد جمع الصراط المستقيم في طريق واحد عليه جميع أنبياء الله ورسله وأتباعهم من الصديقين والشهداء والصالحين. فهذا هو الجمع الذي عليه رسل الله وأتباعهم فمن حصل له هذا الجمع فقد الصراط المستقيم والله أعلم.  [فصل التوحيد الذي اختصه الحق لنفسه واستحقه لقدره] فصل قال الشيخ: وأما التوحيد الثالث: فهو توحيد اختصه الحق لنفسه واستحقه لقدره وألاح منه لائحا إلى أسرار طائفة من أهل صفوته وأخرسهم عن نعته وأعجزهم عن بثه.(3\/472)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1448",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14445",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيقال: إما أن يريد بهذا التوحيد: توحيد العبد لربه وهو ما قام بالعبد من التوحيد لا يريد به توحيد الرب لنفسه وهو ما قام به من صفاته وكماله فإذا أراد به توحيد الرب لنفسه بنفسه وهو علمه وكلامه وخبره الذي يخبر به عن نفسه وصفاته كقوله شهد الله أنه لا إله إلا هو [آل عمران: 18] وقوله إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني [طه: 14] وقوله هو الله الذي لا إله إلا هو [الحشر: 22] ونحو ذلك فذلك هو صفة الرب القائمة به كما يقوم به سائر صفاته: من حياته وعلمه وقدرته وإرادته وسمعه وبصره وذلك لا يفارق ذات الرب ولا ينتقل إلى غيره بل صفات المخلوق لا تفارقه ولا تنتقل إلى غيره فكيف صفات الخالق جل وعلا ولكنه - سبحانه وتعالى - يدل على ذلك بآياته القولية والفعلية فيعلم عباده ما قام به من التوحيد لنفسه بما دلهم عليه من قوله وفعله فإذا شهد عبده له بما شهد به لنفسه قيل: هذه الشهادة هي شهادة الرب بمعنى: أنها مطابقة لها موافقة لها لا بمعنى أنها عينها وأن الشهادتين واحدة بالعين فما قام بقلب العبد إلا صفته وكلامه وخبره وإرادته وهو غير ما قام بذات الرب من صفته وكلامه وخبره وإن طابقه ووافقه وعلى هذا فقوله quot; اختصه الحق لنفسه quot; أي لا يوحده به غيره quot; واستحقه لقدره quot; أي استحقه بقدر كنهه الذي لا يبلغه غيره. قوله: quot; وألاح منه لائحا إلى أسرار طائفة من صفوته quot; أي أظهر منه شيئا يسيرا أسره إلى طائفة قليلة من الخلق وهم أهل صفوته. قوله quot; أخرسهم عن نعته quot; يحتمل أن يريد به: أنه لا يقبل نعت المخلوقين كما لا يقبل لسان الأخرس الكلام وعلى هذا فيكون نعته غير ممكن ويحتمل أن يريد به: أنه حال بينهم وبين نعته لعجز السامع عن فهمه فيكون نعته ممكنا لكن الحق أسكتهم عنه غيرة عليه وصيانة له. قوله: quot; وأعجزهم عن بثه quot; أي لم يقدرهم على الإخبار عنه. فيقال: أفضل صفوة الرب تعالى: الأنبياء وأفضلهم: الرسل وأفضلهم: أولو العزم وأفضلهم: الخليلان عليهما الصلاة والسلام وعلى سائر الأنبياء والمرسلين والذي ألاحه الله إلى أسرارهم من ذلك هو أكمل توحيد عرفه العباد ولا أكمل منه(3\/473)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1449",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14446",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وليس وراءه إلا الشطح والدعاوى والوساوس وهم - صلوات الله وسلامه عليهم - قد تكلموا بالتوحيد ونعتوه وبينوه وأوضحوه وقرروه بحيث صار في حيز التجلي والظهور والبيان فعقلته القلوب وحصلته الأفئدة ونطقت به الألسنة وأوضحته الشواهد وقامت عليه البراهين ونادت عليه الدلائل ولا يمكن أحدا أن ينقل عن نبي من الأنبياء ولا وارث نبي داع إلى ما دعا إليه أنه يعلم توحيدا لا يمكنه النطق به وأن الله سبحانه أخرسه عن نطقه وأعجزه عن بثه بل كل ما علمه القلب أمكن اللسان التعبير عنه وإن اختلفت العبارة ظهورا وخفاء وبين ذلك وقد لا يفهمه إلا بعض الناس فالناس لم تتفق أفهامهم لما جاءت به الرسل. وكيف يقال: إن أعرف الخلق وأفصحهم وأنصحهم عاجز أن يبين ما عرفه الله من توحيده وأنه عاجز عن بثه فما هذا التوحيد الذي عجزت الأنبياء والرسل عن بثه ومنعوا من النطق به وعرفه غيرهم هذا كله إن أريد به كلهم التوحيد القائم بذات الحق تعالى لنفسه. فأما إن أريد به التوحيد الذي هو صفة العبد وفعله فلم يطابق قوله quot; اختصه الرب لنفسه واستحقه لقدره quot; ولا يطابق القوافي الثلاثة التي أجاب بها الشيخ عنه وأن توحيده نفسه: هو التوحيد لا غيره. وأيضا فصفة العبد وفعله لا يعجز عن بثها ولا يخرس عن النطق بها وكل ما قام بالعبد فإنه يمكنه التعبير عنه وكشفه وبيانه. فإن قيل: المراد بذلك: أن الرب تعالى هو الموحد لنفسه في قلوب صفوته لا أنهم هم الموحدون له ولهذا قال الشيخ: والذي يشار إليه على ألسن المشيرين: أنه إسقاط الحدث وإثبات القدم وعليه أنشد هذه القوافي الثلاثة وهي: ما وحد الواحد من واحد ... إذ كل من وحده جاحد توحيد من ينطق عن نعته ... عارية أبطلها الواحد توحيده إياه توحيده ... ونعت من ينعته لاحد قوله: quot; ما وحد الواحد من واحد quot; يعني: ما وحد الله عز وجل أحد سواه وكل(3\/474)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1450",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14447",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من وحد الله فهو جاحد لحقيقة توحيده فإن توحيده يتضمن شهود ذات الواحد وانفراده وتلك اثنينية ظاهرة بخلاف توحيده لنفسه فإنه يكون هو الموحد والموحد والتوحيد صفته وكلامه القائم به فما ثم غير فلا اثنينية ولا تعدد. وأيضا فمن وحده من الخلق فلابد أن يصفه بصفة وذلك يتضمن جحد حقه الذي هو عدم انحصاره تحت الأوصاف فمن وصفه فقد جحد إطلاقه عن قيود الصفات. وقوله: quot; توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد quot;. يعني توحيد الناطقين عنه quot; عارية أبطلها الواحد quot; يعني: عارية مردودة كما تسترد العواري إشارة إلى أن توحيدهم عارية لا ملك لهم بل الحق أعارهم إياه كما يعير المعير متاعه لغيره ينتفع به ويكون ملكا للمعير لا للمستعير. وقوله quot; أبطلها الواحد quot; أي الواحد المطلق من كل الوجوه وحدته تبطل هذه العارية وتردها إلى مالكها الحق فإن الوحدة المطلقة من جميع الوجوه تنافي ملك الغير لشيء من الأشياء بل المالك لتلك العارية هو الواحد فقط فلذلك أبطلت الوحدة هذه العارية. وقوله: quot; توحيده إياه توحيده quot; أي توحيده الحقيقي: هو توحيده لنفسه بنفسه من غير أثر للسوى بوجه بل لا سوى هناك. وقوله: quot; ونعت من ينعته لاحد quot; أي نعت الناعت له إلحاد وهو عدول عما يستحقه من كمال التوحيد فإنه أسند إلى نزاهة الحق ما لا يليق به إسناده فإن عين الأولية تأبى نطق الحدث ومحض التوحيد يأبى أن يكون للسوى أثر البتة. فيقال - وبالله التوفيق -: في هذا الكلام من الإجمال والحق والإلحاد ما لا يخفى. فأما قوله: quot; إن الرب تعالى هو الموحد لنفسه في قلوب صفوته لا أنهم هم الموحدون له إن أريد به ظاهره وأن الموحد لله هو الله لا غيره وأن الله سبحانه حل في صفوته حتى وحد نفسه فيكون هو الموحد لنفسه في قلوب أوليائه لاتحاده بهم وحلوله فيهم: فهذا قول النصارى بعينه بل هو شر منه لأنهم خصوه بالمسيح وهؤلاء عموا به كل موحد بل عند الاتحادية: الموحد والموحد واحد وما ثم تعدد في الحقيقة.(3\/475)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1451",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14448",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن أريد به: هو الذي وفقهم لتوحيده وألهمهم إياه وجعلهم يوحدونه فهو الموحد لنفسه بما عرفهم به من توحيده وبما ألقاه في قلوبهم وأجراه على ألسنتهم: فهذا المعنى صحيح ولكن لا يصح نفي أفعالهم عنهم فلا يقال: إن الله هو الموحد لنفسه لا أن عبده يوحده هذا باطل شرعا وعقلا وحسا: بل الحق أن الله سبحانه وحد نفسه بتوحيد قام به ووحده عبيده بتوحيد قام بهم بإذنه ومشيئته وتوفيقه فهو الموحد لنفسه بنفسه وهم الموحدون له بتوفيقه ومعونته وإذنه فالذي قام بهم ليس هو الذي قام بالرب تعالى ولا وصفه بل العلم به ومحبته وتوحيده ويسمى ذلك الشاهد والمثل الأعلى فهي الشواهد والأمثلة العلية التي قال الله تعالى فيها وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم [الروم: 27] وقال تعالى للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى [النحل: 60] وكثيرا ما يقول الرجل لغيره: أنت في قلبي وفي فؤادي والمراد: هذا لا ذاته ونفسه. وقوله quot; والذي يشار إليه على ألسنة المشيرين: أنه إسقاط الحدث وإثبات القدم quot; فإن أريد: إسقاطه من الوجود فمكابرة للعيان وإن أريد: إسقاطه من الشهود فليس ذلك بمأمور به ولا هو كمال فضلا عن أن يكون هو توحيد خاصة الخاصة فما هذا الإسقاط للحدث الذي هو نهاية التوحيد وأعلى مقاماته وهل الكمال إلا أن يشهد الأشياء على ما هي عليه كما هي في شهادة الحق سبحانه فإسقاط الحدث كلام لا حاصل له إذ لا كمال فيه بل إنما ينفع إسقاط الحدث عند درجة القصد والتأله فإسقاط الحدث - كما تقدم - ثلاث مراتب: إسقاطه عن الوجود وهو مكابرة وإسقاطه عن الشهود وهو نقص وإسقاطه عن القصود وهو كمال ولهذا قال الملحد: إسقاط الحدث وإثبات القدم الصحيح ونظر الوارد على هذه الحضرة لضعفه فإذا تمكن عرف أن الحدث لم يزل ساقطا فلا معنى لقوله quot; إسقاط الحدث quot; ولا معنى لقوله quot; إثبات القدم quot; فإن القديم لم يزل ثابتا فهذا الكلام لا يرضى به الموحد ولا الملحد ولا أشار إليه القرآن الذي تضمن أعلى مراتب التوحيد بل القرآن - من أوله إلى آخره - يدل على خلافه. قال الملحد: وأيضا فالتوحيد يستغرق القول في الطمس فإن كان هناك نطق فليس هناك شهود كما قال في المواقف: أنا أقرب إلى اللسان من نطقه إذا نطق(3\/476)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1452",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14449",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فمن شهدني لم يذكر ومن ذكرني لم يشهد. قال: فقوله quot; من ذكرني لم يشهد quot; هو نفس قول صاحب المنازل: على أن هذا الرمز في ذلك التوحيد علة لا يصح ذلك التوحيد إلا بإسقاطها. وحقيقة ذلك: أنه لا يصح التوحيد إلا بإسقاط التوحيد لأن ذلك الرمز والإشارة والخبر هو عن نفس التوحيد فهو توحيد نطقي خبري مطابق للتوحيد المعلوم المخبر عنه فإذا لم يصح التوحيد إلا بإسقاط ذلك كانت حقيقة الأمر أنه لا يصح التوحيد إلا بإسقاط التوحيد. ثم قال: هذا قطب الإشارة إليه على ألسن علماء هذا الطريق وإن زخرفوا له نعوتا وفصلوه فصولا يعني: أن قولهم التوحيد هو إسقاط الحدث وإثبات القدم هو قطب مدارات الإشارات إلى التوحيد عند هذه الطائفة ومع هذا فلا يصح التوحيد إلا بإسقاط ما قالوه ولذلك قال: فإن ذلك التوحيد تزيده العبارة خفاء والصفة نفورا والبسط صعوبة. فإنه إذا لم يصح إلا بإسقاط الإشارة والصفة والبسط: كانت العبارة عنه لا تزيده إلا خفاء ولا الصفة إلا نفارا أي هروبا وذهابا والبسط والإيضاح لا يزيده إلا صعوبة لكثرة الإشارات والعبارات. قوله: quot; وإلى هذا التوحيد: شخص أهل الرياضة وأرباب الأحوال - أي تطلعت قلوبهم - وإليه قصد أهل التعظيم وإياه عنى المتكلمون في عين الجمع وعليه تصطلم الإشارات ثم لم ينطق عنه لسان ولم تشر إليه عبارة. فيقال: يالله العجب! ما هذا السر الذي ما تكلم الله به ولا أشار إليه رسوله ولا نالته إشارة ولا قامت به عبارة ولا أشار إليه مكون ولا تعاطاه حين ولا أقله سبب  ! فهذه العقول حاضرة وهذه المعارف وهذا كلام الله ورسوله بل سائر كتب الله وكلام سادات العارفين من الأمة فما هذا الحق المحال به وعلى من وقعت هذه الحوالة فإنكم أحلتم بما لا ينطق عنه لسان ولم تشر إليه عبارة ولا(3\/477)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1453",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14450",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعاطاه حين ولا أقله سبب فعلى من أحلتم بهذا الحق المجهول الذي لا سبيل إلى العلم به ولا التعبير عنه ولا الإشارة إليه ! ! وأين قوله: quot; ما وحد الواحد من واحد quot; من قوله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط [آل عمران: 18]  فأخبر سبحانه أن الملائكة كلهم يوحدونه وأن أولي العلم يوحدونه وكذلك إخباره عن أنبيائه ورسله وأتباعهم أنهم وحدوه ولم يشركوا به شيئا كما أخبر عن نوح ومن آمن معه وعن جميع الرسل ومن تبعهم بل أخبر سبحانه عن السماوات السبع والأرض وما فيهن أنها تسبح بحمده توحيدا ومعرفة. فهل يصح أن يقال: ما وحده أحد من الرسل والأنبياء والمؤمنين ولا سبح بحمده سماء ولا أرض ولا شيء وأبطل الباطل أن يقال: كل من وحد الله من الأولين والآخرين جاحد له ولتوحيده لا موحد له على الحقيقة وأن نعت جميع الرسل والأنبياء وأتباعهم له إلحاد وكل من نعته من الأولين والآخرين فهو لاحد فلا معنى صحيح ولا لفظ مليح بل المعنى أبطل من اللفظ واللفظ أقبح من المعنى! ثم يقال: فهذا الذي ذكرته - في هذه الدرجة - هل هو توحيد ووصف للتوحيد أم ليس بتوحيد فإن لم يكن توحيدا فهو باطل وإن كان توحيدا فقد وحدت الواحد. وأيضا فإذا كان توحيده لنفسه هو التوحيد وما عداه فليس بتوحيد فمعلوم أن توحيده لنفسه هو الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه وأخبر به عن نفسه في القرآن من أوله إلى آخره وهذا عندك هو توحيد العامة فأين هذا التوحيد الذي وحد به نفسه ولم ينطق به لسان ولم تعبر عنه عبارة ولم يقله سبب فإن قلت: هو التوحيد القائم به فذلك هو وصفه وكلامه وعلمه بنفسه وليس ذلك من فعل العبد ولا صفته حتى يكون هو الدرجة الثالثة من توحيد العبد لربه كما أن سائر صفاته لا تدخل في درجات السلوك فإن تلك الدرجات هي منازل العبودية. وأيضا فإن هذا الكلام الذي اشتملت عليه هذه الأبيات لا يستقيم على مذهب الملحدين ولا على مذهب الموحدين. أما الموحدون فهم يقولون: إن الرسل والأنبياء والملائكة والمؤمنين يوحدون الله حق توحيده الذي يقدرون عليه وأما الملحدون فيقولون: ما ثم غير في(3\/478)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1454",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14451",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحقيقة فالله عندهم هو الوجود المطلق الساري في الموجودات فهو الموحد والموحد وكل ما يقال فيه فهو عندهم حق وتوحيد كما قال عارف القوم ابن عربي: سر حيث شئت فإن الله ثم وقل ... ما شئت فيه فإن الواسع الله وقال أيضا: عقد الخلائق في الإله عقائدا ... وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه ومذهب القوم أن عباد الأوثان وعباد الصلبان وعباد النيران وعباد الكواكب كلهم موحدون فإنه ما عبد غير الله في كل معبود عندهم ومن خر للأحجار في البيد ومن عبد النار والصليب فهو موحد عابد لله والشرك عندهم إثبات وجود قديم وحادث وخالق ومخلوق ورب وعبد ولهذا قال بعض عارفيهم وقد قيل له: القرآن كله يبطل قولكم فقال: القرآن كله شرك والتوحيد هو ما نقوله. وإن كانت هذه القوافي الثلاثة أولا مذهب هؤلاء ونحلتهم ولهذا تلقاها بالقبول عارفوهم وبالغوا في استحسانها وقالوا: هي ترجمة مذهب أهل التحقيق وكل من(3\/479)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1455",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14452",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحد الله فهو جاحد لإطلاقه فإنه يصفه فيحصره تحت الأوصاف وحصره تحتها جحد لإطلاقه عن قيود الصفات والنعوت ولهذا كان توحيد الواصف الناعت له: عارية استعارها حتى قام لها من ذلك وصف وموصوف وموحد وموحد والوحدة المطلقة تبطل هذه العارية وترد المستعار إلى الموجود المطلق الذي لا يتقيد بوصف ولا يتخصص بنعت. ثم كشف الغطاء عن ذلك فقال: توحيده إياه توحيده أي هو الموحد لنفسه بنفسه لا أن غيره يوحده إذ ليس ثم غير. وزاد إيضاح ذلك بقوله: quot; ونعت من ينعته لاحد quot; والإلحاد: هو الميل عن الصواب والنعت تقييد وتخصيص لمن لا يتقيد ولا يتخصص فهو إلحاد. وأحسن ما يحمل عليه كلامه: أن الفناء في شهوده الأزلية والحكم يمحو شهود العبد لنفسه وصفاته فضلا عن شهود غيره فلا يشهد موجدا فاعلا على الحقيقة إلا الله وحده وفي هذا الشهود تفنى الرسوم كلها فلا يبقى هذا الشهود والفناء رسما البتة فيمحو هذا الشهود من القلب كل ما سوى الحق لا أنه يمحقه من الوجود وحينئذ فيشهد أن التوحيد الحقيقي - غير المستعار - هو توحيد الرب تعالى لنفسه وتوحيد غيره له عارية محضة أعاره إياها مالك الأمر كله والعواري مردودة إلى من ترد إليه الأمور كلها وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون [يونس: 30] فالواحد القهار - سبحانه - أبطل تلك العارية: أن تكون ملكا للمعار كما يبين المعير للمستعير إذا استرد العين المعارة - وقد ظن المستعير أن المعار ملكه -: أن الأمر ليس كذلك وأنه عارية محضة في يده والمعير - إن أبطل ظن المستعير من العارية - لم يبطل أصل العارية ولهذا صرح بإثباتها في أول البيت وإنما ضاق به الوزن عن تمام المعنى وإيضاحه وهذا المعنى حق وهو أولى بهذا الإمام العظيم القدر مما يظنه به طائفة الاتحادية والحلولية وإن كانت كلماته المجملة شبهة لهم فسنته المفصلة مبطلة لظنهم. ولكلامه محمل آخر أيضا وهو: أنه ما وحد الله حق توحيده الذي ينبغي له ويستحقه لذاته سواه كما قال أعظم الناس توحيدا - صلى الله عليه وسلم - لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وفي مثل هذا يصلح النفي العام كما يقال: ما عرف الله إلا(3\/480)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1456",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14453",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله ولا أثنى عليه سواه والكلمة الواحدة يقولها اثنان يريد بها أحدهما أعظم الباطل ويريد بها الآخر محض الحق والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه وما يدعو إليه ويناظر عليه. وقد كان شيخ الإسلام - قدس الله روحه - راسخا في إثبات الصفات ونفي التعطيل ومعاداة أهله وله في ذلك كتب مثل: كتاب ذم الكلام وغير ذلك مما يخالف طريقة المعطلة والحلولية والاتحادية ثم صرح بهذا المعنى الذي ذكرناه بقوله quot; توحيده إياه توحيده quot; أي توحيده لنفسه: هو التوحيد الكامل التام الذي لا سبيل للعبارة والإشارة إليه وفوق ما تعرفه العقول وتصفه الألسن وهذا حق لكن جفت عبارته بعد بقوله: quot; ونعت من ينعته لاحد quot; ومحملها كما عرفت: أن نعت الخلق له دون ما هو عليه سبحانه وما هو عليه من الأوصاف والنعوت أجل وأعظم من أن يحيط به العلم المخلوق أو تنطق به الألسنة والإلحاد الميل وهو لم يرد أن نعت الناعتين له إلحاد وكفر فإنه هو قد نعته في هذا الكتاب وفي كتبه ولم يكن ملحدا بذلك فنعت المخلوق له مائل عن نعته لنفسه. على أنه لو أراد الإلحاد الذي هو باطل وضلال لكان له وجه صحيح وهو أن نعت المخلوقين له من عند أنفسهم إلحاد والتوحيد الحق هو ما نعت الله به نفسه على ألسنة رسله فهم لم ينعتوه من تلقاء أنفسهم وإنما نعتوه بما أذن لهم في نعته به وقد صرح سبحانه بهذا المعنى في قوله: سبحان الله عما يصفون - إلا عباد الله المخلصين [الصافات: 159 - 160] فنزه نفسه عما يصفه به العباد إلا المرسلين فإنهم لم يصفوه من عند أنفسهم وكذلك قوله تعالى: سبحان ربك رب العزة عما يصفون - وسلام على المرسلين - والحمد لله رب العالمين [الصافات: 180 - 182] . فنختم الكتاب بهذه الآية حامدين لله مثنين عليه بما هو أهله وبما أثنى به على نفسه. والحمد لله رب العالمين حمدا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله غير مكفي ولا مكفور ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا. ونسأله أن يوزعنا شكر نعمته وأن يوفقنا لأداء حقه وأن يعيننا على ذكره وشكره(3\/481)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1457",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14454",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحسن عبادته وأن يجعل ما قصدنا له في هذا الكتاب وفي غيره - خالصا لوجهه الكريم ونصيحة لعباده. فيا أيها القارئ له لك غنمه وعلى مؤلفه غرمه لك ثمرته وعليه تبعته فما وجدت فيه من صواب وحق فاقبله ولا تلتفت إلى قائله بل انظر إلى ما قال لا إلى من قال وقد ذم الله تعالى من يرد الحق إذا جاء به من يبغضه ويقبله إذا قاله من يحبه فهذا خلق الأمة الغضبية قال بعض الصحابة: اقبل الحق ممن قاله وإن كان بغيضا ورد الباطل على من قاله وإن كان حبيبا وما وجدت فيه من خطأ فإن قائله لم يأل جهد الإصابة ويأبى الله إلا أن يتفرد بالكمال كما قيل: والنقص في أصل الطبيعة كامن ... فبنو الطبيعة نقصهم لا يجحد وكيف يعصم من الخطأ من خلق ظلوما جهولا ولكن من عدت غلطاته أقرب إلى الصواب ممن عدت إصاباته. وعلى المتكلم في هذا الباب وغيره أن يكون مصدر كلامه عن العلم بالحق وغايته النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولإخوانه المسلمين وإن جعل الحق تبعا للهوى فسد القلب والعمل والحال والطريق قال الله تعالى: ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن [المؤمنون: 71] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به فالعلم والعدل أصل كل خير والظلم والجهل أصل كل شر والله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق وأمره أن يعدل بين الطوائف ولا يتبع هوى أحد منهم فقال تعالى: فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير [الشورى: 15](3\/482)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1458",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14455",
        "book_id": "qym_4113",
        "book_name": " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على خاتم المرسلين محمد وعلى آله أجمعين.(3\/483)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1459",
        "book_number": "32",
        "slug": " -qym_4113"
    },
    {
        "id": "14456",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي سهل لعباده المتقين الى مرضاته سبيلا واوضح لهم طرق الهداية وجعل اتباع الرسول عليها دليلا واتخذهم عبيدا له فأقروا له بالعبودية ولم يتخذوا من دونه وكيلا وكتب في قلوبهم الايمان وايدهم بروح منه لما رضوا بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد رسولا والحمد لله الذي أقام في أزمنة الفترات من يكون ببيان سنن المرسلين كفيلا واختص هذه الامة بأنه لا تزال فيها طائفة على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي امره ولو اجتمع الثقلان على حربهم قبيلا يدعون من ضل الى الهدى ويصبرون منهم على الاذى ويبصرون بنور الله أهل العمى ويحيون بكتابه الموتى فهم احسن الناس هديا وأقومهم قيلا فكم من قتيل لابليس قد احيوه ومن ضال جاهل لا يعلم طريق رشده قد هدوه ومن مبتدع في دين الله بشهب الحق قد رموه جهادا في الله وابتغاء مرضاته وبيانا 4 لحججه على العالمين وبيناته وطلبا للزلفى لديه ونيل رضوانه وجناته فحاربوا في الله من خرج عن دينه القويم وصراطه المستقيم الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلعوا اعنة الفتنة وخالفوا الكتاب واختلفوا في الكتاب واتفقوا على مفارقة الكتاب ونبذوه وراء ظهورهم وارتضوا غيره منه بديلا احمده وهو المحمود على كل ما قدره وقضاه واستعينه استعانة من يعلم انه لا رب له غيره ولا إله له سواه واستهديه سبل الذين انعم عليهم ممن اختاره لقبول الحق وارتضاه واشكره والشكر كفيل بالمزيد من عطاياه واستغفره من الذنوب التي تحول بين القلب وهداه وأعوذ بالله من شر نفسي وسيئات عملي استعاذة عبد فار الى ربه بذنوبه وخطاياه واعتصم به من الاهواء المردية والبدع المضلة فما خاب من اصبح به معتصما وبحماه نزيلا واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له شهادة اشهد بها مع الشاهدين واتحملها عن الجاحدين وأدخرها عند الله عدة ليوم الدين واشهد ان الحلال ما حلله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه وان الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور واشهد ان محمدا عبده المصطفى ونبيه المرتضى ورسوله الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ارسله رحمة للعالمين وحجة للسالكين وحجة على العباد اجمعين ارسله على حين فترة من الرسل فهدى به الى أقوم الطرق واوضح السبل وافترض على العباد طاعته وتعظيمه وتوفيره وتبجيله والقيام بحقوقة وسد اليه جميع الطرق(1\/2)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14457",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلم يفتح لاحد الا من طريقه فشرح له صدره ورفع له ذكره وعلم به من الجهالة وبصر به من العمى وارشد به من الغي وفتح به اعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا فلم يزل قائما بأمر الله لا يرده عنه راد داعيا الى الله لا يصده عنه صاد الى ان اشرقت برسالته الارض بعد ظلماتها وتالفت القلوب بعد شتاتها وسارت دعوته سير الشمس في الاقطار وبلغ دينه ما بلغ الليل والنهار فلما أكمل الله به الدين وأتم به النعمة على عباده المؤمنين استأثر به ونقله الى الرفيق الاعلى من كرامته والمحل الارفع الاسنى من أعلى جناته ففارق الامة وقد تركها على المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها الا من كان من الهالكين فصلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين صلاة دائمة بدوام السموات والارضين مقيمة عليهم أبدا لا تروم انتقالا عنهم ولا تحويلا أما بعد فإن الله سبحانه لما اهبط آدم أبا البشر من الجنة لما له في ذلك من الحكم التي تعجز العقول عن معرفتها والالسن عن صفتها فكان إهباطه منها عين كماله ليعود اليها على احسن احواله فأراد سبحانه ان يذيقه وولده من نصب الدنيا وغمومها وهمومها وأوصا بها ما يعظم به عندهم مقدار دخولهم اليها في الدار الاخرة فإن الضد يظهر حسنه الضد ولو تربوا في دار النعيم لم يعرفوا قدرها وأيضا فإنه سبحانه اراد أمرهم ونهيهم وابتلاءهم واختبارهم وليست الجنة دار تكليف فاهبطهم الى الارض وعرضهم بذلك لافضل الثواب الذي لم يكن لينال بدون الامر والنهي وايضا فإنه سبحانه أراد ان يتخذ منهم انبياء ورسلا وأولياء وشهداء يحبهم ويحبونه فخلى بينهم وبين اعدائه وامتحنهم بهم فلما آثروه وبذلوا نفوسهم واموالهم في مرضاته ومحابه نالوا من محبته روضوانه والقرب منه ما لم يكن لينال بدون ذلك اصلا فدرجة الرسالة والنبوة والشهادة والحب فيه والبغض فيه وموالاة اوليائه ومعاداة اعدائه عنده من افضل الدرجات ولم يكن ينال هذا الا على الوجه الذي قدره وقضاه من إهباطه إلى الارض وجعل معيشته ومعيشة اولاده فيها وايضا فإنه سبحانه له الاسماء الحسنى فمن اسمائه الغفور الرحيم العفو الحليم الخافض الرافع المعز المذل المحيي المميت الوارث الصبور ولا بد من ظهور آثار هذه الاسماء فاقتضت حكمته سبحانه ان ينزل آدم وذريته دارا يظهر عليهم فيها اثر اسمائه النى فيغفر فيها لمن يشاء ويرحم من يشاء ويخفض من يشاء ويرفع من يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء وينتقم ممن يشاء ويعطى ويمنع ويبسط الى غير ذلك من ظهور اثر اسمائه وصفاته وأيضا فإنه سبحانه الملك الحق المبين والملك هو الذي يأمر وينهى ويثيب ويعاقب ويهين ويكرم ويعز ويذل فاقتضى ملكه سبحانه ان انزل آدم وذريته دارا تجرى عليهم فيها احكام الملك ثم ينقلهم الى(1\/3)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14458",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دار يتم عليهم فيها ذلك وايضا فإنه سبحانه أنزلهم الى دار يكون إيمانهم فيها بالغيب والايمان بالغيب هو الايمان النافع وأما الايمان بالشهادة فكل احد يؤمن يوم القيامة يوم لا ينفع نفسا إلا ايمانها في الدنيا فلو خلقوا في دار النعيم لم ينالوا درجة الايمان بالغيب واللذة والكرامة الحاصلة بذلك لا تحصل بدونه بل كان الحاصل لهم في دار النعيم لذة وكرامة غير هذه وايضا فإن الله سبحانه خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الارض والارض فيها الطيب والخبيث والسهل والحزن والكريم واللئيم فعلم سبحانه ان في ظهره من لا يصلح لمساكنته في داره فأنزله الى دار استخرج فيها الطيب والخبيث من صلبه ثم ميزهم سبحانه بدارين فجعل الطيبين اهل جواره ومساكنته في داره وجعل الخبيث اهل دار الشقاء دار الخبثاء قال الله تعالى ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون فلما علم سبحانه ان في ذريته من ليس بأهل لمجاورته انزلهم دارا استخرج منها اولئك والحقهم بالدار التي هم لها اهل حكمة بالغة ومشيئة نافذة ذلك تقدير العزيز العليم وايضا فإنه سبحانه لما قال للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك اجابهم بقوله إني أعلم ما لا تعلمون ثم اظهر سبحانه علمه لعباده ولملائكته بما جعله في الارض من خواص خلقه ورسله وأنبيائه وأوليائه ومن يتقرب اليه ويبذل نفسه في محبته ومرضاته مع مجاهدة شهوته وهواه فيترك محبوباته تقربا الي ويترك شهواته ابتغاء مرضاتي ويبذل دمه ونفسه في محبتي وأخصه بعلم لا تعلمونه يسبح بحمدي آناء الليل وأطراف النهار ويعبدني مع معارضات الهوى والشهوة والنفس والعدو إذ تعبدوني انتم من غير معارض يعارضكم ولا شهوة تعتريكم ولا عدو أسلطه عليكم بل عبادتكم لي بمنزلة النفس لاحدهم وأيضا فإني اريد ان اظهر ما خفى عليكم من شأن عدوي ومحاربته لي وتكبره عن أمري وسعيه في خلاف مرضاتي وهذا وهذا كانا كامنين مستترين في ابي البشر وأبي الجن فأنزلهم دارا اظهر فيها ما كان الله سبحانه منفردا بعلمه لا يعلمه سواه وظهرت حكمته وتم امره وبدا للملائكة من علمه ما لم يكونوا يعلمون وايضا فإنه سبحانه لما كان يحب الصابرين ويحب المحسنين ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ويحب التوابين ويحب المتطهرين ويحب الشاكرين وكانت محبته اعلى انواع الكرامات اقتضت حكمته ان أسكن آدم وبنيه دارا يأتون فيها بهذه الصفات التي ينالون بها أعلى الكرامات من محبته فكان إنزالهم الى الارض من اعظم النعم عليهم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم وأيضا فإنه سبحانه أراد ان يتخذ من آدم ذرية يواليهم ويودهم ويحبهم ويحبونه فمحبتهم له هي غاية كمالهم ونهاية شرة(1\/4)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14459",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولم يمكن تحقيق هذه المرتبة السنية الا بموافقة رضاه وأتباع امره وترك إرادات النفس وشهواتها التي يكرهها محبوبهم فأنزلهم دارا امرهم فيها ونهاهم فقاموا بأمره ونهيه فنالوا درجة محبتهم له فأنالهم درجة حبه إياهم وهذا من تمام حكمته وكمال رحمته وهو البر الرحيم وايضا فإنه سبحانه لما خلق خلقه اطوارا وأصنافا وسبق في حكمه تفضيله آدم وبنيه على كثير من مخلوقاته جعل عبوديته افضل درجاتهم اعنى العبودية الاختيارية التي يأتون بها طوعا واختيارا لا كرها واضطرارا وقد ثبت ان الله سبحانه ارسل جبريل الى النبي يخيره بين ان يكون ملكا نبيا او عبدا نبيا فنظر الى جبريل كالمستشير له فاشار اليه ان تواضع فقال بل ان اكون عبدا نبيا فذكره سبحانه باسم عبوديته في أشرف مقاماته في مقام الاسراء ومقام الدعوة ومقام التحدي فقال في مقام الاسراء سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ولم يقل برسوله ولا نبيه إشارة الى انه قام هذا المقام الاعظم بكمال عبوديته لربه وقال في مقام الدعوة وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا وقال في مقام التحدي وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وفي الصحيحين في حديث الشفاعة وتراجع الانبياء فيها وقول المسيح اذهبوا الى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فدل ذلك على انه نال ذلك المقام الاعظم بكمال عبوديته لله وكمال مغفرة الله له وإذا كانت العبودية عند الله بهذه المنزلة اقتضت حكمته ان اسكن آدم وذريته دارا ينالون فيها هذه الدرجة بكمال طاعتهم لله وتقربهم اليه بمحابه وترك مألوفاتهم من اجله فكان ذلك من تمام نعمته عليهم وإحسانه اليهم وأيضا فإنه سبحانه أراد ان يعرف عباده الذين انعم عليهم تمام نعمته عليهم وقدرها ليكونوا اعظم محبة وأكثر شكرا واعظم التذاذا بما اعطاهم من النعيم فأراهم سبحانه فعله بأعدائه وما اعد لهم من العذاب وانواع الالام واشهدهم تخليصهم من ذلك وتخصيصهم بأعلى انواع النعيم ليزداد سرورهم وتكمل غبطتهم ويعظم فرحهم وتتم لذتهم وكان ذلك من إتمام الانعام عليهم ومحبتهم ولم يكن بد في ذلك من إنزالهم الى الارض وامتحانهم واختبارهم وتوفيق من شاء منهم رحمة منه وفضلا وخذلان من شاء منهم حكمة منه وعدلا وهو العليم الحكيم ولا ريب ان المؤمن إذا رأى عدوه ومحبوبه الذي هو أحب الاشياء اليه في أنواع العذاب والالام وهو يتقلب في انواع النعيم واللذة ازداد بذلك سرورا وعظمت لذته وكملت نعمته وأيضا فإنه سبحانه إنما خلق الخلق لعبادته وهي الغاية منهم قال تعالى وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون ومعلوم ان كمال العبودية المطلوب من الخلق لا يحصل في دار النعيم والبقاء إنما يحصل في دار المحنة والابتلاء وأما دار البقاء فدار لذة ونعيم لا دار ابتلاء وامتحان وتكليف(1\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14460",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وايضا فإنه سبحانه اقتضت حكمته خلق آدم وذريته من تركيب مستلزم لداعي الشهوة والفتنة وداعي العقل والعلم فإنه سبحانه خلق فيه العقل والشهوة ونصبهما داعيين بمقتضياتهما ليتم مراده ويظهر لعباده عزته في حكمته وجبروته ورحمته وبره ولطفه في سلطانه وملكه فاقتضت حكمته ورحمته ان أذاق أباهم وبيل مخالفته وعرفه ما يجنى عواقب إجابة الشهوة والهوى ليكون اعظم حذرا فيها واشد هروبا وهذا كحال رجل سائر على طريق قد كمنت الاعداء في جنباته وخلفه وأمامه وهو لا يشعر فإذا اصيب منها مرة بمصيبة استعد في سيره وأخذ اهبة عدوه وأعد له ما يدفعه ولولا انه ذاق ألم اغارة عدوه عليه وتبييته له لما سمحت نفسه بالاستعداد والحذر واخذ العدة فمن تمام نعمة الله على آدم وذريته ان اراهم ما فعل العدو بهم فاستعدوا له واخذوا اهبته فإن قيل كان من الممكن ان لا يسلط عليهم العدو قيل قد تقدم انه سبحانه خلق آدم وذريته على بنية وتركيب مستلزم لمخالطتهم لعدوهم وابتلائهم به ولو شاء لخلقهم كالملائكة الذين هم عقول بلا شهوات فلم يكن لعدوهم طريق اليهم ولكن لو خلقوا هكذا لكانوا خلقا آخر غير بني آدم فإن بنى آدم قد ركبوا على العقل والشهوة وأيضا فإنه لما كانت محبة الله وحده هي غاية كمال العبد وسعادته التي لا كمال له ولا سعادة بدونها اصلا وكانت المحبة الصادقة إنما تتحقق بغيثار المحبوب على غيره من محبوبات النفوس واحتمال اعظم المشاق في طاعته ومرضاته فبهذا تتحقق المحبة ويعلم ثبوتها في القلب اقتضت حكمته سبحانه اخراجهم الى هذه الدار المحفوفة بالشهوات ومحاب النفوس التي بإيثار الحق عليها والاعراض عنها يتحقق حبهم له وإيثارهم إياه على غيره ولذلك يتحمل المشاق الشديدة وركوب الاخطار واحتمال الملامة والصبر على دواعي الغي والضلال ومجاهدتها يقوى سلطان المحبة وتثبت شجرتها في القلب وتطعم ثمرتها على الجوارح فإن المحبة الثابتة اللازمة على كثرة الموانع والعوارض والصوارف هي المحبة الحقيقية النافعة واما المحبة المشروطة بالعافية والنعيم واللذة وحصول مراد المحب من محبوبه فليست محبة صادقة ولا ثبات لها عند المعارضات والموانع فإن المعلق على الشرط عدم عند عدمه ومن ودك لأمر ولي عند انقضائه وفرق بين من يعبد الله على السراء والرخاء والعافية فقط وبين من يعبده على السراء والضراء والشدة والرخاء والعافية والبلاء وايضا فإن الله سبحانه له الحمد المطلق الكامل الذي لا نهاية بعده وكان ظهور الاسباب التي يحمد عليها من مقتضى كونه محمودا وهي من لوازم حمده تعالى وهي نوعان فضل وعدل إذ هو سبحانه المحمود على هذا وعلى هذا فلا بد من ظهور أسباب العدل واقتضائها لمسمياتها ليترتب عليها كمال الحمد الذي هو أهله فكما انه سبحانه محمود على إحسانه وبره وفضله وثوابه فهو محمود على عدله وانتقامه وعقابه إذ يصدر ذلك كله عن عزته وحكمته ولهذا نبه سبحانه على هذا كثيرا كما في سورة الشعراء حيث يذكر في آخر كل قصة من قصص الرسل وأممهم إن في ذلك لاية(1\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14461",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما كان اكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم فأخبر سبحانه ان ذلك صادر عن عزته المتضمنة كمال قدرته وحكمته المتضمنة كمال علمه ووضعه الاشياء مواضعها اللائقة بها ما وضع نعمته ونجاته لرسله ولاتباعهم ونقمته وإهلاكه لاعدائهم الا في محلها اللائق بها لكمال عزته وحكمته ولهذا قال سبحانه عقيب إخباره عن قضائه بين اهل السعادة والشقاوة ومصير كل منهم الى ديارهم التي لا يليق بهم غيرها ولا تقتضى حكمته سواها وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين وأيضا فإنه سبحانه اقتضت حكمته وحمده ان فاوت بين عباده اعظم تفاوت وابينه ليشكره منهم من ظهرت عليه نعمته وفضله ويعرف انه قد حبى بالانعام وخص دون غيره بالاكرام ولو تساووا جميعهم في النعمة والعافية لم يعرف صاحب النعمة قدرها ولم يبذل شكرها إذ لا يرى احدا إلا في مثل حاله ومن أقوى أسباب الشكر وأعظمها استخرجا له من العبد ان يرى غيره في ضد حاله الذي هو عليها من لاكمال والفلاح وفي الاثر المشهور ان الله سبحانه لما أرى آدم ذريته وتفاوت مراتبهم قال يا رب هلا سويت بين عبادك قال إني احب ان اشكر فاقتضت محبته سبحانه لان يشكر خلق الاسباب التي يكن شكر الشاكرين عندها اعظم وأكمل وهذا هو عين الحكمة الصادرة عن صفة الحمد وايضا فإنه سبحانه لا شيء احب اليه من العبد من تذلله بين يديه وخضوعه وافتقاره وإنكساره وتضرعه اليه ومعلوم ان هذا المطلوب من العبد إنما يتم بأسبابه التي تتوقف عليها وحصول هذه الاسباب في دار النعيم المطلق والعافية الكاملة يمتنع إذ هو مستلزم للجمع بين الضدين وأيضا فإنه سبحانه له الخلق والامر والامر هو شرعه وأمره ودينه الذي بعث به رسله وانزل به كتبه وليست الجنة دار تكليف تجرى عليهم فيها أحكام التكليف ولوازمها وإنما هي دار نعيم ولذة واقتضت حكمته سبحانه استخراج آدم وذريته الى دار تجرى عليهم فيها احكام دينه وأمره ليظهر فيهم مقتضى الامر ولوازمه فإن الله سبحانه كما ان افعاله وخلقه من لوازم كمال اسمائه الحسنى وصفاته العلى فكذلك امره وشرعه وما يترتب عليه من الثواب والعقاب وقد ارشد سبحانه الى هذا المعنى في غير موضع من كتابه فقال تعالى ايحسب الانسان ان يترك سدى أي مهملا معطلا لا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا يعاقب وهذا يدل على ان هذا مناف لكمال حكمته وان ربوبيته وعزته وحكمته تأبى ذلك ولهذا اخرج الكلام مخرج الانكار على من زعم ذلك وهو يدل على ان حسنه مستقر في الفطر والعقول وقبح تركه سدا معطلا ايضا مستقر في الفطر فكيف ينسب الى الرب ما قبحه مستقر في فطركم وعقولكم وقال تعالى أفحسبتم انما خلقناكم عبثا وأنكم الينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله الا هو رب العرش الكريم نزه نفسه سبحانه عن هذا الحسبان الباطل المضاد لموجب اسمائه وصفاته وانه لا يليق بجلاله نسبته اليه ونظائر هذا في القرآن كثيرة وايضا فإنه سبحانه يحب من عباده(1\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14462",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "امورا يتوقف حصولها منهم على حصول الاسباب المقتضية لها ولا تحصل الا في دار الابتلاء والامتحان فإنه سبحانه يحب الصابرين ويحب الشاكرين ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ويحب التوابين ويحب المتطهرين ولا ريب ان حصول هذه المحبوبات بدون اسبابها ممتنع كامتناع حصول الملزوم بدون لازمه والله سبحانه أفرح بتوبة عبده حين يتوب اليه من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في ارض دوية مهلكة إذا وجدها كما ثبت في الصحيح عن النبي انه قال لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل من فيارض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه فنام فاستيقظ وقد ذهبت فطلبها حتى أدركه العطش ثم قال ارجع الى المكان الذي كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ وعنده راحلته عليها زاده وطعامه وشرابه فالله اشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذا الحديث وذكر سر هذا الفرح بتوبة العبد والمقصود ان هذا الفرح المذكور إنما يكون بعد التوبة من الذنب فالتوبة والذنب لا زمان لهذا الفرح ولا يوجد الملزوم بدون لازمه وإذا كان هذا الفرح المذكور إنما يحصل بالتوبة المستلزمة للذنب فحصوله في دار النعيم التي لا ذنب فيها ولا مخالفة ممتنع ولما كان هذا الفرح احب الى الرب سبحانه من عدمه اقتضت محبته له خلق الاسباب المفضية اليه ليترتب عليها المسبب الذي هو محبوب له وأيضا فإن الله سبحانه جعل الجنة دار جزاء وثواب وقسم منازلها بين اهلها على قدر اعمالهم وعلى هذا خلقها سبحانه لما له في ذلك من الحكمة التي اقتضتها اسماؤه وصفاته فان الجنة درجات بعضها فوق بعض وبين الدرجتين كما بين السماء والارض كما في الصحيح عن النبي انه قال ان الجنة مائة درجة بين كل درجتين كما بين السماء والارض وحكمة الرب سبحانه مقتضية لعمارة هذه الدرجات كلها وإنما تعمر ويقع التفاوت فيها بحسب الاعمال كما قال غير واحد من السلف ينجون من النار بعفو الله ومغفرته ويدخلون الجنة بفضله ونعمته ومغفرته ويتقاسمون المنازل بأعمالهم وعلى هذا حمل غير واحد ما جاء من إثبات دخول الجنة بالاعمال كقوله تعالى وتلك الجنة التي اورثتموها بما كنتم تعملون وقوله تعالى ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون قالوا وأما نفي دخلوها بالاعمال كما في قوله لن يدخل الجنة احد بعمله قالوا ولا انت يا رسول الله قال ولا انا فالمراد به نفي اصل الدخول واحسن من هذا ان يقال الباء المقتضية للدخول غير الباء التي نفى معها الدخول فالمقتضية هي باء السببية الدالة على ان الاعمال سبب للدخول مقتضية له كاقتضاء سائر الاسباب لمسبباتها والباء التي نفى بها الدخول هي باء المعاوضة والمقابلة التي في نحو قولهم اشتريت هذا بهذا فأخبر النبي ان دخول الجنة ليس في مقابلة عمل احد وانه لولا تغمد الله سبحانه لعبده برحمته لما أدخله الجنة فليس عمل العبد وان تناهى(1\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14463",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "موجبا بمجرده لدخول الجنة ولا عوضا لها فإن اعماله وإن وقعت منه على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه فهي لا تقاوم نعمة الله التي انعم بها عليه في دار الدنيا ولا تعادلها بل لو حاسبه لوقعت اعماله كلها في مقابلة اليسير من نعمه وتبقى بقية النعم مقتضية لشكرها فلو عذبه في هذه الحالة لعذبه وهو غير ظالم له ولو رحمه لكانت رحمته خيرا له من عمله كما في السنن من حديث زيد بن ثابت وحذيفة وغيرهما مرفوعا الى النبي انه قال ان الله لو عذب أهل سمواته وأهل ارضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من اعمالهم والمقصود ان حكمته سبحانه اقتضت خلق الجنة درجات بعضها فوق بعض وعمارتها بآدم وذريته وإنزالهم فيها بحسب اعمالهم ولازم هذا إنزالهم الى دار العمل والمجاهدة وأيضا فإنه سبحانه خلق آدم وذريته ليستخلفهم في الارض كما اخبر سبحانه في كتابه بقوله إني جاعل في الأرض خليفة وقوله وهو الذي جعلكم خلائف الأرض وقال ويستخلفكم في الأرض فأراد سبحانه ان ينقله وذريته من هذا الاستخلاف الى توريثه جنة الخلد وعلم سبحانه بسابق علمه انه لضعفه وقصور نظره قد يختار العاجل الخسيس على الاجل النفيس فإن النفس مولعة بحب العاجلة وإيثارها على الاخرة وهذا من لوازم كونه خلق من عجل وكونه خلق عجولا فعلم سبحانه ما في طبيعته من الضعف والخور فاقتضت حكمته ان ادخله الجنة ليعرف النعيم الذي اعد له عيانا فيكون اليه اشوق وعليه احرص وله اشد طلبا فإن محبة الشيء وطلبه والشوق اليه من لوازم تصوره فمن باشر طيب شيء ولذته وتذوق به لم يكد يصبر عنه وهذا لان النفس ذواقة تواقة فإذا ذاقت تاقت ولهذا إذا ذاق العبد طعم حلاوة الايمان وخالطت بشاشته قلبه رسخ فيه حبه ولم يؤثر عليه شيئا ابدا وفي الصحيح من حديث ابي هريرة رضى الله عنه المرفوع ان الله عز وجل يسأل الملائكة فيقول ما يسألني عبادي فيقولون يسألونك الجنة فيقول وهل رأوها فيقولون لا يا رب فيقول كيف لو رأوها فيقولون لو رأوها لكانوا أشد لها طلبا فاقتضت حكمته ان اراها أباهم وأسكنه إياها ثم قص على بنيه قصته فصاروا كأنهم مشاهدون لها حاضرون مع ابيهم فاستجاب من خلق لها وخلقت له وسارع اليها فلم يثنه عنها العاجلة بل يعد نفسه كانه فيها ثم سباه العدو فيراها وطنه الاول فهو دائم الحنين الى وطنه ولا يقر له قرار حتى يرى نفسه فيه كما قيل: نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الاول كم منزل في الارض يألفه الفتى ... وحنينه ابدا لاول منزل ولي من ابيات تلم بهذا المعنى: وحى على جنات عدن فإنها ... منازلك الاولى وفيها المخيم ...(1\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14464",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولكننا سبي العدو فهل ترى ... نعود الى اوطاننا ونسلم فسر هذه الوجوه انه سبحانه وتعالى سبق في حكمه وحكمته ان الغايات المطلوبة لا تنال الا باسبابها التي جعلها الله اسبابا مفضية اليها ومن تلك الغايات اعلى انواع النعيم وافضلها وأجلها فلا تنال الا باسباب نصبها مفضية اليها وإذا كانت الغايات التي هي دون ذلك لاتنال لا باسبابها مع ضعفها وانقطاعها كتحصيل المأكول والمشروب والملبوس والولد والمال والجاه في الدنيا فكيف يتوهم حصول اعلى الغايات واشرف المقامات بلا سبب يفضى اليه ولم يكن تحصيل تلك الاسباب الا في دار المجاهدة والحرث فكان اسكان آدم وذريته هذه الدار التي ينالون فيها الاسباب الموصلة الى أعلى المقامات من إتمام انعامه عليهم وسرها ايضا انه سبحانه جعل الرسالة والنبوة والخلة والتكليم والولاية والعبودية من اشرف مقامات خلقه ونهايات كمالهم فأنزلهم دارا اخرج منهم الانبياء وبعث فيها الرسل واتخذ منهم من اتخذ خليلا وكلم موسى تكليما واتخذ منهم اولياء وشهداء وعبيدا وخاصة يحبهم ويحبونه وكان إنزالهم الى الارض من تمام الانعام والاحسان وايضا انه اظهر لخلقه من آثار اسمائه وجريان احكامها عليهم ما اقتضته حكمته ورحمته وعلمه وسرها ايضا انه تعرف الى خلقه بافعاله واسمائه وصفاته وما احدثه في اوليائه واعدائه من كرامته وانعامه على الاولياء واهانته واشقائه للاعداء ومن اجابته دعواتهم وقضائه حوائجهم وتفريج كرباتهم وكشف بلائهم وتصريفهم تحت أقداره كيف يشاء وتقليبهم في أنواع الخير والشر فكان في ذلك اعظم دليل لهم على انه ربهم ومليكهم وانه الله الذي لا إله الا هو وأنه العليم الحكيم السميع البصير وأنه الاله الحق وكل ما سواه باطل فتظاهرت ادلة ربوبيته وتوحيده في الارض وتنوعت وقامت من كل جانب فعرفه الموفقون من عباده وأقروا بتوحيده إيمانا واذعانا وجحده المخذولون على خليقته واشركوا به ظلما وكفرانا فهلك من هلك عن بينة وحيي من حى بينة والله سميع عليم ومن تأمل آياته المشهودة والمسموعة في الارض ورأى آثارها علم تمام حكمته في اسكان آدم وذريته في هذه الدار الى أجل معلوم فالله سبحانه إنما خلق الجنة لآدم وذريته وجعل الملائكة فيها خدما لهم ولكن اقتضت حكمته ان خلق لهم دارا يتزودون منها الى الدار التي خلقت لهم وأنهم لاينالونها الا بالزاد كما قال تعالى في هذه الدار وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم فهذا شأن الانتقال في الدنيا من بلد الى بلد فكيف الانتقال من الدنيا الى دار القرار وقال تعالى وتزودوا فإن خير الزاد التقوى فباع المغبونون(1\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14465",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منازلهم منها بأبخس الحظ وأنقص الثمن وباع الموفقون نفوسهم واموالهم من الله وجعلوها ثمنا للجنة فربحت تجارتهم ونالوا الفوز العظيم قال الله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة فهو سبحانه ما اخرج آدم منها الا وهو يريد ان يعيده اليها اكمل اعادة كما قيل على لسان القدر يا آدم لا تجزع من قولي لك اخرج منها فلك خلقتها فإني انا الغني عنها وعن كل شيء وانا الجواد الكريم وانا لا اتمتع فيها فإني اطعم ولا اطعم وانا الغني الحميد ولكن انزل الى دار البذر فإذا بذرت فاستوى الزرع على سوقه وصار حصيدا فحينئذ فتعال فاستوفه احوج ما انت اليه الحبة بعشر امثالها الى سبعمائة ضعف الى اضعاف كثيرة فإني اعلم بمصلحتك منك وانا العلي الحكيم فإن قيل ما ذكرتموه من هذه الوجوه وأمثالها إنما يتم إذا قيل إن الجنة التي اسكنها آدم وأهبط منها جنة الخلد التي اعدت للمتقين والمؤمنين يوم القيامة وحينئذ يظهر سر اهباطه واخراجه منها ولكن قد قالت طائفة منهم ابو مسلم ومنذر بن سعيد البلوطي وغيرهما انها انما كانت جنة في الارض في موضع عال منها لا انها جنة المأوى التي اعدها الله لعباده المؤمنين يوم القيامة وذكر منذر بن سعيد هذا القول في تفسيره عن جماعة فقال وأما قوله لادم اسكن انت وزوجك الجنة فقالت طائفة اسكن الله تعالى آدم جنة الخلد التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة وقال آخرون هي جنة غيرها جعلها الله له واسكنه اياها ليست جنة الخلد قال وهذا قول تكثر الدلائل الشاهدة له والموجبة للقول به لان الجنة التي تدخل بعد القيامة هي من حيز الاخرة وفي اليوم الاخر تدخل ولم يأت بعد وقد وصفها الله تعالى لنا في كتابه بصفاتها ومحال ان يصف الله شيئا بصفة ثم يكون ذلك الشيء بغير تلك الصفة التي التي وصفها به والقول بهذا دافع لما اخبر الله به قالوا وجدنا الله تبارك وتعالى وصف الجنة التي اعدت للمتقين بعد قيام القيامة بدار المقامة ولم يقم آدم فيها ووصفها بأنها جنة الخلد ولم يخلد آدم فيها ووصفها بأنها دار جزاء ولم يقل انها دار ابتلاء وقد ابتلى آدم فيها بالمعصية والفتنة ووصفها بأنها ليس فيها حزن وان الداخلين اليها يقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن وقد حزن فيها آدم ووجدناه سماها دار السلام ولم يسلم فيها آدم من الافات التي تكون في الدنيا وسماها دار القرار ولم يستقر فيها آدم وقال فيمن يدخلها وما هم منها بمخرجين وقد اخرج منها آدم بمعصيته وقال لايمسهم فيها نصب وقد ند آدم فيها هاربا فارا عند اصابته المعصية وطفق يخصف ورق الجنة على نفسه وهذا النصب بعينه الذي نفاه الله عنها وأخبر انه لا يسمع فيها لغو ولا تأثيم وقد اثم فيها آدم واسمع فيها ما هو اكبر من اللغو وهو انه امر فيها بمعصية ربه وأخبر انه لا يسمع فيها لغو ولا كذب وقد اسمعه فيها ابليس الكذب وغره وقاسمه عليه ايضا بعد ان اسمعه(1\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14466",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اياه وقد شرب آدم من شرابها الذي سماه في كتابه شرابا طهورا أي مطهرا من جميع الافات المذمومة وآدم لم يطهر من تلك الافات وسماها الله تعالى مقعد صدق وقد كذب ابليس فيها آدم ومقعد الصدق لا كذب فيه وعليون لم يكن فيه استحالة قط ولا تبديل ولا يكون باجماع المصلين والجنة في اعلى عليين والله تعالى انما قال اني جاعل في الارض خليفة ولم يقل اني جاعله في جنة الماوى فقالت الملائكة اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء والملائكة اتقى لله من ان تقول مالا تعلم وهم القائلون لاعلم لنا الا ما علمتنا وفي هذا دلالة على ان الله قد كان اعلمهم ان بني آدم سيفسدون في الارض والا فكيف كانوا يقولون مالا يعلمون والله تعالى يقول وقوله الحق لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعلمون والملائة لا تقول ولا تعمل الا بما تؤمر به لا غير قال الله تعالى ويفعلون ما يؤمرون والله تعالى أخبرنا ان ابليس قال لادم هل ادلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فإن كان قد اسكن الله جنة الخلد والملك الذي لا يبلى فكيف لم يرد عليه نصيحته ويكذبه في قول فيقول وكيف تدلني على شيء انا فيه قد اعطيته واخترته بل كيف لم يحث التراب في وجهه ويسبه لان ابليس لئن كان يكون بهذا الكلام مغويا له انما كان يكون زاريا عليه لانه إنما وعده على معصية ربه بما كان فيه لا زائدا عليه ومثل هذا لا يخاطب به الا المجانين الذين لا يعقلون لان العوض الذي وعده به بمعصية ربه قد كان احرزه وهو الخلد والملك الذي لا يبلى ولم يخبر الله آدم إذ اسكنه الجنة انه فيها من الخالدين ولو كان فيها من الخالدين لما ركن الى قول ابليس ولا قبل نصيحته ولكنه لما كان في غير دار خلود غره بما اطمعه فيه من الخلد فقبل منه ولو اخبر الله آدم انه في دار الخلد ثم شك في خبر ربه لسماه كافرا ولما سماه عاصيا لان من شك في خبر الله فهو كافر ومن فعل غير ما امره الله به وهو معتقد للتصديق بخبر ربه فهو عاص وإنما سمى الله آدم عاصيا ولم يسمه كافرا قالوا فإن كان آدم اسكن جنة الخلد وهي دار القدس التي لا يدخلها الا طاهر مقدس فكيف توصل اليها إبليس الرجس النجس الملعون المذموم المدحور حتى فتن فيها آدم وابليس فاسق قد فسق عن امر ربه وليست جنة الخلد دار الفاسقين ولا يدخلها فاسق البتة إنما هي دار المتقين وابليس غير تقي فبعد ان قيل له اهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها انفسح له ان يرقى الى جنة المأوى فوق السماء السابعة بعد السخط والابعاد له بالعتو والاستكبار هذا مضاد لقوله تعالى اهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها فإن كانت مخاطبته آدم بما خاطبه به وقاسمه عليه ليس تكبرا فليس تعقل العرب التي انزل القرآن بلسانها ما التكبر ولعل من ضعفت رويته وقصر بحثه ان يقول(1\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14467",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ان ابليس لم يصل اليها ولكن وسوسته وصلت فهذا قول يشبه قائله ويشاكل معتقده وقول الله تعالى حكم بيننا وبينه وقوله تعالى وقاسمهما يرد ما قال لان المقاسمة ليست وسوسة ولكنها مخاطبة ومشافهة ولا تكون الا من اثنين شاهدين غير غائبين ولا احدهما ومما يدل على ان وسوسته كانت مخاطبة قول الله تعالى فوسوس اليه الشيطان قال يا آدم هل ادلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فأخبر انه قال له ودل ذلك على انه انما وسوس اليه مخاطبة لا انه اوقع ذلك في نفسه بلا مقاولة فمن ادعى على الظاهر تاويلا ولم يقم عليه دليلا لم يجب قبول قوله وعلى ان الوسوسة قد تكون كلاما مسموعا او صوتا قال رؤية وسوس يدعو مخلصا رب الفلق ... وقال الاعشى: تسمع للحلى وسواسا إذا انصرفت ... كما استعان بريح كشرق زجل قالوا وفي قول ابليس لهما ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة دليل على مشاهدته لهما وللشجرة ولما كان آدم خارجا من الجنة وغير ساكن فيها قال الله الم انهكما عن تلكما ما الشجرة ولم يقل عن هذه الشجرة كما قال له ابليس لان آدم لم يكن حينئذ في الجنة ولا مشاهدا للشجرة مع قوله عز وجل اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه فقد اخبر سبحانه خبرا محكما غير مشتبه انه لا يصعد اليه الا كلم طيب وعمل صالح وهذا مما قدمنا ذكره انه لا يلج المقدس المطهر الا مقدس مطهر طيب ومعاذ الله ان تكون وسوسة ابليس مقدسة او طاهرة او خيرا بل هي شر كلها وظلمة وخبث ورجس تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وكما ان اعمال الكافرين لا تلج القدس الطاهر ولا تصل اليه لانها خبيثة غير طيبة كذلك لا تصل ولم تصل وسوسة ابليس ولا ولجت القدس قال تعالى كلا ان كتاب الفجار لفي سجين وقد روى عن النبي ان آدم نام في جنته وجنة الخلد لا نوم فيها باجماع من المسلمين لان النوم وفاة وقد نطق به القرآن والوفاة تقلب حال ودار السلام مسلمة من تقلب الاحوال والنائم ميت او كالميت قالوا وقد روى عنه انه قال لام حارثة لما قالت له يا رسول الله ان حارثة قتل معك فإن كان صار الى الجنة صبرت واحتسبت وان كان صار الى ما سوى ذلك رأيت ما افعل فقال لها رسول الله او جنة واحدة هي انما هي جنان كثيرة فاخبر ان لله جنات كثيرة فلعل آدم اسكنه الله جنة من جنانه ليست هي جنة الخلد قالوا وقد جاء في بعض الاخبار ان جنة آدم كانت بأرض الهند قالوا وهذا وأن كان لا يصححه رواة الاخبار ونقلة الاثار فالذي تقبله الالباب ويشهد له ظاهر الكتاب ان جنة آدم ليست جنة الخلد(1\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14468",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا دار البقاء وكيف يجوز ان يكون الله اسكن آدم جنة الخلد ليكون فيها من الخالدين وهو قائل للملائكة اني جاعل في الارض خليفة وكيف اخبر الملائكة انه يريد ان يجعل في الارض خليفة ثم يسكنه دار الخلود ودار الخلود لا يدخلها الا من يخلد فيها كما سميت بدار الخلود فقد سماها الله بالاسماء التي تقدم ذكرنا لها تسمية مطلقة لا خصوص فيها فإذا قيل للجنة دار الخلد لم يجزان ينقص مسمى هذا الاسم بحال فهذا بعض ما احتج به القائلون بهذا المذهب وعلى هذا فاسكان آدم وذريته في هذه الجنة لا ينافي كونهم في دار الابتلاء والامتحان وحينئذ كانت تلك الوجوه والفوائد التي ذكرتموها ممكنة الحصول في الجنة فالجواب ان يقال هذا فيه قولان للناس ونحن نذكر القولين واحتجاج الفريقين ونبين ثبوت الوجوه التي ذكرناها وأمثالها على كلا القولين ونذكر أولا قول من قال انها جنة الخلد التي وعدها الله المتقين وما احتجوا به ومانقضوا به حجج من قال انها غيرها ثم نتبعها مقالة الاخرين وما احتجوا به وما أجابوا به عن حجج منازعيهم من غير انتصاب لنصرة احد القولين وابطال الاخر إذ ليس غرضنا ذلك وإنما الغرض ذكر بعض الحكم والمصالح المقتضية لاخراج آدم من الجنة واسكانه في الارض في دار الابتلاء والامتحان وكان الغرض بذلك الرد على من زعم ان حكمة الله سبحانه تأبى ادخال آدم الجنة وتعريضه للذنب الذي اخرج منها به وانه أي فائدة في ذلك والرد على ان من ابطل ان يكون له في ذلك حكمة وإنما هو صادر عن محض المشيئة التي لا حكمه الحكمة وراءها ولما كان المقصود حاصلا على كل تقدير سواء كانت جنة الخلد او غيرها بينا الكلام على التقديرين ورأينا ان الرد على هؤلاء بدبوس السلاق لا يحصل غرضا ولا يزيل مرضا فسلكنا هذا السبيل ليكون قولهم مردودا على كل قول من اقوال الامة وبالله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة الا بالله فنقول اما ما ذكرتموه من كون الجنة التي اهبط منها آدم ليست جنة الخلد وإنماهي جنة غيرها فهذا مما قد اختلف فيه الناس والاشهر عند الخاصة والعامة الذي لا يخطر بقلوبهم سواه انها جنة الخلد التي اعدت للمتقين وقد نص غير واحد من السلف على ذلك واحتج من نصر هذا بما رواه مسلم في صحيحه من حديث ابي مالك الاشجعي عن ابي حازم عن ابي هريرة وابو مالك عن ربعي بن حراش عن حذيفة قالا قال رسول الله يجمع الله عز وجل الناس حتى يزلف لهم الجنة فيأتون آدم عليه السلام فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول وهل اخرجكم من الجنة الا خطيئة ابيكم آدم وذكر الحديث قالوا فهذا يدل على ان الجنة التي اخرج منها آدم هي بعينها التي يطلب منه(1\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14469",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ان يستفتحها لهم قالوا ويدل عليه ان الله سبحانه قال يا آدم اسكن انت وزوجك الجنة الى قوله اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع الى حين عقيب قوله اهبطوا فدل على انهم لم يكونوا اولا في الارض وأيضا فإنه سبحانه وصف الجنة التي اسكنها آدم بصفات لا تكون في الجنة الدنيوية فقال تعالى إن لك الا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لاتظمأ فيها ولا تضحى وهذا لا يكون في الدنيا اصلا ولو كان الرجل في اطيب منازلها فلا بد ان يعرض له الجوع والظمأ والتعرى والضحى للشمس وايضا فإنها لو كانت الجنة في الدنيا لعلم آدم كذب ابليس في قوله هل ادلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فإن آدم كان يعلم ان الدنيا منقضية فانية وان ملكها يبلى وايضا فإن قصة آدم في البقرة ظاهرة جدا في ان الجنة التي اخرج منها فوق السماء فإنه سبحانه قال وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا الا ابليس ابى واستكبر وكان من الكافرين وقلنا يا آدم اسكن انت وزوجك وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأزلهما الشيطان عنها فاخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع الى حين فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم فهذا اهباط آدم وحواء وابليس من الجنة ولهذا اتى فيه بضمير الجمع وقيل انه خطاب لهم وللحية وهذا يحتاج الى نقل ثابت إذ لا ذكر للحية في شيء من قصة آدم وإبليس وقيل خطاب لآدم وحواء وأتى فيه بلفظ الجمع كقوله تعالى وكنا لحكمهم شاهدين وقيل لادم وحواء وذريتهما وهذه الاقوال ضعيفة غير الاول لانها بين قول لا دليل عليه وبين ما يدل ظاهر الخطاب على خلافه فثبت ان ابليس داخل في هذا الخطاب وانه من المهبطين من الجنة ثم قال تعالى قلنا اهبطوا منها جميعا فاما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون وهذا الاهباط الثاني لا بد ان يكون غير الاول وهو اهباطه من السماء الى الارض وحينئذ فتكون الجنة التي اهبطوا منها الاول فوق السماء وهي جنة الخلد وقد ذهبت طائفة منهم الزمخشري الى ان قوله اهبطوا منها جميعا خطاب لادم وحواء خاصة وعبر عنهما بالجمع لاستتاباعهما ذرياتهما قال والدليل عليه قوله تعالى قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فاما ياتينكم مني هدى وقال ويدل على ذلك قوله فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون وما هو الا حكم يعم الناس كلهم ومعنى بعضكم لبعض عدو ما عليه الناس من التعادى والتباغض وتضليل بعضهم لبعض وهذا الذي اختاره اضعف الاقوال في الاية فإن العداوة التي ذكرها الله انما هي بين آدم وابليس وذرياتهما كما قال تعالى ان الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا وأما(1\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14470",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "آدم وزوجه فإن الله سبحانه اخبر في كتابه انه خلقها منه ليسكن اليها وقال سبحانه ومن آياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة فهو سبحانه جعل المودة بين الرجل وزوجه وجعل العداوة بين آدم وابليس وذرياتهما ويدل عليه ايضا عود الضمير اليهم بلفظ الجمع وقد تقدم ذكر آدم وزوجه وابليس في قولهم فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما فهؤلاء ثلاثة آدم وحواء وإبليس فلماذا يعود الضمير على بعض المذكور مع منافرته لطريق الكلام ولايعود على جميع المذكور مع انه وجه الكلام فإن قيل فما تصنعون بقوله في سورة طه: قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو وهذا خطاب لادم وحواء وقد اخبر بعداوة بعضهم بعضا قيل اما ان يكون الضمير في قوله اهبطا راجعا الى آدم وزوجه او يكون راجعا الى آدم وابليس ولم يذكر الزوجة لانها تبع له وعلى الثاني فالعداوة المذكورة للمخاطبين بالاهباط وهما آدم وابليس وعلى الاول تكون الاية قد اشتملت على أمرين احدهما امره لادم وزوجه بالهبوط والثاني جعله العداوة بين آدم وزوجه وابليس ولا بد ان يكون ابليس داخلا في حكم هذه العداوة قطعا كما قال تعالى إن هذا عدو لك ولزوجك وقال لذريته ان الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا وتأمل كيف اتفقت المواضع التي فيها العداوة على ضمير الجمع دون التثنية وأما ذكر الاهباط فتارة ياتي بلفظ ضمير الجمع وتارة بلفظ التثنية وتارة يأتي بلفظ الافراد لابليس وحده كقوله تعالى في سورة الاعراف قال ما منعك ان لا تسجد اذ امرتك قال انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها فهذا الاهباط لابليس وحده والضمير في قوله منها قيل انه عائد الى الجنة وقيل عائد الى السماء وحيث اتى بصيغة الجمع كان لادم وزوجه وابليس اذ مدار القصة عليهم وحيث اتى بلفظ التثنية فاما ان يكون لادم وزوجه إذ هما اللذان باشرا الاكل من الشجرة واقدما على المعصية واما ان يكون لادم وابليس اذ هما ابوا الثقلين فذكر حالهما وما آل اليه امرهما ليكون عظة وعبرة لاولادهما والقولان محكيان في ذلك وحيث اتى بلفظ الافراد فهو لابليس وحده وأيضا فالذي يوضح ان الضمير في قوله اهبطا منها جميعا لادم وابليس ان الله سبحانه لما ذكر المعصية افرد بها آدم دون زوجه فقال وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتابه ربه فتاب عليه وهدى قال اهبطا منها جميعا وهذا يدل على ان المخاطب بالاهباط هو آدم ومن زين له المعصية ودخلت الزوجة تبعا وهذا لان المقصود اخبار الله تعالى لعباده المكلفين من الجن والانس بما جرى على ابويهما من شؤم المعصية ومخالفة الأمر لئلا يقتدوا بهما في ذلك فذكر ابو الثقلين ابلغ في حصول هذا المعنى من ذكر ابوي الانس فقط وقد اخبر سبحانه عن الزوجة انها اكلت مع آدم وأخبر انه اهبطه(1\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14471",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأخرجه من الجنة بتلك الاكلة فعلم ان هذا اقتضاه حكم الزوجية وانها صارت الى ما صار اليه آدم فكان تجريد العناية الى ذكر الابوين الذين هما اصل الذرية اولى من تجريدها الى ذكر ابي الانس وامهم والله اعلم وبالجملة فقوله اهبطوا بعضكم لبعض عدو ظاهر في الجمع فلا يسوغ حمله على الاثنين في قوله اهبطا قالوا وأما قولكم انه كيف وسوس له بعد اهباطه منها ومحال ان يصعد اليها بعد قوله تعالى اهبط فجوابه من وجوه احدهما انه اخرج منها ومنع من دخولها على وجه السكنى والكرامة واتخاذها دارا فمن اين لكم انه منع من دخولها على وجه الابتلاء والامتحان لادم وزوجه ويكون هذا دخولا عارضا كما يدخل شرط دار من امروا بابتلائه ومحنته وان لم يكونوا اهلا لسكنى تلك الدار الثاني انه كان يدنو من السماء فيكلمهما ولا يدخل عليهما دارهما الثالث انه لعله قام على الباب فناداهما وقاسمهما ولم يلج الجنة الرابع انه قد روى انه اراد الدخول عليهما فمنعته الخزنة فدخل في فم الحية حتى دخلت به عليهما ولا يشعر الخزنة بذلك قالوا ومما يدل على انها جنة الخلد بعينها انها جاءت معرفة بلام التعريف في جميع المواضع كقوله اسكن انت وزوجك الجنة ولا جنة يعهدها المخاطبون ويعرفونها الا جنة الخلد التي وعد الرحمن عباده بالغيب فقد صار هذا الاسم علما عليها بالغلبة وان كان في اصل الوضع عبارة عن البستان ذي الثمار والفواكه وهذا كالمدينة الطيبة والنجم للثريا ونظائرها فحيث ورد اللفظ معرفا بالالف واللام انصرف الى الجنة المعهودة المعلومة في قلوب المؤمنين وأما ان اريد به جنة غيرها فانها تجيء منكرة كقوله جنتين من اعناب او مقيدة بالاضافة كقوله ولولا اذ دخلت جنتك او مقيدة من السياق بما يدل على انها جنة في الارض كقوله انا بلوناهم كما بلونا اصحاب الجنة اذ اقسموا ليصرمنها مصبحين الايات فهذا السياق والتقييد يدل على انها بستان في الارض قالوا وأيضا فإنه قد اتفق اهل السنة والجماعة على ان الجنة والنار مخلوقتان وقد تواترت الاحاديث عن النبي بذلك كما في الصحيحين عن عبد الله بن عمر عن النبي انه قال إن احدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشى إن كان من اهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن اهل النار يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة وفي الصحيحين من حديث ابي سعيد الخدري عن النبي قال اختصمت الجنة والنار فقالت الجنة مالي لا يدخلني الا ضعفاء الناس وسقطهم وقالت النار مالي لا يدخلني الا الجبارون والمتكبرون فقال للجنة انت رحمتي ارحم بك من أشاء وقال للنار انت عذابي اعذب بك من أشاء الحديث وفي السنن عن ابي هريرة ان رسول الله قال لما خلق الله الجنة والنار ارسل جبريل الى الجنة فقال اذهب فانظر اليها والى ما اعددت لاهلها قال(1\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14472",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فذهب فنظر اليها وإلى ما اعد الله لاهلها الحديث وفي الصحيحين في حديث الاسراء ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا ورقها مثل آذان الفيلة وإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا اربعة انهار نهران ظاهران ونهران باطنان فقلت ما هذا يا جبريل قال اما النهران الظاهران فالنيل والفرات وأما الباطنان فنهران في الجنة وفيه ايضا ثم ادخلت الجنة فإذا جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك وفي صحيح البخاري عن انس عن النبي قال بينما انا أسير في الجنة إذا انا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف قال قلت ما هذا يا جبريل قال هذا الكوثر الذي اعطاك ربك فضرب الملك بيده فإذا طينه مسك اذفر وفي صحيح مسلم في حديث صلاة الكسوف ان النبي جعل يتقدم ويتأخر في الصلاة ثم اقبل على اصحابه فقال انه عرضت لي الجنة والنار فقربت مني الجنة حتى لو تناولت منها قطفا لاخذته فلو اخذته لاكلتم منه ما بقيت الدنيا وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود في قوله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون ارواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوى الى تلك القناديل فاطلع عليهم ربك اطلاعة فقال هل تشتهون شيئا فقالوا أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا الحديث وفي الصحيح من حديث ابن عباس قال قال رسول الله لما اصيب اخوانكم باحد جعل الله ارواحهم في اجواف طير خضر ترد انهار الجنة وتأكل من ثمارها وتاوى الى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا من يبلغ عنا اخواننا انا في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا يتكلوا عند الحرب فقال الله أنا ابلغهم عنكم فانزل الله عز وجل ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله الاية وفي الموطأ من حديث كعب بن مالك ان رسول الله قال انما نسمة المؤمن طائر يعلق في الجنة حتى يرجعه الله الى جسده يوم يبعثه وفي البخاري ان إبراهيم ابن رسول الله لما توفي قال رسول الله ان له مرضعا في الجنة وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين قال قال رسول الله اطلعت في الجنة فرأيت اكثر اهلها الفقراء واطلعت في النار فرأيت اكثر اهلها النساء والاثار في هذا الباب اكثر من ان تذكرا واما القول بان الجنة والنار لم تخلقا بعد فهو قول اهل البدع من ضلال المعتزلة ومن قال بقولهم وهم الذين يقولون ان الجنة التي اهبط منها آدم إنما كانت جنة بشرقي الارض وهذه الاحاديث وأمثالها ترد قولهم قالوا وأما احتجاجكم بسائر الوجوه التي ذكرتموها في الجنة وأنها منتفية في الجنة التي اسكنها آدم من اللغو والكذب والنصب والعرى وغير ذلك فهذا كله حق لا ننكره نحن ولا احد من اهل الاسلام ولكن هذا إنما هو إذا دخلها المؤمنون(1\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14473",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يوم القيامة كما يدل عليه سياق الكلام وهذا لا ينفى ان يكون فيها بين آدم وإبليس ما حكاه الله عز وجل من الامتحان والابتلاء ثم يصير الامر عند دخول المؤمنين اليها الى ما أخبر الله عز وجل به فلا تنافي بين الامرين قالوا وأما قولكم ان الجنة دار جزاء وثواب وليست دارتكليف وقد كلف الله سبحانه آدم فيها بالنهي عن الشجرة فجوابه من وجهين احدهما انه إنما يمتنع ان تكون دار تكليف إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة فحينئذ ينقطع التكليف وأما امتناع وقوع التكليف فيها في دار الدنيا فلا دليل عليه الثاني ان التكليف فيها لم يكن بالاعمال التي يكلف بها الناس في الدنيا من الصيام والصلاة والجهاد ونحوها وإنما كان حجرا عليه في شجرة من جملة أشجارها وهذا لا يمتنع وقوعه في جنة الخلد كما ان كل احد محجور عليه ان يقرب أهل غيره فيها فإن اردتم بان الجنة ليست دار كيف امتناع وقوع مثل هذا فيها في وقت من الاوقات فلا دليل لكم عليه وإن اردتم ان غالب التكاليف التي تكون في الدنيامنتفية فيها فهو حق ولكن لا يدل على مطلوبكم قالوا وهذا كما انه موجب الادلة وقول سلف الامة فلا يعرف بقولكم قائل من ائمة العلم ولا يعرج عليه ولا يلتفت اليه قال الاولون الجواب عما ذكرتم من وجهين مجمل ومفصل اما المجمل فإنكم لم تأتوا على قولكم بدليل يتعين المصير اليه لا من قرآن ولا من سنة ولا أثر ثابت عن احد من اصحاب رسول الله ولا التابعين لا مسندا ولا مقطوعا ونحن نوجدكم من قال بقولنا هذا احد ائمة الاسلام سفيان بن عيينة قال في قوله عز وجل ان لك ان لا تجوع فيها ولا تعرى قال يعني في الارض وهذا عبد الله بن مسلم بن قتيبة قال في معارفه بعد ان ذكر خلق الله لادم وزوجه ان الله سبحانه اخرجه من مشرق جنة عدن الى الارض التي منها اخذ وهذا ابى قد حكى الحسن عنه ان آدم لما احتضر اشتهى قطفا من قطف الجنة فانطلق بنوه ليطلبوه له فلقيتهم الملائكة فقالوا اين تريدون يا بني آدم قالوا إن ابانا اشتهى قطفا من قطف الجنة فقالوا لهم ارجعوا فقد كفيتموه فانتهوا اليه فقبضوا روحه وغسلوه وحنطوه وكفنوه وصلى عليه جبريل وبنوه خلف الملائكة ودفنوه وقالوا هذه سنتكم في موتاكم وهذا ابو صالح قد نقل عن ابن عباس في قوله اهبطوا منها قال هو كما يقال هبط فلان في ارض كذا وكذا وهذا وهب بن منبه يذكر آن آدم خلق في الارض وفيها سكن وفيها نصب له الفردوس وانه كان بعدن وان سيحون وجيحون والفرات انقسمت من النهر الذي كان في وسط الجنة وهو الذي كان يسقيها وهذا منذر بن سعيد البلوطي اختاره في تفسيره ونصره بما حكيناه عنه وحكاه في غير التفسير عن ابي حنيفة فيما خالفه فيه فلم قال بقوله في هذه المسألة وهذا أبو مسلم الاصبهاني صاحب التفسير وغيره احد الفضلاء المشهورين قال بهذا وانتصر له واحتج عليه بما هو معروف(1\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14474",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في كتابه وهذا ابو محمد عبد الحق بن عطية ذكر القولين في تفسيره في قصة آدم في البقرة وهذا ابو محمد بن حزم ذكر القولين في كتاب الملل والنحل له فقال وكان المنذر بن سعيد القاضي يذهب الى ان الجنة والنار مخلوقتان الا انه كان يقول انها ليست هي التي كان فيها آدم وامراته وممن حكى القولين ايضا ابو عيسى الرماني في تفسيره واختار انها جنة الخلد ثم قال والمذهب الذي اخترناه قول الحسن وعمرو بن واصل وأكثر اصحابنا وهو قول ابي علي وشيخنا ابي بكر وعليه اهل التفسير وممن ذكر القولين ابو القاسم الراغب في تفسيره فقال واختلف في الجنة التي اسكنها آدم فقال بعض المتكلمين كان بستانا جعله الله له امتحانا ولم يكن جنة المأوى ثم قال ومن قال لم يكن جنة المأوى لانه لا تكليف في الجنة وآدم كان مكلفا قال وقد قيل في جوابه انها لا تكون دار التكليف في الاخرة ولا يمتنع ان تكون في وقت دار تكليف دون وقت كما ان الانسان يكون في وقت مكلفا دون وقت وممن ذكر الخلاف في المسألة ابو عبد الله بن الخطيب الرازي في تفسيره فذكر هذين القولين وقولا ثالثا وهو التوقف قال لامكان الجميع وعدم الوصول الى القطع كما سيأتي حكاية كلامه ومن المفسرين من لم يذكر غير هذا القول وهو انها لم تكن جنة الخلد إنما كانت حيث شاء الله من الارض وقالوا كانت تطلع فيها الشمس والقمر وكان ابليس فيها ثم اخرج قال ولو كانت جنة الخلد لما اخرج منها وممن ذكر القولين ايضا أبو الحسن الماوردي فقال في تفسيره واختلف في الجنة التي اسكناها على قولين احدهما انها جنة الخلد الثاني انها جنة اعدها الله لهما وجعلها دار ابتلاء وليست جنة الخلد التي جعلها الله دار جزاء ومن قال بهذا اختلفوا فيه على قولين احدهما انها في السماء لانه اهبطهما منها وهذا قول الحسن الثاني انها في الارض لانه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نهيا عنها دون غيرها من الثمار وهذا قول ابن يحيى وكان ذلك بعد ان أمر ابليس بالسجود لادم والله اعلم بصواب ذلك هذا كلامه وقال ابن الخطيب في تفسيره اختلفوا في ان الجنة المذكورة في هذه الاية هل كانت في الارض او في السماء وبتقدير انها كانت في السماء فهل هي الجنة التي هي دار الثواب وجنة الخلد او جنة اخرى فقال ابو القاسم البلخي وابو مسلم الاصبهاني هذه الجنة في الارض وحملا الاهباط على الانتقال من بقعة الى بقعة كما في قوله تعالى اهبطوا مصرا القول الثاني وهو قول الجبائي ان تلك كانت في السماء السابعة قال والدليل عليه قوله اهبطوا ثم ان الاهباط الاول كان من السماء السابعة الى السماء الاولى والاهباط الثاني كان من السماء الى الارض والقول الثالث وهو قول جمهور اصحابنا ان هذه الجنة هي دار الثواب والدليل عليههو ان الالف واللام في لفظ الجنة لا يفيد العموم لان سكنى آدم جميع الجنان محال فلا بد من صرفها الى المعهود السابق والجنة المعهودة المعلومة بين المسلمين هي دار الثواب فوجب صرف اللفظ اليها قال والقول الرابع ان الكل ممكن والادلة النقلية ضعيفة ومتعارضة فوجب التوقف وترك القطع(1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14475",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا ونحن لا نقلد هؤلاء ولا نعتمد على ما حكى عنهم والحجة الصحيحة حكم بين المتنازعين قالوا وقد ذكرنا على هذا القول ما فيه كفاية واما الجواب المفصل فنحن نتكلم على ما ذكرتم من الحجج لينكشف وجه الصواب فنقول وبالله التوفيق اما استدلالكم بحديث ابي هريرة وحذيفة حين يقول الناس لادم استفتح لنا الجنة فيقول وهل اخرجكم منها الا خطيئة ابيكم فهذا الحديث لا يدل على ان الجنة التي طلبوا منه ان يستفتحها لهم هي التي أخرج منها بعينها فإن الجنة اسم جنس فكل بستان يسمى جنة كما قال تعالى انا بلوناهم كما بلونا اصحاب الجنة إذ اقسموا ليصرمنها مصبحين وقال تعالى وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا او تكون لك جنة من نخيل وعنب وقال تعالى ومثل الذين ينفقون اموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من انفسهم كمثل جنة بربوة وقال تعالى واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لاحدهما جنتين من اعناب وحففناهما بنخل الى قوله ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة الا بالله فإن الجنة اسم جنس فهم لما طلبوا من آدم ان يستفتح لهم جنة الخلد اخبرهم بأنه لا يحسن منه ان يقدم على ذلك وقد اخرج نفسه وذريته من الجنة التي اسكنه الله اياها بذنبه وخطيئته هذا الذي دل عليه الحديث وأما كون الجنة التي اخرج منها هي بعينها التي طلبوا منه ان يستفتحها لهم فلا يدل الحديث عليه بشيء من وجوه الدلالات الثلاث ولو دل عليه لوجب المصير الى مدلول الحديث وامتنع القول بمخالفته وهل مدارنا الا على فهم مقتضى كلام الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه قالوا وأما استدلالكم بالهبوط وأنه نزول من علو الى سفل فجوابه من وجهين احدهما ان الهبوط قد استنقل في النقلة من ارض الى ارض كما يقال هبط فلان بلد كذا وكذا وقال تعالى اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وهذا كثير في نظم العرب ونثرها قال: إن تهبطين بلاد قو ... م يرتعون من الطلاح وقد روى ابو صالح عن ابن عباس رضى الله عنهما قال هو كما يقال هبط فلان ارض كذا وكذا الثاني انا لا ننازعكم في ان الهبوط حقيقة ما ذكرتموه ولكن من اين يلزم ان تكون الجنة التي منها الهبوط فوق السموات فإذا كانت في أعلى الارض اما يصح ان يقال هبط منها كما يهبط الحجر من اعلى الجبل الى اسفله ونحوه وأما قوله تعالى ولكم في الارض مستقرومتاع الى حين فهذا يدل على ان الارض التي اهبطوا اليها لهم فيها مستقر ومتاع الى حين ولا يدل على انهم لم يكونوا في جنة عالية اعلى من الارض التي اهبطوا اليها تخالف الارض(1\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14476",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في صفاتها واشجارها ونعيمها وطيبها فالله سبحانه فاوت بين بقاع الارض اعظم تفاوت وهذا مشهود بالحس فمن اين لكم ان تلك لم تكن جنة تميزت عن سائر بقاع الارض بما لا يكون الا فيها ثم اهبطوا منها الى الارض التي هي محل التعب والنصب والابتلاء والامتحان وهذا بعينه هوالجواب عن استدلالكم بقوله تعالى إن لك الا تجوع فيهاولاتعرى ألى آخر ما ذكرتموه مع ان هذا حكم معلق بشرط والشرط لم يحصل فإنه سبحانه إنما قال ذلك عقيب قوله ولا تقربا هذه الشجرة وقوله ان لك الا تجوع فيها ولا تعرى هو صيغة وعد مرتبطة بما قبلها والمعنى ان اجتنبت الشجرة التي نهيتك عنها ولم تقربها كان لك هذا الوعد والحكم المعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط فلما اكل من الشجرة زال استحقاقه لهذا الوعد قال واما قولكم انه لو كانت الجنة في الدنيا لعلم آدم كذب ابليس في قوله هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى الى آخره فدعوى لا دليل عليها لانه لا دليل لكم على ان الله سبحانه كان قد اعلم آدم حين خلقه ان الدنيا منقضية فانية وان ملكها يبلى ويزول وعلى تقدير ان يكون آدم حينئذ قد أعلم ذلك فقول ابليس هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى لا يدل على انه اراد بالخلد مالا يتناهى فإن الخلد في لغة العرب هو اللبث الطويل كقولهم قيد مخلد وحبس مخلد وقد قال تعالى لثمود تبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وكذلك قوله وملك لا يبلى يراد به الملك الطويل الثابت وأيضا فلا وجه للاعتذار عن قول ابليس مع تحقق كذبه ومقاسمته آدم وحواء على الكذب والله سبحانه قد أخبر انه قاسمهما ودلاهما بغرور وهذا يدل على انهما اغترا بقوله فغرهما بان اطمعهما في خلد الابد والملك الذي لا يبلى وبالجملة فالاستدلال بهذا على كون الجنة التي سكنها آدم هي جنة الخلد التي وعدها المتقون غير بين ثم نقول لو كانت الجنة هي جنة الخلد التي لا يزول ملكها لكانت جميع اشجارها شجر الخلد فلم يكن لتلك الشجرة اختصاص من بين سائر الشجر بكونها شجرة الخلد وكان آدم يسخر من ابليس إذ قد علم ان الجنة دار الخلد فإن قلتم لعل آدم لم يعلم حينئذ ذلك فغره الخبيث وخدعه بان هذه الشجرة وحدها هي شجرة الخلد قلنا فاقنعوا منا بهذا الجواب بعينه عن قولكم لو كانت الجنة في الدنيا لعلم آدم كذب ابليس في ذلك لان قوله كان خداعا وغرورا محضا على كل تقدير فانقلب دليلكم حجة عليكم وبالله التوفيق قالوا وأما قولكم ان قصة آدم في البقرة ظاهرة جدا في ان جنة آدم كانت فوق السماء فنحن نطالبكم بهذا الظهور ولا سبيل لكم الى اثباته قولكم انه كرر فيه ذكر الهبوط مرتين ولا بد ان يفيد الثاني غير ما أفاد الاول فيكون الهبوط الاول من الجنة والثاني من السماء فهذا فيه خلاف بين اهل التفسير فقالت طائفة هذا القول الذي ذكرتموه وقالت طائفة(1\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14477",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منهم النقاش وغيره ان الهبوط الثاني إنما هو من الجنة الى السماء والهبوط الاول الى الارض وهو آخر الهبوطين في الوقوع وان كان اولهما في الذكر وقالت طائفة اتى به على جهة التغليظ والتأكيد كما تقول للرجل اخرج اخرج وهذه الاقوال ضعيفة فأما القول الاول فيظهر ضعفه من وجوه احدها انه مجرد دعوى لا دليل عليها من اللفظ ولا من خبر يجب المصير اليه وما كان هذا سبيله لا يحمل القرآن عليه الثاني ان الله سبحانه قد اهبط ابليس لما امتنع من السجود لادم اهباطا كونيا قدريا لا سبيل له الى التخلف عنه فقال تعالى اهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها فاخرج انك من الصاغرين وقال في موضع آخر فاخرج منها فانك رجيم وان عليك اللعنة الى يوم الدين وفي موضع آخر اخرج منها مذموما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم اجمعين وسواء كان الضمير في قوله منها راجعا الى السماء او الى الجنة فهذا صريح في اهباطه وطرده ولعنه وادحاره والمدحور المبعد وعلى هذا فلو كانت الجنة فوق السموات لكان قد صعد اليها بعد اهباط الله له وهذا وان كان ممكنا فهو في غاية البعد عن حكمة الله ولا يقتضيه خبره فلا ينبغي ان يصار اليه وأما الوجوه الاربعة التي ذكرتموها من صعوده للوسوسة فهي مع امر الله تعالى بالهبوط مطلقا وطرده ولعنه ودحوره لا دليل عليها لا من اللفظ ولا من الخبر الذي يجب المصير اليه وما هي الا احتمالات مجردة وتقديرات لا دليل عليها الثالث ان سياق قصة اهباط الله تعالى لابليس ظاهرة في أنه اهباط الى الارض من وجوه احدها انه سبحانه نبه على حكمة اهباطه بما قام به من التكبر المقتضى غاية ذله وطرده ومعاملته بنقيض قصده وهو اهباطه من فوق السموات الى قرار الارض ولا تقتضى الحكمة ان يكون فوق السماء مع كبره ومنافاة حاله لحال الملائكة الاكرمين الثاني انه قال فاخرج منها فإنك رجيم وان عليك لعنتي الى يوم الدين وكونه رجيما ملعونا ينفى ان يكون في السماء بين المقربين المطهرين الثالث انه قال اخرج منها مذؤما مدحورا وملكوت السموات لا يعلوه المذموم المدحور ابدا وأما القول الثاني فهو القول الاول بعينه مع زيادة ما لا يدل عليه السياق بحال من تقديم ما هو مؤخر في الواقع وتأخير ما هو مقدم فيه فيرد بما رد به القول الذي قبله وأما القول الثالث وهو أنه للتأكيد فإن أريد التأكيد اللفظي المجرد فهذا لا يقع في القرآن وان اريد به انه مستلزم للتغليظ والتأكيد مع ما يشتمل عليه من الفائدة فصحيح فالصواب ان يقال اعيد الاهباط مرة ثانية لانه علق عليه حكما غير المعلق على الاهباط الاول فإنه علق على الاول عداوة بعضهم بعضا فقال اهبطوا بعضكم لبعض عدو وهذه جملة حالية وهي اسمية بالضمير وحده عند الاكثرين والمعنى اهبطوا متعادين وعلق على الهبوط الثاني حكمين آخرين احدهما هبوطهم جميعا والثاني(1\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14478",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون فكأنه قيل اهبطوا بهذا الشرط مأخوذا عليكم هذا العهد وهو انه مهما جاءكم مني هدى فمن اتبعه منكم فلا خوف عليه ولا حزن يلحقه ففي الاهباط الاول إيذان بالعقوبة ومقابلتهم على الجريمة وفي الاهباط الثاني روح التسلية والاستبشاربحسن عاقبة هذا الهبوط لمن تبع هداي ومصيره الى الامن والسرور المضاد للخوف والحزن فكسرهم بالاهباط الاول وجبر من اتبع هداه بالاهباط الثاني على عادته سبحانه ولطفه بعباده وأهل طاعته كما كسر آدم بالاخراج من الجنة وجبره بالكلمات التي تلقاها منه فتاب عليه وهداه ومن تدبر حكمته سبحانه ولطفه وبره بعباده وأهل طاعته في كسره لهم ثم جبره بعد الانكسار كما يكسر العبد بالذنب ويذله به ثم يجبره بتوبته عليه ومغفرته له وكما يكسره بأنواع المصائب والمحن ثم يجبره بالعافية والنعمة انفتح له باب عظيم من أبواب معرفته ومحبته وعلم انه ارحم بعباده من الوالدة بولدها وان ذلك الكسر هو نفس رحمته به وبره ولطفه وهو أعلم بمصلحة عبده منه ولكن العبد لضعف بصيرته ومعرفته بأسماء ربه وصفاته لا يكاد يشعر بذلك ولا ينال رضا المحبوب وقربه والابتهاج والفرح بالدنو منه والزلفى لديه الاعلى جسر من الذلة والمسكنة وعلى هذا قام امر المحبة فلا سبيل الى الوصول الى المحبوب الا بذلك كما قيل تذلل لمن تهوى لتحظى بقربه ... فكم عزة قد نالها العبد بالذل إذا كان من تهوى عزيز او لم تكن ... ذليلا له فاقرا السلام على الوصل وقال آخر: اخضع وذل لمن تحب فليس في ... شرع الهوى انف يشال ويقعد وقال آخر: وما فرحت بالوصل نفس عزيزة ... وما العز إلا ذلها وانكسارها قالوا وإذا علم ان إبليس اهبط من دار العز عقب امتناعه وإبائه من السجود لادم ثبت ان وسوسته له ولزوجه كانت في غير المحل الذي اهبط منه والله اعلم قالوا واما قولكم ان الجنة إنما جاءت معرفة باللام وهي تنصرف الى الجنة التي لا يعهد بنو آدم سواها فلا ريب انها جاءت كذلك ولكن العهد وقع في خطاب الله تعالى آدم لسكناها بقوله اسكن انت وزوجك الجنة فهي كانت معهودة عند آدم ثم اخبرنا سبحانه عنهامعرفا لها بلام التعريف فانصرف العرف بها الى تلك الجنة المعهودة في الذهن وهي التي سكنها آدم ثم اخرج منها فمن اين في هذا ما يدل على محلها وموضعها بنفي او إثبات وأما مجيء جنة الخلد معرفة باللام فلانها الجنة(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14479",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التي اخبرت بها الرسل لاممهم ووعدها الرحمن عباده بالغيب فحيث ذكرت انصرف الذهن اليها دون غيرها لانها قد صارت معلومة في القلوب مستقرة فيها ولا ينصرف الذهن الى غيرها ولا يتوجه الخطاب الى سواها وقد جاءت الجنة في القرآن معرفة باللام والمراد بها بستان في بقعة من الارض كقوله تعالى إنا بلوناهم كما بلونا اصحاب الجنة إذ اقسموا ليصرمنها مصبحين فهذا لا ينصرف الذهن فيها الى جنة الخلد ولا الى جنة آدم بحال قالوا وما قولكم انه قد اتفق اهل السنة والجماعة على ان الجنة والنار مخلوقتان وإنه لم ينازع في ذلك إلا بعض أهل البدع والضلال واستدلالكم على وجود الجنة الان فحق لاننازعكم فيه وعندنا من الادلة على وجودها اضعاف ما ذكرتم ولكن أي تلازم بين ان تكون جنة الخلد مخلوقة وبين ان تكون هي جنة آدم بعينها فكانكم تزعمون ان كل من قال ان جنة آدم هي جنة في الارض فلا بد له ان يقول ان الجنة والنار لم يخلقا بعد وهذا غلط منكم منشؤه من توهمكم ان كل من قال بأن الجنة لم تخلق بعد فإنه يقول ان جنة آدم هي في الارض كذلك بالعكس ان كل من قال ان جنة آدم في الارض فيقول ان الجنة لم تخلق فأما الاول فلا ريب فيه وأما الثاني فوهم لا تلازم بينهما لافي المذهب ولا في الدليل فأنتم نصبتم دليلكم مع طائفة نحن وانتم متفقون على انكار قولهم ورده وابطاله ولكن لا يلزم من هذا بطلان هذا القول الثالث وهذا واضح قالوا وأما قولكم ان جميع ما نفاه الله سبحانه عن الجنة من اللغو والعذاب وسائر الافات التي وجد بعضها من ابليس عدو الله فهذا إنما يكون بعد القيامة إذا دخلها المؤمنون كما يدل عليه السياق فجوابه من وجهين احدهما ان ظاهر الخبر يقتضي نفيه مطلقا لقوله تعالى لا لغو فيها ولا تأثيم ولقوله تعالى لا تسمع فيها لاغية فهذا نفي عام لا يجوز تخصيصه الا بمخصص بين والله سبحانه قد حكم بانها دار الخلد حكما مطلقا فلا يدخلها الا خالد فيها فتخصيصكم هذه التسمية بما بعد القيامة خلاف الظاهر الثاني ان ما ذكرتم إنما يصار اليه إذا قام الدليل السالم عن المعارض المقاوم انها جنة الخلد بعينها وحينئذ يتعين المصير الى ما ذكرتم فأما إذا لم يقم دليل سالم على ذلك ولم تجمع الامة عليه فلا يسوغ مخالفة ما دلت عليه النصوص البينة بغير موجب والله اعلم قالوا ومما يدل على انها ليست جنة الخلد التي وعدها المتقون ان الله سبحانه لما خلق آدم اعلمه ان لعمره اجلا ينتهي اليه وأنه لم يخلقه للبقاء ويدل على هذا ما رواه الترمذي في جامعه قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا صفوان بن عيسى حدثنا الحارث بن عبد الرحمن ابن ابي زياب عن سعيد بن ابي سعيد المقبري عن ابي هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال الحمد لله يا رب فقال له ربه يرحمك الله يا آدم إذهب الى اولئك الملائكة إلى ملاء منهم جلوس فقل السلام(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14480",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليكم قالوا وعليك السلام ثم رجع الى ربه فقال ان هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم فقال الله له ويداه مقبوضتان اختر ايتهما شئت فقال اخترت يمين ربي كلتا يدي ربي يمين مباركة ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته قال أي رب ما هؤلاء قال هؤلاء ذريتك فإذا كل إنسان مكتوب عمره بين عينيه فإذا رجل اضوؤهم او من اضوئهم قال يا رب من هذا قال هذا ابنك داود وقد كتبت له عمرا اربعين سنة قال يا رب زد في عمره قال ذاك الذي كتبت له قال أي رب فإني قد جعلت له من عمري ستين سنة قال أنت وذاك قال ثم اسكن الجنة ما شاء الله ثم اهبط منها وكان آدم يعد لنفسه فأتاه ملك الموت فقال له آدم قد عجلت اليس قد كتبت لي الف سنة قال بلى ولكنك جعلت لابنك داود ستين سنة فجحد فجحدت ذريته ونسى فنسيت ذريته قال فمن يومئذ امر بالكتاب والشهود هذا حديث حسن غريب م هذا الوجه وروى من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي قالوا فهذا صريح في أن آدم لم يكن مخلوقا في دار الخلد التي لا يموت من دخلها وإنما خلق في دار الفناء التي جعل الله لها ولأهلها اجلا معلوما وفيها اسكن فإن قيل فإذا كان آدم قد علم ان له عمرا ينتهي اليه وأنه ليس من الخالدين فكيف لم يكذب ابليس ويعلم بطلان قوله حيث قال له هل ادلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى بل جوز ذلك واكل من الشجرة طمعا في الخلد فالجواب ما تقدم من الوجهين اما ان يكون المراد بالخلد المكث الطويل الى أبد الابد او يكون عدوه ابليس لماقاسمه وزوجه وغيرهما واطمعهما بدوامهما في الجنة نسى ما قدر له من عمره قالوا والمعول عليه في ذلك قوله تعالى للملائكة إني جاعل في الارض خليفة وهذا الخليفة هو آدم باتفاق الناس ولما عجبت الملائكة من ذلك وقالوا اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك عرفهم سبحانه ان هذا الخليفة الذي هوجاعله في الارض ليس حاله كما توهمتم من الفساد بل اعلمه من علمي مالا تعلمونه فأظهر من فضله وشرفه بأن علمه الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فلم يعرفوها وقالوا سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم وهذا يدل على ان هذا الخليفة الذي سبق به اخبار الرب تعالى لملائكته وأظهر تعالى فضله وشرفه وأعلمه بما لم تعلمه الملائكة وهو خليفة مجعول في الارض لا فوق السماء فإن قيل قوله تعالى اني جاعل في الارض خليفة إنما هو بمعنى سأجعله في الارض فهي مآله ومصيره وهذا لا ينافي ان يكون في جنة الخلد فوق السماء اولا ثم يصير الى الارض للخلافة التي جعلها الله له واسم الفاعل هنا بمعنى الاستقبال ولهذا انتصب عنه المفعول فالجواب ان الله سبحانه اعلم ملائكته بانه يخلقه لخلافة الارض لا لسكنى جنة الخلود وخبره الصدق وقوله الحق وقد علمت الملائكة(1\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14481",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنه هو آدم فلو كان قد اسكنه دار الخلود فوق السماء لم يظهر للملائكة وقوع المخبر ولم يحتاجوا الى ان يبين لهم فضله وشرفه وعلمه المتضمن رد قولهم أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء فإنهم إنما سألوا هذا السؤال في حق الخليفة المجعول في الارض فاما من هو في دار الخلد فوق السماء فلم تتوهم الملائكة منه سفك الدماء والفساد في الارض ولا كان اظهار فضله وشرفه وعلمه وهو فوق السماء رادا لقولهم وجوابا لسؤالهم بل الذي يحصل به جوابهم وضد ما توهموه إظهار تلك الفضائل والعلوم منه وهو في محل خلافته التي خلق لها وتوهمت الملائكة انه لا يحصل منه هناك الا ضدها من الفساد وسفك الدماء وهذا واضح لمن تأمله وأما اسم الفاعل وهو فاعل وإن كان بمعنى الاستقبال فلأن هذا إخبار عما سيفعله الرب تعالى في المستقبل من جعله الخليفة في الارض وقد صدق وعده ووقع ما أخبر به وهذا ظاهر في أنه من أول الامر جعله خليفة في الارض وأما جعله في السماء اولا ثم جعله خليفة في الارض ثانيا وإن كان مما لا ينافي الاستخلاف المذكور فهو ممالا يقتضيه اللفظ بوجه بل يقتضى ظاهره خلافه فلا يصار اليه إلا بدليل يوجب المصير اليه وحوله ندندن قالوا وايضا فمن المعلوم الذي لا يخالف فيه مسلم ان الله سبحانه خلق آدم من تراب وهو تراب هذه الارض بلا ريب كما روى الترمذي في جامعه من حديث عوف عن قسامة بن زهير عن ابي موسى الاشعري رضى الله عنه قال قال رسول الله ان الله تبارك وتعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الارض فجاء بنو آدم على قدر الارض فجاء منهم الاحمر والابيض والاسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وقد رواه الامام احمد في مسنده من طرق عدة وقد أخبر سبحانه انه خلقه من تراب وأخبر انه خلقه من سلالة من طين واخبر انه خلقه من صلصال من حمأ مسنون والصلصال قيل فيه هو الطين اليابس الذي له صلصلة ما لم يطبخ فإذا طبخ فهو فخار وقيل فيه هو المتغير الرائحة من قولهم صل إذا انتن والحمأ الطين الاسود المتغير والمسنون قيل المصبوب من سننت الماء إذا صببته وقيل المنتن المسن من قولهم سننت الحجر على الحجر إذا حككته فإذا سال بينهما شيء فهو سنين ولا يكون إلا منتنا وهذه كلها اطوار التراب الذي هو مبدؤه الاول كما اخبر عن خلق الذرية من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة وهذه احوال النطفة التي هي مبدأ الذرية ولم يخبر سبحانه انه رفعه من الارض الى فوق السموات لا قبل التخليق ولا بعده وإنما اخبر عن اسجاد الملائكة له وعن إدخاله الجنة وما جرى له مع إبليس بعد خلقه فأخبر سبحانه بالأمور الثلاثة في نسق واحد مرتبطا بعضها ببعض قالوا فأين الدليل الدال على إصعاد مادته واصعاده بعدخلقه الى فوق السموات هذا مما لا دليل لكم عليه اصلا ولا هو لازم من لوازم ما أخبر الله به قالوا ومن المعلوم ان ما فوق(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14482",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السموات ليس بمكان للطين الارضي المتغير الرائحة الذي قد انتن من تغيره وإنما محله هذا الارض التي هي محل المتغيرات والفاسدات وأما ما كان فوق الأملاك فلا يلحقه تغير ولا نتن ولافساد ولا استحاله قالوا وهذا امر لا يرتاب فيه العقلاء قالوا وقد قال تعالى وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والارض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ فأخبر سبحانه ان هذا العطاء في جنة الخلد غير مقطوع وما اعطيه آدم فقد انقطع فلم تكن تلك جنة الخلد قالوا وأيضا فلا نزاع في ان الله تعالى خلق آدم في الارض كما تقدم ولم يذكر في قصته انه نقله الى السماء ولو كان تعالى قد نقله الى السماء لكان هذا اولى بالذكر لانه من اعظم انواع النعم عليه واكبر اسباب تفضيله وتشريفه وابلغ في بيان آيات قدرته وربوبيته وحكمته وابلغ في بيان المقصود من عاقبة المعصية وهو الاهباط من السماء التي نقل اليها كما ذكر ذلك في حق ابليس فحيث لم يجيء في القرآن ولا في السنة حرف واحد أنه نقله الى السماء ورفعه اليها بعد خلقه في الارض علم ان الجنة التي ادخلها لم تكن هي جنة الخلد التي فوق السموات قالوا وأيضا فإنه سبحانه قد اخبر في كتابه انه لم يخلق عباده عبثا ولا سدى وأنكر على من زعم ذلك فدل على ان هذا مناف لحكمته ولو كانتا جنة آدم هي جنة الخلد لكانوا قد خلقوا في دار لا يؤمرون فيها ولا ينهون وهذا باطل بقوله أيحسب الانسان ان يترك سدى قال الشافعي وغيره معطلا لا يؤمر ولا ينهى وقال أفحسبتم انا خلقناكم عبثا فهو تعالى لم يخلقهم عبثا ولا تركهم سدى وجنة الخلد لا تكليف فيها قالوا وأيضا فإنه خلقها جزاء للعاملين بقوله تعالى نعم اجر العالمين وجزاء للمتقين بقوله ولنعم دار المتقين ودار الثواب بقوله ثوابا من عند الله فلم يكن ليسكنها إلا من خلقها لهم من العاملين ومن المتقين ومن تبعهم من ذرياتهم وغيرهم من الحور والولدان وبالجملة فحكمته تعالى اقتضت انها لا تنال الا بعد الابتلاء والامتحان والصبر والجهاد وأنواع الطاعات وإذا كان هذا مقتضى حكمته فإنه سبحانه لا يفعل الا ما هومطابق لها قالوا فإذا جمع ما أخبر الله عز وجل به من انه خلقه من الارض وجعله خليفة في الارض وأن ابليس وسوس له في مكانه الذي اسكنه فيه بعد ان اهبط ابليس من السماء وأنه أخبر ملائكته انه جاعل في الارض خليفة وأن دار الجنة لا لغو فيها ولا تاثيم وان من دخلها لا يخرج منها ابدا وان من دخلها ينعم لا يبؤس وانه لا يخاف ولا يحزن وان الله سبحانه حرمها على الكافرين وعدو الله ابليس اكفر الكافرين فمحال ان يدخلها اصلا لا دخول عبور ولا دخول قرار وانها دار نعيم لا دار ابتلاء وامتحان الى غير ذلك مما ذكرناه من منافاة اوصاف جنة الخلد للجنة التي اسكنها آدم إذا جمع ذلك بعضه الى بعض ونظر فيه بعين الانصاف والتجرد عن نصرة المقالات تبين الصواب من ذلك والله المستعان(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14483",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال الاخرون بل الجنة التي اسكنها آدم عند سلف الامة وأئمتها وأهل السنة والجماعة هي جنة الخلد ومن قال انها كانت جنة في الارض بأرض الهند أو بأرض جدة او غير ذلك فهو من المتفلسفة والملحدين والمعتزلة او من اخوانهم المتكلمين المبتدعين فإن هذا يقوله من يقوله من المتفسلفة والمعتزلة والكتاب يرد هذا القول وسلف الامة وأئمتها متفقون على بطلان هذا القول قال تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا الا ابليس ابى واستكبر وكان من الكافرين وقلنا يا آدم اسكن انت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأزلهما الشيطان عنها فاخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع الى حين فقد أخبر سبحانه أنه أمرهم بالهبوط وان بعضهم لبعض عدو ثم قال ولكم في الارض مستقر ومتاع الى حين وهذا بين انهم لم يكونوا في الارض وإنما اهبطوا الى الارض فإنهم لو كانوا في الارض وانتقلوا منها الى ارض اخرى كما انتقل قوم موسى من ارض الى ارض كان مستقرهم ومتاعهم الى حين في الارض قبل الهبوط كما هو بعده وهذا باطل قالوا وقد قال تعالى في سورة الاعراف لما قال إبليس أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها فاخرج انك من الصاغرين يبين اختصاص الجنة التي في السماء بهذا الحكم بخلاف جنة الارض فإن ابليس كان غير ممنوع من التكبر فيها والضمير في قوله منها عائد الى معلوم وان كان غير مذكور في اللفظ لان العلم به أغنى عن ذكره قالوا وهذا بخلاف قوله اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم فإنه لم يذكر هنا ما اهبطوا منه وإنما ذكر ما اهبطوا اليه بخلاف اهباط ابليس فإنه ذكر مبدأ هبوطه وهو الجنة والهبوط يكون من علوالى سفل وبنو اسرائيل كانوا بجبال السراة المشرفة على مصر الذي يهبطون اليه ومن هبط من جبل الى واد قيل له اهبط قالوا وايضا فبنو اسرائيل كانوا يسيرون ويرحلون والذي يسير ويرحل إذا جاء بلدة يقال نزل فيها لان من عادته ان يركب في مسيره فإذا وصل نزل عن دوابه ويقال نزل العدو بأرض كذا ونزل القفل ونحوه ولفظ النزول كلفظ الهبوط فلا يستعمل نزل وهبط الا إذا كان من علو الى سفل وقال تعالى عقب قوله اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع الى حين قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون فهذا دليل على انهم لم يكونوا قبل ذلك في مكان فيه يحيون وفيه يموتون ومنه يخرجون والقرآن صريح في انهم انما صاروا اليه بعدالاهباط قالوا ولو لم يكن في هذه الا قصة آدم وموسى لكانت كافية فإن موسى إنما لام آدم عليه السلام لما حصل له ولذريته من الخروج من الجنة من النكد والمشقة فلو كانت بستانا في الارض لكان غيره من بساتين الارض يعوض(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14484",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنه وموسى اعظم قدرا من ان يلومه على ان اخرج نفسه وذريته من بستان في الارض قالوا وكذلك قول آدم يوم القيامة لما يرغب اليه الناس ان يستفتح لهم باب الجنة فيقول وهل اخرجكم منها الا خطيئة ابيكم فإن ظهور هذا في كونها جنة الخلد وانه اعتذر لهم بانه لا يحسن منه ان يستفتحها وقد اخرج منها بخطيئته من اظهر الادلة قال الاولون اما قولكم ان من قال انها جنة في الارض فهو من المتفلسفة والملحدين والمعتزلة او من اخوانهم فقد اوجدناكم من قال بهذا وليس من احد من هؤلاء ومشاركة أهل الباطل للمحق في المسئلة لا يدل على بطلانها ولا تكون اضافتها لهم موجبة لبطلانها ما لم يختص بها فإن اردتم أنه لم يقل بذلك إلا هؤلاء فليس كذلك وإن اردتم ان هؤلاء من جملة القائمين بهذا لم يفدكم شيئا قالوا وأما قولكم وسلف الامة وأئمتها متفقون على بطلان هذا القول فنحن نطالبكم بنقل صحيح عن واحد من الصحابة ومن بعدهم من ائمة السلف فضلا عن اتفاقهم قالوا ولا يوجد عن صاحب ولا تابع ولا تابع تابع خبر يصح موصولا ولا شاذا ولا مشهورا ان النبي قال ان الله تعالى اسكن آدم جنة الخلد التي هي دار المتقين يوم المعاد قالوا وهذا القاضي منذر بن سعيد قد حكى عن غير واحد من السلف انها ليست جنة الخلد فقال ونحن نوجدكم ان ابا حنيفة فقيه العراق ومن قال بقوله قد قالوا ان جنة آدم التي خلقها الله ليست جنة الخلد وليسوا عند أحد من العالمين من الشاذين بل من رؤساء المخالفين وهذه الدواوين مشحونة من علومهم وقد ذكرنا قول ابن عيينة وقد ذكر ابن مزين في تفسيره قال سألت ابن نافع عن الجنة أمخلوقة فقال السكوت عن هذا افضل قالوا فلو كان عند ابن نافع ان الحنة التي اسكنها آدم هي جنة الخلد لم يشك انها مخلوقة ولم يتوقف في ذلك وقال ابن قتيبة في كتابه غريب القرآن في قوله تعالى وقلنا اهبطوا منها قال ابن عباس رضى الله عنهما في رواية ابي صالح هو كما يقال هبط فلان ارض كذا وكذا ولم يذكر في كتابه غيره فأين اجماع سلف الامة وأئمتها قالوا واما احتجاجكم بقوله تعالى ولكم في الارض مستقر عقيب قوله اهبطوا فهذا لا يدل على انهم كانوا في جنة الخلد فان احد الاقوال في المسئلة انها كانت جنة في السماء غير جنة الخلد كما حكاه الماوردي في تفسره وقد تقدم وأيضا فإن قوله ولكم في الارض مستقر يدل على ان لهم مستقرا الى حين في الارض المنقطعة عن الجنة ولا بد فإن الجنة ايضا لها ارض قال تعالى عن اهل الجنة وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده واورثنا الارض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم اجر العاملين فدل على ان قوله ولكم في الارض مستقر المراد به الارض الخالية من(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14485",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تلك الجنة لا كل ما يسمى ارضا وكان مستقرهم الاول في ارض الجنة ثم صار في ارض الابتلاء والامتحان ثم يصير مستقر المؤمنين يوم الجزاء ارض الجنة ايضا فلا تدل الاية على ان جنة آدم هي جنة الخلد قالوا وهذا هو الجواب بعينه عن استدلالكم بقوله تعالى قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون فان المراد به الارض التي اهبطوا اليها وجعلت مسكنا لهم بدل الجنة وهذا تفسير المستقر المذكور في البقرة مع تضمنه ذكر الاخراج منها قالوا وأما قوله تعالى لابليس اهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها وقولكم ان هذا انما هو في الجنة التي في السماء والا فجنة الارض لم يمنع ابليس من التكبر فيها فهو دليل لنا في المسئلة فإن جنة الخلد لا سبيل لابليس الى دخولها والتكبر فيها اصلا وقد اخبر تعالى انه وسوس لادم وزوجه وكذبهما وغرهما وخانهما وتكبر عليهما وحسدهما وهما حينئذ في الجنة فدل على انها لم تكن جنة الخلد ومحال ان يصعد اليها بعد اهباطه واخراجه منها قالوا والضمير في قوله اهبطوا منها إما ان يكون عائدا الى السماء كما هو احد القولين وعلى هذا فيكون سبحانه قد اهبطه من السماء عقب امتناعه من السجود وأخبر انه ليس له ان يتكبر ثم تكبر وكذب وخان في الجنة فدل على انها ليست في السماء او يكون عائدا الى الجنة على القول الاخر ولا يلزم من هذا القول ان تكون الجنة التي كاد فيها آدم وغره قاسمه كاذبا في تلك التي اهبط منها بل القرآن يدل على انها غيرها كما ذكرناه فعلى التقديرين لا تدل الاية على ان الجنة التي جرى لادم مع ابليس ما جرى فيها هي جنة الخلد قالوا وأما قولكم ان بني اسرائيل كانوا بجبال السراة المشرفة على الارض التي يهبطون وهم كانوا يسيرون ويرحلون فلذلك قيل لهم اهبطوا فهذا حق لا ننازعكم فيه وهو بعينه جواب لنا فإن الهبوط يدل على ان تلك الجنة كانت اعلا من الارض التي اهبطوا اليها واما كونها جنة الخلد فلا قالوا والفرق بين قوله اهبطوامصرا وقوله اهبطوا منها فإن الاول لنهاية الهبوط وغايته وهبطوا منها متضمن لمبدئه وأوله لا تأثير له فيما نحن فيه فإن هبط من كذا الى كذا يتضمن معنى الانتقال من مكان عال الى مكان سافل فأي تأثير لابتداء الغاية ونهايتها في تعيين محل الهبوط بأنه جنة الخلد قالوا وأما قصة موسى ولومه لآدم على إخراجهمن الجنة فلا يدل على أنها جنة الخلد وقولكم لا يظن بموسى أنه يلوم آدم على إخراجه نفسه وذريته من بستان في الارض تشنيع لا يفيد شيئا افترى كان ذلك بستانا مثل آحاد هذه البساتين المقطوعة المهوعة التي هي عرضة الافات والتعب والنصب والظمأ والحرث والسقي والتلقيح وسائر وجوه النصب الذي يلحق هذه البساتين ولا ريب ان موسى عليه الصلاة والسلام أعلم واجل من ان يلوم آدم على(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14486",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خروجه وإخراج بنيه من بستان هذا شأنه ولكن من قال بهذا وإنما كانت جنة لا يلحقها آفة ولا تنقطع ثمارها ولا تغور انهارها ولا يجوع ساكنها ولا يظمأ ولا يضحى للشمس ولا يعرى ولا يمسه فيها التعب والنصب والشقاء ومثل هذه الجنة يحسن لوم الانسان على التسبب في خروجه منها قالوا واما اعتذار آدم عليه الصلاة والسلام يوم القيامة لأهل الموقف بأن خطيئته هي التي اخرجته من الجنة فلا يحسن ان يستفتحها لهم فهذا لا يستلزم ان تكون هي بعينها التي اخرج منها بل إذا كانت غيرها كان أبلغ في الاعتذار فإنه إذا كان الخروج من غير جنة الخلد حصل بسبب الخطيئة فكيف يليق استفتاح جنة الخلد والشفاعة فيها ثم خرج من غيرها بخطيئة فهذا موقف نظر الفريقين ونهاية أقدام الطائفتين فمن كان له فضل علم في هذه المسئلة فليجد به فهذا وقت الحاجة اليه ومن علم منتهى خطوته ومقدار بضاعته فليكل الامر الى عالمه ولا يرضى لنفسه بالتنقيص والازراء عليه وليكن من اهل التلول الذين هم نظارة الحرب إذا لم يكن من أهل الكر والفر والطعن والضرب فقد تلاقت الفحول وتطاعنت الاقران وضاق بهم المجال في حلبة هذا الميدان إذا تلاقى الفحول في لجب ... فكيف حال الغصيص في الوسط هذه معاقد حجج الطائفتين مجتازة ببابك واليك تساق وهذه بضائع تجار العلماء ينادي عليها في سوق الكساد لا في سوق النفاق فمن لم يكن له به شيء من اسباب البيان والتبصرة فلا يعدم من قد استفرغ وسعه وبذل جهده منه التصويب والمعذرة ولا يرضى لنفسه بشر الخطتين وابخس الحظين جهل الحق وأسبابه ومعاداة اهله وطلابه وإذا عظم المطلوب وأعوزك الرفيق الناصح العليم فارحل بهمتك من بين الاموات وعليك بمعلم إبراهيم فقد ذكرنا في هذه المسئلة من النقول والادلة والنكت البديعة ما لعله لا يوجد في شيء من كتب المصنفين ولا يعرف قدره الا من كان من الفضلاء المنصفين ومن الله سبحانه الاستمداد وعليه التوكل واليه الاستناد فإنه لا يخيب من توكل عليه ولا يضيع من لاذ به وفوض امره اليه وهو حسبنا ونعم الوكيل فصل ولما اهبطه سبحانه من الجنة وعرضه وذريته لانواع المحن والبلاء اعطاهم افضل مما منعهم وهوعهده الذي عهد اليه وإلى بنيه وأخبر انه من تمسك به منهم صار الى رضوانه ودار كرامته قال تعالى عقب اخراجه منها قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14487",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون وفي الاية الاخرى قال اهبطا منها جميعا فاما ياتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا نحشره يوم القيامة اعمى قال رب لم حشرتني اعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك اتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى فلما كسره سبحانه باهباطه من الجنة جبره وذريته بهذا العهد الذي عهده اليهم فقال تعالى فاما يأتينكم مني هدى وهذه هي ان الشرطية المؤكدة بما الدالة على استغراق الزمان والمعنى أي وقت وأي حين اتاكم من يهدى وجعل جواب هذا الشرط جملة شرطية وهي قوله فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى كما تقول إن زرتني فمن بشرني بقدومك فهو حر وجواب الشرط يكون جملة تامة أما خبرا محضا كقولك ان زرتني اكرمتك او خبرا مقرونا بالشرط كهذا اومؤكدا بالقسم او بأن واللام كقوله تعالى وإن اطعتموهم انكم لمشركون واما طلبا كقول النبي اذا سالت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله وقوله وإذا لقيتموهم فاصبروا وقوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وأكثر ما يأتي هذا النوع مع إذا التي تفيد تحقيق وقوع الشرط لسر وهو افادته تحقيقالطلب عند تحقيق الشرط فمتى تحقق الشرط فالطلب متحقق فأتى بإذا الدالة على تحقيق الشرط فعلم تحقيق الطلب عندها وقد يأتي مع ان قليلا كقوله تعالى وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم واما جملة انشائية كقوله لعبده الكافر ان اسلمت فانت حر ولامرأته ان فعلت كذا فانت طالق فهذا انشاء للعتق والطلاق عند وجود الشرط على رأي او انشاء له حال التعليق ويتأخر نفوذه الى حين وجود الشرط على رأي آخر وعلى التقديرين فجواب الشرط جملة انشائية والمقصود ان جواب الشرط في الاية المذكورة جملة شرطية وهي قوله فمن اتبع هداي فلاخوف عليهم ولا هم يحزنون وهذا الشرط يقتضى ارتباط الجملة الاولى بالثانية ارتباط العلة بالمعلول والسبب بالمسبب فيكون الشرط الذي هو ملزوم علة ومقتضيا للجزاء الذي هو لازم فإن كان بينهما تلازم من الطرفين كان وجود كل منهما بدون دخول الاخر ممتنعا كدخول الجنة بالاسلام وارتفاع الخوف والحزن والضلال والشقاء مع متابعة الهوى وهذه هي عامة شروط القرآن والسنة فإنها اسباب وعلل والحكم ينتفى بانتفاء علته وإن كان التلازم بينهما من احد الطرفين كان الشرط ملزوما خاصا والجزاء لازما عاما فمتى تحقق الشرط الملزوم الخاص تحقق الجزاء اللازم العام ولا يلزم العكس كما يقال ان كان هذا انسانا فهو حيوان وإن كان البيع صحيحا فالملك ثابت وهذا غالب ما يأتي في قياس الدلالة حيث يكون الشرط دليلا على الجزاء فيلزم من وجوده وجود الجزاء لان الجزاء لازمه ووجود الملزوم يستلزم وجود اللازم ولا يلزم من عدمه عدم الجزاء وان(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14488",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقع هذا الشرط بين علة ومعلول فإن كان الحكم معللا بعلل صح ذلك وجاز ان يكون الجزاء اعم من الشرط كقولك إن كان هذا مرتدا فهو حلال الدم فإن حل الدم اعم من حله بالردة إلا ان يقال ان حكم العلة المعينة ينتفى بانتفائها وإن ثبت الحكم بعلة اخرى فهو حكم آخر واما حكم العلة المعينة فمحال ان ينفى مع زوالها وحينئذ فيعود التلازم من الطرفين ويلزم من وجود كل واحد من الشرط والجزاء وجود الاخر ومن عدمه عدمه وتمام تحقيق هذا في مسئلة تعليل الحكم الواحد بعلتين وللناس فيه نزاع مشهور وفصل الخطاب فيها ان الحكم الواحد ان كان واحدا بالنوع كحل الدم وثبوت الملك ونقض الطهارة جاز تعليله بالعلل المختلفة وإن كان واحدا بالعين كحل الدم بالردة وثبوت الملك بالبيع اوالميراث ونحو ذلك لم يجز تعليله بعلتين مختلفتين وبهذا التفصيل يزول الاشتباه في هذه المسألة والله اعلم ومن تأمل ادلة الطائفتين وجد كل ما احتج به من رأى تعليل الحكم بعلل مختلفة إنما يدل على تعليل الواحد بالنوع بها وكل من نفى تعليل الحكم بعلتين إنما يتم دليله على نفي تعليل الواحد بالعين بهما فالقولان عند التحقيق يرجعان الى شيء واحد والمقصود ان الله سبحانه جعل اتباع هداه وعهده الذي عهده الى آدم سببا ومقتضيا لعدم الخوف والحزن والضلال والشقاء وهذا الجزاء ثابت بثبوت الشرط منتف بانتفائه كما تقدم بيانه ونفى الخوف والحزن عن متبع الهدى نفي لجميع انواع الشرور فإن المكروه الذي ينزل بالعبد متى علم بحصوله فهو خائف منه ان يقع به وإذا وقع به فهو حزين على ما أصابه منه فهو دائما في خوف وحزن وكل خائف حزين فكل حزين خائف وكل من الخوف والحزن يكون على فعل المحبوب وحصول المكروه فالاقسام اربعة خوف من فوت المحبوب وحصول المكروه وهذا جماع الشر كله فنفى الله سبحانه ذلك عن متبع هداه الذي أنزله على السنة رسله وأتى في نفي الخوف بالاسم الدال على نفي الثبوت واللزوم فإن أهل الجنة لا بد لهم من الخوف في الدنيا وفي البرزخ ويوم القيامة حيث يقول آدم وغيره من الانبياء نفسي نفسي فأخبر سبحانه انهم وإن خافوا فلا خوف عليهم أي لا يلحقهم الخوف الذي خافوا منه وأتى في نفي الحزن بالفعل المضارع الدال على نفي التجدد والحدوث أي لا يلحقهم حزن ولا يحدث لهم إذا لم يذكروا ما سلف منهم بل هم في سرور دائم لا يعرض لهم حزن على ما فات وأما الخوف فلما كان تعلقه بالمستقبل دون الماضي نفي لحوقه لهم جملة أي الذي خافوا منه لا ينالهم ولا يلم بهم والله اعلم فالحزين إنما يحزن في المستقبل على ما مضى والخائف إنما يخاف في الحال مما يستقبل فلا خوف عليهم أي لا يلحقهم ما خافوا منه ولا يعرض لهم حزن على ما فات وقال في الاية الاخرى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى فنفى عن متبع هداه امرين الضلال والشقاء قال عبد الله بن عباس رضى الله عنهما(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14489",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ان لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الاخرة ثم قرأ فأما ياتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى والاية نفت مسمى الضلال والشقاء عن متبع الهدى مطلقا فاقتضت الاية انه لا يضل في الدنيا ولا يشقى ولا يضل في الاخرة ولا يشقى فيها فإن المراتب اربعة هدى وشقاوة في الدنيا وهدى وشقاوة في الاخرة لكن ذكر ابن عباس رضى الله عنهما في كل دار اظهر مرتبتيها فذكر الضلال في الدنيا إذ هو اظهر لنا وأقرب من ذكر الضلال في الاخرة وايضا فضلال الدنيا اضل ضلال في الاخرة وشقاء الاخرة مستلزم للضلال فيها فنبه بكل مرتبة على الأخرى فنبه بنفي ضلال الدنيا على نفي ضلال الاخرة فإن العبد يموت على ما عاش عليه ويبعث على ما مات عليه قال الله تعالى في الاية الأخرى ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة اعمى قال رب لم حشرتني اعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك اتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وقال في الاية الاخرى ومن كان في هذه اعمى فهو في الاخرة اعمى وأضل سبيلا فأخبر ان من كان في هذه الدار ضالا فهو في الاخرة اضل واما نفي شقاء الدنيا فقد يقال انه لما انتفى عنه الضلال فيها وحصل له الهدى والهدى فيه من برد اليقين وطمأنينة القلب وذاق طعم الايمان فوجد حلاوته وفرحة القلب به وسروره والتنعيم به ومصير القلب حيا بالايمان مستنيرا به قويا به قد نال به غذاؤه ورواءه وشفاءه وحياته ونوره وقوته ولذته ونعيمه ما هو من اجل انواع النعيم واطيب الطيبات واعظم اللذات قال الله تعالى من عمل صالحا من ذكر او انثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم اجرهم باحسن ما كانوا يعملون فهذا خبر اصدق الصادقين ومخبره عند اهله عين اليقين بل هو حق اليقين ولا بد لكل من عمل صالحا ان يحييه الله حياة طيبة بحسب إيمانه وعمله ولكن يغلط الجفاة الاجلاف في مسمى الحياة حيث يظنونها التنعم في أنواع المآكل والمشارب والملابس والمناكح او لذة الرياسة والمال وقهر الاعداء والتفنن بأنواع الشهوات ولا ريب ان هذه لذة مشتركة بين البهائم بل قد يكون حظ كثير من البهائم منها أكثر من حظ الانسان فمن لم تكن عنده لذة الا اللذة التي تشاركه فيها السباع والدواب والانعام فذلك ممن ينادي عليه من مكان بعيد ولكن اين هذه اللذة من اللذة بأمر إذا خالط بشاشته القلوب سلى عن الابناء والنساء والاوطان والاموال والاخوان والمساكن ورضى بتركها كلها والخروج منها رأسا وعرض نفسه لانواع المكاره والمشاق وهو متحل بهذا منشرح الصدر به يطيب له قتل ابنه وأبيه وصاحبته واخيه لا تأخذه في ذلك لومة لائم حتى ان احدهم ليتلقى الرمح بصدره ويقول فزت ورب الكعبة ويستطيل الاخر حياته حتى يلقى قوته من يده ويقول انها لحياة طويلة ان صبرت حتى أكلها ثم يتقدم الى الموت فرحا(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14490",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مسرورا ويقول الاخر مع فقره لو علم الملوك وابناء الملوك ما نحن عليه لجالدونا عليه بالسيوف ويقول الاخر انه ليمر بالقلب اوقات يرقص فيها طربا وقال بعض العارفين انه لتمر بي اوقات اقول فيها إن كان اهل الجنة في مثل هذا انهم لفي عيش طيب ومن تأمل قول النبي لما نهاهم عن الوصال فقالوا انك تواصل فقال اني لست كهيئتكم إني اظل عند ربي يطعمني ويسقيني علم ان هذا طعام الارواح وشرابها وما يفيض عليها من أنواع البهجة واللذة والسرور والنعيم الذي رسول الله في الذروة العليا منه وغيره إذا تعلق بغباره رأى ملك الدنيا ونعيمها بالنسبة اليه هباء منثورا بل باطلا وغرورا وغلط من قال انه كان يأكل ويشرب طعاما وشرابا يغتذى به بدنه لوجوه احدها انه قال اظل عند ربي يطعمني ويسقيني ولو كان اكلا وشربا لم يكن وصالا ولا صوما الثاني ان النبي اخبرهم انهم ليسوا كهيئته في الوصال فإنهم إذا واصلوا تضرروا بذلك واماهو فإنه إذا واصل لا يتضرر بالوصال فلو كان يأكل ويشرب لكان الجواب وأنا ايضا لا اواصل بل آكل وأشرب كما تأكلون وتشربون فلما قررهم على قولهم انك تواصل ولم ينكره عليهم دل على انه كان مواصلا وانه لم يكن يأكل اكلا وشربا يفطر الصائم الثالث انه لو كان اكلا وشربا يفطر الصائم لم يصح الجواب بالفارق بينهم وبينه فإنه حينئذ يكون هو وهم مشتركون في عدم الوصال فكيف يصح الجواب بقوله لست كهيئتكم وهذا امر يعلمه غالب الناس ان القلب متى حصل له ما يفرحه ويسره من نيل مطلوبه ووصال حبيبه او ما يغمه ويسؤوه ويحزنه شغل عن الطعام والشراب حتى ان كثيرا من العشاق تمر به الايام لا يأكل شيئا ولا تطلب نفسه اكلا وقد افصح القائل في هذا المعنى لها احاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد لها بوجهك نور تستضيء به ... ومن حديثك في اعقابها حادى إذ اشتكت من كلال السير او عدها ... روح القدوم فتحيا عند ميعاد والمقصود ان الهدى مستلزم لسعادة الدنيا وطيب الحياة والنعيم العاجل وهو أمر يشهد به الحس والوجد واما سعادة الاخرة فغيب يعلم بالايمان فذكرها ابن عباس رضى الله عنهما لكونها اهم وهي الغاية المطلوبة وضلال الدنيا اظهر وبالنجاة منه ينجو من كل شر وهو اضل ضلال الاخرة وشقائها فلذلك ذكره وحده والله اعلم(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14491",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وهذان الضلالان اعني الضلال والشقاء يذكرهما سبحانه كثيرا في كلامه ويخبر انهما حظ اعدائه ويذكر ضدهما وهما الهدى والفلاح كثيرا ويخبر انهما حظ اوليائه اما الاول فكقوله تعالى ان المجرمين في ضلال وسعر فالضلال الضلال والسعر هو الشقاء والعذاب وقال تعالى قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين وأما الثاني فكقوله تعالى في أول البقرة وقد ذكر المؤمنين وصفاتهم اولئك على هدى من ربهم واولئك هم المفلحون وكذلك في أول لقمان وقال في الانعام الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم اولئك لهم الامن وهم مهتدون ولما كانت سورة ام القرآن اعظم سورة في القرآن وافرضها قراءة على الامة واجمعها لكل ما يحتاج اليه العبد واعمها نفعا ذكر فيها الامرين فأمرنا ان نقول اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم فذكر الهداية والنعمة وهما الهدى والفلاح ثم قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فذكر المغضوب عليهم وهم اهل الشقاء والضالين وهم اهل الضلال وكل من الطائفتين له الضلال والشقاء لكن ذكر الوصفين معا لتكن الدلالة على كل منهما بصريح لفظه وايضا فإنه ذكر ماهو اظهر الوصفين في كل طائفة فإن الغضب على اليهود أظهر لعنادهم الحق بعدمعرفته والضلال في النصارى اظهر لغلبة الجهل فيهم وقد صح عن النبي انه قال اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون فصل وقوله تعالى فاما ياتينكم مني هدى هو خطاب لمن اهبطه من الجنة بقوله اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ثم قال فاما يأتينكم مني هدى وكلا الخطابين لابوي الثقلين وهو دليل على ان الجن مامورون منهيون داخلون تحت شرائع الانبياء وهذا مما لا خلاف فيه بين الامة وان نبينا بعث اليهم كما بعث الى الانس كما لا خلاف بينها ان مسيئهم مستحق للعقاب وانما اختلف علماء الاسلام في المسلم منهم هل يدخل الجنة فالجمهور على ان محسنهم في الجنة كما ان مسيئهم في النار وقيل بل ثوابهم سلامتهم من الجحيم واما الجنة فلا يدخلها احد من اولاد إبليس وإنماهي لبني آدم وصالحي ذريته خاصة وحكى هذا القول عن ابي حنيفة رحمه الله تعالى واحتج الاولون بوجوه احدها هذه الاية فانه سبحانه اخبر ان من اتبع هداه فلا يخاف ولا يحزن ولا يضل ولا يشقى وهذا مستلزم(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14492",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لكمال النعيم ولا يقال ان الاية إنما تدل على نفي العذاب فقط ولا خلاف ان مؤمنيهم لا يعاقبون لانا نقول لولم تدل الاية الا على امر عدمي فقط لم يكن مدحا لمؤمني الانس ولما كان فيها الا مجرد امرعدمي وهو عدم الخوف والحزن ومعلوم ان سياق الاية ومقصودها إنما اريد به ان من اتبع هدى الله الذي انزله حصل له غاية النعيم واندفععنه غاية الشقاء وعبر عن هذا المعنى المطلوب بنفي الامور المذكورة لاقتضاء الحال لذلك فإنه لما اهبط آدم من الجنة حصل له من الخوف والحزن والشقاء ما حصل فاخبره سبحانه انه معطيه وذريته عهدا من اتبعه منهم انتفى عنه الخوف والحزن والضلال والشقاء ومعلوم انه لا ينتفى ذلك كله إلا بدخول دار النعيم ولكن المقام بذكر التصريح بنفي غاية المكروهات اولى الثاني قوله تعالى وإذ صرفنا اليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا انصتوا فلما قضى ولوا الى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إناسمعنا كتابا انزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي الى الحق وإلى طريق مستقيم يا قومنا اجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب اليم فأخبرنا سبحانه عن نذيرهم اخبارا بقوله ان من اجاب داعيه غفر له وأجاره من العذاب ولو كانت المغفرة لهم إنما ينالون بها مجرد النجاة من العذاب كان ذلك حاصلا بقوله ويجركم من عذاب اليم بل تمام المغفرة دخول الجنة والنجاة من النار فكل من غفر الله له فلا بد من دخوله الجنة الثالث قوله تعالى في الحور العين لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فهذا يدل على ان مؤمني الجن والانس يدخلون الجنة وأنه لم يسبق من احد منهم طمث لاحد من الحور فدل على ان مؤمنيهم يتأنى منهم طمث الحور العين بعد الدخول كما يتأتى من الانس ولو كانوا ممن لا يدخل الجنة لما حسن الاخبار عنهم بذلك الرابع قوله تعالى فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة اعدت للكافرين وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ان لهم جنات تجري من تحتها الانهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون والجن منهم مؤمن ومنهم كافر كما قال صالحوهم وانا منا المسلمون ومنا القاسطون فكما دخل كافرهم في الاية الثانية وجب ان يدخل مؤمنهم في الاولى الخامس قوله عن صالحيهم فمن اسلم فأولئك تحروا رشدا والرشد هو الهدى والفلاح وهو الذي يهدى اليه القرآن ومن لم يدخل الجنة لم ينل غاية الرشد بل لم يحصل له من الرشد الا مجردالعلم السادس قوله تعالى سابقوا الى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والارض اعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ومؤمنهم ممن آمن بالله ورسله فيدخل في المبشرين ويستحق البشارة السابع قوله تعالى والله يدعو الى دار السلام ويهدي من يشاء الى صراط مستقيم عم(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14493",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبحانه بالدعوة وخص بالهداية المفضية اليها فمن هداه اليها فهو من دعاه اليها فمن اهتدى من الجن فهو من المدعوين اليها الثامن قوله تعالى ويوم نحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الانس وقال اولياؤهم من الانس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا اجلنا الذي اجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله ان ربك حكيم عليم وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون يا معشر الجن والانس الم ياتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على انفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على انفسهم انهم كانوا كافرين ذلك ان لم يكن ربك مهلك القرى بظلم واهلها غافلون ولكل درجات مما عملوا وهذا عام في الجن والانس فاخبرهم تعالى ان لكلهم درجات من عمله فاقتضى ان يكون لمحسنهم درجات من عمله كما لمحسن الانس التاسع قوله تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ان لا تخافوا ولاتحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون وقولوه تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون ووجه التمسك بالاية من جوه ثلاثة احدها عموم الاسم الموصول فيها الثاني ترتيبه الجزاء المذكورعلى المسألة ليدل على انه مستحق بها وهو قول ربنا الله مع الاستقامة والحكم يعم بعموم علته فإذا كان دخول الجنة مرتبا على الاقرار بالله وربوبيته مع الاستقامة على امره فمن اتى ذلك استحق الجزاء الثالث انه قال فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون اولئك اصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوايعملون فدل على ان كل من لا خوف عليه ولا حزن فهو من اهل الجنة وقد تقدم في اول الايات قوله تعالى فمن اتبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون وانه متناول للفريقين ودلت هذه الاية على ان من لا خوف عليه ولا حزن فهو من اهل الجنة العاشر انه إذا دخل مسيئهم النار بعدل الله فدخول محسنهم الجنة بفضله ورحمته اولى فإن رحمته سبقت غضبه والفضل اغلب من العدل ولهذا لا يدخل النار الا من عمل اعمال اهل النار واما الجنة فيدخلها من لم يعمل خيرا قط بل ينشيء لها أقواما يسكنهم إياها من غير عمل عملوه ويرفع فيها درجات العبد من غير سعي منه بل بما يصل اليه من دعاء المؤمنين وصلاتهم وصدقتهم وأعمال البر التي يهدونها اليه بخلاف اهل النار فإنه لا يعذب فيها بغير عمل اصلا وقد ثبت بنص القرآن واجماع الامة ان مسيء الجن في النار بعدل الله وبما كانوا يكسبون فمحسنهم في الجنة بفضل الله بما كانوا يعملون لكن قيل انهم يكونون في ربض الجنة يراهم اهل الجنة ولا يرونهم كما كانوا في الدنيا يرون بني آدم من حيث لا يرونهم ومثل هذا لايعلم الا بتوقيف تنقطع الحجة عنده فإن ثبتت حجة يجب اتباعها وإلا فهو مما يحكى ليعلم وصحته موقوفة على الدليل والله أعلم(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14494",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومتابعة هدى الله التي رتب عليها هذه الامور هي تصديق خبره من غير اعتراض شبهة تقدح في تصديقه وامتثال امره من غير اعتراض شهوة تمنع امتثاله وعلى هذين الاصلين مدار الايمان وهما تصديق الخبر وطاعة الامر ويتبعهما امران آخران وهما نفي شبهات الباطل الواردة عليه المانعة من كمال التصديق وان لا يخمش بها وجه تصديقه ودفع شهوات الغي الواردة عليه المانعة من كمال الامتثال فهنا اربعة امور احدها تصديق الخبر الثاني بذل الاجتهاد في رد الشبهات التي توحيها شياطين الجن والانس في معارضته الثالث طاعة الامر والرابع مجاهدة النفس في دفع الشهوات التي تحول بين العبد وبين كمال الطاعة وهذان الامران اعني الشبهات والشهوات اصل فساد العبد وشقائه في معاشه ومعاده كما ان الاصلين الاولين وهما تصديق الخبر وطاعة الامر اصل سعادته وفلاحه في معاشه ومعاده وذلك ان العبد له قوتان قوة الادراك والنظر وما يتبعها من العلم والمعرفة والكلام وقوة الارادة والحب وما يتبعه من النية والعزم والعمل فالشبهة تؤثر فسادا في القوة العلمية النظرية ما لم يداوها بدفعها والشهوة تؤثر فسادا في القوة الارادية العملية ما لم يداوها باخراجها قال الله تعالى في حق نبيه يذكر مامن به عليه من نزاهته وطهارته مما يلحق غيره من ذلك والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى فما ضل دليل على كمال علمه ومعرفته وانه على الحق المبين وما غوى دليل على كمال رشده وأنه أبر العالمين فهو الكامل في علمه وفي عمله وقد وصف بذلك خلفاءه من بعده وأمر باتباعهم على سنتهم فقال عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي رواه الترمذي وغيره فالراشد ضد الغاوي والمهدي ضد الضال وقد قال تعالى كالذين من قبلكم كانوا اشد منكم قوة وأكثر اموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا اولئك حبطت اعمالهم في الدنيا والاخرة وأولئك هم الخاسرون فذكر تعالى الاصلين وهما دار الاولين والاخرين احدهما الاستمتاع بالخلاف وهو النصيب من الدنيا والاستمتاع به متضمن لنيل الشهوات المانعة من متابعة الامر بخلاف المؤمن فإنه وان نال من الدنيا وشهواتها فإنه لا يستمتع بنصيبه كله ولا يذهب طيباته في حياته الدنيا بل ينال منها ما ينال منها ليتقوى به على التزود لمعاده والثاني الخوض بالشبهات الباطلة وهو قوله وخضتم كالذي خاضوا وهذا شأن النفوس الباطلة التي لم تخلق للآخرة لاتزال ساعية في نيل شهواتها فإذا نالتها فإنما هي في خوض بالباطل الذي لا يجدي عليها إلا الضرر العاجل والاجل ومن تمام حكمة الله تعالى انه يبتلى هذه النفوس بالشقاء والتعب في تحصيل مراداتها وشهواتها فلا تتفرغ للخوض بالباطل الا قليلا ولو تفرغت هذه النفوس الباطولية(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14495",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لكانت ائمة تدعوا الى النار وهذا حال من تفرغ منها كما هومشاهد بالعيان وسواء كان المعنى وخضتم كالحزب الذي خاضوا او كالفريق الذي خاضوا فإن الذي يكون للواحد والجمع ونظيره قوله تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به اولئك هم المتقون لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك جزاء المحسنين لكن لا يجرى على جمع تصحيح فلا يجيء المسلمون الذي جاؤوا وإنا يجيء غالبا في اسم الجمع كالحزب والفريق او حيث لا يذكر الموصوف وان كان جمعا كقول الشاعر وإن الذي جاءت تقبح دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد او حيث يراد الجنس دون الواحد والعدد كقوله تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به ثم قال أولئك هم المتقون ونظيره الاية التي نحن منها وهي قوله وخضتم كالذي خاضوا او كان المعنى على القول الاخر وخضتم خوضا كالخوض الذي خاضوا فيكون صفة لمصدر محذوف كقولك اضرب كالذي ضرب واحسن كالذي احسن ونظائره وعلى هذا فيكون العائد منصوبا محذوفا وحذفه في مثل ذلك قياس مطرد على القولين فقد ذمه سبحانه على الخوض بالباطل واتباع الشهوات واخبر ان من كانت هذه حالته فقد حبط عمله في الدنيا والاخرة وهو من الخاسرين ونظير هذا قول اهل النار لاهل الجنة وقد سألوهم كيف دخلوها قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين فذكروا الاصلين الخوض بالباطل وما يتبعه من التكذيب بيوم الدين وايثار الشهوات وما يستلزمه من ترك الصلوات واطعام ذوي الحاجات فهذان الاصلان هماما هما والله ولي التوفيق فصل والقلب السليم الذي ينجو من عذاب الله هو القلب الذي قد سلم من هذا وهذا فهو القلب الذي قد سلم لربه وسلم لامره ولم تبق فيه منازعة لامره ولا معارضة لخبره فهو سليم مما سوى الله وأمره لا يريد الا الله ولا يفعل إلا ما أمره الله فالله وحده غايته وامره وشرعه وسيلته وطريقته لا تعترضه شبهة تحول بينه وبين تصديق خبره لكن لا تمر عليه إلا وهي مجتازة تعلم انه لا قرار لها فيه ولا شهوة تحول بينه وبين متابعة رضاه ومتى كان القلب كذلك فهو سليم من الشرك وسليم من البدع وسليم من الغي وسليم من الباطل وكل الاقوال التي قيلت في تفسيره فذلك يتضمنها وحقيقته انه القلب الذي قد سلم لعبودية ربه حياء وخوفا وطمعا ورجاء ففنى بحبه عن حب ما سواه وبخوفه عن خوف ما سواه وبرجائه عن رجاء ما سواه وسلم لامره(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14496",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولرسوله تصديقا وطاعة كما تقدم واستسلم لقضائه وقدره فلم يتهمه ولم ينازعه ولم يتسخط لاقداره فاسلم لربه انقيادا وخضوعا وذلا وعبودية وسلم جميع احواله واقواله واعماله واذواقه ومواجيده ظاهرا وباطنا من مشاكة رسوله وعرض ما جاء من سواها عليها فما وافقها قبله وما خالفها رده وما لم يتبين له فيه موافقة ولا مخالفة وقف امره وأرجأه الى ان يتبين له وسالم أولياءه وحزبه المفلحين الذابين عن دينه وسنة نبيه القائمين بها وعادى اعداءه المخالفين لكتابه وسنة نبيه الخارجين عنهما الداعين الى خلافهما فصل وهذه المتابعة هي التلاوة التي اثنى الله على اهلها في قوله تعالى ان الذين يتلون كتاب الله وفي قوله إن الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته اولئك يؤمنون به والمعنى يتبعون كتاب الله حق اتباعه وقال تعالى اتل ما اوحى اليك من الكتاب واقم الصلاة وقال إنما امرت ان اعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت ان اكون من المسلمين وان اتلوا القرآن فحقيقة التلاوة في هذه المواضع هي التلاوة المطلقة التامة وهي تلاوة اللفظ والمعنى فتلاوة اللفظ جزء مسمى التلاوة المطلقة وحقيقة اللفظ إنما هي الاتباع يقال اتل اثر فلان وتلوت اثره وقفوته وقصصته بمعنى تبعت خلفه ومنه قوله تعالى والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها أي تبعها في الطلوع بعد غيبتها ويقال جاء القوم يتلو بعضهم بعضا أي يتبع وسمى تالي الكلام تاليا لانه يتبع بعض الحروف بعضا لا يخرجها جملة واحدة بل يتبع بعضها بعضا مرتبة كلما انقضى حرف او كلمة اتبعه بحرف آخر وكلمة اخرى وهذه التلاوة وسيلة وطريقة والمقصود التلاوة الحقيقية وهي تلاوة المعنى واتباعه تصديقا بخبره وائتمارا بأمره وانتهاء بنهيه وائماما به حيث ما قادك انقدت معه فتلاوة القرآن تتناول تلاوة لفظه ومعناه وتلاوة المعنى اشرف من مجرد تلاوة اللفظ وأهلها هم اهل القرآن الذين لهم الثناء في الدنيا والاخرة فإنهم اهل تلاوة ومتابعة حقا فصل ثم قال تعالى ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة اعمى لما أخبر سبحانه عن حال من اتبع هداه في معاشه ومعاده اخبر عن حال من اعرض عنه ولم يتبعه فقال ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا أي عن الذكر الذي انزلته فالذكر هنا مصدر مضاف الى الفاعل كقيامي وقراءتي لا الى المفعول وليس المعنى ومن اعرض(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14497",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن ان يذكرني بل هذا لازم المعنى ومقتضاه من وجه آخر سنذكره واحسن من هذا الوجه ان يقال الذكر هنا مضاف إضافة الاسماء لا إضافة المصادر الى معمولاتها والمعنى ومن اعرض عن كتابي ولم يتبعه فإن القرآن يسمى ذكرا قال تعالى وهذا ذكر مبارك انزلناه وقال تعالى ذلك نتلوه عليك من الايات والذكر الحكيم وقال تعالى وما هو الا ذكر للعالمين وقال تعالى إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وانه لكتاب عزيز وقال تعالى إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن وعلى هذا فاضافته كاضافة الاسماء الجوامد التي لا يقصد بها اضافة العامل الى معموله ونظيره في اضافة اسم الفاعل غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب فإن هذه الاضافات لم يقصد بها قصد الفعل المتجدد وإنما قصد بها قصد الوصف الثابت اللازم وكذلك جرت اوصافا على اعرف المعارف وهو اسم الله تعالى في قوله تعالى تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو اليه المصير فصل وقوله تعالى فإن له معيشة ضنكا فسرها غير واحد من السلف بعذاب القبر وجعلوا هذه الاية احد الادلة الدالة على عذاب القبر ولهذا قال ونحشره يوم القيامة اعمى قال رب لم حشرتني اعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك اتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى أي تترك في العذاب كماتركت العمل بآياتنا فذكر عذاب البرزخ وعذاب دار البوارونظيره قوله تعالى في حق آل فرعون النار يعرضون عليها غدوا وعشيا فهذا في البرزخ ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون اشد العذاب فهذا في القيامة الكبرى ونظيره قوله تعالى ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا ايديهم اخرجوا انفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون فقول الملائكة اليوم تجزون عذاب الهون المراد به عذاب البرزخ الذي أوله يوم القبض والموت ونظيره قوله تعالى ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق فهذه الاذاقة هي في البرزخ واولها حين الوفاة فإنه معطوف على قوله يضربون وجوههم وأدبارهم وهو من القول المحذوف مقوله لدلالة الكلام عليه كنظائره وكلاهما واقع وقت الوفاة وفي الصحيح عن البراء بن عازب رضى الله عنه في قوله تعالى يثبت الله الذين امنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاخرة قال نزلت في عذاب القبر والاحاديث في عذاب القبر تكاد تبلغ حد التواتر والمقصود ان الله سبحانه اخبر ان من اعرض عن ذكره وهو الهدى الذي من اتبعه لا يضل ولا يشقى فإن له معيشة ضنكا وتكفل لمن حفظ(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14498",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عهده ان يحييه حياة طيبة ويجزيه اجره في الاخرة فقال تعالى من عمل صالحا من ذكر او انثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم اجرهم باحسن ما كانوا يعملون فاخبر سبحانه عن فلاح ما تمسك بعهده علماوعملا في العاجلة بالحياة الطيبة وفي الاخرة باحسن الجزاء وهذا بعكس من له المعيشة الضنك في الدنيا والبرزخ ونسيانه في العذاب بالاخرة وقال سبحانه ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وانهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون انهم مهتدون فأخبر سبحانه ان من ابتلاه بقرينه من الشياطين وضلاله به إنما كان بسبب اعراضه وعشوه عن ذكره الذي انزله على رسوله فكان عقوبة هذا الاعراض ان قيض له شيطانا يقارنه فيصده عن سبيل ربه وطريق فلاحه وهو يحسب انه مهتد حتى إذا وافى ربه يوم القيامة مع قرينه وعاين هلاكه وافلاسه قال يا ليت بيني وبينك بعدالمشرقين فبئس القرين وكل من اعرض عن الاهتداء بالوحي الذي هو ذكر الله فلا بد ان يقول هذا يوم القيامة فإن قيل فهل لهذا عذر في ضلالة إذا كان يحسب انه على هدى كما قال تعالى ويحسبون انهم مهتدون قيل لا عذر لهذا وامثاله من الضلال الذين منشأ ضلالهم الاعراض عن الوحي الذي جاء به الرسول ولو ظن انه مهتد فإنه مفرط باعراضه عن اتباع داعي الهدى فإذا ضل فإنما اتى من تفريطه واعراضه وهذا بخلاف من كان ضلاله لعدم بلوغ الرسالة وعجزه عن الوصول اليها فذاك له حكم آخر والوعيد في القرآن إنما يتناول الاول واما الثاني فإن الله لا يعذب احدا إلا بعد إقامة الحجة عليه كما قال تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقال تعالى رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وقال تعالى في اهل النار وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين وقال تعالى ان تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين او تقول لو ان الله هداني لكنت من المتقين او تقول حين ترى العذاب لو ان لي كرة فأكون من المحسنين بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين وهذا كثير في القرآن فصل وقوله تعالى ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني اعمى وقد كنت بصيرا اختلف فيه هل هو من عمى البصيرة او من عمى البصر والذين قالوا هو من عمى البصيرة إنما حملهم على ذلك قوله اسمع بهم وابصر يوم ياتوننا وقوله لقدكنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد وقوله يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين وقوله لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ونظائر هذا مما يثبت لهم الرؤية(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14499",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في الاخرة كقوله تعالى وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقوله يوم يدعون الى نار جهنم دعا هذه النار التي كنتم بها تكذبون افسحر هذا ام انتم لا تبصرون وقوله رأى المجرمون النار فظنوا انهم مواقعوها والذين رجحوا انه منعمى البصر قالوا السياق لا يدل الا عليه لقوله قال رب لم حشرتني اعمى وقد كنت بصيرا وهو لم يكن بصيرا في كفره قط بل قد تبين له حينئذ انه كان في الدنيا في عمى عن الحق فكيف يقول وقد كنت بصيرا وكيف يجاب بقوله كذلك اتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى بل هذا الجواب فيه تنبيه على انه من عمى البصر وانه جوزي من جنس عمله فإنه لما اعرض عن الذكر الذي بعث الله به رسوله وعميت عنه بصيرته أعمى الله بصره يوم القيامة وتركه في العذاب كما ترك الذكر في الدنيا فجازاه على عمى بصيرته عمى في الاخرة وعلى تركه ذكره تركه في العذاب وقال تعالى ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم اولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما وقد قيل في هذه الاية ايضا انهم عمي وبكم وصم عن الهدى كما قيل في قوله ونحشره يوم القيامة اعمى قالوا لانهم يتكلمون يومئذ ويسمعون ويبصرون ومن نصرانه العمى والبكم والصمم المضاد للبصر والسمع والنطق قال بعضهم هو عمى وصمم وبكم مقيد لا مطلق فهم عمى عن رؤية ما يسرهم وسماعه ولهذا قد روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال لا يرون شيئا يسرهم وقال آخرون هذا الحشر حين تتوفاهم الملائكة يخرجون من الدنيا كذلك فإذا قاموا من قبورهم الى الموقف قاموا كذلك ثم انهم يسمعون ويبصرون فيما بعد وهذامروى عن الحسن وقال آخرون هذا إنما يكون إذا دخلوا النار واستقروا فيها سلبو الاسماع والابصار والنطق حين يقول لهم الرب تبارك وتعالى اخسئوا فيها ولاتكلمون فحينئذ ينقطع الرجاء وتبكم عقولهم فيصيرون بأجمعهم عميا بكما صما لا يبصرون ولا يسمعون ولا ينطقون ولا يسمع منهم الا الزفير والشهيق وهذا منقول عن مقاتل والذين قالوا المراد به العمى عن الحجة إنما مرادهم انهم لا حجة لهم ولم يريدوا ان لهم حجة هم عمى عنها بل هم عمى عن الهدى كما كانوا في الدنيا فان العبد يموت على ما عاش عليه ويبعث على ما مات عليه وبهذا يظهر أن الصواب هو القول الاخر وانه عمى البصر فإن الكافر يعلم الحق يوم القيامة عيانا ويقر بما كان يجحده في الدنيا فليس هو اعمى عن الحق يومئذ وفصل الخطاب ان الحشر هو الضم والجمع ويراد به تارة الحشر الى موقف القيامة كقوله النبي انكم محشورون الى الله حفاة عراة غرلا وكقوله تعالى وإذا الوحوش حشرت وكقوله تعالى وحشرناهم فلم نغادر منهم احدا ويراد به الضم والجمع إلى دار المستقر فحشر المتقين جمعهم وضمهم الى الجنة(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14500",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحشر الكافرين جمعهم وضمهم الى النار قال تعالى يوم نحشر المتقين الى الرحمن وفدا وقال تعالى احشروا الذين ظلموا أزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم الى صراط الجحيم فهذا الحشر هو بعدحشرهم الى الموقف وهو حشرهم وضمهم الى النار لانه قد اخبر عنهم انهم قالوا يا ويلنا هذا يوم الدين هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون ثم قال تعالى احشروا الذين ظلموا وازواجهم وهذا الحشر الثاني وعلى هذا فهم ما بين الحشر الاول من القبور الى الموقف والحشر الثاني من الموقف الى النار فعند الحشر الاول يسمعون ويبصرون ويجادلون ويتكلمون وعند الحشر الثاني يحشرون على وجوههم عميا وبكما وصما فلكل موقف حال يليق به ويقتضيه عدل الرب تعالى وحكمته فالقرآن يصدق بعضه بعضا ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فصل والمقصود ان الله سبحانه وتعالى لما اقتضت حكمته ورحمته إخراج آدم وذريته من الجنة اعاضهم افضل منها وهو ما اعطاهم من عهده الذي جعله سببا موصلا لهم اليه وطريقا واضحا بين الدلالة عليه من تمسك به فاز واهتدى ومن اعرض عنه شقى وغوى ولما كان هذا العهد الكريم والصراط المستقيم والنبأ العظيم لا يوصل اليه ابدا إلا من باب العلم والارادة فالارادة باب الوصول اليه والعلم مفتاح ذلك الباب المتوقف فتحه عليه وكمال كل انسان إنما يتم بهذين النوعين همة ترقيه وعلم يبصره ويهديه فإن مراتب السعادة والفلاح إنما تفوت العبد من هاتين الجهتين او من احداهما اما ان لا يكون له علم بها فلا يتحرك في طلبها او يكون عالما بها ولا تنهض همته اليها فلا يزال في حضيض طبعه محبوسا وقلبه عن كماله الذي خلق له مصدودا منكوسا قد أسام نفسه مع الانعام راعيا مع الهمل واستطاب لقيعات الراحة والبطالة واستلان فراش العجز والكسل لا كمن رفع له علم فشمر اليه وبورك له في تفرده في طريق طلبه فلزمه واستقام عليه قد ابت غلبات شوقه الا لهجرة الى الله ورسوله ومقتت نفسه الرفقاء الا ابن سبيل يرافقه في سبيله ولما كان كمال الارادة بحسب كمال مرادها وشرف العلم تابع لشرف معلومه كانت نهاية سعادة العبد الذي لا سعادة له بدونها ولا حياة له إلا بها ان تكون إرادته متعلقة بالمراد الذي لا يبلى ولا يفوت وعزمات همته مسافرة الى حضرة الحي الذي لا يموت ولا سبيل له إلى هذا المطلب الاسني والحظ الاوفى الا بالعلم الموروث عن عبده ورسوله وخليله وحبيبه الذي بعثه لذلك داعيا وأقامه على هذا الطريق هاديا وجعله واسطة بينه وبين الانام وداعيا لهم بإذنه الى دار السلام وأبى سبحانه ان يفتح لاحد منهم الاعلى يديه او يقبل من احد منهم سعيا الا ان يكون مبتدأ منه ومنتهيا اليه(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14501",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالطرق كلها الا طريقة مسدودة والقلوب باسرها الا قلوب اتباعه المنقادة اليه عن الله محبوسة مصدودة فحق على من كان في سعادة نفسه ساعيا وكان قلبه حيا عن الله واعيا ان يجعل على هذين الاصلين مدار اقواله واعماله وان يصيرهما اخبيته التي اليها مفزعة في حياته وطاء له فلا جرم كان وضع هذا الكتاب مؤسسا على هاتين القاعدتين ومقصوده التعريف بشرف هذين الاصلين وسميته مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية اهل العلم والارادة إذ كان هذا من بعض النزل والتحف التي فتح الله بها على حين انقطاعي اليه عند بيته والقائي نفسي ببابه مسكينا ذليلا وتعرض لنفحاته في بيته وحوله بكرة واصيلا فما خاب من انزل به حوائجه وعلق به آماله واصبح ببابه مقيما وبحماه نزيلا ولما كان العلم امام الارادة ومقدما عليها ومفصلا لها ومرشدا لها قدمنا الكلام عليه على الكلام على المحبة ثم نتبعه ان شاء الله بعد الفراغ منه كتابا في الكلام على المحبة واقسامها واحكامها وفوائدها وثمراتها واسبابها وموانعها وما يقويها وما يضعفها والاستدلال بسائر طرق الادلة من النقل والعقل والفطرة والقياس والاعتبار والذوق والوجد على تعلقها بالاله الحق الذي لا إله غيره بل لا ينبغي ان تكون إلا له ومن اجله والرد على من انكر ذلك وتبيين فساد قوله عقلا ونقلا وفطرة وقياسا وذوقا ووجدا فهذا مضمون هذه التحفة وهذه عرائس معانيها الان تجلى عليك وخود ابكارها البديعة الجمال ترفل في حللها وهي تزف اليك فاما شمس منازلها بسعد الاسعد وأما خود تزف الى ضرير مقعد فاختر لنفسك احدى الخطتين وانزلها فيما شئت من المنزلتين ولا بد لكل نعمة من حاسد ولكل حق من جاحد ومعاند هذا وإنما اودع من المعاني والنفائس رهن عند متأمله ومطالعه له غنمه وعلى مؤلفه غرمه وله ثمرته ومنفعته ولصاحبه كله ومشقته مع تعرضه لطعن الطاعنين والاعتراض المناقشين وهذه بضاعته المزجاة وعقله المدود يعرض على عقول العالمين وإلقائه نفسه وعرضه بين مخالب الحاسدين وانياب البغاة المعتدين فلك ايها القارئ صفوه ولمؤلفه كدره وهو الذي تجشم غراسه وتعبه ولك ثمره وها هو قد استهدف لسهام الراشقين واستعذر الى الله من الزلل والخطأ ثم الى عباده المؤمنين اللهم فعياذا بك ممن قصر في العلم والدين باعه وطالت في الجهل وآذى عبادك ذراعه فهو لجهله يرى الاحسان اساءة والسنة بدعة والعرف نكرا ولظلمه يجزى بالحسنة سيئة كاملة وبالسيئة الواحدة عشرا قد اتخذ بطر الحق وغمط الناس سلما الى ما يحبه من الباطل ويرضاه ولا يعرف من المعروف ولا ينكر من المنكر الا ما وافق إرادته او حالف هواه يستطيل على اولياء الرسول وحزبه باصغريه ويجالس اهل الغي والجهالة ويزاحمهم بركبتيه قد ارتوى من ماء آجن ونضلع واستشرف الى مراتب(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14502",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورثة الانبياء وتطلع يركض في ميدان جهله مع الجاهلين ويبرز عليهم في الجهالة فيظن انه من السابقين وهو عند الله ورسوله والمؤمنين عن تلك الوراثة النبوية بمعزل وإذا انزل الورثة منازلهم منها فمنزلته منها اقصى وابعد منزل نزلوا بمكة في قبائل هاشم ... ونزلت بالبيداء ابعد منزل وعياذا بك ممن جعل الملامة بضاعته والعذل نصيحته فهو دائما يبدى في الملامة ويعيد ويكرر على العذل فلا يفيد ولا يستفيد بل عياذا بك من عدو في صورة ناصح وولى في مسلاخ بعيد كاشح يجعل عداوته واذاه حذرا وإشفاقا وتنفيره وتخذيله اسعافا وإرفاقا وإذا كانت العين لا تكاد إلا على هؤلاء تفتح والميزان بهم يخف ولا يرجح فما احرى اللبيب بأن لا يعيرهم من قلبه جزا من الالتفات ويسافر في طريق مقصده بينهم سفره الى الاحياء بين الاموات وما احسن ما قال القائل: وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... واجسامهم قبل القبور قبور وارواحهم في وحشة من جسومهم ... وليس لهم حتى النشور نشور اللهم فلك الحمد واليك المشتكى وانت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة الا بك وانت حسبنا ونعم الوكيل فلنشرع الان في المقصود بحول الله وقوته فنقول الاصل الاول في العلم وفضله وشرفه وبيان عموم الحاجة اليه وتوقف كمال العبد ونجاته في معاشه ومعاده عليه قال الله تعال شهد الله انه لا إله إلا هو والملائكة واولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم استشهد سبحانه باولى العلم على اجل مشهود عليه وهوتوحيده فقال شهد الله انه لا إله إلا هو والملائكة واولو العلم قائما بالقسط وهذا يدل على فضل العلم واهله من وجوه احدها استشهادهم دون غيرهم من البشر والثاني اقتران شهادتهم بشهادته والثالث اقترانها بشهادة ملائكته والرابع ان في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم فان الله لا يستشهد من خلقه الا العدول ومنه الاثر المعروف عن النبي يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وقال محمد بن احمد بن يعقوب بن شيبة رأيت رجلا قدم رجلا الى اسماعيل بن إسحاق القاضي(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14503",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فادعى عليه دعوى فسأل المدعى عليه فانكر فقال للمدعى الك بينة قال نعم فلان وفلان قال اما فلان فمن شهودي واما فلان فليس من شهودي قال فيعرفه القاضي قال نعم قال بماذا قال اعرفه بكتب الحديث قال فكيف تعرفه في كتبه الحديث قال ما علمت الا خيرا قال فان النبي قال يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله فمن عدله رسول الله اولى ممن عدلته انت فقال قم فهاته فقد قبلت شهادته وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذا الحديث في موضعه الخامس انه وصفهم بكونهم اولى العلم وهذا يدل على اختصاصهم به وانهم اهله واصحابه ليس بمستعار لهم السادس انه سبحانه استشهد بنفسه وهو اجل شاهد ثم بخيار خلقه وهم ملائكته والعلماء من عباده ويكفيهم بهذا فضلا وشرفا السابع انه استشهد بهم على اجل مشهود به واعظمه واكبره وهو شهادة ان لا إله إلا الله والعظيم القدر انما يستشهد على الامر العظيم اكابر الخلق وساداتهم الثامن انه سبحانه جعل شهادتهم حجة على المنكرين فهم بمنزلة آدلته وآياته وبراهنيه الدالة على توحيده التاسع انه سبحانه أفرد الفعل المتضمن لهذه الشهادة لصادرة منه ومن ملائكته ومنهم ولم يعطف شهادتهم بفعل آخر غير شهادته وهذا يدل على شدة ارتباط شهادتهم بشهادته فكأنه سبحانه شهد لنفسه بالتوحيد على السنتهم وانطقهم بهذه الشهادة فكان هو الشاهد بها لنفسه إقامة وإنطاقا وتعليما وهم الشاهدون بها له إقرارا واعترافا وتصديقا وإيمانا العاشر انه سبحانه جعلهم مؤدين لحقه عند عباده بهذه الشهادة فإذا ادوها فقد ادوا الحق المشهود به فثبت الحق المشهود به فوجب على الخلق الاقرار به وكان ذلك غاية سعادتهم في معاشهم ومعادهم وكل من ناله الهدى بشهادتهم واقر بهذا الحق بسبب شهادتهم فلهم من الاجر مثل اجره وهذا فضل عظيم لا يدرى قدره الا الله وكذلك كل من شهد بها عن شهادتهم فلهم من الاجر مثل اجره ايضا فهذه عشرة اوجه في هذه الاية الحادي عشر في تفضيل العلم وأهله انه سبحانه نفي التسوية بين أهله وبين غيرهم كما نفى التسوية بين اصحاب الجنة واصحاب النار فقال تعالى قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون كما قال تعالى لا يستوى اصحاب النار واصحاب الجنة وهذا يدل على غاية فضلهم وشرفهم الوجه الثاني عشر انه سبحانه جعل اهل الجهل بمنزلة العميان الذين لا يبصرون فقال افمن يعلم انما انزل اليك من ربك الحق كمن هو اعمى فما ثم الا عالم او اعمى وقد وصف سبحانه اهل الجهل بأنهم صم بكم عمي في غير موضع من كتابه الوجه الثالث عشر انه سبحانه اخبر عن اولى العلم بانهم يرون ان ما انزل اليه من ربه حقا وجعل هذا ثناء عليهم واستشهادا بهم فقال تعالى ويرى الذين اوتو العلم الذي انزل اليك من ربك هو الحق الوجه الرابع عشر انه سبحانه امر بسؤالهم والرجوع الى أقوالهم وجعل ذلك كالشهادة منهم فقال وما ارسلنا قبلك إلا رجالا نوحي اليهم فاسئلوا اهل الذكر إن(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14504",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كنتم لا تعلمون واهل الذكر هم اهل العلم بما انزل على الانبياء الوجه الخامس عشر انه سبحانه شهد لاهل العلم شهادة في ضمنها الاستشهاد بهم على صحة ما انزل الله على رسوله فقال تعالى افغير الله ابتغى حكما وهو الذي أنزل اليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون انه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين الوجه السادس عشر انه سبحانه سلى نبيه بايمان اهل العلم به وامره ان لا يعبأ بالجاهلين شيئا فقال تعالى وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا قل آمنوا به اولا تؤمنوا إن الذين اوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا وهذا شرف عظيم لهل العلم وتحته ان اهله العالمون قد عرفوه وآمنوا به وصدقوا فسواء آمن به غيرهم اولا الوجه السابع عشر انه سبحانه مدح اهل العلم واثنى عليهم وشرفهم بان جعل كتابه آيات بينات في صدورهم وهذه خاصة ومنقبة لهم دون غيرهم فقال تعالى وكذلك انزلنا اليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون بل هو آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم ما يجحد بآياتنا إلا الظالمون وسواء كان المعنى ان القرآن مستقر في صدور الذين اوتوا العلم ثابت فيها محفوظ وهو في نفسه آيات بينات فيكون اخبر عنه بخبرين احدهما انه آيات بينات الثاني انه محفوظ مستقر ثابت في صدور الذين اوتوا العلم او كان المعنى أنه آيات بينات في صدورهم أي كونه آيات بينات معلوم لهم ثابت في صدورهم والقولان متلازمان ليسا بمختلفين وعلى التقديرين فهو مدح لهم وثناء عليهم في ضمنه الاستشهاد بهم فتأمله الوجه الثامن عشر أنه سبحانه أمر نبيه أن يسأله مزيد العلم فقال تعالى فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل ان يقضى اليك وحيه وقل رب زدني علما وكفى بهذا شرفا للعلم ان امر نبيه ان يسأله المزيد منه الوجه التاسع عشر أنه سبحانه اخبر عن رفعة درجات اهل العلم والايمان خاصة فقال تعالى يا ايها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بماتعملون خبير وقد أخبر سبحانه في كتابه برفع الدرجات في اربعة مواضع احدها هذا والثاني قوله إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم واذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون اولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم والثالث قوله تعالى ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات اولئك لهم الدرجات العلى والرابع قوله تعالى وفضل الله المجاهدين على القاعدين اجرا(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14505",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة فهذه اربعة مواضع في ثلاثة منها الرفعة بالدرجات لاهل الايمان الذي هو العلم النافع والعمل الصالح والرابع الرفعة بالجهاد فعادت رفعة الدرجات كلها إلى العلم والجهاد اللذين بهما قوام الدين الوجه العشرون انه سبحانه استشهد بأهل العلم والايمان يوم القيامة على بطلان قول الكفار فقال تعالى ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون وقال الذين اوتو العلم والايمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون الوجه الحادي والعشرون انه سبحانه اخبر انهم اهل خشيته بل خصهم من بين الناس بذلك فقال تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور وهذا حصر لخشيته في أولى العلم وقال تعالى جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها ابدا رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشى ربه وقد اخبر ان اهل خشيته هم العلماء فدل على ان هذا الجزاء المذكور للعلماء بمجموع النصين وقال ابن مسعود رضى الله عنه كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بالله جهلا الوجه الثاني والعشرون انه سبحانه اخبر عن امثاله التي يضربها لعباده يدلهم على صحة ما أخبر به ان اهل العلم هم المنتفعون بها المختصون بعلمها فقال تعالى وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون وفي القرآن بضعة واربعون مثلا وكان بعض السلف إذا مر بمثل لا يفهمه يبكي ويقول لست من العالمين الوجه الثالث والعشرون انه سبحانه ذكر مناظرة إبراهيم لابيه وقومه وغلبته لهم بالحجة وأخبر عن تفضيله بذلك ورفعه درجته بعلم الحجة فقال تعالى عقيب مناظرته لابيه وقومه في سورة الانعام وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم قال زيد بن أسلم رضى الله عنه نرفع درجات من نشاء بعلم الحجة الوجه الرابع والعشرون انه سبحانه أخبر انه خلق الخلق ووضع بيته الحرام والشهر الحرام والهدى والقلائد ليعلم عباده أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير فقال تعالى الله الذي خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا ان الله على كل شيء قدير وان الله قد احاط بكل شيء علما فدل على ان علم العباد بربهم وصفاته وعبادته وحده هو الغاية المطلوبة من الخلق والامر الوجه الخامس والعشرون ان الله سبحانه امر اهل العلم بالفرح بما آتاهم وأخبر انه خير مما يجمع الناس فقال تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون وفسر فضل الله بالايمان ورحمته بالقرآن والايمان والقرآن هما العلم النافع والعمل الصالح والهدى ودين الحق وهما افضل علم وافضل عمل الوجه السادس والعشرون انه سبحانه شهد لمن آتاه العلم بانه قد آتاه خيرا كثيرا فقال تعالى يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا قال(1\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14506",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابن قتيبة والجمهور الحكمة إصابة الحق والعمل به وهي العلم النافع والعمل الصالح الوجه السابع والعشرون انه سبحانه عدد نعمه وفضله على رسوله وجعل من اجلها ان آتاه الكتاب والحكمة وعلمه ما لم يكن يعلم فقال تعالى وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما الوجه الثامن والعشرون انه سبحانه ذكر عباده المؤمنين بهذه النعمة وأمرهم بشكرها وأن يذكروه على إسدائها اليهم فقال تعالى كما ارسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكروني اذكركم واشكروا لي ولا تكفرون الوجه التاسع والعشرون انه سبحانه لما اخبر ملائكته بأنه يريد ان يجعل في الارض خليفة قالوا له اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال اني اعلم مالا تعلمون وعلم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني باسماء هؤلاء ان كنتم صادقين قالوا سبحانك لاعلم لنا الا ما علتمنا كلمتناانك انت العليم الحكيم الى آخر قصة آدم وأمر الملائكة بالسجود لآدم فأبى ابليس فلعنه وأخرجه من السماء وبيان فضل العلم من هذه القصة من وجوه احدها انه سبحانه رد على الملائكة لما سألوه كيف يجعل في الارض من هم اطوع له منه فقال اني اعلم مالا تعلمون فأجاب سؤالهم بأنه يعلم من بواطن الامور وحقائقها مالا يعلمونه وهو العليم الحكيم فظهر من هذا الخليفة من خيار خلقه ورسله وأنبيائه وصالحي عباده والشهداء والصديقين والعلماء وطبقات اهل العلم والايمان من هو خير من الملائكة وظهر من ابليس من هو شر العالمين فأخرج سبحانه هذا وهذا والملائكة لم يكن لها علم لا بهذا ولا بهذا ولا بما في خلق آدم واسكانه الارض من الحكم الباهرة الثاني انه سبحانه لما اراد اظهار تفضيل آدم وتمييزه وفضله ميزه عليهم بالعلم فعلمه الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني باسماء هؤلاء إن كنتم صادقين جاء في التفسير انهم قالوا لن يخلق ربنا خلقا هو اكرم عليه منا فظنوا انهم خير وافضل من الخليفة الذي يجعله الله في الارض فلما امتحنهم بعلم ما علمه لهذا الخليفة اقروا بالعجز وجهل ما لم يعلموه فقالوا سبحانك لاعلم لنا إلا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم فحينئذ اظهر لهم فضل آدم بما خصه به من العلم فقال يا آدم انبئهم باسمائهم فلما انبأهم بأسمائهم أقروا له بالفضل الثالث انه سبحانه لما ان عرفهم فضل آدم بالعلم وعجزهم عن معرفة ما علمه قال لهم الم اقل لكم اني اعلم غيب السموات والارض واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون فعرفهم سبحانه نفسه بالعلم وانه احاط علما بظاهرهم وباطنهم وبغيب السموات والارض فتعرف اليهم بصفة العلم وعرفهم فضل نبيه وكليمه بالعلم وعجزهم عما آتاه آدم من العلم وكفى بهذا شرفا للعلم الرابع انه سبحانه جعل في آدم(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14507",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من صفات الكمال ما كان به افضل من غيره من المخلوقات وأراد سبحانه ان يظهر لملائكته فضله وشرفه فأظهر لهم احسن ما فيه وهو علمه فدل على ان العلم اشرف ما في الانسان وان فضله وشرفه إنما هو بالعلم ونظير هذا ما فعله بنبيه يوسف عليه السلام لما أراد اظهار فضله وشرفه على اهل زمانه كلهم اظهر للملك واهل مصر من علمه بتأويل رؤياه ما عجز عنه علماء التعبير فحينئذ قدمه ومكنه وسلم اليه خزائن الارض وكان قبل ذلك قد حبسه على ما رآه من حسن وجهه وجمال صورته ولما ظهر له حسن صورة علمه وجمال معرفته اطلقه من الحبس ومكنه في الارض فدل على ان صورة العلم عند بني آدم ابهى واحسن من الصورة الحسية ولو كانت اجمل صورة وهذا وجه مستقل في تفضيل العلم مضاف الى ما تقدم فتم به ثلاثون وجها الوجه الحادي والثلاثون انه سبحانه ذم اهل الجهل في مواضع كثيرة من كتابه فقال تعالى ولكن اكثرهم يجهلون وقال ولكن اكثرهم لا يعلمون وقال تعالى ام تحسب ان اكثرهم يسمعون او يعقلون ان هم الا كالانعام بل هم اضل سبيلا فلم يقتصر سبحانه على تشبيه الجهال بالانعام حتى جعلهم اضل سبيلا منهم وقال ان شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون اخبر ان الجهال شر الدواب عنده على اختلاف اصنافها من الحمير والسباع والكلاب والحشرات وسائر الدواب فالجهال شر منهم وليس علي دين الرسل اضر من الجهال بل اعداؤهم على الحقيقة وقال تعالى لنبيه وقد اعاذه فلاتكونن من الجاهلين وقال كليمه موسى عليه الصلاة والسلام اعوذ بالله ان اكون من الجاهلين وقال لأول رسله نوح عليه السلام إني أعظك أن تكون من الجاهلين فهذه حال الجاهلين عنده والاول حال اهل العلم عنده واخبر سبحانه عن عقوبته لاعدائه انه منعهم علم كتابه ومعرفته وفقهه فقال تعالى وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالاخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم اكنة ان يفقهوه وفي آذانهم وقرا وأمر نبيه بالاعراض عنهم فقال وأعرض عن الجاهلين واثنى على عباده بالاعراض عنهم ومتاركتهم كما في قوله وإذا سمعوا اللغو اعرضوا عنه وقالوا لنا اعمالنا ولكم اعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين وقال تعالى وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما وكل هذا يدل على قبح الجهل عنده وبغضه للجهل وأهله وهو كذلك عند الناس فإن كل احد يتبرا منه وإن كان فيهالوجه الثاني والثلاثون ان العلم حياة ونور والجهل موت وظلمة والشر كله سببه عدم الحياة والنور والخير كله سببه النور والحياة فإن النور يكشف عن حقائق الاشياء ويبين مراتبها والحياة هي المصححة لصفات الكمال الموجبة لتسديد الاقوال والاعمال فكلما تصرف من الحياة فهو خير كله كالحياء الذي سببه كمال حياة القلب وتصوره حقيقة القبح ونفرته منه وضده الوقاحة(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14508",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والفحش وسببه موت القلب وعدم نفرته من القبيح وكالحياء الذي هو المطر الذي به حياة كل شيء قال تعالى او من كان ميتا فاحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كان ميتا بالجهل قلبه فأحياه بالعلم وجعل له من الايمان نورا يمشى به في الناس وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم لئلا يعلم اهل الكتاب ان لا يقدرون على شيء من فضل الله وان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وقال تعالى والله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور والذين كفروا اولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون وقال تعالى وكذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وانك لتهدي الى صراط مستقيم فأخبر انه روح تحصل به الحياة ونور يحصل به الاضاءة والاشراف فجمع بين الاصلين الحياة والنور وقال تعالى قد جاءكم من الله نوروكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات الى النور باذنه ويهديهم الى صراط مستقيم وقال تعالى فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي انزلنا والله بما تعمل ون خبير وقال تعالى يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا اليكم نورا مبينا وقال تعالى قد انزل الله اليكم ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات الى النور وقال تعالى الله نور السموات والارض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الامثال للناس والله بكل شيء عليم فضرب سبحانه مثلا لنوره الذي قذفه في قلب المؤمن كما قال ابي بن كعب رضى الله عنه مثل نوره في قلب عبده المؤمن وهو نور القرآن والايمان الذي اعطاه إياه كما قال في آخر الآية نور على نور يعنى نور الايمان على نور القرآن كما قال بعض السلف يكاد المؤمن ينطق بالحكمة وان لم يسمع فيها بالاثر فإذا سمع فيها بالاثر كان نورا على نور وقد جمع الله سبحانه بين ذكر هذين النورين وهما الكتاب والايمان في غير موضع من كتابه كقوله ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وقوله تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ففضل الله الايمان ورحمته القرآن وقوله تعالى او من كان ميتا فاحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها وقد تقدمت هذه الايات وقال في آية النور نور على نور(1\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14509",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو نور الايمان على نور القرآن وفي حديث النواس بن سمعان رضى الله عنه عن النبي ان الله ضرب مثلا صراطا مستقيما وعلى كتفي الصراط داران لهما ابواب مفتحة على الابواب ستور وداع يدعو على الصراط وداع يدعو فوقه والله يدعو الى دار السلام ويهدي من يشاء الى صراط مستقيم والابواب التي على كتفي الصراط حدود الله فلا يقع احد في حدود الله حتى يكشف الستر والذي يدعو من فوقه واعظ ربه رواه الترمذي وهذا لفظه والامام احمد ولفظه والداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن فذكر الاصلين وهما داعي القرآن وداعي الايمان وقال حذيفة حدثنا رسول الله ان الامانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم نزل القرآن فعلموا من الايمان ثم علموا من القرآن وفي الصحيحين من حديث ابي موسى الاشعري رضى الله عنه عن النبي مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الاترجة طعمها طيب وريحها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مرولا ريح لها فجعل الناس اربعة اقسام اهل الايمان والقرآن وهم خيار الناس الثاني اهل الايمان الذين لا يقرءون القرآن وهم دونهم فهؤلاء هم السعداء والاشقياء قسمان احدهما من اوتى قرآنا بلا إيمان فهو منافق والثاني من لا اوتى قرآنا ولا إيمانا والمقصود ان القرآن والايمان هما نور يجعله الله في قلب من يشاء من عباده وأنهما اصل كل خير في الدنيا والاخرة وعلمهما اجل العلوم وافضلها بل لا علم في الحقيقة ينفع صاحبه الا علمهما والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم الوجه الثالث والثلاثون ان الله سبحانه جعل صيد الكلب الجاهل ميتة يحرم اكلها وأباح صيد الكلب المعلم وهذا ايضا من شرف العلم انه لا يباح إلا صيد الكلب العالم واما الكلب الجاهل فلا يحل اكل صيده فدل على شرف العلم وفضله قال الله تعالى يسألونك ماذا أحل لهم قل احل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما امسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله ان الله سريع الحساب ولولا مزية العلم والتعليم وشرفهما كان صيد الكلب المعلم والجاهل سواء الوجه الرابع والثلاثون ان الله سبحانه اخبرنا عن صفيه وكليمه الذي كتب له التوارة بيده وكلمه منه اليه انه رحل الى رجل عالم يتعلم منه ويزداد علما الى علمه فقال وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى ابلغ مجمع البحرين او امضى حقبا حرصا منه على لقاء هذا العالم وعلى التعلم منه فلما لقيه سلك معه مسلك المتعلم مع معلمه وقال له هل اتبعك على ان تعلمن مما علمت رشدا فبدأه بعد السلام بالاستئذان على متابعته وانه لا يتبعه إلا باذنه وقال على ان تعلمن مما علمت(1\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14510",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رشدا فلم يجيء ممتحنا ولا متعلما وإنما جاء متعلما مستزيدا علما إلى علمه وكفى بهذا فضلا وشرفا للعلم فإن نبي الله وكليمه سافر ورحل حتى لقى النصب من سفره في تعلم ثلاث مسائل من رجل عالم ولما سمع به لم يقر له قرار حتى لقيه وطلب منه متابعته وتعليمه وفي قصتهما عبر وآيات وحكم ليس هذا موضع ذكرها الوجه الخامس والثلاثون قوله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون ندب تعالى المؤمنين الى التفقه في الدين وهو تعلمه وانذار قومهم إذا رجعوا اليهم وهو التعليم وقد اختلف في الاية فقيل المعنى ان المؤمنين لم يكونوا لينفروا كلهم للتفقه والتعلم بل ينبغي ان ينفر من كل فرقة منهم طائفة تتفقه تلك الطائفة ثم ترجع تعلم القاعدين فيكون النفير على هذا نفير تعلم والطائفة تقال على الواحد فما زاد قالوا فهو دليل على قبول خبر الواحد وعلى هذا نفير تعلم والطائفة تقال على الواحد فما زاد قالوا فهو دليل على قبول خير الواحد وعلى هذا حملها الشافعي وجماعة وقالت طائفة اخرى المعنى وما كان المؤمنون لينفروا إلى الجهاد كلهم بل ينبغي ان تنفر طائفة للجهاد وفرقة تقعد تتفقه في الدين فإذا جاءت الطائفة التي نفرت فقهتها القاعدة وعلمتها ما انزل من الدين والحلال والحرام وعلى هذا فيكون قوله ليتفقهوا ولينذروا للفرقة التي نفرت منها طائفة وهذا قول الاكثرين وعلى هذا فالنفير نفير جهاد على اصله فإنه حيث استعمل إنما يفهم منه الجهاد قال الله تعالى انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم وقال النبي لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا وهذا هو المعروف من هذه اللفظة وعلى القولين فهو ترغيب في التفقه في الدين وتعلمه وتعليمه فإن ذلك يعدل الجهاد بل ربما يكون افضل منه كما سيأتي تقريره في الوجه الثامن والمائة ان شاء الله تعالى الوجه السادس والثلاثون قوله تعالى والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر قال الشافعي رضى الله عنه لو فكر الناس كلهم في هذه السورة لكفتهم وبيان ذلك ان المراتب اربعة وباستكمالها يحصل للشخص غاية كماله احداها معرفة الحق الثانية عمله به الثالثة تعليمه من لا يحسنه الرابعة صبره على تعلمه والعمل به وتعليمه فذكر تعالى المراتب الاربعة في هذه السورة واقسم سبحانه في هذه السورة بالعصر ان كل احد في خسر الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهم الذين عرفوا الحق وصدقوا به فهذه مرتبة وعملوا الصالحات وهم الذين عملوا بما علموه من الحق فهذه مرتبة اخرى وتواصوا بالحق وصى به بعضهم بعضا تعليما وارشادا فهذه مرتبة ثالثة وتواصوا بالصبر صبروا على الحق ووصى بعضهم بعضا بالصبر عليه والثبات فهذه مرتبة رابعة وهذانهاية الكمال فإن الكمال ان يكون الشخص كاملا في نفسه مكملا لغيره وكماله باصلاح قوتيه العلمية والعملية فصلاح القوة العلمية بالايمان(1\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14511",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصلاح القوة العملية بعمل الصالحات وتكميله غيره بتعليمه اياه وصبره عليه وتوصيته بالصبر على العلم والعمل فهذه السورة على اختصارها هي من اجمع سور القرآن للخير بحذافيره والحمد لله الذي جعل كتابه كافيا عن كل ما سواه شافيا من كل داء هاديا الى كل خير الوجه السابع والثلاثون انه سبحانه ذكر فضله ومنته على انبيائه ورسله واوليائه وعباده بما آتاهم من العلم فذكر نعمته على خاتم انبيائه ورسله بقوله وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما وقد تقدمت هذه الاية وقال في يوسف ولما بلغ اشده آتيناه حكما وعلما وكذلك تجزى المحسنين وقال في كليمه موسى ولما بلغ اشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ولما كان الذي آتاه موسى من ذلك أمرا عظيما خصه به على غيره ولا يثبت له إلا الأقوياء أولو العزم هيأه له بعد أن بلغ أشده واستوى يعني تم كلمت قوته وقال في حق المسيح يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ ايدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل وقال في حقه ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل فجعل تعليمه مما بشر به امه واقر عينها به وقال في حق داود وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب وقال في حق الخضر صاحب موسى وفتاه فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما فذكر من نعمه عليه تعليمه وما آتاه من رحمته وقال تعالى يذكر نعمته على داود وسليمان وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما فذكر النبيين الكريمين وأثنى عليهما بالحكم والعلم وخص بفهم القضية احدهما وقد ذكرت الحكمين الداوودي والسليماني ووجههما ومن صار من الائمة الى هذا ومن صار الى هذا وترجيح الحكم السليماني من عدة وجوه وموافقته للقياس وقواعد الشرع في كتاب الاجتهاد والتقليد وقال تعالى قل من انزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا انتم ولا آباؤكم قل الله يعني الذي انزله جعل سبحانه تعليمهم ما لم يعلموا هم ولا آباؤهم دليلا على صحة النبوة والرسالة إذ لا ينال هذا العلم إلا من جهة الرسل فكيف يقولون ما أنزل الله على بشر من شيء وهذا من فضل العلم وشرفه وأنه دليل على صحة النبوة والرسالة والله الموفق للرشاد وقال تعالى لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من انفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وقال تعالى هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم(1\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14512",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم يعني وبعث في آخرين منهم لما يلحقوا بهم وقد اختلف في هذا اللحاق المنفي فقيل هو اللحاق في الزمان أي يتأخر زمانهم عنهم وقيل هو اللحاق في الفضل والسبق وعلى التقديرين فامتن عليهم سبحانه بان علمهم بعد الجهل وهداهم بعد الضلالة ويالها من منة عظيمة فاتت المنن وجلت ان يقدر العباد لها على ثمن الوجه الثامن والثلاثون ان اول سورة انزلها الله في كتابه سورة القلم فذكر فيها ما من به على الانسان من تعليمه ما لم يعلم فذكر فيها فضله بتعليمه وتفضيله الإنسان بما علمه اياه وذلك يدل على شرف التعليم والعلم فقال تعالى اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم فافتتح السورة بالامر بالقراءة الناشئة عن العلم وذكر خلقه خصوصا وعموما فقال الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم وخص الانسان من بين المخلوقات لما اودعه من عجائبه وآياته الدالة على ربوبيته وقدرته وعلمه وحكمته وكمال رحمته وانه لا إله غيره ولا رب سواه وذكر هنا مبدا خلقه من علق لكون العلقة مبدأ الاطوار التي انتقلت اليها النطفة فهي مبدأ تعلق التخليق ثم اعاد الأمر بالقراءة مخبرا عن نفسه بأنه الاكرم وهو الافعل من الكرم وهو كثرة الخير ولا احد أولى بذلك منه سبحانه فإن الخير كله بيديه والخير كله منه والنعم كلها هو موليها والكمال كله والمجد كله له فهو الاكرم حقا ثم ذكر تعليمه عموما وخصوصا فقال الذي علم بالقلم فهذا يدخل فيه تعليم الملائكة والناس ثم ذكر تعليم الانسان خصوصا فقال علم الإنسان ما لم يعلم فاشتملت هذه الكلمات على انه معطى الموجودات كلها بجميع اقسامها فان الوجود له مراتب اربعة احداها مرتبتها الخارجية المدلول عليها بقوله خلق المرتبة الثانية الذهنية المدلول عليها بقوله علم الإنسان ما لم يعلم المرتبة الثالثة والرابعة اللفظية والخطية فالخطية مصرح بها في قوله الذي علم بالقلم واللفظية من لوازم التعليم بالقلم فإن الكتابة فرع النطق والنطق فرع التصور فاشتملت هذه الكلمات على مراتب الوجود كلها وانه سبحانه هو معطيها بخلقه وتعليمه فهو الخالق المعلم وكل شيء في الخارج فبخلقه وجد وكل علم في الذهن فبتعليمه حصل وكل لفظ في اللسان او خط في البنان فباقداره وخلقه وتعليمه وهذا من آيات قدرته وبراهين حكمته لا إله إلا هو الرحمن الرحيم والمقصود انه سبحانه تعرف إلى عباده بما علمهم إياه بحكمته من الخط واللفظ والمعنى فكان العلم احد الادلة الدالة عليه بل من اعظمها وأظهرها وكفى بهذا شرفا وفضلا له الوجه التاسع والثلاثون انه سبحانه سمى الحجة العلمية سلطانا قال ابن عباس رضى الله عنه كل سلطان في القرآن فهو حجة وهذا كقوله تعالى قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السموات وما في الارض ان عندكم من سلطان بهذا اتقولون على الله(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14513",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مالا تعلمون يعني ما عندكم من حجة بما قلتم ان هو الا قول على الله بلا علم وقال تعالى إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان يعني ما أنزل بها حجة ولا برهانا بل هي من تلقاء انفسكم وآبائكم وقال تعالى أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين يعني حجة واضحة فائتوا بها إن كنتم صادقين في دعواكم إلا موضعا واحدا اختلف فيه وهو قوله ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه فقيل المراد به القدرة والملك أي ذهب عني مالي وملكي فلا مال لي ولا سلطان وقيل هو على بابه أي انقطعت حجتي وبطلت فلا حجة لي والمقصود ان الله سبحانه سمى علم الحجة سلطانا لانها توجب تسلط صاحبها واقتداره فله بها سلطان على الجاهلين بل سلطان العلم اعظم من سلطان اليد ولهذا ينقاد الناس للحجة مالا ينقادون لليد فان الحجة تنقاد لها القلوب واما اليد فإنما ينقاد لها البدن فالحجة تأسر القلب وتقوده وتذل المخالف وان اظهر العناد والمكابرة فقلبه خاضع لها ذليل مقهور تحت سلطانها بل سلطان الجاه ان لم يكن معه علم يساس به فهو بمنزلة سلطان السباع والاسود ونحوها قدرة بلا علم ولا رحمة بخلاف سلطان الحجة فإنه قدرة بعلم ورحمة وحكمة ومن لم يكن له اقتدار في علمه فهو اما لضعف حجته وسلطانه واما لقهر سلطان اليد والسيف له والا فالحجة ناصرة نفسها ظاهرة على الباطل قاهرة له الوجه الاربعون ان الله تعالى وصف اهل النار بالجهل واخبر انه سد عيهم طرق العلم فقال تعالى حكاية عنهم وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير فأخبروا انهم كانوا لا يسمعون ولا يعقلون والسمع والعقل هما اصل العلم وبهما ينال وقال تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون فاخبر سبحانه انهم لم يحصل لهم علم من جهة من جهات العلم الثلاث وهي العقل والسمع والبصر كما قال في موضع آخر صم بكم عمي فهم لا يعقلون وقال تعالى افلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها او آذان يسمعون بها فانها لاتعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وقال تعالى وجعلنالهم سمعا وابصارا وافئدة فما اغنى عنهم سمعهم ولا ابصارهم ولا افئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن فقد وصف اهل الشقاء كما ترى بعدم العلم وشبههم بالانعام تارة وتارة بالحمار الذي يحمل الاسفار وتارة جعلهم اضل من الانعام وتارة جعلهم شر الدواب عنده وتارة جعلهم امواتا غير احياء وتارة اخبر انهم في ظلمات الجهل والضلال وتارة اخبر ان على قلوبهم اكنة وفي آذانهم وقرا وعلى ابصارهم غشاوة وهذا كله يدل على قبح الجهل وذم اهله وبغضه لهم كما انه يحب(1\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14514",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اهل العلم ويمدحهم ويثنى عليهم كما تقدم والله المستعان الوجه الحادي والاربعون ما في الصحيحين من حديث معاوية رضى الله عنه قال سمعت رسول الله يقول من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وهذا يدل على ان من لم يفقهه في دينه لم يرد به خيرا كما ان من اراد به خير افقهه في دينه ومن فقهه في دينه فقد اراد به خيرا إذا اريد بالفقه العلم المستلزم للعمل واما ان اريد به مجرد العلم فلا يدل على ان من فقه في الدين فقد اريد به خيرا فإن الفقه حينئذ يكون شرطا لارادة الخير وعلى الاول يكون موجبا والله اعلم الوجه الثاني والاربعون ما في الصحيحين ايضا من حديث ابي موسى رضى الله عنه قال قال رسول الله ان مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث اصاب ارضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فانبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها اجادب امسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا واصاب طائفة منها اخرى إنما هي قيعان لاتمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك راسا ولم يقبل هدى الله الذي ارسلت به شبه العلم والهدى الذي جاء به بالغيث لما يحصل بكل واحد منهما من الحياة والنافع والاغذية والادوية وسائر مصالح العباد فإنها بالعلم والمطر وشبه القلوب بالاراضي التي قع عليها المطر لانها المحل الذي يمسك الماء فينبت سائر انواع النبات النافع كما ان القلوب تعي العلم فيثمر فيها ويزكو وتظهر بركته وثمرته ثم قسم الناس الى ثلاثة اقسام بحسب قبولهم واستعدادهم لحفظه وفهم معانيه واستنباط احكامه واستخراج حكمه وفوائده احدها اهل الحفظ والفهم الذين حفظوه وعقلوه وفهموا معانيه واستنبطوا وجوه الاحكام والحكم والفوائد منه فهؤلاء بمنزلة الارض التي قبلت الماء وهذا بمنزلة الحفظ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وهذا هو الفهم فيه والمعرفة والاستنباط فإنه بمنزلة انبات الكلأ والعشب بالماء فهذا مثل الحفاظ الفقهاء اهل الرواية والدراية القسم الثاني اهل الحفظ الذين رزقوا حفظه ونقله وضبطه ولم يرزقوا تفقها في معانيه ولا استنباطا ولا استخراجا لوجوه الحكم والفوائد منه فهم بمنزلة من يقرا القرآن ويحفظه ويراعي حروفه واعرابه ولم يرزق فيه فهما خاصا عن الله كما قال على ابن ابي طالب رضى الله عنه إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه والناس متفاوتون في الفهم عن الله ورسوله اعظم تفاوت فرب شخص يفهم من النص حكما او حكمين ويفهم منه الآخر مائة او مائتين فهؤلاء بمنزلة الارض التي امسكت الماء للناس فانتفعوا به هذا يشرب منه وهذا يسقى وهذا يزرع فهؤلاء القسمان هم السعداء والاولون ارفع درجة واعلى قدرا وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم القسم الثالث الذين لا نصيب لهم منه لا حفظا ولا فهما ولا رواية ولا دراية بل هم بمنزلة(1\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14515",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الارض التي هي قيعان لا تنبت ولا تمسك الماء وهؤلاء هم الاشقياء والقسمان الاولان اشتركا في العلم والتعليم كل بحسب ما قبله ووصل اليه فهذا يعلم الفاظ القرآن ويحفظها وهذا يعلم معانيه واحكامه وعلومه والقسم الثالث لا علم ولا تعليم فهم الذين لم يرفعوا بهدى الله راسا ولم يقبلوه وهؤلاء شر من الانعام وهم وقود النار فقد اشتمل هذا الحديث الشريف العظيم على التنبيه على شرف العلم والتعليم وعظم موقعه وشقاء من ليس من اهله وذكر اقسام بني آدم بالنسبة فيه إلى شقيهم وسعيدهم وتقسم سعيدهم الى سابق مقرب وصاحب يمين مقتصد وفيه دلالة على ان حاجة العباد الى العلم كحاجتهم الى المطر بل اعظم وانهم إذا فقدوا العلم فهم بمنزلة الارض التي فقدت الغيث قال الامام احمد الناس محتاجون الى العلم اكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب لان الطعام والشراب يحتاج اليه في اليوم مرة او مرتين والعلم يحتاج اليه بعدد الانفاس وقد قال تعالى انزل من السماء ماء فسالت اودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية او متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل شبه سبحانه العلم الذي أنزله على رسوله بالماء الذي انزله من السماء لما يحصل لكل واحد منهما من الحياة ومصالح العباد في معاشهم ومعادهم ثم شبه القلوب بالاودية فقلب كبير يسع علما كثيرا كواد عظيم يسع ماء كثيرا وقلب صغيرا إنما يسع علما قليلا كواد صغير إنما يسع ماء قليلا فقال فسالت اودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا هذا مثل ضربة الله تعالى للعلم حين تخالط القلوب بشاشته فإنه يستخرج منها زبد الشبهات البالطة فيطفو على وجه القلب كما يستخرج السيل من الوادي زبدا يعلو فقوق الماء وأخبر سبحانه انه راب يطفو ويعلو على الماء لايستقر في ارض الوادي كذلك الشبهات الباطلة إذا أخرجها العلم ربت فوق القلوب وطفت فلا تستقر فيه بل تجفى وترمى فيستقر في القلب ما ينفع صاحبه والناس من الهدى ودين الحق كما يستقر في الوادي الماء الصافي ويذهب الزبد جفاء وما يعقل عن الله امثاله إلا العالمون ثم ضرب سبحانه لذلك مثلا آخر فقال ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية او متاع زبد مثله يعني أن مما يوقد عليه بنو آدم من الذهب والفضة والنحاس والحديد يخرج منه خبثه وهو الزبد الذي تلقيه النار وتخرجه من ذلك الجوهر بسبب مخالطتها فإنه يقذف ويلقى به ويستقر الجوهر الخالص وحده وضرب سبحانه مثلا بالماء لما فيه من الحياة والتبريد والمنفعة ومثلا بالنار لما فيها من الاضاءة والاشراف والاحراق فآيات القرآن تحيي القلوب كما تحيا الارض بالماء وتحرق خبثها وشبهاتها وشهواتها وسخائمها كما تحرق النار ما يلقى فيها وتميز جيدها من زبدها كما تميز النار الخبث من الذهب والفضة والنحاس ونحوه منه فهذا بعض ما في هذا المثل العظيم من العبر والعلم قال الله تعالى وتلك(1\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14516",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الامثال نضربها للناس وما يعقلها الا العالمون الوجه الثالث والاربعون ما في الصحيحين ايضا من حديث سهل بن سعد رضى الله عنه ان رسول الله قال لعلي رضى الله عنه لان يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم وهذا يدل على فضل العلم والتعليم وشرف منزلة اهله بحيث إذا اهتدى رجل واحد بالعالم كان ذلك خيرا له من حمر النعم وهي خيارها واشرفها عند أهلها فما الظن بمن يهتدي به كل يوم طوائف من الناس الوجه الرابع والاربعون ما روى مسلم في صحيحيه من حديث ابي هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من دعا الى هدى كان له من الاجر مثل اجور من تبعه لا ينقص ذلك من اجورهم شيئا ومن دعا الى ضلالة كان عليه من الاثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا اخبر ان المتسبب الى الهدى بدعوته له مثل اجر من اهتدى به والمتسبب الى الضلالة بدعوته عليه مثل إثم من ضل به لان هذا بذل قدرته في هداية الناس وهذا بذل قدرته في ضلالتهم فنزل كل واحد منهما بمنزلة الفاعل التام وهذه قاعدة الشريعة كما هو مذكور في غير هذا الموضع قال تعالى ليحملوا اوزارهم كاملة يوم القيامة ومن اوزار الذين يضلونهم بغير علم الا ساء ما يزرون وقال تعالى وليحملن اثقالهم واثقالا مع اثقالهم وهذا يدل على ان من دعا الامة إلى غير سنة رسول الله فهوعدوه حقا لانه قطع وصول اجر من اهتدى بسنته اليه وهذا من اعظم معاداته نعوذ بالله من الخذلان الوجه الخامس والاربعون ما خرجا في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضى الله عنه قال قال رسول الله لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها فاخبر انه لا ينبغي لاحد ان يحسد احدا يعني حسد غبطة ويتمنى مثل حاله من غير ان يتمنى زوال نعمة الله عنه إلا في واحدة من هاتين الخصلتين وهي الاحسان الى الناس بعلمه او بماله وما عدا هذين فلا ينبغي غبطته ولا تمنى مثل حاله لقلة منفعة الناس به الوجه السادس والاربعون قال الترمذي حدثنا محمد بن عبد الاعلى حدثنا سلمة بن رجاء حدثنا الوليد بن حميد حدثنا القاسم عن ابي امامة الباهلي قال ذكر لرسول الله رجلان احدهما عالم والآخر عابد فقال رسول الله فصل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ثم قال رسول الله ان الله وملائكته واهل السموات والارض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلمي الناس الخير قال الترمذي هذا حديث حسن غريب سمعت أبا عمار الحسين ابن حريث الخزاعي قال سمعت الفضيل بن عياض يقول عالم عامل معلم يدعى كبيرا في ملكوت السموات وهذا مروى عن الصحابة قال ابن عباس علماء هذه الامة رجلان فرجل اعطاه الله علما(1\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14517",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فبذله للناس ولم يأخذ عليه صفدا ولم يشتر به ثمنا اولئك يصلى عليهم طير السماء وحيتان البحر ودواب الارض والكرام الكاتبون ورجل آتاه الله علما فضن به عن عباده واخذ به صفدا واشترى به ثمنا فذلك ياتي يوم القيامة يلجم بلجام من نار ذكره ابن عبد البر مرفوعا وفي رفعه نظر وقوله ان الله وملائكته واهل السموات والارض يصلون على معلم الناس الخير لما كان تعليمه للناس الخير سببا لنجاتهم وسعادتهم وزكاة نفوسهم جازاه الله من جنس عمله بان جعل عليه من صلاته وصلاة ملائكته واهل الارض ما يكون سببا لنجاته وسعادته وفلاحه وايضا فإن معلم الناس الخير لما كان مظهرا لدين الرب واحكامه ومعرفا لهم بأسمائه وصفاته جعل الله من صلاته وصلاة أهل سمواته وأرضه عليه ما يكون تنويها به وتشريفا له وإظهارا للثناء عليه بين اهل السماءوالارض الوجه السابع والاربعون ما رواه ابو داود والترمذي من حديث ابي الدرداء رضى الله عنه قال سمعت رسول الله يقول من سلك طريقا يبتغي فيه علما سلك الله به طريقا الى الجنة وإن الملائكة لتضع اجنحتها رضا لطالب العلم وان العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الارض حتى الحيتان في الماء وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ان العلماء ورثة الانبياء ان الانبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم فمن اخذه اخذ بحظ وافر وقد رواه الوليد بن مسلم عن خالد بن يزيد عن عثمان ابن ايمن عن ابي الدرداء قال سمعت رسول الله يقول من غدا لعلم يتعلمه فتح الله له به طريقا الى الجنة وفرشت له الملائكة اكنافها وصلت عليه ملائكة السماء وحيتان البحر وللعالم من الفضل على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب والعلماء ورثة الانبياء ان الانبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم فمن اخذ بالعلم اخذ بحظ وافر وموت العالم مصيبة لا تجبر وثلمة نسد ونجم طمس وموت قبيلة ايسر من موت عالم وهذا حديث حسن والطريق التي يسلكها الى الجنة جزاء على سلوكه في الدنيا طريق العلم الموصلة الى رضا ربه ووضع الملائكة اجنحتها له تواضعا له وتوقيرا وإكراما لما يحمله من ميراث النبوة ويطلبه وهو يدل على المحبة والتعظيم فمن محبة الملائكة له وتعظيمه تضع اجنحتها له لأنه طالب لما به حياة العالم ونجاته ففيه شبه من الملائكة وبينه وبينهم تناسب فان الملائكة انصح خلق الله وانفعهم لبني آدم وعلى ايديهم حصل لهم كل سعادة وعلم وهدى ومن نفعهم لبني آدم ونصحهم انهم يستغفرون لمسيئهم ويثنون على مؤمنيهم ويعينونهم على اعدائهم من الشياطين ويحرصون على مصالح العبد اضعاف حرصه على مصلحة نفسه بل يريدون له من خير الدنيا والاخرة ما لا يريده العبد ولا يخطر بباله كما قال بعض التابعين وجدنا الملائكة انصح خلق الله لعباده ووجدنا الشياطين اغش الخلق للعباد وقال تعالى الذين يحملون(1\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14518",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وادخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وازواجهم وذرياتهم إنك انت العزيز الحكيم وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم فأي نصح للعباد مثل هذا الا نصح الانبياء فإذا طلب العبد العلم فقد سعى في اعظم ما ينصح به عباد الله فلذلك تحبه الملائكة وتعظمه حتى تضع اجنحتها له رضا ومحبة وتعظيما وقال ابو حاتم الرازي سمعت ابن ابي اويس يقول سمعت مالك بن انس يقول معنى قول رسول الله تضع اجنحتها يعني تبسطها بالدعاء لطالب العلم بدلا من الايدي وقال احمد بن مروان المالكي في كتاب المجالسة له حدثنا زكريا بن عبد الرحمن البصري قال سمعت احمد بن شعيب يقول كنا عند بعض المحدثين بالبصرة فحدثنا بحديث النبي ان الملائكة لتضع اجنحتها لطالب العلم وفي المجلس معنا رجل من المعتزلة فجعل يستهزئ بالحديث فقال والله لاطرقن غدا نعلي بمسامير فأطأ بها أجنحة الملائكة ففعل ومشى في النعلين فجفت رجلاه جميعا ووقعت فيهما الاكلة وقال الطبراني سمعت أبا يحيى زكريا بن يحيى الساجي قال كنا نمشي في بعض ازقة البصرة إلى باب بعض المحدثين فاسرعنا المشي وكان معنا رجل ماجن منهم في دينه فقال ارفعوا ارجلكم عن اجنحة الملائكة لاتكسروها كالمستهزيء فما زال من موضعه حتى جفت رجلاه وسقط وفي السنن والمسانيد من حديث صفوان ابن عسال بعسال قال قلت يا رسول الله إني جئت أطلب العلم قال مرحبا بطالب العلم إن طالب العلم لتحف به الملائكة وتظله بأجنحتها فيركب بعضهم بعضا حتى تبلغ السماء الدنيامن حبهم لما يطلب وذكر حديث المسح على الخفين قال ابوعبد الله الحاكم اسناده صحيح وقال ابن عبد البر هو حديث صحيح حسن ثابت محفوظ مرفوع ومثله لا يقال بالرأي ففي هذا الحديث حف الملائكة له بأجنحتها الى السماء وفي الاول وضعها اجنحتها له فالوضع تواضع وتوقير وتبجيل والحف بالاجنحة حفظ وحماية وصيانة فتضمن الحديثان تعظيم الملائكة له وحبها اياه وحياطته وحفظه فلو لم يكن لطالب العلم إلا هذا الحظ الجزيل لكفى به شرفا وفضلا وقوله ان العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الارض حتى الحيتان في الماء فإنه لما كان العالم سببا في حصول العلم الذي به نجاة النفوس من أنواع المهلكات وكان سعيه مفصورا على هذا وكانت نجاة العباد على يديه جوزي من جنس عمله وجعل من في السموات والأرض ساعيا في نجاته من اسباب الهلكات باستغفارهم له وإذا كانت الملائكة تستغفر للؤمنين فكيف لا تستغفر لخاصتهم وخلاصتهم وقد قيل ان من في السموات ومن في الارض المستغفرين(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14519",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للعالم عام في الحيوانات ناطقها وبهيمها طيرها وغيره ويؤكد هذا قوله حتى الحيتان في الماء وحتى النملة في جحرها فقيل سبب هذا الاستغفار ان العالم يعلم الخلق مراعاة هذه الحيوانات ويعرفهم ما يحل منها وما يحرم ويعرفهم كيفية تناولها واستخدامها وركوبها والانتفاع بها وكيفية ذبحها على احسن الوجوه وارفقها بالحيوان والعالم اشفق الناس على الحيوان واقومهم ببيان ما خلق له وبالجملة فالرحمة والاحسان التي خلق بهما ولهما الحيوان وكتب لهما حظهما منه إنما يعرف بالعلم فالعالم معرف لذلك فاستحق ان تستغفر له البهائم والله أعلم وقوله وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب تشبيه مطابق لحال القمر والكواكب فان القمر يضيء الافاق ويمتد نوره في اقطار العالم وهذه حال العالم وأما الكوكب فنوره لا يجاوز نفسه او ما قرب منه وهذه حال العابد الذي يضيء نور عبادته عليه دون غيره وان جاوز نور عبادته غيره فإنما يجاوزه غير بعيد كما يجاوز ضوء الكوكب له مجاوزة يسيرة ومن هذا الاثر المروي إذا كان يوم القيامة يقول الله للعابد ادخل الجنة فإنما كانت منفعتك لنفسك ويقال للعالم اشفع تشفع فإنما كانت منفعتك للناس وروى ابن جريج عن عطاءعن ابن عباس رضى الله عنهما إذا كان يوم القيامة يؤتى بالعابد والفقيه فيقال للعابد ادخل الجنة ويقال للفقيه اشفع تشفع وفي التشبيه المذكور لطيفه اخرى وهو ان الجهل كالليل في ظلمته وجنسه والعلماء والعباد بمنزلة القمر والكواكب الطالعة في تلك الظلمة وفضل نور العالم فيها على نور العابد كفضل نور القمر على الكواكب وايضا فالدين قوامه وزينته واضاءته بعلمائه وعباده فإذا ذهب علماؤه وعباده ذهب الدين كما ان السماء اضاءتها وزينتها بقمرها وكواكبها فإذا خسف قمرها وانتشرت كواكبها اتاها ماتوعد وفضل علماء الدين على العباد كفضل ما بين القمر والكواكب فإن قيل كيف وقع تشبيه العالم بالقمر دون الشمس وهي اعظم نورا قيل فيه فائدتان احداهما ان نور القمر لما كان مستفادا من غيره كان تشبيه العالم الذي نوره مستفاد من شمس الرسالة بالقمر اولى من تشبيهه بالشمس الثانية ان الشمس لا يختلف حالها في نورها ولا يلحقها محاق ولا تفاوت في الاضاءة واما القمر فإنه يقل نوره ويكثر ويمتليء وينقص كما ان العلماء في العلم على مراتبهم من كثرته وقلته فيفضل كل منهم في علمه بحسب كثرته وقلته وظهوره وخفائه كما يكون القمر كذلك فعالم كالبدر ليلة تمه وآخر دونه بليلة وثانية وثالثة وما بعدها إلى آخر مراتبه وهم درجات عند الله فإن قيل تشبيه العلماء بالنجوم أمر معلوم كقوله اصحابي كالنجوم ولهذا هي في تعبير الرؤيا عبارة عن العلماء فكيف وقع تشبيههم هنا بالقمر قيل اما تشبيه العلماء بالنجوم فإن النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر وكذلك العلماء والنجوم زينة للسماء(1\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14520",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكذلك العلماء زينة للآرض وهي رجوم للشياطين حائلة بينهم وبين استراق السمع لئلا يلبسوا بما يسترقونه من الوحي الوارد الى الرسل من الله على ايدي ملائكته وكذلك العلماء رجوم لشياطين الانس والجن الذي يوحى بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا فالعلماء رجوم لهذا الصنف من الشياطين ولولاهم لطمست معالم الدين بتلبيس المضلين ولكن الله سبحانه اقامهم حراسا وحفظه لدينه ورجوما لاعدائه واعداء رسله فهذا وجه تشبيههم بالنجوم وأما تشبههم بالقمر فذلك كان في مقام تفضيلهم على اهل العبادة المجردة وموازنة ما بينهما من الفضل والمعنى انهم يفضلون العباد الذين ليسوا بعلماء كما يفضل القمر سائر الكواكب فكل من التشبهين لائق بموضعه والحمد لله وقوله ان العلماء ورثة الانبياء هذا من اعظم المناقب لاهل العلم فإن الانبياء خير خلق الله فورثتهم خير الخلق بعدهم ولما كان كل موروث ينتقل ميراثه الى ورثته اذهم الذين يقومون مقامه من بعده ولم يكن بعد الرسل من يقوم مقامهم في تبليغ ما ارسلوا به الا العلماء كانوا احق الناس بميراثهم وفي هذا تنبيه على انهم اقرب الناس اليهم فإن الميراث إنا يكون لاقرب الناس الى الموروث وهذا كما انه ثابت في ميراث الدينار والدرهم فكذلك هو في ميراث النبوة والله يختص برحمته من يشاء وفيه ايضا ارشاد وامر للأمة بطاعهم واحترامهم وتعزيزهم وتوفيرهم وإجلالهم فإنهم ورثة من هذه بعض حقوقهم على الأمة وخلفاؤهم فيهم وفيه تنبيه على ان محبتهم من الدين وبغضهم مناف للدين كما هو ثابت لموروثهم وكذلك معاداتهم ومحاربتهم معاداة ومحاربة لله كما هو في موروثهم قال على كرم الله وجهه ورضى عنه محبة العلماء دين يدان به وقال فيما يروى عن ربه عز وجل من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وورثة الانبياء سادات اولياء لله عز وجل وفيه تنبيه للعلماء على سلوك هدى الانبياء وطريقتهم في التبليغ من الصبر والاحتمال ومقابلة إساءة الناس اليهم بالاحسان والرفق بهم واستجلابهم الى الله باحسن الطرق وبذل ما يمكن من النصيحة لهم فإنه بذلك يحصل له نصيبهم من هذا الميراث العظيم قدره الجليل خطره وفيه ايضا تنبيه لاهل العلم على تربية الامة كما يربى الوالد ولده فيبربونهم بالتدريج والترقي من صغار العلم إلى كباره وتحميلهم منه ما يطيقون كما يفعل الاب بولده الطفل في ايصال الغذاء اليه فإن ارواح البشر بالنسبة الى الانبياء والرسل كالاطفال بالنسبة الى آبائهم بل دون هذه النسبة بكثير ولهذا كل روح لم تربها الرسل لم تفلح ولم تصلح لصالحه كما قيل ومن لا يربيه الرسول ويسقه ... لبانا له قد در من ثدي قدسه فذاك لقيط ماله نسبة الولا ... ولا يتعدى طور ابناء جنسه وقوله ان الانبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم هذا من كمال الانبياء وعظم(1\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14521",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نصحهم للأمم وتمام نعمة الله عليهم وعلى اممهم ان ازاح جميع العلل وحسم جميع المواد التي توهم بعض النفوس ان الانبياء من وجنس الملوك الذين يريدون الدنيا وملكها فحماهم الله سبحانه وتعالى من ذلك اتم الحماية ثم لما كان الغالب على الناس ان احدهم يريد الدنيا لولده من بعده ويسعى ويتعب ويحرم نفسه لولده سد هذه الذريعة عن انبيائه ورسله وقطع هذا الوهم الذي عساه ان يخالط كثيرا من النفوس التي تقول فلعله ان لم يطلب الدنيا لنفسه فهو يحصلها لولده فقال نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركنا هو صدقة فلم تورث الانبياء دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم واما قوله تعالى وورث سليمان داود فهو ميراث العلم والنبوة لا غير وهذا باتفاق اهل العلم من المفسرين وغيرهم وهذا لان داود عليه السلام كان له اولاد كثيرة سوى سليمان فلو كان الموروث هو المال لم يكن سليمان مختصا به وايضا فإن كلام الله يصان عن الاخبار بمثل هذا فإنه بمنزلة ان يقال مات فلان وورثه ابنه ومن المعلوم ان كل احد يرثه ابنه وليس في الاخبار بمثل هذا فائدة وايضا فإن ما قبل الاية وما بعدها يبين ان المراد بهذه الوراثة وراثة العلم والنبوة لا وراثة المال قال تعالى ولقد آتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين وورث سليمان داوود وإنما سيق هذا لبيان فضل سليمان وما خصه الله به من كرامته وميراثه ما كان لابيه من اعلى المواهب وهو العلم والنبوة ان هذا لهو الفضل المبين وكذلك قول زكريا عليه الصلاة والسلام وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا فهذا ميراث العلم والنبوة والدعوة الى الله وإلا فلا يظن بني كريم انه يخاف عصبته ان يرثوه ماله فيسأل الله العظيم ولدا يمنعهم ميراثه ويكون احق به منهم وقد نزه الله انبياءه ورسله عن هذا وأمثاله فبعدا لمن حرف كتاب الله ورد على رسوله كلامه ونسب الانبياء الى ما هم برآء منزهون عنه والحمد لله على توفيقه وهدايته ويذكر عن ابي هريرة رضى الله عنه انه مر بالسوق فوجدهم في تجاراتهم وبيوعاتهم فقال انتم ههنا فيما انتم فيه وميراث رسول الله يقسم في مسجده فقاموا سراعا الى المسجد فلم يجدوا فيه الا القرآن والذكر ومجالس العلم فقالوا اين ما قلت يا أبا هريرة فقال هذا ميراث محمد يقسم بين ورثته وليس بمواريثكم ودنياكم او كما قال وقوله فمن اخذه اخذ بحظ وافر اعظم الحظوظ واجداها مانفع العبد ودام نفعه له وليس هذا الا حظه من العلم والدين فهو الحظ الدائم النافع الذي إذا انقطعت الحظوظ لاربابها فهو موصول له ابد الابدين وذلك لانه موصول بالحي الذي لا يموت فلذلك لاينقطع ولا يفوت وسائر الحظوظ تعدم وتتلاشى بتلاشي متعلقاتها كما قال تعالى وقدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءمنثورا فإن الغاية لما كانت منقطعة زائلة تبعتها اعمالهم فانقطعت(1\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14522",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنهم احوج ما يكون العامل الى عمله وهذه هي المصيبة التي لا تجبر عياذا بالله واستعانة به وافتقارا وتوكلا عليه ولا حول ولا قوة الا بالله وقوله موت العالم مصيبة لاتجبر وثلمة لا تسد ونجم طمس وموت قبيلة ايسر من موت عالم لما كان صلاح الوجود بالعلماء ولولاهم كان الناس كالبهائم بل أسوأ حالا كان موت العالم مصيبة لا يجبرها الا خلف غيره له وايضا فإن العلماء هم الذين يسوسون العباد والبلاد والممالك فموتهم فساد لنظام العالم ولهذا لا يزال الله يغرس في هذا الدين منهم خالفا عن سالف يحفظ بهم دينه وكتابه وعباده وتأمل إذا كان في الوجود رجل قد فاق العالم في الغنى والكرم وحاجتهم الى ما عنده شديدة وهو محسن اليهم بكل ممكن ثم مات وانقطعت عنهم تلك المادة فموت العالم اعظم مصيبة من موت مثل هذا بكثير ومثل هذا يموت بموته أمم وخلائق كما قيل: تعلم ما الرزية فقد مال ... ولا شاة تموت ولا بعير ولكن الرزية فقد حر ... يموت بموته بشر كثير وقال آخر فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما والوجه الثامن والاربعون ما روى الترمذي من حديث الوليد بن مسلم حدثنا روح بن جناح عن مجاهد عن ابن عباس رضى الله عنهما قال قال رسول الله فقيه اشد على الشيطان من الف عابد قال الترمذي غريب لانعرفه الا من هذا الوجه من حديث الوليد بن مسلم قلت قد رواه ابو جعفر محمد بن الحسن بن علي اليقطيني حدثنا عمر بن سعيد بن سنان حدثنا هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا روح بن جناح عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن ابي هريرة عن النبي قال الخطيب والاول هو المحفوظ عن روح مجاهد عن ابن عباس وما أرى الوهم وقع في هذا الحديث إلا من ابي جعفر لان عمر بن سنان عنده عن هشام بن عمار عن الوليد عن روح عن الزهري عن سعيد حديث في السماء بيت يقال له البيت المعمور حيال الكعبة وحديث ابن عباس كانا في كتاب ابن سنان عن هشام يتلو احدهما الاخر فكتب ابو جعفر اسناد حديث ابي هريرة رضى الله عنه ثم عارضه لسهو اوزاغ نظره فنزل الى متن حديث ابن عباس فركب متن هذا على اسناد هذا وكل واحد منهما ثقة مأمون برئ من تعمد الغلط وقد رواه ابو احمد بن عدي عن محمد بن سعيد بن مهران حدثنا شيبان ابو الربيع السمان عن ابي الزناد عن الاعرج عن ابي هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله لكل شيء دعامة ودعامة الاسلام الفقه في الدين والفقيه اشد على الشيطان من ألف(1\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14523",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عابد ولهذا الحديث علة وهو انه روى من كلام ابي هريرة وهو اشبه رواه همام بن يحيى حدثنا يزيد بن عياض حدثنا صفوان بن سليم عن سليمان عن يسار عن ابي هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ما عبد الله بشيء افضل من فقه في الدين قال وقال ابو هريرة لان افقه ساعة احب الي من ان احيي ليلة اصليها حتى اصبح والفقيه اشد على الشيطان من ألف عابد ولكل شيء دعامة ودعامة الدين الفقه وقد روى باسناد فيه من لا يحتج به من حديث عاصم بن ابي النجودعن زر بن حبيش عن عمر بن الخطاب يرفعه ان الفقيه اشد على الشيطان من الف ورع وألف مجتهد والف متعبد وقال المزني روى عن ابن عباس انه قال ان الشياطين قالوا لابليس يا سيدنا مالنا نراك تفرح بموت العالم مالا تفرح بموت العابد والعالم لا نصيب منه والعابد نصيب منه قال انطلقوا فانطلقوا الى عابد فاتوه في عبادته فقالوا إنا نريد ان نسألك فانصرف فقال ابليس هل يقدر ربك ان يجعل الدنيا في جوف بيضة فقال لا أدري فقال اترونه كفر في ساعة ثم جاؤوا الى عالم في حلقته يضحك اصحابه ويحدثهم فقالوا إنا نريد ان نسألك فقال سل فقال هل يقدر ربك ان يجعل الدنيا في جوف بيضة قال نعم قالوا كيف قال يقول كن فيكون فقال أترون ذلك لا يعدو نفسه وهذا يفسد على عالما كثيرا وقد رويت هذه الحكاية على وجه آخر وإنهم سألوا العابد فقالوا هل يقدر ربك أن يخلق مثل نفسه فقال لاادري فقال اترونه لم تنفعه عبادته مع جهله وسألوا عن ذلك فقال هذه المسألة محال لأنه لو كان مثله لم يكن مخلوقا فكونه مخلوقا وهو مثل نفسه مستحيل فإذا كان مخلوقا لم يكن مثله بل كان عبدا من عبيده وخلقا من خلقه فقال أترون ذلك اترون هذا يهدم في ساعة ما ابنيه في سنين اوكما قال وروى عن عبد الله بن عمرو فضل العالم على العابد سبعين درجة بين كل درجتين حضر الفرس سبعين عاما وذلك ان الشيطان يضع البدعة فيبصرها العالم وينهى عنها والعابد مقبل على عبادة ربه لا يتوجه لها ولا يعرفها وهذا معناه صحيح فإن العالم يفسد على الشيطان ما يسعى فيه ويهدم ما يبنيه فكل ما أراد إحياء بدعة وإماتة سنة حال العالم بينه وبين ذلك فلا شيء اشد عليه من بقاء العالم بين ظهراني الامة ولا شيء احب اليه من زواله من بين اظهرهم ليتمكن من إفساد الدين وإغواء الامة وأما العابد فغايته ان يجاهده ليسلم منه في خاصة نفسه وهيهات له ذلك الوجه التاسع والاربعون ما روى الترمذي من حديث ابي هريرة رضى الله عنه قال سمعت رسول الله يقول الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم ومتعلم قال الترمذي هذا حديث حسن ولما كانت الدنيا حقيرة عند الله لاتساوي لديه جناح بعوضة كانت وما فيها في غاية البعد منه وهذا هو حقيقة اللعنة وهو سبحانه إنما خلقها مزرعة للآخرة ومعبرا اليها يتزود منها عبادة اليه فلم يكن يقرب منها إلا ما كان متضمنا(1\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14524",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لاقامة ذكره ومفضيا الى محابه وهوالعلم الذي به يعرف الله ويعبد ويذكر ويثنى عليه ويمجد ولهذا خلقها وخلق اهلها كما قال تعالى وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون وقال الله الذي خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا ان الله على كل شيء قدير وان الله قد احاط بكل شيء علما فتضمنت هاتان الايتان انه سبحانه إنما خلق السموات والارض وما بينهما ليعرف باسمائه وصفاته وليعبد فهذا المطلوب وما كان طريقا اليه من العلم والتعلم فهو المستثنى من اللعنة واللعنة واقعة على ما عداه إذ هو بعيد عن الله وعن محابه وعن دينه وهذا هو متعلق العقاب في الاخرة فإنه كما كان متعلق اللعنة التي تضمن الذم والبغض فهو متعلق العقاب والله سبحانه إنما يحب من عباده ذكره وعبادته ومعرفته ومحبته ولوازم ذلك وما افضى اليه وما عداه فهو مبغوض له مذموم عنده الوجه الخمسون ما رواه الترمذي من حديث ابي جعفر الرازي عن الربيع بن انس قال قال رسول الله من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع قال الترمذي هذا حديث حسن غريب رواه بعضهم فلم يرفعه وإنما جعل طلب العلم من سبيل الله لان به قوام الاسلام كما ان قوامه بالجهاد فقوام الدين بالعلم والجهاد ولهذا كان الجهاد نوعين جهاد باليد والسنان وهذا المشارك فيه كثير والثاني الجهاد بالحجة والبيان وهذا جهاد الخاصة من اتباع الرسل وهو جهاد الائمة وهو افضل الجهادين لعظم منفعته وشدة مؤنته وكثرة اعدائه قال تعالى في سورة الفرقان وهي مكية ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا فلاتطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا فهذا جهاد لهم بالقرآن وهو أكبر الجهادين وهو جهاد المنافقين ايضا فإن المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين بل كانوامعهم في الظاهر وربما كانوا يقاتلون عدوهم معهم ومع هذا فقد قال تعالى يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومعلوم ان جهاد المنافقين بالحجة والقرآن والمقصود ان سبيل الله هي الجهاد وطلب العلم ودعوة الخلق به الى الله ولهذا قال معاذ رضى الله عنه عليكم بطلب العلم فإن تعلمه لله خشية ومدارسته عبادة ومذاكرته تسبيح والبحث عنه جهاد ولهذا قرن سبحانه بين الكتاب المنزل والحديد الناصر كما قال تعالى لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب واميزان ليقوم الناس بالقسط وانزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ان الله قوي عزيز فذكر الكتاب والحديد إذ بهما قوام الدين كما قيل: فما هو إلا الوحي اوحدمرهف ... تميل ظباه اخدعا كل ما يل ... فهذا شفاء الداء من كل عاقل ... وهذا دواء الداء من كل جاهل ... ولما كان كل من الجهاد بالسيف والحجة يسمى سبيل الله فسر الصحابة رضى الله عنهم(1\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14525",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم بالامراء والعلماء فإنهم المجاهدون في سبيل الله هؤلاء بأيديهم وهؤلاء بالسنتم بألسنتهم فطلب العلم وتعليمه من اعظم سبيل الله عز وجل قال كعب الاحبار طالب العلم كالغادي الرايح في سبيل الله عز وجل وجاء عن بعض الصحابة رضى الله عنهم إذا جاء الموت طالب العلم وهو على هذه الحال مات وهو شهيد وقال سفيان بن عيينة من طلب العلم فقد بايع الله عز وجل وقال ابو الدرداء من رأى الغدو والرواح الى العلم ليس بجهاد فقد نقص في عقله ورأيه الوجه الحادي والخمسون ما رواه الترمذي حدثنا محمود بن غيلان حدثنا ابو اسامة عن الاعمش عن ابي صالح عن ابي هريرة قال قال رسول الله من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا الى الجنة قال الترمذي هذا حديث حسن قال بعضهم ولم يقل في هذا الحديث صحيح لانه يقال دلس الاعمش في هذا الحديث لانه رواه بعضهم فقال حدثت عن ابي صالح والحديث رواه مسلم في صحيحه من اوجه عن الاعمش عن ابي صالح قال الحاكم في المستدرك هو صحيح على شرط البخاري ومسلم رواه عن الاعمش جماعة منهم زايدة وأبو معاوية وابن نمير وقد تقدم حديث ابي الدرداء في ذلك والحديث محفوظ وله اصل وقد تظاهر الشرع والقدر على ان الجزاء من جنس العمل فكما سلك طريقا يطلب فيه حياة قلبه ونجاته من الهلاك سلك الله به طريقا يحصل له ذلك وقد روى من حديث عائشة رواه ابن عدي من حديث محمد بن عبد الملك الانصاري عن الزهري عن عروة عنها مرفوعا ولفظه اوحى الله الى انه من سلك مسلكا يطلب العلم سهلت له طريقا الى الجنة الوجه الثاني الخمسون ان النبي دعا لمن سمع كلامه ووعاه وبلغه بالنضرة وهي البهجة ونضارة الوجه وتحسينه ففي الترمذي وغيره من حديث ابن مسعود عن النبي قال نضر الله امرا سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها فرب حامل فقه الى من هو افقه منه ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم اخلاص العمل لله ومناصحة ائمة المسلمين ولزوم جماعتهم فإن دعوتهم تحيط من ورائهم وروى هذا الاصل عن النبي ابن مسعود ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء وجبير بن مطعم وانس بن مالك وزيد بن ثابت والنعمان بن بشير قال الترمذي حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح وحديث زيد بن ثابت حديث حسن وأخرج الحاكم في صحيحه حديث جبير بن مطعم والنعمان بن بشير وقال في حديث جبير على شرط البخاري ومسلم ولو لم يكن في فضل العلم الا هذا وحده لكفى به شرفا فإن النبي دعا لمن سمع كلامه ووعاه وحفظه وبلغه وهذه هي مراتب العلم اولها وثانيها سماعه وعقله فإذا سمعه وعاه بقلبه أي عقله واستقر في قلبه كما يستقر الشيء الذي يوعى في وعائه ولا يخرج منه(1\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14526",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك عقله هو بمنزلة عقل البعير والدابة ونحوها حتى لا تشرد وتذهب ولهذا كان الوعي والعقل قدرا زائدا على مجرد إدراك المعلوم المرتبة الثالثة تعامده وحفظه حتى لاينساه فيذهب المرتبة الرابعة تبليغه وبثه في الامة ليحصل به ثمرته ومقصوده وهو بثه في الامة فهو بمنزلة الكنز المدفون في الارض الذي لا ينفق منه وهو معرض لذهابه فإن العلم ما لم ينفق منه ويعلم فإنه يوشك ان يذهب فإذا انفق منه نما وزكا على الانفاق فمن قام بهذه المراتب الاربع دخل تحت هذه الدعوة النبوية المتضمنة لجمال الظاهر والباطن فإن النضرة هي البهجة والحسن الذي يكساه الوجه من آثار الايمان وابتهاج الباطن به وفرح القلب وسروره والتذاذه به فتظهر هذه البهجة والسرور والفرحة نضارة على الوجه ولهذا يجمع له سبحانه بين البهجة والسرور والنضرة كما في قوله تعالى فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا فالنضرة في وجوههم والسرور في قلوبهم فالنعيم وطيب القلب يظهر نضارة في الوجه كما قال تعالى تعرف في وجوههم نضرة النعيم والمقصود ان هذه النضرة في وجه من سمع سنة رسول الله ووعاها وحفظها وبلغها فهي اثر تلك الحلاوة والبهجة والسرور الذي في قلبه وباطنه وقوله رب حامل فقه الى من هو افقه منه تنبيه على فائدة التبليغ وان المبلغ قد يكون افهم من المبلغ فيحصل له في تلك المقالة ما لم يحصل للمبلغ او يكون المعنى ان المبلغ قد يكون افقه من المبلغ فإذا سمع تلك المقالة حملها على احسن وجوهها واستنبط فقهها وعلم المراد منها وقوله ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إلى آخره اي لايحمل الغل ولا يبقى فيه مع هذه الثلاثة فإنها تنفى الغل والغش وهو فساد القلب وسخايمه فالمخلص لله إخلاصه يمنع غل قلبه ويخرجه ويزيله جملة لانه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربه فلم يبق فيه موضع للغل والغش كما قال تعالى كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين فلما اخلص لربه صرف عنه دواعي السوء والفحشاء فانصرف عنه السوء والفحشاء ولهذا لما علم ابليس انه لا سبيل له على اهل الاخلاص استثناهم من شرطته التي اشترطها للغواية والاهلاك فقال فبعزتك لاغوينهم اجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال تعالى إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين فالاخلاص هو سبيل الخلاص والإسلام هو مركب السلامة والايمان خاتم الامان وقوله ومناصحة ائمة المسلمين هذا ايضا مناف للغل والغش فإن النصيحة لا تجامع الغل إذ هي ضده فمن نصح الائمة والامة فقد برئ من الغل وقوله ولزوم جماعتهم هذا ايضا مما يطهر القلب من الغل والغش فإن صاحبه للزومه جماعة المسلمين يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لها ويسوؤه ما يسؤوهم ويسره ما يسرهم وهذا بخلاف من انجاز عنهم واشتغل بالطعن(1\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14527",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليهم والعيب والذم لهم كفعل الرافضة والخوارج والمعتزلة وغيرهم فإن قلوبهم ممتلئة نحلا وغشا ولهذا تجد الرافضة ابعد الناس من الاخلاص اغشهم للائمة والامة واشدهم بعدا عن جماعة المسلمين فهؤلاء اشد الناس غلا وغشا بشهادة الرسول والامة عليهم وشهادتهم على انفسهم بذلك فانهم لايكونون قط الا اعوانا وظهرا على اهل الاسلام فاي عدو قام للمسلمين كانوا اعوان ذلك العدو وبطانته وهذا امر قد شاهدته الامة منهم ومن لم يشاهد فقد سمع منه ما يصم الاذان ويشجي القلوب وقوله فإن دعوتهم تحيط من ورائهم هذا من احسن الكلام وأوجزه وافخمه معنى شبه دعوة المسلمين بالسور والسياج المحيط بهم المانع من دخول عدوهم عليهم فتلك الدعوة التي هي دعوة الاسلام وهم داخلونها لما كانت سورا وسياجا عليهم اخبر ان من لزم جماعة المسلمين احاطت به تلك الدعوة التي هي دعوة الاسلام كما احاطت بهم فالدعوة تجمع شمل الامة وتلم شعثها وتحيط بها فمن دخل في جماعتها احاطت به وشملته الوجه الثالث والخمسون ان النبي امر بتبليغ العلم عنه ففي الصحيحين من حديث عبد الله ابن عمرو قال قال رسول الله بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار وقال ليبلغ الشاهد منكم الغائب روى ذلك ابو بكرة ووابصة بن معبد وعمار بن ياسر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس واسماء بنت يزيد بن السكن وحجير وابو قريع وسرى بنت نبهان ومعاوية بن حيدة القشيري وعم ابي حرة وغيرهم فأمر بالتبلغ عنه لما في ذلك من حصول الهدى بالتبلغ وله اجر من بلغ عنه واجر من قبل ذلك البلاغ وكلما كثر التبلغ عنه تضاعف له الثواب فله من الاجر بعدد كل مبلغ وكل مهتد بذلك البلاغ سوى ماله من اجر عمله المختص به فكل من هدى واهتدى بتبليغه فله اجره لانه هو الداعي اليه ولو لم يكن في تبليغ العلم عنه الا حصول ما يحبه لكفى به فضلا وعلامة المحب الصادق ان يسعى في حصول محبوب محبوبه ويبذل جهده وطاقته فيها ومعلوم انه لا شيء احب الى رسول الله من ايصاله الهدى الى جميع الامة فالمبلغ عنه ساع في حصول محابه فهو اقرب الناس منه واحبهم اليه وهو نائبه وخليفته في امته وكفى بهذا فضلا وشرفا للعلم واهله الوجه الرابع والخمسون ان النبي قدم بالفضائل العلمية في أعلا الولايات الدينية واشرفها وقدم بالعلم بالافضل على غيره فروى مسلم في صحيحه من حديث ابي مسعود البدري عن النبي يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فاقدمهم إسلاما او سنا وذكر الحديث فقدم في الامامة تفضيله العلم على تقدم الاسلام والهجرة ولما كان(1\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14528",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العلم بالقرآن افضل من العلم بالسنة لشرف معلومه على معلوم السنة قدم العلم به ثم قدم العلم بالسنة على تقدم الهجرة وفيه من زيادة العمل ماهو متميز به لكن إنما راعى التقديم بالعلم ثم بالعمل وراعى التقديم بالعلم بالافضل على غيره وهذا يدل على شرف العلم وفضله وإن اهله هم اهل التقدم الى المراتب الدينية الوجه الخامس والخمسون ما ثبت في صحيح البخاري من حديث عثمان بن عفان رضى الله عنه عن النبي انه قال خيركم من تعلم القرآن وعلمه وتعلم القرآن وتعليمه يتناول تعلم حروفه وتعليمها وتعلم معانيه وتعليمها وهو اشرف قسمي علمه وتعليمه فإن المعنى هو المقصود واللفظ وسيلة اليه فنعلم المعنى وتعليمه تعلم الغاية وتعليمها وتعلم اللفظ المجرد وتعليمه تعلم الوسائل وتعليمها وبينهما كما بين الغايات والوسائل الوجه السادس والخمسون ما رواه الترمذي وغيره في نسخة عمرو ابن الحارث عن دراج عن ابي الهيثم عن ابي سعيد عن النبي قال لن يشبع المؤمن من خير يسمعه حتى يكون منتهاه الجنة قال الترمذي هذا حديث حسن غريب وهذه نسخة معروفة رواها الناس وساق احمد في المسند أكثرها او كثيرا منها ولهذا الحديث شواهد فجعل النبي النهمة في العلم وعدم الشبع منه من لوازم الايمان واوصاف المؤمنين واخبر ان هذا لا يزال دأب المؤمن حتى دخوله الجنة ولهذا كان أئمة الاسلام إذا قيل لاحدهم الى متى تطلب العلم فيقول الى الممات قال نعيم ابن حماد سمعت عبد الله بن المبارك رضى الله عنه يقول وقد عابه قوم في كثرة طلبه للحديث فقالوا له الى متى تسمع قال إلى الممات وقال الحسين بن منصور الخصاص قلت لاحمد بن حنبل رضى الله عنه الى متى يكتب الرجل الحديث قال الى الموت وقال عبد الله بن محمد البغوي سمعت احمد بن حنبل رضى الله عنه يقول إنما اطلب العلم الى ان ادخل القبر وقال محمد بن إسماعيل الصائغ كنت اصوغ مع ابي ببغداد فمر بنا احمد بن حنبل وهو يعدو ونعلاه في يديه فأخذ ابي بمجامع ثوبه فقال يا ابا عبد الله الا تستحي إلى متى تعدو مع هؤلاء قال إلى الموت وقال عبد الله بن بشر الطالقاني ارجو ان يأتيني أمر ابي والمحبرة بين يدي ولم يفارقني العلم والمحبرة وقال حميد بن محمد بن يزيد البصري جاء ابن بسطام الحافظ يسألني عن الحديث فقلت له ما اشد حرصك على الحديث فقال او ما احب ان اكون في قطار آل رسول الله وقيل لبعض العلماء متى يحسن بالمرء ان يتعلم قال ما حسنت به الحياة وسئل الحسن عن الرجل له ثمانون سنة ايحسن ان يطلب العلم قال إن كان يحسن به ان يعيش الوجه السابع والخمسون ما رواه الترمذي ايضا من حديث إبراهيم بن الفضل عن المقبري عن ابي هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله الكلمة الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو احق بها قال الترمذي هذا(1\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "73",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14529",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حديث غريب لانعرفه الا من هذا الوجه وإبراهيم ابن الفضل المديني المخزومي يضعف في الحديث من قبل حفظه وهذا ايضا شاهد لما تقدم وله شواهد والحكمة هي العلم فإذا فقده المؤمن فهو بمنزلة من فقد ضالة نفيسة من نفائسه فإذا وجدها قر قلبه وفرحت نفسه بوجدانها كذلك المؤمن إذا وجد ضالة قلبه وروحه التي هو دائما في طلبها ونشدانها والتفتيش عليها وهذا من احسن الامثلة فإن قلب المؤمن يطلب العلم حيث وجده اعظم من طلب صاحب الضالة لها الوجه الثامن والخمسون قال الترمذي حدثنا ابو كريب حدثنا خلف بن ايوب عن عوف عن ابن سيرين عن ابي هريرة رضى الله عنه عن النبي خصلتان لا يجتمعان في منافق حسن سمت وفقه في الدين قال الترمذي هذا حديث غريب ولا يعرف هذا الحديث من حديث عوف الا من حديث هذا الشيخ خلف بن أيوب العامري ولم أر احدا يروى عنه غير ابي كريب محمد بن العلاء ولا أدري كيف هو وهذه شهادة بان من اجتمع فيه حسن السمت والفقه في الدين فهو مؤمن واحرى بهذا الحديث ان يكون حقا وإن كان اسناده فيه جهالة فان حسن السمت والفقه في الدين من اخص علامات الايمان ولن يجمعهما الله في منافق فان النفاق ينافيهما وينافيانه الوجه التاسع والخمسون قال الترمذي حدثنا مسلم ابن حاتم الانصاري حدثنا ابوحاتم البصري حدثنا محمد بن عبد الله الانصاري عن ابيه عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال قال انس بن مالك رضى الله عنه قال رسول الله يا بني ان قدرت ان تصبح وتمسي وليس في قلبك غش لاحد فافعل ثم قال يا بني وذلك من سنتي ومن احيا سنتي فقد احبني ومن احبني كان معي في الجنة وفي الحديث قصة طويلة قال الترمذي هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه ومحمد بن عبد الله الانصاري صدوق وابوه ثقة وعلي بن زيد صدوق الا انه ربما يرفع الشيء الذي يوقفه غيره سمعت محمد بن بشارة يقول قال ابو الوليد قال شعبة حدثنا على بن زيد وكان رفاعا قال الترمذي ولا يعرف لسعيد من السميب عن انس رواية الا هذا الحديث بطوله وقد روى عباد المنقري هذا الحديث عن علي بن زيد عن انس ولم يذكر فيه عن سعيد بن المسيب وذاكرت به محمد بن اسمعيل فلم يعرفه ولم يعرف لسعيد بن المسيب عن انس هذا الحديث ولا غيره ومات انس سنة ثلاث وتسعين وسعيد بن المسيب سنة خمس وتسعين بعده بسنتين قلت ولهذا الحديث شواهد منها ما رواه الدارمي عبد الله حدثنا محمد بن عيينة عن مروان بن معاوية الفزاري عن كثير ابن عبد الله عن ابيه عن جده ان النبي قال لبلال بن الحارث اعلم قال ما أعلم يا رسول الله قال اعلم يا بلال قال ما اعلم يا رسول الله قال انه من احيا سنة من سنني قد اميتت بعدي كان له من الاجر مثل من عمل بها من غير ان ينقص من اجورهم شيء ومن ابتدع(1\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "74",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14530",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من اوزار الناس شيئا رواه الترمذي عنه وقال حديث حسن قال ومحمد بن عيينة مصيصي شامي وكثير ابن عبد الله هو ابن عمرو بن عوف المزني وفي حديثه ثلاثة اقوال لاهل الحديث منهم من يصححه ومنهم من يحسنه وهما للترمذي ومنهم من يضعفه ولا يراه حجة كالامام احمد وغيره ولكن هذا الاصل ثابت من وجوه كحديث من دعا الى هدى كان له من الاجر مثل احور من اتبعه وهو صحيح من وجوه وحديث من دل على خير فله مثل اجر فاعله وهو حديث حسن رواه الترمذي وغيره فهذا الاصل محفوظ عن النبي فالحديث الضعيف فيه بمنزلة الشواهد والمتابعات فلا يضر ذكره الوجه الستون ان النبي اوصى بطلبه العلم خيرا وما ذاك الا لفضل مطلوبهم وشرفه قال الترمذي حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا ابو داود الحفري عن سفيان عن ابي هرون قال كنا نأتي ابا سعيد فيقول مرحبا بوصية رسول الله ان النبي قال ان الناس لكم تبع وان رجالا يأتونكم من اقطار الارض يتفقهون في الدين فإذا اتوكم فاستوصوا بهم خيرا حدثنا قتيبة حدثنا روح بن قيس عن ابي هرون العبدي عن ابي سعيد الخدري عن النبي قال يأتيكم رجال من قبل المشرق يتعلمون فإذا جاؤكم فاستوصوا بهم خيرا فكان ابو سعيد إذا رآنا قال مرحبا بوصية رسول الله قال الترمذي هذا حديث لانعرفه الا من حديث ابي هرون العبدي عن ابي سعيد قال ابو بكر العطار قال علي ابن المديني قال يحيى بن سعيد كان شعبة يضعف ابا هرون العبدي قال يحيى وما زال ابن عوف يروى عن ابي هرون حتى مات وأبو هرون اسمه عمارة بن جوين الوجه الحادي والستون ما رواه الترمذي من حديث ابي داود عن عبد الله بن سنحبرة عن سنحبرة عن النبي قال من طلب العلم كان كفارة لما مضى هذا الاصل لم اجد فيه الا هذا الحديث وليس بشيء فان ابا داود هو نفيع الاعمى غير ثقة ولكن قد تقدم ان العالم يستغفر له من في السموات ومن في الارض وقد رويت آثار عديدة عن جماعة من الصحابة في هذا المعنى منها ما رواه الثوري عن عبد الكريم عن مجاهد عن ابن عباس ان ملكا موكلا بطالب العلم حتى يرده من حيث ابداه مغفورا له ومنها ما رواه قطر بن خليفة عن ابي الطفيل عن علي ما انتعل عبد قط ولا تخفف ولا لبس ثوبا ليغدو في طلب العلم إلا غفرت ذنوبه حيث يخطو عند باب بيته وقد رواه ابن عدي مرفوعا وقال ليس يرويه عن قطر غير اسمعيل ابن يحيى التميمي قلت وقد رواه اسمعيل بن يحيى هذا عن الثوري حدثنا محمد بن ايوب الجوزجاني عن مجالد عن الشعبي عن الاسود عن عائشة مرفوعا من انتعل ليتعلم خيرا غفر له قبل ان(1\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "75",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14531",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يخطو وقد رواه عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن قطر عن ابي الطفيل عن علي وهذه الاسانيد وان لم تكن بمفردها حجة فطلب العلم من افضل الحسنات والحسنات يذهبن السيئات فجدير ان يكون طلب العلم ابتغاء وجه الله يكفر ماضي من السيئات فقد دلت النصوص ان اتباع السيئة الحسنة تمحوها فكيف بما هو من افضل الحسنات واجل الطاعات فالعمدة على ذلك لاعلى حديث ابي داود والله اعلم وقد روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ان الرجل ليخرج من منزله وعليه من الذنوب مثل جبال تهامة فإذا سمع العلم خاف ورجع وتاب فانصرف الى منزله وليس عليه ذنب فلاتفارقوا مجالس العلماء الوجه الثاني والستون ما رواه ابن ماجه في سننه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما قال خرج رسول الله فإذا في المسجد مجلسان مجلس يتفقهون ومجلس يدعون الله تعالى ويسألونه فقال كلا المجلسين إلى خير اماهؤلاء فيدعون الله وأما هؤلاء فيتعلمون ويفقهون الجاهل هؤلاء افضل بالتعليم ارسلت ثم قعد معهم الوجه الثالث والستون ان الله تبارك وتعالى يباهي ملائكته بالقوم الذين يتذاكرون العلم ويذكرون الله ويحمدونه على ما من عليهم به منه قال الترمذي حدثنا محمد بن بشار حدثنا مرحوم بن عبد العزيز العطار حدثنا ابو نعامة عن ابي عثمان عن ابي سعيد قال خرج معاوية الى المسجد فقال م يجلسكم قالوا جلسنا نذكر الله عز وجل قال الله ما اجلسكم إلا ذلك قالوا الله ما اجلسنا إلا ذلك قال أما إني لم استحلفكم تهمة لكم وما كان احد بمنزلتي من رسول الله اقل حديثا عنه مني ان رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وآله وسلم خرج على حلقة من اصحابه قال ما يجلسكم قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده لما هدانا للاسلام ومن علينا بك قال الله ما اجلسكم إلا ذلك قالوا الله ما اجلسنا إلا ذلك قال أما إني لم استحلفكم تهمة لكم انه اتاني جبريل فأخبرني ان الله تعالى يباهي بكم الملائكة قال الترمذي هذا حديث حسن غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه وابو نعامة السعدي اسمه عمرو بن عيسى وأبو عثمان النهدي اسمه عبد الرحمن بن مل فهؤلاء كانوا قد جلسوا يحمدون الله بذكر اوصافه وآلائه ويثنون عليه بذلك ويذكرون حسن الإسلام ويعترفون لله بالفضل العظيم إذ هداهم له ومن عليهم برسوله وهذا اشرف علم على الاطلاق ولا يعني به الا الراسخون في العلم فإنه يتضمن معرفة الله وصفاته وافعاله ودينه ورسوله ومحبة ذلك وتعظيمه والفرح به وأحرى بأصحاب هذا العلم ان يباهي الله بهم الملائكة وقد بشر النبي الرجل الذي كان يحب سورة الاخلاص وقال احبها لانها صفة الرحمن عز وجل فقال حبك اياها ادخلك الجنة وفي لفظ آخر اخبروه ان الله يحبه فدل على ان من احب صفات الله احبه الله وأدخله الجنة والجهمية اشد الناس نفرة وتنفيرا عن صفاته ونعوت كماله يعاقبون ويذمون من(1\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "76",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14532",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يذكرها ويقرؤها ويجمعها ويعتني بها ولهذا لهم المقت والذم عند الامة وعلى لسان كل عالم من علماء الاسلام والله تعالى اشد بغضا ومقتا لهم جزاء وفاقا الوجه الرابع والستون ان افضل منازل الخلق عند الله منزلة الرسالة والنبوة فالله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس وكيف لا يكون افضل الخلق عند الله من جعلهم وسائط بينه وبين عباده في تبليغ رسالاته وتعريف اسمائه وصفاته وأفعاله واحكامه ومراضيه ومساخطه وثوابه وعقابه وخصهم بوحيه واختصهم بتفضيله وارتضاهم لرسالته إلى عباده وجعلهم ازكى العالمين نفوسا واشرفهم اخلاقا واكملهم علوما واعمالا واحسنهم خلقة واعظمهم محبة وقبولا في قلوب الناس وبرأهم من كل وصم وعيب وكل خلق دنيء وجعل اشرف مراتب الناس بعدهم مرتبة خلافتهم ونيابتهم في اممهم فانهم يخلفونهم على منهاجهم وطريقهم من نصيحتهم للأمة وارشادهم الضال وتعليمهم الجاهل ونصرهم المظلوم واخذهم على يد الظالم وامرهم بالمعروف وفعله ونهيهم عن المنكر وتركه والدعوة الى الله بالحكمة للمستجيبين والموعظة الحسنة للمعرضين الغافلين والجدال بالتي هي احسن للمعاندين المعارضين فهذه حال اتباع المرسلين وورثه النبيين قال تعالى قل هذه سبيلي ادعو الى الله على بصيرة انا ومن اتبعني وسواء كان المعنى أنا ومن اتبعني على بصيرة وانا ادعو الى الله او المعنى ادعو الى الله على بصيرة والقولان متلازمان فإنه لا يكون من اتباعه حقا إلا من دعا الى الله على بصيرة كما كان متبوعه يفعل فهؤلاء خلفاء الرسل حقا وورثتهم دون الناس وهم أولو العلم الذين قاموا بما جاء به علما وعملا وهداية وارشادا وصبرا وجهادا وهؤلاء هم الصديقون وهم افضل اتباع الانبياء ورأسهم وإمامهم الصديق الاكبر ابو بكر رضى الله عنه قال الله تعالى ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما فذكر مراتب السعداء وهي اربعة وبدأ باعلاهم مرتبة ثم الذين يلونهم إلى آخر المراتب وهؤلاء الاربعة هم اهل الجنة الذين هم اهلها جعلنا الله منهم بمنه وكرمه الوجه الخامس والستون ان الانسان إنما يميز على غيره من الحيوانات بفضيلة العلم والبيان وإلا فغيره من الدواب والسباع أكثر أكلا منه واقوى بطشا وأكثر جماعا واولادا واطول اعمارا وإنما ميز على الدواب والحيوانات بعلمه وبيانه فإذا عدم العلم بقى معه القدر المشترك بينه وبين سائر الدواب وهي الحيوانية المحضة فلا يبقى فيه فضل عليهم بل قد يبقى شرا منهم كما قال تعالى في هذا الصنف من الناس إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون فهؤلاء هم الجهال ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم أي ليس عندهم محل قابل للخير ولو كان محلهم قابلا للخير لاسمعهم أي(1\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "77",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14533",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لافهمهم والسمع ههنا سمع فهم والا فسمع الصوت حاصل لهم وبه قامت حجة الله عليهم قال تعالى ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون وقال تعالى ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بمالا يسمع الا دعاء ونداء صم بكم عمى فهم لا يعقلون وسواء كان المعنى ومثل داعي الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع من الدواب إلا اصواتا مجردة او كان المعنى ومثل الذين كفروا حين ينادون كمثل دواب الذي ينعق بها فلا تسمع الا صوت الدعاء والنداء فالقولان متلازمان بل هما واحد وإن كان التقدير الثاني اقرب إلى اللفظ وأبلغ في المعنى فعلى التقديرين لم يحصل لهم من الدعوة إلا الصوت الحاصل للأنعام فهؤلاء لم يحصل لهم حقيقة الانسانية التي يميز بها صاحبها عن سائر الحيوان والسمع يراد به ادراك الصوت ويراد به فهم المعنى ويراد به القبول والاجابة والثلاثة في القرآن فمن الاول قوله قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي الى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير وهذا اصرح ما يكون في إثبات صفة السمع ذكر الماضي والمضارع واسم الفاعل سمع ويسمع وهو سميع وله السمع كما قالت عائشة رضى الله عنها الحمد لله الذي وسع سمعه الاصوات لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله وأنا في جانب البيت وأنه ليخفى على بعض كلامها فأنزل الله قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها والثاني سمع الفهم كقوله ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم أي لافهمهم ولو اسمعهم لتولوا وهم معرضون لما في قلوبهم من الكبر والاعراض عن قبول الحق ففيهم آفتان إحداهما انهم لا يفهمون الحق لجهلهم ولو فهموه لتولوا عنه وهم معرضون عنه لكبرهم وهذا غاية النقص والعيب والثالث سمع القبول والاجابة كقوله تعالى لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولا وضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم أي قابلون مستجيبون ومنه قوله سماعون للكذب أي قابلون له مستجيبون لاهله ومنه قول المصلى سمع الله لمن حمده أي اجاب الله حمد من حمده ودعاء من دعاه وقول النبي إذا قال الامام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد يسمع الله لكم أي يجيبكم والمقصود ان الانسان إذا لم يكن له علم بما يصلحه في معاشه ومعاده كان الحيوان البهيم خيرا منه لسلامته في المعاد مما يهلكه دون الانسان الجاهل الوجه السادس والستون إن العلم حاكم على ما سواه ولا يحكم عليه شيء فكل شيء اختلف في وجوده وعدمه وصحته وفساده ومنفعته ومضرته ورجحانه ونقصانه وكماله ونقصه ومدحه وذمه ومرتبته في الخير وجودته ورداءته وقربه وبعده وإفضائه إلى مطلوب كذا وعدم إفضائه وحصول المقصود به وعدم حصوله إلى سائر جهات المعلومات فإن العلم حاكم على ذلك كله فإذا حكم العلم انقطع النزاع ووجب الاتباع وهو الحاكم على الممالك والسياسات والاموال(1\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "78",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14534",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والاقلام فملك لا يتأيد بعلم لا يقوم وسيف بلا علم مخراق لاعب وقلم بلا علم حرمة حركة عابث والعلم مسلط حاكم على ذلك كله ولا يحكم شيء من ذلك على العلم وقد اختلف في تفضيل مداد العلماء على دم الشهداء وعكسه وذكر لكل قول وجوه من التراجيح والادلة ونفس هذا النزاع دليل على تفضيل العلم ومرتبته فإن الحاكم في هذه المسئلة هو العلم فيه واليه وعنده يقع التحاكم والتخاصم والمفضل منهما من حكم له بالفضل فإن قيل فكيف يقبل حكمه لنفسه قيل وهذا ايضا دليل على تفضيله وعلو مرتبته وشرفه فإن الحاكم إنما لم يسغ ان يحكم لنفسه لاجل مظنة التهمة والعلم تلحقه تهمة في حكمه لنفسه فإنه إذا حكم حكم بما تشهد العقول والنظر بصحته وتتلقاه بالقبول ويستحيل حكمه لتهمة فإنه إذا حكم بها انعزل عن مرتبته وانحط عن درجته فهو الشاهد المزكي العدل والحاكم الذي لا يجور ولا يعزل فإن قيل فماذا حكمه في هذه المسئلة التي ذكرتموها قيل هذه المسئلة كثر فيها الجدال واتسع المجال وأدلى كل منهما بحجته واستعلى بمرتبته والذي يفصل النزاع ويعيد المسالة إلى مواقع الاجماع الكلام في أنواع مراتب الكمال وذكر الافضل منهما والنظر في أي هذين الامرين اولى به واقرب اليه فهذه الاصول الثلاثة تبين الصواب ويقع بها فصل الخطاب فاما مراتب الكمال فاربع النبوة والصديقية والشهادة والولاية وقد ذكرها الله سبحانه في قوله ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما وذكر تعالى هؤلاء الاربع في سورة الحديد فذكر تعالى الايمان به وبرسوله ثم ندب المؤمنين الى ان تخشع قلوبهم لكتابه ووحيه ثم ذكر مراتب الخلائق شقيهم وسعيدهم فقال إن المصدقين والمصدقات واقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم اجر كريم والذين آمنوا بالله ورسله اولئك هم الصديقون والشهداءعند ربهم لهم اجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك اصحاب الجحيم وذكر المنافقين قبل ذلك فاستوعبت هذه الاية اقسام العباد شقيهم وسعيدهم والمقصود انه ذكر فيها المراتب الاربعة الرسالة والصديقية والشهادة والولاية فأعلا هذه المراتب النبوة والرسالة ويليها الصديقية فالصديقون هم أئمة اتباع الرسل ودرجتهم اعلا الدرجات بعد النبوة فإن جرى قلم العالم بالصديقية وسال مداده بها كان افضل من دم الشهيد الذي لم يحلقه في رتبة الصديقية وان سال دم الشهيد بالصديقية وقطر عليها كان افضل من مداد العالم الذي قصر عنها فافضلهما صديقهما فان استويا في الصديقية استويا في المرتبة والله اعلم والصديقية هي كمال الايمان بما جاء به الرسول علما وتصديقا وقياما فهي راجعة إلى نفس العلم فكل من كان اعلم بما جاء به الرسول واكمل تصديقا له كان اتم صديقية فالصديقية شجرة اصولها العلم وفروعها التصديق وثمرتها العمل فهذه كلمات(1\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "79",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14535",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جامعة في مسئلة العالم والشهيد وايهما افضل الوجه السابع والستون ان النصوص النبوية قد تواترت بان افضل الاعمال إيمان بالله فهو رأس الامر والاعمال بعده على مراتبها ومنازلها والايمان له ركنان احدهما معرفة ما جاء به الرسول والعلم به والثاني تصديقه بالقول والعمل والتصديق بدون العلم والمعرفة محال فإنه فرع العلم بالشيء المصدق به فإذا العلم من الايمان بمنزلة الروح من الجسد ولاتقوم شجرة الايمان الا على ساق العلم والمعرفة فالعلم إذا اجل المطالب واسنى المواهب الوجه الثامن والستون ان صفات الكمال كلها ترجع إلى العلم والقدرة والارادة والارادة فرع العلم فإنهاتستلزم الشعور بالمراد فهي مفتقرة إلى العلم في ذاتها وحقيقتها والقدرة لا تؤثر إلا بواسطة الارادة والعلم لايفتقر في تعلقه بالمعلوم إلى واحدة منهما وأما القدرة وإلارادة فكل منها يفتقر في تعلقه بالمراد والمقدور إلى العلم وذلك يدل على فضيلته وشرف منزلته الوجه التاسع والستون ان العلم اعم الصفات تعلقا بمتعلقه واوسعها فإنه يتعلق بالواجب والممكن والمستحيل والجائز والموجود والمعدوم فذات الرب سبحانه وصفاته واسماؤه معلومة له ويعلم العباد من ذلك ما علمهم العليم الخبير وأما القدرة والارادة فكل منهما خاص التعلق اما القدرة فإنما تتعلق بالممكن خاصة لابالمستحيل ولا بالواجب فهي اخص من العلم من هذا الوجه وأعم من الارادة فإن الارادة لاتتعلق الا ببعض الممكنات وهو ما أريد وجوده فالعلم اوسع وأعم وأشمل في ذاته ومتعلقه الوجه السبعون ان الله سبحانه اخبر عن اهل العلم بأنه جعلهم ائمة يهدون بأمره وياتم بهم من بعدهم فقال تعالى وجعلناهم ائمة يهدون بامرنا لما صبروا وكانوا يآياتنا يوقنون وقال في موضع آخر والذين يقولون ربنا هب لنا من ازواجنا وذرياتنا قرة اعين واجعلنا للمتقين إماما أي ائمة يقتدى بنا من بعدنا فأخبر سبحانه ان بالصبر واليقين تنال الامامة في الدين وهي ارفع مراتب الصديقين واليقين هو كمال العلم وغايته فبتكميل مرتبة العلم تحصل إمامة الدين وهي ولاية آلتها العلم يختص الله بها من يشاء من عباده الوجه الحادي والسبعون ان حاجة العباد إلى العلم ضرورية فوق حاجة الجسم إلى الغذاء لان الجسم يحتاج إلى الغذاء في اليوم مرة او مرتين وحاجة الانسان إلى العلم بعدد الانفاس لان كل نفس من انفاسه فهو محتاج فيه إلى ان يكون مصاحبا لايمان او حكمة فإن فارقه الايمان او حكمة في نفس من انفاسه فقد عطب وقرب هلاكه وليس إلى حصول ذلك سبيل إلا بالعلم فالحاجة إليه فوق الحاجة إلى الطعام والشراب وقد ذكر الامام احمد هذا المعنى بعينه فقال الناس احوج إلى العلم منهم إلى الطعام والشراب لان الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرة او مرتين والعلم يحتاج اليه كل وقت الوجه الثاني والسبعون إن صاحب العلم اقل تعبا وعملا وأكثر اجرا واعتبر هذا بالشاهد فإن الصناع والإجراء يعانون(1\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "80",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14536",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاعمال الشاقة بأنفسهم والاستاذ المعلم يجلس بأمرهم وينهاهم ويريهم كيفية العمل ويأخذ اضعاف ما يأخذونه وقد اشار النبي إلى هذا المعنى حيث قال افضل الاعمال إيمان بالله ثم الجهاد فالجهاد فيه بذل النفس وغاية المشقة والايمان علم القلب وعمله وتصديقه وهو افضل الاعمال مع ان مشقة الجهاد فوق مشقته باضعاف مضاعفة وهذا لان العلم يعرف مقادير الاعمال ومراتبها وفاضلها من مفضولها وراجحها من مرجوحها فصاحبه لا يختار لنفسه الا افضل الاعمال والعامل بلا علم يظن ان الفضيلة في كثرة المشقة فهو يتحمل المشاق وإن كان ما يعانيه مفضولا ورب عمل فاضل والمفضول اكثر مشقة منه واعتبر هذا بحال الصديق فإنه افضل الامة ومعلوم ان فيهم من هو اكثر عملا وحجا وصوما وصلاة وقراءة منه قال ابو بكر بن عياش ما سبقكم ابو بكر بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في قلبه وهذا موضوع المثل المشهور من لي بمثل سيرك المدلل ... تمشى رويدا وتجي في الاول الوجه الثالث والسبعون ان العلم إمام العمل وقائد له والعمل تابع له ومؤتم به فكل عمل لا يكون خلف العلم مقتديا به فهو غير نافع لصاحبه بل مضرة عليه كما قال بعض السلف من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح وألاعمال إنما تتفاوت في القبول والرد بحسب موافقتها للعلم ومخالفتها له فالعمل الموافق للعلم هو المقبول والمخالف له هو المردود فالعلم هو الميزان وهو المحك قال تعالى هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم احسن عملا وهو العزيز الغفور قال الفضيل بن عياض هو اخلص العمل واصوبه قالوا يا ابا علي ما اخلصه واصوبه قال ان العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا وصوابا فالخالص ان يكون لله والصواب ان يكون على السنة وقد قال تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا فهذا هو العمل المقبول الذي لا يقبل الله من الاعمال سواه وهو ان يكون موافقا لسنة رسول الله مرادا به وجه الله ولا يتمكن العامل من الاتيان بعمل يجمع هذين الوصفين إلا بالعلم فإنه إن لم يعلم ما جاء به الرسول لم يمكنه قصده وإن لم يعرف معبوده لم يمكنه إرادته وحده فلولا العلم لما كان عمله مقبولا فالعلم هو الدليل على الاخلاص وهو الدليل على المتابعة وقد قال الله تعالى إنما يتقبل الله من المتقين واحسن ما قيل في تفسير الاية إنه إنما يتقبل الله عمل من اتقاه في ذلك العمل وتقواه فيه ان يكون لوجهه على موافقة امره وهذا إنما يحصل بالعلم وإذا كان هذا منزلة العلم وموقعه علم انه اشرف شيء واجله وافضله والله أعلم الوجه الرابع والسبعون ان العامل بلا علم كالسائر بلا دليل ومعلوم ان عطب مثل هذا اقرب من سلامته(1\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "81",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14537",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وان قدر سلامته اتفاقا نادرا فهو غير محمود بل مذموم عند العقلاء وكان شيخ الاسلام ابن تيمية يقول من فارق الدليل ضل السبيل ولا دليل إلا بما جاء به الرسول قال الحسن العامل على غير علم كالسالك على غير طريق والعامل على غير علم ما يفسد اكثر مما يصلح فاطلبوا اللم طلبا لا تضروا بالعبادة واطلبوا العبادة طلبا لا تضروا بالعلم فإن قوما طلبوا العبادة وتركوا العلم حى خرجوا بأسيافهم على امة محمد ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوا والفرق بين هذا وبين ما قبله ان العلم مرتبته في الوجه الاول مرتبة المطاع المتبوع المقتدى به المتبع حكمه المطاع امره ومرتبته فيه فيهذا الوجه مرتبة الدليل المرشد الى المطلوب الموصل إلى الغاية الوجه الخامس والسبعون ان النبي ثبت في الصحيحين عنه انه كان يقول اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والارض عالم الغيب والشهادة انت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق باذنك انك تهدى من تشاء الى صراط مستقيم وفي بعض السنن انه كان يكبر تكبيرة الاحرام في صلاة الليل ثم يدعو بهذا الدعاء والهداية هي العلم بالحق مع قصده وإيثاره على غيره فالمهتدي هو العامل بالحق المريد له وهي اعظم نعمة لله على العبد ولهذا امرنا سبحانه ان نسأله هداية الصراط المستقيم كل يوم وليلة في صلواتنا الخمس فإن العبد محتاج الى معرفة الحق الذي يرضى الله في كل حركة غاهرة وباطنة فإذا عرفها فهو محتاج إلى من يلهمه قصد الحق فيجعل إرادته في قلبه ثم إلى من يقدره على فعله ومعلوم ان ما يجهله العبد اضعاف اضعاف ما يعلمه وإن كل ما يعلم انه حق لا تطاوعه نفسه على غرادته ولو اراده لعجز عن كثير منه فهو مضطر كل وقت إلى هداية تتعلق بالماضي وبالحال والمستقبل أما الماضي فهو محتاج إلى محاسبة نفسه عليه وهل وقع على السداد فيشكر الله عليه ويستديمه ام خرج فيه عن الحق فيتوب إلى الله تعالى منه ويتسغفره ويعزم على ان لا يعود وأما الهداية في الحال فهي مطلوبة منه فإنه ابن وقته فيحتاج ان يعلم حكم ما هو متلبس به من الافعال هل هو صواب ام خطأ وأما المستقبل فحاجته في الهداية اظهر ليكون سيره على الطريق وإذا كان هذا شأن الهداية علم ان العبد اشد شيء اضطرارا اليها وان ما يورده بعض الناس من السؤال الفاسد وهي انا إذا كنا مهتدين فأي حاجة بنا ان نسأل الله ان يهدينا وهل هذا الا تحصيل الحاصل افسد سؤال وابعده عن الصواب وهو دليل على ان صاحبه لم يحصل معنى الهداية ولا احاط علما بحقيقتها ومسماها فلذلك تكلف من تكلف الجواب عنه بان المعنى ثبتنا على الهداية وادمها لنا ومن احاط علما بحقية الهداية وحاجة العبد اليها علم ان الذي لم يحصل له منها اضعاف ما حصل له انه كل وقت محتاج إلى هداية متجددة لاسيما والله تعالى خالق افعال القلوب والجوارح فهو كل وقت محتاج ان يخلق الله له هداية(1\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "82",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14538",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خاصة ثم ان لم يصرف عنه الموانع والصوارف التي تمنع موجب الهداية وتصرفها لم ينتفع بالهداية ولم يتم مقصودها له فإن الحكم لا يكفي فيه وجود مقتضيه بل لا بد مع ذلك من عدم مانعه ومنافيه ومعلوم ان وساوس العبد وخواطره وشهوات الغي في قلبه كل منها مانع وصول اثر الهداية اليه فإن لم يصرفها الله عنه لم يهتد هدى تاما فحاجاته إلى هداية الله له مقرونة بانفاسه وهي اعظم حاجة للعبد وذكر النبي في الدعاء العظيم القدر من اوصاف الله وربوبيته ما يناسب المطلوب فان فطر السموات والارض توسل إلى الله بهذا الوصف في الهداية للفطرة التي ابتدأ الخلق عليها فذكر كونه فاطر السموات والارض والمطلوب تعليم الحق والتوفيق له فذكر علمه سبحانه بالغيب والشهادة وان من هو بكل شيء عليم جدير ان يطلب منه عبده ان يعلمه ويرشده ويهديه وهو بمنزلة التوسل إلى الغني بغناه وسعة كرمه ان يعطى عبده شيئا من ماله والتوسل إلى الغفور بسعة مغفرته ان يغفر لعبده ويعفوه ان يعفو عنه وبرحمته ان يرحمه ونظائر ذلك وذكر ربوبيته تعالى لجبريل وميكائيل وإسرافيل وهذا والله اعلم لان المطلوب هدى يحيا به القلب وهؤلاء الثلاثة الاملاك قد جعل الله تعالى على ايديهم اسباب حياة العباد اما جبريل فهو صاحب الوحي الذي يوحيه الله إلى الانبياء وهو سبب حياة الدنيا والاخرة واما ميكائيل فهو موكل بالقطر الذي به سبب حياة كل شيء واما إسرافيل فهو الذي ينفخ في الصور فيحيى الله الموتى بنفخته فإذا هم قيام لرب العالمين والهداية لها اربع مراتب وهي مذكورة في القرآن المرتبة الاولى الهداية العامة وهي هداية كل مخلوق من الحيوان والادمي لمصالحه التي بها قام امره قال الله تعالى سبح اسم ربك الاعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى فذكر امورا اربعة الخلق والتسوية والتقدير والهداية فسوى خلقه واتقنه وأحكمه ثم قدر له اسباب مصالحه في معاشه وتقلباته وتصرفاته وهداه اليها والهداية تعليم فذكر انه الذي خلق وعلم كما ذكر نظير ذلك في أول سورة انزلها على رسوله وقد تقدم ذلك وقال تعالى حكاية عن عدوه فرعون انه قال لموسى فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى وهذه المرتبة اسبق مراتب الهداية وأعمها المرتبة الثانية هداية البيان والدلالة التي أقام بها حجته على عباده وهذه لا تستلزم الاهتداء التام قال تعالى وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى يعني بينا لهم ودللناهم وعرفناهم فآثروا الضلالة والعمى وقال تعالى وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان اعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين وهذه المرتبة اخص من الاولى وأعم من الثانية وهي هدى التوفيق والالهام قال الله تعالى والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فعم بالدعوة خلقه وخص بالهداية من شاء منهم قال تعالى(1\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "83",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14539",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنك لا تهدي من احببت ولكن الله يهدي من يشاء مع قوله وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم فاثبت هداية الدعوة والبيان ونفي هداية التوفيق والامام وقال النبي في نشهد الحاجة من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وقال تعالى إن تحرص على هداهم فإن الله لايهدي من يضل أي من يضله الله لايهتدي أبدا وهذه الهداية الثالثة هي الهداية الموجبة المستلزمة للاهتداء واما الثانية فشرط لاموجب فلا يستحيل تخلف الهدى عنها بخلاف الثالثة فإن تخلف الهدى عنها مستحيل المرتبة الرابعة الهداية في الاخرة إلى طريق الجنة والنار قال تعالى احشرواالذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم واما قول اهل الجنة الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله فيحتمل ان يكونوا ارادوا الهداية إلى طريق الجنة وأن يكونوا ارادوا الهداية في الدنيا التي اوصلتهم إلى دار النعيم ولو قيل إن كلا الأمرين مراد لهم وانهم حمدوا الله على هدايته لهم في الدنيا وهدايتهم إلى طريق الجنة كان احسن وابلغ وقد ضرب الله تعالى لمن لم يحصل له العلم بالحق واتباعه مثلا مطابقا لحاله فقال تعالى قل اندعو من دون الله مالا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على اعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الارض حيران له اصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين الوجه السادس والسبعون ان فضيلة الشيء وشرفه يظهر تارة من عموم منفعته وتارة من شدة الحاجة اليه وعدم الاستغناء عن وتارة من ظهور النقص والشر بفقده وتارة من حصول اللذة والسرور والبهجة بوجوده لكونه محبوبا ملائما فادراكه يعقب غاية اللذة وتارة من كمال الثمرة المترتبة عليه وشرف علته الغائية وافضاله إلى اجل المطالب وهذه الوجوه ونحوها تنشأ وتظهر من متعلقة فإذا كان في نفسه كمالا وشرفا بقطع النظر عن متعلقاته جمع جهات الشرف والفضل في نفسه ومتعلقاته ومعلوم ان هذه الجهات بأسرها حاصلة للعلم فإنه أعم شيء نفعا واكثره وادومه والحاجة اليه فوق الحاجة إلى الغذاء بل فوق الحاجة إلى التنفس إذ غاية مايتصور من فقدهما فقد حياة الجسم وأما فقد العلم ففيه فقد حياة القلب والروح فلا غنى للعبد عنه طرفة عين ولهذا إذا فقد من الشخص كان شرا من الحمير بل كان شرا من الدواب عند الله ولا شيء انقص منه حينئذ وأما حصول اللذة والبهجة بوجوده فلأنه كمال في نفسه وهو ملائم غاية الملاءمة للنفوس فان الجهل مرض ونقص وهو في غاية الايذاء والايلام للنفس ومن لم يشعر بهذه الملاءمة والمنافرة فهو لفقد حسه ونفسه وما لجرح ميت إيلام فحصوله للنفس إدراك منها لغاية محبوبها واتصال به وذلك غاية لذتها وفرحتها وهذا بحسب المعلوم في نفسه ومحبة النفس له ولذتها بقربه والعلوم والمعلومات(1\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "84",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14540",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "متفاوته في ذلك اعظم التفاوت وابينه فليس علم النفوس بفاطرها وباريها ومبدعها ومحبته والتقرب اليه كعلمها بالطبيعة واحوالها وعوارضه وصحتها وفسادها وحركاتها وهذا بتبين بالوجه السابع والسبعين وهو ان شرف العلم تابع لشرف معلومه لوثوق النفس بأدلة وجوده وبراهينه ولشدة الحاجة إلى معرفته وعظم النفع بها ولا ريب ان اجل معلوم وأعظمه واكبره فهو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين وقيوم السموات والارضين الملك الحق المبين الموصوف بالكمال كله المنزه عن كل عيب ونقص وعن كل تمثيل وتشبيه في كماله ولا ريب ان العلم به وباسمائه وصفاته وافعاله اجل العلوم وافضلها ونسبته إلى سائر العلوم كنسبة معلومة إلى سائر المعلومات وكما ان العلم به اجل العلوم واشرفها فهو اصلها كلها كما ان كل موجود فهو مستند في وجوده إلى الملك الحق المبين ومفتقر اليه في تحقق ذاته وأينيته وكل علم فهو تابع للعلم به مفتقر في تحقق ذاته اليه فالعلم به اصل كل علم كما انه سبحانه رب كل شيء ومليكه وموجده ولا ريب ان كمال العلم بالسبب التام وكونه سببا يستلزم العلم بمسببه كما ان العلم بالعلة التامة ومعرفة كونها علة يستلزم العلم بمعلوله وكل موجود سوى الله فهو مستند في وجوده اليه استناد المصنوع إلى صانعه والمفعول الى فاعله فالعلم بذاته سبحانه وصفاته وافعاله يستلزم العلم بما سواه فهو في ذاته رب كل شيء ومليكه والعلم به اصل كل علم ومنشؤه فمن عرف الله عرف ما سواه ومن جهل ربه فهو لما سواه اجهل قال تعالى ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم انفسهم فتأمل هذه الاية تجد تحتها معنى شريفا عظيما وهو ان من نسى ربه انساه ذاته ونفسه فلم يعرف حقيقته ولا مصالحه بل نسى ما به صلاحه وفلاحه في معاشه ومعاده فصار معطلا مهملا بمنزلة الانعام السائبة بل ربما كانت الانعام اخبر بمصالحها منه لبقائها هداها الذي اعطاها إياه خالقها وأما هذا فخرج عن فطرته التي خلق عليها فنسى ربه فأنساه نفسه وصفاتها وما تكمل به وتزكوبه وتسعد به في معاشها ومعادها قال الله تعالى ولا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان امره فرطا فغفل عن ذكر ربه فانفرط عليه امره وقلبه فلا التفات له إلى مصالحه وكماله وما تزكو به نفسه وقلبه بل هو مشتت القلب مضيعه مفرط الامر حيران لايهتدي سبيلا والمقصود ان العلم بالله اصل كل علم وهو اصل علم العبد بسعادته وكماله ومصالح دنياه وآخرته والجهل به مستلزم للجهل بنفسه ومصالحها وكمالها وما تزكو به وتفلح به فالعلم به سعادة العبد والجهل به اصل شقاوته يزيده ايضاحا الوجه الثامن والسبعون انه لا شيء اطيب للعبد ولا الذ ولا اهنأ ولا انعم لقلبه وعيشه من محبة فاطره وباريه ودوام ذكره والسعي في مرضاته وهذا هو الكمال الذي لاكمال للعبد بدونه وله خلق الخلق ولاجله نزل الوحي وارسلت الرسل وقامت السموات والارض ووجدت الجنة والنار ولاجله شرعت الشرائع(1\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "85",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14541",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ووضع البيت الحرام ووجب حجه على الناس إقامة لذكره الذي هو من توابع محبته والرضا به وعنه ولاجل هذا امر بالجهاد وضرب اعناق من اباه وآثر غيره عليه وجعل له في الاخرة دار الهوان خالدا مخلدا وعلى هذا الامر العظيم اسست الملة ونصبت القبلة وهو قطب رحى الخلق والامر الذي مدارهما عليه ولاسبيل إلى الدخول إلى ذلك إلا من باب العلم فإن محبة الشيء فرع عن الشعور به واعرف الخلق بالله اشدهم حبا له فكل من عرف الله احبه ومن عرف الدنيا واهلها زهد فيهم فالعلم يفتح هذا الباب العظيم الذي هو سر الخلق والأمر كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى الوجه التاسع والسبعون ان اللذة بالمحبوب تضعف وتقوى بحسب قوة الحب وضعفه فكلما كان الحب اقوى كانت اللذة اعظم ولهذا تعظم لذة الظمآن بشرب الماء البارد بحسب شدة طلبه للماء وكذلك الجائع وكذلك من احب شيئا كانت لذته على قدر حبه إياه والحب تابع للعلم بالمحبوب ومعرفة جماله الظاهر والباطن فلذة النظر إلى الله بعد لقائه بحسب قوة حبه وإرادته وذلك بحسب العلم به وبصفات كماله فإذا العلم هو اقرب الطرق إلى اعظم اللذات وسيأتي تقرير هذا فيما بعد ان شاء الله تعالى الوجه الثمانون ان كل ما سوى الله يفتقر الى العلم لاقوام له بدونه فإن الوجود وجودان وجود الخلق ووجود الامر والخلق والأمر مصدرهما علم الرب وحكمته فكل ماضمه الوجود من خلقه وامره صادر عن علمه وحكمته فما قامت السموات والارض وما بينهما الا بالعلم ولا بعثت الرسل وأنزلت الكتب إلا بالعلم ولاعبد الله وحده وحمد واثنى عليه ومجد إلا بالعلم ولاعرف الحلال من الحرام إلا بالعلم ولاعرف فضل الاسلام على غيره الا بالعلم واختلف هنا في مسئلة وهي ان العلم صفة فعلية او انفعالية فقالت طائفة هو صفة فعليه لانه شرط او جزء وسبب في وجود المفعول فإن الفعل الاختياري يستدعي حياة الفاعل وعلمه وقدرته وإرادته ولا يتصور وجوده بدون هذه الصفات وقالت طائفة هو انفعالي فإنه تابع للمعلوم متعلق به على ما هو عليه فإن العالم يدرك المعلوم على ما هو به فادراكه تابع له فكيف يكون متقدما عليه والصواب ان العلم قسمان علم فعلى وهو علم الفاعل المختار بما يريد ان يفعله فإنه موقوف على ارادته الموقوفة على تصوره المراد وعلمه به فهذا علم قبل الفعل متقدم عليه مؤثر فيه وعلم انفعالي وهو العلم التابع للمعلوم الذي لا تأثير له فيه كعلمنا بوجود الانبياء والامم والملوك وسائر الموجودات فإن هذا العلم لا يؤثر في المعلوم ولا هو شرط فيه فكل من الطائفتين نظرت جزئيا وحكمت كليا وهذا موضع يغلط فيه كثير من الناس وكلا القسمين من العلم صفة كمال وعدمه من اعظم النقص يوضحه الوجه الحادي والثمانون ان فضيلة الشيء تعرف بضده فالضد يظهر حسنه الضد وبضدها نتبين الاشياء ولا ريب ان الجهل اصل كل فساد وكل ضرر يلحق العبد في دنياه واخراه فهو نتيجة(1\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "86",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14542",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجهل والا فمع العلم التام بان هذا الطعام مثلا مسموم من اكله قطع امعاءه في وقت معين لا يقدم على اكله وان قدر انه قدم عليه لغلبة جوع او استعجال وفاة فهو لعلمه بموافقة اكله لمقصوده الذي هو احب اليه من العذاب بالجوع او بغيره وهنا اختلف في مسئلة عظيمة وهي ان العلم هل يستلزم الاهتداء ولا يتخلف عنه الهدى إلا لعدم العلم اونقصه والا فمع المعرفة الجازمة لا يتصور الضلال وانه لا يستلزم الهدى فقد يكون الرجل عالما وهو ضال على عمد هذا مما اختلف فيه المتكلمون وارباب السلوك وغيرهم فقالت فرقة من عرف الحق معرفة لا يشك فيها استحال ان لا يهتدي وحيث ضل فلنقصان علمه واحتجوا من النصوص بقوله تعالى لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل اليك وما انزل من قبلك فشهد تعالى لكل راسخ في العلم بالايمان وبقوله تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء وبقوله تعالى ويرى الذين اوتوا العلم الذي انزل اليك من ربك هو الحق وبقوله تعالى شهد الله انه لا إله الا هو والملائكة واولو العلم وبقوله تعالى افمن يعلم انما انزل اليك من ربك الحق كمن هو اعمى قسم الناس قسمين احدهما العلماء بان ما انزل اليه من ربه هوالحق والثاني العمى فدل على انه لا واسطة بينهما وبقوله تعالى في وصف الكفار صم بكم عمي فهم لا يعقلون وبقوله وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون وبقوله تعالى ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ابصارهم غشاوة وهذه مدارك العلم الثلاث قد فسدت عليهم وكذلك قوله تعالى أفرأيت من اتخذ إلهه هواه واضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون وقوله واضله الله على علم قال سعيد بن جبير على علمه تعالى فيه قال الزجاج أي على ما سبق في علمه تعالى انه ضال قبل ان يخلقه وختم على سمعه أي طبع عليه فلم يسمع الهدى وعلى قلبه فلم يعقل الهدى وعلى بصره غشاوة فلا يبصر اسباب الهدى وهذا في القرآن كثير مما يبين فيه منافاة الضلال للعلم ومنه قوله تعالى ومنهم من يستمع اليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا اللذين اوتو العلم ماذا قال آنفا اولئك الذين طبع الله على قلوبهم فلو كانوا علموا ما قال الرسل لم يسألوا اهل العلم ماذا قال ولما كان مطبوعا على قلوبهم وقال تعالى والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات وقال تعالى قل آمنوا به أولا تؤمنوا أن الذين اوتو العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا ان كان وعد ربنا لمفعولا فهذه شهادة من الله تعالى لاولى العلم بالايمان به وبكلامه وقال تعالى عن اهل النار وقالوا لو كنا نسمع اونعقل ما كنا في اصحاب السعير فدل على ان اهل الضلال لاسمع لهم ولا عقل وقال تعالى وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون اخبر تعالى أنه لا(1\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "87",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14543",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يعقل امثاله الا العالمون والكفار لا يدخلون في مسمى العالمين فهم لا يعقلونها وقال تعالى بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وقال تعالى وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية وقال تعالى قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ولو كان الضلال بجامع العلم لكان الذين لا يعلمون احسن حالا من الذين يعلمون والنص بخلافه والقرآن مملوء بسلب العلم والمعرفة عن الكفار فتارة يصفهم بانهم لايعلمون وتارة بأنهم لا يعقلون وتارة بانهم لا يشعرون وتارة بانهم لا يفقهون وتارة بأنهم لا يسمعون والمراد بالسمع المنفي سمع الفهم وهو سمع القلب لا إدراك الصوت وتارة بأنهم لا يبصرون فدل ذلك كله على ان الكفر مستلزم للجهل مناف للعلم لا يجامعه ولهذا يصف سحبانه الكفار بانهم جاهلون كقوله تعالى وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما وقوله تعالى وإذا سمعوا اللغو اعرضوا عنه وقالوا لنا اعمالنا ولكم اعمالكم سلام عليكم لانبتغي الجاهلين وقوله تعالى خذ العفو وامر بالعرف واعرض عن الجاهلين وقال النبي لما بلغ قومه من اذاه ذلك المبلغ اللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون وفي الصحيحين عنه من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين فدل على ان الفقه مستلزم لارادة الله الخير في العبد ولا يقال الحديث دل على ان من اراد الله به خيرا فقهه في الدين ولا يدل على ان كل من فقهه في الدين فقد اراد به خيرا وبينهما فرق ودليلكم انما يتم بالتقدير الثاني والحديث لا يقتضيه لانا نقول النبي جعل الفقه في الدين دليلا وعلامة على ارادة الله بصاحبه خيرا والدليل يستلزم المدلول ولا يتخلف عنه فإن المدلول لازمه ووجود الملزوم بدون لازمه محال وفي الترمذي وغيره عنه صلى الله عليه وسلم خصلتان لا يجتمعان في منافق حسن سمت وفقه في الدين فجعل الفقه في الدين منافيا للنفاق بل لم يكن السلف يطلقون اسم الفقه الاعلى العلم الذي يصحبه العمل كما سئل سعد بن إبراهيم عن افقه اهل المدينة قال اتقاهم وسال فرقد السنجي الحسن البصري عن شيء فاجابه فقال إن الفقهاء يخالفونك فقال الحسن ثكلتك امك فريقد وهل رأيت بعينيك فقيها إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الاخرة البصيربدينه المداوم على عبادة ربه الذي لا يهمز من فوقه ولا يسخر بمن دونه ولا يبتغى على علم علمه الله تعالى اجرا وقال بعض السلف ان الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله ولم يؤمنهم مكر الله ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى ماسواه وقال ابن مسعود رضى الله عنه كفى بخشية الله علما وبالاغترار بالله جهلا قالوا فهذا القرآن والسنة واطلاق السلف من الصحابة والتابعين يدل على ان العلم والمعرفة مستلزم للهداية وان عدم الهداية دليل على الجهل وعدم العلم قالوا ويدل عليه ان الانسان ما دام عقله معه لا يؤثر هلاك(1\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "88",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14544",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفسه على نجاتها وعذابها العظيم الدائم على نعيمها المقيم والحسن شاهد بذلك ولهذا وصف الله سبحانه اهل معصيته بالجهل في قوله تعالى إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فاولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما قال سفيان الثوري كل من عمل ذنبا من خلق الله فهو جاهل كان جاهلا اوعالما ان كان عالما فمن اجهل منه وان كان لا يعلم فمثل ذلك وقوله ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما قال قبل الموت وقال ابن عباس رضى الله عنهما ذنب المؤمن جهل منه قال فتادة اجمع اصحاب رسول الله ان كل شيء عصى الله فيه فهو جهالة وقال السدى كل من عصى الله فهو جاهل قالوا ويدل على صحة هذا ان مع كمال العلم لاتصدر المعصية من العبد فإنه لو رأى صبيا يتطلع عليه من كوة لم تتحرك جوارحه لمواقعة الفاحشة فكيف يقع منه حال كمال العلم بنظر الله اليه ورؤيته له وعقابه على الذنب وتحريمه له وسوء عاقبته فلا بد من غفلة القلب على هذا العلم وغيبته عنه فحينئذ يكون وقومه في المعصية صادرا عن جهل وغفلة ونسيان مضاد للعلم والذنب محفوف بجهلين جهل بحقيقة الاسباب الصارفة عنه وجهل بحقيقة المفسدة المترتبة عليه وكل واحد من الجهلين تحته جهالات كثيرة فما عصى الله إلا بالجهل وما اطيع الا بالعلم فهذا بعض ما احتجت به هذه الطائفة وقالت الطائفة الاخرى العلم لا يستلزم الهداية وكثيرا ما يكون الضلال عن عمد وعلم لا يشك صاحبه فيه بل يؤثر الضلال والكفر وهو عالم بقبحه ومفسدته قالوا وهذا شيخ الضلال وداعي الكفر وإمام الفجرة إبليس عدو الله قد علم امر الله له بالسجود لادم ولم يشك فيه فخالفه وعاند الامر وباء بلعنة الله وعذابه الدائم مع علمه بذلك ومعرفته به واقسم له بعزته انه يغوى خلقه اجمعين الاعباده منهم المخلصين فكان غير شاك في الله وفي وحدانيته وفي البعث الآخر وفي الجنة والنار ومع ذلك اختار الخلود في النار واحتمال لعنة الله وغضبه وطرده من سمائه وجنته عن علم بذلك ومعرفة لم يحصل لكثير من الناس ولهذا قال رب فأنظرني الى يوم يبعثون وهذا اعتراف منه بالبعث وقرار به وقد علم قسم ربه ليملأن جهنم منه ومن اتباعه فكان كفره كفر عناد محض لا كفر جهل وقال تعالى إخبارا عن قوم ثمود وأما ثمود فهدينهم فاستحبوا العمى على الهدى يعني بينا لهم وعرفناهم فعرفوا الحق وتيقنوه وآثروا العمى عليه فكان كفر هؤلاء عن جهل وقال تعالى حاكيا عن موسى إنه قال لفرعون لقد علمت ما انزل هؤلاء الا رب السموات والارض بصائر وإني لاظنك يا فرعون مثبورا أي هالكا على قراءة من فتح التاء وهي قراءة الجمهور وضمها الكسائي وحده وقراءة الجمهور احسن واوضح وافخم معنى وبها تقوم الدلالة ويتم الالزام بتحقق كفر فرعون وعناده ويشهد(1\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "89",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14545",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لها قوله تعالى إخبارا عنه وعن قومه فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عقابة المفسدين فاخبر سبحانه ان تكذيبهم وكفرهم كان عن يقين وهو اقوى العلم ظلما منهم وعلوا لا جهلا وقال تعالى لرسوله قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون يعني انهم قد عرفوا صدقك وانك غير كاذب فيما تقول ولكن عاندوا وجحدوا بالمعرفة قاله ابن عباس رضى الله عنهما والمفسرون قال قتادة يعلمون انك رسول ولكن يجحدون قال تعالى وجحدوا بها واستقينتها انفسهم ظلماوعلوا وقال تعالى يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون يعني تكفرون بالقرآن وبمن جاء به وانتم تشهدون بصحته وبانه الحق فكفركم كفر عناد وجحود عن علم وشهود لاعن جهل وخفاء وقال تعالى عن السحرة من اليهود ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الاخرة من خلاق أي علموا من اخذ السحر وقبله لا نصيب له في الاخرة ومع هذا العلم والمعرفة فهم يشترونه ويقبلونه ويتلعمونه وقال تعالى الذين آتياناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ابناءهم ذكر هذه المعرفة عن اهل الكتاب في القبلة كما في سورة البقرة وفي التوحيد كقوله في الانعام ائنكم لتشهدون انالله آلهة اخرى قل لا اشهد قل إنما هو إله واحد وانني بريء مما تشركون الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم وفي الكتاب انه منزل من عند الله لقوله تعالى والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق وقال تعالى كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين قال ابن عباس رضى الله عنهما هم قريظة والنضير ومن دان بدينهم كفروا بالنبي بعد ان كانوا قبل مبعثه مؤمنين به وشهدوا له بالنبوة وإنما كفروا بغيا وحسدا قال الزجاج اعلم الله عز وجل انه لاجهة لهدايتهم لانهم قد استحقوا ان يضلوا بكفرهم لانهم كفروا بعد البينات ومعنى كيف يهديهم أي انه لا يهديهم لان القوم عرفوا الحق وشهدوا به وتيقنوه وكفروا عمدا فمن اين تأتيهم الهداية فإن الذي ترتجى هدايته من كان ضالا ولا يدرى انه ضال بل يظن انه على هدى فإذا عرف الهدى اهتدى وأما من عرف الحق وتيقنه وشهد به قلبه ثم اختار الكفر والضلال عليه فكيف يهدي الله مثل هذا وقال تعالى عن اليهود فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ثم قال بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده قال ابن عباس رضى الله عنهما لم يكن كفرهم شكا ولا اشتباها ولكن بغيا منهم حيث صارت النبوة في ولد اسماعيل ثم قال بعد ذلك ولما جاءهم رسول(1\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "90",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14546",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من عند الله مصدق لمامعهم نبذ فريق من الذين اوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كانهم لا يعلمون فلما شبههم في فعلهم هذا بمن لا يعلم دل على انهم بنذوه عن علم كفعل من لا يعلم تقول إذا خاطبت من عصاك عمدا كانك لم تعلم ما فعلت او كانك لم تعلم بنهي إياك ومنه على احد القولين قوله تعالى فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون قال السدى يعنى محمدا واختاره الزجاج فقال يعرفون أن امر محمد حق ثم ينكرون ذلك وأول الاية يشهد لهذا القول وقال تعالى واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه اخلد إلى الارض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب قالوا فهل بعد هذه الاية بيان فإن هذا آتاه الله آياته فانسلخ منها وآثر الضلال والغي وقصته معروفة حتى قيل إنه كان اوتى الاسم الاعظم ومع هذا فلم ينفعه علمه وكان من الغاوين فلو استلزم العلم والمعرفة الهداية لاستلزمه في حق هذا وقال تعالى وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين وهذا يدل على ان قولهم يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إما بهت منهم وجحود وإما نفي لايات الاقتراح والعنت ولا يجب الاتيان بها وقد وصف سبحانه ثمود بانها كفرت عن علم وبصيرة بالحق ولهذا قال وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها يعني بينة مضيئة وهذا كقوله تعالى وجعلنا آية النهار مبصرة أي مضيئة وحقيقة اللفظ انها تجعل من رآها مبصرا فهي توجب له البصر فتبصره أي تجعله ذا بصر فهي موضحة مبينة يقال بصر به إذا رآه كقوله تعالى فبصرت به عن جنب وقوله بصرت بما لم يبصروا به واما ابصره فله معنيان احدهما جعله باصرا بالشيء أي ذا بصر به كاية النهار وآية ثمود والثاني بمعنى رآه كقولك ابصرت زيدا وفي حديث ابي شريح العدوى احدثك قولا قال به رسول الله يوم الفتح فسمعته أذناي ووعاه قلبي وابصرته عيناي حين تكلم به ومنه قوله تعالى فتول عنهم حتى حين وأبصرهم فسوق يبصرون قيل المعنى ابصرهم وما يقضى عليهم من الاسر والقتل والعذاب في الاخرة فسوف يبصرونك وما يقضى لك من النصر والتأييد وحسن العاقبة والمراد تقريب المبصر من المخاطب حتى كانه نصب عينيه ورأى ناظريه والمقصود ان الاية اوجبت لهم البصيرة فآثروا الضلال والكفر عن علم ويقين ولهذا والله اعلم ذكر قصتهم من بين قصص سائر الامم في سورة والشمس وضحاها لانه ذكر فيها انقسام النفوس الى الزكية الراشدة المهتدية والى الفاجرة الضالة الغاوية وذكر فيها الاصلين القدر والشرع فقال فألهمها فجورها(1\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "91",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14547",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتقواها فهذا قدره وقضاؤه ثم قال قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها فهذا امره ودينه وثمود هداهم فاستحبوا العمى على الهدى فذكر قصتهم ليبين سوء عاقبة منمن آثر الفجور على التقوى والتدسية على التزكية والله اعلم بما أراد قالوا ويكفى في هذا اخباره تعالى عن الكفار انهم يقولون بعد ما عاينوا العذاب ووردوا القيامة وراوا ما اخبرت به الرسل يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لمانهوا عنه وإنهم لكاذبون فأبي علم ابين من علم من ورد القيامة ورأى ما فيها وذاق عذاب الاخرة ثم ورد إلى الدنيا لاختار الضلال على الهدى ولم ينفعه ما قد عاينه ورآه وقال تعالى ولو اننا نزلنا اليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ماكانوا ليؤمنوا الا ان يشاء الله ولكن اكثرهم يجهلون فهل بعد نزول الملائكة عيانا وتكليم الموتى لهم وشهادتهم للرسول بالصدق وحشر كل شيء في الدنيا عليهم من بيان وإيضاح للحق وهدى ومع هذا فلا يؤمنون ولا ينقادون للحق ولا يصدقون الرسول ومن نظر في سيرة رسول الله مع قومه ومع اليهود علم انهم كانوا جازمين بصدقه لا يشكون انه صادق في قوله انه رسول الله ولكن اختاروا الضلال والكفر على الايمان قال المسور بن مخرمة رضى الله عنه لابي جهل وكان خاله أي خال هل كنتم تتهمون محمدا بالكذب قبل ان يقول مقالته التي قالها قال ابو جهل لعنه الله تعالى يا ابن اخي والله لقد كان محمد فينا وهو شاب يدعى الامين ما جربنا عليه كذبا قط فلما وخطه الشيب لم يكن ليكذب على الله قال يا خال فلم لا تتبعونه قال يا ابن اخي تنازعنا نحن بنو هاشم الشرف فاطعموا وأطعمنا وسقوا وسقينا وأجاروا وأجرنا فلم تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا منا نبي فمتى ندرك هذه وهذا امية بن ابي الصلت كان ينتظره يوما بيوم وعلمه عنده قبل مبعثه وقصته مع ابي سفيان لما سافرا معا معروفة واخباره برسول الله ثم لما تيقنه وعرف صدقه قال لا اومن بنبي من غير ثقيف ابدا وهذا هرقل تيقن انه رسول الله ولم يشك فيه وآثر الضلال والكفر استبقاء لملكه ولما سأله اليهود عن التسع آيات البيانات فاخبرهم بها قبلوا يده وقالوا نشهد انك نبي قال فما يمنعكم ان تتبعوني قالوا إن داود عليه السلام دعا ان لا يزال في ذريته نبي وإنا نخشى أن اتبعناك ان تقتلنا يهود فهؤلاء قد تحققوا نبوته وشهدوا له بها ومع هذا فآثروا الكفر والضلال ولم يصيروا مسلمين بهذه الشهادة فقيل لا يصير الكافر مسلما بمجرد شهادة ان محمدا رسول الله حتى يشهد لله بالوحدانية وقيل يصير بذلك مسلما وقيل إن كان كفره بتكذيب الرسول كاليهود صار مسلما بذلك وإن كان كفره بالشرك مع ذلك لم يصر مسلما إلا بالشهادة بالتوحيد(1\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "92",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14548",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كالنصارى والمشركين وهذه الاقوال الثلاثة في مذهب الامام احمد وغيره وعلى هذا فانما لم يحكم لهؤلاء اليهود الذين شهدوا له بالرسالة بحكم الاسلام لان مجرد الاقرار والاخبار بصحة رسالته لا يوجب الاسلام إلا ان يلزم طاعته ومتابعته وإلا فلو قال انا اعلم انه نبي ولكن لا اتبعه ولا ادين بدينه كان من اكفر الكفار كحال هؤلاء المذكورين وغيرهم وهذا متفق عليه بين الصحابة والتابعين وائمة السنة ان الايمان لا يكفي في قول اللسان بمجرده ولا معرفة القلب مع ذلك بل لا بد فيه من عمل القلب وهو حبه لله ورسوله وانقياده لدينه والتزامه طاعته ومتابعة رسوله وهذا خلاف من زعم ان الايمان هو مجرد معرفة القلب واقراره وفيما تقدم كفاية في إبطال هذه المقالة ومن قال ان الايمان هو مجرد اعتقاد صدق الرسول فيما جاء به وإن لم يلتزم متابعته وعاداه وابغضه وقاتله لزمه ان يكون هؤلاء كلهم مؤمنين وهذا إلزام لامحيد عنه ولهذا اضطرب هؤلاء في الجواب عن ذلك لما ورد عليهم وأجابوا بما يستحي العاقل من قوله كقول بعضهم إن إبليس كان مستهزئا ولم يكن يقر بوجود الله ولا بأن الله ربه وخالقه ولم يكن يعرف ذلك وكذلك فرعون وقومه لم يكونوا يعرفون صحة نبوة موسى ولا يعتقدون وجود الصانع وهذه فضائح نعوذ بالله من الوقوع في أمثالها ونصرة المقالات وتقليد اربابها تحمل على أكثر من هذا ونعوذ بالله من الخذلان قالوا وقد بين القرآن ان الكفر اقسام احدها كفر صادر عن جهل وضلال وتقليد الاسلاف وهو كفر أكثر الاتباع والعوام الثاني كفر جحود وعناد وقصد مخالفة الحق ككفر من تقدم ذكره وغالب ما يقع هذا النوع فيمن له رياسة علمية في قومه من الكفار او رياسة سلطانية او من له ماكل واموال في قومه فيخاف هذا على رياسته وهذا على ماله ومأكله فيؤثر الكفر على الايمان عمدا الثالث كفر إعراض محض لا ينظر فيما جاء به الرسول ولا يحبه ولا يبغضه ولا يواليه ولا يعاديه بل هو معرض عن متابعته ومعاداته وهذان القسمان أكثر المتكلمين ينكرونهما ولا يثبتون من الكفر إلا الاول ويجعلون الثاني والثالث كفرا لدلالاته على الاول لا لأنه في ذاته كفر فليس عندهم الكفر إلا مجرد الجهل ومن تأمل القرآن والسنة وسير الانبياء في أممهم ودعوتهم لهم وما جرى لهم معهم جزم بخطأ اهل الكلام فيما قالوه وعلم ان عامة كفر الامم عن تيقن وعلم ومعرفة بصدق انبيائهم وصحة دعواهم وما جاؤا به وهذا القرآن مملوء من الاخبار عن المشركين عباد الاصنام انهم كانوا يقرون بالله وانه هو وحده ربهم وخالقهم وأن الارض وما فيها له وحده وأنه رب السموات السبع ورب العرش العظيم وانه بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه وأنه هو الذي سخر الشمس والقمر وانزل المطر واخرج النبات والقرآن منادعليهم بذلك محتج بما أقروا به من ذلك على صحة ما دعتهم اليه رسله(1\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "93",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14549",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فكيف يقال ان القوم لم يكونوا مقرين قط بان لهم ربا وخالقا وهذا بهتان عظيم فالكفر امر وراء مجرد الجهل بل الكفر الاغلظ هو ما انكره هؤلاء وزعموا انه ليس بكفر قالوا والقلب عليه واجبان لا يصيره مؤمنا الا بهما جميعا واجب المعرفة والعلم وواجب الحب والانقياد والاستسلام فكما لا يكون مؤمنا إذا لم يأت بواجب العلم والاعتقاد لا يكون مؤمنا إذا لم يأت بواجب الحب والانقياد والاستسلام بل إذا ترك هذا الواجب مع علمه ومعرفته به كان اعظم كفرا وابعد عن الايمان من الكافر جهلا فإن الجاهل إذا عرف وعلم فهو قريب إلى الانقياد والاتباع وأما المعاند فلا دواء فيه قال تعالى كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين قالوا فحب الله ورسوله بل كون الله ورسوله احب الى العبد من سواهما لا يكون العبد مسلما الا به ولا ريب ان الحب امر وراء العلم فما كل من عرف الرسول احبه كما تقدم قالوا وهذا لحاسد يحمله بغض المحسود على معاداته والسعي في اذاه بكل ممكن مع علمه بفضله وعلمه وانه لا شيء فيه يوجب عداوته إلا محاسنه وفضائله ولهذا قيل الحاسد عدو للنعم والمكارم فالحاسد لم يحمله على معاداة المحسود جهله بفضله وكماله وإنما حمله على ذلك إفساد قصده وإرادته كما هي حال الرسل وورثتهم مع الرؤساء الذين سلبهم الرسل ووارثوهم رئاستهم الباطلة فعادوهم وصدوا النفوس عن متابعتهم ظنا ان الرياسة تبقى لهم وينفردون بها وسنة الله في هؤلاء ان يسلبهم رياسة الدنيا والاخرة ويصغرهم في عيون الخلق مقابلة لهم بنقيض قصدهم وما ربك بظلام للعبيد فهذا موارد احتجاج الفريقين وموقف اقدام الطائفتين فاجلس ايها المنصف منهما مجلس الحكومة وتوخ بعلمك وعدلك فصل هذه الخصومة فقد ادلى كل منهما بحجج لا تعارض ولاتمانع وجاء ببينات لا ترد ولا تدافع فهل عندك شيء غير هذا يحصل به فصل الخطاب وينكشف به لطالب الحق وجه الصواب فيرضى الطائفتين ويزول به الاختلاف من البين وإلا فخل المطي وحاديها واعط النفوس باريها دع الهوى لأناس يعرفون به ... قد كابدوا الحب حتى لان اصعبه ومن عرف قدره وعرف لذي الفضل فضله فقد قرع باب التوفيق والله الفتاح العليم فنقول وبالله التوفيق كلا الطائفتين ما خرجت عن موجب العلم ولا عدلت عن سنن الحق وإنما الاختلاف والتباين بينهما من عدم التوارد على محل واحد ومن اطلاق الفاظ مجملة بتفصيل معانيها يزول الاختلاف ويظهر ان كل طائفة موافقة الاخرى على نفس قولها وبيان هذا ان المقتضى قسمان(1\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "94",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14550",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مقتض لا يتخلف عنه موجبه ومقتضاه لقصوره في نفسه بل يستلزمه استلزام العلة التامة لمعلولها ومقتض غير تام يتخلف عنه مقتضاه لقصوره في نفسه عن التمام او لفوات شرط اقتضائه او قيام مانع منع تأثيره فان اريد بكون العلم مقتضيا للاهتداء والاقتضاء التام الذي لا يتخلف عنه اثره بل يلزمه الاهتداء بالفعل فالصواب قول الطائفة الثانية وإنه لا يلزم من العلم حصول الاهتداء المطلوب وإن اريد بكونه موجبا انه صالح للاهتداء مقتض له وقد يتخلف عنه مقتضاه لقصوره او فوات شرط او قيام مانع فالصواب قول الطائفة الاولى وتفصيل هذه الجملة ان العلم بكون الشيء سببا لمصلحة العبد ولذاته وسروره قد يتخلف عنه عمله بمقتضاه لاسباب عديدة السبب الاول ضعف معرفته بذلك السبب الثاني عدم الاهلية وقد تكون معرفته به تامة لكن يكون مشروطا بزكاة المحل وقبوله للتزكية فإذا كان المحل غير زكي ولا قابل للتزكية كان كالأرض الصلدة التي لا تخالطها الماء فإنه يمتنع النبات منها لعدم اهليتها وقبولها فإذا كان القلب قاسيا حجريا لا يقبل تزكية ولا تؤثر فيه النصائح لم ينتفع بكل علم يعلمه كما لا تنبت الارض الصلبة ولو اصابها كل مطر وبذر فيها كل بذر كما قال تعالى في هذا الصنف من الناس إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم وقال تعالى ولو اننا نزلنا اليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ماكانوا ليؤمنوا إلا ان يشاء الله وقال تعالى قل انظروا ماذا في السموات والارض وما تغنى الايات والنذر عن قوم لا يؤمنون وهذا في القرآن كثير فإذا كان القلب قاسيا غليظا جافيا لا يعمل فيه العلم شيئاوكذلك إذا كان مريضا مهينا مائيا لا صلابة فيه ولا قوة ولا عزيمة لم يؤثر فيه العلم السبب الثالث قيام مانع وهو إما حسد أو كبر وذلك مانع إبليس من الانقياد للأمر وهو داء الاولين والاخرين الا من عصم الله وبه تخلف الايمان عن اليهود الذين شاهدوا رسول الله وعرفوا صحة نبوته ومن جرى مجراهم وهو الذيمنع عبد الله بن ابي من الايمان وبه تخلف الايمان عن ابي جهل وسائر المشركين فانهم لم يكونوا يرتابون في صدقه وان الحق معه لكن حملهم الكبر والحسد على الكفر وبه تخلف الايمان عن امية واضرابه ممن كان عنده علم بنبوة محمد السبب الرابع مانع الرياسة والملك وان لم يقم بصاحبه حسد ولا تكبر عن الانقياد للحق لكن لا يمكنه ان يجتمع له الانقياد وملكه ورياسته فيضن بملكه ورياسته كحال هرقل واضرابه من ملوك الكفار الذين علموا نبوته وصدقه واقروا بها باطنا واحبوا الدخول في دينه لكن خافوا على ملكهم وهذا داء ارباب الملك والولاية والرياسة وقل من نجا منه الا من عصم الله وهو داء فرعون وقومه ولهذا قالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون انفوا ان يؤمنوا ويتبعوا(1\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "95",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14551",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "موسى وهرون وينقادوا لهما وبنو إسرائيل عبيد لهم ولهذا قيل ان فرعون لما اراد متابعة موسى وتصديقه شاور هامان وزيره فقال بينا انت اله تعبد تصير عبدا تعبد غيرك فأبى العبودية واختار الرياسة والالهية المحال السبب الخامس مانع الشهوة والمال وهو الذي منع كثيرا من اهل الكتاب من الايمان خوفا من بطلان مأكلهم وأموالهم التي تصير اليهم من قومهم وقد كانت كفار قريش يصدون الرجل عن الايمان بحسب شهوته فيدخلون عليه منها فكانوا يقولون لمن يحب الزنا ان محمدا يحرم الزنا ويحرم الخمر وبه صدوا الاعشى الشاعر عن الاسلام وقد فاوضت غير واحد من اهل الكتاب في الاسلام وصحته فكان آخر ما كلمني به احدهم انا لا أترك الخمر واشربها امنا فإذا اسلمت حلتم بيني وبينها وجلدتموني على شربها وقال آخر منهم بعد ان عرف ما قلت له لي اقارب ارباب اموال وإني ان اسلمت لم يصل الي منها شيء وانا اؤمل ان ارثهم او كما قال ولا ريب ان هذا القدر في نفوس خلق كثير من الكفار فتتفق قوة داعي الشهوة والمال وضعف داعي الايمان فيجيب داعي الشهوة والمال ويقول لا أرغب بنفسي عن آبائي وسلفي السبب السادس محبة الاهل والاقارب والعشيرة يرى انه اذا اتبع الحق وخالفهم ابعدوه وطردوه عنهم واخرجوه من بين اظهرهم وهذا سبب بقاء خلف كثير على الكفر بين قومهم واهاليهم وعشائرهم السبب السابع محبة الدار والوطن وان لم يكن له بها عشيرة ولا اقارب لكن يرى ان في متابعة الرسول خروجه عن داره ووطنه الى دار الغربة والنوى فيضن بوطنه السبب الثامن تخيل ان في الاسلام ومتابعة الرسول إزراء وطعنا منه على آبائه وأجداده وذما لهم وهذا هو الذي منع ابا طالب وامثاله عن الاسلام استعظموا آباءهم واجدادهم ان يشهدوا عليهم بالكفر والضلال وان يختاروا خلاف ما اختار اولئك لانفسهم ورأوا انهم ان اسلموا سفهوا احلام اولئك وضللوا عقولهم ورموهم باقبح القبائح وهو الكفر والشرك ولهذا قال اعداء الله لابي طالب عند الموت ترغب عن ملة عبد المطلب فكان آخر ما كلمهم به هو على ملة عبد المطلب فلم يدعه اعداء الله الا من هذا الباب لعلمهم بتعظيمه اباه عبد المطلب وانه انما حاز الفخر والشرف به فكيف يأتي امرا يلزم منه غاية تنقيصه وذمه ولهذا قال لولا ان تكون مسبة على بني عبد المطلب لا قررت بها عينك او كما قال وهذا شعره يصرح فيه بأنه قد علم وتحقق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصدقه كقوله: ولقد علمت بان دين محمد ... من خير اديان البرية دينا لولا الملامة او حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا(1\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "96",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14552",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي قصيدته اللامية فو الله لولا ان تكون مسبة ... تجر على اشياخنا في المحافل لكنا اتبعناه على كل حاله ... من الدهر جدا غير قول التهازل لقد علموا ان ابتنالا مكذب ... لدينا ولايعني بقول إلا باطل ... والمسبة التي زعم انها تجر على اشياخه شهادته عليهم بالكفر والضلال وتسفيه الاحلام وتضليل العقول فهذا هو الذي منعه من الاسلام بعدتيقنه السبب التاسع متابعة من يعاديه من الناس للرسول وسبقه الى الدخول في دينه وتخصصه وقربه منه وهذا القدر منع كثيرا من اتباع الهدى يكون للرجل عدو ويبغض مكانه ولا يحب ارضا يمشي عليها ويقصد مخالفته ومناقضته فيراه قد اتبع الحق فيحمله قصد مناقضته ومعاداته على معاداة الحق واهله وان كان لا عداوة بينه وبينهم وهذا كما جرى لليهود مع الانصار فانهم كانوا اعدائهم وكانوا يتواعدونهم بخروج النبي وانهم يتبعونه ويقاتلونهم معه فلما بدرهم اليه الانصار واسلموا حملهم معاداتهم على البقاء على كفرهم ويهوديتهم السبب العاشر مانع الالف والعادة والمنشأ فإن العادة قد تقوى حتى تغلب حكم الطبيعة ولهذا قيل هي طبيعة ثانية فيربى الرجل على المقالة وينشأ عليها صغيرا فيتربى قلبه ونفسه عليها كما يتربى لحمه وعظمه على الغذاء المعتاد ولا يعقل نفسه الا عليها ثم يأتيه العلم وهلة واحدة يريد إزالتها وإخراجها من قلبه وان يسكن موضعها فيعسر عليه الانتقال ويصعب عليه الزوال وهذا السبب وإن كان اضعف الاسباب معنى فهو اغلبها على الامم وأرباب المقالات والنحل ليس مع اكثرهم بل جميعهم إلا ما عسى ان يشذ الاعادة ومربي تربى عليه طفلا لا يعرف غيرها ولا يحسن به فدين العوايد هو الغالب على أكثر الناس فالانتقال عنه كالانتقال عن الطبيعة الى طبيعة ثانية فصلوات الله وسلامه على انبيائه ورسله خصوصا على خاتمهم وافضلهم محمد كيف غيروا عوائد الامم الباطلة ونقلوهم الى الايمان حتى استحدثوا به طبيعة ثانية خرجوا بها عن عادتهم وطبيعتهم الفاسدة ولا يعلم مشقة هذا على النفوس الا من زاول نقل رجل واحد عن دينه ومقالته الى الحق فجزى الله المرسلين افضل ما جزى به احدا من العالمين إذا عرف ان المقتضى نوعان فالهدى المقتضى وحده لا يوجب الاهتداء والهدى التام يوجب الإهتداء فالاول هدى البيان الدلالة والتعليم ولهذا يقال هدى فما اهتدى والثاني هدى البيان والدلالة مع إعطاء التوفيق وخلق الارادة فهذا الهدى الذي يسلتزم الاهتداء ولا يتخلف عنه موجبه فمتى وجد السبب وانتفت الموانع لزم وجود حكمه وههنا دقيقة بها ينفصل النزاع وهي انه هل ينعطف من قيام المانع وعدم الشرط(1\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "97",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14553",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على المقتضى امر يضعفه في نفسه ويسلبه اقتصاءه وقوته او الاقتضاء بحاله وإما غلب المانع فكان التاثير له ومثال ذلك في مسئلتنا انه بوجود هذه الموانع المذكورة او بعضها هل يضعف العلم حتى لا يصير مؤثرا البتة او العلم بحاله ولكن المانع بقوته غلب فكان الحكم له هذا سر المسألة وفقهها فأما الاول فلا شك فيه ولكن الشان في القسم الثاني وهو بقاء العلم بحاله والتحقيق ان الموانع تحجبه وتعميه وربما قلبت حقيقته من القلب والقرآن قد دل على هذا قال تعالى وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين فعاقبهم سبحانه بازاغة قلوبهم عن الحق لما زاغوا عنه ابتداء ونظيره قوله تعالى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ولهذا قيل من عرض عليه حق فرده فلم يقبله عوقب بفساد قلبه وعقله ورأيه ومن هنا قيل لا رأي لصاحب هوى فان هواه يحمله على رد الحق فيفسد الله عليه رأيه وعقله قال تعالى فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف اخبر سبحانه ان كفرهم بالحق بعد ان علموه كان سببا لطبع الله على قلوبهم بل طبع الله عليها بكفرهم حتى صارت غلفا والغلف جمع اغلف وهو القلب الذي قد غشيه غلاف كالسيف الذي في غلافه وكل شيء في غلافه فهو اغلف وجمعه غلف يقال سيف اغلف وقوس غلفاء ورجل اغلف واقلف اذا لم يختن والمعنى قلوبنا عليها غشاوة وغطاء فلا تفقه ما تقول يا محمد ولم تع شيئا من قال ان المعنى انها غلف للعلم والحكمة أي اوعية لها فلا يحتاج الى قولك ولا تقبله استغناء بما عندهم لوجوه احدها ان غلف جمع اغلف كقلف واقلف وحمر واحمر وجرد واجرد وغلب واغلب ونظائره والاغلف من القلوب هو الداخل في الغلاف هذا هو المعروف من اللغة الثاني انه ليس من الاستعمال السائغ المشهور ان يقال قلب فلان غلاف لكذا وهذا لا يكاد يوجد في شيء من نثر كلامهم ولانظمه ولا نظير له في القرآن فيحمل عليه ولا هو من التشبيه البديع المستحسن فلا يجوز حمل الاية عليه الثالث ان نظير قول هؤلاء قول الاخرين من الكفار قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه والاكنة هناه هي الغلف التي قلوب هؤلاء فيها والاكنة كالاوعية والاغطية التي تغطى المتاع ومنه الكناية لغلاف السهام الرابع ان سياق الاية لا يحسن مع المعنى الذي ذكروه ولا يحسن مقابلته بقوله بل طبع الله عليها بكفرهم وإنما يحسن مع هذا المعنى ان يسلب عنهم العلم والحكمة التي ادعوها كما قيل لهم لما ادعوا ذلك وما أوتيتم من العلم إلا قليلا وأما هنا فلما ادعوا ان قلوبهم في اغطية واغشية لاتفقه قوله قوبلوا بان عرفهم ان كفرهم ونقضهم ميثاقهم وقتلهم الانبياء كان سببا(1\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "98",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14554",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لان طبع على قلوبهم ولا ريب ان القلب اذا طبع عليه اظلمت صورة العلم فيه وانطمست وربما ذهب اثرها حتى يصير السبب الذي يهتدي به المهتدون سببا لضلال هذا كما قال تعالى يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون فاخبر تعالى ان القرآن سبب لضلال هذا الصنف من الناس وهوهداه الذي هدى به رسوله وعباده المؤمنين ولهذا اخبر سبحانه إنه إنما يهتدي به من اتبع رضوان الله قال تعالى وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ولا شيء اعظم فسادا لمحل العلم من صيرورته بحيث يضل بما يهتدي به فنسبته الى الهدى والعلم نسبة الفم الذي قد استحكمت فيه المرارة الى الماء العذب كما قيل: ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا واذا فسد القلب فسد إدراكه وإذا فسد الفم فسد إدراكه وكذلك اذا فسدت العين واهل المعرفة من الصيارفة يقولون ان من خاف في نقده نسى النقد وسلبه فاشتبه عليه الخالص بالزغل ومن كلام بعض السلف يهتف العلم بالعمل فان اجابه حل والا ارتحل وقال بعض السلف كنا نستعين على حفظ العلم بالعمل به فترك العمل بالعلم من اقوى الاسباب في ذهابه ونسيانه وايضا فإن العلم يراد للعمل فإنه يمنزلة الدليل للسائر فإذا لم يسر خلف الدليل لم ينتفع بدلالته فنزل منزلة من لم يعلم شيئا لان من علم ولم يعمل بمنزلة الجاهل الذي لا يعلم كما ان من ملك ذهبا وفضة وجاع وعرى ولم يشتر منها ما يأكل ويلبس فهو بمنزلة الفقير العادم كما قيل: ومن ترك الانفاق عند احتياجه ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر والعرب تسمى الفحش والبذاء جهلا اما لكونه ثمرة الجهل فيسمى باسم سببه وموجبه وأما لان الجهل يقال في جانب العلم والعمل قال الشاعر: الا لا يجهلن احد علينا ... فنجهل فوق جهل الحاهلينا ... ومن هذا قول موسى لقومه وقد قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين فجعل الاستهزاء بالمؤمنين جهلا ومنه قوله تعالى حكاية عن يوسف انه قال وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ومن هذا قوله تعالى خذ العفو وأمر(1\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "99",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14555",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالعرف وأعرض عن الجاهلين ليس المراد أعراضه عمن لا علم عنده فلا يعلمه ولا يرشده وإنما المراد اعراضه عن جهل من جهل عليه فلا يقابله ولا يعاتبه قال مقاتل وعروة والضحاك وغيرهم صن نفسك عن مقابلتهم على سفههم وهذا كثير في كلامهم ومنه الحديث إذا كان صوم احدكم فلا يصخب ولا يجهل ومن هذاتسمية المعصية جهلا قال قتادة اجمع اصحاب محمد ان كل من عصى الله فهو جاهل وليس المراد انه جاهل بالتحريم إذ لو كان جاهلال لم يكن عاصيا فلا يترتب الحد في الدنيا والعقوبة في الاخرة على جاهل بالتحريم بل نفس الذنب يسمى جهلا وإن علم مرتكبه بتحريمه إما انه لا يصدر الا عن ضعف العلم ونقصانه وذلك جهل فسمى باسم سببه وإما تنزيلا لفاعله منزلة الجاهل به الثاني انهم لما ردوا الحق ورغبوا عنه عوقبوا بالطبع والرين وسلب العقل والفهم كما قال تعالى عن المنافقين ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون الثالث ان العلم الذي ينتفع به ويستلزم النجاة والفلاح لم يكن حاصلا لهم فسلب عنهم حقيقته والشيء قد ينتفى لنفي ثمرته والمراد منه قال تعالى في ساكن النار فإن له نار جهنم لا يموت فيها ولا يحيا نفى الحياة لانتفاء فائدتها والمراد منها ويقولون لا مال إلا ما انفق ولا علم إلا ما نفع ولهذا نفى عنه سبحانه عن الكفار الاسماع والابصار والعقول لما لم ينتفعوا بها وقال تعالى وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وقال تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ولما لم يحصل لهم الهدى المطلوب بهذه الحواس كانوا يمنزلة فاقديها قال تعالى صم بكم عمي فهم لا يعقلون فالقلب يوصف بالبصر والعمى والسمع والصمم والنطق والبكم بل هذه له اصلا وللعين والاذن واللسان تبعا فإذا عدمها القلب فصاحبه اعمى مفتوح العين اصم ولا آفة باذنه ابكم وإن كان فصيح اللسان قال تعالى فإنها لاتعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور فلا تنافي بين قيام الحجة بالعلم وبين سلبه ونفيه بالطبع والختم والقفل على قلوب من لا يعمل بموجب الحجة وينقاد لها قال تعالى وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لايؤمنون بالاخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم اكنة ان يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا فأخبر سبحانه انه منعهم فقه كلامه وهو الادراك الذي ينتفع به من فقهه ولم يكن ذلك مانعا لهم من الادراك الذي تقوم به الحجة عليهم فانهم لو لم يفهموه جملة ما ولوا على أدبارهم نفورا عند ذكر توحيد الله فلما ولوا عند ذكر التوحيد دل على انهم كانوا يفهمون الخطاب وان الذي غشى قلوبهم كالذي غشى آذانهم ومعلوم انهم لم يعدموا لاسمع جملة ويصيروا كالاصم ولذلك(1\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "100",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14556",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ينفى سبحانه عنهم السمع تارة ويثبته اخرى قال الله تعالى ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ومعلوم انهم قد سمعوا القرآن وأمر الرسول باسماعهم إياه وقال تعالى وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فهذا السمع المنفي عنهم سمع الفهم والفقه والمعنى ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم سمعا ينتفعون به وهو فقهه المعنى وعقله والا فقد سمعوه سمعا تقوم به عليهم الحجة ولكن لما سمعوه مع شدة بغضه وكراهته ونفرتهم عنه لم يفهموه ولم يعقلوه والرجل إذا اشتدت كراهته للكلام ونفرته عنه لم يفهم ما يراد به فينزل منزلة من لم يسمعه قال تعالى ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون نفى عنه استطاعة السمع مع صحة حواسهم وسلامتها وإنما لفرط بغضهم ونفرتهم عنه وعن كلامه صاروا بمنزلة من لا يستطيع ان يسمعه ولا يراه وهذا استعمال معروف للخاصة والعامة يقولون لا اطيق انظر الى فلان ولا استطيع ان اسمع كلامه من بغضه ونفرته عنه وبعض الجبرية يحتج بهذه الاية وشبهها على مذهبهم ولا دلالة فيها إذ ليس المراد سلبهم السمع والبصر الذي تقوم به الحجة قطعا وإنما المراد سلب السمع الذي يترتب عليه فائدته وثمرته والقدر حق ولكن الواجب تنزيل القرآن منازله ووضع الايات مواضعها واتباع الحق حيث كان ومثل هذا إذا لم يحصل له فهم الخطاب لا يعذر بذلك لان الافة منه وهو بمنزلة من سد اذنيه عند الخطاب فلم يسمعه فلا يكون ذلك عذرا له ومن هذا قولهم قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب يعنون انهم في ترك القبول منه ومحبة الاسماع لما جاء به وإيثار الاعراض عنه وشدة النفار عنه بمنزلة من لا يعقله ولا يسمعه ولا يبصر المخاطب لهم به فهذا هو الذي يقولون لا خلود في النار ولو كنا نسمع او نعقل ما كنا في اصحاب السعير ولهذا جعل ذلك مقدورا لهم وذنبا اكتسبوه فقال تعالى فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير والله تعالى ينفي تارة عن هؤلاء العقل والسمع والبصر فانها مدارك العلم واسباب حصوله وتارة ينفى عنهم السمع والعقل وتارة ينفى عنهم السمع والبصر وتارة ينفى عنهم العقل والبصر وتارة ينفى عنهم وحده فنفى الثلاثة نفي لمدارك العلم بطريق المطابقة ونفى بعضها نفي له بالمطابقة والاخر باللزوم فان القلب إذا فسد فسد السمع والبصر بل اصل فسادهما من فساده وإذا فسد السمع والبصر فسد القلب فإذا اعرض عن سمع الحق وابغض قائله بحيث لا يحب رؤيته امتنع وصول الهدى الى القلب ففسد وإذا فسد السمع والعقل تبعهما فساد البصر فكل مدرك من هذه يصح بصحة الاخر ويفسد بفساده فلهذا يجيء في القرآن نفي ذلك صريحا ولزوما وبهذا التفصيل يعلم اتفاق الادلة من الجانين وفي استدلال الطائفة الثانية بقوله الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ونظائرها نظر فان الله تعالى حيث قال الذين آتيناهم الكتاب لم يكونوا إلا ممدوحين مؤمنين وإذا اراد ذمهم والأخبار عنهم بالعناد وايثار الضلال اتى بلفظ(1\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "101",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14557",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذين اوتوا الكتاب مبنيا للمفعول فالاول كقوله تعالى الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا الايات وكقوله تعالى أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين فهذا في سياق مدحهم والاستشهاد بهم ليس في سياق ذمهم والاخبار بعنادهم وجحودهم كما استشهدهم في قوله تعالى قل كفى بالله شهيدا ببني وبينكم ومن عنده علم الكتاب وفي قوله فاسلألوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون وقال تعالى الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون واختلف في الضمير في يتلونه حق تلاوته فقيل هو ضمير الكتاب الذي اوتوه قال ابن مسعود يحلون حلاله ويحرمون حرامه ويقرؤنه كما انزل ولا يحرفونه عن مواضعه قالوا وانزلت في مؤمني اهل الكتاب وقيل هذا وصف للمسلمين والضمير في يتلونه للكتاب الذي هو القرآن وهذا بعيد إذا عرف ان القرآن يأباه ولا يرد على ما ذكرنا قوله تعالى الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون بل هذا حجة لنا ايضا لما ذكرنا فإنه أخبر في الاول عن معرفتهم برسوله ودينه وقبلته كما يعرفون ابناءهم استشهادا بهم على من كفر وثناء عليهم ولهذا ذكر المفسرون انهم عبد الله بن سلام واصحابه وخص في آخر الاية بالذم طائفة منهم فدل على ان الاولين غير مذمومين وكونهم دخلوا في جملة الاولين بلفظ المضمر لا يوجب ان يقال آتيناهم الكتاب عند الاطلاق فانهم دخلوا في هذا اللفظ ضمنا وتبعا فلا يلزم تناوله لهم قصدا واختيارا وقال تعالى في سورة الانعام قل ائنكم لتشهدون ان مع الله آلهة اخرى قل لا اشهد قل إنما هو اله واحدة وإنني برئ مما تشركون الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ابناءهم قيل الرسول وصدقه وقيل المذكور هو التوحيد والقولان متلازما اذ ذلك في معرض الاستشهاد والاحتجاج على المشركين لافي معرض ذم الذين آتاهم الكتاب فإن السورة مكية والحجاج كان فيها مع اهل الشرك والسياق يدل على الاحتجاج لاذم المذكورين من اهل الكتاب واما الثاني فكقوله وان الذين اوتوا الكتاب ليعلمون انه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعلمون ولئن اتيت الذين اوتوا الكتاب بكل آية ماتبعوا قبلتك فهذا شهادته سبحانه للذين اوتوا الكتاب والاول شهادته للذين آتاهم الكتاب بأنهم يؤمنون وقال تعالى يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها وقال تعالى وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم وهذا خطاب لمن لم يسلم منهم وإلا فلم يؤمر(1\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "102",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14558",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ان يقول هذا لمن اسلم منهم وصدق به ولهذا لا يذكر سبحانه الذين اوتوا نصيبا من الكتاب الا بالذم ايضا كقوله ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت الاية وقال تعالى ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل وقال ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون فالاقسام اربعة الذين آتيناهم الكتاب وهذا لا يذكره سبحانه إلا في معرض المدح والذين اوتوا نصيبا من الكتاب لا يكون قط الا في معرض الذم والذين اوتوا الكتاب اعم منه فانه قد يتناولهما ولكن لا يفرد به الممدوحون قط ويا أهل الكتاب يعم الجنس كله ويتناول الممدوح منه والمذموم كقوله من اهل الكتاب امة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الاخر الآية وقال في الذم لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين وهذا الفصل ينتفع به جدا في أكبر مسائل اصول الاسلام وهي مسئلة الايمان واختلاف اهل القبلة فيه وقد ذكرنا فيه نكتا حسانا يتضح بها الحق في المسألة والله اعلم الوجه الثاني والثمانون ان الله سبحانه فاوت بين النوع الانساني اعظم تفاوت يكون بين المخلوقين فلا يعرف اثنان من نوع واحد بينهما من التفاوت ما بين خير البشر وشرهم والله سبحانه خلق الملائكة عقولا بلا شهوات وخلق الحيوانات ذوات شهوات بلا عقول وخلق الانسان مركبا من عقل وشهوة فمن غلب عقله شهوته كان خيرا من الملائكة ومن غلبت شهوته عقله كان شرا من الحيوانات وفاوت سبحانه بينهم في العلم فجعل عالمهم معلم الملائكة كما قال تعالى يا آدم أنبئهم بأسمائهم وتلك مرتبة لا مرتبة فوقها وجعل جاهلهم بحيث لا يرضى الشيطان به ولا يصلح له كما قال الشيطان لجاهلهم الذي اطاعه في الكفر إني بريء منك وقال لجهلتهم الذين عصوا رسوله إني بريء منكم فلله ما أشد هذا التفاوت بين شخصين احدهما تسجد له الملائكة ويعلمها مما الله علمه والاخر لا يرضى الشيطان به وليا وهذا التفاوت العظيم إنما حصل بالعلم وثمرته ولو لم يكن في العلم الا القرب من رب العالمين والالتحاق بعالم الملائكة وصحبة الملأ الاعلى لكفى به فضلا وشرفا فكيف وعز الدنيا والآخرة منوط به ومشروط بحصوله الوجه الثالث والثمانون ان اشرف ما في الانسان محل العلم منه وهو قلبه وسمعه وبصره ولما كان القلب هو محل العلم والسمع رسوله الذي ياتيه به والعين طليعته كان ملكا على سائر الاعضاء يأمرها فتاتمر لامره ويصرفها فتنقاد له طائعة بما خص به من العلم دونها فلذلك كان ملكها والمطاع فيها وهكذا العالم في الناس كالقلب في الاعضاء ولما كان صلاح الاعضاء بصلاح ملكها ومطاعها وفسادها بفساده كانت هذه حال الناس مع علمائهم(1\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "103",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14559",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وملوكهم كما قال بعض السلف صنفان إذا صلحا صلح سائر الناس واذا فسدا فسد سائر الناس العلماء والامراء قال عبد الله بن المبارك: وهل افسد الدين الا الملو ... ك واحبار سوء ورهبانها ولما كان للسمع والبصر من الادراك ما ليس لغيرهما من الاعضاء كانا في أشرف جزء من الانسان وهو وجهه وكانا من افضل ما في الانسان من الاجزاء والاعضاء والمنافع واختلف في الافضل منهما فقالت طائفة منهم ابو المعالي وغيره السمع افضل قالوا لان به تنال سعادة الدنيا والاخرة فانها انما تحصل بمتابعة الرسل وقبول رسالاتهم وبالسمع عرف ذلك فان من لا سمع له لا يعلم ما جاؤا به وايضا فان السمع يدرك به اجل شيء وافضله وهو كلام الله تعالى الذي فضله على الكلام كفضل الله على خلقه وايضا فان العلوم انما تنال بالتفاهم والتخاطب ولا يحصل ذلك الا بالسمع وايضا فان مدركه اعم من مدرك البصر فانه يدرك الكليات والجزئيات والشاهد والغائب والموجود والمعدوم والبصر لا يدرك الا بعض المشاهدات والسمع يسمع كل علم فاين احدهما من الاخر ولو فرضنا شخصين احدهما يسمع كلام الرسول ولا يرى شخصه والاخر بصير يراه ولا يسمع كلامه لصممه هل كانا سواء وايضا ففاقد البصر انما يفقد ادراك بعض الامور الجزئية المشاهدة ويمكنه معرفتها بالصفة ولو تقريبا واما فاقد السمع فالذي فاته من العلم لا يمكن حصوله بحاسة البصر ولو قريبا وايضا فان ذم الله تعالى للكفار بعدم السمع في القرآن اكثر من ذمه لهم بعدم البصر بل انما يذمهم بعدم البصر تبعا لعدم العقل والسمع وايضا فان الذي يورده السمع على القلب من العلوم لا يلحقه فيه كلال ولا سآمة ولا تعب مع كثرته وعظمه والذي يورده البصر عليه يلحقه فيه الكلال والضعف والنقص وربما خشى صاحبه على ذهابه مع قلته ونزارته بالنسبة الى السمع وقالت طائفة منهم ابن قتيبة بل البصر افضل فان اعلا النعيم وافضله واعظمه لذة هو النظر الى الله في الدار الاخرة وهذا انما ينال بالبصر وهذه وحدها كافية في تفضيله قالوا وهو مقدمة القلب وطليعته ورائده فمنزلته منه اقرب من منزلة السمع ولهذا كثيرا ما يقرن بينهما في الذكر بقوله فاعتبروا يا أولي الأبصار فالاعتبار بالقلب والبصر بالعين وقال تعالى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ولم يقل واسماعهم وقال تعالى فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وقال تعالى قلوب يومئذ واجفة أبصارها خاشعة وقال تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وقال في حق رسوله ما كذب الفؤاد ما رأى ثم قال ما زاغ البصر وما طغى هذا يدل على شدة الوصلة والارتباط بين القلب والبصر ولهذا يقرأ الانسان ما في قلب(1\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "104",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14560",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاخر من عينه وهذا كثير في كلام الناس نظمه ونثره وهو اكثر من ان نذكره هنا ولما كان القلب اشرف الاعضاء كان اشدها ارتباطا به واشرف من غيره قالوا ولهذا يأتمنه القلب مالا يأتمن السمع عليه بل إذا ارتاب من جهة عرض ما يأتيه به على البصر ليزكيه ام يرده فالبصر حاكم عليه مؤتمن عليه قالوا ومن هذا الحديث الذي رواه احمد في مسنده مرفوعا ليس المخبر كالمعاين قالوا ولهذا اخبر الله سبحانه موسى ان قومه افتتنوا من بعده وعبدوا العجل فلم يلحقه في ذلك ما لحقه عند رؤية ذلك ومعاينته من القاء الالواح وكسرها لفوت المعاينة على الخبر قالوا وهذا إبراهيم خليل الله يسأل ربه ان يريه كيف يحيى الموتى وقد علم ذلك بخبر الله له ولكن طلب افضل المنازل وهي طمأنينة القلب قالوا ولليقين ثلاث مراتب اولها للسمع وثانيها للعين وهي المسماة بعين اليقين وهي افضل من المرتبة الاولى واكمل قالوا وايضا فالبصر يؤدى الى القلب ويؤدي عنه فان العين مرآة القلب يظهر فيها ما يحبه من المحبة والبغض والموالاة والمعاداة والسرور والحزن وغيرها وأما الاذن فلا تؤدى عن القلب شيئا البتة وإنما مرتبتها الايصال اليه حسب فالعين اشد تعلقا به والصواب ان كلا منهما له خاصية فضل بها الاخر فالمدرك بالسمع اعم واشمل والمدرك بالبصر اتم واكمل فالسمع له العموم والشمول والبصر له الظهور والتمام وكمال الادراك واما نعيم اهل الجنة فشيئآن احدهما النظر الى الله والثاني سماع خطابه وكلامه كما رواه عبد الله بن احمد في المسند وغيره كأن الناس يوم القيامة لم يسمعوا القرآن اذا سمعوه من الرحمن عز وجل ومعلوم ان سلامه عليهم وخطابه لهم ومحاضرته اياهم كما في الترمذي وغيره لا يشبهها شيء قط ولا يكون اطيب عندهم منها ولهذا يذكر سبحانه في وعيد اعدائه انه لايكلمهم كما يذكر احتجابه عنهم ولا يرونه فكلامه اعلا نعيم اهل الجنة والله اعلم الوجه الرابع والثمانون ان الله سبحانه في القرآن يعدد على عباده من نعمه عليهم ان اعطاهم آلات العلم فيذكر الفؤاد والسمع والابصار ومرة يذكر اللسان الذي يترجم به عن القلب فقال تعالى في سورة النعم وهي سورة النحل التي ذكر فيها اصول النعم وفروعها ومتمماتها ومكملاتها فعددنعمه فيها على عباده وتعرف بها اليهم واقتضاهم شكرها واخبر انه يتمها عليهم ليعرفوها ويذكروها ويشكروها فاولها في اصول النعم وآخرها في مكملاتها قال تعالى والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون فذكر سبحانه نعمته عليهم بان اخرجهم لا علم لهم ثم اعطاهم الاسماع والابصار والافئدة التي نالوا بها من العلم مانالوه وانه فعل بهم ذلك(1\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "105",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14561",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليشكروه وقال تعالى وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء وقال تعالى الم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين فذكر هنا العينين التي يبصر بهما فيعلم المشاهدات وذكر هداية النجدين وهما طريقا الخير والشر وفي ذلك حديث مرفوع ومرسل وهو قول اكثر المفسرين وتدل عليه الاية الاخرى إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا والهداية تكون بالقلب والسمع فقد دخل السمع في ذلك لزوما وذكر اللسان والشفتين اللتين هما آلة التعليم فذكر الات العلم والتعليم وجعلها من آياته الدالة عليه وعلى قدرته ووحدانيته ونعمه التي تعرف بها الى عباده ولما كانت هذه الاعضاء الثلاثة التي هي اشرف الاعضاء وملوكها والمنصرفة فيها والحاكمة عليها خصها سبحانه وتعالى بالذكر في السؤال عنها فقال إن السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤلا فسعادة الانسان بصحة هذه الاعضاء الثلاثة وشقاوته بفسادها قال ابن عباس يسأل الله العباد فيما استعملوا هذه الثلاثة السمع والبصر والفؤاد والله تعالى اعطى العبد السمع ليسمع به اوامر ربه ونواهيه وعهوده والقلب ليعقلها ويفقهها والبصر ليرى آياته فيستدل بها على وحدانيته وربوبيته فالمقصود باعطائه هذه الالات العلم وثمرته ومقتضاه الوجه الخامس والثامنون ان انواع السعادة التي تؤثرها النفوس ثلاثة سعادة خارجية عن ذات الانسان بل هي مستعارة له من غيره يزول باسترداد العارية وهي سعادة المال والحياة فبينا المرء بها سعيدا ملحوظا بالعناية مرموقا بالابصار إذا اصبح في اليوم الواحد اذل من وتد بقاع يشج رأسه بالفهرواجي فالسعادة والفرح بهذه كفرح الاقرع بحمة ابن عمه والجمال بها كجمال المرء بثيابه وبزينته فاذا جاوز بصرك كسوته فليس وراء عبادان قرية ويحكى عن بعض العلماء انه ركب مع تجار في مركب فانكسرت بهم السفينة فاصبحوا بعدعز الغنى في ذل الفقر ووصل العالم الى البلد فاكرم وقصد بانواع التحف والكرامات فلما ارادوا الرجوع الى بلادهم قالوا له هل لك الى قومك كتاب او حاجة فقال نعم تقولون لهم اذا اتخدتم مالا لا يغرق اذا انكسرت السفينة فاتخذوا العلم تجارة واجتمع رجل ذو هيئة حسنة ولباس جميل ورواء برجل عالم فجس المخاضة فلم ير شيئا فقالوا كيف رايته فقال رأيت دارا حسنة مزخرفة ولكن ليس بها ساكن السعادة الثانية سعادة في جسمه وبدنه كصحته واعتدال مزاجه وتناسب اعضائه وحسن تركيبه وصفاء لونه وقوة اعضائه فهذه الصق به من الاولى ولكن هي في الحقيقة خارجة عن ذاته وحقيقته فان الإنسان انسان بروحه وقلبه لا بجسمه وبدنه كما قيل:(1\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "106",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14562",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يا خادم الجسم كم يشقى بخدمته ... فأنت بالروح لا بالجسم إنسان فنسبة هذه الى روحه وقلبه كنسبة ثيابه ولباسه الى بدنه فان البدن ايضا عارية للروح وآلة لها ومركب من مراكبها فسعادتها بصحته وجماله وحسنة سعادة خارجة عن ذاتها وحقيقتها السعادة الثالثة هي السعادة الحقيقية وهي سعادة نفسانية روحية قلبية وهي سعادة العلم النافع ثمرته فانها هي الباقية على تقلب الاحوال والمصاحبة للعبد في جميع اسفاره وفي دوره الثلاثة اعني دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار وبها يترقى معارج الفضل ودرجات الكمال اما الاولى فانها تصحبه في البقعة التي فيها ماله وجاهه والثانية تعرضه للزوال والتبدل بنكس الخلق والرد الى الضعف فلا سعادة في الحقيقة الا في هذه الثالثة التي كلما طال الامد ازدادات قوة وعلوا وإذا عدم المال والجاه فهي مال العبد وجاهه وتظهر قوتها وأثرها بعد مفارقة الروح البدن اذا انقطعت السعادتان الاوليتان وهذه السعادة لا يعرف قدرها ويبعث على طلبها الا العلم بها فعادت السعادة كلها الى العلم وما تقضيه والله يوفق من يشاء لا مانع لما اعطى ولا معطى لما منع وانما رغب اكثر الخلق عن اكتساب هذه السعادة وتحصيلها وعورة طريقها ومرارة مباديها وتعب تحصيلها وانها لاتنال الا على جد من التعب فانها لاتحصل الا بالجد المحض بخلاف الاوليين فانهما حظ قد يحوزه غير طالبه وبخت قد يحوزه غير جالبه من ميراث او هبة او غير ذلك واما سعادة العلم فلا يورثك اياها الا بذل الوسع وصدق الطلب وصحة النية وقد احسن القائل في ذلك: فقل لمرجي معالي الامور ... بغير اجتهاد رجوت المحالا وقال الآخر لولا المشقة ساد للناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال ومن طمحت همته الى الامور العالية فواجب عليه ان يشد على محبة اطرق الدينية وهي السعادة وان كانت في ابتدائها لا تنفك عن ضرب من المشقة والكره والتأذي وانها متى اكرهت النفس عليها وسيقت طائعة وكارهة اليها وصبرت على لاوائها وشدتها افضت منها الى رياض مونقة ومقاعد صدق ومقام كريم تجد كل لذة دونها لعب الصبي بالعصفور بالنسبة الى لذات الملوك فحينئذ حال صاحبها كما قيل: وكنت ارى ان قدتناهى بي الهوى ... الى غاية ما بعدها لي مذهب(1\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "107",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14563",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلما تلاقينا وعاينت حسنها ... تيقنت اني انما كنت العب ... فالمكارم منوطة بالمكارة والسعادة لا يعبر اليها الا على جسر المشقة فلا تقطعمسافتها الا في سفينة الجد والاجتهاد قال مسلم في صحيحه قال يحيى بن ابي كثير لاينال العلم براحة الجسم وقد قيل من طلب الراحة ترك الراحة فيا وصل الحبيب اما اليه ... بغير مشقة ابدا طريق ولولا جهل الاكثرين بحلاوة هذه اللذة وعظم قدرها لتجالدوا عليها بالسيوف ولكن حفت بحجاب من المكاره وحجبوا عنها بحجاب من الجهل ليختص الله لها من يشاء من عباده والله ذو الفضل العظيم الوجه السادس والثمانون ان الله تعالى خلق الموجودات وجعل لكل شيء منها كمالا يختص به هو غاية شرفه فإذا عدم كماله انتقل الى الرتبة التي دونه واستعمل فيها فكان استعماله فيها كمال امثاله فاذا عدم تلك ايضا نقل الى ما دونها ولا تعطل وهكذا ابدا حتى اذا عدم كل فضيلة صار كالشوك وكالحطب الذي لا يصلح الا للوقود فالفرس اذا كانت فيه فروسيته التامة اعد لمراكب الملوك واكرم أكرام مثله فإذا نزل عنها قليلا اعد لمن دون الملك فإن ازداد تقصيره فيها اعد لاحاد الاجناد فان تقاصر عنها جملة استعمل استعمال الحمار اما حول المدار واما لنقل الزبل ونحوه فان عدم ذلك استعمل استعمال الاغنام للذبح والاعدام كما يقال في المثل ان فرسين التقيا احدهما تحت ملك والاخر تحت الروايا فقال فرس الملك اما انت صاحبي وكنت انا وانت في مكان واحد فما الذي نزل بك الى هذه المرتبة فقال ما ذاك الا انك هملجت قليلا ونعكست انا وهكذا السيف اذا نباعما هيء له ولم يصلح له ضرب منه فاس او منشار ونحوه وهكذا الدور العظام الحسان اذا خرجت وتهدمت اتخذت حظائر للغنم او الابل وغيرها وهكذا الادمي اذا كان صالحا لاصطفاء الله له برسالته ونبوته اتخذه رسولا ونبيا كما قال تعالى الله اعلم حيث يجعل رسالته فاذا كان جوهره قاصرا عن هذه الدرجة صالحا لخلافة النبوة وميراثها رشحه لذلك وبلغه اياه فإذا كان قاصرا عن ذلك قابلا لدرجة الولاية رشح لها وان كان ممن يصلح للعمل والعبادة دون المعرفة والعلم جعل من اهله حتى ينتهي الى درجة عموم المؤمنين فان نقص عن هذه الدرجة ولم تكن نفسه قابلة لشيء من الخير اصلا استعمل حطبا ووقودا للنار وفي اثر اسرائيلي ان موسى سأل ربه عن شان من يعذبهم من خلقه فقال يا موسى ازرع زرعا فزرعه فاوحى اليه ان احصده ثم اوحى اليه ان أنسفه وذره ففعل وخلص الحب وحده والعيدان والعصف وحده فاوحى اليه اني لاجعل في النار من العباد من لا خير فيه بمنزلة العيدان والشوك التي لا يصلح الا للنار وهكذا الانسان يترقى في درجات الكمال درجة بعد(1\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "108",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14564",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "درجة حتى يبلغ نهاية ما يناله امثاله منها فكم بين حاله في اول كونه نطفة وبين حاله والرب يسلم عليه في داره وينظر الى وجهه بكرة وعشيا والنبي في اول امره لما جاءه الملك فقال له اقرأ فقال ما أنا بقارئ وفي آخره امره بقول الله له اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي وبقوله له خاصة وانزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما وحكى ان جماعة من النصارى تحدثوا فيما بينهم فقال قائل منهم ما أقل عقول المسلمين يزعمون ان نبيهم كان راعي الغنم فكيف يصلح راعي الغنم للنبوة فقال له آخر من بينهم اما هم فوالله اعقل منا فان الله بحكمته يسترعي النبي الحيوان البهيم فاذا احسن رعايته والقيام عليه نقله منه الى رعاية الحيوان الناطق حكمة من الله وتدريجا لعبده ولكن نحن جئنا الى مولود خرج من امرأة يأكل ويشرب ويبول ويبكي فقلنا هذا الهنا الذي خلق السموات والارض فامسك القوم عنه فكيف يحسن بذي همة قد ازاح الله عنه علله وعرفه السعادة والشقاوة ان يرضى بان يكون حيوانا وقد أمكنه ان يصير انسانا وبان يكون إنسانا وقد امكنه ان يكون ملكا وبأن يكون ملكا وقد امكنه ان يكون ملكا في مقعد صدق عند مليك مقتدر فتقوم الملائكة في خدمته وتدخل عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار وهذا الكمال إنما ينال بالعلم ورعايته والقيام بموجبه فعاد الامر الى العلم وثمرته والله تعالى الموفق واعظم النقص واشد الحسرة نقص القادر على التمام وحسرته على تقويته كما قال بعض السلف اذا كثرت طرق الخير كان الخارج منها اشد حسرة وصدق القائل: ولم ار في عيوب الناس عيبا ... كنقص القادرين على التمام فثبت انه لا شيء اقبح بالانسان من ان يكون غافلا عن الفضائل الدينية والعلوم النافعة والاعمال الصالحة فمن كان كذلك فهو من الهمج الرعاع الذين يكدرون الماء ويغلون الاسعار ان عاش عاش غير حميد وان مات مات غير فقيد فقدهم راحة للبلاد والعباد ولا تبكي عليهم السماء ولا تستوحش لهم الغبراء الوجه السابع والثمانون ان القلب يعترضه مرضان يتواردان عليه اذا استحكما فيه كان هلاكه وموته وهما مرض الشهوات ومرض الشبهات هذان اصل داء الخلق الا من عافاه الله وقد ذكر الله تعالى هذين المرضين في كتابه اما مرض الشبهات وهو اصعبهما واقتلهما للقلب ففي قوله في حق المنافقين في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا وقوله وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا وقال تعالى ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم فهذه ثلاثة مواضع المراد بمرض القلب فيها مرض الجهل والشبهة واما مرض(1\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "109",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14565",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشهوة ففي قوله يانساء النبي لستن كأحد من النساء ان اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض أي لا تلن في الكلام فيطمع الذي في قلبه فجور وزناء قالوا والمرأة ينبغي لها اذا خاطبت الاجانب ان تغلظ كلامها وتقويه ولا تلينه وتكسره فان ذلك ابعد من الريبة والطمع فيها وللقلب امراض اخر من الرياء والكبر والعجب والحسد والفخر والخيلاء وحب الرياسة والعلو في الارض وهذا مرض مركب من مرض الشبهة والشهوة فإنه لا بد فيه من تخيل فاسد وارادة باطلة كالعجب والفخر والخيلاء والكبر المركب من تخيل عظمته وفضله وإرادة تعظيم الخلق له ومحمدتهم فلا يخرج مرضه عن شهوة او شبهة او مركب منهما وهذه الامراض كلها متولدة عن الجهل ودواؤها العلم كما قال النبي في حديث صاحب الشجة الذي افتوه بالغسل فمات قتلوه قتلهم الله الا سألوا اذ لم يعلموا انما شفاء العي السؤال فجعل العي وهو عي القلب عن العلم واللسان عن النطق به مرضا وشفاؤه سؤال العلماء فأمراض القلوب اصعب من امراض الابدان لان غاية مرض البدن ان يفضي بصاحبه الى الموت وأما مرض القلب فيفضي بصاحبه الى الشقاء الابدي ولا شفاء لهذا المرض الا بالعلم ولهذا سمى الله تعالى كتابه شفاء لامراض الصدور وقال تعالى يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم منه وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ولهذا السبب نسبة العلماء الى القلوب كنسبة الاطباء الى الابدان وما يقال للعلماء اطباء القلوب فهو لقدر ما جامع بينهما والا فالامر اعظم فان كثيرا من الامم يستغنون عن الاطباء ولا يوجد الاطباء الا في اليسير من البلاد وقد يعيش الرجل عمره او برهة منه لا يحتاج الى طبيب واما العلماء بالله وامره فهم حياة الموجود وروحه ولا يستغنى عنهم طرفة عين فحاجة القلب الى العلم ليست كالحاجة الى التنفس في الهواء بل اعظم وبالجملة فالعلم للقلب مثل الماء للسمك اذا فقده مات فنسبة العلم الى القلب كنسبة ضوء العين اليها وكنسبة سمع الاذن وكنسبة كلام اللسان اليه فإذا عدمه كان كالعين العمياء والاذن الصماء واللسان الاخرس ولهذا يصف سبحانه اهل الجهل بالعمى والصم والبكم وذلك صفة قلوبهم حيث فقدت العلم النافع فبقيت على عماها وصممها وبكمها قال تعالى ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا والمراد عمى القلب في الدنيا وقال تعالى ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم لانهم هكذا كانوا في الدنيا والعبد يبعث على ما مات عليه واختلف في هذا العمى في الاخرة فقيل هوعمى البصيرة بدليل اخباره تعالى عن رؤية الكفار ما في القيامة ورؤية الملائكة ورؤية النار وقيل هو عمي البصر ورجح هذا بان الاطلاق ينصرف اليه وبقوله قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا وهذا عمي العين فان الكافر لم يكن بصيرا بحجته واجاب هؤلاء عن رؤية الكفار(1\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "110",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14566",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في القيامة بأن الله يخرجهم من قبورهم الى موقف القيامة بصراء ويحشرون من الموقف الى النار عميا قاله الفراء وغيره الوجه الثامن والثمانون ان الله سبحانه بحكمته سلط على العبد عدوا عالما بطرق هلاكه واسباب الشر الذي يلقيه فيه متفننا فيها خبيرا بها حريصا عليها لايفتر يقظة ولا مناما ولا بد له من واحدة من ست ينالها منه احدها وهي غاية مراده منه ان يحول بينه وبين العلم والايمان فيلقيه في الكفر فإذا ظفر بذلك فرغ منه واستراح فان فاتته هذه وهدى للاسلام حرص على تلو الكفر وهي البدعة وهي احب اليه من المعصية فان المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها لان صاحبها يرى انه على هدى وفي بعض الاثار يقول ابليس اهلكت بني آدم بالذنوب واهلكوني بالاستغفار وبلا اله الا الله فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الاهواء فهم يذنبون ولا يتوبون لانهم يحسبون انهم يحسنون صنعا فاذا ظفر منه بهذه صيره من رعاته وامرائه فان اعجزته شغله بالعمل المفضول عما هو افضل منه ليرتج عليه الذي بينهما وهي الخامسة فان اعجزه ذلك صار الى السادسة وهي تسليط حزبه عليه يؤذونه ويشتمونه ويبهتونه ويرمونه بالعظائم ليحزنه ويشغل قلبه عن العلم والارادة وسائر اعماله فكيف يمكن ان يحترز منه من لا علم له بهذه الامور ولا بعدوه ولا بما يحصنه منه فانه لا ينجو من عدوه الا من عرفه وعرف طريقه التي يأتيه منها وجيشه الذي يستعين به عليه وعرفت داخله ومخارجه وكيفية محاربته وبأي شيء يحاربه وبماذا يداوى جراحته وبأي شيء يستمد القوة لقتاله ودفعه وهذا كله لا يحصل الا بالعلم فالجاهل في غفلة وعمى عن هذا الامر العظيم والخطب الجسيم ولهذا جاء ذكر العدو وشأنه وجنوده ومكايده في القرآن كثيرا جدا لحاجة النفوس الى معرفة عدوها وطرق محاربته ومجاهدته فلولا ان العلم يكشف عن هذا لما نجا من نجا منه فالعلم هو الذي تحصل به النجاة الوجه التاسع والثمانون ان اعظم الاسباب التي يحرم بها العبد خير الدنيا والاخرة ولذة النعيم في الدارين ويدخل عليه عدو منها هو الغفلة المضادة للعلم والكسل المضاد للارادة والعزيمة هذان اصل بلاء العبد وحرمانه منازل السعداء وهما من عدم العلم اما الغفلة فمضادة للعلم منافية له وقد ذم سبحانه اهلها ونهى عن الكون منهم وعن طاعتهم والقبول منهم قال تعالى ولاتكن من الغافلين وقال تعالى ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا وقال تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم اعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها اولئك كالانعام بل هم اضل واولئك هم الغافلون وقال النبي في وصيته لنساء المؤمنين لا تغفلن فتنسين الرحمة وسئل بعض العلماء عن عشق الصور فقال قلوب غفلت عن ذكر الله فابتلاها الله بعبودية غيره فالقلب الغافل مأوى(1\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "111",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14567",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشيطان فانه وسواس خناس قد التقم قلب الغافل يقرأ عليه انواع الوساوس والخيالات الباطلة فاذا تذكر وذكر الله انجمع وانضم وخنس وتضاءل لذكر الله فهو دائما بين الوسوسة والخنس وقال عروة بن رويم ان المسيح سأل ربه ان يريه موضع الشيطان من ابن آدم فجلى له فاذا رأسه راس الحية واضع راسه على ثمرة القلب فإذا ذكر العبد ربه خنس وإذا لم يذكر وضع رأسه على ثمرة قلبه فمناه وحدثه وقد روى في هذا المعنى حديث مرفوع فهو دائما يترقب غفلة العبد فيبذر في قلبه بذر الاماني والشهوات والخيالات الباطلة فيثمر كل حنظل وكل شوك وكل بلاء ولا يزال يمده بسقيه حتى يغطى القلب ويعميه واما الكسل فيتولد عنه الاضاعة والتفريط والحرمان واشد الندامة وهو مناف لاراده والعزيمة التي هي ثمرة العلم فان من علم ان كماله ونعيمه في شيء طلبه بجهده وعزم عليه بقلبه كله فإن كل احد يسعى في تكميل نفسه ولذته ولكن اكثرهم اخطأ الطريق لعدم علمه بما ينبغي ان يطلبه فالارادة مسبوقة بالعلم والتصور فتخلفها في الغالب إنما يكون لتخلف العلم والادراك وإلا فمع العلم التام بان سعادة العبد في هذا المطلب ونجاته وفوزه كيف يلحقه كسل في النهوض اليه ولهذا استعاذ النبي من الكسل ففي الصحيح عنه انه كان يقول اللهم اني اعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال فاستعاذ من ثمانية اشياء كل شيئين منها قرينان والفرق بينهما ان المكروه الوارد على القلب اما ان يكون على ما مضى او لما يستقبل فالاول هو الحزن والثاني الهم وان شئت قلت الحزن على المكروه الذي فات ولا يتوقع دفعه والهم على المكروه المنتظر الذي يتوقع دفعه وتأمله والعجز والكسل قرينان فان تخلف مصلحة العبد وكماله ولذته وسروره عنه اما ان يكون مصدره عدم القدرة فهو العجز او يكون قارا عليه لكن تخلف لعدم إرادته فهو الكسل وصاحبه يلام عيه مالا يلام على العجز وقد يكون العجز ثمرة الكسل فيلام عليه ايضا فكثيرا ما يكسل المرء عن الشيء الذي هو قادر عليه وتضعف عنه ارادته فيفضي به الى العجز عنه وهذا هو العجز الذي يلوم الله عليه في قول النبي ان الله يلوم على العجز وإلا فالعجز الذي لم تخلق له قدرة على دفعه ولا يدخل معجوزه تحت القدرة لا يلام عليه قال بعض الحكماء في وصيته إياك والكسل والضجر فان الكسل لا ينهض لمكرمة والضجر إذا نهض اليها لا يصبر عليها والضجر متولدعن الكسل والعجز فلم يفرده في الحديث بلفظ ثم ذكر الجبن والبخل فان الاحسان المتوقع من العبد اما بماله واما ببدنه فالبخيل مانع لنفع ماله والجبان مانع لنفع بدنه المشهور عند الناس ان البخل مستلزم الجبن من غير عكس لان من بخل بماله فهو بنفسه ابخل والشجاعة تستلزم الكرم من غير عكس لان من جاد بنفسه فهو بماله اسمح واجود وهذا الذي(1\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "112",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14568",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوه ليس بلازم اكثره فان الشجاعة والكرم واضدادها اخلاق وغرائز قد تجمع في الرجل وقد يعطى بعضها دون بعض وقد شاهد الناس من اهل الاقدام والشجاعة والبأس من هو ابخل الناس وهذا كثيرا ما يوجد في امة الترك يكون اشجع من ليث وابخل من كلب فالرجل قد يسمح بنفسه ويضن بماله ولهذا يقاتل عليه حتى يقتل فيبدأ بنفسه دونه فمن الناس من يسمح بنفسه وماله ومنهم من يبخل بنفسه ومنهم من يسمح بماله ويبخل بنفسه وعكسه والاقسام الاربعة موجودة في الناس ثم ذكر ضلع الدين وغلبة الرجال فان القهر الذي ينال العبد نوعان احدهما قهر بحق وهو ضلع الدين والثاني قهر بباطل وهو غلبة الرجال فصلوات الله وسلامه على من اوتي جوامع الكلم واقتبست كنوز العلم والحكمة من الفاظة والمقصود ان الغفلة والكسل اللذين هما اصل الحرمان سببهما عدم العلم فعاد النقص كله الى عدم العلم والعزيمة والكمال كله الى العلم والعزيمة والناس في هذا على اربعة اضرب الضرب الاول من رزق علما واعين على ذلك بقوة العزيمة على العمل وهذا الضرب خلاصة الخلق وهم الموصوفون في القرآن بقوله الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقوله اولى الايدي والابصار وبقوله افمن كان ميتا فاحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها فبالحياة تنال العزيمة وبالنور ينال العلم وأئمة هذا الضرب هم اولو العزم من الرسل الضرب الثاني من حرم هذا وهذا وهم الموصوفون بقوله إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لايعقلون وبقوله ام تحسب ان اكثرهم يسمعون او يعقلون ان هم الا كالانعام بل هم اضلوا سبيلا وبقوله انك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء وقوله وما أنت بمسمع من في القبور وهذا الصنف شر البرية يضيقون الديار ويغلون الاسعار وعند انفسهم انهم يعلمون ولكن ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الاخرة هم غافلون ويعلمون ولكن ما يضرهم ولا ينفعهم وينطقون ولكن عن الهوى ينطقون ويتكلمون ولكن بالجهل يتكلمون ويؤمنون ولكن بالجبت والطاغوت ويعبدون ولكن يعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويجادلون ولكن بالباطل ليدحضوا به الحق ويتفكرون ويبيتون ولكن مالا يرضى من القول يبيتون ويدعون ولكن مع الله الها آخر يدعون ويذكرون ولكن إذا ذكروا لا يذكرون ويصلون ولكنهم من المصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤن ويمنعون الماعون ويحكمون ولكن حكم الجاهلية يبغون ويكتبون ولكن يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت ايديهم وويل لهم مما يسكبون ويقولون إنما نحن مصلحون ألا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون فهذا الضرب ناس بالصورة وشياطين بالحقيقة وجلهم إذا فكرت فهم حمير او كلاب او ذئاب وصدق البحتري في قوله:(1\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "113",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14569",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يبق من جل هذا الناس باقية ... ينالها الوهم الا هذه الصور وقال الاخر لا تخدعنك اللحاء والصور ... تسعة اعشار من ترى بقر في شجر السدر منهم مثل ... لها رواء وما لها ثمر واحسن من هذا كله قوله تعالى وإذا رأيتهم تعجبك اجسامهم وان يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة عالمهم كما قيل فيه: زوامل للأسفار لا علم عندهم ... يجيدها الا كعلم الاباعر لعمرك ما يدري البعير إذا غدا ... باوساقه او راح ما في الغرائر واحسن من هذا وابلغ واوجز وافصح قوله تعالى كمثل الحمار يحمل اسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين الضرب الثالث من فتح له باب العلم وأغلق عنه باب العزم والعمل فهذا في رتبة الجاهل او شر منه وفي الحديث المرفوع اشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ثبته ابو نعيم وغيره فهذا جهله كان خيرا له واخف لعذابه من كمله فما زاده العلم إلا وبالا وعذابا وهذا لا مطمع في صلاحه فإن التائه عن الطريق يرجى له العود اليها إذا ابصرها فإذا عرفها وحاد عنها عمدا فمتى ترجى هدايته قال تعالى كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا ان الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين الضرب الرابع من رزق حظا من العزيمة والارادة ولكن قل نصيبه من العلم والمعرفة فهذا اذا وفق له الاقتداء بداع من دعاة الله ورسوله كان من الذين قال الله فيهم ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما رزقنا الله من فضله ولا احرمنا بسوء اعمالنا انه غفور رحيم الوجه التسعون ان كل صفة مدح الله بها العبد في القرآن فهي ثمرة العلم ونتيجته وكل ذم ذمه فهو ثمرة الجهل ونتيجته فمدحه بالايمان وهو راس العلم ولبه ومدحه بالعمل الصالح الذي هو ثمرة العلم النافع ومدحه بالشكر والصبر والمسارعة في الخيرات والحب له والخوف منه والرجاء والانابة والحلم والوقار واللب والعقل والعفة والكرم والايثار على النفس والنصيحة لعباده والرحمة بهم والرأفة وخفض الجناح والعفو عن مسيئهم والصفح عن جانبهم وبذل الاحسان لكافتهم ودفع السيئة بالحسنة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر في مواطن الصبر والرضا بالقضاء واللين للأولياء والشدة على الاعداء والصدق في الوعد والوفاء بالعهد والاعراض(1\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "114",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14570",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن الجاهلين والقبول من الناصحين واليقين والتوكل والطمأنينة والسكينة والتواصل والتعاطف والعدل في الاقوال والافعال والاخلاق والقوة في امره والبصيرة في دينه والقيام بأداء حقه واستخراجه من المانعين له والدعوة اليه وإلى مرضاته وجنته والتحذير عن سبل اهل الضلال وتبيين طرق الغي وحال سالكيها والتواصي بالحق والتواصي بالصبر والحض على طعام المسكين وبر الوالدين وصلة الارحام وبذل السلام لكافة المؤمنين الى سائر الاخلاق المحمودة والافعال المرضية التي اقسم الله سبحانه على عظمها فقال تعالى ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم قالت عائشة رضى الله عنها وقد سئلت عن خلق رسول الله فقالت كان خلقه القرآن فاكتفى بذلك السائل وقال فهمت ان اقوم ولا أسال عن شيء بعدها فهذه الاخلاق ونحوها هي ثمرة شجرة العلم واما شجرة الجهل فتثمر كل ثمرة قبيحة من الكفر والفساد والشرك والظلم والبغي والعدوان والجزع والهلع والكنود والعجلة والطيش والحدة والفحش والبذاء والشح والبخل ولهذا قيل في حد البخل جهل مقرون بسوء الظن ومن ثمرته الغش للخلق والكبر عليهم والفخر والخيلاء والعجب والرياء والسمعة والنفاق والكذب واخلاف الوعد والغلظة على الناس والانتقام ومقابلة الحسنة بالسيئة والامر بالمنكر والنهي عن المعروف وترك القبول من الناصحين وحب غير الله ورجائه والتوكل عليه وإيثار رضاه على رضا الله وتقديم امره على امر الله والتماوت عند حق الله والوثوق بما عند حق نفسه والغضب لها والانتصار لها فإذا انتهكت حقوق نفسه لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم بأكثر من حقه وإذا انتهكت محارم الله لم ينبض له عرق غضبا لله فلا قوة في امره ولا بصيرة في دينه ومن ثمرتها الدعوة الى سبيل الشيطان وإلى سلوك طرق البغي واتباع الهوى وايثار الشهوات على الطاعات وقيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ووأد البنات وعقوق الامهات وقطيعة الارحام وإساءة الجوار وركوب مركب الخزي والعار وبالحملة فالخير بمجموعه ثمر يجتنى من شجرة العلم والشر بمجموعه شوك يجتنى من شجرة الجهل فلو ظهرت صورة العلم للأبصار لزاد حسنها على صورة الشمس والقمر ولو ظهرت صورة الجهل لكان منظرها اقبح منظر بل كل خير في العالم فهو من آثار العلم الذي جاءت به الرسل ومسبب عنه وكذلك كل خير يكون الى قيام الساعة وبعدها في القيامة وكل شر وفساد حصل في العالم ويحصل الى قيام الساعة وبعدها في القيامة فسببه مخالفة ما جاءت به الرسل في العلم والعمل ولو لم يكن للعلم اب ومرب وسائس ووزير الا العقل الذي به عمارة الدارين وهو الذي ارشد الى طاعة الرسل وسلم(1\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "115",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14571",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القلب والجوارح ونفسه اليهم وانقاد لحكمه وعزل نفسه وسلم الامر الى اهله لكفى به شرفا وفضلا وقد مدح الله سبحانه العقل وأهله في كتابه في مواضع كثيرة منه وذم من لا عقل له وأخبر انهم اهل النار الذين لا سمع لهم ولا عقل فهو آلة كل علم وميزانه الذي به يعرف صحيحه من سقيمه وراجحه من مرجوحه والمرآة التي يعرف بها الحسن من القبيح وقد قيل العقل ملك والبدن روحه وحواسه وحركاته كلها رعية له فإذا ضعف عن القيام عليها وتعهدها وصل الخلل اليها كلها ولهذا قيل من لم يكن عقله اغلب خصال الخير عليه كان حتفه في أغلب خصال الشر عليه وروى انه لما هبط آدم من الجنة اتاه جبريل فقال ان الله احضرك العقل والدين والحياء لتختار واحدا منها فقال اخذت العقل فقال الدين والحياء امرنا ان لا نفارق العقل حيث كان فانحاز اليه والعقل عقلان عقل غريزة وهو اب العلم ومربيه ومتمره وعقل مكتسب مستفاد وهو ولد العلم وثمرته ونتيجته فإذا اجتمعا في العبد فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء واستقام له امره واقبلت عليه جيوش السعادة من كل جانب وإذا فقد احدهما فالحيوان البهيم احسن حالا منه واذا انفرد انتقص الرجل بنقصان احدهما ومن الناس من يرجح صاحب العقل الغريزي ومنهم من يرجح صاحب العقل المكتسب والتحقيق ان صاحب العقل الغريزي الذي لا علم ولا تجربة عنده آفته التي يؤتى منه الاحجام وترك انتهاز الفرصة لان عقله يعقله عن انتهاز الفرصة لعدم علمه بها وصاحب العقل المكتسب يؤتى من الاقدام فان علمه بالفرص وطرقها يلقيه على المبادرة اليها وعقله الغريزي لا يطيق رده عنه فهو غالبا يؤتى من إقدامه والاول من احجامه فإذا رزق العقل الغريزي عقلا ايمانيا مستفادا من مشكاة النبوة لا عقلا معيشيا نفاقيا يظن اربابه انهم على شيء الا انهم هم الكاذبون فانهم يرون العقل ان يرضوا الناس على طبقاتهم ويسالموهم ويستجلبوا مودتهم ومحبتهم وهذا مع انه لا سبيل اليه فهو ايثار للراحة والدعة ومؤنة الاذى في الله والموالاة فيه والمعاداة فيه وهو وان كان اسلم عاجلة فهو الهلك في الاجلة فإنه ما ذاق طعم الايمان من لم يوال في الله ويعاد فيه فالعقل كل العقل ما اوصل الى رضا الله ورسوله والله الموفق المعين وفي حديث مرفوع ذكره ابن عبد البر وغيره اوحى الله الى نبي من انبياء بني اسرائيل قل لفلان العابد اما زهدك في الدنيا فقد تعجلت به الراحة واما انقطاعك الي فقد اكتسبت به العز فما عملت فيما لي عليك قال وما لك على قال هل واليت في وليا او عاديت في عدوا وذكر ايضا انه اوحى الله الى جبريل ان اخسف بقرية كذا وكذا قال يا رب ان فيهم فلانا العابد قال به فابدأ انه لم يتمعر وجهه في يوما قط الوجه الحادي والتسعون حديث ابن عمر عن النبي اذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا يا رسول الله وما رياض الجنة قال(1\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "116",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14572",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حلق الذكر فإن لله سيارات من الملائكة يطلبون حلق الذكر فاذا اتوا عليهم صفوا بهم قال عطاء مجالس الذكر مجالس الحلال والحرام كيف يشترى ويبيع ويصوم ويصلي ويتصدق وينكح ويطلق ويحج ذكره الخطيب في كتاب الفقيه والمتفقه وقد تقدم بيانه الوجه الثاني والتسعون ما رواه الخطيب ايضا عن ابن عمر يرفعه مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة وفي رفعه نظر الوجه الثالث والتسعون ما رواه ايضا من حديث عبد الرحمن بن عوف يرفعه يسير الفقه خير من كثير من العبادة ولا يثبت رفعه الوجه الرابع والتسعون ما رواه ايضا من حديث انس يرفعه فقيه افضل عند الله من ألف عابد وهو في الترمذي من حديث روح ابن جناح عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا وفي ثبوتهما مرفوعين نظر والظاهر ان هذا من كلام الصحابة فمن دونهم الوجه الخامس والتسعون ما رواه ايضا عن ابن عمر يرفعه افضل العبادة الفقه الوجه السادس والتسعون ما رواه ايضا من حديث نافع عن ابن عمر يرفعه ما عبد الله بشيء افضل من فقه في دين الوجه السابع والتسعون ما رواه عن علي انه قال العالم اعظم اجرا من الصائم القائم الغازي في سبيل الله الوجه الثامن والتسعون ما رواه المخلص عن صاعد حدثنا القاسم بن الفضل بن بزيع حدثنا حجاج بن نصير حدثنا هلال بن عبد الرحمن الجعفي عن عطاء بن أبي ميمونة عن ابي هريرة وأبي ذرأنهما قالا باب من العلم يتعلمه احب الينا من الف ركعة تطوعا وباب من العلم نعلمه عمل به او لم يعمل احب الينا من مائة ركعة تطوعا وقالا سمعنا رسول الله يقول إذا جاء الموت طالب العالم وهو على هذه الحال مات شهيدا ورواه ابن ابي داود عن شاذان عن حجاج به قلت وشاهده ما مر من حديث الترمذي عن انس يرفعه من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع الوجه التاسع والتسعون ما رواه الخطيب ايضا عن ابي هريرة قال لان اعلم بابا من العلم في أمر او نهي احب الي من سبعين غزوة في سبيل الله وهذا ان صح فمعناه احب الي من سبعين غزوة بلا علم لان العمل بلا علم فساده اكثر من صلاحه او يريد علما يتعلمه ويعلمه فيكون له اجر من عمل به الى يوم القيامة وهذا لا يحصل في الغزو المجرد الوجه المائة ما رواه الخطيب ايضا عن ابي الدرداء انه قال مذاكرة العلم ساعة خير من قيام ليلة الوجه الحادي والمائة ما رواه عن الحسن قال لان العلم بابا من العلم فاعلمه مسلما احب الي من ان يكون لي الدنيا في سبيل الله الوجه الثاني والمائة قال مكحول ما عبد الله بأفضل من الفقه الوجه الثالث والمائة قال سعيد بن المسيب ليست عبادة الله بالصوم والصلاة ولكن بالفقه في دينه وهذا الكلام يراد به امران احدهما انها ليست بالصوم والصلاة الخاليين عن العلم ولكن بالفقه الذي يعلم به كيف الصوم والصلاة والثاني انها ليست الصوم والصلاة(1\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "117",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14573",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقط بل الفقه في دينه من اعظم عباداته الوجه الرابع والمائة قال اسحاق بن عبد الله بن ابي فروة اقرب الناس من درجة النبوة العلماء واهل الجهاد والعلماء دلوا الناس على ما جاءت به الرسل وقد تقدم الكلام في تفضيل العالم على الشهيد وعكسه الوجه الخامس والمائة قال سفيان بن عيينة ارفع الناس عند الله منزلة من كان بين الله وبين عباده وهم الرسل والعلماء الوجه السادس والمائة قال محمد بن شهاب الزهري ما عبد الله بمثل الفقه وهذا الكلام ونحوه يراد به انه ما يعبد الله بمثل ان يتعبد بالفقه في الدين فيكون نفس التفقه عبادة كما قال معاذ بن جبل عليكم بالعلم فان طلبه لله عبادة وسيأتي ان شاء الله ذكر كلامه بتمامه وقد يراد به انه ما عبد الله بعبادة افضل من عبادة يصحبها الفقه في الدين لعلم الفقيه في دينه بمراتب العبادات ومفسداتها وواجبا وسننها وما يكملها وما ينقصها وكلا المعنيين صحيح الوجه السابع والمائة قال سهل بن عبد الله التستري من أراد النظر الى مجالس الانبياء فلينظر الى مجالس العلماء وهذا لان العلماء خلفاء الرسل في أممهم ووارثوهم في علمهم فمجالسهم مجالس خلافة النبوة الوجه الثامن والمائة ان كثيرا من الائمة صرحوا بأن افضل الاعمال بعد الفرائض طلب العلم فقال الشافعي ليس شيء بعد الفرائض افضل من طلب العلم وهذا الذي ذكر اصحابه عنه انه مذهبه وكذلك قال سفيان الثوري وحكاه الحنفية عن ابي حنيفة واما الامام احمد فحكى عنه ثلاث روايات احداهن انه العلم فإنه قيل له أي شيء احب اليك اجلس بالليل انسخ او اصلي تطوعا قال نسخك تعلم به امور دينك فهو احب الي وذكر الخلال عنه في كتاب العلم نصوصا كثيرة في تفضيل العلم ومن كلامه فيه الناس الى العلم احوج منهم الى الطعام والشراب وقد تقدم الرواية الثانية ان افضل الاعمال بعدالفرائض صلاة التطوع واحتج لهذه الرواية بقوله واعلموا ان خير اعمالكم الصلاة وبقوله في حديث ابي ذر وقد سأله عن الصلاة فقال خيرموضوع وبأنه اوصى من سأله موافقته في الجنة بكثرة السجود وهو الصلاة وكذلك قوله في الحديث الاخر عليك بكثرة السجود فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة وبالاحاديث الدالة على تفضيل الصلاة والرواية الثالثة انه الجهاد فإنه قال لا اعدل بالجهاد شيئا من ذا يطيقه ولا ريب ان اكثر الاحاديث في الصلاة والجهاد وأما مالك فقال ابن القاسم سمعت مالكا يقول ان اقواما ابتغوا العبادة وأضاعوا العلم فخرجوا على امة محمد بأسيافهم ولو ابتغوا العلم لحجزهم عن ذلك قال مالك وكتب ابو موسى الاشعري الى عمر بن الخطاب انه قرا القرآن عندنا عددكذا وكذا فكتب اليه عمر ان افرض لهم من بيت المال فلما كان في العام(1\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "118",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14574",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني كتب اليه انه قد قرا القرآن عندنا عدد كثير لأكثر من ذلك فكتب اليه عمر ان امحهم من الديوان فاني اخاف من ان يسرع الناس في القرآن ان يتفقهوا في الدين فيتأولوه على غير تأويله وقال ابن وهب كنت بين يدي مالك بن انس فوضعت الواحي وقمت الى الصلاة فقال ما الذي قمت اليه بأفضل من الذي تركته قال شيخنا وهذه الامور الثلاثة التي فضل كل واحد من الائمة بعضها وهي الصلاة والعلم والجهاد هي التي قال فيها عمر بن الخطاب رضى الله عنه لولا ثلاث في الدنيا لما احببت البقاء فيها لولا ان احمل او اجهز جيشا في سبيل الله ولولا مكابدة هذا الليل ولولا مجالسة اقوام ينتقون اطايب الكلام كما ينتقى اطايب التمر لما احببت البقاء فالاول الجهاد والثاني قيام الليل والثالث مذاكرة العلم فاجتمعت في الصحابة بكمالهم وتفرقت فيمن بعدهم الوجه التاسع والمائة ما ذكره ابو نعيم وغيره عن بعض اصحاب رسول الله انه قال فضل العلم خير من نفل العمل وخير دينكم الورع وقد روى هذا مرفوعا من حديث عائشة رضى الله عنها وفي رفعه نظر وهذا الكلام هو فصل الخطاب في هذه المسئلة فإنه إذا كان كل من العلم والعمل فرضا فلا بد منهما كالصوم والصلاة فإذا كانا فضلين وهما النفلان المتطوع بهما ففضل العلم ونفله خير من فضل العبادة ونفلها لان العلم يعم نفعه صاحبه والناس معه والعبادة يختص نفعها بصاحبها ولان العلم تبقى فائدته وعلمه بعد موته والعبادة تنقطع عنه ولما مر من الوجوه السابقة الوجه العاشر بعدالمائة ما رواه الخطيب وأبو نعيم وغيرهما عن معاذ بن جبل رضى الله عنه قال تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية وطلبه عبادة ومدارسته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يحسنه صدقة وبذله لاهله قربة به يعرف الله ويعبد وبه يؤحد وبه يعرف الحلال من الحرام وتوصل الارحام وهو الانيس في الوحده والصاحب في الخلوة والدليل على السراء والمعين على الضراء والوزير عند الاخلاء والقريب عند الغرباء ومنار سبيل الجنة يرفع الله به اقواما فيجعلهم في الخير قادة وسادة يقتدى بهم ادلة في الخير تقتص آثارهم وترمق افعالهم وترغب الملائكة في خلتهم وبأجنحتهم تمسحهم يستغفر لهم كل رطب ويابس حتى حيتان البحر وهو امه وسباع البر وانعامه والسماء ونجومها والعلم حياة القلوب من العمى ونور للأبصار من الظلم وقوة للآبدان من الضعف يبلغ به العبد منازل الابرار والدرجات العلى التفكر فيه يعدل بالصيام ومدارسته بالقيام وهو إمام للعمل والعمل تابعه يلهمه السعداء ويحرمه الاشقياء هذا الاثر معروف عن معاذ وروراه ابو نعيم في المعجم من حديث معاذ مرفوعا الى النبي ولا يثبت وحسبه ان يصل الى معاذ الوجه الحادي(1\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "119",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14575",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عشر بعدالمائة ما رواه يونس بن عبد الاعلى عن ابن ابي فديك حدثني عمرو بن كثير عن ابي العلاء عن الحسن عن رسول الله قال من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيى به الاسلام فبينه وبين الانبياء في الجنة درجة النبوة وقد روى من حديث علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس عن النبي وهذا وإن كان لا يثبت اسناده فلا يبعد معناه من الصحة فإن افضل الدرجات النبوة وبعدها الصديقية وبعدها الشهادة وبعدها الصلاح وهذه الدرجات الاربع التي ذكرها الله تعالى في كتابه في قوله ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا فمن طلب العلم ليحيى به الاسلام فهو من الصديقين ودرجته بعد درجة النبوة الوجه الثاني عشر بعدالمائة قال الحسن في قوله تعالى ربنا آتنا في الدنيا حسنة هي العلم والعبادة وفي الآخرة حسنة هي الجنة وهذا من احسن التفسير فإن اجل حسنات الدنيا العلم النافع والعمل الصالح الوجه الثالث عشر بعدالمائة قال ابن مسعودعليكم بالعلم قبل ان يرفع ورفعه هلاك العلماء فوالذي نفسي بيده ليودن رجال قتلوا في سبيل الله شهداء ان يبعثهم الله علماء لما يرون من كرامتهم وإن احدا لم يولد عالما وإنما العلم بالتعلم الوجه الرابع عشر بعد المائة قال ابن عباس وابو هريرة وبعدهما احمد بن حنبل تذاكر العلم بعض ليلة احب الينا من احيائها الوجه الخامس عشر بعدالمائة قال عمر رضى الله عنه ايها الناس عليكم بالعلم فإن لله سبحانه رداء يحبه فمن طلب باب من العلم رداه الله بردائه فإن اذنب ذنبا استعتبه لئلا يسلبه رداءه ذلك حتى يموت به قلت ومعنى استعتاب الله عبدة ان يطلب منه ان يعتبه أي يزيل عتبه عليه بالتوبة والاستغفار والانابة فإذا اناب اليه رفع عنه عتبة فيكون قد اعتب ربه أي ازال عتبه عليه والرب تعالى قد استعتبه أي طلب منه ان يعتبه ومن هذا قول ابن مسعود وقد وقعت زلزلة بالكوفة ان ربكم يستعتبكم فاعتبوه وهذا هو الاستعتاب الذين تقاه سبحانه في الاخرة في قوله فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون أي لا نطلب منهم إزالة عتبنا عليهم فإن إزالته إنما تكون بالتوبة وهي لا تنفع في الاخرة وهذا غير استعتاب العبد ربه كما في قوله تعالى فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وان يستعتبوا فماهم من المعتبين فهذا معناه ان يطلبوا إزالة عتبنا عليهم والعفو فماهم من المعتبين أي ماهم ممن يزال العتب عليهم وهذا الاستعتاب ينفع في الدنيا دون الاخرة الوجه السادس عشر بعدالمائة قال عمر رضى الله عنه موت الف عابد اهون من موت عالم بصير بحلال الله وحرامه ووجه قول عمر ان هذا العالم يهدم على إبليس كل ما يبنيه بعلمه وإرشاده واما العابد فنفعه مقصور على نفسه الوجه السابع عشر بعدالمائة قول بعض السلف إذا اتى على يوم(1\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "120",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14576",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا ازداد فيه علما يقربني الى الله فلا بورك لي في شمس ذلك اليوم وقد رفع هذا الى رسول الله ورفعه اليه باطل وحسبه ان يصل الى واحد من الصحابة او التابعين وفي مثله قال القائل إذا مربي يوم ولم استفد هدى ولم اكتسب علما فما ذلك من عمري الوجه الثامن عشر بعدالمائة قال بعض السلف الايمان عريان ولباسه التقوى وزينته الحياء وثمرته العلم وقد رفع هذا ايضا ورفعه باطل الوجه التاسع عشر بعدالمائة إنه في بعض الاثار بين العالم والعابد مائة درجة بين كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنة وقد رفع هذا ايضا وفي رفعه نظر الوجه العشرون بعدالمائة ما رواه حرب في مسائله مرفوعا الى النبي يجمع الله تعالى العلماء يوم القيامة ثم يقول يا معشر العلماء إني لم اضع علمي فيكم إلا لعلمي بكم ولم اضع علمى فيكم لاعذبكم اذهبوا فقد غفرت لكم وهذا وإن كان غريبا فله شواهد حسان الوجه الحادي والعشرون بعدالمائة قول ابن المبارك وقد سئل من الناس قال العلماء قيل فمن الملوك قال الزهاد قيل فمن السفلة قال الذي يأكل بدينه الوجه الثاني العشرون بعدالمائة ان من ادرك العلم لم يضره ما فاته بعد ادراكه اذ هو افضل الحظوظ والعطايا ومن فاته العلم لم ينفعه ما حصل له من الحظوظ بل يكون وبالاعليه وسببا لهلاكه وفي هذا قال بعض السلف أي شيء ادرك من فاته العلم واي شيء فاته من ادرك العلم الوجه الثالث والعشرون بعدالمائة قال بعض العارفين اليس المريض إذا منع الطعام والشراب والدواء يموت قالوا بلى قالوا فكذلك القلب إذا منع عنه العلم والحكمة ثلاثة ايام يموت وصدق فان العلم طعام القلب وشرابه ودواؤه وحياته موقوفة على ذلك فإذا فقد القلب العلم فهو موت لو كان لا يشعر بموته كما ان السكران الذي قد زال عقله والخائف الذي قد انتهى خوفه الى غايته والمحب والمفكر قد يبطل احساسهم بألم الجراحات في تلك الحال فإذا صحوا وعادوا الى حال الاعتدال ادركوا آلامها هكذا العبد إذا حط عنه الموت احمال الدنيا وشواغلها اختص بهلاكه وخسرانه فحتام لا تصحوا وقد قرب المدى ... وحتام لا ينجاب عن قلبك السكر بل سوف تصحو حين ينكشف الغطا ... وتذكر قولي حين لا ينفع الذكر فإذا كشف الغطاء وبرح الخفاء وبليت السرائر وبدت الضمائر وبعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور فحينئذ يكون الجهل ظلمة على الجاهلين والعلم حسرة على الباطلين الوجه الرابع والعشرون بعدالمائة قال ابو الدرداء من رأى ان الغدو الى العلم ليس بجهاد فقد نقص في رأيه وعقله وشاهد هذا قول معاذ وقد تقدم الوجه الخامس والعشرون بعدالمائة قول ابي الدرداء ايضا لان اتعلم مسئلة احب الي من قيام ليلة الوجه السادس والعشرون(1\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "121",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14577",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعدالمائة قوله ايضا العالم والمتعلم شريكان في الاجر وسائر الناس همج لا خير فيهم الوجه السابع والعشرون بعدالمائة ما رواه ابو حاتم بن حبان في صحيحه من حديث ابي هريرة انه سمع رسول الله يقول من دخل مسجدنا هذا ليتعلم خيرا او ليعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله ومن دخله لغير ذلك كان كالناظر الى ما ليس له الوجه الثامن والعشرون بعدالمائة ما رواه ايضا في صحيحه من حديث الثلاثة الذين انتهوا الى رسول الله وهو جالس في حلقه فأعرض احدهم واستحى الاخر فجلس خلفهم وجلس الثالث في فرجة في الحلقة فقال النبي اما احدهم فأوى الى الله فآواه الله وأما الاخر فاستيحا فاستحيا الله منه وأما الاخر فاعرض فاعرض الله عنه فلولم يكن لطالب العلم الا ان الله يؤويه اليه ولا يعرض عنه لكفى به فضلا الوجه التاسع والعشرون بعد المائة ما رواه كميل بن زياد النخعي قال اخذ علي بن ابي طالب رضى الله عنه بيدي فاخرجني ناحية الجبانة فلما اصحر جعل يتنفس ثم قال يا كميل بن زياد القلوب اوعية فخيرها اوعاها احفظ عني ما اقول لك الناس ثلاثة فعالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع اتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئؤوا بنور العلم ولم يلجئوا الى ركن وثيق العلم خير من المال العلم يحرسك وانت تحرس المال العلم يكزكوا على الانفاق وفي رواية على العمل والمال تنقصه النفقة العلم حاكم والمال محكوم عليه ومحبة العلم دين يدان بها العلم يكسب العالم الطاعة في حياته وجميل الاحدوثة بعد وفاته وصنيعة المال تزول بزواله مات خزان الاموال وهم احياء والعلماء باقون ما بقي الدهر اعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة هاه هاه إن ههنا علما واشار بيده الى صدره لو اصبت له حملة بل اصبته لقنا غير مأمون عليه يستعمل آلة الدين للدنيا يستظهر حجج الله على كتابه وبنعمه على عباده او منقادا لاهل الحق لا بصير له في احبائه ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة لاذاو لا ذاك او منهوما للذات سلس القياد للشهوات او مغرى بجمع الاموال والادخار ليسا من دعاة الدين اقرب شبها بهم الانعام السائمة لذلك يموت العلم بموت حامليه اللهم بك لن تخلو الارض من قائم لله بحجته لكيلا تبطل حجج الله وبنياته اولئك الاقلون عددا الاعظمون عند الله قيلا بهم يدفع الله عن حججه حتى يؤدوها الى نظرائهم ويزرعوها في قلوب اشابههم هجم بهم العلم على حقيقة الامر فاستلانوا ما استوعر منه المترفون وانسوا بما استوحش منه الجاهلون صحبوا الدنيا بأبدان ارواحها معلقة بالملأ الاعلى اولئك خلفاء الله في ارضه ودعاته الى دينه هاه هاه شوقا الى رؤيتهم واستغفر الله لي ولك اذا شئت فقم ذكره ابو نعيم في الحلية وغيره قال ابو بكر الخطيب هذا حديث حسن من احسن الاحاديث معنى واشرفها لفظا وتقسيم امير(1\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "122",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14578",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المؤمنين للناس في اوله تقسيم في غاية الصحة ونهاية السداد لان الانسان لا يخلو من احد الاقسام التي ذكرها مع كمال العقل وإزاحة العلل اما ان يكون عالما او متعلما او مغفلا للعلم وطلبه اليس بعالم ولا طالب له فالعالم الرباني هو الذي لا زيادة على فضله لفاضل ولا منزلة فوق منزلته لمجتهد وقد دخل في الوصف له بانه رباني وصفه بالصفات التي يقتضيها العلم لاهله ويمنع وصفه بما خالفها ومعنى الرباني في اللغة الرفيع الدرجة في العلم العالي المنزلة فيه وعلى ذلك حملوا قوله تعالى لولا ينهاهم الربانيون وقوله كونوا ربانيين قال ابن عباس حكماء فقهاء وقال ابو رزين فقهاء علماء وقال ابو عمر الزاهد سالت ثعلبا عن هذا الحرف وهو الرباني فقال سألت ابن الاعرابي فقال إذا كان الرجل عالما عاملا معلما قيل له هذا رباني فإن خرم عن خصلة منها لم نقل له رباني قال ابن الانباري عن النحويين ان الربانيين منسوبون الى الرب وان الالف والنون زيدتا للمبالغة في النسب كما تقول لحياني وجبهاني إذا كان عظيم اللحية والجبهة واما المتعلم على سبيل النجاة فهو الطالب بتعلمه والقاصد به نجاته من التفريط في تضييع الفروض الواجبة عليه والرغبة بنفسه عن احمالها واطراحها والانفة من مجانسة البهائم ثم قال وقد نفى بعض المتقدمين عن الناس من لم يكن من اهل العلم واما القسم الثالث فهم المهملون لانفسهم الراضون بالمنزلة الدنية والحال الخسيسة التي هي في الحضيض الاسقط والهبوط الاسفل التي لا منزلة بعدها في الجهل ولا دونها في السقوط وما احسن ما شبههم بالهمج الرعاع وبه يشبه دناة الناس واراذلهم والرعاع المتبدد المتفرق وللناعق الصائح وهو في هذا الموضع الراعي يقال نعق الراعي بالغنم ينعق اذا صاح بها ومنه قوله تعالى ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بمالا يسمع الا دعاءا ونداءا صم بكم عمي فهم لا يعقلون ونحن نشير الى بعض ما في هذا الحديث من الفوائد فقوله رضى الله عنه القلوب اوعية يشبه القلب بالوعاء والاناء والوادي لانه وعاء للخير والشر وفي بعض الاثار ان لله في ارضه آنية وهي القلوب فخيرها ارقها واصلبها واصفاها فهي اواني مملوءة من الخير واواني مملوة من الشر كما قال بعض السلف قلوب الابرار تغلى بالبر وقلوب الفجار تغلى بالفجور وفي مثل هذا قيل في المثل وكل إناء بالذي فيه ينضح وقال تعالى أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها شبه العلم بالماء النازل من السماء والقلوب في سعتها وضيقها بالاودية فقلب كبير واسع يسع علما كثيرا كواد كبير واسع يسع ماءا كثيرا وقلب صغير ضيق يسع علما قليلا كواد صغير ضيق يسع ماءا قليلا ولهذا قال النبي لا تسموا العنب الكرم فإن الكرم قلب المؤمن فانهم كانوايسمون شجر العنب الكرم لكثرة منافعه وخيره والكرم كثيرة الخير والمنافع فأخبرهم ان قلب(1\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "123",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14579",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المؤمن اولى بهذه التسمية لكثرة ما فيه من الخير والمنافع وقوله فخيرها اوعاها يراد به اسرعها وعيا واثبتها وعيا ويراد به ايضا احسنها وعيا فيكون حسن الوعي الذي هو إيعاء لما يقال له في قلبه هو سرعته وكثرته وثباته والوعاء من مادة الوعي فإنه آلة ما يوعى فيه كالغطاء والفراش والبساط ونحوها ويوصف بذلك القلب والاذن كقوله تعالى إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة وتعيها اذن واعية قال قتادة اذن سمعت وعقلت عن الله ما سمعت وقال الفراء لتحفظها كل اذن فتكون عظة لمن يأتي بعد فالوعي توصف به الاذن كما يوصف به القلب يقال قلب واع وأذن واعية لما بين الاذن والقلب من الارتباط فالعلم يدخل من الاذن الى القلب فهي بابه والرسول الموصل اليه العلم كما ان اللسان رسوله المؤدى عنه ومن عرف ارتباط الجوارح بالقلب علم ان الاذن احقها ان توصف بالوعي وانها إذا وعت وعي القلب وفي حديث جابر في المثل الذي ضربته الملائكة للنبي ولأمته وقول الملك له اسمع سمعت اذنك وعقل قلبك فلما كان القلب وعاءا والاذن مدخل ذلك الوعاء وبابه كان حصول العلم موقوفا على حسن الاستماع وعقل القلب والعقل هو ضبط ما وصل الى القلب وإمساكه حتى لايتفلت منه ومنه عقل البعير والدابة والعقال لما يعقل به وعقل الانسان يسمى عقلا لانه يعقله عن اتباع الغي والهلاك ولهذا يسمى حجرا لانه يمنع صاحبه كما يمنع الحجر ما حواه فعقل الشيء اخص من علمه ومعرفته لان صاحبه يعقل ما علمه فلا يدعه يذهب كما تعقل الدابة التي يخاف شرودها وللادراك مراتب بعضها اقوى من بعض فاولها الشعور ثم الفهم ثم المعرفة ثم العلم ثم العقل ومرادنا بالعقل المصدر لا القوة الغريزية التي ركبها الله في الانسان فخير القلوب ما كان واعيا للخير ضابطا له وليس كالقلب القاسي الذي لايقبله فهذا قلب حجري ولا كالمائع الاخرق الذي يقبل ولكن لا يحفظ ولا يضبط فتفهيم الاول كالرسم في الحجر وتفهيم الثاني كالرسم على الماء بل خير القلوب ما كان لينا صلبا يقبل بلينه ما ينطبع فيه ويحفظ صورته بصلابته فهذا تفهيمه كالرسم في الشمع وشبهه وقوله الناس ثلاثة فعالم رباني ومتعلم على سبيل النجاة همج رعاع هذا تقسيم خاص للناس وهو الواقع فإن العبد إما ان يكون قد حصل كماله من العلم والعمل اولا فالاول العالم الرباني والثاني اما ان تكون نفسه متحركة في طلب ذلك الكمال ساعية في إدراكه اولا والثاني هو المتعلم على سبيل النجاة الثالث وهو الهمج الرعاج فالاول هو الواصل والثاني هو الطالب والثالث هو المحروم والعالم الرباني قال ابن عباس رضى الله عنهما هو المعلم اخذه من التربية أي يربى الناس بالعلم ويربيهم به كما يربى الطفل ابوه وقال سعيد بن جبير هو الفقيه العليم الحكيم قال سيبويه زادوا الفا ونونا في الرباني إذا ارادوا تخصيصا بعلم الرب تبارك وتعالى كما قالوا أشعر اني ولحياني ومعني قول سيبويه رحمه الله ان هذا العالم لما نسب الى علم الرب تعالى الذي بعث به رسوله(1\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "124",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14580",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتخصص به نسب اليه دون سائر من علم علما قال الواحدي فالرباني على قوله منسوب الى الرب على معنى التخصيص بعلم الرب أي يعلم الشريعة وصفات الرب تبارك وتعالى وقال المبرد الرباني الذي يرب العلم ويرب الناس به أي يعلمهم ويصلحهم وعلى قوله فالرباني من رب يرب ربا أي يربيه فهو منسوب الى التربية ويربى علمه ليكمل ويتم بقيامه عليه وتعاهده إياه كما يربى صاحب المال ماله يربي الناس به كما يربى الاطفال اولياؤهم وليس هذا من قوله وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فالربيون هنا الجماعات باجماع المفسرين قيل إنه من الربة بكسر الراء وهي الجماعة قال الجوهري الربي واحد الربيين وهم الالوف من الناس قال تعالى وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم ولا يوصف العالم بكونه ربانيا حتى يكون عاملا بعمله معلما له فهذا قسم والقسم الثاني متعلم على سبيل نجاة أي قاصدا بعلمه النجاة وهو المخلص في تعلمه المتعلم ما ينفعه العامل بما علمه فلا يكون المتعلم على سبيل نجاة الا بهذه الامور الثلاثة فإنه إن تعلم ما يضره ولاينفعه لم يكن على سبيل نجاة وإن تعلم ما ينتفع به لا للنجاة فكذلك وإن تعلمه ولم يعمل به لم يحصل له النجاة ولهذا وصفه بكونه على السبيل اي على الطريق التي تنجيه وليس حرف على وما عمل فيه متعلقا بمتعلم إلا على وجه التضمين أي مفتش متطلع على سبيل نجاته فهذا في الدرجة الثانية وليس ممن تعلمه ليمارى به السفهاء او يجارى به العلماء او يصرف وجوه الناس اليه فإن هذا من اهل النار كما جاء في الحديث وثبته ابو نعيم ايضا قوله من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه الا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد رائحة الجنة قال وثبت ايضا قوله اشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه فهؤلاء ليس فيهم من هو على سبيل نجاة بل على سبيل الهلكة نعوذ بالله من الخذلان القسم الثالث المحروم المعرض فلا عالم ولا متعلم بل همج رعاع والهمج من الناس حمقاؤهم وجهلتهم واصله من الهمج جمع همجة وهو ذباب صغير كالبعوض يسقط على وجوه الغنم والدواب واعينها فشبه همج الناس به والهمج ايضا مصدر قال الراجز: قد هلكت جارتنا من الهمج ... وان تجع تأكل عتودا او ثلج والهمج هنا مصدر ومعناه سوء التدبير في أمر المعيشة وقولهم همج هامج مثل ليل لايل والرعاع من النساء الحمقى الذين لايعتد بهم وقوله اتباع كل ناعق أي من صاح بهم ودعاهم تبعوه سواء دعاهم الى هدى او الى ضلال فانهم لا علم لهم بالذي يدعون اليه احق هو ام باطل فهم مستجيبون لدعوته وهؤلاء من اضر الخلق على الاديان فإنهم الاكثرون عددا الاقلون(1\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "125",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14581",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عند الله قدرا وهم حطب كل فتنة بهم توقد ويشب ضرامها فإنها يهتز لها اولو الدين ويتولاها الهمج الرعاع وسمى داعيهم ناعقا تشبيها لهم بالانعام التي ينعق بها الراعي فتذهب معه اين ذهب قال تعالى ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع الا دعاءا ونداءا صم بكم عمي فهم لا يعقلون وهذا الذي وصفهم به امير المؤمنين هو من عدم علمهم وظلمة قلوبهم فليس لهم نور ولا بصيره يفرقون بها بين الحق والباطل بل الكل عندهم سواء وقوله رضى الله عنه يميلون مع كل ريح وفي رواية مع كل صائح شبه عقولهم الضعيفة بالغصن الضعيف وشبه الاهوية والاراء بالرياح والغصن يميل مع الري حيث مالت وعقول هؤلاء تميل مع كل هوى وكل داع ولو كانت عقولا كاملة كانت كالشجرة الكبيرة التي لاتتلاعب بها الرياح وهذا بخلاف المثل الذي ضربه النبي للمؤمنين بالخامة من الزرع تفيئه الريح مرة وتقيمه اخرى والمنافق كشجرة الارز التي لا تقطع حتى تستحصد فإن هذا المثل ضرب للمؤمن وما يلقاه من عواصف البلاء والاوجاع والاوجال وغيرها فلا يزال بين عافية وبلاء ومحنة ومنحة وصحة وسقم وأمن وخوف وغير ذلك فيقع مرة ويقوم اخرى ويميل تارة ويعتدل اخرى فيكفر عنه بالبلاء ويمحص به ويخلص من كدره والكافر كله خبث ولا يصلح الا للوقود فليس في إصابته في الدنيا بانواع البلاء من الحكمة والرحمة ما في اصابة المؤمن فهذه حال المؤمن في الابتلاء واما مع الاهواء ودعاة الفتن والضلال والبدع فكما قيل: تزول الجبال الراسيات وقلبه ... على العهد لا يلوى ولا يتغير وقوله رضى الله عنه لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا الى ركن وثيق بين السبب الذي جعلهم بتلك المثابة وهو انه لم يحصل لهم من العلم نور يفرقون به بين الحق والباطل كما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به وقال تعالى أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها وقوله تعالى يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور الاية وقوله ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا فإذا عدم القلب هذا النور صار بمنزلة الحيران الذي لا يدري اين يذهب فهو لحيرته وجهله بطريق مقصوده يؤم كل صوت يسمعه ولم يسكن قلوبهم من العلم ما تمتنع به من دعاة الباطل فإن الحق متى استقر في القلب قوى به وامتنع مما يضره ويهلكه ولهذا سمى الله الحجة العلمية سلطانا وتقدم قدم ذلك فالعبد يؤتى من ظلمة بصيرته ومن ضعف قلبه فاذا(1\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "126",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14582",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "استقر فيه العلم النافع استنارت بصيرته وقوى قلبه وهذان الاصلان هما قطب السعادة اعني العلم والقوة وقد وصف بهما سبحانه المعلم الاول جبريل صلوات الله وسلامه عليه فقال إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى وقال تعالى في سورة التكوير إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين فوصفه بالعلم والقوة وفيه معنى احسن من هذا وهو الاشبه بمراد على رضى الله عنه وهو ان هؤلاء ليسوا من اهل البصائر الذين استضاؤا بنور العلم ولا لجئوا الى عالم مستبصر فقلدوه ولا متبعين لمستبصر فإن الرجل اما ان يكون بصيرا او اعمى متمسكا ببصير يقوده او اعمى يسير بلا قائد وقوله رضى الله عنه العلم خير من المال العلم يحرسك وانت تحرس المال يعني ان العلم يحفظ صاحبه ويحميه من مواردالهلكة ومواقع العطب فإن الانسان لا يلقى نفسه في هلكة إذا كان عقله معه ولا يعرضها لمتلف إلا إذا كان جاهلا بذلك لا علم له به فهو كمن يأكل طعاما مسموما فالعالم بالسم وضرره يحرسه علمه ويمتنع به من اكله والجاهل به يقتله جهله فهذا مثل حراسة العلم للعالم وكذا الطبيب الحاذق يمتنع بعلمه عن كثير ما يجلب له الامراض والاسقام وكذا العالم بمخاوف طريق سلوكه ومعاطبها يأخذ حذره منها فيحرسه علمه من الهلاك وهكذا العالم بالله وبامره وبعدوه ومكائده ومداخله على العبد يحرسه علمه من وساوس الشيطان وخطراته والقاء الشك والريب والكفر في قلبه فهو بعلمه يمتنع من قبول ذلك فعلمه يحرسه من الشيطان فكلما جاء ليأخذه صاح به حرس العلم والايمان فيرجع خاسئا خائبا واعظم ما يحرسه من هذا العدو المبين العلم والايمان فهذا السبب الذي من العبد والله من وراء حفظه وحراسته وكلاءته فمتى وكله الى نفسه طرفة عين تخطفه عدوه قال بعض العارفين اجمع العارفون على ان التوفيق ان لا يكلك الله الى نفسك واجمعوا على ان الخذلان ان يخلى بينك وبين نفسك وقوله العلم يزكوا على الانفاق والمال تنقصه النفقة العالم كلما بذل علمه للناس وانفق منه تفجرت بنابيعه فازداد كثرة وقوة وظهورا فيكتسب بتعليمه حفظ ما علمه ويحصل له به علم ما لم يكن عنده وربما تكون المسئلة في نفسه غير مكشوفة ولا خارجة من حيز الاشكال فإذا تكلم بها وعلمها اتضحت له واضاءت وانفتح له منها علوم اخر وايضا فإن الجزاء من جنس العمل فكما علم الخلق من جهالتهم جزاه الله بان كلمة من جهالته كما في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار عن النبي انه قال في حديث طويل وان الله قال لي انفق انفق عليك وهذا يتناول نفقة العلم اما بلفظه وإما بتنبيهه وإشارته وفحواه ولزكاء العلم ونحوه طريقان احدهما تعليمه والثاني العمل به فإن العمل به ايضا ينميه ويكثره ويفتح لصاحبه ابوابه وخباياه وقوله والمال تنقصه النفقة لا ينافي قول النبي ما نقصت صدقة من مال فإن المال إذا تصدقت منه وانفقت ذهب ذلك القدر(1\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "127",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14583",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وخلفه غيره وأما العلم فكالقبس من النار لو اقتبس منها العالم لم يذهب منها شيء بل يزيد العلم بالاقتباس منه فهو كالعين التي كلما اخذ منها قوى ينبوعها وجاش معينها وفضل العلم على المال يعلم من وجوه احدها ان العلم ميراث الانبياء والمال ميراث الملوك والاغنياء والثاني ان العلم يحرس صاحبه وصاحب المال يحرس ماله والثالث ان المال تذهبه النفقات والعلم يزكوا على النفقة الرابع ان صاحب المال إذا مات فارقه ماله والعلم يدخل معه قبره الخامس ان العلم حاكم على المال والمال لا يحكم على العلم السادس ان المال يحصل للمؤمن والكافر والبر والفاجر والعلم النافع لا يحصل الا للمؤمن ز السابع ان العالم يحتاج اليه الملوك فمن دونهم وصاحب المال إنما يحتاج اليه اهل العدم والفاقة الثامن ان النفس تشرف وتزكو بجمع العلم وتحصيله وذلك من كمالها وشرفها والمال يزكيها ولا يكمله ولا يزيدها صفة كمال بل النفس تنقص وتشح وتبخل بجمعه والحرص عليه فحرصها على العلم عين كمالها وحرصها على المال عين نقصها التاسع ان المال يدعوها الى الطغيان والفخر والخيلاء والعلم يدعوها إلى التوضع والقيام بالعبودية فالمال يدعوها الى صفات الملوك والعلم يدعوها الى صفات العبيد العاشر ان العلم جاذب موصل لها الى سعادتها التي خلقت لها والمال حجاب بينها وبينها الحادي عشر ان غني العلم اجل من غني المال فإن غني المال غنى بامر خارجي عن حقيقة الانسان لو ذهب في ليلة اصبح فقيرا معدما وغني العلم لا يخشى عليه الفقر بل هو في زايدة ابدا فهو الغني العالي حقيقة كما قيل غنيت بلا مال عن الناس كلهم ... وان الغني العالي عن الشيء لا به الثاني عشر ان المال يستعبد محبه وصاحبه فيجعله عبدا له كما قال النبي تعس عبد الدينار والدرهم الحديث والعلم يستعبده لربه وخالقه فهو لا يدعوه إلا الى عبودية الله وحده الثالث عشر ان احب العلم وطلبه اصل كل طاعة وحب الدنيا والمال وطلبه اصل كل سيئة الرابع عشر ان قيمة الغني ماله وقيمة العالم علمه فهذا متقوم بماله فإذا عدم ماله عدمت قيمته وبقي بلا قيمة والعالم لاتزول قيمته بل هي فيضاعف وزيادة دائما الخامس عشر ان جوهر المال من جنس جوهر البدن وجوهر العلم من جنس جوهر الروح كما قال يونس بن حبيب علمك من روحك ومالك من بدنك والفرق بين الامرين كالفرق بين الروح والبدن السادس عشر ان العالم لو عرض عليه بحظه من العلم الدنيا بما فيها لم يرضها عوضا من علمه والغني العاقل إذا رأى شرف العلم وفضله وابتهاجه بالعلم وكماله به يود لو ان له علمه بغناه اجمع السابع عشر انه ما اطاع الله احد قط الا بالعلم وعامة من يعصيه إنما يعصيه بالمال الثامن عشر ان العالم يدعو الناس الى الله بعلمه وحاله وجامع المال يدعوهم الى الدنيا بحاله وماله التاسع عشر ان غنى المال قد يكون سبب هلاك صاحبه كثيرا فإنه معشوق النفوس فإذا رأت من يستأثر بمعشوقها عليها سعت في هلاكه كما هو الواقع وأما غنى(1\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "128",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14584",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العلم فسبب حياة الرجل وحياة غيره به والناس إذا راوا من يستأثر عليهم به ويطلبه احبوه وخدموه واكرموه العشرون إن اللذة الحاصلة من غنى إما لذة وهمية وإما لذة بهيمية فإن صاحبه التذ بنفس جمعه وتحصيله فتلك لذة وهمية خيالية وان التذ بانفاقه في شهواته فهي لذة بهيمية واما لذة العلم فلذة عقلية روحانية وهي تشبه لذة الملائكة وبهجتها وفرق ما بين اللذتين الحادي والعشرون ان عقلاء الامم مطبقون على ذم الشره في جمع المال الحريص عليه وتنقصه والازراء به ومطبقون على تعظيم الشره في جمع العلم وتحصيله ومدحه ومحبته ورؤيته بعين الكمال الثاني والعشرون انهم مطبقون على تعظيم الزاهد في المال المعرض عن جمعه الذي لا يلتفت اليه ولا يجعل قلبه عبدا له ومطبقون على ذم الزاهد في العلم الذي لا يلتفت اليه ولا يحرص عليه الثالث والعشرون ان المال يمدح صاحبه بتخليه منه وإخراجه والعلم إنما يمدح يتخليه به واتصافه به الرابع والعشرون ان غنى المال مقرون بالخوف والحزن فهو حزين قبل حصوله خائف بعد حصوله وكلما كان اكثر كان الخوف اقوى وغني العلم مقرون بالامن والفرح والسرور الخامس والعشرون ان الغنى بماله لا بد ان يفارقه غناه ويتعذب ويتألم بمفارقته والغنى بالعلم لا يزول ولا يتعذب صاحبه لا يتألم فلذة الغنى بالماللذة زائلة منقطعة يعقبها الالم ولذة الغنى بالعلم لذة باقية مستمرة لا يلحقها الم السادس والعشرون ان استلذاذ النفس وكمالها بالغني استكمال بعارية مؤداة فتجملها بالمال تجمل بثوب مستعار لا بد ان يرجع الى مالكه يوما ما واما تجملها بالعلم وكمالها به فتجمل بصفة ثابتة لها راسخة فيها لا تفارقها السابع والعشرون ان الغني بالمال هو عين فقر النفس والغنى بالعلم هو عين فقر النفس والغنى بالعلم هو غناها بالحقيقي فغناها بعلمها هو الغني غناها بمالها هو الفقر الثامن والعشرون ان من قدم وأكرم لماله إذا زال ماله زال تقديمه وإكرامه ومن قدم وأكرم لعلمه لا يزداد الا تقديما وإكراما التاسع والعشرون ان تقديم الرجل لماله هو عين ذمه فانه نداء عليه بنقصه وانه لولا ماله لكان مستحقا للتأخر والاهانة واما تقديمه وإكرامه لعلمه فإنه عين كماله إذ هو تقديم له بنفسه وبصفته القائمة به لا بأمر خارج عن ذاته الوجه الثلاثون ان طالب الكمال بغنى المال كالجامع بين الضدين فهو طالب مالا سبيل له اليه وبيان ذلك ان القدرة صفة كمال وصفة الكمال محبوبة بالذات والاستغناء عن الغير ايضا صفة كمال محبوبة بالذات فإذا مال الرجل بطبعه الى السخاوة والجود وفعل المكرمات فهذا كمال مطلوب للعقلاء محبوب للنفوس وإذا التفت الى ان ذلك يقتضى خروج المال من يده وذلك يوجب نقصه واحتياجه الى الغير وزوال قدرته نفرت نفسه عن السخاء والكرم والجود واصطناع المعروف وظن ان كماله في إمساك المال وهذه البلية امر ثابت لعامة الخلق لا ينكفون عنها فلأجل ميل الطبع الى حصول المدح والثناء والتعظيم بحب الجود والسخاء(1\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "129",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14585",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمكارم ولأجل فوت القدرة الحاصلة بسبب اخراجه والحاجة المنافية لكمال الغنى يحب ابقاء ماله ويكره السخاء والكرم والجود فيبقى قلبه واقفا بين هذين الداعيين يتجاذبانه ويعتور ان عليه فيبقى القلب في مقام المعارضة بينهما فمن الناس من يترجح عنده جانب البذل والجود والكرم فيؤثره على الجانب الاخر ومنهم من يترجح عنده جانب الامساك وبقاء القدرة والغني فيؤثره فهذان نظران للعقلاء ومنهم من يبلغ به الجهل والحماقة الى حيث يريد الجمع بين الوجهين فيعد الناس بالجود والسخاء والمكارم طمعا منه في فوزه بالمدح والثناء على ذلك وعند حضور الوقت لا يفي بما قال فيستحق الذم ويبذل بلسانه ويمسك بقلبه ويده فيقع في أنواع القبائح والفضائح وإذا تأملت احوال اهل الدنيا من الاغنياء رأيتهم تحت اسر هذه البلية وهم غالبا يبكون ويشكون وأما غنى العلم فلا يعرض له شيء من ذلك بل كلما بذله ازداد ببذلة فرحا سرورا وابتهاجا وإن فاتته لذة اهل الغنى وتمتعهم باموالهم فهم ايضا قد فاتتهم لذة اهل العلم وتمتعهم بعلومهم وابتهاجهم بها فمع صاحب العلم من اسباب اللذة ما هو اعظم واقوى وادوم من لذة الغنى وتعبه في تحصيله وجمعه وضبطه اقل من تعب جامع المال فجمعه والمه دون المه كما قال تعالى للمؤمنين تسلية لهم بما ينالهم من الالم والتعب في طاعته ومرضاته ولا تهنوا في ابتغاء القوم ان تكونوا تألمون فانهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون وكان الله عليما حكيما الحادي والثلاثون ان اللذة الحاصلة من المال والغنى إنما هي حال تجدده فقط واما حال دوامه فإما ان تذهب تلك اللذة وإما ان تنقص ويدل عليه ان الطبع يبقى طالبا لغنى آخر حريصا عليه فهو يحاول تحصيل الزيادة دائما فهو في فقر مستمر غير منقض ولو ملك خزائن الارض ففقره وطلبه وحرصه باق عليه فإنه احد المنهومين اللذين لا يشبعان فهو لا يفارقه الم الحرص والطلب وهذا بخلاف غنى العلم والإيمان فان لذته في حال بقائه مثلها في حال تجدده بل ازيد وصاحبها وان كان لا يزال طالبا للمزيد حريصا عليه فطلبه وحرصه مستصحب للذة الحاصل ولذة المرجو المطلوب ولذة الطلب وابتهاجه فرجه به الثاني والثلاثون ان غني المال يستدعي الانعام على الناس والاحسان اليهم فصاحبه اما ان يسد على نفسه هذا الباب واما ان يفتحه عليه فان سده على نفسه اشتهر عند الناس بالبعد من الخير والنفع فأبغضوه وذموه واحتقروه وكل من كان بغيضا عند الناس حقيرا لديهم كان وصول الافات والمضرات اليه اسرع من النار في الحطب اليابس ومن السيل في منحدره وإذا عرف من الخلق انهم يمقتونه ويبغضونه ولا يقيمون له وزنا تألم قلبه غاية التألم واحضر الهموم والغموم والاحزان وان فتح باب الاحسان والعطاء فإنه لايمكنه ايصال الخير والاحسان الى كل احد فلا بد من إيصاله الى البعض وإمساكه عن البعض وهذا(1\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "130",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14586",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يفتح عليه باب العداوة والمذمة من المحروم والمرحوم اما المحروم فيقول كيف جاد على غيري وبخل علي واما المرحوم فإنه يلتذ ويفرح بما حصل له من الخير والنفع فيبقى طامعا مستشرفا لنظيره على الدوام وهذا قد يتعذر غالبا فيفضى ذلك الى العداوة الشديدة والمذمة ولهذا قيل اتق شر من احسنت اليه وهذه الافات لا تعرض في غنى العلم فإن صاحبه يمكنه بذله للعالم كلهم واشتراكهم فيه والقدر المبذول منه باق لاخذه لا يزول بل يتجربه فهو كالغني إذا اعطى الفقير رأس مال يتجربه حتى يصير غنيا مثله الوجه الثالث والثلاثون ان جمع المال مقرون بثلاثة انواع من الافات والمحن نوع قبله ونوع عند حصوله ونوع بعدمفارقته فأما النوع الاول فهو المشاق والانكاد والالام التي لا يحصل الا بها واما النوع الثاني فمشقة حفظه وحرساته حراسته وتعلق القلب به فلا يصبح الا مهموما ولا يمسي الا مغموما فهو بمنزلة عاشق مفرط المحبة قد ظفر بمعشوقته والعيون من كل جانب ترمقه والالسن والقلوب ترشقه فأي عيش ولذة لمن هذه حاله وقد علم ان اعداءه وحساده لا يفترون عن سعيهم في التفريق بينه وبين معشوقه وإن لم يظفروا هم به دونه ولكن مقصودهم ان يزيلوا اختصاصه به دونهم فإن فازوا به والا استووا في الحرمان فزال الاختصاص المؤلم للنفوس ولو قدروا على مثل ذلك مع العالم لفعلوه ولكنهم لما علموا انه لا سبيل الى سلب علمه عمدوا الى جحده وانكاره ليزيلوا من القلوب محبته وتقديمه والثناء عليه فإن بهر علمه وامتنع عن مكابرة الجحود والانكار رموه بالعظائم ونسبوه الى كل قبيح ليزيلوا من القلوب محبته ويسكنوا موضعها النفرة عنه وبغضه وهذا شغل السحرة بعينه فهؤلاء سحرة بالسنتهم فإن عجزوا له عن شيء من القبائح الظاهرة رموه بالتلبيس والتدليس والدوكرة والرياء وحب الترفع وطلب الجاه وهذا القدر من معاداة اهل الجهل والظلم للعلماء مثل الحر والبرد لا بد منه فلا ينبغي لمن له مسكة عقل ان يتأذى به إذ لا سبيل له الى دفعه بحال فليوطن نفسه عليه كما يوطنها على برد الشتاء وحر الصيف والنوع الثالث من آفات الغنى ما يحصل للعبد بعد مفارقته من تعلق قلبه به وكونه قد حيل بينه وبينه والمطالبة بحقوقه والمحاسبة على مقبوضه ومصروفه من اين اكتسبه وفيما ذا انفقه وغنى العلم والايمان مع سلامته من هذه الافات فهو كفيل بكل لذة وفرحة وسرور ولكن لا ينال الا على جسر من التعب والصبر والمشقة الرابع والثلاثون ان لذة الغني بالمال مقرونة بخلطة الناس ولو لم يكن الا خدمه وازواجه وسراريه واتابعه إذ لو انفرد الغني بماله وحده من غير ان يتعلق بخادم او زوجه او احد من الناس لم يكمل انتفاعه بماله ولا التذاذه به وإذا كان كمال لذته بغناه موقوفا على اتصاله بالغير فذلك منشأ الافات والالام ولو لم يكن الا اختلاف الناس وطبائعهم وارادتهم فقبيح هذا حسن ذاك ومصلحة ذاك مفسدة(1\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "131",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14587",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا ومنفعة هذا مضرة ذاك وبالعكس فهو مبتلى بهم فلا بد من وقوع النفرة والتباغض والتعادي بينهم وبينه فان ارضاءهم كلهم محال وهو جمع بين الضدين وارضاء بعضهم واسخاط غيره سبب الشر والمعاداة وكلما طالت المخالطة ازدادت اسباب الشر والعداوة وقويت وبهذا السبب كان الشر الحاصل من الاقارب والعشراء اضعاف الشر الحاصل من الاجانب والبعداء وهذه المخالطة انما حصلت من جانب الغني بالمال اما إذا لم يكن فيه فضيلة لهم فانهم يتجنبون مخالطته ومعاشرته فيستريح من اذى الخلطة والعشرة وهذه الافات معدودة في الغنى بالعلم الخامس والثلاثون ان المال لا يراد لذاته وعينه فإنه لا يحصل بذاته شيء من المنافع اصلا فإنه لا يشبع ولا يروى ولا يدفء ولا يمتع وإنما يراد لهذه الاشياء فإنه لما كان طريقا اليها اريد ارادة الوسائل ومعلوم ان الغايات اشرف من الوسائل فهذه الغايات اذا اشرف منه وهي مع شرفها بالنسبة اليه ناقصة دنيئة وقد ذهب كثير من العقلاء الى انها لا حقيقة لها وانما هي دمع الالم فقط فإن لبس الثياب مثلا إنما فائدته دفع التألم بالحر والبرد والريح وليس فيها لذة زائدة على ذلك وكذلك الاكل إنما فائدته دفع الم الجوع ولهذا لو لم يجد الم الجوع لم يستطب الاكل وكذلك الشرب مع العطش والراحة مع التعب ومعلوم ان في مزاولة ذلك وتحصيله الما وضررا ولكن ضرره وألمه اقل من ضرر ما يدفع به وألمه فيحتمل الانسان اخف الضررين دفعا لاعظمهما وحكى عن بعض العقلاء انه قيل له وقد تناول قدحا كريها من الدواء كيف حالك معه قال اصبحت في دار بليات ادافع آفات بآفات وفي الحقيقة فلذات الدنيا من المآكل والمشارب واللبس والمسكن والمنكح من هذا الجنس واللذة التي يباشرها الحس ويتحرك لها الجسد وهي الغاية المطلوبة له من لذة المنكح والمأكل شهوتي البطن والفرج ليس لهما ثالث البتة الا ما كان وسيلة اليهما وطريقا الى تحصيلهما وهذه اللذة منغصة من وجوه عديدة منها ان تصور زوالها وانقضائها وفنائها يوجب تنغصها ومنها انها ممزوجة بالافات ومعجونة بالالام محتاطة بالمخاوف وفي الغالب لاتفي الامها بطيبها كما قيل: قايست بين جمالها وفعالها ... فإذا الملاحة بالقباحة لاتفي ومنها ان الاراذل من الناس وسقطهم يشاركون فيها كبراءهم وعقلاءهم بل يزيدون عليهم فيها اعظم زيادة وافحشها فنسبتهم فيها الى الافاضل كنسبة الحيوانات البهيمة اليهم فمشاركة الاراذل وأهل الخسة والدناءة فيها زيادتهم على العقلاء فيها مما يوجب النفرة والاعراض عنها وكثير من الناس حصل له الزهد في المحبوب والمعشوق منها بهذه الطريق هذا كثير في أشعار الناس ونثرهم كما قيل(1\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "132",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14588",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سأترك حبها من غير بغض ... ولكن لكثرة الشركاء فيه إذا وقع الذباب على طعام ... رفعت يدي ونفسي تشتيه وتجتنب الاسود ورودماء ... إذا كان الكلاب يلغن فيه وقيل لزاهد ما الذي زهدك في الدنيا فقال خسة شركائها وقلة وفائها وكثرة جفائها وقيل لاخر في ذلك فقال ما مددت يدي الى شيء منها إلا وجدت غيري قد سبقني اليه فاتركه له ومنها ان الالتذاذ بموقعها إنما هو بقدر الحاجة اليها والتألم بمطالبة النفس لتناولها وكلما كانت شهوة الظفر بالشيء اقوى كانت اللذة الحاصلة بوجوده اكمل فلما لم تحصل تلك الشهوة لم تحصل تلك اللذة فمقدار اللذة الحاصلة في الحال مساو لمقدار الحاجة والالم والمضرة في الماضي وحينئذ يتقابل اللذة الحاصلة والالم المتقدم فيتساقطان فتصير اللذة كانها لم توجد ويصير بمنزلة من شق بطن رجل ثم خاطه وداواه بالمراهم او بمنزلة من ضربه عشرة اسواط واعطاه عشرة دراهم ولا تخرج لذات الدنيا غالبا عن ذلك ومثل هذا لا يعد لذة ولا سعادة ولا كمالا بل هو بمنزلة قضاء الحاجة من البول والغائط فإن الانسان يتضرر بثقله فإذا قضى حاجته استراح منه فاما ان يعد ذلك سعادة وبهجة ولذة مطلوبة فلا ومنها ان هاتين اللذتين اللتين هما اثر اللذات عند الناس ولا سبيل الى نيلهما الا بما يقترن بهما قبلهما وبعدهما من مباشرة القاذورات والتالم الحاصل عقبيهما مثل لذة الاكل فإن العاقل لو نظر الى طعامه حال مخالطته ريقه وعجنه به لنفرت نفسه منه ولو سقت تلك اللقمة من فيه لنفر طبعه من اعادتها اليه ثم ان لذته به إنما تحصل في مجرى نحو الاربع الاصابع فإذا فصل عن ذلك المجرى زال تلذذه به فإذا استقر في معدته وخالطه الشراب وما في المعدة من الاجزاء الفضلية فإنه حينئذ يصير في غاية الخسة فإن زاد على مقدار الحاجة اورث الادواء المختلفة على تنوعها ولولا ان بقاءه موقوف على تناوله لكان تركه والحالة هذه اليق به كما قال بعضهم: لولا قضاءه جرى نزهت انملتي ... عن ان تلم بمأكول ومشروب وأما لذة الوقاع قدرها ابين من ان نذكر آفاته ويدل عليه ان اعضاء هذه اللذة هي عورة الانسان التي يستحيا من رؤيتها وذكرها وسترها امر فطر الله عليه عباده ولا تتم لذة المواقعة الا بالاطلاع عليها وإبرازها والتلطخ بالرطوبات المستقذرة المتولدة منها ثم إن تمامها إنما يحصل بانفصال النطفة وهي اللذة المقصودة من الوقاع وزمنها يشبه الان الذي لا ينقسم فصعوبة تلك المزاولة والمحاولة والمطاولة والمراوضة والتعب لاجل لذة لحظة كمد الطرف فأين مقايسة بين هذه اللذة وبين التعب في طريق تحصيلها وهذا يدل على ان هذه(1\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "133",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14589",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اللذة ليست من جنس الخيرات والسعادات والكمال الذي خلق له العبد ولا كمال له بدونه بل ثم امروراء ذلك كله قد هيء له العبد وهو لا يفعلن له لغفلته عنه وإعراضه عن التفتيش على طريقه حتى يصل اليه يسوم نفسه مع الانعام السائمة: قد هيؤك لأمر لو فطنت له ... فاربأ نفسك ان ترعى مع الهمل وموقع هذه اللذات من النفس كموقع لذة البراز من رجل احتبس في موضع لا يمكنه القيام الى الخلاء وصارمضطرا اليه فإنه يجد مشقة شديدة وبلاء عظيما فإذا تمكن منالذهاب الى الخلاء وقدر على دفع ذلك الخبيث المؤذي وجد لذة عظيمة عند دفعه وإرساله ولا لذة هناك الا راحته من حمل ما يؤذيه حمله فعلم ان هذه اللذات إما ان تكون دفع آلام وإما ان تكون لذات ضعيفة خسيسة مقترنة بآفات ترى مضرتها عليه وهذا كما يعقب لذة الوقاع من ضعف القلب وخفقان الفؤاد وضعف القوى البدنية والقلبية وضعف الارواح واستيلاء العفونة على كل البدن واسرع الضعف والخور اليه واستيلاء الاخلاط عليه لضعف القوة عن دفعها وقهرها ومما يدل على ان هذه اللذات ليست خيرات وسعادات وكمالا ان العقلاء من جميع الامم مطبقون على ذم من كانت هي نهمته وشغله ومصرف همته وإرادته والإزراء به وتحقير شأنه والحاقه بالبهائم ولايقيمون له وزنا ولو كانت خيرات وكمالا لكان من صرف اليها همته اكمل الناس ومما يدل على ذلك ان القلب الذي قد وجه قصده وإرادته الى هذه اللذات لا يزال مستغرقا في الهموم والغموم والاحزان وما يناله من اللذات في جنب هذه الالام كقطرة في مجركما قيل سروره وزن حبة وحزنه قنطار فإن القلب يجرى مجرى مرآة منصوبة على جدار وذلك الجدار ممر لانواع المشتهيات والملذوذات والمكروهات وكلما مر به شيء من ذلك ظهر فيه أثره فإن كان محبوبا مشتهيا مال طبعه اليه فإن لم يقدر على تحصيله تألم وتعذب بفقده وإن قدر على تحصيله تالم في طريق الحصول بالتعب والمشقة ومنازعة الغير له ويتألم حال حصوله خوفا من فراقه وبعد فراقه خوفا على ذهابه وإن كان مكروها له ولم يقدر على دفعه تألم بوجوده وإن قدر على دفعه اشتغل بدفعه ففاتته مصلحة راجحة الحصول فيتالم لفواتها فعلم ان هذا القلب ابدا مستغرق في بحار الهموم والغموم والاحزان وإن نفسه تضحك عليه وترضيه بوزن ذرة من لذته فيغيب بها عن شهوده القناطير من المه وعذابه فإذا حيل بينه وبين تلك اللذة ولم يبق له اليها سبيل تجرد ذلك الالم واحاط به واستولى عليه من كل جهاته فقل ما شئت في حال عبد قد غيب عنه سعده وحظوظه وافراحه واحضر شقوته وهمومه وغمومه واحزانه وبين العبد وبين هذه الحال ان ينكشف الغطاء ويرفع الستر وينجلى الغبار ويحصل(1\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "134",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14590",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما في الصدور فإذا كانت هذه غاية اللذات الحيوانية التي هي غاية جمع الاموال وطلبها فما الظن بقدر الوسيلة وأما غنى العلم والايمان فدائم اللذة متصل الفرحة مقتض لانواع المسرة والبهجة لايزول فيحزن ولا يفارق فيؤلم بل اصحابه كما قال الله تعالى فيهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون السادس والثلاثون ان غنى المال يبغض الموت ولقاء الله فإنه لحبه لماله يكره مفارقته ويحب بقاءه ليتمتع به كما شهد به الواقع وأما العلم فإنه يحبب للعبد لقاء ربه ويزهده في هذه الحياة النكدة الفانية السابع والثلاثون ان الاغنياء يموت ذكرهم بموتهم والعلماء يموتون ويبقى ذكرهم كما قال امير المؤمنين في هذا الحديث مات خزان الاموال وهم احياء والعلماء باقون ما بقي الدهر فخزان الاموال احياء كاموات والعلماء بعدموتهم اموات كأيحاء الثامن والثلاثون ان نسبة العلم الى الروح كنسبة الروح الى البدن فالروح ميتة حياتها بالعلم كما ان الجسد ميت حياته بالروح فالغني بالمال غايته ان يزيد في حياة البدن واما العلم فهو حياة القلوب والارواح كما تقدم تقريره التاسع والثلاثون ان القلب ملك البدن والعلم زينته وعدته وماله وبه قوام ملكه والملك لا بد له من عدد وعدة ومال وزينة فالعلم هو مركبه وعدته وجماله واما المال فغايته ان يكون زينة وجمالا للبدن إذا انفقه في ذلك فإذا خزنه ولم ينفقه لم يكن زينة ولا جمالا بل نقصا ووبالا ومن المعلوم ان زينة الملك به وما به قوام ملكه اجل وافضل من زينة رعيته وجمالهم فقوام القلب بالعلم كما ان قوام الجسم بالغذاء الوجه الاربعون ان القدر المقصود من المال هو ما يكفي العبد ويقيمه ويدفع ضرورته حتى يتمكن من قضاء جهازه ومن التزوج لسفره الى ربه عزوجل فإذا زادعلى ذلك شغله وقطعه عن السفر وعن قضاء جهازه وتعبية زاده فكان ضرره عليه أكثر من مصلحته وكلما ازاداد غناه به ازداد تثبطا وتخلفا عن التجهز لما امامه وأما العلم النافع فكلما ازداد منه ازداد في تعبية الزاد وقضاء الجهاز واعداد عدة المسير والله الموفق وبه الاستعانة ولا حول ولا قوة الا به فعدة هذا السفر هو العلم والعمل وعدة الاقامة جمع الاموال والادخار ومن اراد شيئا هيأ له عدته قال تعالى ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين قوله محبة العلم او العالم دين يدان بها لان العلم ميراث الانبياء والعلماء ورثتهم فمحبة العلم واهله محبة لميراث الانبياء وورثتهم وبغض العلم وأهله بغض لميراث الانبياء وورثتهم فمحبة العلم من علامات السعادة وبغض العلم من علامات الشقاوة وهذا كله إنما هو في علم الرسل الذي جاؤا به وورثوه للامة لا في كل ما يسمى علما وايضا فإن محبة العلم تحمل على تعلمه واتباعه وذلك هو الدين وبغضه ينهى عن تعلمه واتباعه(1\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "135",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14591",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذلك هو الشقاء والضلال وايضا فإن الله سبحانه عليم يحب كل عليم وإنما يضع علمه عند من يحبه فمن احب العلم واهله فقد احب ما احب الله وذلك مما يدان به قوله العلم يكسب العالم الطاعة في حياته وجميل الاحدوثة بعد مماته يكسبه ذاك أي يجعله كسبا له ويورثه إياه ويقال كسبه ذلك عزا وطاعة واكسبه لغتان ومنه حديث خديجة رضى الله عنها إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم روى بفتح التاء وضمها ومعناه تكسب المال والغنى هذا هو اصواب وقالت ائفة من رواه بضمها فذلك من اكسبه مالا وعزا ومن رواه بفتحها فمعناه تكسب انت المال المعدوم بمعرفتك وحذقك بالتجارة ومعاذ الله من هذا الفهم وخديجة اجل قدرا من تكلمها بهذا في هذا المقام العظيم ان تقول لرسول الله ابشر فوالله لا يخزيك الله إنك تكسب الدرهم والدينار وتحسن التجارة ومثل هذه التحريفات انما تذكر لئلا يغتربها في تفسير كلام الله ورسوله والمقصود ان قوله العلم يكسب العالم الطاعة في حياته أي يجعله مطاعا لان الحاجة الى العلم عامة لكل احد للملوك فمن دونهم فكل احد محتاج إلى طاعة العالم فإنه يامر بطاعة الله ورسوله فيجب على الخلق طاعته قال تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم وفسر اولى الامر بالعلماء قال ابن عباس هم الفقهاء والعلماء اهل الدين الذين يعلمون الناس دينهم اوجب الله تعالى طاعتهم وهذا قول مجاهد والحسن والضحاك احدى الروايتين عن الامام احمد وفسروا بالامراء وهو قول ابن زيد احدى الروايتين عن ابن عباس وأحمد والاية تتناولها جميعا فطاعة ولاة الامر واجبة إذا امروا بطاعة الله ورسوله وطاعة العلماء كذلك فالعالم بما جاء به الرسول العامل به اطوع في اهل الارض من كل احد فإذا مات احيا الله ذكره ونشر له في العالمين احسن الثناء فالعالم بعد وفاته ميت وهو حي بين الناس والجاهل في حياته حي وهو ميت بين الناس كما قيل وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... واجسامهم قبل القبور قبور وارواحهم فيوحشة من جسومهم ... وليس لهم حتى النشور نشور وقال الاخر قد مات قوم وما ماتت مكارمهم ... وعاش قوم وهم في الناس اموات وقال آخر وما دام ذكر العبد بالفضل باقيا ... فذلك حى وهو في الترب هالك(1\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "136",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14592",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن تأمل احوال ائمة الاسلام كأئمة الحديث والفقه كيف هم تحت التراب وهم في العالمين كانهم احياء بينهم لم يفقدوا منهم الا صورهم والا فذكرهم وحديثهم والثناء عليهم غير منقطع وهذه هي الحياة حقا حتى عد ذلك حياة ثانية كما قال المتنبي ذكر الفتى عيشه الثاني وحاجته ... ما فاته وفضول العيش اشغال قوله وصنيعة المال تزول بزواله يعني ان كل صنيعة صنعت للرجل من اجل ماله من إكرام ومحبة وخدمة وقضاء حوائج وتقديم واحترام وتولية وغير ذلك فإنها إنما هي مراعاة لما له فإذا زال ماله وفارقه زالت تلك الضائع كلها حتى إنه ربما لا يسلم عليه من كان يدأب في خدمته ويسعى في مصالحه وقد اكثر الناس من هذا المعنى في اشعارهم وكلامهم وفي مثل قولهم من ودك لأمر ملك عند انقضائه قال بعض العرب ومن هذا ما قيل إذا اكرمك الناس لمال او سلطان فلا يعجبنك ذلك فإن زوال الكرامة يزوالهما ولكن ليعجبك ان اكرموك لعلم او دين وهذا امر لا ينكر في الناس حتى انهم ليكرمون الرجل لثيابه فإذا نزعها لم ير منهم تلك الكرامة وهو هو قال مالك بلغني ان أبا هريرة دعى الى وليمة فأتى فحجب فرجع فلبس غير تلك الثياب فادخل فلما وضع الطعام ادخل كمه في الطعام فعوتب في ذلك فقال إن هذه الثباب هي التي ادخلت فهي تأكل حكاه ابن مزين الطليطلي في كتابه وهذا بخلاف صنيعة العلم فانها لا تزول ابدا بل كل مآلها في زيادة مالم يسلب ذلك العالم علمه وضيعه العلم والدين اعظم من صنيعة المال لانها تكون بالقلب واللسان والجوارح فهي صادرة عن حب وإكرام لاجل ما أودعه الله تعالى أياه من علمه وفضله به على غيره وايضا فصنيعة العلم تابعة لنفس العالم وذاته وصنيعة المال تابعة لماله المنفصل عنه وايضا فصنيعة المال صنيعة معاوضة وصنيعه العلم والدين صنيعة حب وتقرب وديانة وايضا فصنيعه المال تكون مع البر والفاجر والمؤمن والكافر واما صنيعة العلم والدين فلا تكون الا مع اهل ذلك وقد يراد من هذا ايضا معنى آخر وهو ان من اصطنعت عنده صنيعة بمالك إذا زال ذلك المال وفارقه عدمت صنيعتك عنده واما من اصطنعت اليه صنيعة علم وهدى فإن تلك الصنيعة لا تفارقه ابدا بل ترى في كل وقت كأنك اسديتها اليه حينئذ قوله مات خزان الاموال وهم احياء تقدم بيانه وكذا قوله والعلماء باقون ما بقي الدهر وقوله اعيانهم مفقودة وامثالهم في القلوب موجودة المراد بامثالهم صورهم العلمية ووجودهم المثالي أي وان فقدت ذواتهم فصورهم وامثالهم في القلوب لا تفارقها وهذا هو الوجود الذهني العلمي لان محبة الناس لهم واقتداءهم بهم وانتفاعهم بعلومهم(1\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "137",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14593",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يوجب ان لا يزالوا نصب عيونهم وقبلة قلوبهم فهم موجودون معهم وحاضرون عندهم وان غابت عنهم اعيانهم كما قيل ومن عجب اني احن اليهم ... واسال عنهم من لقيت وهم معي وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين اضلعي وقال آخر ومن عجب ان يشكو البعد عاشق ... وهل غاب عن قلب المحب حبيب خيالك في عيني وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيب قوله آه إن ها هنا علما واشار الى صدره يدل على جواز اخبار الرجل بما عنده من العلم والخير ليقتبس منه ولينتفع به ومنه قول يوسف الصديق عليه السلام اجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم فمن اخبر عن نفسه بمثل ذلك ليكثر به ما يحبه الله ورسوله من الخير فهو محمود وهذا غير من اخبر بذلك ليتكثر به عند الناس ويتعظم وهذا يجازيه الله بمقت الناس له وصغره في عيونهم والاول يكثره في قلوبهم وعيونهم وإنما الاعمال بالنيات وكذلك إذا اثنى الرجل على نفسه ليخلص بذلك من مظلمة وشر او ليستوفى بذلك حقا له يحتاج فيه الى التعريف بحاله او ليقطع عنه اطماع السفلة فيه اوعند خطبته الى من لا يعرف حاله والاحسن في هذا ان يوكل من يعرف به وبحاله فإن لسان ثناء المرء على نفسه قصير وهو في الغالب مذموم لما يقترن به من الفخر والتعاظم ثم ذكر اصناف حملة العلم الذين لايصلحون لحمله وهم اربعة احدهم من ليس هو بمأمون عليه وهو الذي اوتى ذكاء وحفظا ولكن مع ذلك لم يؤت زكاء فهو يتخذ العلم الذي هو آلة الدين آلة الدنيا يستجلبها به ويتوسل بالعلم اليها ويجعل البضاعة التي هي متجر الاخرة متجر الدنيا وهذا غير امين على ما حمله من العلم ولا يجعله الله إماما فيه قط فإن الامين هو الذي لاغرض له ولا إرادة لنفسه الا اتباع الحق وموافقته فلا يدعو الى إقامة رياسته ولا دنياه وهذا الذي قد اتخذ بضاعة الاخرة ومتجرها متجرا للدنيا قد خان الله وخان عباده وخان دينه فلهذا قال غير مأمون عليه وقوله يستظهر بحجج الله على كتابه وبنعمه على عباده هذه صفة هذا الخائن إذا انعم الله عليه استظهر بتلك النعمة على الناس وإذا تعلم علما استظهر به على كتاب الله ومعنى استظهاره بالعلم على كتاب الله تحكيمه عليه وتقديمه وإقامته دونه وهذه حال كثير ممن يحصل له علم فإنه يستغنى به ويستظهر به ويحكمه ويجعل كتاب الله تبعا له يقال استظهر فلان على كذا بكذا أي ظهر عليه به وتقدم وجعله وراء ظهره وليست هذه حال العلماء فإن العالم(1\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "138",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14594",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حقا يستظهر بكتاب الله على كل ما سواه فيقدمه ويحكمه ويجعله عيارا على غيره مهيمنا عليه كما جعله الله تعالى كذلك فالمستظهر به موفق سعيد والمستظهر عليه مخذول شقي فمن استظهر على الشيء فقد جعله خلف ظهره مقدما عليه ما استظهر به وهذا حال من اشتغل بغير كتاب الله عنه واكتفى بغيره منه وقدم غيره واخره والصنف الثاني من حملة العلم المنقاد الذي لم يثلج له صدره ولم يطمئن به قلبه بل هو ضعيف البصيرة فيه لكنه منقاد لأهله وهذه حال اتباع الحق من مقلديهم وهؤلاء وإن كانوا على سبيل نجاة فليسوا من دعاة الدين وإنما هم من مكثري وسواد الجيش لا من امرائه وفرسانه والمنقاد منفعل من قاده يقوده وهو مطاوع الثلاثي واصله منقيد كمكتسب ثم اعلت الياء الفا لحركتها بعد فتحة فصارمن قادت تقول قدته فانقاد أي لم يمتنع والاحناء جميع حنو بوزن علم وهي الجوانب والنواحي والعرب تقول ازجر احناء طيرك أي امسك نواحي خفتك وطيشك يمينا وشمالا واماما وخلفا قال لبيد فقلت ازدجر احناء طيرك واعلمن ... بانك ان قدمت رجلك عاثر والطير هنا الخفة والطيش وقوله ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة هذا لضعف علمه وقلة بصيرته إذا وردت على قلبه ادنى شبهة قدحت فيه الشك والريب بخلاف الراسخ في العلم لو وردت عليه من الشبه بعدد امواج البحر ما ازالت يقينه ولا قدحت فيه شكا لانه قد رسخ في العلم فلا تستفزه الشبهات بل إذا وردت عليه ردها حرس العلم وجيشه مغلولة مغلوبة والشبهة وارد يرد على القلب يحول بينه وبين انكشاف الحق له فمتى باشر القلب حقيقة العلم لم تؤثر تلك الشبهة فيه بل يقوى علمه ويقينه بردها ومعرفة بطلانها ومتى لم يباشر حقيقة العلم بالحق قلبه قدحت فيه الشك بأول وهلة فان تداركها والا تتابعت على قلبه امثالها حتى يصير شاكا مرتابا والقلب يتوارده جيشان من الباطل جيش شهوات الغي وجيش شبهات الباطل فأيما قلب صغا اليها وركن اليها تشربها وامتلأ بها فينضح لسانه وجوارحه بموجبها فإن اشرب شبهات الباطل تفجرت على لسانه الشكوك والشبهات والايرادات فيظن الجاهل ان ذلك لسعة علمه وإنما ذلك من عدم علمه ويقينه وقال لي شيخ الاسلام رضى الله عنه وقد جعلت اورد عليه غيرادا بعد إيراد لات جعل قلبك للايرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها فلا ينضح الا بها ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته وإلا فاذا اشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار مقرا للشبهات او كما قال فما اعلم اني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك وإنا سميت الشبهة شبهة لاشتباه الحق بالباطل فيها فانها تلبس ثوب الحق على جسم الباطل وأكثر الناس اصحاب حسن ظاهر فينظر الناظر فيما البسته من اللباس فيعتقد صحتها واما صاحب العلم واليقين(1\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "139",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14595",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فانه لا يغتر بذلك بل يجاوز نظره الى باطنها وماتحت لباسها فينكشف له حقيقتها ومثال هذا الدرهم الزائف فإنه يغتر به الجاهل بالنقد نظرا الى ما عليه من لباس الفضة والناقد البصير يجاوز نظره الى ما وراء ذلك فيطلع على زيفه فاللفظ الحسن الفصيح هو للشبهة بمنزلة اللباس من الفضة على الدرهم الزائف والمعنى كالنحاس الذي تحته وكم قد قتل هذا الاعتذار من خلق لا يحصيهم الا الله وإذا تأمل العاقل الفطن هذا القدر وتدبره رأى اكثر الناس يقبل المذهب والمقالة بلفظ ويردها بعينها بلفظ آخر وقد رايت انا من هذا في كتب الناس ما شاء الله وكم رد من الحق بتشنيعه بلباس من اللفظ قبيح وفي مثل هذا قال ائمة السنة منهم الامام احمد وغيره لا نزيل عن الله صفة من صفاته لاجل شناعة شنعت فهؤلاء الجهمية يسمون إثبات صفات الكمال لله من حياته وعلمه وكلامه وسمعه وبصره وسائر ما وصف به نفسه تشبيها وتجسيما ومن اثبت ذلك مشبها فلا ينفر من هذا المعنى الحق لاجل هذه التسمية الباطلة الا العقول الصغيرة القاصرة خفافيش البصائر وكل اهل نحلة ومقالة يكسون نحلتهم ومقالتهم احسن ما يقدرون عليه من الالفاظ ومقالة مخالفيهم اقبح ما يقدرون عليه من الالفاظ ومن رزقه الله بصيرة فهو يكشف به حقيقة ما تحت تلك الالفاظ من الحق والباطل ولا تغتر باللفظ كما قيل في هذا المعنى تقول هذا جنى النحل تمدحه ... وان نشأ قلت ذا قيء الزنابير مدحا وذما وما جاوزت وصفهما ... والحق قد يعتريه سوء تعبير فإذا اردت الاطلاع على كنه المعنى هل هو حق او باطل فجرده من لباس العبارة وجرد قلبك عن النفرة والميل ثم اعط النظر حقه ناظرا بعين الانصاف ولا تكن ممن ينظر في مقالة اصحابه ومن يحسن ظنه نظرا تاما بكل قلبه ثم ينظر في مقالة خصومه وممن يسيء ظنه به كنظر الشزر والملاحظة فالناظر بعين العداوة يرى المحاسن مساوئ والناظر بعين المحبة عكسه وما سلم من هذا الا من اراد الله كرامته وارتضاه لقبول الحق وقد قيل: وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما ان عين السخط تبدي المساويا وقال آخر نظروا بعين عداوة لو انها ... عين الرضا الاستحسنوا ما استقبحوا فإذا كان هذا في نظر العين الذي يدرك الحسوسات ولا يتمكن من المكابرة فيها فما الظن بنظر القلب الذي يدرك المعاني التي هي عرضة المكابرة والله المستعان على معرفة الحق وقبوله ورد الباطل وعدم الاغترار به وقوله بأول عارض من شبهة هذا دليل ضعف عقله ومعرفته اذ(1\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "140",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14596",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تؤثر فيه البداآت ويستفز باوائل الامور بخلاف الثابت التام العاقل فإنه لا تستفزه البداآت ولا تزعجه وتقلقله فان الباطل له دهشة وروعة في اوله فإذا ثبت له القلب رد على عقبيه والله يحب من عنده العلم والاناة فلا يعجل بل يثبت حتى يعلم ويستيقن ما ورد عليه ولا يعجل بأمر من قبل استحكامه فالعلجة والطيش من الشيطان فمن ثبت عند صدمة البداآت استقبل امره بعلم وجزم ومن لم يثبت لها استقبله بعجله وطيش وعاقبته الندامة وعاقبة الاول حمدامره ولكن للأول آفة متى قرنت بالحزم والعزم نجا منها وهي الفوت فإنه لا يخاف من التثبيت الا الفوت فإذا اقترن به العزم والحزم تم امره ولهذا في الدعاء الذي وراه الامام احمد والنسائي عن النبي اللهم اني اسالك الثبات في الامر والعزيمة على الرشد وهاتان الكلمتان هما جماع الفلاح وما اتى العبد الا من تضييعهما او تضييع احدهما فما اتى احد الا من باب العجلة والطيش واستفزاز البداآت له أو من باب التهاون والتمات وتضييع الفرصة بعد مواتاتها فإذا حصل الثبات اولا والعزيمة ثانيا افلح كل الفلاح والله ولي التوفيق الصنف الثالث رجل نهمته في نيل لذته فهو منقاد لداعي الشهوة اين كان ولا ينال درجة وراثة النبوة مع ذلك ولا ولا ينال العلم الا بهجر اللذات وتطليق الراحة قال مسلم في صحيحه قال يحيى بن أبي كثير لا ينال العلم براحة الجسم وقال إبراهيم الحربي اجمع عقلاء كل امة ان النعيم لا يدرك بالنعم ومن آثر الراحة فاتته الراحة فما لصاحب اللذات وما لدرجة وراثة الانبياء فدع عنك الكتابة لست منها ... ولو سودت وجهك بالمداد فان العلم صناعة القلب وشغله فما لم تتفرغ لصناعته وشغله لم تنلها وله وجهة واحدة فإذا وجهت وجهته الى اللذات والشهوات انصرفت عن العلم ومن لم يغلب لذة إدراكه العلم وشهوته على لذة جسمه وشهوة نفسه لم ينل درجة العلم ابدا فإذا صارت شهوته في العلم ولذته في كل إدراكه رجى له ان يكون من جملة اعلة ولذة العلم لذة عقلية روحانية من جنس لذة الملائكة ولذة شهوات الاكل والشراب والنكاح لذة حيوانية يشارك الانسان فيها الحيوان ولذة الشروالظلم والفساد والعلوى في الارض شيطانية يشارك صاحبها فيها ابليس وجنوده وسائر اللذات تبطل بمقارفة الروح البدن الا لذة العلم والايمان فإنها تكمل بعد المفارقة لان البدن وشواغله كان ينقصها ويقللها ويحجبها فإذا انطوت الروح عن البدن التذت لذة كاملة بما حصلته من العلم النافع والعمل الصالح فمن طلب اللذة العظمى وآثر النعيم والمقيم فهو في العلم والايمان اللذين بهما كمال سعادة الانسان وايضا فإن تلك اللذات سريعة الزوال وإذا انقضت اعقبت هما وغما وألا يحتاج صاحبها ان يداويه بمثلها دفعا للألمه وربما كان معاودته لها مؤلما له كريها اليه لكن يحمله عليه مدواة ذلك الغم والهم فأين هذا من لذة العلم ولذة الايمان بالله ومحبته والاقبال عليه والتنعم بذكره فهذه هي اللذة الحقيقية(1\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "141",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14597",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصنف الرابع من حرصه وهمته في جمع الاموال وتثميرها وادخارها فقد صارت لذته في ذلك وفتى بها عما سواه فلا يرى شيئا اطيب له مما هو فيه فمن اين هذا ودرجة العلم فهؤلاء الاصناف الاربعة ليسوا من دعاة الدين ولا من ائمة العلم ولا من طلبته الصادقين في طلبه ومن تعلق منهم بشيء منه فهو من المتسلقين عليه المتشبهين بحملته وأهله المدعين لوصاله المبتونين من حباله وفتنة هؤلاء فتنة لكل مفتون فان الناس يتشبهون بهم لما يظنون عندهم من العلم ويقولون لسنا خيرا منهم ولا نرغب بأنفسنا عنهم فهم حجة لكل مفتون ولهذا قال فيهم بعض الصحابة الكرام احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون وقوله اقرب شبها بهم الانعام السائمة وهذا التشبيه مأخوذ من قوله تعالى ان هم كالأنعام بل هم اضل سبيلا فما اقصر سبحانه على تشبيههم بالانعام حتى جعلهم اضل سبيلا منهم والسائمة الراعية وشبه امير المؤمنين هؤلاء بها لان همتهم في سعي الدنيا وحطامها والله تعالى يشبه اهل الجهل والغي تارة بالانعام وتارة بالحمر وهذا تشبيه لمن تعلم علما ولم يعقله ولم يعمل به فهو كالحمار الذي يحمل اسفارا وتارة بالكلب وهذا لمن انسلخ عن العلم واخلد الى الشهوات والهوى وقوله كذلك يموت العلم بموت حامليه هذا من قول النبي في حديث عبد الله بن عمر وعائشة رضى الله عنهم وغيرهما ان الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال ولكن يقبض العلم بقبض العلماء فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا واضلوا رواه البخاري في صحيحه فذهاب العلم إنما هو بذهاب العلماء قال ابن مسعود يوم مات عمر رضى الله عنه اني لاحسب تسعة اعشار العلم اليوم قد ذهب وقد تقدم قول عمر رضى الله عنه موت الف عابد اهون من موت عالم بصير بحلال الله وحرامه وقوله اللهم بلى لن تخلو الارض من مجتهد قائم لله بحجج الله ويدل عليه الحديث الصحيح عن النبي لا تزال طائفة من امتي على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي امر الله وهم على ذلك ويدل عليه ايضا مارواه الترمذي عن قتيبة حدثنا حماد بن يحيى الابح عن ثابت عن انس قال قال رسول الله مثل امتي مثل المطر لا يدرى اوله خير ام آخره قال هذا حديث حسن غريب ويروى عن عبد الرحمن بن مهدي انه كان يثبت حماد بن يحيى الابح وكان يقول هو من شيوخنا وفي الباب عن عمار وعبد الله بن عمرو فلو لم يكن في اواخر الامة قائم بحجج الله مجتهد لم يكونوا موصوفين بهذه الخيرية وايضا فإن هذه الامة اكمل الامم وخير امة اخرجت للناس ونبيها خاتم النبيين لا نبي بعده فجعل الله العلماء فيها كلما هلك عالم خلقه عالم لئلا تطمس معالم الدين وتخفى اعلامه وكان بنو اسرائيل كلما هلك نبي خلفه نبي فكانت تسوسهم الانبياء والعلماء لهذه الامة كالانبياء في بني اسرائيل وأيضا ففي الحيدث الاخر يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له ينفون عنه تحريف الغالين(1\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "142",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14598",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وانتحال المبطلين وتاويل الجاهلين وهذا يدل على انه لا يزال محمولا في القرون قرنا بعد قرن وفي صحيح ابي حاتم من حديث الخولاني قال قال رسول الله لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم في طاعته وغرس الله هم اهل العلم والعمل فلو خلت الارض من عالم خلت من غرس الله ولهذا القول حجج كثيرة لها موضع آخر وزاد الكذابون في حديث على إما ظاهرا مشهورا وإما خفيا مستورا وظنوا ان ذلك دليل لهم على القول بالمنتظر وكلن هذه الزيادة من وضع بعض كذا بيهم والحديث مشهور عن علي لم يقل احد عنه هذه المقالة الا كذاب وحجج اله لا تقوم بخفي مستور لا يقع العالم له على خبر ولا ينتفعون به في شيء اصلا فلا جاهل يتعلم منه ولا ضال يهتدي به ولا خائف يأمن به ولا ذليل يتعزز به فأي حجة لله قامت بمن لا يرى له شخص ولا يسمع منه كلمة ولا يعلم له مكان ولا سيما على أصول القائلين به فإن الذي دعاهم الى ذلك انهم قالوا لا بد منه في اللطف بالمكلفين وانقطاع حجتهم عن الله فيالله العجب أي لطف حصل بهذا المعدوم لا المعصوم وأي حجة اثبتم للخلق على ربهم باصلكم الباطل فإن هذا المعدوم إذا لم يكن لهم سبيل قط الى لقائه والاهتداء به فهل في تكليف مالا يطاق ابلغ من هذا وهل في العذر والحجة ابلغ من هذا فالذي فررتم منه وقعتم في شر منه وكنتم في ذلك كما قيل: المستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار ولكن ابي الله الا ان يفضح من تنقص بالصحابة الاخيار وبسادة هذه الامة وان يرى الناس عورته ويغريه بكشفها ونعوذ بالله من الخذلان ولقد احسن القائل: ما آن للسرداب ان يلد الذي ... حملتموه بزعمكم ما آنا فعلى عقولكم العفاء فانكم ... ثلثتم العنقاء والغيلانا ولقد بطلت حجج استودعها مثل هذا الغائب وضاعت اعظم ضياع فانتم ابطلتم حجج الله من حيث زعمتم حفظها وهذا تصريح من امير المؤمنين رضى الله عنه بان حامل حجج الله في الارض بحيث يؤديها عن الله ويبلغها الى عباده مثله رضى الله عنه ومثل إخوانه من الخلفاء الراشدين ومن اتبعهم الى يوم القيامة وقوله لكيلا تبطل حجج الله وبيناته أي لكيلا تذهب من بين يدي الناس وتبطل من صدورهم والا فالبطلان محال عليها لانها ملزوم ما يستحيل عليه البطلان فإن قيل فما الفرق بين الحجج والبينات قيل الفرق بينهما ان الحجج هي الادلة العلمية التي يعقلها القلب وتسمع بالاذن قال تعالى في مناظرة إبراهيم لقومه وتبيين بطلان ما هم عليه بالدليل العلمي وتلك حجتنا آتيناهم إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء قال ابن زيد بعلم الحجة وقال تعالى فان حاجوك فقل اسلمت وجهي لله ومن اتبعني وقال(1\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "143",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14599",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم والحجة هي اسم لما يحتج به من حق وباطل قال تعالى لئلا يكون للناس علكيم حجة الا الذين ظلموا منهم فانهم يحتجون عليكم بحجة باطلة فلا تخشوهم واخشوني وقال تعالى وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين والحجة المضافة الى الله هي الحق وقد تكون الحجة بمعنى المخاصمة ومنه قوله تعالى فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم أي قد وضح الحق واستبان وظهر فلا خصومة بيننا بعد ظهوره ولا مجادلة فان الجدال شريعة موضوعة للتعاون على إظهار الحق فإذا ظهر الحق ولم يبق به خفاء فلا فائدة في الخصومة والجدال على بصيرة مخاصمة المنكر ومجادلته عناء لا غنى فيه هذا معنى هذه الاية وقد يقع في وهم كثير من الجهال ان الشريعة لا احتجاج فيها وان المرسل بها صلوات الله وسلامه عليه لم يكن يحتج على خصومه ولا يجادلهم ويظن جهال المنطقيين وفروخ اليونان ان الشريعة خطاب للجمهور ولا احتجاج يها فيوان الانبياء دعوا الجمهور بطريق الخطابة والحجج للخواص وهم اهل البرهان يعنون نفوسهم ومن سلك طريقتهم وكل هذا من جهلهم بالشريعة والقرآن فإن القرآن مملوء من الحجج والادلة والبراهين في مسائل التوحيد واثبات الصانع والمعاد وإرسال الرسل وحدوث العالم فلا يذكر المتكلمون وغيرهم دليلا صحيحا على ذلك الا وهو في القرآن بافصح عبارة واوضح بيان وأتم معنى وابعده عن الايرادات والاسئلة وقد اعترف بهذا حذاق المتكلمين من المتقدمين والمتأخرين قال ابو حامد في اول الاحياء فإن قلت فلم لم تورد في اقسام العلم الكلام والفلسفة وتبين انهما مذمومان او ممدوحان فاعلم ان حاصل ما يشتمل عليه الكلام من الادلة التي ينتفع بها فالقرآن والاخبار مشتملة عليه وما خرج عنهما فهو إما مجادلة مذمومة وهي من البدع كما سيأتي بيانه واما مشاغبة بالتعلق بمناقضات الفرق وتطويل بنقل المقالات التي اكثرها ترهات وهذا يانات تزدريها الطباع وتمجها الاسماع وبعضها خوض فيما لا يتعلق بالدين ولم يكن شيء منه مألوفا في العصر الاول ولكن تغير الان حكمه إذا حدثت البدع الصارفة عن مقتضى القرآن والسنة لفقت لها شبها ورتبت لها كلاما مؤلفا فصار ذلك المحظور بحكم الضرورة مأذونا فيه وقال الرازي في كتابه اقسام اللذات لقد تأملت الكتب الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تروي غليلا ولا تشفى عليلا ورايت اقرب الطرق طريقة القرآن اقرا في الاثبات اليه يصعدالكلم الطيب الرحمن على العرش استوى واقرا في النفي ليس كمثله شيء ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي وهذا الذي اشار اليه بحسب مافتح له من(1\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "144",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14600",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دلالة القرآن بطريق الخبر وإلا فدلالته البرهانية العقلية التي يشير اليها ويرشد اليها فتكون دليلا سمعيا عقليا امر تميز به القرآن وصار العالم به من الراسخين في العلم وهو العلم الذي يطمئن اليه القلب وتسكن عنده النفس ويزكو به العقل وتستنير به البصيرة وتقوى به الحجة ولا سبيل لاحد من العالمين الى قطع من حاج به بل من خاصم به فلجت حجته وكسر شبهة خصمه وبه فتحت القلوب واستجيب لله ولرسوله ولكن اهل هذا العلم لاتكاد الاعصار تسمح منهم الا بالواحد بعد الواحد فدلالة القرآن سمعية عقلية قطعية يقينية لا تعترضها الشبهات ولا تتداولها الاحتمالات ولا ينصرف القلب عنها بعد فهمها ابدا وقال بعض المتكلمين افنيت عمري في الكلام اطلب الدليل وانا لاأزداد الا بعدا عن الدليل فرجعت الى القرآن اتدبره واتفكر فيه واذا انا بالدليل حقا معي وانا لا أشعر به فقلت والله ما مثلي الا كما قال القائل: ومن العجائب والعجائب جمة ... قرب الحبيب وما اليه وصول كالعيش في البيداء يقتلها الظما ... ولاماء فوق ظهورها محمول ... قال فلما رجعت الى القرآن إذا هو الحكم والدليل ورأيت فيه من ادلة الله وحججه وبراهينه وبيناته ما لو جمع كل حق قاله المتكلمون في كتبهم لكانت سورة من سور القرآن وافية بمضمونه مع حسن البيان وفصاحة اللفظ وتطبيق المفصل وحسن الاحتراز والتنبيه على مواقع الشبه والارشاد الى جوابها وإذا هو كما قيل بل فوق ما قيل: كفى وشفى ما في الفؤاد فلم يدع ... لذي ارب في القول جدا ولا هزلا وجعلت جيوش الكلام بعد ذلك تفد الى كما كانت وتتزاحم في صدري ولا ياذن لها القلب بالدخول فيه ولا تلقى منه إقبالا ولا قبولا فترجع على ادبارها والمقصود ان القرآن مملوء بالاحتجاج وفيه جميع انواع الادلة والاقيسة الصحيحة وأمر الله تعالى رسوله فيه بإقامة الحجة والمجادلة فقال تعالى وجادلهم بالتي هي أحسن وقال ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن وهذه مناظرات القرآن مع الكفار موجودة فيه وهذه مناظرات رسول الله واصحابه لخصومهم وإقامة الحجج عليهم لا ينكر ذلك الا جاهل مفرط في الجهل والمقصود الفرق بين الحجج والبينات فنقول الحجج الادلة العلمية والبيانات جمع بينة وهي صفة في الاصل يقال آية بينة وحجة بينة والبينة اسم لكل ما يبين الحق من علامة منصوبة او أمارة او دليل علمي قال تعالى لقد ارسلنا رسلنا بالبيانات وانزلنا معهم الكتاب والميزان فالبينات الايات التي اقامها الله دلالة على صدقهم من المعجزات والكتاب هو الدعوة وقال تعالى إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومقام إبراهيم آية جزئية مرئية بالابصار(1\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "145",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14601",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو من آيات الله الموجودة في العالم ومنه قول موسى لفرعون وقومه قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين فألقى عصاه وكان القاء العصا وانقلابها حية هو البينة وقال قوم هود يا هود ما جئتنا ببينة يريدون آية الاقتراح والا فهو قد جاءهم بما يعرفون به انه رسول الله اليهم فطلب الاية بعد ذلك تعنت واقتراح لا يكون لهم عذر في عدم الاجابة اليه وهذه هي الايات التي قال الله تعالى فيها وما منعنا ان نرسل بالايات الا ان كذب بها الاولون فعدم اجابته سبحانه اليها إذ طلبها الكفار رحمة منه واحسان فانه جرت سنته التي لا تبديل لها انهم اذا طلبوا الاية واقترحوها واجيبوا ولم يؤمنوا عولجوا بعذاب الاستئصال فلما علم سبحانه ان هؤلاء لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية لم يجبهم الى ما طلبوا فلم يعمهم بعذاب لما اخرج من بنيهم واصلابهم من عبادة المؤمنين وان اكثرهم آمن بعد ذلك بغير الايات التي اقترحوها فكان عدم إنزال الايات المطلوبة من تمام حكمة الرب ورحمته واحسانه بخلاف الحجج فانها لم تزل متتابعة يتلو بعضها بعضا وهي كل يوم في مزيد وتوفي رسول الله وهي اكثر ما كانت وهي باقية الى يوم القيامة وقوله اولئك الاقلون عددا الاعظمون عند الله قدرا يعني هذا الصنف من الناس اقل الخلق عددا وهذا سبب غربتهم فانهم قليلون في الناس والناس على خلاف طريقهم فلهم نبأ وللناس نبأ قال النبي بدأ الاسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدا فطوبى للغرباء فالمؤمنون قليل في الناس والعلماء قليل في المؤمنين وهؤلاء قليل في العلماء وإياك ان تغتر بما يغتر به الجاهلون فانهم يقولون لو كان هؤلاء على حق لم يكونوا اقل الناس عددا والناس على خلافهم فاعلم ان هؤلاء هم الناس ومن خالفهم فمشبهون بالناس وليسوا بناس فما الناس الا اهل الحق وإن كانوا اقلهم عددا قال ابن مسعود لا يكن احدكم إمعة يقول انا مع الناس ليوطن احدكم نفسه على ان يؤمن ولو كفر الناس وقد ذم سبحانه الاكثرين في غير موضع كقوله وان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله وقال وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين وقال وقليل من عبادي الشكور وقال وان كثيرا من الخلطاء ليبغى بعضهم على بعض الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وقال بعض العارفين انفرادك في طريق طلبك دليل على صدق الطلب مت بداء الهوى والا فخاطر ... واطرق الحي والعيون نواظر لا تخف وحشة الطريق اذا سر ... ت وكن في خفارة الحق سائر وقوله بهم يدفع الله عن حججه حتى يؤدوها الى نظرائهم ويزرعوها في قلوب اشباههم وهذا لان الله سبحانه ضمن حفظ حجه وبيناته واخبر رسول الله انه(1\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "146",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14602",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا تزال طائفة من امته على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم الى قيام الساعة فلا يزال غرس الله الذين غرسهم في دينه يغرسون العلم في قلوب من اهلهم الله لذلك وارتضاهم فيكونوا ورثة لهم كما كانوا هم ورثة لمن قبلهم فلا تنقطع حجج الله والقائم بها من الاض وفي الاثر المشهور لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم بطاعته وكان من دعاء بعض من تقدم اللهم اجعلني من غرسك الذين تستعملهم بطاعتك ولهذا ما اقام الله لهذا الدين من يحفظه ثم قبضه اليه الا وقد زرع ما علمه من العلم والحكمة اما في قلوب امثاله واما في كتب ينتفع بها الناس بعده وبهذا وبغيره فضل العلماء العباد فإن العالم إذا زرع علمه عند غيره ثم مات جرى عليه اجره وبقي له ذكره وهو عمر ثان وحياة اخرى وذلك احق ما تنافس فيه المتنافسون ورغب فيه الراغبون وقوله هجم بهم العلم على حقيقة الامر فاستلانوا ما استوعره المترفون وانسوا مما استوحش منه الجاهلون الهجوم على الرجل الدخول عليه بلا استئذان ولما كانت طريق الاخرة وعرة على أكثر الخلق لمخالفتها لشهواتهم ومباينتها لارادتهم ومألوفاتهم قل سالكوها وزاهدهم فيها قلة علمهم اوعدمه بحقيقة الامر وعاقبة العباد ومصيرهم وما هيئوا له وهيء لهم فقل علمهم بذلك واستلانوا مركب الشهوة والهوى على مركب الاخلاص والتقوى وتوعرت عليهم الطريق وبعدت عليهم الشقة وصعب عليهم مرتقي عقابها وهبوط اوديتها وسلوك شعابها فاخلدوا الى الدعة والراحة وآثروا العاجل على الاجل وقالوا عيشنا اليوم نقد وموعودنا نسيئة فنظروا الى عاجل الدنيا واغمضوا العيون عن آجلها ووقفوا مع ظاهرها ولم يتأملوا باطنها وذاقوا حلاوة مباديها وغاب عنهم مرارة عواقبها ودر لهم ثديها فطاب لهم الارتضاع واشتغلوا به عن التفكر في الفطام ومرارة الانقطاع وقال مغترهم بالله وجاحدهم لعظمته وربوبيته متمثلا في ذلك خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... وأما القائمون لله بحجته خلفاء نبيه في امته فانهم لكمال علمهم وقوته نفد بهم الى حقيقة الامر وهجم بهم عليه فعاينوا ببصائرهم ما عشيت عنه بصائر الجاهلين فاطمأنت قلوبهم به وعملوا على الوصول اليه لما باشرها من روح اليقين رفع لهم علم السعادة فشمروا اليه واسمعهم منادي الايمان النداء فاستبقوا اليه واستيقنت انفسهم ما وعدهم به ربهم فزهدوا فيما سواه ورغبوا فيما لديه علموا ان الدنيا دار ممر لا دار مقر ومنزل عبور لا مقعد حبور وانها خيال طيف او سحابة صيف وان من فيها كراكب قال تحت ظل شجرة ثم راح عنها وتركها وتيقنوا انها احلام نوم او كظل زائل: ان اللبيب بمثلها لا يخدع ...(1\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "147",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14603",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وان وصفها صدق في وصفها اذ يقول ارى اشقياء الناس لا يسأمونها ... على انهم فيها عراة وجوع اراها وان كانت تحب فإنها ... سحابة صيف عن قليل تقشع ... فرحلت عن قلوبهم مدبرة كما ترحلت عن اهلها موليه واقبلت الآخرة الى قلوبهم مسرعة كما اسرعت الى الخلق مقبلة فامتطوا ظهور العزائم وهجروا لذة المنام وما ليل المحب بنائم علموا طول الطريق وقلة المقام في منزل التزود فسارعوا في الجهاز وجد بهم السير الى منازل الاحباب فقطعوا المراحل وطووا المفاوز وهذا كله من ثمرات اليقين فان القلب إذا استيقن ما امامه من كرامة الله وما اعد لاوليائه بحيث كأنه ينظر اليه من وراء حجاب الدنيا ويعلم انه إذا زال الحجاب رأى ذلك عيانا زالت عنه الوحشة التي يجدها المتخلفون ولان له ما استوعره المترفون وهذه المرتبة هي اول مراتب اليقين وهي علمه وتيقنه وهي الكشاف المعلوم للقلب بحيث يشاهده ولا يشك فيه كانكشاف المرئي للبصر ثم يليها المرتبة الثانية وهي مرتبة عين اليقين ونسبتها الى العين كنسبة الاول الى القلب ثم تليها المرتبة الثالثة وهي حق اليقين وهي مباشرة المعلوم وإدراكه الادراك التام فالاولى كعلمك بان في هذا الوادي ماء والثاني كرؤيته والثالثة كالشرب منه ومن هذا ما يروى في حديث حارثة وقول النبي كيف اصبحت يا حارثة قال اصبحت مؤمنا حقا قال إن لكل قول حقيقة فما حقيقة إيمانك قال عزفت نفسي عن الدنيا وشهواتها فاسهرت ليلي وأظمأت نهاري وكاني انظر الى عرش ربي بارزا وكاني انظر الى اهل الجنة بتزاورون فيها والى اهل النار يتعاوون فيها فقال عبد نور الله قلبه فهذا هو هجوم العلم بصاحبه على حقيقة الامر ومن وصل الى هذا استلان ما يستوعره المترفون وأنس مما يشتوحش منه الجاهلون ومن لم يثبت قدم إيمانه على هذه الدرجة فهو إيمان ضعيف وعلامة هذا انشراح الصدر لمنازل الايمان وانفساحه وطمأنينة القلب لأمر الله والانابة الى ذكر الله ومحبته والفرح بلقائه والتجافي عن دار الغرور كما في الاثر المشهور إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح قيل وما علامة ذلك قال التجافي عن دار الغرور والانابة الى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله وهذه هي الحال التي كانت تحصل للصحابة عند النبي إذا ذكرهم الجنة والنار كما في الترمذي وغيره من حديث الجريري عن ابي عثمان النهدي عن حنظلة الاسدي وكان من كتاب النبي انه مر بأبي بكر رضى الله عنه وهو يبكي فقال مالك يا حنظلة فقال نافق حنظلة يا ابا بكر نكون عند رسول الله يذكرنا بالجنة والنار كانا رأى عين فإذا رجعنا إلى الازواج والضيعة نسينا كثيرا قال فوالله إنا لكذلك انطلق بنا الى رسول الله فانطلقنا فلما رآه رسول الله قال مالك يا حنظلة قال نافق حنظلة يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كانا(1\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "148",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14604",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رأى عين فإذا رجعنا عافسنا الازواج والضيعة ونسينا كثيرا قال فقال رسول الله لو تدومون على الحال التي تقومون بها من عندي لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وفي طرقكم وعلى فرشكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ساعة وساعة قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وفي الترمذي ايضا نحوه من حديث ابي هريرة والمقصود ان الذي يهجم بالقلب على حقيقة الايمان ويلين له ما يستوعره غيره ويؤنسه بما يستوحش منه سواء العلم التام والحب الخالص والحب تبع للعلم يقوى بقوته ويضعف بضعفه والمحب لا يستوعر طريقا توصله الى محبوبه ولا يستوحش فيها وقوله صحبوا الدنيا بابدان ارواحها معلقة بالملأ الاعلى وفي رواية بالمحل الاعلى الروح في هذا الجسد بدار غربة ولها وطن غيره فلا تستقر الا في وطنها وهي جوهر علوي مخلوق من مادة علوية وقد اضطرت الى مساكنة هذا البدن الكثيف فهي دائما تطلب وطنها في المحل الاعلى وتحن اليه حنين الطير الى اوكارها وكل روح ففيها ذلك ولكن لفرط اشتغالها بالبدن وبالمحسوسات المالوفة اخلدت الى الارض ونسيت معلمها ووطنها الذي لا راحة لها في غيره فإنه لا راحة للمؤمن دون لقاء ربه والدنيا سجنه حقا فلهذا تجدالمؤمن بدنه في الدنيا وروحه في المحل الاعلى وفي الحديث المرفوع إذا نام العبد وهو ساجد باهي الله به الملائكة فيقول انظروا الى عبدي بدنه في الارض وروحه عندي رواه تمام وغيره وهذا معني قول بعض السلف القلوب جوالة فقلب حول الحشر وقلب يطوف مع الملائكة حول العرش فأعظم عذاب الروح انغماسها وتدسيسها في أعماق البدن واشتغالها بملاذه وانقطاعها عن ملاحظة ما خلقت له وهيئت له وعن وطنها ومحلها ومحل انسها ومنزل كرامتها ولكن سكر الشهوات يحجبها عن مطالعة هذا الالم والعذاب فإذا صحت من سكرها وافاقت من غمرتها اقبلت عليها جيوش الحسرات من كل جانب فحينئذ تتقطع حسرات على ما فاتها من كرامة الله وقربه والانس به والوصول الى وطنها الذي لا راحة لها الا فيه كما قيل: صحبتك اذ عيني عليها غشاوة ... فلما انجلت قطعت نفسي الومها ولو تنقلت الروح في المواطن كلها والمنازل لم تستقر ولم تطمئن الا في وطنها ومحلها الذي خلقت له كما قيل: نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب الا للحبيب الاول كم منزل في الارض يألفه الفتى ... وحنينه ابدا لاول منزل وإذا كانت الروح تحن ابدا الى وطنها من الارض مع قيام غيره مقامه في السكنى وكثيرا ما يكون غير وطنها احسن واطيب منه وهي دائما تحن اليه مع انه لا ضرر عليها ولا عذاب في مفارقته الى مثله فكيف بحنينها الى الوطن الذي في فراقها له عذابها وآلامها وحسرتها التي لاتنقضي فالعبد(1\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "149",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14605",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المؤمن في هذه الدار سبي من الجنة الى دار التعب والعناء ثم ضرب عليه الرق فيها فكيف يلام على حنينه الى داره التي سبى منها وفرق بينه وبين من يحب وجمع بينه وبين عدوه فروحه دائما معلقة بذلك الوطن وبدنه في الدنيا ولى من ابيات في ذلك وحي على جنات عن فانها ... منازلك الاولى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى ... نعود الى اوطاننا ونسلم وكلما اراد منه العدو نسيان وطنه وضرب الذكر عنه صفحا وايلافه وطنا غيره ابت ذلك روحه وقلبه كما قيل: يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل ولهذا كان المؤمن غريبا في هذه الدار اين حل منها فهو في دار غربة كما قال النبي كن في الدنيا كانك غريب او عابر سبيل ولكنها غربة تنقضى ويصير الى وطنه ومنزله وانما الغربة التي لا يرجى انقطاعها فهي غربة في دار الهوان ومفارقة وطنه الذي كان قد هيء واعد له وامر بالتجهيز اليه والقدوم عليه فابى الا اغترابه عنه ومفارقته له فتلك غربة لا يرجى ايابها ولا يجبر مصابها ولا تبادر الى انكار كون البدن في الدنيا والروح في الملأ الاعلى فللروح شأن والبدن شأن والنبي كان بين اظهر اصحابه وهو عند ربه يطعمه ويسقيه فبدنه بينهم وروحه وقلبه عند ربه وقال ابو الدرداء اذا نام العبدعرج بروحه الى تحت العرش فان كان طاهرا اذن لها بالسجود وان لم يكن طاهرا لم يؤذن لها بالسجود فهذه والله أعلم هي العلة التي امر الجنب لاجلها ان يتوضأ إذا أراد النوم وهذا الصعود إنما كان لتجرد الروح عن البدن بالنوم فإذا تجردت بسبب آخر حصل لها من الترقي والصعود بحسب ذلك التجرد وقد يقوى الحب بالمحب حتى لا يشاهد منه بين الناس الا جسمه وروحه في موضع آخر عند محبوبه وفي هذا من شاعار الناس وحكاياتهم ما هو معروف وقوله اولئك خلفاء الله في ارضه ودعائه الى دينه هذا حجة احد القولين في انه يجوز ان يقال فلان خليفة الله في ارضه واحتج اصحابه ايضا بقوله تعالى للملائكة إني جاعل في الارض خليفة واحتجوا بقوله تعالى وهو الذي جعلكم خلائف في الارض وهذا خطاب لنوع الانسان وبقوله تعالى امن يجيب المضطر اذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الارض وبقول موسى لقومه عسى ربكم ان يهلك عدوكم ويستخلفكم في الارض فينظر كيف تعملون ويقول النبي ان الله ممكن لكم في الارض ومستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء واحتجوا بقول الراعي يخاطب ابا بكر رضي الله عنه: خليفة الرحمن انام معشر ... حنفاء نسجد بكرة واصيلا(1\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "150",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14606",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عرب نرى لله في اموالنا ... حق الزكاة منزلا تنزيلا ومنعت طائفة هذا الاطلاق وقالت لا يقال لاحد انه خليفة الله فإن الخليفة انما يكون عمن يغيب ويخلفه غيره والله تعالى شاهد غير غائب قريب غير بعيد راء وسامع فمحال ان يخلفه غيره بل هو سبحانه الذي يخلف عبده المؤمن فيكون خليفته كما قال النبي في حديث الدجال ان يخرج وانا فيكم فانا حجيجه دونكم وان يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مؤمن والحديث في الصحيح وفي صحيح مسلم ايضا من حديث عبد الله بن عمرو ان رسول الله كان يقول اذا سافر اللهم انت الصاحب في السفر والخليفة في الاهل والحضر الحديث وفي الصحيح ان النبي قال اللهم اغفر لابي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في اهله فالله تعالى هو خليفة العبد لان العبد يموت فيحتاج الى من يخلفه في اهله قالوا ولهذا انكر الصديق رضى الله عنه على من قال له يا خليفة الله قال لست بخليفة الله ولكني خليفة رسول الله وحسبي ذلك قالوا وأما قوله تعالى اني جاعل في الارض خليفة فلا خلاف ان المراد به آدم وذريته وجمهور اهل التفسير من السلف والخلف على انه جعله خليفة عمن كان قبله في الارض قيل عن الجن الذين كانوا سكانها وقيل عن الملائكة الذين سكنوها بعدالجن وقصتهم مذكورة في التفاسير وأما قوله تعالى وهو الذي جعلكم خلائف في الارض فليس المراد به خلائف عن الله وانما المراد به انه جعلكم يخلف بعضكم بعضا فكلما هلك قرن خلفه قرن إلى آخر الدهر ثم قيل ان هذا خطاب لامة محمد خاصة أي جعلكم خلائف من الامم الماضية فهلكوا وورثتم انتم الارض من بعدهم ولا ريب ان هذا الخطاب للامة والمراد نوع الانسان الذي جعل الله اباهم خليفة عمن قبله وجعل ذريته يخلف بعضهم بعضا الى قيام الساعة ولهذا جعل هذا آية من آياته كقوله تعالى امن يجيب المضطر أذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الارض واما قول موسى لقومه ويستخلفكم في الارض فليس ذلك استخلافا عنه وانما هو استخلاف عن فرعون وقومه اهلكهم وجعل قوم موسى خلفاء من بعدهم وكذا قول النبي ان الله مستخلفكم في الارض أي من الامم التي تهلك وتكونون انتم خلفاء من بعدهم قالوا واما قول الراعي فقول شاعر قال قصيدة في غيبة الصديق لا يدري ابلغت ابا بكر ام لا ولو بلغته فلا يعلم انه اقره على هذه اللفظة ام لا قلت ان اريد بالاضافة الى الله انه خليفة عنه فالصواب قول الطائفة المانعة منها وان اريد بالاضافة ان الله استخلفه عن غيره ممن كان قله قبلهفهذا لا يمتنع فيه الاضافة وحقيقتها خليفة الله الذي جعله الله خلفا عن غيره وبهذا يخرج الجواب عن قول امير المؤمنين اولئك خلفاء الله في ارضه فان قيل هذا لامدح فيه لان هذا(1\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "151",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14607",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاستخلاف عام في الامة وخلافة الله التي ذكرها امير المؤمنين خاصة بخواص الخلق فالجواب ان الاختصاص المذكور افاد اختصاص الاضافة فالاضافة هنا للتشريف والتخصيص كما يضاف اليه عباده كقوله تعالى إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا ونظائرهما ومعلوم ان كل الخلق عباد له فخلفاء الارض كالعباد في قوله والله بصير بالعباد وما الله يريد ظلما للعباد وخلفاء الله في قوله إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ونظائره وحقيقة اللفظة ان الخليفة هو الذي يخلف الذاهب أي يجيء بعده يقال خلف فلان فلانا واصلها خليف بغير هاء لانها فعيل بمعنى فاعل كالعليم والقدير فدخلت التاء للمبالغة في الوصف كراوية وعلامة ولهذا جمع جمع فعيل فقيل خلفاء كشريف وشرفاء وكريم وكرماء ومن راعي لفظه بعد دخول التاء عليه جمعة معه على فعائل فقال خلائف كعقيلة وعقائل وظريفة وظرائف وكلاهما ورد به القرآن هذا قول جماعة من النحاة والصواب ان التاء إنما دخلت فيها للعدل عن الوصف الى الاسم فإن الكلمة صفة في الاصل ثم اجريت مجرى الاسماء فالحقت التاء لذلك كما قالوا نطيحة بالتاء فإذا اجروها صفة قالوا شاة نطيح كماي يقولون كف خضيب والا فلا معنى للمبالغة في خليفة حتى تلحقها تاء المبالغة والله اعلم وقوله ودعته الى دينه الدعاة جمع داع كقاض قضاة ورام ورماة وإضافتهم الى اليه للاختصاص أي الدعاة المخصوصون به الذين يدعون الى دينه وعبادته ومعرفته ومحبته وهؤلاءهم خواص خلق الله وافضلهم عند الله منزلة وأعلاهم قدرا يدل على ذلك الوجه الثلاثون بعد المائة وهو قوله تعالى ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين قال الحسن هو المؤمن اجاب الله في دعوته ودعا الناس الى ما أجاب الله فيه من دعوته وعمل صالحا في إجابته فهذا حبيب الله هذا ولي الله فمقام الدعوة الى الله افضل مقامات العبد قال تعالى وانه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا وقال تعالى ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن جعل سبحانه مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق فالمتسجيب القابل الذكي الذي لا يعاندالحق ولا يأباه يدعى بطريق الحكمة والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر يدعى بالموعظة الحسنة وهي الامر والنهي المقرون بالرغبة والرهبة والمعاند الجاحد يجادل بالتي هي احسن هذا هو الصحيح في معنى هذه الاية لا ما يزعم اسير منطق اليونان ان الحكمة قياس البرهان وهي دعوة الخواص والموعظة الحسنة قياس الخطابة وهي دعوة العوام والمجادلة بالتي هي احسن القياس الجدلي وهو رد شغب المشاغب بقياس جدلي مسلم المقدمات وهذا باطل وهو مبني على اصول(1\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "152",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14608",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفلسفة وهو مناف لاصول المسلمين وقواعدالدين من وجوه كثيرة ليس هذا موضع ذكرها وقال تعالى قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني قال الفراء وجماعة ومن اتبعني معطوف على الضمير في ادعو يعني ومن اتبعني يدعو الى الله كما ادعو وهذا قول الكلبي قال حق على كل من اتبعه ان يدعو الى ما دعا اليه ويذكر بالقرآن والموعظة ويقوى هذا القول من وجوه كثيرة قال ابن الانباري ويجوز ان يتم الكلام عند قوله الى الله ثم يبتديء بقوله على بصيرة انا ومن اتبعني فيكون الكلام على قوله جملتين اخبر في اولاهما انه يدعو الى الله وفي الثانية بانه من اتباعه على بصيرة والقولان متلازمان فلا يكون الرجل من اتباعه حقا حتى يدعو الى ما دعا اليه وقول الفراء احسن واقرب الى الفصاحة والبلاغة واذا كانت الدعوة الى الله اشرف مقامات العبد واجلها وافضلها فهي لا تحصل الا بالعلم الذي يدعو به واليه بل لا بد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم الى حد يصل اليه السعي ويكفي هذا في شرف العلم ان صاحبه يحوز به هذا المقام والله يؤتي فضله من يشاء الوجه الحادي والثلاثون بعدالمائة انه لو لم يكن من فوائد العلم الا انه يثمر اليقين الذي هو اعظم حياة القلب وبه طمأنينه وقوته ونشاطه وسائر لوازم الحياة ولهذا مدح الله سبحانه اهله في كتابه واثنى عليهم بقوله وبالآخرة هم يوقنون وقوله تعالى كذلك نفصل الايات لقوم يوقنون وقوله في حق خليله إبراهيم وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقنين وذم من لا يقين عنده فقال أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون وفي الحديث المرفوع من حديث سفيان الثوري عن سليمان التيمي عن خيثمة عن عبد الله بن مسعوديرفعه لا ترضين احدا بسخط الله ولا تحمدن احدا على فضله ولا تذمن احدا على ما لم يؤتك الله فإن رزق الله لا يسوقه حرص حريص ولا يردة عنك كراهية كاره وان الله بعدله وقسطه جعل الروح والراحة والفرح في الرضا واليقين وجعل الهم والحزن في الشك والسخط فإذا باشر القلب اليقين امتلأ نورا وانتفى عنه كل ريب وشك وعوفي من امراضه القاتلة وامتلأ شكرا لله وذكرا له ومحبة وخوفا فحبي عن بينة واليقين والمحبة هما ركنا الايمان وعليهما ينبني وبهما قوامه وهما يمدان سائر الاعمال القلبية والبدنية وعنهما تصدر وبضعفهما يكون ضعف الاعمال وبقوتهما قوتها وجميع منازل السائرين ومقامات العارفين إنما تفتح بهما وهما يثمران كل عمل صالح وعلم نافع وهدى مستقيم قال شيخ العارفين الجيد اليقين هو استقرار العلم الذي لاينقلب ولا يتحول ولا يتغير في القلب وقال سهل حرام على قلب ان يشم رائحة اليقين وفيه سكون الى غير الله وقيل من علاماته الالتفات الى الله في كل زلة والرجوع اليه في كل امر والاستعانة به في كل حال وارادة وجهه بكل حركة ويكون(1\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "153",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14609",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال السرى اليقين السكون عند جولان الموارد في صدرك ليتقنك ان حركتك فيها لاتنفعك ولا ترد عنك مقضيا قلت هذا إذا لم تكن الحركة مأمورا بها فإذا كانت مأمورا بها فاليقين في بذل الجهد فيها واستفراغ الوسع وقيل إذا استكمل العبد حقيقة اليقين صار البلاء عنده نعمة والمحنة منحة فالعلم اول درجات اليقين ولهذا قيل العلم يستعملك واليقين يحملك فاليقين افضل مواهب الرب لعبده ولا تثبت قدم الرضاء الا على درجة اليقين قال تعالى اما اصاب من مصيبة الا باذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه قال ابن مسعود هو والعبد تصيبه المصيبة فيعلم انها من الله فيرضى ويسلم فلهذا لم يحصل له هداية القلب والرضا والتسليم الا بيقينه قال في الصحاح اليقين العلم وزوال الشك يقال منه يقنت الامر يقنا واستيقنت وايقنت وتيقنت كله بمعنى واحد وأنا على يقين منه وإنما صارت الياء واوا فيموقن للضمة قبلها وإذا صغرتها رددته لى الاصل فقلت مييقن وربما عبروا عن الظن بالقين وبالظن عن اليقين قال: تحسب هواس وأيقن اني ... بها مفتد من واحد لا أغامره ... يقول تشمم الاسد ناقتي يظن انني افتدى بها منه وأستحيي نفسي فأتركها له ولا اقتحم المهالك لمقاتلته قلت هذاموضع اختلف فيه اهل اللغة والتفسير هل يستعمل اليقين في موضع الظن والظن في موضع اليقين فرأى ذلك طائفة منهم الجوهري وغيره واحتجوا بسوى ما ذكر بقوله تعالى الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون ولو شكوا في ذلك لم يكونوا موقنين فضلا عن ان يمدحوا بهذا المدح وبقوله قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله وبقوله تعالى ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها وبقول الشاعر فقلت لهم ظنوا بالفي مقاتل ... سراتهم في الفارسي المسرد أي استيقنوا بهذا العدد وأبي ذلك طائفة وقالوا لا يكون اليقين الا للعلم واما الظن فمنهم من وافق على انه يكون الظن في موضع اليقين واجابوا عما احتج به من جوز ذلك بان قالوا هذه المواضع التي زعمتم ان الظن وقع فيها موقع اليقين كلها على بابها فإنا لم نجد ذلك الا في علم بمغيب ولم تجدهم يقولون لمن راى الشيء اظنه ولمن ذاقه اظنه وإنما يقال لغائب قدعرف بالسمع والعلم فإذا صار الى المشاهدة امتنع الى اطلاق الظن عليه قالوا وبين العيان والخبر مرتبة متوسطة باعتبارها اوقع على العلم بالغائب الظن لفقد الحال التي تحصل المدركة بالمشاهدة وعلى هذاخرجت سائر الادلة التي ذكرتموها ولا يرد على هذا قوله ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها لان الظن انما وقع على مواقعتها وهي غيب حال الرؤية فإذا واقعوها لم يكن ذلك ظنا بل حق يقين قالوا وأما قول الشاعر وايقن انني بها مفتد فعلى بابه لانه ظن ان الاسد لتيقنه شجاعته(1\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "154",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14610",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجراءته موقن بان الرجل يدع له ناقته يفتدى بها من نفسه قالوا وعلى هذا يخرج معنى الحديث نحن احق بالشك من إبراهيم وفيه اجوبة لكن بين العيان والخير رتبة طلب إبراهيم زوالها بقوله ولكن ليطمئن قلبي فعبرعن تلك الرتبة بالشك والله اعلم الوجه الثاني والثلاثون بعد المائة ما رواه ابو يعلى الموصلي في مسنده من حديث انس بن مالك يرفعه الى النبي قال طلب العلم فريضة على كل مسلم وهذا وان كان في سنده حفص بن سليمان وقد ضعف فمعناه صحيح فأن الايمان فرض على كل واحد وهو ماهية مركبة من علم وعمل فلا يتصور وجود الايمان الا بالعلم والعمل ثم شرائع الاسلام واجبة على كل مسلم ولا يمكن اداؤها الا بعدمعرفتها والعلم بها والله تعالى اخرج عباده من بطون امهاتهم لا يعلمون شيئا فطلب العلم فريضة على كل مسلم وهل تمكن عبادة الله التي هي حقه على العباد كلهم الا بالعلم وهل ينال العلم الا بطلبه ثم إن العلم بالمفروض تعلمه ضربان ضرب منه فرض عين لا يسع مسلما جهله وهو انواع النوع الاول علم اصول الايمان الخمسة الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر فإن من لم يؤمن بهذه الخمسة لم يدخل في باب الايمان ولايستحق اسم المؤمن قال الله تعالى ولكن البر من آمن بالله واليوم الاخر والملائكة والكتاب والنبيين وقال ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر فقد ضل ضلالا بعيدا ولما سأل جبريل رسول الله عن الايمان فقال ان تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر قال صدقت فالايمان بهذه الاصول فرع معرفتها والعلم بها النوع الثاني علم شرائع الاسلام واللازم منها علم ما يخص العبد من فعلها كعلم الوضوء والصلاة والصيام والحج والزكاة وتوابعها وشروطها ومبطلاتها النوع الثالث علم المحرمات الخمسة التي اتفقت عليها الرسل والشرائع والكتب الالهية وهي المذكورة في قوله تعالى قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وان تقولوا على الله مالا تعلمون فهذه محرمات على كل واحد في كل حال على لسان كل رسول لا تباح قط ولهذا اتى فيها بانما المفيدة للحصر مطلقا وغيرها محرم في وقت مباح في غيره كالميتة والدم ولحم الخنزير ونحوه فهذه ليست محرمة على الاطلاق والدوام فلم تدخل تحت التحريم المحصور المطلق النوع الرابع علم احكام المعاشرة والمعاملة التي تحصل بينه وبين الناس خصوصا وعموما والواجب في هذا النوع يختلف باختلاف احوال الناس ومنازلهم فليس الواجب على الامام مع رعيته كالواجب على الرجل مع اهله وجيرته وليس الواجب على من نصب نفسه لانواع التجارات من تعلم احكام البياعات كالواجب على من لا يبيع ولا يشتري الا ما تدعو الحاجة اليه وتفصيل هذه الجملة لا ينضبط بحد لاختلاف الناس في اسباب العلم الواجب وذلك يرجع(1\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "155",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14611",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الى ثلاثة اصول اعتقاد وفعل وترك فالواجب في الاعتقاد مطابقته للحق في نفسه والواجب في العمل معرفته وموافقة حركات العبد الظاهرة والباطنة الاختيارية للشرع امرا وإباحة والواجب في الترك معرفة موافقة الكف والسكون لمرضات الله وان المطلوب منه إبقاء هذا الفعل على عدمه المستصحب فلا يتحرك في طلبه او كف النفس عن فعله على الطريقتين وقد دخل في هذه الجملة علم حركات القلوب والابدان وأما فرض الكفاية فلا اعلم فيه ضابطا صحيحا فان كل احد يدخل في ذلك ما يظنه فرضا فيدخل بعض الناس في ذلك علم الطب وعلم الحساب وعلم الهندسة والمساحة وبعضهم يزيد على ذلك علم اصول الصناعة كالفلاحة والحياكة والحدادة والخياطة ونحوها وبعضهم يزيدعلى ذلك علم المنطق وربما جعله فرض عين وبناه على عدم صحة إيمان المقلد وكل هذا هوس وخبط فلا فرض إلا ما فرضه الله ورسوله فيا سبحان الله هل فرض الله على كل مسلم ان يكون طبيبا حجاما حاسبا مهندسا او حائكا او فلاحا او نجارا او خياطا فإن فرض الكفاية كفرض العين في تعلقه بعموم المكلفين وإنما يخالفه في سقوطه بفعل البعض ثم على قول هذا القائل يكون الله قد فرض على كل احد جملة هذه الصنائع والعلوم فإنه ليس واحد منها فرضا على معين والآخر على معين آخر بل عموم فرضيتها مشتركة بين العموم فيجب على كل احد ان يكون حاسبا حائكا خياطا نجارا فلاحا طبيبا مهندسا فان قال المجموع فرض على المجموع لم يكن قولك إن كل واحد منها فرض كفاية صحيحا لان فرض الكفاية يجب على العموم واما المنطق فلو كان علما صحيحا كان غايته ان يكون كالمساحة والهندسة ونحوها فكيف وباطله اضعاف حقه وفساده وتناقض اصوله واختلاف مبانيه توجب مراعاتها الذهن ان يزيغ في فكره ولا يؤمن بهذا الا من قد عرفه وعرف فساده وتناقضه ومناقضة كثير منه لعقل الصريح واخبر بعض من كان قد قرأه وعني به انه لم يزل متعجبا من فساد اصوله وقواعده ومبانيها لصريح المعقول وتضمنها لدعاوي محضة غير مدلول عليها وتفريقه بين متساوين وجمعه بين مختلفين فيحكم على الشيء بحكم وعلى نظيره بضد ذلك الحكم او يحكم على الشيء بحكم ثم يحكم على مضاده او مناقضه به قال الى ان سالت بعض رؤسائه وشيوخ اهله عن شيء من ذلك فانكر فيه ثم قال هذا علم قد صقلته الاذهان ومرت عليه من عهد القرون الاوائل او كما قال فينبغي ان نتسلمه من اهله وكان هذا من افضل ما رأيت في المنطق قال الى ان وقفت على رد متكلمي الاسلام عليه وتبيين فساده وتناقضه فوقفت على مصنف لابي سعيد السيرافي النحوي في ذلك وعلى رد كثير من اهل الكلام والعربية عليهم كالقاضي ابي بكر بين الطيب والقاضي عبد الجبار والجبائي وابنه وابي المعالي وابي القاسم الانصاري(1\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "156",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14612",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وخلق لا يحصون كثرة ورايت استشكالات فضلائهم ورؤسائهم لمواضع الاشكال ومخالفتها ما كان ينقدح لي كثير منه ورايت آخر من تجرد للرد عليهم شيخ الاسلام قدس الله روحه فإنه اتى في كتابيه الكبير والصغير بالعجب العجاب وكشف اسرارهم وهتك استارهم فقلت في ذلك: واعجبا لمنطق اليونان ... كم فيه من إفك ومن بهتان مخبط لجيد الاذهان ... ومفسد لفطرة الانسان مضطرب الاصول والمباني ... على شفا هار بناه الباني احوج ما كان اليه العاني ... يخونه في السر والاعلان يمشي به اللسان في الميدان ... مشي مقيد على صفوان متصل العثار والتواني ... كأنه السراب بالقيعان بدا لعين الظميء الحيراني ... فأمه بالظن والحسبان يرجو شفاء غلة الظمآن ... فلم يجد ثم سوى الحرمان فعاد بالخيبة والخسران ... يقرع سن نادم حيران ... قد ضاع منه العمر في الاماني ... وعاين الخفة في الميزان وما كان من هوس النفوس بهذه المنزلة فهو بان يكون جهلا اولى منه بان يكون علما تعلمه فرض كفاية او فرض عين وهذا الشافعي واحمد وسائر ائمة الاسلام وتصانيفهم وسائر ائمة العربية وتصانيفهم وائمة التفسير وتصانيفهم لمن نظر فيها هل راعوا فيها حدود المنطق واوضاعه وهل صح لهم علمهم بدونه ام لا بل هم كانوا اجل قدرا واعظم عقولا من ان يشغلو افكارهم بهذيان المنطقيين وما دخل المنطق على علم الا افسده وغير اوضاعه روشوش قواعده ومن الناس من يقول ان علوم العربية من التصريف والنحو واللغة والمعاني والبيان ونحوها تعلمها فرض كفاية لتوقف فهم كلام الله ورسوله عليها ومن الناس من يقول تعلم اصول الفقه فرض كفاية لانه العلم الذي يعرف به الدليل ومرتبته وكفية الاستدلال وهذه الاقوال وان كانت اقرب الى الصواب من القول الاول فليس وجوبها عاما على كل احد ولا في كل وقت وإنما يجيب وجوب الوسائل في بعض الازمان وعلى بعض الاشخاص بخلاف الفرض الذي يعم وجوبه كل احد وهو علم الايمان وشرائع الاسلام فهذا هو الواجب واما ما عداه فإن توقفت معرفته عليه فهو من باب مالا يتم الواجب الا به ويكون الواجب منه القدر الموصل اليه دون المسائل التي هي فضلة لا يفتقر معرفة الخطاب وفهمه اليها فلا(1\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "157",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14613",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يطلق القول بان علم العربية واجب على الاطلاق اذ الكثير منه ومن مسائله وبحوثه لا يتوقف فهم كلام الله ورسوله عليها وكذلك اصول الفقه القدر الذي يتوقف فهم الخطاب عليه منه يجب معرفته دون المسائل المقررة والابحاث التي هي فضلة فكيف يقال ان تعلمها واجب وبالجملة فالمطلوب الواجب من العبد من العلوم والاعمال إذا توقف على شيء منها كان ذلك الشيء واجبا وجوب الوسائل ومعلوم ان ذلك التوقف يختلف باختلاف الاشخاص والازمان والالسنة والاذهان فليس لذلك حد مقدر والله اعلم الوجه الثالث والثلاثون بعدالمائة ما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث ابي هريرة يرفعه الى النبي قال سأل موسى ربه عن ست خصال كان يظن انها له خالصة والسابعة لم يكن موسى يحبها قال يا رب أي عبادك اتقى قال الذي يذكر ولا ينسى قال فأي عبادك اهدى قال الذي تتبع الهدى قال فأي عبادك احكم قال الذي يحكم للناس ما يحكم لنفسه قال أي عبادك اعلم قال عالم لا يشبع من العلم يجمع علم الناس الى علمه قال فأي عبادك اعز قال الذي اذا قدر عفا قال فأي عبادك اغني قال الذي يرضى بما اوتى قال فاي عبادك افقر قال صاحب منقوص فأخبر في هذا الحديث ان اعلم عباده الذي لا يشبع من العلم فهو يجمع علم الناس الى علمه لنهمته في العلم وحرصه عليه ولا ريب ان كون العبد اعظم عباد الله من اعظم اوصاف كماله وهذا هو الذي حمل موسى على الرحلة الى عالم الارض ليعلمه مما علمه الله هذا وهو كليم الرحمن وأكرم الخلق على الله في زمانه وأعلم الخلق فحمله حرصه ونهمته في العلم على الرحلة الى العالم الذي وصف له فلولا ان العلم اشرف ما بذلت فيه المهج وانفقت فيه الانفاس لاشتغل موسى عن الرحلة الى الخضر بما هو بصدده من امر الامة وعن مقاساة النصب والتعب في رحلته وتلطفه للخضر في قوله هل اتبعك على ان تعلمن مما علمت رشدا فلم ير اتباعه حتى استاذنه في ذلك واخبره انه جاء متعلما مستفيدا فهذا النبي الكريم كان عالما بقدر العلم واهله صلوات الله وسلامه عليه الوجه الرابع والثلاثون بعد المائة ان الله سبحانه وتعالى خلق الخلق لعبادته الجامعة لمحبته وإيثار مرضاته المستلزمة لمعرفته ونصب للعباد علما لا كمال لهم الا به وهو ان تكون حركاتهم كلها موافقة على وفق مرضاته ومحبته ولذلك ارسل رسله وانزل كتبه وشرع شرائعه فكمال العبد الذي لا كمال له الا به ان تكون حركاته موافقه لما يحبه الله منه ويرضاه له ولهذا جعل اتباع رسوله دليلا على محبته قال تعالى قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم فالمحب الصادق يرى خيانة منه لمحبوبه ان يتحرك بحركة اختيارية في غير مرضاته وإذا فعل فعلا مما ابيح له بموجب طبيعته وشهوته تاب منه كما يتوب من الذنب ولا يزال هذا الأمر يقوى عنده حتى تنقلب(1\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "158",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14614",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مباحاته كلها طاعات فيحتسب نومه وفطره وراحته كما يحتسب قومته وصومه واجتهاده وهو دائما بين سراء يشكر الله عليها وضراء يصبر عليها فهو سائر إلى الله دائما في نومه ويقظنه قال بعض العلماء الاكياس عاداتهم عبادات الحمقي والحمقى عباداتهم عادات وقال بعض السلف حبذا نوم الأكياس وفطرهم يغبنون به سهر الحمقى وصومهم فالمحب الصادقان نطق نطق لله وبالله وان سكت سكت لله وان تحرك فبأمر الله وان سكن فسكونه استعانة على مرضات الله فهو لله وبالله ومع الله ومعلوم ان صاحب هذا المقام احوج خلق الله الى العلم فإنه لا تتميز له الحركة المحبوبة لله من غيرها ولا السكون المحبوب له من غيره الا بالعلم فليست حاجته الى العلم كحاجة من طلب العلم لذاته ولانه في نفسه صفة كمال بل حاجته اليه كحاجته الى ما به قوام نفسه وذاته ولهذا اشتدت وصاة شيوخ العارفين لمريديهم بالعلم وطلبه وانه من لم يطلب العلم لم يفلح حتى كانوا يعدون من لا علم له من السفلة قال ذو النون وقد سئل من السفلة فقال من لا يعرف الطريق الى الله تعالى ولا يتعرفه وقال ابو يزيد لو نظرتم الى الرجل وقد اعطى من الكرامات حتى يتربع في الهواء فلات تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الامر والنهي وحفظ الحدود ومعرفة الشريعة وقال ابو حمزة البزاز من علم طريق الحق سهل عليه سلوكه ولا دليل على الطريق الا متابعة الرسول في أقواله وأفعاله واحواله وقال محمد بن الفضل الصوفي الزاهد ذهاب الاسلام على يدي اربعة اصناف من الناس صنف لا يعملون بما يعلمون وصنف يعملون بما لا يعلمون وصنف لا يعملون ولا يعلمون وصنف يمنعون الناس من التعلم قلت الصنف الاول من له علم بلا عمل فهو اضر شيء على العامة فإنه حجة لهم في كل نقيصة ومنحسة والصنف الثاني العابد الجاهل فإن الناس يحسنون الظن به لعبادته وصلاحه فيقتدون به على جهله وهذان الصنفان هما اللذان ذكرهما بعض السلف في قوله احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون فان الناس إنما يقتدون بعلمائهم وعبادهم فإذا كان العلماء فجرة والعباد جهلة عمت المصيبة بهما وعظمت الفتنة على الخاصة والعامة والصنف الثالث الذين لا علم لهم ولا عملوإنما هم كالانعام السائمة والصنف الرابع نواب ابليس في الارض وهم الذي يثبطون الناس عن طلب العلم والتفقه في الدين فهؤلاء اضر عليهم من شياطين الجن فانهم يحولون بين القلوب وبين هدى الله وطريقه فهؤلاء الاربعة اصناف هم الذين ذكرهم هذا العارف رحمة الله عليه وهؤلاء كلهم على شفا جرف هار وعلى سبيل الهلكة وما يلقى العالم الداعي الى الله ورسوله ما يلقاه من الاذى والمحاربة الا على ايديهم والله يستعمل من يشاء في سخطه كما يستعمل من يحب في مرضاته إنه بعباده خبير بصير ولا ينكشف سر هذه الطوائف وطريقتهم إلا بالعلم فعاد الخير بحذافيره الى العلم وموجبه والشر(1\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "159",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14615",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بحذافيره الى الجهل وموجبه الوجه الخامس والثلاثون بعد المائة ان الله سبحانه جعل العلماء وكلاء وامناء على دينه ووحيه وارتضاهم لحفظه والقيام به والذب عنه وناهيك بها منزلة شريفة ومنقبة عظيمة قال تعالى ذلك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده ولو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون اولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين وقد قيل ان هؤلاء القوم هم الانبياء وقيل اصحاب رسول الله وقيل كل مؤمن هذه امهات الاقوال بعد اقوال متفرعة عن هذه كقول من قال هم الانصار او المهاجرون والانصار او قوم من ابناء فارس وقال آخرون هم الملائكة قال ابن جرير واولى هذه الاقوال بالصواب انهم الانبياء الثمانية عشر الذين سماهم في الايات قبل هذه الاية قال وذلك ان الخبر في الايات قبلها عنهم مضى وفي التي بعدها عنهم ذكر فما يليها بان يكون خبرا عنهم اولى واحق بان يكون خبرا عن غيرهم فالتأويل فإن يكفر قومك من قريش يا محمد بآياتنا وكذبوا بها وجحدوا حقيقتها فقد استحفظناها واسترعينا القيام بها رسلنا وانبياءنا من قبلك الذين لا يجحدون حقيقتها ولا يكذبون بها ولكنهم يصدقون بها ويؤمنون بصحتها قلت السورة مكية والاشارة بقوله هؤلاء الى من كفر به من قومه اصلا ومن عداهم تبعا فيدخل فيها كل من كفر بما جاء به من هذه الامة والقوم الموكلون بها هم الانبياء اصلا والمؤمنون بهم تبعا فيدخل كل من قام بحفظها والذنب عنها والدعوة اليها ولا ريب ان هذا للأنبياء اصلا وللمؤمنين بهم تبعا واحق من دخل فيها من اتباع الرسول خلفاؤه في امته وورثته فهم الموكلون بها وهذا ينظم في الاقوال التي قيلت في الاية واما قول من قال انهم الملائكة فضعيف جدا لا يدل عليه السياق وتاباه لفظه قوما إذ الغالب في القرآن بل المطرد تخصيص القوم ببني آدم دون الملائكة وأما قول إبراهيم لهم قوم منكرون فإنما قاله لما ظنهم من الانس وايضا فلايقتضيه فخامة المعنى ومقصوده ولهذا لو اظهر ذلك وقيل فإن يكفر بها كفار قومك فقد وكلنا بها الملائكة فإنهم لا يكفرون بها لم نجد منه من التسلية وتحقير شأن الكفرة بها وبيان عدم تأهلهم لها والانعام عليهم وإيثار غيرهم من اهل الايمان الذين سبقت لهم الحسنى عليهم لكونهم احق بها وأهلها والله أعلم حيث يضع هداه ويختص به من يشاء وايضا فإن تحت هذه الاية إشارة وبشارة يحفظها وأنه لا ضيعة عليها وان هؤلاء وإن ضيعوها ولم يقبلوها فإن لها قوما غيرهم يقبلونها ويحفظونها ويرعونها ويذبون عنها فكفر هؤلاء بها لا يضيعها ولا يذهبها ولا يضرها شيئا فإن لها اهلا ومستحقا سواهم فتأمل شرف هذا المعنى وجلالته وما تضمنه من تحريض عباده المؤمنين على المبادرة اليها والمسارعة الى(1\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "160",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14616",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قبولها وما تحته من تنبيههم على محبته لهم وإيثاره إياهم بهذه النعمة على اعدائه الكافرين وما تحته من احتقارهم وازدرائهم وعدم المبالاة والاحتفال بهم وإنكم وان تؤمنوا بها فعبادي المؤمنون بها الموكلون بها سواكم كثير كما قال تعالى قل آمنوا به اولا تؤمنوا إن الذين اوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا يوقولن سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا وإذا كان للملك عبيد قدعصوره وخالفوا امره ولم يلتفتوا الى عهده وله عبيد آخرون سامعون له مطيعون قابلون مستجيبون لامره فنظر اليهم وقال ان يكفر هؤلاء نعمى ويعصوا امري ويضيعو عهدي فإن لي عبيدا سواهم وهم انتم تطيعون امري وتحفظون عهدي وتودون حقي فإن عبيده المطيعين يجدون في انفسهم من الفرح والسرور والنشاط وقوة العزيمة ما يكون موجبا لهم المزيد من القيام بحق العبودية والمزيد من كرامة سيدهم ومالكهم وهذا امر يشهد به الحس والعيان واما توكيلهم بها فهو يتضمن توفيقهم للايمان بها والقيام بحقوقها ومراعاتها والذب عنها والنصيحة لها كما يوكل الرجل غيره بالشيء ليقوم به ويتعهده ويحافظ عليه وبها الاولى متعلقة بوكلنا وبها الثانية متعلقة بكافرين والباء في بكافرين لتأكيد النفي فإن قلت فهل يصح ان يقال لاحد هؤلاء المؤكلين انه وكيل الله بهذا المعنى كما يقال ولي الله قلت لا يلزم من إطلاق فعل التوكل المقيد بأمر ما إن يصاغ منه اسم فاعل مطلق كما انه لا يلزم من اطلاق فعل الاستخلاف المقيد ان قال خليفة الله لقوله ويستخلفكم في الارض وقوله وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم فلا يوجب هذا الاستخلاف ان يقال لكل منهم انه خليفة الله لانه استخلاف مقيد ولما قيل للصديق يا خليفة الله قال لست بخليفة الله ولكني خليفة رسول الله وحسبي ذلك ولكن يسوغ ان يقال هو وكيل بذلك كما قال تعالى فقد وكلنا بها قوما والمقصود ان هذا التوكيل خاص بمن قام بها علما وعملا وجهادا لاعدائها وذبا عنها ونفيا لتحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وايضا فهو توكيل رحمة وإحسان وتوفيق واختصاص لا توكيل حاجة كما يوكل الرجل من يتصرف عنه في غيبته لحاجة اليه ولهذا قال بعض السلف فقد وكلنا بها قوما يقول رزقناها قوما فلهذا لا يقال لمن رزقها ورحم بها انه وكيل لله وهذا بخلاف اشتقاق ولي الله من الموالاة فانها المحبة والقرب فكما يقال عبد الله وحبيبه يقال وليه والله تعالى يوالي عبده إحسانا اليه وجبرا له ورحمه بخلاف المخلوق فإنه يوالي المخلوق لتعززه به وتكثره بموالاته لذل العبد وحاجته واما العزيز الغني فلا يوالي احدا من ذل ولا حاجة قال تعالى وقل الحمد لله الذي(1\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "161",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14617",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا فلم ينف الولي نفيا عاما مطلقا بل نفى ان يكون له ولي من الذل واثبت في موضع آخر ان له اولياء بقوله الا ان أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وقوله الله ولي الذين آمنوا فهذا موالاة رحمة وإحسان وجبر والموالاة المنفية موالاة حاجة وذل يوضح هذا الوجه السادس والثلاثون بعدالمائة وهو ما روى عن النبي من وجوه متعددة انه قال يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتاويل الجاهلين فهذا الحمل المشار اليه في هذا الحديث هو التوكل المذكور في الاية فأخبر ان العلم الذي جاء به يحمله عدول امته من كل خلف حتى لا يضيع ويذهب وهذا يتضمن تعديله لحمله العلم الذي بعث به وهو المشار اليه في قوله هذا العلم فكل من حمل العلم المشار اليه لا بد وان يكون عدلا ولهذا اشتهر عندالامة عدالة نقلته وحملته اشتهارا لا يقبل شكا ولا امتراء ولا ريب ان من عدله رسول الله لا يسمع فيه جرح فالائمة الذين اشتهروا عند الامة بنقل العلم النبوي وميراثه كلهم عدول بتعديل رسول الله ولهذا لا يقبل قدح بعضهم في بعض وهذا بخلاف من اشتهر عندالامة جرحه والقدح فيه كأئمة البدع ومن جرى مجراهم من المتهمين في الدين فانهم ليسوا عندالامة من حملة العلم فما حمل علم رسول الله الا عدل ولكن قد يغلط في مسمى العدالة فيظن ان المراد بالعدل من لا ذنب له وليس كذلك بل هو عدل مؤتمن على الدين وإن كان منه ما يتوب الى الله منه فإن هذا لا ينافي العدالة كما لا ينافي الايمان والولاية فصل وهذا الحديث له طرق عديدة منها ما رواه ابن عدي عن موسى ابن اسماعيل بن موسى بن جعفر عن ابيه عن جده جعفر بن محمد عن ابيه عن علي عن النبي ومنها ما رواه العوام بن حوشب عن شهر بن حوشب عن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره الخطيب وغيره ومنها ما رواه ابن عدي من حديث الليث بن سعد عن يزيد بن ابي حبيب عن سالم عن ابن عمر عن النبي ومنها ما رواه محمد بن جرير الطبري من حديث ابن ابي كريمة عنم عاذ ابن رفاعة السلامي عن ابي عثمان النهدي عن اسامة بن زيد عن النبي ومنها ما رواه حماد بن يزيد عن بقية بن الوليد عن معاذ بن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال قال رسول الله قال الدارقطني حدثنا احمد بن الحسن بن زيد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا مثنى ابن بكر ومبشر وغيرهما من اهل العلم كلهم يقولون حدثنا معاذ بن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن(1\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "162",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14618",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن النبي يعني ان المحفوظ من هذا الطريق مرسل لان إبراهيم هذا لا صحبة له وقال الخلال في كتاب العلل قرأت على زهير بن صالح بن احمد حدثنا مهنا قال سالت احمد عن حديث معاذ بن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال قال رسول الله يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين فقلت لاحمد كأنه موضوع قال لا هو صحيح فقلت ممن سمعته انت فقال من غير واحد قلت من هم قال حدثني به مسكين الا انه يقول عن معاذ عن القاسم بن عبد الرحمن قال احمد ومعاذ بن رفاعة لا بأس به ومنها ما رواه ابو صالح حدثنا الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن مسعود قال سمعت النبي يقول يرث هذا العلم من كل خلف عدوله ومنها مارواه ابو احمد بن عدي من حديث زريق بن عبد الله الالهاني عن القاسم بن عبد الرحمن عن ابي امامة الباهلي قال قال رسول الله رواه عنه بقية ومنها ما رواه بن عدي ايضا من طريق مروان الفزاري عن يزيد بن كيسان عن ابي حازم عن ابي هريرة قال قال رسول الله ومنها ما رواه تمام في فوائده من حديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن ابي الخير عن ابي قبيل عن عبد الله بن عمرو وابي هريرة رواه عنه خالد بن عمرو ومنها ما رواه القاضي اسماعيل من حديث علي بن مسلم البلوي عن ابي صالح الاشعري عن أبي هريرة عن النبي الوجه السابع والثلاثون بعدالمائة ان بقاء الدين والدنيا في بقاء العلم وبذهاب العلم تذهب الدنيا والدين فقوام الدين والدنيا انما هو بالعلم قال الاوزاعي قال ابن شهاب الزهري الاعتصام بالسنة نجاة والعلم يقبض قبضا سريعا فنعش العلم ثبات الدين والدنيا وذهاب العلم ذهاب ذل كله وقال ابن وهب اخبرني يزيد عن ابن شهاب قال بلغنا عن رجال من اهل العلم انهم كانوا يقولون الاعتصام بالسنة نجاة والعلم يقبض قبضا سريعا فنعش العلم ثبات الدين والدنيا وذهاب العلم ذهاب ذلك كله الوجه الثامن والثلاثون بعدالمائة ان العلم يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة مالا يرفعه الملك ولا المال ولا غيرهما فالعلم يزيد الشريف شرفا ويرفع العبد المملوك حتى يجلسه مجالس الملوك كما ثبت في الصحيح من حديث الزهري عن ابي الطفيل ان نافع بن عبد الحارث اتى عمر بن الخطاب بعسفان وكان عمر استعمله على اهل مكة فقال له عمر من استخلفت على اهل الوادي قال استخلفت عليهم ابن ابزي فقال من ابن ابزي فقال رجل من موالينا فقال عمر استخلفت عليهم مولى فقال إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض فقال عمر اما أن نبيكم قد قال إن الله يرفع بهذا الكتاب اقواما ويضع به آخرين قال ابو العالية كنت آتي ابن عباس وهو على سريره وحوله قريش فيأخذ بيدي فيجلسني معه على السرير فتغامز بي قريش ففطن لهم ابن عباس فقال كذا هذا العلم يزيد الشريف شرفا ويجلس المملوك على الاسرة(1\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "163",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14619",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال إبراهيم الحربي كان عطاء ابن ابي رباح عبيدا اسود لامرأة من مكة وكان انفه كأنه بالاقة قال وجاء سليمان بن عبد الملك امير المؤمنين الى عطاء هو وابناه فجلسوا اليه وهو يصلي فلما صلى انفتل اليهم فما زالوا يسألونه عن مناسك الحج وقد حول قفاه اليهم ثم قال سليمان لابنيه قوما فقاما فقال يا بني تنيا في طلب العلم فإني لا انسى ذلنا بين يدي هذا العبد الاسود قال الحربي وكان محمد بن عبد الرحمن الا وقص عنقه داخل في بدنه وكان منكباه خارجين كأنهما زجان فقالت امه يا بني لا تكون في مجلس قوم الا كنت المضحوك منه المسخور به فعليك بطلب العلم فإنه يرفعك فولى قضاء مكة عشرين سنة قال وكان الخصم إذا جلس اليه بين يديه يرعد حتى يقوم قال ومرت به امرأة وهو يقول اللهم اعتق رقبتي من النار فقالت له يا ابن اخي واي رقبة لك وقال يحيى ابن اكثم قال الرشيدي ما انبل المراتب قلت ما انت فيه يا امير المؤمنين قال فتعرف اجل مني قلت لا قال لكني اعرفه رجل في حلقه يقول حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله قال قلت يا أمير المؤمنين اهذا خير منك وانت ابن عم رسول الله وولي عهد المؤمنين قال نعم ويلك هذا خير مني لان اسمه مقترن باسم رسول الله لا يموت ابدا ونحن نموت ونفني والعلماء باقون ما بقي الدهر وقال خيثمة بن سليمان سمعت ابي الخناجر يقول كنا في مجلس ابن هارون والناس قد اجتمعوا إليه فمر امير المؤمنين فوقف علينا في المجلس وفي المجلس الوف فالتفت الى اصحابه وقال هذا الملك وفي تاريخ بغداد للخطيب حدثني ابو النجيب عبد الغفار ابن عبد الواحد قال سمعت الحسن بن علي المقري يقول سمعت أبا الحسن بن فارس يقول سمعت الاستاذ ابن العميد يقول ما كنت اظن ان في الدنيا حلاوة الذ من الرياسة والوزارة التي انا فيها حتى شهدت مذاكرة سليمان ابن ايوب بن احمد الطبراني وابي بكر الجعابي بحضرتي فكان الطبراني يغلب بكثرة حفظه وكان الجعابي يغلب الطبراني بفطنته وزكا اهل بغداد حتى ارتفعت اصواتهم ولا يكاد احدهما يغلب صاحبه فقال الجعابي عندي حديث ليس في الدنيا الا عندي فقال هاته فقال حدثنا ابو خليف حدثنا سليمان بن ايوب وحدث بالحديث فقال الطبراني انبأنا سليمان بن ايوب ومني سمع ابو خليفة فاسمع مني حتى يعلو اسنادك فإنك تروي عن ابي خليفة عني فخجل الجعابي وغلبه الطبراني قال ابن العميد فوددت في مكاني ان الوزارة والرياسة ليتها لم تكن لي وكنت الطبراني وفرحت مثل الفرح الذي فرح الطبراني لاجل الحديث او كما قال وقال المزني سمعت الشافعي يقول من تعلم القرآن عظمت قيمته ومن نظر في الفقه نبل مقداره ومن تعلم اللغة رق طبعه ومن تعلم الحساب جزل رأيه ومن كتب الحديث قويت حجته ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه وقد روى هذا الكلام عن الشافعي من وجوه متعددة وقال سفيان الثوري من ارادالدنيا والاخرة فعليه بطلب العلم وقال عبد(1\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "164",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14620",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله بن داود سمعت سفيان الثوري يقول ان هذا الحديث عز فمن اراد به الدنيا وجدها ومن اراد به الاخرة وجدها وقال النضر بن شميل من اراد ان يشرف في الدنيا والاخرة فليتعلم العلم وكفى بالمرء سعادة ان يوثق به في دين الله ويكون بين الله وبين عباده وقال حمزة بن سعيد المصري لما حدث ابو مسلم اللخمي اول يوم حدث قال لابنه كم فضل عندنا من اثمان غلاتنا قال ثلاثمائة دينار قال فرقها على اصحاب الحديث والفقراء شكرا ان أباك اليوم شهد علي رسول الله فقبلت شهادته وفي كتاب الجليس والانيس لأبي الفرج المعافي بن زكرياء الجريري حدثنا محمد بن الحسين بن دريد حدثنا ابو حاتم عن العتبي عن ابيه قال ابتنى معاوية بالابطح مجلسا فجلس عليه ومعه ابنه قرظة فإذا هو بجماعة على رحال لهم وإذا شاب منهم قد رفع عقيرته يتغنى: من يساجلني يساجل ما جدا ... يملأ الدلو الى عقد الكرب قال من هذا قالوا عبد الله بن جعفر قال خلوا له الطريق ثم إذا هو بجماعة فيهم غلام يتغنى: بينما يذكرنني ابصرتني ... عند قيد الميل يسعى بي الاغر قلن تعرفن الفتى قلن نعم ... قد عرفناه وهل يخفى القمر قال من هذا قالوا عمر بن ابي ربيعة قال خلوا له الطريق فليذهب قال ثم اذا هوبجماعة وإذا فيهم رجل يسئل فيقال له رميت قبل ان احلق وحلقت قبل ان ارمي في اشياء اشكلت عليهم من مناسك الحج فقال من هذا قالوا عبد الله بن عمر فالتفت الى ابنه قرظة وقال هذا وابيك الشرف هذا والله شرف الدنيا والاخرة وقال سفيان بن عيينة ارفع الناس منزلة عند الله من كان بين الله وبين عباده وهم الانبياء والعلماء وقال سهل التستري من أراد ان ينظر الى مجالس الانبياء فلينظر الى مجالس العلماء يجيء الرجل فيقول يا فلان ايش تقول في رجل حلف على امرأته بكذا وكذا فيقول طلقت امرأته ويجيء آخر فيقول حلفت بكذا وكذا فيقول ليس يحنث بهذا القول وليس هذا الا لنبي او عالم فاعرفوا لهم ذلك الوجه التاسع والثلاثون بعدالمائة ان النفوس الجاهلة التي لاعلم عندها قد البست ثوب الذل والازراء عليها والتنقص بها اسرع منه الى غيرها وهذا امر معلوم عند الخاص والعام قال الاعمش اني لارى الشيخ لا يروى شيئا من الحديث فاشتهى ان الطمه وقال معاوية سمعت الاعمش يقول من لم يطلب الحديث اشتهى ان أضعفه بنعليوقال هشام بن علي سمعت الاعمش يقول إذا رايت الشيخ لم يقرا القرآن ولم يكتب الحديث فاصفع له فإنه من شيوخ القمراء قال ابو صالح قلت لابي جعفر ما شيوخ القمراء قال شيوخ دهريون يجتمعون في ليالي القمر يتذاكرون أيام الناس ولا يحسن احدهم ان يتوضأ للصلاة وقال المزني كان الشافعي إذا رأى شيخا سأله عن الحديث والفقه فإن كان عنده شيء وإلا قال له لا جزاك الله خيرا عن نفسك ولا عن الاسلام قد(1\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "165",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14621",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ضيعت نفسك وضيعت الاسلام وكان بعض خلفاء بني العباس يلعب بالشطرنج فاستاذن عليه عمه فاذن له وغطى الرقعة فلما جلس قال له يا عم هل قرأت القرآن قال قال هل كتبت شيئا من السنة قال لا قال فهل نظرت في الفقه واختلاف الناس قال لا قال فهل نظرت في العربية وايام الناس قال لا قال فقال الخليفة اكشف الرقعة ثم اتم اللعب وزال احتشامه وحياؤه منه وقال له ملاعبه يا أمير المؤمنين تكشفها ومعنا من تحتشم منه قال اسكت فما معنا احد وهذا لان الانسان انما تميز عن سائ الحيوانات بما خص به من العلم والعقل والفهم فإذا عدم ذلك لم يبق فيه الا القدر المشترك بينه وبين سائر الحيوانات وهي الحيوانية البهيمية ومثل هذا لا يستحي منه الناس ولا يمنعون بحضرته وشهوده مما يستحيا منه من اولى الفضل والعلم الوجه الاربعون بعدالمائة ان كل صاحب بضاعة سوى العلم إذا علم ان غير بضاعته خير منها زهد في بضاعته ورغب في الاخرى وود انها له عوض بضاعته الا صاحب بضاعة العلم فإنه ليس يحب ان له يحظه منها حظ اصلا وكان سفيان الثوري إذا رأى الشيخ لم يكتب الحديث قال لاجزاك الله عن الاسلام خيرا قال ابو جعفر الطحاوي كنت عند احمد بن ابي عمران فمر بنا رجل من بني الدنيا فنظرت اليه وشغلت به عما كنت فيه من المذاكرة فقال لي كأني بك قد فكرت فيما اعطى هذا الرجل من الدنيا قلت له نعم قال هل ادلك على خلة هل لك ان يحول الله اليك ما عنده من المال ويحول اليه ما عندك من العلم فتعيش انت غنيا جاهلا ويعيش هو عالما فقيرا فقلت ما اختار ان يحول الله ما عندي من العلم الى ما عنده فالعلم غنى بلا مال وعز بلا عشيرة وسلطان بلا رجال وفي ذلك قيل: العلم كنز وذخر لا نفاد له ... نعم القرين إذا ما صاحب صحبا قد يجمع المرء مالا ثم يحرمه ... عما قليل فيلقى الذل والحربا وجامع العلم مغبوط به ابدا ... ولا يحاذر منه الفوت والسلبا يا جامع العلم نعم الذخر تجمعه ... لا تعدلن به درا ولا ذهبا الوجه الحادي والاربعون بعدالمائة ان الله سبحانه اخبر انه يجزى المحسنين اجرهم باحسن ما كانواي يعملون واخبر سبحانه انه يجزى على الاحسان بالعلم وهذا يدل على انه من احسن الجزاء اما المقام الاول ففي قوله تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به اولئك هم المتقون لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم اسوا الذي عملوا ويجزيهم اجرهم باحسن الذي كانوايعملون وهذا يتناول الجزاءين الدنيوي والاخروي واما المقام الثاني ففي قوله تعالى ولما بلغ اشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين قال الحسن من احسن عبادة الله في شيبته لقاه الله الحكمة عند كبر سنه وذلك قوله ولما بلغ اشده آتيناه(1\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "166",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14622",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ومن هذا قال بعض العلماء تقول الحكمة من التمسني فلم يجدني فليعمل باحسن ما يعلم وليترك اقبح ما يعلم فإذا فعل ذلك فإنا معه وإن لم يعرفني الوجه الثاني والاربعون بعدالمائة ان الله سبحانه جعل العلم للقلوب كالمطر للارض فكما انه لا حياة للارض الا بالمطر فكذلك لا حياة للقلب الا بالعلم وفي الموطأ قال لقمان لابنه يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فان الله تعالى يحيى القلوب الميتة بنور الحكمة كما يحيى الارض بوابل المطر ولهذا فإن الأرضإنا تحتاج الى المطر في بعض الاوقات فإذا تتابع عليها احتاجت الى انقطاعه واما العلم فيحتاج اليه بعدد الانفاس ولاتزيده كثرته الا صلاحا ونفعا الوجه الثالث والاربعون بعد المائة ان كثيرا من الاخلاق التي لا تحمد في الشخص بل يذم عليها تحمد في طلب العلم كالملق وترك الاستحياء والذل والتردد الى ابواب العلماء ونحوها قال ابن قتيبة جاء في الحديث ليس الملق من اخلاق المؤمنين الا في طلب العلم وهذا اثر عن بعض السلف وقال ابن عباس ذللت طالبا فعززت مطلوبا وقال وجدت عامة علم رسول الله عند هذا الحي من الانصار إن كنت لاقيل عند باب احدهم ولو شئت اذن لي ولكن ابتغى بذلك طيب نفسه وقال ابو اسحاق قال على كلمات لو رحلتم المطي فيهن لافنيتموهن قبل ان تدركوا مثلهن لايرجون عبد الا ربه ولا يخافن الا ذنبه ولا يستحيي من لاي علم ان يتعلم ولا يستحيي إذا سئل عما لا يعلم ان يقول لا أعلم واعلموا ان منزلة الصبر من الايمان كمنزلة الراس من الجسد فإذا ذهب الراس ذهب الجسد وإذا ذهب البصر ذهب الايمان ومن كلام بعض العلماء لاينال العلم مستحي ولا متكبر هذا يمنعه حياؤه من التعلم وهذا يمنعه كبره وإنما حمدت هذه الاخلاق في طلب العلم لانها طريق الى تحصيله فكانت من كمال الرجل ومفضية الى كماله ومن كلام الحسن من استتر عن طلب العلم بالحياء لبس للجهل سرباله فاقطعوا سرابيل بالحياء فانه من رؤية وجهه رق علمه وقال الخليل منزلة الجهل بين الحياء والانفة ومن كلام على رضى الله تعالى عنه قرنت الهيبة بالخيبة والحياء بالحرمان وقال إبراهيم لمنصور سل مسألة الحمقى واحفظ حفظ الاكياس وكذلك سؤال الناس هو عيب ونقص في الرجل وذلة تنافي المروءة الا في العلم فإنه عين كماله ومروءته وعزه كما قال بعض اهل العلم خير خصال الرجل السؤال عن العلم وقيل إذا جلست الى عالم فسل تفقها لاتعنتا وقال رية بن العجاج اتيت النسابة البكري فقال من انت قلت انا ابن العجاج قال قصرت وعرفت لعلك كقوم ان سكت لم يسلوني وان تكلمت لم يعوا عني قلت ارجو ان لا اكون كذلك قال ما اعداء المروءة قلت تخبرني قال بنوعم السوء ان رأوا حسنا ستروه وإن رأوا سيئا اذاعوه ثم قال إن للعلم آفة ونكدا وهجنة فآفته(1\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "167",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14623",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نسيانه ونكده الكذب فيه وهجنته نشره عندغير اهله وانشد ابن الاعرابي: ما اقرب الاشياء حين يسوقها ... قدروا بعدها إذا لم تقدر فسل الفقيه تكن فقيها مثله ... من يسع في علم بذل يمهر فتدبر العلم الذي تفتى به ... لا خير في علم بغير تدبر ولقد يجد المرء وهو مقصر ... ويخيب جدالمرء غير مقصر ذهب الرجال المقتدي بفعالهم ... والمنكرون لكل امر منكر وبقيت في خلف يزين بعضهم ... بعضا ليدفع معور عن معور وللعلم ست مراتب اولها حسن السؤال الثانية حسن الانصات والاستماع الثالثة حسن الفهم الرابعة الحفظ الخامسة التعليم السادسة وهي ثمرته وهي العمل به ومراعاة حدوده فمن الناس من يحرمه لعدم حسن سؤاله أما لانه لا يسال بحال او يسال عن شيء وغيره اهم اليه منه كمن يسأل عن فضوله التي لا يضر جهله بها ويدع مالا غنى له عن معرفته وهذه حال كثير من الجهال المتعلمين ومن الناس من يحرمه لسوء انصاته فيكون الكلام والممارات آثر عنده وأحب اليه من الانصاب وهذه آفة كامنة في اكثر النفوس الطالبة للعلم وهي تمنعهم علما كثيرا ولو كان حسن الفهم ذكر ابن عبد البر عن بعض السلف انه قال من كان حسن الفهم رديء الاستماع لم يقم خيره بشره وذكر عبد الله بن احمد في كتاب العلل له قال كان عروة بن الزبير يحب مماراة ابن عباس فكان يخزن علمه عنه وكان عبيد الله بن عبد الله بن عتبة يلطف له في السؤال فيعزه بالعلم عزا وقال ابن جريج لم أستخرج العلم الذي استخرجت من عطاء إلا برفقي به وقال بعض السلف إذا جالست العالم فكن على ان تسمع احرص منك على ان تقول وقد قال الله تعالى إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد فتأمل ما تحت هذه الالفاظ من كنوز العلم وكيف تفتح مراعاتها للعبد ابواب العلم والهدى وكيف ينغلق باب العلم عنه من اهمالها وعدم مراعاتها فإنه سبحانه أمر عباده ان يتدبروا آياته المتلوة المسموعة والمرئية المشهودة بما تكون تذكرة لمن كان له قلب فإن من عدم القلب الواعي عن الله لم ينتفع بكل آية تمر عليه ولو مرت به كل آية ومرور الايات عليه كطلوع الشمس والقمر والنجوم ومرورها على من لا بصر له فإذا كان له قلب كان بمنزلة البصير إذا مرت به المرئيات فإنه يراها ولكن صاحب القلب لا ينتفع بقلبه الا بأمرين احدهما ان يحضره ويشهده لما يلقى اليه فإن كان غائبا عنه مسافرا في الاماني والشهوات والخيالات لا ينتفع به فإذا احضره اشهده لم ينتفع الا بان يلقى سمعه ويصغى بكليته الى مايوعظ به ويرشد اليه وها هنا ثلاثة(1\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "168",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14624",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "امور احدها سلامة القلب وصحته وقبوله الثاني احضاره وجمعه ومنعه من الشرود والتفرق الثالث القاء السمع وأصغاؤه والاقبال على الذكر فذكر الله تعالى الامور الثلاثة في هذه الاية قال ابن عطية القلب هنا عبارة عن العقل إذ هو محله والمعنى لمن كان له قلب واع ينتفع به قال وقال الشبلي قلب حاضر مع الله لا يغفل عنه طرفة عين وقوله او القى السمع وهو شهيد معناه صرف سمعه الى هذه الانباء الواعظة واثبته في سمعه فذلك القاء له عليها ومنه قوله والقيت عليك محبة مني أي اثبتها عليك وقوله وهو شهيد قال بعض المتأولين معناه وهو شاهد مقبل على الامر غير معرض عنه ولا مفكر في غير ما يسمع قال وقال قتادة هي إشارة إلى اهل الكتاب فكأنه قال ان هذه العبر لتذكرة لمن له فهم فتدبر الأمر او لمن سمعها من اهل الكتاب فشهد بصحتها لعلمه بها من كتابه التوراة وسائر كتب بني اسرائيل قال فشهيد على التأويل الاول من المشاهدة وعلى التاويل الثاني من الشهادة وقال الزجاج معنى من كان له قلب من شرف قلبه الى التفهم الا ترى ان قوله صم بكم عمي انهم لم يستمعوا استماع مستفهم مسترشد فجعلوا بمنزلة من لم يسمع كما قال الشاعر اصم عما ساءه سميع ومعنى او القى السمع استمع ولم يشغل قلبه بغير ما يستمع والعرب تقول الق الى سمعك أي استمع مني وهو شهيد أي قلبه فيما يسمع وجاء في التفسير انه يعني به اهل الكتاب الذين عندهم صفة النبي فالمعنى او القى السمع وهو شهيد اشاهد ان صفة النبي في كتابه وهذا هو الذي حكاه ابن عطية عن قتادة وذكر ان شهيدا فيه بمعنى شاهد أي مخبر وقال صاحب الكشاف لمن كان له قلب واع لان من لا يعي قلبه فكانه لا قلب له والقاء السمع والاصغاء وهو شهيد أي حاضر بفطنته لان من لا يحضر ذهنه فكأنه غائب او هو مؤمن شاهد على صحته وانه وحي من الله وهو بعض الشهداء في قوله لتكونوا شهداء على الناس وعن قتادة وهو شاهد على صدقه من اهل الكتاب لوجود نعته عنده فلم يختلف في ان المراد بالقلب القلب الواعي وان المراد بالقاء السمع إصغاؤه وإقباله على المذكر وتفريغ سمعه له واختلف في الشهيد على اربعة اقوال احدها انه من المشاهدة وهي الحضور وهذا اصح الاقوال ولا يليق بالاية غيره الثاني انه شهيد من الشهادة وفيه على هذه ثلاثة اقوال احدها انه شاهد على صحة ما معه من الايقان الثاني انه شاهد من الشهداء على الناس يوم القيامة الثالث انه شهادة من الله عنده على صحة نبوة رسول الله بما علمه من الكتب المنزلة والصواب القول الاول فإن قوله وهو شهيد جملة حالية والواو فيها واو الحال أي القى السمع في هذه الحال وهذا يقتضى ان يكون حال القائه السمع شهيدا(1\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "169",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14625",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا هو من المشاهدة والحضور ولو كان المراد به الشهادة في الاخرة او الدنيا لما كان لتقييدها بالقاء السمع معنى اذ يصير الكلام ان في ذلك لاية لمن كان له قلب او القي السمع حال كونه شاهدا بما معه في التوراة او حال كونه شاهدا يوم القيامة ولا ريب ان هذا ليس هو المراد بالاية وايضا فالاية عامة في كل من له قلب والقى السمع فكيف يدعى تخصيصها بمؤمني اهل الكتاب الذين عندهم شهادة من كتبهم على صفة النبي وأيضا فالسورة مكية والخطاب فيها لا يجوز ان يختص بأهل الكتاب ولا سيما مثل هذا الخطاب الذي علق فيه حصول مضمون الاية ومقصودها بالقلب الواعي وإلقاء السمع فكيف يقال هي في اهل الكتاب فإن قيل المختص بهم قوله وهو شهيد فهذا افسد وافسد لان قوله وهو شهيد يرجع الضمير فيه الى جملة من تقدم وهو من له قلب او القى السمع فكيف يدعى عوده الى شيء غايته ان يكون بعض المذكور اولا ولا دلالة في اللفظ عليه وأيضا فإن المشهود به محذوف ولا دلالة في اللفظ عليه فلو كان المراد به وهو شاهد بكذا لذكر المشهود به إذ ليس في اللفظ ما يدل عليه وهذا بخلاف ما إذا جعل من الشهود وهو الحضور فإنه لايقتضى مفعولا مشهودا به ليتم الكلام بذكره وحده وايضا فإن الاية تضمنت تقسيما وترديدا بين قسمين احدهما من كان له قلب والثاني من القى السمع وحضر بقلبه ولم يغب فهو حاضر القلب شاهده لا غائبه وهذا والله اعلم سر الاتيان باو دون الواو لأن المنتفع بالايات من الناس نوعان احدهما ذو القلب الواعي الزكي الذي يكتفي بهدايته بأدنى تنبيه ولا يحتاج الى ان يستجلب قلبه ويحضره ويجمعه من مواضع شتاته بل قلبه واع زكي قابل للهدى غير معرض عنه فهذا لا يحتاج الا الى وصول الهدى اليه فقط لكمال استعداه وصحة فطرته فإذا جاءه الهدى سارع قلبه الى قبوله كانه كان مكتوبا فيه فهو قد أدركه مجملا ثم جاء الهدى بتفصيل ما شهد قلبه بصحته مجملا وهذه حال أكمل الخلق استجابة لدعوة الرسل كما هي حال الصديق الاكبر رضي الله عنه والنوع الثاني من ليس له هذا الاستعداد والقبول فإذا ورد عليه الهدى اصغى اليه بسمعه واحضر قلبه وجمع فكرته عليه وعلم صحته وحسنه بنظره واستدلاله وهذه طريقة اكثر المستجيبين ولهم نوع ضرب الامثال وإقامة الحجج وذكر المعارضات والاجوبة عنها والاولون هم الذين يدعون بالحكمة وهؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة فهؤلاء نوعا المستجيبين واما المعارضون المدعون للحق فنوعان نوع يدعون بالمجادلة بالتي هي احسن فان استجابوا وإلا فالمجادلة فهؤلاء لا بد لهم من جدال او جلاد ومن تأمل دعوة القرآن وجدها شاملة لهؤلاء الاقسام متناولة لها كلها كما قال تعالى ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن فهؤلاء المدعوون بالكلام واما اهل الجلاد فهم الذين امر الله قتالهم حتى لاتكون فتنة ويكون الدين كله لله واما من فسر الاية(1\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "170",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14626",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأن المراد بمن كان له قلب هو المستغنى بفطرته عن علم المنطق وهو المؤيد بقوة قدسية ينال بها الحد الاوسط بسرعة فهو لكمال فطرته مستغن عن مراعات اوضاع المنطق والمراد بمن القى السمع وهو شهيد من ليست له هذه القوة فهو محتاج الى تعلم المنطق ليوجب له مراعاته وإصغاؤه اليه ان لا يزيغ في فكره وفسر قوله ادع الى سبيل ربك بالحكمة انها القياس البرهاني والموعظة الحسنة القياس الخطابي وجادلهم بالتي هي احسن القياس الجدلي فهذا ليس من تفاسير الصحابة ولا التابعين ولا احد من ائمة التفسير بل ولا من تفاسير المسلمين وهو تحريف لكلام الله تعالى وحمل له على اصطلاح المنطقية المبخوسة الحظ من العقل والايمان وهذا من جنس تفاسير القرامطة والباطنية وغلاة الاسماعيلية لما يفسرونه من القرآن وينزلونه على مذاهبهم الباطلة والقرآن بريء من ذلك كله منزه عن هذه الاباطيل والهذيانات وقد ذكرنا بطلان ما فسر به المنطقيون هذه الاية التي نحن فيها والاية الاخرى في موضع آخر من وجوه متعددة وبينا بطلانه عقلا وشرعا ولغة وعرفا وأنه يتعالى كلام الله عن حمله على ذلك وبالله التوفيق والمقصود بيان حرمان العلم من هذه الوجوه الستة احدها ترك السؤال الثاني سوء الانصات وعدم القاء السمع الثالث سوء الفهم الرابع عدم الحفظ الخامس عدم نشره وتلعيمه فإن من خزن علمه ولم ينشره ولم يعلمه ابتلاه الله بنسيانه وذهابه منه جزاء من جنس عمله وهذا أمر يشهد به الحس والوجود السادس عدم العمل به فإن العمل به يوجب تذكره وتدبره ومراعاته والنظر فيه فإذا اهمل العمل به نسيه قال بعض السلف كنا نستعين على حفظ العلم بالعمل به وقال بعض السلف ايضا العلم يهتف بالعمل فإن اجابه حل والا ارتحل فالعمل به من اعظم اسباب حفظه وثباته وترك العمل به أضاعه له فما استدر العلم ولا استجلب بمثل العمل قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به وأما قوله تعالى واتقوا الله ويعلمكم الله فليس من هذا الباب بل هما جملتان مستقلتان طلبية وهي الامر بالتقوى وخبرية وهي قوله تعالى ويعلمكم الله أي والله يعلمكم ما تتقون وليست جوابا للأمر بالتقوى ولو أريد بها الجزاء لأتى بها مجزومة مجردة عن الواو فكان يقول واتقوا الله يعلمكم او إن تتقوه يعلمكم كما قال إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا فتدبره الوجه الرابع والاربعون بعد المائة ان الله سبحانه نفى التسوية بين العالم وغيره كما نفى التسوية بين الخبيث والطيب وبين الاعمى والبصير وبين النور والظلمة وبين الظل والحرور وبين اصحاب الجنة واصحاب النار وبين الابكم العاجز الذي لا يقدر على شيء ومن يامر بالعدل وهو على صراط مستقيم وبين المؤمنين والكفار وبين الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمفسدين في الارض وبين المتقين(1\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "171",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14627",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والفجار فهذه عشرة مواضع في القرآن نفى فيها التسوية بين هؤلاء الاصناف وهذا يدل على ان منزلة العالم من الجاهل كمنزلة النور من الظلمة والظل من الحرور والطيب من الخبيث ومنزلة كل واحد من هذه الاصناف مع مقابلة وهذا كاف في شرف العلم وأهله بل إذا تأملت هذه الاصناف كلها ووجدت نفي التسوية بينها راجعا الى العلم وموجبه فيه وقع التفضيل وانتفت المساواة الوجه الخامس والاربعون بعدالمائة ان سليمان لما توعد الهدهد بأن يعذبه عذابا شديدا او يذبحه إنما نجا منه بالعلم واقدم عليه في خطابه له بقوله احطت بما لم تحط به خبرا وهذا الخطاب إنما جرأه عليه العلم وإلا فالهدهد مع ضعفه لا يتمكن من خطابه لسليمان مع قوته بمثل هذا الخطاب لولا سلطان العلم ومن هذا الحكاية المشهورة ان بعض اهل العلم سئل عن مسالة فقال لا اعلمها فقال احد تلامذته انا اعلم هذه المسألة فغضب الاستاذ وهم به فقال له ايها الاستاد لست اعلم من سليمان بن داود ولو بلغت في العلم ما بلغت ولست انا اجهل من الهدهد وقد قال لسليمان احطت بما لم تحط به فلم يعتب عليه ولم يعنفه الوجه السادس والاربعون بعدالمائة إن من نال شيئا من شرف الدنيا والآخرة فإنما ناله بالعلم وتامل ما حصل لادم من تميزه على الملائكة واعترافهم له بتعليم الله له الاسماء كلها ثم ما حصل له من تدارك المصيبة والتعويض عن سكنى الجنة بما هو خير له منها بعلم الكلمات التي تلقاها من ربه وما حصل ليوسف من التمكين في الارض والعزة والعظمة بعلمه بتعبير تلك الرؤيا ثم علمه بوجوه استخراج اخيه من إخوته بما يقرون به ويحكمون هم به حتى ال الامر الى ما آل اليه من العز والعاقبة الحميدة وكمال الحال التي توصل اليها بالعلم كما اشار اليها سبحانه في قوله كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ اخاه في دين الملك إلا ان يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم جاء في تفسيرها نرفع درجات من نشاء بالعلم كما رفعنا درجة يوسف على اخوته بالعلم وقال في إبراهيم وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء فهذه رفعة بعلم الحجة والاول رفعة بعلم السياسة وكذلك ما حصل للخضر بسبب علمه من تلمذة كليم الرحمن له وتلطفه معه في السؤال حتى قال هل اتبعك على ان تعلمن مما علمت رشدا وكذلك ما حصل لسليمان من علم منطق الطير حتى وصل الى ملك سبأ وقهر ملكتهم واحتوى على سرير ملكها ودخولها تحت طاعته ولذلك قال يايها الناس علمنا منطق الطير واوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين وكذلك ما حصل لداود من علمه نسج الدروع من الوقاية من سلاح الاعداء وعدد سبحانه هذه النعمة بهذا العلم على عباده فقال وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل انتم شاكرون وكذلك ما حصل للمسيح من علم الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل ما رفعه الله(1\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "172",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14628",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به اليه وفضله وكرمه وكذلك ما حصل لسيد ولد آدم من العلم الذي ذكره الله به نعمة عليه فقال وانزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما الوجه السابع والاربعون بعدالمائة ان الله سبحانه اثنى على إبراهيم خليله بقوله تعالى إن إبراهيم كان امة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه فهذه اربع انواع من الثناء افتتحها بأنه امة والامة هو القدوة الذي يؤتم به قال ابن مسعود والامة المعلم للخير وهي فعلة من الائتمام كقدوة وهو الذي يقتدي به والفرق بين الامة والامام من وجهين احدهما ان الامام كل ما يؤتم به سواء كان بقصده وشعوره اولا ومنه سمى الطريق إماما كقوله تعالى وإن كان اصحاب الايكة لظالمين فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين أي بطريق واضح لا يخفى على السالك ولا يسمى الطريق امة الثاني ان الامة فيه زيادة معنى وهو الذي جمع صفات الكمال من العلم والعمل بحيث بقي فيها فردا وحده فهو الجامع لخصال تفرقت في غيره فكأنه باين غيره باجتماعها فيه وتفرقها او عدمها في غيره ولفظ الامة يشعر بهذا المعنى لما فيه من الميم المضعفة الدالة على الضم بمخرجها وتكريرها وكذلك ضم اوله فإن الضمة من الواو ومخرجها ينضم عند النطق بها وأتى بالتاء الدالة على الوحدة كالغرفة واللقمة ومنه الحديث إن زيد بن عمرو بن نفيل يبعث يوم القيامة أمة وحده فالضم والاجتماع لازم لمعنى الامة ومنه سميت الامة التي هي آحاد الامم لانهم الناس المجتمعون على دين واحد او في عصر واحد الثاني قوله قانتا لله قال ابن مسعود القانت المطيع والقنوت يفسر باشياء كلها ترجع الى دوام الطاعة الثالث قوله حنيفا والحنيف المقبل على الله ويلزم هذا المعنى ميله عما سواه فالميل لازم معنى الحنيف لا انه موضوعه لغة الرابع قوله شاكرا لانعمه والشكر للنعم مبني على ثلاثة اركان الاقرار بالنعمة وإضافتها الى المنعم بها وصرفها في مرضاته والعمل فيها بما يجب فلا يكون العبد شاعرا إلا بهذه الاشياء الثلاثة والمقصود انه مدح خليله باربع صفات كلها ترجع الى العلم والعمل بموجبه وتعليمه ونشره فعاد الكمال كله الى العلم والعمل بموجبه ودعوة الخلق اليه الوجه الثامن والاربعون بعدالمائة قوله سبحانه عن المسيح انه قال اني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا اينما كنت قال سفيان بن عيينة جعلني مباركا اينما كنت قال معلما للخير وهذا يدل على ان تعليم الرجل الخير هو البركة التي جعلها الله فيه فإن البركة حصول الخير ونماؤه ودوامه وهذا في الحقيقة ليس إلا في العلم الموروث عن الانبياء وتعليمه ولهذا سمى سبحانه كتابه مباركا كما قال تعالى وهذا ذكر مبارك انزلناه وقال كتاب انزلناه اليك مبارك ووصف رسوله بأنه مبارك كما في قول المسيح وجعلني مباركا اينما كنت فبركة كتابه ورسوله هي سبب ما يحصل بهما من العلم والهدى والدعوة الى الله الوجه التاسع والاربعون(1\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "173",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14629",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعد المائة ما في الصحيح عن ابي هريرة رضي الله عنه عن النبي انه قال إذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث صدقة جارية او علم ينتفع به او ولد صالح يدعو له رواه مسلم في الصحيح وهذا من اعظم الادلة على شرف العلم وفضله وعظم ثمرته فإن ثوابه يصل الى الرجل بعد موته ما دام ينتفع به فكأنه حي لم ينقطع عمله مع ماله من حياة الذكر والثناء فجريان اجره عليه إذا انقطع عن الناس ثواب اعمالهم حياة ثانية وخص النبي هذه الاشياء الثلاثة بوصول الثواب الى الميت لانه سبب لحصولها والعبد إذا باشر السبب الذي يتعلق به الامر والنهي يترتب عليه مسببه وإن كان خارجا عن سعيه وكسبه فلما كان هو السبب في حصول هذا الولد الصالح والصدقة الجارية والعلم النافع جرى عليه ثوابه واجره لتسببه فيه فالعبد إنما يثاب على ما باشره او على ما تولد منه وقد ذكر تعالى هذين الاصلين في كتابه في سورة براءة فقال ذلك بانهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا بغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا الا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع اجر المسحنين فهذه الامور كلها متولدات عن افعالهم غير مقدوره لهم وإنما المقدور لهم اسبابها التي باشروها ثم قال ولا ينتفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا الا كتب لهم ليجزيهم الله احسن ما كانوا يعملون فالنفقة وقطع الوادي افعال مقدورة لهم وقال في القسم الاول كتب لهم به عمل صالح إلا ان المتولد حاصل عن شيئين افعالهم وغيرها فليست افعالهم سببا مستقلا في حصول المتولد بل هي جزء من اجزاء السبب فيكتب لهم من ذلك ما كان مقابلا لافعالهم وايضا فإن الظمأ والنصب وغيظ العدو ليس من أفعالهم فلا يكتب لهم نفسه ولكن لما تولد عن افعالهم كتب لهم به عمل صالح واما القسم الاخر وهو الافعال المقدورة نفسها كالانفاق وقطع الوادي فهو عمل صالح فيكتب لهم نفسه إذ هو مقدور لهم حاصل بارادتهم وقدرتهم فعاد الثواب الى الافعال المقدورة والمتولد عنها وبالله التوفيق الوجه الخمسون بعدالمائة ما ذكره ابن عبد البر عن عبد الله بن داود قال إذا كان يوم القيامة عزل الله تبارك وتعالى العلماء عن الحساب فيقول ادخلوا الجنة على ما كان فيكم إني لم اجعل علمي فيكم الا لخير اردته بكم قال ابن عبد البر وزاد غيره في هذا الخبر أن الله يحبس العلماء يوم القيامة في زمرة واحدة حتى يقضي بين الناس ويدخل أهل الجنة الجنة واهل النار النار ثم يدعو العلماء فيقول يا معشر العلماء أني لم اضع حكمتي فيكم وانا اريد ان اعذبكم قد علمت انكم تخلطون من المعاصي ما يخلط غيركم فسترتها عليكم وغفرتها لكم وإنما كنت اعبد بفتياكم وتعليمكم عبادي ادخلوا الجنة بغير حساب ثم قال لا معطي لما منع ولا مانع لما اعطى قال وروى نحو هذا(1\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "174",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14630",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعنى باسناد متصل مرفوع وقد روى حرب الكرماني في مسائله نحوه مرفوعا وقال إبراهيم بلغني انه إذا كان يوم القيامة توضع حسنات الرجل في كفه وسئياته في الكفة الأخرى فتشيل حسناته فإذا يئس فظن انها النار جاء شيء مثل السحاب حتى يقع من حسناته فتشيل سيئاته قال فيقال له اتعرف هذا من عملك فيقول لا فيقال هذا ما علمت الناس من الخير فعمل به من بعدك فإن قيل فقواعدالشرع تقتضي ان يسامح الجاهل بما لا يسامح به العالم وانه يغفر له مالا يغفر للعالم فإن حجة الله عليه اقوم منها على الجاهل وعلمه بقبح المعصية وبغض الله لها وعقوبته عليها اعظم من علم الجاهل ونعمة الله عليه بما اودعه من العلم اعظم من نعمته على الجاهل وقد دلت الشريعة وحكم الله على ان من حبي بالانعام وخص بالفضل والاكرام ثم اسام نفسه مع ميل الشهوات فارتعها في مراتع الهلكات وتجرأ على انتهاك الحرمات واستخف بالتبعات والسيئات انه يقابل من الانتقام والعتب بما لا يقابل به من ليس في مرتبته وعلى هذا جاء قوله تعالى يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا ولهذا كان حد الحر ضعف حدالعبد في الزنا والقذف وشرب الخمر لكمال النعمة على الحر ومما يدل على هذا الحديث المشهور الذي اثبته ابو نعيم وغيره عن النبي انه قال اشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه قال بعض السلف يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل ان يغفر للعالم ذنب وقال بعضهم ايضا إن الله يعافي الجهال مالا يعا 4 في لللعماء الجواب ان هذا الذي ذكرتموه حق لا ريب فيه ولكن من قواعدالشرع والحكمة ايضا ان من كثرت حسناته وعظمت وكان له في الاسلام تأثير ظاهر فإنه يحتمل له مالا يحتمل لغيره ويعفي عنه مالا يعفي عن غيره فإن المعصية خبث والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث بخلاف الماء القليل فإنه لا يحمل ادنى خبث ومن هذا قول النبي لعمر وما يدريك لعل الله اطلع على اهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وهذا هو المانع له من قتل من حس عليه وعلى المسلمين وارتكب مثل ذلك الذنب العظيم فأخبر انه شهد بدرا فدل على ان مقتضى عقوبته قائم لكن منع من ترتب اثره عليه ماله من المشهد العظيم فوقعت تلك السقطة العظيمة مغتفرة في جنب ماله من الحسنات ولما حض النبي على الصدقة فأخرج عثمان رضى الله عنه تلك الصدقة العظيمة قال ماضر عثمان ما عمل بعدها وقال لطلحة لما تطاطأ للنبي حتى صعد على ظهره الى الصخرة اوجب طلحة وهذا موسى كلم الرحمن عز وجل القى الالواح التي فيها كلام الله الذي كتبه له القاها على الارض حتى تكسرت ولطم عين ملك الموت ففقأها وعاتب ربه ليلة الاسراء في النبي وقال شاب بعث بعدي يدخل الجنة من امته اكثر مما يدخلها من امتي واخذ بلحية(1\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "175",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14631",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هارون وجره اليه وهو نبي الله وكل هذا لم ينقص من قدرة شيئا عند ربه وربه تعالى يكرمه ويحبه فإن الامر الذي قام به موسى والعدو الذي برز له والصبر الذي صبره والاذى الذي اوذيه في الله امر لا تؤثر فيه امثال هذه الامور ولا تغير في وجهه ولا تخفض منزلته وهذا امر معلوم عند الناس مستقر في فطرهم ان من له الوف من الحسنات فإنه يسامح بالسيئة والسيئتين ونحوها حتى انه ليختلج داعي عقوبته على إساءته وداعي شكره على إحسانه فيغلب داعي الشكر لداعي العقوبة كما قيل: وإذا الجيب اتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع وقال آخر: فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا ... فافعاله اللاتي سررن كثير والله سبحانه يوازن يوم القيامة بين حسنات العبد وسيئاته فايهما غلب كان التأثير له فيفعل باهل الحسنات الكثيرة والذين آثروا محابه ومراضيه وغلبتهم دواعي طبعهم احيانا من العفو والمسامحة مالا يفعله مع غيرهم وايضا فان العالم إذا زل فإنه يحسن اسراع الفيئة وتدارك الفارط ومداواة الجرح فهو كالطبيب الحاذق البصير بالمرض وأسبابه وعلاجه فإن زواله على يده اسرع من زواله على يد الجاهل وأيضا فإن معه من معرفته بأمر الله وتصديقه بوعده ووعيده وخشيته منه ازرائه على نفسه بارتكابه وإيمانه بأن الله حرمه وان له ربا يغفر الذنب ويأخذ به الى غير ذلك من الامور المحبوبة للرب ما يغمر الذنب ويضعف اقتضائه ويزيل اثره بخلاف الجاهل بذلك او اكثره فإنه ليس معه الا ظلمة الخطيئة وقبحها واثارها المردية فلا يستوى هذا وهذا وهذا فصل الخطاب في هذا الموضع وبه يتبين ان الامرين حق وانه لا منافاة بينهما وان كل واحد من العالم والجاهل إنما زاد قبح الذنب منه عى الاخر بسبب جهله وتجرد خطيئته عما يقاومها ويضعف تاثيرها ويزيل اثرها فعاد القبح في الموضعين الى الجهل وما يستلزمه وقلته وضعفه الى العلم وما يستلزمه وهذا دليل ظاهر على شرف العلم وفضله وبالله التوفيق الوجه الحادي والخمسون بعدالمائة ان العالم مشتغل بالعلم والتعليم لا يزال في عبادة فنفس تعلمه وتعليمه عبادة قال ابن مسعود لايزال الفقيه يصلى قالوا وكيف يصلى قال ذكر الله على قلبه ولسانه ذكره ابن عبد البر وفي حديث معاذ مرفوعا وموقوفا تعلموا العلم فإن تعلمه لله حسنة وطلبه عبادة ومذاكرته تسبيح وقدتقدم والصواب انه موقوف وذكر ابن عبد البر عن معاذ مرفوعا لان تغدو فتتعلم بابا من ابواب العلم خير لك من ان تصلي مائة ركعة وهذا لا يثبت رفعه وقال ابن وهب كنت عند مالك بن انس فحانت صلاة الظهر او العصر وانا اقرأ عليه وانظر في العلم بين يديه فجمعت كتبي وقمت لاركع فقال لي مالك ما هذا فقلت اقوم الى الصلاة فقال ان هذا لعجب ما الذي قمت اليه افضل من الذي كنت فيه إذا صحت فيه النية وقال الربيع سمعت الشافعي يقول طلب العلم افضل من الصلاة النافلة وقال سفيان الثوري(1\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "176",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14632",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما من عمل افضل من طلب العلم إذا صحت فيه النية وقال رجل للمعافي بن عمران ايما احب الليل اقوم اصلي اليك كله او اكتب الحديث فقال حديث تكتبه احب الي من قيامك من اول الليل إلى آخره وقال ايضا كتابة حديث واحد احب الي من قيام ليلة وقال ابن عباس تذاكر العلم بعض ليلة احب الي من إحيائها وفي مسائل اسحاق بن منصور قلت لاحمد بن حنبل قوله تذاكر العلم بعض ليلة احب الي من إحيائها أي علم اراد قال هو العلم الذي ينتفع به الناس في أمر دينهم قلت في الوضوء والصلاة والصوم والحج والطلاق ونحو هذا قال نعم قال اسحاق وقال لي اسحاق بن راهويه هو كما قال احمد وقال ابو هريرة لان اجلس ساعة فاتفقه في ديني احب الي من احياء ليلة الى الصباح وذكر ابن عبد البر من حديث ابي هريرة يرفعه لكل شيء عماد وعماد هذا الدين الفقه وما عبد الله بشيء افضل من فقه في الدين الحديث وقد تقدم وقال محمد بن علي الباقر عالم ينتفع بعلمه افضل من الف عابد وقال ايضا رواية الحديث وبثه في الناس افضل من عبادة الف عابد ولما كان طلب العلم والبحث عنه وكتابته والتفتيش عليه من عمل القلب والجوارح كان من افضل الاعمال ومنزلته من عمل الجوارح كمنزله اعمال القلب من الاخلاص والتوكل والمحنة والانابة والخشية والرضا ونحوها من الاعمال الظاهرة فإن قيل فالعلم إنما هو وسيلة الى العمل ومراد له والعمل هو الغاية ومعلوم ان الغاية اشرف من الوسيلة فكيف تفضل الوسائل على غاياتها قيل كل من العلم والعمل ينقسم قسمين منه ما يكون وسيلة ومنه ما يكون غاية فليس العلم كله وسيلة مرادة لغيرها فإن العلم بالله واسمائه وصفاته هو اشرف العلوم على الاطلاق وهو مطلوب لنفسه مراد لذاته قال الله تعالى الله الذي خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا ان الله على كل شيء قدير وان الله قد احاط بكل شيء علما فقد اخبر سبحانه انه خلق السموات والأرض ونزل الامر بينهن ليعلم عباده انه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير فهذا العلم هو غاية الخلق المطلوبة وقال تعالى فاعلم انه لا اله الا الله فالعلم بوحدانيته تعالى وأنه لا إله الا هو مطلوب لذاته وان كان لا يكتفى به وحده بل لا بد معه من عبادته وحده لا شريك له فهما امران مطلوبان لانفسهما ان يعرف الرب تعالى باسمائه وصفاته وأفعاله واحكامه وان يعبد بموجبها ومقتضاها فكما ان عبادته مطلوبة مرادة لذاتها فكذلك العلم به ومرفته وايضا فإن العلم من افضل انواع العبادات كما تقدم تقريره فهو متضمن للغاية الوسيلة وقولكم ان العمل غاية اما ان تريدوا به العمل الذي يدخل فيه عمل القلب والجوارح او العمل المختص بالجوارح فقط فإن اريد الاول فهو حق وهو يدل على ان العلم غاية مطلوبة لانه من اعمال القلب كما تقدم وان اريد به الثاني وهو عمل الجوارح فقط فليس بصحيح فإن اعمال القلوب مقصودة(1\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "177",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14633",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومراده لذاتها بل في الحقيقة اعمال الجوارح وسيلة مرادة لغيرها فإن الثواب والعقاب والمدح والذم وتوابعها هو للقلب اصلا وللجوارح تبعا وكذلك الاعمال المقصودة بها اولا صلاح القلب واستقامته وعبوديته لربه ومليكه وجعلت اعمال الجوارح تابعة لهذا المقصود مرادة وان كان كثير منها مرادا لاجل المصلحة المترتبة عليه فمن اجلها صلاح القلب وزكاه وطهارته واستقامته فعلم ان الاعمال منها غاية ومنها وسيلة وان العلم كذلك وايضا فالعلم الذي هو وسيلة الى العمل فقط إذا تجرد عن العمل لم ينتفع به صاحبه فالعمل اشرف منه وأما العلم المقصود الذي تنشأ ثمرته المطلوبة منه من نفسه فهذا لا يقال ان العمل المجرد اشرف منه فكيف يكون مجرد العبادة البدنية افضل من العلم بالله واسمائه وصفاته وأحكامه في خلقه وامره ومن العلم بأعمال القلوب وآفات النفوس والطرق التي تفسد الاعمال وتمنع وصولها من القلب الى الله والمسافات التي بين الاعمال والقلب وبين القلب والرب تعالى وبما تقطع تلك المسافات الى غير ذلك من علم الايمان وما يقويه وما يضعفه فكيف يقال ان مجرد التعبد الظاهر بالجوارح افضل من هذا العلم بل من قام بالامرين فهو اكمل وإذا كان في احدهما فضل ففضل هذا العلم خير من فضل العبادة فاذ كان في العبد فضلة عن الواجب كان صرفها الى العلم الموروث عن الانبياء افضل من صرفها الى مجرد العبادة فهذا فصل الخطاب في هذه المسئلة والله اعلم الوجه الثاني والخمسون بعدالمائة ما رواه الامام احمد والترمذي من حديث ابي كبشة الانماري قال قال رسول الله انما الدنيا لأربعة نفر عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي في ماله ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقا فهذا باحسن المنازل عند الله ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا فهو يقول لو ان لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته وهما في الاجر سواء ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو يخبط في ماله ولا يتقي فيه ربه ولا يصل في رحمه ولا يعلم لله فيه حقا فهذا بأسوا المنازل عند الله ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما فهو يقول لو ان لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته وهما في الوزر سواء حديث صحيح صححه الترمذي والحاكم وغيرهما فقسم النبي اهل الدنيا أربعة اقسام خيرهم من اوتي علما ومالا فهو محسن الى الناس وإلى نفسه بعلمه وماله ويليه في المرتبة من اوتي علما ولم يؤت مالا وان كان اجرهما سواء فذلك إنما كان بالنية والا فالمنفق المتصدق فوقه بدرجة الانفاق والصدقة والعالم الذي لا مال له إنما ساواه في الاجر بالنية الجازمة المقترن بها مقدورهما وهو القول المجرد الثالث من اوتي مالا ولم يؤت علما فهذا اسوأ الناس منزلة عند الله لان ماله طريق الى هلاكه فلو عدمه لكان خيرا له فإنه اعطى ما يتزود به الى الجنة فجعله زادا له الى النار الرابع من لم يؤت مالا(1\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "178",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14634",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا علما ومن نيته انه لو كان له مال لعمل فيه بمعصية الله فهذا يلي الغني الجاهل في المرتبة ويساويه في الوزر بنيته الجازمة المقترن بها مقدورها وهو القول الذي لم يقدر على غيره فقسم السعداء قسمين وجعل العلم والعمل بموجبه سبب سعادتهما وقسم الاشقياء قسمين وجعل الجهل وما يترتب عليه سبب شقاوتهما فعادت السعادة بجملتها الى العلم وموجبه والشقاوة بجملتها الى الجهل وثمرته الوجه الثالث والخمسون بعد المائة ما ثبت عن بعض السلف انه قال تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة وسال رجل أم الدرداء بعد موته عن عبادته فقالت كان نهاره اجمعه في بادية التفكر وقال الحسن تفكر ساعة خير من قيام ليلة وقال الفضل التفكر مرآة تريك حسناتك وسيئاتك وقيل لابراهيم إنك تطيل الفكرة فقال الفكرة مخ العقل وكان سفيان كثيرا ما يتمثل: إذا المرء كانت له فكرة ... ففي كل شيء له عبرة وقال الحسن في قوله تعالى سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق قال أمنعهم التفكر فيها وقال بعض العارفين لو طالعت قلوب المتقين بفكرها الى ما قدر في حجب الغيب من خير الاخرة لم يصف لهم في الدنيا عيش ولم تقر لهم فيها عين وقال الحسن طول الوحدة أتم للفكرة وطول الفكرة دليل على طريق الجنة وقال وهب ما طالت فكرة احد قط الا علم وما علم امرؤ قط الا عمل وقال عمر بن عبد العزيز الفكرة في نعم الله من افضل العبادة وقال عبد الله بن المبارك لبعض اصحابه وقد رآه مفكرا اين بلغت قال الصراط وقال بشر لو فكر الناس في عظمة الله ما عصوه وقال ابن عباس ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة بلا قلب وقال ابو سليمان الفكر في الدنيا حجاب عن الاخرة وعقوبة لاهل الولاية والفكرة في الاخرة تورث الحكمة وتجلي القلوب وقال ابن عباس التفكر في الخير يدعو الى العمل به وقال الحسن ان اهل العلم لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر والفكر على الذكر ويناطقون القلوب حتى نطقت بالحكمة ومن كلام الشافعي استعينوا على الكلام بالصمت وعلى الاستنباط بالفكرة وهذا لان الفكرة عمل القلب والعبادة عمل الجوارج والقلب اشرف من الجوارح فكان عمله اشرف من عمل الجوارح وايضا فالتفكر يوقع صاحبه من الايمان على مالا يوقعه عليه العمل المجرد فان التفكر يوجب له من انكشاف حقائق الامور وظهورها له وتميز مراتبها في الخير والشر ومعرفة مفضولها من فاضلها واقبحها من قبيحها ومعرفة اسبابها الموصلة اليها وما يقاوم تلك الاسباب ويدفع موجبها والتمييز بين ما ينبغي السعي في تصحيله وبين ما ينبغي السعي في دفع اسبابه والفرق بين الوهم والخيال المانع لاكثر النفوس من انتهاز الفرص بعد امكانها وبين السبب المانع حقيقة فيشتغل به دون الاول فما قطع(1\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "179",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14635",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العبد عن كماله وفلاحه وسعادته العاجلة والاجلة قاطع اعظم من الوهم الغالب على النفس والخيال الذي هو مركبها بل بحرها الذي لا تنفك سابحة فيه وإنما يقطع هذا العارض بفكرة صحيحة وعزم صادق يميز به بين الوهم والحقيقة وكذلك إذا فكر في عواقب الامور وتجاوز فكره مباديها وضعها مواضعها وعلم مراتبها فإذا ورد عليه وارد الذنب والشهوة فتجاوز فكره لذته وفرح النفس به الى سوء عاقبته وما يترتب عليه من الالم والحزن الذي لا يقاوم تلك اللذة والفرحة ومن فكر في ذلك فإنه لا يكاد يقدم عليه وكذلك إذا ورد على قلبه وارد الراحة والدعة والكسل والتقاعد عن مشقة الطاعات وتعبها حتى عبر بفكره الى ما يترب عليها من اللذات والخيرات والافراح التي تغمر تلك الالام التي في مباديها بالنسبة الى كمال عواقبها وكلما غاص فكره في ذلك اشتد طلبه لها وسهل عليه معاناتها استقبلها بنشاط وقوة وعزيمة وكذلك إذا فكر في منتهى ما يستعبده من المال والجاه والصور ونظر الى غاية ذلك بعين فكره استحى من عقله ونفسه ان يكون عبدا لذلك كما قيل: لو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه لم يسبه وكذلك إذا فكر في آخر الاطعمة المفتخرة التي تفانت عليها نفوس اشباه الانعام وما يصير امرها اليه عند خروجها ارتفعت همته عن صرفها الى الاعتناء بها وجعلها معبود قلبه الذي اليه يتوجه وله يرضى ويغضب ويسعى ويكدح ويوالي ويعادي كما جاء في المسند عن النبي انه قال إن الله جعل طعام ابن آدم مثل الدنيا وإن قزحه ملحه فإنه يعلم الى ما يصير او كما قال فإذا وقع فكره على عاقبة ذلك وآخر امره وكانت نفسه حرة ابيه ربأبها ان يجعلها عبدا لما آخره انتن شيء واخبثه وافحشه فصل إذا عرف هذا فالفكر هو احضار معرفتين في القلب ليستثمر منهما معرفة ثالثة ومثال ذلك إذا احضر في قلبه العاجلة وعيشها وتعيمها وما يقترن به من الافات وانقطاعه وزواله ثم احضر في قلبه الاخرة ونعيمها ولذته ودوامه وفضله على نعيم الدنيا وجزم بهذين العلمين اثمر له ذلك علما ثالثا وهو ان الاخرة ونعيمها الفاضل الدائم أولى عند كل عاقل بايثاره من العاجلة المنقطعة المنغصة ثم له في معرفة الاخرة حالتان احداهما ان يكون قد سمع ذلك من غيره من غير ان يباشر قلبه برد اليقين به ولم يفض قلبه الى مكافحة حقيقة الاخرة وهذا حال أكثر الناس فيتجاذبه داعيان احدهما داعي العاجلة وايثارها وهو أقوى الداعيين عنده لانه مشاهد له محسوس وداعي الاخرة وهو اضعف الداعيين عنده لانه داع عن سماع(1\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "180",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14636",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يباشر قلبه اليقين به ولا كافحه حقيقته العلمية فإذا ترك العاجلة للاخرة تريه نفسه بانه قد ترك معلوما لمظنون اومتحققا لموهوم فلسان الحال ينادي عليه لا ادع ذرة منقودة لدرة موعودة وهذه الافة هي التي منعت النفوس من الاستعداد للاخرة وان يسعى لها سعيها وهي من ضعف العلم بها وتيقنها وإلا فمع الجزم التام الذي لا يخالج القلب فيه شك لا يقع التهاون بها وعدم الرغبة فيها ولهذا لو قدم لرجل طعام في غاية الطيب واللذة وهو شديد الحاجة اليه ثم قيل له إنه مسموم فإنه لا يقدم عليه لعلمه بأن سوء ما تجنى عاقبة تناوله تربو في المضرة على لذة اكله فما بال الايمان بالاخرة لا يكون في قلبه بهذه المنزلة ماذاك الا لضعف شجرة العلم والايمان بها في القلب وعدم استقرارها فيه وكذلك اذا كان سائرا في طريق فقيل له إن بها قطاعا ولصوصا يقتلون من وجدوه ويأخذون متاعه فانه لا يسلكها الا على احد وجهين اما ان لا يصدق المخبر وإما ان يثق من نفسه بغلبتهم وقهرهم والانتصار عليهم والاف فمع تصديقه للخبر تصديقا لا يتمارى فيه وعلمه من نفسه بضعفه وعجزه عن مقاومتهم فإنه لا يسلكها ولو حصل له هذان العلمان فيما يرتكبه من ايثار الدنيا وشهواتها لم يقدم على ذلك فعلم ان إيثاره للعاجلة وترك استعداده للاخرة لا يكون قط مع كمال تصديقه وإيمانهابدا الحالة الثانية ان يتيقن ويجزم جزما لا شك فيه بأن له دارا غير هذه الدار ومعادا له خلق وان هذه الدار طريق الى ذلك المعاد ومنزل من منازل السائرين اليه ويعلم مع ذلك انها باقية ونعيمها وعذابها لا يزول ولا نسبة لهذا النعيم والعذاب العاجل اليه إلا كما يدخل الرجل اصبعه في اليم ثم ينزعها فالذي تعلق بها منه هو كالدنيا بالنسبة الى الاخرة فيثمر له هذا العلم ايثار الاخرة وطلبها والاستعداد التام لها وان يسعى لها سعيها وهذا يسعى تفكرا وتذكرا ونظرا وتأملا واعتبارا وتدبرا واستبصارا وهذه معان متقاربة تجتمع في شيء وتتفرق في آخر ويسمى تفكرا لانه استعمال الفكرة في ذلك واحضاره عنده ويسمى تذكرا لانه احضار للعلم الذي يجب مراعاته بعد ذهوله وغيبته عنه ومنه قوله تعالى ان الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ويسمى نظرا لانه التفات بالقلب الى المنظور فيه ويسمى تأملا لانه مراجعة للنظر كرة بعدكرة حتى يتجلى له وينكشف لقلبه ويسمى اعتبارا وهو افتعال من العبور لانه يعبر منه الى غيره فيعبر من ذلك الذي قد فكر فيه الى معرفة ثالثة وهي المقصود من الاعتبار ولهذا يسمى عبرة وهي على بناء الحالات كالجلسة والركبة والقتلة ايذانا بأن هذا العلم والمعرفة قد صار حالا لصاحبه يعبر منه الى المقصود به وقال الله تعالى ان في ذلك لعبرة لمن يخشى وقال إن في ذلك لعبرة لاولي الابصار ويسمى تدبرا لانه نظر في ادبار الامور وهي اواخرها وعواقبها ومنه تدبر القول وقال(1\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "181",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14637",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى افلم يدبروا القول افلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وتدبر الكلام ان ينظر في اوله وآخره ثم يعيد نظره مره بعد مرة ولهذا جاء على بناء التفعل كالتجرع والتفهم والتبين وسمى استبصارا وهو استفعال من التبصر وهو تبين الامر وانكشافه وتجليه للبصيرة وكل من التذكر والتفكر له فائدة غير فائدة الاخر فالتذكر يفيد تكرار القلب على ما علمه وعرفه ليرسخ فيه ويثبت ولا ينمحي فيذهب اثره من القلب جملة والتفكر يفيد تكثير العلم واستجلاب ما ليس حاصلا عند القلب فالتفكر يحصله والتذكر يحفظه ولهذا قال الحسن ما زال اهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر وبالتفكر على التذكر ويناطقون القلوب حتى نطقت بالحكمة فالتفكر والتذكر بذار العلم وسقيه مطارحته ومذاكرته تلقيحه كما قال بعض السلف ملاقاة الرجال تلقيح لالبابها فالمذاكرة بها لقاح العقل فالخير والسعادة في خزانة مفتاحها التفكر فإنه لا بد من تفكر وعلم يكون نتيجته الفكر وحال يحدث للقلب من ذلك العلم فإن كل من عمل شيئا من المحبوب او المكروه لا بد ان يبقى لقلبه حالة وينصبغ بصبغة من علمه وتلك الحال توجب له إرادة وتلك الارادة توجب وقوع العمل فها هنا خمسة امور الفكر وثمرته العلم وثمرتهما الحالة التي تحدث للقلب وثمرة ذلك الارادة وثمرتها العلم فالفكر إذا هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها وهذا يكشف لك عن فضل التفكر وشرفه وانه من افضل اعمال القلب وانفعها له حتى قيل تفكر ساعة خير من عبادة سنة فالفكر هو الذي ينقل من موت الفطنة الى حياة اليقظة ومن المكاره الى المحاب ومن الرغبة والحرص الى الزهد والقناعة ومن سجن الدنيا الى فضاء الاخرة ومن ضيق الجهل الى سعة العلم ورحبه ومن مرض الشهوة والاخلاد الى هذه الدار الى شفاء الانابة الى الله والتجافي عن دار الغرور ومن مصيبة العمى والصمم والبكم الى نعمة البصر والسمع والفهم عن الله والعقل عنه ومن امراض الشبهات الى برد اليقين وثلج الصدور وبالجملة فأصل كل طاعة إنما هي الفكر وكذلك اصل كل معصية إنما يحدث من جانب الفكرة فإن الشيطان يصادف ارض القلب خالية فارغة فيبذر فيها حب الافكار الردية فيتولد منه الارادات والعزوم فيتولد منها العمل فإذا صادف ارض القلب مشغولة ببذر الافكار النافعة فيما خلق له وفيما امر به وفيم هيء له واعد له من النعيم المقيم او العذاب الاليم لم يجد لبذره موضعا وهذا كما قيل: اتاني هواها قبل ان اعرف الهوى ... فصادف قلبا فارغا فتمكنا فان قيل فقد ذكرتم الفكر ومنفعته وعظم تأثيره في الخير والشر فما متعلقه الذي(1\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "182",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14638",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ينبغي ان يوقع عليه ويجرى فيه فانه لا يتم المقصود منه الا بذكر متعلقه الذي يقع الفكر فيه والا ففكر بغير متفكر فيه محال قيل مجرى الفكر ومتعلقه اربعة امور احدها غاية محبوبة مرادة الحصول الثاني طريق موصلة الى تلك الغاية الثالث مضرة مطلوبة الاعدام مكروهة الحصول الرابع الطريق المفضي اليها الموقع عليها فلا تتجاوز افكار العقلاء هذه الامور الاربعة وأي فكر تخطاها فهو من الافكار الردية والخيالات والاماني الباطلة كما يتخيل الفقير المعدم نفسه من اغنى البشر وهو يأخذ ويعطي وينعم ويحرم وكما يتخيل العاجز نفسه من اقوى الملوك وهو يتصرف في البلاد والرعية ونظير ذلك من افكار القلوب الباطولية التي من جنس افكار السكران والمحشوش والضعيف العقل فالافكار الردية هي قوت الانفس الخسيسة التي هي في غاية الدناءة فإنها قد قنعت بالخيال ورضيت بالمحال ثم لا تزال هذه الافكار تقوى بها وتتزايد حتى توجب لها آثارا ردية ووساوس وأمراضا بطيئة الزوال وإذا كان الفكر النافع لا يخرج عن الاقسام الاربعة التي ذكرناها فله ايضا محلان ومنزلان احدهما هذه الدار والاخر دار القرار فأبناء الدنيا الذين ليس لهم في الاخرة من خلاق عمروا بيوت افكارهم بتلك الاقسام الاربعة في هذه الدار فأثمرت لهم افكارهم فيها ما اثمرت ولكن إذا حقت الحقائق وبطلت الدنيا وقامت الاخرة تبين الرابح من المغبون وخسر هنالك المبطلون وأبناء الاخرة الذين خلقوا لها عمروا بيوت افكارهم على تلك الاقسام الاربعة فيها ونحن نفصل ذلك بعون الله وفضله فنقول كل طالب لشيء فهو محب له مؤثر لقربه ساع في طريق تحصيله متوصل اليه بجهده وهذا يوجب له تعلق افكاره بجمال محبوبه وكماله وصفاته التي يحب لاجلها وتعلقها بما يناله به من الخير والفرح والسرور ففكره في حال محبوبه دائر بين الجمال والاجمال والحسن والاحسان فكلما قويت محبته ازداد هذا الفكر وقوى وتضاعف حتى يستغرق اجزاء القلب فلا يبقى فيه فضل لغيره بل يصير بين الناس بقالبه وقلبه كله في حضرة محبوبه فإن كان هذا المحبوب هو المحبوب الحق الذي لا تنبغي المحبة إلا له ولا يحب غيره إلا تبعا لمحبته فهو اسعد المحبين به وقد وضع الحب موضعه وتهيأت نفسه لكمالها الذي خلقت له والذي لا كمال لها بدونه بوجه وان كانت تلك المحبة لغيره من المحبوبات الباطلة المتلاشية التي تفنى وتبقى حزازات القلوب بها على حالها فقد وضع المحبة في غير موضعها وظلم نفسه اعظم ظلم واقبحه وتهيأت بذلك نفسه لغاية شقائها والمها وإذا عرف هذا عرف ان تعلق المحبة بغير الاله الحق هو عين شقاء العبد وخسرانه فافكفاره المتعلقة بها كلها باطلة وهي مضرة عليه في حياته وبعدموته والمحب الذي قد ملك المحبوب افكار قلبه لا يخرج فكره عن تعلقه بمحبوبه او بنفسه ثم فكره في محبوبه لا يخرج عن حالتين(1\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "183",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14639",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "احداهما فكرته في جماله واوصافه والثانية فكرته في افعاله واحسانه وبره ولطفه الدالة على كمال صفاته وان تعلق فكره بنفسه لم يخرج ايضا عن حالتين اما ان نفكر في اوصافه المسخوطة التي يبغضها محبوبه ويمقته عليها ويسقطه من عينه فهو دائما يتوقع بفكره عليها ليتجنبها ويبعد منها والثانية ان يفكر في الصفات والاخلاق والافعال التي تقربه منه وتحببه اليه حتى يتصف بها فالفكرتان الاولتان توجب له زيادة محبته وقوتها وتضاعفها والفكرتان الاخرتان توجب محبة محبوبه له واقباله عليه وقربه منه وعطفه عليه وايثاره على غيره فالمحبة التامة مستلزمة لهذه الافكار الاربعة فالفكرة الاولى والثانية تتعلق بعلم التوحيد وصفات الاله المعبود سبحانه وأفعاله والثالثة والرابعة تتعلق بالطريق الموصلة اليها وقواطعها وآفاتها وما يمنع من السير فيها اليه فتفكره في صفات نفسه يميز له المحبوب لربه منها من المكروه له وهذه الفكرة توجب ثلاثة امور احدها ان هذا الوصف هل هو مكروه مبغوض لله ام لا الثاني هل العبد متصف به ام لا والثالث إذا كان متصفا به فما طريق دفعه والعافية منه وان لم يكن متصفا به فما طريق حفظ الصحة بوقائه على العافية والاحتراز منه وكذلك الفكرة في الصفة المحبوبة تستدعي ثلاثة امور احدها ان هذه الصفة هل هي محبوبة لله مرضية له ام لا الثاني هل العبد متصف بها ام لا الثالث انه إذا كان متصفا بها فما طريق حفظها ودوامها وان لم يكن متصفا بها فما طريق اجتلائها والتخلق بها ثم فكرته في الافعال على هذين الوجهين ايضا سواء ومجاري هذه الافكار ومواقعها كثيرة جدا لاتكاد تنضبط وانا يحصرها ستة اجناس الطاعات الظاهرة والباطنة والمعاصي الظاهرة والباطنة والصفات والاخلاق الحميدة والاخلاق والصفات الذميمة فهذه مجاري الفكرة في صفات نفسه وافعالها واما الفكرة في صفات المعبود وأفعاله واحكامه فتوجب له التمييز بين الايمان والكفر والتوحيد والشرك والاقرار والتعطيل وتنزيه الرب عما لا يليق به ووصفه بما هو اهله من الجلال والاكرام ومجاري هذه الفكرة تدبر كلامه وما تعرف به سبحانه الى عباده على السنة رسله من اسمائه وصفاته وأفعاله وما نزه نفسه عنه مما لا ينبغي له ولا يليق به سبحانه وتدبر ايامه وافعاله في اوليائه واعدائه التي قصها على عباده واشهدهم اياها ليستدلوا بها على انه الههم الحق المبين الذي لا تنبغي العبادة الا له ويستدلوا بها على انه على كل شيء قدير وانه بكل شيء عليم وانه شديد العقاب وانه غفور رحيم وانه العزيز الحكيم وانه الفعال لما يريد وانه الذي وسع كل شيء رحمة وعلما وان أفعاله كلها دائرة بين الحكمة والرحمة والعدل والمصلحة لا يخرج شيء منها عن ذلك وهذه الثمرة لا سبيل الى تحصيلها إلا بتدبر كلامه والنظر في آثار أفعاله وإلى هذين الاصلين ندب عباده في القرآن فقال في(1\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "184",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14640",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاصل الاول أفلا يتدبرون القرآن افلم يدبروا القول كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته إنا انزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون كتاب فصلت اياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون وقال في الاصل الثاني قل انظروا ماذا في السموات والارض ان في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لايات لاولي الالباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والارض ان في السموات والارض لايات للمؤمنين وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من ماء فاحيا به الارض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون او لم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم قل سيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون الى قوله ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ونوع سبحانه الايات في هذه السور فجعل خلق السموات والارض واختلاف لغات الامم والوانهم آيات للعالمين كلهم لاشتراكهم في العلم بذلك وظهوره ووضوح دلالته وجعل خلق الازواج التي تسكن اليها الرجال والقاء المودة والرحمة بينهم آيات لقوم يتفكرون فإن سكون الرجل الى امرأته وما يكون بينهما من المودة والتعاطف والتراحم امر باطن مشهود بعين الفكرة والبصيرة فمتى نظر بهذه العين الى الحكمة والرحمة والقدرة التي صدر عنها ذلك دلة فكره على انه الاله الحق المبين الذي أقرت الفطر بربوبيته والاهيته وحكمته ورحمته وجعل المنام بالليل والنهار للتصرف في المعاش وابتغاء فضله آيات لقوم يسمعون وهو سمع الفهم وتدبر هذه الايات وارتباطها بما جعلت آية له مما اخبرت به الرسل من حياة العباد بعد موتهم وقيامهم من قبورهم كما احياهم سبحانه بعد موتهم وأقامهم للتصرف في معاشهم فهذه الاية إنما ينتفع بها من سمع ما جاءت به الرسل واصغى اليه واستدل بهذه الاية عليه وجعل إراءتهم البرق وأنزل الماء من السماء وإحياء الارض به آيات لقوم يعقلون فإن هذه امور مرتبة بالابصار مشاهدة بالحس فإذا نظر فيها ببصر قلبه وهو عقله استدل بها على وجود الرب تعالى وقدرته وعلمه ورحمته وحكمته إمكان ما اخبر به من حياة الخلائق بعد موتهم كما احيا هذه الارض بعدموتها وهذه امور لاتدرك إلا ببصر القلب وهو العقل فإن الحس دل على الاية والعقل دل على ما جعلت له آية فذكر سبحانه الاية المشهودة بالبصر والمدلول عليه المشهود بالعقل فقال ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحي به الارض بعدموتها أن في ذلك لايات لقوم يعقلون فتبارك(1\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "185",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14641",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي جعل كلامه حياة للقلوب وشفاء لما في الصدور وبالجملة فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر فإنه جامع لجميع منازل السائرين واحوال العاملين ومقامات العارفين وهو الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء والانابة والتوكل والرضا والتفويض والشكر والصبر وسائر الاحوال التي بها حياة القلب وكماله وكذلك يزجر عن جميع الصفات والافعال المذمومة والتي بها فساد القلب وهلاكه فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية وهو محتاجا إليها في شفاء قلبه كررها ولو مائة مرة ولو ليلة فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم وأنفع للقلب وأدعى الى حصول الايمان وذوق حلاوة القرآن وهذه كانت عادة السلف يردد احدهم الاية الى الصباح وقد ثبت عن النبي انه قام بآية يرددها حتى الصباح وهي قوله إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم فقراءة القرآن بالتفكر هي اصل صلاح القلب ولهذا قال ابن مسعود لاتهذوا القرآن هذا الشعر ولا تنثروه نثر الدقل وقفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب لا يكن هم احدكم آخر السورة وروى ابو ايوب عن ابي جمرة قال قلت لابن عباس اني سريع القراءة إني اقرا القرآن في ثلاث قال لان اقرأ سورة من القرآن في ليلة فأتدبرها وأرتلها احب الي من ان اقرأ القرآن كما تقرأ والتفكر في القرآن نوعان تفكر فيه ليقع على مراد الرب تعالى منه وتفكر في معاني ما دعا عباده الى التفكر فيه فالاول تفكر في الدليل القرآني والثاني تفكر في الدليل العياني الاول ففكر في آياته المسموعة والثاني تفكر في آياته المشهودة ولهذا انزل الله القرآن ليتدبر ويتفكر فيه ويعمل به لا لمجرد تلاوته مع الاعراض عنه قال الحسن البصري انزل القرآن ليعمل به فاتخذوا تلاوته عملا فصل وإذا تأملت ما دعى الله سبحانه في كتابه عباده الى الفكر فيه اوقعك على العلم به سبحانه وتعالى وبوحدانيته وصفات كماله ونعوت جلاله من عموم قدرته وعلمه وكمال حكمته ورحمته واحسانه وبره ولطفه وعدله ورضاه وغضبه وثوابه وعقابه فبهذا تعرف الى عباده وندبهم الى التفكر في آياته ونذكر لذلك امثلة مما ذكرها الله سبحانه في كتابه يستدل بها على غيرها فمن ذلك خلق الانسان وقدندب سبحانه الى التفكر فيه والنظر في غير موضع من كتابه كقوله تعالى فلينظر الإنسان مم خلق وقوله تعالى وفي أنفسكم أفلا تبصرون وقال تعالى يايها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الارحام ما نشاء الى اجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا اشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد الى ارذل العمر لكيلا يعلم من بعدعلم(1\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "186",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14642",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شيئا وقال تعالى أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى وقال تعالى ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم فقدرنا فنعم القادرون وقال أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وقال ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين وهذا كثير في القرآن يدعو العبد الى النظر والفكر في مبدأ خلقه ووسطه وآخره إذ نفسه وخلقه من اعظم الدلائل على خالقه وفاطره واقرب شيء الى الانسان نفسه وفيه من العجائب الدالة على عظمة الله ما تنقضي الاعمار في الوقوف على بعضه وهو غافل عنه معرض عن التفكر فيه ولو فكر في نفسه لزجره ما يعلم من عجائب خلقها عن كفره قال الله تعالى قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره فلم يكرر سبحانه على اسماعنا وعقولنا ذكر هذا لنسمع لفظ النطفة والعلقة والمضغة والتراب ولا لنتكلم بها فقط ولا لمجرد تعريفنا بذلك بل لامر وراء ذلك كله هو المقصود بالخطاب واليه جرى ذلك الحديث فانظر الان الى النطفة بعين البصيرة وهي قطرة من ماء مهين ضعيف مستقذر لو مرت بها ساعة من الزمان فسدت وانتنت كيف استخرجها رب الارباب العليم القدير من بين الصلب والترائب منقادة لقدرته مطيعة لمشيئته مذللة الانقياد على ضيق طرقها واختلاف مجاريها الى ان ساقها الى مستقرها ومجمعها وكيف جمع سبحانه بين الذكر والانثى والقى المحبة بينهما وكيف قادهما بسلسلة الشهوة والمحبة الى الاجتماع الذي هو سبب تخليق الولد وتكوينه وكيف قدر اجتماع ذينك الماءين مع بعد كل منهما عن صاحبه وساقهما من اعماق العروق والاعضاء وجمعهما في موضع واحد جعل لهما قرارا مكينا لا يناله هواء يفسده ولا برد بحمده ولا عارض يصل اليه ولا آفة تتسلط عليه ثم قلب تلك النطفة البيضاء المشربة علقة حمراء تضرب الى سواد ثم جعلها مضغة لحم مخالفة للعلقة في لونها وحقيقتها وشكلها ثم جعله عظاما مجردة لا كسوة عليها مباينة للمضغة في شكلها وهيأتها وقدرها وملمسها ولونها وانظر كيف قسم تلك الاجزاء المتشابهة المتساوية الى الاعصاب والعظام والعروق والاوتار واليابس واللين وبين ذلك ثم كيف ربط بعضها ببعض اقوى رباط وأشده وابعده عن الانحلال وكيف كساها لحما ركبه عليها وجعله وعاء لها وغشاء وحافظا وجعلها حاملة له مقيمة له فاللحم قائم بها وهي محفوظة به وكيف صورها فاحسن صورها وشق لها السمع والبصر والفم والانف وسائر(1\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "187",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14643",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المنافذ ومد اليدين والرجلين وبسطهما وقسم رؤسهما بالاصابع ثم قسم الاصابع بالانامل وركب الاعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والمثانة والامعاء كل واحد منها له قدر يخصه ومنفعة تخصه ثم انظر الحكمة البالغة في تركيب العظام قواما للبدن وعمادا له وكيف قدرها ربه وخالقها بتقادير مختلفة وأشكال مختلفة فمنها الصغير والكبير والطويل والقصير والمنحنى والمستدير والدقيق والعريض والمصمت والمجوف وكيف ركب بعضها في بعض فمنها ما تركيبه تركيب الذكر في الانثى ومنها ما تركيبه تركيب اتصال فقط وكيف اختلفت اشكالها باختلاف منافعها كالاضراس فإنها لما كانت آلة للطحن جعلت عريضة ولما كانت الاسنان آلة للقطع جعلت مستدقة محددة ولما كان الانسان محتاجا الى الحركة بجملة بدنه وببعض اعضائه للتردد في حاجته لم يجعل عظامه عظما واحدا بل عظاما متعددة وجعل بينها مفاصل حتى تتيسر بها الحركة وكان قدر كل واحد منها وشكله على حسب الحركة المطلوبة منه وكيف شد اسر تلك المفاصل والاعضاء وربط بعضها ببعض بأوتار ورباطات انبتها من احد طرفي العظم والصق احد طرفي العظم بالطرف الاخر كالرباط له ثم جعل في احد طرفي العظم زوائد خارجة عنه وفي الآخر نقرا غائصة فيه موافقة لشكل تلك الزوائد ليدخل فيها وينطبق عليها فإذا أراد العبد ان يحرك جزء من بدنه لم يمتنع عليه ولولا المفاصل لتعذر ذلك عليه وتأمل كيفية خلق الراس وكثرة ما فيه من العظام حتى قيل إنها خمسة وخمسون عظما مختلفة الاشكال والمقادير والمنافع وكيف ركبه سبحانه وتعالى على البدن وجعله عاليا علو الراكب على مركوبه ولما كان عاليا على البدن جعل فيه الحواس الخمس وآلات الادراك كلها من السمع والبصر والشم والذوق واللمس وجعل حاسة البصر في مقدمه ليكون كالطليعة والحرس والكاشف للبدن وركب كل عين من سبع طبقات لكل طبقة وصف مخصوص ومقدار مخصوص ومنفعة مخصوصة لو فقدت طبقة من تلك الطبقات السبع او زالت عن هيئتها وموضعها لتعطلت العين عن الابصار ثم اركز سبحانه داخل تلك الطبقات السبع خلقا عجيبا وهو إنسان العين بقدر العدسة يبصر به ما بين المشرق والمغرب والارض والسماء وجعلهمن العين بمنزلة القلب من الاعضاء فهوملكها وتلك الطبقات والاجفان والاهداب خدم له وحجاب وحراس فتبارك الله احسن الخالقين فانظر كيف حسن شكل العينين وهيئتها ومقدارهما ثم جملهما بالاجفان غطاء لهما وسترا وحفظا وزينة فهما يتلقيان عن العين الاذى والقذا والغبار ويكنانهما من البارد المؤذي والحار المؤذي ثم غرس في اطراف تلك الاجفان الاهداب جمالا وزينة ولمنافع اخر وراء الجمال والزينة ثم اودعهما ذلك النور الباصر والضوء الباهر الذي يخرق ما بين السماء والارض ثم يخرق السماء مجاوزا لرؤية ما فوقها من الكواكب وقد(1\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "188",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14644",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اودع سبحانه هذا السر العجيب في هذا المقدار الصغير بحيث تنطبع فيه صورة السموات مع اتساع اكنافها وتباعد اقطارها وشق له السمع وخلق الاذن احسن خلقه وابلغها في حصول المقصود منها فجعلها مجوفة كالصدفة لتجمع الصوت فتؤديه الى الصماخ وليحس بدبيب الحيوان فيها فيبادر الى اخراجه وجعل فيها غضونا وتجاويف واعوجاجات تمسك الهواء والصوت الداخل فتكسر حدته ثم تؤديه الى الصماخ ومن حكمة ذلك ان يطول به الطريق على الحيوان فلا يصل الى الصماخ حتى يستيقظ او ينتبه لامساكه وفيه ايضا حكم غير ذلك ثم اقتضت حكمة الرب الخالق سبحانه ان جعل ماء الاذن مرا في غاية المرارة فلا يجاوزه الحيوان ولا يقطعه داخلا الى باطن الاذن بل إذا وصل اليه اعمل الحيلة في رجوعه وجعل ماء العينين ملحا ليحفظها فإنها شحمة قابلة للفساد فكانت ملوحة مائها صيانة لها وحفظا وجعل ماء الفم عذبا حلوا ليدرك به طعوم الاشياء على ما هي عليه إذ لو كان على غير هذه الصفة لاحالها الى طبيعته كما ان من عرض لفمه المرارة استمر طعم الاشياء التي ليست بمرة كما قيل ومن يك ذا فم مر مريض ... يجدمرا به الماء الزلالا ونصب سبحانه قصبة الانف في الوجه فأحسن شكله وهيأته ووضعه وفتح فيه المنخرين وحجز بينهما بحاجز واودع فيهما حاسة الشم التي تدرك بها انواع الروائح الطيبة والخبيثة والنافعة والضارة وليستنشق به الهواء فيوصله الى القلب فيتروح به ويتغذى به ثم لم يجعل في داخله من الاعوجاجات والغضون ما جعل في الاذن لئلا يمسك الرائحة فيضعفها ويقطع مجراها وجعله سبحانه مصبا تنحدر اليه فضلات الدماغ فتجتمع فيه ثم تخرج منه واقتضت حكمته ان جعل اعلاه ادق من اسفله لان اسفله إذا كان واسعا اجتمعت فيه تلك الفضلات فخرجت بسهولة ولانه يأخذ من الهواء ملأه ثم يتصاعد في مجراه قليلا حتى يصل الى القلب وصولا لا يضره ولا يزعجه ثم فصل بين المنخرين بحاجز بينهما حكمة منه ورحمة فإنه لما كان قصبة ومجرى ساترا لما يتحدر فيه من فضلات الراس ومجرى النفس الصاعد منه جعل في وسطه حاجزا لئلا يفسد بما يجرى فيه فيمنع نشقه للنفس بل إما ان تعتمد الفضلات نازلة من احد المنفذين في الغالب فيبقى الاخر للتنفس وإما ان يجرى فيهما فينقسم فلا ينسد الانف جملة بل يبقى فيه مدخل للتنفس وايضا فإنه لما كان عضوا واحدا وحاسة واحدة ولم يكن عضوين وحاستين كالاذنين والعينين اللتين اقتضت الحكمة تعددهما فإنه ربما اصيبت احداهما اوعرضت لها آفة تمنعها من كمالها فتكون الاخرى سالمة فلا تتعطل(1\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "189",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14645",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منفعة هذا الحس جملة وكان وجود انفين في الوجه شيئا ظاهرا فنصب فيه انفا واحدا وجعل فيه منفذين حجز بينهما بحاجز يجرى مجرى تعدد العينين والاذنين في المنفعة وهو واحد فتبارك الله رب العالمين واحسن الخالقين وشق سبحانه للعبد الفم في احسن موضع واليقه به واودع فيه من المنافع وآلات الذوق والكلام وآلات الطحن والقطع ما يبهر العقول عجائبه فأودعه اللسان الذي هو احد آياته الدالة عليه وجعله ترجمانا لملك الاعضاء مبينا مؤديا عنه كما جعل الاذن رسولا مؤديا مبلغا اليه فهي رسوله وبريده الذي يؤدي اليه الاخبار واللسان بريده ورسوله الذي يؤدي عنه ما يريد واقتضت حكمته سبحانه ان جعل هذا الرسول مصونا محفوظا مستورا غير بارز مكشوف كالاذن والعين والانف لان تلك الاعضاء لما كانت تؤدي من الخارج اليه جعلت بارزة ظاهرة ولما كان اللسان مؤديا منه الى الخارج جعل له سترا مصونا لعدم الفائدة في إبرازه لانه لا يأخذ من الخارج الى القلب وأيضا فلأنه لما كان اشرف الاعضاء بعدالقلب ومنزلته منه منزلة ترجمانه ووزيره ضرب عليه سرادق تستره وتصونه وجعل في ذلك السرادق كالقلب في الصدر وايضا فإنه من الطف الاعضاء والينها واشدها رطوبة وهو لا يتصرف إلا بواسطة الرطوبة المحيطة به فلو كان بارزا صارعرضة للحرارة واليبوسة والنشاف المانع له من التصرف ولغير ذلك من الحكم والفوائد ثم زين سبحانه الفم بما فيه من الاسنان التي هن جمال له وزينة وبها قوام العبد وغذاؤه وجعل بعضها ارحاء للطحن وبعضها آلة للقطع فاحكم اصولها وحدد رؤسها وبيض لونها ورتب صفوفها متساوية الرؤس متناسقة الترتيب كأنها الدر المنظوم بياضا وصفاء وحسنا واحاط سبحانه على ذلك حائطين واودعهما من المنافع والحكم ما اودعهما وهما الشفتان فحسن لونهما وشكلهما ووضعهما وهيأتهماوجعلهما غطاء للفم وطبقا له وجعلهما إتماما لمخارج حروف الكلام ونهاية له كما جعل اقصى الحلق بداية له واللسان وما جاوره وسطا ولهذا كان اكثر العمل فيها له إذ هو الواسطة واقتضت حكمته ان جعل الشفتين لحما صرفا لا عظم فيه ولا عصب ليتمكن بهما من مص الشراب ويسهل عليه فتحهما وطبقهما وخص الفك الاسفل بالتحريك لان تحريك الاخف احسن ولانه يشتمل على الاعضاء الشريفة فلم يخاطر بها في الحركة وخلق سبحانه الحناجر مختلفة الاشكال في الضيق والسعة والخشونة والملاسة والصلابة واللين والطول والقصر فاختلفت بذلك الاصوات اعظم اختلاف ولا يكاد يشتبه صوتان إلا نادرا ولهذا كان الصحيح قبول شهادة الاعمى لتمييزه بين الاشخاص بأصواتهم كما يميز البصير بينهم بصورهم والاشتباه العارض بين الاصوات كالاشتباه العارض بين الصور وزين سبحانه الرأس بالشعر وجعله لباسا له لاحتياجه اليه وزين الوجه بما(1\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "190",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14646",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "انبت فيه من الشعور المختلفة الاشكال والمقادير فزينه بالحاجبين وجعلهما وقاية لما يتحدر من بشرة الراس الى العينين وقوسهما وأحسن خطهما وزين أجفاف العينين بالاهداب وزين الوجه ايضا باللحية وجعلها كمالا ووقارا ومهابة لرجل زين الشفتين بما انبت فوقهما من الشارب وتحتهما من العنفقة وكذلك خلقه سبحانه لليدين اللتين هما آلة العبد وسلاحه ورأس مال معاشه فطولهما يحيث يصلان الى ما شاء من بدنه وعرض الكف ليتمكن به من القبض والبسط وقسم فيه الاصابع الخمس وقسم كل اصبع بثلاث انامل والابهام باثنتين ووضع الاصابع الاربعة في جانب والابهام في جانب لتدور الابهام على الجميع فجاءت على احسن وضع صلحت به للقبض والبسط ومباشرة الاعمال ولو اجتمع الاولون والاخرون على ان يستنبطوا بدقيق افكارهم وضعا آخر للاصابع سوى ما وضعت عليه لم يجدوا اليه سبيلا فتبارك من لو شاء لسواها وجعلها طبقا واحدا كالصفيحة فلم يتمكن العبد بذلك من مصالحة وانواع تصرفاته ودقيق الصنائع والخط وغير ذلك فإن بسط اصابعه كانت طبقا يضع عليه ما يريد وان ضمها وقبضها كانت دبوسا وآلة للضرب وان جعلها بين الضم والبسط كانت مغرفة له يتناول بها وتمسك فيها ما يتناوله وركب الاظفار على رؤسها زينة لها وعمادا ووقاية وليلتقط بها الاشياء الدقيقة التي لا ينالها جسم الاصابع وجعلها سلاحا لغيره من الحيوان والطير وآلة لمعاشه وليحك الانسان بها بدنه عند الحاجة فالظفر الذي هو أقل الاشياء وأحقرها لو عدمه الانسان ثم ظهرت به حكة لاشتدت حاجته اليه ولم يقم مقامه شيء في حك بدنه ثم هدى اليد الى موضع الحك حتى تمتد اليه ولو في النوم والغفلة من غير حاجة الى طلب ولو استعان بغيره لم يعثر على موضع الحك الا بعد تعب ومشقة ثم انظر الى الحكمة البالغة في جعل عظام اسفل البدن غليظة قوية لانها اساس له وعظام اعاليه دونها في الثخانة والصلابة لانها محمولة ثم انظر كيف جعل الرقبة مركبا للرأس وركبها من سبع خرزات مجوفات مستديرات ثم طبق بعضها على بعض وركب كل خرزة تركيبا محكما متقنا حتى صارت كأنها خرزة واحدة ثم ركب الرقبة على الظهر والصدر ثم ركب الظهر من أعلاه الى منتهى عظم العجز من أربع وعشرين خرزة مركبة بعضها في بعض هي مجمع اضلاعه والتي تمسكها ان تنحل وتنفصل ثم وصل تلك العظام بعضها ببعض فوصل عظام الظهر بعظام الصدر وعظام الكتفين بعظام العضدين والعضدين بالذراعين والذراعين بالكف والاصابع وانظر كيف كسا العظام العريضة كعظام الظهر والراس كسوة من اللحم تناسبها والعظام الدقيقة كسوة تناسبها كالاصابع والمتوسطة كذلك كعظام الذراعين والعضدين فهو مركب على ثلاثمائة وستين عظما مائتان وثمانية وأربعون مفاصل وباقيها صغار حشيت خلال المفاصل فلو زادت عظما واحدا لكان مضرة على الانسان(1\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "191",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14647",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يحتاج الى قلعة ولو نقصت عظما واحدا كان نقصانا يحتاج الى جبره فالطبيب ينظر في هذه العظام وكيفية تركيبها ليعرف وجه العلاج في جبرها والعارف ينظر فيها ليستدل بها على عظمة باريها وخالقها وحكمته وعلمه ولطفه وكم بين النظرين ثم انه سبحانه ربط تلك الاعضاء والاجزاء بالرباطات فشد بها اسرها وجعلها كالاوتاد تمسكها وتحفظها حتى بلغ عددها الى خمسمائة وتسعة وعشرين رباطا وهي مختلفة في الغلظ والدقة والطول والقصر والاستقامة والانحناء بحسب اختلاف مواضعها ومحالها فجعل منها اربعة وعشرين رباطا آلة لتحريك العين وفتحها وضمها وإبصارها لو نقضت منهن رباطا واحدا اختل امر العين وهكذا لكل عضو من الاعضاء رباطات هن له كالالات التي بها يتحرك ويتصرف ويفعل كل ذلك صنع الرب الحكيم وتقدير العزيز العليم في قطرة ماء مهين فويل للمكذبين وبعدا للجاحدين ومن عجائب خلقه انه جعل في الراس ثلاث خزائن نافذا بعضها الى بعض خزانة في مقدمه وخزانة في وسطه وخزانة في آخره واودع تلك الخزائن من أسراره ما اودعها من الذكر والفكر والتعقل ومن عجائب خلقه ما فيه من الامور الباطنة التي لا تشاهد كالقلب والكبد والطحال والرئة والامعاء والمثانة وسائر ما في بطنه من الالات العجيبة والقوى المتعددة المختلفة المنافع فأما القلب فهو الملك المستعمل لجميع آلات البدن والمستخدم لها فهو محفوف بها محشود مخدوم مستقر في الوسط وهو اشرف اعضاء البدن وبه قوام الحياة وهو منبع الروح الحيواني والحرارة الغريزية وهو معدن العقل والعلم والحلم والشجاعة والكرم والصبر والاحتمال والحب والارادة والرضا والغضب وسائر صفات الكمال فجميع الاعضاء الظاهرة والباطنة وقواها انما هي جند من اجناد القلب فإن العين طليعته ورائده الذي يكشف له المرئيات فإن رأت شيئا أدته اليه ولشدة الارتباط الذي بينها وبينه إذا استقر فيه شيء ظهر فيها فهي مرآته المترجمة للناظر ما فيه كما ان اللسان ترجمانه المؤدي للسمع ما فيه ولهذا كثيرا ما يقرن سبحانه في كتابه بين هذه الثلاث كقوله إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا وقوله وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة وقوله صم بكم عمي وقد تقدم ذلك وكذلك يقرن بين القلب والبصر كقوله ونقلب أفئدتهم وأبصارهم وقوله في حق رسوله محمد ما كذب الفؤاد وما رأى ثم قال ما زاغ البصر وما طغى وكذلك الاذن هي رسوله المؤدى اليه وكذلك اللسان ترجمانه وبالجملة فسائر الاعضاء خدمه وجنوده وقال النبي الا ان في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد إلا وهي القلب وقال ابو هريرة القلب ملك والاعضاء جنوده فان طاب الملك طابت جنوده وإذا خبث الملك خبثت جنوده وجعلت الرئة له كالمروحة تروح عليه دائما لانه اشد الاعضاء(1\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "192",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14648",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حرارة بل هو منبع الحرارة واما الدماغ وهو المخ فإنه جعل باردا واختلف في حكمة ذاك فقالت طائفة إنما كان الدماغ بارد التبريد الحرارة التي في القلب ليردها عن الافراط الى الاعتدال وردت طائفة هذا وقالت لو كان كذلك لم يكن الدماغ بعيدا عن القلب بل كان ينبغي ان يحيط به كالرئة او يكون قريبا منه في الصدر ليكسر حرارته قالت الفرقة الاولى بعدالدماغ من القلب لا يمنع ما ذكرناه من الحكمة لانه لو قرب منه لغلبته حرارة القلب بقوتها فجعل البعد بينهما بحيث لا يتفاسدان وتعتدل كيفية كل واحد منهما بكيفية الاخر وهذا بخلاف الرئة فإنها آلة للترويح على القلب لم تجعل لتعديل حرارته وتوسطت فرقة أخرى وقالت بل المخ حار لكنه فاتر الحرارة وفيه تبريد بالخاصية فإنه مبدأ للذهن ولهذا كان الذهن يحتاج الى موضع ساكن قار صاف عن الاقذار والكدر خال من الجلبة والزجل ولذلك يكون جودة الفكر والتذكر واستخراج الصواب عند سكون البدن وفتور حركاته وقلة شواغله ومزعجاته ولذلك لم يصلح لها القلب وكان الدماغ معتدلا في ذلك صالحا له ولذلك تجود هذه الافعال في الليل وفي المواضع الخالية وتفسد عند التهاب نار الغضب والشهوة وعند الهم الشديد ومع التعب والحركات القوية البدنية والنفسانية وهذا بحث متصل بقاعدة اخرى وهي ان الحواس والعقل هل مبدؤها القلب والدماغ فقالت طائفة مبدؤها كلها القلب وهي مرتبطة به وبينه وبين الحواس منافذ وطرق قالوا وكل واحد من هذه الاعضاء التي هي آلات الحواس له اتصال بالقلب بأعصاب وغير ذلك وهذه الاعصاب تخرج من القلب الى ان تأتي الى كل واحد من هذه الاجسام التي فيها هذه الحواس قالوا فالعين إذا ابصرت شيئا أدته بالالة التي فيها الى القلب لان هذه الالة متصلة منها الى القلب والسمع إذا احس صوتا اداه الى القلب وكذلك كل حاسة ثم اوردوا على انفسهم سؤالا فقالوا ان قيل كيف يجوز ان يكون عضو واحد على ضروب من الامتزاج يمده عدة حواس مختلفة وأجسام هذه الحواس مختلفة وقوة كل حاسة مخالفة لقوة الحاسة الاخرى واجابوا عن ذلك بأن جميع العروق التي في البدن كلها متصلة بالقلب إما بنفسها وإما بواسطة فما من عرق ولا عضو الاوله اتصال بالقلب اتصالا قريبا او بعيدا قالوا وينبعث منه في تلك العروق والمجاري الى كل عضو ما بناسبه ويشاكله فينبعث منه الى العينين ما يكون منه حس البصر وإلى الاذنين ما يدرك به المسموعات وإلى اللحم ما يكون منه حس اللمس وإلى الانف ما يكون به حس الشم وإلى اللسان ما يكون به حس الذوق وإلى كل ذي قوة ما يمد قوته ويحفظها فهو المعد لهذه الاعضاء والحواس والقوى ولهذا كان الراي الصحيح انه اول الاعضاء تكوينا قالوا ولا ريب ان مبدأ القوة العاقلة منه وإن كان قد خالف في ذلك آخرون وقالوا بل العقل(1\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "193",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14649",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في الرأس فالصواب ان مبدأه ومنشأه من القلب وفروعه وثمرته في الراس والقرآن قد دل على هذا بقوله أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها وقال إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ولم يرد بالقلب هنا مضغة اللحم المشتركة بين الحيوانات بل المراد ما فيه من العقل واللب ونازعهم في ذلك طائفة اخرى وقالوا مبدأ هذه الحواس إنما هو الدماغ وانكروا ان يكون بين القلب والعين والاذن والانف اعصاب او عروف وقالوا هذا كذب على الخلقة والصواب التوسط بين الفريقين وهو ان القلب تنبعث منه قوة الى هذه الحواس وهي قوة معنوية لا تحتاج في وصولها اليه الى مجار مخصوصة واعصاب تكون حاملة لها فإن وصول القوى الى هذه الحواس والاعضاء لا يتوقف الاعلى قبولها واستعداها وامداد القلب لا على مجار وأعصاب وبهذا يزول الالتباس في هذا المقام الذي طال فيه الكلام وكثر فيه النزاع والخصام والله اعلم وبه التوفيق للصواب والمقصود التنبيه على أقل القليل من وجوه الحكمة التي في خلق الانسان والامر اضعاف اضعاف ما يخطر بالبال او يجرى فيه المقال وإنما فائدة ذكر هذه الشذرة التي هي كل شيء بالنسبة الى ما وراءها التنبيه وإذا نظر العبد الى غذائه فقط في مدخله ومستقره ومخرجه رأى فيه العبر والعجائب كيف جعلت له آلة يتناول بها ثم باب يدخل منه ثم آلة تقطعه صغارا ثم طاحون يطحنه ثم اعين بماء يعجنه ثم جعل له مجرى وطريقا الى جانب النفس ينزل هذا ويصعد هذا فلا يلتقيان مع غاية القرب ثم جعل له حوايا وطرقا توصله الى المعدة فهي خزانته وموضع اجتماعه ولها بابان باب اعلى يدخل منه الطعام وباب اسفل يخرج منه تفله والباب الاعلى اوسع من الاسفل إذ الاعلى مدخل للحاصل والاسفل مصرف للضار منه والاسفل منطبق دائما ليستقر الطعام في موضعه فإذا انتهى الهضم فإن ذلك الباب ينفتح الى انقضاء الدفع ويسمى البواب لذلك والاعلى يسمى فم المعدة والطعام ينزل الى المعدة متكيمسا فإذا استقر فيها انماع وذاب ويحيط بالمعدة من داخلها وخارجها حرارة نارية بل ربما تزيد على حرارة النار ينضج بها الطعام فيها كما ينضج الطعام في القدر بالنار المحيطة به ولذلك يذيب ما هو مستحجر كالحصا وغيره حتى يتركه مائعا فإذا أذابته علا صفوه الى فوق ورس كدره الى اسفل ومن المعدة عروق متصلة بسائر البدن يبعث فيها معلوم كل عضو وقوامه بحسب استعداه وقبوله فيبعث اشرف ما في ذلك والطفه واخفه الى الارواح فيبعث الى البصر بصرا والى السمع سمعا والى الشم شما والى كل حاسة بحسبها فهذا الطف ما يتولد عن الغذاء ثم ينبعث منه الى الدماغ ما يناسبه في اللطافة والاعتدال ثم ينبعث من الباقي الى الاعضاء في تلك المجاري بحسبها وينبعث منه الى العظام والشعر والاظفار ما يغذيها(1\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "194",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14650",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويحفظها فيكون الغذاء داخلا الى المعدة من طرق ومجار وخارجا منها الى الاعضاء من طرق ومجار هذا وارد اليها وهذا صادر عنها حكمة بالغة ونعمة سابغة ولما كان الغذاء إذا استحال في المعدة استحال دما ومرة سوداء ومرة صفراء وبلغما اقتضت حكمته سبحانه وتعالى ان جعل لكل واحد من هذه الاخلاط مصرفا ينصب اليه ويجتمع فيه ولا ينبعث الى الاعضاء الشريفة الا أكمله فوضع المرارة مصبا للمرة الصفراء ووضع الطحال مقرا للمرة السوداء والكبد تمتص اشرف ما في ذلك وهو الدم ثم تبعثه الى جميع البدن من عرق واحد ينقسم على مجار كثيرة يوصل الى كل واحد من الشعور والاعصاب والعظام والعروق ما يكون به قوامه ثم إذا نظرت الى ما فيه من القوى الباطنة والظاهرة المختلفة في انفسها ومنافعها رايت العجب العجاب كقوة سمعه وبصره وشمه وزوقه ولمسه وحبه وبغضه ورضاه وغضبه وغير ذلك من القوى المتعلقة بالادراك والارادة وكذلك القوى المتصرفة في غذائه كالقوة المنضجة له وكالقوة الماسكة له والدافعة له الى الاعضاء والقوة الهاضمة له بعد اخذ الاعضاء حاجتها منه الى غير ذلك من عجائب خلقته الظاهرة والباطنة فصل فارجع الان الى النطفة وتأمل حالها اولا وما صارت اليه ثانيا وأنه لو اجتمع الانس والجن على ان يخلقوا لها سمعا او بصرا او عقلا او قدرة او علما او روحا بل عظما واحدا من اصغر عظامها بل عرقا من ادق عروقها بل شعرة واحدة لعجزوا عن ذلك بل ذلك كله آثار صنع الله الذي اتقن كل شيء في قطرة من ماء مهين فمن هذا صنعه في قطرة ماء فكيف صنعه في ملكوت السموات وعلوها وسعتها واستدارتها وعظم خلقها وحسن بنائها وعجائب شمسها وقمرها وكواكبها ومقاديرها واشكالها وتفاوت مشارقها ومغاربها فلا ذرة فيها تنفك عن حكمة بل هي احكم خلقا واتقن صنعا واجمع العجائب من بدن الانسان بل لا نسبة لجميع ما في الارض الى عجائب السموات قال الله تعالى أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وقال تعالى ان في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس الى قوله لآيات لقوم يعقلون فبدأ بذكر خلق السموات وقال تعالى ان في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لايات لاولي الالباب وهذا كثير في القرآن فالارض والبحار والهواء وكل ما تحت السموات بالاضافة الى السموات كقطرة في بحر ولهذا قل ان تجيء سورة في القرآن الا وفيها ذكرها إما إخبارا عن عظمها وسعتها وإما اقساما بها وإما دعاء الى النظر فيها وإما ارشادا للعباد ان يستدلوا بها على عظ(1\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "195",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14651",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بانيها ورافعها وإما استدلالا منه سبحانه بخلقها على ما أخبر به من المعاد والقيمة وإما استدلالا منه بربوبيته لها على وحدانيته وأنه الله الذي لا إله الا هو وإما استدلالا منه بحسنها واستوائها والتئام اجزائها وعدم الفطور فيها على تمام حكمته وقدرته وكذلك ما فيها من الكواكب والشمس والقمر والعجائب التي تتقاصر عقول البشر عن قليلها فكم من قسم في القرآن بها كقوله والسماء ذات البروج والسماء والطارق والسماء وما بناها والسماء ذات الرجع والشمس وضحاها والنجم إذا هوى والنجم الثاقب فلا أقسم بالخنس وهي الكواكب التي تكون خنسا عند طلوعها جوار في مجراها ومسيرها كنسا عند غروبها فاقسم بها في أحوالها الثلاثة ولم يقسم فيكتابه بشيء من مخلوقاته أكثر من السماء والنجوم والشمس والقمر وهو سبحانه يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لتضمنه الايات والعجائب الدالة عليه وكلما كان اعظم آية وأبلغ في الدلالة كان إقسامه به اكثر من غيره ولهذا يعظم هذا القسم كقوله فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم وأظهر القولين انه قسم بمواقع هذه النجوم التي في السماء فإن اسم النجوم عند الاطلاق إنما ينصرف اليها وأيضا فإنه لم تجر عادته سبحانه باستعمال النجوم في آيات القرآن ولا في موضع واحد من كتابه حتى تحمل عليه هذه الاية وجرت عادته باستعمال النجوم في الكواكب في جميع القرآن وأيضا فإن نظير الاقسام بمواقعها هنا إقسامه بهوى النجم في قوله والنجم إذاهوى وايضا فإن هذا قول جمهور اهل التفسير وايضا فإنه سبحانه يقسم بالقرآن نفسه لا بوصوله إلى عباده هذه طريقة القرآن قال الله تعالى ص والقرآن ذي الذكر يس والقرآن الحكيم ق والقرآن المجيد حم والكتاب المبين ونظائره والمقصود انه سبحانه إنما يقسم من مخلوقاتهبما هو من آياته الدالة على ربوبيته ووحدانيته وقد اثنى سبحانه في كتابه على المتفكرين في خلق السموات والارض وذم المعرضين عن ذلك فقال وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون وتأمل خلق هذا السقف الاعظم مع صلابته وشدته ووثاقته من دخان وهو بخار الماء قال الله تعالى وبنينا فوقكم سبعا شدادا وقال تعالى أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وقال وجعلنا السماء سقفا محفوظا فانظر الى هذا البناء العظيم الشديد الواسع الذي رفع سمكه اعظم ارتفاع وزينه باحسن زينة وأودعه العجائب والايات وكيف ابتدأ خلقه من بخار ارتفع من الماء وهو الدخان فسبحان من لا يقدر الخلق قدره ... ومن هو فوق العرش فرد موحد لقد تعرف الى خلقه بأنواع التعرفات ونصب لهم الدلالات واوضح لهم الايات البينات ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي بينة وان الله يسمع عليم فارجع البصر الى السماء وانظر فيها وفي كواكبها ودورانها وطلوعها وغروبها وشمسها وقمرها واختلاف مشارقها ومغاربها ودؤوبها(1\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "196",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14652",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في الحركة على الدوام من غير فتور في حركتها ولا تغير في سيرها بلت جري في منازل قد رتبت لها بحساب مقدر لا يزيد ولا ينقص الى ان يطويها فاطرها وبديعها وانظر الى كثرت كواكبها واختلاف الوانها ومقاديرها فبعضها يميل الى الحمرة وبعضها الى البيضا وبعضها الى اللون الرصاصي ثم انظر الى مسير الشمس في فلكها في مدة سنة ثم هي في كل يوم تطلع وتغرب بسير سخرها له خالقها لا تتعداه ولا تقصر عنه ولولا طلوعها وغروبهالما عرف الليل والنهار ولا المواقيت ولاطبق الظلام على العالم او الضياء ولم يتميز وقت المعاش من وقت السبات والراحة وكيف قدر لها السميع العليم سفرينمتباعدين احدهما سفرها صاعدة الى اوجها والثاني سفرها هابطة الى حضيضها تنتقل في منازل هذا السفر منزلة منزلة حتى تبلغ غايتها منه فاحدث ذلك السفر بقدرة الرب القادر اختلاف الفصول من الصيف والشتاء والخريف والربيع فإذا انخفض سيرها عن وسط السماء برد الهواء وظهر الشتاء وإذا استوت في وسط السماء اشتد القيظ وإذا كانت بين المسافتين اعتدل الزمان وقامت مصالح العباد والحيوان والنبات بهذه الفصول الاربعة واختلفت بسببها الاقوات واحوال النبات والوانه ومنافع الحيوان والاغذية وغيرها وانظر الى القمر وعجائب آياته كيف يبديه الله كالخيط الدقيق ثم يتزايد نوره ويتكامل شيئا فشيئا كل ليلة حتى ينتهي الى ابداره وكماله وتمامه ثم يأخذ في النقصان حتى يعود الى حالته الاولى ليظهر من ذلك مواقيت العباد في معاشهم وعبادتهم ومناسكهم فتميزت به الاشهر والسنين وقام حساب العالم مع ما في ذلك من الحكم والايات والعبر التي لا يحصيها الا الله وبالجملة فما من كوكب من الكواكب الا وللرب تبارك وتعالى في خلقه حكم كثيرة ثم في مقداره ثم في شكله ولونه ثم في موضعه من السماء وقربه من وسطها وبعده وقربه من الكوكب الذي يليه وبعده منه وإذا اردت معرفة ذلك على سبيل الاجمال فقسه باعضاء بدنك واختلافها وتفاوت اما بين المتجاورات منها وبعد ما بين المتباعدات وأشكالها ومقاديرها وتفاوت منافعا وما خلقت له وأين نسبة ذلك الى عظم السموات وكواكبها وآياتها وقد اتفق أرباب الهيئة على ان الشمس بقدر الارض مائة مرة ونيفا وستين مرة والكواكب التي نراها كثير منها اصغرها بقدر الارض وبهذا يعرف ارتفاعها وبعدها وفي حديث ابي هريرة الذي رواه الترمذي ان بين الارض والسماء مسيرة خمسمائة عام وبين كل سماءين كذلك وانت ترى الكوكب كانه لا يسير وهو من اول جزء من طلوعه الى تمام طلوعه يكون فلكه قد طلع بقدر مسافة الارض مائة مرة او اكثر وذلك بعد لحظة واحدة لان الكوكب إذا كان بقدر الارض مائة مرة مثلا ثم سار في اللحظة من موضع الى موضع فقد قطع بقدر مسافة الارض مائة مرة وزيادة في لحظة من اللحظات وهكذا يسير على الدوام والعبد غافل(1\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "197",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14653",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عنه وعن آياته وقال بعضهم إذا تلفظت بقولك لا نعم فبين اللفظتين تكون الشمس قد قطعت من الفلك مسيرة خمسمائة عام ثم انه سبحانه امسك السموات مع عظمها وعظم ما فيها وثبتها من غير علاقة من فوقها ولا عمد من تحتها الله الذي خلق السموات بغير عمد ترونها وألقى في الارض رواسي ان تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم هذا خلق الله فاروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين فصل والنظر في هذه الايات وامثالها نوعان نظر اليها بالبصر الظاهر فيرى مثلا زرقة السماء ونجومها وعلوها وسعتها وهذا نظر يشارك الانسان فيه غيره من الحيوانات وليس هو المقصود بالأمر الثاني ان يتجاوز هذا الى النظر بالبصيرة الباطنة فتفتح له ابواب السماء فيجول في اقطارها وملكوتها وبين ملائكتها ثم يفتح له باب بعد باب حتى ينتهي به سير القلب إلى عرش الرحمن فينظر سعته وعظمته وجلاله ومجده ورفعته ويرى السموات السبع والارضين السبع بالنسبة اليه كحلقه ملقاة بأرض فلاة ويرى الملائكة حافين من حوله لهم زجل بالتسبيح والتحميد والتقديس والتكبير والامر ينزل من فوقه بتدبير الممالك والجنود التي لا يعلمها الا ربها ومليكها فينزل الامر باحياء قوم وإماتة آخرين وإعزاز قوم وإذلال آخرين واسعاد قوم وشقاوة آخرين وإنشاء ملك وسلب ملك وتحويل نعمة من محل الى محل وقضاء الحاجات على اختلافها وتباينها وكثرتها من جبر كسر وإغناء فقير وشفاء مريض وتفريج كرب ومغفرة ذنب وكشف ضر ونصر مظلوم وهداية حيران وتعليم جاهل ورد آبق وأمان خائف وإجارة مستجير ومدد لضعيف وإغاثة الملهوف وإعانة لعاجز وانتقام من ظالم وكف العدوان فهي مراسيم دائرة بين العدل والفضل والحكمة والرحمة تنفذ في أقطار العوالم لا يشغله سمع شيء منها عن سمع غيره ولا تغلطه كثرة المسائل والحوائج على اختلافها وتباينها واتحاد وقتها ولا يتبرم بالحاح الملحين ولا تنقص ذرة من خزائنه لا إله إلا هو العزيز الحكيم فحينئذ يقوم القلب بين يدي الرحمن مطرقا لهيبته خاشعا لعظمته عان لعزته فيسجد بين يدي الملك الحق المبين سجدة لا يرفع رأسه منها الى يوم المزيد فهذا سفر القلب وهو في وطنه وداره ومحل ملكه وهذا من اعظم آيات الله وعجائب صنعه فياله من سفر ما أبركه واروحه واعظم ثمرته وربحه واجل منفعته واحسن عاقبته سفر هو حياة الارواح ومفتاح السعادة وغنيمته العقول والالباب لا كالسفر الذي هو قطعة من العذاب فصل وإذا نظرت الى الارض وكيف خلقت رأيتها من اعظم آيات فاطرها وبديعها خلقها سبحانه فراشا ومهادا وذللها لعباده وجعل فيه ارزاقهم واقواتهم ومعايشهم وجعل فيها السبل لينتقلوا فيها في حوائجهم وتصرفاتهم وارساها بالجبال فجعلها اوتادا تحفظها لئلا تميد(1\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "198",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14654",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بهم ووسع اكنافها ودحاها فمدها وبسطها وطحاها فوسعها من جوانبها وجعلها كفاتا للاحياء تضمهم على ظهرها ما داموا احياء وكفاتا للأموات تضمهم في بطنها إذا ماتوا فظهرها وطن للاحياء وبطنها وطن للاموات وقد اكثر تعالى من ذكر الارض في كتابه ودعا عباده الى النظر اليها والتفكر في خلقها فقال تعالى والأرض فرشناها فنعم الماهدون الله الذي جعل لكم الارض قرارا الذي جعل لكم الارض فراشا افلا ينظرون الى الابل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت والى الجبال كيف نصبت وإلى ارض كيف سطحت ان في السموات والارض لايات للؤمنين وهذا كثير في القرآن فانظر اليها وهي ميتة هامدة خاشعة فإذا انزلنا عليها الماء اهتزت فتحركت وربت فارتفعت واخضرت وانبتت من كل زوج بهيج فاخرجت عجائب النبات في المنظر والمخبر بهيج للناظرين كريم للمتناولين فأخرجت الاقوات على اختلافها وتباين مقاديرها واشكالها والوانها ومنافعها والفواكه والثمار وانواع الادوية ومراعي الدواب والطير ثم انظر قطعها المتجاورات وكيف ينزل عليها ماء واحدا فتنبت الازواج المختلفة المتباينة في اللون والشكل والرائحة والطعم والمنفعة واللقاح واحد والام واحدة كما قال تعالى وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون فكيف كانت هذه الاجنة المختلفة مودعة في بطن هذه الام وكيف كان حملها من لقاح واحد صنع الله الذي اتقن كل شيء لا إله إلا هو ولولا ان هذا من اعظم آياته لما نبه عليه عباده وهداهم الى التفكير فيه قال الله تعالى وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور فجعل النظر في هذه الاية وما قبلها من خلق الجنين دليلا على هذه النتائج الخمس مستلزما للعلم بها ثم انظر كيف احكم جوانب الارض بالجبال الراسيات الشوامخ الصم الصلاب وكيف نصبها فأحسن نصبها وكيف رفعها وجعلها اصلب اجزاء الارض لئلا تضمحل على تطاول السنين وترادف الامطار والرياح بل اتقن صنعها واحكم وضعها واودعها من المنافع والمعادن والعيون ما اودعها ثم هدى الناس الى استخراج تلك المعادن منها والهمهم كيف يصنعون منها النقود والحلي والزينة واللباس والسلاح وآلة المعاش على اختلافها ولولا هدايته سبحانه لهم الى ذلك لما كان لهم علم شيء منه ولا قدرة عليه ومن آياته الباهرة هذا الهواء اللطيف المحبوس بين السماء والارض يدرك بحس اللمس عند هبوبه يدرك جسمه ولا يرى شخصه فهو يجرى بين السماء والارض والطير مختلفة فيه سابحة بأجنحتها في أمواجه كما تسبح حيوانات البحر في الماء وتضطرب جوانبه(1\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "199",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14655",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأمواجه عند هيجانه كما تضطرب امواج البحر فإذا شاء سبحانه وتعالى حركه بحركة الرحمة فجعله رخاء ورحمة وبشرى بين يدي رحمته ولاقحا للسحاب يلقحه بحمل الماء كما يلقح الذكر الانثى بالحمل وتسمى رياح الرحمة المبشرات والنشر والذاريات والمرسلات والرخاء واللواقع ورياح العذاب العاصف والقاصف وهما في البحر والعقيم والصرصر وهما في البر وإن شاء حركه بحركة العذاب فجعله عقيما وأودعه عذابا اليما وجعله نقمة على من يشاء من عباده فيجعله صرصرا ونحسا وعاتيا ومفسدا لما يمر عليه وهي مختلفة في مهابها فمنها صبا ودبور وجنوب وشمال وفي منفعتها وتاثيرها اعظم اختلاف فريح لينة رطبة تغذى النبات وابدان الحيوان واخرى تجففه واخرى تهلكه وتعطبه وأخرى تشده وتصلبه وأخرى توهنه وتضعفه ولهذا يخبر سبحانه عن رياح الرحمة بصيغة الجمع لاختلاف منافعها وما يحدث منها فريح تثير السحاب وريح تلقحه وريح تحمله على متونها وريح تغذى النبات ولما كانت الرياح مختلفة في مهابها وطبائعها جعل لكل ريح ريحا مقابلتها تكسر سورتها وحدتها ويبقى لينها ورحمتها فرياح الرحمة متعددة وأما ريح العذاب فإنه ريح واحدة ترسل من وجه واحد لاهلاك ما ترسل باهلاكه فلاتقوم لها ريح اخرى تقابلها وتكسر سورتها وتدفع حدتها بل تكون كالجيش العظيم الذي لا يقاومه شيء يدمر كل ما اتى عليه وتأمل حكمة القرآن وجلالته وفصاحته كيف طرد هذا في البر وأما في البحر فجاءت ريح الرحمة فيه بلفظ الواحد كقوله تعالى هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان فإن السفن إنما تسير بالريح الواحدة التي تأتي من وجه واحد فإذا اختلفت الرياح على السفن وتقابلت لم يتم سيرها فالمقصود منها في البحر خلاف المقصود منها في البر إذ المقصود في البحر ان تكون واحدة طيبة لا يعارضها شيء فأفردت هنا وجمعت في البر ثم انه سبحانه اعطى هذا المخلوق اللطيف الذي يحركه اضعف المخلوقات ويخرقه من الشدة والقوة والباس ما يقلق به الاجسام الصلبة القوية الممتنعة ويزعجها عن اماكنها ويفتتها ويحملها على متنه فانظر اليه مع لطافته وخفته إذا دخل في الزق مثلا وامتلأ به ثم وضع عليه الجسم الثقيل كالرجل وغيره وتحامل عليه ليغمسه في الماء لم يطق ويضع الحديد الصلب الثقيل على وجه الماء فيرسب فيه فامتنع هذا اللطيف من قهر الماء له ولم يمتنع منه القوي الشديد وبهذه الحكمة امسك الله سبحانه السفن على وجه الماء مع ثقلها وثقل ما تحويه وكذلك كل مجوف حل فيه الهواء فإنه لا يرسب فيه لان الهواء يمتنع من الغوس في الماء فتتعلق به السفينة المشحونة الموقرة فتأمل كيف استجار هذا الجسم الثقيل العظيم بهذا اللطيف الخفيف وتعلق به حتى امن من الغرق وهذا كالذي يهوى في قليب فيتعلق بذيل رجل قوي شديد يمتنع عن السقوط في القليب فينجو بتعلقه به فسبحان من علق هذا(1\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "200",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14656",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المركب العظيم الثقيل بهذا الهواء اللطيف من غير علاقة ولاعقدة تشاهد ومن آياته السحاب المسخر بين السماء والارض كيف ينشئه سبحانه بالرياح فتثيره كسيفا ثم يؤلف بينه ويضم بعضه الى بعض ثم تلقحه الريح وهي التي سماها سبحانه لواقح ثم يسوقه على متونها الى الارض المحتاجة اليه فإذا علاها واستوى عليها اهراق ماءه عيها فيرسل سبحانه عليه الريح وهو في الجو فتذروه وتفرقه لئلا يؤذي ويهدم ما ينزل عليه بجملته حتى إذا رويت وأخذت حاجتها منه اقلع عنها وفارقها فهي روايا الارض محمولة على ظهور الرياح وفي الترمذي وغيره ان النبي لما رأى السحاب قال هذه روايا الارض يسوقها الله الى قوم لا يشكرونه ولا يذكرونه فالسحاب حامل رزق العباد وغيرهم التي عليها ميرتهم وكان الحسن إذا رأى السحاب قال في هذا والله رزقكم ولكنكم تحرموه بخطاياكم وذنوبكم وفي الصحيح عن النبي قال بينا رجل بفلاة من الارض إذ سمع صوتا في سحابة اسق حديقة فلان فمر الرجل مع السحابة حتى اتت على حديقة فلما توسطتها افرغت فيها ماءها فإذا برجل معه مسحاة يسحي الماء بها فقال ما اسمك يا عبد الله قال فلان للاسم الذي سمعه في السحابة وبالجملة فإذا تأملت السحاب الكثيف المظلم كيف تراه يجتمع في جو صاف لا كدورة فيه وكيف يخلقه الله متى شاء وإذا شاء وهو مع لينه ورخاوته حامل للماء الثقيل بين السماء والأرض إلى ان يأذن له ربه وخالقه في ارسال ما معه من الماء فيرسله وينزله منه مقطعا بالقطرات كل قطرة بقدر مخصوص اقتضته حكمته ورحمته فيرش السحاب الماء على الارض رشا ويرسله قطرات مفصلة لاتختلط قطرة منها باخرى ولا يتقدم متأخرها ولا يتأخر متقدمها ولا تدرك القطرة صاحبتها فتمزج بها بل تنزل كل واحدة في الطريق الذي رسم لها لا تعدل عنه حتى تصيب الارض قطرة قطرة قد عينت كل قطرة منها لجزء من الارض لا تتعداه إلى غيره فلو اجتمع الخلق كلهم على ان يخلقوا منها قطرة واحدة او يحصوا عدد القطر في لحظة واحدة لعجزوا عنه فتأمل كيف يسوقه سبحانه رزقا للعباد والدواب والطير والذر والنمل يسوقه رزقا للحيوان الفلاني في الارض الفلانية بجانب الجبل الفلاني فيصل اليه على شدة من الحاجة والعطش في وقت كذا وكذا ثم كيف اودعه في الارض ثم اخرج به انواع الاغذية والادوية والاقوات فهذا النبات يغذي وهذا يصلح الغذاء وهذا ينفذه وهذا يضعف وهذا اسم قاتل وهذا شفاء من السم وهذا يمرض وهذا دواء من المرض وهذا يبرد وهذا يسخن وهذا إذا حصل في المعدة قمع الصفراء من اعماق العروق وهذا إذا حصل فيها ولد الصفراء واستحال اليها وهذا يدفع البلغم والسوداء وهذا يستحيل(1\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "201",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14657",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اليهما وهذا يهيج الدم وهذا يسكنه وهذا ينوم وهذا يمنع النوم وهذا يفرح وهذا يجلب الغنم الى غير ذلك من عجائب النبات التي لا تكاد تخلو ورقة منه ولاعرق ولا ثمرة من منافع تعجز عقول البشر عن الاحاطة بها وتفصيلها وانظر الى مجاري الماء في تلك العروق الرقيقة الضئيلة الضعيفة التي لا يكاد البصر يدركها إلا بعد تحديقه كيف يقوى قسره واجتذابه من مقره ومركزه الى فوق ثم ينصرف في تلك المجاري بحسب قبولها وسعتها وضيقها ثم تتفرق وتتشعب وتدق الى غاية لا ينالها البصر ثم انظر الى تكون حمل الشجرة ونقلته من حال الى حال كتنقل احوال الجنين المغيب عن الابصار ترى العجب العجاب فتبارك الله رب العالمين واحسن الخالقين بينا تراها حطبا قائما عاريا لا كسوة عليها إذ كاسها ربها وخالقها من الزهر احسن كسوة ثم سلبها تلك السكوة وكساها من الورق كسوة هي اثبت من الاولى ثم اطلع فيها حملها ضعيفا ضئيلا بعد ان اخرج ورقها صيانة وثوبا لتلك الثمرة الضعيفة لتستجب به من الحر والبرد والافات ثم ساق الى تلك الثمار رزقها وغذاها في تلك العروق والمجاري فتغذت به كما يتغذى الطفل بلبان امه ثم رباها ونماها شيئا فشيئا حتى استوت وكملت وتناهى ادراكها فأخرج ذلك الجني اللذيذ اللين من تلك الحطبة الصماء هذا وكم لله من آية في كل ما يقع الحس عليه ويبصره العباد وما لايبصرونه تفنى الاعمار دون الاحاطة بها وجميع تفاصيلها فصل ومن آياته سبحانه تعالى الليل والنهار وهما من اعجب آياته وبدائع مصنوعاته ولهذا يعيد ذكرهما في القرآن ويبديه كقوله تعالى ومن آياته الليل والنهار وقوله وهو الذي جعل الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا وقوله عز وجل وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون وقوله عز وجل الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا وهذا كثير في القرآن فانظر الى هاتين الايتين وما تضمنتاه من العبر والدلالات على ربوبية الله وحكمته كيف جعل الليل سكنا ولباسا يغشى العالم فتسكن فيه الحركات وتأوى الحيوانات الى بيوتها والطير الى اوكارها وتستجم فيه النفوس وتستريح من كد السعي والتعب حتى إذا اخذت منه النفوس راحتها وسباتها وتطلعت الى معايشها وتصرفها جاء فالق الاصباح سبحانه وتعالى بالنهار يقدم جيشه بشير الصباح فهزم تلك الظلمة ومزقها كل ممزق وكشفها عن العالم فإذا هم مبصرون فانتشر الحيوان وتصرف في معاشه ومصالحه وخرجت الطيور من اوكارها فياله من معاد ونشأة دال على قدرة الله سبحانه على المعاد الاكبر وتكرره(1\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "202",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14658",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ودوام مشاهدة النفوس له بحيث صار عادة ومألفا منعها من الاعتبار به والاستدلال به على النشأة الثانية وإحياء الحلق بعد موتهم ولا ضعف في قدرة القادر التام القدرة ولا قصور في حكمته ولا في علمه ويوجب تخلف ذلك ولكن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهذا ايضا من اياته الباهرة ان يعمى عن هذه الايات الواضحة البينة من شاء من خلقه فلا يهتدي بها ولا يبصرها لمن هو واقف في الماء الى حلقه وهويستغيث من العطش وينكر وجود الماء وبهذا وأمثاله يعرف الله عز وجل ويشكر ويحمد ويتضرع اليه ويسأل فصل ومن آياته وعجائب مصنوعاته البحار المكتنفة لاقطار الارض التي هي خلجان من البحر المحيط الاعظم بجميع الارض حتى ان المكشوف من الارض والجبال والمدن بالنسبة الى الماء كجزيرة صغيرة في بحر عظيم وبقية الارض مغمورة بالماء ولولا امساك الرب تبارك وتعالى له بقدرته ومشيئته وحبسه الماء لطفح على الارض وعلاها كلها هذا طبع الماء وهذا حار عقلاء الطبيعيين في سبب بروز هذا الجزء من الارض مع اقتضاء طبيعة الماء للعلو عليه وإن يغمره ولم يجدوا ما يحيلون عليه ذلك إلا الاعتراف بالعناية الازلية والحكمة الالهية التي اقتضت ذلك العيش الحيوان الارضي في الارض وهذا حق ولكنه يوجب الاعتراف بقدرة الله وإرادته ومشيئته وعلمه وحكمته وصفات كماله ولا محيص عنه وفي مسند الامام احمد عن النبي انه قال ما من يوم الا والبحر يستأذن ربه ان يغرق بني آدم وهذا احدالاقوال في قوله عز وجل والبحر المسجور انه المحبوس حكاه ابن عطية وغيره قالوا ومنه ساجور الكلب وهي القلادة من عود او حديد التي تمسكه وكذلك لولا ان الله يحبس البحر ويمسكه لفاض على الارض فالارض في البحر كبيت في جملة الارض واذا تأملت عجائب البحر وما فيه من الحيوانات على اختلاف اجناسها وأشكالها ومقاديرها ومنافعها ومضارها وألوانها حتى ان فيها حيوانا امثال الجبال لا يقوم له شيء وحتى ان فيه من الحيوانات ما يرى ظهورها فيظن انها جزيرة فينزل الركاب عليها فتحس بالنار إذا اوقدت فتتحرك فيعلم انه حيوان وما من صنف من اصناف حيوان البر إلا وفي البحر امثاله حتى الانسان والفرس والبعير واصنافها وفيه اجناس لا يعهد لها نظير في البر اصلا هذا مع ما فيه من الجواهر واللؤلؤ والمرجان فترى اللؤلؤة كيف اودعت في كن كالبيت لها وهي الصدفة تكنها وتحفظها ومنه اللؤلؤ المكنون وهو الذي في صدفه لم تمسه الايدي وتأمل كيف نبت المرجان في قعره في الصخرة الصماء تحت الماء على هيئة الشجر هذا مع ما فيه من العنبر واصناف النفائش(1\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "203",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14659",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التي يقذفها البحر وتستخرج منه ثم انظر الى عجائب السفن وسيرها في البحر تشقه وتمخره بلا قائد يقودها ولا سائق يسوقها وإنما قائدها وسائقها الرياح التي يسخرها الله لاجرائها فإذا حبس عنها القائد والسائق ظلت راكدة على وجه الماء قال الله تعالى ومن آياته الجواري في البحر كالاعلام ان يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لايات لكل صبار شكور وقال الله تعالى الله الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون فما اعظمها من آية وابينها من دلالة ولهذا يكرر سبحانه ذكرها في كتابه كثيرا وبالجملة فعجائب البحر وآياته اعظم وأكثر من ان يحصيها الا الله سبحانه وقال الله تعالى إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة وتعيها اذن واعية فصل ومن آياته سبحانه خلق الحيوان على اختلاف صفاته واجناسه واشكاله ومنافعه وألوانه وعجائبه المودعة فيه فمنه الماشي على بطنه ومنه الماشي على رجليه ومنه الماشي على اربع ومنه ما جعل سلاحه في رجليه وهو ذو المخالب ومنه ما جعل سلاحه المناقير كالنسر والرخم والغراب ومنه ما سلاحه الاسنان ومنه ما سلاحه الصياصي وهي القرون يدافع بها عن نفسه من يروم اخذه ومنه ما اعطى منها قوة يدفع بها عن نفسه لم يحتج الى سلاح كالاسد فإن سلاحه قوته ومنه ما سلاحه في ذرقه وهو نوع من الطير إذا دنا منه من يريد اخذه ذرق عليه فأهلكه ونحن نذكر هنا فصولا منثورة من هذا الباب مختصرة وإن تضمنت بعض التكرار وترك الترتيب في هذا المقام الذي هو من اهم فصول الكتاب بل هو لب هذا القسم الاول ولهذا يكرر في القرآن ذكر آياته ويعيدها ويبديها ويأمر عباده بالنظر فيها مرة بعد أخرى فهو من اجل مقاصد القرآن قال الله تعالى قل انظروا ماذا في السموات والارض وقال تعالى إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لايات لاولي الالباب وقال تعالى أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت وقال الله تعالى اولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء وقال تعالى ان الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ذلكم الله فاتى تؤفكون فالق الاصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الايات لقوم يفقهون وهو الذي انزل من السماء ماء فاخرجنا به نبات(1\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "204",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14660",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كل شيء فأخرجنا منه خضرا فنخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من اعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا الى ثمره إذا اثمر وينعه فأمر سبحانه بالنظر اليه وقت خروجه وإثماره ووقت نضجه وإدراكه يقال اينعت الثمار إذا نضجت وطابت لان في خروجه من بين الحطب والورق آية باهرة وقدرة بالغة ثم في خروجه من حدالعفوصة واليبوسة والمرارة والحموضة الى ذلك اللون المشرق الناصع والطعم الحلو اللذيذ الشهي لايات لقوم يؤمنون وقال بعض السلف حق على الناس ان يخرجوا وقت إدراك الثمار وينعها فينظروا اليها ثم تلي انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه ولو اردنا نستوعب ما في آيات الله المشهورة من العجائب والدلالات الشاهدة لله بان الله الذي لا إله إلا هو الذي ليس كمثله شيء وإنه الذي لا أعظم منه ولا أكمل منه ولا ابر ولا ألطف لعجزنا نحن والاولون والاخرون عن معرفة أدنى عشر معشار ذلك ولكن مالا يدرك جميعه لا ينبغي ترك التنبيه على بعض ما يستدل به على ذلك وهذا حين الشروع في الفصول فصل تامل العبرة في موضع هذا العالم وتاليف أجزائه ونظمها على احسن نظام وأدلة على كمال قدرة خالقه وكمال علمه وكمال حكمته وكمال لطفه فإنك إذا تأملت العالم وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع آلاته ومصالحه وكل ما يحتاج اليه فالسماء سقفه المرفوع عليه والارض مهاد وبساط وفراش ومستقر للساكن والشمس والقمر سرجان يزهران فيه والنجوم مصابيح له وزينة وأدلة للمنتقل في طرق هذه الدار والجواهر والمعادنمخزونة فيه كالذخائر والحواصل المعدة المهيأة كل شيء منها لشأنه الذي يصلح له وضروب النبات مهيأ لمآربه وصنوف الحيوان مصروفة لمصالحه فمنها الركوب ومنها الحلوب ومنها الغذاء ومنها اللباس والامتعة والالات ومنها الحرس الذي وكل بحرس الانسان يحرسه وهو نائم وقاعد مما هو مستعد لاهلاكه وأذاه فلولا ما سلط عليه من ضده لم يقر للانسان قرار بينهم وجعل الانسان كالملك المخول في ذلك المحكم فيه المتصرف بفعله وأمره ففي هذا اعظم دلالة واوضحها على ان العالم مخلوق لخالق حكيم قدير عليم قدره احسن تقدير ونظمه احسن نظام وان الخالق له يستحيل ان يكون اثنين بل الاله واحد لا إله إلا هو تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا وإنه لو كان في السموات والارض إله غير الله لفسد امرهما واختل نظامهما وتعطلت مصالحهما وإذا كان البدن يستحيل ان يكون المدبر له روحان متكافئان متساويان ولو كان كذلك لفسد وهلك مع إمكان ان يكون تحت قهر ثالث هذا من المحال في اوائل العقول وبداية الفطر فلو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون ما اتخذ الله من ولدوما كان معه من اله إذا لذهب(1\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "205",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14661",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كل اله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون فهذان برهانان يعجز الاولون والاخرون ان يقدحوا فيهما بقدح صحيح او ياتوا بأحسن منهما ولا يعترض عليهما إلا من لم يفهم المراد منهما ولولا خشية الاطالة لذكرنا تقديرهما وبيان ما تضمناه من السر العجيب والبرهان الباهر وسنفرد إن شاء الله كتاب مستقلا لادلة التوحيد فصل فتأمل خلق السماء وارجع البصر فيها كرة بعد كرة كيف تراها من اعظم الايات في علوها وارتفاعها وسعتها وقرارها بحيث لا تصعد علوا كالنار ولا تهبط نازلة كالاجسام الثقيلة ولا عمد تحتها وعلاقة فوقها بل هي ممسوكة بقدرة الله الذي يمسك السموات والارض ان تزولا ثم تأمل استواءها واعتدالها فلا صدع فيها ولا فطر ولا شق ولا أمت ولا عوج ثم تأمل ما وضعت عليه من هذا اللون الذي هو احسن الالوان واشدها موافقة للبصر وتقوية له حتى ان من اصابه شيء اضر ببصره يؤمر بادمان النظر الى الخضرة وما قرب منها الى السواد وقال الاطباء ان من كل بصره فإنه من دوائه ان يديم الاطلاع الى اجانة خضراء مملؤءة ماء فتأمل كيف جعل اديم السماء بهذا اللون ليمسك الابصار المتقلبة فيه ولا ينكأ فيها بطول مباشرتها له هذا بعض فوائد هذا اللون والحكمة فيه اضعاف ذلك فصل ثم تأمل حال الشمس والقمر في طلوعهما وغروبهما لاقامة دولتي الليل والنهار ولولا طلوعهما لبطل امر العالم وكيف كان الناس يسعون في معائشهم ويتصرفون في امورهم والدنيا مظلمة عليهم وكيف كانوا يتهنون بالعيش مع فقد النور ثم تأمل الحكمة في غروبهما فإنه لولا غروبهما لم يكن للناس هدوء ولا قرار مع فرط الحاجة الى السبات وجموم الحواس وانبعاث القوى الباطنة وظهور سلطانها في النوم المعين على هضم الطعام وتنفيذ الغذاء الى الاعضاء ثم لولا الغروب لكانت الارض تحمي بدوام شروق الشمس واتصال طلوعها حتى يحترق كل ما عليها من حيوان ونبات فصارت تطلع وقتا بمنزلة السراج يرفع لاهل البيت ليقضوا حوائجهم ثم تغيب عنهم مثل ذلك ليقروا ويهدؤا وصار ضياء النهار مع ظلام الليل وحر هذا مع برد هذا مع تضادهما متعاونين متظاهرين بهما تمام مصالح العالم وقد اشار تعالى الى هذا المعنى ونبه عباده عليه بقوله عز وجل قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار(1\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "206",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14662",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون خص سبحانه النهار بذكر البصر لانه محله وفيه سلطان البصر وتصرفه وخص الليل بذكر السمع لان سلطان السمع يكون بالليل وتسمع فيه الحيوانات مالا تسمع في النهار لانه وقت هدوء الاصوات وخمود الحركات وقوة سلطان السمع وضعف سلطان البصر والنهار بالعكس فيه قوة سلطان البصر وضعف سلطان السمع فقوله افلا تسمعون راجع إلى قوله قل ارايتم ان جعل الله عليكم الليل سرمدا الى يوم القيامة من اله غير الله يأتيكم بضياء به وقوله أفلا تبصرون راجع الى قوله قل أرايتم ان جعل الله عليكم النهار سرمدا الى يوم القيامة وقال تعالى تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد ان يذكر او أراد شكورا فذكر تعالى خلق الليل والنهار وإنهما خلفة أي يخلف احدهما الاخر لا يجتمع معه ولو اجتمع معه لفاتت المصلحة بتعاقبهما واختلافهما وهذا هو المراد باختلاف الليل والنهار كون كل واحد منهما يخلف الاخر لا يجامعه ولا يحاذيه بل يغشى احدهما صاحبه فيطلبه حثيثا حتى يزيله عن سلطانه ثم يجيء الاخر عقيبه فيطلبه حثيثا حتى يهزمه ويزيله عن سلطانه فهما دائما يتطالبان ولا يدرك احدهما صاحبه فصل ثم تأمل بعد ذلك احوال هذه الشمس في انخفاضها وارتفاعها لاقامة هذه الازمنة والفصول وما فيها من المصالح والحكم إذ لو كان الزمان كله فصلا واحدا لفاتت مصالح الفصول الباقية فيه فلو كان صيفا كله لفاتت منافع مصالح الشتاء ولو كان شتاء لفاتت مصالح الصيف وكذلك لو كان ربيعا كله او خريفا كله ففي الشتاء تغور الحرارة في الاجواف وبطون الارض والجبال فتتولد مواد الثمار وغيرها وتبرد الظواهر ويستكثف فيه الهواء فيحصل السحاب والمطر والثلج والبرد الذي به حياة الارض وأهلها واشتداد أبدان الحيوان وقوتها وتزايد القوى الطبيعية واستخلاف ما حللته حرارة الصيف من الابدان وفي الربيع تتحرك الطبائع وتظهر المواد المتولدة في الشتاء فيظهر النبات ويتنور الشجر بالزهر ويتحرك الحيوان للتناسل وفي الصيف يحتد الهواء ويسخن جدا فتنضج الثمار وتنحل فضلات الابدان والاخلاط التي انعقدت في الشتاء وتغور البرودة وتهرب الى الاجواف ولهذا تبرد العيون والابار ولا تهضم المعدة الطعام التي كانت تهضمه في الشتاء من الاطعمة الغليظة لانها كانت تهضمها بالحرارة التي سكنت في البطون فلما جاء الصيف خرجت الحرارة الى ظاهر الجسد وغارت البرودة فيه فإذا جاء الخريف اعتدل الزمان وصفا الهواء وبرد فانكسر ذلك السموم وجعله الله بحكمته برزخا بين سموم الصيف وبرد الشتاء لئلا يتنقل الحيوان وهلة واحدة من(1\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "207",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14663",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحر الشديد الى البرد الشديد فيجد اذاه ويعظم ضرره فإذا انتقل اليه بتدريج وترتب لم يصعب عليه فإنه عند كل جزء يستعد لقبول ما هو اشد منه حتى تأتي جمرة البرد بعد استعداد وقبول حكمة بالغة وآية باهرة وكذلك الربيع برزخ بين الشتاء والصيف ينتقل فيه الحيوان من برد هذا الى حر هذا بتدريج وترتيب فتبارك الله رب العالمين واحسن الخالقين فصل ثم تأمل حال الشمس والقمر وما اودعاه من النور والاضاءة وكيف جعل لهما بروجا ومنازل ينزلانها مرحلة بعد مرحلة لاقامة دولة السنة وتمام مصالح حساب العالم الذي لا غناء لهم في مصالحهم عنه فبذلك يعلم حساب الاعمار والاجال المؤجلة للديون والاجارات والمعاملات والعدد وغير ذلك فلولا حلوك الشمس والقمر في تلك المنازل وتنقلهما فيها منزلة بعدمنزلة لم يعلم شيء من ذلك وقد نبه تعالى على هذا في غير موضع من كتابه كقوله هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك الا بالحق يفصل الايات لقوم يعلمون وقال تعالى وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب فصل ثم تأمل الحكمة في طلوع الشمس على العالم كيف قدره العزيز العليم سبحانه فإنها لو كانت تطلع في موضع من السماء فتقف فيه ولا تعدوه لما وصل شعاعها الى كثير من الجهات لان ظل احد جوانب كرة الارض يحجبها عن الجانب الاخر وكان يكون الليل دائما سرمدا على من لم تطلع عليهم والنهار سرمدا على من هي طالعة عليهم فيفسد هؤلاء وهؤلاء فاقتضت الحكمة الالهية والعناية الربانية ان قدر طلوعها من اول النهار من المشرق فتشرق على ما قابلها من الافق الغربي ثم لا تزال تدور وتغشى جهة بعد جهة حتى تنتهي الى الغرب فتشرق على ما استتر عنها في اول النهار فيختلف عندهم الليل والنهار فتنتظم مصالحهم فصل ثم تأمل الحكمة في مقادير الليل والنهار تجدها على غاية المصلحة والحكمة وان مقدار اليوم والليلة لو زاد على ما قدر عليه او نقص لفاتت المصلحة واختلفت الحكمة بذلك بل جعل مكيالها اربعة وعشرين ساعة وجعلا يتقارضان الزيادة والنقصان بينهما فما يزيد في احدهما من الاخر يعود الاخر فيسترده منه قال الله تعالى يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وفيه قولان احدهما ان المعنى يدخل ظلمة هذا في مكان ضياء ذلك وضياء هذا في مكان ظلمة الاخر فيدخل كل واحد منهما في موضع صاحبه وعلى هذا فهي عامة في كل ليل ونهار والقول الثاني(1\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "208",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14664",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "انه يزيد في احدهما ما ينقصه من الاخر فما ينقص منه يلج في الاخر لا يذهب جملة وعلى هذا فالاية خاصة ببعض ساعات كل من الليل والنهار في غير زمن الاعتدال فهي خاصة في الزمان وفي مقدار ما يلج في احدهما من الاخر وهو في الاقاليم المعتدلة غاية ما تنتهي الزيادة خمس عشرة ساعة فيصير الاخر تسع ساعات فإذا زاد على ذلك انحرف ذلك الاقليم في الحرارة او البرودة الى ان ينتهي الى حد لايسكنه الانسان ولا يتكون فيه النبات وكل موضع لا تقع عليه الشمس لا يعيش فيه حيوان ولا نبات لفرط برده ويبسه وكل موضع لاتفارقه كذلك لفرط حره ويبسه والمواضع التي يعيش فيها الحيوان والنبات هي التي تطلع عليها الشمس وتغيب وأعدلها المواضع التي تتعاقب عليها الفصول الاربعة ويكون فيها اعتدالان خريفين وربيعين فصل ثم تأمل إنارة القمر والكواكب في ظلمة الليل والحكمة في ذلك فإن الله تعالى اقتضت حكمته خلق الظلمة لهدو الحيوان وبرد الهواء على الابدان والنبات فتعادل حرارة الشمس فيقوم النبات والحيوان فلما كان ذلك مقتضى حكمته شاب الليل بشيء من الانوار ولم يجعله ظلمة داجية حندسا لا ضوء فيه اصلا فكان لا يتمكن الحيوان فيه من شيء من الحركة ولا لأعمال ولما كان الحيوان قد يحتاج في الليل الى حركة ومسير وعمل لايتهيأ له بالنهار لضيق النهار او لشدة الحر او لخوفه بالنهار كحال كثير من الحيوان جعل في الليل من اضواء الكواكب وضوء القمر ما يتأتى معه اعمال كثيرة كالسفر والحرث وغير ذلك من اعمال اهل الحروث والزروع فجعل ضوء القمر بالليل معونة للحيوان على هذه الحركات وجعل طلوعه في بعض الليل دون بعض مع نقص ضوئه عن الشمس لئلا يستوى الليل والنهار فتفوت حكمة الاختلاف بينهما والتفاوت الذي قدره العزيز العليم فتأمل الحكمة البالغة والتقدير العجيب الذي اقتضى ان اعان الحيوان على دولة الظلام بجند من النور يستعين به على هذه الدولة المظلمة ولم يجعل الدولة كلها ظلمة صرفا بل ظلمة مشوبة بنور رحمة منه وإحسانا فسبحان من اتقن ما صنع واحسن كل شيء خلقه فصل ثم تأمل حكمته تبارك وتعالى في هذه النجوم وكثرتها وعجيب خلقها وأنها زينة للسماء وأدلة يهتدي بها في طرق البر والبحر وما جعل فيها من الضوء والنور بحيث(1\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "209",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14665",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يمكننا رؤيتها مع البعد المفرط ولولا ذلك لم يحصل لنا الاهتداء والدلالة ومعرفة المواقيت ثم تأمل تسخيرها منقادة بامر ربها تبارك وتعالى جارية على سنن واحد اقتضتحكمته وعلمه ان لا تخرج عنه فجعل منها البروج والمنازل والثوابت والسيارة والكبار والصغار والمتوسط والابيض الازهر والابيض الاحمر ومنها ما يخفى على الناظر فلا يدركه وجعل منطقة البروج قسمين مرتفعة ومنخفضة وقدر سيرها تقديرا واحدا ونزل الشمس والقمر والسيارات منها منازلها فمنها ما يقطعها في شهر واحد وهو القمر ومنها ما يقطعها في عام ومنها ما يقطعها في عدة اعوام كل ذلك موجب الحكمة والعناية وجعل ذلك اسباب لما يحدثه سبحانه في هذا العالم فيستدل بها الناس على تلك الحوادث التي تقارنها كمعرفتهم بما يكون مع طلوع الثريا إذا طلعت وغروبها إذا سقطت من الحوادث التي تقارنها وكذلك غيرها من المنازل والسيارات ثم تأمل جعله سبحانه بنات نعش وما قرب منها ظاهرة لا تغيب لقربها من المركز ولما في ذلك من الحكمة الالهية وانها بمنزلة الاعلام التي يهتدي بها الناس في الطرق المجهولة في البر والبحر فهم ينظرون اليها وإلى الجدي والفرقدين كل وقت ارادوا فيهتدون بها حيث شاؤا فصل ثم تأمل اختلاف سير الكواكب وما فيه من العجائب كيف تجد بعضها لا يسير إلا مع رفقته لا يفرد عنهم سيره ابدا بل لا يسيرون الا جميعا وبعضها يسير سيرا مطلقا غير مقيد برفيق ولا صاحب بل إذا اتفق له مصاحبته في منزل وافقه فيه ليلة وفارقه الليلة الاخرى فبينا تراه ورفيقه وقرينه إذ رايتهما مفترقين متابعدين كأنهما لم يتصاحبا قط وهذه السيارة لها في سيرها سيران مختلفان غاية الاختلاف سير عام يسير بها فلكها وسير خاص تسير هي في فلكها كما شبهوا ذلك بنملة تدب على رحى ذات الشمال والرحى تأخذ ذات اليمين فللنملة في ذلك حركتان مختلفتان الى جهتين متاينتين احداهما بنفسها والاخرى مكرهة عليها تبعا للرحى تجذبها الى غير جهة مقصدها وبذلك يجعل التقديم فيها كل منزلة الى جهة الشرق ثم يسير فلكها وبمنزلتها الى جهة الغرب فسل الزنادقة والمعطلة أي طبيعة اقتضت هذا واي فلك اوجبه وهلا كانت كلها راتبه او منتقلة او على مقدار واحد وشكل واحد وحركة واحدة وجريان واحد وهل هذا الا صنع من بهرت العقول حكمته وشهدت مصنوعاته ومتبدعاته بانه الخالق البارئ المصور الذي ليس كمثله شيء احسن كل شيء خلقه واتقن كل ما صنعه وانه العليم الحكيم الذي خلق فسوى وقدر فهدى وان هذه احدى آياته الدالة عليه وعجائب مصنوعاته الموصلة للأفكار إذا سافرت فيها اليه وأنه خلق مسخر مربوب مدبر ان ربكم الله الذي خلق السموات(1\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "210",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14666",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بامره الا له الخلق والامر تبارك الله رب العالمين فإن قلت فما الحكمة في كون بعض النجوم راتبا وبعضها منتقلا قيل إنها لوكانت كلها راتبة لبطلت الدلالة والحكم التي نشأت من تنقلها في منازلها ومسيرها في بروجها ولو كانت كلها منتقلة لم يكن لمسيرها منازل تعرف بها ولا رسم يقاس عليها لانه إنما يقاس مسير المتنقلة منها بالراتب كما يقاس مسير السائرين على الارض بالمنازل التي يمرون عليها فلو كانت كلها بحال واحدة لاختلط نظامها ولبطلت الحكم والفوائد والدلالات التي في اختلافها ولتشبث المعطل بذلك وقال لو كان فاعلها ومبدعها مختارا لم تكن على وجه واحد وأمر واحد وقدر واحد فهذا الترتيب والنظام الذي هي عليه من ادل الدلائل على وجود الخالق وقدرته وإرادته وعلمه وحكمته ووحدانيته فصل ثم تامل هذا الفلك الدوار بشمسه وقمره ونجومه وبروجه وكيف يدور على هذا العالم هذا الدوران الدائم الى آخر الاجل على هذا الترتيب والنظام وما في طي ذلك من اختلاف الليل والنهار والفصول والحر والبرد وما في ضمن ذلك من مصالح ما على الارض من اصناف الحيوان والنبات وهل يخفى على ذي بصيرة ان هذا ابداع المبدع الحكيم وتقدير العزيز العليم ولهذا خاطب الرسل امتهم مخاطبة من لا شك عنده في الله وإنما دعوهم الى عبادته وحده لا ألى الاقرار به فقالت لهم أفي الله شك فاطر السموات والارض فوجوده سبحانه وربوبيته وقدرته اظهر من كل شيء على الاطلاق فهو اظهر للبصائر من الشمس للابصار وابين للعقول من كل ما تعقله وتقر بوجدوده فما ينكره الا مكابر بلسانه وقلبه وعقله وفطرته وكلها تكذبه قال تعالى الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى يدبر الامر يفصل الايات لعلكم بلقاء ربكم توقنون وهو الذي مد الارض وجعل فيها رواسي وانهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشى الليل النهار ان في ذلك لايات لقوم يتفكرون وفي الارض قطع متجاورات الاية وقال تعالى ان في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لايات للمؤمنين وفي خلقكم واما يبث من دابة إلى قوله وآياته يؤمنون وقال تعالى خلق السموات بغير عمد ترونها والقى في الارض رواسي ان تميد بكم وبث فيها من كل دابة الى قوله في ضلال مبين وقال تعالى خلق الانسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون الى قوله افمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون وتأمل كيف وحد سبحانه الاية من قوله هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب الى آخرها وختمها باصحاب الفكرة فاما(1\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "211",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14667",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "توحيد الاية فلأن موضع الدلالة واحد وهو الماء الذي انزله من السماء فاخرج به كلما ذكره من الارض وهو على اختلاف انواعه لقاحه واحد وأمه واحدة فهذا نوع واحد من آياته وأما تخصيصه ذلك بأهل الفكر فلأن هذه المخلوقات التي ذكرها من الماء موضع فكر وهو نظر القلب وتامله لا موضع نظر مجرد بالعين فلا ينتفع الناظر بمجرد رؤية العين حتى ينتقل منه الى نظر القلب في حكمة ذلك وبديع صنعه والاستدلال به على خالقه وباريه وذلك هو الفكر بعينه واما قوله تعالى في الاية التي بعدها ان في ذلك لايات لقوم يعقلون فجمع الايات لانها تضمنت الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم وهي آيات متعددة مختلفة في انفسها وخلقها وكيفياتها فإن إظلام الجو لغروب الشمس ومجيء الليل الذي يلبس العالم كالثوب ويسكنون تحته آية باهرة ثم ورد جيش الضياء يقدمه بشير الصباح فينهزم عسكر الظلام وينتشر الحيوان وينكشط ذلك اللباس بجملته آية اخرى ثم في الشمس التي هي آية النهار آية أخرى وفي القمر الذي هو آية الليل آية اخرى وفي النجوم آيات أخر كما قدمناه هذا مع ما يتبعها من الايات المقارنة لها من الرياح واختلافها وسائر ما يحدثه الله بسببها آيات أخر فالموضع موضع جمع وخص هذه الايات بأهل العقل لانها اعظم مما قبلها وأدل وأكبر والاولى كالباب لهذه فمن استدل بهذه الايات واعطاها حقها من الدلالة استحق من الوصف ما يستحقه صاحب الفكر وهو العقل ولأن منزله المنزلة العقل بعد منزلة الفكر فلما دلهم بالاية الاولى على الفكر نقلهم بالاية الثانية التي هي اعظم منها الى العقل الذي هو فوق الفكر فتأمله فأما قوله في الاية الثالثة إن في ذلك لآية لقوم يذكرون فوحد الاية وخصها بأهل التذكر فأما توحيدها فكتوحيد الاولى سواء فإن ما ذرأ في الارض على اختلافه من الجواهر والنبات والمعادن والحيوان كله في محل واحد فهو نوع من انواع آياته وإن تعددت أصنافه وانواعه واما تخصيصه اياها بأهل التذكر فطريقة القرآن في ذلك ان يجعل آياته للتبصر والتذكر كما قال تعالى في سورة ق والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب فالتبصرة التعقل والتذكرة التذكر والفكر باب ذلك ومدخله فإذا فكر تبصر وإذا تبصر تذكر فجاء التذكير في الاية لترتيبه على العقل المرتب على الفكر فقدم الفكر إذ هو الباب والمدخل ووسط العقل إذ هو ثمرة الفكر ونتيجته وأخر التذكر إذ هو المطلوب من الفكر والعقل فتأمل ذلك حق التأمل فإن قلت فما الفرق بين التذكر والتفكر فإذا تبين الفرق ظهرت الفائدة قلت التفكر والتذكر اصل الهدى والفلاح وهما قطبا السعادة ولهذا وسعنا الكلام في التفكر في هذا الوجه لعظم المنفعة وشدة الحاجة اليه قال الحسن ما زال اهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر وبالتفكر على التذكر ويناطقون القلوب حتى نطقت فإذا لها اسماع وابصار فاعلم ان التفكر طلب القلب ما ليس بحاصل من العلوم من امر هو حاصل(1\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "212",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14668",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منها هذا حقيقته فإنه لو لم يكن ثم مراد يكون موردا للفكر استحال الفكر لان الفكر بغير متعلق متفكر فيه محال وتلك المواد هي الامور الحاصلة ولو كان المطلوب بها حاصلا عنده لم يتفكر فيه فإذا عرف هذا فالمتفكر ينتقل من المقدمات والمبادي التي عنده الى المطلوب الذي يريده فإذا ظفر به وتحصل له تذكر به وابصر مواقع الفعل والترك وما ينبغي ايثاره وما ينبغي اجتنابه فالتذكر هو مقصود التفكر وثمرته فإذا تذكر عاد بتذكرة على تفكره فاستخرج ما لم يكن حاصلا عنده فهو لا يزال يكرر بتفكره على تذكره وبتذكره على تفكره ما دام عاقلا لان العلم والارادة لا يقفان على حد بل هو دائما سائر بن العلم والارادة وإذا عرفت معنى كون آيات الرب تبارك وتعالى تبصرة وذكرى يتبصر بها من عمى القلب ويتذكر بها من غفلته فان المضاد للعلم اما عمى القلب وزواله بالتبصر وإما غفلته وزواله بالتذكر والمقصود تنبيه القلب من رقدته بالاشارة الى شيء من بعض آيات الله ولو ذهبنا نتتبع ذلك لنفذ الزمان ولم نحط بتفصيل واحدة من آياته على التمام ولكن مالا يدرك جملة لا يترك جملة واحسن ما انفقت فيه الانفاس التفكر في آيات الله وعجائب صنعه والانتقال منها الى تعلق القلب والهمة به دون شيء من مخلوقاته فلذلك عقدنا هذه الكتاب على هذين الاصلين إذ هما افضل ما يكتسبه العبد في هذه الدار فصل فسل المعطل الجاحد ما تقول في دولاب دائر على نهر قد احكمت آلاته وأحكم تركيبه وقدرت ادواته احسن تقدير وأبلغه بحيث لا يرى الناظر فيه خللا في مادته ولا في صورته وقد جعل على حديقة عظيمة فيها من كل انواع الثمار والزروع يسقيها حاجتها وفي تلك الحديقة من يلم شعثها ويحسن مراعاتها وتعهدها والقيام بجميع مصالحها فلا يختل منها شيء ولا يتلف ثمارها ثم يقسم قيمتها عند الجذاذ على سائر المخارج بحسب حاجاتهم وضروراتهم فيقسم لكل صنف منهم ما يليق به ويقسمه هكذا على الدوام اترى هذا اتفاقا بلا صانع ولا مختار ولا مدبر بل اتفق وجود ذلك الدولاب والحديقة وكل ذلك اتفاقا من غير فاعل ولا قيم ولا مدبر أفترى ما يقول لك عقلك في ذلك لو كان وما الذي يفتيك به وما الذي يرشدك اليه ولكن من حكمة العزيز الحكيم ان خلق قلوبا عميا لا بصائر لها فلا ترى هذه الايات الباهرة إلا رؤية الحيوانات البهيمية كما خلق اعينا لا أبصار لها والشمس والقمر والنجوم مسخرات بامره وهي لا تراها فما ذنبها ان انكرتها وجحدتها فهي تقول في ضوء النهار هذا ليل ولكن اصحاب الاعين لا يعرفون شيئا ولقد احسن القائل وهبني قلت هذا الصبح ليل ... ايعمى العالمون عن الضياء(1\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "213",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14669",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ثم تأمل الممسك للسموات والارض الحافظ لهما ان تزولا او تقعا او يتعطل بعض ما فيهما افترى من الممسك لذلك ومن القيم بأمره ومن المقيم له فلو تعطل بعض آلات هذا الدولاب العظيم والحديقة العظيمة من كان يصلحه وماذا كان عند الخلق كلهم من الحيلة في رده كما كان فلو امسك عنهم قيم السموات والارض الشمس فجعل عليهم الليل سرمدا من الذي كان يطلعها عليهم ويأتيهم بالنهار ولو حبسها في الافق ولم يسيرها فمن ذا الذي كان يسيرها وياتيهم بالليل ولو ان السماء والارض زالتا فمن ذا الذي كان يمسكها من بعده فصل ثم تأمل هذه الحكمة البالغة في الحر والبرد وقيام الحيوان والنبات عليهما وفكر في دخول احدهما على الاخر بالتدريح والمهلة حتى يبلغ نهايته ولو دخل عليه مفاجاة الأضر ذلك بالابدان وأهلكها وبالنبات كما لو خرج الرجل من حمام مفرط الحرارة الى مكان مفرط في البرودة ولولا العناية والحكمة والرحمة والاحسان لما كان ذلك فإن قلت هذا التدريج والمهلة إنما كان لابطاء سير الشمس في ارتفاعها وانخفاضها قيل لك فما السبب في ذلك الانخفاض والارتفاع فإن قلت السبب في ذلك بعدالمسافة من مشارقها ومغاربها قيل لك فما السبب في بعد المسافة ولا تزال المسالة متوجهة عليك كما عينت سببا حتى تفضي بك الى احد امرين إما مكابرة ظاهرة ودعوى ان ذلك اتفاق من غير مدبر ولا صانع وإما الاعتراف برب العالمين والاقرار بقيوم السموات والارضين والدخول في زمرة اولى العقل من العالمين ولن تجد بين القسمين واسطة ابدا فلا تتعب ذهنك بهذيانات الملحدين فانها عند من عرفها من هوس الشياطين وخيالات المبطلين وإذا طلع فجر الهدى واشرقت النبوة فعساكر تلك الخيالات والوساوس في أول المنهزمين والله متم نوره ولو كره الكافرون فصل ثم تأمل الحكمة في خلق النار على ما هي عليه من الكمون والظهور فانها لو كانت ظاهرة ابدا كالماء والهواء كانت تحرق العالم وتنتشر ويعظم الضرر بها والمفسدة ولو كانت كامنة لا تظهر ابدا لفاتت المصالح المترتبة على وجودها فاقتضت حكمة العزيز العليم ان جعلها مخزونة في الاجسام يخرجها ويبقيها الرجل عند حاجته اليها فيمسكها ويحبسها بمادة يجعلها فيها من الحطب ونحوه فلا يزال حابسها ما احتاج الى بقائها فإذا استغنى عنها وترك حبسها بالمادة خبت باذن ربها وفاطرها فسقطت المؤنة والمضرة ببقائها فسبحان من سخرها وانشأها على تقدير محكم عجيب اجتمع فيه الاستمتاع والانتفاع(1\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "214",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14670",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والسلامة من الضرر قال تعالى أفرأيتم النار التي تورون الى قوله فسبح باسم ربك العظيم فسبحان ربنا العظيم لقد تعرف الينا بآياته وشفانا ببيناته واغنانا بها عن دلالات العالمين فاخبر سبحانه انه جعلها تذكرة بنار الاخرة فنستجير منها ونهرب اليه منها ومتاعا للمقوين وهم المسافرون النازلون بالقواء والقواء هي الارض الخالية وهم احوج الى الانتفاع بالنار للاضاءة والطبخ والخبز والتدفي والانس وغير ذلك فصل ثم تأمل حكمته تعالى في كونه خص بها الانسان دون غيره من الحيوانات فلا حاجة بالحيوان اليها بخلاف الانسان فإنه لو فقدها لعظم الداخل عليه في معاشه ومصالحه وغيره من الحيوانات لا يستعملها ولايتمتع بها وننبه من مصالح النار على خلة صغيرة القدر عظيمة النفع وهي هذا المصباح الذي يتخذه الناس فيقضون به من حوائجهم ما شاؤا من ليلهم ولو هذه الخلة لكان الناس نصف اعمارهم بمنزلة اصحاب القبور فمن كان يستطيع كتابة او خياطة او صناعة او تصرفا في ظلمة الليل الداجي وكيف كانت تكون حال من عرض له وجع في وقت من الليل فاحتاج الى ضياء او دواء او استخراج دم او غير ذلك ثم انظر الى ذلك النور المحمول في ذبالة المصباح على صغر جوهره كيف يضيء ما حولك كله فترى به القريب والبعيد ثم انظر الى انه لو اقتبس منه كل من يفرض او يقدر من خلق الله كيف لا يفنى ولا ينفذ ولا يضعف وأما منافع النار في انضاج الاطعمة والادوية وتجفيف مالا ينتفع الا بجفافه وتحليل مالا ينتفع الا بتلحيله وعقد مالا ينتفع الا بعقده وتركيبه فأكثر من ان يحصى ثم تأمل ما اعطيته النار من الحركة الصاعدة بطبعها الى العلو فلولا المادة تمسكها لذهبت صاعدة كما ان الجسم الثقيل لولا الممسك يمسكه لذهب نازلا فمن اعطى هذا القوة التي يطلب بها الهبوط الى مستقره واعطى هذه القوة التي تطلب بها الصعود الى مستقرها وهل ذلك الا بتقدير العزيز العليم فصل ثم تامل هذا الهواء وما فيه من المصالح فإنه حياة هذه الابدان والممسك لها من داخل بما تستنشق منه ومن خارج بما تباشر به من روحه فتتغذى به ظاهرا وباطنا وفيه تطرد هذه الاصوات فتحملها وتؤديها للقريب والبعيد كالبريد والرسول الذي شأنه حمل الاخبار والرسائل وهو الحامل لهذه الروائح على اختلافها ينقلها من موضع الى موضع فتأتي العبد الرائحة من حيث تهب الريح وكذلك تأتيه الاصوات وهو ايضا الحامل للحر والبرد اللذين بهما صلاح الحيوان والنبات وتأمل منفعة الريح وما يجري له في البر والبحر وما هيئت له من الرحمة(1\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "215",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14671",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعذاب وتأمل كم سخر للسحاب من ريح حتى امطر فسخرت له المثيرة اولا فتثيره بين السماء والارض ثم سخرت له الحاملة التي تحمله على متنها كالجمل الذي يحمل الراوية ثم سخرت له المؤلفة فتؤلف بين كسفه وقطعه ثم يجتمع بعضها الى بعض فيصير طبقا واحدا ثم سخرت له اللاقحة بمنزلة الذكر الذي يلقح الانثى فتلقحه بالماء ولولاها لكان جهاما لا ماء فيه ثم سخرت له المزجية التي تزجيه وتسوقه الى حيث أمر فيفرغ ماءه هنالك ثم سخرت له بعد اعصاره المفرقة التي تبثه وتفرقه في الجو فلا ينزل مجتمعا ولو نزل جملة لأهلك المساكن والحيوان والنبات بل تفرقه فتجعله قطرا وكذلك الرياح التي تلقح الشجر والنبات ولولاها لكانت عقيما وكذلك الرياح التي تسير السفن ولولاها لوقفت على ظهر البحر ومن منافعها انها تبرد الماء وتضرم النار التي يراد اضرامها وتجفف الاشياء التي يحتاج الى جفافها وبالجملة فحياة ما على الارض من نبات وحيوان بالرياح فإنه لولا تسخير الله لها لعباده لذوي النبات ومات الحيوان وفسدت المطاعم وأنتن العالم وفسد الا ترى اذا ركدت الرياح كيف يحدث الكرب والغم الذي لو دام لأتلف النفوس واسقم الحيوان وامرض الاصحاء وانهك المرضى وافسد الثمار وعفن الزرع واحدث الوباء في الجو فسبحان من جعل هبوب الرياح تأتي بروحه ورحمته ولطفه ونعمته كما قال النبي في الرياح إنها من روح الله تأتي بالرحمة وتنبه للطيفة في هذا الهواء وهي ان الصوت اثر يحدث عند اصطكاك الاجرام وليس نفس الاصطكاك كما قال ذلك من قاله ولكنه موجب الاصطكاك وقرع الجسم للجسم او قلعة عنه فسببه قرع او قلع فيحدث الصوت فيحمله الهواء ويؤديه الى ما مع الناس فينتفعون به في حوائجهم ومعاملاتهم بالليل والنهار وتحدث الاصوات العظيمة من حركاتهم فلو كان اثر هذه الحركات والاصوات يبقى في الهواء كما يبقى الكتاب في القرطاس لامتلأ العالم منه ولعظم الضرر به واشتدت مؤنته واحتاج الناس الى محوه من الهواء والاستبدال به اعظم من حاجتهم الى استبدال الكتاب المملوء كتابة فان ما يلقى من الكلام في الهواء اضعاف ما يوضع في القرطاس فاقتضت حكمة العزيز الحكيم ان جعل هذا الهواء قرطاسا خفيا يحمل الكلام بقدر ما يبلغ الحاجة ثم يمحي باذن ربه فيعود جديدا نقيا لا شيء فيه فيحمل ما حمل كل وقت فصل ثم تأمل خلق الارض على ما هي عليه حين خلقها واقفة ساكنة لتكون مهادا ومستقرا للحيوان والنبات والامتعة ويتمكن الحيوان والناس من السعي عليها في مآربهم والجلوس لراحاتهم والنوم لهدوهم والتمكن من اعمالهم ولو كان رجراجة متكفئة لم يستطيعوا على ظهرها قرارا ولا هدوا ولا ثبت لهم عليها بناء ولا امكنهم عليها صناعة(1\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "216",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14672",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا تجارة ولا حراثة ولا مصلحة وكيف كانوا يتهنون بالعيش والارض ترتج من تحته واعتبر ذلك بما يصيبهم من الزلازل على قلة مكثها كيف تصيرهم الى ترك منازلهم والهرب عنها وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وقوله تعالى الله الذي جعل لكم الأرض قرارا وقوله الله الذي جعل لكم الارض مهدا وفي القراءة الاخرى مهادا وفي جامع الترمذي وغيره من حديث انس بن مالك عن النبي قال لما خلق الله الارض جعلت تميد فخلق الجبال عليها فاستقرت فعجبت الملائكة من شدة الجبال فقالوا يا رب هل من خلقك شيء اشد من الجبال قال نعم الحديد قالوا يا رب هل من خلقك شيء أشد من الحديد قال نعم النار قالوا يا رب فهل من خلقك شيء اشد من النار قال نعم الريح قالوا يا رب فهل من خلقك شيء اشد من الريح قال نعم ابن آدم يتصدق صدقة بيمينه يخفيها عن شماله ثم تأمل الحكمة البالغة في ليونة الارض مع يبسها فانها لو افرطت في اللين كالطين لم يستقر عليها بناء ولا حيوان ولا تمكنا من الانتفاع بها ولو افرطت في اليبس كالحجر لم يمكن حرثها ولا زرعها ولا شقها وفلحها ولا حفر عيونها ولا البناء عليها فنقصت عن يبس الحجارة وزادت على ليونة الطين فجاءت بتقدير فاطرها على احسن ما جاء عليه مهاد للحيوان من الاعتدال بين اللين واليبوسة فتهيأ عليها جميع المصالح فصل ثم تأمل تأمل الحكمة البالغة في ان جعل مهب الشمال عليها ارفع من مهب الجنوب وحكمة ذلك ان تتحدر المياه على وجه الارض فتسقيها وترويها ثم تفيض فتصب في البحر فكما ان الباني إذا رفع سطحا رفع احد جانبيه وخفض الاخر ليكون مصبا للماء ولو جعله مستويا لقام عليه الماء فافسده كذلك جعل مهب الشمال في كل بلد ارفع من مهب الجنوب ولولا ذلك لبقي الماء واقفا على وجه الارض فمنع الناس من العمل والانتفاع وقطع الطرق والمسالك واضر بالخلق افيحسن عند من له مسكة من عقل ان يقول هذا كله اتفاق من غير تدبير العزيز الحكيم الذي اتقن كل شيء فصل ثم تأمل الحكمة العجيبة في الجبال الذي يحسبها الجاهل الغافل فضلة في الارض لا حاجة اليها وفيها من المنافع مالا يحصيه الا خالقها وناصبها وفي حديث إسلام ضمام بن ثعلبة قوله للنبي بالذي نصب الجبال واودع فيها المنافع آلله امرك بكذا وكذا قال اللهم نعم فمن منافعها ان الثلج يسقط عليها فيبقى في قللها حاصلا لشراب الناس الى حين نقاذه وجعل(1\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "217",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14673",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيها ليذوب اولا فأولا فتجيء منه السيول الغزيرة وتسيل منه الانهار والاودية فينبت في المروج والوهاد والربا ضروب النبات والفواكه والادوية التي لا يكون مثلها في السهل والرمل فلولا الجبال لسقط الثلج على وجه الارض فانحل جملة وساح دفعة فعدم وقت الحاجة اليه وكان في انحلاله جملة السيول التي تهلك ما مرت عليه فيضر بالناس ضررا لا يمكن تلافيه ولا دفعه لاذيته من منافعها ما يكون في حصونها وقللها من المغارات والكهوف والمعاقل التي منزلة الحصون والقلاع وهي ايضا اكنان للناس والحيوان ومن منافعها ما ينحت من احجارها للأبينة على اختلاف اصنافها والارحية وغيرها ومن منافعها ما يوجد فيها من المعادن على اختلاف اصنافها من الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والزبرجد والزمرد واضعاف ذلك من انواع المعادن الذي يعجز البشر عن معرفتها على التفصيل حتى ان فيها ما يكون الشيء اليسير منه تزيد قيمته ومنفعته على قيمة الذهب باضعاف مضاعفة وفيها من المنافع مالا يعلمه الا فاطرها ومبدعها سبحانه ومن منافعها ايضا انها ترد الرياح العاصفة وتكسر حدتها فلا تدعها تصدم ما تحتها ولهذا فالساكنون تحتها في امان من الرياح العظام المؤذية ومن منافعها ايضا انها ترد عنهم السيول إذا كانت في مجاريها فتصرفها عنهم ذات اليمين وذات الشمال ولولاها خربت السيول في مجاريها ما مرت به فتكون لهم بمنزلة السد والسكن ومن منافعها انها أعلام يستدل بها في الطرقات فهي منزلة الادلة المنصوبة المرشدة الى الطرق ولهذا سماها الله أعلاما فقال ومن آياته الجواري في البحر كالاعلام فالجواري هي السفن والاعلام الجبال واحدها علم قالت الخنساء وأن صخرا لتأتم الهداة به ... كانه علم في راسه نار فسمى الجبل علما من العلامة والظهور ومن منافعها ايضا ما ينبت فيها من العقاقير والادوية التي لا تكون في السهول والرمال كما ان ما ينبت في السهول والرمال لا ينبت مثله في الجبال وفي كل من هذا وهذا منافع وحكم لا يحيط به الا الخلاق العليم ومن منافعها انها تكون حصونا من الاعداء يتحرز فيها عباد الله من اعدائهم كما يتحصنون بالقلاع بل تكون أبلغ وأحصن من كثير من القلاع والمدن ومن منافعها ما ذكره الله تعالى في كتابه ان جعلها للأرض اوتادا تثبتها ورواسي بمنزلة مراسي السفن واعظم بها من منفعة وحكمة هذا وإذا تأملت خلقتها العجيبة البديعة على هذا الوضع وجدتها في غاية المطابقة للحكمة فانها لو طالت واستدفت كالحائط لتعذر الصعود عليها والانتفاع بها وسترت عن الناس الشمس والهواء فلم يتمكنوا من الانتفاع بها ولو بسطت على وجه الارض لضيقت عليهم المزارع والمساكن ولملأت السهل ولما حصل لهم بها الانتفاع من التحصن والمغارات والاكنان ولما سترت عنهم الرياح ولما حجبت السيول(1\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "218",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14674",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولو جعلت مستديرة شكل الكرة لم يتمكنوا من صعودها ولما حصل لهم بها الانتفاع التام فكان اولى الاشكال والاوضاع بها واليقها واوقعها على وفق المصلحة هذا الشكل الذي نصبت عليه ولقد دعانا الله سبحانه في كتابه الى النظر فيها وفي كيفية خلقها فقال أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت فخلقها ومنافعها من اكبر الشواهد على قدره باريها وفاطرها وعلمه وحكمته ووحدانيته هذا مع انها تسبح بحمده وتخشع له وتسجد وتشقق وتهبط من خشيته وهي التي خافت من ربها وفاطرها وخالقها على شدتها وعظم خلقها من الامانة إذ عرضها عليها واشفقت من حملها ومنها الجبل الذي كلم الله عليه موسى كليمه ونجيه ومنها الجبل الذي تجلى له ربه فساخ وتدكدك ومنها الجبل الذي حبب الله رسوله واصحابه اليه واحبه رسول الله وأصحابه ومنها الجبلان اللذان جعلهما الله سورا على نبيه وجعل الصفا في ذيل احدهما والمروة في ذيل الاخر وشرع لعباده السعي بينهما وجعله من مناسكهم وتعبداتهم ومنها جبل الرحمة المنصوب عليه ميدان عرفات فلله كم به من ذنب مغفور وعثرة مقالة وزلة معفو عنها وحاجة مقضية وكربة مفروجة وبلية مرفوعة ونعمة متجددة وسعادة مكتسبة وشقاوة ممحوة كيف وهو الجبل المخصوص بذلك الجمع الاعظم والوفد الاكرم الذين جاؤا من كل فج عميق وقوفا لربهم مستكينين لعظمته خاشعين لعزته شعثا غبرا حاسرين عن رؤسهم يستقبلوله عثراتهم ويسألونه حاجاتهم فيدنو منهم ثم يباهي بهم الملائكة فلله ذاك الجبل وما ينزل عليه من الرحمة والتجاوز عن الذنوب العظام ومنها جبل حراء الذي كان رسول الله يخلو فيه بربه حتى اكرمه الله برسالته وهو في غارة فهو الجبل الذي فاض منه النور على اقطار العالم فإنه ليفخر على الجبال وحق له ذلك فسبحان من اختص برحمته وتكريمه من شاء من الجبال والرجال فجعل منها جبالا هي مغناطيس القلوب كأنها مركبة منه فهي تهوى اليها كلما ذكرتها وتهفو نحوها كما اختص من الرجال من خصه بكرامته وأتم عليه نعمته ووضع عليه محبته منه فأحبه وحببه الى ملائكته وعباده المؤمنين ووضع له القبول في الارض بينهم وإذا تأملت البقاع وجدتها ... تشقى كما تشقى الرجال وتسعد فدع عنك الجبل الفلاني وجبل بني فلان وجبل كذا خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل هذا وانها لتعلم ان لها موعدا ويما تنسف فيها نسفا وتصير كالعهن من هوله وعظمه فهي مشفقة من هول ذلك الموعد منتظرة له وكانت ام الدرداء رضى الله عنها إذا سافرت فصعدت على جبل تقول لمن معها اسمعت الجبال ما وعدها ربها فيقال ما اسمعها فتقول ويسألونك(1\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "219",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14675",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا فهذا حال الجبال وهي الحجارة الصلبة وهذه رقتها وخشيتها وتدكدكها من جلال ربها وعظمته وقد اخبر عنها فاطرها باريها انه لو انزل عليها كلامه لخشعت ولتصدعت من خشية الله في عجبا من مضغة لحم اقسى من هذه الجبال تسمع آيات الله تتلى عليها ويذكر الرب تبارك وتعالى فلا تلين ولا تخشع ولا تنيب فليس بمستنكر على الله عز وجل ولا يخالف حكمته ان يخلق لها نارا تذيبها إذ لم تلن بكلامه وذكره وزواجره ومواعظه فمن لم يلن لله في هذه الدار قلبه ولم ينب اليه ولم يذبه بحبه والبكاء من خشيته فليتمتع قليلا فان امامه الملين الاعظم وسيرد الى عالم الغيب والشهادة فيرى ويعلم فصل ولما اقتضت حكمته تبارك وتعالى ان جعل من الارض السهل والوعر والجبال والرمل لينتفع بكل ذلك في وجهه ويحصل منه ما خلق له وكانت الارض بهذه المثابة لزم من ذلك ان صارت كالأم التي تحمل في بطنها انواع الاولاد من كل صنف ثم تخرج الى الناس والحيوان من ذلك ما اذن لها فيه ربها ان تخرجه اما بعلمهم وإما بدونه ثم يرد اليها ما خرج منها وجعلها سبحانه كفاتا فلأحياء ما داموا على ظهرها فإذا ماتوا استودعتهم في بطنها فكانت كفاتا لهم تضمهم على ظهرها احياء وفي بطنها امواتا فإذا كان يوم الوقت المعلوم وقد اثقلها الحمل وحان وقت الولادة ودنو المخاض اوحى اليها ربها وفاطرها ان تضع حملها وتخرج اثقالها فتخرج الناس من بطنها الى ظهرها وتقول رب هذا ما استودعتني وتخرج كنوزها باذنه تعالى ثم تحدث اخبارها وتشهد على بنيها بما عملوا على ظهرها من خير وشر فصل ولما كانت الرياح تجول فيها وتدخل في تجاويفها وتحدث فيها الابخرة وتخفق الرياح ويتعذر عليها المنفذ اذن الله سبحانه لها في الاحيان بالتنفس فتحدث فيها الزلازال العظام فيحدث من ذلك لعباده الخوف والخشية والانابة والاقلاع عن معاصيه والتضرعاليه والندم كما قال بعض السلف وقد زلزلت الارض ان ربكم يستعتبكم وقال عمر بن الخطاب وقد زلزلت المدينة فخطبهم ووعظهم وقال لئن عادت لا اساكنكم فيها فصل ثم تأمل حكمة الله عز وجل في عزة هذين النقدين الذهب والفضة وقصور خيرة العالم عما حاولوا من صنعتهما والتشبه بخلق الله اياهما مع شدة حرصهم وبلوغ اقصى جهدهم واجتهادهم في ذلك فلم يظفروا بسوى الصنعة ولو مكنوا ان يصنعوا مثل ما خلق الله من ذلك لفسد امر العالم واستفاض الذهب والفضة في الناس حتى صار(1\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "220",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14676",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كالسعف والفخار وكانت تتعطل المصلحة التي وضعا لاجلها وكانت كثرتهما جدا سبب تعطل الانتفاع بهما فانه لا يبقى لهما قيمة ويبطل كونهما قيما لنفائس الاموال والمعاملات وارزاق المقاتلة ولم يتسخر بعض الناس لبعض إذ يصير الكل ارباب ذهب وفضة فلو اغنى خلقه كلهم لأفقرهم كلهم فمن يرضى لنفسه بامتهانها في الصنائع التي لا قوام للعالم الا بها فسبحان من جعل عزتهما سبب نظام العالم ولم يجعلهما في العزة كالكبريت الاحمر الذي لا يوصل اليه فتفوت المصلحة بالكلية بل وضعهما وانبتهما في العالم بقدر اقتضه حكمته ورحمته ومصالح عباده وقرأت بخط الفاضل جبريل بن روح الانباري قال اخبرني بعض من تداول المعادن انهم اوغلوا في طلبها الى بعض نواحي الجبل فانتهوا الى موضع وإذا فيه امثال الجبال من الفضة ومن دون ذلك واد يجرى متصلبا بماء غزير لا يدرك ولا حيلة في عبوره فانصرفوا الى حيث يعملون ما يعبرون به فلما هيئوه وعادوا راموا طريق النهر فما وقفوا له على اثر ولا عرفوا الى اين يتوجهون فانصرفوا آيسين وهذا احد ما يدل على بطلان صناعة الكيمياء وانها عند التحقيق زغل وصبغة لا غير وقد ذكرنا بطلانها وبينا فسادها من اربعين وجها في رسالة مفردة والمقصود ان حكمة الله تعالى اقتضت عزة هذين الجوهرين وقتلهما بالنسبة الى الحديد والنحاس والرصاص لصلاح امر الناس واعتبر ذلك بأنه إذا ظهر الشيء الظريف المستحسن مما يحدثه الناس من الامتعة كان نفيسا عزيزا ما دام فيه قلة وهو مرغوب فيه فإذا فشى وكثر في ايدي الناس وقدر عليه الخاص والعام سقط عندهم وقلت رغباتهم فيه ومن هذا قول القائل نفاسه الشيء من عزته ولهذا كان ازهد الناس في العالم اهله وجبرانه وارغبهم فيه البعداء عنه فصل وتأمل الحكمة البديعة في تيسيره سبحانه على عباده ما هم احوج اليه وتوسيعه وبذلك بذلهفكلما كانوا احوج اليه كان اكثر واوسع وكلما استغنوا عنه كان اقل وإذا توسطت الحاجة توسط وجوده فلم يكن بالعام ولا بالنادر على مراتب الحاجات وتفاوتها فاعتبر هذا بالاصول الاربعة التراب والماء والهواء والنار وتأمل سعة ما خلق الله منها وكثرته فتأمل سعة الهواء وعمومه ووجوده بكل مكان لأن الحيوان مخلوق في البر لايمكنه الحياة إلا به فهو معه أينما كان وحيث كان لانه لا يستغنى عنه لحظه واحدة ولولا كثرته وسعته وامتداده في اقطار العالم لاختنق العالم من الدخان والبخار المتصاعد المنعقد فتأمل حكمة ربك في ان سخر له الرياح فإذا تصاعد الى الجو احالته سحابا او ضبابا فأذهبت عن العالم شره وأذاه فسل الجاحد من الذي دبر هذا التدبير وقدر هذا التقدير وهل يقدر العالم كلهم لو اجتمعوا ان يحيلوا ذلك(1\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "221",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14677",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويقلبوه سحابا او ضبابا او يذهبوه عن الناس ويكشفوه عنهم ولو شاء ربه تعالى لحبس عنه الرياح فاختنق على وجه الارض فأهلك ما عليها من الحيوان والناس فصل ومن ذلك سعة الارض وامتدادها ولولا ذلك لضاقت عن مساكن الانس والحيوان وعن مزارعهم ومراعيهم ومنابت ثمارهم واعشابهم فان قلت فما حكمة هذه القفار الخالية والفلوات الفارغة الموحشة فاعلم ان فيها معايش مالا يحصيه الا الله من الوحوش والدواب وعليها ارزاقهم وفيها مطردهم ومنزلهم كالمدن والمساكن للانس وفيها مجالهم ومرعاهم ومصيفهم ومشتهاهم ثم فيها بعد متسع ومتنفس للناس ومضطرب إذا احتاجوا الى الانتقال والبدو والاستبدال بالاوطان فكم من بيداء سملق صارت قصورا وجنانا ومساكن ولولا سعة الارض وفسحها لكان اهلها كالمحصورين والمحبوسين في أماكنهم لا يجدون عنها انتقالا إذا فدحهم ما يزعجهم عنها ويضطرهم الى النقلة منها وكذلك الماء لولا كثرته وتدفقه في الاودية والانهار لضاق عن حاجة الناس اليه ولغلب القوى الضعيف واستبد به دونه فيحصل الضرر وتعظم البلية مع شدة حاجة جميع الحيوان اليه من الطير والوحوش والسباع فاقتضت الحكمة ان كان بهذه الكثرة والسعة في كل وقت وأما النار فقد تقدم ان الحكمة اقتضت كموتها متى شاء العبد اوراها عند الحاجة فهي وان لم تكن مبثوثة في كل مكان فانها عتيدة حاصلة متى احتيج اليها واسعة لكل ما يحتاج اليه منها غير انها مودعة في أجسام جعلت معادن لها للحكمة التي تقدمت فصل ثم تأمل الحكمة البالغة في نزول المطر على الارض من علو ليعم بسقيه وهادها وتلولها وظرابها وآكامها ومنخفضها ومرتفعها ولو كان ربها تعالى إنما يسقيها من ناحية من نواحيها لما اتى الماء على الناحية المرتفعة إلا إذا اجتمع في السفلى وكثر وفي ذلك فساد فاقتضت حكمته ان سقاها من فوقها فينشيء سبحانه السحاب وهي روايا الارض ثم يرسل الرياح فتحمل الماء من البحر وتلقحها به كما يلقح الفحل الانثى ولهذا تجد البلاد القريبة من البحر كثيرة الامطار وإذا بعدت من البحر قل مطرها وفي هذا المعنى يقول الشاعر يصف السحاب شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئبج وفي الموطأ مرفوعا وهو احد الاحاديث الاربعة المقطوعة إذا نشأت سحابة بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة فالله سبحانه ينشيء الماء في السحاب إنشاء تارة يقلب الهواء ماء وتارة يحمله الهواء من البحر فيلقح به السحاب ثم ينزل منه على الارض للحكم التي(1\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "222",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14678",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذكرناها ولو انه ساقه من البحر الى الارض جاريا على ظهرها لم يحصل عموم السقي الا بتخريب كثير من الارض ولم يحصل عموم السقي لأجزائها فصاعدة سبحانه الى الجو بلطفه وقدرته ثم انزله على الارض بغاية من اللطف والحكمة التي لا اقتراح لجميع عقول الحكماء فوقها فأنزله ومعه رحمته على الارض فصل ثم تأمل الحكمة البا لغة في إنزاله بقدر الحاجة حتى إذا اخذت الارض حاجتها منه وكان تتابعه عليها بعد ذلك يضرها اقلع عنها واعقبه بالصحو فهما اعني الصحو والغيم يعتقبان على العالم لما فيه صلاحه ولو دام احدهما كان فيه فساده فلو توالت الامطار لاهلكت ما علي الارض ولو زادت على الحاجة افسدت الحبوب والثمار وعفنت الزروع والخضروات وأرخت الابدان وحشرت الهواء فحدثت ضروب من الامراض وفسد اكثر المآكل وتقطعت المسالك والسبل ولو دام الصحو لجفت الابدان وغيض الماء وانقطع معين العيون والابار والانهار والاودية وعظم الضرر واحتدم الهواء فيبس ما على الارض وجفت الابدان وغلب اليبس واحدث ذلك ضروبا من الامراض عسرة الزوال فاقتضت حكمة اللطيف الخبير ان عاقب بين الصحو والمطر على هذا العالم فاعتدل الامر وصح الهواء ودفع كل واحد منهما عادية الاخر واستقام امر العالم وصلح فصل ثم تأمل الحكمة الالهية في اخراج الاقوات والثمار والحبوب والفواكه متلاحقة شيئا بعد شيء متتابعة ولم يخلقها كلها جملة واحدة فانها لو خلقت كذلك على وجه الارض ولم تكن تنبت على هذه السوق والاغصان لدخل الخلل وفاتت المصالح التي رتبت على تلاحقها وتتابعها فإن كل فصل واوان يقتضى من الفواكه والنبات غير ما يتقضيه الفصل الاخر فهذا حار وهذا بارد وهذا معتدل وكل في فصله موافق للمصلحة لا يليق به غير ما خلق فيه ثم انه سبحانه خلق تلك الاقوات مقارنة لمنافع اخر من العصف والخشب والورق والنور والعسف والكرب وغيرها من منافع النبات والشجر غير الاقوات كعلف البهائم وأداة الابنية والسفن والرحال والاواني وغيرها ومنافع النور من الادوية والمنظر البهيج الذي يشوق الناظرين وحسن مرائي الشجر وخلقتها البديعة المشاهدة لفاطرها ومبدعها بغاية الحكمة واللطف ثم إذا تأملت إخراج ذلك النور البهي من نفس ذلك الحطب ثم الورق الاخضر ثم اخراج تلك الثمار على اختلاف أنواعها وأشكالها ومقاديرها وألوانها وطعومها وروائحها ومنافعها وما يراد منها ثم تأمل اين كانت مستودعة في تلك الخشبة وهاتيك العيدان وجعلت الشجرة لها كالام(1\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "223",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14679",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهل كان في قدرة الاب العاجز الضعيف إبراز هذا التصوير العجيب وهذا التقدير المحكم وهذه الاصباغ الفائقة وهذه الطعوم اللذيذة والروائح الطيبة وهذه المناظر العجيبة فسل الجاحد من تولى تقدير ذلك وتصيره وإبرازه وترتيبه شيئا فشيئا وسوق الغذاء اليه في تلك العروق اللطاف التي يكاد البصر يعجز عن إدراكها وتلك المجاري الدقاق فمن الذي تولى ذلك كله ومن الذي اطلع لها الشمس وسخر لها الرياح وأنزل عليها المطر ودفع عنها الافات وتامل تقدير اللطيف الخبير فإن الاشجار لما كانت تحتاج الى الغذاء الدائم كحاجة الناس وسائر الحيوان ولم يكن لها قوة أفواه كافواه الحيوان ولا حركة تنبعث بها لتناول الغذاء جعلت اصولها مركوزة في الارض ليسرع بها الغذاء وتمتصه من اسفل الثرى فتؤديه الى أغصانها فتؤديه الاغصان الى الورق والثمر كل له شرب معلوم لا يتعداه يصل اليه في مجاري وطرق قد احكمت غاية الاحكام فتأخذ الغذاء من اسفل فتلقمه بعروقها كما يلتقم الحيوان غذاءه بفمه ثم تقسمه على حملها بحسب ما يحتمله فتعطى كل جزء منه بحسب ما يحتاج اليه لا تظلمه ولا تزيده على قدر حاجته فسل الجاحد من اعطاها هذا ومن هداها اليه ووضعه فيها فلو اجتمع الاولون والاخرون هل كانت قدرتهم وإرادتهم تصل الى تربية ثمرة واحدة منها هكذا باشارة او نصاعة او حيلة او مزاولة وهل ذلك الا من صنع من شهدت له مصنوعاته دلت عليه آياته كما قيل: فواعجبا كيف يعصى الاله ... ام كيف يجحده الجاحد ولله في كل تحريكه وتسكينه ابدا شاهد وفي كل شيء له آية ... تدل على انه واحد فصل ثم تأمل إذا نصبت خيمة او فسطاطا كيف تمده من كل جانب بالاطناب ليثبت فلا يسقط ولا يتعوج هكذا تجد النبات والشجر له عروق ممتدة في الارض منتشرة الى كل جانب لتمسكه وتقيمه وكلما انتشرت أعاليه امتدت عروقه واطنابه من اسفل في الجهات ولولا ذلك كيف كانت تثبت هذه النخيل الطوال الباسقات والدوح العظام على الرياح العواصف وتأمل سبق الخلق الالهية للصناعة البشرية حتى يعلم الناس نصب الخيم والفساطيط من خلقه للشجر والنبات لان عروقها اطناب لها كأطناب الخيمة واغصان الشجر يتخذ منها الفساطيط ثم يحاكى بها الشجرة فصل ثم تأمل الحكمة في خلق الورق فإنك ترى في الورقة الواحدة من جملة العروق(1\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "224",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14680",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الممتدة فيها المبثوثة فيها ما يبهر الناظر فمنها غلاظ ممتدة في الطول والعرض ومنها دقاق تتخلل تلك الغلاظ منسوجة نسجا دقيقا معجبا لو كان مما يتولى البشر صنع مثله بأيديهم لما فرغوا من ورقة في عام كامل ولاحتاجوا فيه الى آلات وحركات وعلاج تعجز قدرتهم عن تحصيله فبث الخلاق العليم في أيام قلائل من ذلك ما يملأ الارض سهلها وجبالها بلا آلات ولا معين ولا معالجة ان هي إلا ارادته النافذة في كل شيء وقدرته التي لا يمتنع منها شيء إنما امره إذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فتأمل الحكمة في تلك العروق المتخللة الورقة باسرها لتسقيها وتوصل اليها المادة فتحفظ عليها حياتها ونضارتها بمنزلة العروق المبثوثة في الابدان التي توصل الغذاء الى كل جزء منه وتأمل ما في العروق الغلاظ من إمساكها الورق بصلابتها ومتانتها لئلا تتمزق وتضمحل فهي بمنزلة الاعصاب لبدن الحيوان فتراها قد أحكمت صنعتها ومدت العروق في طولها وعرضها لتتماسك فلا يعرض لها التمزق فصل ثم تأمل حكمة اللطيف الخبير في كونها جعلت زينة للشجر وسترا ولباسا للمثرة ووقاية لها من الافات التي تمنع كمالها ولهذا إذا جردت الشجرة عن ورقها فسدت الثمرة ولم ينتفع بها وانظر كيف جعلت وقاية لمنبت الثمرة الضعيفة من اليبس فإذا ذهبت الثمرة بقي الورق وقاية لتلك الافنان الضعيفة من الحر حتى إذا طفئت تلك الجمرة ولم يضر الافنان عراها من ورقها وسلبها إياه لتكتسى لباسا جديدا احسن منه فتباركا لله رب العالمين الذي يعلم مساقط تلك الاوراق ومنابتها فلا تخرج منها ورقة الا باذنه ولا تسقط الا بعلمه ومع هذا فلو شاهدها العبادعلى كثرتها وتنوعها وهي تسبح بحمد ربها مع الثمار والافنان والاشجار لشاهدوا من جمالها امرا آخر ولراوا خلقتها بعين اخرى ولعلموا انها لشأن عظيم خلقت وأنها لم تخلق سدى قال تعالى والنجم والشجر يسجدان فالنجم ما ليس له ساق من النبات والشجر ماله ساق وكلها ساجدة لله مسبحة بحمده وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا ولعلك ان تكون ممن غلظ حجابه فذهب الى ان التسبيح دلالتها على صانعها فقط فاعلم ان هذا القول يظهر بطلانه من اكثر من ثلاثين وجها قد ذكرنا اكثرها في موضع آخر وفي أي لغة تسمى الدلالة على الصانع تسبيحا وسجودا وصلاة وتاويبا وهبوطا من خشيته كما ذكر تعالى ذلك في كتابه فتارة يخبر عنها بالتسبيح وتارة بالسجود وتارة بالصلاة كقوله تعالى والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه افترى يقبل عقلك ان يكون معنى الاية قد علم الله دلالته عليه وسمى تلك الدلالة صلاة وتسبيحا وفرق بينهما وعطف احدهما(1\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "225",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14681",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على الاخر وتارة يخبر عنها بالتأويب كقوله يا جبال أوبي معه وتارة يخبر عنها بالتسبيح الخاص بوقت دون وقت كالعشى والاشراق أفترى دلالتها على صانعها إنما يكون في هذين الوقتين وبالجملة فبطلان هذا القول اظهر لذوي البصائر من ان يطلبوا دليلا على بطلانه والحمد لله فصل ثم تأمل حكمته سبحانه في إبداع العجم والنوى في جوف الثمرة وما في ذلك من الحكم والفوائد التي منها انه كالعظم لبدن الحيوان فهو يمسك بصلابته رخاوة الثمرة ورقتها ولطافتها ولولا ذلك لشدخت وتفسخت ولأسرع اليها الفساد فهو بمنزلة العظم ولاثمرة بمنزلة اللحم الذي يكسوه الله عز وجل العظام ومنها ان في ذلك بقاء المادة وحظفها إذ ربما تعطلت الشجرة او نوعها فخلق فيها ما يقوم مقامها عند تعطلها وهو النوى الذي يغرس فيعود مثلها ومنها ما في تلك الحبوب من أقوات الحيوانات وما فيها من المنافع والادهان والادوية والاصباغ وضروب اخر من المصالح التي يتعلمها الناس وما خفي عليهم منها اكثر فتأمل الحكمة في اخراجه سبحانه هذه الحبوب لمنافع فيها وكسوتها لحما لذيذا شهيا يتكفه به ابن آدم ثم تأمل هذه الحكمة البديعة في ان جعل للثمرة الرقيقة اللطيفة التي يفسدها الهواء والشمس غلافا يحفظها وغشاء يواريها كالرمان والجوز واللوز ونحوه وأما مالا يفسد إذا كان بارزا فجعل له اول خروجه غشاء يواريه لضعفه ولقلة صبره على الحر فإذا اشتد وقوى تفتق عن ذلك الغشاء وضحى للشمس والهواء كطلع النخل وغيره فصل ثم تأمل خلقه الرمان وماذا فيه من الحكم والعجائب فإنك ترى داخل الرمانة كأمثال القلال شحما متراكما في نواحيها وترى ذلك الحب فيها مرصوفا رصفا ومنضودا نضدا لاتمكن الايدي ان تنضده وترى الحب مقسوما اقساما وفرقا وكل قسم وفرقة منه ملفوفا بلفائف وحجب منسوجة اعجب نسج والطفه وأدقه على غير منوال الا منوال كن فيكون ثم ترى الوعاء المحكم الصلب قد اشتمل على ذلككله وضمه احسن ضم فتأمل هذه الحكمة البديعة في الشحم المودع فيها فإن الحب لا يمد بعضه بعضا إذ لو مد بعضه بعضا لاختلط وصار حبة واحدة فجعل ذلك الشحم خلاله ليمده بالغذاء والدليل عليه انك ترى اصول الحب مركوزة في ذلك الشحم وهذا بخلاف حب العنب فإنه استغنى عن ذلك بان جعل لكل حبة مجرى تشرب منه فلا تشرب حق اختها بل يجرى الغذاء في ذلك العرق مجرى واحدا ثم ينقسم منه في مجاري الحبوب كلها فينبعث منه في كل مجرى غذاء تلك(1\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "226",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14682",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحبة فتبارك الله احسن الخالقين ثم انه لف ذلك الحب في تلك الرمانة بتلك اللفائف ليضمه ويمسكه فلا يضطرب ولايتبدد ثم غشى فوق ذلك بالغشاء الصلب صونا له وحفظا وممسكا له باذن الله وقدرته فهذا قليل من كثير من حكمة هذه الثمرة الواحدة ولايمكننا ولاغيرنا استقصاء ذلك ولو طالت الايام واتسع الفكر ولكن هذا منبه على ما وراءه واللبيب يكتفى ببعض ذلك وأما من غلبت عليه الشقاوة وكأين من آية في السموات والارض يمرون عليها وهم عنها معرضون غافلون عن موضع الدلالة فيها فصل ثم تأمل هذا الريع والنماء الذي وضعه الله في الزرع حتى صارت الحبة الواحدة ربما انبتت سبعمائة حبة ولو انبتت الحبة حبة واحدة مثلها لا يكون في الغلة متسع لما يرد في الارض من الحب وما يكفي الناس ويقوت الزارع الى إدراك زرعه فصار الزرع بريع هذا الريع ليفي بما يحتاج اليه للقوت والزراعة وكذلك ثمار الاشجار والنخيل وكذلك ما يخرج مع الاصل الواحد منها من الصنوان ليكون لما يقطعه الناس ويستعلمونه في مآربهم خلفا فلاتبطل المادة عليهم ولا تنقص ولو ان صاحب بلد من البلاد أراد عمارته لاعطى اهله ما يبذرونه فيهم وما يقيتهم الى استواء الزرع فاقتضت حكمة اللطيف الخبير ان اخرج من الحبة الواحدة حبات عديدة لبقيت الخارج الناس ويدخرون منه ما يزرعون فصل ثم تأمل الحكمة في الحبوب كالبر والشعير ونحوهما كيف يخرج الحب مدرجا في قشور على رؤسها امثال الاسنة فلا يتمكن جند الطير من افسادها والعبث فيها فإنه لو صادف الحب بارزا لا صوان عليه ولا وقاية تحول دونه لتمكن منه كل التمكن فأفسدوا عاب وعاث وأكب عليه أكلا ما استطاع وعجز ارباب الزرع عن رده فجعل اللطيف الخبير عليه هذه الوقايات لتصونه فينال الطير منه مقدار قوته ويبقى اكثره للانسان فإنه اولى به لانه هو الذي كدح فيه وشقى به وكان الذي يحتاج اليه اضعاف حاجة الطير فصل ثم تأمل الحكمة الباهرة في هذه الاشجار كيف تراها في كل عام لها حمل ووضع فهي دائما في حمل وولادة فإذا اذن لها ربها في الحمل احتبست الحرارة الطبيعية في داخلها واختبأت فيها ليكون فيها حملها في الوقت المقدر لها فيكون ذلك الوقت بمنزلة وقت العلوق ومبدأ(1\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "227",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14683",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تكوين النطف فتعمل المادة في اجوافها عملها وتهيئها للعلوق حتى إذا آن وقت الحمل دب فيها الماء فلانت اعطافها وتحركت للحمل وسرى الماء في افنانها وانتشرت فيها الحرارة والرطوبة حتى إذا آن وقت الولادة كسيت من سائر الملابس الفاخرة من النور والورق ما تتبخر فيه وتميس به وتفخر على العقيم فإذا ظهرت اولادها وبان للناظر حملها علم حينئذ كرمها وطيبها من لؤمها وبخلها فتولى تغذية ذلك الحمل من تولى غذاء الاجنحة في بطون امهاتها وكساها الاوراق وصانها من الحر والبرد فإذا تكامل الحمل وآن وقت الفطام تدلت اليك أفنانها كأنما تناولك ثمرة درها فإذا قابلتها رايت الافنان كأنها تلقاك بأولادها وتحييك وتكرمك بهم وتقدمهم اليك حتى كأن منا ولا يناولك إياهم بيده ولا سيما قطوف جنات النعيم الدانية التي يتناولها المؤمن قائما وقاعدا ومضطجعا وكذلك ترى الرياحين كأنها تحييك بانفاسها وتقابلك بطيب رائحتها وكل هذا إكراما لك وعناية بأمرك وتخصيصا لك وتفضيلا على غيرك من الحيوانات أفيجمل بك الاشتغال بهذه النعم عن المنعم بها فكيف إذا استعنت بها على معاصيه وصرفتها في مساخطه فكيف إذا جحدته واضفتها الى غيره كما قال وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون فجدير بمن له مسكة من عقل ان يسافر بفكره في هذه النعم والالاء ويكرر ذكرها لعله يوقفه على المراد منها ماهو ولأي شيء خلق ولماذا هيء وأي امر طلب منه على هذه النعم كما قال تعالى واذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون فذكر آلائه تبارك وتعالى ونعمه على عبده سبب الفلاح والسعادة لان ذلك لا يزيده الا محبة لله وحمدا وشكرا وطاعة وشهود تقصيره بل تفريطه في القليل مما يجب لله عليه ولله در القائل: قد هيؤك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك ان ترعى مع الهمل فصل ثم تأمل الحكمة في شجرة اليقطين والبطيخ والجزر كيف لما اقتضت الحكمة ان يكون حمله ثمارا كبارا جعل نباته منبسطا على الارض إذ لو انتصب قائما كما ينتصب الزرع لضعفت قوته عن حمل هذه الثمار الثقيلة ولنقصت قبل أدراكها وانتهائها الى غاياتها فاقتضت حكمة مبدعها وخالقها ان بسطه ومده على الارض ليلقى عليها ثماره فتحملها عنه الارض فترى العرق الضعيف الدقيق من ذلك منبسطا على الارض وثماره مبثوثة حواليه كأنها حيوان قد اكتنفها اجراؤها فهي ترضعهم ولما كان شجر اللوبيا والباذنجان والباقلاء وغيرها مما يقوى على حمل ثمرته انتبه الله منتصبا قائما على ساقه إذ لا يلقى من حمل ثماره مؤنة ولا يضعف عنه(1\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "228",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14684",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم تأمل كيف اقتضت الحكمة الالهية موافات اصناف الفواكه والثمار للناس بحسب الوقت المشاكل لها المقتضى لها فتوافيهم كموافاة الماء للظمآن فتتلقاها الطبيعة بانشراح واشتياق منتظرة لقدومها كانتظار الغائب للغائب فلو كان نبات الصيف انما يوافي في الشتاء لصادف من الناس كراهية واستثقالا بوروده مع ما كان فيه من المضرة للابدان والاذى لها وكذلك لو وافى ما في ربيعها في الخريف او ما في خريفها في الربيع لم يقع من النفوس ذلك الموقع ولا استطابته واستلذته ذلك الالتذاذ ولهذا تجد المتأخر منها عن وقته مملولا محلول الطعم ولا يظن ان هذا لجريان العادة المجردة بذلك فإن العادة إنما جرت به لانه وفق الحكمة والمصلحة التي لا يخل بها الحكيم الخبير فصل ثم تأمل هذه النخلة التي هي احدى آيات الله تجد فيها من الايات والعجائب ما يبهرك فإنه لما قدر ان يكون فيه اناث تحتاج الى اللقاح جعلت فيها ذكور تلقحها بمنزلة الحيوان واناثه ولذلك اشتد شبهها من بين سائر الاشجار بالانسان خصوصا بالمؤمن كما مثله النبي وذلك من وجوه كثيرة احدها ثبات اصلها في الارض واستقراره فيها وليست بمنزلة الشجرة التي اجتثت من فوق الارض مالها من قرار الثاني طيب ثمرتها وحلاوتها وعموم المنفعة بها كذلك المؤمن طيب الكلام طيب العمل فيه المنفعة لنفسه ولغيره الثالث دوام لباسها وزينتها فلا يسقط عنها صيفا ولا شتاء كذلك المؤمن لا يزول عنه لباس التقوى وزينتها حتى يوافي ربه تعالى الرابع سهولة تناول ثمرتها وتيسره اما قصيرها فلا يحوج المتناول ان يرقاها واما باسقها فصعوده سهل بالنسبة الى صعودالشجر الطوال وغيرها فتراها كأنها قد هيئت منها المراقي والدرج الى اعلاها وكذلك المؤمن خيره سهل قريب لمن رام تناوله لا بالغر ولا باللئيم الخامس ان ثمرتها من انفع ثمار العالم فإنه يؤكل رطبه فاكهة وحلاوة ويابسه يكون قوتا وادما وفاكهة ويتخذ منه الخل والناطف والحلوى ويدخل في الادوية والاشربة وعموم المنفعة به وبالعنب فوق كل الثمار وقد اختلف الناس في ايهما انفع وافضل وصنف الجاحظ في المحاكمة بينهما مجلدا فأطال فيها الحجاج والتفضيل من الجانبين وفصل النزاع في ذلك ان النخل في معدنه ومحل سلطانه افضل من العنب وأعم نفعا واجدى على اهله كالمدينة والحجاز والعراق والعنب في معدنه ومحل سلطانه افضل وأعم نفعا واجدى على أهله كالشام والجبال والمواضع الباردة التي لا تقبل النخيل وحضرت مرة في مجلس بمكة فيه من أكابر البلد فجرت هذه المسئلة وأخذ بعض الجماعة الحاضرين يطنب في تفضيل النخل(1\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "229",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14685",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفوائده وقال في أثناء كلامه ويكفي في تفضيله انا نشتري بنواه العنب فكيف يفضل عليه ثمر يكون نواه ثمنا له وقال آخر من الجماعة قد فصل النبي النزاع في هذه المسئلة وشفى فيها بنهيه عن تسمية شجر العنب كرما وقال الكرم قلب المؤمن فاي دليل ابين من هذا واخذوا يبالغون في تقرير ذلك فقلت للأول ما ذكرته من كون نوى التمر ثمنا للعنب فليس بدليل فإن هذا له اسباب احدها حاجتكم الى النوى للعلف فيرغب صاحب العنب فيه لعلف ناضحه وحمولته الثاني ان نوى العنب لا فائدة فيه ولا يجتمع الثالث ان الاعناب عندكم قليلة جدا والتمر اكثر شيء عندكم فيكثر نواه فيشترى به الشيء اليسير من العنب وأما في بلاد فيها سلطان العنب فلا يشترى بالنوى منه شيء ولا قيمة لنوى التمر فيها وقلت لمن احتج بالحديث هذا الحديث من حجج فضل العنب لانهم كانوا يسمونه شجرة الكرم لكثرة منافعه وخيره فإنه يؤكل رطبا ويابسا وحلوا وحامضا وتجنى منه أنواع الاشربة والحلوى والدبس وغير ذلك فسموه كرما لكثرة خيره فأخبرهم النبي ان قلب المؤمن احق منه بهذه التسمية لكثرة ما اودع الله فيه من الخير والبركة والرحمة واللين والعدل والاحسان والنصح وسائر انواع البر والخير التي وضعها الله في قلب المؤمن فهو احق بأن يسمى كرما من شجر العنب ولم يرد النبي ابطال ما في شجر العنب من المنافع والفوائد وان تمسيته كرما كذب وانها لفظة لا معنى تحتها كتسمية الجاهل عالما والفاجر برا والبخيل سخيا الا ترى انه لم ينف فوائد شجر العنب وإنما اخبر عنه ان قلب المؤمن اغزر فوائد واعظم منافع منها هذا الكلام او قريب منه جرى في ذلك المجلس وأنت إذا تدبرت قول النبي الكرم قلب المؤمن وجدته مطابقا لقوله في النخلة مثلها مثل المسلم فشبه النخلة بالمسلم في حديث ابن عمر وشبه المسلم بالكرم في الحديث الاخر ونهاهم ان يخصوا شجر العنب باسم الكرم دون قلب المؤمن وقد قال بعض الناس في هذا معنى آخر وهو انه نهاهم عن تسمية شجر العنب كرما لانه يقتنى منه ام الخبائث فيكره ان يسمى باسم يرغب النفوس فيها ويحضهم عليها من باب سد الذرائع في الالفاظ وهذا لا بأس به لولا ان قوله فإن الكرم قلب المؤمن كالتعليل لهذا النهي والاشارة الى انه اولى بهذه التسمية من شجر العنب ورسول الله اعلم بما اراد من كلامه فالذي قصده هو الحق وبالجملة فالله سبحانه عدد على عباده من نعمه عليهم ثمرات النخيل والاعناب فساقها فيما عدده عليهم من نعمه والمعنى الاول اظهر من المعنى الاخر إن شاء الله فإن أم الخبائث تتخذ من كل ثمر كالنخيل كما قال تعالى ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا وقال انس نزل تحريم الخمر وما بالمدينة من شراب الاعناب شيء وإنما كان شراب القوم الفضيخ المتخذ من التمر فلو كان نهيه عن تسمية شجر العنب(1\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "230",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14686",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كرما لاجل المسكر لم يشبه النخلة بالمؤمن لان المسكر يتخذ منها والله اعلم الوجه السادس من وجوه التشبيه ان النخلة اصبر الشجر على الرياح والجهد وغيرها من الدوح العظام تميلها الريح تارة وتقلعها تارة وتقصف افنانها ولا صبر لكثير منها على العطش كصبر النخلة فكذلك المؤمن صبور على البلاء لا تزعزعه الرياح السابع ان النخلة كلها منفعة لا يسقط منها شيء بغير منفعة فثمرها منفعة وجذعها فيه من المنافع مالا يجهل للأبنية والسقوف وغير ذلك وسعفها تسقف به البيوت مكان القصب ويستر به الفرج والخلل وخوصها يتخذ منه المكاتل والزنابيل وأنواع الانية والحصر وغيرها وليفها وكربها فيه من المنافع ما هومعلوم عند الناس وقد طابق بعض الناس هذه المنافع وصفات المسلم وجعل لكل منفعة منها صفة في المسلم تقابلها فلما جاء الى الشوك الذي في النخلة جعل بإزائه من المسلم صفة الحدة على أعداء الله واهل الفجور فيكون عليهم في الشدة والغلظة بمنزلة الشوك وللمؤمنين والمتقين بمنزلة الرطب حلاوة ولينا أشداء على الكفار رحماء بينهم الثامن انها كلما اطال عمرها ازداد خيرها وجاد ثمرها وكذلك المؤمن إذا طال عمره ازداد خيره وحسن عمله التاسع ان قلبها من اطيب القلوب واحلاه وهذا امر خصت به دون سائر الشجر وكذلك قلب المؤمن من ايطب القلوب العاشر انها لايتعطل نفعها بالكلية ابدا بل إن تعطلت منها منفعه ففيها منافع اخر حتى لو تعطلت ثمارها سنة لكان للنسا في سعفها وخوصها وليفها وكربها منافع وهكذا المؤمن لا يخلو عن شيء من خصال الخير قط ان اجدب منه جانب من الخير اخصب منه جانب فلا يزال خيره مأمولا وشره مأمونا في الترمذي مرفوعا الى النبي خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره وشركم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره فهذا فصل معترض ذكرناه استطرادا للحكمة في خلق النخلة وهيئتها فلنرجع اليه فتأمل خلقة الجذع الذي لها كيف هو تجده كالمنسوج من خيوط ممدودة كالسدا وأخرى معترضة كاللحمة كنحو المنسوج باليد وذلك لتشتد وتصلب فلا تتقصف من حمل الحيوان الثقيل وتصبر على هز الرياح العاصفة ولبثها في السقوف والجسور والاواني وغير ذلك مما يتخذ منها وهكذا سائر الخشب وغيرها إذا تأملته شبه النسج ولا تراه مصمتا كالحجر الصلد بل ترى بعضه كأنه داخل بعضا طولا وعرضا كتداخل اجزاء اللحم بعضها في بعض فإن ذلك امتن له وأهيأ لما يراد منه فإنه لو كان مصمتا كالحجارة لم يمكن ان يستعمل في الالات والابواب والاواني والامتعة والاسرة والتوابيت وما اشبهها ومن بديع الحكمة في الخشب ان جعل يطفو على الماء وذلك للحكمة البالغة إذ لولا ذلك لما كانت هذه السفن تحمل امثال الجبال من الحمولات والامتعة وتمخر البحر مقبلة ومدبرة ولولا ذلك لما تهيأ للناس هذه المرافق لحمل هذه التجارات العظيمة والامتعة الكثيرة(1\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "231",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14687",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونقلها من بلد الى بلد من حيث لو نقلت في البر لعظمت المؤنة في نقلها وتعذر على الناس كثير من مصالحهم فصل ثم تأمل احوال هذه العقاقير والادوية التي يخرجها الله من الارض وما خص به كل واحد منها وجعل عليه من العمل والنفع فهذا يغور في المفاصل فيستخرج الفضول الغليظة القاتلة لو احتسبت وهذا يستخرج المرة السوداء وهذا يستخرج المرة الصفراء وهذا يحلل الاورام وهذا يسكن الهيجان والقلق وهذا يجلب النوم ويعيده إذا اعوزه الانسان وهذا يخفف البدن إذا وجد الثقل وهذا يفرح القلب إذا تراكمت عليه الغموم وهذا يجلو البلغم ويكشطه وهذا يحد البصر وهذا يطيب النكهة وهذا يسكن هيجان الباءة وهذا يهيجها وهذا يبرد الحرارة ويطفئها وهذا يقتل البرودة ويهيج الحرارة وهذا يدفع ضرر غيره من الادوية والاغذية وهذا يقاوم بكيفيته كيفية غيره فيعتدلان فيعتدل المزاج بتناولهما وهذا يسكن العطش وهذا يصرف الرياح الغليظة ويطردها وهذا يعطي اللون إشراقا ونضارة وهذا يزيد في أجزاء البدن بالسمن وهذا ينقص منها وهذا يدبغ المعدة وهذا يجلوها ويغسلها الى أضعاف ذلك مما لا يحصيه العباد فسل المعطل من جعل هذه المنافع والقوى في هذه النباتات والحشائش والحبوب والعروق ومن اعطى كل منها خاصيته ومن هدى العباد بل الحيوان الى تناول ما ينفع منه ترك ما يضر ومن فطن لها الناس والحيوان البهيم وبأي عقل وتجربة كان يقف على ذلك ويعرف ما خلق له كما زعم من قل نصيبه من التوفيق لولا انعام الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى وهب ان الانسان فطن لهذه الاشياء بذهنه وتجاربه وفكره وقياسه فمن الذي فطن لها البهائم في اشياء كثيرة منها مالا يهتدي اليها الانسان حتى صار بعض السباع يتداوى من جراحه ببعض تلك العقاقير من النبات فيبرأ فمن الذي جعله يقصد ذلك النبات دون غيره وقد شوهد بعض الطير يحتقن عند الحصر بماء البحر فيسهل عليه الخارج وبعض الطير يتناول اذا اعتل شيئا من النبات فتعود صحته وقد ذكر الاطباء في مبادئ الطب في كتبهم من هذا عجائب فسل المعطل من الهمها ذلك ومن ارشدها اليه ومن دلها عليه افيجوز ان يكون هذا من غير مدبر عزيز حكيم وتقدير عزيز عليم وتقدير لطيف خبير بهرت حكمته العقول وشهدت له الفطر بما استودعها من تعريفه بأنه الله الذي لا إله إلا هو الخالق البارئ المصور الذي لا تنبغي العبادة الا له وإنه لو كان معه في سمواته وارضه اله سواه لفسدت السموات والارض واختل نظام الملك فسبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا ولعلك ان تقول ما حكمة هذا النبات المبثوث في الصحارى(1\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "232",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14688",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والقفار والجبال التي لا انيس بها ولا ساكن وتظن انه فضلة لا حاجة اليه ولا فائدة في خلقه وهذامقدار عقلك ونهاية علمك فكم لباريه وخالقه فيه من حكمة وآية من طعم أوحش وطير ودواب مساكنها حيث لاتراها تحت الارض وفوقها فذلك بمنزلة مائدة نصبها الله لهذه الطيور والدواب تتناول منها كفايتها ويبقى الباقي كما يبقى الرزق الواسع الفاضل عن الضيف لسعة رب الطعام وغناه التام وكثرة إنعامه فصل ثم تأمل الحكمة البالغة في اعطائه سبحانه بهيمة الانعام الاسماع والابصار ليتم تناولها لمصالحها ويكمل انتفاع الانسان بها إذ لو كانت عمياء او صماء لم يتمكن من الانتفاع بها ثم سلبها العقول على كبر خلقها التي للانسان ليتم تسخيره اياها فيقودها ويصرفها حيث شاء ولو اعطيت العقول على كبر خلقها لامتنعت من طاعته واستعصت عليه ولم تكن مسخرة له فأعطيت من التمييز والادراك ما تتم به مصلحتها ومصلحة من ذلك له وسلبت من الذهن والعقل ما ميز به عليها الانسان وليظهر ايضا فضيلة التمييز والاختصاص ثم تأمل كيف قادها وذللها على كبر اجسامها ولم يكن يطيقها لولا تسخيره قال الله تعالى وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين أي مطيقين ضابطين وقال تعالى أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون فترى البعير على عظم خلقته يقوده الصبي الصغير ذليلا منقادا ولو ارسل عليه لسواه بالارض ولفصله عضوا عضوا فسل المعطل من الذي ذلله وسخره وقاده على قوته لبشر ضعيف من اضعف المخلوقات وفرغ بذلك التسخير النوع الانساني لمصالح معاشه ومعاده فإنه لو كان يزاول من الاعمال والاحمال ما يزاول الحيوان لشغل بذلك عن كثير من الاعمال لانه كان يحتاج مكان الجمل الواحد الى عدة أناسى يحملون اثقاله وحمله ويعجزون عن ذلك وكان ذلك يستفرغ اوقاتهم ويصدهم عن مصالحهم فأعينوا بهذه الحيوانات مع مالهم فيها من المنافع التي لا يحصيها الا الله من الغذاء والشراب والدواء واللباس والامتعة والالات والاواني والركوب والحرث والمنافع الكثيرة والجمال فصل ثم تأمل الحكمة في خلق الات البطش في الحيوانات من الانسان وغيره فالانسان لما خلق مهيئا لمثل هذه الصناعات من البناء والخياطة والكتابة وغيرها خلق له كف(1\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "233",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14689",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مستدير منبسط واصابع يتمكن بها من القبض والبسط والطي والنشر والجمع والتفريق وضم الشيء الى مثله والحيوان البهيم لما لم يتهيأ لتلك الصنائع لم يخلق له تلك الاكف والاصابع بل لما قدر ان يكون غذاء بعضها من صيده كالسباع خلق له اكف لطافه مدمجة ذوات براثن ومخالب تصلح لاقتتاص الصيد ولا تصلح للصناعات هذا كله في أكلة اللحم من الحيوان واما اكله النبات فلما قدر انها لاتصطاد ولا صنعة لها خلق لبعضها اظلافا تقيها خشونة الارض إذا جالت في طلب المرعي ولبعضها حوافر ململمة مقعرة كأخمص القدم لتنطبق على الارض وتهيأ للركوب والحمولة ولم يخلق لها براثن ولا انيابا لان غذاءها لا يحتاج الى ذلك فصل ثم تأمل الحكمة في خلقة الحيوان الذي يأكل اللحم من البهائم كيف جعلت له اسنان حداد وبراثن شداد واشداق مهرونة وافواه واسعة واعينت بأسلحة وأدوات تصلح للصيد والاكل ولذلك تجد سباع الطير ذوات مناقير حداد ومخالب كالكلاليب ولهذا حرم النبي كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير لضرره وعدوانه وشره والمغتذى شبيه بالغاذيفلو اغتذى بها الانسان لصار فيه من اخلاقها وعدوانها وشرها ما يشابهها به فحرم على الامة اكلها ولم يحرم عليهم الضبع وان كان ذا ناب فإنه ليس من السباع عند احد من الامم والتحريم إنما كان لما تضمن الوصفين ان يكون ذا ناب وان يكون من السباع ولا يقال هذا ينتقض بالسبع إذا لم يكن له ناب لان هذا لم يوجد أبدا فصلوات الله وسلامه على من اوتي جوامع الكلم فأوضح الاحكام وبين الحلال والحرام فانظر حكمة الله عز وجل في خلقه وامره فيما خلقه وفيما شرعه تجد مصدر ذلك كله الحكمة البالغة التي لا يختل نظامها ولا ينخرم ابدا ولا يختل اصلا ومن الناس من يكون حظه من مشاهدة حكمة الامر اعظم من مشاهدة حكمة الخلق وهؤلاء خواص العباد الذين عقلوا عن الله امره ودينه وعرفوا حكمته فيما احكمه وشهدت فطنهم وعقولهم ان مصدر ذلك حكمة بالغة واحسان ومصلحة اريدت بالعباد في معاشهم ومعادهم وهم في ذلك درجات لا يحصيها الا الله ومنهم من يكون حظه من مشاهدة حكمة الخلق اوفر من حظه من حكمة الامر وهم أكثر الاطباء الذين صرفوا افكارهم الى استخراج منافع النبات والحيوان وقواها وما تصلح له مفردة ومركبة وليس لهم نصيب في حكمة الامر إلا كما للفقهاء من حكمة الخلق بل اقل من ذلك ومنهم من فتح عليه بمشاهدة الخلق والأمر بحسب استعداده وقوته فرأى الحكمة الباهرة التي بهرت العقول في هذا وهذا فإذا نظر الى خلقه وما فيه من الحكم ازداد إيمانا ومعرفة وتصديقا بما جاءت(1\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "234",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14690",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به الرسل واذا نظر الى امره وما تضمنه من الحكم الباهرة ازداد ايمانا ويقينا وتسليما لاكمن حجب بالصنعة عن الصانع وبالكواكب عن مكوكبها فعمى بصره وغلظ عن الله حجابه ولو اعطى علمه حقه لكان من اقوى الناس إيمانا لانه اطلع من حكمة الله وباهر آياته وعجائب صنعته الدالة عليه وعلى علمه وقدرته وحكمته على ما خفي عن غيره ولكن من حكمة الله ايضا ان سلب كثيرا من عقول هؤلاء خاصيتها وحجبها عن معرفته واوقفها عند ظاهر من العلم بالحياة الدنيا وهم عن الاخرة هم غافلون لدناءتها وخستها وحقارتها وعدم اهليتها لمعرفته ومعرفة اسمائه وصفاته واسرار دينه وشرعه والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وهذا باب لا يطلع الخلق منه على ماله نسبة الى الخافي عنهم منه ابدا بل علم الاولين والاخرين منه كنقرة العصفور من البحر ومع هذا فليس ذلك بموجب للاعراض عنه والياس منه بل يستدل العاقل بما ظهر له منه على ما وراءه فصل ثم تأمل اولا ذوات الاربع من الحيوان كيف تراها تتبع امهاتها مستقلة بأنفسها فلاتحتاج الى الحمل والتربية كما يحتاج اليه اولاد الانس فمن اجل انه ليس عند امهاتها ما عند امهات البشر من التربية والملاطفة والرفق والالات المتصلة والمنفصلة اعطاها اللطيف الخبير النهوض والاستقلال بانفسها على قرب العهد بالولادة ولذلك ترى افراخ كثير من الطير كالدجاج والدراج والفتخ يدرج ويلقط حين يخرج من البيضة وما كان منها ضعيف النهوض كفراخ الحمام واليمام اعطى سبحانه امهاتها من فضله العطف والشفقة والحنان ما تمج به الطعم في أفواه الفراخ من حواصلها فتخبأه في اعز مكان فيها ثم تسوقه من فيها الى افواه الفراخ ولا تزال بها كذلك حتى ي ينهض الفرخ ويستقل بنفسه وذلك كله من حظها وقسمها الذي وصل اليها من الرحمة الواحدة من المائة فإذا استقل بنفسه وامكنه الطيران لم يزل به الابوان يعالجانه اتم معالجة والطفها حتى يطير من وكره ويسترزق لنفسه وياكل من حيث يأكلان وكأنهما لم يعرفاه ولا عرفهما قط بل يطردانه عن الوكر ولا يدعانه وأقواتهما وبينهما بل يقولان له بلسان يفهمه اتخذ لك وكرا وقوتا فلا وكر لك عندنا ولا قوت فسل المعطل اهذا كله عن اهمال ومن الذي الهمها ذلك ومن الذي عطفها على الفراخ وهي صغار احوج ما كانت اليها ثم سلب ذلك عنها إذ استغنت الفراخ رحمة بالامهات تسعى في مصالحها إذ لو دام لها ذلك لا ضربها وشغلها عن معاشها لا سيما مع كثرة ما يحتاج اليه اولادها من الغذاء فوضع فيها الرحمة والايثار(1\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "235",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14691",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحنان رحمة بالفراخ وسلبها إياها عند استغنائها رحمه بالامهات افيجوز ان يكون هذا كله بلا تدبير مدبر حكيم ولا عناية ولا لطف منه سبحانه وتعالى لقد قامت أدلة ربوبيته وبراهين الهيته وشواهد حكمته وآيات قدرته فلا يستطيع العقل لها جحودا إن هي الا مكابرة باللسان من كل جحود كفور أفي الله شك فاطر السموات والأرض وإنما يكون الشك فيما تخفي ادلته وتشكل براهينه فاما من له في كل شيء محسوس او معقول آية بل آيات مؤدية عنه شاهدة له بأنه الله الذي لا اله إلا هو رب العالمين فكيف يكون فيه شك فصل ثم تأمل الحكمة البالغة في قوائم الحيوان كيف اقتضت ان يكون زوجا لا فردا اما اثنتين وإما اربعا ليتهيأ له المشي والسعي وتتم بذلك مصلحته إذ لو كانت فردا لم يصلح لذلك لان الماشي ينتقل ببعض قوائمه ويعتمد على بعض فذو القائمتين ينقل واحدة ويعتمد على الاخرى وذو الاربع ينقل اثنتين ويعتمد على اثنتين وذلك من خلاف لأنه لو كان ينقل قائمتين من جانب ويعتمد على قائمتين من الجانب الاخر لم يثبت على الارض حال نقله قوائمه ولكان مشيه نقرا كنقر الطائر وذلك مما يؤذيه ويتبعه لنقل بدنه بخلاف الطائر ولهذا إذا مشى الانسان كذلك قليلا اجهده وشق عليه بخلاف مشية الطبيعي الذي هو له فاقتضت الحكمة تقديم نقل اليمنى من يديه مع اليسرى من رجليه واقرار يسرى اليدين ويمنى الرجلين ثم نقل الاخريين كذلك وهذا أسهل ما يكون من المشي واخفه على الحيوان فصل ثم تأمل الحكمة البالغة في ان جعل ظهور الدواب مبسوطة كأنها سقف على عمد القوائم ليتهيأ ركوبها وتستقر الحمولة عليها ثم خولف هذا في الابل فجعل ظهورها مسنمة معقودة كالقبو لما خصت به من فضل القوة وعظم ما تحمله والاقباء تحمل اكثر مما تحمل السقوف حتى قيل إن عقد الاقباء إنما اخذ من ظهور الابل وتأمل كيف لما طول قوائم البعير طول عنقه ليتناول المرعي من قيام فلو قصرت عنقه لم يمكنه ذلك مع طول قوائمه وليكون ايضا طول عنقه موازنا للحمل على ظهره إذا استقل به كما ترى طول قصبة القبان حتى قيل إن القبان إنما عمل من خلقه الجمل من طول عنقه وثقل ما يحمله ولهذا تراه يمد عنقه إذا استقل بالحمل كأنه يوازنه موازنه فصل ثم تأمل الحكمة في كون فرج الدابة جعل بارزا من ورائها ليتمكن الفحل من ضرابها(1\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "236",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14692",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولو جعل في اسفل بطنها كما جعل للمرأة لم يتمكن الفحل من ضرابها الا على الوجه الذي تجامع به المرأة وقد ذكر في كتب الحيوان ان فروج الفيلة في اسفل بطنها فإذا كان وقت الضراب ارتفع ونشز وبرز للفحل فيتمكن من ضرابها فلما جعل في الفيلة على خلاف ما هو في سائر البهائم خصت بهذه الخاصية عنها ليتهيأ الامر الذي به دوام النسل فصل ثم تأمل كيف كسيت اجسام الحيوان البهيمي هذه الكسوة من الشعر والوبر والصوف وكسيت الطيور الريش وكسى بعض الدواب من الجلد ما هو في غاية الصلابة والقوة كالسلحفاة وبعضها من الريش ما هو كالاسنة كل ذلك بحسب حاجاتها الى الوقاية من الحر والبرد والعدو الذي يريد اذاها فانها لما لم يكن لها سبيل الى اتخاذ الملابس واصطناع الكسوة والات الحرب اعينت بملابس وكسوة لا تفارقها وآلات وأسلحة تدفع بها عن نفسها وأعينت باظلاف واخفاف وحوافر لما عدمت الاحذية والنعال فمعها حذاؤها وسقاؤها وخص الفرس والبغل والحمار بالحوافر لما خلق للركض والشد والجرى وجعل لها ذلك ايضا سلاحا عند انتصافها من خصمها عوضا عن الصياصي والمخالب والانياب والبرائن فتأمل هذا اللطف والحكمة فإنها لما كانت بهائم خرصا لا عقول لها ولا أكف ولا اصابع مهيأة للانتفاع والدفاع ولاحظ لها فيما يتصرف فيه الادميون من النسج والغزل ولطف الحيلة جعلت كسوتها من خلقتها باقية عليها ما بقيت لا تحتاج الى الاستبدال بها وأعطيت آلات واسلحة تحفظ بها انفسها كل ذلك لتتم الحكمة التي اريدت بها ومنها وأما الانسان فإنه ذو حيلة وكف مهيئة للعمل فهي تغزل وتنسج ويتخذ لنفسه الكسوة ويستبدل بها حالا بعد حال وله في ذلك صلاح من جهات عديدة منها ان يستريح إذا خلع كسوته إذا شاء ويلبسها إذا شاء ليس كالمضطر الى حمل كسوة ومنها انه يتخذ لنفسه ضروبا من الكسوة للصيف وضروبا للشتاء فإن كسوة الصيف لاتليق بالشتاء وكسوة الشتاء لا تليق بالصيف فيتخذ لنفسه في كل فصل كسوة موافقة ومنها انه يجعلها تابعة لشهوته وإرادته ومنها انه يتلذذ بأنواع الملابس كما يتلذذ بأنواع المطاعم فجعلت كسوته متنوعة تابعة لاختياره كما جعلت مطاعمه كذلك فهو يكتسى ما يشاء من انواع الملابس المتخذة من النبات تارة كالقطن والكتان ومن الحيوان تارة كالوبر والصوف والشعر ومن الدود تارة كالحرير والابريسم ومن المعادن تارة كالذهب والفضة فجعلت كسوته متنوعة لتتم لذته وسروره وابتهاجه وزينته بها ولذلك كانت كسوة اهل الجنة منفصلة عنهم كما هي في الدنيا ليست مخلوقة من اجسامهم كالحيوان فدل على ان ذلك اكمل واجل وأبلغ في النعمة ومنها إرادة تمييزه عن الحيوان في ملبسه كما(1\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "237",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14693",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ميزه عنه في مطعمه ومسكنه وبيانه وعقله وفهمه ومنها اختلاف الكسوة واللباس وتباينه بحسب تباين احواله وصنائعه وجربه وسلمه وظعنه وإقامته وصحته ومرضه ونومه ويقظته ورفاهيته فلكل حال من هذه الاحوال لباس وكسوة تخصها لا تليق الا بها فلم يجعل كسوته في هذه الاحوال كلها واحدة لا سبيل الى الاسبتدال بها فهذا من تكريمه وتفضيله على سائر الحيوان فصل ثم تأمل حكمة عجيبة جعلت للبهائم والوحوش والسباع والدواب على كثرتها لا يرى منها شيء وليس شيئا قليلا فتخفى لقلتها بل قد قيل انها أكثر من الناس واعتبر ذلك بما تراه في الصحارى من اسراب الظباء والبقر والوعول والذئاب والنمور وضروب الهوام على اختلافها وسائر دواب الارض وانواع الطيور التي هي اضعاف اضعاف بني آدم لا تكاد ترى منها شيئا ميتا لا في كناسة ولا في أوكاره ولا في مساقطه ولا في مراعيه بطرقه وموارده ومناهله ومعاقله ومعاصمه الا ما عدا عليه عاد إما افترسه سبع او رماه صائد او عدا عليه عاد اشغله واشغل بني جنسه عن احراز جسمه وإخفاء جيفته فدل ذلك على انها إذا احست بالموت ولم تغلب على انفسها كمنت حيث لا يوصل الى اجسامها وقبرت جيفها قبل نزول البين بها ولولا ذلك لامتلأت الصحارى بجيفها وافسدت الهواء بروائحها فعاد ضرر ذلك بالناس وكان سبيلا الى وقوع الوباء وقد دل على هذا قوله تعالى في قصة ابني آدم فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين وأما ما جعل عيشه بين الناس كالانعام والدواب فلقدره الانسان على نقله واحتياله في دفع اذيته منع مما جعل في الوحوش كالسباع فتأمل هذا الذي حار بنو آدم فيه وفيما يفعلون به كيف جعل طبعا في البهائم وكيف تعلموه من الطير وتأمل الحكمة في ارسال الله تعالى لابن آدم الغراب المؤذن اسمه بغربة القاتل من اخيه وغربته هو من رحمة الله تعالى وغربته من ابيه وأهله واستيحاشه منهم واستيحاشهم منه وهو من الطيور التي تنفر منها الانس ومن نعيقها وتستوحش بها فأرسل اليه مثل هذا الطائر حتى صار كالمعلم له والاستاذ وصار بمنزلة المتعلم والمستند ولا تنكر حكة هذا الباب وارتباط المسميات فيه بأسمائها فقد قال النبي إذا بعثتم الى بريدا فابعثوه حسن الاسم حسن الوجه وكان يسأل عن اسم الارض إاذ نزلها واسم الرسول إذا جاء اليه ولما جاءهم سهيل ابن عمرو يوم الحديبية قال قد سهل امركم ولما اراد تغيير اسم حزن بسهل قال لم يزل معنى اسمه فيه وفي زريته ولما سأل عمر بن الخطاب الرجل عن اسمه واسم ابيه وداره ومنزله فاخبره(1\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "238",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14694",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "انه جمرة بن شهاب وان داره بالحرقة وان مسكنه منها ذات لظى قال له ادرك بيتك فقد احترق فكان كما قال وشواهد هذا الباب اكثر من ان نذكر هاها هنا وهذا باب لطيف المنزع شديد المناسبة بين الاسماء والمسببات وكثيرا ما اولع الناس قديما وحديثا بنعيق الغراب واستدلالهم به على البين والاغتراب وينسبونه الى الشؤم وينفرون منه وينفر منهم فكان جديرا ان يرسل هذا الطائر الى القاتل من ابني آدم دون غيره من الطيور فكأنه صورة طائره الذي ألزمه في عنقه وطارعنه من عمله ولا تظن ان ارسال الغراب وقع اتفاقا خاليا من الحكمة فإنك اذا خفي عليك وجه الحكمة فلا تنكرها واعلم ان خفاءها من لطفها وشرفها ولله تعالى فيما يخفى وجه الحكمة فيه على البشر الحكم الباهرة المتضمنة للغايات المحمودة فصل ثم تأمل الحكمة الباهرة في وجه الدابة كيف هو فانك ترى العينين فيه شاخصتين امامها لتبصر ما بين يديها اتم من بصر غيرها لانها تحرس نفسها وراكبها فتتقى ان تصدم حائطا او تتردى في حفرة فجعلت عيناها كعيني المنتصب القامة لانها طليعة وجعل فوها مشقوقا في اسفل الخطم لتتمكن من العض والقبض على العلف إذ لو كان فوقها في مقدم الخطم كما انه من الانسان في مقدم الذقن لما استطاعت ان تتناول به شيئا من الارض الا ترى الانسان لا تناول الطعام بفيه لكن بيده فلمالم تكن الدابة تتناول طعامها بيدها جعل خطمها مشقوقا من أسفله لتضعه على العلف ثم تقضمه واعينت بالجحفلة وهي لها كالشفة للانسان لتلتقم بها ما قرب منها وما بعد وقد اشكلت منفعة الذنب على بعض الناس ولم يهتد اليها وفيه منافع عديدة فمنها انه بمنزلة الطبق على الدبر والغطاء على حياها يواريهما ويسترهما ومنها ان بين الدبر ومراق البطن من الدابة له وضر يجتمع عليه الذباب والبعوض فيؤذي الدابة فجعل اذنابها كالمذاب لها والمراوح تطرد به ذلك ومنها ان الدابة نستريح الى تحريحكه وتصريفه يمنة ويسرة فإنه لما كان قيامها على الاربع بكل جسمها وشغلت قدماها بحمل البدن عن التصرف والتقلب كان لها في تحريك الذنب راحة وعسى ان يكون فيها حكم اخر تقصر عنها افهام الخلق ويزدريها السابع إذا عرضت عليه فإنه لا يعرف موقعها الا في وقت الحاجة فمن ذلك ان الدابة تربض في الوحل فلا يكون شيء اعون على رفعها من الاخذ بذنبها فصل ثم تأمل شفر الفيل وما فيه من الحكم الباهرة فإنه يقوم له مقام اليد في تناول العلف(1\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "239",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14695",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والماء وإيرادهما الى جوفه ولولا ذلك ما استطاع أن يتناول شيئا من الاشياء من الارض لانه ليست له عنق يمدها كسائر الانعام فلما عدم العنق اخلف عليه مكانه الخرطوم الطويل ليسد مسده وجعل قادرا على سدله ورفعه وثنيه والتصرف به كيف شاء وجعل وعاء اجوف لين الملمس فهو يتناول به حاجته ويحمله ما أراد الى جوفه ويحبس فيه ما يريد ويكيد به إذا شاء ويعطى ويتناول إذا أراد فسل المعطل من الذي عوضه ومن اخلف عليه مكان العضو الذي منعه ما يقوم له مقامه وينوب منابه غير الرؤوف الرحيم بخلقه المتكفل بمصالحهم اللطيف بهم وكيف يتأتى ذلك مع الاهمال وخلو العالم عن قيمة وبارئه ومبدعه وفاطره لا إله إلا هو العزيز الحكيم فإن قلت فما باله لم يخلق ذا عنق كسائر الانعام وما الحكمة في ذلك قيل والله أعلم بحكمته في مصنوعاته لان رأسه واذنيه امر هائل عظيم وحمل ثقيل فلو كان ذا عنق كسائر الاعناق لانهدت رقبته بثقله ووهنت بحمله فجعل راسه ملصقا بجسمه لئلا يناله منه شيء من الثقل والمؤنة وخلق له مكان العنق هذا المشفر الطويل يتناول به غذاءه ولما طالت عنق البعير للحكمة في ذلك صغر رأسه بالنسبة الى عظم جثته لئلا يؤذيه ثقله ويوهن عنقه فسبحان من فاتت حكمه عدالعادين وحصر الحاصرين فصل ثم تأمل خلق الزرافة واختلاف اعضائهم وشبهها باعضاء جميع الحيوان فراسها راس فرس وعنقها عنق بعير وأظلافها أظلاف بقرة وجلدها جلد نمر حتى زعم بعض الناس ان لقاحها من فحول شتى وذكروا ان اصنافا من حيوان البر إذا وردت الماء ينزو بعضها على بعض فتنزو المستوحشة على السائمة فتنتج مثل هذا الشخص الذي هو كالملتقط من أناس شتى وما أرى هذا القائل إلا كاذبا عليها وعلى الخلقة إذ ليس في الحيوان صنف يلقح صنفا آخر فلا الجمل يلقح البقر ولا الثور يلقح الناقة ولا الفرس يلقحهما ولا يلقحانه ولا الوحوش يلقح بعضها بعضا ولا الطيور وإنما يقع هذا نادرا فيما يتقارب كالبقر الوحشي والاهلي والضأن والمعز والفرس والحمار والذئب والضبع فيتولد من ذلك البغل والسمع والعسبار وقول الفقهاء هل تجب الزكاة في المتولد من الوحشي والاهلي فيه وجهان هذا إنما يتصور في واحد واثنتين وثلاثة يكمل بها النصاب فأما نصاب كله متولد من الوحشي والاهلي فلا وجود لذلك والاحكام المتعلقة بهذه المتولدات تذكر في الزكاة وجزاء الصيد والاضاحي والاحوط يتغلب في كل باب ففي الاضاحي يتغلب عدم الاجزاء وفي الاحرام والحرم يتغلب وجوب الجزاء وفي الاطعمة يتغلب جانب التحريم وفي الزكاة اختلاف مشهور وسئل شيخنا ابو(1\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "240",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14696",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العباس بن تيمية قدس الله روحه عن حمار نزا على فرس فأحبلها فهل يكون لبن الفرس حلالا او حراما فأجاب بأنه حلال ولا حكم للفحل في اللبن في هذا الموضع بخلاف الاناسي لان لبن الفرس حادث من العلف فهو تابع للحمها ولم يسر وطيء الفحل إلى هذا اللبن فإنه لا حرمة هناك تنتشر بخلاف لبن الفحل في الاناسي فإنه تنتشر به حرمة الرضاع ولا حرمة هنا تنتشر من جهة الفحل لا الى الولد خاصة فإنه يتكون منه ومن الام فغلب عليه التحريم وأما اللبن فلم يتكون بوطئه وإنما تكون من العلف فلم يكن حراما هذا بسط كلامه وتقريره والمقصود ابطال زعم ان هذه الحيوانات المختلفة يلقح بعضها بعضا عند الموارد فتتكون الزرافة وإنه كاذب عليها وعلى الابداع والذي يدل على كذبه انه ليس الخارج من بين ما ذكرنا من الفرس والحمار والذئب والضبع والضأن والمعز عضو من كل واحد من ابيه وأمه كما يكون للزرافة عضو من الفرس وعضو من الجمل بل يكون كالمتوسط بينهما الممتزج منهما كما نشاهده في البغل فإنك ترى راسه وأذنيه وكفله وحوافره وسطا بين اعضاء ابيه وامه مشتقة منهما حتى تجد سجيحه كالممتزج من صهيل الفرس ونهيق الحمار فهذا يدل على ان الزرافة ليست بنتاج آباء مختلفة كما زعم هذا الزاعم بل من خلق عجيب ووضع بديع من خلق الله الذي أبدعه آية دلالة على قدرته وحكمته التي لا يعجزها شيء ليرى عباده انه خالق اصناف الحيوان كلها كما يشاء وفي أي لون شاء فمنها المتشابه الخلقة المتناسب الاعضاء ومنها المختلف التركيب والشكل والصورة كما يرى عباده قدرته التامة في خلقه لنوع الانسان على الاقسام الاربعة الدالة على انه مخلوق بقدرته ومشيئته تابع لها فمنه ما خلق من غير اب ولا أم وهو أبو النوع الانساني ومنه ما خلق من ذكر بلا انثى وهي امهم التي خلقت من ضلع آدم ومنه ما خلق من انثى بلا ذكر وهو المسيح ابن مريم ومنه ما خلق من ذكر وانثى وهو سائر النوع الانساني فيرى عباده آياته ويتعرف اليهم بآلائه وقدرته وأنه إذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون واما طول عنق الزرافة وما لها فيه من المصلحة فلأن منشأها ومرعاها كما ذكر المعتنون بحالها ومساكنها في غياض ذوات اشجار شاهقة ذاهبة طولا فأعينت بطول العنق لتتناول اطراف الشجر الذي هناك وثمارها وهذا ما وصلت اليه معرفتهم وحكمة اللطيف الخبير فوق ذلك واجل منه فصل ثم تأمل هذه النملة الضعيفة وما اعطيته من الفطنة او لحيلة في جمع القوت وادخاره وحفظه ودفع الافة عنه فإنك ترى في ذلك عبرا وآيات فترى جماعة النمل إذا أرادت إحراز(1\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "241",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14697",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القوت خرجت من اسرابها طالبة له فإذا ظفرت به اخذت طريقا من اسرابها اليه وشرعت في نقله فتراها رفقتين رفقة حاملة تحمله الى بيوتها سربا ذاهبا ورفقة خارجة من بيوتها اليه لاتخالط تلك في طريقها بل هما كالخيطين بمنزلة جماعة الناس الذاهبين في طريق والجماعة الراجعين من جانبهم فإذا ثقل عليها حمل الشيء من تلك اجتمعت عليه جماعة من النمل وتساعدت على حملة بمنزلة الخشبة والحجر الذي تتساعد الفئة من الناس عليه فإذا كان الذي ظفر به منهن وحدة ساعدها رفقتها عليه الى بيتها وخلوا بينها وبينه وإن كان الذي صادفه جماعة تساعدن عليه ثم تقاسمنه على باب البيت ولقد اخبر بعض العارفين انه شاهد منهن يوما عجبا قال رايت نملة جاءت الى شق جرادة فزاولته فلم تطق حمله من الارض فذهبت غير بعيد ثم جاءت معها بجماعة من النمل قال فرفعت ذلك الشق من الارض فلما وصلت النملة برفقتها الى مكانه دارت حوله ودرن معها فلم يجدن شيئا فرجعن فوضعته ثم جاءت فصادفته فزاولته فلم تطق رفعه فذهبت غير بعيد ثم جاءت بهن فرفعته فدرن حول مكانه فلم يجدن شيئا فذهبت فوضعته فعادت فجاءت بهن فرفعته فدرن حول المكان فلما لم يجدن شيئا تحلقن حلقة وجعلن تلك النملة في وسطها ثم تحاملن عليها فقطعنها عضوا عضوا وأنا انظر ومن عجيب امر الفطنة فيها إذا نقلت الحب إلى مساكنها كسرته لئلا ينبت فإن كان مما ينبت الفلقتان منه كسرته اربعا فإذا اصابه ندا وبلل وخافت عليه الفساد اخرجته للشمس ثم ترده الى بيوتها ولهذا ترى في بعض الاحيان حبا كثيرا على أبواب مساكنها مكسرا ثم تعود عن قريب فلا ترى منه واحدة ومن فطنتها انها لا تتخذ قريتها إلا على نشر من الارض لئلا يفيض عليها السيل فيغرقها فلا ترى قرية نمل في بطن واد ولكن في أعلاه وما ارتفع عن السيل منه ويكفي في فطنتها ما نص الله عز وجل في كتابه من قولها لجماعة النمل وقد رأت سليمان عليه الصلاة والسلام وجنوده يا ايها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوه وهم لايشعرون فتكلمت بعشرة انواع من الخطاب في هذه النصيحة النداء والتنبيه والتسمية والامر والنص والتحذير والتخصيص والتفهيم والتعميم والاعتذار فاشتملت نصيحتها مع الاختصار على هذه الانواع العشرة ولذلك اعجب سلميان قولها وتبسم ضاحكا منه وسال الله ان يوزعه شكر نعمته عليه لما سمع كلامها ولا تستبعد هذه الفطنة من امة من الامم تسبح بحمد ربها كما في الصحيح عن النبي قال نزل نبي من الانبياء تحت شجرة فلدغته نملة فأمر بجهازه فأخرجه ثم احرق قرية النمل فأوحى الله إليه من اجل ان لدغتك نملة احرقت امة من الامم تسبح فهلا نملة واحدة(1\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "242",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14698",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومن عجيب الفطنة في الحيوان ان الثعلب إذا اعوزه الطعام ولم يجد صيدا تماوت ونفخ بطنه حتى يحسبه الطير ميتا فيقع عليه ليأكل منه فيثب عليه الثعلب فيأخذه ومن عجيب الفطنة في هذه الذبابة الكبيرة التي تسمى اسد الذباب فإنك تراه حين يحس بالذباب قد وقع قريبا منه يسكن مليا حتى كأنه موات لا حراك فيه فإذا رأى الذباب قد اطمأن وغفل عنه دب دبيبا رفيقا حتى يكون منه بحيث يناله ثم يثب عليه فيأخذه ومن عجيب حيل العنكبوت انه ينسج تلك الشبكة شركا للصيد ثم يكمن في جوفها فإذا نشب فيها البرغش والذباب وثب عليه وامتص دمه فهذا يحكى صيد الاشراك والشباك والاول يحكى صيد الكلاب والفهود ولا تزدرين العبرة بالشيء الحقير من الذرة والبعوض فإن المعنى النفيس يقتبس من الشيء الحقير والازدراء بذلك ميراث من الذين استنكرت عقولهم ضرب الله تعالى في كتابه المثل بالذباب والعنكبوت والكلب والحمار فأنزل الله تعالى إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فما أغزر الحكم وأكثرها في هذه الحيوانات التي تزدريها وتحتقرها وكم من دلالة فيها على الخالق ولطفه ورحمته وحكمته فسل المعطل من الهمها هذه الحيل والتلطف في اقتناص صيدها الذي جعل قوتها ومن جعل هذه الحيل فيها بدل ما سلبها من القوة والقدرة فأغناها ما اعطاها من الحيلة عما سلبها من القوة والقدرة سوى اللطيف الخبير فصل ثم تأمل جسم الطائر وخلقته فإنه حين قدر بان يكون طائرا في الجو خفف جسمه وادمج خلقته واقتصر به من القوائم الاربع على اثنتين ومن الاصابع الخمس على اربع ومن مخرج البول والزبل على واحد يجمعهما جميعا ثم خلق ذا جؤجؤ محدود ليسهل عليه اختراق الهواء كيف توجه فيه كما يجعل صدر السفينة بهذه الهيئة ليشق الماء بسرعة وتنفذ فيه وجعل في جناحيه وذنبه ريشات طوال متان لينهض بها للطيران وكسى جسمه كله الريش ليتداخله الهواء فيحمله ولما قدر ان يكون طعامه اللحم والحب يبلعه بلعا بلا مضغ نقص من خلقه الاسنان وخلق له منقار صلب يتناول به طعامه فلا يتفسخ من لقط الحب ولا يتعقف من نهش اللحم ولما عدم الاسنان وكان يزدرد الحب صحيحا واللحم غريضا اعين بفضل حرارة في الجوف تطحن الحب وتطبخ اللحم فاستغنى عن المضغ والذي يدلك على قوة الحرارة التي اعين بها انك ترى عجم الزبيب وأمثاله يخرج من بطن الانسان صحيحا وينطبخ في جوف الطائر حتى لا يرى له اثر ثم اقتضت الحكمة ان جعل يبيض بيضا ولا يلد ولادة لئلا يثقل عن(1\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "243",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14699",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطيران فإنه لو كان مما يحمل ويمكث حمله في جوفه حتى يستحكم ويثقل لأثقله وعاقه عن النهوض والطيران وتأمل الحكمة في كون الطائر المرسل السائح في الجو يلهم صبر نفسه اسبوعا او اسبوعين باختياره قاعدا على بيضه حاضنا له ويحتمل مشقة الحبس ثم إذا خرج فراخه تحمل مشقة الكسب وجمع الحب في حوصلته وبزق فراخه وليس بذي روية ولا فكرة في عاقبة امره ولا يؤمل في فراخه ما يؤمل الانسان في ولده من العون والرفد وبقاء الذكر فهذا من فعله يشهد بأنه معطوف على فراخه لعلة لا يعلمها هو ولا يفكر فيها من دوام النسل وبقائه فصل ثم تأمل خلقة البيضة وما فيها من المخ الاصفر الخاثر والماء الابيض الرقيق فبعضه ينشأ منه الفرخ وبعضه يغتذى منه إلى ان يخرج من البيضة وما في ذلك من الحكمة فإنه لما كان نشو الفرخ في تلك البشرة المنخفضة التي لا نفاذ فيها للواصل من خارج جعل معه في جوف البيضة من الغذاء ما يكتفي به الى خروجه فصل وتأمل الحكمة في حوصلة الطائر وما قدرت له فإن في مسلك الطعام الى القابضة ضيق لا ينفذ فيه الطعام إلا قليلا فلو كان الطائر لا يلتقط حبة ثانية حتى تصل الاولى الى جوفه لطال ذلك عليه فمتى كان يستوفي طعامه وإنما يختلسه اختلاسا لشدة الحذر فجعلت له الحوصلة كالمخلاة المعلقة امامه ليوعى فيها ما ازدرد من الطعم بسرعة ثم ينقل الى القابضة على مهل وفي الحوصلة ايضا خصلة اخرى فإن من الطير ما يحتاج الى ان يزق فراخه فيكون رده الطعم من قرب ليسهل عليه فصل ثم تأمل هذه الالوان والاصباغ والوشى التي تراها في كثير من الطير كالطاووس والدراج وغيرهما التي لو خطت بدقيق الاقلام ووشيت بالايدي لم يكن هذا فمن اين في الطبيعة المجردة هذا التشكيل والتخطيط والتلوين والصبغ العجيب البسيط والمركب الذي لو اجتمعت الخليقة على ان يحاكوه لتعذر عليهم فتأمل ريش الطاووس كيف هو فإنك تراه كنسج الثوب الرفيع من خيوط رفاع جدا قد ألف بعضها الى بعض كتأليف الخيط الى الخيط بل الشعرة الى الشعرة ثم ترى النسج إذا مددته ينفتح قليلا قليلا ولا ينشق ليتداخله الهواء فينقل الطائر إذا طار فترى في وسط الريشة عمودا غليظا متينا قد نسج عليه ذلك الثوب التي كهيئة الشعر(1\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "244",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14700",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ليمسكه بصلابته وهو القصبة التي تكون في وسط الريشة وهو مع ذلك اجوف يشتمل على الهواء فيحمل الطائر فأي طبيعة فيها هذه الحكمة والخبرة واللطف ثم لو كان ذلك في الطبيعة كما يقولون لكانت من ادل الدلائل واعظم البراهين على قدرة مبدعها ومنشئها وعلمه وحكمته فإنه لم يكن ذلك لها من نفسها بل إنما هو لها ممن خلقها وأبدعها فما كذبه المعطل هو احد البراهين والايات التي على مثله يزداد إيمان المؤمنين وهكذا آيات الله يضل بها من يشاء ويهدي من يشاء فصل تأمل هذا الطائر الطويل الساقين وأعرف المنفعة في طول ساقيه فإنه يرعى أكثر مرعاه في ضحضاح الماء فتراه يركز على ساقيه كانه دست فوق مركب ويتأمل ما دب في الماء فإذا رأى شيئا من حاجته خطا خطوا رفيقا حتى يتناوله ولو كان قصير القائمتين كان إذا خطا نحو الصيد ليأخذه لصق بطنه بالماء فيثيره ويذعر الصيد منه فيفر فخلف له ذلك العمودان ليدرك بهما حاجته ولا يفسدعليه مطلبه وكل طائر فله نصيب من طول الساقين والعنق ليمكنه تناول الطعم من الارض ولو طال ساقاه وقصرت عنقه لم يمكنه ان يتناول شيئا من الارض وربما اعين مع عنقه بطول المناقير ليزداد مطلبه سهولة عليه وامكانا ثم تأمل هذه العصافير كيف تطلب اكلها بالنهار كله فلا هي تفقده ولا هي تجده مجموعا معدا بل تناله بالحركة والطلب في الجهات والنواحي فسبحان الذي قدره ويسره كيف لم يجعله ممايتعذر عليها إذا التمسته ويفوتها إذا قعدت عنه وجعلها قادرة عليه في كل حين واوان بكل ارض ومكان حتى من الجدران والاسطحة والسقوف تناوله بالهوينا من السعي فلا يشاركها فيه غير بني جنسها من الطير ولو كان ماتقتات به يوجد معدا مجموعا كله كانت الطير تشاركها فيه وتغلبها عليه وكذلك لو وجدته معدا مجموعا لاكبت عليه بحرص ورغبة فلا تقلع عنه وإن شبعت حتى تبشم وتهلك وكذلك الناس لو جعل طعامهم معدا لهم بغير سعي ولا تعب ادى ذلك الى الشره والبطنة ولكثر الفساد وعمت الفواحش والبغي في الارض فسبحان اللطيف الخبير الذي لم يخلق شيئا سدى ولا عبثا وانظر في هذه الطير التي لا تخرج الا بالليل كالبوم والهام والخفاش فإن أقواتها هيئت لها في الجو لا من الحب ولا من اللحم بل من البعوض والفراش وأشبابهما مما تلقطه من الجو فتاخذ منه بقدر الحاجة ثم تأوى الى بيوتها فلا تخرج الى مثل ذلك الوقت بالليل وذلك ان هذه الضروب من البعوض والفراش وأشباههما مبثوثة في الجو لا يكاد يخلوا منها موضع منه واعتبر ذلك بان نضع سراجا بالليل في سطح او عرصه الدار فيجتمع عليه من هذا(1\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "245",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14701",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الضرب شيء كثير وهذا الضرب من الفراش ونحوها ناقص الفطنة ضعيف الحيلة ليس في الطير اضعف منه ولا اجهل وفيما يرى من تهافته في النار وانت تطرده عنها حتى يحرق نفسه دليل على ذلك فجعل معاش هذه الطيور التي تخرج بالليل من هذا الضرب فتقتات منه فإذا أتى النهار انقطعت الى اوكارها فالليل لها بمنزلة النهار لغيرها من الطير ونهارها بمنزلة ليل غيرها ومع ذلك فساق لها الذي تكفل بارزاق الخلق رزقها وخلقه لها في الجو ولم يدعها بلا رزق مع ضعفها وعجزها وهذه إحدى الحكم والفوائد في خلق هذه الفراش والجنادب والبعوض فكم فيها من رزق لامة تسبح بحمد ربها ولولا ذلك لانتشرت وكثرتحتى اضرت بالناس ومنعتهم القرار فانظر الى عجيب تقدير الله وتدبيره كيف اضطر العقول الى ان شهدت بربوبيته وقدرته وعلمه وحكمته وان ذلك الذي تشاهده ليس باتفاق ولا بإهمال من سائر وجوه الادلة التي لا تتمكن الفطر من جحدها اصلا وإذ قد جرى الكلام الى الخفاش فهو من الحيوانات العجيبة الخلقة بين خلقة الطيور وذوات الاربع وهو الى ذوات الاربع اقرب فإنه ذو اذنين ناشزتين واسنان ودبر وهو يلد ولدا ويرضع ويمشي على اربع وكل هذه صفة ذوات الاربع وله جناحان يطير بهما مع الطيور ولما كان بصره يضعف عن نور الشمس كان نهاره كليل غيره فإذا غابت الشمس انتشر ومن ذلك سمى ضعيف البصر اخفش والخفش ضعف البصر ولما كان كذلك جعل قوته من هذه الطيور الضعاف التي لا تطير الا بالليل وقد زعم بعض من تكلم في الحيوان انه ليس يطعم شيئا وإنما غذاؤه من النسيم البارد فقط وهذا كذب عليه وعلى الخلقة لانه يبول وقد تكلم الفقهاء في بوله هل هو نجس لانه بول غير مأكول او نجس معفو عن يسيره لمشقة التحرز منه على قولين هما روايتان عن احمد وبعض الفقهاء لا ينجس بوله بحال وهذا اقيس الاقوال إذ لا نص فيه ولا يصح قياسه على الابوال النجسة لعدم الجامع المؤثر ووضوح الفرق وليس هذا موضع استيفاء الحجج في هذه المسئلة من الجانبين والمقصود انه لو كان لا ياكل شيئا لم يكن له اسنان اذ لا معنى للاسنان في حق من لا ياكل شيئا ولهذا لما عدم الطفل الرضيع الاكل لم يعط الاسنان فلما كبر واحتاج للغذاء اعين عليه بالاسنان التي تقطعه والاضراس التي تطحنه وليس في الخليقة شيء مهمل ولا عن الحكمة بمعطل ولا شيء لا معنى له واما الحكم والمنافع في خلق الخفاش فقد ذكر منها الاطباء في كتبهم ما انتهت اليه معرفتهم حتى ان بوله يدخل في بعض الاكحال فإذا كان بوله الذي لا يخطر بالبال فيه منفعة البتة فما الظن بجملته ولقد اخبر بعض من اشهد بصدقة انه رأى رخلا وهو طائر معروف قد عشش في شجرة فنظر الى حية عظيمة قد أقبلت نحو عشه(1\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "246",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14702",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاتحة فاها لتبتلعه فبينما هو يضطرب في حيلة النجاة منها إذ وجد حسكة في العش فحملها فالقاها في فم الحية فلم تزل تلتوى حتى ماتت فصل ثم تأمل احوال النحل وما فيها من العبر والايات فانظر اليها والى اجتهادها في صنعة العسل وبنائها البيوت المسدسة التي هي من اتم الاشكال واحسنها استدارة واحكمها صنعا فإذا انضم بعضها الى بعض لم يكن بينها فرجة ولا خلل كل هذا بغير مقياس ولا آله ولا بيكار وتلك من اثر صنع الله وإلهامه إياها وايحائه اليها كما قال تعالى وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا الى قوله لآيات لقوم يتفكرون فتأمل كمال طاعتها وحسن ائتمارها لأمر ربها اتخذت بيوتها في هذه الامكنة الثلاثة في الجبال الشقفان وفي الشجر وفي بيوت الناس حيث يعرشون أي بيبنون العروش وهي البيوت فلا يرى للنحل بيت غير هذه الثلاثة البتة وتامل كيف اكثر بيوتها في الجبال والشقفان وهو البيت المقدم في الاية ثم في الاشجار وهي من اكثر بيوتها ومما يعرش الناس واقل بيوتها بينهم حيث يعرشون وأما في الجبال والشجر فبيوت عظيمة يؤخذ منها من العسل الكثير جدا وتامل كيف اداها حسن الامتثال الى ان اتخذت البيوت او لا فإذا استقر لها بيت خرجت منه فرعت وأكلت من الثمار ثم آوت الى بيوتها لان ربها سبحانه امرها باتخاذ البيوت اولا ثم بالاكل بعد ذلك ثم إذا اكلت سلكت سبل ربها مذللة لا يستوعز عليها شيء ترعى ثم تعود ومن عجيب شأنها أن لها اميرا يسمى اليعسوب لا يتم لها رواح ولا إياب ولا عمل ولا مرعى إلا به فهي مؤتمره لامره سامعة له مطيعه وله عليها تكليف وأمر ونهى وهي رعية له منقادة لامره متبعة لرايه يدبرها كما يدبر الملك امر رعيته حتى إنها إذا آوت الا بيوتها وقف على باب البيت فلا يدع واحدة تزاحم الاخرى ولا تتقدم عليها في العبور بل تعبر بيوتها واحدة بعد واحدة بغير تزاحم ولا تصادم ولا تراكم كما يفعل الامير إذا انتهى بعسكره الى معبر ضيق لا يجوزه الا واحد واحد ومن تدبر احوالها وسياساتها وهدايتها واجتماع شملها وانتظام امرها وتدبير ملكها وتفويض كل عمل الى واحد منها يتعجب منها كل العجب ويعلم ان هذا ليس في مقدورها ولا هو من ذاتها فإن هذه اعمال محكمة متقنة في غاية الاحكام والاتقان فإذا نظرت الى العامل رأيته من أضعف خلق الله أجهله بنفسه وبحاله وأعجزه عن القيام بمصلحته فضلا عما يصدر عنه من الامور العجيبة ومن عجيب امرها ان فيها أميرين لا يجتمعان في بيت واحد ولا يتأمران على جمع واحد بل إذا اجتمع منها جندان وأميران قتلوا احد الاميرين وقطعوه واتفقوا على الامير الواحد(1\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "247",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14703",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من غير معاداة بينهم ولا أذى من بعضهم لبعض بل يصيرون يدا واحدة وجندا واحدا فصل ومن اعجب امرها مالا يهتدي له اكثر الناس ولايعرفونه وهو النتاج الذي يكون لها هل هو على وجه الولادة والتوالد او الاستحالة فقل من يعرف ذلك او يفطن له وليس نتاجها على واحد من هذين الوجهين وإنما نتاجها بأمر من اعجب العجيب فإنها إذا ذهبت الى المرعي أخذت تلك الاجزاء الصافية التي على الورق من الورد والزهر والحشيش وغيره وهي الطل فتمصها وذلك مادة العسل ثم انها تكبس الاجزاء المنعقدة على وجه الورقة وتعقدها على رجلها كالعدسة فتملأ بها المسدسات الفارغة من العسل ثم يقوم يعسوبها على بيته مبتدئا منه فينفخ فيه ثم يطوف على تلك البيوت بيتا بيتا وينفخ فيها كلها فتدب فيها الحياة بإذن الله عز وجل فتتحرك وتخرج طيورا بإذن الله وتلك احدى الايات والعجائب التي قل من يتفطن لها وهذا كله من ثمرة ذلك الوحي الالهي افادها واكسبها هذا التدبير والسفر والمعاش والبناء والنتاج فسل المعطل من الذي اوحى اليها امرها وجعل ما جعل في طباعها ومن الذي سهل لها سبله ذللا منقادة لا تستعصي عليها ولا تستوعرها ولا تضل عنها على بعدها ومن الذي هداها لشأنها ومن الذي أنزل لها من الطل ما إذا جنته ردته عسلا صافيا مختلفا الوانه في غاية الحلاوة واللذاذة والمنفعة من بين ابيض يرى فيه الوجه اعظم من رؤيته في المرآة وسمه لي من جاء به وقال هذا افخر ما يعرف الناس من العسل وأصفاه وأطيبه فإذا طعمه الذ شيء يكون من الحلوى ومن بين احمر واخضر ومورد واسود وأشقر وغير ذلك من الالوان والطعوم المختلفة فيه بحسب مراعيه ومادتها وإذا تأملت ما فيه من المنافع والشفاء ودخوله في غالب الادوية حتى كان المتقدمون لا يعرفون السكر ولا هو مذكور في كتبهم اصلا وإنما كان الذي يستعملونه في الادوية هو العسل وهو المذكور في كتب القوم ولعمر الله أنه لانفع من السكر وأجدى واجلى للاخلاط وأقمع لها واذهب لضررها واقوى للمعدة واشد تفريحا للنفس وتقوية للأرواح وتنفيذا للدواء وإعانة له على استخراج الداء من اعماق البدن ولهذا لم يجيء في شيء من الحديث قط ذكر السكر ولا كانوا يعرفونه اصلا ولو عدم من العالم لما احتاج اليه ولو عدم العسل لاشتدت الحاجة اليه وإنما غلب على بعض المدن استعمال السكر حتى هجروا العسل واستطابوه عليه ورأوه اقل حدة وحرارة منه ولم يعلموا ان من منافع العسل ما فيه من الحدة والحرارة فإذا لم يوافق من يستعمله كسرها بمقابلها فيصير انفع له من السكر وسنفرد إن شاء الله مقالة نبين فيها فضل العسل على(1\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "248",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14704",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السكر 4 من طرق عديدة لا تمنع وبراهين كثيرة لاتدفع ومتى رايت السكر يجلو بلغما ويذيب خلطا او يشفى من داء وإنما غايته بعض التنفيذ للدواء الى العروق للطافته وحلاوته وأما الشفاء الحاصل من العسل فقد حرمه الله كثيرا من الناس حتى صاروا يذمونه ويخشون غائلته من حرارته وحدته ولا ريب ان كونه شفاء وكون القرآن شفاء والصلاة شفاء وذكر الله والاقبال عليه شفاء امر لا يعم الطبائع والانفس فهذا كتاب الله هو الشفاء النافع وهو اعظم الشفاء وما اقل المستشفين به بل لا يزيد الطبائع الرديئة رداءة ولا يزيد الظالمين الا خسارا وكذلك ذكر الله والاقبال عليه والانابة اليه والفزع الى الصلاة كم قد شفي به من عليل وكم قد عوفي به من مريض وكم قام مقام كثير من الادوية التي لا تبلغ قريبا من مبلغه في الشفاء وأنت ترى كثيرا من الناس بل اكثرهم لا نصيب لهم من الشفاء بذلك اصلا ولقد رايت في بعض كتب الاطباء المسلمين في ذكر الادوية المفردة ذكر الصلاة ذكرها في باب الصاد وذكر من منافعها في البدن التي توجب الشفاء وجوها عديدة ومن منافعها في الروح والقلب وسمعت شيخنا ابا العباس بن تيمية رحمه الله يقول وقد عرض له بعض الالم فقال له الطبيب اضر ما عليك الكلام في العلم والفكر فيه والتوجه والذكر فقال الستم تزعمون ان النفس إذا قويت وفرحت اوجب فرحها لها قوة تعين بها الطبيعة على دفع العارض فإنه عدوها فإذا قويت عليه قهرته فقال له الطبيب بلى فقال إذا اشتغلت نفسي بالتوجه والذكر والكلام في العلم وظفرت بما يشكل عليها منه فرحت به وقويت فأوجب ذلك دفع العارض هذا او نحوه من الكلام والمقصود ان ترك كثير من الناس الاستشفاء بالعسل لا يخرجه عن كونه شفاء كما ان ترك اكثرهم الاستشفاء بالقرآن من امراض القلوب لا يخرجه عن كونه شفاء لها وهو شفاء لما في الصدور وإن لم يستشف به اكثر المرضى كما قال تعالى يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين فعم بالموعظة والشفاء وخص بالهدى والمعرفة فهو نفسه شفاء استشفى به او لم يستشف به ولم يصف الله في كتابه بالشفاء إلا القرآن والعسل فهما الشفاآن هذا شفاء القلوب من امراض غيها وضلالها وأدواء شبهاتها وشهواتها وهذا شفاء للأبدان من كثير من اسقامها واخلاطها وآفاتها ولقد اصابني ايام مقامي بمكة اسقام مختلفة ولا طبيب هناك ولا أدوية كما في غيرها من المدن فكنت استشفى بالعسل وماء زمزم ورايت فيهما من الشفاء امرا عجيبا وتأمل اخباره سبحانه وتعالى عن القرآن بأنه نفسه شفاء وقال عن السعل فيه شفاء للناس وما كان نفسه شفاء ابلغ مما جعل فيه شفاء وليس هذا موضع استقصاء فوائدالعسل ومنافعه(1\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "249",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14705",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ثم تأمل العبرة التي ذكرها الله عز وجل في الانعام وما سقانا من بطونها من اللبن الخالص السائغ الهنيء المريء الخارج من بين الفرث والدم فتأمل كيف ينزل الغذاء من أفواهها الى المعدة فينقلب بعضه دما باذن الله وما يسرى في عروقها واعضائها وشحومها ولحومها فإذا ارسلته العروق في مجاريها الى جملة الاجزاء قلبه كل عضو او عصب وغضروف وشعر وظفر وحافر الى طبيعته ثم يبقى الدم في تلك الخزائن التي له إذ به قوام الحيوان ثم ينصب ثقله الى الكرش فيصير زبلا ثم ينقلب باقية لبنا صافيا ابيض سائغا للشاربين فيخرج من بين الفرث والدم حتى إذا انهكت الشاة او غيرها حلبا خرج الدم مشوبا بحمرة فصفى الله سبحانه الالطف من الثفل بالطبخ الاول فانفصل الى الكبد وصار دما وكان مخلوطا بالاخلاط الاربعة فأذهب الله عز وجل كل خلط منها الى مقره وخزانته المهيأة له من المرارة والطحال والكلية وباقي الدم الخالص يدخل في اوردة الكبد فينصب من تلك العروق الى الضرع فيقلبه الله تبارك وتعالى من صورة الدم وطبعه وطعمه الى صورة اللبن وطبعه وطعمه فاستخرج من الفرث والدم فسل المعطل الجاحد من الذي دبر هذا التدبير وقدر هذا التقدير واتقن هذا الصنع ولطف هذا اللطف سوى اللطيف الخبير فصل ثم تأمل العبرة في السمك وكيفية خلقته وأنه خلق غير ذي قوائم لانه لا يحتاج الى المشي إذ كان مسكنه الماء ولم يخلق له رئة لان منفعة الرئة التنفس والسمك لم يحتج اليه لانه ينغمس في الماء وخلقت له عوض القوائم اجنحة شدادي يقذف بها من جانبيه كما يقذف صاحب المركب بالمقاذيف من جانبي السفينة وكسى لجده قسورا متداخلة كتداخل الجوشن ليقيه من الافات واعين بقوة الشم لان بصره ضعيف والماء يحجبه فصار يشم الطعام من بعد فيقصده وقد ذكر في بعض كتب الحيوان ان من فيه الى صماخه منافذ فهو يصب الماء فيها بفيه ويرسله من صماخيه فيتروح بذلك كما يأخذ الحيوان النسيم البارد بأنفه ثم يرسله ليتروح به فإن الماء للحيوان البحري كالهواء للحيوان البري فهما بحران احدهما الطف من الاخر بحر هواء يسبح فيه حيوان البر وبحر ماء يسبح فيه حيوان البحر فلو فارق كل من الصنفين بحره الى البحر الاخر مات فكما يختنق الحيوان البري في الماء يختق الحيوان البحري في الهواء فسبحان من لايحصى العادون آياته ولا يحيطون بتفصيل آية منها على الانفراد بل ان علموا فيها وجها جهلوا منها اوجها فتأمل الحكمة البالغة في كون السمك اكثر الحيوان نسلا ولهذا ترى في وف السمكة الواحد من البيض مالا يحصى كثرة وحكمة ذلك ان يتسع لما(1\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "250",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14706",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يغتذى به من اصناف الحيوان فإن اكثرها يأكل السمك حتى السباغ لانها في حافات الاجام جاثمة تعكف على الماء الصافي فإذا تعذر عليها صيدالبر رصدت السمك فاختطفته فلما كانت السباع تأكل السمك والطير تأكله والناس تأكله والسماك الكبار تأكله ودواب البر تأكله وقد جعله الله سبحانه غذاء لهذه الاصناف اقتضت حكمته ان يكون بهذه الكثرة ولو رأى العبد ما في البحر من ضروب الحيوانات والجواهر والاصناف التي لا يحصيها الا الله ولا يعرف الناس منها إلا الشيء القليل الذي لانسبة له اصلا الى ما غاب عنهم لرأي العجب ولعلم سعة ملك الله وكثرة جنوده التي لايعلمها إلا هو وهذا الجراد نثرة حوت من حيتان البحر ينثره من منخريه وهو جند من جنود الله ضعيف الخلقة عجيب التركيب فيه خلق سبع حيوانات فإذا رايت عساكره قد اقبلت ابصرت جندا لا مرد له ولا يحصى منه عدد ولا عدة فلو جمع الملك خيله ورجله ودوابه وسلاحه ليصده عن بلاده لما أمكنه ذلك فانظر كيف ينساب على الارض كالسيل فيغشى السهل والجبل والبدو والحضر حتى يستر نور الشمس بكثرته ويسد وجه السماء بأجنحته ويبلغ من الجو الى حيث لا يبلغ طائر اكبر جناحين منه فسل المعطل من الذي بعث هذا الجند الضعيف الذي لا يستطيع ان يرد عن نفسه حيوانا رام اخذه بلية على العسكر اهل القوة والكثرة والعدد والحيلة فلا يقدرون بأجمعهم على دفعه بل ينظرون اليه يستبد بأقواتهم دونهم ويمزقها كل ممزق ويذر الارض قفرا منها وهم لا يستطيعون ان يردوه ولا يحولوا بينه وبينها وهذا من حكمته سبحانه ان يسلط الضعيف من خلقه الذي لا مؤنة له على القوى فينتقم به منه وينزل به ما كان يحذره منه حتى لايستطيع لذلك ردا ولاصرفا قال الله تعالى ونزيد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الارض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون فواحسرتاه على استقامه مع الله وايثار لمرضاته في كل حال يمكن به الضعيف المستضعف حتى يرى من استضعفه انه اولى بالله ورسوله منه ولكن اقتضت حكمة الله العزيز الحكيم ان يأكل الظالم الباغي ويتمتع في خفارة ذنوب المظلوم المبغي عليه فذنوبه من اعظم اسباب الرحمة في حق ظالمة كما ان المسؤل إذا رد السائل فهو في خفارة كذبه ولو صدق السائل لما أفلحمن رده وكذلك السارق وقاطع الطريق في خفارة منع اصحاب الاموال حقوق الله فيها ولو ادوا ما لله عليهم فيها لحفظها الله عليهم وهذا ايضا باب عظيم من حكمة الله يطلع الناظر فيه على أسرار من أسرار التقدير وتسليط العالم بعضهم على بعض وتمكين الجناة والبغاة فسبحان من له في كل شيء حكمة(1\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "251",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14707",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالغة وآية باهرة حتى ان الحيوانات العادية على الناس في اموالهم وارزاقهم وابدانهم تعيش في خفارة ما كسبت ايديهم ولولا ذلك لم يسلط عليهم منها شيء ولعل هذا الفصل الاستطرادي انفع لمتأمله من كثير من الفصول المتقدمة فإنه إذا اعطاه حقه من النظر والفكر عظم انتفاعه به جدا والله الموفق ويحكى ان بعض اصحاب الماشية كان يشوب اللبن ويبيعه على انه خالص فارسل الله عليه سيلا فذهب بالغنم فجعل يعجب فاتى في منامه فقيل له اتعجب من اخذ السيل غنمك انه تلك القطرات التي شبت بها البن اجتمعت وصارت سيلا فقس على هذه الحكاية ما تراه في نفسك وفي غيرك تعلم حينئذ ان الله قائم بالقسط وانه قائم على كل نفس بما كسبت وانه لا يظلم مثقال ذرة والاثر الاسرائيلي معروف ان رجلا كان يشوب الخمر ويبيعه على انه خالص فجمع من ذلك كيس ذهب وسافر به فركب البحر ومعه قرد له فلما نام اخذ القرد الكيس وصعد به الى اعلى المركب ثم فتحه فجعل يلقيه دينارا في الماء ودينارا في المركب كأنه يقول له بلسان الحال ثمن الماء صار الى الماء ولم يظلمك وتأمل حكمة الله عز وجل في حبس الغيث عن عباده وابتلائهم بالقحط إذا منعو الزكاة وحرموا المساكين كيف جوزوا على منع ما للمساكين قبلهم من القوت بمنع الله مادة القوت والرزق وحبسها عنهم فقال لهم بلسان الحال منعتم الحق فمنعتم الغيث فهلا استنزلتموه ببذل ما لله قبلكم وتأمل حكمة الله تعالى في صرفه الهدى والايمان عن قلوب الذين يصرفون الناس عنه فصدهم عنه كما صدوا عباده صدا بصد ومنعا بمنع وتأمل حكمته تعالى في محق اموال المرابين وتسليط المتلفات عليها كما فعلوا باموال الناس ومحقوها عليهم واتلفوها بالربا جوزوا اتلافا باتلاف فقل ان ترى مرابيا إلا وآخرته الى محق وقلة وحاجة وتأمل حكمته تعالى في تسليط العدو على العباد إذا جار قويهم على ضعيفهم ولم يؤخذ للمظلوم حقه من ظالمه كيف يسلط عليهم من يفعل بهم كفعلهم برعاياهم وضعفائهم سواء وهذه سنة الله تعالى منذ قامت الدنيا الى ان تطوى الارض ويعيدها كما بدأها وتأمل حكمته تعالى في ان جعل ملوك العباد وأمراءهم وولاتهم من جنس اعمالهم بل كأن أعمالهم ظهرت في صور ولاتهم وملوكهم فإن ساتقاموا استقامت ملوكهم وإن عدلوا عدلت عليهم وإن جاروا جارت ملوكهم وولاتهم وإن ظهر فيهم المكر والخديعة فولاتهم كذلك وإن منعوا حقوق الله لديهم وبخلوا بها منعت ملوكهم وولاتهم ما لهم عندهم من الحق ونحلوا بها عليهم وإن اخذوا ممن يستضعفونه مالا يستحقونه في معاملتهم اخذت منهم الملوك مالا يستحقونه وضربت عليهم المكوس والوظائف وكلما يستخرجونه من الضعيف يستخرجه الملوك منهم بالقوة فعمالهم ظهرت في صور اعمالهم وليس في الحكمة الالهية ان يولى على الاشرار الفجار الا من يكون من جنسهم ولما كان الصدر الاول خيار(1\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "252",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14708",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القرون وابرها كانت ولاتهم كذلك فلما شابوا شابت لهم الولاة فحكمه الله تأبى ان يولي علينا في مثل هذه الازمان مثل معاوية وعمر بن عبد العزيز فضلا عن مثل ابي بكر وعمر بل ولاتنا على قدرنا وولاة من قبلنا على قدرهم وكل من الامرين موجب الحكمة ومقتضاها ومن له فطنه إذا سافر بفكره في هذا الباب رأى الحكمة الالهية سائرة في القضاء والقدر ظاهرة وباطنة فيه كما في الخلق والامر سواء فإياك ان تظن بظنك الفاسدان شيئا من اقضيته واقداره عار عن الحكمة البالغة بل جميع اقضيته تعالى وأقداره واقعة على اتم وجوه الحكمة والصواب ولكن العقول الضعيفة محجوبة بضعفها عن إدراكها كما ان الابصار الخفاشية محجوبة بضعفها عن ضوء الشمس وهذه العقول الضعاف إذا صادفها الباطل جالت فيه وصالت ونطقت وقالت كما ان الخفاش إذا صادفه ظلام الليل طار وسار خفافيش اعشاها النهار بضوئه ... ولازمها قطع من الليل مظلم وتأمل حكمته تبارك وتعالى في عقوبات الامم الخالية وتنويعها عليهم بحسب تنوع جرائمهم كما قال تعالى وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم إلى قوله يظلمون وتأمل حكمته تعالى في مسخ من مسخ من الامم في صور مختلفة مناسبة لتلك الجرائم فإنها لما مسخت قلوبهم وصارت على قلوب تلك الحيوانات وطباعها اقتضت الحكمة البالغة ان جعلت صورهم على صورها لتتم المناسبة ويكمل الشبه وهذا غاية الحكمة واعتبر هذا بمن مسخوا قردة وخنازير كيف غلبت عليهم صفات هذه الحيواات واخلاقها وأعمالها ثم إن كنت من المتوسمين فاقرأ هذه النسخة من وجوه اشباههم ونظرائهم كيف تراها بادية عليها وإن كانت مستورة بصورة الانسانية فاقرا نسخة القردة من صرو اهل المكر والخديعة والفسق الذين لا عقول لهم بل هم اخف الناس عقولا واعظمهم مكرا وخداعا وفسقا فإن لم تقرا نسخة القردة من وجوهم فلست من المتوسمين واقرا نسخة الخنازير من صور اشبهاهم ولا سيما اعداء خيار خلق الله بعدالرسل وهم اصحاب رسول الله فإن هذه النسخة ظاهرة على وجوه الرافضة يقرأها كل مؤمن كاتب وغير كاتب وهي تظهر وتخفى بحسب خنزيرية القلب وخبثه فإن الخنزير اخبث الحيوانات واردؤها طباعا ومن خاصيته انه يدع الطيبات فلا يأكلها ويقوم الانسان عن رجيعة فيبادر اليه فتأمل مطابقة هذا الوصف لاعداء الصحابة كيف تجده منطبقا عليهم فإنهم عمدوا الى اطيب خلق الله واطهرهم فعادوهم وتبرؤوا منهم ثم والواكل عدو لهم من النصارى واليهود والمشركين فاستعانوا في كل زمان على حرب المؤمنين الموالين لاصحاب رسول الله بالمشركين والكفار وصرحوا بأنهم خير منهم فاي شبه ومناسبة اولى بهذا الضرب من الخنازير فإن لم تقرأ هذه(1\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "253",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14709",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النسخة من وجوههم فلست من المتوسمين واما الاخبار التي تكاد تبلغ حد التواتر بمسخ من مسخ منهم عند الموت خنزيرا فأكثر من ان تذكر ها هنا وقد أفرد لها الحافظ بن عبد الواحد المقدسي كتابا وتأمل حكمته تعال في عذاب الامم السالفة بعذاب الاستئصال لما كانوا اطول اعمارا واعظم قوى واعتى على الله وعلى رسوله فلما تقاصرت الاعمار وضعفت القوى رفع عذاب الاستئصال وجعل عذابهم بأيدي المؤمنين فكانت الحكمة في كل واحد من الامرين ما اقتضته في وقته وتأمل حكمته تبارك وتعالى في إرسال الرسل في الامم واحدا بعد واحد كلما مات واحد خلفه آخر لحاجتها الى تتابع الرسل والانبياء لضعف عقولها وعدم اكتفائها بآثار شريعة الرسول السابق فلما انتهت النبوة الى محمد بن عبد الله رسول الله ونبيه ارسله الى اكمل الامم عقولا ومعارف واصحها اذهانا واغزرها علوما وبعثه باكمل شريعة ظهرت في الارض منذ قامت الدنيا الى حين مبعثه فأغنى الله لامة بكمال رسولها وكمال شريعته وكمال عقولها وصحة اذهانها عن رسول يأتي بعده اقام له من امته ورثة يحفظون شريعته ووكلهم بها حتى يؤدوها إلى نظرائهم ويزرعوها في قلوب أشباههم فلم يحتاجوا معه الى سول آخر ولا نبي ولا محدث ولهذا قال انه قد كان قبلكم في الامم محدثون فإن يكن في امتي احد فعمر فجزم بوجود المحدثين في الامم وعلق وجوده في امته بحرف الشرط وليس هذا بنقصان في الامة على من قبلهم بل هذا من كمال امته على من قبله فإنها لكمالها وكمال نبيها وكمال شريعته لا تحتاج الى محدث بل إن وجد فهو صالح للمتابعة والاستشهاد لا انه عمدة لانها في غنية بما بعث الله به نبيها عن كل منام او مكاشفة او الهام او تحديث واما من قبلها فللحاجة الى ذلك جعل فيهم المحدثون ولا تظن ان تخصيص عمر رضى الله عنه بهذا تفضيل له علي ابي بكر الصديق بل هذا من اقوى مناقب الصديق فإنه لكمال مشربه من حوض النبوة وتمام رضاعه من ثدي الرسالة استغنى بذلك عما تلقاه من تحديث اوغيره فالذي يتلقاه من مشاكة النبوة اتم من الذي يتلقاه عمر من التحديث فتأمل هذا الموضع واعطه حقه من المعرفة وتامل ما فيه من الحكمة البالغة الشاهدة لله بانه الحكيم الخبير وان رسول الله اكمل خلقه واكملهم شريعة وان امته اكمل الامم وهذا فصل معترض وهو انفع فصول الكتاب ولولا الاطالة لوسعنا فيه المقال واكثرنا فيه من الشواهد والامثال ولقد فتح الله الكريم فيه الباب وارشد فيه الى الصواب وهو المرجو لتمام نعمته ولا قوة الا بالله العلي العظيم فصل فاعد الان النظر فيك وفي نفسك مرة ثانية من الذي دبرك بالطف(1\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "254",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14710",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التدبير وانت جنين في بطن امك في موضع لا يد تنالك ولا بصر يدركك ولا حيلة لك في التماس الغذاء ولا في دفع الضرر فمن الذي اجرى اليك من دم الام ما يغذوك كما يغذو الماء النبات وقلب ذلك الدم لبنا ولم يزل يغذيك به في اضيق المواضع وابعدها من حيلة التكسب والطلب حتى إذا كمل خلقك واستحكم وقوى اديمك على مباشرة الهواء وبصرك على ملاقاة الضياء وصلبت عظامك على مباشرة الايدي والتقلب على الغبراء هاج الطلق بأمك فازعجك الى الخروج إيما ازعاج الى عالم الابتلاء فركضك الرحم ركضة من مكانك كأنه لم يضمك قط ولم يشتمل عليك فيما بعد ما بين ذلك القبول والاشتمال حين وضعت نطفة وبين هذا الدفع والطرد والاخراج وكان مبتهجا بحملك فصار يستغيث ويعج الى ربك من ثقلك فمن الذي فتح لك بابه حتى ولجت ثم ضمه عليك حتى حفظت وكملت ثم فتح لك ذلك الباب ووسعه حتى خرجت منه كلمح البصر لم يخنقك ضيقه ولم تحبسك صعوبة طريقك فيه فلو تأملت حالك في دخولك من ذلك الباب وخروجك منه لذهب بك العجب كل مذهب فمن الذي اوحى اليه ان يتضايق عليك وانت نطفة حتى لاتفسد هناك واوحى اليه ان يتسع لك وينفسح حتى تخرج منه سليما الى ان خرجت فريدا وحيدا ضعيفا لا قشرة ولا لباس ولا متاع ولا مال احوج خلق الله واضعفهم وافقرهم فصرف ذلك اللبن الذي كنت تتغذى به في بطن امك الى خزانتين معلقتين على صدرها تحمل غذاءك على صدرها كما حملتك في بطنها ثم ساقه الى تينك الخزانتين الطف سوق على مجار وطرق قد تهيأت له فلا يزال واقفا في طرقه ومجاريه حتى تستوفي ما في الخزانة فيجرى وينساق اليك فهو بئر لاتنقطع مادتها ولا تنسد طرقها يسوقها اليك في طرق لا يهتدي اليها الطواف ولا يسلكها الرجال فمن رققه لك وصفاه واطاب طعمه وحسن لونه واحكم طبخه اعدل احكام لا بالحار المؤذي ولا بالبارد الردي ولا المر ولا المالح ولا الكريه الرائحة بل قلبه الى ضرب آخر من التغذية والمنفعة خلاف ما كان في البطن فوافاك في أشد اوقات الحاجة اليه على حين ظمأ شديد وجوع مفرط جمع لك فيه بين الشراب والغذاء فحين تولد قد تلمظت وحركت شفتيك للرضاع فتجد الثدي المعلق كالاداوة قدتدلى اليك وأقبل بدره عليك ثم جعل في راسه تلك الحلمة التي هي بمقدار صغر فمك فلا يضيق عنها ولا تتعب بالتقامها ثم نقب لك في راسها نقبا لطيفا بحسب احتمالك ولم يوسعه فتختنق باللبن ولم يضيقه فتمصه بكلفة بل جعله بقدر اقتضته حكمته ومصلحتك فمن عطف عليك قلب الام ووضع فيه الحنان العجيب والرحمة الباهرة حتى تكون في أهنا ما يكون من شأنها وراحتها ومقيلها فإذا احست منك بأدنى صوت او بكاء قامت اليك وآثرتك على نفسها على عدد الانفس منقادة اليك بغير قائد ولا سائق الا قائد الرحمة وسائق(1\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "255",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14711",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحنان تود لو ان كل ما يؤلمك بجسمها وانه لم يطرقك منه شيء وان حياتها تزاد في حياتك فمن الذي وضع ذلك في قلبها حتى إذا قوى بدنك واتسعت امعاؤك وخشنت عظامك واحتجت الى غذاء اصلب من غذائك ليشتد به عظمك ويقوى عليه لحمك وضع في فيك آله القطع والطحن فنصب لك أسنانا تقطع بها الطعام وطواحين تطحنه بها فمن الذي حبسها عنك ايام رضاعك رحمة بأمك لطفا بها ثم اعطاكها ايام اكلك رحمة بك وأحسانا اليك ولطفا بك فلو انك خرجت من البطن ذا سن وناب وناجذ وضرس كيف كان حال امك بك ولو انك منعتها وقت الحاجة اليها كيف كان حالك بهذه الاطعمة التي لا تسيغها الا بعد تقطيعها وطحنها وكلما ازددت قوة وحاجة الى الاسنان في اكل المطاعم المختلفة زيد لك في تلك الالات حتى تنتهي الى النواجذ فتطيق نهش اللحم وقطع الخبز وكسر الصلب ثم إذا ازددت قوة زيد لك فيها حتى تنتهي الى الطواحين التي هي آخر الاضراس فمن الذي ساعدك بهذه الالات وانجدك بها ومكنك بها من ضروب الغذاء ثم انه اقتضت حكمته ان اخرجك من بطن امك لا تعلم شيئا بل غبيا لا عقل ولا فهم ولا علم وذلك من رحمته بك فإنك على ضعفك لا تحتمل العقل والفهم والمعرفة بل كنت تتمزق وتتصدع بل جعل ذلك ينتقل فيك بالتدريح شيئا فشيئا فلا يصادفك ذلك وهلة واحدة بل يصادفك يسيرا يسيرا حتى يتكامل فيك واعتبر ذلك بأن الطفل إذا سبي صغيرا من بلده ومن بين ابويه ولا عقل له فإنه لا يؤلمه ذلك علما كان اقرب الى العقل كان اشق عليه واصعب حتى إذا كان عاقلا فلاتراه إلا كالواله الحيران ثم لو ولدت عاقلا فهيما كحالك في كبرك تنغصت عليك حياتك اعظم تنغيص وتنكدت اعظم تنكيد لانك ترى نفسك محمولا رضيعا معصبا بالخرق مربطا بالقمط مسجونا في المهد عاجزا ضعيفا عما يحاوله الكبير فكيف كان يكون عيشك مع تعلقك التام في هذه الحالة ثم لم يكن يوجد لك من الحلاوة واللطافة والوقع في القلب والرحمة بك ما يوجد للمولود الطفل بل تكون انكد خلق الله واثقلهم واعنتهم واكثرهم فضولا وكان دخولك هذا العالم وانت غبي لا تعقل شيئا ولا تعلم ما فيه اهله محض الحكمة والرحمة بك والتدبير فتلقى الاشياء بذهن ضعيف ومعرفة ناقصة ثم لا يزال يتزايد فيك العقل والمعرفة شيئا فشيئا حتى تالف الاشياء وتتمرن عليها وتخرج من التأمل لها والحيرة فيها وتستقبلها بحسن التصرف فيها والتدبير لها والاتقان لها وفي ذلك وجوه أخر من الحكمة غير ما ذكرناه فمن هذا الذي هو قيم عليك بالمرصاد يرصدك حتى يوافيك بكل شيء من المنافع والاراب والالات في وقت حاجتك لا يقدمها عن وقتها ولا يؤخرها عنه ثم انه اعطاك الاظفار(1\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "256",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14712",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقت حاجتك اليها لمنافع شتى فإنها تعين الاصابع وتقويها فإن اكثر العمل لما كان برؤوس الاصابع وعليها الاعتماد اعينت بالاظافر قوة لها مع ما فيها من منفعة حك 2 الجسم وقشط الاذى الذي لا يخرج باللحم عنه الى غير ذلك من فوائدها ثم جملك بالشعر على الراس زينة ووقاية وصيانة من الحر والبرد إذ هو مجمع الحواس ومعدن الفكر والذكر وثمرة العقل تنتهي اليه ثم خص الذكر بأن جمل وجهه باللحية وتوابعها وقارا وهيبة له وجمالا وفصلا له عن سن الصبا وفرقا بينه وبين الاناث وبقيت الانثى على حالها لما خلقت له من استمتاع الذكر بها فبقى وجهها على حاله ونضارته ليكون اهيج للرجل على الشهوة وأكمل للذة الاستمتاع فالماء واحد الجوهر واحد والوعاء واحد واللقاح واحد فمن الذي اعطى الذكر الذكورية والانثى الانوثية ولا تلتفت الى ما يقوله الجهلة من الطبائعيين في سبب الاذكار والايناث وإحالة ذلك على الامور الطبيعية التي لاتكاد تصدق في هذا الموضع الا اتفاقا وكذبه اكثر من صدقها وليس استناد الاذكار والايناث الا الى محض المرسوم الالهي الذي يلقيه الى ملك التصوير حين يقول يا رب ذكر ام انثى شقى ام سعيد فما الرزق فما الاجل فيوحي ربك ما يشاء ويكتب الملك فإذا كان للطبيعة تأثيرا في الاذكار والايناث فلها تاثير في الرزق والاجل والشقاوة والسعادة وإلا فلا أذ مخرج الجميع ما يوحيه الله الى الملك ونحن لا ننكر ان لذلك اسبابا اخر ولكن تلك من الاسباب التي استأثر الله بها دون البشر قال الله تعالى لله ملك السموات والارض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء اناثا ويهب لمن يشاء الذكور الى قوله قدير فذكر اصناف النساء الاربعة مع الرجال احدها من تلد الاناث فقط الثانية من تلد الذكور فقط الثالثة من تلد الزوجين الذكر والانثى وهو معنى التزويج هنا ان يجعل ما يهب له زوجين ذكرا او انثى الرابعة العقيم التي لا تلد اصلا ومما يدل على ان سبب الاذكار والايناث لا يعلمه البشر ولا يدرك بالقياس والفكر وإنما يعلم بالوحي ما روى مسلم في صحيحه من حديث ثوبان قال كنت عند النبي فجاء حبر من احبار اليهود فقال السلام عليك يا محمد فدفعته دفعة كاد يصرع منها فقال لم تدفعني فقلت الا تقول يا رسول الله فقال اليهودي إنما ندعوه باسمه الذي سماه به اهله فقال رسول الله ان أسمي محمد الذي سماني به اهلي قال اليهودي جئت أسالك فقال رسول الله أينفعك شيء إن حدثتك قال اسمع بأذني فنكت رسول الله بعود معه فقال سل فقال اليهودي اين يكون الناس يوم تبدل الارض غير الارض والسموات فقال رسول الله هم في الظلمة دون الجسر قال فمن اول الناس إجازة قال فقراء المهاجرين قال اليهودي فما تحفتهم حين يدخلون الجنة فقال زيادة كبد حوت ذي النون قال فما غذاؤهم على أثرها قال(1\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "257",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14713",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ينحر لهم ثور الجنة الذي يأكل من اطرافها قال فما شرابهم عليه قال من عين تسمى سلسبيلا قال صدقت وجئت أسالك عن شيء لايعلمه الا نبي او رجل او رجلان قال ينفعك ان حدثتك قال اسمع بأذني قال جئت أسألك عن الولد قال ماء الرجل ابيض وماء المرأة اصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة اذكر بإذن الله وإن علا مني المرأة مني الرجل اثني بإ ذن الله قال اليهودي لقد صدقت وإنك لنبي ثم انصرف فقال رسول الله لقد سالني عن هذا الذي سالني عنه ومالي علم به حتى أتاني الله به والذي دل عليه العقل والنقل ان الجنين يخلق من الماءين جميعا فالذكر يقذف ماءه في رحم الانثى وكذلك هي تنزل ماءها الى حيث ينتهي ماؤه فيلتقى الماآن على امر قد قدره الله وشاءه فيخلق الولد بينهما جميعا وايهما غلب كان الشبه له كما في صحيح البخاري عن حميد عن انس قال بلغ عبد الله بن سلام قدوم النبي فاتاه فقال إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن الا نبي قال ما أول اشراط الساعة وما اول طعام يأكله اهل الجنة ومن أي شيء ينزع الولد إلى ابيه ومن أي شيء ينزع الى أخواله فقال رسول الله اخبرني بهن آنفا جبريل فقال عبد الله ذاك عدو اليهود من الملائكة فقال رسول الله اما اول اشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق الى المغرب واما اول طعام ياكله اهل الجنة فزيادة كبد الحوت وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشى المرأة وسبقها ماؤه كان الشبه له وإن سبقت كان الشبه لها فقال اشهد انك رسول الله وذكر الحديث وفي الصحيحين عن ام سلمة قالت يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت قال نعم إذا رأت الماء الاصفر فضحكت ام سلمة فقالت او تحتلم المراة فقال رسول الله فيم يشبهها الولد فهذه الاحاديث الثلاثة تدل على ان الولد يخلق من الماءين وان الاذكار والايناث يكون بغلبة احد الماءين وقهره للآخروعلوه عليه وان الشبه يكون بالسبق فمن سبق ماؤه الى الرحم كان الشبه له وهذه امور ليس عند أهل الطبيعة ما يدل عليها ولا تعلم الا بالوحي وليس في صناعتهم ايضا ما ينافيها على ان في النفس من حديث وبان ما فيها وأنه يخاف ان لا يكون احد رواته حفظه كما ينبغي وأن يكون السؤال إنما وقع فيه عن الشبه لا عن الاذكار والايناث كما سأل عنه عبد الله بن سلام ولذلك لم يخرجه البخاري وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن ابي بكر عن انس عن النبي قال ان الله وكل بالرحم ملكا فيقول يا رب نطفة يا رب علقة يا رب مضغة فإذا اراد ان يخلقها قال يا رب اذكر ام انثى شقي ام سعيد فما الرزق فما الاجل فيكتب كذلك في بطن امه أفلا ترى كيف أحال بالاذكار والايناث على مجرد المشيئة وقرنه بما لاتأثير للطبيعة فيه من الشقاوة والسعادة والرزق والاجل ولم يتعرض الملك لكتبه الذي للطبيعة فيه مدخل اولا ترى عبد الله بن سلام لم يسأل الا عن الشبه الذي يمكن الجواب عنه ولم يسال عن الاذكار والايناث(1\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "258",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14714",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مع انه ابلغ من الشبه والله اعلم وان كان رسول الله قد قاله فهو عين الحق وعلى كل تقدير فهو يبطل ما زعمه بعض الطبائعيين من معرفة اسباب الاذكار والايناث والله اعلم فصل فانظر كيف جعلت آلات الجماع في الذكر والانثى جميعا على وفق الحكمة فجعلت في حق الذكر آلة ناشزة تمتد حتى توصل المنى الى قعر الرحم بمنزلة من يناول غيره شيئا فهو يمد يده اليه حتى يوصله إياه ولأنه يحتاج الى ان يقذف ماءه في قعر الرحم وأما الانثى فجعل لها وعاء مجوف لانها تحتاج الى ان تقبل ماء الرجل وتمسكه وتشتمل عليه فأعطيت آلة تليق بها ثم لما كان ماء الرجل ينحدر من اجزاء الجسد رقيقا ضعيفا لا يخلق منه الولد جعل له الانثيان وعاء يطبخ فيهما ويحكم انضاجه ليشتد وينعقد ويصير قابلا لان يكون مبدأ للتخليق ولم تحتج المرأة الى ذلك لان رقة مائها ولطفاته إذا مازج غلظ ماء الرجل وشدته قوى به واستحكم ولو كان الماآن رقيقان ضعيفان لم يتكون الولد منهما وخص الرجل بآلة النضج والطبخ لحكم منها ان حرارته اقوى والانثى باردة فلو اعطيت تلك الالة لم يستحكم طبخ الماء وانضاجه فيها ومنها ان ماءها لا يخرج عن محله بل ينزل من بين ترائبها الى محله ومنها انها لما كانت محلا للجماع اعطيت من الالة ما يليق بها فلو اعطيت آلة الرجل لم تحصل لها اللذة والاستمتاع ولكانت تلك الالة معطلة بغير منفعة فالحكمة التامة فيما وجدت خلقة كل منهما عليه فصل فارجع الان الى نفسك وكرر النظر فيك فهو يكفيك وتأمل اعضاءك وتقدير كل عضو منها للأرب والمنفعة المهيأ لها فاليدان للعلاج والبطش والاخذ والاعطاء والمحاربة والدفع والرجلان لحمل البدن والسعي والركوب وانتصاف القامة والعينان للاهتداء والجمال والزينة والملاحة ورؤية ما في السموات والارض وآياتهما وعجائبهما والفم للغذاء والكلام والجمال وغير ذلك والانف للنفس وإخراج فضلات الدماغ وزينة للوجه واللسان للبيان والترجمة عنك والاذنان صاحبتا الاخبار تؤديانها اليك واللسان يبلغ عنك والمعدة خزانة يستقر فيها الغذاء فتنضجه وتطبخه وتصلحه اصلاحا آخر وطبخا آخر غير الاصلاح والطبخ الذي توليته من خارج فأنت تعاني إنضاجه وطبخه وإصلاحه حتى تظن انه قد كمل وانه قد استغنى عن طبخ آخر وانضاج آخر وطباخه الداخل ومنضجه يعاني من نضجه وطبخه مالا تهتدي اليه ولا تقدر عليه فهو يوقد عليه نيرانا تذيب الحصى وتذيب مالا تذيبه النار وهي في الطف موضع منك لا تحرقك ولا تلتهب وهي اشد حرارة من النار وإلا فما يذيب هذه الاطعمة الغليظة الشديدة جدا حتى يجعلها ماء ذائبا وجعل الكبد للتخليص واخذ صفو الغذاء والطفه ثم رتب منها مجاري(1\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "259",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14715",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وطرقا يسوق بها الغذاء الى كل عضو وعظم وعصب ولحم وشعر وظفر وجعل المنازل والابواب لادخال ما ينفعك وإخراج ما يضرك وجعل الاوعية المختلفة خزائن تحفظ مادة حياتك فهذه خزانة للطعام وهذه خزانة للحرارة وهذه خزائن للدم وجعل منها خزائن مؤديات لئلا تختلط بالخزائن الاخر فجعل خزائن للمرة السوداء وأخرى للمرة الصفراء وأخرى للبول وأخرى للمنى فتأمل حال الطعام في وصوله الى المعدة وكيف يسرى منها في البدن فإنه إذا استقر فيها اشتملت عليه وانضمت فتطبخه وتجيد صنعته ثم تبعثه الى الكبد في مجار دقاق وقد جعل بين الكبد وبين تلك المجاري غشاء رقيقا كالمصفات الضيقة الابخاش تصفية فلا يصل الى الكبد منه شيء غليظ خشن فينكؤها لان الكبد رقيقة لا تحمل الغليظ فإذ قبلته الكبد انفذته الى البدن كله في مجار مهيأ قلة بمنزلة المجاري المعدة للماء ليسلك في الارض فيعمها بالسقي ثم يبعث ما بقي من الخبث والفضول الى مغايض ومصارف قد اعدت لها فما كان من مرة صفراء بعثت به الى المرارة وما كان من مرة سوداء بعثت به الى الطحال وما كان من الرطوبة المائية بعثت به الى المثانة فمن ذا الذي تولى ذلككله وأحكمه ودبره وقدره احسن تقدير وكأني بك ايها المسكين تقول هذا كله من فعل الطبيعة وفي الطبيعة عجائب واسرار فلو أراد الله ان يهديك لسالت نفسك بنفسك وقلت اخبريني عن هذه الطبيعة اهي ذات قائمة بنفسها لها علم وقدرة على هذه الافعال العجيبة ام ليست كذلك بل عرض وصفة قائمة بالمطبوع تابعة له محمولة فيه فإن قالت لك بل هي ذات قائمة بنفسها لها العلم التام والقدرة والارادة والحكمة فقل لها هذا هو الخالق البارئ المصور فلم تسمينه طبيعية ويا لله من ذكر الطبائع ومن يرغب فيها فهلا سميته بما سمى به نفسه على السن رسله ودخلت في جملة العقلاء والسعداء فإن هذا الذي وصفت به الطبيعة صفته تعالى وإن قالت تلك بل الطبيعة عرض محمول مفتقر الى حامل وهذا كله فعلها بغير علم منها ولا إرادة ولا قدرة ولا شعور اصلا وقد شوهد من آثارها ما شوهد فقل لها هذا مالا يصدقه ذو عقل سليم كيف تصدر هذه الافعال العجيبة والحكم الدقيقة التي تعجز عقول العقلاء عن معرفتها وعن القدرة عليها ممن لا عقل له ولا قدرة ولا حكمة ولا شعور وهل التصديق بمثل هذا إلا دخول في سلك المجانين والمبرسمين ثم قل لها بعد ولو ثبت لك ما ادعيت فمعلوم ان مثل هذه الصفة ليست بخالقة لنفسها ولا مبدعة لذاتها فمن ربها ومبدعها وخالقها ومن طبعها وجعلها تفعل ذلك فهي إذا من ادل الدلائل على بارئها وفاطرها وكمال قدرته وعلمه وحكمته فلم يجد عليك تعطيلك رب العالم وجحدك لصفاته وأفعاله الا مخالفتك العقل والفطرة ولو حاكمناك الى الطبيعة لرايناك انك خارج عن موجبها فلا انت مع موجب العقل ولا الفطرة ولا الطبيعة ولا الانسانية اصلا وكفى بذلك جهلا وضلالا فإن رجعت الى العقل وقلت لا يوجد حكمة الا من حكيم قادر عليم ولا تدبير(1\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "260",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14716",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "متقن الا من صانع قادر مختار مدبر عليم بما يريد قادر عليه لا يعجزه ولا يؤؤده قيل لك فإذا اقررت ويحك بالخلاق العظيم الذي لا اله غيره ولا رب سواه فدع تسميته طبيعة اوعقلا فعالا او موجبا بذاته وقل هذا هو الله الخالق البارئ المصور رب العالمين وقيوم السموات والارضين ورب المشارق والمغارب الذي احسن كل شيء خلقه واتقن ما صنع فمالك جحدت اسماءه وصفاته وذاته اضفت صنيعه الى غيره وخلقه الى سواه مع انك مضطر الى الاقرار به إضافة الابداع والخلق والربوبية والتدبير اليه ولا بد والحمد لله رب العالمين على انك لو تأملت قولك طبيعة ومعنى هذه اللفظة لدلك على الخالق الباريء لفظها كما دل العقول عليه معناها لان طبيعة فعيلة بمعنى مفعولة أي مطبوعة ولا يحتمل غيرهذا البتة لانها على بناء الغرائز التي ركبت في الجسم ووضعت فيه كالسجية والغريزة والبحيرة والسليقة والطبيعة فهي التي طبع عليها الحيوان وطبعت فيه ومعلوم ان طبيعة من غير طابع لها محال فقد دل لفظ الطبيعة على البارئ تعالى كما دل معناها عليه والمسلمون يقولون ان الطبيعة خلق من خلق الله مسخر مربوب وهي سنته في خليقته التي اجراها عليه ثم انه يتصرف فيها كيف شاء وكما شاء فيسلبها تاثيرها إذا اراد ويقلب تأثيرها الى ضده إذا شاء ليرى عباده أنه وحده الخالق البارئ المصور وأنه يخلق ما يشاء كما يشاء وإنما امره إذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون وإن الطبيعة التي انتهى نظر الخفافيش اليها إنما هي خلق من خلقه بمنزلة سائر ملخوقاته فكيف يحسن بمن له حظ من انسانية اوعقل ان ينسى من طبعها وخلقها ويحيل الصنع والابداع عليها ولم يزل الله سبحانه يسلبها قوتها ويحيلها ويقلبها الى ضد ما جعلت له حتى يرى عباده انها خلقه وصنعه مسخرة بامره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين فصل فاعد النظر في نفسك وتأمل حكمة اللطيف الخبير في تركيب البدن ووضع هذه الاعضاء مواضعها منه واعدادها لما اعدت له وإعداد هذه الاوعية المعدة لحمل الفضلات وجمعها لكيلا تنتشر في البدن فتفسده ثم تأمل الحكمة البالغة في تنميتك وكثرة اجزائك من غير تفكيك ولا تفصيل ولو ان صائغا اخذ تمثالا من ذهب او فضة او نحاس فأراد ان يجعله اكبر مما هو هل كان يمكنه ذلك الا بعد ان يكسره ويصوغه صياغة اخرى والرب تعالى ينمي جسم الطفل واعضاءه الظاهرة والباطنة وجميع اجزائه وهو باق ثابت على شكله وهيئته لا يتزايل ولا ينفك ولا ينقص وأعجب من هذا كله تصويره في الرحم حيث لاتراه العيون ولا تلمسه الايدي ولا تصل اليه الالات فيخرج بشرا سويا مستوفيا لكل ما فيه مصلحته وقوامه(1\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "261",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14717",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من عضو وحاسة وآلة من الاحشاء والجوارح والحوامل والاعصاب والرباطات والاغشية والعظام المختلفة الشكل والقدر والمنفعة والموضع الى غير ذلك من اللحم والشحم والمخ وما في ذلك من دقيق التركيب ولطيف الخلقة وخفي الحكمة وبديع الصنعة كل هذا صنع الله احسن الخالقين في قطرة من ماء مهين وما كرر عليك في كتابه مبدأ خلقك وإعادته ودعاك الى التفكير فيه إلا لما بك من العبرة والمعرفة ولا تستطل هذا الفصل وما فيه من نوع تكرار يشتمل على مزيد فائدة فإن الحاجة اليه ماسة والمنفعة عظيمة فانظر الى بعض ما خصك به وفضلك به على البهائم المهملة إذ خلقك على هيئة تنتصب قائما وتستوي جالسا وتستقبل الاشياء ببدنك وتقبل عليها بجملتك فيمكنك العمل والصلاح والتدبير ولو كنت كذوات الاربع المكبوبة على وجهها لم يظهر لك فضيلة تمييز واختصاص ولم يتهيأ منك ما تهيأ من هذه النسبة فصل قال الله تعالى ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم الاية فسبحان من البسه خلع الكرامة كلها من العقل والعلم والبيان والنطق والشكل والصورة الحسنة والهيئة الشريفة والقد المعتدل واكتساب العلوم بالاستدلال والفكر واقتناص الاخلاق الشريفة الفاضلة من البر والطاعة والانقياد فكم بين حاله وهو نطفة في داخل الرحم مستودع هنا وبين حاله والملك يدخل عليه في جنات عدن فتبارك الله أحسن الخالقين فالدنيا قرية والمؤمن رئيسها والكل مشغول به ساع في مصالحه والكل قد اقيم في خدمته وحوائجه فالملائكة الذين هم حملة عرش الرحمن ومن حوله يستغفرون له والملائكة الموكلون به يحفظونه والموكلون بالقطر والنبات يسعون في رزقه ويعملون فيه والافلاك سخرت منقادة دائرة بما فيه مصالحه والشمس والقمر والنجوم مسخرات جاريات بحساب ازمنته واوقاته وإصلاح رواتب اقواته والعالم الجوي مسخر له برياحه وهوائه وسحابه وطيره وما اودع فيه والعالم السفلي كله مسخر له مخلوق لمصالحه ارضه وجباله وبحاره وأنهاره وأشجاره وثماره ونباته وحيوانه وكل ما فيه كما قال تعالى الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره الى قوله يتكفرون وقال تعالى الله الذي خلق السموات والارض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم الى قوله كفار فالسائر في معرفة آلاء الله وتأمل حكمته وبديع صفاته اطول باعا وأملأ صواعا من اللصيق بمكانه المقيم في بلد عادته وطبعه راضيا بعيش بني جنسه لا يرضى لنفسه إلا ان يكون واحدا منهم يقول لي اسوة بهم وهل(1\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "262",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14718",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "انا الا من ربيعة او مضر وليست نفائس البضائع الا لمن امتطى غارب الاغتراب وطوف في الافاق حتى رضى من الغنيمة بالاياب فاستلان ما استوعره البطالون وأنس بما استوحش منه الجاهلون فصل فاعد النظر في نفسك وحكمة الخلاق العليم في خلقك وانظر الى الحواس التي منها تشرف على الاشياء كيف جعلها الله في الراس كالمصابيح فوق المنارة لتتمكن بها من مطالعة الاشياء ولم تجعل في الاعضاء التي تمتهن كاليدين والرجلين فتتعرض للافات بمباشرة الاعمال والحركات ولاجعلها في الاعضاء التي في وسط البدن كالبطن والظهر فيعسر عليك التلفت والاطلاع على الاشياء فلما لم يكن لها في شيء من هذه الاعضاء موضع كان الراس اليق المواضع بها وأجملها فالراس صومعة الحواس ثم تأمل الحكمة في ان جعل الحواس خمسا في مقابلة المحسوسات الخمس ليلقى خمسا بخمس كي لا يبقى شيء من المحسوسات لا يناله بحاسة فجعل البصر في مقابلة المبصرات والسمع في مقابلة الاصوات والشم في مقابلة أنواع الروائح المختلفات والذوق في مقابلة الكيفيات المذوقات واللمس في مقابلة الملموسات فأي محسوس بقي بلا حاسة ولو كان في المحسوسات شيء غير هذه لاعطاك له حاسة سادسة ولما كان ما عداها إنما يدرك بالباطن اعطاك الحواس الباطنة وهي هذه الاخماس التي جرت عليها السنة العامة والخاصة حيث يقولون في المفكر المتأمل ضرب اخماسه في أسداسه فأخماسه حواسه الخمس واسداسه جهانه الست وأرادوا بذلك انه جذبه القلب وسار به في الاقطار والجهات حتى قلب حواسه الخمس في جهاته ألست وضربها فيها لشدة فكره فصل ثم اعينت هذه الحواس بمخلوقات اخر منفصلة عنها تكون واسطة في احساسها فاعينت حاسة البصر بالضياء والشعاع فلولاه لم ينتفع الناظر ببصره فلو منع الضياء والشعاع لم تنفع العين شيئا واعينت حاسة السمع بالهواء يحمل الاصوات في الجو ثم يلقيها الى الاذن فتحويه ثم تقلبه الى القوة السامعة ولولا الهواء لم يسمع الرجل شيئا واعينت حاسة الشم بالنسيم اللطيف يحمل الرائحة ثم يؤديها اليها فتدركها فلولا هو لم تشم شيئا واعينت حاسة الذوق بالريق المتحلل في الفم تدرك القوة الزائقة به طعوم الاشياء ولهذا لم يكن له طعم لا حلو ولا حامض ولا مالح ولا حريف لانه كان يحيل تلك الطعوم الى طعمه ولا يحصل به مقصوده واعينت حاسة اللمس بقوة جعلها الله فيها تدرك بها الملموسات ولم تحتج الى شيء(1\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "263",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14719",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من خارج بخلاف غيرها من الحواس بل تدرك الملموسات بلا واسطة بينها وبينها لانها إنما تدركها بالاجتماع والملامسة فلم تحتج الى واسطة فصل ثم تأمل حال من عدم البصر وما يناله من الخلل في أموره فإنه لا يعرف موضع قدمه ولا يبصر ما بين يديه ولا يفرق بين الالوان والمناظر الحسنة من القبيحة ولا يتمكن من استفادة علم من كتاب يقرأه ولايتهيأ له الاعتبار والنظر في عجائب ملك الله هذا مع انه لا يشعر بكثير من مصالحه ومضاره فلا يشعر بحفرة يهوى فيها ولا بحيوان يقصده كالسبع فيتحرز له ولا بعدو يهوى نحوه ليقتله ولا يتمكن من هرب ان طلب بل هو ملق السلم لمن رامه باذى ولولا حفظ خاص من الله له قريب من حفظ الوليد وكلاءته لكان عطبه اقرب من سلامته فإنه بمنزلة لحم على وضم ولذلك جعل الله ثوابه إذا صبر واحتسب الجنة ومن كمال لطفه ان عكس نوربصره الى بصيرته فهو اقوى الناس بصيرة وحدسا وجمع عليه همه فقلبه مجموع عليه غير مشتت ليهنأ له العيش وتتم مصلحته ولا يظن انه مغموم حزين متاسف هذا حكم من ولد اعمى فأما من اصيب بعينيه بعدالبصر فهو بمنزلة سائر اهل البلاء المنتقلين من العافية الى البلية فالمحنة عليه شديدة لانه قد حيل بينه وبين ما الفه من المرائي والصور ووجوه الانتفاع ببصره فهذا له حكم آخر وكذلك من عدم السمع فإنه يفقد روح المخاطبة والمحاورة ويعدم لذة المذاكرة ونغمة الاصوات الشجية وتعظم المؤنة على الناس في خطابه ويتبرمون به ولا يسمع شيئا من اخبار الناس واحاديثهم فهو بينهم شاهد كغائب وحي كميت وقريب كبعيد وقد اختلف النظار في ايهما اقرب الى الكمال واقل اختلالا لاموره الضرير او الاطرش وذكروا في ذلك وجوها وهذا مبني على اصل آخر وهو أي الصفتين اكمل صفة السمع او صفة البصر وقد ذكرنا الخلاف فيهما فيما تقدم من هذا الكتاب وذكرنا اقوال الناس وأدلتهم والتحقيق في ذلك فأي الصفتين كانت اكمل فالضرر بعدمها اقوى والذي يليق بهذا الموضع ان يقال عادم البصر اشدهما ضررا وأسلمهما دينا واحمدهما عاقبة وعادم السمع اقلهما ضررا في دنياه واجهلهما بدينه واسوا عاقبة فإنه إذا عدم السمع عدم المواعظ والنصائح وانسدت عليه ابواب العلوم النافعة وانفتحت له طرق الشهوات التي يدركها البصر ولا يناله من العلم ما يكفه عنها فضرره في دينه اكثر وضرر الاعمى في دنياه اكثر ولهذا لم يكن في الصحابة اطرش وكان فيهم جماعة اضراء وقل ان يبتلى الله اولياءه بالطرش ويبتلى كثيرا منهم بالعمى فهذا فصل الخطاب في هذه المسئلة فمضرة الطرش في الدين ومضرة العمى في الدنيا والمعافى من عافاه الله منهما ومتعه بسمعه وبصره وجعلهما الوارثين منه(1\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "264",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14720",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وأما من عدم البيانين بيان القلب وبيان اللسان فذلك بمنزلة الحيوانات البهيمة بل هي احسن حالا منه فإن فيها ما خلقت له من المنافع والمصالح التي تستعمل فيها وهذا يجهل كثيرا مما تهتدي اليه البهائم ويلقى نفسه فيما تكف البهائم انفسها عنه وان عدم بيان اللسان دون بيان القلب ومن عدم خاصة الانسان وهي النطق اشتدت المؤمنة به وعليه وعظمت حسرته وطال تأسفه على رد الجواب ورجع الخطاب فهو كالمقعد الذي يرى ما هو محتاج اليه ولا تمتد اليه يده ولا رجله فكم لله على عبده من نعمة سابغة فيهذه الاعضاء والجوارح والقوى والمنافع التي فيه فهو لا يلتفت اليها ولا يشكر الله عليها ولو فقد شيئا منها لتمنى انه له بالدنيا وما عليها فهو يتقلب في نعم الله بسلامة اعضائه وجوارحه وقواه وهو عار من شكرها ولوعرضت عليه الدنيا ما فيها بزوال واحدة منها لابي المعاوضة وعلم انها معاوضة غبن ان الانسان لظلوم كفور فصل ثم تأمل حكمته في الاعضاء التي خلقت فيك آحادا ومثنى وثلاث ورباع وما في ذلك من الحكم البالغة فالراس واللسان والانف والذكر خلق كل منهما واحدا فقط إذلا مصلحة في كونه اكثر من ذلك الا ترى انه لو اضيف الى الراس راس آخر لاثقلا بدنه من غير حاجة اليه لان جميع الحواس التي يحتاج اليها مجتمعة في رأس واحد ثم ان الانسان كان ينقسم براسه قسمين فإن تكلم من احدهما وسمع به وابصر وشم وذاق بقي الاخر معطلا لا أرب فيه وإن تكلم وابصر وسمع بهما معا كلاما واحدا وسمعا واحدا وبصرا واحدا كان الاخر فضله لا فائدة فيه وإن اختلف إدراكهما اختلفت عليه احواله وإدراكاته وكذلك لو كان له لسانان في فم واحد فإن تكلم بهما كلاما واحدا كان احدهما ضائعا وان تكلم باحدهما دون الاخر فكذلك وان تكلم بهما معا كلامين مختلفين خلط على السامع ولم يدر باي الكلامين يأخذ وكذلك لو كان له هنوان وفمان لكان مع قبح الخلقة احدهما فضلة لا منفعة فيه وهذا بخلاف الاعضاء التي خلقت مثنى كالعينين والاذنين والشفتين واليدين والرجلين والساقين والفخذين والوركين والثديين فإن الحكمة فيها ظاهرة والمصلحة بينه والجمال والزينة عليها بادية فلو كان الانسان بعين واحدة لكان مشوه الخلقة ناقصها وكذلك الحاجبان وأما اليدان والرجلان والساقان والفخذان فتعددهما ضروري للانسان لا تتم مصلحته الا بذلك الا ترى من قطعت احدى يديه او رجليه كيف تبقى حاله وعجزه فلو ان النجار والخياط والحداد والخباز والبناء واصحاب الصنائع التي لا تتأتى الا باليدين شلت يد احدهما لتعطلت عليه صنعته فاقتضت الحكمة(1\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "265",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14721",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ان اعطى من هذا الضرب من الجوارح والاعضاء اثنين اثني وكذلك اعطى شفتين لانه لا تكمل مصلحته إلا بهما وفيهما ضروب عديدة من المنافع ومن الكلام والذوق وغطاء الفم والجمال والزينة والقبلة وغير ذلك وأما الاعضاء الثلاثة فهي جوانب انفه وحيطانه وقد ذكرنا حكمة ذلك فيما تقدم واما الاعضاء الرباعية فالكعاب الاربعة التي هي مجمع القدمين والممسكة لهما وبهما قوة القدمين وحركتهما وفيهما منافع الساقين وكذلك اجفان العينين فيها من الحكم والمنافع انها غطاء للعينين ووقاية لهما وجمال وزينة وغير ذلك من الحكم فاقتضت الحكمة البالغة ان جعلت الاعضاء على ما هي عليه من العدد والشكل والهيئة فلو زادت او نقصت لكان نقصا في الخلقة ولهذا يوجد في النوع الانساني من زائد في الخلقة وناقص منها ما يدل على حكمة الرب تعالى وأنه لو شاء لجعل خلقه كلهم هكذا وليعلم الكامل الخلقة تمام النعمة عليه وانه خلق خلقا سويا معتدلا لم يزد في خلقه مالا يحتاج اليه ولم ينقص منه ما يحتاج اليه كما يراه في غيره فهو اجدر ان لم يزداد شكرا وحمدا لربه ويعلم ان ذلك ليس من صنع الطبيعة وإنما ذلك صنع الله الذي اتقن كل شيء خلقه وانه يخلق ما يشاء فصل من اين للطبيعة هذا الاختلاف والفرق الحاصل في النوع الانسان بين صورهم فقل ان يرى اثنان متشابهان من كل وجه وذلك من اندر ما في العالم بخلاف اصناف الحيوان كالنعم والوحوش والطير وسائر الدواب فإنك ترى السرب من الظباء والثلة من الغنم والذود من الابل والصوار من البقر تتشابه حتى لا يفرق بين واحد منهما وبين الاخر إلا بعد طول تأمل او بعلامة ظاهرة والناس مختلفة صورهم وخلقتهم فلا يكاد اثنان منهم يجتمعان في صفة واحدة وخلقة واحدة بل ولا صوت واحد وحنجرة واحدة والحكمة البالغة في ذلك ان الناس يحتاجون الى ان يتعارفوا بأعينهم وحلاهم لما يجرى بينهم من المعاملات فلولا الفرق والاختلاف في الصور لفسدت احوالهم وتشت نظامهم ولم يعرف الشاهد من المشهود عليه ولا المدين من رب الدين ولا البائع من المشتري ولا كان الرجل يعرف عرسه من غيرها للاختلاط ولا هي تعرف بعلها من غيره وفي ذلك اعظم الفساد والخلل فمن الذي ميز بين حلاهم وصورهم واصواتهم وفرق بينها بفروق لا تنالها العبارة ولا يدركها الوصف فسل المعطل اهذا فعل الطبيعة وهل في الطبيعة اقتضاء هذا الاختلاف والافتراق في النوع وأين قول الطبائعيين ان فعلها متشابه لانها واحدة في نفسها لا تفعل بإرادة ولا مشيئة فلا يمكن اختلاف افعالها فكيف يجمع المعطل بين هذا وهذا فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وربما وقع في النوع الانساني تشابه بين اثنين لا يكاد يميز بينهما فتعظم عليهم المؤنة في(1\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "266",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14722",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معاملتهما وتشتد الحاجة الى تمييز المستحق منهما والمؤاخذ بذنبه ومن عليه الحق وإذا كان هذا يعرض في التشابه في الاسماء كثيرا ويلقى الشاهد والحاكم من ذلك ما يلقى فما الظن لو وضع التشابه في الخلقة والصورة ولما كان الحيوان البهيم والطير والوحوش لا يضرها هذا التشابه شيئا لم تدع الحكمة الى الفرق بين كل زوجين منها فتبارك الله احسن الخالقين الذي وسعت حكمته كل شيء فصل ثم تأمل لم صارت المرأة والرجل إذا ادركا اشتركا في نبات العانة ثم ينفرد الرجل عن المرأة باللحية فإن الله عز وجل لما جعل الرجل قيما على المرأة وجعلها كالخول له والعاني في يديه ميزه عليها بما فيه له المهانة والعز والوقار والجلالة لكماله وحاجته الى ذلك ومنعتها المرأة لكمال الاستمتاع بها والتلذذ لتبقى نضارة وجهها وحسنه لا يشينه الشعر واشتراكا في سائر الشعور للحكمة والمنفعة التي فيها فصل ثم تأمل هذا الصوت الخارج من الحلق وتهيئة آلاته والكلام وانتظامه والحروف ومخارجها وأدواتها ومقاطعها واجراسها تجد الحكمة الباهرة في هواء ساذج يخرج من الجوف فيسلك في أنبوبة الحنجرة حتى ينتهي الى الحلق واللسان والشفتين والاسنان فيحدث له هناك مقاطع ونهايات وأجراس يسمع له عند كل مقطع ونهاية جرس مبين منفصل عن الاخر يحدث بسببه الحرف فهو صوت واحد ساذج يجرى في قصبة واحدة حتى ينتهي الى مقاطع وحدود تسمع له منها تسعة وعشرين حرفا يدور عليها الكلام كله امره ونهيه وخبره واستخباره ونظمه ونثرة وخطبه ومواعظه وفضوله فمنه المضحك ومنه المبكي ومنه المؤيس ومنه المطمع ومنه المخوف ومنه المرجي والمسلى والمحزن والقابض للنفس والجوارح والمنشط لها والذي يسقم الصحيح ويبرئ السقيم ومنه ما يزيل النعم ويحل النقم ومنه ما يستدفع به البلاء ويستجلب به النعماء وتستمال به القلوب ويؤلف به بين المتباغضين ويوالي به بين المتعاديين ومنه ما هو بضد ذلك ومنه الكلمة التي لا يلقى لها صاحبها بالا يهوى بها في النار ابعد ما بين المشرق والمغرب والكلمة التي لا يلقى لها بالا صاحبها يركض بها في أعلا عليين في جوار رب العالمين فسبحان من أنشأ ذلك كله من هواء ساذج يخرج من الصدر لا يدري ما يراد به ولا أين ينتهي ولا أين مستقره هذا الى ما في ذلك من اختلاف الالسنة واللغات التي لا يحصيها الا الله فيجتمع الجمع من الناس من بلاد شتى فيتكلم كل منهم بلغته(1\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "267",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14723",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتسمع لغات مختلفة كلاما منتظما مؤلفا ولا يدري كل منهم ما يقول الاخر واللسان الذي هو جارحة واحد في الشكل والمنظر وكذلك الحلق والاضراس والشفتان والكلام مختلف متفاوت اعظم تفاوت فالاية في ذلك كالاية في الارض التي تسقى بماء واحد وتخرج مع ذلك من انواع النبات والازهار والحبوب والثمار تلك الانواع المختلفة المتباينة ولهذا اخبر الله سبحانه في كتابه ان في كل منهما آيات فقال ومن آياته خلق السموات والارض واختلاف السنتكم والونكم إن في ذلك لايات للعالمين وقال وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد الاية فانظر الان في الحنجرة كيف هي كالأنبوب لخروج الصوت واللسان والشفتان والاسنان لصياغة الحروف والنغمات الا ترى ان من سقطت اسنانه لم يقم الحروف التي تخرج منها ومن اللسان ومن سقطت شفته كيف لم يقم الراء واللام ومن عرضت له آفة في حلقه كيف لم يتمكن من الحروف الحلقية وقد شبه اصحاب التشريح مخرج الصوت بالمزمار والرئة بالزق الذي ينفخ فيه من تحته ليدخل الريح فيه والفضلات التي تقبض على الرئة ليخرج الصوت من الحنجرة بالاكف التي تقبض على الزق حتى يخرج الهواء في القصب والشفتين والاسنان التي تصوغ الصوت حروفا ونغما بالاصابع التي تختلف على المزمار فتصوغه الحانا والماقطع التي ينتهي اليها الصوت بالابخاش التي في القصبة حتى قيل ان المزمار إنما اتخذ على مثال ذلك من الانسان فإذا تعجبت من الصناعة التي تعملها اكف الناس حتى تخرج منها تلك الاصوات فما احراك بطول التعجب من الصناعة الالهية التي اخرجت تلك الحروف والاصوات من اللحم والدم والعروق والعظام ويا بعد ما بينهما ولكن المألوف المعتاد لا يقع عند النفوس موقع التعجب فإذا رأت مالا نسبة له اليه اصلا الا انه غريب عندها تلقته بالتعجب وتسبيح الرب تعالى وعندها من آياته العجيبة الباهرة ما هو اعظم من ذلك مما لا يدركه القياس ثم تأمل اختلاف هذه النغمات وتباين هذه الاصوات مع تشابه الحناجر والحلوق والالسنة والشفاة والاسنان فمن الذي ميز بينها أتم تمييز مع تشابه محالها سوى الخلاق العليم فصل وفي هذه الالات مآرب اخرى ومنافع سوى منفعة الكلام ففي الحنجرة مسلك النسيم البارد الذي يروح على الفؤاد بهذا النفس الدائم المتتابع وفي اللسان منفعة الذوق فتذاق به الطعوم وتدرك لذتها ويميز بها بينها فيعرف حقيقة كل واحد منها وفيه مع ذلك معونة على إساغة الطعام وان يلوكه ويقلبه حتى يسهل مسلكه في الحلق وفي الاسنان من المنافع ما هو معلوم من تقطيع الطعام كما تقدم وفيها إسناد الشفتين وإمساكهما(1\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "268",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14724",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن الاسترخاء وتشويه الصورة ولهذا ترى من سقطت اسنانه كيف تسترخي شفتاه وفي الشفتين منافع عديدة يرشف بها الشراب حتى يكون الداخل منه الى حلقه بقدر فلا يشرق به الشارب ثم هما باب مغلق على الفم الذي اليه ينتهي اليه ما يخرج من الجوف ومنه يبتدي ما يلج فهي فهما عطاء وطابق عليه يفتحهما البواب متى شاء ويغلقهما إذا شاء وهما ايضا جمال وزينة للوجه وفيهما منافع اخرى سوى ذلك وانظر الى من سقطت شفتاه ما اشوه منظره وقد بان ان كل واحد من هذه الاعضاء يتصرف الى وجوه شتى من المنافع والمآرب والمصالح كما تتصرف الاداة الواحدة في اعمال شتى هذا ولو رأيت الدماغ وكشف لك عن تركيبه وخلقه لرايت العجب العجاب وتكشف لك عن تركيب يحار فيه العقل قد لف بحجب وأغشيه بعضها فوق بعض لتصونه عن الاعراض وتحفظه عن الاضطراب ثم اطبقت عليه الجمجمة بمنزلة الخوذة وبيضة الحديد لتقيه حد الصدمة والسقطة والضربة التي تصل اليه فتتلقاها تلك البيضة عنه بمنزلة الخوذة التي على راس المحارب ثم جللت تلك الجمجمة بالجلد الذي هو فروة الراس يستر العظم من البروز للمؤذيات ثم كسيت تلك الفروة حلة من الشعر الوافر وقاية لها وسترا من الحر والبرد والاذى وجمالا وزينة له فسل المعطل من الذي حصن الدماغ هذا التحصين وقدره هذا التقدير وجعله خزانة اودع فيها من المنافع والقوى والعجائب ما اودعه ثم احكم سد تلك الخزانة وحصنها اتم تحصين وصانها اعظم صيانة وجعلها معدن الحواس والادراكات ومن الذي جعل الاجفان على العينين كالغشاء والاشفار كالاشراج والاهداب كالرفوف فوف عليها إذا فتحت ومن الذي ركب طبقاتها المختلفة طبقة فوق طبقة حتى بلغت عدد السموات سبعا وجعل لكل طبقة منفعة وفائدة فلو اختلت طبقة منها لاختل البصر ومن شقهما في الوجه احسن شق واعطاهما احسن شكل وأودع الملاحة فيهما وجعلهما مرآة للقلب وطليعة وحارسا للبدن ورائدا يرسله كالجند في مهماته فلا يتعب ولا يعيا على كثرة ظعنه وطول سفره ومن اودع النور الباصر فيه في قدر جرم العدسة فيرى فيه السموات والارض والجبال والشمس والقمر والبحار والعجائب من داخل سبع طبقات وجعلهما في أعلا الوجه بمنزلة الحارس على الرابية العالية ربيتة للبدن ومن حجب الملك في الصدور وأجلسه هناك على كرسي المملكة واقام جند الجوارح والاعضاء والقوى الباطنة والظاهرة في خدمته وذللها له فهي مؤتمرة إذا امرها منتهية إذا نهاها سامعة له مطيعة تكدح وتسعى في مرضاته فلا تستطيع منه خلاصا ولا خروجا عن امره فمنها رسوله ومنها بريده ومنها ترجمانه ومنها اعوانه وكل منها على عمل لا يتعداه ولا يتصرف في غير عمله حتى إذا أراد الراحة أوعز اليها بالهدو والسكون ليأخذ الملك راحته فإذا استيقظ من منامه قامت جنوده(1\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "269",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14725",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بين يديه على اعمالها وذهبت حيث وجهها دائبة لا تفتر فلو شاهدته في محل ملكه والاشغال والمراسيم صادرة عنه وواردة والعساكر في خدمته والبرد تتردد بينه وبين جنده ورعيته لرأيت له شأنا عجيبا فماذا فات الجاهل الغافل من العجائب والمعارف والعبر التي لا يحتاج فيها الى طول الاسفار وركوب القفار قال تعالى وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون فدعا عباده الى التفكر في أنفسهم والاستدلال بها على فاطرها وباريها ولولا هذا لم نوسع الكلام في هذا الباب ولا أطلنا النفس الى هذه الغاية ولكن العبرة بذلك حاصلة والمنفعة عظيمة والفكرة فيه مما يزيد المؤمن ايمانا فكم دون القلب من حرس وكم له من خادم وكم له من عبيد ولا يشعر به ولله ما خلق له وهيأ له واريد منه وأعد له من الكرامة والنعيم او الهوان والعذاب فأما على سرير الملك في مقعد صدق عند مليك مقتدر ينظر الى وجه ربه ويسمع خطابه وإما اسير في السجن الاعظم بين اطباق النيران في العذاب الاليم فلو عقل هذا السلطان ما هيأ له لضن بملكه ولسعى في الملك الذي لاينقطع ولا يبيد ولكنه ضربت عليه حجب الغفلة ليقضى الله امرا كان مفعولا فصل ومن جعل في الحلق منفذين احدهما للصوت والنفس الواصل الى الرئة والاخر للطعام والشراب وهو المريء الواصل الى المعدة وجعل بينهما حاجزا يمنع عبور احدهما في طريق الاخر فلو وصل الطعام من منفذ النفس الى الرئة لاهلك الحيوان ومن جعل الرئة مروحة للقلب تروح عليه لا تنى ولا تفتر لكيلا تنحصر الحرارة فيه فيهلك ومن جعل المنافذ لفضلات الغذاء وجعل لها اشراجا تقبضها لكيلا تجرى جريا دائما فتفسد على الانسان عيشه ويمنع الناس من مجالسه بعضهم بعضا ومن جعل المعدة كأشد ما يكون من العصب لانها هيئت لطبخ الاطعمة وانضاجها فلو كانت لحما غضا لانطبخت هي ونضجت فجعلت كالعصب الشديد لتقوى على الطبخ والانضاج ولا تنهكها النار التي تحتها ومن جعل الكبد رقيقة ناعمة لانها هيئت لقبول الصفو اللطيف من الغذاء والهضم وعمل هو الطف من عمل المعدة ومن حصن المخ اللطيف الرقيق في انابيب صلبة من العظام ليحفظها ويصونها فلا تفسد ولا تذوب ومن جعل الدم السيال محبوسا محصورا في العروق بمنزلة الماء في الوعاء ليضبط فلا يجري ومن جعل الاظفار على اطراف الاصابع وقاية لها وصيانة من الاعمال والصناعات ومن جعل داخل الاذن مستويا كهيئة الكوكب ليطرد فيه الصوت حتى ينتهي الى السمع الداخل وقد انكسرت حدة الهواء فلا ينكؤه وليتعذر على الهواء النفوذ اليه قبل ان يمسك وليمسك(1\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "270",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14726",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما عساه ان يغشاها من القذى والوسخ ولغير ذلك من الحكم ومن جعل على الفخذين والوركين من اللحم اكثر مما على سائر الاعضاء ليقيها من الارض فلا تألم عظامها من كثرة الجلوس كما يألم من قد نحل جسمه وقل لحمه من طول الجلوس حيث لم يحل بينه وبين الارض حائل ومن جعل ماء العينين ملحا يحفظها من الذوبان وماء الاذن مرا يحفظها من الذباب والهواء والبعوض وماء الفم عذبا يدرك به طعوم الاشياء فلا يخالطها طعم غيرها ومن جعل باب الخلاء في الانسان في استر موضع كما ان البناء الحكيم بجعل موضع التخلى في استر موضع في الدار وهكذا منفذ الخلاء من الانسان في استر موضع ليس بارزا من خلفه ولا ناشزا بين يديه بل مغيب في موضع غامض من البدن يلتقى عليه الفخذان بما عليهما من اللحم متواريا فإذا جاء وقت الحاجة وجلس الانسان لها برز ذلك المخرج للآرض ومن جعل الاسنان حدادا لقطع الطعام وتفصيله والاضراس عراضا لرضه وطحنه ومن سلب الاحساس الحيواني الشعور والاظفار التي في الادمي لانها قد تطول وتمتد وتدعو الحاجة الى اخذها وتخفيفها فلو اعطاها الحس لالمته وشق عليه اخذ ما شاء منها ولو كانت تحس لوقع الانسان منها في إحدى البليتين اما تركها حتى تطول وتفحش وتثقل عليه وأما مقاساة الالم والوجع عند اخذها ومن جعل باطن الكف غير قابل لانبات الشعر لانه لو اشعر لتعذر على الانسان صحة اللمس ولشق عليه كثير من الاعمال التي تباشر بالكف ولهذه الحكمة لم يكن هن الرجل قابلا لانباته لانه يمنعه من الجماع ولما كانت المادة تقتضي إنباته هناك نبت حول هن الرجل والمرأة ولهذه الحكمة سلب عن الشفتين وكذا باطن الفم وكذا ايضا القدم اخمصها وظاهرها لانها تلاقي التراب والوسخ والطين والشوك فلو كان هناك شعر لأذى الانسان جدا وحمل من الارض كل وقت ما يثقل الانسان وليس هذا للانسان وحده بل ترى البهائم قد جللها الشعر كلها واخليت هذه المواضع منه لهذه الحكمة افلا ترى الصنعة الالهية كيف سلبت وجوه الخطأ والمضرة وجاءت بكل صواب وكل منفعة وكل مصلحة ولما اجتهد الطاعنون في الحكمة العائبون للخلقة فيما يطعنون به عابوا الشعور تحت الاباط وشعر العانة وشعر باطن الانف وشعر الركبتين وقالوا أي حكمة فيها واي فائدة وهذا من فرط جهلهم وسخافة عقولهم فإن الحكمة لا يجب ان تكون بأسرها معلومة للبشر ولا أكثرها بل لا نسبة لما علموه الى ما جهلوه فيها لو قيست علوم الخلائق كلهم بوجوه حكمة الله تعالى في خلقه وأمره الى ما خفي عنهم منها كانت كنقرة عصفور في البحر وحسب الفطن اللبيب ان يستدل بما عرف منها على ما لم يعرف ويعلم الحكمة فيما جهله منها مثلها فيما علمه بل اعظم وادق وما مثل هؤلاء الحمقى النوكي الا كمثل رجل لاعلم له بدقائق الصنائع(1\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "271",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14727",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعلوم من البناء والهندسة والطب بل ولاحياكة والخياطة والنجارة إذا رام الاعتراض بعقله الفاسد على اربابها في شيء من الاتهم وصنائعهم وترتيب صناعتهم فخفيت عليه فجعل كل ما خفي عليه منها شيء قال هذا لا فائدة فيه وأي حكمة تقتضيه هذا مع ان ارباب الصنائع بشر مثله يمكنه ان يشاركهم في صنائعهم ويفوقهم فيها فما الظن بمن بهرت حكمته العقول الذي لا يشاركه مشارك في حكمته كما لايشاركه في خلقه فلا شريك له بوجه فمن ظن ان يكتال حكمته بمكيال عقله او يجعل عقله عيارا عليها فما ادركه اقربه وما لم يدركه نفاه فهو من اجهل الجاهلين ولله في كل ما خفي على الناس وجه الحكمة فيه حكم عديدة لاتدفع ولا تنكر فاعلم الان ان تحت منابت هذه الشعور من الحرارة والرطوبة ما اقتضت الطبيعة إخراج هذه الشعور عليها الا ترى ان العشب ينبتفي مستنقع المياه بعد نضوب الماء عنها لما خصت به من الرطوبة ولهذا كانت هذه المواضع من ارطب مواضع البدن وهي اقبل لنبات الشعر وأهيأ فدفعت الطبيعة تلك الفضلات والرطوبات الى خارج فصارت شعرا ولو حبست في داخل البدن لاضرته وآذت باطنه فخروجها عين مصلحة الحيوان واحتباسها إنما يكون لنقص وآفة فيه وهذا كخروج دم الحيض من المرأة فإنه عين مصلحتها وكمالها ولهذا يكون احتباسه لفساد في الطبيعة ونقص فيها الا ترى ان من احتبس عنه شعر الرأس واللحية بعد إبانه كيف تراه ناقص الطبيعة ناقص الخلقة ضعيف التركيب فإذا شاهدت ذلك في الشعر الذي عرفت بعض حكمته فمالك لاتعتبره في الشعر الذي خفيت عليك حكمته ومن جعل الريق يجري دائما الى الفم لا ينقطع عنه ليبل الحلق واللهوات ويسهل الكلام ويسيغ الطعام قال بقراط الرطوبة في الفم مطية الغذاء فتأمل حالك عند ما يجف ريقك بعض الجفاف ويقل ينبوع هذه العين التي لا يستغنى عنه فصل ثم تأمل حكمة الله تعالى في كثرة بكاء الاطفال وما لهم فيه من المنفعة فإن الاطباء والطبائعيين شهدوا منفعة ذلك وحكمته وقالوا في أدمغة الاطفال رطوبة لو بقيت في أدمغتهم لاحدثت احداثا عظيمة فالبكاء يسيل ذلك ويحدره من ادمغتهم فتقوى ادمغتهم وتصح وايضا فإن البكاء والعياط يوسع عليه مجاري النفس ويفتح العروق ويصابها ويقوى الاعصاب وكم للطفل من منفعة ومصلحة فيما تسمعه من بكائه وصراخه فإذا كانت هذه الحكمة في البكاء الذي سببه ورود الالم المؤذي وأنت لا تعرفها ولا تكاد تخطر ببالك فهكذا ايلام الاطفال فيه وفي اسبابه وعواقبه الحميدة من الحكم ما قد خفي على اكثر الناس واضطرب عليهم الكلام في حكمه اضطراب الارشية وسلكوا في هذا الباب مسالك فقالت(1\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "272",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14728",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طائفة ليس الا محض المشيئة العارية عن الحكمة والغاية المطلوبة وسدوا على انفسهم هذا الباب جملة وكلما سئلوا عن شيء اجابوا بلا يسال عما يفعل وهذا من اصدق الكلام وليس المراد به نفي حكمته تعالى وعواقب افعاله الحميدة وغاياتها المطلوبة منها وإنما المراد بالاية إفراده بالالهية والربوبية وإنه لكمال حكمته لا معقب لحكمه ولا يعترض عليه بالسؤال لانه لا يفعل شيئا سدى ولا خلق شيئا عبثا وإنما يسأل عن فعله من خرج عن الصواب ولم يكن فيه منفعة ولا فائدة الا ترى الى قوله ام اتخذوا آلهة من الارض هم ينشرون لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون كيف ساق الاية في الانكار على من اتخذ من دونه آلهة لا تساويه فسواها به مع اعظم الفرق فقوله لا يسأل عما يفعل اثبات لحقيقة الالهية وإفراده له بالربوبية والالهية وقوله وهم يسألون في صلاح تلك الالهة المتخذة للالهية فإنهامسئولة مربوبة مدبرة فكيف يسوى بينها وبينه مع اعظم الفرقان فهذا الذي سيق له الكلام فجعلها الجبرية ملجأ ومعقلا في إنكار حكمته وتعليل أفعاله بغاياتها المحمودة وعواقبها السديدة والله الموفق للصواب وقالت طائفة الحكمة في ابتلائهم تعويضهم في الاخرة بالثواب التام فقيل لهم قد كان يمكن ايصال الثواب اليهم بدون هذا الايلام فأجابوا بأن توسط الايلام في حقهم كتوسط التكاليف في حق المكلفين فقيل لهم فهذا ينتقض عليكم بإيلام اطفال الكفار فأجابوا بأنا لا نقول انهم في النار كما قاله من قاله من الناس والنار لا يدخلها احد الا بذنب وهؤلاء لا ذنب لهم وكذا الكلام معهم في مسئلة الاطفال والحجاج فيها من الجانبين بما ليس هذا موضعه فأورد عليهم مالا جواب لهم عنه وهو إيلام اطفالهم الذين قدر بلوغهم وموتهم على الكفر فإن هذا لا تعويض فيه قطعا ولا هو عقوبة على الكفر فإن العقوبة لا تكون سلفا وتعجيلا فحاروا في هذا الموضع واضطربت اصولهم ولم يأتوا بما يقبله العقل وقالت طائفة ثالثة هذا السؤال لو تأمله مورده لعلم انه ساقط وأن تكلف الجواب عنه الزام مالا يلزم فإن هذه الالام وتوابعها وأسبابها من لوازم النشأة الانسانية التي لم يخلق منفكا عنها فهي كالحر والبرد والجوع والعطش والتعب والنصب والهم والغم والضعيف والعجز فالسؤال عن حكم الحاجة الى الاكل عند الجوع والحاجة الى الشرب عند الظمأ والى النوم والراحة عند التعب فإن هذه الالام هي من لوازم النشأة الانسانية التي لا ينفك عنها الانسان ولا الحيوان فلو تجرد عنها لم يكن انسانا بل كان ملكا او خلقا آخر وليست آلام الاطفال باصعب من آلام البالغين لكن لما صارت لهم عادة سهل موقعها عندهم وكم بين ما يقاسيه الطفل ويعانيه البالغ العاقل وكل ذلك من مقتضى الانسانية وموجب الخلقة فلو لم يخلق كذلك لكان خلقا آخر فيرى(1\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "273",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14729",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ان الطفل اذا جاع او عطش او برد او تعب قد خص من ذلك بما لم يمتحن به الكبير فإيلامه بغير ذلك من الاوجاع والاسقام كإيلامه بالجوع والعطش والبرد والحردون ذلك او فوقه وما خلق الانسان بل الحيوان الا على هذه النشأة قالوا فإن سأل سائل وقال فلم خلق كذلك وهلا خلق خلقة غير قابلة للألم فهذا سؤال فاسد فإن الله تعالى خلقه في عالم الابتلاء والامتحان من مادة ضعيفة فهي عرضة للآفات وركبة تركيبا معرضا للأنواع من الالام وجعل فيه الاخلاط الاربعة التي لا قوام له إلا بها ولا يكون الا عليها وهي لا محالة توجب امتزاجا واختلاطا وتفاعلا يبغى بعضها على بعض بكيفيته تارة وبكميته تارة وبهما تارة وذلك موجب للالام قطعا ووجود الملزوم بدون لازمه محال ثم انه سبحانه ركب فيه من القوى والشهوة والارادة ما يوجب حركته الدائبة وسعيه في طلب ما يصلحه دفع ما يضره بنفسه تارة وبمن يعينه تارة فاحوج النوع بعضه الى بعض فحدث من ذلك الاختلاط بينهم وبغى بعضهم على بعض فحدث من ذلك الالام والشرور بنحو ما يحدث من امتزاج اخلاطه واختلاطها وبغى بعضها على بعض والالام لا تتخلف عن هذا الامتزاج ابدا الا في دار البقاء والنعيم المقيم لا في دار الابتلاء والامتحان فمن ظن ان الحكمة في ان تجعل خصائص تلك الدار في هذه فقد ظن باطلا بل الحكمة التامة البالغة اقتضت ان تكون هذه الدار ممزوجة عافيتها ببلائها وراحتها بعنائها ولذتها بآلامها وصحتها بسقمها وفرحها بغمها فهي دار ابتلاء تدفع بعض آفاتها ببعض كما قال القائل: اصبحت في دار بليات ... ادفع آفات بآفات ولقد صدق فإنك إذا فكرت في الاكل والشرب واللباس والجماع والراحة وسائر ما يستلذ به رأيته يدفع بها ما قابله من الالام والبليات افلا تراك تدفع بالاكل الم الجوع وبالشرب الم العطش وباللباس الم الحر والبرد وكذا سائرها ومن هنا قال بعض العقلاء ان لذاتها لنا هي دفع الالام لا غير فاما اللذات الحقيقية فلها دار اخرى ومحل آخر غير هذه فوجود هذه الالام واللذات الممتزجة المختلطة من الادلة على المعاد وأن الحكمة التي اقتضت ذلك هي اولى باقتضاء دارين دار خالصة للذات لا يشوبها الم ما ودار خالصة للالام لا يشوبها لذة ما والدار الاولى الجنة والدار الثانية النار أفلا ترى كيف دلك ذلك مع ما انت مجبول عليه في هذه النشأة من اللذة والالم على الجنة والنار ورايت شواهدهما وأدلة وجودهما من نفسك حتى كأنك تعاينهما عيانا وانظر كيف دل العيان والحس والوجود على حكمة الرب تعالى وعلى صدق رسله فيما اخبروا به من الجنة والنار فتأمل كيف قاد النظر في حكمة الله الى شهادة العقول والفطر بصدق رسله وما اخبروا(1\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "274",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14730",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به تفصيلا يدل عليه العقل مجملا فأين هذا من مقام من اداء علمه الى المعارضة بين ما جاءت به الرسل وبين شواهد العقل وأدلته ولكن تلك العقول كادها باريها ووكلها الى انفسها فحلت بها عساكر الخذلان من كل جانب وحسبك بهذا الفصل وعظيم منفعته من هذا الكتاب والله المحمود المسؤل تمام نعمته فهذه كلمات مختصرة نافعة في مسألة إيلام الاطفال لعلك لا تظفر بها في أكثر الكتب فارجع الان الى نفسك وفكر في هذه الافعال الطبيعية التي جعلت في الانسان وما فيها من الحكمة والمنفعة وما جعل لكل واحد منها في الطبع المجرد والداعي الذي يقتضيه ويستحثه فالجوع يستحث الاكل ويطلبه لما فيه من قوام البدن وحياته ومماته والكرى يقتضى النوم ويستحثه لما فيه من راحة البدن والاعضاء واجمام القوى وعودها الى قوتها جديدة غير كالة والشبق يقتضي الجماع الذي به دوام النسل وقضاءالوطر وتمام اللذة فتجد هذه الدواعي تستحث الانسان لهذه الامور وتتقاضاها منه بغير اختياره وذلك عين الحكمة فإنه لو كان الانسان إنما يستدعي هذه المستحثات إذا اراد لأوشك ان يشتغل عنها بماي يعروه من العوارض مدة فينحل بدنه ويهلك ويترامى الى الفساد وهو لا يشعر كما إذا احتاج بدنه الى شيء من الدواء والصلاح فدافعه وأعرض عنه حتى إذا استحكم به الداء اهلكه فاقتضت حكمة اللطيف الخبير ان جعلت فيه بواعث ومستحثات تؤزه ازا الى ما فيه قوامه وبقاؤه ومصلحته وترد عليه بغير اختياره ولا استدعائه فجعل لكل واحد من هذه الافعال محرك من نفس الطبيعة يحركه ويحدوه عليه ثم انظر الى ما يعطيه من القوى المختلفة التي بها قوامه فأعطى القوة الجاذبة الطالبة المستحثة التي تقتضي معلومها من الغذاء فتأخذه ويورده على الاعضاء بحسب قبولها ثم اعطى القوة الممسكة التي تمسك الطعام وتحبسه ريثما تنضجه الطبيعة وتحكم طبخه وتهيؤه لمصارفه وتبعثه لمستحقه ثم اعطى القوة الهاضمة التي تصرفه في البدن وتهضمه عن المعدة ثم اعطى القوة الدافعة وهي التي تدفع ثقله ومالا منفعة فيه فتدفعه وتخرجه عن البدن لئلا يؤذيه وينهكه فمن اعطاك هذه القوة عند شدة حاجتك اليها ومن جعلها خادما لك ومن اعطاها افعالها واستعمل كل واحد منها على غير عمل الاخر ومن الف بينها على تباينها حتى اجتمعت في شخص واحد ومحل واحد ولو عادى بينها كان بعضها يذهب بعضا فمن كان يحول بينه وبين ذلك فلولا القوة الجاذبة كيف كنت متحركا لطلب الغذاء الذي به قوام البدن ولولا الممسكة كيف كان الطعام يذهب في الجوف حتى تهضمه المعدة ولولا الهاضمة كيف كان يطبخ حتى يخلص منه الصفو الى سائر اجزاء البدن وأعماقه ولولا الدافعة كيف كان الثقل المؤذي القاتل لو انحبس يخرج اولا فأولا فيستريح البدن فيخف(1\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "275",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14731",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وينشط فتأمل كيف وكلت هذه القوة بك والقيام بمصالحك فالبدن كدار اللملك فيها حشمه وخدمه قد وكل بتلك الدار اقواما يقومون بمصالحها فبعضهم لاقتضاء حوائجها وإيرادها عليها وبعضهم لقبض الوارد وحظفه وخزنه الى ان يهيأ ويصلح وبعضهم يقبضه فيهيؤه ويصلحه ويدفعه الى اهل الدار ويفرقه عليهم بحسب حاجاتهم وبعضهم لمسح الدار وتنظيفها وكنسها من المزابل والاقذار فالملك هو الملك الحق المبين جل جلاله والدار انت والحشم والخدم الاعضاء والجوارح والقوام عليها هذه القوى التي ذكرناها تنبيه فرق بين نظر الطبيب والطبائعي في هذه الامور فنظرهما فيهامقصور على النظر في حفظ الصحة ودفع السقم فهو ينظر فيهامن هذه الجهة فقط وبين نظر المؤمن العارف فيها فهو ينظر فيها من جهة دلالتها على خالقها وباريها وماله فيها من الحكم البالغة والنعم السابغة والالاء التي دعا العباد الى شكرها وذكرها تنبيه ثم تأمل حكمة الله عز وجل في الحفظ والنسيان الذي خص به نوع الانسان وماله فيهما من الحكم وما للعبد فيهما من المصالح فإنه لولا القوة الحافظة التي خص بها لدخل عليه الخلل في أموره كلها ولم يعرف ماله وما عليه ولا ما اخذ ولا ما اعطى ولا ما سمع ورأى ولا ما قال ولا ما قيل له ولا ذكر من احسن اليه ولا من اساء اليه ولا من عامله ولا من نفعه فيقرب منه ولا من ضره فينأى عنه ثم كان لايهتدي الى الطريق الذي سلكه اول مرة ولو سلكه مرارا ولا يعرف علما ولو درسه عمره ولا ينتفع بتجربة ولا يستطيع ان يعتبر شيئا على ما مضى بل كان خليقا ان ينسلخ من الانسانية اصلا فتأمل عظيم المنفعة عليك في هذه الخلال وموقع الواحدة منها فضلا عن جميعهن ومن اعجب النعم عليه نعمة النسيان فإنه لولا النسيان لما سلا شيئا ولا انقضت له حسرة ولا تعزى عن مصيبة ولا مات له حزن ولا بطل له حقد ولا تمتع بشيء من متاع الدنيا مع تذكر الافات ولا رجا غفلة عدو ولا نقمة من حاسد فتأمل نعمة الله في الحفظ والنسيان مع اختلافهما وتضادهما وجعله في كل واحد منهما ضربا من المصلحة تنبيه ثم تأمل هذا الخلق الذي خص به الانسان دون جميع الحيوان وهو خلق الحياء الذي هو من افضل الاخلاق واجلها واعظمها قدرا واكثرها نفعا بل هو خاصة الانسانية فمن لا حياء فيه ليس معه من الانسانية الا اللحم والدم وصورتهم الظاهرة كما انه ليس معه من الخير شيء ولولا هذاالخلق لم يقر الضيف ولم يوف بالوعد ولم يؤد امانة ولم يقض لاحد حاجة ولا تحرى الرجل الجميل فآثره والقبيح فتجنبه ولا ستر له عورة ولا امتنع من فاحشة وكثير من الناس لولا الحياء الذي فيه لم يؤد شيئا من الامور المفترضة عليه ولم يرع لمخلوق(1\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "276",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14732",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حقا ولم يصل له رحما ولا بر له والدا فإن الباعث على هذه الافعال إما ديني وهو رجاء عاقبتها الحميدة وإما دنيوي علوي وهو حياء فاعلها من الخلق قد تبين انه لولا الحياء إما من الخالق او من الخلائق لم يفعلها صاحبها وفي الترمذي وغيره مرفوعا استحيوا من الله حق الحياء قالوا وما حق الحياء قال ان تحفظ الراس وما حوى والبطن وما وعى وتذكر المقابر والبلى وقال إذا لم تستح فاصنع ما شئت وأصح القولين فيه قول ابي عبيد والاكثرين انه تهديد كقوله تعالى اعملوا ما شئتم وقوله كلوا وتمتعوا قليلا وقالت طائفة هو إذن وإباحة والمعنى إنك اذا اردت ان تفعل فعلا فانظر قبل فعله فإن كان مما يستحيا فيه من الله ومن الناس فلا تفعله وإن كان مما لا يستحيا منه فافعله فإنه ليس بقبيح وعندي ان هذا الكلام صورة صرة الطلب ومعناه معنى الخبر وهو في قوة قولهم من لا يستحى صنع ما يشتهى فليس بإذن ولا هو مجرد تهديد وإنما هو في معنى الخبر والمعنى ان الرادع عن القبيح إنما هو الحياء فمن لم يستح فإنه يصنع ماشاء وإخراج هذا المعنى في صيغة الطلب لنكته بديعة جدا وهي ان للانسان آمرين وزاجرين آمروزاجر من جهة الحياء فإذا اطاعه امتنع من فعل كل ما يشتهي وله آمر وزاجر من جهة الهوى والطبيعة فمن لم يطع آمر الحياء وزاجره اطاع آمر الهوى والشهوة ولا بد فإخراج الكلام في قالب الطلب يتضمن هذا المعنى دون ان يقال من لا يستحي صنع ما يشتهي تنبيه ثم تأمل نعمة الله على الانسان بالبيانين البيان النطقي والبيان الخطي وقد اعتد بهما سبحانه في جملة من اعتد به من نعمه على العبد فقال في أول سورة انزلت على رسول الله اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم فتأمل كيف جمع في هذه الكلمات مراتب الخلق كلها وكيف تضمنت مراتب الوجودات الاربعة بأوجز لفظ واوضحه واحسنه فذكر أولا عموم الخلق وهو إعطاءالوجود الخارجي ثم ذكر ثانيا خصوص خلق الانسان لانه موضع العبرة والاية فيه عظيمة ومن شهوده عما فيه محض تعدد النعم وذكر مادة خلقه ها هنا من العلقة وفي سائر المواضع يذكر ما هو سابق عليها إما مادة الاصل وهو التراب والطين او الصلصال الذي كالفخار او مادة الفرع وهو الماء المهين وذكر في هذا الموضع اول مبادئ تعلق التخليق وهو العلقة فإنه كان قبلها نطفة فأول انتقالها إنما هو الى العلقة ثم ذكر ثالثا التعليم بالقلم الذي هو من اعظم نعمه على عباده إذ به تخلد العلوم وتثبت الحقوق وتعلم الوصايا وتحفظ الشهادات ويضبط حساب المعاملات الواقعة بين الناس وبه تقيد اخبار الماضين للباقين اللاحقين ولولا الكتابة لانقطعت اخبار بعض الازمنة عن بعض ودرست السنن وتخبطت الاحكام ولم يعرف(1\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "277",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14733",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخلف مذاهب السلف وكان معظم الخلل الداخل على الناس في دينهم ودنياهم إنمايعتريهم من النسيان الذي يمحو صور العلم من قلوبهم فجعل لهم الكتاب وعاء حافظا للعلم من الضياع كالأوعية التي تحفظ الامتعة من الذهاب والبطلان فنعمة الله عن وجل بتعليم القلم بعد القرآن من اجل النعم والتعليم به وإن كان مما يخلص اليه الانسان بالفطنة والحيلة فإنه الذي بلغ به ذلك وأوصله اليه عطية وهبها الله منه وفضل اعطاه الله إياه وزيادة في خلقه وفضله فهو الذي علمه الكتابة وإن كان هو المتعلم ففعله فعل مطاوع لتعليم الذي علم بالقلم فإن علمه فتعلم كما انه علمه الكلام فتكلم هذا ومن اعطاه الذهن الذي يعي به واللسان الذي يترجم به والبنان الذي يحط به ومن هيأ ذهنه لقبول هذا التعليم دون سائر الحيوانات ومن الذي انطق لسانه وحرك بنانه ومن الذي دعم البنان بالكف ودعم الكف بالساعد فكم لله من آية نحن غافلون عنها في التعلم بالقلم فقف وقفة في حال الكتابة وتأمل حالك وقد امسكت القلم وهو جماد وضعته على القرطاس وهو جماد فتولد من بينهما انواع الحكم واصناف العلوم وفنون المراسلات والخطب والنظم والنثر وجوابات المسائل فمن الذي اجرى فلك المعاني على قلبك ورسمها في ذهنك ثم اجرى العبارات الدالة عليها على لسانك ثم حرك بها بنانك حتى صارت نقشا عجيبا معناه اعجب من صورته فتقضى به مآربك وتبلغ به حاجة في صدرك وترسله الى الاقطار النائية والجهات المتباعدة فيقوم مقامك ويترجم عنك ويتكلم على لسانك ويقوم مقام رسولك ويجدي عليك مالا يجدي من ترسله سوى من علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم والتعليم بالقلم يتسلزم المراتب الثلاثة مرتبة الوجود الذهني والوجود اللفظي والوجود الرسمي فقد دل التعليم بالقلم على انه سبحانه هو المعطي لهذه المراتب ودل قوله خلق على انه يعطى الوجود العيني فدلت هذه الايات مع اختصارها ووجازتها وفصاحتها على ان مراتب الوجود بأسرها مسندة اليه تعالى خلقا وتعليما وذكر خلقين وتلعيمين خلقا عاما وخلقا خاصا وتعليما خاصا وتعليما عاما وذكر من صفاته ها هنا اسم الاكرم الذي فيه كل خير وكل كمال فله كل كمال وصفا ومنه كل خير فعلا فهو الاكرم في ذاته وأوصافه وأفعاله وهذا الخلق والتعليم إنما نشأ من كرمه وبره وإحسانه لا من حاجة دعته الى ذلك وهو الغني الحميد وقوله تعالى الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان دلت هذه الكلمات على إعطائه سبحانه مراتب الوجود بأسرها فقوله خلق الانسان إخبار عن الايجاد الخارجي العيني وخص الانسان بالخلق لما تقدم وقوله علم القرآن إخبار عن إعطاء الوجود العلمي الذهني فإنما تعلم الانسان القرآن بتعليمه كما انه إنما صار إنسانا بخلقه فهو الذي خلقه وعلمه ثم قال علمه البيان والبيان يتناول مراتب راتب ثلاثة كل منها يسمى بيانا احدها البيان الذهني الذي يميز فيه بين المعلومات الثاني البيان(1\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "278",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14734",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اللفظي الذي يعبر به عن تلك المعلومات ويترجم عنها فيه لغيره الثالث البيان الرسمي الخطي الذي يرسم به تلك الالفاظ فيتبين الناظر معانيها كما يتبين للسامع معاني الالفاظ فهذا بيان للعين وذاك بيان للسمع والاول بيان للقلب وكثيرا ما يجمع سبحانه بين هذه الثلاثة كقوله إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا وقوله والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ويذم من عدم الانتفاع بها في اكتساب الهدى والعلم النافع كقوله صم بكم عمي وقوله ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة وقد تقدم بسط هذا الكلام تنبيه ثم تأمل حكمة اللطيف الخبير فيما اعطى الانسان علمه بما فيه صلاح معاشه ومعاده ومنع عنه علم مالا حاجة له به فجهله به لا يضر وعلمه به لا ينتفع به انتفاعا طائلا ثم يسر عليه طرق ما هو محتاج اليه من العلم اتم تيسير وكلما كانت حاجته اليه من العلم اعظم كان تيسيره اياه عليه اتم فاعطاه معرفة خالقه وبارئه ومبدعه سبحانه والاقرار به ويسر عليه طرق هذه المعرفة فليس في العلوم ما هو اجل منها ولا اظهر عند العقل والفطرة وليس في طرق العلوم التي تنال بها أكثر من طرقها ولا أدل ولا ابين ولا اوضح فكلما تراه بعينك او تسمعه بأذنك اوتعقله بقلبك وكلما يخطر ببالك وكلما نالته حاسة من حواسك فهو دليل على الرب تبارك وتعالى فطرق العلم بالصانع فطرية ضرورية ليس في العلوم اجلي منها وكل ما استدل به على الصانع فالعلم بوجوده اظهر من دلالته ولهذا قالت الرسل لاممهم افي الله شك فخاطبوهم مخاطبة من لا ينبغي ان يخطر له شك ما في وجود الله سبحانه ونصب من الادلة على وجوده وحدانيته وصفات كماله الادلة على اختلاف انواعها ولا يطيق حصرها إلا الله ثم ركز ذلك في الفطرة ووضعه في العقل جملة ثم بعث الرسل مذكرين به ولهذا يقول تعالى فذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين وقوله فذكر إن نفعت الذكرى وقوله إنما أنت مذكر وقوله فما لهم عن التذكرة معرضين وهو كثير في القرآن ومفصلين لما في الفطرة والعقل العلم به جملة فانظر كيف وجد الاقرار به وبتوحيده وصفات كماله ونعوت جلاله وحكمته في خلقه وأمره المقتضية إثبات رسالة رسله ومجازات المحسن بإحسانه والمسيء بإسائته مودعا في الفطرة مركوزا فيها فلو خليت على ما خلقت عليه لم يعرض لها ما يفسدها ويحولها ويغيرها عما فطرت عليه ولأقرت بوحدنيه ووجوب شكره وطاعته وبصفاته وحكمته في أفعاله وبالثواب والعقاب ولكنها لما فسدت وانحرفت عن المنهج الذي خلقت(1\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "279",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14735",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه انكرت ما انكرت وجحدت ما جحدت فبعث الله رسله مذكرين لاصحاب الفطر الصحيحة السليمة فانقادوا طوعا واختيارا ومحبة وإذعانا بما جعل من شواهد ذلك في قلوبهم حتى ان منهم من لم يسأل عن المعجزة والخارق بل علم صحة الدعوة من ذاتها وعلم انها دعوة حق برهانها فيها ومعذرين ومقيمين البينة على اصحاب الفطر الفاسدة لئلا نحتج على الله بأنه ما ارشدها ولا هداها فيحق القول عليها بإقامة الحجة فلا يكون سبحانه ظالما لها بتعذيبها واشقائها وقد بين ذلك سبحانه في قوله إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فتأمل كيف ظهرت معرفة الله والشهادة له بالتوحيد واثبات اسمائه وصفاته ورسالة رسله والبعث للجزاء مسطورة مثبتة في الفطر ولم يكن ليعرف بها انها ثابتة في فطرته فلما ذكرته الرسل ونبهته رأى ما أخبروه به مستقرا في فطرته شاهدا به عقله بل وجوارحه ولسان حاله وهذا اعظم ما يكون من الايمان وهو الذي كتبه سبحانه في قلوب اوليائه وخاصته فقال أولئك كتب في قلوبهم الإيمان فتدبر هذا الفصل فإنه من الكنوز في هذا الكتاب وهو حقيق بأن تثنى عليه الخناصر ولله الحمد والمنه والمقصود ان الله سبحانه اعطى العبد من هذه المعارف وطرقها ويسرها عليه ما لم يعطه من غيرها لعظم حاجته في معاشه ومعاده اليها ثم وضع في العقل من الاقرار بحسن شرعه ودينه الذي هو ظله في ارضه وعدله بين عباده ونوره في العالم مالوا اجتمعت عقول العالمين كلهم فكانوا على عقل اعقل رجل واحد منهم لما امكنهم ان يقترحوا شيئا احسن منه ولا اعدل ولا اصلح ولا انفع للخليقة في معاشها ومعادها فهو اعظم آياته واوضح بيناته وأظهر حججه على انه الله الذي لا إله إلا هو وإنه المتصف بكل كمال المنزه عن كل عيب ومثال فضلا عن ان يحتاج الى إقامة شاهد من خارج عليه بالادلة والشواهد لتكثير طرق الهدى وقطع المعذرة وإزاحة العلة والشبهة ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي عن بينه وان الله لسميع عليم فأثبت في الفطرة حسن العدل والانصاف والصدق والبر والاحسان والوفاء بالعهد والنصيحة للخلق ورحمة المسكين ونصر المظلوم ومواساة اهل الحاجة والفاقة وأداء الامانات ومقابلة الاحسان بالاحسان والاساءة بالعفو والصفح والصبر في مواطن الصبر والبذل في مواطن البذل والانتقام في موضع الانتقام والحلم في موضع الحلم والسكينة والوقار والرأفة والرفق والتؤدة وحسن الاخلاق وجميل المعاشرة مع الاقارب والاباعد وستر العورات وإقالة العثرات والايثار عند الحاجات واغاثة اللهفات وتفريج الكربات والتعاون على انواع(1\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "280",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14736",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخير والبر والشجاعة والسماحة والبصيرة والثبات والعزيمة والقوة في الحق واللين لاهله والشدة على اهل الباطل والغلظة عليهم والاصلاح بين الناس والسعي في إصلاح ذات البين وتعظيم من يستحق التعظيم وإهانة من يستحق الاهانة وتنزيل الناس منازلهم وأعطاء كل ذي حق حقه وأخذ ما سهل عليهم وطوعت به انفسهم من الاعمال والاموال والاخلاق ولارشاد ضالهم وتعليم جاهلهم واحتمال جفوتهم واستواء قريبهم وبعيدهم في الحق فأقربهم اليه اولاهم بالحق وان كان بعيدا وابعدهم عنه ابعدهم من الحق وان كان حبيبا قريبا الى غير ذلك من معرفة العقل الذي وضعه بينهم في المعاملات والمناكحات والجنايات وما اودع في فطرهم من حسن شكره وعبادته وحده لا شريك له وان نعمه عليهم توجب بذل قدرتهم وطاقتهم في شكره والتقرب اليه وإيثاره على ما سواه واثبت في الفطر علمها بقبيح اضداد ذلك ثم بعث رسله في الامر بما اثبت في الفطر حسنه وكماله والنهي عما اثبت فيها قبحه وعيبه وذمه فطابقت الشريعة المنزلة للفطرة المكلمة مطابقة التفصيل بجملته وقامت وشواهد دينه في الفطرة تنادي للايمان حي على الفلاح وصدعت تلك الشواهد والايات دياجي ظلم الاباء كما صدع الليل ضوء الصباح وقبل حاكم الشريعة شهادة العقل والفطرة لما كان الشاهد غير متهم ولا معرض للجراح فصل وكذلك اعطاهم من العلوم المتعلقة بصلاح معاشهم ودنياهم بقدر حاجاتهم كعلم الطب والحساب وعلم الزراعة والغراس وضروب الصنائع واستنباط المياه وعقد الابنية وصنعة السفن واستخراج المعادن وتهيئتها لما يراد منها وتركيب الادوية وصنعة الاطعمة ومعرفة ضروب الحيل في صيد الوحش والطير ودواب الماء والتصرف في وجوه التجارات ومعرفة وجوه المكاسب وغير ذلك مما فيه قيام معايشهم ثم منعهم سبحانه علم ما سوى ذلك مما ليس في شأنهم ولا فيه مصلحة لهم ولا نشأتهم قابلة له كعلم الغيب وعلم ما كان وكل ما يكون والعلم بعدد القطر وامواج البحر وذرات الرمال ومساقط الاوراق وعدد الكواكب ومقاديرها وعلم ما فوق السموات وما تحت الثرى وما في لجج البحار واقطار العالم وما يكنه الناس في صدورهم وما تحمل كل انثى وما تغيض الارحام وما تزداد الى سائر ما عزب عنهم علمه فمن تكلف معرفة ذلك فقد ظلم نفسه وبخس من التوفيق حظه ولم يحصل الا على الجهل المركب والخيال الفاسد في أكثر امره وجرت سنة الله وحكمته ان هذا الضرب من الناس اجهلهم بالعلم النافع وأقلهم صوابا فترى عند من لا يرفعون به رأسا من الحكم والعلم الحق النافع مالا يخطر ببالهم اصلا وذلك من حكمة الله في خلقه وهوالعزيز الحكيم ولا يعرف هذا الا من اطلع على ما عند القوم من انواع الخيال(1\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "281",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14737",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وضروب المحال وفنون الوساوس والهوى والهوس والخبط وهم يحسبون انهم على شيء إلا انهم هم الكاذبون فالحمد لله الذي من على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين فصل ومن حكمته سبحانه ما منعهم من العلم علم الساعة ومعرفة آجالهم وفي ذلك من الحكمة البالغة مالا يحتاج الى نظر فلو عرف الانسان مقدار عمره فإن كان قصير العمر لميتهنأ بالعيش وكيف يتهنأ به وهو يترقب الموت في ذلك الوقت فلولا طول الامل لخربت الدنيا وأنما عمارتها بالامال وإن كان طويل العمر وقد تحقق ذلك فهو واثق بالبقاء فلا يبالي بالانهماك في الشهوات والمعاصي وأنواع الفساد ويقول إذا قرب الوقت احدثت توبة وهذا مذهب لا يرتضيه الله تعالى عز وجل من عباده ولا يقبله منهم ولا تصلح عليه احوال العالم ولا يصلح العالم إلا على هذا الذي اقتضته حكمته وسبق في علمه فلو ان عبدا من عبيدك عمل على ان يستحضك اعواما ثم يرضيك ساعة واحدة إذا تيقن انه صائر اليك لم تقبل منه ولم يفز لديك بما يفوز به من همه رضاك وكذا سنة الله عز وجل ان العبد إذا عاين الانتقال الى الله تعالى لم ينفعه توبة ولا اقلاع قال تعالى وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن وقوله فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا باسنا سنة الله التي خلت في عباده والله تعالى إنما يغفر للعبد إذا كان وقوع الذنب منه على وجه غلبة الشهوة وقوة الطبيعة فيواقع الذنب مع كراهته له من غير إصرار في نفسه فهذا ترجى له مغفرة الله وصفحه وعفوه لعلمه تعالى بضفعه وغلبة شهوته له وأنه يرى كل وقت مالا صبر له عليه فهو إذا واقع الذنب واقعه مواقعة ذليل خاضع لربه خائف مختلج في صدره شهوة النفس الذنب وكراهة الايمان له فهو يجيب داعي النفس تاره وداعي الايمان تارات فاما من بنى امره على ان لا يقف عن ذنب ولا يقدم خوفا ولا يدع لله شهوة وهو فرح مسرور يضحك ظهرا لبطن إذ ظفر بالذنب فهذا الذي يخاف عليه ان يحال بينه وبين التوبة ولا يوفق لها فإنه من معاصيه وقبائحه على نقد عاجل يتقاضاه سلفا وتعجيلا ومن توبته وإيابه ورجوعه إلى الله على دين مؤجل الى انقضاء الاجل وإنما كان هذا الضرب من الناس يحال بينهم وبين التوبة غالبا لان النزوع عن اللذات والشهوات الى مخالفة الطبع والنفس والاستمرار على ذلك شديد على النفس صعب عليها اثقل من الجبال ولا سيما إذا انضاف إلى ذلك ضعف البصيرة وقلة النصيب من الايمان فنفسه لا تطوع له ان يبيع نقدا بنسيئة ولا عاجلا بآجل كما قال بعض هؤلاء وقد سئل ايما احب اليك درهم اليوم او دينار غدا فقال لا هذا ولا هذا ولكن ربع درهم من اول امس فحرام على هؤلاء ان يوفقوا للتوبة إلا ان يشاء الله فإذا بلغ(1\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "282",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14738",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العبد حد الكبر وضعفت بصيرته ووهت قواه وقد اوجبت له تلك الاعمال قوة في غيه وضعفا في إيمانه صارت كالملكة له بحيث لا يتمكن من تركها فإن كثرة المزاولات تعطى الملكات فتبقى للنفس هيئة راسخة وملكة ثابتة في الغي والمعاصي وكلما صدر عنه واحد منها اثرا أثرا زائدا على اثر ما قبله فيقوى الاثران وهلم جرا فيهجم عليه الضعف والكبر ووهن القوة على هذه الحال فينتقل الى الله بنجاسته واوساخه وادرانه لم يتطهر للقدوم على الله فما ظنه بربه ولو انه تاب وأناب وقت القدرة والامكان لقبلت توبته ومحيت سيئاته ولكن حيل بينهم وبين ما يشتهون ولا شيء اشهى لمن انتقل الى الله على هذه الحال من التوبة ولكن فرط في أداء الدين حتى نفذ المال ولو أداه وقت الامكان لقبله ربه وسيعلم المسرف والمفرط أي ديان ادان وأي غريم بتقاضاه ويوم يكون الوفاء من الحسنات فإن فنيت فيحمل السيئات فبان ان من حكمة الله ونعمه على عباده ان ستر عنهم مقادير آجالهم ومبلغ اعمارهم فلا يزال الكيس يترقب الموت وقد وضعه بين عينيه فينكف عما يضره في معاده ويجتهد فيما ينفعه ويسر به عند القدوم فإن قلت فها هو مع كونه قد غيب عنه مقدار اجله وهو يترقب الموت في كل ساعة ومع ذلك يقارف الفواحش وينتهك المحارم فأي فائدة وحكمة حصلت بستر اجله عنه قيل لعمر الله ان الامر كذلك وهو الموضع الذي حير الالباب والعقلاء وافترق الناس لاجله فرقا شتى ففرقة انكرت الحكمة وتعليل افعال الرب جملة وقالوا بالجبر المحض وسدوا على انفسهم الباب وقالوا لا تعلل افعال الرب تعالى ولاهي مقصود بها مصالح العباد وإنما مصدرها محض المشيئة وصرف الارادة فأنكروا حكمة الله في امره ونهيه وفرقة نفت لاجله القدر جملة وزعموا ان أفعال العباد غير مخلوقة لله حتى يطلب لها وجوه الحكمة وإنما هي خلقهم وابداعهم فهي واقعة بحسب جهلهم وظلمهم وضعفهم فلا يقع على السداد والصواب الا اقل القليل منها فهاتان الطائفتان متقابلتان اعظم تقابل فالأولى غلت في الجبر وانكار الحكم المقصودة في أفعال الله والثانية غلت في القدر واخرجت كثيرا من الحوادث بل اكثرها عن ملك الرب وقدرته وهدى الله اهل السنة الوسط لما اختلفوا فيه من الحق باذنه فأثبتوا لله عز وجل عموم القدرة والمشيئة وأنه تعالى ان يكون في مسلكه مالا يشاء او يشاء مالا يكون وأن اهل سمواته وارضه اعجز واضعف من ان يخلقوا مالا يخلقه الله او يحدثوا مالا يشاء بل ما شاء الله كان ووجد وجوده بمشيئته وما لم يشأ لم يكن وامتنع وجوده لعدم المشيئة له وانه لا حول ولا قوة الا به ولا تتحرك في العالم العلوي والسفلي ذرة الا بإذنه ومع ذلك فله في كل ما خلق وقضى وقدر وشرع من الحكم البالغة والعواقب الحميدة ما اقتضاه كمال حكمته وعلمه وهو العليم الحكيم فما خلق شيئا ولا قضاه ولا شرعه الا لحكمة بالغة وان تقاصرت عنها عقول البشر فهو الحكيم القدير فلا تجحد حكمته كمالا تجحد قدرته(1\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "283",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14739",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والطائفة الاولى جحدت الحكمة والثانية جحدت القدرة والامة الوسط اثبتت له كمال الحكمة وكمال القدرة فالفرقة الاولى تشهد في المعصية مجرد المشيئة والخلق العاري عن الحكمة وربما شهدت الجبر وأن حركاتهم بمنزلة حركات الاشجار ونحوها والفرقة الثانية تشهد في المعصية مجرد كونها فاعلة محدثة مختارة هي التي شاءت ذلك بدون مشيئة الله والامة الوسط تشهد عز الربوبية وقهر المشيئة ونفوذها في كل شيء وتشهد مع ذلك فعلها وكسبها واختيارها وايثارها شهواتها على مرضات ربها فيوجب الشهود الاول لها سؤال ربها والتذلل والتضرع له ان يوفقها لطاعته ويحول بينها وبين معصيته وان يثبتها على دينه ويعصمها بطواعيته ويوجب الشهود الثاني لها اعترافها بالذنب وإقرارها به على نفسها وأنها هي الظالمة المستحقة للعقوبة وتنزيه ربها عن الظلم وان يعذبها بغير استحقاق منها او يعذبها على ما لم تعمله فيجتمع لها من الشهودين شهود التوحيد والشرع والعدل والحكمة وقد ذكرنا في الفتوحات القدسية مشاهد الخلق في مواقعة الذنب وانها تنتهي الى ثمانية مشاهد احدها المشهد الحيواني البهيمي الذي شهود صاحبه مقصور على شهوات لذته به فقط وهو في هذا المشهد مشارك لجميع الحيوانات وربما يزيد عليها في اللذة وكثرة التمتع والثاني مشهد الجبر وان الفاعل فيه سواه والمحرك له غيره ولا ذنب له هو وهذا مشهد المشركين واعداء الرسل الثالث مشهد القدر وهو انه هو الخالق لفعله المحدث له بدون مشيئة الله وخلقه وهذا مشهد القدرية المجوسية الرابع مشهد اهل العلم والايمان وهو مشهد القدر والشرع يشهد فعله وقضاء الله وقدره كما تقدم الخامس مشهد الفقر والفاقة والعجز والضعف وانه إن لم يعنه الله ويثبته ويوفقه فهو هالك والفرق بين مشهد هذا ومشهد الجبرية ظاهر السادس مشهد التوحيد وهو الذي يشهد فيه إنفراد الله عز وجل بالخلق والابداع ونفوذ المشيئة وان الخلق اعجز من ان يعصوه بغير مشيئته والفرق بين هذا المشهد وبين المشهد الخامس ان صاحبه شاهد لكمال فقره وضعفه وحاجته وهذا شاهد لتفرد الله بالخلق والابداع وأنه لا حول ولا قوة الا به السابع مشهد الحكمة وهو ان يشهد حكمة الله عز وجل في قضائه وتخليته بين العبد والذنب ولله في ذلك حكم تعجز العقول عن الاحاطة بها وذكرنا منها في ذلك الكتاب قريبا من اربعين حكمة وقد تقدم في اول هذا الكتاب التنبيه على بعضها الثامن مشهد الاسماء والصفات وهو ان يشهد ارتباط الخلق والامر والقضاء والقدر بأسمائه تعالى وصفاته وان ذلك موجبها ومقتضاها فأسماؤه الحسنى اقتضت ما اقتضته من التخلية بين العبد وبين الذنب فإنه الغفار التواب العفو الحليم وهذه اسماء تطلب آثارها وموجباتها ولا بد فلو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم وهذا المشهد والذي قبله اجل هذه المشاهد واشرفها وارفعها قدرا(1\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "284",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14740",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهما لخواص الخليفة فتأمل بعد ما بينهما وبين المشهد الاول وهذان المشهدان يطرحان العبد على باب المحبة ويفتحان له من المعارف والعلوم امورا لا يعبر عنها وهذا باب عظيم من ابواب المعرفة قل من استفتحه من الناس وهو شهود الحكمة البالغة في قضاء السيئات وتقدير المعاصي وإنما استفتح الناس باب الحكم في الاوامر والنواهي وخاضوا فيها واتوا بما وصلت اليه علومهم واستفتحوا ايضا بابها في المخلوقات كما قدمناه وأتوا فيه بما وصلت اليه قواهم واما هذا الباب فكما رأيت كلامهم فيه فقل ان ترى لاحدهم فيه ما يشفى او يلموكيف يطلع على حكمة هذا الباب من عنده ان اعمال العباد ليست مخلوقة لله ولا داخلة تحت مشيئته اصلا وكيف يتطلب لها حكمة او يثبتها ام كيف يطلع عليها من يقول هي خلق الله ولكن افعاله غير معللة بالحكم ولا يدخلها لام تعليل اصلا وإن جاء شيء من ذلك صرف الى لام العاقبة لا الى لام العلة والغاية فأما إذا جاءت الباء في افعاله صرفت الى باء المصاحبة لا الى باء السببية وإذا كان المتكلمون عند الناس هم هؤلاء الطائفتان فإنهم لا يرون الحق خارجا عنهما ثم كثير من الفضلاء يتحير إذا رأى بعض اقوالهم الفاسدة ولا يدرى أين يذهب ولما عربت كتب الفلاسفة صار كثير من الناس إذا رأى اقوال المتكلمين الضعيفة وقد قالوا إن هذا هو الذي جاء به الرسول قطع القنطرة وعدي الى ذلك البر وكل ذلك من الجهل القبيح والظن الفاسد ان الحق لا يخرج عن اقوالهم فما اكثر خروج الحق عن اقوالهم وما اكثر ما يذهبون في المسائل التي هي حق وصواب الى خلاف الصواب والمقصود ان المتكلمين لو اجمعوا على شيء لم يكن اجماعهم حجة عند احد من العلماء فكيف إذا اختلفوا والمقصود ان مشاهدة حكمة الله في اقضيته واقداره التي يجربها على عباده باختياراتهم وإراداتهم هي من الطف ما تكلم فيه الناس وأدقه واغمضه وفي ذلك حكم لا يعلمها إلا الحكيم العليم سبحانه ونحن نشير الى بعضها فمنها أنه سبحانه يحب التوابين حتى انه من محبته لهم يفرح بتوبة احدهم اعظم من فرح الواحد براحلته التي عليها طعامه وشرابه في الارض الدوية المهلكة إذا فقدها وايس منها وليس في أنواع الفرح أكمل ولا اعظم من هذا الفرح كما سنوضح ذلك ونزيده تقريرا عن قريب إن شاء الله ولولا المحبة التامة للتوبة ولأهلها لم يحصل هذا الفرح ومن المعلوم ان وجود المسبب بدون سببه ممتنع وهل يوجد ملزوم بدون لازمه او غاية بدون وسيلتها وهذا معنى قول بعض العارفين ولو لم تكن التوبة احب الاشياء اليه لما ابتلى بالذنب اكرم المخلوقات عليه فالتوبة هي غاية كمال كل آدمي وإنما كان كمال ابيهم بها فكم بين حالة وقد قيل له إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى وبين قوله ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى فالحال الاولى حال أكل وشرب(1\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "285",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14741",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتمتع والحال الاخرى حال اجتباء واصطفاء وهداية فيما بعد ما بينهما ولما كان كماله بالتوبة كان كمال بنيه ايضا بها كما قال تعالى ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات فكمال الادمي في هذه الدار بالتوبة النصوح وفي الاخرة بالنجاة من النار ودخول الجنة وهذا الكمال مرتب على كماله الاول والمقصود انه سبحانه لمحبته التوبة وفرحة بها يقتضي على عبده بالذنب ثم إن كان ممن سبقت له الحسنى قضى له بالتوبة وإن كان ممن غلبت عليه شقاوته اقام عليه حجة عدله وعاقبة بذنبه فصل ومنها انه سبحانه يجب ان يتفضل عليهم ويتم عليهم نعمه ويريهم مواقع بره وكرمه فلمحبته الافضال والانعام ينوعه عليهم اعظم الانواع واكثرها في سائر الوجوه الظاهرة والباطنة ومن اعظم انواع الاحسان والبر ان يحسن الى من اساء ويعفو عمن ظلم ويغفر لم اذنب ويتوب على من تاب اليه ويقبل عذر من اعتذر اليه وقدندب عباده الى هذه الشيم الفاضلة والافعال الحميدة وهو أولى بها منهم واحق وكان له في تقدير اسبابها من الحكم والعواقب الحميدة ما يبهر العقول فسبحانه وبحمده وحكى بعض العارفين انه قال طفت في ليلة مطيرة شديدة الظلمة وقد خلا الطواف وطابت نفسي فوقفت عند الملتزم ودعوت الله فقلت اللهم اعصمني حتى لا اعصيك فهتف بي هاتف انت تسألني العصمة وكل عبادي يسألوني العصمة فإذا عصمتهم فعلى من اتفضل ولمن اغفر قال فبقيت ليلتي الى الصباح استغفر الله حياء منه هذا ولو شاء الله عز وجل ان لا يعصي في الارض طرفة عين لم يعص ولكن اقتضت مشيئيه ما هوموجب حكمته سبحانه فمن اجهل بالله ممن يقول انه يعصي قسرا بغير اختياره وميشيئته سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا فصل ومنها انه سبحانه له الاسماء الحسنى ولكل اسم من اسمائه اثر من الاثار في الخلق والامر لا بد من ترتبه عليه كترتب المرزوق والرزق على الرازق وترتب المرحوم وأسباب الرحمة على الراحم وترتب المرئيات والمسموعات على السميع والبصير ونظائر ذلك في جميع الاسماء فلو لم يكن في عباده من يخطيء ويذنب ليتوب عليه ويغفر له ويعفو عنه لم يظهر اثر اسمائه الغفور والعفو والحليم والتواب وما جرى مجراها وظهور اثر هذه الاسماء ومتعلقاتها في الخليقة كظهور آثار سائر الاسماء الحسنى ومتعلقاتها فكما ان اسمه الخالق يقتضي مخلوقا والبارئ يقتضي مبروا والمصوريقتضي مصورا ولا بد فأسماؤه الغفار التواب تقتضي مغفورا له ما يغفره له وكذلك من يتوب(1\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "286",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14742",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه وامورا يتوب عليه من اجلها ومن يحكم عنه ويعفو عنه وما يكون متعلق الحلم والعفو فإن هذه الامور متعلقة بالغير ومعانيها مستلزمة لمتعلقاتها وهذا باب اوسع من ان يدرك واللبيب يكتفي منه باليسير وغليظ الحجاب في واد ونحن في واد وان كان اثل الواد يجمع بيننا ... فغير خفي شيجه من خزامه فتأمل ظهور هذين الاسمين اسم الرزاق واسم الغفار في الخليقة ترى وما يعجب العقول وتأمل آثارهما حق التأمل في اعظم مجامع الخليقة وانظر كيف وسعهم رزقه ومغفرته ولولا ذلك لما كان له من قيام اصلا فلكل منهم نصيب من الرزق والمغفرة فإما متصلا بنشاته الثانية إما مختصا بهذه النشأة فصل ومنه انه سبحانه يعرف عباده عزه في قضائه وقدره ونفوذ مشيئته وجريان حكمته وأنه لا محيص للعبد عما قضاه عليه ولا مفر له منه بل هو في قبضة مالكه وسيده وأنه عبده وابن عبده وابن امته ناصيته بيده ماض فيه حكمه عدل فيه قضاؤه فصل ومنها انه يعرف العبد حاجته إلى حفظه له ومعونته وصيانته وانه كالوليد الطفل في حاجته الى من يحفظه ويصونه فإن لم يحفظه مولاه الحق ويصونه ويعينه فهو هالك ولا بد وقد مدت الشياطين ايديها اليه من كل جان بتريد تمزيق حاله كله إفاسد شأنه كله وإن مولاه وسيده إن وكله الى نفسه وكله الى ضيعة وعجز وذنب وخطيئة وتفريط فهلاكه أدنى اليه من شراك نعله فقد أجمع العلماء بالله على ان التوفيق ان لا يكل الله العبد الى نفسه واجمعوا على ان الخذلان ان يخلى بينه وبين نفسه فصل ومنها انه سبحانه يستجلب من عبده بذلك ما هو من اعظم أسباب السعادة له من استعاذته واستعانته به من شر نفسه وكيد عدوه ومن انواع الدعاء والتضرع والابتهال والانابة والفاقة والمحبة والرجاء والخوف وانواع من كمالات العبد تبلغ نحو المائة ومنها مالا تدركه العبارة وإنما يدرك بوجوده فيحصل للروح بذلك قرب خاص لم يكن يحصل بدون هذه الاسباب ويجد العبد من نفسه كأنه ملقى على باب مولاه بعد ان كان نائيا عنه وهذا الذي أثمر له ان الله يحب التوابين وهو ثمرة لله افرح بتوبة عبده واسرار هذا الوجه يضيق عنها(1\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "287",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14743",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القلب واللسان وعسى ان يجيئك في القسم الثاني من الكتاب ما تقر به عينك ان شاء الله تعالى فكم بين عبادة يدل صاحبها على ربه بعبادته شامخ بأنفه كلما طلب منه اوصافالعبد قامت صور تلك الاعمال في نفسه فحجبته عن معبوده والهه وبين عبادة من قد كسر الذل قلبه كل الكسر واحرق ما فيه من الرعونات والحماقات والخيالات فهو لا يرى نفسه إلا مسيئا كما لا يرى ربه إلا محسنا فهو لايرضى ان يرى نفسه طرفة عين قد كسر ازدراؤه على نفسه قلبه وذلل لسانه وجوارحه وطأطأ منه ما ارتفع من غيره فقلبه واقف بين يدي ربه وقوف ناكس الراس خاشع خاضع غاض البصر خاشع الصوت هادئ الحركات قد سجد بين يديه سجدة الى الممات فلو لم يكن من ثمرة ذلك القضاء والقدر إلا هذا وحده لكفى به حكمة والله المستعان فصل ومنها انه سبحانه يستخرج بذلك من عبده تمام عبوديته فإن تمام العبودية هو بتكميل مقام الذل والانقياد واكمل الخلق عبودية اكملهم ذلا لله وانقيادا وطاعة والعبد ذليل لمولاه الحق بكل وجه من وجوه الذل فهو ذليل لعزه وذليل لقهره وذليل لربوبيته فيه وتصرفه وذليل لاحسانه اليه وانعامه عليه فإن من احسن اليك فقد استعبدك وصار قبلك معبدا له وذليلا تعبد له لحاجته اليه على مدى الانفاس في جلب كل ما ينفعه ودفع كل ما يضره وهنا نوعان من انواع التذلل والتعبد لهما اثر عجيب يقتضيان من صاحبهما من الطاعة والفوز مالا يقتضيه غيرهما احدهما ذل المحبة وهذا نوع آخر غير ما تقدم وهو خاصة المحبة ولبها بل روحها وقوامها وحقيقتها وهو المراد على الحقيقة من العبد لو فطن وهذا يستخرج من قلب المحب من انواع التقرب والتودد والتملق والايثار والرضا والحمد والشكر والصبر والتندم وتحمل العظائم مالا يستخرجه الخوف وحده ولا الرجاء وحده كما قال بعض الصحابة إنه ليستخرج محبته من قلبي من طاعته مالا يستخرجه خوفه او كما قال فهذا ذل المحبين الثاني ذل المعصية فإذا انضاف هذا الى هذا هناك فنيت الرسوم وتلاشت الانفس واضمحلت القوى وبطلت الدعاوى جملة وذهبت الرعونات وطاحت الشطحانات ومحيي من القلب واللسان انا وانا واستراح المسكين من شكاوى الصدود والاعراض والهجر وتحرد الشهودان فلم يبق الاشهود العز والجلال الشهود المحض الذي تفرد به ذو الجلال والاكرام الذي لا يشاركه احد من خلقه في ذرة من ذراته وشهود الذل والفقر المحض من جميع الوجوه بكل اعتبار فيشهد غاية ذله وانكساره وعزة محبوبه وجلاله وعظمته وقدرته وغتاه فإذا تجرد له هذان الشهودان ولم يبق ذرة من ذرات الذل والفقر والضرورة الى ربه الا شاهدها فيه بالفعل وقد شهد مقابلها هناك فلله أي مقام اقيم فيه هذا القلب إذ ذاك وأي قرب حظي به وأي نعيم ادركه واي روح باشره فتأمل الان موقع الكسرة التي حصلت له بالمعصية في هذا(1\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "288",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14744",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الموطن ما اعجبها وما اعظم موقعها كيف جاءت فمحقت من نفسه الدعاوي والرعونات وانواع الاماني الباطلة ثم اوجبت له الحياء والخجل من صالح ما عمل ثم اوجبت له استكثار قليل ما يرد عليه من ربه لعلمه بأن قدره اصغر من ذلك وأنه لا يستحقه واستقلال أمثال الجبال من عمله الصالح بأن سيئاته وذنوبه تحتاج من المكفرات والماحيات الى أعظم من هذا فهو لا يزال محسنا وعند نفسه المسيء المذنب متكسرا ذللا خاضعا لا يرتفع له رأس ولا ينقام له صدر وإنما ساقه إلى هذا الذل والذي اورثه إياه مباشرة الذائب فأي شيء انفع له من هذا الدواء لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الاجسام بالعلل ونكتة هذا الوجه ان العبد متى شهد صلاحه واستقامته شمخ بانفه وتعاظمت نفسه وظن انه وأنه أي عظيما فإذا ابتلى بالذنب تصاغرت اليه نفسه وذل وخضع وتيقن انه وأنه أي عبدا ذليلا فصل ومنها ان العبد يعرف حقيقة نفسه وأنها الظالمة وان ما صدر منها من شر فقد صدر من اهله ومعدنه إذ الجهل والظلم منبع الشر كله وان كل ما فيها من خير وعلم وهدى وإنابة وتقوى فهو من ربها تعالى هو الذي زكاها به وأعطاها إياه لا منها فإذا لم يشأ تزكية العبد تركه مع دواعي ظلمه وجهله فهو تعالى الذي يزكى من يشاء من النفوس فتزكو وتأتي بأنواع الخير والبر ويترك تزكية من يشاء منها فتأتي بأنواع الشر والخبث وكان من دعاء النبي اللهم آت نفسي تقوها وزكها انت خير من زكاها انت وليها ومولاها فإذا ابتلى الله العبد بالذنب عرف نفسه ونقصها فرتب له على ذلك التعريف حكم ومصالح عديدة منها انه يانف من نقصها ويجتهد في كمالها ومنها أنه يعلم فقرها دائما إلى من يتولاها ويحفظها ومنها انه يستريح ويريح العباد من الرعونات والحماقات التي ادعاها اهل الجهل في انفسهم من قدم او اتصال بالقديم او اتحاد به او حلول فيه اوغير ذلك من المحالات فلولا ان هؤلاء غاب عنهم شهودهم لنقص انفسهم وحقيقتها لم يقعوا فيما وقعوا فيه فصل ومنها تعريفه سبحانه عبده سعة حلمه وكرمه في ستره عليه وأنه لو شاء لعاجله على الذنب ولهتكه بين عباده فلم يطب له معهم عيش ابدا ولكن جلله بستره غشاه بحلمه وقيض له من يحفظه وهو في حالته تلك بل كان شاهدا وهو يبارزه بالمعاصي والاثام وهو مع ذلك يحرسه بعينه التي لاتنام وقد جاء في بعض الاثار يقول الله تعالى انا الجواد الكريم من اعظم مني جودا وكرما عبادي يبارزونني(1\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "289",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14745",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالعظائم وأنا أكلوهم في منازلهم فأي حلم اعظم من هذا الحلم وأي كرم اوسع من هذا الكرم فلولا حلمه وكرمه ومغفرته لما استقرت السموات والارض في أماكنها وتأمل قوله تعالى ان الله يمسك السموات والارض ان تزولا ولئن زالتا إن امسكهما من احد من بعده الاية هذه الاية تقتضي الحلم والمغفرة فلولا حلمه ومغفرته لزالتا عن اماكنهما ومن هذا قوله تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا ان دعوا للرحمن ولدا فصل ومنها تعريفه عبده انه لا سبيل له إلى النجاة إلا بعفوه ومغفرته وانه رهين بحقه فإن لم يتغمده بعفوه ومغفرته وإلا فهو من الهالكين لا محالة فليس احد من خلقه إلا وهو محتاج الى عفوه ومغفرته كما هو محتاج الى فضله ورحمته فصل ومنها تعريفه عبده كرمه سبحانه في قبول توبته ومغفرته له على ظلمه واساءته فهو الذي جاد عليه بان وفقه للتوبة والهمه إياها ثم قبلها منه فتاب عليه اولا وآخرا فتوبة العبد محفوفة بتوبة قبلها عليه من الله إذنا وتوفيقا وتوبة ثانية منه عليه قبولا ورضا فله الفضل في التوبة والكرم اولا وآخرا لا إله إلا هو فصل ومنها إقامة حجة عدله على عبده ليعلم العبد ان لله عليه الحجة البالغة فإذا اصابه ما اصابه من المكروه فلا يقال من اين هذا ولا من اين اتيت ولا باي ذنب اصبت فما أصاب العبد من مصيبة قط دقيقة ولا جليلة الا بما كسبت يداه وما يعفو الله عنه اكثر ومانزل بلاء قط الا بذنب ولا رفع بلاء إلا بتوبة ولهذا وضع الله المصائب والبلايا والمحن رحمة بين عباده يكفر بها من خطاياهم فهي من اعظم نعمه عليهم وان كرهتها انفسهم ولا يدري العبد أي النعمتين عليه اعظم نعمته عليه فيما يكره او نعمته عليه فيما يحب وما يصيب المؤمن من هم ولا وصب ولا اذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه وإذا كان للذنوب عقوبات ولا بد فكلما عوقب به العبد من ذلك قبل الموت خير له مما بعده وايسر وأسهل بكثير فصل ومنها ان يعامل العبد بني جنسه في إسائتهم اليه وزلاتهم معه بما يحب ان يعامله الله به في اساءته وزلاته وذنوبه فإن الجزاء من جنس العمل فمن عفا عفى الله عنه ومن سامح اخاه في إساءته اليه سامحه الله في سيئاته ومن أغضي وتجاوز تجاوز الله عنه ومن استقصى استقصى عليه(1\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "290",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14746",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا تنس حال الذي قبضت الملائكة روحه فقيل له هل عملت خيرا هل عملت حسنة قال ما اعلمه قيل تذكر قال كنت ابايع الناس فكنت انظر الموسر واتجاوز عن المعسر او قال كنت امر فتياني ان يتجاوزوا في السكة فقال الله نحن احق بذلك منك وتجاوز الله عنه فالله عز وجل يعامل العبد في ذنوبه بمثل ما يعامل به العبد الناس في ذنوبهم فإذا عرف العبد ذلك كان في ابتلائه بالذنوب من الحكم والفوائد ما هو انفع الاشياء له فصل ومنها انه إذا عرف هذا فاحسن الى من اساء اليه ولم يقابله بإساءته إساءة مثلها تعرض بذلك لمثلها من ربه تعالى وأنه سبحانه يقال اساءته وذنوبه باحسانه كما كان هو يقابل بذلك اساءة الخلق اليه والله اوسع فضلا وأكرم واجزل عطاء فمن احب ان يقابل الله إساءته بالاحسان فليقابل هو إساءة الناس اليه بالاحسان ومن علم ان الذنوب والاساءة لازمة للانسان لم تعظم عنده اساءة الناس اليه فليتأمل هو حاله مع الله كيف هي مع فرط احسانه اليه وحاجته هو الى ربه وهو هكذا له فإذا كان العبد هكذا لربه فكيف ينكران يكون الناس له بتلك المنزلة ومنها انه يقيم معاذير الخلائق وتتسع رحمته لهم ويتفرج بطانه ويزول عنه ذلك الحصر والضيق والانحراف واكل بعضه بعضا ويستريح العصاة من دعائه عليهم وقنوطه منهم وسؤال الله ان يخسف بهم الارض ويسلط عليهم البلاء فإنه حينئذ يرى نفسه واحدا منهم فهو يسأل الله لهم ما يسأله لنفسه وإذا دعا لنفسه بالتوبة والمغفرة ادخلهم معه فيرجو لهم فوق ما يرجو لنفسه ويخاف على نفسه اكثر مما يخاف عليهم فأين هذا منحاله الاولى وهو ناظر اليهم بعين الاحتقار والازدراء لا يجد في قلبه رحمة لهم ولا دعوة ولا يرجو لهم نجاة فالذنب في حق مثل هذا من اعظم اسباب رحمته مع هذا فيقيم امر الله فيهم طاعة لله ورحمة بهم وإحسانا اليهم إذ هوعين مصالحتهم لا غلظة ولا قوة ولا فظاظة فصل ومنها ان يخلع صولة الطاعة من قلبه وينزع عنه رداء الكبر والعظمة الذي ليس له ويلبس ردءا الذل والانكسار والفقر والفاقة فلو دامت تلك الصولة والعزة في قلبه لخيف عليه ما هو من اعظم الافات كما في الحديث لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو اشد من ذلك العجب او كما قال فكم بين آثار العجب والكبر وصولة الطاعة وبين آثار الذل والانكسار كما قيل يا آدم لا تجزع من كأس زلل كانت سبب كيسك فقد استخرج منك داء العجب والبست رداء العبودية يا آدم لا تجزع من قولي لك اخرج منها(1\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "291",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14747",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلك خلقتها ولكن انزل الى دار المجاهدة وابذر بذر العبودية فإذا كمل الزرع واستحصد فتعال فاستوفه لا يوحشنك ذاك العتب ان له لطفا يريك الرضا في حالة الغضب فبينما هو لابس ثوب الاذلال الذي لا يليق بمثله تداركه ربه برحمته فنزعه عنه والبسه ثوب الذل الذل لا يليق بالعبد غيره فما لبس العبد ثوبا اكمل عليه ولا احسن ولا ابهى من ثوب العبودية وهوثوب المذلة الذي لا عزله بغيره فصل ومنها ان لله عز وجل على القلوب انواعا من العبودية من الخشية والخوف والاشفاق وتوابعها من المحبة والانابة وابتغاء الوسيلة اليه وتوابعها وهذه العبوديات لها اسباب تهيجها وتبعث عليها فكلما قيضه الرب تعالى لعبده من الاسباب الباعثة على ذلك المهيجة له فهو من اسباب رحمته له ورب ذنب قد هاج لصاحبه من الخوف والاشفاق والوجل ولانابة والمحبة والايثار والفرار الى الله مالا يهيجه له كثير من الطاعات وكم من ذنب كان سببا لاستقامة العبد وفراره الى الله وبعده عن طرق الغي وهو بمنزلة من خلط فأحس بسوء مزاجه وكان عنده اخلاط مزمنة قاتلة وهو لا يشعر بها فشرب دواء ازال تلك الاخلاط العفنة التي لو دامت لترامت به الى الفساد والعطب وان من تبلغ رحمته ولطفه وبره بعبده هذا المبلغ وما هو اعجب والطف منه لحقيق بان يكون الحب كله له والطاعات كلها له وان يذكر فلا ينسى ويطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر فصل ومنها انه يعرف العبد مقدار نعمة معافاته وفضله في توفيقه له وحفظه إياه فإنه من تربى في العافية لا يعلم ما يقاسيه المبتلى ولا يعرف مقدار النعمة فلو عرف اهل طاعة الله انهم هم المنعم عليهم في الحقيقة وان الله عليهم من الشكر اضعاف ما على غيرهم وان تسودوا التراب ومضغوا الحصى فهم اهل النعمة المطلقة وان من خلى الله بينه وبين معاصيه فقد سقط من عينه وهان عليه وان ذلك ليس من كرامته على ربه وان وسع الله عليه في الدنيا ومد له من اسبابها فإنهم اهل الابتلاء على الحقيقة فإذا طالبت العبد نفسه بما تطالبه من الحظوظ والاقسام وأرته انه في بلية وضائقة تداركه الله برحمته وابتلاه ببعض الذنوب فرأى ما كان فيه من المعافاة والنعمة وأنه لا نسبة لما كان فيه من النعم الى ما طلبته نفسه من الحظوظ فحينئذ يكون اكثر أمانيه وآماله العود الى حالة وان يمنعه الله بعافيته(1\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "292",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14748",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومنها ان التوبة توجب للتائب آثارا عجيبة من المقامات التي لا تحصل بدونها فتوجب له من المحبة والرقة واللطف وشكر الله وحمده والرضا عنه عبوديات أخر فإنه إذا تاب الى الله تقبل الله توبته فرتب له على ذلك القبول انواعا من النعم لا يهتدي العبد لتفاصيلها بل يزال يتقلب في بركتها وآثارها مالم ينقضها ويفسدها فصل ومنها ان الله سبحانه يحبه ويفرح بتوبته اعظم فرح وقد تقرر ان الجزاء من جنس العمل فلا ينسى الفرحة التي يظفر بها عند التوبة النصوح وتامل كيف تجدالقلب يرقص فرحا وأنت لا تدري بسبب ذلك الفرح ما هو وهذا امر لا يحس به الا حيي القلب وأما ميت القلب فإنما يجد الفرح عند ظفره بالذنب ولا يعرف فرحا غيره فوازن إذا بين هذين الفرحين وانظر ما يعقبه فرح الظفر بالذنب من انواع الاحزان والهموم والغموم والمصائب فمن يشتري فرحة ساعة بغم الابدو انظر ما يعقبه فرح الظفر بالطاعة والتوبة النصوح من الانشراح الدائم والنعيم وطيب العيش ووازن بين هذا وهذا ثم اختر ما يليق بك ويبسابك وكل يعمل على شاكلته وكل امرئ يصبو الى ما يناسبه فصل ومنها انه إذا شهد ذنوبه ومعاصيه وتفريطه في حق ربه استكثر القليل من نعم ربه عليه ولا قليل منه لعلمه ان الواصل اليه فيها كثير على مسيء مثله واستقل الكثير من عمله لعلمه بان الذي ينبغي ان يغسل به نجاسته واوضاره واوساخه اضعاف ما اتي به فهو دائما مستقل لعلمه كائنا ما كان مستكثر لنعمة الله عليه وإن دقت وقدتقدم التنبيه على هذا الوجه وهو من الطف الوجوه فعليك بمراعاته فله تأثير عجيب ولو لم يكن في فوائدالذنب إلا هذا لكفى به فأين حال هذا من حال من لا يرى لله عليه نعمة إلا ويرى انه كان ينبغي ان يعطي ما هو فوقها وأجل منها وانه لايقدر ان يتكلم وكيف يعاند القدر وهو مظلوم مع الرب لا ينصفه ولا يعطيه مرتبته بل هو مغرى بمعاندته لفضله وكماله وانه كان ينبغي له ان ينال الثريا ويطأ بأخمصه هنالك ولكنه مظلوم مبخوس الحظ وهذا الضرب من ابغض الخلق الى الله وأشدهم مقتا عنده وحكمة الله تقتضي انهم لا يزالون في سفال فهم بين عتب على الخالق وشكوى له وذل لخلقه وحاجة اليهم وخدمة لهم اشغل الناس قلوبا بارباب الولايات والمناصب ينتظرون ما يقذفون به اليهم من عظامهم وغسالة ايديهم واوانيهم وأفرغ الناس قلوبا عن معاملة الله والانقطاع اليه والتلذذ بمناجاته والطمأنينة بذكره وقرة العين بخشيته والرضاء به فعياذا بالله من زوال نعمته وتحول عافيته(1\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "293",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14749",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفجأة نقمته ومن جميع سخطه فصل ومنها ان الذنب يوجب لصاحبه التقيظ والتحرز من مصائد عدوه ومكامنه ومن اين يدخل عليه اللصوص والقطاع ومكامنهم ومن اين يخرجون عليه وفي أي وقت يخرجون فهو قد استعد لهم وتأهب وعرف بماذا يستدفع شرهم وكيدهم فلو انه مر عليهم على غرة وطمأنينه لم يأمن ان يظفروا به ويجتاحوه جملة فصل ومنها ان القلب يكون ذاهلا عن عدوه معرضا عنه مشتغلا ببعض مهماته فإذا اصابه سهم من عدوه استجمعت له قوته وحاسته وحميته وطلب بثاره إن كان قلبه حرا كريما كالرجل الشجاع إذا جرح فإنه لا يقوم له شيء بل تراه بعدها هائجا طالبا مقداما والقلب الجبان المهين إذا جرح كالرجل الضعيف المهين إذا جرح ولى هاربا والجراحات في اكتافه وكذلك الاسد إذا جرح فإنه لا يطاق فلا خير فيمن لا مروءة له يطلب اخذ ثاره من اعدى عدوه فما شيء اشفى للقلب من اخذه بثاره من عدوه ولاعدو اعدى له من الشيطان فإن كان قلبه من قلوب الرجال المتسابقين في حلبة المجد جد في اخذ الثأر وغاظ عدوه كل الغيظ واضناه كما جاء عن بعض السلف ان المؤمن لينضى شيطانه كما ينضى احدكم بعيره في سفره فصل ومنها ان مثل هذا يصير كالطبيب ينتفع به المرضى في علاجهم ودوائهم والطبيب الذي عرف المرض مباشرة وعرف دواءه وعلاجه احذق واخبر من الطبيب الذي إنما عرفه وصفا هذا في أمراض الابدان وكذلك في أمراض القلوب وأدوائها وهذا معنى قول بعض الصوفية اعرف الناس بالافات اكثرهم آفات وقال عمر بن الخطاب إنما تنقض عرى الاسلام عروة عروة إذا نشأ فيالاسلام من لا يعرف الجاهلية ولهذا كان الصحابة اعرف الامة بالاسلام وتفاصيله وابوابه وطرقه وأشد الناس رغبة فيه ومحبة له وجهادا لاعدائه وتكلما بأعلامه بالامة وتحذيرا من خلافه لكمال علمهم بضده فجاءهم الإسلام وكل خصلة منه مضادة لكل خصلة مما كانوا عليه فازدادوا له معرفة وحبا وفيه جهادا بمعرفتهم بضده وذلك بمنزلة من كان في حصر شديد وضيق ومرض وفقر وخوف ووحشة فقيض الله له من نقله منه الى فضاء وسعة وأمن وعافية وغنى وبهجة وسرور فإنه يزداد سروره وغبطته ومحبته بما نقل اليه بحسب معرفته بما كان فيه وليس حال هذا كمن ولد في الارمن والعافية والغنى والسرور فإنه لم يشعر بغيره وربما قيضت له اسباب تخرجه عن(1\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "294",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14750",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك الى ضده وهو لا يشعر وربما ظن ان كثيرا من اسباب الهلاك والعطب تفضي به الى السلامة والامن والعافية فيكون هلاكه على يدي نفسه وهو لا يشعر وما اكثر هذا الضرب من الناس فإذا عرف الضدين وعلم مباينة الطرفين وعرف اسباب الهلاك على التفصيل كان احرى ان تدوم له النعمة مالم يؤثر اسباب زوالها على علم وفي مثل هذا قال القائل عرفت الشر لا للشر لكن لتقوقيه ... ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه وهذه حال المؤمن يكون فطنا حاذقا اعرف الناس بالشر وأبعدهم منه فإذا تكلم في الشر واسبابه ظننته من شر الناس فإذا خالطته وعرفت طويته رأيته من ابر الناس والمقصود ان من بلى بالافات صار من اعرف الناس بطرقها وامكنه ان يسدها على نفسه وعلى من استنصحه من الناس ومن لم يستنصحه فصل ومنها انه سبحانه يذيق عبده الم الحجاب عنه والعبد وزوال ذلك الانس والقرب ليمتحن عبده فإن اقام على الرضا بهذه الحال ولم يجد نفسه تطالبه حالها الاول مع الله بل اطمأنت وسكنت الى غيره علم انه لا يصلح فوضعه في مرتبته التي تليق به وإن استغاث استغاثة الملهوف وتقلق تقلق المركوب ودعا دعاء المضطر وعلم انه قد فاتته حياته حقا فهو يهتف بربه ان يردعليه حياته ويعيد عليه مالا حياة له بدونه علم انه موضع لما اهل له فرد عليه احوج ما هو اليه فعظمت به فرحته وكملت به لذته وتمت به نعمته واتصل به سروره وعلم حينئذ مقداره فعض عليه بالنواجذ وثنى عليه الخناصر وكان حاله كحال ذلك الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الارض المهلكة إذا وجدها بعد معاينة الهلاك فما اعظم موقع ذلك الوجدان عنده ولله اسرار وحكم ومنبهات وتعريفات لا تنالها عقول البشر فقل لغليظ القلب ويحك ليس ذا ... بعشك فادرج طالبا عشك البالي ولا تك ممن مد باعا الى جنا ... فقصر عنه قال ذا ليس بالحالي فالعبد إذا بلى بعد الانس بالوحشة وبعد القرب بنار البعاد اشتاقت نفسه الى لذة تلك المعاملة فحنت وانت وتصدعت وتعرضت لنفحات من ليس لها منه عوض ابدا ولا سيما إذا تذكرت بره ولطفه وحنانه وقربه فإن هذه الذكرى تمنعها القرار وتهيج منها البلابل كما قال القائل وقد فاته طواف الوادع فركب الاخطار ورجع اليه ولما تذكرت المنازل بالحمى ... ولم يقض لي تسليمة المتزود تيقنت ان العيش ليس بنافعي ... إذا انا لم انظر اليها بموعد وان استمر اعراضها ولم تحن الى معهدها الاول ولم تحس بفاقتها الشديدة وضرورتها(1\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "295",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14751",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الى مراجعة قربها من ربها فهي ممن إذا غاب لم يطلب وإذا ابق لم يسترجع وإذا جنى لم يتعتب وهذه هي النفوس التي لم تؤهل لما هنالك وبحسب المعترض هذا الحرمان فإنه يكفيه وذلك ذنب عقابه فيه فصل ومنها ان الحكمة الالهية اقتضت تركيب الشهوة والغضب في الانسان وهاتان القوتان فيه بمنزلة صفاته الذاتية لا ينفك عنهماوبهما وقعت المحنة والابتلاء وعرض لنيل الدرجات العلى واللحاق بالرفيق الاعلى والهبوط الى اسفل سافلين فهاتان القوتان لا يدعان العبد حتى ينيلانه منازل الابرار او يضعانه تحت اقدام الأشرار ولن يجعل الله من شهوته مصروفة الى ما اعد له في دار النعيم وغضبه حمية لله ولكتابه ولرسوله ولدينه كمن جعل شهوته مصروفة في هواه وامانيه العاجلة وغضبه مقصور على حظه ولو انتهكت محارم الله وحدوده وعطلت شرائعه وسننه بعد ان يكون هو ملحوظا بعين الاحترام والتعظيم والتوقير ونفوذ الكلمة وهذه حال اكثر الرؤساء اعاذنا الله منها فلن يجعله الله هذين الصنفين في دار واحدة فهذا صعد بشهوته وغضبه الى اعلى عليين وهذا هوى بهما الى أسفل سافلين والمقصود ان تركيب الانسان على هذا الوجه هوغاية الحكمة ولا بد ان يقتضي كل واحد من القوتين اثره فلا بد من وقوع الذنب والمخالفات والمعاصي فلا بد من ترتب آثار هاتين القوتين عليهما ولو لم يخلقا في الانسان لم يكن انسانا بل كان ملكا فالترتب من موجبات الانسانية كما قال النبي كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون فأما من اكتنفته العصمة وضربت عليه سرادقات الحفظ فهم اقل افراد النوع الانساني وهم خلاصته ولبه فصل ومنها ان الله سبحانه إذا أراد بعبده خيرا انساه رؤية طاعاته ورفعها من قلبه ولسانه فإذا ابتلى بالذنب جعله نصب عينيه ونسى طاعاته وجعل همه كله بذنبه فلا يزال ذنبه امامه ان قام او قعد او غدا او راح فيكون هذا عين الرحمة في حقه كما قال بعض السلف ان العبد ليعمل الذنب فيدخل به الجنة ويعمل الحسنة فيدخل بها النارقالوا وكيف ذلك قال يعمل الخطيئة فلاتزال نصب عينيه كلما ذكرها بكى وندم وتاب واستغفر وتضرع وأناب الى الله وذل له وانكسر وعمل لها اعمالا فتكون سبب الرحمة في حقه ويعمل الحسنة فلاتزال نصب عينيه يمن بها ويراها ويعتد بها على ربه وعلى الخلق ويتكبر بها ويتعجب من الناس كيف لا يعظمونه ويكرمونه ويجلونه عليها فلا تزال هذه الامور به حتى(1\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "296",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14752",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تقوى عليه آثارها فتدخله النار فعلامة السعادة ان تكون حسنات العبد خلف ظهره وسيئاته نصب عينيه وعلامة الشقاوة ان يجعل حسناته نصب عينيه وسيئاته خلف ظهره والله المستعان فصل ومنها ان شهود العبد ذنوبه وخطاياه موجب له ان لا يرى لنفسه على احد فضلا ولا له على احد حقا فإنه يشهد عيوب نفسه وذنوبه فلا يظن انه خير من مسلم يؤمن بالله ورسوله ويحرم ما حرم الله ورسوله وإذا شهد ذلك من نفسه لم يرلها على الناس حقوقا من الاكرم يتقاضاهم اياها ويذمهم على ترك القيام بها فإنها عنده اخس قدرا واقل قيمة من ان يكون له بها على عباد الله حقوق يجب عليهم مراعاتها اوله عليهم فضل يستحق ان يكرم ويعظم ويقدم لاجلها فيرى ان من سلم عليه او لقيه بوجه منبسط فقد احسن اليه وبذل له مالا يستحقه فاستراح هذا في نفسه وأراح الناس من شكايته وغضبه على الوجود واهله فما اطيب عيشه وما انعم باله وما اقرعينه واين هذا ممن لا يزال عاتبا على الخلق شاكيا ترك قيامهم بحقه ساخطا عليهم وهم عليه اسخط فصل ومنها انه ويوجب له الامساك عن عيوب الناس والفكر فيها فإنه في شغل بعيب نفسه فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس وويل لمن نسي عيبه وتفرغ لعيوب الناس هذا من علامة الشقاوة كما ان الاول من امارات السعادة ومنها انه إذا وقع في الذنب شهد نفسه مثل اخوانه الخطائين وشهد ان المصيبة واحدة والجميع مشتركون في الحاجة بل في الضورروة الى مغفرة الله وعفوه ورحمته فكما يحب ان يستغفر له اخوه المسلم كذلك هو ايضا ينبغي ان يستغفر لاخيه المسلم فيصير هجيراه رب اغفر لي ولوالدي وللمسلمين والمسلمات وللمؤمنين والمؤمنات وقد كان بعض السلف يستحب لكل احد ان يداوم على هذا الدعاء كل يوم سبعين مرة فيجعل له منه وردا لا يخل به وسمعت شيخنا يذكره وذكر فيه فضلا عظيما لا احفظه وربما كان من جملة اوراده التي لا يخل بها وسمعته يقول ان جعله بين السجدتين جائز فإذا شهدالعبد ان اخوانه مصابون بمثل ما اصيب به محتاجون الى ما هو محتاج اليه لم يمتنع من مساعدتهم الا لفرط جهل بمغفرة الله وفضله وحقيق بهذا ان لا يساعد فإن الجزاء من جنس العمل وقد قال بعض السلف إن الله لما عتب على الملائكة بسبب قولهم أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء وامتحن هاروت وماروت بما امتحنهما به جعلت الملائكة بعد ذلك تستغفر لبني آدم وتدعوالله لهم(1\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "297",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14753",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل ومنها انه إذا شهدنفسه مع ربه مسيئا خاطئا مفرطا مع فرط إحسان الله اليه في كل طرفة عين وبره به ودفعه عنه وشدة حاجته الى ربه وعدم استغنائه عنه نفسا واحدا وهذه حاله معه فكيف يطمع ان يكون الناس معه كما يحب وان يعاملوه بمحض الاحسان وهو لم يعامل ربه بتلك المعاملة وكيف يطمع ان يطيعه مملوكه وولده وزوجته في كل ما يريد ولا يعصونه لا يخلون بحقوقه وهو مع ربه ليس كذلك وهذا يوجب له ان يستغفر لمسيئهم ويعفو عنه ويسامحه ويغضي عن الاستقصاء في طلب حقه فهذه الاثمار ونحوها متى اجتناها العبد من الذنب فهي علامة كونه رحمة في حقه ومن اجتنى منه اضدادها واوجبت له خلاف ما ذكرناه فهي والله علامة الشقاوة وأنه من هوانه على الله وسقوطه من عينه خلى بينه وبين معاصيه ليقيم عليه حجة عدله فيعاقبه باستحقاقه وتتداعى السيئات في حق مثل هذا وتتألف فيتولد من الذنب الواحد ما شاء الله من المتالف والمعاطب التي يهوى بها في دركات العذاب والمصيبة كل المصيبة الذنب الذي يتولد من الذنب ثم يتولد من الاثنين ثالث ثم تقوى الثلاثة فتوجب رابعا وهلم جرا ومن لم يكن له فقه نفس في هذا الباب هلك من حيث لا يشعر فالحسنات والسيئات آخذ بعضها برقاب بعض يتلو بعضها بعضا ويثمر بعضها بعض قال بعض السلف إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها وإن من عقاب السيئة السيئة بعدها وهذا اظهر عند الناس من ان تضرب له الامثال وتطلب له الشواهد والله المستعان فصل وإذا تأملت حكمته سبحانه فيما ابتلى به عباده وصفوته بما ساقهم به الى اجل الغايات وأكمل النهايات التي لم يكونوايعبرون اليها إلا على جسر من الابتلاء والامتحان وكان ذلك الجسر لكماله كالجسر الذي لا سبيل الى عبورهم الى الجنة إلا عليه وكان ذلك الابتلاء ولامتحان عين المنهج في حقهم والكرامة فصورته صورة ابتلاء وامتحان وباطنه فيه الرحمة والنعمة فكم لله من نعمة جسيمة ومنه عظيمة تجنى من قطوف الابتلاء والامتحان فتأمل حال ابينا آدم وما آلت اليه محنته من الاصطفاء والاجتباء والتوبة والهداية ورفعة المنزلة ولولا تلك المحنة التي جرت عليه وهي إخراجه من الجنة وتوابع ذلك لما وصل الى ما وصل اليه فكم بين حالته الاولى وحالته الثانية في نهايته وتأمل حال ابينا الثاني نوح وما آلت اليه محنته وصبره على قومه تلك القرون كلها حتى اقر الله عينه واغرق اهل الارض بدعوته وجعل العالم بعده من ذريته وجعله خامس خمسة وهم اولو العزم الذين هم افضل الرسل وأمر رسوله ونبيه محمدا ان يصبر كصبره واثنى عليه بالشكر فقال إنه كان عبدا(1\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "298",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14754",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شكورا فوصفه بكمال الصبر والشكر ثم تأمل حال ابينا الثالث إبراهيم إمام الحنفاء وشيخ الانبياء وعمود العالم وخليل رب العالمين من بني آدم وتأمل ما آلت اليه محنته وصبره وبذله نفسه لله وتأمل كيف آل به بذله لله نفسه ونصره دينه الى ان اتخذه الله خليلا لنفسه وامر رسوله وخليله محمدا ان يتبع ملته وأنبهك على خصلة واحدة مما اكرمه الله به في محنته بذبح ولده فإن الله تبارك وتعالى جازاه على تسليمه ولده لأمر الله بان بارك في نسله وكثرة حتى ملأ السهل والجبل فإن الله تبارك وتعالى لا يتكرم عليه احد وهو اكرم الاكرمين فمن ترك لوجهه امرا او فعله لوجهه بذل الله له اضعاف ما تركه من ذلك الامر اضعافا مضاعفة وجازاه باضعاف ما فعله لاجله اضعافا مضاعفة فلما أمر إبراهيم بذبح ولده فبادر لامر الله ووافق عليه الولد أباه رضاء منهما وتسليما وعلم الله منهما الصدق والوفاء فداه بذبح عظيم واعطاهما ما اعطاهما من فضله وكان من بعض عطاياه ان بارك في ذريتهما حتى ملؤا الارض فإن المقصود بالولد إنما هو التناسل وتكثير الذرية ولهذا قال إبراهيم رب هب لي من الصالحين وقال رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي فغاية ما كان يحذر ويخشى من ذبح ولده انقطاع نسله فلما بذل ولده لله وبذل الولد نفسه ضاعف الله له النسل وبارك فيه وكثر حتى ملؤا الدنيا وجعل النبوة والكتاب في ذريته خاصة وأخرج منهم محمدا وقد ذكر ان داود عليه السلام اراد ان يعلم عدد بني إسرائيل فأمر بإحضارهم وبعث لذلك نقباء وعرفاء وامرهم ان يرفعوا اليه ما بلغ عددهم فمكثوا مدة لا يقدرون على ذلك فأوحى الله إلى داود ان قد علمت اني وعدت أباك إبراهيم لما أمرته بذبح ولده فبادر الى طاعة امري ان أبارك له في ذريته حتى يصيروا في عدد النجوم واجعلهم بحيث لا يحصى عددهم وقد اردت ان يحصى عددا قدرت انه لا يحصى وذكر باقي الحديث فجعل من نسله هاتين الامتين العظيمتين اللتين لا يحصى عددهم الا الله خالقهم ورازقهم وهم بنو إسرائيل وبنو إسمايعل هذا سوى ما أكرمه الله به من رفع الذكر والثناء الجميل على السنة جميع الامم وفي السموات بين الملائكة فهذا من بعض ثمرة معاملته فتبا لمن عرفه ثم عامل غيره ما اخسر صفقته وما اعظم حسرته فصل ثم تأمل حال الكليم موسى عليه السلام وما آلت اليه محنته وفتونه من اول ولادته الى منتهى امره حتى كلمه الله تكليما وقربه منه وكتب له التوراة بيده ورفعه الى اعلى السموات واحتمل له مالا يحتمل لغيره فإنه رمى الالواح على الارض حتى تكسرت اخذ بلحية نبي الله هارون وجره اليه ولطم وجه ملك الموت ففقأ عينه وخاصم ربه ليلة الاسراء في شأن(1\/300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "299",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14755",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله وربه يحبه على ذلك كله ولا سقط شيء منه من عينه ولا سقطت منزلته عنده بل هو الوجيه عند الله القريب ولولا ماتقدم له من السوابق وتحمل الشدائد والمحن العظام في الله ومقاسات الامر الشديد بين فرعون وقومه ثم بنى إسرائيل وما آذوه به وما صبر عليهم لله لم يكن ذلك ثم تأمل حال المسيح وصبره على قومه واحتماله في الله وما تحمله منهم حتى رفعه الله إليه وطهره من الذين كفروا وانتقم من اعدائه وقطعهم في الارض ومزقهم كل ممزق وسلبهم ملكهم وفخرهم الى آخر الدهر فصل فإذا جئت الى النبي وتأملت سيرته مع قومه وصبره في الله واحتماله مالم يحتمله نبي قبله وتلون الاحوال عليه من سلم وخوف وغني وفقر وأمن وإقامة في وطنه وظعن عنه وتركه لله وقتل احبابه واوليائه بين يديه واذى الكفار له بسائر انواع الاذى من القول والفعل والسحر والكذب والافتراء عليه والبهتان وهو مع ذلك كله صابر على امر الله يدعو الى الله فلم يؤذ نبي ما أوذي ولم يحتمل في الله ما احتمله ولم يعط نبي ما اعطيه فرفع الله له ذكره وقرن اسمعه باسمه وجعله سيدالناس كلهم وجعله اقرب الخلق اليه وسيلة واعظمهم عنده جاها واسمعهم عنده شفاعة وكانت تلك المحن والابتلاء عين كرامته وهي مما زاده الله بها شرفا وفضلا وساقه بها الى أعلا المقامات وهذا حال ورثته من بعده الامثل فالأمثل كل له نصيب من المحنة يسوقه الله به إلى كماله بحسب متابعته له ومن لا نصيب له من ذلك فحظه من الدنيا حظ من خلق لها وخلقت له وجعل خلاقه ونصيبه فيها فهو يأكل منها رغدا ويتمتع فيها حتى يناله نصيبه من الكتاب يمتحن اولياء الله وهو في دعة وخفض عيش ويخافون وهو آمن ويحزنون وهو في اهله مسرور له شأن ولهم شأن وهو في واد وهم في واد همه ما يقيم به جاهه ويسلم به ماله وتسمع به كلمته لزم من ذلك ما لزم ورضى من رضى وسخط من سخط وهمهم إقامة دين الله وإعلاء كلمته وإعزاز اوليائه وان تكون الدعوة له وحده فيكون هو وحده المعبود لا غيره ورسوله المطاع لا سواه فلله سبحانه من الحكم في ابتلائه انبياءه ورسله وعباده المؤمنين ما تتقاصر عقول العالمين عن معرفته وهل وصل من وصل الى المقامات المحمودة والنهايات الفاضلة إلا على جسر المحنة والابتلاء كذا المعالي إذا ما رمت ندركها ... فاعبر اليها على جسر من التعب والحمد لله وحده وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما ابدا الى يوم الدين ورضى الله عن اصحاب رسول الله اجمعين فصل وإذا تأملت الحكمة الباهرة في هذا الدين القويم والملة الحنيفية والشريعة المحمدية التي لا(1\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "300",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14756",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تنال العبارة كمالها ولا يدرك الوصف حسنها ولا تقترح عقول العقلاء ولو اجتمعت وكانت على اكمل عقل رجل منهم فوقها وحسب العقول الكاملة الفاضلة ان ادركت حسنها وشهدت بفضلها وانه ما طرق العالم شريعة اكمل ولا اجل ولا اعظم منها فهي نفسها الشاهد والمشهود له والحجة والمحتج له والدعوى والبرهان ولو لم يأت الرسول ببرهان عليها لكفى بها برهانا وآية وشاهدا على انها من عند الله وكلها شاهدة له بكمال العلم وكمال الحكمة وسعة الرحمة والبر والاحسان والاحاطة بالغيب والشهادة والعلم بالمباديء والعواقب وأنها من اعظم نعم الله التي انعم بها على عباده فما انعم عليهم بنعمة اجل من ان هداهم لها وجعلهم من اهلها وممن ارتضاهم لها فلهذا امتن على عباده بان هداهم لها قال تعالى لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وقال معرفا لعباده ومذكرا لهم عظيم نعمته عليهم مستدعيا منهم شكره على ان جعلهم من اهلها اليوم اكملت لكم دينكم الاية وتأمل كيف وصف الدين الذي اختاره لهم بالكمال والنعمة التي اسبغها عليهم بالتمام إيذانا في الدين بأنه لا نقص فيه ولا عيب ولا خلل ولا شيء خارجا عن الحكمة بوجه بل هو الكامل في حسنه وجلالته ووصف النعمة بالتمام إيذانا بدوامها واتصالها وأنه لا يسلبهم إياها بعد إذ أعطاهموها بل يتمها لهم بالدوام في هذه الدار وفي دار القرار وتأمل حسن اقتران التمام بالنعمة وحسن اقتران الكمال بالدين وإضافة الدين اليهم إذ هم القائمون به المقيمون له وأضاف النعمة اليه إذ هو وليها ومسديها والمنعم بها عليهم فهي نعمته حقا وهم قابلوها واتى في الكمال باللام المؤذنة بالاختصاص وأنه شيء خصوا به دون الامم وفي إتمام النعمة بعلى المؤذنة بالاستعلاء والاشتمال والاحاطة فجاء اتممت في مقابلة أكملت وعليكم في مقابلة لكم ونعمتي في مقابلة دينكم واكد ذلك وزاده تقريرا وكمالا وإتماما للنعمة بقوله ورضيت لكم الإسلام دينا وكان بعض السلف الصالح يقول ياله من دين لو ان له رجالا وقد ذكرنا فصلا مختصرا في دلالة خلقه على وحدانيته وصفات كماله ونعوت جلاله وأسمائه الحسنى واردنا ان نختم به القسم الاول من الكتاب ثم راينا ان نتبعه فصلا في دلالة دينه وشرعه على وحدانيته وعلمه وحكمته ورحمته وسائر صفات كماله إذ هذا من أشرف العلوم التي يكتسبها العبد في هذه الدار ويدخل بها الى الدار الاخرة وقد كان الاولى بنا الامساك عن ذلك لان ما يصفه الواصفون منه وتنتهي اليه علومهم هو كما يدخل الرجل اصبعه في اليم ثم ينزعها فهو يصف البحر بما يعلق على إصبعه من البلل وأين ذلك من البحر فيظن السامع ان تلك الصفة احاطت بالبحر وإنما هي صفة ما علق بالاصبع منه وإلا فالأمر اجل وأعظم وأوسع من ان تحيط عقول البشر بأدنى جزء منه وماذا عسى(1\/302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "301",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14757",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ان يصف به الناظر الى قرص الشمس من ضوئها وقدرها وحسنها وعجائب صنع الله فيها ولكن قد رضى الله من عباده بالثناء عليه وذكر آلائه وأسمائه وصفاته وحكمته وجلاله مع انه لايحصى ثناء عليه ابدا بل هو كما اثنى على نفسه فلا يبلغ مخلوق ثناء عليه تبارك وتعالى ولا وصف كتابه ودينه بما ينبغي له بل لا يبلغ احد من الامة ثناء على رسوله كما هو اهل ان يثني عليه بل هو فوق ما يثنون به عليه ومع هذا ان الله تعالى يحب ان يحمد ويثني عليه وعلى كتابه ودينه ورسوله فهذه مقدمة اعتذار بين يدي القصور والتقصير من راكب هذا البحر الاعظم والله عليم بمقاصد العباد دنياهم وهو اولى بالعذر والتجاوز فصل وبصائر الناس في هذا النور الباهر تنقسم الى ثلاثة اقسام احدها من عدم بصيرة الايمان جملة فهو لا يرى من هذا الصنف الا الظلمات والرعد والبرق فهو يجعل اصبعيه في اذنه من الصواعق ويده على عينه من البرق خشية ان يخطف بصره ولا يجاوز نظره ما وراء ذلك من الرحمة واسباب الحياة الابدية فهذا القسم هو الذي لم يرفع بهذا الدين رأسا ولم يقبل هدى الله الذي هدى به عباده ولو جاءته كل آية لانه ممن سبقت له الشقاوة وحقت عليه الكلمة ففائدة إنذار هذا إقامة الحجة عليه ليعذب بذنبه لا بمجرد علم الله فيه القسم الثاني اصحاب البصيرة الضعيفة الخفاشية الذين نسبة ابصارهم الى هذا النور كنسبة ابصار الخفاش الى جرم الشمس فهم تبع لابائهم واسلافهم دينهم دين العادة والمنشأ وهم الذين قال فيهم امير المؤمنين على بن ابي طالب او منقادا للحق لا بصيره له في إصابة فهؤلاء إذا كانوا منقادين لاهل البصائر لا يتخالجهم شك ولا ريب فهم على سبيل نجاة القسم الثالث وهو خلاصة الوجود ولباب بني آدم وهم اولو البصائر النافذة الذين شهدت بصائرهم هذا النور المبين فكانوا منه على بصيرة ويقين ومشاهدة لحسنه وكماله بحيث لو عرض على عقولهم ضده لراوه كالليل البهم الاسود وهذا هو المحك والفرقان بينهم وبين الذين قبلهم فإن اولئك بحسب داعيهم ومن يقرن بهم كما قال فيهم علي بن ابي طالب اتباع كل ناعق يميلون مع كل صائح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا الى ركن وثيق هذا علامة من عدم البصيرة فإنك تراه يستحسن الشيء وضده ويمدح الشيء ويذمه بعينه إذا جاء في قالب لا يعرفه فيعظم طاعة الرسول ويرى عظيما مخالفته ثم هو من اشد الناس مخالفة له ونفيا لما اثبته ومعاداة للقائمين بسنته وهذا من عدم البصيرة فهذا القسم الثالث إنما عملهم على البصائر وبها تفاوت مراتبهم في درجات الفضل كما قال بعض السلف وقد ذكر السابقين فقال إنما كانوا يعملون على البصائر وما اوتي احد افضل من بصيرة في دين الله ولو قصر في العمل قال تعالى واذكر عبادنا إبراهيم وإسماعيل(1\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "302",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14758",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإسحق ويعقوب اولي الايدي والابصار قال ابن عباس اولي القوة في طاعة الله والابصار في المعرفة في امر الله وقال قتادة ومجاهد اعطوا قوة في العبادة وبصرا في الدين واعلم الناس ابصرهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان مقصرا في العمل وتحت كل من هذه الاقسام انواع لا يحصى مقادير تفاوتها إلا الله إذا عرف هذا فالقسم الاول لا ينتفع بهذا الباب ولا يزداد به الا ضلالة والقسم الثاني ينتفع منه بقدر فهمه واستعداده والقسم الثالث واليهم هذا الحديث يساق وهم اولو الالباب الذين يخصهم الله في كتابه بخطاب التنبيه والارشاد وهم المرادون على الحقيقة بالتذكرة قال تعالى وما يتذكر لا اولو الالباب فصل قد شهدت الفطر والعقول بأن للعالم ربا قادرا حليما عليما رحيما كاملا في ذاته وصفاته لا يكون إلا مريدا للخير لعباده مجريا لهم على الشريعة والسنة الفاضلة العائدة باستصلاحهم الموافقة لما ركب في عقولهم من استحسان الحسن واستقباح القبيح وما جبل طباعهم عليه من إيثار النافع لهم المصلح لشأنهم وترك الضار المفسد لهم وشهدت هذه الشريعة له بأنه احكم الحاكمين وأرحم الراحمين وانه المحيط بكل شيء علما وإذا عرف ذلك فليس من الحكمة الالهية بل ولا الحكمة في ملوك العالم انهم يسوون بين من هو تحت تدبيرهم في تعريفهم كلما يعرفه الملوك وإعلامهم جميع ما يعلمونه واطلاعهم على كل ما يجرون عليه سياساتهم في انفسهم وفي منازلهم حتى لا يقيمو في بلد فيها إلا اخبروا من تحت ايديهم بالسبب في ذلك والمعنى الذي قصدوه منه ولا يأمرون رعيتهم بأمر ولا يضربون عليهم بعثا ولا يسوسونهم سياسة إلا اخبروهم بوجه ذلك وسببه وغايته ومدته بل لا تتصرف بهم الاحوال في مطاعمهم وملابسهم ومراكبهم إلا اوقفوهم على أغراضهم فيه ولا شك ان هذا مناف للحكمة والمصلحة بين المخلوقين فكيف بشأن رب العالمين واحكم الحاكمين الذي لا يشاركه في علمه ولا حكمته احد ابدا فحسب العقول الكاملة ان تستدل بما عرفت من حكمته على ما غاب عنها وتعلم ان له حكمة في كل ما خلقه وأمر به وشرعه وهل تقتضي الحكمة ان يخبر الله تعالى كل عبد من عباده بكل ما يفعله ويوقفهم على وجه تدبيره في كل ما يريده وعلى حكمته في صغير ما ذرأ وبرأ من خليقته وهل في قوى المخلوقات ذلك بل طوى سبحانه كثيرا من صنعه وأمره عن جميع خلقه فلم يطلع على ذلك ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا والمدبر الحكيم من البشر إذا ثبتت حكمته وابتغاؤه الصلاح لمن تحت تدبيره وسياسته كفا في ذلك تتبع مقاصده فيمن يولي ويعزل وفي جنس ما يأمر به وينهي عنه وفي تدبيره لرعيته(1\/304)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "303",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14759",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسياسته لهم دون تفاصيل كل فعل من افعاله اللهم إلا ان يبلغ الامر في ذلك مبلغا لا يوجد لفعله منفذ ومساغ في المصلحة اصلا فحينئذ يخرج بذلك عن استحاق اسم الحكيم ولن يجد احد في خلق الله ولا في أمره ولا واحدا من هذا الضرب بل غاية ما تخرجه نفس المتعنت امور يعجز العقل عن معرفة وجوهها وحكمتها وأما ان ينفى ذلك عنها فمعاذ الله إلا ان يكون ما اخرجه كذب على الخلق الامر فلم يخلق الله ذلك ولا شرعة وإذا عرف هذا فقد علم ان رب العالمين احكم الحاكمين والعالم بكل شيء والغني عن كل شيء والقادر على كل شيء ومن هذا شأنه لم تخرج أفعاله وأوامره قط عن الحكمة والرحمة والمصلحة وما يخفى على العباد من معاني حكمته في صنعه وابداعه وامره وشرعه فيكفيهم فيه معرفته بالوجه العام ان تضمنته حكمة بالغة وإن لم يعرفوا تفصيلها وأن ذلك من علم الغيب الذي استأثر الله به فيكفيهم في ذلك الاسناد إلى الحكمة البالغة العامة الشاملة التي علموا ما خفي منها بما ظهر لهم هذا وأن الله تعالى بني امور عباده على ان عرفهم معاني جلائل خلقه وأمره دون دقائقهما وتفاصيلهما وهذا مطرد في الاشياء اوصولها وفروعها فأنت إذا رايت الرجلين مثلا أحدهما اكثر شعرا من الاخر أو اشد بياضا او احد ذهنا لامكنك ان تعرف من جهة السبب الذي اجرى الله عليه سنة الخلقية وجه اختصاص كل واحد منهما بما اختص به وهكذا في اختلاف الصور والاشكال ولكن لو اردت ان تعرف ماذا كان شعر هذا مثلا يزيد على شعر الاخر بعدد معين او المعنى الذي فضله به في القدر المخصوص والتشكيل المخصوص ومعرفة القدر الذي بينهما من التفاوت وسببه لما أمكن ذلك اصلا وقس على هذا جميع المخلوقات من الرمال والجبال والاشجار ومقادير الكواكب وهيآتها وإذا كان لا سبيل الى معرفة هذا في الخلق بل يكفي فيه العلة العامة والحكمة الشاملة فهكذا في الامر يعلم ان جميع ما امر به متضمن لحكمة بالغة واما تفاصيل اسرار المأمورات والمنهيات فلا سبيل الى علم البشرية ولكن يطلع الله من شاء من خلقه على ما شاء منه فاعتصم بهذا الاصل تم الجزء الاول من كتاب مفتاح دار السعادة ويليه الجزء الثاني واوله فصل حاجة الناس الى الشريعة ضرورية(1\/305)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "304",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14760",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل مفتاح دار السعادة  حاجة الناس إلى الشريعة ضرورية فوق حاجتهم إلى كل شيء ولا نسبة لحاجتهم إلى علم الطب إليها إلا ترى أن أكثر العالم يعيشون بغير طبيب ولا يكون الطبيب إلا في بعض المدن الجامعة وأما أهل البدو كلهم وأهل الكفور كلهم وعامة بني آدم فلا يحتاجون إلى طبيب وهم أصح أبدانا وأقوى طبيعة ممن هو متقيد بالطبيب ولعل أعمارهم متقاربة وقد فطر الله بني آدم على تناول ما ينفعهم واجتناب ما يضرهم وجعل لكل قوم عادة وعرفا في استخراج ما يهجم عليهم من الأدواء حتى أن كثيرا من أصول الطب إنما أخذت عن عوائد الناس وعرفهم وتجاربهم وأما الشريعة فمبناها على تعريف مواقع رضى الله وسخطه في حركات العباد الاختيارية فمبناها على الوحي المحض والحاجة إلى التنفس فضلا عن الطعام والشراب لأن غاية ما يقدر في عدم التنفس والطعام والشراب موت البدن وتعطل الروح عنه وأما ما يقدر عند عدم الشريعة ففساد الروح والقلب جملة وهلاك الأبدان وشتان بين هذا وهلاك البدن بالموت فليس الناس قط إلى شيء أحوج منهم إلى معرفة ما جاء به الرسول والقيام به والدعوة إليه والصبر عليه وجهاد من خرج عنه حتى يرجع إليه وليس للعالم صلاح بدون ذلك البتة ولا سبيل إلى الوصول إلى السعادة والفوز الأكبر إلا بالعبور على هذا الجسم فصل الشرائع كلها في أصولها وإن تباينت متفقة مركوز حسنها في العقول ولو وقعت على غير ما هي عليه لخرجت عن الحكمة والمصلحة والرحمة بل من المحال أن تأتي بخلاف ما أتت به ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن وكيف يجوز ذو العقل أن ترد شريعة أحكم الحاكمين بضد ما وردت به فالصلاة قد وضعت على أكمل الوجوه وأحسنها التي تعبد بها الخالق تبارك وتعالى عباده من تضمنها للتعظيم له بأنواع الجوارح من نطق اللسان وعمل اليدين والرجلين والرأس وحواسه وسائر أجزاء البدن كل يأخذ لحظه من الحكمة في هذه العبادة العظيمة المقدار مع أخذ الحواس الباطنة بحظها منها وقيام القلب بواجب عبوديته فيها فهي مشتملة على الثناء والحمد والتمجيد والتسبيح والتكبير وشهادة الحق والقيام بين يدي الرب مقام العبد الذليل الخاضع المدبر المربوب ثم التذلل له في هذا المقام والتضرع والتقرب إليه بكلامه ثم انحناء الظهر ذلا له وخشوعا واستكانة ثم استواؤه قائما ليستعد لخضوع أكمل له من الخضوع(2\/2)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "305",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14761",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأول وهو السجود من قيام فيضع أشرف شيء فيه وهو وجهه على التراب خشوعا لربه واستكانة وخضوعا لعظمته وذلا لعزته قد انكسر له قلبه وذل له جسمه وخشعت له جوارحه ثم يستوي قاعدا يتضرع له ويتذلل بين يديه ويسأله من فضله ثم يعود إلى حاله من الذل والخشوع والاستكانة فلا يزال هذا دأبه حتى يقضى صلاته فيجلس عند إرادة الانصراف منها مثنيا على ربه مسلما على نبيه وعلى عباده ثم يصلى على رسوله ثم يسأل ربه من خيره وبره وفضله فأي شيء بعد هذه العبادة من الحسن وأي كمال وراء هذا الكمال وأي عبودية أشرف من هذه العبودية فمن جوز عقله أن ترد الشريعة بضدها من كل وجه في القول والعمل وأنه لا فرق في نفس الأمر بين هذه العبادة وبين ضدها من السخرية والسب والبطر وكشف العورة والبول على الساقين والضحك والصفير وأنواع المجون وأمثال ذلك فليعز عقله وليسأل الله أن يهبه عقلا سواه وأما حسن الزكاة وما تضمنته من مواساة ذوي الحاجات والمسكنة والخلة من عباد الله الذين يعجزون عن إقامة نفوسهم ويخاف عليهم التلف إذا خلاهم الأغنياء وأنفسهم وما فيها من الرحمة والإحسان والبر والطهرة وإيثار أهل الإيثار والاتصاف بصفة الكرم والجود والفضل والخروج من سماة أهل الشح والبخل والدناءة فأمر لا يسريب عاقل في حسنه ومصلحته وأن الآمر به أحكم الحاكمين وليس يجوز في العقل ولا في الفطرة البتة أن ترد شريعة من الحكيم العليم بضد ذلك أبدا وأما الصوم فناهيك به من عبادة تكف النفس عن شهواتها وتخرجها عن شبه البهائم إلى شبه الملائكة المقربين فإن النفس إذا خليت ودواعي شهواتها التحقت بعالم البهائم فإذا كفت شهواتها لله ضيقت مجاري الشيطان وصارت قريبة من الله بترك عادتها وشهواتها محبة له وإيثارا لمرضاته وتقربا إليه فيدع الصائم أحب الأشياء إليه وأعظمها لصوقا بنفسه من الطعام والشراب والجماع من أجل ربه فهو عبادة ولا تتصور حقيقتها إلا بترك الشهوة لله فالصائم يندع طعامه وشرابه وشهواته من أجل ربه وهذا معنى كون الصوم له تبارك وتعالى وبهذا فسر النبي هذه الإضافة في الحديث فقال يقول الله تعالى كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشرة أمثالها قال الله إلا الصوم فأنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه من أجلى حتى أن الصائم ليتصور بصورة من لا حاجة له في الدنيا إلا في تحصيل رضى الله وأي حسن يزيد على حسن هذه العبادة التي تكسر الشهوة وتقمع النفس وتحي القلب وتفرحه وتزهد في الدنيا وشهواتها وترغب فيما عند الله وتذكر الأغنياء بشأن المساكين وأحوالهم وأنهم قد أخذوا بنصيب من عيشهم فتعطف قلوبهم عليهم ويعلمون ما هم فيه من نعم الله فيزدادوا له شكرا وبالجملة فعون الصوم على تقوى الله أمر مشهور فما استعان أحد على تقوى الله وحفظ حدوده(2\/3)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "306",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14762",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واجتناب محارمه بمثل الصوم فهو شاهد لمن شرعه وأمر به بأنه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأنه إنما شرعه إحسانا إلى عباده ورحمة بهم ولطفا بهم لا بخلا عليهم برزقه ولا مجرد تكليف وتعذيب خال من الحكمة والمصلحة بل هو غاية الحكمة والرحمة والمصلحة وإن شرع هذه العبادات لهم من تمام نعمته عليهم ورحمته بهم 0 وأما الحج فشأن آخر لا يدركه إلا الحنفاء الذين ضربوا في المحبة بسهم وشأنه أجل من أن تحيط به العبارة وهو خاصة هذا الدين الحنيف حتى قيل في قوله تعالى حنفاء لله غير مشركين أي حجاجا وجعل الله بيته الحرام قياما للناس فهو عمود العالم الذي عليه بناؤه فلو ترك الناس كلهم الحج سنة لخرت السماء على الأرض هكذا قال ترجمان القرآن ابن عباس فالبيت الحرام قيام العالم فلا يزال قياما ما زال هذا البيت محجوجا فالحج هو خاصة الحنيفة ومعونة الصلاة وسر قول العبد لا إله إلا الله فإنه مؤسس على التوحيد المحض والمحبة الخالصة وهو استزارة المحبوب لأحبابه ودعوتهم إلى بيته ومحل كرامته ولهذا إذا دخلوا في هذه العبادة فشعارهم لبيك اللهم لبيك إجابة محب لدعوة حبيبه ولهذا كان للتلبية موقع عند الله وكلما أكثر العبد منها كان أحب إلى ربه وأحظى فهو لا يملك نفسه أن يقول لبيك لبيك حتى ينقطع نفسه 0 وأما أسرار ما في هذه العبادة من الإحرام واجتناب العوائد وكشف الرأس ونزع الثياب المعتادة والطواف والوقوف بعرفة ورمى الجمار وسائر شعائر الحج فمما شهدت بحسنه العقول السليمة والفطر المستقيمة وعلمت بأن الذي شرع هذه لا حكمة فوق حكمته وسنعود أن شاء الله إلى الكلام في ذلك موضعه 0 وأما الجهاد فناهيك به من عبادة هي سنام العبادات وذروتها وهو المحك والدليل المفرق بين المحب والمدعى فالمحب قد بذل مهجته وماله لربه وإلهه متقربا إليه ببذل أعز ما بحضرته يود لو أن له بكل شعرة نفسا يبذلها في حبه ومرضاته ويود أن لو قتل فيه ثم أحي ثم قتل ثم أحي فهو يفدي ثم قتل بنفسه حبيبه وعبده ورسوله ولسان حاله يقول 0 يفديك بالنفس صب لو يكون له ... أعز من نفسه شيء فذاك به فهو قد سلم نفسه وماله لمشتريها وعلم أنه لا سبيل إلى أخذ السلعة إلا ببذل ثمنها إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وإذا كان من المعلوم المستقر عند الخلق أن علامة المحبة إلا له وكل محبة الصحيحة بذل الروح والمال في مرضات المحبوب فالمحبوب الحق الذي لا تنبغي المحبة إلا له وكل محبة سوى محبته فالمحبة له باطلة أولى بأن يشرع لعباده الجهاد الذي هو غاية ما يتقربون به إلى إلههم وربهم وكانت قرابين من قبلهم من الأمم في ذبائحهم وقرابينهم تقديم أنفسهم للذبح في الله مولاهم الحق فأي حسن يزيد على حسن هذه العبادة ولهذا ادخرها الله لأكمل الأنبياء وأكمل الأمم عقلا وتوحيدا ومحبة لله 0(2\/4)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "307",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14763",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما الضحايا والهدايا فقربان إلى الخالق سبحانه تقوم مقام الفدية عن النفس المستحقة للتلف فدية وعوضا وقربانا إلى الله وتشبها بإمام الحنفاء وإحياء لسنته أن فدى الله ولده بالقربان فجعل ذلك في ذريته باقيا أبدا وأما الإيمان والنذور فعقود يعقدها العبد على نفسه يؤكد بها ما ألزم به نفسه من الأمور بالله ولله فهي تعظيم للخالق ولأسمائه ولحقه وأن تكون العقود به وله وهذا غاية التعظيم فلا يعقد بغير اسمه ولا لغير القرب إليه بل أن حلف فباسمه تعظيما وتبجيلا وتوحيدا وإجلالا وأن نذر فله توحيدا وطاعة ومحبة وعبودية فيكون هو المعبود وحده والمستعان به وحده 0 وأما المطاعم والمشارب والملابس والمناكح فهي داخلة فيما يقيم الأبدان ويحفظها من الفساد والهلاك وفيما يعود ببقاء النوع الإنساني ليتم بذلك قوام الأجساد وحفظ النوع فيتحمل الأمانة التي عرضت على السموات والأرض ويقوى على حملها وأدائها ويتمكن من شكر مولى الأنعام ومسديه وفرق في هذه الأنواع بين المباح والمحظور والحسن والقبيح والضار والنافع والطيب والخبيث فحرم منها القبيح والخبيث والضار وأباح منها الحسن والطيب والنافع كما سيأتي إن شاء الله وتأمل ذلك في المناكح فإن من المستقر في العقول والفطر أن قضاء هذا الوطر في الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات والجدات مستقبح في كل عقل مستهجن في كل فطرة ومن المحال أن يكون المباح من ذلك مساويا للمحظور في نفس الأمر ولا فرق بينهما إلا مجرد التحكم بالمشيئة سبحانك هذا بهتان عظيم وكيف يكون في نفس الأمر نكاح الأم واستفراشها مساويا لنكاح الأجنبية واستفراشها وإنما فرق بينهما محض الآمر وكذلك من المحال أن يكون الدم والبول والرجيع مساويا للخبز والماء والفاكهة ونحوها وإنما الشارع فرق بينهما فأباح هذا وحرم هذا مع استواء الكل في نفس الأمر وكذلك أخذ المال بالبيع والهبة والوصية والميراث لا يكون مساويا لأخذه بالقهر والغلبة والغصب والسرقة والجناية حتى يكون إباحة هذا وتحريم هذا راجعا إلى محض الأمر والنهى المفرق بين المتماثلين وكذلك الظلم والكذب والزور والفواحش كالزنا واللواط وكشف العورة بين الملأ ونحو ذلك كيف يسوغ عقل عاقل أنه لا فرق قط في نفس الأمر بين ذلك وبين العدل والإحسان والعفة والصيانة وستر العورة وإنما الشارع يحكم بإيجاب هذا وتحريم هذا وهذا مما لو عرض على العقول السليمة التي لم تدخل ولم يمسها ميل للمثالات الفاسدة وتعظيم أهلها وحسن الظن بهم لكانت أشد إنكارا له وشهادة ببطلانه من كثير من الضروريات وهل ركب الله في فطرة عاقل قط أن الإحسان والإساءة والصدق والكذب والفجور والعفة والعدل والظلم وقتل النفوس وانجاءها بل السجود لله وللصنم سواء في نفس الأمر لا فرق بينهما وإنما(2\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "308",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14764",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الفرق بينهما الأمر المجرد وأي جحد للضروريات أعظم من هذا وهل هذا إلا بمنزلة من يقول أنه لا فرق بين الرجيع والبول والدم والقيء وبين الخبز واللحم والماء والفاكهة والكل سواء في نفس الأمر وإنما الفرق بالعوائد فأي فرق بين مدعى هذا الباطل وبين مدعى ذلك الباطل وهل هذا إلا بهت للعقل والحس والضرورة والشرع والحكمة وإذا كان لا معنى عندهم للمعروف إلا ما أمر به فصار معروفا بالأمر ولا للمنكر إلا ما نهى عنه فصار منكرا بنهيه فأي معنى لقوله يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر وهل حاصل ذلك زائد على أن يقال يأمرهم بما يأمرهم به وينهاهم عما ينهاهم عنه وهذا كلام ينزه عنه آحاد العقلاء فضلا عن كلام رب العالمين وهل دلت الآية إلا على أنه أمرهم بالمعروف الذي تعرفه العقول وتقر بحسنه الفطر فأمرهم بما هو معروف في نفسه عند كل عقل سليم ونهاهم عما هو منكر في الطباع والعقول بحيث إذا عرض على العقول السليمة أنكرته أشد الإنكار كما أن ما أمر به إذا عرض على العقل السليم قبله أعظم قبول وشهد بحسنه كما قال بعض الأعراب وقد سئل بم عرفت أنه رسول الله فقال ما أمر بشيء فقال العقل ليته ينهى عنه ولا نهى عن شيء فقال ليته أمر به فهذا الأعرابي أعرف بالله ودينه ورسوله من هؤلاء وقد اقر عقله وفطرته بحسن ما أمر به وقبح ما نهى عنه حتى كان في حقه من أعلام نبوته وشواهد رسالته ولو كان جهة كونه معروفا ومنكرا هو الأمر المجرد لم يكن فيه دليل بل كان يطلب له الدليل من غيره ومن سلك ذلك المسلك الباطل لم يمكنه أن يستدل على صحة نبوته بنفس دعوته ودينه ومعلوم أن نفس الدين الذي جاء به والملة التي دعا إليها من أعظم براهين صدقه وشواهد نبوته ومن لم يثبت لذلك صفات وجودية أوجبت حسنه وقبول العقول له ولضده صفات أوجبت قبحه ونفور العقل عنه فقد سد على نفسه باب الاستدلال بنفس الدعوة وجعلها مستدلا عليه فقط ومما يدل على صحة ذلك قوله تعالى ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث فهذا صريخ في أن الحلال كان طيبا قبل حله وأن الخبيث كان خبيثا قبل تحريمه ولم يستفد طيب هذا وخبث هذا من نفس الحل والتحريم لوجهين اثنين أحدهما أن هذا علم من أعلام نبوته التي احتج الله بها على أهل الكتاب فقال الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوارة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم فلو كان الطيب والخبيث إنما استفيد من التحريم والتحليل لم يكن في ذلك دليل فإنه بمنزلة أن يقال يحل لهم ما بحل ويحرم عليهم ما يحرم وهذا أيضا باطل فإنه لا فائدة فيه وهو الوجه الثاني فثبت أنه أحل ما هو طيب في نفسه قبل الحل فكساه بأحلاله طيبا آخر فصار منشأ طيبه من الوجهين معا فتأمل هذا الموضع حق(2\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "309",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14765",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التأمل يطلعك على أسرار الشريعة ويشرفك على محاسنها وكمالها وبهجتها وجلالها وأنه من الممتنع في حكمة أحكم الحاكمين أن ترد بخلاف ما وردت به وأن الله تعالى يتنزه عن ذلك كما يتنزه عن سائر مالا يليق به ومما يدل على ذلك قوله تعالى قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله مالا تعلمون وهذا دليل على أنها فواحش في نفسها لا تستحسنها العقول فتعلق التحريم بها لفحشها فإن ترتيب الحكم على الوصف المناسب المشتق يدل على أنه هو العلة المقتضية له وهذا دليل في جميع هذه الآيات التي ذكرناها فدل على أنه حرمها لكونها فواحش وحرم الخبيث لكونه خبيثا وأمر بالمعروف لكونه معروفا والعلة يجب أن تغاير المعلول فلو كان كونه فاحشة هو معنى كونه منهيا عنه وكونه خبيثا هو معنى كونه محرما كانت العلة عين المعلول وهذا محال فتأمله وكذا تحريم الإثم والبغي دليل على أن هذا وصف ثابت له قبل التحريم ومن هذا قوله تعالى ولا تقربوا الزنا أنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا فعلل النهي في الموضعين بكون المنهي عنه فاحشة ولو كان جهة كونه فاحشة هو النهي لكان تعليلا للشيء بنفسه ولكان بمنزلة أن يقال لا تقربوا الزنا فإنه يقول لكم لا تقربوه أو فإنه منهي عنه وهذا محال من وجهين أحدهما أنه يتضمن إخلاء الكلام من الفائدة والثاني أنه تعليل للنهي بالنهي ومن ذلك قوله تعالى ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين فأخبر تعالى أن ما قدمت أيديهم قبل البعثة سبب لإصابتهم بالمصيبة وأنه سبحانه لو أصابهم بما يستحقون من ذلك لاحتجوا عليه بأنه لم يرسل إليهم رسولا ولم ينزل عليهم كتابا فقطع هذه الحجة بإرسال الرسول وإنزال الكتاب لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وهذا صريح في أن أعمالهم قبل البعثة كانت قبيحة بحيث استحقوا أن يصيبوا بها المصيبة ولكنه سبحانه لا يعذب إلا بعد إرسال الرسل وهذا هو فصل الخطاب وتحقيق القول في هذا الأصل العظيم أن القبح ثابت للفعل في نفسه وأنه لا يعذب الله عليه إلا بعد إقامة الحجة بالرسالة وهذه النكتة هي التي فاتت المعتزلة والكلابية كليهما فاستطالت كل طائفة منهما على الأخرى لعدم جمعهما بين هذين الأمرين فاستطالت الكلابية على المعتزلة بإثباتهم العذاب قبل إرسال الرسل وترتيبهم العقاب على مجرد القبح العقلي وأحسنوا في رد ذلك عليهم واستطالت المعتزلة عليهم في إنكارهم الحسن والقبح العقليين جملة وجعلهم انتفاء العذاب قبل البعثة دليلا على انتفاء القبح واستواء الأفعال في أنفسها وأحسنوا في رد هذا عليهم فكل طائفة استطالت على الأخرى بسبب إنكارها الصواب وأما من سلك هذا المسلك الذي سلكناه فلا سبيل لواحدة من الطائفتين إلى رد(2\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "310",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14766",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله ولا الظفر عليه أصلا فانه موافق لكل طائفة على ما معها من الحق مقرر له مخالف في باطلها منكر له وليس مع النفاة قط دليل واحد صحيح على نفي الحسن والقبح العقليين وإن الأفعال المتضادة كلها في نفس الأمر سواء لا فرق بينها إلا بالأمر والنهي وكل أدلتهم على هذا باطلة كما سنذكرها ونذكر بطلانها إن شاء الله تعالى وليس مع المعتزلة دليل واحد صحيح قط يدل على إثبات العذاب على مجرد القبح العقلي قبل بعثة الرسل وأدلتهم على ذلك كلها باطلة كما سنذكرها ونذكر بطلانها إن شاء الله تعالى ومما يدل على ذلك أيضا أنه سبحانه يحتج على فساد مذهب من عبد غيره بالأدلة العقلية التي تقبلها الفطر والعقول ويجعل ما ركبه في العقول من حسن عبادة الخالق وحده وقبح عبادة غيره من أعظم الأدلة على ذلك وهذا في القرآن أكثر من أن يذكر ههنا ولولا أنه مستقر في العقول والفطر حسن عبادته وشكره وقبح عبادة غيره وترك شكره لما احتج عليهم بذلك أصلا وإنما كانت الحجة في مجرد الأمر وطريقة القرآن صريحة في هذا كقوله تعالى يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون فذكر سبحانه أمرهم بعبادته وذكر اسم الرب مضافا إليهم لمقتضى عبوديتهم لربهم ومالكهم ثم ذكر ضروب أنعامه عليهم بإيجادهم وإنما من قبلهم وجعل الأرض فراشا لهم يمكنهم الاستقرار عليها والبناء والسكنى وجعل السماء بناء وسقفا فذكر أرض العالم وسقفه ثم ذكر إنزال مادة أقواتهم ولباسهم وثمارهم منبها بهذا على استقرار حسن عبادة من هذا شأنه وتشكره الفطر والعقول وقبح الإشراك به وعبادة غيره ومن هذا قوله تعالى حاكيا عن صاحب ياسين أنه قال لقومه محتجا عليهم بما تقر به فطرهم وعقولهم ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون فتأمل هذا الخطاب كيف تجد تحته أشرف معنى وأجله وهو أن كونه سبحانه فاطرا لعباده يقتضي عبادتهم له وأن من كان مفطورا مخلوقا فحقيق به أن يعبد فاطره وخالقه ولا سيما إذا كان مرده إليه فمبدأه منه ومصيره إليه وهذا يوجب عليه التفرغ لعبادته ثم احتج عليهم بما تقر به عقولهم وفطرهم من قبح عبادة غيره وإنها أقبح شيء في العقل وأنكره فقال أأتخذ من دونه آلهة إن يردني الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون إني إذا لفي ضلال مبين أفلا تراه كيف لم يحتج عليهم بمجرد الأمر بل احتج عليهم بالعقل الصحيح ومقتضى الفطرة ومن هذا قوله تعالى يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وأن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدرهإن الله لقوي عزيز فضرب لهم(2\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "311",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14767",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبحانه مثلا من عقولهم يدلهم على قبح عبادتهم لغيره وإن هذا أمر مستقر قبحه وهجنته في كل عقل وإن لم يرد به الشرع وهل في العقل أنكر وأقبح من عبادة من لو اجتمعوا كلهم لم يخلقوا ذبابا واحدا وإن يسلبهم الذباب شيئا لم يقدروا على الانتصار منه واستنقاذ ما سلبهم إياه وترك عبادة الخلاق العليم القادر على كل شيء الذي ليس كمثله شيء أفلا تراه كيف احتج عليهم بما ركبه في العقول من حسن عبادته وحده وقبح عبادة غيره وقال تعالى ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا هذا مثل ضربه الله لمن عبده وحده فسلم له ولمن عبد من دونه آلهة فهم شركاء فيه متشاكسون عسرون فهل يستوى في العقول هذا وهذا وقد أكثر تعالى من هذه الأمثال ونوعها مستدلا بها على حسن شكره وعبادته وقبح عبادة غيره ولم يحتج عليهم بنفس الأمر بل بما ركبه في عقولهم من الإقرار بذلك وهذا كثير في القرآن فمن تتبعه وجده وقال تعالى وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا فذكر توحيده وذكر المناهي التي نهاهم عنها والأوامر التي أمرهم بها ثم ختم الآية بقوله كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها أي مخالفة هذه الأوامر وارتكاب هذه المناهي سيئة مكروهة لله فتأمل قوله سيئة عند ربك مكروها أي أنه سيء في نفس الأمر عند الله حتى لو لم يرد به تكليف لكان سيئه في نفسه عند الله مكروها له وكراهته سبحانه له لما هو عليه من الصفة التي اقتضت أن كرهه ولو كان قبحه إنما هو مجرد النهي لم يكن مكروها لله إذ لا معنى للكراهة عندهم إلا كونه منهيا عنه فيعود قوله كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها إلى معنى كل ذلك نهى عنه عند ربك ومعلوم إن هذا غير مراد من الآية وأيضا فإذا وقع ذلك منهم فهو عند النفاة للحسن والقبح محبوب لله مرضى له لأنه إنما وقع بإرادته والإرادة عندهم هي المحبة لا فرق بينهما والقرآن صريح في أن هذا كله قبيح عند الله مكروه مبغوض له وقع أو لم يقع وجعل سبحانه هذا البغض والقبح سببا للنهي عنه ولهذا جعله علة وحكمة للأمر فتأمله والعلة غير المعلول وقال تعالى لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط دل ذلك على أن في نفس الأمر قسطا وأن الله سبحانه أنزل كتابه وأنزل الميزان وهو العدل ليقوم الناس بالقسط أنزل الكتاب لأجله والميزان فعلم أن في نفس الأمر ما هو قسط وعدل وحسن ومخالفته قبيحة وأن الكتاب والميزان نزلا لأجله ومن ينفي الحسن والقبح يقول ليس في نفس الأمر ما هو عدل حسن وإنما صار قسطا وعدلا بالأمر فقط ونحن لا ننكر أن الأمر كساه حسنا وعدلا إلى حسنه وعدله في نفسه فهو في نفسه قسط حسن وكساه الأمر حسنا آخر يضاعف به كونه عدلا حسنا فصار ذلك ثابتا له من الوجهين جميعا ومن هذا قوله تعالى وذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا(2\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "312",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14768",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليها آباءنا والله امرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله مالا تعلمون فقوله قل إن الله لا يأمر بالفحشاء دليل على أنها في نفسها فحشاء وأن الله لا يأمر بما يكون كذلك وانه يتعالى ويتقدس عنه ولو كان كونه فاحشة إنما علم بالنهي خاصة كان بمنزلة أن يقال إن الله لا يأمر بما ينهى عنه وهذا كلام يصان عنه آحاد العقلاء فكيف بكلام رب العالمين ثم أكد سبحانه هذا الإنكار بقوله قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين فأخبر انه يتعالى عن الأمر بالفحشاء بل أوامره كلها حسنة في العقول مقبولة في الفطر فإنه أمر بالقسط لا بالجور وبإقامة الوجوه له عند مساجده لا لغيره وبدعوته وحده مخلصين له الدين لا بالشرك فهذا هو الذي يأمر به تعالى لا بالفحشاء أفلا تراه كيف يخبر بحسن ما يأمر به ويحسنه وينزه نفسه عن الأمر بضده وأنه لا يليق به تعالى ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا فاحتج سبحانه على حسن دين الإسلام وإنه لا شيء أحسن منه بأنه يتضمن إسلام الوجه لله وهو إخلاص القصد والتوجه والعمل له سبحانه والعبد مع ذلك محسن آت بكل حسن لا مرتكب للقبح الذي يكرهه الله بل هو مخلص لربه محسن في عبادته بما يحبه ويرضاه وهو مع ذلك متبع لملة إبراهيم في محبته لله وحده وإخلاص الدين له وبذل النفس والمال في مرضاته ومحبته وهذا احتجاج منه على أن دين الإسلام أحسن الأديان بما تضمنه مما تستحسنه العقول وتشهد به الفطر وأنه قد بلغ الغاية القصوى في درجات الحسن والكمال وهذا استدلال بغير الأمر المجرد بل هو دليل على أن ما كان كذلك فحقيق بأن يأمر به عباده ولا يرضى منهم سواه ومثل هذا قوله تعالى ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين فهذا احتجاج بما ركب في العقول والفطر لأنه لا قول للعبد أحسن من هذا القول وقال تعالى فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم مع كونه طيبات أحلت لهم فأي شيء أصرح من هذا حيث أخبر سبحانه بأنه حرمه عليهم مع كونه طيبا في نفسه فلولا أن طيبه أمر ثابت له بدون الأمر لم يكن ليجمع الطيب والتحريم وقد أخبر تعالى أنه حرم عليهم طيبات كانت حلالا عقوبة لهم فهذا تحريم عقوبة بخلاف التحريم على هذه الأمة فإنه تحريم صيانة وحماية ولا فرق عند النفاة بين الأمرين بل الكل سواء فإنه سبحانه أمر عباده بما أمرهم به رحمة منه وإحسانا وإنعاما عليهم لآن صلاحهم في معاشهم وأبدانهم وأحوالهم وفي معادهم ومآلهم إنما هو بفعل ما أمروا به وهو في ذلك بمنزلة الغذاء الذي لا قوام للبدن إلا به بل أعظم وليس مجرد تكليف وابتلاء كما يظنه كثير من الناس ونهاهم عما نهاهم عنه صيانة وحمية لهم إذ لا بقاء لصحتهم ولا حفظ لها إلا بهذه الحمية فلم يأمرهم حاجة منه إليهم وهو الغنى الحميد ولا حرم عليهم(2\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "313",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14769",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما حرم بخلا منه عليهم وهو الجواد الكريم بل أمره ونهيه عين حظهم وسعادتهم العاجلة والآجلة ومصدر أمره ونهيه رحمته الواسعة وبره وجوده وإحسانه وإنعامه فلا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وعلمه ووقوع أفعاله على وفق المصلحة والرحمة والحكمة وقال تعالى أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن بل آتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون فأخبر سبحانه أن الحق لو اتبع أهواء العباد فجاء شرع الله ودينه بأهوائهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ومعلوم أن عند النفاة يجوز أن يرد شرع الله ودينه بأهواء العباد وأنه لا فرق في نفس الأمر بين ما ورد به وبين ما تقتضيه أهواؤهم إلا مجرد الأمر وإنه لو ورد بأهوائهم جاز وكان تعبدا ودينا وهذه مخالفة صريحة للقرآن وإنه من المحال أن يتبع الحق أهوائهم وأن أهواءهم مشتملة على قبح عظيم لو ورد الشرع به لفسد العالم أعلاه وأسفله وما بين ذلك ومعلوم أن هذا الفساد إنما يكون لقبح خلاف ما شرعه الله وأمر به ومنافاته لصلاح العالم علويه وسفليه وإن خراب العالم وفساده لازم لحصوله ولشرعه وأن كمال حكمة الله وكمال علمه ورحمته وربو بيته يأبى ذلك ويمنع منه ومن يقول الجميع في نفس الأمر سواء يجوز ورود التعبد بكل شيء سواء كان من مقتضى أهوائهم أو خلافها 0 ومثل هذا قوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش أي لو كان في السموات والأرض آلهة تعبد غير الله لفسدتا وبطلتا ولم يقل أرباب بل قال آلهة والإله هو المعبود المألوه وهذا يدل على أنه من الممتنع المستحيل عقلا أن يشرع الله عبادة غيره أبدا وإنه لو كان معه معبود سواه لفسدت السماوات والأرض فقبح عبادة غيره قد استقر في الفطر والعقول وأن لم يرد النبي عنه شرع بل العقل يدل على أنه أقبح القبيح على الإطلاق وأنه من المحال أن يشرعه الله قط فصلاح العالم في أن يكون الله وحده هو المعبود وفساده وهلاكه في أن يعبد معه غيره ومحال أن يشرع لعباده ما فيه فساد العالم وهلاكه بل هو المنزه عن ذلك 0 فصل وقد أنكر تعالى على من نسب إلى حكمته التسوية بين المختلفين كالتسوية بين الأبرار والفجار فقال تعالى أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار وقال تعالى أم حسب الذين اجتر حوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون فدل على أن هذا حكم سيء قبيح ينزه الله عنه ولم ينكره سبحانه من جهة أنه أخبر بأنه لا يكون وإنما أنكره من جهة قبحه في نفسه وإنه حكم(2\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "314",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14770",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سيء يتعالى ويتنزه عنه لمنافاته لحكمته وغناه وكماله ووقوع أفعاله كلها على السداد والصواب والحكمة فلا يليق به أن يجعل البر كالفاجر ولا المحسن كالمسيء ولا المؤمن كالمفسد في الأرض فدل على أن هذا قبيح في نفسه تعالى الله عن فعله 0 ومن هذا أيضا إنكاره سبحانه على من جوز أن يترك عباده سدى فلا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يثيبهم ولا يعاقبهم وأن هذا الحسبان باطل والله متعال عنه لمنافاته لحكمته وكماله كما قال تعالى أيحسب الإنسان أن يترك سدى قال الشافعي رضى الله عنه أي مهملا لا يؤمر ولا ينهى وقال غيره لا يثاب ولا يعاقب والقولان واحد لأن الثواب والعقاب غاية الأمر والنهى فهو سبحانه خلقهم للأمر والنهى في الدنيا والثواب والعقاب في الآخرة فأنكر سبحانه على من زعم أنه يترك سدى إنكار من جعل في العقل استقباح ذلك واستهجانه وأنه لا يليق أن ينسب ذلك إلى احكم الحاكمين 0 ومثله وقوله تعالى أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم فنزه نفسه سبحانه وباعدها عن هذا الحسبان وأنه يتعالى عنه ولا يليق به لقبحه ولمنافاته لحكمته وملكه وإلهيته أفلا ترى كيف ظهر في العقل الشهادة بدينه وشرعه وبثوابه وعقابه وهذا يدل على إثبات المعاد بالعقل كما يدل على إثباته بالسمع وكذلك دينه وأمره وما بعث به رسله هو ثابت في العقول جملة ثم علم بالوحي فقد تطابقت شهادة العقل والوحي على توحيده وشرعه والتصديق بوعده ووعيده وأنه سبحانه دعا عباده على ألسنة رسله إلى ما وضع في العقول حسنه والتصديق به جملة فجاء الوحي مفصلا مبينا ومقررا ومذكرا لما هو مركوز في الفطر والعقول ولهذا سأل هرقل أبا سفيان في جملة ما سأله من أدلة النبوة وشواهدها عما يأمر به النبي فقال بم يأمركم قال يأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف فجعل ما يأمر به من أدلة نبوته فأن أكذب الخلق وأفجرهم من أدعى النبوة وهو كاذب فيها على الله وهذا محال أن يأمر إلا بما يليق بكذبه وفجوره وافترائه فدعوته تليق به وأما الصادق البار الذي هو أصدق الخلق وأبرهم فدعوته لا تكون إلا أكمل دعوة وأشرفها وأجلها وأعظمها فإن العقول والفطر تشهد بحسنها وصدق القائم بها فلو كانت الأفعال كلها سواء في نفس الأمر لم يكن هناك فرقان بين ما يجوز أن يدعو إليه الرسول ومالا يجوز أن يدعو إليه إذ العرف وضده إنما يعلم بنفس الدعوة والأمر والنهي وكذلك مسئلة النجاشي لجعفر وأصحابه عما يدعو إليه الرسول فدل على أنه من المستقر في العقول والفطر انقسام الأفعال إلى قبيح وحسن في نفسه وأن الرسل تدعو إلى حسنها وتنهى عن قبيحها وأن ذلك من آيات صدقهم وبراهين رسالتهم وهو أولى وأعظم عند أولي الألباب والحجى من مجرد خوارق(2\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "315",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14771",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العادات وإن كان انتفاع ضعفاء العقول بالخوارق في الإيمان أعظم من انتفاعهم بنفس الدعوة وما جاء به من الإيمان فطرق الهداية متنوعة رحمة من الله بعباده ولطفا بهم لتفاوت عقولهم وأذهانهم وبصائرهم فمنهم من يهتدي بنفس ما جاء به وما دعا إليه من غير أن يطلب منه برهانا خارجا عن ذلك كحال الكمل من الصحابة كالصديق رضي الله عنه ومنهم من يهتدي بمعرفته بحاله وما فطر عليه من كمال الأخلاق والأوصاف والأفعال وأن عادة الله أن لا يخزي من قامت به تلك الأوصاف والأفعال لعلمه بالله ومعرفته به وإنه لا يخزي من كان بهذه المثابة كما قالت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها له إبشر فوالله لن يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقري الضعيف وتعين على نوائب الحق فاستدلت بمعرفتها بالله وحكمته ورحمته على أن من كان كذلك فإن الله لا يخزيه ولا يفضحه بل هو جدير بكرامة الله واصطفائه ومحبته وتوبته وهذه المقامات في الإيمان عجز عنها أكثر الخلق فاحتاجوا إلى الآيات والخوارق والآيات المشهودة بالحس فآمن كثير منهم عليها وأضعف الناس إيمانا من كان إيمانه صادرا من المظهر ورؤية غلبته للناس فاستدلوا بذلك المظهر والغلبة والنصرة على صحة الرسالة فأين بصائر هؤلاء من بصائر من آمن به وأهل الأرض قد نصبوا له العداوة وقد ناله من قومه ضروب الأذى وأصحابه في غاية قلة العدد والمخافة من الناس ومع هذا فقلبه ممتلىء بالإيمان واثق بأنه سيظهر على الأمم وأن دينه سيعلو كل دين وأضعف من هؤلاء إيمانا من إيمانه إيمان العادة والمربا والمنشأ فإنه نشأ بين أبوين مسلمين وأقارب وجيران وأصحاب كذلك فنشأ كواحد منهم ليس عنده من الرسول والكتاب إلا اسمهما ولا من الدين إلا ما رأى عليه أقاربه وأصحابه فهذا دين العوائد وهو أضعف شيء وصاحبه بحسب من يقترن به فلو قيض له من يخرجه عنه لم يكن عليه كلفة في الانتقال عنه والمقصود أن خواص الأمة ولبابها لما شهدت عقولهم حسن هذا الدين وجلالته وكماله وشهدت قبح ما خالفه ونقصه ورداءته خالط الإيمان به ومحبته بشاشة قلوبهم فلو خير بين أن يلقى في النار وبين أن يختار دينها غيره لاختار أن يقذف في النار وتقطع أعضاؤه ولا يختار دينا غيره وهذا الضرب من الناس هم الذين استقرت أقدامهم في الإيمان وهم أبعد الناس عن الارتداد عنه وأحقهم بالثبات عليه إلى يوم لقاء الله ولهذا قال هرقل لأبي سفيان أيرتد أحد منهم عن دينه سخطة له قال لا قال فكذلك الإيمان إذ خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد والمقصود أن الداخلين في الإسلام المستدلين على أنه من عند الله لحسنه وكماله وأنه دين الله الذي لا يجوز أن يكون من عند غيره هم خواص الخلق والنفاة سدوا على أنفسهم هذا الطريق فلا يمكنهم سلوكه(2\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "316",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14772",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وتحقيق هذا المقام بالكلام في مقامين أحدهما في الأعمال خصوصا ومراتبها في الحسن والقبح والثاني في الموجودات عموما ومراتبها في الخير والشر أما المقام الأول فالأعمال إما أن تشتمل على مصلحة خالصة أو راجحة واما أن تشتمل على مفسدة خالصة أو راجحة واما أن تستوي مصلحتها ومفسدتها فهذه أقسام خمسة منها أربعة تأت بها الشرائع فتأتي بما مصلحته خالصة أو راجحة آمرة به مقتضية له وما مفسدته خالصة أو راجحة فحكمها فيه النهي عنه وطلب إعدامه فتأتي بتحصيل المصلحة الخالصة ولراجحه أو تكميلهما بحسب الإمكان وتعطيل المفسدة الخالصة أو الراجحة أو تقليلهما بحسب الإمكان فمدار الشرائع والديانات على هذه الأقسام الأربعة وتنازع الناس هنا في مسئلتين المسئلة الأولى في وجود المصلحة الخالصة والمفسدة الخالصة فمنهم من منعه وقال لا وجود له قال لأن المصلحة هي النعيم واللذة وما يفضي إليه والمفسدة هي العذاب والألم وما يفضي إليه قالوا والمأمور به لا بد أن يقترن به ما يحتاج معه إلى الصبر على نوع من الألم وإن كان فيه لذة سرور وفرح فلا بد من وقوع أذى لكن لما كان هذا مغمورا بالمصلحة لم يلتفت إليه ولم تعطل المصلحة لأجله فترك الخير الكثير الغالب لآجل الشر القليل المغلوب شر كثير قالوا وكذلك الشر المنهي عنه إنما يفعله الإنسان لإن له فيه غرضا ووطرا ما وهذه مصلحة عاجلة له فإذا نهى عنه وتركه فأتت عليه مصلحته ولذته العاجلة وإن كانت مفسدته أعظم من مصلحته بل مصلحته مغمورة جدا في جنب مفسدته كما قال تعالى في الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما فالربا والظلم والفواحش والسحر وشرب الخمر وإن كانت شرورا ومفاسد ففيها منفعة ولذة لفاعلها ولذلك يؤثرها ويختارها وإلا فلو تجردت مفسدتها من كل وجه لما أثرها العاقل ولا فعلها أصلا ولما كانت خاصة العقل النظر إلى العواقب والغايات كان أعقل الناس أتركهم لما ترجحت مفسدته في العاقبة وإن كانت فيه لذة ما ومنفعة يسيرة بالنسبة إلى مضرته ونازعهم آخرون وقالوا القسمة تقتضي إمكان هذين القسمين والوجود يدل على وقوعهما فإن معرفة الله ومحبته والإيمان به خير محض من كل وجه لا مفسدة فيها بوجه ما قالوا ومعلوم أن الجنة خير محض لا شر فيها أصلا وإن النار شر محض لا خير فيه أصلا وإذا كان هذان القسمان موجودان في الآخرة فما المخل بوجودهما في الدنيا قالوا أيضا فالمخلوقات كلها منها ما هو خير محض لا شر فيه أصلا كالأنبياء والملائكة ومنها هو شر محض لا خير فيه أصلا كإبليس والشياطين ومنها ما هو خير وشر وأحدهما غالب على الآخر فمن الناس من يغلب خيره على شره ومنهم من(2\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "317",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14773",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يغلب شره على خيره فهكذا الأعمال منها ما هو خالص المصلحة وراجحها وخالص المفسدة وراجحها هذا في الأعمال كما أن ذلك في العمال قالوا وقد قال تعالى في السحرة ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم فهذا دليل على أنه مضرة خالصة لا منفعة فيها إما لأن بعض أنواعه مضرة خالصة لا منفعة فيها بوجه فما كل السحر يحصل غرض الساحر بل يتعلم مائة باب منه حتى يحصل غرضه باب والباقي مضرة خالصة وقس على هذا فهذا من القسم الخالص المفسدة وإما لأن المنفعة الحاصلة للساحر لما كانت مغمورة مستهلكة في جنب المفسدة العظيمة فيه جعلت كلا منفعته فيكون من القسم الراجح المفسدة وعلى القولين فكل مأمور به فهو راجح المصلحة على تركه وإن كان مكروها للنفوس قال تعالى كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خيرا لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شرا لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون فبين أن الجهاد الذي أمروا به وإن كان مكروها للنفوس شاقا عليها فمصلحته راجحة وهو خير لهم وأحمد عاقبة وأعظم فائدة من التقاعد عنه وإيثار البقاء والراحة فالشر الذي فيه مغمور بالنسبة إلى ما تضمنه من الخير وهكذا كل منهي عنه فهو راجح المفسدة وإن كان محبوبا للنفوس موافقا للهوى فمضرته ومفسدته أعظم مما فيه من المنفعة وتلك المنفعة واللذة مغمورة مستهلكة في جنب مضرته كما قال تعالى وإثمهما أكبر من نفعهما وقال وعسى أن تحبوا شيئا وهو شرا لكم وفصل الخطاب في المسئلة إذا أريد بالمصلحة الخالصة أنها في نفسها خالصة من المفسدة لا يشوبها مفسدة فلا ريب في وجودها وإن أريد بها المصلحة التي لا يشوبها مشقة ولا أذى في طريقها والوسيلة إليها ولا في ذاتها فليست بموجودة بهذا الإعتبار إذ المصالح والخيرات واللذات والكمالات كلها لا تنال إلا بحظ من المشقة ولا يعبر إليها إلا على جسر من التعب وقد أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم وإن من آثر الراحة فاتته الراحة وإن بحسب ركوب الأهوال وإحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة فلا فرحة لمن لا هم له ولا لذة لمن لا صبر له ولا نعيم لمن لا شقاء له ولا راحة لمن لا تعب له بل إذا تعب العبد قليلا استراح طويلا وإذا تحمل مشقة الصبر ساعة قاده لحياة الأبد وكل ما فيه أهل النعيم المقيم فهو صبر ساعة والله المستعان ولا قوة إلا بالله وكلما كانت النفوس أشرف والهمة أعلا كان تعب البدن أوفر وحظه من الراحة أقل كما قال المتنبي: وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام وقال ابن الرومي: قلب يظل على أفكاره وئد ... تمضي الأمور ونفس لهوها التعب وقال مسلم في صحيحه قال يحيى بن أبي كثير لا ينال العلم براحة البدن ولا ريب(2\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "318",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14774",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عند كل عاقل أن كمان الراحة بحسب التعب وكمال النعيم بحسب تحمل المشاق في طريقه وإنما تخلص الراحة واللذة والنعيم في دار السلام فأما في هذه الدار فكلا ولما وبهذا التفصيل يزول النزاع في المسئلة وتعود مسئلة وفاق فصل وأما المسئلة الثانية وهي ما تساوت مصلحته ومفسدته فقد اختلف في وجوده وحكمه فاثبت وجوده قوم ونفاه آخرون والجواب أن هذا القسم لا وجود له إن حصره التقسيم بل التفصيل إما أن يكون حصوله أولى بالفاعل وهو راجح المصلحة وإما أن يكون عدمه أولى به وهو راجح المفسدة وأما فعل يكون حصوله أولى لمصلحته وعدمه أولى به لمفسدته وكلاهما متساويان فهذا مما لم يقم دليل على ثبوته بل الدليل يقتضي نفيه فإن المصلحة والمفسدة والمنفعة والمضرة واللذة والألم إذا تقابلا فلا بد أن يغلب أحدهما الآخر فيصير الحكم للغالب وأما أن يتدافعا ويتصادما بحيث لا يغلب أحدهما الآخر فغير واقع فإنه إما أن يقال يوجد الأثران معا وهو محال لتصادمها في المحل الواحد وإما أن يقال يمتنع وجود كل من الأثرين وهو ممتنع لأنه ترجيح لأحد الجائزين من غير مرجح وهذا المحال إنما نشأ من فرض تدافع المؤثرين وتصادمهما فهو محال فلا بد أن يقهر أحدهما صاحبه فيكون الحكم له فإن قيل ما المانع من أن يمتنع وجود الأثرين قولكم أنه محال لوجود مقتضيه إن أردتم به المقتضى السالم عن المعارض فغير موجود وإن أردتم المقتضى المقارن لوجود المعارض فتخلف أثره عنه غير ممتنع والمعارض قائم ههنا في كل منهما فلا يمتنع تخلف الأثرين فالجواب أن المعارض إذا كان قد سلب تأثير المقتضى في موجبه مع قوته وشدة اقتضائه لأثره ومع هذا فقد قوى على سلبه قوة التأثير والاقتضاء فلان يقوى على سلبه قوة منعه لتأثيره هو في مقتضاه وموجبه بطريق الأولى ووجه الأولوية أن اقتضاءه لأثره اشد من منعه تأثير غير فإذا قوى على سلبه للأقوى فسلبه للأضعف أولى وأحرى فإن قيل هذا ينتقض بكل مانع يمنع تأثير العلة في معلولها وهو باطل قطعا قيل لا ينتقض بما ذكرتم والنقض مندفع فإن العلة والمانع ههنا لم يتدافعا ويتصادما ولكن المانع أضعف العلة فبطل تأثيرها فهو عائق لها عن الاقتضاء وأما في مسئلتنا فالعلتان متصادمتان متعارضتان كل منهما تقتضي أثرها فلو بطل أثرهما لكانت كل واحدة مؤثرة غير مؤثرة غالبة مغلوبة مانعة ممنوعة وهذا يمتنع وهو دليل يشبه دليل التمانع وسر الفرق أن العلة الواحدة إذا قارنها مانع منع تأثيرها لم تبق مقتضية له بل المانع عاقها عن اقتضائها وهذا غير ممتنع وأما العلتان المتمانعتان اللتان كل منهما مانعة للأخرى من تأثيرها فإن تمانعهما وتقابلهما يقتضي إبطال كل واحدة منهما للأخرى وتأثيرها(2\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "319",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14775",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيها وعدم تأثيرها معا وهو جمع بين النقيضين لأنها إذا بطلت لم تكن مؤثرة وإذا لم تكن مؤثرة لم تبطل غيرها فتكون كل منهما مؤثرة غير مؤثرة باطلة غير باطلة وهذا محال فثبت أنهما لا بد أن تؤثر إحداهما في الأخرى بقوتها فيكون الحكم لها فإن قيل فما تقولون فيمن توسط أرضا مغصوبة ثم بدا له في التوبة فإن أمرتموه باللبث فهو محال وإن أمرتموه بقطعها والخروج من الجانب الآخر فقد أمرتموه بالحركة والتصرف في ملك الغير وكذلك إن أمرتموه بالرجوع فهو حركة منه وتصرف في ارض الغصب فهذا قد تعارضت فيه المصلحة والمفسدة فما الحكم في هذه الصورة وكذلك من توسط بين فئة مثبتة بالجراح منتظرين للموت وليس له انتقال إلا على أحدهم فإن أقام على من هو فوقه قتله وان انتقل إلى غيره قتله فقد تعارضت هنا مصلحة النقلة ومفسدتها على السواء وكذلك من طلع عليه الفجر وهو مجامع فإن أقام أفسد صومه وان نزع فالنزع من الجماع والجماع مركب من الحركتين فهاهنا أيضا قد تضادت العلتان وكذلك أيضا إذا تترس الكفار بأسرى من المسلمين هم بعدد المقاتلة ودار الأمر بين قتل الترس وبين الكف عنه وقتل الكفار المقاتلة المسلمين فهاهنا أيضا قد تقابلت المصلحة والمفسدة على السواء وكذلك أيضا إذا ألقى في مركبهم نار وعاينوا الهلاك بها فان أقاموا احترقوا وان لجؤا إلى الماء هلكوا بالغرق وكذلك الرجل إذا ضاق عليه الوقت ليلة عرفة ولم يبق منه إلا ما يسع قدر صلاة العشاء فان اشتغل بها فاته الوقوف وان اشتغل بالذهاب إلى عرفة فاتته الصلاة فهاهنا تحد تعارضت المصلحتان والمفسدتان على السواء وكذلك الرجل إذا استيقظ قبل طلوع الشمس وهو جنب ولم يبق من الوقت إلا ما يسع قدرالغسل أو الصلاة بالتيمم فان اغتسل فاتته مصلحة الصلاة في الوقت وإن صلى بالتيمم فاتته مصلحة الطهارة فقد تقابلت المصلحة والمفسدة وكذلك إذا اغتلم البحر بحيث يعلم ركبان السفينة أنهم لا يخلصون إلا بتغريق شطر الركبان لتخف بهم السفينة فان ألقوا شطرهم كان فيه مفسدة وان تركوهم كان فيه مفسدة فقد تقابلت المفسدتان والمصلحتان على السواء وكذلك لو أكره رجل على إفساد درهم من درهمين متساويين أو إتلاف حيوان من حيوانين متساويين أو شرب قدح من قدحين متساويين أو وجد كافرين قويين في حال المبارزة لا يمكنه إلا قتل أحدهما أو قصد المسلمين عدوان متكافئان من كل وجه في القرب والبعد والعدد والعداوة فانه في هذه الصور كلها تساوت المصالح والمفاسد ولا يمكنكم ترجيح أحد من المصلحتين ولا أحد من المفسدتين ومعلوم أن هذه حوادث لا تخلو من حكم لله فيها وأما ما ذكرتم من امتناع تقابل المصلحة والمفسدة على السواء فكيف عليكم إنكاره وأنتم تقولون بالموازنة وإن من الناس من تستوي حسناته وسيئاته فيبقى في الأعراف بين الجنة والنار لتقابل مقتضى الثواب والعقاب في حقه فان حسناته(2\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "320",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14776",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قصرت به عن دخول النار وسيئاته قصرت به عن دخول الجنة وهذا ثابت عن الصحابة حذيفة ابن اليمان وابن مسعود وغيرهما فالجواب من وجهين مجمل ومفصل وأما المجمل فليس في شيء مما ذكرتم دليل على محل النزاع فان مورد النزاع أن تتقابل المصلحة والمفسدة وتتساويا فيتدافعا ويبطل أثرهما وليس في هذه الصور شيء كذلك وهذا يتبين بالجواب التفصيلي عنها صورة فأما من توسط أرضا مغصوبة فإنه مأمور من حين دخل فيها بالخروج منها فحكم الشارع في حقه المبادرة إلى الخروج وان استلزم ذلك حركة في الأرض المغصوبة فإنها حركة تتضمن ترك الغصب فهي من باب مالا خلاص عن الحرام إلا به وان قيل إنها واجبة فوجوب عقلي لزومي لا شرعي مقصود فمفسدة هذه الحركة مغمورة في مصلحة تفريغ الأرض والخروج عن الغصب وإذا قدر تساوي الجواب بالنسبة إليه فالواجب القدر المشترك وهو الخروج من أحدها وعلى كل تقدير فمفسدة هذه الحركة مغمورة جدا في مصلحة ترك الغصب فليس مما نحن فيه بسبيل وأما مسئلة من توسط بين قتلى لا سبيل له إلى المقام أو النقلة إلا بقتل أحدهم فهذا ليس مكلفا في هذه الحال بل هو في حكم الملجأ والملجأ ليس مكلفا اتفاقا فإنه لا قصد له ولا فعل وهذا ملجأ من حيث أنه لا سبيل له إلى ترك النقلة عن واحد إلا إلى الآخر فهو ملجأ إلى لبثه فوق واحد ولا بد ومثل هذا لا يوصف فعله بإباحة ولا تحريم ولا حكم من أحكام التكليف لأن أحكام التكليف منوطة بالاختيار فلا تتعلق بمن لا اختيار له فلو كان بعضهم مسلما وبعضهم كافرا مع اشتراكهم في العصمة فقد قيل يلزمه الانتقال إلى الكافر أو المقام عليه لأن قتله أخف مفسدة من قتل المسلم ولهذا يجوز قتل من لا يقتله في المعركة إذا تترس بهم الكفار فيرميهم ويقصد الكفار وأما من طلع عليه الفجر وهو مجامع فالواجب عليه النزع عينا ويحرم عليه استدامة الجماع واللبث وإنما اختلف في وجوب القضاء والكفارة عليه على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره أحدها عليه القضاء والكفارة وهذا اختيار القاضي أبي يعلي والثاني لا شيء عليه وهذا اختيار شيخنا وهو الصحيح والثالث عليه القضاء دون الكفارة وعلى الأقوال كلها فالحكم في حقه وجوب النزع والمفسدة التي في حركة النزع مفسدة مغمورة في مصلحة إقلاعه ونزعه فليست المسئلة من موارد النزاع وأما إذا تترس الكفار بأسرى من المسلمين بعدد المقاتلة فانه لا يجوز رميهم إلا أن يخشى على جيش المسلمين وتكون مصلحة حفظ الجيش أعظم من مصلحة حفظ الأسارى فحينئذ يكون رمي الأسارى ويكون من باب دفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما فلو انعكس الامر وكانت مصلحة الاسرى أعظم من رميهم لم يجز رميهم فهذا الباب مبني على دفع أعظم المفسدتين بأدناهما وتحصيل أعظم لمصلحتين بتفويت أدناهما فان فرض الشك وتساوي الأمران لم يجز رمي الأسرى لأنه(2\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "321",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14777",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على يقين من قتلهم وعلى ظن وتخمين من قتل أصحابه وهلاكهم ولو قدر أنهم تيقنوا ذلك ولم يكن في قتلهم استباحة ببضه الإسلام وغلبة العدو على الديار لم يجز أن يقي نفوسهم بنفوس الأسرى كما لا يجوز للمكره على قتل المعصوم أن يقتله ويقي نفسه بنفسه بل الواجب عليه أن يستسلم للقتل ولا يجعل النفوس المعصومة وقاية لنفسه وأما إذا ألقى في مركبهم نار فانهم يفعلون ما يرون السلامة فيه وان شكوا هل السلامة في في مقامهم أو في وقوعهم في الماء أو تيقنوا الهلاك في الصورتين أو غلب على ظنهم غلبة متساوية لا يترجح أحد طرفيها ففي الصور الثلاث قولان لأهل العلم وهما روايتان منصوصتان عن أحد إحداهما أنهم يخيرون بين الأمرين لأنهما موتتان قد عرضتا لهم فلهم أن يختاروا أيسرهما عليهم إذ لا بد من أحدهما وكلاهما بالنسبة إليهم سواء فيخيرون بينهما والقول الثاني أن يلزمهم المقام ولا يعينون على أنفسهم لئلا يكون موتهم بسبب من جهتهم وليتمحص موتهم شهادة بأيدي عدوهم وأما الذي ضاق عليه وقت الوقوف بعرفة والصلاة فإن الواجب في حقه تقوى الله بحسب الإمكان وقد اختلف في تعيين ذلك الواجب على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره أحدها أن الواجب في حقه معينا إيقاع الصلاة في وقتها فإنها قد تضيقت والحج لم يتضيق وقته فإنه إذا فعله في العام القابل لم يكن قد أخرجه عن وقته بخلاف الصلاة والقول الثاني أنه يقدم الحج ويقضى الصلاة بعد الوقت لأن مشقة فواته وتكلفه إنشاء سفر آخر أو إقامة في مكة إلى قابل ضرر عظيم تأباه الحنيفية السمحة فيشتغل بادراكه ويقضى الصلاة والثالث يقضى الصلاة وهو سائر إلى عرفة فيكون في طريقه مصليا كما يصلى الهارب من سيل أو سبع أو عدو ايفاقا أو الطالب لعدو يخشى فواته على أصح القولين وهذا أقيس الأقوال وأقربها إلى قواعد الشرع ومقاصده فإن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح بحسب الإمكان وأن لا يفوت منها شيء فإن أمكن تحصيلها كلها حصلت وإن تزاحمت ولم يمكن تحصيل بعضها إلا بتفويت البعض قدم أكملها وأهمها وأشدها طلبا للشارع وقد قال عبد الله بن أبي أنيس بعثني رسول الله إلى خالد ابن سفيان العرنى وكان نحو عرنة وعرفات فقال اذهب فاقتله فرأيته وحضرت صلاة العصر فقلت إني أخاف أن يكون بيني وبينه ما أن أؤخر الصلاة فانطلقت أمشي وأنا أصلى أومي ايماء نحوه فلما دنوت منه قال لي من أنت قلت رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك في ذلك قال أني لفي ذلك قال فمشيت معه ساعة حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى يرد رواه أبو داود وأما مسألة المستيقظ قبل طلوع الشمس جنبا وضيق الوقت عليه بحيث لا يتسع للغسل والصلاة فهذا الواجب في حقه عند جمهور العلماء أن يغتسل وأن طلعت الشمس ولا تجزيه الصلاة بالتيمم لأنه واجد للماء وأن كان غير مفرط في نومه فلا إثم عليه(2\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "322",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14778",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كما لو نام حتى طلعت الشمس والواجب في حقه المبادرة إلى الغسل والصلاة وهذا وقتها في حق أمثاله وعلى هذا القول الصحيح فلا يتعارض هاهنا مصلحة ومفسدة متساويتان بل مصلحة الصلاة بالطهارة أرجح من إيقاعها في الوقت بالتيمم وفي المسألة قول ثان وهو رواية عن مالك أنه يتيمم ويصلى في الوقت لأن الشارع له التفات إلى إيقاع الصلاة في الوقت بالتيمم أعظم من التفاته إلى إيقاعها بطهارة الماء خارج الوقت والعدم المبيح للتيمم هو العدم بالنسبة إلى وقت الصلاة لا مطلقا فإنه لا بد أن يجد الماء ولو بعد حين ومع هذا فأوجب عليه الشارع التيمم لأنه عادم للماء بالنسبة إلى وقت الصلاة وهكذا هذا النائم وأن كان واجدا للماء لكنه عادم بالنسبة إلى الوقت وصاحب هذا القول يقول مصلحة إيقاع الصلاة في الوقت بالتيمم أرجح في نظر الشارع من إيقاعها خارج الوقت بطهارة الماء فعلى كلا القولين لم تتساو المصلحة والمفسدة فثبت أنه لا وجوب لهذا القسم في الشرع وأما مسألة اغتلام البحر فلا يجوز إلقاء أحد منهم في البحر بالقرعة ولا غيرها لاستوائهم في العصمة وقتل من لا ذنب وقاية لنفس القاتل به وليس أولى بذلك منه ظلم نعم لو كان في السفينة مال أو حيوان وجب إلقاء المال ثم الحيوان لأن المفسدة في فوات الأموال والحيوانات أولى من المفسدة في فوات أنفس الناس المعصومة وأما سائر الصور التي تساوت مفاسدها كإتلاف الدرهمين والحيوانين وقتل أحد العدوين فهذا الحكم فيه التخيير بينهما لأنه لا بد من أتلاف أحدهما وقاية لنفسه وكلاهما سواء فيخير بينهما وكذلك العدوان المتكافئان يخير بين قتالهما كالواجب المخير والولي وأما من تساوت حسناته وسيئاته وتدافع أثرهما فهو حجة عليكم فإن الحكم للحسنات وهي تغلب السيئات فإنه لا يدخل النار ولكنه يبقي على الأعراف مدة ثم يصير إلى الجنة فقد تبين غلبة الحسنات لجانب السيئات ومنعها من ترتب أثرها عليها وان الأثر هو أثر الحسنات فقط فبان أنه لا دليل حكم لكم على وجود هذا القسم أصلا وان الدليل يدل على امتناعه فأن قيل لكم فما قولكم فيما إذا عارض المفسدة مصلحة أرجع منها وترتب الحكم على الراجح هل يترتب عليه مع بقاء المرجوح من المصلحة والمفسدة لكنه لما كان مغمورا لم يلتفت إليه أو يقولون أن المرجوح زال أثره بالراجح فلم يبق له أثر ومثال ذلك أن الله تعالى حرم الميتة والدم ولحم الخنزير لما في تناولها من المفسدة الراجحة وهو خبث التغذية والغازي شبيه بالمغتذى فيصير المفتذي بهذه الخبائث خبيث النفس فمن محاسن الشريعة تحريم هذه الخبائث فإن اضطر إليها وخاف على نفسه الهلاك أن لم يتناولها أبيحت له فهل إباحتها والحالة هذه مع بقاء وصف الخبث فيها لكن عارضه مصلحة أرجح منه وهي حفظ النفس أو إباحتها أزالت وصف الخبث منها فما أبيح له إلا طيب(2\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "323",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14779",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن كان خبيثا في حال الاختيار قيل هذا موضع دقيق وتحقيقه بستدعي اطلاعا على أسرار الشريعة والطبيعة فلا تستهونه وأعطه حقه من النظر والتأمل وقد اختلف الناس فيه على قولين فكثير منهم أو أكثرهم سلك مسالك الترجيح مع بقاء وصف الخبث فيه وقال مصلحة حفظ النفس أرجح من مفسدة خبث التغذية وهذه قول من لم يحقق النظر ويمعن التأمل بل استرسل مع ظاهر الأمور والصواب أن وصف الخبث منتف حال الاضطرار وكشف الغطاء عن المسألة أن وصف الخبث غير مستقل بنفسه في المحل المتفذي به بل هو متولد من القابل والفاعل فهو حاصل من المتفذي والمفتذي به ونظيره تأثير السم في البدن هو موقوف على الفاعل والمحل القابل إذا علم ذلك فتناول هذه الخبائث في حال الاختيار يوجب حصول الأثر المطلوب عدمه فإذا كان المتناول لها مضطرا فإن ضرورته تمنع قبول الخبث الذي في المفتذي به فلم تحصل تلك المفسدة لأنها مشروطة بالاختيار الذي به يقبل المحل خبث التغذية فإذا زال الاختيار زال شرط القبول فلم تحصل المفسدة أصلا وإن اعتاص هذا على فهمك فانظر في الأغذية والأشربة الضارة التي لا يختلف عنها الضرر إذا تناولها المختار الواجد لغيرها فإذا اشتدت ضرورته إليها ولم يجد منها بدا فإنها تنفعه ولا يتولد له منها ضرر أصلا لأن قبول طبيعته لها وفاقته إليها وميله منعه من التضرر بها بخلاف حال الاختيار وأمثلة ذلك معلومة مشهودة بالحس فإذا كان هذا في الأوصاف الحسية المؤثرة في محالها بالحس فما الظن بالأوصاف المعنوية التي تأثيرها إنما يعلم بالعقل أو بالشرع فلا تظن أن الضرورة أزالت وصف المحل وبدلته فأنا لم تقل هذا ولا يقوله عاقل وإنما الضرورة منعت تأثير الوصف وأبطلته فهي من باب المانع الذي يمنع تأثير المقتضى لا أنه يزيل قوته ألا ترى أن السيف الحاد إذا صادف حجرا فإنه يمنع قطعه وتأثيره لأنه يزيل حدته وتهيأه لقطع القابل ونظير هذا الملابس المحرمة إذا اضطر إليها فإن ضرورته تمنع ترتب المفسدة التي حرمت لأجلها فإن قال فهذا ينتقض عليكم بتحريم نكاح الأمة فإنه حرم للمفسدة التي تتضمنه من ارقاق ولده ثم أبيح عند الضرورة إليه وهي خوف العنة الذي هو اعظم فسادا من ارقاق الولد ومع هذا فالمفسدة قائمة بعينها ولكن عارضها مصلحة حفظ الفرج عن الحرام وهي أرجح عند الشارع من رق الولد قيل هذا لا ينتقض بما قررناه فإن الله سبحانه لم حرم نكاح الأمة لما فيه من مفسدة رق الولد واشتغال الأمة بخدمة سيدها فلا يحصل لزوجها من السكن إليها والإيواء ودوام المعاشرة ما تقر به عينه وتسكن به نفسه أباحه عند الحاجة إليه بأن لا يقدر على نكاح حرة ويخشى على نفسه مواقعة المحظور وكانت المصلحة له في نكاحها في هذه الحال أرجح من تلك المفاسد وليس هذا حال ضرورة يباح لها المحظور فأن الله سبحانه لا يضطر عبده إلى الجماع بحيث أن لم يجامع مات بخلاف الطعام والشراب ولهذا لا يباح الزنا بضرورة كما يباح الخنزير(2\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "324",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14780",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والميتة والدم وإنما الشهوة وقضاء الوطر يشق على الرجل تحمله وكف النفس عنه لضعفه وقلة صبره فرحمه أرحم الراحمين وأباح له أطيب النساء وأحسنهن أربعا من الحرائر وما شاء من ملك يمينه من الإماء فإن عجز عن ذلك أباح له نكاح الأمة رحمة به وتخفيفا عنه لضعفه ولهذا قال تعالى ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم إلى قوله والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا فأخبر سبحانه أنه شرع لهم هذه الأحكام تخفيفا عنهم لضعفهم وقلة صبرهم رحمة بهم وإحسانا إليهم فليس هاهنا ضرورة تبيح المحظور وإنما هي مصلحة أرجح من مصلحة ومفسدة أقل من مفسدة فاختار لهم أعظم المصلحتين وأن فاتت أدناهما ودفع عنهم أعظم المفسدتين وأن فاتت أدناهما وهذا شأن الحكيم اللطيف الخبير البر المحسن وإذا تأملت شرائع دينه التي وضعها بين عباده وجدتها لا تخرج عن تحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان وان تزاحمت قدم أهمها وأجلها وأن فاتت أدناهما وتعطيل المفاسد الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان وأن تزاحمت عطل أعظمها فسادا باحتمال أدناهما وعلى هذا وضع أحكم الحاكمين شرائع دينه دالة عليه شاهدة له بكمال علمه وحكمته ولطفه بعباده وإحسانه إليهم وهذه الجملة لا يستريب فيها من له ذوق من الشريعة وارتضاع من ثديها وورود من صفو حوضها وكلما كان تضلعه منها أعظم كان شهوده لمحاسنها ومصالحها أكمل ولا يمكن أحد من الفقهاء أن يتكلم في مآخذ الأحكام وعللها والأوصاف المؤثرة فيها حقا وفرقا إلا على هذه الطريقة وأما طريقة إنكار الحكم التعليل ونفي الأوصاف المقتضية لحسن ما أمر به وقبح ما نهى عنه وتأثيرها واقتضائها للحب والبغض الذي هو مصدر الأمر والنهي بطريقة جدلية كلامية لا يتصور بناء الأحكام عليها ولا يمكن فقيها أن يستعملها في باب واحد من أبواب الفقه كيف والقرآن وسنة رسول الله مملوآن من تعليل الأحكام بالحكم والمصالح وتعليل الخلق بهما والتنبيه على وجوه الحكم التي لأجلها شرع تلك الإحكام ولأجلها خلق تلك الأعيان ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مائة موضع أو مائتين لسقناها ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة فتارة يذكر لام التعليل الصريحة وتارة يذكر المفعول لأجله الذي هو المقصود بالفعل وتارة يذكر من أجل الصريحة في التعليل وتارة يذكر أداة كي وتارة يذكر الفاء وأن وتارة يذكر أداة لعل المتضمنة للتعليل المجردة عن معنى الرجاء المضاف إلى المخلوق وتارة ينبه على السبب يذكره صريحا وتارة يذكر الأوصاف المشتقة المناسبة لتلك الأحكام ثم يرتبها عليها ترتيب المسببات على أسبابها وتارة ينكر على من زعم أنه خلق خلقه وشرع دينه عبثا وسدى وتارة ينكر على من ظن أنه يسوى(2\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "325",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14781",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بين المختلفين اللذين يقتضيان أثرين مختلفين وتارة يخير بكمال حكمته وعلمه المقتضى أنه لا يفرق بين متماثلين ولا يسوى بين مختلفين وأنه ينزل الأشياء منازلها ويرتبها مراتبها وتارة يستدعى من عباده التفكر والتأمل والتدبر والتعقل لحسن ما بعث به رسوله وشرعه لعباده كما يستدعى منهم التفكر والنظر في مخلوقاته وحكمها وما فيها من المنافع والمصالح وتارة يذكر منافع مخلوقاته منبها بها على ذلك وأنه الله الذي لا إله إلا هو وتارة يختم آيات خلقه وأمره بأسماء وصفات تناسبها وتقتضيها والقرآن مملوء من أوله إلى آخره بذكر حكم الخلق والأمر ومصالحهما ومنافعهما وما تضمناه من الآيات الشاهدة الدالة عليه ولا يمكن من له أدني اطلاع على معاني القرآن إنكار ذلك وهل جعل الله سبحانه في فطر العباد استواء العدل والظلم والصدق والكذب والفجور والعفة والإحسان والإساءة والصبر والعفو والاحتمال والطيش والانتقام والحدة والكرم والسماحة والبذل والبخل والشح والإمسام بل الفطرة على الفرقان بين ذلك كالفطرة على قبول الأغذية النافعة وترك مالا ينفع ولا يغذي ولا فرق في الفطرة بينهما أصلا وإذا تأملت الشريعة التي بعث الله بها رسوله حق التأمل وجدتها من أولها إلى آخرها شاهدة بذلك ناطقة به ووجدت الحكمة والمصلحة والعدل والرحمة باديا على صفحاتها مناديا عليها يدعو العقول والألباب إليها وأنه لا يجوز على أحكم الحاكمين ولا يليق به أن يشرع لعباده ما يضادها وذلك لأن الذي شرعها علم ما في خلافها من المفاسد والقبائح والظلم والسفه الذي يتعالى عن أرادته وشرعه وأنه لا يصلح العباد إلا عليها ولا سعادة لهم بدونها البتة فتأمل محاسن الوضوء بين يدي الصلاة وما تضمنه من النظافة والنزاهة ومجانبة الأوساخ والمستقذرات وتأمل كيف وضع على الأعضاء الأربعة التي هي آلة البطش والمشي ومجمع الحواس التي تعلق أكثر الذنوب والخطايا بها ولهذا خصها النبي صلى الله علية وسلم بالذكر في قوله إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك ولا محالة فالعين تزني وزناها النظر والأذن تزني وزناها الاستماع واليد تزني وزناها البطش والرجل تزني وزناها المشي والقلب يتمني ويشتهي والفرج يصدق ذلك ويكذبه فلما كانت هذه الأعضاء هي أكثر الأعضاء مباشرة للمعاصي كان وسخ الذنوب ألصق بها وأعلق من غيرها فشرع أحكم الحاكمين الوضوء عليها ليتضمن نظافتها وطهارتها من الأوساخ الحسية وأوساخ الذنوب والمعاصي وقد أشار النبي إلى هذا المعنى بقوله إذا توضأ العبد المسلم خرجت خطاياه مع الماء أو مع آخر قطرة من الماء حتى يخرج من تحت أظفاره وقال أبو إمامة يا رسول الله كيف الوضوء فقال أما فإنك إذا توضأت فغسلت كفيك فأنقيتهما خرجت خطاياك من بين أظفارك وأنا ملك فإذا مضمضت واستنشقت بمنخريك وغسلت وجهك ويديك إلى المرفقين ومسحت(2\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "326",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14782",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "برأسك وغسلت رجليك إلى الكعبين اغتسلت من عامة خطاياك فإن أنت وضعت وجهك لله خرجت من خطاياك كيوم ولدتك أمك رواه النسائي والأحاديث في هذا الباب كثيرة فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين ورحمته أن شرع الوضوء على هذه الأعضاء التي هي أكثر الأعضاء مباشرة للمعاصي وهي الأعضاء الظاهرة البارزة للغبار والوسخ أيضا وهي أسهل الأعضاء غسلا فلا يشق تكرار غسلها في اليوم والليلة فكانت الحكمة الباهرة في شرع الوضوء عليها دون سائر الأعضاء وهذا يدل على أن المضمضة من آكد أعضاء الوضوء ولهذا كان النبي يداوم عليها ولم ينقل عنه بإسناد قط أنه أخل بها يوما واحدا وهذا يدل على أنها فرض لا يصح الوضوء بدونها كما هو الصحيح من مذهب أحمد وغيره من السلف فمن سوى بين هذه الأعضاء وغيرها وجعل تعيينها بمجرد الأمر الخالي عن الحكمة والمصلحة فقد ذهب مذهبا فاسدا فكيف إذا زعم مع ذلك أنه لا فرق في نفس الأمر بين التعبد بذلك وبين أن يتعبد بالنجاسة وأنواع الأقذار والأوساخ والأنتان والرائحة الكريهة ويجعل ذلك مكان الطهارة والوضوء وأن الأمرين سواء وإنما يحكم بمجرد المشيئة بهذا الأمر دون ضده ولا فرق بينهما في نفس الأمر وهذا قول تصوره كاف في الجزم ببطلانه وجميع مسائل الشريعة كذلك آيات بينات ودلالات واضحات وشواهد ناطقات بأن الذي شرعها له الحكمة البالغة والعلم المحيط والرحمة والعناية بعباده وإرادة الصلاح لهم وسوقهم بها إلى كمالهم وعواقبهم الحميدة وقد نبه سبحانه عباده على هذا فقال يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين إلى قوله ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون فأخبر سبحانه أنه لم يأمرهم بذلك حرجا عليهم وتضييقا ومشقة ولكن إرادة تطهيرهم وإتمام نعمته عليهم ليشكروه على ذلك فله الحمد كما هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله فإن قيل فما جوابكم عن الأدلة التي ذكرها نفاة التحسين والتقبيح على كثرتها قيل قد كفونا بحمد الله مؤنة إبطالها بقدحهم فيها وقد أبطلها كلها واعترض عليها فضلاء اتباعها وأصحابها أبو عبد الله ابن الخطيب وأبو الحسين الآمدى واعتمد كل منهم على مسلك من أفسد المسالك واعتمد القاضي على مسلك من جنسهما في المفاسد فاعتمد هؤلاء الفضلاء على ثلاث مسالك فاسدة وتعرضوا لإبطال ما سواها والقدح فيه ونحن نذكر مسالكهم التي اعتمدوا عليها ونبين فسادها وبطلانها فأما ابن الخطيب فاعتمد على المسلك المشهور وهو أن فعل العبد غير اختياري وما ليس بفعل اختياري لا يكون حسنا ولا قبيحا عقلا بالاتفاق لأن القائلين بالحسن والقبح العقليين يعترفون بأنه إنما يكون كذلك إذا كان اختياريا وقد ثبت أنه اضطراري فلا يوصف بحسن ولا قبح على المذهبين أما بيان كونه غير اختياري(2\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "327",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14783",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلأنه أن لم يتمكن العبد من فعله وتركه فواضح وأن كان متمكنا من فعله وتركه كان جائزا فأما أن يفتقر ترجيح الفاعلية على التاركية إلى مرجح أولا فأن لم يفتقر كان اتفاقيا والاتفاق لا يوصف بالحسن والقبح وان افتقر إلى مرجح فهو مع مرجحه أما أن يكون لازما وأما جائزا فإن كان لازما فهو اضطراري وأن كان جائزا عاد التقسيم فإما أن ينتهى إلى ما يكون لازما فيكون ضروريا أولا فينتهى إليه فيتسلسل وهو محال أن يكون إتفاقيا فلا يوصف بحسن ولا قبح فهذا الدليل هو الذي يصول به ويجول ويثبت به الجبر ويرد به على القدرية وينفي به التحسين والتقبيح وهو فاسد من وجوه متعددة أحدها أنه يتضمن التسوية بين الحركة الضرورية والاختيارية وعدم التفريق بينهما وهو باطل بالضرورة والحس والشرع فالاستدلال على أن فعل العبد غير اختياري استدلال على ما هو معلوم البطلان ضرورة وحسا وشرعا فهو بمنزلة الاستدلال على الجمع بين النقيضين وعلى وجود المحال الوجه الثاني لو صح الدليل المذكور لزم منه أن يكون الرب تعالى غير مختار في فعله لأن التقسيم المذكور والترديد جار فيه بعينه بأن يقال فعله تعالى إما أن يكون لازما أو جائزا فان كان لازما كان ضروريا وان كان جائزا فان احتاج إلى مرجح عاد التقسيم وإلا فهو اتفاقي ويكفي في بطلان الدليل المذكور إن يستلزم كون الرب غير مختار الوجه الثالث أن الدليل المذكور لو صح لزم بطلان الحسن والقبح الشرعيين لأن فعل العبد ضروري أو اتفاقي وما كان كذلك فإن الشرع لا يحسنه ولا يقبحه لأنه لا يرد بالتكليف به فضلا عن أن يجعله متعلق الحسن والقبح الوجه الرابع قوله إما أن يكون الفعل لازما أو جائزا قلنا هو لازم عند مرجحه التام وكان ماذا قولك يكون ضروريا أتعني به أنه لا بد منه أو تعني به أنه لا يكون اختياريا فإن عنيت الأول منعنا انتفاء اللازم فانه لا يلزم منه أن يكون غير مختار ويكون حاصل الدليل إن كان لا بد منه فلا بد منه ولا يلزم من ذلك أن يكون غير اختياري وإن عنيت الثاني وهو أنه لا يكون اختياريا منعنا الملازمة إذ لا يلزم من كونه لا بد منه أن يكون غير اختياري وأنت لم تذكر على ذلك دليلا بل هي دعوى معلومة البطلان بالضرورة الوجه الخامس أن يقال هو جائز قولك أما أن يتوقف ترجح الفاعلية على التاركية على مرجح أولا قلنا يتوقف على مرجح قولك عند المرجح إما أن يجب أو يبقى جائزا قلنا هو واجب بالمرجح جائز بالنظر إلى ذاته والمرجح هو الإختيار وما وجب بالإختيار لا ينافي أن يكون اختياريا فلزوم الفعل بالإختيار لا ينافي كونه اختياريا الوجه السادس أن هذا الدليل الذي ذكرته بعينه حجة على أنه اختياري لأنه وجب بالاختيار وما وجب بالاختيار لا يكون إلا اختياريا وإلا كان اختياريا غير اختياري وهو جمع بين النقيضين والدليل المذكور حجة على(2\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "328",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14784",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فساد قولك وأن الفعل الواجب بالإختيار اختياري الوجه السابع أن صدور الفعل عن المختار بشرط تعلق اختياره به لا ينافي كونه مقدورا له وإلا كانت إرادته وقدرته غير مشروطة في الفعل وهو محال وإذا لم يناف ذلك كونه مقدورا فهو اختياري قطعا الوجه الثامن قولك إن لم يتوقف على مرجح فهو اتفاقي إن عنيت بالمرجح ما يخرج الفعل عن أن يكون اختياريا ويجعله اضطراريا فلا يلزم من نفي هذا المرجح كونه اتفاقيا إذ هذا مرجح خاص ولا يلزم من نفي المرجح المعين نفي مطلق المرجح فما المانع من أن يتوقف على مرجح ولا يجعله اضطراريا غير اختياري وان عنيت بالمرجح ما هو أعم من ذلك لم يلزم من توقفه على المرجح الأعم أن يكون غير اختياري لأن المرجح هو الاختيار وما ترجح بالاختيار لم يمتنع كونه اختياريا الوجه التاسع قولك وإن لم يتوقف على مرجح فهو اتفاقي ما تعني بالاتفاقي أتعني به ما لا فاعل له أو ما فاعله مرجح باختياره أو معنى ثالثا فإن عنيت الأول لم يلزم من عدم المرجح الموجب كونه اضطراريا أن يكون الفعل صادرا من غير فاعل وإن عنيت الثاني لم يلزم منه كونه اضطراريا وإن عنيت معنى ثالثا فابده الوجه العاشر أن غاية هذا الدليل أن يكون الفعل لازما عند وجود سببه وأنت لم تقم دليلا على أن ما كان كذلك يمتنع تحسينه وتقبيحه سوى الدعوة المجردة فأين الدليل على أن ما كان لازما بهذا الاعتبار يمتنع تحسينه وتقبيحه ودليلك إنما يدل على أن ما كان غير اختياري من الأفعال امتنع تحسينه وتقبيحه فمحل النزاع لم يتناوله الدليل المذكور وما تناوله وصحت مقدماته فهو غير متنازع فيه فدليلك لم يفد شيئا الوجه الحادي عشر ان قولك يلزم أن لا يوصف بحسن ولا قبح على المذهبين باطل فال منازعيك إنما يمنعون من وصف الفعل بالحسن والقبح إذا لم يكن متعلق القدرة والاختيار أما ما وجب بالقدرة والاختيار فإنهم لا يساعدونك على امتناع وصفه بالحسن والقبح أبدا الوجه الثاني عشر أن هذا الدليل لوصح لزم بطلان الشرائع والتكاليف جملة لأن التكليف إنما يكون بالأفعال الاختيارية إذ يستحيل أن يكلف المرتعش بحركة يده وأن يكلف المحموم بتسخين جلده والمقرور بقره وإذا كانت الأفعال اضطرارية غير اختيارية لم يتصور تعلق التكليف والأمر والنهى بها فلو صح الدليل المذكور لبطلت الشرائع جملة فهذا هو الدليل الذي اعتمده ابن الخطيب وابطل أدلة غيره وأما الدليل الذي اعتمد عليه الآمدي فهو أن حسن الفعل لو كان أمرا زائدا على ذاته لزم قيام المعنى وهو محال لأن العرض لا يقوم بالعرض وهذا في البطلان من جنس ما قبله فإنه منقوض مالا يحصي من المعاني التي توصف بالمعاني كما يقال علم ضروري وعلم كسبي وإرادة جازمة وحركة سريعة وحركة بطيئة وحركة مستديرة وحركة مستقيمة ومزاج معتدل ومزاج منحرف وسواد براق وحمرة قانية وخضرة ناصعة ولون مشرق وصوت شج وحس رخيم ورفيع(2\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "329",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14785",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ودقيق وغليظ وأضعاف أضعاف ذلك مما لا يحصى مما توصف المعاني والأعراض فيه بمعان وأعراض وجودية ومن أدعى أنها عدمية فهو مكابر وهل شك أحد في وصف المعاني بالشدة والضعف فيقال هم شديد وحب شديد وحزن شديد وألم شديد ومقابلها فوصف المعاني بصفاتها أمر معلوم عند كل العقلاء الوجه الثاني أن قوله يلزم منه قيام المعنى بالمعنى غير صحيح بل المعنى يوصف بالمعنى ويقوم به تبعا لقيامه بالجوهر الذي هو المحل فيكون المعنيان جميعا قائمين بالمحل وأحدهما تابع للآخر وكلاهما تبع للمحل فما قام العرض بالعرض وإنما قام العرضان جميعا بالجوهر فالحركة والسرعة قائمتان بالمتحرك والصوت وشجاه وغلظه ودقته وحسنه وقبحه قائمة بالحامل له والمحال إنما هو قيام المعنى بالمعنى من غير أن يكون لهما حامل فأما إذا كان لهما حامل وأحدهما صفة للآخر وكلاهما قام بالمحل الحامل فليس بمحال وهذا في غاية الوضوح الوجه الثالث أن حسن الفعل وقبحه شرعا أمر زائد عليه لأن المفهوم منه زائد على المفهوم من نفس الفعل وهما وجوديان لاعدميان لأن نقيضهما يحمل على العدم فهو عدمي فهما إذا وجوديان لأن كون أحد النقيضين عدميا يستلزم كون نقيضه وجوديا فلو صح دليلكم المذكور لزم أن لا يوصف بالحسن والقبح شرعا ولا خلاص عن هذا إلا بالتزام كون الحسن والقبح الشرعيين عدميين ولا سبيل إليه لأن الثواب والعقاب والمدح والذم مرتب عليهما ترتب الآثر على مؤثره المقتضى على مقتضيه وما كان كذلك لم يكن عدما محضا إذ العدم المحض لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب ولا مدح ولا ذم وأيضا فإنه لا معنى لكون الفعل حسنا وقبيحا شرعا إلا أنه يشتمل على صفة لأجلها كان حسنا محبوبا للرب مرضيا له متعلقا للمدح والثواب وكون القبيح مشتملا على صفة لأجلها كان قبيحا مبغوضا للرب متعلقة للذم والعقاب وهذه أمور وجودية ثابتة له في نفسه ومحبة الرب له وأمره به كساه أمرا وجوديا زاده حسنا إلى حسنه وبعضه له ونهيه عنه كساه أمرا وجوديا زاده قبحا إلى قبحه فجعل ذلك كله عدما محضا ونفيا صرفا لا يرجع إلى أمر ثبوتي في غاية البطلان والإحالة وظهر والإحالة وظهر أن هذا الدليل في غاية البطلان ولم نتعرض للوجوه التي قدحوا بها فيه فإنها مع طولها غير شافية ولا مقنعة فمن اكتفى بها فهي موجودة في كتبهم وأما المسلك الذي اعتمده كثير منهم كالقاضي وأبي المعالي وأبي عمرو بن الحاجب من المتأخرين فهو أن الحسن والقبح لو كانا ذاتيين لما اختلفا باختلاف الأحوال والمتعلقات والأزمان ولا ستحال ورود النسخ على الفعل لأن ما ثبت للذات فهو باق ببقائها لا يزول وهي باقية ومعلوم أن الكذب يكون حسنا إذا تضمن عصمة دم نبي أو مسلم ولو كان قبحه ذاتيا له لكان قبيحا اين وجد وكذلك ما نسخ من الشريعة لو كان حسنه لذاته لم يستحل قبيحا ولو كان قبحه لذاته لم يستحل حسنا بالنسخ قالوا وأيضا لو كان ذاتيا لاجتمع النقيضان في صدق من(2\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "330",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14786",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال لأكذبن غدا إذا فإنه لا يخلوا إما أن يكذب في الغد أو يصدق فإن كذب لزم قبحه لكونه كذبا وحسنه لاستلزامه مصدق الخبر الأول والمستلزم للحسن حسن فيجتمع في الخبر الثاني الحسن والقبح وهما نقيضان وإن صدق لزم حسن الخبر الثاني من حيث أنه صدق في نفسه وقبحه من حيث أنه مستلزم لكذب الخبر الأول فلزم النقيضان قالوا وأيضا فلو كان القتل والجلد وقطع الاطراف قبيحا لذاته أو لصفة لازمة للذات لم يكن حسنا في الحدود والقصاص لأن مقتضى الذات لا يتخلف عنها فإذا تخلف فيما ذكرنا من الصور وغيرها دل على أنه ليس ذاتيا فهذا تقرير هذا المسلك وهو من أفسد المسالك لوجوه أحدها أن كون الفعل حسنا أو قبيحا لذاته أو لصفة لم يعن به أن ذلك يقوم بحقيقة لا ينفك عنها بحال مثل كونه عرضا وكونه مفتقرا إلى محل يقوم به وكون الحركة حركة والسواد لونا ومن ها هنا غلط علينا المنازعون لنا في المسئلة وألزمونا مالا يلزمنا وإنما نعنى بكونه حسنا أو قبيحا لذاته أو لصفته أنه في نفسه منشأ للمصلحة والمفسدة وترتيبهما عليه كترتيب المسببات على أسبابها المقتضية لها وهذا كترتيب الري على الشرب والشبع على الأكل وترتب منافع الأغذية والأدوية ومضارها عليها فحسن الفعل أو قبحه هو من جنس كون الدواء الفلاني حسنا نافعا أو قبيحا ضارا وكذلك الغذاء واللباس والمسكن والجماع والاستفراغ والنوم والرياضة وغيرها فإن ترتب آثارها عليها ترتب المعلومات والمسببات على عللها وأسبابها ومع ذلك فإنها تختلف باختلاف الأزمان والأحوال والأماكن والمحل القابل ووجود المعارض فتخلف الشبع والري عن الخبز واللحم والماء في حق المريض ومن به علة تمنعه من قبول الغذاء لاتخرجه عن كونه مقتضيا لذلك حتى يقال لو كان كذلك لذاته لم يتخلف لأن ما بالذات لا يتخلف وكذلك تخلف الانتفاع بالدواء في شدة الحر والبرد وفي وقت تزايد العلة لا يخرجه عن كونه نافعا في ذاته وكذلك تخلف الانتفاع باللباس في زمن الحر مثلا لا يدل على أنه ليس في ذاته نافعا ولا حسنا فهذه قوى الأغذية والأدوية واللباس ومنافع الجماع والنوم تتخلف عنها آثارها زمانا ومكانا وحالا وبحسب القبول والاستعداد فتكون نافعة حسنة في زمان دون زمان ومكان دون وحال دون حال وفي حق طائفة أو شخص دون غيرهم ولم يخرجها ذلك عن كونها مقتضية لآثارها بقواها وصفاتها فهكذا أوامر الرب تبارك وتعالى وشرائعه سواء يكون الأمر منشأ المصلحة وتابعا للمأمور في وقت دون وقت فيأمره به تبارك وتعالى في الوقت الذي علم أنه مصلحة فيه ثم ينهى عنه في الوقت الذي يكون فعله فيه مفسدة على نحو ما يأمر الطبيب بالدواء والحمية في وقت هو مصلحة للمريض وينهاه عنه في الوقت الذي يكون تناوله مفسدة له بل أحكم الحاكمين الذي بهرت حكمته العقول أولى بمراعاة مصالح عباده ومفاسدهم في الأوقات والأحوال والأماكن والأشخاص وهل وضعت الشرائع إلا على هذا فكان نكاح الأخت حسنا في وقته حتى لم يكن بد منه في التناسل(2\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "331",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14787",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحفظ النوع الإنساني ثم صار قبيحا لما استغنى عنه فحرمه على عباده فأباحه في وقت كان فيه حسنا وحرمه في وقت صار فيه قبيحا وكذلك كل ما نسخه من الشرع بل الشريعة الواحدة كلها لا تخرج عن هذا وإن خفي وجه المصلحة والمفسدة فيه على أكثر الناس وكذلك إباحة الغنائم كان قبيحا في حق من قبلنا لئلا تحملهم إباحتها على القتال لأجلها والعمل لغير الله فتفوت عليهم مصلحة الإخلاص التي هي أعظم المصالح فحمى أحكم الحاكمين جانب هذه المصلحة العظيمة بتحريمها عليهم ليتمحض قتالهم لله لا للدنيا فكانت المصلحة في حقهم تحريمها عليهم ثم لما أوجد هذه الأمة التي هي أكمل الأمم عقولا وأرسخهم إيمانا وأعظمهم توحيدا وإخلاصا وأرغبهم في الآخرة وأزهدهم في الدنيا أباح لهم الغنائم وكانت إباحتها حسنة بالنسبة إليهم وإن كانت قبحة بالنسبة إلى من قبلهم فكانت كإباحة الطبيب اللحم للصحيح الذي لا يخشى عليه من مضرته وحميته منه للمريض المحموم وهذا الحكم فيما شرع في الشريعة الواحدة في وقت ثم نسخ في وقت آخر كالتخيير في الصوم في أول الإسلام بين الإطعام وبينه لما كان غير مألوف لهم ولا معتاد والطباع تأباه إذ هو هجر مألوفها ومحبوبها ولم تذق بعد حلاوته وعواقبه المحمودة وما في طيه من المصالح والمنافع فخيرت بينه وبين الإطعام وندبت إليه فلما عرفت علته يعني حكمته والفقه وعرفت ما تضمنه من المصالح والفوائد حتم عليها عينا ولم يقبل منها سواء فكان التخيير في وقته مصلحة وتعيين الصوم في وقته مصلحة فاقتضت الحكمة البالغة شرع كل حكم في وقته لأن المصلحة فيه في ذلك الوقت وكان فرض الصلاة أولا ركعتين ركعتين لما كانوا حديثي عهد بالإسلام ولم يكونوا معتادين لها ولا ألفتها طباعهم وعقولهم فرضت عليهم بوصف التخفيف فلما ذالت بها جوارحهم وطوعت بها أنفسهم وأطمأنت اليها قلوبهم وباشرت نعيمها لذتها وطيبها وذاقت حلاوة عبودية الله فيها ولذة مناجاته زيدت ضعفها وأقرت في السفر على الفرض الأول لحاجة المسافر إلى التخفيف ولمشقة السفر عليه فتأمل كيف جاء كل حكم في وقته مطابقا للمصلحة والحكمة شاهدا لله بأنه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين الذي بهرت حكمته العقول والألباب وبدا على صفحاتها بأن ما خالفها هو الباطل وأنها هي عين المصلحة والصواب ومن هذا أمره سبحانه لهم بالأعراض عن الكافرين وترك آذاهم والصبر عليهم والعفو عنهم لما كان ذلك عين المصلحة لقلة عدد المسلمين وضعف شوكتهم وغلبة عدوهم فكان هذا في حقهم إذ ذاك عين المصلحة فلما تحيزوا إلى دار وكثر عددهم وقويت شوكتهم وتجرأت أنفسهم لمناجزة عدوهم أذن لهم في ذلك أذنا من غير إيجاب عليهم ليذيقهم حلاوة النصر والظفر وعز الغلبة وكان الجهاد أشق شيء على النفوس فجعله أولا إلى اختيارهم إذنا لاحتما فلما ذاقوا عز النصر(2\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "332",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14788",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والظفر وعرفوا عواقبه الحميدة أوجبه عليهم حتما فانقادوا له طوعا ورغبة ومحبة فلو أتاهم الأمر به مفاجأة على ضعف وقلة لنفروا عنه أشد النفار وتأمل الحكمة الباهرة في شرع الصلاة أولا إلى بيت المقدس إذ كانت قبلة الأنبياء فبعث بما بعث به الرسل وبما يعرفه أهل الكتاب وكان استقبال بيت المقدس مقررا لنبوته وأنه بعث بما بعث به الأنبياء قبله وإن دعوته هي دعوة الرسل بعينها وليس بدعا من الرسل ولا مخالفا لهم بل مصدقا لهم مؤمنا بهم فلما استقرت أعلام نبوته في القلوب وقامت شواهد صدقه من كل جهة وشهدت القلوب له بأنه رسول الله حقا وإن أنكروا رسالته عنادا وحسدا وبغيا وعلم سبحانه أن المصلحة له ولأمته أن يستقبلوا الكعبة البيت الحرام افضل بقاع الارض وأحبها إلى الله وأعظم البيوت وأشرفها وأقدمها قرر قبله أمورا كالمقدمات بين يديه لعظم شأنه فذكر النسخ أولا وأنه إذا نسخ آية أو حكما أتى بخير منه أو مثله وأنه على كل شيء قدير وأن له ملك السموات والأرض ثم حذرهم التعنت على رسوله والإعراض كما فعل أهل الكتاب قبلهم ثم حذرهم من أهل الكتاب وعداوتهم وأنهم يودون لو ردوهم كفارا فلا يسمعوا منهم ولا يقبلوا قولهم ثم ذكر تعظيم دين الإسلام وتفضيله على اليهودية والنصرانية وأن أهله هم السعداء الفائزون لا أهل الأماني الباطلة ثم ذكر اختلاف اليهود والنصارى وشهادة بعضهم على بعض بأنهم ليسوا على شيء فحقيق بأهل الإسلام إن لا يقتدوا بهم وأن يخالفوهم في هديهم الباطل ثم ذكر جرم من منع عباده من ذكر اسمه في بيوته ومساجده وأن يعبد فيها وظلمه وأنه بذلك ساع في خرابها لأن عمارتها إنما هي بذكر اسمه وعبادته فيها ثم بين أن له المشرق والمغرب وأنه سبحانه لعظمته وإحاطته حيث استقبل المصلى فثم وجهه تعالى فلا يظن الظان أنه إذا استقبل البيت الحرام خرج عن كونه مستقبلا ربه وقبلته فإن الله واسع عليم ثم ذكر عبودية أهل السموات والأرض له وأنهم كل له قانتون ثم نبه على عدم المصلحة في موافقة أهل الكتاب وأن ذلك لا يعود باستصلاحهم ولا يرجى معه إيمانهم وأنهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم وضمن هذا تنبيه لطيف على أن موافقتهم في القبلة لا مصلحة فيها فسواء وافقتهم فيها أو خالفتهم فإنهم لن يرضوا عنك حتى تتبع ملتهم ثم أخبر أن هداه هو الهدى الحق وحذره من اتباع أهوائهم ثم انتقل إلى تعظيم إبراهيم صاحب البيت وبانيه والثناء عليه وذكر إمامته للناس وإنه أحق من اتبع ثم ذكر جلالة البيت وفضله وشرفه وأنه أمن للناس ومثابة لهم يثوبون إليه ولا يقضون منه وطرا وفي هذا تنبيه على أنه أحق بالاستقبال من غيره ثم أمرهم أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ثم ذكر بناء إبراهيم وإسماعيل البيت وتطهيره بعهده وإذنه ورفعهما قواعده وسؤالهما ربهما القبول منهما وأن تجعلهما مسلمين له ويريهما مناسكهما ويبعث في ذريتهما رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم(2\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "333",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14789",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويعلمهم الكتاب والحكمة ثم أخبر عن جهل من رغب عن ملة إبراهيم وسفه ونقصان عقله ثم أكد عليهم أن يكونوا على ملة إبراهيم وأنهم إن خرجوا عنها إلى يهودية أو نصرانية أو غيرها كانوا ضلالا غير مهتدين وهذه كلها مقدمات بين يدي الأمر باستقبال الكعبة لمن تأملها وتدبرها وعلم ارتباطها بشأن القبلة فإنه يعلم بذلك عظمة القرآن وجلالته وتنبيهه على كمال دينه وحسنه وجلالته وأنه هو عين المصلحة لعباده لا مصلحة لهم سواه وشوق بذلك النفوس إلى الشهادة له بالحسن والكمال والحكمة التامة فلما قرر ذلك كله أعلمهم بما سيقول السفهاء من الناس إذا تركوا قبلتهم لئلا يفجأهم من غير علم به فيعظم موقعه عندهم فلما وقع لم يهلهم ولم يصعب عليهم بل أخبر أن له المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ثم أخبر انه كما جعلهم أمة وسطا خيارا اختار لهم أوسط جهات الاستقبال وخيرها كما اختار لهم خير الأنبياء وشرع لهم خير الأديان وأنزل عليهم خير الكتب وجعلهم شهداء على الناس كلهم لكمال فضلهم وعلمهم وعدالتهم وظهرت حكمته في أن اختار لهم أفضل قبلة وأشرفها لتتكامل جهات الفضل في حقهم بالقبلة والرسول والكتاب والشريعة ثم نبه سبحانه على حكمته البالغة في أن جعل القبلة أولا هي بيت المقدس ليعلم سبحانه واقعا في الخارج ما كان معلوما له قبل وقوعه من يتبع الرسول في جميع أحواله وينقاد له ولأوامر الرب تعالى ويدين بها كيف كانت وحيث كانت فهذا هو المؤمن حقا الذي أعطى العبودية حقها ومن ينقلب على عقبيه ممن لم يرسخ في الإيمان قلبه ولم يستقر عليه قدمه فعارض وأعرض ورجع على حافره وشك في النبوة وخالط قلبه شبهة الكفار الذين قالوا أن كانت القبلة الأولى حقا فقد خرجتم عن الحق وأن كانت باطلا فقد كنتم على باطل وضاق عقله المنكوس عن القسم الثالث الحق وهو أنها كانت حقا ومصلحة في الوقت الأول ثم صارت مفسدة باطلة الاستقبال في الوقت الثاني ولهذا أخبر سبحانه عن عظم شأن هذا التحويل والنسخ في القبلة فقال وأن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله ثم أخبر أنه سبحانه لم يكن يضيع ما تقدم لهم من الصلوات إلى القبلة الأولى وأن رأفته ورحمته بهم تأبي إضاعة ذلك عليهم وقد كان طاعة لهم فلما قرر سبحانه ذلك كله وبين حسن هذه الجهة بعظمة البيت وعلو شأنه وجلالته قال قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وأكد ذلك عليهم مرة بعد مرة اعتناء بهذا الشأن وتفخيما له وأنه شأن ينبغي الاعتناء به والاحتفال بأمره فندبر هذا الاعتناء وهذا التقرير وبيان المصالح الناشئة من هذا الفرع من فروع الشريعة وبيان المفاسد الناشئة من خلافه وان كل جهة في وقتها كان استقبالها هو المصلحة وأن للرب تعالى الحكمة البالغة في شرع القبلة الأولى وتحويل عباده عنها إلى المسجد(2\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "334",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14790",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحرام فهذا معنى كون الحسن والقبح ذاتيا للفعل لا ناشئا من ذاته ولا ريب عند ذوي العقول أن مثل هذا يختلف باختلاف الأزمان والأمكنة والأحوال والأشخاص وتأمل حكمة الرب تعالى في أمره إبراهيم خليله بذبح ولده لأن الله اتخذه خليلا والخلة منزلة تقتضى إفراد الخليل بالمحبة وأن لا يكون له فيها منازع أصلا بل قد تخللت محبته جميع أجزاء القلب والروح فلم يبق فيها موضع خال من حبه فضلا عن أن يكون محلا لمحبة غيره فلما سأل إبراهيم الولد وأعطيه أخذ شعبة من قلبه كما يأخذ الولد شعبة من قلب والده فغار المحبوب على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره فأمره بذبح الولد ليخرج حبه من قلبه ويكون الله أحب إليه وآثر عنده ولا يبقى في القلب سوى محبته فوطن نفسه على ذلك وعزم عليه فخلصت المحبة لوليها ومستحقها فحصلت مصلحة المأمور به من العزم عليه وتوطين النفس على الامتثال فبقي الذبح مفسدة لحصول المصلحة بدونه فنسخه في حقه لما صار مفسدة وأمر به لما كان عزمه عليه وتوطين نفسه مصلحة لهما فأي حكمة فوق هذا وأي لطف وبر وإحسان يزيد على هذا وأي مصلحة فوق هذه المصلحة بالنسبة إلى هذا الأمر ونسخة وإذا تأملت الشرائع الناسخة والمنسوخة وجدتها كلها بهذه المنزلة فمنها ما يكون وجه المصلحة فيه ظاهرا مكشوفا ومنها ما يكون ذلك فيه خفيا لا يدرك إلا بفضل فطنة وجوده إدراك فصل وههنا سر بديع من أسرار الخلق والأمر به يتبين لك حقيقة الأمر وهو أن الله لم يخلق شيئا ولم يأمر بشيء ثم ابطله وأعدمه بالكلية بل لا بد أن يثبته بوجه ما لأنه إنما خلقه لحكمة له في خلقه وكذلك أمره به وشرعه إياه هو لما فيه من المصلحة ومعلوم أن تلك المصلحة والحكمة تقتضي ابقاءه فإذا عارض تلك المصلحة مصلحة أخرى أعظم منها كان ما اشتملت عليه أولى بالخلق والأمر ويبقى في الأولى ما شاء من الوجه الذي يتضمن المصلحة ويكون هذا من باب تزاحم المصالح والقاعدة فيها شرعا وخلقا تحصيلها واجتماعها بحسب الإمكان فإن تعذر قدمت المصلحة العظمى وإن فاتت الصغرى وإذا تأملت الشريعة والخلق رأيت ذلك ظاهرا وهذا سر قل من تفطن له من الناس فتأمل الأحكام المنسوخة حكما حكما كيف تجد المنسوخ لم يبطل بالكلية بل له بقاء بوجه فمن ذلك نسخ القبلة وبقاء بيت المقدس معظما محترما تشد إليه الرحال ويقصد بالسفر إليه وحط الأوزار عنده واستقباله مع غيره من الجهات في السفر فلم يبطل تعظيمه واحترامه بالكلية وإن بطل خصوص استقباله بالصلوات فالقصد إليه ليصلى فيه باق وهو نوع من تعظيمه وتشريفه بالصلاة فيه والتوجه إليه قصدا لفضيلته وشرعه له نسبة من التوجه إليه بالاستقبال(2\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "335",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14791",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالصلوات فقدم البيت الحرام عليه في الاستقبال لأن مصلحته أعظم وأكمل وبقي قصده وشد الرحال إليه والصلاة فيه منشأ للمصلحة فتمت للأمة المحمدية المصلحتان المتعلقتان بهذين البيتين وهذا نهاية ما يكون من اللطف وتحصيل المصالح وتكميلها لهم فتأمل هذا الموضع ومن ذلك نسخ التخيير في الصوم بتعيينه فإن له بقاء وبيانا ظاهرا وهو أن الرجل كان إذا أراد أفطر وتصدق فحصلت له مصلحة الصدقة دون مصلحة الصوم وإن شاء صام ولم يفد فحصلت له مصلحة الصوم دون الصدقة فحتم الصوم على المكلف لأن مصلحته أتم وأكمل من مصلحة الفدية وندب إلى الصدقة في شهر رمضان فإذا صام وتصدق حصلت له المصلحتان معا وهذا أكمل ما يكون من الصوم وهو الذي كان يفعله النبي فإنه كان أجود ما يكون في رمضان فلم تبطل المصلحة الأولى جملة بل قدم عليها ما هو أكمل منها وجوبا وشرع الجمع بينها وبين الأخرى ندبا واستحبابا ومن ذلك نسخ ثبات الواحد من المسلمين للعشرة من العدو بثباته للإثنين ولم تبطل الحكمة الأولى من كل وجه بل بقي استحبابه وإن زال وجوبه بل إذا غلب على ظن المسلمين ظفرهم بعدوهم وهم عشرة أمثالهم وجب عليهم الثبات وحرم عليهم الفرار فلم تبطل الحكمة الأولى من كل وجه ومن ذلك نسخ وجوب الصدقة بين يدي مناجاة الرسول لم يبطل حكمه بالكلية بل نسخ وجوبه وبقي استحبابه والندب إليه وما علم من تنبيهه وإشارته وهو أنه إذا استحبت الصدقة بين يدي مناجاة المخلوق فاستحبابها بين يدي مناجاة الله عند الصلوات والدعاء أولى فكان بعض السلف الصالح يتصدق بين يدي الصلاة والدعاء إذا أمكنه ويتأول هذه الأولوية ورأيت شيخ الإسلام ابن تيمة يفعله ويتحراه ما أمكنه وفاوضته فيه فذكر لي هذا التنبيه والإشارة ومن ذلك نسخ الصلوات الخمسين التي فرضها الله على رسوله ليلة الإسراء بخمس فإنها لم تبطل بالكلية بل اثبتت خمسين في الثواب والأجر خمسا في العمل والوجوب وقد أشار تعالى إلى هذا بعينه حيث يقول على لسان نبيه لا يبدل القول لدى هي خمس وهي خمسون في الأجر فتأمل هذه الحكمة البالغة والنعمة السابغة فإنه لما اقتضت المصلحة أن تكون خمسين تكميلا للثواب وسوقا لهم بها إلى أعلا المنازل واقتضت أيضا أن تكون خمسا لعجز الأمة وضعفهم وعدم احتمالهم الخمسين جعلها خمسا من وجه وخمسين من وجه جمعا بين المصالح وتكميلا لها ولو لم نطلع من حكمته في شرعه وأمره ولطفه بعباده ومراعاة مصالحهم وتحصيلها لهم على أتم الوجوه إلا على هذه الثلاثة وحدها لكفى بها دليلا على ما راءها فسبحان من له في كل ما خلق وأمر حكمة بالغة شاهدة له بأنه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأنه الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين ومن ذلك الوصية للوالدين والأقربين فإنها كانت واجبة على من حضره الموت ثم نسخ الله ذلك بآية المواريث وبقيت مشروعة في حق الأقارب الذين لا يرثون(2\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "336",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14792",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهل ذلك على سبيل الوجوب أو الاستحباب فيه قولان للسلف والخلف وهما في مذهب أحمد فعلى القول الأول بالاستحباب إذا أوصى للأجانب دونهم صحت الوصية ولا شيء للأقارب وعلى القول بالوجوب فهل لهم أن يبطلوا وصية الأجانب ويختصوا هم بالوصية كما للورثة يبطلوا وصية الوارث أو يبطلوا ما زاد على ثلث الثلث ويختصوا هم بثلثيه كما للورثة أن يبطلوا ما زاد على ثلث المال من الوصية ويكون الثلث في حقهم بمنزلة المال كله في حق الورثة على وجهين وهذا الثاني أقيس وأفقه وسره أن الثلث لما صار مستحقا لهم كان بمنزلة جميع المال في حق الورثة وهم لا يكونوا أقوى من الورثة فكما لا سبيل للورثة إلى أبطال الوصية بالثلث للأجانب فلا سبيل لهؤلاء إلى إبطال الوصية بثلث الثلث للأجانب وتحقيق هذه المسائل والكلام على ما أخذها له موضع آخر والمقصود هنا أن إيجاب الوصية للأقارب وأن نسخ لم يبطل بالكلية بل بقي منه ما هو منشأ المصلحة كما ذكرناه ونسخ منه مالا مصلحة فيه بل المصلحة في خلافه ومن ذلك نسخ الاعتداد في الوفاة بحول بالاعتداد بأربعة أشهر وعشر على المشهور من القولين في ذلك فلم تبطل العدة الأولى جملة ومن ذلك حبس الزانية في البيت حتى تموت فإنه على أحد القولين لا نسخ فيه لأنه مغيا بالموت أو يجعل الله لهن سبيلا وقد جعل الله لهن سبيلا بالحد وعلى القول الأخر هو منسوخ بالحد وهو عقوبة من جنس عقوبة الحبس فلم تبطل العقوبة عنها بالكلية بل نقلت من عقوبة إلى عقوبة وكانت العقوبة الأولى أصلح في وقتها لأنهم كانوا حديثي عهد بجاهلية وزنا فأمروا بحبس الزانية أولا ثم لما استوطنت أنفسهم على عقوبتها وخرجوا عن عوائد الجاهلية وركنوا إلى التحريم والعقوبة نقلوا إلى ما هو أغلظ من العقوبة الأولى وهو الرجم والجلد فكانت كل عقوبة في وقتها هي المصلحة التي لا يصلحهم سواها وهذا الذي ذكرناه إنما هو في نسخ الحكم الذي ثبت بشرعه وأمره وأما ما كان مستصحبا بالبراءة الأصلية فهذا لا يلزم من رفعه بقاء شيء منه لأنه لم يكن مصلحة لهم وإنما أخر عنهم تحريمه إلى وقت لضرب من المصلحة في تأخير التحريم ولم يلزم من ذلك أن يكون مصلحة حين فعلهم أياه وهذا كتحريم الربا والمسكر وغير ذلك من المحرمات التي كانوا يفعلونها استصابا لعدم التحريم فإنها لم تكن مصلحة في وقت ولهذا لم يشرعها الله تعالى ولهذا كان رفعها بالخطاب لا يسمى نسخا إذ لو كان ذلك نسخا لكانت الشريعة كلها نسخا وإنما النسخ رفع الحكم الثابت بالخطاب لا رفع موجب الاستصحاب وهذا متفق عليه فصل وأما ما خلقه سبحانه فإنه أوجده لحكمة في إيجاده فإذا اقتضت حكمته إعدامه جملة أعدمه وأحدث بدله وإذا اقتضت حكمته تبدليه وتغييره وتحويله من صورة بدله وغيره(2\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "337",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14793",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحوله ولم يعدمه جملة ومن فهم هذا فهم مسألة المعاد وما جاءت به الرسل فيه فإن القرآن والسنة إنما دلا على تغيير العالم وتحويله وتبديله لا جعله عدما محضا وإعدامه بالكلية فدل على تبديل الأرض غير الأرض والسماوات وعلى تشقق السماء وانفطارها وتكوير الشمس وانتثار الكواكب وسجر البحار وإنزال المطر على أجزاء بنى آدم المختلطة بالتراب فينبتون كما ينبت النبات وترد تلك الأرواح بعينها إلى تلك الأجساد التي أحيلت ثم أنشئت نشأة أخرى وكذلك القبور تبعثر وكذلك الجبال تسير ثم تنسف وتصير كالعهن المنفوش وتقيء الأرض يوم القيامة أفلاذ كبدها أمثال الاسطوان من الذهب والفضة وتميد الأرض وتدنو والشحى من رؤس الناس فهذا هو الذي أخبر به القرآن والسنة ولا سبيل لاحد من الملاحدة الفلاسفة وغيرهم إلى الاعتراض على هذا المعاد الذي جاءت به الرسل بحرف واحد وإنما اعتراضاتهم على المعاد الذي عليه طائفة من المتكلمين أن الرسل جاؤا به وهو أن الله يعدم أجزاء العالم العلوي والسفلي كلها فيجعلها عدما محضا ثم يعيد ذلك العدم وجودا ويا ليت شعري أين في القرآن والسنة أن الله يعدم ذرات العالم وأجزاءه جملة ثم يقلب ذلك العدم وجودا وهذا هو المعاد الذي أنكرته الفلاسفة ورمته بأنواع الاعتراضات وضروب الالزامات واحتاج المتكلمون إلى تعسف الجواب وتقريره بأنواع من المكابرات وأما المعاد الذي أخبرت به الرسل فبريء من ذلك كله مصون عنه لا مطمع للعقل في الاعتراض عليه ولا يقدح فيه شبهة واحد وقد أخبر سبحانه أنه يحي العظام بعد ما صارت رميما وأنه قد علم ما تنقص الأرض من لحوم بني آدم وعظامهم فيرد ذلك إليهم عند النشأة الثانية وأنه ينشىء تلك الأجساد بعينها بعد ما بليت نشأه أخري ويرد إليها تلك الأرواح فلم يدل على أنه يعدم تلك الأرواح ويفنيها حتى تصير عدما محضا فلم يدل القرآن على أنه يعدم تلك الأرواح ثم يخلقها خلقا جديدا ولا دل على أنه يفني الأرض والسموات ويعدمهما عدما صرفا ثم يجدد وجودهما وإنما دلت النصوص على تبديلهما وتغييرهما من حال إلى حال فلو أعطيت النصوص حقها لارتفع أكثر النزاع من العالم ولكن خفيت النصوص وفهم منها خلاف مرادها وانضاف إلى ذلك تسليط الآراء عليها واتباع ما تقضى به فتضاعف البلاء وعظم الجهل واشتدت المحنة وتفاقم الخطب وسبب ذلك كله الجهل بما جاء به الرسول وبالمراد منه فليس للعبد أنفع من سمع ما جاء به الرسول وعقل معناه وأما من لم يسمعه ولم يعقله فهو من الذين قال الله فيهم وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فلنرجع إلى الكلام عن الدليل المذكور وهو أن الحسن أو القبح لو كان ذاتيا لما اختلف إلى آخره فنقول قد بينا أن اختلافه بحسب الأزمنة والأمكنة والأحوال والشروط لا يخرجه عن كونه ذاتيا الثاني أنه ليس المعنى من كونه ذاتيا إلا أنه ناشىء من الفعل فالفاعل منشؤه وهذا(2\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "338",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14794",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يوجب اختلافه بدليل ما ذكرنا من الصور الثالث انه يجوز اقتضاء الذات الواحدة لأمرين متنافيين بحسب شرطين متنافيين فيقتضى التبريد مثلا في محل معين بشرط معين والتسخين في محل آخر بشرط آخر والجسم في حيزه يقتضي السكون فإذا خرج عن حيزه اقتضى الحركة واللحم يقتضي الصحة بشرط سلامة البدن من الحمى والمرض الممتنع منه الغذاء ويقتضي المرض بشرط كون الجسم محموما ونحوه ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى فإن قيل محل النزاع أن الفعل لذاته أو لوصف لازم له يقتضي الحسن والقبح والشرطان متنافيان يمتنع أن يكون كل واحد منهما وصفا لازما لأن اللازم يمتنع انفكاك الشيء عنه قيل معنى كونه يقتضي الحسن والقبح لذاته أو لوصفه اللازم أن الحسن ينشأ من ذاته أو من وصفه بشرط معين والقبح ينشأ من ذاته أو من وصفه بشرط آخر فإذا عدم شرط الاقتضاء أو وجد مانع يمنع الاقتضاء زال الأمر المترتب بحسب الذات أو الوصف لزوال شرطه أو لوجود مانعه وهذا واضح جدا: الثالث أن قولكم يحسن الكذب إذا تضمن عصمة نبى أو مسلم فهذا فيه طريقان أحدهما لا نسلم أنه يحسن الكذب فضلا عنأن يجب بل لا يكون الكذب إلا قبيحا وأما الذي يحسن فالتعريض والتورية كما وردت به السنة النبوية وكما عرض إبراهيم للملك الظالم بقوله هذه أختي لزوجته وكما قال أني سقيم فعرض بأنه سقيم قلبه من شركهم أو سيسقم يوما ما وكما فعل في قوله بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم أن كانوا ينطقون فأن الخبر والطلب كلاهما معلق بالشرط والشرط متصل بهما ومع هذا فسماها ثلاث كذبات وامتنع بها من مقام الشفاعة فكيف يصح دعواكم أن الكذب يجب إذا تضمن عصمة مسلم مع ذلك فأن قيل كيف سماها إبراهيم كذبات وهي تورية وتعريض صحيح قيل لا يلزمنا جواب هذا السؤال إذا الغرض أبطال استدلالكم وقد حصل فالجواب عنه تبرع منا وتكميل للفائدة ولم أجد في هذا المقام للناس جوابا شافيا يسكن القلب إليه وهذا السؤال لا يختص به طائفة معينة بل هو وارد عليكم بعينه وقد فتح الله الكريم بالجواب عنه فنقول الكلام له نسبتان نسبة إلى المتكلم وقصده وإرادته ونسبة إلى السامع وإفهام المتكلم إياه مضمونه فإذا أخبر المتكلم بخبر مطابق للواقع وقصد إفهام المخاطب فهو صدق من الجهتين وأن قصد خلاف الواقع وقصد مع ذلك إفهام المخاطب خلاف ما قصد بل معنى ثالثا لا هو الواقع ولا هو المراد فهو كذب من الجهتين بالنسبتين معا وإن قصد معنى مطابقا صحيحا وقصد مع ذلك التعمية على المخاطب وإفهامه خلاف ما قصده فهو صدق بالنسبة إلى قصده كذب بالنسبة إلى إفهامه ومن هذا الباب التورية والمعاريض وبهذا أطلق عليها إبراهيم الخليل عليه السلام اسم الكذب مع أنه الصادق في خبره ولم يخبر إلا صدقا فتأمل هذا الموضع الذي أشكل على الناس وقد ظهر بهذا أن الكذب لا يكون قط إلا(2\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "339",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14795",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قبيحا وأن الذي يحسن ويجب إنما هو التورية وهي صدق وقد يطلق عليها الكذب بالنسبة إلى الإفهام لا إلى العناية الطريق الثاني ان تخلف القبح عن الكذب لفوات شرط أو قيام مانع يقتضي مصلحة راجعة على الصدق لا تخرجه عن كونه قبيحا لذاته وتقريره ما تقدم وقد تقدم أن الله سبحانه حرم الميتة والدم ولحم الخنزير للمفسدة التي في تناولها وهي ناشئة من ذوات هذه المحرمات وتخلف التحريم عنها عند الضرورة لا يوجب أن تكون ذاتها غير مقتضية للمفسدة التي حرمت لأجلها فهكذا الكذب المتضمن نجاة نبي أو مسلم الوجه الرابع قوله لو كان ذاتيا لاجتمع النقيضان في صدق من قال لأكذبن غدا إلى آخر ما ذكر جوابه أنه متى يجتمع النقيضان إذا كان الحسن والقبح باعتبار واحد من جهة واحدة أو إذا كانا باعتبارين من جهتين أو أعم من ذلك فإن عنيتم الأول فمسلم ولكن لا نسلم الملازمة فإنه لا يلزم من اجتماع الحسن والقبح في الصورة المذكورة أن يكون لجهة واحدة واعتبار واحد فإن اجتماع الحسن والقبح فيهما باعتبارين مختلفين من جهتين متباينتين وهذا ليس ممتنعا فإنه إذا كان كذبا كان قبيحا بالنظر إلى ذاته وحسنا بالنظر إلى تضمنه صدق الخبر الأول ونظيره إن يقول والله لأشربن الخمر غدا أو والله لآسرقن هذا الثوب غدا ونحوه وأن عنيتم الثاني فهو حق ولكن لا نسلم انتفاء اللازم وأن عنيتم الثالث منعنا الملازمة أيضا على التقدير الأول وانتفاء اللازم على التقدير الثاني وهذا واضح جدا الوجه الخامس قوله القتل والضرب حسن إذا كان حدا أو قصاصا وقبيح في غيره فلو كان ذاتيا لاجتمع النقيضان كلام في غاية الفساد فإن القتل والضرب واحد بالنوع والقبيح ما كان ظنا وعدوانا والحس منه ما كان جزاء على إساءة أما حدا وأما قصاصا فلم يرجع الحسن والقبح إلى واحد بالعين ونظير هذا السجود فإنه في غاية الحسن لذاته إذا كان عبودية وخضوعا للواحد المعبود وفي غاية القبح إذا كان لغيره ولو سلمنا أن القتل والضرب الواحد بالعين إذا كان حدا أو قصاصا فإنه يكون حسنا قبيحا لم يكن ذلك محالا لأنه باعتبارين فهو حسن لما تضمنه من الزجر والنكال وعقوبة المستحق وقبيح بالنظر إلى المقتول المضروب فهو قبيح له حسن في نفسه وهذا كما أنه مكروه مبغوض له وهو محبوب مرضى لفاعله والآمر به فأي محال في هذا فظهر أن هذا الدليل فاسد والله أعلم فصل فهذه أقوى أدلة النفاة باعترافهم بضعف ما سواها فلا حاجة بنا إلى ذكرها وبيان فسادها فقد تبين الصبح لذي عينين وجلبت عليك المسئلة رافلة في حلل أدلتها الصحيحة وبراهينها(2\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "340",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14796",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المستقيمة ولا تغضض طرف بصيرتك عن هذه المسئلة فأن شأنها عظيم وخطبها جسيم وقد احتج بعضهم بدليل أفسد من هذا كله فقالوا لو حسن الفعل أو قبح لذاته او لصفته لم يكن الباريء تعالى مختارا في الحكم لأن الحكم بالمرجوح على خلاف المعقول فليزم الآخر فلا اختيار وتقرير هذا الاستدلال ببيان الملازمة المذكورة أولا وبيان انتفاء اللازم ثانيا أما المقام الأول وهو بيان الملازمة فإن الفعل لو حسن لذاته او لصفته لكان راجحا على الحسن في كونه متعلقا للوجوب أو الندب ولو قبح لذاته أو لصفته لكان راجحا على الحسن في كونه متعلقا للتحريم أو الكراهة فحينئذ إما أن يتعلق الحكم بالراجح المقتضي له او المرجوح المقتضي لضده والثاني باطل قطعا لا لاستلزامه ترجيح المرجوح وهو باطل بصريح العقل فتعين الأول ضرورة فإذا كان تعلق الحكم بالراجح لازما ضرورة لم يكن الباري مختارا في حكمه فتأمل هذه الشبهة ما أفسدها وأبين بطلانها والعجب ممن يرضى لنفسه ان يحتج يمثلها وحسبك فساد الحجة مضمونها أن الله تعالى لم يشرع السجود له وتعظيمه وشكره ويحرم السجود للصنم وتعظيمه لحسن هذا وقبح هذا مع استوائهما تفريقا بين المتماثلين فأي برهان أوضح من هذا على فساد هذه الشبهة الباطلة الثاني أن يقال هذا يوجب أن تكون أفعاله كلها مستلزمة للترجيح بغير مرجح إذ لو ترجح الفعل منها بمرجح لزم عدم الاختيار بعين ما ذكرتم إذا لحكم بالمرجح لازم فإن قيل لا يلزم الاضطرار وترك الاختيار لأن المرجح هو الإرادة والاختيار قيل فهلا قنعتم بهذا الجواب منا وقلتم إذا كان اختياره تعالى متعلقا بالفعل لما فيه من المصلحة الداعية إلى فعله وشرعه وتحريمه له ما فيه من المفسدة الداعية إلى تحريمه والمنع منه فكان الحكم بالراجح في الموضعين متعلقا باختياره تعالى وإرادته فإنه الحكيم في خلقه وأمره فإذا علم في الفعل مصلحة راجحة شرعية وأوجبه شرعه ووضعه وإذا علم فيه مفسدة راجحة كرهه وأبغضه وحرمه هذا في شرعه وكذلك في خلقه لم يفعل شيئا إلا ومصلحته راجحة وحكمته ظاهرة واشتماله على المصلحة والحكمة التي فعله لأجلها لا ينافي اختياره بل لا يتعلق بالفعل إلا لما فيه من المصلحة والحكمة وكذلك تركه لما فيه من خلاف حكمته فلا يلزم من تعلق الحكمة بالراجح أن لا يكون الحكم اختياريا فإن المختار الذي هو أحكم الحاكمين لا يختار إلا ما يكون على وفق الحكمة والمصلحة الثالث أن قوله إذا لزم تعلق الحكم بالراجح لم يكن مختارا تلبيس فإنه إنما تعلق بالراجح باختياره وإرادته واختياره وإرادته اقتضت تعلقه بالراجح على وجه اللزوم فكيف لا يكون مختارا واختياره استلزم تعلق الحكم بالراجح الرابع إن تعلق حكمه تعالى بالفعل المأمور به أو المنهي عنه إما أن يكون جائز الوجود والعدم أو راجح الوجود أو راجح العدم فإن كان جائز الطرفين لم بترجح أحدهما إلا بمرجح وإن كان راجحا فالتعلق لازم لأن الحكم(2\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "341",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14797",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يمتنع ثبوته مع المساواة ومع المرجوحية أما الأول فلا ستلزامه الترجيح بلا مرجح وأما الثاني فلا ستلزامه ترجيح المرجوح وهو باطل بصريح العقل فلا يثبت إلا مع المرجح التام وحينئذ فيلزله عدم الاختيار وما يجيبون به عن الإلزام المذكور هو جوابكم بعينه عن شبهتكم التي استدللتم بها الخامس أن هذه الشبهة الفاسدة مستلزمة لأحد الأمرين ولا بد أما الترجيح بلا مرجح وإما أن لا يكون الباري تعالى مختارا كما قررتم وكلاهما باطل السادس أنها تقتضي أن لا يكون في الوجود قادر مختار إلا من يرجح أحد المتساويين على الآخر بلا مرجح وأما من رجح أحد الجائزين بمرجح فلا يكون مختارا وهذا من أبطل الباطل بل القادر المختار لا يرجح أحد مقدريه على الآخر إلا بمرجح وهو معلوم بالضرورة واحتج النفاة أيضا بقوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ووجه الاحتجاج بالآية أنه سبحانه نفي التعذيب قبل بعثة الرسل فلو كان حسن الفعل وقبحه ثابتا له قبل الشرع لكان مرتكب القبح وتارك الحسن فاعلا للحرام وتاركا الواجب لأن قبحه عقلا يقتضي تحريمه عقلا عندكم وحسنه عقلا يقتضي وجوبه عقلا فإذا فعل المحرم وترك الواجب استحق العذاب عندكم والقرآن نص صريح أن الله لا يعذب بدون بعثة الرسل فهذا تقرير الاستدلال احتجاجا والتزاما ولا ريب أن الآية حجة على تناقض المثبتين إذا أثبتوا التعذيب قبل البعثة فيلزم تناقضهم وإبطال جمعهم بين هذين الحكمين إثبات الحسن والقبح عقلا وإثبات التعذيب على ذلك بدون البعثة وليس إبطال القول بمجموع الأمرين موجبا لإبطال كل واحد منهما فلعل الباطل هو قولهم بجواز التعذيب قبل البعثة وهذا هو المتعين لأنه خلاف نص القرآن وخلاف صريح العقل أيضا فأن الله سبحانه إنما أقام الحجة على العباد برسله قال تعالى رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل فهذا صريح بأن الحجة إنما قامت بالرسل وأنه بعد مجيئهم لا يكون للناس على الله حجة وهذا يدل على أنه لا يعذبهم قبل مجيء الرسل إليهم لأن الحجة حينئذ لم تقم عليهم فالصواب في المسئلة اثبات الحسن والقبح عقلا ونفي التعذيب على ذلك إلا بعد بعثة الرسل فالحسن والقبح العقلي لا يستلزم التعذيب وإنما يستلزمة مخالفة المرسلين وأما المعتزلة فقد أجابوا عن ذلك بأن قالوا الحسن والقبح العقلي يقتضي استحقاق العقاب على فعل القبيح وترك الحسن ولا يلزم من استحقاق العقاب وقوعه لجواز العفو عنه قالوا ولا يرد هذا علينا حيث نمنع العفو بعد البعثة إذا أو عد الرب على الفعل لأن العذاب قد صار واجبا بخبره ومستحقا بارتكاب القبيح وهو سبحانه لم يحصل منه إيعاد قبل البعثة فلا يقبح العفو لأنه لا يستلزم خلفا في الخبر وإنما غايته ترك حق له قد وجب قبل البعثة وهذا حسن والتحقيق في هذا أن سبب العقاب قائم قبل البعثة ولكن لا يلزم من وجود سبب العذاب حصوله لأن هذا السبب قد نصب الله تعالى له شرطا وهو بعثة الرسل وانتفاء التعذيب قبل البعثة هو لا نتفاء شرطه لا لعدم(2\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "342",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14798",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سببه ومقتضيه وهذا فصل الخطاب في هذا المقام وبه يزول كل إشكال في المسئلة وينقشع غيمها ويسفر صبحها والله الموفق للصواب واحتج بعضهم أيضا بأن قال لو كان الفعل حسنا لذاته لا متنع الشارع من نسخه قبل إيقاع المكلف له وقبل تمكنه منه لأنه إذا كان حسنا لذاته فهو منشأ للمصلحة الراجحة فكيف ينسخ ولم تحصل منه تلك المصلحة وأجاب المعتزلة عن هذا بالتزامه ومنعوا النسخ قبل وقت الفعل ونازعهم جمهور هذه الأمة في هذا الأصل وجوزوا وقوع النسخ قبل حضور وقت الفعل ثم انقسموا قسمين فنفاة التحسين والتقبيح بنوه على أصلهم ومثبتو التحسين والتقبيح أجابوا عن ذلك بأن المصلحة كما تنشأ من الفعل فأنها أيضا قد تنشأ من العزم عليه وتوطين النفس على الامتثال وتكون المصلحة المطلوبة هي العزم وتوطين النفس لا إيقاع الفعل في الخارج فإذا أمر المكلف بأمر فعزم عليه وتهيأ له ووطن نفسه على امتثاله فحصلت المصلحة المرادة منه لم يمتنع نسخ الفعل وإن لم يوقعه لأنه لا مصلحة له فيه وهذا كأمر إبراهيم الخليل بذبح ولده فإن المصلحة لم تكن في ذبحه وإنما كانت في استسلام الوالد والولد لأمر الله وعزمهما عليه وتوطينهما أنفسهما على امتثاله فلما حصلت هذه المصلحة بقي الذبح مفسدة في حقهما فنسخه الله ورفعه وهذا هو الجواب الحق الشافي في المسئلة وبه تتبين الحكمة الباهرة في إثبات ما أثبته الله من الأحكام ونسخ ما نسخه منها بعد وقوعه ونسخ ما نسخ منها قبل إيقاعه وأن له في ذلك كله من الحكم البالغة ما تشهد له بأنه احكم الحاكمين وأنه اللطيف الخبير الذي بهرت حكمته العقول فتبارك الله رب العالمين ومما احتج به النفاة أيضا أنه لو حسن الفعل أو قبح لغير الطلب لم يكن تعلق الطلب لنفسه لتوقفه على أمر زائد وتقرير هذه الحجة ان حسن الفعل وقبحه لا يجوز ان يكون لغير نفس الطلب بل لا معنى لحسنه إلا كونه مطلوبا للشارع أيجاده ولا لقبحه إلا كونه مطلوبا له إعدامه لأنه لو حسن وقبح لمعنى غير الطلب الشرعي لم يكن الطلب متعلقا بالمطلوب لنفسه بل كان التعلق لأجل ذلك المعنى فيتوقف الطلب على حصول الاعتبار الزائد على الفعل وهذا باطل لأن التعلق نسبة بين الطلب والفعل والنسبة بين الأمرين لا تتوقف إلا على حصولهما فإذا حصل الفعل تعلق الطلب به سواء حصل فيه اعتبار زائد على ذاته أولا فإن قلتم الطلب وأن لم يتوقف إلا على الفعل المطلوب والفاعل المطلوب منه لكن تعلقه بالفعل متوقف على جهة الحسن والقبح المقتضي لتعلق الطلب به قلنا الطلب قديم والجهة الموجبة للحسن والقبح حادثة ولا يصح توقف القديم على الحادث وسر الدليل أن تعلق الطلب بالفعل ذاتي فلا يجوز أن يكون معللا بأمر زائد على الفعل إذ لو كان تعلقه به معللا لم يكن ذاتيا وهذا وجه تقرير هذه الشبهة وان كان كثير من شراح المختصر لم يفهموا تقريرها على هذا الوجه فقرروها على وجه(2\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "343",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14799",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "آخر لا يفيد شيئا وبعد فهي شبهة فاسدة من وجوه: أحدها أن يقال ما تعنون بأن تعلق الطلب بالفعل ذاتي له أتعنون به أن التعلق مقوم لماهية الطلب وأن تقوم الماهية به كتقومها بجنسها وفصلها أم تعنون به أنه لا تعقل ماهية الطلب الا بالتعلق المذكور أم أمرا آخر فإن عنيتم الأول والتعلق نسبة إضافية وهي عدمية عندكم لا وجود لها في الأعيان فكيف تكون النسبة العدمية مقومة للماهية الوجودية وأنتم تقولون أنه ليس لمتعلق الطلب من الطلب صفة ثبوتية لأن هذا هو الكلام النفسي وليس لمتعلق القول فيه صفة ثبوتية وأن عنيتم الثاني فلا يلزم من ذلك توقف الطلب على اعتبار زائد على الفعل يكون ذلك الاعتبار شرطا في الطلب وأن عنيتم أمرا ثالثا فلا بد بيانه وعلى تقدير بيانه فإنه لا ينافي توقف التعلق على الشرط المذكور الثاني أن غاية ما قررتموه قررتموه أن التعلق ذاتي للطلب والذاتي لا يعلل كما ادعيتموه في المنطق دعوى مجردة ولم تقرروه ولم تبينوا ما معنى كونه غير معلل حتى ظن بعض المقلدين من المنطقيين أن معناه ثبوتية الذات لنفسه بغير واسطة وهذا في غاية الفساد لا يقوله من يدرى ما يقول وإنما معناه أنه لا تحتاج الذات في اتصافها به إلى علة مغايرة لعلة وجودها بل علة وجودها هي علة اتصاف الذات فهذا معنى كونه غير معلل بعلة خارجية عن علة الذات بل علة الذات علته وليس هذا موضع استقصاء الكلام على ذلك والمقصود أن كون التعلق ذاتيا للطلب فلا يعلل بغير علة الطلب لا ينافي توقفه على شرط فهب أن صفة الفعل لا تكون علة للتعلق فما المانع أن تكون شرطا له ويكون تعلق الطلب بالفعل مشروطا بكونه على الجهة المذكورة فإذا انتفت تلك الجهة انتفى التعلق لانتفاء شرطه وهذا مما لم يتعرضوا لبطلانه أصلا ولا سبيل لكم إلى أبطالة الثالث أن قولك الطلب قديم والجهة المذكورة حادثة للفعل ولا يصح توقف القديم على الحادث كلام في غاية البطلان فإن الفعل المطلوب حادث والطلب متوقف عليه إذ لا تتصور ماهية الطلب بدون المطلوب فما كان جوابكم عن توقف الطلب على الفعل الحادث فهو جوابنا عن توقفه على جهة الفعل الحادثة فإن جهته لا تزيد عليه بل هي صفة من صفاته فإن قلتم التوقف هاهنا إنما هو لتعلق الطلب بالمطلوب لا لنفس الطلب ولا تجدون محذورا في توقف التعلق لأنه حادث قلنا فهلا قنعتم بهذا الجواب في صفة الفعل وقلتم التوقف على الجهة المذكورة هو توقف التعلق لا توقف نفس الطلب فنسبة التعلق إلى جهة الفعل كنسبته إلى ذاته ونسبة الطلب إلى الجهة كنسبته إلى نفس الفعل سواء بسواء فنسبة القديم إلى أحد الحادثين كنسبته إلى الآخر ونسبة تعلقه بأحد الحادثين كنسبة تعلقه بالآخر فتبين فسادا الدليل المذكور وحسبك بمذهب فسادا استلزامه جواز ظهور المعجزة على يد الكاذب وإنه ليس بقبيح واستلزامه جواز نسبة الكذب إلى أصدق(2\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "344",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14800",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصادقين وأنه لا يقبح منه واستلزامه التسوية بين التثليث والتوحيد في العقل وأنه قبل ورود النبوة لا يقبح التثليث ولا عبادة الأصنام ولا مسبة المعبود ولا شيء من أنواع الكفر ولا السعي في الأرض بالفساد ولا تقبيح شيء من القبائح أصلا وقد التزم النفاة ذلك وقالوا أن هذه الأشياء لم تقبح عقلا وإنما جهة قبحها السمع فقط وانه لا فرق قبل السمع بين ذكر الله والثناء عليه وحمده وبين ضد ذلك ولا بين شكره بما يقدر عليه العبد وبين ضده ولا بين الصدق والكذب والعفة والفجور والإحسان إلى العالم والإساءة إليهم بوجه ما وإنما التفريق بالشرع بين متماثلين من كل وجه وقد كان تصور هذا المذهب على حقيقته كافيا في العلم ببطلانه وأن لا يتكلف رده ولهذا رغب عنه فحول الفقهاء والنظار من الطوائف كلهم فأطبق أصحاب أبي حنيفة على خلافه وحكوه عن أبي حنيفة نصا واختاره من أصحاب أحمد أبو الخطاب وابن عقيل وأبو يعلى الصغير ولم يقل أحد من متقدميهم بخلافه ولا يمكن أن ينقل عنهم حرف واحد موافق للنفاة واختاره من أئمة الشافعية الإمام أبو بكر محمد بن على بن إسماعيل القفال الكبير وبالغ في إثباته وبنى كتابه محاسن الشريعة عليه وأحسن فيه ما شاء وكذلك الإمام سعيد بن على الزنجانى بالغ في إنكاره على أبي الحسن الأشعرى القول بنفي التحسين والتقبيح وأنه لم يسبقه إليه أحد وكذلك أبو القاسم الراغب وكذلك أبو عبد الله الحليمى وخلائق لا يحصون وكل من تكلم في علل الشرع ومحاسنه وما تضمنه من المصالح ودرء المفاسد فلا يمكنه ذلك إلا بتقرير الحسن والقبح العقليين إذ لو كان حسنه وقبحه بمجرد الأمر والنهى لم يتعرض في إثبات ذلك لغير الأمر والنهي فقط وعلى تصحيح ذلك فالكلام في القياس وتعليق الأحكام بالأوصاف المناسبة المقتضية لها دون الأوصاف الطردية التي لا مناسبة فيها فيجعل الأول ضابطا للحكم دون الثاني لا يمكن إلا على إثبات هذا الأصل فلو تساوت الأوصاف في نفسها لانسد باب القياس والمناسبات والتعليل بالحكم والمصالح ومراعات الأوصاف المؤثرة دون الأوصاف التي لا تأثير لها فصل وإذا قد انتهينا في هذه المسئلة إلى هذا الموضع وهو بحرها ومعظمها فلنذكر سرها وغايتها وأصولها التي أثبتت عليها فبذلك تتم الفائدة فإن كثيرا من الأصوليين ذكروها مجردة ولم يتعرضوا لسرها وأصلها الذي أثبتت عليه وللمسئلة ثلاثة أصول هي أساسها الأصل الأول هل أفعال الرب تعالى وأوامره معللة بالحكم والغايات وهذه من أجل مسائل التوحيد المتعلقة بالخلق والأمر بالشرع والقدر الأصل الثاني أن تلك الحكم المقصودة فعل يقوم به سبحانه(2\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "345",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14801",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتعالى قيام الصفة به فيرجع إليه حكمها ويشتق له اسمها أم يرجع إلى المخلوق فقط من غير أن يعود إلى الرب منها حكم أو يشتق له منها اسم الأصل الثالث هل تعلق إرادة الرب تعالى بجميع الأفعال تعلق واحد فما وجد منها مراد له محبوب مرضى طاعة كان أو معصية وما لم يوجد منها فهو مكروه له مبغوض غير مراد طاعة كان أو معصية فهو يحب الأفعال الحسنة التي هي منشأ المصالح وأن لم يشأ تكوينها وإيجادها لأن في مشيئة لإيجادها فوات حكمة أخرى هي أحب إليه منها ويبغض الأفعال القبيحة التي هي منشأ المفاسد ويمنعها ويمقت أهلها وأن شاء تكوينها وإيجادها لما تستلزمه من حكمه ومصلحة هي أحب إليه منها ولا بد من توسط هذه الأفعال في وجودها فهذه الأصول الثلاثة عليها مدار هذه المسئلة ومسائل القدر والشرع وقد اختلف الناس فيها قديما وحديثا إلى اليوم فالجبرية تنفي الأصول الثلاثة وعندهم أن الله لا يفعل لحكمة ولا يأمر لها ولا يدخل في أمره وخلقه لام التعليل بوجه وإنما هي لام العاقبة كما لا يدخل في أفعاله باء السببية وإنما هي باء المصاحبة ومنهم من يثبت الأصل الثالث وينفي الاصلين الأولين كما هو أحد القولين للأشعري وقول كثير من أئمة أصحابه وأحد القولين لأبي المعالي والمشهور من مذهب المعتزلة إثبات الأصل الأول وهو التعليل بالحكم والمصالح ونفي الثاني بناء على قواعدهم الفاسدة في نفي الصفات فأما الأصل الثالث فهم فيه ضد الجبرية من كل وجه فهما طرفا نقيض فأنهم لا يثبتون لأفعال العباد سوى المحبة لحسنها والبغض لقبحها وأما المشيئة لها فعندهم أن مشيئة الله لا تتعلق بها بناء منهم على نفي خلق أفعال العباد فليست عندهم إرادة الله لها إلا بمعنى محبته لحسنها فقط وأما قبيحها فليس مراد الله بوجه وأما الجبرية فعندهم انه لم يتعلق بها سوى المشيئة والإرادة وأما المحبة عندهم فهي نفس الإرادة والمشيئة فما شاءه فقد أحبه ورضيه وأما أصحاب القول الوسط وهم أهل التحقيق من الأصوليين والفقهاء والمتكلمين فيثبتون الأصول الثلاثة فيثبتون الحكمة المقصودة بالفعل في أفعاله تعالى وأوامره ويجعلونها عائدة إليه حكما ومشتقا له اسمها فالمعاصي كلها مقوتة مكروهة وإن وقعت بمشيئته وخلقه والطاعات كلها محبوبة له مرضية وإن لم يشاها ممن لم يطعه ومن وجدت منه فقد تعلق بها المشيئة والحب فما لم يوجد من أنواع المعاصي فلم تتعلق به مشيئة ولا محبته وما وجد منها تعلقت به مشيئته دون محبته وما لم يوجد من الطاعات المقدرة تعلق بها محبته دون مشيئته وما وجد منها تعلق به محبته ومشيئته ومن لم يحكم هذه الأصول الثلاثة لم يستقر له في مسائل الحكم والتعليل والتحسين والتقبيح قدم بل لا بد من تناقضه ويتسلط عليه خصومه من جهة نفيه لواحد منها ولهذا لما رأى القدرية والجبرية أنهم لو سلموا للمعتزلة شيئا من هذه تسلطوا عليهم به سدوا على أنفسهم الباب(2\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "346",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14802",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالكلية وأنكروها جملة فلا حكمة عندهم ولا تعليل ولا محبة تزيد على المشيئة ولما أنكر المعتزلة رجوع الحكمة إليه تعالى سلطوا عليهم خصومهم فأبدوا تناقضهم وكشفوا عوراتهم ولما سلك أهل السنة القول الوسط وتوسطوا بين الفريقين لم يطمع أحد في مناقضتهم ولا في إفساد قولهم وأنت إذا تأملت حجج الطائفتين وما ألزمته كل منهما للأخرى علمت أن من سلك القول الوسط لم يلزمه شيء من إلزاماتهم ولا تناقضهم والحمد لله رب العالمين هادي من يشاء إلى صراط مستقيم فصل وقد سلم كثير من النفاة أن كون الفعل حسنا أو قبيحا بمعنى الملاءمة والمنافرة والكمال والنقصان عقلي وقال نحن لا ننازعكم في الحسن والقبح بهذين الاعتبارين وإنما النزاع في إثباته عقلا بمعنى كونه متعلق المدح والذم عاجلا والثواب والعقاب آجلا فعندنا لا مدخل للعقل في ذلك وإنما يعلم بالسمع المجرد قال هؤلاء فيطلق الحسن والقبح بمعنى الملاءمة والمنافرة وهو عقلي وبمعنى الكمال والنقصان وهو عقلي وبمعنى إستلزامه للثواب والعقاب وهو محل النزاع وهذا التفصيل لو أعطي حقه والتزمت لوازمه رفع النزاع وأعاد المسئلة اتفاقية وأن كون الفعل صفة كمال أو نقصان يستلزم إثباب تعلق الملاءمة والمنافرة لأن الكمال محبوب للعالم والنقص مبغوض له ولا معنى للملاءمة والمنافرة إلا الحب والبغض فإن الله سبحانه يحب الكامل من الأفعال والأقوال والأعمال ومحبته لذلك بحسب كماله ويبغض الناقص منها ويمقته ومقته له بحسب نقصانه ولهذا أسلفنا أن من أصول المسئلة إثبات صفة الحب والبغض لله فتأمل كيف عادت المسئلة إليه وتوقفت عليه والله سبحانه يحب كل ما أمر به ويبغض كل ما نهى عنه ولا يسمى ذلك ملاءمة أو منافرة بل يطلق عليه الأسماء التي أطلقها على نفسه وأطلقها عليه رسوله من محبته للفعل الحسن المأمور به وبغضه للفعل القبيح ومقته له وما ذاك إلا لكمال الأول ونقصان الثاني فإذا كان الفعل مستلزما للكمال والنقصان وأستلزامه له عقلي والكمال والنقصان يستلزم الحب والبغض الذي سميتموه ملاءمة ومنافرة واستلزامه عقلي فبيان كون الفعل حسنا كاملا محبوبا مرضيا وكونه قبيحا ناقصا مسحوطا مبغوضا أمر عقلي بقي حديث المدح والذم والثواب والعقاب ومن أحاط علما بما اسلفناه في ذلك انكشفت له المسئلة واسفرت عن وجهها وزال عنها كل شبهة وإشكال فأما المدح والذم فترتبه على النقصان والكمال والمتصف به وذمهم لمؤثر النقص والمتصف به أمر عقلي فطري وإنكاره يزاحم المكابرة وأما العقاب فقد قررنا أن ترتبه على فعل القبيح مشروط بالسمع وأنه إنما انتفي عند انتفاء السمع انتفاء المشروط لانتفاء شرطه لا انتفاءه لا انتفاء سببه فإن سببه قائم ومقتضيه موجود إلا أنه لم يتم لتوقف على شرطه وعلى(2\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "347",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14803",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا فكونه متعلقا للثواب والعقاب والمدح والذم عقلي وأن كان وقوع العقاب موقوفا على شرط وهو ورود السمع وهل يقال أن الاستحقاق ليس بثابت لأن ورود السمع شرط فيه هذا فيه طريقان للناس ولعل النزاع لفظي فإن أريد بالاستحاق الاستحقاق التام فالحق نفيه وأن أريد به قيام السبب والتخلف لفوات شرط أو وجود مانع فالحق إثباته فعادت الأقسام الثلاثة أعنى الكمال والنقصان والملاءمة والمنافرة والمدح والذم إلى عرف واحد وهو كون الفعل محبوبا أو مبغوضا ويلزم من كونه محبوبا أن يكون كمالا وأن يستحق عليه المدح والثواب ومن كونه مبعوضا أن يكون نقصا يستحق به الذم والعقاب فظهر أن التزام لوازم هذا التفصيل وإعطاءه حقه يرفع النزاع ويعيد المسئلة اتفاقية ولكن أصول الطائفتين تأبى التزام ذلك فلا بد لهما من التناقص إذا طردوا أصولهم وأما من كان أصله إثبات الحكمة واتصاف الرب تعالى بها وإثبات الحب والبغض له وأنهما أمر وراء المشيئة العامة فأصول مستلزمه لفروعه وفروعه دالة على أصوله فأصوله وفروعه لا تتناقص وأدلته لا تتمانع ولا تتعارض قال النفاة لو قدر نفسه وقد خلق تام الخلقة كامل العقل دفعة واحدة من أن يتخلق بأخلاق قوم ولا تأدب بتأديب الأبوين ولا تربي في الشرع ولا تعلم من متعلم ثم عرض عليه أمران أحدهما الاثنين أكثر من الواحد والثاني أن الكذب قبيح بمعنى أنه يستحق من الله تعالى لوما عليه لم نشك أنه لا يتوقف في الأول ويتوقف في الثاني ومن حكم بأن الأمرين سيان بالنسبة إلى عقله خرج عن قضايا العقول وعاند كعناد الفضول كيف ولو تقرر عنده أن الله تعالى لا يتضرر بكذب ولا ينتفع بصدق وأن القولين في حكم التكليف على وتيرة واحدة لم يمكنه أن يرد أحدهما دون الثاني بمجرد عقله والذي يوضحه أن الصدق والكذب على حقيقة ذاتية لا تتحقق ذاتهما إلا بأركان تلك الحقيقة مثلا كما يقال أن الصدق إخبار عن أمر على ما هو عليه والكذب أخبار عن أمر على خلاف ما هو به ونحن نعلم أن من أدرك هذه الحقيقة عرف المحقق ولم يخطر بباله كونه حسنا أو قبيحا فلم يدخل الحسن والقبح إذا في صفاتهما الذاتية التي تحققت حقيقتهما بها ولوازمها في الوهم بالبديهة كما بينا ولألزمها في الوجود ضرورة فأن من الأخبار التي هي صادقة ما يلام عليه من الدلالة على هرب من ظالم ومن الأخبار التي هي كاذبة ما يثاب عليها مثل إنكار الدلالة عليه فلم يدخل كون الكذب قبيحا في حد الكذب ولا لزمه في الوهم ولا لزمه في الوجود فلا يجوز أن يعد من الصفات الذاتية التي تلزم النفس وجودا وعدما عندهم ولا يجوز أن يعد من الصفات التابعة للحدوث فلا يعقل بالبديهة ولا بالنظر فإن النظر لا بد أن يرد إلى الضروري أي(2\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "348",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14804",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البديهي وإذ لا بديهي فلا مرد له أصلا فلم يبق لهم إلا الاسترواح إلى عادات الناس من تسمية ما يضر بهم قبيحا وما ينفعهم حسنا ونحن لا ننكر أمثال تلك الاسامي على أنها تختلف بعادة قوم وزمان ومكان دون مكان وإضافة دون إضافة وما يختلف بتلك النسب والإضافات لا حقيقة له في الذات فربما يستحسن قوم ذبح الحيوان وربما يستقبحه قوم وربما يكون بالنسبة إلى قوم وزمان حسنا وربما يكون قبيحا لكنا وضعنا الكلام في حكم التكليف بحيث يجب الحسن به وجوبا يثاب عليه قطعا ولا يتطرق إليه لوم أصلا ومثل هذا يمتنع إدراكه عقلا قالوا فهذه طريقة أهل الحق على أحسن ما تقرر وأحسن ما تحرر قالوا وأيضا فنحن لا ننكر اشتهار حسن الفضائل التي ذكر ضربهم بها الأمثال وقبحها بين الخلق وكونها محمودة مشكورة مثني على فاعلها أو مذمومه مذموما فاعلها ولكنا نثبتها إما بالشرائع وأما بالأغراض ونحن إنما ننكرها في حق الله عز وجل لانتفاء الأغراض عنه فإما إطلاق الناس هذه الألفاظ فيما يدور بينهم فيستمد من الأغراض ولكن قد تبدو الأغراض وتخفي فلا ينتبه لها إلا المحققون قالوا ونحن ننبه على مثارات الغلط فيه وهي ثلاثة مثارات يغلط الوهم فيها الأولى أن الإنسان يطلق اسم القبح على ما يخالف غرضه وأن كان يوافق غرض غيره من حيث أنه لا يلتفت إلى الغير فإن كل طبع مشغوف بنفسه ومستحقر لغيره فيقضي بالقبح مطلقا وربما يضيف القبح إلى ذات الشيء ويقول هو في نفسه قبيح فقد قضى بثلاثة أمور هو مصيب في واحد منها وهو أصل الاستقباح مخطىء في أمرين أحدهما إضافة القبح إلى ذاته وغفل عن كونه قبيحا لمخالفة غرضه والثاني حكمه بالقبح مطلقا ومنشؤه عدم الالتفات إلى غيره بل عن الالتفات إلى بعض أحوال نفسه فإنه قد يستحسن في بعض الأحوال عين ما يستقبحه إذا اختلف الغرض الغلطة الثانية سببها أن الوهم غالب للعقل في جميع الأحوال إلا في حالة نادرة قد لا يلتفت الوهم إلى تلك الحالة النادرة عند ذكرها كحكمه على الكذب بأنه قبيح مطلقا وغفلته عن الكذب الذي يستفاد منه عصمة نبي أو ولى وإذا قضى بالقبح مطلقا واستمر عليه مرة وتكرر ذلك على سمعه ولسانه إنغرس في قلبه استقباحه والنفرة منه فلو وقعت تلك الحالة النادرة وجد في نفسه نفرة عنه لطول نشوه على الاستقباح فإنه ألقي إليه منذ الصبا على سبيل التأديب والإرشاد أن الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه أحد ولا ينبه على حسنه في بعض الأحوال خيفة من أن لا تستحكم نفرته عن الكذب فيقدم عليه وهو قبيح في أكثر الأحوال والسماع في الصغر كالنقش في الحجر وينغرس في النفس ويجد التصديق به مطلقا وهو صدق لكن لا على الإطلاق بل في أكثر الأحوال اعتقده مطلقا الغلطة الثالثة سببها سبق الوهم إلى العكس فأن من رأى شيئا مقرونا بشيء يظن أن الشيء لا محالة مقرون به مطلقا ولا يدري أن الأخص أبدا مقرون الأعمبالأعم لا يلزم(2\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "349",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14805",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن يكون مقرونا بالأخص ومثاله نفرة نفس الذي نهشته الحية عن الحبل المرقش اللون لأنه وجد الأذى مقرونا بهذه الصورة فتوهم أن هذه الصورة مقرونة بالأذى وكذلك ينفر عن العسل إذا شبهه بالعذرة لأنه وجد الاستقذار مقرونا بالرطب الأصفر فتوهم أن الرطب الأصفر يقترن به الاستقذار وقد يغلب عليه الوهم حتى يتعذر الأكل وأن كان حكم العقل يكذب الوهم ولكن خلقت قوى النفس مطيعة للأوهام وأن كانت كاذبة حتى أن الطبع ينفر عن حسناء سميت باسم اليهود إذ وجد الاسم مقرونا بالقبح فظن أن القبح أيضا يلازم الاسم ولهذا يورد على بعض العوام مسئلة عقلية جلية فيقبلها فإذا قلت هذا مذهب الاشعري أو المعتزلي أو الظاهري أو غيره نفر عنه أن كان سيء الاعتقاد فيمن نسبتها إليه وليس هذا طبع العامي بل طبع أكثر العقلاء المتوسمين بالعلم إلا العلماء الراسخين الذين أراهم الله الحق حقا وقواهم على إتباعه وأكثر الخلق ترى نفوسهم مطيعة للأوهام الكاذبة مع علمهم بكذبها وأكثر أقدام الخلق وإحجامهم بسبب هذه الأوهام فأن الوهم عظيم الاستيلاء وكذلك ينفر طبع الإنسان عن المبيت في بيت فيه ميت مع قطعة بأنه لا يتحرك ولكنه يتوهم في كل ساعة حركته ونطقه قالوا فإذا انتبهت لهذه المثارات عرفت بها سر القضايا التي تستحسنها العقول وسر استحسانها إياها والقضايا التي تستقبحها العقول وسر استقباحها لها ولنضرب لذلك مثلين وهما مما يحتج بهما علينا أهل الإثبات المثل الأول الملك العظيم المستولي على الأقاليم إذا رأى ضعيفا مشرفا على الهلاك فإنه يميل إلى إنقاذه ويستحسنه وأن كان لا يعتقد أصل الدين لينتظر ثوابا أو مجازاة ولا سيما إذا لم يعرفه المسكين ولم يره بأن كان أعمى أصم لا يسمع الصوت وأن كان لا يوافق ذلك غرضه بل ربما يتعب به بل يحكم العقلاء بحسن الصبر على السيف إذا أكره على كلمة الكفر أو على إفشاء السر ونقض العهد وهو على خلاف غرض الكفرة وعلى الجملة فاستحسان مكارم الأخلاق وإفاضة النعم لا ينكره إلا من عاند المثل الثاني العاقل إذا سنحت له حاجة وأمكن قضاؤها بالصدق كما أمكن بالكذب بحيث تساويا في حصول الغرض منهما كل التساوي فإنه يؤثر الصدق ويختاره ويميل إليه طبعه وما ذاك إلا لحسنه فلولا أن الكذب على صفة يجب عنده الاحتراز عنه وإلا لما ترجح الصدق عنده قالوا وهذا الغرض واضح في حق من أنكر الشرائع وفي حق من لم تبلغه الدعوة حتى لا يلزموننا كون الترجيح بالتكليف فهذا من حججهم ونحن نجيب عن ذلك فتبين أنه لا يثبت حكم على هذين المثالين فنقول أما قضية إنقاذ الملك وحسنه حتى في حق من لم تبلغه الدعوة وأنكر الشرائع فسببه دفع الأذى الذي يلحق الإنسان من رقة القلب وهو طبع يستحيل الأنفكاك عنه وذلك لأن الإنسان يقدر نفسه في تلك البلية ويقدر غيره معرضا عن الإنقاذ فيستقبحه منه لمخالفة غرضه فيعود ويقدر ذلك الاستقباح من المشرف على الهلاك في حق نفسه فيدفع عن نفسه ذلك القبح(2\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "350",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14806",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المتوهم فإن فرض في بهيمة أو شخص لا رقة فيه يفيد تصوره لو تصوره فيبقى أمر آخر وهو طلب الثناء على إحسانه فإن فرض بحيث لا يعلم أنه المنفذ فيتوقع أن يعلم فيكون ذلك التوقع باعثا فإن فرض في موضع يستحيل أن يعلم فيبقي ميل وترجيح يضاهي نفرة طبع السليم عن الحبل وذلك أنه رأى هذه الصورة مقرونة بالثناء فيظن أن الثناء مقرون بها بكل حال كما أنه لما رأى الأذى مقرونا بصورة الحبل فطبعه ينفر عن الأذى فينفر عن المقرون به فالمقرون باللذيذ لذيذ والمقرون بالمكروه مكروه بل الإنسان إذا جالس من عشقه في مكان فإذا نتهي إليه أحس في نفسه ذلك المكان من غيره قال الشاعر أمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا وقال ابن الرومي منبها على سبب حب الأوطان وحبب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكر تهموا ... عهودا جرت فيها فحنوا لذلكا قال وشواهد ذلك مما يكثر وكل ذلك من حكم الوهم قالوا وأما الصبر على السيف في تركه كلمة الكفر مع طمأنينة النفس فلا يستحسنه جميع العقلاء لولا الشرع بل ربما استقبحوه فإنما يستحسنه من ينتظر الثواب على الصبر أو من ينتظر الثناء عليه بالشجاعة والصلابة في الدين فكم من شجاع ركب متن الخطر وهجم على عدد وهو يعلم أنه لا يطيقهم ويستحقر ما يناله من الألم لما يعتاضه من توهم الثناء والحمد ولو بعد موته وكذلك إخفاء السر وحفظ العهد إنما يتواصى الناس بهما لما فيهما من المصالح ولذلك أكثروا الثناء عليهما فمن يحتمل الضرر لا لله فإنما يحتمله لأجل الثناء فإن فرض من لا يستولي عليه هذا الوهم ولا ينتظر الثناء والثواب فهو يستقبح السعي في هلاك نفسه بغير فائدة ويستحمق من يفعل ذلك قطعا فمن يسلم أن مثل ذلك يؤثر الهلاك على الحياة قالوا وهذا هو الجواب عمن عرضت له حاجة وأمكن قضاؤها بالصدق والكذب واستويا عنده وإيثاره الصدق على أنا نقول تقدير استواء الصدق والكذب في المقصود مع قطع النظر عن الغير تقدير مستحيل لأن الصدق والكذب متنافيان ومن المحال تساوي المتنافيين في جميع الصفات فلأجل ذلك التقدير المستحيل يستبعد العقل إيثار الكذب ومنع إيثار الصدق قالوا ولا يلزم من استبعاد منع إيثار الصدق على التقدير المستحيل استبعاده في نفس الأمر وإنما يلزم لو كان التقدير المستلزم واقعا وهو ممنوع قالوا ولئن سلمنا أن ذلك التقدير ممكن فغايته أن يدل على حسن الصدق شاهدا ولكن لا(2\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "351",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14807",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يلزم حسنه غائبا إلا بطريق قياس الغائب على الشاهد وهو فاسد لوضوح الفرق المانع من القياس والذي يقطع دابر القياس أن السيد لو رأى عبيده وإماءه يموج بعضهم في بعض ويركبون الظلم والفواحش وهو مطلع عليهم قادر على منعهم لقبح ذلك منه والله عز وجل قد فعل ذلك بعباده بل أعانهم وأمدهم ولم يقبح منه سبحانه ولا يصح قولهم انه سبحانه تركهم لينزجروا بأنفسهم ليستحقوا الثواب لأنه سبحانه قد علم أنهم لا ينزجرون ولم لم يمنعهم قهرا فكم من ممنوع من الفواحش لعلة وعجز وذلك أحسن من تمكينه مع العلم بأنه لا ينزجر وبالجملة فقياس أفعال الله على أفعال العباد باطل قطعا ومحض التشبيه في الأفعال ولهذا جمعت المعتزلة القدرية بين التعطيل في الصفات والتشبيه في الأفعال فهم معطلة مشبهة لباسهم معلم من الطرفين كيف وأن إنقاذ الغريق الذي استدللتم به حجة عليكم فإن نفس الإغراق والإهلاك يحسن منه سبحانه ولا يقبح وهو أقبح شيء منا فالأنقاذ إن كان حسنا فالإغراق يجب أن يكون قبيحا فإن قلتم لعل في ضمن الإغراق والإهلاك سرا لم نطلع عليه وغرضا لم نصل إليه فقدروا مثله في ترك إنقاذنا نحن للغرقى بل في إهلاكنا لمن نهلكه والفعلان من حيث التكليف والإيجاب مستويان عقلا وشرعا فإنه سبحانه لا يتضرر بمعصية العبد ولا ينتفع بطاعته ولا تتوقف قدرته في الإحسان إلى العبد على فعل يصدر من العبد بل كلما أنعم عليه ابتداء بأجزل المواهب وأفضل العطايا من حسن الصورة وكمال الخلقة وقوام البنية وإعداد الآلة وإتمام الأداة تعديل القامة وما متعه به من روح الحياة وفضله من حياة الأرواح وما أكرمه به من قبول العلم وهداه إلى معرفته التي هي أسنى جوائزه وأن تعدوا نعمة الله لا تحصوها فهو سبحانه أقدر على الإنعام عليه دواما فكيف يوجب على العبيد عبادة شاقة في الحال لارتقاب ثواب في ثاني الحال أليس لو ألقي إليه زمام الاختيار حتى يفعل ما يشاء جريا على سوق طبعه المائل إلى لذيذ الشهوات ثم أجزل له في العطاء من غير حساب كان ذلك أروح للعبد ولم يكن قبيحا عند العقل فقد تعارض الأمران: أحدهما أن يكلفهم فيأمر وينهى حتى يطاع ويعصى ثم يثيبهم ويعاقبهم على فعلهم الثاني أنه لا يكلفهم بأمر ولا نهى إذ لا ينتفع سبحانه منهم بطاعة لا يتضرر منهم بمعصية كلا بل لا تكون نعمه ثوابا بل ابتداء وإذا تعارض في العقول هذان الأمران فكيف يهتدي العقل إلى اختيار أحدهما حقا وقطعا فكيف تعرفنا العقول وجوبا على النفس بالمعرفة وعلى الجوارح بالطاعة وعلى الباري سبحانه بالثواب والعقاب قالوا ولا سيما على أصول المعتزلة القدرية فإن التكليف بالأمر والنهى والإيجاب من الله لا حقيقة له على أصلهم فإنه لا يرجع إلى ذات الرب تعالى صفة يكون بها آمرا ناهيا موجبا مكلفا بالأمر والنهى للخلق ومعلوم أنه لا يرجع إلى ذاته من الخلق صفة(2\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "352",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14808",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعقل عندهم إنما يعرفه على هذه الصفة ويستحيل عندهم أن يعرفه بأنه يقتضي ويطلب منه شيئا أو يأمره وينهاه بشيء كما يعقل كما يعقل الأمر والنهي بالطلب القائم بالآمر والناهي فإذا لم يقم به طلب استحال أن يكون آمرا ناهيا فغاية العقل عندهم أن يعرفه على صفة يستحيل عليه الاتصاف بالأمر والنهى فكيف يعرفه على صفة يريد منه طاعة فيستحق عليها ثوابا أو يكره منه معصية يستحق عليها عقابا وإذ لا أمر ولا نهى يعقل فلا طاعة ولا معصية إذا هما فرع الأمر والنهى فلا ثواب ولا عقاب إذ هما فرع الطاعة والمعصية وغاية ما يقولون أنه يخلق في الهواء أو في بحر أفعل أو لا تفعل بشرط أن لا يدل الأمر والنهى المخلوق على صفة في ذاته غير كونه عالما قادرا ومعلوم أن هذا لا يدل ألا على كون الفاعل قادرا عالما حيا مريدا لفعله وأما دلالته على حقيقة الأمر والنهى المستلزمة للطاعة والمعصية المستلزمين للثواب والعقاب فلا فتعرف من ذلك أن من نفي قيام الكلام والأمر والنهى بذات الله لم يمكنه إثبات التكليف على العبد أبدا ولا إثبات حكم للفعل بحسن ولا قبح وفي ذلك إبطال الشرائع جملة مع استنادها إلى قول من قامت البراهين على صدقه ودلت المعجزة على نبوته فضلا عن الأحكام العقلية المتعارضة المستندة إلى عادات الناس المختلفة بالإضافة والنسب والأزمنة والأمكنة والأقوال وقد عرف بهذا أن من نفي قول الله وكلامه فقد نفي التكليف جملة وصار من أخبث القدرية وشرهم مقالة حيث أثبت تكليفا وإيجابا وتحريما بلا أمر ولا نهي ولا اقتضاء ولا طلب وهذه مقدرته في حق الرب تعالى وأثبت فعلا وطاعة ومعصية بلا فاعل ولا محدث وهذه مقدرته في حق العبد فليتنبه لهذه الثلاثة قالوا وأيضا فما من معنى يستنبط من قول أو فعل ليربط به حكم مناسب له إلا ومن جنسه في العقل أمر آخر يعارضه يساويه في الدرجة أو يفضل عليه في المرتبة فيتحير العقل في الاختيار إلى أن يرد شرع يختار أحدهما ويرجحه من تلقائة فيجب على العاقل اعتباره واختياره لترجيح الشرع له لا لرجحانه في نفسه ونضرب لذلك مثالا فنقول إذا قتل إنسان مثله عرض للعقل الصريح هاهنا آراء متعارضة مختلفة منها أنه يجب أن يقتل قصاصا ردعا للجناة وزجرا للطغاة وحفظا للحياة وشفاء للغيظ وتبريدا لحر المصيبة اللاحقة لأولياء القتيل ويعارضه معنى آخر أنه إتلاف بازاء إتلاف وعدوان في مقابلة عدوان ولا يحيا الأول بقتل الثاني ففيه تكثير المفسدة بإعدام النفسين وأما مصلحة الردع والزجر واستبقاء النوع فأمر متوهم وفي القصاص استهلاك محقق فقد تعارض الأمر ان وربما يعارضه أيضا معنى ثالث وراء هما فيفكر العقل أيراعى شرائط آخر وراء مجرد الإنسانية من العقل والبلوغ والعلم والجهل والكمال والنقص والقرابة والأجنبية أولا فيتحير العقل كل التحير فلا بد إذا من شارع يفصل هذه الخطة ويقرر قانونا يطرد عليه أمر الأمة وتستقيم عليه مصالحهم(2\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "353",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14809",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وظهر بهذا أن المعاني المستنبطة إذا كانت راجعة إلى مجرد استنباط العقل فيلزم من ذلك أن تكون الحركة الواحدة مشتملة على صفات متناقضة واحوال متنافرة وليس معنى قولنا أن العقل استنبط منها أنها كانت موجودة في الشيء فاستخرجها العقل بل العقل تردد بين إضافات الأحوال بعضها إلى بعض ونسب الأشخاص والحركات نوعا إلى نوع وشخصا إلى شخص فيطرأ عليه من تلك المعاني ما حكيناه وأحصيناه وربما يبلغ مبلغا يشذ عن الإحصاء فعرف بذلك أن المعاني لم ترجع إلى الذات بل مجرد الخواطر الطارئة على الأصل وهي متعارضة قالوا وأيضا لوثبت الحسن والقبح العقليان لتعلق بهما الإيجاب والتحريم شاهدا وغائبا على العبد والرب واللازم محال فالملزوم كذلك أما الملازمة فقد كفانا أهل الإثبات تقريرها بالتزامهم أنه يجب على العبد عقلا بعض الأفعال الحسنة ويحرم عليه القبيح ويستحق الثواب والعقاب على ذلك وأنه يجب على الرب تعالى فعل الحسن ورعاية الصلاح والأصلح ويحرم عليه فعل القبيح والشر ومالا فائدة فيه كالعبث ووضعوا بعقولهم شريعة أوجبوا بها على الرب تعالى وحرموا عليه وهذا عندهم ثمرة المسئلة وفائدتها وأما انتفاء اللازم فإن الوجوب والتحريم بدون الشرع ممتنع إذ لو ثبت بدونه لقامت الحجة بدون الرسل والله سبحانه إنما أثبت الحجة بالرسل خاصة كما قال تعالى لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وأيضا فلو ثبت بدون الشرع لا يستحق الثواب والعقاب عليه وقد نفى الله سبحانه العقاب قبل البعثة فقال وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقال تعالى وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فإنما احتج عليهم بالنذير وقال تعالى ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون والحق هاهنا هو ما بعث به المرسلون باتفاق المفسرين وقال تعالى كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير وقال تعالى ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين فلا يسألهم تبارك وتعالى عن موجبات عقولهم بل عما أجابوا به رسله فعليه يقع الثواب والعقاب وقال تعالى ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم فاحتج عليهم تبارك وتعالى بما عهده إليهم على ألسنة رسله خاصة فإن عهده هو أمره ونهيه الذي بلغته رسله وقال تعالى وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين فهذا في حكم الوجوب والتحريم على العباد قبل البعثة وأما انتفاء الوجوب والتحريم على من له الخلق والأمر ولا يسأل عما يفعل فمن وجوه متعددة أحدها أن الوجوب والتحريم في حقه سبحانه غير(2\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "354",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14810",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معقول على الإطلاق وكيف يعلم أنه سبحانه يجب عليه أن يمدح ويذم ويثيب ويعاقب على الفعل بمجرد العقل وهل ذلك إلا مغيب عنا فيم نعرف أنه رضى عن فاعل وسخط على فاعل وأنه يثيب هذا ويعاقب هذا ولم يخبر عنه بذلك مخبر صادق ولا دل على مواقع رضاه وسخطه عقل ولا أخبر عن محكومه ومعلومه مخبر فلم يبق إلا قياس أفعاله على أفعال عباده وهو من أفسد القياس وأعظمه بطلانا فأنه تعالى كما أنه ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته فكذلك ليس كمثله شيء في أفعاله وكيف يقاس على خلقه في أفعاله فيحسن منه ما يحسن منهم ويقبح منه ما يقبح منهم ونحن نرى كثيرا من الأفعال تقبح منا وهي حسنة منه تعالى كإيلام الأطفال والحيوان وإهلاك من لو أهلكناه نحن لقبح منا من الأموال والأنفس وهو منه تعالى مستحسن غير مستقبح وقد سئل بعض العلماء عن ذلك فأنشد السائل ويقبح من سواك الفعل عندي ... فتفعله فيحسن منك ذاكا ونحن نرى ترك إنقاذ الفرقي والهلكي قبيحا منا وهو سبحانه إذا أغرقهم وأهلكهم لم يكن قبيحا منه ونرى ترك أحدنا عبيده وإماءه يقتل بعضهم بعضا ويسيء بعضهم بعضا ويفسد بعضهم بعضا وهو متمكن من منعهم قبيحا وهو سبحانه قد ترك عباده كذلك وهو قادر على منعهم وهو منه حسن غير قبيح وإذا كان هذا شأنه سبحانه وشأننا فكيف يصبح قياس أفعاله على أفعالنا فلا يدرك إذا للوجوب والتحريم عليه وجه كيف والإيجاب والتحريم يقتضي موجبا ومحرما آمرا ناهيا وبينه فرق وبين الذي يجب عليه ويحرم وهذا محال في حق الواحد القهار فالإيجاب والتحريم طلب للفعل والترك على سبيل الاستعلاء فكيف يتصور غائبا قالوا وأيضا فلهذا الإيجاب والتحريم اللذين زعمتم على الله لوازم فاسدة يدل فسادها على فساد الملزوم اللازم الأول إذا أوجبتم على الله تعالى رعاية الصلاح والأصلح في أفعاله فيجب أن توجبوا على العبد رعاية الصلاح والأصلح أيضا في أفعاله حتى يصح اعتبار الغائب بالشاهد وإذا لم يجب علينا رعايتهما بالاتفاق بحسب المقدور بطل ذلك في الغائب ولا يصح تفريقكم بين الغائب والشاهد بالتعب والنصب الذي يلحق الشاهد دون الغائب لآن ذلك لو كان فارقا في محل الإلزام لكان فارقا في أصل الصلاح فأن ثبت الفرق في صفته ومقداره ثبت في أصله وأن بطل الفرق ثبت الإلزام المذكور اللازم الثاني إن القربات من النوافل صلاح فلو كان الصلاح واجبا وجب وجوب الفرائض اللازم الثالث أن خلود أهل النار في النار يجب أن يكون صلاحا لهم دون أن يردوا فيعتبوا ربهم ويتوبوا إليه ولا ينفعكم اعتذاركم عن هذا الإلزام بأنهم لوردوا لعادوا لما نهوا عنه فإن هذا حق ولكن لو أماتهم وأعدمهم فقطع عتابهم كان أصلح لهم ولو غفر لهم ورحمهم وأخرجهم من النار كان أصلح لهم من إماتتهم(2\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "355",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14811",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واعدا مهم ولم يتضرر سبحانه بذلك اللازم الرابع أن ما فعله الرب تعالى من الصلاح وألاصلح وتركه من الفساد والعبث لو كان واجبا عليه لما استوجب بفعله له حمدا وثناء فإنه في فعله ذلك قد قضي ما وجب عليه وما استوجبه العبد بطاعته من ثوابه فإنه عندكم حقه الواجب له على ربه ومن قضى دينه لم يستوجب بقضائه شيئا آخر اللازم الخامس أن خلق إبليس وجنوده أصلح للخلق وأنفع لهم من أن لم يخلق مع أن إقطاعه من العباد من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون اللازم السادس انه مع كون خلقه أصلح لهم وأنفع أن يكون أنظاره إلى يوم القيامة أصلح لهم وأنفع من إهلاكه وإماتته اللازم السابع أن يكون تمكينه من إغوائهم وجريانه منهم مجرى الدم في أبشارهم أنفع لهم وأصلح لهم من أن يحال بينهم وبينه اللازم الثامن أن يكون إماتة الرسل أصلح للعباد من بقائهم بين أظهرهم مع هدايتهم لهم وأصلح من أن يحال بينهم وبينه اللازم الثامن أن يكون إمانة الرسل أصلح للعباد من بقائهم بين أظهرهم مع هدايتهم لهم وأصلح من أن يحال بينهم وبينها اللازم التاسع ما ألزمه أبو الحسن الأشعرى للجبائي وقد سأله عن ثلاثة أخوة أمات الله أحدهم صغيرا وأحيا الآخرين فاختار أحدهما الإيمان والآخر الكفر فرفع درجة المؤمن البالغ على أخيه الصغير في الجنة لعمله فقال أخوه يا رب لم لا تبلغني منزلة أخي فقال إنه عاش وعمل أعمالا استحق بها هذه المنزلة فقال يا رب فهلا أحييتني حتى أعمل مثل عمله فقال كان الأصلح لك أن توفيتك صغيرا لأني علمت أنك إن بلغت اخترت الكفر فكان الأصلح في حقك أن أمتك صغيرا فنادى أخوهما الثالث من أطباق النار يا رب فهلا عملت معي هذا الأصلح واختر متني صغيرا كما عملته مع أخي واخترمتني صغيرا فأسكت الجبائي ولم يجبه بشيء فإذا علم الله سبحانه أنه لو اخترم العبد قبل البلوغ وكمال العقل لكان ناجيا ولو أمهله وسهل له النظر لعاند وكفر وجحد فكيف يقال إن الأصلح في حقه إبقاؤه حتى يبلغ والمقصود عندكم بالتكليف الاستصلاح والتعويض بأسني الدرجات التي لا تنال إلا بالأعمال أو ليس الواحد منا إذا علم من حال ولده أنه إذا أعطي مالا يتجر به فهلك وخسر بسبب ذلك فإنه لا يعرضه لذلك ويقبح منه تعريضه له وهو من رب العالمين حسن غير قبيح وكذلك من علم من حال ولده انه لو أعطاه سيفا أو سلاحا يقاتل به العدو فقتل به نفسه وأعطى السلاح لعدوه فإنه يقبح منه إعطاؤه ذلك السلاح والرب تعالى قد علم من أكثر عباده ذلك ولم يقبح منه سبحانه تمكينهم وإعطاؤهم الآلات بل هو حسن منه كيف وقد ساعدوا على نفوسهم أن الله سبحانه لو علم أنه لو أرسل رسولا إلى خلقه وكلفه الأداء عنه مع علمه بأنه لا يؤدى فإن علمه سبحانه بذلك يصرفه عن إرادة الخير والصلاح وهذا بمثابة من أدلى حبلا إلى غريق ليخلص نفسه من الغرق مع علمه بأنه يخنق نفسه به وقد ساعدوا أيضا على نفوسهم بأن الله سبحانه إذا علم أن في تكليفه عبدا من عباده فساد الجماعة فإنه يقبح تكليفه لأنه استفساد لمن يعلم(2\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "356",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14812",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنه يكفر عند تكليفه الإلزام الحادي عشر أنهم قالوا وصدقوا بأن الرب تعالى قادر على التفضل بمثل الثواب ابتداء بلا واسطة عمل فأي غرض له في تعريض العباد للبلوى والمشاق ثم قالوا وكذبوا الغرض في التكليف أن استيفاء المستحق حقه أهنا له وألذ من قبول التفضل واحتمال المنة وهذا كلام أجهل الخلق بالرب تعالى وبحقه وبعظمته ومساو بينه وبين أحاد الناس وهو من أقبح النسبة وأخبثه تعالى الله عن ضلالهم علوا كبيرا فكيف يستنكف العبد المخلوق المربوب من قبول فضل الله تعالى ومنته وهل المنة في الحقيقة إلا الله المان بفضله قال تعالى يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا على إسلامكم بل الله يمن عليكم إن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين وقال تعالى لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ولما قال النبي للأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي وعالة فأغناكم الله بي فأجابوه بقولهم الله ورسوله أمن ويا للعقول التي قد خسف بها أي حق للعبد على الرب حتى يمتنع من قبول منته عليه فبأي حق استحق الأنعام عليه بالإيجاد وكمال الخلقة وحسن الصورة وقوام البنية وإعطائه القوى والمنافع والآلات والأعضاء وتسخير ما في السموات وما في الأرض له ومن أقل ماله عليه من النعم التنفس في الهواء الذي لا يكاد يخطر بباله أنه من النعم وهو في اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف نفس فإذا كانت أقل نعمه عليهم ولا أقل منها أربعة وعشرون ألف نعمة كل يوم وليلة فما الظن بما هو أجل منها من النعم فيا للعقول السخيفة المخسوف بها أي علم لكم وأي سعي يقابل القليل من نعمه الدنيوية حتى لا يبقى لله عليكم منه إذا أثابكم لأنكم استوفيتم ديونكم قبله ولا نعمة له عليكم فيها فأي أمة من الأمم بلغ جهلها بالله هذا المبلغ واستنكفت عن قبول منته وزعمت أن لها الحق على ربها وأن تفضله عليها ومنته مكدر لا لتذاذها بعطائه ولو أن العبد استعمل هذا الأدب مع ملك من ملوك الدنيا لمقته وأبعده وسقط من عينه مع أنه لا نعمة له عليه في الحقيقة إنما المنعم في الحقيقة هو الله ولى النعم وموليها ولقد كشف القوم عن أقبح عورة من عورات الجهل بهذا الرأي السخيف والمذهب القبيح والحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به أرباب هذا المذهب المستنكفين من قبول منة الله الزاعمين أن ما أنعم الله به عليهم حقهم عليه وحقهم قبله وأنه لا يستحق الحمد والثناء على أداء ما عليه من الدين والخروج مما عليه من الحق لأن أداء الواجب يقتضي غيره تعالى الله عن إفكهم وكذبهم علوا كبيرا الإلزام الثاني عشر أنه يلزمهم أن يوجبوا على الله عز وجل أن يميت كل من علم من الأطفال أنه لو بلغ لكفر وعاند فإن اخترامه هو الأصلح له بلا ريب أو أن يجحدوا علمه سبحانه بما سيكون قبل كونه كما التزمه سلفهم الخبيث الذين(2\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "357",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14813",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اتفق سلف الأمة الطيب على تكفيرهم ولا خلاص لهم عن أحد هذين الإلزامين إلا بالتزام مذهب أهل السنة والجماعة أن أفعال الله تعالى لا نقاس بأفعال عباده ولا تدخل تحت شرائع عقولهم القاصرة بل أفعاله لا تشبه أفعال خلقه ولا صفاته صفاتهم ولا ذاته ذواتهم ليس كمثله شيء وهو السميع البصير الإلزام الثالث عشر أنه سبحانه لا يؤلم أحدا من خلقه أبدا لعدم المنفعة في ذلك بالنسبة إليه وإلى العبد ولا ينفعكم اعتذاركم بأن الإيلام سبب مضاعفة الثواب ونيل الدرجات العلى وأن هذا ينتقض بالحيوان البهيم وينتقض بالأطفال الذين لا يستحقون ثوابا ولا عقابا ولا ينفعكم اعتذاركم بأن الطفل ينتفع به في الآخرة في زيادة ثوابه لا نتقاضه عليكم بالطفل الذي علم الله أنه يبلغ ويختار الكفر والجحود فأي مصلحة له في إيلامه وأي معنى ذكر تموه على أصولكم الفاسدة فهو منتقض عليكم بما لا جواب لكم عنه الإلزام الرابع عشر ان من علم الله سبحانه إذا بلغ الأطفال يختاروا الإيمان والعمل الصالح فأن الأصلح في حقه أن يحييه حتى يبلغ ويؤمن فينال بذلك الدرجة العالية وأن لا يحترمه صغيرا وهذا مما لا جواب لكم عنه الإلزام الخامس عشر وهو من أعظم الإلزامات وأصحها الزاما وقد التزمه القدرية وهو أنه ليس في مقدور الله تعالى لطف لو فعله الله تعالى بالكفار لآمنوا وقد التزم المعتزلة القدرية هذا اللازم وبنوه على أصلهم الفاسد أنه يجب على الله تعالى أن يفعل في حق كل عبد ما هو الأصلح له فلو كان في مقدوره فعل يؤمن العبد عنده لو جب عليه أن يفعله به والقرآن من أوله إلى آخره يرد هذا القول ويكذبه ويخبر تعالى أنه لو شاء لهدى الناس جميعا ولو شاء لا من من في الأرض كلهم جميعا ولو شاء لآتي كل نفس هداها الإلزام السادس عشر وهو مما التزمه القوم أيضا أن لطفه ونعمته وتوفيقه بالمؤمن كلطفه بالكافر وأن نعمته عليهما سواء لم يخص المؤمن بفضل عن الكافر وكفى بالوحي وصريح المعقول وفطرة الله والاعتبار الصحيح وإجماع الأمة ردا لهذا القول وتكذيبا له الإلزام السابع عشر أن ما من أصلح إلا وفوقه ما هو أصلح منه والاقتصار على رتبة واحدة كالاقتصار على الصلاح فلا معنى لقولكم يجب مراعاة الأصلح إذ لا نهاية له فلا يمكن في الفعل رعايته الإلزام الثامن عشر أن الإيجاب والتحريم يقتضي سؤال الموجب المحرم لمن أوجب عليه وحرم هل فعل مقتضى ذلك أم لا وهذا محال في حق من لا يسئل عما يفعل وإنما يعقل في حق المخلوقين وأنهم يسألون وبالجملة فتحتم بهذه المسئلة طريقا للإستغناء عن الصواب وسلطتم بها الفلاسفة والصابئة والبراهمة وكل منكر للنبوات فهذه المسئلة بيننا وبينهم فانكم إذا زعمتم أن العقل حاكما يحسن ويقبح ويوجب ويحرم ويتقاضى الثواب والعقاب لم تكن الحاجة إلى البعثة ضرورية لإمكان الإستغناء عنها بهذا الحاكم ولهذا قالت الفلاسفة وزادت عليكم حجة وتقريرا قد اشتمل الوجود على خير مطلق وشر مطلق وخير وشر ممتزجين والخير المطلق مطلوب في العقل لذاته والشر المطلق(2\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "358",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14814",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مرفوض في العقل لذاته والممتزج مطلوب من وجه ومرفوض من وجه وهو بحسب الغالب من جهته ولا يشك العاقل أن العلم بجنسه ونوعه خير ومحمود ومطلوب والجهل بجنسه ونوعه شر في العقل فهو مستقبح عند الجمهور والفطر السليمة داعية إلى تحصيل المستحسن ورفض المستقبح سواء حمله عليه شارع أو لم يحمله ثم الأخلاق الحميدة والخصال الرشيدة من العفة والجود والسخاء والنجدة مستحسنات فعلية وأضدادها مستقبحات فعلية وكمال حال الإنسان أن تستكمل النفس قوى العلم الحق والعمل الخير والشرائع إنما ترد بتمهيد ما تقرر في العقل لا بتغييره لكن العقول الحرونة لما كانت قاصرة عن اكتساب المعقولات بأسرها عاجزة عن الاهتداء إلى المصلحة الكلية الشاملة لنوع الإنسان وجب من حيث الحكمة أن يكون بين الناس شرع يفرضه شارع يحملهم على الإيمان بالغيب جملة ويهديهم إلى مصالح معاشهم ومعادهم تفصيلا فيكون قد جمع لهم بين حظي العلم والعدل على مقتضى العقل وحملهم على التوجه إلى الخير المحض والإعراض عن الشر المحض استبقاء لنوعهم واستدامة لنظام العالم ثم ذاك الشارع يجب أن يكون مميزا من بينهم بآيات تدل على أنها من عند ربه سبحانه راجحا عليهم بعقله الرزين ورأية المتين وحديثه النافذ وخلقه الحسن وسمته وهديه يلين لهم في القول ويشاورهم في الأمر ويكلمهم على قدر عقولهم ويكلفهم بحسب وسعهم وطاقتهم قالوا وقد أخطأت المعتزلة حين ردوا الحسن والقبيح إلى الصفات الذاتية للأفعال وكان من حقهم تقرير ذلك في العلم والجهل إذ الأفعال تختلف بالأشخاص والأزمان وسائر الإضافات وليس هي على صفات نفسية لازمة لها بحيث لا تفارقها البتة ثم زادت الصائبة في ذلك على الفلاسفة وقالوا لما كانت الموجودات في العالم السفلي مركبة على تأثير الكواكب والروحانيات التي هي مدبرات الكواكب وكان في اتصالاتها نظر سعيد ونحس واجب أن يكون في آثارها حسن وقبح في الأخلاق والخلق والأفعال والعقول الإنسانية متساوية في النوع فوجب أن يدركها كل عقل سليم وطبع قويم لا تتوقف معرفة المعقولات على من هو مثل ذلك العاقل في النوع فنحن لا نحتاج إلى من يعرفنا حسن الأشياء وقبحها وخيرها وشرها ونفعها وضرها وكما أنا نستخرج بالعقول من طبائع الأشياء ومنافعها ومضارها كذلك نستنبط من أفعال نوع الإنسان حسنها وقبيحها فنلابس ما هو أحسن منها بحسب الاستطاعة ونجتنب ما هو قبيح منها بحسب الطاقة فأي حاجة بنا إلى شارع يتحكم على عقولنا وزادت التناسخية على الصائبية بأن قالوا نوع الإنسان لما كان موصوفا بنوع اختيار في أفعاله مخصوصا بنطق وعقل في علومه وأحواله ارتفع عن الدرجة الحيوانية ارتفاع استخسار لها فإن كانت أعماله على مناهج الدرجة الإنسانية ارتفعت إلى الملائكة وإن كانت مناهج الدرجة الحيوانية انخفضت إليها أو إلى أسفل وهو أبدا في أحد(2\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "359",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14815",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أمرين إما فعل يقتضي جزاء أو مجازاة على فعل فما باله يحتاج في أفعاله وأحواله إلى شخص مثله يحسن أو يقبح فلا العقل يحسن ويقبح ولا الشرع ولكن حسن أفعاله جزاء على حسن أفعال غيره وقبح أفعاله كذلك وربما يظهر حسنها وقبحها صورا حيوانية روحانية وإنما يصير الحسن والقبح في الحيوانات أفعالا إنسانية وليس بعد هذا العالم عالم آخر يحكم فيه ويحاسب ويثاب ويعاقب وزادت البراهمة على التناسخية بأن قالوا نحن لا نحتاج إلى شريعة وشارع أصلا فأن ما يأمر به النبي لا يخلو إما أن يكون معقولا أو غير معقول فإن كان معقولا فقد استغنى بالعقل عن النبي وأن لم يكن معقولا لم يكن مقبولا فهذه الطوائف كلها لما جعلت في العقل حاكما بالحسن والقبح أداها إلى هذه الآراء الباطلة والنحل الكافرة وأنتم يا معاشر المثبتة يصعب عليكم الرد عليهم وقد وافقتموهم على هذا الأصل وأما نحن فأخذنا عليهم رأس الطريق وسددنا عليهم الأبواب فمن طرق لهم الطريق وفتح لهم الأبواب ثم رام مناجزة القوم فقد رام مرتقى صعبا فهذه مجامع جيوش النفاة قد وافتك بعددها وعديدها وأقبلت إليك بحدها وحديدها فإن كنت من أبناء الطعن والضرب فقد التقى الزحفان وتقابل الصفان وإن كنت من أصحاب التلول فالزم مقامك ولا تدن من الوطيس فإنه قد حمى وإن كنت من اهل الأسراب الذين يسألون عن الأنباء ولا يثبتون عند اللقاء فدع الحروب لأقوام لها خلقوا ... ومالها من سوى أجسامهم جنن ولا تلمهم على ما فيك من جبن ... فبئست الحلتان اللؤم والجبن قال المتوسطون من أهل الإثبات ما منكم أيها الفريقان إلا من معه حق وباطل ونحن نساعد كل فريق على حقه ونصير إليه ونبطل ما معه من الباطل وترده عليه فنجعل حق الطائفتين مذهبا ثالثا يخرج من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين من غير أن ننتسب لي ذي مقالة وطائفة معينة انتسابا يحملنا على قبول جميع أحوالها والانتصار لها بكل غث وسمين ورد جميع أقوال خصومها ومكابريها على ما معها من الحق حتى لو كانت تلك الأقوال منسوبة إلى رئيسها وطائفتها لبالغت في نصرتها وتقريرها وهذه آفة ما نجا منها إلا من أنعم الله عليه وأهله لمتابعة الحق أين كان ومع من كان وأما من يرى أن الحق وقف مؤبد على طائفته وأهل مذهبه وحجر محجور على من سواهم ممن لعله أقرب إلى الحق والصواب منه فقد حرم خيرا كثيرا وفاته هدى عظيم وهنا نحن نجلس مجلس الحكومة بين هاتين المقالتين فمن أدلى بحجته في موضع كان المحكوم له في ذلك الموضع وأن كان المحكوم عليه حيث يدلى خصمه بحجته والله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق والعدل بين الطوائف المختلفة قال تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن(2\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "360",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14816",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله تجتبيء إليه من يشاء ويهدى إليه من ينيب وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم وأن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم فأخبر تعالى أنه شرع لنا دينه الذي وصى به نوحا والنبيين من بعده وهو دين واحد ونهانا عن التفريق فيه ثم أخبرنا أنه ما تفرق من قبلنا في الدين إلا بعد العلم الموجب للإثبات وعدم التفرق وأن الحامل على ذلك التفرق البغي من بعضهم على بعض وإرادة كل طائفة أن يكون العلو والظهور لها ولقولها دون غيرها وإذا تأملت تفرق أهل البدع والضلال رأيته صادرا عن هذا بعينه ثم أمر سبحانه نبيه أن يدعو إلى دينه الذي شرعه لأنبيائه وأن يستقيم كما أمره ربه وحذره من اتباع أهواء المتفرقين وأمره أن يؤمن بكل ما أنزله الله من الكتب وهذه حال المحق أن يؤمن بكل ما جمعه من الحق على لسان أي طائفة كانت ثم أمره أن يخبرهم بأنه أمر بالعدل بينهم وهذا يعم العدل في الأقوال والأفعال والآراء والمحاكمات كلها فنصبه ربه ومرسله للعدل بين الأمم فهكذا وارثه ينتصب للعدل بين المقالات والآراء والمذاهب ونسبته منها إلى القدر المشترك بينهما من الحق فهو أولى به وبتقريره وبالحكم لمن خاصم به ثم أمره أن يخبرهم بأن الرب المعبود واحد فما الحامل للتفرق والاختلاف وهو ربنا وربكم والدين واحد ولكل عامل عمله لا يعدوه إلى غيره ثم قال لا حجة بيننا وبينكم والحجة ههنا هي الخصومة أي للخصومة ولا وجه لخصومة بيننا وبينكم بعدما ظهر الحق وأسفر صبحه وبانت أعلامه وانكشفت الغمة عنه وليس المراد نفي الاحتجاج من الطرفين كما يظنه بعض من لا يدرى ما يقول وأن الدين لا احتجاج فيه كيف والقرآن من أوله إلى آخره حجج وبراهين على أهل الباطل قطعية يقينية وأجوبة لمعارضتهم وإفسادا لأقوالهم بأنواع الحجج والبراهين وإخبارا عن أنبيائه ورسله بإقامة الحجج والبراهين وأمر لرسوله بمجادلة المخالفين بالتي هي أحسن وهل تكون المجادلة إلا بالاحتجاج وإفساد حجج الخصم وكذلك أمر المسلمين بمجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن وقد ناظر النبي جميع طوائف الكفر أتم مناظرة وأقام عليهم ما أفحمهم به من الحجج حتى عدل بعضهم إلى محاربته بعد أن عجز عن رد قوله وكسر حجته واختار بعضهم مسالمته ومتاركته وبعضهم بذل الجزية عن يد وهو صاغر كل ذلك بعد إقامة الحجج عليهم وأخذها بكظمهم وأسرها لنفوسهم وما استجاب له من استجاب إلا بعد أن وضحت له الحجة ولم يجد إلى ردها سبيلا وما خالفه أعداؤه إلا عنادا منهم وميلا إلى المكابرة بعد اعترافهم بصحة حججه وأنها لا تدفع فما قام الدين إلا على ساق الحجة فقوله لا(2\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "361",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14817",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حجة بيننا وبينكم أي لا خصومة فإن الرب واحد فلا وجه للخصومة فيه ودينه واحد وقد قامت الحجة وتحقق البرهان فلم يبق للاحتجاج والمخاصمة فائدة فإن فائدة الاحتجاج ظهور الحق ليتبع فإذا ظهر وعانده المخالف وتركه جحودا وعنادا لم يبق للاحتجاج فائدة فلا حجة بيننا وبينكم أيها الكفار فقد وضح الحق واستبان ولم يبق إلا الإقرار به أو العناد والله يجمع بيننا يوم القيامة فيقضي للمحق على المبطل وإليه المصير قالوا وهما نحن نتحرى القسط بين الفريقين عما يقوله المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم مما ولوا ويكفي في هذا قوله تعالى يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله أن الله خبير بما تعملون قالوا قد أصاب أهل الإثبات من المعتزلة في قولهم أن الحسن والقبح صفات ثبوتية للأفعال معلومة بالعقل والشرع وأن الشرع جاء بتقرير ما هو مستقر في الفطر والعقول من تحسين الحسن والأمر به وتقبيح القبيح والنهى عنه وأنه لم يجيء بما يخالف العقل والفطرة وأن جاء بما يعجز العقول عن أحواله والاستقلال به فالشرائع جاءت بمجازات العقول لا محالاتها وفرق بين مالا تدرك العقول حسنه وبين ما تشهد بقبحه فالأول مما يأتي به الرسل دون الثاني وأخطؤا في ترتيب العقاب على هذا القبيح عقلا كما تقدم وأصابوا في إثبات الحكمة لله تعالى وأنه سبحانه لا يفعل فعلا خاليا عن الحكمة بل كل أفعاله مقصودة لعواقبها الحميدة وغاياتها المحبوبة له وأخطؤا في موضعين أحدهما أنهم أعادوا تلك الحكمة إلى المخلوق ولم يعيدوها إلى الخالق سبحانه على فاسد أصولهم في نفي قيام الصفات به فنفوا الحكمة من حيث أثبتوها وجحدوها من حيث أقروا بها الموضع الثاني انهم وضعوا لتلك الحكمة شريعة بعقولهم وأوجبوا على الرب تعالى بها وحرموه وشبهوه بخلقه في أفعاله بحيث ما حسن منهم حسن منه وما قبح منهم قبح منه فلزمتهم بذلك اللوازم الشنيعة وضاق عليهم المجال وعجزوا عن التخلص عن تلك الالتزامات ولو أنهم أثبتوا له حكمة تليق به لا يشبه خلقه فيها بل نسبتها إليه كنسة صفاته إلى ذاته فكما أنه لا يشبه خلقه في صفاته فكذلك في أفعاله ولا يصح الاستدلال بقبح القبح وحسن الحسن منهم على ثبوت ذلك في حقه تعالى ومن هاهنا استطال عليهم النفاة وصاحوا عليهم من كل قطر وأقاموا عليهم ثائرة الشناعة وأصابوا أيضا في قولهم بأن الرب تعالى لا يمتنع في نفسه الوجوب والتحريم وأخطأوا في جعل ذلك تابعا لمقتضى عقولهم وآرئهم بل يجب عليه ما أوجبه على نفسه ويحرم عليه ما حرمه هو على نفسه فهو الذي كتب على نفسه الرحمة وأحق على نفسه ثواب المطيعين وحرم على نفسه الظلم كما جعله محرما بين عباده وأصابوا في قولهم أنه سبحانه لا يحب الشر(2\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "362",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14818",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والكفر وأنواع الفساد بل يكرهها وأنه يحب الإيمان والخير والبر والطاعة ولكن أخطأوا في تفسير هذه المحبة والكراهة بمجرد معان مفهومة من ألفاظ خلقها في الهواء أو في الشجرة ولم يجعلوها معاني ما يهدى به تعالى على فاسد أصولهم في التعطيل ونفي الصفات فنفوا المحبة والكراهة من حيث أثبتوها وأعادوها إلى مجرد الشرع ولم يثبتوا له حقيقة قائمة بذاته فإن شرع الله هو أمره ونهيه ولم يقم به عندهم أمر ولا نهى فحقيقة قولهم أنه لا شرع ولا محبة ولا كراهة فإن زخرفوا القول وتحيلوا لإثبات ما سدوا على نفوسهم طريق إثباته وأصابوا أيضا في قولهم أن مصلحة المأمور تنشأ من الفعل تارة ومن الأمر تارة أخرى فرب فعل لم يكن منشأ لمصلحة المكلف فلما أمر به صار منشأ لمصلحة بالأمر ولو توسطوا هذا التوسط وسلكوا هذا المسلك وقالوا إن المصلحة تنشأ من الفعل المأمور به تارة ومن الأمر تارة ومنهما تارة ومن العزم المجرد تارة لانتصفوا من خصومهم فمثال الأول الصدق والعفة والإحسان والعدل فإن مصالحها ناشئة منها ومثال الثاني التجرد في الإحرام والتطهر بالتراب والسعي بين الصفى والمروة ورمي الجمار ونحو ذلك فإن هذه الأفعال لو تجردت عن الأمر لم تكن منشأ لمصلحة فلما أمر بها نشأت مصلحتها من نفس الأمر ومثال الثلث الصوم والصلاة والحج وإقامة الحدود وأكثر الأحكام الشرعية فإن مصلحتها ناشئة من الفعل والأمر معا فالفعل يتضمن مصلحة والأمر بها يتضمن مصلحة أخرى فالمصلحة فيها من وجهين ومثال الرابع أمر الله تعالى خليله إبراهيم بذبح ولده فإن المصلحة إنما نشأت من عزمه على المأمور به لا من نفس الفعل وكذلك أمره نبيه ليلة الإسراء بخمسين صلاة فلما حصرتم المصلحة في الفعل وحده تسلط عليكم خصومكم بأنواع المناقضات والإلزامات قالوا وقد أصاب النفاة حيث قالوا إن الحجة إنما تقوم على العباد بالرسالة وإن الله لا يعذبهم قبل البعثة ولكنهم نقضوا الأصل ولم يطردوه حيث جوزوا تعذيب من لم تقم عليه الحجة أصلا من الأطفال والمجانين ومن لم تبلغه الدعوة وأخطؤا في تسويتهم بين الأفعال التي خالف الله بينها فجعل بعضها حسنا وبعضها قبيحا وركب في العقول والفطر التفرقة بينهما كما ركب في الحواس التفرقة بين الحلو والحامض والمر والعذب والسخن والبارد والضار والنافع فزعم النفاة أنه لا فرق في نفس الأمر أصلا بين فعل وفعل في الحسن والقبح وإنما يعود الفرق إلى عادة مجردة أو وهم أو خيال أو مجرد الأمر والنهى وسلبوا الأفعال حتى خواصها التي جعلها الله عليها من الحسن والقبح فخالفوا الفطر والعقول وسلطوا عليهم خصومهم بأنواع الإلزامات والمناقضات الشنيعة جدا ولم يجدوا إلى ردها سبيلا إلا بالعناء وجحدوا الضرورة وأصابوا في نفيهم الإيجاب والتحريم على الله الذي أثبتته القدرية من المعتزلة(2\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "363",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14819",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ووضعوا على الله شريعة بعقولهم قادتهم إلى مالا قبل لهم به من اللوازم الباطلة وأخطأوا في نفيهم عنه إيجاب ما أوجبه على نفسه وتحريم ما حرمه على نفسه بمقتضى حكمته وعدله وعزته وعلمه وأخطاوا أيضا في نفسهم حكمته تعالى في خلقه وأمره وأنه لا يفعل شيئا لشيء ولا يأمر بشيء لشيء وفي إنكارهم الأسباب والقوى التي أودعها الله في الأعيان والأعمال وجعلهم كل لام دخلت في القرآن لتعليل أفعاله وأوامره لام عاقبة وكل باء دخلت لربط السبب بسببه باء مصاحبة فنفوا الحكم والغايات المطلوبة في أوامره وأفعاله وردوها إلى العلم والقدرة فجعلوا مطابقة المعلوم للعلم ووقوع المقدور على وفق القدرة هو الحكمة ومعلوم أن وقوع المقدور بالقدرة ومطابقة المعلوم للعلم عين الحكمة والغايات المطلوبة من الفعل وتعلق القدرة بمقدورها والعلم بمعلومة اعم من كون المعلوم والمقدور مشتملا على حكمة ومصلحة أو مجردا عن ذلك والأعم لا يشعر بالأخص ولا يستلزمه وهل هذا في الحقيقة الأنفي للحكمة وإثبات لأمر آخر وأخطاوا في تسويتهم بين المحبة والمشيئة وأن كل ما شاءه الله من الأفعال والأعيان فقد أحبه ورضيتة وما لم يشأه نقد كرهه وأبغضه فمحبته مشيئته وإرادته العامة وكراهته وبغضه عدم مشيئته وإرادته فلزمهم من ذلك أن يكون إبليس محبوبا له وفرعون وهامان وجميع الشياطين والكفار بل أن يكون الكفر والفسوق والظلم والعدوان الواقعة في العالم محبوبة له مرضية وأن يكون الإيمان والهدى ووفاء العهد والبر التي لم توجد من الناس مكروهة مسخوطة له مكروهة ممقوتة عنده فسووا بين الأفعال التي فاوت الله بينها وسووا بين المشيئة المتعلقة بتكوينها وإيجادها والمحبة المتعلقة بالرضى بها وأخيارها وهذا مما استطال به عليهم خصومهم كما استطالوا هم عليهم حيث أخرجوها عن مشيئة الله وإرادته العامة ونفوا تعلق قدرته وخلقه بها فاستطال كل من الفريقين على الآخر بسبب ما معهم من الباطل وهدى الله أهل السنة الذين هم وسط في المقالات والنحل لما اختلف الفريقان فيه من الحق بإذنه والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم فالقدرية حجروا على الله وألزموه شريعة حرموا عليه الخروج عنها وخصومهم من الجبرية جوزوا عليه كل فعل ممكن يتنزه عنه سبحانه إذ لا يليق بغناه وحمده وكماله ما نزه نفسه عنه وحمد نفسه بأنه لا يفعله فالطائفتان متقابلتان غاية التقابل والقدرية أثبتوا له حكمة وغاية مطلوبة من افعاله على حسب ما أثبتوه لخلقه والجبرية نفوا والقدرية أثبتوا له حكمته اللائقة به التي لا يشابهه فيها أحد والقدرية قالت أنه لا يريد من عباده طاعتهم وإيمانهم وأنه لا يسأل ذلك منهم والجبرية قالت أنه يحب الكفر والفسوق والعصيان ويرضاه من فاعله والقدرية قالت أنه يجب عليه سبحانه أن يفعل بكل شخص ما هو الأصلح له والجبرية قالت أنه يجوز أن يعذب أولياءه وأهل طاعته ومن لم يطعه قط وينعم أعداءه ومن كفر به(2\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "364",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14820",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأشرك ولا فرق عنده بين هذا وهذا فليعجب العاقل من هذا التقابل والتباعد الذي يزعم كل فريق أن قولهم هو محض العقل وما خالفه باطل بصريح العقل وكذلك القدرية قالت أنه ألقى إلى عباده زمام الاختيار وفوض إليهم المشيئة والإرادة وأنه لم يخص أحدا منهم دون أحد بتوفيق ولا لطف ولا هداية بل ساوى بينهم في مقدوره ولو قدر أن يهدى أحدا ولم يهده كان بخلا وأنه لا يهدى أحدا ولا يضله إلا بمعنى البيان والإرشاد وأما خلق الهدى والضلال فهو إليهم ليس إليه وقالت الجبرية أنه سبحانه أجبر عباده على أفعالهم بل قالوا أن أفعالهم هي نفس أفعاله ولا فعل لهم في الحقيقة ولا قدرة ولا اختيار ولا مشيئة وإنما يعذبهم على ما فعله هو لا على ما فعلوه ونسبة أفعالهم إليه كحركات الأشجار والمياه والجمادات فالقدرية سلبوه قدرته على أفعال العباد ومشيئته لها والجبرية جعلوا أفعال العباد نفس أفعاله وأنهم ليسوا فاعلين لها في الحقيقة ولا قادرين عليها فالقدرية سلبته كمال ملكه والجبرية سلبته كمال حكمته والطائفتان سلبته كمال حمده وأهل السنة الوسط أثبتوا كمال الملك والحمد والحكمة فوصفوه بالقدرة التامة على كل شيء من الأعيان وأفعال العباد وغيرهم وأثبتوا له الحكمة التامة في جميع خلقه وأمره واثبتوا له الحمد كله في جميع ما خلقه وأمر به ونزهوه عن دخوله تحت شريعة يضعها العباد بآرائهم كما نزهوه عما نزه نفسه عنه مما لا يليق به فاستولوا على محاسن المذاهب وتجنبوا أرداها ففازوا بالقدح المعلى وغيرهم طاف على أبواب المذاهب ففاز باخس المطالب والهدى هدى يختص به من يشاء من عباده فصل إذا عرفت هذه المقدمة فالكلام على كلمات النفاة من وجوه: أحدها قولكم لو قدر الإنسان نفسه وقد خلق تام الخلقة تام العقل دفعة من غير تأدب بتأديب الأبوين ولا تعلم من معلم ثم عرض عليه أمران: أحدهما أن الواحد أكثر من الاثنين والآخر أن الكذب قبيح لم يتوقف في الأول ويتوقف في الثاني فهذا تقدير مستحيل ركبتم عليه أمرا غير معلوم الصحة فإن تقدير الإنسان كذلك محال الوجه الثاني سلمنا إمكان التقدير لكن لم قلتم بأنه لا يتوقف في كون الواحد نصف الاثنين ويتوقف في كون الكذب قبيحا بعد تصور حقيقته فلا نسلم أنه إذا تصور ماهية الكذب توقف في الجزم بقبحه وهل هذا إلا دعوة مجردة الوجه الثالث سلمنا أنه قد يتوقف في الحكم بقبحه ولكن لا يلزم من ذلك أن لا يكون قبيحا لذاته وقبحه معلوم للعقل وتوقف الذهن في الحكم العقلي لا يخرجه عن كونه عقليا ولا يجب التساوي في العقليات إذ بعضها أجلي من بعض فإن قلتم فهذا التوقف ينفي أن يكون الحكم بقبحه ضروريا وهو يبطل قولكم قلنا هذا إنما لزم من التقدير المستحيل في الواقع(2\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "365",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14821",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمحال قد يلزمه محال آخر سلمنا أنه ينفي كون الحكم بقبحه ضروريا ابتداء فلم قلتم أنه لا يكون ضروريا بعد التأمل والنظر والضروري أعم من كونه ضروريا ابتداء بلا واسطة أو ضروريا بوسط ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم ومن ادعى سلب الوسائط عن الضروريات فقد كابر أو اصطلح مع نفسه على تسمية الضروريات بما لا يتوقف على وسط الوجه الرابع أن نصور ماهية الكذب يقتضي جزم العقل بقبحه ونسبة الكذب إلى العقل كنسبة المتنافرات الحسية إلى الحس فكما أن أدراك الحواس المتنافرات يقتضي نفرتها عنها فكذلك أدراك العقل لحقيقة الكذب ولا فرق بينهما إلا فرق ما بين أدراك الحس وأدراك العقل فإن جاز القدح في مدركات العقول وحكمها فيها بالحسن والقبح جاز القدح في مدركات الحواس الوجه الخامس إنكم فتحتم باب السفسطة فإن القدح في معلومات العقول وموجباتها كالقدح في مدركات الحواس وموجباتها فمن لجأ إلى المكابرة في المعقولات فقد فتح باب المكابرة في المحسوسات ولهذا كانت السفسطة تعرض أحيانا في هذا وهذا وليست مذهبا لأمة من الناس يعيشون عليه كما يظنه بعض أهل المقالات ولا يمكن أن تعيش أمة ولا أحد على ذلك ولا تتم له مصلحة وإنما هي حال عارضة لكثير من الناس وهي تكثر وتقل وما من صاحب مذهب باطل إلا وهو مرتكب للسفسطة شاء أم أبي وسنذكر أن شاء الله فصلا فيما بعد نبين فيه أن جميع أرباب المذاهب الباطلة سوفسطائية صريحا ولزوما قريبا وبعيدا الوجه السادس قولكم من حكم بأن هذين الأمرين سيان بالنسبة إلى عقله خرج عن قضايا العقول جوابه أنكم أن أردتم بالتسوية كونهما معقولان في الجملة فمن أين يخرج عن قضايا العقول من حكم بذلك وهل الخارج في الحقيقة عنها إلا من منع هذا الحكم فإن أردتم بالتسوية الاستواء في الإدراك وأن كليهما على رتبة واحدة من الضرورة فلا يلزم من عدم هذا الاستواء أن لا يكون العلم بقبح الكذب عقليا الوجه السابع قولكم لو تقرر عند المثبت أن الله تعالى لا يتضرر بكذب ولا ينتفع بصدق كان الآمران في حكم التكليف على وتيرة واحدة كلام لا يرتضيه عاقل فإنه من المتقرر أن الله تعالى لا يتضرر بكذب ولا ينتفع بصدق وإنما يعود نفع الصدق وضرر الكذب على المكلف ولكن ليت شعري من أين يلزم أن يكون هذان الضدان بالنسبة إلى التكليف على وتيرة واحدة وهل هذا الا مجرد تحكم ودعوى باطلة الوجه الثامن أنه لا يلزم من كون الحكيم لا يتضرر بالقبح ولا ينتفع بالحسن أن لا يحب هذا ولا يبغض هذا بل تكون نسبتهما إليه نسبة واحدة بل الأمر بالعكس وهو أن حكمته تقتضي بغضه للقبيح وأن لم يتضرر به ومحبته للحسن وأن لم ينتفع به وحينئذ ينقلب هذا الكلام عليكم ونكون أسعد به منكم فنقول لو تقرر عند النافي أن الله تعالى حكيم عليم يضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها العلم أن الأمرين أعني الصدق والكذب بالنسبة(2\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "366",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14822",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى شرعه وتكليفه متباينان غاية التباين متضادان وانه يستحيل في حكمته التسوية بينهما وأن يكونا على وتيرة واحدة ومعلوم إن هذا هو المعقول وما ذكرتموه خارج عن المعقول الوجه التاسع قولكم أن الصدق والكذب على حقيقة ذاتية وأن الحسن والقبح غير داخلين في صفاتهما الذاتية ولا يلزمهما في الوهم بالبديهة ولا في الوجود ضرورة جوابه أنكم أن أردتم أن الحسن والقبح لا يدخل في مسمى الصدق والكذب فمسلم ولكن لا يفيدكم شيئا فإن غايته إنما يدل على تغاير المفهومين فكان ماذا وإن أردتم أن ذات الصدق والكذب لا تقتضي الحسن والقبح ولا تستلزمهما فهل هذا إلا مجرد المذهب ونفس الدعوى وهي مصادرة على المطلوب وخصومكم يقولون أن معنى كونهما ذاتيين للصدق والكذب أن ذات الصدق والكذب تقتضي الحسن والقبح وليس مرادهم أن الحسن والقبح صفة داخلة في مسمى الصدق والكذب وأنتم لم تبطلوا عليهم هذا الوجه العاشر قولكم ولا يلزمهما في الوهم بالبديهة ولا في الوجود دعوى مجردة كيف وقد علم بطلانها بالبرهان والضرورة الوجه الحادي عشر قولكم أن من الأخبار التي هي صادقة ما يلام عليه مثل الدلالة على من هرب من ظالم ومن الأخبار التي هي كاذبة ما يثاب عليها مثل إنكار الدلالة عليه فلم يدخل كون الكذب قبيحا في حد الكذب ولا لزمه في الوهم ولا في الوجود فلا يجوز أن يعد من الصفات الذاتية التي تلزم النفس وجودا وعدما جوابه من وجوه أحدها أنا لا نسلم أن الصدق يقبح في حال ولا أن الكذب يحسن في حال أبدا ولا تنقلب ذاته وإنما يحسن اللوم على الخبر الصادق من حيث لم يعرض المخبر ولم يور بما يقتضي سلامة النبي أو الولي الوجه الثاني أنه أخبر بما لا يجوز له الأخبار به لاستلزامه مفسدة راجحة ولا يقتضي هذا كون الصدق قبيحا بل الأخبار بالصدق هو القبيح وفرق بين النسبة المطابقة التي هي صدق وبين الأعلام بها فالقبح إنما نشأ من الأعلام لا من النسبة الصادقة والأعلام غير ذاتي للخبر ولا داخل في حده إذا الخبر غير الأخبار ولا يلزم من كون الأخبار قبيحا أن يكون الخبر قبيحا وهذه الدقيقة غفل عنها الطائفتان كلاهما الوجه الثالث أن قبح الصدق وحسن الكذب المذكورين في بعض المواضع لمعارضة مصلحة أو مفسدة راجحة لا يقتضي عدم اتصاف ذات كل منهما بحكمه عقلا فإن العلل العقلية والأوصاف الذاتية المقتضية لأحكامها قد تتخلف عنها لفوات شرط أو قيام مانع ولا يوجب ذلك سلب اقتضائها لأحكامها عند عدم المانع وقيام الشرط وقد تقدم تقرير ذلك الوجه الثاني عشر قولكم أنه لم يبق للمثبتين إلا الاسترواح إلى عادات الناس من تسمية ما يضرهم قبيحا وما ينفعهم حسنا كلام باطل فإن استرواحهم إلى ما ركبة الله تعالى في عقولهم وفطرهم وبعث رسله بتقريره وتكميله من استحسان الحسن واستقباح القبيح الوجه الثالث عشر قولكم أنها تختلف بعادة قوم دون قوم وزمان دون زمان ومكان دون(2\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "367",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14823",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مكان وإضافة دون إضافة فقد تقدم أن هذا الاختلاف لا يخرج هذه القبائح والمستحسنات عن كون الحسن والقبح ناشئا من ذواتهما وأن الزمان المعين والمكان المخصوص والشخص والقابل والإضافة شروط لهذا الاقتضاء على حد اقتضاء الأغذية والأدوية والمساكن والملابس آثارها فإن اختلافها بالأزمنة والأمكنة والأشخاص والإضافات لا يخرجها عن الاقتضاء الذاتي ونحن لا نعنى بكون الحسن والقبح ذاتيين إلا هذا والمشاحنة في الاصطلاحات لا تنقع طالب الحق ولا تجدي عليه إلا المناكدة والتعنت فكم يعيدوا ويبدوا في الذاتي وغير الذاتي سموا هذا المعنى بما شئتم ثم أن أمكنكم إبطاله فأبطلوه الوجه الرابع عشر قولكم نحن لا ننكر اشتهار القضايا الحسنة والقبيحة من الخلق وكونها محمودة مشكورة مثنى على فاعلها أو مذموماولكن سبب ذكرها أما التدين بالشرائع وأما الاعراض ونحن إنما ننكرها في حق الله عز وجل لانتفاء الاعراض عنه فهذا معترك القول بين الفرق في هذه المسئلة وغيرها فنقول لكم ما تعنون معاشرة النفاة بالاعراض التي نفيتموها عن الله عز وجل ونفيتم لاجلها حسن أوامر الذاتية وقبح نواهيه الذاتية وزعمتم لاجلها أنه لا فرق عنده بين مذمومها ومحمودها وأنها بالنسبة إليه سواه فأخبرونا عن مرادكم بهذه اللفطة البديعة المحتملة أتعنون بها الحكم والمصالح والعواقب الحميدة والغايات المحبوبة التي يفعل ويأمر لأجلها أم تعنون بها امرا وراء ذلك يجب تنزيه الرب عنه كما يشعر به لفظ الاعراض من الارادات فان اردتم المعنى الأول فنفيكم إياه عن أحكم الحاكمين مذهب لكم خالفتم به صريح المنقول وصريح المعقول وأتيتم ما لا تقر به العقول من فعل فاعل حكيم مختار ولا لمصلحة ولا لغاية محمودة ولا عاقبة مطلوبة بل الفعل وعدمه بالنسبة إليه سيان وقلتم ما تنكره الفطر والعقول ويرده التنزيل والاعتبار وقد قررنا من ذكر الحكم الباهرة في الخلق والأمر ما تقربه به عين كل طالب للحق وهاهنا من ادلة اثبات الحكم المقصودة بالخلق والامر أضعاف أضعاف ما ذكرنا بل لانسبه لما ذكرناه إلى ما تركناه وكيف يمكن انكار ذلك والحكمة في خلق العالم وأجزائه ظاهرة لمن تأملها بادية لمن أبصرها وقد رقمت سطورها على صفحات المخلوقات يقرأها كل عاقل وغير كاتب نصبت شاهدة لله بالوحدانية والربوبية والعلم والحكمة واللطف والخبرة تأمل سطور الكائنات فإنها ... من الملأ الأعلى إليك رسائل وقد خط فيها لو تأملت خطها ... ألا كل شيء ما خلا الله باطل وأما النصوص على ذلك فمن طلبها بهرته كثرتها وتطابقها ولعلها أن تزيد على المئين وما يحيله النفاة لحكمة الله تعالى أن اثباتها يستلزم افتقارا منها واستكمالا بغيره فهوس ووساواس(2\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "368",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14824",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فان هذا بعينه وارد عليهم في أصل الفعل أيضا فهذا إنما هو إكمال للصنع لا استكمال بالصنع وأيضا فأنه سبحانه فعاله عن كماله فأنه كمل ففعل لا أن كماله عن فعاله فلا يقال فعل فكمل كما يقال للمخلوق وأيضا فأن مصدر الحكمة ومتعلقها وأسبابها عنه سبحانه فهو الخالق وهو الحكيم وهو الغني من كل وجه أكمل الغنى وأتمه وكمال الغنى والحمد في كمال القدرة والحكمة ومن المحال أن يكون سبحانه وتعالى فقيرا إلى غيره فأما إذا كان كل شيء فهو فقير إليه من كل وجه وهو الغنى المطلق عن كل شيء فأي محذور في إثبات حكمته مع احتياج مجموع العالم وكل ما يقدر معه إليه دون غيره وهل الغنى إلا ذلك ولله سبحانه في كل صنع من صنائعه وأمر من شرائعه حكمة باهرة وآية ظاهرة تدل على وحدانيته وحكمته وكلمه وغناه وقيوميته وملكه لا تنكرها إلا العقول السخيفة ولا تنبو عنها إلا الفطر المنكوسة: ولله في كل تسكينة ... وتحريكة أبدا شاهد وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد وبالجملة فنحن لا ننكر حكمة الله ولا نساعدكم على جحدها لتسميتكم إياها أعراضا وإخراجكم لها في هذا القالب فالحق لا ينكر حكمه لسوء التعبير عنه وهذا اللفظ بدعى لم يرد به كتاب ولا سنة ولا أطلقه أحد من أئمة الإسلام وأتباعهم على الله وقد قال الأمام أحمد لا نزيل عن الله صفة من صفاته لأجل شناعة المشنعين فهل ننكر صفات كماله سبحانه لأجل تسمية المعطلة والجهمية لها أعراضا ولأرباب المقالات أغراض في سوء التعبير عن مقالات خصومهم وتخيرهم لها أقبح الألفاظ وحسن التعبير عن مقالات أصحابهم وتخيرهم لها أحسن الألفاظ وأتباعهم محبوسون في قبول تلك العبارات ليس معهم في الحقيقة سواها بل ليس مع المتبوعين غيرها وصاحب البصيرة لا تهوله تلك العبارات الهائلة بل يجرد المعنى عنها ولا يكسوه عبارة منها ثم يحمله على محل الدليل السالم عن المعارض فحينئذ يتبين له الحق من الباطل والحالي من العاطل الوجه الخامس عشر قولكم مستند الاستحسان والاستقباح التدين بالشرائع فيقال لا ريب أن التدين بالشرائع يقتضي الاستحسان والاستقباح ولكن الشرائع إنما جاءت بتكميل الفطر وتقريرها لا بتحويلها وتغييرها فما كان في الفطرة مستحسنا جاءت الشريعة باستحسانه فكسته حسنا إلى حسنه فصار حسنا من الجهتين وما كان في الفطرة مستقبحاجاءت الشريعة باستقباحه فكسته قبحا إلى قبحه فصار قبيحا من الجهتين وأيضا فهذه القضايا مستحسنة ومستقبحة عند من لم تبلغه الدعوة ولم يقر بنبوة وأيضا فمجيء الرسول بالأمر بحسنها والنهي عن قبيحها دليل على نبوته وعلم على رسالته كما قال بعض الصحابة وقد سئل عما أوجب إسلامه فقال ما أمر بشيء فقال العقل ليته نهى عنه ولا نهى(2\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "369",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14825",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن شيء فقال العقل ليته أمر به فلو كان الحسن والقبح لم يكن مركوزا في الفطر والعقول لم يكن ما أمر به الرسول ونهى عنه علما من أعلام صدقه ومعلوم أن شرعه ودينه عند الخاصة من اكبر أعلام صدقه وشواهد نبوته كما تقدم الوجه السادس عشر قولكم في مثارات الغلط التي يغلط الوهم فيها أنها ثلاث مثارات الأولى أن الإنسان يطلق اسم القبيح على ما يخالف غرضه وان كان يوافق غرض غيره من حيث أنه لا يلتفت إلى الغير فان كل طبع مشغوف بنفسه فيقضى بالقبح مطلقا فقد أصاب في الحكم بالقبح وأخطأ في إضافة القبح إلى ذات الشيء وغفل عن كونه قبيحا لمخالفة غرضه وأخطأ في حكمه بالقبح مطلقا ومنشأه عدم الالتفات إلى غيره فحاصله أمران أحدهما أنه إنما قضى بالحسن والقبح لموافقة غرضه ومخالفته الثاني أن هذه الموافقة والمخالفة ليست عامة في حق كل شخص وزمان ومكان بل ولا في جميع أحوال الشخص هذا حاصل ما طولتم به فيقال لا ريب أن الحسن يوافق الغرض والقبح يخالفه ولكن موافقة هذا ومخالفة هذا لما قام بكل واحد من الصفات التي أوجبت المخالفة والموافقة إذ لو كانا سواء في نفس الأمر وذاتهما لا تقتضى حسنا ولا قبحا لم يختص أحدهما بالموافقة والآخر بالمخالفة ولم يكن أحدهما بما اختص به أولى من العكس فما لجأتم إليه من موافقة الغرض ومخالفته من أكبر الأدلة على أن ذات الفعل متصفة بما لأجله وافق الغرض وخالفه وهذا كموافقة الغرض ومخالفته في الطعوم والأغذية والروائح فان ما لاءم منها الإنسان ووافقه مخالف بالذات والوصف لما نافره منها وخالفه ولم تكن تلك الملاءمة والمنافرة لمجرد العادة بل لما قام بالملائم والمنافر من الصفات ففي الخبز والما واللحم والفاكهة من الصفات التي اقتضت ملاءمتها الإنسان ما ليس في التراب والحجر والقصب والعصف وغيرها ومن ساوى بين الأمرين فقد كابر حسه وعقله فهكذا ما لاءم العقول والفطر من الأعمال والأحوال وما خالفها هو لما قام بكل منها من الصفات التي اختصت به فأوجب الملاءمة والمنافرة فملاءمة العدل والإحسان والبر للعقول والفطر والحيوان لما اختصت به ذوات هذه الأفعال من أمور ليست في الظلم والإساءة وليست هذه الملاءمة والمنافرة لمجرد العادة والتدين بالشرائع بل هي أمور ذاتية لهذه الأفعال وهذا مما لا ينكره العقل بعد تصوره الوجه السابع عشر أنا لا ننكر أن للعادة واختلاف الزمان والمكان والإضافة والحال تأثيرا في الملاءمة والمنافرة ولا ننكر أن الإنسان يلائمه ما اعتاده من الأغذية والمساكن والملابس وينافره ما لم يعتده منها وان كان أشرف منها وأفضل ومن هذا إلف الأوطان وحب المساكن والحنين إليها ولكن هل يلزم من هذا أن تكون الملاءمة والمنافرة كلها ترجع إلى الالف والعادة المجردة ومعلوم أن هذا مما لا سبيل إليه إذ الحكم على فرد(2\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "370",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14826",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جزئي من أفراد النوع لا يقتضي الحكم على جميع النوع واستلزام الفرد المعين من النوع اللازم المعين لا يقتضي استلزام النوع له وثبوت خاصة معينه للفرد الجزئي لا يقتضي ثبوتها للنوع الكلي: الوجه الثامن عشر أن غاية ما ذكرتم من خطأ الوهم في اعتقاده إضافة القبح إلى ذات الفعل وحكمه بالاستقباح مطلقا مما قد يعرض في بعض الأفعال فهل يلزم من ذلك أنه حيث قضى بهاتين القضيتين يكون غالطا بالنسبة إلى كل فعل ونحن إنما علمنا غلطه فيما غلط فيه لقيام الدليل العقلي على غلطه فأما إذا كان الدليل العقلي مطابقا لحكمه فمن أين لكم الحكم بغلطه فان قلتم إذا ثبت أنه يغلط في حكم ما لم يكن حكمه مقبولا إذ لا ثقة بحكمه قلنا إذا جوزتم أن يكون في الفطرة حاكمان حاكم الوهم وحاكم العقل ونسبتم حكم العقل إلى حكم الوهم وقلتم في بعض القضايا التي يجزم العقل بها هي من حكم الوهم لم يبق لكم وثوق بالقضايا التي يجزم بها العقل ويحكم بها لاحتمال أن يكون مستندها حكم الوهم لا حكم العقل فلا بد لكم من التفريق بينهما ولا بد أن تكون قضاياه ضرورية ابتداء وانتهاء وإذا جوزتم أن يكون بعض القضايا الضرورية وهمية لم يبق لكم طريق إلى التفريق الوجه التاسع عشر أن هذا الذي فرضتموه فيمن يتقبح شيئا لمخالفة غرضه ويستحسنه لموافقة غرضه أو بالعكس إنما مورده الحسنات غالبا كالمآكل والملابس والمساكن والمناكح فأنها بحسب الدواعي والميول والعوائد والمناسبات فهي إنما تكون في الحركات وأما الكليات العقلية فلا تكاد تعارض تلك فلا يكون العدل والصدق والإحسان حسنا عند بعض العقول قبيحا عند بعضها كما يكون اللون اسود مشتهى حسنا موافقا لبعض الناس مبغوضا مستقبحا لبعضهم ومن اعتبر هذا بهذا فقد خرج واعتبر الشيء بما لا يصح اعتباره به ويؤيد هذا الوجه العشرون أن العقل إذا حكم بقبح الكذب والظلم والفواحش فانه لا يختلف حكمه بذلك في حق نفسه ولا غيره بل يعلم أن كل عقل يستقبحها وأن كان يرتكبها لحاجته أو جهله فلما أصاب في استقباحها أصاب في نسبة القبح إلى ذاتها وأصاب في حكمه بقبحها مطلقا ومن غلطه في بعض هذه الأحكام فهو الغالط عليه وهذا بخلاف ما إذا حكم باستحسان مطعم أو ملبس أو مسكن أو لون فانه يعلم أن غيره يحكم باستحسان غيره وأن هذا مما يختلف باختلاف العوائد والأمم والأشخاص فلا يحكم به حكما كليا ألا حيث يعلم أنه لا يختلف كما يحكم حكما كليا بأن كل ظمآن يستحسن شرب الماء ما لم يمنع منه مانع وكل مقرور يستحسن لباس ما فيه دفؤه ما لم يمنع منه مانع وكذلك كل جائع يستحسن ما يدفع به سورة الجوع فهذا حكم كلي في هذه الأمور المستحسنة لا غلط فيه مع كون المحسوسات عرضة لاختلاف الناس في استحسانها واستقباحها بحسب الأغراض(2\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "371",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14827",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعوائد والالف فما الظن بالأمور الكلية العقلية التي لا تختلف إنما هي نفى واثبات الوجه الحادي والعشرون قولكم من منارات الغلط إنما هو مخالف للغرض في جميع الأحوال ألا في حالة نادرة بل لا يلتفت الوهم إلى تلك الحالة النادرة بل لا يخطر بالبال فيقضى بالقبح مطلقا لاستيلاء قبحه على قلبه وذهاب الحالة النادرة عن ذكره فحكمه على الكذب بأنه قبيح مطلقا وعقليه 1 عن الكذب يستفاد به عصمة دم نبي أو ولي وإذا قضى بالقبح مطلقا واستمر عليه مرة وتكرر ذلك على سمعه ولسانه انغرس في قلبه استقباح مستند إلى أخر فمضمونه بعد الإطالة أنه لو كان الكذب قبيحا لذاته لما تخلف عليه القبح ولكنه يتخلف إذا تضمن عصمة دم نبي ففي هذه الحالة ونحوها لا يكون قبيحا وهي حالة نادرة لا تكاد تخطر بالبال فيقضى العقل بقبح الكذب مطلقا ويغفل عن هذه الحالة وهي تنافي حكمه بقبحه مطلقا ثم تترك وينشأ على ذلك الاعتقاد فيظن أن قبحه لذاته مطلقا وليس كذلك وهذا بعد تسليمه لا يمنع كونه قبيحا لذاته وان تخلف القبح عنه لمعارض راجح كما أن الاغذاء بالميتة والدم ولحم الخنزير ويوجب نباتا خبيثا وان يخلف عنه ذلك عند المخمصة كيف وقد بينا أن القبح لا يتخلف عن الكذب أصلا وأما إذا تضمن عصمة ولي فالحسن إنما هو التعريض والصدق لا يقبح أبدا وانما القبيح الأعلام به وفرق بين الخبر والأخبار فالقبح إنما وقع في الأخبار لا في الخبر ولو سلمنا ذلك كله لتخلف الحكم العقلي لقيام مانع أو لفوات شرط غير مستنكر فهذه الشبهة من أضعف الشبه وحسبك ضعفا بحكم إنما يستند إليها والى أمثالها الوجه الثاني والعشرون أن الوهم قد سبق إلى العكس كمن يرى شيئا مقرونا بشيء فيظن الشيء لا محالة مقرونا به مطلقا ولا يدرى أن الأخص أبدا مقرون بالأعم من غير عكس وتمثيلكم ذلك بنفرة السليم من الحبل المرقش ونفور الطبع عن العسل إذا شبه بالعذرة إلى آخر ما ذكرتم من الأمثال كنفرة الطبع عن الحسناء ذات الاسم القبيح ونفرة الرجل عن البيت الذي فيه الميت ونفرة كثير من الناس عن الأقوال الصحيحة التي تضاف إلى من يسيؤن الظن بهم فنحن لا ننكر أن للوهم تأثير في النفوس وفي الحب والبغض بل هو غالب على أكثر النفوس في كثير من الأحوال ولكن إذا سلط عليه العقل الصريح تبين غلطه وأن ما حكم به إنما هو موهوم لا معقول كما إذا سلط العقل الصريح والحسن على الحبل المرقش تبين أن نفرة الطبع عنه مستندها الوهم الباطل وكذلك إذا سلط الذوق والعقل على العسل تبين أن نفرة الطبع عنه مستندها(2\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "372",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14828",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوهم الكاذب وإذا تأمل الطرف محاسن الجميلة البديعة الجمال تبين أن نفرته عنها لقبح اسمها وهم فاسد وإذا سلط العقل الصريح على الميت تبين أن نفرة الرجل عنه لتوهم حركته وثورانه خيال باطل ووهم فاسد وهكذا نظائر ذلك أفتري يلزم من هذا أنا إذا سلطنا العقل الصريح على الكذب والظلم والفواحش والإساءة إلى الناس وكفران النعم وضرب الوالدين والمبالغة في أهانتهما وسبهما وأمثال ذلك تبين أن حكمه بقبحها وهم منه ليكون نظير ما ذكرتم من الأمثلة وهل في الاعتبار أفسد من اعتباركم هذا فان الحكم فيما ذكرتم قد تبين بالعقل الصريح والحس أنه حكم وهمي ونحن لا ننازع فيه ولا عاقل لأنا أن سلطنا عليه العقل والحس ظهر أن مستنده الوهم وأما في القضايا التي ركب في العقول والفطر حسنها وقبحا فأنا إذا سلطنا العقل الصريح عليها لم يحكم لها بخلاف ما هي عليه أبدا ألا أن يلجؤا إلى دبوس السارق وهو الصدق المتضمن هلاك والى الكذب المتضمن عصمته وليس معكم ما تصولون به سواه وقد بينا حقيقة الأمر فيه بما فيه كفاية وحتى لو كان الأمر فيهما كما ذكرتم قطعا لم يجز أن يبطل بهما ماركبه الله في العقول والفطر وألزمها إياه التزاما لا انفكاك لها عنه من استحسان الحسن واستقباح القبيح والحكم بقبحه والتفرقة العقلية التابعة لذواتهما وأوصافهما بينهما وقد أنكر الله سبحانه على العقول التي جوزت أن يجعل الله فاعل القبيح وفاعل الحسن سواء ونزه نفسه عن هذا الظن وعن نسبة هذا الحكم الباطل إليه ولولا أن ذلك قبيح عقلا لما أنكره على العقول التي جوزته فان الإنكار إنما كان يتوجه عليهم بمجرد الشرع والخبر لا بإفساد ما ظنوه عقلا ولا يقال فلو كان هذا الحكم باطلا قطعا لما جوزه أولئك العقلاء لأن هذا احتجاج بعقول أهل الشرك الفاسدة التي عابها الله وشهد عليهم بأنهم لا يعقلون وشهدوا على أنفسهم بأنهم أو لو كانوا يسمعون أو يعقلون ما كانوا في أصحاب السعير وهل يقال أن استحسان عبادة الأصنام بعقولهم واستحسان التثليث والسجود للقمر وعبادة النار وتعظيم الصليب يدل على حسنها لاستحسان بعض العقلاء لها فان قيل فهذا حجة عليكم فان عقول هؤلاء قد قضت بحسنها وهي أقبح القبائح قيل ما مثلنا ومثلكم في ذلك ألا كمثل من قال إذا كان الأحوال يرى القمر اثنين لم يبق لنا وثوق بكون صحيح الفم إذا ذاق الشيء المر يذوقه عذبا وحلوا وإذا كان صاحب الفهم السقيم يعيب القول الصحيح ويشهد ببطلانه لم يبق لنا وثوق بشهادة صاحب الفهم المستقيم بصحته إلى أمثال ذلك فإذا كانت فطرة أمة من الأمم وشرذمة من الناس وعقولهم قد فسدت فهل يلزم من هذا إبطال شهادة العقول السليمة والفطر المستقيمة ولو صح لكم هذا الاعتراض لبطل استدلالكم على كل منازع لكم في(2\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "373",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14829",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كل مسألة فانه عاقل وقد شهد عقله بها بخلاف قولكم وكفى بهذا فسادا وبطلانا وكفى برد العقول وسائر العقلاء له والحمد لله رب العالمين الوجه الثالث والعشرون قولكم أن الملك العظيم إذا رأى مسكينا مشرفا على الهلاك استحسن إنقاذه والسبب في ذلك دفع الأذي الذي يلحق الإنسان من رقة الجنسية وهو طبع يستحيل الانفكاك عنه إلى آخره كلام في غاية الفساد فان مضمونه أن هذا الإحسان العظيم والتنزل من مثل هذا الملك القادر إلى الإحسان إلى مجهود مضرور قد مسه الضر وتقطعت به الأسباب وانقطعت به الحيل ليس فعلا حسنا في نفسه ولا فرق عند العقل بين ذلك وان يلقى عليه حجرا يغرقه وانما مال إليه طبعه لرقه الجنسية ولتصويره نفسه في تلك الحال واحتياجه إلى من ينقذه وألا فلو جردنا النظر إلى ذات الفعل وضربنا صفحا عن لوازمه وما يقترن به ويبعث عليه لم يقض العقل بحسنه ولم يفرق بينه وبين إلقاء حجر عليه حتى يغرقه هذا قول يكفى في فساده مجرد تصوره وليس في المقدمات البديهية ما هو أجلى وأوضح من كون مثل هذا الفعل حسنا لذاته حتى يحتج بها عليه فان الاحتجاج إنما يكون بالأوضح على الأخفى فإذا كان المطلوب المستدل عليه أوضح من الدليل كان الاستدلال عناء وكلفة ولكن تصور الدعوى ومقابلتها تصويرا مجردا يعرضان على العقول التي لم يسبق إليها تقليد الآراء ولم يتواطأ عليها ويتلقاها صاغر عن كابر وولد عن والد حتى نشأت معها بنشئها فهي تسعى بنصرتها بما دب ودرج من الأدلة لاعتقادها أولا أنها حق في نفسها لإحسانها الظن بأربابها فلو تجردت من حب من ولدته وبغض من خالفته وجردت النظر وصابرت العلم وتابعت المسير في المسئلة إلى آخرها لأوشك أن تعلم الحق من الباطل ولكن حبك الشيء يعمى ويصم والنظر بعين البغض يرى المحاسن مساوى هذا في إدراك البصر مع ظهوره ووضوحه فكيف في إدراك البصيرة لا سيما إذا صادق مشكلا فهذه بلية أكثر العالم فان تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وألا فإني لا أخالك ناجيا الوجه الرابع والعشرون أن اقتران هذه الأمور التي ذكرتموها من رقة الجنسية وتصور نفسه بصورة من يريد إنفاذه ونحوها هي أمور تقترن بهذا الإحسان فيقوم الباعث على فعله ولا يوجب تجرده عن وصف يقتضي حسنه وان يكون ذاته مقتضية لحسنة وان اقترن بفاعل هذا الأمور وما مثلكم في ذلك ألا كمثل من قال أن تناول الأطعمة والأغذية والأدوية ليس حسنا لذاته فانه يقترن بمتناولها من لذة المرة لفم المعدة ما يوجب نزوعها إلى طلب الغذاء لقيام البنيه وكذلك الأدوية وغيرها ومعلوم أن هذه البواعث والدواعي وأسباب الميول لا ينافي الاقتضاء الذاتي وقيام الصفات التي تقتضي الانتفاع بها فكذلك تلك(2\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "374",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14830",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البواعث والدواعي وأسباب الميول التي تحصل لفاعل الإحسان ومنقذ الغريق والحريق وما ينجى الهالك لا ينافى ما عليه هذه الأفعال في ذواتها من الصفات التي تقتضي حسنها وقبح أضدادها الوجه الخامس والعشرون قولكم أنه يقدر نفسه في تلك الحال وتقديره غيره معرضا عن الانقاذ فيستقبحه منه لمخالفته غرضه فيدفع عن نفسه ذلك القبح المتوهم فيقال هذا القبح المتوهم إنما نشأ عن القبح المحقق في ترك الإحسان إليه مع قدرته عليه وعدم تضرره به فالقبح محقق في ترك إنقاذه ومتوهم في تصويره نفسه بتلك الحال وعدم إنقاذه غيره له فلولا تلك الحقيقة لم يحكم العقل بهذا القبح الموهوم وكون الانقاذ موافقا للغرض وتركه مخالفا له لا ينبغي أن يكون في ذاته حسنا وقبيحا ملائما وافق الغرض أو خالفه لما اتصفت به ذاته من الصفات المقتضية لهذه الموافقة والمخالفة الوجه السادس والعشرون قولكم فلو فرض هذا في بهيمة أو شخص لارقة فيه فيبقى أمر آخر وهو طلب الثناء على إحسانه فيقال طلب الثناء يقتضي أن هذا الفعل مما يتعلق به الثناء وما ذاك ألا لأنه في نفسه على صفة تقتضي الثناء على فاعله ولو كان هذا الفعل مساويا لضده في نفس الأمر لم يتعلق الثناء به والذم بضده وفعله لتوقع الثناء لا ينفى أن يكون على صفة لأجلها استحق فاعله الثناء بل هو باقتضاء ذلك أولى من نفيه الوجه السابع والعشرون قولكم فان فرض في موضع يستحيل أن يعلم فيبقى ميل وترجيح يضاهي نفرة طبع السليم عن الحبل وذلك أنه رأى هذه الصورة مقرونة بالثناء فيظن أن الثناء مقرون بها بكل حال كما أنه لما رأى الأذى مقرونا بصورة الحبل وطبعه ينفر عن الأذى فينفر عن المقرون به فالمقرون باللذيذ لذيذ والمقرون بالمكروه مكروه فيقال يا عجبا كيف يرد أعظم الإحسان الذي فطر الله عقول عباده وفطرهم على إحسانه حتى لو تصور نطق الحيوان البهيم لشهد باستحسانه إلى مجرد وهم وخيال فاسد يشبه نفرة طبع الرجل السليم عن حبل مرقش فتأمل كيف يحمل نفرة الآراء المتقلدة وبعض مخالفتها على أمثال هذه الشنع وهل سوى الله سبحانه في العقول والفطر بين إنقاذ الغريق والحريق وتخليص الأسير من عدوه واحياء النفوس وبين نفرة طبع السليم عن حبل مرقش لتوهمه أنه حية وقد كان مجرد تصور هذه الشبهة كافيا في العلم ببطلانها ولكنا زدنا الأمر إيضاحا وبيانا الوجه الثامن والعشرون قولكم الإنسان إذا جالس من عشقه في مكان فإذا انتهى إليه أحس في نفسه تفرقة بين ذلك المكان وغيره واستشهادكم على ذلك بقول الشاعر أمر على الديار ديار ليلى ... وقوله وحبب أوطان الرجال إليهم ... فيقال لا ريب أن الأمر هكذا ولكن هل يلزم من هذا استواء الصدق والكذب في نفس الأمر واستواء العدل والظلم والبر والفجور والإحسان والإساءة بل هذا المثال نفسه حجة عليكم فانه لم يمل طبعه(2\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "375",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14831",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى ذلك المكان مع مساواته لجميع الأمكنة عنده وكذلك حنينه إلى وطنه ومحته له وكذلك حنينه إلى الفه من الناس وغيرهم فان هذا لا يقع منه مع تساوي تلك الأماكن والأشخاص عنده بل لظنه اختصاصهما بأمور لا توجد في سواهما فترتب ذلك الحب والميل على هذا الظن ثم له حالان أحدهما أن يكون كما ظنه بل ذلك المكان أو الشخص مساولغيره وربما يكون غيره أكمل منه في الأوصاف التي تقتضي حبه والميل إليه فهذا إذا سلط العقل الحس على سبب ميله وحبه علم أنه مجرد الف أو عادة أو تذكر أو تخيل وهذا الوهم مستند إلى ما تقرر في العقل من أن اختصاص الحب والميل بالشيء دون غيره لما اختص به من الصفات التي اقتضت ذلك وكذلك تعلق النفرة والبغض به ثم تغلب الوهم حتى يتخيل أن تلك الصفات باينة عن المحل وليست فيه بل يكون المحل مقرونا بتلك الصفات فيحب ويبغض لأجل تلك المفارقة فمقارن المحبوب محبوب ومقارن المكروه مكروه كقوله وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا وقول الآخر إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهمو عهودا ... جرت فيها فحبوا لدالكا  الوجه التاسع والعشرون قولكم أن الصبر على السيف في ترك كلمة الكفر لا يستحسنه العقلاء لولا الشرع بل ربما استقبحوه إنما يستحسن الثواب أو الثناء بالشجاعة وكذلك بالصبر على حفظ السر والوفاء بالعهد لما في ذلك من المصالح فان فرض حيث لا تنافيه فقد وجد مقرونا بالثناء فيبقى ميل الوهم المقرون فيقال لكم استحسان الشرع له مطابق لاستحسان العقل لا مخالف وكذلك انتظار الثواب به وهو حسنه في نفسه وكذلك المصالح المترتبة على حفظ السر والوفاء بالعهد هي لما قام بذوات هذه الأفعال من الصفات التي أوجبت المصالح إذ لو ساوت غيرها لم تكن باقتضاء المصلحة أولى منها وقولكم أنه إذا وجب فرض حيث لاثناء ينفى ميل الوهم للمقارنة فقد تقدم أن هذا الميل تبع للحقيقة وأنه يستحيل وجوده في فعل لا تقتضي ذاته المصلحة والاستحسان وان حصول الوهم المقارن تبع للحقيقة الثابتة لاستحالة حصول هذا الوهم في فعل لا تكون ذاته منشأ للأمر الموهوم فيتوهم الذهن حيث تنتفي الحقيقة الوجه الثلاثون قولكم أن من عرضت له حاجة وأمكن قضاءها بالصدق والكذب وأنه إنما يؤثر الصدق لأنه وجده مقرونا بالثناء فهو يؤثره لما يقترن به من الثناء فجوابه أيضا ما تقدم وأن اقترانه بالثناء لما اختص به من الصفات التي اقتضت الثناء على فاعله كيف والكذب متضمن لفساد تظلم العالم ولا يمكن قيام العالم عليه لا في معاشهم ولا في معادهم بل هو متضمن لفساد المعاش والمعاد ومفاسد الكذب اللازمة له معلومة عند خاصة الناس وعامتهم كيف وهو منشأ كل وفساد(2\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "376",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14832",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأعضاء لسان كذوب وكم قد أزيلت بالكذب من دول وممالك وخربت به من بلاد واستلبت به من نعم وتعطلت به من معايش وفسدت به مصالح وغرست به عداوات وقطعت به مودات وافتقر به غنى وذل به عزيز وهتكت به مصونة ورميت به محصنة وخلت به دور وقصور وعمرت به قبور وأزيل به أنس واستجلبت به وحشة وأفسد به بين الابن وأبيه وغاض بين الأخ وأخيه وأحال الصديق عدوا مبينا ورد الغنى العزيز مسكينا وكم فرق بين الحبيب وحبيبه فأفسد عليه عيشته ونغص عليه حياته وكم جلا عن الأوطان وكم سود من وجوه وطمس من نور وأعمى من بصيرة وأفسد من عقل وغير من فطرة وجلب من معرة وقطعت به السبل وعفت به معالم الهداية ودرست به من آثار النبوة وخفيت به من مصالح العباد في المعاش والمعاد وهذا وأضعافه ذرة من مفاسده وجناح بعوضة من مضاره ومصالحه ألا فما يجلبه من غضب الرحمن وحرمان الجنان وحلول دار الهوان أعظم من ذلك وهل ملئت الجحيم ألا بأهل الكذب الكاذبين على الله وعلى رسوله وعلى دينه وعلى أوليائه المكذبين بالحق حمية وعصبية جاهلية وهل عمرت الجنان ألا بأهل الصدق الصادقين المصدقين بالحق قال تعالى فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك جزاء المحسنين وإذا كانت هذه حال الكذب والصدق فمن أبطل الباطل دعوى تساويهما وان العقل إنما يؤثر الصدق لتوهم اقترانه بالثناء وانما يتجنب الكذب لتوهم اقترانه بالقبح كتوهم اقتران اللسع في الحبل المرقش ورد استقباح هذه المفاسد والمقابح التي لا أقبح منها إلى مجرد وهم باطل شبه نفرة الطبع عن الحبل المرقش ونفس العلم بهذه المقالة كاف في الجزم ببطلانها ولو ذهبنا نعدد قبائح الكذب الناشئة من ذاته وصفاته لزادت عن الألف وما من عاقل ألا وعند العلم ببعض ذلك علما ضروريا مركوزا في فطرته فما سوى الله بينه وبين الصدق أبدا ودعوى استوائهما كدعوى استواء النور والظلمة والكفر والأيمان وخراب العالم واهلاك الحرث والنسل وعمارته بل كدعوى استواء الجوع والشبع والري والظمأ والفرح والغم وأنه لا فرق عند العقل بين علمه بهذا وهذا الوجه الحادي والثلاثون قولكم الصدق والكذب متنافيان ومن المحال تساوي المتنافيين في جميع الصفات إلى آخره إقرار منكم بالحق ونقض لما أصلتموه فانهما إذا كانا متنافيين ذاتا وصفاتا لم يرجع الفرق بينهما استحسانا واستقباحا إلى مجرد العادة والمنشأ والوباء أو مجرد التدين بالشرائع بل يكون مرجع الفرق إلى ذاتهما وأن ذات هذا مقتضية لحسنه وذات هذا مقتضية لقبحه وهذا هو عين الصواب لولا أنكم لا تثبتون علته وتصرحون بأن الفرق بينهما سببه العادة والتربية والمنشأ والتدين بشرائع الأنبياء حتى لو فرض انتفاء ذلك لم يؤثر الرجل الصدق على الكذب وهل في التناقض أقبح من هذا(2\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "377",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14833",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الوجه الثاني والثلاثون قولكم أن غاية هذا أن يدل على قبح الكذب وحسن الصدق شاهدا ولا يلزم منه حسنه وقبحه وغائبا ألا بطريق قياس الغائب على الشاهد وهو باطل لوضوح الفرق واستنادكم في الفرق إلى ما ذكرتم من تخلية الله بين عباده يموج بعضهم في بعض ظلما وإفسادا وقبح ذلك مشاهد فيالله العجب كيف يجوز العقل التزام مذهب ملتزم معه جواز الكذب على رب العالمين وأصدق الصادقين وأنه لا فرق أصلا بالنسبة إليه بين الصدق والكذب بل جواز الكذب عليه سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا كجواز الصدق وحسنه لحسنه وهل هذا ألا من أعظم الإفك والباطل ونسبته إلى الله تعالى جوازا كنسبة ما لا يليق بجلاله إليه من الولد والزوجة والشريك بل لنسبة أنواع الظلم والشر إليه جوازا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فمن اصدق من الله حديثا ومن أصدق من الله قيلا وهل هذا الإفك المفترى ألا رافع للوثوق بأخباره ووعده ووعيده وتجويزه عليه وعلى كلامه ما هو أقبح القبائح التي تنزه عنها بعض عبيده ولا يليق به فضلا عنه سبحانه فلو التزمتم كل إلزام بلزوم مسمى الحسن والقبح العقليين لكان أسهل من التزام هذا الإد التي تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هذا ولا نسبة في القبح بين الولد والشريك والزوجة وبين الكذب ولهذا فطر الله عقول عباده على الازدراء والذم والمقت للكاذب دون من له زوجة وولد وشريك فتنزه أصدق الصادقين عن هذا القبيح كتنزهه عن الولد والزوجة والشريك بل لا يعرف أحد من طوائف هذا العالم جوز الكذب على الله لما فطر الله عقول البشر وغيرهم على قبحه ومقت فاعله وخسته ودناءته ونسبة طوائف المشركين الشريك والولد إليه لما لم يكن قبحه عندهم كقبح الكذب وكفى بمذهب بطلانا وفسادا هذا القول العظيم والإفك المبين لازمة ومع هذا فأهله لا يتحاشون من التزامه فلو التزم القائل أن يذهب الذم كان خيرا له من هذا ونحن نستغفر الله من التقصير في رد أهل المذهب القبيح ولكن ظهور قبحه للعقول والفطر أقوى شاهد على رده وإبطاله ولقد كان كافينا من رده نفس تصويره وعرضه على عقول الناس وفطرهم فليتأمل اللبيب الفاضل ماذا يعود إليه نصر المقالات والتعصب لها والتزام لوازمها وإحسان الظن بأربابها بحيث يرى مساويهم محاسن وإساءة الظن بخصومهم بحيث يرى محاسنهم مساوي كم أفسد هذا السلوك من فطرة وصاحبها من الذين يحسبون أنهم على شيء إلا انهم هم الكاذبون ولا يتعجب من هذا فان مرآة القلب لا يزال يتنفس فيها حتى يستحكم صداؤها فليس ببدع لها أن ترى الأشياء على خلاف ما هي عليه فمبدأ الهدى والفلاح صقال تلك المرآة ومنع الهوى من التنفس فيها وفتح عين البصيرة في أقوال من يسيء الظن بهم كما يقبحها في أقوال من يحسن الظن به وقيامك(2\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "378",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14834",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لله وشهادتك بالقسط وأن لا يحملك بغض منازعيك وخصومك على جحد دينهم وتقبيح محاسنهم وترك العدل فيهم فان الله لا يعتد بتعب من هذا ثناه ولا يجدي علمه نفعا أحوج ما يكون إليه والله يحب المقسطين ولا يحب الظالمين الوجه الثالث والثلاثون قولكم أن مستند الحكم يقبح الكذب غائبا على الشاهد وهو فاسد فيقال الرب تعالى لا يدخل مع خلقه في قياس تمثيل ولا قياس شهود يستوي أفراده فهذان الفرعان من القياس يستحيل ثبوتهما في حقه وأما قياس الأولى فهو غير مستحيل في حقه بل هو واجب له وهو مستعمل في حقه عقلا ونقلا أما العقل فكاستدلالنا على أن معطى الكمال أحق بالكمال فمن جعل غيره سميعا بصيرا عالما متكلما حيا حكيما قادرا مريدا رحيما محسنا فهو أولى بذلك وأحق منه ويثبت له من هذه الصفات أكملها وأتمها وهذا مقتضى قولهم كمال المعلول مستفاد من كمال علته ولكن نحن ننزه الله عز وجل عن إطلاق هذه العبارة في حقه بل نقول كل كمال ثبت للمخلوق غير مستلزم للنقص فخالقه ومعطيه إياه أحق بالاتصاف به وكل نقص في المخلوق فالخالق أحق بالتنزه عنه كالكذب والظلم والسفه والعيب بل يجب تنزيه الرب تعالى عن كل النقائص والعيوب مطلقا وان لم يتنزه عنها بعض المخلوقين وكذلك إذا استدللنا على حكمته تعالى بهذه الطرائق نحو أن يقال إذا كان الفاعل الحكيم الذي لا يفعل فعلا إلا لحكمة وغاية مطلوبة له من فعله أكمل ممن يفعل لا لغاية ولا لحكمة ولا لأجل عاقبة محمودة وهي مطلوبة من فعله في الشاهد ففي حقه تعالى أولى وأحرى فإذا كان الفعل للحكمة كما لا فينا فالرب تعالى أولى به وأحق وكذلك إذا كان التنزه عن الظلم والكذب كما لا في حقنا فالرب تعالى أولى وأحق بالتنزه عنه وبهذا ونحوه ضرب الله الأمثال في القرآن وذكر العقول ونبهها وأرشدها إلى ذلك كقوله ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا فهذا مثل ضربه يتضمن قياس الأول يعني إذا كان المملوك فيكم له ملاك مشتركون فيه وهم متنازعون ومملوك آخر له مالك واحد فهل يكون هذا وهذا سواء فإذا كان هذا ليس عندكم كمن له رب واحد ومالك واحد فكيف ترضون أن تجعلوا لأنفسكم آلهة متعددة تجعلونها شركاء لله تحبونها كما يحبونه وتخافونها كما يخافونه وترجونها كما يرجونه وكقوله تعالى وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وهجه مسودا وهو كظيم يعني أن أحدكم لا يرضى أن يكون له بنت فكيف تجعلون لله مالا ترضونه لأنفسكم وكقوله ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل(2\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "379",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14835",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم يعني إذا كان لا يستوي عندكم عبد مملوك لا يقدر على شيء وغني موسع عليه ينفق مما رزقه الله فكيف تجعلون الصنم الذي هو أسوأ حالا من هذا العبد شريكا لله وكذلك إذا كان لا يستوي عندكم رجلان أحدهما أبكم لا يعقل ولا ينطق وهو مع ذلك عاجز لا يقدر على شيء وآخر على طريق مستقيم في أقواله وأفعاله وهو آمر بالعدل عامل به لأنه على صراط مستقيم فكيف تسوون بين الله وبين الصنم في العبادة ونظائر ذلك كثيرة في القرآن وفي الحديث كقوله في حديث الحارث الأشعري وان الله أمركم أن تعبدوه لا تشركوا به شيئا وان مثل من أشرك كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله وقال له اعمل وأد إلى فكان يعمل ويؤدي إلى غيره فأيكم يحب أن يكون عبده كذلك فالله سبحانه لا تضرب الأمثال التي يشترك هو وخلقه فيها لا شمولا ولا تمثيلا وانما يستعمل في حقه قياس الأولى كما تقدم الوجه الخامس والثلاثون أن النفاة إنما ردوا على خصومهم من الجهمية المعتزلة في إنكار الصفات بقياس الغائب على الشاهد فقالوا العالم شاهدا من له العلم والمتكلم من قام به الكلام والحي والمريد والقادر من قام به الحياة والإرادة والقدرة ولا يعقل إلا هذا قالوا ولأن شرط إطلاق الاسم شاهدا وجود هذه الصفات ولا يستحق الاسم في الشاهد إلا من قامت به فكذلك في الغائب قالوا ولأن شرط العلم والقدرة والإرادة في الشاهد الحياة فكذلك في الغائب قالوا ولأن علم كون العالم عالما شاهدا وجود العلم وقيامه به فكذلك في الغائب فقالوا بقياس الغائب على الشاهد في العلة والشرط والاسم والحد فقالوا حد العالم شاهدا من قام به العلم فكذلك غائبا وشرط صحة إطلاق الاسم عليه شاهدا قيام العلم به فكذلك غائبا وعليه كونه عالما شاهدا قيام العلم به فكذلك غائبا فكيف تنكرون هنا قياس الغائب على الشاهد وتحتجون به في مواضع أخرى فأي تناقض أكثر من هذا فان كان قياس الغائب على الشاهد باطلا بطل احتجاجكم علينا به في هذه المواضع وان كان صحيحا بطل ردكم في هذا الموضع فأما أن يكون صحيحا إذا استدللتم به باطلا إذا استدل به خصومكم فهذا أقبح التطفيف وقبحه ثابت بالعقل والشرع الوجه السادس والثلاثون قولكم أن الله خلى بين العباد وظلم بعضهم بعضا وأن ذلك ليس بقبيح منه فانه قبيح منا فذلك فاسد على أصل التكليف فان التكليف إنما يتم بإعطاء القدرة والاختيار والله تعالى قد أقدر عباده على الطاعات والمعاصي والصلاح والفساد وهذا الأقدار هو مناط الشرع والأمر والنهي فلولاه لم يكن شرع ولا رسالة ولا ثواب ولا عقاب وكان الناس بمنزلة الجمادات والأشجار والنبات فلو حال سبحانه بين العباد وبين القدرة على المعاصي لارتفع الشرع والرسالة والتكليف وانتفت فوائد البعثة ولزم من ذلك لوازم لا يحبها الله وتعطلت(2\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "380",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14836",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "به غايات محمودة محبوبة لله وهي ملزومة لأقدار العباد وتمكينهم من الطاعة والمعصية ووجود الملزوم بدون اللازم محال وقد نبهنا على شيء يسير من الحكم المطلوبة والغايات المحمودة فيما سلف من هذا الفصل وفي أول الكتاب فلو أن الرب تعالى خلق خلقه ممنوعين من المعاصي غير قادرين عليها بوجه لم يكن لإرسال الرسل وانزال الكتب والأمر والنهى والثواب والعقاب سبب يقتضيه ولا حكمة تستدعيه وفي ذلك تعطل الأمر جملة بل تعطيل الملك والحمد والرب تعالى له الخلق والأمر وله الملك والحمد والغايات المطلوبة والعواقب المحمودة التي لأجلها أنزل كتبه وأرسل رسله وشرع شرائعه وخلق الجنة والنار ووضع الثواب والعقاب وذلك لا يحصل إلا بأقدار العباد على الخير والشر وتمكينهم من ذلك فأعطاهم الأسباب والآلات التي يتمكنون بها من فعل هذا وهذا فلهذا حسن منه تبارك وتعالى التخلية بين عباده وبين ما هم فاعلوه وقبح من أحدنا أن يخلى بين عبيده وبين الإفساد وهو قادر على منعهم هذا مع أنه سبحانه لم يخل بينهم بل منعهم منه وحرمه عليهم ونصب لهم العقوبات الدنيوية والأخروية على القبائح وأحل بهم من بأسه وعذابه وانتقامه مالا يفعله السيد من المخلوقين بعبيده ليمنعهم ويزجرهم فقولكم أنه خلى بين عباد وبين إفساد بعضهم بعضا وظلم بعضهم بعضا كذب عليه فانه لم يخل بينهم شرعا ولا قدرا بل حال بينهم وبين ذلك شرعا أتم حيلولة ومنعهم قدرا بحسب ما تقتضيه حكمته الباهرة وعلمه المحيط وخلى بينهم وبين ذلك بحسب ما تقتضيه حكمته وشرعه ودينه فمنعه سبحانه لهم حيلولته بينهم وبين الشر أعظم من تخليته والقدر الذي خلاه بينهم في ذلك هو ملزوم أمره وشرعه ودينه فالذي فعله في الطرفين غاية الحكمة والمصلحة ولا نهاية فوقه لاقتراح عقل ولو خلى بينهم كما زعمتم لكانوا بمنزلة الأنعام السائمة بل لو تركهم ودواعي طباعهم لأهلك بعضهم بعضا وخرب العالم ومن عليه بل ألجمهم لجام العجز والمنع من كل ما يريدون فلو أنه خلى بينهم وبين ما يريدون لفسدت الخليقة كما الجمهم بلجام الشرع والأمر ولو منعهم جملة ولم يمكنهم ولم يقدرهم لتعطل الأمر والشرع جملة وانتقت حكمة البعثة والإرسال والثواب والعقاب فأي حكمة فوق هذه الحكمة وأي أمر أحسن مما فعله بهم ولو أعطى الناس هذا المقام بعض حقه لعلموا أنه مقتضى الحكمة البالغة والقدرة التامة والعلم المحيط وأنه غاية الحكمة ومن فتح له بفهم في القرآن رآه من أوله إلى آخره ينبه العقول على هذا ويرشدها إليه ويدلها عليه وأنه يتعالى ويتنزه أن يكون هذا منه عبثا أو سدى أو باطلا أو بغير الحق أو لا لمعنى ولا لداع وباعث وان مصدر ذاك جميعه عن عزته وحكمته ولهذا كثيرا ما يقرن تعالى بين هذين الاسمين العزيز الحكيم في آيات التشريع والتكوين والجزاء ليدل عباده على أن مصدر ذلك كله عن حكمة بالغة وعزة قاهرة ففهم الموفقون عن الله عز وجل مراده وحكمته وانتهوا إلى ما وقفوا عليه(2\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "381",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14837",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ووصلت إليه إفهامهم وعلومهم وردوا علم ما غاب عنهم إلى أحكم الحاكمين ومن هو بكل شيء عليم وتحققوا بما عملوه من حكمته التي بهرت عقولهم أن الله في كل ما خلق وأمر وأثاب وعاقب من الحكم البوالغ ما تقصر عقولهم عن إدراكه وأنه تعالى هو الغني الحميد العليم الحكيم فمصدر خلقه وأمره وثوابه وعقابه غناه وحمده وعلمه وحكمته ليس مصدره مشيئة مجردة وقدرة خالية من الحكمة والرحمة والمصلحة والغايات المحمودة المطلوبة له خلقا وأمرا وأنه سبحانه لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته ووقوع أفعاله كلها على أحسن الوجوه وأتمها على الصواب والسداد ومطابقة الحكم والعباد يسألون إذ ليست أفعالهم كذلك ولهذا قال خطيب الأنبياء شعيب عليه السلام أنى توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها أن ربي على صراط مستقيم فأخبر عن عموم قدرته تعالى وأن الخلق كلهم تحت تسخيره وقدرته وانه آخذ بنواصيهم فلا محيص لهم عن نفوذ مشيئته وقدرته فيهم ثم عقب ذلك بالأخبار عن تصرفه فيهم وأنه بالعدل لا بالظلم وبالإحسان لا بالإساءة وبالصلاح لا بالفساد فهو يأمرهم وينهاهم إحسانا إليهم وحماية وصيانة لهم ولا حاجة إليهم ولا بخلا عليهم بل جودا وكرما ولطفا وبرا ويثيبهم إحسانا وتفضلا ورحمة لا لمعاوضة واستحقاق منهم ودين واجب لهم يستحقونه عليه ويعاقبهم عدلا وحكمة لا تشفيا ولا مخافة ولا ظلما كما يعاقب الملوك وغيرهم بل هو على الصراط المستقيم وهو صراط العدل والإحسان في أمره ونهيه وثوابه وعقابه فتأمل ألفاظ هذه الآية وما جمعته من عموم القدرة وكمال الملك ومن تمام الحكمة والعدل والإحسان وما تضمنته من الرد على الطائفتين فأنها من كنوز القرآن ولقد كفت وشفت لمن فتح عليه بفهمها فكونه تعالى على صراط مستقيم ينفى ظلمه للعباد وتكليفه إياهم ما لا يطيقون وينفى العيب من أفعاله وشرعه ويثبت لها غاية الحكمة والسداد ردا على منكري ذلك وكون كل دابة تحت قبضته وقدرته وهو آخذ بناصيتها ينبغي أن لا يقع في ملكه من أحد المخلوقات شيء بغير مشيئته وقدرته وأن من ناصيته بيد الله وفي قبضته لا يمكنه أن يتحرك إلا بتحريكه ولا يفعل إلا بأقداره ولا يشاء إلا بمشيئته تعالى ردا على منكري ذلك من القدرية فالطائفتان ما وفوا الآية معناها ولا قدروها حق قدرها فهو سبحانه على صراط مستقيم في عطائه ومنعه وهدايته واضلاله وفي نفعه وضره وعافيته وبلائه واغناه وإفقاره وإعزازه وإذلاله وانعامه وانتقامه وثوابه وعقابه وإحيائه وإماتته وأمره ونهيه وتحليله وتحريمه وفي كل ما يخلق وكل ما يأمر به وهذه المعرفة بالله لا تكون إلا للأنبياء ولورثتهم ونظير هذه الآية قوله تعالى وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لايأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم فالمثل الأول للضم وعابديه والمثل الثاني ضربه الله تعالى لنفسه وأنه يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم فكيف يسوى بينه وبين الصنم الذي له مثل السوء فما فعله الرب تبارك(2\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "382",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14838",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتعالى مع عباده هو غاية الحكمة والإحسان والعدل في اقدارهم واعطائهم ومنعهم وأمرهم ونهيهم فدعوى المدعى أن هذا نظير تخلية السيد بين عبيده وامائه يفجر بعضهم ببعض ويسيء بعضهم بعضا اكذب دعوى وأبطلها والفرق بينهما أظهر وأعظم من أن يحتاج إلى ذكره والتنبيه عليه والحمد لله الغني الحميد فغناه التام فارق وحمده وملكه وعزته وحكمته وعلمه وإحسانه وعدله ودينه وشرعه وحكمه وكرمه ومحبته للمغفرة والعفو عن الجناة والصفح عن المسيئين وتوبة التائبين وصبر الصابرين وشكر الشاكرين الذين يؤثرونه على غيره ويتطلبون مراضيه ويعبدونه وحده ويسيرون في عبيده بسيرة العدل والإحسان والنصائح ويجاهدون أعداءه فيبذلون دماءهم وأموالهم في محبته ومرضاته فيتميز الخبيث من الطيب ووليه من عدوه ويخرج طيبات هؤلاء وخبائث أولئك إلى الخارج فيترتب عليها آثارها المحبوبة للرب تعالى من الثواب والعقاب والحمد لأوليائه والذم لأعدائه وقد نبه تعالى على هذه الحكمة في كتابه في غير موضع كقوله تعالى ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء هذه الآية من كنوز القرآن نبه فيها على حكمته تعالى المقتضية تمييز الخبيث من الطيب وأن ذلك التمييز لا يقع إلا برسله فاجتبى منهم من شاء وأرسله إلى عباده فيتميز برسالتهم الخبيث من الطيب والولى من العدو ومن يصلح لمجاورته وقربه وكرامته ممن لا يصلح إلا للوقود وفي هذا تنبيه على الحكمة في إرسال الرسل وأنه لا بد منه وان الله تعالى لا يليق به الإخلال به وان من جحد رسالة رسله فما قدره حق قدره ولا عرفه حق معرفته ونسبه إلى ما لا يليق به كما قال تعالى وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء فتأمل هذا الموضع حق التأمل واعطه حظه من الفكر فلو لم يكن في هذا الكتاب سواه لكان من أجل ما يستفاد والله الهادي إلى سبيل الرشاد الوجه السابع والثلاثون قولكم أن الإغراق والإهلاك بخس منه تعالى وهو أقبح شيء منا فكيف يدعون حسن إنقاذ الغرقى عقلا إلى آخره كلام فاسد جدا فان الإغراق والإهلاك من الرب تعالى لا يخرج قط عن المصلحة والعدل والحكمة فانه إذا أغرق أعداءه وأهلكهم وانتقم منهم كان هذا غاية الحكمة والعدل والمصلحة وان أغرق أولياءه وأهل طاعته فهو سبب من الأسباب التي نصبها لموتهم وتخليصهم من الدنيا والوصول إلى دار كرامته ومحل قربه ولا بد من موت على كل حال فاختار لهم أكمل الموتتين وأنفعهما لهم في معادهم ليوصلهم إلى درجات عالية لا تنال إلا بتلك الأسباب التي نصبها الله موصلها كإيصال سائر الأسباب إلى مسبباتها ولهذا سلط على أنبيائه وأوليائه ما سلط عليهم من القتل وأذى الناس وظلمهم لهم وعدوانهم عليهم وما ذاك لهوانهم عليه ولا لكرامة أعدائهم عليه بل ذاك عين كرامتهم وهوان أعدائهم عليه وسقوطهم من عينه لينالوا بذلك ما خلقوا له من مساكنتهم في دار(2\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "383",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14839",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الهوان وينال أولياؤه وحزبه ما هيئ لهم من الدرجات العلي والنعيم المقيم فكل تسليط أعدائه وأعدائهم عليهم عين كرامتهم وعين إهانة أعدائهم فهذا من بعض حكمه تعالى في ذلك ووراء ذلك من الحكم ما لا تبلغه العقول والأفه والإفهام وكان إغراقه واهلاكه وابتلاؤه محض الحكمة والعدل في حق أعدائه ومحض الإحسان والفضل والرحمة في حق أوليائه فلهذا حسن منه ولعل الإغراق وتسليط القتل عليهم أسهل الموتتين عليهم مع ما في ضمنه من الثواب العظيم فيكون وقد بلغ حسن اختياره لهم إلى أن خفف عليهم الموتة وأعاضهم عليها أفضل الثواب فانه لا يجد الشهيد من ألم القتل إلا كمس القرصة ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ... تنوعت الأسباب والموت واحد فليس إماتة أوليائه شهداء بيد أعدائه إهانة لهم ولا غضبا عليهم بل كرامة ورحمة وإحسانا ولطفا وكذلك الغرق والحرق والردم والتردى والبطن وغير ذلك والمخلوق ليس بهذه المثابة فلهذا قبح منه الإغراق والإهلاك وحسن من اللطيف الخبير الوجه الثامن والثلاثون قولكم إذا كان لله في إغراقه واهلاكه سبحانه حكمة وسر لا نطلع عليه نحن فقد رأوا مثله في ترك إنقاذنا الغرقى كلام تغى ركته وفساده عن تكلف رده وهل يجوز أن يقال إذا كان لله الحكمة البالغة والأسرار العظيمة في إهلاك من يهلكه وابتلاء من يبتليه ولهذا حسن منه ذلك فيلزم من هذا أن يقال يجوز أن يكون في تركنا انجاء الغرقى ونصر المظلوم سد الخلة وستر العورة حكما وأسرارا لا يعلمها العقلاء والمناكدة في البحوث إذا وصلت إلى هذا الحد سمجت وثقلت على النفوس ومحتها القلوب والأسماع الوجه التاسع والثلاثون قولكم العقلان من حيث الصفات النفسية واحدة فكيف يقبح أحدهما من فاعل ويحسن الآخر وبمنزلة أن يقال السجود لله والسجود للصنم واحد من حيث الصفات النفسية فكيف يقبح أحدهما ويحسن الآخر وهل في الباطل أبطل من هذا الوهم فما جعل الله ذلك واحدا أصلا وليس إماتة الله لعبده مثل قتل المخلوق له ولا أجاعته واعراؤه وابتلاؤه مساويا في الصفات النفسية لفعل المخلوق بالمخلوق ذلك ودعوى التساوي كذب وباطل فلا أعظم من التفاوت بينهما وهل يساوي هذا الفعل والفطرة فعل الله وفعل المخلوق فيا لله العجب أن بتناولهما اسم الفعل المشترك صارا سواء في الصفات النفسية أترى حصل لهما هذا التساوي من جهة الفعلين والذي أوجب هذا الخيال الفاسد اتحاد المحل وتعلق الفعلين به وهل يدل هذا على استواء الفعلين في الصفات النفسية ولقد وهت أركان مسألة بنيت على هذا الشفا فانه شفا جرف هار والله المستعان الوجه الأربعون قولكم مواجب العقول في أصل التكليف معارضة الأصول فيقال معاذ الله من تعارضهما بل هي متفقة الأصول مستقر حسنها في العقول والفطر مركوز ذلك فيها فما شرع الله شيئا فقال العقل(2\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "384",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14840",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السليم ليته شرع خلافه بل هي متعارضة بين العقل والهوى والعقل يقضى بحسنها ويدعو إليها ويأمر بمتابعتها جملة في بعضها وجملة وتفصيلا في بعض والهوى والشهوة قد يدعوان غالبا إلى خلافها فالتعارض واقع بين مواجب العقول ومواجب الهوى وما جعل الله في العقل ولا في الفطرة استقباحا لما أمر به ولا استحسانا لما نهى عنه وأن مال الهوى إلى خلاف أمره ونهيه فالعقل حينئذ يكون مأمورا مع الهوى مقهورا في قبضته وتحت سلطانه الوجه الحادي والأربعون قولكم نطالبكم بإظهار وجه الحسن في أصل التكليف وايجابه عقلا وشرعا فيقال يالله العجب أيحتاج أمر الله تعالى لعباده بما فيه غاية صلاحهم وسعادتهم في معاشهم ومعادهم ونهيه لهم عما فيه هلاكهم وشقاؤهم في معاشهم ومعادهم إلى المطالبة بحسنه ثم لا يقتصر على المطالبة بحسنه عقلا حتى يطالب بحسنه عقلا وشرعا فأي حسن لم يأمر الله به ويستحبه لعباده ويندبهم إليه وأي حسن فوق حسن ما أمر به وشرعه وأي قبيح لم ينه عنه ولم يزجر عباده من ارتكابه وأي قبح فوق قبح ما نهى عنه وهل في العقل دليل أوضح من علمه بحسن ما أمر الله به من الأيمان والإحسان وتفاصيلها من العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وأنواع البر والتقوى وكل معروف تشهد الفطر والعقول به من عبادته وحده لا شريك له على أكمل الوجوه وأتمها والإحسان إلى خلقه بحسب الإمكان فليس في العقل مقدمات هي أوضح من هذا المستدل عليه فيجعل دليلا له وكذلك ليس في العقل دليل أوضح من قبح ما نهى الله عنه من الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق والشرك بالله بأن يجعل له عديل من خلقه فيعبد كما يعبد ويحب كما يحب ويعظم كما يعظم ومن الكذب على الله وعلى أنبيائه وعباده المؤمنين الذي فيه خراب العالم وفساد الوجود فأي عقل لم يدرك حسن ذلك وقبح هذا فأحرى أن لا يدرك الدليل على ذلك وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل فما أبقى الله عز وجل حسنا إلا أمر به وشرعه ولا قبيحا إلا نهى عنه وحذر منه ثم أنه سبحانه أودع في الفطر والعقول الإقرار بذلك فأقام عليها الحجة من الوجهين ولكن اقتضت رحمته وحكمته أن لا يعذبها إلا بعد إقامتها عليها برسله وان كانت قائمة عليها بما أودع فيها واستشهدها عليه من الإقرار به وبوحدانيته واستحقاقه الشكر من عباده بحسب طاقتهم على نعمه وبما نصب عليها من الأدلة المتنوعة المستلزمة إقرارها بحسن الحسن وقبح القبيح الوجه الثاني والأربعون أنا نذكر لكم وجها من الوجوه الدالة على وجه الحسن في أصل التكليف والإيجاب فنقول لا ريب أن إلزام الناس شريعة يأتمرون بأوامرها التي فيها صلاحهم وينتهون عن مناهيها التي فيها فسادهم أحسن عند كل عاقل من تركهم هملا كالأنعام لا يعرفون معروفا(2\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "385",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14841",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا ينكرون منكرا وينزو بعضهم على بعض نزو الكلاب والحمر ويعدو بعضهم على بعض عدو السباع والكلاب والذئاب ويأكل قويهم ضعيفهم لا يعرفون الله ولا يعبدونه ولا يذكرونه ولا يشكرونه ولا يمجدونه ولا يدينون بدين بل هم من جنس الأنعام السائمة ومن كابر عقله في هذا سقط الكلام معه ونادى على نفسه بغاية الوقاحة ومفارقة الإنسانية وما نظير مطالبتكم هذه إلا مطالبة من يقول نحن نطالبكم بإظهار وجه المنفعة في خلق الماء والهواء والرياح والتراب وخلق الأقوات والفواكه والأنعام بل في خلق الأسماع والأبصار والألسن والقوى والأعضاء التي في العبد فان هذه أسباب ووسائل ووسائط وأما أمره وشرعه ودينه فكماله غاية وسعادة في المعاش والمعاد ولا ريب عنه العقلاء أن وجه الحسن فيه أعظم من وجه الحسن في الأمور الحسية وان كان الحسن هو الغالب على الناس وانما غاية أكثرهم إدراك الحسن والمنفعة في الحسيات وتقديمها وإيثارها على مدارك العقول والبصائر قال تعالى ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ولو ذهبنا نذكر وجوه المحاسن المودعة في الشريعة لزادت على الألوف ولعل الله أن يساعده بمصنف في ذلك مع أن هذه المسألة بابه وقاعدته التي عليها بناؤه الوجه الثالث والأربعون قولكم أنه سبحانه لا يتضرر بمعصية العبد ولا ينتفع بطاعته ولا تتوقف قدرته في الإحسان على فعل يصدر من العبد بل كما أنعم عليه ابتداء فهو قادر على أن ينعم عليه بلا توسط فيقال هذا حق ولكن لا يلزم فيه أن لا تكون الشريعة والأمر والنهى معلومة الحسن عقلا ولا شرعا ولا يلزم منه أيضا عدم حسن التكليف عقلا ولا شرعا فذكركم كم هذا عديم الفائدة فانه لم يقل منازعوكم ولا غيرهم أن الله سبحانه يتضرر بمعاصي العباد وينتفع بطاعاتهم ولا أنه غير قادر على إيصال الإحسان إليهم بلا واسطه ولكن ترك التكليف وترك العباد هملا كالأنعام لا يؤمرون ولا ينهون مناف لحكمته وحمده وكمال ملكه والهيته فيجب تنزيهه عنه ومن نسبه إليه فما قدره حق قدره وحكمته البالغة اقتضت الأنعام عليهم ابتداء وبواسطة الأيمان والواسطة في إنعامه عليهم أيضا فهو المنعم بالوسيلة والغاية وله الحمد والنعمة في هذا وهذا يوضحه الوجه الرابع والأربعون وهو أن إنعامه عليه ابتداء بالإيجاد واعطاء الحياة والعقل والسمع والبصر والنعم التي سخرها له إنما فعلها به لأجل عبادته إياه وشكره له كما قال تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وقال تعالى قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم وأصح الأقوال في الآية أن معناها ما يصنع بكم ربي لولا عبادتكم إياه فهو سبحانه لم يخلقكم إلا لعبادته فكيف يقال بعد هذا أن تكليفه إياهم عبادته غير حسن في العقل لأنه قادر على الأنعام عليهم بالجزاء من غير توسط العبادة الوجه الخامس والأربعون أن قدرته سبحانه على الشيء لا تنفي حكمته البالغة من وجوده(2\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "386",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14842",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإنه تعالى يقدر على مقدورات تمنع بحكمته كقدرته على قيامه الساعة الآن وقدرته على إرسال الرسل بعد النبي وقدرته على إبقائهم بين ظهور الأمة إلى يوم القيامة وقدرته على أماتة إبليس وجنوده واراحة العالم منهم وقد ذكر سبحانه في القرآن قدرته على ما لا يفعله لحكمته في غير موضع كقوله تعالى قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم وقوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون وقوله أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه أي نجعلها كخف البعير صفحة واحدة وقوله تعالى ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني وقوله لآمن من في الأرض كلهم جميعا وقوله ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة فهذه وغيرها مقدورات له سبحانه وانما امتنعت لكمال حكمته فهي التي اقتضت عدم وقوعها فلا يلزم من كون الشيء مقدورا أن يكون حسنا موافقا للحكمة وعلى هذا فقدرته تبارك وتعالى على ما ذكرتم لا تقتصي حسنه وموافقته لحكمته ونحن إنما نتكلم معهم في الثاني لا في الأول فالكلام في الحكمه يقتضي الحكمة والعناية غير الكلام في المقدور فتعلق الحكمة شيء ومتعلق القدرة شيء ولكن انتم إنما لويتم من إنكار الحكمة فلا يمكنكم التفريق بين المتعلقين بل قد اعترف سلفكم وأئمتكم بأن الحكمة لا تخرج عن صحة تعلقه بالمقدور ومطابقته لها أو تعلق العلم بالمعلوم ومطابقته له ولما بنيتم على هذا الأصل لم يمكنكم الفرق بين موجب الحكمة وموجب القدرة فتوعرت عليكم الطريق وألجأتم أنفسكم إلى اصعب مضيق الوجه الثالث والأربعون قولكم أنه تعالى لو ألقى إلى العبد زمام الاختيار وتركه يفعل ما يشاء جريا على رسوم طبعه المائل إلى لذيذ الشهوات ثم أجزل له في العطاء من غير حساب كان أروح للعبد ولم يكن قبيحا عند العقل فيقال لكم ما تعنون بإلقاء زمام الاختيار إليه أتعنون به أنه لا يكلفه ولا يأمره ولا ينهاه بل يجعله كالبهيمة السائمة المهملة أم تعنون به أنه يلقى إليه زمام الاختيار مع تكليفه وأمره ونهيه فان عنيتم الأول فهو من أقبح شيء في العقل وأعظمه نقصا في الآدمي ولو ترك ورسوم طبعه لكانت البهائم أكمل منه ولم يكن مكرما مفضلا على كثير ممن خلق الله تفضيلا بل كان كثير من المخلوقات أو أكثرها مفضلا عليه فانه يكون مصدودا عن كماله الذي هو مستعد له قابل له وذلك أسوأ حالا وأعظم نقصا مما منع كمالا ليس قابلا له وتأمل حال الآدمي المخلى ورسوم طبعه المتروك ودواعي هواه كيف تجه في شرار الخليقة وأفسدها للعالم ولولا من يأخذ على يديه لأهلك الحرث والنسل وكان شرا من الخنازير والذئاب والحيات فكيف يستوي في العقل أمره ونهيه بما فيه صلاحه وصلاح غيره به وتركه وما فيه أعظم فساده وفساد النوع وغيره به وكيف لا يكون هذا القول قبيحا وأي قبح أعظم(2\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "387",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14843",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من هذا ولهذا أنكر الله سبحانه على من جوز عقله مثل هذا ونزه نفسه عنه فقال تعالى أيحسب الإنسان أن يترك سدى قال الشافعي معطلا لا يؤمر ولا ينهى وقيل لا ثياب ولا يعاقب وقال تعالى أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ثم نزه نفسه عن هذا الظن الكاذب وأنه لا يليق به ولا يجوز في العقول نسبة مثله إليه لمنافاته لحكمته وربوبيته والهيته وحمده فقال فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم وقال تعالى وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق وفسر الحق بالثواب والعقاب وفسر بالأمر والنهي وهذا تفسير له ببعض معناه والصواب أن الحق هو ألهيته وحكمته المتضمنة للخلق والأمر والثواب والعقاب فمصدر ذلك كله الحق وبالحق وجد وبالحق قام وغايته الحق وبه قيامه فمحال أن يكون على غير هذا الوجه فانه يكون باطلا وعبثا فتعالى الله عنه لمنافاته ألهيته وحكمته وكمال ملكه وحمده وقال تعالى أن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآياب لأولى الألباب الذي يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار وتأمل كيف أخبر سبحانه عنه بنفي الباطلية عن خلقه دون إثبات الحكمة لأن بيان نفي الباطل على سبيل العموم والاستغراق أوغل في المعنى المقصود وأبلغ من إثبات الحكم لأن بيان جميعها لا يفي به إفهام الخليقة وبيان البعض يؤذن بتناهي الحكمة ونفى البطلان والخلو عن الحكمة والفائدة تفيد أن كل جزء من أجزاء العالم علويه وسفليه متضمن لحكم جمة وآيات باهرة ثم أخبر سبحانه عنهم بتنزيهه عن الخلق باطلا خلوا عن الحكمة ولا معنى لهذا التنزيه عند النفاة فان الباطل عندهم هو المحال لذاته فعلى قولهم نزهوه عن المحال لذاته الذي ليس بشيء كالجمع بين النقيضين وكون الجسم الواحد لا يكون في مكانين ومعلوم قطعا أن هذا ليس مراد الرب تعالى مما نزه نفسه عنه وأنه لا يمدح أحد بتنزيهه عن هذا ولا يكون المنزه به مثنيا ولا حامدا ولم يخطر هذا بقلب بشر حتى ينكره الله على من زعمه ونسبه إليه وقال تعالى وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق فنفى اللعب عن خلقه وأثبت أنه إنما خلقهما بالحق فجمع تعالى بين نفي اللعب الصادر عن غير حكمة وغاية محمودة واثبات الحق المتضمن للحكم والغايات المحمودة والعواقب المحبوبة والقرآن مملوء من هذا بنفي العبث والباطل واللعب تارة وتنزيه الرب نفسه عنه تارة واثبات الحكم الباهرة في خلقه تارة كيف يجوز أن يقال أنه لو عطل خلقه وتركهم سدى لم يكن ذلك قبيحا في العقل فان عنيتم أنه يلقى إليه زمام الاختيار مع أمره ونهيه فهذا حق فانه جعله مختارا مأمورا منهيا وان كان اختياره مخلوقا له تعالى إذ هو من جملة الحوادث الصادرة عن خلقه ولكن(2\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "388",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14844",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا الاختيار لا ينافى التكليف ولا يكون إلا به بوجه بل لا يصح التكليف إلا به الوجه السابع والأربعون قولكم فقد تعارض الأمران أحدهما أن يكلفهم فيأمر وينهى حتى يطاع ويعصى ثم يثيبهم ويعاقبهم الثاني أن لا يكلفهم إذ لا يتزين منهم بطاعة ولا تشينه معصيتهم وإذا تعارض في المعقول هذان الأمران فكيف يهدي العقل إلى اختيار أحدهما عقلا فكيف يعرفنا الوجوب على نفسه بالمعرفة وعلى الجوارح بالطاعة وعلى الرب تعالى بالثواب فيقال لكم لم يتعارض بحمد الله الأمران لأن أحدهما قد علم قبحه في المعقول والآخر قد علم حسنه في المعقول فكيف يتعارض في العقل جواز الأمرين وأن يكون نسبتهما إلى الرب تعالى نسبة واحدة وانما يتعارض الجائزات على كل سواء بحيث لا يترجح بعضها عن بعض فأما الحسن والقبح فلم يتعارض في العقل قط استواؤهما وقد قررنا مما لا مدفع له قبح الترك سدى بمنزلة الأنعام السائمة وحسن الأمر والنهى وأستصلاحهم في معاشهم ومعادهم فكيف يقال أن هذين الأمرين سواء في العقل بحيث يتعارضان فيه ويقضى باستوائهما بالنسبة إلى أحكم الحاكمين فان قيل إنما تعارضا في المقدورية إذ نسبة القدرة إليهما واحدة قلنا قد تقدم أنه لا يلزم من كون الشيء مقدورا أن لا يكون ممتنعا لمنافاته الحكمة وقد بينا ذلك قريبا فيكون تركهم هملا وسدى مقدورا للرب تعالى لا يقتضي معارضته لمقدوره الآخر في تكليفهم وأمرهم ونهيهم الوجه الثامن والأربعون قولكم إذ لا يتزين منهم بطاعة ولا تشيئه معصيتهم قلنا ومن الذي نازع في هذا ولكن حسن التكليف لا ينفى ذلك عن الرب تعالى وأنه إنما يكلفهم تكليف من لا يبلغوا ضره فيضروه ولا يبلغوا نفعه فينفعوه وأنهم لو كانوا كلهم على أتقى قلب رجل واحد منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئا ولو كانوا على أفجر قلب رجل واحد منهم ما نقص ذلك في ملكه شيئا وههنا اختلفت الطرق بالناس في علة التكليف وحكمته مع كونه سبحانه لا ينتفع بطاعتهم ولا تضره معصيتهم فسلكت الجبرية مسلكها المعروف وأن ذلك صادر عن محض المشيئة وصرف الإرادة وأنه لا علة له ولا باعث عليه سوى محض الإرادة وسلكت القدرية مسلكها المعروف وهل ذلك إلا استئجار منه لعبيده لينالوا أجرهم بالعمل فيكون ألذ من اقتضائهم الثواب بلا عمل لما فيه من تكدير المنة والمسلكان كما ترى وحسبك ما يدل عليه العقل الصريح والنقل الصحيح من بطلانهما وفسادهما وليس عند الناس غير هذين المسلكين إلا مسلك من هو خارج عن الديانات واتباع الرسل ممن يرى أن الشرائع وضعت نواميس يقوم عليها مصلحة الناس ومعيشتهم فان فائدتها تكميل قوة النفس والحكمة وهذا مسلك خارج عن مناهج الأنبياء وأممهم وأما أتباع الرسل الذين هم أهل البصائر فحكمة الله عز وجل في تكليفهم ما كلفهم به أعظم وأجل عندهم مما يخطر بالبال أو يجري به(2\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "389",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14845",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المقال ويشهدون له سبحانه في ذلك بالحكم الباهرة والأسرار العظيمة أكثر مما يشهدونه في مخلوقاته وما تضمنته ومن الأسرار والحكم ويعلمون مع ذلك أنه لا نسبة لما أطلعهم سبحانه عليه من ذلك إلى ما طوى علمه عنهم واستأثر به دونهم وأن حكمته في أمره ونهيه وتكليفهم أجل وأعظم مما تطيقه عقول البشر فهم يعبدونه سبحانه بأمره ونهيه لأنه تعالى أهل أن يعبد وأهل أن يكون الحب كله له والعبادة كلها له حتى لو لم يخلق جنة ولا نارا ولا وضع ثوابا ولا عقابا لكان أهلا أن يعبد أقصى ما تناله قدرة خلقه من العبادة وفي بعض الآثار الإلهية لو لم أخلق جنة ولا نارا ألم أكن أهلا أن أعبد حتى أنه لو قدر أنه لم يرسل رسله ولم ينزل كتبه لكان في الفطرة والعقل ما يقتضي شكره وأفراده بالعبادة كما أن فيهما ما يقتضي المنافع واجتناب المضار ولا فرق بينهما في الفطرة والعقل فان الله فطر خليقته على محبته والأقبالعليه وابتغاء الوسيلة إليه وأنه لا شيء على الإطلاق أحب إليهما منه وان فسدت فطر أكثر الخلق بما طرأ عليها مما اقتطعها واجتالها عما خلق فيها كما قال تعالى فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها فبين سبحانه أن إقامة الوجه وهو إخلاص القصد وبذل الوسع لدينه المتضمن محبته وعبادته حنيفا مقبلا عليه معرضا عما سواه هو فطرته التي فطر عليها عباده فلو خلوا ودواعي فطرهم لما رغبوا عن ذلك ولا اختاروا سواه ولكن غيرت الفطر وأفسدت كما قال النبي ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها ثم يقول أبو هريرة اقرأوا أن شئتم فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه ومنيبين نصب على الحال من المفعول أي فطرهم منيبين إليه والإنابة إليه تتضمن الإقبال عليه بمحبته وحده والأعراض عما سواه وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد عن النبي قال أن الله أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في مقامي هذا أنه قال كل مال نحلته عبدا فهو له حلال واني خلقت عبادي حنفاء فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا وحرمت عليهم ما أحللت لهم فأخبر سبحانه أنه إنما فطر عباده على الحنيفة المتضمنة لكمال حبه والخضوع له والذل له وكمال طاعته وحده دون غيره وهذا من الحق الذي خلقت له وبه قامت السموات والأرض وما بينهما وعليه قام العالم ولأجله خلقت الجنة والنار ولأجله أرسل رسله وأنزل كتبه ولأجله هلك القرون التي خرجت عنه وآثرت غيره فكونه سبحانه أهلا أن يعبد ويحب ويحمد ويثني عليه أمر ثابت له لذاته فلا يكون إلا كذلك كما أن الغنى القادر الحي القيوم السميع البصير فهو سبحانه الإله الحق المبين والإله هو الذي يستحق أن يوله محبة(2\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "390",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14846",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتعظيما وخشية وخضوعا وتذللا وعبادة فهو الإله الحق ولو لم يخلق خلقه وهو الإله الحق ولو لم يعبدوه فهو المعبود حقا إلا له حقا المحمود حقا ولو قدر أن خلقه لم يعبدوه ولم يحمدوه ولم يألهوه فهو الله الذي لا اله إلا هو قبل أن يخلقهم وبعد أن خلقهم وبعد أن يغنيهم لم يستحدث بخلقه لهم ولا بأمره إياهم استحقاق الإلهية والحمد بل الإلهية وحمده ومجده وغناه أوصاف ذاتية له يستحيل مفارقتها له لحياته ووجوده وقدرته وعلمه وسائر صفات كماله فأولياؤه وخاصته وحزبه لما شهدت عقولهم وفطرهم أنه أهل أن يعبد وان لم يرسل إليهم رسولا ولم ينزل عليه كتابا ولو لم يخلق جنة ولا نارا علموا أنه لا شيء في العقول والفطر أحسن من عبادته ولا أقبح من الأعراض عنه وجاءت الرسل وأنزلت الكتب لتقرير ما استودع سبحانه في الفطر والعقول من ذلك وتكميله وتفضيله وزيادته حسنا إلى حسنه فاتفقت شريعته وفطرته وتطابقا وتوافقا وظهر أنهما من مشكاة واحدة فعبدوه وأحبوه ومجدوه وحمدوه بداعي الفطرة وداعي الشرع وداعي العقل فاجتمعت لهم الدواعي ونادتهم من كل جهة ودعتهم إلى وليهم والههم وفاطرهم فأقبلوا إليه بقلوب سليمة لم يعارض خبره عندها شبهة توجب ريبا وشكا ولأمره شهوة توجب رغبتها عنه وإيثارها سواه فأجابوا دواعي المحبة والطاعة إذ نادت بهم حي على الفلاح وبذلوا أنفسهم في مرضاة مولاهم الحق بذل أخي السماح وحمدوا عند الوصول إليه مسراهم وانما يحمد القوم السرى عند الصباح فدينهم دين الحب وهو الدين الذي لا إكراه فيه وسيرهم سير المحبين وهو الذي لا وقفة تعتريه أنى أدين بدين الحب ويحكم ... فذاك ديني ولا إكراه في الدين ومن يكن دينه كرها فليس له ... إلا العناء وألا السير في الطين وما استوى سير عبد في محبته ... وسير خال من الأشواق في دين فقل لغير أخي الأشواق ويحك قد ... غبنت حظك لا تغتر بالدون نجائب الحب تعلوا بالمحب إلى ... أعلى المراتب من فوق السلاطين وأطيب العيش في الدارين قد رغبت ... عنه التجار فباعت بيع مغبون فان ترد علمه فاقرأه ويحك في ... آيات طه وفي آيات ياسين ولا ريب أن كمال العبودية تابع لكمال المحبة وكمال المحبة تابع لكمال المحبوب في نفسه والله سبحانه له الكمال المطلق التام في كل وجه الذي لا يعتريه توهم نقص أصلا ومن هذا شأنه فان القلوب لا يكون شيء أحب إليها منه ما دامت فطرها وعقولها سليمة وإذا كانت أحب الأشياء إليها فلا محالة أن محبته توجب عبوديته وطاعته وتتبع مرضاته واستفراغ الجهد في التعبد له والإنابة إليه وهذا الباعث اكمل بواعث العبودية وأقواها حتى لو فرض تجرده عن الأمر(2\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "391",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14847",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنهي والثواب والعقاب استفرغ الوسع واستخلص القلب للمعبود الحق ومن هذا قول بعض السلف أنه ليستخرج حبه من قلبي ما لا يستخرجه قوله ومنه قول عمر في صهيب لو لم يخف الله لم يعصه وقد كان هذا هو الواجب على كل عاقل كما قال بعضهم هب البعث لم تأتنا رسله ... وجاحمة النار لم تضرم أليس من الواجب المستحق ... طاعة رب الورى الأكرم وقد قام رسول الله حتى تفطرت قدماه فقيل له تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال أفلا أكون عبدا شكورا واقتصر من جوابهم على ما تدركه عقولهم وتناله إفهامهم وألا فمن المعلوم أن باعثه على ذلك الشكر أمر يجل عن الوصف ولا تناله العبادة ولا الأذهان فأين هذا الشهود من شهود طائفة القدرية والجبرية فليعرض العاقل اللبيب ذينك المشهدين على هذا المشهد ولينظر ما بين الأمرين من التفاوت فالله سبحانه يعبد ويحمد ويحب لأنه أهل لذلك ومستحقه بل ما يستحقه سبحانه من عباده أمر لا تناله قدرتهم ولا إرادتهم ولا تتصوره عقولهم ولا يمكن أحد من خلقه قط أن يعبده حق عبادته ولا يوفيه حقه من المحبة والحمد ولهذا قال أفضل خلقه وأكملهم وأعرفهم به وأحبهم إليه وأطوعهم له لا أحصى ثناء عليك وأخبر أن عمله لا يستقل بالنجاة فقال لن ينجى أحدا منكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل عليه صلوات الله وسلامه عدد ما خلق في السماء وعدد ما خلق في الأرض وعدد ما بينهما وعدد ما هو خالق وفي الحديث المرفوع المشهور أن من الملائكة من هو ساجد لله لا يرفع رأسه منذ خلق ومنهم راكع لا يرفع رأسه من الركوع منذ خلق إلى يوم القيامة وأنهم يقولون يوم القيامة سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ولما كانت عبادته تعالى تابعة لمحبته واجلاله وكانت المحبة نوعين محبة تنشأ عن الأنعام والإحسان فتوجب شكرا وعبودية بحسب كما لها ونقصانها ومحبة تنشأ عن جمال المحبوب وكماله فتوجب عبودية وطاعة أكمل من الأولى كان الباعث على الطاعة والعبودية لا يخرج عن هذين النوعين واما أن تقع الطاعة صادرة عن خوف محض غير مقرون بمحبته فهذا قد ظنه كثير من المتكلمين وهي عندهم غاية المعارف بناء على أصلهم الباطل أن الله لا تتعلق المحبة بذاته وانما تتعلق بمخلوقاته مما في الجنة من النعيم فهم لا يحبونه لذاته ولا لإحسانه وينكرون محبته لذلك وانما المحبوب عندهم في الحقيقة غيره وهذا من أبطل الباطل وستذكر في القسم الثاني أن شاء الله في هذا الكتاب بطلان هذا المذهب من أكثر من مائة وجه(2\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "392",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14848",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولو عرف القوم صفات الأرواح وأحكامها لعلموا أن طاعة من لا تجب عبادته محال وأن من أتى بصورة الطاعة خوفا مجردا عن الحب فليس بمطيع ولا عابد وانما هو كالمكره أو كأجير السوء الذي أن أعطى عمل وان لم يعط كفر وأبق وسيرد عليك بسط الكلام في هذا قريب عن أن شاء الله والمقصود أن الطاعة والعبادة الناشئة عن محبة الكمال والجمال أعظم من الطاعة الناشئة عن رؤية الأنعام والإحسان وفرق عظيم بين ما تعلق بالحي الذي لا يموت وبين ما تعلق بالمخلوق وان شمل النوعين اسم المحبة ولكن كم بين من يحبك لذاتك وأوصافك وجمالك وبين من يحبك لخيرك ودراهمك فصل والأسماء الحسنى والصفات العلا مقتضية لآثارها من العبودية والأمر اقتضاءها لآثارها من الخلق والتكوين فلكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها أعنى من موجبات العلم بها والتحقق بمعرفتها وهذا مطرد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح فعلم العبد بتفرد الرب تعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة يثمر له عبودية التوكل عليه باطنا ولوازم التوكل وثمراته ظاهرا وعلمه بسمعه تعالى وبصره وعلمه وأنه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وأنه يعلم السر وأخفى ويعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل مالا يرضى الله وأن يجعل تعلق هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه فيثمر له ذلك الحياء باطنا ويثمر له الحياء اجتناب المحرمات والقبائح ومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبره وإحسانه ورحمته توجب له سعة الرجاء وتثمر له ذلك من أنواع العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه وكذلك معرفته بجلال الله وعظمته وعزه تثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة وتثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعا من العبودية الظاهرة هي موجباتها وكذلك علمه بكماله وجماله وصفاته العلى يوجب له محبة خاصة بمنزلة أنواع العبودية فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات وارتبطت بها ارتباط الخلق بها فخلقه سبحانه وأمره هو موجب أسمائه وصفاته في العالم وآثارها ومقتضاها لأنه لا يتزين من عباده بطاعتهم ولا تشينه معصيتهم وتأمل قوله في الحديث الصحيح الذي يرويه عن ربه تبارك وتعالى يا عبادي أنكم لن تبلغوا ضرى فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ذكر هذا عقب قوله يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم فتضمن ذلك أن ما يفعله تعالى بهم في غفران زلاتهم وإجابة دعواتهم وتفريج كرباتهم ليس لجلب منفعة منهم(2\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "393",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14849",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا لدفع مضرة يتوقعها منهم كما هو عادة المخلوق الذي ينفع غيره ليكافئه بنفع مثله أو ليدفع عنه ضررا فالرب تعالى لم يحسن إلى عباده ليكافئوه ولا ليدفعوا عنه ضررا فقال لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني أني لست إذا هديت مستهديكم وأطعمت مستطعمكم وكسوت مستكسيكم وأرويت مستسقيكم وكفيت مستكفيكم وغفرت لمستغفركم بالذي أطلب منكم أن تنفعوني أو تدفعوا عني ضررا فأنكم لن تبلغوا ذلك وأنا الغني الحميد كيف والخلق عاجزون عما يقدرون عليه من الأفعال إلا بأقداره وتيسيره وخلقه فكيف بما لا يقدرون عليه فكيف يبغلون نفع الغني الصمد الذي يمتنع في حقه أن يستجلب من غيره نفعا أو يستدفع منه ضررا بل ذلك مستحيل في حقه ثم ذكر بعد هذا قوله يا عبادي لو أن أو لكم وأخركم وانسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ولو أن أولكم وأخركم وانسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا فبين سبحانه أن ما أمرهم به من الطاعات وما نهاهم عنه من السيئات لا يتضمن استجلاب نفعهم ولا استدفاع ضررهم كأمر السيد عبده والوالد ولده والأمام رعيته بما ينفع الآمر والمأمور ونهيهم عما يضر الناهي والمنهي فبين تعالى أنه المنزه عن لحوق نفعهم وضرهم به في إحسانه إليهم بما يفعله بهم وبما يأمرهم به ولهذا لما ذكر الأصلين بعد هذا وأن تقواهم وفجورهم الذي هو طاعتهم ومعصيتهم لا يزيد في ملكه شيئا ولا ينقصه وأن نسبة ما يسألونه كلهم إياه فيعطيهم إلى ما عنده كلا نسبة فتضمن ذلك أنه لم يأمرهم ولم يحسن إليهم بإجابة الدعوات وغفران الزلات وتفريج الكربات لاستجلاب منفعة ولا لاستدفاع مضرة وأنهم لو أطاعوه كلهم لم يزيدوا في ملكه شيئا ولو عصوه كلهم لم ينقصوا من ملكه شيئا وأنه الغني الحميد ومن كان هكذا فانه لا يتزين بطاعة عباده ولا تشينه معاصيهم ولكن له من الحكم البوالغ في تكليف عباده وأمرهم ونهيهم ما يقتضيه ملكه التام وحمده وحكمته ولو لم يكن في ذلك إلا أنه يستوجب من عباده شكر نعمه التي لا تحصى بحسب قواهم وطاقتهم لا بحسب ما ينبغي له فانه أعظم وأجل من أن يقدر خلقه عليه ولكنه سبحانه يرضى من عباده بما تسمح به طبائعهم وقواهم فلا شيء أحسن في العقول والفطر من شكر المنعم ولا أنفع للعبد منه فهذان مسلكان آخران في حسن التكليف والأمر والنهي أحدهما يتعلق بذاته وصفاته وأنه أهل لذلك وان جماله تعالى وكماله وأسماءه وصفاته تقتضي من عباده غاية الحب والذل والطاعة له والثاني متعلق بإحسانه وانعامه ولا سيما مع غناه عن عباده وانه إنما يحسن إليهم رحمة منه وجودا وكرما لا لمعاوضة ولا لاستجلاب منفعة ولا لدفع مضرة وأي المسلكين سلكه العبد أوقفه على محبته وبذل الجهد(2\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "394",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14850",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في مرضاته فأين هذان المسلكان من ذينك المسلكين وانما أتى القوم من إنكارهم المحبة وذلك الذي حرمهم من العلم والأيمان ما حرمهم وأوجب لهم سلوك تلك الطرق المسدودة والله الفتاح العليم الوجه التاسع والأربعون قولكم فلا تكون نعمه تعالى ثوابا بل ابتداء كلام يحتمل حقا وباطلا فان أردتم به أنه لا يثيبهم على أعمالهم بالجنة ونعيمها ويجزيهم بأحسن ما كانوا يعملون فهو باطل والقرآن أعظم شاهد ببطلانه قال تعالى فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب وقال تعالى ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون وقال تعالى وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون وقال تعالى أن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون وقال تعالى أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين وقال تعالى والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين وهذا في القرآن كثير يبين أن الجنة ثوابهم وجزاؤهم فكيف يقال لا تكون نعمه ثوابا على الإطلاق بل لا تكون نعمه تعالى في مقابلة الأعمال والأعمال ثمنا لها فانه لن يدخل أحدا الجنة عمله ولا يدخلها أحد إلا بمجرد فضل الله ورحمته وهذا لا ينافي ما تقدم من النصوص فأنها إنما تدل على أن الأعمال أسباب لا أعواض وأثمان والذي نفاه النبي في الدخول بالعمل هو نفي استحقاق العوض ببذل عوضه فالمثبت باء السببية والمنفي باء المعاوضة والمقابلة وهذا فصل الخطاب في هذه المسألة والقدرية الجبرية تنفى باء السببية جملة وتنكر أن تكون الأعمال سببا في النجاة ودخول الجنة وتلك النصوص وأضعافها تبطل قولهم والقدرية النفاة تثبت باء المعاوضة والمقابلة وتزعم أن الجنة عوض الأعمال وأنها ثمن لها وأن دخولها إنما هو بمحض الأعمال والنصوص النافية لذلك تبطل قولهم والعقل والفطر تبطل قول الطائفتين ولا يصح في النصوص والعقول إلا ما ذكرناه من التفصيل وبه يتبين أن الحق مع الوسط بين الفرق في جميع المسائل لا يستثنى من ذلك شيء فما اختلفت الفرق إلا كان الحق مع الوسط وكل من الطائفتين معه حق وباطل فأصاب الجبرية في نفي المعاوضة وأخطؤا في نفي السببية وأصاب المقدرية في إثبات السببية وأخطؤا في إثبات المعاوضة فإذا ضممت أحد نفي الجبرية إلى أحد إثباتي القدرية ونفيت باطلهما كنت أسعد بالحق منهما فان أردتم بأن نعمه لا تكون ثوابا هذا القدر وأنها لا تكون عوضا بل هو المنعم بالأعمال والثواب وله المنة(2\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "395",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14851",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في هذا وهذا ونعمه بالثواب من غير استحقاق ولا ثمن يعاوض عليه بل فضل منه وإحسان فهذا هو الحق فهو المان بهدايته للأيمان وتيسيره للأعمال وإحسانه بالجزاء كل ذلك مجرد منته وفضله قال تعالى يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا على إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للأيمان أن كنتم صادقين الوجه الخمسون قولكم وإذا تعارض في العقول هذان الأمران فكيف يهتدي العقل إلى اختيار أحدهما قلنا قد تبين بحمد الله أنه لا تعارض في العقول بين الأمرين أصلا وانما يقدر التعارض بين العقل والهوى وأما أن يتعارض في العقول إرشاد العباد إلى سعادتهم في المعاش والمعاد وتركهم هملا كالأنعام السائمة لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا فلم يتعارض هذان في عقل صحيح أبدا الوجه الحادي والخمسون قولكم فكيف يعرفنا العقل وجوبا على نفسه بالمعرفة وعلى الجوارح بالطاعة وعلى الرب بالثواب والعقاب فيقال وأي استبعاد في ذلك وما الذي يحيله فقد عرفنا العقل من الواجبات عليه ما يقبح من العبد تركها كما عرفنا وعرف أهل العقول وذوي الفطر التي لم تتواطأ على الأقوال الفاسدة وجوب الإقرار بالله وربوبته وشكر نعمته ومحبته وعرفنا قبح الإشراك به والأعراض عنه ونسبته إلى ما لا يليق به وعرفنا قبح الفواحش والظلم والإساءة والفجور والكذب والبهت والاثم والبغي والعدوان فكيف نستبعد منه أن يعرفنا وجوبا على نفسه بالمعرفة وعلى الجوارح بالشكر المقدور المستحسن في العقول التي جاءت الشرائع بتفصيل ما أدركه العقل منه جملة وبتقرير ما أدركه تفصيلا وأما الوجوب على الله بالثواب والعقاب فهذا مما تتباين فيه الطائفتان أعظم تباين فأثبتت القدرية من المعتزلة عليه تعالى وجوبا عقليا وضعوه شريعة له بعقولهم وحرموا عليه الخروج عنه وشهوة في ذلك كله بخلقه وبدعهم في ذلك سائر الطوائف وسفهوا رأيهم فيه وبينوا مناقضتهم وألزموهم بما لا محيد لهم عنه ونفت الجبرية أن يجب عليه ما أوجبه على نفسه ويحرم عليه ما حرمه على نفسه وجوزوا عليه ما يتعالى ويتنزه عنه ومالا يليق بجلاله مما حرمه على نفسه وجوزوا عليه ترك ما أوجبه على نفسه مما يتعالى ويتنزه عن تركه وفعل ضده فتباين الطائفتان أعظم تباين وهدى الله الذين آمنوا أهل السنة الوسط للطريقة المثلى التي جاء بها رسوله ونزل بها كتابه وهي أن العقول البشرية بل وسائر المخلوقات لا توجب على ربها شيئا ولا تحرمه وأنه يتعالى ويتنزه عن ذلك وأما ما كتبه على نفسه وحرمه على نفسه فانه لا يخل به ولا يقع منه خلافه فهو أيجاب منه على نفسه بنفسه وتحريم منه على نفسه بنفسه فليس فوقه تعالى موجب ولا محرم وسيأتي أن شاء الله بسط ذلك وتقريره الوجه الثاني والخمسون قولكم أنه على أصول المعتزلة يستحيل الأمر والنهي والتكليف وتقديركم ذلك فكلام لا مطعن فيه والأمر فيه كما ذكرتم وان حقيقة قول القوم أنه لا أمر(2\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "396",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14852",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا نهي ولا شرع أصلا إذ ذلك إنما يصح إذا ثبت قيام الكلام بالمرسل الآمر الناهي وقيام الاقتضاء والطلب والحب لما أمر به والبغض لما نهى عنه فأما إذا لم يثبت له كلام ولا إرادة ولا اقتضاء ولا طلب ولا حب ولا بغض قائم به فانه لا يعقل أصلا كونه آمر ولا ناهيا ولا باعثا للرسل ولا محبا للطاعة باغضا للمعصية فأصول هذه الطائفة تعطل الصفات عن صفات كماله فأنها تستلزم أبطال الرسالة والنبوة جملة ولكن رب لازم لا يلتزمه صاحب المقالة ويتناقض في القول بملزومه دون القول به ولا ريب أن فساد اللازم مستلزم لفساد الملزوم ولكن يقال لكم معاشر الجبرية لا تكونوا ممن يرى القذاة في عين أخيه ولا يرى الجذع المعترض في عينه فقد الزمتكم القدرية ما لا محيد لكم عنه وقالوا من نفى فعل العبد جملة فقد عطل الشرائع والأمر والنهي فان الأمر والنهي لا يتعلق إلا بالفعل المأمور به فهو الذي يؤمر به وينهى عنه ويثاب عليه ويعاقب فإذا نفيتم فعل العبد فقد رفعتم متعلق الأمر والنهي وفي ذلك أبطال الأمر والنهي فلا فرق بين رفع المأمور به المنهي عنه ورفع المأمور والمنهي نفسه فان الأمر يستلزم آمر أو مأمورا به ولا يصح له حقيقة إلا بهذه الثلاث ومعلوم أن أمر الآمر بفعل نفسه ونهيه عن نفسه يبطل التكليف جملة فان التكليف لا يعقل معناه إلا إذا كان المكلف قد كلف بفعله الذي هو المقدور له التابع لارادته ومشيئته وأما إذا رفعتم ذلك من البين وقلتم بل هو مكلف بفعل الله حقيقة لا يدخل تحت قدرة العبد لا هو متمكن في الآتيان به ولا هو واقع بإرادته ومشيئته فقد نفيتم التكليف جملة من حيث أثبتوه وفي ذلك أبطال للشرائع والرسالة جملة قالوا فليتأمل المنصف الفطن لا البليد المتعصب صحة هذا الإلزام فلن تجد عنه محيدا قالوا فأنتم معاشر الجبرية قدرية من حيث نفيكم الفعل المأمور به فان كان خصومكم قدرية من حيث نفوا تعلق القدرة القديمة فأنتم أولى أن تكونوا قدرية من حيث نفيتم فعل العبد له وتأثيره فيه وتعلقه بمشيئته فأنتم أثبتم قدرا على الله وقدرا على العبد أما القدر على الله فحيث زعمتم أنه تعالى يأمر بفعل نفسه وينهى عن فعل نفسه ومعلوم أن ذلك لا يصح أن يكون مأمورا به منهيا عنه فأثبتم أمرا ولا مأمور به ونهيا ولا منهي عنه وهذه قدرية محضة في حق الرب وأما في حق العبد فأنكم جعلتموه مأمورا منهيا من غير أن يكون له فعل يأمر به وينهى عنه فأي قدرية أبلغ من هذه فمن الذي تضمن قوله أبطال الشرائع وتعطيل الأوامر فليتنبه اللبيب لمواقعه هذه المساجلة وسهام هذه المناضلة ثم ليختر منهما إحدى خطتين ولا والله ما فيهما حظ لمختار ولا ينجوا من هذه الورطات إلا من أثبت كلام الله القائم به المتضمن لأمره ونهيه ووعده ووعيده وأثبت له ما أثبت لنفسه من صفات كماله ومن الأمور الثبوتية القائمة ثم أثبت مع ذلك فعل العبد واختياره ومشيئته(2\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "397",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14853",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وارادته التي هي مناط الشرائع ومتعلق الأمر والنهي فلا جبري ولا جهمي ولا قدري وكيف يختار العاقل آراء ومذاهب هذه بعض لوازمها ولو صابرها إلى آخرها لاستبان له من فسادها وبطلانها ما يتعجب معه من قائلها ومنتحلها والله الموفق للصواب الوجه الثالث والخمسون قولكم أنه ما من معنى يستنبط من قول أو فعل ليربط به معنى مناسب له إلا ومن حيث العقل يعارضه معنى آخر يساويه في الدرجة أو يفضل عليه في المرتبة فيتحير العقل في الاختيار إلى أن يرد شرع يختار أحدهما أو يرجحه من تلقائه فيجب على العاقل اعتباره واختياره لترجيح الشرع له لا لرجحانه في نفسه فيقال أن أردتم بهذه المعارضة أنها ثابتة في جميع الأفعال والأقوال المشتملة على الأوصاف المناسبة التي ربطت بها الأحكام كما يدل عليه كلامكم فدعوى باطلة بالضرورة وهو كذب محض وكذلك أن أردتم أنها ثابتة في أكثرها فأي معارضة في العقل للوصف القبيح في الكذب والفجور والظلم واهلاك الحرث والنسل والإساءة إلى المحسنين وضرب الوالدين واحتقارهما والمبالغة في اهانتهما بلا جرم وأي معارضة في العقل للأوصاف القبيحة في الشرك بالله ومشيئته وكفران نعمه وأي معارضة في العقل للوصف القبيح في نكاح الأمهات واستفراشهن كاستفراش الإماء والزوجات إلى أضعاف أضعاف ما ذكرنا مما تشهد العقول بقبحه من غير معارض فيها بل نحن لا ننكر أن يكون داعي الشهوة والهوى وداعي العقل يتعارضا فان أردتم هذا التعارض فمسلم ولكن لا يجدي عليكم إلا عكس مطلوبكم وكذلك أي معارضة في العقول للأوصاف المقتضية حسن عبادة الله وشكره وتعظيمه وتمجيده والثناء عليه بآلائه وانعامه وصفات جلاله ونعوت كماله وأفراده بالمحبة والعبادة والتعظيم وأي معارضة في العقول للأوصاف المقتضية حسن الصدق والبر والإحسان والعدل والإيثار وكشف الكربات وقضاء الحاجات وإغاثة اللهفات والأخذ على أيدي الظالمين وقمع المفسدين ومنع البغاة والمعتدين وحفظ عقول العالمين وأموالهم ودمائهم وأعراضهم بحسب الإمكان والأمر بما يصلحها ويكملها والنهي عما يفسدها وينقصها وهذه حال جملة الشرائع وجمهورها إذا تأملها العقل جزم أنه يستحيل على أحكم الحاكمين أن يشرع خلافها لعباده وأما أن أردتم أن في بعض ما يدق منها مسائل تتعارض فيها الأوصاف المستنبطة في العقول فيتحير العقل بين المناسب منها وغير المناسب فهذا وان كان واقعا فأنها لا تنفى حسنها الذاتي وقبح منهيها الذاتي وكون الوصف خفى المناسبة والتأثير في بعض المواضع مما لا يدفعه وهذه حال كثير من الأمور العقلية المحضة بل الحسية وهذا الطلب مع أنه حسي تجريبي يدرك منافع الأغذية والأدوية وقواها وحرارتها وبرودتها ورطوبتها ويبوستها فيه بالحس ومع هذا فأنتم ترون اختلاف أهله في كثير من مسائلهم في الشيء الواحد(2\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "398",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14854",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هل هو نافع كذا ملائم له أو منافر مؤذ وهل هو حار أو بارد وهل هو رطب أو يابس وهل فيه قوة تصلح لأمر من الأمور أولا قوة فيه ومع هذا فالاختلاف المذكور لا ينفى عند العقلاء ما جعل في الأغذية والأدوية من القوى والمنافع والمضار والكيفيات لأن سبب الاختلاف خفاء تلك الأوصاف على بعض العقلاء ودفنها وعجز الحس والعقل عن تمييزها ومعرفة مقاديرها والنسب الواقعة بين كيفياتها وطبائعها ولم يكن هذا الاختلاف بموجب عند أحد من العقلاء إنكار جملة العلم وجمهور قواعده ومسائله دعوى أنه ما من وصف يستنبط من دواء مفرد أو مركب أو من غذاء إلا وفي العقل ما يعارضه فيتحير العقل ولو ادعى هذا مدع لضحك منه العقلاء مما علموه بالضرورة والحس من ملاءمة الأوصاف ومنافرتها واقتضاء تلك الذوات للمنافع والمضار في الغالب ولا يكون اختلاف بعض العقلاء يوجب إنكار ما علم بالضرورة والحس فهكذا الشرائع الوجه الرابع والخمسون أن قولكم إذا قتل إنسان انسانا عرض للعقل هاهنا آراء متعارضة مختلفة إلى آخره فيقال أن أردتم أن العقل يسوي بين ما شرعه الله من القصاص وبين تركه لمصلحة الجاني فبهت للعقل وكذب عليه فانه لا يستوي عند عاقل قط حسن الاختصاص من الجاني بمثل ما فعل وحسن تركه والأعراض عنه ولا يعلم عقل صحيح يسوى بين الأمرين وكيف يستوي أمران أحدهما يستلزم فساد النوع وخراب العالم وترك الانتصار للمظلوم وتمكين الجناة من البغي والعدوان والثاني يستلزم صلاح النوع وعمارة العالم والانتصار للمظلوم وردع الجناة والبغاة والمعتدين فكان في القصاص حياة العالم وصلاح الوجود وقد نبه تعالى على ذلك بقوله ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب لعلكم تتقون وفي ضمن هذا الخطاب ما هو كالجواب لسؤال مقدر أن إعدام هذه البنية الشريفة وإيلام هذه النفس وإعدامها في مقابلة إعدام المقتول تكثير لمفسدة القتل فلأية حكمة صدر هذا ممن وسعت رحمته كل شيء وبهرت حكمته العقول فتضمن الخطاب جواب ذلك بقوله تعالى ولكم في القصاص حياة وذلك لأن القاتل إذا توهم أنه يقتل قصاصا بمن قتله كف عن القتل وارتدع وآثر حب حياته ونفسه فكان فيه حياة له ولمن أراد قتله ومن وجه آخر وهو أنهم كانوا إذا قتل الرجل من عشيرتهم وقبيلتهم قتلوا به كل من وجدوه من عشيرة القاتل وحيه وقبيلته وكان في ذلك من الفساد والهلاك ما يعم ضرره وتشتد مؤنته فشرع الله تعالى القصاص وأن لا يقتل بالمقتول غير قاتله ففي ذلك حياة عشيرته وحيه وأقاربه ولم تكن الحياة في القصاص من حيث أنه قتل بل من حيث كونه قصاصا يؤخذ القاتل وحده بالمقتول لا غيره فتضمن القصاص الحياة في الوجهين وتأمل ما تحت هذه الألفاظ الشريفة من الجلالة والإيجاز والبلاغة والفصاحة والمعنى(2\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "399",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14855",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العظيم فصدر الآية بقوله لكم المؤذن بأن منفعة القصاص مختصة بكم عائدة إليكم فشرعه إنما كان رحمة بكم وإحسانا إليكم فمنفعته ومصلحته لكم لا لمن لا يبلغ العباد ضره ونفعه ثم عقبه بقوله في القصاص إيذانا بأن الحياة الحاصلة إنما هي في العدل وهو أن يفعل به كما فعل والقصاص في اللغة المماثلة وحقيقته راجعة إلى الاتباع ومنه قوله تعالى وقالت لأخته قصيه أي اتبعي أثره ومنه قوله فارتدا على آثارهما قصصا أي يقصان الأثر ويتبعانه ومنه قص الحديث واقتصاصه لأنه يتبع بعضه بعضا في الذكر فسمى جزاء الجاني قصاصا لأنه يتبع أثره فيفعل به كما فعل وهذا أحد ما يستدل به على أن يفعل بالجاني كما فعل فيقتل بمثل ما قتل به لتحقيق معنى القصاص وقد ذكرنا أدلة المسألة من الطرفين وترجيح القول الراجح بالنص والأثر والمعقول في كتاب تهذيب السنن ونكر سبحانه الحياة تعظيما وتفخيما لشأنها وليس المراد حياة ما بل المعنى أن في القصاص حصول هذه الحقيقة المحبوبة للنفوس المؤثرة عندها المستحسنة في كل عقل والتنكير كثيرا ما يجيء للتعظيم والتفخيم كقوله وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة وقوله ورضوان من الله أكبر وقوله أن هو إلا وحي يوحى ثم خص أولى الألباب وهم أولو العقول التي عقلت عن الله أمره ونهيه وحكمته إذ هم المنتفعون بالخطاب ووازن بين هذه الكلمات وبين قولهم القتل أنفى للقتل ليتبين مقدار التفاوت وعظمة القرآن وجلالته الوجه الخامس والخمسون قولكم أن القصاص اتلاف بأزاء اتلاف وعدوان في مقابلة عدوان ولا يحيا الأول بقتل الثاني ففيه تكثير المفسدة بإعدام النفسين وأما مصلحة الردع والزجر واستبقاء النوع فأمر متوهم وفي القصاص استهلاك محقق فيقال هذا الكلام من أفسد الكلام وأبينه بطلانا فانه يتضمن التسوية بين القبيح والحسن ونفى حسن القصاص الذي اتفقت العقول والديانات على حسنه وصلاح الوجود به وهل يستوي في عقل أو دين أو فطرة القتل ظلما وعدوانا بغير حق والقتل قصاصا وجزاء بحق ونظير هذه التسوية تسوية المشركين بين الربا والبيع لاستوائهما في صورة العقد ومعلوم أن استواء الفعلين في الصورة لا يوجب استواءهما في الحقيقة ومدعى ذلك في غاية المكابرة وهل يدل استواء السجود لله والسجود للصنم في الصورة الظاهرة وهو وضع الجبهة على الارض على أنهما سواء في الحقيقة حق يتحير العقل بينهما ويتعارضان فيه ويكفى في فساد هذا أطباق العقلاء قاطبة على قبح القتل الذي هو ظلم وبغى وعدوان وحسن القتل الذي هو جزاء وقصاص وردع وزجر والفرق بين هذين مثل الفرق بين الزنا والنكاح بل أعظم وأظهر بل الفرق بينهما من جنس الفرق بين الإصلاح في الأرض والإفساد فيها فما تعارض في عقل صحيح قط هذان الأمران حتى يتحير بينهما أيهما يؤثره ويختاره وقولكم أنه(2\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "400",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14856",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إتلاف بأزاء إتلاف وعدوان في مقابلة عدوان فكذلك هو لكن إتلاف حسن هو مصلحة وحكمة وصلاح للعالم في مقابلة إتلاف هو فساد وسفه وخراب للعالم فأنى يستويان أم كيف يعتدلان حتى يتحير العقل بين الإتلاف الحسن وتركه وقولكم لا يحيا الاول بقتل الثاني قلنا يحيا به عدد كثير من الناس إذ لو ترك ولم يؤخذ على يديه لأهلك الناس بعضهم بعضا فإن لم يكن في قتل الثاني حياة للأول ففيه حياة العالم كما قال تعالى ولكم في القصاص حياة يا أولي الالباب لكن هذا المعنى لا يدركه حق الأدراك إلا الوا الالباب فأين هذه الشريعة وهذه الحكمة وهذه المصلحة من هذا الهذيان الفاسد وأن يقال قتل الجاني إتلاف بإزاء اتلاف وعدوان في مقابلة عدوان فيكون قبيحا لولا الشرع فوازن بين هذا وبين ما شرعه الله وجعل مصالح عبادة منوطة به وقولكم فيه تكثير المفسدة بإعدام النفسين فيقال لو اعطيتم رتب المصالح والمفاسد حقها لم ترضوا بهذا الكلام الفاسد فإن الشرائع والفطر والعقول متفقة على تقديم المصلحة الراحجة وعلى ذلك قام العالم وما نحن فيه كذلك فإنه احتمال لمفسده إتلاف الجاني إلى هذه المفسدة العامة فمن تحير عقله بين هذين المفسدتين فلفساد فيه والعقلاء قاطبة متفقون على أنه يحسن إتلاف جزء لسلامة كل كقطع الاصبع أو اليد المتأكلة لسلامة سائر البدن ولذلك يحسن الايلام لدفع إيلام أعظم منه كقطع العروق وبط الخراج ونحوه فلو طرد العقلاء قياسكم هذا الفساد وقالوا هذا إيلام محقق لدفع إيلام متوهم لفسد الجسد جملة ولا فرق عند العقول بين هذا وبين قياسكم في الفساد الوجه السادس والخمسون قولكم أن مصلحة الردع والزجر وإحياء النوع أمر متوهم كلام بين فساده بل هو أمر متحقق وقوعه عادة ويدل عليه ما نشاهده من الفساد العام عند ترك الجناة والمفسدين وإهمالهم وعدم الاخذ على ايديهم والمتوهم من زعم أن ذلك موهوم وهو بمثابة من دهمه العدو فقال لا نعرض أنفسنا لمشقة قتالهم فإنه مفسدة متحققة وأما استيلاؤهم على بلادنا وسبيهم ذرارينا وقتل مقاتلنا فموهوم فيا ليت شعري من الواهم المخطيء في وهمه ونظيره أيضا أن الرجل إذا تبيغ به الدم وتضرر إلى اخراجه لا يتعرض لشق جلده وقطع عروقه لأنه ألم محقق لا موهوم ولو اطرد هذا القياس الفاسد لخرب العالم وتعطلت الشرائع والاعتماد في طلب مصالح الدارين ودفع مفاسدهما مبني على هذا الذي سميتموه أنتم موهوما فالعمال في الدنيا إنما يتصرفون بناء على الغالب المعتاد الذي اطردت به العادة وإن لم يجزموا به فإن الغالب صدق العادة واطرادها عند قيام أسبابها فالتاجر يحمل مشقة السفر في البر والبحر بناء على أنه يسلم ويغنم فلو طرد هذا القياس الفاسد وقال السفر مشقة متحققة والكسب مر موهوم لتعطلت أسفار الناس بالكلية وكذلك عمال الآخرة لو قالوا تعب العمل ومشقة(2\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "401",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14857",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أمر محقق وحسن الخاتمة أمر موهوم لعطلوا الأعمال جملة وكذلك الاجراء والصناع والملوك والجند وكل طالب امر من الامور الدنيوية والأخروية لولا بناؤه على الغالب وما جرت به العادة لما احتمل المشقة المتيقنة لأمر منتظر ومن هاهنا قيل أن إنكار هذه المسئلة يسلتزم تعطيل الدنيا والآخرة من وجوه متعددة الوجه السابع والخمسون قولكم ويعارضه معنى ثالث وراءهما فيفكر العقل في انواعه وشروط أخرى وراء مجرد الانسانية من العقل والبلوغ والعلم والجهل والكمال والنقص والقرابة والاجنبية فيتحير العقل كل التحير فلا بد إذا من شارع يفصل هذه الخطة ويعين قانونا يطرد عليه امر الامة ويستقيم عليه مصالحهم فيقال لا ريب أن الشرائع تأتي بما لا تستقل العقول بإدراكه فإذا جاءت به الشريعة اهتدى العقل حينئذ إلى وجه حسن مأموره وقبح منهيه فسرته الشريعة على وجه الحكمة والمصلحة الباعثين اشرعه فهذا مما لا ينكر وهذا الذي قلنا فيه ان الشرائع تأتي بمجازات العقول لا بمحالات العقول ونحن لم ندع ولا عاقل قط أن العقل يستقل بجميع تفاصيل ما جاءت به الشريعة بحيث لو ترك وحده لاهتدى إلى كل ما جاءت به إذا عرف هذا فغاية ما ذكرتم أن الشريعة الكاملة اشترطت في وجوب القصاص شروطا لا يهتدي العقل إليها وأي شيء يلزم من هذا وماذا يقبح لكم ومنازعكم يسلمونه لكم وقولكم ان هذا معارض للوصف المقتضى لثبوت القصاص من قيام مصلحة العالم إما غفلة عن الشروط المعارضة وإما إصلاح طار سيم فيه مالا يهتدي العقل إليه من شروط اقتضاء الوصف لموجبه معارضة فيالله العجب أي معارضة ها هنا إذا كان العقل والفطرة قد شهدا بحسن القتل قصاصا وانتظامه للعالم وتوقفا في اقتضاء هذا الوصف هل يضم إليه شروط آخر غيره أم يكفي بمجرد وفي تعيين تلك الشروط فأدرك العقل ما استقل بإدراكه وتوقف عما لا يستقل بإدراكه حتى اهتدى إليه بنور الشريعة يوضح هذا الوجه الثامن والخمسون أن ما وردت به الشريعة في اصل القصاص وشروطه منقسم إلى قسمين أحدهما ما حسنه معلوم بصريح العقل الذي لا يستريب فيه عاقل وهو اصل القصاص وانتظام مصالح العالم به والثاني ما حسنه معلوم بنظر العقل وفكره وتأمله فلا يهتدي إليه إلا الخواص وهو ما اشترط اقتضاء هذا الوصف أو جعل تابعا له فاشترط له المكافأة في الدين وهذا في غاية المراعاة للحكمة والمصلحة فإن الدين هو الذي فرق بين الناس في العصمة وليس في حكمة الله وحسن شرعه أن يجعل دم وليه وعبده وأحب خلقه إليه وخير بريته ومن خلقه لنفسه واختصه بكرامته واهله لجواره في جنته والنطر إلى وجهه وسماع كلامه في دار كرامته كدم عدوه وامقت خلقه عليه وشر بريته والعادل به عن عبادته إلى عبادة الشيطان الذي خلقه للنار وللطرود عن بابه والإبعاد عن رحمته وبالجملة فحاشا حكمته أن يسوى بين دماء خير البرية ودماء شر(2\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "402",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14858",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البرية في أخذ هذه بهذه سيما وقد أباح لأوليائه دماء أعدائه وجعلهم قرابين لهم وانما اقتضت حكمته أن يكفوا عنهم إذا صاروا تحت قهرهم وإذلالهم كالعبيد لهم يؤدون إليهم الجزية التي هي خراج رؤسهم مع بقاء السبب الموجب لاباحة دمائهم وهذا الترك والكف لا يقتضي استواء الدمين عقلا ولا شرعا ولا مصلحة ولا ريب أن الدمين قبل القهر والإذلال لم يكونا بمستويين لأجل الكفر فأي موجب لاستوائهما بعد الاستذلال والقهر والكفر قائم بعينه فهل في الحكمة وقواعد الشريعة وموجبات العقول أن يكون الإذلال والقهر للكافر موجبا لمساواة دمه لدم المسلم هذا مما تأباه الحكمة والمصلحة والعقول وقد أشار إلى هذا المعنى وكشف الغطاء وأوضح المشكل بقوله المسلمون تتكافأ دماؤهم أو قال المؤمنون فعلق المكافأة بوصف لا يجوز إلغاؤه وإهداره وتعليقها بغيره إذ يكون أبطالا لما اعتبره الشارع واعتبارا لما أبطله فإذا علق المكافأة بوصف الأيمان كان كتعليقه سائر الأحكام بالأوصاف كتعليق القطع بوصف السرقة والرجم بوصف الزنا والجلد بوصف القذف والشرب ولا فرق بينهما أصلا فكل من علق الأحكام بغير الأوصاف التي علقها به الشارع كان تعليقه منقطعا منصرما وهذا مما اتفق أئمة الفقهاء على صحته فقد أدى نظر العقل إلى أن دم عدو الله الكافر لا يساوي دم وليه ولا يكافيه أبدا وجاء الشرع بموجبه فأي معارضة هاهنا وأي حيرة أن هو إلا بصيرة على بصيرة ونور على نور وليس هذا مكان استيعاب الكلام على هذه المسألة وانما الغرض التنبيه على أن في صريح العقل الشهادة لما جاء به الشرع فيها فصل وعكس هذا أنه لم تشترط المكافأة في علم وجهل ولا في كمال وقبح ولا في شرف وضعة ولا في عقل وجنون ولا في أجنبية وقرابة خلا الوالد والولد وهذا من كمال الحكمة وتمام النعمة وهو في غاية المصلحة إذ لو روعيت هذه الأمور لتعطلت مصلحة القصاص إلا في النادر البعيد إذ قل أن يستوي شخصان من كل وجه بل لا بد من التفاوت بينهما في هذه الأوصاف أو في بعضها فلو أن الشريعة جاءت بأن لا يقتص إلا من مكافئ من كل وجه لفسد العالم وعظم الهرج وانتشر الفساد ولا يجوز على عاقل وضع هذه السياسة الجائرة وواضعها إلى السفه أقرب منه إلى الحكمة فلا جرم أهدتك الشرائع إلى اعتبار ذلك وأما الولد والوالد فمنع من جريان القصاص بينهما حقيقة البعضية والجزئية التي بينهما فان الولد جزء من الوالد ولا يقتص لبعض أجزاء الإنسان من بعض وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله وجعلوا له من عباده جزءا وهو قولهم الملائكة بنات الله فدل على أن الولد جزء من الوالد وعلى هذا الأصل امتنعت شهادته له وقطعه بالسرقة من ماله وحده أباه على قذفه وعن هذا الأصل ذهب كثير من السلف ومنهم الأمام أحمد وغيره إلى أن له أن يتملك(2\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "403",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14859",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما شاء من مال ولده وهو كالمباح في حقه وقد ذكرنا هذه المسألة مستقصاة بأدلتها وبينا دلالة القرآن عليها من وجوه متعددة في غير هذا الموضع وهذا المأخذ أحسن من قولهم أن الأب لما كان هو السبب في أيجاد الولد فلا يكون الولد سببا في إعدامه وفي المسألة مسلك آخر وهو مسلك قوي جدا وهو أن الله سبحانه جعل في قلب الوالد من الشفقة على ولده والحرص على حياته ما يوازي شفقته على نفسه وحرصه على حياة نفسه وربما يزيد على ذلك فقد يؤثر الرجل حياة ولده على حياته وكثيرا ما يحرم الرجل نفسه حظوظها ويؤثر بها ولده وهذا القدر مانع من كونه يريد إعدامه واهلاكه بل لا يقصد في الغلب إلا تأديبه وعقوبته على إساءته فلا يقع قتله في الأغلب عن قصد وتعمد بل عن خطأ وسبق يد وإذا وقع ذلك غلطا الحق بالقتل الذي لم يقصد به إزهاق النفس فأسباب التهمة والعداوة الحاملة على القتل لا تكاد توجد في الآباء وان وجدت نادرا فالعبرة بما اطردت عليه عادة الخليقة وهنا للناس طريقان أحدهما أنا إذا تحققنا التهمة وقصد القتل والإزهاق بأن يضجعه ويذبحه مثلا أجرينا القصاص بينهما لتحقق قصد الجناية وانتفاء المانع من القصاص وهذا قول أهل المدينة والثاني أنه لا يجرى القصاص بحال وأن تحقق قصد القتل لمكان الجزئية والبعضية المانعة من الاقتصاص من بعض الأجزاء لبعض وهو قول الأكثرين ولا يرد عليهم قتل الولد لوالده وان كان بعضه لأن الأب لم يخلق من نطفة الابن فليس الأب بجزء له حقيقة ولا حكما بخلاف الولد فانه جزء حقيقة وليس هذا موضوع استقصاء الكلام على هذه المسائل إذ المقصود بيان اشتمالها على الحكم والمصالح التي يدركها العقل وان لم يستقل بها فجاءت الشريعة بها مقررة لما استقر في العقل إدراكه ولو من بعض الوجوه وبعد النزول عن هذا المقام فأقصى ما فيه أن يقال أن الشريعة جاءت بما يعجز العقل عن إدراكه لا بما يحيله العقل ونحن لا ننكر ذلك ولكن لا يلزم منه نفى الحكم والمصالح التي اشتملت عليها الأفعال في ذواته والله أعلم الوجه الثامن والخمسون قولكم وظهر بهذا أن المعاني المستنبطة راجعة إلى مجرد استنباط العقل ووضع الذهن من غير أن يكون الفعل مشتملا عليها كلام في غاية الفساد والبطلان لا يرتضيه أهل العلم والأنصاف وتصوره حق التصور كاف في الجزم ببطلانه من وجوه عديدة أحدها أن العقل والفطرة يشهدان ببطلانه والوجود يكذبه فان أكثر المعاني المستنبطة من الأحكام ليست من أوضاع الأذهان المجردة عن اشتمال الأفعال عليها ومدعي ذلك في غاية المكابرة التي لا تجدي عليه إلا توهين المقالة وهذه المعاني المستنبطة من الأحكام موجودة مشهودة يعلم العقلاء أنها ليست من أوضاع الذهن بل الذهن أدركها وعلمها وكان نسبة الذهن إلى إدراكها كنسبة البصر إلى إدراك الألوان وغيرها وكنسبة(2\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "404",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14860",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السمع إلى إدراك الأصوات وكنسبة الذوق إلى إدراك الطعوم والشم إلى إدراك الروائح فهل يسوغ لعاقل أنا يدعى أن هذه المدركات من أوضاع الحواس وكذلك العقل إذا أدرك ما اشتمل عليه الكذب والفجور وخراب العالم والظلم واهلاك الحرث والنسل والزنا بالأمهات وغير ذلك من القبائح وأدرك ما اشتمل عليه الصدق والبر والإحسان والعدل وشكران المنعم والعفة وفعل كل جميل من الحسن لم تكن تلك المعاني التي اشتملت عليها هذه الأفعال مجرد وضع الذهن واستنباط العقل ومدعي ذلك مصاب في عقله فان المعاني التي اشتملت عليها المنهيات الموجبة لتحريمها أمور ناشئة من الأفعال ليست أوضاعا ذهنية والمعاني التي اشتملت عليها المأمورات الموجبة لحسنها ليست مجرد أوضاع ذهنية بل أمور حقيقية ناشئة من ذوات الأفعال ترتب آثارها عليها كترتب آثار الأدوية والأغذية عليها وما نظير هذه المقالة إلا مقالة من يزعم أن القوى والآثار المستنبطة من الأغذية والأدوية لا حقيقة لها إنما هي أوضاع ذهنية ومعلوم أن هذا باب من السفسطة فاعرض معاني الشريعة الكلية على عقلك وانظر ارتباطها بأفعالها وتعلقها بها ثم تأمل هل تجدها أمورا حقيقية تنشأ من الأفعال فإذا فعل الفعل نشأ منه أثره أو تجدها أوضاعا ذهنية لا حقيقة لها وإذا أردت معرفة بطلان المقالة فكرر النظر في أدلتها فأدلتها من أكبر الشواهد على بطلانها بل العاقل يستغني بأدلة الباطل عن إقامة الدليل على بطلانه بل نفس دليله هو دليل بطلانه الوجه الثاني أن استنباط العقول ووضع الأذهان لما لا حقيقة له من باب الخيالات والتقديرات التي لا يترتب عليها علم ولا معلوم ولا صلاح ولا فساد إذ هي خيالات مجردة وأوهام مقدرة كوضع الذهن سائر ما يضعه من المقدرات الذهنية ومعلوم أن المعاني المستنبطة من الأحكام هي من أجل المعلوم ومعلومها من أشرف المعلومات وأنفعها للعباد وهي منشأ مصالحهم في معاشهم ومعادهم وترتب آثارها عليها مشهود في الخارج معقول في الفطر قائم في العقول فكيف يدعى أنه مجرد وضع ذهني لا حقيقة له الوجه الثالث أن استنباط الذهن لما يستنبطه من المعاني واعتقاده أن الأفعال مشتملة عليها مع كون الأمر ليس كذلك جهل مركب واعتقاد باطل فانه إذا اعتقد أن الأفعال مشتملة على تلك المعاني وإنها منشأها وليس كذلك كان اعتقادا للشيء بخلاف ما هو به وهذا غاية الجهل فكيف يدعي هذا في اشرف العلوم وأزكاها وأنفعها وأعظمها متضمنا لمصالح العباد في المعاش والمعاد وهل هو الا لب الشريعة ومضمونها فكيف يسوغ أن يدعى فيها هذا الباطل ويرمى بهذا البهتان وبالجملة فبطلان هذا القول أظهر من أن يتكلف رده ولم يقل هذا القول من شم للفقه رائحة أصلا الوجه التاسع والخمسون قولكم لو كانت صفات نفسية للفعل لزم من ذلك أن تكون(2\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "405",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14861",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحركة الواحدة مشتملة على صفات متناقضة وأحوال متنافرة فيقال وما الذي يحيل أن يكون الفعل مشتملا على صفتين مختلفتين تقتضي كل منهما أثرا غير الأثر الآخر وتكون إحدى الصفتين والأثرين أولى به وتكون مصلحته أرجح فإذا رتب على صفته الأخرى أثرها فاتت المصلحة الراجحة المطلوبة شرعا وعقلا بل هذا هو الواقع ونحن نجد هذا حسا في قوى الأغذية والأدوية ونحوها من صفات الأجسام الحسية المدركة بالحس فكيف بصفات الأفعال المدركة بالعقل وأمثلة ذلك في الشريعة تزيد على الألف فهذه الصلاة في وقت النهي فيها مصلحة تكثير العبادة وتحصيل الأرباح ومزيد الثواب والتقرب إلى رب الأرباب وفيها مفسدة المشابهة بالكفار في عبادة الشمس وفي تركها مصلحة سد ذريعة الشرك وفطم النفوس عن المشابهة للكفار حتى في وقت العبادة وكانت هذه المفسدة أولى بالصلاة في أوقات النهي من مصلحتها فلو شرعت لما فيها من المصلحة لفاتت مصلحة الترك وحصلت مفسدة المشابهة التي هي أقوى من مصلحة الصلاة حينئذ ولهذا كانت مصلحة أداء الفرائض في هذه الأوقات أرجح من مفسدة المشابهة بحيث لما انغمرت هذه المفسدة بالنسبة إلى الفريضة لم يمنع منها بخلاف النافلة فان في فعلها في غير هذه الأوقات غنية عن فعلها فيها فلا تفوت مصلحتها فيقع فعلها في وقت النهي مفسدة راجحة ومن هاهنا جوز كثير من الفقهاء ذوات الأسباب في وقت النهي لترجح مصلحتها فأنها لا تقضى ولا يمكن تداركها وكانت مفسدة تفويتها أرجح من مفسدة المشابهة المذكورة وليس هذا موضع استقصاء هذه المسألة فما الذي يحيل اشتمال الحركة الواحدة على صفات مختلفة بهذه المثابة ويكون بعضها أرجح من بعض فيقضى للراجح عقلا وشرعا وعلى هذا المثال مسائل عامة للشريعة ولولا إلاطالة لكتبنا منها ما يبلغ ألف مثال والعالم ينتبه بالجزئيات للقاعدة الكلية الوجه الستون قولكم وليس معنى قولنا أن العقل استنبط منها أنها كانت موجودة في الشيء فاستخرجها العقل بل العقل تردد بين إضافات الأحوال بعضها إلى بعض ونسب الحركات والأشخاص نوعا إلى نوع وشخصا إلى شخص فطرأ عليه من تلك المعاني ما حكيناه وربما يبلغ مبلغا يشذ عن الإحصاء فعرف أن المعاني لم ترجع إلى الذات بل إلى مجرد الخواطر وهي متعارضة فيقال يا عجبا لعقل يروج عليه مثل هذا الكلام ويبنى عليه هذه القاعدة العظيمة وذلك بناء على شفا جرف هار وقد تقدم ما يكفى في بطلان هذا الكلام ونزيدها هنا أنه كلام فاسد لفظا ومعنى فان الاستنباط هو استخراج الشيء الثابت الخفي الذي لا يعثر عليه كل أحد ومنه استنباط الماء وهو استخراجه من موضعه ومنه قوله تعالى ولو ردوه إلى الرسول والى أولى المر منهم لعلمه الذي يستنبطونه منهم أي يستخرجون حقيقته وتدبيره بفطنهم وذكائهم وإيمانهم ومعرفتهم بمواطن الأمن والخوف(2\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "406",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14862",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يصح معنى إلا في شيء ثابت له حقيقة خفية يستنبطها الذهن ويستخرجها فأما ما لا حقيقة له فانه مجرد ذهنه فلا استنباط فيه بوجه وأي شيء يستنبط منه وانما هو تقدير وفرض وهذا لا يسمى استنباطا في عقل ولا لغة وحينئذ فيقلب الكلام عليكم ويكون من يقلبه أسعد بالحق منكم فنقول وليس معنى قولنا أن العقل استنبط من تلك الأفعال أن ذلك مجرد خواطر طارئة وانما معناه أنها كانت موجودة في الأفعال فاستخرجها العقل باستنباطه كما يستخرج الماء الموجود من الأرض باستنباطه ومعلوم أن هذا هو المعقول المطابق للعقل واللغه وما ذكرتموه فخارج عن العقل واللغة جميعا فعرف أنه لا يصح معنى الاستنباط إلا لشيء موجود يستخرجه العقل ثم ينسب إليه أنواع تلك الأفعال وأشخاصها فان كان أولى به حكم له بالاقتضاء والتأثير وهذا هو المعقول وهو الذي يعرضه الفقهاء والمتكلمون على مناسبات الشريعة وأوصافها وعللها التي تربط بها الأحكام فلو ذهب هذا من أيديهم لا نسد عليهم باب الكلام في القياس والمناسبات والحكم واستخراج ما تضمنته الشريعة من ذلك وتعليق الأحكام بأوصافها المقتضية لها إذا كان مرد الأمر بزعمكم إلى مجرد خواطر طارئة على العقل ومجرد وضع الذهن وهذا من أبطل الباطل وأبين المحال ولقد أنصفكم خصومكم في ادعائهم عليكم لازم هذا المذهب وقالوا لو رفع الحسن والقبح من الأفعال الإنسانية إلى مجرد تعلق الخطاب بها لبطلت المعاني العقلية التي تستنبط من الأصول الشرعية فلا يمكن أن يقاس فعل على فعل ولا قول على قول ولا يمكن أن يقال لم كان كذا أذلا تعليل للذوات ولا صفات للأفعال هي عليها في نفس الأمر حتى ترتبط بها الأحكام وذلك رفع للشرائع بالكلية من حيث إثباتها لا سيما والتعلق أمر عدمي ولا معتنى لحسن الفعل أو قبحه إلا التعلق العدمي بينه وبين الخطاب فلا حسن في الحقيقة ولا قبح لا شرعا ولا عقلا لا سيما إذا انضم إلى ذلك نفى فعل العبد واختياره بالكلية وأنه مجبوب محض فهذا فعله وذلك صفة فعله فلا فعل له ولا وصف لقوله البتة فأي تعطيل ورفع للشرائع أكثر من هذا فهذا إلزامهم لكم كما أنكم الزمتموهم نظير ذلك في نفي صفة الكلام وأنصفتموهم في الإلزام الوجه الحادي والستون قولكم لو ثبت الحسن والقبح العقليين لتعلق بهما الإيجاب والتحريم شاهدا وغائبا واللازم محال فالملزوم كذلك إلى آخره فنقول الكلام هاهنا في مقامين أحدهما في التلازم المذكور بين الحسن والقبح العقليين وبين الإيجاب والتحريم غائبا والثاني في انتفاء اللازم وثبوته فأما المقام الأول فلمثبتي الحسن والقبح طريقان أحدهما ثبوت التلازم والقول باللازم وهذا القول هو المعروف عن المعتزلة وعليه يناظرون وهو القول الذي نصب خصومهم الخلاف معهم فيه والقول الثاني إثبات الحسن والقبح فانهم يقولون بإثباته ويصرحون بنفي الإيجاب قبل الشرع على العبد وبنفي(2\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "407",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14863",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أيجاب العقل على الله شيئا البتة كما صرح به كثير من الحنفية والحنابلة كأبي الخطاب وغيره والشافعية كسعد بن علي الزنجاني الأمام المشهور وغيره ولهؤلاء في نفي الإيجاب العقلي من المعرفة بالله وثبوته خلاف فالأقوال إذا أربعة لا مزيد عليها أحدها نفي الحسن والقبح ونفي الإيجاب العقلي في العمليات دون العلميات كالمعرفة وهذا اختيار أبي الخطاب وغيره فعرف أنه لا تلازم بين الحسن والقبح وبين الإيجاب والتحريم العقليين فهذا أحد المقامين وأما المقام الثاني وهو انتفاء اللازم وثبوته فللناس فيه ههنا ثلاثة طرق أحدهما التزام ذلك والقول بالوجوب والتحريم العقليين شاهدا وغائبا وهذا قول المعتزلة وهؤلاء يقولون بترتب الوجوب شاهدا وبترتب المدح والذم عليه وأما العقاب فلهم فيه اختلاف وتفصيل ومن أثبته منهم لم يثبته على الوجوب الثابت بعد البعثة ولكنهم يقولون أن العذاب الثابت بعد الإيجاب الشرعي نوع آخر غير العذاب الثابت على الإيجاب العقلي وبذلك يجيبون عن النصوص النافية للعذاب قبل البعثة وأما الإيجاب والتحريم العقليان غائبا فهم مصرحون بهما ويفسرون ذلك باللزوم الذي أوجبته حكمته وحرمته وأنه يستحيل عليه خلافه كما يستحيل عليه الحاجة والنوم والتعب واللغوب فهذا معنى الوجوب والامتناع في حق الله عندهم فهو وجوب اقتضته ذاته وحكمته وغناه وامتناع يستحيل عليه الاتصاف به لمنافاته كماله له وغناه قالوا وهذا في الأفعال نظير ما يقولونه في الصفات أنه يجب له كذا ويمتنع عليه كذا فقولنا نحن في الأفعال نظير قولكم في الصافت ما يجب له منها وما يمتنع كليه فكما أن ذلك وجوب وامتناع ذاتي يستحيل عليه خلافه فهكذا ما تقتضيه حكمته وتأباه وجوب وامتناع يستحيل عليه الإخلال به وان كان مقدورا له لكنه لا يخل به لكمال حكمته وعلمه وغناه والفرقة الثانية منعت ذلك جملة وأحالت القول به وجوزت على الرب تعالى كل شيء ممكن وردت الإحالة والامتناع في أفعاله إلى غير الممكن من المحالات كالجمع بين النقيضين وبابه فقابلوا المعتزلة أشد مقابلة واقتسما طرفي الإفراط والتفريط ورد هؤلاء الوجوب والتحريم الذي جاءت به النصوص إلى مجرد صدق المخير فما أخبر بأنه يكون فهو واجب لتصديق العلم لمعلومه والمخبر لخبره وقد يفسرون التحريم بالامتناع عقلا كتحريم الظلم على نفسه فانهم يفسرون الظلم بالمستحيل لذاته كالجمع بين النقيضين وليس عندهم في المقدور شيء هو ظلم يتنزه الله عنه مع قدرته عليه لغناه وحكمته وعدله فهذا قول هؤلاء والفرقة الثالثة هم الوسط بين هاتين الفرقتين فان الفرقة الأولى أوجبت على الله شريعة بعقولها وحرمت عليه وأوجبت ما لم يحرمه على نفسه ولم يوجبه على نفسه والفرقة الثانية جوزت عليه ما يتعالى ويتنزه عنه لمنافاته حكمته وحمده وكماله والفرقة الوسط أثبتت له ما أثبته لنفسه من الإيجاب والتحريم الذي هو مقتضى(2\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "408",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14864",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أسمائه وصفاته الذي لا يليق به نسبته إلى ضده لأنه موجب كماله وحكمته وعدله ولم تدخله تحت شريعة وضعتها بعقولها كما فعلت الفرقة الأولى ولم يجوز عليه ما نزه نفسه عنه كما فعلته الفرقة الثانية قالت الفرقة الوسط قد أخبر تعالى أنه حرم الظلم على نفسه كما قال على لسان رسوله يا عبادي أنى حرمت الظلم على نفسي وقال ولا يظلم ربك أحدا وقال وما ربك بظلام للعبيد وقال ولا يظلمون فتيلا وقال وما الله يريد ظلما للعباد فأخبر عن تحريمه على نفسه ونفى عن نفسه فعله وارادته وللناس في تفسير هذا الظلم ثلاثة أقوال بحسب أصولهم وقواعدهم أحدها أن الظلم الذي حرمه وتنزه عن فعله وارادته هو نظير الظلم من الآدميين بعضهم لبعض وشبهوه في الأفعال ما يحسن منهما وما لا يحسن بعباده فضر بواله من قبل أنفسهم الأمثال وصاروا بذلك مشبهة ممثلة في الأفعال فامتنعوا من إثبات المثل الأعلى الذي أثبته لنفسه ثم ضربوا له الأمثال ومثلوه في أفعاله بخلقه كما أن الجهمية المعطلة امتنعت من إثبات المثل الأعلى الذي أثبته لنفسه ثم ضربوا له الأمثال ومثلوه في صفاته بالجمادات الناقصة بل بالمعدومات وأهل السنة نزهوه عن هذا وهذا وأثبتوا له ما أثبته لنفسه من صفات الكمال ونزهوه فيها عن الشبه والمثال فأثبتوا له المثل الأعلى ولم يضربوا له الأمثال فكانوا أسعد الطوائف بمعرفته وأحقهم بالإيمان به وبولايته ومحبته وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ثم التزم أصحاب هذا التفسير عنه من اللوازم الباطلة ما لا قبل لهم به قالوا عن هذا التفسير الباطل أنه تعالى إذا أمر العبد ولم يعنه بجميع مقدوره تعالى من وجوه الإعانة كان ظالما له والتزموا لذلك أنه لا يقدر أن يهدي ضالا كما قالوا أنه لا يقدر أن يضل مهتديا وقالوا عنه أيضا أنه إذا أمر اثنين بأمر واحد وخص أحدهما بإعانته على فعل المأمور به كان ظالما وقالوا عنه أيضا أنه إذا اشترك اثنان في ذنب يوجب العقاب فعاقب به أحدهما وعفى عن الآخر كان ظالما إلى غير ذلك من اللوازم الباطلة التي جعلوا لأجلها ترك تسويته بين عباده في فضله وإحسانه ظلما فعارضهم أصحاب التفسير الثاني وقالوا الظلم المنزه عنه في الأمور الممتنعة لذاتها فلا يجوز أن يكون مقدورا ولا أنه تعالى تركه بمشيئته واختياره وانما هو من باب الجمع بين الضدين وجعل الجسم الواحد في مكانين وقلب القديم محدثا والمحدث قديما ونحو ذلك وألا فكل ما يقدره الذهن وكان وجوده ممكنا والرب قادر عليه فليس بظلم سواء فعله أو لم يفعله وتلقى هذا القول عنهم طوائف من أهل العلم وفسروا الحديث به وأسندوا ذلك وقووه بآيات وآثار زعموا أنها تدل عليه كقوله إن تعذبهم فإنهم عبادك يعني لم تتصرف في غير ملكك بل أن عذبت عذبت من تملك وعلى هذا فجوزوا تعذيب كل عبد له ولو كان محسنا ولم(2\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "409",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14865",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يروا ذلك ظلما بقوله تعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وبقول النبي أن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم وبقوله في دعاء الهم والحزن اللهم أنى عبدك وابن عبدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك وبما روى عن اياس بن معاوية قال ما ناظرت بعقلي كله أحدا إلا القدرية قلت لهم ما الظلم قالوا أن تأخذ ما ليس لك أو أن تتصرف فيما ليس لك قلت فلله كل شيء والتزم هؤلاء عن هذا القول لوازم باطلة كقولهم أن الله تعالى يجوز عليه أن يعذب أنبياءه ورسله وملائكته وأولياءه وأهل طاعته ويخلدهم في العذاب اليم ويكرم أعداءه من الكفار والمشركين والشياطين ويخصهم بجنته وكرامته وكلاهما عدل وجائز عليه وأنه يعلم أنه لا يفعل ذلك بمجرد خبره فصار ممتنعا لإخباره أنه لا يفعله لا لمنافاته حكمته ولا فرق بين المرين بالنسبة إليه ولكن أراد هذا وأخبر به وأراد الآخر وأخبر به فوجب هذا لارادته وخبره وامتنع ضده لعدم إرادته واختياره بأن لا يكون والتزموا له أيضا أنه يجوز أن يعذب الأطفال الذين لا ذنب لهم أصلا ويخلدهم في الجحيم وربما قالوا بوقوع ذلك فأنكر على الطائفتين معا أصحاب التفسير الثالث وقالوا الصواب الذي دلت عليه النصوص أن الظلم الذي حرمه الله على نفسه وتنزه عنه فعلا وارادة هو ما فسره به سلف الأمة وأئمتها أنه لا يحمل المرء سيئات غيره ولا يعذب بما لم تكسب يداه ولم يكن سعى فيه ولا ينقص من حسناته فلا يجازي بها أو ببعضها إذا قارنها أو طرأ عليها ما يقتضي إبطالها أو اقتصاص المظلومين منها وهذا الظلم الذي نفى الله تعالى خوفه عن العبد بقوله ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما قال السلف والمفسرون لا يخاف أن يحمل عليه من سيئات غيره ولا ينقص من حسناته ما يتحمل فهذا هو العقول من الظلم ومن عدم خوفه وأما الجمع بين النقيضين وقلب القديم محدثا والمحدث قديما فمما يتنزه كلام آحاد العقلاء عن تسميته ظلما وعن نفي خوفه عن العبد فكيف بكلام رب العالمين وكذلك قوله وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين فنفى أن يكون تعذيبه لهم ظلما ثم أخبر أنهم هم الظالمون بكفرهم ولو كان الظلم المنفي هو المحال لم يحسن مقابلة قوله وما ظلمناهم بقوله ولكن كانوا هم الظالمين بل يقتضي الكلام أن يقال ما ظلمناهم ولكن تصرفنا في ملكنا وعبيدنا فلما نفى الظلم عن نفسه وأثبته لهم دل على أن الظلم المنفي أن يعذبهم بغير جرم وأنه إنما عذبهم بجرمهم وظلمهم ولا تحتمل الآية غير هذا ولا يجوز تحريف كلام الله لنصر المقالات وقال تعالى ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ولا ريب أن هذا مذكور في سياق التحريض على الأعمال الصالحة والاستكثار منها فان صاحبها يجزي بها(2\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "410",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14866",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا ينقص منها بذرة ولهذا يسمى تعالى موفيه كقوله وإنما توفون أجوركم يوم القيامة وقوله ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون فترك الظلم هو العدل لافعل كل ممكن وعلى هذا قام الحساب ووضع الموازين القسط ووزنت الحسنات والسيئات وتفاوتت الدرجات العلى بأهلها والدركات السفلى بأهلها وقال تعالى إن الله لا يظلم مثقال ذرة أي لا يضيع جزاء من أحسن ولو بمثقال ذرة فدل على أن اضاعتها وترك المجازاة بها مع عدم ما يبطلها ظلم يتعالى الله عنه ومعلوم أن ترك المجازاة عليها مقدور يتنزه الله عنه لكمال عدله وحكمته ولا تحتمل الآية قط غير معناها المفهوم منها وقال تعالى من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد أي لا يعاقب العبد بغير إساءة ولا يحرمه ثواب إحسانه ومعلوم أن ذلك مقدور له تعالى وهو نظير قوله أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى فأخبر انه ليس على أحد في وزر غيره شيء وأنه لا يستحق إلا ما سعاه وأن هذا هو العدل الذي نزه نفسه عن خلافه وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد بين أن هذا العقاب لم يكن ظلما من الله للعباد بل لذنوبهم واستحقاقهم ومعلوم أن المحال الذي لا يمكن ولا يكون مقدورا أصلا لا يصلح أن يمدح الممدوح بعدم إرادته ولا فعله ولا يحمد على ذلك وانما يكون المدح بترك الأفعال لمن هو قادر عليها وأن يتنزه عنها لكماله وغناه وحمده وعلى هذا يتم قوله أنى حرمت الظلم على نفسي وما شاكله من النصوص فاما أن يكون المعنى أنى حرمت على نفسي ما لا حقيقة له وما ليس بممكن مثل خلق مثلى ومثل جعل القديم محدثا والمحدث قديما ونحو ذلك من المحالات ويكون المعنى أنى أخبرت عن نفسي بأن ما لا يكون مقدورا لا يكون منى فهذا مما يتيقن المنصف أنه ليس مرادا في اللفظ قطعا وأنه يجب تنزيه كلام الله ورسوله عن حملة على مثل ذلك قالوا وأما استدلالكم بتلك النصوص الدالة على أنه سبحانه أن عذبهم فانهم عباده وأنه غير ظالم لهم وأنه لا يسأل عما يفعل وأن قضاءه فيهم عدل بمناظرة اياس للقدرية فهذه النصوص وأمثالها كلها حق يجب القول بموجبها ولا تحرف معانيها والكل من عند الله ولكن أي دليل فيها يدل على أنه تعالى يجوز عليه أن يعذب أهل طاعته وينعم أهل معصيته وأنه يعذب بغير جرم ويحرم المحسن جزاء عمله ونحو ذلك بل كلها متفقة متطابقة دالة على كمال القدرة وكمال العدل والحكمة فالنصوص التي ذكرناها تقتضي كمال عدله وحكمته وغناه ووضعه العقوبة والثواب مواضعهما وأنه لا يعدل بهما عن سننهما والنصوص التي ذكرتموها تقتضي كمال قدرته وانفراده بالربوبية والحكم وأنه ليس فوقه آمر ولا ناه يتعقب أفعاله بسؤال وأنه(2\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "411",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14867",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لو عذب أهل سماواته وأرضه لكان ذلك تعذيبا لحقه عليهم وكانوا إذ ذاك مستحقين للعذاب لأن أعمالهم لا تفي بنجاتهم كما قال النبي لن ينجى أحدا منكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل فرحمته لهم ليست في مقابلة أعمالهم ولا هي ثمنا لها فإنها خير منها كما قال في الحديث نفسه ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرا لهم من أعمالهم أي فجمع بين الأمرين في الحديث أنه لو عذبهم لعذبهم باستحقاقهم ولم يكن ظالما لهم وأنه لو رحمهم لكان ذلك مجرد فضله وكرمه لا بأعمالهم إذ رحمته خير من أعمالهم فصلوات الله وسلامه على من خرج هذا الكلام أولا من شفتيه فانه أعرف الخلق بالله وبحقه وأعلمهم به وبعدله وفضله وحكمته وما يستحقه على عباده وطاعات العبد كلها لا تكون مقابلة لنعم الله عليهم ولا مساوية لها بل ولا للقليل منها فكيف يستحقون بها على الله النجاة وطاعة المطيع لا نسبة لها إلى نعمة من نعم الله عليه فتبقى سائر النعم تتقاضاه شكرا والعبد لا يقوم بمقدوره الذي يجب لله عليه فجميع عباده تحت عفوه ورحمته وفضله فما نجا منهم أحدا إلا بعفوه ومغفرته ولا فاز بالجنة إلا بفضله ورحمته وإذا كانت هذه حال العباد فلو عذبهم لعذبهم وهو غير ظالم لهم لا لكونه قادرا عليهم وهم ملكه بل لاستحقاقهم ولو رحمهم لكان ذلك بفضله لا بأعمالهم وأما قوله فانهم عبادك فليس المراد به أنك قادر عليهم مالك لهم وأي مدح في هذا ولو قلت لشخص أن عذبت فلانا فانك قادر على ذلك أي مدح يكون في ذلك بل في ضمن ذلك الأخبار بغاية العدل وأنه تعالى أن عذبهم فانهم عباده الذين أنعم عليهم بإيجادهم وخلقهم ورزقهم وإحسانه إليهم لا بوسيلة منهم ولا في مقابلة بذل بذلوه بل ابتدأهم بنعمه وفضله فإذا عذبهم بعد ذلك وهم عبيده لم يعذبهم إلا بجرمهم واستحقاقهم وظلمهم فان من أنعم عليهم ابتداء بجلائل النعم كيف يعذبهم بغير استحقاق أعظم النقم وفيه أيضا أمر آخر ألطف من هذا وهو أن كونهم عباده يقتضي عبادته وحده وتعظيمه واجلاله كما يجل العبد سيده ومالكه الذي لا يصل إليه نفع إلا على يده ولا يدفع عنه ضرا إلا هو فإذا كفروا به أقبح الكفر وأشركوا به أعظم الشرك ونسبوه إلى كل نقيصة مما تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا كانوا أحق عباده وأولاهم بالعذاب والمعنى هم عبادك الذين أشركوا بك وعدلوا بك وجحدوا حقك فهم عباد مستحقون للعذاب وفيه أمر آخر أيضا لعله ألطف مما قبله وهو أن تعذبهم فانهم عبادك وشأن السيد المحسن المنعم أن يتعطف على عبده ويرحمه ويحنو عليه فإن عذبت هؤلاء وهم عبيدك لا تعذبهم إلا باستحقاقهم وإجرامهم وألا فكيف يشقى العبد بسيده وهو مطيع له متبع لمرضاته فتأمل هذه المعاني ووازن بينها وبين قوله من يقول أن تعذبهم فأنت الملك القادر وهم(2\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "412",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14868",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المملوكون المربوبون وانما تصرفت في ملكك من غير أن يكون قام بهم سبب العذاب فان القوم نفاة الأسباب وعندهم أن كفر الكافرين وشركهم ليس سببا للعذاب بل العذاب بمجرد المشيئة ومحض الإرادة وكذلك الكلام في مناظرة اياس للقدرية إنما أراد بأن التصرفات الواقعة منه تعالى في ملكه لا تكون ظلما قط وهذا حق فان كل ما فعله الرب ويفعله لا يخرج عن العدل والحكمة والمصلحة والرحمة فليس في أفعاله ظلم ولا جور ولا سفه وهذا حق لا ريب فيه فاياس بين أنه سبحانه في تصرفه في ملكه غير ظالم فهذه مجامع طرق العالم في هذا المقام ألقيت إليك محتضرة بذكر قواعدها وأداتها وترجيح الصواب منها وابطال الباطل ولعلك لا تجد هذا التفصيل والكلام على هذه المذاهب وأصولها في كتاب من كتب القوم والله تعالى المسئول لتمام نعمته ومزيد العلم والهدى انه المان بفضله فصل وكذلك الكلام في الإيجاب في حق الله سواء الأقوال فيه كالأقوال في التحريم وقد أخبر سبحانه عن نفسه أنه كتب على نفسه وأحق على نفسه قال تعالى وكان حقا علينا نصر المؤمنين وقال تعالى وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة وقال تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن وفي الحديث الصحيح أن النبي قال لمعاذ أتدري ما حق الله على عباده قلت الله ورسوله أعلم قال حقه عليهم أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك قلت الله ورسوله أعلم قال حقهم عليه أن لا يعذبهم ومنه قوله في غير حديث من فعل كذا كان على الله أن يفعل به كذا وكذا في الوعد والوعيد ونظير هذا ما أخبر سبحانه من قسمه ليفعلن ما أقسم عليه كقوله فوربك لنسئلنهم أجمعين فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا وقوله لنهلكن الظالمين وقوله لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين وقوله فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار وقوله فلنسألن الذي أرسل إليهم ولنسألن المرسلين وقوله فيما يرويه عنه رسول الله وجلالي لأقتصن للمظلوم من الظالم ولو لطمة ولو ضربة بيد إلي أمثال ذلك من صيغ القسم المتضمن معنى إيجاب المقسم على نفسه أو منعه نفسه وهو القسم الطلبي المتضمن للحظر والمنع بخلاف القسم الخبري المتضمن للتصديق(2\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "413",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14869",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والتكذيب ولهذا قسم الفقهاء وغيرهم اليمين إلي موجب للحظر والمنع أو التصديق والتكذيب قالوا وإذا كان معقولا من العبد أن يكون طالبا من نفسه فتكون نفسه طالبة منها لقوله تعالى إن النفس لأمارة بالسوء وقوله وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى مع كون العبد له آمر وناه فوقه فالرب تعالى الذي ليس فوقه آمر ولا ناه كيف يمتنع منه أن يكون طالبا من نفسه فيكتب على نفسه ويحق على نفسه ويحرم على نفسه بل ذلك أولى وأحرى في حقه من تصوره في حق العبد وقد أخبر به عن نفسه وأخبر به رسوله قالوا وكتابه ما كتبه على نفسه وإحقاقه ما حقه عليها متضمن لإرادته ذلك ومحبته له ورضاه به وأنه لا بد أن يفعله وتحريمه ما حرمه على نفسه متضمن لبغضه لذلك وكراهته له وأنه لا يفعله ولا ريب أن محبته لما يريد أن يفعله ورضاه به يوجب وقوعه بمشيئته واختياره وكراهته للفعل وبغضه له يمنع وقوعه منه مع قدرته عليه لو شاء وهذا غير ما يحبه من فعل عبده ويكرهه منه فذاك نوع وهذا نوع ولما لم يميز كثير من الناس بين النوعين وأدخلوهما تحت حكم واحد اضطربت عليهم مسائل القضاء والقدر والحكم والتعليل وبهذا التفصيل سفر لك وجه المسئلة وتبلج صبحها ففرق بين فعله سبحانه الذي هو فعله وبين فعل عباده الذي هو مفعوله فمحبته تعالى وكراهته للأول توجب وقوعه وامتناعه وأما محبته وكراهته للثاني فلا توجب وقوعه ولا امتناعه فانه يحب الطاعة والأيمان من عباده كلهم وان لم تكن محبته موجبة لطاعتهم وأيمانهم جميعا إذا لم يحب فعله الذي هو إعانتهم وتوفيقهم وخلق ذلك لهم ولو أحب ذلك لاستلزم طاعتهم وأيمانهم ويبغض معاصيهم وكفرهم وفسوقهم ولم تكن هذه الكراهة والبغض مانعة من وقوع ذلك منهم إذ لم يكره سبحانه خذلانهم واضلالهم لما له في ذلك من الغايات المحبوبة التي فواتها يستلزم فوات ما هو أحب إليه من إيمانهم وطاعتهم وتعقل ذلك مما يقصر عنه عقول أكثر الناس وقد أشرنا إليه فيما تقدم من الكتاب فالرب تعالى يحب من عباده الطاعة والأيمان ويحب مع ذلك من تضرعهم وتذللهم وتوبتهم واستغفارهم ومن توبته ومغفرته وعفوه وصفحه وتجاوزه ما هو ملزوم لمعاصيهم وذنوبهم ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع وإذا عقل هذا في حق المذنبين فيعقل مثله في حق الكفار وان خلقهم واضلالهم لازم لأمور محبوبة للرب تعالى لم تكن تحصل إلا بوجود لازمها إذ وجود الملزوم بدون لازمه ممتنع فكانت تلك الأمور المحبوبة والغايات المحمودة متوقفة على خلقهم واضلالهم توقف الملزوم على لازمة وهذا فصل معترض لم يكن من غرضنا وان كان أهم مما سقنا الكلام لأجله ونكتة المسألة الفرق بين ما هو فعل له تستلزم محبته وقوعه منه وبين ما هو مفعول له لا تستلزم محبته له وقوعه(2\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "414",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14870",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من عبده وإذا عرف هذا فالظلم والكفر والفسوق والعصيان وأنواع الشرور واقعة في مفعولاته المنفصلة التي لا يتصف بها دون أفعاله القائمة به ومن انكشف له لهذا المقام فهم معنى قوله والشر ليس إليك فهذا الفرق العظيم يزيل أكثر الشبه التي حارت لها عقول كثير من الناس في هذا الباب وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بأذنه والله يهدي من يشاء إلي صراط مستقيم فما في مخلوقاته ومفعولاته تعالى من الظلم والشر فهو بالنسبة إلي فاعله المكلف الذي قام به الفعل كما أنه بالنسبة إليه يكون زنا وسرقة وعدوانا وأكلا وشربا ونكاحا فهو الزاني السارق الآكل الناكح والله خالق كل فاعل وفعله وليست نسبة هذه الأفعال إلي خالقها كنسبتها إلي فاعلها الذي قامت به كما أن نسبة صفات المخلوقين إليه كطوله وقصره وحسنه وقبحه وشكله ولونه ليست كنسبتها إلي خالقها فيه فتأمل هذا الموضع واعط الفرق حقه وفرق بين النسبتين فكما أن صفات المخلوق ليست صفات لله بوجه وان كان هو خالقها فكذلك أفعاله ليست أفعالا لله تعالى ولا إليه وان كان هو خالقها فلنرجع الآن إلي ما نحن بصدده فنقول الأمر الذي كتبه على نفسه مستحق عليه الحمد والثناء ويتعالى ويتقدس عن تركه إذ تركه مناف للثناء والحمد الذي يستحقه عليه متضمنا لما يستحق لذاته وهذا بحمد الله بين عند من أوتى العلم والأيمان وهو مستقر في فطرهم لا ينسخه منها شبهات المبطلين وهذا الموضع مما خفى على طائفتي القدرية والجبرية فخبطوا في عشواء وخبطوا في ليلة ظلماء والله الموفق الهادي للصواب فصل وقد ظهر بهذا بطلان قول طائفتين معا الذين وضعوا لله شريعة بعقولهم أوجبوا عليه وحرموا منها ما لم يوجبه على نفسه ولم يحرمه على نفسه وسووا بينه وبين عباده فيما يحسن منهم ويقبح وبذلك استطال عليهم خصومهم وأبدوا مناقضتهم وكشفوا عوراتهم وبينوا فضائحهم وكذلك بطلان قول الطائفة التي جوزت عليه كل شيء وأنكرت حكمته وجحدت في الحقيقة ما يستحقه من الحمد والثناء على ما يفعله مما يمدح بفعله وعلى ترك ما يتركه مع قدرته عليه مما يمدح بتركه وجعلت النوعين واحدا ولا فرق عندهم بالنسبة إليه تعالى بين فعل ما يمدح بفعله وبين تركه ولا بين ترك ما يمدح بتركه وبين فعله وبهذا تسلط عليهم خصومهم وأبدوا مناقضتهم وبينوا فضائحهم قال المتوسطون وأما نحن فلا يلزمنا شيء من هذه الفضائح والأباطيل فانا لم نوافق طائفة من الطائفتين على كل ما قالته بل وافقنا كل طائفة فيما أصابت فيه الحق وخالفناها فيما خالفت فيه الحق فكنا أسعد به من الطائفتين ولله المنة والفضل هذا قولنا قد أوضحناه في هذه المسألة غاية الإيضاح وأفصحنا عنه بما أمكننا من الافصاح فمن وجد سبيلا إلى(2\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "415",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14871",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المعارضة أو رام طريقا إلي المناقضة فليبدها فانا من وراء الردة عليه وإهداء عيوب مقالته إليه ونحن نعلم أنه لا يرد علينا مقالتنا إلا بإحدى المقالتين اللتين كشفنا عن عوارهما وبينا فسادهما فليستر عورة مقالته ويصلح فسادها ويرم شعثها ثم ليلق خصومه بها فالمحاكمة إلي النقل الصريح والعقل الصحيح والله المستعان الوجه الثاني والستون قولكم الوجوب والتحريم بدون الشرع ممتنع لأنه لو ثبت لقامت الحجة بدون الرسل والله سبحانه إنما أقام حجته برسله إلى آخره فيقال لا ريب أن الوجوب والتحريم اللذين هما متعلق الثواب والعقاب بدون الشرع ممتنع كما قررتموه والحجة إنما قامت على العباد بالرسل ولكن هذا الوجوب والتحريم بمعنى حصول المقتضى للثواب والعقاب وان تخلف عنه مقتضاه لقيام مانع أو فوات شرط كما تقدم تقريره وقد قال تعالى ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت الينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين فأخبر تعالى أن ما قدمت أيديهم سبب لاصابة المصيبة إياهم وأنه سبحانه أرسل رسوله وأنزل كتابه لئلا يقولوا ربنا لولا أرسلت الينا رسولا فنتبع آياتك فدلت الآية على بطلان قول الطائفتين جميعا الذين يقولون أن أعمالهم قبل البعثة ليست قبيحة لذاتها بل إنما قبحت بالنهي فقط والذين يقولون أنها قبيحة ويستحقون عليها العقوبة عقلا بدون البعثة فنظمت الآية بطلان قول الطائفتين ودلت على القول الوسط الذي اخترناه ونصرناه أنها قبيحة في نفسها ولا يستحقون العقاب إلا بعد إقامة الحجة بالرسالة فلا تلازم بين ثبوت الحسن والقبح العقليين وبين استحقاق الثواب والعقاب فالأدلة إنما اقتضت ارتباط الثواب والعقاب بالرسالة وتوقفهما عليها ولم تقتض توقف الحسن والقبح بكل اعتبار عليها وفرق بين الأمرين الوجه الثالث والستون قولكم كيف يعلم أنه سبحانه يجب عليه أن يمدح ويذم ويثبت ويعاقب على الفعل بمجرد العقل وهل ذلك إلا غيب عنا فيما يعرف أنه رضى عن فاعل وسخط على فاعل وأنه يثيب هذا ويعاقب هذا ولم يخبر عنه بذلك مخبر صادق ولادل على مواقع رضاه وسخطه عقل ولا أخبر عن معلومه ومحكومه مخير فلم يبق إلا قياس أفعاله على أفعال عباده وهو من أفسد القياس فانه ليس كمثله شيء فيقال هذا لازم للمعتزلة ومن وافقهم حيث يوجبون على الله ويحرمون بالقياس على عباده ولا ريب أن هذا من أفسد القياس وأبطله ولكن من أين ينفى ذلك إثبات صفات أفعال اقتضت حسنها وقبحها عقلا ولم يعلم ترتب الثواب والعقاب عليها إلا بالرسالة كما نصرناه فأنتم معاشر النفاة سلبتم الأفعال خواصها وصفاتها التي لا تنفك عنها ولا تغفل مجردة عنها أبدا وظننتم أن قول المعتزلة الباطل في ايجابها وتحريمها على الله لا يتم إلا بهذا النفي فأخطاتم في الأمرين(2\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "416",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14872",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معا فان بطلان قولهم لا يتوقف على نفي الحسن والقبح ونفيهما باطل وخصومكم من المعتزلة أثبتوا لله شريعة عقلية أوجبوا عليه فيها وحرموا بمقتضى عقولهم وظنوا أنهم لا يمكنهم إثبات الحسن والقبح إلا بذلك فأخطئوا في الأمرين معا فان الله تعالى كما لا يقاس بعباده في أفعاله لا يقاس بهم في ذاته وصفاته فليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله واثبات الحسن والقبح لا يستلزم هذا الإيجاب والتحريم العقليين فليتأمل اللبيب هذه الدقائق التي هي مجامع مآخذ الفرق فيها يتبين أن الناس إنما تكلموا في حواشي المسألة ولم يخوضوا لجتها ويقتحموا غمرتها والله المستعان وأما إلزامكم لخصومكم من المعتزلة تلك اللوازم فلا ريب أنها مستلزمة لبطلان قولهم مع أضعافها من اللوازم التي تبين فساد مذهبهم ونحن مساعدوكم عليها كما لا محيد لهم عن الزاماتكم فمنها أنكم سددتم على أنفسكم طريق الاستدلال بالمعجزة على النبوة حيث جوزتم على الله أن يؤيد الكذاب كما يؤيد الصادق وعندكم أن كلا الآمرين بالنسبة إليه تعالى سواء ولم تعتذروا عن هذا الإلزام المقابل لسائر الزاماتكم بعذر صحيح وهذه أعذاركم مسطورة في الصحائف ومنها الزمام الأفحام ونفى المكلف النظر في المعجزة لعدم الوجوب عقلا واعتذاركم عن هذا الزام بأن الوجوب ثابت نظر أو لم ينظر اعتذار يبطل أصلكم فان ثبوت الوجود بدون نظر المكلف لو كان شرعيا لتوقف على الشرع المتوقف في حق المكلف على النظر في المعجزة فلما ثبت الوجوب وان لم ينظر في المعجزة علم أن الوجوب عقلي لا يتوقف على ثبوت الشرع فان قيل هو ثابت في نفس الأمر على تقدير ثبوت الرسالة قيل فحينئذ يعود الإلزام وهو أنه لا ينظر حتى يجب ولا يجب حتى تثبت الرسالة ولا تثبت حتى ينظر ولهذا عدل من عدل لي مقابلة هذا الإلزام بمثله وقالوا هذا لازم للمعتزلة لأن الوجوب عندهم نظري وهذا لا يغني شيئا ولا يدفع الإلزام المذكور بل غايته مقابلة الفاسد بمثله وهو لا يجدي في دفع الإلزام شيئا وهذا يدل على بطلان المقالتين وأما نحن فلنا في دفع هذا الإلزام عشرة مسالك وليس هذا موضع هذه المسألة وانما المقصود أن المعتزلة ألزمت نظير ما ألزموهم به ومنها إلزام التعطيل للشرائع جملة وقد تقدم بيانه قريبا حيث بينا أن متعلق الأمر والنهي إنما هو فعل العبد الاختياري فإذا بطل أن يكون له فعل اختياري بطل متعلق الأمر والنهي فلزمه بطلان الأمر والنهي لأن وجوده بدون متعلقه محال إلى سائر تلك اللوازم التي أسلفناها قبل فلا نطيل بإعادتها قالوا أما نحن فلا يلزمنا شيء من هذه اللوازم من الطرفين فانا لم نسلك واحدا من الطريقين فلا سبيل لأحدى الطائفتين إلي إلزامنا بلازم واحد باطل ولله الحمد فمن رام ذلك فليبده فان قيل فمن أصلكم إثبات التعليل والحكمة في الخلق والأمر فما تصنعون(2\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "417",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14873",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بهذه اللوازم التي ألزمناها المعتزلة وماذا جوابكم عنها إذا وجهناها إليكم قيل لا ريب أنا نثبت لله ما أثبته لنفسه وشهدت به الفطر والعقول من الحكمة في خلقه وأمره ونقول أن كل ما خلقه وأمر به خلقه فيه حكمة بالغة وآيات باهرة لأجلها خلقه وأمر به ولكن لا نقول أن لله تعالى في خلقو وأمره كله حكمة مماثلة لما للمخلوق من ذلك ولا مشابهة له بل الفرق بين الحكمتين كالفرق ين الفعلين وكالفرق بين الوصفين والذاتين فليس كمثله شيء في وصفه ولا في فعله ولا في حكمة مطلوبة له من فعله بل الفرق بين الخالق والمخلوق في ذلك كله أعظم فرق وأبينه وأوضحه عند العقول والفطر وعلى هذا فجميع ما ألزمتموه لأصحاب الصلاح والأصلح بل وأضعافه وأضعاف أضعافه لله فيه حكمة يختص بها لا يشاركه فيها غيره ولأجلها حسن منه ذلك وقبح من المخلوق لانتفاء تلك الحكمة في حقه وهذا كما يحسن منه تعالى مدح نفسه والثناء على نفسه وان قبح من أكثر خلقه ذلك ويليق بجلاله الكبرياء والعظمة ويقبح من خلقه تعاطيهما كما روى عنه رسول الله الكبرياء ازاري والعظمة ردائي فمن نازعني واحدا منهما عذبته وكما يحسن منه إماتة خلقه وابتلاؤهم وامتحانهم بأنواع المحن ويقبح ذلك من خلقه وهذا أعظم من أن نذكر أمثلته فليس بين الله وبين خلقه جامع يوجب أن يحسن منه ما حسن منهم ويقبح منه ما قبح منهم وانما تتوجه تلك الالزامات إلى من قاس أفعال الله بأفعال عباده وأما من أثبت له حكمة تختص به لا تشبه ما للمخلوقين من الحكمة فهو عن تلك الالزامات بمعزل ومنزله منها أبعد منزل ونكتة الفرق أن بطلان الصلاح والأصلح لا يستلزم بطلان الحكمة والتعليل والله الموفق الوجه الثالث والستون قولكم أنتم فتحتم بهذه المسألة طريقا للاستغناء عن النبوات وسلطتم عليكم بها الفلاسفة والبراهمة والصابئة وكل منكر للنبوات فان هذه المسألة باب بيننا وبينهم فأنكم إذا زعمتم أن في العقل حاكما يحسن ويقبح ويوجب ويحرم ويتقاضى الثواب والعقاب لم تكن الحاجة إلي البعثة ضرورية لامكان الاستغناء عنها فهذا الحاكم إلى آخره قال المثبتون هذا كلام هائل وهو عند التحقيق باطل لو أنصف مورده لعلم انا وهو كما قال الأول رمتني بدائها وانسلت وقد بينا أن النفاة سدوا على أنفسهم طريق إثبات النبوة بإنكارهم هذه المسألة وقالوا انه يحسن من الله كل شيء حتى إظهار المعجزة على يد الكاذب ولا فرق بالنسبة إليه بين إظهارها على يد الصادق ويد الكاذب وليس في العقل ما يدل على استحالة هذا وجواز هذا وتوقف معرفته على السمع لا سيما إذا انضم إلى ذلك إنكار كون العبد فاعلا مختارا البتة فان ذلك يسد الباب جملة لأن متعلق الأمر والنهي إنما هو أفعال العباد الاختيارية فمن لا فعل له ولا اختيار أصلا فكيف يعقل أن يكون مأمورا منهيا وقد تقدم حديث الافحام وعجزكم(2\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "418",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14874",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عن الجواب عنه قالوا وأما نحن فانا سهلنا بذلك الطريق إلي إثبات النبوات بل لا يمكن إثباتها إلا بالاعتراف بهذه المسالة فانه إذا ثبت أن من الأفعال حسنا ومنها قبيحا وأن إظهار المعجزة على يد الكاذب قبيح وأن الله يتعالى ويتقدس عن فعل القبائح علمنا بذلك صحة نبوة من اظهر الله على يديه الآيات والمعجزات وأما أنتم فأنكم لا يمكنكم العلم بذلك قالوا وكذلك نحن قلنا أن العبد فاعل مختار لفعله وأوامر الشرع ونواهيه متوجهة إلي مجرد فعله الاختياري القائم به وهو متعلق الثواب والعقاب وأما أنتم فلا يمكنكم ذلك لأن تلك الأفعال عندكم هي فعل الله في العبد لاصنع للعبد فيها أصلا فكيف يتوجه أمر الشرع ونهيه إلي غير فاعل بل يؤمر وينهى بما لا قدرة له عليه البتة بل بفعل غيره قالوا فليتدبر المنصف هذا المقام فانه يتبين له أنه سد على نفسه طريق النبوات وفتح باب الاستغناء عنها قالوا وأيضا فان الله سبحانه فطر عباده على الفرق بين الحسن والقبيح وركب في عقولهم إدراك ذلك والتمييز بين النوعين كما فطرهم على الفرق بين النافع والضار والملائم لهم والمنافر وركب في حواسهم إدراك ذلك والتمييز بين أنواعه والفطرة الأولى هي خاصة الإنسان التي تميز بها عن غيره من الحيوانات وأما الفطرة الثانية فمشتركة بين أصناف الحيوان وحجة الله عليه إنما تقوم بواسطة الفطرة الأولى ولهذا اختص من بين سائر الحيوانات بإرسال الرسل إليه وبالأمر والنهي والثواب والعقاب فجعل سبحانه في عقله ما يفرق بين الحسن والقبح وما ينبغي إيثاره وما ينبغي اجتنابه ثم أقام عليه حجته برسالته بواسطة هذا الحاكم الذي يتمكن به من العلم بالرسالة وحسن الإرسال وحسن ما تضمنه من الأمور وقبح ما نهى عنه فانه لولا ما ركب في عقله من إدراك ذلك لما أمكنه معرفة حسن الرسالة وحسن المأمور وقبح المحظور ولهذا قلنا أن من أنكر الحسن والقبح العقليين لزمه إنكار الحسن والقبح للشريعة وان زعم أنه مقربه فان أخبار الشرع عن العقل بأنه حسن أو قبيح مطابق لكونه في نفسه كذلك فإذا كان في نفسه ليس بحسن ولا قبيح فان هذا الخبر لا مخبر له إلا مجرد تعلق افعل أو لا تفعل به وهذا التعليق عندكم جائز أن يكون بخلاف ما هو به وان يتعلق الطلب بالمنهي عنه والنهي بالمأمور به والتعلق لم يجعله حسنا ولا قبيحا بل غايته أن جعل الفعل مأمورا منهيا فعاد الحسن والقبح إلي مجرد كونه مأمورا منهيا ولا فرق عندكم بالنظر إلي ذات الفعل بين النوعين بل ما كان مأمورا يجوز أن يقع منهيا وبالعكس فلم يكشف الأمر والنهي صفة حسن ولا قبح أصلا فلا حسن ولا قبح إذا عقلا ولا شرعا وانما هو تعلق الطلب بالفعل والترك وهذا مما لاخلاص منه إلا بالقول بأن للأفعال خواص وصفات عليها في أنفسها اقتضت أن يؤمر بحسنها وينهى عن سيئها ويخبر عن حسنها بما هو عليه ويخبر غيره بقبحها مما نكون عليه(2\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "419",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14875",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيكون للخبر مخبر ثابت في نفسه والأمر والنهي متعلق ثابت في نفسه قالوا فعلمه من العقل محسن الحسن وقبح القبيح ثم علمه بأن ما أمرت به الرسل هو الحسن وما نهت عنه هو القبيح طريق إلي تصديق الرسل وأنهم جاؤا بالحق من عند الله ولهذا قال بعض الأعراب وقد سئل بماذا عرفت أن محمدا رسول الله فقال ما أمر بشيء فقال العقل ليته نهى عنه ولا نهى عن شيء فقال العقل ليته أمر به أفلا ترى هذا الأعرابي كيف جعل مطابقة الحسن والقبح الذي ركب الله في العقل ادراكه لما جاء به الرسول شاهدا على صحة رسالته وعلما عليها ولم يقل أن ذلك يقبح طريق الاستغناء عن النبوة بحاكم العقل قالوا أيضا فهذا إنما يلزم أن لو قيل بأن ما جاءت به الرسل ثابت في العقل إدراكه مفصلا قبل البعثة فحينئذ يقال هذا يفتح باب الاستغناء عن الرسالة ومعلوم أن إثبات الحسن والقبح العقليين لا يستلزم هذا ولا يدل عليه بل غاية العقل أن يدرك بالإجمال حسن ما أتى الشرع بتفضيله أو قبحه فيدركه العقل جملة ويأتي الشرع بتفصيله وهذا كما أن العقل يدرك حسن العدل وأما كون هذا الفعل المعين عدلا أو ظلما فهذا مما يعجز العقل عن إدراكه في كل فعل وعقد وكذلك يعجز عن إدراك حسن كل فعل وقبح وان تأتي الشرائع بتفصيل ذلك وتبينه وما أدركه العقل الصريح من ذلك أتت الشرائع بتقريره وما كان حسنا في وقت قبيحا في وقت ولم يهتد العقل لوقت حسنه من وقت قبحه أتت الشرائع بالأمر به في وقت حسنه وبالنهي عنه في وقت قبحه وكذلك الفعل يكون مشتملا على مصلحة ومفسدة ولا تعلم العقول مفسدته أرجح أم مصلحته فيتوقف العقل في ذلك فتأتي الشرائع ببيان ذلك وتأمر براجح المصلحة وتنهى عن راجح المفسدة وكذلك الفعل يكون مصلحة لشخص مفسدة لغيره والعقل لا يدرك ذلك فتأتي الشرائع ببيانه فتأمر به من هو مصلحة له وتنهى عنه من حيث هو مفسدة في حقه وكذلك الفعل يكون مفسدة في الظاهر وفي ضمنه مصلحة عظيمة لا يهتدي إليها العقل فلا يعلم إلا بالشرع كالجهاد والقتل في الله ويكون في الظاهر مصلحة وفي ضمنه مفسدة عظيمة لا يهتدي إليها العقل فتجيء الشرائع ببيان ما في ضمنه من المصلحة والمفسدة الراجحة هذا مع أن ما يعجز العقل عن إدراكه من حسن الأفعال وقبحها ليس بدون ما تدركه من ذلك فالحاجة إلي الرسل ضرورية بل هي فوق كل حاجة فليس العالم إلي شيء أحوج منهم إلي المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين ولهذا يذكر سبحانه عباده نعمه عليهم برسوله ويعد ذلك عليهم من أعظم المنن منه لشدة حاجتهم إليه ولتوقف مصالحهم الجزئية والكلية عليه وأنه لاسعادة لهم ولا فلاح ولا قيام إلا بالرسل فإذا كان العقل قد أدرك حسن بعض الأفعال وقبحها فمن(2\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "420",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14876",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أين له معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته والآية التي تعرف بها الله إلي عباده على السنة رسله ومن أين له معرفة تفاصيل شرعه ودينه الذي شرعه لعباده ومن أين له تفاصيل مواقع محبته ورضاه وسخطه وكراهته ومن أين له معرفة تفاصيل ثوابه وعقابه وما أعد لأوليائه وما اعد لأعدائه ومقادير الثواب والعقاب وكيفيتهما ودرجاتهما ومن أين له معرفة الغيب الذي لم يظهر الله عليه أحدا من خلقه إلا من ارتضاه من رسله إلي غير ذلك مما جاءت به الرسل وبلغته عن الله وليس في العقل طريق إلي معرفته فكيف يكون معرفة حسن بعض الأفعال وقبحها بالعقل مغنيا عما جاءت به الرسل فظهر أن ما ذكرتموه مجرد تهويل مشحون بالأباطيل والحمد لله وقد ظهر بهذا القصور الفلاسفة في معرفة النبوات وأنهم لا علم عندهم بها إلا كعلم عوام الناس بما عندهم من ألعقليات بل علمهم بالنبوات وحقيقتها وعظم قدرها وما جاءت به اقل بكثير من علم العامة بعقلياتهم فهم عوام بالنسبة إليها كما أن من لم يعرف علومهم عوام بالنسبة إليهم فلولا النبوات لم يكن في العالم علم نافع البتة ولا عمل صالح ولا صلاح في معيشته ولا قوام لمملكة ولكان الناس بمنزلة البهائم والسباع العادية والكلاب الضارية التي يعدو بعضها على بعض وكل دين في العالم فمن آثار النبوة وكل شيء وقع في العالم أو سيقع فبسبب خفاء آثار النبوة ودروسها فالعالم حينئذ روحه النبوة ولا قيام للجسد بدون روحه ولهذا إذا تم انكساف شمس النبوة من العالم ولم يبق في الأرض شيء من أثارها البتة انشقت سماؤه وانتثرت كواكبه وكورت شمسه وخسفت قمره ونسفت جباله وزلزلت أرضه وأهلك من عليها فلا قيام للعالم إلا بأثار النبوة ولهذا كان كل موضع ظهرت فيه آثار النبوة فأهله أحسن حالا وأصلح بالا من الموضع الذي يخفى فيه آثارها وبالجملة فحاجة العالم إلي النبوة أعظم من حاجتهم إلي نور الشمس وأعظم من حاجتهم إلي الماء والهواء الذي لا حياة لهم بدونه  فصل وأما ما ذكره الفلاسفة من مقصود الشرائع وان ذلك لاستكمال النفس قوى العلم والعمل والشرائع ترد بتمهيد ما تقرر في العقل بتعبيره إلي آخره فهذا مقام يجب الاعتناء بشأنه وأن لا نضرب عنه صفحا فنقول للناس في المقصود بالشرائع والأوامر والنواهي أربعة طرق: أحدها طريق من يقول أن الفلاسفة وأتباعهم من المنتسبين إلي الملل أن المقصود بها تهذيب أخلاق النفوس وتعديلها لتستعد بذلك لقبول الحكمة العلمية والعملية ومنهم من يقول لتستعد بذلك لأن تكون محلا لانتقاش صور المعقولات فيها ففائدة ذلك عندهم كالفائدة(2\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "421",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14877",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحاصلة من صقل المرآة لتستعد لظهور الصور فيها وهؤلاء يجعلون الشرائع من جنس الأخلاق الفاضلة والسياسات العادلة ولهذا رام فلاسفة الإسلام الجمع بين الشريعة والفلسفة كما فعل ابن سينا والفارابي واضرابهما وآل بهم أن تكلموا في خوارق العادات والمعجزات على طريق الفلاسفة المشائين وجعلوا لها أسبابا ثلاثة أحدها القوى الفلكية والثاني القوى النفسية والثالث القوى الطبيعية وجعلوا جنس الخوارق جنسا واحدا وأدخلوا ما للسحرة وأرباب الرياضة والكهنة وغيرهم مع ما للأنبياء والرسل في ذلك وجعلوا سبب ذلك كله واحدا وان اختلفت بالغايات والنبي قصده الخير والساحر قصده الشر وهذا المذهب من افسد مذاهب العالم وأخبثها وهو مبني على إنكار الفاعل المختار وانه تعالى لا يعلم ألجزئيات ولا يقدر على تغيير العالم ولا يخلق شيئا بمشيئته وقدرته وعلى إنكار الجن والملائكة ومعاد الأجسام وبالجملة فهو مبني على الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وليس هذا موضوع الرد هنا على هؤلاء وكشف باطلهم وفضائحهم إذ المقصود ذكر طرق الناس في المقصود بالشرائع والعبادات وهذه الفرقة غاية ما عندها في العبادات والأخلاق والحكمة العلمية أنهم رأوا النفس لها شهوة وغضب بقوتها العملية ولها تصور وعلم بقوتها العلمية فقالوا كمال الشهوة في العفة وكمال الغضب في الحكم والشجاعة وكمال القوة النظرية بالعلم والتوسط في جميع ذلك بين طرفي الإفراط والتفريط هو العدل هذا غاية ما عند القوم من المقصود بالعبادات والشرائع وهو عندهم غاية كمال النفس وهو استكمال قويتها العلمية والعملية فاستكمال قوتها العلمية عندهم بانطباع صور المعلومات في النفس واستكمال قوتها العلمية بالعدل وهذا مع انه غاية ما عندهم من العلم والعمل وليس فيه بيان خاصية النفس التي لا كمال لها بدونه البتة وهو الذي خلقت له وأريد منها بل ما عرفه القوم لأنه لم يكن عندهم من معرفة متعلقة إلا نزر يسير غير مجد ولا محصل للمقصود وذلك معرفة الله بأسمائه وصفاته ومعرفة ما ينبغي لجلاله وما يتعالى ويتقدس عنه ومعرفة أمره ودينه والتمييز بين مواقع رضاه وسخطه واستفراغ الوسع في التقريب إليه وامتلاء القلب بمحبته بحيث يكون سلطان حبه قاهرا لكل محبة ولا سعادة للعبد في دنياه ولا أخراه إلا بذلك ولا كمال للروح بدون ذلك البتة وهذا هو الذي خلق له بل وأريد منه بل ولأجله خلقت السماوات والأرض واتخذت الجنة والنار كما سيأتي تقريره من أكثر من مائة وجه أن شاء الله ومعلوم أنه ليس عند القوم من هذا خبر بل هم في واد وأهل الشأن في واد وهذا هو الدين الذي الذي أجمعت الأنبياء عليه من أولهم إلي خاتمتهم كلهم جاء به وأخبر عن الله أنه دينه الذي رضيه لعباده وشرعه لهم وأمرهم به كما قال تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت وقال تعالى وما أرسلنا من قبلك رسولا إلا نوحي إليه أنه لا اله إلا أنا فاعبدون(2\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "422",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14878",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال تعالى ومن يبتع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وقال تعالى واسأل من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون وقال يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا أنى بما تعملون عليم وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون وقال تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين وقال تعالى فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوا وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين وقال تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون فالغاية الحميدة التي يحصل بها كمال بني آدم وسعادتهم ونجاحهم هي معرفة الله ومحبته وعبادته وحده لا شريك له وهي حقيقة قول العبد لا اله إلا الله وبها بعث الرسل ونزلت جميع الكتب ولا تصلح النفس ولا تزكو ولا تكمل إلا بذلك قال تعالى فويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة أي لا يؤتون ما تزكى به أنفسهم من التوحيد والأيمان ولهذا فسرها غير واحد من السلف بأن قالوا لا يأتون الزكاة لا يقولون لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأن يكون الله أحب إلى العبد من كل ما سواه هو اعظم وصية جاءت بها الرسل ودعوا إليها الأمم وسنبين أن شاء الله عن قريب بالبراهين الشافية أن النفس ليس لها نجاة ولا سعادة ولا كمال إلا بأن يكون الله وحده محبوبها ومعبودها لا أحب إليها منه ولا آثر عندها من مرضاته والتقرب إليه وأن النفس محتاجة بل مضطرة إليه حيث هو معبودها ومحبوبها وغاية مرادها أعظم من اضطرارها إليه من حيث هو ربها وخالقها وفاطرها ولهذا كان من آمن بالله خالقه ورازقه وربه ومليكه ولم يؤمن بأنه لا اله يعبد ويحب ويخشى ويخاف غيره بل أشرك معه في عبادته غيره فهو كافر به مشرك شركا لا يغفره الله له كما قال تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به وقال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله فأخبر أن من أحب شيئا سوى الله مثل ما يحب الله فقد اتخذ من دون الله أندادا ولهذا يقول أهل النار لمعبوداتهم وهم معهم فيها تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين وهذه التسوية إنما كانت في الحب والتأله لا في الخلق والقدرة والربوبية وهي العدل الذي أخبر به عن الكفار بقوله والحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون وأصح القولين أن المعنى ثم الذين كفروا بربهم يعدلون فيجعلون له عدلا يحبونه ويعبدونه ويعبدونه كما يحبون الله ويعبدونه فما ذكر الفلاسفة من الحكمة العملية والعلمية ليس فيها من العلوم والأعمال ما تستعد به النفوس وتنجو به من العذاب فليس في(2\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "423",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14879",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حكمتهم العلمية إيمان بالله ولا ملائكته ولا كتبه ولا لقائه رسله وليس في حكمتهم العلمية عبادته وحده ولا شريك له واتباع مرضاته واجتناب مساخطه ومعلوم أن النفس لا سعادة لها ولا فلاح إلا بذلك فليس من حكمتهم العلمية والعملية ما تسعد به النفوس وتفوز ولهذا لم يكونوا داخلين في الأمم السعداء في الآخرة وهم الأمم الأربعة المذكورون في قوله تعالى أن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون  فصل وهذه الكمالات الأربعة التي ذكرها الفلاسفة للنفس لا بد منها في كما لها وصلاحها ولكن قصروا غاية التقصير في أنهم لم يبينوا متعلقها ولم يحدوا لها حدا فاصلا بين ما تحصل به السعادة وما لا تحصل به فانهم لم يذكروا متعلق العفة ولا عماذا تكون ولا مقدارها الذي إذا تجاوزه العبد وقع في الفجور وكذلك الحلم لم يذكروا مواقعه ومقداره وأين يحسن وأين يقبح وكذلك الشجاعة وكذلك العلم لم يميزوا العلم الذي تزكو به النفوس وتسعد من غيره بل لم يعرفوا أصلا وأما الرسل صلاة الله وسلامه عليهم فبينوا ذلك غاية البيان وفصلوه أحسن تفصيل وقد جمع الله ذلك في كتابه في آية واحدة فقال قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون فهذه الأنواع الأربعة التي حرمها تحريما مطلقا لم يبح منها شيئا لأحد من الخلق ولا في حال من الأحوال بخلاف الميتة والدم ولحم الخنزير فأنها تحرم في حال وتباح في حال وأما هذه الأربعة فهي محرمة فالفواحش متعلقة بالشهوة وتعديل قوة الشهوة باجتنابها والبغي بغير الحق متعلق بالغضب وتعديل القوة الغضبية باجتنابه والشرك بالله ظلم عظيم بل هو الظلم على الإطلاق وهو مناف للعدل والعلم وقوله وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا متضمن تحريم أصل الظلم في حق الله وذلك يستلزم إيجاب العدل في حقه وهو عبادته وحده لا شريك له فان النفس لها القوتان العلمية والعملية وعمل الإنسان عمل اختياري تابع لارادة العبد وكل إرادة فلها مراد وكمال هو أما مراد لنفسه واما مراد لغيره ينتهي إلي المراد لنفسه ولا بد فالقوة العملية تستلزم أن يكون للنفس مراد تستكمل بإرادته فان كان ذلك المراد مضمحلا فانيا زالت الإرادة بزواله ولم يكن للنفس مراد غيره قفاتها أعظم سعادتها وفلاحها فيجب إذا أن يكون مرادها الذي تستكمل بإرادته وحبه وإيثاره باقيا لا يفنى ولا يزول وليس ذلك إلا الله وحده وسنذكر أن شاء الله عن قريب معنى تعلق الإرادة به تعالى وكونه مرادا والعبد مريد له فان هذا مما أشكل على بعض(2\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "424",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14880",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المتكلمين حيث قالوا أن الإرادة لا تتعلق إلا بحادث وأما القديم فكيف يكون مرادا وخفى عليهم الفرق بين الإرادة الغائبة والإرادة الفاعلية وجعلوا الارادتين واحدة والمقصود أن هؤلاء الفلاسفة لم يذكروا هذا في كمال النفس وانما جعلوا كمالها في تعديل الشهوة والغضب والشهوة هي جلب ما ينفع البدن ويبقى النوغ والغضب دفع ما يضر البدن وما تعرضوا لمراد الروح المحبوب لذاته وجعلوا كمالها العلمي في مجرد العلم وغلطوا في ذلك من وجوه كثيرة منها أن ما ذكروه لا يعطي كمال النفس الذي خلقت له كما بيناه ومنها أن ما ذكروه في كمال القوة العملية إنما غايته إصلاح البدن الذي هو آلة النفس ولم يذكروا كمال النفس الإرادي والعمل بالمحبة والخوف والرجاء ومنها أن كمال النفس في العلم والإرادة لا في مجرد العلم فان مجرد العلم ليس بكمال للنفس ما لم تكن مريدة محبة لمن لا سعادة لها إلا بإرادته ومحبته فالعلم المجرد لا يعطي النفس كما لا ما لم تقترن به الإرادة والمحبة ومنها أن العلم لو كان كمالا بمجرده لم يكن ما عندهم من العلم كما لا للنفس فان غاية ما عندهم علوم رياضية صحيحة مصلحتها من جنس مصالح الصناعات وربما كانت الصناعات أصلح وأنفع من كثير منها واما علم طبيعي صحيح غايته معرفة العناصر وبعض خواصها وطبائعها ومعرفة بعض ما يتركب منها وما يستحيل من الموجبات إليها وبعض ما يقع في العالم من الآثار بامتزاجها واختلاطها وأي كمال للنفس في هذا وأي سعادة لها فيه واما علم الهي كله باطل لم يوفقوا في الإصابة الحق فيه مسألة واحدة ومنها أن كمال النفس وسعادتها المستفاد عن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ليس عندهم اليوم منه حس ولا خبر ولا عين ولا أثر فهم أبعد الناس من كمالات النفوس وسعاداتها وإذا عرف ذلك وأنه لا بد للنفس من مراد محبوب لذاته لا يصلح إلا به ولا يكمل إلا بحبه وإيثاره وقطع العلائق عن غيره وان ذلك هو النهاية وغاية مطلوبها ومرادها الذي إليه ينتهي الطلب فليس ذلك إلا الله الذي لا اله إلا هو قال تعالى أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وليس صلاح الإنسان وحده وسعادته إلا بذلك بل وكذلك الملائكة والجن وكل حي شاعر لاصلاح له إلا بأن يكون الله وحده ألهه ومعبوده وغاية مراده وسيمر بك أن شاء الله بسط القول في ذلك واقامة البراهين على هذا المطلوب الأعظم الذي هو غاية سعادة النفوس وأشرف مطالبها فلنرجع إلي ما كنا فيه من بيان طرق الناس في مقاصد العبادات الطريق الثاني طريق من يقول من المعتزلة ومن تابعهم أن الله سبحانه عرضهم بها للثواب واستأجرهم بتلك الأعمال للخير فعاوضهم عليها معاوضة قالوا والأنعام منه في الآخرة غير حسن لما فيه من تكرير منه العطاء ابتداء ولما فيه من الإخلال بالمدح والثناء والتعظيم الذي لا يستحق إلا بالتكليف ومنهم من يقول أن الواجبات الشرعية لطف في الواجبات(2\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "425",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14881",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العقلية ومنهم من يقول أن الغاية المقصودة التي يحصل بها الثواب هي العمل والعلم وسيلة إليه حتى ربما قالوا ذلك في معرفة الله تعالى وأنها إنما وجبت لأنها لطف في أداء الواجبات العملية وهذه الأقوال تصور العاقل اللبيب لها حق التصور كاف في جزمه ببطلانها رافع عنه مؤنة الرد عليها والوجوه الدالة على بطلانها أكثر من أن تذكر هاهنا الطريق الثالث طريق الجبرية ومن وافقهم أن الله سبحانه امتحن عباده بذلك وكلفهم لا لحكمة ولا لغاية مطلوبة له ولا بسبب من الأسباب فلا لام تعليل ولا باء سبب أن هو إلا محض المشيئة وصرف الإرادة كما قالوا في الخلق سواء وهؤلاء قابلوا من قبلهم من القدرية والمعتزلة أعظم مقابلة فهما طرفا نقيض لا يلتقيان والطريق الرابع طريق أهل العلم والأيمان الذين عقلوا عن الله أمره ودينه وعرفوا مراده بما أمرهم ونهاهم عنه وهي أن نفس معرفة الله ومحبته وطاعته والتقرب إليه وابتغاء الوسيلة إليه أمر مقصود لذاته وأن الله سبحانه يستحقه لذاته وهو سبحانه المحبوب لذاته الذي لا تصلح العبادة والمحبة والذل والخضوع والتأله إلا له فهو يستحق ذلك لأنه أهل أن يعبد ولو لم يخلق جنة ولا نارا ولو لم يضع ثوابا ولا عقابا كما جاء في بعض الآثار لو لم أخلق جنة ولا نارا أما كنت أهلا أن أعبد فهو سبحانه يستحق غاية الحب والطاعة والثناء والمجد والتعظيم لذاته ولما له من أوصاف الكمال ونعوت الجلال وحبه والرضى به وعنه والذل له والخضوع والتعبد هو غاية سعادة النفس وكمالها والنفس إذا فقدت ذلك كانت بمنزلة الجسد الذي فقد روحه وحياته والعين التي فقدت ضوءها ونورها بل أسوأ حالا من ذلك من وجهين: أحدهما أن غاية الجسد إذا فقد روحه أن يصير معطلا ميتا وكذلك العين تصير معطلة وأما النفس إذا فقدت كمالها المذكور فأنها تبقى معذبة متألمة وكلما اشتد حجابها اشتد عذابها وألمها وشاهد هذا ما يجده المحب الصادق المحبة من العذاب والألم عند احتجاب محبوبه عنه ولا سيما إذا يئس من قربه وحظى غيره بحبه ووصله هذا مع إمكان التعوض عنه بمحبوب آخر نظيره أو خير منه فكيف بروح فقدت محبوبها الحق الذي لم تخلق إلا لمحبته ولا كمال لها ولا صلاح أصلا إلا بأن يكون أحب إليها من كل ما سواه وهو محبوبها الذي لا تعوض منه سواه بوجه ما كما قال القائل: من كل شيء إذا ضيعته عوض ... وما من الله أن ضيعته عوض ولو لم يكن احتجابه سبحانه عن عبده أشد أنواع العذاب عليه لم يتوعد به أعداءه كما قال تعالى كلا انهم عن ربهم يؤمئذ لمحجوبون ثم انهم لصالو الجحيم فأخبر أن لهم عذابين أحدهما عذاب الحجاب عنه والثاني صلى الجحيم وأحد العذابين أشد من الآخر وهذا كما أنه سبحانه ينعم على أوليائه بنعيمين نعيم كشف الحجاب فينظرون إليه ونعيم الجنة وما فيها(2\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "426",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14882",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأحد النعيمين أحب إليهم من الآخر وآثر عندهم وأقر لعيونهم كما في الصحيح عنه أنه قال إذا دخل أهل الجنة نادى مناديا أهل الجنة أن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه وفي حديث غير هذا أنهم إذا نظروا إلي ربهم تبارك وتعالى أنساهم لذة النظر إليه ما هم فيه من النعيم والوجه الثاني أن البدن والأعضاء آلات للنفس ورعية للقلب وخدم له فإذا فقد بعضهم كماله الذي خلق له كان بمنزلة هلاك بعض جند الملك ورعيته وتعطل بعض آلاته وقد لا يلحق الملك من ذلك ضرر أصلا وأما إذا فقد القلب كماله الذي خلق له وحياته ونعيمه كان بمنزلة هلاك الملك وأسره وذهاب ملكه من يديه وصيرورته أسيرا في أيدي أعاديه فهكذا الروح إذا عدمت كمالها وصلاحها في معرفة فاطرها وبارئها وكونه أحب شيء إليها رضاه وابتغاء الوسيلة إليه آثر شيء عندها حتى يكون اهتمامها بمحبته ومرضاته اهتمام المحب التام المحبة بمرضاة محبوبه الذي لا يجد منه عوضا كانت بمنزلة الملك الذي ذهب منه ملكه وأصبح أسيرا في يدي أعاديه يسومونه سوء العذاب وهذا الألم كامن في النفس لكن يستره ستر الشهوات ويواريه حجاب الغفلة حتى إذا كشف الغطاء وحيل بين العبد وبين ما يشتهى وجد حقيقة ذلك الألم وذاق طعمه وتجرد ألمه عما يحجبه ويواريه وهذا أمر يدرك بالعيان والتجربة في هذه الدار تكون الأسباب المؤلمة للروح والبدن موجودة مقتضية لآثارها ولكن يقوم للقلب من فرحه بحظ ناله من مال أو جاه أو وصال حبيب ما يوارى عنه شهود الألم وربما لا يشعر به أصلا فإذا زال المعارض ذاق طعم الألم ووجد مسه ومن اعتبر أحوال نفسه وغيره علم ذلك فإذا كان هذا في هذه الدار فما الظن عند المفارقة والفطام عن الدنيا والانتقال إلي الله والمصير إليه فليتأمل العاقل الفطن الناصح لنفسه هذا الموضع حق التأمل وليشغل به كل أفكاره فان فهمه وعقله واستمر إعراضه فما تبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه وان لم يفهمه لغلظ حجابه وكثافة طبعه فيكفيه الأيمان بما أعد الله تعالى في الجنة لأهلها من نعم الأكل والشرب والنكاح والمناظر المبهجة وما أعد في النار لأهلها من السلاسل والأغلال والحميم ومقطعات الثياب من النار ونحو ذلك والمقصود بيان أن الحاجة إلي الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ضرورية بل هي في أعلى مراتب الضرورة وليست نظرا لحاجتهم إلي الحاجة وأسبابها بل هي أعظم من ذلك وأما ما ذكر عن الصابئة من الاستغناء عن النبوة فهذا ليس مذهبا لجميعهم بل فيهم سعيد وشقي كما قال تعالى إن الذين(2\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "427",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14883",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون فأدخل المؤمنين من الصابئين في أهل السعادة ولم ينالوا ذلك إلا بالإيمان بالرسل ولكن منهم من أنكر النبوات وعبد الكواكب وهم فرق كثيرة ليس هذا موضع ذكرهم فأما قولهم أن الموجودات في العالم السفلى مركبة في تأثير الكواكب والروحانيات وفي اتصالها سعود ونحوس يوجب أن يكون في آثارها حسن وقبح في الأخلاق والأعمال يدركه كل ذي عقل سليم فلا حاجة لنا إلي من يعرفنا حسنها وقبحها إلي آخر كلامهم فكلام من هو أجهل الناس وأضلهم وأبعدهم عن الإنسانية وقائل هذه المقالة مناد على نفسه أنه لم يعرف فاطره فاطر السموات والأرض ولا صفاته ولا أفعاله بل ولا عرف نفسه التي بين جنبيه ولا ما يسعدها ويشقيها ولا غايتها ولا لماذا خلقت ولا بماذا تكمل وتصلح وبماذا تفسد وتهلك بل هو أجهل الناس بنفسه وبفاطرها وبارئها وهل يتمكن العقل بعد معرفة النفس ومعرفة فاطرها ومبدعها أن يجحد النبوة أو يجوز على الله وعلى حكمته أن يترك النوع البشري الذي هو خلاصة المخلوقات سدى ويدعهم عملا معطلا ويخلقهم عبثا باطلا ومن جوز ذلك على الله سبحانه فما قدره حق قدره بل ولا عرفه ولا آمن به قال تعالى وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء فأخبر تعالى أن من جحد رسالاته فما قدره حق قدره ولا عرفه ولا عظمه ولا نزهه عما لا يليق به تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ثم يقال لهذه الطائفة بماذا عرفتم أن الموجودات بالعالم السفلي كلها مركبة على تأثير الكواكب والروحانيات وهل هذا إلا كذب بحت وبهت فهب أن بعض الآثار المشاهدة مسبب عن تأثير بعض الكواكب والعلويات كما يشاهد من تأثير الشمس والقمر في الحيوان والنبات وغيرهما فمن أين لكم أن جميع أجزاء العالم السفلي صادر عن تأثير الكواكب والروحانيات وهل هذا إلا كذب وجهل فهذا العالم فيه من التغير والاستحالة والكون والفساد مالا يمكن إضافته إلي كوكب ولا يتصور وقوعه إلا بمشيئة فاعل مختار قادر مؤثر في الكواكب والروحانيات مسخر لها بقدرته مدبر لها بمشيئة كما تشهد عليها أحوالها وهيآتها وتسخيرها وانقيادها أنها مدبرة مربوبة مسخرة بأمر قادر قاهر يصرفها كيف يشاء ويدبرها كما يريد ليس لها من الأمر شيء ولا يمكن أن تتصرف في أنفسها بذرة فضلا أن تعطى العلام وجوده فلو أرادت حركة غير حركتها أو مكانا غير مكانها أو هيئة أو حالا غير ما هي عليه لم تجد إلي ذلك سبيلا فكيف تكون ربا لكل ما تحتها مع كونها عاجزة مصرفة مقهورة مسخرة آثار الفقر مسطورة في صفحاتها وآيات العبودية والتسخير(2\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "428",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14884",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بادية عليها فبأي اعتبار نظر إليها العاقل رأى آثار الفقر وشواهد الحدوث وأدلة التسخير والتصريف فيها فهي خلق من ليس كمثله شيء وآيات من آياته عبيد مسخرات بأمره الإله الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين وأما قولهم أن في اتصالات الكواكب نظر سعود ونحوس مما أضحكوا به العقلاء عليهم من جميع الأمم ونادوا به على جهلهم وصاروا به مركزا لكل كذاب وكل أفاك وكل زنديق وكل مفرط في الجهل بالنبوات وما جاءت به الرسل بالحقائق العقلية والبراهين اليقينية وسنريك طرفا من جهالاتهم وكذبهم وتناقضهم وبطلان مقالتهم ليعرف اللبيب نعمة الله عليه في عقله ودينه فيقال لهم المؤثر في هذه السعود والنحوس هل هو الكوكب وحده والبرج وحده أو الكوكب بشرط حصوله في البرج والكل محال أما الأول والثاني فانهما يوجبان دوام الأثر لكون المؤثر دائم الثبوت والثالث أيضا محال لأنه لما اختلف أثر الكوكب بسبب اختلاف البرجين لزم أن تكون طبيعة كل برج مخالفة بالماهية لطبيعة البرج الثاني إذ لو لم يكن كذلك كانت طبائع جميع البروج متساوية في تمام الماهية فوجب أن يكون أثر الكوكب في جميع البروج أثرا واحدا لأن الأشياء المتساوية في تمام الماهية يمتنع أن تلزمها لوازم مختلفة ولما كانت آثار كل كوكب واجبة الاختلاف بسبب اختلاف البروج لزم القطع بكون البروج مختلفة في الطبيعة والماهية وهذا يقتضي كون الفلك مركبا لا بسيطا وقد قلتم أنتم وجميع الفلاسفة أن الفلك بسيط لا تركيب فيه ومن العجب جواب بعض الأحكاميين عن هذا بان الكواكب حيوانات ناطقة فاعلة بالقصد والاختيار فلذلك تصدر عنها الأفعال المختلفة وهذا مكابرة من هؤلاء ظاهرة فان دلائل التسخير والاضطرار عليها من لزومها حركة لا سبيل لها إلي الخروج عنها ولزومها موضعا من الفلك لا تتمكن من الانتقال عنه واطراد سيرها على وجه مخصوص لا تفارقه البتة أبين دليل على أنها مسخرة مقهورة على حركاتها محركة بتحريك قاهر لا متحركة بإرادتها واختيارها كما قال تعالى والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ثم يقال لا ينفعكم هذا الجواب شيئا فان طبائع البروج أن كانت متساوية في تمام الماهية كان اختصاص كل برج بأثره الخاص ترجيحا لأحد طرفي الممكن على الآخر بلا مرجح وان لم تكن متساوية لزم تركيب الفلك ومما أضحكتم به العقلاء منكم أنكم جعلتموها أجساما ناطقة فاعلة بالاختيار ونفيتم أن يكون فاطرها ومبدعها حيا قيوما فاعلا بالاختيار وهذه الحوادث مستندة إلي مشيئته واختياره جارية على وفق حكمته وعلمه مع كون هذه الكواكب عبيده وخلق مسخر بأمره ولا تملك لأنفسها ولا لما تحتها ضرا ولا نفعا ولا سعدا ولا نحسا كما قاله العقلاء من بني آدم واتفقت عليه الرسل وأتباعهم فان قيل لا نسلم أن الفلك بسيط بل هو مركب من هذه(2\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "429",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14885",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "البروج وطبيعة كل برج مخالفة لطبيعة البرج الآخر بل طبيعة كل دقيقة وثانية مخالفة لطبيعة الدقيقة الأخرى والثانية الأخرى ولا يتم علم الأحكام إلا بهذا قيل قولكم بأنه قديم أبدى غير قابل للكون والفساد ولا يقبل الانحلال ولا الخرق ولا الالتئام مع كون طبيعة كل جزء منه صغيرا أو كبيرا مخالفة لطبيعة الجزء الآخر كما صرح به أبو معشر جمع بين النقيضين فانه إذا كان مركبا من أجزاء مختلفة الماهية لم يمتنع انحلاله وانفطاره وانشقاقه فكيف جمعتم بين تكذيب الرسل في الأخبار عن انقطاعه وانشقاقه وانحلاله وبين دعواكم تركبه من ماهيات مختلفة في نفسها غير ممتنع على المركب منها الانحلال له والانفطار فلا للرسل صدقتم ولا مع وجوب العقل وقفتم بل أنتم من أهل هذه الآية وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فان قيل لم لا يجوز أن يقال أن كل برج من البروج الاثنى عشر قد ارتسمت فيه كواكب صغيرة بلغت في الصغر إلي حيث لا يمكننا أن نحس بها ثم أن الكواكب إذا وقع في مسامتة برج خاص امتزج نور ذلك الكوكب بأنوار تلك الكواكب الصغار المرتسمة في تلك القطعة في الفلك فيحصل بهذا السبب آثار مخصوصة وإذا كان هذا محتملا ولم يبطل بالدليل ثبوته تعين المصير إليه قيل طبائع تلك الكواكب أن كانت مختلفة بالماهية عاد المحذور المذكور وان كانت واحدة لم يكن ذلك الامتزاج متشابها فلا يتصور صور الآثار المتضادة المختلفة عنه الوجه الثاني في الكلام على بطلان علم الأحكام أن معرفة جميع المؤثرات الفلكية ممتنعة وإذا كان كذلك امتنع الاستدلال بالأحوال الفلكية على حدوث الحوادث السفلية وانما قلنا أن معرفة جميع المؤثرات الفلكية ممتنعة لوجوه أحدها أنه لا سبيل إلي معرفة الكواكب إلا بواسطة القوى الباصرة والمرئي إذا كان صغيرا أو في غاية البعد من الرائي فانه يتعذر رؤيته لذلك فان أصغر الكواكب التي في فلك الثوابت وهو الذي تمتحن به قوة البصر مثل كرة الأرض بضعة عشر مرة وكرة الأرض اعظم من كرة عطارد كذا مرة فلو قدرنا أنه حصل في الفلك الأعظم كواكب كثيرة يكون حجم كل واحد منها مساويا لحجم عطارد فانه لا شك أن البصر لا يقوى على إدراكه فيثبت أنه لا يلزم من عدم إبصارنا شيئا من الكواكب في الفلك الأعظم عدم تلك الكواكب وإذا كان كذلك فاحتمال أن في الفلك الأعظم وفي فلك الثوابت وفي سائر الأفلاك كواكب صغيرة وان كنا لا نحس بها ولا نراها يوجب امتناع معرفة جميع المؤثرات الفلكية فان قلتم أنها لما كانت صغيرة وآثارها ضعيفة لم تصل آثارها وقواها إلي هذا العالم قيل لكم صغر الجنة لا يوجب ضعف الأثر فان عطارد أصغر الأجرام الفلكية جرما عندكم مع أن آثاره قوية وأيضا فالرأس والذنب نقطتان وهميتان واما أنتم فقد أثبتم لهما آثارا وأيضا السهام مثل سهم السعادة وسهم الغيب نقط(2\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "430",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14886",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهمية ولها عندكم آثار قوية الوجه الثاني مما يدل على أن معرفة جميع المؤثرات الفلكية غير معلوم أن الكواكب المرئية غير مرصودة بأسرها فأنكم أنتم وغيركم قد قلتم أن المجرة عبارة عن أجرام كوكبية صغيرة جدا مرتكزة في فلك الثوابت على هذا السمت المخصوص ولا ريب أن الوقوف على طبائعها متعذرة وثالثها أن جميع الكواكب الثابتة المحسوسة لم يحصل الوقوف التام على طبائعها لأن كلام الأحكاميين قيل الحاصل لا سيما في طبائع الثوابت نعم غاية ما عندهم أنهم ادعوا أنهم كشفوا بعض الثوابت التي في الفلك الأول والثاني فأما البقية فقلما تكلموا في معرفة طبائعها ورابعها أن بتقدير أنهم عرفوا طبائع هذه الكواكب حال بساطتها لكن لا شبهة أنه لا يمكن الوقوف على طبائعها حال امتزاج بعضها بالبعض لأن الامتزاجات الحاصلة من طبائع ألف كوكب أو أكثر بحسب الأجزاء الفلكية يبلغ في الكثرة إلي حيث لا يقدر العقل على ضبطها وخامسها آلات الرصد لا تفي بضبط الثواني والثوالث ولا شك أن الثانية الواحدة مثل الأرض كذا كذا ألف مرة أو أقل أو أكثر ومع هذا التفاوت العظيم كيف يمكن الوصول إلي الغرض حيث قيل أن الإنسان الشديد الجري بين رفعه رجله ووضعه الأخرى يتحرك جرم الفلك الأقصى ثلاثة آلاف ميل وإذا كان الأمر كذلك فكيف ضبط هذه المؤثرات وسادسها هب أنا عرفنا تلك الامتزاجات الحاصلة في ذلك الوقت فلا ريب أنه لا يمكننا معرفة الامتزاجات التي كانت حاصلة قبله مع أنا نعلم قطعا أن الأشكال السالفة ربما كانت عائقة ومانعة عن مقتضيات الأشكال الحاصلة في الحال ولا ريب أنا نشاهد أشخاصا كثيرة من النبات والحيوان والإنسان مقارنة لطالع واحد مع أن كل واحد منها مخالف للآخر في أكثر الأمور وذلك أن الأحوال السالفة في حق كل تكون مخالفة للأحوال السالفة في حق الآخر وذلك يدل أنه لا اعتماد على مقتضى الوقت بل لا بد من الإحاطة بالطوالع السالفة وذلك مما لا وقوف عليه أصلا فانه ربما كانت الطوالع السالفة دافعة مقتضيات هذا الطالع الحاضر وعلى هذا الوجه عول ابن سينا في كتابيه اللذين سماهما الشفا والنجاه في إبطال هذا العلم فثبت بهذا أن الوقوف التام على المؤثرات جميعها ممتنع مستحيل وإذا كان الأمر كذلك كان الاستدلال بالأشخاص الفلكية على الأحوال السفلية باطلا قطعا الوجه الثالث أن تأثير الكواكب فيما ذكرتم من السعد والنحس أما بالنظر في مفرده واما بالنظر إلي انضمامه إلى غيره فمتى لم يحط المنجم بهاتين الحالتين لم يصح منه أن يحكم له بتأثير ولم يحصل إلا على تعارض التقدير ومن المعلوم أن في فلك البروج كواكب شذت عن الرصد معرفة أقدراها وأعدادها ولم يعرف الأحكاميون ما يوجبه خواص مجموعاتها وأفرادها فخرج الفريقان(2\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "431",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14887",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصحاب الرصد والأحكام عن الإحاطة بما في طباعها وما عسى أن تؤثره مع السيارة عند انفرادها واجتماعها فما الذي يؤمنكم كلكم عند وقوع نجم من تلك النجوم المجهولة على درجة الطالع أن يكون موجبا من الحكم ما لا يوجبه النظر بدونه الوجه الرابع أن تأثير الكواكب يختلف باختلاف أقدارها فما كان من القدر الأول أثر بوقوعه على الدرجة وان لم تضبط الدقيقة وما كان من القدر الأخير لم يؤثر إلا بضبط الدقيقة ولا ريب أن الجهالة بتلك الكواكب ومقاديرها يوجب كذب الأحكام النجومية وبطلانها الوجه الخامس أنها لو كان لها تأثير كما يزعمون لم يخل أما أن تكون فيه مختارة مريدة أو غير مختارة ولا مريدة وكلاهما محال أما الأول فلانه يوجب جرى الأحكام على وفق اختيارها وارادتها ولم يتوقف على اتصالاتها وانفصالاتها ومفارقتها ومقارنتها وهبوطها بها في حضيضها وارتفاعها في أوجها كما هو المعروف من الفاعل بالاختيار ولا سيما الأجرام العلوية المؤثرة في سائر السفليات ولاختلفت آثارها أيضا عند هذه الأمور بحسب الدواعي والارادات ولامكنها أن تسعد من أراد أنه ينحسه وتنحس من أراد أنه يسعده كما هو شأن الفاعل المختار وان لم تكن مختارة ومريده فتأثيرها بحسب الذات والطبع وما كان هكذا لم يختلف أثره إلا باختلاف القوابل والمعدات وعندكم أن في اختلاف تلك القوابل والمعدات مستند إلى تأثيرها فأي محال أبلغ من هذا وهل هذا إلا دور ممتنع في بداية العقول الوجه السادس أن هذا العلم مشتمل على أصول يشهد صريح العقل بفسادها وهي وان كانت في الكثرة إلي حيث لا يمكن ذكرها فنحن نعد بعضها فالأول من المعلوم بالضرورة أنه ليس في السماء حمل ولا ثور ولا حية ولا عقرب ولا كلب ولا ثعلب إلا أن المتقدمين لما قسموا الفك إلي أثني عشر قسما أرادوا أن يميزوا كل قسم منها بعلامة مخصوصة شبهوا الكواكب المذكورة في تلك القطعة المعينة بصورة حيوان مخصوص تشبيها بعيدا جدا ثم أن هؤلاء الاحكاميين فرعوا على هذه الأسماء تفريعات طويلة فرعوا أن الصور السفلية مطيعة للصور العلوية فالعقارب مطيعة لصور العقرب والأفاعي مطيعة لصور التنين وكذا القول في الأسد والسنبلة ومن عرف كيف وضعت هذه الأسماء ثم سمع قول هؤلاء الأحكاميين ضحك منهم وتبين له فرط جهلهم وكذبهم الثاني أن هؤلاء لما عجزوا عن معرفة طالع القرآن أقاموا طالع السنة مقام القرآن ومعلوم أن هذا في غاية الفساد الثالث أنهم اختلفوا اختلافا شديدا في الواحدة من مسائل هذا العلم فان أقوالهم في حدود الكواكب كثيرة مختلفة وليس مع أحد منهم شبهة ولا خيال فضلا عن حجة واستدلال ثم أن كثيرا منهم من غير حجة ولا دليل ربما أخذوا واحدا من تلك الأقوال من غير بصيرة بل بمجرد التشهي مثل(2\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "432",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14888",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أخذهم في ذلك بحدود الضربين وذلك من أدل الدلائل على فساد هذا العلم الرابع أن أقوالهم متناقضة فان منهم من يقول كون زحل في بيت المال دليل الفقر ومنهم من يقول يدل على وجدان كنز الخامس أن هذا العلم مع أنه تقليد محض فليس أيضا تقليدا منتظما لأن لكل قوم فيه مذهبا ولكل طائفة فيه مقالة فللبابليين فيه مذهب وللفرس مذهب آخر وللهند مذهب وللصين مذهب رابع والأقوال إذا تعارضت وتعذر الترجيح كان دليلا على فسادها وبطلانها وسيأتي أن شاء الله بسط هذه الوجوه أكثر من هذا الوجه السابع مما يدل على بطلان القول بالأحكام أن الطالع عندهم هو الشكل الخصوص الحاصل للفلك عند انفصال الولد من رحم أمه وإذا ثبت هذا فنقول الاستدلال بحصول ذلك الشكل على جميع الأحوال الكلية التي تحصل لهذا الولد إلي آخر عمره استدلال باطل قطعا ويدل عليه وجوه: أحدها أن ذلك الشكل كما حدث في تلك اللحظة فانه يفنى ويزول ويحدث شكل آخر فذلك الشكل المعين معد في جميع أجزاء عمر هذا الإنسان والمعدوم لا يكون علة للموجود ولا جزء من أجزاء العلة وإذا كان كذلك امتنع الاستدلال بذلك الشكل منهما على الأحوال التي تحدث في جميع أجزاء العمر الثاني أنه لا مشابهة بين ذلك الشكل المخصوص وبين هذا الإنسان الذي انفصل من بطن الأم إلا في أمر واحد وهو أن كل واحد ظهر بعد الخفاء وهو بمجرد ذلك لا يوجب ارتباط ذلك الشكل المخصوص للفلك بسائر أحوال هذا الإنسان البتة فمدعى ذلك فاسد العقل والنظر الثالث أنه عند حدوث ذلك الطالع حدثت أنواع من الحيوانات وأنواع من النبات وأنواع من الجمادات فلو كان ذلك يوجب آثارا مخصوصة لوجب اشتراك كل الأشياء التي حدثت في عالمنا هذا في ذلك الوقت في تلك الآثار وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن القول بتأثير الطالع باطل الرابع هب أن الطالع له أثر إلا أن الواجب أن يقال الطالع المعتبر هو طالع مسقط النطفة لا طالع الولادة وذلك لأن عند مسقط النطفة يأخذ ذلك الشخص في التكون والتولد فأما عند الولادة فالشخص قد تم تكونه وحدوثه ولا حادث في هذا الوقت إلا انتقاله من مكان إلي مكان آخر فثبت أنه لو كان للطالع اعتبار لوجب أن يكون المعتبر هو طالع مسقط النطفة لا طالع الولادة الوجه الثامن أن الأرصاد لا تنفك عن نوع الخلل والزلل وقد صنف أبو علي ابن الهيثم رسالة بليغة في أقسام الخلل الواقع في آلات الرصد وبين أن ذلك الخلل ليس في وسع الإنسان دفعه وازالته وإذا عرف هذا فنقول إذا بعد العهد بتجديد الرصد اجتمعت تلك المسامحات القليلة ويحصل بسببها تفاوت عظيم في مواضع الكواكب وكذلك إذا وجد موضع الكواكب(2\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "433",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14889",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بحسب بعض الزيجات درجة معينة حين وجد بحسب زيج آخر غير تلك الدرجة ربما حصل التفاوت بالبرج ولما كان علم الأحكام مبينا على مواضع الكواكب ومناسبتها ثم قد تبين أن التفاوت الكبير وقع في قطع الكواكب علم بطلان هذا العلم وفساده الوجه التاسع أن المعقول من تأثير هذه الكواكب في العالم السفلي هو أنها بحسب مساقط شعاعاتها تسخن هذا العالم أنواعا من السخونة فأما تأثيراتها في حصول الأحوال النفسانية من الذكاء والبلادة والسعادة والشقاوة وحسن الخلق وقبحه والغنى والفقر والهم والسرور واللذة والألم فلو كان معلوما لكان طريق علمه أما بالخبر الذي لا يجوز عليه الكذب أو الحس الذي يشترك فيه الناس أو ضرورة العقل أو نظره وشيء من هذا كله غير موجود البتة فالقول به باطل ولا يمكن للآحكاميين أن يدعوا واحدا من الثلاثة الأول وغايتهم أن يدعوا أن النظر والتجربة قادهم إلي ذلك وأوقعهم عليه ونحن نبين فساد هذا النظر والتجربة بما لا يمكن دفعه من الوجوه التي ذكرناها ونذكر غيرها مما هو مثلها وأقوى منها وكل علم صحيح فله براهين يستند إليها تنتهى إلي الحس أو ضرورة العقل وأما هذا العلم فلا ينتهى إلا إلى جحد وتخمين وظنون لا تغنى من الحق شيئا وغاية أهله تقليد من لم يقم دليل على صدقه الوجه العاشر أنا إذا فرضنا أن رجلين سألا منجمين في وقت واحد في بلد واحد عن خصمين أيهما الظافر بصاحبه فههنا يكون الطالع مشتركا بين كل واحد من ذينك الخصمين فان دل ذلك الطالع على حال الغالب والمغلوب مع كونه مشتركا بين الخصمين لزم كون كل منهما غالبا لخصمه ومغلوبا من جانبه وذلك محال فان قالوا بين حال كل واحد منهما اختلاف بسبب طالع الأصل أو طالع التحويل أو برج الانتهاء قلنا هذا تسليم لقول من يقول أن طالع الوقت لا يدل على شيء أصلا بل لا بد من رعاية الأحوال الماضية لكن الأحوال الماضية كثيرة غير مضبوطة فتوقف دلالة طالع الوقت على تلك الأحوال الماضية يقتضي التوقف على شرائط لا يمكن اعتبارها البتة وقد ساعد أصحاب الأحكام على الاعتراف بأن الاعتماد على طالع الوقت غير مفيد بل لا يتم الأمر إلا عند معرفة طالع الأصل فطالع التحويل وبرج الانتهاء ومعرفة التيسيرات فعند اعتبار جملة هذه الأمور يتم الاستدلال ومع اعتبار جملتها وتحريرها بحيث يؤمن الغلط فيها يكون الاستدلال على سبيل الظن لا على سبيل القطع الوجه الحادي عشر أنا لو فرضنا جادة مسلوكة وطريقا يمشي فيه الناس ليلا ونهارا ثم حصل في تلك الجادة آثار متقاربة بحيث لا يقدر سالك ذلك الطريق على سلوكه إلا بتأمل كثير وتفكر شديد حتى يتخلص من الوقوع في تلك الآثار فان من المعلوم بالضرورة أن سلامة من يمشي في هذه الطريق من العميان لا يكون كسلامة من يمشي من البصراء بل ولا بد أن يكون عطب العميان في(2\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "434",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14890",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك الطريق كثيرا جدا وأن يكون سلامة البصراء غالبة جدا إذا عرفت هذا فنقول مثال العميان عند الأحكاميين الذي لا يعرفون أحكام النجوم وهم الأكثرون من الخلائق ومثال البصراء عندهم هم أهل هذا العمل وهم الأقلون ومثال الطريق الذي حصلت فيه الآثار العميقة المهلكة الزمان الذي يمضى على الخلق أجمعين ومثال تلك الآثار المصائب الزمانية والمحن والبلايا فلو كان هذا العلم صحيحا لوجب أن يكون فوز المنجمين بالغني والسلامة والنعم أتم فوز وسلامتهم فوق كل سلامة ومعلوم أن الأمر بالعكس والغالب كون المنجمين بالغنى والسلامة والنعم أتم فوز وسلامتهم فوق كل سلامة ومعلوم أن الامر بالعكس والغالب كون المنجمين ومن سمع منهم وعمل بقولهم في الأدبار والنحس والحرمان والواقع أبين شاهد بذلك ولو ذهبنا نذكر الوقائع التي شوهدت من ذلك واشتملت عليها التواريخ لزادت على ألوف عديدة فلا نجد أحدا راعي هذا العلم وتقيد به في حركاته واختياراته إلا وكانت عاقبته قريبا إلي ادبار ونكاية وبلايا لا يصاب بها سواه ومن كثر خبرة بأحوال الناس فانه يعرف من ذلك مالا يعرف غيره الوجه الثاني عشر انا نشاهد عالما كثيرا يقتلون في ساعة واحدة في حرب وخلقا يغرقون في ساعة واحدة مع القطع باختلاف طوالعهم واقتضائها عندكم احوالا مختلفة ولو كان للطوالع تأثير في هذا لامتنع عند اختلافها الاشتراك في ذلك ولا ينفعكم جواب من انتصر لكم بان الطوالع قد يكون بعضها أقوى من بعض ولعل طالع الوقت أقوى من طالع الأصل وكان الحكم له فان طالع الوقت لعله اقتضى هلاكا أو غرقا عاما وهو أقوى من طالع الأصل فكان التأثير له لانا نقول هذا بعينه يبطل عليكم طالع المولود والأصل ويحيل القول بتأثيره واعتباره جملة فان الطوالع بعده مختلفة كثيرة واصل بعضها أو اكثرها أقوى منه فيكون الحكم بموجبه باطلا أذلا أمان لكم من اقتضاء الطوالع بعده ضد ما اقتضاه وحينئذ فلا يفيد اعتباره شيئا الوجه الثالث عشر انا نرى الجيشين العظيمين والحزبين المتقابلين يقتتلان ويختصمان وقد اخذ طالع الوقت لكل منهما ومع هذا فالمنصور والغالب أحدهما مع أن الطالع واحد ولا ينفعكم في هذا جواب من انتصر لكم بأنه لا مانع من القول بخطأ الأخذ للطالع في الحساب والحكم فانه لو اخذ لهما أي طالع كان لم يكن الغالب إلا أحدهما حتى لو كان الطالع قطعا لا يتصور فيه الغلط لم يكن بد من كون أحدهما غالبا والأخر مغلوبا وهذا يبطل مذهب الأحكام بلا ريب الوجه الرابع عشر أن الأجزاء المفترضة في الفلك أما أن تكون متشابهة في الطبيعة والماهية أو مختلفة فيها فان كانت متساوية كان الجزء الذي هو الطالع مساويا لسائر الأجزاء وحكم سائر الأجزاء واحد وأن كانت الأجزاء مختلفة في الماهية والطبيعة فلا ريب أن الفلك جرمه في غاية العظم حتى قالوا أن الرجل الشديد العدو إذا رفع رجله ووضعها يكن الفولمك قد تحرك ثلاثة آلاف ميل وإذا كان كذلك فمن الوقت(2\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "435",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14891",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي ينفصل الولد من بطن أمه إلي أن يأخذ المنجم الاسطرلاب ويأخذ الارتفاع يكون الفلك قد تحرك مثل كل الأرض وكذا الف مرة وإذا كان الأمر كذلك فالجزء الذي يأخذه المنجم بالاسطرلاب ليس الجزء الطالع في الحقيقة وإذا كانت الأجزاء الفلكية مختلفة في الطبيعة والماهية علمنا أن اخذ الطوالع محال وقد اعترف فضلاؤكم بهذا وقالوا أن الأمر وأن كان كذلك إلا أن التجربة قد دلت على أن هذا الطالع الذي تعذر على الإنسان تحصيله يدل على كثير من مقدمة المعرفة مع ما فيه من الخلل الكثير الذي ذكرتم فوجب أن لا يهمل وهذا خطأ بين فان التجارب التي دلت على كذب ذلك وبطلانه وووقوع الأمر بخلافه أضعاف أضعاف التجربة التي دلت على صدقه كما سنذكر قطرة من بحره عن قريب أن شاء الله ولهذا قال أبو نصر الفارابي واعلم انك لو قلبت أوضاع المنجمين فجعلت الحار باردا والبارد حارا والسعد نحسا والنحس سعدا والذكر أنثى والأنثى ذكرا ثم حكمت لكانت أحكامك من جنس أحكامهم تصيب تارة وتخطىء تارات وهل معهم إلا الحدس والتخمين والظنون الكذابة ولقد حكى أن امرأة أتت منجما فأعطته درهما فاخذ طالعها وحكم وقال الطالع يخبر بكذا فقالت لم يكن شيء من ذلك ثم اخذ الطالع وقال يخبر وبكذا فأنكرته حتى قال انه ليدل على قطع في بيت المال فقالت الآنصدقت وهو الدرهم الذي دفعت إليك الوجه الخامس عشر أن الأجسام لا تنفعل من غيرها إلا بواسطة المماسة وهذه الكواكب لامماسة لها بأعضائنا وأبداننا وأرواحنا فيمتنع كونها فاعلة فينا أقصى ما في الباب أن يقال أنها وان لم تكن مماسة لأعضائنا إلا أن شعاعها يصل إلي أجسامنا فيقال لا ريب أن تأثير الشعاع إنما يكون بالتسخين عند المسامتة أو بالتبريد عند الانحراف عن المسامته فهذا بعد تصحيحه يقتضي أن لا يكون لهذه الكواكب تأثير في هذا العالم إلا على سبيل التسخين والتبريد فأما أن تعطى العلوم الأخلاق والمحبة والبغضاء والموالاة والمعاداة والعفة والحرية والنذالة والخبث والمكر والخديعة فذلك خارج عن معقول العقلاء وهو من حمقات الاحكاميين وجهالاتهم فان قيل التأثير بالتسخين والتبريد يوجب اختلاف أمزجة الأبدان واختلاف امزجة الأبدان ويوجب اختلاف أفعال النفس قيل فنحن نرى التسخين يقتضي حرارة وحدة في المزاج يفعل بها هذا غاية الخير والأفعال الحميدة وهذا غاية الشر والأفعال الخبيثة والشعاع قد سخن مركبها فما الموجب لانفعال نفسيهما عن هذا التسخين هذا الانفعال المتباعد المتناقض وأيضا فما الموجب لاختلاف القوابل وتأثير الكواكب فيها بطبعه وتسخينه وتبريده فكيف اختلفت القوابل هذا الاختلاف العظيم وهي مستندة إلي تأثير واحد الوجه السادس عشر أن رجلا لو جلس في دار لها بابان شرقي وغربي فسأل(2\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "436",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14892",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المنجم وقال من أيهما يقتضي الطالع خروجي فإذا قال له المنجم من الشرقي أمكنه تكذيبه والخروج من الغربي وبالعكس وكذلك السفر في يوم واحد وابتداء البناء وغيره في يوم يعينه له المنجم ويحكم باقتضاء الطالع له من غير تقدم عنه ولا تأخر فانه يمكنه تكذيبه في ذلك اجمع فان قلتم أن المنجم إذا اخبره بما يفعله ويختاره يصير ذلك داعيا له إلي أن يخالفه في قوله ويكذبه فالطريق إلي علم صدقه أن يحكم ذلك المنجم على معين ويكتبه في كتاب ويخفيه أو يذكره لإنسان أخر ويخفيه عن صاحب الواقعة فههنا يظهر صدق المنجم قلت هذا العذر من أسقط الأعذار لأن النجوم لو كانت كما تزعمون دالة على جميع الكائنات الواقعة في هذا العالم لعرف المنجم ذلك الذي يستقر عليه اختياره على كل حال شاء تكذيبه أو لم يشأه فلما لم يكن الأمر كذلك سقط القول بصحة هذا العذر فان قيل الأشخاص الفلكية مؤثرات والسفلية قوابل ويجوز أن تختلف الأحوال الصادرة عن الفاعل بسبب اختلاف القوابل وإذا كان كذلك فهب أن الدلائل الفلكية دلت على أنه إنما يختار الخروج من الباب الفلاني لأن كون الإنسان مشغوفا بتكذيب المنجم حالة حاصلة في النفس مانعة من ظهور ذلك الأثر الذي تقتضيه الموجبات الفلكية فلهذا الأمر لم يحصل الأمر على وفق حكم المنجم قيل إذا اقتضت الموجبات الفلكية أثرا امتنع أن يحصل في النفس ما يضاده لأن تلك الإرادة والميول والعزوم الواقعة في النفس هي عندكم من موجبات الآثار الفلكية فيمتنع أن تكون مضادة لموجبها لا سيما والمنجم يحكم بأنه إنما تقتضي النجوم أن يريد الإنسان كذا وكذا وليس حكمه أن الطالع يقتضي كذا وكذا إلا أن يريد الإنسان خلافه هذا ما لا يقوله أحد منكم فعلم بطلان هذا الاعتذار الوجه السابع عشر أنه لا سبيل إلي معرفة طبائع البروج وطبائع الكواكب وامتزاجاتها إلا بالتجربة وأقل ما لا بد منه في التجربة أن يحصل ذلك الشيء على حالة واحدة مرتين إلا أن الكواكب لا يمكن تحصيل ذلك فيها لأنه إذا حصل كوكب معين في موضع معين في الفلك وكانت سائر الكواكب متصلة به على وضع مخصوص وشكل مخصوص فان ذلك الوضع المعين بحسب الدرجة والدقيقة لا يعود إلا بعد ألوف من السنين وعمر الإنسان الواحد لا يفي بذلك بل عمل البشر لا يفي به والتواريخ التي تضبط هذه المدة مما لا يمكن وصولها إلى الإنسان فثبت أنه لا سبيل إلي الوصول إلي هذه الأحوال من جهة التجربة البتة ولا ينفعكم اعتذار من اعتذر عنكم بأنه لا حاجة في التجربة إلي ما ذكرتم لأنا إذا شاهدنا حادثا معينا في وقت مخصوص فلا شك أنه قد تحصل في الفلك اتصالات الكواكب المختلفة في ذلك الوقت فلو قدرنا عود ذلك الوضع الفلكي بتمامه على تلك الحال ألف مرة يعلم أن المؤثر في ذلك الحادث هل مجموع الاتصالات أو اتصال معين منها فإذا علمنا(2\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "437",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14893",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن ذلك الوضع بحملته فات وما عاد ولكنه عاد اتصال واحد من تلك الاتصالات وكما عاد ذلك الاتصال المعين فانه يعود ذلك الأثر بعينه لا لأجل سائر الاتصالات فثبت أن الرجوع في هذا الباب إلي التجربة غير متعذر وهذا الاعتذار في غاية الفساد والمكابرة لأن تخلف ذلك الأثر عن ذلك الاتصال العائد أكثر من اقترانه به والتجربة شاهدة بذلك كما قد اشتهر بين العقلاء أن المنجمين إذا أجمعوا على شيء من الأحكام لم يكد يقع ونحن نذكر طرفا من ذلك فنقول في الوجه الثامن عشر لما نظر حذاقكم وفضلاؤكم سنة سبع وثلاثين عام صفين من مخرج على رضي الله عنه من الكوفة إلي محاربة أهل الشام اتفقوا على أنه يقتل ويقهر جيشه فظهر كذبهم وانتصر جيشه على أهل الشام ولم يقدروا على التخلص منهم إلا بالحيلة التي وضعوها من نشر المصاحف على الرماح والدعاء إلى ما فيها وقد قيل أن الاتفاق منهم إنما كان في حرب المؤمنين للخوارج فانهم اتفقوا على أنه من خرج في ذلك الطالع قتل وهزم جيشه فان القمر كان إذا ذاك في العقرب فخالفهم علي وقال بل نخرج ثقة بالله وتوكلا عليه وتكذيبا لقول المنجم فما غزا غزاة بعد رسول الله أتم منها قتل عدوه وأيده الله عليهم بالنصر والظفر بهم ورجع مؤيدا منصورا مأجورا والقصة معروفة في السير والتواريخ وكذلك اتفاق ملأكم في سنة سبع وستين على غلبة عبيد الله بن زياد للمختار بن أبي عبيد وأنه لا بد أن يقتله أو يأسره فسار إليه في نحو من ثمانين ألف مقاتل فلقيه إبراهيم بن الأشتر صاحب المختار بأرض نصيبين وهو فيما دون سبعة آلاف مقاتل فانهزم أصحاب ابن زياد بعد أن قتل منهم خلق لا يحصيهم ألا الله حتى أنه قيل انهم قتل منهم ثلاثة وسبعون ألفا ولم يقتل من أصحاب ابن الأشتر سوى عدد لا يبلغون مائة وفيهم يقول الشاعر: برزوا نحوهم بسبعة آلا ... ف أن يهم عجائبا فتعشوا منهم بسبعين ألفا ... أو يزيدون قبل وقت العشاء فجزاك ابن مالك وأبا اسح ... ق عنا الإله خير جزاء يريد بابن مالك إبراهيم بن مالك بن الأشتر وأبو إسحاق كنية المختار وقتل ابن الأشتر عبيد الله ابن زياد في المعركة ولم يعلم به حتى إذا هل الليل قال لأصحابه لقد ضربت على شاطئ هذا النهر رجلا فرجع إلى سيفي وفيه رائحة المسك ورأيت إقداما وجرأة فصرعته فذهبت رجلاه قبل المشرق ويداه قبل المغرب فانظروه فأتوه بالنيران فإذا هو عبيد الله بن زياد ذكر ذلك المبرد في الكامل فانظر حكمة الله من انعكاس ما قال الكاذبون المنجمون وقيل لما علم عبيد الله ابن زياد أن أمر القتال قد تيسر وسأل منجمه عن قوة نجمه ونجم ابن الأشتر وقال والله أنى لأعلم أنه ليس بشيء إلا أني كنت أنا وهو صغيران أن وقعت بيني وبينه خصومة بسبب حمام(2\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "438",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14894",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كنا نلعب به فضربني إلى الأرض وقعد على صدري وقال والله أني قاتلك ولا يقتلك أحد غيري أن شاء الله وأنا من استثنائه بالمشيئة خائف فذهب به منجمه إلى ما قدره المنجمون له من قوة نجمه وأن هذا وهم منه وحكم النجوم يقضي على وهمه فحقق الله سبحانه ذلك الوهم وأبطل حكم الطالع والنجم ومن ذلك اتفاقهم عند ما تم بناء بغداد سنة ست وأربعين ومائة أن طالعها يقضي بأنه لا يموت فيها خليفة وشاع ذلك حتى هنأ الشعراء به المنصور حتى قال بعض شعرائه: يهنيك منها بلدة تقضي لنا ... أن الممات بها عليك حرام لما قضت أحكام طالع وقتها ... أن لا يرى فيها يموت أمام وأكد هذا الهذيان في نفوس العوام موت المنصور بطريق مكة ثم المهدي بما سبذان ثم الهادي بعسا باذ ثم الرشيد بطوس فلما قتل بها المأمون الأمين بشارع باب الأنبار انخرم الأصل الباطل الذي أصلوه وظهر الزور الذي لفقوه حتى رجع إلى الحق الأول فقال: كذب المنجم في مقالته التي ... نطقت به كذبا على بغدان قتل الأمين بها لعمري يقتضي ... تكذيبهم في سائر الحسبان ثم مات ببغداد جماعة من الخلفاء مثل الواثق والمتوكل والمعتضد والمكتفي والناصر وغير هؤلاء ومن ذلك اتفاقهم في سنة ثلاث وعشرين في قصة عمورية أن المعتصم أن خرج لفتحها كانت عليه الدائرة وأن النصر لعدوه فرزقه الله التوفيق في مخالفتهم ففتح الله على يديه ما كان مغلقا وأصبح كذبهم وخرصهم بعد أن كان موهوما عند العامة محققا ففتح عمورية وما والاها من كل حصن وقلعة وكان ذلك من أعظم الفتوحات المعدودة وفي ذلك الفتح قام أبو تمام الطائي منشدا له على رؤس الأشهاد السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب أين الرواية أم أين النجوم وما ... صاغوه من زخرف منها ومن كذب تخرصا وأحاديثا ملفقة ... ليست بنبع إذا عدت ولا غرب عجائبا زعموا الأيام تجعله ... عنهن في صفر الأصفار أو رجب وخوفوا الناس من دهياء مظلمة ... إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنب وصيروا الأبرج العليا مرتبة ما ... كان منقلبا أو غير منقلب يقضون بالأمر عنها وهي غافلة ... ما دار في فلك منها وفي قطب لو ثبتت قط أمرا قبل موقعه ... لم يخف ما حل بالأوثان والصلب(2\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "439",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14895",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهي نحو من سبعين بيتا أجيز على كل بيت منها بألف درهم ومن ذلك اتفاقهم سنة اثنتين وتسعين ومائتين في قصة القرامطة على أن المكتفى بالله أن خرج لمقاتلتهم كان هو المغلوب الملزوم وكان المسلمون قد لقوا منهم على توالي الأيام شرا عظيما وخطبا جسيما فأنهم قتلوا النساء والأطفال واستباحوا الحريم والأموال وهدموا المساجد وربطوا فيها خيولهم ودوابهم وقصدوا وفد الله وزوار بيته فأوقعوا فيهم القتل الذريع والفعل الشنيع واباحوا محارم الله وعطلوا شرائعه فعزم المكتفي على الخروج اليهم بنفسه فجمع وزيره القاسم بن عبيد الله من قدر عليه من المنجمين وفيهم زعيمهم أبو الحسن العاصمي وكلهم أوجب عليه بأن يشير على الخليفة أن لا يخرج فانه أن خرج لم يرجع وبخروجه تزول دولته وبهذه تشهد النجوم التي يقضى بها طالع مولده وأخافوا الوزير من الهلاك أن خرج معه وقد كان المكتفي أمر الوزير بالخروج معه فلم يجد بدا من متابعته فخرج وفي قلبه ما فيه وأقام المكتفي بالرقة حتى أخذ أعداء الله جميعا وسيقت جموعهم بكأس السيف نجيعا ثم جاء الخبر من مصر بموت خمارويه بن أحمد بن طولون وكانوا به يستطيلون فأرسل المكتفي من تسلمها واستحضر القواد المصرية إلى حضرته ثم لما عاد أمر القاسم بن عبيد الله الوزير بإحضار رئيس المنجمين وصفعه الصفع الكثير بعد أن وقفه ووبخه على عظيم كذبه وافترائه وتبرأ منه ومن كل من يقول برأيه قال أبو حيان التوحيدي في كتاب الإتباع والمؤانسة وقد ذكر هذه القصة فهذا وما أشبهه من الافتراء والكذب لو ظهر ونشر وعير أهله به ووقفوا عليه وزجروا عن الدعوى المشرفة على الغيب لكان مقمعة لمن يطلق لسانه بالإطلاع على مالا يكونوا في غدو قطعا لألسنتهم وكفا لدعواهم وتأديبا لصغيرهم وكبيرهم ومن ذلك اتفاقهم سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة عندما أراد القائد جوهر العزيز بناء مدينة القاهرة وقد كان سبق مولاه الملقب بالمعز إلى الدخول إلى الديار المصرية لما أمره المعز بدخولها بالدعوة وأمره إذا دخلها أن يبني بها مدينة عظيمة تكون نجوم طالعها في غاية الاستقامة ويكون بطالع الكوكب القاهر وهو زحل أو المريخ على اختلاف حاله فجمع القائد جوهر المنجمين بها وأمر كل واحد منهم أن يحقق الرصد ويحكمه وأمر البنائين أن لا يضعوا الأساس حتى يقال لهم ضعوه وأن يكونوا على هيئة من التيقظ والإسراع حتى يوافقوا تلك الساعة التي اتفقت عليها أرصاد أولئك الجماعة فوضعت الأساسات على ذلك في الوقت الحاضر وسموها بالقاهرة إشارة بزعمهم الكاذب إلى الكوكب القاهر واتفقوا كلهم بأن الوقت الذي بنبت فيه يقضي بدوام جدهم وسعادتهم ودولتهم وأن الدعوة لا تخرج فيها عن الفاطمية وان تداولتها الألسن(2\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "440",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14896",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العربية والعجمية فلما ملكها أسد الدين شيركوه بن شادي ثم ابن أخيه الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ومع ذلك المصريون قائمون بدعوة العاضد عبد الله بن يوسف توهم الجهال أن ما قال المنجمون من قبل حقا لتبدل اللسان وحال الدعوة مستبقي فلما رد صلاح الدين الدعوة إلى بني العباس انكشف الأمر وزال الالتباس وظهر كذب المنجمين والحمد لله رب العالمين وكانت المدة بين وضع الأساس وانقراض دولة الملاحدة منها نحو مائة وثلاثة وتسعين عاما فنقض انقطاع دولتهم على المنجمين أحكامهم وخرب ديارهم وأهتك أستارهم وكشف أسرارهم وأجرى الله سبحانه تكذيبهم والطعن عليهم على لسان الخاص والعام حتى اعتذر من اعتذر منهم بأن البنائين كانوا قد سبقوا الرصادين إلى وضع الأساس وليس هذا من بهت القوم ووقاحتهم ببعيد فانه لو كان كذلك لرأى الحاضرون تبديل البناء وتغييره فانه لو دخلهم شك في تقديم أو تأخير أو سبق بما دون الدقيقة في التعذر لما سامحوا بذلك مع المقتضى التام والطاعة الظاهرة والاحتياط الذي لا مزيد فوقه وليس في تبديله حجر أو تحويله برفعه ووضعه كبير أمر على البنائين ولا مشقه وقرائن الأحوال في إقامة دولة بتقريرها وإنشاء قاعدة بتحريرها شاهدة بأن الغفلة عن مثل هذا الخطب الجسيم مما لا يسامح بها البتة ويالله العجب كيف لم يظهر سبق البنائين للراصدين إلا بعد انقراض دولة الملاحدة وأما مدة بقاء دولتهم فكان البناء مقارنا للطالع المرصود فهل في البهت فوق هذا ومن ذلك اتفاقهم سنة خمس وتسعين وثلاثمائة في أيام الحاكم على أنها السنة التي ينقضي فيها بمصر دولة العبيديين هذا مع اتفاق أولئك على أن دعوتهم لا تنقطع من القاهرة وذلك عند خروج الوليد بن هشام المعروف بأبي ركوة الأموي وحكم الطالع له بأنه هو القاطع لدعوة العبيديين وأنه لا بد أن يستولي على الديار المصرية ويأخذ الحاكم أسيرا ولم يبق بمصر منجم إلا حكم بذلك وأكبرهم المعروف الفكري منجم الحاكم وكان أبو ركوة قد ملك برقة وأعمالها وكثرت جموعه وقويت شوكته وخرجت إليه جيوش الحاكم من مصر فعادت مغلوبة فلم يشك الناس في حذق المنجمين وكان من تدبير الحاكم أن دعا خواص رجاله وأمرهم أن يعملوا بما رآه من احتياله وهو أن يكاتبوا أبا ركوة بأنهم على مذهبه وأنهم مائلون عن الدعوة الحاكمية وراغبون في الدعوة الوليدية الأموية وأطمعوه بكل ما أوهموه به أنهم صادقون وله مناصحون فلما وثق بما قالوه وخفى عليه ما احتالوه زحف بعساكره حتى نزل موسيم على ثلاثة فراسخ من مصر فخرجت إليه العسكر الحاكمية فهزمته فتحقق أنها كانت خديعة فهرب وقتل خلق كثير من عسكره وطلب فأخذ أسيرا ودخل به القاهرة على جمل مشهور ثم أمر الحاكم بقتله بعد ما أحضر بين يديه مغلولا بغل من حديد وذلك(2\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "441",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14897",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في رجب سنة سبع وتسعين وثلاثمائة وكان مبدأ خروجه في رجب سنة خمس وتسعين فظهر كذب المنجمين وكان هذا الفكري قد استولى على الحاكم فانه اتفقت له معه قضيتان أمالتاه إليه إحداهما أن الحاكم عزم على إرسال أسطول إلى مدينة صور لمحاربتهم فسأله الفكري أن يكون تدبيره إليه ليخرجه في طالع يختاره وتكون العهدة أن لم يظفر عليه واتفق ظهور الأسطول الثانية أنه ذكر أن بساحل بركة رميس مسجدا قديما وان تحته كنزا عظيما وسأله أن يتولى هو هدمه فان ظهر الكنز والا بناه هو من ماله وأودعه السجن فاتفق إصابة الكنز فطاش المغرور بذلك فلما حكم عليه الفكري بتغيير دولته وقضى المنجمون بمثل قضائه فوقع للحاكم أن يغير أوضاع المملكة والدولة ليكون ذلك هو مقتضى الحكم النجومي فصار يأمر في يومه بخلاف كل ما يأمر به في أمسه فأمر بسب الصحابة رضوان الله عليهم على رؤس المنابر والمساجد ثم أمر بقطع سبهم وعقوبة من سبهم وأمر بقطع شجرة الزرجون من الأرض وأوجب القتل على من شرب الخمر وأمر بغرس هذه الشجرة وأباح شرب الخمر وأهمل الناس نهب الجانب الغربي من القاهرة وقتلت فيه جماعة ثم ضبط الأمر حتى أمر أن لا تغلق الحوانيت ليلا ولا نهارا وأمر مناديه ينادي من عدم له ما يساوي درهما أخذ من بيت المال عنه درهمين بعد أن يحلف على ما عدمه أو يعضده شهادة رجلين حتى تحيل الناس في ستر حوانيتهم بالجريد لئلا تدخلها الكلاب ثم عمد إلى كل متول في دولته ولاية فعزله وقتل وزيره الحسن بن عماد كل ذلك ليكون قول أهل النجم أن دولته تتغير واقعا على هذا الضرب من التغيير فلما كان من أمر أبي ركوة ما تقدم ذكره ساء ظنه بعلم النجامة فأمر بقتل منجمه الفكري وأطلق في المنجمين العيب والذم وكان قد جمع بين المنجمين بالديار المصرية واستدعا غيرهم وأمرهم أن يرصدوا له رصدا يعتمد عليه فصارت الطوائف النجومية إلى هذا الرصد يتحاكمون وان تضمن بعض خلاف الرصد المأموني ووضعوا له الذبح المسمى بالحاكمي وكان هذا الفكري قد أخذ علم النجامة عمن أخذه عن العاصمي فسير أوقات الحاكم وساعاته ووافقه على ذلك المنجمون فلما قتله لم يزل أثر التنجيم عن نفسه لشرف النفس على التطلع إلى الحوادث قبل وقوعها وكان بعد يتولع بهذا العلم ويجمع أصحابه فحكموا له في جملة أحكامهم بركوب الحمار على كل حال وألزموه أن يتعاهد الجبل المقطم في أكثر الأيام وينفرد وحده بخطاب زحل بما علموه إياه من الكلام ويتعاهد فعل ما وضعوه له من البخورات والأعزام وحكموا بأنه ما دام على ذلك وهو يركب الحمار فهو سالم النفس عن كل إيذاء فلزم ما أشاروا به عليه وأذن الله العزيز العليم رب الكواكب ومسخرها ومدبرها أن هلاكه كان في ذلك الجبل على ذلك الحمار فانه خرج بحماره إلى ذلك(2\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "442",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14898",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجبل على عادته وانفرد بنفسه منقطعا عن موكبه وقد استعد له قوم بسكاكين تقطر منها المنايا فقطعوه هنالك للوقت والحين ثم أعدموا جثته فلم يعلم لها خبر فمن هذا يقول أتباعه الملاحدة انه غائب منتظر وأظهرت قدرة الرب القاهر تبارك اسمه وتعالى جده تكذيب قول تلك الطائفة المفترين ووقوع الأمر بضد ما حكموا به ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وان الله لسميع عليم فظهر من كذبهم وجهلهم بتغيير دولته في خروج أبي ركوة وفي هذا الحين فهذا في مبدئها وهذا في ختامها فهل بعد ذلك وثوق للعاقل بالنجوم وأحكامها كلا لعمر الله ليس بها وثوق وانما غاية أهلها الاعتماد على رازق ومرزوق فأما اصابة الفكري بظفر الأسطول فإنما كان بتحيل دبره على أهل صور لا بالطالع فكانت الغلبة له عليهم بالتحيل الذي دبره ساعة القتال لا بما ذكره من حكم الطالع قبل تلك الحال وأما اصابة الكنز فليس من النجوم في شيء ومعرفة مواضع الكنوز علم متداول بين الناس وفيه كتب مصنفة معروفة بأيدي أرباب هذا الفن وفيها خطأ كثير وصواب قد دل الواقع عليه ومن ذلك اتفاقهم سنة اثنين وثمانين وخمسمائة على خروج ريح سوداء تكون في سائر أقطار الأرض عامة فتهلك كل من على ظهرها إلا من اتخذ لنفسه مغارة في الجبال بسبب أن الكواكب كانت بزعمهم أن اجتمعت في برج الميزان وهو برج هوائي لا يختلف فيه منهم اثنان كما اجتمعت في برج الحوت زمن نوح وهو عندهم برج مائي فحصل الطوفان المائي قالوا وكذا اجتماعها في البرج الميزاني يوجب طوفانا هوائيا ودخل ذلك في قلوب الرعاع من الناس فاتخذوا المغارات استدفاعا لما أنذرهم به الكذابون من الله رب العالمين مسخر الرياح ومدبر الكواكب ثم لما كان ذلك الوقت الذي حدوه والأجل الذي عدوه قل هبوب الرياح عن عادتها حتى أهم الناس ذلك ورأوا من الكرب بقلة هبوب الرياح ما هو خلاف المعتاد فظهر كذبهم للخاص والعام وكانوا قد دبروا في قصة هذه الريح التي ذكروها بأن عزوها إلى على رضي الله عنه وضمنوها جزء بمضمون هذه الريح وذكروا قصة طويلة في آخرها أن الراوي عن علي رضي الله عنه قال له لقد صدقني المنجمون فيما حكيت عنك وقالوا انه تجتمع الكواكب في برج الميزان كما اجتمعت في برج الحوت على عهد نوح وأحدثت الغرق فقلت له يا أمير المؤمنين كم تقيم هذه الريح على وجه الأرض قال ثلاثة أيام ولياليها وتكون قوتها من نصف الليل إلى نصف النهار عن اليوم الثاني وانظر إلى اتفاقهم على أن الكواكب إذا اجتمعت في برج الميزان حصل هذا الطوفان الهوائي واتفاقهم على اجتماعها فيه في ذلك الوقت ولم يقع ذلك الطوفان ومن ذلك اتفاقهم في الدولة الصلاحية بحكم زحل والدالي أن مدينة الاسكندرية لا يموت فيها من الغز وال فلما مات بها الملك المعظم شمس الدولة(2\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "443",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14899",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "توران شاه ابن أيوب بن شاذي سنة خمس وسبعين وخمسمائة ثم واليها فخر الدين قراجا ابن عبد الله سنة تسع وثمانين ثم واليها سعد الدين سودكين بن عبد الله سنة خمس وستمائة انخرمت هذه القاعدة أصلا وبطل قولهم فرعا وأصلا حتى قال بعض شعراء ذلك العصر عند موت الأمير فخر الدين: وقضى طلوع الثغر عند مماته ... أن المنجم كاذب لا يصدق لو كان فيه لا يموت مؤمر ... أودى وفخر الدين حي يرزق ومن ذلك اجتماعهم في سنة خمس وعشرة وستمائة لما نزل الفرنج على دمياط على انهم لا بد أن يغلبوا على البلاد فيتملكوا ما بأرض مصر من رقاب العباد وانهم لا تدور عليهم الدائرة إلا إذا قام قائم الزمان وظهر براياته الخافقة ذلك الأوان فكذب الله ظنونهم وأتى من لطفه الخفي ما لم يكن في حساب ورد الفرنج بعد القتل الذريع فيهم والأسر على العقاب وكان المنجمون قد أجمعوا في أمر هذه الواقعة على نحو ما أجمع عليه من قبلهم في شأن عمورية واتفق أن كان مبدأ هذا الفتح في سابع رجب سنة ثمان عشرة وستمائة ومبدأ ذلك الفتح في سابع رجب أيضا سنة ثلاث وعشرين ومائتين قال الفاضل العلامة محمد بن عبد الله بن محمود الحسيني ولما كذب الله هؤلاء القوم فيما ادعوه نسجت على منوال أبي تمام في قصيدته البائية المكسورة فعملت بائية مفتوحة وهي: الحمد لله حمدا يبلغ الأربا ... نقضي به من حقوق الله ما وجبا حمدا يزيد إذا النعمي تزيد به ... أخراه أولاه تعطى ضعف ما وهبا لا ييأس المرء من روح الإله فكم ... من راح في مستهل كان قد صعبا فكم مشى بك مكروه ركضت به ... من غير علم إلى ما تشتهي خببا وكم تقطع دون المشتهى سبب ... وكان منك لأعلى المنتهى سببا لا ينبغي لك في مكروه حادثة ... أن تبتغى لك في غير الرضا طلبا لله في الخلق تدبير يفوت مدى ... أسرار حكمته أحكام من حسبا اابغ النجاء إذا ماذو النجامة في ... زور من القول يقضي كل ما قربا وذو الأراجين مما قد يقول فدع ... فما أراجيز شيء كان قد كتبا ما كان لله في ديوان قدرته ... من كاتب بحدوس الظن إذ كتبا لا يعلم الغيب إلا الله خالقنا ... لا عالم غيره عجبا ولا عربا لا شيء أجهل ممن يدعي ثقة ... بحدسه وترى فيما يرى ريبا قد يجهل المرء ما في بيته نظرا ... فكيف عنه بما في غيبه احتجبا قد كذب الله قول القائلين غدا ... إذا أتى رجب لم تحمدوا رجبا(2\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "444",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14900",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قالوا يرى عجب فيه فقلت لهم ... بالنصر بعد اياس تبصروا عجبا في منقضى السبعة الأيام منه أتى ... ما يأت في مقتضاه السبعة الشهبا وأعتمت فيه عواء النجوم على ... عواء ذئب من الكفار قد حربا والشعريان فكل منهما شعرت ... بأن للحق فيهم سيف من غلبا وصح عن قمر الأفلاك أنهم ... ما فيهم غير مقهور وقد نشبا غطاؤهم رد في وجهي عطاردهم ... إلى الذي منهم ما شاء قد سلبا وقد بدت زهرة الإسلام زاهرة ... قد أظلمت فوقهم من دونها سحبا وأجملت حمرة المريخ حكمهم ... ففسرت بدم فيهم لمن خضبا ولم يك المشترى تقضي سعادته ... إلا إلى المشتري نفسا بما طلبا وقبل منقلب الأبراج ذو قدر ... فعاد منه مبان النفع منقلبا كم حامل ثائر في الثور أو حمل ... أجاز فيهم على جوزائهم حربا ولم يدر فلك إلا لذي ملك ... يدير جيشا عليهم عسكرا نجيا حتى غدا ثغر دمياط وقد حكموا ... أن لا يرى باسما مستجمعا شنبا يفتر عن صبح إيمان به جذلا ... وكان في ليل كفر بات مكتئبا ومد كفاله التوحيد فانقبضت ... رجل من الشرك في تأخيره هربا وتلك حرب صليب عودها فقضت ... أن لا يعود صليب بعد منتصبا وأطلق القول بالتأذين إذ خرست ... له نواقيس جرجيس فما احتسبا  ومما اتفق عليه المنجمون أن الإنسان إذا أراد أن يستجيب الله دعاءه جعل الرأس في وسط المساء مع المشتري أو شطر منه مقبل والقمر متصلا به أو منصرفا عنه متصل بصاحب الطالع أو صاحب الطالع متصل بالمشتري ناظر إلى الرأس نظرة مودة فهنالك لا يشكون أن الإجابة حاصلة قالوا وكانت ملوك اليونان يلزمون ذلك فيحمدون عقباه والعاقل إذا تأمل هذا الهذيان لم يحتج في علمه ببطلانه ومحاله إلى فكر ونظر فان رب السموات والأرض سبحانه لا يتأثر بحركات النجوم بل يتقدس ويتعالى عن ذلك فيا للعقول التي أضحكت عليها العقلاء من المؤمنين والكفار ما هذه الاتصالات حتى تكون على وجوب إجابة الله من أقوى الدلالات ومما عليه المنجمون متفقون أو كالمتفقين أن الخبر إذا ورد في وقت أو بادنا منه 1 الوجوه والقمر وعطارد في بروج ثوابت والقمر منصرف عن السعود فالخبر ليس بباطل والباطل مثل هذا فانه يلزمهم(2\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "445",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14901",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن من وضع خبرا باطلا في ذلك الوقت أن الطالع المذكور يصححه أو يقولوا لا يمكن أحدا أو يكذب في ذلك الوقت وقد أورد أبو معشر المنجم هذا السؤال في كتاب الأسرار له وأجاب عنه أن الأخبار تختلف فان ورد خبر مكروه من أسباب الشر والجور والأفعال المنسوبة إلى طبائع النحوس والطالع في القمر منصرف عن سعد فالخبر باطل وان ورد خبر محبوب ومن أسباب الخير والعدل والأفعال المنسوبة إلى طبائع السعود وفي الطالع سعد والقمر منصرف عن سعد فالخبر حق قال وزحل لا يدل في كل حال على الكذب بل يدل على وجود العوائق عما يوقع ذلك الخبر لكن البلاء المريخ أو الذنب إذا استوليا على الأوتاد وعلى القمر أو عطارد فانهما يدلان على الكذب والبطلان ثم قال وعلى كل حال فالقمر في العقرب والبروج الكاذبة تنذر بكذب في نفس الخبر أو زيادة أو نقصان وفي الحمل والبروج الصادقة تدل على صدق فيه واستواء وفي السرطان والبروج المنقلبة لا تدل على انقلاب الخبر إلى باطل ولكنه قد ينقلب فيصير أقوى مما هو عليه الآن إلا أن ينظر إليه نحس فيفسده ويبطله ثم قال واعرف صدق الخبر من سهم الغيب إذا شككت فيه فان كان سليما من المريخ والذنب وينظر إليه صاحبه أو القمر أو الشمس نظر صلاح فهو حق هذا منتهى كلامه في الجواب وهو كما تراه متضمن أن عند هذه الاتصالات التي ذكرها يكون الخبر صحيحا صدقا وعند تلك الاتصالات الأخر تكون منذرة بالكذب فيقال لهؤلاء الكذابين المفترين المبلسين أيستحيل عندكم معاشر المنجمين أن يضع أحدكم خبرا كاذبا عند تلك الاتصالات أم ذلك واقع في دائرة الإمكان بل هو موجود في الخارج وكذلك يستحيل أن يصدق مخبر عند الاتصالات الأخر أو يبعد صدق العالم عندها ويكون كذبهم إذا ذاك أكثر منه في غير ذلك الوقت وهل في الهوس أبلغ من هذا ولو تتبعنا أحكامهم وقضاياهم الكاذبة التي وقع الأمر بخلافها لقام منها عدة أسفار وأما نكبات من تقيد بعلم أحكام النجوم في أفعاله وسفره ودخوله البلد وخروجه منه واختياره الطالع لعمارة الدار والبناء بالأهل وغير ذلك فعند الخاصة والعامة منهم عبر يكفي العاقل بعضها في تكذيب هؤلاء القوم ومعرفته لافترائهم على الله وأقضيته وأقداره بل لا يكاد يعرف أحد تقيد بالنجوم في ما يأتيه ويذره إلا نكب أقبح نكبة وأشنعها مقابلة له بنقيض قصده وموافات النحوس له من حيث ظن أنه يفوز بسعده فهذه سنة الله في عباده التي لا تبدل وعادته التي لا تحول أن من اطمأن إلى غيره أو وثق بسواه أو ركن إلى مخلوق يدبره أجرى الله له بسببه أو من جهته خلاف ما علق به آماله وانظر ما كان أقوى تعلق بني برمك بالنجوم حتى في ساعات أكلهم وركوبهم وعامة أفعالهم وكيف كانت نكبتهم الشنيعة وانظر حال أبي علي ابن مقلة الوزير وتعظيمه لأحكام النجوم ومراعاته لها أشد المراعات ودخوله دارا بناها بطالع زعم الكذابون(2\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "446",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14902",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المفترون أنه طالع سعد لا يرى به في الدار مكروها فقطعت يده ونكب في آثاره أقبح نكبة نكبها وزير قبله وقتلى المنجمين أكثر من أن يحصيهم إلا الله عز وجل الوجه التاسع عشر أن هؤلاء القوم قد أقروا على أنفسهم وشهادة بعضهم على بعض بفساد أصول هذا العلم وأساسه فقد كان أوائلهم من الأقدمين وكبار رصادهم من عهد بطليموس وطيموحارسي حارس ومانالاوس قد حكموا في الكواكب الثابتة بمقدار واتفقوا أنه صحيح الاعتبار وأقام الأمر على ذلك فوق سبعمائة عام والناس ليس بأيديهم سوى تقليدهم حتى كان في عهد المأمون فاتفق من رصادهم وحكامهم علماء الفريقين مثل خالد بن عبد الملك المروزي وحسن صاحب الزبج المأموني ومحمد بن الجهم ويحيى بن أبي منصور على أنهم امتحنوا رصد الأوائل فوجدوهم غالطين فيما رصدوه فرصدوهم رصدا لأنفسهم وحرروه وسموه الرصد الممتحن وجعلوه مبدأ ثانيا بعد ذلك الزمن كان لأوائلهم إجماع على صحة رصدهم ولهؤلاء إجماع على خطأهم فيه فتضمن ذلك إجماع الأواخر على الأوائل أنهم كانوا غالطين واقرار الأواخر على أنفسهم أنهم كانوا بالعمل به مخطئين ثم حدثت طائفة أخرى منهم كبيرهم وزعيمهم أبو معشر محمد ابن جعفر وكان بعد الرصد الممتحن بنحو من ستين عاما فرد عليهم وبين خطأهم كما ذكر أبو سعيد ابن شاذان بن بحر المنجم في كتاب أسرار النجوم قال قال أبو معشر أخبرني محمد بن موسى المنجم الحليس وليس الخوارزمي قال حدثني يحيى بن آبي منصور أو قال حدثني محمد بن محمد الحليس قال دخلت على المأمون وعنده جماعة المنجمين وعنده رجل قد تنبأ وقد دعا القضاة والفقهاء ولم يحضروا بعد ونحن لا نعلم فقال لي ولمن حضر من المنجمين اذهبوا فخذوا الطالع لدعوى رجل في شيء يدعيه وعرفوني بما يدله عليه الفلك من صدقه وكذبه ولم يعلمنا المأمون أنه متنبيء فجئنا إلى ناحية من القصر وأحكمنا أمر الطالع وصورناه فوقع الشمس والقمر في دقيقة الطالع والطالع الجدي والمشتري في السنبلة ينظر إليه والزهرة وعطارد في العقرب ينظر إليه فقال كل من حضر من المنجمين هذا الرجل صحيح لا كذب فيه قال يحيى وأنا ساكت فقال لي المأمون قل فقلت هو في طلب تصحيحه وله حجة زهرية وعطاردية وتصحيح ما يدعيه لا يتم له فقال من أين قلت فقلت لأن صحة الدعاوى من المشتري وهو ينظر إليه زحل موافقة إلا أنه كاره لهذا البرج ولا يتم له التصديق ولا التصحيح والذي قالوه إنما هو من حجة عطاردية وزهرية وذلك يكون من جنس التحسين والتزويق والخداع عن غير حقيقة فقال لله درك ثم قال تدرون ما يدعى هذا الرجل قلنا لا قال هذا يدعى النبوة فقلت يا أمير المؤمنين ومعه شيء يحتج به فسأله فقال نعم معي خاتم ذو فصين ألبسه فلا يتغير مني شيء ويلبسه غيري فلا يتمالك من الضحك حتى ينزعه ومعي قلم شامي أكتب به ويأخذه غيري(2\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "447",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14903",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلا تنطلق أصبعه به فقلت يا سيدي هذا عطارد والزهرة قد عملا عملهما فأمره أمير المؤمنين فأظهر ما أدعاه منهما وكان ذلك ضرب من الطلسمات فما زال به المأمون أياما كثيرة حتى أقر وتبرأ من دعوى النبوة ووصف الحيلة التي احتالها في الخاتم والقلم فوهب له المأمون ألف دينار وصرفه فلقيناه بعد ذلك فإذا هو أعلم الناس بعلم النجوم ومن أكبر أصحاب عبد الله القشيري وهو الذي عمل طلسم الخنافس في دور بغداد قال أبو معشر لو كنت في القوم ذكرت أشياء خفيت عليهم كنت أقول الدعوى باطلة من أصلها إذ البرج منقلب وهو الجدي والمشتري في الوبال والقمر في المحاق والكوكبان الناظران إلى الطالع في برج كذاب وهو العقرب فتأمل كيف اختلفت أحكامهم مع اتحاد الطالع وكل منهم يمكنه تصحيح حكمه بشبهة من جنس شبهة الآخر فلو اتفق أن أدعى رجل صادق في ذلك الوقت والطالع دعوى ألم يكن ادعاؤه ممكنا غير مستحيل ودعواه صحيحة في نفسها أم تقولون انه لا يمكن أن يدعى أحد في ذلك الوقت والطالع دعوى صحيحة البتة ومن المعلوم لجميع العقلاء أنه يمكن إذ ذاك دعوتين من رجل محق ومبطل بذلك الطالع بعينه فما أسخف عقل من ارتبط بهذا الهذيان وبني عليه جميع حوادث الزمان وليس بيد القوم إلا ما اعترف به فاضلهم وزعيمهم أبو معشر وقال شاذان في الكتاب المذكور أيضا قلت لأبي معشر الذنب بارد يابس فلم قلتم انه يدل على التأنيث فقال هكذا قالوا قلت فقد قالوا انه ليس بصادق اليبس لكنه بارد فنظر لي فقال كل الأعراض الغائبة توهم لا يكون شيء منها يقينا وانما يكون توهم أقوى من توهم ومن تأمل أحوال القوم علم أن ما معهم إلا زرق وتفرس يصيبون معها ويخطئون قال شاذان في كتابه المذكور كان الرازي الثنوي الذي بالهند يكاتب أبا لعشر ويهاديه فأنفذ لأبي معشر مولدا لابن مالك سر نديب طالعه الجوزاء والشمس والقمر في الجدي والقمر خارج عن الشعاع وعطارد في الدلو والمشتري في الحمل وزحل في السرطان راجع في بحران الرجوع فحكم له أبو معشر بأنه يعيش دور زحل الأوسط فقلت سبحان الله جاءه راجع في بحران الرجوع في بيت ساقط عن الأوتاد لا يعطيه إلا دور الأصغر ويحتاج أن يسقط منه الخمسين وجعلت أنكر عليه ذلك وأخوفه أن تسقط منزلته عند أهل تلك البلاد إلى أن ذكر محاورة طويلة انتهت بهما إلى أن أبا معشر أخذ ذلك من عادات أهل الهند في طول الأعمار وقال شاذان في مسألة سئل عنها ما أنتم الازراقين ثم حدثت بعد هؤلاء جماعة منهم أبو الحسين عبد الرحمن بن عمر بن عبد المعروف بالصوفي وكان بعد أبي معشر بنحو من سبعين عاما فذكر أنه قد عثر من غلط الأواخر بعد الأوائل على أشياء كثيرة وصنف كتابا في معرفة الثوابت وحمله إلى عضد الدولة بن بويه فاستحسنه(2\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "448",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14904",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأجزل ثوابه وبين في هذا الكتاب من أغاليط أتباع الرصد الثاني أمورا كثيرة لعطارد المنجم ومحمد بن جابر التباني وعلي بن عيسى الحراني فقال في مقدمة كتابه ولما رأيت هؤلاء القوم مع ذكرهم في الآفاق وتقدمهم في الصناعة وإقتداء الناس بهم واشتغالهم بمؤلفاتهم قد تبع كل واحد منهم من تقدمه من غير تأمل لخطئه وصوابه بالعيان والنظروا أوهموا الناس بالرصد حتى ظن كل من نظر في مؤلفاتهم أن ذلك عن معرفة بالكواكب ومواضعها إلى أن قال ومعولهم على آلات مصورة من عمل من لا يعرف الكواكب بأعيانها وانما عولوا على ما وجدوه في الكتب من أطوالها وعروضها فرسموها في الكرة من غير معرفة خطئها وصوابها ثم قال وزادوا أيضا على أطوال الكواكب أطوالا كثيرة وعلى عروضها دقائق يسيرة ونقصوا منها أوهموا بذلك أنهم رصدوا الكل وأنهم وجدوا بين أرصادهم وأوضاع بطليموس من الخلاف في أطوالها وعروضها القدر الذي خالفوا به سوى الزيادة التي وجدوها من حركاتها في المدة التي بينهم وبينه من السنين من غير أن عرفوا الكواكب بأعيانها وله تواليف أخر مشحونة ببيان أغاليطهم وإيضاح أكاذيبه 2 م وتخاليطهم وشهد عليهم بأنهم تارة قلدوا في الأقوال النجومية وتارة قلدوا فيما وجدوه من الصور الكوكبية فهم مقلدون في القول والعمل ليس مع القوم بصيرة وشهد عليهم بأنهم مموهون مدلسون بل كاذبون مفترون من جهة أنهم زادوا دقائق ما بين زمانهم وزمان بطليموس وأوهموا بها أنهم رصدوا ما رصده من قبلهم فعثروا على ما لم يعثروا عليه ثم حدثت جماعة أخرى منهم الكوشيار بن ياسر بن الديلمي ومن تآليفه الزيجات والجامع والمجمل في الأحكام وهو عندهم نهاية في الفن وكان بعد الصوفي بنحو ثلاثين عاما وذكر في مقدمة كتابه المجمل أني جمعت في هذا الكتاب من أصول صناعة النجوم والطريق إلى التصرف فيها ما ظننته كافيا في معناه مغنيا عما سواه وأكثر الأمر فيما أخذت به أقرب طريق عزوته إلى القياس وأوضح سبيل سلكته إلى الصواب إذ هي صناعة غير مبرهنة وللخواطر والظنون مجال بلا نهاية صواب ومجال إلى أن ذكر علم الأحكام فقال فيه ولا سبيل للبرهان عليه ولا هو مدرك بكليته نعم ولا بأكثره لن الشيء الذي يستعمل فيه هذا العلم أشخاص الناس وجميع ما دون الفلك القمري مطبوع على الانتقال والتغيير ولا يثبت على حال واحدة في أكثر الأمر ولا للإنسان بكامل القوة من الحدس بخواص الأحوال التي تكون من امتزاجات الكواكب فبلغ من الصعوبة وتعسر الوقوف عليه إلى أن دفعه بعض الناس وظنوا أنه شيء لا يدركه أحد البتة وأكثر المنفردين بالعلم الأول يعنى علم الهيئة ينكرون هذا العلم ويجحدون منفعته ويقولون هو شيء يقع بالانفاق وليس عليه برهان إلى أن قال ومن المنفردين بالعلم الثاني يعنى علم الأحكام من يأتي على(2\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "449",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14905",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جزئياته بحجج على سبيل النظر والجدل فظن أنها برهان لجهله بطريق البرهان وطبيعته فحصل من كلام هذا تجهيل أصحاب الأحكام كما حصل في كلام الصوفي تكذيب أصحاب الأرصاد وهذان رجلان من عظمائهم وزعمائهم ثم حدثت جماعة أخرى منهم المنجم المعروف بالفكري منجم الحاكم بالديار المصرية وكان قد انتهت إليه رياسة هذا العلم وكان قد قرأ على من قرأ على العاصمي فوضع هو وأصحابه رصدا آخر وهو الرصد الحاكمي وخالف فيه أصحاب الرصد الممتحن في أشياء وعلى ذلك التفاوت بنوا الذريح الحاكمي وكان الحاكم قد أمرهم أن يحذوا على فعل المأمون فأمر أن يجتمعوا عنده فاجتمع المنجمون ورئيسهم الفكري فوضعوا الذبح الحاكمي وخالفوا أصحاب الرصد المأموني ومالوا أتباعهم إلى الرصد الحاكمي ولو اتفق بعد ذلك رصد آخر لسلك أصحابه في خلاف من تقدمهم مسلك أوائلهم هذا ومستند لهم ومعولهم الحس والحساب وهما هما لا يقبلان التغليط فما الظن بما يدعونه من علم الأحكام الذي مبناه على هواجس الظنون وخيالات الأوهام ثم حدثت جماعة أخرى منهم أبو الريحان البيروتي مؤلف كتاب التفهيم إلى صناعة التنجيم جمع فيه بين الهندسة والحساب والهيئة والأحكام وكان بعد كوشيار بنحو من أربعين سنة فخالف من تقدمه وأتى من مناقضتهم والرد عليهم بما هو دال على فساد الصناعة في نفسها وختم كتابه بقوله في الخبى والضمير ما أكثر افتضاح المنجمين فيه وما أكثر اصابة الراصدين فيه بما يستعملون من كلامه وقت السؤال ويرونه باديا من آثار وأفعال على السائل وقال وعند البلوغ إلى هذا الموضع من صناعة التنجيم كافية ومن تعداه فقد عرض نفسه وصناعته لما بلغت إليه الآن من السخرية والاستهزاء فقد جهلها المتفقهون فيها فضلا عن المنتسبين إليها انتهى كلامه ثم حدثت جماعة أخرى منهم أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أمية الأندلسي الشاعر المنجم الطبيب الأديب وكان بعد البيروتي بنحو من ثمانين عاما ودخل مصر وأقام بها نحو عامين ولما كان بالغرب توفيت والدة الأمين على بن يميم صاحب المهدية وكان قد وافق موتها أخبار المنجمين بذلك قبل وقوعه فعمل أمية قصيدة يرثيها وهي من مستحسن شعره فقال فيها وراعك قول للمنجم موهم ... ومن يعتقد زرق المنجم يوهم فواعجبا يهذي المنجم دهره ... ويكذب إلا فيك قول المنجم وكان المذكور رأسا في الصناعة وقد اعترف بأن المنجم كذاب صاحب زرق وهذيان ثم حدثت طائفة أخرى بالغرب منهم أبو اسحق الزر قال واصحابه وهو بعد أبي الصلت بنحو من مائة عام وقد خالف الأوائل والأواخر في الصناعتين والرصدية والأحكامية فأسقط من(2\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "450",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14906",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرصد الممتحن المأموني في البروج درجات ومن الرصد الحاكمي دقائق وسلك في الأحكام طرقا غير الطرق المعهودة منه اليوم وزعم أن عليها المعول وأن طرق من تقدمه ليست بشيء ولو حدث في هذا العصر من يشبه من تقدمه لرأينا اختلافا آخر ولكن هذه الصناعة قد ماتت ولم يبق بأيدي المنتسبين إليها إلا تقليد هؤلاء الضلال فيما فهموه من كلامهم الباطل وما لم يفهموه منه فقد يظنون أنه صحيح ولكن إفهامهم نبت عنه وهذا شأن جميع أهل الضلال مع رؤسائهم ومتبوعيهم فجهال النصارى إذا ناظرهم الموحد في تثليثهم وتناقضه وتكاذبه قالوا الجواب على القسيس والقسيس يقول الجواب على المطران والمطران يحيل الجواب على البترك والبترك على الأسقف والأسقف على الباب والباب على الثلاثمائة والثمانية عشر أصحاب المجمع الذي اجتمعوا في عهد قسطنطين ووضعوا للنصارى هذا التثليث والشرك المناقض للعقول والأديان ولعلهم عند الله أحسن حالا من أكثر القائلين بأحكام النجوم الكافرين برب العالمين وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فصل ورأيت لبعض فضلائهم وهو أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى رسالة بليغة في الرد عليهم وإبداء تناقضهم كتبها لما بصره الله رشده واراه بطلان ما عليه هؤلاء الضلال الجهال كتبها نصيحة لبعض إخوانه فأحببت أن أوردها بلفظها وان تضمنت بعض الطول والتكرار وأتعقب بعض كلامه بتقرير ما يحتاج إلى تقرير وسؤال يورد عليه ويطعن به على كلامه ثم بالجواب عنه ليكون قوة للمسترشد وبيانا للمتحير وتبصرة للمهتدي ونصيحة لأخواني المسلمين وهذا أولها بسم الله الرحمن الرحيم عصمك الله من قبول المحالات واعتقاد ما لم تقم عليه الدلالات وضاعف لك الحسنات وكفاك المهمات بمنه ورحمته كنت أدام الله توفيقك وتسديدك ذكرت لي اهتمامك بما قد لهج به وجوه أهل زماننا من النظر في الأحكام النجوم وتصديق كل ما يأتي من أدعى أنه عارف بها من علم الغيب الذي تفرد الله سبحانه وتعالى به ولم يجعله لأحد من الأنبياء والمرسلين ولا ملائكته المقربين ولا عباده الصالحين من معرفة طويل الأعمار وقصيرها وحميد العواقب وذميمها وسائر ما يتجدد ويحدث ويتخوف ويتمنى وسألنى أن اعمل كتابا أذكر فيه بعض ما وقع من اختلافهم في أصول الأحكام الدالة على وهمهم قبح اعتقادهم وما يستدل به من طريق النظر والقياس على ضعف مذهبهم وألخص ذلك واختصره واقربه بحسب الوسع والطاقة فوعدتك بذلك وقد ضمنته كتابي هذا والله أسأل(2\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "451",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14907",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عونا على ما قرب منه وتوفيقا لما أزلف لديه انه قريب مجيب فعال لما يريد لست مستعملا للتحامل على من أثبت تأثير الكواكب في هذا العالم وترك إنصافهم كما فعل قوم ردوا عليهم فانهم دفعوهم عن أن يكون لها تأثير البتة غير وجود الضياء في المواضع التي تطلع فيها الشمس والقمر وعدمه فيما غابا عنه وما جرى هذا المجرى بل أسلم لهم أنها تؤثر تأثيرا ما يجري على الأمر الطبيعي مثل أن يكون البلد القليل العرض مزاجه يميل عن الاعتدال إلى الحر واليبس وكذلك مزاج أهله ضعيف وألوانهم سود وصفر كالنوبة والحبشة وأن يكون البلد الكثير العرض مزاجه يميل عن الاعتدال إلى البرد والرطوبة وكذلك مزاج أهله وأجسامهم عبلة والوانهم بيض وشعورهم شقر مثل الترك والصقالبة ومثل أن يكون النبات ينمو ويقوى ويتكامل وينضج ثمره بالشمس والقمر فان أهل الصحراء ومن يعانيها مجمعون على أن القثاء تطول وتغلظ بالقمر وقد شاهدت غير شجرة كبيرة حاملة من التين والتوت وغيرهما فما قابل الشمس منه أسرع نضج الثمر الكائن فيه وما خفى منها عنها بقي ثمره فجا وتأخر إدراكه ومثال ذلك ما شاهد من حال الريحان الذي يقال له اللينوفر وحال الخبازي وورق الخطمى والأدريون وأشياء كثيرة من النبات فانا نراه يتحرك وينفتح مع طلوع الشمس ويضعف إذا غابت لأن هذه أمور محسوسة وليس الكلام في هذا التأثير كيف هو وعلى أي سبيل يقع فما يليق بغرضنا ههنا فلذلك أدعه فأما ما يزعمونه فيما عدا هذا من أن النجوم توجب أن يعيش فلان كذا كذا سنة وكذا كذا شهرا وينتهون في التحديد إلى جزء من ساعة وأن يدل على تقليد رجل بعينه الملك وتقليد آخر بعينه الوزارة وطول مدة كل واحد منهما في الولاية وقصرها وما فعله الإنسان وما يفعله في منزله وما يضمره في قلبه وما هو متوجه فيه من حاجاته وما هو في بطن الحامل والسارق ومن هو والمسروق وما هو وأين هو وكميته وكيفيته وما يجب بالكسوف وما يحدث معه والمختار من الأعمال في كل يوم بحسب اتصال القمر بالكواكب من أن يكون هذا اليوم صالحا للقاء الملوك والرؤساء وأصحاب السيوف وهذا يوم محمود للقاء الكتاب والوزراء وهذا اليوم محمود للقاء القضاة وهذا اليوم محمود لأمور النساء وهذا اليوم محمود لشرب الدواء والفصد والحجامة وهذا اليوم محمود للعب الشطرنج والنرد وغير ذلك فمحال أن يكون معلوما من طريق الحس وليس نص من كتاب الله بل قد نص الله سبحانه وتعالى فيه على بطلانه بقوله تبارك وتعالى قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ولا من سنة رسول الله بل قد جاء عنه أنه قال من أتى عرافا أو كاهنا أو منجما فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ولا هاهنا ضرورة تدعو إلى القول به ولا هو أول في المعقول ولا يأتون عليه ببرهان ولا دليل(2\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "452",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14908",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مقنع وهذه هي الطرق التي تثبت بها الموجودات وتعلم بها حقائق الأشياء لا طريق هاهنا غيرها ولا شيء لأحكام النجوم منها وانا ابتدئ الآن بوصف جملة من اختلافهم في الأصول التي يبنون عليها أمرهم ويفرعون عنها أحكامهم وأذكر المستبشع من أقاويلهم وقضاياهم وظاهر مناقضاتهم ثم آتى بطرف من احتجاجهم والاحتجاج عليهم والله والموفق للصواب بفضله ذكر اختلافهم في الأصول زعموا جميعا أن الخير والشر والاعطاء والمنع وما أشبه ذلك يكون في العالم بالكواكب وبحسب السعود منها والنحوس وعلى حسب كونها من البروج الموافقة والمنافرة لها وعلى حسب نظر بعضها إلى بعض من التسديس والتربيع والتثليث والمقابلة وعلى حسب محاسدة بعضها بعضا وعلى حسب كونها في شرفها وهبوطها ووبالها ثم اختلفوا على أي وجه يكون ذلك فزعم قوم منهم أن فعلها بطبائعها وزعم آخرون أن ذلك ليس فعلا لها لكنها تدل عليه بطبائعها قلت وزعم آخرون أنها تفعل في البعض بالعرض وفي البعض بالذات قال وزعم آخرون أنها تفعل بالاختيار لا بالطبع ألا أن السعد منها لا يختار إلا الخير والنحس منها لا يختار إلا الشر وهذا بعينه نفى للاختيار فان حقيقة القادر المختار القدرة على فعل أي الضدين شاء وترك أيهما شاء قلت ليس هذا بشيء فانه لا يلزم من كون المختار مقصود الاختيار على نوع واحد سلب اختياره ولكن الذي يبطل هذا أنهم يقولون أن الكوكب النحس سعد في برج كذا وفي بيت كذا وإذا كان الناظر إليه من النجوم كذا وكذا وكذلك الكوكب السعد ويقولون أنها تفعل بالذات خيرا وبالعرض شرا وبالعكس وقد يقولون أنها تختار في زمان خلاف ما تختار في زمان آخر وقد تتفق كلها أو أكثرها على إيثار الخير فيكون في العالم في ذلك الوقت على الأكثر الخير والنفع والحسن قالوا كما كان في زمن بهمن وفي أيام أنوشروان وبضد ذلك أيضا فيقال إذا كانت مختارة وقد تتفق على إرادة الخير وعلى إرادة الخير والشر بطل دلالة حصولها في البروج المعينة ودلالة نظر بعضها إلى بعض بتسديد أو تربيع أو تثليث أو مقابلة لأن هذا شأن من يقع فعله إلا عن وجه واحد في وقت معين على شروط معينة ولا ريب أن هذا ينفي الاختيار فكيف يصح قولكم بذلك وجمعكم بين هاتين القضيتين أعني جواز اختيارها في زمان خلاف ما تختاره في زمان آخر وجواز اتفاقها على الخير واتفاقها على الشر من غير ضابط ولا دليل يدلكم عليه ثم تحكمون بتلك الأحكام مستندين فيها إلى حركاتها المخصوصة وأوضاعها ونسبة بعضها إلى بعض وهل هذا الاضحكة للعقلاء قال وزعم آخرون أنها لا تفعل باختيار بل تدل باختيار وهذا كلام لا يعقل معناه إلا أنى ذكرته لما كان مقولا واختلفوا فقالت فرقة من الكواكب ما هو سعد ومنها ما هو نحس وهي تسعد غيرها وتنحسه وقالت فرقة هي في أنفسها طبيعة واحدة(2\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "453",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14909",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وانما تختلف دلالتها على السعود والنحوس وان لم تكن في أنفسها مختلفة واختلفوا فقال قوم أنها تؤثر في الأبدان والأنفس جميعا وقال الباقون بل في الأبدان دون الأنفس قلت أكثر المنجمين على القول بأنها تسعد وتنحس غيرها وأما الفرقة التي قالت هي دالة على السعد والنحس فقولهم وان كان أقرب إلى التوحيد من قول الأكثرين منهم فهو أيضا قول مضطرب متناقض فان الدلالة الحسية لا تختلف ولا تتناقض وهذا قول من يقول منهم أن الفلك طبيعة مخالفة لطبيعة الاستقصاب الكائنة الفاسدة وأنها لا حارة ولا باردة ولا يابسة ولا رطبة ولا سعد ولا نحس فيها وانما يدل بعض أجرامها وبعض أجزائها على الخير وبعضها على الشر وارتباط الخير والشر والسعد والنحس بها ارتباط المدلولات بأدلتها لا ارتباط المعلومات بعللها ولا ريب أن قائل هذا أعقل وأقرب من أصحاب القول بالاقتضاء الطبيعي والعلية وأما القول بتأثيرها في الأبدان والأنفس فهو قول بطليموس وشيعته وأكثر الأوائل من المنجمين وهؤلاء لهم قولان أحدهما أنها تفعل في الأنفس بالذات وفي الأبدان بالعرض لأن الأبدان تنفعل عن الأنفس والثاني أنها هي سبب جميع ما في عالم الكون والفساد وفعلها في ذلك كله بالذات وكأنه لاخلاف بين الطائفتين فان الذين قالوا فعلها في النفوس لا يضيفون انفعال الأبدان إلى غيرها بذاتها بل بوسائط قال واختلف رؤساؤهم بطليموس ودورسوس وانطيقوس وريمسس وغيرهم من علماء الروم والهند وبابل في الحدود وغيرها وتضادوا في المواضع التي يأخذون منها دليلهم فبعضهم يغلب رب بيت الطالع وبعضهم يقول بالدليل المستولى على الحظوظ واختلفوا فزعم بطليموس أنهم يعلم منهم السعادة بأن يأخذ أبدا العدد الذي يحصل من موضع الشمس إلى موضع القمر ويبتدئ من الطالع فيرصد منه مثل ذلك العدد ويأخذ إلى الجهة التي تتلو من البروج فيكون قد عرف موضع السهم وزعم غيره أنه يعد من الشمس ثم يبتدئ من الطالع فيعد مثل ذلك إلى الجهة المتقدمة من البروج قلت وزعم آخرون أن بطليموس يرى أن جميع ما يكون ويفسد إنما يعرف دليله من موضع التقاء النيرين إما الاجتماع واما الامتلاء لأن هذين الكوكبين عنده مثل الرئيسين العظيمين أحدهما يأتمر لصاحبه وهو القمر وهما سببا جميع ما يحدث في عالم الكون والفساد وأن الكواكب الجارية والثابتة منهما بمنزلة الجند والعسكر من السلطان فإذا اراد النظر في أمر من الأمور فان كان بعد الاجتماع أو عنده فانه يأخذ الدليل عليه من الكوكب المستولى على جزء الاجتماع وجزئي الشمس والقمر في الحال وشاركه مع الشمس بالنسبة إلى الطالع وإذا كان بعد الامتلاء أو عنده فانه ينظر أي النيرين كان فوق الأرض عند الامتلاء وينظر إلى الكوكب المستولى على ذلك الجزء وجزء النير الذي كان بعد الشمس من الطالع كبعد القمر من سهم السعادة(2\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "454",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14910",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلذلك يجب عنده أن يؤخذ العدد أبدا من الشمس إلى القمر لتبقى تلك النسبة وهي البعد بين كل واحد من النيرين طالعه محفوظ فهذا قول آخر غير قول أولئك وللفرس مذهب آخر وهو أنهم قالوا لما كانت الشمس لها نوبة النهار والقمر له نوبة الليل وكان سهم السعادة بالنهار يؤخذ من الشمس إلى القمر وجب أن يعكس ذلك بالليل لأن نسبة النهار إلى الشمس مثل نسبة الليل إلى القمر وكل واحد من النيرين ينوب واحدا من الزمانين فيأخذون منهم السعادة بالليل من القمر إلى الشمس وبالنهار بالعكس وزعموا أن كلام بطليموس إنما يدل على هذا لأنه قال وان أخذنا من الشمس إلى القمر إلى خلاف تأليف البروج وألقيناه بالعكس كان موافقا للأول فقالوا يجب أن يعكس الأمر بالليل فهذا اختلاف المنجمين على بطليموس ينقض بعضه بعضا وليس بأيدي الطائفة برهان يرجحون به قولا على قول أن يتبعون إلا الظن وان الظن لا يغنى من الحق شيئا فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلى الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم أن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى قال واختلفوا فرتبت طائفة منهم البروج المذكورة والمؤنثة من البرج الطالع فعدوا واحدا مذكرا وآخر مؤنثا وصيروا الابتداء بالمذكر وقسمت طائفة أخرى البروج أربعة أجزاء وجعلوا البروج المذكرة هي التي من الطالع إلى وسط السماء والتي يقابلها من الغرب إلى وتد الأرض وجعلوا الربعين الباقيين مؤنثين قلت ومن هذيانهم في هذا الذي أضحكوا به عليهم العقلاء أنهم جعلوا البروج قسمين حار المزاج وبارد المزاج وجعلوا الحار منها ذكرا والبارد أنثى وابتدؤا بالحمل وصيروه ذكرا حارا ثم الذي بعده مؤنثا باردا ثم هكذا إلى آخرها فصارت ستة ذكورا وستة أناثا وليست على الأوائل واحد ذكر وثلاثة أخر أنثى مخالف له في الطبيعة والذكورية والأنوثية مع أن قسمة الفلك إلى البروج قسمة فرضية وضعية فهل في أنواع هذيان الهاذين أعجب من هذا ولما رأى من به رمق من عقل منهم تهافت هذا الكلام وسخرية العقلاء منه رام تقريبه بغاية جهده وحذقه فقال إنما ابتدأ بالذكر دون الأنثى لأن الذكر أشرف من الأنثى لأنه فاعل والأنثى منفعلة فاعجبوا يا معشر العقلاء واسألوا الله أن لا يخسف بعقولكم كما خسف بعقول هؤلاء لهذا الهذيان افترى في البروج ناكحا ومنكوحا يكون المنكوح منها منفعلا لناكحه بالذكورية والأنوثية تابعة لهذا الفعل والانفعال فيها قال وأيضا فالذكورية بسبب الانفراد وازواج فيها فان الأفراد ذكور والأزواج إناث وهذا أعجب من الأول أن الذكر ينضم إلى الذكر فيصير المضموم إليه أنثى فتبا للمصغي إليكم والمجوز عقله صدقكم واصابتكم وأما أنتم فقد أشهد الله سبحانه عقلاء عباده وأنبأهم مقدار عقولكم وسخافتها فلله الحمد والمنة قال هذا المنتصر لهم وانما جعلوا الأفراد لذكور والأزواج للأنثى لأن الفرد(2\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "455",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14911",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يحفظ طبيعته أعنى ينقسم دائما إلى فرد والزوج لا يحفظ طبيعته أعني ينقسم مرة إلى الأفراد ومرة إلى الأزواج كما يعرض ذلك للأنثى فانها تلد مرة مثلها ومرة ذكرا مخالفا لها ومرة ذكرين ومرة أنثيين ومرة ذكرا وأنثى وفساد هذا والعلم بفساد عقل صاحبه ونظره مغن لذي اللب عن تطلب دليل فساده قال المنتصر وانما جعلوا للبرج الأنثى بل برج الذكر فلان الطبيعة هكذا ألف الاعداد واحدا فردا وآخر زوجا هكذا بالغا ما بلغ هذه القسمة عندهم هي قسمة ذاتية للبروج ولها قسمة ثانية بالعرض وهي أنهم يبدؤن من الطالع إلى الثاني عشر فيأخذون واحدا ذكرا وهو الأول وآخر أنثى وهو ما يليه وهذه تختلف بحسب اختلاف الطالع والقسمة الأولى إنما كانت ذاتية لأن الابتداء لها برأس الحمل وهو موضع تقاطع الدائرتين اللتين هما فلك البروج ومعدل النهار وأما الليل للقسمة فانه لا يبقى على حال واحدة لأنه مأخوذ من الجزء المماس لأفق البلد وهو دائما يتغير بحركته مع الكل وحصول الأجزاء كلها واحدا بعد آخر على الأفق دوره واحدة وأما قسمة الفلك أرباعا فانهم قالوا إذا خرج خط من أفق المشرق إلى أفق المغرب وخط من وتد الأرض إلى وسط السماء انقسمت البروج أربعة أقسام كل قسم ثلاثة بروج على طبيعة واحدة ابتداء كل قسم من طرف قطر إلى طرف القطر الذي يليه وأطراف هذين القطرين تسمى أوتاد العالم والقسم الأول من وتد المشرق إلى وتد العاشر ذكر شرقي مخفف سريع ومن وتد العاشر إلى وتد الغارب مؤنث جنوبي محرق وسط ومن ذيل الغارب إلى وتد الرابع ذكر مقبل رطب غربي بطيء ومن وتد الرابع إلى وتد الطالع مؤنث دليل مبرد شمالي وسط وهذه القسمة مخالفة لتلك القسمتين لان هذه قسمة البروج بأربعة أقسام متساوية كل ثلاثة بروج منها تسعين درجة لها طبيعة تخصها مع أن الفلك شيء واحد وطبيعة واحدة وقسمته إلى الدرج والبروج قسمة وهمية بحسب الوضع فكيف اختلفت طبائعها وأحكامها وتأثيراتها واختلفت بالذكروية والأنوثية ثم أن بعض الأوائل منهم لم يقتصر على ذلك بل ابتدأ بالدرجة الأولى من الحمل فنسبها إلى الذكورية والثانية إلى الأنوثية هكذا إلى آخر الحوت ولا ريب أن الهذيان لازم لمن قال بقسمة البروج إلى ذكر وأنثى وقال الذكر طبيعة الفرد والأنثى طبيعة الزوج فان هذا بعينه لازم لهم في درجات البرج الواحد وكأن هذا القائل تصور لزومه لأولئك فالتزمه وأما بطليموس فله هذيان آخر فانه ابتدأ بأول درجة كل برج ذكر فنسب منها إلى تمام أثنى عشر درجة وبضعا إلى الذكورية ومنه إلى تمام خمس وعشرين درجة إلى الأنوثية ثم قسم باقي البرج بالنصفين فنسب النصف الأول إلى الذكر والنصف الآخر إلى الأنثى وعلى هذه القسمة ابتدأ بالبروج الأنثى فنسب الثلث ونصف السدس إلى الأنوثية ومثلها بعده إلى الذكروية وبقى(2\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "456",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14912",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سدس قسمه بنصفين فنسب النصف الأول إلى الأنثى والآخر إلى الذكر كما عمل بالبرج الذكر حتى أتى على البروج كلها وأما دوروسوس فله هذيان آخر فانه يقسم البروج كلها كل برج ثمانية وخمسين دقيقة ومائة وخمسين ثانية ثم ينظر فان كان البرج ذكرا أعطى القسمة الأولى للذكر ثم الثانية للأنثى إلى أن يأتي على الأقسام كلها وان البرج أنثى أعطى القسمة الأولى للذكر إلى أن يأتي على الأقسام كلها ولو قدر أن جاهلا آخر تفنن في هذه الأوضاع وقلبها وتكلم عليها لكان من جنس كلامهم ولم يكن عندهم من البرهان ما يردون به قوله بل أن رأوه قد أصاب في بعض أحكامه لا في أكثرها أحسنوا به الظن وتقلد واقوله وجعلوه قدوة لهم وهذا شأن الباطل عدنا إلى كلام عيسى في رسالته قال واختلفوا في الحدود فزعم أهل مصر أنها تؤخذ من أرباب البيوت وزعم الكلدانيون أنها تؤخذ من مدبر المثليات وإذا كان اختلاف الذين يعتدون بهم في أصولهم هذا الاختلاف وليس هم ممن يطالب بالبرهان ولا يعتقد الشيء حتى يصح على البحث والقياس فيعرفون مع من الحق من رؤسائهم وفي أي قول هو من أقوالهم فيعملون به وانما طريقتهم التسليم لما وجدوه في الكتب المنقولة من لسان إلى لسان فكيف يجوز لهم أن يتفردوا باعتقاد قول من هذه الأقوال وينصرفوا عما سواه إلا على طريق الشهوة والتخمين والله المستعان ذكر بعض ما يستبشع من أقوالهم ويستدل به على مناقضتهم من ذلك زعمهم أن الفلك جسم واحد وطبيعة واحدة وأنه شيء واحد وليس باشياء مختلفة ثم زعموا بعد ذلك أن بعضه ذكر وبعضه أنثى ولا دلالة لهم على ذلك ولا برهان ولا وجدنا جسما واحدا في الشاهد بعضه ذكر وبعضه أنثى قلت قد رام بعض المبلسين من فضلائهم تصحيح هذا الهذيان فقال ليس يستحيل أن يكون جسم واحد بعضه أنثى وبعضه ذكر كالرجل مثلا فان العين والأذن واليد والرجل منه مؤنثة والرأس والصلب والصدر والظهر منه ذكر وأيضا فان الجسم مركب من الهيولى والصورة والهيولي مذكرة والصورة مؤنثة وأيضا لما وجد المنجمون الشمس تدل على الآباء والأب ذكر والقمر يدل على الآم وهي أنثى قالوا أن الشمس ذكر والقمر أنثى قالوا وقد قال أرسطو في كتاب الحيوان طمث المرأة يقل في نقصان الشهر وكذلك قال بعض الناس أن القمر أنثى قالوا وأيضا فالشمس إذا كانت قريبا من سمت الرؤس كان الحر واليبس وهما من طبيعة الذكورية والقمر إذا كان يقرب من سمت الرؤس بالليل كان البرد والرطوبة وهما من طبيعة الأنثى فليعجب العاقل اللبيب من هذه الخرافات فأما أعضاء الإنسان الذكور والأنثى فذلك أمر راجع إلى مجرد اللفظ والحاق علامة التأنيث في تصغيره ووصفه وخبره وعود الضمير عليه بلفظ التأنيث وجمعه جمع المؤنث وليس ذلك عائد إلى طبيعة العضو ومزاجه فنظير هذا قول النحاة الشمس مؤنثة للحاق العلامة لها في تصغيرها فنقول شميسة وفي الخبر عنها نحو الشمس طالعة والقمر مذكر لعدم(2\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "457",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14913",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لحاق العلامة له في شيء من ذلك فعلى هذا الوجه وقع التذكير والتأنيث في أعضاء الحيوان وأما قسمتكم البروج وأجزاء الفلك إلى مذكر ومؤنث فليست بهذا الاعتبار بل باعتبار الفعل والانفعال والحرارة والرطوبة فتشبيه أحد البابين بالآخر تلبيس وجهل وأما تركب الجسم من الهيولى والصورة فأكثر العقلاء نفوه وقالوا هو شيء واحد متصل متوارد عليه الاتصال والانفصال كما يتوارد عليه غيرهما من الأغراض فيقبلها ولا يلزم من قبول الاتصال والانفصال أن يكون هناك شيء آخر غير الجسمية يقبل به ذلك والذين قالوا بتركيبه منهما لم يقل أحد منهم أصلا أنه مركب من ذكر وأنثى والصورة مؤنثة في اللفظ لا في الطبيعة واضحكاه على عقولهم السخيفة وأما دلالة الشمس على الأب وهو مذكر ودلالة القمر على الأم وهي أنثى فلو سلمت لكم هذه الدلالة كيف يلزم منها تذكير مادل على الذكر وتأنيث ما يدل على الأنثى وأين الارتباط العقلي بين الدليل والمدلول في ذلك كيف ودلالة الشمس على الأب والقمر على الأم مبنى على تلك الدعاوي الباطلة التي ليس لها مستند إليه إلا خيالات وأوهام لا يرضاها العقلاء وأما ما حكوه عن ارسطو فنقل محرف ونحن نذكر نصه في الكتاب المذكور فان لنا به نسخة مصححه قد اعتنى بها قال في المقالة الثامنة عشر بعد أن تكلم في علة الاذكار والايناث وذكر قول من قال أن سبب الاذكار حرارة الرحم وسبب الايناث برودته وأبطل هذا بأن الرحم مشتمل على الذكر والأنثى معا في الإنسان وفي كل حيوان يلد قال فقد كان ينبغي على قول هذا القائل أن يكون التوأمان إما ذكرين واما أنثيين وأبطله بوجوه أخر وهذا رأي أنبذ فليس وذكر قول ديمقراطيس أن ذلك ليس لأجل حرارة الرحم وبرودته بل بحسب الماء الذي يخرج من الذكر وطبيعته في الحرارة والبرودة وجعل قوة الاذكار والايناث تابعة لماء الذكر وذكر قول طائفة أخرى أن خروج الماء من الناحية اليمنى من البدن هي علة الاذكار وخروجه من الناحية اليسرى هي علة الايناث قال أن الناحية اليمنى من الجسد أسخن من الناحية اليسرى وأنضج وأدفأ من غيرها ورجع قول ديمقراطيس بالنسبة إلى هذه الآراء ثم قال فقد بينا العلة التي من أجلها يخلق في الرحم ذكر وأنثى والأغراض التي تعرض تشهد لما بينا أن الأحداث يلدون الإناث أكثر من الشباب والمتشيبون يلدون إناثا أيضا أكثر من الشباب لأن الحرارة التي في الأحداث ليست بتامة بعد الحرارة التي في الشيوخ ناقصة والأجسام الرطبة التي خلقتها شبيهة بخلقة بعض النساء تلد إناثا أكثر ثم قال فإذا كانت الريح شمالا كان الولد ذكرا وإذا كانت جنوبا كان المولود أنثى لأن الأجساد إذا هبت الجنوب كانت رطبة وكذلك يكون الزرع أكثر وكلما كثر الزرع يكون الطبخ غير نضج ولحال هذه العلة يكون زرع الذكرية ويكون دم طمث النساء من قبل الطباع عند خروجه أرطب أيضا قلت ومراده بالزرع الماء الذي يكون من(2\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "458",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14914",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرجال قال ولحال هذه العلة يكون طمث النساء من قبل الطباع في نقص الأهلة أكثر لأن تلك الأيام أبرد من سائر ايام الشهر وهي أرطب أيضا لنقص الأهلة وقلة الحرارة والشمس تصير الصيف والشتاء في كل سنة فأما القمر فيفعل ذلك في كل شهر فتأمل كلام الرجل فأنه لم يتعرض لكون القمر ذكر ولا أنثى ولا أحال على ذلك وانما أحال على الأمور الطبيعية في الكائنات الفاسدات وبين تأثير النيرين في الرطوبة واليبوسة والحرارة والبرودة وجعل لذلك تأثيرا في الاذكار والايناث لا للنجوم والطوالع ومع أن كلامه أقرب إلى العقول من كلام المنجمين فهو باطل من وجوه كثيرة معلومة بالحس والعقل وأخبار الأنبياء فان الاذكار والايناث لا يقوم عليه دليل ولا يستند إلى أمر طبيعي وانما هو مجرد مشيئة الخالق البارئ المصور الذي يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور ويزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما انه عليم قدير الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى وكذا هو قرين الأجل والرزق والسعادة والشقاوة حيث يستأذن الملك الموكل بالمولود ربه وخالقه فيقول يا رب أذكر أم أنثى سعيد أم شقي فما الرزق فما الأجل فيقضى الله ما يشاء ويكتب الملك ولاستقصاء الكلام في هذه المسألة موضع هو أليق بها من هذا وقد أشبعنا الكلام فيها في كتاب الروح والنفس وأحوالها وشقاوتها وسعادتها ومقرها بعد الموت والمقصود الكلام على أقوال الأحكاميين من أصحاب النجوم وبيان تهافتها وأنها إلى المحالات والتخيلات أقرب منها إلى العلوم والحقائق وأما قول المنتصر لكم أن الشمس إذا كانت مسامتة الرؤوس كان الحر واليبس وهما من طبيعة الذكور وإذا كان القمر مسامة للرؤس كان البرد والرطوبة وهما من طبيعة الإناث فيقال هذا لا يدل على تأنيث القمر وتذكير الشمس بوجه من الوجوه فان البرد والرطوبة يكونان أيضا بسبب بعد الشمس من المسامتة وميلها عن الرءوس وحصولها في البروج الشمالية سواء كان القمر مسامتا أو غير مسامت فينبغي على قولكم أن يكون سبب هذا البرد أنثى وهذا لا يقوله عاقل بل الأسباب طبيعية من برد الهواء وتكاثفه وتأثير الشمس في تحليل الأبخرة التي تكون منها الحرارة بسبب بعدها عن الرؤس وليس سبب ذلك أنثى اقتضته وفعلته فقد جمعتم إلى جهلكم بالطبيعة والكذب على الخلقة القول الباطل على الله وعلى خلقه وليس العجب إلا ممن يدعى شيئا من العقل والمعرفة كيف ينقاد له عقله بالإصغاء إلى محالاتكم وهذاياناتكم ولكن كل مجهول مهيب ولما تكايس من تكايس منكم في أمر الهيولي وزعم أنها أنثى وان الصورة ذكر وان الجسم الواحد مشتمل على الذكر والأنثى أضحك عقلاء الفلاسفة عليه فان زعيمهم ومعلمهم الأول قد نص في كتاب الحيوان له على أن الهيولى في الجسم كالذكر وان قلتم فهذا يشهد لقولنا أيضا لأنها أن كانت عنده كالذكر فالصورة أنثى فصار الجسم الواحد بعضه ذكر وبعضه أنثى قلنا القائلون(2\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "459",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14915",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بتركب الأجسام من الهيولى والصورة لم يقولوا أن أحدهما متميز عن الآخر كما زعمتم ذلك في أجزاء الفلك بل عندهم الهيولي والصورة قد اتحدا وصارا شيئا واحدا فالإشارة الحسية إلى أحدهما هي بعينها إشارة إلى الآخر وأنتم جعلتم الجزء المذكر من القلب مباينا للجزء الأنثى منه بالوضع والحقيقة والإشارة إلى أحدهما غير الإشارة إلى آخر وللكلام مع أصحاب الهيولي مقام آخر ليس هذا موضعه فان دعوى تركب الجسم منهما دعوى فاسدة من وجوه كثيرة وليس يصح شيء منه غير الهيولي الصناعية كالخشب للسرير والطبيعية كالمني للمولود وهي المادة الصناعية والطبيعية وما سوى ذلك فخيال ومحال والله المستعان عدنا إلى كلام صاحب الرسالة قال ومن ذلك زعمهم انه أن اتفق مولود ابن ملك وان حجام في البلد والوقت والطالع والدرجة وكانت سائر دلالات السعادة موجودة في مولديهما وجب أن يكون من ابن الملك ملك جليل سائس مدبر ومن ابن الحجام حجام حاذق وهذا يخرج النجوم عن أن تكون تدل على ما يتحدد من حال الإنسان ويجعلها تدل على حذقه وصناعة أبيه وتقصيره فيها قلت ومما يوضح فساد قولهم في ذلك أن بطليموس جعل الكواكب الدالة على الصناعات ثلاثة المريخ والزهرة وعطارد وقال لأن الصناعات العملية تحتاج إلى ثلاثة أشياء ضرورية أحدها المعرفة والثاني الآلة والثالث الطاقة في الكف ليخرج المعلول المصنوع حسنا والآلة للمريخ التي يشير إليها يكون على الأكثر إما حديد واما مصاحبة للحديد ولذلك يقولون صورته صورة شاب بيمناه سيف مسلول وبيسراه رأس سنان وهو راكب أسدا وثيابه حمر تلهب وآخرون منهم يقولون على رأسه بيضة وبيسراه طبرزين وعليه خرقة حمراء وهو راكب فرسا أشهب والمعرفة لعطارد ولذلك يقولون صورته صورة شاب بيمناه حبة وبيسراه لوح يقرأه وعلى رأسه تاج وثبابه ملوثة بالتزاويق والنقوش وما شاكل ذلك للزهرة ولذلك يقولون صورتها صورة امرأة حسنة بين يديها مدق تضرب به وهي راكبة على جمل ومنهم من يقول امرأة جالسة مرخاة الشعر ذوائبها بيسراها وباليمنى مرآة تنظر فيها نظيفة الثوب وعليها طوق واسورة وخلاخل وأما الشمس والقمر فهما الدالان على الملك فالشمس صورتها صورة رجل بيده اليمنى عصا يتوكأ عليها وباليسرى جزر راكب عجلة تجرها أربعة نمور ومنهم من يقول صورتها صورة رجل جالس قابض على أربعة أعنة أفراس ووجهه كالطبق يلتهب نارا قالوا ودلائل الملك ليست بأعيانها هي دلائل الصناعات ودلائل الصناعات هي دلالات الملك بل قد يجوز أن يدل على رياسة ما إلا أن الملك أخص من الرياسة ولكل واحد من الكواكب على الإطلاق دلالة على رياسة ما في معنى من المعاني فيقال أرأيتم أن حصلت أدلة الملك في طالع مولود ليس من الملك في شيء بل أكثر المولودين لا ينالون الملك البتة(2\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "460",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14916",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وانما يناله واحد من الناس ولا يلزم أن يكون في آبائه ملك ولا يكون ابن ملك فما بال طالع الملك المشترك بين عدة أولاد خص هذا وحده حتى أن أكثركم ينظر بنص بطليموس إلى جنس المولود وما يصلح له فيحكم على ابن الملك بالملك وعلى ابن الحجام بالحجامة فان كان طالعهما واحدا حكم بتقدم ابن الحجام في رياسة صناعته وكونه كملكهم ومعلوم أن الحس والوجود أكبر المكذبين لكم في هذه الحكام فما كثر من نال الملك وليس هو من أبناء الملوك البتة ولا كان طالعه يقتضي ذلك وحرمه من يقتضيه طالعه بزعمكم ممن أبوه ملك وكذلك الكلام في غير الملك من الطالع الذي يقتضي كون المولود حكيما عالما أو حاذقا في صناعته كم قد أخلف وحصل العلم والحكمة والتقدم في الصناعة لغير أرباب ذلك الطالع وفي ذلك أبين تكذيب لكم وابطال لقولكم والله المستعان قال صاحب الرسالة وأبعد من ذلك قولهم أن الكواكب المتحيرة أجل من الثوابت وأبين تأثيرا في العالم وان كل واحد من الكواكب الثابتة يفعل فعلا واحدا لا يزول عنه من غير أن ينحس أو يسعد وان عطارد هو من الكواكب المتحيرة ليس له طبع يعرف وأنه نحس إذا قارن النحوس وسعد إذا قارن السعود ومن ذلك قولهم أن قوة القمر الترطيب وان العلة في ذلك قرب فلكه من الأرض وقبوله البخارات الرطبة التي ترتفع إليه منها وان قوة زحل أن يبرد ويجفف تجفيفا يسيرا وان علة ذلك بعده عن حرارة الشمس وعن البخارات الرطبة التي ترتفع من الأرض وان قوة المريخ مجففة محرقة لمشاكلة لونه للون النار ولقربه من الشمس لأن الكرة التي فيها الشمس موضوعة تحته قلت فليتأمل العاقل ما في هذا الكلام من ضروب المحال وما للفلك ووصول البخارات الأرضية إليه وهل في قوة البخارات تصاعدها إلى سطح الفلك مع البعد المفرط والبخار إذا ارتفع فغاية ارتفاعه كارتفاع السحاب لا يتعداه وهل تتأثر العلويات بطبائع السفليات وتتكيف بكيفياتها وتنفعل عنها ومما يدل على فساد ذلك أيضا أن القمر لو كان مترطبا من البخارات وجب أن تزداد رطوبته في كل يوم لأنه دائم القبول للبخارات ولا يقولون ذلك وان التزامه منهم مكابر وقال كل يوم يزداد رطوبة قلت له فما تنكر أن تكون دلالة زحل والمريخ على النحوس تتزايد وتكون دلالته على النحوس في اليوم أكثر من دلالته في الأمس ولو فتح عليكم هذا الباب فلعل السعد ينقلب نحسا وبالعكس وهذا يرفع الأمان عن أصول هذا العلم وأيضا فإذا جوزتم انفعال الفلكيات عن أجزاء هذا العالم السفلي لزمكم تجويز فساد هذه الكواكب من هذه الأجرام العنصرية ولزمكم تجويز أن ترتفع إلى القمر من الأدخنة ما يوجب جفافه وبلوغه في اليبس الغاية وأيضا فاذا جوزتم ذلك فلم لا تجوزون نفوذ تلك البخارات إلى ما ورا(2\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "461",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14917",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلك القمر حتى يترطب فلك الأفلاك فان قلتم فلك القمر عائق عن ذلك قلنا وكرة الأثر حائلة بين عالمنا هذا وبين فلك القمر فكيف جوزتم وصول البخارات الأرضية إلى فلك القمر وفي مشابهة لون المريخ للون النار مما يقتضي تأثيره الإحراق والتجفيف وهل في الهذيان أعجب من هذا فان أرادوا النار البسيطة فإنها لا لون لها وان أرادوا النار الحادثة فهي بحسب مادتها التي توجب حمرتها وصفرتها وبياضها وأما كون الشمس تحته فهذا لا يقتضي تأثيرها فيه واعطاؤه قوة التجفيف والاحراق فإن الشمس لو أثرت فيه ذلك واعطه إياه لكانت الشمس بهذا التأثير والإعطاء للزهرة أولى لأن كرتها فوق كرة الزهرة ونسبتها إلى كرة الزهرة كنسبتها إلى كرة المريخ فهلا كانت قوة الزهرة التجفيف والإحراق بل تأثير الشمس فيما تحتها أولى من تأثيرها فيما فوقها قال صاحب الرسالة وان الكواكب الثابتة التي في الدب الأكبر قوتها كقوة المريخ وهذا غلط عظيم لأن لون هذه الكواكب غير مشبه للون النار وليست الكرة التي فيها الشمس موضوعة تحتها بل الكرة التي فيها زحل موضوعة تحتها فهي بأن يكون حالها مشبها لحال زحل أولى لأنها فوقه وبعدها عن الشمس وعن حرارات الأرض أكثر من بعده قلت والعجب من هؤلاء يعلمون قول مقدمهم بطليموس أن طبائع الأجرام السماوية واحدة ثم يحكمون على بعضها بالحرارة وعلى بعضها بالبرودة وكذلك بالرطوبة واليبوسة قال وزعموا أن عطارد معتدل في التجفيف والترطيب لأنه لا يبعد في وقت من الأوقات عن حر الشمس بعدا كثيرا ولا وضعه فوق كرة القمر وان الكواكب الثابتة التي في الجاني حالها شبيهة بحاله وليس يوجد لها من السببين اللذين دلا على طبيعة عطارد شيئا بل الدور يوجد لها ضد ذلك وهو أنها بعيدة من الشمس في أكثر الأوقات وان فلكها أبعد أفلاك الكواكب من كرة القمر وقالوا أن الكواكب التي من النعاد 1 تشبه حال عطارد وزحل في بعض الأوقات وتشبه حال المشتري والمريخ في بعضها قلت وقد استدل فضلاؤكم على اختلاف طبائع الكواكب باختلاف ألوانها فقالوا زحل لونه الغبرة والكمودة فحكمنا بأنه على طبع السوداء وهو البرد واليبس فان السوداء لها من الألوان الغبرة وأما المريخ فانه يشبه لونه لون النار فلا جرم قلنا طبعه حار يابس وأما الشمس فهي حارة يابسة لوجهين: أحدهما أن لونها يشبه لون الحمرة الثاني أنا نعلم بالتدبير أنها مسخة للأجسام منشفة للرطوبات وأما الزهرة فانا نرى لونها كالمركب من البياض والصفرة ثم أن البياض يدل على طبيعة البلغم الذي هو البرد والرطوبة والصفرة تدل على الحرارة ولما كان بياض الزهرة أكثر من صفرتها حكمنا عليها بأن بردها ورطوبتها أكثر وأما المشتري فلما(2\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "462",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14918",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كانت صفرته أكثر مما في الزهرة كانت سخونته أكثر من سخونته الزهرة وكان في غاية الاعتدال وأما القمر فهو أبيض وفيه كمودة فبياضه يدل على البرد وأما عطارد فانا نرى عليه اللوان مختلفة فربما رأيناه أخضر وربما رأيناه أغبر وربما رأيناه على خلاف هذين اللونين وذلك في أوقات مختلفة مع كونه من الأفق على ارتفاع واحد فلا جرم قلنا انه لكونه قابلا للألوان المختلفة يجب أن يكون له طبائع مختلفة إلا أنا لما وجدنا في الغالب عليه الغبرة الأرضية قلنا طبيعته أميل إلى الأرض واليبس وهذا التقرير باطل من وجوه عديدة أحدها أن المشاركة في بعض الصفات لا تقتضي المشاركة في الماهية والطبيعة ولا في صفة أخرى الوجه الثاني أن الدلالة بمجرد اللون على الطبيعة ضعيفة جدا فان النورة والنوشادر والزرنيخ والزئبق المصعد والكبريت في غاية البياض مع أن طبائعها في غاية الحرارة الثالث أن ألوان الكواكب ليست كما ذكرتم فزحل رصاصي اللون وهذا مخالف للغبرة والسواد الخالص وأما المشتري فلا بد أن بياضه أكثر من صفرته فيلزم على قولكم أن برده أكثر من حره وهم ينكرون ذلك وأما الزهرة فلا صفرة فيها البتة بل الزرقة ظاهرة في أمرها فيلزم أن تكون خالصة البرد وأما المريخ فان كان حره لشبهه بالنار في لونه فهذه المشابهة في الشمس والنار أتم فيلزم أن تكون حرارة الشمس وسخونتها أقوى من حرارة المريخ وهم لا يقولون ذلك وأما عطارد فانا وان رأيناه مختلف اللون في الأوقات المختلفة إلا أن السبب فيه أنا لا نراه إلا إذا كان قريبا من الأفق وحينئذ يكون بيننا وبينه بخارات مختلفة فلا جرم أن اختلف لونه لهذا السبب وأما القمر فقد قال زعيمكم المؤخر أبو معشر أنه لا ينسب لونه إلى البياض إلا من عدم الحس البصري فتبين بطلان قولكم في طبائع الكواكب وتناقضه واختلافه ولما علم بعض فضلائكم فساد قولكم في طبائع الكواكب وان العقل يشهد بتكذيبه صدف عنه وأنكره وقال إنما نشير بهذه القوى والطبائع إلى ما يحدث عن كل واحد من الأجرام السماوية وينفعل بها من الكائنات الفاسدات لا أنها بطبائعها تفعل ذلك بل يحدث عنها ما يكون حارا أو باردا أو رطبا أو يابسا كما يقال أن الحركة تسخن والصوم يجفف لا على أنها تفعل ذلك بطبائعها بل بما يحدث عنها فبطليموس قال أن القمر مرطب والشمس تسخن بحسب ما يحدث عنهما وتنفعل المنفعلات بتلك القوى لا بأن طبائعها مكيفات فقال نحن لم ننازعكم في تأثير الشمس والقمر في هذا العالم بالرطوبة والبرودة واليبوسة وتوابعها وتأثيرها في أبدان الحيوان والنبات ولكن هما جزء من السبب المؤثر وليسا بمؤثر تام فان تأثير الشمس مثلا إنما كان بواسطة الهواء وقبوله للسخونة والحرارة بانعكاس شعاع الشمس عليه عند مقابلتها لجرم الأرض ويختلف هذا القبول عند قرب الشمس من الأرض وبعدها(2\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "463",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14919",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيختلف حال الهواء وأحول الأبخرة في تكاثفها وبرودتها وتلطفها وحرارتها فتختلف التأثيرات باختلاف هذه الأسباب والسبب جزء الشمس في ذلك والأرض جزء والمقابلة الموجبة لانعكاس الأشعة جزء والمحل القابل للتأثير والانفعال جزء ونحن لا ننكر أن قوة البرد بسبب بعد الشمس عن سمت رؤسنا وقوة الحر بسبب قرب الشمس من سمت رؤسنا ولا ننكر أن الشمس إذا طلت فإن الحيوان ناطقة وبهيمة يخرج من مكامنه وأكنته وتظهر القوة والحركة فيهم ثم مادامت الشمس صاعدة في الربع الشرقي فحركات الحيوان في الازدياد والقوة والاستكمال قإذا مالت الشمس عن وسط السماء أخذت حركات الحيوان وقواهم في الضعف وتستمر هذه الحال إلى غروب الشمس ثم كلما ازداد نور الشمس عن هذا العالم بعدا ازداد الضعف والفتور في حركة الحيوان وهدأت الأجساد ورجعت الحيوانات إلى مكامنها فإذا طلعت الشمس رجعوا إلى الحالة الأولى ولا ننكر أيضا ارتباط فصول العالم الأربعة بحركات الشمس وحلولها في أبراجها ولا ننكر أن السودان لما كان مسكنهم خط الاستواء إلى محاذاة ممر رأس السرطان وكانت الشمس تمر على رؤسهم في السنة إما مرة وإما مرتين تسودت أبدانهم وجعدت شعورهم وقلت رطوبانهم فساءت أخلاقهم وضعفت عقولهم وأما الذين مساكنهم أقرب إلى محاذاة ممر السرطان فالسواد فيهم أقل وطبائعهم أعدل وأخلاقهم أحسن وأجسامهم الطف كأهل الهند واليمن وبعض أهل الغرب وعكس هؤلاء الذين مساكنهم على ممر رأس السرطان إلى محاذاة بنات نعش الكبرى فهؤلاء لأجل أن الشمس لا تسامت رؤسهم ولا تبعد عنهم أيضا بعدا كثيرا لم يعرض لهم حر شديد ولا برد شديد قالوا إنهم متوسطة وأجسامهم معتدلة وأخلاقهم فاضلة كأهل الشام والعراق وخراسان وفارس والصين ثم من كان من هؤلاء أميل إلى ناحية الجنوب كان أتم في الذكاء والفهم ومن كان منهم يميل إلى ناحية الشرق فهم أقوى نفوسا وأشد ذكورة ومن كان يميل إلى ناحية الغرب غلب عليه اللين والرزانة ومن تأمل هذا حق التأمل وسافر بفكره في أقطار العالم علم حكمة الله في نشره مذهب أهل العراق وما فيه من اللين وما شاكله كله في أهل المشرق ومذهب أهل المدنية وما فيه من الشدة والقوة في أهل المغرب وأما من كانت مساكنهم محاذية لبنات نعش وهم الصقالبة والروم فإنهم لكثرة بعدهم عن مسامتة الشمس صار البرد غالبا عليهم والرطوبة الفضلية فيهم لأنه ليس من الحرارة هناك ما ينشفها وينضجها فلذلك صارت ألوانهم بيضاء وشعورهم سبطة شقراء وأبدانهم رخصة وطبائعهم مائلة إلى البرودة وأذهانهم جامدة وكل واحد من هذين الطرفين وهما الأقليم الأول والسابع يقل فيه العمران وينقطع بعضه عن بعض لأجل غلبة اليبس ثم لاتزال العمارة تزداد في الإقليم(2\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "464",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14920",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثاني والسادس والخامس ويقل الخراب فيها وأما الإقليم الرابع فإنه أكثر الأقاليم عمارة وأقلها خرابا بالفصل الوسط على الأطراف بسبب اعتدال المزاج وهو الذي انتشرت فيه دعوة الإسلام وضرب الدين بجرانة فيه وظهر فيه أعظم من ظهوره في سائر الأقاليم ولهذا قال النبي زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي مازوى لي منها فكان انتشار دعوته في أعدل الأرض ولذلك انتشرت شرقا وغربا أكثر من انتشارها جنوبا وشمالا ولهذا زويت له فأرى مشارقها ومغاربها وبشر أمته بانتشار مملكتها في هذين الربعين فإنهما أعدل الأرض وأهلها أكمل الناس خلقا وخلقا فظهر الكمال له في الكتاب والدين والأصحاب والشريعة والبلاد والممالك صلوات الله وسلامه عليه فإن قيل فقد فضلتم الإقليم الرابع على سائر الأقاليم مع أن شيئا من الأدوية لا تتولد فيه الأدواء ضعيفا وإنما تتكون الأدوية في سائر الأقاليم قيل هذا من أدل الدلائل على فضله عليها لأن طبيعة الدواء لا تكون معتدلة إذ لو حصل فيها الاعتدال لكان غذاء لا دواء والطبيعة الخارجة عن الاعتدال لا تحدث إلا في المساكن الخارجة عن الاعتدال وكذلك حال الشمس في المواضع التي تسامتها فموضع حضيضها وغابة قربها من الأرض في البراري الجنوبية تكون تلك الأماكن محترقة نارية لا يتكون فيها حيوان البتة ولذلك والله أعلم كان أكثر البخار من الجانب الجنوبي دون الشمالي لأن الشمس إذا كانت في حضيضها كانت أقرب إلى الأرض وإذا كانت في أوجها كانت أبعد وعند قربها من الأرض يعظم تسخينها والسخونة جاذبة للرطوبات وإذا انجذبت الرطوبات إلى الجانب الجنوبي انكشف الجانب الشمالي ضرورة وصار مستقرا للحيوان الأرضي والجنوبي أعظم الجانبين رطوبة وأكثرها مياها ومقرا للحيوان المائي وأما المواضع المسامتة لأوج الشمس في الشمال فهي غير محترقة بل معتدلة لبعد الشمس من الأرض وسبب التفاوت القليل الحاصل بين أقرب قرب الشمس من الأرض وأبعد بعدها منها صار الجنوبي محترقا والجانب الشمالي معتدلا فلو كانت الشمس حاصلة في فلك الكواكب لفسد هذا العالم من شدة البرد ولو فرضنا أنها انحدرت إلى فلك القمر لأحرقت هذا العالم فاقتضت حكمة العزيز العليم الحكيم أن وضع الشمس وسط الكواكب السبعة وجعل حركتها المعتدلة وقربها المعتدل سببا لاعتدال هذا العالم وجعل قربها وبعدها وارتفاعها وانخفاضها سببا لفصوله التي هي نظام مصالحة فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين وأهل الإقليم الأول لأجل قربهم من الموضع المحازى لحضيض الشمس كانت سخونة هوائهم شديدة ولا جرم كانوا أشد سواءا من مكان خط الاستواء وأهل الإقليم الثاني سخونة هوائهم ألطف فكانوا سمر الألوان والإقليم الثالث والرابع أعدل الأقاليم مزاجا بسبب اعتدال الهواء بسبب تعديل ارتفاع الشمس لا تكون في(2\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "465",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14921",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعدها عن الأرض فههنا وإن حصلت مسامتة مفيدة لمزيد السخونة لكن حصل أيضا البعد المقلل للسخونة فحصل الاعتدال من بعض الوجوه وفي الجانب الجنوبي وإن حصل مزيد القرب من الأرض لكن لم يحصل هناك مسامتة للمساكن المعمورة لخط الاعتدال في الجانبين بهذه الطريق وصار أهل الإقليم الثالث والرابع أفضل الناس صورا وأخلاقا وأما الإقليم الخامس فإن سخونة الهواء هناك اقل من الاعتدال بمقدار يسير فلا جرم صار في جزء البرد وصارت طبائع أهله أقل نضجا من طبائع أهل الإقليم الرابع إلا أن بعدهم عن الاعتدال قليل وأما أهل الإقليم السادس والسابع فإن أهلها محرورون ولغلبة البرد والرطوبة عليهم يشتد بياض ألوانهم وزرقة عيونهم وأما المواضع التي تقرب من أن يكون الخط فيها فوق الرأس فهناك لا يصل تسخين الشمس إليها فلا جرم عظم البرد فيها ولم يكن هناك حيوان البتة وهذا كله يدل على أن الشمس جزء السبب وأن الهواء جزء السبب والأرض جزء وانعكاس الشعاع جزء وقبول المنفعلات جزء مجموع ذلك سبب واحد قدرة العليم القدير وأجرى عليه نظام العالم وقدر سبحانه أشياء أخر لا يعرفها هؤلاء الجهال ولا عندهم منها خبر من تدبير الملائكة وحركاتهم وطاعة استقصات العالم ومواده لهم وتصريفهم تلك المواد بحسب ما رسم لهم من التقدير الإلهي والأمر الرباني ثم قدر تعالى أشياء آخر تمانع هذه الأسباب عند التصادم وتدافعها وتقهر موجبها ومقتضاها ليظهر عليها اثر القهر والتسخير والعبودية وأنها مصرفة مدبرة بتصريف قاهر قادر كيف يشاء ليدل عباده على أنه هو وحده الفعال لما يريد لخلقه كيف يشاء وأن كل ما في المملكة الإلهية طوع قدرته وتحت مشيئته وأنه ليس شيء يستقل وحده بالفعل إلا الله وكل ما سواه لا يفعل شيئا إلا بمشارك ومعاون وله ما يعاوقه ويمانعه ويسلبه تأثيره فتارة يسلب سبحانه النار إحراقها ويجعلها بردا كما جعلها على خليله بردا وسلاما وتارة يمسك بين أجزاء الماء فلا يتلاقى كما فعل بالبحر لموسى وقومه وتارة يشق الأجرام السماوية كما شق القمر لخاتم أنبيائه ورسله وفتح السماء لمصعده وعروجه وتارة يقلب الجماد حيوانا كما قلب عصا موسى ثعبانا وتارة يغير هذا النظام ويطلع الشمس من مغربها كما أخبر به أصدق خلقه عنه فإذا أتى الوقت المعلوم فشق السموات وفطرها ونثر الكواكب على وجه الأرض ونسف جبال العالم ودكها مع الأرض وكور شمس العالم وقمره ورأى ذلك الخلائق عيانا ظهر للخلائق كلهم صدقه وصدق رسله وعموم قدرته وكمالها وأن العالم بأسره منقاد لمشيئته طوع قدرته لا يستعصي عليه انفعاله لما يشاؤه ويريده منه وعلم الذين كفروا وكذبوا رسله من الفلاسفة والمنجمين والمشركين والسفهاء الذين سموا أنفسهم الحكماء أنهم كانوا كاذبين واجتمع جماعة من الكبراء والفضلاء يوما فقرأ قارىء إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت وإذا الجبال(2\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "466",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14922",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سيرت حتى بلغ علمت نفس ما أحضرت وفي الجماعة أبو الوفاء ين عقيل فقال له قائل يا سيدي هب أنه أنشر الموتى للبعث والحساب وزوج النفوس بقرنائها للثواب والعقاب فما الحكمة في هدم الأبنية وتسيير الجبال ودك الأرض وفطر السماء ونثر النجوم وتخريب هذا العالم وتكوير شمسه وخسف قمره فقال ابن عقيل على البديهة إنما بني لهم هذه الدار للسكنى والتمتع وجعلها وما فيها للاعتبار والتفكر والاستدلال عليه بحسن التأمل والتذكر فلما انقضت مدة السكنى وأجلاهم عن الدار وخربها لانتقال الساكن منها فأراد أن يعلمهم بأن في أحالة الأحوال وإظهار تلك الأهوال وإبداء ذلك الصنع العظيم بيانا لكمال قدرته ونهاية حكمته وعظمة ربو بيته وعرا جلاله وعظم شأنه وتكذيبا لأهل الإلحاد وزنادقة المنجمين وعباد الكواكب والشمس والقمر والأوثان ليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين فإذا رأوا أن منار آلهتهم قد انهدم وأن معبوداتهم قد انتثرت والأفلاك التي زعموا أنها وما حوته هي الأرباب المستولية على هذا العالم قد تشققت وانفطرت ظهرت حينئذ فضائحهم وتبين كذبهم وظهر أن العالم مربوب محدث مدبر له رب يصرفه كيف يشاء تكذيبا لملاحده الفلاسفة القائلين بقدمه فكم لله من حكمة في هدم هذه الدار ودلالة على عظيم قدرته وعزته وسلطانه وانفراده بالربوبية وانقياد المخلوقات بأسرها لقهره وإذعانها لمشيئته فتبارك الله رب العالمين ونحن لا ننكر ولا ندفع أن الزرع والنبات لا ينمو ولا ينشأ إلا في المواضع التي تطلع عليها الشمس ونحن نعلم أيضا أن وجود بعض النبات في بعض البلاد لا سبب له الإختلاف البلدان في الحر والبرد الذي سببه حركة الشمس وتقاربها في قربها وبعدها من ذلك البلد وأيضا فأن النخل ينبت في البلاد الحارة ولا ينبت في البلاد الباردة وشجر الموز لا ينبت في البلاد الباردة وكذلك ينبت في البلاد الجنوبية أشجار وفواكه وحشائش لا يعرف شيء منها في جانب الشمال وبالعكس وكذلك الحيوانات يختلف تكونها بحسب اختلاف حرارة البلاد وبرودتها فإن النسر والفيل يكونان بأرض الهند ولا يكونان في سائر الأقاليم التي هي دونها في الحرارة وكذلك غزال المسك والكركند وغير ذلك وكذلك لا ندفع تأثير القمر في وقت امتلائه في الرطوبات حتى في جزر البحار ومدها فإن منها ما يأخذ في الازدياد من حين يفارق القمر الشمس إلى وقت الامتلاء ثم إنه يأخذ في الانتقاص ولا يزال نقصانه يستمر بحسب نقصان القمر حتى ينتهي إلى غاية نقصانه عند حصول المحاق ومن البحار ما يحصل فيه المد والجزر في كل يوم وليلة مع طلوع القمر وغروبه وذلك موجود في بحر فارس وبحر الهند وكذلك بحر الصين وكيفيته أنه إذا بلغ القمر مشرقا من مشارق البحر ابتدأ البحر بالمد ولا يزال كذلك إلى أن يصير القمر إلى وسط سماء ذلك(2\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "467",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14923",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المواضع فعند ذلك ينتهي منتهاه فإذا زال القمر من مغرب ذلك الموضع ابتدأ المد من تحت الأرض ولا يزال زائدا إلى أن يصل القمر إلى وتد الأرض فحينئذ ينتهي المد منتهاهمنتهاه ثم يبتديء الجزر ثانيا ويرجع الماء كما كان وسكان البحر كلما رأوا في البحر انتفاخا وهيجان رياح عاصفة وأمواج شديدة علموا أنه ابتدأ المد فإذا ذهب الانتفاخ وقلت الأمواج والرياح علموا أنه وقت الجزر وأما أصحاب الشطوط والسواحل فانهم يجدون عندهم في وقت المد للماء حركة من أسفله إلى أعلاه فإذا رجع الماء ونزل فذلك وقت الجزر وكذلك أيام بحرانات الأمراض بحسب زيادة القمر ونقصانه منطبقة عليها وكذلك الأخلاط التي في بدن الإنسان مادام القمر آخذا في الزيادة فإنها تكون أزيد ويكون ظاهر البدن أكثر رطوبة وحسنا فإذا نقص ضوء القمر صارت الأخلاط في غور البدن والعروق وأزداد ظاهر البدن يبسا وكذلك ألبان الحيوانات تتزايد من أول الشهر إلى نصفه فإذا أخذ القمر في النقصان نقصت غزارتها وكذلك أدمغة الحيوانات في أول الشهر أزيد منها في نصفه الأخير وإن حدث في أجواف الطيور بيض في النصف الأول من الشهر كان بياضه أكثر من بياض الحادث في نصفه الثاني وكذلك الإنسان إذا نام أو قعد في ضوء القمر حدث في بدنه الاسترخاء والكسل وهاج عليه الزكام والصداع وإذا وضعت لحوم الحيوانات مكشوفة تحت ضوء القمر تغيرت طعومها وتعفنت وكذلك السمك في البحار والآجام الجارية توجد من أول الشهر إلى وقت الامتلاء أكثر وخروجها من قعور البحار والآجام أظهر ومن بعد الامتلاء إلى الاجتماع فإنها تدخل قعور البحار والآجام الذي يظهر من سمين السمك فالنصف الأول أكثر من الذي يظهر في الثاني منه وكذلك حرشة الأرض يكون خروجها من إجحرتها في النصف الأول من الشهر أكثر من خروجها في النصف الثاني وأصحاب الغراس يزعمون أن الأشجار والغروس إذا غرست والقمر زائد الضوء كان نشؤها وكمالها وإسراعها في النبات أحمد من التي تغرس في محاقة وذهاب نوره وكذلك تكون الرياحين والبقول والأعشاب من الاجتماع إلى الامتلاء أزيد نشوا وأكثر نموا وفي النصف الثاني بالضد من ذلك وكذلك القثاء والقرع والخيار والبطيخ ينمو نموا بالغا عند ازدياد الضوء وأما في وسط الشهر عند حصول الإمتلاء فهناك يعظم النمو حتى يظهر التفاوت للحس في الليلة الواحدة وكذلك الينابيع تزداد في النصف الأول من الشهر وتنقص في النصف الثاني إلى غير ذلك من الوجوه التي تؤثر فيها الشمس والقمر في هذا العالم فنحن لم ندفعكم عن هذه التأثيرات وإضعافها إنما الذي أنكره عليكم العقلاء من أهل الملل وغيرهم أن جملة الحوادث في هذا العالم خيرها وشرها وصلاحها وفسادها وجميع أشخاصه وأنواعه وصوره وقواه ومدد بقاء أشخاصه وجميع أحوالها العارضة لها وتكون الجنين ومدة لبثه في بطن أمه وخروجه إلى الدنيا(2\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "468",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14924",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعمره ورزقه وشقاوته وسعادته وحسنه وقبحه وأخلاقه وحذقه وبلادته وجهله وعلمه بل ونزول الأمطار واختلاف أنواع الشجر والنبات في الشكل واللون والطعوم والروائح والمقادير بل انقسام الحيوان إلى الطير وأصنافه والبحري وأنواعه والبرى وأقسامه وأشكال هذه الحيوانات واختلاف صورها وأنواعها وأفعالها وأخلاقها ومنافعها بل وتكون المعادن المنطبعة كالحديد والرصاص والنحاس والذهب والفضة بل وغير المنطبعة كالملح والقارو والزرنيخ والنفط والزئبق بل العداوة الواقعة بين الذئاب والغنم والحيات والسباع وبني آدم والصداقة والعداوة بين أفراد النوع الواحد سيما بين ذكوره وإناثه وبالجملة فالأرزاق والآجال والعز والذل والرفعة والخفض والغناء والفقر والغناء والفقر والإحياء والإماتة والمنع والإعطاء والضر النفع والهدى والضلال والتوفيق والخذلان وجميع ما في العالم والأشخاص وأفعالها وقواها وصفاتها وهيأتها والمعطى له هذه واتصالاتها وانفصالاتها واتصالاتها بنقط وانفصالاتها عن نقط ومقارنتها ومفارقتها ومساقتها ومباينتها فهي المعطية لهذا كله المدبرة الفاعلة فهي الآلهة والأرباب على الحقيقة وما تحتها عبيد خاضعون لها ناظرون إليها فهذا كما أنه الكفر الذي خرجوا به عن جميع الملل وعن جملة شرائع الأنبياء ولم يمكنهم أن يقيموا بين أرباب الملل ألا بالتستر بهم ومنافقتهم والتزي بزيهم ظاهرا وإلا فقتل هؤلاء من الأمر الضروري في كل ملة لأنهم سوسها وأعداؤها فهو من الهذيان الذي أضحكوا به العقلاء على عقولهم حتى رد عليهم من لا يؤمن بالله واليوم الآخر من الفلاسفة كالفارابي وابن سينا وغيرهما من عقلاء الفلاسفة وسخروا منهم واستضعفوا عقولهم ونسبوهم إلى الزرق والزينجة والتلبيس وقد رد عليهم أفضل المتأخرين من فلاسفة الإسلام أبو البركات البغدادي في كتاب التعبير له فقال وأما أحكام النجوم فإنه لا يتعلق به منه أكثر من قولهم بغير دليل الحر الكواكب وبردها ورطوبتها ويبوستها واعتدالها كما يقولون بأن زجل منها بارد يابس والمريخ حار يابس والمشتري معتدل والاعتدال خير والافراط شر وينتجون من ذلك أن الخير يوجب سعادة والشر يوجب منحسة وما جانس ذلك مما لم يقل به علماء الطبيعيين ولم تنتجه مقدماتهم في أنظارهم وإنما الذي أنتجته هو أن السماء والسماويات فعالة فيما تحويه وتشتمل عليه وتتحرك حوله فعلا على الاطلاق لم يحصل له من العلم الطبيعي حد ولا تقدير والقائلون به ادعوا حصوله من التوقيف والتجربة والقياس منهما كما ادعى أهل الكيمياء وإلا فمتى يقول صاحب العلم الطبيعي بحسب أنظاره التي سبقت أن المشتري سعيد والمريخ نحسن والمريخ حار يابس وزحل بارد يابس والحار والبارد من الملموسات وما دله على هذا المس كما يستدل بلمس الملموسات فإن ذلك ما ظهر للحس كما ظهر في الشمس حيث تسخن الارض بشعاعها وإن كان في السماء بيان شيء من طبائع الاضداد فالأولى أن تكون كلها حارة لأن كواكبها كلها منيرة ومتى(2\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "469",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14925",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقول الطبيعي بتقطع الفلك وقسمته كما قسمه المنجمون قسمة وهمية إلى بروج ودرج ودقائق وذلك جائز للمتوهم كجواز غيره غير واجب في الوجود ولا حاصل ونقلوا ذلك التوهم الجائز إلى الوجود الواجب في أحكامهم وكان الأصل فيه على زعمهم حركة الشمس في الأيام والشهور فجعلوا منها قسمة وهمية وجعلوها حيث حكموا كالحاصلة الوجودية المتميزة بحدود وخطوط كأن الشمس بحركتها من وقت إلى وقت مثله خطت في السماء خطوطا وأقامت فيها جدرانا وحدودا وغرست في أجزائها طباعا معتبرا بنفي فتبقى به القسمة إلى تلك البروج والدرج مع جواز الشمس عنها وليس في جوهر الفلك اختلاف يتميز موضع منه عن موضع سوى الكواكب والكواكب تتحرك عن أمكنتها فتبقى الأمكنة على التشابه فما يتميز درجة عن درجة ويبقى اختلافها بعد حركة المتحرك في سمتها فكيف يقيس الطبيعي على هذه الاصول وينتج منها نتائج ويحكم بحسنها أحكاما فكيف أن يقول بالحدود التي تجعل خمس درجات من برج الكوكب وستة لآخر وأربعة لآخر ويختلف فيها المصريون والبابليون ويصدق الحكم مع الاختلاف وأرباب اليبوسات كأنها أملاك بنيت بصكوك وحكام الأسد للشمس والسرطان للقمر وإذا نظر الناظر وجد الأسد اسدا من جهة كواكب شكلوها بشكل الأسد ثم انتقلت عن مواضعها التي كان بها أسدا كأن الملك بنيت للشمس مع انتقال الساكن وكذلك السرطان للقمر هذا من ظواهر الصناعة وما لا يمارى فيه ومن طالعه الأسد فالشمس كوكبه وربه بيته ومن الدقائق في الحقائق النجومية المذكرة والمؤنثة والمظلمة والنيرة والزائدة في السعادة ودرج الآثار من جهة أنها أجزاء الفلك التي قطعوها وما انقطعت مع انتقال أن الكوكب ينظر إلى الكوكب من ستين درجة نظر تسديس لانه سدس الفلك ولا ينظر إليه من خمسين ولا سبعين وقد كان قبل الستين بخمس درج وهو اقرب من ستين وبعدها بخمس درج وهو ابعد من الستين لا ينظر فليت شعري ما هو هذا النظر أترى الكوكب يظهر للكوكب ثم يحتجب عنه أو شعاعه يختلط بشعاعه عند حد لا يختلط به قبله ولا بعده وكذلك التربيع من الربع الذي هو تسعون درجة والتثليث من الثلث الذي هو مائة وعشرون فلم لا يكون التخميس من الخمس والتسبيع من السبع والتعشير من العشر والحمل حار يابس من البروج النارية والثور بارد يابس من الأرضية والجوزاء حارة رطبة من الهوائية والسرطان بارد رطب من المائية ما قال الطبيعي قط هذا ولا يقول به وإذا احتجوا وقاسوا كانت مبادىء قياساتهم أن الحمل منقلب لأن الشمس إذا نزلت فيه ينقلب الزمان من الشتاء إلى الربيع والثور ثابت لأنه إذا نزلت الشمس فيه يثبت الربيع على ربيعيته والحق أنه لا انقلاب في الحمل ولا ثبات في الثور بل هو في كل يوم غير(2\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "470",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14926",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما هو في الآخر ثم إن الزمان انقلب بحلول الشمس فيه وهو يبقى دهره منقلبا مع خروج الشمس منه وحلولها فيه أتراها تختلف فيه أثرا وتحيل منه طباعا وتبقي تلك الاستحالة إلى أن تعود فتجددها ولم لا يقول قائل أن السرطان حار يابس لأن الشمس إذا نزلت اشتد حر الزمان وما يجانس هذا مما لا يلزم لا هو ولا ضده ما في الفلك اختلاف معرفة الطبيعي إلا بما فيه من الكواكب ومواضعها وهو واحد متشابه الجوهر والطبع وهذه أقوال قالها قائلا فقبلها قابل ونقلها ناقل فحسن بها ظن السامع واغتر بها من لا خبرة له ولا قدرة له على النظر ثم حكم بحسبها الحاكمون بجيد وردىء وسلب وإيجاب سعد ونحوس فصادف بعضه موافقة الوجود فصدق فاغتر به المغترون ولم يلتفتوا إلى ما كذب منه فيكذبون بل عذروا وقالوا هو منجم ما هو نبي حتى يصدق في كل ما يقول واعتذروا له بأن العلم أوسع من أن يحيط به ولو أحاط به لصدق في كل شيء ولعمر الله أنه لو أحاط به علما صادقا لصدق والشأن أن يحيط به على الحقيقة لا على أن يفرض فرضا ويتوهم وهما فينقله إلى الوجود ويثبته في الموجود وينسب إليه ويقيس عليه والذي يصح منه ويلتفت إليه العقلاء هي أشياء غير هذه الخرفات التي لا أصل لها مما حصل بتوقيف أو تجربة حقيقية كالقرانات والانتقالات والمقابلة من جملة الاتصالات فانها المقارنة من جهة أن تلك غاية القرب وهذه غاية البعد وممر كوكب من المتحيرة تحت كوكب من الثابتة وما يفرض للمتحيرة من رجوع واستقامة ورجوع في شمال وانخفاض في جنوب وغير ذلك وكأني أريد أن اختصر الكلام ههنا وأوفق إشارتك واعمل بحسب اختيارك رسالة في ذلك أذكر ما قيل فيها من علم إحكام النجوم من أصول حقيقية أو مجازية أو وهمية أو غلطية وفروع نتائج أنتجت عن تلك الأصول وأذكر الجائز من ذلك والممتع والقريب والبعيد فلا أرد علم الأحكام من كل وجه كما رده من جهله ولا أقبل فيه كل قول كما قبله من لم يعقله بل أوضح موضع القبول والرد في المقبول وموضع التوقف والتجويز والذي من المنجم والذي من التنجيم والذي منهما وأوضح لك أنه لو أمكن الإنسان أن يحيط بشكل كل ما في الفلك علما لأحاط علما بكل ما يحويه الفلك لأن منه مبادى الأسباب لكنه لا يمكن ويبعد عن الإمكان بعدا عظيما والبعض الممكن منه لا يهدى إلى بعض الحكم لأن البعض الآخر المجهول قد يناقض المعلوم في حكمه ويبطل ما يوجبه فنسبه المعلوم إلى المجهول من الإحكام كنسبة المعلوم إلى المجهول من الاسباب وكفى بذلك بعدا انتهى كلامه ولو ذهبنا نذكر من رد عليهم من عقلاء الفلاسفة والطبائعين والرياضيين لطال ذلك جدا هذا غير رد المتكلمين عليهم فإنا لا نقنع به ولا نرضى أكثره فإن فيه من المكابرات والمنوع الفاسدة والسؤالات الباردة والتطويل الذي ليس تحته تحصيل ما يضيع الزمان في غير شيء(2\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "471",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14927",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان تركهم لهذه المقاتلة خيرا لهم منها فانهم لا للتوحيد والإسلام نصروا ولا لأعدائه كسروا والله المستعان وعليه التكلان فصل فلنرجع إلى كلام صاحب الرسالة قال زعموا أن القمر والزهرة مؤنثان وان الشمس وزحل والمشترى والمريخ مذكرة وان عطارد ذكر أنثى مشارك للجنسين جميعا وان سائر الكواكب تذكر وتؤنث بسبب الأشكال التي تكون لها بالقياس إلى الشمس وذلك أنها إذا كانت مشرقة متقدمة للشمس فهي مذكرة وان كانت مغربة تابعة كانت مؤنثة وان ذلك أيضا يكون بالقياس إلى اشكالها إلى الأفق وذلك أنها إذا كانت في الأشكال التي من المشرق الى وسط السماء مما تحت الارض فهي مذكرة لأنها إذا كانت شرقية فهي من ناحية مهب الصبا وإذا كانت في الربعين الباقيين فهي مؤنثة لانها في ناحية مهب الدبور وإذا كان هذا هكذا صارت الكواكب التي يقال إنها مؤنثة مذكرة والتي يقال أنها مذكرة مؤنثة وصارت طباعها مستحيلة بل تصير أعيانها تنقلب وأن القمر والزهرة مؤنثتان والكواكب الخمسة الباقية مذكرة على الوضع الاول فإن تقدم القمر والزهرة الشمس وكانا شرقيين صارا مذكرين وإن تأخرت الكواكب الخمسة وكانت مغربة تابعة كانت مؤنثة على الموضوع الثاني ويصير عطارد ذكرا إذا شرق أنثى إذا غرب وذكرا أنثى إذا لم يكن بأحد هاتين الصفتين قلت وقد أجاب بعض فضلائهم عن هذا الإلزام فقال ليس ذلك بممكن لأنا قد نقول إن الأدكن أبيض إذا قسناه إلى الأسود ونقول إنه أسود إذا قسناه إلى الابيض وهو شيء واحد بعينه مرة يكون اسود ومرة يكون أبيض وهو في نفسه لا اسود ولا أبيض وكذلك الكواكب يقال أنها ذكران وإناث بالقياس إلى الأشكال أعني الجهات والجهات إلى الرياح والرياح إلى الكيفيات لأنها ذكران وإناث وهذا تلبيس منه فان الأدكن فيه شائبة البياض والسواد فلذلك صدق عليه اسمهما لأن الكيفيتين محسوستان فيه فتكيفه بهما أوجب أن يقال عليه الاسمان وأما تقسيم الكواكب إلى الذكور والإناث فهي قسمة وضعتم فيها تمييز كل نوع عن الآخر بحقيقته وطبيعته وقلتم البروج تنقسم إلى ذكور وإناث قسمة تميز فيها قسم عن قسم لا أن حقيقتها متركبة من طبيعتين ذكورية وأنوثية بحيث يصدقان على كل برج برج فنظير ما ذكرتم من الأدكن أن يكون كل برج ذكرا وأنثى فأين أحد البابين من الآخر لولا التلبيس والمحال وأيضا فانقسامها إلى الذكور والإناث انقسام بحسب الطبيعة والتأثير والتأثر الذي هو الفعل والانفعال وما كان كذلك لم تنقلب حقيقته وطبيعته بحسب الموضع والقرب والبعد قال صاحب الرسالة وزعموا أن القمر منذ الوقت الذي يهل فيه إلى وقت انتصافه الأول في الضوء يكون فاعلا للرطوبة خاصة(2\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "472",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14928",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومنذ وقت انتصافه الأول في الضوء إلى وقت الامتلاء يكون فاعلا للحرارة ومنذ وقت الامتلاء إلى وقت الانتصاف الثاني في الضوء يكون فاعلا لليبس ومنذ وقت الانتصاف إلى الوقت الذي يخفى فيه ويفارق الشمس يكون فاعلا للبرودة وأي شيء اقبح من هذا ولا سيما وقد أعطى قائله أن القمر رطب وأنه يفعل بطبعه لا باختياره وكيف أن يفعل شيء واحد بطبعه الأشياء المتضادة مرة في الدهر فضلا عن أن يفعلها في كل شهر وهل القول بأن شيئا واحدا يفعل بطبعه في الأشياء الترطيب في وقت ويفعل بطبعه التجفيف في آخر ويفعل الاسخان في وقت ويفعل التبريد في آخر إلا كالقول بأن شيئا واحدا تنقلب عينه وقتا بعد وقت قلت قد قالوا إن الشمس لما كانت تفعل هذه الأفاعيل بحسب صعودها وهبوطها في فلكها فإنها إذا كانت من خمسة عشر درجة من الحوت إلى خمسة عشر من الجوزاء فعلت الترطيب وهو زمان الربيع وكذلك من خمسة عشر درجة من القوس إلى خمسة عشر من الحوت تفعل التبريد وهو زمان الشتاء وهذا دورها في الفلك مرة في العام والقمر يدور في شهر واحد صارت نسبة دور القمر في الفلك كنسبة دور الشمس فيه فكانت نسبة الشهر إلى القمر كنسبة السنة إلى الشمس فالشهر يجمع الفصول الأربعة كما تجمعه السنة وما تفعله الشمس في كل تسعين يوما وكسر يفعله القمر في سبعة أيام وكسر قالوا فآخر الشهر شبيه بالشتاء وأوله شبيه بالربيع والربع الثاني من الشهر شبيه بالصيف والربع الثالث منه شبيه بالخريف فهذا غاية ما قرروا به هذا الحكم قالوا وأما كون الشيء الواحد سببا للضدين فقد قضا أرسطا طاليس في كتاب السماع الطبيعي على جوازه والجواب عن هذا أن الشمس ليست هي السبب الفاعل لهذه الطبائع المختلفة وإنما قربها وبعدها وارتفاعها وانخفاضها أثر في سخونة الهواء وتبريده وفي تحلل البخارات وتكاثفها فيحدث بذلك في الحيوان والنبات والهواء هذه الطبائع والكيفيات والشمس جزء السبب كما قررناه وأما القمر فلا يؤثر قربه ولا بعده وامتلاؤه ونقصانه في الهواء كما تؤثره الشمس فلو كان كذلك لكان كل شهر من شهور العام يجمع الفصول الأربعة بطبائعها وتأثيراتها وأحكامها وهذا شيء يدفعه الحس فضلا عن النظر والمعقول وقياس القمر على الشمس في ذلك من أفسد القياس فان الفارق بينهما في الصفة والحركة والتأثير أكثر من الجامع فالحكم على القمر بأنه يحدث الطبائع الأربعة قياسا على الشمس والجامع بينهما قطعة للفلك في كل شهر كما تقطعه في سنة لا يعتمد عليه من له خبره بطرق الأدلة وسنعة البرهان وأما قولكم أن أرسطا طاليس نص في كتابه على ان الواحد قد يكون سببا للضدين فنحن نذكر كلامه بعينه في كتابه ونبين ما فيه وقال في المقالة الثانية وايضا فإن الواحد قد يكون سببا للضدين فان الشيء الذي بحضوره يكون أمر من الأمور فغيبته قد تكون سببا لضده فيقال في ذلك(2\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "473",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14929",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن غيبة الربان سبب غرق السفينة وهو الذي كان حضوره سبب سلامتها فتأمل هذا الكلام وقابل بينه وبين كلامهم في فعل القمر الامور المتضادة يظهر لك تلبيس القوم وجهلهم فان نظر ذلك يوجب بطلان هذه الطبائع والكيفيات عند انقطاع تعلق القمر بهذا العالم كما بطل عمل السفينة وجريها عند غيبة الربان عنها انقطاع تعلقة بها فلم يكن الربان هو سبب الغرق الذي هو ضد السلامة كما كان القمر سببا لليبس الذي هو ضد الرطوبة وللحرارة التي هي ضد البرودة وإنما كانت أسباب الغرق غيبة أحد الأسباب التي كان الربان يمنع فعلها فلما غاب عنها عمل ذلك السبب عمله فغرقت وهذا أوضح من أن يحتاج إلى تقرير ولكن الأذهان التي قد اعتادت قبول المحالات قد يحتاج في علاجها إلى مالا يحتاج إليه غيرها وبالله التوفيق قال صاحب الرسالة وقالوا في معرفة أحوال أمهات المدن أن ذلك يعلم من المواضع التي فيها الشمس والقمر في أول ابتنائها ومواضع الاوتاد فهو خاصة وتد الطالع كما يفعل في المواليد فإن لم يتوقف على الزمان الذي بنيت فيه فلينظر إلى موضع وسط السماء في مواليد الولاة والملوك الذين كانوا في ذلك الزمان الذي بنيت فيه تلك المدن قلت ونظير هذا من هذيانهم قولهم أنا نعرف أحوال الأب من مولد الابن إذا لم يعرف مولد الأب قالوا أن هذا الموضع تالي المرتبة للطالع وهو أخص المواضع بالطالع كما أن الأب أخص الأشياء بالابن فكذلك أخص الأشياء بالملك مملكته فموضع وسط سمائه يدل على مدينته وأحوالها وكل عاقل يعلم بطلان هذه الدلالة وفسادها وأته لا ارتباط بين طالع المدينة وطالع السلطان كما لا ارتباط بين طالع ولادة الابن وطالع ولادة أبيه وإنما هذه تشبيهات بعيدة ومناسبات في غاية البعد قال صاحب الرسالة وقالوا في معرفة حال الوالدين إن الشمس وزحل يشاكلان الآباء بالطبع ولست أدرى كيف تعقل دلالة شيء ليس مما يتوالد بطبعه على شيء من طريق التوالد لأن الأب إنما يكون أبا باضافته إلى ابنه والابن إنما يكون ابنا باضافته إلى أبيه وانهم يستدلون على حال الأولاد بالقمر والزهرة والمشترى وأن أحوال الأب تعرف من مواليد ابنه بأن يقام موضع الكوكب الدال عليه وهو الشمس أو زحل مقام الطالع ويستدل على حال الابن من مولد أبيه بأن يقام موضع الكوكب الدال عليه وهو أحد الكواكب الثلاثة القمر والمشترى والزهرة مقام الطالع وقد يكون الإنسان في أكثر الأوقات أبا فيكون الشمس وزحل يدل عليه من مولد ابنه وله في نفسه مولد لامحالة ويمكن أن يكون رب طالع مولده كوكبا غير الكوكبين الدالين على حاله من مولد أبيه وابنه فيكون حاله يعرف من ثلاثة كواكب وثلاثة بروج مختلفة الأشكال والطبائع وتناقض هذا القول بين لمستعمله فضلا عن متوهمة قلت قد قالوا في الجواب عن هذا أنه(2\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "474",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14930",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا تناقض فيه بل هو حق واجب قالوا إذا أردنا أن نعرف حال سقراط مثلا من حيث هو إنسان أليس ينظر إلى ما يخص الحيوان والإنسان الكلي وإذا أردنا أن نعرف حاله من حيث هو أب أن ننظر إلى المضاف وما يلحقه وإذا أردنا أن نعرف حاله من حيث هو عالم ننظر إلى الكيفية وما يخصها والأول جوهر والباقي أعراض وسقراط واحد ونعرف أحواله من مواضع مختلفة متباينة مرة يكون جوهرا ومرة عرضا فكذلك إذا أردنا أن نعرف حاله من مولده نظرنا إلى الطالع وربه وإذا أردنا أن نعرف حاله من مولد أبيه نظرنا إلى العاشر والشمس وكذلك إذا أردنا أن نعرف حاله من مولد ابنه نظرنا إلى موضع آخر وليس ذلك متناقضا كما أن الأول ليس متناقضا فيقال هذا تنبيه فاسد واعتبار باطل فأنا نظرنا في طالع الأب لنستدل به على حال الولد ونظركم في الطالع لتستدلوا به على حال الأب هو استدلال على شيء واحد وحكم عليه بسبب لا يقتضيه ولا يفارقه فأين هذا من تعرف إنسانية سقراط وأبوته وعدالته وعلمه مثلا وطبيعته فإن هذه أحوال مختلفة لها أدلة وأسباب مختلفة فنظيرها أن نعرف حال الولد من جهة سعادته ومحبته وصحته وسقمه من طالعه وحاله من جهة ما يناسبه من الأغذية والأدوية من مزاجه وحاله من جهة أفعاله ورئاسته من أخلاقه كالحياء والصبر والبذل وحاله من جهة اعتدال مزاجه من اعتدال أعضائه وتركيبه وصورته فهذه أحوال بحسب اختلاف أسبابها فأين هذا من أخذ حال الولد وعمره وسعادته وشقاوته من طالع أبيه وبالعكس فالله يعين العقلاء على تلبيسكم ومحالكم ويثبت عليهم ما وهبهم من العقول التي رغبت بها ورغبوا بها عن مثل ما أنتم عليه قال وزعم بطليموس أن الفلك إذا كان على شكل ما ذكره في مولد ما وكانت الكواكب في مواضع ذكرها وجب أن يكون الولد أبيض اللون سبطا وإن وجد مولود في بلاد الحبشة والفلك متشكل على ذلك الشكل والكواكب في المواضع التي ذكرها لم يمض ذلك الحكم عليه ومضى على المولود إن كان من الصقالبة أو من قرب مزاجه من مزاجهم وزعم أن الفلك إذا كان على شكل ما ذكره في مولد ما وكانت الكواكب في مواضع ذكرها فإن صاحب الولد يتزوج أخته إن كان مصريا فإن لم يكن مصريا لم يتزوجها وزعم أن الفلك إذا كان على شكل آخر ذكره في مولد من المواليد وكانت الكواكب في مواضع بينهما تزوج الولد بأمه إن كان فارسيا وإن لم يكن فارسيا لم يتزوجها وهذه مناقضة شنيعة لأنه ذكر علة ومعلولا يوجد بوجودها وترتفع بارتفاعها ثم ذكر أنها توجد من غير أن يوجد معلولها قلت أرباب هذا الفن يقولون لا بد من معرفة الأصول التي يحكم عليها لئلا يغلط الحاكم ويذهب كلامه إن لم يعرف الأصول وهى الجنس والشريعة والأخلاق والعادات مما يحتاج المنجم إن يحصلها ثم يحكم عليها وكذلك قال بطليموس أنه يجب على المنجم النظر في صور الأبدان وخواص حالات الأنفس(2\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "475",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14931",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واختلاف العادات والسنن قال ويجب على من نظر في هذه الأشياء على المذهب الطبيعي إن يتشبث أبدا بالأسباب الأول الصحيحة لئلا يغلط بسبب اشتباه المواليد فيقول مثلا أن المولود في بلاد الحبش يكون أبيض اللون سبط الشعر وأن المولود في بلاد الروم أسود اللون جعد الشعر أو يغلط أيضا في السنن والعادات التي يخص بها بعض الأمم في الباه فيقول مثلا أن الرجل من أهل انطاكية يتزوج بأخته وكان الواجب أن ينسب ذلك الفارسي وفي الجملة ينبغي أن يعلم أولا حالات القضاء الكلى ثم يأخذ حالات القضاء الجزئي ليعلم منها الأمر في الزيادة والنقصان وكذلك يجب ضرورة أن يقدم في قسمة الأزمان أصناف الأسنان الزمانية وموافقتها لكل واحد من الأحداث وأن يتفقد أمرها لئلا يغلط في وقت من الأوقات في الأعراض العامة البسيطة التي ينظر فيها في المواليد فيقول أن الطفل يباشر الأعمال أو يتزوج أو يفعل شيئا من الأشياء التي يفعلها من هو أتم سنا منه وأن الشيخ الفاني يولد له أو يفعل شيئا من أفعال الأحداث وهذا ونحوه يدل على أن الأمور وغيرها إنما هي بحسب اختلاف العوائد والبلاد وخواص الأنفس واختلاف الأسنان والأغذية وقواها أيضا مما فيها تأثير قوى وكذا الهواء والتربة واللباس وغيرها كل هذه لها تأثير في الأخلاق والأعمال وأكبرها العوائد والمربا والمنشأ فإحالة هذه الأمور على الكواكب والطالع والمقارنة والمفارقة والمناظر من أبين الجهل ولهذا اضطر إمام المنجمين ومعلمهم إلى مراعات هذه الأمور وأخبر أن الحاكم بدون معرفتها والتشبث بها يكون مخطئا وحينئذ فالطالع المعتبر المؤثر إنما هو طالع العوائد والسنن والبلاد وخواص هيأت النفوس الإنسانية وقوى أغذية أبدانها وهوائها وتربتها وغير ذلك مما هو مشاهد بالعيان تأثيره في ذلك أفليس من أبين الجهل الإعراض عن هذه الأسباب والحوالة على حركات النجوم واجتماعها وافتراقها ومقابلتها في تربيع أو تثليث أو تسديس مما لوصح لكان غايته ان يكون جزء سبب من الأسباب التي تقتضي هذه الآثار ثم إن لها من المقارنات والمفارقات والصوارف والعوارض مالا يحصى المنجم القليل من عشر معشاره أفليس الحكم بمجرد معرفة جزء من أجزاء السبب بالظن والحدس والتقليد لمن حسن ظنه به حكم كاذب ولهذا كذب المنجم أضعاف أضعاف صدقه بكثير حتى صداق أن بعض الزراقين وأصحاب الكشف وأرباب الفراسة والجزائين أكثر من صدق هؤلاء بكثير وما ذاك إلا لأن المجهول من جمل الأسباب وما يعارضها ويمنع تأثيرها أكثر من المعلوم منها فكيف لا يقع الكذب والخطأ بل لا يكاد يقع الصدق والصواب إلا على سبيل التصادف ونحن لا ننكر ارتباط المسببات بأسبابها كما ارتكبه كثير من المتكلمين وكابروا العيان وجحدوا الحقائق كما أنا لا نرضى بهذيانات الأحكاميين ومحالاتهم بل نثبت(2\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "476",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14932",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأسباب والمسببات والعلل والمعلولات ونبين مع ذلك بطلان ما يدعونه من علم أحكام النجوم وأنها هي المدبرة لهذا العالم المسعدة المشقية المحيية المميتة المعطية للعلوم والأعمال والأرزاق والآجال وأن نظركم في هذا العالم موجب لكم من علم الغيب ما انفردتم به عن سائر الناس وليس في طوائف الناس أقل علما بالغيب منكم بل انتم أجهل الناس بالغيب على الإطلاق ومن اعتبر حال حذقائكم وعلمائكم واعتمادهم على ملاحم مركبة من إخبارات بعض الكهان ومنامات وفراسات وقصص متوارثة عن أهل الكتاب وغيرهم ومزج ذلك بتجارب حصلت مع اقترانات نجومية واتصالات كوكبية يعلم بالحساب حصولها في وقت معين فقضيتم بحصول تلك الآثار أو نظيرها عندها إلى أمثال ذلك من أسباب علم تقدمه المعرفة التي قد جرب الناس منها مثل ماجربتم فصدقت تارة وكذبت تارة فغاية الحركات النجومية والاتصالات الكوكبية أن تكون كالعلل والأسباب المشاهدة التي تأثيراتها موقوفة على انضمام أمور أخرى إليها وارتفاع موانع تمنعها تأثيرها فهي أجزاء أسباب غير مستقلة ولا موجبة هذا لو أقمتم على تأثيرها دليلا فكيف وليس معكم إلا الدعاوى وتقليد بعضكم بعضا واعتراف حذاقكم بأن الذي يجهل من بقية الأسباب المؤثرة ومن الموانع الصارفة أعظم من المعلوم منها بأضعاف مضاعفة لا يدخل تحت الوهم فكيف يستقيم لعاقل الحكم بعد هذا وهل يكون في العالم أكذب منه قال صاحب الرسالة وإذا كان الفلك متى تشكل شكلا ما دل إن كان في مولد مصري على أنه يتزوج أخته فذلك سنة كانت لهم وعادة وإن كان في مولد غيره لم يدل على ذلك ونحن نجد أهل مصر في وقتنا هذا قد زالوا عن تلك العادة وتركوا تلك السنة بدخولهم في الإسلام والنصرانية واستعمالهم أحكامهما فيجب أن تسقط هذه الدلالة من مواليدهم لزوالهم عن تلك العادة أو تكون الدلالة توجب ذلك في مولد كل أحد منهم ومن غيرهم أو تسقط الدلالة وتبطل بزوال أهل مصر عما كانوا عليه وكذلك جمهور أهل فارس وأي ذلك كان فهو دال على قبيح المناقضة وشدة المغالطة وقد رأيت وجههم بطليموس يقول في كتابه المعروف بالأربعة فيحدث كذا وكذا توهمنا أنه يكون كذا وكذا قلت الذي صرح به بطليموس إن علم أحكام النجوم بعد استقصاء معرفة ما ينبغي معرفته إنما هو على جهة الحدس لا العلم واليقين فمن ذلك قوله هذا وبالجملة فإن جميع علم حال هذا العنصر إنما يستقيم أن يلحق على جهة الظن والحدس لا على جهة اليقين وخاصة منه ما كان مركبا من أشياء كثيرة غير متشابهة قال شارح كلامه وإنما ذهب إلى ذلك لأن الأفعال التي تصدر عن الكواكب إنما هي بطريق العرض وإنها لا تفعل بذواتها شيئا والدليل على ذلك قوله في الباب الثاني من كتاب الأربعة وإذا كان الإنسان قد استقصى معرفة حركة جميع الكواكب والشمس والقمر حتى أنه لا يذهب عليه شيء من المواضع والأوقات التي تحدث لها فيها الأشكال وكانت عنده(2\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "477",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14933",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معرفة بطبائعها قد أخذها عن الأخبار المتواترة التي تقدمته وأن لم يعلم طبائعها في نفس جواهرها لكن يعلم قواها التي تفعل بها كالعلم بقوة الشمس أنها تسخن وكالعلم بقوة القمر أنها ترطب وكذلك يعلم أمر قوى سائر الكواكب وكان قويا على معرفة أمثال سائر هذه الأشياء لا على المذهب الطبيعي فقط لكن يمكنه أيضا أن يعلم بجودة الحدس خواص الحال التي تكون من امتزاج جميع ذلك قال الشارح وبطليموس يرى أن علم الأحكام إنما يلحق على جهة الحدس لا على جهة اليقين قلت وكذلك صرح أرسطاطا ليس في أول كتابه السماع الطبيعي أنه لا سبيل إلى اليقين بمعرفة تأثير الكواكب فقال لما كانت حال العلم واليقين في جميع السبل التي لها مباديء أو أسباب أو استقصا آت إنما يلزم من قبل المعرفة بهذه فإذا لم تعرف الكواكب على أي وجه تفعل هذه الأفاعيل أعني بذاتها أو بطريق العرض ولم تعرف ما هيتها وذواتها لم تكن معرفتنا بالشيء أنه يفعل على جهة اليقين وهذا ثابت بن قرة وهو هو عندهم يقول في كتاب ترتيب العلم وأما علم القضاء من النجوم فقد اختلف فيه أهله اختلافا شديدا وخرج فيه قوم إلى ادعاء مالا يصح ولا يصدق بما لا اتصال له بالأمور الطبيعية حتى أدعوا في ذلك ما هو من علم الغيب ومع هذا فلم يوجد منه إلى زماننا هذا قريب من التمام كما وجد غيره هذا لفظه مع حسن ظنه به وعدله في العلوم وهذا أبو نصر الفارابي يقول واعلم أنك لو قلبت أوضاع المنجمين فجعلت السعد نحسا والنحس سعدا والحار باردا والبارد حارا والذكر أنثى والأنثى ذكرا ثم حكمت لكانت أحكامك من جنس أحكامهم تصيب تارة وتخطيء تارة وهذا أبو على بن سينا قد أتى في آخر كتابه الشفاء في رد هذا العلم وإبطاله بما هو موجود فيه وقرأت بخط رزق الله المنجم وكان من زعمائهم في كتاب المقايسات لأبي حيان التوحيدي مناظرة دارت بين جماعة من فضلائهم جمع جمعهم بعض المجالس فذكرتها مخلصة ممالا يتعلق بها بل ذكرت مقاصدها قال أبو حيان هذه مقايسة دارت في مجلس أبي سليمان محمد بن ظاهر بن بهرام السجستاني وعنده أبو زكريا الصيمري والبوشنجاني أبو الفتح وأبو محمد العروضي وأبو محمد المقدسى والقوطسي وغلام زحل وكل واحد من هؤلاء إمام في شأنه فرد في صناعته فقيل في المجلس لم خلا علم النجوم من الفائدة والثمرة وليس علم من العلوم كذلك فإن الطب ليس على هذه الحال ثم ذكرت فائدته والمنفعة به وكذلك الحساب والنحو والهندسة والصنائع ذكرت وذكرت منافعها وثمراتها ثم قال السائل وليس علم النجوم كذلك فإن صاحبه إذا استقضى وبلغ الحد الأقصى في معرفة الكواكب وتحصيل سيرها واقترانها ورجوعها ومقابلتها وتربيعها وتثليثها وتسديسها وضروب مزاجها في مواضعها من بروجها وأشكالها ومطالعها ومعاطفها ومغاربها ومشارقها ومذاهبها حتى إذا(2\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "478",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14934",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حكم أصاب وإذا أصاب حقق وإذا حقق جزم وإذا جزم حتم فإنه لا يستطيع البتة قلب شيء عن شيء ولا صرف شيء عن شيء ولا تبعيد حال قد دنت ولا نفي خلة قد كتبت ولا رفع سعادة قد حمت وأظلت أعنى أن أمرءا ما لا يقدر على أن يجعل الإقامة سفرا ولا الهزيمة ظفرا ولا العقد حلا ولا الإبرام نقضا ولا اليأس رجاء ولا الإخفاق دركا ولا العدو صديقا ولا الولي عدوا ولا البعيد قريبا ولا القريب بعيدا فكان العالم به الحاذق المتناهي في خفياته بعد هذا التعب والنصب وبعد هذا الكد والدأب وبعد هذه الكلفة الشديدة والمعرفة الغليظة هو ملتزم للمقدار مستجد لما يأتي به الليل والنهار وعادت حاله مع علمه الكثير إلى حال الجاهل بهذا العلم الذي انقياده كانقياده واعتباره كاعتباره ولعل توكل الجاهل أحسن من توكل العالم به ورضاه في الخير المشتهي ونجاته من الشر المتقي أقوى وأصح من رجاء هذا المدل بزيجه وحسابه وتقويمه واسطر لا به ولهذا لما لقي أبو الحسين النوري ما نيا المنجم قال له أنت تخاف زحل وأنا أخاف رب زحل وأنت ترجو المشترى وأنا أعبد رب المشترى وأنت تعدو بالإشارة وأنا أعدو بالاستخارة فكم بيننا وهذا أبو شروان وكان من الملوك الأفاضل كان لا يرفع بالنجوم رأسا فقيل له في ذلك فقال صوابه يشبه الحدس وخطأه شديد على النفس فمتى أفضى هذا الفاضل النحرير والحاذق البصير إلى هذا الحد والغاية كان علمه عاريا من الثمرة خاليا من الفائدة حائلا عن النتيجة بلا عائدة ولا مرجوع وإن أمراأوله على ما قررناه وآخره على ما ذكرناه لحري أن لايشغل الزمان به ولا يوهب العمر له ولا يعار الهم والكد ولا يعاج عليه بوجه ولا سبب هذا إن كانت الأحكام صحيحة مدركه محققة ومصابة ملحقة معروفة محصلة ولم يكن المذهب على ما زعم أرباب الكلام والذين يأبون تأثير هذه الأجرام العالية في الأجسام السافلة وينفون الوسائط بينهما والوصائل ويدفعون الفواعل والقوابل ثم السؤال فأجاب كل من هؤلاء بما سنح له فقال قائل منهم عن هذا السؤال المهول جوابان أحدهما هو زجر عن النظر فيه لئلا يكون هذا الإنسان مع ضعف تجربته واضطراب غريزته وضعف بنيته علا على ربه شريكا له في غيبه متكبرا على عباده ظانا بأنه فيما يأتي من شأنه قائم بجده وقدرته وحوله وقوته وتشميره وتقليصه وتهجيره وتقريبه فأن هذا النمط محجز الإنسان عن الخشوع لخالقه والإذعان لربه ويبعده عن التسليم لمدبره ويحول بينه وبين طرح الكاهل بين يدي من هو أملك له وأولى به وأما الجواب الآخر فهو بشرى عظيمة على نعمة جسيمة لمن حصل له هذا العلم وذلك سر لو اطلع عليه وغيب لو وصل إليه لكان ما يجده الإنسان فيه من الروح والراحة والخير في العاجلة والآجلة تكفيه مؤنه هذا الخطب الفادح وتغنيه عن تجشم هذا الكد الكادح فاجعل أيها المنكر لشرف هذا العلم(2\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "479",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14935",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قبل عينك ما تخفي عليك خفيه ومكنونه تذللا لله تقدس اسمه فيما استبان لك معلومه ووضح عندك مظنونه ثم قال أعلم أن العلم به حق ولكن الإصابة بعيدة وليس كل بعيد محالا ولا كل قريب صوابا ولا كل صواب معروفا ولا كل محال موصوفا وإنما كان العلم حقا والاجتهاد فيه مبلغا والقياس فيه صوابا وبذل السعي دونه محمودا لاشتبال هذا العالم السفلي بذلك العالم العلوي واتصال هذه الأجسام القابلة بتلك الأجسام الفاعلة واستحالة هذه الصور بحركات تلك المحركات المشاكلة بالوحدة وإذا صح هذا الاتصال والتشابك وهذه الحبال والروابط صح التأثير من العلوي وقبول التأثير من السفلي بالمواضع الشعاعية وبالمناسبات الشكلية والأحوال الخفية والجلية وإذا صح التأثير من المؤثر وقبوله من القابل صح الاعتبار واستتب القياس وصدق الرصد وثبت الإلف واستحكمت العادة وانكشفت الحدود وانشالت العلل وتعاضدت الشواهد وصار الصواب غامرا والخطأ مغمورا والعلم جوهرا راسخا والظن عرضا زائلا فقيل هل تصح الأحكام أم لا فقال الأحكام لا تصح بأسرها ولا تبطل من أصلها وذلك سبب يتبين إذا أنعم النظر وبسط الإصغاء وصمد نحو الفائدة بغير متابعة الهوى وايثار التعصب ثم قال الأمور الموجودة على ضربين ضرب له الوجود الحق وضرب له الوجود ولكن ليس الوجود الحق فأما الأمور الموجودة بالحق فقد أعطت الأخرى نسبة من جهة الوجود الحق وأما الأمور الموجودة لا بالحق فقد أعطت الأخرى نسبة من جهة الوجود وارتجعت منها حقيقية ذلك فالحكم بالاعتبار الفاحص عن هذه الأسرار إن أصاب فبسبب الوجود الذي هو هذا العالم السفلي من ذلك العالم العلوي وإن أخطأ فبآفات هذا العالم السفلي من ذلك العالم العلوي والإصابة في هذه الأمور السيالة المتبدلة عرض والإصابة في أمور الفلك جوهر وقد يكون هناك ما هو كالخطأ ولكن بالعرض لا بالذات كما يكون ههنا لا هو بالصواب والحق لكن بالعرض لا بالذات فلهذا صح بعض الأحكام وبطل بعضها ومما يكون شاهدا لهذا أن هذا العالم السفلي مع تبدله في كل حالة واستحالته في كل طرف ولمح متقبل لذلك العالم العلوي يتحرك شرقا إلى كماله وعشقا لجماله وطلبا للتشبه به وتحققا بكل ما أمكن من شكله فهو بحق التقبل معط هذا العالم السفلي ما يكون به مشابها للعالم العلوي وبهذا التقبل يقبل الإنسان الناقص الكامل ويقبل الكامل من البشر الملك ويقبل الملك الباري جل وعز قال آخر إنما وجب هذا التقبل والتشبه لأن وجود هذا العالم وجود متهافت مستحيل لا صورة له ثابتة ولا شكل دائم ولا هيئة معروفة وكان من هذا الوجه فقيرا إلى ما يمده ويشده فأما مسحه فهو موجود وثابت مقابل لذلك العالم الموجود الثابت وإنما عرض ما عرض لأن أحدهما مؤثرة والآخر قابل فبحق هذه المرتبة ما وجد التواصل وقال(2\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "480",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14936",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "آخر قد يغفل مع هذا كله المنجم اعتبار حركات كثيرة من أجرام مختلفة لأنه يعجز عن نظمها وتقويمها ومزجها وتسييرها وتفصيل أحوالها وتحصيل خواصها مع بعد حركة بعضها وقرب حركة بعضها وبطئها وسرعتها وتوسطها والتفاف صورها والتباس تقاطعها وتداخل أشكالها ومن الحكمة في هذا الإغفال أن الله تقدس اسمه يتم بذلك القدر المقفل والقليل الذي لا يؤبه والكثير الذي لا يحاول البحث عنه أمرؤ لم يكن في حسبان الخلق ولا فيما أعملوا فيه القياس والتقدير والتوهم ولهذا يحكم هذا الحاذق في صناعته لهذا الملك وهذا الماهر في عمله لهذا الملك ثم يلتقيان فتكون الدائرة على أحدهما مع شدة الوقاع وصدق المصاع هذا وقد حكم له بالظفر والغلب وقال آخر وهو البوشنجاني إنما يؤتي أحد الحاكمين لأحد السائلين لا من جهة غلط يكون في الحساب ولا من قلة مهارة في العمل ولكن يكون في طالعه إن لا يصيب في ذلك الحكم ويكون في طالع الملك إن لا يصيب منجمه في تلك الحرب فمقتضى حاله وحال صاحبه يحول بينه وبين الصواب ويكون الآخر مع صحة حسابه وحسن إدراكه قد وجب في طالع نفسه وطالع صاحبه ضد ذلك فيقع الأمر الواجب ويبطل الآخر الذي ليس بواجب وقد كان المنجمان من جهة العلم والحساب أعطيا للصناعة حقها ووفيا ما عليهما ووقفا موقفا واحدا على غير مزية بينة ولا علة قائمة قال آخر ولولا هذه البقية المندفنة والغاية المستترة التي استأثر الله بها لكان لا يعرض هذا الخطأ مع صحة الحساب ودقة النظر وشدة الغوص وتوفي المطلوب ومع غلبة الهوى والميل إلى المحكوم له وهذه البقية دائرة في أمور هذا الخلق فاضلهم وناقصهم ومتوسطهم في دقيقها وجليلها وصعبها ومن كان له في نفسه باعث على التصفح والنظر والبحث والاعتبار وقف على ما أومأت إليه وسلم وبحكمة جليلة ضرب الله دون هذا العلم بالاسداد وطوي حقائقه عن أكثر العباد وذلك أن العلم بما سيكون ويحدث ويستقبل علم حلو عند النفس وله موقع عند العقل فلا أحد إلا وهو يتمنى إن يعلم الغيب ويطلع عليه ويدرك ما سوف يكون في غد وبجد سبيلا إليه ولو ذلل السبيل إلى هذا الفن لرأيت الناس يهرعون إليه ولا يؤثرون شيئا آخر عليه لحلاوة هذا العلم عند الروح ولصوقه بالنفس وغرام كل أحد به وفتنة كل إنسان فيه فبنعمة من الله لم يفتح هذا الباب ولم يكشف دونه الغطاء حتى يرتقي كل أحد روضة ويلزم حده ويرغب فيما هو أجدى عليه وأنفع له أما عاجلا وأما آجلا فطوى الله عن الخلق حقائق الغيب ونشر لهم نبذا منه وشيئا يسيرا يتعللون به ليكون هذا العلم محروصا عليه كسائر العلوم ولا يكون مانعا من غيره قال فلولا هذه البقية التي فضحت الكاملين وأعجزت القادرين لكان تعجب الخلق من غرائب الأحداث وعجائب الصروف وطرائف الأحوال عبثا وسفها(2\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "481",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14937",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتوكلهم على الله لهوا ولعبا فقال آخر وهذا يتضح بمثال وليكن المثال أن ملكا في زمانك وبلادك واسع الملك عظيم الشأن بعيد الصيت سابغ الهيبة معروفا بالحكمة مشهورا بالحزم يضع الخير في مواضعه ويوقع الشر في مواقعه عنده جزاء كل سيئة وثواب كل حسنة قد رتب لبريده أصلح الأولياء له وكذلك نصب لجباية أمواله أقوم الناس بها وكذلك ولى عمارة أرضه أنهض الناس بها وشرف آخر بكتابته وآخر بوزارته وآخر بنيابته فإذا نظرت إلى ملكه وجدته مؤزرا بسداد الرأي ومحمود التدبير وأولياؤه حواليه وحاشيته بين يديه وكل يحف إلى ما هو منوط به ويستقصي طاقته ويبذل فيه والملك يأمر وينهى ويصدر ويورد ويثيب ويعاقب وقد علم صغير أوليائه وكبيرهم ووضيع رعاياه وشريفهم ونبيه الناس وخاملهم أن الأمر الذي تعلق بكذا وكذا صدر من الملك إلى كاتبه لأنه من جنس الكتابة وعلائقها وما يدخل في شرائطها ووثائقها والأمر الآخر صدر إلى صاحب بريده لأنه من أحكام البريد وفنونه والأمر الآخر ألقى إلى صاحب المعونة لأنه من جنس ما هو مرتب له منصوب من أجله والحديث الآخر صدر إلى القاضي لأنه من باب الدين والحكم والفصل وكل هذا مسلم إلى الملك لا يفتات عليه في شيء منه ولا يستبد بشيء دونه فالأحوال على هذا كلها جارية على أصولها وقواعدها في مجاريها لا يرد شيء منها إلى غير شكله ولا يرتقي إلى غير طبقته فلو وقف رجل له من الحزم نصيب ومن اليقظة قسط على هذا الملك الجسيم وتصفح أبوابه بابا بابا وحالا حالا وتخلل بيتا بيتا ورفع سجفا سجفا لا يمكنه أن يعلم بما يثمره له هذا النظر وميزه له هذا القياس وأوقعه عليه هذا الحدس ما سيفعله هذا الملك غدا وما يتقدم به إلى شهر وما يكاد يكون منه إلى سنة وسنتين لأنه يعاني الأحوال ويقايس بينها ويلتقط ألفاظ الملك ولحظاته وإشاراته وحركاته ويقول في بعضها رأيت الملك يفعل كذا وكذا وبفعل كذا وكذا وهذا يدل على كذا وكذا وإنما جرأه هذه الجرأة على هذا الحكم والبت أنه قد ملك لحظ الملك ولفظه وحركته وسكونه وتعريضه وتصريحه وجده وهزله وشكله وسجيته وتجعده واسترساله ووجومه ونشاطه وانقباضه وانبساطه وغضبه ورضاه ثم هجس في نفس هذا الملك هاجس وخطر بباله خاطر فقال أريد أن أعمل عملا وأوثر أثرا وأحدث حالا لا يقف عليها أوليائي ولا المطيعون لي ولا المختصون بقولي ولا المتعلقون بحبالي ولا أحد من أعدائي المتتبعين لأمري والمحصين لأنفاسي ولا أدرى كيف افتتحه ولا اقترحه لأني متى تقدمت في ذلك إلى كل من يلوذ بي ويطوف بناحيتي كان الأمر في ذلك نظير جميع أموري وهذا هو الفساد الذي يلزمني تجنبه ويجب على التيقظ فيه فيقدح له الفكر الثاقب انه ينبغي أن يتأهب للصيد ذات يوم فيتقدم بذلك ويذيعه فيأخذ أصحابه(2\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "482",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14938",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وخاصته في أهبة ذلك واعداد الآلة فإذا تكامل ذلك له أصحر للصيد وتقلب في البيداء وصمم على ما يلوح له وأمعن وراءه وركض خلفه جواده ونهى من معه أن يتبعه حتى إذا وغل في تلك الفجاج الخاوية والمدارج المتنائية وتباعد عن متن الجادة ووضح المحجة صادف أنسانا فوقف وحاوره وفاوضه فوجده حصينا محصلا يتقدفهما فقال له أفيك خير فقال نعم وهل الخير إلافي وعندي وإلا معي الق إلى ما بدا لك وخلني وذلك فقال له إن الواقف عليك المكلم لك ملك هذا الإقليم فلا ترع وأهدأ فقال السعادة فيضتني لك والجد أطلعك على فيقول له الملك أني أريد أن أطلعك لأرب في نفسي وأبلغ بك إن بلغت لي ذلك أريد أن تكون عينا لي وصاحبا لي نصوحا وأطوي سري عن سلخ فؤادك فضلا عن غيره فإذا بلغ منه التوثقة والتوكيد ألقي إليه ما يأمره به ويحثه على السعي فيه وأزاح علته في جميع ما يتعلق المراد به ثم ثني عنان دابته إلى وجه عسكره وأوليائه والحق بهم فقضى وطره ثم عاد إلى سريره وليس عند أحد من رهطه وبطانته وغاشيته وخاصته وعامته علم بما قد أسره إلى ذلك الإنسان فبينما الناس على مكانهم وغفلاتهم إذ أصبحوا ذات يوم في حادث عظيم وخطب جسيم وشأن هائل فكل يقول ذلك عند ذلك ما أعجب هذا من فعل هذا متى تهيأ هذا هذا صاحب البريد ليس عنده منه أثر هذا صاحب المعونة وهو عن الخبر بمعزل وهذا الوزير الأكبر وهو متحير وهذا القاضي وهو متفكر وهذا حاجبه وهو ذاهل وكلهم عن الأمر الذي دهم غافل وقد قضى الملك مأربته وأدرك حاجته وطلب بغيته ونال غرضه فلذلك ينظر المنجم إلى زحل والمشتري والمريخ والشمس والقمر وعطارد والزهرة وإلى البروج وطبائعها والرأس والذنب وتقاطهما والهيلاج والكامداه وإلى جميع ماداني هذا وقاربه وكان له فيه نتيجة وثمرة فيحسب ويمزج ويرسم فينقلب عليه أشياء كثيرة من سائر الكواكب التي لها حركات بطيئة وآثار مطوية فينبعث فيما أهمله وأغفله وأضرب عنه لم يتسع له ما يملك عليه حسه وعقله وفكره ورويته حتى لا يدري من أين أتى ومن أين دهى وكيف انفرج عليه الأمر وأنسد دونه المطلب وفات المطلوب وعزب عنه الرأي هذا ولا خطأ له في الحساب ولا نقص في قصد الحق وهذا كي يلاذ بالله وحده في الأمور كلها ويعلم أنه مالك الدهور ومدبر الخلائق وصاحب الدواعي والعلائق والقائم على كل نفس والحاضر عند كل نفس وأنه إذا شاء نفع وإذا شاء ضر وإذا شاء عافا وإذا شاء أسقم وإذا شاء أغنى وإذا شاء أفقر وإذا شاء أحيا وإذا شاء أمات وأنه كاشف الكربات مغيث ذوي اللهفات قاضي الحاجات مجيب الدعوات ليس فوق يده يد وهو الأحد الصمد على الأبد والسرمد وقال آخر هذه الأمور وإن كانت منوطة بهذه العلويات(2\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "483",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14939",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مربوطة بالفلكيات عنها تحدث ومن جهتها تنبعث فإن في عرضها مالا يستحق أن ينسب إلى شيء منها إلا على وجه التقريب ومثال ذلك ملك له سلطان واسع ونعمة جمة فهو يفرد كل أحد بما هو لائق به وبما هو ناهض فيه فيولي بيت المال مثلا خازنا أمينا كافيا شهما يفرق على يده ويخرج على يده ثم أن هذا الملك قد يضع في هذه الخزانة شيئا لا علم للخازن به وقد يخرج منها شيئا لا يقف الخازن عليه ويكون هذا منه دليلا على ملكه واستبداده وتصرفه وقدرته وقال آخر لما كان صاحب علم النجوم يريد أن يقف على أحداث الزمان ومستقبل الوقت من خير وشر وخصب وجدب وسعادة ونحس وولاية وعزل ومقام وسفر وغم وفرح وفقر ويسار ومحبة وبغض وجدة وعدم ووجدان وعافية وسقم وإلفة وشتات وكساد ونفاق وإصابة وإخفاق وحياة وممات وهو إنسان ناقص في الأصل لأن نقصانه بالطبع وكماله بالعرض ومع هذه الحال المحوطة بالنسخ المعروفة بالظن قد بارى بارئه ونازع ربه وتتبع غيبه وتحلل حكمه وعارض مالكه فحرمه الله فائدة هذا العلم وصرفه عن الانتفاع به والاستثمار من شجرته وإضافة إلى من لا يحيط بشيء منه ولا يخل بشيء فيه ونظمه في باب القسر والقهر وجعل غاية سعيه فيه الخيبة ونهاية علمه به الحيرة وسلط عليه في صناعته الظن والحدس والحيلة والزرق والكذب والختل ولو شئت لذكرت لك من ذلك صدرا وهو مثبوت في الكتب ومنثور في المجالس ومتداول بين الناس فلذلك وأشباهه حط رتبته ورده على عقيبه ليعلم أنه لا يعلم إلا ما علم وأنه ليس له أن يتخطى بما علم على ما جهل فإن الله سبحانه لا شريك له في غيبه ولا وزير له في ربو بيته وأنه يؤنس بالعلم ليطاع ويعبد ويوحش بالجهل ليفزع إليه ويقصد عز ربنا وجل إلها وتقدس مشارا إليه وتعالى معتمدا عليه وقال آخر وهو العروضي قد يقوى هذا العلم في بعض الدهر حتى يشغف به ويدان بتعلمه بقوة سماوية وشكل فلكي فيكثر الاستنباط والبحث وتشتد العناية والفكر فتغلب الإصابة حتى يزول الخطأ وقد يضعف هذا العلم في بعض الدهر فيكثر الخطأ فيه بشكل آخر يقتضي ذلك حتى يسقط النظر فيه ويحرم البحث عنه ويكون الدين حاضر الطلب والحكم به وقد يعتدل الأمر في دهر آخر حتى يكون الخطأ في قدر ذلك الصواب والصواب في قدر الخطأ وتكون الدواعي والصوارف متكافئة ويكون الدين لا يحث عليه كل الحث ولا يحظر على طالبه كل الحظر قال وهذا إذا صح تعلق الأمر كله بما يتصل بهذا العالم السفلي من ذلك العالم العلوي فإذا الصواب والخطأ محمولان على القوى المثبتة والأنوار الشائعة والآثار الذائعة والعلل الموجبة والأسباب المتوافية وقال آخر وهو البوشنجاني أيها القوم اختصروا الكلام وقربوا البقية فإن الإطالة مصدة عن الفائدة مضلة للفهم والفطنة هل تصح الأحكام فقال غلام زحل ليس عن هذا جواب(2\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "484",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14940",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يثبت على كل وجه فصل ولم يبن ذلك قال لأن صحتها وبطلانها يتعلقان بآثار الفلك وقد يقتصى شكل الفلك في زمان أن لا يصح منها شيء وأن غيص على دقائقها وبلغ إلى أعماقها وقد يزول ذلك الشكل في وقت آخر إلى أن يكثر الصواب فيها والخطأ ويتقاربان ومتى وقف الأمر على هذا الحد لم يثبت على قضاء ولم يوثق بجواب وقال آخر أن الله تعالى وتقدس اخترع هذا العالم وزينه ورتبه وحسنه ووشحه ونظمه وهذبه وقومه وأظهر عليه البهجة وأبطن في أثنائه الحكمة وحقه بم اضطر العقول إلى تصفحه ومعرفته وحشاه بكل ما حاش النفوس إلى علمه وتعليمه والتعجب من أعاجيبه وأمتع الأرواح بمحاسنه وأودعه أمورا واستحزنه أسرارا ثم حرك الألباب عليها حتى استثارتها ولقطتها وأحبتها وعشقتها ودارت عليها لأنها عرفت بها ربها وخالقها وإلهها وواضعها وصانعها وحافظها وكافلها ثم أنه تعالى مزج بعض ما فيه ببعض وركب بعضه على بعض ونسج بعضه في بعض وأمد بعضه من بعض وأحال بعضه إلى بعض بوسائط من أشخاص وأجناس وطبائع وأنفس وعلوم وعقول وتصرف في ملكه بقدرته وجوده وحكمته لا معيب الفضل ولا معدوم الاختيار ولا مردود الحكمة ولا مجحود الذات ولا محدود الصفات سبحانه وهو مع هذا كله لم يستفد شيئا ولم ينتفع بشيء بل استفاد منه كل شيء وانتفع به كل شيء وبلغ غايته كل شيء بحسب مادته المنقادة وصورته المعتادة ولم يثبت بشيء وثبت به كل شيء فهو الفاعل القادر الجواد الواهب والمنيل المفضل والأول السابق فلما كان الباحث عن العالم العلوي يتصفح سكانه ومعرفة آثاره ومواقعه وأسراره متعرضا لأن يكون مثبتا بها لبارئه مناسبا لربه بهذا الوجه المعروف استحال أن يستفيد بعلمه كما استحال أن يستفيد خالقه بفعله لمن بقصد لصوبه وحكمه لزمه كليته بدت منه وصفته عادت عليه وهذه حال إذا فطن لها وأشرف ببصيرة ثاقبة عليها وتحقق بحقيقتها وترقي للخبرة بسني ما فيها علم اضطرارا عقليا أنها أجل وأعلى وأنفس وأسمى وأدوم وأبقي من جميع فوائد سابق العلوم التي حازها أولئك العاملون لأن علم أولئك فوائد علومهم فيما حفظ عليهم حد الإنسان وخلقه وعادته وخلقه وشهوته وراحته في اجتلاب نفع ودفع ضرر ونقصت رتبتهم عن ومشابهته والتشبه بخاصته والتحلي بحليته ولذلك جبر الله نقصهم في علمهم بفوائد نالوها ومنافع خبروها فأما من أراد معرفة هذه الخفايا والأسرار من هذه الأجرام والأنوار على ما هيأت له ونظمت عليه فهو حري جدير أن يعري من جميع ما وجده صاحب كل علم في علمه من المرافق والمنافع ويفرد بالحكم من رتبها على ما هي عليه غير مستفيد بذلك فائدة ولا جدوى وهذه لطيفة شريفة متى وقف عليها حق الوقوف وتقبلت حتى التقبل كان المدرك لها أجل من كل فائت وإن عز(2\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "485",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14941",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأنها بشرية صارت إلهيه وجسمية استحالت روحانية وطينية انقلبت نوريه ومركب عاد بسيطا وجزء استحال كلا وهذا أمر قلما يهتدي إليه ويتنبه عليه وقال آخر وهو أبو سليمان المنطقي وقد سأله أبو حيان تلميذه عن هذه الأجوبة وما فيها من حق وباطل أن ههنا أنفسا خبيثة وعقولا رديه ومعارف خسيسة لا يجوز لأربابها أن ينشقوا ريح الحكمة أو يتطاولوا إلى غرائب الفلسفة والنهى ورد من أجلهم وهو حق فأما النفوس التي قوتها الحكمة وبلغتها العلم وعدتها الفضائل وعقدتها الحقائق وذخرها الخيرات وعادتها المكارم وهمتها المعالي فأن النهى لم يوجه إليها والعتب لم يوقع عليها وكيف يكون ذلك وقد بان بما تكرر من القول أن فائدة هذا العلم أجل فائدة وثمرته أجل ثمرة ونتيجته أشرف نتيجة فليكن هذا كله كافا عن سوء الظن وكافيا لك فيما وقع فيه القول وطال بين هؤلاء السادة الجحاجحة في العلم والفهم والبيان والنصح انتهت الحكاية فليتأمل من أنعم الله عليه بالعقل والعلم والإيمان وصانه عن تقليد هؤلاء وأمثالهم من أهل الحيرة والضلال ما في هذه المحاورة وما انطوت عليه من اعترافهم بغاية علمهم ومستقر أقدامهم فيه وما حكموا به على أنفسهم من مقتضي حكمة الله فيهم أن يسلبهم ثمرات علوم الناس وفوائدها وأن يكسوهم لباس الخيبة وقهر الناس لهم وإذلالهم إياهم وإن يجعل نصيب كل أحد من العلم والسعادة فوق نصيبهم وأن يجعل رزقهم من أبواب الكذب والظن والزرق وهو أخبث مكاسب العالم ومكسب البغايا وأرباب المواخير خير من مكاسب هؤلاء لأنهم كسبوها بذنوب وشهوات وهؤلاء اكتسبوا ما اكتسبوه بالكذب على الله وادعاء ما يعلمون هم فيه كذب أنفسهم والعجب من شهادتهم على أنفسهم أن حكمة الله سبحانه اقتضت ذلك فيهم لتعاطيهم مشاركته في غيبه والاطلاع على أسرار مملكته وتعديهم طور العبودية التي هي سمتهم إلى طور الربوبية الذي لم يجعل لأحد سبيلا إليه فاقتضت حكمة العزيز الحكيم إن عاملهم بنقيض قصودهم وعكس مراداتهم وجعل كل واحد فوقهم في كل ملة ورمي الناس باللسان العام والخاص لهم بأنهم أكذب الناس فأنهم هم الزنادقة الدهرية أعداء الرسل وسوس المال وإن طالعهم على من حسن الظن بهم وتقيد بأحكامهم في حركاته وسكناته وتدبيره شر طالع والملك والولاية المسوس بهم أذل ملك وأقله ومن له شيء من تجارب الأمم وأخبار الدول والوزراء وغيرهم فعنده من العلم بهذا ما ليس عند غيره ولهذا الملوك والخلفاء والوزراء الذين لهم قبول في العالم وصيت ولسان صدق هم أعداء هؤلاء الزنادقة كالمنصور والرشيد والمهدى وكخلفاء بني أمية وكالملوك المؤيدين في الإسلام قديما وحديثا كانوا أشد الناس إبعاد لهؤلاء عن أبوابهم ولم تقم لهم سوق في عهدهم إلا عند أشباههم ونظرائهم من كل منافق متستر بالإسلام أو جاهل مفرط(2\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "486",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14942",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في الجهل أو ناقص العقل والدين وهؤلاء المذكورون في هذه المحاورة لما صحوا وخلا بعضهم ببعض ولم يمكنهم أن يعتمدوا من التلبيس والكذب والزرق مع بعضهم بعضا ما يعتمدونه مع غيرهم تكلموا بما عندهم في ذلك من الإعتراف بالجهل وأن الأمر إنما هو حدس وظن وزرق وأن أحوال العالم العلوي أجل وأعظم من أن تدخل تحت معارفهم وتكال بقفزان عقولهم وأن جهلهم بذلك يوجب ولابد جهلهم الأحكام وأنهم لا توثق لهم بشيء مما فيه لجواز تشكل الفلك بشكل يقتضى بطلان جميع الاحكام وتشكله بشكل يكون بطلانها وصحتها بالنسبة إليه على السواء وليس لهم علم بانتفاء هذا الشكل ولا بوقت حصوله فإنه ليس جاريا على قانون مضبوط ولا على حساب معروف ومع هذا فكيف ينبغي لعاقل الوثوق بشيء من علم أحكامهم وهذه شهادة فضلائهم وأئمتهم ولو أن خصومهم الذين لا يشاركونهم في صناعتهم قالوا هذا القول لم يكن مقبولا كقبوله منهم والحمد لله الذي أشهد أهل العلم والإيمان جهل هؤلاء وحيرتهم وضلالهم وكذبهم وافترئهم بشهادتهم على نفوسهم وعلى صناعتهم وأن استفاد كل ذي علم بعمله وكل ذي صناعة بصناعته أعظم من استفادتهم بعلمهم وأن أحدا منهم لا يمكنه أن يعيش إلا في كنف من لم يحط من هذا العلم بشيء وتحت ظل من هو أجهل الناس ومن العجب قولهم أن طالع أحد الملكين المتغالبين قد يكون مقتضيا أن لا يصيب منجمه في تلك الحرب وطالع المنجم يقتضي خطأه في ذلك الحكم وطالع خصمه ومنجمه بالضد فليعجب ذو اللب من هذا الهذيان وتهافته فإذا كان الطالع مقتضيا أن لا يصيب المنجم في تلك الحرب وقد أعطى الحساب والحكم حقه عند أرباب الفن بحيث يشهد كل واحد منهم أن الحكم ما حكم به أفليس هذا من أبين الدلائل على بطلان الوثوق بالطالع وأن الحكم به حكم بغير علم وحكم بما يجوز كذبه فما في الوجود أعجب من هذا الطالع الصادق الكاذب المصيب المخطيء وأعجب من هذا أن الطالع بعينه يكون قد حكم به لظفر عدو هذا عليه منجمه فوافق القضاء والقدر ذلك الطالع وذلك الحكم فيكون أحد المنجمين قد أصاب لملكه طالعا وحكما والآخر قد أخطأ لملكه وقد خرجا بطالع واحد وأعجب من هذا كله تشكل الفلك بشكل وحصول طالع سعد فيه باتفاق ملأكم فيحدث معه من علو كلمة من لا يعبؤن به ولا يعدونه وظهور أمرهم واستيلائهم على المملكة والرئاسة والعز والحياة ولهجهم بذمكم وعيبكم وإبداء جهلكم وزندقتكم وإلحادكم محتاجون أن تنضوواإليهم وتعتصموا بحبلهم وتترسوا بهم وتقولون لهم بألسنتكم ما تنطوي قلوبكم على خلاقه مما لو أظهر تموه لكنتم حصائد سيوفهم كما صرتم حصائد ألسنتهم فأي سعد في هذا الطالع لعمري أم أي خير فيه وليت شعري كيف لم يوجب لكم هذا الطالع بارقة من سعادة أو لائحا من عز وقبول ولكن هذه حكمة رب(2\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "487",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14943",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الطالع ومدبر الفلك وما حواه ومسخر الكواكب ومجريها على ما يشاء سبحانه أن جعلكم كالذمة بل أذل منهم تحت قهر عبيده وجعل سهام سعادتهم من كل خير وعلم ورئاسة وجاه أوفر من سهامكم وبيوت شرفهم في هذا العالم اعمر من بيوتكم بل خرب بيوتكم بأيديهم فلا ينعمر منها بيت ألا بالانضمام إليهم والانتماء إلى شريعتهم وملتهم وهذا شأن العزيز الحكيم في الكذابين عليه قال تعالى أن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذله في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين قال أبو قلابة هي لكل مفتر من هذه الأمة يوم القيامة وهذه المحاورة التي جرت بين أصحاب هذا المجمع هي غاية ما يمكن النجومي أن يقوله ولا يصل إلى ذلك المبرزون منهم ومع هذا فقد رأيت حاصلها ومضمونها ولعلهم لو علموا أن هذه الكلمات تعتد من جماعتهم وتتصل بأهل الإيمان لم ينطقوا منها ببنت شفة ويأبى الله إلا أن يفضح المفترى الكذاب وينطقه بما يبين باطلة 0  فصل قال صاحب الرسالة ذكر جمل من احتجاجهم والاحتجاج عليهم من إوكد ما يستدلون به على أن الكواكب تفعل في هذا العالم أولها دلالة على ما يحدث فيه انهم امتحنوا عدة مواليد صححوا طوالعها وجماعة مسائل راعوها فوجدوا القضية في جميع ذلك صادقة فدلهم ذلك على أن الأصول التي عملوا عليها صحيحة فيقال لهم إذا كان ما تدعونه من هذا دليلا على صحة الأحكام فما الفضل بينكم وبين من قال الدليل على بطلان الأحكام أن امتحنا مواليد صححنا طوالعها ومسائل تفقدنا أحوالها فوجدنا جميعها باطلا ولم يصح الحكم في شيء منها فإن قالوا إنما يكون هذا لجواز الغلط على المنجم الذي عملها قيل لكم فما تنكرون من أن يكون صدق المنجم في حكمه باتفاق وتخمين كإخراج الزوج والفرد وصدق الحزر في الوزن والكيل والذرع والعدد وإذا كانت الدلالة على صحة مقالتكم صدقكم في بعض أحكامكم فالدلالة على بطلانها كذبكم في بعضها فإن قالوا ليس ما قلناه بتخمين لانا إنما نحكمه على أصول موضوعة في كتب القدماء قيل لهم لسنا نشك في أنكم تتبعون ما في الكتب وتقلدون من تقدمكم وما يقع من الصدق فإنما يقع بحسب الأنفاق والذي حصلتم عليه هو الحدس والتخمين بحسب ما في الكتب ومما يستدل به من ينتسب إلى الإسلام منهم على تصحيح دلالة النجوم قوله تعالى فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم ولا حجة في هذا البتة لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام إنما قال هذا ليدفع به قومه عن نفسه ألا ترى أنه عز وجل قال بعد فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون فبين تبارك وتعالى أنه إنما قال ذلك ليدفعهم به لما كان عزم عليه من أمر(2\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "488",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14944",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأصنام وليس يحتاج أحد إلى معرفة أصحيح هو أم سقيم من النجوم لأن ذلك يوجد حسا ويعلم ضرورة ولا يحتاج فيه إلى استدلال وبحث قلت قد احتج لهم بغير هذه الحجج فنذكرها ونبين بطلان استدلالهم بها وبيان الباطل منها قال أبو عبد الله الرازى اعلم أن المثبتين لهذا العلم احتجوا من كتاب الله بآيات إحداها الآيات الدالة على تعظيم هذه الكواكب فمنها قوله تعالى فلا أقسم بالخنس والجواري الكنس وأكثر المفسرين على أن المراد هو الكواكب التي تسير راجعة تارة ومستقيمة أخرى ومنها قوله تعالى فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم وقد صرح تعالى بتعظيم هذا القسم وذلك يدل على غاية جلالة مواقع النجوم ونهاية شرفها ومنها قوله تعالى والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب قال ابن عباس الثاقب هو زحل لأنه يثقب بنوره سمك السموات السبع ومنها أنه تعالى بين ألهيته بكون هذه الكواكب تحت تدبيره وتسخيره فقال والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين النوع الثاني الآيات الدلة على أن لها تأثيرا في هذا العالم كقوله تعالى فالمدبرات أمرا وقوله فالمقسمات أمرا قال بعضهم المراد هذه الكواكب النوع الثالث الآيات الدالة على أنه تعالى وضع حركات هذه الأجرام على وجه ينتفع بها في مصالح هذا العالم فقال هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق وقال تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا النوع الرابع أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام انه تمسك بعلوم النجوم فقال فنظرة نظرة في النجوم فقال إني سقيم النوع الخامس أنه قال لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون ولا يكون المراد من هذا كبر الجثة لأن كل أحد يعلم ذلك فوجب أن يكون المراد كبر القدر والشرف وقال تعالى ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا ولا يجوز أن يكون المراد أنه تعالى خلقها ليستدل بتركيبها وتأليفها على وجود الصانع لأن هذا القدر حاصل في تركيب البقة والبعوضة وفي حصول الحياة في بنية الحيوانات على وجود الصانع أقوى من دلالة تركيب الأجرام الفلكية على وجود الصانع لأن الحياة لا يقدر عليها أحد ألا الله أما تركيب الأجسام وتأليفها فقد يقدر على جنسه غير الله فلما كان هذا النوع من الحكمة حاصلا في غير الأفلاك ثم أنه تعالى خصها بهذا التشريف وهو قوله ربنا ما خلقت هذا باطلا علمنا أن له تعالى في تخليقها أسرارا عالية وحكما بالغة تتقاصر عقول البشر عن إدراكها ويقرب من هذه الآية قوله تعالى وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ولا يمكن أن يكون المراد أنه تعالى خلقها على وجه يمكن(2\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "489",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14945",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاستدلال بها على وجود الصانع الحكيم لأن كونها دالة على الافتقار إلى الصانع أمر ثابت لها لذاتها لأن كل متحيز فهو محدث وكل محدث فإنه مفتقر إلى الفاعل فثبت أن دلالة المتحيزات على وجود الفاعل أمر ثابت لها لذواتها وأعيانها وما كان كذلك لم يكن سبب الفعل والجعل فلم يمكن حمل قوله وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا على هذا الوجه فوجب حمله على الوجه الذي ذكرناه النوع السادس روى أن عمر بن الخيام كان يقرأ كتاب المجسطي على استاذه فدخل عليهم واحد من أجلاف المتفقهة فقال لهم ماذا تقرؤن فقال عمر بن الخيام نحن في تفسير آية من كتاب الله افلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج فنحن ننظر كيف خلق السماء وكيف بناها وكيف صانها عن الفروج: النوع السابع أن إبراهيم عليه السلام لما استدل على إثبات الصانع تعالى بقوله ربى الذي يحي ويميت قال له نمرود أتدعى أنه يحي ويميت بواسطة الطبائع والعناصر أو لا بواسطة هذه الأشياء فان ادعيت الأول فلذلك مما لا تجده البتة لأن كل ما يحدث في هذا العالم فإنما يحدث بواسطة أحوال العناصر الأربعة والحركات الفلكية وإذا ادعيت الثاني فمثل هذا الإحياء والإماتة حاصل منى ومن كل أحد فإن الرجل قد يكون سببا لحدوث الولد لكن بواسطة تمزيج الطبائع وتحريك الأجرام الفلكية ولذلك قد نمت بهذه الوسائط وهذا هو المراد من قوله تعالى حكاية عن الخصم أنا أحي وأميت ثم أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أجاب عن هذا السؤال بقوله فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب يعني هب أنه سبحانه إنما يحدث حوادث هذا العالم بواسطة الحركات الفلكية لكنه تعالى هو المبديء للحركات الفلكية لأن تلك الحركات لا بد لها من سبب ولا سبب لها سوى قدرة الله تعالى فثبت أن حوادث هذا العالم وأن سلمنا إنها إنما حصلت بواسطة الحركات الفلكية لكنه لما كان المدبر لتلك الحركات بواسطة الطبائع وحركات الأفلاك إلا أن حركات الأفلاك ليست منا بدليل أنا لا نقدر على تحريكها على خلاف التحريك الإلهي وظهر الفرق وهذا هو المراد من قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب يعنى هب أن هذه الحوادث في هذا العالم حصلت بحركة الشمس من المشرق إلا أن هذه الحركات من الله لأن كل جسم متحرك فلا بد له من محرك وذلك المحرك لست أنت ولا أنا فلم لا نحركها من المغرب فثبت أن اعتماد إبراهيم الخليل عليه السلام في معرفة ثبوت الصانع على الدلائل الفلكية وأنه ما نازع الخصم في كون هذه الحوادث السفلية مرتبطة بالحركات الفلكية واعلم انك إذا عرفت نهج الكلام في هذا الباب علمت أن القرآن مملوء من تعظيم الأجرام الفلكية وتشريف الكرات الكوكبية: وأما الأخبار فكثيرة منها ما روى عن النبي(2\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "490",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14946",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنه نهى عند قضاء الحاجة عن استقبال الشمس والقمر واستدرهما ومنها أنه لما مات ولده إبراهيم انكسفت الشمس ثم إن الناس قالوا إنما انكسفت لموت إبراهيم فقال إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة ومنها ما روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا ذكر القدر فأمسكوا وإذا ذكر أصحابي فامسكوا وإذا ذكر النجوم فامسكوا ومن الناس من يروى إنه قال لا تسافروا والقمر في العقرب ومنهم من يروى ذلك عن على رضى الله عنه وأن كان المحدثون لا يقبلونه وأما الآثار فكثيرة منها أن رجلا أتاه فقال له إني أريد الخروج في تجارة وكان ذلك في محاق الشهر فقال تريد أن يمحق الله تجارتك استقبل هلال الشهر بالخروج وعن عكرمة أن يهوديا منجما قال له ابن عباس ويحك تخبر الناس بما لا تدرى فقال اليهودي أن لك ابنا وهو في المكتب ويجيء غدا محموما ويموت في اليوم العاشر منه قال ابن العباس ومتى تموت أنت قال في رأس السنة ثم قال لابن عباس قال لا تموت أنت حتى تعمى ثم جاء ابن عباس وهو محموم ومات في العاشر ومات اليهودي في رأس السنة ولم يمت ابن عباس رضى الله عنه حتى ذهب بصره وعن الشعبي رضى الله عنه قال أبو الدرداء والله لقد فارقنا رسول الله وتركنا ولا طائر يطير بجناحيه إلا ونحن ندعى فيه علما وليست الكواكب موكلة بالفساد والصلاح ولكن فيها دليل بعض الحوادث عرف ذلك بالتجربة وجاء في الآثار أن أول من أعطى هذا العلم آدم وذلك إنه عاش حتى أدرك من ذريته أربعين ألف أهل البيت وتفرقوا عنه في الأرض وكان يغتم لخفاء خبرهم عليه فأكرمه الله تعالى بهذا العلم وكان إذا أراد أن يعرف حال أحدهم حسب له بهذا الحساب فيقف على حالته وعن ميمون بن مهران أنه قال إياكم والتكذيب بالنجوم فإنه علم من علم النبوة وعنه أيضا انه قال ثلاث ارفضوهن لا تنازعوا أهل القدر ولا تذكروا أصحاب نبيكم ألا بخير وإياكم والتكذيب بالنجوم فإنه من علم النبوة وروى أن الشافعي كان عالما بالنجوم وجاء لبعض جيرانه ولد فحكم له الشافعي أن هذا الولد ينبغي أن يكون على العضو الفلان منه خال صفته كذا وكذا فوجد الأمر كما قال وأيضا انه تعالى حكى عن فرعون أنه كان يذبح أبناه بني إسرائيل ويستحي نساءهم والمفسرون قالوا إن ذلك إنما كان لأن المنجمين أخبروه بأنه سيجيء ولد من بني إسرائيل ويكون هلاكه على يده وهذه الرواية ذكرها محمد بن إسحاق وغيره وهذا يدل على اعتراف الناس قديما وحديثا بعلم النجوم وأما المعقول فهو أن هذا علم ما خلت عنه ملة من الملل ولا أمة من الأمم ولا يعرف تاريخ من التواريخ القديمة والحديثة إلا وكان أهل ذلك الزمان مشتغلين بهذا العلم ومعولين عليه(2\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "491",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14947",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في معرفة المصالح ولو كان هذا العلم فاسدا بالكلية لاستحال إطباق أهل المشرق والمغرب من أول بناء العالم إلى آخره عليه وقال بطليموس في بعض كتبه بعض الناس يعيبون هذا العلم وذلك العيب إنما حصل من وجوه الأول عجزهم عن معرفة حقيقة موضع الكواكب بدقائقها ومراتبها وذلك إن الآلات الرصدية لا تنفك عن مسامحات لا يفي بضبطها الحس لأجل قلتها في الآلات الرصدية لكنها وإن قلت هذه الآلات إلا أنها في الأجرام الفلكية كثيرة فإذا تباعدت الأرصاد حصل بسبب تلك المسامحات تفاوت عظيم في مواضع الكواكب الثاني أن هذا العلم علم مبني على معرفة الدلائل الفلكية وتلك الدلائل لا تحصل إلا بتمزيجات أحوال الكواكب وهي كثيرة جدا ثم أنها مع كثرتها قد تكون متعارضة ولا بد فيها من الترجيح وحينئذ يصعب على أكثر الإفهام الإحاطة بتلك التمزيجات الكثيرة وبعد الإحاطة بها فإنه يصعب الترجيحات الجيدة فلهذا السبب لا يتفق من يحيط بهذا العلم كما ينبغي إلا الفرد بعد الفرد ثم أن الجهال يظهرون من أنفسهم كونهم عارفين بهذا العلم فإذا حكموا وأخطؤا ظن الناس أن ذلك بسبب أن هذا العلم ضعيف الثالث أن هذا العلم لا يفي بإدراك الجزئيات على وجه الفصيل الباهر فمن حكم على هذا الوجه فقد يقع في الخطأ فلهذه الأسباب الثلاثة توجهت المطاعن إلى هذا العلم وحكى أن الأكاسرة كان إذا أراد أحدهم طلب الولد أمر بإحضار المنجم ثم كان ذلك الملك يخلو بامرأته فساعة ما يقع الماء في الرحم يأمر خادما على الباب بضرب طستا يكون في يده فإذا سمع المنجم طنين الطست أخذ الطالع وحكم عليه حتى يخبر بعدد الساعات التي يمكث في بطن أمه ثم أنه كان يأخذ الطالع أيضا عند الولادة مرة أخرى ويحكم فلا جرم كانت أحكامهم كاملة قوية لأن الطالع الحقيقي هو طالع مسقط النطفة فإن حدوث الولد إنما يكون في ذلك الوقت فأما طالع الولادة فهو وطالع مستعار لأن الولد لا يحدث في ذلك الوقت وإنما ينتقل من مكان إلى مكان آخر وروى أن في عهد أردشير بن بابك أنه قال في العهد الذي كتبه لولده لولا اليقين بالبوار الذي على رأس ألف سنة لكنت أكتب لكم كتابا أن تمسكتم به لن تضلوا أبدا وعنى بالبوار ما أخبره المنجمون من أنه يزول ملكهم عند رأس ألف سنة من ملك كستاست والمراد منه زوال دولتهم وظهور دولة الإسلام وروى أنه دخل المفضل ابن سهل على المأمون في اليوم الذي قتل فيه وأخبره أنه يقتل في هذا اليوم بين الماء والنار وأنكر المأمون ذلك عليه وقوى قلبه ثم اتفق أنه دخل الحمام فقتل في الحمام وكان الأمر كما أخبر ثم قال واعلم إن التجارب في هذا الباب كثيرة وفيما ذكرناه كفاية قلت فهذا أقصى ماقرر به الرازى كلام هؤلاء ومذهبهم ولقد نثر الكنانة ونفض الجعبة واستفرغ الوسع وبذل الجهد وروح وبهرج وقعقع وفرقع وجعجع ولا ترى طحنا وجمع بين ما يعلم بالاضطرار أنه كذب على(2\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "492",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14948",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رسول الله وعلى أصحابه وبين ما يعلم بالاضطرار أنه خطأ في تأويل كلام الله ومعرفة مراده ولا يروج ما ذكره ألا على مفرط في الجهل بدين الرسل وما جاؤا به أو مقلد لأهل الباطل والمحال من المنجمين وأقاويلهم فإن جمع بين الأمرين شرب كلامه شربا ونحن بحمد الله ومعونته وتأييده نبين بطلان استدلاله واحتجاجه فنقول أما الاستدلال بقوله تعالى فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس فإن أكثر المفسرين على أن المراد هو الكواكب التي تسير راجعة تارة ومستقيمة أخرى وهذا القول قد قاله جماعة من المفسرين وأنها الكواكب الخمسة زحل وعطارد والمشترى والمريخ والزهرة وروى عن على واختاره ابن مقاتل وابن قتيبة قالوا وسماها خنسا لأنها في سيرها تتقدم إلى جهة المشرق ثم تخنس أي تتأخر وكنوسها إستتارها في معربها كما تكنس الظباء وتفر من الوحوش إلى أن تأوي إلى كناسها وهي أكنتها وتسمى هذه الكواكب المتحيرة لأنها تسير مستقيمة وتسير راجعة وقيل كنوسها بالنسبة إلى الناظر وهو استتارها تحت شعاع الشمس وقيل هي النجوم كلها وهو اختيار أبي عبيدة وقال الحسن وقتادة وعلى هذا القول فيكون باعتبار أحوالها الثلاثة من طلوعها وغروبها وما بينهما فهي خنس عند أول الطلوع لأن النجم منها يرى كأنه يبدو ويخنس وتكنس عند غروبها تشبها بالظباء التي تأوي إلى كناسها وهي جوار ما بين طلوعها وغروبها خنس عند الطلوع جوار بعده كنس عند الغروب وهذا كله بالنسبة إلى أفق كل بلد تكون لها فيه الأحوال الثلاثة وقال عبد الله بن مسعود هي بقر الوحش وهي رواية عن ابن عباس واختاره سعيد بن جبير وقيل وهو أضعف الأقوال الملائكة حكاه المروزي في تفسيره فإن كان المراد بعض هذه الأقوال غير ما حكاه الرازي فلا حجة له وإن كان المراد ما حكاه فغايته إن يكون الله سبحانه وتعالى قد أقسم بها كما أقسم بالليل والنهار والضحى والوالد والفجر وليال عشر والشفع والوتر والسماء والأرض واليوم الموعود وشاهد ومشهود والنفس والمرسلات والعاصفات والناشرات والفارقات والنازعات والناشطات والسابحات والسابقات وما نبصره ومالا نبصره من كل غائب عنا وحاضر مما فيه التنبيه على كمال ربو بيته وعزته وحكمته وقدرته وتدبيره وتنوع مخلوقاته الدالة عليه المرشدة إليه بما تضمنته من عجائب الصنعة وبديع الخلقة وتشهد لفاطرها وبارئها بأنه الواحد الأحد الذي لا شريك له وأنه الكامل في علمه وقدرته ومشيئته وحكمته وربو بيته وملكه وأنها مسخرة مذللة منقادة لأمره مطيعة لمراده منها ففي الأقسام بها تعظيم لخالقها تبارك وتعالى وتنزيه له عما نسبه إليه أعداؤه الجاحدون المعطلون لربو بيته وقدرته ومشيئتة ووحدانيته وأن من هذه عبيده ومماليكه وخلقه وصنعه وإبداعه فكيف تجحد ربو بيته وألهيته وكيف تنكر صفات كماله ونعوت جلاله وكيف يسوغ لذي حس سليم وفطرة(2\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "493",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14949",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مستقيمة تعطيلها عن صانعها أو تعطيل صانعها عن نعوت جلاله وأوصاف كماله وعن أفعاله فأقسامة بها أكبر دليل على فساد قول نوعي المعطلة والمشركين الذين جعلوها آلهة تعبد مع دلائل الحدوث والعبودية والتسخير والافتقار عليها وإنها أدلة على بارئها وفاطرها وعلى وحدانيته وأنه لا تنبغي الربوبية والإلهية لها بوجه ما بل لا تنبغي ألا لمن فطرها وبرأها كما قال القائل: تأمل سطور الكائنات فإنها إلى الملك الأعلى إليك رسائل ... وقد خط فيها لو تأملت خطها ألا كل شيء ما خلا الله باطل وقال آخر: فوا عجبا كيف يعصي الألهه ... أم كيف يجحده جاحد لله في كل تحريكة ... وتسكينة أبدا شاهد وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد فلم يكن إقسامه بها سبحانه مقررا بذلك علم الأحكام النجومية كما يقوله الكاذبون المفترون بل مقررا لكمال ربوبيته ووحدانيته وتفرده بالخلق والابداع وكمال حكمته وعلمه وعظمته وهذا نظير إخباره سبحانه عن خلقها وعن حكمة خالقها بقوله الله الذي خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما وقوله وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون وقوله ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون وقوله إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض ثم استوى على العرش يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين وقوله وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون وهؤلاء المشركون يعظمون الشمس والقمر والكواكب تعظيما يسجدون لها ويتذللون لها ويسبحونها تسابيح معروفة في كتبهم ودعوات لا ينبغي أن يدعى بها إلا خالقها وفاطرها وحده ويقول بعضهم في كتاب مصحف الشمس مصحف القمر مصحف زحل مصحف عطارد بعضهم يقول تسبيحة الشمس تسبيحة القمر تسبيحة عطارد تسبيحة زحل ولا يتحاشى من ذلك وبعضهم يقول دعوة الشمس دعوة القمر دعوة عطارد دعوة زحل وبعضهم يقول هيكل الشمس والقمر وعطارد وأصله أن الهيكل هو البيت المبني للعبادة وكان الصابئون يبنون لكل كوكب من هذه الكواكب هيكلا ويصورون فيه ذلك الكوكب ويتخذونه لعبادته وتعظيمه ودعائه ويزعمون أن روحانية ذلك الكوكب تتنزل عليهم فتخاطبهم وتقضي حوائجهم وشاهدوا(2\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "494",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14950",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك منها وعاينوه وتلك الروحانية هي الشياطين تنزلت عليهم وخاطبتهم وقضت حوائجهم ثم لما رام هذا الفعل من تستر منهم بالإسلام ولم يمكنه أن يبني لها بيوتا يعبدها فيه كتب لها دعوات وتسبيحات وأذكارا سماها هيا كل ثم من اشتد تستره وخوفه أخرجها في قالب حروف وكلمات لا تفهم لئلا يبادر انكارها وردها ومن لم يخف منهم صرح بتلك الدعوات والتسبيحات والاذكار بلسان من يخاطبه بالفارسية والعربية وغيرها فلما أنكر عليه أهل الإيمان قال إنما ذكرت هذا معرفة لهذا العلم وإحاطة به لا اعتقادا له ولا ترغيبا فيه وقد وصف ذلك العلم وقرره أتم تقرير وحمله هدية إلى ملكه فأثابه عليه جملة من الذهب يقال أنه ألف دينار وصار ذلك الكتاب إماما لأهل هذا الفن اليه يلجئون وعليه يعولون وبه يحتجون ويقولون شهرة مصنفة وجلالته وعلمه وفضله لا تنكر ولا تجحد وفي هذا الكتاب من مخاطبة الشمس والقمر والكواكب بالخطاب الذي لا يليق إلا بالله عز وجل ولا ينبغي لاحد سواه ومن الخضوع والذل والعبادة التي لم يكن عباد الأصنام يبلغونها من آلهتهم فبالله أتجعل قوله تعالى فلا أقسم بالخنس الجوارى الكنس دليلا على هذا ومقدمة له في أول الكتاب فان كان الإقسام بها دليلا على تأثيراتها في العالم كما يقولون فينبغي أن يكون سائر ما أقسم به كذلك وان لم يكن القسم دليلا بطل الاستدلال به وأما قوله تعالى فلا أقسم بمواقع النجوم ففيها قولان أحدهما أنها النجوم المعروفة وعلى هذا ففي مواقعها أقوال أحدها انه انكدارها وانتشارها يوم القيامة وهذا قول الحسن والمنجمون يكذبون بهذا ولا يقرون به والثاني مواقعها منازلها قاله عطاء وقتادة والثالث انه مغاربها والرابع انه مواقها عند طلوعها وغروبها حكاه ابن عطية عن مجاهد وأبي عبيدة والخامس أن مواقعها مواضعها من السماء وهذا الذى حكاه ابن الجوزى عن قتادة حكاه ابن عطية عنه فيحتمل أن يكونا واحدا وان يكونا قولين السادس أن مواقعها انقضاضها أثر العفريت وقت الرجوم حكاه ابن عطية ايضا ولم يذكر أبو الفرج ابن الجوزى سوى الثلاثة الأول والقول الثاني أن مواقع النجوم هى منازل القرآن ونجومه التى نزلت على النبي فى مدة ثلاث وعشرين سنة قال ابن عطية ويؤيد هذا القول عود الضمير على القرآن في قوله إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون وذلك ان ذكره لم يتقدم الا على هذا التأويل ومن لا يتأول هذا التأويل يقول ان الضمير يعود على القرآن وان لم يتقدم ذكره لشهرة الأمر ووضوح المعنى كقوله تعالى حتى توارت بالحجاب وكل من عليها فان وغير ذلك قلت ويؤيد القول الأول انه أعاد الضمير بلفظ الإفراد والتذكير ومواقع النجوم جميع فلو كان الضمير عائدا عليها لقال انها لقرآن كريم الا لأن يقال مواقع النجوم دل على القرآن فأعاد الضمير(2\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "495",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14951",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه لأن مفسر الضمير يكتفى فيه بذلك وهو من أنواع البلاغة والايجاز فأن كان المراد من القسم نجوم القرآن بطل استدلاله بالآية وان كان المراد الكواكب وهو قول الأكثرين فلما فيها من الآيات الدالة على ربوبية الله تعالى وانفراده بالخلق والابداع فانه لا ينبغى ان تكون الإلهية ألا له وحده كما انه وحده المتفرد بخلقها وابداعها وما تضمنته من الآيات والعجائب فالإقسام بها أوضح دليل على تكذيب المشركين والمنجمين والدهرية ونوعى المعطلة كما تقدم وكذلك قوله والنجم الثاقب على ان فيه قولين آخرين غير القول الذى ذكره أحدهما أنه الثريا وهذا قول ابن زيد حكاه عنه أبو الفرج بن الجوزى وعنه رواية ثانية انه زحل حكاها عنه ابن عطية والثانى انه الجدى حكاه ابن عطية عن ابن عباس وقول آخر حكاه أبو الفرج بن الجوزى عن على بن أحمد النيسابوري أنه جنس النجوم وأما قوله تعالى فالمدبرات أمرا فلم يقل احد من الصحابة ولا التابعين ولا العلماء بالتفسير انها النجوم وهذه الروايات عنهم فقال ابن عباس هى الملائكة قال عطاء وكلت بأمور عرفهم الله العمل بها وقال عبد الرحمن بن ساباط يدبر أمور الدينا أربعة جبريل وهو موكل بالوحي والجنود وميكائيل وهو موكل بالقطر والنبات وملك الموت وهو موكل بقبض الأنفس واسرافيل وهو ينزل بالأمر عليهم وقيل جبريل للوحي واسرافيل للصور وقال ابن قتيبة فالمدبرات أمرا الملائكة تنزل بالحلال والحرام ولم يذكر المتوسعون في نقل أقوال المفسرين كان الجوزى والماوردى وابن عطية غير الملائكة حتى قال ابن عطية ولا أحفظ فلانا انها الملائكة هذا مع توسعه في النقل وزيادته فيه على ابي الفرج وغيره حتى انه لينفرد بأقوال لا يحكيها غيره فتفسير المدبرات بالنجوم كذب على الله وعلى المفسرين وكذلك المقسمات امرا لم يقل أحد من أهل التفسير العالمين به أنها النجوم بل قالوا هى الملائكة التى تقسم أمر الملكوت باذن ربها من الأرزاق والآجال والخلق في الأرحام وأمر الرياح والجبال قال ابن عطية لأن كل هذا إنما هو بملائكة تخدمه فالآية تتضمن جميع الملائكة لأنهم كلهم في أمور مختلفة قال أبو الطفيل عامر بن وائلة كان على بن أبي طالب علم المنبر فقال لا تسألون عن آية من كتاب الله وسنة ماضية ألا قلت لكم فقام إليه ابن الكواء فسأله عن الذاريات ذروا فالحملات وقرأ فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا فقال الذاريات الرياح والحاملات السحاب والجاريات السفن والمقسمات الملائكة ثم قال سل سؤال تعلم ولا تسأل سؤال تعنت وكذلك قال أبو الفرج ولم يذكر فيه خلافا في المقسمات امرا يعنى الملائكة تقسم الأمور على ما امر الله به قال ابن السائب المقسمات أربعة جبريل وهو صاحب الوحي والغلظة يعنى العقوبة على أعداء الرسل وميكائيل وهو صاحب الرزق والرحمة وإسرافيل وهو صاحب الصور واللوح وعزرائيل وهو قابض الأرواح فتفسير الآية(2\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "496",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14952",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأنها النجوم تفسير المنجمين ومن سلك سبيلهم وأما وصفه تعالى بعض الأيام بأنها أيام نحس كقوله فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات فلا ريب أن الأيام التي أوقع الله سبحانه فيها العقوبة بأعدائه وأعداء رسله كانت أياما نحسات عليهم لأن النحس أصابهم فيها وإن كانت أيام خير لأوليائه المؤمنين فهي نحس على المكذبين سعد المؤمنين وهذا كيوم القيامة فإنه عسير على الكافرين يوم نحس لهم يسير على المؤمنين يوم سعد لهم قال مجاهد أيام نحسات مشائيم وقال الضحاك معناه شديد أي البرد حتى كان البرد عذابا لهم قال أبو علي وأنشد الاصمعي في النحس بمعنى البرد: كان سلافة عرضت بنحس ... يحيل شفيفها الماء الزلالا وقال ابن عباس نحسات متتابعات وكذلك قوله إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر وكان اليوم نحسا عليهم لإرسال العذاب عليهم أي لا يقلع عنهم كما تقلع مصائب الدنيا عن أهلها بل هذا النحس دائم على هؤلاء المكذبين للرسل ومستمر صفة للنحس لا لليوم ومن ظن أنه صفة لليوم وانه كان يوم أربعاء آخر الشهر وأن هذا اليوم نحس أبدا فقد غلط واخطأ فهم القرآن فان اليوم المذكور بحسب ما يقع فيه وكم لله من نعمة على أوليائه في هذا اليوم وان كان له فيه بلايا ونقم على أعدائه كما يقع ذلك في غيره من الأيام فسعود الأيام ونحوسها إنما هو بسعود الأعمال وموافقتها لمرضاة الرب ونحوس الأعمال مخالفتها لما جاءت به الرسل واليوم الواحد يكون يوم سعد لطائفة ونحس لطائفه كما كان يوم بدر يوم سعد للمؤمنين ويوم نحس على الكافرين فما للكوكب والطالع والقرانات وهذا السعد والنحس وكيف يستنبط علم أحكام النجوم من ذلك ولو كان المؤثر في هذا النحس هو نفس الكوكب والطالع لكان نحسا على العالم فأما أن يقتضي الكوكب كونه نحسا لطائفة سعدا لطائفة فهذا هوالمحال فصل وأما الاستدلال بالآيات الدالة على أن الله سبحانه وضع حركات هذه الأجرام على وجه ينتفع بها في مصالح هذا العالم بقوله هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق ذلك إلا بالحق وقوله تعالى تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا الآية فمن أطرف الاستدلال فأين في هذه الآيات ما يدل على ما يدعيه المنجمون من كذبهم وبهتانهم وافترائهم ولو كان الأمر كما يدعيه هؤلاء الكذابون لكانت الدلالة والعبرة فيه أعظم من مجرد الضياء والنور والحساب ولكان الأليق ذكر ما تقتضيه من السعد والنحس وتعطيه من السعادة والشقاوة وتهبه من(2\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "497",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14953",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأعمار والأرزاق والآجال والصنائع والعلوم والمعارف والصور الحيوانية والنباتية والمعدنية وسائر ما في هذا العالم من الخير والشر وأما قوله تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سرجا وقمرا منيرا فهو تعظيم وثناء منه تعالى على نفسه بجعل هذه البروج والشمس والقمر في السماء وقد اختلف في البروج المذكورة في هذه الآية فأكثر السلف على أنها القصور أو الكواكب العظام قال ابن المنذر في تفسيره حدثنا موسى حدثنا شجاع حدثنا ابن إدريس عن ابيه عن عطية جعل في السماء بروجا قال قصورا فيها حرس حدثنا موسى حدثنا أبو بكر حدثنا أبو معاوية ووكيع عن اسماعيل عن يحيى بن رافع قال قصورا في السماء حدثنا موسى حدثنا أبو بكر حدثنا وكيع عن سفيان عن ابن ابي نجيح عن مجاهد قال النجوم يعني بروجا وكذلك قال عكرمة حدثنا أبو أحمد حدثنا يعلي حدثنا إسماعيل عن أبي صالح تبارك الذي جعل في السماء بروجا قال النجوم الكبار وهذا موافق لمعنى اللفظة في اللغة فإن العرب تسمي البناء المرتفع برجا قال تعالى اينما تكونوا يدرككم الموت لو كنتم في بروج مشيدة وقال الأخطل: كأنها برج رومي يشيده ... بأن بحض وآجر وأحجار قال الأعمش كان أصحاب عبد الله يقرؤنها تبارك الذي جعل في السماء قصورا وأما المتأخرون من المفسرين فكثير منهم يذهب إلى أنها البروج الإثني عشر التي تنقسم عليها المنازل كل برج منزلتان وثلث وهذه المنازل الثمانية والعشرون يبدو منها للناظر أربعة عشر منزلا ابدا ويخفى منها أربعة عشر منزلا كما أن البروج يظهر منها أبدا ستة ويخفى ستة والعرب تسمى أربعة عشر منزلا منها شامية وأربعة عشر يمانية فأول الشامية السرطان وآخرها السماك الأعزل وأول اليمانية الغفر وآخرها الرشا إذا طلع منها منزل من المشرق غاب رقيبه من المغرب وهو الخامس عشر وبها تنقسم فصول السنة الأربع فللربيع منها الحمل والثور والجوزاء ومنازلها الشرطين والبطين والثريا والدبران والهقعة والهنعة والذراع وللصيف منها السرطان والأسد والسنبلة ومنازلها النثرة والطرف والجبهة والزبرة والصرفة والعواء والسماك وللخريف منها الميزان والعقرب والقوس ومنازلها الغفر والزبان والأكليل والقلب والشولة والنعائم والبلدة وللشتاء منها الجدي والدلو والحوت ومنازلها سعد الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الأخبية والفرع المقدم ويسمى الأول والفرع المؤخر ويسمى الثاني والرشا ولما كان نزول القمر في هذه المنازل معلوما بالعيان والمشاهدة ونزول الشمس فيها إنما هو بالحساب لا بالرؤية قال تعالى هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل وقال تعالى والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه(2\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "498",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14954",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منازل حتى عاد كالعرجون القديم فخص القمر بذكر تقدير المنازل دون الشمس وأن كانت مقدرة المنازل لظهور ذلك للحس في القمر وظهور تفاوت نوره بالزيادة والنقصان في كل منزل ولذلك كان الحساب القمرى أشهر وأعرف عن والأمم وأبعد من الغلط وأصح للضبط من الحساب الشمسى ويشترك فيه الناس دون الحساب الشمسى ولهذا قال تعالى في القمر وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ولم يقل ذلك في الشمس ولهذا كانت اشهر الحج والصوم والأعياد ومواسم الإسلام انما هي على حساب القمر وسيره ونزوله في منازله لا على حساب الشمس وسيرها حكمة من الله ورحمة وحفظا لدينه لاشتراك الناس في هذا الحساب وتعذر الغلط والخطأ فيه فلا يدخل في الدين من الاختلاف والتخليط ما دخل في دين أهل الكتاب فهذا الذي اخبرنا تعالى به من شأن المنازل وسير القمر فيها وجعل الشمس سراجا وضياء يبصر به الحيوان ولولا ذلك لم يبصر ألحيوان فأين هذا مما يدعيه الكذابون من علم الأحكام التى كذبها اضعاف صدقها 0  فصل وأما ماذكره عن إبراهيم خليل الرحمن أنه تمسك بعلم النجوم حين قال إني سقيم فمن الكذب والافتراء على خليل الرحمن عليه السلام فإنه ليس في الآية اكثر من أنه نظر نظرة في النجوم ثم قال لهم إني سقيم فمن ظن من هذا أن كلم أحكام النجوم من علم الأنبياء وأنهم كانوا يراعونه ويعانونه فقد كذب على الأنبياء ونسبهم إلى مالا يليق وهو من جنس من نسبهم إلى الكهانة والسحر وزعم أن تلقيهم الغيب من جنس تلقى غيرهم وأن كانوا فوقهم في ذلك لكمال نفوسهم وقوة استعدادها وقبولها لفيض العلويات عليها وهؤلاء لم يعرفوا الأنبياء ولا آمنوا بهم وإنما هم عندهم بمنزلة أصحاب الرياضات الذين خصوا بقوة الإدراك وزكاة النفوس وزكاة الأخلاق ونصبوا أنفسهم لإصلاح الناس وضبط امورهم ولا ريب أن هؤلاء أبعد الخلق عن الأنبياء واتباعهم ومعرفتهم ومعرفة مرسلهم وما ارسلهم به هؤلاء في شأن والرسل في شأن آخر بل هم ضدهم في علومهم واعمالهم وهديهم وإرادتهم وطرائقهم ومعادهم وفي شأنهم كله ولهذا نجد أتباع هؤلاء ضد أتباع الرسل في العلوم والأعمال والهدى والإرادات ومتى بعث الله رسولا يعانى التنجيم والنرجات والطلسمات والأوفاق والتداخين والبخورات ومعرفة القرانات والحكم على الكواكب بالسعود والنحوس والحرارة والبرودة والذكورة والأنوثة وهل هذه إلا صنائع المشركين وعلومهم وهل بعثت الرسل ألا بالإنكار على هؤلاء ومحقهم ومحق علومهم وأعماهم من الأرض وهل للرسل أعداء بالذات إلا هؤلاء ومن سلك سبيلهم وهذا معلوم بالاضطرار لكل من آمن بالرسل صلوات(2\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "499",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14955",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله وسلامه عليهم وصدقهم فيما جاؤا به وعرف مسمى رسول الله وعرف مرسله وهل كان لإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام عدو مثل هؤلاء المنجمين الصابئين وحر إن كانت دار مملكتهم والخليل أعدى عدو لهم وهم المشركون حقا والأصنام التى كانوا يعبدونها كانت صورا وتماثيل للكواكب وكانوا يتخذون لها هياكل وهي بيوت العبادات لكل كوكب منها هيكل فيه أصنام تناسبه فكانت عبادتهم للأصنام وتعظيمهم لها تعظيما منهم للكواكب التى وضعوا الأصنام عليها وعبادة لها وهذا أقوى السببين في الشرك الواقع في العالم وهو الشرك بالنجوم وتعظيمها واعتقاد أنها أحياء ناطقة ولها روحانيات تتنزل على عابديها ومخاطبيها فصوروا لها الصور الأرضية ثم جعلوا عبادتها وتعظيمها ذريعة إلى عبادة تلك الكواكب واستنزال روحانياتها وكانت الشياطين تتنزل عليهم وتخاطبهم وتكلمهم وتريهم من العجائب ما يدعوهم إلى بذل نفوسهم وأولادهم وأموالهم لتلك الأصنام والتقرب إليها وكان مبدأ هذا الشرك تعظيم الكواكب وظن السعود والنحوس وحصول الخير والشر في العالم منها وهذا شرك خواص المشركين وأرباب النظر منهم وهو شرك قوم إبراهيم عليه الصلاة والسلام والسبب الثاني عبادة القبور والإشراك بالأموات وهو شرك قوم نوح عليه الصلاة والسلام وهو أول شرك طرق العالم وفتنته أعم واهل الإبتلاء به أكثر وهم جمهور أهل الإشراك وكثيرا ما يجتمع البيان في حق المشرك يكون مقابريا نجوميا قال تعالى عن قوم نوح وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا قال البخارى في صحيحه قال ابن عباس كان هؤلاء رجالا صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحي الشياطين إلى قومهم أن انصبوا على مجالسهم التى كانوا يجلسون عليها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت ولهذا لعن النبي الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ونهى عن الصلاة إلى القبور وقال اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد وقال اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وقال إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد إلا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني انها كم عن ذلك وأخبر أن هؤلاء شرار الخلق عند الله يوم القيامة وهؤلاء هم أعداء نوح كما ان المشركين بالنجوم أعداء إبراهيم فنوح عاداه المشركون بالقبور وإبراهيم عاداه المشركون بالنجوم والطائفتان صوروا الأصنام على صور معبوديهم ثم عبدوها وإنما بعثت الرسل بمحق الشرك من الأرض ومحق أهله وقطع اسبابه وهدم بيوته ومحاربة أهله فكيف يظن بإمام الحنفاء وشيخ الأنبياء وخليل رب الأرض والسماء أنه كان يتعاطى علم النجوم ويأخذ منه أحكام الحوادث سبحانك هذا بهتان عظيم وإنما كانت النظرة التى نظرها(2\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "500",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14956",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في علم النجوم من معاريض الأفعال كما كان قوله فعله كبيرهم هذا وقوله إني سقيم وقوله عن امرأته سارة هذه أختي من معاريض المقال ليتوصل بها إلى غرضه من كسر الأصنام كما توصل بتعريضه بقوله هذه أختي إلى خلاصها من يد الفاجر ولما غلظ فهم عن كثير من الناس وكشفت طباعهم عن إدراكه ظنوا أن نظره في النجوم ليستنبط منها علم الأحكام وعلم أن نجمة وطالعه يقضى عليه بالسقم وحاشا لله أن يظن ذلك بخليله أو بأحد من أتباعه وهذا من جنس معاريض يوسف الصديق صلى الله تعالى عليه وسلم حين تفتيش أوعية أخيه عن الصاع فإن المفتش بدأ بأوعيتهم مع علمه أنه ليس فيها وأخر وعاء أخيه مع علمه أنه فيها تعريضا بأنه لا يعرف في أى وعاء هي ونفيا للتهمة عنه بأنه لو كان عالما في أى الأوعية هي لبادر إليها ولم يكلف نفسه تعب التفتيش لغيرها فلهذا نظر الخليل في النجوم نظر تورية وتعريض محض ينفي به عنه تهمة قومه ويتوصل به إلى كيد أصنامهم 0  فصل وأما الاستدلال بقوله تعالى لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس وإن المراد به كبر القدر والشرف لا كبر الجثة ففي غاية الفساد فإن المراد من الخلق ههنا الفعل لانفس المفعول وهذا من أبلغ الأدلة على المعاد أى أن الذى خلق السموات والأرض وخلقها أكبر من خلقكم كيف يعجزه خلقكم بعدما تموتون خلقا جديدا ونظير هذا في قوله في سورة يس أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم أى مثل هؤلاء المنكرين فهذا استدلال بشمول القدر للنوعين وأنها صالحة لهما فلا يجوز أن يثبت تعلقها بأحد المقدورين دون الآخر فكذلك قوله لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس أى من لم تعجز قدرته عن خلق العالم العلوي والسفلي كيف يعجز عن خلق الناس خلقا جديدا بعد ما أماتهم ولا تعرض في هذا لأحكام النجوم بوجه قط ولا لتأثير الكواكب واما قوله تعالى ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا فلا ريب أن خلق السموات والأرض من أعظم الأدلة على وجود فاطرهما وكمال قدرته وعلمه وحكمته وانفراده بالربوبية والوحدانية ومن سوى بين ذلك وبين البقة وجعل العبرة والدلالة والعلم بوجود الرب الخالق البارىء المصور منهما سواء فقد كابر والله سبحانه إنما يدعو عباده على النظر والفكر في مخلوقاته العظام لظهور أثر الدلالة فيها وبديع عجائب الصنعة والحكمة فيها واتساع مجال الفكر والنظر في أرجائها وألا ففي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد ... ولكن أين الآية والدلالة في خلق العالم العلوي والسفلي إلى خلق القملة والبرغوث(2\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "501",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14957",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والبقة فكيف يسمح لعاقل عقله أن يسوي بينهما ويجعل الدلالة من هذا كالدلالة من الآخر والله سبحانه إنما يذكر من مخلوقاته للدلالة عليه أشرفها وأظهرها للحس والعقل وأبينها دلالة وأعجبها صنعة كالسماء والأرض والشمس والقمر والليل والنهار والنجوم والجبال والسحاب والمطر وغير ذلك من آياتة ولا يدعو عباده إلى التفكر في القمل والبراغيث والبعوض والبق والكلاب والحشرات ونحوها إنما يذكر ما يذكر من ذلك في سياق ضرب الأمثال مبالغة في الاحتقار والضعف كقوله تعالى أن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنفذوه منه فهنا لم يذكر الذباب في سياق الدلالة على إثبات الصانع تعالى وكذلك قوله إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها وكذلك قوله مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت فتأمل ذكر هذه المخلوقات الحقيرة في أى سياق وذكر المخلوقات العظيمة في أى سياق وأما قول من قال من المتكلمين المتكلفين أن دلالة حصول الحياة في الأبدان الحيوانية أقوى من دلالة السموات والأرض على وجود الصانع تعالى فبناء هذا القائل على الأصل الفاسد وهو إثبات الجوهر الفرد وإن تأثير الصانع تعالى في خلق العالم العلوي والسفلي هو تركيب تلك الجواهر وتأليفها هذا التأليف الخاص والتركيب جنسه مقدور للبشر وغيرهم وأما الأحداث والاختراع فلا يقدر عليه إلا الله والقول بالجوهر الفرد وبناء المبدأ والمعاد عليه مما هو من اصول المتكلمين الفاسدة التى نازعهم فيها جمهور العقلاء قالوا وخلق الله تعالى وإحداثه لما يحدثه من أجسام العالم هو إحداث لأجزائها وذواتها لا مجرد تركيب الجواهر منفردة ثم قد فرغ من خلقها وصنعه وإبداعه الآن إنما هو في تأليفها وتركيبها وهذا من اقوال اهل البدع التى ابتدعوها في الإسلام وبنوا عليها المعاد وحدوث العالم فسلطوا عليهم أعداء الإسلام ولم يمكنهم كسرهم لما بنوا المبدأ والمعاد على أمر وهمى خيالى وظنوا انه لا يتم لهم القول بحدوث العالم وإعادة الأجسام إلا به وأقام منازعوهم حججا كثيرة جدا على بطلان القول بالجوهر واعترافهم بقوة كثير منها وصحته فأوقع ذلك شكا لكثير منهم في أمر المبدأ والمعاد لبنائه على شفا جرف هار وأما ائمة الإسلام وفحول النظار فلم يعتمدوا على هذه الطريقة وهي عندهم أضعف وأوهي من أن يبنوا عليها شيئا من الدين فضلا عن حدوث العالم وإعادة الأجسام وإنما اعتمدوا على الطرق التى أرشد الله سبحانه إليها في كتابه وهي حدوث ذات الحيوان والنبات وخلق نفس العالم العلوي والسفلي وحدوث السحاب والمطر والرياح وغيرها من الأجسام التى يشاهد حدوثها بذواتها لامجرد حدوث تأليفها وتركيبها فعند القائلين بالجوهر لا يشهد ان الله أحدث في هذا العالم شيئا من(2\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "502",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14958",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجواهر وإنما أحدث تأليفها وتركيبها فقط وإن كان أحداثه بجواهره سابقا متقدما قبل ذلك وأما الآن فإنما تحدث الأعراض من الاجتماع والافتراق والحركة والسكون فقط وهي الأكوان عندهم وكذلك المعاد فإنه سبحانه يفرق أجزاء العالم وهو اعدامه ثم يؤلفها ويجمعها وهو المعاد وهؤلاء احتاجوا إلى أن يستدلوا على كون عين الإنسان وجواهره مخلوقة إذ المشاهد عندهم بالحس دائما هو حدوث أعراض في تلك الجواهر من التأليف الخالص وزعموا أن كل ما يحدثه الله من السحاب والمطر والزروع والثمار والحيوان فإنما يحدث فيه أعراضا وهي جمع الجواهر التي كانت موجودة وتفريقها وزعموا أن أحدا لا يعلم حدوث عين من الأعيان بالمشاهدة ولا بضرورة العقل وإنما يعلم ذلك بالاستدلال وجمهور العقلاء من الطوائف يخالفون هؤلاء ويقولون الرب لا يزال يحدث الأعيان كما دل على ذلك الحس والعقل والقرآن فإن الأجسام الحادثة بالمشاهدة ذواتها وأجزاؤها حادثة بعد إن لم تكن جواهر مفرقة فاجتمعت ومن قال غير ذلك فقد كابر الحس والعقل فإن كون الإنسان والحيوان مخلوقا محدثا كائنا بعد إن لم يكن أمر معلوم بالضرورة لجميع الناس وكل أحد يعلم أنه حدث في بطن أمه بعد إن لم يكن وإن عينه حدثت كما قال الله تعالى وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا وليس هذا عندهم مما يستدل عليه بل يستدل به كما هي طريقة القرآن فإنه جعل حدوث الإنسان وخلقه دليلا لا مدلولا عليه وقولهم إن الحادث أعراض فقط وأنه مركب من الجواهر المفردة قولان باطلان بل يعلم حدوث عين الإنسان وذاته وبطلان الجوهر الفرد ولو كان القول بالجوهر صحيحا لم يكن معلوما إلا بأدلة خفية دقيقة فلا يكون من أصول الدين بل ولا مقدمة فيها فطريقتهم تتضمن جحد المعلوم وهو حدوث الأعيان الحادثة وذواتها وإثبات ما ليس بمعلوم بل هو باطل وهو إثبات الجوهر الفرد وليس هذا موضع استقصاء هذه المسئلة والمقصود الكلام على قوله إن الاستدلال بحصول الحياة في بنية الحيوان على وجود الصانع أقوى من دلالة تركيب الاجرام الفلكية وهو مبنى على هذا الأصل الفاسد فصل وأما استدلاله بقوله تعالى وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا فعجب من العجب فإن هذا من اقوى الأدلة وأبينها على بطلان قول المنجمين والدهرية الذين يسندون جميع ما في العالم من الخير والشر إلى النجوم وحركاتها واتصالاتها ويزعمون أن ما تأتي به من الخير والشر فعن تعريف الرسل والأنبياء وكذلك ما تعطيه من السعود والنحوس وهذا هو السبب الذي سقنا الكلام لأجله معهم لما حكينا قولهم أنه لما كانت الموجودات في العالم(2\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "503",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14959",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السفلي مترتبة على تأثير الكواكب والروحانيات التي هي مدبرات الكواكب وإن كان في اتصالاتها نظر سعد ونحس وجب أن يكون في آثارها حسن وقبح في الخلق والأخلاق والعقول الإنسانية متساوية في النوع فوجب أن يدركها كل عقل سليم ولا يتوقف إدراكها على من هو مثل ذلك العاقل في النوع ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم إلى آخر كلامكم المتضمن خلق السموات والأرض بغير أمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب وهذا هو الباطل الذي نفاه الله سبحانه عن نفسه وأخبر أنه ظن أعدائه الكافرين ولهذا اتفق المفسرون على أن الحق الذي خلقت به السموات والأرض هو الأمر والنهي وما يترتب عليهما من الثواب والعقاب فمن جحد ذلك وجحد رسالة الرسل وكفر بالمعاد وأحال حوادث العالم على حركات الكواكب فقد زعم أن خلق السموات والأرض ابطل الباطل وأن العالم خلق عبثا وترك سدى وخلى هملا وغاية ما خلق له أن يكون متمتعا باللذات الحسية كالبهائم في هذه المدة القصيرة جدا ثم يفارق الوجود وتحدث حركات الكواكب أشخاصا مثله هكذا أبدا فأي باطل أبطل من هذا وأي عبث فوق هذا أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم والحق الذي خلقت به السموات والأرض وما بينهما هو إلهية الرب المتضمنة لكمال حكمته وملكه وامره ونهيه المتضمن لشرعة وثوابه وعقابه المتضمن لعدله وفضله ولقائه فالحق الذي وجد به العالم كون الله سبحانه هو الإله الحق المعبود والآمر الناهي المتصرف في الممالك بالأمر والنهي وذلك يستلزم إرسال الرسل وإكرام من استجاب لهم وتمام الإنعام عليه وإهانة من كفر بهم وكذبهم واختصاصه بالشقاء والهلاك وذلك معقود بكمال حكمة الرب تعالى وقدرته وعلمه وعدله وتمام ربوبيته وتصرفه وانفراده بالإلهية وجريان المخلوقات على موجب حكمته وإلهيته وملكه التام وأنه أهل أن يعبد ويطاع وأنه أولى من أكرم أحبابه وأولياءه بالإكرام الذي يليق بعظمته وغناه وجوده وأهان أعداءه المعرضين عنه الجاحدين له المشركين به المسوين بينه وبين الكواكب والأوثان والأصنام في العبادة بالإهانة التي تليق بعظمته وجلاله وشدة بأسه فهو الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذو الطول لا إله إلا هو إليه المصير وهو ذو الرحمة الواسعة الذي لا يرد باسه عن القوم المجرمين ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين وهو سبحانه خلق العالم العلوي والسفلي بسبب الحق ولأجل الحق وضمنه الحق فبالحق كان وللحق كان وعلى الحق اشتمل والحق هو توحيده وعبادته وحده لا شريك له وموجب ذلك ومقتضاه وقام بعدله الذي هو الحق وعلى الحق اشتمل فما خلق الله شيئا إلا بالحق وللحق ونفس خلقه له حق وهو شاهد من شواهد الحق فإن أحق الحق هو التوحيد كما(2\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "504",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14960",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن أظلم الظلم هو الشرك ومخلوقات الرب تعالى كلها شاهدة له بأنه الله الذي لا إله إلا هو وإن كل معبود باطل سواه وكل مخلوق شاهد بهذا الحق إما شهادة نطق وإما شهادة حال وإن ظهر بفعله وقوله خلافها كالمشرك الذي يشهد حال خلقه وإبداعه وصنعه لخالقه وفاطره أنه الله الذي لا إله إلا هو وإن عبد غيره وزعم أن له شريكا فشاهد حاله مكذب له مبطل لشهادة فعله وقاله وأما قوله أنه لا يمكن أن يقال المراد أنه خلقها على وجه يمكن الاستدلال بها على الصانع الحكيم إلى آخر كلامه فيقال له إذا كانت دلالتها على صانعها أمرا ثابتا لها لذواتها وذواتها إنما وجدت بإيجاده وتكوينه كانت دلالتها بسبب فعل الفاعل المختار لها ولكن هذا بناء منه على أصل فاسد يكرره في كتبه وهو ان الذوات ليست بمجعولة ولا تتعلق بفعل الفاعل وهذا مما أنكره عليه أهل العلم والإيمان وقالوا أن كونها ذواتا وإن وجودها وأوصافها وكل ما ينسب إليها هو بفعل الفاعل فكونها ذواتا وما يتبع ذلك من دلالتها على الصانع كله بجعل الجاعل فإنه لما جعلها على هذه الصفة مستلزمة لدلالتها عليه كانت دلالتها عليه بجعله فإن قيل لو قدر عدم الجاعل لها لم يرتفع كونها ذواتا ولو كانت ذواتا بجعله لارتفع كونها ذواتا بتقدير ارتفاعه قيل ما تعنى بكونها ذواتا وما هيات اتعنى به تحقق ذلك في الخارج أو في الذهن أو أعم منها فإن عنيت الأول فلا ريب في بطلان كونها ذوات وما هيات على تقدير ارتفاع الجاعل وإن عنيت الثانى فالصور الذهنية مجعولة له أيضا لأنه هو الذي علم فإوجد الخلائق الذهنية في العلم كما أنه الذي خلق فأوجد الحقائق الذهنية في العين فهو الأكرم الذي خلق وعلم فما في الذهن بتعليمه وما في الخارج بخلقه وإن عنيت القدر المشترك بين الخارج والذهن وهو مسمى كونها ذوات وما هيات بقطع النظر عن تقييده بالذهن أو الخارج قيل لك هذه ليست بشيء البتة فإن الشيء إنما يكون شيئا في الخارج أو في الذهن والعلم وما ليس له حقيقة خارجية ولا ذهنية فليس بشيء بل هو عدم صرف ولا ريب ان العدم ليس بفعل فاعل ولا جعل جاعل فإن قيل هي لا تنفك عن أحد الوجودين أما الذهني واما الخارجي ولكن نحن أخذناها مجردة عن الوجودين ونظرنا إليها من هذه الحيثية وهذا الاعتبار ثم حكمنا عليها بقطع النظر عن تقيدها بذهن أو خارج قيل الحكم عليها بشيء ما يستلزم تصورها ليمكن الحكم عليها وتصورها مع أخذها مجردة عن الوجود والذهن محال فإن قيل مسلم أن ذلك محال ولكن إذا أخذناه مع وجودها الذهني أو الخارجي فهنا أمران حقيقتها وماهيتها والثاني وجودها الذهني أو الخارجي فنحن أخذناها موجودة وحكمنا عليها مجردة فالحكم على جزء هذا المأخوذ المنصور قيل هذا القدر المأخوذ عدم محض كما تقدم والعدم لا يكون بجعل جاعل ونكتة المسألة أن(2\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "505",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14961",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذوات من حيث هي ذوات أما أن تكون وجودا او عدما فإن كانت وجودا فهي بجعل الجاعل وإن كانت عدما فالعدم كاسمه لا يتعلق بجعل الجاعل 0 فصل وأما قوله إن إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه كان اعتماده في إثبات الصانع على الدلائل الفلكية كما قرره فيقال من العجب ذكركم لخليل الرحمن في هذا المقام وهو أعظم عدو لعباد الكواكب والأصنام التى اتخذت على صورها وهم أعداؤه الذين ألقوه في النار حتى جعلها الله عليه بردا وسلاما وهو عليه السلام أعظم الخلق براءة منهم وأما ذلك التقرير الذي قرره الرازي في المناظرة بينه وبين الملك المعطل فمما لم يخطر بقلب إبراهيم ولا بقلب المشرك ولا يدل اللفظ عليها البتة وتلك المناظرة التى ذكرها الرازي تشبه أن تكون مناظرة بين فيلسوف ومتكلم فكيف يسوغ أن يقال أنها هي المرادة من كلام الله تعالى فيكذب على الله وعلى خليله وعلى المشرك المعطل وإبراهيم أعلم بالله ووحدانيته وصفاته من أن يوحي إليه بهذه المناظرة ونحن نذكر كلام أئمة التفسير في ذلك ليفهم معنى المناظرة ومادل عليه القرآن من تقريرها قال ابن جرير معنى الآية ألم تر يا محمد إلى الذي حاج إبراهيم في ربه حين قال له إبراهيم ربي الذي يحي ويميت يعنى بذلك ربي الذي بيده الحياه والموت يحي من يشاء ويميت من أراد بعد الإحياء قال أنا أفعل ذلك فإحيي وأميت أستحي من أردت قتله فلا أقتله فيكون ذلك منى إحياء له وذلك عند العرب يسمى إحياء كما قال تعالى ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا واقتل آخر فيكون ذلك منى إماتة له قال إبراهيم له فإن الله هو الذي يأتي بالشمس من مشرقها فإن كنت صادقا إنك آله فأت بها من مغربها قال الله عز وجل فبهت الذي كفر يعنى انقطع وبطلت حجته ثم ذكر من قال ذلك من السلف فروى عن قتادة ذكر لنا أنه دعا برجلين فقتل أحدهما واستحيا الآخر وقال أنا أحي هذا وأميت هذا قال إبراهيم عند ذلك فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب وعن مجاهد أنا أحيي وأميت أقتل من شئت وأستحيي من شئت أدعه حيا فلا أقتله وقال ابن وهب حدثني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن الجبار قال لإبراهيم أنا أحيي وأميت إن شئت قتلتك وأن استحييتك فقال إبراهيم إن الله يأتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب فبهت الذي كفر وقال الربيع لما قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال هو يعنى نمرود فأنا أحيي وأميت فدعا برجلين فاستحيا أحدهما وقتل الآخر وقال أنا أحيي وأميت أى أستحي من شئت فقال إبراهيم فأن الله يأتي بالشمس من المشرق قال السدى لما خرج إبراهيم من النار أدخلوه على الملك ولم يكن قبل ذلك دخل عليه فكلمه وقال له من ربك قال ربي الذي يحيي ويميت قال نمرود أنا احيي وأميت أنا آخذ(2\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "506",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14962",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أربعة نفرا فأدخلهم بيتا فلا يطعمون ولا يسقون حتى إذا هلكوا من الجوع أطعمت اثنين وسقيتهما فعاشا وتركت الإثنين فماتا فعرف إبراهيم ان له قدرة بسلطانه وملكه على أن يفعل ذلك قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر وقال إن هذا إنسان مجنون فأخرجوه ألا ترون أنه من جنونه اجترأ على آلهتكم فكسرها وأن النار لم تأكله وخشى أن يفتضح في قومة وكان يزعم أنه رب فأمر بإبراهيم فأخرج وقال مجاهد أحيي فلا أقتل وأميت من قتلت وقال ابن جريج أتي برجلين فقتل أحدهما وترك الآخر فقال أنا أحيي وأميت فأميت من قتلت وأحيي فلا أقتل وقال ابن إسحاق ذكر لنا والله أعلم أن نمرود قال لإبراهيم أرأيت إلهك هذا الذي تعبد وتدعو إلى عبادته وتذكر من قدرته التى تعظمه بها على غيرها ما هي قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال نمرود أنا أحيي وأميت فقال له إبراهيم كيف تحيي وتميت قال آخذ الرجلين قد استوجيا القتل في حكمى فاقتل أحدهما فأكون قد أمته وأعفو عن عن الآخر فاتركه فأكون قد أحييته فقال له إبراهيم عند ذلك فأن الله يأتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب أعرف أنه كما تقول فبهت عند ذلك نمرود ولم يرجع إليه شيئا وعرف أنه لا يطيق ذلك فهذا كلام السلف في هذه المناظرة وكذلك سائر المفسرين بعدهم لم يقل أحد منهم قط أن معنى الآية أن هذا الإحياء والإماتة حاصل منى ومن كل أحد فأن الرجل قد يكون منه الحدوث بواسطة تمزيج الطبائع وتحريك الأجرام الفلكية بل نقطع بأن هذا لم يخطر بقلب المشرك المناظر البتة ولا كان هذا مراده فلا يحل تفسير كلام الله بمثل هذه الأباطيل ونسأل الله أن يعيذنا من القول عليه بما لم نعلم فإنه أعظم المحرمات على الإطلاق وأشدها إثما وقد ظن جماعة من الأصوليين وأرباب الجدل أن إبراهيم أنتقل مع المشرك من حجة إلى حجة ولم يجبه عن قوله أنا أحيي وأميت قالوا وكان يمكنه أن يتم معه الحجة الأولى بأن يقول مرادى بالأحياء إحياء الميت وإيجاد الحياة فيه لا استبقاؤه على حياته وكان يمكنه تتميمها بمعارضته في نفسها بأن يقول فأحيي من أمت وقلت ان كنت صادقا ولكن انتقل إلى حجة أوضح من الأولى فقال إن الله يأتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب فانقطع المشرك المعطل وليس الأمر كما ذكروه ولا هذا انتقال بل هذا مطالبة له بموجب دعواه الإلهية والدليل الذي استدل به إبراهيم قد تموثبت موجبه فلما ادعى الكافر أنه يفعل كما يفعل الله فيكون إلها مع الله طالبه إبراهيم بموجب دعواه مطالبة تتضمن بطلانها فقال إن كنت أنت ربا كما تزعم فتحيي وتميت كما يحيي ربي ويميت فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فتنصاع لقدرته وتسخيره ومشيئته فإن كنت أنت ربا فات بها من المغرب وتأمل قول الكافر أنا أحيي وأميت ولم يقل أنا الذي أحيي(2\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "507",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14963",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأميت يعنى أنا أفعل كما يفعل الله فأكون ربا مثله فقال له إبراهيم فأن كنت صادقا فافعل مثل فعله في طلوع الشمس فإذا أطلعها من جهة فأطلعها انت من جهة أخري ثم تأمل ما في ضمن هذه المناظرة من حسن الاستدلال بافعال الرب المشهودة المحسوسة التى تستلزم وجوده وكمال قدرته ومشيئته وعلمه ووحدانيته من الإحياء والإماتة المشهودين الذين لا يقدر عليهما إلا الله وحده وإتيانه تعالى بالشمس من المشرق لا يقدر أحد سواه على ذلك وهذا برهان لا يقبل المعارضة بوجه وإنما ليس عدو الله وأوهم الحاضرين أنه قادر من الإحياء والإماتة على ما هو مماثل لمقدور الرب تعالى فقال له إبراهيم فأن كان الأمر كما زعمت فأرني قدرتك على الإتيان بالشمس من المغرب لتكون مماثله لقدرة الله على الإتيان بها من المشرق فأين الانتقال في هذا الاستدلال والمناظرة بل هذا من أحسن ما يكون من المناظرة والدليل الثاني مكمل لمعنى الدليل الأول ومبين له ومقرر لتضمن الدليلين افعال الرب الدالة عليه وعلى وحدانيته وانفراده بالربوبية والإلهية كما لا تقدر انت ولا غير الله على مثلها ولما علم عدو الله صحة ذلك وان من هذا شأنه على كل شيء قدير لا يعجزه شيء ولا يستصعب عليه مراد خاف أن يقول لإبراهيم فسل ربك أن يأتي بها من مغربها فيفعل ذلك فيظهر لأتباعه بطلان دعواه وكذبه وانه لا يصلح للربوبية فبهت وامسك وفي هذه المناظرة نكتة لطيفة جدا وهي أن شرك العالم إنما هو مسند إلى عبادة الكواكب والقبور ثم صورت الأصنام على صورها كما تقدم فتضمن الدليلان اللذان استدل بهما إبراهيم إبطال إلهية تلك جملة بأن الله وحده هو الذي يحيي ويميت ولا يصلح الحي الذي يموت للإلهية لا في حال حياته ولا بعد موته فإن له ربا قادرا قاهرا متصرفا فيه إحياء وإماتة ومن كان كذلك فكيف يكون إلها حتى يتخذ الصنم على صورته ويعبد من دونه وكذلك الكواكب أظهرها وأكبرها للحس 0 هذه الشمس وهي مربوبة مدبرة مسخرة لا تصرف لها في نفسها بوجه ما بل ربها وخالقها سبحانه يأتي بها من مشرقها فتنقاد لأمره ومشيئته فهي مربوبة مسخرة مدبرة لا أله يعبد من دون الله 0 فصل وأما استدلاله بأن النبي نهى عند قضاء الحاجة عن استقبال الشمس والقمر واستدبارهما فكأنه والله أعلم لما رأى بعض الفقهاء قد قالوا ذلك في كتبهم في آداب التخلى ولا تستقبل الشمس والقمر ظن أنهم إنما قالوا ذلك لنهى النبي عنه فاحتج بالحديث وهذا من أبطل الباطل فإن النبي لم ينقل عنه ذلك في كلمة واحدة لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مرسل ولا متصل وليس لهذه المسألة أصل في الشرع والذين ذكروها من الفقهاء منهم من قال العلة(2\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "508",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14964",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن اسم الله مكتوب عليهما ومنهم من قال لأن نورهما من نور الله ومنهم من قال إن التنكب عن استقبالهما واستدبارهما أبلغ في التستر وعدم ظهور الفرجين وبكل حال فما لهذا ولا أحكام النجوم فان كان هذا دالا على دعواكم فدلالة النهي عن استقبال الكعبة بذلك أقوى وأولى وأما استدلاله بأن النبي قال يوم موت ولده ابراهيم إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فاذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة وهذا الحديث صحيح وهو من أعظم الحجج على بطلان قولكم فانه صلى الله عليه وسلم أخبر أنهما آيتان من آيات الله وآيات الله لا يحصيها إلا الله فالمطر والنبات والحيوان والليل والنهار والبر والبحر والجبال والشجر وسائر المخلوقات آياته تعالى الدلالة عليه وهي في القرآن أكثر من أن نذكرها ههنا فهما آيتان لا ربان ولا إلهان ولا ينفعان ولا يضران ولا لهما تصرف في أنفسهما وذواتهما البتة فضلا عن إعطائهما كل ما في العالم من خير وشر وصلاح وفساد بل كل ما فيه من ذراته وأجزائه وكلياته وجزئياته له تعالى الله عن قول المفترين المشركين علوا كبيرا وفي وقوله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته قولان أحدهما أن موت الميت وحياته لا يكون سببا في انكسافهما كما كان يقوله كثير من جهال العرب وغيرهم عند الانكساف إن ذلك لموت عظيم أو لولادة عظيم فأبطل النبي ذلك وأخبر أن موت الميت وحياته لا يؤثر في كسوفهما البتة والثاني أنه لا يحصل عن انكسافهما موت ولا حياة فلا يكون انكسافهما سببا لموت ميت ولا لحياة حي وإنما ذلك تخويف من الله لعباده أجرى العادة بحصوله في اوقات معلومة بالحساب كطلوع الهلال وإبداره وسراره فأما سبب كسوف الشمس فهو توسط القمر بين جرم الشمس وبين أبصارنا فان القمر عندهم جسم كثيف مظلم وفلكه دون فلك الشمس فاذا كان على مسامته إحدى نقطتي الرأس أو الذنب أو قريبا منهما حالة الإجتماع من تحت الشمس حال بيننا وبين نور الشمس كسحابة تمر تحتها إلى أن يتجاوزها من الجانب الآخر فإن لم يكن للقمر عرض ستر عنا نور كل الشمس وإن كان له عرض فبقدر ما يوجبه عرضه وذلك أن الخطوط الشعاعية تخرج من بصر الناظر إلى المرئي على شكل مخروط راسه عند نقطة البصر وقاعدته عند جرم المرئي فإن وجهنا أبصارنا إلى جرم الشمس حالة كسوفها فإنه ينتهي إلى القمر أو لا مخروط الشعاع فاذا توهمنا نفوذه منه إلى الشمس وقع جرم الشمس في وسط المخروط وإن لم يكن للقمر عرض انكسف كل الشمس وإن كان للقمر عرض فبقدر ما يوجبه عرضه ينحرف جرم الشمس عن مخروط الشعاع ولا يقع كله فيه فينكسف بعضه ويبقى الباقي على ضيائه وذلك إذا كان العرض المرئي اقل من نصف مجموع قطر الشمس والقمر حتى إذا ساوى العرض المرئي نصف مجموع القطرين كان صفحة القمر تماس مخروط الشعاع فلا ينكسف(2\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "509",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14965",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يكون لكسوف الشمس لبث لأن قاعدة المخروط المتصل بالشمس مساو لقطريها فكما ابتدأ القمر بالحركة بعد تمام الموازاة بينه وبين الشمس تحرك المخروط وابتدأت الشمس بالإسفار إلا أن كسوف الشمس يختلف باختلاف أوضاع المساكن حتى أنه يرى في بعضها ولا يرى في بعضها ويرى في بعضها أقل وفي بعضها أكثر بسبب اختلاف المنظر إذ الكاسف ليس عارضا في جرم الشمس يستوى فيه النظار من جميع الأماكن بل الكاسف شيء متوسط بينها وبين الأبصار وهو قريب منها والمحجوب عنا بعيد فيختلف التوسط باختلاف مواضع الناظرين وكذلك يختلف كسوف الشمس في مباديها وعند انجلائها في كمية ما ينكسف منها وفي زمان كسوفها الذي هو من أول البدو إلى وسط الكسوف ومن وسط الكسوف إلى آخر الانجلاء فإن قيل فجرم القمر أصغر من جرم الشمس بكثير فكيف يحجب عنا كل الشمس قيل إنما يحجب عنا جرم الشمس لقربه منا وبعدها عنا لأن الشيئين المختلفين في الصغر والكبر إذا قرب الصغير من الكبير يرى من أطراف الكبير أكثر ما يرى منها مع بعد الأصغر عنه وكلما بعد الأصغر عنه وازداد قربه من الناظر تناقص ما يرى من أطراف الأكبر إلى أن ينتهي إلى حد لا يرى من الأكبر شيء والحس شاهد بذلك وأما سبب خسوف القمر فهو توسط الأرض بينه وبين الشمس حتى يصير القمر ممنوعا من اكتساب النور من الشمس ويبقى ظلام ظل الأرض في ممره لأن القمر لا ضوء له أبدا وأنه يكتسب الضوء من الشمس وهل هذا الاكتساب خاص بالقمر أم يشاركه فيه سائر الكواكب ففيه قولان لأرباب الهيئة: أحدهما أن الشمس وحدها هي المضيئة بذاتها وغيرها من الكواكب مستضيئة بضيائها على سبيل العرض كما عرف ذلك في القمر والقول الثاني أن القمر مخصوص بالكمودة دون سائر الكواكب وغيره من الكواكب مضيئة بذاتها كالشمس ورد هؤلاء على ارباب القول الأول بأن الكواكب لو استفادت أضواءها من الشمس لاختلف مقادير تلك الأضواء فيما كان تحت فلك الشمس منها بسبب القرب والبعد من الشمس كما في القمر فإنه يختلف ضوؤه بحسب قربه وبعده من الشمس والذي حمل أرباب القول الأول عليه ما وجدوه من تعلق حركات الكواكب بحركات الشمس وظنوا أن ضوءها من ضيائها وليس الغرض استيفاء الحجاج من الجانبين وما لكل قول وعليه والمقصود ذكر سبب الخسوف القمرى ولما كانت الأرض جسما كثيفا فإذا أشرقت الشمس على جانب منها فإنه يقع لها ظل في الجهة الأخرى لأن كل ذي ظل يقع في الجهة المقابلة للجرم المضىء فمتى أشرقت عليها من ناحية الشرق وقعت أظلالها في ناحية الغرب وإذا وقعت عليها من ناحية الغرب مالت أظلالها إلى ناحية المشرق والأرض(2\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "510",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14966",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصغر من جرم الشمس بكثير فينبعث ظلها ويرتفع في الهواء على شكل مخروط قاعدته قريبة من تدوير الارض ثم لا يزال ينخرط تدويره حتى يدق ويتلاشى لأن قطر الشمس لما كان أعظم من قطر الأرض فالخطوط الشعاعية المارة من جوانب الشمس إلى جوانب الأرض تكون متلاقية لا متوازية فإذا مرت على الاستقامة إلى الأرض انقذفت على جوانبها فتلتقي لا محالة إلى نقطة فينحصر ظل الأرض في سطح مخروط فيكون مخروطا لا محالة قاعدته حيث ينبعث من الأرض ورأسه عند نقطة تلافي الخطوط ولو كان قطر الأرض مساويا لقطر الشمس لكانت الخطوط الشعاعية تخرج إليها على التوازي فيكون الظل متساوي الغلظ إلى أن ينتهي إلى محيط العالم ولو كان قطر الشمس أصغر من قطر الأرض لكانت الخطوط تخرج على التلاقي في جهة الشمس وأوسعها عند قطر الأرض ولكان الظل يزداد غلظا كلما بعد عن الأرض إلى أن ينتهي إلى محيط العالم ويلزم من ذلك أن ينخسف القمر في كل استقبال والوجود بخلافه ولما ثبت أن ظل الأرض مخروطي الشكل وقد وقع في الجهة المقابلة لجهة الشمس فيكون نقطة رأسه في سطح فلك البروج لا محالة ويدور بدوران الشمس مسامتا للنقطة المقابلة لموضع الشمس وهذا الظل الذي يكون فوق الأرض هو الليل فإن كانت الشمس فوق الأرض كان الظل تحت الرض بالنسبة إلينا ونحن في ضياء الشمس وذلك النهار والزمان الذي يوازي دوام الظل فوق الأرض هو زمان الليل فإذا اتفق مرور القمر على محاذاة نقطتى الرأس والذنب حالة الاستقبال يقع في مخروط الظل لا محالة لأن الخط الخارج من مركز العالم المار بمركز الشمس ثم بمركز القمر من الجانب الآخر ينطبق على سهم مخروط الظل فيقع القمر في وسط المخروط فينخسف كله ضرورة لأن الأرض تمنعه من قبول ضياء الشمس فيبقي القمر على جوهرة الأصلى فإن كان للقمر عرض ينحرف عن سهم المخروط بقي الضوء فيه بقدره وطبعه وقد يقع كله في المخروط ولكن يمر في جانب منه وقد يقع بعضه في المخروط ويبقي بعضه خارجا وربما يماس مخروط الظل ولا يقع من جرمه شيء وإنما يختلف هذا باختلاف بعده من الخط الخارج من مركز العالم المار بمركز الشمس المطابق لسهم المخروط حتى إذا عظم عرضه بأن لا يبقى بينه وبين إحدى نقطتي الرأس والذنب أكثر من ثلاثة عشر دقيقة لا يماس المخروط أصلا وإذا وقع في جانب منه قل مكثه وربما لم يكن له مكث أصلا وإنما يعرف ذلك بتقديم معرفة قطر الظل وقطر يختلف باختلاف أبعاده عن الأرض وكذلك قطر الظل أيضا يختلف باختلاف أبعاد الشمس عن الأرض فإن الشمس متى قربت من الأرض كان ظل الأرض دقيقا قصيرا وإذا بعدت عنها كان ظل الأرض طويلا غليظا لأنها متى بعدت عن الأرض يرى قطرها أصغر وأقرب تلاقيا منها وكلما كان أعظم مقدارا في رأى(2\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "511",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14967",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العين فالخطوط الشعاعية أقصر وأقرب تلاقيا فلذلك يختلف قطع القمر غلظ الظل في أوقات الكسوفات والموضع الذي يقطعة القمر من الظل يسمونه فلك الجوزهر وإذا عرف عرف قطر الظل وعرف مقدار قطر نصف القمر وجمع بينهما ونصف ذلك وعرف عرض القمر إن كان له عرض فإن كان العرض مساويا لنصف مجموع القطرين فإن القمر يماس دائرة الظل ولا ينكسف وإن كان العرض أقل من نصف مجموعهما فإنه ينكسف فينظر إن كان مساويا لنصف قطر الظل انكسف من القمر مثل نصف صفحته وإن كان العرض أقل من نصف قطر الظل فينتقص العرض من نصف قطر الظل فإن كان الباقي مثل قطر القمر انكسف كله ولا يكون له مكث وإذا لم يكن له عرض انكسف كله ويمكث زمانا أكثر وأطول ما يمتد زمان الكسوف القمري أربع ساعات وأما زمان لكسوف الشمسى فلا يزيد على ساعتين وكسوف القمر يختلف باختلاف أوضاع المساكن إذ الكسوف عارض في جهة وهو عبوره في ظلام ظل الأرض بخلاف كسوف الشمس وإنما يختلف الوقت فقط بأن يكون في بعض المساكن على مضى ساعة من الليل وفي بعضها على مضى نصف ساعة وقد يطلع منكسفا في بعض المساكن وينكسف بعد الطلوع في بعضها وقد لا يرى منكسفا أصلا إذا كانت الشمس فوق الأرض حالة الاستقبال ويرى الخسوف في القمر أبدا يكون من طرفه الشرقي إذ هو الذاهب إلى الاستقبال نحو للشرق والدخول في الظل بحركته ثم ينحرف قليلا قليلا إلى الشمال أو الجنوب في بدء انجلائه أيضا من طرفه الشرقي وأما في الشمس فبدء الكسوف من طرفها الغربي إذ الكاسف لها يأتي إليها من ناحية الغرب وكذلك الانجلاء أيضا من الطرف الغربي لكن بانحراف منه إلى الشمال والجنوب وإنما ذكرنا هذا الفصل ولم يكن من غرضنا لأن كثيرا من هؤلاء الأحكاميين يموهون على الجهال بأمر الكسوف ويؤهمونهم إن قضاياهم وأحكامهم النجومية من السعد والنحس والظفر والغلبة وغيرها هي من جنس الحكم بالكسوف فيصدق بذلك الأغمار والرعاع ولا يعلمون أن الكسوف يعلم بحساب سير النيرين في منازلهما وذلك أمر قد أجرى الله تعالى العادة المطردة به كما أجراها في الأبدار والسرار والهلال فمن علم ما ذكرناه في هذا الفصل علم وقت الكسوف ودوامه ومقداره وسببه وأما انه يقتضي من التأثيرات في الخير والشر والسعد والنحس والإماتة والإحياء وكذا وكذا مما يحكم به المنجمون فقول على الله وعلى خلقه بما لا يعلمون نعم لا ننكر أن الله سبحانه يحدث عند الكسوفين من أفضيته وأقداره ما يكون بلاء لقوم ومصيبة لهم ويجعل الكسوف سببا لذلك ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم عند الكسوف بالفزع إلى ما ذكر الله والصلاة والعتاقة والصدقة والصيام لأن هذه الأشياء تدفع موجب الكسف الذي جعله الله سببا لما جعله فلولا انعقاد سبب التخويف لما أمر بدفع موجبه بهذه(2\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "512",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14968",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العبادات ولله تعالى في أيام دهره أوقات يحدث فيها ما يشاء من البلاء والنعماء ويقضي من الأسباب بما يدفع موجب تلك الأسباب لمن قام به أو يقلله أو يخففه فمن فزع إلى تلك الأسباب أو بعضها اندفع عنه الشر الذى جعل الله الكسوف سببا له أو بعضه ولهذا قل ما يسلم أطراف الأرض حيث يخفي الإيمان وما جاءت به الرسل فيها من شر عظيم يحصل بسبب الكسوف وتسلم منه الأماكن التى يظهر فيها نور النبوة والقيام بما جاءت به الرسل أو يقل فيها جدا ولما كسفت الشمس على عهد النبى قام فزعا مسرعا يجز رداءه ونادى في الناس الصلاة جامعة وخطبهم بتلك الخطبة البليغة وأخبر أنه لم ير كيومه ذلك في الخير والشر وأمرهم عند حصول مثل تلك الحالة بالعتاقة والصدقة والصلاة والتوبة فصلوات الله وسلامه على أعلم الخلق بالله وبأمره وشأنه وتعريفه أمور مخلوقاته وتدبيره وأنصحهم للأمة ومن دعاهم إلى ما فيه سعادتهم في معاشهم ومعادهم ونهاهم عما فيه هلاكهم في معاشهم ومعادهم ولقد خفى ما جاءت به الرسل على طائفتين هلك بسببهما من شاء الله ونجا من شركهما من سبقت له العناية من الله إحدى الطائفتين وقفت مع ما شاهدته وعلمته من أمور هذه الأسباب والمسببات وإحالة الأمر عليها وظنت أنه ليس لها شىء فكفرت بما جاءت به الرسل وجحدت المبدأ والمعاد والتوحيد والنبوات وغيرها ما انتهى إليه علومها ووقفت عنده أقدامها من العلم بظاهر من المخلوقات وأحوالها وجاء ناس جهال رأوهم قد أصابوا في بعضها أو كثير منها فقالوا كل ما قاله هؤلاء فهو صواب لما ظهر لنا من صوابهم وانضاف إلى ذلك أن أولئك لما وقفوا على الصواب فيما أدتهم إليه أفكارهم من الرياضيات وبعض الطبيعيات وثقوا بعقولهم وفرحوا بما عندهم من العلم وظنوا أن سائر ما خدمته أفكارهم من العلم بالله وشأنه وعظمته هو كما أوقعهم عليه فكرهم وحكمه حكم ما شهد به الحس من الطبيعيات والرياضيات فتفاقم الشر وعظمت المصيبة وجحد الله وصفاته وخلقه للعالم وإعادته له وجحد كلامه ورسله ودينه ورأى كثير من هؤلاء انهم هم خواص النوع الإنساني وأهل الألباب وأن ماعداهم هم القشور وأن الرسل إنما قاموا بسياستهم لئلا يكونوا كالبهائم فهم بمنزلة قم المارستان وأما أهل العقول والرياضيات والأفكار فلا يحتاجون إلى الرسل بل هم يعلمون الرسل ما يصنعونه للدعوة الإنسانية كما تجد في كتبهم وينبغى للرسول أن يفعل كذا كذا والمقصود أن هؤلاء لما أوقفتهم أفكارهم على العلم بما خفى على كثير من اسرار المخلوقات وطبائعها وأسبابها ذهبوا بأفكارهم وعقولهم وتجاوزوا ما جاءت به الرسل وظنوا أن إصابتهم في الجميع سواء وصار المقلد لهم في كفرهم إذا خطر له إشكال على مذهبهم أودهمه ما لا حيلة له في دفعه من تناقضهم وفساد أصولهم يحسن الظن بهم ويقول لاشك أن علومهم مشتملة على حكمة(2\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "513",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14969",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والجواب عنه إنما يعسر على إدراكه لأن من لم يحصل الرياضيات ولم يحكم المنطقيات وتمده علوم قد صقلتها أذهان الأولين وأحكمتها أفكار المتقدمين فالفاضل كل الفاضل من يفهم كلامهم وأما الاعتراض عليهم وإبطال فاسد أصولهم فعندهم من المحال الذي لا يصدق به وهذا من خداع الشيطان وتلبيسه بغروره لهؤلاء الجهال مقلدى أهل الضلال كما ليس على أئمتهم وسلفهم بأن أوهمهم ان كل ما نالوه بأفكارهم فهو صواب كما ظهرت إصابتهم في الرياضيات وبعض الطبيعيات فركب من ضلال هؤلاء وجهل أتباعهم ما اشتدت به البلية وعظمت لأجله الرزية وضرب لآجله العالم وجحد ما جاءت به الرسل وكفر بالله وصفاته وأفعاله ولم يعلم هؤلاء أن الرجل يكون أماما في الحساب وهو أجهل خلق الله بالطب والهيئة والمنطق ويكون راسا في الطب ويكون من اجهل الخلق بالحساب والهيئة ويكون مقدما في الهندسة وليس له علم بشيء من قضايا الطب وهذه علوم متقاربة والعبد بينها وبين علوم الرسل التى جاءت بها عن الله أعظم من العبد بين بعضها وبعض فإذا كان الرجل إماما في هذه العلوم ولم يعلم بأي شيء جاءت به الرسل ولا تحلى بعلوم الإسلام فهو كالعامى بالنسبة إلى علومهم بل أبعد منه وهل يلزم من معرفة الرجل هيئة الأفلاك والطب والهندسة والحساب أن يكون عارفا بالآلهيات واحوال النفوس البشرية وصفاتها ومعادها وسعادتها وشقاوتها وهل هذا إلا بمنزلة من يظن أن الرجل إذا كان عالما بأحوال الأبنية وأوضاعها ووزن الأنهار والقنى والقنطرة كان عالما بالله وأسمائه وصفاته وما ينبغى له وما يستحيل عليه فعلوم هؤلاء بمنزلة هذه العلوم التى هي نتائج الأفكار والتجارب فما لها ولعلوم الأنبياء التى يتلقونها عن الله بوسائط الملائكة هذا وإن تعلق الرياضيات التى هي نظر في نوعى الكم المتصل والمنفصل والمنطقيات التى هى نظر في المعقولات الثانية ونسبة بعضها إلى بعض بالكلية والجزئية والسلب والإيجاب وغير ذلك بمعرفة رب العالمين وأسمائه وصفاته وأفعاله وأمره ونهيه وما جاءت به رسله وثوابه وعقابه ومن الخدع الإبليسية قول الجهال أن فهم هذه الأمور موقوف على فهم هذه القضايا العقلية وهذا هو عين الجهل والحمق وهو بمنزلة قول القائل لا يعرف حدوث الرمانة من لم يعرف عدد حباتها وكيفية تركيبها وطبعها ولا يعرف حدوث العين من لم يعرف عدد طبقاتها وتشريحها وما فيها من التركيب ولا يعرف حدوث هذا البيت من لم يعرف عدد لبناته وأخشابه وطبائعها ومقاديرها وغير ذلك من الكلام الذي يضحك منه كل عاقل وينادي على جهل قائله وحمته بل العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله ودينه لا يحتاج إلى شيء من ذلك ولا يتوقف عليه وآيات الله التى دعا عباده إلى النظر فيها دالة عليه بأول النظر دلالة يشترك فيها كل سليم العقل والحاسة واما أدلة هؤلاء فخيالات وهمية وشبه عسرة المدرك بعيدة التحصيل متناقضة الأصول غير(2\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "514",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14970",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مؤدية إلى معرفة الله ورسله والتصديق بها مستلزمة للكفر بالله وجحد ما جاءت به رسله وهذا لا يصدق به إلا من عرف ما عند هؤلاء وعرف ما جاءت به الرسل ووازن بين الأمرين فحينئذ يظهر له التفاوت وأما من قلدهم وأحسن ظنه بهم ولم يعرف حقيقة ما جاءت به الرسل فليس هذا عشه بل هو في أودية هائم حيران ينقاد لكل حيران 0 يغدو من العلم في ثوبين من طمع ... معلمين بحرمان وخذلان والطائفة الثانية رأت مقابلة هؤلاء برد كل ما قالوه من حق وباطل وظنوا ان من ضرورة تصديق الرسل رد ما علمه هؤلاء بالعقل الضرورى وعلموا مقدماته بالحس فنازعوهم فيه وتعرضوا لإبطاله بمقدمات جدلية لا تغنى من الحق شيئا وليتهم مع هذه الجناية العظيمة لم يضيفوا ذلك إلى الرسل بل زعموا إن الرسل جاؤا وبما يقولونه فساء ظن أولئك الملاحدة بالرسل وظنوا أنهم هم أعلم وأعرف منهم ومن حسن ظنه بالرسل قال أنهم لم يخف عليهم ما نقوله ولكن خاطبوهم بما تحتمله عقولم من الخطاب الجمهورى النافع للجمهور وأما الحقائق فكتموها عنهم والذي سلطهم على ذلك جحد هؤلاء لحقهم ومكابرتهم إياهم على ما لايمكن المكابرة عليه مما هو معلوم لهم بالضرورة كمكابرتهم إياهم في كون الأفلاك كروية الشكل والأرض كذلك وأن نور القمر مستفاد من نور الشمس وأن الكسوف القمرى عبارة عن انمحاء ضوء القمر بتوسط الأرض بينه وبين الشمس من حيث انه يقتبس نوره منها والأرض كرة والسماء محيطة بها من الجوانب فإذا وقع القمر في ظل الأرض انقطع عنه نور الشمس كما قدمناه وكقولهم أن الكسوف الشمسى معناه وقوع جرم القمر بين الناظر وبين الشمس عند اجتماعهما في العقدتين على دقيقة واحدة وكقولهم بتأثير الأسباب المحسوسة في مسبباتها وإثبات القوى والطبائع والأفعال وانفعالات مما تقوم عليه الأدلة العقلية والبراهين اليقينية فيخوض هؤلاء معهم في إبطاله فيغريهم ذلك بكفرهم وإلحادهم والوصية لأصحابهم بالتمسك بما هم عليه فإذا قال لهم هؤلاء هذا الذى تذكرونه على خلاف الشرع والمصير إليه كفر وتكذيب الرسل لم يستريبوا في ذلك ولم يلحقهم فيه شك ولكنهم يستريبون بالشرع وتنقص مرتبة الرسل من قلوبهم وضرر الدين وما جاءت به الرسل بهؤلاء من أعظم الضرر وهو كضرره بأولئك الملاحدة فهما ضرران على الدين ضرر من يطعن فيه وضرر من بنضره بغير طريقة وقد قيل إن العدو العاقل أقل ضررا من الصديق الجاهل فإن الصديق الجاهل يضرك من حيث يقدر أنه بنقعك والشأن كل الشأن أن تجعل العاقل صديقك ولا تجعله عدوك وتغريه بمحاربة الدين وأهله 0 فإن قلت فقد أطلت في شأن الكسوف وأسبابه وجئت بما شئت به من البيان الذى لم يشهد له الشرع بالصحة ولم يشهد له بالبطلان بل جاء الشرع بما هو أهم منه وأجل فائدة من الأمر عند الكسوفين(2\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "515",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14971",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بما يكون سببا لصلاح الأمة في معاشها ومعادها وأما أسباب الكسوف وحسابه والنظر في ذلك فإنه من العلم الذي لايضر الجهل به ولا ينفع نفع العلم بما جاءت به الرسل وبين علوم هؤلاء فكيف نصنع بالحديث الصحيح عن النبى أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة فكيف يلائم هذا ما قاله هؤلاء في الكسوف قيل وأى مناقضة بينهما وليس فيه إلا نفي تأثير الكسوف في الموت والحياة على أحد القولين أو نفي تأثير النيرين بموت أحد أو حياته على القول الآخر وليس فيه تعرض لإبطال حساب الكسوف وإلا الأخبار بأنه من الغيب الذى لا يعلمه إلا الله وأمر النبي عنده بما أمر به من العتاقة والصلاة والدعاء والصدقة كأمره بالصلوات عند الفجر والغروب والزوال مع تضمن ذلك دفع موجب الكسوف الذي جعله الله سبحانه سببا له فشرع النبي للأمة عند انعقاد هذا السبب ما هو أنفع لهم وأجدى عليهم في دنياهم وأخراهم من اشتغالهم بعلم الهيئة وشأن الكسوف وأسبابه فإن قيل فما تصنعون بالحديث الذي رواه ابن ماجه في سننه والإمام أحمد والنسائى من حديث النعمان بن بشير قال انكسفت الشمس على عهد النبى فخرج فزعا يجر ثوبه حتى أتي المسجد فلم يزل يصلى حتى انجلت ثم قال أن ناسا يزعمون أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم من العظماء وليس كذلك أن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا تجلى الله لشىء من خلقه خشع له قيل قد قال أبو حامد الغزالى ان هذه الزيادة لم يصح نقلها فيجب تكذيب قائلها وإنما المروى ما ذكرنا يعنى الحديث الذي ليست هذه الزيادة فيه قال ولو كان صحيحا لكان تأويله أهون من مكابرة أمور قطعية فكم من ظواهر أولت بالأدلة العقلية التى لا تتبين في الوضوح إلى هذا الحد وأعظم فانفرج به الملحدة ان يصرح ناصر الشرع بأن هذا وامثاله على خلاف الشرع فيسهل عليه طريق إبطال الشرع وإن كان شرطه أمثال ذلك وليس الأمر في هذه الزيادة كما قاله أبو حامد فأن اسنادها لا مطعن فيه قال ابن ماجه حدثنا محمد بن المثنى وأحمد بن ثابت وحميد بن الحسن قالوا حدثنا عبد الوهاب قال حدثنا خالد الحذاء عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير فذكره وهؤلاء كلهم ثقات حفاظ لكن لعل هذه اللفظة مدرجة في الحديث من كلام بعض الرواة ولهذا لا توجد في سائر أحاديث الكسوف فقد رواها عن النبي بضعة عشر صحابيا عائشة أم المؤمنين وأسماء بنت أبي بكر وعلى بن أبي طالب وأبي بن كعب وأبو هريرة وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله في حديثه وسمرة بن جندب وقبيصة الهلالى وعبد الرحمن بن سمرة فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظة التى ذكرت في حديث النعمان بن بشير فمن ههنا نخاف أن تكون أدرجت في الحديث إدراجا(2\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "516",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14972",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وليست من لفظ رسول الله على أن ههنا مسلكا بعيد المأخذ لطيف المنزع يتقبله العقل السليم والفطرة السليمة وهو أن كسوف الشمس والقمر وجب لهما من الخشوع والخضوع بانمحاء نورهما وانقطاعه عن هذا العالم ما يكون فيه سلطانهما وبهاؤهما وذلك يوجب لا محالة لهما من الخشوع والخضوع لرب العالمين وعظمته وجلاله وما يكون سببا لتجلى الرب تبارك وتعالى لهما ولا يستنكرون ان يكون تجلى الله سبحانه وتعالى لهما في وقت معين كما يدنو من أهل الموقف عشية عرفة وكما ينزل كل ليلة إلى سماء الدينا عند مضى نصف الليل فيحدث لهما ذلك التجلى خشوعا آخر ليس هو الكسوف ولم يقل النبى أن الله إذا تجلى لهما انكسفا ولكن اللفظة فإذا تجلى الله لشيء من خلقه خشع له ولفظ الإمام أحمد في الحديث إذا بدا الله لشىء من خلقه خشع له فهنا خشوعان خشوع أوجبه كسوفهما بذهاب ضوئهما وانمحائه فتجلى الله سبحانه لهما فحدث لهما عند تجليه تعالى خشوع آخر سبب التجلى كما حدث للجبل إذ تجلى تبارك وتعالى له ان صار دكا وساخ في الأرض وهذا غاية الخشوع لكن الرب تبارك وتعالى ثبتهما لتجليه عناية بخلقه لانتظام مصالحهم بهما ولو شاء سبحانه لثبت الجبل لتجليه كما ثبتهما ولكن أرى كليمه موسى أن الجبل العظيم لم يطق الثبات له فكيف تطيق أنت الثبات للرؤية التى سألتها 0 فصل وأما استدلاله بحديث ابن مسعود عن النبي إذا ذكر القدر فأمسكوا وإذا ذكر أصحابي فامسكوا وإذا ذكر النجوم فامسكوا فهذا الحديث لو ثبت لكان حجة عليه لا له إذ لو كان علم الأحكام النجومية حقا لا باطلا لم ينه عنه النبي ولا أمر بالإمساك عنه فإنه لا ينهى عن الكلام في الحق بل هذا يدل على أن الخائض فيه خائض فيما لا علم له به وانه لا ينبغى له أن يخوض فيه ويقول على الله مالا يعلم فأين في هذا الحديث ما يدل على صحة علم أحكام النجوم 0 وأما أحاديث النهي عن السفر والقمر في العقرب فصحيح من كلام المنجمين وأما رسول رب العالمين فبرىء ممن نسب إليه هذا الحديث وامثاله ولكن إذا بعد الإنسان عن نور النبوة واشتدت غربته عما جاء به الرسول جوز عقله مثل هذا كما يجوز عقل المشركين يقول النبي لو حسن أحدكم ظنه بحجر نفعه وهذا ونحوه من كلام عباد الأصنام الذين حسنوا ظنهم بالأحجار فساقهم حسن ظنهم إلى دار البوار وأما الرواية عن علي أنه نهى عن السفر والقمر في العقرب فمن الكذب على علي رضى الله عنه والمشهور عنه خلاف ذلك وعكسه وانه أراد الخروج لحرب الخوارج فاعترضه منجم فقال يا أمير المؤمنين لا تخرج فقال لأى شىء قال إن القمر في العقرب فإن خرجت أصبت وهزم عسكرك فقال علي رضى الله عنه ما كان لرسول الله(2\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "517",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14973",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا لأبي بكر ولا لعمر منجم بل أخرج ثقة بالله وتوكلا على الله وتكذيبا لقولك فما سافر بعد رسول الله سفرة أبرك منها قتل الخوارج وكفي المسلمين شرهم ورجع مؤيدا منصورا فائزا ببشارة النبي لمن قتلهم حيث يقول شر قتلى تحت أديم السماء خير قتيل من قتلوه وفي لفظ طوبى لمن قتلهم وفي لفظ تقتلهم أولى الطائفتين بالحق وفي لفظ لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وقال علي لأصحابه لولا ان تنكلوا لحدثتكم بما لكم عند الله في قتلهم فكان هذا الظفر ببركة خلاف ذلك المنجم وتكذيبه والثقة بالله رب النجوم والاعتماد عليه وهذه سنة الله فيمن لم يلتفت إلى النجوم ولا بني عليها حركاته وسكناته وأسفاره وإقامته كما أن سنته نكبة من كان منقادا لأربابها عاملا بما يحكمون له به وفي التجارب من هذا ما يكفى اللبيب المؤمن والله الموفق 0 فصل والذي أوجب للمنجمين كراهية السفر والقمر في العقرب انهم قالوا السفر امر يراد لخير من الخيرات فإذا كان الوصول إلى ذلك الأمر أسرع كان أجود فينبغى على هذا أن يكون القمر في برج منقلب والعقرب برج ثابت والثوابت عندهم تدل على الأمور البطيئة قالوا وأيضا البرج للمريخ والمريخ عندهم نحس أكبر والنحس ينحس الحظوظ على أصحابها فينبغى أن يكون القمر في برج سعد لأن السعد ينفع والنحس يضر وايضا فإن هذا البرج هو برج هبوط القمر وإذا كان الكوكب في هبوطه لا يلتئم لصاحبه ما يريده ويقصده بل يكون وبالا عليه لأن الكوكب الهابط عندهم كالمنكس وأيضا فإن القمر عندهم رب تاسع العقرب وإذا كان رب التاسع منحوسا فالسفر مكروه لأن التاسع منسوب إلى السفر وبالجملة فإن العقرب عندهم شر البروج والقمر على الإطلاق قالوا فلذلك ينبغى الحذر من السفر والقمر في العقرب قالوا فمن كره السفر إذا ذاك فانما يكرهه بعلمه وعقله وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضى الله عنه أعقل أهل زمانه واعلمهم فهو اولى بكراهته وليس ذلك مخصوصا عندهم بالسفر وحده بل يكرهون جميع الابتدا آت والاختيارات والقمر في العقرب ولما كان القمر اسرع الكواكب حركة فهو أولى أن يكون دليلا على الأمور المنقلبة والسفر أمر منقلب والعقرب برج ثابت غير منقلب والتجربة والواقع من أكبر شاهد على تكذيبهم في هذا الحكم فكم ممن سافر وتزوج وابتدأ واختار والقمر في العقرب وتم له مراده على أكمل ما كان يؤمله ولا يزال الناس ينشؤن الأسفار والابتدا آت والاختيارات في كل وقت والقمر في العقرب وغيره ويحمدون عواقب أسفارهم كما أنشأأمير المؤمنين علي رضى الله عنه سفر جهاده للخوارج والقمر في العقرب وأنشأ المعتصم سفر فتح عمورية وجهاد أعداء الله والقمر في العقرب وقد أجمع الكذابون(2\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "518",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14974",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "انه إن خرج كسر عسكره وقتل أو أسر فبين الله للمسلمين كذبهم بذلك الفتح الجليل ولو استقصينا أمثال هذه الوقائع لطال الأمر جدا ومن أراد أن يعلم كذبهم قطعا فليبتدىء سفرا أو اختيار او بناء او غيره والقمر في العقرب وليتوكل على الله وليسافر فإنه يرى ما يغبطه ويسره ومن أبين الكذب والبهت الكذب على الحس والواقع وهذا الذي كرهوه وحذروا منه لو كان الواقع شاهدا به لكان الناس لا يختارون ولا يسافرون ولا يبتدئون شيئا البتة والقمر في العقرب وكان عليهم بهذا وتجربتهم له معلوما بالضرورة فكيف والأمر بالعكس وأيضا فيقال قد يكون القمر في العقرب وتجامعه السعود وهما المشتري والزهرة مثلا ويكن رب بيت السفر وبيت الطالع وبيت السفر أيضا سعودات فهلا قلتم ان السفر حينئذ يكون صالحا لإجتماع هذه السعودات في البرج المنقلب واجتماعها يكسبها قوة بل قال قضاؤكم يكون القمر في العقرب مسعودا إن جامع السعود بل قالوا إن السعود ايضا تنتحس فيه فاذا حل السعود العقرب انتحست فيه ولذلك قلتم إن الشمس إذا حلت ضعفت فيه أيضا جدا وإن كان معه السعدان أعني المشتري والزهرة فلو قلب عليكم هذا الاستدلال وقيل إذا حلت السعود في هذا البرج قوي فعلها وتضافر بعضها مع بعض فقوى السعد باجتماعها ولم يقوى البرج على انحاسها وقوة زحل والمريخ النحسين على هذا البرج لا يستلزم إنحاس هذه السعود بل إن سعادتها تؤثر في نحسها كان من جنس قولكم ومن هنا قال أبو نصر الفارابي واعلم أنك لو قلبت أوضاع المنجمين فجعلت السعد نحسا والنحس سعدا والحار باردا وعكسه لكانت أحكامك من جنس أحكامهم تصيب وتخطىء فصل وأما ما احتج به من الأثر عن علي أن رجلا أتاه فقال إني أريد السفر وكان ذلك في محاق الشهر فقال أتريد أن يمحق الله تجارتك استقبل هلال الشهر بالخروج فهذا لا يعلم ثبوته عن علي والكذابون كثيرا ما ينفقون سلعهم الباطله بنسبتها إلى علي وأهل بيته كأصحاب القرعة والجفر والبطاقة والهفت والكميان والملاحم وغيرها فلا يدري ما كذب على أهل البيت إلا الله سبحانه ثم لو صح هذا عن علي رضي الله عنه لم يكن فيه تعرض لثبوت إحكام النجوم بوجه ولا ريب أن استقبال الأسفار والأفعال في أوائل النهار والشهر والعام لها مزية والنبي قد قال اللهم بارك لأمتي في بكورها وكان صخر الغامدي راوي الحديث إذا بعث تجارة له بعثها في أول النهار فأثرى وكثر ماله ونسبة أول النهار نسبة أول الشهر إليه وأول العام إليه فللأوائل مزية القوة وأول النهار والشمس بمنزلة شبابه وآخره بمنزلة شيخوخته وهذا أمر معلوم بالتجربة وحكمة الله تقتضيه وأما ما ذكره عن اليهودي الذي أخبر ابن عباس بما أخبره من موت(2\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "519",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14975",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ابنه إلى تمام ذكر القصة فهذه الحكاية إن صحت فهى من جنس أخبار الكهان بشىء من المغيبات وقد أخبر ابن صياد النبي بما خبأ له في ضميره فقال له أنت من إخوان الكهان وعلم تقدمه المعرفة لا تختص يما ذكره المنجمون بل له عدة اسباب يصيب ويخطىء ويصدق الحكم معها ويكذب منها الكهانة ومنها المنامات ومنها الفأل والزجر ومنها السانح والبارح ومنها الكف ومنها ضرب الحصى ومنها الحظ في الأرض ومنها الكشوف المستندة إلى الرياضة ومنها الفراسة ومنها الجزاية ومنها علم الحروف وخواصها إلى غير ذلك من الأمور التى ينال يها جزء يسير من علم الكهان وهذا نظير الأسباب التى يستدل بها الطبيب والفلاح والطبائعى على أمور غيبية بما تقتضيه تلك الأدلة مثال الطبيب إذا رأى الجرح مستديرا حكم بأنه عسر البرء وإذا رآه مستطيلا حكم بأنه أسرع برءا وكذلك علامات البحارين وغيرها ومن تأمل ما ذكره بقراط في علائم الموت رأى العجائب وهى علامات صحيحة مجربة وكذلك ما علم به الربان في أمور تحدث في البحر والريح بعلامات تدل على ذلك من طلوع كوكب أو غروبه أو علامات أخرى فيقول يقطع مطر أو يحدث ريح كذا وكذا أو يضطرب البحر في مكان كذا ووقت كذا فيقع ما يحكم به وكذلك الفلاح يرى علامات فيقول هذه الشجرة يصيبها كذا وتيبس في وقت كذا وهذه الشجرة لا تحمل العام وهذه تحمل وهذا النبات يصيبه كذا وكذا لما يرى من علامات يختص هو بمعرفتها بل هذا أمر لا يختص بالإنسان بل كثير من الحيوان يعرف أوقات المطر والصحو والبرد وغيره كما ذكره الناس في كتب الحيوان والفرس الردىء الخلق إذا رأى اللجام من بعيد نفر وجزع وعض من يريد ان يلجمه علما منه بما يكون بعد اللجام وهذه النملة إذا خزنت الحب في بيوتها كسرته بنصفين علما منها بأنه ينبت إذا كان صحيحا وأنه إذا انكسر لا ينبت فإذا خزنت الكفرة كسرتها بأربعة أرباع علما منها بأنها تنبت إذا كسرت بنصفين وهذا السنور يدفن أذاه ويغطيه بالتراب علما منه بأن الفأر تهرب من رائحته فيفوته الصيد ويشمه أولا فإن وجد رائحته شديدة غطاه بحيث يوارى الرائحة والجرم وإلا اكتفى بأيسر التغطية وهذا الأسد إذا مشى في لين سحب ذنبه على آثار رجليه ليفطيها علما منه بأن المار يرى مواطىء رجليه ويديه وإذا ألف السنور المنزل منع غيره من السنانير الدخول إلى ذلك المنزل وحاربهم أشد محاربة وهم من جنسه علما منه بأن أربابه ربما استحسنوه وقدموه عليه أو شاركوا بينهما في المطعم وأن أخذ شيئا مما يجزيه أصحاب المنزل عنه هرب علما بما يكون إليه منهم من الضرب فإذا ضربوه تملقهم أشد التملق وتمسح بهم ولطع أقدامهم علما منه بما يحصله له الملق من العفو والإحسان وهذا في الحيوان البهيم أكثر من أن(2\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "520",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14976",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نذكره فله من تقدمة المعرفة ما يليق به وللخيل والحمام من ذلك عجائب وكذلك الثعلب وغيره فعلم ان هذا أمر عام للانسان والحيوان أعطى من تقدمه المعرفة بحسبه وأسباب هذه التقدمة تختلف والأمم الذين لم يتقيدوا بالشرائع لهم اعتبار عظيم بهذا وكذلك من قل التفاته واعتناؤه بما جاءت به الرسل فإنه يشتد التفاته ويكثر نظره واعتناؤه بذلك وأما أتباع الرسل فقد أغناهم الله بما جاءت به الرسل من العلوم النافعة والأعمال الصالحة عن هذا كله فلا يعتنون به ولا يجعلونه من مطالبهم المهمة لأن ما يطلبونه أعلى وأجل من هذا ومع هذا فلهم منه أوفر نصيب بحسب متابعتهم الرسل من الفراسة الصادقة والمنامات الصالحة الصحيحة والكشوفات المطابقة وغيرها وهممهم لا تقف عند شىء من ذلك بل هى طامحة نحو كشف ما جاء به الرسل من الهدى ودين الحق في كل مسألة وهذا اعظم الكشوف وأجله وأنفعه في الدارين مع كشف عيوب النفس وآفات الأعمال واما الكشف الجزئي عما أكل فلان وعما أحدثه في داره وعما يجرى له في غده ونحو ذلك فهذا ممالا يعبا به من علت همته ولا يلتفت إليه ولا يعده شيئا على أنه مشترك بين المؤمن والكافر فلعباد الأصنام والمجوس والصابئة والفلاسفة والنصارى من ذلك شىء كثير وذلك لا ينفعهم عند الله ولا يخلصهم من عذابه وهؤلاء الكهان وعبيد الجن والسحرة لهم من ذلك أمور معروفة وهم أكفر الخلق فغاية هذا المنجم اليهودي الذي أخبر ابن عباس بما أخبره أن يكون واحدا من هؤلاء فكان ماذا وهل يقف عند هذا إلا الهمم الدنيئة السفلية التى لا نهضة لها إلى الله والدار الآخرة لما يرى لها بذلك من التميز عن الهمج الرعاع من بني آدم فصل وأما احتجاجه بحديث أبي الدرداء لقد توفي رسول الله وتركنا وما طائر يقلب جناحيه إلا وقد ذكرلنا منه علما فهذا حق وصدق وهو من أعظم الأدلة على إبطال قولكم وتكذيبكم فيما تدعونه من علم أحكام النجوم فإنه ذكرهم على كل شيء حتى الخرأة ذكرهم من علم كل طائر وكل حيوان وكل ما في هذا العالم ولم يذكرهم من علم أحكام النجوم شيئا البته وهو أجل من هذا وأعظم وقد صانه الله سبحانه عن ذلك وإنما الذى ذكركم بهذه الأحكام المشركون عباد الأصنام والكواكب مثل بطليموس وبنكلوسا وطمطم صاحب الدرج وهؤلاء مشركون عباد أصنام وكذلك أتباعهم أفلا يستحي رجل أن يذكر رسول الله في هذا المقام نعم رسول الله ذكر أمته من تكذيبكم وكفركم ومعاداتكم والبراءة منكم والإخبار بأنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ما يعرفه من عرف ما جاء به من أمته والبهت والفرية والكذب على الله ورسوله 0 هل كان رسول الله أو أحد من أهل بيته مثبتا لأحكام النجوم(2\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "521",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14977",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عاملا بها في حركاته وسكناته وأسفاره كما هو المعروف من المشركين وأتباعهم سبحانك هذا بهتان عظيم وأما قوله أنه جاء في الآثار أن أول من أعطى هذا العلم آدم لأنه عاش حتى أدرك من ذريته أربعين ألف أهل بيت وتفرقوا عنه في الأرض فكان يغتم لخفاء خبرهم عليه فأكرمه الله تعالى بهذا العلم فكان إذا أراد أن يعرف حال أحدهم حسب له بهذا الحساب فيقف على حالته فليس هذا ببدع من بهت المنجمين والملاحدة وإفكهم وافترائهم على آدم وقد علموا بالمثل السائر هنا: إذا كذبت فابعد شاهدك 0  فصل وأما ما نسبه إلى الشافعى من حكمه بالنجوم على عمر ذلك المولود فلقد نسب الشافعى إلى هذا العلم وحكمه فيه بأحكام ليعجز عن مثلها ائمة المنجمين وأظن الذى غره في ذلك أبو عبد الله الحاكم فإنه صنف في مناقب الشافعى كتابا كبيرا وذكر علومه في أبواب وقال الباب الرابع والعشرون في معرفته تسيير الكواكب من علم النجوم وذكر فيه حكايات عن الشافعى تدل على تصحيحه لأحكام النجوم وكان هذا الكتاب وقع للرازي فتصرف فيه وزاد ونقص وصنف مناقب الشافعى من هذا الكتاب على أن في كتاب الحاكم من الفوائد والآثار مالم يلم به الرازي والذي غر الحاكم من هذه الحكايات تساهله في إسنادها ونحن نبينها ونبين حالها ليتبين أن نسبة ذلك إلى الشافعى كذب عليه وان الصحيح عنه من ذلك ما كانت العرب تعرفه من علم المنازل والاهتداء بالنجوم في الطرقات وهذا هو الثابت الصحيح عنه بأصح إسناد إليه قال الحاكم حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا الربيع بن سليمان قال قال الشافعى قال الله عز وجل هو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر وقال وعلامات وبالنجم هم يهتدون كانت العلامات جبالا يعرفون مواضعها من الأرض وشمسا وقمرا ونجما مما يعرفون من الفلك ورياحا يعرفون صفاتها في الهواء تدل على قصد البيت الحرام وأما الحكايات التى ذكرت عنه في أحكام النجوم فثلاث حكايات إحداها قال الحاكم قرىء على أبي يعلى حمزة بن محمد العلوى وأكثر ظنى أني حضرته حدثنا أبو اسحاق إبراهيم ابن محمد بن العباس الآزدى في آخرين قالوا حدثنا محمد بن أبي يعقوب الجوال الدينورى حدثنا عبد الله بن محمد البلوى حدثنى خالى عمارة بن زيد قال كنت صديقا لمحمد ابن الحسن فدخلت معه يوما على هرون الرشيد فساءله ثم أني سمعت محمد بن الحسن وهو يقول إن محمد بن أدريس يزعم أن للخلافة أهلا قال فاستشاط هرون من قوله غضبا ثم قال على به فلما مثل بين يديه أطرق ساعة ثم رفع رأسه اليه فقال إيها قال الشافعى ما إيها يا أمير المؤمنين أنت الداعى وأنا المدعو وأنت السائل وأنا المجيب فذكر حكاية طويلة(2\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "522",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14978",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سأله فيها عن العلوم ومعرفته بها إلى أن قال كيف علمك بالنجوم قال أعرف الفلك الدائر والنجم السائر والقطب الثابت والمائى والناري وما كانت العرب تسميه الأنواء ومنازل النيران والشمس والقمر والاستقامة والرجوع والنحوس والسعود وهيآتها وطبائعها وما استدل به من برى ويجري وأستدل في أوقات صلاتي وأعرف ما مضى من الأوقات في كل ممسي ومصبح وظعنى في أسفارى قال فكيف علمك بالطب قال اعرف ما قالت الروم مثل ارسطاطا ليس ومهراريس وفرفوريس وجالينوس وبقراط واسد فليس بلغاتهم وما نقل من أطباء العرب وفلاسفة الهند ونمقته علماء الفرس مثل حاماسف وشاهمرو وبهم ردويوز جمهر ثم ساق العلوم على هذا النحو في حكاية طويلة يعلم من له علم بالمنقولات أنها كذب مختلق وافك مفترى على الشافعى والبلاء فيها من عند محمد بن عبد الله البلوى هذا فإنه كذاب وضاع وهو الذي وضع رحلة الشافعى وذكر فيها مناظرته لأبي يوسف بحضرة الرشيد ولم ير الشافعى أبا يرسف ولا اجتمع به قط وإنما دخل بغداد بعد موته ثم إن في سياق الحكاية ما يدل من له عقل على انها كذب مفترى فإن الشافعى لم يعرف لغه هؤلاء اليونان البتة حتى يقول إني أعرف ما قالوه بلغاتهم وأيضا فإن هذه الحكاية أن محمد بن الحسن وشى بالشافعى إلى الرشيد وأراد قتله وتعظيم محمد الشافعى ومحبته له وتعظيم الشافعى له وثناؤه عليه هو المعروف وهو يدفع هذا الكذب وأيضا فإن الشافعى رحمه الله لم يكن يعرف علم الطب اليوناني بل كان عنده من طب العرب طرف حفظ عنه في منثور كلامه بعضه كنهيه عن أكل الباذنجان بالليل وأكل البيض المصلوق بالليل وكان يقول عجبا لمن يتعشى ببيض وينام كيف يعيش وكان يقول عجبا لمن يخرج من الحمام ولا يأكل كيف يعيش وكان يقول عجبا لمن يحتجم ثم يأكل كيف يعيش يعنى عقب الحجامة وكان يقول احذر أن تشرب لهؤلاء الأطباء دواء ولا تعرفه وكان يقول لا تسكن ببلدة ليس فيها عالم ينبئك عن دينك ولا طبيب ينبئك عن أمر بدنك وكان يقول لم أر شيئا انفع للوباء من البنفسج يدهن به ويشرب إلى امثال هذه الكلمات التى حفظت عنه فأما أنه كان يعلم طب اليونان والروم والهند والفرس بلغاتها فهذا بهت وكذب عليه قد أعاذة الله عن دعواه وبالجملة فمن له علم بالمنقولات لا يستريب في كذب هذه الحكاية عليه ولولا طولها لسقناها ليتبين اثر الصنعة والوضع عليها وأما الحكاية الثانية فقال الحاكم أخبرنا أبو الوليد الفقيه قال حدثت عن الحسن بن سفيان عن حرملة قال كان الشافعى يديم النظر في كتب النجوم وكان له صديق وعنده وجارية قد حبلت فقال إنها تلد إلى سبعة وعشرين يوما ويكون في فخذ الولد الأيسر خال أسود ويعيش أربعة وعشرين يوما ثم يموت به على النعت الذى وصف وانقضت(2\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "523",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14979",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مدته فمات فأحرق الشافعى بعد ذلك تلك الكتب وما عاود النظر في شيء منها وهذا الإسناد رجاله ثقات لكن الشأن فيمن حدث أبا الوليد بهذه الحكاية عن الحسن بن سفيان أو فيمن حدث بها الحسن عن حزملة وهذه الحكاية لو صحت لوجب أن تثنى الخناصر على هذا العلم وتشد به الأيدى لا أن تحرق كتبه ويهان غاية الإهانة ويجعل طعمة للنار وهذا لا يفعل إلا بكتب المحال والباطل ثم إنه ليس في العالم طالع للولادة يقتضى هذا كله كما سنذكره عن قريب إن شاء الله تعالى والطالع عند المنجمين طالعان طالع مسقط النطفة وهو الطالع الأصلى وهذا لا سبيل إلا العلم به إلا في أندر النادر الذي لا يقتضيه الوجود والثاني طالع الولادة وهم معترفون أنه لا يدل على أحوال الولد وجزئيات امره لأنه انتقال الولد من مكان إلى مكان وإنما أخذوه بدلا من الطالع الأصلى لما تعذر عليهم اعتباره وهذا الحكاية ليس فيها أخذ واحد من الطالعين لأن فيها الحكم على المولود قبل خروجه من غير اعتبار طالعه الأصلى والمنجم يقطع بأن الحكم على هذا الولد لا سبيل إليه وليس في صناعة النجوم ما يوجب الحكم عليه والحالة هذه وهذا يدل على أن هذه الحكاية كذب مختلق على الشافعى على هذا الوجه وكذلك الحكاية الثالثة وهي ما رواه الحاكم أيضا أنباني عبد الرحمن بن الحسن القاضى أن زكريا بن يحيى الساجى حدثهم أخبرني أحمد بن محمد بن بنت الشافعى قال سمعت أبي يقول كان الشافعى وهو حدث ينظر في النجوم وما نظر في شيء إلا فاق فيه فجلس يوما وامرأة تلد فحسب فقال تلد جارية عوراء على فرجها خال أسود وتموت إلى كذا وكذا فولدت فكان كما قال فجعل على نفسه ألا ينظر فيه أبدا وأمر هذه الحكاية كالتى قبلها فأن ابن بنت الشافعى لم يلق الشافعى ولا رآه والشأن فيمن حدثه بهذا عنه والذي عندى في هذا أن الناقل إن أحسن به الظن فإنه غلط على الشافعى والشافعى كان من أفرس الناس وكان قد قرأ كتب الفراسة وكانت له فيها اليد الطولى فحكم في هذه القضية وأمثالها بالفراسة فأصاب الحكم فظن الناقل أن الحاكم كان يستند إلى قضايا النجوم وأحكامها وقد برأ الله من هو دون الشافعى من ذلك الهذيان فكيف بمثل الشافعى رحمه الله في عقله وعلمه ومعرفته حتى يروج عليه هذيان المنجمين الذي لا يروج إلا على جاهل ضعيف العقل وتنزيه الشافعى رحمه الله عن هذا هو الذى ينبغى أن يكون من مناقبه فأما أن يذكر في مناقبه أنه كان منجما يرى القول بأحكام النجوم وتصحيحها فهذا فعل من يذم بما يظنه مدحا وإذا كان الشافعى شديد الإنكار على المتكلمين مزريا بهم وكان حكمه فيهم أن يضربوا بالحديد ويطاف بهم في القبائل فماذا رأيه في المنجمين وهو أجل وأعلم من ان يحكم بهذا الحكم على أهل الحق ومن قضاياهم في الصدق ينتهى إلى الحد الذى ذكر في هذه الكتابة فذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم والحاكم وغيرهما عن الحميدى قال قال الشافعى خرجت(2\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "524",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14980",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلى اليمن في طلب كتب الفراسة حتى كتبتها وجمعتها ثم لما كان انصرافي مررت في طريقي برجل وهو محتب بفناء داره أزرق العين نأتيء الجبهة سفاط فقلت له هل من منزل قال نعم قال الشافعى وهذا النعت أخبث ما يكون في الفراسة فأنزلنى فرأيت أكرم رجل بعث إلى بعشاء وطيب وعلف لدوابي وفراش ولحاف وجعلت أتقلب الليل أجمع ما أصنع بهذه الكتب فلما أصبحت قلت للغلام أسرج فأسرج فركبت ومررت عليه وقلت له إذا قدمت مكة ومررت بذى طوى فاسأل عن منزل محمد بن إدريس الشافعى فقال لى الرجل أمولا لأبيك أنا قلت لا قال فهل كانت لك عندى نعمة قلت لا قال فأين ما تكلفت لك البارحة قلت وما هو قال اشتريت لك طعاما بدرهمين وأدما بكذا وعطرا بثلاثة دراهم وعلفا لدوابك بدرهمين وكرى والفراش واللحاف درهمان قال قلت يا غلام فهل بقى شيء قال كرى المنزل فأني وسعت عليك وضيقت على نفسى فغبطت نفسي بتلك الكتب فقلت له بعد ذلك هل بقى شيء قال امض أخزاك الله فما رأيت شرا منك وقال الربيع اشتريت للشافعى طيبا بدينار فقال لى ممن اشتريته فقلت من ذلك الأشقر الأزرق فقال أشقر أزرق أذهب فرده وقال الربيع مر أخي في صحن الجامع فدعاني الشافعى فقال لى ياربيع أنظر إلى الذى يمشى هذا أخوك قلت نعم أصلحك الله قال اذهب ولم يكن رآه قبل ذلك قال قتيبة بن سعيد رأيت محمد بن الحسن والشافعى قاعدين بفناء الكعبة فمر الرجل فقال أحدهما لصاحبه تعال نركز على هذا المار أى حرفة معه فقال أحدهما هذا خياط وقال الآخر هذا نجار فبعثا إليه فسألاه فقال كنت خياطا واليوم أنجر أو كنت نجارا واليوم أخيط وقال الربيع سمعت الشافعى وقدم عليه رجل من أهل صنعاء فلما رآه قال له من أهل صنعاء قال نعم قال فحداد أنت قال نعم وقال كنت عند الشافعى إذ أتاه رجل فقال له الشافعى أنساج أنت قال عندى أجراء وقال كنا عند الشافعى إذا مر به رجل فقال الشافعى لا يخلو هذا أن يكون حائكا أو نجارا قال فدعوناه فقال ما صنعتك فقال نجار فقلنا أو غير ذلك قال عندى غلمان يعملون الثياب وقال حرملة سمعت الشافعى يقول احذروا من كل ذى عاهة في بدنه فإنه شيطان قال حرملة قلت من أولئك قال الأعرج والأحوال والأشل وغيره وقال اشتهى الشافعى يوما عنبا أبيض فأمرني فاشتريت له منه بدرهم فلما رآه استجاده فقال لى يا أبا محمد ممن أشتريت هذا فسميت له البائع فنحى الطبق من بين يديه وقال لى رده عليه واشترى لى من غيره فقلت له وما شأنه فقال ألم أنهك أن تصحب الأزرق والأشقر فإنه لا ينجب فكيف آكل من شيء اشتريته لى ممن أنهى عن صحبته قال الربيع فرددت العنب على البائع واعتذرت إليه بكلام واشتريت له عنبا من غيره وقال حرملة سمعت الشافعى يقول احذروا(2\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "525",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14981",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأعور والأحول والأعرج والأحدب والأشقر والكوسج وكل من به عاهة في بدنه وكل ناقص الخلق فاحذروه فإنه صاحب لؤم ومعاملته مره وقال مرة أخرى فإنهم أصحاب خب وقال الربيع دخلنا على الشافعى عند وفاته أنا والبويطى والمزني ومحمد بن عبد الله ابن عبد الحكم قال فنظر إلينا الشافعى ساعة فأطال ثم التفت فقال أما أنت يا أبا يعقوب فستموت في حديد يعنى البويطى وأما أنت يا مزني فسيكون لك بمصر هنات وهنات ولتدركن زمانا تكون أقيس أهل ذلك الزمان وأما انت يا محمد فسترجع إلى مذهب أبيك وأما أنت يا ربيع فأنت أنفعهم لى في نشر الكتب قم يا أبا يعقوب فتسلم الحلقة قال الربيع فكان كما قال وقال الربيع ما رأيت أفطن من الشافعى لقد سمى رجالا ممن يصحبه فوصف كل واحد منهم بصفة ما أخطأ فيها فذكر المزني والبويطى وفلانا فقال ليفعلن فلان كذا وفلان كذا وليصحبن فلان السلطان وليقلدن القضاء وقال لهم يوما وقد اجتمعوا ما فيكم أنفع من هذا وأوما إلى لأنه أمثلكم بأخيه وذكر صفاتا غير هذه قال فلما مات الشافعى صار كل منهم إلى ما ذكر فيه ما أخطأ في شيء من ذلك وقال حرملة لما وقع الشافعى في الموت خرجنا من عنده فقلت لأبي يا أبه كل فراسة كانت للشافعى أخذناها يدا بيد إلا قوله يقتلنى أشقر وها هو في السياق فوافينا عبد الله بن عبد الحكم ويوسف ابن عمرو فقلنا إلى أين قالا إلى الشافعى فما بلغنا المنزل حتى أدركنا الصراخ عليه قلنا مه مالكم قالوا مات الشافعى فقال أبي من غمضه قالوا يوسف بن عمرو وكان أزرق وهذه الآثار وغيرها ذكرها ابن أبي حاتم والحاكم في مصنفيهما في مناقب الشافعى وهي اللائقة بجلالته ومنصبه لا ما باعده الله منه من أكاذيب المنجمين وهذياناتهم والله أعلم وأما ما احتج به من أن فرعون كان يذبح أبناء بنى أسرائيل ويستحي نساءهم لأن المفسرين قالوا كان ذلك بأن المنجمين أخبروه بأنه سيجىء بنى إسرائيل مولود يكون هلاكه على يديه فأكثر المفسرين إنما أحالوا ذلك على خبر الكهان وروى بعضهم أن قومه أخبروه بأن بنى أسرائيل يزعمون أنه يولد منهم مولود يكون هلاكك على يديه وهاتان الروايتان هما الدائران في كتب المفسرين وأما هذه الرواية أن المنجمين قالوا له ذلك فغايتها أنها من أخبار أهل الكتاب وقد خالفها غيرها من الروايات فكيف يسوغ التمسك بها في الأمر العظيم وفي أخبار الكهان ما هو أعجب من ذلك فقد أخبروا بظهور خاتم الرسل محمد قبل ظهوره وذلك موجود في دلائل النبوة ونحن لا ننكر علم تقدمة المعرفة بأسباب مفضية إليه تختلف قوى الناس في ادراكها وتحصلها وإنما كلامنا معكم في أصول علم الأحكام وبيان فسادها وكذب أكثر الأحكام التى يسندونها إليها وبيان أن ضرر هذا العلم لو كان حقا أعظم من نفعة في(2\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "526",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14982",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الدنيا والآخرة وأن أهله لهم أوفر نصيب من قوله إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدينا وكذلك نجزى المفترين وأهل هذا العلم أذل أذل الناس في الدنيا لا يمكن أحدا منهم أن يأكل رزقه بهذا العلم إلا بأعظم ذل وعزيزهم لابد أن يتعبد وينضوى إلى مكاس أو ديوان أو وال يكون تحت ظله وفي كنفه وسائرهم على الطرقات وفي كسر الحوانيت مدسسين صيدهم كل ناقص العقل والإيمان والدين من صبى أو امرأة أو حمار في سلاح آدمى أو ذباب طمع لو لاح له في عبادة الأصنام والشمس والقمر والنجوم لكان أول العابدين ورأس مالهم الكذب والزرق وأخذ أحوال السائل منه ومن فلتات لسانه وهيئته وإعراضه فيخبرونه بما يناسب ذلك من الأحوال فينفعل عقله لهم ويقول لقد أعطى هؤلاء عطاء لم يعطه غيرهم وتراهم في الغالب يقصد أحدهم قرية أو دكانا منزويا عن الطريق ويصلي فيه للصيد وينصب الشرك فإذا لاح له بدوى أو حيشى أو تركماني فإنه يتبرك بطلعته ويقول اجلس حتى أبين لك ما يقتضيه نجمك وطالعك وبيت مالك وبيت فراشك وبيت أفراحك وهمومك وكم بقى عليك من القطع نعم ما اسمك واسم أمك وأبيك فإذا قال له اسمه واسم أبويه أخرج له الاصطرلاب أو الكرة النحاس وقال كيف قلت اسمك فإذا أخبره ثانية قال وكيف قلت اسم الوالدة طول الله عمرها فإذا قال درجت إلى رحمة الله تعالى قال مامات من خلف مثلك ثم يحسب ويقول فلانة تسعة وتزيد عليها تسعة تسقط منها خمسة يبقى منها أربعة أقعد واسمع يا أخي إني أرى عليك حججا مكتوبة ووثائق ولا بد لك من الوقوف بين يدى ولى أمر إما حاكم واما وال وأرى دما خارجا عنك ما أنت من أهله وأرى ناسا قد اجتمعوا حولك وإن كان شكل ذلك الرجل شكل من هو من أرباب التهم قال وأرى خشبا ينصب ومسامير تضرب وجنايات تؤخذ نعم يا أخي برجك بالأسد وهو نارى مذكر أخذت منه نطاح مقدام بطل نجمك الزهرة أنت قليل البخت عند الناس مكفور الإحسان مقصود بالأذى قل أن صاحبت أحدا فأثمرت لك صحبته خيرا نعم يا أخي أسعد أيامك يوم الجمعة وخير كسبك كد يدك اعلم أنه لابد لك من أسفار وغربة وركوب أهوال واقتحام اخطار وأمور عظام أبينها لك إن شاء الله هات لا تبخل على نفسك حط يدك في جيبك حل الكيس ولا يزال يلكزه ويجذبه ويطمعه حتى يستخرج ما تسمح به نفسه فإن رأى منه تباطيا قال عجل قبل خروج هذه الساعة السعيدة فإنها ساعة مباركة أما سمعت قول نبيك يسروا ولا تعسروا فإذا حاز ما أخذه قال له زدني فإن أمورك كثيرة ويحتاج إلى تعب وفكر وحساب طويل فإذا تم له ما يأخذه منه بقى هو من جوا فكال له من جراب الكذب ما أمكنه ولا يبالى أكذبه أم صدقه ثم يقول له أخي(2\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "527",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14983",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "برجك الأسد وهو سهم العداوة والحسد وما عاداك أحد قط وأفلح بل يظفرك الله به وينصرك عليه نعم وهو برج ناري والنار من النور والنور فيه البهجة والسرور ابشر فأنت طويل العمر لا تموت في هذا الوقت عمرك من الستين إلى السبعين إلى الثمانين إلى التسعين بيت كسبك كذا وكذا وأرى حاجة مهمة قد خرجت عن يدك نعم بغير مرادك وأنت في غالب أحوالك الخارج عن يدك أكثر من الداخل فيها بالله صدقت أم لا فيقول والله صحيح والأمر كما قلت ولكن أحمد الله كلما بقي عليك من القطع أربعة أشهر وعشرة أيام وتخرج من نحسك وتدخل في برج سعادتك وتنجو ويخلف الله عليك بالخيرات والبركات ولا بد لك الساعة من رزق يأتيك الله به ويفرح به أهلك وعيلتك وتصلح حالك ويستقيم سعدك الثالث يا أخي من برجك الميزان وهو بيت الإخوان سعدك يا أخي منهم منقوص وحظك منهم منحوس غالب من أوليته منهم خيرا جازاك بالشر وغالب من قلت فيه الخير منهم يقول فيك الشر بالله أما الأمر هكذا وذلك يا أخي أنك خفيف الدم كل من رآك مال إليك وأنس بك وأنت محسود تحسد في مالك وفي عافيتك وفي أهلك وأولادك وكل ما تعمله بيدك ولكن العين لا تؤثر فيك لأن كل من برجه الأسد لا بد أن يكون له في رأسه أو جسده علامة مثل شجة أو ضربة بين أكتافه أو في ساقه وما هو بعيد أن في جسدك شامة أو في جسمك ثلمة وهذا هو الذي يدفع عنك العين وأنت لا تدري الرابع من بروجك العقرب وهو بيت الآباء أراك كنت قليل السعد بين أبويك ومع هذا فكان أكثر ميلهم وإشفاقهم مع غيرك هم عليك وكان حظك منهم ناقصا ولهم تطلع إلى كدك وكسبك الخامس من بروجك القوس وهو بيت البنين أراك قليلا ما يعيش لك أولاد تدفنهم كلهم ثم تموت أنت بعدهم بل سوف يكون لك ولد يشد الله به عضدك ويقوي أمرك وتنال من جهته راحة وخيرا وربما تكون سعادتك على يديه السادس من بروجك الجدي وهو برج أمراضك وأعلالك يا أخي أمراضك وأسقامك كثيرة وأكثرها في رأسك وربما يكون في أجنابك وهي أمراض قوية طوال الله يعافينا وإياك وكنت في صغرك لا ترقد في السرير إلا بعد جهد جهيد وعهدي بك الآن لا ترقد في فراشك إلا بعد شدة نعم وأكثر أمراضك في الصيف والخريف السابع من بروجك الدلو وهو بيت الفراش وأرى فراشك خاليا أثم زوجة فإن قال نعم قال لا بد لك من فراقها عن قريب إما بموت وإما بطلاق فإن المريخ منك في بيت الفراش وإن قال لا قال عجيب والله لقد ابصرت في الطبائع أن فراشك فارغ وأرى روحا ناظرة إليك بعين الألفة والمحبة خطورك وخطوره عليك وأرى لك من قبله منفعة ولك به اتصال وفرح أبين لك على أي سبب يكون اجتماعكما نعم فإن قال له نعم قال هات(2\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "528",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14984",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن الذي أعطيتني قليل فاذا أخذ منه قال اعلم أنه لا بد لك من الاتصال بهذا الشخص على كل حال إلا أني ارى قد عمل لك عمل وعقد لك عقد وأنت في هم وغم من ذلك فان شئت عملت لك كتابا نافعا يكون لك حرزا من كل ما تخافه وتحذره ولا يزال يفتل له في الذروة والقرب حتى يستكتبه الحرز وكذب هذه الطائفة وجهلها وزرقها يعني شهرته عند الخاصة والعامة عن تكليف إرادة وكلما كان المنجم أكذب وبالزرق أعرف كان على الجهال أروج فصل وأما قوله إن هذا علم ما خلت عنه ملة من الملل ولا أمة من الأمم ولا يعرف تاريخ من التواريخ القديمة والحديثة إلا وكان أهل ذلك الزمان مشتغلين بهذا العلم ومعولين عليه في معرفة المصالح ولو كان هذا العلم فاسدا بالكلية لاستحال إطباق أهل المشرق والمغرب عليه فانظر ما في هذا الكلام من الكذب والبهت والافتراء على العالم من أول بنائه إلى آخره فإن آدم وأولاده كانوا برآء من ذلك وائمتكم معترفون بأن أول من عرف منه الكلام في هذا العلم وتلقيت عنه أصوله وأوضاعه هو إدريس النبي عليه السلام وكان بعد بناء هذا العالم بزمن طويل هذا لو ثبت ذلك عن إدريس فكيف وهو من الكذب الذي ليس مع صاحبه إلا مجرد القول بلا علم والكذب على رسول الله عليه وسلم أو ليس من الفرية والبهت أن ينسب هذا العلم إلى أمة موسى في زمنه ويعدوه بأنهم كانوا معولهم في مصالحهم على هذا العلم وكذلك أمه عيسى وأمة يونس والذين كانوا مع نوح ونجوا معه في السفينة وحسبك بهذا الكذب والافتراء على تلك الأمة المضبوط أمرها المحفوظ فعلها فهل كان النبي وأصحابه يعولون على هذا العلم ويعتمدون عليه في مصالحهم أو قرن التابعين يفعله او قرن تابعى التابعين وهذه هى خيار قرون العالم على الإطلاق كما أن هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس وهم اعلم الأمم واعرفها وأكثر كتبا وتصانيف وأعلاها شأنا وأكملها في كل خير ورشد وصلاح كما ثبت في المنسد وغيره عن النبي أنه قال أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله فهل رأيت خيار قرون هذه الأمة والموفقين من خلفائها وملوكها وساداتها وكبرائها معولين على هذا العلم أو معتمدين عليه في مصالحهم وهذه سيرهم ما بعهدها من قدم ولا يتأتي الكذب عليهم هذا وقد أعطوا من التأييد والنصر والظفر بعدوهم والاستيلاء على ممالك العالم مالم يظفر به أحد من المعولين على أحكام النجوم بل لا تجد المنجمين الا ذمة لهم لولا اعتصامهم بحبل منهم لقطعت حبال أعناقهم ولا تجد المعولين على هذا العلم إلا مخصوصين بالخذلان والحرمان وهذا لأنهم حق عليهم قوله تعالى إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحيوة الدنيا وكذلك تجزي المفترين قال أبو قلابة هي لكل مفتر من هذا لأممة إلى يوم القيامة نعم لا ننكر أن هذا العلم له طلبة مشغولون به(2\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "529",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14985",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معتنون بأمره وهذا لا يدل على صحته فهذا السحر لم يزل في العالم من يشتغل به ويتطلبه أعظم من اشتغاله بالنجوم وطلبه لها بكثير وتأثيره في الناس ممالا ينكر أفكان هذا دليلا على صحته وهذه الأصنام لم تزل تعبد في الأرض من قبل نوح وإلى الآن ولها الهياكل المبنية والسدنة ولها الجيوش التى تقاتل عنها وتحارب لها وتختار القتل والسبي وعقوبة الله تعالى ولا تنتهى عنها أفيدل هذا على صحة عباداتها وإن عبادها على الحق ومن العجب قوله لو كان هذا العلم فاسدا لاستحال أطباق أهل المشرق والمغرب من أول بناء العالم إلى آخره عليه وليس في الفرية أبلغ من هذا ولا في البهتان أترى هذا الرجل ما وقف على تأليف لأحد من أهل المشرق والمغرب في إبطال هذا العلم والرد على أهله فقد رأينا نحن وغيرنا ما يزيد على مائة مصنف في الرد على أهله وإبطال أقوالهم وهذه كتبهم بأيدي الناس وكثير منها للفلاسفة الذين يعظمهم هؤلاء ويرون أنهم خلاصة العالم كالفارابي وابن سينا وأبي البركات الأوحد وغيرهم وقد حكينا كلامهم وأما الردود في ضمن الكتب حين يرد على أهل المقالات فأكثر من أن تذكر ولعلها أن تزيد على عدة الألف تجد في كل كتاب منها الرد على هؤلاء وإبطال مذهبهم ونسبتهم إلى الكذب والزرق ولو أن مقابلا قابله وقال لو كان هذا العلم صحيحا لاستحال إطباق أهل المشرق والمغرب على رده وأبطاله لكان قوله من جنس قوله ولكن أهل المشرق فيهم هذا وهذا كما يشهد به الحس والتواريخ القديمة والحديثة ولقد رأينا من الردود القديمة قبل قيام الإسلام على هؤلاء ما يدل على أن العقلاء لم يزالوا يشهدون عليهم بالجهل وفساد المذهب وينسبونهم إلى الدعاوى الكاذبة والآراء الباطلة التى ليس مع أصحابها إلا القول بلا علم 0  فصل وأما ما ذكره في أمر الطالع عن الفرس وأنهم كانوا يعتنون بطالع مسقط النطفة وهو طالع الأصل ثم يحكم بموجبه حتى يحكم بعدد الساعات التى يمكثها الولد في بطن أمه فهذا من الكذب والبهت ومن أراد أن يختبر كذبه فليجربه فإن تجربة مثل هذا ليست بمشقة ولا عسرة ثم إن هذا الواطىء لا علم له ولا لأحد أن الولد إنما يخلق من أول وطئه الذي أنزل فيه دون ما بعده وإن فرض أنه أمسك عن وطئها بعد المرة الأولى وحبسها بحيث يتيقن أن غيره لم يقربها وهذا في غاية الندرة لم يمكن المنجم أن يعلم أحوال ذلك المولود ولا تفاصيل أمره البتة ومدعى ذلك مجاهر بالكذب والبهت وقد اعترف القوم بأن طالع الولادة مستعار لا يفيد شيئا لأن الولد لا يحدث في ذلك الوقت وإنما ينتقل من مكان إلى مكان وقد اعترفوا بأن ضبطه متعسر جدا بل متعذر فإن في اللحظة الواحدة من اللحظات تتغير نصبة الفلك تغيرا لا يضبط ولا يحصيه(2\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "530",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14986",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلا الله ولا ريب أن الطالع يتغير بذلك تغيرا عظيما لا يمكن ضبطه وقد اعترفوا هم بهذا وأن سبب هذا التفاوت يحيل أحكامهم واعترفوا بأنه لا سبيل إلى الاحتراز من ذلك فأى وثوق لعاقل بهذا العلم بعد هذا كله وقد بينا أن غاية هذا لوصح وسلم من الخلل جميعه ولا سبيل إليه لكان جزء السبب والعلة والحكم لا يضاف إلى جزء سببه ثم لو كان سببا تاما فصوارفه وموانعه لا تدخل تحت الضبط البتة والحكم إنما يضاف إلى وجود سببه التام وانتقاء مانعه وهذه الأسباب والموانع مما لاتدخل تحت حصر ولا ضبط إلا لمن أحصى كل شيء عددا وأحاط بكل شيء علما لا إله هو علام الغيوب فلو ساعدناهم على صحة أصول هذا العالم وقواعده لكانت أحكامهم باطلة وهي أحكام بلا علم لما ذكرناه من تعذر الإحاطة بمجموع الأسباب وانتفاء الموانع ولهذا كثيرا ما يجمعون على حكم من أحكامهم الكاذبه فيقع الأمر بخلافه كما تقدم وأما تلك الحكايات المتضمنة لإصابتهم في بعض الأحوال فليسبب بأكثر من الحكايات عن أصحاب الكشف والفأل وزجر والطائر والضرب بالحصى والطرق والعيافة والكهانة والخط والحدس وغيرها من علوم الجاهلية وأعنى بالجاهلية كل من ليس من أتباع الرسل كالفلاسفة والمنجمين والكهان وجاهلية العرب الذين كانوا قبل النبي فأن هذه كانت علوما لقوم ليس لهم علم بما جاءت به الرسل ومن هؤلاء من يزعم أنه يأخذ من الحروف علم المكان ولهم في ذلك تصانيف وكتب حتى يقولون إذا أردت معرفة ما في رؤيا السائل من خير أو شر فخذ أول حرف من كلامه الذي يكلمك به وفسر رؤياه على معنى ذلك الحرف فإن كان أول ما نطق به باء فرؤياه لأن الباء من البهاء من الخير ألا تراها في البر والبركة وبلوغ الآمال والبقاء والبشارة والبيان والبخت فإذا كان أول حرف من كلامه باء فاعلم أنه قد عاين ما أبهاه وبشره من الخيرات وإن كان أول كلامه تاء فقد بشر بالتمام والكمال وإن كان ثاء فبشره بالأثاث والمتاع لقوله تعالى هم أحسن أثاثا ورئيا ثم قالوا فعليك بهذه الأحرف الثلاثة فليس شيء يخلو منها ويجاوزها وإذا تأملت جهل هؤلاء رايته شديدا فكيف حكموا على الباء بالبهاء والبركة دون البأس والبغى والبين والبلاء والبوار والبعد وكيف حكموا على الثاء بالأثاث دون الثقل والثقل والشلب ونحوه وكذلك استدلاله بأول ما يقع بصره عليه كما حكى عن أبي معشر أنه وقف هو وصاحب له على واحد من هؤلاء وكانا سائرين في خلاص محبوس فسألاه فقال أنتما في طلب خلاص مسجون فعجبا من ذلك فقال له أبو معشر هل يخلص أم لا فقالا تذهبان تلتقيانه قد خلص فوجدا الأمر كما قال فاستدعاه أبو معشر وأكرمه وتلطف له في السؤال عن كيفية علم ذلك فقال نحن نأخذ الفأل بالعين والنظر فينظر أحدنا إلى الأرض ثم يرفع رأسه فأول شيء يقع نظره عليه يكون الحكم به فلما سألتماني كان أول ما رأيت ماء في قربة فقلت(2\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "531",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14987",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا محبوس ثم لما سألتماني في الثانية نظرت فإذا هو أفرغ من القربة فقلت يخلص ويصيب تارة ويخطىء تارة ومن هذا أخذ بعضهم الجواب عن التفاؤل بالأيام فإذا رأى أحد رؤيا مثلا يوم أحد أو ابتدأ فيه امرا قال حدة وقوة وإن كان يوم الجمعة قال اجتماع والفة وإن كان يوم سبت قال قطع وفرقة ومن هذا استدلال المسئول بالمكان الذي يضع السائل يده عليه من جسده وقت السؤال فإن وضع يده على رأسه فهو رئيسه وكبيره والرجلين قوامه والأنف بناء مرتفع أو تل أو نحوه والفم بئر عذبة اللحية أشجار وزروع وعلى هذا النحو من ذلك ما حكى عن المهدى أنه رأى رؤيا وأنسيها فأصبح مغتما بها فدل على رجل كان يعرف الزجر والفأل وكان حاذقا به واسمه خويلد فلما دخل عليه أخبره بالذي أراده له فقال له يا أمير المؤمنين صاحب الزجر والفأل ينظر إلى الحركة وأخطار الناس فغضب المهدي وقال سبحان الله أحدكم يذكر بعلم ولا يدري ما هو ومسح يده على رأسه ووجهه وضرب بها على فخذه فقال له أخبرك برؤياك يا أمير المؤمنين قال هات قال رأيت كأنك صعدت جبلا فقال المهدي لله ابوك يا سحار صدقت قال ما أنا بساحر يا أمير المؤمنين غير أنك مسحت بيدك على رأسك فزجرت لك وعلمت أن الرأس ليس فوقه أحد إلا السماء فأولته بالجبل ثم نزلت بيدك إلى جبهتك فزجرت لك بنزولك إلى أرض ملساء فيها عينان مالحتان ثم انحدرت إلى سفح الجبل فلقيت رجلا من فخذك قريش لأن أمير المؤمنين مسح بعد ذلك بيده على فخذه فعلمت أن الرجل الذي لقيه من قرابته قال صدقت وأمر له بمال وأمر أن لا يحجب عنه ومن ذلك هؤلاء أصحاب الطير السانح والبارح والقعيد والناطح وأصل هذا أنهم كانوا يزجرون الطير والوحش ويثيرونها فما تيامن منها وأخذ ذات اليمين سموه سانحا وما تياسر منها سموه بارحا وما استقبلهم منها فهو الناطح وما جاءهم من خلفهم سموه القعيد فمن العرب من يتشاءم بالبارح ويتبرك بالسانح ومنهم من يرى خلاف ذلك قال المدائني سألت رؤبة بن العجاج ما السانح قال ما ولاك ميامنه قال قلت فما البارح قال ما ولاك مياسره قال والذي يجيء من قدامك فهو الناطح والنطيح والذي يجىء من خلفك فهو القاعد والقعيد وقال المفضل الضبي البارح ما يأتيك عن اليمين يريد يسارك والسانح ما يأتيك عن اليسار فيمر على اليمين وإنما اختلفوا في مراتبها ومذاهبها لأنها خواطر وحدوس وتخمينات لا أصل لها فمن تبرك بشيء مدحه ومن تشاءم به ذمه ومن اشتهر بإحسان الزجر عندهم ووجوهه حتى قصده الناس بالسؤال عن حوادثهم وما أملوه من أعمالهم سموه عائفا وعرافا وقد كان في العرب جماعة يعرفون بذلك كعراف اليمامة والأبلق الأسيدى والأجلح وعروة بن يزيد وغيرهم فكانوا يحكمون بذلك ويعملون به ويتقدمون ويتأخرون في جميع ما يتقلبون فيه ويتصرفون في حال الأمن والخوف والسعة والضيق والحرب والسلم فان أنجحوا(2\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "532",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14988",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيما يتفاءلون به مدحوه وداوموا عليه وإن عطبوا فيه تركوه وذموه ومنهم من أنكرها بعقله وأبطل تأثيرها بنظره وذم من اغتربها واعتمد عليها وتوهم تأثيرها فمنهم الرقشى حيث يقول: ولقد غدوت وكنت لا ... أغدو عل واق وحاتم فإذا الاشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم وكذاك لا خير ولا ... شر على أحد بدائم لا يمنعنك من بغا ... ء الخير تعقاد التمائم قد خط ذلك في السطو ... ر الأوليات القدائم وقال جهم الهذلي: ألم تر أن العائفين وإن جرت ... لك الطير عما في غذ عميان يظنان ظنا مرة يخطيانه ... وأخرى على بعض الذي يصفان قضى الله أن لا يعلم الغيب غيره ... ففي أي أمر الله يمتريان وقال آخر: وما أنا ممن يزجر الطير همه ... أطار غراب أم تعرض ثعلب ولا السانحات البارحات عشية ... أمر سليم القرن أم مر أعضب وقال آخر يمدح منكرها: وليس بهياب إذا ش ... له يقول عداني اليوم واق وحاتم ولكنه يمضي على ذاك مقدما ... إذا حاد عن تلك الهنات الختارم يعني بالواق الصرد وبالحاتم الغراب سموه حاتما لأنه كان عندهم يحتم بالفراق والختارم العاجز الضعيف الرأي المتطير وقد شفى النبي أمته في الطيرة حيث سئل عنها فقال ذاك شيء يجده أحدكم فلا يصدنه وفي أثر آخر إذا تطيرت فلا ترجع أي أمض لما قصدت له ولا يصدنك عنه الطيرة واعلم أن التطير إنما يضر من أشفق منه وخاف وأما من لم يبال به ولم يعبأ به شيئا لم يضره البتة ولا سيما أن قال عند رؤية ما يتطير به أو سماعه اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يذهب بالسيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك فالطيرة باب من الشرك والقاء الشيطان وتخويفه ووسوسته يكبر ويعظم شأنها على من اتبعها نفسه واشتغل بها وأكثر العناية بها وتذهب وتضمحل عمن لم يلتفت إليها ولا القى إليها باله ولا شغل بها نفسه وفكره واعلم أن من كان معتنيا بها قائلا بها كانت إليه أسرع من السيل الى منحدر فتحت له(2\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "533",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14989",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبواب الوساوس فيما يسمعه ويراه ويعطاه ويفتح له الشيطان فيها من المناسبات البعيدة والقريبة في اللفظ والمعنى ما يفسد عليه دينه وينكد عليه عيشه فإذا سمع سفر جلا أو أهدى إليه تطير به وقال سفر وجلاء وإذا رأى ياسمينا أو سمع اسمه تطير به وقال يأس ومين وإذا رأى سوسنة أو سمعها قال سوء يبقى سنه وإذا خرج من داره فاستقبله أعور أو أشل أو أعمى أو صاحب آفة تطير به وتشاءم بيومه ويحكى عن بعض الولاة أنه خرج في بعض الأيام لبعض مهماته فاستقبله رجل أعور فتطير به وأمر به إلى الحبس فلما رجع من مهمه ولم يلق شرا أمر باطلاقه فقال له سألتك بالله ما كان جرمى الذى حبستنى لأجله فقال له الوالى لم يكن لك عندنا جرم ولكن تطيرت بك لما رأيتك فقال فما أصبت في يومك برؤيتى فقال مما لم ألق إلا خيرا فقال أيها الأمير أنا خرجت من منزلى فرايتك فلقيت في يومى الشر والحبس وأنت رأيتنى فلقيت في يومك الخير والسرور فمن أشأمنا والطيرة بمن كانت فاستحيا منه الوالى ووصله وقال أبو القاسم الزجاجى لم أر أشد تطيرا من ابن الرومى الشاعر وكان قد تجاوز الحد في ذلك فعاتبته يوما على ذلك فقال يا أبا القاسم الفأل لسان الزمان والطيرة عنوان الحدثان وهذا جواب من استحكمت علته فعجز عنها وهو أيضا بمنزلة من قد غلبته الوساوس في الطهارة فلا يلتفت إلى علم ولا إلى ناصح وهذه حال من تقطعت به أسباب التوكل وتقلص عنه لباسه بل تعرى منه ومن كان هكذا فالبلايا إليه أسرع والمصائب به أعلق والمحن له ألزم بمنزلة صاحب الدمل والقرحة الذى يهدى إلى قرحته كل مؤذ وكل مصادم فلا يكاد يصدم من جسده او يصاب غيرها والمتطير متعب القلب منكد الصدر كاسف البال سيء الخلق يتخيل من كل ما يراه أو يسمعه أشد الناس خوفا وأنكدهم عيشا وأضيق الناس صدرا وأحزنهم قلبا كثير الاحتراز والمراعاة لما لا يضره ولا ينفعه وكم قد حرم نفسه بذلك من حظ ومنعها من رزق وقطع عليها من فائدة ويكفيك من ذلك قصة النابغة مع زياد بن سيار الفزارى حين تجهز إلى الغزو فلما أراد الرحيل نظر النابغة إلى جرادة قد سقطت عليه فقال جرادة تجرد وذات ألوان عزيز من خرج من هذا الوجه ونفذ زياد لوجهه ولم يتطير فلما رجع زياد سالما غانما أنشأ يقول 0 تخير طيرة فيها زياد ... ليخبره وما فيها خبير أقام كان لقمان بن عاد ... أشار له بحكمته مشير تعلم أنه لا طير إلا ... على متطير وهو الثبور بلى شىء يوافق بعض شيء ... أحيايينا وباطله كثير ولم يحك الله التطير إلا عن أعداء الرسل كما قالوا لرسلهم انا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون(2\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "534",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14990",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك حكى الله سبحانه عن قوم فرعون فقال فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وأن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله حتى إذا أصابهم الخصب والسعة والعافية قالوا لنا هذه أى نحن الجديرون الحقيقون به ونحن أهله وإن أصابهم بلاء وضيق وقحط ونحوه قالوا هذا بسبب موسى وأصحابه أصبنا بشؤمهم ونفض علينا غبارهم كما يقوله المتطير لمن يتطير به فأخبر سبحانه أن طائرهم عنده كما قال تعالى عن أعداء رسوله وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وأن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك فهذه ثلاثة مواضع حكى فيها التطير عن أعدائه وأجاب سبحانه عن تطيرهم بموسى وقومه بأن طائرهم عند الله لا بسبب موسى وأجاب عن تطير أعداء رسول الله بقوله قل كل من عند الله وأجاب عن الرسل بقوله إلا طائركم معكم وأما قوله ألا إنما طائركم عند الله فقال ابن عباس طائرهم ما قضى عليهم وقدر لهم وفي رواية شؤمهم عند الله ومن قبله أى إنما جاءهم الشؤم من قبله بكفرهم وتكذيبهم بآياته ورسله وقال أيضا ان الأزراق والأقدار تتبعكم وهذه كقوله تعالى وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج أى ما يطير له من الخير والشر فهو لازم له في عنقه والعرب تقول جرى له الطائر بكذا من الخير والشر قال أبو عبيدة الطائر عندهم الحظ وهو الذى تسميه العامة البخت يقولون هذا يطير لفلان أى يحصل له قلت ومنه الحديث فطار لنا عثمان بن مظعون أى أصابنا بالقرعة لما اقترع الأنصار على نزول المهاجرين عليهم وفي حديث رويفع ابن ثابت حتى أن أحدنا ليطير له النصل والريش والآخر القدح أى يحصل له بالشركة في الغنيمة وقيل في قوله تعالى وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه أن الطائر ههنا هو العمل قاله الفراء وهو يتضمن الرد على نفاه القدر وخص العنق بذلك من بين سائر أجزاء البدن لأنها محل الطوق الذي يطوقه الإنسان في عنقه فلا يستطيع فكاكه ومن هذا يقال إثم هذا في عنقك وافعل كذا واثمه في عنقي والعرب تقول طوقها طوق الحمامة وهذا ربقة في رقبته وعن الحسن بن آدم لتنظر لك صحيفة إذا بعثت قلدتها في عنقك فخصوا العنق بذلك لأنه موضع القلادة والتميمة واستعمالهم التعاليق فيها كثير كما خصت الأيدى بالذكر في نحو بما كسبت أيدكم بما قدمت يداك ونحوه وقيل المعنى أن الشؤم العظيم هو الذي لهم عند الله من عذاب النار وهو الذي أصابهم في الدنيا وقيل المعنى أن سبب شؤمهم عند الله وهو عملهم المكتوب عنده الذي يجرى عليه ما يسوؤهم ويعاقبون عليهم بعد موتهم بما وعدهم الله ولا طائر أشأم من هذا وقيل حظهم ونصيبهم وهذا لا يناقض قول الرسل طائركم معكم أى حظكم وما نالكم من خير وشر معكم بسبب أفعالكم وكفركم ومخالفتكم الناصحين ليس هو من أجلنا ولا بسببنا بل ببغيكم(2\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "535",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14991",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعدوانكم فطائر الباغى الظالم معه وهو عند الله كما قال تعالى وأن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ولو فقهوا او فهموا لما تطيروا بما جئت به لأنه ليس فيما جاء به الرسول ما يقتضى الطيرة فإنه كله خير محض لا شر فيه وصلاح لا فساد فيه وحكمه لا عبث فيها ورحمة لاجور فيها فلو كان هؤلاء القوم من أهل الفهم والعقول السليمة لم يتطيروا من هذا فإن الطيرة إنما تكون بالشر لا بالخير المحض والمصلحة والحكمة والرحمة وليس فيما أتيتهم به لو فهموا ما يوجب تطيرهم بل طائرهم معهم بسبب كفرهم وشركهم وبغيهم وهو عند الله كسائر حظوظهم وأنصبائهم التى يتناولوها منه باعمالهم وكسبهم ويحتمل أن يكون المعنى طائركم معكم أى راجع عليكم فالطير الذي حصل لكم إنما يعود عليكم وهذا من باب القصاص في الكلام مثل قوله في الحديث أخذنا فالك من فيك ونظيره قول النبي إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم فعلى هذا معنى طائركم معكم اى تصيبكم طيرتكم التى تطيرتم بها لأنهم اعتقدوا الشؤم فيها ولا شؤم فيها البتة فقيل لهم الشؤم منكم وهو نازل بكم فتأمله وهذا يشبه قوله تعالى وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لنزول منه الجبال قيل جزاء مكرهم عنده فمكر بهم كما مكا مكروا برسله ومكره تعالى بهم إنما كان بسبب مكرهم فهو مكرهم عاد عليهم وكيدهم عاد عليهم فهكذا طيرتهم عادت عليهم وحلت بهم وسمى جزاء المكر مكرا وجزاء الكيد كيدا تنبيها على أن الجزاء من جنس العمل ولما ذكر سبحانه أن ما أصابهم من حسنة وسيئة أى نعمة ومحنة فالكل منه تعالى بقضائه وقدره فكأنهم قالوا فما بالك أنت تصبيك الحسنات والسيئات كما تصيبنا فذكر سبحانه أن ما أصابه من حسنة فمن الله من بها عليه وأنعم بها عليه وما أصابه من سيئة فمن نفسه أى بسبب من قبله أى لا لنقص ما جاء به ولا لشر فيه ولا لشؤم يقتضى أن تصيبه السيئة بل بسبب من نفسه ومن قبله وقد قيل في قوله تعالى طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون أن طائرهم ههنا هو السبب الذي يجىء فيه خيرهم وشرهم فهو عند الله وحده وهو قدره وقسمه إن شاء رزقكم وعافاكم وإن شاء حرمكم وابتلاكم ومن هذا قالوا طائر الله لا طائر كلبى قدر الله الغالب الذي يأتي بالحسنات ويصرف السيئات ومنه اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك وعلى هذا فالمعنى بطائركم نصيبكم وحظكم الذي يطيركم ومن فسره بالعمل فالمعنى طائركم الذي طار عنكم من أعمالكم بهذين القولين فسر معنى قوله تعالى وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه وأنه ما طار عنه من عمله أو صار لازما له مما قضى الله عليه وقدر عليه وكتب له من الرزق والأجل والشقاوة والسعادة 0 فصل وقد ثبت في الصحيحين عن النبي أنه قال في وصف(2\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "536",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14992",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون زاد مسلم وحده ولا يرقون فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول هذه الزيادة وهم من الراوى لم يقل النبي ولا يرقون لأن الراقي محسن إلى أخيه وقد قال النبي وقد سئل عن الرقي فقال من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه وقال لا بأس بالرقي مالم يكن شركا والفرق بين الراقي والمسترقي أن المسترقي سائل مسقط ملتفت إلى غير الله بقلبه والراقي محسن نافع قلت والنبي لا يجعل ترك الإحسان المأذون فيه سببا للسبق إلى الجنان وهذا بخلاف ترك الإسترقاء فإنه توكل على الله ورغبة عن سؤال غيره ورضاء بما قضاه وهذا شيء وهذا شيء وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي لا عدوى ولا طيرة وأحب الفال الصالح ونحوه من حديث انس وهذا يحتمل أن يكون نفيا وأن يكون نهيا أى لا تطيروا ولكن قوله في الحديث ولا عدوى ولا صفر ولا هامة يدل على أن المراد النفى وإبطال هذه الأمور التى كانت الجاهلية تعانيها والنفي في هذا أبلغ من النهى لأن النفي يدل على بطلان ذلك وعدم تأثيره والنهى إنما يدل على المنع منه وقد روى ابن ماجه في سننه من حديث سفيان عن سلمة عن عيسى بن عاصم عن ذر عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله الطيرة شرك وما منا ولكن الله يذهبه بالتوكل وهذه اللفظة وما منا إلى آخره مدرجة في الحديث ليست من كلام النبي كذلك قاله بعض الحفاظ وهو الصواب فإن الطيرة نوع من الشرك كما هو في أثر مرفوع من ردته الطيرة فقد قارن الشرك وفي أثر من أرجعته الطيرة من حاجة فقد أشرك قالوا وما كفارة ذلك قال أن يقول أحدكم اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك وفي صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمى أنه قال يا رسول الله ومنا أناس يتطيرون فقال ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنه فأخبر أن تأذية وتشاؤمه بالتطير إنما هو في نفسه وعقيدته لافي المتطير به فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده لا ما رآه وسمعه فأوضح لأمته الأمر وبين لهم فساد الطيرة ليعلموا أن الله سبحانه لم يجعل لهم عليها علامة ولا فيها دلالة ولا نصبها سببا لما يخافونه ويحذرونه لتطمئن قلوبهم ولتسكن نفوسهم إلى وحدانيتة تعالى التى أرسل بها رسله وأنزل بها كتبه وخلق لأجلها السموات والأرض وعمر الدارين الجنة والنار فبسبب التوحيد ومن أجله جعل الجنة دار التوحيد وموجباته وحقوقه والنار دار الشرك ولو ازمه وموجباته فقطع علق الشرك من قلوبهم لئلا يبقى فيها علقة منها ولا يتلبسوا بعمل من أعمال أهله البتة وفي الحديث المعروف أقول(2\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "537",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14993",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على مكانتها قال أبو عبيدة في الغريب أراد لا تزجروها ولا تلتفتوا إليها أقروها على مواضعها التي جعلها الله لها ولا تتعدوا ذلك إلى غيره أي أنها لا تضر ولا تنفع وقال غيره المعنى أقروها على أمكنتها فإنهم كانوا في الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرا أو امرا من الأمور أثار الطير من أوكارها لينظر أي وجه تسلك وإلى ناحية تطير فان خرجت ذات اليمين خرج لسفره ومضى لأمره وإن أخذت ذات الشمال رجع ولم يمض فأمرهم أن يقروها في أمكنتها وأبطل فعلهم ذلك ونهاهم عنه كما أبطل الاستقسام بالأزلام وقال ابن جرير معنى ذلك أقروا الطير التي تزجرونها في مواضعها المتمكنة فيها التي هي لها مستقر وامضوا لأموركم فان زجركم إياها غير مجد عليكم نفعا ولا دافع عنكم ضررا وقال آخرون هذا تصحيف من الرواة وخطأ منهم ولا يعرف المكنات إلا أسماء البيض الضباب دون غيرها قال الجوهرى الممكن البيض الضب قال ومكن الضباب طعام العرب لا تشتهيه نفوس العجم وفي الحديث أقروا على الطير مكانها بالضم والفتح قال أبو زياد الكلابي وغيره إنا لا نعرف للطير مكنات فأما المكنات فانما هي الضباب قال أبو عبيد ويجوز في الكلام وإن كان الممكن الضباب في أن يجعل للطير تشبيها بذلك كقولهم مشافر الحبش وإنما المشافر للإبل وكقول زهير يصف الأسد له لبد أظفاره لم تقلم وإنما له مخالب قال هؤلاء فلعل الراوي سمع أقر الطير في وكناتها بالواو ولأن وكنات الطير عشها وحيث تسقط عليه من الشجر وتأوى إليه وفي اثر آخر ثلاث من كن فيه لم ينل الدرجات العلى من تكهن أو استقسم أو رجع من سفر من طيرة وقد رفع هذا الحديث فمن استمسك بعروة التوحيد الوثقى واعتصم بحبله المتين وتوكل على الله قطع بأحسن الطيرة من قبل استقرارها وبادر خواطرها من قبل استمكانها قال عكرمة كنا جلوسا عند ابن عباس فمر طائر يصيح فقال رجل من القوم خير خير فقال له ابن عباس لا خير ولا شر مبادرة بالإنكار عليه لئلا يعتقد له تأثيرا في الخير أو الشر وخرج طاووس مع صاحب له في سفر فصاح غراب فقال الرجل خير فقال طاووس وأي خير عنده والله لا تصحبني وقيل لكعب هل تتطير فقال نعم فقيل له فكيف تقول إذا تطيرت قال أقول اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا غيرك ولا قوة إلا بك وكان بعض السلف يقول عند ذلك طير الله لا طيرك وصياح الله لا صياحك ومساء الله لامساك وقال ابن عبد الحكم لما خرج عمر بن عبد العزيز من المدينة قال مزاحم فنظرت فإذا القمر في الدبر ان فكرهت أن اقول له فقلت ألا تنظر إلى القمر ما أحسن استواءه في هذه الليلة قال فنظر عمر فإذا هو في الدبران فقال كأنك اردت أن تعلمني أن القمر في الدبران يا مزاحم إنا لا نخرج بشمس ولا بقمر ولكنا نخرج بالله الواحد القهار فان قيل فما تقولون فيما(2\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "538",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14994",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "روى عن النبي أنه كان يستحب الفأل ففي الصحيحين من حديث أنس وأبي هريرة عن النبي لا عدوى ولا طيرة وخيرها الفأل وفي لفظ وأصدقها الفال وفي لفظ وكان يعجبه الفأل وفي لفظ مسلم ويعجبني الفأل الصالح أي الكلمة الحسنة وقال إذا أبردتم إلى بريدا فاجعلوه حسن الإسم حسن الوجه وروى عن يحيى بن سعيد أن رسول الله قال للقحة تحلب من يحلب هذه فقام رجل فقال النبي ما إسمك فقال الرجل مرة فقال النبي إجلس ثم قال من يجلب هذه فقام رجل فقال النبي ما إسمك فقال الرجل حرب فقال له النبي إجلس ثم قال من يجلب هذه فقام رجل فقال له النبي ما إسمك فقال الرجل يعيش فقال له النبي يعيش احلب فحلب زاد ابن وهب في جامعة في هذا الحديث فقام عمر بن الخطاب فقال أتكلم يا رسول الله أم اصمت قال بل اصمت وأخبرك بما أردت ظننت يا عمر أنها طيرة ولا طير إلا طيرة ولا خير إلا خيره ولكن أحب الفأل وفي جامع ابن وهب أن رسول الله أتى بغلام فقال ما سميتم هذا الغلام فقالوا السائب فقال لا تسموه السائب ولكن عبد الله قال فغلبوا على اسمه فلم يمت حتى ذهب عقله وصحيح البخاري من رواية الزهري عن سعيد ابن المسيب عن أبيه أن أباه جاء إلى النبي فقال ما إسمك قال حزن قال أنت سهل قال لا أغير اسما اسمانيه أبي قال ابن المسيب فما زالت الحزونة فينا بعد وروى مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب قال لرجل ما اسمك قال جمرة قال ابن من قال ابن شهاب فقال ممن قال من الحرقة قال أين مسكنك قال بحرة النار قال بأيها قال بذات لظى فقال له عمر أدرك أهلك فقد احترقوا فكان كما قال عمر وفي غير رواية مالك هذه القصة عن مجالد عن الشعبي قال جاء رجل من جهينة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال له ما اسمك قال شهاب قال ابن من قال ابن جمرة قال ابن من قال ابن ضر ام قال ممن قال من الحرقة قال وأين منزلك قال بحرة النار قال ويحك أدرك منزلك أو أهلك فقد احترقوا قال فأتاهم فألفاهم قد احترق عامتهم وقالت عائشة كان رسول الله يعجبه التيمن ما استطاع في تنعله وترجله ووضوئه وفي شأنه كله وفي صحيح البخاري عن ابن عمر أن النبي قال الشؤم في ثلاث في المرأة والدار والدابة وفي الصحيح ايضا من حديث سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله قال إن كان ففي الفرس والمرأة والمسكن يعني الشؤم وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد قال جاءت امرأة إلى رسول الله فقال يا رسول الله دار سكناها والعدد كثير والمال وافر فقل العدد وذهب المال فقال رسول الله دعوها ذميمة ولما رأى النبي يوم أحد فرسا قد لوح بذنبه ورجل قد استل سيفه فقال له شم سيفك فأني أرى السيوف ستسل اليوم وكذلك قوله لما رمى واقد ابن عبد الله عمر بن الحضرمي فقتله فقال وقدت الحرب وعامر عمرت الحرب وابن الحضرمي(2\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "539",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14995",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حضرت الحرب ولما خرج النبي إلى بدر استقبل في طريقه جبلين فسأل عنهما فقالوا اسم أحدهما مسلح والأخر مخرىء وأهلهما بنو النار وبنو محراق فكره المرور عليهما وتركهما على يساره وسلك ذات اليمين وعرض عبد الله بن جعفر مالا له على معاوية يقال له الدعان وقال له اشتره مني فقال له معاوية هذا مال يقول دعني ولم نزل الحسين بن علي بكر بلاء قال ما اسم هذا الموضع قالوا كربلاء قال كرب وبلاء ولما خرج عبد الله بن الزبير من المدينة إلى مكة أنشده أحد أخوية وكل بني أم سيمسون ليلة ... ولم يبق من أغنامهم غير واحد فقال له عبد الله ما أردت إلى هذا قال لم أتعمده قال هو أشد على وقد كره السلف ومن بعدهم أن يتبع الميت بنار إلى قبره من مجمر أو غيره وفي معناه الشمع قالت عائشة لا تجعلوا آخر زاده أن تتبعوه بالنار ولما بايع طلحة بن عبيد الله علي بن أبي طالب وكان أول من بايع قال رجل أول يد بايعته يد شلاء لا يتم هذا الأمر له ولما بعث علي رضي الله عنه معقل بن قيس الرباحي من المدائن في ثلاثة آلاف وأمره أن يأخذ على الموصل ويأتي نصيبين ورأس عين حين يأتي الرقة فيقيم بها فسار معقل حتى نزل الحديثة فبينما هو ذات يوم جالسا إذ نظر إلى كبشين يتناطحان حتى جاء رجلان فأخذ كل منهما كبشا فذهب به فقال شداد بن أبي ربيعة الخثعمي ستصرفون من وجهكم هذا لا تغلبون ولا تغلبون لافتراق الكبشين سليمين فكان كذلك ولما بعث معاوية في شأن حجر بن عدى وأصحابه كان الذي جاءهم أعور يقال له هدبه وكانوا ثلاثة عشر رجلا مع حجر فنظر إليه رجل منهم فقال إن صدق الفأل قتل نصفنا لأن الرسول أعور فلما قتلوا سبعة وافى رسول ثان ينهى عن قتلهم فكفوا عن الباقين وقال عوانه بن الحكم لما دعا ابن الزبير إلى نفسه قام عبد الله بن مطيع ليبايع فقبض عبد الله بن الزبير يده وقال لعبيد الله بن أبي طالب قم فبايع فقال عبد الله قم يا مصعب فبايع فقام فبايع فتفاءل الناس وقالوا أبي أن يبايع ابن مطيع وبايع مصعبا ليكونن في أمره صعوبة أو شر فكان كذلك وقال سلمة بن محارب نزل الحجاج في محاربته لابن الأشعث دير قرة ونزل عبد الرحمن ابن الأشعث دير الجماجم فقال الحجاج استقر الأمر في يدى وتجمجم به أمره والله لأقتلنه وقال عمرو بن مروان الكلبي حدثني مروان بن يسار عن سلمة مولى يزيد بن الوليد قال كنت مع يزيد بن الوليد بناحية القريتين قبل خروجه على الوليد بن يزيد ونحن نتذاكر أمره إذ عرض لنا ذئب هناك فتناول يزيد قوسه فرمى الذئب فاصاب حلقه فقال قتلت الوليد ورب الكعبة فكان كما قال وقال داود بن عيسى بن محمد بن علي خرج أبي وأبو جعفر غازيين في بلاد الروم ومعه غلام له ومع أبي جعفر مولى فسنحت له اربعة أظب ثم مضت تخاتلنا(2\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "540",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14996",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حتى غابت عنا ثم رجعت ومضى واحد فقال لنا أبو جعفر والله لا نرجع جميعا فمات مولى أبي جعفر وأمر بعض الأمراء جارية له تغني فاندفعت تقول: هم قتلوه كي يكونوا مكانه كما غدرت يوما بكسرى مرازبه فقال ويلك غني غير هذا فغنت هذا مقام مطرد هدمت منازله ودوره فقال ويلك غني غير هذا فقالت والله يا سيدي ما أعتمد إلا ما يسرك ويسبق إلى لساني ما ترى ثم غنت كليب لعمري كان أكثر ناصرا وأيسر جرما منك ضرج بالدم فقال ما أرى أمري إلا قريبا فسمع قائلا يقول قضى الأمر الذي فيه تستفتيان وقد ذكر في حرب بني تغلب أن تيم اللات أرسل بنيه في طلب مال له فلما أمسى سمع صوت الريح فقال لمرأته أنظرى من أين نشأ السحاب ومن أين نشأت الريح فأخبرته أن الريح طالع من وجه السحاب فقال والله إني لأرى ريحا تهد هذه الصخرة وتمحق الأثر فلما دخل عليه بنوه قال لهم ما لقيتم قالوا سرنا من عندك فلما بلغنا غصن شعثمين إذا بعفر جاثمات على دعص من رمل فقال أمشرقات أم مغربات قالوا مغربات قال فما ريحكم ناطح أم دابر أم بارح أم سانح فقالوا ناطح فقال لنفسه يا تيم اللات دعص الشعثمين والشعثم الشيخ الكبير وأنت شعثم بني بكر وجواثم بدعص وريح ناطح نطحت فبرحت قال ثم ماذا قالوا ثم رأينا ذئبا قد دلع لسانه من فيه وهو يطحر وشعره عليه فقال ذلك حران ثائر ولسان عذول حامى الظهر همه سفك الدماء وهو أرقم الأراقم يعني مهلهلا قال ثم ماذا قالوا ثم رأينا ريحا وسحابا قال فهل مطرتم قالوا بلى قال ببرق قالوا قد كان ذلك فقال أماء سائل فقالوا نعم فقال ذلك دم سائل ومرهفات قال ثم مه قالوا ثم طلعنا قلعة الضعفاء ثم تصوبنا من تل فاران قال فكنتم سواء أو مترادفين قالوا بل سواء قال فما سماؤكم قالوا خبا قال فما ريحكم قالوا ناطح قال فما فعل الجيش الذين لقيتم قالوا نجونا منه هربا وجد القوم في أثرنا قال ثم مه قالوا ثم رأينا عقابا منقضة على عقاب فتشابكا وهويا إلى الأرض قال ذاك جمع رام جميعا فهو لاقيه قال ثم مه قالوا ثم رأينا سبعا على سبع ينهشه وبه بقية لم يمت فقال ذروني أما والله أنها لقبيلة مصروعة مأكولة مقتولة من بني وائل بعد عز وامتناع وذكروا أن تيم اللات هذا مر يوما بجمل أجرب وعليه ثلاث غرابيب فقال لبنيه ستقفون على مقتولا فكان كما قال وقتل عن قريب وكذلك قول علقمة في مسيره مع أصحابه وقد مروا في الليل بشيخ فان فقال لقيتم شيخا كبيرا فانيا يغالب الدهر والدهر يغالبه يخبركم أنكم ستلقون قوما فيهم ضعف ووهن ثم لقي سبعا فقال دلاج لا يغلب ثم رأى غرابا ينفض(2\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "541",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14997",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بجؤجؤه فقال أبشروا ألا ترون أنه يخبركم أن قد أطمأنت بكم الدار فكان كذلك وذكر المدائني قال خرج رجل من لهب ولهم عيافة في حاجة له ومعه سقاء من لبن فسار صدر يومه ثم عطش فأناخ ليشرب فإذا الغراب ينعب فأثار راحلته ومضى فلما أجهده العطش أناخ ليشرب فنعب الغراب فاثار راحلته ثم الثالثة نعب الغراب وتمرغ في التراب فضرب الرجل السقاء بسيفه فإذا فيه أسود ضخم ثم مضى فإذا غراب على سدرة فصاح به فوقع على سلمه فصاح به فوقع على صخرة فانتهى إليه فإذا تحت الصخرة كنز فلما رجع إلى أبيه قال له ما صنعت قال سرت صدر يوم ثم أنخت لأشرب فإذا الغراب ينعب قال أثره وإلا لست بابني قال أثرته ثم أنخت لأشرب فنعب الغراب وتمرغ في التراب قال أضرب السقاء وإلا لست باني قال فعلت فإذا أسود ضخم قال ثم مه قال ثم رأيت غرابا واقعا على سدرة قال أطره وإلا لست بابني قال أطرته فوقع على سلمة قال أطره وإلا لست بابني قال فوقع على صخرة قال أخبرني بما وجدت فأخبرته وذكر أيضا أن أعرابيا أضل ذودا له وخادما فخرج في طلبهما إذ اشتدت عليه الشمس وحمى النهار فمر برجل يحلب ناقة قال أظنه من بني أسد فسأله عن ضالته قال أدن فاشرب من اللبن وأدلك على ضالتك قال فشرب ثم قال ما سمعت حين خرجت قال بكاء الصبيان ونباح الكلاب وصراخ الديكة وثغاء الشاء قال ينهاك عن الغدو ثم مه قال ثم ارتفع النهار فعرض لي ذئب قال كسوب ذو ظفر ثم مه قال ثم عرضت لي نعامة قال ذات ريش واسمها حسن هل تركت في أهلك مريضا يعاد قال نعم قال ارجع إلى أهلك فذودك وخادمك عندهم فرجع فوجدهم وذكر أبو خالد التيمي قال كنت آخذ الإبل بضمان فأرعاها في ظهر البصرة فطردت فخرجت أقفو أثرها حتى انتهيت إلى القادسية فاختلطت على الآثار فقلت لو دخلت الكوفة فتحسست عنها فأتيت الكناسة فإذا الناس مجتمعون على عراف اليمامة فوقفت ثم قلت له حاجتي فقال بعيدة أشيطان الهوى جمع مثلها على العاجز الباغي الغي ذو تكاليف ولترجعن قال فوجدتها في الشام مع ابن عم لي فصالحت أصحابها عنها وقال المدائني كان بالسواد زاجر يقال له مهر فأخبر به بعض العمال فجعل يكذب زجره ثم أرسل إليه فلما أتاه قال إني قد بعثت بغنم إلى مكان كذا وكذا فانظر هل وصلت أم لم تصل وقد عرف العامل قبل ذلك أن بينها ويبن الكلاء رحلة فقال لغلامه أخرج فانظر أي شيء تسمع قال وكان العامل قد أمر غلامه أن يكمن في ناحية الدار ويصيح صياح ابن آوى فخرج غلاء الزاجر ليسمع وصاح غلام العامل فرجع إلى الزاجر غلامه وأخبره بما سمع فقال للعامل قد ذهبت عنك وقطع عليها الطريق فاستيقت قال فضحك العامل وقال قد جاءني خبرها أني وصلت والصائح الذي صاح غلامي قال إن كان الصائح الذي الصاح ابن آوى فقد ذهبت(2\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "542",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14998",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن كان غلامك فقد ذهب الراعي قال فبلغه بعد ذلك ذهاب الغنم وقتل الراعي وذكر عن العكلي أنه خرج في تسعة نفر هو عاشرهم ليصيبوا الطريق فرأى غرابا واقعا فوق بانة فقال يا قوم أنكم تصابون في سفركم هذا فازدجروا وأطيعوني وارجعوا فأبوا عليه فأخذ قوسه وانصرف وقتلت التسعة فأنشد يقول: رأيت غرابا واقعا فوق بانه ... ينشنش أعلى ريشه ويطايره فقلت غراب اغتراب من النوى ... وبانة بين من حبيب تجاوره فما أعيف العكلي لا دردره ... وازجره للطير لا عز ناصره وذكر عن كثير عزة أنه خرج يريد مصر وكانت بها عزة فلقيه أعرابي من نهد فقال أين تريد قال أريد عزة بمصر قال ما رأيت في وجهك قال رأيت غرابا ساقطا فوق بانة ينتف ريشه فقال ماتت عزة فانتهى ومضى فوافى مصر والناس منصرفون من جنازتها فأنشأ يقول: فأما غراب فاغتراب وغربة ... وبان فبين من حبيب تعاشره وذكر عنه أيضا أنه هوى امرأة من قومه بعد عزة يقال لها أم الحويرث وكانت فائقة الجمال كثيرة المال فقالت له أخرج فاصب مالا وأتزوجك فخرج إلى اليمن وكان عليها رجل من بني مخزوم فلما كان ببعض الطريق عرض له قوط والقوط الجماعة من الظباء فمضى ثم عرض له غراب ينعب ويفحص التراب على راسه فأتى كثير حيا من الأزد ثم من بني لهب وهم من أزجر العرب وفيهم شيخ قد سقط حاجباه على عينيه فقص عليه ما عرض له فقال إن كنت صادقا لقد ماتت هذه المرأة أو تزوجت رجلا من بني كعب فاغتم كثيرا لذلك وسقى بطنه فكان ذلك سبب موته وقال في ذلك: تيممت لهبا أبتغى العلم عندهم ... وقد رد علم العائفين إلى لهب فيممت شيخا منهم ذو أمانة ... بصيرا يزجر الطير منحنى الصلب فقلت له ماذا ترى في سواغ ... وصوت غراب يفحص الأرض بالترب فقال جرى الطير السنيح بينها ... ونادي غراب بالفراق وبالسلب فان لا تكن ماتت فقد حال دونها ... سواك حليل باطن من بني كعب وقال رجل من بني أسد تزوجت ابنة عم لي فخرجت أريدها فلقيني شيء كالكلب مدليا لسانه في شق فقلت أخفت ورب الكعبة فأتيت القوم فلم أصل إليها وناقرني أهلها حرجت عنهم فمكثت ثلاثة أيام ثم بدا لي فيهم فخرجت نحوهم فلقيت كلبة تنظف أطباؤها لبنا فقلت أدركت ورب الكعبة فدخلت بأهلي وحملت مني بغلام ثم آخر حتى ولدت أولادا وذكر عن(2\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "543",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "14999",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يحيى بن خالد قال حج رجلان فقيل لهما ههنا امرأة تزجر قال فأتياها فسألاها فقال أحدهما ما نضمر فقالت أنك لتسألني عن رجل مقتول فقال هو والله الذي سال عنه صاحبي فقالت هو كما قلت فسألاها عن تفسير ذلك فقالت أما رأيتما الجارية التي مرت ومعها ديك مشدود الرجلين حين سألني الأول قالا بلى قالت فلذلك قلت أنه محبوس مقيد قالت ورأيت الجارية حين رجعت وسألتنى أنت والديك مذبوح فقلت مقتول 00 وذكر 2 المداينى أن أهل بيت من العجم كانوا إذا غاب الرجل عن أهله ولم يأتهم خبره أربع حجج زوجوا امرأته فتزوج منهم رجل جارية وغاب أربع حجح لايأتيهم فأرادوا تزويج الجارية وكانت مشغوفة به فقالت دعونى سنة أخرى فأبوا عليها وأتوا زاجرا لهم فخرج الزاجر ومعه تلميذ له فتلقاهم قوم يحملون ميتا ويد الميت على صدره فقال الزاجر لتلميذه مات الرجل قال ما مات ألا ترى يد الميت على صدره يخبر أنه هو الميت والرجل صحيح فرجعا فأخبرا الحاكم أنه لم يمت فأمر بتأجيلها سنة فجاء زوجها بعد شهر 00 وذكر ابن قتيبة عن إبراهيم بن عبد الله قال دخلت على رجل ضرير زاجر من العرب وقد خبأت سحابة عنوان من كتان فقلت أحبرنى بما خبأت لك فنظر قليلا ثم قال هو من نبات الماء فقلت زدنى فى الشرح قال هو قطعة من كتان قال فسألته عن ذلك فقال سألتنى عن الخبىء فوقعت يدى على الحصير فقلت إنه من نبات الماء قال فقلت زدنى فقال وصاح صائح من جانب الدار فقضيت بالسواد وبأنه صغير للتصفير ثم نظرت فلم يكن ذلك أولى بأن يكون قطعة من كتان قال وسألته عن مقراضين فى يدى قد أدخلت أصبعى فى حلقتيهما فقال فى يدك خاتم من حديد وذكر ابن عيينة عن الزهرى عن محمد بن جبير بن مطعم عن ابيه عن عمر بن الخطاب رضى الله أنه كان يرمى الجمرة فجاءته حصاة فأصابت جبهته ففصدت منه عرقا فقال رجل من بنى لهب أشعر أمير الؤمنين ورب الكعبة لا يقوم هذا المقام أبدا فقتل بعد ذلك وثبت فى الصحيحين من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى عليه وسلم قال الشؤم فى الدار والمرأة والفرس وفى لفظ فيهما لا عدوى ولا صفر ولا طيرة وإنما الشؤم فى ثلاثة المرأة والفرس والدار وفى لفظ آخر فيهما إن يكن الشؤم فى شىء حقا ففى الفرس والمسكن والمرأة وفى بعض طرق البخارى والدابة بدل الفرس وفى الصحيحين أيضا عن سهل بن سعد الساعدى قال قال رسول الله إن كان ففى المرأة والفرس والمسكن يعنى الشؤم 00 وقال البخارى إن كان شىء وفى صحيح مسلم عن عبد الله عن رسول الله قال إن كان فى شىء ففى الربع والخادم والفرس 00 وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى قال لا يورد ممرض على(2\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "544",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15000",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مصح 00 وفى موطأ مالك أنه بلغه عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن أبي عطية أن رسول الله قال لا عدوى ولا هام ولا صفر ولا يحل الممرض على المصح وليحلل المصح حيث شاء قالوا يا رسول الله وما ذاك فقال رسول الله عليه وسلم إنه أذى 00 وقال ابن وهب أخبرنى يونس عن ابن شهاب أن أبا سلمة بن عبد الرحمن قال كان أبو هريرة رضى الله عنه يحدثنا عن رسول الله قال أنه لا عدوى وحدثنا أن رسول الله قال لا يورد ممرض على مصح الحديث ثم صمت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله لا عدوى وأقام أن لا يورد ممرض على مصح الحديث قال فقال الحارث بن أبى ذئاب وهو ابن عم أبى هريرة قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع هذا الحديث حديثا آخر قد سكت عنه كنت تقول قال رسول الله لا عدوى فأبى أبو هريرة أن يحدث ذلك وقال لا يورد ممرض على مصح فمارآه الحارث في ذلك حتى غضب أبو هريرة ورطن بالحبشية فقال للحارث أتدرى ماذا قلت قال لا قال أبو هريرة إني أقول أبيت أبي قال أبو سلمة فلعمري لقد كان أبو هريرة يحدثنا أن رسول الله قال لا عدوى فلا أدرى أنسى أبو هريرة أو نسخ أحد القولين الآخر قالوا هذا النهى عن إيراد المريض على المصح إنما هو من أجل الطيرة التى تلحق المصح 00 وقال مسدد حدثنا يحي بن هشام عن يحي بن أبى كثير عن الحضرمي بن لاحق عن سعيد بن المسيب قال سألت سعد بن مالك عن الطيرة فانتهرني وقال من حدثك فكرهت أن أحدثه فقال سمعت رسول الله يقول لا عدوى ولا طيرة ولا هامة وإن كانت الطيرة في شىء ففى الفرس والمرأة والدار فإذا كان الطاعون بأرض وأنتم بها فلا تفروا 00 وفي صحيح مسلم عن الشريد بن سويد قال كان فى وفد ثقيفة رجل مجذوم فأرسل إليه النبي أنا قد بايعناك فأرجع وفي حديث آخر فر من المجذوم فرارك من الأسد 0 فصل الآن التقت حلقتا البطان وتداعى نزال الفريقان نعم وههنا أضعاف أضعاف ما ذكرتم وأضعاف أضعافه وللناس ههنا مسلكان عليهما يعتمد المتكلمون في هذا الباب لا نرتضيهما بل نسلك مسلك العدل والتوسط بين طرفي الأفراط والتفريط فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه والوادي بين الجبلين والهدى بين الضلالتين وقد جعل الله هذه الأمة هي الأمة الوسط في جميع أبواب الدين فإذا انحرف غيرها من الأمم إلى أحد الطرفين كانت هي في الوسط كما كانت وسطا في باب أسماء الرب تعالى وصفاته بين الجهمية والمعطلة والمشبهة الممثلة وكان وسطا في باب الإيمان بالرسل بين من عبدهم واشركهم بالله كالنصارى وبين من قتلهم(2\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "545",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15001",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذبهم فأمنوا بهم وصدقوهم وتركوهم من العبودية وكانت وسطا في القدر بين الجبرية الذين ينفون أن يكون للعبد فعل أو كسب أو اختيار البتة بل هو مجبور متهور لا اختيار له ولا فعل وبين القدرية النفاة الذين يجعلونه مستقلا بفعله ولا يدخل فعله تحت مقدور الرب تعالى ولا هو واقع بمشيئة الله تعالى وقدرته فأثبتوا له فعلا وكسبا واختيارا حقيقة وهو متعلق الأمر والنهي والثواب والعقاب وهو مع ذلك واقع بقدرة الله ومشيئته فما شاء الله من ذلك كان وما لم يشأ لم يكن ولا يتحرك ذرة إلا بمشيئته وإرادته والعباد أضعف وأعجز أن يفعلوا ما لم يشأه الله لا قوة له ولا قدرة عليه وكذلك هم وسط في المطاعم والمشارب بين اليهود الذين حرمت عليهم الطيبات عقوبة لهم وبين النصارى الذين يستحلون الخبائث فأحل الله لهذه الأمة الوسط الطيبات وحرم عليهم الخبائث وكذلك لا تجد أهل الحق دائما إلا وسطا بين طرفي الباطل وأهل السنة وسط في النحل كما أن المسلمين وسط في الملل وكذلك ما نحن فيه من هذا الباب فإنهم وسط بين النفاة الذين ينفون الأسباب جملة ويمنعون ارتباطها بالمسببات وتأثيرها بها ويسدون هذا الباب بالكلية ويضطربون فيما ورد من ذلك فيقابلون بالتكذيب منه ما يمكنهم تكذيبه ويحيلون على الاتفاق والمصادقة مالا قبل لهم بدفعه من غير أن يكون لشيء من هذه الأمور مدخل في التأثير أو تعلق بالسببية البتة وربما يقولون أن أكثر ذلك مجرد خيالات وأوهام في النفوس تنفعل عنها النفوس كانفعال أرباب الخيالات والامراض والأوهام وليس عندهم وراء ذلك شيء وهذا مسلك نفاة الأسباب وارتباط المسببات بها وهذا جواب كثير من المتكلمين والمسلك الثاني مسلك المثبتين لهذه الأمور والمعتقدين لها الذاهبين إليها وهي عندهم أقوى من الأسباب الحسية أو في درجتها ولا يلتفتون إلى قدح قادح فيها والقدح فيها عندهم من جنس القدح في الحسيات والضروريات ونحن لا نسلك سبيل هؤلاء ولا سبيل هؤلاء بل نسلك سبيل التوسط والإنصاف ونجانب طريق الجور والإنحراف فلا نبطل الشرع بالقدر ولا نكذب بالقدر لأجل الشرع بل نؤمن بالمقدور ونصدق الشرع فنؤمن بقضاء الله وقدره وشرعه وأمره ولا نعارض بينهما فنبطل الأسباب المقدورة أو نقدح في الشريعة المنزلة كما فعله الطائفتان المنحرفتان فإحداهما بطلت ما قدره الله من الأسباب بما فهمته من الشرع وهذا من تقصيرها في الشرع والقدر والأخرى توصلت إلى القدح في الشرع وإبطاله بما تشاهده من تأثير الأسباب وإرتباطها بمسبباتها لما ظنت أن الشرع نفاها وكذبت بالشارع فالطائفتان جانيتان على الشرع لكن الموفقون المهديون آمنوا بقدر الله وشرعه ولم يعارضوا أحدهما بالآخر بل صدر منهما الآخر عندهم وقرره فكان الأمر تفصيلا للقدر وكاشفا عنه وحاكما عليه والا أصل للأمر ومنفذ له وشاهد له ومصدق له فلولا القدر لما وجد الأمر ولا تحقق(2\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "546",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15002",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على ساقه ولولا الأمر لما تميز القدر ولا تبينت مراتبه وتصاريفه فالقدر مظهر للأمر والأمر تفصيل له والله سبحانه له الخلق والأمر فلا يكون إلا خالقا آمرا فأمره تصريف لقدره وقدره منفذ لأمره ومن أبصر هذا حق البصر وانفتحت له عين قلبه تبين له سر ارتباط الأسباب بمسبباتها وجريانها فيها وأن القدح فيها وإبطالها إبطال للأمر وتبين له أن كمال التوحيد بإثبات الأسباب لا أن إثباتها نقض للتوحيد كما زعم منكروها حيث جعلوا إبطالها من لوازم التوحيد فجنوا على التوحيد والشرع والتزموا تكذيب الحس والعقل ووقعوا في أنواع من المكابرة سلطت عليهم أعداء الشريعة وأوجبت لهم إن أساؤا بها الظن وتنقصوها وزعموا أنها خطابية وإقناعية وجدلية لابرهانية فعظم الخطب وتفاقم الأمر واشتدت البلية بالطائفتين وقد قيل أن العدو العاقل خير من الصديق الجاهل ونحن بحمد الله نبين الأمر في ذلك ونوضح أيضا ما يتبين به تصديق كل من الأمرين الآخر وشهادته له وتزكيته له ونبين ارتباط كل من الأمرين وعدم انفكاكه عنه فنقول وبالله التوفيق 000 أما ما ذكرتم من أن النبي كان يعجبه الفأل الحسن فلا ريب في ثبوت ذلك عنه وقد قرن ذلك بإبطال الطيرة كما في الصحيحين من حديث الزهري عن عبيد بن عبد الله عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى عليه وسلم لاطيرة وخيرها الفأل قالوا وما الفأل يا رسول الله قال الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم فابتدأهم النبي بإزالة الشبهة وأبطال الطيرة لئلا يتوهموها عليه في إعجابه بالفأل الصالح وليس في الإعجاب بالفأل ومحبته شىء من الشرك بل ذلك إبانة عن مقتضى الطبيعة وموجب الفطرة الإنسانية التي تميل إلى مايلائمها ويوافقها مما ينفعها كما أخبرهم أنه حبب إليه من الدنيا النساء والطيب 00 وفي بعض الآثار أنه صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الفاغية وهى نور الحناء وكان يحب الحلواء والعسل وكان يحب الشراب البارد الحلو ويحب حسن الصوت بالقرآن والأذان ويستمع إليه ويحب معالي الأخلاق ومكارم الشيم وبالجملة يحب كل كمال وخير وما يفضي إليهما والله سبحانه قد جعل في غرائز الناس الإعجاب بسماع الإسم الحسن ومحبته وميل نفوسهم إليه وكذلك جعل فيها الإرتياح والاستبشار والسرور باسم السلام والفلاح والنجاح والتهنئة والبشرى والفوز والظفر والغنم والربح والطيب ونيل الأمنية والفرح والغوث والعز والغنى وأمثالها فإذا قرعت هذه الأسماء الأسماع استبشرت بها النفس وانشرح لها الصدر وقوى بها القلب وإذا سمعت أضدادها أوجب لها ضد هذه الحال فأحزنها ذلك وأثار لها خوفا وطيرة وأنكماشا وانقباضا عما قصدت له وعزمت عليه فأورث لها ذلك ضررا في الدنيا ونقصا في الإيمان ومقارفة للشرك كما ذكره أبو عمر(2\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "547",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15003",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في التمهيد من حديث المقري عن أبى لهيعة حدثنا ابن هبيرة عن أبى عبد الرحمن الجيلى عن عبد الله بن عمر عن رسول قال من أرجعته الطيرة من حاجته فقد أشرك قال وما كفارة ذلك يا رسول الله قال أن يقول أحدهم اللهم لاطير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك ثم يمضى لحاجته 00 وذكر ابن وهب قال أخبرني أسامة بن زيد قال سمعت نافع بن جبير ابن مطعم يقول سأل كعب الأحبار عبد الله بن عمر هل تتطير فقال نعم قال فكيف تقول إذا تطيرت قال أقول اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا رب غيرك ولا قوة إلا بك فقال كعب أنه أفقه العرب والله إنها لكذلك في التوراة وهذا الذي جعله الله سبحانه في طباع الناس وغرائزهم من الإعجاب بالأسماء الحسنة والألفاظ المحبوبة وهو نظير ما جعل في غرائزهم من الإعجاب بالمناظر الأنيقة والرياض المنورة والمياه الصافية والألوان الحسنة والروائح الطيبة والمطاعم المستلذة وذلك أمر لا يمكن دفعه ولا يحد القلب عنه انصرافا فهو ينفع المؤمن ويسر نفسه وينشطها ولا يضرها في إيمانها وتوحيدها وأخبر في حديث أبى هريرة أن الفأل من الطيرة وهو خيرها فقال لا طيرة وخيرها الفأل فأبطل الطيرة وأخبر أن الفأل منها ولكنه خيرها ففصل بين الفأل والطيرة لما بينهما من الامتياز والتضاد ونفع أحدهما ومضرة الآخر ونظير هذا منعه من الرقاء بالشرك وإذنه في الرقية إذا لم تكن شركا لما فيها من المنفعة الخالية عن المفسدة وقد اعتاص هذا الفرقان على أفهام كثير ممن غلظ عن معرفة الحق والدين حجابه وغلظ عنه طبعه وكشف عنه فهمه فقال السامع إذا سمع مثلا يا بشارة أو أبشر أو لا تخف أو يانجيح ونحوه وسمع ضد ذلك فأما أن يوجب الأمر أن مايشاكلهما وأما وأن لا يوجبا شيئا فأما أن يوجب أحدهما دون الآخر فلا وجه له وهذا من عمى عن الهدى وصم عن سماعه وإنما تحصل الهداية من ألفاظ رسول الله صلى عليه وسلم وتشرق ألفاظها في صدر من تلقاها بالتصديق والقبول فأذعن لها بالسمع والطاعة وقابلها بالرضى والتسليم وعلم أنها منبع الهدى ومعين الحق ونحن بحمد الله نوضح لمن اشتبه ذلك عليه فرقان ما بينهما وفائدة الفأل ومضرة الطيرة فنقول 00 الفأل والطيرة وإن كان مأخذهما سواء ومجتناهما واحدا فإنهما يختلفان بالمقاصد ويفترقان بالمذاهب فما كان محبوبا مستحسنا تفاءلوا به وسموه الفأل وأحبوه ورضوه وما كان مكروها قبيحا منفرا تشاءموا به وكرهوه وتطيروا منه وسموه طيرة تعرقة بين الأمرين وتفصيلا بين الوجهين وسئل بعض الحكماء فقيل له ما بالكم تكرهون الطيرة وتحبون الفأل فقال لنا في الفأل عاجل البشرى وإن قصر عن الأمل ونكره الطيرة لما يلزم قلوبنا من الوجل وهذا الفرقان حسن جدا وأحسن منه ما قاله ابن الرومي في ذلك الفأل لسان الزمان والطيرة عنوان الحدثان وقد كانت العرب تقلب الأسماء تطيرا وتفاؤل(2\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "548",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15004",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيسمون اللديغ سليما باسم السلامة وتطيرا من اسم السقم ويسمون العطشان ناهلا أي سنهل والنهل الشرب تفاؤلا باسم الري ويسمون الفلاة مفازة أي منجاة تفاؤلا بالفوز والنجاة ولم يسموها مهلكة لأجل الطيرة وكانت لهم مذاهب في تسمية أولادهم فمنهم من سموه بأسماء تفاؤلا بالظفر على أعدائهم نحو غالب وغلاب ومالك وظالم وعارم ومنازل ومقاتل ومعارك ومسهر ومؤرق ومصبح وطارق ومنهم من تفاءل بالسلام كتسميتهم بسالم وثابت ونحوه ومنهم من تفاءل بنيل الحظوظ والسعادة كسعد وسعيد وأسعد ومسعود وسعدى وغانم ونحو ذلك ومنهم من قصد لتسميته بأسماء السباع ترهيبا لأعدائهم نحو أسد وليث وذئب وضرغام وشبل ونحوها ومنهم من قصد التسمية بما غلظ وخشن من الأجسام تفاؤلا بالقوة كحجر وصخر وفهر وجندل ومنهم من كان يخرج من منزله وامرأته تمخض فيسمى ما تلده باسم أول ما يلقاه كائنا ما كان من سبع أو ثعلب أو ضب أو كلب أو ظبي أو حشيش أو غيره وكان القوم على ذلك إلى أن جاء الله بالإسلام ومحمد رسوله ففرق به بين الهدى والضلال والغي والرشاد وبين الحسن والقبيح والمحبوب والمكروه والضار والنافع والحق والباطل فكره الطيرة وأبطلها واستحب الفأل وحمده فقال لا طيرة وخيرها الفأل قالوا وما الفأل قال الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم وقال عبد الله بن عباس لا طيرة ولكنه فأل والفأل المرسل يسار وسالم ونحوه من الإسم يعرض لك على غير ميعاد وسئل بعض العلماء عن الفأل فقال أن تسمع وأنت قد أضللت بعيرا أو شيئا يا واجد أو أنت خائف يا سالم وقال الأصمعي سألت ابن عون عن الفأل فقال أن يكون مريضا فيسمع يا سالم وأخبرك عن نفسي بقضية من ذلك وهي أني أضللت بعض الأولاد يوم التروية بمكة وكان طفلا فجهدت في طلبه والنداء عليه في سائر الركب إلى وقت يوم الثامن فلم أقدر له على خبر فأيست منه فقال لي إنسان إن هذا عجز اركب وادخل الآن إلى مكة فتطلبه فيها فركبت فرسا فما هو إلا أن استقبلت جماعة يتحدثون في سواد الليل في الطريق وأحدهم يقول ضاع له شيء فلقيه فلا أدري انقضاء كلمته كان اسرع أم وجداني الطفل مع بعض أهل مكة في محملة عرفته بصوته فقوله ولا طيرة وخيرها الفأل ينفي عن الفأل مذهب الطيرة من تأثير أو فعل أو شركة ويخلص الفال منها وفي الفرقان بينهما فائدة كبيرة وهي أن التطير هو التشاؤم من الشيء المرئي أو المسموع فإذا استعملها الإنسان فرجع بها من سفره وامتنع بها مما عزم عليه فقد قرع باب الشرك بل ولجه وبرىء من التوكل على الله وفتح على نفسه باب الخوف والتعلق بغير الله والتطير مما يراه أو يسمعه وذلك قاطع له عن مقام إياك نعبد وإياك نستعين وأعبده وتوكل عليه وعليه توكلت وإليه أنيب فيصير قلبه متعلقا بغير الله عبادة وتوكلا فيفسد عليه قلبه وإيمانه(2\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "549",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15005",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحاله ويبقى هدفا لسهام الطيرة ويساق إليه من كل أوب ويقيض له الشيطان من ذلك ما ما يفسد عليه دينه ودنياه وكم هلك بذلك وخسر الدنيا والآخرة فأين هذا من الفأل الصالح السار للقلوب المؤيد للآمال الفاتح باب الرجاء المسكن للخوف الرابط للجاش الباعث على الاستعانة بالله والتوكل عليه والاستبشار المقوى لأمله السار لنفسه فهذا ضد الطيرة فالفأل يفضي بصاحبه إلى الطاعة والتوحيد والطيرة تفضي بصاحبها إلى المعصية والشرك فلهذا استحب الفأل وأبطل الطيرة وأما حديث اللقحة ومنع النبي حربا ومرة من حلبها وأذنه ليعيش في حلبها فليس هذا بحمد الله في شيء من الطيرة لأنه محال أن ينهى عن شيء ويبطله ثم يتعاطاه هو وقد أعاذه الله سبحانه من ذلك قال أبو عمر ليس هذا عندي من باب الطيرة لأنه محال أن ينهى عن شيء ويفعله وإنما هو من طلب الفال الحسن وقد كان أخبرهم عن أقبح الأسماء أنه حرب ومرة فأكد ذلك حتى لا يتسمى بها أحد ثم ساق من طريق ابن ربيعة عن جعفر بن ربيعة بن يزيد عن عبد الله بن عامر اليحصبي أن رسول الله قال خير الأسماء عبد الله وعبد الرحمن واصدقها حارث وهمام حارث يحرث لأبنائه وهمام يهم بالخير وكان يكره الإسم القبيح لأنه كان يتفاءل بالحسن من الأشياء ثم ساق من طريق ابن وهب حدثني ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن عبد الرحمن بن جبير عن يعيش الغفاري قال دعا النبي يوما بناقة فقال من يحلبها فقام رجل فقال أنا فقال ما اسمك قال مرة قال اقعد ثم قام آخر فقال ما اسمك قال جمرة قال اقعد ثم قام رجل فقال ما اسمك قال يعيش قال احلبها وروى حماد بن سلمة عن حميد عن بكر بن عبد الله المزني أن رسول الله كان إذا توجه لحاجة يحب أن يسمع يانجيح يا راشد يا مبارك وقد روى من حديث بريدة أن النبي كان لا يتطير من شيء ولكن كان إذا سال عن اسم الرجل فكان حسنا رؤى البشاشة في وجهه وإن كان سيئا رؤى ذلك في وجهه وإذا سأل عن اسم الأرض وكان حسنا رؤى ذلك فيه قلت الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده حدثنا عبد الصمد حدثنا هشام عن قتادة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال كان رسول الله لا يتطير من شيء ولكنه إذا أراد أن يأتي ارضا سال عن اسمها فإن كان حسنا رؤى ذلك في وجهه وكان إذا بعث رجلا سأل عن اسمه فإن كان حسن الإسم رؤى البشر في وجهه وإن كان قبيحا رؤى ذلك في وجهه وقال ابو عمر حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا أحمد بن زهير بن حسين بن حريث ابن عبد الله بن بريده عز الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال كان النبي لا يتطير ولكن كان يتفاءل فركب بريدة في سبعين راكبا من أهل بيته من بني أسلم فتلقى النبي ليلا فقال له النبي من أنت قال أنا بريدة فالتفت إلى أبي بكر قال يا أبا بكر(2\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "550",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15006",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "برد أمرنا وصلح ثم قال ممن قال من أسلم قال لأبى بكر سلمنا ثم قال ممن قال من بنى سهم قال خرج سهمنا قال أحمد بن زهير قال أنا أبو عمار سمعت أو كما يحدث هذا الحديث بعد ذلك عن أخيه سهل بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن بريدة فأعدت ثلاثا من حدثك قال سهل أخي والذي يكشف أمر حديث اللقحة مازاده ابن وهب في جامعه الحديث فقال بعد أن ذكره فقام عمر بن الخطاب فقال أتكلم يا رسول الله أم أصمت قال بل أصمت وأخبرك بما أردت ظننت يا عمر أنها طيرة ولا طير إلا طيره ولا خير إلا خيره ولكن أحب الفأل الحسن فزال بذلك تعلق المتطيرين بن ووضح أمر الحديث والحمد لله رب العالمين 00 ويمكن أن يكون هذا منه على سبيل التأديب لأمته لئلا يتسموا بالأسماء القبيحة وليبادر من أسلم منهم وله اسم قبيح إلى إبداله بغيره من غير إيجاب منه ولا إلزام ولكن لوجهين من الاستحباب: أحدهما انتقالهم عن مذاهب آبائهم ومقاصد سلفهم الفاسدة القبيحة التي يحزن بها بعضهم بعضا عند سماعها وموافاة أهلها ومخالطتهم ومفاجأتهم لما يبقى في ذلك من آثار الطيرة الكامنة في الغريزة فإن سلم العبد منها وجاهد نفسه كليها عند لقيا صاحبها وسماعه لاسم أخيه لم يسلم من الكمد وحزن القلب وقد يؤدى ذلك إلى البغضاء وإلى ضرب من النفرة والتفرقة كالصديق يدعوه الصديق القبيح الاسم فقد يتمنى خاطره أنه لم يصحبه ولا رآه ولا سمع اسمه حتى إذا طمع به ودعاه ذو الاسم الحسن ابتهج أليه وأقبل عليه وسر بصياحه ودعائه له لراحة قلبه إلى حسن اسمه فقد يدعو البعيد من قلبه ويبعد الصديق من نفسه من أجل اسمه فكيف به إذا رآه من يومه وعبرله تعبير السوء من اشتقاق اسمه كيف يعود متمنيا لفقده في رقاده متكرها للقائه متطيرا لرؤيته وهذا ضد التوادد والتراحم والتوالف الذي قصد الشارع ربطه بين المؤمنين فكره صلى الله عليه وسلم لأمته مقامها على حالة يؤذى بها بعضهم بعضا لغير عذر ولا فائدة تعود عليهم لا في الدينا ولا في الآخر ويؤدى هذا إلى التقاطع والتنافر مع أنه قد ندبهم واستحب لهم إدخال أحدهم السرور على أخيه المسلم ما استطاع ودفع الأذى والمكروه عنه فقال لا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم وقد أمرهم يوم الجمعة بالغسل والطيب عند اجتماعهم لئلا يؤذى بعضهم بعضا برائحته التي انما يتجشمها ساعة للاجتماع ثم يفترقا ومنع آكل الثوم والبصل من دخول المسجد لأجل تأذى الناس والملائكة به ومنع الاثنين أن يتناجيا دون صاحبهما خشية تأذيه وحزنه ومنع أحدهم أن يأكل متاع أخيه لاعبا لأن ذلك يؤذيه ومعلوم أن ضرر الاسم القبيح على كثير منهم عليه عند همه وخروجه من منزله ورؤية صاحبه في منامه ودعائه من برائحة الثوم والبصل وهذا من كمال رأفته ورحمته بالمؤمنين وعزة ما عنتوا(2\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "551",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15007",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه ولهذا والله أعلم غير كثيرا من الأسماء القبيحة بأحسن منها وغير أسماء حسنة إلى غيرها خشية الطيرة والتأذى عند نفيها والخروج من عند المسمى أو لتضمنها تزكية النفس ونحوها فالأول كغيره اسم الحباب بن المنذر بعبد الرحمن وقال الحباب اسم الشيطان وغير أبا مرة إلى أبى حلوة وغير أبا المعاصي إلى مطيع وغير عاصية بجميلة وغير أسم بنى الشيطان إلى بنى عبد الله وغير اسم أصرم إلى اسم زرعة وغير اسم حزن جد سعيد بن المسيب إلى سهل فأبى قبول ذلك فلزمه مسمى اسمه من الحزونة له ولذريته 00 وقال أبو داود وغير النبي اسم العاص وعزير وعقلة والشيطان والحكم وغراب وحباب وشهاب فسماه هشاما وسمى حربا سلما وسمى المضطجع المنبعث وأرضا اسمها عفرة سماها خضرة وشعب الضلالة سماه شعب الهدى وبنو الزنية سماهم بنى الرشدة وسمى بنى مغويه بنى رشدة قال أبو داود تركت أسانيدها للاختصار 00 وقال مسروق لقيت عمر فقال من أنت فقلت مسروق بن الأجدع فقال عمر سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول الأجدع شيطان وأما الثاني ففي صحيح مسلم عن سمرة قال قال رسول الله صلى وعليه وسلم لاتسمين غلامك يسارا ولا رباحا ولا نجيحا ولا أفلح فإنك تقول اثم هو فيقال لا وغير اسم برة بزينب وكره أن يقال خرج من عند برة وأما الثالث فكتغييره أبا الحكم بأبي شريح وتفسيره أيضا برة بزينب وقال لا تزكوا أنفسكم فروى مسلم في صحيحه عن محمد ابن عمرو بن عطاء أن زينب بنت أبى سلمة سألته ما سميت بنتك قال سميتها برة فقالت إن رسول الله صلى عليه وسلم نهى عن هذا الاسم وسميت برة فقال النبي لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم فقالوا ما نسميها قال سموها زينب ومن هذا ما في الصحيحين عن أبى هريرة عن النبي أن أخنع اسم عند الله يوم القيامة رجل تسمى ملك الأملاك لا مالك إلا الله قال سفيان بن عيينة مثل شاهان شاه وذكر وهب أن رسول الله عليه وسلم أتى بغلام فقال ما سميتم هذا قالوا السائب فقال لا تسموه السائب ولكن سموه عبد الله قال فغلبوا على اسمه فلم يمت حتى ذهب عقله فإن قيل فقد كان لرسول الله اسمه رباح وكان لأبى أيوب غلام اسمه أفلح ولعبد الله بن عمر غلام اسمه رباح قيل هذا النهى من النبي لم يكن على وجه العزيمة والحتم ولكن كان على جهة الكراهة والدليل عليه ما روى البخاري في صحيحه عن سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده حزن أنه أتى النبي فقال له ما اسمك قال حزن فقال أنت سهل لا أغير اسما سمانية أبى فلم ينكر عليه النبي ولا أخبره أن ذلك معصية بل سكت عنه وكذلك لما غير اسم السائب فأبوا تغييره لم ينكر عليهم وأيضا فروى مسلم في صحيحه من حديث أبى الزبير عن جابر قال أراد النبي أن ينهى أن يسمى بيعلى وبركة وأفلح ويسار ونافع ونحو ذلك ثم رأيته سكت(2\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "552",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15008",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعد عنها فلم يقل شيئا ثم قبض ولم ينه عن ذلك ثم أراد عمر رضى الله عنه أن ينهى عن ذلك ثم تركه ورأيت لبعضهم في الفرق بين الفأل والطيرة كلاما ما أذكره بلفظه قال أما ما روى أن النبي كان يتفاءل ولا يتطير فهما وإن كان معناها واحد في الاستدلال فبينهما افتراق لأن الفأل إبانة والتطير استدلال والإبانة أكثر واشهر وأوضح وأفصح لأن من كان في قلبه وضميره شيء فسمع قائلا يقول أقبل الخير وامض بسلام أو أبشر أو نحو ذلك فقد اكتفى بما سمع من الاستدلال والذي يرى طائرا يصيح أو ينوح فليس معه إلى الاستدلال على اليمن بالسانح والشؤم بالبارح وهذا أمر قد يكون وقد لا يكون وذلك الفأل في الأعم يكون وقال آخرون إن النبي لم يكن يتطير أي لم يكن يسند الأمور الكائنة من الخير والشر إلى الطير كما يفعل الكهنة وقال آخرون إن النبي كان إذا جلس مع أصحابه فتكلم أحدهم بخير أو سمع من تكلم حصهم عليه وعرفهم به ومعلوم أنه لا بد لطائر أن يمر سانحا أو بارحا أو قعيدا أو ناطحا فلا يوقفهم عليه ولا يعرفهم به إذ ذلك من فعل الكهان وكان الحديث المروى عنه أنه كان يتفاءل ولا يتطير من هذا المعنى وقد أغنى الله رسوله باخباره بارسال جبريل إليه بما يحدثه سبحانه من الاستدلال على أحداثه بالأشياء التي ينظر فيها غيره تفرقة منه سبحانه بين النبوة وغيرها فان قيل فهذا الذي نزل بهذين الرجلين وهما السائب وحزن هل كان من أجل اسمهما أم من جهة غير الاسم قيل قد يظن من لا ينعم النظر أن الذي نزل بهما هو من جهة اسميهما ويصحح بذلك امر الطيرة وتأثيرها ولو كان كما ظنوه لوجب أن ينزل بجميع من تسمى باسميهما من أول الدهر ولكان اقتضاء الاسم لذلك كاقتضاء النار الإحراق والماء والتبريد ونحوه ولكن يحمل ذلك والله أعلم على أن الأمرين الجاريين عليهما قد تقدما في أم الكتاب كما تقدم لهما أيضا أن يتسميا باسميهما إلى أن يختار لهما رسول الله وغيرهما فيرغبون عن اختياره ويتخلفون عن استجابته فيعاقبا بما قد سبق لهما عقوبة تطابق اسمهما ليكون ذلك زاجرا لمن سواهما وقد يكون خوفه على اهل الأسماء المكروهة أيضا من مثل هذه الحوادث إذ قد تنزل بالإنسان بلا مشيئة بما في اسمه فيظن هو أو جميع من بلغه أن ذلك كان من أجل اسمه عاد عليه بشؤمه فيعصي الله عز وجل وقد كره قوم من الصحابة والتابعين أن يسموا عبيدهم عبد الله أو عبد الرحمن أو عبد الملك ونحوه ذلك مخافة أن يعتقهم ذلك قال سعيد بن جبير كنت عند ابن عباس سنة لا أكلمه ولا أعرفه ولا يعرفني حتى أتاه يوما كتاب من امرأة من أهل العراق فدعا غلمانه فجعل يكني عن عبيد الله وعبد الله واشباهم ويدعو يا مخراق يا وثاب وروى أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم(2\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "553",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15009",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال كانوا يكرهون أن يسمى الرجل غلامه عبد الله مخافة أن ذلك يعتقه وروى مغيرة عن ابي معشر عن إبراهيم أنه كره أن يسمى مملوكه عبد وعبيد الله وعبد الملك وعبد الرحمن واشباهه مخافة العتق قال بعض أهل العلم كراهتهم لذلك نظير ما كره رسول الله من تسمية المماليك برباح ونافع وأفلح لأن ذلك كان منه حذرا من أن يقال أهاهنا نافع فيقال لا أو أثم أفلح فيقال لا أو بركة أو يسار أو رباح فيقال لا ومعلوم إن السائل عن انسان إسمه أفلح أو نافع أو رباح هل هو في مكان كذا إنما مسئلة تلك عن مسمى شخص من أشخاص بني آدم سمى باسم جعل عليه دليلا يعرف به إذا ذكر إذا كانت الأسماء العوارى المفرقة بين الأشخاص المتشابهة إنما هي أدلة المسمين بها لا مسالة عن شخص صفته النفع والفلاح والبركة وذلك من كراهته نظير كراهته تسمية تلك المرأة برة فحول إسمها جويرية وتحويله اسم أرض كان اسمها عفرة فردها خضرة ونحو ذلك كثير ومعلوم أن تحويله ما حول من هذه الأسماء عما كان عليه لم يكن لأن التسمية بما كان المسمى به منهم مسمى قبل تحويله ذلك كان حرام التسمية ولكن كان ذلك منه وعلى وجه الإستحباب واختيار الأحسن على الذي هو دونه في الحسن إذ كان لا شيء في القبيح من الأسماء إلا وفي الجميل الحسن منها مثله من الدلالة على المسمى به مع تخير الأحسن بفضل الحسن والجمال من غير مؤنة تلزم صاحبه بسبب التسمى وكذلك كراهة من كره تسمية مملوكه عبد الله وعبد الرحمن إنما كانت كراهة ذلك حذرا أن يوجب ذلك له العتق ولا شك أن جميع بني آدم عبيد الله أحرارهم وعبيدهم وصفهم بذلك واصف أو لم يصفهم ولكن الذين كرهوا التسمية بذلك صرفوا هذه الأسماء عن رقيقهم لئلا يقع اللبس على السامع بذلك من اسمائهم فيظن أنهم أحرار إذ كان استعمال أكثر الناس التسمية بهذه الاسماء في الأحرار فتجنبوا ذلك إلى ما يزيل اللبس عنهم من أسماء المماليك والله أعلم فصل وأما الأثر الذي ذكره مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لرجل ما اسمك قال جمرة الحديث الى آخره فالجواب عنه أنه ليس بحمد الله فيه شيء من الطيرة وحاشا أمير المؤمنين رضي الله عنه من ذلك وكيف يتطير وهو يعلم أن الطيرة شرك من الجبت وهو القائل في حديث اللقحة ما تقدم ولكن وجه ذلك والله أعلم أن هذا القول كان منه مبالغة في الإنكار عليه لاجتماع أسماء النار والحريق في اسمه واسم أبيه وجده وقبيلته وداره ومسكنه فوافق قوله اذهب فقد احترق منزلك وقدرك ولعل قوله كان السبب وكثيرا ما يجري مثل هذا لمن هو دون عمر بكثير فكيف بالمحدث الملهم الذي ما قال لشيء اني(2\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "554",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15010",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأظنه كذا إلا كان كما قال وكان يقول الشيء ويشير به فينزل القرآن بموافقته فاذا نزل الأمر الديني بموافقة قوله فكذلك وقوع الأمر الكوني القدرى موافقا لقوله ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النبي أنه كان يقول قد كان في الأمم قبلكم محدثون فان يكن في أمتي أحد منهم فعمر بن الخطاب رضي الله عنه قال ابن وهب تفسير محدثون ملهمون وفي صحيح البخارى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله لقد كان فيمن كان قبلكم من بني اسرائيل رجال يعلمون من غير أن يكونوا أنبياء فان يكن في أمتي منهم أحد فعمر وفي الصحيحين عن عمر رضي الله عنه قال وافقت ربي في ثلاث في مقام إبراهيم وفي الحجاب وفي اساري بدر وفي صحيح البخاري عن أنس قال قال عمر وافقني الله في ثلاث أو وافقني ربي في ثلاث قلت يا رسول الله لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى وقلت يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله آية الحجاب وبلغني معاتبة النبي بعض نسأله فدخلت عليهن فقلت ان انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله خيرا منكن حتى أتيت أحدى نسائه فقالت يا عمر أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت فأنزل الله عز وجل عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن الآية وفي الصحيحين أنه لما قام ليصلى على عبد الله بن أبي بن أبي سلول رأس المنافقين قام عمر فأخذ ثوبه وقال يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه فقال رسول الله إنما خيرني الله فقال استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم وسأزيد على السبعين وصلى رسول الله فأنزل الله عز وجل ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره فترك الصلاة عليهم فإذا كانت هذه موافقة عمر لربه في شرعه ودينه وينطق بالشيء فيكون هو المأمور المشروع فكذلك لا يبعد موافقته له تعالى في قضائه وقدره ينطق بالشيء فيكون هو المقضى المقدور فهذا لون والطيرة لون وكذلك جرى له تطير مع رجل آخر ساله عن اسمه فقال ظالم فقال ابن من قال ابن سارق قال تظلم أنت ويسرق أبوك وذكر المدائني عن أبي صفرة وهو أبو المهلب أنه ابتاع سلعة بتأخير من رجل من بني سعد فأراد أن يشهد عليه فقال له ما اسمك قال ظالم قال ابن من قال ابن سراق قال لا والله لا يكون عليك شيء أبدا  فصل وأما محبة النبي التيمن في تنعله وترجله وطهوره وشأنه كله فليس هذا من باب الفأل ولا التطير بالشمال في شيء ولكن تفضيل اليمين على الشمال فكان يعجبه(2\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "555",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15011",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن يباشر الافعال التي هي من باب الكرامة باليمين كالأكل والشرب والأخذ والعطاء وضدها بالشمال كالاستنجاء وامساك الذكر وإزالة النجاسة فإن كان الفعل مشتركا بين العضوين بدأ باليمين في افعال التكريم وأماكنه كالوضوء ودخول المسجد وباليسار في ضد ذلك كدخول الخلاء والخروج من المسجد ونحوه والله تعالى فضل بعض مخلوقاته على بعض وفضل بعض جوارح الإنسان وأعضائه على بعض ففضل العين على الكعب والوجه على الرجل وكذلك فضل اليد اليمين على اليسار وخلق خلقه صنفين سعداء وجعلهم أصحاب اليمين وأشقياء وجعلهم أصحاب الشمال وقال النبي المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا وفي الصحيح عنه لما أسرى به رأى آدم في سماء الدنيا وإذا عن يمينه اسودة وعن يساره اسودة فإذا نظر قبل يمينه عنه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى فقال ما هذا يا جبريل فقال هذا آدم وهذه الاسودة عن يمينه ويساره بنوه فأهل اليمين أهل السعادة من ذريته وأهل اليسار أهل الشقاوة وفي المسند عن عائشة قالت كانت يد رسول الله اليمين لطهوره وطعامه وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى وفي المسند أيضا وسنن أبي داود عن حفصة بنت عمر زوج النبي كان يجعل يمينه لطعامه ويجعل شماله لما سوى ذلك وقال أحمد كانت يمينه لطعامه وطهوره وصلاته وشأنه وكانت شماله لما سوى ذلك فصل وأما قوله الشؤم في ثلاث الحديث فهو حديث صحيح من رواية ابن عمر وسهل بن سعد ومعاوية بن حكيم وقد روى أن أم سلمة كانت تزيد السيف يعني في حديث الزهرى عن حمزة وسالم عن أبيهما في الشؤم وقد اختلف الناس في هذا الحديث وكانت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها تنكر أن يكون من كلام النبي وتقول إنما حكاه رسول الله عن أهل الجاهلية وأقوالهم فذكر أبو عمر بن عبد البر من حديث هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم عن سعيد عن قتادة عن أبي حسان أن رجلين دخلا على عائشة وقالا إن أبا هريرة يحدث أن النبي قال إنما الطيرة في المرأة والدار والدابة فطارت شقة منها في السماء وشقة في الارض ثم قالت كذب والذي أنزل الفرقان على ابي القاسم من حدث عنه بهذا ولكن رسول الله كان يقول كان أهل الجاهلية يقولون ان الطيرة في المرأة والدار والدابة ثم قرأت عائشة ما اصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن في ذلك على الله يسير قال أبو عمر وكانت عائشة(2\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "556",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15012",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تنفي الطيرة ولا تعتقد منها شيئا حتى قالت لنسوة كن يكرهن البناء بأزواجهن في شوال ما تزوجني رسول الله إلا في شوال وما دخل بي إلا في شوال فمن كان احظى مني عنده وكان تستحب أن يدخلن على أزواجهن في شوال قال أبو عمر وقولها في أبي هريرة كذب فإن العرب تقول كذبت بمعنى غلطت فيما قدرت وأوهمت فيما قلت ولم تظن حقا ونحو هذا وذلك معروف من كلامهم موجود في أشعارهم كثيرا قال أبو طالب: كذبتم وبيت الله نترك مكة ... ونظعن الا أمركم في بلابل كذبتم وبيت الله نبري محمدا ... ولما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل وقال شاعر من همدان: كذبتم وبيت الله لا تأخذونه ... مراغمة مادام للسيف قائم وقال زفر بن الحارث العبسي: أفي الحق إما بحدل وابن بحدل ... فيحي وأما ابن الزبير فيقتل كذبتم وبيت الله لا تقتلونه ... ولما يكن أمر أغر محجل قال ألا ترى أن هذا ليس من باب الكذب الذي هو ضد الصدق وإنما هو من باب الغلط وظن ما ليس بصحيح وذلك أن قريشا زعموا أنهم يخرجون بني هاشم من مكة ان لم يتركوا جوار محمد فقال لهم أبو طالب كذبتم أي غلطتم فيما قلتم وظننتم وكذلك معنى قول الهمداني والعبسي وهذا مشهور في كلام العرب قلت ومن هذا قول سعيد بن جبير كذب جابر بن زيد يعني في قوله الطلاق بيد السيد أي أخطأ ومن هذا قول عبادة ابن الصامت كذب ابو محمد لما قال الوتر واجب أي أخطأ وفي الصحيح أن النبي قال كذب ابو السنابل لما أفتى أن الحامل المتوفى عنها زوجها لا تتزوج حتى تتم لها أربعة أشهر وعشرا ولو وضعت وهذا كثير والمقصود أن عائشة رضي الله عنها ردت هذا الحديث وأنكرته وخطأت قائله ولكن قول عائشة هذا مرجوح ولها رضي الله عنها اجتهاد في رد بعض الحاديث الصحيحة خالفها فيه غيرها من الصحابة وهي رضي الله عنها لما طنت أن هذا احديث يقتضي إثبات الطيرة التي هي من الشرك لم يسعها غير تكذيبه ورده ولكن الذين رووه ممن لا يمكن رد روايتهم ولم ينفرد بهذا أبو هريرة وحده ولو انفرد به فهو حافظ الأمة على الإطلاق وكلما رواه النبي فهو صحيح بل قد رواه عن النبي عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسهل بن سعد الساعدى وجابر بن عبد الله الأنصاري وأحاديثهم في الصحيح فالحق أن الواجب بيان معنى الحديث ومباينته للطيرة الشركية(2\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "557",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15013",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فنقول وبالله التوفيق هذا الحديث قد روى على وجهين أحدهما بالجزم والثاني بالشرط فأما الأول فرواه مالك عن ابن شهاب عن سالم وحمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيهما أن رسول الله قال الشؤم في الدار والمرأة والفرس متفق عليه وفي لفظ في الصحيحين عنه لا عدوى ولا صفر ولا طيرة وإنما الشؤم في ثلاثة المرأة والفرس والدار وأما الثاني ففي الصحيحين أيضا عن سهل بن سعد قال قال رسول الله إن كان ففي المرأة والفرس والممكن يعني الشؤم وقال البخاري إن كان في شيء وفي صحيح مسلم عن جابر مرفوعا إن كان في شيء ففي الربع والخادم والفرس وفي الصحيحين عن ابن عمر مرفوعا إن يكن من الشؤم شيء حقا ففي الفرس والمسكن والمرأة وروى زهير بن معاوية عن عتبة بن حميد قال حدثني عبيد الله بن أبي بكر أنه سمع أنسا يقول قال رسول الله لا طيرة والطيرة على من تطير وإن يكن في شيء ففي المرأة والدار والفرس ذكره أبو عمر وقالت طائفة أخرى لم يجزم النبي بالشؤم في هذه الثلاثة بل علقه على الشرط فقال إن يكن الشؤم في شيء ولا يلزم من صدق الشرطية صدق كل واحد من مفرديها فقد يصدق التلازم بين المستحيلين قالوا ولعل الوهم وقع من ذلك وهو أن الراوي غلط وقال الشؤم في ثلاثة وإنما الحديث إن كان الشؤم في شيء ففي ثلاثة قالوا وقد اختلف على ابن عمر والروايتان صحيحتان عنه قالوا وبهذا يزول الإشكال ويتبين وجه الصواب وقالت طائفة أخرى إضافة رسول الله صلى عليه وسلم الشؤم إلى هذه الثلاثة مجاز واتساع أي قد يحصل مقارنا لها وعندها لا أنها هي أنفسها مما يوجب الشؤم قالوا وقد يكون الدار قد قضى الله عز وجل عليها أن يميت فيها خلقا من عباده كما يقدر ذلك في البلد الذي ينزل الطاعون به وفي المكان الذي يكثر الوباء به فيضاف ذلك إلى المكان مجازا والله خلقه عنده وقدره فيه كما يخلق الموت عند قتل القاتل والشبع والري عند أكل الآكل وشرب الشارب فالدار التي يهلك بها أكثر ساكنيها توصف بالشؤم لأن الله عز وجل قد قصها بكثرة من قبض فيها كتب الله عليه الموت في تلك الدار حسن إليه سكناها وحركه إليها حتى يقبض روحه في المكان الذي كتب له كما ساق الرجل من بلد إلى بلد للأثر والبقعة التي قضى أنه يكون مدفنه بها قالوا وكذلك ما يوصف من طول أعمار بعض أهل البلدان ليس ذلك من أجل صحة هواء ولا طيب تربة ولا طبع يزداد به الأجل وينقص بفواته ولكن الله سبحانه قد خلق ذلك المكان وقضى أن يسكنه أطول خلقه أعمارا فيسوقهم إليه ويجمعهم فيه ويحببه إليهم قالوا وإذا كان هذا على ما وصفنا في الدور والبقاع جاز مثله في النساء والخيل فتكون المرأة قد قدر الله عليها أن تتزوج عددا من الرجال ويموتون معها فلا بد من انفاذ قضائه وقدره حتى أن الرجل ليقدم عليها من بعد علمه بكثرة من مات عنها لوجه من الطمع يقوده إليها حتى(2\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "558",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15014",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يتم قضاؤه وقدره فتوصف المرأة بالشؤم لذلك وكذلك الفرس وإن لم يكن لشيء من ذلك فعل ولا تأثير وقال ابن القاسم سئل مالك عن الشؤم في الفرس والدار فقال إن ذلك كذب فيما نرى كم من دار قد سكنها ناس فهلكوا ثم سكنها آخرون فملكوا قال فهذا تفسيره فيما نرى والله أعلم وقالت طائفة أخرى شؤم الدار مجاورة جار السوء وشؤم الفرس أن يغزى عليها في سبيل الله وشؤم المرأة أن لا تلد وتكون سيئة الخلق وقالت طائفة أخرى منهم الخطائي هذا مستثنى من الطيرة أي الطيرة منهى عنها إلا أن يكون له دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس أو خادم فليفارق الجميع بالبيع والطلاق ونحوه ولا يقيم على الكراهة والتأذي به فإنه شؤم وقد سلك هذا المسلك أبو محمد بن قتيبة في كتاب مشكل الحديث له لما ذكر أن بعض الملاحدة اعترض بحديث هذه الثلاثة وقالت طائفة أخرى الشؤم في هذه الثلاثة إنما يلحق من تشاءم بها وتطير بها فيكون شؤمها عليه ومن توكل على الله ولم يتشاءم ولم يتطير لم تكن مشؤمة عليه قالوا ويدل عليه حديث أنس الطيرة على من تطير وقد يجعل الله سبحانه تطير العبد وتشاؤمه سببا لحلول المكروه به كما يجعل الثقة والتوكل عليه وإفراده بالخوف والرجاء من أعظم الأسباب التي يدفع بها الشر المتطير به وسر هذا أن الطيرة إنما تتضمن الشرك بالله تعالى والخوف من غيره وعدم التوكل عليه والثقة به كان صاحبها غرضا لسهام الشر والبلاء فيتسرع نفوذها فيه لأنه لم يتدرع من التوحيد والتوكل بجنة واقية وكل من خاف شيئا غير الله سلط عليه كما أن من أحب مع الله غيره عذب به ومن رجا مع الله غيره خذل من جهته وهذه أمور تجربتها تكفي عن أدلتها والنفس لا بد أن تتطير ولكن المؤمن القوي الايمان يدفع موجب تطيره بالتوكل على الله فان من توكل على الله وحده كفاه من غيره قال تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون ولهذا قال ابن مسعود وما منا إلا يعني من يقارب التطير ولكن الله يذهبه بالتوكل ومن هذا قول زبان بن سيار: أطار الطير إذ سرنا زياد ... لتخبرنا وما فيها خبير أقام كان لقمان بن عاد ... أشار له بحكمته مشير تعلم أنه لا طير إلا ... على متطير وهو الثبور بل شيء يوافق بعض شيء ... أحايينا وباطله كثير قالوا فالشؤم الذي في الدار والمرأة والفرس قد يكون مخصوصا بمن تشاءم بها وتطير وأما من توكل على الله وخافه وحده ولم يتطير ولم يتشاءم فان الفرس والمرأة والدار لا يكون شؤما(2\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "559",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15015",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في حقه وقالت طائفة أخرى معنى الحديث إخباره عن الأسباب المثيرة للطيرة الكامنة في الغرائز يعنى أن المثير للطيرة في غرائز الناس هي هذه الثلاثة فأخبرنا بهذا لنأخذ الحذر منها فقال الشؤم في الدار والمرأة والفرس أي أن الحوادث التي تكثر مع هذه الأشياء والمصائب التي تتوالى عندها تدعو الناس إلى التشاؤم بها فقال الشؤم فيها أي أن الله قد يقدره فيها على قوم دون قوم فخاطبهم بذلك لما استقر عندهم منه من إبطال الطيرة وإنكار العدوى ولذلك لم يستفهموا في ذلك عن معنى ما أراده كما تقدم لهم في قوله لا يورد الممرض على المصح فقالوا عنده وما ذاك يا رسول الله فأخبرهم أنه خاف في ذلك الأذى الذي يدخله الممرض على المصح لا العدوى لأنه أمر بالتوادد وإدخال السرور بين المؤمنين وحسن التجاوز ونهى عن التقاطع والتباغض والأذى فمن اعتقد أن رسول الله نسب الطيرة والشؤم إلى شيء من الأشياء على سبيل إنه مؤثر بذلك دون الله فقد أعظم الفرية على الله وعلى رسوله وضل ضلالا بعيدا والنبي ابتداهم بنفي الطيرة والعدوى ثم قال الشؤم في ثلاث قطعا لتوهم المنفية في الثلاثة التي أخبر أن الشؤم يكون فيها فقال لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاثة فابتدأهم بالمؤخر من الخير تعجيلا لهم بالأخبار بفساد العدوى والطيرة المتوهمة من قوله الشؤم في ثلاثة وبالجملة فإخباره بالشؤم أنه يكون في هذه الثلاثة ليس فيه إثبات الطيرة التي نفاها وإنما غايته إن الله سبحانه قد يخلق منها أعيانا مشؤمة على من قاربها وسكنها وأعيانا مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤم ولا شر وهذا كما يعطى سبحانه الوالدين ولدا مباركا يريان الخير على وجهه ويعطى غيرهما ولدا مشؤما نذلا يريان الشر على وجهه وكذلك ما يعطاه العبد ولاية أو غيرها فكذلك الدار والمرأة والفرس والله سبحانه خالق الخير والشر والسعود والنحوس فيخلق بعض هذه الأعيان سعودا مباركة ويقضى سعادة من قارنها وحصول اليمن له والبركة ويخلق بعض ذلك نحوسا يتنحس بها من قارنها وكل ذلك بقضائه وقدره كما خلق سائر الأسباب وربطها بمسبباتها المتضادة والمختلفة فكما خلق المسك وغيره من حامل الأرواح الطيبة ولذذ بها من قارنها من الناس وخلق ضدها وجعلها سببا لإيذاء من قارنها من الناس والفرق بين هذين النوعين يدرك بالحس فكذلك في الديار والنساء والخيل فهذا لون والطيرة الشركية لون آخر 0 فصل وأما الأثر الذي ذكره مالك عن يحيى بن سعيد جاءت امرأة إلى رسول الله فقالت يا رسول الله دار سكناها والعدد كثير والمال وافر فقل العدد وذهب المال فقال النبي(2\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "560",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15016",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دعواها ذميمة وقد ذكر هذا الحديث غير مالك من رواية أنس أن رجلا جاء إلى رسول الله فقال يا رسول الله أنا نزلنا دارا فكثر فيها عددنا وكثرت فيها أموالنا ثم تحولنا إلى أخرى فقلت فيها أموالنا وقل فيها عددنا فقال رسول الله وذكره فليس هذا من الطيرة المنهي عنها وإنما أمرهم بالتحول عنها عند ما وقع في قلوبهم منها لمصلحتين ومنفعتين إحداهما مفارقتهم لمكان هم له مستثقلون ومنه مستوحشون لما لحقهم فيه ونالهم ليتعجلوا الراحة مما داخلهم من الجزع في ذلك المكان والحزن والهلع لأن الله عز وجل قد جعل في غرائز الناس وتركيبهم استثقال ما نالهم الشر فيه وإن كان لاسبب له في ذلك وحب ما جرى لهم على يديه الخير وإن لم يردهم به فأمرهم بالتحول مما كرهوه لأن الله عز وجل بعثه رحمة ولم يبعثه عذابا وأرسله ميسرا ولم يرسله معسرا فكيف يأمرهم بالمقام في مكان قد أحزنهم المقام به واستوحشوا عنده لكثرة من فقدوه فيه لغير منفعته ولا طاعة ولا مزيد تقوى وهدى فلا سيما وطول مقامهم فيها بعد ما وصل إلى قلوبهم منها ما وصل قد يبعثهم ويدعوهم إلى التشاؤم والتطير فيوقعهم ذلك في أمرين عظيمين أحدهما مقارنة الشرك والثاني حلول مكروه أحزنهم بسبب الطيرة التي إنما تلحق المتطير فحماهم بكمال رأفته ورحمته من هذين المكروهين بمفارقة تلك الدار والاستبدال بها من غير ضرر يلحقهم بذلك في دنيا ولا نقص في دين وهو حين فهم عنهم في سؤالهم ما أرادوه من التعرف عن حال رحلتهم عنها هل ذلك لهم ضار مؤد إلى الطيرة قال دعوها ذميمة وهذا بمنزلة الخارج من أرض بها الطاعون غير فار منه ولو منع الناس الرحلة من الدار التي تتوالى عليهم المصائب والمحن فيها وتعذر الأرزاق مع سلامة التوحيد في الرحلة للزم ذلك أن كل من ضاق عليه رزق في بلد أن لا ينتقل منه إلى بلد آخر ومن قلت فائدة صناعته أن لا ينتقل عنها إلى غيرها 0  فصل وأما قول النبي للذي سل سيفه يوم أحد شم سيفك فإني أرى السيوف ستنسل اليوم فهذه القصة لم يكن الرجل قد سل فيها السيف ولكن الفرس لوح بذنبه فسل السيف ولم يرد صاحبه سله هكذا في القصة ولا ريب أن الحرب تقوم بالخيل والسيوف ولما لوح الفرس بذنبه فاستل السيف قال النبي أنى أرى السيوف ستنسل اليوم فهذا له محمل من ثلاثة محامل أحدها أن النبي أخبر عن ظن ظنه في ذلك ولم يجعل هذا دليلا تماما في كل واقعة تشبه هذه وإذا كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه وهو أحد أتباع رسول الله صبى الله عليه وسلم ورجل من أمته كان إذا قال أظن كذا أو أرى كذا خرج الأمر كما ظنه وحسبه فكيف الظن برسول الله الثاني ان النبي كان قد علم قبل مخرجه أن السيوف(2\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "561",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15017",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ستنسل ويقع القتال ولهذا أخبرهم أنه رأى في منامه أنه يقرأ النحل وعلم أن ذلك شهادة من قتل من أصحابه الثالث أن الوحي الذي كان يعرف به رسول الله الحوادث والنوازل كان مغنيا له عن الإشارات والعلامات والامارات وما في معناها مما يحتاج إليه غيره وأما من يأتيه خبر السماء صباحا ومساء فإخباره بقوله أرى السيوف اليوم ستنسل لم يكن عن تلك الأمارة وإنما وقع الإخبار به عقيبها والشيء بالشيء يذكر فصل وأما ما احتج به ونسبه إلى قوله وقدت الحرب لما رأى واقد بن عبد الله الحضري والحضرمي حضرت الحرب فكذب عليه وإنما قال ذلك أعداؤه من اليهود فتطيروا بذلك وتفاءلوا به فكانت الطيرة عليهم ووقدت الحرب عليهم فصل وأما استقباله الجبلين في طريقه وهما مسلح ومخرىء وترك المرور بينهما وعدله ذات اليمين فليس هذا أيضا من الطيرة وإنما هو من العدول عما يؤذى النفوس ويشوش القلوب إلى ما هو بخلافه كالعدول عن الاسم القبيح وتغييره بأحسن منه وقد تقدم تقرير ذلك بما فيه كفاية وأيضا فإن الأماكن فيها الميمون المبارك والمشؤم المذموم فاطلع رسول الله على شؤم ذلك المكان وأنه مكان سوء فجاوزه إلى غيره كما جاوز الوادي الذي ناموا فيه عن الصبح إلى غيره وقال هذا مكان حضرنا فيه الشيطان والشيطان يحب الأمكنة المذمومة وينتابها وأيضا فلما كان المرور بين ذينك الجبلين قد يشوش القلب على أنا نقول في ذلك قولا كليا نبين به سر هذا الباب بحول الله وعونه وتوفيقه أعلم أن بين الأسماء ومسمياتها ارتباطا قدره العزيز القادر وألهمه نفوس العباد وجعله في قلوبهم بحيث لا تنصرف عنه وليس هذا الارتباط هو ارتباط العلة بمعلولها ولا ارتباط المقتضى الموجب لمقتضاه وموجبة بل ارتباط تناسب وتشاكل اقتضته حكمة الحكيم فقل أن ترى اسما قبيحا إلا وبين مسماه وبينه رابط من القبح وكذلك إذا تأملت الاسم الثقيل الذي تنفر عنه الأسماع وتنبو عنه الطباع فأنك تجد مسماه يقارب أو يلم أن يطابق ولهذا من المشهور على ألسنة الناس أن الألقاب تنزل من السماء فلا تكاد تجد الاسم الشنيع القبيح إلا على مسمى يناسبه وفي ذلك قول القائل وقل أن أبصرت عيناك ذا لقب ... إلا ومعناه أن فكرت في لقبه ولهذا كثيرا ما تجد أيضا في أسماء الأجناس والواضع له عناية بمطابقة الألفاظ للمعاني ومناسبتها لها فيجعل الحروف الهوائية الخفيفة لمسمى مشاكل لها كالهواء والحروف الشديدة(2\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "562",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15018",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للمسمى المناسب لها كالصخر والحجر وإذا تتابعت حركة المسمى تابعوا بين حركة اللفظ كالدوران والغليان والنزوان وإذا تكررت الحركة كرروا اللفظ كفلفل وزلزل ودكدك وصرصر وإذا اكتنز المسمى وتجمعت أجزاؤه جعلوا في أسمه من الضم الدال على الجمع والاكتناز ما يناسب المسمى كالبحتر للقصير المجتمع الخلق وإذا طال جعلوا في المسمى من الفتح الدال على الامتداد نظير ما في المعنى كالعشنق للطويل ونظائر ذلك أكثر من أن تستوعب وإنما أشرنا إليها أدنى إشارة وهذا هو الذي أراده من قال بين الاسم والمسمى مناسبة فلم يفهم عنه بعض المتأخرين مراده فأخذ يشنع عليه بأنه لا تناسب طبعيا بينهما واستدل على إنكار ذلك بما لا طائل تحته فإن عاقلا لا يقول أن التناسب الذي بين الاسم والمسمى كالتناسب الذي بين العلة والمعلول وإنما هو ترجيح وأولوية تقتضي اختصاص الاسم بمسماه وقد يتخلف عنه اقتضاؤها كثيرا والمقصود أن هذه المناسبة تنضم إلى ما جعل الله في طبائع الناس وغرائزهم من النفرة بين الاسم القبيح المكروه وكراهته وتطير أكثرهم به وذلك يوجب عدم ملابسته ومجاوزته إلى غيره فهذا أصل هذا الباب فصل وأما كراهية السلف أن يتبع الميت بشيء من النار أو أن يدخل القبر شيء مسته النار وقول عائشة رضى الله عنها لا يكون آخر زاده أن تتبعوه بالنار فيجوز أن يكون كراهتهم لذلك مخافة الأحداث لما لم يكن في عصر رسول الله صلى عليه وسلم فكيف وذلك مما يبيح الطيرة به والظنون الرديه بالميت وقد قال غير واحد من السلف منهم عبد الملك بن حبيب وغيره إنما كرهوا ذلك تفاؤلا بالنار في هذا المقام أن تتبعه وذكر ابن حبيب وغيره أن النبي أراد أن يصلى على جنازة فجاءت امرأة ومعها مجمر فما زال يصبح بها حتى توارت بآجام المدينة قال بعض أهل العلم وليس خوفهم من ذلك على الميت لكن على الأحياء المجبولين على الطيرة لئلا تحدثهم أنفسهم بالميت أنه من أهل النار لما رأوا من النار التي تتبعه في أول أيامه من الآخرة ولا سيما في مكان يراد منهم فيه كثرة الاجتهاد للميت بالدعاء فإذا لم يبق له زاد غيره فيظنون أن تلك النار من بقايا زاده إلى الآخرة فتسوء ظنونهم به وتنفر عن رحمته قلوبهم في مكان هم فيه شهداء الله كما جاء في الحديث الصحيح لما مر على النبي بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال وجبت فقالوا ما وجبت قال وجبت له الجنة أنتم شهداء الله في الأرض من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار وفي أثر آخر إذا أردتم أن تعلموا ما للميت عند الله فانظروا ما تتعبه من حسن الثناء فقالت عائشة رضى الله عنها لا يكون آخر زاده من الثناء والدعاء أن(2\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "563",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15019",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تتبعوه بالنار فتهيجوا بها خواطر الناس وتبعثوا ظنونهم بالتطير والنار والعذاب والله أعلم فصل وأما تلك الوقائع التي ذكروها مما يدل على وقوع ما تطير به من تطير فنعم وهاهنا أضعافها وأضاف أضعافها ولسنا ننكر موافقة القضاء والقدر لهذه الأسباب وغيرها كثيرا موافقة حزر الحازرين وظنون الظانين وزجر الزاجرين للقدر أحيانا مما لا ينكره أحد ومن الأسباب التي توجب وقوع المكروه الطيرة كما تقدم وإن الطيرة على من تطير ولكن نصب الله سبحانه لها أسبابا يدفع بها موجبها وضررها من التوكل عليه وحسن الظن به وإعراض قلبه عن الطيرة وعدم التفاته إليها وخوفه منها وثقته بالله عز وجل ولسنا ننكر أن هذه الأمور ظنون وتخمين وحدس وخرص وما كان هذا سبيله فيصيب تارة ويخطىء تارات وليس كل ما تطير به المتطيرون وتشاءموا به وقع جميعه وصدق بل أكثره كاذب وصادقه نادر والناس في هذا المقام إنما يعولون وينقلون ما صح ووقع ويعتنون به فيرى كثيرا والكاذب منه أكثر من أن ينقل قال ابن قتيبة من شأن النفوس حفظ الصواب للعجب به والاستغراب وتناسي الخطأ قال ومن ذا الذي يتحدث أنه سأل منجما فأخطأ وإنما الذي يتحدث به وينقل أنه ساله فاصاب قال والصواب في مسئلة إذا كان بين أمرين قد يقع للمعتوه والطفل فضلا عن أولى العقل وقد تقدم من بطلان الطيرة وكذبها ما فيه كفاية وقد كانت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها تستحب أن تتزوج المرأة أو يبنى بها في شوال وتقول ما تزوجني رسول الله إلا في شوال فاي نسائه كان أحظى عنده مني مع تطير الناس بالنكاح في شوال وهذا فعل أولى العزم والقوة من المؤمنين الذين صح توكلهم على الله واطمأنت قلوبهم إلى ربهم ووثقوا به وعلموا إن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنهم لن يصيبهم إلا ما كتب الله لهم وأنهم ما أصابهم من مصيبة إلا وهي في كتاب من قبل أن يخلقهم ويوجدهم وعلموا أنه لا بد أن يصيروا إلى ما كتبه وقدره ولا بد أن يجرى عليهم وإن تطيرهم لا يرد قضاءه وقدره عنهم بل قد يكون تطيرهم من أعظم الاسباب التي يجرى عليهم بها القضاء والقدر فيعينون على أنفسهم وقد جرى لهم القضاء والقدر بأن نفوسهم هي سبب إصابة المكروه لهم فطائرهم معهم وأما المتوكلون على الله المفوضون إليه العالمون به وبأمره فنفوسهم أشرف من ذلك وهممهم أعلى وثقتهم بالله وحسن ظنهم به عدة لهم وقوة وجنة مما يتطير به المتطيرون ويتشاءم به المتشائمون عالمون أنه لا طير إلا طيره ولا خير إلا خيرة ولا إله غيره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين فصل ومما كان أهل الجاهلية يتطيرون به ويتشاءمون منه العطاس كما يتشاءمون بالبوارح(2\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "564",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15020",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والسوانح قال رؤية بن العجاج يصف فلاة قطعتها ولا أهاب العطاسا ... وقال أمرؤ القيس: وقد اغتدى قبل العطاس بهيكل ... شديد مشيد الجنب فعم المنطق أراد أنه كان ينتبه للصيد قبل أن ينتبه الناس من نومهم ليلا يسمع عطاسا فيتشاءم بعطاسه وكانوا إذا عطس من يحبونه قالوا له عمرا وشبابا وإذا عطس من يبغضونه قالوا له وريا وقحابا والورى كالرمي داء يصيب الكبد فيفسدها والقحاب كالسعال وزنا ومعنى فكان الرجل إذا سمع عطاسا يتشاءم به يقول بكلابي إني أسال الله أن يجعل شؤم عطاسك بك لأبي وكان تشاؤمهم بالعطسة الشديدة أشد كما حكى عن بعض الملوك أن سامرا له عطس عطسة شديدة راعته فغضب الملك فقال سميره والله ما تعمدت ذلك ولكن هذا عطاسي فقال والله لئن لم تأتني بمن يشهد لك بذلك لأقتلنك فقال أخرجني إلى الناس لعلى أجد من يشهد لي فأخرجه وقد وكل به الأعوان فوجد رجلا فقال يا سيدي نشدتك بالله إن كنت سمعت عطاسي يوما فلعلك تشهد لي به عند الملك فقال نعم أنا أشهد لك فنهض معه وقال يا أيها الملك أنا أشهد أن هذا الرجل عطس يوما فطار ضرس من أضراسه فقال له الملك عد إلى حديثك ومجلسك فلما جاء الله سبحانه بالإسلام وأبطل برسوله ما كان عليه الجاهلية من الضلالة نهى أمته عن التشاؤم والتطير وشرع لهم أن يجعلوا مكان الدعاء على العاطس بالمكروه الدعاء له بالرحمة كما أمر العائن أن يدعو بالتبريك للمعين ولما كان الدعاء على العاطس نوعا من الظلم والبغي جعل الدعاء له بلفظ الرحمة المنافي للظلم وأمر العاطس عمران يدعو لسامعه ويشمته بالمغفرة والهداية وإصلاح البال فيقول يغفر الله لنا ولكم أو يهديكم الله ويصلح بالكم فاما الدعاء بالهداية فلما أن اهتدى إلى طاعة الرسول ورغب عما كان عليه أهل الجاهلية فدعا له أن يثبته الله عليها ويهديه إليها وكذلك الدعاء باصلاح البال وهي حكمة جامعة لصلاح شأنه كله وهي من باب الجزاء على دعائه لأخيه بالرحمة فناسب أن يجازيه بالدعاء له بإصلاح البال وأما الدعاء بالمغفرة فجاء بلفظ يشمل العاطس والمشمت كقوله يغفر الله لنا ولكم ليستحصل من مجموع دعوى العاطس والمشمت له المغفرة والرحمة لهما معا فصلوات الله وسلامه على المبعوث بصلاح الدنيا والآخرة ولأجل هذا والله أعلم لم يؤمر بتشميت من لم يحمد الله فإن الدعاء له بالرحمة نعمة فلا يستحقها من لم يحمد الله ويشكره على هذه النعمة ويتأسى بابيه آدم فإنه لما نفخت فيه الروح إلى الخياشيم عطس فألهمه ربه تبارك وتعالى أن نطق بحمده فقال الحمد لله فقال الله سبحانه يرحمك الله يا آدم فصارت تلك سنة العطاس فمن لم يحمد الله لم يستحق هذه الدعوة ولما سبقت هذه الكلمة لآدم قبل أن يصيبه ما اصابه كان مآله إلى الرحمة وكان ما جرى عارضا وزال فإن الرحمة سبقت العقوبة وغلبت الغضب وايضا فإنما أمر العاطس بالتحميد عن العطاس لأن(2\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "565",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15021",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجاهلية كانوا يعتقدون فيه أنه داء ويكره أحدهم أن يعطس ويود أنه لم يصدر منه لما في ذلك من الشؤم وكان العاطس يحبس نفسه عن العطاس ويمتنع من ذلك جهده من سوء اعتقاد جهالهم فيه ولذلك والله أعلم بنوا لفظه على بناء الأدواء كالزكام والسعال والدوار والسهام وغيرها فاعلموا أنه ليس بداء ولكنه أمر يحبه الله وهو نعمة منه يستوجب عليها من عبده أن يحمده عليها وفي الحديث المرفوع أن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب والعطاس ريح مختنقة تخرج وتفتح السد من الكبد وهو دليل جيد للمريض مؤذن بانفراج بعض علته وفي بعض الأمراض يستعمل ما يعطس العليل ويجعل نوعا من العلاج ومعينا عليه هذا قدر زائد على ما أحبه الشارع من ذلك وأمر بحمد الله عليه وبالدعاء لمن صدر منه وحمد الله عليه ولهذا فالله أعلم يقال شمته إذا قال له يرحمك الله وسمته بالمعجمة والمهملة وبهما روى الحديث فأما التسميت بالمهملة فهو تفعيل من السمت الذي يراد به حسن الهيئة والوقار فيقال لفلان سمت حسن فمعنى سمت العاطس وقرته وأكرمته وتأدبت معه بأدب الله ورسوله في الدعاء له لا بأخلاق أهل الجاهلية من الدعاء عليه والتطير به والتشاؤم منه وقيل سمته دعا له أن يعيده الله إلى سمته قبل العطاس من السكون والوقار وطمأنينه الأعضاء فإن في العطاس من انزعاج الأعضاء واضطر ابها ما يخرج العاطس عن سمته فإذا قال له السامع يرحمك الله فقد دعا له أن يعيده إلى سمته وهيئته وأما التشميت بالمعجمة فقالت طائفة منهم ابن السكيت وغيره أنه بمعنى التسميت وأنهما لغتان ذكر ذلك في كتاب القلب والإبدال ولم يذكر أيهما الأصل ولا أيهما البدل وقال أبو علي الفارسي المهملة هي الأصل في الكلمة والمعجمة بدل واحتج بأن العاطس إذا عطس انتفش وتغير شكل وجهه فإذا دعا له فكأنه أعاده إلى سمته وهيأته وقال تلميذه ابن جنى لو جعل جاعل الشين المعجمة أصلا وأخذه من الشوامت وهي القوائم لكان وجها صحيحا وذلك أن القوائم هي التي تحمل الفرس ونحوه وبهما عصمته وهي قوامه فكأنه إذا دعا له فقد أنهضه وثبت امره وأحكم دعائمه وأنشد للنابغة طوع الشامت من خوف ومن صرد ... وقالت طائفة منهم ابن الأعرابي يقال مرضت العليل أي قمت عليه ليزول مرضه ومثله قذيت عينه أزلت قذاها فكأنه لما دعا له بالرحمة قد قصد إزالة الشماته عنه وينشد في ذلك: ما كان ضر الممرضي بجفونه ... لو كان مرض منعما من أمرضا وإلى هذا ذهب ثعلب والمقصود أن التطير من العطاس من فعل الجاهلية الذي أبطله الإسلام وأخبر النبي أن الله يحب العطاس كما في صحيح البخاري حديث أبي هريره عن النبي قال إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا تثاءب أحدكم فليستره ما استطاع فإنه إذا فتح فاه فقال آه آه ضحك منه الشيطان(2\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "566",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15022",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وأما قوله لا يورد ممرض على مصح فالممرض الذي إبله مراض والمصح الذي إبله صحاح وقد ظن بعض الناس أن هذا معارض لقوله لا عدوى ولا طيرة وقال لعل أحد الحديثين نسخ الآخر وأورد الحارث بن أبى ذئاب وهو ابن عم أبى هريرة رضى الله عنه جمعه بين الروايتين وظنهما متعارضتين فروى ابن هرير عن أبى سلمة بن عبد الرحمن قال كان أبو هريرة يحدثنا عن رسول الله لا عدوى ثم حدثنا أن رسول الله قال لا يورد ممرض على مصح قال فقال الحارث بن أبى ذئاب وهو ابن عم أبى هريرة قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا حديثا آخر قد سكت عنه كنت تقول قال رسول الله لا عدوى فأبى أبو هريرة أن يحدث بذلك وقال لا يورد ممرض على مصح فما رآه الحارث في ذلك حتى غضب أبو هريرة ورطن بالحبشية ثم قال للحارث أتدرى ما قلت قال لا قال إني أقول أبيت أبيت فلا أدرى أنسى أبو هريرة أو نسخ أحد القولين الآخر قلت قد اتفق مع أبى هريرة سعد بن أبى وقاص وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك وعمر بن سلم على روايتهم عن النبي قوله لا عدوى وحديث أبى هريرة محفوظ عنه بلا شك من رواية أوثق أصحابه وأحفظهم أبى سلمة بن عبد الرحمن ومحمد بن سيرين وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة والحارث بن أبى ذئاب ولم يتفرد أبو هريرة بروايته عن النبي بل رواه معه من الصحابة من ذكرناه وقوله لا يورد ممرض على مصح صحيح أيضا ثابت عنه فالحديثان صحيحان ولا نسخ تعارض بينهما بحمد الله بل كل منهما له وجه وقد طعن أعداء السنة في أهل الحديث وقالوا يروون الأحاديث التي ينقض بعضها بعضا ثم يصححونها والأحاديث التي تخالف العقل فانتدب أنصار السنة للرد عليهم ونفي التعارض عن الأحاديث الصحيحة وبيان موافقتها للعقل قال أبو محمد بن قتيبة في كتاب مختلف الحديث له قالوا حديثان متناقضان قالوا رويتم عن رسول الله أنه قال لا عدوى ولا طيرة وأنه قيل له أن النقبة تقع بمشفر البعير فتجرب لذلك الإبل فقال فما أعدي الأول هذا أو معناه ثم رويتم في خلاف ذلك لا يورد ذو عاهة على مصح وفر من المجذوم فرارك من الأسد وأتاه رجل مجذوم ليبايعه بيعة الإسلام فأرسل إليه البيعة وأمره بالانصراف ولم يأذن له وقال الشؤم في المرأة والدار والدابة قالوا وهذا كله مختلف يشبه لا يثبه بعضه بعضا قال أبو محمد ونحن نقول أنه ليس في هذا اختلاف ولكل واحد معنى في وقت وموضع فإذا وضع موضعه زال الاختلاف والعدوى جنسان أحدهما عدوى الجذام فإن(2\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "567",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15023",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الجذام تشتد رائحته حتى يسقم من أطال مجالسته وموا كلته وكذا المرأة تكون تحت المجذوم فتضاجعه في شعار واحد فيوصل إليها الأذى وربما جذمت وكذلك ولده ينزعون في الكبر إليه وكذلك من به سل ودق وتعب الأطباء تأمر أن لا يجالس المجذوم ولا المسلول ولا يريدون بذلك معنى العدوى وإنما يريدون به معنى تغير الرائحة وأنها قد تسقم من أطال اشتمامها والأطباء أبعد الناس من الإيمان بيمن وشؤم وكذلك النقبة تكون بالبعير وهو جرب رطب فإذا خالط الإبل أو حاكها واوي في مباركها أوصل إليها بالماء الذي يسيل منه والنطف نحوا مما به فهذا هو المعنى الذي قال رسول الله صلى عليه وسلم لا يورد ذو عاهة على مصح كره أن يخالط المصاب الصحيح فيناله من نطفه وحكمته نحو مما به قال وقد ذهب قوم إلى أنه أراد بذلك أن لا يظن أن الذي نال إبله من ذوات العاهة فيأثم وليس لهذا عندي وجه إلا الذي خبرتك به عيانا وأما الجنس الآخر من العدوى فهو الطاعون ينزل ببلد فيخرج منه خوف العدوى حدثني سهل بن محمد قال حدثني الأصمعي عن بعض المصريين أنه هرب من الطاعون فركب حمارا ومضى بأهله نحو حلوان فسمع حاديا يحدو خلفه وهو يقول: لن يسبق الله على حمار ... ولا على ذي هيعة مطار أو يأتي الحتف على مقدار ... قد يصبح الله أمام الساري وقد قال رسول الله إذا كان بالبلد الذي أنتم فيه فلا تخرجوا منه وقال إن كان ببلد فلا تدخلوه يريد بقوله لا تخرجوا من البلد أذا كان فيه كأنكم تظنون أن الفرار من قدر الله ينجيكم من الله ويريد إن كان ببلد فلا تدخلوه فإن مقامكم في الموضع الذي لا طاعون فيه أسكن لأنفسكم وأطيب لمعيشتكم ومن ذلك المرأة تعرف بالشؤم والدار فينال الرجل مكروه أو جائحة فيقول أعدتني بشؤمها فهذا هو العدوى الذي قال فيه رسول الله لا عدوى فأما الحديث الذي رواه أبو هريرة رضى الله عنه أنه قال الشؤم في المرأة والدار والدابة فإن هذا الحديث يتوهم فيه الغلط على أبى هريرة وأنه سمع فيه شيئا من رسول الله فلم يعه حدثني محمد بن القطعي حدثنا عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن أبى حسان الأعرج أن رجلين دخلا على عائشة فقالا إن أبا هريرة رضى الله عنه يحدث عن رسول الله أنه قال إنما الطيرة في المرأة والدار والدابة فطارت شفقا ثم قالت كذب والذي أنزل الفرقان على أبى القاسم من حدث بهذا عن رسول الله إنما قال رسول الله كان أهل الجاهلية يقولون إن الطيرة في الدابة والمرأة والدار ثم قرأت ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبراها حدثني أبى قال حدثني أحمد بن الخليل حدثنا موسى بن مسعود النهدي عن(2\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "568",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15024",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عكرمة بن عمار عن اسحق بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال جاء رجل إلى النبي فقال يا رسول الله أنا نزلنا دارا فكثر فيها عددنا وكثرت فيها أموالنا ثم تحولنا عنها إلى أخرى فقلت فيها أموالنا وقل فيها عددنا فقال رسول الله ذروها وهى ذميمه 0 قال أبو محمد وهذا ليس ينقض الحديث الأول ولا الحديث الأول ينقض هذا وإنما أمرهم بالتحول منها لأنهم كانوا مقيمين فيها على استثقال لظلها واستيحاش لما نالهم فيها فأمرهم بالتحول وقد جعل الله في غرائز الناس وتركيبهم استثقال ما نالهم السوء فيه وإن كان لا سبب له في ذلك وحب من جرى على يده الخير لهم وأن لم يردهم به وبغض من جرى على يده الشر لهم وإن لم يردهم به وكيف يتطير والطيرة من الجبت وكان كثير من الجاهلية لا يرونها شيئا ويمدحون من كذب بها ثم أنشد ما ذكرنا من الأبيات سالفا ثم قال حدثنا اسحق بن راهويه أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن إسماعيل بن أبى أميه قال قال رسول الله ثلاث لا يسلم منهن أحد الطيرة والظن والحسد قيل فما المخرج منهن قال إذا تطيرت فلا ترجع وإذا ظننت فلا تحقق وإذا حسدت فلا تبغ هذه الألفاظ أو نحوها حدثني أبو حاتم قال حدثنا الأصمعي عن سعيد بن سالم عن أبيه أنه كان يعجب ممن يصدق بالطيرة ويعيبها أشد العيب وقال فرقت لنا ناقة وأنا بالطائف فركبت في أثرها فلقيني هانيء ين عبيد من بنى وائل وهو مسرع وهو يقول 0 الشرع يلقى مطالع إلا كم 0 ثم لقيني آخر من الحي وهو يقول 0 ولئن بغيت لهم بغاة ... ما البغاة بواجدينا ثم دفعنا إلى غلام قد وقع في صغره في نار فأحرقته فقبح وجهه وفسد فقلت له هل ذكرت من ناقة فارق قال ههنا أهل بيت من الأعراب فانظر فنظرت فإذا هي عندهم وقد نتجت فأخذناها وولدها قال أبو محمد الفارق التي ضلت ففارقت صواحبها وقال عكرمة كنا جلوسا عند ابن عباس فمر طائر يصيح فقال رجل خير خير فقال ابن عباس لا خير ولا شر وكان رسول الله يستحب الاسم الحسن والفأل الصالح حدثني الرياشى حدثنا الأصمعي قال سألت ابن عون عن الفأل فقال هو أن يكون مريضا فيسمع يا سالم أو يكون باغيا فيسمع يا واجد وهذا أيضا مما جعل في غرائز الناس وتركيبهم استحبابه والأنس به وكما جعل على الألسنة من التحية بالسلام والمد في الأصب والتبشير بالخير وكما يقال أنعم وأسلم وأنعم صباحا وكما تقول الفرس عش ألف نوروز والسامع لهذا يعلم أنه لا يقدم ولا يؤخر ولا يزيد ولا ينقص ولكن جعل في الطباع محبة الخير والارتياح للبشرى والمنظر الأنيق والوجه الحسن والاسم الخفيف وقد يمر الرجل بالروضة المنورة فتسره وهى لا تنفعه وبالماء الصافي(2\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "569",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15025",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيعجب به وهو لا يبشر به ولا يرده وفي بعض الحديث أن رسول الله كان يعجب بالأترج ويعجبه الحمام الأحمر وتعجبه الفاغية وهو نور الحناء وهذا مثل إعجابه بالاسم الحسن والفأل الحسن وعلى حسب هذا كانت كراهية الاسم القبيح كبني النار وبني حراق وأشباه هذا انتهي كلامه وقد سلك أبو عمر بن عبد البر في هذا الحديث نحوا من مسلك أبى محمد بن قتيبة فقال أما قوله لا عدوى فهو نهى أن يقول أحد إن شيئا يعدى شيئا وإخبار أن شيئالا يعدى شيئا فكأنه لا يعدى شيء شيئا يقول لا يصيب أحد من أحد شيئا من خلق أو فعل أو داء أو مرض وكانت العرب تقول في جاهليتها في مثل هذا أنه إذا اتصل شيء من ذلك بشيء أعداء فأخبرهم رسول الله أن قولهم واعتقادهم في ذلك ليس كذلك ونهى عن ذلك القول إعلاما منه بأنما اعتقد ذلك من اعتقد منهم كان باطلا قال وأما الممرض فالذي إبله مراض والمصح الذي إبله صحاح وروى ابن وهب عن ابن لهيعة عن أبى الزبير عن جابر قال يكره إن يدخل المريض على الصحيح منها وليس به إلا قول الناس وحماية للقلب مما يستبق إليه من الإفهام ويقع فيه من التطير والتشاؤم بذلك وقد قال أبو عبيد قولا قريبا من ذلك فقال في قوله في هذا الحديث أنه إذا أبى إيراد الممرض على المصح فقال معنى الأذى عندي الماثم يعنى أن المورد يأثم بأذاه من أورد عليه وتعريضه للتشاؤم والتطير وقد سلك بعضهم مسلكا آخر فقال ما يخبر به النبي نوعان: أحدهما يخبر به عن الوحي فهذا خبر مطابق لمخبره من جميع الوجوه ذهنا وخارجا وهو الخبر المعصوم والثاني ما يخبر به عن ظنه من أمور الدنيا التي هم اعلم بها منه فهذا ليس في رتبة النوع الأول ولا تثبت له أحكامه وقد أخبر عن نفسه الكريمة بذلك تفريقا بين النوعين فإنه لما سمع أصواتهم في النخل يؤبرونها وهو التلقيح قال ما هذا فأخبروه بأنهم يلقحونها فقال ما أرى لو تركتموه يضوء شيئا فتركوه فجاء شيصا فقال إنما أخبرتكم عن ظني وأنتم أعلم بأمر دنياكم ولكن ما أخبرتكم عن الله والحديث صحيح مشهور وهو من أدلة بنوية وأعلامها فأن من خفي عليه مثل هذا من أمر الدينا وما أجرى الله به عادته فيها ثم جاء من العلوم التي لا يمكن البشر أن يطلع عليها البتة إلا بوحي من الله فأخبر عما كان وما يكون وما هو كائن من لدن خلق العالم إلى أن استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار وعن غيب السموات والأرض وعن كل سبب دقيق أو جليل تنال به سعادة الدارين وكل سبب دقيق أو جليل تنال به شقاوة الدارين وعن مصالح الدنيا والآخرة وأسبابهما مع كون معرفتهم بالدنيا وأمورها وأسباب حصولها ووجوه تمامها أكثر من معرفته كما أنهم أعرف بالحساب والهندسة والصناعات والفلاحة وعمارة الأرض والكتابة فلو كان ما جاء به مما ينال بالتعلم والتفكر والتطير والطرق التي(2\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "570",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15026",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يسلكها الناس لكانوا أولى به منه وأسبق إليه لأن أسباب ما ينال بالفكر والكتابة والحساب والنظر والصناعات بأيديهم فهذا من اقوى براهين نبوته وآيات صدقه وإن هذا الذي جاء به لا صنع للبشر فيه البتة ولا هو مما ينال بسعي وكسب وفكر ونظر إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى الذي يعلم السر في السموات والأرض أنزله عالم الغيب فلا يظهر على غيبة أحدا إلا من ارتضى من رسول قالوا فهكذا إخباره عن عدم العدوى إخبار عن ظنه كإخباره عن عدم تأثير التلقيح لا سيما وأحد البابين قريب من الآخر بل هو في النوع واحد فإن اتصال الذكر بالأنثى وتأثره به كاتصال المعدى بالمعدي وتأثره به ولا ريب أن كلهما من أمور الدنيا لا مما يتعلق به حكم من الشرع فليس الإخبار به كالإخبار عن الله سبحانه وصفاته وأسمائه وأحكامه قالوا فلما تبين له من أمر الدنيا الذى أجرى الله سبحانه عادته به ارتباط هذه الأ سباب بعضها ببعض التلقيح فى صلاح الثمار وتأثير إيراد الممرض على المصح أقرهم على تأبير النخل ونهاهم أن يورد ممرض على مصح قالوا وإن سمى هذا نسخآ بهذا الاعتبار فلا مشاحة فى التسمية إذا ظهر المعنى ولهذا قال أبو سلمة بن عبد الرحمن فلا أدرى أنسى أبو هريرة أو نسخ أحد القولين بالآخر يعنى بحديثه بالحديثين فجوز أبو سلمة النسخ فى ذلك مع أنه خبر وهو بما ذكرنا من الاعتبار وهذا المسلك حسن لولا أنه قد اجتمع الفصلان فى حديث واحد كما فى موطآ مالك أنه بلغه عن بكير بن عبد الله ابن الأشج عن ابن عطية أن رسول قال لا عدوى ولاصفر ولايحلل الممرض على المصح وليحلل المصح حيث شاء قالوا وما ذاك يا رسول الله فقال رسول الله إنه أذى وقد يجاب عن هذا بحوابين: أحدهما أن الحديث لا يثبت لوجهين: أحدهما إرساله والثاني أن ابن عطية هذا ويقال أبوعطية مجهول لا يعرف إلا في هذا الحديث 00 الجواب الثاني قوله فيه لاعدوى نهى لا نفى أى لا يعدى الممرض المصح بحلوله عليه ويدل على ذلك ما رواه أبو عمر النمرى حدثنا خلف بن القاسم حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد حدثنا أبو هشام الرفاعى حدثنا البشر بن عمر الزهر انى قال قال مالك أنه بلغه عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن أبى عطية أو أبن عطية شك بشر عن أبى هريرة قال قال رسول الله لاطيرة ولاهامة ولا يعدى سقم صحيحا وليحل المصح حيث شاء خفى هذا النهى كالإثبات للعدى والنهى عن أسبابها ولعل بعض الرواة رواه بالمعنى فقال لا عدوى ولا طيرة ولا هامة وإنما مخرج الحديث النهى عن العدوى لا نفيها وهذا أيضا حسن لولا حديث ابن شهاب عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة قال قال رسول الله فمن أعدى الأول فهذا الحديث قد فهم منه السامع النفي وأقره عليه ولهذا أستشكل نفيه وأورد ما أورده فأجله صلى(2\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "571",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15027",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله عليه وسلم بما يتضمن إبطال الدعوى وهو قوله فمن أعدى الأول وهذا أصح من حديث أبي عطيه المتقدم وحينئذ فيرجع إلى مسلك التلقيح المذكور آنفا أو ما قبله من المسالك وعندي في الحديثين مسلك آخر يتضمن إثبات الأسباب والحكم ونفى ما كانوا عليه من الشرك واعتقاد الباطل ووقوع النفي والإثبات على وجهه فإن العوام كانوا يثبتون العدوى على مذهبهم من الشرك الباطل كما يقوله المنجمون من تأثير الكواكب في هذا العالم وسعودها ونحوسها كما تقدم الكلام عليهم ولو قالوا أنها اسباب أو اجزاء اسباب إذ شاء الله صرف مقتضياتها بمشيئته وإرادته وحكمته وأنها مسخرة بأمره لما خلقت له وأنها في ذلك بمنزلة سائر الأسباب التي ربط بها مسبباتها وجعل لها أسبابا أخر تعارضها وتمانعها وتمنع اقتضاءها لما جعلت أسبابا له وإنها لا تقضي مسبباتها إلا بإذنه مشيئته وإرادته ليس لها من ذاتها ضر ولا نفع ولا تأثير البتة إن هي إلا خلق مسخر مصرف مربوب لا تتحرك إلا بإذن خالقها ومشيئته وغايتها أنها جزء سبب ليست سببا تاما فسببيتها من جنس سببية وطء الوالد في حصول الولد فإنه جزء واحد من أجزاء كثيرة من الأسباب التي خلق الله بها الجنين وكسببية شق الأرض وإلقاء البذر فإنه جزء يسير من جملة الأسباب التي يكون الله بها النبات وهكذا جملة أسباب العالم من الغذاء والرواء والعافية والسقم وغير ذلك وأن الله سبحانه جعل من ذلك سببا ما يشاء ويبطل السببية عما يشاء ويخلق من الأسباب المعارضة له ما يحول بينه وبين مقتضاه فهم لو أثبتوا العدوى على هذا الوجه لما أنكر عليهم كما أن ذلك ثابت في الداء والدواء وقد تداوى النبي وأمر بالتداوي وأخبر أنه ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء إلا الهرم فأعلمنا أنه خالق أسباب الداء وأسباب الدواء المعارضة المقاومة لها وأمرنا بدفع تلك الأسباب المكروهة بهذه الأسباب وعلى هذا قيام مصالح الدارين بل الخلق والأمر مبني على هذه القاعدة فإن تعطيل الأسباب وإخراجها عن أن تكون أسبابا تعطيل للشرع ومصالح الدنيا والإعتماد عليها والركون إليها واعتقاد أن المسببات بها وحدها وأنها أسباب تامة شرك بالخالق عز وجل وجهل به وخروج عن حقيقة التوحيد وإثبات مسببيتها على الوجه الذي خلقها الله عليه وجعلها له إثبات للخلق والأمر للشرع والقدر للسبب والمشيئة للتوحيد والحكمة فالشارع يثبت هذا ولا ينفيه وينفي ما عليه المشركون من اعتقادهم في ذلك ويشبه هذا نفيه سبحانه وتعالى الشفاعة في قوله واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل وفي الآية الأخرى ولا تنفعها شفاعة وفي قوله من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة وإثباتها في قوله ولا يشفعون إلى لمن ارتضى وقوله من ذا الذي يشفع عنده إلا باذنه وقوله لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا فإنه سبحانه(2\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "572",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15028",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفى الشفاعة الشركية التي كانوا يعتقدونها وأمثالهم من المشركين وهي شفاعة الوسائط لهم عند الله في جلب ما ينفعهم ودفع ما يضرهم بذواتها وأنفسها بدون توقف ذلك على إذن الله ومرضاته لمن شاء أن يشفع فيه الشافع فهذه الشفاعة التي أبطلها الله سبحانه ونفاها وهي أصل الشرك كله وقاعدته التي عليها بناؤه وأخبيته التي يرجع إليها وأثبت سبحانه الشفاعة التي لا تكون إلا بإذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع قوله وعمله وهي الشفاعة التي تنال بتجريد التوحيد كما قال أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه والشفاعة الأولى هي الشفاعة التي ظنها المشركون وجعلوا الشرك وسيلة إليها فالمقامات ثلاثة أحدها تجريد التوحيد وإثبات الأسباب وهذا هو الذي جاءت به الشرائع وهو مطابق للواقع في نفس الأمر والثاني الشرك في الأسباب بالمعبود كما هو حال المشركين علي اختلاف إصنافهم والثالث إنكار الأسباب بالكلية محافظة من منكرها على التوحيد فالمنحرفون طرفان مذمومان إما قادح في التوحيد بالأسباب وأما منكر للأسباب بالتوحيد والحق غير ذلك وهو إثبات التوحيد والأسباب وربط أحدهما بالآخر فالأسباب محل حكمه الديني والكوني والحكمان عليها يجريان بل عليها يترتب الأمر والنهى والثواب والعقاب ورضى الرب وسخطه ولعنته وكرامته والتوحيد تجريد الربوية والإلهية عن كل شرك فإنكار الأسباب إنكار الحكمة والشرك بها قدح في توحيده واثباتها والتعلق بالسبب والتوكل عليه والثقة به والخوف منه والرجاء له وحده هو محض التوحيد والمعرفة تفرق بين ما أثبته الرسول وبين ما نفاه وبين ما أبطله وبين ما اعتبره فهذا لون وهذا لون والله الموفق للصواب 0 فصل ويشبه هذا ما روى عنه من نهيه عن وطء الغيل وهو وطء المرأة إذا كانت ترضع وإنه يشبه قتل الولد سرا وأنه يدرك الفارس قيد عثره وقوله في حديث آخر لقد هممت أن أنهى عنه ثم رأيت فارس والروم يفعلونه ولا يضر ذلك أولادهم شيئا وقد قيل أن أحد الحديثين منسوخ بالآخر وإن لم تعلم عين الناسخ منها من المنسوخ لعدم علمنا بالتاريخ وقيل وهو أحسن أن النفي والإثبات لم يتواردا على محل واحد فإنه صلى الله علية وسلم أخبر في أحد الجانبين أنه يفعل في الوليد مثل ما يفعل من يصرع الفارس عن فرسه كأنه يدعثره ويصرعه وذلك يوجب نوع أذى ولكنه ليس بقتل للولد وإهلاك له وإن كان قد يترتب عليه نوع أذى للطفل فأرشدهم إلى تركه ولم ينه عنه بل قال علام يفعل أحدكم ذلك ولم يقل لا تفعلوه فلم يجيء عنه لفظ واحد بالنهى عنه ثم عزم على النهى سدا لذريعة الأذى الذي ينال الرضيع فرأى أن سد هذه الذريعة لا يقاوم المفسدة التي تترتب على الإمساك عن وطء النساء مدة الرضاع ولا سيما(2\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "573",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15029",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من الشباب وأرباب الشهوة التي لا يكرها إلا مواقعه نسائهم فرأى أن هذه المصلحة أرجح من مفسدة سد الذريعة فنظر ورأى الأمتين اللتين هما من اكثر الأمم وأشدها بأسا يفعلونه ولا يتقونه مع قوتهم وشدتهم فأمسك عن النهى عنه فلا تعارض إذا بين الحديثين ولا ناسخ منهما ولا منسوخ والله اعلم بمراد رسوله فصل ويشبه هذا قوله للذي قال له إن لي أمة وأنا أكره أن تحبل وإني أعزل عنها فقال سيأتيها ما قدر لها فليس بين هذه الأحاديث قوله الأحاديث تعارض فإنه لم يقل أن الولد يخلق من غير ماء الواطىء بل أخبر أنه سيأتيها ما قدر لها ولو عزل فأنه إذا قدر خلق الولد قدر سبق الماء والواطيء لا يشعر بل يخرج منه ماء يمازج ماء المرأة لا يشعر به يكون سببا في خلق الولد ولهذا قال ليس من كل الماء يكون الولد فلو خرج منه نطفة لا يحس بها لجعلها الله مادة للولد قلت مادة الولد ليست مقصورة على وقوع الماء بحملته في الرحيم بل إذا قدر الله خلق الولد من الماء فلو وضع على صخرة لخلق منه الولد كيف والذي يعزل في الغالب إنما يلقى ماءه قريبا من الفرج وذلك إنما يكون غالبا عندما يحس بالإنزال وكثيرا ما ينزل بعض الماء ولا يشعر به فينزل خارج الفرج ولا شعور له بما ينزل في الفرج ولا بما خالط ماء المرأة منه وبالجملة فليس سبب خلق الولد مقصورا على الإنزال التام في الفرج ولقد حدثني غير واحد ممن أثق به أن امرأته حملت مع عزله عنها لرضاع وغيره ورأيت بعض أولادهم ضعيفا ضئيلا فصلوات الله وسلامه على من يصدق كلامه بعضه بعضا ويشهد بعضه لبعض فالاختلاف والإشكال والاشتباه إنما هو في الإفهام إلا فيما خرج من بين شفتيه من الكلام والواجب على كل مؤمن أن يكل ما أشكل عليه إلا أصدق قائل ويعلم أن فوق كل ذي علم عليم وأنه لو اعترض على ذي صناعة أو علم من العلوم التي استنبطتها معاول الأفكار ولم يحط علما بتلك الصناعة والعلم لا ندرى على نفسه وأضحك صاحب تلك الصناعة والعلم على عقله والنبي يذكر المقتضى في موضع والمانع في موضع آخر ويثبت الشيء وينفي مثله في الصورة وعكسه في الحقيقة ولا يحيط أكثر الناس بمجموع نصوصه علما ويسمع النص ولا يسمع شرطه ولا موانع مقتضاه ولا تخصيصه ولا ينتبه للفرق بين ما أثبته ونفاه فينشأ من ذلك في حقه من الاشكالات ما ينشأ وينضاف هذا إلى عدم معرفة الخاص بخطابه ومجارى كلامه وينضاف إلى ذلك تنزيل كلامه على الاصطلاحات التي أحدثها أرباب العلوم من الأصوليين والفقهاء وعلم أحوال القلوب وغيرهم فإن لكل من هؤلاء الاصطلاحات حادثة في مخاطباتهم وتصانيفهم فيجيء من قد ألف تلك(2\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "574",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15030",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاصطلاحات الحادثة وسبقت معانيها إلى قلبه فلم يعرف سواها فيسمع كلام الشارع فيحمله على ما ألفه من الاصطلاح فيقع بسبب ذلك في الفهم عن الشارع ما لم يرده بكلامه ويقع من الخلل في نظره ومناظرته ما يقع وهذا من أعظم أسباب الغلط عليه مع قلة البضاعة من معرفة نصوصه فأذا اجتمعت هذه الأمور مع نوع فساد في التصور أو القصد أوهما ما شئت من خبط وغلط واشكالات واشتمالات وضرب كلامه بعضه ببعض وإثبات ما نفاه ونفي ما أثبته والله المستعان فصل وأما قضية المجذوم فلا ريب أنه روى عن النبي أنه قال فر من المجذوم فرارك من الأسد وأرسل إلى ذلك المجذوم أنا قد بايعناك فارجع وأخذ بيد مجذوم فوضعها في القصعة وقال كل ثقة بالله وتوكلا عليه ولا تنافي بين هذه الآثار ومن أحاط علما بما قدمناه تبين له وجهها وأن غاية ذلك أن مخالطة المجذوم من أسباب العدوى وهذا السبب يعارضه أسباب آخر تمنع اقتضاءه فمن أقواها التوكل على الله والثقة به فأنه يمنع تأثير ذلك السبب المكروه ولكن لا يقدر كل واحد من الأمة على هذا فأرشدهم إلى مجانبة سبب المكروه والفرار والبعد منه ولذلك أرسل إلى ذلك المجذوم الآخر بالبيعة تشريعا منه للفرار من أسباب الأذى والمكروه وأن لا يتعرض العبد لأسباب البلاء ثم وضع يده معه في القصعة فإنما هو سبب التوكل على الله والثقة به الذي هو من أعظم الأسباب التي يدفع بها المكروه والمحذور تعليما منه للأمة دفع الأسباب المكروهة بما هو أقوى منها وإعلاما بأن الضرر والنفع بيد الله عز وجل فإن شاء أن يضر عبده ضره وإن شاء أن يصرف عنه الضر صرقه بل إن شاء أن ينفعه بما هو من أسباب الضرر ويضره بما هو من أسباب النفع فعل ليتبين العباد أنه وحده الضار النافع وأن أسباب الضر والنفع بيديه وهو الذي جعلها أسبابا وإن شاء خلع منها سببيتها وان شاء جعل ما تقتضيه بخلاف المعهود منها ليعلم أنه الفاعل المختار وأنه لا يضر شيء ولا ينفع إلا بإذنه وأن التوكل عليه والثقة به تحيل الأسباب المكروهة إلى خلاف موجباتها وتبيين مرتبتها وأنها محال لمجارى مشيئة الله وحكمته وأنه سبحانه هو الذي يضربها وينفع ليس إليها ولا لها من الأمر شيء وأن الأمر كله لله وأنها إنما ينال ضررها من علق قلبه بها ووقف عندها وتطير بما يتطير به منها فذلك الذي يصيبه مكروه الطيرة والطيرة سبب للمكروه على المتطير فإذا توكل على الله ووثق به واستعان به لم يصده التطير عن حاجته وقال اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يذهب بالسيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك فإنه لا يضره(2\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "575",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15031",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما يتطير منه شيئا قال ابن مسعود ما منا إلا من يعنى يتطير ولكن الله يذهبه بالتوكل وقد روى مرفوعا والصواب عن ابن مسعود قوله فالطيرة إنما تصيب المتطير لشركه والخوف دائما مع الشرك وإلا من دائما مع التوحيد قال تعالى حكاية عن خليله إبراهيم أنه قال في محاجته لقومه وكيف أخاف ما أشركتم به ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون فحكم الله عز وجل بين الفريقين بحكم فقال الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون وقد صح عن رسول الله صلى الله علية وسلم تفسير الظلم فيها بالشرك وقال ألم تسمعوا قول العبد الصالح إن الشرك لظلم عظيم فالتوحيد من أقوى أسباب الأمن من المخاوف والشرك من أعظم أسباب حصول المخاوف ولذلك من خاف شيئا غير الله سلط عليه وكان خوفه منه هو سبب تسليطه عليه ولو خاف الله دونه ولم يخفه لكان عدم خوفه منه وتوكله على الله من أعظم أسباب نجاته منه وكذلك من رجا شيئا غير الله حرم ما رجاه منه وكان رجاؤه غير الله من أقوي أسباب حرمانه فإذا رجا الله وحده كان توحيد رجائه أقوى أسباب الفوز بما رجاه أو بنظيره أو بما هو أنفع له منه والله الموفق للصواب وليكن هذا آخر الكتاب وقد جلبت إليك فيه نفائس في مثلها يتنافس المتنافسون وجليت عليك فيه عرائس إلى مثلهن بادر الخاطبون فإن شئت اقتبست منه معرفة العلم وفضله وشدة الحاجة إليه وشرفه وشرف أهله وعظم موقعه في الدارين وإن شئت اقتبست منه معرفة إثبات الصانع بطرق واضحات جليات تلج القلوب بغير استئذان ومعرفة حكمته في خلقه وأمره وإن شئت اقتبست منه معرفة قدر الشريعة وشدة الحاجة إليها ومعرفة جلالتها وحكمتها وإن شئت اقتبست منه معرفة النبوة وشدة الحاجة إليها بل وضرورة الوجود إليها وأنه يستحيل من أحكم الحاكمين أن يخلى العالم عنها وإن شئت اقتبست منه معرفة ما فطر الله عليه العقول من تحسين الحسن وتقبيح القبيح وإن ذلك أمر عقلي فطرى بالأدلة والبراهين التي اشتمل عليها هذا الكتاب فلا توجد في غيره وإن شئت اقتبست منه معرفة الرد على المنجمين القائلين بالأحكام بأبلغ طرق الرد من نفس صناعتهم وعلمهم وإلزامهم بالألزامات المفخمة التي لا جواب لهم عنها وإبداء تناقضهم في صناعتهم وفضائحهم وكذبهم على الخلق والأمر وإن شئت اقتبست منه معرفة الطيرة والفأل والزجر والفرق بين صحيح ذلك وباطلة ومعرفة مراتب هذه في الشريعة والقدر وإن شئت اقتبست منه أصولا نافعة جامعة مما تكمل به النفس البشرية وتنال بها سعادتها في معاشها ومعادها إلى غير ذلك من الفوائد التي ما كان منها صوابا فمن الله وحده هو ألمان به وما كان منها من خطأ فمن مؤلفه ومن الشيطان والله بريء منه ورسوله والله سبحانه المسئول والمرغوب إليه المأمول أن(2\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "576",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15032",
        "book_id": "qym_4069",
        "book_name": " مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يجعله خالصا لوجهه وأن يعيدنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه إنه قريب مجيب والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا(2\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "577",
        "book_number": "33",
        "slug": " -qym_4069"
    },
    {
        "id": "15033",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "أول القصيدة",
        "content": "أول القصيدة ... متن القصيدة النونية لابن القيم الجوزية بسم الله الرحمن الرحيم حكم المحبة ثابت الأركان ... ما للصدود بفسخ ذاك يدان أنى وقاضي الحسن نفذ حكمها ... فلذا أقر بذلك الخصمان وأتت شهود الوصل تشهد أنه ... حق جرى في مجلس الإحسان فتأكد الحكم العزيز فلم يجد ... فسخ الوشاة إليه من سلطان ولأجل ذا حكم العذول تداعت ال ... أركان منه فخر للأذقان وأتى الوشاة فصادفوا الحكم الذي ... حكموا به متيقن البطلان ماصادف الحكم المحل ولا هو اس ... توفى الشروط فصار ذا بطلان فلذاك قاضي الحسن أثبت محضرا ... بفساد حكم الهجر والسلوان وحكى لك الحكم المحال ونقضه ... فاسمع إذا يا من له أذنان حكم الوشاة بغير ما برهان ... أن المحبة والصدود لدان والله ما هذا بحكم مقسط ... أين الغرام وصد ذي هجران شتان بين الحالتين فإن ترد ... جمعا فما الضدان يجتمعان يا والها هانت عليه نفسه ... إذ باعها غبنا بكل هوان أتبيع من تهواه نفسك طائعا ... بالصد والتعذيب والهجران أجهلت أوصاف المبيع وقدره ... أم كنت ذا جهل بذي الأثمان(1\/5)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15034",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واها لقلب لا يفارق طيره الأغـ ... صان قائمة على الكثبان ويظل يسجع فوقها ولغيره ... منها الثمار وكل قطيف دان ويبيت يبكي والمواصل ضاحك ... ويظل يشكو وهو ذو شكران هذا ولو أن الجمال معلق ... بالنجم هم إليه بالطيران لله زائرة بليل لم تخفر ... عسس الأمير ومرصد السجان قطعت بلاد الشام ثم تيممت ... من أرض طيبة مطلع الإيمان وأتت على وادي العقيق فجاوزت ... ميقاته حلا بلا نكران وأتت على وادي الأراك ولم يكن ... قصدا لها فألا بأن ستراني وأتت على عرفات ثم محسر ... ومنى فكم نحرته من قربان وأتت على الجمرات ثم تيممت ... ذات الستور وربة الأركان هذا وما طافت ولا استلمت ولا ... رمت الجمار ولا سعت لقران ورقت إلى أعلى الصفا فتيممت ... دارا هنالك للمحث العاني أترى الدليل أعارها أثوابه ... والريح أعطتها من الخفقان والله لو أن الدليل مكانها ... ما كان ذلك منه في إمكان هذا ولو سارت مسير الريح م ... وصلت به ليلا إلى نعمان سارت وكان دليلها في سيرها ... سعد السعود وليس بالدبران وردت جفار الدمع وهي غزيرة ... فلذاك ما احتاجت ورود الضان وعلت على مين الهوى وتزودت ... ذكر الحبيب ووصلة المتداني(1\/6)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15035",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعدت بزورتها فأوفت بالذي ... وعدت وكان بملتقى الأجفان لم يفجأ المشتاق إلا وهي دا ... خلة الستور بغير ما استئذان قالت وقد كشفت نقاب الحسن ما ... بالصبر لي عن أن أراك يدان وتحدثت عندي حديثا خلته ... صدقا وقد كذبت به العينان فعجبت منه وقلت من فرحي به ... طمعا ولكن المنام دهاني إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فعليك إثم الكاذب الفتان جهم بن صفوان وشيعته الألى ... جحدوا صفات الخالق الديان بل عطلوا منه السموات العلى ... والعرش أخلوه من الرحمن ونفوا كلام الرب جل جلاله ... وقضوا له بالخلق والحدثان قالوا وليس لربنا سمع ولا ... بصر ولا وجه فكيف يدان وكذاك ليس لربنا من قدرة ... وإرادة أورحمة وحنان كلا ولا وصف يقوم به سوى ... ذات مجردة بغير معان وحياته هي نفسه وكلامه ... هو غيره فاعجب لذا البهتان وكذاك قالوا ما له من خلقه ... أحد يكون خليله النفساني وخليله المحتاج عندهم وفي ... ذا الوصف يدخل عابد الأوثان فالكل مفتقر إليه لذاته ... في أسر قبضته ذليل عان ولأجل ذا ضحى بجعد خالد الـ ... ـقسري يوم ذبائح القربان إذ قال إبراهيم ليس خليله ... كلا ولا موسى الكليم الداني(1\/7)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15036",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شكر الضحية كل صاحب سنة ... لله درك من أخي قربان فصل والعبد عندهم فليس بفاعل ... بل فعله كتحرك الرجفان وهبوب ريح أو تحرك نائم ... وتحرك الأشجار للميلان والله يصليه على ما ليس من ... أفعاله حر الحميم الآن لكن يعاقبه على أفعاله ... فيه تعالى الله ذو الإحسان والظلم عندهم المحال لذاته ... أنى ينزه عنه ذو السلطان ويكون مدحا ذلك التنزيه ما ... هذا بمقبول لدى الأذهان فصل وكذلك قالوا ماله من حكمة ... هي غاية للأمر والإتقان ما ثم غير مشيئة قد رجحت ... مثلا على مثل بلا رجحان هذا وما تلك المشيئة وصفه ... بل ذاته أو فعله قولان وكلامه مذ كان غيرا كان مخـ ... ـلوقا له من جملة الأكوان قالوا وإقرار العباد بأنه ... خلاقهم هو منتهى الإيمان والناس في الإيمان شيء واحد ... كالمشط عند تماثل الأسنان فاسأل أبا جهل وشيعته ومن ... والاهم من عابدي الأوثان(1\/8)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15037",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسل اليهود وكل أقلف مشرك ... عبد المسيح مقبل الصلبان واسأل ثمود وعاد بل سل قبلهم ... أعداء نوح أمة الطوفان واسأل أبا الجن اللعين أتعرف الـ ... خلاق أم أصبحت ذا نكران واسأل شرار الخلق أغلى أمة ... لوطية هم ناكحو الذكران واسأل كذاك أمام كل معطل ... فرعون مع قارون مع هامان هل كان فيهم منكر للخالق الـ ... ـرب العظيم مكون الأكوان فليبشروا ما فيهم من كافر ... هم عند جهم كاملوا الإيمان فصل وقضى بأن الله كان معطلا ... والفعل ممتنع بلا إمكان ثم استحال وصار مقدورا له ... من غير أمر قام بالديان بل حاله سبحانه في ذاته ... قبل الحدوث وبعدها سيان وقضى بأن النار لم تخلق ولا ... جنات عدن بل هما عدمان فإذا هما خلقا ليوم معادنا ... فهنا على الأوقات فانيتان وتلطف العلاف من أتباعه ... فأتى بضحكة جاهل مجان قال الفناء يكون في الحركات لا ... في الذات واعجبا لذا الهذيان أيصير أهل الخلد في جناتهم ... وجحيمهم كحجارة البنيان ما حال من قد كان يغشى أهله ... عند انقضاء تحرك الحيوان(1\/9)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15038",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذاك ما حال الذي رفعت يدا ... هـ أكلة من صفحة وخوان فتناهت الحركات قبل وصولها ... للفم عند تفتح الأسنان وكذاك ما حال الذي امتدت يد ... منه إلى قنو من القنوان فتناهت الحركات قبل الأخذ هل ... يبقى كذلك سائر الأزمان تبا لهاتيك العقول فإنها ... والله قد مسخت على الأبدان تبا لمن أضحى يقدمها على ال ... آثار والأخبار والقرآن فصل وقضى بأن الله يعدم خلقه ... عدما ويقلبه وجودا ثان العرش والكرسي والأرواح وال ... أملاك والأفلاك والقمران والأرض والبحر المحيط وسائر ال ... أكوان من عرض ومن جثمان كل سيفنيه الفناء المحض لا ... يبقى له أثر كظل فان ويعيد ذا المعدوم أيضا ثانيا ... محض الوجود إعادة بزمان هذا المعاد وذلك المبدا لدى ... جهم وقد نسبوه للقرآن هذا الذي قاد ابن سينا والألى ... قالوا مقالته إلى الكفران لم تقبل الأذهان ذا وتوهموا ... أن الرسول عناه بالإيمان هذا كتاب الله أنى قال ذا ... أو عبده المبعوث بالبرهان أو صحبه من بعده أو تابع ... لهم على الإيمان والإحسان(1\/10)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15039",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بل صرح الوحي المبين بأنه ... حقا مغير هذه الأكوان فيبدل الله السموات العلى ... والأرض أيضا ذات تبديلان وهما كتبديل الجلود لساكني النـ ... ـيران عند النضج من نيران وكذاك يقبض أرضه وسماءه ... بيديه ما العدمان مقبوضان وتحدث الأرض التي كنا بها ... أخبارها في الحشر للرحمن وتظل تشهد وهي عدل بالذي ... من فوقها قد أحدث الثقلان أفيشهد العدم الذي هو كاسمه ... لا شيء هذا ليس في الإمكان لكن تسوى ثم تبسط ثم تشـ ... ـهد ثم تبدل وهي ذات كيان وتمد أيضا مثل مد أديمنا ... من غير أودية ولا كثبان وتقيء يوم العرض من أكبادها ... كالأسطوان نفائس الأثمان كل يراه بعينه وعيانه ... ما لامرئ بالأخذ منه يدان وكذا الجبال تفت فتا محكما ... فتعود مثل الرمل ذي الكثبان وتكون كالعهن الذي ألوانه ... وصباغه من سائر الألوان وتبس بسا مثل ذاك فتنثني ... مثل الهباء لناظر الإنسان وكذا البحار فإنها مسجورة ... قد فجرت تفجير ذي سلطان وكذلك القمران يأذن ربنا ... لهما فيجتمعان يلتقيان هذي مكورة وهذا خاسف ... وكلاهما في النار مطروحان وكواكب الأفلاك تنثر كلها ... كلآلئ نثرت على ميدان(1\/11)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15040",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذا السماء تشق ظاهرا ... وتمور أيما موران وتصير بعد الإنشقاق كمثل ها ... ذا المهل أو تك وردة كدهان والعرش والكرسي لا يفنيهما ... أيضا وإنهما لمخلوقان والحور لا تفنى كذلك جنة الـ ... مأوى وما فيها من الولدان ولأجل هذا قال جهم إنها ... عدم ولم تخلق إلى ذا الآن والأنبياء فإنهم تحت الثرى ... أجسامهم حفظت من الديدان ما للبلى بلحومهم وجسومهم ... أبدا وهم تحت التراب يدان وكذلك عجب الظهر لا يبلى بلى ... منه تركب خلقة الإنسان وكذلك الأرواح لا تبلى كما ... تبلى الجسوم ولا بلى اللحمان ولأجل ذلك لم يقر الجهم ما ال ... أرواح خارجة عن الأبدان لكنها من بعض أعراض بها ... قامت وذا في غاية البطلان فالشأن للأرواح بعد فراقها ... أبدانها والله أعظم شان إما عذاب أو نعيم دائم ... قد نعمت بالروح والريحان وتصير طيرا سارحا مع شكلها ... تجني الثمار بجنة الحيوان وتظل واردة لأنهار بها ... حتى تعود لذلك الجثمان لكن أرواح الذين استشهدوا ... في جوف طير أخضر ريان فلهم بذاك مزية في عيشهم ... ونعيمهم للروح والأبدان بذلوا الجسوم لربهم فأعاضهم ... أجسام تلك الطير بالإحسان(1\/12)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15041",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولها قناديل اليها تنتهي ... مأوى لها كمساكن الإنسان فالروح بعد الموت أكمل حالة ... منها بهذي الدار في جثمان وعذاب أشقاها أشد من الذي ... قد عاينت أبصارنا بعيان والقائلون بأنها عرض أبوا ... ذا كله تبا لذي نكران وإذا أراد الله إخراج الورى ... بعد الممات إلى المعاد الثاني ألقى على الأرض التي هم تحتها ... والله مقتدر وذو سلطان مطرا غليظا أبيضا متتابعا ... عشرا وعشرا بعدها عشران فتظل تنبت منه أجسام الورى ... ولحومهم كمنابت الريحان حتى إذا ما الأم حان ولادها ... وتمخضت فنفاسها متدان أوحى لها رب السماء فشققت ... فبدا الجنين كأكمل الشبان وتخلت الأم الولود وأخرجت ... أثقالها أنثى ومن ذكران والله ينشئ خلقه في نشأة ... أخرى كما قد قال في القرآن هذا الذي جاء الكتاب وسنة الـ ... ـهادي به فأحرص على الإيمان ما قال إن الله يعدم خلقه ... طرا كقول الجاهل الحيران فصل وقضى بأن الله ليس بفاعل ... فعلا يقوم به بلا برهان بل فعله المفعول خارج ذاته ... كالوصف غير الذات في الحسبان(1\/13)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15042",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والجبر مذهبه الذي قرت به ... عين العصاة وشيعة الشيطان كانوا على وجل من العصيان ذا ... هو فعلهم والذنب للإنسان واللوم لا يعدوه إذ هو فاعل ... بإرادة وبقدرة الحيوان فأراحهم جهم وشيعته من الـ ... لوم العنيف وما قضوا بأمان لكنهم حملوا ذنوبهم على ... رب العباد بعزة وأمان وتبرؤوا منها وقالوا إنها ... أفعاله ما حيلة الإنسان ما كلف الجبار نفسا وسعها ... أنى وقد جبرت على العصيان وكذا على الطاعات أيضا قد غدت ... مجبورة فلها إذا جبران والعبد في التحقيق شبه نعامة ... قد كلفت بالحمل والطيران إذ كان صورتها تدل عليهما ... هذا وليس لها بذاك يدان فلذاك قال بأن طاعات الورى ... وكذاك ما فعلوه من عصيان هي عين فعل الرب لا أفعالهم ... فيصح عنهم عند ذا نفيان نفي لقدرتهم عليها أولا ... وصدورها منهم بنفي ثان فيقال ما صاموا ولا صلوا ولا ... زكوا ولا ذبحوا من القربان وكذاك ما شربوا وما قتلوا وما ... سرقوا ولا فيهم غوي زان وكذاك لم يأتوا اختيار منهم ... بالكفر والإسلام والإيمان إلا على وجه المجاز لأنها ... قامت بهم كالطعم والألوان جبروا على ما شاءه خلاقهم ... ما ثم ذو عون وغير معان(1\/14)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15043",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكل مجبور وغير ميسر ... كالميت أدرج داخل الأكفان وكذاك أفعال المهيمين لم تقم ... أيضا به خوفا من الحدثان فاذا جمعت مقالتيه أنتجا ... كذبا وزورا واضح البهتان إذ ليست الأفعال فعل إلهنا ... والرب ليس بفاعل العصيان فإذا انتفت صفة الإله وفعله ... وكلامه وفعائل الإنسان فهناك لا خلق ولا أمر ولا ... وحي ولا تكليف عبد فان وقضى على أسمائه بحدوثها ... وبخلقها من جملة الأكوان فانظر إلى تعطيله الأوصاف والـ ... أفعال والأسماء للرحمن ماذا الذي في ضمن ذا التعطيل من ... نفي ومن جحد ومن كفران لكنه أبدى المقالة هكذا ... في قالب التنزيه للرحمن وأتى إلى الكفر العظيم فصاغه ... عجلا ليفتن أمة الثيران وكساه أنواع الجواهر والحلى ... من لؤلؤ صاف ومن عقيان فرآه ثيران الورى فأصابهم ... كمصاب إخوتهم قديم زمان عجلان قد فتنا العباد بصوته ... إحداهما وبحرفه ذا الثاني والناس أكثرهم فأهل ظواهر ... تبدو لهم ليسوا بأهل معان فهم القشور وبالقشور قوامهم ... واللب حظ خلاصة الإنسان ولذا تقسمت الطوائف قوله ... وتوارثوه إرث ذي السهمان لم ينج من أقواله طرا سوى ... أهل الحديث وشيعة القرآن(1\/15)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15044",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتبرأوا منها براءة حيدر ... وبراءة المولود من عثمان من كل شيعي خبيث وصفه ... وصف اليهود محللي الحيتان(1\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15045",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في مقدمة نافعة قبل التحكيم",
        "content": "فصل: في مقدمة نافعة قبل التحكيم يا أيها الرجل المريد نجاته ... اسمع مقالة ناصح معوان كن في أمورك كلها متمسكا ... بالوحي لا بزخارف الهذيان وانصر كتاب الله والسنن التي ... جاءت عن المبعوث بالفرقان واضرب بسيف الوحي كل معطل ... ضرب المجاهد فوق كل بنان واحمل بعزم الصدق حملة مخلص ... متجرد لله غير جبان واثبت بصبرك تحت ألوية الهدى ... فإذا أصبت ففي رضا الرحمن واجعل كتاب الله والسنن التي ... ثبتت سلاحك ثم صح بجنان من ذا يبارز فليقدم نفسه ... أو من يسابق يبد في الميدان واصدع بما قال الرسول ولا تخف ... من قلة الأنصار والأعوان فالله ناصر دينه وكتابه ... والله كاف عبده بأمان لا تخش من كيد العدو ومكرهم ... فقتالهم بالكذب والبهتان فجنود أتباع الرسول ملائك ... وجنودهم فعساكر الشيطان شتان بين العسكرين فمن يكن ... متحيرا فلينظر الفئتان(1\/16)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15046",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واثبت وقاتل تحت رايات الهدى ... واصبر فنصر الله ربك دان واذكر مقاتلهم لفرسان الهدى ... لله در مقاتل الفرسان وادرأ بلفظ النص في نحر العدا ... وارجمهم بثواقب الشهبان لا تخش كثرتهم فهم همج الورى ... وذبابه أتخاف من ذبان واشغلهم عند الجدال ببعضهم ... بعضا فذاك الحزم للفرسان وإذا هم حملوا عليك فلا تكن ... فزعا لحملتهم ولا بجبان واثبت ولا تحمل بلا جند فما ... هذا بمحمود لدى الشجعان فاذا رأيت عصابة الإسلام قد ... وافت عساكرها مع السلطان فهناك فاخترق الصفوف ولا تكن ... بالعاجز الواني ولا الفزعان وتعر من ثوبين من يلبسهما ... يلقى الردى بمذمة وهوان ثوب من الجهل المركب فوقه ... ثوب التعصب بئست الثوبان وتحل بالإنصاف أفخر حلة ... زينت بها الأعطاف والكتفان واجعل شعارك خشية الرحمن مع ... نصح الرسول فحبذا الأمران وتمسكن بحبله وبوحيه ... وتوكلن حقيقة التكلان فالحق وصف الرب وهو صراطه الـ ... هادي إليه لصاحب الإيمان وهو الصراط عليه رب العرش أيـ ... ضا وذا قد جاء في القرآن والحق منصور وممتحن فلا ... تعجب فهذي سنة الرحمن وبذاك يظهر حزبه من حزبه ... ولأجل ذاك الناس طائفتان(1\/17)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15047",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولأجل ذاك الحرب بين الرسل والـ ... كفار مذ قام الورى سجلان لكنما العقبى لأهل الحق إن ... فاتت هنا كان لدى الديان واجعل لقلبك هجرتين ولا تنم ... فهما على كل امرئ فرضان فالهجرة الأولى إلى الرحمن بالـ ... إخلاص في سر وفي إعلان فالقصد وجه الله بالأقوال وال ... أعمال والطاعات والشكران فبذاك ينجو العبد من إشراكه ... ويصير حقا عابد الرحمن والهجرة الأخرى الى المبعوث بالـ ... حق المبين وواضح البرهان فيدور مع قول الرسول وفعله ... نفيا وإثباتا بلا روغان ويحكم الوحي المبين على الذي ... قال الشيوخ فعنده حكمان لا يحكمان بباطل أبدا وكل ... العدل قد جاءت به الحكمان وهما كتاب الله أعدل حاكم ... فيه الشفا وهداية الحيران والحاكم الثاني كلام رسوله ... ما ثم غيرهما لذي إيمان فإذا دعوك لغير حكمهما فلا ... سمعا لداعي الكفر والعصيان قل لا كرامة لا ولا نعمى ولا ... طوعا لمن يدعو إلى طغيان وإذا دعيت إلى الرسول فقل لهم ... سمعا وطوعا لست ذا عصيان وإذا تكاثرت الخصوم وصيحوا ... فاثبت فصيحتهم كمثل دخان يرقى إلى الأوج الرفيع وبعده ... يهوي إلى قعر الحضيض الداني هذا وإن قتال حزب الله بالـ ... أعمال لا بكتائب الشجعان(1\/18)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15048",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والله ما فتحوا البلاد بكثرة ... أنى وأعداءهم بلا حسبان وكذاك ما فتحوا القلوب بهذه الـ ... آراء بل بالعلم والإيمان وشجاعة الفرسان نفس الزهد في ... نفس وذا محذور كل جبان وشجاعة الحكام والعلماء زهـ ... ـد في الثناء من كل ذي بطلان فإذا هما اجتمعا لقلب صادق ... شدت ركائبه إلى الرحمن واقصد غالى الأقران لا أطرافها ... فالعز تحت مقاتل الأقران واسمع نصيحة من له خبر بما ... عند الورى من كثرة الجولان ما عندهم والله خير غير ما ... أخذوه عمن جاء بالقرآن والكل بعد فبدعة أو فرية ... أو بحث تشكيك ورأي فلان فاصدع بأمر الله لا تخش الورى ... في الله واخشاه تفز بأمان واهجر ولو كل الورى في ذاته ... لا في هواك ونخوة الشيطان واصبر بغير تسخط وشكاية ... واصفح بغير عتاب من هو جان واهجرهم الهجر الجميل بلا أذى ... إن لم يكن بد من الهجران وانظر غالى الأقدار جارية بما ... قد شاء من غي ومن إيمان واجعل لقلبك مقلتين كلاهما ... بالحق في ذا الخلق ناظرتان فانظر بعين الحكم وارحمهم بها ... إذ لا ترد مشيئة الديان وانظر بعين الأمر واحملهم على ... أحكامه فهما إذا نظران واجعل لوجهك مقلتين كلاهما ... من خشية الرحمن باكيتان(1\/19)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15049",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لو شاء ربك كنت أيضا مثلهم ... فالقلب بين أصابع الرحمن واحذر كمائن نفسك اللاتي متى ... خرجت عليك كسرت كسر مهان وإذا انتصرت لها فأنت كمن بغى ... طفي الدخان بموقد النيران والله أخبر وهو أصدق قائل ... أن سوف ينصر عبده بأمان من يعمل السوءى سيجزى مثلها ... أو يعمل الحسنى يفز بجنان هذي وصية ناصح ولنفسه ... وصى وبعد سائر الإخوان(1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15050",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: وهذا أول عقد مجلس التحكيم",
        "content": "فصل: وهذا أول عقد مجلس التحكيم فاجلس إذا في مجلس الحكمين للر ... حمن لا للنفس والشيطان الأول النقل الصحيح وبعده الـ ... ـعقل الصريح وفطرة الرحمن واحكم إذا في رفقة قد سافروا ... يبغون فاطر هذه الأكوان فترافقوا في سيرهم وتفارقوا ... عند افتراق الطرق بالحيران فأتى فريق ثم قال وجدته ... هذا الوجود بعينه وعيان ما ثم موجود سواه وإنما ... غلط اللسان فقال موجودان فهو السماء بعينها ونجومها ... وكذلك الأفلاك والقمران وهو الغمام بعينه والثلج وال ... أمطار مع برد ومع حسبان وهو الهواء بعينه والماء والـ ... ترب الثقيل ونفس ذي النيران(1\/20)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15051",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذي بسائطه ومنه تركبت ... هذي المظاهر ما هنا شيئان وهو الفقير لها لأجل ظهوره ... فيها كفقر الروح للأبدان وهي التي افتقرت إليه لأنه ... هو ذاتها ووجودها الحقاني وتظل تلبسه وتخلعه وذا الـ ... إيجاد والإعدام كل أوان ويظل يلبسها ويخلعها وذا ... حكم المظاهر كي يرى بعيان وتكثر الموجود كالأعضاء في ال ... محسوس من بشر ومن حيوان أو كالقوى في النفس ذلك واحد ... متكثر قامت به الأمران فيكون كلا هذه أجزاؤه ... هذه مقالة مدعي العرفان أو أنها لتكثر الأنواع في ... جنس كما قال الفريق الثاني فيكون كليا وجزئياته ... هذا الوجود فهذه قولان إحداهما نص الفصوص وبعده ... قول ابن سبعين وما القولان عند العفيف التلمساني الذي ... هو غاية في الكفر والبهتان ألا من الأغلاط في حس وفي ... وهم وتلك طبيعة الإنسان والكل شيء واحد في نفسه ... ما للتعدد فيه من سلطان فالضيف والمأكول شيء واحد ... والوهم يحسب ها هنا شيئان وكذلك الموطوء عين الوطء وال ... وهم البعيد يقول ذا إثنان ولربما قالا مقالته كما ... قد قال قولهما بلا فرقان وأبى سواهم ذا وقال مظاهر ... تجلوه ذات توحد ومثان(1\/21)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15052",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالظاهر المجلو شيء واحد ... لكن مظاهره بلا حسبان هذي عبارات لهم مضمونها ... ما ثم غير قط في الأعيان فالقوم ما صانوه عن انس ولا ... جن ولا شجر ولا حيوان كلا ولا علو ولا سفل ولا ... واد ولا جبل ولا كثبان كلا ولا طعم ولا ريح ولا ... صوت ولا لون من الألوان لكنه المطعوم والملبوس والـ ... مشموم والمسموع بالآذان وكذاك قالوا إنه المنكوح والـ ... مذبوح بل عين الغوي الزاني والكفر عندهم هدى ولو أنه ... دين المجوس وعابدي الأوثان قالوا وما عبدوا سواه وإنما ... ضلوا بما خصوا من الأعيان ولو أنهم عموا وقالوا كلها ... معبودة ما كان من كفران فالكفر ستر حقيقة المعبود بالـ ... تخصيص عند محقق رباني قالوا ولم يك كافرا في قوله ... أنا ربكم فرعون ذو الطغيان بل كان حقا قوله إذ كان عيـ ... ـن الحق مضطلعا بهذا الشان ولذا غدا تطهيره في البحر تطـ ... ـهيرا من الأوهام والحسبان قالوا ولم يك منكرا موسى لما ... عبدوه من عجل لذي الخوران إلا على من كان ليس بعابد ... معهم وأصبح ضيق الأعطان ولذاك جر بلحية الأخ حيث لم ... يك واسعا في قومه لبطان بل فرق الإنكار منه بينهم ... لما سرى في وهمه غيران(1\/22)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15053",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولقد رأى ابليس عارفهم فأهـ ... ـوى بالسجود هوي ذي خضعان قال له ماذا صنعت فقال هل ... غير الإله وأنتما عميان ما ثم غير فاسجدوا إن شئتم ... للشمس والأصنام والشيطان فالكل عين الله عند محقق ... والكل معبود لذي عرفان هذا هو المعبود عندهم فقل ... سبحانك اللهم ذا السبحان يا أمة معبودها موطوؤها ... أين الإله وثغرة الطعان يا أمة قد صار من كفرانها ... جزء يسير جملة الكفران فصل: في قدوم ركب آخر وأتى فريق ثم قال وجدته ... بالذات موجودا بكل مكان هو كالهواء بعينه لا عينه ... ملأ الخلاء ولا يرى بعيان والقوم ما صانوه عن بئر ولا ... قبر ولا وحش ولا أعطان بل منهم من قد رأى تشبيهه ... بالروح داخل هذه الأبدان ما فيهم من قال ليس بداخل ... أو خارج عن جملة الأكوان لكنهم حاموا على هذا ولم ... يتجاسروا من عسكر الإيمان وعليهم رد الأئمة أحمد ... وصحابه من كل ذي عرفان فهم الخصوم لكل صاحب سنة ... وهم الخصوم لمنزل القرآن(1\/23)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15054",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولهم مقالات ذكرها أصولها ... لما ذكرت الجهم في الأوزان فصل: في قدوم ركب آخر وأتى فريق ثم قارب وصفه ... هذا ولكن جد في الكفران فأسر قول معطل ومكذب ... في قالب التنزيه للرحمن إذ قال ليس بداخل فينا ولا ... هو خارج عن جملة الأكوان بل قال ليس ببائن عنها ولا ... فيها ولا هو عينها ببيان كلا ولا فوق السموات العلى ... والعرش من رب ولا رحمن والعرش ليس عليه معبود سوى العـ ... ـدم الذي لا شيء في الأعيان بل حظه من ربه حظ الثرى ... منه وحظ قواعد البنيان لو كان فوق العرش كان كهذه الـ ... أجسام سبحان العظيم الشان ولقد وجدت لفاضل منهم مقا ... ما قامه في الناس منذ زمان قال اسمعوا يا قوم إن نبيكم ... قد قال قولا واضح البرهان لا تحكموا بالفضل لي أصلا على ... ذي النون يونس ذلك الغضبان هذا يرد على المجسم قوله ... الله فوق العرش والأكوان ويدل أن إلهنا سبحانه ... وبحمده يلفى بكل مكان قالوا له بين لنا هذا فلم ... يفعله فأعطوه من الأثمان(1\/24)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15055",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ألفا من الذهب العتيق فقال في ... تبيانه فاسمع لذا التبيان قد كان يونس في قرار البحر تحـ ... ـت الماء في قبر من الحيتان ومحمد صعد السماء وجاوز الـ ... ـسبع الطباق وجاز كل عنان وكلاهما في قربه من ربه ... سبحانه إذ ذاك مستويان فالعلو والسفل اللذان كلاهما ... في بعده من ضده طرفان إن ينسبا لله نزه عنهما ... بالاختصاص بل هما سيان في قرب من أضحى مقيما فيهما ... من ربه فكلاهما مثلان فلأجل هذا خص يونس دونهم ... بالذكر تحقيقا لهذا الشان فأتى الثناء عليه من أصحابه ... من كل ناحية بلا حسبان فاحمد إلهك أيها السني إذ ... عافاك من تحريف ذي بهتان والله ما يرضى بهذا خائف ... من ربه أمسى على الإيمان هذا هو الإلحاد حقا بل هو التحـ ... ـريف محضا أبرد الهذيان والله ما بلي المجسم قط بمثل ذ ... ي البلوى ولا أمسى بذي الخذلان أمثال ذا التأويل أفسد هـ ... ـذه الأديان حين سرى إلى الأديان والله لولا الله حافظ دينه ... لتهدمت منه قوى البنيان(1\/25)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15056",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: في قدوم ركب آخر وأتى فريق ثم قارب وصفه ... هذا وزاد عليه في الميزان قال اسمعوا يا قوم لا تلهيكم ... هذي الأماني هن شر أماني أتعبت راحلتي وكلت مهجتي ... وبذلت مجهودي وقد أعياني فتشت فوق وتحت ثم أمامنا ... ووراء ثم يسار مع أيمان ما دلني أحد عليه هنا كم ... كلا ولا بشر إليه هداني إلا طوائف بالحديث تمسكت ... تعزي مذاهبها إلى القرآن قالوا الذي تبغيه فوق عباده ... فوق السماء فوق كل مكان وهو الذي حقا على العرش استوى ... لكنه استولى على الأكوان وإليه يصعد كل قول طيب ... وإليه يرفع سعي ذي الشكران والروح والأملاك منه تنزلت ... وإليه تعرج عند كل أوان واليه أيدي السائلين توجهت ... نحو العلو بفطرة الرحمن وإليه قد عرج الرسول فقدرت ... من قربه من ربه قوسان وإليه قد رفع المسيح حقيقة ... ولسوف ينزل كي يرى بعيان وإليه تصعد روح كل مصدق ... عند الممات فتنثني بأمان وإليه آمال العباد توجهت ... نحو العلو بلا تواص ثان(1\/26)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15057",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بل فطرة الله التي لم يفطروا ... إلا عليها الخلق والثقلان ونظير هذا أنهم فطروا على ... اقرارهم لا شك بالديان ولكن أولوا التعطيل منهم أصبحوا ... مرضى بداء الجهل والخذلان فسألت عنهم رفقتي وأحبتي ... أصحاب جهم حزب جنكيز خان من هؤلاء ومن يقال لهم فقد ... جاءوا بأمر مالئ الآذان ولهم علينا صولة ما صالها ... ذو باطل بل صاحب البرهان أو ما سمعتم قولهم وكلامهم ... مثل الصواعق ليس ذا لجبان جاءوكم من فوقكم وأتيتم ... من تحتهم ما أنتم سيان جاءكم بالوحي لكن جئتم ... بنحاتة الأفكار والأذهان قالوا مشبهة ومجسمة فلا ... تسمع مقال مجسم حيوان والعنهم لعنا كبيرا واغزهم ... بعساكر التعطيل غير جبان واحكم بسفك دمائهم وبحبسهم ... أو لا فشردهم عن الأوطان حذر صحابك منهم فهم أضل ... من اليهود وعابدي الصلبان واحذر تجادلهم بقال الله أو ... قال الرسول فتنثني بهوان أنى وهم أولى به قد أنفذوا ... فيه قوى الأذهان والأبدان فاذا ابتليت بهم فغالطهم على التأ ... ويل للأخبار والقرآن وكذاك غالطهم على التكذيب للـ ... آحاد ذان لصحبنا أصلان أوصى بها أشياخنا أشياخهم ... فاحفظهما بيديك والأسنان(1\/27)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15058",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واذا اجتمعت وهم بمشهد مجلس ... فابدر بإيراد وشغل زمان لا يملكوه عليك بالآثار والـ ... أخبار والتفسير للفرقان فتصير إن وافقت مثلهم وان ... عارضت زنديقا أخا كفران وإذا سكت يقال هذا جاهل ... فابدر ولو بالفشر والهذيان هذا الذي والله أوصانا به ... أشياخنا في سالف الأزمان فرجعت من سفري وقلت لصاحبي ... ومطيتي قد آذنت بحران عطل ركابك واسترح من سيرها ... ما ثم شيء غير ذي الأكوان لو كان للأكوان رب خالق ... كان المجسم صاحب البرهان أو كان رب بائن عن الورى ... كأدان المجسم صاحب الإيمان ولكان عند الناس أولى الخلق بال ... إسلام والإيمان والإحسان ولكان هذا الحزب فوق رؤوسهم ... لم يختلف منهم عليه اثنان فدع التكاليف التي حملتها ... واخلع عذارك وارم بالأرسان ما ثم فوق العرش من رب ولم ... يتكلم الرحمن بالقرآن لو كان فوق العرش رب ناظر ... لزم التحيز وافتقار مكان لو كان ذا القرآن عين كلامه ... حرفا وصوتا كان ذا جثمان فإذا انتفى هذا وهذا ما الذي ... يبقى على ذا النفي من إيمان فدع الحلال مع الحرام لأهله ... فهما السياج لهم على البستان فاخرقه ثم ادخل ترى في ضمنه ... قد هيئت لك سائر الألوان(1\/28)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15059",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وترى بها ما لا يراه محجب ... من كل ما تهوى به زوجان واقطع علائقك التي قد قيدت ... هذا الورى من سالف الأزمان لتصير حرا لست تحت أوامر ... كلا ولا نهي ولا فرقان لكن جعلت حجاب نفسك إذ ترى ... فوق السماء للناس من ديان لو قلت ما فوق السماء مدبر ... والعرش نخليه من الرحمان والله ليس مكلما لعباده ... كلا ولا متكلما بقران ما قال قط ولا يقول ولا له ... قول بدا منه إلى إنسان لحللت طلسمه وفزت بكنزه ... وعلمت أن الناس في هذيان لكن زعمت بأن ربك بائن ... من خلقه إذ قلت موجودان وزعمت أن الله فوق العرش والكرسي ... حقا فوقه القدمان وزعمت أن الله يسمع خلقه ... ويراهم من فوق سبع ثمان وزعمت أن كلامه منه بدا ... وإليه يرجع آخر الأزمان ووصفته بالسمع والبصر الذي ... لا ينبغي إلا لذي الجثمان ووصفته بإرادة وبقدرة ... وكراهة ومحبة وحنان وزعمت أن الله يعلم كل ما ... في الكون من سر ومن إعلان والعلم وصف زائد عن ذاته ... عرض يقوم بغير ذي جثمان وزعمت أن الله كلم عبده ... موسى فأسمعه ندا الرحمن أفتسمع الآذان غير الحروف والصـ ... ـوت الذي خصت به الأذنان(1\/29)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15060",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذا النداء فانه صوت باجمـ ... ـاع النحاة وأهل كل لسان لكنه صوت رفيع وهو ضد ... للنجاء كلاهما صوتان فزعمت أن الله ناداه ونا ... جاه وفي ذا الزعم محذوران قرب المكان وبعده والصوت بل ... نوعاه محذوران ممتنعان وزعمت أن محمدا أسرى به ... ليلا إليه فهو منه دان وزعمت أن محمدا يوم اللقا ... يدنيه رب العرش بالرضوان حتى يرى المختار حقا قاعدا ... معه على العرش الرفيع الشان وزعمت أن لعرشه أطا به ... كالرحل أط براكب عجلان وزعمت أن الله أبدى بعضه ... للطور حتى عاد كالكثبان لما تجلى يوم تكليم الرضى ... موسى الكليم مكلم الرحمن وزعمت للمعبود وجها باقيا ... وله يمين بل زعمت يدان وزعمت أن يديه للسبع العلى ... والأرض يوم الحشر قابضتان وزعمت أن يمينه ملآى من الخيرات ... ما غاضت على الأزمان وزعمت أن العدل في الأخرى بها ... رفع وخفض وهو بالميزان وزعمت أن الخلق طرا عنده ... يهتز فوق أصابع الرحمن وزعمت أيضا أن قلب العبد ما ... بين اثنتين من أصابع عان وزعمت أن الله يضحك عندما ... يتقابل الصفان يقتتلان من عبده يأتي فيبدي نحره ... لعدوه طلبا لنيل جنان(1\/30)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15061",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذاك يضحك عندما يثب الفتى ... من فرشه لتلاوة القرآن وكذاك يضحك من قنوط عباده ... إذ أجدبوا والغيث منهم دان وزعمت أن الله يرضى عن أولي ... الحسنى ويغضب عن أولي العصيان وزعمت أن الله يسمع صوته ... يوم المعاد بعيدهم والداني لما يناديهم أنا الديان لا ... ظلم لدي فيسمع الثقلان وزعمت أن الله يشرق نوره ... في الأرض يوم الفصل والميزان وزعمت أن الله يكشف ساقه ... فيخر ذاك الجمع للأذقان وزعمت أن الله يبسط كفه ... لمسيئنا ليتوب من عصان وزعمت أن يمينه تطوى السما ... طي السجل على كتاب بيان وزعمت أن الله ينزل في الدجى ... في ثلث ليل آخر أو ثان فيقول هل من سائل فأجيبه ... فأنا القريب أجيب من ناداني وزعمت أن له نزولا ثانيا ... يوم القيامة للقضاء الثاني وزعمت أن الله يبدو جهرة ... لعباده حتى يرى بعيان بل يسمعون كلامه ويرونه ... فالمقلتان إليه ناظرتان وزعمت أن لربنا قدما وأن ... الله واضعها على النيران فهناك يدنو بعضها من بعضها ... وتقول قط قط حاجتي وكفاني وزعمت أن الناس يوم مزيدهم ... كل يحاضر ربه ويداني بالحاء مع ضاد وجامع صادها ... وجهان في ذا اللفظ محفوظان في الترمذي ومسند وسواهما ... من كتب تجسيم بلا كتمان(1\/31)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15062",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ووصفته بصفات حي فاعل ... بالاختيار وذانك الأصلان أصل التفرق بين هذا الخلق فـ ... ـي الباري فكن في النفي غير جبان أو لا فلا تلعب بدينك ناقضا ... نفيا بإثبات بلا فرقان فالناس بين معطل أو مثبت ... أو ثالث متناقض صنفان والله لست برابع لهم بلى ... إما حمارا أو من الثيران فاسمع بانكار الجميع ولا تكن ... متناقضا رجلا له وجهان أو لا ففرق بين ما أثبته ... ونفيته بالنص والبرهان فالباب باب واحد في النفي ... والإثبات في عقل وفي ميزان فمتى أقر ببعض ذلك مثبت ... لزم الجميع أو ائت بالفرقان ومتى نفى شيئا وأثبت مثله ... فمجسم متناقض ديصان فذروا المراء وصرحوا بمذاهب ... القدماء وانسلخوا من الإيمان أو قاتلوا مع أمة التجسيم والتشـ ... ـبيه تحت لواء ذي القرآن أو لا فلا تتلاعبوا بعقولكم ... وكتابكم وبسائر الأديان فجميعها قد صرحت بصفاته ... وكلامه وعلوه ببيان والناس بين مصدق أو جاحد ... أو بين ذلك أو شبيه أتان فاصنع من التنزيه ترسا محكما ... وانف الجميع بصنعة وبيان وكذاك لقب مذهب الإثبات ... بالتجسيم ثم احمل على الأقران فمتى سمحت لهم بوصف واحد ... حملوا عليك بحملة الفرسان(1\/32)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15063",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصرعت صرعة من غدا متلبطا ... وسط العرين ممزق اللحمان فلذاك أنكرنا الجميع مخافة ... التجسيم أن صرنا إلى القرآن ولذا خلعنا ربقة الأديان من ... أعناقنا في سالف الأزمان ولنا ملوك قاوموا الرسل الألى ... جاءوا بإثبات الصفات كمان في آل فرعون وهامان وقا ... رون ونمرود وجنكيز خان ولنا الأئمة كالفلاسفة الألى ... لم يعبأوا أصلا بذي الأديان منهم أرسطو ثم شيعته إلى ... هذا الأوان وعند كل أوان ما فيهم من قال إن الله فو ... ق العرش خارج هذه الأكوان كلا ولا قالوا بأن إلهنا ... متكلم بالوحي والقرآن ولأجل هذا رد فرعون على ... موسى ولم يقدر على الإيمان إذ قال موسى ربنا متكلم ... فوق السماء وأنه متداني وكذا ابن سينا لم يكن منكم ولا ... أتباعه بل صانعوا بدهان وكذلك الطوسي لما أن غدا ... ذا قدرة لم يخش من سلطان قتل الخليفة والقضاة وحاملي الـ ... قرآن والفقهاء في البلدان إذ هم مشبهة مجسمة وما ... دانوا بدين أكبار اليونان ولنا الملاحدة الفحول أئمة التـ ... ـعطيل والتسكين آل سنان ولنا تصانيف بها غالبتم ... مثل الشفا ورسائل الإخوان وكذا الإشارات التي هي عندكم ... قد ضمنت لقواطع البرهان(1\/33)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15064",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قد صرحت بالضد مما جاء في التـ ... وراة والإنجيل والفرقان هي عندكم مثل النصوص وفوقها ... في حجة قطعية وبيان وإذا تحاكمنا فإن إليهم ... يقع التحاكم لا إلى القرآن إذ قد تساعدنا بأن نصوصه ... لفظية عزلت عن الإيقان فلذاك حكمنا عليه وأنتم ... قول المعلم أولا والثاني يا ويح جهم وابن درهم والألى ... قالوا بقولها من الخوران بقيت من التشبه فيه بقية ... نقضت قواعده من الأركان بنفي الصفات مخافة التجسيم لا ... يلوي على خبر ولا قرآن ويقول إن الله يسمع أو يرى ... وكذلك يعلم سر كل جنان ويقول إن الله قد شاء الذي ... هو كائن من هذه الأكوان ويقول إن الفعل مقدور له ... والكون ينسبه إلى الحدثان وبنفيه التجسيم يصرخ في الورى ... والله ما هذان متفقان لكننا قلنا محال كل ذا ... حذرا من التجسيم والإمكان(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15065",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في قدوم ركب الإيمان وعسكر القرآن",
        "content": "فصل: في قدوم ركب الإيمان وعسكر القرآن وأتى فريق ثم قال ألا اسمعوا ... قد جئتكم من مطلع الإيمان من أرض طيبة من مهاجر أحمد ... بالحق والبرهان والتبيان(1\/34)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15066",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سافرت في طلب الإله فدلني ال ... هادي عليه ومحكم القرآن مع فطرة الرحمن جل جلاله ... وصريح عقلي فاعقلي ببيان فتوافق الوحي الصريح وفطرة الـ ... ـرحمن والمعقول في إيماني شهدوا بأن الله جل جلاله ... متفرد بالملك والسلطان وهو الإله الحق لا معبود إلا ... وجهه الأعلى العظيم الشان بل كل معبود سواه فباطل ... من عرشه حتى الحضيض الداني وعبادة الرحمن غاية حبه ... مع ذل عابده هما قطبان وعليهما فلك العبادة دائر ... ما دار حتى قامت القطبان ومداره بالأمر أمر رسوله ... لا بالهوى والنفس والشيطان فقيام دين الله بالإخلاص والإ ... حسان إنهما له أصلان لم ينج من غضب الإله وناره ... إلا الذي قامت به الأصلان والناس بعد فمشرك بإلهه ... أو ذو ابتداع أو له الوصفان والله لا يرضى بكثرة فعلنا ... لكن بأحسنه مع الإيمان فالعارفون مرادهم إحسانه ... والجاهلون عموا عن الإحسان وكذا قد شهدوا بأن الله ذو ... سمع وذو بصر هما صفتان وهو العلي يرى ويسمع خلقه ... من فوق عرش فوق ست ثمان فيرى دبيب النمل في غسق الدجى ... ويرى كذلك تقلب الأجفان وضجيج أصوات العباد بسمعه ... ولديه لا يتشابه الصوتان(1\/35)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15067",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو العليم بما يوسوس عبده ... في نفسه من غير نطق لسان بل يستوي في علمه الداني مع الـ ... قاصي وذو الإسرار والإعلان وهو العليم بما يكون غدا وما ... قد كان والمعلوم في ذا الآن وبكل شيء لم يكن لو كان كيـ ... ـف يكون موجودا لدى الأعيان وهو القدير فكل شيء فهو مقـ ... دور له طوعا بلا عصيان وعموم قدرته تدل بأنه ... هو خالق الأفعال للحيوان هي خلقه حقا وأفعال لهم ... حقا ولا يتناقض الأمران لكن أهل الجبر والتكذيب با ... لأقدار ما انفتحت لهم عينان نظروا بعيني أعور إذ فاتهم ... نظر البصير وغارت العينان فحقيقة القدر الذي حار الورى ... في شأنه هو قدرة الرحمن وأستحسن ابن عقيل ذا من أحمد ... لما حكاه عن الرضا الرباني قال الإمام شفا القلوب بلفظة ... ذات اختصار وهي ذات بيان فصل وله الحياة كمالها فلأجل ذا ... ما للمات عليه من سلطان وكذلك القيوم من أوصافه ... ما للمنام لديه من غشيان وكذاك أوصاف الكمال جميعها ... ثبتت له ومدارها الوصفان فمصحح الأوصاف والأفعال والأ ... سماء حقا ذانك الوصفان(1\/36)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15068",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولأجل ذا جاء الحديث بأنه ... في آية الكرسي وذي عمران اسم الإله الأعظم اشتملا على اسـ ... ـم الحي والقيوم مقترنان فالكل مرجعها إلى الاسمين يد ... ري ذاك ذو بصر بهذا الشان وله الإرادة والكراهة والرضا ... وله المحبة وهو ذو الاحسان وله الكمال المطلق العاري عن التـ ... ـشبيه والتمثيل بالإنسان وكمال من أعطى الكمال لنفسه ... أولى وأقدم وهو أعظم شان أيكون قد أعطى الكمال لنفسه ... أولى وأقدم أذاك ذو امكان أيكون إنسان سميعا مبصرا ... متكلما بمشيئة وبيان وله الحياة وقدرة وإرادة ... والعلم بالكلي والأعيان والله قد أعطاه ذاك ليس هـ ... ـذا وصفه فاعجب من البهتان بخلاف نوم العبد ثم جماعة ... والأكل منه حاجة الأبدان إذ تلك ملزومات كون العبد محـ ... ـتاجا وتلك لوازم النقصان وكذا لوازم كونه جسدا نعم ... ولوازم الأحداث والإمكان يتقدس الرحمن جل جلاله ... عنها وعن أعضاء ذي جسمان والله ربي لم يزل متكلما ... وكلامه المسموع بالآذان صدقا وعدلا أحكمت كلماته ... طلبا وإخبارا بلا نقصان ورسوله قد عاذ بالكلمات من ... لدغ ومن عين ومن شيطان أيعاذ بالمخلوق حاشاه من الـ ... إشراك وهو معلم الإيمان(1\/37)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15069",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بل عاذ بالكلمات وهي صفاته ... سبحانه ليست من الأكوان وكذلك القرآن عين كلامه المـ ... ـسموع منه حقيقة ببيان هو قول ربي كله لا بعضه ... لفظا ومعنى ما هما خلقان تنزيل رب العالمين وقوله ... اللفظ والمعنى بلا روغان لكن أصوات العباد وفعلهم ... كمدادهم والرق مخلوقان فالصوت للقاري ولكن الكلا ... م كلام رب العرش ذي الإحسان هذا إذا ما كان ثم وساطة ... كقراءة المخلوق للقرآن فإذا انتفت تلك الوساطة مثل ما ... قد كلم المولود من عمران فهنالك المخلوق نفس السمع لا ... شيء من المسموع فافهم ذان هذا مقالة أحمد ومحمد ... وخصومهم من بعد طائفتان إحداهما زعمت بأن كلامه ... خلق له ألفاظه ومعاني والآخرون أبوا وقالوا شطره ... خلق وشطر قام بالرحمن زعموا القرآن عبارة وحكاية ... قلنا كما زعموه قرآنان هذا الذي نتلوه مخلوق كما ... قال الوليد وبعده الفئتان والآخر المعنى القديم فقائم ... بالنفس لم يسمع من الديان والأمر عين النهي واستفهامه ... هو عين إخبار وذو وحدان وهو الزبور وعين توراة وإنـ ... ـجيل وعين الذكر والفرقان الكل شيء واحد في نفسه ... لا يقبل التبعيض في الأذهان(1\/38)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15070",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما إن له كل ولا بعض ولا ... حرف ولا عربي ولا عبراني ودليلهم في ذاك بيت قاله ... فما يقال الأخطل النصراني يا قوم قد غلط النصارى قبل في ... معنى الكلام وما اهتدوا لبيان ولأجل ذا جعلوا المسيح إلههم ... إذ قيل كلمة خالق رحمن ولأجل ذا جعلوه ناسوتا ولا ... هوتا قديما بعد متحدان ونظير هذا من يقول كلامه ... معنى قديم غير ذي حدثان والشطر مخلوق وتلك حروفه ... ناسوته لكن هما غيران فانظر إلى ذاك الاتفاق فإنه ... عجب وطالع سنة الرحمن وتكايست أخرى وقالت إن ذا ... قول محال وهو خمس معان تلك التي ذكرت ومعنى جامع ... لجميعها كالأس للبنيان فيكون أنواعا وعند نظيرهم ... أوصافه وهما فمتفقان أن الذي جاء الرسول به لمخـ ... ـلوق ولم يسمع من الديان والخلف بينهم فقيل محمد ... أنشاه تعبيرا عن القرآن والآخرون أبو وقالوا إنما ... جبريل أنشاه عن المنان وتكايست أخرى وقالت إنه ... نقل من اللوح الرفيع الشأن فاللوح مبدؤه ورب اللوح قد ... أنشاه خلقا فيه ذا حدثان هذي مقالات لهم فانظر ترى ... في كتبهم يا من له عينان ...(1\/39)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15071",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لكن أهل الحق قالوا إنما ... جبريل بلغه عن الرحمن ألقاه مسموعا له من ربه ... للصادق المصدوق بالبرهان(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15072",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في مجامع طرق أهل الأرض واختلافهم في القرآن",
        "content": "فصل: في مجامع طرق أهل الأرض واختلافهم في القرآن واذا أردت مجامع الطرق التي ... فيها افتراق الناس في القرآن فمدارها أصلان قام عليهما ... هذا الخلاف هما له ركنان هل قوله بمشيئة أم لا وهل ... في ذاته أم خارج هذان أصل اختلاف جميع أهل الأرض في ... القرآن فاطلب مقتضى البرهان ثم الألى قالوا بغير مشيئة ... وإرادة منه فطائفتان إحداهما جعلته معنى قائما ... بالنفس أو قالوا بخمس معان والله أحدث هذه الألفاظ كي ... تبديه معقولا إلى الأذهان وكذاك قالوا إنها ليست هي الـ ... ـقرآن بل دلت على القرآن ولربما سمي بها القرآن تسـ ... ـمية المجاز وذاك وضع ثان وكذلك اختلفوا فقيل حكاية ... عنه وقيل عبارة لبيان إذ كان ما يحكى كمحكي وهـ ... ـذا اللفظ والمعنى فمختلفان ولذا يقال حكى الحديث بعينه ... إذ كان أوله نظير الثاني(1\/40)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15073",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلذاك قالوا لا نقول حكاية ... ونقول ذاك عبارة الفرقان والآخرون يرون هذا البحث لفـ ... ـظيا وما فيه كبير معان(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15074",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في مذهب الاقترانية",
        "content": "فصل: في مذهب الاقترانية والفرقة الأخرى فقالت إنه ... لفظا ومعنى ليس ينفصلان واللفظ كالمعنى قديم قائم ... بالنفس ليس بقابل الحدثان فالسين عند الباء لا مسبوقة ... لكن هما حرفان مقترنان والقائلون بذا يقولون إنما ... ترتيبها بالسمع والآذان ولها اقتران ثابت لذواتها ... فاعجب لذا التخليط والهذيان لكن زاغونيهم قد قال إن ... ذواتها ووجودها غيران فترتبت بوجودها لا ذاتها ... يا للعقول وزيغة الأذهان ليس الوجود سوى حقيقتها لذي الـ ... أذهان بل في هذه الأعيان لكن إذا أخذ الحقيقة خارجا ... ووجودها ذهنا فمختلفان والعكس أيضا مثل ذا فإذا هما ... اتحدا اعتبارا لم يكن شيئان وبذا يزول جميع إشكالاتهم ... في ذاته ووجوده الرحمن(1\/41)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15075",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في مذاهب القائلين بأنه متعلق بالمشيئة والارادة",
        "content": "فصل: في مذاهب القائلين بأنه متعلق بالمشيئة والارادة والقائلون بأنه بمشيئة ... وإرادة أيضا فهم صنفان إحداهما جعلته خارج ذاته ... كمشيئة للخلق والأكوان قالوا وصار كلامه بإضافة الـ ... تشريف مثل البيت ذي الأركان ما قال عندهم ولا هو قائل ... والقول لم يسمع من الديان فالقول مفعول لديهم قائم ... بالغير كالأعراض والأكوان هذي مقالة كل جهمي وهم ... فيها الشيوخ معلم الصبيان لكن أهل الاعتزال قديمهم ... لم يذهبوا ذا المذهب الشيطاني وهم الألى اعتزلوا عن الحسن الر ... ضى البصري ذاك العالم الرباني وكذاك أتباع على مناهجهم ... من قبل جهم صاحب الحدثان لكنما متأخروهم بعد ذا ... لك وافقوا جهما على الكفران فهم بذا جهمية أهل اعتزا ... ل ثوبهم أضحى له علمان ولقد تقلد كفرهم خمسون في ... عشر من العلماء في البلدان واللالكائي الإمام حكاه عنـ ... ـهم بل حكاه قبله الطبراني(1\/42)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15076",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في مذهب الكرامية",
        "content": "فصل: في مذهب الكرامية والقائلون بأنه بمشيئة ... في ذاته أيضا فهم نوعان إحداهما جعلته مبدوءا به ... نوعا حذار تسلسل الأعيان فيسد ذاك عليهم في زعمهم ... إثبات خالق هذه الأكوان فلذاك قالوا أنه ذو أول ... ما للفناء عليه من سلطان وكلامه كفعاله وكلاهما ... ذو مبدأ بل ليس ينتهيان قالوا ولم ينصف خصوم جعجعوا ... وأتوا بتشنيع بلا برهان قلنا كما قالوه في أفعاله ... بل بيننا بون من الفرقان بل نحن أسعد منهم بالحق إذ ... قلنا هما بالله قائمتان وهم فقالوا لم يقم بالله لا ... فعل ولا قول فتعطيلان لفعاله ومقاله شرا وأبـ ... طل من حلول حوادث ببيان تعطيله عن فعله وكلامه ... شر من التشنيع بالهذيان هذي مقالات ابن كرام وما ... ردوا عليه قط بالبرهان أنى وما قد قال أقرب منهم ... للعقل والآثار والقرآن لكنهم جاءوا له بجعاجع ... وفراقع وقعاقع بشنان(1\/43)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15077",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في ذكر مذهب أهل الحديث",
        "content": "فصل: في ذكر مذهب أهل الحديث والآخرون أولو الحديث كأحمد ... ومحمد وأئمة الإيمان قالوا بأن الله حقا لم يزل ... متكلما بمشيئة وبيان إن الكلام هو الكمال فكيف يخـ ... لو عنه في أزل بلا إمكان ويصير فيما لم يزل متكلما ... ماذا اقتضاه له من الإمكان وتعاقب الكلمات أمر ثابت ... للذات مثل تعاقب الأزمان والله رب العرش قال حقيقة ... حم مع طه بغير قران بل أحرف مترتبات مثل ما ... قد رتبت في مسمع الإنسان وقتان في وقت محال هكذا ... حرفان أيضا يوجدا في آن من واحد متكلم بل يوجدا ... بالرسم أو يتكلم الرجلان هذا هو المعقول أما الاقترا ... ن فليس معقولا لذي الأذهان وكذا كلام من سوى متكلم ... أيضا محال ليس في إمكان إلا من قام الكلام به فذا ... ك كلامه المعقول في الأذهان أيكون حيا سامعا أو مبصرا ... من غير سمع وغير عيان والسمع والإبصار قام بغيره ... هذا المحال وواضح البهتان وكذا مريد والإرادة لم تكن ... وصفا له هذا من الهذيان(1\/44)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15078",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذا قدير ماله من قدرة ... قامت به من أوضح البطلان والله جل جلاله متكلم ... بالنقل والمعقول والبرهان قد أجمعت رسل الإله عليه لم ... ينكره من أتباعهم رجلان فكلامه حقا يقوم به وإلا ... لم يكن متكلما بقران والله قال وقائل وكذا يقول ... الحق ليس كلامه بالفاني ويكلم الثقلين يوم معادهم ... حقا فيسمع قوله الثقلان وكذا يكلم حزبه في جنة الحيـ ... ـيوان بالتسليم والرضوان وكذا يكلم رسله يوم اللقا ... حقا فيسألهم عن التبيان ويراجع التكليم جل جلاله ... وقت الجدال له من الإنسان ويكلم الكفار في العرصات تو ... بيخا وتقريعا بلا غفران ويكلم الكفار أيضا في الجحـ ... ـيم أن اخسئوا فيها بكل هوان والله قد نادى الكليم وقبله ... سمع الندا في الجنة الأبوان وأتى الندا في تسع آيات له ... وصفا فراجعها من القرآن وكذا يكلم جبريل بأمره ... حتى ينفذه بكل مكان واذكر حديثا في صحيح محمد ... ذاك البخاري العظيم الشان فيه نداء الله يوم معادنا ... بالصوت يبلغ قاصيا والداني هب أن هذا اللفظ ليس بثابت ... بل ذكره مع حذفه سيان ورواه عندكم البخاري المجسـ ... ـم بل رواه مجسم فوقاني(1\/45)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15079",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أيصح في عقل وفي نقل ندا ... ء ليس مسموعا لنا بأذان أم أجمع العلماء والعقلاء من ... أهل اللسان وأهل كل لسان أن الندا الصوت الرفيع وضده ... فهو النجاء كلاهما صوتان والله موصوف بذاك حقيقة ... هذا الحديث ومحكم القرآن واذكر حديثا لابن مسعود صر ... يحا أنه ذو أحرف ببيان الحرف منه في الجزا عشر من الـ ... ـحسنات ما فيهن من نقصان وانظر إلى السور التي افتتحت بأحـ ... ـرفها ترى سرا عظيم الشان لم يأت قط بسورة إلا أتى ... في إثرها خبر عن القرآن إذ كان إخبارا به عنها وفي ... هذا الشفاء لطالب الإيمان ويدل أن كلامه هو نفسها ... لا غيرها والحق ذو تبيان فانظر إلى مبدأ الكتاب وبعدها الأ ... عراف ثم كذا إلى لقمان مع تلوها أيضا ومع حم مع ... يس وافهم مقتضى القرآن(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15080",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في إلزامهم القول بنفي الرسالة إذا انتفت صفة الكلام",
        "content": "فصل: في إلزامهم القول بنفي الرسالة إذا انتفت صفة الكلام والله عز وجل موص آمر ... ناه منب مرسل لبيان ومخاطب ومحاسب ومنبىء ... ومحدث ومخبر بالشان ومكلم متكلم بل قائل ... ومحذر ومبشر بأمان(1\/46)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15081",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هاد يقول الحق يرشد خلقه ... بكلامه للحق والإيمان فإذا انتفت صفة الكلام فكل ... هذا منتف متحقق البطلان وإذا انتفت صفة الكلام كذلك الـ ... إرسال منفي بلا فرقان فرسالة المبعوث تبليغ كلا ... م المرسل الداعي بلا نقصان وحقيقة الإرسال نفس خطابه ... للمرسلين وأنه نوعان نوع بغير وساطة ككلامه ... موسى وجبريل القريب الداني منه إليه من وراء حجابه ... إذ لا تراه ها هنا العينان والآخر التكليم منه بالوسا ... طة وهو أيضا عنده ضربان وحي وإرسال إليه وذاك في الشـ ... ـورى أتى في أحسن التبيان(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15082",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في إلزامهم التشبيه للرب بالجماد الناقص إذا انتفت صفة الكلام",
        "content": "فصل: في إلزامهم التشبيه للرب بالجماد الناقص إذا انتفت صفة الكلام وإذا انتفت صفة الكلام فضدها ... خرس وذلك غاية النقصان فلئن زعمتم أن ذلك في الذي ... هو قابل من أمة الحيوان والرب ليس بقابل صفة الكلا ... م فنفيها ما فيه من نقصان فيقال سلب كلامه وقبوله ... صفة الكلام أتم للنقصان(1\/47)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15083",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذ أخرس الإنسان أكمل حالة ... من ذا الجماد بأوضح البرهان فجحدت أوصاف الكمال مخافة التشـ ... ـبيه والتجسيم بالإنسان ووقعت في تشبيهه بالناقصات ... الجامدات وذا من الخذلان الله أكبر هتكت أستاركم ... حتى غدوتم ضحكة الصبيان(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15084",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في إلزامهم بالقول بأن كلام الخلق، حقه وباطله، عين كلام الله سبحانه",
        "content": "فصل: في إلزامهم بالقول بأن كلام الخلق حقه وباطله عين كلام الله سبحانه أوليس قد قام الدليل بأن أفعـ ... ـال العباد خليقة الرحمن من ألف وجه أو قريب الألف يحصيـ ... ـها الذي يعنى بهذا الشان فيكون كل كلام هذا الخلق ... عين كلامه سبحانه ذي السلطان إذ كان منسوبا إليه كلامه ... خلقا كبيت الله ذي الأركان هذا ولازم قولكم قد قاله ... ذو الاتحاد مصرحا ببيان حذر التناقض إذ تناقضتم ولكـ ... ـن طرده في غاية الكفران فلئن زعمتم أن تخصيص القرآ ... ن كبيته وكلاهما خلقان فيقال ذا التخصيص لا ينفي العمو ... م كرب ذي الأكوان ويقال رب العرش أيضا هكذا ... تخصيصه لإضافة القرآن(1\/48)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15085",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يمنع التعميم في الباقي وذا ... في غاية الإيضاح والتبيان(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15086",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في التفريق بين الخلق والأمر",
        "content": "فصل: في التفريق بين الخلق والأمر ولقد أتى الفرقان بين الخلق وال ... أمر الصريح وذاك في الفرقان وكلاهما عند المنازع واحد ... والكل خلق ما هنا شيئان والعطف عندهم كعطف الفرد من ... نوع عليه وذاك في القرآن فيقال هذا ذو امتناع ظاهر ... في آية التفريق ذو تبيان فالله بعد الخلق أخبر أنها ... قد سخرت بالأمر للجريان وأبان عن تسخيرها سبحانه ... بالأمر بعد الخلق بالتبيان والأمر إما مصدر أو كان مفعـ ... ـولا هما في ذاك مستويان مأموره هو قابل للأمر ... كالمصنوع قابل صنعة الرحمن فإذا انتفى الأمر انتفى المأمور ... كالمخلوق ينفى لانتفا الحدثان وانظر إلى نظم السياق تجد به ... سرا عجيبا واضح البرهان ذكر الخصوص وبعده متقدما ... والوصف والتعميم في ذا الثاني فأتى بنوعي خلقه وبأمره ... فعلا ووصفا موجزا ببيان فتدبر القرآن إن رمت الهدى ... فالعلم تحت تدبر القرآن(1\/49)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15087",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في التفريق بين ما يضاف إلى الرب تعالى من الأوصاف والأعيان",
        "content": "فصل: في التفريق بين ما يضاف إلى الرب تعالى من الأوصاف والأعيان والله أخبر في الكتاب بأنه ... منه ومجرور بـ (من) نوعان عين ووصف قائم بالعين فا ... لأعيان خلق الخالق الرحمن والوصف بالمجرور قام لأنه ... أولى به في عرف كل لسان ونظير ذا أيضا سواء ما يضا ... ف إليه من صفة ومن أعيان فإضافة الأوصاف ثابتة لمن ... قامت به كإرادة الرحمن وإضافة الأعيان ثابتة له ... ملكا وخلقا ما هما سيان فانظر إلى بيت الإله وعلمه ... لما أضيفا كيف يفترقان وكلامه كحياته وكعلمه ... في ذي الإضافة إذ هما وصفان لكن ناقته وبيت إلهنا ... فكعبده أيضا هما ذاتان فانظر إلى الجهمي لما فاته الـ ... ـحق المبين وواضح البرهان كان الجميع لديه بابا واحدا ... والصبح لاح لمن له عينان فصل وأتى ابن حزم بعد ذلك فقال ما ... للناس قرآن ولا إثنان بل أربع كل يسمى بالقرآ ... ن وذاك قول بين البطلان(1\/50)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15088",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا الذي يتلى وآخر ثابت ... في الرسم يدعى بالمصحف العثماني والثالث محفوظ بين صدورنا ... هذي الثلاثة خليقة الرحمن والرابع المعنى القديم كعلمه ... كل يعبر عنه بالقرآن وأظنه قد رام شيئا لم يجد ... عنه عبارة ناطق ببيان إن المعين ذو مراتب أربع ... عقلت فلا تخفى على إنسان في العين ثم الذهن ثم اللفظ ... ثم الرسم حين تخطه ببنان وعلى الجميع الاسم يطلق لكن ... الأولى به الموجود في الأعيان بخلاف قول ابن الخطيب فإنه ... قد قال إن الوضع للأذهان فالشيء واحد لا أربع ... فدهى ابن حزم قلة الفرقان والله أخبر أنه سبحانه ... متكلم بالوحي والفرقان وكذاك أخبرنا بأن كتابه ... بصدور أهل العلم والإيمان وكذاك أخبر أنه المكتوب في ... صحف مطهرة من الرحمن وكذاك أخبر أنه المتلو والمقـ ... روء عند تلاوة الإنسان والكل شيء واحد لا أنه ... هو أربع وثلاثة واثنان وتلاوة القرآن أفعال لنا ... وكذا الكتابة فهي خط بنان لكنما المتلو والمكتوب والـ ... ـمحفوظ قول الواحد الرحمن والعبد يقرؤه بصوت طيب ... وبضده فهما له صوتان وكذاك يكتبه بخط جيد ... وبضده فهما له خطان(1\/51)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15089",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أصواتنا ومدادنا وأداؤنا ... والرق ثم كتابة القرآن ولقد أتى في نظمه من قال قو ... ل الحق والإنصاف غير جبان إن الذي هو في المصاحف مثبت ... بأنامل الأشياخ والشبان هو قول ربي آيه وحروفه ... ومدادنا والرق مخلوقان فشفى وفرق بين متلو ومصنـ ... ـوع وذاك حقيقة العرفان الكل مخلوق وليس كلامه ... المتلو مخلوقا هنا شيئان فعليك بالتفصيل والتمييز فالإ ... طلاق والإجمال دون بيان قد أفسدا هذا الوجود وخبطا الـ ... ـأذهان والآراء كل زمان وتلاوة القرآن في تعريفها ... باللام قد يعنى بها شيئان يعنى به المتلو فهو كلامه ... هو غير مخلوق كذي الأكوان ويراد أفعال العباد كصوتهم ... وأدائهم وكلاهما خلقان هذا الذي نصت عليه أئمة الـ ... ـإسلام أهل العلم والعرفان وهو الذي قصد البخاري الرضى ... لكن تقاصر قاصر الأذهان عن فهمه كتقاصر الأفهام عن ... قول الإمام الأعظم الشيباني في اللفظ لما أن نفى الضدين ... عنه واهتدى للنفي ذو عرفان فاللفظ يصلح مصدرا هو فعلنا ... كتلفظ بتلاوة القرآن وكذاك يصلح نفس ملفوظ به ... وهو القران فذان محتملان فلذاك أنكر أحمد الإطلاق في ... نفي وإثبات بلا فرقان(1\/52)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15090",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في كلام الفلاسفة والقرامطة في كلام الرب جل جلاله",
        "content": "فصل: في كلام الفلاسفة والقرامطة في كلام الرب جل جلاله وأتى ابن سينا القرمطي مصانعا ... للمسلمين بإفك ذي بهتان فرآه فيضا فاض من عقل هو الـ ... ـفعال علة هذه الأكوان حتى تلقاه زكي فاضل ... حسن التخيل جيد التبيان فأتى به للعالمين خطابة ... ومواعظا عريت عن البرهان ما صرحت أخباره بالحق بل ... رمزت إليه إشارة لمعان وخطاب هذا الخلق والجمهور بالحـ ... ـق الصريح فغير ذي إمكان لا يقبلون حقائق المعقول إلا ... في مثال الحس والأعيان ومشارب العقلاء لا يردونها ... إلا إذا وضعت لهم بأوان من جنس ما ألفت طباعهم من الـ ... ـمحسوس في ذا العالم الجثمان فأتوا بتشبيه وتمثيل وتجـ ... ـسيم وتخييل إلى الأذهان ولذاك يحرم عندهم تأويله ... لكنه حل لذي العرفان فإذا تأولناه كان جناية ... منا وخرق سياج ذا البستان(1\/53)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15091",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لكن حقيقة قولهم أن قد أتوا ... بالكذب عند مصالح الإنسان والفيلسوف وذا الرسول لديهم ... متفاوتان وما هما عدلان أما الرسول ففيلسوف عوامهم ... والفيلسوف نبي ذي البرهان والحق عندهم ففيما قاله ... أتباع صاحب منطق اليونان ومضى على هذي المقالة أمة ... خلف ابن سينا فاغتذوا بلبان منهم نصير الكفر في أصحابه ... الناصرين لملة الشيطان فأسأل بهم ذا خبرة تلقاهم ... أعداء كل موحد رباني وأسأل بهم ذا خبرة تلقاهم ... أعداء رسل الله والقرآن صوفيهم عبد الوجود المطلق ... المعدوم عند العقل في الأعيان أو ملحد بالاتحاد يدين لا بالتوحيـ ... ـد منسلخ من الأديان معبوده موطوءه فيه يرى ... وصف الجمال ومظهر الإحسان الله أكبر كم على ذا المذهب الـ ... ـملعون بين الناس من شيخان يبغون منهم دعوة ويقبلو ... ن أياديا منهم رجا الغفران ولو أنهم عرفوا حقيقة أمرهم ... رجموهم لا شك بالصوان فابذر لهم إن كنت تبغي كشفهم ... وافرش لهم كفان من الأتبان واظهر بمظهر قابل منهم ولا ... تظهر بمظهر صاحب النكران وانظر إلى أنهار كفر فجرت ... وتهم لولا السيف بالجريان(1\/54)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15092",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في مقالات طوائف الاتحادية في كلام الرب جل جلاله",
        "content": "فصل: في مقالات طوائف الاتحادية في كلام الرب جل جلاله وأتت طوائف الاتحاد بملة ... طمت على ما قال كل لسان قالوا كلام الله كل كلام هذا الـ ... ـخلق من جن ومن إنسان نظما ونثرا زوره وصحيحه ... صدقا وكذبا واضح البطلان فالسب والشتم القبيح وقذفهم ... للمحصنات وكل نوع أغان والنوح والتعزيم والسحر المبـ ... ـين وسائر البهتان والهذيان هو عين قول الله جل جلاله ... وكلامه حقا بلا نكران هذا الذي أدى إليه أصلهم ... وعليه قام مكسح البنيان إذ أصلهم أن الإله حقيقة ... عين الوجود وعين ذي الأكوان فكلامها وصفاتها هو قوله ... وصفاته ما ها هنا قولان وكذاك قالوا إنه الموصوف بالضـ ... ـدين من قبح ومن إحسان وكذلك قد وصفوه أيضا بالكما ... ل وضده من سائر النقصان هذي مقالات الطوائف كلها ... حملت إليك رخيصة الأثمان وأظن لو فتشت كتب الناس ما ... ألفيتها أبدا بذا التبيان زفت إليك فإن يكن لك ناظر ... أبصرت ذات الحسن والإحسان(1\/55)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15093",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاعطف على الجهمية المغل الألى ... خرقوا سياج العقل والقرآن شرد بهم من خلفهم واكسرهم ... بل ناد في ناديهم بأذان أفسدتم المعقول والمنقول والـ ... ـمسموع من لغة بكل لسان أيصح وصف الشيء بالمشتق والـ ... ـمسلوب معناه لذي الأذهان أيصح صبار ولا صبر له ... ويصح شكار بلا شكران ويصح علام ولا علم له ... ويصح غفار بلا غفران ويقال هذا سامع أو مبصر ... والسمع والإبصار مفقودان هذا محال في العقول وفي النقو ... ل وفي اللغات وغير ذي إمكان فلئن زعمتم أنه متكلم ... لكن بقول قام بالإنسان أو غيره فيقال هذا باطل ... وعليكم في ذاك محذوران نفي اشتقاق اللفظ للموجود معـ ... ـناه به وثبوته للثاني أعني الذي ما قام معناه به ... قلب الحقائق أقبح البهتان ونظير ذا أخوان هذا مبصر ... وأخوه معدود من العميان سميتم الأعمى بصيرا إذ أخو ... هـ مبصر وبعكسه في الثاني فلئن زعمتم أن ذلك ثابت ... في فعله كالخلق للأكوان والفعل ليس بقائم بإلهنا ... إذ لا يكون محل ذي حدثان ويصح أن يشتق منه خالق ... فكذلك المتكلم الوحداني(1\/56)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15094",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو فاعل لكلامه وكتابه ... ليس الكلام له بوصف معان ومخالف المعقول والمنقول والـ ... ـفطرات والمسموع للإنسان من قال إن كلامه سبحانه ... وصف قديم أحرف ومعان والسين عند الباء ليست بعدها ... لكن هما حرفان مقترنان أو قال إن كلامه سبحانه ... معنى قديم قام بالرحمن ما أن له كل ولا بعض ولا ال ... عربي حقيقته ولا العبراني والأمر عين النهي واستفهامه ... هو عين أخبار بلا فرقان وكلامه كحياته ما ذاك مقـ ... ـدور له بل لازم الرحمن هذا الذي قد خالف المعقول والـ ... ـمنقول والفطرات للإنسان أما الذي قد قال إن كلامه ... ذو أحرف قد رتبت ببيان وكلامه بمشيئة وإرادة ... كالفعل منه كلاهما سيان فهو الذي قد قال قولا يعلم الـ ... عقلاء صحته بلا نكران فلأي شيء كان ما قد قلتم ... أولى وأقرب منه للبرهان ولأي شيء دائما كفرتم ... أصحاب هذا القول بالعدوان فدعوا الدعاوى وابحثوا معنى ... بتحقيق وإنصاف بلا عدوان وارفوا مذاهبكم وسدوا خرقها ... إن كان ذاك الرفو في الإمكان فاحكم هداك الله بينهم فقد ... أدلوا إليك بحجة وبيان لا تنصرن سوى الحديث وأهله ... هم عسكر الإيمان والقرآن(1\/57)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15095",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتحيزن إليهم لا غيرهم ... لتكون منصورا لدى الرحمن فتقول هذا القدر قد أعيا على ... أهل الكلام وقاده أصلان إحداهما هل فعل مفعوله ... أو غيره فهما لهم قولان والقائلون بأنه هو عينه ... فروا من الأوصاف بالحدثان لكن حقيقة قولهم وصريحه ... تعطيل خالق هذه الأكوان عن فعله إذ فعله مفعوله ... لكنه ما قام بالرحمن فعلى الحقيقة ما له فعل إذ الـ ... ـمفعول منفصل عن الديان والقائلون بأنه غير له ... متنازعون وهم فطائفتان إحداهما قالت قديم قائم ... بالذات وهو كقدرة المنان سموه تكوينا قديما قاله ... أتباع شيخ العالم النعماني وخصومهم لم ينصفوا في رده ... بل كابروهم ما أتوا ببيان والآخرون رأوه أمرا حادثا ... بالذات قام وأنهم نوعان إحداهما جعلته مفتتحا به ... حذر التسلسل ليس ذا إمكان هذا الذي قالته كرامية ... ففعاله وكلامه سيان والآخرون أولو الحديث كأحمد ... ذاك ابن حنبل الرضى الشيباني قد قال إن الله حقا لم يزل ... متكلما إن شاء ذو إحسان جعل الكلام صفات فعل قائم ... بالذات لم يفقد من الرحمن وكذاك نص على دوام الفعل ... بالإحسان أيضا في مكان ثان(1\/58)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15096",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذا ابن عباس فراجع قوله ... لما أجاب مسائل القرآن وكذاك جعفر الإمام الصادق الـ ... ـمقبول عند الخلق ذو العرفان قد قال لم يزل المهيمن محسنا ... برا جوادا عند كل أوان وكذا الإمام الدارمي فإنه ... قد قال ما فيه هدى الحيران قال الحياة مع الفعال كلاهما ... متلازمان فليس يفترقان صدق الإمام فكل حي فهو ... فعال وذا في غاية التبيان إلا إذا ما كان ثم موانع ... من آفة أو قاسر الحيوان والرب ليس لفعله من مانع ... ما شاء كان بقدرة الديان ومشيئة الرحمن لازمة له ... وكذاك قدرة ربنا الرحمن هذا وقد فطر الإله عباده ... إن المهيمن دائم الإحسان أو لست تسمع قول كل موحد ... ادائم المعروف والسلطان وقديم الإحسان الكثير ودائم ال ... جود العظيم وصاحب الغفران من غير إنكار عليهم فطرة ... فطروا عليها لا تواصي ثان أو ليس فعل الرب تابع وصفه ... وكماله أفذاك ذو حدثان وكماله سبب الفعال وخلقه ... أفعالهم سبب الكمال الثاني أو ما فعال الرب عين كماله ... أفذاك ممتنع عن المنان أزلا إلى أن صار فيما لم يزل ... متمكنا والفعل ذو إمكان تالله قد ضلت عقول القوم إذ ... الوا بهذا القول ذي البطلان(1\/59)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15097",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ماذا الذي أضحى له متجددا ... حتى تمكن فانطقوا ببيان والرب ليس معطلا عن فعله ... بل كل يوم ربنا في شان والأمر والتكوين وصف كماله ... قدما فذا ووجوده سيان وتخلف التأثير بعد تمام مو ... جبه محال ليس في الإمكان والله ربي لم يزل ذا قدرة ... ومشيئة ويليهما وصفان العلم مع وصف الحياة وهذه ... أوصاف ذات الخالق المنان وبها تمام الفعل ليس بدونها ... فعل يتم بواضح البرهان فلأي شيء قد تأخر فعله ... مع موجب قد تم بالأركان ما كان ممتنعا عليه الفعل بل ... ما زال فعل الله ذا إمكان والله عاب المشركين بأنهم ... عبدوا الحجارة في رضا الشيطان ونعى عليهم كونها ليست بخا ... لقة وليست ذات نطق بيان فأبان أن العقل والتكليم من ... أوثانهم لا شك مفقودان وإذا هما فقدا فما مسلوبها ... بإله حق هو ذو بطلان والله فهو إله حق دائما ... أفعنه ذا الوصفان مسلوبان أزلا وليس لفقدها من غاية ... هذا المحال وأعظم البطلان إن كان رب العرش حقا لم يزل ... أبدا إله الحق ذا سلطان فكذاك أيضا لم يزل متكلما ... بل فاعلا ما شاء ذا إحسان والله ما في العقل ما يقضي لذا ... بالرد والإبطال والنكران بل ليس في المعقول غير ثبوته ... للخالق الأزلي ذي الإحسان(1\/60)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15098",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا وما دون المهيمن حادث ... ليس القديم سواه في الأكوان والله سابق كل شيء غيره ... ما ربنا والخلق مقترنان والله كان وليس شيءغيره ... سبحانه جل العظيم الشان لسنا نقول كما يقول الملحد الـ ... زنديق صاحب منطق اليونان بدوام هذا العام المشهود والـ ... أرواح في أزل وليس بفان هذي مقالات الملحدة الألى ... كفروا بخالق هذه الأكوان وأتى ابن سينا بعد ذاك مصانعا ... للمسلمين فقال بالإمكان لكنه الأزلي ليس بمحدث ... ما كان معدوما ولا هو فان وأتى بصلح بين طائفتين بينهما ... الحروب وما هما سلمان أنى يكون المسلمون وشيعة الـ ... يونان صلحا قط في الإيمان والسيف بين الأنبياء وبينهم ... والحرب بينهم فحرب عوان وكذا أتى الطوسي بالحرب الصر ... يح بصارم منه وسل لسان وأتى إلى الإسلام يهدم أصله ... من أسه وقواعد البنيان عمر المدارس للفلاسفة الألى ... كفروا بدين الله والقرآن وأتى إلى أوقاف أهل الدين ... ينقلها إليهم فعل ذي أضغان وأراد تحويل الإشارات التي ... هي لابن سينا موضع الفرقان وأراد تحويل الشريعة بالنوا ... ميس التي كانت لذي اليونان لكنه علم اللعين بأن ها ... ذا ليس في المقدور والإمكان إلا إذا قتل الخليفة والقضا ... ة وسائر الفقهاء في البلدان(1\/61)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15099",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فسعى لذلك وساعد المقدور ... بالأمر الذي هو حكمة الرحمن فأشار أن يضع التتار سيوفهم ... في عسكر الإيمان والقرآن لكنهم يبقون أهل مصانع الد ... نيا لأجل مصالح الأبدان فغدا على سيف التتار الألف في ... مثل لها مضروبة بوزان وكذا ثمان مئينهما في ألفها ... مضروبة بالعد والحسبان حتى بكى الإسلام أعداه اليهود ... كذا المجوس وعابد الصلبان فشفى اللعين النفس من حزب الر ... سول وعسكر الإيمان والقرآن وبوده لو كان في أحد وقد ... شهد الوقيعة مع أبي سفيان لأقر أعينهم وأوفى نذره ... أو أن يرى متمزق اللحمان وشواهد الأحداث ظاهرة على ... ذا العالم المخلوق بالبرهان وأدلة التوحيد تشهد كلها ... بحدوث كل ما سوى الرحمن لو كان غير الله جل جلاله ... معه قديما كان ربا ثان إذ كان عن رب العلى مستغنيا ... فيكون حينئذ لنا ربان والرب باستقلاله متوحد ... أفممكن أن يستقل اثنان لو كان ذاك تنافيا وتساقطا ... فإذا هما عدمان ممتنعان والقهر والتوحيد يشهد منهما ... كل لصاحبه هما عدلان ولذلك اقترنا جميعا في صفا ... ت الله فانظر ذاك في القرآن فالواحد القهار حقا ليس في الإ ... مكان أن تحظى به ذاتان(1\/62)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15100",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في اعتراضهم على القول بدوام فاعلية الرب تعالى وكلامه والانفصال عنه",
        "content": "فصل: في اعتراضهم على القول بدوام فاعلية الرب تعالى وكلامه والانفصال عنه فلئن زعمتم أن ذاك تسلسل ... قلنا صدقتم وهو ذو إمكان كتسلسل التأثير في مستقبل ... هل بين ذلك قط من فرقان والله ما افترقا لذي عقل ولا ... نقل ولا نظر ولا برهان في سلب إمكان ولا في ضده ... هذي العقول ونحن ذو أذهان فليأت بالفرقان من هو فارق ... فرقا يبين لصالح الأذهان وكذاك سوى الجهم بينهما كـ ... ذا العلاف في الإنكار والبطلان ولأجل ذا حكما بحكم باطل ... قطعا على الجنات والنيران فالجهم أفنى الذات والعلاف ... للحركات أفنى قاله الثوران وأبو علي وابنه والأشعري ... وبعده ابن الطيب الرباني وجميع أرباب الكلام الباطل ال ... مذموم عند أئمة الإيمان فرقوا وقالوا ذاك فيما لم يزل ... حق وفي أزل بلا إمكان قالوا لأجل تناقض الأزلي وال ... أحداث ما هذان يجتمعان لكن دوام الفعل في مستقبل ... ما فيه محذور من النكران فانظر إلى التلبيس في ذا الفرق تر ... ويجا على العوران والعميان(1\/63)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15101",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما قال ذو عقل بأن الفرد ذو ... أزل لذي ذهن ولا أعيان بل كل فرد فهو مسبوق بفرد ... قلبه أبدا بلا حسبان ونظير هذا كل فرد فهو ملحـ ... ـوق بفرد بعده حكمان النوع والآحاد مسبوق وملحـ ... ـوق وكل فهو منها فان والنوع لا يفنى أخيرا فهو لا ... يفنى كذلك أولا ببيان وتعاقب الآنات أمر ثابت ... في الذهن وهو كذاك في الأعيان فإذا أبيتم ذا وقلتم أول الـ ... ـآنات مفتتح بلا نكران ما كان ذاك الآن مسبوقا يرى ... إلا بسلب وجوده الحقاني فيقال ما تعنون بالآنات هل ... تعنون مدة هذه الأزمان من حين إحداث السموات العلى ... والأرض والأفلاك والقمران ونظنكم تعنون ذاك ولم يكن ... من قبلها شيء من الأكوان هل جاءكم في ذاك من أثر ومن ... نص ومن نظر ومن برهان هذا الكتاب وهذه الآثار والمعـ ... ـقول في الفطرات والأذهان إنا نحاكمكم إلى ما شئتمو ... منها فكل الحق في تبيان أوليس خلق الكون في الأيام كا ... ن وذاك مأخوذ من القرآن أوليس ذلكم الزمان بمدة ... لحدوث شيء وهو عين زمان فحقيقة الأزمان نسبة حادث ... لسواه تلك حقيقة الأزمان واذكر حديث السبق للتقدير والتو ... قيت قبل جميع ذي الأعيان(1\/64)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15102",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "خمسين ألفا من سنين عدها المخـ ... ـتار سابقة لذي الأكوان هذا وعرش الرب فوق الماء من ... قبل السنين بمدة وزمان والناس مختلفون في القلم الذي ... كتب القضاء به من الديان هل كان قبل العرش أو هو بعده ... قولان عند أبي العلا الهمداني والحق أن العرش قبل لأنه ... قبل الكتابة كان ذا أركان وكتابة القلم الشريف تعقبت ... إيجاده من غير فصل زمان لما براه الله قال اكتب كذا ... فغدا بأمر الله ذا جريان فجرى بما هو كائن أبدا إلى ... يوم المعاد بقدرة الرحمن أفكان رب العرش جل جلاله ... من قبل ذا عجز وذا نقصان أم لم يزل ذا قدرة والفعل مقـ ... ـدور له أبدا وذو إمكان فلئن سئلت وقلت ما هذا الذي ... أداهم لخلاف ذا التبيان ولأي شيء لم يقولوا إنه ... سبحانه هو دائم الإحسان فاعلم بأن القوم لما أسسوا ... أصل الكلام عموا عن القرآن وعن الحديث ومقتضى المعقول بل ... عن فطرة الرحمن والبرهان وبنوا قواعدهم عليه فقادهم ... قسرا إلى التعطيل والبطلان نفي القيام لكل أمر حادث ... بالرب خوف تسلسل الأعيان فيسد ذاك عليهم في زعمهم ... إثبات صانع هذه الأكوان إذ أثبتوه بكون ذي الأجساد حا ... دثة فلا تنفك عن حدثان(1\/65)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15103",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا تسلسلت الحوادث لم يكن ... لحدوثها إذ ذاك من برهان فلأجل ذا قالوا التسلسل باطلا ... والجسم لا يخلو عن الحدثان فيصح حينئذ حدوث الجسم من ... هذا الدليل بواضح البرهان هذي نهايات لإقدام الورى ... في ذا المقام الضيق الأعطان فمن ذا الذي يأتي بفتح بين ... ينجي الورى من غمرة الحيران فالله يجزيه الذي هو أهله ... من جنة المأوى مع الرضوان فصل فاسمع إذا وافهم فذاك معطل ... ومشبه وهداك ذو الغفران هذا الدليل هو الذي أرداهم ... بل هد كل قواعد القرآن وهو الدليل الباطل المردود عند ... أئمة التحقيق والعرفان ما زال أمر الناس معتدلا إلى ... أن دار في الأوراق والأذهان وتمكنت أجزاؤه بقلوبهم ... فأتت لوازمه إلى الإيمان رفعت قواعده وتحت أساسه ... فهوى البناء وخر للأركان وجنوا على الإسلام كل جناية ... إذ سلطوا الأعداء بالعدوان حملوا بأسلحة المحال فخانهم ... ذاك السلاح فما اشتفوا بطعان وأتى العدو إلى سلاحهم فقا ... تلهم به في غيبة الفرسان يا محنة الإسلام والقرآن من ... جهل الصديق وبغي ذي طغيان(1\/66)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15104",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والله لولا الله ناصر دينه ... وكتابه بالحق والبرهان لتخطفت أعداؤنا أرواحنا ... ولقطعت منا عرى الإيمان أيكون حقا ذا الدليل وما اهتدى ... خير القرون له محال ذان وفقتمو للحق إذ حرموه في ... أصل اليقين ومقعد العرفان وهديتمونا للذي لم يهتدوا ... أبدا به وا شدة الحرمان ودخلتم للحق من باب وما ... دخلوه واعجبا لذا الخذلان وسلكتم طرق الهدى والعلم دو ... ن القوم عجبا لذا البهتان وعرفتم الرحمن بالأجسام ... والأعراض والحركات والألوان وهم فما عرفوه منها بل من ... الآيات وهي فغير ذي برهان الله أكبر أنتم أو هم على ... حق وفي غي وفي خسران دع ذا أليس انه قد أبدى لنا ... حق الأدلة وهي في القرآن متنوعات صرفت وتظاهرت ... في كل وجه فهي ذو أفنان معلومة للعقل أو مشهودة ... للحس أو في فطرة الرحمن أسمعتم لدليلكم في بعضها ... خبرا أو احسستم له ببيان أيكون أصل الدين ما تم الهدى ... إلا به وبه قوى الإيمان وسواه ليس بموجب من لم يحط ... علما به لم ينج من كفران والله ثم رسوله قد بينا ... طرق الهدى في غاية التبيان فلأي شيء أعرضا عنه ولم ... نسمعه في أثر ولا قرآن(1\/67)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15105",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لكن أتانا بعد خير قروننا ... بظهور أحداث من الشيطان وعلى لسان الجهم جاؤا حزبه ... من كل صاحب بدعة حيران ولذلك اشتد النكير عليهم ... من سائر العلماء في البلدان صاحوا بهم من كل قطر بل رموا ... في إثرهم بثواقب الشهبان عرفوا الذي يفضي إليه قولهم ... ودليلهم بحقيقة العرفان وأخو الجهالة في خفارة جهله ... والجهل قد ينجي من الكفران(1\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "73",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15106",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل في الرد عى الجهمية المعطلة القائلين بأنه ليس على العرش إله يعبد ولا فوق السموات إله يصلى له ويسجد، وبيان فساد قولهم عقلا ونقلا ولغة وفطرة",
        "content": "فصل في الرد عى الجهمية المعطلة القائلين بأنه ليس على العرش إله يعبد ولا فوق السموات إله يصلى له ويسجد وبيان فساد قولهم عقلا ونقلا ولغة وفطرة والله كان وليس شيء غيره ... وبرى البرية وهي ذو حدثان فسل المعطل هل يراها خارجا ... عن ذاته أم فيه حلت ذان لا بد من إحداهما أو أنها ... هي عينه ما ثم موجودان ما ثم مخلوق وخالقه وما ... شيء مغاير هذه الأعيان لا بد من إحدى ثلاث مالها ... من رابع خلوا من الروغان ولذاك قال محقق القوم الذي ... رفع القواعد مدعي العرفان(1\/68)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "74",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15107",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو عين هذا الكون ليس بغيره ... أنى وليس مباين الأكوان كلا وليس مجانبا أيضا لها ... فهو الوجود بعينه وعيان إن لم يكن فوق الخلائق ربها ... فالقول هذا القول في الميزان إذ ليس يعقل بعد إلا أنه ... قد حل فيها وهي كالأبدان والروح ذات الحق جل جلاله ... حلت بها كمقالة النصراني فاحكم على من قال ليس بخارج ... عنها ولا فيها بحكم بيان بخلافه الوحيين والإجماع والعقـ ... ـل الصريح وفطرة الرحمن فعليه أوقع حد معدوم وذا ... حد المحال بغير ما فرقان يا للعقول إذا نفيتم مخبرا ... ونقيضه هل ذاك في إمكان إن كان نفي دخوله وخروجه ... لا يصدقان معا لذي الإمكان إلا على عدم صريح نفيه ... متحقق ببداهة الإنسان أيصح في المعقول يا أهل النهى ليست تباين منهما ذات لأخـ ... ذاتان لا بالغير قائمتان ـرى أو تحاسيها فيجتمعان إن كان في الدنيا محال فهو ذا ... فارجع إلى المعقول والبرهان فلئن زعمتم أن ذلك في الذي ... هو قابل من جسم أو جسمان والرب ليس كذا فنفي دخوله ... وخروجه ما فيه من بطلان فيقال هذا أولا من قولكم ... دعوى مجردة بلا برهان ذاك اصطلاح من فريق فارقوا الـ ... ـوحي المبين بحكمة اليونان ...(1\/69)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "75",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15108",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والشيء يصدق نفيه عن قابل ... وسواه في معهود كل لسان أنسيت نفي الظلم عنه وقولك الـ ... ـظلم المحال وليس ذا إمكان ونسيت نفي النوم والسنة التي ... ليست لرب العرش في الإمكان ونسيت نفي الطعم عنه وليس ذا ... مقبولة والنفي في القرآن ونسيت نفي ولادة أو زوجة ... وهما على الرحمن ممتنعان والله قد وصف الجماد بأنه ... ميت أصم وما له عينان وكذا نفى عنه الشعور ونطقه ... والخلق نفيا واضح التبيان هذا وليس بها قبول للذي ... ينفي ولا من جملة الحيوان ويقال أيضا ثانيا لو صح هـ ... ـذا الشرط لما هما ضدان لا في النقيضين اللذين كلاهما ... لا يثبتان وليس يرتفعان ويقال أيضا نفيكم لقبوله ... لها يزيل حقيقة الإمكان بل ذا كنفي قيامه بالنفس أو ... بالغير في الفطرات والأذهان فإذا المعطل قال إن قيامه ... بالنفس أو بالغير ذو بطلان إذ ليس يقبل واحد من ذينك الـ ... أمرين إلا وهو ذو إمكان جسم يقوم بنفسه أيضا كذا ... عرض يقوم بغيره أخوان في حكم إمكان وليس بواجب ... ما كان فيه حقيقة الإمكان فكلاكما ينفي الإله حقيقة ... وكلاكما في نفيه سيان ماذا يرد عليه من هو مثله ... ي النفي صرفا إذ هما عدلان(1\/70)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "76",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15109",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والفرق ليس بممكن لك بعد ما ... ضاهيت هذا النفي في البطلان فوزان هذا النفي ما قد قلتمو ... حرفا بحرف أنتما صنوان والخصم يزعم أن ما هو قابل ... لكليهما فكقابل لمكان فأفرق لنا فرقا يبين مواقع الـ ... إثبات والتعطيل بالبرهان أو لا فأعط القوس باريها وخـ ... ـل الفشر عنك وكثرة الهذيان(1\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "77",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15110",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في سياق هذا الدليل على وجه آخر",
        "content": "فصل: في سياق هذا الدليل على وجه آخر وسل المعطل عن مسائل خمسة ... تردى قواعده من الأركان قل للمعطل هل تقول إلهنا الـ ... ـمعبود حقا خارج الأذهان فإذا نفى هذا فذاك معطل ... للرب حقا بالغ الكفران وإذا أقر به فسله ثانيا ... أتراه غير جميع ذي الأكوان فإذا نفى هذا وقال بأنه ... هو عينها ما ها هنا غيران فقد ارتدى بالاتحاد مصرحا ... بالكفر جاحد ربه الرحمن حاشا النصارى أن يكونوا مثله ... وهم الحمير وعابدو الصلبان هم خصصوه بالمسيح وأمه ... وأولاء ما صانوه عن حيوان وإذا أقر بأنه غير الورى ... عبد ومعبود هما شيئان فأسأله هل هذا الورى في ذاته ... أم ذاته فيه هنا أمران(1\/71)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "78",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15111",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا أقر بواحد من ذينك الأ ... مرين قبل خده النصراني ويقول أهلا بالذي هو مثلنا ... خشداشنا وحبيبنا الحقاني وإذا نفى الأمرين فأسأله إذا ... هل ذاته استغنت عن الأكوان فلذاك قام بنفسه أم قام بالأ ... عيان كالأعراض والأكوان فإذا أقر وقال بل هو قائم ... بالنفس فاسأله وقل ذاتان بالنفس قائمتان أخبرني هما ... مثلان أو ضدان أو غيران وعلى التقادير الثلاث فإنه ... لولا التباين لم يكن شيئان ضدين أو مثلين أو غيرين كا ... نا بل هما لا شك متحدان فلذاك قلنا إنكم باب لمن ... بالاتحاد يقول بل بابان نقطتم لهم وهم خطو على ... نقط لكم كمعلم الصبيان(1\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "79",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15112",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في الإشارة إلى الطرق النقلية الدالة على أن الله تعالى فوق سماواته على عرشه",
        "content": "فصل: في الإشارة إلى الطرق النقلية الدالة على أن الله تعالى فوق سماواته على عرشه ... فصل: في الإشارة إلى الطرق النقلية الدالة على أن الله تعالى فوق سمواته على عرشه ولقد أتانا عشر أنواع من ... المنقول في فوقية الرحمن مع مثلها أيضا تزيد بواحد ... ها نحن نسردها بلا كتمان منها استواء الرب فوق العرش في ... سبع أتت في محكم القرآن(1\/72)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "80",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15113",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك اطردت بلا لام ولو ... كانت بمعنى اللام في الأذهان لأتت بها في موضع كي يحمل الـ ... باقي عليها بالبيان الثاني ونظير ذا إضمارهم في موضع ... حملا على المذكور في التبيان لا يضمرون مع اطراد دون ذكر ... المضمر المحذوف دون بيان بل في محل الحذف يكثر ذكره ... فإذا هم ألفوه إلف لسان حذفوه تخفيفا وإيجازا فلا ... يخفى المراد به على الإنسان هذا ومن عشرين وجها يبطل ... التفسير باستولى لذي العرفان قد أفرد بمصنف لإمام هذا ... الشأن بحر العالم الرباني فصل: هذا وثانيها صريح علوه ... وله بحكم صريحه لفظان لفظ العلي ولفظه الأعلى معر ... فة لقصد بيان إن العلو له بمطلقه على التـ ... ـعميم والإطلاق بالبرهان وله العلو من الوجوه جميعها ... ذاتا وقهرا مع علو الشان لكن نفاة علوه سلبوه إكـ ... مال العلو فصار ذا نقصان حاشاه من إفك النفاة وسلبهم ... فله الكمال المطلق الرباني وعلوه فوق الخليقة كلها ... فطرت عليه الخلق والثقلان لا يستطيع معطل تبديلها ... أبدا وذلك سنة الرحمن(1\/73)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "81",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15114",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كل إذا ما نابه أمر يرى ... متوجها بضرورة الإنسان نحو العلو فليس يطلب خلفه ... وأمامه أو جانب الإنسان ونهاية الشبهات تشكيك وتخميش ... وتغبير على الإيمان لا يستطيع تعارض المعلوم والـ ... معقول عند بدائه الإنسان فمن المحال القدح في المعلوم ... بالشبهات هذا بين البطلان وإذا البدائه قابلتها هذه ... الشبهات لم تحتج إلى بطلان شتان بين مقالة أوصى بها ... بعض لبعض أول للثاني ومقالة فطر الإله عباده ... حقا عليها ما هما عدلان فصل هذا وثالثها صريح الفوق مصـ ... حوبا بمن وبدونها نوعان إحداهما هو قابل التأويل والأ ... صل الحقيقة وحدها ببيان فإذا ادعى تأويل ذلك مدع ... لم تقبل الدعوى بلا برهان لكنما المجرور ليس بقابل التأ ... ويل في لغة وعرف لسان وأصخ لفائدة جليل قدرها ... تهديك للتحقيق والعرفان إن الكلام إذا أتى بسياقه ... يبدي المراد لمن له أذنان أضحى كنص قاطع لا يقبل ... التأويل يعرف ذا أولو الأذهان فسياقة الألفاظ مثل شواهد ال ... أحوال إنهما لنا صنوان(1\/74)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "82",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15115",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إحداهما للعين مشهود بها ... لكن ذاك لمسمع الإنسان فإذا أتى التأويل بعد سياقة ... تبدي المراد أتى على استهجان وإذا أتى الكتمان بعد شواهد ال ... أحوال كان كأقبح الكتمان فتأمل الألفاظ وانظر ما الذي ... سيقت له إن كنت ذا عرفان والفوق وصف ثابت بالذات من ... كل الوجوه لفاطر الأكوان لكن نفاة الفوق ما وافوا به ... جحدوا كمال الفوق للديان بل فسروه بأن قدر الله أعـ ... لى لا بفوق الذات للرحمن قالوا وهذا مثل قول الناس في ... ذهب يرى من خالص العقبان هو فوق جنس الفضة البيضاء لا ... بالذات بل في مقتضى الأثمان والفوق أنواع ثلاث كلها ... لله ثابتة بلا نكران هذا الذي قالوا وفوق القهر وال ... فوقية العليا على الأكوان هذا ورابعها عروج الروح وال ... أملاك صاعدة إلى الرحمن ولقد أتى في سورتين كلاهما ... اشتملا على التقدير بالأزمان في سورة فيها المعارج قدرت ... خمسين ألفا كامل الحسبان وبسجدة التنزيل ألفا قدرت ... فلأجل ذا قالوا هما يومان يوم المعاد بذي المعارج ذكره ... واليوم في تنزيل في ذا الآن وكلاهما عندي فيوم واحد ... وعروجهم فيه إلى الديان فالألف فيه مسافة لنزولهم ... وصعودهم نحو الرفيع الداني هذي السماء فإنها قد قدرت ... خمسين في عشر وذا صنفان(1\/75)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "83",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15116",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لكنما الخمسون ألف مسافة ... السبع الطباق وبعد ذي الأكوان من عرش رب العالمين إلى الثرى ... عند الحضيض الأسفل التحتاني واختار هذا القول في تفسيره ... البغوي ذاك العالم الرباني ومجاهد قد قال هذا القول ... لكن ابن اسحاق الجليل الشان قال المسافة بيننا والعرش ذا ... المقدار في سير من الإنسان والقول الأول قول عكرمة وقو ... ل قتادة وهما لنا علمان واختاره الحسن الرضا ورواه عن ... بحر العلوم مفسر القرآن ويرجع القول الذي قد قاله ... ساداتنا في فرقهم أمران أحداهما ما في الصحيح لمانع ... لزكاته من هذه الأعيان يكوى بها يوم القيامة ظهره ... وجبينه وكذلك الجنبان خمسون ألفا قدر ذاك اليوم في ... هذا الحديث وذاك ذو تبيان فالظاهر اليومان في الوجهين يو ... م واحد ما إن هما يومان قالوا وإيراد السياق يبين المضـ ... ـمون منه بأوضح التبيان فانظر إلى الإضمار ضمن يرونه ... ونراه ما تفسيره ببيان فاليوم بالتفسير أولى من عذا ... ب واقع للقرب والجيران ويكون ذكر عروجهم في هذه الدنيـ ... ـا ويوم قيامة الأبدان فنزولهم أيضا هنالك ثابت ... كنزولهم أيضا هنا للشان وعروجهم بعد القضا كعروجهم ... أيضا هنا فلهم إذا شأنان ويزول هذا السقف يوم معادنا ... فعروجهم للعرش والرحمن(1\/76)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "84",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15117",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا وما اتضحت لدي وعلمها المـ ... ـوكول بعد لمنزل القرآن وأعوذ بالرحمن من جزم بلا ... علم وهذا غاية الإمكان والله أعلم بالمراد بقوله ... ورسوله المبعوث بالفرقان فصل هذا وخامسها صعود كلامنا ... بالطيبات إليه والإحسان وكذا صعود الباقيات الصالحا ... ت إليه من أعمال ذي الإيمان وكذا صعود تصدق من طيب ... أيضا إليه عند كل أوان وكذا عروج ملائك قد وكلوا ... منا بأعمال وهم بدلان فإليه تعرج بكرة وعشية ... والصبح يجمعهم على القرآن كي يشهدون ويعرجون إليه بالأعمـ ... ـال سبحان العظيم الشان وكذاك سعي الليل يرفعه إلى الـ ... ـرحمن من قبل النهار الثاني وكذاك سعي اليوم يرفعه له ... من قبل ليل حافظ الإنسان وكذلك معراج الرسول إليه حـ ... ـق ثابت ما فيه من نكران بل جاوز السبع الطباق وقد دنى ... منه إلى أن قدرت قوسان بل عاد من موسى إليه صاعدا ... خمسا عداد الفرض في الحسبان وكذاك رفع الروح عيسى المرتضى ... حقا إليه جاء في القرآن وكذاك تصعد روح كل مصدق ... لما تفوز بفرقة الأبدان(1\/77)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "85",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15118",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حقا إليه كي تفوز بقربه ... وتعود يوم العرض للجثمان وكذا دعا المضطر أيضا صاعد ... أبدا إليه عند كل أوان وكذا دعا المظلوم أيضا صاعد ... حقا إليه قاطع الأكوان فصل هذا وسادسها وسابعها النزول ... كذلك التنزيل للقرآن والله أخبرنا بأن كتابه ... تنزيله بالحق والبرهان أيكون تنزيلا وليس كلام من ... فوق العباد أذاك ذو إمكان أيكون تنزيلا من الرحمن والر ... حمن ليس مباين الأكوان وكذا نزول الرب جل جلاله ... في النصف من ليل وذاك الثاني فيقول لست بسائل غيري بأحـ ... ـوال العباد أنا العظيم الشان من ذاك يسألني فيعطى سؤله ... من ذا يتوب إلي من عصيان من ذاك يسألني فأغفر ذنبه ... فأنا الودود الواسع الغفران من ذا يريد شفاءه من سقمه ... فأنا القريب مجيب من ناداني ذا شأنه سبحانه وبحمده ... حتى يكون الفجر فجرا ثان يا قوم ليس نزوله وعلوه ... حقا لديكم بل هما عدمان وكذا يقول ليس شيئا عندكم ... لا ذا ولا قول سواه ثان كل مجاز لا حقيقة تحته ... أول وزد وانقص بلا برهان(1\/78)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "86",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15119",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل هذا وثامنها بسورة غافر ... هو رفعة الدرجات للرحمن درجاته مرفوعة كمعارج ... أيضا له وكلاهما رفعان وفعيل فيها ليس معنى فاعل ... وسياقها يأباه ذو التبيان لكنها مرفوعة درجاته ... لكمال رفعته على الأكوان هذا هو القول الصحيح فلا تحد ... عنه وخذ معناه في القرآن فنظيرها المبدي لنا تفسيرها ... في ذي المعارج ليس يفترقان والروح والأملاك تصعد في معا ... رجه إليه جل ذو السلطان ذا رفعة الدرجات حقا ما هما ... إلا سواء أو هما شبهان فخذ الكتاب ببعضه بعضا كذا ... تفسير أهل العلم للقرآن فصل هذا وتاسعها النصوص بأنه ... فوق السماء وذا بلا حسبان فاستحضر الوحيين وأنظر ذاك تلقـ ... ـاه مبينا واضح التبيان ولسوف نذكر بعض ذلك عن قر ... يب كي تقوم شواهد الإيمان وإذا أتتك فلا تكن مستوحشا ... منها ولا تك عندها بجبان ليست تدل على انحصار إلهنا ... عقلا ولا عرفا ولا بلسان(1\/79)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "87",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15120",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذ أجمع السلف الكرام بأن معنـ ... ـاها كمعنى الفوق بالبرهان أو أن لفظ سمائه يعنى به ... نفس العلو المطلق الحقاني والرب فيه وليس يحصره من الـ ... ـمخلوق شيء عز ذو السلطان كل الجهات بأسرها عدمية ... في حقه هو فوقها ببيان قد بان عنها كلها فهو المحيـ ... ـط ولا يحاط بخالق الأكوان ما ذاك ينقم بعد ذو التعطيل من ... وصف العلو لربنا الرحمن أيرد ذو عقل سليم قط ذا ... بعد التصور يا أولي الأذهان والله ما رد امرؤ هذا بغـ ... ير الجهل أو بحمية الشيطان فصل هذا وعاشرها اختصاص البعض من ... أملاكه بالعند للرحمن وكذا اختصاص كتاب رحمته ... بعند الله فوق العرش ذو تبيان لو لم يكن سبحانه فوق الورى ... كانوا جميعا عند ذي السلطان ويكون عند الله إبليس وجبريل ... هما في العند مستويان وتمام ذاك القول أن محبة الرحمن ... عين إرادة الأكوان وكلاهما محبوبه ومراده ... وكلاهما هو عنده سيان إن قلتم عندية التكوين ... فالذاتان عند الله مخلوقان أو قلتم عندية التقريب تقريب ... الحبيب وما هما عدلان(1\/80)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "88",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15121",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالحب عندكم المشيئة نفسها ... وكلاهما في حكمهما مثلان لكن منازعكم يقول بأنها ... عندية حقا بلا روغان جمعت له حب الإله وقربه ... من ذاته وكرامة الإحسان والحب وصف وهو غير مشيئة ... والعند قرب ظاهر التبيان فصل هذا وحادي عشرهن إشارة ... نحو العلو بإصبع وبنان لله جل جلاه لا غيره ... إذ ذاك إشراك من الإنسان ولقد أشار رسوله في مجمع ... الحج العظيم بموقف الغفران نحو السماء بأصبع قد كرمت ... مستشهدا للواحد الرحمن يا رب فاشهد أنني بلغتهم ... ويشير نحوهم لقصد بيان فغدا البنان مرفعا ومصوبا ... صلى عليك الله ذو الغفران أديت ثم نصحت إذ بلغتنا ... حق البلاغ الواجب الشكران فصل هذا وثاني عشرها وصف الظهو ... ر له كما قد جاء في القرآن والظاهر العالي الذي ما فوقه ... شيء كما قد قال ذو البرهان حقا رسول الله ذا تفسيره ... ولقد رواه مسلم بضمان(1\/81)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "89",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15122",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاقبله لا تقبل سواه من التفا ... سير التي قيلت بلا برهان والشيء حين يتم منه علوه ... فظهوره في غاية التبيان أو ما ترى هذي السما وعلوها ... وظهورها وكذلك القمران والعكس أيضا ثابت فسفوله ... وخفاؤه إذ ذاك مصطحبان فانظر إلى علو المحيط وأخذه ... صفة الظهور وذاك ذو تبيان وانظر خفاء المركز الأدنى ووص ... ف السفل فيه وكونه تحتاني وظهوره سبحانه بالذات مث ... ل علوه فهما له صفتان لا تجحدنها جحود الجهم أو ... صاف الكمال تكون ذا بهتان وظهوره هو مقتض لعلوه ... وعلوه لظهوره ببيان وكذاك قد دخلت هناك الفاء ... للتسبيب مؤذنة بهذا الشان فتأملن تفسير أعلم خلقه ... بصفاته من جاء بالقرآن إذ قال أنت كذا فليس لضده ... أبدا إليك تطرق الإتيان فصل هذا وثالث عشرها إخباره ... أنا نراه بجنة الحيوان فسل المعطل هل نرى من تحتنا ... أم عن شمائلنا وعن أيمان أم خلفنا وأمامنا سبحانه ... أم هل نرى من فوقنا ببيان يا قوم ما في الأمر شيء غير ... ذا أو أن رؤيته بلا إمكان(1\/82)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "90",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15123",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذ رؤية لا في مقابلة من الرائي ... محال ليس في الإمكان ومن ادعى شيئا سوى ذا ... كان دعواه مكابرة على الأذهان ولذاك قال محقق منكم لأهل ... الاعتزال مقالة بأمان ما بيننا خلف وبينكم لذي ... التحقيق في معنى فيا إخواني شدوا بأجمعنا لنحمل حملة ... نذر المجسم في أذل هوان إذ قال إن إلهنا حقا يرى ... يوم المعاد كما يرى القمران وتصير أبصار العباد نواظرا ... حقا إليه رؤية بعيان لا ريب أنهم إذ قالوا بذا ... لزم العلو لفاطر الأكوان ويكون فوق العرش جل جلاله ... فلذاك نحن وحزبهم خصمان لكننا سلم وأنتم إذ تسا ... عدنا على نفي العلو لربنا الرحمن فعلوه عين المحال وليس فو ... ق العرش من رب ولا ديان لا تنصبوا معنا الخلاف فما له ... طعم فنحن وأنتم سلمان هذا الذي والله مودع كتبهم ... فانظر ترى يا من له عينان فصل هذا ورابع عشرها إقرار سا ... ئلة بلفظ الأين للرحمن ولقد رواه أبو رزين بعدما ... سأل الرسول بلفظة بوزان ورواه تبليغا له ومقررا ... لما أقر به بلا نكران(1\/83)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "91",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15124",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا وما كان الجواب جواب من ... لكن جواب اللفظ بالميزان كلا وليس لمن دخول قط في ... هذا السياق لمن له أذنان دع ذا فقد قال الرسول بنفسه ... أين الإله لعالم بلسان والله ما قصد المخاطب غير ... معناها الذي وضعت له الحقاني والله ما فهم المخاطب غيره ... واللفظ موضوع لقصد بيان يا قوم لفظ الأين ممتنع على الرحمـ ... ـن عندكم وذو بطلان ويكاد قائلكم يكفرنا به ... بل قد وهذا غاية العدوان لفظ صريح جاء عن خير الورى ... قولا وإقرارا هما نوعان والله ما كان الرسول بعاجز ... عن لفظ من مع أنها حرفان والأين أحرفها ثلاث وهي ذو ... لبس ومن غاية التبيان والله ما الملكان أفصح منه إذ ... في القبر من رب السما يسلان ويقول أين الله يعني من فلا ... والله ما اللفظان متحدان كلا ولا معناهما أيضا لذي ... لغة ولا شرع ولا إنسان فصل هذا وخامس عشرها الإجماع من ... رسل الإله الواحد المنان فالمرسلون جميعهم مع كتبهم ... قد صرحوا بالفوق للرحمن وحكى لنا إجماعهم شيخ الورى ... والدين عبد القادر الجيلاني وأبو الوليد المالكي أيضا حكى ... إجماعهم أعني ابن رشد الثاني(1\/84)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "92",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15125",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذا أبو العباس أيضا قد حكى ... إجماعهم علم الهدى الحراني وله اطلاع لم يكن من قبله ... لسواه من متكلم ولسان هذا ونقطع نحن أيضا أنه ... إجماعهم قطعا على البرهان وكذاك نقطع أنهم جاؤا ... بإثبات الصفات لخالق الأكوان وكذاك نقطع أنهم جاؤا ... بإثبات الكلام لربنا الرحمن وكذاك نقطع أنهم جاؤوا ... بإثبات المعاد لهذه الأبدان وكذاك نقطع أنهم جاؤا بتو ... حيد الإله وما له من ثان وكذاك نقطع أنهم جاؤا بإثبـ ... ـات القضاء وما لهم قولان فالرسل متفقون قطعا في أصو ... ل الدين دون شرائع الإيمان كل له شرع ومنهاج وذا ... في الأمر لا التوحيد فافهم ذان فالدين في التوحيد دين واحد ... لم يختلف منهم عليه اثنان دين الإله اختاره لعباده ... ولنفسه هو قيم الأديان فمن المحال بأن يكون لرسله ... في وصفه خبران مختلفان وكذاك نقطع أنهم جاؤوا بعد ... ل الله بين طوائف الإنسان وكذاك نقطع أنهم أيضا دعوا ... للخمس وهي قواعد الإيمان إيماننا بالله ثم برسله ... وبكتبه وقيامة الأبدان وبجنده وهم الملائكة الألى ... هم رسله لمصالح الأكوان هذي أصول الدين حقا لا أصو ... ل الخمس للقاضي هو الهمداني(1\/85)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "93",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15126",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تلك الأصول للاعتزال وكم لها ... فرع فمنه الخلق للقرآن وجحود أوصاف الواله ونفيهم ... لعلوه والفوق للرحمن وكذاك نفيهم لرؤيتنا ... له يوم اللقاء كما يرى القمران ونفوا قضاء الرب والقدر الذي ... سبق الكتاب به هما شيئان من أجل هاتيك الأصول وخلدوا ... أهل الكبائر في لظى النيران ولأجلها نفوا الشفاعة فيهم ... ورموا رواة حديثها بطعان ولأجلها قالوا بأن الله لم ... يقدر على إيمان ذي الكفران ولأجلها حكموا على الرحمن ... بالشرع المحال شريعة البهتان ولأجلها هم يوجبون رعاية ... للأصلح الموجود في الإمكان حقا على رب الورى بعقولهم ... سبحانك اللهم ذي السبحان فصل هذا وسادس عشرها إجماع أهـ ... ـل العلم أعني حجة الأزمان من كل صاحب سنة شهدت له ... أهل الحديث وعسكر القرآن لا عبرة بمخالف لهم ولو ... كانوا عديد الشاء والبعران أن الذي فوق السموات العلى ... والعرش وهو مباين الأكوان هو ربنا سبحانه وبحمده ... حقا على العرش استوى الرحمن فاسمع إذا أقوالهم واشهد عليهم ... بعدها بالكفر والإيمان(1\/86)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "94",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15127",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واقرأ تفاسير الأئمة ذاكري الإسـ ... ـناد فهي هداية الحيران وانظر إلى قول ابن عباس بتفسـ ... ـير استوى إن كنت ذا عرفان وانظر إلى أصحابه من بعده ... كمجاهد ومقاتل حبران وانظر إلى الكلبي أيضا والذي ... قد قاله من غير ما نكران وكذا رفيع التابعي أجلهم ... ذاك الرياحي العظيم الشان كم صاحب ألقى إليه علمه ... فلذاك ما اختلفت عليه اثنان فليهن من قد سبه إذ لم يوا ... فق قوله تحريف ذي البهتان فلهم عبارات عليها أربع ... قد حصلت للفارس الطعان وهي استقر وقد علا وكذلك ار ... تقع الذي ما فيه من نكران وكذاك قد صعد الذي هو أربع ... وأبو عبيدة صاحب الشيباني يختار هذا القول في تفسيره ... درى من الجهمي بالقرآن والأشعري يقول تفسير استوى ... بحقيقة استولى من البهتان هو قول أهل الاعتزال وقول ... أتباع لجهم وهو ذو بطلان في كتبه قد قال ذا من موجز ... وإبانة ومقالة ببيان وكذلك البغوي أيضا قد حكا ... هـ عنهم بمعالم القرآن وانظر كلام إمامنا هو مالك ... قد صاح عن قول لذي إتقان في الاستواء بأنه المعلوم ... لكن كيفه خاف على الأذهان وروى ابن نافع الصدوق سماعه ... منه على التحقيق والإتقان(1\/87)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "95",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15128",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله حقا في السماء وعلمه ... سبحانه حقا بكل مكان فانظر إلى التفريق بين الذات والـ ... معلوم من ذا العالم الرباني فالذات خصت بالسماء وإنما ال ... معلوم عم جميع ذي الأكوان ذا ثابت عن مالك من رده ... فلسوف يلقى مالكا بهوان وكذاك قال الترمذي بجامع ... عن بعض أهل العلم والإيمان الله فوق العرش لكن علمه ... مع خلقه تفسير ذي إيمان وكذاك أوزاعيهم أيضا حكى ... عن سائر العلماء في البلدان من قرنه والتابعين جميعهم ... متوافرين وهم أولو العرفان إيمانهم بعلوه سبحانه ... فوق العباد وفوق ذي الأكوان وكذاك قال الشافعي حكاه ... عنه البيهقي وشيخه الرباني حقا قضى الله الخلافة ربنا ... فوق السماء لأصدق العبدان حب الرسول وقائم من بعده ... بالحق لا فشل ولا متوان فانظر إلى المقضي في ذي الأرض لـ ... كن في السماء قضاء ذي السلطان وقضاؤه وصف له لم ينفصل ... عنه وهذا واضح البرهان وكذلك النعمان قال وبعده ... يعقوب والألفاظ للنعمان من لم يقر بعرشه سبحانه ... فوق السماء وفوق كل مكان ويقر أن الله فوق العرش لا ... يخفى عليه هواجس الأذهان فهو الذي لا شك في تكفيره ... لله درك من إمام زمان(1\/88)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "96",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15129",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا الذي في الفقه الأكبر عندهم ... وله شروح عدة لبيان وانظر مقالة أحمد ونصوصه ... في ذاك تلقاها بلا حسبان فجميعها قد صرحت بعلوه ... وبالاستوا والفوق للرحمن وله نصوص واردات لم تقع ... لسواه من فرسان هذا الشان إذ كان ممتحنا بأعداء الحديث ... وشيعة التعطيل والكفران وإذا أردت نصوصه فانظر إلى ... ما قد حكى الخلال ذو الإتقان وكذاك إسحاق الإمام فإنه ... قد قال ما فيه هدى الحيران وابن المبارك قال قولا شافيا ... إنكاره علم على البهتان قالوا له ما ذاك نعرف ربنا ... حقا به لنكون ذا إيمان فأجاب نعرفه بوصف علوه ... فوق السماء مباين الأكوان وبأنه سبحانه حقا على العرش ... الرفيع فجل ذو السلطان وهو الذي قد شجع ابن خزيمة ... إذ سل سيف الحق والعرفان وقضي بقتل المنكرين علوه ... بعد استتابتهم من الكفران وبأنهم يلقون بعد القتل فو ... ق مزابل الميتات والأنتان فشفى الإمام العالم الحبر الذي ... يدعى إمام أئمة الأزمان وقد حكاه الحاكم العدل الرضى ... في كتبه عنه بلا نكران وحكى ابن عبد البر في تمهيده ... وكتاب الاستذكار غير جبان أجماع أهل العلم أن الله فو ... ق العرش بالإيضاح والبرهان(1\/89)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "97",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15130",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأتى هناك بما شفى أهل الهدى ... لكنه مرض على العميان وكذا علي الأشعري فإنه ... في كتبه قد جاء بالتبيان من موجز وإبانة ومقالة ... ورسائل للثغر ذات بيان وأتى بتقرير استواء الرب فو ... ق العرش بالإيضاح والبرهان وأتى بتقرير العلو بأحسن التقرير ... فانظر كتبه بعيان والله ما قال المجسم مثل ما ... قد قاله ذا العالم الرباني فارموه ويحكم بما ترموا به ... هذا المجسم يا أولي العدوان أو لا فقولوا إن ثم حزازة ... وتنفس الصعداء من حران فسلوا الإله شفاء ذا الداء العضا ... ل مجانب الإسلام والإيمان وانظر إلى حرب وإجماع حكى ... لله درك من فتى كرماني وانظر إلى قول ابن وهب أوحد الـ ... علماء مثل الشمس في الميزان وانظر إلى ما قال عبد الله في ... تلك الرسالة مفصحا ببيان من أنه سبحانه وبحمده ... بالذات فوق العرش والأكوان وانظر إلى ما قاله الكرخي في ... شرح لتصنيف امرىء رباني وانظر إلى الأصل الذي هو شرحه ... فهما الهدى لملدد حيران وانظر إلى تفسير عبد ما الذي ... فيه من الآثار في هذا الشان وانظر إلى تفسير ذاك الفاضل ... الثبت الرضى المتطلع الرباني ذاك الإمام ابن الإمام وشيخه ... وأبوه سفيان فرازيان(1\/90)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "98",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15131",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وانظر إلى النسائي في تفسيره ... هو عندنا سفر جليل معان واقرأ كتاب العرش للعبسي وهو ... محمد المولود من عثمان واقرأ لمسند عمه ومصنف ... أتراهما نجمين بل شمسان واقرأ كتاب الاستقامة للرضى ... ذاك ابن أصرم حافظ رباني واقرأ كتاب الحافظ الثقة الرضى ... في السنة العليا فتى الشيباني ذاك ابن أحمد أوحد الحفاظ قد ... شهدت له الحفاظ بالإتقان واقرأ كتاب الأثرم العدل الرضى ... في السنة المثلى إمام زمان وكذا الإمام ابن الإمام المرتضى ... حقا أبي داود ذي العرفان تصنيفه نظما ونثرا واضح ... في السنة المثلى هما نجمان واقرأ كتاب السنة الأولى التي ... أبداه مضطلع من الإيمان ذاك النبيل ابن النبيل وكتابه ... أيضا نبيل واضح البرهان وانظر إلى قول ابن أسباط الرضى ... وانظر إلى قول الرضى سفيان وانظر إلى قول ابن زيد ذاك ... حماد وحماد الإمام الثاني وانظر إلى ما قاله علم الهدى ... عثمان ذاك الدرامي الرباني في نقضه والرد يا لهما كتا ... با سنة وهما لنا علمان هدمت قواعد فرقة جهمية ... فخرت سقوفهم على الحيطان وانظر إلى ما في صحيح محمد ... ذاك البخاري العظيم الشان من رده ما قاله الجهمي بالنقل ... الصحيح الواضح البرهان(1\/91)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "99",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15132",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وانظر إلى تلك التراجم ما الذي ... في ضمنها إن كنت ذا عرفان وانظر إلى ما قاله الطبري في ... الشرح الذي هو عندكم سفران أعني الفقيه الشافعي اللالكا ... ئي المسدد ناصر الإيمان وانظر إلى ما قاله علم الهدى ... التيمي في إيضاحه وبيان ذاك الذي هو صاحب الترغيب ... والترهيب ممدوح بكل لسان وانظر إلى ما قاله في السنة ... الكبرى سليمان هو الطبراني وانظر إلى ما قاله شيخ الهدى ... يدعى بطلمنكيهم ذو شان وانظر إلى قول الطحاوي الرضى ... وأجره من تحريف ذي بهتان وكذلك القاضي أبو بكر هو ... ابن الباقلاني قائد الفرسان قد قال في تمهيده ورسائل ... والشرح ما فيه جلي بيان في بعضها حقا على العرش استوى ... لكنه استولى على الأكوان وأتى بتقرير العلو وأبطل اللام ... التي زيدت على القرآن من أوجه شتى وذا في كتبه ... باد لمن كانت له عينان وانظر إلى قول ابن كلاب وما ... يقضي به لمعطل الرحمن أخرج من النقل الصحيح وعقله ... من قال قول الزور والبهتان ليس الإله بداخل في خلقه ... أو خارج عن جملة الأكوان وانظر إلى ما قاله الطبري في التـ ... فسير والتهذيب قول معان وانظر إلى ما قاله في سورة ... الأعراف مع طه ومع سبحان(1\/92)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "100",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15133",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وانظر إلى ما قاله البغوي في ... تفسيره والشرح بالإحسان في سورة الأعراف عند الاستوى ... فيها وفي الأولى من القرآن وانظر غالى ما قاله ذو سنة ... وقراءة ذاك الإمام الداني وكذاك سنة الأصبهاني أبي ... الشيخ الرضي المستل من حبان وانظر إلى ما قاله ابن سريج ... البحر الخضم الشافعي الثاني وانظر إلى ما قاله علم الهدى ... أعني أبا الخير الرضى النعمان وكتابه في الفقيه وهو بيانه ... يبدي مكانته من الإيمان وانظر إلى السنن التي قد صنف ... العلماء بالآثار والقرآن زادت على المائتين منها مفرد ... أوفى من الخمسين في الحسبان منها لأحمد عدة موجودة ... فينا رسائله إلى الإخوان واللاء في ضمن التصانيف التي ... شهرت ولم تحتج إلى حسبان فكثيرة جدا فمن يك راغبا ... فيها يجد فيها هدى الحيران أصحابها هم حافظوا الإسلام لا ... أصحاب جهم حافظو الكفران وهم النجوم لكل عبد سائر ... يبغي الإله وجنة الحيوان وسواهم والله قطاع الطريق ... أئمة تدعو إلى النيران ما في الذين حكيت عنهم آنفا ... من حنبلي واحد بضمان بل كلهم والله شيعة أحمد ... فأصوله وأصولهم سيان وبذاك في كتب لهم قد صرحوا ... وأخو العماية ما له عينان(1\/93)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "101",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15134",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أتظنهم لفظية جهلية ... مثل الحمير تقاد بالأرسان حاشاهم من ذاك بل والله هم ... أهل العقول وصحة الأذهان فانظر إلى تقريرهم لعلوه ... بالنقل والمعقول والبرهان عقلان عقل بالنصوص مؤيد ... ومؤيد بالمنطق اليوناني والله ما استويا ولن يتلاقيا ... حتى تشيب مفارق الغربان أفتقذفون أولاء بل أضعافهم ... من سادة العلماء كل زمان بالجهل والتشبيه والتجسيم ... والتبديع والتضليل والبهتان ياقومنا ألله في إسلامكم ... لا تفسدوه لنخوة الشيطان يا قومنا اعتبروا بمصرع من خلا ... من قبلكم في هذه الأزمان لم يغن عنهم كذبهم ومحالهم ... وقتالهم بالزور والبهتان كلا ولا التدليس والتلبيس ... عند الناس والحكام والسلطان وبدا لهم عند انكشاف غطائهم ... ما لم يكن للقوم في حسبان وبدا لهم عند انكشاف حقائق الـ ... إيمان أنهم على البطلان ما عندهم والله غير شكاية ... فأتوا بعلم وانطقوا ببيان ما يشتكي إلا الذي هو عاجز ... فاشكوا لنعذركم إلى القرآن ثم اسمعوا ماذا الذي يقضي لكم ... وعليكم فالحق في الفرقان لبستم معنى النصوص وقولنا ... فغدا لكم للحق تلبيسان من حرف النص الصريح فكيف لا ... يأتي بتحريف على إنسان(1\/94)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "102",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15135",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يا قوم والله العظيم أسأتم ... بأئمة الإسلام ظن الشاني ما ذنبهم ونبيهم قد قال ما ... قالوا كذاك منزل الفرقان ما الذنب إلا النصوص لديكم ... إذ جسمت بل شبهت صنفان ما ذنب من قد قال ما نطقت به ... من غير تحريف ولا عدوان هذا كما قال الخبيث لصحبه ... كلب الروافض أخبث الحيوان لما أفاضوا في حديث الرفض ... عند القبر لا تخشون من إنسان يا قوم أصل بلائكم ومصابكم ... من صاحب القبر الذي تريان كم قدم ابن أبي قحافة بل غدا ... يثنى عليه ثناء ذي شكران ويقول في مرض الوفاء يؤمكم ... عني أبو بكر بلا روغان ويظل يمنع من إمامة غيره ... حتى يرى في صورة ميلان ويقول لو كنت الخليل لواحد ... في الناس كان هو الخليل الداني لكنه الأخ والرفيق وصاحبي ... وله علينا منه الإحسان ويقول للصديق يوم الغار لا ... تحزن فنحن ثلاثة لا اثنان الله ثالثنا وتلك فضيلة ... ما حازها إلى فتى عثمان يا قوم ما ذنب النواصب بعد ذا ... لم يدهكم إلا كبير الشان فتفرقت تلك الروافض كلهم ... قد أطبقت أسنانه الشفتان وكذلك الجهمي ذاك رضيعهم ... فهما رضيعا كفرهم بلبان ثوبان قد نسجا على المنوال يا ... عريان لا تلبس فما ثوبان(1\/95)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "103",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15136",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والله شر منهما فهما على ... أهل الضلالة والشقا علمان فصل هذا وسابع عشرها إخباره ... سبحانه في محكم القرآن عن عبده موسى الكليم وحربه ... فرعون ذي التكذيب والطغيان تكذيبه موسى الكليم بقوله ... الله ربي في السماء نباني ومن المصائب قولهم إن اعتقا ... د الفوق من فرعون ذي الكفران فإذا اعتقدتم ذا فأشياع له ... أنتم وذا من أعظم البهتان فاسمع إذا من ذا الذي أولى بفر ... عون المعطل جاحد الرحمن فانظر إلى ما جاء في القصص التي ... تحكي مقال إمامهم ببيان والله قد جعل الضلالة قدوة ... بأئمة تدعو إلى النيران فإمام كل معطل في نفسه ... فرعون مع نمرود مع هامان طلب الصعود إلى السماء مكذبا ... موسى ورام الصرح بالبنيان بل قال موسى كاذب في زعمه ... فوق السماء الرب ذو السلطان فابنوا لي الصرح الرفيع لعلني ... أرقى إليه بحيلة الإنسان وأظن موسى كاذبا في قوله ... الله فوق العرش ذو السلطان وكذاك كذبه بأن إلهه ... ناداه بالتكليم دون عيان هو أنكر التكليم والفوقية الـ ... ـعليا كقول الجهمي ذي صفوان(1\/96)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "104",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15137",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فمن الذي أولى بفرعون إذا ... منا ومنكم بعد ذا التبيان يا قومنا والله إن لقولنا ... ألفا تدل عليه بل ألفان عقلا ونقلا مع صريح الفطرة الأ ... ولى وذوق حلاوة القرآن كل يدل بأنه سبحانه ... فوق السماء مباين الأكوان أترون أنا تاركون ذا كله ... لجعاجع التعطيل والهذيان يا قوم ما أنتم على شيء إلى ... أن ترجعوا للوحي بالإذعان وتحكموه في الجليل ودقه ... تحكيم تسليم مع الرضوان قد أقسم الله العظيم بنفسه ... قسما يبين حقيقة الإيمان أن ليس يؤمن من يكون محكما ... غير الرسول الوضح البرهان بل ليس يؤمن غير من قد حكم الـ ... وحيين حسب فذاك ذو إيمان هذا وما ذاك المحكم مؤمنا ... إن كان ذا حرج وضيق بطان هذا وليس بمؤمن حتى يسلم ... للذي يقضي به الوحيان يا قوم بالله العظيم نشدتكم ... وبحرمة الإيمان والقرآن هل حدثتكم قط أنفسكم بذا ... فسلوا نفوسكم عن الإيمان لكن رب العالمين وجنده ... ورسوله المبعوث بالقرآن هم يشهدون بأنكم أعداء من ... ذا شأنه أبدا بكل زمان ولأي شيء كان أحمد خصمكم ... أعني ابن حنبل الرضى الشيباني ولأي شيء كان بعد خصومكم ... أهل الحديث وعسكر القرآن(1\/97)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "105",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15138",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولأي شيء كان أيضا خصمكم ... شيخ الوجود العالم الحراني أعني أبا العباس ناصر سنة المختـ ... ـار قامع سنة الشيطان والله لم يك ذنبه شيئا سوى ... تجريده لحقيقة الإيمان إذ جرد التوحيد عن شرك كذا ... تجريده للوحي عن بهتان فتجرد المقصود عن قصد له ... فلذاك لم ينصف إلى إنسان ما منهم أحد دعا لمقالة ... غير الحديث ومقتضى الفرقان فالقوم لم يدعو إلى غير الهدى ... ودعوتم أنتم لرأي فلان شتان بين الدعوتين فحسبكم ... يا قوم ما بكم من الخذلان قالوا لنا لما دعوناهم إلى ... هذا مقالة ذي هوى ملآن ذهبت مقادير الشيوخ وحر ... ـمة العلماء بل عبرتهم العينان وتركتم أقوالهم هدرا وما ... أصغت إليها منكم أذنان لكن حفظنا نحن حرمتهم ولم ... نعد الذي قالوه قدر بنان يا قوم والله العظيم كذبتم ... وأتيتم بالزور والبهتان ونسبتم العلماء للأمر الذي ... هم منه أهل براءة وأمان والله ما أوصاكم أن تتركوا ... قول الرسول لقولهم بلسان كلا ولا في كتبهم هذا بلى ... بالعكس أوصاكم بلا كتمان إذ قد أحاط العلم منهم أنهم ... ليسوا بمعصومين بالبرهان كلا وما منهم أحاط بكل ما ... قد قاله المبعوث بالقرآن(1\/98)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "106",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15139",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلذاك أوصاكم بأن لا تجعلوا ... أقوالهم كالنص في الميزان لكن زنوها بالنصوص فإن توا ... فقها فتلك صحيحة الأوزان لكنكم قدمتم أقوالهم ... أبدا على النص العظيم الشان والله لا لوصية العلماء نفـ ... ـذتم ولا لوصية الرحمن وركبتم الجهلين ثم تركتم النصـ ... ـين مع ظلم ومع عدوان قلنا لكم فتعلموا قلتم أما ... نحن الأئمة فاضلوا الأزمان من أين والعلماء أنتم فاستحوا ... أين النجوم من الثرى التحتاني لم يشبه العلماء إلا أنتم ... أشبهتم العلماء في الأذقان والله لا علم ولا دين ولا ... عقل ولا بمروءة الإنسان عاملتم العلماء حين دعوكم ... للحق بل بالبغي والعدوان إن أنتم إلا الذباب إذا رأى ... طعما فيا لمساقط الدبان وإذا رأى فزعا تطاير قلبه ... مثل البغاث يساق بالعقبان وإذا دعوناكم إلى البرهان كا ... ن جوابكم جهلا بلا برهان نحن المقلدة الألى ألفو كذا ... آباءهم في سالف الأزمان قلنا فكيف تكفرون وما لكم ... علم بتكفير ولا إيمان إذ أجمع العلماء أن مقلدا ... للناس والأعمى هما أخوان والعلم معرفة الهدى بدليله ... ما ذاك والتقليد مستويان حرنا بكم والله لا أنتم مع العلمـ ... ـاء تنقادون للبرهان(1\/99)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "107",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15140",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كلا ولا متعلمون فمن ترى ... تدعون نحسبكم من الثيران لكنها والله أنفع منكم ... للأرض في حرث وفي دوران نالت بهم خيرا ونالت منكم المعهـ ... ـود من بغي ومن عدوان فمن الذي خير وأنفع للورى ... أنتم أم الثيران بالبرهان فصل هذا وثامن عشرها تنزيهه ... سبحانه عن موجب النقصان وعن العيوب وموجب التمثيل ... والتشبيه جل الله ذو السلطان ولذاك نزه نفسه سبحانه ... عن أن يكون له شريك ثان أو أن يكون له ظهير في الورى ... سبحانه عن إفك ذي بهتان أو أن يولي خلقه سبحانه ... من حاجة أو ذلة وهوان أو أن يكون لديه أصلا شافع ... إلا بإذن الواحد المنان وكذاك نزه نفسه عن والد ... وكذاك عن ولد هما نسبان وكذاك نزه نفسه عن زوجة ... وكذاك عن كفؤ يكون مداني ولقد أتى التنزيه عما لم يقم ... كي لا يزور بخاطر الإنسان فانظر إلى التنزيه عن طعم ولم ... ينسب إليه قط من إنسان وكذلك التنزيه عن موت وعن ... نوم وعن سنة وعن غشيان وكذلك التنزيه عن نسيانه ... والرب لم ينسب إلى نسيان وكذلك التنزيه عن ظلم وفي الأفعـ ... ـال عن عبث وعن بطلان(1\/100)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "108",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15141",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك التنزيه عن تعب وعن ... عجز ينافي قدرة الرحمن ولقد حكى الرحمن قولا قاله ... فنحاص ذو البهتان والكفران أن الإله هو الفقير ونحن أصحـ ... ـاب الغنى ذو الوجد والإمكان وكذاك أضحى ربنا مستقرضا ... أموالنا سبحان ذي الإحسان وحكى مقالة قائل من قومه ... أن العزير ابن من الرحمن هذا وما القولان قط مقالة ... منصورة في موضع وزمان لكن مقالة كونه فوق الورى ... والعرش وهو مباين الأكوان قد طبقت شرق البلاد وغربها ... وغدت مقررة لذي الأذهان فلأي شيء لم ينزه نفسه ... سبحانه في محكم القرآن عن ذي المقالة مع تفاقم أمرها ... وظهورها في سائر الأديان بل دائما يبدي لنا إثباتها ... ويعيده بأدلة التبيان لا سيما تلك المقالة عندكم ... مقرونة بعبادة الأوثان أو أنها كمقالة لمثلث ... عبد الصليب المشرك النصراني إذ كان جسما كل موصوف بها ... ليس الإله منزل الفرقان فالعابدون لمن على العرش استوى ... بالذات ليسوا عابدي الديان لكنهم عباد أوثان لدى ... هذا المعطل جاحد الرحمن ولذاك قد جعل المعطل كفرهم ... هو مقتضى المعقول والبرهان هذا رأيناه بكتبكم ولم ... نكذب عليكم فعل ذي البهتان(1\/101)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "109",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15142",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولأي شيء لم يحذر خلقه ... عنها وهذا شأنها ببيان هذا وليس فسادها بمبين ... حتى يحال لنا على الأذهان ولذاك قد شهدت أفاضلكم لها ... بظهورها للوهم في الإنسان وخفاء ما قالوه من نفي على الأ ... ذهان بل تحتاج للبرهان فصل: هذا وتاسع عشرها إلزام ذي التـ ... ـعطيل أفسد لازم ببيان وفساد لازم قوله هو مقتضى ... لفساد ذاك القول بالبرهان فسل المعطل عن ثلاث مسائل ... تقضي على التعطيل بالبطلان ماذا تقول أكان يعرف ربه ... هذا الرسول حقيقة العرفان أم لا وهل كانت نصيحته لنا ... كل النصيحة ليس بالخوان أم لا وهل حاز البلاغة كلها ... فاللفظ والمعنى له طوعان فإذا انتهت هذي الثلاثة فيه كا ... ملة مبرأة من النقصان فلأي شيء عاش فينا كاتما ... للنفي والتعطيل في الأزمان بل مفصحا بالضد منه حقيقة الإ ... فصاح موضحة بكل بيان ولأي شيء لم يصرح بالذي ... صرحتم في ربنا الرحمن ألعجزه عن ذاك أم تقصيره ... في النصح أم لخفاء هذا الشان حاشاه بل ذا وصفكم يا أمة ... التعطيل لا المبعوث بالقرآن(1\/102)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "110",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15143",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولأي شيء كان يذكر ضد ذا ... في كل مجتمع وكل زمان أتراه أصبح عاجزا عن قوله ... استولى وينزل أمره وفلان ويقول أين الله يعني من بلف ... ظ الأين هل هذا من التبيان والله ما قاله الأئمة غير ما ... قد قاله من غير ما كتمان لكن لأن عقول أهل زمانهم ... ضاقت بحمل دقائق الإيمان وغدت بصائرهم كخفاش أتى ... ضوء النهار فكف عن طيران حتى إذا ما الليل جاء ظلامه ... أبصرته يسعى بكل مكان وكذا عقولكم لو استشعرتم ... يا قوم كالحشرات والفيران أنست بإيحاش الظلام وما لها ... بمطالع الأنوار قط يدان لو كان حقا ما يقول معطل ... لعلوه وصفاته الرحمن لزمتكم شنع ثلاث فارتؤا ... أو خلة منهن أو ثنتان تقديمهم في العلم أو في نصحهم ... أو في البيان أذاك ذو إمكان إن كان ما قلتم حقا فقد ... ضل الورى بالوحي والقرآن إذ فيهما ضد الذي قلتم وما ... ضدان في المعقول يجتمعان بل كان أولى أن يعطل منهما ... ويحال في علم وفي عرفان إما على جهم وجعد أو على ... النظام أو ذي المذهب اليوناني وكذاك أتباع لهم فقع الفلا ... صم وبكم تابعوا العميان وكذاك أفراخ القرامطة الألى ... قد جاهروا بعداوة الرحمن(1\/103)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "111",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15144",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كالحاكمية والألى والوهم ... كأبي سعيد ثم آل سنان وكذا ابن سينا والنصير نصير ... أهل الشرك والتكذيب والكفران وكذاك أفراخ المجوس وشبههم ... والصابئين وكل ذي بهتان إخوان إبليس اللعين وجنده ... لا مرحبا بعساكر الشيطان أفمن حوالته على التنزيل ... والوحي المبين ومحكم القرآن كمحير أضحت حوالته على ... أمثاله أم كيف يستويان أم كيف يشعر تائه بمصابه ... والقلب قد جعلت له قفلان قفل من الجهل المركب فوقه ... قفل التعصب كيف ينفتحان ومفاتيح الأقفال في يد من له ... التصريف سبحانه عظيم الشان فاسأله فتح القفل مجتهدا ... على الأسنان إن الفتح بالأسنان فصل هذا وخاتم العشرين وجها ... وهو أقربها إلى الأذهان سرد النصوص فإنها قد نوعت ... طرق الأدلة في أتم بيان والنظم يمنعني من استيفائها ... وسياقة الألفاظ بالميزان فأشير بعض إشارة لمواضع ... منها وأين البحر من خلجان فاذكر نصوص الاستواء فإنها ... في سبع آيات من القرآن واذكر نصوص الفوق أيضا في ثلا ... ث قد غدت معلومة التبيان(1\/104)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "112",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15145",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واذكر نصوص علوه في خمسة ... معلومة برئت من النقصان واذكر نصوصا في الكتاب تضمنت ... تنزيله من ربنا الرحمن فتضمنت أصلين قام عليهما الـ ... إسلام والإيمان كالبنيان كون الكتاب كلامه سبحانه ... وعلوه من فوق كل مكان وعدادها سبعون حين تعد أو ... زادت على السبعين في الحسبان واذكر نصوصا ضمنت رفعا ومعرا ... جا وإصعادا إلى الديان هي خمسة معلومة بالعد وال ... حسبان فاطلبها من القرآن ولقد أتى في سورة الملك التي ... تنجي لقارئها من النيران نصان أن الله فوق سمائه ... عند المحرف ما هما نصان ولقد أتى التخصيص بالعند الذي ... قلنا بسبع بل أتى بثمان منها صريح موضعان بسورة الأ ... عراف ثم الأنبياء الثاني فتدبر التعيين وانظر ما الذي ... لسواه ليست تقتضي النصان وبسورة التحريم أيضا ثالث ... بادي الظهور لمن له أذنان ولديه في مزمل قد بينت ... نفس المراد وقيدت ببيان لا تنقض الباقي فما لمعطل ... من راحة فيها ولا تبيان وبسورة الشورى وفي مزمل ... سر عظيم شأنه ذو شان في ذكر تفطير السماء فمن يرد ... علما به فهو القريب الداني لم يسمح المتأخرون بنقله ... جبنا وضعفا عنه في الإيمان(1\/105)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "113",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15146",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بل قاله المتقدمون فوارس الإ ... سلام هم أمراء هذا الشان ومحمد بن جرير الطبري في ... تفسيره حكيت به القولان فصل هذا وحاديها وعشرون الذي ... قد جاء في الأخبار والقرآن إتيان رب العرش جل جلاله ... ومجيئه للفصل بالميزان انظر إلى التقسيم والتنويع في القـ ... ـرآن تلفيه صريح بيان إن المجيء لذاته لا أمره ... كلا ولا ملك عظيم الشان إذ ذانك الأمران قد ذكرا وبينهمـ ... ـا مجيء الرب ذي الغفران والله ما احتمل المجيء سوى مجي ... ء الذات بعد تبين البرهان من أين يأتي يا أولي المعقول إن ... كنتم ذوي عقل مع العرفان من فوقنا أو تحتنا أو عن شما ... ئلنا ومن خلف وعن أيمان والله لا يأتيهم من تحتهم ... أبدا تعالى الله ذو السلطان كلا ولا من خلفهم وأمامهم ... وعن الشمائل أو عن الأيمان والله لا يأتيهم إلا من العـ ... ـلو الذي هو فوق كل مكان(1\/106)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "114",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15147",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في الإشارة إلى ذلك من السنة",
        "content": "فصل: في الإشارة إلى ذلك من السنة واذكر حديثا في الصحيح تضمنت ... كلماته تكذيب ذي البهتان لما قضى الله الخليقة ربنا ... كتبت يداه كتاب ذي الإحسان وكتابه هو عنده وضع على العـ ... ـرش المجيد الثابت الأركان إني أنا الرحمن تسبق رحمتي ... غضبي وذاك لرأفتي وحناني ولقد أشار نبينا في خطبة ... نحو السماء بأصبع وبنان مستشهدا رب السموات العلى ... ليرى ويسمع قوله الثقلان أترى أمسى للسما مستشهدا ... أم للذي هو فوق ذي الأكوان ولقد أتى في رقية المرضـ ... ـى عن الهادي المبين أتم ما تبيان نص بأن الله فوق سمائه ... فاسمعه إن سمعت لك الأذنان ولقد أتى خبر رواه عمه العبـ ... ـاس صنو أبيه ذو الإحسان أن السموات العلى من فوقهـ ... ـا الكرسي عليه العرش للرحمن والله فوق العرش ينظر خلقه ... فانظره إن سمحت لك العينان واذكر حديث حصين بن المنـ ... ـذر الثقة الرضى أعني أبا عمران إذ قال ربي في السماء لرغبتي ... ولرهبتي أدعوه كل أوان فأقره الهادي البشير ولم يقل ... أنت المجسم قائل بمكان(1\/107)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "115",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15148",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حيزت بل جيهت بل شبهت بل ... جسمت لست بعارف الرحمن هذي مقالتهم لمن قد قال ما ... قد قاله حقا أبو عمران فالله يأخذ حقه منهم ومن ... أتباعهم فالحق للرحمن واذكر شهادته لمن قال ربـ ... ـي في السما بحقيقة الإيمان وشهادة العدل المعطل للذي ... قد قال ذا بحقيقة الكفران واحكم بأيهما تشاء وإنني ... لأراك تقبل شاهد البطلان إن كنت من أتباع جهم صـ ... ـاحب التعطيل والعدوان والبهتان واذكر حديثا لابن إسحاق الرضى ... ذاك الصدوق الحافظ الرباني في قصة استسقائهم يستشفعو ... ن إلى الرسول بربه المنان فاستعظم المختار ذاك وقال شأ ... ن الله رب العرش أعظم شأن الله فوق العرش فوق سمائه ... سبحان ذي الملكوت والسلطان ولعرشه منه أطيط مثل ما ... قد أط رحل الراكب العجلان لله ما لقي ابن إسحاق من ... الجهمي إذ يرميه بالعدوان ويظل يمدحه إذا كان الذي ... يروي يوفق مذهب الطعان كم قد رأينا منهم أمثال ذا ... فالحكم لله العلي الشان هذا هو التطفيف لا التطفيف في ... ذرع ولا كيل ولا ميزان واذكر حديث نزوله نصف الدجى ... في ثلث ليل آخر أو ثان فنزول رب ليس فوق سمائه ... في العقل ممتنع وفي القرآن(1\/108)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "116",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15149",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واذكر حديث الصادق ابن رواحة ... في شأن جارية لدى الغشيان فيه الشهادة أن عرش الله فو ... ق الماء خارج هذه الأكوان والله فوق العرش جل جلاله ... سبحانه عن نفي ذا البهتان ذكر ابن عبد البر في استيعابه ... هذا وصححه بلا نكران وحديث معراج الرسول فثابت ... وهو الصريح بغاية التبيان وإلى إله العرش كان عروجه ... لم يختلف من صحبه رجلان واذكر بقصة خندق حكما جرى ... لقريظة من سعد الرباني شهد الرسول بأن حكم إلهنا ... من فوق سبع وفقه بوزان واذكر حديثا للبراء رواه ... أصحاب المساند منهم الشيباني وأبو عوانة ثم حاكمنا الرضي ... وأبو نعيم الحافظ الرباني قد صححوه وفيه نص ظاهر ... ما لم يحرفه أولوا العدوان في شأن روح العبد عند وداعها ... وفراقها لمساكن الأبدان فتظل تصعد في سماء فوقها ... أخرى إلى خلاقها الرحمن حتى تصير إلى سماء ربها ... فيها وهذا نصه بأمان واذكر حديثا في الصحيح وفيه ... تحذير لذات البعل من هجران من سخط رب في السماء على التي ... هجرت بلا ذنب ولا عدوان(1\/109)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "117",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15150",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واذكر حديثا قد رواه جابر ... فيه الشفاء لطالب الإيمان في شأن أهل الجنة العليا وما ... يلقون من فضل ومن إحسان بيناهم في عيشهم ونعيمهم ... وإذا بنور ساطع الغشيان لكنهم رفعوا إليه رؤوسهم ... فإذا هو الرحمن ذو الغفران فيسلم الجبار جل جلاله ... حقا عليهم وهو ذو الإحسان واذكر حديثا قد رواه الشافعي ... طريقه فيه أبو اليقظان في فضل يوم الجمعة الذي ... بالفضل قد شهدت له النصان يوم استواء الرب جل جلاله ... حقا على العرش العظيم الشان واذكر مقالته ألست أمين من ... فوق السماء الواحد الرحمن واذكر حديث أبي رزين ثم ... سقه بطوله كم فيه من عرفان والله ما لمعطل بسماعه ... أبدا قوى إلا على النكران فأصول دين نبينا فيه أتت ... في غاية الإيضاح والتبيان وبطوله قد ساقه ابن إمامنا ... في سنة والحافظ الطبراني وكذا أبو بكر بتاريخ له ... وأبوه ذاك زهير الرباني واذكر كلام مجاهد في قوله ... أقم الصلاة وتلك في سبحان في ذكر تفسير المقام لأحمد ... ما قيل ذا بالرأي والحسبان إن كان تجسيما فإن مجاهدا ... هو شيخهم بل شيخه الفوقاني وقد أتى ذكر الجلوس به وفي ... أثر رواه جعفر الرباني(1\/110)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "118",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15151",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أعني ابن عم نبينا وبغيره ... أيضا والحق ذو التبيان والدارقطني الإمام يثبت الآثار ... في ذا الباب غير جبان وله قصيد ضمنت هذا وفيها ... لست للمروي ذا نكران وجرت لذلك فتنة في وقته ... من فرقة التعطيل والعدوان والله ناصر دينه وكتابه ... ورسوله في سائر الأزمان لكن بمحنة حزبه من حربه ... ذا حكمة مذ كانت الفئتان وقد اقتصرت على يسير ... من كثير فائت للعد والحسبان ما كل هذا قابل التأويل ... والتحريف فاستحيوا من الرحمن(1\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "119",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15152",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في جناية التأويل على ما جاء به الرسول والفرق بين المردود منه والمقبول",
        "content": "فصل: في جناية التأويل على ما جاء به الرسول والفرق بين المردود منه والمقبول هذا وأصل بلية الإسلام من ... تأويل ذي التحريف والبطلان وهو الذي قد فرق السبعين بل ... زادت ثلاثا قول ذي البرهان وهو الذي قتل الخليفة جامع ... القرآن ذا النورين والإحسان وهو الذي قتل الخليفة بعده ... أعني عليا قاتل الأقران وهو الذي قتل الحسين وأهله ... فغدوا عليه ممزقي اللحمان(1\/111)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "120",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15153",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو الذي في يوم حربهم أبا ... ح حمى المدينة معقل الإيمان حتى جرت تلك الدماء كأنها ... في يوم عيد سنة القربان وغدا له الحجاج يسفكها ... ويقتل صاحب الإيمان والقرآن وجرى بمكة ما جرى من أجله ... من عسكر الحجاج ذي العدوان وهو الذي أنشأ الخوارج مثل إنشـ ... ـاء الروافض أخبث الحيوان ولأجله شتموا خيار الخلق بغـ ... ـد الرسل بالعدوان والبهتان ولأجله سل البغاة سيوفهم ... ظنا بأنهم ذوو إحسان ولأجله قد قال أهل الاعتزا ... ل مقالة هدت قوى الإيمان ولأجله قالوا بأن كلامه ... سبحانه خلق من الأكوان ولأجله قد كذبت بقضائه ... شبه المجوس العابدي النيران ولأجله قد خلدوا أهل الكبا ... ئر في الجحيم كعابدي الأوثان ولأجله قد أنكروا لشفاعة الـ ... ـمختار فيهم غاية النكران ولأجله ضرب الإمام بسوطهم ... صديق أهل السنة الشيباني ولأجله قد قال جهم ليس رب ... العرش خارج هذه الأكوان كلا ولا فوق السموات العلى ... والعرش من رب ولا رحمن ما فوقها رب يطاع جباهنا ... تهوي له بسجود ذي خضعان ولأجله جحدت صفات كماله ... والعرش أخلوه من الرحمن ولأجله أفنى الجحيم وجنة الـ ... ـمأوى مقالة كاذب فتان ولأجله قالوا الإله معطل ... أزلا بغير نهاية وزمان(1\/112)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "121",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15154",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولأجله قد قال ليس لفعله ... من غاية هي حكمة الديان ولأجله قد كذبوا بنزوله ... نحو السماء بنصف ليل ثان ولأجله زعموا الكتاب عبارة ... وحكاية عن ذلك القرآن ما عندنا شيء سو المخلوق والـ ... ـقرآن لم يسمع من الرحمن ماذا كلام الله قط حقيقة ... لكن مجاز ويح ذا البهتان ولأجله قتل ابن نصر أحمد ... ذاك الخزاعي العظيم الشان إذ قال ذا القرآن نفس كلامه ... ما ذاك مخلوق من الأكوان وهو الذي جر ابن سينا والألى ... قالوا مقالته على الكفران فتأولوا خلق السموات العلى ... وحدوثها بحقيقة الإمكان وتأولوا علم الإله وقوله ... وصفاته بالسلب والبطلان وتأولوا البعث الذي جاءت به ... رسل الإله لهذه الأبدان بفراقها لعناصر قد ركبت ... حتى تعود بسيطة الأركان وهو الذي جر القرامطة الألى ... يتأولون شرائع الإيمان فتأولوا العملي مثل تأويل العـ ... ـلمي عندكم بلا فرقان وهو الذي جر النصير وحزبه ... حتى أتوا بعساكر الكفران فجرى على الإسلام أعظم محنة ... وخمارها فينا إلى ذا الآن وجميع ما في الكون من بدع وأحـ ... ـداث تخالف موجب القرآن فأساسها التأويل ذو البطلان لا ... تأويل أهل العلم والإيمان(1\/113)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "122",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15155",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذ ذاك تفسير المراد وكشفه ... وبيان معناه إلى الأذهان قد كان أعلم خلقه بكلامه ... صلى عليه الله كل أوان يتأول القرآن عند ركوعه ... وسجوده تأويل ذي برهان هذا الذي قالته أم المؤمنـ ... ـين حكاية عنه لها بلسان فانظر إلى التأويل ما تعني به ... خير النساء وأفقه النسوان أتظنها تعني به صرفا عن ال ... معنى القوي لغير ذي الرجحان وانظر إلى التأويل حين يقـ ... ـول علمه لعبد الله في القرآن ماذا أراد به سوى تفسيره ... وظهور معناه ليه ببيان قول ابن عباس هو التأويل لا ... تأويل جهمي أخي بهتان وحقيقة التأويل معناه الرجو ... ع إلى الحقيقة لا إلى البطلان وكذاك تأويل المنام حقيقة الـ ... ـمرئي لا التحريف بالبهتان وكذاك تأويل الذي قد أخبرت ... رسل الإله به من الإيمان لا خلف بين أئمة التفسير في ... هذا وذلك واضح البرهان نفس الحقيقة إذ تشاهدها لدى ... يوم المعاد برؤية وعيان هذا كلام الله ثم رسوله ... وأئمة التفسير للقرآن تأويله هو عند تفسيره ... بالظاهر المفهوم للأذهان ما قال منهم قط شخص واحد ... تأويله صرف عن الرحجان كلا ولا نفي الحقيقة لا ولا ... عزل النصوص عن اليقين فذان(1\/114)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "123",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15156",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تأويل أهل الباطل المردود عنـ ... ـد أئمة العرفان والإيمان وهو الذي لا شك في بطلانه ... والله يقضي فيه بالبطلان فجعلتم للفظ معنى غير ... معناه لديهم باصطلاح ثان وحملتم الكتاب عليه حتى ... جاءكم من ذاك محذوران كذب على الألفاظ مع كذب على ... من قالها كذبان مقبوحان وتلاهما أمران أقبح منهما ... جحد الهدى وشهادة البهتان إذ يشهدون الزور أن مراده ... غير الحقيقة وهي ذو بطلان(1\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "124",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15157",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: فيما يلزم مدعي التأويل لتصحيح دعواه",
        "content": "فصل: فيما يلزم مدعي التأويل لتصحيح دعواه وعليكم في ذا وظائف أربع ... والله ليس لكم بهن يدان منها دليل صارف للفظ عن ... موضوعه الأصلي بالبرهان إذ مدعي نفس الحقيقة مدع ... للأصل لم يحتج إلى برهان فإذا استقام لكم دليل الصرف يا ... هيهات طولبتم بأمر ثان وهو احتمال اللفظ للمعنى الذي ... قلتم هو المقصود بالتبيان فإذا أتيتم ذاك طولبتم بأمر ... ثالث من بعد هذا الثان إذ قلتم إن المراد كذا فما ... ذا دلكم أتخرص الكهان(1\/115)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "125",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15158",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هب أنه لم يقصد الموضوع لكـ ... ـن قد يكون القصد معنى ثان غير الذي عنيتموه وقد يكو ... ن اللفظ مقصودا بدون معان كتعبد وتلاوة ويكون ذا ... ك القصد أنفع وهو ذو إمكان من قصد تحريف لها يسمى بتأ ... ويل مع الإتعاب للأذهان والله ما القصدان في حد سوا ... في حكمة المتكلم المنان بل حكمة الرحمن تبطل قصـ ... ـده التحريف حاشا حكمة الرحمن وكذاك تبطل قصده إنزالها ... من غير معنى واضح التبيان وهما طريقا فرقتين كلاهما ... عن مقصد القرآن منحرفان(1\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "126",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15159",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في طريقة ابن سينا وذويه من الملاحدة في التأويل",
        "content": "فصل: في طريقة ابن سينا وذويه من الملاحدة في التأويل وأتى ابن سينا بعد ذا بطريقة ... أخرى ولم يأنف من الكفران قال المراد حقائق الألفاظ تخييـ ... ـلا وتقريبا إلى الأذهان عجزت عن الإدراك للمعقول ... إلا في مثال الحس كالصبيان كي يبرز المعقول في صور من الـ ... ـمحسوس مقبولا لدى الأذهان فتسلط التأويل أبطال لهذا ... القصد وهو جناية من جان قد قاله مع نفيه ... لحقائق الألفاظ في الأذهان(1\/116)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "127",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15160",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وطريقة التأويل أيضا قد غدت ... مشتقة من هذه الخلجان وكلاهما اتفقا على أن الحقيقـ ... ـة منتف مضمونها ببيان لكن قد اختلفا فعند فريقكم ... ما إن أريدت قط بالتبيان لكن عندهم أريد ثبوتا ... في الذهن إذ عدمت من الإحسان إذ ذاك مصلحة المخاطب عندهم ... وطريقة البرهان أمر ثان فكلاهما ارتكبا أشد جناية ... جنيت على القرآن والإيمان جعلوا النصوص لأجلها غرضا لهم ... قد خرقوه بأسهم الهذيان وتسلط الأوغاد والأوقاح ... والأرذال بالتحريف والبهتان كل إذا قابلته بالنص قا ... بله بتأويل بلا برهان ويقول تأويلي كتأويل الـ ... ـذين تأولوا فوقية الرحمن بل دونه فظهورها في الوحي بالنصـ ... ـين مثل الشمس في التبيان أيسوغ تأويل العلو لكم ولا ... تتأولوا الباقي بلا فرقان وكذاك تأويل الصفات مع أنها ... ملء الحديث وملء ذا القرآن والله تأويل العلو أشد من ... تأويلنا لقيامة الأبدان وأشد من تأويلنا لحياته ... ولعلمه بمشيئة الأكوان وأشد من تأويلنا لحدوث هـ ... ـذا العالم المحسوس بالإمكان وأشد من تأويلنا بعض الشرا ... ئع عند ذي الإنصاف والميزان وأشد من تأويلنا لكلامه ... بالفيض من فعال ذي الأكوان(1\/117)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "128",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15161",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأشد من تأويل أهل الرفض أخبار ... الفضائل حازها الشيخان وأشد من تأويل كل مؤول ... نصا بأن مراده الوحيان إذ صرح الوحيان مع كتب الإله ... جميعها بالفوق للرحمن فلأي شيء نحن كفار بهذا ... التأويل بل أنتم على الإيمان إنا تأولنا وأنتم قد تأو ... لتم فهاتوا أوضح الفرقان ألكم على تأويلكم أجران ... حيث لنا على تأويلنا وزران هذي مقالتهم لكم في كتبهم ... منها نقلناها بلا عدوان ردوا عليهم إن قدرتم أو ... فنحوا على طريق عساكر الإيمان لا تحطمنكم جنودهم كحطم ... السيل ما لاقى من الديدان وكذا نطالبكم بأمر رابع ... والله ليس لكم بذا إمكان وهو الجواب عن المعارض ... إذ به الدعوى تتم سليمة الأركان لكن ذا عين المحال ولو يسا ... عدكم عليه رب كل لسان فأدلة الإثبات حقا لا يقو ... م لها الجبال وسائر الأكوان تنزيل رب العالمين ووحيه ... مع فطرة الرحمن والبرهان أنى يعارضها كناسة هذه ... الأذهان بالشبهات والهذيان وجعاجع وفراقع ما تحتها ... إلا السراب لوارد ظمآن فلتهنكم هذي العلوم اللاء قد ... ذخرت لكم عن تابع الإحسان(1\/118)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "129",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15162",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بل عن مشايخهم جميعا ثم ... وفقتم لها من بعد طول زمان والله ما ذخرت لكم لفضيلة ... لكم عليهم يا أولي النقصان لكن عقول القوم كانت فوق ذا ... قدرا وشأنهم فأعظم شان وهم أجل وعلمهم أعلى وأشرف ... أن يشاب بزخرف الهذيان فلذاك صانهم الإله عن الذي ... فيه وقعتم صون ذي إحسان سميتم التحريف تأويلا كذا ... التعطيل تنزيها هما لقبان وأضفتم أمرا إلى ذا ثالثا ... شر وأقبح منه ذا بهتان فجعلتم الإثبات تجسيما ... وتشبيها وذا من أصبح العدوان فقلبتم تلك الحقائق مثل ما ... قلبت قلوبكم عن الإيمان وجعلتم الممدوح مذموما كذا ... بالعكس حتى استكمل اللبسان وأردتم أن تحمدوا بالاتبا ... ع نعم لكن لمن يا فرقة البهتان وبغيتم أن تنسبوا للابتدا ... ع عساكر الآثار والقرآن وجعلتم الوحيين غير مفيدة ... للعلم والتحقيق والبرهان لكن عقول الناكبين عن الهدى ... لهما تفيد ومنطق اليونان وجعلتم الإيمان كفرا والهدى ... عين الضلال وذا من الطغيان ثم استحقيتم عقولا ما أرا ... د الله أن تزكوا على القرآن حتى استجابوا مهطعين لدعوة ... التعطيل قد هربوا من الإيمان يا ويحهم لو يشعرون بمن دعا ... ولما دعا قعدوا قعود جبان(1\/119)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "130",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15163",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في شبه المحرفين للنصوص باليهود وإرثهم التحريف منهم وبراءة أهل الإثبات مما رموهم به من هذا الشبه",
        "content": "فصل: في شبه المحرفين للنصوص باليهود وإرثهم التحريف منهم وبراءة أهل الإثبات مما رموهم به من هذا الشبه هذا وثم بلية مستورة ... فيهم سأبديها لكم ببيان ورث المحرف من يهود وهم ... أولو التحريف والتبديل والكتمان فأراد ميراث الثلاثة منهم ... فعصت عليه غاية العصيان إذ كان لفظ النص محفوظا ... فما التبديل والكتمان في الإمكان فأراد تبديل المعاني إذ هي ... المقصود من تعبير كل لسان فأتى إليها وهي بارزة من الـ ... ألفاظ ظاهرة بلا كتمان فنفى حقائقها وأعطى لفظها ... معنى سوى موضوعه الحقاني فجنى على المعنى جناية جاحد ... وجنى على الألفاظ بالعدوان وأتى إلى حزب الهدى أعطاهم ... شبه اليهود وذا من البهتان إذ قال إنهم مشبهة وأنتم ... مثلهم فمن الذي يلحاني في هتك أستار اليهود وشبههم ... من فرقة التحريف للقرآن يا مسلمون بحق ربكم اسمعوا ... قولي وعوه وعي ذي عرفان ثم احكموا من بعد من هذا الذي ... أولى بهذا الشبه بالبرهان(1\/120)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "131",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15164",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أمر اليهود بأن يقولوا حطة ... فأبوا وقالوا حنطة لهوان وكذلك الجهمي قيل له استوى ... فأبى وزاد الحرف للنقصان قال استوى استولى وذا من جهله ... لغة وعقلا ما هما سيان عشرون وجها تبطل التأويل باسـ ... تولى فلا تخرج عن القرآن قد أفردت بمصنف هو عندنا ... تصنيف حبر عالم رباني ولقد ذكرنا أربعين طريقة ... قد أبطلت هذا بحسن بيان هي في الصواعق إن ترد تحقيقها ... لا تختفي إلا على العميان نون اليهود ولام الجهمي هما ... في وحي رب العرش زائدتان وكذلك الجهمي عطل وصفه ... ويهود قد وصفوه بالنقصان فهما إذا في نفيهم لصفاته ... العليا كما بينته أخوان(1\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "132",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15165",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في بيان بهتانهم في تشبيه أهل الإثبات بفرعون وقولهم إن مقالة العلو عنه أخذوها وأنهم أولى بفرعون وهم أشباهه",
        "content": "فصل: في بيان بهتانهم في تشبيه أهل الإثبات بفرعون وقولهم إن مقالة العلو عنه أخذوها وأنهم أولى بفرعون وهم أشباهه ومن العجائب قولهم فرعون مذ ... هبه العلو وذاك في القرآن(1\/121)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "133",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15166",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولذاك قد طلب الصعود إليه ... بالصرح الذي قد رام من هامان هذا رأيناه بكتبهم ومن ... أفواههم سمعا إلى الآذان فاسمع إذا من ذا الذي أولى بفر ... عون المعطل جاحد الرحمن وانظر إلى من قال موسى كاذب ... حين ادعى فوقية الرحمن فمن المصائب أن فرعونيكم ... أضحى يكفر صاحب الإيمان ويقول ذاك مبدل للدين سا ... ع بالفساد وذا من البهتان إن الموروث ذا لهم فرعون ... حين رمى به المولود من عمران فهو الإمام لهم وما فيهم ... بمتبوع يقودهم إلى النيران هو أنكر الوصفين وصف الفوق ... والتكليم إنكارا على البهتان آذ قصده إنكار ذات الرب ... فالتعطيل مرقاة لذا النكران وسواه جاء بسلم وبآلة ... وأتى بقانون على بنيان وأتى بذاك مفكرا ومقدرا ... ورث الوليد لعابد الأوثان وأتى إلى التعطيل من أبوابه ... لا من ظهور الدار والجدران وأتى به في قالب التنزيه والتـ ... ـعظيم تلبيسا على العميان وأتى إلى وصف العلو فقال ذا التـ ... ـجسيم ليس يليق بالرحمن فاللفظ قد أنشأه من تلقائه ... وكساه وصف الواحد المنان والناس كلهم صبي العقل لم ... يبلغ ولو كانوا من الشيخان إلا أناسا سلموا للوحي هم ... أهل البلوغ وأعقل الإنسان(1\/122)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "134",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15167",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأتى إلى الصبيان فانقادوا له ... كالشاء إذ تنقاد للجوبان فانظر إلى عقل صغير في يدي ... شيطان ما يلقى من الشيطان(1\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "135",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15168",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في بيان تدليسهم وتلبيسهم الحق بالباطل",
        "content": "فصل: في بيان تدليسهم وتلبيسهم الحق بالباطل قالوا إذا قال المجسم ربنا ... حقا على العرش استوى بلسان فسلوه كم للعرش معنى واستوى ... أيضا له في الوضع خمس معان وعلى فكم معنى لها أيضا لدى ... عمرو فداك إمام هذا الشان بين لنا تلك المعاني والذي ... منها أريد بواضح التبيان فاسمع فذاك معطل هذي الجعا ... جع ماالذي فيها من الهذيان قل للمجعجع ويحك اعقل ذا الذي ... قد قلته إن كنت ذا عرفان العرش عرش الرب جل جلاله ... واللام للمعهود في الأذهان ما فيه إجمال ولا هو موهم ... نقل المجاز ولا له وضعان ومحمد والأنبياء جميعهم ... شهدوا به للخالق الرحمن منهم عرفناه وهم عرفوه من ... رب عليه قد استوى ديان لم تفهم الأذهان منه سرير ... بلقيس ولا بيتا على الأركان كلا ولا عرشا على بحر ولا ... عرشا لجبريل بلا بنيان كلا ولا العرش الذي إن ثل من ... عبد هوى تحت الحضيض الداني(1\/123)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "136",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15169",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كلا ولا عرش الكروم وهذه ... الأعناب في حرث وفي بستان لكنها فهمت بحمد الله عر ... ش الرب فوق جميع ذي الأكوان وعليه رب العالمين قد استوى ... حقا كما قد جاء في القرآن وكذا استوى الموصول بالحرف الذي ... ظهر المراد به ظهور بيان لا فيه إجمال ولا هو مفهم ... للاشتراك ولا مجاز ثان تركيبه مع حرف الاستعلاء نص ... في العلو بوضع كل لسان فإذا تركب مع إلى فالقصد مع ... معنى العلو لوضعه ببيان وإلى السماء قد استوى فمقيد ... بتمام صنعتها مع الإتقان لكن على العرش استوى هو مطلق ... من بعدها قد تم بالأركان لكنما الجهمي يقصر فهمه ... عن ذا فتلك مواهب المنان فإذا اقتضى واو المعية كان ... معناه استوى متقدم والثاني فإذا أتى من غير حرف كان ... معناه الكمال فليس ذا نقصان لا تلبسوا بالباطل الحق الذي ... قد بين الرحمن وفي الفرقان وعلا للاستعلاء فهي حقيقة ... فيه لدى أرباب هذا الشان وكذلك الرحمن جل جلاله ... لم يحتمل معنى سوى الرحمن يا ويحه بعماه لو وجد اسمه الر ... حمن محتملا لخمس معان لقضى بأن اللفظ لا معنى له ... إلا التلاوة عندنا بلسان فلذاك قال أئمة الإسلام في ... معناه ما قد ساءكم ببيان(1\/124)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "137",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15170",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولقد أحلناكم على كتب لهم ... هي عندنا والله بالكيمان(1\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "138",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15171",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في بيان سبب غلطهم في الألفاظ والحكم عليها باحتمال عدة معان حتى أسقطوا الاستدلال بها",
        "content": "فصل: في بيان سبب غلطهم في الألفاظ والحكم عليها باحتمال عدة معان حتى أسقطوا الاستدلال بها واللفظ منه مفرد ومركب ... في الاعتبار فما هما سيان واللفظ في التركيب نص في الذي ... قصد المخاطب منه في التبيان أو ظاهر فيه وذا من حيث ... نسبته إلى الأفهام والأذهان فيكون نصا عند طائفة وعند ... سواهم هو ظاهر التبيان ولدى سواهم مجمل لم يتضح ... لهم المراد به اتضاح بيان فالأولون لإلفهم ذاك الخطا ... ب وإلفهم معناه طول زمان طال المراس لهم لمعناه كما ... اشتدت عنايتهم بذاك الشان والعلم منهم بالمخطاب إذ هم ... أولى به من سائر الإنسان ولهم أتم عناية بكلامه ... وقصوده مع صحة العرفان فخطابه نص لديهم قاطع ... فيما أريد به من التبيان لكن من هو دونهم في ذاك لم ... يقطع بقطعهم على البرهان ويقول يظهر ذا وليس بقاطع ... في ذهنه ولا سائر الأذهان(1\/125)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "139",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15172",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولإلفه بكلام من هو مقتد ... بكلامه من عالم الأزمان هو قاطع بمراده وكلامه ... نص لديه واضح التبيان والفتنة العظمى من المتسلق ... المخدوع ذي الدعوى أخي الهذيان لم يعرف العلم الذي فيه الكلا ... م ولا له إلف بهذا الشان لكنه منه غريب ليس من ... سكانه كلا ولا الجيران فهو الزنيم دعي قوم لم يكن ... منهم ولم يصحبهم بمكان وكلامهم أبدا لديه مجمل ... وبمعزل عن إمرة الإيقان نشد التجارة بالزيوف يخالها ... نقدا صحيحا وهو ذو بطلان حتى إذا ردت إليه ناله ... من ردها خزي وسوء هوان فأراد تصحيحا لها إذ لم يكن ... نقد الزيوف يروج في الأثمان ورأى استحالة ذا بدون الطعن في ... باقي النقود فجاء بالعدوان واستعوض الثمن الصحيح بجهله ... وبظلمه يبغيه بالبهتان عوجا ليسلم نقده بين الورى ... ويروج فيهم كامل الأوزان والناس ليسوا أهل نقد للذي ... قد قيل إلا الفرد في الأزمان والزيف بينهم هو النقد الذي ... قد راج في الأسفار والبلدان إذ هم قد اصطلحوا عليه وارتضوا ... بجوازه جهرا بلا كتمان فإذا أتاهم غيره ولو أنه ... ذهب مصفى خالص العقيان ردوه واعتذروا بأن نقودهم ... من غيره بمراسم السلطان(1\/126)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "140",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15173",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا تعاملنا بنقد غيره ... قطعت جوامكنا من الديون والله منهم قد سمعنا ذا ولم ... نكذب عليهم ويح ذي البهتان يا من يريد تجارة تنجيه من ... غضب الإله وموقد النيران وتفيده الأرباح بالجنات ... والحور الحسان ورؤية الرحمن في جنة طابت ودام نعيمها ... ما للفناء عليه من سلطان هيئ لها ثمنا يباع بمثلها ... لا تشترى بالزيف من أثمان نقدا عليه سكة نبوية ... ضرب المدينة أشرف البلدان أظننت يا مغرور بائعها الذي ... يرضى بنقد ضرب جنكيز خان منتك والله المحال النفس أن ... طمعت بذا وخدعت بالشيطان فاسمع إذا سبب الضلال ومنشأ ... التخليط إذ يتناظر الخصمان يحتج باللفظ لمركب عارف ... مضمونه بسياقه لبيان واللفظ حين يساق بالتركيب ... محفوف به للفهم والتبيان جند ينادى بالبيان عليه ... مثل ندائنا بإقامة وأذان كي يحصل الإعلام بالمقصود من ... إيراده ويصير في الأذهان فيفك تركيب الكلام معاند ... حتى يقلقله من الأركان ويروم منه لفظة قد حملت ... معنى سواها في كلام ثان فيكون دبوس الشقاق وعدة ... للدفع فعل الجاهل الفتان فيقول هذا مجمل واللفظ محتمل ... وذا من أعظم البهتان(1\/127)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "141",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15174",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبذاك يفسد كل علم في الورى ... والفهم من خبر ومن قرآن إذ أكثر الألفاظ تقبل ذاك في الـ ... ـإفراد قبل العقد والتبيان لكن إذا ما ركبت زال الذي ... قد كان محتملا لدى الوحدان فإذا تجرد كان محتملا لغير ... مراده أو في كلام ثان لكن ذا التجريد ممتنع فإن ... يفرض يكن لا شك في الأذهان والمفردات بغير تركيب كمثل ... الصوت تنعقه بتلك الضان وهنالك الإجمال والتشكيك ... والتجهيل والتحريف والإتيان بالبطلان فإذا هم فعلوه راموا نقله ... لمركب قد حف بالتبيان وقضوا على التركيب بالحكم الذي ... حكموا به للمفرد الوحداني جهلا وتجهيلا وتدليسا ... وتلبيسا وترويجا على العميان(1\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "142",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15175",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في بيان شبه غلطهم في تجريد اللفظ بغلط الفلاسفة في تجريد المعاني",
        "content": "فصل: في بيان شبه غلطهم في تجريد اللفظ بغلط الفلاسفة في تجريد المعاني هذا هداك الله من إضلالهم ... وضلالهم في منطق الإنسان كمجردات في الخيل وقد بنى ... قوم عليها أوهن البنيان ظنوا بأن لها وجودا خارجا ... ووجودها لو صح في الأذهان(1\/128)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "143",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15176",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أنى وتلك مشخصات حصلت ... في صورة جزئية بعيان لكنها كلية إن طابقت ... أفرادها كاللفظ في الميزان يدعونه الكلي وهو معين ... فرد كذا في المعنى هما سيان متجردا في الذهن أو في خارج ... عن كل قيد ليس في الإمكان لا الذهن يعقله ولا هو خارج ... هو كالخيال لطيفه السكران لكن تجردها المقيد ثابت ... وسواه ممتنع بلا إمكان فتجرد الأعيان عن وصف وعن ... وضع وعن وقت لها ومكان فرض من الأذهان يفرضه كفر ... ض المستحيل هما لها فرضان الله أكبر كم دهى من فاضل ... هذا التجرد من قديم زمان تجريد ذي الألفاظ عن تركيبها ... وكذاك تجريد المعاني الثاني والحق أن كليهما في الذهن مفـ ... ـروض فلا تحكم عليه وهو في الأذهان فيقودك الخصم المعاند بالذي ... سلمته للحكم في الأعيان فعليك بالتفصيل إن هم أطلقوا ... أو أجملوا فعليك بالتبيان(1\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "144",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15177",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في بيان تناقضهم وعجزهم عن الفرق بين ما يجب تأويله وما لا يجب",
        "content": "فصل: في بيان تناقضهم وعجزهم عن الفرق بين ما يجب تأويله وما لا يجب وتمسكوا بظواهر المنقول عن ... أشياخهم كتمسك العميان(1\/129)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "145",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15178",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأبو بأن يتمسكوا بظواهر ... النصين واعجبا من الخذلان قول الشيوخ محرم تأويله ... إذ قصدهم للشرح والتبيان فإذا تأولنا عليهم كان إبطـ ... ـالا لما راموا بلا برهان فعلى ظواهرها تمر نصوصهم ... وعلى الحقيقة حملها لبيان يا ليتهم أجروا نصوص الوحي ... ذا المجرى من الآثار والقرآن بل عندهم تلك النصوص ظواهر ... لفظية عزلت عن الإيقان لم تغن شيئا طالب الحق الذي ... يبغي الدليل ومقتضى البرهان فانظر إلى الأعراف ثم ليوسف ... والكهف وافهم مقتضى القرآن وسطوا على الوحيين بالتحريف إذ ... سموه تأويلا بوضع ثان فإذا مررت بآل عمران فهمـ ... ـت القصد فهم موفق رباني وعلمت أن حقيقة التأويل تبـ ... ـين الحقيقة لا المجاز الثاني ورأيت تأويل النفاة مخالفا ... لجميع هذا ليس يجتمعان اللفظ هم أنشوا له معنى بذا ... ك الاصطلاح وذاك أمر دان وأتو إلى الإحاد في الأسماء ... والتحريف للألفاظ بالبهتان فكسوه هذا اللفظ تلبيسا وتد ... ليسا على العميان والعوران فاستن كل منافق ومكذب ... من باطني قرمطي جان في ذا بسنتهم وسمى جحده ... للحق تأويلا بلا فرقان وأتى بتأويل كتأويلاتهم ... شبرا بشبر صارخا بأذان(1\/130)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "146",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15179",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنا تأولنا كما أولتم ... فأتوا نحاكمكم إلى الوزان في الكفتين نحط تأويلاتنا ... وكذاك تأويلاتكم بوزان هذا وقد أقررتم أنا بأيـ ... ـدينا صريح العدل والميزان وغدوتم فيه تلاميذا لنا ... أو ليس ذلك منطق اليونان منا تعلمتم ونحن شيوخكم ... لا تجحدونا منة الإحسان فسلوا مباحثكم سؤال تفهم ... وسلوا القواعد ربة الأركان من أين جاءتكم وأين أصولها ... وعلى يدي من يا أولي النكران فلأي شيء نحن كفار ... وأنتم مؤمنون ونحن متفقان إن النصوص أدلة لفظية ... لم تفض قط بنا إلى إيقان فلذاك حكمنا العقول وأنتم ... أيضا كذاك فنحن مصطلحان فلأي شيء قد رميتم بيننا ... حرب الحروب ونحن كالإخوان الأصل معقول ولفظ الوحي معـ ... ـزول ونحن وأنتم صنوان لا بالنصوص نقول نحن وأنتم ... أيضا كذاك فنحن مصطلحان فذروا عداوتنا فإن وراءنا ... ذاك العدو الثقل ذي الأضغان فهم عدوكم وهم أعداؤنا ... فجميعنا في حربهم سيان تلك المجسمة الألى قالوا بأن ... الله فوق جميع ذي الأكوان وإليه يصعد قولنا وفعالنا ... وإليه ترقى روح ذي الإيمان وإليه قد عرج الرسول حقيقة ... وكذا ابن مريم مصعد الأبدان وكذاك قالوا إنه بالذات فو ... ق العرش قدرته بكل مكان(1\/131)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "147",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15180",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذاك ينزل كل آخر ليلة ... نحو السماء فها هنا جهتان للابتداء والانتهاء وذان للأ ... جسام أين الله من هذان وكذاك قالوا إنه متكلم ... قام الكلام به فيا إخوان أيكون ذاك بغير حرف أم بلا ... صوت فهذا ليس في الإمكان وكذلك قالوا ما حكينا عنهم ... من قبل قول مشبه الرحمن فذروا الحراب لنا وشدوا كلنا ... جمعا عليهم حملة الفرسان حتى نسوقهم بأجمعنا إلى ... وسط العرين ممزقي اللحمان فلقد كوونا بالنصوص وما لنا ... بلقائها أبد الزمان يدان كم ذا يقال الله قال رسوله ... من فوق أعناق لنا وبنان إذ نحن قلنا أرسطو المعـ ... ـلم أولا أو قال ذاك الثاني وكذاك إن قلنا ابن سينا قال ذا ... أو قاله الرازي ذو التبيان قالوا لنا قال الرسول وقال في ... القرآن كيف الدفع للقرآن وكذاك أنتم منهم أيضا بهذا ... المنزل الضنك الذي تريان إن جئتموهم بالعقول أتوكم ... بالنص من أثر ومن قرآن فتحالفوا إنا عليهم كلنا ... حزب ونحن وأنتم سلمان فإذا فرغنا منهم فخلافنا ... سهل فنحن وأنتم إخوان فالعرش عند فريقنا وفريقكم ... ما فوقه أحد بلا كتمان ما فوقه شيء سوى العدم الذي ... لا شيء في الأعيان والأذهان(1\/132)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "148",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15181",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما الله موجود هناك وإنما ... العدم لمحقق فوق ذي الأكوان والله معدوم هناك حقيقة ... بالذات عكس مقالة الديصان هذا هو التوحيد عند فريقنا ... وفريقكم وحقيقة العرفان وكذا جماعتنا على التحقيق ... في التوراة والإنجيل والفرقان ليست كلام الله بل فيض من ... الفعال أو خلق من الأكوان فالأرض ما فيها له قول ولا ... فوق السما للخلق من ديان بشر أتى بالوحي وهو كلامه ... في ذاك نحن وأنتم مثلان ولذاك قلنا إن رؤيتنا له ... عين المحال وليس في الإمكان وزعمتم أنا نراه رؤية المعدوم ... لا الموجود في البرهان إذ كل مرئي يقوم بنفسه ... أو غيره لا بد في البرهان من أن يقابل من يراه حقيقة ... من غير بعد مفرط وتدان ولقد تساعدنا على إبطال ذا ... أنتم ونحن فما هنا قولان أما البلية فهي قول مجسم ... قال القران بدا من الرحمن هو قوله وكلامه منه بدا ... لفظا ومعنى ليس يفترقان سمع الأمين كلامه منه وأد ... اه بالى المختار من إنسان فله الأداء كما الأدا لرسوله ... والقول قول الله ذي السلطان هذا الذي قلنا وأنتم إنه ... عين المحال وذاك ذو بطلان فإذا تساعدنا جميعا أنه ... ما بيننا لله من قرآن(1\/133)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "149",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15182",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلا كبيت الله إضافة المخلوق ... لا الأوصاف للديان فعلام هذا الحرب فيما بيننا ... مع ذا الوفاق ونحن مصطلحان فإذا أبيتم سلمنا فتحيزوا ... لمقالة التجسيم بالإذعان عودوا مجسمة وقولوا ديننا الـ ... إثبات دين مشبه الديان أو لا فلا منا ولا منهم وذا ... شأن المنافق إذ له وجهان هذا يقول مجسم وخصومه ... ترميه بالتعطيل والكفران هو قائم هو قاعد هو جاحد ... هو مثبت تلقاه ذا ألوان يوما بتأويل يقول وتارة ... يسطو على التأويل بالنكران(1\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "150",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15183",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في المطالبة بالفرق بين ما يتأول وما لا يتأول",
        "content": "فصل: في المطالبة بالفرق بين ما يتأول وما لا يتأول فنقول فرق بين ما أولته ... ومنعته تفريق ذي برهان فيقول ما يفضي إلى التجسيم ... أولناه من خبر ومن قرآن كالاستواء مع التكلم هكذا ... لفظ النزول وكذاك لفظ يدان إذا هذه أوصاف جسم محدث ... لا ينبغي للواحد المنان فنقول أنت وصفته أيضا بما ... يفضي إلى التجسيم والحدثان فوصفته بالسمع والإبصار مع ... نفس الحياة وعلم ذي الأكوان(1\/134)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "151",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15184",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ووصفته بمشيئة مع قدرة ... وكلامه النفسي وهو معان أو واحد والجسم حامل هذه الأ ... وصاف حقا فأت بالفرقان بين الذي يفضي إلى التجسيم أو ... لا يقتضيه بواضح البرهان والله لو نشرت شيوخك كلهم ... لم يقدرةا أبدا على الفرقان(1\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "152",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15185",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في ذكر فرق لهم آخر وبيان بطلانه",
        "content": "فصل: في ذكر فرق لهم آخر وبيان بطلانه فلذاك قال زعيمهم في نفسه ... فرقا سوى هذا الذي تريان هذي الصفات عقولنا دلت على ... إثباتها مع ظاهر القرآن فلذاك صناها عن التأويل فاعجب ... يا أخا التحقيق والعرفان كيف اعتراف القوم أن عقولهم ... دلت على التجسيم بالبرهان فيقال هل في العقل تجسيم ... أم المعقول ننفيه كذا النقصان إن قلتم ننفيه فانفوا هذه ... الأوصاف وانسلخوا من القرآن أو قلتم ننفيه باثبات له ... ففراركم منها لأي معان أو قلتم ننفيه في صف ولا ... ننفيه في وصف بلا برهان فيقال ما الفرقان بينهما ... وما البرهان فأتوا الآن بالفرقان ويقال قد شهد العيان بأنه ... ذو حكمة وعناية وحنان(1\/135)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "153",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15186",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مع رأفة ومحبة لعباده ... أهل الوفاء وتابعي القرآن ولذاك خصوا بالكرامة ... دون أعداء الإله وشيعة الكفران وهو الدليل لنا على غضب ... وبغض منه مع مقت لذي العصيان والنص جاء بهذه الأوصاف مع ... مثل الصفات السبع في القرآن ويقال سلمنا بأن العقل لا ... يفضي إليها فهي في الفرقان أفنفي آحاد الدليل يكون للمـ ... ـدلول نفيا يا أولي العرفان أو نفي مطلقه يدل على انتفا ... المدلون في عقل وفي قرآن أفبعد ذا الإنصاف ويحكمو سوى ... محض العناد ونخوة الشيطان وتحيز منكم إليهم لا إلى القـ ... ـرآن والآثار والإيمان(1\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "154",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15187",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في بيان مخالفة طريقهم لطريق أهل الاستقامة عقلا ونقلا",
        "content": "فصل: في بيان مخالفة طريقهم لطريق أهل الاستقامة عقلا ونقلا واعلم بأن طريقهم عكس الطر ... يق المستقيم لمن له عينان جعلوا كلام شيوخهم نصا له الإ ... حكام موزونا به النصان وكلام باريهم وقول رسولهم ... متشابها محتملا لمعان فتولدت من ذينك الأصلين أو ... لاد أتت للغي والبهتان إذ من سفاح لا نكاح كونها ... بئس الوليد وبئست الأبوان(1\/136)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "155",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15188",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عرضوا النصوص على كلام شيوخهم ... فكأنها جيش لذي السلطان والعزل والإبقاء مرجعه إلى الـ ... ـسلطان دون رعية السلطان وكذاك أقوال الشيوخ فإنها الـ ... ـميزان دون النص والقرآن إن وافقا قول الشيوخ فمرحبا ... أو خالفت فالدفع بالإحسان إما بتأويل فإن أعيا فتفويض ... ونتركها لقول فلان إذ قوله نص لدينا محكم ... فظواهر المنقول ذات معان والنص فهو به عليم دوننا ... وبحاله ما حيلة العميان إلا تمسكهم بأيدي مبصر ... حتى يقودهم كذي الأرسان فاعجب لعميان البصائر أبصروا ... كون المقلد صاحب البرهان ورأوه بالتقليد أولى من سوا ... هـ بغير ما بصر ولا برهان وعموا عن الوحيين إذ لم يفهموا ... معناهما عجبا لذي الحرمان قول الشيوخ أتم تبيانا من ... الوحيين لا والواحد الرحمن النقل نقل صادق والقول من ... ذي عصمة في غاية التبيان وسواه إما كاذب أو صح لم ... يك قول معصوم وذي تبيان أفيستوي النقلان يا أهل النهى ... والله لا يتماثل النقلان هذا الذي ألقى العداوة بيننا ... في الله نحن لأجله خصمان نصروا الضلالة من سفاهة رأيهم ... لكن نصرنا موجب القرآن ولنا سلوك ضد مسلكهم فما ... رحلان منا قط يلتقيان إنا أبينا أن ندين بما به ... دانوا من الآراء والبهتان(1\/137)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "156",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15189",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنا أبينا أن ندين بما به ... دانوا من الآراء والبهتان إنا عزلناها ولم نعبأ بها ... يكفي الرسول ومحكم الفرقان من لم يكن يكفيه ذان فلا كفا ... هـ الله شر حوادث الأزمان من لم يك يشفيه ذان فلا شفا ... هـ الله في قلب ولا أبدان من لم يغنيه ذان رماه رب ... العرش بالإعدام والحرمان من لم يكن يهديه ذان فلا هدا ... هـ الله سبل الحق والإيمان إن الكلام مع الكبار وليس مع ... تلك الأراذل سفلة الحيوان أوساخ هذا الخلق بل أنتانه ... جيف الوجود وأخبث الإنسان الطالبين دماء أهل العلم ... بالكفران والعدوان والبهتان الشاتمي أهل الحديث عداوة ... للسنة العليا مع القرآن جعلوا مسبتهم طعام حلوقهم ... فالله يقطعها من الأذقان كبرا وإعجابا وتيها زائدا ... وتجاوزا لمراتب الإنسان لو كان هذا من وراء كفاية ... كنا حملنا راية الشكران لكنه من خلف كل تخلف ... عن رتبة الإيمان والإحسان من لي بشبه خوارج قد كفروا ... بالذنب تأويلا بلا إحسان ولهم نصوص قصروا في فهمها ... فأتوا من التقصير في العرفان وخصومنا قد كفرونا بالذي ... هو غاية التوحيد والإيمان(1\/138)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "157",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15190",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في بيان كذبهم ورميهم أهل الحق بأنهم أشباه الخوارج وبيان شبههم المحقق بالخوارج",
        "content": "فصل: في بيان كذبهم ورميهم أهل الحق بأنهم أشباه الخوارج وبيان شبههم المحقق بالخوارج ومن العجائب أنهم قالوا لمن ... قد دان بالآثار والقرآن أنتم مثل الخوارج إنهم ... أخذوا الظواهر ما اهتدوا لمعان فانظر إلى ذا ألهبت هذا وصفهم ... نسبوا إليه شيعة الإيمان سلو على سنن الرسول وحزبه ... سيفين سيف يد وسيف لسان خرجوا عليهم مثل ما خرج الألى ... من قبلهم بالغي والعدوان والله ما كان الخوارج هكذا ... وهم البغاة أئمة الطغيان كفرتم أصحاب سنته وهم ... فساق ملته فمن يلحاني إن قلت هم خير وأهدى منكم ... والله ما الفئتان مستويان شتان بين مكفر بالسنة ... العليا وبين مكفر العصيان قلتم تأولنا كذاك تأولوا ... وكلاكما فئتان باغيتان ولكم عليهم ميزة التعطيل ... والتحريف والتبديل والبهتان ولهم عليكم ميزة الإثبات ... والتصديق مع خوف من الرحمن ألكم على تأويلكم أجران إذ ... لهم على تأويلهم وزران حاشا رسول الله من ذا الحكم بل ... أنتم وهم في حكمه سيان(1\/139)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "158",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15191",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكلاكما للنص فهو مخالف ... هذا وبينكما من الفرقان هم خالفوا نصا لنص مثله ... لم يفهموا التوفيق بالإحسان لكنكم خالفتم المنصوص ... للشبه التي هي فكرة الأذهان فلأي شيء أنتم خير وأقرب ... منهم للحق والإيمان هم قدموا المفهوم من لفظ ... الكتاب على الحديث الموجب التبيان لكنكم قدمتمو رأي الرجا ... ل عليهما أفأنتما عدلان أم هم إلى الإسلام أقرب منكم ... لاح الصباح لمن له عينان والله يحكم بينكم يوم الجزا ... بالعدل والإنصاف والميزان هذا ونحن فمنهم بل منكم ... برآء إلى من هدى وبيان فاسمع إذا قول الخوارج ثم قو ... ل خصومنا واحكم بلا ميلان من ذا الذي منا إذا أشباههم ... إن كنت ذا علم وذا عرفان قال الخوارج للرسول اعدل فلم ... عدل وما ذي قسمة الديان وكذلك الجهمي قال نظير ذا ... لكنه قد زاد في الطغيان قال الصواب بأنه استولى فلم ... قلت استوى وعدلت عن تبيان وكذلك ينزل أمره سبحانه ... لم قلت ينزل صاحب الغفران ماذا بعدل في العبارة وهي مو ... همة التحرك وانتقال مكان وكذاك قلت بأن ربك في السما ... أوهمت حيز خالق الأكوان كان الصواب بأن يقال بأنه ... فوق السما سلطان ذي السلطان(1\/140)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "159",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15192",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذاك قلت إليه يعرج والصوا ... ب إلى كرامة ربنا المنان وكذاك قلت بأن منه ينزل القـ ... ـرآن تنزيلا من الرحمن كان الصواب بأن يقال نزوله ... من لوحه أم من محل ثان وتقول أين الله ذاك الأين ممتنـ ... ـع عليه وليس في الإمكان لو قلت من كان الصواب كما ترى ... في القبر يسأل ذلك الملكان وتقول اللهم أنت الشاهد الأ ... على تشير بأصبع وبنان نحو السماء وما إشارتنا له ... حسية بل تلك في الأذهان والله ما ندري الذي نبديه في ... هذا من التأويل للإخوان قلنا لهم إن السما هي قبلة الد ... اعي كبيت الله ذي الأركان قالوا لنا هذا دليل أنه ... فوق السماء بأوضح البرهان فالناس طرا إنما يدعونه ... من فوق هذي فطرة الرحمن لا يسألون القبلة العليا ولـ ... ـكن يسألون الرب ذا الإحسان قالوا وما كانت إشارته إلى ... غير الشهيد منزل الفرقان أتراه أمسى للسما مستشهدا ... حاشاه من تحريف ذي البهتان وكذاك قلت بأنه متكلم ... وكلامه المسموع بالآذان نادى الكليم بنفسه وذاك قد ... سمع الندا في الجنة الأبوان وكذا ينادي الخلق يوم معادهم ... بالصوت يسمع صوته الثقلان أني أنا الديان آخذ حق مظـ ... ـلوم من العبد الظلوم الجاني(1\/141)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "160",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15193",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتقول إن الله قال وقائل ... وكذا يقول وليس في الإمكان قول بلا حرف ولا صوت يرى ... من غير ما شفة وغير لسان أوقعت في التشبيه والتجسيم من ... لم ينف ما قد قلت في الرحمن لو لم تقل فوق السماء ولم تشر ... بإشارة حسية ببنان وسكت عن تلك الأحاديث التي ... قد صرحت بالفوق للديان وذكرت أن الله ليس بداخل ... فينا ولا هو خارج الأكوان كنا انتصفنا من أولي التجسيم بل ... كانوا لنا أسرى عبيد هوان لكن منحتهم سلاحا كلما ... شاؤوا لنا منهم أشد طعان وغدوا بأسهمك التي أعطيتهم ... يرموننا غرضا بكل مكان لو كنت تعدل في العبارة بيننا ... ما كان يوجد بيننا رجفان هذا لسان الحال منهم وهو في ... ذات الصدور يغل بالكتمان يبدو على فلتات أنفسهم وفي ... صفحات أوجههم يرى بعيان سيما إذا قرئ الحديث عليهم ... وتلوت شاهده من القرآن فهناك بين النازعات وكورت ... تلك الوجوه كثيرة الألوان ويكاد قائلهم يصرح لو يرى ... من قابل فتراه ذا كتمان يا قوم شاهدنا رؤوسكم على ... هذا ولم نشهده من إنسان إلا وحشو فؤاده غل على ... سنن الرسول وشيعة القرآن وهو الذي في كتبهم لكن بلطف عبـ ... ـارة منهم وحسن بيان(1\/142)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "161",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15194",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يا من يظن بأننا حفنا عليـ ... ـهم كتبهم تنبيك عن ذا الشان فانظر ترى لكن نرى لك تركها ... حذرا عليك مصايد الشيطان فشباكها والله لم يعلق بها ... من ذي جناح قاصر الطيران إلا رأيت الطير في قفص الردى ... يبكي له نوح على الأغصان ويظل يخبط طالبا لخلاصه ... فيضيق عنه فرجة العيدان والذنب ذنب الطير أخلى طيب الثمـ ... ـرات في عال من الأفنان وأتى إلى تلك المزابل يبتغي الفضـ ... ـلات كالحشرات والديدان يا قوم والله العظيم نصيحة ... من مشفق وأخ لكم معوان جربت هذا كله ووقعت في ... تلك الشباك وكن ذا طيران حتى أتاح لي الإله بفضله ... من ليس تجزيه يدي ولساني حبر أتى من أرض حران فيا ... أهلا بمن جاء من حران فالله يجزيه الذي هو أهله ... من جنة المأوى مع الرضوان أخذت يداه يدي وسار فلم يرم ... حتى أراني مطلع الإيمان ورأيت أعلام المدينة حولها ... نزل الهدى وعساكر القرآن ورأيت آثارا عظيما شأنها ... محجوبة عن زمرة العميان ووردت رأس الماء أبيض صافيا ... حصباؤه كلآلئ التيجان ورأيت أكوازا هناك كثيرة ... مثل النجوم لوارد ظمآن ورأيت حوض الكوثر الصافي الذي ... لا زال يشخب فيه ميزابان(1\/143)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "162",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15195",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ميزاب سنته وقول إلهه ... وهما مدى الأيام لا ينيان والناس لا يردونه إلا من الآ ... لاف أفرادا ذوي إيمان وردوا عذاب مناهل أكرم بها ... ووردتم أنتم عذاب هوان فبحق من أعطاكم ذا العدل والإ ... نصاف والتخصيص بالعرفان من ذا على دين الخوارج بعد ذا ... أنتم أم الحشوي ما تريان والله ما أنتم لدى الحشوي ... أهلا أن يقدمكم على عثمان فضلا عن الفاروق والصديق فضـ ... ـلا عن رسول الله والقرآن والله لو أبصرتم لرأيتم الحشـ ... ـوي حامل راية الإيمان وكلام رب العالمين وعبده ... في قلبه أعلى وأكبر شان من أن يحرف عن مواضعه وأن ... يقضى له بالعزل عن إيقان ويرى الولاية لابن سينا أو أبي ... نصر أو المولود من صفوان أو من يتابعهم على كفرانهم ... أو من يقلدهم من العميان يا قومنا بالله قوموا وانظروا ... وتفكروا في السر والإعلان نظرا وإن شئتم مناظرة فمن ... مثنى على هذا ومن وحدان أي الطوائف بعد ذا أدنى إلى ... قول الرسول ومحكم القرآن فإذا تبين ذا فإما تتبعوا ... أو تعذروا أو تؤذنوا بطعان(1\/144)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "163",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15196",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في تلقيبهم أهل السنة بالحشوية وبيان من أولى بالوصف المذموم من هذا اللقب من الطائفتين وذكر أول من لقب به أهل السنة أم أهل البدعة",
        "content": "فصل: في تلقيبهم أهل السنة بالحشوية وبيان من أولى بالوصف المذموم من هذا اللقب من الطائفتين وذكر أول من لقب به أهل السنة أم أهل البدعة ومن العجائب قولهم لمن اقتدى ... بالوحي من أثر ومن قرآن حشوية يعنون حشوا في الوجو ... د وفضلة في أمة الإنسان ويظن جاهلهم بأنهم حشوا ... رب العباد بداخل الأكوان إذ قولهم فوق العباد وفي السما ... ء الرب ذو الملكوت والسلطان ظن الحمير بأن في للظرف والر ... حمن محوي بظرف مكان والله لم يسمع ندا من فرقة ... قالته في زمن من الأزمان لا تبهتوا أهل الحديث به فما ... ذا قولهم تبا لذي البهتان بل قولهم إن السموات العلى ... في كف خالق هذه الأكوان حقا كخردلة ترى في كف ... ممسكها تعالى الله ذو السطان أترونه المحصور بعد أم السما ... يا قومنا ارتدعوا عن العداون كم ذا مشبهة وكم حشوية ... فالبهت لا يخفى على الرحمن يا قوم إن كان الكتاب وسنة ... المختار حشوا فاشهدوا ببيان أنا بحمد إلهنا حشوية ... صرف بلا جحد ولا كتمان تدرون من سمت شيوخكم ... بهذا الاسم في الماضي من الأزمان(1\/145)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "164",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15197",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سمى به ابن عبيد الله عبد الله ذا ... ك ابن الخليفة طارد الشيطان فورثتم عمرا كما ورثوا لعبد ... الله أنى يستوي الإرثان تدرون من أولى بهذا الاسم وهـ ... ـو مناسب أحواله بوزان من قد حشا الأوراق والأذهان من ... بدع تخالف موجب القرآن هذا هو الحشوي لا أهل الحد ... يث أئمة الإسلام والإيمان وردوا عذاب مناهل السنن التي ... ليست زبالة هذه الأذهان ووردتم القلوط مجرى كل ذي الـ ... ـأوساخ والأقذار والأنتان وكسلتم أن تصعدوا للورد من ... رأس الشريعة خيبة الكسلان(1\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "165",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15198",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في بيان عدوانهم في تلقيب أهل القرآن والحديث بالمجسمة وبيان أنهم أولى بكل لقب خبيث",
        "content": "فصل: في بيان عدوانهم في تلقيب أهل القرآن والحديث بالمجسمة وبيان أنهم أولى بكل لقب خبيث كم ذا مشبهة مجسمة نوا ... بتة مسبة جاهل فتان أسماء سميتم بها أهل الحـ ... ـديث وناصري القرآن والإيمان سميتموهم أنتم وشيوخكم ... بهتا بها من غير ما سلطان وجعلتموها سبة لتنفروا ... عنهم كفعل الساحر الشيطان ما ذنبهم والله إلا أنهم ... أخذوا بوحي الله والفرقان وأبوا بأن يتحيزوا لمقالة ... غير الحديث ومقتضى القرآن(1\/146)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "166",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15199",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأبوا يدينوا بالذي دنتم به ... من هذه الآراء والهذيان وصفوه بالأوصاف في النصين من ... خبر صحيح ثم من قرآن إن كان ذا التجسيم عندكم فيا ... أهلا به ما فيه من نكران إنا مجسمة بحمد الله لم ... نجحد صفات الخالق الديان والله ما قال امرؤ منا بـ ... ـأن الله جسم يا أولي البهتان والله يعلم أننا في وصفه ... لم نعد ما قد قال في القرآن أو قاله أيضا رسول الله ... فهو الصادق المصدوق بالبرهان أو قاله أصحابه من بعده ... فهم النجوم مطالع الإيمان سموه تجسيما وتشبيها فلسنا ... جاحديه لذلك الهذيان بل بيننا فرق لطيف بل هو ... الفرق العظيم لمن له عينان إن الحقيقة عندنا مقصودة ... بالنص وهو مرادة التبيان لكن لديكم فهي غير مرادة ... أنى يراد محقق البطلان فكلامه فيما لديكم لا حقيـ ... ـقة تحته تبدو إلى الأذهان في ذكر آيات العلو وسائر الأ ... وصاف وهي القلب للقرآن بل قول رب الناس ليس حقيقة ... فيما لديكم يا أولي العرفان وإذا جعلتم ذا مجازا صح أن ... ينفى على الإطلاق والإمكان وحقائق الألفاظ بالعقل انتفت ... فيما زعمتم فاستوى النفيان نفي الحقيقة وانتقاء اللفظ إن ... دلت عليه فحظكم نفيان(1\/147)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "167",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15200",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونصيبنا إثبات ذاك جميعه ... لفظا ومعنى ذاك إثباتان فمن المعطل في الحقيقة غيركم ... لقب بلا كذب ولا عدوان وإذا سببتم بالمحال فسبنا ... بأدلة وحجاج ذي برهان تبدي فضائحكم وتهتك ستركم ... وتبين جهلكم مع العدوان يا بعد ما بين السباب بذاكم ... وسبابكم بالكذب والطغيان من سب بالبرهان ليس بظالم ... والظلم سب العبد بالبهتان فحقيقة التجسيم أن تك عندكم ... وصف الإله الخالق الديان بصفاته العليا التي شهدت بها ... آياته ورسوله العدلان فتحملوا عنا الشهادة واشهدوا ... في كل مجتمع وكل مكان أنا مجسمة بفضل الله ول ... يشهد بذلك معكم الثقلان الله أكبر كشرت عن نابها ال ... حرب العوان وصيح بالأقران وتقابل الصفان وانقسم الورى ... قسمين واتضحت لنا القسمان(1\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "168",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15201",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: في بيان مورد أهل التعطيل وأنهم تعوضوا بالقلوط عن السلسبيل يا وارد القلوط ويحك لو ترى ... ماذا على شفتيك والأسنان(1\/148)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "169",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15202",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو ما ترى آثارها في القلـ ... ـب والنيات والأعمال والأركان لو طاب منك الورد طابت كلها ... أنى تطيب موارد الأنتان يا وارد القلوط طهر فاك من ... خبث به واغسله من أنتان يا شاتم الحشوي حشو الـ ... ـدين والقرآن والآثار والإيمان أهلا بهم حشو الهدى وسواهم ... حشو الضلال فما هما سيان أهلا بهم حشو اليقين وغيرهم ... حشو الشكوك فما هما صنوان أهلا بهم حشو المساجد والسوى ... حشو الكنيف فما هما عدلان أهلا بهم حشو الجنان وغيرهم ... حشو الجحيم أيستوي الحشوان يا وارد القلوط ويحك لو تـ ... ـرى الحشوي وارد منهل الفرقان وتراه من رأس الشريعة شاربا ... من كف من قد جاء بالفرقان وتراه يسقي الناس فضلة كأسه ... وختامها مسك على ريحان لعذرته إن بال في القلوط لم ... يشرب به مع جملة العميان يا وارد القلوط لا تكسل فرأ ... س الماء فاقصده قريب دان هو منهل سهل قريب واسع ... كاف إذا نزلت به الثقلان والله ليس بأصعب الوردين بل ... هو أسهل الوردين للظمآن(1\/149)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "170",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15203",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في بيان هدمهم لقواعد الإسلام والإيمان بعزلهم نصوص السنة والقرآن",
        "content": "فصل: في بيان هدمهم لقواعد الإسلام والإيمان بعزلهم نصوص السنة والقرآن يا قوم والله انظروا وتفكروا ... في هذه الأخبار والقرآن مثل التدبر والتفكر للذي ... قد قاله ذو الرأي والحسبان فأقل شيء أن يكونا عندكم ... حدا سواء يا أولي العدوان والله ما استويا لدى زعمائكم ... في العلم والتحقيق والعرفان عزلوهما بل صرحوا بالعزل عن ... نيل اليقين ورتبة البرهان قالوا وتلك أدلة لفظية ... لسنا نحكمها على الإيقان ما أنزلت لينال منها العلم بالإ ... ثبات للأوصاف للرحمن بل بالعقول ينال ذاك وهذه ... عنه بمعزل غير ذي السلطان فبجهدنا تأويلها والدفع في ... أكنافها دفعا لذي الصولان ككبير قوم جاء يشهد عند ذي ... حكم يريد دفاعه بليان فيقول قدرك فوق ذا وشهادة ... لسواك تصلح فاذهبن بأمان وبوده لو كان شيء غير ذا ... لكن مخافة صاحب السلطان فلقد أتانا عن كبير فيهم ... وهو الحقير مقالة الكفران لو كان يمكنني وليس بممكن ... لحككت من ذا المصحف العثماني ذكر استواء الرب فوق العرش ... لكن ذاك ممتنع على الإنسان(1\/150)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "171",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15204",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والله لولا هيبة الإسلام ... والقرآن والأمراء والسلطان لأتوا بكل مصيبة ولدكدكوا ... الإسلام فوق قواعد الأركان فلقد رأيتم ما جرى لأئمة الإ ... سلام من محن على الأزمان لا سيما لما استمالوا جاهلا ... ذا قدرة في الناس مع سلطان وسعوا أليه بكل إفك بين ... بل قاسموه بأغلظ الأيمان آن النصيحة قصدهم كنصيحة ... الشيطان حين خلا به الأبوان فيرى عمائم ذات أذناب على ... تلك القشور طويلة الأردان ويرى هيولى لا تهول لمبصر ... وتهول أعمى في ثياب جبان فإذا أصاخ بسمعه ملؤوه من ... كذب وتلبيس ومن بهتان فيرى ويسمع فشرهم وفشارهم ... يا محنة العينين والأذنان فتحوا جراب الجهل مع كذب فخذ ... واحمل بلا كيل ولا ميزان وأتوا إلى قلب المطاع ففتشوا ... عما هناك ليدخلوا بأمان فإذا بدا غرض لهم دخلوا به ... منه إليه كحيلة الشيطان فإذا رأوه هش نحو حديثهم ... ظفروا وقالوا ويح آل فلان(1\/151)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "172",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15205",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو في الطريق يعوق مولانا ... عن المقصود وهو عدو هذه الشان فإذا هم غرسوا العداوة واظبوا ... سقي الغراس كفعل ذي البستان حتى إذا ما أثمرت ودنا لهم ... وقت الجذاذ وصار ذا إمكان ركبوا على حرد لهم وحمية ... واستنجدوا بعساكر الشيطان فهنالك ابتليت جنود الله من ... جند اللعين بسائر الألوان ضربا وحبسا ثم تكفيرا ... وتبديعا وشتما ظاهر البهتان فلقد رأينا من فريق منهم ... أمرا تهد له قوى الإيمان من سبهم أهل الحديث ودينهم ... أخذ الحديث وترك قول فلان يا أمة غضب الإله عليهم ... ألأجل هذا تشتموا بهوان تبا لكم إذ تشتمون زوامل ... الإسلام حزب الله والقرآن وسببتموهم ثم لستم كفؤهم ... فرأوا مسبتكم من النقصان هذا وهم قبلوا وصية ربهم ... في تركهم لمسبة الأوثان حذر المقابلة القبيحة منهم ... بمسبة القرآن والرحمن وكذاك أصحاب الحديث فإنهم ... ضربت لهم ولكم بذا مثلان سبوكم جهالهم فسببتم ... سنن الرسول وعسكر الإيمان وصددتم سفهاءكم عنهم وعن ... قول الرسول وذا من الطغيان ودعتموهم للذي قالته أشياخ ... لكم بالخرص والحسبان فأبوا إجابتكم ولم يتحيزوا ... إلا إلى الآثار والقرآن(1\/152)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "173",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15206",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإلى أولي العرفان من أهل الحد ... يث خلاصة الإنسان والأكوان قوم أقامهم الإله لحفظ هذا الـ ... ـدين من ذي بدعة شيطان وأقامهم حرسا من التبديل ... والتحريف والتتميم والنقصان يزك على الإسلام بل حصن له ... يأوي أليه عساكر الفرقان فهم المحك فمن يرى متنقصا ... لهم فزنديق خبيث جنان إن تتهمه فقبلك السلف الألى ... كانوا على الإيمان والإحسان أيضا قد اتهموا الخبيث على الهدى ... والعلم والآثار والقرآن وهو الحقيق بذاك إذ عادى روا ... ة الدين وهي عداوة الديان فإذا ذكرت الناصحين لربهم ... وكتابه ورسوله بلسان فاغسله ويلك من دم التعطيل ... والتكذيب والكفران والبهتان أتسبهم عدوا ولست بكفئهم ... فالله يفدي حزبه بالجاني قوم هم بالله ثم رسوله ... أولى وأقرب منك للإيمان شتان بين التاركين نصوصه ... حقا لأجل زبالة الأذهان والتاركين لأجلها آراء من ... آراؤهم ضرب من الهذيان لما فسا الشيطان في آذانهم ... ثقلت رؤوسهم عن القرآن فلذاك ناموا عنه حتى أصبحوا ... يتلاعبون تلاعب الصبيان والركب قد وصلوا العلى وتيمموا ... من أرض طيبة مطلع الإيمان وأتوا إلى روضاتها وتيمموا ... من أرض مكة مطلع القرآن(1\/153)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "174",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15207",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوم إذا ما ناجذ النص بدا ... طاروا له بالجمع والوحدان وإذا بدا علم الهدى استبقوا له ... كتسابق الفرسان يوم رهان وإذا هم سمعوا بمبتدع هذى ... صاحوا به طرا بكل مكان ورثوا رسول الله لكن غيرهم ... قد راح بالنقصان والحرمان وإذا استهان سواهم بالنص لم ... يرفع به رأسا من الخسران عضوا عليه بالنواجذ رغبة ... فيه وليس لديهم بمهان ليسوا كمن نبذ الكتاب حقيقة ... وتلاوة قصدا بترك فلان عزلوه في المعنى وولوا غيره ... كأبي الربيع خليفة السلطان ذكروه فوق منابر وبسكة ... رقموا اسمه في ظاهر الأثمان والأمر والنهي المطاع لغيره ... ولمهتد ضربت بذا مثلان يا للعقول أيستوي من قـ ... ـال بالقرآن والآثار والبرهان ومخالف هذا وفطرة ربه ... الله أكبر كيف يستويان بل فطرة الله التي فطروا على ... مضمونها والعقل مقبولان والوحي جاء مصدقا لها فلا ... تلق العداوة ما هما حربان سلمان عند موفق ومصدق ... والله يشهد أن هما سلمان فإذا تعارض نص لفظ وراد ... والعقل حتى ليس يلتقيان فالعقل إما فاسد ويظنه الرائي ... صحيحا وهو ذو بطلان أو أن ذاك النص ليس بثابت ... ما قاله المعصوم بالبرهان(1\/154)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "175",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15208",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونصوصه ليست تعارض بعضها ... بعضا فسل عنها عليم زمان وإذا ظننت تعارضا فيها فذا ... من آفة الأفهام والأذهان أو أن يكون البعض ليس بثابت ... ما قاله المبعوث بالقرآن لكن قول محمد والجهم في ... قلب الموحد ليس يجتمعان إلا ويطرد كل قول ضده ... فإذا هما اجتمعا فمقتتلان والناس بعد على ثلاث: حزبه ... أو حربه أو فارغ متوان فاختر لنفسك أين تجعلها فلا ... والله لست برابع الأعيان من قال بالتعطيل فهو مكذب ... بجميع رسل الله والفرقان إن المعطل لا إله له سوى المـ ... ـنحوت بالأفكار في الأذهان كذا إله المشركين فنحته الأ ... يدي هما في نحتهم سيان لكن إله المرسلين هو الذي ... فوق السماء مكون الأكوان تالله قد نسب المعطل كل من ... بالبينات أتى إلى الكتمان والله ما في المرسلين معطل ... نافي صفات الواحد الرحمان كلا ولا في المرسلين مشبه ... حاشاهم من إفك ذي بهتان فخذ الهدى من عبده وكتابه ... فهما إلى سبل الهدى سببان(1\/155)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "176",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15209",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في بطلان قول الملحدين إن الاستدلال بكلام الله ورسوله لا يفيد العلم واليقين",
        "content": "فصل: في بطلان قول الملحدين إن الاستدلال بكلام الله ورسوله لا يفيد العلم واليقين واحذر مقالات الذين تفرقوا ... شيعا وكانوا شيعة الشيطان واسأل خبيرا عنهم ينبيك عن ... أسرارهم بنصيحة وبيان قالوا الهدى لا يستفاد بسنة ... كلا ولا أثر ولا قرآن إذ كل ذاك أدلة لفظية ... لم تبد عن علم ولا إيقان فيها اشتراك ثم إجمال يرى ... وتجوز بالتزييد والنقصان وكذلك الإضمار والتحقيق والحـ ... ـذف الذي لم يبد عن تبيان والنقل آحاد فموقوف على ... صدق الرواة وليس ذا برهان إذ بعضهم في البعض يقدح دائما ... والقدح فيهم فهو ذو إمكان وتواتر وهو القليل ونادر ... جدا فأين القطع بالبرهان هذا ويحتاج السلامة بعد من ... ذاك المعارض صاحب السلطان وهو الذي بالعقل يفرض صدقه ... والنفي مظنون لدى الإنسان فلأجل هذا قد عزلناها ... وولينا العقول ومنطق اليونان فانظر إلى الاستلام كيف بقاؤه ... من بعد هذا القول ذي البطلان ...(1\/156)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "177",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15210",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وانظر إلى القرآن معزولا لـ ... ـديهم عن نفوذ ولاية الإيقان وانظر إلى قول الرسول كذاك معـ ... ـزولا لديهم ليس ذا سلطان والله ما عزلوه تعظيما له ... أيظن ذلك قط ذو عرفان يا ليتهم إذ يحكمون بعزله ... لم يرفعوا رايات جنكسخان يا ويلهم ولوا نتائج فكرهم ... وقضوا بها قطعا على القرآن ورذالهم ولوا إشارات ابن سـ ... ـينا حين ولوا منطق اليونان وانظر إلى نص الكتاب مجندلا ... وسط العرين ممزق اللحمان بالطعن بالإجمال والإضمار ... والتخصيص والتأويل بالبهتان والاشتراك وبالمجاز وحذف ما ... شاؤوا بدعواهم بلا برهان وانظر إليه ليس ينفذ حكمه ... بين الخصوم وما له من شان وانظر إليه ليس يقبل قوله ... في العلم بالأوصاف للرحمن لكنما المقبول حكم العقل لا ... حكامه لا يستوي الحكمان يبكي عليه أهله وجنوده ... بدمائهم ومدامع الأجفان عهدوه قدما ليس يحكم غيره ... وسواه معزول عن السلطان إن غاب نابت عنه أقوال الرسو ... ل هما لهم دون الورى حكمان فأتاهم ما لم يكن في ظنهم ... في حكم جنكسخان ذي الطغيان بجنود تعطيل وكفران من المفعـ ... ـول ثم اللاص والعلان فعلوا بملته وسنته كما ... فعلوا بأمته من العدوان والله ما انقادوا لجنكسخان حتى أعـ ... ـرضوا عن محكم القرآن(1\/157)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "178",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15211",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والله ما ولوه إلا بعد عز ... ل الوحي عن علم وعن إيقان عزلوه عن سلطانه وهو اليقـ ... ـين المستفاد لنا من السلطان هذا ولم يكف الذي فعلوه حتى ... تمموا الكفران بالبهتان جعلوا القرآن عضين إذ عضـ ... ـهوه أنواعا معددة من النقصان منها انتفاء خروجه من ربنا ... لم يبد من رب ولا رحمن لكنه خلق من اللوح ابتداء ... أو جبرئيل أو الرسول الثاني ما قاله رب السموات العلى ... ليس الكلام بوصف ذي الغفران تبا لهم سلبوه أكمل وصفه ... عضهوه عضه الريب والكفران هل يستوي بالله نسبته إلى ... بشر ونسبته إلى الرحمن من أين للمخلوق عين صفاته ... الله أكبر ليس يستويان بين الصفات وبين مخلوق كما ... بين الإله وهذه الأكوان هذا وقد عضهوه أن نصوصه ... معزولة عن إمرة الإيقان لكن غايتها الظنون وليته ... ظنا يكون مطابقا ببيان لكن ظواهر ما يطابق ظنها ... ما في الحقيقة عندنا بوزان إلا إذا ما أولت فمجازها ... بزيادة فيها أو النقصان أو بالكناية واستعارات وتشـ ... ـبيه وأنواع المجاز الثاني فالقطع ليس يفيده والظن ... منفي كذلك فانتفى الأمران فلم الملامة إذ عزلناها ... وولينا العقول وفكرة الأذهان(1\/158)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "179",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15212",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالله يعظم في النصوص أجوركم ... يا أمة الآثار والقرآن ماتت لدى الأقوام لا يحيونها ... أبدا ولا تحييهم لهوان هذا وقولهم خلاف الحس ... والمعقول والمنقول والبرهان مع كونه أيضا خلاف الفطرة الأو ... لى وسنة ربنا الرحمن فالله قد فطر العباد على التفا ... هم بالخطاب لمقصد التبيان كل يدل على الذي في نفسه ... بكلامه من أهل كل لسان فترى المخاطب قاطعا بمراده ... هذا مع التقصير في الإنسان إذ كل لفظ غير لفظ نبينا ... هو دونه في ذا بلا نكران حاشا كلام الله فهو الغاية القصـ ... ـوى له أعلى ذرى التبيان لم يفهم الثقلان من لفظ كما ... فهموا من الأخبار والقرآن فهو الذي استولى على التبيان ... كاستيلائه حقا على الإحسان ما بعد تبيان الرسول لناظر ... إلا العمى والعيب في العميان فانظر إلى قول الرسول لسائل ... من صحبه عن رؤية الرحمن حقا ترون إلاهكم يوم اللقا ... رؤيا العيان كما يرى القمران كالبدر ليل تمامه والشمس في ... نحر الظهيرة ما هما مثلان بل قصده تحقيق رؤيتنا له ... فأتى بأظهر ما يرى بعيان ونفى السحاب وذاك أمر مانع ... من رؤية القمرين في ذا الآن فأتى إذا بالمقتضى ونفى الموا ... نع خشية التقصير في التبيان(1\/159)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "180",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15213",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صلى عليه الله ما هذا الذي ... يأتي به من بعد ذا ببيان ماذا يقول القاصد التبيان يا ... أهل العمى من بعد ذا التبيان فبأي لفظ جاءكم قلتم له ... ذا اللفظ معزول عن الإيقان وضربتم في وجهه بعسـ ... ـاكر التأويل دفعا منكم بليان لو أنكم والله عاملتم بذا ... أهل العلوم وكتبهم بوزان فسدت تصانيف الوجود بأسرها ... وغدت علوم الناس ذات هوان هذا وليسوا في بيان علومهم ... مثل الرسول ومنزل القرآن والله لو صح الذي قد قلتم ... قطعت سبيل العلم والإيمان فالعقل لا يهدي إلى تفصيلها ... لكن ما جاءت به الوحيان فإذا غدا التفصيل لفظيا ومعـ ... زولا عن الإيقان والرجحان فهناك لا علم أفادت لا ولا ... ظنا وهذا غاية الحرمان لو صح ذاك القول لم يحصل لنا ... قطع بقول قط من إنسان وغدا التخاطب فاسدا وفساده ... أصل الفساد لنوع ذا الإنسان ما كان يحصل علمنا بشهادة ... ووصية كلا ولا إيمان وكذلك الإقرار يصبح فاسدا ... إذ كان محتملا لسبع معان وكذا عقود العالمين بأسرها ... باللفظ إذ يتخاطب الرجلان أيسوغ للشهدا شهادتهم بها ... من غير علم منهم ببيان إذ تكلم الألفاظ غير مفيدة ... للعلم بل للظن ذي الرجحان(1\/160)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "181",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15214",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بل لا يسوغ لشاهد أبدا شها ... دته على مدلول نطق لسان بل لا يراق دم بلفظ الكفر من ... متكلم بالظن والحسبان بل لا يباح الفرج بالإذن الذي ... هو شرط صحته من النسوان أيسوغ للشهداء جزمهم بأن ... رضيت بلفظ قابل لمعان هذا وجملة ما يقال بأنه ... في ذا فساد العقل والأديان هذا ومن بهتانهم أن اللغا ... ت أتت بنقل الفرد والوحدان فانظر إلى الألفاظ في جريانها ... في هذه الأخبار والقرآن أتظنها تحتاج نقلا مسندا ... متواترا أو نقل ذي وحدان أم قد جرت مجرى الضرورات لا ... تحتاج نقلا وهي ذات بيان إلا الأقل فإنه يحتاج للنقل ... الصحيح وذاك ذو تبيان ومن المصائب قول قائلهم بـ ... ـأن الله أظهر لفظة بلسان وخلافهم فيه كثير ظاهر ... عربي وضع ذاك أم سرياني وكذا اختلافهم أمشتقا يرى ... أم جامدا قولان مشهوران والأصل ماذا فيه حلف ثابت ... عند النحاة وذاك ذو ألوان هذا ولفظ الله أظهر لفظة ... نطق اللسان بها مدى الأزمان فانظر بحق الله ماذا في الذي ... قالوه من لبس ومن بهتان هل خالف العقلاء أن الله ... رب العالمين مدبر الأكوان ما فيه إجمال ولا هو موهم ... نقل المجاز ولا له وضعان(1\/161)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "182",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15215",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والخلف في أحوال ذاك اللفظ لا ... في وضعه لم يختلف رجلان وإذا هم اختلفوا بلفظة مكة ... فيه لهم قولان معروفان أفبينهم خلف بأن مرادهم ... حرم الإله وقلبة البلدان وإذا هم اختلفوا بلفظة أحمد ... فيه لهم قولان مذكوران أفبينهم خلف بأن مرادهم ... منه رسول الله ذو البرهان ونظير هذا ليس يحصره كثرة ... يا قوم فاستحيوا من الرحمن أبمثل ذا الهذيان قد عزلت نصو ... ص الوحي عن علم وعن إيقان فالحمد لله المعافي عبده ... مما بلاكم يا ذوي العرفان فلأجل ذا نبذوا الكتاب وراءهم ... ومضوا على آثار كل مهان ولأجل ذاك غدوا على السنن التي ... جاءت وأهليها ذوي أضغان يرمونهم كذبا بكل عظيمة ... حاشاهم من إفك ذي بهتان(1\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "183",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15216",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في تنزيه أهل الحديث والشريعة عن الألقاب القبيحة الشنيعة",
        "content": "فصل: في تنزيه أهل الحديث والشريعة عن الألقاب القبيحة الشنيعة فرموهم بغيا بما الرامي به ... أولى ليدفع عنه فعل الجاني يرمي البريء بما جناه مباهتا ... ولذاك عند الغر يشتبهان(1\/162)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "184",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15217",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سموهم حشوية ونوابتا ... ومجسمين وعابدي أوثان وكذاك أعداء الرسول وصحبه ... وهم الروافض أخبث الحيوان نصبوا العداوة للصحابة ثم ... سموا بالنواصب شيعة الرحمن وكذا المعطل شبه الرحمن ... بالمعدوم فاجتمعت له الوصفان وكذاك شبه قوله بكلامنا ... حتى نفاه وذان تشبيهان وكذاك شبه وصفه بصفاتنا ... حتى نفاه عنه بالبهتان وأتى إلى وصف الرسول لربه ... سماه تشبيها فيا إخواني بالله من أولى بهذا الاسم من ... هذا الخبيث المخبث الشيطاني إن كان تشبيها ثبوت صفاته ... سبحانه أكمل به ذي شان لكن نفي صفاته تشبيهه ... بالجامدات وكل ذي نقصان بل بالذي هو غير شيء وهـ ... ـو معدوم وإن يفرض ففي الأذهان فمن المشبه بالحقيقة أنتم ... أم مثبت الأوصاف للرحمن(1\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "185",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15218",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في نكتة بديعة تبين ميراث الملقبين والملقبين من المشركين والموحدين",
        "content": "فصل: في نكتة بديعة تبين ميراث الملقبين والملقبين من المشركين والموحدين هذا وثم لطيفة عجب سأبديها ... لكم يا معشر الإخوان(1\/163)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "186",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15219",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاسمع فذاك معطل ومشبه ... واعقل فذاك حقيقة الإنسان لا بد أن يرث الرسول وضده ... في الناس طائفتان مختلفتان فالوارثون له على منهاجه ... والوارثون لضده فئتان إحداهما حرب له ولحزبه ... ما عندهم في ذاك من كتمان فرموه من ألقابهم بعظائم ... هم أهلها لا خيرة الرحمن فأتى الألى ورثوهم فرموا بها ... وراثه بالبغي والعدوان هذا يحقق إرث كل منهما ... فاسمع وعه يا من له أذنان والآخرون أولوا النفاق فأضمروا ... شيئا وقالوا غيره بلسان وكذا المعطل مضمر تعطيله ... قد أظهر التنزيه للرحمن هذي مواريث العباد تقسمت ... بين الطوائف قسمة المنان هذا وثمة لطيفة أخرى ... سلوان من قد سب بالبهتان تجد المعطل لاعنا لمجسم ... ومشبه لله بالإنسان والله يصرف ذاك عن أهل الهدى ... كمحمد ومذمم إسمان هم يشتمون مذمما ومحمد ... عن شتمهم في معزل وصيان صان الإله محمدا عن شتمهم ... في اللفظ والمعنى هما صنوان كصيانة الأتباع عن شتم ... المعطل للمشبه هكذا الإرثان والسب مرجعه إليهم إذ هم ... أهل لكل مذمة وهوان وكذا المعطل يلعن اسم مشبه ... واسم الموحد في حمى الرحمن(1\/164)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "187",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15220",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذي حسان عرائس زفت لكم ... ولدى المعطل هن غير حسان والعلم يدخل قلب كل موفق ... من غير أبواب ولا استئذان ويرده المحروم من خذلانه ... لا تشقنا اللهم بالحرمان يا فرقة نفت الإله وقوله ... وعلوه بالجحد والكفران موتوا بغيظكم فربي عالم ... بسرائر منكم وخبث جنان فالله ناصر دينه وكتابه ... ورسوله بالعلم والسلطان والحق ركن لا يقوم لهده ... أحد ولو جمعت له الثقلان توبوا إلى الرحمن من تعطيلكم ... فالرب يقبل توبة الندمان من تاب منكم فالجنان مصيره ... أو مات جهميا ففي النيران(1\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "188",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15221",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في بيان اقتضاء التجهم والجبر والإرجاء للخروج عن جميع ديانات الأنبياء",
        "content": "فصل: في بيان اقتضاء التجهم والجبر والإرجاء للخروج عن جميع ديانات الأنبياء واسمع وعه سرا عجيبا كان مكـ ... ـتوما من الأقوام منذ زمان فأذعته بعد اللتيا والتي ... نصحا وخوف معرة الكتمان جيم وجيم ثم جيم معهما ... مقرونة مع أحرف بوزان فيها لدى الأقوام طلسم متى ... تحلله تحلل ذروة العرفان(1\/165)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "189",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15222",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا رأيت الثور فيه تقارن ... الجيمات بالتثليث شر قران دلت على أن النحوس جميعها ... سهم الذي قد فاز بالخذلان جبر وإرجاء وجيم تجهم ... فتأمل المجموع في الميزان فاحكم بطالعها لمن حصلت له ... بخلاصة من ربقة الإيمان فاحمل على الأقدار ذنبك كله ... حمل الجذوع على قوى الجدران وافتح لنفسك باب عذر إذ ترى ... الأفعال فعل الخالق الديان فالجبر يشهدك الذنوب جميعها ... مثل ارتعاش الشيخ ذي الرجفان لا فاعل أبدا ولا هو قادر ... كالميت أدرج داخل الأكفان والأمر والنهي اللذان توجها ... فهما كأمر العبد بالطيران وكأمره الأعمى بنقط مصاحف ... أو شكلها حذرا من الألحان وماذا ارتفعت دريجة أخرى ... رأيت الكل طاعات بلا عصيان إن قيل قد خالفت أمر الشرع قل ... لكن أطعت إرادة الرحمن ومطيع أمر الله مثل مطيع ... ما يقضي به وكلاهما عبدان عبد الأوامر مثل عبد مشيئة ... عند المحقق ليس يفترقان فانظر إلى ما قادت الجيم الذي ... للجبر من كفر ومن بهتان وكذلك الإرجاء حين تقر ... بالمعبود تصبح كامل الإيمان فارم المصاحف في الحشوش ... وخرب البيت العتيق وجد في العصيان واقتل إذا ما اسطعت كل موحد ... وتمسحن بالقس والصلبان(1\/166)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "190",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15223",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واشتم جميع المرسلين ومن أتوا ... من عنده جهرا بلا كتمان وإذا رأيت حجارة فاسجد لها ... بل خر للأصنام والأوثان وأقر أن الله جل جلاله ... هو وحده الباري لذي الأكوان وأقر أن رسوله حقا أتى ... من عنده بالوحي والقرآن فتكون حقا مؤمنا وجميع ذا ... وزر عليك وليس بالكفران هذا هو الإرجاء عند غلاتهم ... من كل جهمي أخي الشيطان فأضف إلى الجيمين جيم تجهم ... وانف الصفات وألق بالأرسان قل ليس فوق العرش رب علم ... بسرائر منا ولا إعلان بل ليس فوق العرش ذو سمع ولا ... بصر ولا عدل ولا إحسان بل ليس فوق العرش معبود سوى ... العدم الذي لا شيء في الأعيان بل ليس فوق العرش من متكلم ... بأوامر وزواجر وقران كلا ولا كلم إليه صاعد ... أبدا ولا عمل لذي شكران إني وحظ العرش منه كحظ ما ... تحت الثرى عند الحضيض الداني بل نسبة الرحمن عند فريقهم ... للعرش نسبته إلى البنيان فعليهما استولى جميعا قدرة ... وكلاهما من ذاته خلوان هذا الذي أعطته جيم تجهم ... حشوا بلا كيل ولا ميزان تالله ما استجمعن عند معطل ... جيماتها ولديه من إيمان والجهم أصلها جميعا فاغتدت ... مقسومة في الناس بالميزان(1\/167)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "191",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15224",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والوراثون له على التحقيق هم ... أصحابها لا شيعة الإيمان لكن تقسمت الطوائف قوله ... ذو السهم والسهمين والسهمان لكن نجا أهل الحديث المحض أتبـ ... ـاع الرسول وتابعوا القرآن عرفوا الذي قد قال مع علم بما ... قال الرسول فهم أولوا العرفان وسواهم في الجهل والدعوى مـ ... ـع الكبر العظيم وكثرة الهذيان مدوا يدا نحو العلى بتكلف ... وتخلف وتكبر وتوان أترى ينالوها وهذا شأنهم ... حاشا العلا من ذا الزبون الفاني(1\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "192",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15225",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في جواب الرب تبارك وتعالى يوم القيامة إذا سأل المعطل والمشبه عن قول كل منهما",
        "content": "فصل: في جواب الرب تبارك وتعالى يوم القيامة إذا سأل المعطل والمشبه عن قول كل منهما وسل المعطل ما تقول إذا أتى ... فئتان عند الله يختصمان إحداهما حكمت على معبودها ... بعقولها وبفكرة الأذهان سمته معقولا وقالت إنه ... أولى من المنصوص بالبرهان والنص قطعا لا يفيد فنحن أولـ ... ـنا وفوضنا لنا قولان قالت وقلنا فيك لست بداخل ... فينا ولست بخارج الأكوان والعرش أخليناه منك فلست فوق ... العرش لست بقابل لمكان وكذاك لست بقائل القرآن بل ... قد قاله بشر عظيم الشان(1\/168)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "193",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15226",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونسبته حقا إليك بنسبة التشـ ... ـريف تعظيما لذي القرآن وكذاك قلنا لست تنزل في الدجى ... إن النزول صفات ذي الجثمان وكذاك قلنا لست ذا وجه ولا ... سمع ولا بصر فكيف يدان وكذاك قلنا لا ترى في هذه الدنيـ ... ـا ولا يوم المعاد الثاني وكذاك قلنا ما لفعلك حكمة ... من أجلها خصصته بزمان ما ثم غير مشيئة قد رجحت ... مثلا على مثل بلا رجحان لكن منا من يقول بحكمة ... ليست بوصف قام بالرحمن هذا وقلنا ما اقتضته عقولنا ... وعقول أشياخ ذوي عرفان قالوا لنا لا تأخذوا بظواهـ ... ـر الوحيين تنسلخوا من الإيمان بل فكروا بعقولكم إن شئتم ... أو فاقبلوا آراء عقل فلان فلأجل هذا لم نحكم لفظ آ ... ثار ولا خبر ولا قرآن إذ كل تلك أدلة لفظية ... معزولة عن مقتضى البرهان فصل والآخرين أتوا بما قد قاله ... من غير تحريف ولا كتمان قالوا تلقينا عقيدتنا عـ ... ـن الوحيين بالأخبار والقرآن فالحكم ما حكما به لا رأي أهـ ... ـل الاختلاف وظن ذي الحسبان آراؤهم أحداث هذا الدين نا ... قضة لأصل طهارة الإيمان(1\/169)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "194",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15227",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "آراؤهم ريح المقاعد أين تلك ... الريح من روح ومن ريحان قالوا وأنت رقيبنا وشهيدنا ... من فوق عرشك يا عظيم الشان إنا أبينا أن ندين ببدعة ... وضلالة أو إفك ذي بهتان لكن بما قد قلته أو قاله ... من قد أتانا عنك بالفرقان وكذاك فارقناهم حين احتيا ... ج الناس للأنصار والأعوان كيلا تصير مصيرهم في يومنا ... هذا ونطمع منك بالغفران فمن الذي منا أحق بأمنه ... فاختر لنفسك يا أخا العرفان لا بد نلقاه نحن وأنتم ... في موقف العرض العظيم الشان وهناك يسألنا جميعا ربنا ... ولديه قطعا نحن مختصمان فنقول قلت كذا وقال نبينا ... أيضا كذا فإمامنا الوحيان فافعل بنا ما أنت أهل بعد ذا ... نحن العبيد وأنت ذو الإحسان أفتقدرون على جواب مثل ذا ... أم تعدلون على جواب ثان ما فيه قال الله قال رسوله ... بل فيه قلنا مثل قول فلان وهو الذي أدت إليه عقولنا ... لما وزنا الوحي بالميزان إن كان ذلكم الجواب مخلصا ... فامضوا عليه يا ذوي العرفان تالله ما بعد البيان لمنصف ... إلا العناد ومركب الخذلان(1\/170)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "195",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15228",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في تحميل أهل الإثبات للمعطلين شهادة تؤدى عند رب العالمين",
        "content": "فصل: في تحميل أهل الإثبات للمعطلين شهادة تؤدى عند رب العالمين يا أيها الباغي على أتباعه ... بالظلم والبهتان والعدوان قد حملوك شهادة فاشهد بها ... إن كنت مقبولا لدى الرحمن واشهد عليهم إن سئلت بأنهم ... قالوا إله العرش والأكوان فوق السموات العلى حقا على العـ ... ـرش استوى سبحان ذي السلطان والأمر ينزل منه ثم يسير في الأ ... قطار سبحان العظيم الشان وإليه يصعد ما يشاء بأمره ... من طيبات القول والشكران وإليه قد صعد الرسول وقبله ... عيسى ابن مريم كاسر الصلبان وكذلك الأملاك تصعد دائما ... من ها هنا حقا على الديان وكذاك روح العبد بعد مماتها ... ترقى إليه وهو ذو إيمان واشهد عليهم أنه سبحانه ... متكلم بالوحي والقرآن سمع الأمين كلامه منه وأد ... اه إلى المبعوث بالفرقان هو قول رب العالمين حقيقة ... لفظا ومعنى ليس يفترقان واشهد عليهم أنه سبحانه ... قد كلم المولود من عمران سمع ابن عمران الرسول كلامه ... منه أليه مسمع الآذان(1\/171)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "196",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15229",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واشهد عليهم أنهم قالوا بأن ... الله ناداه بلا كتمان واشهد عليهم أنهم قالوا بأن ... الله نادى قبله الأبوان واشهد عليهم أنهم قالوا بأن ... الله يسمع صوته الثقلان والله قال بنفسه لرسوله ... إني أنا الله العظيم الشان والله قال بنفسه لرسوله ... اذهب إلى فرعون ذي الطغيان والله قال بنفسه حم مع ... طه ومع يس قول بيان واشهد عليهم أنهم وصفوا الإل ... ـه بكل ما قد جاء في القرآن وبكل ما قال الرسول حقيقة ... من غير تحريف ولا عدوان واشهد عليهم أن قول نبيهم ... وكلام رب العرش ذا التبيان نص يفيد لديهم علم اليقـ ... ـين إفادة المعلوم بالبرهان واشهد عليهم أنهم قد قابلوا ... التعطيل والتمثيل بالنكران إن المعطل والممثل ما هما ... متيقنين عبادة الرحمن ذا عابد المعدوم لا سبحانه ... أبدا وهذا عابد الأوثان واشهد عليهم أنهم قد أثبتوا الأ ... سماء والأوصاف للديان وكذلك الأحكام أحكام الصفا ... ت وهذه الأركان للإيمان قالوا عليم وهو ذو علم ويعـ ... ـلم غاية الإسرار والإعلان وكذا بصير وهو ذو بصر ويبصـ ... ـر كل مرئي وذي الأكوان وكذا سميع وهو ذو سمع ويسمـ ... ع كل مسموع من الأكوان(1\/172)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "197",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15230",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "متكلم وله كلام وصفه ... ويكلم المخصوص بالرضوان وهو القوي بقوة هي وصفه ... ومليك يقدر يا أخا السلطان وهو المريد له الإرادة هكذا ... أبدا يريد صانع الإحسان والوصف معنى قائم بالذات والأسـ ... ـماء أعلام له بوزان أسماؤه دلت على أوصافه ... مشتقة منها اشتقاق معان وصفاته دلت على أسمائه ... والفعل مرتبط به الأمران والحكم نسبتها إلى متعلقا ... ت تقتضي آثارها ببيان ولربما يعنى به الإخبار عن ... آثارها يعنى به أمران والفعل إعطاء الإرادة حكمها ... مع قدرة الفعال والإمكان فازا انتفت أوصافه سبحانه ... فجميع هذا بين البطلان واشهد عليهم أنهم قالوا بهذا ... كله جهرا بلا كتمان واشهد عليهم إنهم برآء من ... تأويل كل محرف شيطان واشهد عليهم أنهم يتأولو ... ن حقيقة التأويل في القرآن هم في الحقيقة أهل تأويل الذي ... يعنى به لا قائل الهذيان واشهد عليهم أن تأويلاتهم ... صرف عن المرجوح للرجحان واشهد عليهم أنهم حملوا النصو ... ص على الحقيقة لا المجاز الثاني إلا إذا ما اضطرهم لمجازها ... المضطر من حس ومن برهان فهناك عصمتها إباحته بغير ... تجانف للإثم والعدوان واشهد عليهم أنهم لا يكفرو ... نكم بما قلتم من الكفران(1\/173)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "198",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15231",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذ أنتم أهل الجهالة عندهم ... لستم أولي كفر ولا إيمان لا تعرفون حقيقة الكفران بل ... لا تعرفون حقيقة الإيمان إلا إذا عاندتم ورددتم ... قول الرسول لأجل قول فلان فهناك أنتم أكفر الثقلين من ... إنس وجن ساكني النيران واشهد عليهم أنهم قد أثبتوا الأ ... قدار ورادة من الرحمن واشهد عليهم أن حجة ربهم ... قامت عليهم وهو ذو غفران واشهد عليهم أنهم هم فاعلو ... ن حقيقة الطاعات والعصيان والجبر عندهم محال هكذا ... نفي القضاء فبئست الرأيان واشهد عليهم أن إيمان الورى ... قول وفعل ثم عقد جنان ويزيد بالطاعات قطعا هكذا ... بالضد يمسي وهو ذو نقصان والله ما إيمان عاصينا كإيمان ... الأمين منزل القرآن كلا ولا إيمان مؤمننا كإيمان ... الرسول معلم الإيمان واشهد عليهم أنهم لم يخلدوا ... أهل الكبائر في حميم آن بل يخرجون بإذنه بشفاعة ... وبدونها لمساكن بجنان واشهد عليهم أن ربهم يرى ... يوم المعاد كما يرى القمران واشهد عليهم أن أصحاب الرسو ... ل خيار خلق الله من إنسان حاشا النبيين الكرام فإنهم ... خير البرية خيرة الرحمن وخيارهم خلفاؤه من بعده ... وخيارهم حقا هما العمران(1\/174)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "199",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15232",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والسابقون الأولون أحق ... بالتقديم ممن بعدهم ببيان كل بحسب السبق أفضل رتبة ... من لاحق والفضل للمنان(1\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "200",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15233",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في عهود المثبتين مع رب العالمين",
        "content": "فصل: في عهود المثبتين مع رب العالمين يا ناصر الإسلام والسنن التي ... جاءت عن المبعوث بالقرآن يا من هو الحق المبين وقوله ... ولقاؤه ورسوله ببيان اشرح لدينك صدر كل موحد ... شرحا ينال به ذرا الإيمان واجعله مؤتما بوحيك لا بما ... قد قاله ذو الإفك والبهتان وانصر به حزب الهدى واكبت به ... حزب الضلال وشيعة الشيطان وانعش به من قصده إحياؤه ... واعصمه من كيد امرئ فتان واضرب بحقك عنق أهل الزيغ ... والتبديل والتكذيب والطغيان فوحق نعمتك التي أوليتني ... وجعلت قلبي واعي القرآن وكتبت في قلبي متابعة الهدى ... فقرأت فيه أسطر الإيمان ونشلتني من حب أصحاب الهوى ... بحبائل من محكم الفرقان وجعلت شربي المنهل العذب الذي ... هو رأس ماء الوارد الظمآن وعصمتني من شرب سفل الماء ... تحت نجاسة الآراء والأذهان وحفظتني مما ابتليت به الألى ... حكموا عليك بشرعة البهتان(1\/175)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "201",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15234",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نبذوا كتابك من وراء ظهورهم ... وتمسكوا بزخارف الهذيان وأريتني البدع المضلة كيف ... يلقيها مزخرفة إلى الإنسان شيطانه فيظل ينقشها له ... نقش المشبه صورة بدهان فيظنها المغرور حقا وهي في ... التحقيق مثل اللال في القيعان لأجاهدن عداك ما أبقيتني ... ولأجعلن قتالهم ديداني ولأفضحنهم على رؤوس الملا ... ولأفرين أديمهم بلساني ولأكشفن سرائر خفيت على ... ضعفاء خلقك منهم ببيان ولأتبعنهم إلى حيث انتهوا ... حتى يقال أبعد عبادان ولأرجمنهم بأعلام الهدى ... رجم المريد بثاقب الشهبان ولأقعدن لهم مراصد كيدهم ... ولأحصرنهم بكل مكان ولأجعلن لحومهم ودماءهم ... في يوم نصرك أعظم القربان ولأحملن عليهم بعساكر ... ليست تفر إذا التقى الزحفان بعساكر الوحيين والفطرات ... بالمعقول والمنقول بالإحسان حتى يبين لمن له عقل من الأولى ... بحكم العقل والبرهان ولأنصحن الله ثم رسوله ... وكتابه وشرائع الإيمان إن شاء ربي ذا يكون بحوله ... إن لم يشأ فالأمر للرحمن(1\/176)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "202",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15235",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في شهادة أهل الإثبات على أهل التعطيل أنه ليس في السماء إله يعبد ولا لله بيننا كلام ولا في القبر رسول الله",
        "content": "فصل: في شهادة أهل الإثبات على أهل التعطيل أنه ليس في السماء إله يعبد ولا لله بيننا كلام ولا في القبر رسول الله إنا تحملنا الشهادة بالذي ... قلتم نؤديها لدى الرحمن ما عندكم في الأرض قرآن كلا ... م الله حقا يا أولي العدوان كلا ولا فوق السموات العلى ... رب يطاع بواجب الشكران كلا ولا في القبر أيضا عندكم ... من مرسل والله عند لسان هاتيك عورات ثلاث قد بدت ... منكم فغطوها بلا روغان فالروح عندكم من الأعراض قا ... ئمة بجسم الحي كالألوان وكذا صفات الحي قائمة به ... مشروطة بحياة ذي الجثمان فإذا انتفت تلك الحياة فينتفي ... مشروطها بالعقل والبرهان ورسالة المبعوث مشروطة بها ... كصفاته بالعام والإيمان فإذا انتفت تلك الحياة فكل مشـ ... ـروط بها عدم لذي الأذهان(1\/177)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "203",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15236",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في الكلام في حياة الأنبياء في قبورهم",
        "content": "فصل: في الكلام في حياة الأنبياء في قبورهم ولأجل هذا رام ناصر قولكم ... ترقيعه يا كثرة الخلقان قال الرسول بقبره حي كما ... قد كان فوق الأرض والرجمان من فوقه أطباق ذاك الترب واللبنـ ... ـات قد عرضت على الجدران لو كان حيا في الضريح حياته ... قبل الممات بغير ما فرقان ما كان تحت الأرض بل من فوقها ... والله هذي سنة الرحمن أتراه تحت الأرض حيا ثم لا ... يفتيهم بشرائع الإيمان ويريح أمته من الآراء ... والخلف العظيم وسائر البهتان أم كان حيا عاجزا عن نطقه ... وعن الجواب لسائل لهفان وعن الحراك فما الحياة اللات قد ... أثبتموها أوضحوا ببيان هذا ولم لا جاءه أصحابه ... يشكون بأس الفاجر الفتان إذ كان ذلك دأبهم ونبيهم ... حي يشاهدهم شهود عيان هل جاءكم أثر بأن صحابه ... سألوه فتيا وهو في الأكفان فأجابهم بجواب حي ناطق ... فأتوا إذا بالحق والبرهان هلا أجابهم جوابا شافيا ... إن كان حيا ناطقا بلسان هذا وما شدت ركائبه عـ ... ـن الحجرات للقاصي من البلدان(1\/178)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "204",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15237",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مع شدة الحرص العظيم له على ... إرشادهم بطرائق التبيان أتراه يشهد رأيهم وخلافهم ... ويكون للتبيان ذا كتمان إن قلتم سبق البيان صدقتم ... قد كان بالتكرار ذا إحسان هذا وكم من أمر أشكل بعده ... أعني على علماء كل زمان أو ما ترى الفاروق ود بأنه ... قد كان منه العهد ذا تبيان بالجد في ميراثه وكلالة ... وببعض أبواب الربا الفتان قد قصر الفاروق عند فريقكم ... إذ لم يسله وهو في الأكفان أتراهم يأتون حول ضريحه ... لسؤال أمهم أعز حصان ونبيهم حي يشاهدهم ويسـ ... ـمعهم ولا يأتي لهم ببيان أفكان يعجز أن يجيب بقوله ... إن كان حيا داخل البنيان يا قومنا استحيوا من العقلاء والمبعـ ... ـوث بالقرآن والرحمن والله لا قدر الرسول عرفتم ... كلا ولا للنفس والإنسان من كان هذا القدر مبلغ علمه ... فليستتر بالصمت والكتمان ولقد أبان الله أن رسوله ... ميت كما قد جاء في القرآن أفجاء أن الله باعثه لنا ... في القبر قبل قيامة الأبدان أثلاث موتات تكون لرسله ... ولغيرهم من خلقه موتان إذ عند نفخ الصور لا يبقى امرؤ ... في الأرض حيا قط بالبرهان أفهل يموت الرسل أم يبقوا إذا ... مات الورى أم هل لكم قولان(1\/179)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "205",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15238",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتكلموا بالعلم لا الدعوى وجيبـ ... ـوا بالدليل فنحن ذو أذهان أو لم يقل من قبلكم للرافعي الأ ... صوات حول القبر بالنكران لا ترفعوا الأصوات حرمة عبده ... ميتا كحرمته لدى الحيوان قد كان يمكنهم يقولوا إنه ... حي فغضوا الصوت بالإحسان لكنهم بالله أعلم منكم ... ورسوله وحقائق الإيمان ولقد أتوا إلى العباس يستـ ... سقون من قحط وجدب زمان هذا وبينهم وبين نبيهم ... عرض الجدار وحجرة النسوان فنبيهم حي ويستسقون غـ ... ـير نبيهم حاشا أولي الإيمان(1\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "206",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15239",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: فيما احتجوا به على حياة الرسل في القبور",
        "content": "فصل: فيما احتجوا به على حياة الرسل في القبور فإن احتججتم بالشهيد بأنه ... حي كما قد جاء في القرآن والرسل أكمل حالة منه بلا ... شك وهذا ظاهر التبيان فلذاك كانوا بالحياة أحق من ... شهدائنا بالعقل والبرهان وبأن عقد نكاحه لم ينفسخ ... فنساؤه في عصمة وصيان ولأجل هذا لم يحل لغيره ... منهن واحدة مدى الأزمان أفليس في هذا دليل أنه ... حي لمن كانت له أذنان أو لم ير المختار موسى قائما ... في قبره لصلاة ذي القربان(1\/180)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "207",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15240",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أفميت يأتي الصلاة وإن ذا ... عين المحال وواضح البطلان أو لم يقل إني أرد على الذي ... يأتي بتسليم مع الإحسان أيرد ميت السلام على الذي ... يأتي به هذا من البهتان هذا وقد جاء الحديث بأنهم ... أحياء في الأجداث ذا تبيان وبأن أعمال العباد عليه تعـ ... ـرض دائما في جمعة يومان يوم الخميس ويوم الاثنين الذي ... قد خص بالفضل العظيم الشان(1\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "208",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15241",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في الجواب عما احتجوا به في هذه المسألة",
        "content": "فصل: في الجواب عما احتجوا به في هذه المسألة فيقال أصل دليلكم في ذاك ... حجتنا عليكم وهي ذات بيان إن الشهيد حياته منصوصة ... لا بالقياس القائم الأركان هذا مع النهي المؤكد أننا ... ندعوه ميتا ذاك في القرآن ونساؤه حل لنا من بعده ... والمال مقسوم على السهمان هذا وأن الأرض تأكل لحمه ... وسباعها مع أمة الديدان لكنه مع ذلك حي فارح ... مستبشر بكرامة الرحمن فالرسل أولى بالحياة لديه مع ... موت الجسوم وهذه الأبدان وهي الطرية في التراب وأكلها ... فهو الحرام عليه بالبرهان ولبعض أتباع الرسول يكون ذا ... أيضا وقد وجدوه رأي عيان(1\/181)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "209",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15242",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فانظر إلى قلب الدليل عليهم ... حرفا بحرف ظاهر التبيان لكن رسول الله خص نساؤه ... بخصيصة عن سائر النسوان خيرن بين رسوله وسواه فا ... خترن الرسول لصحة الإيمان شكر الإله لهن ذلك وربنا ... سبحانه للعبد ذو شكران قصر الرسول على أولئك رحمة ... منه بهن وشكر ذي الإحسان وكذاك أيضا قصرهن عليه معـ ... ـلوم بلا شك ولا حسبان زوجاته في هذه الدنيا وفي الأخـ ... ـرى يقينا واضح البرهان فلذا حرمن على سواه بعده ... إذ ذاك صونا عن فراش ثان لكن أتين بعدة شرعية ... فيها الحداد وملزم الأوطان هذا ورؤيته الكليم مصليا ... في قبره أثر عظيم الشان في القلب منه حسيكة هل قاله ... فالحق ما قد قال ذو البرهان ولذاك أعرض في الصحيح محمد ... عنه على عمد بلا نسيان والدارقطني الإمام أعله ... برواية معلومة التبيان أنس يقول رأى الكليم مصليا ... في قبره فاعجب لذا الفرقان فرواه موقوفا عليه وليس بالمـ ... ـرفوع أشواقا إلى العرفان بين السياق إلى السياق تفاوت ... لا تطرحنه فما هما سيان لكن تقلد مسلما وسواه ممـ ... ـن صح هذا عنده ببيان فرواته الأثبات أعلام الهدى ... حفاظ هذا الدين في الأزمان(1\/182)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "210",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15243",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لكن هذا ليس مختصا به ... والله ذو فضل وذو إحسان فروى ابن حبان الصدوق وغيره ... خبرا صحيحا عنده ذا شان فيه صلاة العصر في قبر الذي ... قد مات وهو محقق الإيمان فتمثل الشمس الذي قد كان ير ... عاها لأجل صلاة ذي القربان عند الغروب يخاف فوت صلاته ... فيقول للملكين هل تدعاني حتى أصلي العصر قبل فواتها ... قالا ستفعل ذاك بعد الآن هذا مع الموت المحقق لا الذي ... حكيت لنا بثبوته القولان هذا وثابت البناني قد دعـ ... ـا الرحمن دعوة صادق الإيقان أن لا يزال مصليا في قبره ... إن كان أعطي ذاك من إنسان لكن رؤيته لموسى ليلة المعـ ... ـراج فوق جميع ذي الأكوان يرويه أصحاب الصحاح جميعهم ... والقطع موجبة بلا نكران ولذاك ظن معارضا لصلاته ... في قبره إذ ليس يجتمعان وأجيب عنه بأنه أسري به ... ليراه ثم مشاهدا بعيان فرآه ثم وفي الضريح وليس ذا ... بتناقض إذ أمكن الوقتان هذا ورد نبينا التسليم من ... يأتي بتسليم مع الإحسان ما ذاك مختصا به أيضا كما ... قد قاله المبعوث بالقرآن من زار قبر أخ له فأتى بتسـ ... ـليم عليه وهو ذو إيمان رد الإله عليه حقا روحه ... حتى يرد عليه رد بيان(1\/183)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "211",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15244",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحديث ذكر حياتهم بقبورهم ... لما يصح وظاهر النكران فانظر إلى الإسناد تعرف حاله ... إن كنت ذا علم بهذا الشان هذا ونحن نقول هم أحياء لـ ... ـكن عندنا كحياة ذي الأبدان والترب تحتهم وفوق رؤوسهم ... وعن الشمائل ثم عن أيمان مثل الذي قد قلتوه معاذنا ... بالله من إفك ومن بهتان بل عند ربهم تعالى مثل ما ... قد قال في الشهداء في القرآن لكن حياتهم أجل وحالهم ... أعلى وأكمل عند ذي الإحسان هذا وأما عرض أعمال العبا ... د عليه فهو الحق ذو إمكان وأتى به أثر فإن صح الحـ ... ـديث به فحق ليس ذا نكران لكن هذا ليس مختصا به ... أيضا بآثار روين حسان فعلى أبي الإنسان يعرض سعيه ... وعلى أقاربه مع الإخوان إن كان سعيا صالحا فرحوا به ... واستبشروا يا لذة الفرحان أو كان سعيا سيئا حزنوا وقا ... لوا رب راجعه إلى الإحسان ولذا استعاذ من الصحابة من روى ... هذا الحديث عقيبه بلسان يا رب إني عائذ من خزية ... أخزى بها عند القريب الداني ذاك الشهيد المرتضى ابن روا ... حة المحبو بالغفران والرضوان لكن هذا ذو اختصاص والذي ... للمصطفى ما يعمل الثقلان هذي نهايات لأقدام الورى ... في ذا المقام الضنك صعب الشان(1\/184)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "212",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15245",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحق فيه ليس تحمله عقو ... ل بني الزمان لغلظة الأذهان ولجهلهم بالروح مع أحكامها ... وصفاتها للإلف بالأبدان فارض الذي رضي الإله لهم به ... أتريد تنقض حكمة الديان هل في عقولهم بأن الروح في ... أعلى الرفيق مقيمة بجنان وترد أوقات السلام عليه من ... أتباعه في سائر الأزمان وكذاك إن زرت القبور مسلما ... ردت لهم أرواحهم للآن فهم يردون السلام عليك لـ ... ـكن لست تسمعه بذي الأذنان هذا وأجواف الطيور الخضر ... مسكنها لدى الجنات والرضوان من ليس يحمل عقله هذا فلا ... تظلمه واعذره على النكران للروح شأن غير ذي الأجسام لا ... تهمله شأن الروح أعجب شان وهو الذي حار الورى فيه فلم ... يعرفه غير الفرد في الأزمان هذا وأمر فوق ذا لو قلته ... بادرت بالإنكار والعدوان فلذاك أمسكت العنان ولو أرى ... ذاك الرفيق جريت في الميدان هذا وقولي إنها مخلوقة ... وحدوثها المعلوم بالبرهان هذا وقولي إنها ليست كما ... قد قال أهل الإفك والبهتان لا داخل فينا ولا هي خارج ... عنا كما قالوه في الديان والله لا الرحمن أثبتم ولا ... أرواحكم يا مدعي العرفان عطلتم الأبدان من أرواحها ... والعرش عطلتم من الرحمن(1\/185)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "213",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15246",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في كسر المنجنيق الذي نصبه أهل التعطيل على معاقل الإيمان وحصونه جيلا بعد جيل",
        "content": "فصل: في كسر المنجنيق الذي نصبه أهل التعطيل على معاقل الإيمان وحصونه جيلا بعد جيل لا يفزعنك قعاقع وفراقع ... وجعاجع عريت عن البرهان ما عندكم شيء يهولك غير ذا ... ك المنجنيق مقطع الأفخاذ والأركان وهو الذي يدعونه التركيب منـ ... ـصوبا على الإثبات منذ زمان أرأيت هذا المنجنيق فإنهم ... نصبوه تحت معاقل الإيمان بلغت حجارته الحصون فهدت الـ ... ـشرفات واستولت على الجدران لله كم حصن عليه استولت الـ ... ـكفار من ذا المنجنيق الجاني والله ما نصبوه حتى عبروا ... قصدا على الحصن العظيم الشان ومن البلية أن قوما بين أهـ ... ـل الحصن واطوهم على العدوان ورموا به معهم وكان مصاب أهـ ... ـل الحصن منهم فوق ذي الكفران فتركبت من كفرهم ووفاق من ... في الحصن أنواع من الطغيان وجرت على الإسلام أعظم محنة ... من ذين تقديرا من الرحمن والله لولا أن تدارك دينه ... الرحمن كان كسائر الأديان لكن أقام له الإله بفضله ... يزكا من الأنصار والأعوان فرموا على ذا المنجنيق صواعقا ... وحجارة هدته للأركان(1\/186)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "214",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15247",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فاسألهم ماذا الذي يعنون ... بالتركيب فالتركيب ست معان إحدى معانيه هو التركيب من ... متباين كتركب الحيوان من هذه الأعضا كذا أعضاؤه ... قد ركبت من أربع الأركان أفلازم ذا للصفات لربنا ... وعلوه من فوق كل مكان ولعل جاهلكم يقول مباهتا ... ذا لازم الإثبات بالبرهان فالبهت عندكم رخيص سعره ... حثوا بلا كيل ولا ميزان هذا وثانيها فتركيب الجوا ... ر وذاك بين اثنين يفترقان كالجسر والباب الذي تركيبه ... بجواره لمحلة من بان والأول المدعو تركيب امتزا ... ج واختلاط وهو ذو تبيان أفلازم ذا من ثبوت صفاته ... أيضا تعالى الله ذو السلطان والثالث التركيب من متماثل ... يدعى الجواهر فردة الأكوان والرابع الجسم المركب من هيو ... لاه وصورته لذي اليونان والجسم فهو مركب من ذين عنـ ... ـد الفيلسوف وذاك ذو بطلان ومن الجواهر عند أرباب الكلا ... م وذاك أيضا واضح البطلان فالمثبتون الجوهر الفرد الذي ... زعموه أصل الدين والإيمان قالوا بأن الجسم منه مركب ... ولهم خلاف وهو ذو ألوان هل يمكن التركيب من جزئين أو ... من أربع أو ستة وثمان أو ست عشرة قد حكاه الأشـ ... ـعري لذي مقالات على التبيان(1\/187)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "215",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15248",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أفلازم ذا من ثبوت صفاته ... وعلوه سبحان ذي السبحان والحق أن الجسم ليس مركبا ... من ذا ولا هذا هما عدمان والجوهر الفرد الذي قد أثبتو ... هـ في الحقيقة ليس ذا إمكان لو كان ذلك ثابتا لزم المحا ... ل لواضح البطلان والبهتان من أوجه شتى ويعسر نظمها ... جدا لأجل صعوبة الأوزان أتكون خردلة تساوي الطود في الأ ... جزاء في شيء من الأذهان إذ كان كل منهما أجزاؤه ... لا تنتهي بالعد والحسبان وإذا وضعت كل الجوهرين وثالثا ... في الوسط وهو الحاجز الوسطاني فلأجله افترقا فلا يتلاقيا ... حتى يزول إذا فيلتقيان ما مسه إحداهما منه هو الممـ ... سوس للثاني بلا فرقان هذا محال أو تقول بغيره ... فهو انقسام واضح التبيان والخامس التركيب من ذات من الـ ... أوصاف هذا باصطلاح ثان سموه تركيبا وذلك وضعهم ... ما ذاك في عرف ولا قرآن لسنا نقر بلفظة موضوعة ... في الاصطلاح لشيعة اليونان أو من تلقى عنهم من فرقة ... جهمية ليست بذي عرفان من وصفه سبحانه بصفاته العليـ ... ـا ويترك مقتضى القرآن والعقل والفطرة أيضا كلها ... قبل الفساد ومقتضى البرهان سموه ما شئتم فليس الشأن في الـ ... أسماء بالألقاب ذات الشان(1\/188)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "216",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15249",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هل من دليل يقتضي إبطال ذا التركـ ... ـيب من عقل ومن فرقان والله لو نشرت شيوخكم لما ... قدروا عليه لو أتى الثقلان والسادس التركيب من ماهية ... ووجودها ما ها هنا شيئان إلا إذا اختلف اعتبارهما فذا ... في الذهن والثاني ففي الأعيان فهناك يعقل كون ذا غيرا لذا ... فعلى اعتبارهما هما غيران أما إذا اتحدا اعتبارا كل نفس وجـ ... ـودها هو ذاتها لا ثان من قال شيئا غير ذا كان الذي ... قد قاله ضرب من الفعلان هذا وكم خبط هنا قد زال بالتفصـ ... ـيل وهو الأصل في العرفان وابن الخطيب وحزبه من بعده ... لم يهتدوا لمواقع الفرقان بل خبطوا نقلا وبحثا أوجبا ... شكا لكل ملدد حيران هل ذات رب العالمين وجوده ... أم غيره فهما إذا شيئان فيكون تركيبا محالا ذاك إن ... قلنا به فيصير ذا إمكان وإذا نفينا ذاك صار وجوده ... كالمطلق الموجود في الأذهان وحكوا أقاويلا ثلاثا ذينـ ... ـك القولين إطلاقا بلا فرقان الثالث التفريق بين الواجب الأ ... على وبين وجود ذي الإمكان وسطوا عليها كلها بالنقض والا ... بطال والتشكيك للانسان حتى أتى من أرض آمد آخرا ... ثور كبير بل حقير الشان قال الصواب الوقف في ذا كله ... والشك فيه ظاهر التبيان(1\/189)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "217",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15250",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا قصارى بحثه وعلومه ... أن شك في الله العظيم الشان(1\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "218",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15251",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في أحكام بيان هذه التراكيب الستة",
        "content": "فصل: في أحكام بيان هذه التراكيب الستة فالأولان حقيقة التركيب لا ... تعدوها في اللفظ والأذهان وكذلك الأعيان أيضا إنما التركـ ... ـيب فيها ذلك النوعان والأوسطان هما اللذان تنازعا العقـ ... ـلاء في تركيب ذي الجثمان ولهم أقاويل ثلاث قد حكينـ ... ـاها وبينا أتم بيان والآخران هما اللذان عليهما ... درات رحى الحرب التي تريان أنتم جعلتم وصفه سبحانه ... بعلوه من فوق ذي الأكوان وصفاته العليا التي ثبتت له ... بالعقل والمنقول ذي البرهان من جملة التركيب ثم نفيتم ... مضمونها من غير ما برهان فجعلتم المرقاة للتعطيل هـ ... ـذا الاصطلاح وذا من العدوان ولكن إذا قيل اصطلاح حادث ... لا حجر في هذا على إنسان فتقول نفيكم بهذا الاصطلا ... ح صفاته هو أبطل البطلان وكذاك نفيكم به لعلوه ... فوق السماء وفوق كل مكان وكذاك نفيكم به لكلامه ... بالوحي كالتوراة والقرآن وكذاك نفيكم لرؤيتنا له ... يوم المعاد كما يرى القمران وكذاك نفيكم لسائر ما أتى ... في النقل من وصف بغير معان(1\/190)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "219",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15252",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كالوجه واليد والأصابع والذي ... أبدا يسوؤكم بلا كتمان وبودكم لو لم يقله ربنا ... ورسوله المبعوث بالبرهان وبودكم والله لما قالها ... أن ليس يدخل مسمع الإنسان قام الدليل على استنادكم الكـ ... ـون أجمعه إلى خلاقه الرحمن ما قام قط على انتفاء صفاته ... وعلوه من فوق ذي الأكوان هو واحد في وصفه وعلوه ... ما للورى رب سواه ثان فلأي معنى تجحدون علوه ... وصفاته بالفشر والهذيان هذا وما المحذور إلا أن يقال ... مع الإله لنا إله ثان أو أن يعطل عن صفات كماله ... هذان محذوران محظوران أما إذا ما قيل رب واحد ... أوصافه أربت على الحسبان وهو القديم فلم يزل بصفاته ... متوحدا بل دائم الإحسان فبأي برهان نفيتم ذا وقلـ ... ـتم ليس هذا قط في الإمكان فلئن زعمتم أنه نقص فذا ... بهت فما في ذاك من نقصان النقص في أمرين سلب كماله ... أو شركة بالواحد الرحمن أتكون أوصاف الكمال نقيصة ... في أي عقل ذاك أم قرآن إن الكمال بكثرة الأوصاف لا ... في سلبها ذا واضح البرهان ما النقص غير السلب حسب وكل ... نقص أصله سلب وهذا واضح التبيان فالجهل سلب العلم وهو نقيصة ... والظلم سلب العدل والإحسان(1\/191)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "220",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15253",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منتقص الرحمن سالب وصفه ... حقا تعالى الله عن نقصان وكذا الثناء عليه ذكر صفاته ... والحمد والتمجيد كل أوان ولذاك أعلم خلقه أدراهم ... بصفاته من جاء بالقرآن وله صفات ليس يحصيها سوا ... هـ من ملائكة ولا إنسان ولذاك يثني في القيامة ساجدا ... لما يراه المصطفى بعيان بثناء حمد لم يكن في هذه الدنيـ ... ـا ليحيصيه مدى الأزمان(1\/192)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "221",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15254",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وثناؤه بصفاته لا بالسلو ... ب كما يقول العادم العرفان والعقل دل على انتهاء الكون ... أجمعه إلى رب عظيم الشان وثبوت أوصاف الكمال لذاته ... لا يقتضي إبطال ذا البرهان والكون يشهد أن خالقه تعا ... لى ذو الكمال ودائم السلطان(1\/193)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "222",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15255",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذاك يشهد أنه سبحانه ... فوق الوجود وفوق كل مكان وكذلك يشهد أنه سبحانه المـ ... ـعبود لا شيء من الأكوان وكذاك يشهد أنه سبحانه ... ذو حكمة في غاية الإتقان وكذاك يشهد أنه ذو قدرة ... حي عليم دائم الإحسان وكذاك يشهد أنه الفعال حـ ... ـقا كل يوم ربنا في شان وكذاك يشهد أنه المختار في ... أفعاله حقا بلا نكران وكذاك يشهد أنه الحي الذي ... ما للمات عليه من سلطان وكذاك يشهد أنه القيوم قا ... م بنفسه ومقيم ذي الأكوان وكذاك يشهد أنه ذو رحمة ... وإرادة ومحبة وحنان وكذاك يشهد أنه سبحانه ... متكلم بالوحي والقرآن وكذاك يشهد أنه سبحانه الـ ... ـخلاق باعث هذه الأبدان لا تجعلوه شاهدا بالزور والتـ ... ـعطيل تلك شهادة البطلان وإذا تأملت الوجود رأيته ... إن لم تكن من زمرة العميان بشهادة الإثبات حقا قائما ... لله لا بشهادة النكران وكذاك رسل الله شاهدة به ... أيضا فسل عنهم عليم زمان وكذاك كتب الله شاهدة به ... أيضا فهذا محكم القرآن وكذلك الفطر التي ما غيرت ... عن أصل خلقتها بأمر ثان وكذا العقول المستنيرات التي ... فيها مصابيح الهدى الرباني(1\/194)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "223",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15256",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أترون أنا تاركو ذا كله ... لشهادة الجهمي واليوناني هذي الشهود فإن طلبتم شاهدا ... من غيرها سيقوم بعد زمان إذ ينجلي هذا الغبار فيظهر الـ ... ـحق المبين مشاهدا بعيان فإذا نفيتم وقلتم إنه ... ملزوم تركيب فمن يلحاني إن قلت لا عقل ولا سمع لكم ... وصرخت فيما بينكم بأذان هل يجعل الملزوم عين اللزم الـ ... ـمنفي هذا بين البطلان فالشيء ليس لنفسه ينفى لدى ... عقل سليم يا ذوي العرفان قلتم نفينا وصفه وعلوه ... من خشية التركيب والإمكان لو كان موصوفا لكان مركبا ... فالوصف والتركيب متحدان أو كان فوق العرش كان مركبا ... فالفوق والتركيب متفقان فنفيتم التركيب بالتركيب مع ... تغيير إحدى اللفظتين بثان بل صورة البرهان أصبح شكلها ... شكلا عقيما ليس ذا برهان لو كان موصوفا لكان كذاك مو ... صوفا وهذا حاصل البرهان فإذا جعلتم لفظة التركيب بالـ ... ـمعنى الصحيح أمارة البطلان جئنا إلى المعنى فخلصناه منـ ... ـها واطرحناها اطراح مهان هي لفظة مقبوحة بدعية ... مذمومة منا بكل لسان واللفظ بالتوحيد نجعله مكا ... ن اللفظ بالتكريب في التبيان واللفظ بالتوحيد أولى بالصفا ... ت وبالعلو لمن له أذنان هذا هو التوحيد عند الرسل لا ... أصحاب جهم شيعة الكفران(1\/195)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "224",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15257",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في أقسام التوحيد والفرق بين توحيد المرسلين وتوحيد النفاة المعطلين",
        "content": "فصل: في أقسام التوحيد والفرق بين توحيد المرسلين وتوحيد النفاة المعطلين فاسمع إذا أنواعه هي خمسة ... قد حصلت أقسامها ببيان توحيد أتباع ابن سينا وهو منـ ... ـسوب لأرسطو من اليونان ما للإله لديهم ماهية ... غير الوجود المطلق الوجدان مسلوب أوصاف الكمال جميعها ... لكن وجود حسب ليس بفان ما إن له ذات سوى نفس الوجو ... د المطلق المسلوب كل معان فلذاك لا سمع ولا بصر ولا ... علم ولا قول من الرحمن ولذاك قالوا ليس ثم مشيئة ... وإرادة لوجود ذي الأكوان بل تلك لازمة له بالذات لم ... تنفك عنه قط في الأزمان ما اختار شيئا قط يفعله ولا ... هذا له أبدا بذي إمكان وبنوا على هذا استحالة خر ... ق ذي الأفلاك يوم قيامة الأبدان ولذاك قالوا ليس يعلم قط شيـ ... ـئا ما من الموجود في الأعيان لا يعلم الأفلاك كم أعدادها ... وكذا النجوم وذانك القمران بل ليس يسمع صوت كل مصوت ... كلا وليس يراه رأي عيان بل ليس يعلم حالة الإنسان تفـ ... ـصيلا من الطاعات والعصيان(1\/196)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "225",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15258",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كلا ولا علم له بتساقط الـ ... أوراق أو بمنابت الأغصان علما على التفصيل هذا عندهم ... عين المحال ولازم الإمكان بل نفس آدم عندهم عين المحا ... ل ولم يكن في سالف الأزمان ما زال نوع الناس موجودا ولا ... يفنى كذاك الدهر والملوان هذا هو التوحيد عند فريقهم ... مثل ابن سينا والنصير الثاني قالوا وألجأنا إلى ذا خشية التـ ... ـركيب والتجسيم ذي البطلان ولذاك قلنا ما له سمع ولا ... بصر ولا علم فكيف يدان وكذاك قلنا ليس فوق العرش ... إلا المستحيل وليس ذا إمكان جسم على جسم كلا الجسمين ... محدود يكون كلاهما صنوان فبذاك حقا صرحوا في كتبهم ... وهم الفحول أئمة الكفران ليسوا مخانيث الوجود فلا إل ... ى الكفران ينحازوا ولا الإيمان والشرك عندهم ثبوت الذات والأ ... وصاف إذ يبقى هناك اثنان غير الوجود فصار ثم ثلاثة ... فلذا نفينا اثنين بالبرهان نفى الوجود فلا يضاف إليه شيء ... غيره فيصير ذا إمكان(1\/197)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "226",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15259",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في النوع الثاني من أنواع التوحيد لأهل الإلحاد",
        "content": "فصل: في النوع الثاني من أنواع التوحيد لأهل الإلحاد هذا وثانيها فتوحيد ابن سبـ ... عين وشيعته أولي البهتان كل اتحادي خبيث عنده ... معبوده موطوؤه الحقاني توحيدهم أن الإله هو الوجو ... د المطلق المبثوث في الأعيان هو عينها لا غيرها ما ها هنا ... رب وعبد كيف يفترقان لكن وهم العبد ثم خياله ... في ذي المظاهر دائما يلجان فلذاك حكمهما عليه نافذ ... فابن الطبيعة ظاهر النقصان فإذا تجرد علمه عن حسه ... وخياله بل ثم تجريدان تجريده عن عقله أيضا فإن الـ ... ـعقل لا يدنيه من ذا الشان بل يخرق الحجب الكثيفة كلها ... وهما وحسا ثم عقل وان فالوهم منه وحسه وخياله ... والعلم والمعقول في الأذهان حجب على ذا الشان فاخرقها وإلا ... كنت محجوبا عن العرفان هذا وأكثفها حجاب الحس والـ ... ـمعقول ذانك صاحب الفرقان فهناك صرت موحدا حقا ترى ... هذا الوجود حقيقة الديان والشرك عندهم فتنويع الوجو ... د وقولنا إن الجود اثنان(1\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "227",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15260",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحتج يوما بالكتاب عليهم ... شخص فقالوا الشرك في القرآن لكنما التوحيد عند القائلين ... بالاتحاد فهم أولو العرفان رب وعبد كيف ذاك وإنما الـ ... ـموجود فرد ماله من ثان(1\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "228",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15261",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في النوع الثالث من التوحيد لأهل الإلحاد",
        "content": "فصل: في النوع الثالث من التوحيد لأهل الإلحاد هذا وثالثها هو التوحيد عنـ ... ـد الجهم وتعطيل بلا إيمان نفي الصفات مع العلو كذاك نفـ ... ـي كلامه بالوحي والقرآن فالعرش ليس عليه شيء بتة ... لكنه خلو من الرحمن ما فوقه رب يطاع ولا عليـ ... ـه للورى من خالق رحمن بل حظ عرش الرب عند فريقهم ... منه كحظ الأسفل التحتاني فهو المعطل عن نعوت كماله ... وعن الكلام وعن جميع معان وانظر إلى ما قد حكينا عنه في ... مبدأ القصيد حكاية التبيان هذا هو التوحيد عند فريقهم ... تلك الفحول مقدمي البهتان والشرك عندهم فإثبات الصفا ... ت لربنا ونهاية الكفران إن كان شرك ذا وكل الرسل قد ... جاؤوا به يا خيبة الإنسان(1\/199)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "229",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15262",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في النوع الرابع من أنواعه",
        "content": "فصل: في النوع الرابع من أنواعه هذا ورابعها فتوحيد لدى ... جبريهم هو غاية العرفان العبد ميت ما له فعل ولكن ما ... ترى هو فعل ذي السلطان والله فاعل فعلنا من طاعة ... ومن الفسوق وسائر العصيان هي فعل رب العالمين حقيقة ... ليست بفعل قط للإنسان فالعبد ميت وهو مجبور على ... أفعاله كالميت في الأكفان وهو الملوم على فعال إلهه ... فيه وداخل جاحم النيران يا ويحه المسكين مظلوم يرى ... في صورة العبد الظلوم الجاني لكن نقول بأنه هو ظالم ... في نفسه أدبا مع الرحمن هذا هو التوحيد عند فريقهم ... من كل جبري خبيث جنان والكل عند غلاتهم طاعاتنا ... ما ثم في التحقيق من عصيان والشرك عندهم اعتقادك فاعلا ... غير الإله المالك الديان فانظر إلى التوحيد عند القوم ما ... فيه من الإشراك والكفران ما عندهم والله شيء غيره ... هاتيك كتبهم بكل مكان أترى أبا جهل وشيعته رأوا ... من خالق ثان لذي الأكوان أم كلهم جمعا أقروا أنه ... هو وحده الخلاق للإنسان(1\/200)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "230",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15263",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا ادعيتم أن هذا غاية ... التوحيد صار الشرك ذا بطلان فالناسكلهم أقروا أنه هو ... وحده الخلاق ليس اثنان إلا المجوس فإنهم قالوا ... بأن الشر خالقه إله ثان(1\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "231",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15264",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في بيان توحيد الأنبياء والمرسلين ومخالفته لتوحيد الملاحدة والمعطلين",
        "content": "فصل: في بيان توحيد الأنبياء والمرسلين ومخالفته لتوحيد الملاحدة والمعطلين فاسمع إذا توحيد رسل الله ثم اجـ ... ـعله داخل كفة الميزان مع هذه الأنواع وانظر أيها ... أولى لدى الميزان بالرجحان توحيدهم نوعان قولي وفعـ ... ـلي كلا نوعيه ذو برهان فالأول القولي ذو نوعين أيـ ... ـضا في كتاب الله موجودان إحداهما سلب وذا نوعان أيـ ... ـضا فيه حقا فيه مذكوران سلب النقائص والعيوب جميعها ... عنه هما نوعان معقولان سلب لمتصل ومنفصل هما ... نوعان معروفان أما الثاني وكذاك سلب الزوج والولد الذي ... نسبوا إليه عابدو الصلبان سلب الشريك مع الظهير مع الشـ ... ـفيع بدون إذن الخالق الديان وكذاك نفي الكفء أيضا والولي ... لنا سوى الرحمن ذي الغفران والأول التنزيه للرحمن عن ... وصف العيوب وكل ذي نقصان(1\/201)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "232",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15265",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كالموت والإعياء والتعب الذي ... ينفى اقتدار الخالق الديان والنوم والسنة التي هي أصله ... وعزوب شيء عنه في الأكوان وكذلك العبث الذي تنفيه حكمتـ ... ـه وحمد الله ذي الإتقان وكذاك ترك الخلق إهمالا سدى ... لا يبعثون إلى معاد ثان كلا ولا أمر ولا نهي ... عليهم من إله قادر ديان وكذاك ظلم عباده وهو الغني ... فما له والظلم للإنسان وكذاك غفلته تعالى وهو علا ... م الغيوب فظاهر البطلان وكذاك النسيان جل إلهنا ... لا يعتريه قط من نسيان وكذاك حاجته إلى طعم ورز ... ق وهو رزاق بلا حسبان هذا وثاني نوعي السلب الذي ... هو أول الأنواع في الأوزان تنزيه أوصاف الكمال له عن التشـ ... ـبيه والتمثيل والنكران لسنا نشبه وصفه بصفاتنا ... إن المشبه عابد الأوثان كلا ولا نخليه من أوصافه ... إن المعطل عابد البهتان من مثل الله العظيم بخلقه ... فهو النسيب لمشرك نصراني أو عطل الرحمن من أوصافه ... فهو الكفور وليس ذا إيمان(1\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "233",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15266",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في النوع الثاني من النوع الأول وهو الثبوت",
        "content": "فصل: في النوع الثاني من النوع الأول وهو الثبوت هذا ومن توحيدهم إثبات أو ... صاف الكمال ربناالرحمن(1\/202)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "234",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15267",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كعلوه سبحانه فوق السماوات ... العلى بل فوق كل مكان فهو العلي بذاته سبحانه ... إذ يستحيل خلاف ذا ببيان وهو الذي حقا على العرش استو ... ى قد قام بالتدبير للأكوان حي مريد قادر متكلم ... ذو رحمة وإرادة وحنان هو أول هو آخر هو ظاهر ... هو باطن هي أربع بوزان ما قبله شيء كذا وما بعده ... شيء تعالى الله ذو السلطان ما فوقه شيء كذا ما دونه ... شيء وذا تفسير ذي البرهان فانظر إلى تفسيره بتدبر ... وتبصر وتعقل لمعان وانظر إلى ما فيه من أنواع معـ ... ـرفة لخالقنا العظيم الشان وهو العلي فكل أنواع العلـ ... ـلو له فثابتة بلا نكران وهو العظيم بكل معنى يوجب التـ ... ـعظيم لا يحصيه من إنسان وهو الجليل فكل أوصاف الجلا ... ل له محققة بلا بطلان وهو الجميل على الحقيقة كيف لا ... وجمال سائر هذه الأكوان من بعض آثار الجميل فربها ... أولى وأجدر عند ذي العرفان فجماله بالذات والأوصاف والـ ... أفعال والأسماء بالبرهان لا شيء يشبه ذاته وصفاته ... سبحانه عن إفك ذي بهتان وهو المجيد صفاته أوصاف تع ... ظيم فشان الوصف أعظم شان وهو السميع يسمع ويرى كل ما ... في الكون من سر ومن إعلان(1\/203)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "235",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15268",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولكل صوت منه سمع حاضر ... فالسر والإعلان مستويان والسمع منه واسع الأصوات لا ... يخفى عليه بعيدها والداني وهو البصير يرى دبيب النملة السـ ... ـوداء تحت الصخرو الصوان ويرى مجاري القوت في أعضائها ... ويرى نياط عروقها بعيان ويرى خيانات العيون بلحظها ... ويرى كذاك تقلب الأجفان وهو العليم أحاط علما بالذي ... في الكون من سر ومن إعلان وبكل شيء علمه سبحانه ... فهو المحيط وليس ذا نسيان وكذاك يعلم ما يكون غدا وما ... قد كان والموجود في ذا الآن وكذاك أمر لم يكن لو ... كان كيف يكون ذا إمكان فصل وهو الحميد فكل حمد واقع ... أو كان مفروضا مدى الأزمان ملأ الوجود جميعه ونظيره ... من غير ما عد ولا حسبان هو أهله سبحانه وبحمده ... كل المحامد وصف ذي الإحسان فصل وهو المكلم عبده موسى بتكـ ... ـليم الخطاب وقبله الأبوان كلماته جلت عن الإحصاء ... والتعداد بل عن حصر ذي الحسبان(1\/204)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "236",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15269",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لو أن أشجار البلاد جميعها الـ ... أقلام تكتبها بكل بنان والبحر تلقى فيه سبعة أبحر ... لكتابة الكلمات كل زمان نفدت ولم تنفد بها كلماته ... ليس الكلام من الإله بفان وهو القدير وليس يعجزه إذا ... ما رام شيئا قط ذو سلطان وهو القوي له القوى جمعا تعا ... لى الله ذو الأكوان والسلطان وهو الغني بذاته فغناه ذا ... تي له كالجود والإحسان وهو العزيز فلن يرام جنابه ... أنى يرام جناب ذي السلطان وهو العزيز القاهر الغلاب لم ... يغلبه شيء هذه صفتان وهو العزيز بقوة هي وصفه ... فالعز حينئذ ثلاث معان وهي التي كملت له سبحانه ... من كل وجه عادم النقصان وهو الحكيم وذاك من أوصافه ... نوعان أيضا ما هما عدمان حكم وإحكام فكل منهما ... نوعان أيضا ثابتا البرهان والحكم شرعي وكوني ولا ... يتلازمان وما هما سيان بل ذاك يوجد دون هذا مفردا ... والعكس أيضا ثم يجتمعان لكن يخلو المربوب من إحداهما ... أو منهما بل ليس ينتفيان لكنما الشرعي محبوب له ... أبدا ولن يخلو من الأكوان هو أمره الديني الذي جاءت رسله ... بقيامه في سائر الأزمان لكنما الكوني فهو قضاؤه ... في خلقه بالعدل والإحسان(1\/205)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "237",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15270",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو كله حق وعدل ذو رضى ... والشأن في المقضي كل الشان فلذاك نرضى بالقضاء ونسخط الـ ... ـمقضي حين يكون بالعصيان فالله يرضى بالقضاء ويسخط الـ ... ـمقضي ما الأمران متحدان فقضاؤه صفة به قامت وما ... المقضي إلا صنعة الرحمن والكون محبوب ومبغوض له ... وكلاهما بمشيئة الرحمن هذا البيان يزيل لبسا طالما ... هلكت عليه الناس كل زمان ويحل ما قد عقدوا بأصولهم ... وبحوثهم فافهمه فهم بيان من وافق الكوني وافق سخطه ... إن لم يوافق طاعة الديان فلذاك لا يعدوه ذم أو فوا ... ت الحمد مع أجر ومع رضوان وموافق الديني لا يعدوه أجـ ... ـر بل له عند الصواب اثنان فصل والحكمة العليا على نوعين أيـ ... ـضا حصلا بقواطع البرهان إحداهما في خلقه سبحانه ... نوعان أيضا ليس يفترقان أحكام هذا الخلق إذ إيجاده ... في غاية الإحكام والإتقان وصدوره من أجل غايات له ... وله عليها حمد كل لسان والحكمة الأخرى فحكمة شرعه ... أيضا وفيها ذانك الوصفان غاياتها اللائي حمدن وكونها ... في غاية الإتقان والإحسان(1\/206)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "238",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15271",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وهو الحيي فليس يفضح عبده ... عند التجاهر منه بالعصيان لكنه يلقي عليه ستره ... فهو الستير وصاحب الغفران وهو الحليم فلا يعاجل عبده ... بعقوبة ليتوب من عصيان وهو العفو فعفوه وسع الورى ... لولاه غار الأرض بالسكان وهو الصبور على أذى أعدائه ... شتموه بل نسبوه للبهتان قالوا له ولد وليس يعيدنا ... شتما وتكذيبا من الإنسان هذا وذاك بسمعه وبعلمه ... لو شاء عاجلهم بكل هوان لكن يعافيهم ويرزقهم وهم ... يؤذونه بالشرك والكفران فصل وهو الرقيب على الخواطر واللوا ... حظ كيف بالأفعال بالأركان وهو الحفيظ عليهم وهو الكفيل ... بحفظهم من كل أمر عان وهو اللطيف بعبده ولعبده ... واللطف في أوصافه نوعان إدرك أسرار الأمور بخبرة ... واللطف عند مواقع الإحسان فيريك عزته ويبدي لطفه ... والعبد في الغفلات عن ذا الشان(1\/207)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "239",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15272",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وهو الرفيق يحب أهل الرفق بل ... يعطيهم بالرفق فوق أمان وهو القريب وقربه المختص بالد ... اعي وعابده على الإيمان وهو المجيب يقول من يدعو أجبـ ... ـه أنا المجيب لكل من ناداني وهو المجيب لدعوة المضطر إذ ... يدعوه في سر وفي إعلان وهو الجواد فجوده عم الوجو ... د جميعه بالفضل والإحسان وهو الجواد فلا يخيب سائلا ... ولو أنه من أمة الكفران وهو المغيث لكل مخلوقاته ... وكذا يجيب إغاثة اللهفان فصل وهو الودود يحبهم ويحبه ... أحبابه والفضل للمنان وهذا الذي جعل المحبة في قلو ... بهم وجازاهم بحب ثان هو هو الإحسان حقا لا معا ... وضة ولا لتوقع الشكران لكن يحب شكورهم وشكورهم ... لا لاحتياج منه للشكران وهو الشكور فلن يضيع سعيهم ... لكن يضاعفه بلا حسبان ما للعباد عليه حق واجب ... هو أوجب الأجر العظيم الشأن كلا ولا عمل لديه ضائع ... إن كان بالإخلاص والإحسان(1\/208)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "240",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15273",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن عذبوا فبعدله أو نعموا ... فبفضله والحمد للمنان فصل وهو الغفور فلو أتى بقرابها ... من غير شرك بل من العصيان لاقاه بالغفران ملء قرابها ... سبحانه هو واسع الغفران وكذلك التواب من أوصافه ... والتواب في أوصافه نوعان إذن بتوبة عبده وقبولها ... بعد المتاب بمنة المنان فصل وهو الإله السيد الصمد الذي ... صمدت إليه الخلق بالإذعان الكامل الأوصاف من كل الوجو ... هـ كماله ما فيه من نقصان وكذلك القهار من أوصافه ... فالخلق مقهورون بالسلطان لو لم يكن حيا عزيزا قادرا ... ما كان من قهر ومن سلطان وكذلك الجبار من أوصافه ... والجبر في أوصافه نوعان جبر الضعيف وكل قلب قد غدا ... ذا كسرة فالجبر منه دان والثاني جبر القهر بالعز الذي ... لا ينبغي لسواه من إنسان وله مسمى ثالث وهو العـ ... ـلو فليس يدنو منه من إنسان من قولهم جبارة للنخلة العليـ ... ـا التي فاتت لكل بنان(1\/209)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "241",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15274",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وهو الحسيب حماية وكفاية ... والحسب كافي العبد كل أوان وهو الرشيد فقوله وفعاله ... رشد وربك مرشد الحيران وكلاهما حق فهذا وصفه ... والفعل للإرشاد ذاك الثاني والعدل من أوصافه في فعله ... ومقاله والحكم في الميزان فعلى الصراط المستقيم إلهنا ... قولا وفعلا ذاك في القرآن فصل هذا ومن أوصافه القدوس ذو التـ ... ـنزيه بالتعظيم للرحمن وهو السلام على الحقيقة سالم ... من كل تمثيل ومن نقصان والبر في أوصافه سبحانه ... هو كثرة الخيرات والإحسان صدرت عن البر الذي هو وصفه ... فالبر حينئذ له نوعان وصف وفعل فهو بر محسن ... مولى الجميل ودائم الإحسان وكذلك الوهاب من أسمائه ... فانظر مواهبه مدى الأزمان أهل السموات العلى والأرض عن ... تلك المواهب ليس ينفكان وكذلك الفتاح من أسمائه ... والفتح في أوصافه أمران فتح بحكم وهو شرع إلهنا ... والفتح بالأقدار فتح ثان(1\/210)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "242",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15275",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والرب فتاح بذين كليهما ... عدلا وإحسانا من الرحمن وكذلك الرزاق من أسمائه ... والرزق من أفعاله نوعان رزق على يد عبده ورسوله ... نوعان أيضا ذان معروفان رزق القلوب العلم والإيمان ... والرزق المعد لهذه الأبدان هذا هو الرزق الحلال وربنا ... رزاقه والفضل للمنان والثان سوق القوت للأعضاء في ... تلك المجاري سوقه بوزان هذا يكون من الحلال كما يكو ... ن من الحرام كلاهما رزقان والله رازقه بهذا الاعتبا ... ر وليس بالإطلاق دون بيان فصل هذا ومن أوصافه القيوم والـ ... قيوم في أوصافه أمران إحداهما القيوم قام بنفسه ... والكون قام به هما الأمران فالأول استغناؤه عن غيره ... والفقر من كل إليه الثاني والوصف بالقيوم ذو شأن كذا ... موصوفه أيضا عظيم الشان والحي يتلوه فأوصاف الكما ... ل هما لأفق سمائها قطبان فالحي والقيوم لن تتخلف ال ... أوصاف أصلا عنهما ببيان هو قابض هو باسط هو خافض ... هو رافع بالعدل والإحسان وهو المعز لأهل طاعته وذا ... عز حقيقي بلا بطلان(1\/211)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "243",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15276",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهو المذل لمن يشاء بذلة الدا ... رين ذل شقاء وذل هوان هو مانع معط فهذا فضله ... والمنع عين العدل للمنان فصل والنور من أسمائه أيضا ومن ... أوصافه سبحان ذي البرهان قال ابن مسعود كلاما قد حكا ... هـ الدرامي عنه بلا نكران ما عنده ليل يكون ولا نها ... ر قلت تحت الفلك يوجد ذان نور السموات العلى من نوره ... والأرض كيف النجوم والقمران من نور وجه الرب جل جلاله ... وكذا حكاه الحافظ الطبراني فبه استنار العرش والكرسي مع ... سبع الطباق وسائر الأكوان وكتابه نور كذلك شرعه ... نور كذا المبعوث بالفرقان وكذلك الإيمان في قلب الفتى ... نور على نور مع القرآن وحجابه نور فلو كشف الحجا ... ب لأحرق السبحات للأكوان وإذا أتى للفصل يشرق نوره ... في الأرض يوم قيامة الأبدان وكذاك دار الرب جنات العلى ... نور تلألأ ليس ذا بطلان والنور ذو نوعين مخلوق ووصـ ... ـف ما هما والله متحدان وكذلك المخلوق ذو نوعين محـ ... ـسوس ومعقول هما شيئان احذر تزل رجليك هوة ... كم قد هوى فيها على الأزمان من عابد بالجهل زلت رجله ... فهوى إلى قعر الحضيض الداني(1\/212)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "244",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15277",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لاحت له أنوار آثار العبا ... دة ظنها الأنوار للرحمن فأتى بكل مصيبة وبلية ... ما شئت من شطح ومن هذيان وكذا الحلولي الذي هو خدنه ... من ههنا حقا هما أخوان ويقابل الرجلين ذو التعطيل والـ ... ـحجب الكثيفة ما هما سيان ذا في كثافة طبعه وظلامه ... وبظلمة التعطيل هذا الثاني والنور محجوب فلا هذا ولا ... هذا له من ظلمة يريان فصل وهو المقدم والمؤخر ذانك الصـ ... ـفتان للأفعال تابعتان وهما صفات الذات أيضا إذ هما ... بالذات لا بالغير قائمتان ولذاك قد غلط المقسم حين ظـ ... ـن صفاته نوعان مختلفان إن لم يرد هذا ولكن قد أرا ... د قيامها بالفعل ذي الإمكان والفعل والمفعول شيء واحد ... عند المقسم ما هما شيئان فلذاك وصف الفعل ليس لديه إلا ... نسبة عدمية ببيان فجميع أسماء الفعال لديه ليـ ... ـست قط ثابتة ذوات معان موجودة لكن أمور كلها ... نسب ترى عدمية الوجدان هذا هو التعطيل للأفعال ... كالتعطيل للأوصاف بالميزان فلحق أن الوصف ليس بمورد التقـ ... ـسيم هذا مقتضى البرهان(1\/213)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "245",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15278",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بل مورد التقسيم ما قد قام ... بالذات التي للواحد الرحمن فهما إذا نوعان أوصاف وأفعـ ... ـال فهذي قسمة التبيان فالوصف بالأفعال يستدعي قيا ... م الفعل بالموصوف بالبرهان كالوصف بالمعنى سوى الأفعال ما ... إن بين ذينك قط من فرقان ومن العجائب أنهم ردوا على ... من أثبت الأسماء دون معان قامت بمن هي وصفه هذا محا ... ل غير معقول لذي الأذهان وأتوا إلى الأوصاف باسم العقل قا ... لوا لم تقم بالواحد الديان فانظر إليهم أبطلوا الأصل الذي ... ردوا به أقوالهم بوزان إن كان هذا ممكنا فكذاك قو ... ل خصومكم أيضا فذو إمكان والوصف بالتقديم والتأخير كو ... ني وديني هما نوعان وكلاهما أمر حقيقي ونسـ ... ـبي ولا يخفى على الأذهان والله قد ذاك أجمعه بإحـ ... ـكام وإتقان من الرحمن هذا ومن أسمائه ما ليس يفـ ... ـرد بل يقال إذا أتى بقران وهي التي تدعى بمزدوجاتها ... إفرادها خطر على الإنسان إذ ذاك موهم نوع نقص جل رب ... العرش عن عيب وعن نقصان كالمانع المعطي وكالضار الذي ... هو نافع وكماله الأمران ونظير هذا القابض المقرون با ... سم الباسط اللفظان مقترنان ...(1\/214)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "246",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15279",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذا المعز مع المذل وخافض ... مع رافع لفظان مزدوجان وحديث إفراد اسم منتقم فمو ... قوف كما قد قال ذو العرفان ما جاء في القرآن غير مقيد ... بالمجرمين وجا بذو نوعان فصل ودلالة الأسماء أنواع ثلا ... ث كلها معلومة ببيان دلت مطابقة كذاك تضمنا ... وكذا التزاما واضح البرهان أما مطابقة الدلالة فهي أن ... الاسم يفهم منه مفهومان ذات الإله وذلك الوصف الذي ... يشتق منه الاسم بالميزان لكن دلالته على إحداهما ... بتضمن فافهمه فهم بيان وكذا دلالته على الصفة التي ... ما اشتق منها فالتزام دان وإذا أردت لذا مثالا بينا ... فمثال ذلك لفظة الرحمن ذات الإله ورحمة مدلولها ... فهما لهذا اللفظ مدلولان إحداهما بعض لذا الموضوع فـ ... ـهي تضمن ذا واضح التبيان(1\/215)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "247",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15280",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لكن وصف الحي لازم ذلك المـ ... ـعنى لزوم العلم للرحمن فلذا دلالته عليه بالتزا ... م بين والحق ذو تبيان(1\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "248",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15281",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في بيان حقيقة الإلحاد في أسماء رب العالمين وذكر انقسام الملحدين",
        "content": "فصل: في بيان حقيقة الإلحاد في أسماء رب العالمين وذكر انقسام الملحدين أسماؤه أوصاف مدح كلها ... مشتقة قد حملت لمعان إياك والإلحاد فيها إنه ... كفر معاذ الله من كفران وحقيقة الإلحاد فيها الميـ ... ـل بالإشراك والتعطيل والنكران فالملحدون إذا ثلاث طوائف ... فعليهم غضب من الرحمن المشركون لأنهم سموا بها ... أوثانهم قالوا إله ثان هم شبهوا المخلوق بالخلاق عكـ ... ـس مشبه الخلاق بالإنسان وكذلك أهل الاتحاد فإنهم ... إخوانهم من أقرب الإخوان أعطوا الوجود جميعه أسماءه ... إذ كان عين الله ذي السلطان والمشركون أقل شركا منهم ... هم خصصوا ذا الاسم بالأوثان ولذاك كانوا أهل شرك عندهم ... لو عمموا ما كان من كفران والملحد الثاني فذو التعطيل إذ ... ينفي حقائقها بلا برهان ما ثم غير الاسم أوله بما ... ينفي الحقيقة نفي ذي بطلان(1\/216)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "249",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15282",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القصد دفع النص عن معنى ... الحقيقة فاجتهد فيه بلفظ بيان عطل وحرف ثم أول وانفها ... واقذف بتجسيم وبالكفران للمثبتين حقائق الأسماء والأ ... وصاف بالأخبار والقرآن فإذا هم احتجوا عليك فقل لهم ... هذا مجاز وهو وضع ثان فإذا غلبت على المجاز فقل لهم ... لا يستفاد حقيقة الإيقان أنى وتلك أدلة لفظية ... عزلت عن الإيقان منذ زمان فإذا تضافرت الأدلة كثرة ... وغلبت عن تقرير ذا تبيان فعليك حينئذ بقانون وضـ ... ـعناه لدفع أدلة القرآن ولكل نص ليس يقبل أن يؤو ... ل بالمجاز ولا بمعنى ثان قل عارض المنقول معقولا وما الأ ... مران عند العقل يتفقان ما ثم إلا واحد من أربع ... متقابلات كلها بوزان إعمال ذين وعكسه أو تلغي المعقـ ... ول ما هذا بذي إمكان العقل أصل النقل وهو أبوه إن ... تبطله يبطل فرعه التحتاني فتعين الإعمال للمعقول والإ ... لغاء للمنقول بالبرهان إعماله يفضي إلى إلغائه ... فاهجره هجر الترك والنسيان والله لم نكذب عليهم إننا ... وهم لدى الرحمن مختصمان وهناك يجزى الملحدون ومن نفى الـ ... إلحاد يجزى ثم بالغفران فاصبر قليلا إنما هي ساعة ... يا مثبت الأوصاف للرحمن(1\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "250",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15283",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلسوف تجني أجرك صبرك حـ ... ـين يجني الغير وزر الإثم والعدوان فالله سائلنا وسائلهم عن الإ ... ثبات والتعطيل بعد زمان فأعد حينئذ جوابا كافيا ... عند السؤال يكون ذا تبيان هذا وثالثهم فنافيها ونا ... في ما تدل عليه بالبهتان ذا جاحد الرحمن رأسا لم يقر ... بخالق أبدا ولا رحمن هذا هو الإلحاد فاحذره لعـ ... ـل الله أن ينجيك من نيران وتفوز بالزلفى لديه وجنة المـ ... ـأوى مع الغفران والرضوان لا توحشنك غربة بين الورى ... فالناس كالأموات في الحسبان أو ما علمت بأن أهل السنة ... الغرباء حقا عند كل زمان قل لي متى سلم الرسول وصحبه ... والتابعون لهم على الإحسان من جاهل ومعاند ومنافق ... ومحارب بالبغي والطغيان وتظن أنك وارث لهم وما ... ذقت الأذى في نصرة الرحمن كلا ولا جاهدت حق جهاده ... في الله لا بيد ولا بلسان منتك والله المحال النفس فاسـ ... ـتحدث سوى ذا الرأي والحسبان لو كنت وارثه لآذاك الألى ... ورثوا عداه بسائر الألوان(1\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "251",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15284",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في النوع الثاني من نوعي توحيد الأنبياء والمرسلين المخالف لتوحيد المشركين والمعطلين",
        "content": "فصل: في النوع الثاني من نوعي توحيد الأنبياء والمرسلين المخالف لتوحيد المشركين والمعطلين هذا وثاني نوعي التوحيد تو ... حيد العبادة منك للرحمن أن لا تكون لغيره عبدا ولا ... تعبد بغير شريعة الإيمان فتقوم بالإسلام والإيمان والـ ... إحسان في سر وفي إعلان والصدق والإخلاص ركنا ذلك التـ ... ـوحيد كالركنين للبنيان وحقيقة الإخلاص توحيد المرا ... د فلا يزاحمه مراد ثان لكن مراد العبد يبقى واحدا ... ما فيه تفريق لدى الإنسان إن كان ربك واحدا سبحانه ... فاخصصه بالتوحيد مع إحسان أو كان ربك واحدا أنشاك لم ... يشركه إذ أنشاك رب ثان فكذاك أيضا وحده فاعبد لا ... تعبد سواه يا أخا العرفان والصدق توحيد الإرادة وهو بذ ... ل الجهد لا كسلا ولا متوان والسنة المثلى لسالكها فتو ... حيد الطريق الأعظم السلطاني فلواحد كن واحدا في واحد ... أعني سبيل الحق والإيمان هذي ثلاث مسعدات للذي ... قد نالها والفضل للمنان فإذا هي اجتمعت لنفس حرة ... بلغت من العلياء كل مكان(1\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "252",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15285",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل والشرك فاحذره فشرك ظاهر ... ذا القسم ليس بقابل الغفران وهو اتخاذ الند للرحمـ ... ـن أيا كان من حجر ومن إنسان يدعوه أو يرجوه ثم يخافه ... ويحبه كمحبة الديان والله ما ساووهم بالله في ... خلق ولا رزق ولا إحسان فالله عندهم هو الخلاق والر ... زاق مولى الفضل والإحسان لكنهم ساووهم بالله في ... حب وتعظيم وفي إيمان جعلوا محبتهم مع الرحمن ما ... حعلوا المحبة قط للرحمن لو كان حبهم لأجل الله ما ... عادوا أحبته على الإيمان(1\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "253",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15286",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولما أحبوا سخطه وتجنبوا ... محبوبه ومواقع الرضوان شرط المحبة أن توافق من ... تحب على محبته بلا عصيان فإذا ادعيت له المحبة مع خلا ... فك ما يحب فأنت ذو بهتان أتحب أعداء الحبيب وتدعي ... حبا له ما ذاك في إمكان وكذا تعادي جاهدا أحبابه ... أين المحبة يا أخا الشيطان ليس العبادة غير توحيد المحبـ ... ـة مع خضوع القلب والأركان والحب نفس وفاقه فيما يحبـ ... ـه وبغض ما لا يرتضي بجنان ووفاقه نفس اتباعك أمره ... والقصد وجه الله ذي الإحسان هذا هو الإحسان شرط في قبو ... ل السعي فافهمه من القرآن والاتباع بدون شرع رسوله ... عين المحال وأبطل البطلان فإذا نبذت كتابه ورسوله ... وتبعت أمر النفس والشيطان واتخذت أندادا تحبهم كحـ ... ـب الله كنت مجانب الإيمان ولقد رأينا من فريق يدعي الإ ... سلام شركا ظاهر التبيان جعلوا له شركاء والوهم وسو ... وهم به في الحب لا السلطان والله ما ساووهم بالله بل ... زادوا لهم حبا بلا كتمان والله ما غضبوا إذا انتهكت محا ... رم ربهم في السر والإعلان حتى إذا ما قيل في الوثن الذي ... يدعونه ما فيه من نقصان فأجارك الرحمن من غضب ومن ... حرب ومن شتم ومن عدوان(1\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "254",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15287",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأجارك الرحمن من ضرب وتعـ ... ـزير ومن سب ومن تسجان والله لو عطلت كل صفاته ... ما قابلوك ببعض ذا العدوان والله لو خالفت نص رسوله ... نصا صريحا واضح التبيان وتبعت قول شيوخهم أو غيرهم ... كنت المحقق صاحب العرفان حتى إذا خالفت آراء الرجا ... ل لسنة المبعوث بالقرآن نادوا عليك ببدعة وضلالة ... قالوا وفي تكفيره قولان قالوا تنقصت الكبار وسائر الـ ... ـعلماء بل جاهرت بالبهتان هذا ولم تسلبهم حقا لهم ... ليكون ذاب كذب وذا عدوان وإذا سلبت صفاته وعلوه ... وكلامه جهرا بلا كتمان لم يغضبوا بل كان ذلك عندهم ... عين الصواب ومقتضى الإحسان والأمر والله العظيم يزيد فو ... ق الوصف لا يخفى على العميان وإذا ذكرت الله توحيد رأيـ ... ـت وجوههم مكسوفة الألوان بل ينظرون إليك شزرا مثل ما ... نظر التيوس إلى عصا الجوبان وإذا ذكرت بمدحه شركاءهم ... يتباشرون تباشر الفرحان والله ما شموا روائح دينه ... يا زكمة أعيت طبيب زمان(1\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "255",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15288",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في صف العسكرين وتقابل الصفين واستدارة رحى الحرب العوان وتصاول الأقران",
        "content": "فصل: في صف العسكرين وتقابل الصفين واستدارة رحى الحرب العوان وتصاول الأقران يا من يشب الحرب جهلا ما لكم ... بقتال حزب الله قط يدان أنى تقوم جنودكم لجنودهم ... وهم الهداة وناصرو الرحمن وجنودكم ما بين كذاب ودجـ ... ـال ومحتال وذي بهتان من كل أرعن يدعي المعقول وهـ ... ـو مجانب للعقل والإيمان أو كل مبتدع وجهمي غدا ... في قلبه حرج من القرآن أو كل من دان دين شيوخ أهـ ... ـل الاعتزال البين البطلان أو قائل بالاتحاد وإنه ... عين الإله وما هنا شيئان أو من غدا في دينه متحيرا ... أتباع كل ملدد حيران وجنودهم جبريل مع ميكال مع ... باقي الملائك ناصري القرآن وجميع رسل الله من نوح إلى ... خير الورى المبعوث من عدنان فالقلب خمستهم أولو العزم الأولى ... في سورة الشورى أتوا ببيان في أول الأحزاب أيضا ذكرهم ... هم خير خلق الله من إنسان ولواؤهم بيد الرسول محمد ... والكل تحت لواء ذي الفرقان وجميع أصحاب الرسول عصابة الإ ... سلام أهل العلم والإيمان والتابعون لهم بإحسان على ... طبقاتهم في سائر الأزمان(1\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "256",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15289",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أهل الحديث جميعهم وأئمة الـ ... ـفتوى وأهل حقائق العرفان العارفون بربهم ونبيهم ... ومراتب الأعمال في الرجحان صوفية سنية نبوية ... ليسوا أولي شطح ولا هذيان هذا كلامهم لدينا حاضر ... من غير ما كذب ولا كتمان فاقبل حوالة من أحال عليهم ... هم أملياء أولو إمكان فإذا بعثنا غارة من أخريا ... ت العسكر المنصور بالقرآن طحنتكم طحن الرحى للحب حـ ... ـتى صرتم كالبعر في القيعان أنى يقاوم ذي العساكر طمطم ... أو تنكلوشا أو أخو اليونان أعني أرسطو عابد الأوثان أو ... ذاك الكفور معلم الألحان ذاك المعلم أولا للحروف والثـ ... ـاني لصوت بئست العلمان هذا أساس الفسق والحرف الذي ... وضعوا أساس الكفر والهذيان أو ذلك المخدوع حامل راية الـ ... إلحاد ذاك خليفة الشيطان أعني ابن سينا ذلك المحلول من ... أديان أهل الأرض ذا الكفران وكذا نصير الشرك في أتباعه ... أعداء رسل الله والإيمان نصروا الضلالة من سفاهة رأيهم ... وغزوا جيوش الدين والقرآن فجرى على الإسلام منهم محنة ... لم تجر قط بسالف الأزمان أو جعدا وجهم وأتباع له ... هم أمة التعطيل والبهتان أو حفص أو بشر أوالنظام ذا ... ك مقدم الفساق والمجان(1\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "257",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15290",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والجعفران كذاك شيطان ويد ... عى الطاق لا حييت من شيطان وكذلك الشحام والعلاف والنـ ... جار أهل الجهل بالقرآن والله ما في القوم شخص رافع ... بالوحي رأسا بل برأي فلان وخيار عسكركم فذاك الأشعر ... ـي القرم ذاك مقدم الفرسان لكنكم والله ما أنتم على ... إثباته والحق ذو برهان هو قال إن الله فوق العرش ... واستولى مقالة كل ذي بهتان في كتبه طرا وقرر قول ذي الـ ... إثبات تقريرا عظيم الشان لكنكم أكفرتموه وقلتم ... من قال هذا فهو ذو كفران فخيار عسكركم فأنتم منهم ... برآء إذ قربوا من الإيمان هذي العساكر قد تلاقت جهرة ... ودنا القتال وصيح بالأقران صفوا الجيوش وعبئوها وابرزوا ... للحرب واقتربوا من الفرسان فهم إلى لقياكم بالشوق كي ... يوفوا بنذرهم من القربان ولهم إليكم شوق ذي قرم فما ... يشفيه غير موائد اللحمان تبا لكم لو تعقلون لكنتم ... خلف الخدور كأضعف النسوان من أين أنتم والحديث وأهله ... والوحي والمعقول بالبرهان ما عندكم إلا الدعاوى والشكا ... وى أو شهادات على البهتان هذا الذي والله نلنا منكم ... في الحرب إذ يتقابل الصفان والله ما جئتم بقال الله أو ... قال الرسول ونحن في الميدان(1\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "258",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15291",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إلا بجعجعة وفرقعة وغم ... غمة وقعقعة بكل لسان ويحق ذاك لكم وأنتم أهله ... أنتم بحاصلكم أولو عرفان وبحقكم تحموا مناصبكم وأن ... تحموا مآكلكم بكل سنان وبحقنا نحمي الهدى ونذب عن ... سنن الرسول ومقتضى القرآن قبح الإله مناصبا ومآكلا ... قامت على العدوان والطغيان والله لو جئتم بقال الله أو ... قال الرسول كفعل ذي الإيمان كنا لكم شاويش تعظيم وإجـ ... ـلال كشاويش لذي سلطان لكن هجرتم ذا وجئتم بدعة ... وأردتم التعظيم بالبهتان فصل العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة هم أولو العرفان ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فلان كلا ولا جحد الصفات لربنا ... في قالب التنزيه والسبحان كلا ولا نفي العلو لفاطر الأ ... كوان فوق جميع ذي الأكوان كلا ولا عزل النصوص وأنها ... ليست تفيد حقائق الإيمان إذ لا تفيدكم يقينا لا ولا ... علما فقد عزلت عن الإيقان والعلم عندكم ينال بغيرها ... بزبالة الأفكار والأذهان سميتموه قواطعا عقلية ... تنفي الظواهر حاملات معان(1\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "259",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15292",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كلا ولا إحصاء آراء الرجا ... ل وضبطها بالحصر والحسبان كلا ولا التأويل والتبديـ ... ـل والتحريف للوحيين بالبهتان كلا ولا الإشكال والتشكيك والـ ... ـوقف الذي ما فيه من عرفان هذي علومكم التي من أجلها ... عاديتمونا يا أولي العرفان(1\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "260",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15293",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في عقد الهدنة والأمان الواقع بين المعطلة وأهل الإلحاد حزب جنكيزخان",
        "content": "فصل: في عقد الهدنة والأمان الواقع بين المعطلة وأهل الإلحاد حزب جنكيزخان يا قوم صالحتم نفاة الذات والأ ... وصاف صلحا موجبا لأمان وأغرتم وهنا عليهم غارة ... قعقعتم فيها لهم بشنان ما كان فيها من قتيل منهم ... كلا ولا فيها أسير عان ولطفتم في القول أو صانعتم ... وآتيتم في بحثكم بدهان وجلستم معهم مجالسكم مع الـ ... أستاذ بالآداب والميزان وضرعتم للقوم كل ضراعة ... حتى أعاروكم سلاح الجاني فغزوتم بسلاحهم لعساكر الإ ... ثبات والآثار والقرآن ولأجل ذا صانعتموهم عند حر ... بكم لهم باللطف والإذعان ولأجل ذا كنتم مخانيثا لهم ... لم تنفتح منكم لهم عينان(1\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "261",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15294",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حذرا من استرجاعهم لسلاحهم ... فترون بعد السلب كالنسوان وبحثتم ما صاحب الإثبات بالتـ ... ـكفير والتضليل والعدوان وقلبتم ظهر المجن له وأجلبـ ... ـتم عليه بعسكر الشيطان والله هذي ريبة لا يختفي ... مضمونها إلا على الثيران هذا وبينهما أشد تفاوت ... فئتان في الرحمن يختصمان هذا نفي ذات الإله ووصفه ... نفيا صريحا ليس بالكتمان لكن إذا وصف الإله بكل أو ... صاف الكمال المطلق الرباني ونفى النقائص والعيوب كنفيـ ... ـه التشبيه للرحمن بالإنسان فلأي شيء كان حربكم له ... بالحد دون معطل الرحمن قلنا نعم هذا المجسم كافر ... أفكان ذلك كامل الإيمان لا تنطفي نيران غيظكم على ... هذا المجسم يا أولي النيران فالله يوقدها ويصلي حرها ... يوم الحساب محرف القرآن يا قومنا قد ارتكبتم خطة ... لم يرتكبها قط ذو عرفان وأعنتم أعداءكم بوفاقكم ... لهم على شيء من البطلان أخذوا نواصيكم بها ولحاكم ... فغدت تجر بذلة وهوان قلتم بقولهم ورمتم كسرهم ... أنى وقد غلقوا لكم برهان وكسرتم الباب الذي من خلفه ... أعداء رسل الله والإيمان فأتى عدو ما لكم بقتالهم ... وبحربهم أبد الزمان يدان(1\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "262",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15295",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فغدوتم أسرى لهم بحبالهم ... أيديكم شدت إلى الأذقان حملوا عليكم كالسباع استقبلت ... حمرا معقرة ذوي أرسان صالوا علكم بالذي صلتم به ... أنتم علينا صولة الفرسان لولا تحيزكم إلينا كنتم ... وسط العرين ممزقي اللحمان لكنا بنا استنصرتم وبقولنا ... صلتم عليهم صولة الشجعان واليتم الإثبات إذ صلتم به ... وعزلتم التعطيل عزل مهان وأتيتم تغزوننا بسرية ... من عسكر التعطيل والكفران من ذا بحق الله أجهل منكم ... وأحقنا بالجهل والعدوان تالله ما يدري الفتى بمصابه ... والقلب تحت الختم والخذلان(1\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "263",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15296",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في مصارع النفاة والمعطلين بأسنة أمراء الإثبات والتوحيد",
        "content": "فصل: في مصارع النفاة والمعطلين بأسنة أمراء الإثبات والتوحيد وإذا أردت ترى مصارع من خلا ... من أمة التعطيل والكفران وتراهم أسرى حقير شأنهم ... أيديهم غلت إلى الأذقان وتراهم تحت الرماح دريئة ... ما فيهم من فارس طعان وتراهم تحت السيوف تنوشهم ... من عن شمائلهم وعن أيمان وتراهم انسلخوا من الوحيين والعـ ... ـقل الصحيح ومقتضى القرآن(1\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "264",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15297",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتراهم والله ضحكة ساخر ... ولطالما سخروا من الإيمان قد أوحشت منهم ربوع زادهـ ... ـها الجبار إيحاشا مدى الأزمان وخلت ديارهم وشتت شملهم ... ما فيهم رجلان مجتمعان قد عطل الرحمن أفئدة لهم ... من كل معرفة ومن إيمان إذ عطلوا الرحمن من أوصافه ... والعرش أخلوه من الرحمن بل عطلوه عن الكلام وعن صفا ... ت كماله بالجهل والبهتان فاقرأ تصانيف الإمام حقيقة ... شيخ الوجود العالم الرباني أعني أبا العباس أحمد ذلـ ... ـك البحر المحيط بسائر الخلجان واقرأ كتاب العقل والنقل الذي ... ما في الوجود له نظير ثان وكذاك منهاج له في رده ... قول الروافض شيعة الشيطان وكذاك أهل الاعتزال فإنه ... أرداهم في حفرة الجبان وكذلك التأسيس أصبح نقضه ... أعجوبة للعالم الرباني وكذاك أجوبة له مصرية ... في ست أسفار كتبن سمان وكذا جواب للنصارى فيه ما ... يشفي الصدور وإنه سفران وكذاك شرح عقيدة للأصبها ... ني شارح المحصول شرح بيان فيها النبوات التي إثباتها ... في غاية التقرير والتبيان والله ما لأولي الكلام نظيره ... أبدا وكتبهم بكل مكان وكذا حدوث العالم العلـ ... ـوي والسفلي فيه في أتم نبيان(1\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "265",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15298",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذا قواعد الاستقامة إنها ... سفران فيما بيننا ضخمان وقرأت أكثرها عليه فزادني ... والله في علم وفي إيمان هذا ولو حدثت نفسي أنه ... قبلي يموت لكان هذا الشان وكذاك توحيد الفلاسفة الألى ... توحيدهم هو غاية الكفران سفر لطيف فيه نقض أصولهم ... بحقيقة المعقول والبرهان وكذاك تسعينية فيها له ... رد على من قال بالنفساني تسعون وجها بينت بطلانه ... أعني كلام النفس ذا الوحدان وكذا قواعده الكبار وإنها ... أوفى من المائتين في الحسبان لم يتسع نظمي لها فأسوقها ... فأشرت بعض إشارة لبيان وكذا رسائله إلى البلدان والأ ... طراف والأصحاب والإخوان هي في الورى مبثوثة معلومة ... تبتاع بالغالي من الأثمان وكذا فتاواه فأخبرني الذي ... أضحى عليها دائم الطوفان بلغ الذي ألفاه منها عدة الأ ... يام من شهر بلا نقصان سفر يقابل كل يوم والذي ... قد فاتني منها بلا حسبان هذا وليس يقصر التفسير عن ... عشر كبار ليس ذا نقصان وكذا المفاريد التي في كل مسـ ... ـألة فسفر واضح التبيان ما بين عشر أو تزيد بضعفها ... هي كالنجوم لسالك حيران وله المقامات الشهيرة في الورى ... قد قامها لله غير جبان(1\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "266",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15299",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نصر الإله ودينه وكتابه ... ورسوله بالسيف والبرهان أبدى فضائحهم وبين جهلهم ... وأرى تناقضهم بكل زمان وأصارهم والله تحت نعال أهـ ... ـل الحق بعد ملابس التيجان وأصارهم تحت الحضيض وطالما ... كانوا هم الأعلام للبلدان ومن العجائب أنه بسلاحهم ... أرداهم تحت الحضيض الداني كانت نواصينا بأيديهم فما ... منا لهم إلا أسير عان فغدت نواصيهم بأيدينا فما ... يلقوننا إلا بحبل أمان وغدت ملوكهم مماليكا لأنصـ ... ـار الرسول بمنة الرحمن وأتت جنودهم التي صالوا بها ... منقادة لعساكر الإيمان يدري بهذا من له خبر بما ... قد قاله في ربه الفئتان والفدم يوحشنا ولكن هناكم ... فحضوره ومغيبه سيان(1\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "267",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15300",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في بيان أن المصيبة التي حلت بأهل التعطيل والكفران من جهة الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان",
        "content": "فصل: في بيان أن المصيبة التي حلت بأهل التعطيل والكفران من جهة الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان يا قوم أصل بلائكم أسماء لم ... ينزل بها الرحمن من سلطان(1\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "268",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15301",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هي عكستكم غاية التعكيس واقتـ ... ـلعت دياركم من الأركان فتهدمت تلك القصور وأوحشت ... منكم ربوع العلم والإيمان والذنب ذنبكم قبلتم لفظها ... من غير تفصيل ولا فرقان وهي التي اشتملت على أمرين من ... حق وأمر واضح البطلان سميتم عرش المهيمن حيزا ... والاستواء تحيزا بمكان وجعلتم فوق السموات العلى ... جهة وسقتم نفي ذا بوزان وجعلتم الإثبات تشبيها وتجـ ... ـسيما وهذا غاية البهتان وجعلتم الموصوف جسما قابل الأ ... عراض والأكوان والألوان وجعلتم أوصافه عرضا وهـ ... ذا كله جسر إلى النكران وكذاك سميتم حلول حوادث ... أفعاله تلقيب ذي عدوان إذ تنفر الأسماع من ذا اللفظ نفـ ... ـرتها من التشبيه والنقصان فكسوتم أفعاله لفظ الحوا ... دث ثم قلتم قول ذي بطلان ليست تقوم به الحوادث والمرا ... د النفي للأفعال للديان فإذا انتفت أفعاله وصفاته ... وكلامه وعلو ذي السلطان فبأي شيء كان ربا عندكم ... يا فرقة التحقيق والعرفان والقصد نفي فعاله عنه بذا التلـ ... ـقيب فعل الشاعر الفتان وكذاك حكمة ربنا سميتم ... عللا وأغراضا وذان اسمان لا يشعران بمدحة بل ضدها ... فيهون حينئذ على الأذهان(1\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "269",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15302",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نفي الصفات وحكمة الخلاق والأ ... فعال إنكارا لهذا الشأن وكذا استواء الرب فوق العرش ... قلتم إنه التركيب ذو بطلان وكذاك وجه الرب جل جلاله ... وكذاك لفظ يد ولفظ يدان سميتم ذا كله الأعضاء بل ... سميتموه جوارح الإنسان وسطوتم بالنفي حينئذ عليـ ... ـه كنفينا للعيب مع نقصان قلتم ننزهه على الأعراض والأ ... غراض والأبعاض والجثمان وعن الحوادث أن تحل بذاته ... سبحانه من طارق الحدثان والقصد نفي صفاته وفعاله ... والاستواء وحكمة الرحمن والناس أكثرهم بسجن اللفظ مسـ ... ـجونون خوف معرة السجان والكل إلا الفرد يقبل مذاهبا ... في قالب ويرده في ثان والقصد أن الذات والأوصاف وال ... أفعال لا تنفى بذا الهذيان سموه ما شئتم فليس الشأن في ال ... أسماء بل في مقصد ومعان كم ذا توسلتم بلفظ الجسم ... والتجسيم للتعطيل والكفران وجعلتموه الترس إن قلنا لكم ... الله فوق العرش والأكوان قلتم لنا جسم على جسم ... تعالى الله عن جسم وعن جثمان وكذاك إن قلنا القرآن كلامه ... منه بدا لم يبد من إنسان كلا ولا ملك ولا لوح ولـ ... ـكن قاله الرحمن قول بيان قلتم لنا إن الكلام قيامه ... بالجسم أيضا وهو ذو حدثان(1\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "270",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15303",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عرض يقوم بغير جسم ولم يكن ... هذا بمعقول لذي الأذهان وكذاك حين نقول ينزل ربنا ... في ثلث ليل آخر أو ثان قلتم لنا إن النزول لغير أجسـ ... ـام محال ليس ذا إمكان وكذاك إن قلنا يرى سبحانه ... قلتم أجسم كي يرى بعيان أم كان ذا جهة تعالى ربنا ... عن ذا فليس يراه من إنسان أما إذا قلنا له وجه كما ... في النص أو قلنا كذاك يدان وكذاك إن قلنا كما في النص إ ... ن القلب بين أصابع الرحمن وكذاك إن قلنا الأصابع فوقها ... كل العوالم وهي ذو رجفان وكذاك إن قلنا يداه لأرضه ... وسمائه في الحشر قابضتان وكذاك إن قلنا سيكشف ساقه ... فيخر ذاك الجمع للأذقان وكذاك إن قلنا يجيء لفصله ... بين العباد بعدل ذي سلطان قامت قيامتكم كذاك قيامة الآ ... تي بهذا القول في الرحمن والله لو قلنا الذي قال الصحا ... بة والألى من بعدهم بلسان لرجمتمونا بالحجارة إن قدر ... تم بعد رجم الشتم والعدوان والله قد كفرتم من قال بعض ... مقالهم يا أمة العدوان وجعلتم الجسم الذي قدرتم ... بطلانه طاغوت ذا البطلان ووضعتم للجسم معنى غير معـ ... روف به في وضع كل لسان وبنيتم نفي الصفات عليه فاجـ ... ـتمعت لكم إذ ذاك محذوران(1\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "271",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15304",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كذب على لغة الرسول ونفي إثـ ... ـبات العلو لفاطر الأكوان وركبتم إذ ذاك تحريفين تحـ ... ـريف الحديث ومحكم القرآن وكسبتم وزرين وزر النفي والتـ ... ـحريف فاجتمعت لكم كفلان وعداكم أجران أجر الصدق والـ ... إيمان حتى فاتكم حظان وكسبتم مقتين مقت إلهكم ... والمؤمنين فنالكم مقتان ولبستم ثوبين ثوب الجهل والـ ... ـظلم القبيح فبئست الثوبان واتخذتم طرزين طرز الكبر والتـ ... ـيه العظيم فبئست الطرزان ومددتم نحو العلى باعين لـ ... ـكن لم تطل منكم لها الباعان وأتيتموها من سوى أبوابها ... لكن تسورتم من الحيطان وغلقتم بابين لو فتحا لكم ... فزتم بكل بشارة وتهان باب الحديث وباب هذا الوحي من ... يفتحهما فليهنه البابان وفتحتم بابين من يفتحهما ... تفتح عليه مواهب الشيطان باب الكلام وقد نهيتم عنه ... والباب الحريق فمنطق اليونان فدخلتم دارين دار الجهل في الد ... نيا ودار الخزي في النيران وطعمتم لونين لون الشك والتشـ ... ـكيك بعد فبئست اللونان وركبتم أمرين كم قد أهلكا ... من أمة في سالف الأزمان تقديم آراء الرجال على الذي ... قال الرسول ومحكم القرآن والثاني نسبتهم إلى الألغاز والتلـ ... ـبيس والتدليس والكتمان(1\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "272",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15305",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومكرتم مكرين لو تما لكم ... لتفصمت فينا عرى الإيمان أطفأتم نور الكتاب وسنة الهـ ... ـادي بذا التحريف والهذيان لكنكم أوقدتمو للحرب نا ... را بين طائفتين مختلفان والله مطفيها بألسنة الألى ... قد خصهم بالعلم والإيمان والله لو غرق المجسم في دم التـ ... ـجسيم من قدم إلى الآذان فالنص أعظم عنده وأجل قد ... را أن يعارضه بقول فلان(1\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "273",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15306",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في كسر الطاغوت الذي نفوا به صفات ذي الملكوت والجبروت",
        "content": "فصل: في كسر الطاغوت الذي نفوا به صفات ذي الملكوت والجبروت أهون بذا الطاغوت لا عز اسمه ... طاغوت ذي التعطيل والكفران كم من أسير بل جريح بل قتيـ ... ـل تحت ذا الطاغوت في الأزمان وترى الجبان يكاد يخلع قلبه ... من لفظه تبا لكل جبان وترى المخنث حين يقرع سمعه ... تبدو عليه شمائل النسوان ويظل منكوحا لكل معطل ... ولكل زنديق أخي كفران وترى صبي العقل يفزعه اسمه ... كالغول حين يقال للصبيان كفران هذا الاسم لا سبحانه ... أبدا وسبحان العظيم الشان كم ذا التترس بالمحال أما ترى ... قد مزقته كثرة السهمان(1\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "274",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15307",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جسم وتجسيم وتشبيه أما ... تعيون من فشر ومن هذيان أنتم وضعتم ذلك الطاغـ ... ـوت ثم به نفيتم موجب القرآن وجعلتموه شاهدا بل حاكما ... هذا على من يا أولي العدوان أعلى كتاب الله ثم رسوله ... بالله فاستحيوا من الرحمن فقضاؤه بالجور والعدوان مثـ ... ـل قيامه بالزور والعدوان وقيامه بالزور مثل قضائه ... بالجور والعدوان والبهتان كم ذي الجعاجع ليس شيء تحتها ... إلا الصدى كالبوم في الخربان ونظير هذا قول ملحدكم وقد ... جحد الصفات لفاطر الأكوان لو كان موصوفا لكان مركبا ... فالوصف والتركيب متحدان ذا المنجنيق وذلك الطاغوت قد ... هدما دياركم إلى الأركان والله ربي قد أعان بكسر ذا ... وبقطع ذا سبحان ذي الإحسان فلئن زعمتم أن هذا لازم ... لمقالكم حقا لزوم بيان فلنا جوابات ثلاث كلها ... معلومة الإيضاح والتبيان منع اللزوم وما بأيديكم سوى ... دعوى مجردة عن البرهان لا يرتضيها عالم أو عاقل ... بل تلك حيلة مفلس فتان فلئن زعمتم أن منع لزومه ... منكم مكابرة على البطلان فجوابنا الثاني امتناع النفي في ... ما تدعون لزومه ببيان إن كان ذلك لازما للنص والملـ ... ـزوم حق وهو ذو برهان(1\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "275",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15308",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحق لازمه فحق مثله ... أنى يكون الشيء ذا بطلان ويكون ملزوما به حقا فذا ... عين المحال وليس في الإمكان فتعين الإلزام حينئذ على ... قول الرسول ومحكم القرآن وجعلتم أتباعه مانسترا ... خوف خوفا من التصريح بالكفران والله ما قلنا سوى ما قاله ... هذي مقالتنا بلا كتمان فجعلتموها جنة والقصد مفهـ ... ـوم فنحن وقاية القرآن هذا وثالث ما نجيب به هو استـ ... ـفساركم يا فرقة العرفان ماذا الذي تعنون بالجسم الذي ... ألزمتمونا أوضحوا ببيان تعنون ما هو قائم بالنفس أو ... عال على العرش العظيم الشان أو ذا الذي قامت به الأوصاف أو ... صاف الكمال عديمة النقصان أو ما تركب من جواهر فردة ... أو صورة حلت هيولى ثان أو ما هو الجسم الذي في العرف أو ... في الوضع عند تخاطب بلسان أو ما هو الجسم الذي في الذهن ذا ... ك يقال تعليم لذي الأذهان ماذا الذي في ذاك يلزم من ثبو ... ت علوه من فوق كل مكان فأتوا بتعيين الذي هو لازم ... فإذا تعين ظاهر التبيان فأتوا ببرهانين برهان اللزو ... م ونفي لازمه فذان اثنان والله لو نشرت لكم أشياخكم ... عجزوا ولو واطاهم الثقلان إن كنتم أنتم فحولا فابرزوا ... ودعوا الشكاوى حيلة النسوان(1\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "276",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15309",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا اشتكيتم فاجعلوا الشكوى إلى ... الوحيين لا القاضي ولا السلطان فنجيب بالتركيب حينئذ جوابا ... شافيا فيه هدى الحيران الحق إثبات الصفات ونفيها ... عين المحال وليس في الإمكان فالجسم إما لازم لثبوتها ... فهو الصواب وليس ذا بطلان أو ليس يلزم من ثبوت صفاته ... فشناعة الالتزام بالبهتان فالمنع في إحدى المقدمتين معـ ... ـلوم البيان إذا بلا نكران المنع إما في اللزوم أو انتقا ... ء اللازم المنسوب للبطلان هذا هو الطاغوت قد أضحى كما ... أبصرتموه بمنة الرحمن(1\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "277",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15310",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في مبدأ العداوة الواقعة بين المثبتين الموحدين وبين النفاة المعطلين",
        "content": "فصل: في مبدأ العداوة الواقعة بين المثبتين الموحدين وبين النفاة المعطلين يا قوم تدرون العداوة بيننا ... من أجل ماذا في قديم زمان انأ تحيزنا إلى القرآن والنـ ... ـقل الصحيح مفسر القرآن وكذا إلى العقل الصريح وفطرة الر ... حمن قبل تغير الإنسان هي أربع متلازمات بعضها ... قد صدقت بعضا على ميزان والله ما اجتمعت لديكم هذه ... أبدا كما أقررتم بلسان إذ قلتم العقل الصحيح يعارض الـ ... ـمنقول من أثر ومن قرآن(1\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "278",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15311",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فنقدم المعقول ثم نصرف الـ ... ـمنقول بالتأويل ذي الألوان فإذا عجزنا عنه ثم ألقيناه لم ... نعبأ به قصدا إلى الإحسان ولكم بذا سلف لهم تابعتم ... لما دعوا للأخذ بالقرآن صدوا فلما أن أصيبوا أقسموا ... لمرادنا توفيق ذي الإحسان ولقد أصيبوا في قلوبهم وفي ... تلك العقول بغاية النقصان فأتوا بأقوال إذا حصلتها ... أسمعت ضحكة هازل مجان هذا جزاء المعرضين عن الهدى ... متعوضين زخارف الهذيان واضرب لهم مثلا بشيخ القوم إذ ... يأبى السجود بكبر ذي طغيان ثم ارتضى أن صار قوادا لأر ... باب الفسوق وكل ذي عصيان وكذاك أهل الشرك قالوا كيف ذا ... بشر أتى بالوحي والقرآن ثم ارتضوا أن يجعلوا معبودهم ... من هذه الأحجار والأوثان وكذاك عباد الصليب حموا بتا ... ركهم من النسوان والولدان وأتوا إلى رب السموات العلى ... جعلوا له ولدا من الذكران وكذلك الجهمي نزه ربه ... عن عرشه من فوق ذي الأكوان حذرا من الحصر الذي في ظنه ... أو أن يرى متحيزا بمكان فأصاره عدما وليس وجوده ... متحققا في خارج الأذهان لكنما قدماءهم قالوا بأن ... الذات قد وجدت بكل مكان جعلوه في الآبار والأنجاس والـ ... ـحانات والخربات والقيعان والقصد أنكم تحيزتم إلى الآر ... اء وهي كثيرة الهذيان فتلونت بكم فجئتم أنتم ... متلونين عجائب الأكوان وعرضتم قول الرسول على الذي ... قد قاله الأشياخ عرض وزان وجعلتم أقوالهم ميزان ما ... قد قاله والقول في الميزان ووردتم سفل المياه ولم نكن ... نرضى بذاك الورد للظمآن وأخذتم أنتم بنيات الطريق ونحـ ... ن سرنا في الطريق الأعظم السلطاني وجعلتم ترس الكلام مجنكم ... تبا لذاك الترس عند طعان ورميتم أهل الحديث بأسهم ... عن قوس موتور الفؤاد جبان فتترسوا بالوحي والسنن التي ... تتلوه نعم الترس للشجعان(1\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "279",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15312",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو ترسهم والله من عدوانكم ... والترس يوم البعث من نيران أفتاركوه لفشركم ومحالكم ... لا كان ذاك بمنة الرحمن ودعوتمونا للذي قلتم به ... قلنا معاذ الله من خذلان فاشتد ذاك الحرب بين فريقنا ... وفريقكم وتفاقم الأمران وتأصلت تلك العداوة بيننا ... من يوم أمر الله للشيطان بسجوده فعصى وعارض أمره ... بقياسه وبعقله الخوان فأتى التلاميذ الوقاح فعارضوا ... أخباره بالفشر والهذيان ومعارض للأمر مثل معارض الأ ... خبار هم في كفرهم صنوان من عارض المنصوص بالمعقول قد ... ما أخبرونا يا أولي العرفان أو ما عرفتم أنه القدري والـ ... ـجبري أيضا ذاك في القرآن إذ قال قد أغويتني وفتنتني ... لأزينن لهم مدى الأزمان فاحتج بالمقدور ثم أبان أن الـ ... ـفعل منه بغية وزيان فانظر إلى ميراثهم ذا الشيـ ... ـيخ بالتعصيب والميراث بالسهمان فسألتكم بالله من وراثه ... منا ومنكم بعد ذا التبيان هذا الذي ألقى العداوة بيننا ... إذ ذاك واتصلت به إلى الآن أصلتم أصلا وأصل خصمكم ... أصلا فحين تقابل الأصلان ظهر التباين فانتشت ما بيننا الـ ... ـحرب العوان وصيح بالأقران أصلتم آراء الرجال وخرصها ... من غير برهان ولا سلطان(1\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "280",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15313",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا وكم رأي لهم فبرأي من ... نزن النصوص فأوضحوا ببيان كل له رأي ومعقول له ... يدعو ويمنع أخذ رأي فلان والخصم أصل محكم القرآن مع ... قول الرسول فطرة الرحمن وبنى عليه فاعتلى بنيانه ... نحو السما أعظم بذا البنيان وعلى شفا جرف بنيتم أنتم ... فأتت سيول الوحي والإيمان قلعت أساس بنائكم فتهدمت ... تلك السقوف وخر للأركان الله أكبر لو رأيتم ذلك البنيـ ... ـان حين علا كمثل دخان تسمو إليه نواظر من تحته ... وهو الوضيع ولو يرى بعيان فاصبر له وهنا ورد الطرف تلقـ ... ـاه قريبا في الحضيض الداني(1\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "281",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15314",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في بيان أن التعطيل أساس الزندقة والكفران والإثبات أساس العلم والإيمان",
        "content": "فصل: في بيان أن التعطيل أساس الزندقة والكفران والإثبات أساس العلم والإيمان من قال إن الله ليس بفاعل ... فعلا يقوم به قيام معان كلا وليس الأمر أيضا قائما ... بالرب بل من جملة الأكوان كلا وليس الله فوق عباده ... بل عرشه خلو من الرحمن فثلاثة والله لا تبقي من الإ ... يمان حبة خردل بوزان(1\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "282",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15315",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد استراح معطل هذه الثلا ... ث من الإله وجملة القرآن ومن الرسول ودينه وشريعة ... الإسلام بل من جملة الأديان وتمام ذاك جحوده لصفاته ... والذات دون الوصف ذو بطلان وتمام ذا الإيمان إقرار الفتى ... بالله فاطر هذه الأكوان فإذا أقر به وعطل كل مفـ ... ـروض ولم يتوق من عصيان لم ينقص الإيمان حبة خردل ... أنى وليس بقابل النقصان وتمام هذا قوله أن النبـ ... ـوة ليس وصفا قام به الإنسان لكن تعلق ذلك المعنى القديـ ... ـم بواحد من جملة الإنسان هذا وما ذاك التعلق ثابتا ... في خارج بل ذاك في الأذهان فتعلق الأقوال لا يعطي الذي ... وقفت عليه الكون في الأعيان هذا إذا ما حصل المعنى الذي ... قلتم هو النفسي في البرهان لكن جمهور الطوائف لم يروا ... ذا ممكنا بل ذاك ذو بطلان ما قال هذا غيركم من سائر النـ ... ـظار في الآفاق والأزمان تسعون وجها بينت بطلانه ... لولا القريض لسقتها بوزان يا قوم أين الرب أين كلامه ... أين الرسول فأوضحوا ببيان ما فوق عرش الرب من هو قائل ... طه ولا حرفا من القرآن ولقد شهدتم أن هذا قولكم ... والله يشهد مع أولي الأيمان وارحمتاه لكم غبنتم حظكم ... من كل معرفة ومن إيمان(1\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "283",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15316",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونسبتم للكفر أولى منمكم ... بالله والإيمان والقرآن هذي بضاعتكم فمن يستامها ... فقد ارتضى بالجهل والخسران وتمام هذا قولكم في مبدأ ... ومعادنا أعني المعاد الثاني وتمام هذا قولكم بفناء دا ... ر الخلد فالداران فانيتان يا قومنا بلغ الوجود بأسره الد ... نيا مع الأخرى مع الإيمان الخلق والأمر المنزل والجزا ... ومنازل الجنات والنيران والناس قد ورثوه بعد فمنهم ... ذو السهم والسهمين والسهمان بئس المورث والمورث والترا ... ث ثلاثة أهل لكل هوان يا وراثين نبيهم بشراكم ... ما إرثكم مع إرثهم سيان شتان بين الوارثين وبين مو ... روثيهما وسهام ذي سهمان يا قوم ما صاح الأئمة جهدهم ... بالجهم من أقطارها بأذان إلا لما عرفوه من أقواله ... ومآلها بحقيقة العرفان قول الرسول وقول جهم عندنا ... في قلب عبد ليس يجتمعان نصحوكم والله جهد نصيحة ... ما فيهم والله من خوان فخذو بهديهم فربي ضامن ... ورسوله أن تفعلوا بجنان فإذا أبيتم فالسلام على من اتبـ ... ـع الهدى وانقاد للقرآن سيروا على نجب العزائم واجعلوا ... بظهورها المسرى إلى الرحمن سبق المفرد وهو ذاكر ربه ... في كل حال ليس ذا نسيان(1\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "284",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15317",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لكن أخو الغفلات منقطع به ... بين المفاوز تحت ذي الغيلان صيد السباع وكل وحش كاسر ... بئس المضيف لأعجز الضيفان وكذلك الشيطان يصطاد الذي ... لا يذكر الرحمن كل أوان والذكر أنواع فأعلى نوعه ... ذكر الصفات لربنا المنان وثبوتها أصل لهذا الذكر والنـ ... ـافي لها داع إلى النسيان فلذاك كان خليفة الشيطان ذا ... لا مرحبا بخليفة الشيطان والذاكرون على مراتبهم فأعـ ... ـلاهم أولو الإيمان والعرفان بصفاته العليا إذا قاموا بحمـ ... ـد الله في سر وفي إعلان وأخص أهل الذكر بالرحمن أعـ ... ـلمهم بها هم صفوة الرحمن وكذاك كان محمد وأبوه إبـ ... ـراهيم والمولود من عمران وكذاك نوح وابن مريم عندنا ... هم خير خلق الله من إنسان لمعارف حصلت لهم بصفاته ... لم يؤتها أحد من الإنسان وهم أولو العزم الذي بسورة الأ ... حزاب والشورى أتوا ببيان وكذلك القرآن مملوء من الأ ... وصاف وهي القصد بالقرآن ليصير معروفا لنا بصفاته ... ويصير مذكورا لنا بجنان ولسان أيضا مع محبتنا له ... فلأجل ذا الثبات في الإيمان مثل الأساس من البناء فمن يرم ... هدم الأساس فكيف بالبنيان والله ما قام البناء لدين رسـ ... ـل الله بالتعطيل للديان(1\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "285",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15318",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما قام إلا بالصفات مفصلا ... إثباتها تفصيل ذي عرفان فهي الأساس لديننا ولكل ديـ ... ـن قبله من سائر الأديان وكذاك زندقة العباد أساسها التـ ... ـعطيل يشهد ذا أولو العرفان والله ما في الأرض زندقة بدت ... إلا من التعطيل والنكران والله ما في الأرض زندقة بدت ... من جانب الإثبات والقرآن هذي زنادقة العباد جميعهم ... ومصنفاتهم بكل مكان ما فيهم أحد يقول الله فو ... ق العرش مستول على الأكوان ويقول إن الله جل جلاله ... متكلم بالوحي والقرآن ويقول إن الله كلم عبده ... موسى فأسمعه بذي الآذان ويقول إن النقل غير معارض ... للعقل بل أمران متفقان والنقل جاء بما يحار العقل فيـ ... ـه لا بالمحال البين البطلان فانظر إلى الجهمي كيف أتى إلى ... أس الهدى ومعاقل الإيمان بمعاول التعطيل يقطعها فما ... يبقى على التعطيل من إيمان يدري بهذا عارف بمآخذ ال ... أقوال مضطلع بهذا الشان والله لو حدقتم لرأيتم ... هذا وأعظم منه رأي عيان لكن على تلك العيون غشاوة ... ما حيلة الكحال في العميان(1\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "286",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15319",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في بهت أهل الشرك والتعطيل في رميهم أهل التوحيد والإثبات بتنقيص الرسول",
        "content": "فصل: في بهت أهل الشرك والتعطيل في رميهم أهل التوحيد والإثبات بتنقيص الرسول قالوا تنقصتم من رسول الله وا ... عجبا لهذا البغي والبهتان عزلوه أن يحتج قط بقوله ... في العلم بالله العظيم الشان عزلوا كلام الله ثم رسوله ... عن ذاك عزلا ليس ذا كتمان جعلوا حقيقته وظاهره هو الـ ... ـكفر الصريح البين البطلان قالوا وظاهره هو التشبيه والتـ ... ـجسيم حاشا ظاهر القرآن من قال في الرحمن ما دلت عليـ ... ـه حقيقة الأخبار والفرقان فهو المشبه والممثل والمجـ ... ـسم عابد الأوثان لا الرحمن تالله قد مسخت عقولكم فليـ ... ـس وراء هذا قط من نقصان ورميتم حزب الرسول وجنده ... بمصابكم يا فرقة البهتان وجعلتم التنقيص عين وفاقه ... إذ لم يوافق ذاك رأي فلان أنتم تنقصتم إله العرش ... والقرآن والمبعوث بالقرآن نزهتموه عن صفات كماله ... وعن الكلام وفوق كل مكان وجعلتم ذا كله التشبيه والتـ ... ـمثيل والتجسيم ذا البطلان وكلامكم فيه الشفاء وغاية الـ ... ـتحقيق يا عجبا لذا الخذلان(1\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "287",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15320",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جعلوا عقولهم أحق بأخذ ما ... فيها من الأخبار والقرآن وكلامه لا يستفاد به اليقيـ ... ـن لأجل ذا لا يقبل الخصمان تحكيمه عند اختلافهما بل الـ ... ـمعقول ثم المنطق اليوناني أي التنقص بعد ذا لولا الوقا ... حة والجراءة يا أولي العدوان يا من له عقل ونور قد غدا ... يمشي به في الناس كل زمان لكننا قلنا مقالة صارخ ... في كل وقت بينكم بأذان الرب رب والرسول فعبده ... حقا وليس لنا إله ثان فلذاك لم نعبده مثل عبادة الـ ... ـرحمن فعل المشرك النصراني كلا ولم نغل الغلو كما نهى ... عنه الرسول مخافة الكفران لله حق لا يكون لغيره ... ولعبده حق هما حقان لا تجعلوا الحقين حقا واحدا ... من غير تمييز ولا فرقان فالحج للرحمن دون رسوله ... وكذا الصلاة وذبح ذا القربان وكذا السجود ونذرنا ويميننا ... وكذا متاب العبد من عصيان وكذا التوكل والإنابة والتقى ... وكذا الرجاء وخشية الرحمن وكذا العبادة واستعانتنا به ... إياك نعبد ذان توحيدان وعليهما قام الوجود بأسره ... دنيا وأخرى حبذا الركنان وكذلك التسبيح والتكبير والتـ ... ـهليل حق إلهنا الديان لكنما التعزيز والتوقير حـ ... ق للرسول بمقتضى القرآن(1\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "288",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15321",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والحب والإيمان والتصديق لا ... يختص بل حقان مشتركان هذي تفاصيل الحقوق ثلاثة ... لا تجهلوها يا أولي العدوان حق الإله عبادة بالأمر لا ... بهوى النفوس فذاك للشيطان من غير إشراك به شيئا هما ... سببا النجاة فحبذا السببان ورسوله فهو المطاع وقوله المـ ... ـقبول إذ هو صاحب البرهان والأمر منه الحتم لا تخيير فيـ ... ـه عند ذي عقل وذي إيمان من قال قولا غيره قمنا على ... أقواله بالسبر والميزان إن وافقت قول الرسول وحكمه ... فعلى الرؤوس تشال كالتيجان أو خالفت هذا رددناها على ... من قالها من كان من إنسان أو أشكلت عنا توقفنا ولم ... نجزم بلا علم ولا برهان هذا الذي أدى إليه علمنا ... وبه ندين الله كل أوان فهو المطاع وأمره العالي على ... أمر الورى وأوامر السلطان وهو المقدم في محبتنا على الـ ... أهلين والأزواج والولدان وعلى العباد جميعهم حتى على النـ ... ـفس التي قد ضمها الجنبان ونظير هذا قول أعداء المسـ ... ـيح من النصارى عابدي الصلبان إنا تنقصنا المسيح بقولنا ... عبد وذلك غاية النقصان لو قلتم ولد إله خالق ... وفيتموه حقه بوزان وكذاك أشباه النصارى قد غلوا ... في دينهم بالجهل والطغيان(1\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "289",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15322",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "صاروا معادين الرسول وديننا ... في صورة الأحباب والإخوان فانظر إلى تبديلهم توحيده ... بالشرك والإيمان بالكفران وانظر إلى تجريده التوحيد من ... أسباب كل الشرك بالرحمن راجع مقالتهم وما قد قاله ... واستدع بالنقاد والوزان عقل وفطرتك السليمة ثم زن ... هذا وذا لا تطغ في الميزان فهناك تعلم أي حزبينا هو الـ ... منتقص المنقوص ذو العدوان رامي البريء بدائه ومصابه ... فعل المباهت أوقح الحيوان كمعير الناس بالزغل الذي ... هو ضربه فاعجب لذي البهتان يا فرقة التنقيص بل يا أمة ... الدعوى بلا علم ولا عرفان والله ما قدمتم يوما مقا ... لته على التقليد للإنسان والله ما قال الشيوخ وقال إلا ... كنتم معهم بلا كتمان والله أغلاط الشيوخ لديكم ... أولى من المعصوم بالبرهان وكذا قضيتم بالذي حكمت به ... جهلا على الأخبار والقرآن والله إنهم لديكم مثل ... معصوم وهذا غاية الطغيان تبا لكم ماذا التنقص بعد ذا ... لو تعرفون العدل من نقصان والله ما يرضيه جعلكم له ... ترسا لشرككم وللعدوان وكذاك جعلكم المشايخ جنة ... بخلافه والقصد ذو تبيان والله يشهد ذا بجذر قلوبكم ... وكذاك يشهده أولو الإيمان(1\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "290",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15323",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والله ما عظمتموه طاعة ... ومحبة يا فرقة العصيان إني وجهلكم به وبدينه ... وخلافكم للوحي معلومان أوصاكم أشياخكم بخلافهم ... لوفاقه في سالف الأزمان خالفتم قول الشيوخ وقوله ... فغدا لكم خلفان متفقان والله أمركم عجيب معجب ... ضدان فيكم ليس يتفقان تقديم آراء الرجال عليه مع ... هذا الغلو فكيف يجتمعان كفرتم من جرد التوحيد جهـ ... ـلا منكم بحقائق الإيمان لكن تجردتم لنصر الشرك والـ ... ـبدع المضلة في رضا الشيطان والله لم نقصد سوى التجريد للتـ ... ـوحيد ذاك وصية الرحمن ورضا رسول الله منا لا غلو ... الشرك أصل عبادة الأوثان والله لو يرضى الرسول دعاءنا ... إياه بادرنا إلى الإذعان والله لو يرضى الرسول سجودنا ... كنا نخر له على الأذقان والله ما يرضيه منا غير ... إخلاص وتحكيم لذا القرآن ولقد نهى ذا الخلق عن إطرائه ... فعل النصارى عابدي الصلبان ولقد نهانا أن نصير قبره ... عيدا حذار الشرك بالرحمن ودعا بأن لا يجعل القبر الذي ... قد ضمه وثنا من الأوثان فأجاب رب العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران حتى اغتدت أرجاؤه بدعائه ... في عزة وحماية وصيان(1\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "291",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15324",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولقد غدا عند الوفاة مصرحا ... باللعن يصرخ فيهم بأذان وعنى الألى جعلوا القبور مساجدا ... وهم اليهود وعابدو الصلبان والله لولا ذاك أبرز قبره ... لكنهم حجبوه بالحيطان قصدوا إلى تسنيم حجرته ليمـ ... ـتنع السجود له على الأذقان قصدوا موافقة الرسول وقصـ ... ـده التجريد للتوحيد للرحمن يا فرقة جهلت نصوص نبيهم ... وقصوده وحقيقة الإيمان فسطوا على أتباعه وجنوده ... بالبغي والعدوان والبهتان لا تعجلوا وتبينوا وتثبتوا ... فمصابكم ما فيه من حيران قلنا الذي قال الأئمة قبلنا ... وبه النصوص أتت على التبيان القصد حج البيت وهو فريضة الر ... حمن واجبة على الأعيان ورحالنا شدت إليه من بقا ... ع الأرض قاصيها كذاك الداني من لم يزر بيت الإله فما له ... من حجه سهم ولا سهمان وكذا نشد رحالنا للمسجد النـ ... ـبوي خير مساجد البلدان من بعد مكة أو على الإطلاق فيـ ... ـه الخلف بين القوم منذ زمان ونراه عند النذر فرضا لكـ ... ـن النعمان يأبى ذا وللنعمان أصل هو النافي الوجوب فإنه ... ما جنسه فرضا على الإنسان ولنا براهين تدل بأنه ... بالنذر مفترض على الإنسان أمر الرسول لكل ناذر طاعة ... بوفائه بالنذر بالإحسان(1\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "292",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15325",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصلاتنا فيه بألف من سوا ... هـ ما خلا ذا الحجر والأركان وكذا صلاة في قبا فكعمرة ... في أجرها والفضل للمنان فإذا أتينا المسجد النبوي ... صلينا التحية أولا ثنتان بتمام أركان لها وخشوعها ... وحضور قلب فعل ذي الإحسان ثم انثنينا للزيارة نقصد القبـ ... ـر الشريف ولو على الأجفان فنقوم دون القبر وقفة خاضع ... متذلل في السر والإعلان فكأنه في القبر حي ناطق ... فالواقفون نواكس الأذقان ملكتهم تلك المهابة فاعترت ... تلك القوائم كثرة الرجفان وتفجرت تلك العيون بمائها ... ولطالما غاضت على الأزمان وأتى المسلم بالسلام بهيبة ... ووقار ذي علم وذي إيمان لم يرفع الأصوات حول ضريحه ... كلا ولم يسجد على الأذقان كلا ولم ير طائفا بالقبر أسـ ... ـبوعا كأن القبر بيت ثان من انثنى بدعائه متوجها ... لله نحو البيت ذي الأركان هذي زيارة من غدا متمسكا ... لشريعة الاستلام والإيمان من أفضل الأعمال هاتيك الزيا ... رة وهي يوم الحشر في الميزان لا تلبسوا الحق الذي جاءت به ... سنن الرسول بأعظم البرهان هذي زيارتنا ولم ننكر سـ ... ـوى البدع المضلة يا أولي العدوان وحديث شد الرحل نص ثابت ... يجب المصير أليه بالبرهان(1\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "293",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15326",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في تعيين أن اتباع السنة والقرآن طريقة النجاة من النيران",
        "content": "فصل: في تعيين أن اتباع السنة والقرآن طريقة النجاة من النيران يا من يريد نجاته يوم الحسا ... ب من الجحيم وموقد النيران اتبع رسول الله في الأقوال والأ ... عمال لا تخرج عن القرآن وخذ الصحيحين الذين همـ ... ـا لعقد الدين والإيمان واسطتان واقرأهما بعد التجرد من هوى ... وتعصب وحمية الشيطان واجعلهما حكما ولا تحكم على ... ما فيهما أصلا بقول فلان واجعل مقالته كبعض مقالة مقال الأ ... شياخ تنصرها بكل أوان وانصر مقالته كنصرك للذي ... قلدته من غير ما برهان قدر رسول الله عندك وحده ... والقول منه إليك ذو تبيان ماذا ترى فرضا عليك معينا ... إن كنت ذا عقل وذا إيمان عرض الذي قالوا على أقواله ... أو عكس ذاك فذانك الأمران هي مفرق الطرقات بين طريقنا ... وطريق أهل الزيغ والعدوان قدر مقالات العباد جميعهم ... عدما وراجع مطلع الإيمان واجعل جلوسك بين صحب محمد ... وتلق معهم عنه بالإحسان وتلق عنهم ما تلقوه هم ... عنه من الإيمان والعرفان(1\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "294",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15327",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أفليس في هذا بلاغ مسافر ... يبغي الإله وجنة الحيوان لولا التناوش بين هذا الخلق ما ... كان التفرق قط في الحسبان فالرب رب واحد وكتابه ... حق وفهم الحق منه دان ورسوله قد أوضح الحق المبين ... بغاية الإيضاح والتبيان ما ثم منه فوق كل نصيحة ... يحتاج سامعها الى تبيان والنصح منه فوق كل نصيحة ... والعلم مأخوذ عن الرحمن فلأي شيء يعدل الباغي الهدى ... عن قوله لولا عمى الخذلان فالنقل عنه مصدق والقول من ... ذي عصمة ما عندنا قولان والعكس عند سواه في الأمرين يا ... من يهتدي هل يستوي النقلان تالله قد لاح الصباح لمن له ... عينان نحو الفجر ناظرتان وأخو العماية في عمايته يقو ... ل الليل بعد أيستوي الرجلان تالله قد رفعت لك الأعلام إن ... كنت المشمر نلت دار أمان وإذا جنبت وكنت كسلانا فما ... حرم الوصول إليه غير جبان فاقدم وعد بالوصل نفسك واهـ ... ـجر المقطوع منه قاطع الإنسان عن نيل مقصده فذاك عدوه ... ولو أنه منه القريب الداني(1\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "295",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15328",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في تيسير السير إلى الله على المثبتين الموحدين وامتناعه على المعطلين والمشركين",
        "content": "فصل: في تيسير السير إلى الله على المثبتين الموحدين وامتناعه على المعطلين والمشركين يا قاعدا سارت به أنفاسه ... سير البريد وليس بالذملان حتى متى هذا الرقاد وقد سرى ... وفد المحبة مع أولي الإحسان وحدت بهم عزماتهم نحو العلى ... لا حادي الركبان والأظعان ركبوا العزائم واعتلوا بظهورها ... وسروا فما حنوا إلى نعمان ساروا رويدا ثم جاءوا أولا ... سير الدليل يؤم بالركبان ساروا بإثبات الصفات إليه لا التـ ... ـعطيل والتحريف والنكران عرفوه بالأوصاف فامتلأت قلو ... بهم له بالحب والإيمان فتطايرت تلك القلوب اليه بالـ ... أشواق إذ ملئت من العرفان وأشدهم حبا له أدراهم ... بصفاته وحقائق القرآن فالحب يتبع للشعور بحسبه ... يقوى ويضعف ذاك ذو تبيان ولذاك كان العارفون صفاته ... أحبائه هم أهل هذا الشان ولذاك كان العالمون بربهم ... أحبابه وبشرعة الإيمان ولذاك كان المنكرون لها هم الـ ... أعداء حقا هم أولو الشنآن ولذاك كان الجاهلون بذا وذا ... بغضاؤه حقا ذوي شنآن(1\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "296",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15329",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحياة قلب العبد في شيئين من ... يرزقهما يحيا مدى الأزمان في هذه الدنيا وفي الأخرى يكو ... ن الحي ذا الرضوان والإحسان ذكر الإله وحبه من غير إشـ ... ـراك به وهما فممتنعان من صاحب التعطيل حقا كامتنا ... ع الطائر المقصوص من طيران أيحبه من كان ينكر وصفه ... وعلوه وكلامه بقران لا والذي حقا على العرش استوى ... متكلما بالوحي والفرقان الله أكبر ذاك فضل الله يؤ ... تيه لمن يرضى بلا حسبان وترى المخلف في الديار تقول ذا ... إحدى الأثافي خص بالحرمان الله أكبر ذاك عدل الله يقضيه ... على من شاء من إنسان وله على هذا وهذا الحمد في الأ ... ولى وفي الأخرى هما حمدان حمد لذات الرب جل جلاله ... وكذاك حمد العدل والإحسان يا من تعز عليهم أرواحهم ... ويرون غبنا بيعها بهوان ويرون خسرانا مبينا بيعها ... في أثر كل قبيحة ومهان ويرون ميدان التسابق بارزا ... فيتاركون تقحم الميدان ويرون أنفاس العباد عليهم ... قد أحصيت بالعد والحسبان ويرون أن أمامهم يوم اللقا ... لله مسألتان شاملتان ماذا عبدتم ثم ماذا قد أجبـ ... ـتم من أتى بالحق والبرهان هاتوا جوابا للسؤال وهيئوا ... أيضا صوابا للجواب يدان(1\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "297",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15330",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتيقنوا أن ليس ينجيكم سوى ... جريدكم لحقائق الإيمان جريدكم توحيده سبحانه ... عن شركة الشيطان والأوثان وكذاك تجريد اتباع رسوله ... عن هذه الآراء والهذيان والله ما ينجي الفتى من ربه ... شيء سوى هذا بلا روغان يا رب جرد عبدك المسكين را ... جي الفضل منك وأضعف العبدان لم تنسه وذكرته فاجعله لا ... ينساك أنت بدأت بالإحسان وبه ختمت فكنت أولى بالجميـ ... ـل وبالثناء من الجهول الجاني فالعبد ليس يضيع بين فواتح ... وخواتم من فضل ذي الغفران أنت العليم به وقد أنشأته ... من تربة هي أضعف الأركان كل عليها قد علا وهوت إلى ... تحت الجميع بذلة وهوان وعلت عليها النيران حتى ظن أن ... يعلو عليها الخلق من نيران وأتى إلى الأبوين ظنا أنه ... سيصير الأبوين تحت دخان فسعت إلى الأبوين رحمتك التي ... وسعتهما فعلا بك الأبوان هذا ونحن بنوهما وحلومنا ... في جنب حلمهما لدى الميزان جزء يسير والعدو فواحد ... لهما وأعدانا بلا حسبان والضعف مستول علينا في جميع ... جهاتنا سيما من الأيمان يا رب معذرة إليك فلم يكن ... قصد العباد ركوب ذا العصيان لكن نفوس سولته وغرها ... هذا العدو لها غرور أمان(1\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "298",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15331",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتيقنت يا رب أنك واسع الـ ... ـغفران ذو فضل وذو إحسان ومقالنا ما قاله الأبوان قبـ ... ـل مقالة العبد الظلوم الجاني نحن الألى ظلموا وإن لم تغفر الذ ... نب العظيم فنحن ذو خسران يا رب فانصرنا على الشيطان ليـ ... ـس لنا به لولا حماك يدان(1\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "299",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15332",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في ظهور الفرق بين الطائفتين وعدم التباسه إلا على من ليس ذي عينين",
        "content": "فصل: في ظهور الفرق بين الطائفتين وعدم التباسه إلا على من ليس ذي عينين والفرق بينكم وبين خصومكم ... من كل وجه ثابت ببيان ما أنتم منهم ولا هم منكم ... شتان بين السعد والدبران فإذا دعونا للقرآن دعوتم ... للرأي أين الرأي من قرآن وإذا دعونا للحديث دعوتم ... أنتم إلى تقليد قول فلان وكذا تلقينا نصوص نبينا ... بقبولها بالحق والإذعان من غير تحريف ولا جحد ولا ... تفويض ذي جهل بلا عرفان لكن بإعراض وتجهيل وتأ ... ويل تلقيتم مع النكران أنكرتموها جهدكم فإذا أتى ... ما لا سبيل له إلى نكران أعرضتم عنه ولم تستنبطوا ... منه هدى لحقائق الإيمان(1\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "300",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15333",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا ابتليتم مكرهين بسمعها ... فوضتموها لا على العرفان لكن بجهل للذي سيقت له ... تفويض إعراض وجهل معان فإذا ابتليتم باحتجاج خصومكم ... أوليتموها دفع ذي صولان فالجحد والإعراض والتأويل والتـ ... ـجهيل حظ النص عند الجاني لكن لدينا حظه التسليم مع ... حسن القبول وفهم ذي الإحسان(1\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "301",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15334",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في التفاوت بين حظ المثبتين والمعطلين من وحي رب العالمين",
        "content": "فصل: في التفاوت بين حظ المثبتين والمعطلين من وحي رب العالمين ولنا الحقيقة من كلام إلهنا ... ونصيبكم منه المجاز الثاني وقواطع الوحيين شاهدة لنا ... وعليكم هل يستوي الأمران وأدلة المعقول شاهدة لنا ... أيضا فقاضونا إلى البرهان وكذاك فطرة ربنا الرحمن شا ... هدة لنا أيضا شهود بيان وكذاك إجماع الصحابة والألى ... تبعوهم بالعلم والإحسان وكذاك إجماع الأئمة بعدهم ... هذا كلامهم بكل مكان هذي الشهود فهل لديكم أنتم ... من شاهد بالنفي والنكران وجنودنا من قد تقدم ذكرهم ... وجنودكم فعساكر الشيطان(1\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "302",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15335",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وخيامنا مضروبة بمشاعر الـ ... ـوحيين من خبر ومن قرآن وخيامكم مضروبة بالتيه فالسـ ... ـكان كل ملدد حيران هذي شهادتهم على محصولهم ... عند الممات وقولهم بلسان والله يشهد أنهم أيضا كذا ... تكفي شهادة ربنا الرحمن ولنا المساند والصحاح وهـ ... ـذه السنن التي نابت عن القرآن ولكم تصانيف الكلام وهذه الـ ... آراء وهي كثيرة الهذيان شبه يكسر بعضها بعضا كبيـ ... ـت من زجاج خر للأركان هل ثم شيء غير رأي أو كلا ... م باطل أو منطق اليونان ونقول قال الله قال رسوله ... في كل تصنيف وكل مكان لكن تقولوا قال أرسطو وقا ... ل ابن الخطيب وقال ذو العرفان شيخ لكم يدعى ابن سينا لم يكن ... متقيدا بالدين والإيمان وخيار ما تأتون قال الأشعر ... ي وتشهدون عليه بالبهتان فالأشعري مقرر لعلو رب الـ ... ـعرش فوق جميع ذي الأكوان في غاية التقرير بالمعقول ... والمنقول ثم بفطرة الرحمن هذا ونحن تاركو الآراء ... للنقل الصحيح ومحكم الفرقان لكنكم بالعكس قد صرحتم ... ووضعتم القانون ذا البهتان والنفي عندكم على التفصيل والـ ... إثبات إجمالا بلا نكران والمثبتون طريقهم نفي على والـ ... إجمال والتفصيل بالتبيان(1\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "303",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15336",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فتدبروا القرآن مع من منكما ... وشهادة المبعوث بالقرآن وعرضتم قول الرسول على الذي ... قال الشيوخ ومحكم الفرقان فالمحكم النص الموافق قولهم ... لا يقبل التأويل في الأذهان لكنما النص المخالف قولهم ... متشابه متأول في الأذهان وإذا تأدبتم تقولوا مشكل ... أفواضح يا قوم رأي فلان والله لو كان الموافق لم ... يكن متشابها متأولا بلسان لكن عرضنا نحن أقوال الشيو ... خ على الذي جاءت به الوحيان ما خالف النصين لم نعبأ به ... شيئا وقلنا حسبنا النصان والمشكل القول المخالف عندنا ... في غاية الإشكال لا التبيان والعزل والإبقاء مرجعه إلى الـ ... آرء عندكم بلا كتمان لكن لدينا ذاك مرجعه إلى ... قول الرسول ومحكم القرآن والكفر والإسلام عين خلافه ... ووفاقه لا غير بالبرهان والكفر عندكم خلاف شيوخكم ... ووفاقهم فحقيقة الإيمان هذي سبيلكم وتلك سبيلنا ... والموعد الرحمن بعد زمان وهناك يعلم أي حزبينا على الـ ... حق الصريح وفطرة الديان فاصبر قليلا إنما هي ساعة ... فإذا أصبت ففي رضا الرحمان فالقوم مثلك يألمون ويصبرو ... ن وصبرهم في طاعة الشيطان ...(1\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "304",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15337",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في بيان الاستغناء بالوحي المنزل من السماء عن تقليد الرجال والآراء",
        "content": "فصل: في بيان الاستغناء بالوحي المنزل من السماء عن تقليد الرجال والآراء يا طالب الحق المبين ومؤثرا ... علم اليقين وصحة الإيمان اسمع مقالة ناصح خبر الذي ... عند الورى مذ شب حتى الآن ما زال مذ عقدت يداه إزاره ... قد شد ميرزه إلى الرحمن وتخلل الفترات للعزمات أمـ ... ـر لازم لطبيعة الإنسان وتولد النقصان من فتراته ... أو ليس سائرنا بني النقصان طاف المذاهب يبتغي نورا ... ليهديه وينجيه من النيران وكأنه قد طاف يبتغي ظلمة الـ ... ـليل البهيم ومذهب الحيران والليل لا يزداد إلا قوة ... والصبح مقهور بذي السلطان حتى بدت في سيره نار على ... طور المدينة مطلع الإيمان فأتى ليقبسها فلم يمكنه مع ... تلك القيود منالها بأمان لولا تداركه الإله بلطفه ... ولى على العقبين ذا نكصان لكن توقف خاضعا متذللا ... مستشعر الإفلاس من أثمان فأتاه جند حل عنه قيوده ... فامتد حينئذ له الباعان والله لولا أن تحل قيوده ... وتزول عنه ربقة الشيطان(1\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "305",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15338",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كان الرقي إلى الثريا مصعدا ... من دون تلك النار في الإمكان فرأى بتلك النار آكام المديـ ... ـنة كالخيام تشوفها العينان ورأى هنالك كل هاد مهتد ... يدعو إلى الإيمان والإيقان فهناك هنأ نفسه متذكرا ... ما قاله المشتاق منذ زمان والمستهام على المحبة لم يزل ... حاشا لذكراكم من النسيان لو قيل ما تهوى لقال مبادرا ... أهوى زيارتكم على الأجفان تالله إن سمح الزمان بقربكم ... وحللت منكم بالمحل الداني لأعفرن الخد شكرا في الثرى ... ولأكحلن بتربكم أجفاني إن رمت تبصر ما ذكرت فغض طر ... فا عن سوى الآثار والقرآن واترك رسوم الخلق لا تعبأ بها ... في السعد ما يغنيك عن دبران حذق لقلبك في النصوص كمثل ما ... قد حذقوا في الرأي طول زمان واكحل جفون القلب بالوحيين واحـ ... ـذر كحلهم يا كثرة العميان فالله بين فيهما طرق الهدى ... لعباده في أحسن التبيان لم يحوج الله الخلائق معهما ... لخيال فلتان ورأي فلان فالوحي كاف للذي يعنى به ... شاف لداء جهالة الإنسان وتفاوت العلماء في أفهامهم ... للوحي فوق تفاوت الأبدان والجهل داء قاتل وشفاؤه ... أمران في التركيب متفقان نص من القرآن أو من سنة ... وطبيب ذاك العالم الرباني(1\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "306",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15339",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعلم أقسام ثلاث ما لها ... من رابع والحق ذو تبيان علم بأوصاف الإله وفعله ... وكذلك الأسماء للرحمن والأمر والنهي الذي هو دينه ... وجزاؤه يوم المعاد الثاني والكل في القرآن والسنن التي ... جاءت عن المبعوث بالفرقان والله ما قال امرؤ متحذلق ... بسواهما إلا من الهذيان إن قلتم تقريره فمقرر ... بأتم تقرير من الرحمن أو قلتم إيضاحه فمبين ... بأتم إيضاح وخير بيان أو قلتم إيجازه فهو الذي ... في غاية الإيجاز والتبيان أو قلتم معناه هذا فاقصدوا ... معنى الخطاب بعينه وعيان أو قلتم نحن التراجم فاقصدوا المـ ... ـعنى بلا شطط ولا نقصان أو قلتم بخلافه فكلامكم ... في غاية الإنكار والبطلان أو قلتم قسنا عليه نظيره ... فقياسكم نوعان مختلفان نوع يخالف نصه فهو المحا ... ل وذاك عند الله ذو بطلان وكلامنا فيه وليس كلامنا ... في غيره أعني القياس الثاني ما لا يخالف نصه فالناس قد ... عملوا به في سائر الأزمان لكنه عند الضرورة لا يصار ... إليه إلا بعد ذا الفقدان هذا جواب الشافعي لأحمد ... لله درك من إمام زمان والله ما اضطر العباد إليه فيـ ... ـما بينهم من حادث بزمان(1\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "307",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15340",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا رأيت النص عنه ساكتا ... فسكوته عفو من الرحمن وهو المباح إباحة العفو الذي ... ما فيه من حرج ولا نكران فأضف إلى هذا عموم اللفظ والـ ... معنى وحسن الفهم في القرآن فهناك تصبح في غنى وكفاية ... عن كل ذي رأي وذي حسبان ومقدرات الذهن لم يضمن لنا ... تبيانها بالنص والقرآن وهي التي فيها اعتراك الرأي من ... تحت العجاج وجولة الأذهان لكن هنا أمران لو تما لما ... احتجنا إليه فحبذا الأمران جمع النصوص وفهم معناها المرا ... د بلفظها والفهم مرتبتان إحداهما مدلول ذاك اللفظ وضـ ... ـعا أو لزوما ثم هذا الثاني فيه تفاوت الفهم تفاوتا ... لم ينضبط أبدا له طرفان فالشيء يلزمه لوازم جمة ... عند الخبير به وذي العرفان فبقدر ذاك الخبر يحصي من لوا ... زمه وهذا واضح التبيان ولذلك من عرف الكتاب حقيقة ... عرف الوجود جميعه ببيان وكذاك يعرف جملة الشرع الذي ... يحتاجه الإنسان كل زمان علما بتفصيل وعلما مجملا ... تفصيله أيضا بوحي ثان وكلاهما وحيان قد ضمنا لنا ... أعلى العلوم بغاية التبيان ولذاك يعرف من صفات الله والـ ... أفعال والأسماء ذي الإحسان ما ليس يعرف من كتاب غيره ... أبدا ولا ما قالت الثقلان(1\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "308",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15341",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذاك يعرف من صفات البعث بالتـ ... ـفصيل والإجمال في القرآن ما يجعل اليوم العظيم مشاهدا ... بالقلب كالمشهود رأي عيان وكذاك يعرف من حقيقة نفسه ... وصفاتها بحقيقة العرفان يعرف لوزامها ما الذي فيها من الـ ... حاجات والإعدام والنقصان وكذاك يعرف ربه وصفاته ... أيضا بلا مثل ولا نقصان وهنا ثلاثة أوجه فافطن لها ... إن كنت ذا علم وذا عرفان بالضد والأولى كذا بالامتناع ... لعلمنا بالنفس والرحمن فالضد معرفة الإله بضد ما ... في النفس من عيب ومن نقصان وحقيقة الأولى ثبوت كماله ... إذ كان معطيه على الإحسان ...(1\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "309",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15342",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في بيان شروط كفاية النصين والاستغناء بالوحيين",
        "content": "فصل: في بيان شروط كفاية النصين والاستغناء بالوحيين وكفاية النصين مشروط بتجـ ... ـريد التلقي عنهما لمعان وكذاك مشروط بخلع قيودهم ... فقيودهم غل إلى الأذقان وكذاك مشروط بهدم قواعد ... ما أنزلت ببيانها الوحيان(1\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "310",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15343",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذاك مشروط بإقدام على ... الآراء إن عريت عن البرهان بالرد والإبطال لا تعبأ بها ... شيئا إذا ما فاتها النصان لولا القواعد والقيود وهذه ... الآراء لاتسعت عرى الإيمان لكنها والله ضيقة العرى ... فاحتاجت الأيدي لذاك توان وتعطلت من أجلها والله أعـ ... ـداد من النصين ذات بيان وتضمنت تقييد مطلقها وإطـ ... ـلاق المقيد وهو ذو ميزان وتضمنت تخصيص ما عمته والتـ ... ـعميم للمخصوص بالأعيان وتضمنت تفريق ما جمعت وجمـ ... ـعا للذي وسمته بالفرقان وتضمنت تضييق ما قد وسعـ ... ـته وعكسه فلتنظر الأمران وتضمنت تحليل ما قد حرمتـ ... ـه وعكسه فلتنظر النوعان سكتت وكان سكوتها عفوا فلم ... تعف القواعد باتساع بطان وتضمنت إهدار ما اعتبرت كذا ... بالعكس والأمران محذوران وتضمنت أيضا شروطا لم تكن ... مشروطة شرعا بلا برهان وتضمنت أيضا موانع لم تكن ... ممنوعة شرعا بلا تبيان إلا بأقيسة وآراء وتقلـ ... ـيد بلا علم أو استحسان عمن أتت هذي القواعد من جميـ ... ـع الصحب والأتباع بالإحسان ما أسسوا إلا اتباع نبيهم ... لا عقل فلتان ورأي فلان بل أنكروا الآراء نصحا منهم ... لله والداعي وللقرآن أو ليس في خلف بها وتناقض ... ما دل ذا لب وذا عرفان(1\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "311",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15344",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والله لو كانت من الرحمان ما أخـ ... ـتلفت ولا انتقضت مدى الأزمان شبه تهافت كالزجاج تخالها ... حقا وقد سقطت على صفوان والله لا يرضى بها ذو همة ... علياء طالبة لهذا الشان فمثالها والله في قلب الفتى ... وثباتها في منبت الإيمان كالزرع ينبت حوله دغل فيمـ ... ـنعه النما فتراه ذا نقصان وكذك الإيمان في قلب الفتى ... غرس من الرحمن في الإنسان والنفس تنبت حوله الشهوات ... والشبهات وهي كثيرة الأفنان فيعود ذاك الغرس يبسا ذاويا ... أو ناقص الثمرات كل أوان فتراه يحرث دائبا ومغله ... نزر وذا من أعظم الخسران والله لو نكش النبات وكان ذا ... بصر لذاك الشوك والسعدان لأتى كأمثال الجبال مغله ... ولكان أضعافا بلا حسبان فصل هذا وليس الطعن بالإطلاق فيـ ... ـها كلها فعل الجهول الجاني بل في التي قد خالفت قول الرسو ... ل ومحكم الإيمان والفرقان أو في التي ما أنزل الرحمن في ... تقريرها يا قوم من سلطان فهي التي كم عطلت من سنة ... بل عطلت من محكم القرآن هذا وترجو أن واضعها فلا ... يعدوه أجر أو له أجران(1\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "312",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15345",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إذ قال مبلغ علمه من غير إيـ ... ـجاب القبول له على إنسان بل قد نهانا عن قبول كلامه ... نصا بتقليد بلا برهان وكذاك أوصانا بتقديم النصو ... ص عليه من خبر ومن قرآن نصح العباد بذا وخلص نفسه ... عند السؤال لها من الديان والخوف كل الخوف فهو على الذي ... ترك النصوص لأجل قول فلان وإذا بغى الإحسان أولها بما ... لو قاله خصم له ذو شان لرماه بالداء العضال مناديا ... بفساد ما قد قاله بأذان(1\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "313",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15346",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في لازم المذهب هل هو مذهب أم لا",
        "content": "فصل: في لازم المذهب هل هو مذهب أم لا ولوازم المعنى تراد بذكره ... من عارف بلزومها الحقاني وسواه ليس بلازم في حقه ... قصد اللوازم وهي ذو تبيان إذ قد يكون لزومها المجهول أو ... قد كان يعلمه بلا نكران لكن عرته غفلة بلزومها ... إذ كان ذا سهو وذا نسيان ولذاك لم يك لازما لمذاهب الـ ... ـعلماء مذهبهم بلا برهان فالمقدمون على حكاية ذاك مذ ... هبهم أولو جهل مع العدوان لا فرق بين ظهوره وخفائه ... قد يذهلون عن اللزوم الداني سيما إذا ما كان ليس بلازم ... لكن يظن لزومه بجنان(1\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "314",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15347",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا تشهدوا بالزور ويحكم على ... ما تلزمون شهادة البهتان بخلاف لازم ما يقول إلهنا ... ونبينا المعصوم بالبرهان فلذا دلالات النصوص جلية ... وخفية تخفى على الأذهان والله يرزق من يشاء الفهم في ... آياته رزقا بلا حسبان واحذر حكايات لأرباب الكلا ... م عن الخصوم كثيرة الهذيان فحكوا بما ظنوه يلزمهم فقا ... لوا ذاك مذهبهم بلا برهان كذبوا عليهم باهتين لهم بما ... ظنوه يلزمهم من البهتان فحكى المعطل عن أولي الإثبات قو ... لهم بأن الله ذو جثمان وحكى لنا المعطل أنهم قالوا ... بأن الله ليس يرى لنا بعيان وحكى المعطل أنهم قالوا يجو ... ز كلامه من غير قصد معان وحكى المعطل أنهم قالوا بتحيـ ... ـيز الإله وحصره بمكان وحكى المعطل أنهم قالوا له الـ ... أعضاء جل الله عن بهتان وحكى المعطل أن مذهبهم هو التـ ... ـشبيه للخلاق بالإنسان وحكى المعطل عنهم ما لم يقو ... لوه ولا أشياخهم بلسان ظن المعطل أن هذا لازم ... فلذا أتى بالزور والعدوان فعليه في هذا معاذير ثلا ... ث كلها متحقق البطلان ظن اللزوم وقذفهم بلزومه ... وتمام ذاك شهادة الكفران يا شاهدا بالزور ويحك لم تخف ... يوم الشهادة سطوة الديان(1\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "315",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15348",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يا قائل البهتان غط لوازما ... قد قلت ملزوماتها ببيان والله لازمها انتفاء الذات والـ ... أوصاف والأفعال للرحمن والله لازمها انتفاء الدين والـ ... قرآن والإسلام والإيمان ولزوم ذلك بين جدا لمن ... كانت له أذنان واعيتان والله لولا ضيق هذا النظم بيـ ... ـنت اللزوم بأوضح التبيان ولقد تقدم منه ما يكفي لمن ... كانت له عينان ناظرتان إن الذكي ببعض ذلك يكتفي ... وأخو البلادة ساكن الجبان يا قومنا اعتبروا بجهل شيوخكم ... بحقائق الإيمان والقرآن أو ما سمعتم قول أفضل وقته ... فيكم مقالة جاهل فتان إن السموات العلى والأرض قبـ ... ـل العرش بالإجماع مخلوقان والله ما هذي مقالة عالم ... فضلا عن الإجماع كل زمان من قال ذا قد خالف الإجماع والـ ... خبر الصحيح وظاهر القرآن فانظر إلى ما جره تأويل لفـ ... ـظ الاستواء بظاهر البطلان زعم المعطل أن تأويل استوى ... بالخلق والإقبال وضع لسان كذب المعطل ليس ذا لغة الألى ... قد خوطبوا بالوحي والقرآن فأحاره هذا إلى أن قال خلق العـ ... ـرش بعد جميع ذي الأكوان يهنيه تكذيب الرسول له وإجـ ... ـماع الهداة ومحكم القرآن(1\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "316",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15349",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في الرد عليهم في تكفيرهم أهل العلم والإيمان وذكر انقسامهم إلى أهل الجهل والتفريط والبدع والكفران",
        "content": "فصل: في الرد عليهم في تكفيرهم أهل العلم والإيمان وذكر انقسامهم إلى أهل الجهل والتفريط والبدع والكفران ومن العجائب أنكم كفرتم ... أهل الحديث وشيعة القرآن إذ خالفوا رأيا له رأي ينا ... قضه لأجل النص والبرهان وجعلتم التكفير عين خلافكم ... ووفاقكم فحقيقة الإيمان فوفاقكم ميزان دين الله لا ... من جاء بالبرهان والفرقان ميزانكم ميزان باغ جاهل ... والعول كل العول في الميزان أهون به ميزان جور عائل ... بيد المطفف ويل ذا الوزان لو كان ثم حيا وأدنى مسكة ... من دين أو علم ومن إيمان لم تجعلوا آراءكم ميزان كفـ ... ـر الناس بالبهتان والعدوان هبكم تأولتم وساغ لكم ... أيكفر من يخالفكم بلا برهان هذه الوقاحة والجراءة والجها ... لة ويحكم يا فرقة الطغيان الله أكبر ذا عقوبة تا ... رك الوحيين للآراء والهذيان لكننا نأتي بحكم عادل ... فيكم لأجل مخافة الرحمان فاسمع إذا يا منصفا حكميهما ... وانظر إذا هل يستوي الحكمان هم عندنا قسمان أهل جهالة ... وذوو العناد وذلك القسمان(1\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "317",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15350",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جمع وفرق بين نوعيهم هما ... في بدعة لا شك يجتمعان وذوو العناد فأهل كفر ظاهر ... والجاهلون فإنهم نوعان متمكنون من الهدى والعلم بالـ ... أسباب ذات اليسر والإمكان لكن إلى أرض الجهالة أخلدوا ... واستسهلوا التقليد كالعميان لم يبذلوا المقدور في إدراكهم ... للحق تهوينا بهذا الشان فهم الألى لا شك في نفسيقهم ... والكفر فيه عندنا قولان والوقف عندي فيهم لست الذي ... بالكفر أنعتهم ولا الإيمان والله أعلم بالبطانة منهم ... ولنا ظهارة حلة الإعلان لكنهم مستوجبون عقابه ... قطعا لأجل البغي والعدوان هبكم عذرتم بالجهالة إنكم ... لن تعذروا بالظلم والطغيان والطعن في قول الرسول ودينه ... وشهادة بالزور والبهتان وكذلك استحلال قتل مخالفيـ ... ـكم قتل ذي الإشراك والعدوان إن الخوارج ما أحلوا قتلهم ... إلا لما ارتكبوا من العصيان وسمعتم قول الرسول وحكمه ... فيهم وذلك واضح التبيان لكنكم أنتم أبحتم قتلهم ... بوفاق سنته مع القرآن والله ما زادوا النقير عليهما ... لكن بتقرير مع الإيمان فبحق من قد خصكم بالعلم والتـ ... ـحقيق والإنصاف والعرفان أنتم أحق أم الخوارج بالذي ... قال الرسول فأوضحوا ببيان(1\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "318",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15351",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هم يقتلون لعابد الرحمن بل ... يدعون أهل عبادة الأوثان هذا وليسوا أهل تعطيل ولا ... عزل النصوص الحق بالبرهان فصل والآخرون فأهل عجز عن بلو ... غ الحق مع قصد ومع إيمان بالله ثم رسوله ولقائه ... وهم إذا ميزتهم ضربان قوم دهاهم حسن ظنهم بما ... قالته أشياخ ذوو أسنان وديانة في الناس لم يجدوا سوى ... أقوالهم فرضوا بها بأمان لو يقدرون على الهدى لم يرتضوا ... بدلا به من قائل البهتان فأولاء معذورون إن لم يظلموا ... ويكفروا بالجهل والعدوان والآخرون فطالبون الحق لـ ... ـكن صدهم عن علمه شيئان مع بحثهم ومصنفات قصدهم ... منها وصولهم إلى العرفان إحداهما طلب الحقائق من سوى ... أبوابها متسوري الجدران وسلوك طرق غير موصلة إلى ... درك اليقين ومطلع الإيمان فتشابهت تلك الأمور عليهم ... مثل اشتباه الطرق بالحيران فترى أفاضلهم حيارى كلها ... في التيه يقرع ناجذ الندمان ويقول قد كثرت علي الطرق لا ... أدري الطريق الأعظم السلطاني بل كلهم طرق مخوفات بها ال ... آفات حاصلة بلا حسبان(1\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "319",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15352",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالوقف غايته وآخر أمره ... من غير شك منه في الرحمن أو دينه وكتابه ورسوله ... ولقائه وقيامة الأبدان فأولاء بين الذنب والأجرين أو ... إحداهما أو واسع الغفران فانظر إلى أحكامنا فيهم وقد ... جحدوا النصوص ومقتضى القرآن وانظر إلى أحاكمهم فينا لأجـ ... ل خلافهم إذ قاده الوحيان هل يستوي الحكمان عند الله أو ... عند الرسول وعند ذي إيمان الكفر حق الله ثم رسوله ... بالنص يثبت لا بقول فلان من كان رب العالمين وعبده ... قد كفراه فذاك ذو الكفران فهلم ويحكم نحاكمكم إلى ... النصين من وحي ومن قرآن وهناك يعلم أي حزبينا على ... الكفران حقا أو على الإيمان فليهنكم تكفير من حمت بإسـ ... ـلام وإيمان له النصان لكن غايته كغاية من سوى الـ ... ـمعصوم غاية نوع ذا الإحسان خطأ يصير الأجر أجرا واحدا ... إن فاته من أجله الكفلان إن كان ذاك مكفرا يا أمة الـ ... ـعدوان من هذا على الإيمان قد دار بين الأجر والأجرين والتـ ... ـكفير بالدعوى بلا برهان كفرتم والله من شهد الرسو ... ل بأنه حقا على الإيمان ثنتان من قبل الرسول وخصلة ... من عندكم أفأنتما عدلان(1\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "320",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15353",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في تلاعب المكفرين لأهل السنة والإيمان بالدين كتلاعب الصبيان",
        "content": "فصل: في تلاعب المكفرين لأهل السنة والإيمان بالدين كتلاعب الصبيان كم ذا التلاعب منكم بالدين والـ ... إيمان مثل تلاعب الصبيان خسفت قلوبكم كما خسفت عقو ... لكم فلا تزكو على القرآن كم ذا تقولوا مجمل ومفصل ... وظواهر عزلت عن الإيقان حتى إذا رأي الرجال أتاكم ... فاسمع لما يوحى بلا برهان مثل الخفافيش التي إن جاءها ... ضوء النهار ففي كوى الحيطان عميت عن الشمس المنيرة لا تطيـ ... ـق هداية فيها إلى الطيران حتى إذا ما الليل جاء ظلامه ... جالت بظلمته بكل مكان فترى الموحد حين يسمع قولهم ... ويراهم في محنة وهوان وارحمتاه لعينه ولأذنه ... يا محنة العينين والأذنان إن قال حقا كفروه وإن يقو ... لوا باطلا نسبوه للإيمان حتى إذا ما رده عادوه مثـ ... ـل عداوة الشيطان للإنسان قالوا له خالفت أقوال الشيو ... خ ولم يبالوا الخلف للفرقان خالفت أقوال الشيوخ فأنتم ... خالفتم من جاء بالقرآن خالفتم قول الرسول وإنما ... خالفت من جراه قول فلان(1\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "321",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15354",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يا حبذا ذاك الخلاف فإنه ... عين الوفاق لطاعة الرحمن أو ما علمت بأن أعداء الرسو ... ل عليه عابوا الخلف بالبهتان لشيوخهم ولما عليه قد مضى ... أسلافهم في سالف الأزمان ما العيب إلا في خلاف النص لا ... رأي الرجال وفكرة الأذهان أنتم تعيبونا بهذا وهو من ... توفيقنا والفضل للمنان فليهنكم خلف النصوص ويهننا ... خلف الشيوخ أيستوي الخلفان والله ما تسوى عقول جميع أهـ ... ـل الأرض نصا صح ذا تبيان حتى نقدمها عليه معرضـ ... ـين مؤولين محرفي القرآن والله إن النص فيما بيننا ... لأجل من آراء كل فلان والله لم ينقم علينا منكم ... أبدا خلاف النص من إنسان لكن خلاف الأشعري بزعمكم ... وكذبتم أنتم على الإنسان كفرتم من قال ما قد قاله ... في كتبه حقا بلا كتمان هذا وخالفناه في القرآن مثـ ... ـل خلافكم في الفوق للرحمن فالأشعري مصرح بالاستوا ... ء وبالعلو بغاية التبيان ومصرح أيضا بإثبات اليدين ووجـ ... ـه رب العرش ذي السلطان ومصرح أيضا بأن لربنا ... سبحانه عينان ناظرتان ومصرح أيضا بإثبات النزو ... ل لربنا نحو الرفيع الداني ومصرح أيضا بإثبات الأصا ... بع مثل ما قد قال ذو البرهان(1\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "322",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15355",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومصرح أيضا بأن الله يو ... م الحشر يبصره أولو الإيمان جهرا يرون الله فوق سمائه ... رؤيا العيان كما يرى القمران ومصرح أيضا بإثبات المجـ ... ـيء وأنه يأتي بلا نكران ومصرح بفساد قول مؤول ... للاستواء بقهر ذي سلطان وصرح أن الألى قد قالوا بذا التـ ... ـأويل أهلا ضلالة ببيان ومصرح أن الذي قد قاله ... أهل الحديث وعسكر القرآن هو قوله يلقى عليه ربه ... وبه يدين الله كل أوان لكنه قد قال إن كلامه ... معنى يقوم بربنا الرحمن في القول خالفناه نحن وأنتم ... في الفوق والأوصاف للديان لم كان نفس خلافنا كفرا وكا ... ن خلافكم هو مقتضى الإيمان هذا وخالفتم لنص حين خا ... لفنا لرأي الجهم ذي البهتان والله ما لكم جواب غير تكـ ... ـفير بلا علم ولا إيقان أستغفر الله العظيم لكم جوا ... ب غير ذا الشكوى إلى السلطان فهو الجواب لديكم ولنحن منـ ... ـتظروه منكم يا أولي البرهان والله لا للأشعري تبعتم ... كلا ولا للنص بالإحسان يا قوم فانتبهوا لأنفسكم وخلـ ... ـوا الجهل والدعوى بلا برهان ما في الرياسة بالجهالة غير ضحـ ... ـكة عاقل منكم مدى الأزمان لا ترتضوا برياسة البقر التي ... رؤساؤها من جملة الثيران(1\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "323",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15356",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في أن أهل الحديث هم أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يبغض الأنصار رجلا يؤمن بالله واليوم الآخر",
        "content": "فصل: في أن أهل الحديث هم أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يبغض الأنصار رجلا يؤمن بالله واليوم الآخر يا مبغضا أهل الحديث وشاتما ... أبشر بعقد ولاية الشيطان أو ما علمت بأنهم أنصار ديـ ... ـن الله والإيمان والقرآن أو ما علمت بأن أنصار الرسو ... ل هم بلا شك ولانكران هل يبغض الأنصار عبد مؤمن ... أو مدرك لروائح الإيمان شهد الرسول بذاك وهي شهادة ... من أصدق الثقلين بالبرهان أو ما علمت بأن خزرج دينه ... والأوس هم أبدا بكل زمان ما ذنبهم إذ خالفوك لقوله ... ما خالفوه لأجل قول فلان لو وافقوك وخالفوه كنت تشـ ... ـهد أنهم حقا أولو الإيمان لما تحيزتم إلى الأشياخ وانـ ... ـحازوا إلى المبعوث بالقرآن نسبوا إليه دون كل مقالة ... أو حالة أو قائل ومكان هذا انتساب أولي التفرق نسبة ... من أربع معلومة التبيان فلذا غضبتم حينما انتسبوا إلى ... خبر الرسول بنسبة الإحسان فوضعتم لهم من الألقاب ما ... تستقبحون وذا من العدوان(1\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "324",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15357",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هم يشهدونكم على بطلانها ... أفتشهدونهم على البطلان ما ضرهم والله بغضكم لهم ... إذ وافقوا حقا رضا الرحمن يا من يعاديهم لأجل مآكل ... ومناصب ورياسة الإخوان تهنيك هاتيك العداوة كم بها ... من حسرة ومذلة وهوان ولسوف تجني غيها والله عن ... قرب وتذكر صدق ذي الإيمان فإذا تقطعت الوسائل وانتهت ... تلك المآكل في سريع زمان هناك تقرع سن ندمان على التـ ... ـفريط وقت السير والإمكان وهناك تعلم ما بضاعتك التي ... حصلتها في سالف الأزمان إلا الوبال عليك والحسرات والـ ... خسران عند الوضع في الميزان قيل وقال ما له من حاصل ... إلا العناء وكل ذي الأذهان والله ما يجدي عليك هنالك إلا ... ذا الذي جاءت به الوحيان والله ما ينجيك من سجن الجحيـ ... ـم سوى الحديث ومحكم القرآن والله ليس الناس إلا أهله ... وسواهم من جملة الحيوان ولسوف تذكر بر ذي الإيمان عن ... قرب وتقرع ناجذ الندمان رفعوا به رأسا ولم يرفع به ... أهل الكلام ومنطق اليونان فهم كما قال الرسول ممثلا ... بالماء مهبطة على القيعان لا الماء تمسكه ولا كلأ بها ... يرعاه ذو كبد من الحيوان هذا إذا لم يحرق الزرع الذي ... بجوارها بالنار أو بدخان(1\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "325",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15358",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والجاهلون بذا وهذا هم زوا ... ن الزرع إي والله شر زوان وهم لدى غرس الإله كمثل غر ... س الدلب بين مغارس الرمان يمتص ماء الزرع مع تضييقه ... أبدا عليه وليس ذا قنوان ذا حالهم مع حال أهل العلم أنـ ... ـصار الرسول فوراس الإيمان فعليه من قبل الإله تحية ... والله يبقيه مدى الأزمان لولاه ما سقي الغراس فسوق ذا ... ك الماء للدلب العظيم الشان فالغرس دلب كله وهو الذي ... يسقى ويحفظ عند أهل زمان فالغرس في تلك الحضارة شارب ... فضل المياه مصاره البستان لكنما البلوى من الحطاب قطـ ... ـاع الغراس وعاقر الحيطان بالفوس يضرب في أصول الغرس كي ... يجتثها ويظن ذا إحسان ويظل يحلف كاذبا لم أعتمد ... في ذا سوى التثبيت للعيدان يا خيبة البستان من حطابه ... ما بعد ذا الحطاب من بستان في قلبه غل على البسـ ... ـتان فهو موكل بالقطع كل أوان فالجاهلون شرار أهل الحق والـ ... علماء سادتهم أولو الإحسان والجاهلون خيار أحزاب الضلا ... ل وشيعة الكفران والشيطان وشرارهم علماؤهم هم شر خلـ ... ـق الله آفة هذه الأكوان(1\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "326",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15359",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في تعين الهجرة من الآراء والبدع إلى سنته كما كانت فرضا من الأمصار إلى بلدته عليه السلام",
        "content": "فصل: في تعين الهجرة من الآراء والبدع إلى سنته كما كانت فرضا من الأمصار إلى بلدته عليه السلام يا قوم فرض الهجرتين بحاله ... والله لم ينسخ إلى ذا الآن فالهجر الأول إلى الرحمن بالـ ... إخلاص في سر وفي إعلان حتى يكون القصد وجه الله بالـ ... أقوال والأعمال والإيمان ويكون كل الدين للرحمن ما ... لسواه شيء فيه من إنسان والحب والبغض اللذان هما لـ ... ـكل ولاية وعداوة أصلان لله أيضا هكذا الإعطاء والمنـ ... ـع اللذان عليهما يقفان والله هذا شطر دين الله ... والتحكيم للمختار شطر ثان وكلاهما الإحسان لمن يتقبل الر ... حمن من سعي بلا إحسان والهجرة الأخرى إلى المبعوث بالـ ... إسلام والإيمان والإحسان أترون هذي هجرة الأبدان لا ... والله بل هي هجرة الإيمان قطع المسافة بالقلوب إليه في ... درك الأصول مع الفروع وذان أبدا إليه حكمها لا غيره ... فالحكم ما حكمت به النصان يا هجرة طالت مسافتها على ... من خص بالحرمان والخذلان يا هجرة طالت مسافتها على ... كسلان منخوب الفؤاد جبان(1\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "327",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15360",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يا هجرة والعبد فوق فراشه ... سبق السعاة لمنزل الرضوان ساروا أحث السير وهو فسيره ... سير الدلال وليس بالذملان هذا وتنظره أمام الركب كالعـ ... ـلم العظيم يشاف في القيعان رفعت له أعلام هاتيك النصو ... ص رؤوسها شابت من النيران نار هي النور المبين ولم يكن ... ليراه إلا من له عينان مكحولتان بمرود الوحيين لا ... بمراود الآراء والهذيان فلذاك شمر نحوها لم يلتفت ... لا عن شمائله ولا أيمان يا قوم لو هاجرتم لرأيتم ... أعلام طيبة رؤية بعيان ورأيتم ذاك اللواء وتحته الرسـ ... ـل الكرام وعسكر القرآن أصحاب بدر والألى قد بايعوا ... أزكى البرية بيعة الرضوان وكذا المهاجرة الألى سبقوا كذا الـ ... أنصار أهل الدار والإيمان والتابعون لهم بإحسان وسا ... لك هديهم أبدا بكل زمان لكن رضيتم بالأماني وابتليـ ... ـتم بالحظوظ ونصرة الإخوان بل غركم ذاك الغرور وسولت ... لكم النفوس وساوس الشيطان ونبذتم غسل النصوص وراءكم ... وقنعتم بقطارة الأذهان وتركتم الوحيين زهدا فيهما ... ورغبتم في رأي كل فلان وعزلتم النصين عما وليا ... للحكم فيه عزل ذي عدوان وزعمتم أن ليس يحكم بيننا ... إلا العقول ومنطق اليونان(1\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "328",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15361",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهما بحكم الحق أولى منهما ... سبحانك اللهم ذا السبحان حتى إذا انكشف الغطاء وحصلت ... أعمال هذا الخلق في الميزان وإذا انجلى هذا الغبار وصار ميـ ... ـدان السباق تناله العينان وبدت على تلك الوجوه سماتها ... وسم المليك القادر الديان مبيضة مثل الرياض بجنة ... والسود مثل الفحم للنيران فهناك يعلم كل راكب ما تحته ... وهناك يقرع ناجذ الندمان وهناك تعلم كل نفس ما الذي ... معها من الأرباح والخسران وهناك يعلم مؤثر الآراء والشـ ... ـطحات والهذيان والبطلان أي البضائع قد أضاع وما الذي ... منها تعوض في الزمان الفاني سبحان رب الخلق قاسم فضله ... والعدل بين الناس بالميزان لو شاء كان الناس شيئا واحدا ... ما فيهم من تائه حيران لكنه سبحانه يختص بالفضـ ... ـل العظيم خلاصة الإنسان وسواهم لا يصلحون لصالح ... كالشوك فهو عمارة النيران وعمارة الجنات هم أهل الهدى ... الله أكبر ليس يستويان فسل الهداية من أزمة أمرنا ... بيديه مسألة الذليل العاني وسل العياذ من اثنتين هما اللتا ... ن بهلك هذا الخلق كافلتان شر النفوس وسيء الأعمال ما ... والله أعظم منهما شران ولقد أتى هذا التعوذ منهما ... في خطبة المبعوث بالقرآن(1\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "329",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15362",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لو كان يدري العبد أن مصابه ... في هذه الدنيا هما الشران جعل التعوذ منهما ديدانه ... حتى تراه داخل الأكفان وسل العياذ من التكبر والهوى ... فهما لكل الشر جامعتان وهما يصدان الفتى عن كل طر ... ق الخير إذ في قلبه يلجان فتراه يمنعه هواه تارة ... والكبر أخرى ثم يشتركان والله ما في النار إلا تابع ... هذين فاسأل ساكني النيران والله لو جردت نفسك منهما ... لأتت إليك وفود كل تهان(1\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "330",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15363",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في ظهور الفرق المبين بين دعوة الرسل ودعوة المعطلين",
        "content": "فصل: في ظهور الفرق المبين بين دعوة الرسل ودعوة المعطلين والفرق بين الدعوتين فظاهر ... جدا لمن كانت له أذنان فرق مبين ظاهر لا يختفي ... إيضاحه إلا على العميان فالرسل جاؤونا بإثبات العلو ... لربنا من فوق كل مكان وكذا أتونا بالصفات لربنا ... الرحمن تفصيلا بكل بيان وكذاك قالوا إنه متكلم ... وكلامه المسموع بالآذان وكذاك قالوا إنه سبحانه ... المرئي يوم لقائه بعيان(1\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "331",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15364",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذاك قالوا إنه الفعال حقـ ... ـا كل يوم ربنا في شان وأتيتمونا أنتم بالنفي والتـ ... ـعطيل بل بشهادة الكفران للمثبتين صفاته وعلوه ... ونداءه في عرف كل لسان شهدوا بإيمان المقر بأنه ... فوق السماء مباين الأكوان وشهدتم أنتم بتكفير الذي ... قد قال ذلك يا أولي العدوان وأتى بأين الله اقرارا ونطـ ... ـقا قلتم هذا من البهتان فسلوا لنا بالأين مثل سؤالنا ... ما الكون عندكم هما شيئان وكذا أتونا بالبيان فقلتم ... باللغز أين اللغز من تبيان إذ كان مدلول الكلام ووضعه ... لم يقصدوه بنطقهم بلسان والقصد منه غير مفهوم به ... ما اللغز عند الناس إلا ذان يا قوم رسل الله أعرف منكم ... وأتم نصحا في كمال بيان أترونهم قد ألغزوا التوحيد إذ ... بينتموه يا أولي العرفان أترونهم قد أظهروا التشبيه وهـ ... ـو لديكم كعبادة الأوثان ولأي شيء لم يقولوا مثل ما ... قد قلتم في ربنا الرحمان ولأي شيء صرحوا بخلافه ... تصريح تفصيل بلا كتمان ولأي شيء بالغوا في الوصف با ... لإثبات دون النفي كل زمان ولأي شيء أنتم بالغتم ... في النفي والتعطيل بالقفزان فجعلتم نفي الصفات مفصلا ... تفصيل نفي العيب والنقصان(1\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "332",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15365",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجعلتم الإثبات أمرا مجملا ... عكس الذي قالوه بالبرهان أتراهم عجزوا عن التبيان واسـ ... توليتم أنتم على التبيان أترون أفراخ اليهود وأمـ ... ـة التعطيل والعباد للنيران ووقاح أرباب الكلام الباطل المـ ... ـذموم عند أئمة الإيمان من كل جهمي ومعتزل ومن ... والاهما من حزب جنكسخان بالله أعلم من جميع الرسل والتـ ... ـوراة والإنجيل والقرآن فسلوهم بسؤال كتبهم التي ... جاؤوا بها عن علم هذا الشأن وسلوهم هل ربكم في أرضه ... أو في السماء وفوق كل مكان أم ليس من ذا كله شيء فلا ... هو داخل أو خارج الأكوان فالعلم والتبيان والنصح الذي ... فيهم يبين الحق كل بيان لكنما الإلغاز والتلبيس والـ ... ـكتمان فعل معلم شيطان(1\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "333",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15366",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في شكوى أهل السنة والقرآن أهل التعطيل والآراء المخالفين للرحمن",
        "content": "فصل: في شكوى أهل السنة والقرآن أهل التعطيل والآراء المخالفين للرحمن يا رب هم يشكوننا أبدا ... ببغيهم وظلمهم إلى السلطان ويلبسون عليه حتى إنه ... ليظنهم هم ناصرو الإيمان(1\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "334",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15367",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيرونه البدع المضلة في قوا ... لب سنة نبوية وقران ويرونه الإثبات للأوصاف في ... أمر شنيع ظاهر النكران فيلبسون عليه تلبيسين لو ... كشفا له باداهم بطعان يا فرقة التلبيس لا حييتم ... أبدا وحييتم بكل هوان لكننا نشكوهم وصنيعتهم ... أبدا إليك فأنت ذو السلطان فاسمع شكايتنا وأشك محقنا ... والمبطل اردده عن البطلان راجع به سبل الهدى والطف به ... حتى تريه الحق ذا تبيان وارحمه وارحم سعيه المسكين قد ... ضل الطريق وتاه في القيعان يا رب قد عم المصاب بهذه الآ ... راء والشطحات والبهتان هجروا لها الوحيين والفطرات ... والآثار لم يعبوا بذا الهجران قالوا وتلك ظواهر لفظية ... لم تغن شيئا طالب البرهان فالعقل أولى أن يصار إليه من ... هذي الظواهر عند ذي العرفان ثم ادعى كل بأن العقل ما ... قد قلته دون الفريق الثاني يا رب قد حار العباد بعقل من ... يزنون وحيك فأت بالميزان وبعقل من يقضي عليك فكلهم ... قد جاء بالمعقول والبرهان يا رب أرشدنا إلى معقول من ... يقع التحاكم إننا خصمان جاؤوا بشبهات وقالوا إنها ... معقولة ببدائه الأذهان كل يناقض بعضه بعضا وما ... في الحق معقولان مختلفان(1\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "335",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15368",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقضوا بها كذبا عليك وجرأة ... منهم وما التفتوا إلى القرآن يا رب قد أوهى النفاة حبائل ... القرآن والآثار والإيمان يا رب قد قلب النفاة الدين والإ ... يمان ظهر منه فوق بطان يارب قد بغت النفاة وأجلبوا ... بالخيل والرجل الحقير الشان نصبوا الحبائل والغوائل للألى ... أخذوا بوحيك دون قول فلان ودعوا عبادك أن يطيعوهم فمن ... يعصيهم ساموه شر هوان وقضوا على من لم يقل بضلالهم ... باللعن والتضليل والكفران وقضوا على أتباع وحيك بالذي ... هم أهله لا عسكر الفرقان وقضوا بعزلهم وقتلهم وحبـ ... ـسهم ونفيهم عن الأوطان وتلاعبوا بالدين مثل تلاعب الـ ... ـحمر التي نفرت بلا أرسان حتى كأنهم تواصوا بينهم ... يوصي بذلك أول للثاني هجروا كلامك مبتدع لمن ... قد دان بالآثار والقرآن فكأنه فيما لديهم مصحف ... في بيت زنديق أخي كفران أو مسجد بجوار قوم همهم ... في الفسق لا في طاعة الرحمن وخواصهم لم يقرؤوه تدبرا ... بل للتبرك لا لفهم معان وعوامهم في الشبع أو في ختمة ... أو تربة عوضا لذي الأثمان هذا وهم حرفية التجويد أو ... صوتية الأنغام والألحان يا رب قد قالوا بأن مصاحف الإ ... سلام ما فيها من القرآن إلا المداد وهذه الأوراق وال ... جلد الذي قد سل من حيوان(1\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "336",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15369",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والكل مخلوق ولست بقائل ... أصلا ولا حرفا من القرآن إن ذاك إلا قول مخلوق وهل ... هو جبريل أو الرسول فذان قولان مشهوران قد قالتهما ... أشياخهم يا محنة القرآن لو داسه رجل لقالوا لم يطأ ... إلا المداد وكاغد الإنسان يا رب زالت حرمة القرآن من ... تلك القلوب وحرمة الإيمان وجرى على الأفواه منهم قولهم ... ما بيننا لله من قرآن ما بيننا إلا الحكاية عنـ ... ـه والتعبير ذاك عبارة بلسان هذا وما التالون عمالا به ... إذ هم قد استغنوا بقول فلان إن كان قد جاز الحناجر منهم ... فبقدر ما عقلوا من القرآن والباحثون فقدموا رأي الرجا ... ل عليه تصريحا بلا كتمان عزلوه إذ ولوا سواه وكان ذا ... ك العزل قائدهم إلى الخذلان قالوا ولم يحصل لنا منه يقيـ ... ـن فهو معزول عن الإيقان إن اليقين قواطع عقلية ... ميزانها هو منطق اليونان هذا دليل الرفع منه وهذه ... أعلامه في آخر الأزمان يا رب من أهلوه حقا كي يرى ... أقدامهم منا على الأذقان أهلوه من لا يرتضي منه بديـ ... ـلا فهو كافيهم بلا نقصان وهو الدليل لهم وهاديهم إلى الـ ... إيمان والإيقان والعرفان هو موصل لهم إلى درك اليقيـ ... ـن حقيقة وقواطع البرهان(1\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "337",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15370",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يا رب نحن العاجزون بحبهم ... يا قلة الأنصار والأعوان(1\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "338",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15371",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في أذان أهل السنة الأعلام بصريحها جهرا على رؤوس منابر الإسلام",
        "content": "فصل: في أذان أهل السنة الأعلام بصريحها جهرا على رؤوس منابر الإسلام يا قوم قد حانت صلاة الفجر ... فانتبهوا فإني معلن بأذان لا بالملحن والمبدل ذاك بل ... تأذين حق واضح التبيان وهو الذي حقا إجابته على ... كل امرئ فرض على الأعيان الله أكبر أن يكون كلامه الـ ... ـعربي مخلوقا من الأكوان والله أكبر أن يكون رسوله الـ ... ملكي أنشأه عن الرحمان والله أكبر أن يكون رسوله البـ ... ـشري أنشأه لنا بلسان هذي مقالات لكم يا أمة التـ ... ـشبيه ما أنتم على إيمان شبهتم الرحمان بالأوثان في ... عدم الكلام وذاك للأوثان مما يدل بأنها ليست بآ ... لهة وذا البرهان في الفرقان في سورة الأعراف مع طه وثا ... لثها فلا تعدل عن القرآن أفصح بأن الجاحدين لكونه ... متكلما بحقيقة وبيان هم أهل تعطيل وتشبيه معا ... بالجامدات عظيمة النقصان لا تقذفوا بالداء منكم شيعة الر ... حمان أهل العلم والعرفان(1\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "339",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15372",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن الذي نزل الأمين به على ... قلب الرسول الواضح البرهان هو قول ربي اللفظ والمعنى جميـ ... ـعا إذ هما أخوان مصطحبان لا تقطعوا رحما تولى وصلها ... الرحمن وتنسلخوا من الإيمان ولقد شفانا قول شاعرنا الذي ... قال الصواب وجاء بالإحسان إن الذي هو في المصاحف ... مثبت بأنامل الأشياخ والشبان هو قول ربي آيه وحروفه ... ومدادنا والرق مخلوقان والله أكبر من على العرش استوى ... لكنه استولى على الأكوان والله أكبر ذو المعارج من إلي ... ـه تعرج الأملاك كل أوان والله أكبر من يخاف جلاله ... أملاكه من فوقهم ببيان والله أكبر من غدا لسريره ... أط به كالرحل للركبان والله أكبر من أتانا قوله ... من عنده من فوق ست ثمان نزل الأمين به بأمر الله من ... رب على العرش استوى الرحمن والله أكبر قاهر فوق العبا ... د فلا تضع فوقية الرحمن من كل وجه تلك ثابتة له ... لا تهضموها يا أولي البهتان قهرا وقدرا واستواء الذات فو ... ق العرش بالبرهان فبذاته خلق السموات العلى ... ثم استوى بالذات فافهم ذان فضمير فعل الاستواء يعود للـ ... ـذات التي ذكرت بلا فرقان هو ربنا هو خالق هو مستو ... بالذات هذي كلها بوزان(1\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "340",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15373",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والله أكبر ذو العلو المطلق الـ ... ـمعلوم بالفطرات والإيمان فعلوه من كل وجه ثابت ... فالله أكبر جل ذو السلطان والله أكبر من رقا فوق الطبا ... ق رسوله فدنا من الديان وإليه قد صعد الرسول حقيقة ... لا تنكروا المعراج بالبهتان ودنا من الجبار جل جلاله ... ودنا إليه الرب ذو الإحسان والله قد أحصى الذي قد قلتم ... في ذلك المعراج بالميزان قلتم خيالا أو أكاذيبا او الـ ... معراج لم يحصل إلى الرحمن إذ كان ما فوق السموات العلى ... رب إليه منتهى الإنسان والله أكبرمن أشار رسوله ... حقا إليه بإصبع وبنان في مجمع الحج العظيم بموقف ... دون المعرف موقف الغفران من قال منكم من أشار بأصبع ... قطعت فعند الله يجتمعان والله أكبر ظاهر ما فوقه ... شيء وشأن الله أعظم شان والله أكبر عرشه وسع السما ... والأرض والكرسي ذا الأركان وكذلك الكرسي قد وسع الطبا ... ق السبع والأرضين بالبرهان والرب فوق العرش والكرسي لا ... يخفى عليه خواطر الإنسان لا تحصروه في مكان إذ تقو ... لوا ربنا حقا بكل مكان نزهتموه بجهلكم عن عرشه ... وحصرتموه في مكان ثان لا تعدموه بقولكم لا داخل ... فينا ولا هو خارج الأكوان(1\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "341",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15374",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الله أكبرقد هتكت أستاركم ... وبدت لمن كانت له عينان والله أكبر جل عن شبه وعن ... مثل وعن تعطيل ذي كفران والله أكبر من له الأسماء والـ ... أوصاف كاملة بلا نقصان والله أكبر جل عن ولد وصا ... حبة وعن كفء وعن أخدان والله أكبر جل عن شبه الجما ... د كقول ذي التعطيل والكفران هم شبهوه بالجماد وليتهم ... قد شبهوه بكامل ذي شان الله أكبر جل عن شبه العبا ... د فذان تشبيهان ممتنعان والله أكبر واحد صمد فكـ ... ـل الشأن في صمدية الرحمن نفت الولادة والأبوة عنه والـ ... كفء الذي هو لازم الإنسان وكذاك أثبتت الصفات جميعها ... لله سالمة من النقصان وإليه يصمد كل مخلوق فلا ... صمد سواه عز ذو السلطان لا شيء يشبهه تعالى كيف يشبـ ... ـه خلقه ما ذاك في إمكان لكن ثبوت صفاته وكلامه ... وعلوه حقا بلا نكران لا تجعلوا الإثبات تشبيها له ... يا فرقة التشبيه والطغيان كم ترتقون بسلم التنزيه للتـ ... ـعطيل ترويجا على العميان فالله أكبر أن يكون صفاته ... كصفاتنا جل العظيم الشان هذا هو التشبيه لا إثبات أو ... صاف الكمال فما هما سيان(1\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "342",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15375",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في تلازم التعطيل والشرك",
        "content": "فصل: في تلازم التعطيل والشرك واعلم بأن الشرك والتعطيل مذ ... كانا هما لا شك مصطحبان أبدا فكل معطل هو مشرك ... حتما وهذا واضح التبيان فالعبد مضطر إلى من يكشف البـ ... ـلوى ويغني فاقة الإنسان وإليه يصمد في الحوائج كلها ... وإليه يفزع طالبا لأمان فإذا انتفت أوصافه وفعاله ... وعلوه من فوق كل مكان فزع العباد إلى سواه وكان ذا ... من جانب التعطيل والنكران فمعطل الأوصاف ذاك معطل التـ ... وحيد حقا ذان تعطيلان قد عطلا بلسان كل الرسل من ... نوح إلى المبعوث بالقرآن والناس في هذا ثلاث طوائف ... ما رابع أبدا بذي إمكان إحدى الطوائف مشرك بإلهه ... فإذا دعاه دعا إلها ثان هذا وثاني هذه الأقسام ذا ... لك جاحد يدعو سوى الرحمن هو جاحد للرب يدعو غيره ... شركا وتعطيلا له قدمان هذا وثالث هذه الأقسام خير الـ ... ـخلق ذاك خلاصة الإنسان يدعو الإله الحق لا يدعو سوا ... هـ قط في الأشياء والأكوان يدعوه في الرغبات والرهبات والـ ... ـحالات من سر ومن إعلان(1\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "343",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15376",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "توحيده نوعان علمي وقصـ ... ـدي كما قد جرد النوعان في سورة الإخلاص مع تال لنصـ ... ـر الله قل يا أيها ببيان ولذاك قد شرعا بسنة فجرنا ... وكذاك سنة مغرب طرفان ليكون مفتتح النهار وختمه ... تجريدك التوحيد للديان وكذاك قد شرعا بخاتم وترنا ... ختما لسعي الليل بالآذان وكذاك قد شرعا بركعتي الطوا ... ف وذاك تحقيق لهذا الشان فهما إذا أخوان مصطحبان لا ... يتفارقان وليس ينفصلان فمعطل الأوصاف ذو شرك كذا ... ذو الشرك فهو معطل الرحمن أو بعض أوصاف الكمال له فحقـ ... ـق ذا ولا تسرع إلى نكران(1\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "344",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15377",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فالشرك تعظيم بجهل من قيا ... س الرب بالأمراء والسلطان ظنوا بأن الباب لا يغشى بدو ... ن توسط الشفعاء والأعوان ودهاهم ذاك القياس المستبين ... فساده ببداهة الإنسان الفرق بين الله والسلطان من ... كل الوجوه لمن له أذنان إن الملوك لعاجزون وما لهم ... علم بأحوال الدعا بأذان كلا ولا هم قادرون على الذي ... يحتاجه الإنسان كل زمان كلا وما تلك الإرادة فيهم ... لقضا حوائج كل ما إنسان كلا ولا وسعوا الخليقة رحمة ... من كل وجه هم أولو النقصان فلذلك احتاجوا إلى تلك الوسا ... ئط حاجة منهم مدى الأزمان أما الذي هو عالم للغيب مقـ ... ـتدر على ما شاء ذو إحسان وتخافه الشفعاء ليس يريد منـ ... ـهم حاجة جل العظيم الشان بل كل حاجات لهم فإليه لا ... لسواه من ملك ولا إنسان وله الشفاعة كلها وهو الذي ... في ذاك يأذن للشفيع الداني لمن ارتضى ممن يوحده ولم ... يشرك به شيئا لما قد جاء في القرآن سبقت شفاعته إليه فهو مشـ ... ـفوع إليه وشافع ذو شان فلذا أقام الشافعين كرامة ... لهم ورحمة صاحب العصيان فالكل منه بدا ومرجعه إلي ... ـه وحده ما من إله ثان غلط الألى جعلوا الشفاعة من سوا ... هـ إليه دون الإذن من رحمان(1\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "345",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15378",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذي شفاعة كل ذي شرك فلا ... تعقد عليها يا أخا الإيمان والله في القرآن أبطلها فلا ... تعدل عن الآثار والقرآن وكذا الولاية كلها لله لا ... لسواه من ملك ولا إنسان والله لم يفهم أولو الإشراك ذا ... ورآه تنقيصا أولو النقصان إذ قد تضمن عزل من يدعى سـ ... ـوى الرحمن بل أحدية الرحمن بل كل مدعو سواه من لدن ... عرش الإله إلى الحضيض الداني هو باطل في نفسه ودعا عا ... بده له من أبطل البطلان فله الولاية والولاية ما لنا ... من دونه وال من الأكوان فإذا تولاه امرؤ دون الورى ... طرا تولاه العظيم الشان وإذا تولى غيره من دونه ... ولاه ما يرضى به لهوان في هذه الدنيا وبعد مماته ... وكذاك عند قيامة الأبدان حقا يناديهم ندا سبحانه ... يوم المعاد فيسمع الثقلان يا من يريد ولاية الرحمن دو ... ن ولاية الشيطان والأوثان فارق جميع الناس في إشراكهم ... حتى تنال ولاية الرحمن يكفيك من وسع الخلائق رحمة ... وكفاية ذو الفضل والإحسان يكفيك رب لم تزل ألطافه ... تأتي إليك برحمة وحنان يكفيك رب لم تزل في ستره ... ويراك حين تجيء بالعصيان يكفيك رب لم تزل في حفظه ... ووقاية منه مدى الأزمان(1\/300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "346",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15379",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكفيك رب لم تزل في فضله ... متقلبا في السر والإعلان يدعوه أهل الأرض مع أهل السما ... ء فكل يوم ربنا في شان وهو الكفيل بكل ما يدعونه ... لا يعتري جدواه من نقصان فتوسط الشفعاء والشركاء والظـ ... ـهراء أمر بين البطلان ما فيه إلا محض تشبيه لهم ... بالله وهو فأقبح البهتان مع قصدهم تعظيمه سبحانه ... ما عطلوا الأوصاف للرحمان لكن أخو التعطيل ليس لديه ... إلا النفي أين النفي من إيمان والقلب ليس يقر إلا بالتعبـ ... ـد فهو يدعوه إلى الأكوان فترى المعطل دائما في حيرة ... متنقلا في هذه الأعيان يدعو إلها ثم يدعو غيره ... ذا شأنه أبدا مدى الأزمان ونرى الموحد دائما متنقلا ... بمنازل الطاعات والإحسان ما زال ينزل في الوفاء منازلا ... وهي الطريق له إلى الرحمان لكنما معبوده هو واحد ... ما عنده ربان معبودان(1\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "347",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15380",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في بيان أن المعطل شر من المشرك",
        "content": "فصل: في بيان أن المعطل شر من المشرك لكن أخو التعطيل شر من أخي الـ ... إشراك بالمعقول والبرهان إن المعطل جاحد للذات أو ... لكمالها هذان تعطيلان متضمنان القدح في نفس الألو ... هة كم بذاك القدح من نقصان والشرك فهو توسل مقصوده الز ... فى من الرب العظيم الشان بعبادة المخلوق من حجر ومن ... بشر ومن قبر ومن أوثان(1\/198)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "348",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15381",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في مثل المشرك والمعطل",
        "content": "فصل: في مثل المشرك والمعطل أين الذي قد قال في ملك عظيـ ... ـم لست فينا قط ذا سلطان(1\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "349",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15382",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما في صفاتك من صفات الملك ... شيء كلها مسلوبة الوجدان فهل استويت على سرير الملك أو ... دبرت أمر الملك والسلطان أو قلت مرسوما تنفذه الرعا ... يا أو نطقت بلفظة ببيان أو كنت ذا أمر وذا نهي وتكـ ... ـليم لمن وافى من البلدان أو كنت ذا سمع وذا بصر وذا ... علم وذا سخط وذا رضوان أو كنت قط مكلما متكلما ... متصرفا بالفعل كل زمان أو كنت تفعل ما تشاء حقيقة الـ ... ـفعل الذي قد قام بالأذهان أو كنت حيا فاعلا بمشيئة ... وبقدرة أفعال ذي السلطان فعل يقوم بغير فاعله محا ... ل غير معقول لذي الإنسان بل حالة الفعال قبل ومع وبعـ ... ـد هي كالتي كانت بلا فرقان والله لست بفاعل شيئا إذا ... ما كان شأنك منك هذا الشان لا داخلا فينا ولست بخارج ... عنا خيالا درت في الأذهان فبأي شيء كنت فينا مالكا ... ملكا مطاعا قاهر السلطان اسما ورسما لا حقيقة تحته ... شأن الملوك أجل من ذا الشأن هذا وثان وقال أنت مليكنا ... وسواك لا نرضاه من سلطان إذ حزت أوصاف الكمال جميعها ... ولأجل ذا دانت لك الثقلان وقد استويت على سرير الملك واسـ ... ـتوليت مع هذا على البلدان لكن بابك ليس يغشاه امرؤ ... إن لم يجيء بالشافع المعوان(1\/302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "350",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15383",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويذل للبواب والحجاب والشـ ... ـفعاء أهل القرب والإحسان أفيستوي هذا وهذا عندكم ... والله ما استويا لدى إنسان والمشركون أخف في كفرانهم ... وكلاهما من شيعة الشيطان إن المعطل بالعداوة قائم ... في قالب التنزيه للرحمن(1\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "351",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15384",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: فيما أعد الله تعالى من الإحسان للمتمسكين بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عند فساد الزمان",
        "content": "فصل: فيما أعد الله تعالى من الإحسان للمتمسكين بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عند فساد الزمان هذا وللمتمسكين بسنة المختار ... عند فساد ذي الأزمان أجر عظيم ليس يقدر قدره ... إلا الذي أعطاه للإنسان فروى أبو داود في سنن له ... ورواه أيضا أحمد الشيباني أثرا تضمن أجر خمسين امرءا ... من صحب أحمد خيرة الرحمان إسناده حسن ومصداق له ... في مسلم فافهمه بالإحسان إن العبادة وقت هرج هجرة ... حقا إلي وذاك ذو برهان هذا فكم من هجرة لك أيها السـ ... ـني بالتحقيق لا بأمان هذا وكم من هجرة لهم بما ... قال الرسول وجاء في القرآن(1\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "352",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15385",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولقد أتى مصداقه في الترمذي ... لمن له أذنان واعيتان في أجر محيي سنة ماتت فذا ... ك مع الرسول رفيقه بجنان هذا ومصداق له أيضا أتى ... في الترمذي لمن له عينان تشبيه أمته بغيث أول ... منه وآخره فمشتبهان فلذالك لا يدري الذي هو منهما ... قد خص بالتفضيل والرجحان ولقد أتى أثر بأن الفضل في ... الطرفين أعني أولا والثاني والوسط ذو ثبج فأعوج هكذا ... جاء الحديث وليس ذا نكران ولقد أتى في الوحي مصداق له ... في الثلتين وذاك في القرآن أهل اليمن فثلة مع مثلها ... والسابقون أقل في الحسبان ما ذاك إلا أن تابعهم هم ... الغرباء ليست غربة الأوطان لكنها والله غربة قائم ... بالدين بين عساكر الشيطان فلذاك شبههم به متبوعهم ... في الغربتين وذاك ذو تبيان لم بشبهوهم في جميع أمورهم ... من كل وجه ليس يستويان فانظر إلى تفسيره الغرباء ... بالمحيين سنته بكل زمان طوبى لهم والشوق يحدوهم إلى ... أخذ الحديث ومحكم القرآن طوبى لهم لم يعبأوا بنحاتة الأ ... فكار أو بزبالة الأذهان طوبى لهم ركبوا على متن العزا ... ئم قاصدين لمطلع الإيمان طوبى لهم لم يعبأوا شيئا بذي الآ ... راء إذ أغناهم الوحيان(1\/304)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "353",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15386",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طوبى لهم وإمامهم دون الورى ... من جاء بالإيمان والفرقان والله ما ائتموا بشخص دونه ... إلا إذا ما دلهم ببيان في الباب آثار عظيم شأنها ... أعيت على العلماء في الأزمان إذ أجمع العلماء أن صحابة الـ ... ـمختار خير طوائف الإنسان ذا بالضرورة ليس فيه الخلف بيـ ... ـن اثنين ما حكيت به قولان فلذاك ذي الآثار أعضل أمرها ... وبغوا لها التفسير بالإحسان فاسمع إذا تأويلها وافهمه لا ... تعجل برد منك أو نكران إن البدار برد شيء لم تحط ... علما به سبب إلى الحرمان الفضل منه مطلق ومقيد ... وهما لأهل الفضل مرتبتان والفضل ذو التقييد ليس بموجب ... فضلا على الإطلاق من إنسان لا يوجب التقييد أن يقضي له ... بالاستواء فكيف بالرجحان إذ كان ذو الإطلاق حاز على الفضا ... ئل فوق ذي التقييد بالإحسان فإذ فرضنا واحدا قد حاز نو ... عا لم يجزه فاضل الإنسان لم يوجب التخصيص من فضل عليـ ... ـه ولا مساواة ولا نقصان ما خلق آدم باليدين بموجب ... فضلا على المبعوث بالقرآن وكذا خصائص من أتى من بعده ... من كل رسل الله بالبرهان فمحمد أعلاهم فوقا وما ... حكمت لهم بمزية الرجحان فالحائز الخمسين أجرا لم يحز ... ها في جميع شرائع الإيمان(1\/305)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "354",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15387",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هل حازها في بدر أو أحد أو الـ ... ـفتح المبين وبيعة الرضوان بل حازها إذ كان قد فقد المعـ ... ـين وهم فقد كانوا أولي أعوان والرب ليس يضيع ما يتحمل ... المتحملون لأجله من شان فتحمل العبد الوحيد رضاه مع ... فيض العدو وقلة الأعوان مما يدل على يقين صادق ... ومحبة وحقيقة العرفان يكفيه ذلا واغترابا قلة الأ ... نصار بين عساكر الشيطان في كل يوم فرقة تغزوه إن ... ترجع يوافيه الفريق الثاني فسل الغريم المستضام عن الذي ... يلقاه بين عدا بلا حسبان هذا وقد بعد المدى وتطاول الـ ... ـعهد الذي هو موجب الإحسان ولذاك كان كقابض جمرا فسل ... أحشاءه عن حر ذي النيران والله أعلم بالذي في قلبه ... يكفيه علم الواحد المنان في القلب أمر ليس يقدر قدره ... إلا الذي آتاه للإنسان بر وتوحيد وصبر مع رضا ... والشكر والتحكيم للقرآن سبحانه قاسم فضله بين العبا ... د فذاك مولي الفضل والإحسان فالفضل عند الله ليس بصورة الأ ... عمال بل بحقائق الإيمان وتفاضل الأعمال يتبع ما يقو ... م بقلب صاحبها من البرهان حتى يكون العاملان كلاهما ... في رتبة تبدو لنا بعيان هذا وبينهما كما بين السما ... والأرض في فضل وفي رجحان(1\/306)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "355",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15388",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويكون بين ثواب ذا وثواب ذا ... رتب مصاعفة بلا حسبان هذا عطاء الرب جل جلاله ... وبذاك تعرف حكمة الرحمان(1\/307)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "356",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15389",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: فيما أعد الله تعالى في الجنة لأوليائه المتمسكين بالكتاب والسنة",
        "content": "فصل: فيما أعد الله تعالى في الجنة لأوليائه المتمسكين بالكتاب والسنة يا خاطب الحور الحسان وطالبا ... لوصالهن بجنة الحيوان لو كنت تدري من خطبت ومن طلبـ ... ـت بذلت ما تحوي من الأثمان أو كنت تدري أين مسكنها جعلـ ... ـت السعي منك لها على الأجفان ولقد وصفت طريق مسكنها فإن ... رمت الوصال فلا تكن بالواني أسرع وحث السير جهدك إنما ... مسراك هذا ساعة لزمان فاعشق وحدث بالوصال النفس وابـ ... ـذل مهرها ما دمت ذا إمكان واجعل صيامك قبل لقياها ويو ... م الوصل يوم الفطر من رمضان واجعل نعوت جمالها الحادي وسر ... تلق المخاوف وهي ذات أمان لا يلهينك منزل لعبت به ... أيدي البلا من سالف الأزمان فلقد ترحل عنه كل مسرة ... وتبدلت بالهم والأحزان سجن يضيق بصاحب الإيمان لـ ... ـكن جنة المأوى لذي الكفران(1\/307)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "357",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15390",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سكانها أهل الجهالة والبطا ... لة والسفاهة أنجس السكان وألذهم عيشا فجاهلهم ... بحق الله ثم حقائق القرآن عمرت بهم هذي الديار وأقفرت ... منهم ربوع العلم والإيمان قد آثروا الدنيا ولذة عيشها الـ ... ـفاني على الجنات والرضوان صحبوا الأماني وابتلوا بحظوظهم ... ورضوا بكل مذلة وهوان كدحا وكدا لا يفتر عنهم ... ما فيه من غم ومن أحزان والله لو شاهدت هاتيك الصدو ... ر رأيتها كمراجل النيران ووقودها الشهوات والحسرات والآ ... لام لا تخبو مدى الأزمان أبدانهم أجداث هاتيك النفو ... س اللاء قد قبرت مع الأبدان أرواحهم في وحشة وجسومهم ... في كدحها لا في رضا الرحمن هربوا من الرق الذي خلقوا له ... فبلو برق النفس والشيطان لا ترض ما اختاروه هم لنفوسهم ... فقد ارتضوا بالذل والحرمان لو ساوت الدنيا جناح بعوضة ... لم يسق منها الرب ذا الكفران لكنها والله أحقر عنده ... ذا الجناح القاصر الطيران ولقد تولت بعد عن أصحابها ... فالسعد منها حل بالدبران لا يرتجى منها الوفاء لصبها ... أين الوفا من غادر خوان طبعت على كدر فكيف ينالها ... صفو أهذا قط في الإمكان ياعاشق الدنيا تأهب للذي ... قد ناله العشاق كل زمان(1\/308)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "358",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15391",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو ماسمعت بل رأيت مصارع الـ ... ـعشاق من شيب ومن شبان(1\/309)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "359",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15392",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في صفة الجنة التي أعدها الله ذو الفضل والمنة لأوليائه المتمسكين بالكتاب والسنة",
        "content": "فصل: في صفة الجنة التي أعدها الله ذو الفضل والمنة لأوليائه المتمسكين بالكتاب والسنة فاسمع إذا أوصافها وصفات ها ... تيك المنازل ربة الإحسان هي جنة طابت وطاب نعيمها ... فنعيمها باق وليس بفان دار السلام وجنة المأوى ومنـ ... ـزل عسكر الإيمان والقرآن فالدار دار سلامة وخطابهم ... فيها سلام واسم ذي الغفران فصل: في عدد درجات الجنة وما بين كل درجتين درجاتها مائة وما بين اثنتيـ ... ـن فذاك في التحقيق للحسبان مثل الذي بين السماء وبين هذي ... الأرض قول الصادق والبرهان لكن عاليها هو الفردوس مسـ ... ـقوف بعرش الخالق الرحمن وسط الجنان وعلوها فلذاك كا ... نت قبة من أحسن البنيان منه تفجر سائر الأنهار فالـ ... ـينبوع منه نازل بجنان(1\/309)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "360",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15393",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: في أبواب الجنة أبوابها حق ثمانية أتت ... في النص وهي لصاحب الإحسان باب الجهاد وذاك أعلاها وبا ... ب الصوم يدعى الباب بالريان ولكل سعي صالح باب ورب ... السعي منه داخل بأمان ولسوف يدعى المرء من أبوابها ... جميعا إذا وفى حلى الإيمان منهم أبو بكر الصديق ذا ... ك خليفة المبعوث بالقرآن فصل: في مقدار ما بين الباب والباب منه سبعون عاما بين كل اثنين منـ ... ـها قدرت بالعد والحسبان هذا حديث لقيط المعروف بالـ ... ـخبر الطويل وذا عظيم الشان وعليه كل جلالة ومهابة ... ولكم حواه بعد من عرفان فصل: في مقدار ما بين مصراعي الباب الواحد منها لكن بينهما مسيرة أربعيـ ... ـن رواه حبر الأمة الشيباني(1\/310)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "361",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15394",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في مسند بالرفع وهو لمسلم ... وقف كمرفوع بوجه ثان ولقد روى تقديره بثلاثة الـ ... أيام لكن عند ذي العرفان أعني البخاري الرضى وهو منكر ... وحديث راوية ذو نكران فصل: في مفتاح باب الجنة هذا وفتح الباب ليس بممكن ... إلا بمفتاح على أسنان مفتاحه بشهادة الإخلاص والتو ... حيد تلك شهادة الإيمان أسنانه الأعمال وهي شرائع الـ ... إسلام والمفتاح بالأسنان لا تلغين هذا المثال فكم به ... من حل إشكال لذي العرفان فصل: في منشور الجنة الذي يوقع به لصاحبها هذا ومن يدخل فليس بداخل ... إلا بتوقيع من الرحمان وكذاك يكتب للفتى لدخوله ... من قبل توقيعان مشهوران إحداهما بعد الممات وعرض أر ... واح العباد به على الديان فيقول رب العرش جل جلاله ... للكاتبين وهم أولو الديوان(1\/311)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "362",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15395",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذا الاسم في الديوان يكتب ذاك ديـ ... ـوان الجنان مجاور المنان ديوان عليين أصحاب القرآ ... ن وسنة المبعوث بالقرآن فإذا انتهى للجسر يوم الحشر يعـ ... ـطى للدخول إذا كتابا ثان عنوانه هذا الكتاب من عزيـ ... ـز راحم لفلان ابن فلان فدعوه يدخل جنة المأوى التي ار ... تفعت ولكن القطوف دوان هذا وقد كتب اسمه مذ كان في الـ ... أرحام قبل ولادة الإنسان بل قبل ذلك هو وقت القبضتيـ ... ـن كلاهما للعدل والإحسان سبحان ذي الجبروت والملكوت والـ ... إجلال والإكرام والسبحان والله أكبر عالم الأسرار والـ ... إعلان واللحظات بالأجفان والحمد لله السميع لسائر الـ ... أصوات من سر ومن إعلان وهو الموحد والمسبح والممجـ ... ـد والحميد ومنزل القرآن والأمر من قبل ومن بعد له ... سبحانك اللهم ذا السلطان فصل: في صفوف أهل الجنة هذا وإن صفوفهم عشرون مع ... مائة وهذي الأمة الثلثان يرويه عنه بريدة إسناده ... شرط الصحيح بمسند الشيباني وله شواهد من حديث أبي هريـ ... ـرة وابن مسعود وحبر زمان(1\/312)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "363",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15396",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أعني ابن عباس وفي إسناده ... رجل ضعيف غير ذي إتقان ولقد أتانا في الصحيح بأنهم ... شطر وما اللفظان مختلفان إذ قال أرجوأن تكونوا شطرهم ... هذا رجاء منه للرحمن أعطاه رب العرش ما يرجو وزا ... د من العطاء فعال ذي الإحسان فصل: في صفة أول زمرة تدخل الجنة هذا وأول زمرة فوجوههم ... كالبدر ليل الست بعد ثمان السابقون هم وقد كانوا هنا ... أيضا أولي سبق إلى الإحسان فصل: في صفة الزمرة الثانية والزمرة الأخرى كأضواء كوكب ... في الأفق تنظره به العينان أمشاطهم ذهب ورشحهم فمسـ ... ـك خالص يا ذلة الحرمان(1\/313)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "364",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15397",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: في تفاضل أهل الجنة في الدرجات العلى ويرى الذين بذيلها من فوقهم ... مثل الكواكب رؤية بعيان ما ذاك مختصا برسل الله بل ... لهم وللصديق ذي الإيمان فصل: في ذكر أعلى أهل الجنة منزلة وأدناهم هذا وأعلاهم فناظر ربه ... في كل يوم وقته الطرفان لكن أدناهم وما فيهم دني ... إذ ليس في الجنات من نقصان فهو الذي تلفى مسافة ملكه ... بسنيننا ألفان كاملتان فيرى بها أقصاه حقا مثل رؤ ... يته لأدناه القريب الداني أو ماسمعت بأن آخر أهلها ... يعطيه رب العرش ذو الغفران أضعاف دنيانا جميعا عشر أمـ ... ـثال لها سبحان ذي الإحسان فصل: في ذكر سن أهل الجنة هذا وسنهم ثلاث مع ثلا ... ثين التي هي قوة الشبان(1\/314)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "365",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15398",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وصغيرهم وكبيرهم في ذا على ... حد سواء ما سوى الولدان ولقد روى الخدري أيضا أنهم ... أبناء عشر بعدها عشران وكلاهما في الترمذي وليس ذا ... بتناقض بل ها هنا أمران حذف الثلاث ونيف بعد العقو ... د وذكر ذلك عندهم سيان عند اتساع في الكلام فعندما ... يأتوا بتحرير فبالميزان فصل: في طول قامات أهل الجنة وعرضهم والطول طول أبيهم ستون لـ ... ـكن عرضهم سبع بلا نقصان الطول صح بغير شك في الصحيـ ... ـحين اللذين هما لنا شمسان والعرض لم نعرفه في إحداهما ... لكن رواه أحمد الشيباني هذا ولا يخفى التناسب بين هـ ... ـذا العرض والطول البديع الشان كل على مقدرا صاحبه وذا ... تقدير متقن صنعة الإنسان فصل: في لحاهم وألوانهم ألوانهم بيض وليس لهم لحى ... جعد الشعور مكحلوا الأجفان هذا كمال الحسن في أبشارهم ... وشعورهم وكذلك العينان(1\/315)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "366",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15399",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: في لسان أهل الجنة ولقد أتى أثر بأن لسانهم ... بالمنطق العربي خير لسان لكن في إسناده نظرا ففيـ ... ـه راويان وما هما ثبتان أعني العلاء هو ابن عمرو ثم يحـ ... ـي الأشعري وذان مغموزان فصل: في ريح أهل الجنة من مسيرة كم يوجد والريح يوجد من مسيرة أربعيـ ... ـن وإن تشأ مائة فمرويان وكذا روى سبعين أيضا صح هـ ... ـذا كله وأتى به أثران ما في رجالهما لنا من مطعن ... والجمع بين الكل ذو إمكان وقد أتى تقديره مائة بخمـ ... ـس ضربها من غير ما نقصان إن صح هذا فهو أيضا والذي ... من قبله في غاية الإمكان إما بحسب المدركين لريحها ... قربا وبعدا ما هما سيان أو باختلاف قرارها وعلوها ... أيضا وذلك اضح التبيان أو باختلاف السير أيضا فهو أنـ ... ـواع بقدر إطاقة الإنسان ما بين ألفاظ الرسول تناقض ... بل ذلك في الأفهام والأذهان(1\/316)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "367",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15400",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: في أسبق الناس دخولا إلى الجنة ونظير هذا سبق أهل الفقر للـ ... ـجنات في تقديره أثران مائة بخمس ضربها أو أربعيـ ... ـن كلاهما في ذاك محفوظان فأبو هريرة قد روى أولاهما ... وروى لنا الثاني صحابيان هذا بحسب تفاوت الفقراء في اسـ ... ـتحقاق سبقهم إلى الإحسان أو ذا بحسب تفاوت في الأغنيا ... ء كلاهما لا شك موجودان هذا وأولهم دخولا خير خلـ ... ـق الله من قد خص بالقرآن والأنبياء على مراتبهم من التـ ... ـفضيل تلك مواهب المنان هذا وأمة أحمد سباق با ... قي الخلق عند دخولهم بجنان وأحقهم بالسبق أسبقهم إلى الـ ... إسلام والتصديق بالقرآن وكذا أبو بكر هو الصديق أسـ ... ـبقهم دخولا قول عند ذي البرهان وروى ابن ماجه أن أولهم يصا ... فحه إله العرش ذو الإحسان ويكون أولهم دخولا جنة الـ ... ـفردوس ذلك قامع الكفران فاروق دين الله ناصر قوله ... ورسوله وشرائع الإيمان لكنه أثر ضعيف فيه مجـ ... ـروح يسمى خالدا ببيان لو صح كان عمومه المخصوص بالصـ ... ـديق قطعا غير ذي نكران(1\/317)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "368",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15401",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا وأولهم دخولا فهو حمـ ... ـاد على الحالات للرحمان إن كان في السراء أصبح حامدا ... أو كان في الضرا فحمد ثان هذا الذي هو عارف بإلهه ... وصفاته وكماله الرباني وكذا الشهيد فسبقه متيقن ... وهو الجدير بذلك الإحسان وكذلك الملوك حين يقوم بالـ ... ـحقين سباق بغير توان وكذا فقير ذو عيال ليس بالـ ... ـملحاح بل ذو عفة وصيان فصل: في عدد الجنات وأجناسها والجنة اسم الجنس وهي كثيرة ... جدا ولكن أصلها نوعان ذهبيتان بكل ما حوتاه من ... حلي وآنية ومن بنيان وكذاك أيضا ففضة ثنتان من ... حلي وبنيان وكل أوان لكن دار الخلد والمأوى وعد ... ن والسلام إضافة لمعان أوصافها استدعت إضافتها إلي ... ـها مدحة مع غاية التبيان لكنما الفردوس أعلاها وأو ... سطها مساكن صفوة الرحمان أعلاه منزلة لأعلى الخلق منـ ... ـزلة هو المبعوث بالقرآن(1\/318)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "369",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15402",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهي الوسيلة وهي أعلى رتبة ... خلصت له فضلا من الرحمان ولقد أتى في سورة الرحمن تفـ ... ـضيل الجنان مفصلا ببيان هي أربع ثنتان فاضلتان ثم ... يليهما ثنتان مفضولان فالأوليان الفضليان لأوجه ... عشر ويعسر نظمها بوزان واذا تأملت السياق وجدتها ... فيه تلوح لمن له عينان سبحان من غرست يداه جنة الـ ... فردوس عند تكامل البنيان ويداه أيضا أتقنت لبنائها ... فتبارك الرحمان أعظم بان هي في الجنان كآدم وكلاهما ... تفضيله من أجل هذا الشان لكنما الجهمي ليس لديه من ... ذا الفضل شيء فهو ذو نكران ولد عقوق عق والده ولم ... يثبت بذا فضلا على شيطان فكلاهما تأثير قدرته وتأ ... ثير المشيئة ليس ثم يدان آلاهما أو نعمتاه وخلقه ... كل بنعمة ربه المنان لما قضى رب العباد العرش قا ... ل تكلمي فتكلمت ببيان قد أفلح العبد الذي هو مؤمن ... ماذا ادخرت له من الإحسان ولقد روى حقا أبو الدرداء ذا ... ك عويمر أثرا عظيم الشان يهتز قلب العبد عند سماعه ... طربا بقدر حلاوة الإيمان ما مثله أبدا يقال برأيه ... أو كان يا أهلا بذا العرفان فيه النزول ثلاث ساعات فإحـ ... ـداهن ينظر في الكتاب الثاني(1\/319)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "370",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15403",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يمحو ويثبت ما يشاء بحكمة ... وبعزة وبرحمة وحنان فترى الفتى يمسي على حال ويصـ ... ـبح في سواها ما هما مثلان هو نائم وأموره قد دبرت ... ليلا ولا يدري بذاك الشان والساعة الأخرى إلى عدن مسا ... كن أهله هم صفوة الرحمان الرسل ثم الأنبياء ومعهم الصـ ... ـديق حسب فلا تكن بجبان فيها الذي والله لا عين رأت ... كلا ولا سمعت به الأذنان كلا ولا قلب به خطر المثا ... ل له تعالى الله ذو السلطان والساعة الأخرى إلى هذي السما ... ء يقول هل من تائب ندمان أو داع أو مستغفر أو سائل ... أعطيه إني واسع الإحسان حتى يصلى الفجر يشهدها مع الـ ... أملاك تلك شهادة القرآن هذا الحديث بطوله وسياقه ... وتمامه في سنة الطبراني فصل: في بناء الجنة وبناؤها اللبنات من ذهب ... وأخرى فضة نوعان محتلفان وقصورها من لؤلؤ وزبرجد ... أو فضة أو خالص العيقان وكذاك من در وياقوت به ... نظم البناء بغاية الإتقان(1\/320)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "371",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15404",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والطين مسك خالص أو زعفرا ... ن جا بذا أثران مقبولان ليسا بمختلفين لا تنكرهما ... فهما الملاط لذلك البنيان فصل: في أرضها وحصبائها وتربها والأرض مرمرة كخالص فضة ... مثل المرات تناله العينان في مسلم تشبيهها بالدرمك الصـ ... ـافي وبالمسك العظيم الشان هذا لحسن اللون لكن ذا لطيـ ... ـب الريح صار هناك تشبيهان حصباؤها در وياقوت كذا ... ك لآلىء نثرت كنثر جمان وترابها من زعفران أو من المـ ... ـسك الذي ما استل من غزلان فصل: في صفة غرفاتها غرفاتها في الجو ينظر بطنها ... من ظهرها والظهر من بطنان سكانها أهل القيام مع الصيا ... م وطيب الكلمات والإحسان ثنتان خالص حقه سبحانه ... وعبيده أيضا لهم ثنتان(1\/321)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "372",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15405",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: في خيام أهل الجنة للعبد فيها خيمة من لؤلؤ ... قد جوفت هي صنعة الرحمن ستون ميلا طولها في الجو في ... كل الزوايا أجمل النسوان يغشى الجميع فلا يشاهد بعضهم ... بعضا وهذا لاتساع مكان فيها مقاصير بها الأبواب من ... ذهب ودر زين بالمرجان وخيامها منصوبة برياضها ... وشواطئ الأنهار ذي الجريان ما في الخيام سوى التي لو قابلت ... للنيرين لقلت منكسفان لله هاتيك الخيام فكم بها ... للقلب من علق ومن أشجان فيهن حور قاصرات الطرف خيـ ... ـرات حسان هن خير حسان خيرات أخلاق حسان أوجها ... فالحسن والإحسان متفقان فصل: في أرائكها وسررها فيها الأرائك وهي من سرر عليـ ... ـهن الحجال كثيرة الألوان لا تستحق اسم الأرائك دون ها ... تيك الحجال وذاك وضع لسان بشخانة يدعونها بلسان فا ... رس وهو ظهر البيت ذي الأركان(1\/322)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "373",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15406",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: في أشجارها وثمارها وظلالها أشجارها نوعان منها ما له ... في هذه الدنيا مثال ذان كالسدر أصل النبق مخضود مكا ... ن الشوك من ثمر ذوي ألوان هذا وظل السدر من خير الظلا ... ل ونفعه الترويح للأبدان وثماره أيضا ذوات منافع ... من بعضها تفريح ذي الأحزان والطلح وهو الموز منضود كما ... نضدت يد بأصابع وبنان أو أنه شجر البوادي موقرا ... حملا مكان الشوك في الأغصان وكذلك الرمان والأعناب ... التي منها القطوف دوان هذا ونوع ما له في هذه الد ... نيا نظير كي يرى بعيان يكفي من التعجاج قول إلهنا ... من كل فاكهة بها زوجان وأتوا به متشابها في اللون مخـ ... ـتلف الطعوم فذاك ذو ألوان أو أنه متشابه في الاسم مخـ ... ـتلف الطعوم فذاك قول ثان أو أنه وسط خيار كله ... فالفحل منه ليس ذا ثنيان أو أنه لثمارنا ذي مشبه ... في اسم ولون ليس يختلفان لكن لبهجتها ولذة طعمها ... أمر سوى هذا الذي تجدان فيلذها في الأكل عند منالها ... وتلذها من قبله العينان(1\/323)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "374",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15407",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ابن عباس وما بالجنة الـ ... ـعليا سوى أسماء ما تريان يعني الحقائق لا تماثل هذه ... وكلاهما في الاسم متفقان يا طيب هاتيك الثمار وغرسها ... في المسك ذاب الترب للبستان وكذلك الماء الذي يسقى به ... ياطيب ذاك الورد للظمآن وإذا تناولت المار أتت نظيـ ... ـرتها فحلت دونها بمكان لم تنقطع أبدا ولم ترقب نزو ... ل الشمس من حمل إلى ميزان وكذاك لم تمنع ولم تحتج إلى ... أن ترتقي للقنو في العيدان بل ذللت تلك القطوف فكيف ما ... شئت انتزعت بأسهل الإمكان ولقد أتى أثر بأن الساق من ... ذهب رواه الترمذي ببيان قال ابن عباس وهاتيك الجذو ... ع زمرد من أحسن الألوان ومقطعاتهم من الكرم الذي ... فيها ومن سعة من العقيان وثمارها ما فيه من عجم كأمـ ... ـثال القلال فجل ذو الإحسان وظلالها معدودة ليست تقي ... حرا ولا شمسا وأنى ذان أو ما سمعت بظل أصل واحد ... فيه يسير الراكب العجلان مائة سنين قدرت لا تنقضي ... هذا العظيم الأصل والأفنان ولقد روى الخدري أيضا أن طو ... بى قدرها مائة بلا نقصان تتفتح الأكمام فيها عن لبا ... سهم بما شاؤوا من الألوان(1\/324)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "375",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15408",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: في سماع أهل الجنة قال ابن عباس ويرسل ربنا ... ريحا تهز ذوائب الأغصان فتثير أصواتا تلذ لمسمع الإ ... نسان كالنغمات بالأوزان يا لذة الأسماع لا تتعوضي ... بلذاذة الأوتار والعيدان أو ما سمعت سماعهم فيها غنا ... ء الحور بالأصوات والألحان واها لذياك السماع فإنه ... ملئت به الأذنان بالإحسان واها لذياك السماع وطيبه ... من مثل أقمار على أغصان واها لذياك السماع فكم به ... للقلب من طرب ومن أشجان واها لذياك السماع ولم أقل ... ذياك تصغيرا له بلسان ما ظن سامعه بصوت أطيب الـ ... أصوات من حور الجنان حسان نحن النواعم والخوالد خيرا ... ت كاملات الحسن والإحسان لسنا نموت ولا نخاف وما لنا ... سخط ولا ضغن من الأضغان طوبى لمن كنا له وكذاك طو ... بى للذي هو حظنا لفظان في ذاك آثار روين وذكرها ... في الترمذي ومعجم الطبراني ورواه يحيى شيخ الأوزاعي تفـ ... ـسيرا للفظة يحبرون أغان نزه سماعك إن أردت سماع ذيـ ... ـاك الغناء عن هذه الألحان(1\/325)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "376",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15409",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا تؤثر الأدنى على الأعلى فتحـ ... ـرم ذا وذا يا ذلة الحرمان إن اختيارك للسماع النازل الـ ... أدنى على الأعلى من النقصان والله إن سماعهم في القلب والـ ... إيمان مثل السم في الأبدان والله ما انفك الذي هو دأبه ... أبدا من الإشراك بالرحمن فلقلب بيت الرب جل جلاله ... حبا وإخلاصا مع الإحسان فإذا تعلق بالسماع أصاره ... عبدا لكل فلانة وفلان حب الكتاب وحب ألحان الغنا ... في قلب عبد ليس يجتمعان ثقل الكتاب عليهم لما رأوا ... تقييده بشرائع الإيمان واللهو خف عليهم لما رأوا ... ما فيه من طرب ومن ألحان قوت النفوس وإنما القرآن قو ... ت القلب أنى يستوي القوتان ولذا تراه حظ ذي النقصان كالـ ... ـجهال والصبيان والنسوان وألذهم فيه أقلهم من العقل ... الصحيح فسل أخا العرفان يا لذة الفساق لست كلذة الـ ... أبرار في عقل ولا قرآن فصل: في أنهار الجنة أنهارها في غير أخدود جرت ... سبحان ممسكها عن الفيضان من تحتهم تجري كما شاؤوا مفجـ ... ـرة وما للنهر من نقصان(1\/326)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "377",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15410",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عسل مصفى ثم ماء ثم خمـ ... ـر ثم أنهار من الألبان والله ما تلك المواد كهذه ... لكن هما في اللفظ مجتمعان هذا وبينهما يسير تشابه ... وهو اشتراك قام بالأذهان فصل: في طعام أهل الجنة وطعامهم ما تشتهيه نفوسهم ... ولحوم طير ناعم وسمان وفواكه شتى بحسب مناهم ... يا شبعة كملت لذي الإيمان لحم وخمر والنسا وفواكه ... والطيب مع روح ومع ريحان وصحافهم ذهب تطوف عليهم ... بأكف خدام من الولدان وانظر إلى جعل اللذاذة للعيو ... ن وشهوة للنفس في القرآن للعين منها لذة تدعو إلى ... شهواتها بالنفس والأمران سبب التناول وهو يوجب لذة ... أخرى سوى ما نالت العينان فصل: في شرابهم يسقون فيها من رحيق ختمه ... بالمسك أوله كمثل الثاني(1\/327)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "378",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15411",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مع خمرة لذت لشاربها بلا ... غول ولا داء ولا نقصان والخمر في الدنيا فهذا وصفها ... تغتال عقل الشارب السكران وبها من الأدواء ما هي أهله ... ويخاف من عدم لذي الوجدان فنفى لنا الرحمن أجمعها عن الـ ... ـخمر التي في جنة الحيوان وشرابهم من سلسبيل مزجه الـ ... ـكافور ذاك شراب ذي الإحسان هذا شراب أولي اليمين ولكن الـ ... أبرار شربهم شراب ثان يدعى بتسنيم سنام شربهم ... شرب المقرب خيرة الرحمن صفى المقرب سعيه فصفا له ... ذاك الشراب فتلك تصفيتان لكن أصحاب اليمين فأهل مز ... ج بالمباح وليس بالعصيان مزج الشراب لهم كما مزجوا ... هم الأعمال ذاك المزج بالميزان هذا وذو التخليط مزجا أمره ... والحكم فيه لربه الديان فصل: في مصرف طعامهم وشرابهم وهضمه هذا وتصريف المآكل منهم ... عرق يفيض لهم من الأبدان كروائح المسك الذي ما فيه خلـ ... ـط غيره من سائر الألوان فتعود هاتيك البطون ضوامرا ... تبغي الطعام على مدى الأزمان لا غائط فيها ولا بول ولا ... مخط ولا بصق من الإنسان(1\/328)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "379",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15412",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولهم جشاء ريحه مسك يكو ... ن به تمام الهضم بالإحسان هذا وهذا صح عنه فواحد ... في مسلم ولأحمد الأثران فصل: في لباس أهل الجنة وهم الملوك على الأسرة فوق ها ... تيك الرؤوس مرصع التيجان ولباسهم من سندس خضر ومن ... إستبرق نوعان معروفان ما ذلك من دود بنى من فوقه ... تلك البيوت وعاد ذا الطيران كلا ولا نسجت على المنوال نسـ ... ـج ثيابنا بالقطن والكتان لكنها حلل تشق ثمارها ... عنها رأيت شقائق النعمان بيض وخضر ثم صفر ثم حمـ ... ـر كالرباط بأحسن الألوان لا تقرب الدنس المقرب للبلى ... ما للبلى فيهن من سلطان ونصيف إحداهن وهو خمارها ... ليست له الدنيا من الأثمان سبعون من حلل عليها لا تعو ... ق الطرق عن مخ ورا السيقان لكن يراه من ورا ذا كله ... مثل الشراب لذي زجاج أوان(1\/329)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "380",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15413",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: في فرشهم وما يتبعها والفرش من إستبرق قد بطنت ... ما ظنكم بظهارة لبطان مرفوعة فوق الأسرة يتكي ... هو والحبيب بخلوة وأمان يتحدثان على الأرائك ما ترى ... حبين في الخلوات ينتجيان هذا وكم زربية ونمارق ... ووسائد صفت بلا حسبان فصل: في حلي أهل الجنة والحلي أصفى لؤلؤ وزبرجد ... وكذاك أسورة من العقيان ما ذاك يختص الإناث وإنما ... هو للإناث كذاك للذكران التاركين لباسه في هذه الد ... نيا لأجل لباسه بجنان أو ما سمعت بأن حليتهم إلى ... حيث انتهاء وضوئهم بوزان وكذا وضوء أبي هريرة كان قد ... فازت به العضدان والساقان وسواه أنكر ذا عليه قائلا ... ما الساق موضع حلية الإنسان ما ذاك إلا موضع الكعبين والز ... ندين لا الساقان والعضدان وكذاك أهل الفقه مختلفون في ... هذا وفيه عندهم قولان والراجح الأقوى انتهاء وضوئنا ... للمرفقين كذلك الكعبان(1\/330)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "381",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15414",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا الذي قد حده الرحمن في الـ ... ـقرآن لا تعدل عن القرآن واحفظ حدود الرب لا تتعدها ... وكذاك لا تجنح إلى النقصان وانظر إلى فعل الرسول تجده قد ... أبدى المراد وجاء بالتبيان ومن استطاع يطيل غرته فمو ... قوف على الراوي هو الفوقاني فأبو هريرة قال ذا من كيسه ... فغدا يميزه أولو العرفان ونعيم الراوي له قد شك في ... رفع الحديث كذا روى الشيباني وإطالة الغرات ليس ببمكن ... أبدا وذا في غاية التبيان(1\/331)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "382",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15415",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في صفة عرائس الجنة وحسنهن وجمالهن ولذة وصالهن ومهورهن",
        "content": "فصل: في صفة عرائس الجنة وحسنهن وجمالهن ولذة وصالهن ومهورهن يا من يطوف بكعبة الحسن التي ... حفت بذاك الحجر والأركان ويظل يسعى دائما حول الصفا ... ومحسر مسعاه لا العلمان ويروم قربان الوصال على منى ... والخيف يحجبه عن القربان فلذا تراه محرما أبدا ومو ... ضع حله منه فليس بدان يبغي التمتع مفردا من حبه ... متجردا يبغي شفيع قران فيظل بالجمرات يرمي قلبه ... هذي مناسكه بكل زمان(1\/331)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "383",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15416",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والناس قد قضوا مناسكهم وقد ... حثوا ركائبهم إلى الأوطان وحدت بهم همم لهم وعزائم ... نحو المنازل أول الأزمان رفعت لهم في السير أعلام الوصا ... ل فشمروا يا خيبة الكسلان ورأوا على بعد خياما مشرفا ... ت مشرقات النور والبرهان فتيمموا تلك الخيام فآنسوا ... فيهن أقمارا بلا نقصان من قاصرات الطرف لا تبغى سوى ... محبوبها من سائر الشبان قصرت عليه طرفها من حسنه ... والطرف في ذا الوجه للنسوان أو أنها قصرت عليه طرفه ... من حسنها فالطرف للذكران والأول المعهود من وضع الخطا ... ب فلا تحدن عن ظاهر القرآن ولربما دلت إشارته على الثـ ... ـاني فتلك إشارة لمعان هذا وليس القاصرات كمن غدت ... مقصورة فهما إذا صنفان يا مطلق الطرف المعذب في الألى ... جردن عن حسن وعن إحسان لا تسبينك صورة من تحتها ... الداء الدوي تبوء بالخسران قبحت خلائقها وقبح فعلها ... شيطانة في صورة الإنسان تنقاد للأنذال والأرذال هم ... أكفاؤها من دون ذي الإحسان ما ثم من دين ولا عقل ولا ... خلق ولا خوف من الرحمان وجمالها زور ومصنوع فإن ... تركته لم تطمح لها العينان طبعت على ترك الحفاظ فما لها ... بوفاء حق البعل قط يدان(1\/332)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "384",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15417",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن قصر الساعي عليها ساعة ... قالت وهل أوليت من إحسان أو رام تقويما لها استعصت ولم ... تقبل سوى التعويج والنقصان أفكارها في المكر والكيد الذي ... قد حار فيه فكرة الإنسان فجمالها قشر رقيق تحته ... ما شئت من عيب ومن نقصان نقد رديء فوقه من فضة ... شيء يظن به من الأثمان فالناقدون يرون ماذا تحته ... والناس أكثرهم من العميان أما جميلات الوجوه فخائنا ... ت بعولهن وهن للأخدان والحافظات الغيب منهن التي ... قد أصبحت فردا من النسوان فانظر مصارع من يليك ومن خلا ... من قبل من شيب ومن شبان وارغب بعقلك أن تبيع العالي الـ ... ـباقي بذا الأدنى الذي هو فان إن كان قد أعياك خود مثل ما ... تبغي ولم تظفر إلى ذا الآن فاخطب من الرحمن خودا ثم قد ... م مهرها ما دمت ذا إمكان ذاك النكاح عليك أيسر إن يكن ... لك نسبة للعلم والإيمان والله لم تخرج إلى الدنيا للذ ... ة عيشها أو للحطام الفاني لكن خرجت لكي تعد الزاد للـ ... أخرى فجئت بأقبح الخسران أهملت جمع الزاد حتى فات بل ... فات الذي ألهاك عن ذا الشان والله لو أن القلوب سليمة ... لتقطعت أسفا من الحرمان لكنها سكرى بحب حياتها الد ... نيا وسوف تفيق بعد زمان(1\/333)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "385",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15418",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل فاسمع صفات عرائس الجنات ثم اخـ ... ـتر لنفسك يا أخا العرفان حور حسان قد كملن خلائقا ... ومحاسنا من أجمل النسوان حتى يحار الطرف في الحسن الذي ... قد ألبست فالطرف كالحيران ويقول لما أن يشاهد حسنها ... سبحان معطي الحسن والإحسان والطرف يشرب من كؤوس جمالها ... فتراه مثل الشارب النشوان كملت خلائقها وأكمل حسنها ... كالبدر ليل الست بعد ثمان والشمس تجري في محاسن وجهها ... والليل تحت ذوائب الأغصان فتراه يعجب وهو موضع ذاك من ... ليل وشمس كيف يجتمعان فيقول سبحان الذي ذا صنعه ... سبحان متقن صنعة الإنسان لا اليل يدرك شمسها فتغيب عنـ ... ـد مجيئه حتى الصباح الثاني والشمس لا تأتي بطرد الليل بل ... يتصاحبان كلاهما أخوان وكلاهما مرآة صاحبه إذا ... ما شاء يبصر وجهه يريان فيرى محاسن وجهه في وجهها ... وترى محاسنها به بعيان حمر الخدود ثغورهن لآلئ ... سود العيون فواتر الأجفان والبرق يبدو حين يبسم ثغرها ... فيضيء سقف القصر بالجدران ولقد روينا أن برقا ساطعا ... يبدو فيسأل عنه من بجنان(1\/334)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "386",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15419",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيقال هذا ضوء ثغر ضاحك ... في الجنة العليا كما تريان لله لاثم ذلك الثغر الذي ... في لثمه إدراك كل أمان ريانة الأعطاف من ماء الشبا ... ب فغصنها بالماء ذو جريان لما جرى ماء النعيم بغصنها ... حمل الثمار كثيرة الألوان فالورد والتفاح والرمان في ... غصن تعالى غارس البستان والقد منها كالقضيب اللدن في ... حسن القوام كأوسط القضبان في مغرس كالعاج تحسب أنه ... عالي النقا أو واحد الكثبان لا الظهر يلحقها وليس ثديها ... بلواحق للبطن أو بدوان لكنهن كواعب ونواهد ... فثديهن كألطف الرمان والجيد ذو طول وحسن في بيا ... ض واعتدال ليس ذا نكران يشكو الحلي بعاده فله مدى الـ ... أيام وسواس من الهجران والمعصمان فان تشأ شبههما ... بسبيكتين عليهما كفان كالزبد لينا في نعومة ملمس ... أصداف در دورت بوزان والصدر متسع على بطن لها ... حفت به خصران ذا ثمان وعليه أحسن سرة هي مجمع الـ ... ـخصرين قد غارت من الأعكان حق من العاج استدار وحوله ... حبات مسك جل ذو الإتقان وإذا انحدرت رأيت أمرا هائلا ... ما للصفات عليه من سلطان لا الحيض يغشاه ولا بول ولا ... شيء من الآفات في النسوان(1\/335)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "387",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15420",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فخذان قد حفا به حرسا له ... فجنابه في عزة وصيان قاما بخدمته هو السلطان بيـ ... ـنهما وحق طاعة السلطان وهو المطاع أميره لا ينثني ... عنه ولا هو عنده بجبان وجماعها فهو الشفا لصبها ... فالصب منه ليس بالضجران وإذا يجامعها تعود كما أتت ... بكرا بغير دم ولا نقصان فهو الشهي وعضوه لا ينثني ... جاء الحديث بذا بلا نكران ولقد روينا أن شغلهم الذي ... قد جاء في يس دون بيان شغل العروس بعرسه من بعدما ... عبثت به الأشواق طول زمان بالله لا تسأله عن أشغاله ... تلك اليالي شأنه ذو شان واضرب لهم مثلا بصب غاب عن ... محبوبه في شاسع البلدان والشوق يزعجه إليه وما له ... بلقائه سبب من الإمكان وافى إليه بعد طول مغيبه ... عنه وصار الوصل ذا إمكان أتلومه إن صار ذا شغل به ... لا والذي أعطى بلا حسبان يا رب غفرا قد طغت أقلامنا ... يا رب معذرة من الطغيان فصل أقدامها من فضة قد ركبت ... من فوقها ساقان ملتفان والساق مثل العاج ملموم يرى ... مخ العظام وراءه بعيان(1\/336)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "388",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15421",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والريح مسك الجسوم نواعم ... واللون كالياقوت والمرجان وكلاهما يسبي العقول بنغمة ... زادت على الأوتار والعيدان وهي العروب بشكلها وبدرها ... وتحبب للزوج كل أوان وهي التي عند الجماع تزيد في ... حركاتها للعين والأذنان لطفا وحسن تبعل وتغنج ... وتحبب تفسير ذي العرفان تلك الحلاوة والملاحة أوجبا ... إطلاق هذا اللفظ وضع لسان فملاحة التصوير قبل غناجها ... هي أول وهي المحل الثاني فإذا هما اجتمعا لصب وامق ... بلغت به اللذات كل مكان فصل أتراب سن واحد متماثل ... سن الشباب لأجمل الشبان بكر فلم يأخذ بكارتها سوى الـ ... ـمحبوب من إنس ولا من جان حصن عليه حارس من أعظم الـ ... ـحراس بأسا شأنه ذو شان فإذا أحس بداخل للحصن ولـ ... ـى هاربا فتراه ذا إمعان ويعود وهنا حين رب الحصن يخـ ... ـرج منه فهو كذا مدى الأزمان وكذا رواه أبو هريرة أنها ... تنصاغ بكرا للجماع الثاني لكن دراجا أبا السمح الذي ... فيه يضعفه أولو الإتقان هذا وبعضهم يصحح عنه في التـ ... ـفسير كالمولود من حبان(1\/337)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "389",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15422",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فحديثه دون الصحيح وإنه ... فوق الضعيف وليس ذا إتقان يعطي المجامع قوة المائة التي اجـ ... ـتمعت لأقوى واحد الإنسان لا أن قوته تضاعف هكذا ... إذ قد يكون لأضعف الأركان ويكون أقوى منه ذا نقص من الـ ... إيمان والأعمال والإحسان ولقد روينا أنه يغشى بيو ... م واحد مائة من النسوان ورجاله شرط الصحيح رووا لهم ... فيه وذا في معجم الطبراني هذا دليل أن قدر نسائهم ... متفاوت بتفاوت الإيمان وبه يزول توهم الإشكال عن ... تلك النصوص بمنة الرحمان وبقوة المائة التي حصلت له ... أفضى إلى مائة بلا خوران وأعفهم في هذه الدنيا هو الـ ... أقوى هناك لزهده في الفاني فاجمع قواك لما هناك وغمض الـ ... ـعينين واصبر ساعة لزمان ما ههنا والله ما يسوى قلا ... مة ظفر واحدة ترى بجنان ما ههنا إلا النقار وسييء الـ ... أخلاق مع عيب ومع نقصان هم وغم دائم لا ينتهي ... حتى الطلاق أو الفراق الثاني والله قد جعل النساء عوانيا ... شرعا فأضحى البعل وهو العاني لا تؤثر الأدنى على الأعلى فإن ... تفعل رجعت بذلة وهوان(1\/338)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "390",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15423",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل وإذا بدت في حلة من لبسها ... وتمايلت كتمايل النشوان تهتز كالغصن الرطيب وحمله ... ورد وتفاح على رمان وتبخترت في مشيها ويحق ذا ... ك لمثلها في جنة الحيوان ووصائف من خلفها وأمامها ... وعلى شمائلها وعن أيمان كالبدر ليلة تمه قد حف في ... غسق الدجى بكواكب الميزان فلسانه وفؤاده والطرف في ... دهش وإعجاب وفي سبحان فالقلب قبل زفافها في عرسه ... والعرس إثر العرس متصلان حتى إذا ما واجهته تقابلا ... أرأيت إذ يتقابل القمران فسل المتيم هل يحل الصبر عن ... ضم وتقبيل وعن فلتان وسل المتيم اين خلف صبره ... في أي واد أم بأي مكان وسل المتيم كيف حالته وقد ... ملئت له الأذنان والعينان من منطق رقت حواشيه ووجـ ... ـه كم به للشمس من جريان وسل المتيم كيف عيشته إذا ... وهما على فرشيهما خلوان يتساقطان لآلئا منثورة ... من بين منظوم كنظم جمان وسل المتيم كيف مجلسه مع الـ ... ـمحبوب في روح وفي ريحان وتدور كاسات الرحيق عليهما ... بأكف أقمار من الولدان يتنازعان الكأس هذا مرة ... والخود أخرى ثم يتكئان(1\/339)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "391",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15424",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيضمها وتضمه أرأيت معـ ... ـشوقين بعد البعد يلتقيان غاب الرقيب وغاب كل منكد ... وهما بثوب الوصل مشتملان أتراهما ضجرين من ذا العيش لا ... وحياة ربك ما هما ضجران ويزيد كل منهما حبا لصا ... حبه جديدا سائر الأزمان ووصاله يكسوه حبا بعده ... متسلسلا لا ينتهي بزمان فالوصل محفوف بحب سابق ... وبلاحق وكلاهما صنوان فرق لطيف بين ذاك وبين ذا ... يدريه ذو شغل بهذا الشان ومزيدهم في كل وقت حاصل ... سبحان ذي الملكوت والسلطان يا غافلا عما خلقت له انتبه ... جد الرحيل فلست باليقظان سار الرفاق وخلفوك مع الألى ... قنعوا بذا الحظ الخسيس الفاني ورأيت أكثر من ترى متخلفا ... فتبعتهم ورضيت بالحرمان لكن أتيت بخطتي عجز وجهـ ... ـل بعد ذا وصحبت كل أمان منتك نفسك باللحاق مع القعو ... د عن المسير وراحة الأبدان ولسوف تعلم حين ينكشف الغطا ... ماذا صنعت وكنت ذا إمكان(1\/340)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "392",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15425",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في ذكر الخلاف بين الناس هل تحبل نساء أهل الجنة أم لا",
        "content": "فصل: في ذكر الخلاف بين الناس هل تحبل نساء أهل الجنة أم لا والناس بينهم خلاف هل بها ... حبل وفي هذا لهم قولان فنفاه طاوس وإبراهيم ثم ... مجاهد وهم أولو العرفان وروى العقيلي الصدوق أبو رزيـ ... ـن من صاحب المبعوث بالقرآن أن لا توالد في الجنان رواه تعـ ... ـليقا محمد عظيم الشان وحكاه عنه الترمذي وقال إسـ ... ـحاق بن إبراهيم ذو الإتقان لا يشتهي ولدا بها ولو اشتها ... هـ لكان ذك محقق الإمكان وروى هشام لابنه عن عامر ... عن ناجي عن سعد بن سنان أن المنعم بالجنان إذا اشتهى الـ ... ـولد الذي هو نسخة الإنسان فالحمل ثم الوضع ثم السن في ... فرد من الساعات في الأزمان إسناده عندي صحيح قد روا ... هـ الترمذي وأحمد الشيباني ورجال ذا الإسناد محتج بهم ... في مسلم وهم أولو إتقان لكن غريب ما له من شاهد ... فرد بذا الإسناد ليس بثان لولا حديث أبي رزين كان ذا ... كنص يقرب منه في التبيان ولذاك أوله ابن إبراهيم بالـ ... ـشرط الذي هو منتفى الوجدان وبذاك رام الجمع بين حديثه ... وأبي رزين وهو ذو إمكان هذا وفي تأويله نظر فـ ... ان إذا لتحقيق وذي إتقان ولربما جاءت لغير تحقق ... والعكس في أن ذاك وضع لسان واحتج من نصر الولادة أن في الجـ ... ـنات سائر شهوة الإنسان والله قد جعل البنين مع النسا ... من أعظم الشهوات في القرآن فأجيب عنه بأنه لا يشتهي ... ولدا ولا حبلا من النسوان واحتج من منع الولادة أنها ... ملزومة أمرين ممتنعان حيض وإنزال المنى وذانك الـ ... أمران في الجنات مفقودان وروى صدى عن رسول الله ... أن منيهم إذ ذاك ذو فقدان بل لا مني ولا منية هكذا ... يروي سليمان هو الطبراني وأجيب عنه بأنه نوع سوى الـ ... ـمعهود في الدنيا من النسوان فالنفي للمعهود في الدنيا من الـ ... إيلاد والإثبات نوع ثان والله خالق نوعنا من أربع ... متقابلات كلها بوزان ذكر وأنثى والذي هو ضده ... وكذاك من أنثى بلا ذكران والعكس أيضا مثل حوا أمنا ... هي أربع معلومة التبيان وكذاك مولود لجنان يجوز أن ... يأتي بلا حيض ولا فيضان والأمر في ذا ممكن في نفسه ... والقطع ممتنع بلا برهان(1\/341)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "393",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15426",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في رؤية أهل الجنة ربهم تبارك وتعالى ونظرهم إلى وجهه الكريم",
        "content": "فصل: في رؤية أهل الجنة ربهم تبارك وتعالى ونظرهم إلى وجهه الكريم ويرونه سبحانه من فوقهم ... نظر العيان كما يرى القمران هذا تواتر عن رسول الله لم ... ينكره إلا فاسد الإيمان وأتى به القرآن تصريحا وتعـ ... ـريضا هما بسياقه نوعان وهي الزيادة قد أتت في يونس ... تفسير من قد جاء بالقرآن(1\/341)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "394",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15427",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ورواه عنه مسلم بصحيحه ... يروي صهيب ذا بلا كتمان وهو المزيد كذاك فسره أبو ... بكر هو الصديق ذو الإيقان وعليه أصحاب الرسول وتابعو ... هم بعدهم تبعية الإحسان ولقد أتى ذكر اللقاء لربنا الـ ... ـرحمان في سور من الفرقان ولقاؤه إذ ذاك رؤيته حكى الـ ... إجماع فيه جماعة ببيان وعليه أصحاب الحديث جميعهم ... لغة وعرفا ليس يختلفان هذا ويكفي أنه سبحانه ... وصف الوجوه بنظرة بجنان وأعاد أيضا وصفها نظرا وذا ... لا شك يفهم رؤية بعيان وأتت أداة إلى لرفع الوهم من ... فكر كذاك ترقب الإنسان وإضافة لمحل رؤيتهم بذكـ ... ـر الوجه إذ قامت به العينان تالله ما هذا بفكر وانتظا ... ر مغيب أو رؤية لجنان ما في الجنان من انتظار مؤلم ... واللفظ يأباه لذي العرفان لا تفسدوا لفظ الكتاب فليس فيـ ... ـه حيلة يا فرقة الروغان ما فوق ذا التصريح شيء ما الذي ... يأتي به من بعد ذا التبيان لو قال أبين ما يقال لقلتم ... هو مجمل ما فيه من تبيان ولقد أتى في سورة التطفيف أن ... القوم قد حجبوا عن الرحمان فيدل بالمفهوم أن المؤمنيـ ... ـن يرونه في جنة الحيوان وبذا استدل الشافعي وأحمد ... وسواهما من عالمي الأزمان(1\/342)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "395",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15428",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأتى بذا المفهوم تصريحا بآ ... خرها فلا تخدع عن القرآن وأتى بذاك مكذبا للكافريـ ... ـن الساخرين بشيعة الرحمن ضحكوا من الكفار يومئذ كما ... ضحكوا هم منهم على الإيمان وأثابهم نظرا إليه ضد ما ... قد قاله فيهم أولو الكفران فلذاك فسرها الأئمة أنه ... نظر إلى الرب العظيم الشان لله ذاك الفهم يؤتيه الذي ... هو أهله من جاد بالإحسان وروى ابن ماجة مسندا عن جابر ... خبرا وشاهده ففي القرآن بينا هم في عيشهم وسرورهم ... ونعيمهم في لذة وتهان وإذا بنور ساطع قد أشرقت ... منه الجنان قصيها والداني رفعوا إليه رؤوسهم فرأوه نور ... الرب لا يخفى على إنسان وإذا بربهم تعالى فوقهم ... قد جاء للتسليم بالإحسان قال السلام عليكم فيرونه ... جهرا تعالى الرب ذو السلطان مصداق ذا يس قد ضمنته عنـ ... ـد القول من رب بهم رحمان من رد ذا فعلى رسول الله رد ... وسوف عند الله يلتقيان في ذا الحديث علوه ومجيئه ... وكلامه حتى يرى بعيان هذي أصول الدين في مضمونه ... لا قول جهم صاحب البهتان وكذا حديث أبي هريرة ذلك الـ ... ـخبر الطويل أتى به الشيخان فيه تجلى الرب جل جلاله ... ومجيئه وكلامه ببيان(1\/343)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "396",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15429",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذاك رؤيته وتكليم لمن ... يختاره من أمة الإنسان فيه أصول الدين أجمعها فلا ... تخدعك عنه شيعة الشيطان وحكى رسول الله فيه تجدد الـ ... ـغضب الذي للرب ذي السلطان إجماع أهل العزم من رسل الـ ... إله وذاك إجماع على البرهان لا تخدعن عن الحديث بهذه الـ ... آراء فهي كثيرة الهذيان أصحابها أهل التخرص والتنا ... قض والتهاتر قائلو البهتان يكفيك أنك لو حرصت فلن ترى ... فئتين منهم قط يتفقان إلا إذا ما قلدا لسواهما ... فتراهم جيلا من العميان ويقودهم أعمى يظن كمبصر ... يا محنة العميان خلف فلان هل يستوي هذا ومبصر رشده ... الله أكبر كيف يستويان أو ما سمعت منادي الإيمان يخـ ... ـبر عن منادي جنة الحيوان يا أهلها لكم لدى الرحمن وعـ ... ـد وهو منجزه لكم بضمان قالوا أما بيضت أوجهنا كذا ... أعمالنا أثقلت في الميزان وكذاك قد أدخلتنا الجنات حيـ ... ـن أجرتنا من مدخل النيران فيقول عندي موعد قد آن أن ... أعطيكموه برحمتي وحناني فيرونه من بعد كشف حجابه ... جهرا روى ذا مسلم ببيان ولقد أتانا في الصحيحين اللذيـ ... ـن هما أصح الكتب بعد قران برواية الثقة الصدوق جريـ ... ـر البجلي عمن جاء بالقرآن(1\/344)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "397",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15430",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن العباد يرونه سبحانه ... رؤيا العيان كما يرى القمران فإن استطعتم كل وقت فاحفظوا الـ ... ـبردين ما عشتم مدى الأزمان ولقد روى بضع وعشرون امرءا ... من صحب أحمد خيرة الرحمان أخبار هذا الباب عمن قد أتى ... بالوحي تفصيلا بلا كتمان وألذ شيء للقلوب فهذه الأخبار ... مع أمثالها هي بهجة الإيمان والله لولا رؤية الرحمن في الـ ... ـجنات ما طابت لذي العرفان أعلى نعيم رؤية وجهه ... وخطابه في جنة الحيوان وأشد شيء في العذاب حجابه ... سبحانه عن ساكني النيران وإذ رآه المؤمنون نسوا الذي ... هم فيه مما نالت العينان فإذا توارى عنهم عادوا إلى ... لذاتهم من سائر الألوان فلهم نعيم عند رؤيته سوى ... هذا النعيم فحبذا الأمران أو ما سمعت سؤال أعرف خلقه ... بجلاله المبعوث بالقرآن شوقا إليه ولذة النظر التي ... بجلال وجه الرب ذي السلطان فالشوق لذة روحه في هذه الـ ... ـدنيا ويوم قيامة الأبدان تلتذ بالنظر الذي فازت به ... دون الجوارح هذه العينان والله ما في هذه الدنيا ألذ ... من اشتياق العبد للرحمن وكذاك رؤية وجهه سبحانه ... هي أكمل اللذات للإنسان لكنما الجهمي ينكر ذا وذا ... والوجه أيضا خشية الحدثان(1\/345)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "398",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15431",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تبا له المخدوع أنكر وجهه ... ولقاءه ومحبة الديان وكلامه وصفاته وعلوه ... والعرش عطله من الرحمن فتراه في واد ورسل الله في ... واد وذا من أعظم الكفران فصل: في كلام الرب جل جلاله مع أهل الجنة أوماعلمت بأنه سبحانه ... حقا يكلم حزبه بجنان فيقول جل جلاله هل أنتم ... راضون قالوا نحن ذو رضوان أم كيف لا نرضى وقد أعطيتنا ... ما لم ينله قط من إنسان هل ثم شيء غير ذا فيكون أفـ ... ـضل منه نسأله من المنان فيقول أفضل منه رضواني فلا ... يغشاكم سخط من الرحمان ويذكر الرحمان واحدهم بما ... قد كان منه سالف الأزمان منه إليه ليس ثم وساطة ... ما ذاك توبيخا من الرحمان لكن يعرفه الذي قد ناله ... من فضله والعفو والإحسان ويسلم الرحمان جل جلاله ... حقا عليهم وهو في القرآن وكذاك يسمعهم لذيذ خطابه ... سبحانه بتلاوة الفرقان فكأنهم لم يسمعوه قبل ذا ... هذا رواه الحافظ الطبراني هذا سماع مطلق وسماعنا الـ ... ـقرآن في الدنيا فنوع ثان(1\/346)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "399",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15432",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والله يسمع قوله بوساطة ... وبدونها نوعان معروفان فسماع موسى لم يكن بوساطة ... وسماعنا بتوسط الإنسان من صير النوعين نوعا واحدا ... فمخالف للعقل والقرآن(1\/347)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "400",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15433",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في يوم المزيد وما أعد لهم من الكرامة",
        "content": "فصل: في يوم المزيد وما أعد لهم من الكرامة ... فصل: في يوم المزيد وما أعد الله لهم فيه من الكرامة أو ما سمعت بشأنهم يوم المزيـ ... ـد وأنه شأن عظيم الشان هو يوم جمعتنا ويوم زيارة الـ ... ـرحمان وقت صلاتنا وأذان والسابقون إلى الصلاة هم الألى ... فازوا بذاك السبق بالإحسان سبق بسبق والمؤخر ههنا ... متأخر في ذلك الميدان والأقربون إلى الإمام فهم أولو ... الزلفى هناك فها هنا قربان قرب بقرب والمباعد مثله ... بعد ببعد حكمة الديان ولهم منابر لؤلؤ وزبرجد ... ومنابر الياقوت والعقيان هذا وأدناهم وما فيهم دني ... من فوق ذاك المسك كالكثبان ما عندهم أهل المنابر فوقهم ... مما يرون بهم من الإحسان فيرون ربهم تعالى جهرة ... نظر العيان كما يرى القمران ويحاضر الرحمان واحدهم محا ... ضرة الحبيب يقول يا ابن فلان هل تذكر اليوم الذي كنت فيـ ... ـه مبارزا بالذنب والعصيان(1\/347)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "401",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15434",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيقول رب أما مننت بغفرة ... قدما فإنك واسع الغفران فيجيبه الرحمن مغفرتي التي ... قد أوصلتك إلى المحل الداني فصل: في المطر الذي يصيبهم هناك ويظلهم إذ ذاك منه سحابة ... تأتي بمثل الوابل الهتان بينا هم في النور إذ غشيتهم ... سبحان منشيها من الرضوان فتظل تمطرهم بطيب ما رأوا ... شبها له في سالف الأزمان فيزيدهم هذا جمالا فوق ما ... لهم وتلك مواهب المنان فصل: في سوق الجنة الذي ينصرفون إليها من ذلك المجلس فيقول جل جلاله قوموا إلى ... ما قد ذخرت لكم من الإحسان يأتون سوقا لا يباع ويشترى ... فيه فخذ منه بلا أثمان قد أسلف التجار أثمان المبيـ ... ـع بعقدهم في بيعة الرضوان لله سوق قد أقامته الملا ... ئكة الكرام بكل ما إحسان(1\/348)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "402",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15435",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيها الذي والله لا عين رأت ... كلا ولا سمعت به أذنان كلا ولم يخطر على قلب امرئ ... فيكون عنه معبرا بلسان فيرى امرءا من فوقه في هيئة ... فيروعه ما تنظر العينان فإذا عليه مثلها إذ ليس يلـ ... ـحق أهلها شيء من الأحزان واها لذا السوق الذي من حله ... نال التهاني كلها بأمان يدعى بسوق تعارف ما فيه من ... صخب ولا غش ولا أيمان وتجارة من ليس تلهيه تجا ... رات ولا بيع عن الرحمن أهل المروة والفتوة والتقى ... والذكر للرحمان كل أوان يا من تعوض عنه بالسوق الذي ... ركزت لديه راية الشيطان لو كنت تدري قدر ذاك السوق لم ... تركن إلى سوق الكساد الفاني فصل: في حالهم عند رجوعهم إلى أهليهم ومنازلهم فإذا هم رجعوا إلى أهليهم ... بمواهب حصلت من الرحمن قالوا لهم أهلا ورحبا ما الذي ... أعطيتم من ذا الجمال الثاني والله لازددتم جمالا فوق ما ... كنتم عليه قبل هذا الآن قالوا وأنتم والذي أنشاكم ... قد زدتم حسنا على الإحسان لكن يحق لنا وقد كنا إذا ... جلساء رب العرش ذي الرضوان(1\/349)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "403",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15436",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهم إلى يوم المزيد أشد شو ... قا من محب للحبيب الداني فصل: في خلود أهل الجنة ودوام صحتهم ونعيمهم وشبابهم واستحالة النوم والموت عليهم هذا وخاتمة النعيم خلودهم ... أبدا بدار الخلد والرضوان أو ما سمعت منادي الأيمان يخـ ... ـبر عن مناديهم بحسن بيان لكم حياة ما بها موت وعا ... فية بلا سقم ولا أحزان ولكم نعيم ما به بؤس وما ... لشبابكم هرم مدى الأزمان كلا ولا نوم هناك يكون ذا ... نوم وموت بيننا أخوان هذا علمناه اضطرارا من كتا ... ب الله فافهم مقتضى القرآن والجهم أفناها وأفنى أهلها ... تبا لذاك الجاهل الفتان طردا لنفي دوام فعل الرب في الـ ... ـماضي وفي مستقبل الأزمان وأبو الهذيل يقول يفنى كل ما ... فيها من الحركات للسكان وتصير دار الخلد مع سكانها ... وثمارها كحجارة البنيان قالوا ولولا ذاك لم يثبت لنا ... رب لأجل تسلسل الأعيان فالقوم إما جاحدون لربهم ... أو منكرون حقائق الإيمان(1\/350)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "404",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15437",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في ذبح الموت بين الجنة والنار والرد على من قال إن الذبح لملك الموت وأن ذلك مجاز لا حقيقة",
        "content": "فصل: في ذبح الموت بين الجنة والنار والرد على من قال إن الذبح لملك الموت وأن ذلك مجاز لا حقيقة أو ما سمعت بذبحه للموت بيـ ... ـن المنزلين كذبح كبش الضان حاشا لذا الملك الكريم وإنما ... هو موتنا المحتوم للإنسان والله ينشىء منه كبشا أملحا ... يوم المعاد يرى لنا بعيان ينشي من الأعراض أجساما كذا ... بالعكس كل قابل الإمكان أفما تصدق أن أعمال العبا ... د تحط يوم العرض في الميزان وكذاك تثقل تارة وتخف أخـ ... ـرى ذاك في القرآن ذو تبيان وله لسان كفتاه تقيمه ... والكفتان إليه ناظرتان ما ذاك أمرا معنويا بل هو الـ ... ـمحسوس حقا عند ذي الإيمان أو ما سمعت بأن تسبيح العبا ... د وذكرهم وقراءة القرآن ينشيه رب العرش في صورة يجا ... دل عنه يوم قيامة الأبدان أو ما سمعت بأن ذاك حول عر ... ش الرب ذو صوت وذو دوران يشفعن عند الرب جل جلاله ... ويذكرون بصاحب الإحسان أو ما سمعت بأن ذلك مؤنس ... في القبر للملفوف في الأكفان(1\/351)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "405",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15438",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في صورة الرجل الجميل الوجه في ... سن الشباب كأجمل الشبان أما سمعت أن أول ما نتلوه في يأتي يجادل عنك يوم الحشر للر ... أيام هذا العمر من قرآن حمان كي ينجيك من نيران في صورة الرجل الذي هو شا ... حب يا حبذا ذاك الشفيع الداني أو ما سمعت حديث صدق قد ... أتى في سورتين من أول القرآن فرقان من طير صواف بينهما ... شرق ومنه الضوء ذو تبيان شبههما بغمامتين وإن تشا ... بغيابتين هما لذا مثلان هذا مثال الأجر وهو فعالنا ... كتلاوة القرآن بالإحسان فالموت ينشيه لنا في صورة ... خلاقه حتى يرى بعيان والموت مخلوق بنص الوحي والـ ... ـمخلوق يقبل سائر الألوان في نفسه وبنشأة أخرى بقد ... رة قالب الأعراض والألوان أو ما سمعت بقلبه سبحانه الـ ... أعيان من لون إلى ألوان وكذلك الأعراض يقلب ربها ... أعيانها والكل ذو إمكان لم يفهم الجهال هذا كله ... فأتوا بتأويلات ذي البطلان فمكذب ومؤول ومحير ... ما ذاق طعم حلاوة الإيمان لما فسا الجهال في آذانه ... أعموه دون تدبر القرآن فثنى لنا العطفين منه تكبرا ... وتبخترا في حلة الهذيان إن قلت قال الله قال رسوله ... فيقول جهلا أين قول فلان ...(1\/352)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "406",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15439",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في أن الجنة قيعان وأن غراسها الكلام الطيب والعمل الصالح",
        "content": "فصل: في أن الجنة قيعان وأن غراسها الكلام الطيب والعمل الصالح أوما سمعت بأنها القيعان فاغـ ... ـرس ما تشاء بذا الزمان الفاني وغراسها التسبيح والتكبير والتـ ... ـحميد والتوحيد للرحمان تبا لتارك غرسه ماذا الذي ... قد فاته من مدة الإمكان يا من يقر بذا ولا يسعى له ... بالله قل لي كيف يجتمعان أرأيت لو عطلت أرضك من غرا ... س ما الذي تجني من البستان وكذاك لو عطلتها من بذرها ... ترجو المغل يكون كالكيمان ما قال رب العالمين وعبده ... هذا فراجع مقتضى القرآن وتأمل الباء التي قد عينت ... سبب الفلاح لحكمة الفرقان وأظن باء النفي قد غرتك في ... ذاك الحديث أتى به الشيخان لن يدخل الجنات أصلا كادح ... بالسعي منه ولو على الأجفان والله ما بين النصوص تعارض ... والكل مصدرها عن الرحمان لكن بالإثبات للتسبيب والـ ... ـباء التي للنفي بالأثمان والفرق بينهما ففرق ظاهر ... يدريه ذو حظ من العرفان(1\/353)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "407",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15440",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في إقامة المأتم على المتخلفين عن رفقة السابقين",
        "content": "فصل: في إقامة المأتم على المتخلفين عن رفقة السابقين بالله ما عذر امرئ هو مؤمن ... حقا بهذا ليس باليقظان بل قلبه في رقدة فإذا استفا ... ق فلبسه هو حلة الكسلان تالله لو شاقتك جنات النعيـ ... ـم طلبتها بنفائس الأثمان وسعيت جهدك في وصال نواعم ... وكواعب بيض الوجوه حسان جليت عليك عرائس والله لو ... تجلى على صخر من الصوان رقت حواشيه وعاد لوقته ... ينهال مثل نقى من الكثبان لكن قلبك في القساوة جاز حد ... الصخرة والحصباء في أشجان لو هزك الشوق المقيم وكنت ذا ... حس لما استبدلت بالأهوان أو صادفت منك الصفات حياة قلـ ... ـب كنت ذا طلب لهذا الشان خود تزف إلى ضرير مقعد ... يا محنة الحسناء بالعميان شمس لعنين تزف إليه ما ... ذا حلية العنين في الغشيان يا سلعة الرحمن لست رخيصة ... بل أنت غالية على الكسلان يا سلعة الرحمن ليس ينالها ... في الألف إلا واحد لا اثنان يا سلعة الرحمن ماذا كفؤها ... إلا أولو التقوى مع الإيمان(1\/354)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "408",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15441",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يا سلعة الرحمن سوقك كاسد ... بين الأراذل سلفة الحيوان يا سلعة الرحمن أين المشتري ... فلقد عرضت بأيسر الأثمان يا سلعة الرحمن هل من خاطب ... فالمهر قبل الموت ذو إمكان يا سلعة الرحمن كيف تصبر الـ ... ـخطاب عنك وهم ذوو إيمان يا سلعة الرحمن لولا أنها ... حجبت بكل مكاره الإنسان ما كان عنها قط من متخلف ... وتعطلت دار الجزاء الثاني لكنها حجبت بكل كريهة ... ليصد عنها المبطل المتواني وتنالها الهمم التي تسمو إلى ... رب العلى بمشيئة الرحمن فاتعب ليوم معادك الأدنى تجد ... راحاته يوم المعاد الثاني وإذا أبت ذا الشان نفسك فاتـ ... ـهمها ثم راجع مطلع الإيمان فإذا رأيت الليل بعد وصبحه ... ما انشق عنه عموده لأذان والناس قد صلوا صلاة الصبح وانـ ... ـتظروا طلوع الشمس قرب زمان فاعلم بأن العين قد عميت فنا ... شد ربك المعروف بالإحسان واسأله إيمانا يباشر قلبك الـ ... ـمحجوب عنه لتنظر العينان واسأله نورا هاديا يهديك في ... طرق المسير إليه كل أوان والله ما خوفي الذنوب فإنها ... لعلى طريق العفو والغفران لكنما أخشى انسلاخ القلب من ... تحكيم هذا الوحي والقرآن ورضا بآراء الرجال وخرصها ... لا كان ذاك بمنة الرحمن(1\/355)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "409",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15442",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فبأي وجه ألتقي ربي إذا ... أعرضت عن ذا الوحي طول زمان وعزلته عما أريد لأجله ... عزلا حقيقيا بلا كتمان صرحت أن يقيننا لا يستفاد ... به وليس لديه من إتقان أوليته هجرا وتأويلا وتحـ ... ـريفا وتفويضا بلا برهان وسعيت جهدي في عقوبة ممسك ... بعراه لا تقليد رأي فلان يا معرضا عما يراد به وقد ... جد المسير فمنتهاه دان جذلان يضحك آمنا متبخترا ... فكأنه قد نال عقد أمان خلع السرور عليه أوفى حلة ... طردت جميع الهم والأحزان يختال في حلل المسرة ناسيا ... ما بعدها من حلة الأكفان ما سعيه إلا لطيب العيش في الد ... نيا ولو أفضى إلى النيران قد باع طيب العيش في دار النعيـ ... ـم بذا الحطام المضمحل الفاني إني أظنك لا تصدق كونه ... بالقرب بل ظن بلا إيقان بل قد سمعت الناس قالوا جنة ... أيضا ونار بل لهم قولان والوقف مذهبك الذي تختاره ... وإذا انتهى الإيمان للرجحان أم تؤثر الأدنى عليه وقالت النـ ... ـفس التي استعلت على الشيطان أتبيع نقدا حاصلا بنسيئة ... بعد الممات وطي ذي الأكوان لو أنه بنسيئة الدنيا لها ... ن الأمر لكن في معاد ثان دع ما سمعت الناس قالوه وخذ ... ما قد رأيت مشاهدا بعيان(1\/356)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "410",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15443",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والله لو جالست نفسك خاليا ... وبحثتها بحثا بلا روغان لرأيت هذا كامنا فيها ولو ... أمنت لألقته إلى الآذان هذا هو السر الذي من أجله اخـ ... ـتارت عليه العاجل المتدان نقد قد اشتدت إليه حاجة ... منها ولم يحصل لها بهوان أتبيعه بنسيئة في غير هذي ... الدار بعد قيامة الأبدان هذا وإن جزمت بها قطعا ولـ ... ـكن حظها في حيز الإمكان ما ذاك قطعيا لها والحاصل الـ ... ـموجود مشهود برأي عيان فتألفت من بين شهوتها وشبـ ... ـهتها قياسات من البطلان واستنجدت منها رضا بالعاجل الـ ... أدنى على الموعود بعد زمان وأتى من التأويل كل ملائم ... لمرادها يا رقة الإيمان وصغت إلى شبهات أهل الشرك والـ ... ـتعطيل مع نقص من العرفان واستنقصت أهل الهدى ورأيتهم ... في الناس كالغرباء في البلدان ورأت عقول الناس دائرة على ... جمع الحطام وخدمة السلطان وعلى المليحة والمليح وعشرة الـ ... أحباب والأصحاب والإخوان فاستوعرت ترك الجميع ولم تجد ... عوضا تلذ به من الإحسان فالقلب ليس يقر إلا في إنا ... ء فهو دون الجسم ذو جولان يبغي له سكنا يلذ بقربه ... فتراه شبه الواله الحيران فيحب هذا ثم يهوى غيره ... فيظل منتقلا مدى الأزمان(1\/357)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "411",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15444",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لو نال كل مليحة ورياسة ... لم يطمئن وكان ذا دوران بل لو ينال بأسرها الدنيا لما ... قرت بما قد ناله العينان نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... واختر لنفسك أحسن الإنسان فالقلب مضطر إلى محبوبه الـ ... أعلى فلا يغنيه حب ثان وصلاحه وفلاحه ونعيمه ... تجريد هذا الحب للرحمن فإذا تخلى منه أصبح حائرا ... ويعود في ذا الكون ذا هيمان(1\/358)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "412",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15445",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في زهد أهل العلم والإيمان وإيثارهم الذهب الباقي على الخزف الفاني",
        "content": "فصل: في زهد أهل العلم والإيمان وإيثارهم الذهب الباقي على الخزف الفاني لكن ذا الإيمان يعلم أن هـ ... ـذا كالظلال وكل هذا فان كخيال طيف ما استتم زيارة ... إلا وصبح رحيله بأذان وسحابة طلعت بيوم صائف ... فالظل منسوخ بقرب زمان وكزهرة وافى الربيع بحسنها ... أو لامعا فكلاهما أخوان أو كالسراب يلوح للظمآن في ... وسط الهجير بمستوى القيعان أو كالأماني طاب منها ذكرها ... بالقول واستحضارها بجنان وهي الغرور رؤوس أموال المفا ... ليس الألى اتجروا بلا أثمان(1\/358)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "413",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15446",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أو كالطعام يلذ عند مساغه ... لكن عقباه كما تجدان هذا هو المثل الذي ضرب الرسو ... ل لها وذا في غاية التبيان وإذا أردت ترى حقيقتها فخذ ... منه مثالا واحدا ذا شان أدخل بجهدك أصبعا في اليم وانـ ... ـظر ما تعلقه أذا بعيان هذا هو الدنيا كذا قال الرسو ... ل ممثلا والحق ذو تبيان وكذاك مثلها بظل الدوح في ... وقت الحرور لقائل الركبان هذا ولو عدلت جناح بعوضة ... عند الإله الحق في الميزان لم يسق منها كافرا من شربة ... ماء وكان الحق بالحرمان تالله ما عقل امرئ قد باع ما ... يبقى بما هو مضمحل فان هذا ويفتي ثم يقضي حاكما ... بالحجر من سفه لذا الإنسان إذ باع شيئا قدره فوق الذي ... يعتاضه من هذه الأثمان فمن السفيه حقيقة إن كنت ذا ... عقل وأن العقل للسكران والله لو أن القلوب شهدن منـ ... ـا كان شأن غير هذا الشان نفس من الأنفاس هذا العيش إن ... قسناه بالعيش الطويل الثاني يا خسة الشركاء مع عدم الوفا ... ء وطول جفوتها من الهجران هل فيك معتبر فيسلو عاشق ... بمصارع العشاق كل زمان لكن على تلك لعيون غشاوة ... وعلى القلوب أكنة النسيان وأخو البصائر حاضر متيقظ ... متفرد عن زمرة العميان(1\/359)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "414",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15447",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يسمو إلى ذاك الرفيق الأرفع الأ ... على وخلى اللعب للصبيان والناس كلهم فصبيان وإن ... بلغوا سوى الأفراد والوحدان وإذا ما رأى ما يشتهيه قال مو ... عدك الجنان وجد في الأثمان وإذا أبت إلا الجماح أعاضها ... بالعلم بعد حقائق الإيمان ويرى من الخسران بيع الدائم الـ ... ـباقي به يا ذلة الخسران ويرى مصارع أهلها من حوله ... وقلوبهم كمراجل النيران حسراتها هن الوقود فإن خبت ... زادت سعيرا بالوقود الثاني جاؤوا فرادى مثل ما خلقوا بلا ... مال ولا أهل ولا إخوان ما معهم شيء سوى الأعمال فهـ ... ـي متاجر للنار أو لجنان تسعى بهم أعمالهم سوقا إلى الد ... ارين سوق الخيل بالركبان صبروا قليلا فاستراحوا دائما ... يا عزة التوفيق للإنسان حمدوا التقى عند الممات كذا السرى ... عند الصباح فحبذا الحمدان وحدت بهم عزماتهم نحو العلى ... وسروا فما نزلوا إلى نعمان باعوا الذي يفنى من الخزف الخسيـ ... ـس بدائم من خالص العقيان رفعت لهم في السير أعلام السعا ... دة والهدى يا ذلة الحيران فتسابق الأقوام وابتدروا لها ... كتسابق الفرسان يوم رهان وأخو الهوينى في الديار مخلف ... مع شكله يا خيبة الكسلان(1\/360)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "415",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15448",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في رغبة قائلها إلى من يقف عليها من أهل العلم والإيمان أن يتجرد إلى الله ويحكم عليها بما يوجبه الدليل والبرهان، فإن رأى حقا قبله وحمد الله عليه وإن رأى باطلا عرف به وأرت إليه",
        "content": "فصل: في رغبة قائلها إلى من يقف عليها من أهل العلم والإيمان أن يتجرد إلى الله ويحكم عليها بما يوجبه الدليل والبرهان فإن رأى حقا قبله وحمد الله عليه وإن رأى باطلا عرف به وأرت إليه يا أيها القارئ لها اجلس مجلس الـ ... ـحكم الأمين أتى له الخصمان واحكم هداك الله حكما يشهد الـ ... ـعقل الصريح به مع القرآن واحبس لسانك برهة عن كفره ... حتى تعارضها بلا عدوان فإذا فعلت فعنده أمثالها ... فنزال آخر دعوة الفرسان فالكفر ليس سوى العناد ورد ما ... جاء الرسول به لقول فلان فانظر لعلك هكذا دون الذي ... قد قالها فتفوز بالخسران فالحق شمس والعيون نواظر ... لا تختفي إلا على العميان والقلب يعمى عن هداه مثل ما ... تعمى وأعظم هذه العينان هذا وإني بعد ممتحن بأر ... بعة وكلهم ذوو أضغان فظ غليظ جاهل متمعلم ... ضخم العمامة واسع الأردان متفيهق متضلع بالجهل ذو ... صلع وذو جلح من العرفان(1\/361)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "416",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15449",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مزجى البضاعة في العلوم وإنه ... زاج من الإيهام والهذيان يشكو إلى الله الحقوق تظلما ... من جهله كشكاية الأبدان من جاهل متطبب يفتي الورى ... ويحيل ذاك على قضا الرحمان عجت فروج الخلق ثم دماؤهم ... وحقوقهم منه إلى الديان ما عنده علم سوى التكفير والتـ ... ـبديع والتضليل والبهتان فإذا تيقن أنه المغلوب عنـ ... ـد تقابل الفرسان في الميدان قال اشتكوه إلى القضاة فإنهم ... حكموا وإلا اشكوه للسلطان قولوا له هذا يحل الملك بل ... هذا يزيل الملك مثل فلان فاعقره من قبل اشتداد الأمر منـ ... ـه بقوة الأتباع والأعوان وإذا دعاكم للرسول وحكمه ... فادعوه كلكم لرأي فلان وإذا اجتمعتم في المجالس فالغبوا ... والغوا إذا ما احتج بالقرآن واستنصروا بمحاضر وشهادة ... قد أصلحت بالرفق والإتقان لا تسألوا الشهداء كيف تحملوا ... وبأي وقت بل بأي مكان وارفوا شهادتهم ومشوا حالها ... بل أصلحوها غاية الإمكان وإذا هم شهدوا فزكوهم ولا ... تصغوا لقول الجارح الطعان قولوا العدالة منهم قطيعة ... لسنا نعارضها بقول فلان ثبتت على الحكام بل حكموا بها ... فالطعن فيها ليس ذا إمكان من جاء يقدح فيهم فليتخذ ... ظهرا كمثل حجارة الصوان(1\/362)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "417",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15450",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإذا هو استعدادهم فجوابكم ... أتردها بعداوة الديان فصل: في حال العدو الثاني أو حاسد قد بات يغلي صدره ... بعداوتي كالمرجل الملآن لو قلت هذا البحر قال مكذبا ... هذا السراب يكون بالقيعان أو قلت هذي الشمس قال مباهتا ... الشمس لم تطلع إلى ذا الآن أو قلت قال الله قال رسوله ... غضب الخبيث وجاء بالكتمان أو حرف القرآن عن موضوعه ... تحريف كذاب على القرآن صال النصوص عليه فهو بدفعها ... متوكل بالدأب والديدان فكلامه في النص عند خلافه ... من باب دفع الصائل الطعان فالقصد دفع النص عن مدلوله ... كيلا يصول إذا التقى الزحفان فصل: في حال العدو الثالث والثالث الأعمى المقلد ذينك الر ... جلين قائد زمرة العميان فاللعن والتكفير والتبديع والتـ ... ـضليل والتفسيق بالعدوان(1\/363)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "418",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15451",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا هم سألوه مستندا له ... قال اسمعوا ما قاله الرجلان فصل: في حال العدو الرابع هذا ورابعهم وليس بكلبهم ... حاشا الكلاب الآكلي الأنتان خنزير طبع في خليقة ناطق ... متسوف بالكذب والبهتان كالكلب يتبعهم يشمشم أعظما ... يرمونها والقوم للحمان يتفكهون بها رخيصا سعرها ... ميتا بلا عوض ولا أثمان هو فضلة في الناس لا علم ولا ... دين ولا تمكين ذي سلطان فإذا رأى شرا تحرك يبتغي ... ذكرا كمثل تحرك الثعبان ليزول منه أذى الكساد فينفق الـ ... ـكلب العقور على ذكور الضان فبقاؤه في الناس أعظم محنة ... من عسكر يعزى إلى غازان هذي بضاعة ضارب في الأرض يبـ ... ـغي تاجرا يبتاع بالأثمان وجد التجار جميعهم قد سافروا ... عن هذه البلدان والأوطان إلا الصعافقة الذين تكلفوا ... أن يتجروا فينا بلا أثمان فهم الزبون لها فبالله ارحموا ... من بيعة من مفلس مذيان يا رب فارزقها بحقك تاجرا ... قد طاف بالآفاق والبلدان ما كل منقوش لديه أصفر ... ذهبا يراه خالص العقيان(1\/364)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "419",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15452",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذا الزجاج ودرة الغواص في ... تمييزه ما إن هما مثلان(1\/365)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "420",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15453",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "فصل: في توجه أهل السنة إلى رب العالمين أن ينصر دينه وكتابه ورسوله وعباده المؤمنين",
        "content": "فصل: في توجه أهل السنة إلى رب العالمين أن ينصر دينه وكتابه ورسوله وعباده المؤمنين هذا ونصر الدين فرض لازم ... لا للكفاية بل على الأعيان بيد وإما باللسان فإن عجز ... ت فبالتوجه والدعا بحنان ما بعد ذا والله للإيمان حبـ ... ـة خردل يا ناصر الإيمان بحياة وجهك خير مسئول به ... وبنور وجهك يا عظيم الشان وبحق نعمتك التي أوليتها ... من غير ما عوض ولا أثمان وبحق رحمتك التي وسعت جميع الـ ... ـخلق محسنهم كذاك الجاني وبحق أسماء لك الحسنى معا ... نيها نعوت المدح للرحمن وبحق حمدك وهو حمد واسع الـ ... أكوان بل أضعاف ذي الأكوان وبأنك الله الإله الحق معـ ... ـبود الورى متقدس عن ثان بل كل معبود سواك فباطل ... من دون عرشك للثرى التحتاني وبك المعاذ ولا ملاذ سواك أنـ ... ـت غياث كل ملدد لهفان من ذاك للمضطر يسمعه سوا ... ك يجيب دعوته مع العصيان(1\/365)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "421",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15454",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنا توجهنا إليك لحاجة ... ترضيك طالبها أحق معان فاجعل قضاها بعض أنعمك التي ... سبغت علينا منك كل زمان انصر كتابك والرسول ودينك الـ ... ـعالي الذي أنزلت بالبرهان واخترته دينا لنفسك واصطفيـ ... ـت مقيمه من أمة الإنسان ورضيته دينا لمن ترضاه من ... هذا الورى هو قيم الأديان وأقر عين رسولك المبعوث بالـ ... ـدين الحنيف بنصره المتدان وانصره بالنصر العزيز كمثل ما ... قد كنت تنصره بكل زمان يا رب وانصر خير حزبينا على ... حزب الضلال وعسكر الشيطان يا رب واجعل شر حزبينا فدى ... لخيارهم ولعسكر القرآن يا رب واجعل حزبك المنصور أهـ ... ـل تراحم وتواصل وتدان يا رب وارحمهم من البدع التي ... قد أحدثت في الدين كل زمان يا رب جنبهم طرائقها التي ... تفضي بسالكها إلى النيران يا رب واهدهم بنور الوحي كي ... يصلوا إليك فيظفروا بجنان يا رب كن لهم وليا ناصرا ... واحفظهم من فتنة الفتان وانصرهم يا رب بالحق الذي ... أنزلته يا منزل القرآن يا رب هم الغرباء قد ... لجؤوا إليك وأنت ذو الإحسان يا رب قد عادوا لأجلك كل ... هذا الخلق إلا صادق الإيمان(1\/366)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "422",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15455",
        "book_id": "qym_3955",
        "book_name": " نونية ابن القيم = الكافية الشافية",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قد فارقوهم فيك أحوج ما هم ... دنيا إليهم في رضا الرحمان ورضوا ولايتك التي من نالها ... نال الأمان ونال كل أماني ورضوا بوحيك من سواه وما ار ... تضوا بسواه من آراء ذي الهذيان يا رب ثبتهم على الإيمان واجـ ... ـعلهم هداة التائه الحيران وانصر على حزب النفاة عساكر الـ ... إثبات أهل الحق والعرفان وأقم لأهل السنة النبوية الـ ... أنصار وانصرهم بكل زمان واجعلهم للمتقين أئمة ... وارزقهم صبرا مع الإيقان تهدي بأمرك لا بما قد أحدثوا ... ودعوا إليه الناس بالعدوان وأعزهم بالحق وانصرهم به ... نصرا عزيزا أنت ذو السلطان واغفر ذنوبهم وأصلح شأنهم ... فلأنت أهل العفو والغفران ولك المحامد كلها حمدا كما ... يرضيك لا يفنى على الأزمان ملء السموات العلى والأرض والـ ... ـموجود بعد ومنتهى الإمكان مما تشاء وراء ذلك كله ... حمدا بغير نهاية بزمان وعلى رسولك أفضل الصلوات والتـ ... ـسليم منك وأكمل الرضوان وعلى صحابته جميعا والألى ... تبعوهم من بعد بالإحسان تمت بحمد الله(1\/367)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "423",
        "book_number": "34",
        "slug": " -qym_3955"
    },
    {
        "id": "15456",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بسم الله الرحمن الرحيم (وبه نستعين) الحمد لله الذي رضي لنا الإسلام دينا ونصب لنا الدلالة على صحته برهانا مبينا وأوضح السبيل إلى معرفته واعتقاده حقا يقينا ووعد من قام بأحكامه وحفظ حدوده أجرا جسيما وذخر لمن وافاه به ثوابا جزيلا وفوزا عظيما وفرض علينا الانقياد له ولأحكامه والتمسك بدعائمه وأركانه والاعتصام بعراه وأسبابه فهو دينه الذي ارتضاه لنفسه ولأنبيائه ورسله وملائكة قدسه فيه (اهتدى) المهتدون وإليه دعا الأنبياء والمرسلون أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون فلا يقبل من أحد دينا سواه من الأولين والآخرين ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين. شهد بأنه دينه قبل شهادة الأنام وأشاد به ورفع ذكره وسمى به أهله وما اشتملت عليه الأرحام فقال تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام(1\/217)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "1",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15457",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وجعل أهله هم الشهداء على الناس يوم يقوم الأشهاد لما فضلهم به من الإصابة في القول والعمل والهدى والنية والاعتقاد إذ كانوا أحق بذلك وأهله في سابق التقدير فقال وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير. وحكم سبحانه بأنه أحسن الأديان ولا أحسن من حكمه ولا أصدق منه قيلا فقال: ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا. وكيف لا يميز من له أدنى عقل يرجع إليه بين دين قام أساسه وارتفع بناؤه على عبادة الرحمن والعمل بما يحبه ويرضاه مع الإخلاص في السر والإعلان ومعاملة خلقه بما أمر به من العدل والإحسان مع إيثار طاعته على طاعة الشيطان وبين دين أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار بصاحبه في النار أسس على عبادة النيران وعقد الشركة بين الرحمن والشيطان وبينه وبين الأوثان أو دين أسس بنيانه على عبادة الصلبان والصور المدهونة في السقوف والحيطان وأن رب العالمين نزل عن كرسي عظمته فالتحم ببطن أنثى وأقام هناك مدة من الزمان بين دم الطمث في ظلمات(1\/218)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "2",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15458",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأحشاء تحت ملتقى الأعكان ثم خرج صبيا رضيعا شب شيئا فشيئا ويبكي ويأكل ويشرب ويبول وينام ويتقلب مع الصبيان ثم أودع في المكتب بين صبيان اليهود يتعلم ما ينبغي للإنسان هذا وقد قطعت منه القلفة حين الختان. ثم جعل اليهود يطردونه ويشردونه من مكان إلى مكان ثم قبضوا عليه وأحلوه أصناف الذل والهوان فعقدوا على رأسه من الشوك تاجا من أقبح التيجان وأركبوه قصبة ليس لها لجام ولا عنان ثم ساقوه إلى خشبة الصلب مصفوعا مبصوقا على وجهه وهم خلفه وأمامه وعن شمائله وعن الأيمان. ثم أركبوه ذلك المركب الذي تقشعر منه القلوب مع الأبدان ثم شدت بالحبال يداه والرجلان ثم خالطها تلك المسامير التي تكسر العظام وتمزق اللحمان وهو يستغيث: يا قوم ارحموني! فلا يرحمه منهم إنسان. هذا وهو مدبر العالم العلوي والسفلي الذي يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن.(1\/219)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "3",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15459",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم مات ودفن في التراب تحت صم الجنادل والصوان ثم قام من القبر وصعد إلى عرشه وملكه بعد أن كان ما كان. فما ظنك بفروع هذا أصلها الذي قام عليه البنيان أو دين أسس بنيانه على عبادة الإله المنحوت بالأيدي بعد نحت الأفكار من سائر الأجناس على اختلاف الأنواع والأصناف والألوان والخضوع له والتذلل والخرور سجودا على الأذقان لا يؤمن من يدين به بالله ولا ملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا لقائه يوم يجزي المسيء بإساءته والمحسن بالإحسان. أو دين الأمة الغضبية الذين انسلخوا من رضوان الله كانسلاخ الحية من قشرها وباءوا بالغضب والخزي والهوان وفارقوا أحكام التوراة ونبذوها وراء ظهورهم واشتروا بها القليل من الإيمان فترحل عنهم التوفيق وقارنهم الخذلان واستبدلوا بولاية الله وملائكته ورسله وأوليائه ولاية الشيطان أو دين أسس بنيانه على أن رب العالمين وجود مطلق في الأذهان لا حقيقة له في الأعيان ليس بداخل في العالم ولا خارج عنه ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا محايث ولا مباين له لا يسمع ولا يرى ولا يعلم شيئا من الموجودات ولا يفعل ما يشاء لا حياة له ولا قدرة ولا إرادة(1\/220)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "4",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15460",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا اختيار ولم يخلق السماوات والأرض في ستة أيام بل لم تزل السماوات والأرض معه وجودها مقارن لوجوده لم يحدثها بعد عدمها ولا له قدرة على إفنائها بعد وجودها ما أنزل على بشر كتابا ولا أرسل إلى الناس رسولا فلا شرع يتبع ولا رسول يطاع ولا دار بعد هذه الدار ولا مبدأ للعالم ولا معاد ولا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار إن هي إلا تسعة أفلاك وعشرة عقول وأربعة أركان وأفلاك تدور ونجوم تسير وأرحام تدفع وأرض تبلع وما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ضد له ولا ند له ولا صاحبة له ولا ولد له ولا كفؤ له تعالى عن إفك المبطلين وخرص الكاذبين وتقدس عن شرك المشركين وأباطيل الملحدين كذب العادلون به سواه وضلوا ضلالا بعيدا. وخسروا خسرانا مبينا ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون.(1\/221)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "5",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15461",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفوته من خلقه وخيرته من بريته وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده: ابتعثه بخير ملة وأحسن شرعة وأظهر دلالة وأوضح حجة وأبين برهان إلى جميع العالمين إنسهم وجنهم عربهم وعجمهم حاضرهم وباديهم الذي بشرت به الكتب السالفة وأخبرت به الرسل الماضية وجرى ذكره في الأعصار في القرى والأمصار والأمم الخالية ضربت لنبوته البشائر من عهد آدم أبي البشر إلى عهد المسيح ابن البشر كلما قام رسول أخذ عليه الميثاق بالإيمان به والبشارة بنبوته حتى انتهت النبوة إلى كليم الرحمن موسى بن عمران فأذن بنبوته على رءوس الأشهاد بين بني إسرائيل معلنا بالأذان quot; جاء الله من طور سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من جبال فاران quot;. إلى أن ظهر المسيح ابن مريم عبد الله ورسوله وروحه وكلمته التي ألقاها إلى مريم فأذن بنبوته أذانا لم يؤذنه أحد مثله قبله فقام في بني إسرائيل مقام الصادق الناصح وكانوا لا يحبون الناصحين فقال: إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين تالله لقد أذن المسيح أذانا أسمع البادي والحاضر فأجابه المؤمن المصدق وقامت حجة الله على الجاحد الكافر الله أكبر عما يقول فيه المبطلون ويصفه الكاذبون وينسبه إليه المفترون والجاحدون ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله(1\/222)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "6",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15462",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحده لا شريك له ولا ند له ولا كفؤ له ولا صاحبة له ولا ولد له ولا والد له بل هو الأحد الصمد الذي: لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ثم رفع صوته بالشهادة لأخيه وأولى الناس به بأنه عبد الله ورسوله وأنه أركون العالم وأنه روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه إنما يقول ما يقال له وأنه يخبر الناس بكل ما أعد الله لهم ويسوسهم بالحق ويخبرهم بالغيوب ويحييهم بالتأويل ويوبخ العالم على الخطيئة ويخلصهم من يد الشيطان وتستمر شريعته وسلطانه إلى آخر الدهر وصرح في آذانه باسمه ونعته وصفته وسيرته حتى كأنهم ينظرون إليه عيانا ثم قال حي على الصلاة خلف إمام المرسلين وسيد ولد آدم أجمعين حي على الفلاح باتباع من السعادة في اتباعه والفلاح في الدخول في جملة أشياعه فأذن وأقام وتولى وقال: لست أدعكم كالأيتام وسأعود وأصلي وراء هذا الإمام هذا عهدي إليكم إن حفظتموه دام لكم الملك إلى آخر الأيام. فصلى الله عليه من ناصح بشر برسالة أخيه عليهما أفضل الصلاة والسلام وصدقه أخوه ونزهه عما قال فيه وفي أمه أعداؤه المغضوب عليهم من الإفك والباطل وزور الكلام كما نزه ربه وخالقه ومرسله عما قال فيه المثلثة عباد الصليب ونسبوه إليه من النقص والعيب والذم. أما بعد: فإن الله عز وجل جل ثناؤه وتقدست أسماؤه وتبارك اسمه وتعالى جده ولا إله غيره جعل الإسلام عصمة لمن لجأ إليه وجنة لمن استمسك به وعض بالنواجذ عليه فهو حرمه الذي من دخله كان من الآمنين وحصنه الذي من لجأ إليه كان من الفائزين(1\/223)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "7",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15463",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن انقطع دونه كان من الهالكين. وأبى أن يقبل من أحد دينا سواه ولو بذل في المسير إليه جهده واستفرغ قواه وأظهره على الدين كله حتى طبق مشارق الأرض ومغاربها وسار مسير الشمس في الأقطار. وبلغ إلى حيث انتهى الليل والنهار وعلت الدعوة الإسلامية وارتفعت غاية الارتفاع والاعتلاء. بحيث صار أصلها ثابتا وفرعها في السماء فتضاءلت لها جميع الأديان وخرت تحتها الأمم منقادة بالخضوع والذل والإذعان ونادى المنادي بشعارها في جو السماء بين الخافقين: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صارخا بالشهادتين حتى بطلت دعوى الشياطين وتلاشت عبادة الأوثان واضمحلت عبادة النيران وذلت المثلثة عباد الصلبان وتقطعت الأمة الغضبية في الأرض كتقطع السراب في القيعان وصارت كلمة الإسلام هي العليا وصار لها في قلوب الخلائق المثل الأعلى وقامت براهينه وحججه على سائر الأمم في الآخرة والأولى وبلغت منزلته في العلو والرفعة الغاية القصوى وأقام له وليه ومصطفاه أعوانا وأنصارا نشروا ألويته وأعلامه وحفظوا من التغيير والتبديل حدوده وأحكامه وبلغوا إلى نظرائهم كما بلغ إليهم من قبلهم حلاله وحرامه فعظموا شعائره وعلموا شرائعه وجاهدوا أعداءه بالحجة والبرهان حتى استغلظ واستوى على سوقه يعجب الزراع ويغيظ بهم الكفار وعلا بنيانه المؤسس على تقوى من الله ورضوان إذ كان بناء غيره مؤسسا على شفا جرف هار. فتبارك الذي رفع منزلته وأعلى كلمته وفخم شأنه وأشاد بنيانه وأذل مخالفيه ومعانديه وكبت من يبغضه ويعاديه ووسمهم بأنهم شر الدواب وأعد لهم إذا قدموا عليه أليم العذاب والعقاب وحكم لهم بأنهم أضل سبيلا من الأنعام إذ استبدلوا الشرك بالتوحيد والضلال بالهدى والكفر بالإسلام وحكم سبحانه لعلماء الكفر وعباده حكما يشهد ذوو العقول بصحته ويرونه شيئا حسنا فقال تعالى:(1\/224)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "8",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15464",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا.  (فصل) : فأين يذهب من تولى عن توحيد ربه وطاعته ولم يرفع رأسا بأمره ونهيه وكذب رسوله وأعرض عن متابعته وحاد عن شريعته ورغب عن ملته واتبع غير سنته ولم يتمسك بعهده ومكن الجهل من نفسه والهوى والعناد من قلبه والجحود والكفر من صدره والعصيان والمخالفة من جوارحه فقد قابل خبر الله بالتكذيب وأمره بالعصيان ونهيه بالارتكاب يغضب الرب وهو راض ويرضى وهو غضبان يحب ما يبغض ويبغض ما يحب ويوالي من يعاديه ويعادي من يواليه يدعو إلى خلاف ما يرضى وينهى عبدا إذا صلى فقد اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم فأصمه وأبكمه وأعماه فهو ميت الدارين فاقد السعادتين قد رضي بخزي الدنيا وعذاب الآخرة وباع التجارة الرابحة بالصفقة الخاسرة فقلبه عن ربه مصدود وسبيل الوصول إلى جنته ورضاه وقربه عنه مسدود فهو ولي الشيطان وعدو الرحمن وحليف الكفر والفسوق والعصيان قد رضي المسلمون بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا ورضي المخذول بالصليب والوثن إلها وبالتثليث والكفر دينا وبسبيل الضلال والغضب سبيلا أعصى الناس للخالق الذي لا سعادة له إلا في طاعته وأطوعهم للمخلوق الذي ذهاب دنياه وأخراه في طاعته فإذا سئل في قبره من ربك وما دينك ومن نبيك قال: آه آه لا أدري فيقال له: لا دريت ولا تليت وعلى ذلك حييت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله ثم يضرم عليه قبره نارا ويضيق عليه كالزج في الرمح إلى قيام الساعة فإذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور وقام(1\/225)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "9",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15465",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الناس لرب العالمين ونادى المنادي وامتازوا اليوم أيها المجرمون ثم رفع لكل عابد معبوده الذي كان يعبده ويهواه وقال الرب تعالى وقد أنصت له الخلائق: أليس عدلا مني أن أولي كل إنسان منكم ما كان في الدنيا يتولاه فهناك يعلم المشرك حقيقة ما كان عليه وبين له سوء منقلبه وما صار إليه ويعلم الكفار أنهم لم يكونوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون.(1\/226)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "10",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15466",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(فصل) : ولما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم كان أهل الأرض صنفين: أهل الكتاب وزنادقة لا كتاب لهم وكان أهل الكتاب أفضل الصنفين وهم نوعان: مغضوب عليهم وضالون. (اليهود) : فالأمة الغضبية هم اليهود: أهل الكذب والبهت والغدر والمكر والحيل قتلة الأنبياء وأكلة السحت والربا والرشا أخبث الأمم طوية وأرداهم سجية وأبعدهم من الرحمة وأقربهم من النقمة عادتهم البغضاء ودينهم العداوة والشحناء بيت السحر والكذب والحيل لا يرون لمن خالفهم في كفرهم وتكذيبهم ولو نبيا حرمة ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ولا لمن وافقهم عندهم حق ولا شفقة ولا لمن شاركهم عندهم عدل ولا نصفة ولا لمن خالطهم طمأنينة ولا أمنة ولا لمن استعملهم عنده نصيحة بل أخبثهم أعقلهم وأصدقهم أغشهم وسليم الناحية وحاشا أن يوجد فيهم وبينهم - ليس بيهودي على الحقيقة أضيق الخلق صدورا وأظلمهم بيوتا وأنتنهم أفنية وأوحشهم سحنة تحيتهم لعنة ولقاؤهم طيرة شعارهم الغضب ودثارهم المقت.(1\/227)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "11",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15467",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(النصارى) : والنوع الثاني: المثلثة أمة الضلال أو عباد الصليب الذين سبوا الله الخالق مسبة ما سبه إياها أحد من البشر ولم يقروا بأنه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ولم يجعلوه أكبر من كل شيء بل قالوا ما: تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا فقل ما شئت في طائفة أصل عقيدتها أن الله ثالث ثلاثة وأن مريم صاحبته وأن المسيح ابنه وأنه نزل عن كرسي عظمته والتحم ببطن الصاحبة وجرى له ما جرى إلى أن قتل ومات ودفن. ودينها عبادة الصلبان ودعاء الصور المنقوشة بالأحمر والأصفر في الحيطان يقولون في دعائهم: (يا والدة الإله ارزقينا واغفري لنا وارحمينا) . فدينهم شرب الخمور وأكل الخنزير وترك الختان والتعبد بالنجاسات واستباحة كل خبيث من الفيل إلى البعوضة ورفض نصوص الكتب الإلهية والعمل بقول جاهل من رهابنتهم واتباع أمره وأن الحق معه والحلال ما أحله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه وهو الذي يغفر لهم الذنوب وينجيهم من عذاب السعير. (الوثنيون والملاحدة) : فهذا حال من له كتاب وأما من لا كتاب له: فهو بين عابد أوثان وعابد صوان وعابد شيطان وصابئ حيران يجمعهم الشرك وتكذيب الرسل(1\/228)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "12",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15468",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتعطيل الشرائع وإنكار المعاد وحشر الأجساد لا يدينون للخالق بدين ولا يعبدونه مع العابدين ولا يوحدونه مع الموحدين. (المجوس) : وأمة المجوس منهم تستفرش الأمهات والبنات والأخوات مع العمات والخالات دينهم الزمزمة وطعامهم الميتة وشرابهم الخمر ومعبودهم النار ووليهم الشيطان فهم أخبث بني آدم نحلة وأرذلهم مذهبا وأسوءهم اعتقادا. (الصابئة والفلاسفة) : وأما زنادقة الصابئة وملاحدة الفلاسفة فلا يؤمنون بالله ولا ملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا لقائه ولا يؤمنون بمبدأ ولا معاد وليس للعالم عندهم رب فعال بالاختيار لما يريد قادر على كل شيء عالم بكل شيء آمر ناه مرسل الرسل ومنزل الكتب ومثيب المحسن ومعاقب المسيء وليس عند نظائرهم إلا تسعة أفلاك وعشرة عقول وأربعة أركان وسلسلة ترتبت فيها الموجودات هي بسلسلة المجانين أشبه منها بمجوزات العقول. (دين الحنيفية) : وبالجملة فدين الحنيفية الذي لا دين لله غيره بين هذه الأديان الباطلة التي لا دين في الأرض غيرها - أخفى من السها تحت السحاب وقد نظر الله إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب فأطلع الله شمس الرسالة في حنادس تلك الظلم سراجا منيرا وأنعم الله بها على أهل الأرض نعمة لا يستطيعون لها شكرا وأشرقت الأرض بنور ربها أكمل الإشراق(1\/229)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "13",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15469",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفاض ذلك حتى عم النواحي والآفاق وانشق القمر أتم الانشقاق وقام دين الله الحنيف على ساق فلله الحمد الذي أنقذنا بمحمد صلى الله عليه وسلم من تلك الظلمات وفتح لنا به باب الهدى فلا يغلق إلى يوم الميقات وأرانا في نوره أهل الضلال وهم في ضلالهم يتخبطون وفي سكرتهم يعمهون وفي جهالتهم يتقلبون وفي ريبهم يترددون يؤمنون ويعدلون ولكن بربهم يعدلون ويعملون ولكن ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ويسجدون ولكن للصليب والوثن والشمس يسجدون ويمكرون وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون والحمد لله الذي أغنانا بشريعته التي تدعو إلى الحكمة والموعظة الحسنة وتتضمن الأمر بالعدل والإحسان والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي فله المنة والفضل على ما أنعم به علينا وآثرنا به على سائر الأمم وإليه الرغبة أن يوزعنا شكر هذه النعمة وأن يفتح لنا أبواب التوبة والمغفرة والرحمة فأحب الوسائل إلى المحسن التوسل إليه بإحسانه والاعتراف له بأن الأمر كله محض فضله وامتنانه فله علينا النعمة السابغة كما له علينا الحجة البالغة نبوء له بنعمه علينا ونبوء بذنوبنا وخطايانا وجهلنا وظلمنا وإسرافنا في أمرنا فهذه بضاعتنا التي لدينا لم تبق لنا ونعمه وحقوقها وذنوبنا حسنة نرجو بها الفوز بالثواب والتخلص من أليم العقاب بل بعض ذلك ينفذ جميع حسناتنا ويستوعب كل طاعتنا هذا لو خلصت من(1\/230)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "14",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15470",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الشوائب وكانت خالصة لوجهه واقعة على وفق أمره وما هو والله إلا التعلق بأذيال عفوه وحسن الظن به واللجاية إليه والاستعانة به منه والاستكانة والتذلل بين يديه ومد يد الفاقة والمسكنة إليه بالسؤال والافتقار إليه في جميع الأحوال فمن أصابته نفحة من نفحات رحمته أو وقعت عليه قطرة من قطرات رأفته انتعش بين الأموات وأناخت بفنائه وفود الخيرات وترحلت عنه جيوش الهموم والغموم والحسرات. شعر: وإذا نظرت إلي نظرة راحم ... في الدهر يوما إنني لسعيد(1\/231)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "15",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15471",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(فصل) ومن بعض حقوق الله على عبده رد الطاعنين على كتابه ورسوله ودينه ومجاهدتهم بالحجة والبيان والسيف والسنان والقلب والجنان وليس وراء ذلك حبة خردل من الإيمان. وكان انتهى إلينا مسائل أوردها بعض الكفار الملحدين على بعض المسلمين فلم يصادف عنده ما يشفيه ولا وقع دواؤه على الداء الذي فيه وظن المسلم أنه بضربه يداويه فسطا به ضربا وقال: هذا هو الجواب فقال الكافر: صدق أصحابنا في قولهم: إن دين الإسلام إنما قام بالسيف لا بالكتاب. فتفرقا وهذا ضارب وهذا مضروب وضاعت الحجة بين الطالب والمطلوب فشمر المجيب عن ساعد العزم ونهض على ساق الجد وقام لله قيام مستعين به مفوض إليه متوكل في موافقة مرضاته عليه ولم يقل مقالة العجزة الجهال: إن الكفار إنما يعاملون بالجلاد دون الجدال وهذا فرار من الزحف وإخلاد إلى العجز والضعف. فمجادلة الكفار بعد دعوتهم إقامة للحجة وإزالة للعذر ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة والسيف إنما جاء منفذا للحجة مقوما للمعاند وحدا للجاحد.(1\/232)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "16",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15472",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال تعالى: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز. فدين الإسلام قام بالكتاب الهادي ونفذه السيف الناصر. شعر: فما هو إلا الوحي أو حد مرهف ... يقيم ظباه أخدعي كل مائل فهذا شفاء الداء من كل عاقل ... وهذا دواء الداء من كل جاهل وإلى الله الرغبة في التوفيق فإنه الفاتح من الخير أبوابه والميسر له أسبابه.(1\/233)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "17",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15473",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد وضعت هذا الكتاب وسميته هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى. وقسمته قسمين: القسم الأول: في أجوبة المسائل. القسم الثاني: في تقرير نبوة سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بجميع أنواع الدلائل فجاء بحمد الله ومنه وتوفيقه كتابا ممتعا معجبا لا يسأم قاريه ولا يمل الناظر فيه فهو كتاب يصلح للدنيا والآخرة ولزيادة الإيمان ولذة الإنسان. يعطيك ما شئت من أعلام النبوة وبراهين الرسالة وبشارات الأنبياء بخاتمهم واستخراج اسمه الصريح من كتبهم وذكر نعته وصفته وسيرته من كتبهم والتميز بين صحيح الأديان وفاسدها وكيفية فسادها بعد استقامتها وجملة من فضائح أهل الكتابين وما هم عليه وأنهم أعظم الناس براءة من أنبيائهم وأن نصوص أنبيائهم تشهد بكفرهم وضلالهم وغير ذلك من نكت بديعة لا توجد في سواه. والله المستعان وعليه التكلان فهو حسبنا ونعم الوكيل.(1\/234)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "18",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15474",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فنقول أما المسألة الأولى وهي: قول السائل: قد اشتهر عندكم بأن أهل الكتابين ما منعهم من الدخول في الإسلام إلا الرئاسة والمأكلة لا غير فكلام جاهل بما عند المسلمين وبما عند الكفار أما المسلمون فلم يقولوا: إنه لم يمنع أهل الكتاب من الدخول في الإسلام إلا الرئاسة والمأكلة لا غير وإن قال هذا بعض عوامهم فلا يلزم جماعتهم والممتنعون من الدخول في الإسلام من أهل الكتابين وغيرهم جزء يسير جدا بالإضافة إلى الداخلين فيه منهم بل أكثر الأمم دخلوا في الإسلام طوعا ورغبة واختيارا لا كرها واضطرارا. وإن الله سبحانه وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا إلى أهل الأرض وهم خمسة أصناف قد طبقوا الأرض: يهود ونصارى ومجوس وصابئون ومشركون. وهذه الأصناف هي التي كانت قد استولت على الدنيا من مشارقها إلى مغاربها.(1\/235)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "19",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15475",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأما اليهود فأكثر ما كانوا باليمن وخيبر والمدينة وما حولها وكانوا بأطراف الشام مستذلين مع النصارى وكان منهم بأرض فارس مستذلة مع المجوس وكان منهم بأرض المغرب فرقة وأعز ما كانوا بالمدينة وخيبر وما حولها وكان الله سبحانه وتعالى قد قطعهم في الأرض أمما وسلبهم الملك والعز. وأما النصارى فكانوا طبق الأرض: فكانت الشام كلها نصارى وأرض المغرب كان الغالب عليهم النصارى وكذلك أرض مصر والحبشة والنوبة والجزيرة والموصل وأرض نجران وغيرها من البلاد. وأما المجوس فهم أهل مملكة فارس وما اتصل بها. وأما الصابئة فأهل حران وكثير من بلاد الروم.(1\/236)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "20",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15476",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما المشركون فجزيرة العرب جميعها وبلاد الهند وبلاد الترك وما جاورها وأديان أهل الأرض لا تخرج عن هذه الأديان الخمسة ودين الحنفاء لا يعرف فيهم البتة. وهذه الأديان الخمسة كلها للشيطان كما قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: الأديان ستة: واحد للرحمن وخمسة للشيطان وهذه الأديان الستة مذكورة في آية الفصل في قوله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد. فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم استجاب له ولخلفائه بعده أكثر أهل الأديان طوعا واختيارا ولم يكره أحدا قط على الدين وإنما كان يقاتل من يحاربه ويقاتله وأما من سالمه وهادنه فلم يقاتله ولم يكرهه على الدخول في دينه امتثالا لأمر ربه سبحانه وتعالى حيث يقول: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي وهذا نفي في معنى النهي أي لا تكرهوا أحدا على الدين نزلت هذه الآية في رجال من الصحابة كان لهم أولاد قد تهودوا وتنصروا قبل الإسلام فلما جاء الإسلام أسلم الآباء وأرادوا إكراه الأولاد على الدين فنهاهم الله سبحانه وتعالى عن ذلك حتى يكونوا هم الذين يختارون الدخول في الإسلام. والصحيح: الآية على عمومها في حق كل كافر وهذا ظاهر على قول من يجوز أخذ الجزية من جميع الكفار فلا يكرهون على الدخول في الدين بل إما أن يدخلوا في الدين وإما أن يعطوا الجزية كما تقوله أهل العراق وأهل المدينة وإن استثنى هؤلاء بعض عبدة الأوثان.(1\/237)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "21",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15477",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن تأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تبين له أنه لم يكره أحدا على دينه قط وأنه إنما قاتل من قاتله وأما من هادنه فلم يقاتله ما دام مقيما على هدنته لم ينقض عهده بل أمره الله تعالى أن يفي لهم بعهدهم ما استقاموا له كما قال تعالى: فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم. فلما قدم المدينة صالح اليهود وأقرهم على دينهم فلما حاربوه ونقضوا عهده وبدءوه بالقتال قاتلهم فمن على بعضهم وأجلى بعضهم وقاتل بعضهم. وكذلك لما هادن قريشا عشر سنين لم يبدأهم بقتال حتى بدءوا هم بقتاله ونقض عهده فحينئذ غزاهم في ديارهم وكانوا هم يغزونه قبل ذلك كما قصدوه يوم الخندق ويوم بدر أيضا هم جاءوا لقتاله ولو انصرفوا عنه لم يقاتلهم. والمقصود أنه صلى الله عليه وسلم لم يكره أحدا على الدخول في دينه البتة وإنما دخل الناس في دينه اختيارا وطوعا فأكثر أهل الأرض دخلوا في دعوته لما تبين لهم الهدى وأنه رسول الله حقا فهؤلاء أهل اليمن كانوا على دين اليهودية وأكثرهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وذكر الحديث ثم دخلوا في الإسلام من غير رغبة ولا رهبة وكذلك من أسلم من يهود المدينة وهم جماعة كثيرون غير عبد الله مذكورون في كتب السير والمغازي لم يسلموا رغبة في الدنيا ولا رهبة من السيف بل أسلموا في حال حاجة المسلمين وكثرة أعدائهم ومحاربة أهل الأرض لهم(1\/238)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "22",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15478",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من غير سوط ولا نوط بل تحملوا معاداة أقربائهم وحرمانهم نفعهم بالمال والبدن مع ضعف شوكة المسلمين وقلة ذات أيديهم. فكان أحدهم يعادي أباه وأمه وأهل بيته وعشيرته ويخرج من الدنيا رغبة في الإسلام لا لرئاسة ولا مال بل ينخلع من الرئاسة والمال ويتحمل أذى الكفار من ضربهم وشتمهم وصنوف أذاهم ولا يصرفه ذلك عن دينه. فإن كان كثير من الأحبار والرهبان والقسيسين ومن ذكره هذا السائل قد اختار الكفر فقد أسلم جمهور أهل الأرض من فرق الكفار ولم يبق إلا الأقل بالنسبة إلى من أسلم فهؤلاء نصارى الشام كانوا ملء الشام ثم صاروا مسلمين إلا النادر فصاروا في المسلمين كالشعرة السوداء في الثور الأبيض. وكذلك المجوس كانت أمة لا يحصي عددهم إلا الله تعالى فأطبقوا على الإسلام لم يتخلف منهم إلا النادر وصارت بلاد الإسلام وصار من لم يسلم منهم تحت الجزية والذلة وكذلك اليهود أسلم أكثرهم ولم يبق منهم إلا شرذمة قليلة مقطعة في البلاد. فقول هذا الجاهل: إن هاتين الأمتين اللتين لا يحصي عددهم إلا الله تعالى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم - كذب ظاهر وبهت مبين حتى لو كانوا كلهم قد أطبقوا على اختيار الكفر لكانوا في ذلك أسوة قوم نوح وقد أقام فيهم نوح صلى الله عليه وسلم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله تعالى ويريهم من الآيات ما يقيم حجة الله عليهم وقد أطبقوا على الكفر إلا قليلا منهم كما قال تعالى: وما آمن معه إلا قليل.(1\/239)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "23",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15479",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهم كانوا أضعاف أضعاف هاتين الأمتين الكافرتين أهل الغضب وأهل الضلال وقوم عاد أطبقوا على الكفر وهم أمة عظيمة عقلاء حتى استؤصلوا بالعذاب وقوم ثمود أطبقوا جميعهم على الكفر بعد رؤية الآية العظيمة التي يؤمن على مثلها البشر ومع هذا فاختاروا الكفر على الإيمان كما قال تعالى: وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى وقال تعالى: وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين. فهاتان أمتان عظيمتان من أكبر الأمم قد أطبقا على الكفر مع البصيرة فأمتا الغضب والضلال إذا أطبقتا على الكفر فليس ذلك ببدع وهؤلاء قوم فرعون مع كثرتهم قد أطبقوا على جحد نبوة موسى عليه الصلاة والسلام مع تظاهر الآيات الباهرة آية بعد آية فلم يؤمن منهم إلا رجل واحد كان يكتم إيمانه. وأيضا فيقال للنصارى: هؤلاء اليهود مع كثرتهم في زمن المسيح عليه الصلاة والسلام حتى كانوا قد ملئوا بلاد الشام كما قال تعالى: وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وكانوا قد أطبقوا على تكذيب المسيح وجحد نبوته وفيهم الأحبار والرهبان والعباد والعلماء حتى آمن به(1\/240)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "24",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15480",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحواريون فإذا جاز على اليهود - وفيهم الأحبار والعباد والزهاد وغيرهم - الإطباق على جحد نبوة المسيح والكفر به مع ظهور آيات صدقه كالشمس جاز عليهم إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن جواز ذلك على أمة الضلال الذين هم أضل من الأنعام وهم النصارى أولى وأحرى. فهذا السؤال الذي أورده هذا السائل وارد بعينه في حق كل نبي كذبته أمة من الأمم فإن صوب هذا السائل رأى تلك الأمم كلها فقد كفر بجميع الرسل. وإن قال: إن الأنبياء كانوا على الحق وكانت تلك الأمم مع كثرتها ووفور عقولها على الباطل فلأن يكون المكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم وهم الأقلون الأرذلون من هذه الطوائف على الباطل أولى وأحرى وأي أمة من الأمم اعتبرتها وجدت المصدقين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم جمهورها وأقلها وأرذلها هم الجاحدون لنبوته فرقعة الإسلام اتسعت في مشارق الأرض ومغاربها غاية الاتساع بدخول هذه الأمم في دينه وتصديقهم برسالته وبقي من لم يدخل منهم في دينه وهم من كل أمة أقلها. وأين يقع النصارى المكذبون برسالته اليوم من أمة النصرانية الذين كانوا قبله! وكذلك اليهود والمجوس والصابئون لا نسبة للمكذبين برسالته بعد بعثه إلى جملة تلك الأمة قبل بعثه. وقد أخبر تعالى عن الأمم التي أطبقت على تكذيب الرسل ودمرها الله تعالى فقال سبحانه وتعالى: ثم أرسلنا رسلنا تترى كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون. فأخبر عن هؤلاء الأمم أنهم تطابقوا على تكذيب رسلهم وأنه عمهم بالإهلاك وقال تعالى: كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون.(1\/241)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "25",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15481",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومعلوم قطعا أن الله تعالى لم يهلك هذه الأمم الكثيرة إلا بعد ما تبين لهم الهدى فاختاروا عليه الكفر ولو لم يتبين لهم الهدى واختاروا خلافه لم يهلكوا كما قال تعالى: وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون وقال تعالى: فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين أي فلم يكن قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس. ومعلوم قطعا أنه لم يصدق نبي من الأنبياء من أولهم إلى آخرهم ولم يتبعه من الأمم ما صدق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. والذين اتبعوه من الأمم أضعاف هاتين الأمتين المكذبتين مما لا يحصيهم إلا الله ولا يستريب من له مسكة من عقل أن الضلال والجهل والغي وفساد العقل إلى من خالفه وجحد نبوته أقرب منه إلى أتباعه ومن أقر بنبوته. وحينئذ فيقال: كيف جاز على هؤلاء الأمم الذين لا يحصيهم إلا الله الذين قد بلغوا مشارق الأرض ومغاربها على اختلاف طبائعهم وأغراضهم وتباين مقاصدهم الإطباق على اتباع من يكذب على الله وعلى العقل ويحل ما حرم الله ورسله ويحرم ما أحل ومعلوم أن الكذاب على الله تعالى في دعوى الرسالة هو شر خلق الله وأفجرهم وأظلمهم وأكذبهم. ولا يشك من له أدنى عقل أن إطباق أكثر الأمم على(1\/242)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "26",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15482",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "متابعة هذا النبي صلى الله عليه وسلم وخروجهم عن ديارهم وأموالهم ومعاداتهم آباءهم وعشائرهم في متابعته وبذلهم نفوسهم بين يديه من أمحل المحال. فتجويز اختيار الكفر بعد تبين الهدى على شرذمة قليلة حقيرة لها أغراض عديدة من هاتين الأمتين أولى من تجويز ذلك على المسلمين الذين طبقوا مشارق الأرض ومغاربها وهم أعقل الأمم وأكملها في جميع خصال الفضل وأين عقول عباد العجل وعباد الصليب الذي أضحكوا سائر العقلاء على عقولهم ودلوهم على مبلغها بما قالوه في معبودهم من عقول المسلمين وإذا جاز اتفاق أمة - فيها من قد ذكره هذا السائل - على أن رب العالمين وخالق السماوات والأرضين نزل عن عرش عظمته وكرسي رفعته ودخل في بطن امرأة في محل الحيض والطمث عدة شهور ثم خرج من فرجها طفلا يمص الثدي ويبكي ويكبر شيئا فشيئا ويأكل ويشرب ويبول ويصح ويمرض ويفرح ويحزن ويلد ويألم ثم دبر حيلة على عدوه إبليس بأن مكن أعداءه اليهود من نفسه فأمسكوه وساقوه إلى خشبتين يصلبونه عليهما وهم يجرونه إلى الصليب والأوباش والأراذل قدامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله وهو يستغيث ويبكي فقربوه من الخشبتين ثم توجوه بتاج من الشوك وصفعوه صفعا ثم حملوه على الصليب وسمروا يديه ورجليه وجعلوه بين لصين وهو الذي اختار هذا كله لتتم له الحيلة على إبليس ليخلص آدم وسائر الأنبياء من سجنه ففداهم بنفسه حتى خلصوا من سجن إبليس.(1\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "27",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15483",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإذا جاز اتفاق هذه الأمة وفيهم الأحبار والرهبان والقسيسون والزهاد والعباد والفقهاء ومن ذكرتهم على هذا القول في معبودهم وإلههم حتى قال قائل منهم وهو من أكابرهم عندهم: اليد التي خلقت آدم هي التي باشرت المسامير ونالت الصلب فكيف يجوز عليهم الاتفاق على تكذيب من جاء بتكفيرهم وتضليلهم ونادى سرا وجهرا بكذبهم على الله تعالى وشتمهم له أقبح شتم وكذبهم على المسيح وتبديلهم دينه وعاداهم وقاتلهم وبرأهم من المسيح وبرأه منهم وأخبر أنهم وقود النار وحصب جهنم فهذا أحد الأسباب التي اختاروا لأجلها الكفر على الإيمان وهو من أعظم الأسباب. فقولكم: إن المسلمين يقولون إنهم لم يمنعهم من الدخول في الإسلام إلا الرئاسة والمأكلة لا غير كذب على المسلمين بل الرئاسة والمأكلة من جملة الأسباب المانعة لهم من الدخول في الدين وقد ناظرنا نحن وغيرنا جماعة منهم فلما تبين لبعضهم فساد ما هم عليه قالوا: لو دخلنا في الإسلام لكنا من أقل المسلمين لا يؤبه لنا ونحن متحكمون في أهل ملتنا في أموالهم ومناصبهم ولنا بينهم أعظم الجاه! وهل منع فرعون وقومه من اتباع موسى إلا ذلك! والأسباب المانعة من قبول الحق كثيرة جدا فمنها: الجهل به وهذا السبب هو الغالب على أكثر النفوس فإن من جهل شيئا عاداه وعادى أهله فإن انضاف إلى هذا السبب بغض من أمره بالحق ومعاداته له وحسده كان المانع من القبول أقوى فإن انضاف إلى ذلك إلفه وعادته ومرباه على ما كان عليه آباؤه ومن يحبه ويعظمه قوي المانع فإن انضاف إلى ذلك توهمه أن الحق الذي دعي إليه يحول بينه وبين جاهه وعزه وشهواته وأغراضه قوي المانع من القبول جدا.(1\/244)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "28",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15484",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن انضاف إلى ذلك خوفه من أصحابه وعشيرته وقومه على نفسه وماله وجاهه كما وقع لهرقل ملك النصارى بالشام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ازداد المانع من قبول الحق قوة فإن هرقل عرف الحق وهم بالدخول في الإسلام فلم يطاوعه قومه وخافهم على نفسه فاختار الكفر على الإسلام بعد ما تبين له الهدى كما سيأتي ذكر قصته إن شاء الله تعالى. ومن أعظم هذه الأسباب: quot; الحسد quot; فإنه داء كامن في النفس ويرى الحاسد المحسود قد فضل عليه وأوتي ما لم يؤت نظيره فلا يدعه الحسد أن ينقاد له ويكون من أتباعه. وهل منع إبليس من السجود لآدم إلا الحسد! فإنه لما رآه قد فضل عليه ورفع فوقه غص بريقه واختار الكفر على الإيمان بعد أن كان بين الملائكة. وهذا الداء هو الذي منع اليهود من الإيمان بعيسى ابن مريم وقد علموا علما لا شك فيه أنه رسول الله جاء بالبينات والهدى فحملهم الحسد على أن اختاروا الكفر على الإيمان وأطبقوا عليه وهم أمة فيهم الأحبار والعلماء والزهاد والقضاة والملوك والأمراء. هذا وقد جاء المسيح بحكم التوراة ولم يأت بشريعة تخالفها ولم يقاتلهم وإنما أتى بتحليل ما حرم عليهم تخفيفا ورحمة وإحسانا وجاء مكملا لشريعة التوراة ومع هذا فاختاروا الكفر كلهم على الإيمان فكيف يكون حالهم مع نبي جاء بشريعة مستقلة ناسخة لجميع الشرائع مبكتا لهم بقبائحهم ومناديا على فضائحهم ومخرجا لهم من ديارهم وقد قاتلوه وحاربوه وهو في ذلك كله ينصر عليهم ويظفر بهم ويعلو هو وأصحابه وهم معه دائما في سفال فكيف لا يملك الحسد والبغي قلوبهم وأين يقع حالهم معه من حالهم مع المسيح وقد أطبقوا على الكفر به من(1\/245)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "29",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15485",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعد ما تبين لهم الهدى وهذا السبب وحده كاف في رد الحق فكيف إذا انضاف إليه زوال الرئاسات والمأكل كما تقدم وقد قال المسور بن مخرمة - وهو ابن أخت أبي جهل - يا خال هل كنتم تتهمون محمدا قبل أن يقول ما قال فقال: يا ابن أختي! والله لقد كان محمد فينا صادقا وهو شاب يدعى الأمين فما جربنا عليه كذبا قط قال: يا خال! فما لكم لا تتبعونه! قال: يا ابن أختي تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف فأطعموا وأطعمنا وسقوا وسقينا وأجاروا وأجرنا حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي فمتى ندرك مثل هذه وقال الأخنس بن شريق يوم بدر لأبي جهل: يا أبا الحكم! أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس هاهنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا فقال أبو جهل: ويحك! والله إن محمدا لصادق وما كذب محمد قط ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة فماذا يكون لسائر قريش. وأما اليهود فقد كان علماؤهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر عن قتادة عن شيخ من بني قريظة قال: هل تدري ما كان إسلام أسد وثعلبة ابني سعية وأسد بن عبيد لم يكونوا من بني قريظة ولا النضير كانوا فوق ذلك(1\/246)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "30",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15486",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقلت: لا قال: فإنه قدم علينا رجل من الشام من يهود يقال له: ابن الهيبان فأقام عندنا والله ما رأينا رجلا قط لا يصلي الخمس خيرا منه فقدم علينا قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين فكنا إذا قحطنا وقل عنا المطر نقول: يا ابن الهيبان اخرج فاستق لنا فيقول: لا والله حتى تقدموا أمام مخرجكم صدقة فنقول: كم فيقول صاعا من تمر أو مدين من الشعير فنخرجه ثم يخرج إلى ظاهر حرتنا ونحن معه نستقي فوالله ما يقوم من مجلسه حتى نمطر ونمر بالشعاب قد فعل ذلك مرة ولا مرتين ولا ثلاثة فحضرته الوفاة واجتمعنا إليه فقال: يا معشر يهود! أترون ما أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع قالوا: أنت أعلم قال: فإني إنما خرجت أتوقع خروج نبي قد أظل زمانه هذه البلاد مهاجره فاتبعوه ولا تسبقن إليه إذا خرج يا معشر يهود فإنه يبعث بسفك الدماء وسبي الذراري والنساء ممن يخالفه فلا يمنعكم ذلك منه ثم مات فلما كانت الليلة التي فتحت فيها قريظة قال أولئك الثلاثة الفتية وكانوا شبانا أحداثا: يا معشر يهود إنه الذي ذكر لكم ابن الهيبان فقالوا: ما هو به قالوا: بلى والله إنه لصفته ثم نزلوا وأسلموا وخلوا أموالهم وأهليهم. قال ابن إسحاق: وكانت أموالهم في الحصن مع المشركين فلما فتح ردت عليهم. وقال ابن إسحاق: حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن(1\/247)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "31",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15487",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محمود بن لبيد قال: كان بين أبنائنا يهودي فخرج على نادي قومه بني عبد الأشهل ذات غداة فذكر البعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان فقال ذلك لأصحاب وثن لا يرون أن بعثا كائنا بعد الموت وذلك قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ويحك يا فلان! وهذا كائن أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى داركم فيها جنة ونار ويجزون من أعمالهم! فقال: نعم والذي يحلف به لوددت أن حظي من تلك النار أن توقدوا أعظم تنور في داركم تحمونه ثم تقذفوني فيه وتطبقونه علي وإني أنجو من النار غدا فقيل: يا فلان ما علامة ذلك قال: نبي يبعث من ناحية هذه البلاد وأشار بيده نحو مكة واليمن قالوا: فمتى نراه فرمى بطرفه فرآني وأنا مضطجع بفناء باب أهلي وأنا أحدث القوم فقال: إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه فما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم وأنه لحي بين أظهرنا فآمنا به وصدقناه وكفر به بغيا وحسدا فقلنا: يا فلان ألست قلت ما قلت وأخبرتنا به! قال: ليس به.... قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر ... عن قتادة قال: حدثني أشياخ منا قالوا: لم يكن أحد من العرب أعلم بشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منا كان معنا يهود وكانوا أهل كتاب وكنا أصحاب وثن وكنا بلغنا منهم ما يكرهون قالوا إن نبيا مبعوثا الآن قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم قتل عاد وإرم فلما بعث الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم اتبعناه وكفروا به ففينا وفيهم أنزل الله عز وجل وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين. وذكر الحاكم وغيره عن ابن أبي نجيح ... عن علي الأزدي قال كانت اليهود تقول:(1\/248)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "32",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15488",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اللهم ابعث لنا هذا النبي يحكم بيننا وبين الناس.... وقال سعيد بن جبير ... عن ابن عباس: كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فلما التقوا هزمت يهود خيبر فعاذت اليهود بهذا الدعاء: اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم قال: فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا به فأنزل الله تعالى: وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا يعني بك يا محمد فلعنة الله على الكافرين. يستفتحون: أي يستنصرون. وذكر الحاكم وغيره أن بني النضير لما أجلوا من المدينة أقبل عمرو بن سعدى فأطاف بمنازلهم فرأى خرابها ففكر ثم رجع إلى بني قريظة فوجدهم في الكنيسة فنفخ في بوقهم فاجتمعوا فقال الزبير بن باطا: يا أبا سعيد أين كنت منذ اليوم فلم نرك - وكان لا يفارق الكنيسة وكان يتأله في اليهودية قال: رأيت اليوم عبرا اعتبرنا بها رأيت إخواننا قد جلوا بعد ذلك العز والخلد والشرف الفاضل والعقل البارع قد تركوا أموالهم وملكها غيرهم وخرجوا خروج ذل فلا والتوراة ما سلط هذا على قوم(1\/249)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "33",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15489",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قط لله فيهم حاجة وقد أوقع قبل ذلك بابن الأشرف في عزة بنيانه في بيته آمنا وأوقع بابن شيبة سيدهم وأوقع ببني قينقاع فأجلاهم وهم حبر يهود وكانوا أهل عدة وسلاح ونجدة - فحصرهم فلم يخرج إنسان منهم رأسه حتى سباهم فكلم فيهم فتركهم على أن أجلاهم من يثرب. يا قوم قد رأيتم ما رأيتم فأطيعوني وتعالوا نتبع محمدا فوالله إنكم لتعلمون أنه نبي وقد بشرنا به وبأمره ابن الهيبان أبو عمير وابن حواس وهما أعلم يهود جاءا من بيت المقدس يتوكفان قدومه وأمرانا باتباعه وأمرانا أن نقرئه منهما السلام ثم ماتا على دينهما ودفناهما بحرتنا فأسكت القوم فلم يتكلم منهم متكلم فأعاد هذا الكلام ونحوه وخوفهم بالحرب والسباء والجلاء فقال الزبير بن باطا: قد  والتوراة - قرأت صفته في كتاب التوراة التي أنزلت على موسى ليس في المثاني التي أحدثنا فقال له كعب بن أسيد: ما يمنعك يا أبا عبد الرحمن من اتباعه قال: أنت قال: ولم فوالتوراة ما حلت بينك وبينه قط قال الزبير: أنت صاحب عهدنا وعقدنا فإن اتبعته اتبعناه وإن أبيت أبيناه فأقبل عمرو بن سعد علي فذكر ما تقاولا به في ذلك إلى أن قال كعب: ما عندي في ذلك إلا ما قلت ما تطيب نفسي أن أصير تابعا. وهذا المانع هو الذي منع فرعون من اتباع موسى عليه الصلاة والسلام فإنه لما تبين له الهدى عزم اتباع موسى فقال له وزيره هامان: بينا أنت إله تعبد تصبح تعبد ربا تعبد غيرك قال: صدقت.(1\/250)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "34",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15490",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر قال: حدثت ... عن صفية بنت حيي بن أخطب أنها قالت: كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة غدوا عليه ثم جاءا من العشي فسمعت عمي يقول لأبي: أهو هو قال: نعم قال: أتعرفه وتثبته قال نعم قال: فما في نفسك منه قال: عدواته والله ما بقيت.... فهذه الأمة الغضبية معروفة بعداوة الأنبياء قديما وأسلافهم وأحبارهم قد أخبر الله سبحانه وتعالى عن أذاهم لموسى ونهانا عن التشبه بهم في ذلك فقال: ياأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها. وأما خلفهم فهم قتلة الأنبياء اليهود: قتلوا زكريا وابنه يحيى وخلقا كثيرا من الأنبياء حتى قتلوا في يوم سبعين نبيا وأقاموا السوق في آخر النهار كأنهم لم يصنعوا شيئا. واجتمعوا على قتل المسيح وصلبه فصانه الله تعالى وأكرمه أن يهينه على أيديهم وألقى شبهه على غيره فقتلوه وصلبوه. وراموا قتل خاتم النبيين مرارا عديدة والله يعصمه منهم. ومن كان هذا شأنهم لا يكثر عليهم اختيار الكفر على الإيمان لسبب من الأسباب التي ذكرنا بعضها أو سببين أو أكثر. وقد ذكرنا اتفاق أمة الضلال وعباد الصليب على مسبة رب العالمين أقبح مسبة وعلى ما يعلم بطلانه من أول وهلة لم يكثر على تلك العقول السخيفة أن تسب بشرا أرسله الله تعالى وتجحد نبوته وتكابر ما دل عليه صريح العقل من صدقه وصحة رسالته فلو قالوا فيه ما قالوا لم يبلغ بعض قولهم في رب الأرض والسماوات الذي صاروا فيه ضحكة بين جميع بني آدم.(1\/251)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "35",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15491",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأمة أطبقت على أن الإله الحق - سبحانه وتعالى عما يقولون - صلب وصفع وسمر ووضع الشوك على رأسه ودفن في التراب ثم قام في اليوم الثالث وصعد وجلس على كرسيه يدبر أمر السماوات والأرض لا يكثر عليها أن تطبق على جحد نبوة من جاء بسبها ولعنها ومحاربتها وإبداء معايبها والنداء على كفرها بالله ورسوله والشهادة على براءة المسيح منها ومعاداته لها ثم قاتلها وأذلها وأخرجها من ديارها وضرب عليها الجزية وأخبر أنها من أهل الجحيم خالدة مخلدة لا يغفر الله لها وأنها شر من الحمير بل هي شر الدواب عند الله. وكيف ينكر على أمة أطبقت على صلب معبودها وإلهها ثم عمدت إلى الصليب فعبدته وعظمته وكان ينبغي لها أن تحرق كل صليب تقدر على إحراقه وأن تهينه غاية الإهانة إذ صلبت عليه إلهها الذي يقولون تارة: إنه الله وتارة يقولون إنه ابنه وتارة يقولون ثالث ثلاثة فجحدت حق خالقها وكفرت به أعظم كفر وسبته أقبح مسبة أن تجحد حق عبده ورسوله وتكفر به. وكيف يكثر على أمة قالت في رب الأرض والسماوات إنه نزل من السماء ليكلم الخلق بذاته لئلا يكون لهم حجة عليه فأراد أن يقطع حجتهم بتكلمه لهم بذاته ; لترتفع المعاذير عمن ضيع عهده بعد ما كلمه بذاته فهبط بذاته من السماء والتحم في بطن مريم فأخذ منها حجابا وهو مخلوق من طريق الجسم وخالق من طريق النفس وهو الذي خلق جسمه وخلق أمه وأمه كانت قبله بالناسوت وهو كان من قبلها باللاهوت وهو الإله التام والإنسان التام ومن تمام رحمته تبارك وتعالى على عباده أنه رضي بإراقة دمه عنهم على خشبة الصليب فمكن أعداءه اليهود من نفسه ; ليتم سخطه(1\/252)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "36",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15492",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليهم فأخذوه وصلبوه وصفعوه وبصقوا في وجهه وتوجوه بتاج من الشوك على رأسه وغار دمه في إصبعه لأنه لو وقع منه شيء إلى الأرض ليبس كل ما في وجهها فثبت في موضع صلبه النوار. ولما لم يكن في الحكمة الإلهية أن ينتقم الله من عبده العاصي الذي ظلمه واستهان بقدره لاعتلاء منزلة الرب وسقوط منزلة العبد أراد سبحانه أن ينتصف من الإنسان الذي هو إله مثله فانتصف من خطيئة آدم بصلب عيسى المسيح الذي هو إله مساو له في الإلهية فصلب ابن الله الذي هو الله في الساعة التاسعة من يوم الجمعة. هذه ألفاظهم في كتبهم. فأمة أطبقت على هذا في معبودها كيف يكثر عليها أن تقول في عبده ورسوله أنه ساحر وكاذب وملك مسلط ونحو هذا ولهذا قال بعض ملوك الهند: أما النصارى فإن كان أعداؤهم من أهل الملل يجاهدونهم بالشرع فأنا أرى جهادهم بالعقل وإن كنا لا نرى قتال أحد لكني أستثني هؤلاء القوم من جميع العالم لأنهم قصدوا مضادة العقل وناصبوه العداوة وشذوا عن جميع مصالح العالم الشرعية والعقلية الواضحة واعتقدوا كل مستحيل ممكنا وبنوا من ذلك شرعا لا يؤدي إلى صلاح نوع من أنواع العالم ولكنه يصير العاقل إذا شرع به(1\/253)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "37",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15493",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أخرق والرشيد سفيها والحسن قبيحا والقبيح حسنا لأن من كان في أصل عقيدته التي جرى نشؤه عليها الإساءة إلى الخلاق والنيل منه وسبه أقبح مسبة ووصفه بما يغير صفاته الحسنى وأخلق به أن يستهل الإساءة إلى مخلوق وأن يصفه بما يغير صفاته الجميلة. ولو لم تجب مجاهدة هؤلاء القوم إلا لعموم أضرارهم التي لا تحصى وجوهه كما يجب قتل الحيوان المؤذي بطبعه لكانوا أهلا لذلك. والمقصود أن الذي اختاروا هذه المقالة في رب العالمين على تعظيمه وتنزيهه وإجلاله ووصفه بما يليق به الذين اختاروا الكفر بعبده ورسوله وجحدوا نبوته والذين اختاروا عبادة صور خطوها بأيديهم في الحيطان مزوقة بالأحمر والأصفر والأزرق لو دنت منها الكلاب لبالت عليها فأعطوها غاية الخضوع والذل والخشوع والبكاء وسألوها المغفرة والرحمة والرزق والنصر هم الذين اختاروا التكذيب بخاتم الرسل على الإيمان به وتصديقه واتباعه والذين نزهوا مطارنتهم وبتاركتهم عن الصاحبة والولد ونحوهما للفرد الصمد هم الذين أنكروا نبوة عبده وخاتم رسله. والذين اختاروا صلاة يقوم أعبدهم وأزهدهم إليها والبول على ساقه وأفخاذه فيستقبل الشرق ثم يصلب على وجهه ويعبد الإله المصلوب ويستفتح الصلاة بقوله: يا أبانا أنت الذي(1\/254)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "38",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15494",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في السماوات تقدس اسمك وليأت ملكك ولتكن إرادتك في السماء مثلها في الأرض أعطنا خبزنا الملائم لنا. ثم يحدث إلى من هو إلى جانبه وربما سأله عن سعر الخمر والخنزير وعما كسب في القمار وعما طبخ في بيته وربما أحدث وهو في صلاته ولو أراد لبال في موضعه إن أمكنه ثم يدعو تلك الصورة التي هي صنعة يد الإنسان. فالذين اختاروا هذه الصلاة على صلاة من إذا قام إلى صلاته طهر أطرافه وثيابه وبدنه من النجاسة واستقبل بيته الحرام وكبر الله وحمده وسبحه وأثنى عليه بما هو أهله ثم ناجاه بكلامه المتضمن لأفضل الثناء عليه وتحميده وتمجيده وتوحيده وإفراده بالعبادة والاستعانة وسؤاله أجل مسئول وهو الهداية إلى طريق رضاه التي خص بها من أنعم عليه دون طريق الأمتين: المغضوب عليهم وهم اليهود والضالين وهم النصارى ثم أعطى كل جارحة من الجوارح حظها من الخشوع والخضوع والعبودية مع غاية التحميد والثناء لله رب العالمين لا يلتفت عن معبوده بوجهه ولا قلبه ولا يكلم أحدا كلمة بل قد فرغ قلبه لمعبوده وأقبل عليه بقلبه ووجهه لا يحدث في صلاته ولا يجعل بين عينيه صورة مصنوعة يدعوها ويتضرع إليها. فالذين اختاروا تلك الصورة التي هي في الحقيقة استهزاء بالمعبود لا يرضاها المخلوق لنفسه فضلا أن يرضى بها الخالق على هذه الصلاة التي لو عرضت على من له أدنى مسكة من عقل لظهر له التفاوت بينهما. وهم الذين اختاروا التكذيب بخاتم الرسل محمد رسوله وعبده على الإيمان به وتصديقه واتباعه. والعاقل إذا وازن بين ما اختاروا ورغبوا فيه وبين ما رغبوا عنه تبين له أن القوم(1\/255)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "39",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15495",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اختاروا الضلالة على الهدى والغي على الرشاد والقبيح على الحسن والباطل على الحق وأنهم اختاروا من العقائد أبطلها ومن الأعمال أقبحها وأطبق على ذلك أساقفتهم وبتاركتهم ورهبانهم فضلا عن عوامهم.  (فصل) : ولم يقل أحد من المسلمين إن من ذكرتم من صغير وكبير وذكر وأنثى وحر وعبد وراهب وقسيس كلهم تبين له الهدى بل أكثرهم جهال بمنزلة الدواب السائمة معرضون عن طلب الهدى فضلا عن تبيينه لهم وهم مقلدون لرؤسائهم وكبرائهم وعلمائهم - وهم أقل القليل وهم الذين اختاروا الكفر على الإيمان بعد تبين الهدى. وأي إشكال يقع للعقل في ذلك فلم يزل في الناس من يختاره حسدا مع علمه ببطلانه كبرا والباطل منهم يختاره جهلا وتقليدا لمن يحسن الظن به ومنهم من يختاره حسدا وبغيا ومنهم من يختاره طمعا ورغبة في مأكل أو جاه ورئاسة ومنهم من يختاره محبة في صورة وعشقا ومنهم من يختاره خشية ومنهم من يختاره علوا ومنهم من يختاره راحة ودعة فلم تحصر أسباب اختيار الكفر في حب الرئاسة والمأكلة.  (فصل وأما المسألة الثانية)  [المسألة الثانية] وهي قولكم: هب أنهم اختاروا الكفر لذلك فهلا اتبع الحق من لا رئاسة له ولا مأكلة إما اختيارا وإما قهرا فجوابه من وجوه: أحدها: أنا قد بينا أن أكثر من ذكرتم قد آمن بالرسول وصدقه اختيارا(1\/256)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "40",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15496",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا اضطرارا وأكثرهم أولو العقول والأحلام والعلوم ممن لا يحصيهم إلا الله. فرقعة الإسلام إنما انتشرت في الشرق والغرب بإسلام أكثر الطوائف فدخلوا دين الله أفواجا حتى صار الكفر معهم تحت الذلة والصغار. وقد بينا أن الذين أسلموا من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين أكثر من الذين لم يسلموا وأنه إنما بقي منهم أقل القليل وقد دخل في الإسلام من ملوك الطوائف ورؤسائهم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم خلق كثير. وهذا ملك النصارى على إقليم الحبشة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لما تبين له أنه رسول الله آمن به ودخل في دينه وآوى أصحابه ومنعهم من أعدائهم وقصته أشهر من أن تذكر ولما مات أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالساعة التي مات فيها وبينهما مسيرة شهر ثم خرج بهم إلى المصلى وصلى عليه. فروى الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار: النجاشي أمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا على أن يبعثوا إلى النجاشي هدايا مما يستظرف ومن متاع مكة وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم فجمعوا له أدما كثيرا ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا(1\/257)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "41",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15497",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي وعمرو بن العاص وأمروهما أمرهم وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم ثم قدما إلى النجاشي هداياه ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم. قالت: فخرجا فقدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار وعند خير جار فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي ثم قالا إلى كل بطريق: إنه قد صبأ إلى بلد الملك منا سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم لتردهم إليهم فإذا كلمنا المليك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم فإن قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم فقالوا: نعم. ثم إنهما قربا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهما ثم كلماه فقالوا له: أيها الملك إنه قد صبأ إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاينوهم فيه قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا(1\/258)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "42",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15498",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليهم فأسلمهم إليهما ليردوهم إلى بلادهم وقومهم قالت: فغضب النجاشي ثم قال: والله لا أسلمهم إليهما ولا أكاد أن أسلم أقواما جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذان في أمرهم فإن كانا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني. قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كائنا في ذلك ما هو كائن فلما جاءوه - وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله - سألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من هذه الأمم قالت: وكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له: أيها الملك! كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار يأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله عز وجل إلينا نبيا ورسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله عز وجل لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام والحج من استطاع إليه سبيلا قالت: فعدد عليه أمور الإسلام فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به فعبدنا الله وحده(1\/259)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "43",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15499",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولم نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله عز وجل وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء قالت: فقال له جعفر: نعم فقال له النجاشي: فاقرأ علي فقرأ عليه صدرا من quot; كهيعص quot; قالت: فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقوا! فوالله لا أسلمهم إليكم أبدا ولا أكاد. قالت أم سلمة: فلما خرجنا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدا فأعيبهم عنده بما أستأصل به خضراءهم قالت: فقال له عبد الله بن أبي ربيعة وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفونا قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد قالت: ثم غدا عليه من الغد فقال له: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما فأرسل إليهم فاسألهم عما(1\/260)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "44",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15500",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقولون فيه قالت: فأرسل إليهم ليسألهم عنه قالت: ولم ينزل بنا مثله. فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ما تقولون في عيسى إذا سألكم عنه قالوا: نقول فيه ما قال الله عز وجل وما جاء به نبينا كائنا في ذلك ما هو كائن فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم فقال له جعفر: نقول فيه الذي جاء به نبينا هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته التي ألقاها إلى مريم العذراء البتول فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ عودا ثم قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذه العود فتناخرت البطارقة حوله حين قال ما قال فقال: وإن نخرتم وإن نخرتم والله اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي - والسيوم: الآمنون - من سيمكم غنم ومن سبكم غرم ما أحب أن لي ديرا ذهبا وأني آذيت رجلا منكم - والدير: بلسان الحبشة الجبل. ردوا عليهما هداياهما ولا حاجة لي بهما فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه. قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار. قالت: فخرج عدو له عليه وحاربه قالت: فوالله ما علمنا حزنا قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك تخوفا أن يظهر على النجاشي فيأتي رجل لا يعرف من(1\/261)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "45",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15501",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حقنا ما كان النجاشي يعرف منه. قالت: فسار النجاشي وبينهما عرض النيل فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم حتى يأتينا بالخبر قالت: فقال الزبير: أنا وكان من أحدث القوم سنا قالت فنفخوا له قربة فجعلها في صدره ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم ثم انطلق حتى حضرهم قالت: ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده فاستوثق له أمر الحبشة فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما كان شهر ربيع الأول سنة سبع من الهجرة كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام وبعث به مع عمرو بن أمية الضمري فلما قرئ عليه الكتاب أسلم وقال: لو قدرت لأتيته. وكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان ففعل وأصدق عنه أربعمائة دينار وكان الذي تولى التزويج خالد بن(1\/262)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "46",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15502",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سعيد بن العاص بن أمية. وكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه من بقي عنده من أصحابه ويحملهم ففعل. فقدموا المدينة فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فشخصوا إليه فوجدوه قد فتح خيبر فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يدخلوهم في سهامهم ففعلوا. فهذا ملك النصرانية قد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمن به واتبعه. وكم مثله من هو دونه ممن هداه الله تعالى من النصارى فدخل في الدين وهم أكثر بأضعاف مضاعفة ممن أقام على النصرانية. قال ابن إسحاق وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة عشرون رجلا أو قريبا من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة فوجدوه في المسجد فجلسوا إليه وكلموه وقبالته رجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة. فلما فرغوا من مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله وتلا عليهم القرآن فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا له وآمنوا وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل - لعنه الله - بن هشام في نفر من قريش فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب بعثكم من ورائكم من أهل دينكم ترتادون إليهم لتأتوهم بخبر الرجل فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال! ما نعلم ركبا أحمق منكم أو كما قالوا. فقالوا: سلام(1\/263)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "47",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15503",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليكم لا نجادلكم لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه لم نأل من أنفسنا خيرا. ويقال: إن النفر من النصارى من أهل نجران ويقال: فيهم نزلت: الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إلى قوله سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين. وقال الزهري: ما زلت أسمع من علمائنا أنهن نزلت في النجاشي وأصحابه. قال ابن إسحاق: ووفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران بالمدينة فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: لما قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلوا عليه مسجده بعد العصر فحانت صلاتهم فقاموا يصلون في مسجده فأراد الناس منعهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوهم فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم وكانوا ستين راكبا منهم أربعة وعشرون رجلا من أشرافهم منهم ثلاثة نفر إليهم يئول أمرهم: العاقب أمير القوم وذو رأيهم وصاحب مشورتهم والذي لا يصدرون إلا عن رأيه وأمره واسمه عبد المسيح والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم ومجمعهم. وأبو حارثة بن علقمة أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدراسهم وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ودرس كتبهم وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وأخدموه وبنوا له(1\/264)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "48",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15504",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الكنائس وبسطوا عليه الكرامات لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم. فلما وجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نجران جلس أبو حارثة على بغلة موجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى جنبه أخ يقال له: كرز بن علقمة يسايره إذ عثرت بغلة أبي حارثة فقال له كرز: تعس الأبعد يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست. فقال: ولم يا أخي فقال: والله إنه للنبي الذي كنا ننتظره فقال له كرز: فما يمنعك من اتباعه وأنت تعلم هذا فقال: ما صنع بنا هؤلاء القوم شرفونا ومولونا وأكرمونا وقد أبوا إلا خلافه ولو فعلت نزعوا منا ذلك فأصر عليه أخوه كرز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك. فهذا وأمثاله من الذين منعتهم الرئاسة والمأكلة من اختيار الهدى وآثروا دين قومهم. وإذا كان هذا حال الرؤساء المتبوعين الذين هم علماؤهم وأحبارهم كان بقيتهم تبعا لهم. وليس بمستنكر أن تمنع الرئاسة والمناصب والمأكل للرؤساء ويمنع الأتباع تقليدهم بل هذا هو الواقع والعقل لا يستشكله.  (فصل) : وكان من رؤساء النصارى الذين دخلوا في الإسلام لما تبين لهم أنه الحق الرئيس المطاع في قومه عدي بن حاتم الطائي.(1\/265)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "49",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15505",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونحن نذكر قصته كما رواها الإمام أحمد والترمذي والحاكم وغيرهم. قال عدي بن حاتم: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد فقال القوم: هذا عدي بن حاتم - وجئت بغير أمان ولا كتاب - فلما دفعت إليه أخذ بيدي وقد كان قبل ذلك قال: إني لأرجو أن يجعل الله يده في يدي قال: فقام فلقيته امرأة وصبي معها فقالا: إن لنا إليك حاجة فقام معهما حتى قضى حاجتها ثم أخذ بيدي حتى أتى بي داره فألقت له الوليدة وسادة فجلس عليها وجلست بين يديه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما يضرك أن تقول لا إله إلا الله فهل تعلم من إله سوى الله قال: قلت: لا ثم تكلم ساعة ثم قال: ما تضر أن يقال: الله أكبر وهل تعلم أن شيئا أكبر من الله قال: قلت لا. قال: فإن اليهود مغضوب عليهم وإن النصارى ضلال. قال: فقلت: فإني حنيف مسلم قال: فرأيت وجهه ينبسط فرحا قال: ثم أمر بي فأنزلت عند رجل من الأنصار وجعلت أغشاه أي آتيه طرفي النهار قال: فبينا أنا عنده عشية إذ جاءه قوم في ثياب من الصوف من هذه النمار. قال: فصلى وقام فحث عليهم. ثم قال: ولو بصاع ولو بنصف صاع ولو بقبضة ولو بنصف قبضة يقي أحدكم وجهه حر جهنم أو النار ولو بتمرة ولو بشق تمرة فإن أحدكم لاقي الله وقائل له ما أقول لكم:(1\/266)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "50",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15506",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ألم أجعل لك سمعا وبصرا فيقول: بلى يا رب فيقول: ألم أجعل لك مالا وولدا فيقول: بلى فيقول: أين ما قدمت لنفسك! فينظر قدامه وبعده وعن يمينه وعن شماله ثم لا يجد شيئا يقي وجهه ليق أحدكم وجهه النار ولو بشق تمرة فإن لم يجد فبكلمة طيبة فإني لا أخاف عليكم الفاقة فإن الله ناصركم ومعطيكم حتى تسير الظعينة فيما بين يثرب والحيرة أكثر ما يخاف على مطيتها السرق. قال: فجعلت أقول في نفسي فأين لصوص طي. وكان عدي مطاعا في قومه بحيث يأخذ المرباع من غنائمهم. وقال حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين قال: قال أبو عبيدة بن حذيفة: قال عدي بن حاتم: بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فكرهته أشد ما كرهت شيئا قط فخرجت حتى أتيت أقصى أرض العرب مما يلي الروم ثم كرهت مكاني أشد مما كرهت مكاني الأول فقلت: لو أتيت فسمعت منه فأتيت المدينة فانتشر في الناس وقالوا: جاء(1\/267)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "51",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15507",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عدي بن حاتم الطائي! فقال: يا عدي أسلم تسلم فقلت: إني على دين قال: أنا أعلم بدينك منك قلت: أنت أعلم بديني مني قال: نعم قال هذا ثلاثا قال: ألست ركوسيا قلت: بلى قال: ألست ترأس قومك قلت: بلى قال: ألست تأخذ المرباع قلت بلى قال: فإن ذلك لا يحل لك في دينك قال: فوجدت بها علي غضاضة ثم قال: لعله أن يمنعك أن تسلم أن ترى عندنا خصاصة وترى الناس علينا ألبا واحدا هل رأيت الحيرة قلت: لم أرها وقد علمت مكانها قال: فإن الظعينة سترحل من الحيرة تطوف بالبيت بغير جوار ولتفتحن علينا كنوز كسرى بن هرمز قلت: كسرى بن هرمز قال: كنوز كسرى بن هرمز وليفيض المال حتى يهم الرجل من يقبل منه صدقته قال: فرأيت الظعينة ترحل من الحيرة بغير جوار وكنت في أول خيل أغارت على المدائن ووالله لتكونن الثالثة. إنه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد كان سلمان الفارسي من أعلم النصارى بدينهم وكان قد تيقن خروج(1\/268)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "52",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15508",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "النبي صلى الله عليه وسلم فقدم المدينة قبل مبعثه فلما رآه عرف أنه هو النبي الذي بشر به المسيح فآمن به واتبعه ونحن نسوق قصته. قال ابن إسحاق: حدثني عاصم عن محمود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حدثني سلمان من فيه قال: كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان من قرية يقال لها: (حي) . وكان أبي دهقان قريته وكنت أحب خلق الله إليه لم يزل حبه إياي حتى حبسني في بيت كما يحبس الجارية فاجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار التي توقدها لا نتركها ساعة تخبو وكانت لأبي ضيعة عظيمة فشغل في بنيان له يوما. فقال: يا بني إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي فاذهب إليها فاطلعها وأمرني فيها ببعض ما يريد ثم قال لي: ولا تحتبس عني فإنك إن احتبست عني كنت أهم إلي من ضيعتي وشغلتني عن كل شيء من أمري فخرجت أريد ضيعته التي بعثني إليها فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم فقلت: هذا والله خير من الذي نحن عليه فوالله ما برحت حتى غربت الشمس وتركت ضيعة أبي فلم آتها ثم قلت لهم: أين أصل هذا الدين قالوا:(1\/269)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "53",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15509",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بالشام فرجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغله عن عمله كله فلما جئت قال: يا بني أين كنت ألم أكن عهدت إليك ما عهدت قلت: يا أبت مررت بأناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس فقال: أي بني! ليس في ذلك الدين خير دينك ودين آبائك خير منه فقلت له: كلا والله إنه لخير من ديننا قال: فخافني فجعل في رجلي قيدا ثم حبسني في بيته وبعثت إلى النصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني بهم فقدم عليهم تجار من النصارى فأخبروني فقلت لهم: إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنوني بهم قال: فلما أرادوا الرجعة أخبروني بهم فألقيت الحديد من رجلي ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام. فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين علما قالوا: أسقف الكنيسة فجئته فقلت له: إني قد رغبت في هذا الدين وأحببت أن أكون معك فأخدمك في كنيستك وأتعلم منك وأصلي معك قال: ادخل فدخلت معه فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها فإذا جمعوا له شيئا منها اكتنزه لنفسه ولم يعط المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق فأبغضته بغضا شديدا(1\/270)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "54",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15510",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لما رأيته يصنع ثم مات واجتمعت النصارى ليدفنوه فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئا فقالوا لي: وما علمك بذلك قلت: أنا أدلكم على كنزه فأريتهم موضعه فاستخرجوا سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدا فصلبوه ورموه بالحجارة وجاءوا برجل آخر فجعلوه مكانه فما رأيت رجلا لا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه ولا أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب ليلا ونهارا منه فأحببته حبا شديدا لم أحبه شيئا قبله فأقمت معه زمانا ثم حضرته الوفاة فقلت له: يا فلان إني قد كنت معك فأحببتك حبا شديدا لم أحبه شيئا قبلك وقد حضرك من أمر الله ما ترى فإلى من توصي بي وبمن تأمرني فقال: أي بني والله ما أعلم أحدا على ما كنت عليه ولقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلا بالموصل وهو فلان وهو على ما كنت عليه. فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل فقلت له: يا فلان إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك وأخبرني أنك على أمره فقال: أقم عندي فأقمت عنده فرأيته خير رجل على أمر صاحبه فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان إن فلانا أوصى بي إليك وأمرني باللحوق بك وقد حضرك من أمر الله ما ترى فإلى من توصي بي وبم تأمرني قال: يا بني والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين وهو فلان فالحق به.(1\/271)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "55",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15511",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فأخبرته خبري وما أمرني به صاحبي فقال: أقم عندي فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبه فأقمت مع خير رجل فوالله ما لبث أن نزل به الموت فلما أحضر قلت له: يا فلان إن فلانا أوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك فإلى من توصي بي فقال لي: يا بني ما أعلم بقي أحد على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلا بعمورية من أرض الروم فإنه على مثل ما نحن فيه فإن أحببت فأته. فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية فأخبرته خبري فقال: أقم عندي فأقمت عند خير رجل على هدى أصحابه وأمرهم فاكتسبت حتى كانت لي بقرات وأعنز ثم نزل به أمر الله فلما أحضر قلت له: يا فلان إني كنت مع فلان فأوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك فإلى من توصي بي وبم تأمرني قال: يا بني والله ما أعلمه أصبح أحد على مثل ما كنا عليه من آمرك أن تأتيه. ولكنه قد أظل زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجره إلى أرض بين حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفى: يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم النبوة فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل.(1\/272)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "56",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15512",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم مات وغيب فمكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث ثم مر بي نفر من كلب تجار فقلت لهم: احملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه فقالوا: نعم فأعطيتموها فحملوني معهم حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني وباعوني من رجل يهودي فكنت عنده فرأيت النخل فرجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي ولم يحق في نفسي فبينا أنا عنده إذ قدم عليه ابن عم له من بني قريظة من المدينة فابتاعني منه فحملني إلى المدينة فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي فأقمت بها وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق. ثم هاجر إلى المدينة فوالله إني لفي رأس عذق لسيدي أعمل فيه بعض العمل وسيدي جالس تحتي إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال له: يا فلان قاتل الله بني قيلة والله إنهم الآن مجتمعون على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي. فلما سمعتهما أخذتني عرواء حتى ظننت أني ساقط على سيدي فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ذلك: ما تقول فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة ثم قال: ما لك ولهذا أقبل على عملك! فقلت: لا شيء إنما أردت أن أستثبته عما قال وقد كان عندي شيء جمعته فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء فدخلت عليه فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء(1\/273)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "57",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15513",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذوو حاجة وهذا شيء كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم فقربته إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: كلوا. وأمسك هو فلم يأكل فقلت في نفسي: هذه واحدة ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثم جئته به فقلت: إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه فأكلوا معه فقلت في نفسي: هاتان ثنتان ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد قد تبع جنازة رجل من أصحابه وعلي شملتان لي وهو جالس في أصحابه فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدبرته عرف أني أستثبت في شيء وصف لي فألقى الرداء عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فأكببت عليه أقبله وأبكي فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: تحول. فتحولت فجلست بين يديه فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمع ذلك أصحابه. ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد قال سلمان: ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: كاتب يا سلمان فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير وأربعين أوقية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعينوا أخاكم فأعانوني بالنخل: الرجل بثلاثين ودية والرجل بعشرين ودية والرجل بخمسة عشر والرجل بعشر يعينني الرجل بقدر ما عنده حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب يا سلمان فافقر لها فإذا فرغت فائتني أكن أنا أضعها بيدي ففقرت فأعانني أصحابي حتى إذا فرغت جئته فأخبرته فخرج معي إليها فجعلت أقرب إليه الودي ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده حتى فرغت فوالذي نفس سلمان بيده ما مات منها ودية واحدة فأديت النخل وبقي علي المال فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدجاج من ذهب من(1\/274)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "58",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15514",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بعض المعادن فقال: ما فعل الفارسي المكاتب فدعيت له فقال: خذ هذه فأدها مما عليك يا سلمان فقلت: وأين تقع مما علي يا رسول الله قال: خذها فإن الله سيؤدي بها ما عليك فأخذتها فوزنت منها لهم فوالله الذي نفسي بيده أربعين أوقية وأوفيتهم حقهم فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق ثم لم يفتني معه مشهد. وكان ملك الشام وأحد أكابر علمائهم بالنصرانية (هرقل) قد عرف أنه رسول الله حقا وعزم على الإسلام فأبى عليه عباد الصليب فخافهم على نفسه وضن بملكه - مع علمه - بأنه سينقل عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته ونحن نسوق قصته. ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس أن أبا سفيان أخبره من فيه قال: انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فبينا أنا في الشام إذ جيء بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل وقد كان دحية بن خليفة جاء به فدفعه إلى عظيم بصرى فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل فقال هرقل: هاهنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي قالوا: نعم قال: فدعيت في نفر من قريش فدخلنا على هرقل فأجلسنا بين يديه وأجلسوا أصحابي خلفي فدعا بترجمانه فقال: قل لهم: إني سائل هذا عن الرجل الذي يزعم أنه نبي فإن كذبني فكذبوه. فقال أبو سفيان: وايم الله لولا مخافة أن يؤثر علي الكذب لكذبت. ثم قال لترجمانه: سله كيف حسبه فيكم قال:(1\/275)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "59",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15515",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت: ذو حسب قال: فهل كان من آبائه من ملك قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال قلت: لا قال: فمن اتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم قلت: بل ضعفاؤهم قال: أيزيدون أم ينقصون قلت: لا بل يزيدون قال: فهل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له قلت: لا قال: فهل قاتلتموه قلت: نعم قال: فكيف قتالكم إياه قال: قلت يكون الحرب بيننا وبينه سجالا يصيب منا ونصيب منه قال: فهل يغدر قلت: لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها. قال: فوالله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه قال: فهل قال هذا القول أحد قبله قلت لا. قال لترجمانه: قل له: إني سألتك عن حسبه فزعمت أنه فيكم ذو حسب وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها وسألتك هل كان في آبائه ملك فزعمت أنه لا فقلت لو كان في آبائه ملك لقلت يطلب ملك آبائه وسألتك عن أتباعه أضعفاؤهم أم أشرافهم فقلت: بل ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل فسألتك هل كنتم متهمونه بالكذب قبل أن يقول ما يقول فزعمت أن لا فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب ويكذب على الله وسألتك هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن دخله سخطة له فزعمت أن لا وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب وسألتك هل يزيدون أم ينقصون فزعمت أنهم يزيدون وكذلك الإيمان حتى يتم وسألتك هل قاتلتموه فزعمت أنكم قاتلتموه فيكون الحرب بينكم وبينه سجالا ينال منكم وتنالون منه وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة وسألتك هل يغدر فزعمت أنه لا يغدر وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك هل قال هذا القول أحد قبله فزعمت أن لا فقلت لو قال هذا القول أحد من قبله قلت رجل ائتم بقول قيل قبله ثم قال: فيم يأمركم قلت: يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف قال: إن يكن ما تقوله حقا إنه نبي وقد كنت أعلم أنه خارج ولكن لم أكن أظنه منكم لو أعلم أني أخلص(1\/276)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "60",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15516",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليه لأحببت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه وليبلغن ملكه ما تحت قدمي ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم أسلم يؤتك الله أجرك مرتين وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين وقل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون.(1\/277)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "61",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15517",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده وكثر اللغط وأمر بنا فخرجنا ثم أذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص ثم أمر بأبوابها فغلقت ثم طلع فقال: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الإيمان قال: ردوهم علي فقال: إني قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت فسجدوا له ورضوا عنه. فهذا ملك الروم - وكان من علمائهم أيضا - عرف وأقر أنه نبي وأنه سيملك ما تحت قدميه وأحب الدخول في الإسلام فدعا قومه إليه فولوا عنه معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة فمنعه من الإسلام الخوف على ملكه ورئاسته ومنعه أشباه الحمير مما منع الأمم قبلهم. ولما عرف النجاشي ملك الحبشة أن عباد الصليب لا يخرجون عن عبادة الصليب إلى عبادة الله وحده أسلم وحده سرا وكان يكتم إسلامه بينهم هو وأهل بيته ولا يمكنه مجاهرتهم. ذكر ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إليه عمرو بن أمية الضمري بكتابه(1\/278)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "62",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15518",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يدعوه إلى الإسلام فقال له عمرو: يا أصحمة أنا علي القول وعليك الاستماع: إنك كأنك في الرقة علينا منا وكأنا في الثقة بك منك لأنا لم نظن بك خيرا قط إلا نلناه ولم نخفك على شيء إلا أمناه وقد أخذنا الحجة عليك من فيك الإنجيل بيننا وبينك شاهد لا يرد وقاض لا يجور وفي ذلك موقع الحز وإصابة الفصل وإلا فأنت في هذا النبي الأمي كاليهود في عيسى ابن مريم وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم رسله إلى الناس فرجاك بما لم يرجهم وأمنك على ما خافهم عليك لخير سالف وأجر منتظر. فقال النجاشي: أشهد بالله إنه للنبي الأمي الذي ينتظره أهل الكتاب وإن بشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل (وإن العيان ليس بأشفى من الخبر) قال الواقدي: وكتب إليه quot; بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة (سلم) أنت فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن وأشهد أن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة حملت بعيسى فخلقه الله من روحه ونفخه كما خلق آدم(1\/279)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "63",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15519",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بيده وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني فإني رسول الله إليك (وإني) أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي والسلام على من اتبع الهدى. فكتب إليه النجاشي: بسم الله الرحمن الرحيم. إلى محمد رسول الله من النجاشي أصحمة سلام عليك يا نبي الله من الله وبركات الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فلقد بلغني كتابك فيما ذكرت من أمر عيسى عليه السلام فورب السماء والأرض إن عيسى لا يزيد على ما ذكرت تفروقا إنه كما ذكرت وقد عرفنا ما بعث به إلينا قد قربنا ابن عمك وأصحابه فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين quot;. والتفروق علامة تكون بين النواة والثمرة.  (فصل) : وكذلك ملك دين النصرانية بمصر عرف أنه نبي صادق ولكن منعه من اتباعه ملكه وأن عباد الصليب لا يتركون عبادة الصليب. ونحن نسوق حديثه وقصته قال الواقدي: كتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم:(1\/280)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "64",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15520",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله إلى المقوقس عظيم القبط سلام على من اتبع الهدى أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم القبط. ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون وختم الكتاب. فخرج به حاطب حتى قدم عليه الإسكندرية فانتهى إلى حاجبه فلم يلبث أن أوصل إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال حاطب للمقوقس لما لقيه: إنه قد كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى فانتقم به ثم انتقم منه فاعتبر بغيرك ولا يعتبر بك غيرك. قال: هات قال: إن لنا دينا لم ندعه إلا لما(1\/281)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "65",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15521",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هو خير منه وهو الإسلام الكافي به الله فقد ما سواه إن هذا النبي دعا الناس فكان أشدهم عليه إنكارا قريش وأعداهم له اليهود وأقربهم منه النصارى ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد. وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل وكل نبي أدرك قوما فهم من أمته فالحق عليهم أن يطيعوه وأنت ممن أدرك هذا النبي ولسنا ننهاك عن دين المسيح ولكنا نأمرك به. فقال المقوقس: إني قد نظرت في أمر هذا النبي فرأيته لا يأمر بمزهود فيه ولا ينهى عن مرغوب عنه ولم أجده بالساحر الضال ولا الكاهن الكاذب ووجدت معه آلة النبوة من إخراج الخبء والإخبار بالنجوى ووصف لحاطب أشياء من صفة النبي صلى الله عليه وسلم. وقال: القبط لا يطاوعوني في اتباعه ولا أحب أن تعلم بمحاورتي إياك وأنا أضن بملكي أن أفارقه وسيظهر على البلاد وينزل بساحتنا هذه أصحابه من بعده فارجع إلى صاحبك. وأخذ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فجعله في حق من عاج وختم عليه ودفعه إلى جاريته ثم دعا كاتبا له يكتب بالعربية فكتب: (بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط سلام عليك أما بعد: فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه وقد علمت أن نبيا بقي وكنت أظن أنه يخرج بالشام وقد أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم(1\/282)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "66",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15522",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبكسوة وأهديت إليك بغلة لتركبها والسلام عليك) ولم يرده إلا مكرما والجاريتان: مارية وسيرين والبغلة: دلول وبقيت إلى زمن معاوية. قال حاطب: فذكرت قوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ضن الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه.  (فصل) : وكذلك ابنا الجلندي ملكا عمان وما حولها من ملوك النصارى أسلما طوعا واختيارا ونحن نذكر قصتهما وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهما وهذا لفظه: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد بن عبد الله إلى جيفر وعبد ابني الجلندي. سلام على من اتبع الهدى أما بعد: فإني أدعوكما بدعاية الإسلام أسلما تسلما فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين وإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل وخيلي تحل بساحتكما(1\/283)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "67",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15523",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتظهر نبوتي على ملككما وختم الكتاب وبعث مع عمرو بن العاص. قال عمرو: فخرجت حتى انتهيت إلى عمان فلما قدمتها انتهيت إلى عبد فكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقا قلت: إني رسول رسول الله إليك وإلى أخيك فقال: أخي المقدم علي بالسن والملك وأنا أوصلك إليه حتى يقرأ كتابك ثم قال لي: وما تدعو إليه قلت: أدعوك إلى الله وحده لا شريك له وتخلع ما عبد من دونه وتشهد أن محمدا عبده ورسوله قال: يا عمرو إنك سيد قومك فكيف صنع أبوك فإن لنا فيه قدوة قلت: مات ولم يؤمن بمحمد وودت أنه كان أسلم وصدق به وكنت أنا على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام. قال: فمتى تبعته قلت: قريبا فسألني أين كان إسلامي فقلت: عند النجاشي وأخبرته أن النجاشي أسلم فقال: كيف صنع قومه بملكه قلت: أقروه. قال: والأساقفة والرهبان قلت: نعم. قال: انظر يا عمرو ما تقول إنه ليس خصلة في رجل أفضح له من كذب قلت: ما كذبت وما نستحله في ديننا ثم قال: ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي. قلت: قد علم. قال: بأي شيء علمت قلت: كان النجاشي يخرج له خرجا فلما أسلم وصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم قال: لا والله لو سألني درهما واحدا ما أعطيته فبلغ هرقل قوله فقال له أخوه بناق: أتدع عندك لا يخرج لك خرجا ويدين دينا محدثا قال هرقل: رجل رغب في دين واختاره لنفسه ما أصنع به والله لولا(1\/284)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "68",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15524",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الضن بملكي لصنعت كما صنع! قال: بما تقول يا عمرو قلت: والله لقد صدقتك. قال: فأخبرني ما الذي يأمر به وينهى عنه قلت: يأمر بطاعة الله عز وجل وينهى عن معصيته ويأمر بالبر وصلة الرحم وينهى عن الظلم والعدوان وعن الزنا وشرب الخمر وعن عبادة الحجر والوثن والصليب. فقال: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه لو كان أخي يتابعني لركبنا حتى نؤمن بمحمد ونصدق به ولكن أخي أضن بملكه من أن يدعه ويصير دينا. قلت: إنه إن أسلم ملكه رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه فأخذ الصدقة من غنيهم فردها على فقيرهم. قال: إن هذا لخلق حسن وما الصدقة فأخبرته بما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصدقات في الأموال حتى انتهيت إلى الإبل. فقال: يا عمرو ويؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى الشجر وترد المياه فقلت: نعم فقال: والله ما أرى قومي في بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون بهذا. قال: فمكثت ببابه أياما وهو يصل إلى أخيه فيخبره كل خبري ثم إنه دعاني يوما فدخلت عليه فأخذ أعوانه بضبعي فقال: دعوه فأرسلت فذهبت لأجلس فأبوا أن يدعوني أجلس فنظرت إليه فقال: تكلم بحاجتك فدفعت إليه الكتاب مختوما ففض خاتمه فقرأه حتى انتهى إلى آخره ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثل قراءته إلا أني رأيت أخاه أرق منه ثم قال: ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت فقلت: تبعوه إما راغب في الإسلام وإما مقهور بالسيف. فقال: ومن معه قلت: الناس قد رغبوا في الإسلام واختاروه على غيره وعرفوه بعقولهم مع هدى الله إياهم إنهم كانوا في ضلال فما أعلم أحدا بقي غيرك في هذه الحرجة وإن أنت لم تسلم اليوم وتتبعه توطئك الخيل وتبد خضراءك فأسلم تسلم ويستعملك على(1\/285)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "69",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15525",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قومك ولا تدخل عليك الخيل والرجال قال: دعني يومي هذا وارجع إلي غدا فرجعت إلى أخيه فقال: يا عمرو إني لأرجو أن يسلم إن لم يضن بملكه حتى إذا كان الغد أتيت إليه فأبى أن يأذن لي فانصرفت إلى أخيه فأخبرته أني لم أصل إليه فأوصلني إليه فقال: إني فكرت فيما دعوتني إليه فإذا أنا ضعيف العرب إن ملكت رجلا ما في يدي وهو لا تبلغ خيله هاهنا وإن بلغت خيله ألفت رجالا وقتالا ليس كمن لاقى في القتال قلت: وأنا خارج غدا فلما أيقن بمخرجي خلا به أخوه فقال: ما نحن فيما قد ظهر عليه وكل من أرسل إليه قد أجابه. فأصبح فأرسل إلي فأجاب بالإسلام هو وأخوه جميعا وصدقا النبي صلى الله عليه وسلم وخليا بيني وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم وكانا لي عونا على من خالفني.  (فصل) : وكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة: بسم الله الرحمن الرحيم.(1\/286)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "70",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15526",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي. سلام على من اتبع الهدى. واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر فأسلم تسلم وأجعل لك ما تحت يدك. وكان عنده أركون دمشق - عظيم من عظماء النصارى - فسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: قد جاءني كتابه يدعوني إلى الإسلام. فقال الأركون: لم لا تجيبه فقال: ضننت بديني وأنا ملك قومي إن اتبعته لم أتملك قال: بلى والله لئن اتبعته ليملكنك وإن الخيرة لك في اتباعه والله إنه للنبي العربي الذي بشر به عيسى ابن مريم وإنه لمكتوب عندنا في الإنجيل.  (فصل) : وذكر الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث شجاع بن وهب إلى الحارث بن(1\/287)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "71",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15527",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبي شمر وهو بغوطة دمشق فكتب إليه بمرجعه من الحديبية. بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر. سلام على من اتبع الهدى وآمن به وصدق. فإني أدعوك أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى لك ملكك وختم الكتاب. فخرج به شجاع بن وهب قال: فانتهيت إلى حاجبه فأخذه يومئذ وهو مشغول بتهيئة الإنزال والألطاف لقيصر وهو جاء من حمص إلى إيلياء حيث كشف الله عنه جنود فارس شكرا لله عز وجل قال: فأقمت على بابه يومين أو ثلاثا فقلت لحاجبه: إني رسول رسول الله إليه فقال حاجبه - وكان روميا اسمه مري -: لا تصل إليه حتى يخرج يوم كذا وكذا وجعل صاحبه يسألني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدعو إليه فكنت أحدثه فيرق حتى يغلبه البكاء ويقول: إني قرأت في الإنجيل وأجد صفة هذا النبي بعينه فكنت أراه يخرج من الشام فأراه قد خرج بأرض القرظ فأنا أؤمن به وأصدقه وأنا أخاف من الحارث بن أبي شمر أن يقتلني.(1\/288)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "72",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15528",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال شجاع: فكان هذا الحاجب يكرمني ويحسن ضيافتي ويخبرني عن الحارث ما بالناس منه ويقول: هو يخاف قيصر قال: فخرج الحارث يوما وجلس فوضع التاج على رأسه فأذن لي عليه فدفعت إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه وقال: من ينتزع مني ملكي! أنا سائر إليه ولو كان باليمن جئته علي بالناس فلم يزل جالسا يعرض حتى الليل وأمر بالخيل أن تنعل ثم قال: أخبر صاحبك ما ترى وكتب إلى قيصر يخبره بخبري فصادف قيصر بإيليا وعنده دحية الكلبي قد بعثه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قرأ قيصر كتاب الحارث كتب إليه أن لا تسر إليه واله عنه ووافني بإيليا. قال: ورجع الكتاب وأنا مقيم فدعاني وقال: متى تريد أن تخرج إلى صاحبك قلت: غدا فأمر لي بمائة مثقال ذهبا ووصلني (مري) بنفقة وكسوة وقال: اقرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام وأخبره أني متبع دينه. قال شجاع: فقدمت على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: باد ملكه وأقرأته من مري السلام وأخبرته بما قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق.  (فصل) : ونحن إنما ذكرنا بعض ملوك الطوائف الذي آمنوا به وأكابر علمائهم وعظمائهم ولا يمكننا حصر من عداهم وهم جمهور أهل الأرض ولم يتخلف عن متابعته إلا الأقلون وهم: إما مسالم له قد رضي بالذلة والجزية والهوان وإما خائف منه. فأهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلمون له ومسالمون له وخائفون منه.(1\/289)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "73",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15529",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولو لم يسلم من اليهود في زمنه إلا سيدهم على الإطلاق وابن سيدهم وعالمهم وابن عالمهم باعترافهم له بذلك وشهادتهم وهو عبد الله بن سلام لكان في مقابلة كل يهودي على وجه الأرض فكيف وقد تابعه على الإسلام من الأحبار والرهبان من لا يحصي عددهم إلا الله. إسلام عبد الله بن سلام سيد اليهود ونحن نذكر قصة عبد الله بن سلام. فروى البخاري في صحيحه من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك رضي الله عنهم قال أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فقيل: جاء نبي الله فاستشرفوا ينظرون إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يخترف لهم منه فعجل أن يضع الذي يخترف لهم فيها فجاء وهي معه فسمع من نبي الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى أهله فلما خلا نبي الله صلى الله عليه وسلم جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك نبي الله حقا وأنك جئت بالحق ولقد علمت اليهود أني سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم فادعهم واسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا في ما ليس في. فأرسل نبي الله صلى الله عليه وسلم إليهم فدخلوا عليه فقال لهم نبي الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر اليهود ويلكم! اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول حقا وأني جئتكم بحق أسلموا.(1\/290)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "74",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15530",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقالوا: ما نعلمه فأعادها عليهم ثلاثا وهم يجيبونه كذلك. قال: أي رجل فيكم عبد الله بن سلام قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا قال: أفرأيتم إن أسلم قالوا: حاش لله ما كان أن يسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا ابن سلام اخرج إليهم فخرج عليهم فقال: يا معشر اليهود ويلكم! اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقا وأنه جاء بالحق فقالوا كذبت فأخرجهم النبي صلى الله عليه وسلم. وفي صحيح البخاري أيضا من حديث حميد عن أنس قال: سمع عبد الله بن سلام بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أرض له فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط الساعة وما أول طعام أهل الجنة وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه قال: أخبرني بهن جبريل آنفا (قال: جبريل) قال: نعم قال: ذلك عدو اليهود من الملائكة قال: ثم قرأ هذه الآية: من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ثم قال: أما أول أشراط الساعة فنار تخرج على الناس من المشرق إلى المغرب وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت فقال: أشهد أن لا إله إلا الله(1\/291)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "75",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15531",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأشهد أنك رسول الله إن اليهود قوم بهت وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني. فجاءت اليهود إليه فقال: أي رجل فيكم عبد الله بن سلام قالوا: خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام قالوا: أعاذه الله من ذلك فخرج عبد الله بن سلام فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. قالوا: شرنا وابن شرنا. وانتقصوه قال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله. وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر عن يحيى بن عبد الله عن رجل من آل عبد الله بن سلام قال: كان من حديث عبد الله بن سلام حين أسلم وكان حبرا عالما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفت صفته واسمه وهيأته والذي كنا نتوكف له فكنت مسرا لذلك صامتا عليه حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلما قدم نزل معنا في بني عمرو بن عوف فأقبل رجل حتى أخبر بقدومه وأنا في رأس نخل لي أعمل فيها وعمتي خالدة بنت الحارث تحتي جالسة فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم كبرت فقالت لي عمتي حين سمعت تكبيري: لو كنت سمعت بموسى بن عمران ما زاد. يعني إن فعلت. قال قلت لها: يا عمتي هو والله أخو موسى بن عمران وعلى دينه بعث بما بعث به فقالت: يا ابن أخي أهو النبي الذي كنا نبشر به أنه يبعث مع نفس الساعة قال: قلت لها: نعم قالت: فذاك إذا.(1\/292)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "76",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15532",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: ثم خرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت ثم رجعت إلى أهل بيتي فأمرتهم فأسلموا وكتمت إسلامي من اليهود ثم جئت رسول الله فقلت: إن اليهود قوم بهت وإني أحب أن تدخلني في بعض بيوتك تغيبني عنهم ثم تسألهم عني كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا بإسلامي فإنهم إن علموا بإسلامي بهتوني وعابوني. قال: فأدخلني بعض بيوته فدخلوا عليه وكلموه وسألوه فقال لهم: وأي رجل عبد الله بن سلام قالوا: سيدنا وابن سيدنا وحبرنا وعالمنا قال: فلما فرغوا من قولهم خرجت عليهم فقلت لهم: يا معشر اليهود! اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به فوالله إنكم تعلمون أنه رسول الله تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة اسمه وصفته فإني أشهد أنه رسول الله وأؤمن به وأصدقه وأعرفه. قالوا: كذبت ثم وقعوا في فقلت: يا رسول الله ألم أخبرك أنهم قوم بهت أهل غدر وكذب وفجور! قال: فأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي وأسلمت عمتي ابنة الحارث فحسن إسلامها. وفي مسند الإمام أحمد وغيره عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وانجفل الناس قبله فقالوا: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فجئت في الناس لأنظر إلى وجهه فلما(1\/293)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "77",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15533",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب فكان أول شيء سمعته منه أن قال: أيها الناس أطعموا الطعام وأفشوا السلام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام - تدخلوا الجنة بسلام. فعلماء القوم وأحبارهم كلهم كانوا كما قال الله تعالى: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فمنهم من آثر الله ورسوله والدار الآخرة ومنهم من آثر الدنيا وأطاع داعي الحسد والكبر. وفي مغازي موسى بن عقبة عن الزهري قال: كان بالمدينة مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أوثان يعبدها رجال من أهل المدينة لا يتركونها فأقبل عليهم قومهم وعلى تلك الأوثان فهدموها وعمد أبو ياسر بن أخطب أخو حيي بن أخطب وهو أبو صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم فجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسمع منه وحادثه ثم رجع إلى قومه وذلك قبل أن تصرف القبلة نحو المسجد الحرام فقال أبو ياسر: يا قوم أطيعوني فإن الله عز وجل قد جاءكم بالذي كنتم تنتظرونه فاتبعوه ولا تخالفوه. فانطلق أخوه حيي حين سمع ذلك - وهو سيد اليهود يومئذ - وهما من بني النضير فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فجلس إليه وسمع منه فرجع إلى قومه وكان فيهم مطاعا فقال: أتيت من عند رجل والله لا أزال له عدوا أبدا فقال له أخوه أبو ياسر: يا ابن أم أطعني في هذا الأمر ثم اعصني فيما(1\/294)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "78",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15534",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شئت بعده لا تهلك قال: لا والله لا أطيعك واستحوذ عليه الشيطان فاتبعه قومه على رأيه!. وذكر ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عمن حدثه عن صفية بنت حيي أنها قالت: لم يكن من ولد أبي وعمي أحد أحب إليهما مني لم ألقهما في ولد قط إلا أخذاني دونه فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قباء نزل في بني عمرو بن عوف فغدا إليه أبي وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين فوالله ما جاءا إلا مع مغيب الشمس فجاءا فاترين كسلين ساقطين يمشيان الهوينا فهششت إليهما كما كنت أصنع فوالله ما نظر إلي واحد منهما فسمعت عمي أبا ياسر يقول لأبي: أهو هو قال: نعم والله قال: تعرفه بنعته وصفته قال: نعم والله قال: فماذا في نفسك منه قال: عداوته والله ما بقيت. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس قال: لما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن سعية وأسد بن سعية وأسيد بن عبيد ومن أسلم من يهود فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام قال من كفر من اليهود: ما آمن بمحمد ولا اتبعه إلا شرارنا ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره فأنزل الله عز وجل في ذلك ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين.(1\/295)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "79",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15535",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[المسألة الثالثة] (فصل) : قال السائل: مشهور عندكم في الكتاب والسنة أن نبيكم كان مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل لكنهم محوه عنهما لسبب الرئاسة والمأكلة فالعقل يستشكل ذلك أفكلهم اتفقوا على محو اسمه من الكتب المنزلة من ربهم شرقا وغربا جنوبا وشمالا! هذا أمر يستشكله العقل أعظم من نفيهم بألسنتهم لأنه يمكن الرجوع عما قالوا بألسنتهم والرجوع عما محوا أبعد. والجواب: أن هذا السؤال مبني على فهم فاسد وهو أن المسلمين يعتقدون أن اسم النبي صلى الله عليه وسلم الصريح وهو محمد بالعربية مذكور في التوراة والإنجيل - وهما الكتابان المتضمنان الشريعتين - وأن المسلمين يعتقدون: أن اليهود والنصارى في جميع أقطار الأرض محوا ذلك الاسم وأسقطوه جملة واحدة من الكنائس وتواصوا بذلك بعدا وقربا وشرقا وغربا. وهذا لم يقله عالم من علماء المسلمين ولا أخبر الله سبحانه وتعالى به في كتابه عنهم ولا رسوله ولا بكتهم به يوما من الدهر ولا قاله أحد من الصحابة ولا الأئمة بعدهم ولا علماء التفسير ولا المعتنون بأخبار الأمم وتواريخهم. وإن قدر أنه قاله بعض عوام المسلمين يقصد به نصر الرسول فقد قيل: يضر الصديق الجاهل أكثر مما يضر العدو العاقل. وإنما أتي هؤلاء من قلة فهم القرآن وظنوا أن قوله تعالى: الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر(1\/296)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "80",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15536",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "دل على الاسم الخاص بالعربية في التوراة والإنجيل المخصوصين وإن ذلك لم يوجد ألبتة. فهذه ثلاث مقامات: الأول: أن الرب سبحانه إنما أخبر عن كون رسوله مكتوبا عندهم أي الإخبار عنه وصفته ومخرجه ونعته ولم يخبر بأن صريح الاسم العربي مذكور عندهم في التوراة والإنجيل وهذا واقع في الكتابين كما سنذكر ألفاظهما إن شاء الله وهذا أبلغ من ذكره بمجرد اسمه فإن الاشتراك قد يقع في الاسم فلا يحصل التعريف والتمييز ولا يشاء أحد يسمى بهذا الاسم أن يدعي أنه هو إلا فعل إذا الحوالة إنما وقعت على مجرد الاسم وهذا لا يحصل به بيان ولا تعريف ولا هدى بخلاف ذكره بنعته وصفته وعلاماته ودعوته وصفة أمته ووقت مخرجه ونحو ذلك فإن هذا يعينه ويميزه ويحصر نوعه في شخصه. وهذا القدر مذكور في التوراة والإنجيل وغيرها من النبوات التي بأيدي أهل الكتاب كما سنذكرها ويدل عليه وجوه: الوجه الأول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحرص الناس على تصديقه واتباعه وإقامة الحجة على من خالفه وجحد نبوته ولا سيما أهل العلم والكتاب فإن الاستدلال عليهم(1\/297)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "81",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15537",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بما يعلمون بطلانه قطعا لا يفعله عاقل وهو بمنزلة من يقول لرجل: علامة صدقي أنك فلان بن فلان وصفتك كيت وكيت وتعرف كيت وكيت ولم يكن الأمر كذلك بل بضده فهذا لا يصدر ممن له مسكة عقل ولا يصدقه أحد على ذلك ولا يتبعه أحد بل ينفر العقلاء كلهم عن تصديقه واتباعه والعادة تحيل سكوتهم عن الطعن عليه والرد والتهجين لقوله. ومن المعلوم بالضرورة أن محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وزاده شرفا وصلاة وسلاما نادى معلنا في هاتين الأمتين اللتين هما أعلم الأمم في الأرض قبل مبعثه بأن ذكره ونعته وصفته بعينه عندهم في كتبهم وهو يتلو عليهم ذلك ليلا ونهارا سرا وجهارا في كل مجمع وكل ناد يدعوهم لذلك - يعني إلى تصديقه والإيمان به - فمنهم من يصدقه ويؤمن به ويخبر بما في كتبهم من نعته وصفته وذكره كما سيمر بك إن شاء الله تعالى. وغاية المكذب الجاحد أن يقول: هذا الوصف حق ولكن لست أنت المراد به بل نبي آخر وهذا غاية ما يمكنه من المكابرة ولم تجز عنه هذه المكابرة إلا كشف عورته وإبداء الفضيحة بالكذب والبهتان فإن الصفات والنعوت والعلامات المذكورة عندهم منطبقة عليه حذو القذة بالقذة بحيث لا يشك من عرفها ورآه أنه هو(1\/298)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "82",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15538",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كما عرفه سلمان وكما عرفه هرقل بتلك العلامات المذكورة التي سأل عنها أبا سفيان وطابقت ما عنده فقال: إن يكن ما تقول حقا فإنه نبي وسيملك ما تحت قدمي هاتين. وكذلك من قدمنا ذكرهم من الأحبار والرهبان الذين عرفوه بنعته وصفته كما يعرفون أبناءهم. قال تعالى: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون وقال في موضع آخر: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون. ومعلوم أن هذه المعرفة إنما هي بالنعت والصفة المكتوبة عندهم التي هي منطبقة عليه كما قال بعض المؤمنين منهم: والله لأحدنا أعرف به من ابنه إن أحدنا ليخرج من عند امرأته وما يدري ما يحدث بعده. ولهذا أثنى الله سبحانه وتعالى على من عرف الحق منهم ولم يستكبر عن اتباعه فقال: لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم.(1\/299)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "83",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15539",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ابن عباس: لما حضر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي النجاشي وقرءوا القرآن سمع ذلك القسيسون والرهبان فانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق فقال الله تعالى: ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون. وقال سعيد بن جبير: بعث النجاشي من خيار أصحابه ثمانين رجلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليهم القرآن فبكوا ورقوا وقالوا: نعرف والله أنه الحق فأسلموا وذهبوا إلى النجاشي فأخبروه فأسلم فأنزل الله تعالى فيهم: وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول الآيات. وقال السدي: كانوا اثني عشر رجلا سبعة من القسيسين وخمسة من الرهبان فلما قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن بكوا وقالوا: ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين. قال ابن عباس: هم محمد وأمته وهم القوم الصالحون الذين طمعوا أن يدخلهم الله فيهم والمقصود أن هؤلاء عرفوا أنه رسول الله بالنعت الذي عندهم فلم يملكوا أعينهم من البكاء وقلوبهم من المبادرة إلى الإيمان ونظير هذا قوله سبحانه وتعالى: قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا. قال إمام أهل التفسير مجاهد: هم قوم من أهل الكتاب لما سمعوا القرآن خروا سجدا وقالوا: سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا. كان الله عز وجل(1\/300)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "84",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15540",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قد وعد على ألسنة أنبيائه ورسله أن يبعث في آخر الزمان نبيا عظيم الشأن يظهر دينه على الدين كله وتنتشر دعوته في أقطار الأرض وعلى رأس أمته تقوم الساعة. وأهل الكتاب مجمعون على أن الله وعدهم بهذا النبي فالسعداء منهم عرفوا الحق فآمنوا به واتبعوه والأشقياء قالوا: نحن ننتظره ولم يبعث بعد رسولا وأولئك لما سمعوا القرآن من الرسول عرفوه أنه الرسول الموعود فخروا سجدا لله إيمانا به وبرسوله وتصديقا بوعده الذي أنجزه فرأوه عيانا فقالوا: سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا. وذكر يونس بن بكير عن سلمة بن عبد يسوع عن أبيه عن جده قال يونس - وكان نصرانيا فأسلم -: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران: بسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران (سلم أنتم) إني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد فإن أبيتم فالجزية فإن(1\/301)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "85",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15541",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبيتم فقد آذنتكم بحرب والسلام. فلما أتى الأسقف الكتاب وقرأه قطع به وذعر منه ذعرا شديدا فبعث إلى رجل من أهل عمان يقال له: شرحبيل بن وداعة وكان من همذان ولم يكن أحد يدعى إلى معضلة قبله فدفع الأسقف كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شرحبيل فقرأه فقال الأسقف: ما رأيك يا أبا مريم فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة فما نأمن أن يكون هذا هو ذاك الرجل ليس لي في النبوة رأي لو كان أمرا من الدنيا أشرت عليك فيه برأي وجهدت لك. فقال: تنح فاجلس فتنحى فجلس ناحية. فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له: عبد الله بن شرحبيل وهو فتى من ذي أصبح من حمير فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فقال مثل قول شرحبيل فقال له الأسقف: نح فاجلس فجلس ناحية. فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له: جبار بن فيض من بني الحارث بن كعب فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه فقال مثل قول شرحبيل(1\/302)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "86",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15542",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعبد الله فأمره الأسقف فتنحى ناحية. فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعا أمر الأسقف بالناقوس فضرب به ورفعت المسوح بالصوامع وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار وإذا كان فزعهم بالليل ضرب بالناقوس ورفعت النيران في الصوامع فاجتمع أهل الوادي أعلاه وأسفله وطوله مسيرة يوم للراكب السريع وفيه ثلاث وسبعون قرية وعشرون ومائة ألف مقاتل فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألهم عن الرأي فيه فاجتمع رأي أهل الرأي أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمذاني وعبد الله بن شرحبيل وجبار بن فيض فيأتوا بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم ولبسوا حللا لهم يجرونها من حبرة وخواتيم الذهب ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه فلم يرد عليهم السلام وتصدوا لكلامه نهارا طويلا فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذهب فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وكانا معرفة لهم كانا يبعثان العير إلى نجران في الجاهلية فيشتري لهما من برها وثمرها فوجدوهما في ناس من المهاجرين والأنصار في مجلس فقالوا: يا عثمان ويا عبد الرحمن إن نبيكم كتب إلينا بكتاب فأقبلنا مجيبين له فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا فتصدينا لكلامه نهارا طويلا فأعيانا أن يكلمنا فما الرأي منكما أنعود أم نرجع إليه فقالا لعلي بن أبي طالب - وهو في القوم -: ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم(1\/303)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "87",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15543",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال علي رضي الله عنه لعثمان وعبد الرحمن رضي الله عنهما: أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودون إليه. ففعل وفد نجران ذلك ووضعوا حللهم وخواتيمهم ثم عادوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا فرد سلامهم ثم قال: والذي بعثني بالحق نبيا لقد أتوني في المرة الأولى وإن إبليس لمعهم ثم سألهم وسألوه فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى فإنا نحب أن نعلم ما تقول فيه فأنزل الله عز وجل: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين فأبوا أن يقروا بذلك فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما أخبرهم الخبر أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميل له وفاطمة تمشي عند ظهره إلى الملاعنة وله يومئذ عدة نسوة فقال شرحبيل لصاحبيه: يا عبد الله بن شرحبيل ويا جبار بن فيض قد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردوا ولم يصدروا إلا عن رأيي وإني والله أرى أمرا مقبلا والله لئن كان هذا الرجل ملكا مبعوثا فكنا أول العرب طعنا في عينه ورد عليه أمره لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور قومه حتى يصيبنا بجائحة وإنا لأدنى العرب منهم جوارا ولئن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلاعناه(1\/304)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "88",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15544",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا يبقى على وجه الأرض منا شعرة ولا ظفر إلا هلك فقال له صاحباه: فما الرأي يا أبا مريم فقد وضعتك الأمور على ذراع فهات رأيك فقال: رأيي أن أحكمه فإني أرى الرجل لا يحكم شططا أبدا فقالا له: أنت وذاك. فلقي شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت خيرا من ملاعنتك فقال: وما هو قال شرحبيل: حكمتك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح فمهما حكمت فينا فهو جائز فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعل وراءك أحدا يثرب عليك فقال له شرحبيل: سل صاحبي فسألهما فقالا: ما ترد الموارد ولا تصدر إلا عن رأي شرحبيل. فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلاعنهم حتى إذا كان الغد أتوه فكتب لهم كتاب صلح وموادعة فقبضوا كتابهم وانصرفوا إلى نجران. فتلقاهم الأسقف ووجوه نجران على مسير ليلة من نجران ومع الأسقف أخ له من أمه وهو ابن عمه من النسب يقال له أبو علقمة فدفع الوفد كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأسقف فبينما هو يقرؤه وأبو علقمة معه وهما يسيران إذ كبت بأبي علقمة ناقته فتعس غير أنه لا يكني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الأسقف عند ذلك: قد والله تعست نبيا مرسلا فقال له أبو علقمة: لا جرم والله لا أحل عنها عقدا حتى آتيه فضرب وجه ناقته نحو المدينة وثنى الأسقف ناقته عليه فقال له: افهم عني إنما قلت هذا ليبلغ عني العرب مخافة أن يروا أنا أخذتنا حمقة أو نجعنا لهذا الرجل بما لم ينجع به العرب ونحن أعزهم وأجمعهم دارا. فقال له أبو علقمة: والله لا أقبلك بعد ما خرج من رأسك أبدا ثم ضرب ناقته وهو يقول:(1\/305)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "89",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15545",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إليك تعدو قلقا وضينها ... معترضا في بطنها جنينها مخالفا دين النصارى دينها حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزل معه ثم استشهد بعد ذلك. وإذا عرف هذا فالعلم بأنه صلى الله عليه وسلم مذكور في الكتب المقدسة يعرف من وجوه متعددة: أحدها: إخبار من قد ثبتت نبوته قطعا بأنه مذكور عندهم في كتبهم فقد أخبر به من قام الدليل القطعي على صدقه فيجب تصديقه فيه إذ تكذيبه والحالة هذه ممتنع لذاته هذا لو لم يعلم ذلك إلا من مجرد خبره فكيف إذا تطابقت الأدلة على صحة ما أخبر به. الثاني: أنه جعل الإخبار به من أعظم أدلة صدقه وصفة نبوته وهذا يستحيل أن يصدر إلا من واثق كل الوثوق بذلك وأنه على يقين جازم به. الثالث: أن المؤمنين به من الأحبار والرهبان الذي آثروا الحق على الباطل صدقوه في ذلك وشهدوا له بما قال.(1\/306)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "90",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15546",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الرابع: أن المكذبين الجاحدين لنبوته لم يمكنهم إنكار البشارة والإخبار بنبوته وأنه نبي عظيم الشأن صفته كذا وكذا ونعته كذا وكذا وصفة أمته ومخرجه ومنشؤه وشأنه لكنهم جحدوا أنه هو الذي وقعت به البشارة وأنه نبي آخر غيره وعلموا هم والمؤمنون به من قومهم أنهم ركبوا متن المكابرة وامتطوا غارب البهت. الخامس: أن كثيرا منهم صرح لخاصته وبطانته بأنه هو بعينه وأنه عازم على عداوته ما بقي كما تقدم. السادس: أن إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مذكور في كتبهم هو فرد من أفراد إخباراته بما عندهم في كتبهم من شأن أنبيائهم وقومهم وما جرى لهم وقصص الأنبياء المتقدمين وأممهم وشأن المبدأ والمعاد وغير ذلك مما أخبرت به الأنبياء وكل ذلك مما يعلمون صدقه فيه ومطابقته لما عندهم وتلك الأخبار أكثر من أن تحصى ولم يكذبوه يوما واحدا في شيء منها وكانوا أحرص شيء على أن يظفروا منه بكذبة واحدة أو غلطة أو سهو فينادون بها عليه ويجدون بها السبيل إلى تنفير الناس عنه فلم يقل أحد منهم يوما من الدهر ولم يظفروا بقول أنه أخبر بكذا وكذا في كتبنا وهو كاذب فيه بل كانوا يصدقونه في ذلك وهم مصرون على عدم اتباعه وهذا من أعظم(1\/307)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "91",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15547",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأدلة على صدقه فيما أخبر به لو لم يكن يعلم إلا بمجرد خبره. السابع: أنه أخبر بهذا لأعدائه من المشركين الذين لا كتاب لهم وأخبر به لأعدائه من أهل الكتاب وأخبر به لأتباعه فلو كان هذا باطلا لا صحة له لكان ذلك تسليطا للمشركين أن يسألوا أهل الكتاب فينكرون ذلك وتسليطا لأهل الكتاب على الإنكار وتسليطا لأتباعه على الرجوع عنه والتكذيب له بعد تصديقه وذلك ينقض الغرض المقصود بإخباره من كل وجه وهو بمنزلة رجل يخبر بما يشهد بكذبه ويجعل إخباره دليلا على صدقه ويجعل إخباره تصديقا وهذا لا يصدر من عاقل ولا مجنون. فهذه الوجوه يعلم بها صدق ما أخبر به وإن لم يعلم وجوده من غير جهة إخباره فكيف وقد علم وجود ما أخبر به. الثامن: أنه إن قدر أنهم لم يعلموا بشارة الأنبياء به وإخبارهم بنعته وصفته لم يلزم أن لا يكونوا ذكروه وأخبروا به وبشروا بنبوته إذ ليس كل ما قاله الأنبياء المتقدمون وصل إلى المتأخرين وأحاطوا به علما وهذا مما يعلم بالاضطراد فكم من قول قد قاله موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ولا علم لليهود والنصارى به فإذا أخبر به من قام الدليل القطعي على صدقه لم يكن جهلهم به موجبا لرده وتكذيبه. التاسع: أنه يمكن أن يكون في نسخ غير هذه النسخ التي بأيديهم فأزيل من بعضها ونسخت هذه مما أزيل منه. وقولهم إن نسخ التوراة متفقة في شرق الأرض(1\/308)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "92",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15548",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وغربها - كذب ظاهر فهذه التوراة التي بأيدي النصارى تخالف التوراة التي بأيدي اليهود والتي بأيدي السامرة تخالف هذه وهذه وهذه نسخ الإنجيل يخالف بعضها بعضا ويناقضه فدعواهم أن نسخ التوراة والإنجيل متفقة شرقا وغربا من البهت والكذب الذي يروجونه على أشباه الأنعام حتى أن هذه التوراة التي بأيدي اليهود فيها من الزيادة والتحريف والنقصان مما لا يخفى على الراسخين في العلم وهم يعلمون قطعا أن ذلك ليس في التوراة التي أنزلها الله على موسى عليه الصلاة والسلام وذلك مثل قولهم حكاية نزول الألواح وكيف رمى بها موسى عليه الصلاة والسلام وقصة وفاة موسى. ونفس الألواح كانت هي التوراة ووفاة موسى إنما حدثت بعد نزول التوراة بسنين عديدة. ومنها حكاية موسى أنه نسخ ما في الألواح بخطه ولا في الإنجيل الذي أنزل على عيسى عليه الصلاة والسلام. وكيف يكون في الإنجيل الذي أنزل على المسيح قصة صلبه وما جرى له وأنه كذا وكذا وصلب يوم كذا وكذا وصلب ودفن وقام من القبر بعد ثلاث وغير ذلك مما هو من كلام شيوخ النصارى وغايته أن يكون من كلام الحواريين خلطوه بالإنجيل(1\/309)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "93",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15549",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسموا الجميع إنجيلا ولذلك كانت الأناجيل عندهم أربعة يخالف بعضها بعضا. ومن بهتهم وكذبهم قولهم: إن التوراة التي بأيديهم وأيدي اليهود والسامرة سواء. والنصارى لا يقرون أن الإنجيل منزل من عند الله على المسيح وأنه كلام الله بل كل فرقهم مجمعون على أنها أربعة (أناجيل) تواريخ ألفها أربعة رجال معروفون في أزمان مختلفة ولا يعرفون الإنجيل على غير هذا. إنجيل ألفه (متى) تلميذ المسيح بعد سبع سنين من رفع المسيح وكتب بالعبرانية في بلد يهودا بالشام. وإنجيل ألفه (مرقس) الهاروني تلميذ شمعون بعد ثلاث وعشرين سنة من رفع المسيح وكتبه باليونانية في بلد أنطاكية من بلاد الروم ويقولون إن شمعون المذكور هو ألفه ثم محي اسمه من أوله ونسب إلى تلميذه مرقس.(1\/310)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "94",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15550",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإنجيل ألفه (لوقا) الطبيب الأنطاكي تلميذ شمعون بعد تأليف مرقس. وإنجيل ألفه (يوحنا) تلميذ المسيح (بعد رفعه) ببضع وستين سنة كتبه باليونانية. وكل واحد من هذه الأربعة يسمونه الإنجيل وبينها من التفاوت والزيادة والنقصان ما يعلمه الواقف عليها وبين توراة السامرة واليهود والنصارى من ذلك ما يعلمه الواقف عليها. فدعوى الكاذب الباحث أن نسخ التوراة والإنجيل متفقة شرقا وغربا بعدا وقربا من أعظم الفرية والكذب وقد ذكر غير واحد من علماء الإسلام ما بينها من التفاوت والزيادة والنقصان والتناقض لمن أراد الوقوف عليها ولولا الإطالة وقصد ما هو أهم منه لذكرنا منه طرفا كبيرا. وقد وبخهم الله تعالى سبحانه وجل شأنه وبكتهم على لسان رسوله بالتحريف والكتمان والإخفاء فقال تعالى: ياأهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون.(1\/311)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "95",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15551",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال تعالى: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون وقال تعالى: إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم وقال تعالى: ياأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم. وأما التحريف: فقد أخبر الله سبحانه وتعالى عنه في مواضع متعددة وكذلك لي اللسان بالكتاب ليحسبه السامع منه وما هو منه. فهذه خمسة أمور: أحدها: لبس الحق بالباطل وهو خلطه به بحيث لا يتميز الحق من الباطل. الثاني: كتمان الحق. الثالث: إخفاؤه وهو قريب من كتمانه. الرابع: تحريف الكلم عن مواضعه وهو نوعان: تحريف لفظه وتحريف معناه. الخامس: لي اللسان به ليلتبس على السامع اللفظ المنزل بغيره. وهذه الأمور إنما ارتكبوها لأغراض لهم دعتهم إلى ذلك. فإذا عادوا الرسول وجحدوا نبوته وكذبوه وقاتلوه فهم إلى أن يجحدوا نعته وصفته ويكتموا ذلك ويزيلوه عن مواضعه ويتأولوه على غير تأويله - أقرب بكثير وهكذا فعلوا ولكن لكثرة البشارات(1\/312)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "96",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15552",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتنوعها غلبوا على كتمانها وإفضائها فصاروا إلى تحريف التأويل وإزالة معناها عما لا تصلح لغيره وجعلها لمعدوم لم يخلقه الله تعالى ولا وجود له ألبتة. العاشر: أنه استشهد على صحة نبوته بعلماء أهل الكتاب وقد شهد له عدولهم فلا يقدح جحد الكفرة الكاذبين المعاندين بعد ذلك قال تعالى: ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب. وقال تعالى: قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين. وقال تعالى: وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب. وقال تعالى: ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين. وقال تعالى: الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون. وإذا شهد واحد من هؤلاء لم يوزن به ملء الأرض من الكفرة ولا تعارض(1\/313)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "97",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15553",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شهادته بجحود ملء الأرض من الكفرة كيف والشاهد له من علماء أهل الكتاب أضعاف أضعاف المكذبين له منهم وليس كل من قال من أشباه الحمير من عباد الصليب وأمة الغضب أنه من علمائهم فهو كذلك - يعني عالما - كما قالوا وإذا كان أكثر عوام المسلمين يظنون أنه من علمائهم - يعني أهل الكتاب - ليس كذلك فيما ظن بغيرهم يعني علماء المسلمين -. وعلماء أهل الكتاب إن لم يدخل فيهم من لم يعمل بعلمه فليس علماؤهم إلا من آمن به وصدقه وإن دخل فيهم من علم ولم يعمل كعلماء السوء لم يكن إنكارهم نبوته قادحا في شهادة العلماء القائلين بعلمهم. الحادي عشر: أنه لو قدر أنه لا ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بنعته ولا صفته ولا علامته في الكتب التي بأيدي أهل الكتاب اليوم لم يلزم من ذلك أن لا يكون مذكورا في الكتب التي كانت بأيدي أسلافهم وقت مبعثه ولا تكون اتصلت على وجهها إلى هؤلاء بل حرفها أولئك وبدلوا وكتموا تواصوا وكتبوا ما أرادوا وقالوا: هذا من عند الله ثم اشتهرت تلك الكتب وتناقلها خلفهم عن سلفهم فصارت المغيرة المبدلة هي المشهورة والصحيحة بينهم خفية جدا ولا سبيل إلى العلم باستحالة ذلك بل هو في غاية الإمكان. فهؤلاء السامرة غيروا مواضع من التوراة ثم اشتهرت النسخ المغيرة عند جميعهم(1\/314)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "98",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15554",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلا يعرفون سواها وهجرت بينهم النسخة الصحيحة بالكلية وكذلك التوراة التي بأيدي النصارى. وهكذا تبدل الأديان والكتب ولولا أن الله سبحانه وتعالى تولى حفظ القرآن بذاته وضمن للأمة أن لا تجتمع على ضلالة - لأصابه ما أصاب الكتب قبله قال تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون. الثاني عشر: أنه من الممتنع أن تخلو الكتب المتقدمة عن الإخبار بهذا الأمر العظيم الذي لم يطرق العالم من حين خلق إلى قيام الساعة أمر أعظم منه ولا شأن أكبر منه فإن العلم به طبق مشارق الأرض ومغاربها واستمر على تعاقب القرون وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ومثل هذا النبأ العظيم لا بد أن تطابق الرسل على الإخبار به. وإذا كان الدجال - رجل كاذب يخرج في آخر الزمان وبقاؤه في الأرض أربعون يوما وقيل ستة أشهر - قد تطابقت الرسل على الإخبار به وأنذر به كل نبي قومه من نوح إلى خاتم الأنبياء وخاتم الرسل صلى الله عليهم وسلم أجمعين فكيف تتطابق الكتب الإلهية من أولها إلى آخرها على السكوت عن الإخبار بهذا النبأ العظيم وبهذا الأمر العظيم الذي لم يطرق العالم أمر أعظم منه ولا تطرقه أبدا. هذا مما لا يسوغه عقل عاقل وتأباه حكمة أحكم الحاكمين بل الأمر بضد ذلك وما بعث الله سبحانه وتعالى نبيا إلا أخذ عليه الميثاق بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه كما قال تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين.(1\/315)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "99",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15555",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما بعث الله من نبي إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به وليبايعنه.  (فصل) : فهذه الوجوه على تقدير عدم العلم بوجود نعته وصفته والخبر عنه في الكتب المتقدمة ... ونحن نذكر بعض ما ورد فيها من البشارة به ونعته وصفته وصفة أمته وذلك يظهر لك من وجوه: (1 - بشارات التوراة) الوجه الأول: قوله في التوراة: (أقيم لبني إسرائيل نبيا من إخوتهم مثلك أجعل كلامي في فيه ويقول لهم ما آمره والذي لا يقبل قول ذلك النبي الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه ومن سبطه) . تأويل أهل الكتاب لهذا النص: فهذا النص مما لا يمكن لأحد منهم جحده وإنكاره: ولكن لأهل الكتاب فيه أربعة طرق: أحدها: حمله على المسيح وهذه طريق النصارى وهو دليل يخالف معتقدهم في المسيح.(1\/316)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "100",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15556",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما اليهود فلهم فيه ثلاثة طرق: أحدها: على حذف أداة الاستفهام والتقدير (أأقيم لبني إسرائيل نبيا من إخوتهم) أي لا أفعل هذا. فهو استفهام إنكار حذفت منه أداة الاستفهام. الثاني: أنه خبر ووعيد ولكن المراد به شموئيل النبي فإنه من بني إسرائيل. والبشارة إنما وقعت بنبي من إخوتهم وإخوة القوم هم بنو أبيهم وهم بنو إسرائيل. الثالث: أنه نبي يبعثه الله في آخر الزمان يقيم به ملك اليهود ويعلو به شأنهم وهم ينتظرونه الآن ويسمونه المنتظر. قال المسلمون: البشارة صريحة في النبي العربي الأمي محمد - صلى الله عليه وسلم - بن عبد الله لا تحتمل على غيره لأنها إنما وقعت بنبي من إخوة بني إسرائيل لا من بني إسرائيل أنفسهم والمسيح من بني إسرائيل فلو كان المراد بها هو المسيح لقال: أقيم لهم نبيا من أنفسهم. كما قال تعالى: لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم وإخوة بني إسرائيل هم بنو إسماعيل ولا يقال في لغة أمة من الأمم إن بني إسرائيل هم إخوة بني إسرائيل كما أن إخوة زيد لا يدخل فيهم زيد نفسه.(1\/317)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "101",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15557",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأيضا فإنه قال: نبيا مثلك وهذا يدل على أنه صاحب شريعة عامة مثل موسى وهذا يبطل حمله على شموئيل من هذه الوجوه أيضا ويبطل حمله على يوشع من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه من بني إسرائيل لا من إخوتهم. الثاني أنه لم يكن مثل موسى في التوراة التي بأيديهم: لا يقوم في بني إسرائيل مثل موسى. الثالث: أن يوشع نبي في زمن موسى وهو كالب وهذا الوعد إنما هو بنبي يقيمه الله تعالى بعد موسى. وبهذه الوجوه الثلاثة يبطل حمله على هارون مع أن هارون توفي قبل موسى ونبأه الله تعالى مع موسى في حياته ويبطل ذلك من وجه رابع أيضا وهو: أن في هذه البشارة أنه ينزل عليه كتابا يظهر للناس من فيه وهذا لم يكن لأحد بعد موسى غير النبي صلى الله عليه وسلم وهذا من علامات نبوته التي أخبر بها الأنبياء المتقدمون قال تعالى: وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين وإنه لفي زبر الأولين أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل. فالقرآن نزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وظهر للأمة من فيه ولا تصح هذه البشارة على المسيح باتفاق النصارى لأنها إنما جاءت بواحد من إخوة بني إسرائيل وبنو إسرائيل وإخوتهم كلهم عبيد لله ليس فيهم إله والمسيح عندهم إله معبود وهو أجل عندهم من أن يكون من إخوة بني إسرائيل العبيد والبشارة وقعت بعبد مخلوق(1\/318)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "102",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15558",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يقيمه الله من جملة عباده وإخوتهم وغايته أن يكون نبيا لا غاية له فوقها وهذا ليس هو المسيح عند النصارى. وأما مقالتهم أنه على حذف ألف الاستفهام وهو استفهام إنكار والمعنى (أأقيم لبني إسرائيل نبيا مثلك) - عادة لهم معروفة في تحريف كلام الله عن مواضعه والكذب على الله وقولهم لما يبدلونه ويحرفونه: هذا من عند الله. وحمل هذا الكلام على الاستفهام والإنكار غاية ما يكون من التحريف والتبديل. وهذا التحريف والتبديل من معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أخبر بها عن الله من تحريفهم وتبديلهم فأظهر الله صدقه في ذلك كله إلى كل ذي لب وعقل فازداد إيمانا إلى إيمانه وازداد الكافرون رجسا إلى رجسهم. قال في التوراة في السفر الخامس: أقبل الله من سيناء وتجلى من ساعير وظهر من جبال فاران ومعه ربوات الأطهار عن يمينه وهذه متضمنة للنبوات الثلاثة: نبوة موسى ونبوة عيسى ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم. فمجيئه من سيناء وهو الجبل الذي كلم الله موسى ونبأه عليه إخبار عن نبوته. وتجليه من ساعير هو مظهر عيسى المسيح من بيت المقدس وساعير: قرية معروفة هناك إلى اليوم وهذه بشارة بنبوة المسيح. وفاران: هي مكة وشبه سبحانه وتعالى نبوة موسى بمجيء الصبح وفلقه ونبوة المسيح بعدها بإشراقه وضيائه ونبوة خاتم النبيين بعدهما صلى الله عليه وسلم باستعلان الشمس(1\/319)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "103",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15559",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وظهورها وظهور ضوئها في الآفاق ووقع الأمر كما أخبر به سواء فإن الله صدع بنبوة موسى ليل الكفر فأضاء فجره بنبوته وزاد الضياء والإشراق بنبوة المسيح وكمل الضياء واستعلن وطبق الأرض بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وذكر هذه النبوات الثلاثة التي اشتملت عليها هذه البشارة نظير ذكرها في أول سورة التين والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين فذكر أمكنة هؤلاء الأنبياء وأرضهم التي خرجوا منها والتين والزيتون: المراد به منبتهما وأرضهما وهي الأرض المقدسة التي هي مظهر المسيح وطور سينين الجبل الذي كلم الله عليه موسى فهو مظهر نبوته ووهذا البلد الأمين: مكة حرم الله وأمنه التي هي مظهر نبوة محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. فهذه الثلاثة نظير تلك الثلاثة سواء. قالت اليهود: فاران هي أرض الشام وليست أرض الحجاز وليس هذا ببدع من بهتهم وتحريفهم وعندهم في التوراة: أن إسماعيل لما فارق أباه سكن في برية فاران هكذا نطقت التوراة ولفظها (وأقام إسماعيل في برية فاران وأنكحته أمه امرأة من أرض مصر) . ولا يشك علماء أهل الكتاب أن فاران مسكن لآل إسماعيل فقد تضمنت التوراة نبوة تنزل بأرض فاران وتضمنت نبوة تنزل على عظيم من ولد إسماعيل وتضمنت انتشار أمته وأتباعه حتى يملئوا السهل والجبل كما سنذكره إن شاء الله. ولم يبق بعد هذا شبهة أصلا أن هذه هي نبوة محمد صلى الله عليه وسلم التي نزلت بفاران على أشرف ولد إسماعيل حتى ملأ الأرض ضياء ونورا وملأ أتباعه السهل والجبل(1\/320)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "104",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15560",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يكثر على الشعب الذي نطقت التوراة بأنهم عادمو الرأي والفطانة أن ينقسموا إلى جاهل بذلك وجاحد مكابر معاند. ولفظ التوراة فيهم: أنهم الشعب عادم الرأي وليس فيهم فطانة. ويقال لهؤلاء المكابرين: أي نبوة خرجت من الشام فاستعلنت استعلان ضياء الشمس وظهرت فوق ظهور النبوتين قبلها! وهل هذا إلا بمنزلة مكابرة من يرى الشمس قد طلعت من المشرق فيغالط ويكابر ويقول بل طلعت من المغرب قال في التوراة في السفر الأول: (إن الملك ظهر لهاجر أم إسماعيل فقال: يا هاجر من أين أقبلت وإلى أين تريدين فلما شرحت له الحال قال: ارجعي فإني سأكثر ذريتك وزرعك حتى لا يحصون كثرة وها أنت تحبلين وتلدين ابنا اسمه إسماعيل لأن الله قد سمع تذللك وخضوعك وولدك يكون وحشي الناس وتكون يده على الكل ويد الكل مبسوطة إليه بالخضوع) . وهذه بشارة تضمنت أن يد ابنها على يد كل الخلائق وأن كلمته العليا وأن يد ابنها عالية ويد الخلق تحت يده فمن هذا الذي ينطبق عليه هذا الوصف سوى محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه. وكذلك في السفر الأول من التوراة: إن الله قال لإبراهيم إني جاعل ابنك إسماعيل لأمة عظيمة إذ هو من زرعك. وهذه بشارة بمن جعل من ولده لأمة عظيمة وليس هو سوى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم(1\/321)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "105",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15561",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي هو من صميم ولده فإنه جعل لأمة عظيمة ومن تدبر هذه البشارة جزم بأن المراد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن إسماعيل لم تكن يده فوق يد إسحاق قط ولا كانت يد إسحاق مبسوطة إليه بالخضوع وكيف يكون ذلك وقد كانت النبوة والملك في ولد إسرائيل والعيص وهما ابنا إسحاق. فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم انتقلت النبوة إلى ولد إسماعيل ودانت له الأمم وخضعت له الملوك وجعل خلافة الملك إلى أهل بيته إلى آخر الدهر وصارت أيديهم فوق أيدي الجميع وأيدي الجميع مبسوطة إليهم بالخضوع وكذلك في السفر الأول: إن الله تعالى قال لإبراهيم: إن في هذا العام يولد لك ولد اسمه إسحاق فقال إبراهيم: ليت إسماعيل هذا يحيى بين يديك ويمجدك فقال الله تعالى: قد استجبت لك في إسماعيل وإني أباركه وأنميه وأعظمه جدا جدا بما قد استجبت فيه وإني أصيره إلى أمة كبيرة عظيمة وأعطيه شعبا جليلا. ولم يأت من صلب إسماعيل من بورك وعظم وانطبقت عليه هذه العلامات غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته ملئوا الآفاق وأربوا في الكثرة على نسل إسحاق. قال في التوراة في السفر الخامس: قال موسى لبني إسرائيل: لا تطيعوا العرافين والمنجمين فسيقيم لكم الرب سبحانه وتعالى نبيا من إخوتكم مثلي فأطيعوا ذلك النبي. ولا يجوز أن يكون هذا النبي الموعود به من أنفس بني إسرائيل لما تقدم أن إخوة(1\/322)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "106",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15562",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القوم ليسوا أنفسهم كما تقول: بكر وتغلب ابنا وائل ثم تقول: تغلب أخو بكر وبنو تغلب إخوة بكر فلو قلت: إخوة بني بكر بنو بكر كان محالا ولو قلت لرجل: ائتني برجل من إخوة بني بكر بن وائل لكان الواجب أن تأتي برجل من بني تغلب بن وائل لا بواحد من بني بكر. ما في الإنجيل أن المسيح قال للحواريين: أنا أذهب وسيأتيكم البارقليط روح الحق لا يتكلم من قبل نفسه إنما هو كما يقال له وهو يشهد لي وأنتم تشهدون لأنكم معي من قبل الناس وكل شيء أعده الله لكم يخبركم به. وفي إنجيل يوحنا: البارقليط لا يجيئكم ما لم أذهب وإذا جاء وبخ العالم على الخطيئة ولا يقول من تلقاء نفسه ولكنه مما يسمع به يكلمكم ويسوسكم بالحق ويخبركم بالحوادث والغيوب. وفي موضع آخر: إني سائل أبي أن يبعث إليكم بارقليطا آخر يكون معلم الأبد وهو يعلمكم كل شيء. وفي موضع آخر: ابن البشر ذاهب والبارقليط من بعده يجيء لكم بالأسرار ويفسر(1\/323)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "107",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15563",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لكم كل شيء وهو يشهد لي كما شهدت له فإني أجيئكم بالأمثال وهو يأتيكم بالتأويل. قال أبو محمد بن قتيبة: وهذه الأشياء على اختلافها متقاربة وإنما اختلفت لأن من نقلها عن المسيح صلى الله عليه وسلم في الإنجيل من الحواريين بعده والبارقليط في لغتهم من ألفاظ الحمد إما أحمد أو محمد أو محمود أو حامد ونحو ذلك ... وهو في الإنجيل الحبشي: برفقطيس. وفي موضع آخر: إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الأب أن يعطيكم بارقليطا آخر يثبت معكم إلى الأبد ويتكلم بروح الحق الذي لم يطق العالم أن يقبلوه لأنهم لم يعرفوه ولست أدعكم أيتاما لأني سآتيكم عن قريب. وفي موضع آخر: من يحبني بحفظ كلمتي يحبه وإليه يأت وعنده يتخذ المنزل كلمتكم بهذا لأني لست عندكم مقيما والبارقليط روح الحق الذي يرسله أبي وهو يعلمكم كل شيء وهو يذكركم كل ما قلت لكم استودعتكم سلامي لا تقلق قلوبكم ولا تجزعوا فإني منطلق وعائد إليكم لو كنتم تحبوني كنتم تفرحون بمضيي إلى أبي فإن ثبت كلامي فيكم كان لكم كل ما تريدون. وفي موضع آخر: إذا جاء البارقليط الذي أبي يرسله روح الحق الذي من أبي يشهد لي ما قلت لكم حتى إذا كان تؤمنوا ولا تشكوا فيه.(1\/324)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "108",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15564",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي موضع آخر: إن لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله لكم ولكنكم لا تستطيعون حمله لكن إذا جاء روح الحق ذاك يرشدكم إلى جميع الحق لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بكل ما يأتي ويعرفكم جميع ما للأب. قال يوحنا: قال المسيح: إن أركون العالم سيأتي وليس لي شيء. وقال متى: قال المسيح: ألم يروا أن الحجر الذي أخر البناءون صار رأسا للزاوية من عند الله كان هذا وهو عجيب في أعيننا ومن أجل ذلك أقول لكم: إن ملكوت الله سيؤخذ منكم ويدفع إلى أمة أخرى تأكل ثمرتها ومن يسقط على هذا الحجر ينشدح وكل من سقط عليه يمحق. وقد اختلف في البارقليط في لغتهم يعني العبرانية فذكروا فيه أقوالا ترجع إلى ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الحامد والحمد كما تقدم ورجحت طائفة هذا القول وقالوا: الذي يقوم عليه البرهان في لغتهم أنه الحمد. والدليل عليه في قول يوشع: من عمل حسنة يكون له فارقليط جيد: أي حمد جيد. والقول الثاني: وعليه أكثر النصارى - أنه المخلص والمسيح نفسه يسمونه(1\/325)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "109",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15565",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "المخلص وهذه كلمة سريانية معناها المخلص قالوا: وهو بالسريانية فاروق فجعل (فارق)  قالوا: و (ليط) كلمة تزاد ومعناها كقول العرب: رجل هو وحجر هو وفرس هو. قالوا: فكذلك معنى ليط في السريانية. والقول الثالث: وقالت طائفة أخرى من النصارى: معناه بالسريانية المعزي قالوا: وكذلك هو في اللسان اليوناني. ويعترض على هذين القولين بأن المسيح لم تكن لغته سريانية - ولا يونانية بل عبرانية - وأجيب عن هذا بأنه يتكلم بالعبرانية والإنجيل إنما نزل باللغة العبرانية وترجم عليه باللغة السريانية والرومية واليونانية وغيرها. وأكثر النصارى على أنه المخلص والمسيح نفسه يسمونه المخلص وفي الإنجيل الذي بأيديهم أنه قال: إنما أتيت لأخلص العالم. والنصارى يقولون في صلاتهم: لقد ولدت لنا مخلصا. ولما لم يمكن النصارى إنكار هذه النصوص حرفوها أنواعا من التحريف فمنهم من قال: هو روح نزلت على الحواريين ومنهم من قال: هو ألسن نارية نزلت من السماء على التلاميذ ففعلوا بها الآيات والعجائب ومنهم من يزعم أنه المسيح نفسه(1\/326)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "110",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15566",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لكونه جاء بعد الصليب بأربعين يوما وكونه قام من قبره ومنهم من قال: لا نعرف ما المراد بهذا الفارقليط ولا يتحقق لنا معناه. ومن تأمل ألفاظ الإنجيل وسياقها علم أن تفسيره بالروح باطل وأبطل منه تفسيره بالألسن النارية وأبطل منهما تفسيره بالمسيح فإن روح القدس لا زالت تنزل على الأنبياء والصالحين قبل المسيح وبعده وليست موصوفة بهذه الصفات وقد قال تعالى: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت رضي الله عنه لما كان يهجو المشركين: اللهم أيده بروح القدس. وقال: إن روح القدس معك ما زلت تنافح عن نبيه. وإذا كان كذلك ولم يسم أحد هذه الروح فارقليطا علم أن البارقليط هو أمر غير هذا وأيضا فمثل هذه الروح لا زالت يؤيد بها الأنبياء والصالحون وما بشر به المسيح ووعد به أمر عظيم يأتي بعده أعظم من هذا. فإنه وصف البارقليط بصفات لا تناسب هذه الروح وإنما تناسب رجلا يأتي بعده نظيرا له فإنه قال: إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الأب أن يعطيكم فارقليطا آخر يثبت معكم إلى الأبد فقوله: فارقليطا آخر دل على أنه ثان لأول كان قبله وأنه لم يكن معهم(1\/327)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "111",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15567",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في حياة المسيح وإنما يكون بعد ذهابه وتوليه وأيضا فإنه قال: يثبت معكم إلى الأبد وهذا إنما يكون لما يدوم ويبقى معهم إلى آخر الدهر ومعلوم أنه لم يرد بقاء ذاته فعلم أنه بقاء شرعه وأمره والبارقليط الأول لم يثبت معهم شرعه ودينه إلى الأبد وهذا يبين أن الثاني صاحب شرع لا ينسخ بل يبقى إلى الأبد بخلاف الأول وهذا إنما ينطبق على محمد صلى الله عليه وسلم. وأيضا فإنه أخبر أن هذا البارقليط الذي أخبر به يشهد له ويعلمهم كل شيء وأنه يذكرهم كل ما قاله وأنه يوبخ العالم على خطيئته. قال: والفارقليط الذي يرسله أبي هو يعلمكم كل شيء ويذكركم كل ما قلت لكم. وقال: إذا جاء الفارقليط الذي أبي يرسله هو يشهد لي أني قلت هذا حتى إذا كان تؤمنوا به ولا تشكوا فيه. وقال: إن خيرا لكم أن أنطلق إلى أبي إن لم أذهب لم يأتكم الفارقليط فإذا انطلقت أرسلته إليكم فهو يوبخ العالم على الخطيئة وإن لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله ولكنكم لا تستطيعون حمله لكن إذ جاء روح الحق ذاك الذي يرشدكم إلى جميع الحق لأنه ليس ينطق من عند نفسه بل يتكلم بما يسمع ويخبر بكل ما يأتي ويعرفكم جميع ما للأب. فهذه الصفات والنعوت التي تلقوها عن المسيح لا تنطبق على أمر معنوي(1\/328)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "112",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15568",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يكون في قلب بعض الناس لا يراه أحد ولا يسمع كلامه. وإنما ينطبق على من يراه الناس ويسمعون كلامه فيشهد للمسيح ويعلمهم كل شيء ويذكرهم بكل ما قال لهم المسيح ويوبخ العالم على الخطيئة ويرشد الناس إلى جميع الحق ولا ينطق من عند نفسه بل يتكلم بما يسمع ويخبرهم بكل ما يأتي ويعرفهم جميع ما لرب العالمين وهذا لا يكون ملكا لا يراه أحد ولا يكون هدى وعلما في قلوب بعض الناس. ولا يكون إلا إنسانا عظيم القدر يخاطب الناس بما أخبر به المسيح وهذا لا يكون إلا بشرا رسولا بل يكون أعظم من المسيح فإن المسيح أخبر أنه يقدر على ما لا يقدر عليه المسيح ويعلم ما لا يعلمه ويخبر بكل ما يأتي وبما يستحقه الرب حيث قال: إن لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله ولكنكم لا تستطيعون حمله ولكن إذا جاء روح الحق ذاك الذي يرشدكم إلى جميع الحق لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بما يأتي ويعرفكم جميع ما للأب. فلا يستريب عاقل أن هذه الصفات لا تنطبق إلا على محمد صلى الله عليه وسلم وذلك لأن الإخبار عن الله تعالى بما هو متصف به من الصفات وعن ملائكته وعن ملكوته وعما أعده في الجنة لأوليائه وفي النار لأعدائه أمر لا تحتمل أكثر عقول الناس معرفته على التفصيل. قال علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتريدون أن يكذب الله ورسوله.... وقال ابن مسعود: ما من رجل يحدث قوما بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم....(1\/329)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "113",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15569",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسأل رجل ابن عباس رضي الله عنه عن قوله تعالى: الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن قال: ما يؤمنك أن لو أخبرتك بها لكفرت.... يعني لو أخبرتك بتفسيرها لكفرت بها وكفرك بها تكذيبك بها. فقال لهم المسيح: إن لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله لكم ولكنكم لا تستطيعون حمله وهو الصادق المصدوق في هذا. ولهذا ليس في الإنجيل من صفات الله تعالى وصفات ملكوته وصفات اليوم الآخر إلا أمور مجملة وكذلك التوراة ليس فيها من ذكر اليوم الآخر إلا أمور مجملة مع أن موسى عليه الصلاة والسلام كان قد مهد لأمر المسيح ومع هذا فقد قال لهم المسيح: إن لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله لكم ولكنكم لا تستطيعون حمله. ثم قال: ولكن إذا جاء روح الحق فذاك الذي يرشدكم إلى الحق ويخبركم بكل ما يأتي وبجميع ما للرب. فدل هذا على أن الفارقليط هو الذي يفعل هذا دون المسيح وكذلك كان فإن محمدا صلى الله عليه وسلم أرشد الناس إلى جميع الحق حتى أكمل الله به الدين وأتم به النعمة ولهذا كان خاتم الأنبياء فإنه لم يبق شيء يأتي به غيره وأخبر محمد صلى الله عليه وسلم بكل ما يأتي من أشراط الساعة والقيامة والحساب والصراط ووزن الأعمال والجنة وأنواع نعيمها والنار وأنواع عذابها ولهذا كان في القرآن تفصيل أمر الآخرة وذكر الجنة والنار فهو يأتي بأمور كثيرة لا توجد في التوراة والإنجيل وذلك تصديق قول المسيح عليه الصلاة والسلام أنه يخبر بكل ما يأتي وذلك يتضمن صدق المسيح وصدق محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا معنى قوله(1\/330)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "114",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15570",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى: إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون بل جاء بالحق وصدق المرسلين. أي: مجيئه تصديق للرسل قبله فإنهم أخبروا بمجيئه فجاء كما أخبروا به فتضمن مجيئه تصديقهم ثم شهد هو بصدقهم فصدقهم بقوله ومجيئه. ومحمد صلى الله عليه وسلم بعثه الله بين يدي الساعة كما قال: صلى الله عليه وسلم بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى وكان إذا ذكر الساعة علا صوته واحمر وجهه واشتد غضبه وقال: أنا النذير العريان. فأخبر من الأمور التي تأتي في المستقبل بما لم يأت به نبي من الأنبياء كما نعته به المسيح حيث قال: إنه يخبركم بكل ما يأتي ولا يوجد مثل هذا أصلا عن نبي من الأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم فضلا عن أن يوجد في شيء أنزل على قلب بعض الحواريين. وأيضا فإنه قال: ويعرفكم جميع ما للرب. فبين أنه يعرف الناس جميع ما لله وذلك يتناول ما لله من الأسماء والصفات وما له من الحقوق وما يجب من الإيمان به وملائكته وكتبه ورسله بحيث يكون ما يأتي به جامعا لما يستحقه الرب سبحانه وتعالى وهذا لم يأت به غير محمد صلى الله عليه وسلم فإنه تضمن ما جاء به من الكتاب والحكمة. هذا كله وأيضا فإن المسيح قال: إذا جاء البارقليط الذي أرسله أبي فهو يشهد لي أني قلت لكم هذا حتى إذا كان تؤمنوا به. فأخبر أنه شهد له وهذه صفة نبي بشر به المسيح ويشهد للمسيح كما قال(1\/331)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "115",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15571",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى: وإذ قال عيسى ابن مريم يابني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد. وأخبر أنه يوبخ العالم على الخطيئة وهذا يستحيل حمله على معنى يقوم بقلب الحواريين فإنهم آمنوا به وشهدوا له قبل ذهابه فكيف يقول: إذا جاء فإنه يشهد لي ويوصيهم بالإيمان به أفترى الحواريين لم يكونوا مؤمنين بالمسيح فهذا من أعظم جهل النصارى وضلالهم. وأيضا فإنه لم يوجد أحد وبخ جميع العالم على الخطيئة إلا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه أنذر جميع العالم من أصناف الناس ووبخهم على الخطيئة من الكفر والفسوق والعصيان ولم يقتصر على مجرد الأمر والنهي بل وبخهم وفزعهم وتهددهم. وأيضا فإنه أخبر أنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بكل ما يسمع. وهذا إخبار بأن كل ما يتكلم به فهو وحي يسمعه ليس هو شيء تعلمه من الناس أو عرفه باستنباط وهذه خاصة بمحمد صلى الله عليه وسلم. وأما المسيح فكان عنده علم بما جاء به موسى قبله يشارك به أهل الكتاب تلقاه عمن قبله ثم جاءه وحي خاص من الله فوق ما كان عنده قال تعالى: ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل فأخبر سبحانه وتعالى أنه يعلمه التوراة التي تعلمها بنو إسرائيل وزاده تعليم الإنجيل الذي اختص به والكتاب الذي هو الكتابة ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يكن تعلم قبل الوحي شيئا ألبتة كما قال تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان.(1\/332)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "116",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15572",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال تعالى: نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين فلم يكن صلى الله عليه وسلم ينطق من تلقاء نفسه بل إنما كان نطقه بالوحي كما قال تعالى: وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وهذا مطابق لقول المسيح: إنه لا يتكلم من تلقاء نفسه بل إنما يتكلم بما يوحى إليه. فالله تعالى أمره أن يبلغ ما أنزل إليه وضمن له العصمة في تبليغ رسالاته فلهذا أرشد الناس إلى جميع الحق وألقى إلى الناس ما لم يكن غيره من الأنبياء ألقاه خوفا أن يقتله قومه وقد أخبر المسيح أنه لم يذكر لهم جميع ما عنده وأنهم لا يطيقون حمله وهم معترفون بأنه كان يخاف منهم إذا أخبرهم بحقائق الأمور ومحمد صلى الله عليه وسلم أيده الله سبحانه وتعالى تأييدا لم يؤيده لغيره فعصمه من الناس حتى لم يخف من شيء يقوله وأعطاه من البيان والعلم ما لم يؤته غيره. فالكتاب الذي بعث به فيه بيان حقائق الغيب ما ليس في كتاب غيره وأيد أمته تأييدا طاقت به حمل ما ألقاه إليهم فلم يكونوا كأهل التوراة الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ولا كأهل الإنجيل الذين قال لهم المسيح: إن لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله لكم ولكن لا تستطيعون حمله. ولا ريب أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أكمل عقولا وأعظم إيمانا وأتم تصديقا وجهادا ولهذا كانت علومهم وأعمالهم القلبية وإيمانهم أعظم وكانت العبادات البدنية لغيرهم أعظم. وأيضا فإنه أخبر عن الفارقليط أنه يشهد له وأنه يعلمهم كل شيء وأنه يذكرهم(1\/333)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "117",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15573",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كل ما قال المسيح ومعلوم أن هذا لا يكون إلا إذا شهد له شهادة يسمعها الناس عامة لا يكون هذا في قلب طائفة قليلة ولم يشهد أحد للمسيح شهادة يسمعها عامة الناس إلا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه أظهر أمر المسيح وشهد له بالحق حتى سمع شهادته له عامة أهل الأرض وعلموا أنه صدق المسيح ونزهه عما يقوله عليه اليهود من الافتراء وما غلت فيه النصارى. فهو الذي شهد له بالحق. ولهذا لما سمع النجاشي من الصحابة ما شهد به محمد صلى الله عليه وسلم للمسيح قال لهم: ما زاد عيسى على ما قلتم هذا العود. وجعل الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم شهداء على الناس يشهدون عليه بما علموا من الحق إذ كانوا وسطا عدولا لا يشهدون بباطل فإن الشاهد لا يكون إلا عدلا بخلاف من جار في شهادته فزاد على الحق أو نقص منه كشهادة اليهود والنصارى في المسيح. وأيضا فإن معنى الفارقليط: إن كان هو الحامد أو الحماد أو المحمود أو الحمد فهذا وصف ظاهر في محمد صلى الله عليه وسلم فإنه وأمته الحامدون الذين يحمدون الله على كل حال وهو صاحب لواء الحمد والحمد مفتاح خطبته ومفتاح صلاته ولما كان حمادا سمي بمثل وصفه محمدا على وزن: مكرم ومقدس ومعظم وهو الذي يحمد أكثر ما يحمد غيره ويستحق ذلك فلما كان حمادا لله كان محمدا وفي ... شعر حسان: أغر عليه للنبوة خاتم ... من الله ميمون يلوح ويشهد ... وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد ... وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد(1\/334)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "118",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15574",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما أحمد فهو أفعل التفضيل أي هو أحمد من غيره أي أحق بأن يكون محمودا أكثر من غيره يقال: هذا أحمد من هذا أي هذا أحق بأن يحمد من هذا فيكون فيه تفضيل على غيره في كونه محمودا. فلفظ محمد يقتضي زيادة في الكمية ولفظ أحمد يقتضي زيادة في الكيفية. ومن الناس من يقول: معناه أنه أكثر حمدا لله من غيره وعلى هذا فيكون بمعنى الحامد والحماد وعلى الأول بمعنى المحمود. وإذا كان الفارقليط بمعنى الحمد فهو تسمية بالمصدر مبالغة في كثرة الحمد كما يقال: رجل عدل ورضى ونظائر ذلك وبهذا يظهر سر ما أخبر به القرآن عن المسيح من قوله: ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد. فإن هذا هو معنى الفارقليط كما تقدم. وفي التوراة ما ترجمته بالعربية: (وأما في إسماعيل فقد قبلت دعاءك قد باركت فيه وأثمرت وأكثره بـ (مؤد مؤد) هذه اللفظة quot; مؤد مؤد quot; على وزن عمر وقد اختلفت فيها علماء أهل الكتاب فطائفة تقول: معناها جدا جدا: أي كثيرا كثيرا فإن كان هذا معناها فهو بشارة بمن عظم من نبيه كثيرا كثيرا ومعلوم أنه لم يعظم من نبيه أكثر مما عظم محمد صلى الله عليه وسلم. وقالت طائفة أخرى: بل هي صريح اسم محمد قالوا: ويدل عليه أن ألفاظ العبرانية قريبة من ألفاظ العربية فهي أقرب اللغات إلى العربية فإنهم يقولون لإسماعيل شماعيل وسمعتك شمعتخا (وأنا: أنو)  وقدسك: قد شتخا وأنت أتا وإسرائيل: يسرائيل وتأمل قوله في التوراة: (قدش لي خل بخور ريحم ببني يسرائيل بأدام وببهيما لي) .(1\/335)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "119",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15575",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "معناه: قدس لي كل بكر أو مولود رحم في بني إسرائيل من إنسان إلى بهيمة لي. وتأمل قوله: (نابي أقيم لا هيم مفارت أخيهم كاموها أخا الاؤه يشماعون)  وإن معناه: نبيا أقيم لهم من وسط إخوتهم مثلك له تسمعون وكذلك قوله: (أنتم عابريم بفبول آحيحيم بني عيصا) معناه: أنتم عابرون في تخم إخوتكم بني العيص. ونظائر ذلك أكثر من أن تذكر. فإذا أخذت لفظة (مود مود) وجدتها أقرب شيء إلى لفظة محمد وإذا أردت تحقيق ذلك فطابق بين ألفاظ العبرانية والعربية ولذلك يقولون: اصبوع ألوهيم أي: أصبع الله كتب له بها التوراة. ويدل على ذلك أداة الباء في قوله: بمود مود ولا يقال أعظمه بجدا جدا بخلاف أعظمه بمحمد صلى الله عليه وسلم. وكذلك فإنه عظم به وازداد شرفا إلى شرفه بل تعظيمه بمحمد ابنه صلى الله عليه وسلم فوق تعظيم كل والد لولده العظيم القدر فالله سبحانه وتعالى كثره بمحمد صلى الله عليه وسلم. وعلى التقديرين فالنص من أظهر البشارات به أما على هذا التفسير فظاهر جدا(1\/336)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "120",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15576",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جدا وأما على التفسير الأول فإنما كثر إسماعيل وعظمه على إسحاق جدا جدا بابنه محمد صلى الله عليه وسلم. فإذا طابقت بين معنى البارقليط ومعنى مود مود ومعنى محمد وأحمد ونظرت إلى خصال الحمد التي فيه وتسميته أمته بالحامدين وافتتاح كتابه بالحمد وافتتاح الصلاة بالحمد وكثرة خصال الحمد التي فيه وفي أمته وفي دينه وفي كتابه وعرفت ما خلص به العالم من أنواع الشرك والكفر والخطايا والبدع والقول على الله بغير علم وما أعز الله به الحق وأهله وقمع به الباطل وحزبه تيقنت أنه الفارقليط بالاعتبارات كلها. فمن هذا الذي هو روح الحق الذي لا يتكلم إلا بما يوحى إليه! ومن هو العاقب للمسيح والشاهد لما جاء به والمصدق له بمجيئه! ومن ذا الذي أخبرنا بالحوادث والأزمنة المستقبلة كخروج الدجال وظهور الدابة وطلوع الشمس من مغربها وخروج يأجوج ومأجوج ونزول المسيح ابن مريم وظهور النار التي تحشر الناس وأضعاف أضعاف ذلك من الغيوب التي قبل يوم القيامة والغيوب الواقعة يوم القيامة من الصراط والميزان والحساب وأخذ الكتب بالأيمان والشمائل وتفاصيل ما في الجنة والنار مما لم يذكر في التوراة والإنجيل غير محمد صلى الله عليه وسلم ومن الذي وبخ العالم على الخطايا سواه! ومن الذي عرف الأمة (ما ينبغي لله) حق التعريف غيره ومن الذي يتكلم في هذا الباب بما لم يطق أكثر العالم أن يقبلوه غيره حتى عجزت عنه عقول كثيرة ممن صدقه وآمن به فساموه أنواع التحريف والتأويل بعجز عقولهم عن حمله كما قال أخوه المسيح صلوات الله عليهما وسلامه ومن الذي أرسل إلى جميع الخلق قولا وعملا واعتقادا في معرفة الله وأسمائه وصفاته وأحكامه وأفعاله وقضائه وقدره غيره صلى الله عليه وسلم! ومن هو أركون العالم الذي أتى بعد المسيح غيره وأركون العالم هو عظيم العالم وكبير العالم وتأمل قول المسيح في هذه البشارة التي لا ينكرونها: أن أركون العالم سيأتي وليس لي من(1\/337)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "121",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15577",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأمر شيء كيف وهي شاهدة بنبوة المسيح وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم معا فإنه لما جاء صار الأمر له دون المسيح. فوجب على العالم كلهم طاعته والانقياد له ولأمره وصار الأمر له حقيقة. ولم يبق بأيدي النصارى إلا دين باطله أضعاف أضعاف حقه وحقه منسوخ بما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم فطابق قول المسيح قول أخيه محمد صلى الله عليه وسلم: ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا وإماما مقسطا فيحكم بكتاب ربكم وقوله في اللفظ الآخر: فأمكم بكتاب ربكم فتطابق قول الرسولين الكريمين صلى الله عليهما وسلم وبشر الأول بالثاني وصدق الثاني بالأول. وتأمل قوله في البشارة الأخرى: ألم تر إلى الحجر الذي أخره البناءون صار أسا للزاوية كيف تجده مطابقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى دارا فأكملها وأتمها إلا موضع لبنة منها فجعل الناس يطوفون بها ويعجبون منها ويقولون هلا وضعت تلك اللبنة فكنت أنا تلك اللبنة. وتأمل قول المسيح في هذه البشارة: إن ذلك لعجيب في أعيننا وتأمل قوله فيها: إن ملكوت الله سيؤخذ منكم ويدفع إلى أمة أخرى كيف تجده مطابقا لقوله تعالى: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون وقوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون.(1\/338)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "122",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15578",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتأمل قوله في البارقليط المبشر به: يفشي لكم الأسرار ويفسر لكم كل شيء فإني أجيئكم بالأمثال وهو يأتيكم بالتأويل. كيف تجده مطابقا للواقع من كل وجه لقوله تعالى: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ولقوله تعالى: ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون. وإذا تأملت التوراة والإنجيل والكتب وتأملت القرآن وجدته كالتفصيل لجملها والتأويل لأمثلتها والشرح لرموزها وهذا حقيقة قول المسيح: أجيئكم بالأمثال ويجيئكم بالتأويل ويفسر لكم كل شيء. وإذا تأملت قوله: وكل شيء أعده الله لكم يخبركم به وتفاصيل ما أخبر به من الجنة والنار والثواب والعقاب تيقنت صدق الرسولين الكريمين ومطابقة الخبر المفصل عن محمد صلى الله عليه وسلم للخبر المجمل من أخيه المسيح عليه الصلاة والسلام. وتأمل قوله في البارقليط: وهو يشهد لي كما شهدت له كيف تجده منطبقا على محمد بن عبد الله وكيف تجده شاهدا بصدق الرسولين وكيف تجده صريحا في رجل يأتي بعد المسيح يشهد له بأنه عبد الله ورسوله كما شهد له المسيح! فلقد أذن المسيح بنبوة محمد صلى الله وسلامه عليهما أذانا لم يؤذنه نبي قبله وأعلن بتكبير ربه أنى تكون له صاحبة أو ولد ثم رفع صوته بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا أحدا فردا صمدا لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ثم أعلن بشهادة أن محمدا عبده ورسوله الشاهد له بنبوته المؤيد بروح الحق الذي لا يقول من تلقاء نفسه بل يتكلم(1\/339)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "123",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15579",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بما يوحى إليه ويعلمهم كل شيء ويخبر بما أعد الله لهم ثم رفع صوته بحي على الفلاح باتباعه والإيمان به وتصديقه وأنه ليس له من الأمر شيء وختم التأذين بأن ملكوت الله سيؤخذ ممن كذبه ويدفع إلى أتباعه والمؤمنين به فهلك من هلك عن بينة وعاش من عاش عن بينة فاستجاب أتباع المسيح حقا لهذا التأذين وأباه الكافرون والجاحدون فقال تعالى: إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون. وهذه بشارة بأن المسلمين لا يزالون فوق النصارى إلى يوم القيامة فإن المسلمين هم أتباع المرسلين في الحقيقة وأتباع جميع الأنبياء لا أعداؤه وأعداؤه عباد الصليب الذين رضوا أن يكون إلها مصفوعا مصلوبا مقتولا ولم يرضوا أن يكون نبيا عبدا لله وجيها عنده مقربا لديه فهؤلاء أعداؤه حقا والمسلمون أتباعه حقا. والمقصود أن بشارة المسيح بالنبي صلى الله عليه وسلم فوق كل بشارة لما كان أقرب الأنبياء إليه وأولاهم به وليس بينه وبينه نبي مرسل صاحب شريعة وكتاب.  (فصل) : وتأمل قول المسيح: أن أركون العالم سيأتي وأركون العالم هو سيد العالم وعظيمه ومن الذي ساد العالم وأطاعه العالم بعد المسيح غير النبي عليه الصلاة والسلام! وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد سئل ما أول أمرك قال: أنا دعوة أبي إبراهيم وبشر بي عيسى. وطابق بين هذا وبين هذه البشارة التي ذكرها المسيح فمن الذي ساد العالم باطنا وظاهرا وانقادت له القلوب والأجساد وأطيع في السر والعلانية في محياه وبعد مماته في(1\/340)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "124",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15580",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "جميع الأعصار وأفضل الأقاليم والأمصار وسارت دعوته مسير الشمس في الأقطار وبلغ دينه ما بلغ الليل والنهار وخرت لمجيئه الأمم على الأذقان وبطلت به عبادة الأوثان وقامت به دعوة الرحمن واضمحلت به دعوة الشيطان وأذل الكافرين والجاحدين وأعز المؤمنين وجاء بالحق وصدق المرسلين حتى أعلن بالتوحيد على رءوس الأشهاد وعبد الله وحده لا شريك له في كل حاضر وباد وامتلأت به الأرض تحميدا لله وتسبيحا وتكبيرا واكتست به بعد الظلم والظلام عدلا ونورا  (فصل) : وطابق بين قول المسيح: أن أركون العالم سيأتيكم وقول أخيه محمد صلى الله عليه وسلم: أنا سيد ولد آدم ولا فخر آدم تحت لوائي وأنا خطيب الأنبياء إذا وفدوا وإمامهم إذا اجتمعوا ومبشرهم إذا يئسوا لواء الحمد بيدي وأنا أكرم ولد آدم على ربي.  (فصل) : وفي قول المسيح في هذه البشارة: وليس لي من الأمر شيء إشارة إلى التوحيد وأن الأمر كله لله فتضمنت هذه البشارة أصلي الدين: إثبات التوحيد وإثبات النبوة. وهذا الذي قاله المسيح مطابق لما جاء به أخوه محمد بن عبد الله عن ربه من قوله: ليس لك من الأمر شيء فمن تأمل حال الرسولين الكريمين ودعوتهما وجدهما متوافقين متطابقين حذو القذة بالقذة وأنه لا يمكن التصديق بأحدهما مع التكذيب بالآخر ألبتة فإن المكذب بمحمد صلى الله عليه وسلم أشد تكذيبا للمسيح الذي هو المسيح ابن مريم عبد الله ورسوله وإن آمن بمسيح لا حقيقة له ولا وجود فهو أبطل الباطل.(1\/341)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "125",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15581",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد قال يوحنا في كتاب أخبار الحواريين وهو يسمونه افراكيس: يا أحبابي إياكم أن تؤمنوا بكل روح لكن ميزوا الأرواح التي من عند الله من غيرها واعلموا أن كل روح تؤمن بأن يسوع المسيح قد جاء وكان جسدانيا فهي من عند الله وكل روح لا تؤمن بأن المسيح قد جاء وكان جسدانيا فليست من عند الله بل من المسيح الكذاب الذي هو الآن في العالم. فالمسلمون يؤمنون بالمسيح الصادق الذي جاء من عند الله بالهدى ودين الحق الذي هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول والنصارى إنما تؤمن بمسيح دعا لعبادة نفسه وأمه وأنه ثالث ثلاثة وأنه الله أو ابن الله وهذا هو أخو المسيح الكذاب لو كان له وجود. فإن المسيح الكذاب يزعم أنه الله والنصارى في الحقيقة أتباع هذا المسيح الكذاب كما أن اليهود ينتظرون خروجه وهم يزعمون أنهم ينتظرون النبي الذي بشروا به فعوضهم الشيطان بعد مجيئه من الإيمان به الانتظار للمسيح الدجال وهكذا كل من أعرض عن الحق يعوض من الباطل. وأصل هذا أن إبليس لما أعرض عن السجود لآدم كبرا أن يخضع له تعوض من ذلك ذل القيادة لكل فاسق ومجرم من بنيه فلا بتلك النخوة ولا بهذه الحرفة والنصارى لما أنفوا أن يكون المسيح عبدا لله تعوضوا من هذه الأنفة بأن رضوا أن يجعلوه مصفعة لليهود ومصلوبهم الذي يسخرون منه ويهزءون به ثم عقدوا له تاجا من الشوك بدل تاج الملك وساقوه في حبل إلى خشبة الصلب يصفقون حوله ويرقصون. فلا بتلك الأنفة من عبودية الله ولا بهذه النسبة له إلى أعظم الذل والضيم والقهر.(1\/342)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "126",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15582",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك أنفوا أن يكون للبترك والراهب زوجة أو ولد وجعلوا لله رب العالمين الولد والزوجة وكذلك أنفوا أن يعبدوا الله وحده لا شريك له ويطيعوا عبده ورسوله ثم رضوا بعبادة الصليب والصور المصنوعة بالأيدي في الحيطان وطاعة كل من يحرم عليهم ما شاء أو يحلل لهم ما شاء ويشرع لهم من الدين ما شاء ومن تلقاء نفسه. ونظير هذا التعويض أنفت الجهمية أن يكون الله سبحانه وتعالى فوق سماواته على عرشه مباينا من خلقه حتى لا يكون محصورا بزعمهم في جهة معينة ثم قالوا: هو في كل مكان بذاته فحصروه في الآبار والسجون والأنجاس والأحواش وعوضوه بهذه الأمكنة عن عرشه المجيد فليتأمل العاقل لعب الشيطان بعقول هذا الخلق وضحكه عليهم واستهزاءه بهم.  (فصل) : وقول المسيح: إذا انطلقت أرسلته إليكم معناه أني أرسله بدعائي وطلبي منه أن يرسله كما يطلب الطالب من ولي الأمر أن يرسل رسولا أو يولي نائبا أو يعطي أحدا فيقول: أنا أرسلت هذا ووليته وأعطيته أي كنت سببا في ذلك فإن الله سبحانه وتعالى إذا قضى بأن يكون الشيء فإنه يقدر له أسبابا يكون بها ومن تلك الأسباب دعاء بعض عباده بأن يفعل ذلك فيكون في ذلك من النعمة إجابة دعائه مضافا إلى نعمته بإيجاد ما قضى كونه ومحمد صلى الله عليه وسلم قد دعا به الخليل عليه الصلاة والسلام(2\/243)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "127",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15583",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبوه فقال: ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم. مع أن الله سبحانه وتعالى قد قضى بإرساله وأعلن باسمه قبل ذلك كما قيل له: يا رسول الله متى كنت نبيا قال: وآدم بين الروح والجسد وقال: إني عند الله لمكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته. وهذا كما قضى الله سبحانه وتعالى بنصره يوم بدر ومن أسباب ذلك استعانته بربه ودعاؤه وابتهاله بالنصر وكذلك ما يقتضيه من إنزال الغيث قد يجعله بسبب ابتهال عباده ودعائهم وتضرعهم إليه وكذلك ما يقضيه من مغفرة ورحمة وهداية ونصر قد يسبب له أدعية يحصل بها ممن ينال ذلك أو من غيره فلا يمتنع أن يكون المسيح سأل ربه بعد صعوده أن يرسل أخاه محمدا صلى الله عليه وسلم إلى العالم ويكون ذلك من أسباب إرساله إضافة إلى دعوة أبيه إبراهيم لكن إبراهيم سأل ربه أن يرسله في الدنيا فلذلك ذكره الله سبحانه وتعالى وأما المسيح فإنما سأله بعد رفعه وصعوده إلى السماء كما وعد قبل رفعه.  (فصل) : وتأمل قول المسيح quot; إني لست أدعكم أيتاما لأني سآتيكم عن قريب quot; كيف هو مطابق لقول أخيه محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليهما: ينزل فيكم ابن(2\/344)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "128",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15584",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مريم حكما عدلا وإماما مقسطا فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية وأوصى أمته بأن يقرئه السلام من لقيه منهم. وفي حديث آخر: كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها! .  (فصل) : وقد تقدم نص التوراة: تجلى الله من طور سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من جبال فاران. قال علماء الإسلام - وهذا لفظ أبي محمد بن قتيبة - ليس بهذا خفاء على من تدبره ولا غموض لأن المجيء أي مجيء الله من طور سيناء: إنزاله التوراة على موسى من طور سيناء كالذي هو عند أهل الكتاب وعندنا وكذلك يجب أن يكون إشراقه من ساعير: إنزاله الإنجيل على المسيح وكان المسيح من ساعير أرض الخليل بقرية تدعى ناصرة وباسمها تسمى من اتبعه نصارى وكما وجب أن يكون إشراقه من ساعير بالمسيح فكذلك يجب أن يكون استعلانه من جبال فاران: إنزاله القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم وجبال فاران هي جبال مكة قال: وليس بين المسلمين وأهل الكتاب خلاف في أن فاران هي مكة فإن ادعوا أنها غير مكة - وليس ينكر ذلك من تحريفهم وإفكهم - قلنا: أليس في التوراة quot; أن إبراهيم أسكن هاجر وإسماعيل فاران quot;! وقلنا لهم: دلونا(2\/345)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "129",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15585",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على الموضع الذي استعلن الله منه واسمه فاران والنبي الذي أنزل عليه كتابا بعد المسيح. أوليس استعلن وعلن بمعنى واحد وهما ظهر وانكشف فهل تعلمون دينا ظهر ظهور الإسلام وفشا في مشارق الأرض ومغاربها فبينوه لنا قال علماء الإسلام: وساعير جبال بالشام منه ظهور نبوة المسيح إلى جانب قرية بيت لحم - القرية التي ولد فيها المسيح - تسمى اليوم ساعير. وفي التوراة أن نسل العيص كانوا سكانا بساعير وأمر الله موسى أن لا يؤذيهم. قال شيخ الإسلام: - يعني ابن تيمية رحمه الله - وعلى هذا فيكون قد ذكر الجبال الثلاثة وحراء الذي ليس حول مكة أعلى منه وفيه ابتداء رسول الله صلى الله عليه وسلم بنزول الوحي عليه وحوله جبال كثيرة وذلك المكان يسمى فاران إلى هذا اليوم والبرية التي بين مكة وطور سيناء تسمى برية فاران ولا يمكن أحدا أن يدعي أنه بعد المسيح نزل كتاب في شيء من تلك الأماكن ولا بعث نبي فعلم أنه ليس المراد باستعلانه من جبال فاران إلا إرسال محمد صلى الله عليه وسلم وهو سبحانه ذكر هذا في التوراة على الترتيب الزماني فذكر إنزال التوراة ثم الإنجيل ثم القرآن وهذه الكتب نور الله تعالى وهدايته وقال في الأول: جاء وفي الثاني: أشرق وفي الثالث: استعلن وكان مجيء التوراة مثل طلوع الفجر ونزول الإنجيل مثل إشراق الشمس ونزول القرآن بمنزلة ظهور الشمس في السماء ولهذا قال: واستعلن من جبال فاران فإن محمدا صلى الله عليه وسلم ظهر به نور الله وهداه(2\/346)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "130",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15586",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في مشرق الأرض ومغربها أعظم مما ظهر بالكتابين المتقدمين كما يظهر نور الشمس في مشارق الأرض ومغاربها إذا استعلت وتوسطت السماء ولهذا سماه الله تعالى سراجا منيرا وسمى الشمس سراجا وهاجا والخلق يحتاجون إلى السراج المنير أعظم من حاجتهم إلى السراج الوهاج فإن هذا يحتاجون إليه في وقت دون وقت وأما السراج المنير فيحتاجون إليه كل وقت وفي كل مكان ليلا ونهارا سرا وعلانية. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى هذه الأماكن الثلاثة في قوله تعالى: والتين والزيتون وهو في الأرض المقدسة التي بعث منها المسيح وأنزل فيها الإنجيل وطور سينين وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه الصلاة والسلام تكليما وناداه من واديه الأيمن من البقعة المباركة في الشجرة التي فيه وأقسم بـ البلد الأمين وهو مكة التي أسكن إبراهيم إسماعيل وأمه فيه وهو فاران كما تقدم ولما كان ما في التوراة خبرا عن ذلك أخبر به على الترتيب الزماني فقدم الأسبق ثم الذي يليه وأما القرآن فإنه أقسم به تعظيما لشأنها وإظهارا لقدرته وآياته وكتبه ورسله فأقسم بها على وجه التدريج درجة بعد درجة فبدأ بالعالي ثم انتقل إلى أعلى منه ثم أعلى منه فإن أشرف الكتب القرآن ثم التوراة ثم الإنجيل وكذلك الأنبياء الثلاثة.  (فصل) : وهذا الذي ذكره ابن قتيبة وغيره من علماء المسلمين من تأمل التوراة وجدها ناطقة به صريحا فيه فإن فيها quot; وغدا إبراهيم فأخذ الغلام وأخذ خبزا وسقاء من ماء(2\/347)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "131",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15587",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ودفعه إلى هاجر وحمله عليها وقال لها: اذهبي فانطلقت هاجر ونفذ الماء الذي كان معها فطرحت الغلام تحت شجرة وجلست مقابلته على مقدار رمية حجر لئلا تبصر الغلام حين يموت ورفعت صوتها بالبكاء وسمع الله صوت الغلام وحيث هو فقال لها الملك: قومي واحملي الغلام وشدي يديك به فإني جاعله لأمة عظيمة فتح الله عينيها فرأت بئر ماء فسقت الغلام وملأت سقاءها وكان الله مع الغلام فربي وسكن في برية فاران. (فهذا نص التوراة أن إسماعيل ربي وسكن في برية فاران بعد أن كاد يموت من العطش وأن الله تعالى سقاه من بئر ماء وقد علم بالتواتر واتفاق الأمم أن إسماعيل إنما ربي بمكة هو وأبوه إبراهيم بنيا البيت فعلم قطعا أن فاران هي أرض مكة.  (فصل) : ومثل هذه البشارة من كلام شمعون مما قبلوه ورضوا ترجمته: جاء الله من جبال فاران وامتلأت الأرض من تسبيحه وتسبيح أمته ولم يخرج أحد قط من جبال فاران امتلأت الأرض من تسبيحه وتسبيح أمته سوى محمد صلى الله عليه وسلم: فإن المسيح لم يكن بأرض فاران ألبتة وموسى إنما كلم من الطور والطور ليس من أرض فاران وإن كانت البرية التي بين مكة والطور تسمى برية فاران فلم ينزل الله فيها التوراة وبشارة التوراة قد تقدمت بجبل الطور وبشارة الإنجيل بجبل ساعير.(2\/348)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "132",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15588",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(فصل) : ونظير هذا ما نقلوه ورضوا ترجمته في نبوة حبقوق (جاء الله من اليمن)  وظهر (ببيت المقدس والقدوس) على جبال فاران وامتلأت الأرض من تحميد أحمد وملك بيمينه رقاب الأمم وأنارت الأرض لنوره وحملت خيله في البحر. قال ابن قتيبة: وزاد فيه بعض أهل الكتاب (وستنزع في قسيك أعراقا وترتوي إلهاما بأمرك يا محماد ارتواء. وهذا إفصاح باسمه وصفاته فإن ادعوا أنه غيره فمن أحمد هذا الذي امتلأت الأرض من تحميده والذي جاء من جبال فاران فملك رقاب الأمم  (فصل) : ومن ذلك وهو قوله في الفصل التاسع من السفر الأول من التوراة: أن هاجر لما فارقت سارة وخاطبها الملك فقال: يا هاجر من أين أقبلت وإلى أين تريدين فلما شرحت له الحال قال: ارجعي فإني سأكثر ذريتك وزرعك حتى لا يحصون وها أنت تحبلين وتلدين ابنا اسمه إسماعيل لأن الله تعالى قد سمع ذلك وخضوعك ولدك يكون وحشي الناس يده فوق يد الجميع ويد الكل به ويكون مسكنه على تخوم جميع إخوانه.(2\/349)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "133",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15589",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال المستخرجون لهذه البشارة: معلوم أن يد بني إسماعيل قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم لم تكن فوق أيدي بني إسحاق بل في أيدي بني إسحاق النبوة والكتاب وقد دخلوا مصر زمن يوسف مع يعقوب فلم يكن لبني إسماعيل فوقهم يد ثم خرجوا منها لما بعث موسى وكان مع موسى (أعز أهل)  لم يكن لأحد عليهم يد ولذلك كانوا مع يوشع إلى زمن داود وملك سليمان الملك الذي لم يؤت أحد مثله فلم تكن يد بني إسماعيل ثم سلط الله عليهم بخت نصر ففعل بهم الأفاعيل ولم تكن يد بني إسماعيل عليهم ثم بعث الله المسيح فكفروا به وكذبوه فدمر الله عليهم تكذيبهم إياه وزال ملكهم ولم يقم لهم بعده قائمة وقطعهم الله في الأرض أمما. وكانوا تحت حكم الروم والفرس وقهرهم ولم يكن يد إسماعيل عليهم في هذا الحالة ولا كانت فوق الجميع إلى أن بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا برسالته وأكرمه الله بنبوته فصارت بمبعثه يد بني إسماعيل فوق الجميع فلم يبق في الأرض سلطان أعز من سلطانهم بحيث قهروا سلطان فارس والروم والترك والديلم وقهروا اليهود والنصارى والمجوس والصابئة وعباد الأصنام وظهر بذلك تأويل قوله في التوراة: quot; وتكون يده فوق الجميع ويد الكل به quot; وهذا أمر مستمر إلى آخر الدهر. قالت اليهود: نحن لا ننكر هذا ولكن هذه بشارة بملكه وظهوره وقهره لا برسالته ونبوته. قال المسلمون: الملك ملكان ملك ليس معه نبوة بل ملك جبار متسلط(2\/350)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "134",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15590",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وملك نفسه نبوة والبشارة لم تقع بالملك الأول ولا سيما إذا ادعى صاحبه النبوة والرسالة وهو كاذب مفتر على الله فهو من شر الخلق وأفجرهم وأكفرهم فهذا لا تقع البشارة بملكه وإنما يقع التحذير من فتنته كما وقع التحذير من فتنة الدجال بل هذا شر من سنحاريب وبخت نصر والملوك الظالمة الفجرة الذين كذبوا على الله فالأخبار لا تكون بشارة ولا يفرح به هاجر وإبراهيم ولا بشر ممن أخبر بذلك ولا يكون ذلك إنابة لها من خضوعها وذلها فإن الله تعالى قد سمع ذلك ويعظم هذا المولود ويجعله لأمة عظيمة وهذا عند الجاحدين بمنزلة أن يقال: إنك ستلدين جبارا ظالما طاغيا يقهر الناس بالباطل ويقتل أولياء الله ويسبي حريمهم ويأخذ أموالهم بالباطل ويبدل أديان الأنبياء ويكذب على الله ونحو ذلك. فمن حمل هذه البشارة على هذا فهو من أعظم الخلق بهتانا وفرية على الله وليس هذا بمستنكر لأمة الغضب وقتلة الأنبياء والقوم البهت.  (فصل) قول داود في الزبور: سبحوا الله تسبيحا جديدا وليفرح إسرائيل بخالقه وبيوت صهيون من أجل أن الله اصطفى له أمته وأعطاهم النصر وسدد الصالحين بالكرامة ويسبحونه على مضاجعهم ويكبرون الله تعالى بأصوات مرتفعة بأيديهم سيوف ذات شفرتين لينتقم بهم من الأمم الذين لا يعبدونه يوثقون ملوكهم بالقيود وأشرافهم بالأغلال.(2\/351)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "135",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15591",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذه الصفات إنما تنطبق على محمد وأمته فهم الذين يكبرون الله بأصوات مرتفعة في أذانهم للصلوات الخمس وعلى الأماكن العالية قال جابر: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا علونا شرفا كبرنا وإذا هبطنا سبحنا ووضعت الصلاة على ذلك. وهم يكبرون الله بأصوات عالية مرتفعة في الأذان وفي عيد الفطر وعيد النحر وفي عشر ذي الحجة وعقيب الصلوات الخمس في أيام منى وذكر البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يكبر بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون بتكبيره فيسمعهم أهل الأسواق فيكبرون حتى ترتج منى تكبيرا.... وكان أبو هريرة رضي الله عنه وابن عمر رضي الله عنه يخرجان إلى الأسواق أيام العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما.... ويكبرون أيضا على قرابينهم وضحاياهم وعند رمي الجمار وعند الصفا والمروة وعند محاذاة الحجر الأسود وفي أدبار الصلوات وليس هذا لأحد من الأمم لا أهل الكتاب ولا غيرهم سواهم فإن اليهود يجمعون الناس بالبوق والنصارى بالناقوس. وأما تكبير الله بأصوات مرتفعة فشعار محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وأمته.(2\/352)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "136",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15592",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله: بأيديهم سيوف ذات شفرتين فهي السيوف العربية التي فتح الصحابة رضي الله عنهم بها البلاد وهي إلى اليوم معروفة لهم. وقوله: يسبحون على مضاجعهم هو نعت المؤمنين الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم. ومعلوم قطعا أن هذه البشارة لا تنطبق على النصارى ولا تناسبهم فإنهم لا يكبرون الله بأصوات مرتفعة ولا بأيديهم سيوف ذات شفرتين ينتقم الله تعالى بها من الأمم والنصارى تصيب من يقاتل الكفار بالسيوف وفيهم من يجعل هذا من أسباب التنفير عن محمد صلى الله عليه وسلم ولجهلهم وضلالهم لا يعلمون أن موسى عليه السلام قاتل الكفار وبعده يوشع بن نون وبعده داود وسليمان وغيرهم من الأنبياء وقبلهم إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. قول داود: من أجل هذا بارك الله عليك إلى الأبد فتقلد أيها الجبار السيف لأن البهاء لوجهك والحمد الغالب عليك اركب كلمة الحق وسمت التأله فإن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك وسهامك مسنونة والأمم يخرون تحتك. وليس متقلدا بسيف بعد داود من الأنبياء سوى محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي خرت الأمم تحته وقرنت شرائعه بالهيبة إما القبول وإما الجزية وإما السيف. وهذا مطابق لقوله صلى الله عليه وسلم: نصرت بالرعب مسيرة شهر. وقد أخبر داود أن له ناموسا وشرائع وخاطبه بلفظ الجبار إشارة إلى قوته وقهره(2\/353)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "137",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15593",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأعداء الله تعالى بخلاف المستضعف المقهور وهو صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة ونبي الملحمة وأمته أشداء على الكفار رحماء بينهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين بخلاف الأذلاء المقهورين المتكبرين الذين يذلون لأعداء الله ويتكبرون على قدوم الحق. قول داود في مزمور آخر: إن الله سبحانه وتعالى أظهر من صهيون إكليلا محمودا. وضرب الإكليل مثلا للرئاسة والأمانة ومحمود هو محمد صلى الله عليه وسلم وقال في صفته: ويجوز من البحر إلى البحر من لدن الأنهار إلى منقطع الأرض وإنه لتخر أهل الجزائر بين يديه على ركبهم ويلمس أعداؤه التراب تأتيه ملوك الفرس وتسجد له وتدين له الأمم بالطاعة والانقياد ويخلص المضطهد اليائس ممن هو أقوى منه وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له ويرأف بالمسكين والضعفاء ويصلى عليه في كل وقت ويبارك. ولا يشكل على عاقل تدبر أمور الممالك والنبوات وعرف سيرة محمد صلى الله عليه وسلم وسيرة أمته من بعده أن هذه الأوصاف لا تنطبق إلا عليه وعلى أمته لا على المسيح ولا على(2\/354)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "138",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15594",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نبي غيره فإنه حاز من البحر الرومي إلى البحر الفارسي ومن لدن الأنهار سيحون وجيحون والفرات ونيل مصر إلى منقطع الأرض بالغرب وهذا مطابق لقوله صلى الله عليه وسلم: زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها. وهو الذي يصلى عليه ويبارك في كل وقت وفي كل صلاة من الصلوات الخمس وغيرها وهو الذي خرت أهل الجزائر بين يديه أهل جزيرة العرب وأهل الجزيرة التي بين الفرات ودجلة وأهل جزيرة الأندلس وأهل جزيرة قبرص وخضعت له ملوك الفرس ولم يبق فيهم إلا من أسلم أو أدى الجزية عن يد وهم صاغرون بخلاف ملوك الروم فإن فيهم من لم يسلم ولم يؤد الجزية فلهذا ذكر في البشارة ملوك الفرس خاصة ودانت له الأمم التي سمعت به وبأمته وأنقذ الضعفاء من الجبارين وهذا بخلاف المسيح فإنه لم يتمكن هذا التمكين في حياته ولا من اتبعه بعد رفعه إلى(2\/355)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "139",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15595",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السماء ولا حازوا ما ذكر ولا يصلون عليه ويباركون في اليوم والليلة فإن القوم يدعون إلهيته ويصلون له. قوله في مزمور آخر: لترتاع البوادي وقراها ولتصر أرض قيدار مروجا وتسبح سكان الكهوف ويهتفوا من قلل الجبال بحمد الرب ويذيعوا تسابيحه في الجو. فمن أهل البوادي من الأمم سوى أمة محمد صلى الله عليه وسلم! ومن قيدار غير ولد إسماعيل أحد أجداده صلى الله عليه وسلم! ومن سكان الكهوف وقلال الجبال سوى العرب! ومن هذا الذي دام ذكره إلى الأبد قوله في مزمور آخر: إن ربنا عظم محمودا جدا وفي مكان آخر: إلهنا قدوس ومحمد قد عم الأرض كلها فرحا فقد نص داود على اسم محمد وصرح أن كلمته عمت الأرض. قوله في الزبور لداود: سيولد لك ولد أدعى له أبا ويدعى لي ابنا قال داود: اللهم ابعث جاعل السنة كي يعلم الناس أنه بشر.(2\/356)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "140",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15596",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا إخبار عن المسيح ومحمد صلى الله عليه وسلم قبل ظهورهما بزمن طويل يريد: ابعث محمدا صلى الله عليه وسلم حتى يعلم الناس أن المسيح بشر ليس إلها وأنه ابن البشر لا ابن خالق البشر. فبعث الله هادي الأمة وكاشف الغمة فبين للأمم حقيقة أمر المسيح وأنه عبد كريم ونبي مرسل لا كما ادعته النصارى ولا كما رمته اليهود. قوله في نبوة أشعيا: قيل لي: قم نظارا فانظر ما ترى تخبر به قلت: أرى راكبين مقبلين أحدهما على حمار والآخر على جمل يقول أحدهما لصاحبه: سقطت بابل وأصنامها. وصاحب الحمار عندنا وعند النصارى هو المسيح وراكب الجمل هو محمد صلوات الله عليهما وسلامه وهو أشهر بركوب الجمل من المسيح بركوب الحمار. وبمحمد صلى الله عليه وسلم سقطت أصنام بابل لا بالمسيح ولم يزل في إقليم بابل من يعبد الأوثان من عهد إبراهيم الخليل إلى أن سقطت بمحمد صلى الله عليه وسلم. قوله في نبوة أشعيا: إنه قال عن مكة: ارفعي إلى ما حولك بصرك فستبتهجين وتفرحين من أجل أن الله يصير إليك ذخائر البحر ويحج إليك عساكر الأمم حتى يعم بك قطر الإبل المؤبلة وتضيق أرضك عن القطرات التي تجتمع إليك ويساق إليك كباش مدين ويأتيك أهل سبأ ويسير إليك أغنام قيدار ويخدمك(2\/357)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "141",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15597",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رجال بناوت يريد سدنة الكعبة وهم أولاد بنت ابن إسماعيل. قالوا: فهذه الصفات كلها حصلت لمكة فإنها حملت إليها ذخائر البحر وحج إليها عساكر الأمم وسيق إليها أغنام قيدار هدايا وأضاح وقرابين وضاقت الأرض عن قطرات الإبل المؤبلة الحاملة للناس وأزوادهم وأتاها أهل سبأ وهم أهل اليمن. قول أشعيا في مكة أيضا: وقد أقسمت بنفسي كقسمي أيام نوح أني أغرق الأرض بالطوفان إني لا أسخط عليك ولا أرفضك وإن الجبال تزول وإن القلاع تخط ورحمتي عنك لا تزول. ثم قال: يا مسكينة يا مضطهدة ها أنا ذا بان بالجص حجارتك ومزينك بالجواهر ومكلل باللؤلؤ سقفك وبالزبرجد أبوابك وتبعدين من الظلم فلا تخافي ومن الضعف فلا تضعفي وكل سلاح يصنعه صانع لا يعمل فيك وكل لسان ولغة تقوم معك بالخصومة تفلحين معها ويسميك الله اسما جديدا - يريد أنه سماها المسجد الحرام - فقومي فأشرقي فإنه دنا نورك ووقار الله عليك انظري بعينيك حولك فإنهم مجتمعون. يأتونك بنوك وبناتك عدوا فحينئذ تشرفين وتزهرين ويخاف عدوك ويتسع قلبك وكل غنم قيدار تجمع إليك وسادات بناوت يخدمونك. وبناوت هو بنت ابن إسماعيل وقيدار جد النبي صلى الله عليه وسلم وهو أخو بناوت.(2\/358)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "142",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15598",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم قال: وتفتح أبوابك بالليل والنهار لا تغلق ويتخذونك قبلة وتدعين بعد ذلك مدينة الرب. قوله أيضا في مكة: سري واهتزي أيتها العاقر التي لم تلد وانطقي بالتسبيح وافرحي ولم تحبلي فإن أهلك يكونون أكثر من أهلي. يعني بأهله: بيت المقدس ويعني بالعاقر: مكة لأنها لم تلد قبل محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ولا يجوز أن يريد بالعاقر بيت المقدس لأنه بيت الأنبياء ومعدن الوحي وقد ولد فيه أنبياء كثيرة. قول أشعيا أيضا لمكة شرفها الله تعالى: إني أعطي البادية كرامة لبنان وبها الكنز مال. قال: وهما الشام وبيت المقدس يريد أجعل الكرامة التي كانت هناك بالوحي وظهور الأنبياء للبداية بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالحج. ثم قال: وتشق البادية مياه وسواق في أرض فلاة وتكون بالفيافي والأماكن العطاش ينابيع ومياه ويصير هناك محجة وطريق الحرم لا يمر به أنجاس الأمم والجاهل به لا يصل هناك ولا يكون بها سباع ولا أسد ويكون هناك ممر المخلصين. قول أشعيا في كتابه أيضا عن الحرم: إن الذئب والحمل فيه يرتعان معا إشارة إلى أمنه الذي يخصه الله به دون بقاع الأرض ولذلك سماه البلد الأمين وقال:(2\/359)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "143",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15599",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويجبى إليه ثمرات كل شيء وويتخطف الناس من حولهم. وقال يعدد نعمه على أهله: لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. قول أشعيا معلنا باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني جعلت أمرك يا محمد بالحمد يا قدوس الرب اسمك موجود من الأبد. مطابق لقول داود في مزمور له: اسمك موجود قبل الشمس. قول أشعيا في ذكر الحجر الأسود: قال الرب والسيد quot; ها أنا ذا مؤسس بصهيون حجرا في زاوية ركن منه فمن كان مؤمنا فلا يستعجلنا وأجعل العدل مثل الشاقول والصدق مثل الميزان فيهلك الذين ولعوا بالكذب. فصهيون هي مكة عند أهل الكتاب وكذا كل بيت بني للصلاة وصهيون أيضا(2\/360)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "144",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15600",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأرض المقدسة وهذا الحجر هو الحجر الأسود الذي تقبله الملوك فمن دونهم وهو ما اختص به محمد صلى الله عليه وسلم وأمته. قول أشعيا في موضع آخر: إنه ستملأ البادية والمدن قصورا إلى قيدار ومن رءوس الجبال ينادونهم الذين يجعلون لله الكرامة ويبثون تسبيحه في البر والبحر. وقال: ارفع علما لجميع الأمم من بعيد فيصفر بهم من أقصى الأرض فإذا هم سراع يأتون. وبنو قيدار هم العرب لأن قيدار ابن إسماعيل بإجماع الناس والعلم الذي يرفع هو النبوة والصفير بهم دعاؤهم من أقصى الأرض إلى الحج فإذا هم سراع يأتون. وهذا مطابق لقوله عز وجل: وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق. قول أشعيا في موضع آخر: سأبعث من الصبا قوما يأتون من المشرق مجيبين أفواجا كالصعيد كثرة ومثل الطيان الذي يدوس برجليه الطين. والصبا تأتي من نحو مطلع الشمس بعث الله من هناك قوما من أهل المشرق مجيبين بالتلبية أفواجا كالتراب كثرة. وقوله: ومثل الطيان الذي يدوس برجله إما أن يراد به الهرولة في الطواف والسعي وإما أن يراد به رجال قد كلت أرجلهم من المشي.(2\/361)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "145",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15601",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قوله في كتاب أشعيا أيضا: عبدي وخيرتي ورضى نفسي أفيض عليه روحي أو قال: أنزل عليه روحي فينظر في الأمم عدلي ويوصي الأمم بالوصايا لا يضحك ولا يسمع صوته يفتح العيون العمي والعور ويسمع الآذان الصم ويحيي القلوب وما أعطيه لا أعطيه غيره لا يضعف ولا يغلب ولا يميل إلى اللهو ولا يسمع في الأسواق صوته ركن للمتواضعين وهو نور الله الذي لا يطفأ ولا يخصم حتى تثبت في الأرض حجتي وتنقطع به المعذرة. فمن وجد بهذا الوصف غير محمد صلى الله عليه وسلم بن عبد الله فلو اجتمع أهل الأرض لم يقدروا أن يذكروا نبيا جمع هذه الأوصاف كلها وهي باقية في أمته إلى يوم القيامة ولو بحثوا عن غيره لم يجدوا إلى ذلك سبيلا. فقوله عبدي مطابق لقوله في القرآن وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا وقوله تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا وقوله وأنه لما قام عبد الله يدعوه وقوله سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله. وقوله: وخيرتي ورضى نفسي مطابق(2\/362)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "146",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15602",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لقوله صلى الله عليه وسلم: إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى بني هاشم من قريش واصطفاني من بني هاشم. وقوله: لا يضحك مطابق لوصفة الذي كان عليه صلى الله عليه وسلم قالت عائشة رضي الله عنها: ما رؤي رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكا حتى تبدو لهواته إنما كان يتبسم تبسما وهذا لأن كثرة الضحك من خفة الروح ونقصان العقل بخلاف التبسم فإنه من حسن الخلق وكمال الإدراك. وأما صفته صلى الله عليه وسلم في بعض الكتب المتقدمة بأنه الضحوك القتال فالمراد به أنه لا يمنعه ضحكه وحسن خلقه عن القتل إذا كان حبا لله وحقا له ولا يمنعه ذلك عن تبسمه في موضعه فيعطي كل حال ما يليق بتلك الحال فترك الضحك بالكلية من الكبر والتجبر وسوء الخلق وكثرته من الخفة والطيش والاعتدال بين ذلك غير منكر. وقوله: أنزل عليه روحي مطابق لقوله تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا وقوله تعالى: يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق فسمى الوحي روحا لأن حياة القلوب والأرواح به كما أن حياة الأبدان بالأرواح. وقوله: فينظر في الأمم عدلي مطابق لقوله تعالى: فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم وقوله عن أهل الكتاب: فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط(2\/363)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "147",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15603",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله: يوصى الأمم بالوصايا مطابق لقوله تعالى: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه. وقوله في سورة الأنعام: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا إلى قوله ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ثم قال: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده إلى قوله: ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ثم قال: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون. ووصاياه صلى الله عليه وسلم هي عهوده إلى أمته بتقوى الله تعالى وعبادته وحده لا شريك له والتمسك بما بعثه الله به من الهدى ودين الحق والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه. وقوله: ولا يسمع صوته يعني ليس بصخاب له فديد كحال من ليس له علم ولا وقار. وقوله: يفتح العيون العمي والآذان الصم والقلوب إشارة إلى أن تكميل مراتب العلم والهدى الحاصل بدعوته في القلوب والأبصار والأسماع فباينوا بذلك أحوال الصم البكم العمي الذين لهم قلوب لا يعقلون بها فإن الهدى يصل إلى العبد من هذه الأبواب الثلاثة وهي مغلقة عن كل أحد لا تفتح إلا على أيدي الرسل ففتح الله بمحمد صلى الله عليه وسلم الأعين العمي فأبصرت بالله والآذان الصم فسمعت عن الله والقلوب الغلف فعقلت عن الله فانقادت لطاعته عقلا وقولا وعملا وسلكت سبل مرضاته ذللا.(2\/364)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "148",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15604",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله: ما أعطيه فلا أعطي غيره مطابق لقوله صلى الله عليه وسلم: أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء قبلي. ولقول الملائكة لما ضربوا له المثل: لقد أعطي هذا النبي ما لم يعط نبي قبله إن عينيه تنامان وقلبه يقظان. فمن ذلك أنه بعث إلى الخلق عامة وختم به ديوان الأنبياء ونزل عليه القرآن الذي لم ينزل من السماء كتاب يشبهه ولا يقاربه وأنزل على قلبه محفوظا متلوا وضمن له حفظه إلى أن يأتي الله بأمره وأوتي جوامع الكلم ونصر بالرعب في قلوب أعدائه وبينهما مسيرة شهر وجعلت صفوف أمته في الصلاة على مثال صفوف الملائكة في السماء وجعلت له ولأمته الأرض مسجدا وطهورا وأسري به إلى أن جاوز السماوات السبع ورأى ما لم يره بشر قبله ورفع على سائر النبيين وجعل سيد ولد آدم وانتشرت دعوته في مشارق الأرض ومغاربها واتبعه على دينه أتباع أكثر من أتباع سائر النبيين من عهد نوح إلى المسيح فأمته ثلثا أهل الجنة وخصه بالوسيلة وهي أعلى درجة في الجنة وبالمقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون وبالشفاعة العظمى التي يتأخر عنها آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وأعز الله به الحق وأهله عزا لم يعزه بأحد من قبله وأذل به الباطل وحزبه ذلا لم يحصل بأحد قبله وآتاه من العلم والشجاعة والسماحة والصبر والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والعبادات القلبية(2\/365)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "149",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15605",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمعارف الإلهية ما لم يؤته نبي قبله وجعلت الحسنة منه ومن أمته بعشر حسنات مثلها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وتجاوز له عن أمته الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وصلى الله عليه هو وجميع ملائكته وأمر عباده المؤمنين كلهم أن يصلوا عليه ويسلموا تسليما وقرن اسمه باسمه فإذا ذكر الله ذكر معه كما في الخطبة والتشهد والأذان فلا يصح لأحد أذان ولا خطبة ولا صلاة حتى يشهد أنه عبده ورسوله ولم يجعل معه أمرا يطاع لا ممن قبله ولا ممن هو كائن بعده إلى أن تطوى الدنيا ومن عليها وأغلق أبواب الجنة إلا عمن سلك خلفه واقتدى به وجعل لواء الحمد بيده فآدم وجميع الأنبياء تحت لوائه يوم القيامة وجعله أول من تنشق عنه الأرض وأول شافع وأول مشفع وأول من يقرع باب الجنة وأول من يدخلها فلا يدخلها أحد من الأولين والآخرين إلا بشفاعته صلى الله عليه وسلم وأعطي من اليقين والإيمان والصبر والثبات والقوة في أمر الله تعالى والعزيمة على تنفيذ أوامره والرضا عنه والشكر له والتنوع في مرضاته وطاعته ظاهرا وباطنا سرا وعلانية في نفسه وفي الخلق ما لم يعطه نبي غيره. ومن عرف أحوال العالم وسير الأنبياء وأممهم تبين له أن الأمر فوق ذلك فإذا كان يوم القيامة ظهر للخلائق كلهم من ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر أنه يكون أبدا. وقوله: ولا يضعف ولا يغلب هكذا حال صلى الله عليه وسلم ما ضعف في ذات الله قط ولا في حالة انفراده وقلة أتباعه وكثرة أعدائه واجتماع أهل الأرض على حربه بل هو صلى الله عليه وسلم أقوى الخلق وأثبتهم جأشا وأشجعهم قلبا حتى أنه يوم أحد قتل أصحابه وجرحوا وما ضعف ولا استكان بل خرج من الغد في طلب عدوه على شدة القرح حتى أرعب منه العدو وكر خاسئا على كثرة عددهم وعددهم وضعف أصحابه وكذلك يوم حنين أفرد عن(2\/366)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "150",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15606",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الناس في نفر يسير دون العشرة والعدو قد أحاطوا به وهم ألوف مؤلفة فجعل يثب في العدو ويقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ويتقدم إليهم وأخذ حفنة من التراب فرمى بها وجوههم فولوا منهزمين. ومن تأمل سيرته وحروبه علم أنه لم يطرق العالم أشجع منه ولا أثبت ولا أصبر وكان أصحابه مع أنهم أشجع الأمم إذا احمر البأس واشتد الحرب اتقوا به وتترسوا به فكان أقربهم إلى العدو وكان أشجعهم هو الذي يكون قريبا منه. وقوله: ولا يميل إلى اللهو هكذا كانت سيرته صلى الله عليه وسلم أبعد الناس من اللهو واللعب بل أمره كله جد وحزم وعزم مجلسه مجلس حياء وكرم وعلم وإيمان ووقار وسكينة. وقوله: ولا يسمع في الأسواق صوته أي ليس من الصخابين بالأسواق في طلب الدنيا ولا الحرص عليها كحال أهلها الطالبين لها. وقوله: ركن للمتواضعين فإن من تأمل سيرته وجده أعظم الناس تواضعا للصغير والكبير والمسكين والأرملة والحر والعبد يجلس معهم على التراب ويجيب دعوتهم ويسمع كلامهم وينطلق مع أحدهم في حاجته ويخصف لأحدهم نعله ويخيط له ثوبه ويأخذ له حقه ممن لا يستطيع أن يطالبه به. وقوله: وهو نور الله الذي لا يطفأ ولا يخصم حتى يثبت في الأرض حجتي وينقطع به العذر وهذا مطابق لحاله وأمره لما شهد به القرآن في غير موضع كقوله: يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون وقوله تعالى: إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وقوله تعالى: ياأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا وقوله تعالى: قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام(2\/367)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "151",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15607",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله تعالى: فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ونظائره في القرآن كثيرة. وقوله: حتى ينقطع به العذر ... وتثبت به الحجة مطابق لقوله تعالى: رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وقوله تعالى: والمرسلات عرفا إلى قوله: فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا وقوله تعالى: ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين. وقوله تعالى: أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة. فالحجة إنما قامت على الخلق بالرسل وبهم انقطعت المعذرة فلا يمكن من بلغته دعوتهم أن يعتذر إلى الله يوم القيامة إذ ليس له عذر يقبل منه.  (فصل) : وهذه البشارة مطابقة لما في صحيح البخاري أنه ... قيل لعبد الله بن عمرو: أخبرنا ببعض صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة فقال: إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق(2\/368)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "152",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15608",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يجزي بالسيئة الحسنة ويعفو ويغفر ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء فأفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا: بأن يقولوا: لا إله إلا الله.... وقوله: إن هذا في التوراة لا يريد به التوراة المعنية التي هي كتاب موسى فقط فإن لفظ التوراة والإنجيل والزبور والقرآن يراد به الكتب المعنية تارة ويراد به الجنس تارة فيعبر بلفظ القرآن عن الزبور وبلفظ التوراة عن الإنجيل وعن القرآن أيضا. وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: خفف على داود القرآن فكان ما بين أن يسرج دابته إلى أن يركبها يقرأ القرآن والمراد به قرآنه وهو الزبور. وكذلك قوله في البشارة التي في التوراة: نبيا أقيم لبني إسرائيل من إخوتهم أنزل عليه توراة مثل توراة موسى. وكذلك في صفة أمته صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة: أناجيلهم في صدورهم. فقوله: أخبرني بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إما أن يريد التوراة المعينة وليست المبدلة التي بأيدي اليهود لعنهم الله أو جنس الكتب المتقدمة وعلى التقديرين فأجابه عبد الله بن عمرو بما هو في التوراة التي هي أتم من الكتاب المعين فإن هذا الذي ذكره ليس في التوراة المعينة فقط بل هو في كتاب أشعيا كما حكيناه عنه. وقد ترجموه أيضا بترجمة أخرى فيها بعض الزيادة: عبدي ورسولي الذي سرت به نفسي أنزل عليه وحيي فيظهر في الأمم عدلي ويوصيهم بالوصايا لا يضحك ولا يسمع صوته في الأسواق يفتح العيون العور والآذان الصم ويحيي القلوب الغلف وما أعطيه لا أعطيه أحدا(2\/369)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "153",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15609",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يحمد الله حمدا جديدا يأتي من أقطار الأرض وتفرح البرية وسكانها يهللون بالله على كل شرف ويكبرونه على كل رابية لا يضعف ولا يغلب ولا يميل إلى الهوى مشفح ولا يذل الصالحين الذين هم كالقصبة الضعيفة بل يقوي الصديقين وهو ركن المتواضعين وهو نور الله الذي لا يطفأ أثر سلطانه على كتفيه. وقوله: مشفح بالشين المعجمة والفاء المشددة بوزن مكرم وهي لفظة عبرانية مطابقة لاسم محمد معنى ولفظا مقاربا لمطابقة (مؤد مؤد) بل أشد مطابقة ولا يمكن العرب أن يتلفظوا بها بلفظ العبرانيين فإنها بين الحاء والهاء وفتحة الفاء بين الضمة والفتحة ولا يتريب عالم من علمائهم منصف أنها مطابقة لاسم محمد. قال أبو محمد بن قتيبة: مشفح محمد بغير شك واعتباره أنهم يقولون (شفحا لاها)  إذا أرادوا يقولوا الحمد لله وإذا كان الحمد شفحا فمشفح محمد بغير شك. وقد قال لي ولغيري بعض من أسلم من علمائهم: إن quot; مئد مئد quot; هي محمد وهي بكسر الميم والهمزة وبعضهم يفتح الميم ويدنيها من الضمة قال: ولا يشك العلماء منهم بأنه محمد وإن سكتنا عن ذلك وضربنا عن هذا صفحا فمن هذا الذي انطبقت عليه وعلى أمته هذه الصفات سواه صلى الله عليه وسلم! ومن هذا الذي أثر سلطانه وهو خاتم النبوة على كتفيه رآه الناس عيانا مثل زر الحجلة! ! فماذا بعد الحق إلا الضلال وبعد البصيرة إلا العمى ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور. فصفات هذا النبي ومخرجه ومبعثه وعلاماته وصفات أمته في كتبهم يقرءونها في كنائسهم ويدرسونها في مجالسهم لا ينكرها منهم عالم ولا يأباها جاهل ولكنهم يقولون: لم يظهر بعد وسيظهر ونتبعه. قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير ... عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا نبوته وجحدوا ما كانوا يقولونه(2\/370)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "154",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15610",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فيه فقال معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور وداود بن سلمة: يا معشر اليهود: اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك وتخبرونا أنه مبعوث وتصفونه بصفته فقال سلام بن مشكم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه وما هو الذي كنا نذكر لكم فأنزل الله تعالى: وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين. وقال أبو العالية: كان اليهود إذا استنصروا بمحمد على مشركي العرب يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى يعذب المشركين ويقتلهم فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسدا للعرب وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل هذه الآيات: فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين. وقال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري عن رجال من قومه قالوا: ومما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله وهداه ما كنا نسمع من رجال يهود كنا أهل شرك أصحاب أوثان وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس عندنا فكانت لا تزال بيننا(2\/371)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "155",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15611",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وبينهم شرور فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم فلما بعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أجبناه حين دعانا إلى الله وعرفنا ما كانوا يتوعدونا به فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به ففينا وفيهم نزلت هذه الآيات التي في البقرة: ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين. في كتاب أشعيا: أشكر حبيبي وابني أحمد فلهذا جاء ذكره في نبوة أشعيا أكثر من غيرها من النبوات وأعلن أشعيا بذكره وصفته وصفة أمته ونادى بها في نبوته سرا وجهرا لمعرفته بقدره ومنزلته عند الله تعالى. وقال أشعيا أيضا: إنا سمعنا من أطراف الأرض صوت محمد وهذا إفصاح منه باسمه صلى الله عليه وسلم فليرنا أهل الكتاب نبيا نصت الأنبياء على اسمه وصفته ونعته وسيرته وصفة أمته وأحوالهم سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قول حبقوق في كتابه: إن الله جاء من اليمن والقدوس من جبال فاران لقد أضاءت السماء من بهاء محمد وامتلأت الأرض من حمده شعاع منظره مثل النور يحوط بلاده بعزة تسير المنايا أمامه وتصحب سباع الطير أجناده قام فمسح الأرض فتضعضعت له الجبال القديمة وانخفضت الروابي فتزعزعت أسوار مدين ولقد(2\/372)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "156",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15612",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حاز المساعي القديمة ثم قال: زجرك في الأنهار واحتذام صوتك في البحار ركبت الخيول وعلوت مراكب الأتقياء وستنزع في قسيك أعراقا وترتوي الهام بأمرك يا محمد ارتواء ولقد رأتك الجبال فارتاعت وانحرف عنك شؤبوب السيل وتضيمت المهاري تضورا ورفعت أيديها وجلا وخوفا وسارت العساكر في بريق سهامك ولمعان نيازكك وتدوخ الأرض وتدوس الأمم أنك ظهرت بخلاص أمتك وإنقاذ تراب آبائك. فمن رام صرف هذه البشارة عن محمد فقد رام ستر الشمس بالنهار وتغطية البحار وأنى يقدر على ذلك وقد وصفه بصفات عينت شخصه وأزالت عن الحيران لبسه! بل قد صرح باسمه مرتين حتى انكشف الصبح لمن كان ذا عينين وأخبر بقوة أمته وتسيير المنايا أمامهم واتباع جوارح الطير آثارهم وهذه النبوة لا تليق إلا بمحمد صلى الله عليه وسلم ولا تصلح إلا له ولا تنزل إلا عليه فمن حاول صرف الأنهار العظيمة عن مجاريها وحبسها عن غايتها ومنتهاها فهيهات ما يروم المبطلون والجاحدون ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. فمن الذي امتلأت الأرض من حمده وحمد أمته في صلواتهم وخطبهم وإدبار صلواتهم وعلى السراء والضراء وجميع الأحوال سواهم! حتى سماهم الله تعالى قبل ظهورهم الحمادين! ومن ذا الذي كان وجهه كأن الشمس والقمر يجريان فيه من ضيائه ونوره.(2\/373)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "157",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15613",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قد عود الطير عادات وثقن به فهن يتبعنه في كل مرتحل لو لم يقل إني رسول أما أتى شاهده في وجهه ينطق ومن الذي سارت المنايا أمامه وصحبت سباع الطير جنوده لعلمهما بقرب من ذبح الكفار لله الواحد القهار. يتطايرون بقربه قربانهم بدماء من علقوا من الكفار ومن الذي تضعضعت له الجبال وانخفضت له الروابي وداس الأمم وروع العالم وانتقضت لنبوته الممالك وخلص الأمة من الشرك والكفر والجهل والظلم سواء. قوله في كتاب حزقيل يهدد اليهود ويصف لهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم: إن الله مظهرهم عليكم وباعث فيهم نبيا وينزل عليه كتابا ويملكهم رقابكم فيقهرونكم ويذلونكم بالحق ويخرج رجال بني قيدار في جماعات الشعوب معهم ملائكة على خيل بيض متسلحين يوقعون بكم وتكون عاقبتكم إلى النار. فمن الذي أظهره الله على اليهود حتى قهرهم وأذلهم وأوقع بهم وأنزل عليه كتابا ومن هم بنو قيدار غير بني إسماعيل الذي خرجوا معه وهم جماعات الشعوب ومن الذي نزلت عليه وعلى أمته الملائكة على خيل بيض يوم بدر ويوم الأحزاب ويوم حنين حتى عاينوها عيانا فقاتل بين يديه وعن يمينه وعن شماله حتى غلب ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ليس معهم غير فرسين ألف رجل مقنعين في الحديد معدودين من فرسان(2\/374)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "158",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15614",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العرب فأصبحوا بين قتيل وأسير ومنهزم. قول دانيال وذكره باسمه الصريح من غير تعريض ولا تلويح وقال: ستنزع في قسيك أعراقا وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء. وقول دانيال النبي أيضا حين سأله بختنصر عن تأويل رؤيا رآها ثم أنسيها: رأيت أيها الملك صنما عظيما قائما بين يديك رأسه من الذهب وساعداه من الفضة وبطنه وفخذه من النحاس وساقاه من الحديد ورجلاه من الخزف فبينما أنت تتعجب منه إذ أقبلت صخرة فدقت في ذلك الصنم فتفتت وتلاشى وعاد رفاتا ثم نسفته الرياح وذهب وتحول ذلك الحجر إنسانا عظيما ملأ الأرض فهذا ما رأيت أيها الملك فقال بختنصر: صدقت فما تأويلها قال: أنت الرأس الذي رأيته من الذهب ويقوم بعدك ولدك وهو الذي رأيته من الفضة وهو دونك وتقوم بعده مملكة أخرى هي دونه وهي تشبه النحاس وبعدها مملكة قوية مثل الحديد وأما الرجلان اللذان رأيت من خزف فمملكة ضعيفة وأما الحجر العظيم الذي رأيته دق الصنم ففتته فهو نبي يقيمه إله الأرض والسماء بشريعة قوية فيدق جميع ملوك الأرض وأممها حتى تمتلئ الأرض منه ومن أمته ويدوم سلطان ذلك النبي إلى انقضاء الدنيا فهذا تعبير رؤياك أيها الملك. ومعلوم أن هذا منطبق على محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم حذو القذة بالقذة لا على المسيح ولا على نبي سواه فهو الذي بعث بشريعة قوية ودق جميع ملوك الأرض وأممها حتى(2\/375)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "159",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15615",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "امتلأت الأرض من أمته وسلطانه دائم إلى آخر الدهر لا يقدر أحد أن يزيله كما أزال سلطان اليهود من الأرض وأزال سلطان النصارى عن خيار الأرض - وسطها - فصار في بعض أطرافها وأزال سلطان المجوس وعباد الأصنام وسلطان الصابئين. قول دانيال أيضا: سألت الله وتضرعت إليه أن يبين لي ما يكون من بني إسرائيل وهل يتوب عليهم ويرد إليهم ملكهم ويبعث إليهم الأنبياء أو يجعل ذلك في غيرهم فظهر لي الملك في صورة شاب حسن الوجه فقال: السلام عليك يا دانيال إن الله يقول: إن بني إسرائيل أغضبوني وتمردوا علي وعبدوا من دوني آلهة أخرى وصاروا من بعد العلم إلى الجهل ومن بعد الصدق إلى الكذب فسلطت عليهم بخت نصر فقتل رجالهم وسبى ذراريهم وهدم مساجدهم وحرق كتبهم وكذلك فعل من بعده بهم وأنا غير راض عنهم ولا مقيلهم عثراتهم فلا يزالون في سخطي حتى أبعث مسيحي ابن العذراء البتول وأختم عليهم ذلك باللعن والسخط فلا يزالون ملعونين عليهم الذلة والمسكنة حتى أبعث نبي بني إسماعيل الذي بشرت به هاجر وأرسلت إليها ملاكي فبشرها وأوحي إلى ذلك النبي وأعلمه الأسماء وأزينه بالتقوى وأجعل البر شعاره والتقوى ضميره والصدق قوله والوفاء طبيعته والقصد سيرته والرشد سنته أخصه بكتاب مصدق لما بين يديه من الكتاب وناسخ لبعض ما فيها أسري به إلي وأرقيه من سماء إلى سماء حتى يعلو فأدنيه وأسلم عليه وأوحي إليه ثم أرده إلى عبادي بالسرور والغبطة حافظا لما استودع صادقا فيما أمر يدعو إلى توحيدي باللين من القول والموعظة الحسنة لا فظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق رءوف بمن والاه رحيم بمن آمن به خشن على من عاداه فيدعو قومه إلى توحيدي وعبادتي ويخبرهم بما رأى من آياتي فيكذبونه ويؤذونه.(2\/376)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "160",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15616",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم سرد دانيال قصة رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أملاه عليه الملك حتى وصل آخر أيام أمته بالنفخة وانقضاء الدنيا وهذه البشارة الآن عند اليهود والنصارى يقرءونها ويقرون بها ويقولون: لم يظهر صاحبها بعد. قال أبو العالية: لما فتح المسلمون تستر وجدوا دانيال ميتا ووجدوا عنده مصحفا. قال أبو العالية: فأنا قرأت ذلك المصحف وفيه صفتكم وأخباركم وسيرتكم ولحون كلامكم وكان أهل الناحية - يعني أهل أرض السويس حيث دانيال مدفون - إذا أجدبوا كشفوا عن قبره فيسقون فكتب أبو موسى في ذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكتب إليه عمر أن احفر بالنهار ثلاثة عشر قبرا وادفنه بالليل في واحد منها كي لا تفتن الناس به.... قال كعب: وذكر صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة ويريد بها التوراة التي هي أعم من التوراة المعنية: أحمد عبدي المختار لا فظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق ولا يجزي السيئة بالسيئة يعفو ويغفر مولده بكا وهجرته طابا وملكه بالشام وأمته(2\/377)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "161",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15617",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحامدون يحمدون الله على كل نجد ويسبحونه في كل منزلة ويوضئون أطرافهم ويأتزرون على أنصافهم وهم رعاة الشمس ومؤذنهم في جو السماء وصفهم في القتال وصفهم في الصلاة سواء رهبان بالليل أسد بالنهار ولهم دوي كدوي النحل يصلون الصلاة حيث ما أدركتهم ولو على كناسة. قال ابن أبي الزناد: حدثني عبد الرحمن بن الحارث عن عمر بن حفص وكان من خيار الناس قال: كان عند أبي وجدي ورقة يتوارثونها قبل الإسلام فيها اسم الله وقوله الحق وقول الظالمين في تبار هذا الذكر لأمة تأتي في آخر الزمان يتزرون على أوساطهم ويغسلون أطرافهم ويخوضون البحور إلى أعدائهم فيهم صلاة لو كانت في قوم نوح ما هلكوا بالطوفان وفي ثمود ما أهلكوا بالصيحة. قال أشعيا وذكر قصة العرب فقال: يدوسون الأمم دياس البيادر وينزل البلاء بمشركي العرب وينهزمون بين يدي سيوف مسلولة وقسي موتورة من شدة الملحمة. وهذا إخبار عما حل بعبدة الأوثان من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم بدر ويوم حنين وفي غيرهما من الوقائع. قوله في الإنجيل الذي بأيدي النصارى عن يوحنا: أن المسيح قال للحواريين: من(2\/378)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "162",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15618",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبغضني فقد أبغض الرب ولولا أني صنعت لهم صنائع لم يصنعها أحد لم يكن لهم ذنب ولكن من الآن بطروا فلا بد أن تتم الكلمة التي في الناموس لأنهم أبغضوني مجانا فلو قد جاء المنحمنا هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب روح القدس فهو شهيد علي وأنتم أيضا لأنكم قديما كنتم معي هذا قولي لكم لكي لا تشكوا إذا جاء. والمنحمنا بالسريانية وتفسيره بالرومية البارقليط وهو بالعبرانية الحامد والمحمود والحمد كما تقدم. قوله في الإنجيل أيضا: إن المسيح قال لليهود: وتقولون: لو كنا في أيام آبائنا لم نساعدهم على قتل الأنبياء فأتموا كيل آبائكم يا ثعابين بني الأفاعي كيف لكم النجاة من عذاب النار. ويؤيد ذلك ما ورد في سورة يس إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث. وذلك محقق أنه بعد رفع المسيح وقد تقدم الكلام على معنى (وسأبعث إليكم أنبياء وعلماء وتقتلون منهم وتصلبون وتجلدون وتطلبونهم من مدينة إلى أخرى لتتكامل عليكم دماء المؤمنين المهرقة على الأرض من دم هابيل الصالح إلى دم زكريا بن برضيا الذي قتلتموه عند المذبح إنه سيأتي جميع ما وصفت على هذه الأمة يا أورشليم(2\/379)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "163",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15619",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التي تقتل الأنبياء وترحم من بعث إليك قد أردت أن أجمع بنيك كجمع الدجاجة فراريجها تحت جناحها وكرهت أنت ذلك سأقفر عليكم بيتكم وأنا أقول لا تروني الآن حتى يأتي من يقولون له مبارك يأتي على اسم الله. فأخبرهم المسيح أنهم لا بد أن يستوفوا الصاع الذي قدر لهم وأنه سيقفر بيتهم أي يخليه منهم وأنه يذهب عنهم فلا يرونه حتى يأتي المبارك الذي يأتي على اسم الله. فهو الذي انتقم بعده لدماء المؤمنين. وهذا نظير قوله في الموضع الآخر: إن خيرا لكم أن أذهب عنكم حتى يأتيكم البارقليط فإنه لا يجيء ما لم أذهب. وقوله أيضا: ابن البشر ذاهب والبارقليط من بعده وفي موضع آخر: أنا ذاهب وسيأتيكم البارقليط. والمبارك الذي جاء بعد المسيح هو محمد صلى الله عليه وسلم كما تقدم تقريره. قوله في إنجيل متى: إنه لما حبس يحيى بن زكريا بعث تلاميذه إلى المسيح وقال لهم: قولوا له: أنت إيليا أم نتوقع غيرك فقال المسيح: الحق اليقين أقول لكم: إنه لم تقم النساء عن أفضل من يحيى بن زكريا وإن التوراة وكتب الأنبياء يتلو بعضها بعضا بالنبوة والوحي حتى جاء يحيى وأما الآن فإن شئتم فاقبلوا فإن (إيل) مزمع أن يأتي فمن كانت له أذنان سامعتان فليستمع. وهذه بشارة بمجيء الله سبحانه وتعالى الذي هو (إيل) بالعبرانية ومجيئه هو مجيء رسوله وكتابه ودينه كما في التوراة: جاء الله من طور سيناء قال بعض عباد الصليب: إنما بشر بإلياس النبي.(2\/380)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "164",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15620",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا لا ينكر من جهل أمة الضلال وعباد خشبة الصليب التي نحتتها أيدي اليهود فإن إلياس تقدم إرساله على المسيح بدهور متطاولة. قوله في نبوة أرميا: قبل أن أخلقك قد عظمتك من قبل أن أصورك في البطن وأرسلتك وجعلتك نبيا للأجناس كلهم. فهذه بشارة على لسان أرميا لمن بعده وهو إما المسيح وإما محمد صلوات الله وسلامه عليهما لا تعدوهما إلى غيرهما ومحمد أولى بها لأن المسيح إنما كان نبيا لبني إسرائيل كما قال الله تعالى: ورسولا إلى بني إسرائيل. والنصارى تقر بذلك ولم يدع المسيح أنه رسول إلى سائر الأجناس من أهل الأرض فإن الأنبياء من عهد موسى إلى المسيح إنما كانوا يبعثون إلى قومهم بل عندهم في الإنجيل أن المسيح قال للحواريين: لا تسلكوا إلى سبيل الأجناس ولكن اختصروا على الغنم الرابضة من نسل إسرائيل. وأما محمد بن عبد الله فهو الذي بعثه الله إلى سائر أجناس الأرض وطوائف بني آدم. وهذه البشارة مطابقة لقوله تعالى: ياأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا. ولقوله صلى الله عليه وسلم: بعثت إلى الأسود والأحمر.(2\/381)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "165",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15621",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقوله: وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة. وقد اعترفت النصارى بهذه البشارة ولم ينكروها لكن قال بعض زعمائهم إنها بشارة موسى بن عمران وإلياس واليسع وأنهم سيأتون في آخر الزمان وهذا من أعظم البهت والجرأة على الله تعالى والافتراء عليه: فإنه لا يأتي من قد مات إلى يوم الميقات المعلوم. قول المسيح في الإنجيل الذي بأيديهم وقد ضرب مثل الدنيا فقال: كمثل رجل اغترس كرما ويسيج حوله وجعل فيه معصرة وشيد فيه قصرا ووكل به أعوانا وتقرب عنبه فلما دنا أوان القطاف بعث عبدا إلى أعوانه المتوكلين بالكرم. ثم ضرب مثلا للأنبياء ولنفسه ثم للنبي الموكل آخر بالكرم إلى أن أفصح عن أمته فقال: وأقول لكم: سيزاح عنكم ملك الله وتعطاه الأمة المطيعة العاملة. ثم ضرب لبني إسرائيل مثلا بصخرة وقال: من سقط على هذه الصخرة ينكسر ومن سقطت عليه يتهشم. وهذه صفة محمد صلى الله عليه وسلم ومن ناوأه وحاربه من الناس لا ينطبق على أحد بعد المسيح سواه. قول أشعيا في صفته: لتفرح أرض البادية العطشى ولتبتهج الروابي(2\/382)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "166",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15622",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والفلوات لأنها ستعطى بأحمد محاسن لبنان ومثل حسن الدساكير. وبالله ما بعد هذا إلا المكابرة وجحد الحق بعد ما تبين. قول حزقيل في صحفه التي بأيديهم: يقول الله عز وجل - بعد ما ذكر معاصي بني إسرائيل وشبههم بكرمة غذاها وقال: لم تلبث الكرمة أن قلعت بالسخطة ورمي بها على الأرض وأحرقت السمائم ثمارها فعند ذلك غرس في البدو وفي الأرض المهملة العطشى وخرجت من أغصانها الفاضلة نار أكلت تلك الكرمة حتى لم يوجد فيها غصن قوي ولا قضيب. وهذا تصريح لا تلويح به صلى الله عليه وسلم وببلده وهي مكة العطشى المهملة من النبوة قبله من عهد إسماعيل. ما في صحف دانيال وقد نعت (الكشدانيين) الكلدانيين فقال: لا تميد دعوتهم وأقسم الرب بساعده أن لا يظهر الباطل ولا يقوم لمدع كاذب دعوة أكثر من ثلاثين سنة. وفي التوراة ما يشبه هذا وهذا تصريح بصحة نبوته صلى الله عليه وسلم فإن الذين اتبعوه بعد موته أضعاف الذين اتبعوه في حياته وهذه دعوته قد مرت عليها القرون من السنين وهي باقية مستمرة وكذلك إلى آخر الدهر ولم يقع هذا لملك قط فضلا عن كذاب مفتر(2\/383)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "167",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15623",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على الله وأنبيائه مفسد للعالم مغير لدعوة الرسل ومن ظن هذا بالله فقد ظن به أسوأ الظن وقدح في علمه وقدرته وحكمته. وقد جرت لي مناظرة مع أكبر من تشير إليه اليهود بالعلم والرئاسة فقلت له في أثناء الكلام: إنهم بتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم وقد شتمتم الله أعظم شتيمة فعجب من ذلك وقال: مثلك يقول هذا الكلام! فقلت له: اسمع الآن تقريره إذا قلتم: إن محمدا ملك ظالم قهر الناس بسيفه وليس برسول من عند الله وقد أقام ثلاثا وعشرين سنة يدعي أنه رسول الله أرسله إلى الخلق كافة ويقول: أمرني الله بكذا ونهاني عن كذا وأوحي إلي كذا ولم يكن من ذلك شيء. ويقول: إنه أباح لي سبي ذراري من كذبني وخالفني ونساءهم وغنيمة أموالهم وقتل رجالهم ولم يكن من ذلك شيء وهو يدأب في تغيير دين الأنبياء ومعاداة أممهم ونسخ شرائعهم فلا يخلو إما أن تقولوا: أن الله سبحانه وتعالى كان يطلع على ذلك ويشاهده ويعلمه أو تقولوا: إنه خفي عنه ولم يعلم به فإن قلتم لم يعلم به نسبتموه إلى أقبح الجهل وكان من علم ذلك أعلم منه وإن قلتم بل كان كله بعلمه ومشاهدته واطلاعه عليه فلا يخلو: إما أن يكون قادرا على تغييره والأخذ على يديه ومنعه من ذلك أو لا فإن لم يكن قادرا فقد نسبتموه إلى أقبح العجز المنافي للربوبية وإن كان قادرا وهو مع ذلك يعزه وينصره ويوده ويعليه ويعلي كلمته ويجيب دعاءه ويمكنه من أعدائه ويظهر على يديه من أنواع المعجزات والكرامات ما يزيد على الألف ولا يقصده أحد بسوء إلا ظفر به ولا يدعوه بدعوة إلا استجابها له فهذا من أعظم الظلم والسفه الذي لا يليق نسبته إلى آحاد العقلاء فضلا عن رب الأرض والسماء فكيف وهو يشهد له بإقراره على دعوته وتأييده بكلامه وهذه عندكم شهادة زور وكذب(2\/384)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "168",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15624",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلما سمع ذلك قال: معاذ الله أن يفعل الله هذا بكاذب مفتر بل هو نبي صادق من اتبعه أفلح وسعد. قلت: فما لك لا تدخل في دينه قال: إنما بعث للأميين الذين لا كتاب لهم وأما نحن فعندنا كتاب نتبعه. قلت له: غلبت كل الغلب فإنه قد علم الخاص والعام أنه أخبر أنه رسول الله إلى جميع الخلق وإن من لم يتبعه فهو كافر من أهل الجحيم وقاتل اليهود والنصارى وهم أهل كتاب وإذا صحت رسالته وجب تصديقه في كل ما أخبر به فأمسك ولم يحر جوابا. وقريبا من هذه المناظرة ما جرى لبعض علماء المسلمين مع بعض اليهود ببلاد المغرب قال له المسلم: في التوراة التي بأيديكم إلى اليوم أن الله تعالى قال لموسى عليه السلام: إني أقيم لبني إسرائيل من إخوتهم نبيا مثلك أجعل كلامي على فيه فمن عصاه انتقمت منه. قال له اليهودي: ذلك يوشع بن نون. فقال المسلم: هذا محال من وجوه: أحدها: أنه قال عندك في آخر التوراة: أنه لا يقوم في بني إسرائيل نبي مثل موسى. (الثاني) : أنه قال من إخوتهم وإخوة بني إسرائيل إما العرب وإما الروم. فإن العرب بنو إسماعيل والروم بنو العيص وهؤلاء إخوة بني إسرائيل فأما(2\/385)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "169",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15625",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الروم فلم يقم منهم نبي سوى أيوب عليه السلام وكان قبل موسى عليه السلام فلا يجوز أن يكون هو الذي بشرت به التوراة فلم يبق إلا العرب وهو ابن إسماعيل وهم إخوة بني إسرائيل. وقد قال الله تعالى في التوراة حين ذكر إسماعيل جد العرب: أنه يضع فسطاطه في وسط بلاد إخوته وهم بنو إسرائيل. وهذه بشارة بنبوة ابنه محمد الذي نصب فسطاطه وملك أمته في وسط بلاد بني إسرائيل وهي الشام التي هي مظهر ملكه كما تقدم من قوله: وملكه بالشام. فقال له اليهودي: فعندكم في القرآن: وإلى مدين أخاهم شعيبا وإلى عاد أخاهم هودا وإلى ثمود أخاهم صالحا والعرب تقول: يا أخا تميم لواحد منهم فهذا قوله: أقيم لبني إسرائيل من إخوتهم. قال المسلم: الفرق بين الموضعين ظاهر فإنه من المحال أن يقال: بنو إسرائيل إخوة بني إسرائيل وبني تميم إخوة بني تميم وبني هاشم إخوة بني هاشم وهذا ما لا يعقل في لغة أمة من الأمم بخلاف قولك: زيد أخو بني تميم وهو أخو عاد وصالح أخو ثمود أي واحد منهم فهو أخوهم في النسب ولو قيل: عاد أخو عاد وثمود أخو ثمود ومدين أخو مدين لكان نقصا وكان نظير قولك بنو إسرائيل إخوة بني إسرائيل فاعتبار أحد الموضعين بالآخر صريح. قال اليهودي: أخبر أنه سيقيم هذا النبي لبني إسرائيل ومحمد إنما أقيم للعرب ولم يقم لبني إسرائيل فهذا الاختصاص يشعر بأنه مبعوث إليهم لا إلى غيرهم. قال المسلم: هذا من دلائل صدقه فإنه ادعى أنه رسول الله إلى أهل الأرض(2\/386)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "170",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15626",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كتابيهم وأميهم ونص الله في التوراة على أنه يقيمه لهم لئلا يتوهم أنه مرسل إلى العرب والأميين خاصة والنبي صلى الله عليه وسلم خص بالذكر لحاجة المخاطب إلى ذكره ولئلا يتوهم السامع أنه غير مراد باللفظ العام ولا داخل فيه وللتنبيه على أن ما عداه أولى بحكمه ولغير ذلك من المقاصد. فكان في تعيين بني إسرائيل إزالة لوهم من توهم أنه مبعوث إلى العرب خاصة وقد قال الله تعالى: لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك وهؤلاء قومه ولم ينف ذلك أن يكون نذيرا لغيرهم فلو أمكنك أن تذكر عنه أنه ادعى أنه رسول إلى العرب خاصة لكان ذلك حجة فأما وقد نطق كتابه وعرف الخاص والعام بأنه ادعى أنه مرسل إلى بني إسرائيل وغيرهم فلا حجة لك. قال اليهودي: إن أسلافنا من اليهود كلهم على أنه ادعى ذلك ولكن العيسوية منا تزعم أنه نبي العرب خاصة ولسنا نقول بقولهم. ثم التفت إلي يهودي معه فقال: نحن قد جرى شأونا على اليهودية وبالله أدري كيف أتخلص من هذا العربي إلا أنه أقل ما يجب علينا أن نأخذ به أنفسنا النهي عن ذكره بسوء. وقال محمد بن سعد في الطبقات: حدثنا معن بن عيسى حدثنا معاوية بن صالح عن أبي فروة ... عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سأل كعب الأحبار: كيف تجد نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة قال: نجده محمد بن عبد الله مولده بمكة ومهاجره إلى طابة ويكون ملكه بالشام ليس بفحاش ولا صخاب بالأسواق ولا يكافئ بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح.... وقال عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي: حدثنا(2\/387)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "171",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15627",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحسن بن الربيع حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش عن أبي صالح قال: ... قال كعب: نجد مكتوبا في التوراة: محمد لا فظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر وأمته الحمادون يكبرون الله على كل نجد ويحمدونه في كل منزلة يأتزرون على أنصافهم ويتوضئون على أطرافهم مناديهم يناديهم في جو السماء صفهم في القتال وصفهم في الصلاة سواء لهم دوي كدوي النحل مولده بمكة ومهاجره بطابة وملكه بالشام. قال الدارمي: أخبرنا زيد بن عوف حدثنا أبو عوانة عن عبد الملك بن عمير عن ذكوان أبي صالح ... عن كعب قال: في السطر الأول محمد رسول الله عبدي المختار لا فظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر مولده بمكة وهجرته بطيبة وملكه بالشام. وفي السطر الثاني: محمد رسول الله أمته الحمادون يحمدون الله في كل حال ومنزلة ويكبرونه على كل شرف رعاة الشمس يصلون الصلاة إذا جاء وقتها ولو كانوا على رأس كناسة يأتزرون على أوساطهم ويوضئون أطرافهم وأصواتهم بالليل في جو السماء أصوات النحل.... وقال عاصم بن عمر بن قتادة ... عن نملة بن أبي نملة عن أبيه قال: كانت يهود بني قريظة يدرسون ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتبهم ويعلمون الولدان صفته واسمه ومهاجره فلما ظهر حسدوا وبغوا.... وذكر أبو نعيم في دلائل النبوة من حديث سليمان بن سحيم ورميح بن عبد الرحمن كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال: سمعت(2\/388)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "172",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15628",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أبا مالك بن سنان يقول: جئت لبني عبد الأشهل يوما لأتحدث فيهم ونحن يومئذ في هدنة من الحرب فسمعت يوشع اليهودي يقول: أظل خروج نبي يقال له: أحمد يخرج من الحرم فقال له خليفة بن ثعلبة الأشهلي كالمستهزئ به: ما صفته فقال: رجل ليس بالقصير ولا بالطويل في عينيه حمرة يلبس الشملة ويركب الحمار وهذا البلد مهاجره قال: فرجعت إلى قومي بني خدرة وأنا يومئذ أتعجب مما يقول يوشع فأسمع رجلا منا يقول: (هذا وحده يقوله!) كل يهود يثرب تقول هذا قال أبي: فخرجت حتى جئت يهود بني قريظة فتذاكروا النبي صلى الله عليه وسلم فقال الزبير بن باطا: قد طلع الكوكب الأحمر الذي لم يطلع إلا بخروج نبي وظهوره ولم يبق أحد إلا أحمد هذه مهاجره. قال أبو سعيد: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أخبره أبي هذا الخبر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو أسلم الزبير وذووه من رؤساء يهود لأسلمت يهود كلها إنما هم لهم تبع. وقال النضر بن سلمة: حدثنا يحيى بن إبراهيم عن صالح بن محمد عن أبيه عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد ... عن محمد بن مسلمة قال: لم يكن في بني عبد الأشهل إلا يهودي واحد يقال له يوشع فسمعته يقول وإني لغلام: قد أظلكم خروج نبي يبعث من نحو هذا البيت ثم أشار بيده إلى نحو بيت الله الحرام فمن أدركه فليصدقه فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمنا وهو بين أظهرنا ولم يسلم حسدا وبغيا.... قال النضر: وحدثنا عبد الجبار بن سعيد عن أبي بكر بن عبد الله العامري عن سليم بن يسار عن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: ما كان في الأوس والخزرج رجل أوصف لمحمد من أبي عامر الراهب كان يألفه اليهود ويسألهم عن الدين(2\/389)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "173",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15629",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويخبرونه بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن هذه دار هجرته ثم خرج إلى يهود تيما فأخبروه بمثل ذلك ثم خرج إلى الشام فسأل النصارى فأخبروه بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن مهاجره يثرب فرجع أبو عامر وهو يقول: أنا على دين الحنيفية وأقام مترهبا ولبس المسوح وزعم أنه على دين إبراهيم وأنه ينتظر خروج النبي صلى الله عليه وسلم فلما خرج وظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخرج إليه وأقام على ما كان عليه. فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة حسده وبغى ونافق وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد بم جئت بم بعثت قال: بالحنيفية قال: أنت تخلطها بغيرها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتيت بها بيضاء أين ما كان يخبرك به الأحبار من اليهود والنصارى من وصفي فقال: لست بالذي وصفوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كذبت فقال: ما كذبت فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: الكاذب أماته الله وحيدا طريدا قال: آمين ثم رجع إلى مكة وكان مع قريش يتبع دينهم وترك ما كان عليه فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام فمات بها طريدا غريبا وحيدا. وقال الواقدي: حدثني محمد بن سعيد الثقفي وعبد الرحمن بن عبد العزيز في جماعة كل حدثني بطائفة من الحديث ... عن المغيرة بن شعبة أنه دخل على المقوقس وأنه قال له: إن محمدا نبي مرسل ولو أصاب القبط والروم اتبعوه قال المغيرة: فأقمت بالإسكندرية لا أدع كنيسة إلا دخلتها وسألت أساقفتها من قبطها ورومها عما يجد من صفة محمد صلى الله عليه وسلم. وكان أسقف من القبط وهو رأس كنيسة أبي محيس كانوا يأتون بمرضاهم فيدعو لهم لم أر أحدا لا يصلي الخمس أشد اجتهادا منه فقلت: أخبرني هل بقي أحد من الأنبياء قال: نعم وهو آخرهم ليس بينه وبين عيسى أحد وهو(2\/390)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "174",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15630",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نبي قد أمرنا عيسى باتباعه وهو النبي الأمي العربي اسمه أحمد ليس بالطويل ولا بالقصير في عينيه حمرة وليس بالأبيض ولا بالآدم يعفي شعره ويلبس ما غلظ من الثياب ويجتز بما لقي من الطعام سيفه على عاتقه ولا يبالي من لاقاه يباشر القتال بنفسه ومعه أصحابه يفدونه بأنفسهم هم له أشد حبا من أولادهم وآبائهم يخرج من أرض القرظ ومن حرم يذهب إلى حرم يهاجر إلى أرض سبخة ونخل يدين بدين إبراهيم يأتزر على وسطه ويغسل أطرافه ويخص بما لم يخص به الأنبياء قبله وكان النبي يبعث إلى قومه وبعث إلى الناس كافة وجعلت له الأرض مسجدا وطهورا أينما أدركته الصلاة تيمم وصلى ومن كان قبلهم مشدد عليهم لا يصلون إلا في الكنائس والبيع.... وقال الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا عبد الله بن رجاء حدثنا المسعودي عن فضيل بن هشام بن سعيد بن زيد عن أبيه ... عن جده سعيد بن زيد أن زيد بن عمرو وورقة بن نوفل خرجا يلتمسان الدين حتى انتهيا إلى راهب بالموصل فقال لزيد: من أين أقبلت قال: من بيت إبراهيم قال: وما تلتمس قال: ألتمس الدين قال: ارجع فإنه يوشك أن يظهر الذي تطالب في أرضك فرجع وهو يقول: لبيك حقا حقا تعبدا ورقا. وقال ابن قتيبة في كتاب الأعلام: حدثني يزيد بن عمرو حدثنا العلاء بن الفضل(2\/391)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "175",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15631",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حدثني أبي عن أبيه عبد الملك بن أبي سوية ... عن أبيه خليفة بن عبدة المنقري قال: سألت محمد بن عدي: كيف سماك أبوك محمدا قال: أما إني قد سألت أبي عما سألتني عنه فقال: خرجت رابع أربعة من بني تميم أنا أحدهم وسفيان بن مجاشع بن دارم ويزيد بن عمرو بن ربيعة وأسامة بن مالك بن جندب نريد ابن جفنة الغساني فلما قدمنا الشام نزلنا على غدير فيه شجرات وقرية ديراني فأشرف علينا وقال: إن هذه اللغة ما هي لأهل هذا البلد قلنا: نعم نحن قوم من مضر قال: من أي المضريين قلنا: من خندف قال: أما إنه سيبعث منكم وشيكا نبي فسارعوا إليه وخذوا بحظكم منه ترشدوا فإنه خاتم النبيين واسمه محمد فلما انصرفنا من عند ابن جفنة الغساني وصرنا إلى أهلنا ولد لكل رجل منا غلام(2\/392)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "176",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15632",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فسماه محمدا. وقال الإمام أحمد: حدثنا روح حدثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكنيسة فإذا هو بيهود وإذا يهودي يقرأ عليهم التوراة فلما أتوا على صفة النبي صلى الله عليه وسلم أمسكوا وفي ناحيتها رجل مريض فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما لكم أمسكتم قال المريض: إنهم أتوا على صفة نبي فأمسكوا ثم جاء المريض يحبو حتى أخذ التوراة فقرأ حتى أتى على صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هذه صفتك وصفة أمتك: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ثم مات فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: خذوا أخاكم. وقال محمد بن سعد: حدثنا محمد بن عمر قال: حدثني سليمان بن داود بن الحصين عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم ... عن أبي بن كعب قال: لما قدم تبع المدينة ونزل بقباء بعث إلى أحبار اليهود فقال: إني مخرب هذا البلد حتى لا تقوم به يهودية ويرجع الأمر إلى العرب فقال له شموال اليهودي وهو يومئذ أعلمهم أيها الملك! إن هذا بلد يكون إليه مهاجرة نبي من بني إسماعيل مولده بمكة اسمه أحمد وهذه دار هجرته. وإن منزلك هذا الذي أنت به يكون به من القتل والجراح كثير من أصحابه وفي عدوهم قال تبع: ومن يقاتله يومئذ وهو نبي كما تزعمون قال: يسير إليه قومه فيقتتلون هاهنا قال: فأين قبره قال: بهذا البلد قال: فإذا قوتل لمن تكون الدائرة قال: تكون له مرة وعليه مرة وبهذا المكان الذي أنت به يكون عليه(2\/393)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "177",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15633",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتقتل أصحابه قتلا لم يقتلوه في موطن ثم تكون له العاقبة ويظهر فلا ينازعه في هذا الأمر أحد قال: وما صفته قال: رجل ليس بالقصير ولا بالطويل في عينيه حمرة يركب البعير ويلبس الشملة سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقى من أخ وابن عم أو عم حتى يظهر أمره قال تبع: ما إلى هذه البلد من سبيل وما كان يكون خرابها على يدي فخرج تبع منصرفا إلى اليمن. قال يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه: ... لم يمت تبع حتى صدق بالنبي صلى الله عليه وسلم لما كان يهود يثرب يخبرونه وأن تبع مات مسلما.... وقال محمد بن سعد: حدثنا محمد بن عمر حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال: كان الزبير بن باطا أعلم اليهود وكان يقول: إني وجدت سفرا كان أبي يكتمه علي فيه ذكر أحمد نبي يخرج بأرض القرظ صفته كذا وكذا فيحدث به الزبير بعد أبيه والنبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث بعد فما هو إلا أن سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم قد خرج بمكة فعمد إلى ذلك السفر فمحاه وكتم شأن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ليس به. قال محمد بن عمرو: وحدثني الضحاك بن عثمان عن مخرمة بن سليمان عن كريب ... عن ابن عباس قال: كان يهود قريظة والنضير وفدك وخيبر يجدون صفة النبي صلى الله عليه وسلم عندهم قبل أن يبعث وإن دار هجرته بالمدينة فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت أحبار يهود: ولد أحمد الليلة هذا الكوكب قد طلع فلما تنبأ قالوا تنبأ أحمد قد طلع الكوكب كانوا يعرفون ذلك ويقرون به ويصفونه فما منعهم إلا الحسد والبغي....(2\/394)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "178",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15634",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال محمد بن سعد: أخبرنا علي بن محمد عن أبي عبيدة بن عبد الله وعبد الله بن محمد بن عمار بن ياسر وغيره عن هشام بن عروة عن أبيه ... عن عائشة قالت: سكن يهودي بمكة يبيع بها تجارات فلما كانت ليلة ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مجلس من مجالس قريش: هل كان فيكم من مولود هذه الليلة قالوا: لا نعلمه قال: انظروا يا معشر قريش احصوا ما أقول لكم ولد نبي هذه الأمة أحمد وبه شامة بين كتفيه فيها شعرات فتصدع القوم من مجالسهم وهم يعجبون من حديثه فلما صاروا في منازلهم ذكروه لأهاليهم فقيل لبعضهم: ولد لعبد الله بن عبد المطلب الليلة غلام وسماه محمدا فأتوا اليهودي في منزله فقالوا له: أعلمت أنه ولد فينا الليلة غلام فقال: أبعد خبري أم قبله فقالوا: قبله واسمه أحمد فقال: فاذهبوا بنا إليه فخرجوا معي حتى أتوا أمه فأخرجته إليهم فرأى الشامة في ظهره فغشي عليه - أي اليهودي - فلما أفاق قالوا: ما لك ويلك! فقال: ذهبت النبوة من بني إسرائيل وخرج الكتاب من بين أيديهم وفازت العرب بالنبوة أفرحتم يا معشر قريش أما والله ليسطون بكم سطوة يخرج نبؤها من المشرق إلى المغرب.... قال ابن سعد: وأخبرنا علي بن محمد عن علي بن مجاهد عن محمد بن إسحاق عن سالم مولى عبد الله بن مطيع عن أبي هريرة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدراس فقال: أخرجوا إلي أعلمكم فقالوا: عبد الله بن صوريا فخلا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فناشده بدينه وبما أنعم الله عليهم وأطعمهم من المن والسلوى وظللهم(2\/395)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "179",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15635",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من الغمام أتعلم أني رسول الله قال: اللهم نعم وإن القوم ليعرفون ما أعرف وإن صفتك ونعتك لبين في التوراة ولكن حسدوك قال: فما يمنعك أنت قال: أكره خلاف قومي عسى أن يتبعوك ويسلموا فأسلم وقال أبو الشيخ الأصبهاني: حدثنا أبو يحيى الرازي حدثنا سهيل بن عثمان حدثنا علي بن مسهر عن داود عن الشعبي قال: قال عمر بن الخطاب: كنت آتي اليهود عند دراستهم التوراة فأعجب من موافقة التوراة القرآن وموافقة القرآن للتوراة فقالوا: يا عمر ما أحد أحب إلينا منك لأنك تغشانا قلت: إنما أجيء لأعجب من تصديق كتاب الله بعضه بعضا فبينا أنا عندهم ذات يوم إذ مر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذا صاحبك فقلت: أنشدكم الله وما أنزل عليكم من الكتاب أتعلمون أنه رسول الله فقال سيدهم: إنه قد نشدكم الله فأخبروه فقالوا: أنت سيدنا فأخبره فقال: إنا نعلم أنه رسول الله قلت: فأنى أهلككم إن كنتم تعلمون أنه رسول الله ثم لم تتبعوه قالوا: إن لنا عدوا من الملائكة وسلما من الملائكة عدونا جبريل وهو ملك الفظاظة والغلظة وسلمنا ميكائيل وهو ملك الرأفة والرحمة واللين. وجبريل صاحبه قلت: فإني أشهد ما يحل لجبريل أن يعادي سلم ميكائيل ولا لميكائيل أن يعادي سلم جبريل ولا أن يسالم عدوه ثم قمت فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألا أقرئك آيات نزلت علي(2\/396)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "180",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15636",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلت: قل فتلا من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك الآية فقلت: والذي بعثك بالحق نبيا ما جئت إلا لأخبرك بقول اليهود قال عمر: فلقد رأيتني أشد في دين الله من حجر. وذكر أبو نعيم من ... حديث عمرو بن عبسة قال: رغبت عن آلهة قومي في الجاهلية ورأيت أنها على الباطل يعبدون الحجرة وهي لا تضر ولا تنفع فلقيت رجلا من أهل الكتاب فسألته عن أفضل الدين فقال: يخرج رجل من مكة ويرغب عن آلهة قومه ويأتي بأفضل الدين فإذا سمعت به فاتبعه فلم يكن لي هم إلا مكة آتيها فأسأل: هل حدث فيها خبر فيقولون: لا فأنصرف إلى أهلي وأعترض الركبان فأسألهم فيقولون: لا فإني لقاعد إذ مر بي راكب فقلت: من أين جئت قال: من مكة قلت: هل حدث حدث فيها قال: نعم رجل رغب عن آلهة قومه ودعا إلى غيرها قلت: صاحبي الذي أريد فشددت راحلتي وجئت فأسلمت.... وقال عبد الله بن سعيد: حدثنا موسى بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن ثمانية من أساقفة نجران قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم العاقب والسيد فأنزل الله تعالى: فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فقالوا: أخرنا ثلاثة أيام فذهبوا إلى بني قريظة والنضير وبني قينقاع فاستشاروهم فأشاروا عليهم أن يصالحوه ولا يلاعنوه وهو النبي الذي نجده في التوراة والإنجيل فصالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على ألف حلة في صفر(2\/397)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "181",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15637",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وألف حلة في رجب ودراهم. وقال يونس بن بكير عن قيس بن الربيع عن يونس بن أبي سلم ... عن عكرمة: أن ناسا من أهل الكتاب آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث فلما بعث كفروا به فذلك قوله تعالى: فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون. وقال ابن سعد: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن موسى بن يعقوب الزمعي ... عن سهل مولى عثمة أنه كان نصرانيا وكان يتيما في حجر عمه وكان يقرأ الإنجيل قال: فأخذت مصحفا لعمي فقرأته حتى مرت بي ورقة أنكرت قراءتها فإذا هي ملصقة ففتقتها فوجدت فيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم أنه لا قصير ولا طويل أبيض بين كتفيه خاتم النبوة يكثر الاجتباء ولا يقبل الصدقة ويركب الحمار والبعير ويحتلب الشاة ويلبس قميصا مرقوعا وهو من ذرية إسماعيل اسمه أحمد قال: فجاء عمي فرأى الورقة فضربني وقال: ما لك وفتح هذه الورقة: فقلت: فيها نعت النبي أحمد فقال: إنه لم يأت بعد.... وقال وهب: أوحى الله إلى أشعيا أني مبتعث نبيا أفتح به آذانا صما وقلوبا غلفا أجعل السكينة لباسه والبر شعاره والتقوى ضميره والحكمة معقوله والوقار والصدق طبيعته والعفو والمغفرة والمعروف خلقه والعدل سيرته والحق شريعته والهدى إمامه والإسلام ملته وأحمد اسمه أهدي به بعد الضلالة وأعلم به بعد الجهالة وأكثر به بعد القلة وأجمع به بعد الفرقة وأؤلف به بين قلوب مختلفة وأهواء متشتتة وأمم(2\/398)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "182",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15638",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مختلفة وأجعل أمته خير أمة وهم رعاة الشمس طوبى لتلك القلوب.... وذكر ابن أبي الدنيا في حديث عثمان بن عبد الرحمن: ... أن رجلا من أهل الشام من النصارى قدم مكة فأتى على نسوة قد اجتمعت في يوم عيد من أعيادهم وقد غاب أزواجهن في بعض أمورهم فقال: يا نساء تيماء إنه سيكون فيكم نبي يقال له أحمد وأيما امرأة منكن استطاعت أن تكون له فراشا فلتفعل فحفظت خديجة حديثه.... وقال عبد المنعم بن إدريس عن أبيه ... عن وهب قال في قصة داود وما أوحى الله تعالى إليه في الزبور: يا داود إنه سيأتي من بعدك نبي يسمى أحمد ومحمدا صادقا سيدا لا أغضب عليه أبدا ولا يغضبني أبدا قد غفرت له قبل أن يغضبني ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأمته مرحومة أعطيهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء قبلهم وذلك أني افترضت عليهم أن يتطهروا كل صلاة كما افترضت على الأنبياء قبلهم وأمرتهم بالحج كما أمرت الأنبياء قبلهم وأمرتهم بالجهاد كما أمرت الرسل قبلهم يا داود إني فضلت محمدا وأمته على الأمم كما أعطيتهم ست خصال لم أعطها غيرهم من الأمم لا أؤاخذهم بالخطأ والنسيان وكل ذنب ركبوه على غير عمد إذا استغفروني منه غفرته لهم وما قدموا لآخرتهم من شيء طيبة به أنفسهم عجلت لهم أضعافا مضاعفة ولهم عندي في المدخور أضعافا مضاعفة وأفضل من ذلك وأعطيتهم على المصائب إذا صبروا واسترجعوا الصلاة والرحمة والهدى وإن دعوني استجبت لهم يا داود من لقيني من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي صادقا بها فهو معي في جنتي وكرامتي ومن لقيني وقد كذب محمدا أو كذب(2\/399)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "183",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15639",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بما جاء به واستهزأ بكتابي صببت عليه في قبره العذاب صبا وضربت الملائكة وجهه ودبره عند منشره في قبره ثم أدخله الدرك الأسفل من النار.... وقال عفان: حدثنا همام عن قتادة عن زراة بن أوفى ... عن مطرف بن مالك أنه قال: شهدت فتح تستر مع الأشعري فأصبنا قبر دانيال بالسويس وكانوا إذا استسقوا خرجوا فاستسقوا به فوجدوا معه رقعة فطلبها نصراني من الحيرة يسمى نعيما فقرأها وفي أسفلها: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين فأسلم فيهم يومئذ اثنان وأربعون حبرا وذلك في خلافة معاوية فأتحفهم وأعطاهم. قال همام: فأخبرني بسطام بن مسلم أن معاوية بن قرة قال: تذاكرنا الكتاب إلى ما صار فمر علينا شهر بن حوشب فدعوناه فقال: على الخبير سقطت إن الكتاب كان عند كعب فلما احتضر قال: ألا أئتمنه على أمانة يؤديها قال شهر: فقال ابن عم لي يكنى أبا لبيد: أنا فدفع إليه الكتاب فقال: إذا بلغت موضع كذا وكذا فاركب قرقورام ثم اقذف به في البحر ففعل فانفرج الماء فقذفه فيه ورجع إلى كعب فأخبره فقال: صدقت إنه من التوراة التي أنزلها الله عز وجل....  (فصل) : ومن ذلك أخبار أمية بن أبي الصلت الثقفي ونحن نذكر بعضها قال(2\/400)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "184",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15640",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الزبير بن بكار: حدثني عمي مصعب عن مصعب بن عثمان قال: ... كان أمية قد نظر في الكتب وقرأها ولبس المسوح تعبدا وكان ممن ذكر إبراهيم وإسماعيل والحنيفية وحرم الخمر والأوثان والتمس الدين وطمع في النبوة لأنه قرأ في الكتب أن نبيا يبعث من العرب فكان يرجو أن يكون هو فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم قيل له: هذا الذي كنت تبشر به وتقول فيه فحسده عدو الله وقال: أنا كنت أرجو أن أكون هو فأنزل الله عز وجل: واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. وهو الذي يقول: كل دين يوم القيامة عند الله إلا دين الحنيفية زور. قال الزبير: وحدثني عمر بن أبي بكر الموصلي قال: ... كان أمية بن أبي الصلت يلتمس الدين ويطمع في النبوة فخرج إلى الشام فمر بكنيسة وكان معه جماعة من العرب من قريش وغيرهم فقال أمية: إن لي حاجة في هذه الكنيسة فانتظروني فدخل الكنيسة ثم خرج إليهم كاسفا متغيرا فرمى بنفسه فأقاموا عليه حين سري عنه ثم مضوا فقضوا حوائجهم ثم رجعوا فلما صاروا إلى الكنيسة قال: انتظروني ودخل الكنيسة فأبطأ ثم خرج إليهم أسوأ من حاله الأول فقال له أبو سفيان بن حرب: قد شققت علي رفقتك فقال: خلوني فإني أرتاد لنفسي وأنظر لمعادي وإن ههنا راهبا عالما أخبرني أنه سيكون بعد عيسى ست رجفات وقد مضت منها خمس وبقيت واحدة فخرجت وأنا أطمع أن أكون نبيا وأخاف أن يخطئني فأصابني ما رأيت فلما رجعت أتيته فقال: قد كانت الرجفة وبعث نبي من العرب فأيست من النبوة فأصابني ما رأيت إذ فاتني ما كنت أطمع فيه....(2\/401)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "185",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15641",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: وقال الزهري: ... خرج أمية في سفر فنزلوا منزلا فأم أمية وجها وصعد في كثيب فرفعت له كنيسة فانتهى إليها فإذا بشيخ جالس فقال لأمية حين رآه: إنك لمتبوع فمن أين يأتيك رئيك قال: من شقي الأيسر قال: فأي الثياب أحب إليه أن تلقاه فيها قال: السواد قال: كدت تكون نبي العرب ولست هو أو ولست به هذا خاطر من الجن وليس بملك وإن نبي العرب صاحب هذا الأمر يأتيه الملك من شقه الأيمن وأحب الثياب إليه أن يلقاه فيها البياض.... قال الزهري: ... وأتى أمية أبا بكر فقال: يا أبا بكر عمي الخبر فهل أحسست شيئا قال: لا والله قال: قد وجدته يخرج في هذا العام.... وقال عمر بن شيبة: سمعت خالد بن يزيد يقول: ... إن أمية وأبا سفيان بن حرب صحباني في تجارة إلى الشام فذكر نحو الحديث الأول وزاد فيه: فخرج من عند الراهب وهو يعتل فقال له أبو سفيان: إن بك لشرا فما قصتك قال: خير أخبرني عن عتبة بن ربيعة: كم سنه فذكر سنا قال أخبرني عن ماله فذكر مالا فقال له: وضعته قال أبو سفيان: بل رفعته فقال: إن صاحب هذا الاسم ليس بشيخ ولا بذي(2\/402)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "186",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15642",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "مال قال: وكان الراهب أتاه وأخبره فقال: إن صاحب هذا الأمر لرجل من قريش. قال الزبير: وحدثني عمر بن أبي بكر المؤملي قال حدثني رجل من أهل الكوفة قال: ... كان أمية نائما فجاءه طائران فوقع أحدهما على باب البيت ودخل الآخر فشق عن قلبه ثم رده الطائر فقال له الطائر الآخر: أوعى قال: نعم أزكى قال: أبى.... وقال الزهري: ... دخل يوما أمية بن أبي الصلت على أخته وهي تهيئ أدما لها فأدركه النوم فنام على سرير في ناحية البيت فانشق جانب من السقف في البيت وإذا بطائرين قد وقع أحدهما على صدره ووقف الآخر مكانه فشق الواقع صدره فأخرج قلبه فشقه ثم قال الطائر الأخر للذي على صدره: أوعى قال: وعى قال: أقبل قال: أبى فرد قلبه في موضعه ثم مضى فأتبعهما أمية طرفه وقال: لبيكما لبيكما ... ها أنا ذا لديكما....... لا برئ فاعتذر ولا ذا عشيرة فأنتصر  فرجع الطائر فوقع على صدره فشقه حتى أخرج قلبه فشقه فقال الطائر الأعلى: أوعى قال: وعى قال: أقبل قال: أبى ونهض فأتبعهما أمية بصره فقال: لبيكما لبيكما ... ها أنا ذا لديكما  ... لا مال لي يغنيني ... ولا عشيرة تحميني. فرجع الطائر فوقع على صدره فشقه حتى أخرج قلبه فشقه فقال الطائر الأعلى: أوعى قال: وعى قال: أقبل قال: أبى فنهض فأتبعهما أمية بصره وقال: لبيكما(2\/403)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "187",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15643",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لبيكما ... ها أنا ذا لديكما  ... محفوف بالنعم ... محفوظ بالدين  فرجع الطائر فوقع على صدره فشقه فأخرج قلبه فشقه فقال الأعلى: أوعى قال: وعى قال: أقبل قال: أبى ونهض فأتبعهما طرفه فقال: ... لبيكما لبيكما ... ها أنا ذا لديكما. إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما ثم انطبق الشق وجلس أمية يمسح صدره فقلت: يا أخي! هل تجد شيئا قال: لا ولكني أجد حرا في صدري ثم أنشأ يقول: ليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في تلال الجبال أرعى الوعولا اجعل الموت نصب عينيك واحذر ... غولة الدهر إن للدهر غولا وقال مروان بن الحكم ... عن معاوية بن أبي سفيان بن حرب عن أبيه قال: خرجت أنا وأمية بن أبي الصلت تجارا إلى الشام فكان كلما نزلنا قرية أو بمنزل أخرج منه سفرا يقرؤه علينا فكنا كذلك حتى نزلنا بقرية من قرى النصارى فرأوه فعرفوه وأهدوا له فذهبوا ومضى معهم إلى بيعتهم ثم رجع وسط النهار فطرح نفسه واستخرج ثوبين أسودين فلبسهما ثم قال: يا أبا سفيان هل لك في عالم من علماء النصارى إليه تناهى علم الكتب تسأله عما بدا لك فقلت: لا فمضى هو وحده وجاءنا بعد(2\/404)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "188",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15644",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هدأة من الليل فطرح ثوبيه ثم انجدل على فراشه فوالله ما نام ولا قام حتى أصبح وأصبح كئيبا حزينا ما يكلمنا ولا نكلمه فسرنا ليلتين على ما به من الهم وقلت: ما رأيت مثل الذي رجعت به من عند صاحبك قال: لمنقلبي فقلت: وهل لك من منقلب قال: إي والله لأموتن ولأحاسبن قلت: فهل أنت قابل أماني قال: على ماذا قلت: إنك لا تبعث ولا تحاسب فضحك وقال: بلى والله لنبعثن ولنحاسبن وليدخلن فريق في الجنة وفريق في السعير قلت: ففي أيهما أنت أخبرك صاحبك قال: لا علم لصاحبي بذلك في ولا في نفسه فكنا في ذلك ليلنا يعجب منا ونضحك منه حتى قدمنا غوطة دمشق فبعنا متاعنا وأقمنا شهرين ثم ارتحلنا حتى نزلنا قرية من قرى النصارى فلما رأوه جاءوه وأهدوا له وذهب معهم إلى بيعتهم حتى جاءنا بعد هدأة من الليل فطرح ثوبيه ثم رمى بنفسه على فراشه فوالله ما نام ولا قام حتى أصبح مبثوثا حزينا ولا يكلمنا ولا نكلمه. فرحلنا فسرنا ليالي ثم قال: يا صخر حدثني عن عتبة بن ربيعة أيجتنب المحارم والمظالم قلت: أي والله قال: أويصل الرحم ويأمر بصلتها قلت: نعم قال: فكريم الطرفين وسيط في العشيرة قلت: نعم قال: فهل تعلم قريشا أشرف منه قلت: لا والله قال أمحوج هو قلت: لا بل هو ذو مال كثير قال: كم أتى له من السنين قلت: هو ابن سبعين قد قاربها قال: فالسن والشرف أزريا به قلت: والله بل زاده خيرا قال: هو ذاك ثم قال: إن الذي رأيت بي أني جئت هذا العالم فسألته عن هذا الذي ينتظر فقال: رجل من العرب من أهل بيت تحجه العرب فقلت: فينا بيت تحجه العرب قال هو من إخوانكم وجيرانكم من قريش فأصابني شيء ما أصابني مثله إذ خرج من يدي فوز الدنيا والآخرة وكنت أرجو أن أكون أنا هو فقلت: فصفه لي فقال: رجل شاب حين دخل في الكهولة بدؤ أمره أنه يجتنب المحارم والمظالم(2\/405)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "189",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15645",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويصل الرحم ويأمر بصلتها وهو كريم الطرفين متوسط في العشيرة أكثر جنده من الملائكة قلت: وما آية ذلك قال: رجفت الشام منذ هلك عيسى ابن مريم رجفات كلها فيها مصيبة وبقيت رجفة عامة فيها مصيبة يخرج على أثرها فقلت: هذا هو الباطل لئن بعث الله رسولا لا يأخذه إلا مسنا شريفا قال أمية: والذي يحلف به إنه لهكذا. فخرجنا حتى إذا كان بيننا وبين مكة ليلتان أدركنا راكب من خلفنا فإذا هو يقول: أصابت الشام رجفة دثر أهلها وأصابتهم مصيبة عظيمة فقال أمية: يا أبا سفيان فقلت: والله ما أظن صاحبك إلا صادقا. وقدمنا مكة ثم انطلقت حتى أتيت أرض الحبشة تاجرا وكنت فيها خمسة أشهر ثم قدمت مكة فجاء الناس يسلمون علي وفي آخرهم محمد وهند تلاعب صبيانها فسلم علي ورحب بي وسألني عن سفري ومقدمي ثم انطلق وقلت: والله إن هذا الفتى لعجب ما جاءني من قريش أحد له بضاعة إلا سألني عنها وما بلغت والله إن له معي لبضاعة ما هو بأغناهم عنها ثم ما سألني عنها. فقالت: أوما علمت بشأنه فقلت - وفزعت - وما شأنه قالت: يزعم أنه رسول الله فذكرت قول النصراني فوجمت ثم قدمت الطائف فنزلت على أمية فقلت: هل تذكر حديث النصراني قال: نعم فقلت: قد كان قال: ومن قلت: محمد بن عبد الله فتصبب عرقا. فقلت: قد كان من أمر الرجل ما كان وأين أنت منه فقال: والله لا أومن بنبي من غير ثقيف أبدا.... فهذا حديث أبي سفيان عن أمية وكذلك حديثه عن هرقل وهو في صحيح البخاري وكلاهما من أعلام النبوة المأخوذة من علماء أهل الكتاب.(2\/406)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "190",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15646",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وذكر الترمذي وغيره من حديث عبد الرحمن بن غزوان وهو ثقة: أخبرنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي بكر بن موسى عن أبيه قال: خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش فلما أشرفوا على الراهب حطوا عن رحالهم فخرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت. قال: فهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم الراهب حتى إذا جاء فأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذا سيد العالمين هذا يبعثه الله تعالى رحمة للعالمين فقال له أشياخ قريش: ما علمك فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدا ولا يسجدون إلا لنبي وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة ثم رجع فصنع لهم طعاما فلما أتاهم به وكان هو في رعية الإبل قال: أرسلوا إليه فأقبل وعليه غمامة مظللة فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء شجرة فلما جلس مال فيء الشجرة عليه فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه. قال: فبينما هو قائم عليهم يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الروم فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه وإذا بسبعة من الروم قد أقبلوا فاستقبلهم وقال: ما جاء بكم قالوا: بلغنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليه بأناس وإنا قد أخبرنا خبره في طريقك هذا قال: أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه فهل يستطيع أحد من الناس منعه قالوا: لا قال: فبايعوه وأقيموا معه قال: أنشدكم الله أيكم وليه قالوا: أبو طالب فلم يزل يناشدهم حتى رده.(2\/407)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "191",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15647",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد روى محمد بن سعد هذه القصة مطولة قال ابن سعد: حدثنا محمد بن عمر بن واقد حدثنا محمد بن صالح وعبد الله بن جعفر الزبيري قال محمد بن عمرو: وحدثنا ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين قال لما خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرة الأولى وهو ابن اثنتي عشرة سنة فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وبها راهب يقال له بحيرة في صومعة له وكان علماء النصارى يكونون في تلك الصومعة يتوارثونها عن كتاب يدرسونه فلما نزلوا على بحيرا وكانوا كثيرا ما يمرون به ولا يكلمهم حتى إذا كان ذلك العام ونزلوا منزلا قريبا من صومعته قد كانوا ينزلونه قبل ذلك كلما مروا فصنع لهم طعاما ثم دعاهم وإنما حمله على دعائهم أنه رآهم حين طلعوا وغمامة تظل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا تحت الشجرة ثم نظر إلى تلك الغمامة أظلت تلك الشجرة فاخضلت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها فلما رأى بحيرة ذلك نزل من صومعته وأمر بذلك الطعام فأتي به وأرسل إليهم وقال: إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش وأنا أحب أن تحضروه كلكم ولا تخلفوا أحدا منكم كبيرا ولا صغيرا حرا ولا عبدا فإن هذا شيء تكرموني به فقال رجل: إن لك لشأنا يا بحيرة ما كنت تصنع هذا فما شأنك اليوم قال: إني أحب أن أكرمكم ولكم حق فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رحالهم تحت الشجرة. فلما نظر بحيرة إلى القوم فلم ير الصفة التي يعرفها ويجدها عنده وجعل ينظر فلا يرى الغمامة على أحد من القوم ويجدها على النبي صلى الله عليه وسلم فقال بحيرة: يا معشر قريش لا يتخلفن منكم أحد عن طعامي قالوا: ما تخلف أحد إلا غلام هو أحدث القوم سنا في رحالهم فقال: ادعوه ليحضر طعامي فما أقبح أن تحضروا ويتخلف رجل واحد مع أني أراه من أنفسكم فقال القوم: هو والله أوسطنا نسبا وهو ابن أخ هذا الرجل يعنون أبا طالب وهو من ولد عبد المطلب فقال الحارث بن عبد المطلب: والله إن كان بنا للؤم أن يتخلف ابن عبد المطلب من بيننا ثم(2\/408)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "192",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15648",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قام إليه فاحتضنه وأقبل به حتى أجلسه على الطعام والغمامة تسير على رأسه وجعل بحيرا يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء في جسده قد كان يجدها عنده في صفته فلما تفرقوا عن الطعام قام إليه الراهب فقال: يا غلام أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسألني باللات والعزى فوالله ما أبغضت شيئا بغضهما قال: فبالله إلا أخبرتني عما أسألك عنه قال: سلني عما بدا لك فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره فيوافق ذلك ما عنده ثم جعل ينظر بين عينيه ثم كشف عن ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على الصفة التي عنده فقبل موضع الخاتم. وقالت قريش: إن لمحمد عند هذا الراهب لقدرا وجعل أبو طالب لما يرى من الراهب يخاف على ابن أخيه فقال الراهب لأبي طالب: ما هذا الغلام منك قال: هو ابني قال: ما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا قال: فابن أخي قال: فما فعل أبوه قال: هلك وأمه حبلى قال: فما فعلت أمه قال: توفيت قريبا قال: صدقت ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود فوالله لئن عرفوا منه ما أعرف لتبغنه عنتا وإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم نجده في كتابنا واعلم أني قد أديت إليك النصيحة فلما فرغوا من تجارتهم خرج به سريعا وكان رجال من يهود قد رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفوا صفته فأرادوا أن يغتالوه فذهبوا إلى بحيرا فذكروا له أمره فنهاهم أشد النهي وقال لهم: أتجدون صفته قالوا: نعم قال فما لكم إليه سبيل فصدقوه وتركوه ورجع أبو طالب فما خرج به سفرا بعد ذلك خوفا عليه. وذكر الحاكم والبيهقي وغيرهما من حديث عبد الله بن إدريس عن شرحبيل بن مسلم عن أبي أمامة عن هشام بن العاص قال: ذهبت أنا ورجل من قريش إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام فخرجنا حتى قدمنا الغوطة غوطة دمشق فنزلنا على جبلة بن الأيهم الغساني فدخلنا عليه فإذا هو على سرير له فأرسل إلينا برسول نكلمه فقلنا:(2\/409)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "193",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15649",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لا والله لا نكلم رسولا إنما بعثنا إلى الملك فإن أذن لنا كلمناه وإلا لم نكلم الرسول فرجع إليه الرسول فأخبره بذلك قال: فأذن لنا فقال: تكلموا. فكلمه هشام بن العاص ودعاه إلى الإسلام وإذا عليه ثياب سواد فقال له هشام: ما هذه التي عليك فقال لبستها وحلفت أن لا أنزعها حتى أخرجكم من الشام قلنا: ومجلسك هذا فوالله لنأخذنه منك ولنأخذن منك الملك الأعظم أخبرنا بذلك نبينا فقال: لستم بهم بل هم قوم يصومون بالنهار ويفطرون بالليل فكيف صومكم فأخبرناه فملئ وجهه سوادا فقال: قوموا. وبعث رسولا إلى الملك فخرجنا حتى إذا كنا قريبا من المدينة قال لنا الذي معنا: إن دوابكم هذه لا تدخل مدينة الملك فإن شئتم حملناكم على براذين وبغال قلنا: والله لا ندخل إلا عليها فأرسلوا إلى الملك أنهم يأبون فدخلنا على رواحلنا متقلدين سيوفنا حتى انتهينا إلى غرفة له فأنخنا في أصلها وهو ينظر إلينا فقلنا: لا إله إلا الله والله أكبر. والله يعلم لقد انتفضت الغرفة حتى صارت كأنها عذق تصفقه الرياح. فأرسل إلينا: ليس لكم أن تجهروا علينا بدينكم وأرسل إلينا أن ادخلوا فدخلنا عليه وهو على فراش له وعنده بطارقته من الروم وكل شيء في مجلسه أحمر وما حوله أحمر وعليه ثياب من الحمرة فدنونا منه فضحك وقال: ما كان عليكم لو حييتموني بتحيتكم فيما بينكم وإذا رجل فصيح بالعربية كثير الكلام فقلنا: إن تحيتنا فيما بيننا لا تحل لك وتحيتك التي تحيى بها لا تحل لنا أن نحييك بها فقال: كيف تحيتكم فيما بينكم قلنا: السلام عليكم. فقال: كيف تحيون ملككم قلنا: بها قال: فكيف يرد عليكم قلنا: بها قال: فما أعظم كلامكم قلنا: لا إله إلا الله والله أكبر. فلما تكلمنا بها - يعلم الله - لقد انتفضت الغرفة حتى رفع رأسه إليها قال: هذه الكلمة التي قلتموها حيث انتفضت الغرفة كلما قلتموها في بيوتكم تنتفض بيوتكم عليكم(2\/410)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "194",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15650",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قلنا: لا ما رأيناها فعلت هذا قط إلا عندك قال: وددت أنكم كلما قلتموها ينتفض كل شيء عليكم وإني خرجت من نصف ملكي قلنا: لم قال: لأنه يكون أيسر لشأنها وأحذر أن لا تكون من أمر النبوة وأن لا تكون من حيل الناس ثم سألنا عما أراد فأخبرناه. فقال: كيف صلاتكم وصومكم فأخبرناه فقال: قوموا فقمنا فأمر لنا بمنزل حسن ونزل كثير فأقمنا ثلاثا فأرسل إلينا ليلا فدخلنا عليه فاستعاد قولنا فأعدناه ثم دعا بشيء كهيئة الربعة العظيمة مذهبة فيها بيوت صغار عليها أبواب ففتحها بيتا وقفلا فاستخرج حريرة سوداء نشرها فإذا فيها صورة حمراء فإذا فيها رجل ضخم العينين عظيم الأليتين لم أر مثل طول عنقه فإذا ليست له لحية وإذا له ظفيرتان أحسن ما خلق الله تعالى قال: هل تعرفون هذا قلنا: لا قال هذا آدم عليه السلام وإذا هو أكثر الناس شعرا ثم فتح بابا آخر واستخرج منه حريرة سوداء وإذا فيها صورة بيضاء وإذا له شعر قطط أحمر العينين ضخم الهامة حسن اللحية قال: هل تعرفون هذا: قلنا: لا قال: هذا نوح عليه السلام ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فيها رجل شديد البياض حسن العينين صلت الجبين طويل الخد أبيض اللحية كأنه يتبسم قال: هل تعرفون هذا قلنا: لا قال: هذا إبراهيم عليه السلام ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة وإذا والله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتعرفون من هذا قلنا: نعم محمد رسول الله وبكينا. قال: والله يعلم أنه قام قائما ثم جلس فقال: والله إنه لهو قلنا: نعم إنه لهو كأنما ننظر إليه فأمسك ساعة ينظر إليها ثم قال: أما إنه كان آخر البيوت ولكن عجلته لكم لأنظر(2\/411)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "195",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15651",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما عندكم ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فإذا فيها صورة أدماء سحماء وإذا رجل جعد قطط غائر العينين حديد النظر عابس متراكب الأسنان مقلص الشفة كأنه غضبان قال: هل تعرفون من هذا قلنا: لا قال: هذا موسى بن عمران وإلى جنبه صورة تشبهه إلا أنه مدهان الرأس عريض الجبين في عينيه قبلة قال هل تعرفون هذا قلنا: لا قال: هذا هارون ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة رجل آدم سبط ربعة كأنه غضبان فقال: هل تعرفون هذا قلنا: لا قال: هذا لوط. ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة رجل أبيض يشرب بحمرة أقنى خفيف العارضين حسن الوجه فقال: هل تعرفون هذا قلنا لا قال: هذا إسحاق ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة تشبه إسحاق إلا أنه على شفته السفلى خال فقال: تعرفون هذا قلنا: لا قال هذا يعقوب ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فيها صورة رجل أبيض حسن الوجه أقنى الأنف حسن القامة يعلو وجهه نور يعرف في وجهه الخشوع يضرب إلى الحمرة فقال: هل تعرفون هذا قلنا: لا قال: هذا إسماعيل جد نبيكم ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فيها صورة كأنها صورة آدم كأن وجهه الشمس فقال: هل تعرفون هذا قلنا: لا قال: هذا يوسف. ثم فتح بابا آخر فاستخرج حريرة بيضاء فيها صورة رجل أحمر حمش الساقين أخفش العينين ضخم البطن ربعة متقلدا سيفا فقال: هل تعرفون هذا قلنا: لا قال: هذا داود ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة(2\/412)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "196",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15652",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بيضاء فيها صورة رجل ضخم الأليتين طويل الرجلين راكبا فرسا فقال: هل تعرفون هذا قلنا: لا قال: هذا سليمان بن داود. ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فإذا فيها صورة بيضاء وإذا رجل شاب شديد سواد اللحية لين الشعر حسن الوجه حسن العينين فقال: هل تعرفون هذا قلنا: لا قال: هذا عيسى ابن مريم. قلنا: من أين لك هذه الصور لأنا نعلم أنها على ما صورت عليه الأنبياء لأنا رأينا صورة نبينا مثله قال: إن آدم سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده فأنزل عليه صورهم وكانوا في خزانة آدم عند مغرب الشمس فاستخرجها ذو القرنين فصارت إلى دانيال ثم قال: أما والله إن نفسي طالبت بالخروج من ملكي وإني كنت كاسرا بكم ملكه حتى أموت. ثم أجازنا وأحسن جائزتنا وسرحنا فلما أتينا أبا بكر الصديق رضي الله عنه فأخبرناه بما رأينا وما قال لنا وما أجازنا فبكى أبو بكر وقال: لو أراد الله به خيرا لفعل.  (فصل) : فهذه الأخبار بنبوته مما تلقاه المسلمون من أفواه علماء أهل الكتاب(2\/413)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "197",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15653",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمؤمنين منهم والأول مما نقلوه من كتبهم وعلماؤهم يقرون أنه في كتبهم. فالدليل بالوجه الأول يقام عليهم من كتبهم وبهذا الوجه يقام عليهم بشهادة من لا يتهم عليهم لأنه إما من عظمائهم وإما ممن رغب عن رئاسته وماله ووجاهته فيهم وآثر الإيمان على الكفر والهدى على الضلال وهو في هذا مدع أن علماءهم يعرفون ذلك ويقرون به ولكن لا يطلعون جهالهم عليه. والأخبار والبشارة بنبوته صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة عرفت من عدة طرق: (أحدها) ما ذكرناه وهو قليل من كثير وغيض من فيض. (الثاني) إخباره صلى الله عليه وسلم لهم أنه مذكور عندهم وأنهم وعدوا به وأن الأنبياء بشرت به واحتجاجه عليهم بذلك ولو كان هذا الأمر لا وجود له ألبتة لكان مغريا لهم بتكذيبه منفرا لأتباعه محتجا على دعواه بما يشهد ببطلانها. (الثالث) أن هاتين الأمتين معترفون بأن الكتب القديمة بشرت بنبي عظيم الشأن يخرج في آخر الزمان نعته كيت وكيت وهذا مما اتفق عليه المسلمون واليهود والنصارى فأما المسلمون فلما جاءهم آمنوا به وصدقوه وعرفوا أنه الحق من ربهم. وأما اليهود فعلماؤهم عرفوه وتيقنوا أنه محمد بن عبد الله فمنهم من آمن به ومنهم من جحد نبوته وقال للأتباع: إنه لم يخرج بعد. وأما النصارى فوضعوا بشارات التوراة والنبوات التي بعدها على المسيح ولا ريب أن بعضها صريح فيه وبعضها ممتنع حمله عليه وبعضها محتمل. وأما بشارات المسيح فحملوها كلها على الحواريين وإذا جاءهم ما يستحيل انطباقه عليهم حرفوه أو سكتوا عنه وقالوا: لا ندري من المراد به. (الرابع) اعتراف من أسلم منهم بذلك وأنه صريح في كتبهم وعن المسلمين(2\/414)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "198",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15654",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الصادقين منهم تلقى المسلمون هذه البشارات وتيقنوا صدقها بشهادة المسلمين منهم بها مع تباين أعصارها وأمصارها وكثرتهم واتفاقهم على لفظها وهذا يفيد القطع بصحتها ولو لم يقر بها أهل الكتاب فكيف وهم مقرون بها لا يجحدونها وإنما يغالطون في تأويلها والمراد بها! وكل واحد من هذه الطرق الأربعة كاف في العلم بصحة هذه البشارات وقد قدمنا أن إقدامه صلى الله عليه وسلم على إخبار أصحابه وأعدائه بأنه مذكور في كتبهم بنعته وصفته وأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناهم وتكراره ذلك عليهم مرة بعد مرة في كل مجمع وتعريفهم بذلك وتوبيخهم والنداء عليهم من أقوى الأدلة القطعية على وجوده من وجهين: أحدهما: قيام الدليل القطعي على صدقه. الثاني: دعوته لهم بذلك إلى تصديقه ولو لم يكن له وجود لكان ذلك من أعظم دواعي تكذيبه والتنفير عنه.  (فصل) : وهذه الطرق يسلكها من يساعدهم على أنهم لم يحرفوا ألفاظ التوراة والإنجيل ولم يبدلوها فيسلكها بعض نظار المسلمين معهم من غير تعرض إلى التبديل والتحريف. وطائفة أخرى تزعم أنهم بدلوا وحرفوا كثيرا من ألفاظ الكتابين مع أن الغرض الحامل لهم على ذلك دون الغرض الحامل لهم على تبديل البشارة برسول الله صلى الله عليه وسلم بكثير وإن البشارات لكثرتها لم يمكنهم إخفاءها كلها وتبديلها ففضحهم ما عجزوا عن كتمانه أو تبديله. وكيف تنكر الأمة الغضبية قتلة الأنبياء الذين رموهم بالعظائم أن ينكروا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفته وقد جحدوا بنبوة المسيح ورموه وأمه بالعظائم ونعته(2\/415)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "199",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15655",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والبشارة به موجود في كتبهم ومع هذا أطبقوا على جحد نبوته وإنكار بشارة الأنبياء به ولم يفعل بهم ما فعله محمد صلى الله عليه وسلم من القتل والسبي وغنيمة الأموال وتخريب الديار وإجلائهم منها فكيف لا تتواصى هذه الأمة بكتمان بعثه وصفته وتبدله من كتبهم وقد نعى الله سبحانه وتعالى عليهم ذلك في غير موضع من كتابه ولعنهم عليه. ومن العجب أنهم والنصارى يقرون أن التوراة كانت طول مملكة بني إسرائيل عند الكاهن الأكبر الهاروني وحده واليهود تقر أن السبعين كاهنا اجتمعوا على اتفاق من جميعهم على تبديل ثلاثة عشر حرفا من التوراة وذلك بعد المسيح في عهد القياصرة الذين كانوا تحت قهرهم حيث زال الملك عنهم ولم يبق لهم ملك يخافونه ويأخذ على أيديهم ومنهم من يقول: بلى وهو بخت نصر حين ألزمهم بكتابة التوراة لطائفة من جماعته حين أسكنهم بيت المقدس وعلى تقدير الروايتين فمن رضي بتبديل موضع واحد من كتاب الله فلا يؤمن منه تحريف غيره واليهود تقر أن السامرة حرفوا مواضع في التوراة وبدلوها تبديلا ظاهرا وزادوا ونقصوا والسامرة تدعي ذلك عليهم. وأما الإنجيل فقد تقدم أن الذي بأيدي النصارى منه أربع كتب مختلفة من تأليف أربعة رجال: يوحنا ومتى ومرقس ولوقا فكيف ينكر تطرق التبديل والتحريف إليها وعلى ما فيها من ذلك فقد صرفهم الله عن تبديل ما ذكرنا من البشارات بمحمد بن عبد الله وإزالته وإن قدروا على كتمانه على أتباعهم وجهالهم. وفي التوراة التي بأيديهم من التحريف والتبديل وما لا تجوز نسبته إلى الأنبياء(2\/416)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "200",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15656",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ما لا يشك فيه ذو بصيرة والتوراة التي أنزلها الله على موسى بريئة من ذلك ففيها ... عن لوط رسول الله أنه خرج من المدينة وسكن في كهف الجبل ومعه ابنتاه فقالت الصغرى للكبرى: قد شاخ أبونا فارقدي بنا معه لنأخذ منه نسلا فرقدت معه الكبرى ثم الصغرى ثم فعلتا ذلك في الليلة الثانية وحملتا منه بولدين موآب وعمون. فهل يحسن أن يكون نبي رسول كريم على الله يوقعه الله سبحانه وتعالى في مثل هذه الفاحشة العظيمة في آخر عمره ثم يذيعها عنه ويحكيها للأمم وفيها: أن الله تجلى لموسى في طور سيناء وقال له بعد كلام كثير: أدخل يدك في حجرك وأخرجها مبروصة كالثلج. وهذا من النمط الأول والله سبحانه لم يتجل لموسى وإنما أمره أن يدخل يده في جيبه وأخبره بأنها تخرج بيضاء من غير سوء أي من غير برص. وفيها أن هارون هو الذي صاغ لهم العجل وهذا إن لم يكن من زيادتهم وافترائهم فهارون اسم السامري الذي صاغه ليس هو بهارون أخي موسى. وفيها: أن الله قال لإبراهيم: اذبح ابنك بكرك إسحاق وهذا من بهتهم وزيادتهم وافترائهم في كلام الله سبحانه وتعالى وقد جمعوا بين النقيضين فإن بكره هو إسماعيل فإنه بكر أولاده وإسحاق إنما بشر به على الكبر بعد قضية الذبح.(2\/417)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "201",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15657",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفيها: ورأى الله أن قد كثر فساد الآدميين في الأرض فندم على خلقهم وقال: سأذهب الآدميين الذين خلقت على الأرض والخشاش وطيور السماء لأني نادم على خلقها جدا. تعالى الله عن إفك المفترين وعما يقول الظالمون علوا كبيرا. وفيها: أن الله سبحانه وتعالى علوا كبيرا تصارع مع يعقوب فضرب به يعقوب الأرض. وفيها: أن يهودا بن يعقوب النبي زوج ولده الأكبر من امرأة يقال لها تامار فكان يأتيها مستدبرا فغضب الله من فعله فأماته فزوج يهودا ولده الآخر بها فكان إذا دخل بها أمنى على الأرض علما بأنه إن أولدها كان أول الأولاد مدعوا باسم أخيه ومنسوبا إلى أخيه فكره الله ذلك من فعله فأماته وأمرها يهودا باللحاق ببيت أبيها إلى أن يكبر شيلا ولده ويتم عقله ثم ماتت زوجة يهودا وذهب إلى منزله ليجز غنمه فلما أخبرت تامار لبست زي الزواني وجلست على طريقه فلما مر بها ظنها زانية فراودها فطالبته بالأجرة فوعدها بجدي ورمى عندها عصاه وخاتمه فدخل بها فعلقت منه بولد. ومن هذا الولد كان داود النبي. فقد جعلوه ولد زنا كما جعلوا المسيح ولد زنا ولم يكفهم ذلك حتى نسبوا ذلك إلى التوراة وكما جعلوا ولدي لوط ولدي زنا ثم نسبوا داود وغيره من أنبيائهم إلى ذينك الوالدين. وأما فريتهم على الله ورسله وأنبيائه ورميهم لرب العالمين ورسله بالعظائم فكثير جدا كقولهم: إن الله استراح في اليوم السابع من خلق السماوات والأرض(2\/418)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "202",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15658",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فأنزل الله تعالى تكذيبهم بقوله: وما مسنا من لغوب وقولهم: إن الله فقير ونحن أغنياء وقولهم: إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار وقولهم لن تمسنا النار إلا أياما معدودة. وقولهم: إن الله تعالى بكى على الطوفان حتى رمدت عيناه وعادته الملائكة. وقولهم الذي حكيناه آنفا: إن الله ندم على خلق بني آدم وأدخلوا هذه الفرية في التوراة وقولهم عن لوط: أنه وطئ ابنتيه وأولدهما ولدين نسبوا إليهما جماعة من الأنبياء وقولهم في بعض دعاء صلواتهم: انتبه كم تنام يا رب استيقظ من رقدتك. فتجرءوا على رب العالمين بهذه المناجاة القبيحة كأنهم يناجونه بذلك لينتخي لهم ويحتمي كأنهم يخبرونه أنه قد اختار الخمول لنفسه وأحبائه به فيهزءونه بهذا الخطاب للنباهة واشتهار الصيت. قال بعض أكابرهم بعد إسلامه: فترى أحدهم إذا تلا هذه الكلمات في الصلاة يقشعر جلده ولا يشك أن كلامه يقع عند الله بموقع عظيم وإنه يؤثر في ربه ويحركه ويهزه وينخيه. فكذبهم الله تعالى بقوله: لا تأخذه سنة ولا نوم الآية وكذبهم على لسان نبيه بقوله(2\/419)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "203",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15659",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب وقوله خطابا لموسى لن تراني وعندهم في توراتهم: إن موسى صعد الجبل مع مشايخ أمته فأبصروا الله جهرة وتحت رجليه كرسي منظره كمنظر البلور ويسمونه بلغتهم (السبقير)  وهذا من كذبهم وافترائهم على الله وعلى التوراة. وعندهم في توراتهم: أن الله سبحانه وتعالى لما رأى فساد قوم نوح وأن شرهم (قد عظم) ندم على خلق البشر في الأرض وشق عليه. وعندهم في توراتهم أيضا: أن الله ندم على تمليكه شاول على إسرائيل. وعندهم فيها أيضا: أن نوحا لما خرج من السفينة بنى بيتا مذبحا لله وقرب عليه قرابين واستنشق الله رائحة القتار فقال في ذاته: (لن أعاود لعنة الأرض بسبب الناس لأن خاطر البشر مطبوع على الرداءة ولن أهلك جميع الحيوان كما صنعت) . قال بعض علمائهم الراسخين في العلم ممن هداه الله إلى الإسلام: لسنا نرى أن هذه الكفريات كانت في التوراة المنزلة على موسى ولا نقول أيضا أن اليهود قصدوا تغييرها وإفسادها بل الحق أولى ما اتبع قال: ونحن نذكر حقيقة سبب تبديل التوراة. فإن علماء القوم وأحبارهم يعلمون أن هذه التوراة التي بأيديهم لا يعتقد أحد من(2\/420)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "204",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15660",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "علمائهم وأحبارهم أنها عين التوراة المنزلة على موسى بن عمران ألبتة لأن موسى صان التوراة عن بني إسرائيل ولم يبثها فيهم خوفا من اختلافهم من بعده في تأويل التوراة المؤدي إلى انقسامهم أحزابا وإنما سلمها إلى عشيرته أولاد لاوي قال: ودليل ذلك قول التوراة ما هذه ترجمته: وكتب موسى هذه التوراة ودفعها إلى الأئمة بني لاوي. وكان بنو هارون قضاة اليهود وحكامهم لأن الإمامة وخدمة القرابين والبيت المقدس كانت فيهم ولم يبذل موسى التوراة لبني إسرائيل إلا نصف سورة وقال الله لموسى عن هذه السورة: وتكون هذه السورة شاهدة لي على بني إسرائيل ولا تنسى هذه السورة من أفواه أولادهم. وأما بقية التوراة فدفعها إلى أولاد هارون وجعلها فيهم وصانها عمن سواهم فالأئمة الهارونيون هم الذين كانوا يعرفون التوراة ويحفظون أكثرها فقتلهم بخت نصر على دم واحد يوم استولى على بيت المقدس ولكن التوراة محفوظة على ألسنتهم بل كل من الهارونيين يحفظ فصلا من التوراة. فلما رأى عزرا أن القوم قد أحرق هيكلهم وزالت دولتهم وتفرق جمعهم ورفع كتابهم جمع من محفوظاته ومن الفصول التي يحفظها الكهنة ما لفق منه هذه التوراة التي بأيديهم ولذلك بالغوا في تعظيم عزرا غاية المبالغة وقالوا فيه ما حكاه الله عنهم في كتابه وزعموا أن النور إلى الآن يظهر على قبره عند بطائح العراق لأنه عمل لهم كتابا يحفظ دينهم. فهذه التوراة التي بأيديهم على الحقيقة كتاب عزرا وإن كان فيها أو أكثرها من التوراة التي أنزلها الله على موسى قال: وهذا يدل على أن الذي جمع هذه الفصول التي(2\/421)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "205",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15661",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بأيديهم رجل جاهل بصفات الرب تعالى وما ينبغي له وما لا يجوز عليه فلذلك نسب إلى الرب تعالى ما يتقدس ويتنزه عنه وهذا الرجل يعرف عند اليهود بعازر الوراق. ويظن بعض الناس أنه الرجل الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه. ويقول إنه نبي ولا دليل على هاتين المقدمتين ويجب التثبت في ذلك نفيا وإثباتا فإن كان نبيا واسمه عزير فقد وافق (صاحب التوراة) في الاسم (لا في النبوة) . وبالجملة فنحن وكل عاقل يقطع ببراءة التوراة التي أنزلها الله على كليمه موسى عليه الصلاة والسلام من هذه الأكاذيب والمستحيلات والترهات كما يقطع ببراءة صلاة موسى وبني إسرائيل معه من هذا الذي يقولونه في صلاتهم فإنهم في العشر الأول من المحرم في كل سنة يقولون في صلاتهم ما ترجمته: يا أبانا أتملك على جميع أهل الأرض ليقول كل ذي نسمة: الله إله إسرائيل قد ملك ومملكته متسلطة. ويقولون فيها أيضا: (وسيكون لله الملك وفي ذلك اليوم يكون الله واحدا واسمه واحدا)  ويعنون بذلك أنه لا يظهر كون الملك له وكونه واحدا إلا إذا صارت الدولة لهم فأما ما دامت الدولة لغيرهم فإنه تعالى خامل الذكر عند الأمم مشكوك في وحدانيته مطعون في ملكه. ومعلوم قطعا أن موسى ورب موسى بريء من هذه الصلاة براءته من تلك الترهات.  (فصل) : وجحدكم نبوة محمد من الكتب التي بأيديكم نظير جحدكم نبوة المسيح(2\/422)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "206",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15662",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد صرحت باسمه ففي نص التوراة لا يزول الملك من آل يهودا والرسم بين ظهرانيهم إلى أن يأتي المسيح وكانوا أصحاب دولة حتى ظهر المسيح فكذبوه ورموه بالعظائم وبهتوه وبهتوا (أمه)  فدمر الله عليهم وأزال ملكهم وكذلك قوله: (جاء الله من طور سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من جبال فاران فأي نبوة أشرقت من ساعير غير نبوة المسيح وهم لا ينكرون ذلك ويزعمون أن قائما يقوم فيهم من ولد داود النبي إذا حرك شفتيه بالدعاء مات جميع الأمم ولا يبقى إلا اليهود وهذا المنتظر بزعمهم هو المسيح الذي وعدوا به. قالوا: ومن علامة مجيئه أن الذئب والتيس يربضان معا وأن البقرة والذئب يرعيان جميعا وأن الأسد يأكل التبن كالبقر. فلما بعث المسيح كفروا به عند مبعثه. وأقاموا ينتظرون متى يأكل الأسد التبن (كالبقرة)  حتى تصح لهم علامات مبعث المسيح ويعتقدون أن هذا المنتظر متى جاءهم يجمعهم بأسرهم إلى القدس وتصير لهم الدولة ويخلو العالم من غيرهم ويحجم الموت عن جنابهم المنيع مدة طويلة وقد عوضوا من الإيمان بالمسيح ابن مريم انتظار مسيح الضلالة الدجال فإنه هو الذي ينتظرونه حقا وهم عساكره وأتبع الناس له ويكون لهم في زمانه شوكة ودولة إلى أن ينزل مسيح الهدى ابن مريم فيقتل منتظرهم ويضع هو وأصحابه فيهم السيوف حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر فيقولان: يا مسلم هذا يهودي ورائي تعالى فاقتله. فإذا نظف الأرض منهم ومن عباد الصليب فحينئذ يرعى الذئب والكبش معا(2\/423)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "207",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15663",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويربضان معا وترعى البقرة والذئب معا ويأكل الأسد التبن ويلقى الأمن في الأرض. وهكذا أخبر به أشعيا في نبوته وطابق خبره ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح في خروج الدجال وقتل المسيح ابن مريم له وخروج يأجوج ومأجوج في أثره ومحقهم من الأرض وإرسال البركة والأمن في الأرض حتى ترعى الشاة والذئب وحتى أن الحيات والسباع لا تضر الناس. فصلوات الله تعالى وسلامه على من جاء بالهدى والنور وتفصيل كل شيء وبيانه. وأهل الكتاب عندهم عن أنبيائهم حق كثير لا يعرفونه ولا يحسنون أن يضعوه مواضعه ولقد أكمل الله سبحانه وتعالى بمحمد صلوات الله وسلامه عليه ما أنزل الله على الأنبياء من الحق وبينه وأظهره لأمته وفصل على لسانه ما أجمله لهم وشرح ما رمزوا إليه فجاء بالحق وصدق المرسلين وتمت به نعمة الله على عباده المؤمنين. فالمسلمون واليهود والنصارى ينتظرون مسيحا يجيء في آخر الزمان فمسيح اليهود هو الدجال ومسيح النصارى لا حقيقة له فإنه عندهم إله وابن إله وخالق ومميت ومحيي ومميت فمسيحهم الذي ينتظرونه هو المصلوب المسمر المكلل بالشوك بين اللصوص المصفوع الذي هو مصفعة اليهود وهو عندهم رب العالمين وخالق السماوات والأرضين. ومسيح المسلمين الذي ينتظرونه هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم البتول عيسى ابن مريم أخو عبد الله ورسوله محمد بن عبد الله فيظهر دين الله وتوحيده ويقتل أعداءه عباد الصليب الذين اتخذوه وأمه إلهين من دون الله وأعداؤه اليهود الذين رموه وأمه بالعظائم فهذا هو الذي ينتظره المسلمون. وهو نازل على المنارة الشرقية(2\/424)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "208",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15664",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بدمشق واضعا يديه على منكبي ملكين يراه الناس عيانا بأبصارهم نازلا من السماء فيحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وينفذ ما أضاعه الظلمة والفجرة والخونة من دين رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحيي ما أماتوه وتعود الملل كلها في زمانه ملة واحدة وهي ملته وملة أخيه محمد وملة أبيهما إبراهيم وملة سائر الأنبياء صلى الله عليهم وسلم وهي الإسلام الذي من يبتغ غيره دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين. وقد حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدركه من أمته السلام وأمره أن يقرئه إياه منه فأخبر عن موضع نزوله بأي بلد وبأي مكان منه وبحاله وقت نزوله وبلبسه الذي كان عليه وأنه ممصرتان أي ثوبان وأخبر بما يفعل عند نزوله مفصلا حتى كأن المسلمين يشاهدونه عيانا قبل أن يروه. وهذا من جملة الغيوب التي أخبر بها فوقعت مطابقة لخبره حذو القذة بالقذة. فهذا منتظر المسلمين لا منتظر المغضوب عليهم والضالين ولا منتظر إخوانهم من الروافض المارقين وسوف يعلم المغضوب عليهم إذا جاء منتظر المسلمين أنه ليس بابن يوسف النجار ولا هو ولد (زنية)  ولا كان طبيبا حاذقا ماهرا في صناعته استولى على العقول بصناعته ولا كان ساحرا ممخرقا ولا مكنوا من صلبه وتسميره وصفعه وقتله بل كانوا أهون على الله من ذلك. ويعلم الضالون أنه ابن البشر وأنه عبد الله ورسوله وأنه ليس بإله ولا ابن إله وأنه (مبشر) بشر بنبوة أخيه محمد صلى الله عليه وسلم أولا وحكم بشريعته(2\/425)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "209",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15665",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ودينه آخرا وأنه عدو المغضوب عليهم والضالين وولي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه المؤمنين وما كان أولياءه الأرجاس والأنجاس عبدة الصليب والصور المدهونة في الحيطان إن أولياؤه إلا الموحدون عباد الرحمن أهل الإسلام والإيمان الذين نزهوه وأمه عما رماهما به أعداؤهما اليهود ونزهوا ربه وخالقه ومالكه وسيده عما رماه به أهل الشرك والسب للواحد المعبود. فلنرجع إلى الجواب على طريق من يقول: إنهم غيروا ألفاظ الكتب وزادوا ونقصوا كما أجبنا على طريق من يقول: إنما غيروا ببعض ألفاظها وتأولوها غير تأويلها قال هؤلاء: نحن لا ندعي ولا طائفة من المسلمين أن ألفاظ كل نسخة في العالم غيرت وبدلت بل من المسلمين من يقول: إنه غير بعض ألفاظها قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرت بعض النسخ بعد مبعثه ولا يقولون: إنه غيرت كل نسخة في العالم بعد المبعث بل غير البعض وظهر عند كثير من الناس بعض النسخ المبدلة المغيرة دون التي لم تبدل والنسخ التي تبدل موجودة في العالم. ومعلوم أن هذا مما لا يمكن نفيه والجزم بعدم وقوعه فإنه لا يمكن أحدا أن يعلم أن كل نسخة في العالم على لفظ واحد بسائر الألسنة ومن الذي أحاط علما أو عقلا وأهل الكتاب يعلمون أن أحدا لا يمكنه ذلك. وأما من قال من المسلمين: أن التغيير وقع في أول الأمر فإنهم قالوا: إنه وقع أولا من عزرا الوراق في التوراة في بعض الأمور إما عمدا وإما خطأ فإنه لم يقم دليل على عصمته ولا أن تلك الفصول التي جمعها من التوراة بعد إحراقها هي عين التوراة التي أنزلت على موسى وقد ذكرنا أن فيها ما لا يجوز نسبته إلى الله وأنه أنزله على رسوله وكليمه وتركنا كثيرا لم نذكره. وأما الإنجيل فهو أربعة أناجيل أخذت عن أربعة نفر اثنان منهم لم يريا المسيح أصلا واثنان رأياه واجتمعا به وهما متى ويوحنا وكل منهم يزيد وينقص(2\/426)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "210",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15666",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويخالف إنجيله لإنجيل أصحابه في أشياء وفيها ذكر القول ونقيضه. كما فيه أنه قال: إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي غير مقبولة ولكن غيري يشهد لي. وفي موضع آخر منه: (إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق لأني أعلم من أين جئت وإلى أين أذهب) . وفيه: أنه لما استشعر بوثوب اليهود عليه قال: (قد جزعت نفسي الآن فماذا أقول يا أبتاه سلمني من هذا الوقت) . وأنه لما رفع على خشبة الصلب صاح صياحا عظيما وقال: (يا إلهي! لم أسلمتني)  فكيف يجمع هذا مع قولكم: إنه هو الذي (أسلم) نفسه إلى اليهود ليصلبوه ويقتلوه رحمة منه بعباده حتى فداهم بنفسه من الخطايا وأخرج بذلك آدم ونوحا وإبراهيم وموسى وجميع الأنبياء من جهنم بالحيلة التي دبرها على إبليس وكيف يجزع إله العالم بذلك. وكيف يسأل السلامة منه وهو الذي اختاره ورضيه! وكيف يشتد صياحه ويقول: (يا إلهي لم أسلمتني) وهو الذي أسلم نفسه! وكيف لم يخلصه أبوه مع قدرته على تخليصه وإنزاله صاعقة على الصليب وأهله أم كان ربا عاجزا مقهورا مع اليهود! وفيه أيضا أن اليهود سألته أن يظهر لهم برهانا أنه المسيح فقال: تهدمون هذا البيت(2\/427)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "211",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15667",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "- يعني بيت المقدس - وأبنيه لكم في ثلاثة أيام فقالوا له: بيت مبني في ست وأربعين سنة تبنيه أنت في ثلاثة أيام. ثم ذكرتم في الإنجيل أيضا: أنه لما ظفرت به اليهود وحمل إلى بلاط عامل قيصر واستدعيت عليه بينة أن شاهدي زور جاءا إليه وقالا: (سمعناه يقول: أنا قادر على بناء بيت المقدس في ثلاثة أيام) (فكيف) يدعي أن تلك معجزته ويدعي أن الشاهدين عليه بها شاهدا زور. وفيه أيضا للوقا: أن المسيح قال لرجلين من تلامذته: اذهبا إلى الحصن الذي يقابلكما فإذا دخلتماه فستجدان (فلوا) مربوطا لم يركبه أحد فحلاه وأقبلا به إلي. قال: وفي إنجيل متى في هذه القصة أنها كانت حمارة متعبة. وفيه أنه قال: ((لا تحسبوا أني قدمت لأصلح بين أهل الأرض لم آت لصلاحهم لكن لألقي المحاربة بينهم إنما قدمت لأفرق بين المرء وابنه والبنت وأمها حتى يصير أعداء المرء أهل بيته)) . ثم فيه أيضا: ((إنما قدمت لتحيوا وتزدادوا خيرا وأصلح بين الناس)) . وأنه قال: ((من لطم خدك الأيمن فانصب له الأخرى)) . وفيه أيضا أنه قال:(2\/428)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "212",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15668",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "طوبى لك يا شمعون (رأس الجماعة)  وأنا أقول إنك الحجر وعلى هذا الحجر تبني بيعتي وكل ما أحللته في الأرض يكون محللا في السماء وما عقدته على الأرض يكون معقودا في السماء ثم فيه بعينه بعد أسطر يقول له: اذهب عني يا شيطان ولا تعارض فإنك جاهل فكيف يكون شيطان جاهل مطاع في السماوات. وفي الإنجيل نص أنه ((لم تلد النساء مثل يحيى)) هذا في إنجيل متى وفي إنجيل يوحنا أن اليهود بعثت إلى يحيى من يكشف عن أمره (من أنت) أهو المسيح قال: لا قالوا: أتراك إلياس قال: لا قالوا: أنت النبي قال: لا قالوا: أخبرنا من أنت قال: أنا صوت مناد في المفاوز ولا يجوز لنبي أن ينكر نبوته فإنه يكون مخبرا بالكذب. ومن العجب أن في إنجيل متى نسبة المسيح إلى أنه ابن يوسف ثم إلى إبراهيم الخليل تسعة وثلاثين أبا ثم نسبه لوقا أيضا في إنجيله إلى يوسف وعد منه إلى إبراهيم نيفا وخمسين أبا. فبينا هو إله تام إذ صيروه ابن الإله ثم جعلوه ابن يوسف النجار. والمقصود أن هذا الاضطراب في الإنجيل يشهد بأن التغيير وقع فيه قطعا ولا يمكن أن يكون ذلك من عند الله بل الاختلاف الكثير الذي فيه يدل على أن ذلك الاختلاف من عند غير الله وأنت إذا اعتبرت نسخه ونسخ التوراة التي بأيدي اليهود والسامرة(2\/429)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "213",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15669",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنصارى رأيتها مختلفة اختلافا يقطع من وقف عليه أنه من جهة التغيير والتبديل. ومن المعلوم أن نسخ التوراة والإنجيل إنما هي عند رؤساء اليهود والنصارى وليست عند عامتهم ولا يحفظونها في صدورهم كحفظ المسلمين القرآن ولا يمتنع على الجماعة القليلة التواطؤ على تغيير بعض النسخ ولا سيما إذا كان بقيتهم لا يحفظونها فإذا قصد طائفة منهم تغيير نسخة أو نسخ عندهم أمكن ذلك وهذا واقع في العالم كثيرا. فهؤلاء اليهود تواطئوا وتواصوا بكتمان نبوة المسيح وجحد البشارة وتحريفها واشتهر ذلك بين طوائفهم في مشارق الأرض ومغاربها وكذلك تواطئوا على أنه كان طبيبا ساحرا ممخرقا ابن زنية وتواصوا به مع رؤيتهم الآيات الباهرة التي أرسل بها وعلمهم أنه أبعد خلق الله مما رمي به وشاع ما تواطئوا عليه وملئوا به كتبهم شرقا وغربا وكذلك تواطئوا على أن لوطا نكح ابنتيه وأولدهما أولادا وشاع ذلك فيهم جميعهم وتواطئوا على أن الله ندم وبكى على الطوفان وعض أنامله وصارع يعقوب فصرعه يعقوب وأنه راقد عنهم وأنهم يسألونه أن ينتبه من رقدته وشاع ذلك في جميعهم. وكذلك تواطئوا على فصول لفقوها بعد زوال مملكتهم يصلون بها لم تعرف عن موسى ولا عن أحد من أتباعه كقولهم في صلاتهم: اللهم اضرب ببوق عظيم لعتقنا واقبضنا جميعا من أربعة أقطار الأرض إلى قدسك سبحانك يا جامع تشتيت قوم إسرائيل. وقولهم فيها: (اردد حكمنا) كالأولين ومسيرتنا كالابتداء وابن أورشليم قرية قدسك في أيامنا كما وعدتنا ببنائها سبحانك يا باني أورشليم ولم يكن موسى وقومه يقولون في صلاتهم شيئا من ذلك. وكذلك تواطؤهم على قولهم في صلاة أول العام ما حكيناه عنهم وكذلك تواطؤهم(2\/430)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "214",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15670",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "على شرع صوم إحراق بيت المقدس وصوم حصار وصوم كدليا وفرضهم ذلك صوما وصوم صلب هامان وقد اعترفوا بأنهم زادوها لأسباب اقتضتها وتواطئوا بذلك على مخالفة ما نصت عليه التوراة من قوله: لا تزيدوا على الأمر الذي أنا أوصيكم به شيئا ولا تنقصوا منه شيئا. فتواطئوا على الزيادة والنقصان وتبديل أحكام الله كما تواطئوا على تعطيل فريضة الرجم على الزاني وهي في التوراة نصا. وكذلك تواطئوا على امتناع النسخ على الله فيما شرعه لعباده تمسكا منه باليهودية وقد كذبتهم التوراة وسائر النبوات. ومن العجائب حجرهم على الله أن ينسخ ما شرعه لئلا يلزم البداء ثم يقولون: إنه ندم وبكى عن الطوفان وعاد في رأيه وندم على خلق الإنسان وهذه مضارعة لإخوانهم من عباد الصليب الذين نزهوا رهبانهم عن الصاحبة والولد ونسبوهما إلى الفرد الصمد. ومن ذلك تواطؤهم على الملك يعود إليهم وترجع الملل كلها إلى ملة اليهود ويصيرون قاهرين لجميع الملل.(2\/431)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "215",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15671",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ومن ذلك تواطؤهم على تعطيل أحكام التوراة وفرائضها وتركها في جل أمورهم إلا اليسير من ذلك وهم معترفون بذلك وأنه أكثر أسباب زوال ملكهم وعزهم. فكيف ينكر من طائفة تواطأت على تكذيب المسيح وجحد نبوته وبهته وبهت أمه والكذب الصريح على الله وعلى أنبيائه وتعطيل أحكام الله والاستبدال بها وعلى قتلهم أنبياء الله أن يتواطئوا على تحريف بعض التوراة وكتمان نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفته فيها. وأما أمة الضلال وعباد الصليب والصور المزوقة في الحيطان وإخوان الخنازير وشاتموا خالقهم ورازقهم أقبح شتم وجاعلوه مصفعة اليهود وتواطؤهم على ذلك وعلى ضروب المستحيلات وأنواع الأباطيل فلا إله إلا الله الذي أبرز إلى الوجود مثل هذه الأمة التي هي أضل من الحمير ومن جميع الأنعام السائمة وخلى بينهم وبين سبه وشتمه وتكذيب عبده ورسوله ومعاداة حزبه وأوليائه وموالاة الشيطان والتعوض بعبادة الصور والصلبان عن عبادة الرحمن وعن قول quot; الله أكبر quot; بالتصليب على الوجه وعن قراءة الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين بـ اللهم اعطنا خبزنا الملائم وعن السجود للواحد القهار بالسجود للصورة المدهونة في الحائط بالأحمر والأصفر والأزورد فهذا بعض شأن هاتين الأمتين اللتين عندهما آثار النبوة والكتاب فما الظن بسائر الأمم الذين ليس عندهم من النبوة والكتاب حس ولا خبر ولا عين ولا أثر  [المسألة الرابعة] قال السائل: فإن قلتم: إن عبد الله بن سلام وكعب الأحبار ونحوهما شهدوا لنا بذلك من كتبهم فهلا أتى ابن سلام وأصحابه الذين أسلموا بالنسخ التي لهم كي تكون شاهدة علينا والجواب من وجوه:(2\/432)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "216",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15672",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحدها: أن شواهد النبوة وآيتها لا تنحصر فيما عند أهل الكتاب من نعت النبي وصفته وشواهدها متنوعة متعددة جدا ونعته في الكتب المتقدمة فرد من أفرادها. وجمهور أهل الأرض لم يكن إسلامهم عن الشواهد والأخبار التي في كتبكم وأكثرهم لا يعلمونها ولا سمعوها بل أسلموا للشواهد التي عاينوها والآيات التي شاهدوها وجاءت تلك الشواهد التي عند أهل الكتاب مقوية وعاضدة من باب تقوية البنية وقد تم النصاب بدونها. فهؤلاء العرب من أولهم إلى آخرهم لم يتوقف إسلامهم على معرفة ما عند أهل الكتاب من الشواهد وإن كان ذلك قد بلغ بعضهم وسمعه منهم قبل النبوة وبعدها كما كان الأنصار يسمعون من اليهود صفة النبي صلى الله عليه وسلم وبعثه ومخرجه فلما عاينوه وأبصروه عرفوه بالنعت الذي أخبرهم به اليهود فسبقوهم إليه فشرق أعداء الله بريقهم وغصوا بمائهم وقالوا: ليس هو الذي كنا نعدهم به. والعلم بنبوة محمد والمسيح وموسى لا يتوقف على العلم بأن من قبلهم أخبرهم وبشر بنبوتهم بل طرق العلم بها متعددة فإذا عرفت نبوة النبي صلى الله عليه وسلم بطريق من الطرق ثبتت نبوته ووجب اتباعه وإن لم يعلم أن من قبله بشر به. وإذا علمت نبوته بما قام عليها من البراهين فإما أن يكون تبشير من قبله به لازما لنبوته وإما أن لا يكون لازما فإن لم يكن لازما لم يجب وقوعه ولا يتوقف تصديق النبي عليه بل يجب تصديقه بدونه وإن كان لازما علم قطعا أنه قد وقع وعدم نقله إلينا لا يدل على عدم وقوعه إذ لا يلزم من وجود الشيء نقله العام ولا الخاص وليس كل ما أخبر به موسى والمسيح(2\/433)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "217",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15673",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وغيرهما من الأنبياء المتقدمين وصل إلينا وهذا مما علم بالاضطراد. فلو قدر أن البشارة بنبوته صلى الله عليه وسلم ليست في الكتب الموجودة بأيديكم لم يلزم أن لا يكون غيره بشر به ولم ينفك ويمكن أن يكون في كتب غير هذه المشهورة المتداولة بينكم فلم تزل عند كل أمة كتب لا يطلع عليها إلا بعض خاصتهم فضلا عن جميع عامتهم ويمكن أنه كان في بعضها فأزيل منه وبدل ونسخت النسخ من هذه التي قد بدلت واشتهرت بحيث لا يعرف غيرها واختفى أمر تلك النسخ الأولى وهذا كله ممكن لا سيما من الأمة التي تواطأت على تبديل دين نبيها وشريعته هذا كله على تقدير عدم البشارة به في شيء من كتبهم أصلا. ونحن قد ذكرنا من البشارات به في كتبهم ما لا يمكن منهم جحده والمكابرة فيه وإن أمكنهم المغالطة بالتأويل عند رعاعهم وجهالهم. الوجه الثاني: أن عبد الله بن سلام قد قابل اليهود ووافقهم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن ذكره ونعته وصفته في كتبهم وأنهم يعلمون أنه رسول الله وقد شهدوا بأنه أعلمهم وابن أعلمهم وخيرهم وابن خيرهم فلم يضر قولهم بعد ذلك أنه شرهم وابن شرهم وجاهلهم وابن جاهلهم كما إذا شهد على رجل شاهد عند الحاكم فسأله عنه فعدله وقال: إنه مقبول الشهادة عدل رضي لا يشهد إلا بالحق وشهادته جائزة علي فلما أدى الشهادة قال: إنه كاذب شاهد زور ومعلوم أن هذا لا يقدح في شهادته. وأما كعب الأحبار فقد ملأ الدنيا من الأخبار بما في النبوات المتقدمة من البشارة به وصرح بها بين أظهر المسلمين واليهود والنصارى وأذن بها على رءوس الملأ وصدقه مسلمو أهل الكتاب عليها وأخبروه على ما أخبر به فإنه كان أوسعهم علما في كتب الأنبياء وقد كان الصحابة يمتحنون ما ينقله ويزنونه بما يعرفون صحته فيعلمون صدقه وشهدوا(2\/434)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "218",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15674",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "له بأنه أصدق من يحكون لهم عن أهل الكتاب أو من أصدقهم. ونحن اليوم ننوب عن عبد الله بن سلام وقد وجدنا هذه البشارات في كتبكم وهي شاهدة لنا عليكم والكتب بأيديكم فأتوا بها فاتلوها إن كنتم صادقين. وعندنا ممن وفقه الله للإسلام منكم من يوافقكم ويقابلكم ويحاققكم عليها وإلا فاشهدوا على أنفسكم بما شهد الله وملائكته وأنبياؤه ورسله وعباده المؤمنون به عليكم من الكفر والتكذيب والجحد للحق ومعاداة الله ورسوله. الوجه الثالث: أنه لو أتاكم عبد الله بن سلام بكل نسخة متضمنة لغاية البيان والصراحة لكان في بهتكم وعنادكم وكذبكم ما يدفع في وجوهها ويحرفها أنواع التحريف ما وجد إليه سبيلا فإذا جاءكم ما لا قبل لكم به قلتم ليس به ولم يأت بعد وقلتم: نحن لا نفارق حكم التوراة ولا نتبع نبي الأميين وقد صرح أسلافكم الذين شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاينوه أنه رسول الله حقا وأنه المبشر به الموعود به على ألسنة الأنبياء المتقدمين وثم من قال له منهم في وجهه: نشهد أنك نبي فقال: ما يمنعكما من اتباعي قال: إنا نخاف أن تقتلنا يهود وقد قال تعالى: إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم. وقد جاءكم آيات هي أعظم من بشارات الأنبياء به وأظهر بحيث إن كل آية منها يصلح أن يؤمن على مثلها البشر فما زادكم ذلك إلا نفورا وتكذيبا وإباء لقبول الحق فلو أنزل إليكم ملائكته وكلمكم الموتى وشهد له بالنبوة كل رطب ويابس لغلبت عليكم الشقوة وصرتم إلى ما سبق لكم في أم الكتاب. وقد رأى من كان أعقل منكم وأبعد من(2\/435)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "219",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15675",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحسد من آيات الأنبياء ما رأوا وما زادكم ذلك إلا تكذيبا وعنادا فأسلافكم وقدوتكم في تكذيب الأنبياء من الأمم لا يحصيهم إلا الله حتى كأنكم تواصيتم بذلك أوصى به الأول للآخر واقتدى فيه الآخر بالأول قال تعالى: كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون وهبنا أنا ضربنا من أخبار الأنبياء المتقدمين به صفحا أفليس في الآيات والبراهين التي ظهرت على يديه ما يشهد لصحة نبوته! وسنذكر منها بعد الفراغ من الأجوبة طرفا يقطع المعذرة ويقيم الحجة والله المستعان.(2\/436)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "220",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15676",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[المسالة الخامسة] (فصل) : قال السائل: إنكم نسبتم الأمتين العظيمتين المذكورتين إلى اختيار الكفر على الإيمان للغرض المذكور فابن سلام وأصحابه أولى بذلك الغرض لأنهم قليلون جدا وأضداده كثيرون لا يحصيهم عدد. والجواب من وجوه: أحدها: أنه قد بينا أن جمهور هاتين الأمتين المذكورتين آمن به وصدقه وقد كانوا ملء الأرض وهذه الشام ومصر وما جاورهما واتصل بهما من أعمالهما والجزيرة والموصل وأعمالهما وأكثر بلاد المغرب وكثير من بلاد المشرق كانوا كلهم نصارى فأصبحت هذه البلاد كلها مسلمين فالمتخلف من هاتين الأمتين عن الإيمان أقل القليل بالإضافة إلى من آمن به وصدقه وهؤلاء عباد الأوثان كلهم أطبقوا على الإسلام إلا من كان منهم في أطراف الأرض بحيث لم تصل إليه الدعوة وهذه أمة المجوس توازي هاتين الأمتين كثرة وشوكة وعددا دخلوا في دينه وبقي من بقي منهم كما بقيتم أنتم تحت الذلة والجزية. الثاني: أنا قد بينا أن الغرض الحامل لهم على الأمر ليس هو مجرد المأكلة والرئاسة وإن كانا من جملة الأغراض بل منهم من حمله على ذلك ومنهم من حمله الحسد ومنهم من حمله الكبر ومنهم من حمله(2\/437)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "221",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15677",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "محبة الآباء والأسلاف وحسن الظن بهم ومنهم من حمله محبة إلفه للدين الذي نشأ عليه فجبل بطبعه فصار انتقاله عنه كمفارقة الإنسان ما طبع عليه وأنت ترى هذا السبب كيف هو الغالب المستولي على أكثر بني آدم في إيثارهم ما اعتادوه من المطاعم والمشارب والملابس والمساكن والديانات على ما هو خير منه وأوفق بكثير. ومنهم من حمله التقليد والجهل وهم الأتباع الذين ليس لهم علم ومنهم من حمله الخوف من فوات محبوب أو حصول مرهوب فلم ينسب هاتين الأمتين إلى الغرض المذكور وحده الثالث: أنا قد بينا أن الأمم الذين كانوا عليهم كانوا أكثر عددا وأغزر عقولا منهم وكلهم اختار العمى على الهدى والكفر على الإيمان بعد البصيرة فلهاتين الأمتين سلف كثير وهم أكثر الخلق. الرابع: أن عبد الله بن سلام ومن دونه إنما أسلموا في وقت شدة من الأمر وقلة من المسلمين وضعف وحاجة وأهل الأرض مطبقون على عداوتهم واليهود والمشركون هم أهل الشوكة والعدة والحلقة والسلاح ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذ ذاك قد أووا إلى المدينة وأعداؤهم يطلبونهم في كل وجه وقد بذلوا الرغائب لمن جاءهم بهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه وخادمهم واستخفوا ثلاثا في غار تحت الأرض ثم خرجوا بعد ثلاث على غير الطريق إلى أن قدموا المدينة والشوكة والعدد والعدة فيها لليهود والمشركين فأسلم عبد الله بن سلام حين مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة لما رأى أعلام النبوة التي كان يعرفها وشاهدها فيه وترك الأغراض التي منعت المغضوب عليهم من(2\/438)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "222",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15678",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الإسلام من الرئاسة والمال والجاه بينهم وقد شهدوا له كلهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رئيسهم وخيرهم وسيدهم فعلم أنهم إن علموا بإسلامه أخرجوه من تلك الرئاسة والسيادة فأحب أن يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: أدخلني بعض بيوتك وسلهم عني ففعل وسألهم عنه فأخبروه أنه سيدهم ورئيسهم وعالمهم فخرج عليهم وذكرهم وأوقفهم على أنهم يعلمون أنه رسول الله وقابلهم بذلك فسبوه وقدحوا فيه وأنكروا رئاسته وسيادته وعلمه. فلو كان عبد الله بن سلام ممن يؤثر عرض الدنيا والرئاسة لفعل كما فعله إخوان القردة وأمة الغضب والقوم البهت وهكذا شأن من أسلم من يهود خيبر. وأما المتخلفون فكثير منهم صرح بغرضه لخاصته وعامته وقال: إن هؤلاء قد عظمونا ورأسونا وملكونا فلو اتبعناه لنزعوا ذلك كله منا وهذا قد رأيناه نحن في زماننا وشاهدناه عيانا. ولقد ناظرنا بعض علماء النصارى معظم يوم فلما تبين له الحق بهت فقلت له وأنا وهو خاليان: ما يمنعك الآن من اتباع الحق فقال لي: إذا قدمت على هؤلاء الحمير - هكذا لفظه - فرشوا الشقاق تحت حوافر دابتي وحكموني في أموالهم ونسائهم ولم يعصوني فيما آمرهم به وأنا لا أعرف صنعة ولا أحفظ قرآنا ولا نحوا ولا فقها فلو أسلمت لدرت في الأسواق أتكفف الناس فمن الذي يطيب نفسا بهذا! فقلت: هذا لا يكون وكيف تظن بالله أنك إذا أسلمت وآثرت رضاه على هواك يخزيك ويحوجك! ولو فرضنا أن ذلك أصابك فما ظفرت به من الحق والنجاة من النار ومن سخط الله وغضبه فيه أتم العوض عما فاتك فقال: حتى يأذن الله فقلت: والقدر لا يحتج به ولو كان القدر حجة لكان حجة لليهود على(2\/439)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "223",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15679",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تكذيب المسيح وحجة للمشركين على تكذيب الرسل ولا سيما أنتم تكذبون بالقدر فكيف تحتج به! فقال: دعنا الآن من هذا وأمسك. الخامس: أن جوابك في نفس سؤالك فإنك اعترفت أن عبد الله بن سلام وذويه كانوا قليلين جدا وأضدادهم لا يحصون كثرة ومعلوم أن الغرض الداعي لموافقة الجمهور الذين لا يحصون كثرة وهم أولو القوة والشوكة أقوى من الغرض الداعي لموافقة الأقلين المستضعفين. والله الموفق.(2\/440)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "224",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15680",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[المسألة السادسة] (فصل) : قال السائل: تدخل علينا الريبة من جهة عبد الله بن سلام وأصحابه وهو أنكم قد بنيتم أكثر أساس شريعتكم في الحلال والحرام والأمر والنهي على أحاديث عوام من الصحابة الذين ليس لهم بحث في علم ولا دراسة ولا كتابة قبل مبعث نبيكم فابن سلام وأصحابه أولى أن تأخذ بأحاديثهم ورواياتهم لأنهم كانوا أهل علم وبحث ودراسة وكتابة قبل مبعث نبيكم وبعده ولا نراكم تروون عنهم من الحلال والحرام والأمر والنهي إلا شيئا يسيرا جدا وهو ضعيف عندكم. والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا بهت من قائله فإنا لم نبن أساس شريعتنا في الحلال والحرام والأمر والنهي إلا على كتاب ربنا المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم الذي تحدى به الأمم كلها على اختلاف علومها وأجناسها وطبائعها وهو في غاية الضعف وأعداؤه طبق الأرض أن يعارضوه بمثله فيكونوا أولى بالحق منه ويظهر كذبه وصدقهم فعجزوا عن ذلك. فتحداهم بأن يأتوا بعشر سور مثله فعجزوا فتحداهم بأن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا. هذا وأعداؤه الأدنون منه أفصح الخلق وهم أهل البلاغة والفصاحة واللسن(2\/441)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "225",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15681",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والنظم والنثر والخطب وأنواع الكلام فما منهم من فاه في معارضته ببنت شفة وكانوا أحرص الناس على تكذيبه وأشدهم أذى له بالقول والفعل والتنفير عنه بكل طريق فما تفرد أحد منهم عنه بسورة واحدة إلا مسيلمة الكذاب بمثل قوله: يا ضفدع بنت ضفدعين نقي كم تنقين لا الشارب تمنعين ولا الماء تكدرين ومثل: والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا فالخابزات خبزا إهالة وسمنا وأمثال ذلك من هذه الألفاظ التي هي بألفاظ أهل المجون والمعتوهين أشبه منها بألفاظ العقلاء. فالمسلمون إنما بنوا أساس دينهم ومعالم حلالهم وحرامهم على الكتاب الذي لم ينزل من السماء كتاب أعظم منه فيه بيان كل شيء وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة وشفاء لما في الصدور به هدى الله رسوله وأمته فهو أساس دينهم. الثاني: أن قولكم إن المسلمين بنوا أساس دينهم على رواية عوام من الصحابة من أعظم البهت وأفحش الكذب فإنهم وإن كانوا أميين قد بعث الله فيهم رسوله زكاهم وعلمهم الكتاب والحكمة وفضلهم في العلم والهدى والمعارف الإلهية والعلوم النافعة المكملة للنفوس على جميع الأمم فلم تبق أمة من الأمم تدانيهم في فضلهم وعلومهم وأعمالهم ومعارفهم فلو قيس ما عند جميع الأمم من معرفة وعلم وهدى وبصيرة إلى ما عندهم لم يظهر له نسبة إليه بوجه ما وإن كان غيرهم من الأمم أعلم بالحساب والهندسة والكم المتصل والكم المنفصل والنبض والقارورة والبول(2\/442)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "226",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15682",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والقسطة ووزن الأنهار ونقوش الحيطان ووضع الآلات العجيبة وصناعة الكيمياء وعلم الفلاحة وعلم الهيئة وتسيير الكواكب وعلم الموسيقى والألحان وغير ذلك من العلوم التي هي بين علم لا ينفع وبين ظنون كاذبة وبين علم نفعه في العاجلة وليس من زاد المعاد فإن أردتم أن الصحابة كانوا عواما في هذه العلوم فنعم إذا وتلك شكاة ظاهر عنك عارها. وإن أردتم أن الصحابة كانوا عواما في العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه ودينه وشرعه وتفاصيله واليوم الآخر وتفاصيله وتفاصيل ما بعد الموت وعلم سعادة النفوس وشقاوتها وعلم صلاح القلوب وأمراضها فمن بهت نبيهم بما بهته به وجحد نبوته ورسالته التي هي للبصائر أظهر من الشمس للأبصار لم ينكر له أن يبهت أصحابه ويجحد فضلهم ومعرفتهم وينكر ما خصهم الله به وميزهم على من قبلهم ومن هو كائن من بعدهم إلى يوم القيامة وقد كان الحواريون الذين نقلوا لأتباع المسيح معالم دينه وسيرة المسيح لا يعلمون شيئا من ذلك حتى من الله بالمسيح وشاهدوا ما خصه الله به من الآيات وأظهره على يده من المعجزات وكمل نفوسهم بالعلوم الإلهية والفضائل النفسانية فصاروا يفعلون ما نقله الجم الغفير إلينا عنهم من العجائب ويدونون العلوم كل ذلك ببركته وكذلك هؤلاء أعني الصحابة رضي الله عنهم وكيف يكونون عواما في ذلك وهم أذكى الناس فطرة وأزكاهم نفوسا هم يتلقونه غضا طريا ومحضا لم يشب عن نبيهم وهم أحرص الناس عليه وأشوقهم إليه وخبر السماء يأتيهم على لسانه في ساعات الليل والنهار والحضر والسفر وكتابهم قد اشتمل على علوم الأولين والآخرين(2\/443)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "227",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15683",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وعلم ما كان من المبدأ وتخليق العالم وأحوال الأمم الماضية والأنبياء وسيرهم وأحوالهم مع أممهم ودرجاتهم ومنازلهم عند الله وعددهم وعدد المرسلين منهم وذكر كتبهم وأنواع العقوبات التي عذب الله بها أعداءهم وما أكرم به أتباعهم وذكر الملائكة وأصنافهم وأنواعهم وما وكلوا به واستعملوا فيه وذكر اليوم الآخر وتفاصيل أحواله وذكر الجنة وتفاصيل نعيمها والنار وتفاصيل عذابها وذكر البرزخ وتفاصيل أحوال الخلق فيه وذكر أشراط الساعة والإخبار بها مفصلا بما لم يتضمنه كتاب غيره من حين قامت الدنيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها كما أخبر به المسيح عنه من قوله في الإنجيل وقد بشرهم به فقال: وكل شيء أعده الله لكم يخبركم به وفي موضع آخر منه: ويخبركم بالحوادث والغيوب وفي موضع آخر ويعلمكم كل شيء وفي موضع آخر: يحيي لكم الأسرار ويفسر لكم كل شيء وأجيئكم بالأمثال وهو يجيئكم بالتأويل وفي موضع آخر: إن لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله لكم ولكنكم لا تستطيعون حمله لكن إذا جاء روح الحق ذاك يرشدكم إلى جميع الحق لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بكل ما يأتي ويعرفكم جميع ما للأب. فمن هذا علمه بشهادة المسيح وأصحابه يتلقون ذلك جميعه عنه وهم أذكى الخلق وأحفظهم وأحرصهم كيف تدانيهم أمة من الأمم في هذه العلوم والمعارف ولقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما صلاة الصبح ثم صعد المنبر فخطبهم حتى حضرت الظهر ثم نزل وصلى وصعد فخطبهم حتى حضرت العصر ثم نزل فصلى وصعد(2\/444)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "228",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15684",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وخطبهم حتى حضرت المغرب فلم يدع شيئا إلى قيام الساعة إلا أخبرهم به فكان أعلمهم أحفظهم. وخطبهم مرة أخرى فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم. وقال يهودي لسلمان: لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة! قال أجل. فهذا اليهودي كان أعلم بنبينا من هذا السائل وطائفته!! . وكيف يدعى في أصحاب نبينا أنهم وهذه العلوم الناقصة المبثوثة في الأمم على كثرتها واتساعها وتفنن ضروبها إنما هي عنهم مأخوذة ومن كلامهم وفتاويهم مستنبطة وهذا عبد الله بن عباس كان من صبيانهم وفتيانهم وقد طبق الأرض علما وبلغت فتاويه نحوا من ثلاثين سفرا وكان بحرا لا ينزف لو نزل به أهل الأرض لأوسعهم علما وكان إذا أخذ في الحلال والحرام والفرائض يقول القائل: لا يحسن سواه فإذا أخذ في تفسير القرآن ومعانيه يقول السامع: لا يحسن سواه فإذا أخذ في السنة والرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول القائل: لا يحسن سواه فإذا أخذ في القصص وأخبار الأمم وسير الماضين فكذلك فإذا أخذ في أنساب العرب وقبائلها وأصولها وفروعها فكذلك فإذا أخذ في الشعر والغريب فكذلك.(2\/445)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "229",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15685",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال مجاهد: العلماء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ... وقال قتادة في قوله تعالى: ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.... ولما حضر معاذا الموت قيل له: أوصنا قال: أجلسوني فأجلسوه فقال: إن الإيمان والعلم بمكانهما من اتبعهما وجدهما التمسوا العلم عند أربعة رهط: عند عويمر أبي الدرداء وعند سلمان الفارسي وعند عبد الله بن مسعود وعند عبد الله بن سلام فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه عاشر عشرة في الجنة. وقال أبو إسحاق السبيعي قال عبد الله: علماء الأرض ثلاثة رجل بالشام وآخر بالكوفة وآخر بالمدينة. فأما هذان فيسألان الذي بالمدينة والذي بالمدينة لا يسألهما عن شيء.(2\/446)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "230",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15686",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقيل لعلي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه ورضي عنه: حدثنا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عن أيهم قالوا: عن عبد الله بن مسعود قال قرأ القرآن وعلم السنة ثم انتهى وكفاه بذلك قالوا: فحدثنا عن حذيفة قال: أعلم أصحاب محمد بالمنافقين قالوا: فأبو ذر قال: كنيف ملئ علما قالوا: فعمار قال: مؤمن نسي إذا ذكرته ذكر خلط الله الإيمان بلحمه ودمه ليس للنار فيه نصيب قالوا: فأبو موسى قال: صبغ في العلم صبغة قالوا: فسلمان قال: علم العلم الأول والآخر بحر لا ينزح منا أهل البيت قالوا: فحدثنا عن نفسك يا أمير المؤمنين قال: إياها أردتم كنت إذا سألت أعطيت وإذا سكت ابتدئت.... وقال مسروق: ... شافهت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فوجدت علمهم ينتهي إلى ستة إلى: علي وعبد الله وعمر وزيد بن ثابت وأبي الدرداء وأبي بن كعب ثم شافهت الستة فوجدت علمهم ينتهي إلى علي وعبد الله. وقال مسروق: جالست أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وكانوا كالأخاذ الأخاذ يروي الراكب والأخاذ يروي الراكبين والأخاذ يروي العشرة لو نزل به أهل الأرض(2\/447)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "231",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15687",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لأصدرهم وإن عبد الله من ذلك الأخاذ.... وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت منه حتى أرى الري يخرج من أظفاري ثم أعطيت فضلي عمر فقالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله قال: العلم. وقال عبد الله: إني لأحسب أن عمر قد ذهب بتسعة أعشار العلم....... وقال عبد الله: لو أن علم عمر بن الخطاب وضع.... وقال حذيفة بن اليمان: كأن علم الناس مع علم عمر دس في جحر ... ... وقال الشعبي: قضاة هذه الأمة أربعة: عمر وعلي وزيد وأبو موسى.... وقال قبيصة بن جابر: ما رأيت رجلا قط أعلم بالله ولا أقرأ لكتاب الله ولا أفقه في دين الله من عمر.(2\/448)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "232",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15688",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال علي: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وأنا حديث السن ليس لي علم بالقضاء فقلت: إنك ترسلني إلى قوم يكون فيهم الأحداث وليس لي علم بالقضاء قال فضرب في صدري وقال: إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك قال: فما شككت في قضاء بين اثنين بعد. وفي الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: كنت أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر فقال لي: يا غلام هل من لبن قلت: نعم ولكني مؤتمن قال: فهل من شاة لم ينزو عليها الفحل قال فأتيته بشاة فمسح ضرعها فنزل لبن فحلبه في إناء فشرب وسقى أبا بكر ثم قال للضرع: اقلص فقلص قال: فأتيته بعد هذا فقلت: يا رسول الله علمني من هذا القول فمسح رأسي وقال: يرحمك الله إنك عليم معلم. وقال عقبة بن عامر: ما أرى أحدا أعلم بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من عبد الله فقال أبو موسى: إن تقل ذلك فإنه كان يسمع حين لا نسمع ويدخل حين لا ندخل.... وقال مسروق: ... قال عبد الله: ما أنزلت سورة إلا وأنا أعلم فيما أنزلت ولو أني أعلم(2\/449)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "233",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15689",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أن رجلا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل والمطايا لأتيته ...  وقال عبد الله بن بريدة في قوله عز وجل: حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا قال: هو عبد الله بن مسعود. وقيل لمسروق: كانت عائشة تحسن الفرائض قال: والله لقد رأيت الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونها عن الفرائض.... وقال أبو موسى: ما أشكل علينا - أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا منه علما. وقال شهر بن حوشب: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا تحدثوا وفيهم معاذ بن جبل نظروا إليه هيبة له.... وقال علي بن أبي طالب: أبو ذر وعى علما ثم وكى عليه فلم يخرج منه شيء حتى قبض.... وقال مسروق: ... قدمت المدينة فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم(2\/450)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "234",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15690",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولما بلغ أبا الدرداء موت عبد الله بن مسعود قال: أما إنه لم يخلق بعده مثله.... وقال أبو الدرداء: إن من الناس من أوتي علما ولم يؤت حلما وشداد بن أوس ممن أوتي علما وحلما.... ولما مات زيد بن ثابت قام ابن عباس على قبره وقال: هكذا يذهب العلم. وضم رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عباس وقال: اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب ... وقال محمد بن الحنيفية لما مات ابن عباس: لقد مات رباني هذه الأمة.... وقال عبد الله بن عتبة بن مسعود: ما رأيت أحدا أعلم بالسنة ولا أجلد رأيا ولا أثقب نظرا حين ينظر من ابن عباس.(2\/451)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "235",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15691",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان عمر بن الخطاب يقول له: قد طرأت علينا عضل أقضيته أنت لها ولأمثالها ثم ... يقول عبد الله: وعمر عمر في جده وحسن نظره للمسلمين.... وقال عطاء بن أبي رباح: ما رأيت مجلسا قط أكرم من مجلس ابن عباس: أكثر فقها وأعظم جفنة إن أصحاب الفقه عنده وأصحاب القرآن عنده وأصحاب الشعر عنده يصدرهم كلهم في واد واسع.... وكان عمر بن الخطاب يسأله مع الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزيده الله علما وفقها.... وقال عبد الله بن مسعود: لو أن ابن عباس بلغ أسناننا ما عشره منا رجل. أي ما بلغ عشره.... وقال ابن عباس: ما سألني أحد عن مسألة إلا عرفت أنه فقيه أو غير فقيه وقيل له: أنى أصبت هذا العلم قال: بلسان سئول وقلب عقول وكان يسمى البحر من كثرة علمه....(2\/452)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "236",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15692",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال طاوس: أدركت نحو خمسين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر لهم ابن عباس شيئا خالفوه لم يزل بهم حتى يقررهم.... وقال الأعمش: ... كان ابن عباس إذا رأيته قلت: أجمل الناس فإذا تكلم قلت: أفصح الناس فإذا حدث قلت: أعلم الناس.... وقال مجاهد: ... كان ابن عباس إذا فسر الشيء رأيت عليه النور....... وقال ابن سيرين: كانوا يرون أن الرجل الواحد يعلم من العلم ما لا يعلمه الناس أجمعون. قال ابن عون: فكأنه رآني أنكرت ذلك قال: فقال: أليس أبو بكر كان يعلم من العلم ما لا يعلمه الناس ثم كان عمر يعلم ما لا يعلمه الناس.... وقال عبد الله بن مسعود: لو وضع علم أحياء العرب في كفة وعلم عمر في كفة(2\/453)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "237",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15693",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لرجح بهم علم عمر. قال الأعمش: فذكروا ذلك لإبراهيم فقال: قال: عبد الله إن كنا لنحسبه قد ذهب بتسعة أعشار العلم.... وقال سعيد بن المسيب: ما أعلم أحدا من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم من عمر بن الخطاب. وقال الشعبي: قضاة الناس أربعة: عمر وعلي وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري. وكانت عائشة رضي الله عنها مقدمة في العلم بالفرائض والسنن والأحكام والحلال والحرام والتفسير.... قال عروة بن الزبير: ما جالست أحدا قط أعلم بقضاء ولا بحديث الجاهلية ولا أروى للشعر ولا أعلم بفريضة ولا طب من عائشة رضي الله عنها.... وقال عطاء: ... كانت عائشة أعلم الناس وأفقه الناس.... وقال البخاري في تاريخه: روى العلم عن أبي هريرة ثمانمائة رجل ما بين صاحب(2\/454)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "238",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15694",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتابع. وقال عبد الله بن مسعود: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد فاصطفاه وبعثه لرسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلوا وزراء نبيه.... وقال ابن عباس في قوله تعالى: قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.... وقال الشافعي: وقد أثنى الله على الصحابة في التوراة والإنجيل والقرآن وسبق لهم على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم من الفضل ما ليس لأحد بعدهم. وقال أبو حنيفة: إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين وإذا جاء عن الصحابة نختار من قولهم ولم نخرج عنه. وقال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: لما دخل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الشام نظر إليهم رجل من أهل الكتاب فقال: ما كان أصحاب عيسى ابن مريم الذين قطعوا بالمناشير وصلبوا على الخشب بأشد اجتهادا من هؤلاء.(2\/455)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "239",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15695",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد شهد لهم الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى بأنهم خير القرون على الإطلاق. كما شهد لهم ربهم تبارك وتعالى بأنهم خير الأمم على الإطلاق. وعلماؤهم وتلاميذهم الذين ملئوا الأرض علما فعلماء الإسلام كلهم تلاميذهم وتلاميذ تلاميذهم وهلم جرا. وهؤلاء الأئمة الأربعة الذين طبق علمهم الأرض شرقا وغربا تلاميذ تلاميذهم وخيار ما عندهم ما كان من الصحابة وخيار الفقه ما كان منهم وأوضح التفسير ما أخذ عنهم. وأما كلامهم في باب معرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله وقضائه وقدره ففي أعلى المراتب فمن وقف عليه وعرف ما قالته الأنبياء عرف أنه مشتق منه مترجم عنه وكل علم نافع في الأمة فهو مستنبط من كلامهم ومأخوذ عنهم وهؤلاء تلاميذهم وتلاميذ تلاميذهم قد طبقت تصانيفهم وفتاويهم الأرض. فهذا مالك جمعت فتاويه عدة أسفار وأبو حنيفة كذلك وهذه تصانيف الشافعي رضي الله عنه تقارب المائة وهذا الإمام أحمد بلغت فتاويه وتآليفه نحو مائة سفر وفتاويه عندنا في نحو عشرين سفرا وغالب تصانيفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين وهذا علامتهم المتأخر شيخ الإسلام ابن تيمية جمع بعض أصحابه فتاواه في ثلاثين مجلدا ورأيتها في الديار المصرية وهذه تآليف أئمة الإسلام التي لا يحصيها إلا الله كلهم من أولهم إلى آخرهم يقر للصحابة بالعلم والفضل ويعترف بأن علمه بالنسبة إلى علومهم كعلومهم بالنسبة إلى علم نبيهم.(2\/456)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "240",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15696",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الثقفيات حدثنا قتيبة بن سعيد عن سعيد بن عبد الرحمن المعافري عن أبيه: ... أن كعبا رأى حبر اليهود يبكي فقال له: ما يبكيك قال: ذكرت بعض الأمر فقال كعب: أنشدك الله لئن أخبرتك ما أبكاك لتصدقني قال: نعم قال أنشدك الله: هل تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة فقال: رب إني أجد خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالكتاب الأول والكتاب الآخر ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلون أعور الدجال فاجعلهم أمتي قال: هم أمة أحمد يا موسى قال الحبر: نعم. قال كعب: فأنشدك الله هل تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة فقال: يا رب إني أجد أمة هم الحمادون رعاة الشمس المحكمون إذا أرادوا أمرا قالوا: نفعله إن شاء الله فاجعلهم أمتي. قال: هم أمة أحمد يا موسى قال الحبر: نعم. قال كعب: أنشدك الله أتجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة فقال: يا رب إني أجد أمة إذا أشرف أحدهم على شرف كبر الله وإذا هبط حمد الله الصعيد طهورهم والأرض لهم مسجدا حيثما كانوا يتطهرون من الجنابة طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء غرا محجلين من آثار الوضوء فاجعلهم أمتي قال: هم أمة أحمد يا موسى قال الحبر: نعم. قال كعب: فأنشدك الله هل تجد في كتاب الله أن موسى نظر في التوراة فقال: يا رب إني أجد أمة مرحومة(2\/457)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "241",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15697",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يرثون الكتاب واصطفيتهم لنفسك فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات فلا أجد أحدا منهم إلا مرحوما فاجعلهم أمتي قال: هم أمة أحمد يا موسى قال الحبر: نعم. قال كعب: فأنشدك الله أتجد في كتاب الله أن موسى نظر في التوراة فقال: يا رب إني أجد مصاحفهم في صدورهم يصفون في صلاتهم كصفوف الملائكة أصواتهم في مساجدهم كدوي النحل لا يدخل النار منهم أحد إلا من برئ من الحسنات مثل ما برئ الحجر من ورق الشجر. قال موسى: فاجعلهم أمتي قال: هم أمة أحمد يا موسى قال الحبر: نعم. فلما عجب موسى من الخير الذي أعطى الله محمدا وأمته قال: ليتني من أصحاب محمد فأوحى الله إليه ثلاث آيات يرضيه بهن: ياموسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي وكتبنا له في الألواح الآية ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون. قال: فرضي كل الرضا.... وهذه الفصول بعضها في التوراة التي بأيديهم وبعضها في نبوة أشعيا وبعضها في نبوة غيره. والتوراة أعم من التوراة المعينة وقد كان الله سبحانه وتعالى كتب لموسى في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فلما كسرها رفع(2\/458)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "242",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15698",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منها الكثير وبقي خير كثير فلا يقدح في هذا النقل جهل أكثر أهل الكتاب به فلا يزال في العلم الموروث عن الأنبياء شيء مما لا يعرفه إلا الآحاد من الناس أو الواحد وهذه الأمة على قرب عهدها بنبيها في العلم الموروث عنه ما لا يعرفه إلا الأفراد القليلون جدا من أمته وسائر الناس منكر له وجاهل به. وسمع كعب رجلا يقول: رأيت في المنام كأن الناس جمعوا للحساب فدعا الأنبياء فجاء مع كل نبي أمته ورأيت لكل نبي نورين ولكل من اتبعه نورا يمشي به في الناس بين يديه فدعي محمد صلى الله عليه وسلم فإذا لكل شعرة في رأسه ووجهه نور ولكل من اتبعه نوران يمشي بهما. فقال كعب: من حدثك هذا قال: رؤيا رأيتها في منامي قال: أنت رأيت هذا في منامك قال: نعم قال: والذي نفس كعب بيده إنها لصفة محمد وأمته وصفة الأنبياء وأممهم لكأنما قرأتها من كتاب الله.... وفي بعض الكتب القديمة أن عيسى بن مريم صلوات الله وسلامه عليه قيل له: يا روح الله! هل بعد هذه الأمة أمة قال: نعم قيل: وأية أمة قال: أمة أحمد قيل: يا روح الله! وما أمة أحمد قال: علماء حكماء أبرار أتقياء كأنهم من الفقه أنبياء يرضون من الله باليسير من الرزق ويرضى الله منهم باليسير من العمل ويدخلهم الجنة بشهادة أن لا إله إلا الله. وقال كعب: علماء هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل. وفيه حديث مرفوع لا أعرف حاله. ثم نقول: وما يدريكم معاشر المثلثة وعباد الصلبان وأمة اللعنة والغضب بالفقه(2\/459)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "243",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15699",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والعلم ومسمى هذا الاسم حيث تسلبونه أصحاب محمد الذين هم وتلاميذهم كأنبياء بني إسرائيل وهل يميز بين العلماء والجهال ويعرف مقادير العلماء إلا من هو من جملتهم ومعدود في زمرتهم فأما طائفة شبه الله علماءهم بالحمير التي تحمل الأسفار وطائفة علماؤهم يقولون في الله ما لا ترضاه أمة من الأمم فيمن تعظمه وتجله وتأخذ دينها عن كل كاذب ومفتر على الله وعلى أنبيائه فمثلها مثل عريان يحارب شاكي السلاح ومن سقف بيته زجاج وهو يراجم أصحاب القصور بالأحجار ولا يستكثر على من قال في الله ورسوله ما قال أن يقول في أعلم الخلق إنهم عوام. فليهن أمة الغضب علم المشنا والتلمود وما فيهما من الكذب على الله وعلى كليمه موسى وما يحدث لهم أحبارهم وعلماء السوء كل وقت وليهنهم علوم دلتهم على أن الله ندم على خلق البشر حتى شق عليه وبكى على الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة ودلتهم على أنه يناجونه في صلاتهم بقولهم: يا إلهنا انتبه من رقدتك كم تنام ينخونه حتى ينتخي وينقذ دولتهم وليهن أمة الضلال علومهم التي فارقوا بها جميع(2\/460)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "244",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15700",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "شرائع الأنبياء وخالفوا فيها المسيح خلافا يتحققه علماؤهم في كل أمر كما سيمر بك وعلومهم التي قالوا بها في رب العالمين ما قالوا مما كادت السماوات تنشق منه والأرض تنفطر والجبال تنهد لولا أن أمسكها الحكيم الصبور. وعلومهم التي دلتهم على التثليث وعبادة خشبة الصليب والصور المدهونة بالسيرقون والزنجفر. ودلتكم على قول عالمكم أفريم quot; إن اليد التي جلبت طينة آدم هي التي علقت على الصلبوت وأن الشبر الذي ذرعت به السماوات هو الذي سمر على الخشبة وقول عالمكم عرنقورس: من لم يقل إن مريم والدة الإله فهو خارج عن ولاية الله.(2\/461)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "245",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15701",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "[المسألة السابعة] (فصل) : قال السائل: نرى في دينكم أكثر الفواحش فيمن هو أعلم وأفقه في دينكم كالزنى واللواط والخيانة والحسد والبخل والغدر والجبن والكبر والخيلاء وقلة الورع واليقين وقلة الرحمة والمروءة والحمية وكثرة الهلع والتكالب على الدنيا والكسل في الخيرات وهذا الحال يكذب لسان المقال. والجواب من وجوه: أحدها: أن يقال: ماذا على الرسل الكرام من معاصي أممهم وأتباعهم وهل يقدح ذلك شيئا في نبوتهم أو يوجب تغيرا في وجه رسالتهم! وهل سلم من الذنوب على اختلاف أنواعها وأجناسها إلا الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهل يجوز رد رسالتهم وتكذيبهم بمعصية بعض أتباعهم لهم وهل هذا إلا من أقبح التعنت وهو بمنزلة رجل مريض دعاه طبيب ناصح إلى سبب ينال به غاية عافيته فقال: لو كنت طبيبا لم يكن فلان وفلان مرضى. وهل يلزم الرسل أن يشفوا جميع المرضى بحيث لا يبقى في العالم مريض وهل تعنت أحد على الرسل بمثل هذا التعنت الوجه الثاني: أن الذنوب أو المعاصي أمر مشترك بين الأمم لم يزل في(2\/462)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "246",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15702",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العالم من طبقات بني آدم عالمهم وجاهلهم وزاهدهم في الدنيا وراغبهم وأميرهم ومأمورهم وليس ذلك أمرا اختصت به هذه الأمة حتى يقدح به فيها وفي نبيها. الوجه الثالث: أن الذنوب والمعاصي لا تنافي الإيمان بالرسل بل يجتمع في العبد الإسلام والإيمان والذنوب والمعاصي فيكون فيه هذا وهذا. فالمعاصي لا تنافي الإيمان بالرسل وإن قدحت في كماله وتمامه. الوجه الرابع: أن الذنوب تغفر بالتوبة النصوح فلو بلغت ذنوب العبد عنان السماء وعدد الرمل والحصى ثم تاب منها تاب الله عليه قال تعالى: قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا. فهذا في حق التائب وأن التوبة تجب ما قبلها والتائب من الذنب كمن لا ذنب له والتوحيد يكفر الذنوب كما في الحديث الصحيح: ابن آدم لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لقيتك بقرابها مغفرة فالمسلمون ذنوبهم ذنوب موحد إن قوي التوحيد على محو آثارها بالكلية وإلا فما معهم من التوحيد يخرجهم من النار إذا عذبوا بذنوبهم. وأما المشركون والكفار فإن شركهم وكفرهم محبط حسناتهم فلا يلقون ربهم بحسنة يرجون بها النجاة ولا يعقب لهم شيء من مغفرة ذنوبهم قال تبارك(2\/463)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "247",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15703",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وقال تعالى في حق الكفار والمشركين: وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبى الله أن يقبل من مشرك عملا. فالذنوب تزول آثارها بالتوبة النصوح والتوحيد الخالص والحسنات الماحية والمصائب المكفرة لها وشفاعة الشافعين في الموحدين وآخر ذلك إذا عذب بما يبقى عليه منها أخرجه توحيده من النار وأما الشرك بالله والكفر بالرسول فإنه يحبط جميع الحسنات بحيث لا يبقى معه حسنة. الوجه الخامس: أن يقال لمورد هذا السؤال - إن كان من الأمة الغضبية إخوان القردة - ألا يستحي من إيراد هذا السؤال من آباؤه وأسلافه كانوا يشهدون في كل يوم من الآيات ما لم يره غيرهم من الأمم وفلق الله لهم البحر فأنجاهم من عدوهم وما جفت أقدامهم من ماء البحر حتى قالوا لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون. ولما ذهب لميقات ربه لم يمهلوه أن عبدوا بعد ذهابه العجل المصوغ وغلب أخوه هارون معهم ولم يقدر على الإنكار عليهم وكانوا مع مشاهدتهم العجائب يهمون برجم موسى وأخيه هارون في كثير من الأوقات والوحي بين أظهرهم ولما ندبهم إلى الجهاد قالوا: فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون وآذوا موسى أنواع الأذى حتى قالوا: إنه آدر وهذا لكونه كان يغتسل وحده فاغتسل يوما ووضع ثوبه على(2\/464)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "248",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15704",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "حجر ففر الحجر بثوبه وعدا خلفه عريانا حتى نظر بنو إسرائيل إلى عورته فرأوه أحسن خلق الله متجردا. ولما مات أخوه هارون قالوا: موسى قتله وغيبه فرفعت الملائكة لهم تابوته بين السماء والأرض حتى عاينوه ميتا وآثروا العود إلى مصر وإلى العبودية ليشبعوا من أكل اللحم والبصل والقثاء والعدس هكذا عندهم. والذي حكاه الله عنهم أنهم آثروا ذلك على المن والسلوى وانهماكهم على الزنى وموسى بين أظهرهم وعدوهم بإزائهم حتى ضعفوا عنهم ولم يظفروا بهم معروف عندهم وعبادتهم الأصنام بعد عصر يوشع بن نون وتحيلهم على صيد(2\/465)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "249",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15705",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحيتان في يوم السبت لا تنسه حتى مسخوا قردة خاسئين وقتلهم الأنبياء بغير حق حتى قتلوا في يوم واحد سبعين نبيا في أول النهار وأقاموا السوق آخره كأنهم جزروا غنما أمر معروف. وقتلهم يحيى بن زكريا ونشرهم إياه في المنشار. وإصرارهم على العظائم واتفاقهم على تغيير كثير من أحكام التوراة ورميهم لوطا بأنه وطئ ابنتيه وأولدهما. ورميهم يوسف بأنه حل سراويله وجلس من امرأة العزيز مجلس المرأة من القابلة حتى انشق الحائط وخرجت له كف يعقوب وهو عاض على أنامله فقام وهرب وهذا لو رآه أفسق الناس وأفجرهم لقام ولم يقض غرضه. وطاعتهم للخارج على ولد سليمان بن داود لما وضع لهم كبشين من ذهب(2\/466)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "250",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15706",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فعكفت جملتهم على عبادتها إلى أن جرت الحرب بينهم وبين المؤمنين الذين كانوا مع ولد سليمان وقتل منهم في معركة واحدة ألوف مؤلفة. أفلا يستحي عباد الكباش والبقر من تعيير الموحدين بذنوبهم أولا يستحي ذرية قتلة الأنبياء من تعيير المجاهدين لأعداء الله فأين ذرية من سيوف آبائهم تقطر من دماء الأنبياء ممن تقطر سيوفهم من دماء الكفار المشركين أولا يستحي من يقول في صلاته لربه: انتبه كم تنام استيقظ من رقدتك ينخيه بذلك ويحميه من تعيير من يقول في صلاته: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين. فلو بلغت ذنوب المسلمين عدد الحصى والرمل والتراب والأنفاس ما بلغت مبلغ قتل نبي واحد ولا وصلت إلى قول إخوان القردة إن الله فقير ونحن أغنياء وقولهم عزير ابن الله وقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه وقولهم: إن الله بكى على الطوفان حتى رمدت عيناه من البكاء وجعلت الملائكة تعوده وقولهم: إنه عض أنامله على ذلك وقولهم: إنه ندم على خلق البشر وشق عليه لما رأى(2\/467)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "251",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15707",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من معاصيهم وظلمهم. وأعظم من ذلك نسبة هذا كله إلى التوراة التي أنزلها على كليمه فلو بلغت ذنوب المسلمين ما بلغت لكانت في جنب ذلك كتفلة في بحر ولا تنس قصة أسلافهم مع شاءول الخارج على داود فإن سوادهم الأعظم انضم إليه وشهدوا معه على حرب داود ثم لما عادوا إلى طاعة داود وجاءت وفودهم وعساكرهم مستغفرين معتذرين بحيث اختصموا في السبق إليه فتتبع منهم شخص ونادى بأعلى صوته: لا نصيب لنا في داود ولا حظ في شاءول ليمض كل منكم إلى خبائه يا إسرائيليين فلم يكن بأوشك من أن ذهب جميع عسكر بني إسرائيل إلى أخبيتهم بسبب كلمته ولما قتل هذا الصائح عادت العساكر جميعها إلى خدمة داود فما كان القوم إلا مثل همج رعاع يجمعهم طبل ويفرقهم عصا.  (فصل) : وهذه الأمة الغضبية وإن كانوا مفترقين افتراقا كثيرا فيجمعهم فرقتان:(2\/468)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "252",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15708",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "القراءون والربانيون وكان لهم أسلاف فقهاء وهم صنعوا كتابين: أحدهما يسمى المشنا ومبلغ حجمه نحو ثمانمائة ورقة والثاني يسمى التلمود ومبلغه قريب من نصف حمل بغل ولم يكن المؤلفون له في عصر واحد وإنما ألفوه في جيل بعد جيل فما نظر متأخروهم إلى ذلك وأنه كلما مر عليهم الزمان زادوا فيه وفي الزيادات المتأخرة ما ينقض كثيرا من أوله علموا أنهم إن لم يغلقوا باب الزيادة وإلا أدى إلى الخلل الفاحش فقطعوا الزيادة وحظروها على فقهائهم وحرموا من يزيد عليه شيئا فوقف الكتاب على ذلك المقدار. وكان فقهاؤهم قد حرموا عليهم في هذين الكتابين مؤاكلة من كان على غير ملتهم وحرموا عليهم أكل اللحمان من ذبائح من لم يكن على دينهم لأنهم علموا أن دينهم لا يبقى عليهم مع كونهم تحت الذل والعبودية وقهر الأمم لهم إلا أن يصدوهم عن مخالطة من كان على غير ملتهم وحرموا عليهم مناكحتهم والأكل من ذبائحهم ولم يمكنهم ذلك إلا بحجة يبتدعونها من أنفسهم ويكذبون فيها على الله فإن التوراة إنما حرمت عليهم مناكحة غيرهم من الأمم لئلا يوافقوا أزواجهن في عبادة الأصنام والكفر بالله وإنما حرمت عليهم أكل ذبائح الأمم التي(2\/469)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "253",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15709",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يذبحونها قربانا للأصنام لأنه سمي عليها غير الله فأما ما ذكر عليه اسم الله وذبح لله فلم تنطق التوراة بتحريمه ألبتة بل نطقت بإباحة أكلهم من أيدي غيرهم من الأمم وموسى إنما نهاهم عن مناكحة عباد الأصنام خاصة وأكل ما يذبحونه باسم الأصنام قالوا: التوراة حرمت علينا أكل الطريفا قيل لهم: الطريفا هي الفريسة التي يفترسها الأسد والذئب أو غيرهما من السباع كما قال في التوراة: ولحم في الصحراء فريسة لا تأكلوا للكلب ألقوه فلما نظر فقهاؤهم إلى التوراة غير ناطقة بتحريم مأكل الأمم عليهم إلا عباد الأصنام وصرحت التوراة بأن تحريم مؤاكلتهم ومخالطتهم خوف استدراج المخالطة إلى المناكحة والمناكحة قد تستتبع الانتقال إلى أديانهم وموافقتهم في عبادة الأوثان ووجدوا جميع هذا واضحا في التوراة اختلقوا كتابا سموه (هلكت شحيطا) وتفسيره: علم الذباحة ووضعوا في هذا الكتاب من الآصار والأغلال ما شغلهم به عما هم فيه من الذل والصغار والخزي فأمروهم فيه أن ينفخوا الرئة حتى يملئوها هواء ويتأملونها هل يخرج الهواء من ثقب منها أم لا فإن خرج منها الهواء حرموه وإن كانت بعض أطراف الرئة لاصقة ببعض لم يأكلوه وأمروا الذي يتفقد الذبيحة أن يدخل يده في بطن الذبيحة ويتأمل بأصابعه فإن وجد القلب ملتصقا إلى الظهر أو أحد الجانبين ولو كان الالتصاق بعرق دقيق كالشعرة حرموه ولم يأكلوه وسموه طريفا ومعنى هذه اللفظة عندهم أنه نجس حرام وهذه التسمية عدوان منهم فإن معناها في لغتهم هو: الفريسة التي يفترسها السبع ليس لها معنى في لغتهم سواه. وكذلك عندهم في التوراة: أن إخوة يوسف لما جاءوا بقميصه ملطخا بالدم قال يعقوب في جملة كلامه: quot; طاروف يطراف يوسف quot; تفسيره: وحش رديء أكله افتراسا افترس يوسف.(2\/470)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "254",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15710",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي التوراة: ولحم في الصحراء فريسة لا تأكلوه فهذا الذي حرمته التوراة من الطريفا وهذا نزل عليهم وهم في التيه وقد اشتد قرمهم إلى اللحم فمنعوا من أكل الفريسة والميتة. ثم اختلفوا في خرافات وهذيانات تتعلق بالرئة وقالوا: ما كان من الذبائح سليما من هذه الشروط فهو quot; دخيا quot; وتفسيره: طاهر مذكى وما كان خارجا عن ذلك فهو طريفا وتفسيره: نجس حرام. ثم قالوا: معنى قوله في التوراة: ولحم فريسة في الصحراء لا تأكلوه للكلب ألقوه يعنى: إذا ذبحتم ذبيحة ولم توجد فيها هذه الشروط فلا تأكلوها بل بيعوها على من ليس من أهل ملتكم قالوا: ومعنى قوله: للكلب ألقوه أي: لمن ليس على ملتكم فهو الكلب فأطعموه إياه بالثمن. فتأمل هذا التحريف والكذب على الله وعلى التوراة وعلى موسى ولذلك كذبهم الله على لسان رسوله في تحريم ذلك فقال في السورة المدنية التي خاطب فيها أهل الكتاب: فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم. وقال في سورة الأنعام: قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم(2\/471)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "255",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15711",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا تحريم زائد على تحريم الأربعة المتقدمة. وقال في سورة النحل وهي بعد هذه السورة نزولا: وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل. فهذا المحرم عليهم بنص التوراة ونص القرآن فلما نظر القراءون منهم وهم أصحاب عانان وبنيامين إلى هذه المحالات الشنيعة والافتراء الفاحش والكذب البارد على الله وعلى التوراة وعلى موسى وأن أصحاب التلمود والمشنا كذابون على الله وعلى التوراة وعلى موسى وأنهم أصحاب حماقات ورقاعات وأن أتباعهم ومشايخهم يزعمون أن الفقهاء منهم كانوا إذا اختلفوا في مسألة من هذه المسائل وغيرها يوحي الله إليهم بصوت يسمعونه: الحق في هذه المسألة مع الفقيه فلان ويسمون هذا الصوت بث قول فلما نظر القراءون إلى هذا الكذب والمحال قالوا: قد فسق هؤلاء ولا يجوز قبول خبر فاسق ولا فتواه فخالفوهم في سائر ما أصلوه من الأمور التي لم ينطق بها نص التوراة وأما تلك الترهات التي ألفها فقهاؤهم الذين يسمونهم(2\/472)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "256",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15712",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحخاميم في علم الذباحة ورتبوها ونسبوها إلى الله فأطرحها القراءون كلها وألغوها وصاروا لا يحرمون شيئا من الذبائح التي يقولون ذبحها ألبتة ولهم فقهاء أصحاب تصانيف إلا أنهم يبالغون في الكذب على الله وهم أصحاب ظواهر مجردة والأولون أصحاب استنباط وقياسات. الفرقة الثانية: يقال لهم الربانيون وهم أكثر عددا وفيهم الحخاميم الكذابون على الله الذين يزعمون أن الله كان يخاطب جميعهم في كل مسألة بالصوت والحرف الذي يسمونه (بث قول) وهذه الطائفة أشد اليهود عداوة لغيرهم من الأمم فإن الحخاميم أوهموهم بأن الذبائح لا يحل منها إلا ما كان على الشروط التي ذكروها فإن سائر الأمم لا تعرف هذا وإنه شيء خصوا به وميزوا به عمن سواهم وإن الله شرفهم به كرامة لهم فصار الواحد منهم كما ينظر إلى الدابة ينظر إلى ذبائحه كما ينظر إلى الميتة. وأما القراءون فأكثرهم خرجوا إلى دين الإسلام ونفعهم تمسكهم بالظواهر وعدم تحريفهم إلى أن لم يبق منهم إلا القليل لأنهم أقرب استعدادا لقبول الإسلام لأمرين: أحدهما: إساءة ظنهم بالفقهاء الكذابين المفترين على الله وطعنهم عليهم. الثاني: تمسكهم بالظواهر وعدم تحريفها وإبطال معانيها. وأما أولئك الربانيون فإن فقهاءهم وحخاميمهم حصروهم في مثل سم الخياط بما وضعوا لهم من التشديدات والأغلال والآصار المضافة إلى الأغلال والآصار التي شرعها الله عقوبة لهم وكان لهم في ذلك مقاصد:(2\/473)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "257",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15713",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "منها: أنهم قصدوا بذلك مبالغتهم في مضادة مذاهب الأمم حتى لا يختلطوا بهم فيؤدي اختلاطهم بهم إلى موافقتهم والخروج من السبت واليهودية. القصد الثاني: أن اليهود مبددون في شرق الأرض وغربها وجنوبها وشمالها كما قال تعالى: وقطعناهم في الأرض أمما وما من جماعة منهم في بلدة إلا إذا قدم عليهم رجل من أهل دينهم من بلاد بعيدة يظهر لهم الخشونة في دينه والمبالغة في الاحتياط فإن كان من فقهائهم شرع في إنكار أشياء عليهم يوهمهم قلة دينهم وعملهم وكلما شدد عليهم قالوا: هذا هو العالم فأعلمهم أعظمهم تشديدا عليهم فتراه أول ما ينزل عليهم لا يأكل من أطعمتهم وذبائحهم ويتأمل سكين الذابح ويشرع في الإنكار عليه ببعض أمره ويقول: لا آكل إلا من ذبيحة يدي. فتراهم معه في عذاب ويقولون: هذا عالم غريب قدم علينا فلا يزال ينكر عليهم الحلال ويشدد عليهم الآصار والأغلال ويفتح لهم أبواب المكر والاحتيال وكلما فعل هذا قالوا: هذا هو العالم الرباني والحاخام الفاضل فإذا رآه رئيسهم قد مشى حاله وقيل بينهم مقاله وزن نفسه معه فإذا رأى أنه أزرى به وطعن عليه لم يقبل منه فإن الناس في الغالب يميلون مع الغريب وينسبه أصحابه إلى الجهل وقلة الدين ولا يصدقونه لأنهم يرون القادم قد شدد عليهم وضيق وكلما كان الرجل أعظم تشديدا وتضييقا كان أفقه عندهم فينصرف عن هذا الرأي فيأخذ في مدحه وشكره فيقول: لقد عظم الله ثواب فلان إذ قوى ناموس الدين في قلوب هذه الجماعة شيد أساسه وأحكم سياج الشرع فيبلغ القادم قوله فيقول: هذا ما عندكم أفقه منه ولا أعلم منه وإذا لقيه يقول: لقد زين الله بك أهل بلدنا ونعش بك هذه الطائفة.(2\/474)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "258",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15714",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن كان القادم عليهم حبرا من أحبارهم فهناك ترى العجب العجيب من الناموس الذي يعتمده والسنن التي يحدثها ولا يعترض عليه أحد بل تراهم مسلمين له وهو يجتلب درهم ويجتلب درهمهم. وإذا بلغه عن يهودي طعن عليه صبر عليه حتى يرى منه جلوسا على قارعة الطريق يوم السبت أو يبلغه أنه اشترى من مسلم لبنا أو خمرا أو خرج عن بعض أحكام المشنا والتلمود حرمه بين ملأ اليهود وأباحهم عرضه ونسبه إلى الخروج عن اليهودية فيضيق به البلد على هذا الحال فلا يسعه إلا أن يصلح ما بينه وبين الحبر بما يقتضيه الحال فيقول لليهود: إن فلانا قد أبصر رشده وراجع الحق وأقلع عما كان فيه وهو اليوم يهودي على الوضع فيعودون بالتعظيم والإكرام. وأذكر لك مسألة من مسائل شرعهم المبدل أو المنسوخ تعرف بمسألة البياما والجالوس وهي: أن عندهم في التوراة: إذا أقام أخوان في موضع واحد ومات أحدهما ولم يعقب فلا تصير امرأة الميت إلى رجل أجنبي بل حموها ينكحها وأول ولد يولد لها ينسب إلى أخيه الدارج فإن أبى أن ينكحها خرجت متشكية إلى مشيخة قومه قائلة: قد أبى حموي أن يستبقي اسما لأخيه في بني إسرائيل ولم يرد نكاحي فيحضره ويكلفه أن يقف ويقول: ما أردت نكاحها فتتناول المرأة نعله فتخرجه من رجله وتمسكه بيدها وتبصق في وجهه وتنادي عليه: كذا فليصنع بالذي لا يبني بيت أخيه(2\/475)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "259",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15715",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويدعى فيما بعد بالمخلوع النعل وينبذ بنوه بهذا اللقب وفي هذا كالتلجئة له إلى نكاحها لأنه إذا علم أنه قد فرض على المرأة وعليه ذلك فربما استحى وخجل من شيل نعله من رجله والبصق في وجهه ونبذه باللقب المستكره الذي يبقى عليه وعلى أولاده عاره لم يجد بدا من نكاحها فإن كان من الزهد فيها والكراهة لها بحيث يرى أن هذا كله أسهل عليه من أن يبتلى بها وهان عليه هذا كله في التخلص منها لم يكره على نكاحها. هذا عندهم في التوراة ونشأ لهم من ذلك فرع مرتب عليه وهو: أن يكون مريدا للمرأة محبا لها وهي في غاية الكراهة له فأحدثوا بهذا الفرع حكما في غاية الظلم والفضيحة فإذا جاءت إلى الحاكم أحضروه معها ولقنوها أن تقول: إن حموي لا يقيم لأخيه اسما في بني إسرائيل ولم يرد نكاحي وهو عاشق لها فيلزمونها بالكذب عليه وأنها أرادته فامتنع - فإذا قالت ذلك ألزمه الحاكم أن يقوم ويقول: ما أردت نكاحها ونكاحها غاية سؤله وأمنيته فيأمرونه بالكذب فيخرج نعله من رجله إلا أنه لا شيل هنا ويبصق في وجهه وينادى عليه: هذا جزاء من لا يبني بيت أخيه فلم يكفهم أن كذبوا عليه وأقاموه مقام الخزي وألزموه بالكذب والبصاق في وجهه والعتاب على ذنب جره إليه غيره كما قيل: وجرم جره سفهاء قوم ... وحل بغير جارمه العذاب أفلا يستحي من تعيير المسلمين من هذا شرعه ودينه!(2\/476)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "260",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15716",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(فصل) : ولا يستبعد اصطلاح الأمة الغضبية على المحال واتفاقهم على أنواع من الكفر والضلال فإن الدولة إذا انقرضت عن أمة باستيلاء غيرها عليها وأخذ بلادها وانطمست حقائق سالف أخبارها ودرست معالم دينها وآثارها وتعذر الوقوف على الصواب الذي كان عليه أولها وأسلافها لأن زوال الدولة عن الأمة إنما يكون بتتابع الغارات وخراب البلاد وإحراقها وجلاء أهلها عنها فلا تزال هذه البلايا متتابعة عليها إلى أن تستحيل رسوم ديانتها وتضمحل أصول شرعها وتتلاشى قواعد دينها وكلما كانت الأمة أقدم واختلفت عليها الدول المتناولة لها بالإذلال والصغار كان حظها من اندراس دينها أوفر. وهذه الأمة الغضبية أوفر الأمم حظا من ذلك فإنها أقدم الأمم عهدا واستولت عليها سائر الأمم من الكشدانيين والكلدانيين والبابليين والفرس واليونان والنصارى وما من هذه الأمم أمة إلا قصدت استئصالهم وإحراق كتبهم وتخريب بلادهم حتى لم يبق لهم مدينة ولا جيش ولا حصن إلا بأرض الحجاز وخيبر فأعز ما كانوا هناك فلما قام الإسلام واستعلن الرب تعالى من جبال فاران صادفهم تحت ذمة الفرس والنصارى وصادف هذه الشرذمة بخيبر والمدينة فأذاقهم الله بالمسلمين من القتل والسبي وتخريب الديار ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم وكانوا من سبط(2\/477)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "261",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15717",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لم يصبهم الجلاء فكتب الله تعالى عليهم الجلاء وشتتهم ومزقهم بالإسلام كل ممزق ومع هذا فلم يكونوا مع أمة من الأمم أطيب منهم مع المسلمين ولا آمن فإن الذي نالهم من النصارى والفرس وعباد الأصنام لم ينلهم مع المسلمين مثله وكذلك الذي نالهم مع ملوكهم العصاة الذين قتلوا الأنبياء وبالغوا في طلبهم وعبدوا الأصنام وأحضروا من البلاد سدنة الأصنام لتعظيمها وتعظيم رسومها في العبادة وبنوا لها البيع والهياكل وعكفوا على عبادتها وتركوا لها أحكام التوراة وشرع موسى أزمنة طويلة وأعصارا متصلة فإذا كان هذا شأنهم مع ملوكهم فما الظن بشأنهم مع أعدائهم وأشد الأعداء عليهم كالنصارى الذين عندهم أنهم قتلوا المسيح وصلبوه وصفعوه وبصقوا في وجهه ووضعوا الشوك على رأسه وكالفرس والكلدانيين وغيرهم. وكثيرا ما منعهم ملوك الفرس من الختان وجعلوهم قلفا وكثيرا ما منعوهم من الصلاة لمعرفتهم أن معظم صلواتهم دعاء إلى الأمم بالبوار وعلى بلادهم بالخراب إلا أرض كنعان فلما رأوا أن صلاتهم هكذا منعوهم من الصلاة فرأت اليهود أن الفرس قد جدوا في منعهم من الصلاة فاخترعوا أدعية خرجوا بها صلاتهم سموها الخزانة وصاغوا لها ألحانا عديدة وصاروا يجتمعون على تلحينها وتلاوتها. والفرق بين الخزانة والصلاة أن الصلاة بغير لحن ويكون المصلي فيها وحده والخزانة بلحن يشاركه غيره فيه وكانت الفرس إذا أنكروا ذلك عليهم قالت(2\/478)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "262",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15718",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اليهود: نحن نغني وننوح على أنفسنا فيخلون بينهم وبين ذلك فجاءت دولة الإسلام فأمنوا فيها غاية الأمن وتمكنوا من صلاتهم في كنائسهم واستمرت الخزانة فيهم في الأعياد والمواسم والأفراح وتعوضوا بها عن الصلاة والعجب أنهم مع ذهاب دولتهم وتفرق شملهم وعملهم بالغضب الممدود المستمر عليهم ومسخ أسلافهم قردة وقتلهم الأنبياء وعدوانهم في السبت وخروجهم عن شريعة موسى والتوراة وتعطيلهم لأحكامها يقولون في كل يوم في صلاتهم (محبة الدهر) : (أحبنا يا إلهنا! يا أبانا! أنت أبونا منقذنا) ويمثلون أنفسهم بعناقيد العنب وسائر الأمم بالشوك المحيط بالكرم لحفظه وأنهم سيقيم الله لهم نبيا من آل داود إذا حرك شفتيه بالدعاء مات جميع الأمم ولا يبقى على وجه الأرض إلا اليهود وهو بزعمهم المسيح الذي وعدوا به وينبهون الله بزعمهم من رقدته في صلاتهم وينخونه ويحمونه تعالى الله عن إفكهم وضلالهم علوا كبيرا. وضلال هذه الأمة الغضبية وكذبها وافتراؤها على الله تعالى وعلى دينه وأنبيائه لا مزيد عليه. وأما أكلهم الربا والسحت والرشا واستبدادهم دون العالم بالخبث والمكر والبهت وشدة الحرص على الدنيا وقسوة القلوب والذل والصغار والخزي والتحيل على الأغراض الفاسدة ورمي البرآء بالعيوب والطعن على الأنبياء فأرخص شيء عندهم وما عيروا به المسلمين ومما لم يذكروه فهو في بعضهم وليس في جميعهم ونبيهم وكتابه ودينه وشرعه بريء منه وما عليه من معاصي أمته وذنوبهم فإلى الله تعالى إيابهم وعلى الله حسابهم.(2\/479)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "263",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15719",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(فصل) : وإن كان المعير للمسلمين من أمة الضلال وعباد الصليب والصور المدهونة في الحيطان والسقوف فيقال له: ألا يستحي من أصل دينه الذي يدين به ويعتقده: أن رب السماوات والأرض تبارك وتعالى نزل عن كرسي عظمته وعرشه ودخل في فرج امرأة تأكل وتشرب وتبول وتتغوط فالتحم ببطنها وأقام هناك تسعة أشهر يتلبط بين نجو وبول ودم طمث ثم خرج إلى القماط والسرير كلما بكى ألقمته أمه ثديها ثم انتقل إلى المكتب بين الصبيان ثم آل أمره إلى لطم اليهود خديه وصفعهم قفاه وبصقهم في وجهه ووضعهم تاجا من الشوك على رأسه والقصبة في يده استخفافا به وانتهاكا لحرمته ثم قربوه من مركب خص بالبلاء فشدوه عليه وربطوه بالحبال وسمروا يديه ورجليه وهو يصيح ويبكي ويستغيث من حر الحديد وألم الصليب. هذا وهو بزعمهم الذي خلق السماوات والأرض وقسم الأرزاق والآجال ولكن اقتضت حكمته ورحمته أن مكن أعداءه من نفسه لينالوا منه ما نالوا فيستحقوا بذلك العذاب والسجن في الجحيم ويفدي أنبياءه ورسله وأولياءه فيخرجهم من سجن إبليس فإن روح آدم وإبراهيم ونوح وسائر النبيين عندهم كانت في سجن إبليس في النار حتى خلصها من سجنه بتمكين أعدائه من صلبه.(2\/480)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "264",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15720",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما قولهم في مريم فإنهم يقولون: إنها أم المسيح ابن الله في الحقيقة ووالدته في الحقيقة لا أم لابن الله إلا هي والدة ولا والدة له غيرها ولا أب إلا الله ولا والد له سواه وإن الله اختارها لنفسه ولولادة ولده وابنه من بين سائر النساء ولو كانت كسائر النساء لما ولدت إلا عن وطء الرجال لها ولكن اختصت عن النساء بأنها حبلت بابن الله وولدت ابنه الذي لا ابن له في الحقيقة غيره ولا والد له سواه وإنها على العرش جالسة عن يسار الرب تعالى والد ابنها وابنها عن يمينه. والنصارى يدعونها ويسألونها سعة الرزق وصحة البدن وطول العمر ومغفرة الذنوب وأن يكون لهم عند ابنها ووالده - الذي يعتقد عامتهم أنه زوجها ولا ينكرون ذلك عليهم - سورا وسندا وذخرا وشفيعا وركنا ويقولون في دعائهم: يا والدة الإله اشفعي لنا! وهم يعظمونها ويرفعونها على الملائكة وعلى جميع النبيين والمرسلين ويسألونها ما يسأل الإله من العافية والرزق والمغفرة. حتى أن اليعقوبية يقولون في مناجاتهم لها: يا مريم يا والدة الإله كوني لنا سورا وسندا وذخرا وركنا. والنسطورية تقول: يا والدة المسيح كوني لنا كذلك. ويقولون لليعقوبية: لا تقولوا: يا والدة الإله وقولوا يا والدة المسيح فقالت لهم اليعقوبية: المسيح عندنا وعندكم إله في الحقيقة فأي فرق بيننا وبينكم في ذلك ولكنكم أردتم مصالحة المسلمين ومقارنتهم في التوحيد.(2\/481)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "265",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15721",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا والأوقاح الأرجاس من هذه الأمة الضالة تعتقد أن الله سبحانه وتعالى اختار مريم لنفسه وتخطاها كما يتخطى الرجل المرأة. قال النظام بعد أن حكى ذلك عنهم: وهم يفصحون بهذا عند من يثقون به وقد قال ابن الإخشيد هذا عنهم في المعونة. وقال: إليه يشيرون ألا ترون أنهم يقولون: من لم يكن والدا يكون عقيما والعقم آفة وعيب. وهذا قول جميعهم وإلى المباضعة يشيرون ومن خالط القوم وطاولهم وباطنهم عرف ذلك منهم. فهذا كفرهم وشركهم برب العالمين ومسبتهم له ولهذا قال فيهم أحد الخلفاء الراشدين: أهينوهم ولا تظلموهم فلقد سبوا الله مسبة ما سبه أحد من البشر. وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ربه في الحديث الصحيح أنه قال: شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك وكذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك أما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد وأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته.(2\/482)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "266",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15722",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلو أتى الموحدون بكل ذنب وفعلوا كل قبيح وارتكبوا كل معصية ما بلغت مثقال ذرة في جنب هذا الكفر العظيم برب العالمين ومسبته هذا السب وقول العظائم فيه فما ظن هذه الطائفة برب العالمين أن يفعل بهم إذا لقوه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ويسأل المسيح على رءوس الأشهاد وهم يسمعون ياعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله فيقول المسيح مكذبا لهم: سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد.  (فصل) : فهذا أصل دينهم وأساسه الذي قام عليه. وأما فروعه وشرائعه فهم مخالفون للمسيح في جميعها وأكثر ذلك بشهادتهم وإقرارهم ولكن يحيلون على البتاركة والأساقفة فإن المسيح صلوات الله وسلامه عليه كان يتدين بالطهارة ويغتسل من الجنابة ويوجب غسل الحائض وطوائف النصارى عندهم أن ذلك كله غير واجب وأن الإنسان يقوم من على بطن المرأة يبول ويتغوط ولا يمس ماء ولا يستنجي والبول والنجو ينحدر على ساقه وفخذه ويصلي(2\/483)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "267",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15723",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كذلك وصلاته صحيحة تامة ولو تغوط وبال وهو يصلي لم يضره فضلا عن أن يفسو ويضرط. ويقولون: إن الصلاة بالبول والغائط أفضل من الصلاة بالطهارة لأنها حينئذ أبعد من صلاة المسلمين واليهود وأقرب إلى مخالفة الأمتين. ويستفتح الصلاة بالتصليب بين عينيه وهذه الصلاة رب العالمين بريء منها وكذلك المسيح وسائر الحواريين المبينين فإن هذا بالاستهزاء أشبه منها بالعبادة وحاشا المسيح أن تكون هذه صلاته أو صلاة أحد من الحواريين. والمسيح كان يقرأ في صلاته ما كان الأنبياء وبنو إسرائيل يقرءون في صلاتهم من التوراة والزبور. وطوائف النصارى إنما يقرءون في صلاتهم كلاما قد لحنه لهم الذين يتقدمون ويصلون بهم يجري مجرى النوح والأغاني فيقولون: هذا قداس فلان ينسبونه إلى الذين وضعوه لهم. وهم يصلون إلى الشرق وما صلى المسيح إلى الشرق قط وما صلى إلى أن توفاه الله إلا إلى بيت المقدس وهي قبلة داود والأنبياء قبله وقبلة بني إسرائيل. والمسيح اختتن وأوجب الختان كما أوجبه موسى وهارون والأنبياء قبله. والمسيح حرم الخنزير ولعن آكله وبالغ في ذمه - والنصارى تصر بذلك - ولقد(2\/484)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "268",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15724",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "رفع إلى الله وما طعم من لحمه وزن شعيرة والنصارى تتقرب إليه بأكله. والمسيح ما شرع لهم هذا الصوم الذي يصومونه قط ولا صامه في عمره مرة واحدة ولا أحد من أصحابه لا صام العذارى في عمره ولا أكل في الصوم ما يأكلونه ولا حرم ما يحرمونه ولا عطل السبت يوما واحدا حتى لقي الله ولا اتخذ الأحد عيدا قط. والنصارى تقر أنه رقى مريم المجدلانية فأخرج منها سبع شياطين وأن الشياطين قالت له: أين تأوي فقال لها: اسلكي هذه الدابة النجسة يعني الخنزير. فهذه حكاية النصارى عنه. وهم يزعمون أن الخنزير من أطهر الدواب وأجملها وأطيبها. والمسيح سائر في الذبائح والمناكح والطلاق والمواريث سيرة الأنبياء قبله وليس عند النصارى على من زنى أو لاط أو سكر حد في الدنيا أبدا ولا عذاب في الآخرة لأن القس والراهب يغفره لهم فكلما أذنب أحدهم ذنبا أهدى للقس هدية وأعطاه درهما أو غيرها ليغفر له وإذا أذنبت امرأة أحدهم بيتها عند القس ليطيبها له فإذا انصرفت من عنده وأخبرت زوجها أن القس طيبها قبل ذلك منها وتبرك به. وهم يقرون أن المسيح قال: إنما جئتكم لأعمل بالتوراة وبوصايا الأنبياء قبلي وما جئت ناقضا بل متمما ولأن تقع السماء على الأرض أيسر على الله من أن أنقض شيئا من شريعة موسى ومن نقض شيئا من ذلك يدعى ناقضا في ملكوت السماء. وما زال هو وأصحابه كذلك إلى أن خرج من الدنيا وقال لأصحابه: اعملوا بما رأيتموني أعمل ووصوا الناس بما وصيتكم به وكونوا معهم كما كنت معكم وكونوا لهم كما كنت لكم.(2\/485)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "269",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15725",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وما زال أصحاب المسيح بعده على ذلك قريبا من ثلاثمائة سنة ثم أخذ القوم في التغيير والتبديل والتقرب إلى الناس بما يهوون وما تكره اليهود ومناقضتهم بما فيه ترك دين المسيح والانسلاخ منه جملة فرأوا اليهود أنهم قالوا في المسيح: إنه ساحر ممخرق ولد زنا فقالوا: هو الرتام وهو ابن الله!! ورأوا اليهود يختتنون فتركوا الختان! ورأوهم يبالغون في الطهارة فتركوها جملة! ورأوهم يجتنبون من مؤاكلة الحائض وملامستها فجامعوها هم! ورأوهم يحرمون الخنزير فأباحوه وجعلوه شعار دينهم ورأوهم يحرمون كثيرا من الذبائح والحيوان فأباحوا ما دون الفيل إلى البعوضة وقالوا: كل ما شئت ودع ما شئت لا حرج. ورأوهم يستقبلون بيت المقدس في الصلاة فاستقبلوا هم الشرق ورأوهم يحرمون على الله نسخ شريعة شرعها فجوزوا هم لأساقفتهم وبطاركتهم أن ينسخوا ما شاءوا ويحللوا ما شاءوا ويحرموا ما شاءوا. ورأوهم يحرمون السبت ويحفظونه فحرموا هم الأحد وأحلوا السبت مع إقرارهم بأن المسيح كان يعظم السبت ويحفظه. ورأوهم ينفرون من الصليب فإن في التوراة التي بأيديهم ملعون من تعلق بالصليب والنصارى تقر بهذا فعبدوا هم الصليب كما أن في التوراة تحريم الخنزير نصا فتعبدوا هم بأكله. وفيها الأمر بالاختتان فتعبدوا بتركه مع إقرار النصارى أن المسيح قال لأصحابه:(2\/486)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "270",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15726",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إنما جئتكم لأعمل بالتوراة ووصايا الأنبياء قبلي وما جئت ناقضا بل متمما ولأن تقع السماء على الأرض أيسر عند الله من أن أنقض شيئا من شريعة موسى. فذهبت النصارى تنقضها شريعة شريعة في مكايدة اليهود ومغايظتهم وانضاف إلى هذا السبب ما في كتابهم المعروف عندهم بإفراكيس. (أن قوما من النصارى خرجوا من بيت المقدس وأتوا أنطاكية وغيرها - من الشام - فدعوا الناس إلى دين المسيح الصحيح فدعوهم إلى العمل في التوراة وتحريم ذبائح من ليس أهلها وإلى الختان وإقامة السبت وتحريم الخنزير وتحريم ما حرمته التوراة فشق ذلك على الأمم واستثقلوه فاجتمع النصارى ببيت المقدس وتشاوروا فيما يحتالون به على الأمم ليجيبوهم إلى دين المسيح ويدخلوا فيه فاتفق رأيهم على مداخلة الأمم والترخيص لهم والاختلاط بهم وأكل ذبائحهم والانحطاط في أهوائهم والتخلق بأخلاقهم وإنشاء شريعة تكون بين شريعة الإنجيل وما عليه الأمم وأنشئوا في ذلك كتابا فهذا أحد مجامعهم الكبار - وكانوا كلما أرادوا إحداث شيء اجتمعوا مجمعا - وافتروا فيه على ما يريدون إحداثه إلى أن اجتمعوا المجمع الذي لم يجتمع(2\/487)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "271",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15727",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "لهم أكبر منه في زمن قسطنطين الرومي ابن هيلانة الحرانية الفندقية) . وفي زمنه بدل دين المسيح وهو الذي شاد دين النصرانية المبتدع وقام به وقعد وكان عدتهم زهاء ألفي رجل فقرروا تقريرا ثم رفضوه ولم يرتضوه ثم اجتمع ثلاثمائة وثمانية عشر رجلا منهم والنصارى يسمونهم الآباء فقرروا هذا التقرير الذي هم عليه اليوم وهو أصل الأصول عند جميع طوائفهم لا تتم لأحد منهم نصرانية إلا به ويسمونه سنهودس وهي الأمانة! ولفظها: نؤمن بالله الأب الواحد خالق ما يرى وما لا يرى وبالرب الواحد يسوع المسيح ابن الله بكر أبيه وليس بمصنوع إله حق من إله حق من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم وخالق كل شيء الذي من أجلنا معاشر الناس ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومن مريم البتول وحبلت به مريم البتول وأخذ وصلب أيام(2\/488)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "272",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15728",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "بلاطس الرومي ومات ودفن وقام في اليوم الثالث - كما هو مكتوب - وصعد إلى السماء وجلس عن يمين أبيه وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء ونؤمن بالرب الواحد الذي يخرج من أبيه روح محبته وبمعمودية واحدة لغفران الخطايا وبجماعة واحدة قديسية سليحية جاثليقية وبقيام أبداننا وبالحياة الدائمة إلى أبد الآبدين. فصرحوا فيها بأن المسيح رب وأنه ابن الله وأنه بكره وأنه ليس له ولد غيره وأنه ليس بمصنوع أي ليس بعبد مخلوق بل هو رب خالق وأنه إله حق استل وولد من إله حق وأنه مساو لأبيه في الجوهر وأنه بيده أتقنت العوالم وهذه اليد التي أتقنت العوالم بها عندهم هي التي ذاقت حر المسامير كما صرحوا به في كتبهم وهذه ألفاظهم: قالوا: وقد قال القدوة عندنا: إن اليد التي سمرها اليهود في الخشبة هي اليد التي عجنت طين آدم وخلقته وهي اليد التي شبرت السماء وهي اليد التي كتبت التوراة لموسى قالوا: وقد وصفوا صنيع اليهود به - وهذه ألفاظهم - وإنهم لطموا الإله وضربوه على رأسه. قالوا: وفي بشارة الأنبياء به أن الإله تحبل به امرأة عذراء وتلده ويؤخذ ويصلب ويقتل. قالوا: وأما سنهودس دون الأمم قد اجتمع عليه سبعمائة من الآباء وهم القدوة وفيه: أن مريم حبلت بالإله وأولدته وأرضعته وسقته وأطعمته قالوا: وعندنا أن المسيح ابن آدم وهو ربه وخالقه ورازقه وابن ولده إبراهيم وربه وخالقه ورازقه وابن إسرائيل وربه وخالقه ورازقه وابن مريم وربها وخالقها ورازقها. قالوا: وقد قال علماؤنا: ومن هو القدوة عند جميع طوائفنا: يسوع في البدء لم يزل(2\/489)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "273",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15729",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كلمة والكلمة لم تزل الله والله هو الكلمة فذاك الذي ولدته مريم وعاينه الناس وكان بينهم هو الله وهو ابن الله وهو كلمة الله. هذه ألفاظهم قالوا: فالقديم الأزلي خالق السماوات والأرض هو الذي عاينه الناس بأبصارهم ولمسوه بأيديهم وهو الذي حبلت به مريم وخاطب الناس من بطنها حيث قال للأعمى: أنت تؤمن بالله قال الأعمى: ومن هو حتى أؤمن به قال: هو المخاطب لك. فقال: آمنت بك وخر ساجدا. قالوا: فالذي حبلت به مريم هو الله وابن الله وكلمة الله قالوا: وهو الذي ولد ورضع وفطم وأخذ وصلب وصفع وكتفت يداه وسمر في وجهه ومات ودفن وذاق ألم الصلب والتسمير والقتل لأجل خلاص النصارى من خطاياهم. قالوا: وليس المسيح عند طوائفنا الثلاثة بنبي ولا عبد صالح بل هو رب الأنبياء وخالقهم وباعثهم ومرسلهم وناصرهم ومؤيدهم ورب الملائكة. قالوا: وليس مع أمه بمعنى الخلق والتدبير واللطف والمعونة فإنه لا يكون لها بذلك مزية على سائر الإناث ولا الحيوانات ولكنه معها بحبلها به واحتواء بطنها عليه فلهذا فارقت جميع إناث الحيوان وفارق ابنها جميع الخلق فصار الله وابنه الذي نزل من السماء وحبلت به مريم وولدته إلها واحدا ومسيحا واحدا وربا واحدا وخالقا واحدا لا يقع بينهما فرق ولا يبطل الاتحاد بينهما بوجه من الوجوه لا في حبل ولا في ولادة ولا في حال نوم ولا مرض ولا صلب ولا موت ولا دفن بل هو متحد به في حال الحبل فهو في تلك الحال مسيح واحد وخالق واحد وإله واحد ورب واحد وفي حال الولادة كذلك وفي حال الصلب والموت كذلك قالوا: فمنا من يطلق في لفظه وعبارته حقيقة هذا المعنى فيقول: مريم حبلت بالإله وولدت الإله ومات الإله ومنا(2\/490)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "274",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15730",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من يمتنع من هذه العبارة لبشاعة لفظها ويعطى معناها وحقيقتها ويقول: مريم حبلت بالمسيح في الحقيقة وولدت المسيح في الحقيقة وهي أم المسيح في الحقيقة والمسيح إله في الحقيقة ورب في الحقيقة وابن الله في الحقيقة وكلمة الله في الحقيقة لا ابن لله في الحقيقة سواه ولا أب للمسيح في الحقيقة إلا هو. قالوا: فهؤلاء يوافقون في المعنى قول من يقول حبلت بالإله وولدت الإله وقتل الإله وصلب الإله ودفن الإله وإن منعوا اللفظ والعبارة. قالوا: وإنما منعنا هذه العبارة التي أطلقها إخواننا لئلا يتوهم علينا إذا قلنا: حبلت بالإله وولدت الإله وأم إله أن هذا كله حل ونزل بالإله الذي هو أب ولكنا نقول: حل هذا كله ونزل بالمسيح والمسيح عندنا وعند طوائفنا إله تام من إله تام من جوهر أبيه فنحن وإخواننا في الحقيقة شيء واحد لا فرق بيننا إلا في العبارة فقط قالوا: فهذا حقيقة ديننا وإيماننا والآباء والقدوة قد قالوا قبلنا وسنوه لنا ومهدوه وهم أعلم بالمسيح منا. ولا يختلف المثلثة عباد الصليب من أولهم إلى آخرهم أن المسيح ليس بنبي ولا عبد صالح ولكنه إله حق من إله حق من جوهر أبيه وأنه إله تام من إله تام وأنه خالق السماوات والأرض والأولين والآخرين ورازقهم ومحييهم ومميتهم وباعثهم من القبور وحاشرهم ومحاسبهم ومثيبهم ومعاقبهم. والنصارى تعتقد أن الأب انخلع من ملكه كله وجعله لابنه فهو الذي يخلق ويرزق ويميت ويحيي ويدبر أمر السماوات والأرض. ألا تراهم يقولون في أمانتهم: ابن الله وبكر أبيه وليس بمصنوع - إلى قولهم - بيده أتقنت العوالم وخلق كل شيء - إلى قولهم - وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للفصل بين الأموات والأحياء(2\/491)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "275",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15731",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويقولون في صلواتهم ومناجاتهم: أنت أيها المسيح يسوع تحيينا وتميتنا وترزقنا وتخلق أولادنا وتقيم أجسادنا وتبعثنا وتجازينا. وقد تضمن هذا كله تكذيبهم الصريح للمسيح وإن أوهمتهم ظنونهم الكاذبة أنهم يصدقونه فإن المسيح قال لهم: إن الله ربي وربكم وإلهي وإلهكم. فشهد على نفسه أنه عبد الله مربوب مصنوع كما أنهم كذلك وأنه مثلهم في العبودية والحاجة والفاقة إلى الله تعالى. وذكر أنه رسول الله إلى خلقه كما أرسل الأنبياء قبله. ففي إنجيل يوحنا: أن المسيح قال في دعائه: إن الحياة الدائمة إنما تجب للناس بأن يشهدوا أنك الله الواحد الحق وأنك أرسلت يسوع المسيح. وهذا حقيقة شهادة المسلمين أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وقال لبني إسرائيل: بل تريدون قتلي وأنا رجل قلت لكم الحق الذي سمعت الله يقول فذكر غايته أنه رجل بلغهم ما قاله الله ولم يقل وأنا إله ولا ابن إله على معنى التوالد وقال: إني لم أجئ لأعمل بمشيئة نفسي ولكن بمشيئة من أرسلني وقال: إن الكلام الذي تسمعونه مني ليس هو لي ولكن للذي أرسلني والويل لي إن قلت شيئا من تلقاء نفسي ولكن بمشيئة من أرسلني.(2\/492)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "276",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15732",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان يواصل العبادة من الصلاة والصوم ويقول: ما جئت لأخدم بل جئت لأخدم فأنزل نفسه بالمنزلة التي أنزله الله بها وهي منزلة الخدام لله وقال: لست أدين العباد بأعمالهم ولا أحاسبهم بأعمالهم ولكن الذي أرسلني هو الذي يلي ذلك منهم. كل هذا في الإنجيل الذي بأيديهم وفيه أن المسيح قال: يا رب قد علموا أنك قد أرسلتني وقد ذكرت لهم اسمك فأخبر أن الله ربه وأنه عبده ورسوله. وفيه: إن الله الواحد رب كل شيء أرسل من أرسل من البشر إلى جميع العالم ليقبلوا إلى الحق. وفيه أنه قال: إن الأعمال التي أعمل هي الشاهدات لي بأن الله أرسلني إلى هذا العالم. وفيه ما أبعدني وأتعبني إن أحدثت شيئا من قبل نفسي ولكن أتكلم وأجيب بما علمني ربي. وقال: إن الله مسحني وأرسلني وإنما أعبد الله الواحد ليوم الخلاص(2\/493)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "277",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15733",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: إن الله عز وجل ما أكل ولا يأكل وما شرب ولا يشرب ولم ينم ولا ينام ولا ولد ولا يلد وما رآه أحد إلا مات. وبهذا يظهر لك سر قوله تعالى في القرآن العظيم: ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام تذكيرا للنصارى بما قال لهم المسيح. وقال في دعائه لما سأل ربه أن يحيي الميت: أنا أشكرك وأحمدك لأنك تجيب دعائي في هذا الوقت وفي كل وقت فأسألك أن تحيي هذا الميت لتعلم بنو إسرائيل أنك أرسلتني وأنك تجيب دعائي. وفي الإنجيل: إن المسيح حين خرج من السامرية ولحق بجلجال قال: لم يكرم أحد من الأنبياء في وطن فلم يزد على دعوى النبوة.(2\/494)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "278",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15734",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي إنجيل لوقا: لم يقبل أحد من الأنبياء في وطنه فكيف تقبلونني وفي إنجيل مرقس: أن رجلا أقبل إلى المسيح وقال: أيها المعلم الصالح أي خير أعمل لأنال الحياة الدائمة فقال له المسيح: لم قلت صالحا إنما الصالح الله وحده وقد عرفت الشروط لا تسرق ولا تزن ولا تشهد بالزور ولا تخن وأكرم أباك وأمك. وفي إنجيل يوحنا: أن اليهود لما أرادوا قبضه رفع بصره إلى السماء وقال: قد دنا الوقت يا إلهي فشرفني لديك واجعل لي سبيلا أن أملك كل من ملكتني الحياة الدائمة. وإنما الحياة الباقية أن يؤمنوا بك إلها واحدا وبالمسيح الذي بعثت وقد عظمتك على أهل الأرض واحتملت الذي أمرتني به فشرفني. فلم يدع سوى أنه عبد مرسل مأمور مبعوث وفي إنجيل متى: لا تنسبوا أباكم على الأرض فإن أباكم واحد الذي في السماء وحده ولا تدعوا معلمين فإنما معلمكم المسيح وحده. والآب في لغتهم الرب المربي أي لا تقولوا: إلهكم وربكم في الأرض ولكنه في السماء ثم أنزل نفسه المنزلة التي أنزله بها ربه ومالكه وهو أن غايته أنه يعلم في الأرض وإلههم هو الذي في السماء. وفي إنجيل لوقا حين دعا الله فأحيا ولد المرأة فقالوا: إن هذا النبي لعظيم وإن الله قد تفقد أمته.(2\/495)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "279",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15735",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي إنجيل يوحنا أن المسيح أعلى صوته في البيت وقال لليهود: قد عرفتموني وموضعي ولم آت من ذاتي وقد بعثني الحق وأنتم تجهلونه فإن قلت إني أجهله كنت كاذبا مثلكم وأنا أعلم أني منه وهو بعثني. فما زاد في دعواه على ما ادعاه الأنبياء فأمسكت المثلثة قوله: إني منه وقالوا: إله حق من إله حق وفي القرآن: رسول من الله وقال هود: ولكني رسول من رب العالمين وكذلك قال صالح! ولكن أمة الضلال كما أخبر الله عنهم يتبعون المتشابه ويردون المحكم. وفي الإنجيل أيضا أنه قال لليهود وقد قالوا له: نحن أبناء الله فقال: لو كان أباكم لأطعتموني لأني رسول منه خرجت مقبلا ولم أقبل من ذاتي ولكن هو بعثني ولكنكم لا تقبلون وصيتي وتعجزون عن سماع كلامي إنما أنتم أبناء الشيطان وتريدون إتمام شهواته. وفي الإنجيل أن اليهود حاطت به وقالت له: إلى متى تخفي أمرك إن كنت المسيح الذي ننتظره فأعلمناه بذلك ولم تقل إن كنت الله أو ابن الله فإنه لم يدع ذلك ولا فهمه عنه أحد من أعدائه ولا أتباعه. وفي الإنجيل أيضا: أن اليهود أرادوا القبض عليه فبعثوا الأعوان وأن الأعوان رجعوا إلى قوادهم فقالوا لهم: لم لم تأخذوه فقالوا: ما سمعنا آدميا أنصف منه(2\/496)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "280",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15736",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقالت اليهود: وأنتم أيضا مخدوعون أترون أنه آمن به أحد من القواد ومن رؤساء أهل الكتاب فقال لهم بعض أكابرهم: أترون كتابكم يحكم على أحد قبل أن يسمع منه فقالوا له: اكشف الكتب ترى أنه لا يجيء من جلجال نبي. فما قالت اليهود ذلك إلا وقد أنزل نفسه بالمنزلة التي أنزله بها ربه ومالكه أنه نبي ولو علمت من دعواه الإلهية لذكرت ذلك له وأنكرته عليه وكان أعظم أسباب التنفير عن طاعته لأن كذبه كان يعلم بالحس والعقل والفطرة واتفاق الأنبياء. ولقد كان يجب لله سبحانه - لو سبق في حكمته أنه يبرز لعباده وينزل عن كرسي عظمته ويباشرهم بنفسه - أن لا يدخل في فرج امرأة ويقيم في بطنها بين البول والنجو والدم عدة أشهر وإذ قد فعل ذلك. لا يخرج صبيا يرضع ويبكي وإذ قد فعل ذلك لا يأكل مع الناس ولا يشرب مع الناس ولا ينام معهم وإذ قد فعل ذلك فلا يبول ولا يتغوط ويمتنع من الخرأة إذ هي منقصة ابتلي بها الإنسان في هذه الدار لنقصه وحاجته وهو تعالى المختص بصفات الكمال المنعوت بنعوت الجلال الذي ما وسعته سماواته ولا أرضه وكرسيه وسع السماوات والأرض فكيف وسعه فرج امرأة تعالى رب العالمين - وكلكم متفقون على أن المسيح كان يأكل ويشرب ويبول ويتغوط وينام. فيا معشر المثلثة وعباد الصليب أخبرونا من كان الممسك للسماوات والأرض حين كان ربها وخالقها مربوطا على خشبة الصليب وقد شدت يداه ورجلاه بالحبال وسمرت اليد التي أتقنت العوالم فهل بقيت السماوات والأرض خلوا من إلهها وفاطرها وقد جرى(2\/497)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "281",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15737",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "عليه هذا الأمر العظيم أم تقولون استخلف على تدبيرها غيره وهبط عن عرشه لربط نفسه على خشبة الصليب وليذوق حر المسامير وليوجب اللعنة على نفسه حيث قال في التوراة: ملعون من تعلق بالصليب أم تقولون: - وهو في الحقيقة قولكم - لا ندري ولكن هذا في الكتب وقد قاله الآباء وهم القدوة والجواب عليهم. فنقول لكم: وإلا يا معاشر المثلثة عباد الصليب ما الذي دلكم على إلهية المسيح (الشبهة الأولى) فإن كنتم استدللتم عليها بالقبض من أعدائه عليه بزعمكم وسوقه إلى خشبة الصليب وعلى رأسه تاج من الشوك وهم يبصقون في وجهه ويصفعونه ثم أركبوه ذلك المركب الشنيع وشدوا يديه ورجليه بالحبال وضربوا فيها المسامير وهو يستغيث وتعلق ثم فاضت نفسه وأودع ضريحه. فما أصحه من استدلال عند أمثالكم ممن هو أضل من الأنعام وهم عار على جميع الأنام. وإن قلتم: إنما استدللنا على كونه إلها بأنه لم يولد من البشر ولو كان مخلوقا لكان مولودا من البشر فإن كان هذا الاستدلال صحيحا فآدم إله المسيح وهو أحق بأن يكون إلها منه لأنه لا أم له ولا أب له والمسيح له أم.(2\/498)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "282",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15738",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وحواء أيضا اجعلوها إلها خامسا ; لأنها لا أم لها وهي أعجب من خلق المسيح. والله سبحانه وتعالى قد نوع خلق آدم وبنيه إظهارا لقدرته وأنه يفعل ما يشاء فخلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى وخلق زوجه حواء من ذكر لا من أنثى وخلق عبده المسيح من أنثى لا من ذكر وخلق سائر النوع من ذكر وأنثى. وإن قلتم: استدللنا على كونه إلها بأنه أحيا الموتى ولا يحييهم إلا الله فاجعلوا موسى إلها آخر فإنه أتى من ذلك بشيء لم يأت المسيح بنظيره ولا ما يقاربه وهو جعل الخشبة حيوانا عظيما وهذا أبلغ من إعادة الحياة إلى جسم كانت فيه أولا فإن قلتم: هذا غير إحياء الموتى فهذا اليسع النبي أتى بإحياء الموتى وهم يقرون بذلك. وكذلك إيليا النبي أيضا أحيا صبيا بإذن الله وهذا موسى قد أحيا بإذن الله السبعين الذين ماتوا من قومه. وفي كتبكم من ذلك كثير عن الأنبياء والحواريين: فهل صار أحد منهم إلها بذلك وإن قلتم: جعلناه إلها للعجائب التي ظهرت على يديه فعجائب موسى أعجب وأعجب.(2\/499)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "283",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15739",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهذا إيلياء النبي بارك على دقيق العجوز ودهنها فلم ينفذ ما في جرابها من الدقيق وما في قارورتها من الدهن سبع سنين. وإن جعلتموه إلها لكونه أطعم من أرغفة يسيرة آلافا من الناس فهذا موسى قد أطعم أمته أربعين سنة من المن والسلوى! وهذا محمد صلى الله عليه وسلم ابن عبد الله قد أطعم العسكر كله من زاد يسير جدا حتى شبعوا وملئوا أوعيتهم وسقاهم كلهم من ماء يسير لا يغمر اليد حتى ملئوا كل سقاء في العسكر وهذا منقول عنه بالتواتر. وإن قلتم: جعلناه إلها لأنه صاح بالبحر فسكنت أمواجه فقد ضرب موسى البحر بعصاه فانفلق اثني عشر طريقا وقام الماء بين الطرق كالحيطان وفجر من الحجر الصلد اثني عشر عينا سارحة. وإن جعلتموه إلها لأنه أبرأ الأكمه والأبرص وأحيى الموتى فآيات موسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أعجب من ذلك.(2\/500)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "284",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15740",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن جعلتموه إلها لأنه ادعى ذلك فلا يخلو إما أن يكون الأمر كما تقولون عنه أو يكون إنما ادعى العبودية والافتقار وأنه مربوب ومصنوع مخلوق فإن كما كان كما ادعيتم عليه فهذا أخو المسيح الدجال وليس بمؤمن ولا صادق فضلا عن أن يكون نبيا كريما وجزاؤه جهنم وبئس المصير كما قال تعالى: ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم. وكل من ادعى الإلهية من دون الله فهو من أعظم أعداء الله كفرعون ونمرود وأمثالهما من أعداء الله فأخرجتم المسيح عن كرامة الله ونبوته ورسالته وجعلتموه أعظم أعداء الله ولهذا كنتم أشد الناس عداوة للمسيح في صورة محب موال! ومن أعظم ما يعرف به كذب المسيح الدجال أنه يدعي الإلهية فيبعث الله عليه عبده ورسوله مسيح الهدى ابن مريم فيقتله ويظهر للخلائق أنه كان كاذبا مفتريا ولو كان إلها لم يقتل فضلا عن أن يصلب ويسمر ويبصق في وجهه! وإن كان المسيح إنما ادعى أنه عبد الله ورسوله كما شهدت به الأناجيل كلها ودل عليه العقل والفطرة وشهدتم أنتم له بالإلهية - وهذا هو الواقع - فلم تأتوا على إلهيته ببينة غير تكذيبه في دعواه وقد ذكرتم عنه في أناجيلكم في مواضع عديدة ما يصرح بعبوديته وأنه مربوب مخلوق وأنه ابن البشر وأنه لم يدع غير النبوة والرسالة فكذبتموه في ذلك كله وصدقتم من كذب على الله وعليه!(2\/501)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "285",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15741",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإن قلتم: إنما جعلناه إلها لأنه أخبر بما يكون بعده من الأمور كذلك كان الأنبياء بل وكثير من الناس يخبر بما يكون بعده من الأمور ويخبر عن حوادث في المستقبل جزئية ويكون ذلك كما أخبر به. ويقع من ذلك كثير للكهان والمنجمين والسحرة! وإن قلتم: إنما جعلناه إلها لأنه سمى نفسه ابن الله في غير موضع من الإنجيل كقوله: إني ذاهب إلى أبي وإني سائل أبي ونحو ذلك وابن الإله إله قيل: فاجعلوا أنفسكم آلهة كلكم فإن في الإنجيل في غير موضع أنه سماه أباه وأباهم كقوله: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم. وفيه: لا تنسبوا أباكم على الأرض فإن أباكم الذي في السماء وحده وهذا كثير في الإنجيل وهو يدل على أن الأب عندهم: الرب. وإن جعلتموه إلها لأن تلاميذه ادعوا ذلك وهم أعلم الناس به كذبتكم أناجيلكم التي بأيديكم وكلها صريحة أظهر صراحة بأنهم ما ادعوا له إلا ما ادعاه لنفسه من أنه عبد.(2\/502)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "286",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15742",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فهذا متى يقول في الفصل التاسع من إنجيله محتجا بنبوة أشعيا في المسيح عن الله عز وجل: هذا عبدي الذي اصطفيت وحبيبي الذي ارتاحت نفسي له. وفي الفصل الحادي عشر من إنجيله: إني أشكرك يا رب السماوات والأرض. وهذا لوقا يقول في آخر إنجيله: إن المسيح عرض له ولآخر من تلاميذه في الطريق ملك وهما محزونان فقال لهما وهما لا يعرفانه: ما بالكما محزونين فقالا: كأنك غريب في بيت المقدس إذ كنت لا تعلم ما حدث فيها في هذه الأيام من أمر يسوع الناصري فإنه كان رجلا نبيا قويا تقيا في قوله وفعله عند الله وعند الأمة أخذوه وقتلوه. وهذا كثير جدا في الإنجيل! وإن قلتم: إنما جعلناه إلها لأنه صعد إلى السماء فهذا أخنوخ وإلياس قد صعدا إلى السماء وهما حيان مكرمان لم تشكهما شوكة ولا طمع فيهما طامع.(2\/503)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "287",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15743",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والمسلمون مجمعون على أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - صعد إلى السماء وهو عبد محض وهذه الملائكة تصعد إلى السماء وهذه أرواح المؤمنين تصعد إلى السماء بعد مفارقتها الأبدان ولا تخرج بذلك عن العبودية وهل كان الصعود إلى السماء مخرج عن العبودية بوجه من الوجوه وإن جعلتموه إلها لأن الأنبياء سمته إلها وربا وسيدا ونحو ذلك فلم يزل كثير من أسماء الله عز وجل تقع على غيره عند جميع الأمم وفي سائر الكتب وما زالت الروم والفرس والهند والسريانيون والعبرانيون والقبط وغيرهم يسمون ملوكهم آلهة وأربابا. وفي السفر الأول من التوراة: أن بني الله دخلوا على بنات الناس ورأوهن بارعات الجمال فتزوجوا منهن. وفي السفر الثاني من التوراة قصة المخرج من مصر إني جعلتك إلها لفرعون وفي المزمور الثاني والثمانين: وقام الله في جميع الآلهة. هذا في العبرانية وأما من نقله إلى السريانية فإنه حرفه فقال: قام الله في جماعة الملائكة وقال في هذا المزمور وهو يخاطب قوما بالروح: لقد ظننت أنكم آلهة وأنكم أبناء الله كلكم وقد سمى الله عبده بالملك كما سمى نفسه بذلك.(2\/504)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "288",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15744",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وسمى نبيه بالرءوف الرحيم كما سمى نفسه بذلك وسماه بالعزيز وسمى نفسه كذلك واسم الرب واقع على غير الله تعالى في لغة أمة التوحيد كما يقال: هو رب الدار ورب المنزل ورب الإبل ورب هذا المتاع. وقد قال أشعيا: عرف الثور من اقتناه والحمار مربط ربه ولم تعرف بنو إسرائيل - يعني من خلقهم. وإن جعلتموه إلها لأنه صنع من الطين كهيئة الطير أي: صورة طائر ثم نفخ فيها وصارت لحما ودما وطائرا حقيقة ولا يفعل هذا إلا الله. قيل: فاجعلوا موسى بن عمران إله الآلهة فإنه ألقى عصا فصارت ثعبانا عظيما ثم أمسكها بيده فصارت عصا كما كان. وإن قلتم: جعلناه إلها بشهادة الأنبياء الرسل له بذلك قال عزرا حيث سباهم بخت نصر إلى أرض بابل إلى أربعمائة واثنين وثمانين سنة: يأتي المسيح ويخلص الشعوب والأمم وعند انتهاء هذه المدة أتى المسيح ومن يطيق يخلص الأمم(2\/505)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "289",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15745",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "والشعوب غير الإله التام قيل لكم: فاجعلوا جميع الرسل آلهة فإنهم خلصوا الأمم من الكفر والشرك وخلصوهم من النار بإذن الله وحده. ولا شك أن المسيح خلص من آمن به واتبعه من ذل الدنيا وعذاب الآخرة كما خلص موسى بني إسرائيل من فرعون وقومه وخلصهم بالإيمان بالله واليوم الآخر من عذاب النار في الآخرة. وخلص الله سبحانه وتعالى بمحمد صلى الله عليه وسلم ابن عبد الله عبده ورسوله من الأمم والشعوب ما لم يخلصه نبي سواه فإن وجبت بذلك الإلهية لعيسى بذلك فموسى ومحمد أحق بها منه. وإن قلتم: أوجبنا له بذلك الإلهية لقول أرميا النبي عن ولادته: وفي ذلك الزمان (يقوم لداود ابن)  وهو ضوء النهار يملك الملك ويقيم الحق والعدل في الأرض ويخلص من آمن به من اليهود ومن بني إسرائيل ومن غيرهم ويبقى بيت المقدس بغير مقابل ويسمى الإله. فقد تقدم أن اسم الإله في الكتب المتقدمة وغيرها قد أطلق على غيره وهو بمنزلة الرب والسيد والآب ولو كان عيسى هو الله لكان أجل من أن يقال: ويسمى الإله وكان يقول وهو الله فإن الله سبحانه وتعالى لا يعرف بمثل هذا وفي هذا الدليل الذي جعلتموه به إلها أعظم الأدلة على أنه عبد وأنه ابن البشر فإنه قال: ويقوم لداود ابن فهذا الذي(2\/506)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "290",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15746",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قام لداود هو الذي سمى بالإله فعلم أن هذا الاسم لمخلوق مصنوع مولود لا لرب العالمين وخالق السماوات والأرضين. فإن قلتم: إنما جعلناه إلها من جهة قول أشعيا النبي: قل لصهيون يفرح ويتهلل فإن الله يأتي ويخلص الشعوب ويخلص من آمن به ويخلص مدينة بيت المقدس ويظهر الله ذراعه الطاهر فيها لجميع الأمم المتبددين ويجعلهم أمة واحدة ويبصر جميع أهل الأرض خلاص الله لأنه يمشي معهم وبين أيديهم ويجمعهم إله إسرائيل. قيل لكم: هذا يحتاج أولا إلى أن يعلم أن ذلك في نبوة أشعيا بهذا اللفظ من غير تحريف للفظه ولا غلط في الترجمة وهذا غير معلوم. وإن ثبت ذلك لم يكن فيه دليل على أنه إله تام وأنه غير مصنوع ولا مخلوق فإنه نظير ما في التوراة من قوله: جاء الله من طور سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من جبال فاران وليس في هذا ما يدل على أن موسى ومحمدا إلهين. والمراد مجيء دينه وكتابه وشرعه وهداه ونوره. وأما قوله: ويظهر الله ذراعه الطاهر لجميع الأمم المتبددين ففي التوراة مثل هذا وأبلغ منه في غير موضع. وأما قوله: ويبصر جميع أهل الأرض خلاص الله لأنه يمشي معهم وبين يديهم فقد قال في التوراة في السفر الخامس لبني إسرائيل: لا تهابوهم ولا تخافوهم لأن الله ربكم السائر بين أيديكم وهو محارب عنكم. وفي موضع آخر قال موسى: إن الشعب هو شعبك فقال أنا أمضي أمامك(2\/507)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "291",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15747",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فقال: إن لم تمض أنت أمامنا وإلا فلا تصعدنا من ههنا وكيف أعلم أنا وهذا الشعب أني وجدت نعمة كذا إلا بسيرك معنا. وفي السفر الرابع: إن أصعدت هؤلاء بقدرتك فيقولون لأهل الأرض الذين سمعوا منك: الله فيما بين هؤلاء القوم يرونه عينا بعين وغمامك يقيم عليهم ويعود غمام يسير بين أيديهم نهارا ويعود نارا ليلا. وفي التوراة أيضا يقول الله لموسى: إني آت إليك في غلظ الغمام لكي يسمع القوم مخاطبتي لك. وفي الكتب الإلهية وكلام الأنبياء من هذا كثير وفيما حكى خاتم الأنبياء عن ربه تعالى أنه قال: ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبطش وبي يمشي. وإن قلتم جعلناه إلها لقول زكريا في نبوته: افرحي يا بنت صهيون لأني آتيك وأحل فيك وأتراءى وتؤمن بالله في ذلك اليوم الأمم الكثيرة ويكونون له شعبا(2\/508)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "292",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15748",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "واحدا ويحل هو فيهم ويعرفون أني أنا الله القوي الساكن فيك ويأخذ الله في ذلك اليوم الملك من يهودا ويملك عليهم إلى الأبد. قيل لكم: إن وجبت له الإلهية بهذا فتجب لإبراهيم وغيره من الأنبياء فإن عند أهل الكتاب وأنتم معهم أن الله تجلى على إبراهيم واستعلن له وتراءى له. وأما قوله: وأحل فيك لم يرد الله سبحانه وتعالى حلول ذاته التي لم تسعها السماوات والأرض في بيت المقدس وكيف تحل ذاته في مكان يكون فيه مقهورا مغلوبا مع شرار الخلق كيف وقد قال: ويعرفون أني أنا الله القوي الساكن فيك أفترى عرفوا قوته بالقبض عليه وشد يديه بالحبال وربطه على خشبة الصليب ودق المسامير في يديه ورجليه ووضع تاج الشوك على رأسه وهو يستغيث ولا يغاث وما كان المسيح يدخل بيت المقدس إلا وهو مغلوب مقهور مستخف في غالب أحواله. ولو صح مجيء هذه الألفاظ صحة لا تدفع وصحت ترجمتها كما ذكروه لكان معناها أن معرفة الله والإيمان به وذكره ودينه وشرعه حل في تلك البقعة وبيت المقدس لما ظهر فيه دين المسيح بعد رفعه حصل فيه من الإيمان بالله ومعرفته ما لم يكن قبل ذلك. وجماع الأمر أن النبوات المتقدمة والكتب الإلهية لم تنطق بحرف واحد يقتضي أن يكون ابن البشر إلها تاما إله حق وأنه غير مصنوع ولا مربوب بل لم يخصه إلا بما خص به أخوه وأولى الناس به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم في قوله: إنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. وكتب الأنبياء المتقدمة وسائر النبوات موافقة بما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم وذلك كله يصدق بعضه بعضا وجميع ما تستدل به المثلثة عباد الصليب على إلهية المسيح من(2\/509)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "293",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15749",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ألفاظ وكلمات في الكتب فإنها مشتركة بين المسيح وغيره كتسميته ابنا وكلمة وروح الحق وإلها وكذلك هو روح القدس أما روح القدس فهي سر الله وأمره وقد ورد في الكتب الإلهية لغير المسيح. وقد أطلقت لمعان منها جبريل ومنها اسم الله الأعظم ومنها الوحي وقد أطلقت على المسيح لأن روحه لم تخالط نطفة والقدوس هو الطاهر ولذلك أطلق على المسيح روح الله وهذه الإضافة إضافة تعظيم كقوله: بيت الله وناقة الله وكما كانت الأمم الماضية يطلقون على أنفسهم أبناء الله ومنها القرآن الذي هو أعم من القرآن المنزل على محمد الشامل لكل كتاب منزل. وأما الروح التي بها الحياة فهي النفس على قاعدة أهل السنة وهي جسم لطيف ويشاكل الأجسام المحسوسة تحدث ويخرج بها إلى السماء بفرح لا تموت ولا تفنى وهي مما له أول وليس له آخر كالجنة والنار والأجساد في المعاد وهي بعينين ويدين وهي ذو ريحة طيبة أو كريهة بحسب محلها وهي إما منعمة أو معذبة وذلك غاية الدليل على حدوثها. وإنما سمي المسيح روح الله لأنه ذو روح وجد من غير جزء من ذي روح كالنطفة المنفصلة من الأب الحي وإنما اخترع اختراعا من عند الله وقدرته خالصة. وسمي كلمة الله لأنه وجد بكلمته وأمره من غير واسطة أب ولا نطفة وهذا ظاهر. وكذلك ما أطلق من حلول روح القدس فيه وظهور الرب فيه أو في مكانه وقد وقع في نظير شركهم وكفرهم طوائف من المنتسبين إلى الإسلام واشتبه عليهم ما يحل في قلوب العارفين من الإيمان به ومعرفته ونوره وهداه فظنوا أن ذلك نفس ذات الرب(2\/510)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "294",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15750",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقد قال الله تعالى: وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم وهو ما في قلوب الملائكة وأنبيائه وعباده المؤمنين من الإيمان به ومعرفته ومحبته وإجلاله وتعظيمه وهو نظير قوله تعالى: فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وقوله تعالى: وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون وقوله تعالى: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم فأولياء الله يعرفونه ويحبونه ويجلونه أن يقال هو ما في قلوبهم والمراد محبته ومعرفته والمثل الأعلى في قلوبهم لا نفس ذاته وهذا أمر تعتاده الناس في مخاطباتهم ومحاوراتهم يقول الإنسان لغيره: أنت في قلبي ولازلت في عيني كما قال القائل: ومن عجب أني أحن إليهم ... وأسأل عنهم من لقيت وهم معي ... وتطلبهم عيني وهم في سوادها ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي وقال آخر: خيالك في عيني وذكرك في فمي ... ومثواك في عيني فأين تغيب وقال آخر في المعنى وأجاد: إن قلت غبت فقلبي لا يصدقني ... إذ أنت فيه فدتك النفس لم تغب أو قلت ما غبت قال الطرف ذا كذب ... فقد تحيرت بين الصدق والكذب وقال آخر: (في المعنى مفرد)(2\/511)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "295",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15751",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "أحن إليه وهو في القلب ساكن ... فيا عجبا لمن يحن لقلبه ومن غلظ طبعه وكشف فهمه عن فهم مثل هذا لم يكثر عليه أن يفهم من ألفاظ الكتب أن ذات الله سبحانه تحل في الصورة البشرية وتتحد بها وتمتزج بها تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. وإن قلتم: أوجبنا له الإلهية من قول أشعيا: من أعجب الأعاجيب أن رب الملائكة سيولد من البشر. قيل: لكم هذا مع أن هذا يحتاج إلى صحة الكلام عن أشعيا وأنه لم يحرف بالنقل من ترجمة إلى ترجمة وأنه كلام منقطع عما قبله وبعده تنبيه ودليل على أنه مخلوق مصنوع وأنه ابن البشر يولد منه لا من الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. وإن قلتم: جعلناه إلها من قول متى في الإنجيل: إن ابن الإنسان يرسل ملائكته ويجمعون كل الملوك فيلقونهم في أتون النار.(2\/512)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "296",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15752",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل: هذا كالذي قبله ولم يرد أن المسيح هو رب الأرباب ولا أنه خالق الملائكة ومما يشهد لذلك وأن الضمير في الهاء من الملائكة راجع إلى الله لا إلى المسيح قول مرقس في إنجيله في هذا المحل في هذا المعنى: فابن الإنسان يفضحه إذا جاء في محرابه وملائكته المقدسين فافهم ذلك. ويمكن أن يجعل الله المسيح سفيرا بينه وبين بعض ملائكة العذاب في جميع ملوك الكفر من المنتسبين لدينه من عرصات القيامة وإدخالهم النار. والضمير في الملائكة عائد إلى الله لا إلى المسيح وإنما القوم جهلة بمقام الربوبية ومقام الملائكة واللسان العربي المترجم به عن لغتهم ومن يضلل الله فما له من هاد وحاش لله أن يطلق عليه أنه رب الملائكة بل هذا من أقبح الكذب والافتراء بل ورب الملائكة أوصاهم بحفظ المسيح وتأييده بشهادة النبي القائل عندهم: إن الله يوصي ملائكته بك ليحفظوك. ثم بشهادة لوقا: إن الله أرسل له ملكا من السماء ليقويه.(2\/513)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "297",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15753",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "هذا الذي نطقت به الكتب فحرف الكذابون على الله وعلى مسيحه ذلك ونسبوا إلى الأنبياء أنهم قالوا: هو رب الملائكة. وإذا شهد الإنجيل واتفق الأنبياء والرسل أن الله يوصي ملائكته بالمسيح ليحفظوه علم أن الملائكة والمسيح عبيد الله منقادون لأمره ليسوا أربابا ولا آلهة. وقال المسيح لتلامذته: من قبلكم فقد قبلني ومن قبلني فقد قبل من أرسلني. وقال المسيح لتلامذته أيضا: من أنكرني قدام الناس أنكرته قدام الملائكة. وقال للذي يضرب عند رئيس الكهنة: اغمد سيفك. ولا تظن أني لا أستطيع أن أدعو الله الأب فيقيم لي أكثر من اثني عشر من الملائكة. فهل يقول هذا من هو رب الملائكة وإلههم وخالقهم وإن أوجبتم له الإلهية بما نقلتموه عن أشعيا: تخرج عصا من بيت نبي ويخرج منها نور ويحل فيه روح القدس روح الله روح الكلمة والفهم روح الحيل والقوة روح الحلم وخوف الله وبه يؤمنون وعليه يتكلون ويكون لهم التاج والكرامة إلى دهر الداهرين.(2\/514)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "298",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15754",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قيل لكم: هذا الكلام بعد المطالبة بصحة نقله عن أشعيا وصحة الترجمة له باللسان العربي وأنه لم تحرفه التراجم هو حجة على المثلثة عباد الصليب لا لهم فإنه لا يدل على أن المسيح هو خالق السماوات والأرض بل يدل على مثل ما دل عليه القرآن وأن المسيح أيد بروح القدس فإنه قال: ويحل فيه روح الله روح الكلمة والفهم روح الحيل والقوة روح العلم وخوف الله. ولم يقل: تحل فيه حياة الله فضلا عن أن يحل الله فيه ويتحد به ويتخذ حجابا من ناسوته. وهذه الروح تكون مع الأنبياء والصديقين وعندهم في التوراة: إن الذين كانوا يعملون في قبة الزمان حلت فيهم روح الحكمة وروح الفهم والعلم وهي ما يحصل به الهدى والنصر والتأييد. وقوله: روح الله لا تدل على أنها صفته فضلا أن يكون هو الله وجبريل يسمى روح الله والمسيح اسمه روح الله. والمضاف إلى الله إذا كان ذاتا قائمة بنفسها فهو إضافة مملوك إلى مالك كبيت الله وناقة الله وروح الله ليس المراد به بيتا يسكنه ولا ناقة يركبها ولا روحا قائمة به وقد قال تعالى: أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه وقال تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا. فهذه الروح أيد بها عباده المؤمنين. وأما قوله: وبه يؤمنون وعليه يتوكلون فهو عائد إلى الله تعالى لا إلى العصا التي تنبت من بيت النبوة. وقد جمع الله بين هذين الأصلين قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا(2\/515)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "299",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15755",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقال موسى ياقوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين. وهو كثير في القرآن وقد أخبر أنه أيده الله بروح العلم وخوف الله فجمع بين العلم والخشية وهما الأصلان اللذان جمع القرآن بينهما في قوله تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء. وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم -: أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية. وهذا شأن العبد المحض. وأما الإله الحق رب العالمين فلا يلحقه خوف ولا خشية ولا يعبد غيره والمسيح كان قائما بأوراد العبادات لله أتم القيام. وإن أوجبتم له الإلهية بقول أشعيا: إن غلاما ولد لنا وإننا أعطيناه كذا وكذا رئاسة على عاتقيه وبين منكبيه ويدعى اسمه ملكا عظيما إلها قويا مسلطا رئيسا قوي السلامة في كل الدهور وسلطانه كامل ليس له فناء. قيل لكم: ليس في هذه البشارة ما يدل على أن المراد بها المسيح بوجه من الوجوه. ولو كان المراد بها المسيح لم يدل على مطلوبهم أما المقام الأول: فدلالتها على محمد بن عبد الله أظهر من دلالتها على المسيح فإنه هو الذي رئاسته على عاتقه وبين منكبيه من جهتين: من جهة أن خاتم النبوة على بعض كتفيه وهو من أعلام النبوة(2\/516)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "300",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15756",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "التي أخبرت به الأنبياء وعلامة ختم ديوانهم ولذلك كان في ظهره من جهة أنه بعث بالسيف الذي تقلد به على عاتقه ويرفعه إذا ضرب به على عاتقه ويدل عليه قوله: رئيس مسلط قوي السلامة وهذه صفة محمد صلى الله عليه وسلم المؤيد المنصور المسلط رئيس السلامة فإن دينه الإسلام ومن اتبعه سلم من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ومن استيلاء عدوه عليه. والمسيح لم يسلط على أعدائه كما سلط محمد صلى الله عليه وسلم بل كان أعداؤه مسلطين عليه قاهرين له حتى عملوا به ما عملوا عند المثلثة عباد الصليب. فأين مطابقة هذه الصفات للمسيح بوجه من الوجوه وهي مطابقة لمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم من كل وجه وهو الذي سلطانه كامل ليس له فناء إلى آخر الدهر. فإن قيل: إنكم لا تدعون محمدا إلها بل هو عندكم عبد محض قيل: نعم والله إنه لكذلك عبد محض والعبودية أجل مراتبه واسم الإله من جهة التراجم جاء والمراد به السيد المطاع لا إله له المعبود الخالق الرازق. وإن أوجبتم له الإلهية من قول أشعيا فيما زعمتم: ها هي العذراء تحبل وتلد ابنا يدعى اسمه عمانويل وعمانوئيل كلمة عبرانية تفسيرها بالعربية: إلهنا معنا. فقد شهد له النبي أنه إله. قيل لكم بعد ثبوت هذا الكلام وتفسيره: لا يدل على أن العذراء ولدت رب العالمين وخالق السماوات والأرضين فإنه قال: تلد ابنا وهذا دليل على أنه نبي من جملة النبيين ليس هو رب العالمين.(2\/517)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "301",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15757",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما قوله: ويدعى اسمه عمانويل فإنما يدل على أنه يسمى بهذا الاسم كما تسمي الناس أبناءهم بأنواع من الصفات والأسماء والأفعال والجمل المركبة من اسمين أو اسم وفعل وكثير من أهل الكتاب يسمون أولادهم عمانويل. ومن علمائكم من يقول: المراد بالعذراء ههنا غير مريم ويذكر في ذلك قصة ويدل على هذا أن المسيح لا يعرف اسمه عمانويل وإن كان ذلك اسمه فكونه يسمى quot; إلهنا معنا quot; أو quot; بالله حسبي quot; أو الله وحده ونحو ذلك لا يدل على أنه إله. وقد حرف بعض المثلثة عباد الصليب هذه الكلمة وقال: معناها الله معنا فرد عليهم بعض من أنصف من علمائهم وحكم رشده على هواه وهداه الله للحق وبصره من عماه وقال: (أهذا هو القائل: أنا الرب ولا إله غيري وأنا أحيي وأميت وأخلق وأرزق. أم هو القائل لله: إنك أنت الإله الحق وحدك الذي أرسلت يوسع المسيح) . قال: والأول باطلل والثاني هو الذي شهد به الإنجيل ويجب تصديق الإنجيل وتكذيب من زعم أن المسيح إله معبود. قال: وليس المسيح مخصوصا بهذا الاسم بل عمانوئيل اسم تسمي به النصارى واليهود أولادها. قال: وهذا موجود في عصرنا هذا ومعنى هذه التسمية بينهم شريف القدر. قال: وكذلك السريان يسمون أولادهم عمانويل والمسلمون وغيرهم يقولون(2\/518)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "302",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15758",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "للرجل: الله معك فإذا سمي الرجل بقول: الله معك أو: الله معنا كان هذا تبركا بمعنى هذه الاسم. وإن أوجبتم له الإلهية بقول حبقوق فيما حكاه عنه: إن الله في الأرض يتزيا ويختلط مع الناس ويمشي معهم. ويقول أرميا أيضا بعد هذا: الله يظهر في الأرض ويتقلب مع البشر قيل لكم: هذا بعد احتياجه إلى ثبوت هذين الشخصين أولا وإلى ثبوت هذا النقل عنهما وإلى مطابقة الترجمة من غير تحريف - وهذه ثلاث مقامات يعز عليكم إثباتها - لا تدل على أن المسيح هو خالق السماوات والأرض وأنه إله حق ليس بمخلوق ولا مصنوع ففي التوراة ما هو من هذا الجنس وأبلغ ولم يدل ذلك على أن موسى إله ولا أنه خارج عن جملة العبيد لله. وقوله يتزيا مثل: تجلى الله وظهر واستعلن ونحو ذلك من ألفاظ التوراة وغيرها من الكتب الإلهية. وقد ذكر في التوراة أن الله تعالى تجلى وتزيا لإبراهيم وغيره من الأنبياء ولم يدل ذلك على الإلهية لأحد منهم ولم يزل في عرف الناس ومخاطبتهم أن يقولوا: فلان معنا وهو بين أظهرنا ولم يمت إذا كان عمله وسنته وسيرته بينهم ووصاياه يعمل بها بينهم.(2\/519)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "303",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15759",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكذلك يقول القائل لمن مات والده: ما مات من خلف مثلك وأنا والدك. وإذا رأوا تلميذ العالم يعلم علمه قالوا: هذا فلان باسم أستاذه كما كان يقال عن عكرمة: هذا ابن عباس وعن أبي حامد: هذا الشافعي. وإذا بعث الملك نائبا يقوم مقامه في بلد يقول الناس: جاء الملك وحكم ورسم الملك. وفي الحديث الصحيح الإلهي: يقول الله عز وجل يوم القيامة: عبدي مرضت فلم تعدني فيقال: يا رب وكيف أعودك وأنت رب العالمين قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما لو عدته لوجدتني عنده عبدي جعت فلم تطعمني فيقول: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين قال: أما إن عبدي فلانا استطعمك فلم تطعمه أما لو أطعمته لوجدت ذلك عندي. عبدي استسقيتك فلم تسقني فيقول: يا رب وكيف أسقيك وأنت رب العالمين فيقول: أما إن عبدي(2\/520)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "304",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15760",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلانا عطش فاستقاك فلم تسقه أما لو سقيته لوجدت ذلك عندي. وأبلغ من هذا قوله تعالى: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ومن هذا قوله تعالى: من يطع الرسول فقد أطاع الله فلو استحل المسلمون ما استحللتم لكان استدلالهم بذلك على أن محمدا إله من جنس استدلالكم لا فرق بينهما!. وإن أوجبتم له الإلهية بقوله في السفر الثالث من أسفر الملوك: والآن يا رب إله إسرائيل يتحقق كلامك لداود لأنه حق أن يكون آية سيسكن الله مع الناس على الأرض اسمعوا أيتها الشعوب كلكم ولتنصت الأرض وكل من فيها فيكون الرب عليهم شاهدا ويخرج من موضعه وينزل ويطأ على مشارق الأرض في شأن خطيئة بني يعقوب. قيل لكم: هذا السفر يحتاج أولا إلى أن يثبت وأن الذي تكلم به نبي وأن هذا لفظه وأن الترجمة مطابقة له وليس ذلك بمعلوم. وبعد ذلك فالقول في هذا الكلام كالقول في نظيره مما ذكرتموه وما لم تذكروه وليس في هذا الكلام ما يدل على أن المسيح خالق السماوات والأرض كأنه إله غير مصنوع ولا مخلوق وإن قوله:(2\/521)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "305",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15761",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إن الله سيسكن مع الناس في الأرض هو مثل كونه معهم وإذا صار في الأرض نوره وهداه ودينه ونبيه كانت هذه سكناه لا أنه بذاته المقدسة ينزل عن عرشه ويسكن مع أهل الأرض ولو قدر تقدير المحالات أن ذلك واقع لم يلزم أن يكون هو المسيح فقد سكن الرسل والأنبياء قبله وبعده فما الموجب لأن يكون المسيح هو الإله دون إخوانه من المرسلين أترى ذلك للقوة والسلطان الذي كان له وهو في الأرض وقد قلتم إنه قبض عليه وفعل به ما فعل من غاية الإهانة والإذلال والقهر فهذا ثمرة سكناه في الأرض مع خلقه وإن قلتم: سكناه في الأرض مع خلقه هو ظهوره في ناسوت المسيح قيل لكم: أما الظهور الممكن المعقول وهو ظهور محبته ومعرفته ودينه وكلامه فهذا لا فرق فيه بين ناسوت المسيح وناسوت سائر الأنبياء والمرسلين وليس في هذا اللفظ على هذا التقدير ما يدل على اختصاصه بناسوت المسيح. وأما الظهور المستحيل الذي تأباه العقول والفطر والشرائع وجميع النبوات وهو ظهور ذات الرب في ناسوت مخلوق من مخلوقاته واتحاده به وامتزاجه واختلاطه فهذا محال عقلا وشرعا فلا يمكن أن تنطق به نبوة أصلا بل النبوات من أولها إلى آخرها متفقة على أصول: أحدها: أن الله سبحانه وتعالى قديم واحد لا شريك له في ملكه ولا ند ولا ضد ولا وزير ولا مشير ولا ظهير ولا شافع إلا من بعد إذنه. الثاني: أنه لا والد له ولا ولد ولا كفؤ ولا نسيب بوجه من الوجوه ولا زوجة.(2\/522)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "306",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15762",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثالث: أنه غني بذاته فلا يأكل ولا يشرب ولا يحتاج إلى شيء مما يحتاج إليه خلقه بوجه من الوجوه. الرابع: أنه لا يتغير ولا تعرض له الآفات من الهرم والمرض والسنة والنوم والنسيان والندم والخوف والهم والحزن ونحو ذلك. الخامس: أنه لا يماثل شيئا من مخلوقاته بل ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته. السادس: أنه لا يحل في شيء من مخلوقاته ولا يحل في ذاته شيء منها بل هو بائن عن خلقه بذاته والخلق بائنون عنه. السابع: أنه أعظم من كل شيء وأكبر من كل شيء وفوق كل شيء وغالب على كل شيء وليس فوقه شيء ألبتة. الثامن: أنه قادر على كل شيء فلا يعجزه شيء يريده بل هو الفعال لما يريد. التاسع: أنه علام بكل شيء يعلم السر وأخفى ويعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس ولا ساكن ولا متحرك إلا وهو يعلمه على حقيقته. العاشر: أنه سميع بصير يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على(2\/523)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "307",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15763",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تفنن الحاجات ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء قد أحاط سمعه بجميع المسموعات وبصره بجميع المبصرات وعلمه بجميع المعلومات وقدرته بجميع المقدورات ونفذت مشيئته في جميع البريات وعمت رحمته جميع المخلوقات ووسع كرسيه الأرض والسماوات. الحادي عشر: أنه الشاهد الذي لا يغيب ولا يستخلف أحدا على تدبير ملكه ولا يحتاج إلى من يرفع إليه حوائج عباده أو يعاونه عليها أو يستعطفه عليهم ويسترحمه لهم. الثاني عشر: أنه الأبدي الباقي الذي لا يضمحل ولا يتلاشى ولا يعدم ولا يموت. الثالث عشر: أنه المتكلم المكلم الآمر الناهي قائل الحق وهادي السبيل ومرسل الرسل ومنزل الكتب والقائم على كل نفس بما كسبت من الخير والشر ويجازي المحسن على إحسانه والمسيء بإساءته. الرابع عشر: أنه الصادق في وعده وخبره فلا أصدق منه قيلا. ولا أصدق منه حديثا وهو لا يخلف الميعاد. الخامس عشر: أنه تعالى صمد بجميع معاني الصمدية فيستحيل عليه ما يناقض صمديته. السادس عشر: أنه قدوس سلام فهو المبرأ من كل عيب ونقص وآفة. السابع عشر: أنه الكامل الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه.(2\/524)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "308",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15764",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الثامن عشر: أنه العدل الذي لا يجور ولا يظلم ولا يخاف عباده منه ظلما. فهذا مما اتفقت عليه جميع الكتب والرسل وهو من المحكم الذي لا يجوز أن تأتي شريعة بخلافه ولا يخبر نبي بخلافه أصلا. فترك المثلثة عباد الصليب هذا كله وتمسكوا بالمتشابه من المعاني والمجمل من الألفاظ وأقوال من ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل. وأصول المثلثة ومقالتهم في رب العالمين تخالف هذا كله أشد المخالفة وتباينه أعظم المباينة. فصل: في أنه لو لم يظهر محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - لبطلت نبوة سائر الأنبياء فظهور نبوته تصديق لشهادتهم وشهادة لهم بالصدق فإرساله من آيات الأنبياء قبله وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى بعينه في قوله: بل جاء بالحق وصدق المرسلين. فإن المرسلين بشروا به وأخبروا بمجيئه فمجيئه هو نفس صدق خبره فكأن مجيئه تصديق لهم إذ هو تأويل ما أخبروا به ولا تنافي بين هذا وبين القول الآخر: إن تصديقه المرسلين بشهادته بصدقهم وإيمانه بهم فإنه صدقهم بقوله ومجيئه فشهد بصدقهم بنفس مجيئه وشهد بصدقهم بقوله. ومثل هذا قول المسيح: مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد.(2\/525)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "309",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15765",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فإن التوراة لما بشرت به وبنبوته كان نفس ظهوره تصديقا لها ثم بشر برسول يأتي من بعده فكان ظهور الرسول المبشر به تصديقا له كما كان ظهوره تصديقا للتوراة فعادة الله في رسله أن السابق يبشر باللاحق واللاحق يصدق السابق فلو لم يظهر محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ولو لم يبعث لبطلت نبوة الأنبياء قبله. والله سبحانه وتعالى لا يخلف وعده ولا يكذب خبره وقد كان بشر إبراهيم وهاجر ببشارات بينات ولم نرها تمت ولا ظهرت إلا بظهور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد بشرت هاجر من ذلك بما لم تبشر به امرأة من العالمين غير مريم ابنة عمران بالمسيح على أن مريم بشرت به مرة واحدة وبشرت هاجر بإسماعيل مرتين وبشر به إبراهيم مرارا. ثم ذكر الله سبحانه هاجر وبعد وفاتها كالمخاطب لها على ألسنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ففي التوراة أن الله قال لإبراهيم: قد أجبت دعاك في إسماعيل وباركت عليه وكثرته وعظمته جدا جدا. وسيلد اثني عشر عظيما هكذا ترجمة بعض المترجمين. وأما في الترجمة التي ترجمها اثنان وسبعون حبرا من أحبار اليهود فإنه يقول: وسيلد اثني عشر أمة من الأمم وفيها: لما هربت هاجر من سارة تزايا لها ملك الله وقال: يا هاجر أمة سارة من أين أقبلت وإلى أين تذهبين قالت: هربت من سيدتي فقال لها الملك:(2\/526)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "310",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15766",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ارجعي إلى سيدتك واخضعي لها فإني سأكثر ذريتك وزرعك حتى لا يحصون كثرة ها أنت تحبلين وتلدين ابنا تسميه إسماعيل لأن الله قد سمع تذللك وخضوعك وخشوعك وهو يكون عين الناس وتكون يده فوق الجميع مبسوطة إليه بالخضوع ويكون مسكنه على تخوم جميع إخوته. وفي موضع آخر قصة إسكانها وابنها إسماعيل في برية فاران وفيها: فقال الملك: يا هاجر ليفرح روعك. فقد سمع الله تعالى صوت الصبي قومي فاحمليه وتمسكي به فإن الله تعالى جاعله لأمة عظيمة وأن الله تعالى فتح عليها فإذا بئر ماء فذهبت وملأت المزادة منه وسقت الصبي منه وكان الله معها ومع الصبي حتى تربى وكان مسكنه في برية فاران. فهذه أربع بشارات خالصة لأم إسماعيل نزلت اثنتان منها على إبراهيم واثنتان على هاجر. وفي التوراة بشارات أخرى بإسماعيل وولده وأنهم أمة عظيمة جدا وأن نجوم السماء تحصى ولا يحصون وهذه البشارة إنما تمت بظهور محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وأمته. وإن بني إسحاق كانوا لم يزالوا مطرودين مشردين خولا للفراعنة والقبط حتى أنقذهم الله بنبيه وكليمه موسى بن عمران وأورثهم أرض الشام فكانت كرسي مملكتهم ثم سلبهم ذلك وقطعهم في الأرض أمما مسلوبا عزهم وملكهم قد أخذتهم سيوف السودان وعلتهم أعلاج الحمران حتى ظهرت تلك البشارات بعد دهر طويل وعلت وانتشرت في آفاق الدنيا ومدت وعلت بنو إسماعيل على من حولهم فهشموهم هشما وطحنوهم طحنا وانتشروا في آفاق الدنيا ومدت الأمم أيديهم إليهم بالذل والخضوع وعلوهم(2\/527)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "311",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15767",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "علو الثريا فيما بين الهند والحبشة والسوس الأقصى وبلاد الترك والصقالبة والخزر وملكوا ما بين الخافقين وحيث ملتقى أمواج البحرين. وظهر ذكر إبراهيم على ألسنة الأمم فليس صبي من بعد ظهور النبي صلى الله عليه وسلم ولا امرأة ولا حر ولا عبد ولا ذكر ولا أنثى إلا وهو يعرف إبراهيم والد إسماعيل. وأما النصرانية وإن كانت قد ظهرت في أمم كثيرة جليلة فإنه لم يكن لهم في محل إسماعيل وأمه هاجر سلطان ظاهر ولا عز قاهر ألبتة ولا صارت أيدي هذه الأمة فوق أيدي الجميع ولا امتدت إليهم أيدي الأمم بالخضوع وكذلك سائر ما تقدم من البشارات ويفيد مجموعها العلم القطعي بأن المراد بها محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وعلى أمته. فإنه لو لم يقع تأويلها بظهوره صلى الله عليه وسلم لبطلت النبوات. ولهذا لما علم الكفار من أهل الكتاب أنه لا يمكن الإيمان بالأنبياء المتقدمين إلا بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي بشروا به قالوا: نحن في انتظاره ولم يجئ بعد. ولما علم بعض الغلاة في كفره وتكذيبه منهم أن هذا النبي في ولد إسماعيل أنكروا أن يكون لإبراهيم ابن اسمه إسماعيل وأن هذا لم يخلقه الله تعالى. ولا يكثر على أمة البهت وإخوان القرود وقتلة الأنبياء مثل ذلك كما لم يكثر على المثلثة وعباد الصليب الذين سبوا رب العالمين أعظم مسبة أن يطعنوا في ديننا وينتقصوا نبينا صلى الله عليه وسلم.(2\/528)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "312",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15768",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: ونحن نبين لهم أنهم لا يمكنهم أن يثبتوا للمسيح فضيلة ولا نبوة ولا آية ولا معجزة إلا بإقرارهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله وإلا فمع تكذيبه إياه لا يمكن أن يثبت للمسيح شيء من ذلك ألبتة. فنقول: إذا كفرتم معاشر المثلثة عباد الصليب بالقرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم فمن أين لكم أن تثبتوا لعيسى فضيلة أو معجزة ومن نقل إليكم عنه آية أو معجزة فإنكم إنما تبعتم من بعده ما ينيف على مائتين وعشرات من السنين أخبرتم عن منام رؤي وأسرعتم إلى تصديقه وكان الأولى لمن كفر بالقرآن أن ينكر وجود عيسى في العالم لأنه لا يقبل قول اليهود فيه ولا سيما وهم أعظم أعدائه الذين رموه وأمه بالعظائم فأخبار المسيح والصليب إنما شيوخكم فيها اليهود لعنهم الله وهم فيما بينهم مختلفون في أمره أعظم اختلاف وأنتم مختلفون معهم في أمره. فإن اليهود لعنهم الله تزعم أنهم حين أخذوه وحبسوه في السجن أربعين يوما وقالوا: ما كان لكم أن تحبسوه أكثر من ثلاثة أيام ثم تقتلوه إلا أنه كان يعضده أحد قواد الروم لأنه كان يداخله في صناعة الطب عندهم. وفي الإنجيل الذي في أيديكم أنه أخذ صبح يوم الجمعة وصلب في الساعة التاسعة من اليوم بعينه فمتى تتوافقون مع اليهود في خبره. واليهود مجمعة أنه لم تظهر له معجزة ولا بدت منه لهم آية غير أنه طار يوما وقد هموا بأخذه فطار على أثره آخر منهم فعلاه في طيرانه فسقط إلى الأرض بزعمهم.(2\/529)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "313",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15769",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وفي الإنجيل الذي بأيديكم في غير موضع ما يشهد أنه لا معجزة له ولا آية فمن ذلك أن فيه منصوصا إن اليهود قالوا له يوما: ماذا تفعل حتى ننتهي به إلى أمر الله قال: أن تؤمنوا بمن بعثه قالوا له: وما آيتك التي ترينا ونؤمن بك وأنت تعلم أن آباءنا قد أكلوا المن والسلوى بالمفاوز قال: إن كان أطعمكم موسى خبزا فأنا أطعمكم خبزا سماويا يريد نعيم الآخرة ولو عرفوا له معجزة ما قالوا ذلك. وفي الإنجيل الذي بأيديكم أن اليهود قالت له: ما آيتك التي نصدقك بها قال: اهدموا البيت أبنيه لكم في ثلاثة أيام فلو كانت اليهود تعرف له آية لم تقل هذا ولو كان قد أظهر لهم معجزة لذكرهم بها حينئذ. وفي الإنجيل الذي بأيديكم أيضا: أنهم جاءوا يسألونه آية فقذفهم فقال: إن القبيلة الفاجرة الخبيثة آية فلا تعطى ذلك. وفيه أيضا أنهم كانوا يقولون له وهو على الخشبة بظنهم: إن كنت المسيح فأنزل نفسك نؤمن بك يطلبون بذلك آية فلم يفعل. فإذا كفرتم معاشر المثلثة عباد الصليب بالقرآن لم يتحقق لعيسى ابن مريم آية ولا فضيلة فإن أخباركم عنه وأخبار اليهود لا يلتفت إليها لاختلافكم في شأنه أشد الاختلاف وعدم يقينكم لجميع أموره. وكذلك اليهود اجتمعت على أنه لم يدع شيئا من الإلهية التي نسبتم إليه أنه ادعاها. وكان أقصى مرادهم أن يدعي ذلك ليكون أبلغ تسلطهم عليه وقد ذكرتم السبب(2\/530)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "314",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15770",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "في استفاضة ذلك عليه وهو أن أحبارهم وعلماءهم لما مضى وبقي ذكره خافوا أن يصير عامتهم إليه إذ كان على سنن تقبله قلوب الذين لا غرض لهم فشنعوا عليه أمورا كثيرة ونسبوا إليه دعوى الإلهية تزهيدا للناس في أمره. ثم إن اليهود عندهم من الاختلاف في أمره ما يدل على عدم يقينهم بشيء من أخباره فمنهم من يقول: إنه كان رجلا منهم ويعرفون أباه وأمه وينسبونه لزانية وحاشاه وحاشا أمه الصديقة الطاهرة البتول التي لم يقرعها فحل قط قاتلهم الله أنى يؤفكون ويسمون أباه للزانية البنديرا الرومي وأمه مريم الماشطة ويزعمون أن زوجها يوسف بن يهودا وجد البنديرا عندها على فراشها أو شعر بذلك فهجرها وأنكر ابنها. ومن اليهود لعنهم الله من رغب عن هذا القول وقالوا: إنما أبوه يوسف بن يهودا الذي كان زوجا لمريم ويذكرون أن السبب في استفاضة اسم الزنيم عليه: أنه بينا هو يوما مع معلمه يهشوع بن برضيا وسائر التلاميذ فنزلوا في سفر موضعا وجاءت امرأة من أهله وجعلت تبالغ في إكرامهم فقال يهشوع: ما أحسن هذه المرأة يريد أفعالها فقال عيسى - بزعمهم - لولا عمش في عينها فصاح يهشوع وقال: ممزار - ترجمته: يا زنيم - أتزني بالنظر وغضب غضبا شديدا وعاد إلى بيت المقدس وحرم(2\/531)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "315",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15771",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اسمه ولعنه في أربعمائة قرن فحينئذ لحق ببعض قواد الروم وأدخله بصناعة الطب فقوي لذلك على اليهود وهم يومئذ في ذمة قيصر بتاريوش وجعل يخالف حكم التوراة ويستدرك عليها ويعرض عن بعضها إلى أن كان من أمره ما كان. وطوائف من اليهود لعنهم الله يقولون غير هذا ويقولون إنه كان يلاعب الصبيان بالكرة فوقفت لهم الكرة بين جماعة من مشايخ اليهود فضعف الصبيان عن استخراجها من بينهم حياء منهم أي من مشايخهم فقوي عيسى وتخطى رقابهم وأخذها فقالوا له: ما نظنك إلا زنيما. ومن اختلاف اليهود لعنهم الله في أمره أنهم يسمون أباه بزعمهم الذي هو خطيب مريم يوسف بن يهودا النجار وبعضهم يقول: إنما هو يوسف الحداد. والنصارى تزعم أنها ذات بعل وأن زوجها يوسف بن يعقوب وبعضهم يقول يوسف بن آل. وهم يختلفون أيضا في آبائه وعددهم إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام فمن مقل ومن مكثر. فهذا ما عند اليهود لعنهم الله وهم شيوخكم في نقل الصلب وأمره وإلا فمن المعلوم أنه لم يحضره أحد من النصارى. وإنما حضره اليهود لعنهم الله(2\/532)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "316",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15772",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وقالوا: قتلناه وصلبناه وهم الذين قالوا فيه ما حكيناه عنهم فإن صدقتموهم في الصلب فصدقوهم في سائر ما ذكروه وإن كذبتموهم فيما نقلوه عنه فما الموجب لتصديقهم في الصلب وتكذيبهم وما صلبوه بل صانه الله وحماه وحفظه وكان أكرم على الله وأوجه عنده من أن يبتليه بما تقولون أنتم قاتلكم الله واليهود لعنهم الله وأما خبر ما عندكم أنتم فلا نعلم أمة من الأمم أشد اختلافا في معبودها ونبيها ودينها منكم فلو سألت الرجل وامرأته وابنته وأباه وأمه عن دينهم لأجابك كل واحد منهم بغير جواب الآخر. ولو اجتمع عشرة منهم يتذاكرون الدين لتفرقوا عن أحد عشر مذهبا. مع اتفاق فرقهم المشهورة اليوم على القول بالتثليث وعبادة الصليب وأن المسيح ابن مريم ليس بعبد صالح ولا نبي ولا رسول وأنه إله في الحقيقة وأنه خالق السماوات والأرض والملائكة والنبيين وأنه هو الذي أرسل وأظهر على أيديهم المعجزات والآيات وأن للعالم إلها هو أب والد لم يزل وأن ابنه نزل من السماء وتجسم من روح القدس ومن مريم وصار هو وابنها الناسوتي إلها واحدا ومسيحا واحدا وخالقا واحدا ورازقا وحبلت به مريم وولدته وأخذ وصلب وألم ومات ودفن وقام بعد ثلاثة أيام وصعد إلى السماء وجلس على يمين أبيه. وقالوا: والذي ولدته مريم وعاينه الناس وكان بينهم هو الله وهو ابن الله وهو كلمة الله. فالقديم الأزلي خالق السماوات والأرض هو الذي حبلت به مريم وأقام هناك تسعة أشهر وهو الذي ولد ورضع وفطم وأكل وشرب وتغوط وأخذ وصلب وشد بالحبال وسمرت يداه.(2\/533)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "317",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15773",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم اختلقوا: فقالت اليعقوبية - قاتلهم الله - وهم أتباع يعقوب البرادعي ولقب بذلك لأن لباسه كان من خروق برادع الدواب يرقع بعضها ببعض ويلبسها - إن المسيح طبيعة واحدة من طبيعتين: إحداهما طبيعة الناسوت والأخرى طبيعة اللاهوت وأن هاتين الطبيعتين تركبتا فصارتا إنسانا واحدا وجوهرا واحدا وشخصا واحدا وهذه الطبيعة الواحدة والشخص الواحد هو المسيح هو إله كله وإنسان كله وهو شخص واحد وطبيعة واحدة من طبيعتين. وقالوا: إن مريم ولدت الله وإن الله سبحانه وتعالى قبض عليه وصلب وسمر ومات ودفن ثم عاش بعد ذلك. فصل: وقالت الملكية - وهم الروم نسبة إلى دين الملك لا إلى رجل يدعى ملكايا وهو صاحب مقالتهم كما يقوله بعض من لا علم له بذلك - إن الابن الأزلي(2\/534)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "318",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15774",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي هو الكلمة تجسدت من مريم تجسدا كاملا كسائر أجساد الناس. وركبت في ذلك الجسد نفسا كاملة بالعقل والمعرفة والعلم كسائر أنفس الناس وأنه صار إنسانا بالجسد والنفس اللذين هما من جوهر الناس إلها بجوهر اللاهوت كمثل أبيه لم يزل وهو إنسان بجوهر الناس كمثل إبراهيم وموسى وداود وهو شخص واحد لم يزد عدده وثبت له جوهر اللاهوت كما لم يزل وصح له جوهر الناسوت الذي لبسه ابن مريم وهو شخص واحد لم يزد عدده وطبيعتان ولكل واحد من الطبيعتين مشيئة كاملة فله باللاهوتية مشيئة مثل الأب وله بناسوتيته مشيئة كمشيئة إبراهيم وداود. وقالوا: إن مريم ولدت المسيح وهو اسم يجمع اللاهوت والناسوت. وقالوا: إن الذي مات هو الذي ولدته مريم وهو الذي وقع عليه الصلب والتسمير والصفع والربط بالحبال واللاهوت لم يمت ولم يألم ولم يدفن. قالوا: وهو إله قام بجوهر لاهوته وإنسان قائم بجوهر ناسوته وله المشيئتان: مشيئة اللاهوت ومشيئة الناسوت فأتوا بمثل ما أتى به اليعقوبية من أن مريم بزعمهم نزهوا الإله عن الموت. وإذا تدبرت قولهم وجدته في الحقيقة هو قول اليعقوبية مع تناقضهم واليعقوبية أطرد لكفرهم لفظا ومعنى.(2\/535)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "319",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15775",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما النسطورية فقد ذهبوا إلى القول بأن المسيح شخصان وطبيعتان لهما مشيئة واحدة وأن طبيعة اللاهوت لما وجدت بالناسوت صار لهما إرادة واحدة واللاهوت لا يقبل زيادة ولا نقصانا ولا يمتزج بشيء والناسوت يقبل بالزيادة والنقصان وكان المسيح بذلك إلها وإنسانا فهو الإله بجوهر اللاهوت الذي لا يقبل الزيادة والنقصان وهو إنسان بجوهر الناسوت الذي يقبل الزيادة والنقصان. وقالوا: إن مريم ولدت المسيح بناسوته وإن اللاهوت لم يفارقه قط. وكل هذه الفرق استنكفت أن يكون المسيح عبد الله وهو لم يستنكف من ذلك ورغبت به عن عبودية الله وهو لم يرغب عنها بل أعلى منازله عبودية الله ومحمد وإبراهيم خير منه وأعلى منازلهما تكميل مراتب العبودية بالله تعالى ويا فوز من رضيه أن يكون له عبدا فلم ترض المثلثة بذلك. وقالت الآريوسية منهم وهم أتباع آريوس: إن المسيح عبد الله كسائر الأنبياء والرسل وهو مربوب مخلوق مصنوع. وكان النجاشي على هذا المذهب. وإذا ظفرت المثلثة بواحد من هؤلاء قتلوه شر قتلة وفعلوا به ما يفعل بمن سب المسيح وشتمه أعظم سب.(2\/536)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "320",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15776",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكل من تلك الفرق الثلاث عوامهم لا يفهم مقالة خواصهم على حقيقتها بل يقولون: إن الله تخطى مريم كما يتخطى الرجل المرأة وأحبلها فولدت له ابنا ولا يعرفون تلك الهذيانات التي وضعها خواصهم فهم يقولون: الذي تدندنون حوله نحن نعتقده بغير حاجة منا إلى معرفة الأقاليم الثلاث والطبيعتين والمشيئتين وذلك التهويل والتطويل. وهم يصرحون بأن مريم والدة الإله والله أبوه وهو الابن فهذا الزوج والزوجة والولد وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا. فهذه أقوال أعداء المسيح من اليهود والمغالين فيه من النصارى والمثلثة عباد الصليب قاتل الله الفئتين أنى يؤفكون. بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بما أزال الشبهة في أمره وكشف الغمة وبرأ المسيح وأمه مما افتراه (من افتراء اليهود لعنهم الله وبهتهم وكذبهم وتنزه رب العالمين وخالق المسيح وأمه مما افتراه) عليه المثلثة عباد الصليب الذين سبوه أعظم السب قاتلهم الله. وأنزل أخاه المسيح بالمنزلة التي أنزله الله بها وهي أشرف منازله(2\/537)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "321",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15777",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فآمن به وصدقه وشهد له بأنه عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول الطاهرة الصديقة سيدة نساء العالمين في زمانها وقرر معجزات المسيح وآياته وأخبر عن ربه تعالى بتخليد من كفر بالمسيح في النار وأن ربه تعالى أكرم عبده ورسوله ونزهه وصانه أن ينال إخوان القردة أمة الغضب منه ما زعمته النصارى أنهم نالوه منه بل رفعه الله إليه مؤيدا منصورا لم يشكه أعداؤه بشوكة ولا نالته أيديهم بأذى فرفعه الله إليه وأسكنه سماءه وسيعيده إلى الأرض ينتقم به من مسيح الضلال وأتباعه ثم يكسر الصليب ويقتل به الخنزير ويعلي به الإسلام وينصر به ملة أخيه وأولى الناس به محمد صلى الله عليه وسلم. فإذا وضع هذا القول في المسيح في كفة وقول عباد الصليب المثلثة في كفة تبين لكل من له أدنى مسكة من عقل ما بينهما من التفاوت وأن تفاوتهما كتفاوت ما بينه وبين قول المغضوب عليهم فيه وبالله التوفيق. فلولا محمد صلى الله عليه وسلم لما عرفنا أن المسيح ابن مريم الذي هو رسول الله وعبده وكلمته وروحه موجود أصلا فإن هذا المسيح الذي أثبته اليهود من شرار خلق الله ليس بمسيح الهدى. والذي أثبته النصارى من أبطل الباطل لا يمكن وجوده في عقل ولا فطرة. ويستحيل أن يدخل في الوجود أعظم استحالة ولو أمكن وجوده لبطلت أدلة العقول ولم يبق لأحد ثقة بمعقول أصلا فإن استحالة وجوده فوق استحالة جميع المحالات ولو صح ما يقولون لبطل العالم واضمحلت السماوات والأرض وعدمت الملائكة والعرش والكرسي ولم يكن بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار. ولا يستعجب من إطباق أمة الضلال الذين شهد الله أنهم أضل من الأنعام على ذلك فكل باطل في الوجود ينسب إلى أمة من الأمم فإنها مطبقة عليه وقد تقدم ذكر(2\/538)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "322",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15778",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "إطباق الأمم العظيمة التي لا يحصيها إلا الله عز وجل على الكفر والضلال بعد معاينة الآيات البينات فلعباد الصليب أسوة بإخوانهم من أهل الشرك والضلال. فصل: في ذكر استنادهم في دينهم إلى أصحاب المجامع الذي كفر بعضهم بعضا ولعن بعضهم بعضا وتلقيهم أصول دينهم عنهم. ونحن نذكر الأمر كيف ابتدأ وتوسط وانتهى حتى كأنك تراه عيانا. كان الله قد بشر بالمسيح على لسان أنبيائه من لدن موسى إلى زمن داود ومن بعده من الأنبياء وأكثر الأنبياء تبشيرا به داود وكانت اليهود تنتظره وتصدق به قبل مبعثه فلما بعث كفروا به بغيا وحسدا وشردوه في البلاد وطردوه وحبسوه وهموا بقتله مرارا إلى أن أجمعوا على القبض عليه وعلى قتله فصانه الله تعالى وأنقذه من أيديهم ولم يهنه بأيديهم وشبه لهم أنهم صلبوه ولم يصلبوه كما قال تعالى: وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما. وقد اختلفوا في معنى قوله: ولكن شبه لهم فقيل المعنى: ولكن شبه لهم للذين صلبوه بأن ألقي شبهه على غيره فصلبوا الشبه. وقيل المعنى: ولكن شبه لهم للنصارى أي حصلت لهم الشبهة في أمره(2\/539)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "323",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15779",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وليس لهم علم بأنه ما قتل ولا صلب ولكن لما قال أعداؤه: إنهم قتلوه وصلبوه واتفق رفعه من الأرض وقعت الشبهة في أمرهم وصدقهم النصارى في صلبه لتتم الشناعة عليهم. وكيف كان فالمسيح صلوات الله وسلامه لم يقتل ولم يصلب يقينا لا شك فيه ثم تفرق الحواريون في البلاد بعد رفعه على دينه ومنهاجه يدعون الأمم من بني إسرائيل إلى توحيد الله ودينه والإيمان بعبده ورسوله ومسيحه فدخل كثير من الناس في دينه ما بين ظاهر ومستور: ظاهر مشهور ومختف مستور. وأعداء الله اليهود لعنهم الله في غاية الشدة والأذى لأصحابه وأتباعه. ولقي تلاميذ المسيح وأتباعه من اليهود ومن الروم شدة شديدة من قتل وعذاب وتشريد وحبس وغير ذلك. وكان اليهود في زمن المسيح في ذمة الروم الذين كانوا ملوكا عليهم وكتب نائب(2\/540)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "324",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15780",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الملك ببيت المقدس إلى الملك يعلمه بأمر المسيح وتلاميذه وما يفعل من العجائب الكثيرة من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى فهم أن يؤمن به ويتبع دينه فلم يتابعه أصحابه. ثم هلك وولي بعده ملك آخر وكان شديدا على تلامذة المسيح. ثم مات وولي بعده آخر. وفي زمنه كتب متى إنجيله بالعبرانية وفي زمانه صار مرقس والي الإسكندرية فدعا إلى الإيمان بالمسيح وهو أول شخص جعل بتركا بالإسكندرية وصير معه اثني عشر قسيسا على عدة نقباء بني إسرائيل في زمن موسى وأمرهم إذا مات البترك أن يختاروا من الاثني عشر واحدا يجعلونه مكانه ويضع الاثني عشر أيديهم على رأسه ويباركونه ثم يختارون رجلا فاضلا قسيسا يصيرونه تمام العدة. ولم يزل أمر القوم كذلك إلى زمان قسطنطين: ثم انقطع هذا الرسم فاصطلحوا على أن ينصبوا البترك من أي بلد كان من أولئك القسيسين ثم يسموه quot; بابا quot; ومعناه أبو(2\/541)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "325",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15781",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الآباء وخرج مرقس إلى (برقة) يدعو الناس إلى دين المسيح ثم جاء ملك آخر فأهاج على أتباع المسيح الشر والبلاء وأخذهم بأنواع العذاب وفي عصره كتب بطرس رئيس الحواريين إنجيل مرقس عنه بالرومية ونسبه إلى مرقس. وفي عصره كتب لوقا إنجيله بالرومية لرجل شريف من عظماء الروم وكتب له الإفركسيس الذي فيه أخبار التلاميذ وفي زمنه صلب بطرس. وزعموا أن بطرس قال له: إن أردت أن تصلبني فاصلبني منكسا لئلا أكون مثل سيدي المسيح فإنه صلب قائما. وضرب عنق بولس بالسيف وأقام بطرس بعد صعود المسيح اثنين وعشرين سنة وأقام مرقس بالإسكندرية وبرقة سبع سنين يدعو الناس إلى الإيمان بالمسيح ثم قتل بالإسكندرية وأحرق جسده بالنار. ثم استمرت القياصرة ملوك الروم على هذه السيرة إلى أن ملك قيصر يسمى طيطس فخرب بيت المقدس بعد المسيح بسبعين سنة بعد أن حاصرها وأصاب أهلها جوع عظيم وقتل من كان بها من ذكر وأنثى حتى كانوا يشقون بطون الحبالى(2\/542)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "326",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15782",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويضربون بأطفالهن الصخور وضرب المدينة وأضرم فيها نارا وأحصي القتلى فبلغوا ثلاثة آلاف ألف. ثم ملك ملوك آخرون فكان منهم واحد شديدا على اليهود جدا فبلغه أن النصارى يقولون إن المسيح ملكهم وأن ملكه يدوم إلى آخر الدهر فاشتد غضبه وأمر بقتل النصارى وأن لا يبقى في مملكته نصراني. وكان يوحنا صاحب الإنجيل هناك فهرب ثم أمر الملك بإكرامهم وترك الاعتراض عليهم. ثم ملك بعده آخر فأثار على النصارى بلاء عظيما وقتل بترك أنطاكية ورومية وقتل أسقف بيت المقدس وصلبه وله يومئذ مائة وعشرون سنة وأمر باستعباد النصارى فاشتد عليهم البلاء إلى أن رحمتهم الروم وقال له وزراؤه: إن لهم دينا وشريعة وإنه لا يحل استعبادهم فكف عنهم. وفي عصره كتب يوحنا إنجيله بالرومية وفي ذلك العصر رجع اليهود إلى بيت المقدس فلما كثروا وامتلأت بهم المدينة عزموا على أن يملكوا منهم ملكا فبلغ الخبر قيصر فوجه جيشا إليهم فقتل منهم ما لا يحصى ثم ملك بعده آخر فأخذ(2\/543)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "327",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15783",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الناس بعبادة الأصنام وقتل من النصارى خلقا كثيرا ثم ملك بعده ابنه وفي زمانه قتل اليهود قتلا ذريعا وخرب بيت المقدس وهرب اليهود إلى مصر وإلى الشام والجبال والأغوار وتقطعوا في الأرض وأمر الملك أن لا يسكن المدينة يهودي وأن يقتل اليهود ويستأصلوا وأن يسكن المدينة اليونانيون. وامتلأت بيت المقدس من اليونانيين والنصارى ذمة الروم تحت أيديهم فرأوهم يأتون إلى مزبلة هناك فيصلون فيها فمنعوهم من ذلك وبنوا على المزبلة هيكلا باسم الزهرة فلم يمكن النصارى بعد ذلك قربان ذلك الموضع. ثم هلك هذا الملك وقام بعده آخر فنصب يهودا أسقفا على بيت المقدس. قال ابن البطريق: فمن يعقوب أسقف بيت المقدس الأول إلى يهودا أسقفه هذا كانت الأساقفة الذين على بيت المقدس كلهم مجبوبين. [وعاد البلاء] ثم ولي بعده آخر فأثار على النصارى بلاء شديدا وحزنا طويلا ووقع في أيامه(2\/544)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "328",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15784",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قحط شديد كاد الناس أن يهلكوا فسألوا النصارى أن يبتهلوا إلى إلههم فدعوا وابتهلوا إلى الله فأمطروا وارتفع القحط والوباء. قال ابن البطريق: وفي زمانه كتب بترك الإسكندرية إلى أسقف بيت المقدس وبترك أنطاكية وبترك رومية في (كتاب) فصح النصارى وصومهم وكيف يستخرج من فصح اليهود فوضعوا فيها كتبا على ما هي اليوم. قال: وذلك أن النصارى كانوا بعد صعود المسيح إذا عيدوا عيد الغطاس من الغد يصومون أربعين يوما ويفطرون كما فعل المسيح لأنه لما اعتمد بالأردن خرج إلى البرية فأقام بها صائما أربعين يوما. وكان النصارى إذا أفصح اليهود عيدوا هم الفصح فوضع هؤلاء البتاركة حسابا للفصح ليكون فطرهم (يوم الفصح)  وكان المسيح يعيد مع اليهود في عيدهم فاستمر على ذلك أصحابه إلى أن ابتدعوا تغيير الصوم فلم يصوموا عقيب الغطاس بل نقلوا الصوم إلى وقت لا يكون عيدهم مع (عيد) اليهود. ثم مات ذلك الملك وقام بعده آخر وفي زمنه كان جالينوس وفي زمنه ظهرت الفرس وغلبت على بابل وآمد وفارس وتملك أزدشير بن بابك في(2\/545)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "329",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15785",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(إصطخر) وهو أول ملك على فارس في المدة الثانية. ثم مات قيصر وقام بعده آخر ثم آخر وكان شديدا على النصارى عذبهم عذابا شديدا وقتل خلقا كثيرا منهم وقتل كل عالم فيهم ثم قتل من كان بمصر والإسكندرية من النصارى وهدم الكنائس وبنى بالإسكندرية هيكلا وسماه هيكل الآلهة. ثم قام بعده قيصر آخر ثم آخر وكانت النصارى في زمنه في هدوء وسلامة وكانت تحت ذمة - أي تحت ذمة الروم. ثم قام بعده آخر فأثار على النصارى بلاء عظيما وقتل منهم خلقا وأخذ الناس بعبادة الأصنام وقتل من الأساقفة خلقا كثيرا منهم وقتل كل عالم فيهم وقتل بترك أنطاكية فلما سمع بترك بيت المقدس بقتله هرب وترك الكرسي. ثم هلك وقام بعده آخر وفي أيام هذا ظهر ماني الكذاب وزعم أنه نبي وكان كثير الحيل والمخاريق فأخذه بهرام ملك الفرس فشقه نصفين وأخذ من أتباعه مائتي رجل فغرس رءوسهم في الطين منكسين حتى ماتوا.(2\/546)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "330",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15786",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم قام من بعده فيليبس فآمن بالمسيح فوثب عليه بعض قواده فقتله ثم قام بعده ذانقيوس ويسمى دقيانوس فلقي النصارى منه بلاء عظيما وقتل منهم ما لا يحصى وقتل بترك رومية وبنى بكنيستها هيكلا عظيما وجعل فيه الأصنام وأمر أن يسجد لها ويذبح لها ومن لم يفعل يقتل فقتل خلقا كثيرا من النصارى وصلبوا على الهيكل واتخذ من أولاد عظماء المدينة سبعة غلمان فجعلهم خاصته فقدمهم على جميع من عنده وكانوا لا يسجدون للأصنام فأعلم الملك بخبرهم فحبسهم ثم أطلقهم وخرج إلى مخرج له فأخذ الفتية كل مالهم فتصدقوا به ثم خرجوا إلى جبل عظيم فيه كهف كبير فاختفوا فيه وصب الله عليهم النعاس فناموا كالأموات وأمر الملك أن يبنى عليهم باب الكهف كي يموتوا فأخذ قائد من قواده صفيحة من نحاس فيها أسماؤهم وقصتهم مع دقيانوس وصيرها في صندوق من نحاس ودفنه داخل الكهف وسده ثم مات الملك ثم قام بعده قيصر آخر وفي زمنه جعل في أنطاكية بتركا(2\/547)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "331",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15787",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "[مجمعات النصارى العشرة]",
        "content": "يسمى بولس الشمشاطي وهو أول من ابتدع في شأن المسيح اللاهوت والناسوت وكانت النصارى قبله كلمتهم واحدة أنه عبد رسول مخلوق ومربوب لا يختلف فيه اثنان منهم فقال: بولس هذا - وهو أول من أفسد النصارى وأفسد دينهم - إن سيدنا عيسى خلق من اللاهوت إنسانا كواحد منا في جوهره أن ابتداء الابن من مريم وأنه اصطفي ليكون مخلصا للجوهر الإنسي وصحبته النعمة الإلهية فحلت فيه بالمحبة والمشيئة ولذلك سمي ابن الله وقال: إن الله جوهر واحد وأقنوم واحد.  [مجمعات النصارى العشرة]  [المجمع الأول: مجمع إنطاكية 324 م] وقال سعيد بن بطريق: وبعد موته اجتمع ثلاثة عشر أسقفا في مدينة أنطاكية ونظروا في مقالة بولس وأوجبوا عليه اللعن فلعنوه ولعنوا من يقول قوله وانصرفوا. ثم قام قيصر آخر فكانت النصارى في زمنه يصلون في المطامير والبيوت فزعا من الروم ولم يكن بترك الإسكندرية يظهر خوفا أن يقتل فقام (بارون) بتركا فلم يزل يداري الروم حتى بنى بالإسكندرية كنيسة. ثم قام قياصرة أخر منهم اثنان تملكا على الروم إحدى وعشرين سنة فأثارا على النصارى بلاء عظيما وعذابا أليما وشدة تجل عن الوصف في القتل والعذاب واستباحة الحريم والأموال وقتلا ألوفا مؤلفة من النصارى وعذبوا مارجرجس أشد(2\/548)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "332",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15788",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "العذاب ثم قتلوه وفي زمانهما ضربت عنق بطرس بترك الإسكندرية وكان له تلميذان. وكان في زمنه آريوس يقول: إن الأب وحده الله الفرد الصمد والابن مخلوق مصنوع وقد كان الأب إذا لم يكن الابن. وقال بطرس لتلميذيه: إن المسيح لعن آريوس فاحذرا أن تقبلا قوله فإني رأيت المسيح في النوم مشقوق الثوب فقلت: يا سيدي! من شق ثوبك فقال لي: آريوس فاحذروا أن تقبلوه أو يدخل معكم الكنيسة. وبعد قتل بطرس بخمس سنين صير أحد تلميذيه بتركا على الإسكندرية فأقام ستة أشهر ومات ولما جرى على آريوس ما جرى أظهر أنه رجع عن مقالته فقبله هذا البترك وأدخله الكنيسة وجعله قسيسا. ثم قام قيصر آخر فجعل يتطلب النصارى ويقتلهم حتى صب الله عليه الهلاك فهلك بشر هلكة. ثم قام بعده قيصران: (أحدهما) ملك الشام وأرض الروم وبعض الشرق. (والآخر) رومية وما جاورها وكانا كالسباع الضارية على النصارى فعلا بهم من القتل والسبي والجلاء ما لم يفعله بهم ملك قبلهما.(2\/549)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "333",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15789",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وملك معهما قسطنطين أبو قسطنطين وكان دينا مبغضا للأصنام محبا للنصارى فخرج إلى ناحية الجزيرة والرها فنزل في قرية من قرى الرها فرأى هناك امرأة جميلة يقال لها: هيلانة وكانت قد تنصرت على يد أسقف الرها وتعلمت قراءة الكتب فخطبها قسطنطين من أبيها فزوجها منه فحبلت منه وولدت قسطنطين فتربى بالرها وتعلم حكمة اليونان وكان جميل الوجه قليل الشر محبا للحكمة. وكان علانيوس ملك الروم حينئذ رجلا فاجرا شديد البأس مبغضا للنصارى جدا كثير القتل منهم محبا للنساء لم يترك للنصارى بنتا جميلة إلا أفسدها وكذلك أصحابه وكان النصارى في جهد شديد معهم فبلغه خبر قسطنطين وأنه غلام هادئ قليل الشر كثير الخير كثير العلم وأخبره المنجمون والكهنة أنه سيملك ملكا عظيما فهم بقتله فهرب قسطنطين من الرها ووصل إلى أبيه فسلم إليه الملك ثم مات أبوه وصب الله على علانيوس أنواعا من البلاء حتى تعجب الناس مما ناله ورحمه أعداؤه مما حل به فرجع إلى نفسه وقال: لعل هذا بسبب ظلم النصارى فكتب إلى جميع عماله أن يطلقوا النصارى من الحبوس وأن يكرموهم ويسألوهم أن يدعوا له في صلاتهم فوهب الله له العافية ورجع إلى أفضل ما كان عليه من الصحة والقوة فلما صح وقوي رجع إلى شر ما كان عليه وكتب إلى عماله أن يقتلوا النصارى وأن لا يدعوا في مملكتهم نصرانيا ولا يسكنوا له مدينة ولا قرية فكان القتلى يحملون على العجل ويرمى بهم في البحر والصحارى.(2\/550)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "334",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15790",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وأما قيصر الآخر الذي كان معه فكان شديدا على النصارى واستعبد من كان برومية من النصارى ونهب أموالهم وقتل رجالهم ونساءهم وصبيانهم فلما سمع أهل رومية بقسطنطين أنه مبغض للشر محب للخير وأن أهل مملكته معه في هدوء وسلامة كتب رؤساؤهم إليه يسألونه أن يخلصهم من عبودية ملكهم فلما قرأ كتبهم اغتم غما شديدا وبقي متحيرا لا يدري كيف يصنع. قال سعيد بن البطريق: فظهر له بنصف النهار في السماء صليب من كوكب مكتوبا حوله: بهذا تغلب فقال لأصحابه: رأيتم ما رأيته قالوا: نعم فآمن حينئذ بالنصرانية فتجهز لمحاربة قيصر المذكور وصنع صليبا كبيرا من ذهب وصيره على رأس البند وخرج بأصحابه فأعطي النصر على قيصر فقتل من أصحابه مقتلة عظيمة وهرب الملك ومن بقي من أصحابه فخرج أهل رومية إلى قسطنطين بالإكليل الذهب وبكل أنواع اللهو واللعب فتلقوه وفرحوا به فرحا عظيما فلما دخل المدينة أكرم النصارى وردهم إلى بلادهم بعد النفي والتشريد وأقام أهل رومية سبعة أيام يعبدون للملك والصليب فلما سمع علانيوس جمع جموعه وتجهز لقتال قسطنطين فلما وقعت العين في العين انهزموا وأخذتهم السيوف وأفلت علانيوس فلم يزل من قرية إلى قرية حتى وصل إلى بلده فجمع السحرة والكهنة والعرافين الذين كان يحبهم ويقبل منهم فضرب أعناقهم لئلا يقعوا في يد قسطنطين.(2\/551)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "335",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15791",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وتنصر قسطنطين وأمر ببناء الكنائس في كل بلد وأن يخرج من بيت المال الخراج فيما يعمل به أبنية الكنائس وقام بدين النصرانية حتى ضرب بجرانه في زمانه فلما تم له خمس عشرة سنة من ملكه ماج النصارى في أمر المسيح واضطربوا فأمر بالمجمع في مدينة (نيقية) وهي التي رتبت فيها الأمانة بعد هذا المجمع - كما سيأتي - فأراد آريوس أن يدخل معهم فمنعه بترك الإسكندرية وقال إن بطرس قال لهم: إن الله لعن آريوس فلا تقبلوه ولا تدخلوه الكنيسة. وكان بالإسكندرية وأسيوط من عمل مصر أسقف يقول بقول آريوس فلعنه أيضا وكان بالإسكندرية هيكل عظيم على اسم زحل وكان فيه صنم من نحاس يسمى (ميكائيل)  وكان أهل مصر وأهل الإسكندرية في اثني عشر من شهر هتور وهو تشرين الثاني يعيدون لذلك الصنم عيدا عظيما ويذبحون له الذبائح فلما ظهرت النصرانية بالإسكندرية أراد بتركها أن يكسر الصنم ويبطل الذبائح له فامتنع عليه أهلها فاحتال عليهم بحيلة وقال: لو جعلتم هذا العيد لميكائيل ملك الله لكان أولى فإن هذا الصنم لا ينفع ولا يضر فأجابوه فكسر الصنم وجعل منه صليبا وسمى الهيكل كنيسة ميكائيل.(2\/552)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "336",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15792",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلما منع بترك الإسكندرية آريوس من دخول الكنيسة ولعنه خرج آريوس مستعديا عليه ومعه أسقفان فاستغاثوا إلى قسطنطين وقال آريوس: إنه تعدى علي وأخرجني من الكنيسة ظلما وسأل الملك أن يشخص بترك الإسكندرية ليناظره قدام الملك فوجه قسطنطين برسول إلى الإسكندرية فأشخص البترك وجمع بينه وبين آريوس يناظره فقال قسطنطين لآريوس: اشرح مقالتك. قال آريوس: أقول: إن الأب كان إذا لم يكن الابن ثم إنه أحدث الابن وكان كلمة له إلا أنه محدث مخلوق ثم فوض الأمر إلى ذلك الابن المسمى كلمة فكان هو خالق السماوات والأرض وما بينهما كما قال في إنجيله إذ يقول: وهب لي سلطانا على السماء والأرض وكان هو الخالق لهما بما أعطي من ذلك ثم إن الكلمة تجسدت من مريم العذراء ومن روح القدس فطر ذلك مسيحا واحدا فالمسيح الآن معنيان كلمة وجسد إلا أنهما جميعا مخلوقان. فأجابه عند ذلك بترك الإسكندرية وقال: تخبرنا أيما أوجب علينا عندك: عبادة من خلقنا أو عبادة من لم يخلقنا قال آريوس: بل عبادة من خلقنا. قال له البترك: فإن كان خالقنا الابن - كما وصفت - وكان الابن مخلوقا فعبادة الابن المخلوق أوجب من عبادة الأب الذي ليس بخالق بل تصير عبادة الآب الذي خلق(2\/553)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "337",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15793",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الابن كفرا وعبادة الابن المخلوق إيمانا وذلك من أقبح الأقاويل فاستحسن الملك وكل من حضر مقالة البترك وشنع عندهم مقالة آريوس ودارت بينهما أيضا مسائل كثيرة فأمر قسطنطين البترك أن يكفر آريوس وكل من قال بمقالته فقال له: بل يوجه الملك بشخص البتارك والأساقفة حتى يكون لنا مجمع ونضع فيه قضية ويكفر آريوس ونشرح الدين ونوضحه للناس  [المجمع الثاني مجمع نيقية 325 م وضع قانون الإيمان (بالأمانة) :] فبعث قسطنطين الملك إلى جميع البلدان فجمع البتاركة والأساقفة فاجتمع في مدينة نيقية بعد سنة وشهرين ألفان وثمانية وأربعون أسقفا فكانوا مختلفي الأراء مختلفي الأديان. فمنهم من يقول: المسيح ومريم إلهان من دون الله وهم المريمانية. ومنهم من يقول: المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار تعلقت من شعلة نار فلم تنقص من الأولى لإيقاد الثانية منها. ومنهم من كان يقول: لم تحبل مريم تسعة شهور وإنما مر نور في بطن مريم كما يمر الماء في الميزاب لأن كلمة الله دخلت من أذنها وخرجت من حيث يخرج الولد من ساعتها وهذه مقالة ألبان وأشياعه. ومنهم من كان يقول: إن المسيح إنسان خلق من اللاهوت كواحد منا في جوهره وإن ابتدأ الابن من مريم وأنه اصطفي ليكون مخلصا للجوهر الإنسي صحبته النعمة الإلهية فحلت منه بالمحبة والمشيئة فلذلك سمي ابن الله.(2\/554)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "338",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15794",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويقولون: إن الله جوهر واحد وأقنوم واحد ويسمونه بثلاثة أسماء ولا يؤمنون بالكلمة ولا بروح القدس وهذه مقالة بولس وأشياعه. ومنهم من كان يقول: ثلاثة آلهة لم يزل صالح وطالح وعدل بينهما وهذه مقالة مرقيون وأشياعه. ومنهم من يقول: ربنا هو المسيح وهي مقالة الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا. قال ابن البطريق: فلما سمع قسطنطين الملك مقالاتهم عجب من ذلك وأخلى لهم دارا وتقدم لهم بالإكرام والضيافة وأمرهم أن يتناظروا فيما بينهم لينظر من معه الحق فيتبعه فاتفق منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر أسقفا على دين واحد ورأي واحد. وناظروا بقية الأساقفة المختلفين ففلحوا عليهم في المناظرة. وكان باقي الأساقفة مختلفي الأراء والأديان فصنع الملك للثلاثمائة والثمانية عشر أسقفا مجلسا عظيما وجلس في وسطه وأخذ خاتمه وسيفه وقضيبه فدفع ذلك إليهم وقال لهم: قد سلطتكم اليوم على المملكة فاصنعوا ما بدا لكم وما ينبغي لكم أن تصنعوا مما فيه قوام الدين وصلاح الأمة فباركوا على الملك وقلدوه سيفه وقالوا له: أظهر دين النصرانية وذب عنه ووضعوا له أربعين كتابا فيها السنن والشرائع وفيها ما يصلح أن يعمل فيه الأساقفة وما يصلح للملك أن يعمل فيها.(2\/555)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "339",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15795",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وكان رئيس القوم والجمع المقدم فيه بترك الإسكندرية وبترك أنطاكية وأسقف بيت المقدس. ووجه بترك رومية من عنده رجلين فاتفق الكل على لعن آريوس وأصحابه ولعنوه وكل من قال بمقالته ووضعوا الأمانة وقالوا: إن الابن مولود من الأب قبل كون الخلائق وإن الابن من طبيعة الأب غير مخلوق. واتفقوا على أن يكون فصح النصارى يوم الأحد ليكون بعد فصح اليهود وأن لا يكون فصح اليهود مع فصحهم في يوم واحد ومنعوا أن يكون للأسقف زوجة وذلك أن الأساقفة منذ وقت الحواريين إلى مجمع الثلاثمائة والثمانية عشر كان لهم نساء لأنهم كانوا إذا صيروا واحدا أسقفا وكانت له زوجة ثبتت معه ولم تتنح عنه ما خلا البتاركة فإنه لم يكن لهم نساء ولا كانوا يصيرون أحدا له زوجة بتركا. قال: وانصرفوا مكرمين محظوظين وذلك في سبع عشرة سنة من ملك قسطنطين الملك وأمر بثلاث سنن: (أحدها) : كسر الأصنام وقتل من يعبدها. (والثانية) : أمر أن لا يثبت في الديوان إلا أولاد النصارى ويكونوا هم الأمراء والقواد.(2\/556)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "340",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15796",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "(والثالث) : أن يقيم الناس جمعة الفصح فالجمعة التي بعدها لا يعملون فيها عملا ولا يكون فيها حرب. وتقدم قسطنطين إلى أسقف بيت المقدس أن يطلب موضع المقبرة والصليب ويبني الكنائس ويبدأ ببناء بيت القبابة. فقالت هيلانة أمه: إني نذرت أن أسير إلى بيت المقدس وأطلب المواضع المقدسة وأبنيها فدفع إليها الملك أموالا جزيلة وسارت مع أسقف بيت المقدس فبنت كنيسة القيامة في موضع الصليب وكنيسة قسطنطين. ثم اجتمعوا بعد هذا مجمعا عظيما ببيت المقدس وكان معهم رجل دسه بترك القسطنطينية وجماعة معه ليسألوا بترك الإسكندرية وكان هذا الرجل لما رجع إلى الملك أظهر أنه مخالف لآريوس وكان يرى رأيه ويقول بمقالته فقام الرجل وقال: إن آريوس لم يقل إن المسيح خلق الأشياء ولكن به خلقت الأشياء لأنه كلمة الله التي بها خلقت السماوات والأرض وإنما خلق الله الأشياء بكلمته ولم يخلق الأشياء(2\/557)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "341",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15797",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "كلمته كما قال المسيح في الإنجيل كل بيده كان كل من دونه لم يكن شيئا وقال: به كانت الحياة والحياة نور البشر وقال: العالم به يكون فأخبر أن الأشياء به تكونت. قال ابن البطريق: فهذه كانت مقالة آريوس ولكن الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفا تعدوا عليه وحرموه ظلما وعدوانا. فرد عليه بترك الإسكندرية وقال: أما آريوس فلم يكذب عليه الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفا ولا ظلموه لأنه إنما قال: الابن خالق الأشياء دون الأب وإذا كانت الأشياء إنما خلقت بالابن دون أن يكون الأب لها خالقا فقد أعطى أنه ما خلق منها شيئا وفي ذلك تكذيب قوله: الأب يخلق وأنا أخلق. وقال: إني أنا إن لم أعمل عمل أبي فلا تصدقوني. وقال: كما أن الأب يحيي من يشاء ويميته كذلك الابن يحيي من يشاء(2\/558)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "342",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15798",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ويميته. قالوا: فدل على أنه يحيي ويخلق وفي هذا تكذيب لمن زعم أنه ليس بخالق وإنما خلقت الأشياء به دون أن يكون خالقا. وأما قولك: إن الأشياء كونت به فإنه لما كنا لا نشك أن المسيح حي فعال وكان قد دل بقوله: إني أفعل الخلق والحياة كان قولك: به تكونت الأشياء إنما هو راجع في المعنى إلى أنه كونها وكانت به مكونة ولو لم يكن فتناقض القولان. قال: وأما قول من قال من أصحاب آريوس: إن الأب يريد الشيء فيكونه الابن والإرادة للأب والتكوين للابن. فإن ذلك يفسد أيضا إذا كان الابن عنده مخلوقا فقد صار حظ المخلوق في الخلق أوفى من حظ الخالق فيه وذلك أن هذا أراد وفعل. وذلك أراد ولم يفعل فهذا أوفر حظا في فعله من ذلك ولا بد لهذا أن يكون في فعله لما يريد ذلك بمنزلة كل فاعل من الخلق لما يريد الخالق منه ويكون حكمه كحكمه في الجبر والاختيار وإن كان مجبورا فلا شيء له في الفعل وإن كان مختارا فجائز أن يطاع وجائز أن يعصى وجائز أن يثاب وجائز أن يعاقب وهذا أشنع في القول. ورد عليه أيضا وقال: إن كان الخالق إنما خلق خلقه بمخلوق فالمخلوق غير الخالق بلا شك فقد زعمتم أن الخالق يفعل بغيره والفاعل بغيره محتاج إلى متمم ليفعل به إذ كان لا يتم له الفعل إلا به والمحتاج إلى غيره منقوص والخالق متعال عن هذه الكلمة.(2\/559)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "343",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15799",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال: فلما دحض بترك الإسكندرية حجج أولئك المخالفين وظهر لمن حضر بطلان قولهم وتحيروا وخجلوا فوثبوا على بترك الإسكندرية فضربوه حتى كاد يموت فخلصه من أيديهم ابن أخت قسطنطين وهرب بترك الإسكندرية وصار إلى بيت المقدس من غير حضور أحد من الأساقفة ثم أصلح دهن الميرون وقدس الكنائس ومسحها بدهن الميرون وسار إلى الملك وأعلمه بالخبر فصرفه إلى الإسكندرية. وقال ابن البطريق: وأمر الملك بأن لا يسكن يهودي ببيت المقدس ولا يجوز بها ومن لم يتنصر قتل فظهر دين النصرانية وتنصر من اليهود خلق كثير. فقيل للملك: إن اليهود يتنصرون من خوف القتل وهم على دينهم فقال: كيف لنا أن نعلم ذلك منهم فقال بولس البترك: إن الخنزير في التوراة حرام واليهود لا يأكلون لحم الخنزير فأمر أن تذبح الخنازير وتطبخ لحومها ويطعم منها اليهود فمن لم يأكل علم أنه مقيم على دين اليهودية. فقال الملك: إذا كان الخنزير حراما في التوراة فكيف يحل لنا أن نأكله ونطعمه الناس فقال له بولس: فإن سيدنا المسيح قد أبطل كل ما في التوراة وجاء بناموس وبتوراة جديدة وهو الإنجيل. وفي إنجيله: إن كل ما يدخل البطن فليس بحرام ولا نجس وإنما ينجس الإنسان ما يخرج من فيه. وقال بولس: إن بطرس رئيس الحواريين بينا هو يصلي في ست ساعات من النهار وقع عليه سبات فنظر إلى السماء قد تفتحت وإذا بإزار قد نزل من السماء حتى بلغ(2\/560)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "344",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15800",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الأرض وفيه: كل ذي أربع قوائم على الأرض من السباع والدواب وغير ذلك وسمع صوتا من السماء يقول له: يا بطرس قم فاذبح وكل فقال بطرس: يا رب ما أكلت شيئا نجسا قط ولا وسخا قط فجاء صوت ثان: كل ما طهره الله فليس بنجس وفي نسخة أخرى: ما طهره الله فلا تنجسه أنت ثم جاء الصوت بهذا ثلاث مرات. ثم إن الإزار ارتفع إلى السماء فتعجب بطرس وتحير فيما بينه وبين نفسه. فأمر الملك أن تذبح الخنازير وتطبخ لحومها وتقطع صغارا وتصير على أبواب الكنائس في كل مملكته يوم الأحد الفصح وكل من خرج من الكنيسة يلقم لقمة من لحم الخنزير فمن لم يأكل منه يقتل فقتل لأجل ذلك خلق كثير.  المجمع الآريوسي: ثم هلك قسطنطين وولي بعده أكبر أولاده واسمه قسطنطين وفي أيامه اجتمع أصحاب آريوس ومن قال بمقالته إليه فحسنوا له دينهم ومقالتهم وقالوا: إن الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفا الذين اجتمعوا بنيقية قد أخطئوا وحادوا عن الحق في قولهم: إن الابن متفق مع الأب في الجوهر فأمر أن لا يقال هذا فإنه خطأ فعزم الملك على فعله فكتب إليه أسقف بيت المقدس أن لا تقبل قول أصحاب آريوس فإنهم حائدون عن الحق وكفار وقد لعنهم الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفا ولعنوا كل من يقول بقولهم فقبل قوله.(2\/561)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "345",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15801",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "قال ابن بطريق: وفي ذلك الوقت غلبت مقالة آريوس على قسطنطينية وأنطاكية والإسكندرية. وفي ثاني سنة من ملك قسطنطين هذا صار على أنطاكية بترك آريوسي ثم بعده آخر مثله. قال: وأما أهل مصر والإسكندرية وكان أكثرهم آريوسيين ومنائيين فغلبوا على كنائس مصر فأخذوها ووثبوا على بترك الإسكندرية فهرب منهم واستخفى. ثم ذكر جماعة من البتاركة والأساقفة من طوائف النصارى وما جرى عليهم مع بعضهم بعضا وما تعصبت به كل طائفة لبتركها حتى قتل بعضهم بعضا واختلفت النصارى أشد الاختلاف وكثرت مقالاتهم واجتمعوا عدة مجامع كل مجمع يلعن فيه بعضهم بعضا. ونحن نذكر بعض مجامعهم بعد هذين المجمعين.  [المجمع الثالث مجمع القسطنطينية 381 م الزيادة على قانون الأمانة] وكان لهم مجمع ثالث بعد ثمان وخمسين سنة من المجمع الأول بنيقية فاجتمع الوزراء والقواد إلى الملك وقالوا: إن مقالة الناس قد فسدت وغلبت عليهم مقالة آريوس ومقدونيوس فاكتب إلى جميع الأساقفة والبتاركة أن يجتمعوا ويوضحوا دين(2\/562)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "346",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15802",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "[المجمع الرابع]",
        "content": "النصرانية. فكتب الملك إلى سائر البلاد فاجتمع في قسطنطينية مائة وخمسون أسقفا فنظروا وبحثوا في مقالة أريوس فوجدوها: أن روح القدس مخلوق ومصنوع وليس بإله فقال بترك الإسكندرية: ليس روح القدس عندنا غير روح الله وليس روح الله غير حياته وإذا قلنا: روح الله مخلوق فقد قلنا إن حياته مخلوقة وإذا قلنا: حياته مخلوقة فقد جعلناه غير حي وذلك كفر به. فلعنوا جميعهم من يقول بهذه المقالة ولعنوا جماعة من أساقفتهم وبتاركتهم كانوا يقولون بمقالات أخر لم يرتضوها وبينوا أن روح القدس خالق غير مخلوق إله حق من طبيعة الأب والابن جوهر واحد وطبيعة واحدة. وزادوا في الأمانة التي وضعتها الثلاثمائة والثمانية عشر: ونؤمن بروح القدس الرب المحيي الذي من الأب منبثق. الذي مع الأب والابن وهو مسجود له وممجد. وكان في تلك الأمانة: وبروح القدس فقط. وبينوا أن الأب والابن وروح القدس ثلاثة أقانيم وثلاثة وجوه وثلاث خواص وأنها واحدة في تثليث في وحدة وبينوا: أن جسد المسيح بنفس ناطقة عقلية. فانفض هذا الجمع وقد لعنوا فيه كثيرا من أساقفهم وأشياعهم.  [المجمع الرابع] ثم بعد إحدى وخمسين سنة من هذا المجمع كان لهم مجمع رابع على(2\/563)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "347",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15803",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نسطورس وكان رأيه: أن مريم ليست بوالدة الإله على الحقيقة ولذلك كان اثنان أحدهما الإله الذي هو موجود من الأب والآخر إنسان وهو الموجود من مريم. وأن هذا الإنسان الذي يقول إنه المسيح متوحد مع ابن الإله ويقال له إله وابن الإله ليس على الحقيقة ولكن موهبة واتفاق الاسمين على طريق الكرامة. فبلغ ذلك بتاركة سائر البلاد فجرت بينهم مراسلات واتفقوا على تخطيئه ثلاث مرات فأجمعوا على لعنه فلعنوه ونفوه وبينوا: أن مريم ولدت إلها وأن المسيح إله حق من إله حق وهو إنسان وله طبيعتان فلما لعنوا نسطورس غضب له بترك أنطاكيا فجمع الأساقفة الذين قدموا معه وناظرهم وقطعهم فتقاتلوا وتلاعنوا وجرى بينهم شر وتفاقم أمرهم فلم يزل الملك حتى أصلح بينهم فكتب أولئك صحيفة: إن مريم القديسة ولدت إلها وهو ربنا يسوع المسيح الذي هو مع الله في الطبيعة ومع الناس في الناسوت. وأقروا بطبيعتين وبوجه واحد وأقنوم واحد وأنفذوا لعن نسطورس.(2\/564)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "348",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15804",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلما لعن ونفي سار إلى مصر وأقام في أخميم سبع سنين ومات ودفن بها وماتت مقالته إلى أن أحياها ابن جرما مطران نصيبين وبثها في بلاد المشرق فأكثر نصارى المشرق والعراق نسطورية. وانفض ذلك المجمع الرابع أيضا وقد أطبقوا على لعن نسطورس وأشياعه ومن قال بمقالته.  [المجمع الخامس مجمع أفسيس الثاني 449 م ظهور مقالة اليعقوبية:] ثم كان لهم بعد هذا مجمع خامس وذلك أنه كان بالقسطنطينية طبيب راهب يقال له: أوطيسوس يقول: إن جسد المسيح ليس هو من أجسادنا بالطبيعة فإن المسيح قبل التجسد من طبيعتين وبعد التجسد طبيعة واحدة وهو أول من أحدث هذه المقالة وهي مقالة اليعقوبية فرحل إليه بعض الأساقفة فناظره وقطعه ودحض حجته. ثم صار إلى قسطنطينية فأخبر بتركها بالمناظرة وبانقطاعه فأرسل بترك قسطنطينية إليه فاستحضره وجمع جمعا عظيما وناظره فقال أوطيسوس: إن قلنا إن للمسيح طبيعتين فقد قلنا بقول نسطورس ولكنا نقول: إن المسيح طبيعة واحدة وأقنوم واحد لأنه(2\/565)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "349",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15805",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "من طبيعتين كانتا قبل التجسد زالت عنه وصار من طبيعة واحدة وأقنوم واحد. فقال له بترك القسطنطينية: إن كان المسيح طبيعة واحدة فالطبيعة الواحدة هي الطبيعة القديمة وهي الطبيعة المحدثة وإن كان القديم هو المحدث فالذي لم يزل هو الذي لم يكن ولو جاز أن يكون القديم هو المحدث لكان القائم هو القاعد والحار هو البارد فأبى أن يرجع عن مقالته فلعنوه فاستعدى إلى الملك وزعم أنهم ظلموه وسأله أن يكتب إلى جميع البتاركة للمناظرة فاستحضر الملك البتاركة والأساقفة من سائر البلاد إلى مدينة أفسس فثبت بترك الإسكندرية مقالة أوطيسوس وقطع بتاركة القسطنطينية وأنطاكية وبيت المقدس وسائر البتاركة والأساقفة وكتب إلى بترك رومية وإلى جماعة الكهنة فحرمهم ومنعهم من القربان إن لم يقبلوا مقالة أوطيسوس وفسدت الأمانة وصارت المقالة مقالة أوطيسوس وخاصة بمصر والإسكندرية وهو مذهب اليعقوبية. فافترق هذا المجمع الخاص وكل فريق يلعن الآخر ويحرمه ويتبرأ من مقالته.  [المجمع السادس مجمع خلقدون 451 م] فصل: ثم كان لهم بعد هذا مجمع سادس في مدينة خلقدون فإنه لما مات الملك ولي بعده مرقيون فاجتمع إليه الأساقفة من سائر البلاد فأعلموه ما كان من ظلم ذلك المجمع وقلة الإنصاف وأن مقالة أوطيسوس قد غلبت على الناس وأفسدت دين النصرانية فأمر الملك باستحضار سائر البتاركة والمطارنة والأساقفة إلى مدينة خلقدون اجتمع فيها ستمائة وثلاثون أسقفا فنظروا في مقالة أوطيسوس وبترك الإسكندرية(2\/566)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "350",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15806",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الذي قطع جميع البتاركة فأفسد الجميع مقالتهما ولعنوهما وأثبتوا أن يسوع المسيح إله وإنسان وفي المكان مع الله باللاهوت وفي المكان معنا بالناسوت يعرف بطبيعتين تام باللاهوت وتام بالناسوت مسيح واحد وثبتوا قول الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا وقبلوا قولهم: بأن الابن مع الله في المكان نور من نور إله حق من إله حق معروف بالطبيعتين تام باللاهوت وتام بالناسوت ولعنوا آريوس وقالوا: إن روح القدس إله وإن الأب والابن وروح القدس واحد بطبيعة واحدة وأقانيم ثلاثة وثبتوا قول المجمع الثالث في مدينة أفسس أعني المائتي أسقف على نسطورس وقالوا: إن مريم العذراء ولدت إلها ربنا يسوع المسيح الذي هو مع الله بالطبيعة ومع الناسوت بالطبيعة. وشهدوا أن للمسيح طبيعتين وأقنوما واحدا ولعنوا نسطورس وبترك الإسكندرية ولعنوا المجمع الثاني الذي كان أفسس ثم ثبتوا المجمع الثالث المائتي أسقف بمدينة أفسس أول مرة ولعنوا نسطورس وبين(2\/567)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "351",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15807",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "نسطورس إلى مجمع خلقدون إحدى وعشرون سنة فانفض هذا المجمع وقد لعنوا من مقدمتهم وأساقفتهم من ذكرنا وكفروهم وتبرءوا منهم ومن مقالاتهم.  [المجمع السابع في أيام إنسطاس الملك ظهور مقالة الملكية وترك مقالة اليعاقبة:] فصل: ثم كان لهم بعد هذا المجمع مجمع سابع في أيام انسطاس الملك وذلك أن سورس القسطنطيني كان على رأي أوطيسوس فجاء إلى الملك فقال: إن المجمع الخلقدوني الستمائة والثلاثين قد أخطئوا في لعن أوطيسوس وبترك الإسكندرية والدين الصحيح ما قالاه فلا يقبل دين من سواهما ولكن اكتب إلى جميع عمالك أن يلعنوا الستمائة والثلاثين ويأخذوا الناس بطبيعة واحدة ومشيئة واحدة وأقنوم واحد فأجابه الملك إلى ذلك فلما بلغ ذلك إيليا بترك بيت المقدس جمع الرهبان ولعنوا انسطاس الملك وسورس ومن يقول بقولهما فبلغ ذلك انسطاس فنفاه إلى أيلة وبعث يوحنا بتركا على بيت المقدس لأن يوحنا كان قد ضمن له أن يلعن المجمع الخلقدوني في الستمائة وثلاثين فلما قدم إلى بيت المقدس اجتمع الرهبان وقالوا: إياك أن تقبل من سورس ولكن قاتل عن المجمع الخلقدوني ونحن معك فضمن لهم ذلك وخالف أمر الملك فبلغ ذلك الملك فأرسل قائدا وأمره أن يأخذ يوحنا بطرح للجمع الخلقدوني فإن لم يفعل بنفيه عن الكرسي فقدم القائد وطرح يوحنا بالحبس فصار إليه الرهبان في الحبس وأشاروا عليه بأن يضمن للقائد أن يفعل(2\/568)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "352",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15808",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذلك فإذا حضر فليقر بلعنة من لعنه الرهبان ففعل ذلك واجتمع الرهبان وكانوا عشرة آلاف راهب ومنهم يدرس وسابا ورؤساء الديارات فلعنوا أوطيسوس وسورس ونسطورس ومن لا يقبل المجمع الخلقدوني. وفزع رسول الملك من الرهبان وبلغ ذلك الملك فهم بنفي يوحنا فاجتمع الرهبان والأساقفة فكتبوا إلى انسطاس الملك أنهم لا يقبلون مقالة سورس ولا أحدا من المخالفين ولو أهريقت دماؤهم وسألوه أن يكف أذاه عنهم. وكتب بترك رومية إلى الملك بقبح فعله وبلعنه فانفض هذا المجمع أيضا وقد تلاعن فيه هذه الجموع على ما وصفناه. وكان لسورس تلميذ يقال له يعقوب ويقول مقالة سورس وكان يسمى: يعقوب البرادعي وإليه تنسب اليعاقبة فأفسد أمانة النصارى. ثم مات انسطاس وولي قسطنطين فرد كل من نفاه انسطاس الملك إلى موضعه واجتمع الرهبان وأظهروا كتاب الملك وعيدوا عيدا حسنا بزعمهم وأثبتوا المجمع الخلقدوني بالستمائة والثلاثين أسقفا. ثم ولي آخر وكانت اليعقوبية قد غلبوا على الإسكندرية وقتلوا بتركا لهم يقال له: بولس كان ملكيا فأرسل قائدا ومعه عسكر عظيم إلى الإسكندرية فدخل الكنيسة في ثياب البتركة وتقدم وقدس فرموه بالحجارة حتى كادوا يقتلونه فانصرف ثم أظهر لهم من بعد بثلاثة أيام أنه قد أتاه كتاب الملك وضرب الحرس ليجتمع الناس يوم الأحد في الكنيسة فلم يبق أحد في الإسكندرية إلا حضر لاستماع كتاب الملك وقد جعل بينه وبين جنده علامة إذا هو فعلها أوضعوا(2\/569)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "353",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15809",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "السيوف في الناس فصعد المنبر وقال: يا معشر أهل الإسكندرية! إن رجعتم إلى الحق وتركتم مقالة اليعاقبة وإلا لن تأمنوا أن يرسل الملك إليكم من يسفك دماءكم فرموه بالحجارة حتى خاف على نفسه أن يقتل فأظهر العلامة فوضعوا السيف على كل من في الكنيسة فقتلوا داخلها وخارجها أمما لا يحصون كثرة حتى خاض الجند في الدماء وهرب منهم خلق كثير وظهرت مقالة الملكية.  [المجمع الثامن مجمع القسطنطينية تثبيت المجامع الأربعة التي حصلت بعد المجمع الخلقدوني:] فصل: ثم كان لهم بعد ذلك مجمع ثامن بعد المجمع الخلقدوني الذي لعن فيه اليعقوبية بمائة سنة وثلاث سنين وذلك أن أسقف منبج - وهي بلدة شرقي حلب بالقرب منها وهي مخسوفة الآن - كان يقول بالتناسخ وأن ليس قيامة وكان أسقف الرها وأسقف المصيصة وأسقف آخر يقولون: إن جسد المسيح خيال غير حقيقة فحشرهم الملك إلى قسطنطينية فقال لهم بتركها: إن كان جسده خيالا فيجب أن يكون فعله خيالا وقوله خيالا وكل جسد نعاينه لأحد من الناس أو فعل أو قول فهو كذلك. وقال لأسقف منبج: إن المسيح قد قام من الموت وأعلمنا أنه كذلك تقوم الناس من الموت يوم الدينونة وقال في إنجيله: لن تأتي الساعة حتى أن كل من في القبور إذا سمعوا قول ابن الله يجيبوا.(2\/570)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "354",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15810",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "[المجمع التاسع في أيام معاوية بن أبي سفيان]",
        "content": "فكيف تقولون ليس قيامة فأوجب عليهم الخزي واللعن وأمر الملك أن يكون لهم مجمع يلعنون فيه واستحضر بتاركة البلاد فاجتمع في هذا العام مائة وأربعة وستون أسقفا فلعنوا أسقف منبج وأسقف المصيصة وثبتوا على أسقف الرها أن جسد المسيح حقيقة لا خيالا وأنه إله تام وإنسان تام معروف بطبيعتين ومشيئتين وفعلين أقنوم واحد وثبتوا المجامع الأربعة التي قبلهم وبعد المجمع الخلقدوني وأن الدنيا زائلة وأن القيامة كائنة وأن المسيح يأتي بمجد عظيم فيدين الأحياء والأموات كما كان الثلاثمائة وثمانية عشر.  [المجمع التاسع في أيام معاوية بن أبي سفيان] ثم كان لهم مجمع تاسع في أيام معاوية بن أبي سفيان تلاعنوا فيه وذلك أنه كان برومية راهب قديس يقال له مقلمس وله تلميذان فجاء إلى قسطا الوالي فوبخه على قبح مذهبه وشناعة كفره فأمر به قسطا فقطعت يداه ورجلاه ونزع لسانه وفعل بأحد التلميذين مثله وضرب الآخر بالسياط ونفاه فبلغ ذلك ملك قسطنطينية فأرسل إليه أن يوجه إليه من أفاضل الأساقفة ليعلم وجه هذه الحجة ومن الذي كان في ابتدائها لكي ما يطرح جميع الآباء القديسين كل من استحق اللعنة فبعث إليه مائة وأربعين أسقفا وثلاث شمامسة فلما وصلوا إلى قسطنطينية جمع الملك مائة وثمانية وستين أسقفا فصاروا ثلاثمائة وثمانية وأسقطوا الشمامسة في البرطحة. وكان رئيس هذا المجمع بترك قسطنطينية وبترك أنطاكية ولم يكن ببيت المقدس(2\/571)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "355",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15811",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإسكندرية بترك فلعنوا من تقدم من القديسين الذي خالفوهم وسموهم واحدا واحدا وهم جماعة ولعنوا أصحاب المشيئة الواحدة. ولما لعنوا هؤلاء جلسوا فلخصوا الأمانة بزعمهم فقالوا: نؤمن بالثالوث الابن الوحيد الذي هو الكلمة الأزلية الدائم المستوي مع الأب الإله في الجوهر الذي هو ربنا يسوع المسيح بطبيعتين تامتين وفعلين ومشيئتين في أقنوم واحد ووجه واحد يعرف تاما بلاهوته تاما بناسوته وشهد كما شهد مجمع الخلقدونية على ما سبق أن الإله الابن في آخر الأيام اتخذ من العذراء السيدة مريم القديسة جسدا إنسانا بنفسين وذلك برحمة الله تعالى محب البشر ولم يلحقه اختلاط ولا فساد ولا فرقة ولا فصل ولكن هو واحد يعمل بما يشبه الإنسان أن يعمله في طبيعته وما يشبه الإله أن يعمل في طبيعته الذي هو الابن الوحيد والكلمة الأزلية المتجسدة إلى أن صارت في الحقيقة لحما كما يقول الإنجيل المقدس من غير أن تنتقل عن محلها الأزلي وليست بمتغيرة لكنها بفعلين ومشيئتين وطبيعتين: إلهي وإنسي الذي بهما يكون القول الحق وكل واحدة من الطبيعتين تعمل مع شركة صاحبتها مشيئتين غير متضادتين ولا متضارعتين ولكن مع المشيئة الإنسية الإلهية القادرة على كل شيء. هذه شهادتهم وأمانة المجمع السادس من المجمع الخلقدوني وثبتوا ما ثبته(2\/572)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "356",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15812",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "المجمع العاشر لما مات الملك وولي بعده ابنه واجتمع فريق المجمع السادس",
        "content": "الخمس مجامع التي كانت قبلهم ولعنوا من لعنوه وبين المجمع الخامس إلى هذا المجمع مائة سنة.  [المجمع العاشر لما مات الملك وولي بعده ابنه واجتمع فريق المجمع السادس] ثم كان لهم مجمع عاشر لما مات الملك وولي بعده ابنه واجتمع فريق المجمع السادس وزعموا أن اجتماعهم كان على الباطل فجمع الملك مائة وثلاثين أسقفا فثبتوا قول المجمع السادس ولعنوا من لعنهم وخالفهم وثبتوا قول المجامع الخمسة ولعنوا من لعنهم وانصرفوا فانقرضت هذه المجامع والحشود وهم علماء النصارى وقدماؤهم وناقلوا الدين إلى المستأخرين وإليهم يستند من بعدهم. وقد اشتملت هذه المجامع العشرة المشهورة على زهاء أربعة عشر ألفا من الأساقفة والبتاركة والرهبان كلهم يكفر بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا. فدينهم إنما قام على اللعنة بشهادة بعضهم على بعض وكل منهم لاعن ملعون فإذا كانت هذه حالة المتقدمين مع قرب زمنهم من أيام المسيح وبقاء أحبارهم فيهم والدولة دولتهم والكلمة كلمتهم وعلماؤهم إذ ذاك أوفر ما كانوا واحتفالهم بأمر دينهم واهتمامهم به كما نرى ثم هم مع ذلك تائهون حائرون بين لاعن وملعون لا يثبت لهم قدم ولا يتحصل لهم قول في معرفة معبودهم بل كل منهم قد اتخذ إلهه هواه وباح باللعن والبراءة ممن اتبع سواه فما الظن بحالة الماضين ونفاية الغابرين وزبالة(2\/573)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "357",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15813",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحائرين وذرية الضالين وقد طال عليهم الأمد وبعد العهد وصار دينهم ما يبلغونه عن الرهبان قوم إذا كشفت عنهم وجدتهم أشبه شيء بالأنعام وإن كانوا في صور الأنام بل هم كما قال تعالى - ومن أصدق من الله قيلا - إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا. وهؤلاء الذين عناهم الله بقوله: قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل. ومن أمة الضلال بشهادة الله ورسوله عليهم وأمة اللعن بشهادتهم على نفوسهم يلعن بعضهم بعضا وقد لعنهم الله سبحانه وتعالى على لسان رسوله في قوله صلى الله عليه وسلم: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوه هذا والكتاب واحد والرب واحد والنبي واحد والدعوة واحدة كلهم يتمسك بالمسيح وإنجيله وتلاميذه ثم يختلفون فيه هذا الاختلاف المتباين: فمنهم من يقول: إنه الله ومنهم من يقول: ابن الله ومنهم من يقول: ثالث ثلاثة ومنهم من يقول: إنه عبد ومنهم من يقول: إنه أقنوم وطبيعة ومنهم من يقول: أقنومان وطبيعتان إلى غير ذلك من المقالات التي حكوها عن أسلافهم وكل منهم يكفر صاحبه.(2\/574)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "358",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15814",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فلو أن قوما لم يعرفوا لهم إلها ثم عرض عليهم دين النصرانية هكذا لتوقفوا عنه وامتنعوا من قبوله. فوازن بين هذا وبين ما جاء به خاتم الرسل والأنبياء تعلم علما يضارع المحسوسات أو يزيد عليها: أن الدين عند الله الإسلام.(2\/575)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "359",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15815",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "فصل: في أنه لا يمكن الإيمان بنبي أصلا مع جحود نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن من جحد نبوته فهو لنبوة غيره من الأنبياء أشد جحدا وهذا يتبين من وجوه: أحدها: أن الأنبياء المتقدمين بشروا بنبوته وأمروا أممهم بالإيمان به كما تقدم ومن جحد نبوته فقد كذب الأنبياء قبله فيما أخبروا به وخالفهم فيما أوصوا به من الإيمان به فالتصديق به لازم من لوازم التصديق بهم وإذا انتفى اللازم انتفى ملزومه قطعا وبيان الملازمة ما تقدم من الوجوه الكثيرة التي تفيد بمجموعها القطع على أنه صلى الله عليه وسلم قد ذكر في الكتب الإلهية على ألسن الأنبياء وإذا ثبتت الملازمة فانتفاء اللازم موجب لانتفاء ملزومه. (الوجه الثاني) : أن دعوة محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه هي دعوة جميع المرسلين قبله من أولهم إلى آخرهم. فالمكذب بدعوته مكذب بدعوة إخوانه كلهم فإن جميع الرسل جاءوا بما جاء به فإذا كذبه المكذب فقد زعم أن ما جاء به باطلا وفي ذلك تكذيب كل رسول أرسله الله وكل كتاب أنزله ولا يمكن أن يعتقد أن ما جاء به صدق وأنه كاذب مفتر على الله وهذا في غاية الوضوح وهذا بمنزلة شهود شهدوا بالحق فصدقهم(2\/577)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "360",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15816",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الخصم وقال: هؤلاء كلهم شهود عدول صادقون ثم شهد آخر على شهادتهم سواء فقال الخصم: هذه الشهادة باطلة وكذب لا أصل لها فذلك تكذيب بشهادة جميع الشهود قطعا ولا ينجيه من تكذيبهم اعترافه بصحة شهادتهم وأنها شهادة حق وأن الشاهد بها كاذب فيما شهد به. وكما أنه لو لم يظهر محمد صلى الله عليه وسلم لبطلت نبوات الأنبياء قبله فكذلك إن لم يصدق لم يكن تصديق نبي من الأنبياء قبله. (الوجه الثالث) : أن الآيات والبراهين التي دلت على صحة نبوته وصدقه أضعاف أضعاف آيات من قبله من الرسل فليس لنبي من الأنبياء آية توجب الإيمان به إلا ولمحمد صلى الله عليه وسلم مثلها أو ما هو في الدلالة مثلها وإن لم يكن من جنسها. فآيات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم وأكبر وأبهر وأدل والعلم بنقلها قطعي لقرب العهد وكثرة النقلة واختلاف أمصارهم وأعصارهم واستحالة تواطئهم على الكذب فالعلم بآيات نبوته كالعلم بنفس وجوده وظهوره وبلده بحيث لا تمكن المكابرة في ذلك والمكابر فيه في غاية الوقاحة والبهت كالمكابرة في وجود ما شاهد الناس ولم يشاهده هو من البلاد والأقاليم والجبال والأنهار. فإن جاز القدح في ذلك كله ففي وجود موسى وعيسى وآيات نبوتهما أجوز وأجوز وإن امتنع القدح فيهما وفي آيات نبوتهما فامتناعه في محمد صلى الله عليه وسلم وآيات نبوته أشد. ولذلك لما علم بعض علماء أهل الكتاب أن الإيمان بموسى لا يتم مع التكذيب بمحمد أبدا كفر بالجميع وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء كما قال(2\/578)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "361",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15817",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "تعالى: وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون. قال سعيد بن جبير: جاء رجل من اليهود ويقال له: مالك بن الصيف يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين وكان حبرا سمينا فغضب عدو الله وقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء فقال له أصحابه الذين معه: ويحك ولا موسى فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء فأنزل الله تعالى: وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الآيات وهذا قول عكرمة. قال محمد بن كعب: جاء ناس من يهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محتب فقالوا:(2\/579)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "362",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15818",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "يا أبا القاسم ألا تأتينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى ألواحا يحملها من عند الله عز وجل فأنزل الله عز وجل: يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة الآية. فجثى رجل من اليهود على ركبتيه فقال: ما أنزل الله على بشر من شيء وفي لفظ: ما أنزل الله عليك ولا على موسى ولا على عيسى ولا على أحد شيئا ما أنزل الله على بشر من شيء فحل رسول الله صلى الله عليه وسلم حبوته وجعل يقول: ولا على أحد. وذهب جماعة منهم مجاهد إلى أن الآية نزلت في مشركي قريش فهم الذين جحدوا أصل الرسالة وكذبوا بالرسل وأما أهل الكتاب فلم يجحدوا نبوة موسى وعيسى وهذا اختيار ابن جرير قال: وهو أولى الأقاويل بالصواب لأن ذلك في سياق الخبر عنهم فهو أشبه من أن يكون خبرا عن اليهود ولم يجر لهم ذكر يكون هذا به متصلا مع ما في الخبر عمن أخبر الله عنه من هذه الآية من إنكاره أن يكون الله أنزل على بشر شيئا من الكتب وليس ذلك ما يدين به اليهود بل المعروف من دين اليهود الإقرار بصحف إبراهيم وموسى وزبور داود والخبر من أول السورة إلى هذا الموضع خبر عن المشركين من عبدة الأوثان وقوله تعالى: وما قدروا الله حق قدره موصول به غير مفصول عنه. قلت: ويقوي قوله إن السورة مكية فهي خبر عن زنادقة العرب المنكرين لأصل النبوة ولكن بقي أن يقال: فكيف يحسن الرد عليهم بما لا يقرون به من إنزال الكتاب الذي جاء به موسى وكيف يقال لهم (يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا) ولا سيما على قراءة من قرأ بتاء الخطاب(2\/580)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "363",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15819",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وهل ذلك صالح لغير اليهود فإنهم كانوا يخفون من الكتاب ما لا يوافق أهواءهم وأغراضهم ويبدون منه ما سواه كما فعل ابن صوريا عند إحضار التوراة في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم للاستشهاد بنص التوراة في حكم الرجم ووضع يده عليها وقرأ ما قبلها وما بعدها وإظهار ابن سلام زيفه. ولما كانوا كذلك احتج عليهم بما يقرون به من كتاب موسى ثم وبخهم بأنهم خانوا الله ورسوله فأخفوا بعضه وأظهروا بعضه. وهذا استطراد من ذكر جحدهم النبوة بالكلية وذلك إخفاء لها وكتمان إلى جحد ما أقروا به كتابهم بإخفائه وكتمانه فتلك سجية لهم معروفة لا تنكر إذ من أخفى بعض كتابه الذي يقر بأنه من عند الله كيف لا يجحد أصل النبوة ثم احتج عليهم بأنهم قد علموا بالوحي ما لم يكونوا يعلمونه هم ولا آباؤهم ولولا الوحي الذي أنزله الله على أنبيائه ورسله لم يصلوا إليه ثم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب عن هذا السؤال وهو قوله: من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى فقال: قل الله أي الله الذي أنزله أي إن كفروا به وجحدوه فصدق به أنت وأقر به وذرهم في خوضهم يلعبون. وجواب هذا السؤال أن يقال - والله أعلم -: إن الله سبحانه وتعالى احتج عليهم بما يقر به الكتابيون وهم أولو العلم دون الأمم التي لا كتاب لها أي إن جحدتم أصل النبوة وأن يكون الله أنزل على بشر شيئا فهذا كتاب موسى يقر به أهل الكتاب وهم أعلم منكم فاسألوهم عنه.(2\/581)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "364",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15820",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ونظائر هذا في القرآن كثيرة ليستشهد سبحانه بأهل الكتاب على منكري النبوات والتوحيد والمعنى أنكم إن أنكرتم أن يكون الله أنزل على بشر شيئا فمن أنزل كتاب موسى فإن لم تعلموا ذلك فاسألوا أهل الكتاب. وأما قوله تعالى: (يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا) فمن قرأها بالياء فهو إخبار عن اليهود بلفظ الغيبة ومن قرأها بالتاء للخطاب فهو خطاب لهذا الجنس الذين فعلوا ذلك أن تجعلونه يا من أنزل عليه كذلك وهذا من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم أن يخبر أهل الكتاب بما اعتمدوه في كتابهم وأنهم جعلوه قراطيس وأبدوا بعضه وأخفوا كثيرا منه وهذا لا يعلم من غير جهتهم إلا بوحي من الله تعالى. ولا يلزم أن يكون قوله: (يجعلونه قراطيس) خطابا لمن حكى عنهم أنهم قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء بل هذا استطراد من الشيء إلى نظيره وشبهه ولازمه. وله نظائر في القرآن كثيرة كقوله تعالى: ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة إلى آخر الآية. فاستطرد من الشخص المخلوق من الطين وهو آدم عليه السلام إلى النوع المخلوق من النطفة وهم أولاده وأوقع الضمير على الجميع بلفظ واحد ومثله قوله تعالى: هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون إلى آخر(2\/582)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "365",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15821",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الآيات ويشبه هذا قوله: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون والذي خلق الأزواج كلها إلى آخر الآيات. وعلى التقدير فهؤلاء لم يتم لهم إنكار نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ومكابرتهم إلا بهذا الجحد والتكذيب العام ورأوا أنهم إن أقروا ببعض النبوات وجحدوا نبوته ظهر تناقضهم وتفريقهم بين المتماثلين وأنهم لا يمكنهم الإيمان بنبي وجحد نبوة من نبوته أظهر وآياتها أكبر وأعظم ممن أقروا به. وأخبر سبحانه أن من جحد أن يكون قد أرسل رسله وأنزل كتبه لم يقدره حق قدره وأنه نسبه إلى ما لا يليق به بل يتعالى ويتنزه عنه فإن في ذلك إنكارا لربوبيته وإلهيته وملكه وحكمه ورحمته والظن السيء به أنه خلق خلقه عبثا باطلا وأنه خلاهم سدى مهملا وهذا ينافي كماله المقدس وهو متعال عن كل ما ينافي كماله فمن أنكر كلامه وتكليمه وإرساله الرسل إلى خلقه فما قدره حق قدره ولا عرفه حق معرفته ولا عظمه حق عظمته كما أن من عبد معه إلها غيره لم يقدره حق قدره معطل جاحد لصفات كماله ونعوت جلاله وإرسال رسله وإنزاله كتبه ولا عظمه حق عظمته. ولذلك كان جحد نبوة خاتم الأنبياء والرسل وتكذيبه إنكارا للرب تعالى في(2\/583)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "366",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15822",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الحقيقة وجحودا له فلا يمكن الإقرار بربوبيته وإلهيته وملكه بل ولا بوجوده مع تكذيب محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وقد أشرنا إلى ذلك في المناظرة التي تقدمت فلا يجامع الكفر برسول الله صلى الله عليه وسلم الإقرار بالرب تعالى وصفاته أصلا كما لا يجامع الكفر بالمعاد واليوم الآخر الإقرار بوجود الصانع أصلا وقد ذكر سبحانه وتعالى ذلك في موضعين في كتابه في سورة الرعد في قوله تعالى: وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم. والثاني في سورة الكهف في قوله تعالى: ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب. فالرسول صلوات الله وسلامه عليه إنما جاء بتعريف الرب تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله والتعريف بحقوقه على عباده فمن أنكر رسالته فقد أنكر الرب الذي دعا إليه وحقوقه التي أمر بها بل نقول: لا يمكن الاعتراف بالحقائق على ما هي عليه مع تكذيب رسوله صلى الله عليه وسلم. وهذا ظاهر جدا لمن تأمل مقالات أهل الأرض وأديانهم فإن الفلاسفة لم يمكنهم(2\/584)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "367",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15823",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "الاعتراف بالملائكة والجن والمبدأ والمعاد وتفاصيلهما وتفاصيل صفات الرب تعالى وأفعاله مع إنكار النبوات بل والحقائق المشاهدة التي لا يمكن إنكارها لم يثبتوها على ما هي عليه ولا أثبتوا حقيقة واحدة على ما هي عليه ألبتة وهذا ثمرة إنكارهم النبوات. فسلبهم الله إدراك الحقائق التي زعموا أن عقولهم كافية في إدراكها فلم يدركوا منها شيئا على ما هو عليه حتى ولا الماء ولا الهواء ولا الشمس ولا غيرها فمن تأمل مذاهبهم فيها علم أنهم لم يدركوها وإن عرفوا من ذلك بعض ما خفي على غيرهم. وأما المجوس فأضل وأضل وأما عباد الأصنام فلا عرفوا الخالق ولا عرفوا حقيقة المخلوقات ولا ميزوا بين الشياطين والملائكة وبين الأرواح الطيبة والخبيثة وبين أحسن الحسن وأقبح القبيح ولا عرفوا كمال النفس وما تسعد به ونقصها وما تشقى به. وأما النصارى فقد عرفت ما الذي أدركوه من معبودهم وما وصفوه به وما الذي قالوه في نبيهم وكيف لم يدركوا حقيقته ألبتة ووصفوا الله بما هو من أعظم العيوب والنقائص ووصفوا عبده ورسوله بما ليس له بوجه من الوجوه ولا عرفوا الله ولا رسوله والمعاد الذي أقروا به لم يدركوا حقيقته ولم يؤمنوا بما جاءت به الرسل من حقيقة إذ لا أكل عندهم في الجنة ولا شرب ولا زوجة هناك ولا حور عين يلذ بهن الرجال كلذاتهم في الدنيا ولا عرفوا حقيقة أنفسهم وما تسعد به وتشقى ومن لم يعرف ذلك فهو أجدر أن لا يعرف حقيقة شيء كما ينبغي ألبتة. فلا لأنفسهم عرفوا ولا لفاطرها وباريها ولا لمن جعله الله سببا في فلاحها وسعادتها ولا للموجودات وأنها جميعها فقيرة مربوبة مصنوعة ناطقها آدميها وجنها(2\/585)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "368",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15824",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وملكها وكل من في السماوات والأرض عبده وملكه وهو مخلوق مصنوع مربوب فقير من كل وجه ومن لم يعرف هذا لم يعرف شيئا. وأما اليهود - لعنهم الله - فقد حكى الله لك عن جهل أسلافهم وعبادتهم للعجل وضلالهم ما يدل على ما وراءه من ظلمات الجهل التي بعضها فوق بعض ويكفي في ذلك عبادتهم العجل الذي صنعته أيديهم من ذهب ومن غباوتهم وبلادتهم أن جعلوه على صورة أبله الحيوان وأقله فطانة الذي يضرب المثل به في قلة الفهم فانظر إلى هذه الجهالة والغباوة المجاوزة للحد كيف عبدوا مع الله إلها آخر وقد شاهدوا من أدلة التوحيد وعظمة الرب وجلاله ما لم يشاهده سواهم! وإذ قد عزموا على اتخاذ إله دون الله فاتخذوه ونبيهم حي بين أظهرهم لم ينتظروا موته! وإذ قد فعلوا فلم يتخذوه من الملائكة المقربين ولا من الأحياء الناطقين بل اتخذوه من الجمادات! وإذ قد فعلوا فلم يجعلوه من الجواهر العلوية كالشمس والقمر والنجوم بل هو من الجواهر الأرضية! وإذ قد فعلوا لم يتخذوه من الجواهر التي خلقت فوق الأرض عالية عليها كالجبال ونحوها بل من جواهر لا تكون إلا تحت الأرض والصخور والأحجار عالية عليها! وإذ قد فعلوا فلم يتخذوه من جوهر يستغني عن الصنعة وإدخال النار وتقليبه وجوها مختلفة وضربه بالحديد وسبكه بل من جوهر يحتاج إلى نيل الأيدي له بضروب مختلفة وإدخاله النار(2\/586)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "369",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15825",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "وإحراقه واستخراج خبثه وإذ قد فعلوا فلم يصوغوه على تمثال ملك كريم ولا نبي مرسل ولا على تمثال جوهر علوي لا تناله الأيدي بل على تمثال حيوان أرضي وإذ قد فعلوا لم يصوغوه على مثال أشرف الحيوانات وأقواها وأشدها امتناعا من الضيم كالأسد والفيل ونحوهما بل صاغوه على تمثال أبلد الحيوانات وأقبله للضيم والذل بحيث تحرث عليه الأرض ويسقى عليه بالسواقي والدواليب ولا له قوة يمتنع بها من كبير ولا صغير فأي معرفة لهؤلاء بمعبودهم ونبيهم وبحقائق الموجودات وحقيق بمن سأل نبيه أن يجعل له إلها فيعبد الأصنام إلها مجعولا بعد ما شاهد تلك الآيات الباهرات أن لا يعرف حقيقة الإله ولا أسماءه وصفاته ونعوته ودينه ولا يعرف حقيقة المخلوق وحاجته وفقره ولو عرف هؤلاء معبودهم ورسوله لما قالوا لنبيهم: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ولا قالوا له: فاذهب أنت وربك فقاتلا. ولا قتلوا نفسا وطرحوا المقتول على أبواب البراء من قتله ونبيهم حي بين أظهرهم وخبر السماء والوحي يأتيه صباحا ومساء فكأنهم جوزوا أن يخفى هذا على الله كما يخفى على الناس!(2\/587)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "370",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15826",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ولو عرفوا معبودهم لما قالوا في بعض مخاطباتهم له: يا أبانا انتبه من رقدتك لا تنم. ولو عرفوه لما سارعوا إلى محاربة أنبيائه وقتلهم وحبسهم ونفيهم ولما تحايلوا على تحليل محارمه وإسقاط فرائضه بأنواع الحيل. ولقد شهدت التوراة بعدم فطانتهم وأنهم من الأغبياء. ولو عرفوه لما حجروا عليه بعقولهم الفاسدة أن يأمر بالشيء في وقت لمصلحة ثم يزيل الأمر به في وقت آخر لحصول المصلحة ويبدل بما هو خير منه وينهى عنه ثم يبيحه في وقت آخر لاختلاف الأوقات والأحوال في المصالح والمفاسد كما هو شاهد في أحكامه القدرية الكونية التي لا يتم نظام العالم ولا مصلحته إلا بتبدلها واختلافها بحسب الأحوال والأوقات والأماكن فلو اعتمد طبيب أن لا يغير الأدوية والأغذية بحسب اختلاف الأزمان والأماكن والأحوال لأهلك الحرث والنسل وعد من الجهال فكيف يحجر على طبيب القلوب والأديان أن تتبدل أحكامه بحسب اختلاف المصالح وهل ذلك إلا قدح في حكمته ورحمته وقدرته وملكه التام وتدبيره بخلقه ومن جهلهم بمعبودهم ورسوله وأمره أنهم أمروا أن يدخلوا باب المدينة التي فتح الله عليهم سجدا ويقولوا حطة فيدخلوا متواضعين لله سائلين منه أن يحط عنهم خطاياهم فدخلوا يزحفون على أستائهم بدل السجود لله ويقولون: حنطا سقما أي حنطة سمراء فذلك سجودهم وخضوعهم وهذا استغفارهم واستقالتهم من(2\/588)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "371",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15827",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ذنوبهم ومن جهلهم وغباوتهم أن الله سبحانه وتعالى أراهم من الآيات آيات قدرته وعظيم سلطانه وصدق رسوله ما لا مزيد عليه ثم أنزل عليهم بعد ذلك كتابه وعهد إليهم فيه عهده وأمرهم أن يأخذوه بقوة فيعبدونه بما فيه كما خلصهم من عبودية فرعون والقبط فأبوا أن يقبلوا ذلك وامتنعوا منه فنتق الجبل العظيم فوق رءوسهم على قدرهم وقيل لهم: إن لم تقبلوا طبقته عليكم فقبلوه من تحت الجبل. قال ابن عباس رضي الله عنهما: رفع الله الجبل فوق رءوسهم وبعث نارا من قبل وجوههم وأتاهم البحر من تحتهم ونودوا إن لم تقبلوا أرضختكم بهذا وأحرقتكم بهذا وأغرقتكم بهذا فقبلوا وقالوا: سمعنا وأطعنا ولولا الجبل ما أطعناك ولما آمنوا بعد ذلك قالوا: سمعنا وعصينا. ومن جهلهم أنهم شاهدوا الآيات ورأوا العجائب التي يؤمن على بعضها البشر ثم قالوا بعد ذلك: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. وكان الله سبحانه وتعالى قد أمر كليمه موسى عليه الصلاة والسلام أن يختار من خيارهم سبعين رجلا لميقاته فاختارهم موسى وذهب بهم إلى الجبل فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل وقال للقوم: ادنوا ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الحجاب وقعوا سجدا فسمعوا الرب سبحانه وتعالى وهو يكلم موسى ويأمره وينهاه ويعهد إليه فلما انكشف الغمام قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. ومن جهلهم أن هارون عليه السلام لما مات ودفنه موسى قالت بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته حسدته على خلقه ولينه من محبة بني إسرائيل له قال: فاختاروا(2\/589)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "372",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15828",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "سبعين رجلا من بني إسرائيل فوقفوا على قبر هارون فقال موسى: يا هارون أقتلت أم مت فقال: بل مت وما قتلني أحد. فحسبك من جهالة أمة وجفائهم أنهم اتهموا نبيهم ونسبوه إلى قتل أخيه فقال موسى: ما قتلته فلم يصدقوه حتى أسمعهم كلامه وبرأه أخوه مما رموه به. ومن جهلهم أن الله سبحانه وتعالى شبههم في حملهم التوراة وعدم الفقه فيها والعمل بها بالحمار يحمل أسفارا وفي هذا التشبيه من النداء على جهالتهم وجوه متعددة منها: أن الحمار من أبلد الحيوانات التي يضرب بها المثل في البلادة. ومنها: أنه لو حمل غير الأسفار من طعام أو علق أو ماء لكان له به شعور ما. ومنها: أنهم حين حملوها حيث حملوها تكليفا وقهرا لا أنهم حملوها طوعا واختيارا بل كانوا كالمكلفين لما حملوا لم يرفعوا به رأسا. ومنها: أنهم حيث حملوها تكليفا وقهرا لم يرضوا بها ولم يحملوها رضاء واختيارا وقد علموا أنهم لا بد لهم من حملها وأنهم إن حملوها اختيارا كانت لهم العاقبة في الدنيا والآخرة. ومنها: أنها مشتملة على مصالح معاشهم ومعادهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة وإعراضهم عن التزام ما فيه سعادتهم وفلاحهم إلى ضده من غاية الجهل والغباوة وعدم الفطانة ومن جهلهم وقلة معرفتهم أنهم طلبوا عوض المن والسلوى(2\/590)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "373",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15829",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "اللذين هما من أطيب الأطعمة وأنفقها وأوفقها للغذاء الصالح: البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل ومن رضي باستبدال هذه الأغذية عوضا عن المن والسلوى لم يستكثر عليه أن يستبدل الكفر بالإيمان والضلالة بالهدى والغضب بالرضى والعقوبة بالرحمة وهذا حال من لم يعرف ربه ولا كتابه ولا رسوله ولا نفسه. وأما نقضهم ميثاقهم وتبديلهم أحكام التوراة وتحريفهم الكلم عن مواضعه وأكلهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم الرشا واعتداؤهم في السبت حتى مسخوا قردة وخنازير وقتلهم الأنبياء بغير حق وتكذيبهم عيسى ابن مريم رسول الله ورميهم له ولأمه بالعظائم وحرصهم على قتله وتفردهم دون الأمم بالخبث والبهت وشدة مكالبتهم على الدنيا وحرصهم عليها وقسوة قلوبهم وحسدهم وكثرة سحرهم فإليه النهاية. وهذا وأضعافه من الجهل وفساد العقل قليل على من كذب رسل الله وباء بمعاداته ومعاداة ملائكته وأنبيائه وأهل ولايته. فأي شيء عرف من لم يعرف الله ورسله وأي حقيقة أدرك من فاتته هذه الحقيقة وأي علم أو عمل حصل لمن فاته العلم بالله والعمل بمرضاته ومعرفة الطريق الموصلة إليه وما له بعد الوصول إليه. فأهل الأرض كلهم في ظلمات الجهل والبغي إلا من أشرق عليه نور النبوة كما في المسند وغيره من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله خلق خلقه في ظلمة وألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه(2\/591)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "374",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15830",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ضل فكذلك أقول: جف العلم على علم الله ولذلك بعث الله رسله ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور فمن أجابهم خرج إلى الفضاء والنور ومن لم يجبهم بقي في الضيق والظلمة التي خلق فيها وهي ظلمة الطبع وظلمة الجهل وظلمة الهوى وظلمة الغفلة عن نفسه وكمالها وما تسعد به في معاشها ومعادها. فهذه كلها ظلمات خلق فيها العبد فبعث الله رسله لإخراجه منها إلى نور العلم والمعرفة والإيمان والهدى الذي لا سعادة للنفس بدونه ألبتة فمن أخطأه هذا النور أخطأه حظه وكماله وسعادته وصار يتقلب في ظلمات بعضها فوق بعض فمدخله ظلمة ومخرجه ظلمة وقوله ظلمة وعمله ظلمة وقصده ظلمة وهو متخبط في ظلمات طبعه وهواه وجهله ووجهه مظلم وقلبه مظلم لأنه مبقى على الظلمة الأصلية ولا يناسبه من الأقوال والأعمال والإرادات والعقائد إلا ظلماتها فلو أشرق له شيء من نور النبوة لكان بمنزلة إشراق الشمس على بصائر الخفاش. بصائر غشاها النهار بضوئه ... ولاءمها قطع من الليل مظلم يكاد نور النبوة يلمع تلك الأبصار ويخطفها لشدته وضعفها فتهرب إلى الظلمات لموافقتها لها وملاءمتها إياها. والمؤمن عمله نور وقوله نور ومدخله نور ومخرجه نور وقصده نور فهو يتقلب في النور في جميع أحواله قال الله تعالى: الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم(2\/592)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "375",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    },
    {
        "id": "15831",
        "book_id": "qym_4019",
        "book_name": " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى",
        "title": "بداية الكتاب",
        "content": "ثم ذكر حال الكفار وأعمالهم وتقلبهم في الظلمات فقال: والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور. والله أعلم والحمد لله أولا وآخرا وباطنا وظاهرا وصلى الله علي سيدنا محمد خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.(2\/593)",
        "category": "كتب ابن القيم",
        "page_number": "376",
        "book_number": "35",
        "slug": " -qym_4019"
    }
]